Advertisement

حقوق آل البيت



الكتاب: حقوق آل البيت
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق: عبد القادر عطا
الناشر: دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] مقدمة التحقيق:
حقوق آل البيت
آل البيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم هم على وجه التحقيق: علي وفاطمة وأولادهما, وتناسل منهما حتى تقوم الساعة.
وآل البيت النبي مفروض على المسلمين حبهما ومودتها بأمر الله تعالى في كتابه العزيز:
{قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} 1.
وحب آل البيت النبوي إنما كان من أجل رأس هذا البيت وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
وقضية الحب هذه شغلت أذهان الكثيرين من السابقين واللاحقين ... وكان الانحراف فيها تبعا لعدم التفرقة بين الحب النفسي, والحب العقلي القلبي.
فالحب النفسي انفعال ظاهري بظاهر الأشياء دون التعمق في بواطنها وفي أسرار جمالها الذي اقتضى هذا الإنفعال.
الحب النفسي لا يعني إلا بالظواهر وحدها, ومن ثم قد يحب الإنسان شيئا جميلا في ظاهره وباطنه, كأن يعجب بجوهر نفيس كالذهب والماس ... وقد يحب شيئا جميلا في ظاهره دون باطنه, كأن يحب نمطا من المجوهرات الصناعية البراقة الأخاذة بمجامع النفس ... ولكنه في كلا الحالين لا يتجاوز
__________
1-سورة الشورى, آية: 23.
(1/5)

الظاهر إلى الباطن, ولا البريق إلى القيمة..فكل نصيب المحب هو الانفعال الفوري, والإعجاب الذي يجترف الأحاسيس من غير هوادة.
أما الحب العقلي فلا يعني بشيء إلا البواطن والقيم, حتى ولو لم يكن في ظاهر الشيء محبوب شيء مما اصطلح على تسميته بالجمال ...
يحب الإنسان الرجل الصالح وإن كان فقيرا في ظاهره, كما يحبه وإن كان غنيا جميل الظاهر سواء بسواء.
ويحب المرأة العفيفة الصالحة وإن قل جمال ظاهرها, وافتقرت من المال, كما يحبها غنية جميلة الظاهر سواء بسواء.
ويحب الزهرة الجميلة لا لأنها تزين الموائد والمحافل, ولكن لأن دلالاتها على إبداع الخالق أكثر من أن تحصى ...
ويحب المال لا لأنه وسيلة ترف وزينة, ولكن لأنه يستطيع أن يغني به فقيرا, ويحافظ على إيمان مؤمن ويحمي عرض مضيع من أهله وقومه.
هذا هو الفرق بين حب النفس وحب العقل والقلب.
ومن هنا اختلف التعبير عن هذا الحب تبعا لقدرات النفس المنفصلة عن العقل, أو لقدراتها مقترنة وممتزجة بقدرات العقل والوجدان القلبي العميق ...
ولقد نجح الرسول صلى الله عليه وسلم في وصل نفوس أصحابه بعقولهم وهم يعبرون عن حبهم له.
وردهم في بعض الحالات التي عبروا فيها نفسيا عن هذا الحب حين قال له بعضهم: ألا نسجد لك؟ فأعلن أنه عبد ولا شيء غير الله ورسوله, وأن المستحق للسجود هو الله وحده ...
(1/6)

وكان اجتماعه بهم, واقتداؤهم به في العمل عاملا رئيسيا في تحويل حبهم النفسي إلى حب عقلي وجداني بلغ قمته في قول الأنصار: " والله يا رسول الله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك".
وكانت عهودهم معه تنص على: أن يحموه مما يحمون به أنفسهم وأهليهم ... وبذلوا دماءهم تعبيرا صادقا عن حب الله ورسوله, وطاعة الله ورسوله.
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} 1.
عبروا عن حبهم بالعمل على مقتضى سنته ومقتضى القرآن لا يحيدون ولا يكسلون.
وعلموا: أن الحب هو الموافقة في القول والعمل والسمت والحلية, وداسوا في سبيل العمل كل زينة وكل بهرج تهواه النفس بخداعها وضلالها, ومحاولتها الحيدة بصاحبها عن المنهاج السوي.
ومضت السنون, وكان آل البيت قادة في العمل, وأعجب بهم بعض الناس إعجابا نفسيا ظهرت صورته في الصراخ والهتاف وتكثير الجموع, وإشاعة الخرافة, حتى قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين لبعض غلاة الشيعة: " أحببتمونا حتى صار حبكم علينا عارا".
ويستحيل أن يكون حبهم عليهم عارا وهم يقتدون بهم في القول والعمل. اللهم إلا أن يكونوا قد انحرفوا إلى نوع من الخرافة النفسية الخادعة هو الذي دفع الإمام إلى هذا القول.
لقد ردد غلاة الشيعة أقوالا حول عصمة الإمام, وحول استقلال الإمام,
__________
1-سورة النساء, آية: 80.
(1/7)

بحساب شيعته يوم البعث, وتلك نحلة نضجت تماما على يد حسن الصباح زعيم الحشاشين في " الموت".
وبدأت صفات الربوبية تتسلل إلى الأئمة والدعاة والأبواب, تعبيرا نفسيا خالصا عن الحب الممزوج بخداع النفس مركب الشيطان.
ولهذا سألوا الإمام زين العابدين: متى يبعث الإمام؟ يعنون عليا رضي الله عنه - فقال: "يبعث يوم القيامة وتهمه نفسه وحدها, ولا شأن له بغيره أمام أحكم الحاكمين".
وتطور خداع النفس, وتطور صرفها لأصحابها عن العمل تعبيرا عن الحب إلى مظاهر أخرى بعيدة عن العمل المشروع ... فنصبت الأضرحة على مقابر آل البيت والصالحين بشكل معين يكاد يكون واحدا في كل صقع من الأصقاع, وأوقدت القناديل, وأحرق البخور ونحرت الذبائح, وأقام المنتفعون حولهم يذيعون الخرافة, ويبتزون الأموال, ويصطنعون كل ما يثير شوق النفس إلى عالم الأسرار.
والحق أن هذا السلوك كان عجزا عن العمل, عجزا من العقل عن تلك الرحلة المضنية التي يصل من خلالها إلى اليقين بالله, فصنعت له النفس مصدرا سهلا من اليقين المتسلسل من عالم الغيب. وما على الإنسان إلا أن يوقن بسر العالم المادي, فإذا اليقين بالغيب مكتوب ومحكوم به لهذا العبد لا يخطئه ولا يتخطاه.
ولست أول من قال بذلك.
ولكن الإمام الناقد الجليل الحارث بن أسد المحاسبي أفاض في القول بذلك في كتابه "آداب النفوس"1 وأقام الأدلة المحسوسة على ضلال الحب
__________
1-انظر: آداب النفوس للمحاسبي. من تحقيقنا.
(1/8)

في أي مظهر إلا في العمل الموافق لمرضاة الله عز وجل.
فهذا يقول: إن الجائع يحب الطعام, والعطشان يحب الماء, ولا يكتفي الجائع بوضع الطعام أمامه, ولا العطشان بتعليق الماء في رقبته, حتى ينال من الطعام ويشرب من الماء, فإذا قرب الطعام والشراب إلى الجائع والعطشان فلم ينل أحدهما من أحدهما شيئا, كان كاذبا من دعواه الجوع والعطش.
وهكذا فالذي يحب الله ورسوله, وهو كاذب في دعواه إن لم يعمل وفق أمر الله ورسوله.
بل إن هذا هو المشهود في عالم الدنيا ممن يحب بعضهم من الناس, فنجد من يحب إنسانا يسعى بكل جهوده ليرضيه ويعمل بما يريد حتى يرضى.
فكيف إذا كان الحب لله ورسوله تحولت الرغبة من الإرضاء إلى صراخ وعويل وشموع ونذور باطلة؟!!.
وكما يقول المحاسبي: ستقرب على الله بما يسخط الله".
ونحن لا نرمي كل المحبين بهذا السفه في الرأي, والعته في الفكر ... وإنما هم شراذم من الخلق أعماهم الجهل, وأصمهم العجز, وأبوا أن يعترفوا بعجز وجهل, فراحوا يشيعون حول أنفسهم وحول من أحبهم عالما من الأسرار ربما كان المحبون منه براء, وادعوا لأنفسهم للمحبوبين بمثل ما تقرب به أولئك السدنة في هيكل الأسرار, وحذروهم من الاعتراض على أعمالهم خوفا من أن يصيبهم المحبوبون بالدمار والبوار.
لقد أصبحنا نسمع في عالم الأسرار أقوالا ما كانت في أقوال السلف, وما نزل بها قرآن, وما نطقت بها سنة, نتيجة لهذا الانحراف في المسلك حين
(1/9)

يحب الإنسان الجاهل ربه ورسوله وصالحي أهل دينه.
ومنها: المحبوب منسوب ولو كله عيوب"!!؟.
"من اعترض انطرد"!!؟
"احذر من الاعتراض على شيخك ولو وجدته على كبيرة من الكبائر, فإن له حالا لا تعلمه"!!؟
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بذلك حينما اعترض عليه عمر رضي الله عنه لما توجه للصلاة على عبد الله بن أبي سلول رأس النفاق حين مات, ولم ينهه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاعتراض, بل رد عليه مبينا وجهة نظره في هدوء المعلم الحكيم الهين اللين.
تلك هي قضية هذا الكتاب التي عالجها الإمام ابن تيمية علاجا عقليا وفقهيا, مبينا ضلال غلاة الشيعة عن مذهب الإمام علي رضي الله عنه, وضلال الجهلة من المحبين عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1/10)

الصراع بين ابن تيمية وخصومه:
عاش الإمام ابن تيمية في عصر تبدلت فيه أحوال الأمة الإسلامية فكرا وسلوكا, وكان ذلك منذ أن بعدت عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وبذلك تخلفت عن الدور القيادي الذي قدره الله لها, وأمرها بأن تسير إليه على طريق الجهاد ... وكان أن أخذت الأمة من فكر غيرها مما لا يحكمه كتاب ولا سنة بقدر ما تركت من هذين المصدرين الرئيسين في شرعة الإسلام.
وارتفعت الصيحات المخلصة تدعو الأمة حكاما ومحكومين وعلماء وعامة إلى الأخذ بمنهج الإصلاح الذي صلحت به حال هذه الأمة من قبل, وهو العودة إلى الكتاب والسنة والاسترشاد بمفهوم السلف الصالح وتطبيقهم لما في الكتاب والسنة من المبادئ والمقومات البناءة للنهضة والإصلاح.
كان المرض لذي أصاب الأمة هو الزيف الفكري, والابتداع الزائف لشرع الله وسنة رسوله.
وقد أدى هذا الابتداع الزائف إلى صراع مرير بين دعاة الإصلاح عن طريق العودة إلى سلوك السلف من الصحابة والتابعين وبين أولئك الذين أعطوا أنفسهم حتى الإضافة والحذف كما يحلو لهم, وفيما ليس فيه حق.
واقتضى هذا الصراع ظهور مدارس متعددة تدور حول العقيدة والسلوك وهما حركة الإسلام.
وكانت أبين هذه المعارك وأظهرها صيحات شيخ الإسلام ابن تيمية في
(1/11)

