Advertisement

شرح حديث النزول


الكتاب: شرح حديث النزول
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان
الطبعة: الخامسة، 1397هـ/1977م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] شرح حديث النزول
التأليف: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني
سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ـ قدس الله روحه:
ما يقول سيدنا وشيخنا ـ شيخ الإسلام وقدوة الأنام ـ أيده الله ورضي عنه ـ في رجلين تنازعا في [حديث النزول] :
أحدهما مثبت، والآخر ناف.
فقال المثبت: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فقال النافي: كيف ينزل؟ فقال المثبت: ينزل بلا كيف، فقال النافي: يخلو منه العرش أم لا يخلو؟ فقال المثبت: هذا قول مبتدع ورأى مخترع، فقال النافي: ليس هذا جوابي، بل هوحَيْدة [الحَيْدة: البعد والتنحي] . عن الجواب، فقال له المثبت: هذا جوابك، فقال النافي: إنما ينزل أمره ورحمته، فقال المثبت: أمره ورحمته ينزلان كل ساعة، والنزول قد وقت له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث الليل الآخر، فقال النافي: الليل لا يستوى وقته في البلاد، فقد يكون الليل في بعض البلاد خمس عشرة ساعة ونهارها تسع ساعات، ويكون في بعض البلاد ست عشرة ساعة والنهار ثماني ساعات، وبالعكس، فوقع الاختلاف في طول الليل وقصره بحسب الأقاليم والبلاد،
(1/4)

وقد يستوى الليل والنهار في بعض البلاد، وقد يطول الليل في بعض البلاد حتى يستوعب أكثر الأربع والعشرين ساعة، ويبقي النهار عندهم وقت يسير؛ فيلزم على هذا أن يكون ثلث الليل دائمًا، ويكون الرب دائما نازلًا إلى السماء ,
والمسؤول إزالة الشبه والإشكال، وقمع أهل الضلال.
فأجاب ـ رضي الله عنه:
الحمد لله رب العالمين , أما القائل الأول الذي ذكر نص النبى صلى الله عليه وسلم فقد أصاب فيما قال، فإن هذا القول الذي قاله قد استفاضت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك وتلقيه بالقبول , ومن قال ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فقوله حق وصدق , وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني؛ كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني؛ فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وأمثاله علانية، وبلغه الأمة تبليغًا عامًا لم يخص به أحدًا دون أحد، ولا كتمه عن أحد، وكانت الصحابة والتابعون تذكره وتؤثره وتبلغه وترويه في المجالس الخاصة والعامة، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في المجالس الخاصة والعامة، كصحيحي البخاري ومسلم، و [موطأ مالك] ، و [مسند الإمام أحمد] ، و [سنن أبي داود] ، و [الترمذي] ، و [النسائي] ، وأمثال ذلك من كتب المسلمين.
لكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه، كتمثيله بصفات المخلوقين، ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه، فقد أخطأ في ذلك، وإن أظهر ذلك منع منه، وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ ـ أيضًا ـ في ذلك.
فإن وصفه ـ سبحانه وتعالى ـ في هذا الحديث بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات؛ كوصفه بالاستواء إلى السماء وهي دخان، ووصفه بأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، ووصفه بالإتيان والمجىء في مثل قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ
(1/5)

اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ} [البقرة: 210] ، وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] ، وقوله: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] ، وكذلك قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان: 59] ، وقوله: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47] ، وقوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ} [الروم: 40] ، وقوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5] ، وأمثال ذلك من الأفعال التي وصف الله ـ تعالى ـ بها نفسه التي تسميها النحاة أفعالًا متعدية، وهي غالب ما ذكر في القرآن، أو يسمونها لازمة لكونها لا تنصب المفعول به، بل لا تتعدى إليه إلا بحرف الجر، كالاستواء إلى السماء وعلى العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، ونحو ذلك ,
فإن الله وصف نفسه بهذه الأفعال، ووصف نفسه بالأقوال اللازمة والمتعدية في مثل قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} [البقرة: 30] ، وقوله: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 461] ، وقوله تعالى: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} [الأعراف: 22] ، وقوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65] ، وقوله: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] ، وقوله: {اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] ، وقوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر: 23] ، وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ} [الأعراف: 137] ، وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً}
(1/6)

[الأنعام: 115] ، وقوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ} [آل عمران: 152] .
وكذلك وصف نفسه بالعلم، والقوة، والرحمة، ونحو ذلك، كما في قوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} [البقرة: 255] ، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] ، وقوله: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7] ، وقوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] ، ونحو ذلك مما وصف به نفسه في كتابه وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن القول في جميع ذلك من جنس واحد.
ومذهب سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفونه بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في النفي والإثبات.
والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد نفي عن نفسه مماثلة المخلوقين، فقال الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص] ، فبين أنه لم يكن أحد كفوًا له، وقال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، فأنكر أن يكون له سميّ، وقال تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً} [البقرة: 22] ، وقال تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: 74] ، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] .
ففيما أخبر به عن نفسه، من تنزيهه عن الكفء، والسَّمِيّ، والمثل، والنِّدّ، وضرب الأمثال له؛ بيان أن لا مثل له في صفاته، ولا أفعاله، فإن التماثل في الصفات والأفعال يتضمن التماثل في الذات. فإن الذاتين المختلفتين يمتنع تماثل صفاتهما وأفعالهما؛ إذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات، فإن الصفة تابعة للموصوف بها، والفعل ـ أيضًا ـ تابع للفاعل، بل هو مما يوصف به الفاعل. فإذا كانت الصفتان متماثلتين كان الموصوفان متماثلين، حتى إنه يكون بين الصفات من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الموصوفين، كالإنسانين كما كانا من نوع واحد، فتختلف مقاديرهما وصفاتهما بحسب اختلاف ذاتيهما، ويتشابه ذلك بحسب تشابه ذلك.
(1/7)

كذلك إذا قيل: بين الإنسان والفرس تشابه، من جهة أن هذا حيوان وهذا حيوان، واختلاف من جهة أن هذا ناطق وهذا صاهل، وغير ذلك من الأمور، كان بين الصفتين من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الذاتين؛ وذلك أن الذات المجردة عن الصفة لا توجد إلا في الذهن، فالذهن يقدر ذاتًا مجردة عن الصفة، ويقدر وجودًا مطلقًا لا يتعين، وأما الموجودات في أنفسها فلا يمكن فيها وجود ذات مجردة عن كل صفة، ولا وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص , وإذا قال من قال من أهل الإثبات للصفات: [أنا أثبت صفات الله زائدة على ذاته] : فحقيقة ذلك أنا نثبتها زائدة على ما أثبتها النفاة من الذات. فإن النفاة اعتقدوا ثبوت ذات مجردة عن الصفات، فقال أهل الإثبات: نحن نقول بإثبات صفات زائدة على ما أثبته هؤلاء.
وأما الذات نفسها الموجودة فتلك لا يتصور أن تتحقق بلا صفة أصلًا، بل هذا بمنزلة من قال: أثبت إنسانًا، لا حيوانًا، ولا ناطقًا، ولا قائمًا بنفسه، ولا بغيره، ولا له قدرة، ولا حياة، ولا حركة، ولا سكون، أو نحو ذلك، أو قال: أثبت نخلة ليس لها ساق، ولا جذْع، ولا لِيفٌ، ولا غير ذلك؛ فإن هذا يثبت ما لا حقيقة له في الخارج، ولا يعقل؛ ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفاة الصفات [مُعَطِّلَة] ؛ لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله ـ تعالى ـ وإن كانوا هم قد لا يعلمون أن قولهم مستلزم للتعطيل، بل يصفونه بالوصفين المتناقضين فيقولون: هو موجود قديم واجب، ثم ينفون لوازم وجوده، فيكون حقيقة قولهم: موجود ليس بموجود، حق ليس بحق، خالق ليس بخالق، فينفون عنه النقيضين، إما تصريحًا بنفيهما، وإما إمساكا عن الإخبار بواحد منهما.
ولهذا كان محققوهم ـ وهم القرامطة ـ ينفون عنه النقيضين، فلا يقولون: موجود ولا لا موجود، ولا حي ولا لا حي، ولا عالم ولا لاعالم , قالوا: لأن وصفه بالإثبات تشبيه له بالموجودات، ووصفه بالنفي فيه تشبيه له بالمعدومات. فآل بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل. ثم إنهم لم يخلصوا مما فروا منه، بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد شبهوه بالممتنع الذي هو أخس
(1/8)

من الموجود والمعدوم الممكن. ففروا في زعمهم من تشبيهه بالموجودات والمعدومات، ووصفوه بصفات الممتنعات التي لا تقبل الوجود، بخلاف المعدومات الممكنات، وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات والمعدومات الممكنات.
وما فر منه هؤلاء الملاحدة ليس بمحذور , فإنه إذا سمي حقًا موجودًا قائمًا بنفسه حيًا عليمًا رءوفًا رحيمًا , وسمى المخلوق بذلك، لم يلزم من ذلك أن يكون مماثلًا للمخلوق أصلًا، ولو كان هذا حقًا، لكان كل موجود مماثلًا لكل موجود، ولكان كل معدوم مماثلًا لكل معدوم، ولكان كل ما ينفي عنه شيء من الصفات مماثلًا لكل ما ينفي عنه ذلك الوصف ,
فإذا قيل: السواد موجود، كان على قول هؤلاء قد جعلنا كل موجود مماثلًا للسواد. وإذا قلنا: البياض معدوم، كنا قد جعلنا كل معدوم مماثلًا للبياض , ومعلوم أن هذا في غاية الفساد، ويكفي هذا خزيًا لحزب الإلحاد.
وإذا لم يلزم مثل ذلك في السواد الذي له أمثال بلا ريب، فإذا قيل في خالق العالم: إنه موجود لا معدوم، حي لا يموت، قيوم لا تأخده سنة ولا نوم، فمن أين يلزم أن يكون مماثلًا لكل موجود ومعدوم وحي وقائم، ولكل ما ينفي عنه العدم وما ينفي عنه صفة العدم، وما ينفي عنه الموت والنوم، كأهل الجنة الذين لا ينامون ولا يموتون؟ !
وذلك أن هذه الأسماء العامة المتواطئة التي تسميها النحاة أسماء الأجناس، سواء اتفقت معانيها في محالها أو تفاضلت كالسواد ونحوه؛ وسواء سميت مشككة. وقيل: إن المشككة نوع من المتواطئة ـ إما أن تستعمل مطلقة وعامة، كما إذا قيل: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، وخالق ومخلوق، والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث وإما أن تستعمل [خاصة معينة] كما إذا قيل: وجود زيد وعمرو، وعلم زيد وعمرو، وذات زيد وعمرو. فإذا استعملت خاصة معينة دلت على ما يختص به المسمى، لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج؛ فإن ما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره.
(1/9)

فإذا قيل: علم زيد، ونزول زيد، واستواء زيد، ونحو ذلك، لم يدل هذا إلا على ما يختص به زيدٌ من علم ونزول واستواء ونحو ذلك، لم يدل على ما يشركه فيه غيره. لكن لما علمنا أن زيدًا نظير عمرو، وعلمنا أن علمه نظير علمه، ونزوله نظير نزوله، واستواءه نظير استوائه، فهذا علمناه من جهة القياس والمعقول والاعتبار، لا من جهة دلالة اللفظ، فإذا كان هذا في صفات المخلوق؛ فذلك في الخالق أولى.
فإذا قيل: علم الله وكلام الله ونزوله واستواؤه ووجوده وحياته ونحو ذلك، لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك كما دل في زيد وعمرو؛ لأنا هناك علمنا التماثل من جهة الاعتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو، وهنا نعلم أن الله لا مثل له ولا كفو ولا ند، فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره، ولا كلامه مثل كلام غيره، ولا استواءه مثل استواء غيره، ولا نزوله مثل نزول غيره، ولا حياته مثل حياة غيره.
ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات، ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات. فالله ـ تعالى ـ موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه، منزه عن صفات النقص مطلقًا، ومنزه عن أن يمثاله غيره في صفات كماله، فهذان المعنيان جمعا التنزيه، وقد دل عليهما قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2] . فالاسم [الصمد] يتضمن صفات الكمال، والاسم [الأحد] يتضمن نفي المثل كما قد بسط الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة.
فالقول في صفاته كالقول في ذاته، والله ـ تعالى ـ ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، لكن يفهم من ذلك أن نسبة هذه الصفة إلى موصوفها كنسبة هذه الصفة إلى موصوفها. فعلم الله وكلامه ونزوله واستواؤه، هو كما يناسب ذاته ويليق بها، كما أن صفة العبد هي كما تناسب ذاته وتليق بها، ونسبة صفاته إلى ذاته كنسبة صفات العبد إلى ذاته؛
(1/10)

ولهذا قال بعضهم: إذا قال لك السائل: كيف ينزل، أو كيف استوى، أو كيف يعلم، أو كيف يتكلم ويقدر ويخلق؟ فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: أنا لا أعلم كيفية ذاته؛ فقل له: وأنا لا أعلم كيفية صفاته، فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف.
فهذا إذا استعملت هذه الأسماء والصفات على وجه التخصيص والتعيين ـ وهذا هو الوارد في الكتاب والسنةـ وأما إذا قيلت مطلقة وعامة ـ كما يوجد في كلام النظار: الموجود ينقسم إلى قديم ومُحّدَث، والعلم ينقسم إلى قديم ومُحدَث، ونحو ذلك ـ فهذا مسمى اللفظ المطلق والعام، والعلم معنى مطلق وعام، والمعاني لا تكون مطلقة وعامة إلا في الأذهان لا في الأعيان، فلا يكون موجود وجودًا مطلقًا أو عامًا إلا في الذهن، ولا يكون مطلق أو عام إلا في الذهن، ولا يكون إنسان أو حيوان مطلق وعام إلا في الذهن، وإلا فلا تكون الموجودات في أنفسها إلا معينة مخصوصة متميزة عن غيرها.
فليتدبرالعاقل هذا المقام الفارق فإنه زل فيه خلق من أولي النظرالخائضين في الحقائق، حتى ظنوا أن هذه المعاني العامة المطلقة الكلية تكون موجودة في الخارج كذلك، وظنوا أنا إذا قلنا: إن الله ـ عز وجل ـ موجود حي عليم، والعبد موجود حي عليم، أنه يلزم وجود موجود في الخارج يشترك فيه الرب والعبد، وأن يكون ذلك الموجود بعينه في العبد والرب، بل وفي كل موجود، ولا بد أن يكون للرب ما يميزه عن المخلوق، فيكون فيه جزآن:
أحدهما: لكل مخلوق، وهو القدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات.
والثاني: يختص به، وهو المميز له عن سائر الموجودات، ثم لا يذكرون فيما يختص به إلا ما يلزم فيه مثل ذلك. فإذا قالوا: يمتاز بذاته أو بحقيقته أو ماهيته أونحو ذلك، كان ذلك بمنزلة قولهم: يمتاز بوجوده؛ فإن الذات والحقيقة والماهية تستعمل مطلقًا ومعينًا كلفظ الوجود سواء
وهذا المقام حار فيه طوائف من أئمة النظار، حتى قال طائفة: إن لفظ الوجود وغيره
(1/11)

مقول بالاشتراك اللفظي فقط، وحكوا ذلك عن كل من قال بنفي الأحوال ـ وهم عامة أهل الإثبات ـ فصار مضمون نقلهم: أن مذهب عامة أهل الإسلام، ومتكلمة الإثبات ـ كابن كُلاب، والأشعري، وابن كَرَّام، وغيرهم، بل ومحققي المعتزلة؛ كأبي الحسين البصري وغيره ـ أن لفظ الوجود وغيره ـ مما يسمى الله به ويسمى به المخلوق ـ إنما يقال بالاشتراك اللفظي فقط من غير أن يكون بين المسميين معنى عام: كلفظ [المشتري] إذا سمي به المبتاع والكوكب، ولفظ [سهيل] المقول على الكوكب والرجل , وهذا النقل غلط عظيم عمن نقلوه عنه؛ فإن هؤلاء متفقون على أن هذه الأسماء عامة متواطئة ـ كالتواطؤ العام الذي يدخل فيه المشكك ـ تقبل التقسيم والتنويع، وذلك لا يكون إلا في الأسماء المتواطئة، كما نقول: الموجود ينقسم إلى قديم ومُحدَث، وواجب وممكن.
بل هؤلاء الناقلون بأعيانهم ـ كأبي عبد الله الرازي وأمثاله من المتأخرين ـ يجمعون في كلامهم بين دعوى الاشتراك اللفظي فقط وبين هذا التقسيم في هذه الأسماء، مع قولهم: إن التقسيم لا يكون إلا في الألفاظ المتواطئة المشتركة لفظًا ومعنى، لا يكون في المشترك اشتراكًا لفظيًا. ومن جملتها التي يسمونها المشككة لا يكون التقسيم في الأسماء التي ليس بينها معنى مشترك عام.
فهذا تناقض هؤلاء الذين هم من أشهر المتأخرين بالنظر والتحقيق للفلسفة والكلام، قد ضلوا في هذا النقل ـ وهذا البحث في مثل هذا الأصل ضلالًا لا يقع فيه أضعف العوام ـ وذلك لما تلقوه عن بعض أهل المنطق من القواعد الفاسدة التي هي عن الهدي والرشد حائدة؛ حيث ظنوا أن الكليات المطلقة ثابتة في الخارج جزءًا من المعينات، وأن ذلك يقتضي تركيب المعين من ذلك الكلي المشترك ومما يختص به، فلزمهم على هذا القول أن يكون الرب ـ تعالى ـ الواجب الوجود مركبًا من الوجود المشترك، ومما يختص به من الوجوب أو الوجود أو الماهية، مع أنه من المشهور عند أهل المنطق أن الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان.
(1/12)

ومن هداه الله ـ تعالى ـ يعلم أن الموجودات لا تشترك في شيء موجود فيها أصلًا، بل كل موجود متميز بنفسه وبما له من الصفات والأفعال، وإنَّا إذا قلنا: إن هذا الإنسان حي متكلم، أو حيوان ناطق، ونحو ذلك، لم يكن ما له من الحيوانية أو الناطقية، أو النطق والحياة مشتركًا بينه وبين غيره، بل له ما يخصه ولغيره ما يخصه، ولكن تشابها وتماثلًا بحسب تشابه حيوانيتهما ونطقيتهما، وغير ذلك من صفاتهما.
ومن قال: إن الإنسان مركب مما به الاشتراك ـ وهو الحيوانية ـ وما به من الامتياز ـ وهو النطق ـ فإن أراد بذلك أن هذا تركيب ذهني، فإنا إذا تصورنا في أذهاننا حيوانًا ناطقًا، كان الحيوان جزء هذا المعنى الذهني، والنطق جزأه الآخر، وكان الحيوان جزءًا له أشباه أكثر من أشباه الناطق , وإذا تصورنا مسمى حيوان ومسمي ناطق، كان مسمى الحيوان يعم الإنسان وغيره، وكان مسمى الناطق يخصه ـ فدعوى التركيب في هذه المعاني الذهنية صحيح، لكن ليس هذا ضابطًا، بل هو بحسب ما يتصوره الإنسان سواء كان تصوره حقًا أو باطلًا.
ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها ما يدخل في هذا التصور، وبجزئها الخارج عنها اللازم لوجودها ما يدل عليه هذا اللفظ بالتضمن والالتزام، وأراد بتمام الماهية ما يدل عليه هذا بالمطابقة ـ فهذا صحيح، لكن هذا لا يقتضي أن تكون الحقائق الموجودة في الخارج مركبة من الصفات الخاصة والعامة، ولا أن يكون بعض صفاتها اللازمة داخلة في الحقيقة ذاتيًا لها، وبعضها خارجًا عن الحقيقة عارضًا لها، كما يزعمه أهل المنطق اليوناني ,
وهذا الموضع مما ضلوا فيه، وضل بسبب ضلالهم فيه الطوائف الذين اتبعوهم في ذلك من النظار، وقلدهم في ذلك من لم يفهم حقيقة قولهم ولوازمه، ولم يتصوره تصورًا تامًا
وإن أرادوا بالتركيب أنه موصوف بالحياة والنطق ـ وإحدى الصفتين يوجد نظيرها
(1/13)

في سائر الحيوان، والأخرى مختصة بالإنسان ـ فهذا معنى صحيح.
وإن أرادوا به أن حيوانيته مشتركة بينه وبين غيره، فقد غلطوا؛ فإن حيوانية كل حيوان كناطقية كل ناطق، وذلك مختص بمحله.
وكذلك إن أرادوا بالتركيب أن هنا موجودًا موصوفًا بأنه حيوان غير الموجود الموصوف بأنه ناطق وصاهل، وأن الإنسان مركب من هذا الموجود وهذا الموجود، والفرس مركب من هذا الموجود وهذا الموجود، فقد غلطوا، بل لا موجود إلا هذا الإنسان الموصوف بأنه حيوان ناطق، وهذا الفرس الموصوف بأنه حيوان صاهل، وكذلك سائر الحيوانات والموجودات، فقول القائل: الإنسان مركب من هذا وهذا، إذا أريد به أن هنا شيئًا مركبًا، وأن له جزئين متباينين هو مركب منهما، كان جاهلًا، بل هو شيء واحد موصوف بصفتين لا يوجد إلا بصفتيه، ولا توجد صفتاه إلا به.
وهذا المعنى صحيح، وهو أن الإنسان موصوف بأنه حيوان، وأنه ناطق حقيقة، وأنه ذات مستلزمة لصفاتها، لا يوجد الموصوف بدون صفته اللازمة له.
لكن هذا ليس في الخارج تركيبًا، وليس في الخارج صفة لازمة ذاتية، وأخرى عرضية لازمة للماهية، وأخرى لازمة لوجوده، بل ليس في الخارج إلا الموجود المعين، وصفاته، تنقسم إلى: لازمة له، وعارضة، وهو لا يوجد بدون شيء من صفاته اللازمة؛ فليس فيها ما هو لازم للذات الموجودة في الخارج، ولكن ليس بلازم لها بل لازم للموجود في الخارج، كما يظن ذلك من يظنه من المنطقيين.
وأصل خطئهم أنه اشتبه عليهم ما يتصور في الأذهان بما يوجد في الأعيان؛ فإن الذهن يتصور المثلث قبل وجوده في الخارج، وظنوا أن الماهية مغايرة للوجود، وهو صحيح إذا فسرت الماهية بما يتصوره الذهن. وأما أن يكون في الخارج مثلث له ماهية ثابتة في الخارج غير الشيء الموجود في الخارج؛ فهذا غلط بيّن. فإذا فهم هذا في صفة المخلوق؛ فالخالق أبعد عما سماه هؤلاء تركيبًا.
فإذا قيل: إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ حي عليم قدير، فهو موصوف بأنه الحي العليم القدير.
(1/14)

وإذا قيل: هو موجود واجب بنفسه، فهو ـ سبحانه ـ موصوف بالوجود والوجوب، فلا مشاركة بينه وبين غيره في شيء موجود، ولا هو مركب من جزأين، ولا صفات مقومة تكون أجزاء لوجوده، ولا نحو ذلك مما يدعي من التركيب الذي هو ممتنع في المخلوق، فهو في الخالق أشد امتناعًا.
ولكن لفظ التركيب مجمل يدخل عند هؤلاء فيه اتصاف الموصوف بصفاته اللازمة له، وليس هذا هو المعقول من لفظ التركيب، وهؤلاء أحدثوا اصطلاحًا لهم في لفظ التركيب لم يسبقهم إليه أحد من أهل اللغة، ولا من طوائف أهل العلم، فجعلوا لفظ التركيب يتناول خمسة أنواع:
أحدها: التركيب من الوجود والماهية؛ لظنهم أن وجود كل ممكن في الخارج غير ماهيته، ومتى أريد بجزء الماهية الداخل فيها يدخل في هذا المتصور، ويلازمها الخارج عنها ما يلزم هذا التصور، وهذان المعنيان هما ما يدل عليه اللفظ.
والثاني: التركيب من الجنس والفصل، كقولهم: إن الإنسان مركب من الحيوانية والناطقية، وقد يضمون إلى ذلك التركيب من المعنى العام والخاص، يسمى تركيبًا من جنس وفصل، أو من خاصة وعرض عام.
الثالث: التركيب من الذات والصفات، كمسمي الحي العالم القادر، وتركيب الجسم من أجزائه الحسية، عند من يقول: إنه مركب من الجواهر المفردة، أو تركيبه من الجزأين العقليين، عند من يقول: إنه مركب من المادة والصورة
وأما التركيب [الأول] و [الثاني] فنازعهم جمهور العقلاء في ثبوتهما في الخارج ويقولون: ليس في الخارج تركيب بهذا الاعتبار.
والتركيب [الرابع] و [الخامس] : فيه نزاع مشهور بين العقلاء، منهم من يثبت في الجسم أحد التركيبين، ومنهم من يقول ليس مركبًا لا من هذا، ولا من هذا
وأما [الرابع] فيوافقهم على ثبوته جماهير العقلاء، ما أعلم من ينازعهم فيه نزاعًا معنويًا، لكن حكي عن طائفة من أهل النظر، كعبد الرحمن بن كَيْسَان الأصم وغيره، أنهم نفوا الأعراض ولم يثبتوا الأعراض زائدة على الجسم، ونفوا كون الحركة زائدة على الجسم , وخالفهم الأكثرون في ذلك.
وهذاـ والله أعلم ـ نزاع لفظي، وهو أن مسمى الجسم هل يتناول الجسم بأعراضه أم تكون الأعراض زائدة على مسمى الجسم؟ وإلا فعاقل لا ينكر وجود الطعم واللون، والرائحة
(1/15)

والحركة، وغير ذلك من الصفات القائمة بالموصوفات.
وهذا يشبه نزاع الناس في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا؟ فمن أراد بالذات [الذات المجردة] فالصفات زائدة عليها، ومن أراد بالذات [الذات الموصوفة] فليست الصفات مباينة للذات الموصوفة بصفاتها اللازمة لها.
ثم إن هؤلاء زعموا أنهم ينفون هذه الأنواع، فأما [الأنواع الأربعة] فمن قال: إنها منتفية عن المخلوق فهي عن الخالق أشد انتفاءً، وأما [النوع الرابع] : فمن نازع في أن الصفات هل هي زائدة على الذات أم لا؟ فهذا نزاع لفظي، ومن نازع في ثبوت هذه الصفات في نفس الأمر، ونفي أن يكون لله علم وقدرة ومشيئة، وجعل هذه الصفة هي الأخرى، والصفة هي الموصوف، فهذا قوله معلوم الفساد بعد التصور التام.
وإذا علم أنه ـ سبحانه ـ حي عليم قدير، ومعنى كونه حيًا ليس معنى كونه عليمًا، ومعنى كونه عليمًا ليس معنى كونه قديرًا، فهذا هو إثبات الصفات.
فإن قال القائل: إن معنى كونه عليمًا هو معنى كونه مريدًا قديرًا حيًا، فهذا مكابرة. وكذلك إذا ادعى أن هذه المعاني هي معنى الذات الموصوفة بها. وإن اعترف بثبوت هذه المعاني لله، وقال: أنا أنفي أن يكون الله مفتقرًا إلى ذوات أو معان بها يصير حيًا عالمًا قادرًا، فهذا مناظرة منه لمثبتة الأحوال كالقاضي أبى بكر وأبى يَعْلَى، وغيرهما ممن يقول: إن له علمًا وعالمية، وعالميته معنى زائد على علمه.
وهذا القول: قول بعض الصفاتية؛ وجمهورهم ينكرون هذا، ويقولون: بل معنى العلم هو معنى العالم
وفي مسائل الصفات ثلاثة أمور:
أحدها: الخبر عنه بأنه حي عليم قدير، فهذا متفق على إثباته، وهذا يسمى الحكم.
والثاني: أن هذه معان قائمة بذاته، وهذا ـ أيضًا ـ أثبته مثبتة الصفات ـ السلف والأئمة، والمنتسبون إلى السنة من عامة الطوائف.
والثالث: الأحوال , وهو العالمية والقادرية، وهذه قد تنازع فيها مثبتو الصفات ونفاتها، فأبو هاشم وأتباعه يثبتون الأحوال، دون الصفات، والقاضي أبو بكر، وأتباعه يثبتون الأحوال والصفات، وأكثر الجهمية والمعتزلة ينفون الأحوال والصفات.
وأما جماهير أهل السنة، فيثبتون الصفات دون الأحوال، وهذا لبسطه موضع آخر.
والمقصود هنا الكلام على التركيب لفظًا ومعنى، وبيان أن هؤلاء لهم فيه اصطلاح مخالف لجمهور العقلاء، وأنهم مضطرون إلى الإقرار بثبوت ما نفوه، ولكن هؤلاء يقولون: هذا اشتراك، والاشتراك تشبيه، ويقولون: هذه أجزاء، وهذا تركيب من هذه الأجزاء، ثم إنهم لا يقدرون على
(1/16)

نفي هذا الذي سموه اشتراكا وتشبيها، ولا على نفي هذه الأمور التي سموها أجزاءً وتركيبًا وتقسيمًا، فإنهم يقولون: هو عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ ولذة وملتذ، وعاشق ومعشوق وعشق.
وقد يقولون: هو عالم قادر مريد، ثم يقولون: العلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، فيجعلون كل صفة هي الأخرى , ويقولون: العلم هو العالم ـ وقد يقولون: هو المعلوم ـ فيجعلون الصفة هي الموصوف أو هي المخلوقات.
وهذه أقوال رؤسائهم، وهي في غاية الفساد في صريح المعقول، فهم مضطرون إلى الإقرار بما يسمونه تشبيهًا وتركيبًا، ويزعمون أنهم ينفون التشبيه والتركيب والتقسيم؛ فليتأمل اللبيب كذبهم وتناقضهم وحيرتهم وضلالهم؛ ولهذا يؤول بهم الأمر إلى الجمع بين النقيضين، أو الخلو عن النقيضين. ثم إنهم ينفون عن الله ما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لزعمهم أن ذلك تشبيه وتركيب. ويصفون أهل الإثبات بهذه الأسماء، وهم الذين ألزموها بمقتضى أصولهم، ولا حيلة لهم في دفعها. فهم كما قال القائل:
رمتني بدائها وانسلت.
وهم لم يقصدوا هذا التناقض، ولكن أوقعتهم فيه قواعدهم الفاسدة المنطقية التي زعموا فيها تركيب الموصوفات من صفاتها، ووجود الكليات المشتركة في أعيانها. فتلك القواعد المنطقية الفاسدة التي جعلوها قوانين تمنع مراعاتها الذهن أن يضل في فكره، أوقعتهم في هذا الضلال والتناقض ثم إن هذه القوانين فيها ما هو صحيح لا ريب فيه، وذلك يدل على تناقضهم وجهلهم، فإنهم قد قرروا في القوانين المنطقية أن الكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، بخلاف الجزئي , وقرروا ـ أيضًا ـ أن الكليات لا تكون كلية إلا في الأذهان؛ دون الأعيان. وأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الذهن، وهذه قوانين صحيحة.
ثم يدعون ما ادعاه أفضل متأخريهم؛ أن الواجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي.
أو كما يقوله طائفة منهم: أنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي وسلبي، كما يقول ذلك من يقوله من الملاحدة الباطنية، المنتسبين إلى التشيع، والمنتسبين إلى التصوف.
أو يقوله طائفة ثالثة: إنه الوجود المطلق لا بشرط، كما تقوله طائفة منهم.
وهم متفقون على أن المطلق بشرط الإطلاق عن الأمور الوجودية والعدمية لا يكون
(1/17)

في الخارج موجودًا، فالمطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي، أولى ألا يكون موجودًا. فإن المقيد بسلب الوجود والعدم نسبته إليهما سواء، والمقيد بسلب الوجود يختص بالعدم دون الوجود، والمطلق لا بشرط إنما يوجد مطلقًا في الأذهان.
وإذا قيل: هو موجود في الخارج؛ فذلك بمعنى أنه يوجد في الخارج مقيدًا، لا أنه يوجد في الخارج مطلقًا، فإن هذا باطل، وإن كانت طائفة تدعيه، فمن تصور هذا تصورًا تامًا، علم بطلان قولهم، وهذا حق معلوم بالضرورة، فهذا القانون الصحيح لم ينتفعوا به في إثبات وجود الرب، بل جعلوه مطلقًا بشرط الإطلاق عن النقيضين، أو عن الأمور الوجودية، أو لا بشرط، وذلك لا يتصور إلا في الأذهان.
والقوانين الفاسدة أوقعتهم في ذلك التناقض والهذيان، وهم يفرون من التشبيه بوجه من الوجوه؛ ثم يقولون: الوجود ينقسم إلى: واجب وممكن، فهما مشتركان في مسمى الوجود، وكذلك لفظ الماهية، والحقيقة، والذات، ومهما قيل: هو ينقسم إلى واجب وممكن، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فقد اشتركت الأقسام في المعنى العام الكلي الشامل لما تشابهت فيه، فهذا تشبيه يقولون به، وهم يزعمون أنهم ينفون كل ما يسمى تشبيهًا، حتى نفوا الأسماء، فكان الغلاة من الجهمية والباطنية لا يسمونه شيئًا فرارًا من ذلك
وأي شيء أثبتوه، لزمهم فيه مثل ذلك، وإلا لزم ألا يكون وجود واجب الوجود ممكنًا، وقديمًا ومحدثًا، وإن المحدث والممكن لابد له من قديم. ومن المعلوم بالاضطرار أن الوجود فيه محدث ممكن، وأن المحدث الممكن لابد له من قديم، واجب بنفسه، فثبوت النوعين ضروري لابد منه.
وحقيقة الأمر أن لفظ المطلق قد يعنى به ما هو كلي لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه. ويمتنع أن يكون شيئًا موجودًا في الخارج قائمًا بنفسه أو صفة لغيره بهذا الاعتبار، فضلًا عن أن يكون رب العالمين الأحد الصمد كذلك.
وقد يراد بالمطلق: المجرد عن الصفات الثبوتية، أو عن الثبوتية والسلبية جميعًا، والمطلق لا بشرط الإطلاق، وهذا إذا قدر جعل معينًا خاصًا لا كليًا، فإنه يمتنع وجوده في الخارج أعظم من امتناع الكليات المطلقة بشرط، لكونها كلية، فإن تلك الكليات لها جزئيات موجودة في الخارج، والكليات مطابقة لها.
وأما وجود شيء مجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية وسلبية، فهذا يمتنع تحققه في الخارج
(1/18)

كليًا وجزئيًا. وكذلك المجرد عن أن يوصف بصفة ثبوتية، بل هذا أولى بالامتناع منه. وإذا كان هذا قد شارك سائر الموجودات في مسمى الوجود ولم يميز عنها إلا بالقيود السلبية، وهي قد امتازت عنه بالقيود الوجودية، كان كل ممكن في الوجود أكمل من هذا الذي زعموا أنه واجب الوجود، فإن الوجود الكلي مشترك بينه وبينها، ولم يميز عنها إلا بعدم، وامتازت عنه بوجود، فكان ما امتازت به عنه أكمل مما امتاز به هو عنها؛ إذ الوجود أكمل من العدم.
وأما إذا قيل: هو الوجود لا بشرط، فهذا هو الوجود الكلي والطبيعي المطابق لكل موجود، وهذا لا يكون كليًا إلا في الذهن. وأما في الخارج، فلا يوجد إلا معينًا، ومن الناس من قال: إن هذا الكلى جزء من المعينات.
فإن كان الأول هو الصواب، لزم أن يكون الموجود الواجب معدومًا في الخارج أو أن يكون عين الواجب عين الممكن، كما يقوله من يقوله من القائلين بوحدة الوجود، وإن كان الثاني هو الصواب، لزم أن يكون وجوده جزءًا من كل موجود، فيكون الواجب الوجود جزءًا من وجود الممكنات.
ومن المعلوم بصريح العقل أن جزء الشيء لا يكون هو الخالق له كله، بل يمتنع أن يكون خالقًا لنفسه، فضلًا عن أن يكون خالقًا لما هو بعضه؛ إذ الكل أعظم من الجزء، فإذا امتنع أن يكون خالقًا للجزء، فامتناع كونه خالقًا للكل أظهر وأظهر.
فصحيح المنطق لم ينتفعوا به في معرفة الله، وباطل المنطق أوقعهم في غاية الكذب والجهل بالله، {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور: 40] ، و {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257] ، وهو القائل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] ، وهو القائل: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ
(1/19)

وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] ،
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من الليل ـ ما رواه مسلم في صحيحه ـ: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ".
فصل
وتمام الكلام في هذا الباب: أنك تعلم أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدناه، فنحن نعرف أشياء بحسنا الظاهر أو الباطن، وتلك معرفة معينة مخصوصة، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى في أذهاننا قضايا عامة كلية، ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا.
فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعًا وعطشًا، وشبعًا ورِيّا وحبًا وبغضًا، ولذة وألمًا ورِضًا وسخطًا، لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا ذلك، وأخبرنا به عن غيرنا.
وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد؛ حياة وقدرة، وعلمًا وكلامًا، لم نفهم ما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك. وكذلك لو لم نشهد موجودًا، لم نعرف وجود الغائب عنا، فلابد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ. فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته، وهذا خاصة العقل.
ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه، ولم نعلم أمورًا عامة ولا أمورًا غائبة عن أحاسيسنا الظاهرة والباطنة؛ ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته.
(1/20)

ثم إن الله ـ تعالى ـ أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من النعيم والعذاب، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك. فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا، لم نفهم ما وعدنا به، ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل هذه، حتى قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، وهذا تفسير قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} [البقرة: 25] على أحد الأقوال.
فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه، وبه فهمنا المراد، وأحببناه ورغبنا فيه، أو أبغضناه ونفرنا عنه، وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها في الدنيا. وهذا من التأويل الذي لا نعلمه نحن، بل يعلمه الله ـ تعالى ـ ولهذا كان قول من قال: [إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله] حقًا، وقول من قال: [إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله] حقًا. وكلا القولين مأثور عن السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
فالذين قالوا: إنهم يعلمون تأويله، مرادهم بذلك أنهم يعلمون تفسيره ومعناه، وإلا فهل يحل لمسلم أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعرف معنى ما يقوله ويبلغه من الآيات والأحاديث؟ ! بل كان يتكلم بألفاظ لها معان لا يعرف معانيها؟ !
ومن قال: إنهم لا يعرفون تأويله، أرادوا به الكيفية الثابتة التي اختص الله بعلمها؛ ولهذا كان السلف ـ كربيعة، ومالك بن أنس وغيرهما ـ يقولون: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وهذا قول سائر السلف ـ كابن الماجشون، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم. وفي غير ذلك من الصفات. فمعنى الاستواء معلوم، وهو التأويل والتفسير الذي يعلمه الراسخون، والكيفية هي التأويل المجهول لبني آدم وغيرهم، الذي لا يعلمه إلا الله ـ سبحانه وتعالى.
وكذلك ما وعد به في الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر الله به، وأما كيفيته فقد قال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " يقول الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ، ولا أذُنٌ سَمِعتْ، ولا خَطَر على قَلْب بَشَر ".
(1/21)

فما أخبرنا الله به من صفات المخلوقين نعلم تفسيره ومعناه، ونفهم الكلام الذي خوطبنا به، ونعلم معنى العسل واللحم واللبن، والحرير والذهب والفضة، ونفرق بين مسميات هذه الأسماء وأما حقائقها على ما هي عليه، فلا يمكن أن نعلمها نحن، ولا نعلم متي تكون الساعة؟ وتفصيل ما أعد الله ـ عز وجل ـ لعباده لا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، بل هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ـ تبارك وتعالى.
فإذا كان هذا في هذين المخلوقين، فالأمر بين الخالق والمخلوق أعظم؛ فإن مباينة الله لخلقه وعظمته، وكبريائه وفضله، أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق.
فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق، بينهما من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا ـ ولا يمكن أن نعلمه، بل هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى ـ فصفات الخالق ـ عز وجل ـ أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله ـ تبارك وتعالى ـ وأن يكون هذا من التأويل الذي لا يعلمه كل أحد؛ بل منه ما يعلمه الراسخون، ومنه ما يعلمه الأنبياء والملائكة، ومنه ما لا يعلمه إلا الله.
كما روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: إن التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب.
ولفظ [التأويل] في كلام السلف لا يراد به إلا التفسير، أو الحقيقة الموجودة في الخارج التي يئول إليها: كما في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} الآية [الأعراف: 53] .
وأما استعمال التأويل بمعنى: أنه صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به أو متأخر أو لمطلق الدليل، فهذا اصطلاح بعض المتأخرين، ولم يكن في لفظ أحد من السلف ما يراد منه بالتأويل هذا المعنى.
ثم لما شاع هذا بين المتأخرين، صاروا يظنون أن هذا هو التأويل في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} [آل عمران: 7] .
ثم طائفة تقول: لا يعلمه إلا الله، وقالت طائفة: بل يعلمه الراسخون. وكلتا الطائفتين غالطة؛ فإن هذا لا حقيقة له، بل هو باطل، والله يعلم انتفاءه وأنه لم يرده. وهذا مثل تأويلات القرامطة الباطنية، والجهمية، وغيرهم من أهل الإلحاد والبدع. وتلك التأويلات باطلة والله لم يردها بكلامه،
(1/22)

وما لم يرده، لا نقول: إنه يعلم أنه مراده، فإن هذا كذب على الله ـ عز وجل ـ والراسخون في العلم لا يقولون على الله ـ تبارك وتعالى ـ الكذب، وإن كنا مع ذلك قد علمنا بطريق خبر الله ـ عز وجل ـ عن نفسه ـ بل وبطريق الاعتبار أن لله المثل الأعلى ـ أن الله يوصف بصفات الكمال: موصوف بالحياة، والعلم، والقدرة، وهذه صفات كمال. والخالق أحق بها من المخلوق، فيمتنع أن يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق.
ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي، يقتضى من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به تفهم وتثبت هذه المعاني لله، لم نكن قد عرفنا عن الله شيئًا، ولا صار في قلوبنا إيمان به، ولا علم، ولا معرفة، ولا محبة، ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه، فإن جميع هذه الأمور لا تكون إلا مع العلم، ولا يمكن العلم إلا بإثبات تلك المعاني، التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا.
ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة، حصل له من العلم والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به في هذا الباب من أفضل الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ومن سادة أهل العلم والإيمان، وتبين له أن القول في بعض [صفات الله] كالقول في سائرها، وأن القول في صفاته كالقول في ذاته، وأن من أثبت صفة دون صفة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع مشاركة أحدهما الأخرى فيما به نفاها، كان متناقضًا.
فمن نفي النزول والاستواء، أو الرضى والغضب، أو العلم والقدرة، أو اسم العلىم أو القدير، أو اسم الموجود، فرارً بزعمه من تشبيه وتركيب وتجسيم، فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه لغيره فيما نفاه هو وأثبت المثبت.
فكل ما يستدل به على نفي النزول والاستواء والرضى والغضب، يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على نفي الإرادة، والسمع والبصر، والقدرة والعلم. وكل ما يستدل به على نفي القدرة والعلم والسمع والبصر، يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على نفي العلىم والقدير، والسميع والبصير. وكل ما يستدل به على نفي هذه الأسماء، يمكن منازعه أن يستدل به على نفي الموجود والواجب.
(1/23)

ومن المعلوم بالضرورة أنه لا بد من موجود قديم واجب بنفسه، يمتنع عليه العدم؛ فإن الموجود: إما ممكن ومحدث، وإما واجب وقديم. والممكن المحدث لا يوجد إلا بواجب قديم، فإذا كان ما يستدل به على نفي الصفات الثابتة يستلزم نفي الموجود الواجب القديم، ونفي ذلك يستلزم نفي الموجود مطلقًا، علم أن من عطل شيئًا من الصفات الثابتة بمثل هذا الدليل كان قوله مستلزمًا تعطيل الموجود المشهود.
ومثال ذلك: أنه إذا قال: النزول والاستواء ونحو ذلك من صفات الأجسام، فإنه لا يعقل النزول والاستواء إلا لجسم مركب، والله ـ سبحانه ـ منزه عن هذه اللوازم، فيلزم تنزيهه عن الملزوم. أو قال: هذه حادثة، والحوادث لا تقوم إلا بجسم مركب، وكذلك إذا قال: الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك هو من صفات الأجسام.
فإنه يقال له: وكذلك الإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة من صفات الأجسام، فإنا كما لا نعقل ما ينزل، ويستوى ويغضب ويرضى إلا جسمً، لم نعقل ما يسمع ويبصر ويريد، ويعلم ويقدر إلا جسمًا.
فإذا قيل: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليست كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته.
قيل له: وكذلك رضاه ليس كرضانا، وغضبه ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا.
فإذا قال: لا يعقل في الشاهد غضب إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام، ولا يعقل نزول إلا الانتقال، والانتقال يقتضى تفريغ حيز وشغل آخر، فلو كان ينزل، لم يبق فوق العرش رب.
قيل: ولا يعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه وينفعه، ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره، والله ـ سبحانه وتعالى ـ كما أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه الإلهي: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نَفْعِي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني "؛ فهو منزه عن الإرادة التي لا يعقل في الشاهد إلا هي.
وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد إلا بدخول صوت في الصًّمَاخ [الصِّماخ: خَرْق الأذن، ويطلق على الأذن نفسها] ، وذلك لا يكون إلا في أجوف؛ والله ـ سبحانه ـ أحد صمد منزه عن مثل ذلك، بل وكذلك البصر والكلام لا يعقل في الشاهد إلا في محل أجوف، والله ـ سبحانه ـ أحد صمد منزه عن ذلك.
(1/24)

قال ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وخلق من السلف: الصمد: الذي لا جوف له. وقال آخرون: هو السيد الذي كمل في سؤدده، وكلا القولين حق؛ فإن لفظ [الصمد] في اللغة يتناول هذا وهذا، والصمد في اللغة السيد، و [الصمد] أيضًا المصمد، والمصمد المصمت، وكلاهما معروف في اللغة.
ولهذا قال يحيى بن أبي كثير: الملائكة صمد، والآدميون جوف. وهذا أيضًا دليل آخر؛ فإنه إذا كانت الملائكة ـ وهم مخلوقون من النور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خُلِقَتِ الملائكةُ من نُور، وخُلِق الجان من نار، وخلق آدم مما وُصِف لكم " ـ فإذا كانوا مخلوقين من نور، وهم لا يأكلون ولا يشربون، بل هم صمد ليسوا جوفًا كالإنسان، وهم يتكلمون ويسمعون ويبصرون ويصعدون وينزلون كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة، وهم مع ذلك لا تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات الإنسان وفعله؛ فالخالق ـ تعالى ـ أعظم مباينة لمخلوقاته من مباينة الملائكة للآدميين؛ فإن كليهما مخلوق. والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من المخلوق إلى الخالق ـ سبحانه وتعالى.
وكذلك [روح ابن آدم] ، تسمع وتبصر وتتكلم وتنزل وتصعد، كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة، والمعقولات الصريحة، ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات البدن وأفعاله.
فإذا لم يجز أن يقال: إن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي هو الجسد، وهي مقرونة به وهما جميعًا الإنسان، فإذا لم يكن روح الإنسان مماثلًا للجسم الذي هو بدنه، فكيف يجوز أن يجعل الرب ـ تبارك وتعالى ـ وصفاته وأفعاله مثل الجسم وصفاته وأفعاله؟ !
فإن أراد النافي التزام أصله؛ وقال: أنا أقول: ليس له كلام يقوم به، بل كلامه مخلوق، قيل له: فيلزمك في السمع والبصر، فإن البصريين من المعتزلة يثبتون الإدراك. فإن قال: أنا أقول بقول البغداديين منهم، فلا أثبت له سمعًا ولا بصرًا ولا كلامًا يقوم به، بل أقول كلامه مخلوق من مخلوقاته؛ لأن إثبات ذلك تجسيم وتشبيه، بل ولا أثبت له إرادة كما لا يثبتها البغداديون، بل أجعلها سلبًا أو إضافة فأقول: معنى كونه مريدًا أنه غير مغلوب ولا مكره، أو بمعنى كونه خالقًا وآمرًا. قيل له: فيلزمك ذلك في كونه حيًا
(1/25)

عالمًا قادرًا، فإن المعتزلة مطبقة على إثبات أنه حي عالم قادر، وقيل له: أنت لا تعرف حيًا عالمًا قادرًا إلا جسمًا؛ فإذا جعلته حيًا عالمًا قادرًا، لزمك التجسيم والتشبيه. فإن زاد في التعطيل وقال: أنا لا أقول بقول المعتزلة، بل بقول الجهمية المحضة، والباطنية من الفلاسفة، والقرامطة فأنفي الأسماء مع الصفات، ولا أسميه حيًا ولا عالمًا ولا قادرًا ولا متكلمًا إلا مجازًا بمعنى السلب والإضافة، أي: هو ليس بجاهل ولا عاجز، وجعل غيره عالمًا قادرًا. قيل له: فيلزمك ذلك في كونه موجودًا واجبًا بنفسه قديمًا فاعلًا؛ فإن جهمًا قد قيل: إنه كان يثبت كونه فاعلًا قادرًا؛ لأن الإنسان عنده ليس بقادر ولا فاعل، فلا تشبيه عنده في ذلك. وإذا وصل إلى هذا المقام، فلابد له أن يقول بقول طائفة منهم، فيقول: أنا لا أصفه بصفة وجود ولا عدم، فلا أقول موجود ولا معدوم، أو لا موجود ولا غير موجود، بل أمسك عن النقيضين فلا أتكلم لا بنفي ولا إثبات.
وإما أن يقول: أنا لا أصفه قط بأمر ثبوتي بل بالسلبي؛ فلا أقول: موجود بل أقول: ليس بمعدوم.
وإما أن يقال: بل هو معدوم، فالقسمة حاصرة. فإنه إما أن يصفه بأمر ثبوتي فيلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم، وإما أن يقول: لا أصفه بالثبوت بل بسلب العدم، فلا أقول: موجود بل ليس بمعدوم.
وإما أن يلتزم التعطيل المحض فيقول: ما ثم وجود واجب؛ فإن قال بالأول وقال: لا أثبت واحدًا من النقيضين؛ لا الوجود ولا العدم. قيل: هب أنك تتكلم بذلك بلسانك، ولا تعتقد بقلبك واحدًا من الأمرين، بل تلتزم الإعراض عن معرفة الله وعبادته وذكره، فلا تذكره قط ولا تعبده ولا تدعوه ولا ترجوه ولا تخافه، فيكون جحدك له أعظم من جحد إبليس الذي اعترف به، فامتناعك من إثبات أحد النقيضين لا يستلزم رفع النقيضين في نفس الأمر؛ فإن النقيضين لا يمكن رفعهما، بل في نفس الأمر لابد أن يكون الشيء ـ أي شيء كان ـ إما موجودًا وإما معدومًا، إما أن يكون، وإما ألا يكون، وليس بين النفي والإثبات واسطة
(1/26)

أصلا. ونحن نذكر ما في نفس الأمر سواء جحدته أنت أو اعترفت به، وسواء ذكرته أو أعرضت عنه؛ فإعراض الإنسان عن رؤية الشمس والقمر والكواكب والسماء لا يدفع وجودها، ولا يدفع ثبوت أحد النقيضين، بل بالضرورة [الشمس] إما موجودة، وإما معدومة، فإعراض قلبك ولسانك عن ذكر الله كيف يدفع وجوده ويوجب رفع النقيضين؟ ! فلا بد أن يكون إما موجودًا وإما معدومًا في نفس الأمر. وكذلك من قال: أنا لا أقول: موجود؛ بل أقول: ليس بمعدوم؛ فإنه يقال: سلب أحد النقيضين إثبات للآخر، فأنت غيرت العبارة؛ إذ قول القائل: ليس بمعدوم، يستلزم أن يكون موجودًا، فأما إذا لم يكن معدومًا، إما أن يكون موجودًا، وإما ألا يكون لا موجودًا ولا معدومًا.
وهذا [القسم الثالث] يوجب رفع النقيضين، وهو مما يعلم فساده بالضرورة، فوجب أنه إذا لم يكن معدومًا أن يكون موجودًا.
وإن قال: بل التزم أنه معدوم. قيل له: فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل وجود موجودات، ومن المعلوم ـ أيضًا ـ أن منها ما هو حادث بعد أن لم يكن، كما نعلم نحن أنا حادثون بعد عدمنا، وأن السحاب حادث، والمطر والنبات حادث، والدواب حادثة، وأمثال ذلك من الآيات التي نبه الله ـ تعالى ـ عليها بقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 146] .
وهذه الحوادث المشهودة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها؛ فإن ما وجب وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فدل وجودها بعد عدمها على أنها يمكن وجودها ويمكن عدمها، فإن كليهما قد تحقق فيها، فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ممكن. فنقول حينئذ: الموجود والمحدث
(1/27)

الممكن لابد له من موجد قديم واجب بنفسه، فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه، كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه، وهذا من أظهر المعارف الضرورية؛ فإن الإنسان بعد قوته ووجوده لا يقدر أن يزيد في ذاته عضوًا، ولا قدرًا، فلا يقصر الطويل ولا يطول القصير، ولايجعل رأسه أكبر مما هو ولا أصغر، وكذلك أبواه لا يقدران على شيء من ذلك.
ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لابد له من محدث، وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة، حتى للصبيان؛ فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره لقال: من ضربني؟ فلو قيل له: لم يضربك أحد، لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير محدث، بل يعلم أنه لابد للحادث من محدث. فإذا قيل: فلان ضربك، بكي حتى يضرب ضاربه، فكان في فطرته الإقرار بالصانع وبالشرع الذي مبناه على العدل ولهذا قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35] .
وفي الصحيحين: عن جبير بن مطعم؛ أنه لما قدم في فداء أسارى بدر قال: وجدت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور. قال: فلما سمعت هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} أحسست بفؤادي قد انصدع.
وذلك أن هذا تقسيم حاصر ذكره الله بصيغة استفهام الإنكار، ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها، يقول: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} أي: من غير خالق خلقهم، أم هم خلقوا أنفسهم؟ ! وهم يعلمون أن كلا النقيضين باطل، فتعين أن لهم خالقًا خلقهم ـ سبحانه وتعالى.
وهنا طرق كثيرة مثل أن يقال: الوجود إما قديم وإما محدث، والمحدث لابد له من قديم، والموجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب ونحو ذلك. وعلى كل تقدير، فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب بنفسه، وموجود ممكن محدث كائن بعد أن لم يكن. وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود، وهو لا يعقل موجود في الشاهد إلا جسمًا، فلزمه ما ألزمه لغيره من التشبيه والتجسيم الذي ادعاه.
فعلم أن من نفي شيئًا من صفات الله بمثل هذه الطريقة، فإن نفيه باطل، ولو لم يرد الشرع بإثبات ذلك، ولا دل ـ أيضًا ـ عليه العقل. فكيف ينفي بمثل ذلك ما دل الشرع والعقل
(1/28)