القرن الثامن الهجري في وجه التصوف والصوفية إذ حمله ابن تيمية تبعة كثير من مظاهر الفساد في الأفكار والابتداع في السلوك.
ولئن كان الحوار بين ابن تيمية وخصومه ساخنا وحادا ولاذعا باعتبار أن ابن تيمية كان يمثل الهجوم الذي يعني ببيان الحق ويميزه عن الباطل, ومع ذلك فلم يمنع خصومه من أن يوافقوه على هجماته على الصوفية في عصره.
ومن يدمن مطالعة مؤلفات ابن تيمية يمكن أن يدرك بسهولة أنه كان يميل إلى الزهاد الأوائل, ويمدح شيوخ التصوف المشروع, وفي الوقت نفسه كان ينعي على ابن عربي وأتباعه, ويربط بين الإشراقية والصابئة.
لقد رمي شيخ الإسلام ابن تيمية بالغلظة وتحجر القلب من جانب الصوفية ...
والحق أنه لم يكن غليظ القلب ولا متحجرا, ولكن طبيعة الحوار الساخن الذي دار بينه وبين خصومه وهو يدعو إلى وحدة الفكر والسلوك تحت لواء السلفية قد غطى على كثير من جوانب الرقة والروحية في شخصيته بل إنه كان يفيض رقة حين كان يأوي إلى المساجد المهجورة يناجي ربه أن يفتح عليه مغاليق الفكر في مسألة قائلا: "يا معلم إبراهيم علمني".
والحق أن ابن تيمية ركز هجومه على المدارس التي ظهر فيها إيهام الحلول والاتحاد كمدرسة ابن عربي, وابن سبعين, وابن الفارض, والحلاج.
وقد تتبع ابن تيمية الأفكار التي أثرت في الحلاج من معاصريه أو من قريبي العهد من عصره كابن بسكويه "369هـ" والحافظ البغدادي "463هـ".
وأثبت باطنية الحلاج وادعاءاته الباطلة مثل فتوى إبليس, وبما جرى على لسانه من قوله: "أنا الحق" وهاجم اعتذار الصوفية عن الحلاج, وكشف أن الحلاج حاول خداعهم بمثل قوله: عليك بنفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك
(1/12)

بالباطل".
ولم يكن أن تيمية يعبر عن فكره في قضية الحلاج بل إنه حكم الشرع في أمره حيث حاول أن يسقط ركن الحج من الإسلام.
نأسف أشد الأسف لما أصاب التصوف على أيدي أهله من موبقات نرى أنها تمثل خطرا على العقيدة ذاتها, ويمكن إجمال تلك الأخطار فيما يلي:
1-فقد تطورت المصطلحات الصوفية الأساسية تطورا خطيرا نظرا للاستهواء الذي يفوح من أرجاء عالم التصوف, ونظرا لما يتبع الصفاء الروحي من شفافية قد حجبت الكثافة المادية إلى ما وراءها من المعاني كل ذلك أدى إلى تطور خطير في المصطلح ابتعد به عن أصله الصحيح إلى تفريعات باطلة لا أصل لها من دين, في الوقت الذي تنضح فيه بالابتداع.
فمثلا مصطلح "المريد". وهو من الإرادة: والإرادة في المصطلح العلمي السلوكي الذي يمكن أن نسميه بالمصطلح الصوفي هي عملية تسبق النية في العمل, إذ يحدد العامل إرادته من عمله, لماذا يعمل هذا العمل, وحينما يحدد إرادة الله يبدأ في تصفية إرادة الله من كل شائبة ومن كل خاطر يختلط بتلك الإرادة فيفسدها.
هذا التحديد هو الإرادة, وفاعله هو المريد. ولكن هذا المصطلح تطور فأصبح المريد هو مريد الطريقة, ثم تطور فأصبح المريد هو مريد شيخ بعينه..فمن إرادة الله إلى الشيخ كانت بلايا لا يعرف مداها إلا الله والراسخون في العلم.
2-وترتب على فساد المصطلح هكذا عدوان على العقيدة ذاتها. فالشيخ الجاهل قد استهواه اجتماع مريديه من حوله, وأصبح مشغولا بالحفاظ على المجد الدنيوي الذي يجمع الناس من حوله طائعين لأمره, مبجلين,
(1/13)

خاضعين لسلكانه ومن ثم ابتدعت تعليمات وقواعد لآداب المريد شيخه منها:
أ-ألاّ يسيء الظن بشيخه ولو رآه على كبيرة من الكبائر!!؟ وهنا اختلفت التعليلات.
فمن قائل: إن الشيخ له حال مع الله لا يعلمها إلا الله فلا يجوز الاعتراض عليه.
ومن قائل إن الشيخ مرشد وليس بمعصوم ...
ولكننا في كلا الحالتين لا ندري علة شرعية لتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولأصل النصح لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم.
وكيف يمتنع الاعتراض على شيخ مرتكب للكبيرة, ولم يمتنع الاعتراض على رسوله صلى الله عليه وسلم من عمر حين ذهب للصلاة على زعيم المنافقين ومنه ومن غيره في صلح الحديبية.
ب-ألا يجلس على سجادته ولا يأكل في حضرته ولا يستعمل ما يستعمله الشيخ من وسائل الحياة لئلا يلحقه المقت من الله!!؟
وعللوا هذا بأن حال الشيخ في سجادته فربما كان حالا لا يطيقه المريد فيضطرب أمره!!؟
وتلك فرية ما علمنا لها أصل من شرع الله ولا في سنة رسوله أبدا.
ج-أن يصور شيخه بين عينيه حين الذكر ولا يدع صورته أبدا حتى يغيب في الذكر ... وهذا شرك واضح لا يحتاج إلى بيان.
د-أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله لا يتحرك ولا يتكلم!!؟
هـ-أن يطيع شيخه طاعة عمياء ولو لم يعلم لأمره إياه حكمة ظاهرة!!؟
(1/14)

وغير هذا كثير مدون في آداب المريد مع شيخه في كتب السلوك الصوفي خلاصتها ... "عبادة الفرد" أو إذلال المسلم والحجر على فكره ولو كان أمراً بمعروف أو نهيا عن منكر.
تلك بعض البلايا التي تطور إليها السلوك الصوفي, والتي كان بعضها أو كلها موجودا في عصر ابن تيمية, مما يعطي هذا الإمام حقه كاملا في الدفاع عن الإسلام, وفي شجب كل ما يهدده من الأوهام من قريب أو من بعيد سدا للذريعة, منعا للجريمة قبل وقوعها ...
ومع كل ذلك فلم نعلم التصوف قد تطور في عصرنا الحاضر إلى شيء نافع للإسلام والمسلمين ... اللهم إلا حشد من جهلاء المشايخ ضاع بينهم المخلصون ... وطقوس وثنية من الطبل والزمر والبكاء والتعرية أثناء ذكر الله..ثم الرقص والشبع, ثم الاختلاط المزري بين الجنسين, ثم دنيا المجاذيب بما فيها من الأحوال المزعومة التي لا يجوز الاعتراض عليها من مخلوق وإلا حاقت بالمعترض لعنة الله!!؟
نسأل الله تبارك وتعالى السلامة في ديننا ودنيانا, المغفرة من كل ذنب, والعصمة من كل أمر.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(1/15)

صور المخطوطات
...
No pages
(1/)

أول كتاب حقوق آل البيت
...
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم العامل فريد عصره, مفتي الفرق, شيخ الإسلام, تقي الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام بن تيمية رضي الله عنه وأرضاه, وأعلى درجته:
هذا الكتاب إلى من يصل إليه من الإخوان المؤمنين الذين يتولون الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون, ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون. الذين يحبون الله ورسوله, فإن من محبة الله وطاعته محبة رسوله وطاعته, ومن محبة رسوله وطاعته محبة من أحبه الرسول وطاعة من أمر الرسول بطاعته.
كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} 1.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أطاعني فقد أطاع الله, ومن أطاع أميري فقد أطاعني, ومن عصاني فقد عصى الله, ومن عصى أميري فقد عصاني" 2.
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إنما
__________
1-سورة النساء, آية:59.
2-الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد باب 109. وكتاب الاعتصام باب=
(1/19)

الطاعة في المعروف" 1.
وقال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" 2.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته, فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو, وهو للحمد أهل, وهو على كل شيء قدير, ونصلي على إمام المتقين, وخاتم النبيين محمد عبده ورسوله, صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا, أما بعد:
__________
=2, وكتاب الأحكام باب1. ومسلم في صحيحه ي كتاب الإمارة حديث 32, والنسائي في سننه في كتاب البيعة باب27. وابن ماجة في سننه في المقدمة باب1, وفي كتاب الجهاد باب39, والإمام أحمد في المسند 2/511,471,467,416,382,342,313,270,252,244,93.
1-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأحكام باب4, وفي الآحاد باب1, وفي المغازي باب 59. ومسلم في صحيحه في كتاب الإمارة حديث 39,40 وأبو داود في سننه في كتاب الجهاد باب87. والنسائي في سننه في البيعة باب34. والإمام أحمد في المسند 1/82-94-124. وأشار السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم 9902 إلى أنه حديث صحيح.
2-الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند والحاكم في مستدركه عن عمران بن الحصين, وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: " رجال أحمد رجال الصحيح, ورواه البغوي عن النواس, وابن حبان عن علي بلفظ " لا طاعة لبشر في معصية الله" وله شواهد في الصحيحين. وأورده الإمام السيوطي في الجامع الصغير وصححه.
(1/20)

وحدة المسلمين بالكتاب والسنة:
إن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا بالكتاب والحكمة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
وقال الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 1.
وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ} 2.
وقال لأزواج نبيه: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} 3.
والذي كان يتلوه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوت أزواجه: كتاب الله والحكمة.
فكتاب الله هو القرآن, والحكمة هي ما كان يذكره من كلامه, وهي سنته. فعلى المسلمين أن يتعلموا هذا وهذا.
__________
1-سورة آل عمران, آية 164.
2-سورة البقرة, آية: 231
3-سورة الأحزاب, آية:34.
(1/21)

وفي الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وغيره عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله, فيه نبأ ما قبلكم, وخبر ما بعدكم, وحكم ما بينكم, وهو الفصل ليس بالهزل, من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, ولا تلتبس به الألسن, ولا يخلق على كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه, من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعى إليه هدى إلى صراط مستقيم 1.
وقال الله تعالى في كتابه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} 2.
وقال في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} 3.
فذم الذين تفرقوا فصاروا أحزابا وشيعا, وحمد الذين اتفقوا وساروا جميعا معتصمين بحبل الله الذي هو كتابه شيعة واحدة للأنبياء.
كما قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ} 4 وإبراهيم هو إمام الأنبياء كما قال تعالى:
__________
1-الحديث أخرجه الترمذي في ثواب القرآن باب 14. والدارمي في المسند, في كتاب فضائل القرآن باب1. والإمام أحمد في المسند 9111.
2-سورة آل عمران, آية:103.
3-سورة الأنعام, آية:159.
4-سورة الصافات, آية:83.
(1/22)