على ثبوته؟ ! فيتبين أن كل من نفي شيئًا من الصفات ـ لأن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم ـ لزمه ما ألزم به غيره. وحينئذ فيكون الجواب مشاركً. وأيضا، فإذا كان هذا لازمًا على كل تقدير، علم أن الاستدلال به على نفي الملزوم باطل؛ فإن الملزوم موجود لا يمكن نفيه بحال؛ ولهذا لا يوجد الاستدلال بمثل هذا في كلام أحد من سلف الأمة وأئمتها، وإنما هو مما أحدثته الجهمية والمعتزلة، وتلقاه عنهم كثير من الناس: ينفي عن الرب ما يجب نفيه عن الرب؛ مثل أن ينفي عنه النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها؛ كالجهل، والعجز، والحاجة وغير ذلك. وهذا تنزيه صحيح، ولكن يستدل عليه بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه فيعارض بما أثبته؛ فيلزمه التناقض.
ومن هنا دخلت [الملاحدة الباطنية] على المسلمين، حتى ردوا عن الإسلام خلقًا عظيمًا صاروا يقولون لمن نفي شيئًا عن الرب ـ مثل من ينفي بعض الصفات، أو جميعها أو الأسماء الحسنى ـ: ألم تنف هذا لئلا يلزم التشبيه والتجسيم؟ ! فيقول: بلي! فيقول: وهذا اللازم يلزمك فيما أثبته، فيحتاج أن يوافقهم على النفي شيئًا بعد شيء حتى ينتهي أمره إلى ألا يعرف الله بقلبه، ولا يذكره بلسانه، ولا يعبده، ولا يدعوه وإن كان لا يجزم بعدمه، بل يعطل نفسه عن الإيمان به، وقد عرف تناقض هؤلاء.
وإن التزم تعطيله وجحده موافقة لفرعون، كان تناقضه أعظم؛ فإنه يقال له: فهذا العالم الموجود إذا لم يكن له صانع كان قديمًا أزليًا واجبًا بنفسه ـ ومن المعلوم أن فيه حوادث كثيرة كما تقدم ـ وحينئذ ففي الوجود قديم ومحدث وواجب وممكن، وحينئذ فيلزمك أن يكون ثم موجودان: أحدهما قديم واجب. والآخر: محدث ممكن.
فيلزمك ما فررت منه من التشبيه والتجسيم، بل هذا يلزمك بصريح قولك، فإن العالم المشهود جسم تقوم به الحركات؛ فإن الفلك جسم، وكذلك الشمس والقمر والكواكب أجسام تقوم بها الحركات والصفات، فجحدت رب العالمين لئلا تجعل القديم الواجب جسمًا تقوم به الصفات والحركات؟ ! ثم في آخر أمرك جعلت القديم الأزلي الواجب الوجود بنفسه أجسامً متعددة، تشبه غيرها من وجوه كثيرة تقوم بها الصفات والحركات،
(1/29)

مع ما فيها من الافتقار والحاجة. فإن الشمس والقمر والكواكب محتاجة إلى محالها التي هي فيها، ومواضعها التي تحملها وتدور بها، والأفلاك كل منها محتاج إلى ما سواه، إلى غير ذلك من دلائل نقصها وحاجتها!
والمقصود هنا أن هذا الذي فر من أن يجعل القديم الواجب موجودًا ـ وموصوفًا بصفات الكمال، لئلا يلزم ما ذكره من التشبيه والتجسيم، وجعل نفي هذا اللازم دليلًا على نفي ما جعله ملزومًا له ـ لزمه في آخر الأمر ما فر منه من جعله الموجود الواجب جسمًا يشبه غيره، مع أنه وصفه بصفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها، ومع أنه جحد الخالق ـ جل جلاله ـ فلزمه مع الكفر الذي هو أعظم من كفر عامة المشركين، فإنهم كانوا يقرون بالصانع مع عبادتهم لما سواه، ولزمه مع هذا أنه من أجهل بني آدم وأفسدهم عقلًا ونظرًا، وأشدهم تناقضًا.
وهكذا يفعل الله بالذين يلحدون في أسمائه وآياته ـ مع دعوى النظر والمعقول والبرهان والقياس كفرعون وأتباعه ـ قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي
(1/30)

الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عليكم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عليكمْ يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} [غافر: 23ـ37] .
وقال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي ُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 51ـ 56] .
وسبب ذلك: أن لفظ [الجسم] و [التشبيه] فيه إجمال واشتباه ـ كما سنبينه إن شاء الله تعالى ـ فإن هؤلاء النفاة لا يريدون بالجسم الذي نفوه ما هو المراد بالجسم في اللغة، فإن الموصوف بالصفات لا يجب أن يكون هو الجسم الذي في اللغة، كما نقله أهل اللغة باتفاق العقلاء، وسنأتي بذلك، وإنما يريدون بالجسم ما اعتقدوه أنه مركب من أجزاء، واعتقدوا
(1/31)

أن كل ما تقوم به الصفات فهو مركب من أجزاء، وهذا الاعتقاد باطل. بل الرب موصوف بالصفات، وليس جسمًا مركبًا لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة، كما يدعون، كما سنبينه إن شاء الله ـ تعالى ـ فلا يلزم من ثبوت الصفات لزوم ما ادعوه من المحال، بل غلطوا في هذا التلازم. وأما ما هو لازم لا ريب فيه، فذاك يجب إثباته لا يجوز نفيه عن الله ـ تعالى ـ فكان غلطهم باستعمال لفظ مجمل، وإحدى المقدمتين باطلة: إما الأولى وإما الثانية، كما سيأتي إن شاء الله ـ تعالى. وهذه قواعد مختصرة جامعة، وهي مبسوطة في مواضع أخرى.
فصل
إذا تبين هذا فقول السائل: كيف ينزل؟ بمنزلة قوله: كيف استوى؟ وقوله: كيف يسمع؟ وكيف يبصر؟ وكيف يعلم ويقدر؟ وكيف يخلق ويرزق؟ وقد تقدم الجواب عن مثل هذا السؤال من أئمة الإسلام مثل: مالك بن أنس، وشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ فإنه قد روى من غير وجه أن سائلاً سأل مالكاً عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] : كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علاه الرُّحَضَاء [أي: العرق] ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء؛ ثم أمر به فأخرج.
ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك، وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه، وهكذا سائر الأئمة، قولهم يوافق قول مالك: في أنا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته، ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب، فنعلم معنى الاستواء، ولا نعلم كيفيته، وكذلك نعلم معنى النزول، ولا نعلم كيفيته، ونعلم معنى السمع والبصر والعلم والقدرة، ولا نعلم كيفية ذلك، ونعلم معنى الرحمة والغضب والرضا والفرح والضحك، ولا نعلم كيفية ذلك.
وأما سؤال السائل: هل يخلو منه العرش أم لا يخلو منه؟ وإمساك المجيب عن هذا لعدم علمه بما يجيب به فإنه إمساك عن الجواب بما لم يعلم حقيقته، وسؤال السائل له عن هذا إن كان
(1/32)

نفيًا لما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم، فخطأ منه، وإن كان استرشادًا، فحسن، وإن كان تجهيلًا للمسؤول، فهذا فيه تفصيل؛ فإن المثبت الذي لم يثبت إلا ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم ونفي علمه بالكيفية، فقوله سديد لا يرد عليه سؤاله، والمعترض الذي يعترض عليه بهذا السؤال، اعتراضه باطل؛ فإن ذلك لا يقدح في جواب المجيب.
وقول المسؤول: هذا قول مبتدع ورأى مخترع ـ حيدة منه عن الجواب ـ يدل على جهله بالجواب السديد، ولكن لا يدل هذا على أن نفي المعترض لما أخبر به الرسول حق، ولا على أن تأويله بنزول أمره ورحمته تأويل صحيح.
ومما يبين ذلك: أن هذا المعترض إما أن يقر بأن الله فوق العرش، وإما ألا يكون مقرًا بذلك. فإن لم يكن مقرًا بذلك، كان قوله: هل يخلو العرش منه أم لا يخلو؟ كلامًا باطلًا؛ لأن هذا التقسيم فرع ثبوت كونه على العرش، وإن قال المعترض: أنا ذكرت هذا التقسيم لأنفي نزوله وأنفي العلو؛ لأنه إن قال: يخلو منه العرش، لزم أن يخلو من استوائه على العرش وعلوه عليه، وألا يكون وقت النزول هو العلي الأعلى، بل يكون في جوف العالم والعالم محيط به. وإن قال: إن العرش لا يخلو منه، قيل له: فإذا لم يخل العرش منه لم يكن قد نزل، فإن نزوله بدون خلو العرش منه لا يعقل. فيقال لهذا المعترض: هذا الاعتراض باطل لا ينفعك؛ لأن الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ موجود بالضرورة والشرع والعقل والاتفاق، فهو إما أن يكون مباينًا للعالم فوقه، وإما أن يكون مداخلًا للعالم محايثًا، وإما أن يكون لا هذا ولا هذا.
فإن قلت: إنه محايث للعالم بطل قولك، فإنك إذا جوزت نزوله وهو بذاته في كل مكان، لم يمتنع عندك خلو ما فوق العرش منه، بل هو دائمًا خال منه. لأنه هناك ليس عندك شيء، ثم يقال لك: وهل يعقل مع هذا أن يكون في كل مكان وأنه مع هذا ينزل إلى السماء الدنيا؟ فإن قلت: نعم، قيل لك: فإذا نزل، هل يخلو منه بعض الأمكنة أو لا يخلو؟ فإن قلت: يخلو منه بعض الأمكنة، كان هذا نظير خلو العرش منه. فإن قلت:
(1/33)

لا يخلو منه مكان، كان هذا نظير كون العرش لا يخلو منه. فإن جوزت هذا، كان لخصمك أن يجوز هذا.
فقد لزمك على قولك ما يلزم منازعك، بل قولك أبعد عن المعقول؛ لأن نزول من هو فوق العالم أقرب إلى المعقول من نزول من هو حال في جميع العالم، فإن نزول هذا لا يعقل بحال، وما فررت منه من الحلول وقعت في نظيره، بل منازعك الذي يجوز أن يكون فوق العالم وهو أعظم عنده من العالم وينزل إلى العالم أشد تعظيمًا لله منك، ويقال له: هل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما أحدهما محايث للآخر؟ فإن قال: لا، بطل قوله. وإن قال: نعم، قيل له: فليعقل أنه فوق العرش وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش، فإن هذا أقرب إلى العقل مما إذا قلت: إنه حال في العالم.
وإن قلت: إنه لا مباين للعالم ولا مداخل له. قيل لك: فهل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما ليس أحدهما مباينًا للآخر ولا محايثًا له؟ فإن جمهور العقلاء يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة، فإذا قال: نعم يعقل ذلك، فيقال له: فإن جاز وجود موجود قائم بنفسه ليس هو مباينًا للعالم ولا محايثًا له، فوجود مباين للعالم ينزل إلى العالم ولا يخلو منه ما فوق العالم أقرب إلى المعقول؛ فإنك إن كنت لا تثبت من الوجود إلا ما تعقل له حقيقة في الخارج، فأنت لا تعقل في الخارج موجودين قائمين بأنفسهما ليس أحدهما داخلًا في الآخر ولا محايثًا له، وإن كنت تثبت ما لا تعقل حقيقته في الخارج، فوجود موجودين أحدهما مباين للآخر أقرب إلى المعقول، ونزول هذا من غير خلو ما فوق العرش منه أقرب إلى المعقول من كونه لا فوق العالم ولا داخل العالم، فإن حكمت بالقياس، فالقياس عليك لا لك، وإن لم تحكم به، لم يصح استدلالك على منازعك به.
وأما قول السائل: ليس هذا جوابي بل هو حَيْدَة عن الجواب، فيقال له: الجواب على وجهين: جواب معترض ناف لنزوله وعلوه، وجواب مثبت لنزوله وعلوه، وأنت لم تسأل سؤال مستفت، بل سألت سؤال معترض ناف. وقد تبين لك أن هذا الاعتراض ساقط لا ينفعك، فإنه سواء قيل: إنه يخلو منه العرش أو قيل: لا يخلو
(1/34)

منه العرش، ليس في ذلك ما يصحح قولك: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا قولك إنه بذاته في كل مكان. وإذا بطل هذان القولان تعين الثالث، وهو: أنه ـ سبحانه وتعالى ـ فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه، وإذا كان كذلك، بطل قول المعترض.
هذا إن كان المعترض غير مقر بأنه فوق العرش، وقد سئل بعض أئمة نفاة العلو عن النزول، فقال: ينزل أمره. فقال له السائل: فممن ينزل؟ ما عندك فوق العالم شيء فممن ينزل الأمر؟ من العدم المحض! ! فبهت.
وإن كان المعترض من المثبتة للعلو، ويقول: إن الله فوق العرش، لكن لا يقر بنزوله، بل يقول بنزول ملك أو يقول بنزول أمره الذي هو مأمور به، وهو مخلوق من مخلوقاته؛ فيجعل النزول مفعولًا محدثًا يحدثه الله في السماء، كما يقال مثل ذلك في استوائه على العرش، فيقال له: هذا التقسيم يلزمك فإنك إن قلت: إذا نزل يخلو منه العرش، لزم المحذور الأول، وإن قلت: لا يخلو منه العرش، أثبت نزولًا مع عدم خلو العرش منه، وهذا لا يعقل على أصلك.
وإن قال: إنما أثبت ذلك في بعض مخلوقاته، قيل له: أي شيء أثبته مع عدم فعل اختياري يقوم بنفسه كان غير معقول من هذا الخطاب؛ لا يمكن أن يراد به أصلًا، مع تحريف الكلم عن مواضعه، فجمعت بين شيئين: بين أن ما أثبته لا يمكن أن يعقل من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين أنك حرفت كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن قلت: الذي ينزل ملك. قيل: هذا باطل من وجوه:
منها: أن الملائكة لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض، كما قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2] ، وقال تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64] .
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة وأبي سعيد ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يُصَلُّون، وتركناهم وهم يصلون".
وكذلك ثبت في الصحيح: عن
(1/35)

أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن لله ملائكة سياحين فُضْلً، يَتَتَبعون مجالس الذِّكر. فإذا مَرُّوا على قوم يذكرون الله ـ تعالى ـ ينادون: هَلُمُّوا إلى حاجتكم فَيحفُّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ". قال: " فيسألهم ربهم ـ وهو أعلم بهم ـ: ما يقول عبادي؟ " قال: " فيقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك ".
وفي رواية لمسلم: " إن لله ملائكة سيارة، فضلًا عن كتاب الناس، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر، قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا حتى يملؤوا ما بينهم وبين سماء الدنيا، فإذا تفرقوا، عرجوا أو صعدوا إلى السماء ". قال: " فيسألهم الله عز وجل ـ وهو أعلم بهم ـ: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك، ويسألونك ". الحديث بطوله.
الوجه الثاني أنه قال فيه: "من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفرله؟ ". وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك عن الله، بل الذي يقول الملك: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا أحب الله العبد نادى جبريل أني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء أن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "، وذكر في البغض مثل ذلك.
فالملك إذا
(1/36)

نادى عن الله لا يتكلم بصيغة المخاطب، بل يقول: إن الله أمر بكذا أوقال كذا. وهكذا إذا أمر السلطان مناديًا ينادي فإنه يقول: يامعشر الناس، أمر السلطان بكذا، ونهى عن كذا، ورسم بكذا، لا يقول: أمرت بكذا، ونهيت عن كذا، بل لو قال ذلك بودر إلى عقوبته.
وهذا تأويل من التأويلات القديمة للجهمية، فإنهم تأولوا تكليم الله لموسى ـ عليه السلام ـ بأنه أمر ملكًا فكلمه، فقال لهم أهل السنة: لو كلمه ملك لم يقل: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] ، بل كان يقول كما قال المسيح ـ عليه السلام: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117] .
فالملائكة رسل الله إلى الأنبياء تقول كما كان جبريل ـ عليه السلام ـ يقوللمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} [مريم: 64] ويقول: إن الله يأمرك بكذا ويقول كذا، لا يمكن أن يقول ملك من الملائكة: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14] ، ولا يقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ "، ولا يقول: لا يسأل عن عبادي غيري، كما رواه النسائي وابن ماجة وغيرهما، وسندهما صحيح أنه يقول: " لا أسأل عن عبادي غيري ".
وهذا ـ أيضًا ـ مما يبطل حجة بعض الناس، فإنه احتج بما رواه النسائي في بعض طرق الحديث أنه يأمر مناديًا فينادي، فإن هذا إن كان ثابتًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الرب يقول ذلك، ويأمر مناديًا بذلك، لا أن المنادي يقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ "، ومن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المنادي يقول ذلك، فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه ـ مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفًا عن سلف ـ فاسد في المعقول، فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم [ينزل] بالضم، وكما قرأ بعضهم: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] ، ونحو ذلك من تحريفهم اللفظ والمعنى.
(1/37)

وإن تأول ذلك بنزول رحمته أو غير ذلك، قيل: الرحمة التي تثبتها إما أن تكون عينً قائمة بنفسها، وإما أن تكون صفة قائمة في غيرها.
فإن كانت عينًا وقد نزلت إلى السماء الدنيا، لا يمكن أن تقول: من يدعوني فأستجيب له؟ كما لا يمكن الملك أن يقول ذلك.
وإن كانت صفة من الصفات، فهي لا تقوم بنفسها، بل لابد لها من محل. ثم لا يمكن الصفة أن تقول هذا الكلام ولا محلها. ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم تنزل إلينا، فأي منفعة لنا في ذلك؟
وإن قال: بل الرحمة ما ينزله على قلوب قوّام الليل في تلك الساعة، من حلاوة المناجاة والعبادة، وطيب الدعاء والمعرفة، وما يحصل في القلوب من مزيد المعرفة بالله والإيمان به وذكره وتجليه لقلوب أوليائه، فإن هذا أمر معروف يعرفه قوّام الليل، قيل له: حصول هذا في القلوب حق، لكن هذا ينزل إلى الأرض إلى قلوب عباده لا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يصعد بعد نزوله، وهذا الذي يوجد في القلوب يبقى بعد طلوع الفجر، لكن هذا النور والبركة والرحمة التي في القلوب، هي من آثار ما وصف به نفسه من نزوله بذاته ـ سبحانه وتعالى.
كما وصف نفسه بالنزول عَشِيَّة عَرَفَة في عدة أحاديث صحيحة، وبعضها في صحيح مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وأنه ـ عز وجل ـ ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ "، وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم عرفة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتونى شُعْثًا غُبْرًا ضاحين من كل فَجّ عميق " [والشُّعْث: هو اغبرار الرأس، والغَبَرُ: هو التراب، والغُبْرة: لونه] . وعن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1/38)