{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} 1.
وقال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 2.
إلى أن قال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 3.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أمته أن يقولوا إذا أصبحوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام, وكلمة الإخلاص, ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين" 4.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه, فلا ألفين رجلا شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا القرآن, فما وجدنا فيه من حلال حللناه, ما وجدنا فيه من حرام حرمناه, ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ومعه" 5.
فهذا الحديث موافق لكتاب الله, فإن ذكر في كتابه أنه "صلى الله عليه وسلم"6
__________
1-سورة البقرة, آية:124.
2-سورة النحل, آية:120.
3-سورة النحل, آية:123.
4-أخرجه الدارمي في مسنده, كتاب الاستئذان باب 54. والنسائي في سننه, كتاب السهو باب 62. والإمام أحمد في المسند 1/4, 63,3/406,407,5/123.
5-أخرجه ابن ماجة في سننه, في المقدمة باب2, والترمذي في العلم باب10, والإمام أحمد 4/132.
6-مابين المعقوفتين سقطت من الأصل.
(1/23)

يتلو الكتاب والحكمة, وهي التي أوتيها مع الكتاب.
وقد أمر في كتابه بالاعتصام بحبله جميعا, ونهى عن التفريق, الاختلاف, و"أمر"1 أن نكون شيعة واحدة, لا شيعا متفرقين, وقال الله تعالى في كتابه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ, إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} 2.
فجعل المؤمنين إخوة, وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل مع وجود الاقتتال والبغي.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" 3.
وقال: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" 4 وشبك بين أصابعه.
فهذه أصول الإسلام التي هي الكتاب والحكمة, والاعتصام بحبل الله جميعا "واجب" على أهل الإيمان للاستمساك بها.
__________
1- مابين المعقوفتين سقطت من الأصل.
2- سورة الحجرات, آية: 9,10.
3- الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب باب 27. ومسلم في صحيحه في كتاب البر حديث 66-67. والإمام أحمد في المسند4/268-270-274-276-278-375. وأورده الإمام السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم 8155 وعزاه إلى الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير, وأشار إلى صحته.
4-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة باب88, وفي كتاب الأدب باب36,=
(1/24)

أهل البيت وخصائصهم:
من هم أهل البيت؟
ولا ريب أن الله قد أوجب فيهم من حرمة خلفائه وأهل بيته والسابقين الأولين, والتابعين لهم بإحسان ما أوجب.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} 1.
وقدر روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أم سلمة: أن هذه الآية لما نزلت أدار النبي صلى الله عليه وسلم كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" 2.
وسنته تفسر كتاب الله تبينه, وتدل عليه, وتعبر عنه.
__________
= وفي المظالم باب 5. ومسلم في صحيحه في كتاب البر حديث 65, والترمذي في البر باب 18. النسائي في الزكاة باب 67. والإمام أحمد في المسند 4/104-405-409. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم 9143 وأشار إلى صحته بعد عزوه للشيخين والترمذي والنسائي.
1-سورة الأحزاب: آية:28.
2-الحديث أخرجه الترمذي في المناقب باب 60, والإمام أحمد في مسنده 1/331, 3/259,285,6/292-298-304.
(1/25)

فلما قال: "هؤلاء أهل بيتي" مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه, علمنا أن أزواجه وإن كنّ من أهل بيته كما دل عليه القرآن, فهؤلاء أحق بأن يكونوا أهل بيته, لأن صلة النسب أقوى من صلة الصهر1.
والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال لا للاختصاص بأصل الحكم, كقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان, والتمرة والتمرتان, وإنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه, ولا يتفطن له فيتصدق عليه, ولا يسأل الناس إلحافا"2.
بين بذلك: أن هذا مختص بكمال المسكنة, بخلاف الطواف فإنه لا تكمل فيه المسكنة, لوجود من يعطيه أحيانا, مع أنه مسكين أيضا.
ويقال: هذا هو العالم, وهذا هو العدو, وهذا هو مسلم لمن كمل فيه ذلك وإن شاركه غيره في ذلك وكان دونه.
ونظير هذا "في"3 الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: " مسجدي هذا" يعني: مسجد المدينة. مع سياق القرآن في قوله عن مسجد الضرار: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ
__________
1-المصاهرة: هي القرابة الناشئة بسبب الزواج.
2-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير سورة رقم 2, وفي الزكاة باب 53, وأبو داود في سننه في كتاب الزكاة باب 24. النسائي في سننه في كتاب الزكاة باب 76. والدارمي في مسنده كتاب الزكاة باب2. ومالك في الموطأ في كتاب صفة النبي حديث 7. والإمام أحمد في المسند 1/384-446,2/260-316-393-395-449-457-469. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم 7585 وعزاه إلى الشيخين وأبو داود والنسائي والإمام أحمد, وأشار إلى صحته.
3-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.
(1/26)

فِيهِ, فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} 1 يقتضي أنه مسجد قباء.
فإنه قد تواتر أنه قال لأهل قباء: " ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ " فقالوا: لأننا نستنجي بالماء2".
لكن مسجده أحق بأن يكون مؤسسا على التقوى من مسجد قباء, وإن كان كل منهما مؤسسا على التقوى, وهو أحق أن يقوم فيه من مسجد الضرار.
فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: إنه كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا, فكان يقوم في مسجده القيام الجامع يوم الجمعة, ثم يقوم يوم السبت 3. وفي كل منهما قد قام في المسجد المؤسس على التقوى.
ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيرا, دعا النبي صلى الله عليه وسلم أقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصا به, وهم: علي, وفاطمة رضي الله عنهما, وسيدي شباب أهل الجنة, جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير, وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فكان من ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله, ليسبغها عليهم, ورحمة من الله وفضل لم يبلغوهما بمجرد حولهم وقوتهم, إذ لو كان كذلك
__________
1-سورة التوبة آية:108.
2-أخرجه الإمام أحمد في المسند 3/422,6/6. وابن ماجة في سننه في كتاب الطهارة باب28.
3-أخرجه البخاري في صحيحه في فضل الصلاة في مسجد مكة باب3,6 وفي الاعتصام باب16. ومسلم في صحيحه في كتاب الحج حديث 515-519-521. وأبو داود في سننه في كتاب المناسك باب 95. والنسائي في سننه في كتاب المساجد باب9. ومالك في الموطأ كتاب السفر حديث 71. والإمام أحمد في المسند 2/5-30-57-58-65-72-80-101-108-155.
(1/27)

لاستغنوا بهما عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم, كان يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له, وهدايته إياه.
وقد ثبت أيضا بالنقل الصحيح: أن هذه الآيات لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أزواجه, وخيرهن كما أمره الله, فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة, ولذلك أقرهن, ولم يطلقهن, حتى مات عنهن. ولو أردن الحياة الدنيا وزينتها لكان يمتعهن ويسرحهن كما أمره الله تعالى, فإنه صلى الله عليه وسلم أخشى الأمة لربه وأعلمهم بحدوده.
ولأجل ما دلت عليه هذه الآيات من مضاعفة للأجور والوزر بلغنا عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين وقرة عين الإسلام أنه قال: "إني لأرجو أن يعطي الله للمحسن منا أجرين, وأخاف أن يجعل على المسيء منا وزرين".
وثبت في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير "خم" بين مكة والمدينة فقال: "وأهل بيتي, أذكركم الله في أهل بتي, أذكركم الله في أهل بتي". قيل لزيد بن أرقم: ومن أهل بيته؟ قال: الذين حرموا الصدقة: آل علي, وآل جعفر, وآل عقيل, وآل عباس. قيل لزيد: آكُلُ هؤلاء أهل بيته؟ قال: نعم" 1.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه صحاح أن الله لما أنزل عليه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} .
سأل الصحابة: كيف يصلون عليه, فقال: " قولوا: اللهم صلي على محمد, وعلى آل محمد, كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم, إنك حميد مجيد".
__________
1-الحديث أخرجه مسلم في الصحيح. الدارمي في فضائل القرآن باب1. والإمام أحمد في المسند 2/114,4/367. والترمذي. النسائي. الحاكم في المستدرك. وهو حديث صحيح.
(1/28)

وفي حديث صحيح: " اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته" 1.
ما لهم وما عليهم:
وثبت عنه أن ابنه الحسن لما تناول تمرة من تمر الصدقة قال "له"2: "كخ, كخ أما علمت أنا آل بيت لا تحل لنا الصدقة"؟ 3.
وقال: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" 4.
وهذا- والله أعلم- من التطهير الذي شرعه الله لهم, فإن الصدقة أوساخ الناس, فطهرهم الله من الأوساخ, وعوضهم بما يقيتهم من خمس الغنائم ومن الفيء الذي جعل منه رزق محمد حيث قال صلى الله عليه وسلم فما رواه أحمد وغيره: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة, حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري, ومن تشبه
__________
1-أخرجه البخاري في صحيحه في تفسير سورة رقم 33, وفي كتاب الأنبياء باب 10, وفي الدعوات باب 31-32. ومسلم في الصحيح في كتاب الصلاة حديث 65-66-69. الترمذي في تفسير سورة رقم 33, وفي الوتر باب 2, وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة باب 179. والنسائي في السنن من كتاب السهو باب 49-50-54 والدارمي في المسند في كتاب الصلاة باب 85. ومالك في الموطأ كتاب السفر حديث رقم 66-67 والإمام أحمد بن حنبل في مسنده 1/162-3/47-4/118-241-243-224-5/274-374-324.
وآية الحديث: سورة الأحزاب آية:56.
2-مابين المعقوفتين سقطت من الأصل.
3-الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة باب 60, وفي الجهاد باب 188. والدارمي في المسند في كتاب الزكاة باب 16. والإمام أحمد بن حنبل في المسند 2/409-444-476. وأورده الإمام السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم 6226 عزاه للشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه.
4-الحديث أخرجه الدارمي في المسند كتاب الزكاة باب16. والنسائي في سننه في كتاب الزكاة باب98 في الترجمة. ومالك في الموطأ في كتاب الصدقة حديث 13. والإمام أحمد ابن حنبل في المسند 2/279.
(1/29)

بقوم فهو منهم" 1.
ولهذا ينبغي أن يكون اهتمامهم بكفاية أهل البيت الذين حرمت عليهم الصدقة أكثر من اهتمامهم بكفاية الآخرين من الصدقة, لا سيما إذا تعذر أخذهم من الخمس والفيء, إما لقلة ذلك, وإما لظلم من يستولي على حقوقهم, فيمنعهم إياها من ولاة الظلم, فيعطون من الصدقة المفروضة ما يكفيهم إذ لم تحصل كفايتهم من الخمس والفيء.
__________
1-الحديث أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 2/50-92 والبخاري في صحيحه في كتاب الجهاد باب 88 تعليقا. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم 3152 وغزاه إلى الإمام أحمد والطبراني وعبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنه. وعزاه المناوي في شرح الجامع الصغير إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد.
(1/30)

صفات أهل الفيء:
وعلى الآخذين من الفيء من ذوي القربى وغيرهم أن يتصفوا بما وصف الله به أهل الفيء في كتابه حيث قال: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} 2 الآيات.
فجعل أهل الفيء ثلاثة أصناف: المهاجرين, والأنصار, والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
وذلك أن الفيء إنما حصل بجهاد المهاجرين والأنصار وإيمانهم وهجرتهم ونصرتهم, فالمتأخرون إنما يتناولنه مخلفا عن أولئك, مشبها بتناول الوارث ميراث أبيه, فإن لم يكن مواليا له لم يستحق الميراث " فلا يرث المسلم
__________
2-سورة الحشر, آية:7.
(1/30)

الكافر" 1.
فمن لم يستغفر لأولئك بل كان مبغضا لهم خرج عن الوصف الذي وصف الله به أهل الفيء, حتى يكون قلبه مسلما لهم, ولسانه داعيا لهم, ولو فرض أنه صدر من واحد منهم ذنب محقق فإن الله يغفره له بحسناته العظيمة, أو بتوبة تصدر منه, أو يبتليه ببلاء يكفر به سيئاته, أو يقبل فيه شفاعة نبيه وإخوانه المؤمنين, أو يدعو الله بدعاء يستجيب له.
__________
1-لانقطاع الموالاة بينهما. لحديث أسامة بن زيد الذي أخرجه الإمام أحمد 5/201-202-209 والبخاري ومسلم والأربعة. وقال السيوطي: حديث صحيح.
(1/31)

سب الصحابة ... حرام على آل البيت وغيرهم:
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح من رواية أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه أن حاطب بن أبي بلتعة كاتب كفار مكة لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزوهم غزوة الفتح, فبعث إليهم امرأة معها كتاب يخبرهم فيه بذلك, فجاء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك, فبعث عليا والزبير فأحضرا الكتاب, فقال: "ما هذا يا حاطب"؟ فقال: والله يا رسول الله ما فعلت ذلك أذى ولا كفرا, ولكن كنت امرءاً ملصقا من قريش, ولم أكن من أنفسهم, وكان من معك من أصحابك لهم قرابات يحمون بها أهليهم, فأردت أن أتخذ عندهم يدا أحمي بها قرابتي, فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه شهد بدراً, وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وأنزل الله تعالى في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} الآيات2.
__________
2-سورة الممتحنة, آية:1.
(1/31)

وثبت في صحيح مسلم أن غلام حاطب هذا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله والله ليدخلن حاطب النار, وكان حاطب يسيء إلى ممالكيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذبت, إنه قد شهد بدرا والحديبية". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار واحد بايع تحت الشجرة" 1.
فهذا حاطب قد تجسس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فتح مكة التي كان صلى الله عليه وسلم يكتمها عن عدوه, وكتمها عن أصحابه, وهذا من الذنوب الشديدة جدا, وكان يسيء إلى مماليكيه.
وفي الحديث المرفوع. " لن يدخل الجنة سيء الملكة" 2.
ثم مع هذا لما شهد بدرا والحديبية غفر الله له ورضي عنه, فإن الحسنات يذهبن السيئات.
فكيف بالذين هم أفضل من حاطب وأعظم إيمانا وعلما وهجرة وجهارا, فلم يذنب أحد قريبا من ذنوبه؟!
ثم إن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه روى هذا الحديث في خلافته, ورواه عنه كاتبه عبيد الله بن أبي رافع, وأخبر فيه أنه هو الزبير ذهبا لطلب الكتاب من المرأة الظعينة, وأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لأهل بدر مما شهد, مع علم أمير المؤمنين بما جرى, ليكف القلوب والألسنة عن أن تتكلم فيهم إلا بالحسنى, فلم يأت أحد منهم بأشد مما جاء به حاطب, بل كانوا في غالب ما يأتون به مجتهدون.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران, وإذا اجتهد
__________
1-وأخرجه أيضا الترمذي في المناقب باب 57-58 وغيرهما.
2-أخرجه ابن ماجة في سننه في الأدب باب 10, والإمام أحمد بن حنبل في المسند 1/4,7-12.
(1/32)

فأخطأ فله أجر" 1 وهذا حديث حسن مشهور.
وثبت عنه أيضا أنه لما كان في غزوة الأحزاب فرد الله الأحزاب بغيظهم لم ينالوا خيرا, وأمر بقصد بني قريظة قال لأصحابه: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة".
فأدركتهم الصلاة في الطريق, فمنهم قوم قالوا: لا نصليها إلا في نبي قريظة, ومنهم قوم قالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة, إنما أراد المسارعة, فصلوا في الطريق, فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين.
وكانت سنة رسول الله صلى الله عليه ولم هذه موافقة لما ذكره الله تعالى في كتابه حيث قال: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ, فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} 2.
فأخبر سبحانه وتعالى أنه خص أحد النبيين بفهم الحكم في تلك القضية وأثنى على كل منهما بما آتاه من العلم والحكم.
فهكذا السابقون والأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه "كانوا"3 فيما تنازعوا فيه مجتهدين طالبين للحق.
__________
1-الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في الاعتصام باب 20-21 ومسلم في الأقضية حديث رقم 15,وأبو داود في سننه في الأقضية باب 2, والنسائي في سننه في كتاب الأحكام باب2, وفي القضاة باب3, والإمام أحمد في المسند 4/198-204-205.
2-سورة الأنبياء, آية:78.
3-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.
(1/33)

جهل الشيعة بمذهب الإمام علي:
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من يعش منك بعدي فسيرى اختلافا كثيرا, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل بدعة ضلالة" 1.
وروى عنه مولاه سفينة أنه قال: "الخلافة ثلاثون سنة, ثم تصبر ملكا" 2, فكان الثلاثين حين سلم سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن بن علي رضي الله عنهما الأمر إلى معاوية.
وكان معاوية أول الملوك, وفيه ملك ورحمة, كما روي في الحديث: "ستكون خلافة نبوة, ثم يكون ملك ورحمة, ثم يكون ملك وجبرية, ثم يكون ملك عضوض" 3.
وقد ثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من وجوه أنه لما قاتل أهل الجمل لم يسب لهم ذرية, ولم يغنم لهم مالا, ولا أجهز على جريح, ولا اتبع مدبرا, ولا قتل أسيرا, وأنه صلى على قتلى الطائفتين بالجمل وصفتين, وقال: "إخواننا بغوا علينا".
__________
1-أخرجه أبو داود في سننه في كتاب السنة باب5. والترمذي في العلم باب 16. وابن ماجة في سننه في المقاومة باب 2. والدارمي في مسنده في المقاومة باب16. والإمام أحمد في مسنده 4/126,127.
2-أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/220-221.
3-أخرجه أبو داود في سننه في كتاب السنة باب8. والترمذي في الفتن باب 48. والإمام أحمد 4/273,5/44-50-404.
(1/34)

وأخبر أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين, واتبع فيما قاله كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, فإن الله سماهم إخوة, وجعلهم مؤمنين في الاقتتال والبغي كما ذكر في قوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} 1.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين, تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" 2.
وهذه المارقة هم أهل حروراء, الذين قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه لما مرقوا عن الإسلام, وخرجوا عليه فكفروه, وكفروا سائر المسلمين, واستحلوا دماءهم وأموالهم.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متواترة أنه وصفهم وأمر بقتالهم, فقال: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم, صيامه مع صيامهم, وقرآنه مع قرآنهم, ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية, ولو يعلم الذين يقتلونهم ما لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل" 3.
__________
1-سورة الحجرات, آية:9.
2-أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة حديث 150-152. وأبو داود في سننه في كتاب السنة باب 12. وأحمد في المسند 3/32-48.
3-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء باب2, وفي المناقب باب25, والمغازي باب61, وفضائل القرآن باب 36, والأدب باب95, وفي التوحيد باب 23-57-وفي الاستتابة باب95. ومسلم في كتاب الزكاة حديث رقم 142-143-144-147-148-154-156-159. وأبو داود في سننه في كتاب الزكاة باب 79, وفي كتاب التحريم باب 26. وابن ماجة في المقدمة باب 12. الدارمي في المسند من المقدمة باب21. ومالك في الموطأ في مس القرآن حديث10. والإمام أحمد في المسند 1/88-92-131-147-151-156-160-256-404-3/5-15-33-52-56-60-64-65-68-73-159-183-189-224-353-354-355—486-4-145-422-425-5/42-176.
(1/35)

فقتلهم علي رضي الله عنه وأصحابه, وسر أمير المؤمنين بقتلهم سرورا شديدا وسجد لله شكرا, لما ظهر فيهم علامتهم وهو المخدج اليد, الذي على يده مثل البضعة من اللحم, عليها شعرات, فاتفق جميع الصحابة على استحلال قتالهم, وندم كثير منهم كابن عمر وغيره على ألا يكونوا شهدوا قتالهم مع أمير المؤمنين, بخلاف ما جرى في وقعة الجمل وصفين, فإن أمير المؤمنين كان متوجعا لذلك القتال, مشتكيا مما جرى, ويتراجع هو وابنه الحسن القول فيه, ويذكر له الحسن أن رأيه ألا يفعله.
فلا يستوي ما سر قلب أمير المؤمنين وأصحابه وغبطه به من لم يشهده, مع ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم, وساء قلب أفضل أهل بيته, حب النبي صلى الله عليه وسلم, الذي قال فيه: "اللهم إني أحبه فأحبه, وأحب من يحبه".
وإن كان أمير المؤمنين هو أولى بالحق ممن قاتله في جميع حروبه.
ولا يستوي القتلى الذين صلى عليهم وسماهم وإخواننا, والقتلى الذين لم يصل عليهم, بل قيل له: من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟ فقال: هم أهل حروراء.
فهذا الفرق بين أهل حروراء وبين غيرهم الذي سماه أمير المؤمنين في خلافته بقوله وفعله موافقا فيه لكتاب الله وسنة نبيه هو الصواب الذي لا معدل عنه لمن هدى رشده, وإن كان كثير من علماء السلف والخلف لا يهتدون لهذا الفرقان, بل يجعلون السيرة في الجميع واحدة.
فإما أن يقصروا بالخوارج عما يستحقونه من البعض واللعنة والعقوبة والقتل, وإما أن يزيدوا على غيرهم ما يستحقونه من ذلك.
(1/36)

عوامل الضلال
وسبب ذلك قلة العلم والفهم لكتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه, وسيرة خلفائه الراشدين المهديين, وإلا فمن استهدى الله واستعانه, وبحث عن ذلك, طلب الصحيح من المنقول, وتدبر كتاب الله, وسنة نبيه, وسنة خلفائه, ولا سيما أمير المؤمنين الهادي المهدي التي جرى فيها ما اشتبه على خلق كثير فضلوا بسبب ذلك, إما غلوا فيه, وإما جفاء عنه.
كما روي عنه قال: " يهلك في رجلان: محب غال يقرظني بما ليس فيَّ, ومبغض قال يرميني بما نزهني الله منه" 1.
وحد ذلك وملاك ذلك شيئان:
طلب الهدى, مجانبة الهوى حتى لا يكون الإنسان ضالا وغاويا, بل مهتديا راشدا.
قال الله تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 2.
فوصفه بأنه ليس بضال وهو الجاهل, ولا هو غاو, وهو الظالم, فإن صلاح العبد في أنه يعلم الحق ويعمل به, فمن لم يعلم الحق فهو ضال عنه. ومن علمه فخالفه واتبع هواه فهو غاو, ومن علمه وعمل به كان من أولي الأيدي عملا, ومن أولي الأبصار علما, وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله سبحانه
__________
1-أخرجه الإمام أحمد في المسند 1/160.
2-سورة النجم آية:3.
(1/37)