" إن الله ينزل إلى السماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة ويقول: انظروا إلى عبادي، أتونى شُعْثًا غُبْرًا " فوصف أنه يدنو عشية عرفة إلى السماء الدنيا، ويباهي الملائكة بالحجيج فيقول: " انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا ما أراد هؤلاء؟ " فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه، لكن ليس هذا الذى في قلوبهم هو الذى يدنو إلى السماء الدنيا، ويباهي الملائكة بالحجيج.
والجهمية ونحوهم من المعطلة، إنما يثبتون مخلوقًا بلا خالق، وأثرًا بلا مؤثر، ومفعولًا بلا فاعل، وهذا معروف من أصولهم، وهذا من فروع أقوال الجهمية.
وأيضًا , فيقال له: وصف نفسه بالنزول كوصفه في القرآن بأنه {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4] وبأنه استوى إلى السماء وهي دخان، وبأنه نادى موسى وناجاه في البقعة المباركة من الشجرة , وبالمجيء والإتيان في قوله: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] , وقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] .
والأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إتيان الرب يوم القيامة كثيرة , وكذلك إتيانه لأهل الجنة يوم الجمعة، وهذا مما احتج به السلف على من ينكر الحديث، فبينوا له أن القرآن يصدق معنى هذا الحديث , كما احتج به إسحاق بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد الله بن طاهرـ أمير خراسان.
قال أبو عبد الله الرِّبَاطي: حضرت يومًا مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم , وحضر إسحاق بن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ فقال: نعم، فقال له بعض
(1/39)

قواد عبد الله: يا أبا يعقوب , أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته فوق , حتى أصف لك النزول , فقال له الرجل: أثبته فوق , فقال له إسحاق: قال الله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة! فقال إسحاق: أعز الله الأمير , ومن يجيء يوم القيامة , من يمنعه اليوم؟ ! .
ثم بعد هذا، إذا نزل: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ هذه مسألة أخرى تكلم فيها أهل الإثبات.
فمنهم من قال: لا يخلو منه العرش , ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مُسَدَّد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم.
ومنهم من أنكر ذلك، وطعن في هذه الرسالة , وقال: راويها عن أحمد بن حنبل مجهول لا يعرف.
والقول الأول معروف عند الأئمة , كحماد بن زيد، وإسحاق بن راهويه وغيرهما، قال الخلال في [كتاب السنة] : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، ثنا أحمد بن محمد المقدمي، ثنا سليمان بن حرب، قال: سأل بشر بن السُّرِّي حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا " يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد , ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء. ورواه ابن بطة في كتاب [الإبانة] فقال: حدثني أبو القاسم حفص بن عمر الأردبيلي، حدثنا أبو حاتم الرازي , حدثنا سليمان بن حرب، قال: سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء "ينزل الله إلى سماء الدنيا " أيتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد , ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء , وقال ابن بطة: وحدثنا أبو بكر النجاد، ثنا أحمد بن على الأبار [هو أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الأبار , الحافظ المتقن، من علماء الأثر ببغداد , وكان من أزهد الناس، وتوفي سنة 092هـ] ، ثنا على بن خَشْرَم [هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي الأثرم، أحد الأعلام ومصنف السنن، له مصنفات في علل الحديث، وثقه ابن حبان، وتكلم فيه غيره، مات سنة 273هـ وقيل غير ذلك] .، قال: قال إسحاق بن راهويه: دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟ قلت: أي شيء، أصلح الله الأمير؟ قال: تروون أن
(1/40)

الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ ! قلت: نعم، رواها الثقات الذين يروون الأحكام. قال: أينزل ويدع عرشه؟ قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه. قال: نعم. قلت: ولم تتكلم في هذا؟ !
وقد رواها اللالكائي ـ أيضًا ـ بإسناد منقطع، واللفظ مخالف لهذا. وهذا الإسناد أصح، وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما أئمة ثقات. فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء، فأثبت قربه إلى خلقه مع كونه فوق عرشه، وعبد الله بن طاهر ـ وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان ـ كان يعرف أن الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم، فقال له إسحاق: لم تتكلم في هذا؟ يقول: فإذا كان قادرًا على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا.
ونظيره ما رواه أبو بكر الأثرم في [السنة] قال: حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني العُبَادي ـ قال: حدثني الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. أراد الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ مخالفة الجهمي الذي يقول: إنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية فلا يتصور منه إتيان، ولا مجيء، ولا نزول، ولا استواء، ولا غير ذلك من الأفعال الاختيارية القائمة به. فقال الفضيل: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر بربيزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما شاء. فأمره أن يؤمن بالرب الذي يفعل ما يشاء من الأفعال القائمة بذاته التي يشاؤها، لم يرد من المفعولات المنفصلة عنه.
ومثل ذلك ما يروى عن الأوزاعي وغيره من السلف، أنهم قالوا في حديث النزول: يفعل
(1/41)

الله ما يشاء. قال اللالكائي: حدثنا المسير بن عثمان , حدثنا أحمد بن الحسين، ثنا أحمد بن على الأبَّار، قال: سمعت يحيى بن مَعِين يقول: إذا سمعت الجهمي يقول: أنا أكفر برب ينزل , فقل: أنا أومن برب يفعل ما يريد، فإن بعض من يعظمهم وينفي قيام الأفعال الاختيارية به ـ كالقاضي أبي بكر , ومن اتبعه، وابن عَقِيل , والقاضي عياض , وغيرهم ـ يحمل كلامهم على أن مرادهم بقولهم: [يفعل ما يشاء] أن يحدث شيئًا منفصلًا عنه من دون أن يقوم به هو فعل أصلًا. وهذا أوجبه أصلان لهم:
أحدهما: أن الفعل عندهم هو المفعول , والخلق هو المخلوق , فهم يفسرون أفعاله المتعدية، مثل قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [الأعراف: 54] وأمثاله: أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته، بل حاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة ونسبة وهي أمر عدمي , لا وجودي , كما يقولون مثل ذلك في كونه يسمع أصوات العباد، ويرى أعمالهم وفي كونه كلم موسى وغيره، وكونه أنزل القرآن، أو نسخ منه ما نسخ، وغير ذلك؛ فإنه لم يتجدد عندهم إلا مجرد نسبة وإضافة بين الخالق والمخلوق , وهي أمر عدمي , لا وجودي.
وهكذا يقولون في استوائه على العرش إذا قالوا: إنه فوق العرش، وهذا قول ابن عقيل وغيره، وهو أول قولي القاضي أبي يعلى. ويسمى ابن عقيل هذه النسبة: الأحوال، ولعله يشبهها بالأحوال التي يثبتها من يثبتها من النظار، ويقولون: هي لا موجودة ولا معدومة، كما يقول ذلك أبو هاشم , والقاضيان: أبو بكر، وأبو يعلى , وأبو المعالي الجويني في أول قوليه.
وأكثر الناس خالفوهم في هذا الأصل , وأثبتوا له ـ تعالى ـ فعلًا قائمًا بذاته، وخلقًا غير المخلوق ـ ويسمى التكوين ـ وهو الذي يقول به قدماء الكُلابية , كما ذكره الثقفي والضُّبَعِي وغيرهما من أصحاب أبي بكر محمد بن خُزَيّمة في العقيدة؛ التي كتبوها وقرؤوها على أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة؛ لما وقع بينهم النزاع في [مسألة القرآن] . وهو آخر قولي القاضي أبي
(1/42)

يعلى وجمهور الحنفية والحنبلية وأئمة المالكية والشافعية، وهو الذي ذكره البغوي في [شرح السنة] عن أهل السنة، وذكره البخاري إجماع العلماء، كما بسط ذلك في مواضع أخر.
والأصل الثاني: نفيهم أن تقوم به أمور تتعلق بقدرته ومشيئته، ويسمون ذلك: [حلول الحوادث] فلما كانوا نفاة لهذا، امتنع عندهم أن يقوم به فعل اختياري، يحصل بقدرته ومشيئته، لا لازم ولا متعد، لا نزول ولا مجيء، ولا استواء ولا إتيان، ولا خلق، ولا إحياء، ولا إماتة، ولا غير ذلك. فلهذا فسروا قول السلف بالنزول بأنه يفعل ما يشاء، على أن مرادهم حصول مخلوق منفصل، لكن كلام السلف صريح في أنهم لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا الفعل الاختياري الذي يقوم به.
والفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ لم يرد أنه يخلو منه العرش، بل أراد مخالفة الجهمية؛ فإن قوله: [يفعل ما يشاء] لا يتضمن أنه لابد أن يكون تحت العرش بل كلامه من جنس كلام أمثاله من السلف، كالأوزاعي، وحماد بن زيد، وغيرهما. ومنهم من أنكر ما روى عن أحمد في رسالته إلى مُسَدَّد، وقال: راويها عن أحمد مجهول، لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البَرْدَعِيّ.
وأهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال:
منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني المقدسي وغيره.
ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده مصنفًا في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش، وسماه: [الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول] .
وذكر أنه سئل عن حديث أخرجه أبو سعيد النقاش في
(1/43)

[أقوال أهل السنة] ؛ عن أبي الحسن محمد بن على المروزي , عن محمد بن إبراهيم الدينوري، عن على بن أحمد بن محمد بن موسى، عن أحمد بن محمد البَرْدَعِي التميمي، قال: لما أشكل على مُسَدَّد بن مسرهد أمر السنة، وما وقع فيه الناس من [القدر] و [الرفض] و [الاعتزال] و [الإرجاء] , و [خلق القرآن] كتب إلى أحمد بن حنبل: أن أكتب إلىّ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد , ثم ذكر فيها: وينزل الله إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش، وعن حديث روي عن إسحاق بن راهويه في هذا المعنى.
وزعم عبد الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما وعن غيرهما، وحكمه عند أهل الأثر حكم حديث منكر، وقال: أحمد بن محمد البَرْدَعِيّ مجهول، لا يعرف في أصحاب أحمدمن اسمه [أحمد بن محمد] , فيمن روى عن أحمد بن محمد بن حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ، وأبي بكر الأثرم، وأحمد بن محمد بن الحجاج [هو أحمد بن محمد بن الحجاج، عالم بالفقه والحديث، وكان أجل أصحاب الإمام أحمد , وروى عنه مسائل كثيرة، ووصف بأنه كثير التصانيف، توفي سنة 275هـ] ، وأبي بكر المروزي [هو إمام محدث، ورحَّال صادق، من الثقات ببلخ، طوف وسمع الكثير، وخرج لنفسه معجمًا، توفي سنة 376هـ] ، وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي، وأحمد بن محمد الصائغ , وأحمد بن محمد بن غالب القاص غلام خليل، وأحمد بن محمد بن مزيد الوراق.
وزاد ابن الجوزي: أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي، وأحمد بن خالد أبا العباس البراني، وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة وأحمد بن محمد بن عبد الله ابن صالح الأسدي , وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي، وأحمد بن محمد بن يحيى الكحال , وأحمد بن محمد بن البخاري، وأحمد بن محمد بن بطة، وذكر أحمد ابن الحسن أبا الحسن الترمذي , وأحمد بن سعيد وقيل: أبو الأشعبة الترمذي.
وذكر في المحمدين: محمد بن إسماعيل الترمذي , قال: ولم يعد هذا فيمن روى عن مُسَدَّد أيضًا. قال: وهذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة على لفظ واحد
(1/44)

منهم: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، ومعاذ بن جبل، وأبو أمامة، وعُقْبَة بن عامر، وأبو ثعلبة الخُشَنِي، ورفاعة بن عَرَابة الجهَنِيّ، وعبادة بن الصامت، وعمر بن عَبْسَة، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله، وجُبَيْر بن مُطْعَم، وأنس بن مالك، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ولم يقل أحد منهم هذا اللفظ، ولا من رواه من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم.
ثم ساق الأحاديث بألفاظها، وذكر أن أحدًا منهم لم يقل هذا اللفظ. قال: وهو لفظ موافق لرأى من زعم أنه لا يخلو منه مكان، ورأى من زعم أنه ليس له مكان.
قال: وتأويل من تأول النزول على غير النزول مخالف لقول من قال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة، ولقوله: فلا يزال كذلك إلى الفجر.
قلت: القائلون بذلك لم يقولوا: إن هذا اللفظ في الحديث، وليس في الحديث أيضًا أنه لا يخلو منه العرش أو يخلو منه العرش، كما يدعيه المدعون لذلك، فليس في الحديث لا لفظ المثبتين لذلك، ولا لفظ النفاة له. وهؤلاء يقولون: إنهم يتأولون النزول على غير النزول، بل قد يكون من هؤلاء من ينفي نزولًا يقوم به، ويجعل النزول مخلوقًا منفصلًا عنه، وعامة رد ابن منده المستقيم إنما يتناول هؤلاء، لكنه زاد زيادات نسب لأجلها إلى البدعة؛ ولهذا كانوا يفضلون أباه أبا عبد الله عليه، وكان إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي وغيره يتكلمون فيه في ذلك، كما هو معروف عنهم.
قال عبد الرحمن: قال أبي في الرد على من تأول النزول على غير النزول، واحتج في إبطال الأخبار الصحاح بأحاديث موضوعة: وادعى المدبر أنه يقول بحديث النزول فحرفه على من حضر مجلسه، وأنكر في خطبته ما أنزل الله في كتابه من حجته، وما بين الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه ينزل بذاته، وتأول النزول على معنى الأمر والنهي، لا حقيقة النزول، وزعم
(1/45)

أن أئمتهم العارفين بالأصول ينزهون الله عن التنقلات، فأبطل جميع ما أخرج في هذا الباب إذ كان مذهبه غير ظاهر الحديث، واعتماده على التأويل الباطل والمعقول الفاسد.
وقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، نفي التشبيه من جميع الجهات وكل المعاني، ولكن البائس المسكين لم يجد الطريق إلى ثلب الأئمة إلا بهذا الطريق الذي هو به أولى، ثم قصد تعلىل حديث النزول بما لا يعد علة ولا خلافًا من قول الراوي [ينزل] و [يقول إذا مضى نصف الليل] وقال بعضهم: [ثلث الليل، ونصف الليل] قال ابن منده: وليس هذا اختلافًا ولكنه جهل، واحتج معها بحديث محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن زيد بن أبي أنيسة، عن طارق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنه يأمر مناديًا ينادي كل ليلة ".
وهذا حديث موضوع موافق لمذهبه. زعم أن يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي والبخاري ومسلمًا، أخرجوا في كتبهم مثل هؤلاء الضعفاء المتروكين ترددًا منه وجهلًا، وأعاد حديث أبي هشام الرفاعي عن حفص. رواه محاضر وغير واحد، قال: [إن الله ينزل كل ليلة] .
وكذلك حديث طارق رواه عن عبيد الله بن عمر، عن زيد بن أبي أنَيْسَة، عن طارق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله:" إن الله ينزل كل ليلة ".
وأما حديث الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، فقد تقدم الكلام عليه فيما ذكرنا، وليس في هذه الأحاديث ولا رواتها ما يصح، قال: ولو سكت عن معرفة الحديث كان أجمل به وأحسن؛ إذ قد سلب الله معرفته وأرسخ في قلبه تبطيل الأخبار الصحاح، واعتماد معقوله الفاسد.
قلت: فهذا نقل عبد الرحمن لكلام أبيه، وأبوه أعلم منه وأفقه وأسد قولًا. ثم قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده هذا، قال: حدثنا محمد بن محمد بن الحسن، ثنا عبد الله
(1/46)

بن محمد الوراق , ثنا زكريا بن يحيى الساجي، ثم قال عبد الرحمن: حدثني أحمد بن نصر قال: كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه رجل كلاميُّ من أصحاب الكلام فقال له: تقولون: إن الله على عرشه لا يزول، ثم تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ فقال: عن حماد بن زيد: إن الله على عرشه، ولكن يقرب من خلقه كيف شاء.
قال عبد الرحمن: ومن زعم أن حماد بن زيد وسليمان بن حرب، أرادا بقولهما: يقرب من خلقه كيف شاء؛ أرادا ألا يزول عن مكانه؛ فقد نسبهما إلى خلاف ما ورد في الكتاب والسنة.
قال: وحدثنا عبد الصمد بن محمد المعاصمي ببلخ، أنبأنا إبراهيم بن أحمد المستملي، قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حراش، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن زياد، حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أومن برب يزول عن مكانه، فقل له: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
قال: رواه جماعة عن فضيل بن عياض، قال: ولم يرد به أحد أن الله يفعل ما ذهب إليه الزنادقة، فلا يبقى خلاف بين من يقول: أنا أكفر برب ينزل ويصعد وبين من يقول: أنا أومن برب لا يخلو منه العرش في إبطال ما نطق به الكتاب والسنة. ثم روى بإسناده عن الفضيل بن عياض: إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب ينزل ويصعد، فقل: آمنت برب يفعل ما يشاء.
قلت: زكريا بن يحيى الساجي أخذ عنه أبو الحسن الأشعري ما أخذه من أصول أهل السنة والحديث، وكثير مما نقل في كتاب [مقالات الإسلاميين] من مذهب أهل السنة والحديث، وذكر عنهم ما ذكره حماد بن زيد من أنه فوق العرش، وأنه يقرب من خلقه كيف شاء.
ومعنى ذلك عنده وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته، أنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا، كما قال: إنه يخلق في العرش معنى يسميه استواء. وهو عند الأشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل , بل يجعل أفعاله اللازمة كالنزول والاستواء كأفعاله المتعدية كالخلق والإحسان , وكل ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه.
(1/47)