في كل صلاة أن نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ, صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} 1.
فالمغضوب عليهم: الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه كاليهود, والضالون الذين يعملون أعمال القلوب والجوارح بلا علم كالنصارى. ولهذا وصف الله اليهود بالغواية في قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} 2.
ووصف العالم الذي لم يعمل بعلمه بذلك في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} 3.
ووصف النصارى بالضلال في قوله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} 4.
ووصف بذلك من يتبع هواه بغير علم حيث قال: {وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} 5.
__________
1-سورة الفاتحة, آية:6-7.
2-سورة الأعراف, آية:146.
3-سورة الأعراف, آية: 175.
4-سورة المائدة, آية:77.
5-سورة الأنعام, آية: 119.
(1/38)

وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّه} 1.
وأخبر أن من اتبع هداه المنزل فإنه لا يضل كما ضل الضالون, ولا يشقى كما شقي المغضوب عليهم فقال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} 2.
قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
ومن تمام الهداية: أن ينظر المستهدي في كتاب الله, وفيما تواتر من سنة نبيه, وسنة الخلفاء, وما نقله الثقات الأثبات, ويميز بين ذلك وبين ما نقله من لا يحفظ الحديث, أو يتهم فيه الكذب, أو يكذب خطأ لسوء حفظه أو نسيانه, أو لقلة فهمه وضبطه.
ثم إذا حصلت "للمستهدي"3 المعرفة بذلك تدبر ذلك, وجمع بين المتفق منه, وتدبر المختلف فيه, حتى يتبين له أنه متفق في الحقيقة وإن كان الظاهر مختلفا, أو أن بعضه راجح يجب اتباعه, والآخر مرجوح ليس بدليل في الحقيقة, وإن كان الظاهر دليلا.
أما غلط الناس فلعدم التمييز بين ما يعقل من النصوص والآثار, أو يعقل بمجرد القياس والاعتبار, ثم إذا خالط الظن الغلط في العلم هوى النفوس ومناها في العمل صار لصاحبها نصيب من قوله تعالى:
__________
1-سورة القصص, آية:50.
2-سورة طه, آية:123.
3-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.
(1/39)

{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} 1.
وهذا سبب ما خلق الإنسان عليه من الجهل في نوع العلم, والظلم في نوع العمل, فبجهله يتبع الظن, وبظلمه يتبع ما تهوى الأنفس. ولما بعث الله رسله وأنزل كتبه, لهدى الناس وإرشادهم, صار أشدهم إتباعا للرسل أبعدهم عن ذلك كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 2.
ولهذا صار ما وصف الله به الإنسان لا يخص غير المسلمين دونهم, ولا يخص طائفة من الأمة, لكن غير المسلمين أصابهم ذلك في أصول الإيمان التي صار جهلهم وظلمهم فيها كفرانا وخسرانا مبينا, ولذلك من ابتدع في أصول الدين بدعة جليلة أصابه من ذلك أشد مما يصيب من أخطأ في أمر دقيق أو أذنب فيه, والنفوس لهجة بمعرفة محاسنها, ومساوئ غيرها.
وأما العالم العادل فلا يقول إلا الحق, ولا يتبع إلا إياه, ولهذا من يتبع المنقول الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه وأئمة أهل بيته, مثل الإمام علي بن الحسين زين العابدين, وابنه الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر, وابنه الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق شيخ علماء الأمة, ومثل: أنس بن مالك, والثوري, وطبقتهما, وجد ذلك جميعه متفقا مجتمعا في أصول دينهم, وجماع شرائعهم, ووجد في ذلك ما يشغله وما يغنيه عما أحدثه كثير من المتأخرين من أنواع المقالات التي تخالف ما كان عليه أولئك
__________
1-سورة النجم, آية:23.
2-سورة البقرة, آية: 213.
(1/40)

السلف "وهؤلاء المتأخرون"1 ممن ينتصب لعداوة آل البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويبخسهم حقوقهم, ويؤذيهم, أو ممن يغلوا فيهم غير الحق ويفتري عليهم الكذب, ويبخس السابقين والطائعين حقوقهم, ورأى أن في المأثور عن أولئك السلف في باب التوحيد والصفات, وباب العدل والقدر, وباب الإيمان والأسماء والأحكام, وباب الوعيد والثواب, والعذاب, باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ما يتصل به حكم الأمراء أبرارهم وفجارهم, وحكم الرعية معهم, والكلام في الصحابة والقرابة ما يبين لكل عاقل عادل أن السلف المذكورين لم يكن بينهم من النزاع في هذه الأبواب إلا من جنس النزاع الذي أقرهم عليه الكتاب والسمة كما تقدم ذكره, وأن البدع الغليظة المخالفة للكتاب والسنة, واتفاق أولي الأمر الهداة المهتدين إنما حدثت من الأخلاف, وقد يعزون بعض ذلك إلى بعض الأسلاف, تارة بنقل غير ثابت, وتارة بتأويل لشيء من كلامهم متشابه.
ثم إن من رحمة الله قل أن ينقل عنهم شيء من ذلك إلا وفي النقول الصحيحة الثابتة عنهم للقول المحكم الصريح ما يبين غلط الغالطين عليهم في النقل أو التأويل, وهذا لأن الصراط المستقيم في كل الأمة بمنزلة الصراط في الملك, فكمال الإسلام هو الوسط في الأديان والملك, كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} 2.
ولم ينحرفوا انحراف اليهود والنصارى والصابئين.
فكذلك أهل الاستقامة, ولزوم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما عليه السلف, تمسكوا بالوسط, ولم ينحرفوا إلى الإطلاق.
فاليهود مثلا جفوا في الأنبياء والصديقين حتى قتلوهم وكذبوهم, كما قال الله تعالى:
__________
1-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.
2-سورة البقرة, آية: 143.
(1/41)

{فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} 1.
والنصارى غلوا فيهم عبدوهم كما قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} 2.
واليهود انحرفوا في النسخ حتى زعموا أنه لا يقع من الله أو لا يجوز عليه, كما ذكر الله عنهم إنكاره في القرآن حيث قال: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} 3.
والنصارى قابلوهم, فجوزوا للقسيسين والرهبان أن يوجبوا ما شاءوا, ويحرموا ما شاءوا, وكذلك تقابلهم في سائر الأمور.
فهدى الله المؤمنون إلى الوسط فاعتقدوا في الأنبياء ما يستحقونه, ووقروهم, وعزروهم, وأحبوهم, وأطاعوهم واتبعوهم ولم يردوهم كما فعلت اليهود, ولا أطروهم ولا غلوا فيهم فنزلوهم منزلة الربوبية كما فعلت النصارى.
وكذلك في النسخ, جوزوا أن ينسخ الله, ولم يجوزوا لغيره أن ينسخ, فإن الله له الخلق والأمر, فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره.
وهكذا أهل الاستقامة في الإسلام المعتصمون بالحكمة النبوية, والعصبة الجماعية, متوسطون في باب التوحيد والصفات بين النفاة المعطلة وبين الشبهة الممثلة.
وفي باب القدر والعدل والأفعال بين القدرية والجبرية والقدرية المجوسية.
وفي باب الأسماء والأحكام بين من أخرج أهل المعاصي من الإيمان بالكلية
__________
1-سورة البقرة, آية:87.
2-سورة النساء, آية:171.
3-سورة البقرة, آية:142.
(1/42)

كالخوارج وأهل المنزلة, وبين من جعل إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والصديقين كالمرجئة والجهمية.
وفي باب الوعيد والثواب والعقاب بين الوعيد بين الذين لا يقولون بشفاعة نبينا لأهل الكبائر, وبين المرجئة الذين يقولن بنفوذ الوعيد.
وفي باب الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, بين الذين يوافقون الولاة على الإثم والعدوان, ويركنون إلى الذين ظلموا, وبين الذين لا يرون أن يعاونوا أحدا على البر والتقوى, لا على جهاد ولا جمعة ولا أعياد إ أن يكون معصوما, ولا يدخلون فيما أمر الله به ورسوله إلا في طاعة من لا وجود له.
فالأولون يدخلون في المحرمات, وهؤلاء يتركون واجبات الدين, وشرائع الإسلام, غلاتهم يتركونها لأجل موافقة من يظنونه ظالما, وقد يكون كاملا في علمه وعدله.
(1/43)

أهل الاستقامة ... عند المصيبة:
وأهل الاستقامة والاعتدال يطيعون الله ورسوله بحسب الإمكان, فيتقون الله ما استطاعوا, وإذا أمرهم الرسول بأمر أتوا منه ما استطاعوا, ولا يتركون ما أمروا به لفعل غيرهم ما نهى عنه, بل كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} 1.
ولا يعانون أحدا على معصية, ولا يزيلون المنكر بما هو أنكر منه, ولا يأمرون بالمعروف إلا بالمعروف, فهم وسط في عامة الأمور, ولهذا وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم الطائفة الناجية لما ذكر اختلاف أمته وافتراقهم.
ومن ذلك أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه, وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة الأشقياء, وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام.
وقد روى الإمام أحمد وغيره عن فاطمة بنت الحسين وقد كانت قد شهدت مصرع أبيها, الحسين بن علي رضي الله عنهم, عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت, فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها" 2.
فقد علم أن الله أن مثل هذه المصيبة العظيمة سيتجدد ذكرها مع تقادم.
__________
1-سورة المائدة, آية:105.
2-أخرجه الإمام أحمد في المسند 1/201. وابن ماجة في السنن في الجنائز باب55.
(1/44)

العهد, فكان من محاسن الإسلام أن روى هذا الحديث صاحب المصيبة والمصاب به أولا ولا ريب أن ذلك فعله الله كرامة للحسين رضي الله عنه, ورفعا لدرجته ومنزلته عند الله, تبليغا له منازل الشهداء, وإلحاقا له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء, ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما ولأمهما وعمهما, لأنهما ولدا في عز الإسلام, تربيا في حجور المؤمنين, فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة, أحدهما مسموما, والآخر مقتولا, لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالها إلا أهل البلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل: أي الناس بلاء؟ فقال: "الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل, وابتلى الرجل حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه, وإن كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس خطيئة" 1.
وشقي بقتله من أعان عله, أو رضي به, فالذي شرعه الله للمؤمنين عند الإصابة بالمصائب وإن عظمت أن يقولوا: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} 2.
وقد روى الشافعي في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات, وأصاب أهل بيته من المصيبة ما أصابهم, سمعوا قائلا يقول: "يا آل بيت رسول الله, إن في الله عزاء من كل مصيبة, وخلفا من كل هالك, ودركا من كل فائت, فبالله فثقوا, وإياه فارجوا المصاب من حرم الثواب ... ".
فكانوا يرونه الخضر جاء يعزيهم بالنبي صلى الله عليه وسلم.
__________
1-الحديث أخرجه الترمذي في الزهد باب 57. وابن ماجة في سننه في الفتن باب23.والدارمي في مسنده في كتاب الرقاق باب 67. والإمام أحمد في المسند 1/172-174-180-185.
2-سورة البقرة, آية:156.
(1/45)

فأما اتخاذ المآتم في المصائب, واتخاذ أوقاتها مآتم, فليس من دين الإسلام, وهو أمر لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا أحد من السابقين الأولين, ولا من التابعين لهم بإحسان, ولا من قادة أهل البيت, ولا غيرهم.
وقد شهد مقتل علي أهل بيته, وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته, وقد مرت على ذلك سنون كثيرة, وهم متمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, لا يحدثون مأتما, ولا نياحة, بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله, أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما كان من العين والقلب فمن الله, وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" 1.
وقال: "ليس منا من لطم الخدود, وشق الجيوب, ودعا بدعوى الجاهلية" 2. يعني: مثل قول المصاب "يا سنداه, يا ناصراه, يا عضداه".
وقال: " إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب, وسربالا من قطران " 3.
وقال: "لعن الله النائحة والمستمعة إليها" 4.
__________
1-أخرج أبو نعيم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما كان من حزن في قلب أو عين فهو من قبل الرحمة وما كان من حزن يد أو لسان فهو من قبل الشيطان" انظر جمع الجوامع للسيوطي 1/709.
2-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز باب 36-38-39, وفي المناقب باب8. ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان حديث 165. والترمذي في كتاب الجنائز باب22. وابن ماجة في سننه باب الجنائز باب52. والإمام أحمد في مسنده 1/386-432-456-442-465-4/131.
3-أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنائز حديث رقم 29. وابن ماجة في سننه في الجنائز باب51. والإمام أحمد في مسنده 5/342-343-344.
4-أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الجنائز باب25. والإمام أحمد في المسند 3/65.
(1/46)

وقد قال في تنزيله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1.
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: {وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} بأنها النياحة.
وتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من الحالقة والصالقة.
"والحالقة"2: التي تحلق شعرها عند المصيبة.
والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة.
وقال جرير بن عبد الله: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم الطعام للناس من النياحة.
وإنما السنة أن يصنع لأهل الميت طعام, لأن مصيبتهم تشغلهم.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما نعى جعفر بن أبي طالب لما استشهد بمؤتة فقال: "اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم" 3.
وهكذا ما يفعل قوم آخرون يوم عاشوراء من الاكتحال والانخضاب, أو المصافحة, والاغتسال, فهو بدعة أيضا لا أصل لها, ولم يذكرها أحد من الأئمة المشهورين.
وإنما روي فيها حديث: " من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض تلك السنة ومن اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام" نحو ذلك.
__________
1-سورة الممتحنة, آية:12.
2-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.
3-الحديث أخرجه الترمذي في الجنائز باب21. وابن ماجة في الجنائز باب59.
(1/47)

ولكن الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه صام يوم عاشوراء, وأمر بصيامه وقال: "صومه يكفر سنة" 1.
وقرر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله أنجى فيه موسى وقومه, وأغرق فرعون وقومه, وروى انه كان فيه حوادث الأمم..فمن كرامة الحسين أن الله جعل استشهاده فيه.
وقد يجمع الله في الوقت شخصا أو نوعا من النعمة التي توجب شكرا, أو المحنة التي توجب صبرا.
كما أن سابع عشر شهر رمضان فيه كانت وقعة بدر, وفيه مقتل علي ...
وأبلغ من ذلك: أن يوم الاثنين في ربيع الأول فيه مولد النبي صلى الله عليه وسلم, وفيه هجرته وفيه وفاته.
والعبد المؤمن يبتلي بالحسنات التي تسره, والسيئات التي تسوءه في الوقت الواحد, ليكون صبارا شكورا, فكيف إذا وقع مثل ذلك في وقتين متعددين من نوع واحد.
ويستحب صوم التاسع والعاشر, ولا يستحب الكحل, والذين يصنعونه من الكحل من أهل الدين لا يقصدون به مناصبة أهل البيت وإن كانوا مخطئين في فعلهم, ومن قصد منهم أهل البيت بذلك أو غيره, أو فرح, أو استشفى بمصائبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي" 2 لما شكى إليه العباس أن بعض قريش يجفون بني هاشم.
__________
1-أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/295-297-304-307.
2-انظر الحديث في مسند: الإمام أحمد, وسنن الترمذي, وسنن النسائي, والمستدرك للحاكم 4/75, وسنن ابن ماجة. مع اختلاف في الألفاظ. قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح".
(1/48)

وقال: "إن الله اصطفى قريشا من بني كنانة, اصطفى بني هاشم من قريش, واصطفاني من بني هاشم" 1.
وروي أنه قال: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة, وأحبوني لحب الله, وأحبوا أهل بيتي لحبي" 2.
وهذا باب واسع يطول القول فيه.
__________
1-أول حديث: " إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل, واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة, واصطفى من بني كنانة قريشا" ...
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل حديث رقم 1. والترمذي في المناقب باب1. والإمام أحمد في المسند 4/107 وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم 1683 وعزاه إلى الترمذي عن وائلة بن الأسقع وصححه وقال الترمذي: حيث صحيح".
2-أخرجه الترمذي في لمناقب, والحاكم في مستدركه في فضائل أهل البيت, وصححه كل منها, وأقره الذهبي في التلخيص. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم 224 وعزاه إلى الترمذي والحاكم, ورمز له بالصحة.
(1/49)

بدع وضلالات:
وكان سبب هذه المواصلة أن بعض الإخوان قدم بورقة فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم, وذكر سادة أهل البيت, وقد أجرى فيها ذكر النذور لمشهد المنتظر, فخوطب من فضائل أهل البيت وحقوقهم بما سر قلبه, وشرح صدره, وكان ما ذكر بعض الواجب, فإن الكلام في هذا طويل, ولم يحتمل هذا الحامل أكثر من ذلك.
وخوطب فيما يتعلق بالأنساب والنذور بما يوجب في دين الله, فسأل المكاتبة بذلك إلى من يذهب إليه من الإخوان, فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة, قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله, ولكتابة, ولرسوله, والأئمة المسلمين وعامتهم" 1.
أما ورقة الأنساب والتواريخ ففيها غلط في مواضع متعددة, مثل: ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي في صفر, وأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن عمرو ابن العلاء بن هاشم, وأن جعفر الصادق توفي في خلافة الرشيد, وغير ذلك.
فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي في شهر ربيع الأول شهر مولده وشهر هجرته, وأنه توفي يوم الاثنين, وفيه ولد, وفيه أنزل عليه, وجده هاشم بن عبد مناف, وإنما كان هاشم يسمى عمر, ويقال له:
__________
1-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان باب42 ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان حديث 95. وأبو داود في السنن في كتاب الأدب باب 59.والترمذي في البر باب17. والنسائي في البيعة باب 31, و41. والدارمي في المسند كتاب الرقاق باب41. والإمام أحمد في المسند 1/351-2/297-4/102-103.
(1/50)

عمرو العلا, كما قال الشاعر:
عمر العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مستنون عجاف
وأن جعفر أبا عبد الله توفي في سنة ثمان وأربعين في إمارة أبي جعفر المنصور.
وأما المنتظر فقد ذكر طائفة من أهل العلم بأنساب أهل البيت: أن الحسن ابن علي العسكري لما توفي بعسكر سامراء لم يعقب ولم ينسل, وقال من أثبته: إن أباه لما توفي سنة ستين ومائتين كان عمره سنتين أو أكثر من ذلك بقليل, وإنه غاب من ذلك الوقت, وإنه من ذلك الوقت حجة الله على أهل الأرض, لا يتم الإيمان إلا به, وإنه هو المهدي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم, وإنه يعلم لكل ما يفتقر إليه في الدين.
وهذا موضع ينبغي للمسلم أن يتثبت فيه, ويستهدي الله ستعينه, فإن الله قد حرم القول بغير علم, وذكر أن ذلك من خطوات الشيطان وحرم القول بغير علم, وذكر أن ذلك من خطوات الشيطان وحرم القول المخالف للحق, ونصوص التنزيل شاهدة بذلك, ونهى عن اتباع الهوى.
فأما المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم فقد رواه أهل العلم العالمون بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم, والحافظون لها, الباحثون عنها وعن رواتها, مثل أبي داود, والترمذي, وغيرهما, ورواه الإمام أحمد في مسنده.
فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا من أهل بيتي يوطئ اسمه اسمي, واسم أبيه اسم أبي, يملأ الأرض قسطا وعدلا, كما ملئت ظلما
(1/51)

وجورا" 1.
وروي هذا المعنى من حديث أم سلمة وغيرها.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "المهدي من ولد ابني هذا" وأشار إلى الحسن2.
وقال صلى الله عليه وسلم: "يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثوا" 3. وهو حديث صحيح.
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه اسمه محمد بن عبد الله, ليس محمد بن الحسن. ومن قال: إن أباه جده الحسين, وأن كنيته الحسين أبو عبد الله فقد جعل النية اسمه, فما يخفى على من يخشى الله أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه, وأنه من جنس تأويلات القرامطة.
__________
1-الحديث أخرجه الترمذي ولفظه: " لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي" الحديث. وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه. وأوردوه السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم 7490. وقال الترمذي: "حسن صحيح".
قال المناوي في شرح الجامع الصغير في الكلام عن هذا الحديث: فيه رد لقول الرافضة إن المهدي هو الإمام أبو القاسم محمد الحجة ابن الإمام أبي محمد الحسن الخالص وأنه المهدي المنتظر لأنه وإن وافق اسمه لكن اسم أبيه ليس موافقا لاسم أبيه, "انظر فيض القدير 5/332".
2-لم أقف عليها بهذا اللفظ فيما أتيح لي من مصادر. ووجدت معناه من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المهدي من عترتي من ولد فاطمة" أخرجه ابن ماجة.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة" أخرجه الإمام أحمد في مسنده.
3-أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفتن باب 18 أحاديث رقم 67-68-69 من أحاديث الباب.
(1/52)