والأشعري وأئمة أصحابه كالقاضي أبي بكر وغيره يقولون: إن الله فوق العرش بذاته، ولكن يقولون في النزول ونحوه من الأفعال هذا القول بناء على أصلهم في نفي قيام الحوادث به , والسلف الذين قالوا: يفعل ما يشاء، وينزل كيف شاء وكما شاء , والفضيل بن عياض الذي قال: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء ـ مرادهم نقيض هذا القول. ورد أبي عبد الله بن منده متناول لهؤلاء , وعلى هذا فلا يبقى خلاف بين من يقول: ينزل ويصعد , وبين من ينفي ذلك , وذلك لأن الأفعال المنفصلة لم ينازع فيها أحد من المسلمين، فعلم أن مراد هؤلاء إثبات الفعل الاختياري القائم به؛ ولكنهم مع هذا ليس في كلامهم أنهم كانوا يعتقدون خلو العرش منه، وأنه لا يبقى فوق العرش؛ كما ذكره عبد الرحمن وزعم أنه معنى الحديث.
وروى بإسناده من [كتاب السنة] لعبد الله بن أحمد بن حنبل قال: أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن، حدثني أبي، ثنا أحمد بن محمد بن عمر اللبناني، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل , ثنا أبي , ثنا موسى بن داود أبو معمر، ثنا عباد بن العوام، قال: قدم علىنا شَرِيك فسألته عن الحديث [إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان] . قلنا: إن قومًا ينكرون هذه الأحاديث! ! قال: فما يقولون؟ قلنا: يطعنون فيها , فقال: إن الذين جاءوا بهذه الأحاديث هم الذين جاءوا بالقرآن وبالصلاة وبالحج وبالصوم، فما يعرف الله إلا بهذه الأحاديث.
قال: وأما حديث إسحاق بن راهويه , فرواه إسماعيل الترمذي وذكر عن ابن أبي حاتم أنهم تكلموا فيه. قال: والحديث حدث به أحمد بن موسى بن بُرَيْدة , عن أحمد ابن عبد الله بن محمد بن بشير، عن الترمذي: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: اجتمعت الجهمية إلى عبد الله بن طاهر يومًا فقالوا له: أيها الأمير , إنك تقدم إسحاق وتكرمه وتعظمه، وهو كافر يزعم أن الله ـ عز وجل ـ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة ويخلو منه العرش. قال: فغضب عبد الله وبعث إلى , فدخلت عليه وسلمت، فلم يرد على السلام غضبًا ولم يستجلسني، ثم رفع
(1/48)

رأسه وقال لي: ويلك يا إسحاق، ما يقول هؤلاء؟ قال: قلت: لا أدري، قال: تزعم أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة ويخلو منه العرش؟ فقلت: أيها الأمير، لست أنا قلته، قاله النبي صلى الله عليه وسلم: ثنا أبو بكر بن عياش، عن إسحاق، عن الأغر بن مسلم أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ينزل الله إلى سماء الدنيا في كل ليلة فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له " ولكن مرهم يناظروني. قال فلما ذكرت له النبي صلى الله عليه وسلم، سكن غضبه، وقال لي اجلس، فجلست. فقلت: مرهم أيها الأمير يناظروني. قال: ناظروه، قال: فقلت لهم: يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش أم لا يستطيع؟ قال: فسكتوا وأطرقوا رؤوسهم. فقلت: أيها الأمير، مرهم يجيبوا، فسكتوا. فقال: ويحك يا إسحاق، ماذا سألتهم؟ قال: قلت: أيها الأمير! قل لهم يستطيع أن ينزل؛ ولا يخلو منه العرش أم لا؟ قال: فإيش هذا؟ قلت: إن زعموا أنه لا يستطيع أن ينزل إلا أن يخلو منه العرش، فقد زعموا أن الله عاجز مثلي ومثلهم، وقد كفروا. وإن زعموا أنه يستطيع أن ينزل ولا يخلو منه العرش، فهو ينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء، ولا يخلو منه المكان.
قال عبد الرحمن: والصحيح مما جرى بين إسحاق وعبد الله بن طاهر ما أخبرنا أبي: ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، ثنا محمد بن حاتم، سمعت إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذه الأحاديث التي تروونها في النزول ـ يعني وغير ذلك ـ ما هي؟ قلت: أيها الأمير، هذه أحاديث جاءت مجيء الأحكام والحلال والحرام، ونقلها العلماء، فلا يجوز أن ترد، هي كما جاءت بلا كيف، فقال عبد الله: صدقت، ما كنت أعرف وجوهها إلى الآن.
قال عبد الرحمن: ولا يخلو منه المكان كيفية تهدم النزول، وتبطل قول من يقول: هي كما جاءت بلا كيف، فيقال: بل مخاطبة إسحاق لعبد الله بن طاهر كان فيها زيادة على هذه الرواية كما ثبت ذلك في غير هذه الرواية؛ ولكن هذه المخاطبات والمناظرات ينقل منها هذا ما لا ينقل غيره، كما نقلوا في مناظرة أحمد بن حنبل وغيره، هذا ينقل ما لا ينقله هذا، كما نقل صالح وعبد الله والمروزي وغيرهم وكلهم ثقات، وإسحاق بسط الكلام مع ابن طاهر.
(1/49)

قال الشيخ أبو عثمان النيسابوري الصابوني، الملقب بشيخ الإسلام، في رسالته في السنة قال: ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ فوق سبع سمواته على عرشه، كما نطق به كتابه في قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] وذكر عدة آيات من ذلك؛ فإن هذا ذكره الله في سبعة مواضع من القرآن، قال: وأهل الحديث يثبتون في ذلك ما أثبته الله ـ تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب ـ جل جلاله ـ في خبره، ويطلقون ما أطلقه الله ـ سبحانهـ من استوائه على عرشه ويمرون ذلك على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله ـ تعالى ـ و {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [آل عمران: 7] .
وروى بإسناده من طريقين أن مالك بن أنس سئل عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول , والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالًا، وأمر أن يخرج من المجلس. وروى بإسناده الثابت عن عبد الله بن المبارك أنه قال: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: بأنه هاهنا، وأشار بيده إلى الأرض.
وقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ـ يعني الحاكم ـ في كتاب [التاريخ] الذي جمعه لأهل نيسابور , وفي كتاب [معرفة أصول الحديث] اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ , سمعت الإمام أبا بكر محمد ابن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سمواته، فهو كافر به، حلال الدم يستتاب , فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، وألقى على بعض المزابل.
قال الشيخ أبو عثمان: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف , بل يثبتون ما أثبته رسول
(1/50)

صلى الله عليه وسلم , وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ وكذلك يثبتون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] ، وقوله عز وجل: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] .
وقال: أخبرنا أبو بكر بن زكريا , سمعت أبا حامد الشرقي , سمعت حمدان السلمى وأبا داود الخفاف، قالا: سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب , هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا " كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب: كيف! إنما ينزل بلا كيف.
قال: وسمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري، سمعت إبراهيم بن أبي طالب، سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم أبا عبد الله الرِّبَاطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال: نعم , فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب , أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ ! قال: نعم، قال: كيف ينزل؟ فقال إسحاق: أثبته فوق. فقال: أثبته فوق. فقال إسحاق: قال الله عز وجل: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] ، فقال الأمير عبد الله: هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير، من يجىء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ ! .
وقال أبو عثمان: قرأت في رسالة أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، على ما صح به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} ِ [البقرة: 210] وقال: {وَجَاء
(1/51)

رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] , نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء ـ سبحانه ـ أن يبين كيف ذلك فعل؛ فانتهينا إلى ما أحكمه , وكففنا عن الذي يتشابه , إذ كنا قد أمرنا به في قوله: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [آل عمران: 7] . وروى عبد الرحمن بن منده بإسناده عن حرب بن إسماعيل , قال: سألت إسحاق ابن إبراهيم , قلت: حديث النبي صلى الله عليه وسلم (ينزل الله إلى السماء الدنيا) قال: نعم ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا كما شاء وكيف شاء، وقال: عن حرب: لا يجوز الخوض في أمر اللَّه ـ تعالى ـ كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين؛ لقول اللَّه تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] . وروى ـ أيضًا ـ عن حرب قال: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الحديث والأثر وأهل السنة المعروفين بها، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والحميدي وغيرهم. كان قولهم: إن اللَّه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء , {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] . وروي ـ أيضًا ـ عن حرب: قال: قال إسحاق بن إبراهيم: لا يجوز لأحد أن يتوهم على الخالق بصفاته وأفعاله توهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين؛ وذلك أنه يمكن أن يكون موصوفًا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثاها إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله؛ لأنه الخالق يصنع كيف شاء.وروى ـ أيضًا ـ عن محمد بن سلام، قال: سأل فضالةُ عبدَ الله بن المبارك عن النزول ليلة النصف من شعبان؛ فقال عبد الله: يا ضعيف، تجد خداي خوشيركن ينزل كيف شاء.
(1/52)

وروى عن ابن المبارك قال: من قال لك: يا مشبه، فاعلم أنه جهمي. وقال عبد الرحمنبن منده: إياك أن تكون فيمن يقول: أنا أومن برب يفعل ما يشاء، ثم تنفي ما في الكتاب والسنة مما شاء اللَّه وأوجب على خلقه الإيمان به: أفاعيله كل ليلة أن ينزل بذاته من العرش إلى السماء الدنيا، والزنادقة ينكرونه بزعمهم أن اللَّهَ لا يخلو منه مكان.
وروى حديث مرفوع من طريق نعيم بن حماد، عن جرير , عن ليث , عن بشر , عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أراد الله أن ينزل عن عرشه نزل بذاته ". قلت: ضعف أبو القاسم إسماعيل التميمي وغيره من الحفاظ هذا اللفظ مرفوعًا، ورواه ابن الجوزي في [الموضوعات] ,، وقال أبو القاسم التميمي: [ينزل] معناه صحيح أنا أقر به ,، لكن لم يثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ,، وقد يكون المعنى صحيحًا وإن كان اللفظ نفسه ليس بمأثور , كما لو قيل: إن الله هو بنفسه وبذاته خلق السموات والأرض، وهو بنفسه وذاته كلم موسى تكليما، وهو بنفسه وذاته استوى على العرش؛ ونحو ذلك من أفعاله التي فعلها هو بنفسه، وهو نفسه فعلها؛ فالمعنى صحيح، وليس كل ما بين به معنى القرآن والحديث من اللفظ يكون من القرآن ومرفوعًا.
فهذا تلخيص ما ذكره عبد الرحمن بن منده، مع أنه استوعب طرق هذا الحديث وذكر ألفاظه مثل قوله: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل الأول , فيقول: أنا الملك، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك إلى الفجر) . وفي لفظ: (إذا بقي من الليل ثلثاه يهبط الرب إلى سماء الدنيا) وفي لفظ: " حتى ينشق الفجر ثم يرتفع "، وفي رواية يقول: "لا أسأل عن عبادي غيري , من ذا الذي يسألني فأعطيه "، وفي رواية عمرو بن عبسة: "أن الرب يتدلى في جوف الليل إلى السماء الدنيا "، وفي لفظ: " حتى ينشق الفجر، ثم يرتفع " وذكر نزوله عشية عرفة من عدة طرق، وكذلك ليلة النصف من شعبان ,، وذكر نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام،
(1/53)

وحديث يوم المزيد في يوم الجمعة من أيام الآخرة، وما فيه من ذكر نزوله وارتفاعه، وأمثال ذلك منالأحاديث، وهو ينكر على من يقول: إنه لا يخلو منه العرش , ويجعل هذا مثل قول من يقول: إنه في كل مكان، ومن يقول: إنه ليس في مكان.
وكلامه من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين: قول من يقول: إنه ينزل نزولًا يخلو منه العرش.
وقول من يقول: ما ثم نزول أصلًا كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته باختياره.
وهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضى تفريغ مكان وشغل آخر. ثم منهم من ينفي النزول عنه، ينزهه عن مثل ذلك. ومنهم من أثبت له نزولًا من هذا الجنس، يقتضى تفريغ مكان وشغل آخر، فأولئك يقولون: هذا القول باطل , فتعين الأول , كما يقول من يقابلهم: ذلك القول باطل فتعين الثاني. وهو يحمل كلام السلف [يفعل ما يشاء] على أنه نزول يخلو منه العرش، ومن يقابله يحمله أن المراد مفعول منفصل عن الله.
وفي الجملة، فالقائلون بأنه يخلو منه العرش طائفة قليلة من أهل الحديث. وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنة، ولم ينقل عن أحد منهم بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه، وما ذكره عبد الرحمن من تضعيف تلك الرواية عن إسحاق، فقد ذكرنا الرواية الأخرى الثابتة التي رواها ابن بطة وغيره، وذكرنا ـ أيضًا ـ اللفظ الثابت عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد , رواه الخلال وغيره.
وأما رسالة أحمد بن حنبل إلى مُسَدَّد بن مسرهد، فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم، تلقوها بالقبول، وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة في كتاب [الإبانة] ، واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى وكتبها بخطه.
(1/54)

فصل
وقد تأول قوم ـ من المنتسبين إلى السنة والحديث ـ حديث النزول ـ وما كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم؛ كالإتيان والمجيء , والهبوط ونحو ذلك , ونقلوا في ذلك قولا لمالك، ولأحمد بن حنبل حتى ذكر المتأخرون من أصحاب أحمد ـ كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره ـ عن أحمد في تأويل هذا الباب روايتين، بخلاف غير هذا الباب , فإنه لم ينقل عنه في تأويله نزاعًا.
وطرد ابن عقيل الروايتين في [التأويل] في غير هذه الصفة، وهو تارة يوجب التأويل، وتارة يحرمه، وتارة يسوغه.
والتأويل عنده تارة للصفات الخبرية مطلقًا ويسميها الإضافات ـ لا الصفات ـ موافقة لمن أخذ ذلك عنه من المعتزلة , كأبي علي بن الوليد , وأبي القاسم بن التَّبَّان ـ وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري ـ وأبو الفرج بن الجوزي مع ابن عقيل على ذلك في بعض كتبه، مثل [كف التشبيه بكف التنزيه] ، ويخالفه في بعض كتبه.
والأكثرون من أصحاب أحمد لم يثبتوا عنه نزاعًا في التأويل , لا في هذه الصفات ولا في غيرها.
وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية، أن أحمد لم يتأول إلا [ثلاثة أشياء] : " الحجر الأسود يمين الله في الأرض "، و " قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن "، و " إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن ": فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد , ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه. وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف، لا علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال.
وأيضًا، وقع النزاع بين أصحابه: هل اختلف اجتهاده في تأويل المجيء والإتيان، والنزول ونحو ذلك؟ لأن حنبلًا نقل عنه في [المحنة] أنهم لما احتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " تجيء البقرة، وآل عمران، كأنهما غَمَامَتَان، أو غَيَايَتَان، أو فِرْقَان من طَيْرٍ صَوَافَّ "
(1/55)

ونحو ذلك من الحديث الذي فيه إتيان القرآن ومجيئه. وقالوا له: لا يوصف بالإتيان والمجيء إلا مخلوق؛ فعارضهم أحمد بقوله: وأحمد وغيره من أئمة السنة ـ فسروا هذا الحديث بأن المراد به مجيء ثواب البقرة وآل عمران، كما ذكر مثل ذلك من مجيء الأعمال في القبر وفي القيامة , والمراد منه ثواب الأعمال.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: " اقرءوا البقرة وآل عمران، فإنهما يجيئان يوم القيامة كأنهما غَيَايَتان، أو غَمامتان، أو فِرْقان من طير صَوَافَّ , يحاجان عن أصحابهما" وهذا الحديث في الصحيح: فلما أمر بقراءتهما وذكر مجيئهما يحاجان عن القارئ، علم أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما وهو عمله، وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلاوة لهما في الصورة التي ذكرها، كما أخبر بمجيء غير ذلك من الأعمال.
وهذا فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع: هل يقلب الله العمل جوهرًا قائمًا بنفسه أم الأعراض لا تنقلب جواهر؟ وكذلك قوله: "يؤتى بالموت في صورة كَبْشٍ أمْلَحَ " [أي بياضه أكثر من سواده] .
والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بمجيء القرآن في هذه الصورة أراد به الإخبار عن قراءة القارئ التي هي عمله , وذلك هو ثواب قارئ القرآن , ليس المراد به أن نفس كلامه الذي تكلم به , وهو قائم بنفسه يتصور صورة غمامتين. فلم يكن في هذا حجة للجهمية على ما ادعوه.
ثم إن الإمام أحمد في المحنة عارضهم بقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] . قال: قيل: إنما يأتي أمره هكذا نقل حنبل , ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في [المحنة] كعبد الله بن أحمد , وصالح بن أحمد، والمروزي وغيره، فاختلف أصحاب أحمد في ذلك.
فمنهم من قال: غلط حنبل، لم يقل أحمد هذا. وقالوا: حنبل له غلطات معروفة وهذا منها , وهذه طريقة أبي إسحاق بن شاقلا.
ومنهم من قال: بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم. يقول: إذا كان أخبر عن نفسه بالمجيء والإتيان ولم يكن ذلك دليلًا على أنه مخلوق، بل تأولتم ذلك على أنه جاء
(1/56)

أمره , فكذلك قولوا: جاء ثواب القرآن , لا أنه نفسه هو الجائي , فإن التأويل هنا ألزم , فإن المراد هنا الإخبار بثواب قارئ القرآن، وثوابه عمل له لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن.
فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه ثم تأولتم ذلك بأمره فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجيء ثوابه بطريق الأولى والأحرى.
وإذا قاله لهم على سبيل الإلزام لم يلزم أن يكون موافقًا لهم عليه، وهو لا يحتاج إلى أن يلتزم هذا. فإن هذا الحديث له نظائر كثيرة فيمجيء أعمال العباد، والمراد مجيء قراءة القارئ التي هي عمله، وأعمال العباد مخلوقة، وثوابها مخلوق.
ولهذا قال أحمد , وغيره من السلف: إنه يجيء ثواب القرآن , والثواب إنما يقع على أعمال العباد لا على صفات الرب وأفعاله.
وذهب طائفة ثالثة من أصحاب أحمد إلى أن أحمد قال هذا: ذلك الوقت، وجعلوا هذا رواية عنه، ثم من يذهب منهم إلى التأويل ـ كابن عقيل وابن الجوزي وغيرهما ـ يجعلون هذه عمدتهم؛ حتى يذكرها أبو الفرج بن الجوزي في تفسيره، ولا يذكر من كلام أحمد والسلف ما يناقضها.
ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين أنه لا يقول: إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك.
والذين ذكروا عن أحمد في تأويل النزول ونحوه من [الأفعال] لهم قولان:
منهم من يتأول ذلك بالقصد، كما تأول بعضهم قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [فصلت: 11] بالقصد، وهذا هو الذي ذكره ابن الزاغوني.
ومنهم من يتأول ذلك بمجيء أمره ونزول أمره، وهو المذكور في رواية حنبل.
وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ـ كالقاضي أبي يعلى وغيره ممن يوافق أبا الحسن الأشعري ـ على أن [الفعل] هو المفعول؛ وأنه لا يقوم بذاته فعل اختياري. يقولون: معنى النزول والاستواء وغير ذلك: أفعال يفعلها الرب في المخلوقات. وهذا هو المنصوص عن أبي الحسن الأشعري وغيره،
(1/57)