وقول أمير المؤمنين صريح في أنه حسني لا حسيني, لأن الحسن والحسين مشبهان من بعض الوجوه بإسماعيل وإسحاق, وإن لم يكونا نبيين.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهام: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة, ومن كل عين لامة" 1.
ويقول: "إن إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق".
وكان إسماعيل هو الأكبر والأحلم.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب على المنبر: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" 2.
فكما أن غالب الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق, فهكذا كان غالب السادة الأئمة من ذرية الحسين, وكما أن خاتم الأنبياء الذي طبق أمره مشارق الأرض ومغاربها كان من ذرية إسماعيل, فكذلك الخليفة الراشد المهدي الذي هو آخر الخلفاء يكون من ذرية الحسن.
وأيضا فإن من كان ابن سنتين كان في حكم الكتاب والسنة مستحقا أن يحجر عليه في بدنه, ويحجر عليه في ماله, حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد, فإنه يتيم, وقد قال الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} 3.
__________
1-أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب 10. وأبو داود في تاب السنة باب 20. والترمذي في الطب باب 18 وابن ماجة في الطب باب 36. وأحمد 1/236-270.
2-أخرجه البخاري في كتاب الصلح باب9, وفي فضائل أصحاب النبي باب22, وفي الفتن باب20, وفي المناقب باب 25. وأبو داود في كتاب السنة باب 12, وفي المهدي باب8. والترمذي في المناقب باب25. وأبو داود في كتاب السنة باب12, وفي المهدي باب 8. والترمذي في المناقب باب30. والنسائي في كتاب الجمعة باب27.
3-سورة النساء, آية:6.
(1/53)

فمن لم تفوض الشريعة إليه أمر نفسه كيف تفوض إليه أمر الأمة؟
وكيف يجوز أن يكون إماما على الأمة من لا يرى ولا يسمع له خبر؟ مع أن الله لا يكلف العباد بطاعة من لا يقدرون على الوصول إليه, وله أربعمائة وأربعون سنة ينتظره من ينتظره وهو لم يخرج, إذ لا وجود له.
وكيف لم يظهر لخواصه وأصحابه المأمون عليه كما ظهر آباؤه, وما الموجب لهذا الاختفاء الشديد دون غيره من الآباء؟
وما زال العقلاء قديما وحديثا يضحكون بمن يثبت هذا, ويعلق دينه به, حتى جعل الزنادقة هذا وأمثاله طريقا إلى القدح في الملة, وتسفيه عقول أهل الدين إذا كانوا يعتقدون مثل هذا.
لهذا قد اطلع أهل المعرفة على خلق كثير منافقين زنادقة يتسترون بإظهار هذا وأمثاله, ليستميلوا قلوب وعقول الضعفاء وأهل الأهواء, ودخل بسبب ذلك من الفساد ما الله به عليم, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, والله يصلح أمر هذه الأمة ويهديهم ويرشدهم.
النذور للمشاهد والمساجد:
وكذلك ما يتعلق بالنذور للمساجد والمشاهد, فإن الله في كتابه وسنة نبيه التي نقلها السابقون والتابعون من أهل بيته وغيرهم قد أمر بعمارة المساجد, وإقامة الصلوات فيها بحسب الإمكان, ونهى عن بناء المساجد على القبور, ولعن من يفعل ذلك, قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} 1.
__________
1-سورة التوبة, آية:18.
(1/54)

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} 1.
وقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} 2.
وقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} 3.
وقال: {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} 4.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة" 5.
وقال: "وبشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " 6.
__________
1-سورة البقرة, آية:114.
2-سورة النور, آية:36.
3-سورة الجن, آية:18.
4-سورة الحج: آية:40.
5-أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد حديث 34-35, وفي المسافرين حديث 103, وفي الزهد حديث حديث 43-44. والبخاري في كتاب الصلاة باب 65. وأبو داود في كتاب التطوع باب1. والترمذي في كتاب الصلاة باب120-189-204 والنسائي في كتاب المساجد باب 1, وفي قيام الليل باب66-67. وابن ماجة في الإقامة باب 100, 185, وفي المساجد باب1-9-وفي التجارات باب 40 والدارمي في الصلاة باب 113. والإمام أحمد في المسند 1/20, 53-61-70-241-2/221-296-386-413-498-6/326-428-461.
6-أخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب المساجد باب 14.
(1/55)

وقال: "من غدا إلى المسجد أو راح, أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح" 1.
وقال: "صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة" 2.
وقال: "من تطهر في بيته فأحسن الطهور, وخرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة, كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة, والأخرى تضع خطيئة" 3.
وقال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده, وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل, وما كان أكثر أحب إلى الله" 4.
وقال: "سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها, فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة" 5.
__________
1-أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الآذان باب37. والإمام أحمد بن حنبل في مسنده 2/509.
2-أخرجه البخاري ف صحيحه في كتاب الأذان باب30-31. والترمذي في المواقيت باب47.والنسائي في كتاب الصلاة باب21, وفي الإمامة باب42. وابن ماجة في كتاب المساجد باب16 ومالك في الموطأ في كتاب الجماعة حديث 1. وأحمد 1/376-452-2/102-112-233-328-454-520-525-3/55.
3-أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب49, ومسلم في كتاب الطهارة حديث 12, وفي المساجد حديث 272, وأبو داود من الصلاة باب48. والنسائي في المساجد باب 6.وابن ماجة في الطهارة باب 6, وفي المساجد باب14. والإمام أحمد 2/176-252.
4-أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/145. وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة باب 47. والنسائي في كتاب الإمامة باب 45.
5-أخرجه مسلم في كتاب المساجد حديث 241-243. والنسائي في كتاب الإمامة وابن ماجة في كتاب الإقامة باب 150. والدارمي في كتاب الصلاة باب 25. والإمام أحمد 6/7.
(1/56)

وقال: "يصلون لكم, فإن أحسنوا فلكم, وإن أساءوا فلكم وعليهم".
وهذا الباب واسع جدا.
وقال أيضا: "لعن الله اليهود, اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ويحذر مما فعلوا قالوا: ولولا ذلك لأبرز قبره, ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وهذا قاله في مرضه.
وقال قبل موته بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد, ألا فلا تتخذون القبور مساجد, فإني أنهاكم عن ذلك" 1.
ولما ذكر كنيسة الحبشة قال: "أولئك إذا مات الرجل فيهم بنوا على قبره مسجدا, وصوروا فيه تلك التصاوير, أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" 2.
وكل هذه الأحاديث في الصحاح المشاهير.
وقال أيضا: "لعن الله زوارات القبور, والمتخذين عليها المساجد والسرج" 3. رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن.
__________
1- أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب 48-52 وفي كتاب الجنائز باب 96, وفي الأنبياء باب 50, وفي اللباس باب19, وفي المغازي باب 83 ومسلم في المساجد حديث 19-20-21-22-23. وأبو داود في كتاب الجنائز باب 72-78 والترمذي في الصلاة باب121. والنسائي في المساجد باب 13, وفي الجنائز باب 106. ومالك في الموطأ في كتاب السفر حديث85, وفي المدينة حديث 17. والدارمي في كتاب الصلاة باب 120. وأحمد 1/195-218-405-435-454-2/229-246-284-285-287-324-337-366-396-454-518-5/184,186-204-6/34-80-121-149-229-252-255-274-275.
2- أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب48-54, وفي الجنائز باب 70, وفي مناقب الأنصار باب37. ومسلم في المساجد حديث 16, وفي الفتن حديث 110-116-131. والنسائي في المساجد باب13.
3- أخرجه الترمذي في كتاب الجنائز باب 61. وابن ماجة في كتاب الجنائز باب 49.=
(1/57)

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن الذين يتخذون على القبور المساجد ويسرجون عليها الضوء, فكيف يستحيل مسلم أن يجعل هذا طاعة وقربة؟!!
وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني ألا أدع قبر مشرفا إلا سويته, ولا تمثالا إلا طمسته" 1.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" 2.
وقال: "لا تتخذوا قبري عبدا, وصلوا علي حيثما كنتم, فإن صلاتكم تبلغني" 3.
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاجتماع عند قبره.
وأمر بالصلاة عليه في جميع المواضع, فإن الصلاة عليه تصل إليه من جميع المواضع.
وهذه الأحاديث رواها أهل بيته, مثل: علي بن الحسين عن أبيه عن جده علي, ومثل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
فكانوا هم وجيرانهم من علماء أهل المدينة ينهون عن البدع التي عند قبره أو غير قبر غيره, امتثالا لأمره, ومتابعة لشريعته.
__________
=وأحمد 2/337-356 و3/443.
1-أخرجه مسلم في كتاب الجنائز حديث 93, وأبو داود في كتاب الجنائز باب68. والترمذي في كتاب الجنائز باب56 والنسائي في كتاب الجنائز باب99. والإمام أحمد 1/87-96-129-138-145.
2-أخرجه مالك في الموطأ في كتاب السفر حديث 85 والإمام أحمد 2/246.
3-أخرجه أبو داود في كتاب المناسك باب 96, والإمام أحمد في المسند 2/367.
(1/58)

فإن من مبدأ عبادة الأوثان: العكوف على الأنبياء والصالحين, والعكوف على تماثيلهم, وإن كانت وقعت بغير ذلك.
وقد ذكر الله في كتابه عن المشركين أنهم قالوا:
{لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً} 1.
وقد روى طائفة من علماء السلف أن هؤلاء كانوا قوما صالحين, فلما ماتوا بنوا على قبورهم, ثم صوروا تماثيلهم.
وكذلك قال ابن عباس في قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} 2. قال ابن عباس: كان اللات رجلا يلت السويق للحجاج, فلما مات عكفوا على قبره, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" نهى أن يصلى عند قبره.
ولهذا لما بنى المسلمون حجرته حرفوا مؤخرها, وسنموه لئلا يصلي إليه "أحد"3. فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجلسوا على القبور, ولا تصلوا إليها" 4. رواه مسلم.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم, ويدعو لهم.
__________
1-سورة: نوح, آية:23.
2-سورة النجم, آية:19.
3-ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.
4-أخرجه مسلم في الجنائز حديث 97-98. وأبو داود في الجنائز باب 73. والترمذي في الجنائز باب 57. والنسائي في القبلة باب11. والإمام أحمد 4/135. وأورده السيوطي في الجامع الصغير حديث 47-97 وصححه.
(1/59)

وعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور: "سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين, وإن شاء الله بكم لاحقون, يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين, نسأل لكم العافية, اللهم آجرهم, ولا تفتنا بعدهم, واغفر. لنا ولهم" 1.
هذا مع أن في البقيع إبراهيم وبناته أم كلثوم ورقية, وسيدة نساء العالمين فاطمة, وكانت إحداهن دفنت فيه قديما قريبا من غزوة بدر, ومع ذلك فلم يحدث على أولئك السادة شيئا من هذه المنكرات, بل المشروع التحية لهم, والدعاء بالاستغفار وغيره.
وكذلك في حقه, أمر بالصلاة والسلام عليه من القرب والبعد, وقال: "أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة, فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني: بليت. قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" 2.
وقال: "ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام" 3.
__________
1-أخرجه مسلم في كتاب الجنائز حديث 102. وأبو داود في كتاب الجنائز باب79. والنسائي في كتاب الطهارة باب 109, وفي الجنائز باب103. وابن ماجة في الجنائز باب 36. وفي الزهد باب36. ومالك في الموطأ في كتاب الطهارة حديث رقم 28.
2-أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب201, وفي الوتر باب26. والنسائي في كتاب الجمعة باب5. وابن ماجة في كتاب الإقامة باب79, وفي الجنائز باب65. والدارمي في كتاب الصلاة باب206. والإمام احمد 4/8.
3-أخرج أبو داود في سننه في كتاب المناسك باب 96 عن أبي هريرة رضي الله عنه قالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من أحد يسلم علي رد علي روحي حتى أرد عليه السلام"ز وأورده السيوطي في الجماع الصغير حديث 86,79 وضعفه.
(1/60)