قالوا: الاستواء فعل فعله في العرش كان به مستويًا، وهذا قول أبي الحسن بن الزاغوني.
وهؤلاء يدعون أنهم وافقوا السلف، وليس الأمر كذلك، كما قد بسط في موضعه.
وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك، رويت من طريق كاتبه حبيب بنأبي حبيب، لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل، لا يقبل أحد منهم نقله عن مالك، ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر، وفي إسنادها من لا نعرفه.
واختلف أصحاب أحمد وغيرهم ـ من المنتسبين إلى السنة والحديث ـ في النزول والإتيان، والمجيء وغير ذلك: هل يقال: إنه بحركة وانتقال؟ أم يقال بغير حركة وانتقال؟ أم يمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوال، ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب [اختلاف الروايتين والوجهين] :
فالأول: قول أبي عبد الله بن حامد وغيره.
والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته.
والثالث: قول أبي عبد الله بن بطة وغيره.
ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى، وهو قول كثير منهم، كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد الرحمن وغيره.
ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ، وهم في المعنى منهم من يتصوره مجملًا، ومنهم من يتصوره مفصلًا؛ إما مع الإصابة، وإما مع الخطأ.
والذين أثبتوا هذه رواية عن أحمد هم، وغيرهم ـ ممن ينتسب إلى السنة والحديث ـ لهم في تأويل ذلك قولان:
أحدهما: أن المراد به إثبات أمره ومجيء أمره.
والثاني: أن المراد بذلك عمده وقصده. وهكذا تأول هؤلاء قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] قالوا: قصد وعمد.
وهذا تأويل طائفة من أهل العربية، منهم أبو محمد عبد الله بن قتيبة، ذكر في كتاب [مختلف الحديث] له، الذي رد فيه على أهل الكلام، الذين يطعنون في الحديث، فقال: قالوا: حديث في التشبيه يكذبه القرآن والإجماع. قالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ينزل الله ـ تبارك وتعالى ـ إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من داع
(1/58)

فأستجيب له؟ أو مستغفر فأغفر له؟ "، و "ينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة) . و " ينزل ليلة النصف من شعبان ". وهذا خلاف لقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] ، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] .
فقد أجمع الناس أنه يكون بكل مكان، ولا يشغله شأن عن شأن.
ونحن نقول في قوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] أنه معهم بالعلم بما هم عليه، كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع، ووكلته بأمر من أمرك: احذر التقصير والإغفال لشيء مما تقدمت فيه إليك، فإني معك؛ يريد: أنه لا يخفي علىّ تقصيرك أو جدك بالإشراف عليك، والبحث عن أمورك، فإذا جاز هذا في المخلوق والذي لا يعلم الغيب، فهو في الخالق الذي يعلم الغيب أجوز.
وكذلك هو بكل مكان يراك، لا يخفي عليه شيء مما في الأماكن، هو فيها بالعلم بها والإحاطة، فكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل مكان على الحلول، مع قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] أي: استقر، قال الله تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 28] أي: استقررت، ومع قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .
وكيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرتفع إليه عمل هو عنده؟ وكيف تعرج الملائكة والروح يوم القيامة؟ وتعرج بمعنى: تصعد، يقال: عرج إلى السماء: إذا صعد، والله ذو المعارج، والمعارج: الدرج. فما هذه الدرج؟ فإلى من تؤدي الملائكة الأعمال إذا كان بالمحل الأعلى مثله بالمحل الأدنى؟
ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم، وما رُكِبَتْ عليه خلقتهم، من معرفة الخالق، لعلموا أن اللَّه هو العلي وهو الأعلى، وبالمكان الرفيع، وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه، والأيدي ترتفع بالدعاء إليه. ومن العلو يرجى الفرج، ويتوقع النصر والرزق.
وهناك الكرسي والعرش، والحجب والملائكة. يقول الله تبارك وتعالى: {وَلَهُ مَن فِي
(1/59)

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19،20] . وقال في الشهداء: {أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] قيل لهم: شهداء؛ لأنهم يشهدون ملكوت الله، واحدهم شهيد، كما يقال: علىم وعلماء، وكفيل وكفلاء.
وقال عز وجل: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا} [الأنبياء: 17] أي: لاتخذنا ذلك عندنا لا عندكم؛ لأن زوجة الرجل وولده يكونان عنده بحضرته لا عند غيره.
والأمم كلها ـ عجمها وعربها ـ تقول: إن الله ـ عز وجل ـ في السماء، ما تركت على فطرتها، ولم تنقل عن ذلك بالتعليم.
وفي الحديث: أن رجلًا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأمَةٍ أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين اللَّه؟ " قالت: في السماء. قال: " من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، فقال:" هي مؤمنة " وأمره بعتقها. وقال أمية بن أبي الصَّلْت:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرًا
بالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س وسوى فوق السماء سريرا
شَرْجَعًا ما يناله بصر العيـ ... ـن ترى دونه الملائك صُورًا
وصُورًا جمع أصْوَر، وهو المائل العنق، وهكذا قيل في حملة العرش صور، وكل من حمل شيئًا ثقيلًا على كاهله أو على منكبه، لم يجد بدًا من أن يميل عنقه.
وفي [الإنجيل] : أن المسيح ـ عليه السلام ـ قال: " لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم ـ الذي في السماء ـ يغفر لكم كلكم، انظروا إلى طير السماء، فإنهن لا يزرعن، ولا يحصدن، ولا يجمعن في الأهواء، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهم، أفلستم أفضل منهن؟ " ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب.
قال ابن قتيبة: وأما قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] ، فليس في ذلك ما يدل على الحلول بهما، وإنما أراد أنه إله السماء ومن فيها وإله الأرض ومن
(1/60)

فيها. ومثل هذا من الكلام قولك: هو بخراسان أمير، وبمصر أمير، فالإمارة تجتمع له فيهما، وهو حال بأحدهما أو بغيرهما. هذا واضح لا يخفي.
فإن قال لنا: كيف النزول منه جل وعز؟ قلنا: لا نحكم على النزول منه بشيء، ولكنا نبين كيف النزول منا، وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ، والله أعلم بما أراد.
والنزول منا يكون بمعنيين:
أحدهما: الانتقال من مكان إلى مكان، كنزولك من الجبل إلى الحضيض، ومن السطح إلى الدار.
والمعنى الآخر: إقبالك إلى الشيء بالإرادة والنية. كذلك الهبوط والارتفاع والبلوغ والمصير، وأشباه هذا من الكلام.
ومثال ذلك: إن سألك سائل عن محل قوم من الأعراب ـ وهو لا يريد المصير إليهم ـ فتقول له: إذا صرت إلى جبل كذا فانزل منه وخذ يمينًا، وإذا صرت إلى وادي كذا فاهبط فيه ثم خذ شمالًا، وإذا سرت إلى أرض كذا فَاعْلُ هضبة هناك حتى تشرف عليهم، وأنت لا تريد في شيء مما تقوله افعله ببدنك، إنما تريد افعله بنيتك وقصدك.
وقد يقول القائل: بلغت إلى الأحزاب تشتمهم، وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم، وجئت إلى العلم تزهد فيه، ونزلت عن معالي الأخلاق إلى الدناءة، ليس يراد في شيء من هذا انتقال الجسم، وإنما يراد به القصد إلى الشيء بالإرادة والعزم والنية، وكذلك قوله: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] لا يراد به أنه معهم بالحلول؛ ولكن بالنصر والتوفيق والحياطة.
وكذلك قوله عز وجل:: "من تَقَرَّب مني شبرًا تَقَرَّبت منه ذِراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلَةً "
قال: وثنا عن عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب بن مُنَبِّه؛ "أن موسى ـ عليه السلام ـ لما نودي من الشجرة {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] أسرع الإجابة، وتابع التلبية، وما كان ذلك إلا استئناسًا منه بالصوت، وسكونًا إليه.
وقال: إني أسمع صوتك، وأحس حسك، ولا أدري مكانك، فأين أنت؟ قال:: أنا فوقك، وأمامك وخلفك، ومحيط بك وأقرب إليك من نفسك": يريد: إني أعلم بك منك؛ لأنك إذا نظرت إلى ما بين يديك خفي عليك ما وراءك، وإذا
(1/61)

سموت بطرفك إلى ماهو فوقك ذهب عنك علم ما تحتك، وأنا لا يخفي عليّ خافية منك في جميع أحوالك.
ونحو هذا قول رابعة العابدة العدوية قالت: شَغَلُوا قلوبهم عن الله بحُبِّ الدنيا، ولو تركوها لجالت في الملكوت، ثم رجعت إليهم بطرف الفائدة، ولم ترد أن أبدانهم وقلوبهم تجول في السماء بالحلول، ولكن تجول هناك بالفكر والقصد والإقبال.
وكذلك قول أبي ممندية الأعرابي قال: اطلعت في النار فرأيت الشعراء لهم كظيظ، يعني التقاء، وأنشد فيه:
جياد بها صرعى لهن كظيظ
ولو قال قائل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اطَّلَعْتُ في الجنة، فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ": إن اطلاعه فيها كان بالفكرة والإقبال كان حسنًا.
قلت: وتأويل المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك ـ بمعنى القصد والإرادة ونحو ذلك ـ هو قول طائفة. وتأولوا ذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [البقرة: 29] وجعل ابن الزاغوني وغيره ذلك: هو إحدى الروايتين عن أحمد.
والصواب: أن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئًا منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث ـ أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة السنة.
ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الأئمة، وتكون إما غلطًا أو محرفة، كما تقدم من أن قول الأوزاعي وغيره من أئمة السلف في النزول [يفعل الله ما يشاء] فسره بعضهم أن النزول مفعول مخلوق، منفصل عن الله، وأنهم أرادوا بقولهم: [يفعل الله ما يشاء] هذا المعنى وليس الأمر كذلك، كما تقدمت الإشارة إليه.
وآخرون ـ كالقاضي أبي يعلى في [إبطال التأويل]ـ قالوا: لم يرد الأوزاعي أن النزول من صفات الفعل، وإنما أراد بهذا الكلام بقوله: {وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء} وشبهوا ذلك بقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ
(1/62)

مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26ـ 28] ، فزعموا أن قوله ـ سبحانه ـ ليس تنزيهًا له عن اتخاذ الولد ـ بناء على أصلهم الفاسد، وهو أن الرب لا ينزه عن فعل من الأفعال ـ بل يجوز عليه كل ما يقدر عليه.
وكذلك جعلوا قول الأوزاعي وغيره: أن النزول ليس بفعل يشاؤه الله؛ لأنه عندهم من صفات الذات لا من صفات الفعل، بناء على أصلهم، وأن الأفعال الاختيارية لا تقوم بذات الله؛ فلو كان صفة فعل لزم ألا يقوم بذاته، بل يكون منفصلًا عنه.
وهؤلاء يقولون: النزول من صفات الذات، ومع هذا فهو عندهم أزلي كما يقولون مثل ذلك في الاستواء، والمجيء، والإتيان، والرضا، والغضب، والفرح، والضحك، وسائر ذلك: إن هذا جميعه صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية، لا تتعلق بمشيئته واختياره؛ بناء على أصلهم الذي وافقوا فيه ابن كلاب، وهو أن الرب لا يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته واختياره، بل من هؤلاء من يقول: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يقوم به فعل يحدث بمشيئته واختياره.
بل من هؤلاء من يقول: إن الفعل قديم أزلي، وإنه مع ذلك يتعلق بمشيئته وقدرته، وأكثر العقلاء يقولون: فساد هذا معلوم بضرورة العقل؛ كما قالوا مثل ذلك في قول من قال من المتفلسفة: إن الفلك قديم أزلي، وأنه أبدعه بقدرته ومشيئته.
وجمهور العقلاء يقولون: الشيء المعين من الأعيان والصفات إذا كان حاصلًا بمشيئة الرب وقدرته لم يكن أزليًا.
فلما كان من أصل ابن كلاب ومن وافقه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، والقضاة أبي بكر بن الطيب، وأبي يعلى بن الفراء، وأبي جعفر السماني، وأبي الوليد الباجي وغيرهم من الأعيان، كأبي المعالي الجويني وأمثاله؛ وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهما: أن الرب لا يقوم به ما يكون بمشيئته وقدرته، ويعبرون عن هذا بأنه لا تحله الحوادث، ووافقوا في ذلك للجهم ابن صفوان، وأتباعه من الجهمية والمعتزلة، صاروا فيما ورد في الكتاب والسنة من صفات الرب، على أحد قولين:
إما أن يجعلوها كلها مخلوقات منفصلة عنه. فيقولون: كلام الله مخلوق بائن عنه، لا يقوم به
(1/63)

كلام. وكذلك رضاه، وغضبه، وفرحه، ومجيئه وإتيانه، ونزوله وغير ذلك، هو مخلوق منفصل عنه، لا يتصف الرب بشيء يقوم به عندهم.
وإذا قالوا: هذه الأمور من صفات الفعل، فمعناه: أنها منفصلة عن الله بائنة، وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به.
ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول: آيات الصفات وأحاديث الصفات.
وإما أن يجعلوا جميع هذه المعاني قديمة أزلية، ويقولون: نزوله ومجيئه، وإتيانه وفرحه، وغضبه ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي، كما يقولون: إن القرآن قديم أزلي.
ثم منهم من يجعله معنى واحدًا، ومنهم من يجعله حروفًا، أو حروفًا وأصواتًا قديمة أزلية، مع كونه مرتبًا في نفسه. ويقولون: فرق بين ترتيب وجوده، وترتيب ماهيته، كما قد بسطنا الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع على هذه الأقوال وقائليها، وأدلتها السمعية والعقلية في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أنه ليس شيء من هذه الأقوال قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا قول أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة ـ أئمة السنة والجماعة وأهل الحديث ـ كالأوزاعي، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأمثالهم ـ بل أقوال السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم من أئمة الدين، وعلماء المسلمين، موجودة في الكتب التي ينقل فيها أقوالهم بألفاظها، بالأسانيد المعروفة عنهم.
كما يوجد ذلك في كتب كثيرة، مثل كتاب [السنة] و [الرد على الجهمية] لمحمد بن عبد الله الجعفي، شيخ البخاري؛ ولأبي داود السجستاني، ولعبد الله بن أحمد بن حنبل، ولأبي بكر الأثرم، ولحنبل بن إسحاق، ولحرب الكرماني، ولعثمان بن سعيد الدارمي، ولنعيم بن حماد الخزاعي، ولأبي بكر الخلال، ولأبي بكر بن خزيمة، ولعبد الرحمن بن أبي حاتم، ولأبي القاسم الطبراني، ولأبي الشيخ الأصبهاني، ولأبي عبد الله بن منده، ولأبي عمرو الطلمنكي، وأبي عمر بن عبد البر.
(1/64)

وفي كتب التفسير المسندة قطعة كبيرة من ذلك، مثل تفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ودُحَيْم وسُنَيْد، وابن جرير الطبري، وأبي بكر بن المنذر، وتفسير عبد الرحمن ابن أبي حاتم، وغير ذلك من كتب التفسير، التي ينقل فيها ألفاظ الصحابة والتابعين، في معاني القرآن بالأسانيد المعروفة.
فإن معرفة مراد الرسول ومراد الصحابة هو أصل العلم، وينبوع الهدى، وإلا فكثير ممن يذكر مذهب السلف ويحكيه لا يكون له خبرة بشيء من هذا الباب، كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها. أنه لا يفهم أحد معانيها؛ لا الرسول ولا غيره، ويظنون أن هذا معنى قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} [آل عمران: 7] مع نصرهم للوقف على ذلك؛ فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآنًا لا يفهم معناه، بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها، وأن جبريل كذلك، وأن الصحابة والتابعين كذلك.
وهذا ضلال عظيم، وهو أحد أنواع الضلال في كلام الله والرسول صلى الله عليه وسلم، ظن أهل التخييل، وظن أهل التحريف والتبديل، وظن أهل التجهيل. وهذا مما بسط الكلام عليه في مواضع، والله يهدينا وسائر إخواننا إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
والمقصود هنا الكلام على من يقول: ينزل ولا يخلو منه العرش، وإن أهل الحديث في هذا على ثلاثة أقوال:
منهم من ينكر أن يقال: يخلو، أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني وغيره.
ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنفًا في الإنكار على من قال: لا يخلو من العرش، أو لا يخلو منه العرش ـ كما تقدم بعض كلامه.
وكثير من أهل الحديث يتوقف عن أن يقول: يخلو أو لا يخلو. وجمهورهم على أنه لا يخلو منه العرش. وكثير منهم يتوقف عن أن يقال: يخلو أو لا يخلو؛ لشكهم في ذلك، وأنهم لم يتبين لهم جواب أحد الأمرين، وإما مع كون الواحد منهم قد ترجح عنده أحد الأمرين
(1/65)

لكن يمسك في ذلك؛ لكونه ليس في الحديث ولما يخاف من الإنكار عليه. وأما الجزم بخلو العرش فلم يبلغنا إلا عن طائفة قليلة منهم.
والقول الثالث ـ وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها ـ: إنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك، وسنتكلم عليه إن شاء الله، وهذه المسألة تحتاج إلى بسط.
وأما قول النافي: إنما ينزل أمره ورحمته، فهذا غلط لوجوه، وقد تقدم التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو. وأما إذا كان من النفاة للعلو والنزول جميعا، فيجاب أيضا بوجوه:
أحدها: أن الأمر والرحمة إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملائكة، وإما أن يراد بها صفات وأعراض. فإن أريد الأول، فالملائكة تنزل إلى الأرض في كل وقت، وهذا خص النزول بجوف الليل، وجعل منتهاه سماء الدنيا، والملائكة لا يختص نزولهم لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان. وإن أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين في وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك، فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا.
الثاني: أن في الحديث الصحيح: أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول: " لا أسأل عن عبادي غيري "، ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره.
الثالث: أنه قال: " ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب
(1/66)