وكل هذه الأحاديث ثابتة عن أهل المعرفة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
فالدعاء والاستغفار يصل إلى الميت عند قبره, وهو الذي ينبغي للمسلم أن يعامل به موتى المسلمين من الدعاء لهم بأنواع الدعاء, كما كان حياته يدعو لهم.
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا أن نصلي عليه ونسلم تسليما في حياته ومماته, وعلى آل بيته.
وأمرنا أن ندعو للمؤمنين والمؤمنات في محياهم ومماتهم, عند قبورهم وغير قبورهم.
ونهانا الله أن نجعل لله أندادا, أو نشبه بيت المخلوق الذي هو قبره ببيت الله الذي هو الكعبة البيت الحرام, فإن الله أمرنا أن نحج ونصلي إليه, ونطوف به, وشرع لنا أن نستلم أركانه, ونقبل الحجر الأسود الذي جعله الله بمنزلة يمينه.
قال ابن عباس: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض, فمن استلمه وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه".
وشرع كسوة الكعبة, وتعليق الأستار عليها, وكان يتعلق من يتعلق بأستار الكعبة كالمتعلق بأذيال المستجير به, فلا يجوزان تضاهى بيوت المخلوقين ببيت الخالق.
ولهذا كان السلف ينهون من زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبله, بل يسلم عليه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم, ويصلى عليه كما كان السلف يفعلون.
فإذا كان السلف أعرف بدين الله وسنة نبيه وحقوقه, وحقوق السابقين والتابعين من أهل البيت وغيرهم, ولم يفعلوا شيئا من هذه البدع التي تشبه
(1/61)

الشرك وعبادة الأوثان, لأن الله ورسوله نهاهم عن ذلك, بل يعبدون الله وحده لا شريك له, مخلصين له الدين كما أمر الله به ورسوله, ويعمرون بيوت الله بقلوبهم وجوارحهم من الصلاة والقراءة, والذكر والدعاء وغير ذلك.
فكيف يحل للمسلم أن يعدل عن كتاب الله, وشريعة رسوله, وسبيل السابقين من المؤمنين, إلى ما أحدثه ناس آخرون, إما عمدا وإما خطأ.
فخوطب حامل هذا الكتاب بان جميع هذه البدع التي على قبور الأنبياء والسادة من آل البيت والمشايخ المخالفة للكتاب والسنة, ليس للمسلم أن يعين عليها, هذا إذا كانت القبور صحيحة, فكيف وأكثر هذه القبور مطعون فيها؟
وإذا كانت هذه النذور للقبور معصية قد نهى الله عنها ورسوله والمؤمنون والسابقون, فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يعطي الله فليطعمه, ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه" 1.
وقال صلى الله عليه وسلم: "كفارة النذر كفارة اليمين" 2. وهذا الحديث في الصحاح.
فإذا كان النذر طاعة الله ورسوله, مثل أن ينذر صلاة أو صوما أو حجا أو صدقة أو نحو ذلك, فهذا عليه أن يعني به.
__________
1-أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب28, 31 وأبو داود في كتاب الإيمان باب 19. والترمذي في كتاب النذور باب2. والنسائي كتاب الإيمان باب27-28 وابن ماجة في كتاب الكفارات باب 16. والدارمي في النذور باب3. ومالك في الموطأ كتاب النذور حديث 8. والإمام أحمد في المسند 9/36 -41-208-224.
2-أخرجه مسلم في النذر حديث 12. وأبو داود في كتاب الإيمان باب 25. والترمذي في النذور باب 4. والنسائي في الأيمان باب 41. وأحمد في المسند 4/144-136-147.
(1/62)

وإذا كان المنذر معصية كفرا أو غير كفر, مثل, أن ينذر للأصنام كالنذور التي بالهند, ومثلما كان المشركون ينذرون لآلهتهم, مثل: اللات التي كانت بالطائف, والعزى التي كانت بعرفة قريبا من مكة, مناة الثالثة الأخرى التي كانت لأهل المدينة.
وهذه المدائن الثلاث هي مدائن أرض الحجاز, كانوا ينذرون لها النذور, ويتعبدون لها, ويتوسلون بها إلى الله في حوائجهم, كما أخبر عنهم بقوله:
{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 1 ومثلما ينذر الجهال من المسلمين لعين ماء, أو بئر من الآبار, أو قناة ماء أو مغارة, أو حجر, أو شجرة من الأشجار, أو قبر من القبور, وإن كان قبر نبي أو رجل صالح, أو ينذر زيتا أو شمعا أو كسوة أو ذهبا, أو فضة لبعض هذه الأشياء, فإن هذا كله نذر معصية لا يوفى به.
لكن من العلماء من يقول: على صاحبه كفارة يمين, لما روى أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" 2.
وفي الصحيح عنه أنه قال: "كفارة النذر كفارة يمين" 3.
وإذا صرف من ذلك المنذور شيء في قربة من القربات المشروعة كان حسنا, مثل أن يصرف الدهن إلى تنوير بيوت الله, ويصرف المال والكسوة إلى من يستحقه من المسلمين ومن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسائر المؤمنين, وفي سائر المصالح التي أمر الله بها ورسوله.
__________
1-سورة الزمر, آية:3.
2-أخرجه مسلم في النذر حديث 8. وأبو داود في الأيمان باب12-19 والترمذي في النذور باب1. والنسائي في الأيمان باب17-31-41. وابن ماجة في الكفارات باب 16. والإمام أحمد 2/207-429-432-6/247.
3-سبق تخريجه.
(1/63)

وإذا اعتقد بعض الجهال أن بعض هذه النذور المحرمة قد قضت حاجته يجلب المنفعة من المال والعافية ونحو ذلك, أو بدفع المضرة من العدو ونحو, فقد غلط في ذلك.
فقد صح عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير, ولكنه يستخرج به من البخيل" 1.
فعد النذر مكروها, وإن كان الوفاء به واجبا إذا كان المنذور طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من بخيل, وهذا المعنى قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه, فيما كان قربة محضة لله, فكيف بنذر شرك؟ فإنه لا يجوز نذره ولا الوفاء به.
وهذا وإن كان قد عمر الإسلام, وكثر العكوف على القبور التي هي للصالحين من أهل البيت وغيرهم, فعلى الناس أن يطيعوا الله ورسوله, ويتبعون دين الله الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم, ولا يشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله, فإن الله إنما أرسل الرسل, وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله, وليعبدوا الله وحده لا شريك له.
كما قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} 2.
__________
1-أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب26,وفي القدر باب6.ومسلم في كتاب القدر حديث 2-3-4-5-6-وأبو داود في كتاب الأيمان باب18. والترمذي في كتاب النذور باب11. والنسائي في كتاب الأيمان 24-26. وابن ماجة في كتاب الكفارات باب15. والإمام أحمد 2/61-235-242-401-314-412-436.
2-سورة الزخرف, آية:45.
(1/64)

وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} 1.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} 2.
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} 3.
وقال تعالى في حق الذين كانوا يدعون الملائكة والنبيين: {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 4.
ورد على من اتخذ شفعاء من دونه فقال: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 5.
__________
1-سورة الشورى, آية:13.
2-سورة النحل, آية:36.
3-سورة الإسراء, آية: 56.
4-سورة آل عمران:8.
5- سورة الزمر, آية:43.
(1/65)

وقال: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 1.
وقال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} 2.
وقال: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} 3.
وقال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} 4.
قال: {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} 5.
وكتب الله من أولها إلى آخرها تأمر بإخلاص الدين لله, ولا سيما الكتاب الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أو الشريعة التي جاء بها فإنها كملت الدين.
قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} 6.
وقال: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ
__________
1-سورة التوبة, آية: 31.
2-سورة البقرة, آية: 255.
3-سورة النجم, آية:26.
4-سورة الأنبياء, آية:28.
5-سورة سبأ, آية: 23.
6-سورة المائدة, آية:3.
(1/66)

لا يَعْلَمُونَ} 1.
وقد جعل قوام الأمر بالإخلاص لله والعدل في الأمور كلها, كما قال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} 2.
ولقد خلص النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد من دقيق الشرك وجليله, حتى قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" 3 رواه الترمذي وصححه.
وقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم, فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" 4. وهذا مشهور في الصحاح.
وقال: "ولا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد, ولكن قولوا: ما شاء الله, ثم شاء محمد" 5.
وقال له رجل: "ما شاء الله وشئت, فقال: " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" 6.
وروي عنه أنه قال: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" 7.
__________
1-سورة الجاثية, آية: 18.
2-سورة الأعراف, آية:29.
3-أخرجه الترمذي في النذور باب9 والنسائي في الأيمان باب 4. وابن ماجة في الكفارات باب 2. والدارمي في النذور باب6. والإمام أحمد 1/47-2/34-67-69-87-98-125-142.
4-أخرجه الإمام أحمد في المسند 2/7. والترمذي في النذور باب8 وغيرهما.
5-أخرجه الدارمي في الاستئذان باب63. وابن ماجة في الكفارات باب13. والإمام أحمد 5/72-393.
6-أخرجه الإمام أحمد في المسند 1/214-224-283-347.
7-أخرجه الإمام أحمد 4/403.
(1/67)

وروي عنه أن الرياء شرك1.
وقال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} 2.
وعلم بعض أصحابه أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم, واستغفرك لما لا أعلم".
ومن هذا الباب الذين يسألون الصدقة أو يعطونها لغير الله, مثل من يقول: لأجل فلان, إما بعض الصحابة, أو بعض أهل البيت, حتى يتخذ السؤال بذلك ذريعة إلى أكل أموال الناس بالباطل, ويصير قوم ممن ينتسب إلى السنة يعطي الآخرين والشيطان قد استحوذ على الجميع, فإن الصدقة وسائر العبادات لا يشرع أن تفعل إلا الله, كما قال تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى} 3.
وقال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} 4.
وقال: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ
__________
1-أخرجه الترمذي في النذور باب 9. وابن ماجة في الفتن باب 16. والإمام أحمد 5/428.
2-سورة الكهف, آية: 110.
3-سورة الليل, آية: 18.
4-سورة الروم, آية: 39.
(1/68)

جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} 1.
وقال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} 2.
وقال تعالى كلمة جامعة: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 3.
وعبادته تجمع الصلاة وما يدخل فيها من الدعاء والذكر, وتجمع الصدقة والزكاة بجميع الأنواع, ومن الطعام اللباس والنقد وغير ذلك.
والله يجعلنا وسائر إخواننا المؤمنين مخلصين له الدين, تعبده ولا نشرك به شيئا, معتصمين بحبله, متمسكين بكتابه, متعلمين لما أنزل من الكتاب والحكمة, ويصرف عنا شياطين الجن والإنس, ويعيذنا أن تفرق بنا عن سبيله, ويهدينا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا.
__________
1-سورة البقرة, آية:256.
2-سورة الإنسان, آية:8.
3-سورة البينة, آية:4.
(1/69)