له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يَطْلُعَ الفجر "، ومعلوم أنه لا يجيب الدعاء ويغفر الذنوب ويعطي كل سائل سؤله إلا الله، وأمره ورحمته لا تفعل شيئًا من ذلك.
الرابع: نزول أمره ورحمته لا تكون إلا منه، وحينئذ فهذا يقتضي أن يكون هو فوق العالم، فنفس تأويله يبطل مذهبه؛ ولهذا قال بعض النفاة لبعض المثبتين: ينزل أمره ورحمته؛ فقال له المثبت: فممن ينزل؟ ! ما عندك فوق شيء؛ فلا ينزل منه لا أمر، ولا رحمة ولا غير ذلك؟ ! فبهت النافي وكان كبيرًا فيهم.
الخامس: أنه قد روي في عدة أحاديث: " ثم يعرج " وفي لفظ " ثم يصعد ".
السادس: أنه إذا قدر أن النازل بعض الملائكة، وأنه ينادي عن الله كما حرف بعضهم لفظ الحديث فرواه " ينزل " من الفعل الرباعي المتعدي أنه يأمر مناديًا ينادي؛ لكان الواجب أن يقول: من يدعو الله فيستجيب له؟ من يسأله فيعطيه، من يستغفره فيغفر له؟ كما ثبت في [الصحيحين] ، و [موطأ مالك] و [مسند أحمد بن حنبل] ، وغير ذلك عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا أحب الله العبد نادى في السماء: ياجبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "، وقال في البغض مثل ذلك.
فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الفرق بين نداء الله ونداء جبريل، فقال في نداء الله: " يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه "، وقال في نداء جبريل: " إن الله يحب فلانًا فأحبوه "، وهذا موجب اللغة التي بها خوطبنا، بل وموجب جميع اللغات، فإن ضمير المتكلم لا يقوله إلا المتكلم. فأما من أخبر عن غيره فإنما يأتي باسمه الظاهر وضمائر الغيبة. وهم يمثلون نداء الله بنداء السلطان ويقولون: قد يقال: نادى السلطان، إذا أمر غيره بالنداء ـ وهذا كما قالت الجهمية المحضة في تكليم الله لموسى: إنه أمر غيره فكلمه، لم يكن هو المتكلم.
فيقال
(1/67)

لهم: إن السلطان إذا أمر غيره أن ينادي أو يكلم غيره أو يخاطبه؛ فإن المنادي ينادي: معاشر الناس، أمر السلطان بكذا، أو رسم بكذا، لا يقول: إني أنا أمرتكم بذلك.
ولو تكلم بذلك لأهانه الناس ولقالوا: من أنت حتى تأمرنا؟ ! والمنادي كل ليلة يقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " كما في ندائه لموسى عليه السلام: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] ، وقال: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] . ومعلوم أن الله لو أمر ملكًا أن ينادي كل ليلة أو ينادي موسى لم يقل الملك: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " ولا يقول: لا أسأل عن عبادي غيري.
وأما قول المعترض: إن الليل يختلف باختلاف البلدان والفصول في التقدم والتأخر والطول والقصر.
فيقال له: الجواب عن هذا كالجواب عن قولك: هل يخلو منه العرش، أو لا يخلو منه؟ وذلك أنه إذا جاز أنه ينزل ولا يخلو منه العرش، فتقدم النزول وتأخره وطوله وقصره كذلك، بناء على أن هذا نزول لا يقاس بنزول الخلق. وجماع الأمر أن الجواب عن مثل هذا السؤال يكون بأنواع:
أحدها: أن يبين أن المنازع النافي يلزمه من اللوازم ما هو أبعد عن المعقول الذي يعترف به مما يلزم المثبت، فإن كان مما يحتج به من المعقول حجة صحيحة، لزم بطلان النفي، فيلزم الإثبات؛ إذ الحق لا يخلو عن النقيضين. وإن كان باطلًا، لم يبطل به الإثبات، فلا يعارض ما ثبت بالفطرة العقلية والشرعة النبوية، وهذا كما إذا قال: لو كان فوق العرش لكان جسمًا، وذلك ممتنع، فيقالله: للناس هنا ثلاثة أقوال:
(1/68)

منهم من يقول: هو فوق العرش وليس بجسم.
ومنهم من يقول: هو فوق العرش وهو جسم.
ومنهم من يقول: هو فوق العرش ولا أقول: هو جسم، ولا ليس بجسم، ثم من هؤلاء من يسكت عن هذا النفي والإثبات؛ لأن كليهما بدعة في الشرع.
ومنهم من يستفصل عن مسمى الجسم، فإن فسر بما يجب تنزيه الرب عنه نفاه وبين أن علوه على العرش لا يستلزم ذلك، وإن فسر بما يتصف الرب به لم ينف ذلك المعنى. فالجسم في اللغة هو البدن، والله منزّه عن ذلك، وأهل الكلام قد يريدون بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة أو من المادة والصورة. وكثير منهم ينازع في كون الأجسام المخلوقة مركبة من هذا وهذا، بل أكثر العقلاء من بنى آدم عندهم أن السموات ليست مركبة، لا من الجواهر المفردة، ولا من المادة والصورة، فكيف يكون رب العالمين مركبًا من هذا وهذا؟ فمن قال: إن الله جسم، وأراد بالجسم هذا المركب، فهو مخطئ في ذلك. ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله، فقد أصاب في نفيه عن الله، لكن ينبغي أن يذكر عبارة تبين مقصوده.
ولفظ التركيب قد يراد به أنه ركبه مركب، أو أنه كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمع، أو أنه يقبل التفريق، والله منزه عن ذلك كله.
وقد يراد بلفظ الجسم والمتحيز ما يشار إليه بمعنى أن الأيدي ترفع إليه في الدعاء، وأنه يقال: هو هنا وهناك، ويراد به القائم بنفسه، ويراد به الموجود. ولا ريب أن الله موجود قائم بنفسه، وهو عند السلف وأهل السنة ترفع الأيدي إليه في الدعاء، وهو فوق العرش. فإذا سمى المسمى ما يتصف بهذه المعاني جسمًا، كان كتسمية الآخر ما يتصف بأنه حي عالم قادر جسمًا، وتسمية الآخر ما له حياة وعلم وقدرة جسمًا.
ومعلوم أن هؤلاء كلهم ينازعون في ثلاث مقامات:
(1/69)

أحدها: أن تسمية ما يتصف بهذه الصفات بالجسم بدعة في الشرع واللغة، فلا أهل اللغة يسمون هذا جسمًا، بل الجسم عندهم هو البدن، كما نقله غير واحد من أئمة اللغة، وهو مشهور في كتب اللغة، قال الجوهري في [صحاحه] المشهور: قال أبو زيد: الجسم: الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان، وقال الأصمعي: الجسم والجثمان: الجسد، والجثمان الشخص، قال: والأجسم الأضخم بالبدن، وقال ابن السكيت: تجسمت الأمر أي: ركبت أجسمه، وجسيمه أي: معظمه، قال: وكذلك تجسمت الرجل والجبل، أي ركبت أجسمه.
وقد ذكر الله لفظ الجسم في موضعين من القرآن، في قوله تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247] ، وفي قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون: 4] ، والجسم قد يفسر بالصفة القائمة بالمحل وهو القدر والغلظ، كما يقال: هذا الثوب له جسم، وهذا ليس له جسم أي: له غلظ وضخامة بخلاف هذا، وقد يراد بالجسم نفس الغلظ والضخم.
وقد ادعى طوائف من أهل الكلام النفاة أن الجسم في اللغة هو المؤلف المركب، وأن استعمالهم لفظ الجسم في كل ما يشار إليه موافق للغة، قالوا: لأن كل ما يشار إليه، فإنه يتميز منه شيء عن شيء، وكل ما كان كذلك؛ فهو مركب من الجواهر المنفردة التى كل واحد منها جزء لا يتجزأ ولا يتميز منه جانب عن جانب، أو من المادة والصورة اللذين هما جوهران عقليان، كما يقول ذلك بعض الفلاسفة.
قالوا: وإذا كان هذا مركبًا مؤلفًا، فالجسم في لغة العرب هو المؤلف المركب، بدليل أنهم يقولون: رجل جسيم، وزيد أجسم من عمرو، إذا كثر ذهابه في الجهات، وليس يقصدون بالمبالغة في قولهم: أجسم وجسيم إلا كثرة الأجزاء المنضمة والتأليف؛ لأنهم لا يقولون: أجسم فيمن كثرت علومه وقدره وسائر تصرفاته وصفاته غير الاجتماع، حتى إذا كثر الاجتماع فيه بتزايد أجزائه قيل: أجسم، ورجل جسيم، فدل ذلك على أن قولهم: جسم مفيد للتأليف.
(1/70)

فهذا أصل قول هؤلاء النفاة، وهومبني على أصلين: سمعي لغوي، ونظري عقلي فطري.
أما السمعي اللغوي فقولهم: إن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على المركب واستدلوا عليه بقوله: هو أجسم إذا كان أغلظ وأكثر ذهابًا في الجهات، وأن هذا يقتضى أنهم اعتبروا كثرة الأجزاء.
فيقال: أما المقدمة الأولى وهو: إن أهل اللغة يسمون كل ما كان له مقدار بحيث يكون أكبر من غيره أو أصغر جسمًا، فهذا لا يوجد في لغة العرب البتة، ولا يمكن أحد أن ينقل عنهم أنهم يسمون الهواء الذي بين السماء والأرض جسمًا، ولا يسمون روح الإنسان جسمًا، بل من المشهور أنهم يفرقون بين الجسم والروح؛ ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} [المنافقون: 4] يعني أبدانهم دون أرواحهم الباطنة.
وقد ذكر نقلة اللغة: أن الجسم عندهم هو الجسد. ومن المعروف في اللغة أن هذا اللفظ يتضمن الغلظ والكثافة، فلا يسمون الأشياء القائمة بنفسها إذا كانت لطيفة كالهواء وروح الإنسان، وإن كان لذلك مقدار يكون به بعضه أكبر من بعض، لكن لا يسمى في اللغة ذلك جسمًا، ولا يقولون في زيادة أحدهما على الآخر: هذا أجسم من هذا، ولا يقولون: هذا المكان الواسع أجسم من هذا المكان الضيق، وإن كان أكبر منه، وإن كانت أجزاؤه زائدة على أجزائه عند من يقول بأنه مركب من الأجزاء.
فليس كل ما هو مركب عندهم من الأجزاء يسمى جسمًا ولا يوجد في الكلام قبض جسمه، ولا صعد بجسمه إلى السماء، ولا أن الله يقبض أجسامنا حيث يشاء، ويردها حيث شاء، إنما يسمون ذلك روحًا، ويفرقون بين مسمى الروح ومسمى الجسم كما يفرقون بين البدن والروح، وكما يفرقون بين الجسد والروح، فلا يطلقون لفظ الجسم على الهواء، فلفظ الجسم عندهم يشبه لفظ الجسد، قال الجوهري: الجسد البدن، تقول فيه: تجسد كما تقول في الجسم: تجسم، كما تقدم نقله عن أئمة اللغة أن الجسم هو الجسد.
(1/71)

فعلم أن هذين اللفظين مترادفان، أو قريبان من الترادف؛ ولهذا يقولون: لهذا الثوب جسد، كما يقولون له: جسم إذا كان غليظًا ثخينًا صفيقًا، وتقول العلماء: النجاسة قد تكون مستجسدة كالدم والميتة، وقد لا تكون مستجسدة كالرطوبة، ويسمون الدم جسدًا كما قال النابغة:
فلا لعمر الذي قد زرته حججًا ... وما أريق على الأنصاب من جسد
كما يقولون: له: جسم، فبطل ما ذكروه عن اللغة؛ أن كل ما يتميز منه شيء عن شيء يسمونه جسمًا.
المقدمة الثانية: أنه لو سلم ذلك، فقولهم: إن هذا [جسم] يطلقونه عند تزايد الأجزاء، هو مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، وهذا لو قدر أنه صحيح، فأهل اللغة لم يعتبروه، ولا قال أحد منهم ذلك، فعلم أنهم إنما لحظوا غلظه وكثافته. وأما كونهم اعتبروا كثرة الأجزاء وقلتها؛ فهذا لا يتصوره أكثر عقلاء بني آدم؛ فضلًا عن أن ينقل عن أهل اللغة قاطبة أنهم أرادوا ذلك بقولهم: جسيم وأجسم. والمعنى المشهور في اللغة لا يكون مسماه ما لا يفهمه إلا بعض الناس، وإثبات الجواهر المنفردة أمر خص به بعض الناس، فلا يكون مسمى الجسم في اللغة ما لا يعرفه إلا بعض الناس، وهو المركب من ذلك.
وأما الأصل الثاني العقلي، فقولهم: إن كل ما يشار إليه بأنه هنا أوهناك، فإنه مركب من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة. وهذا بحث عقلي، وأكثر عقلاء بني آدم ـ من أهل الكلام وغير أهل الكلام ـ ينكرون أن يكون ذلك مركبًا من الجواهر المنفردة، أو من المادة والصورة، وإنكار ذلك قول ابن كلاب وأتباعه من الكلابية ـ وهو إمام الأشعري في مسائل الصفات ـ وهو قول الهشامية، والنجارية، والضرارية، وبعض الكرامية. وهؤلاء
(1/72)

والتفريق والحركة والسكون، وأنكر هؤلاء أن يكون الله لما خلقنا أحدث أبداننا قائمة بأنفسها، أو شجرًا وثمرًا أو شيئًا آخر قائمًا بنفسه، وإنما أحدث عندهم أعراضًا. وأما الجواهر المنفردة فلم تزل موجودة. ثم من يقول: إنها محدثة، منهم من يقول: إنهم علموا حدوثها بأنها لم تخل من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث، فهو حادث.
قالوا: فبهذا [الدليل العقلي] وأمثاله، علمنا أنه ما أبدع شيئًا قائمًا بنفسه؛ لأنا نشهده من حلول الحوادث المشهودة كالسحاب والمطر. وهؤلاء في [مُعاد الأبدان] يتكلمون فيه على هذا الأصل: فمنهم من يقول: يفرق الأجزاء ثم يجمعها، ومنهم من يقول: يعدمها ثم يعيدها، واضطربوا هاهنا فيما إذا أكل حيوان حيوانًا فكيف يعاد؟ وادعى بعضهم أن الله يعدم جميع أجزاء العالم، ومنهم من يقول: هذا ممكن لا نعلم ثبوته ولا انتفاءه.
ثم [المعاد] عندهم يفتقر إلى أن يبتدئ هذه الجواهر، والجهم بن صفوان منهم يقول بعدمها بعد ذلك، ويقول بفناء الجنة والنار لامتناع دوام الحوادث عنده في المستقبل كامتناع دوامها في الماضي، وأبو الهذيل العلاف يقول بعدم الحركات. وهؤلاء ينكرون استحالة الأجسام بعضها إلى بعض، أو انقلاب جنس إلى جنس، بل الجواهر عندهم متماثلة، والأجسام مركبة منها، وما ثم إلا تغيير التركيب فقط، لا انقلاب ولا استحالة.
ولا ريب أن جمهور العقلاء ـ من المسلمين وغيرهم ـ على إنكار هذا، والأطباء والفقهاء ممن يقول باستحالة الأجسام بعضها إلى بعض كما هو موجود في كتبهم، والأجسام عندهم ليست متماثلة، بل الماء يخالف الهواء، والهواء يخالف التراب وأبدان الناس تخالف النبات؛ ولهذا صارت النفاة إذا أثبت أحد شيئًا من الصفات، كان ذلك مستلزمًا لأن يكون الموصوف عندهم جسمًا ـ وعندهم الأجسام متماثلة ـ فصاروا يسمونه مشبهًا بهذه المقدمات التي تُلزمهم
(1/73)

مثل ما ألزموه لغيرهم، وهي متناقضة لا يتصور أن ينتظم منها قول صحيح، وكلها مقدمات ممنوعة عند جماهير العقلاء، وفيها من تغيير اللغة والمعقول ما دخل بسبب هذه الأغاليط والشبهات حتى يبقى الرجل حائرًا لا يهون عليه إبطال عقله ودينه، والخروج عن الإيمان والقرآن؛ فإن ذلك كله متطابق على إثبات الصفات.
ولا يهون عليه التزام ما يلزمونه من كون الرب مركبًا من الأجزاء ومماثلًا للمخلوقات؛ فإنه يعلم أيضا بطلان هذا، وأن الرب ـ عز وجل ـ يجب تنزيهه عن هذا، فإنه ـ سبحانه ـ أحد صمد، و [الأحد] ينفي التمثيل، و [الصمد] ينفي أن يكون قابلًا للتفريق والتقسيم والبعضية ـ سبحانه وتعالى ـ فضلًا عن كونه مؤلفًا مركبًا؛ ركب وألف من الأجزاء، فيفهمون من يخاطبون أن ما وصف به الرب نفسه لا يعقل إلا في بدن مثل بدن الإنسان، بل وقد يصرحون بذلك ويقولون: الكلام لا يكون إلا من صورة مركبة مثل فم الإنسان ونحو ذلك مما يدعونه.
وإذا قال النفاةلهم: متى قلتم إنه يرى؟ لزم أن يكون مركبًا مؤلفًا؛ لأن المرئي لا يكون إلا بجهة من الرائي، وما يكون بجهة من الرائي لا يكون إلا جسمًا، والجسم مؤلف مركب من الأجزاء، أو قالوا: إن الرب إذا تكلم بالقرآن أوغيره من الكلام، لزم ذلك، وإذا كان فوق العرش، لزم ذلك، وصار المسلم العارف بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله يرى في الآخرة؛ لما تواتر عنده من الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وكذلك يعلم أن الله تكلم بالقرآن وغيره من الكلام، ويعلم أن الله فوق العرش بما تواتر عنده عن الرسول بما يدل على ذلك، مع ما يوافق ذلك من القضايا الفطرية التي خلق الله عليها عباده.
وإذا قالوا له: هذا يستلزم أن يكون الله مركبًا من الأجزاء المنفردة، والمركب لابد له من مركب؛ فيلزم أن يكون الله محدثًا؛ إذ المركب يفتقر إلى أجزائه، وأجزاؤه تكون غيره، وما افتقر إلى غيره؛ لم يكن غنيًا واجب الوجود بنفسه ـ حيروه وشككوه
(1/74)

إن لم يجعلوه مكذبًا لما جاء به الرسول، مرتدًا عن بعض ما كان عليه من الإيمان، مع أن تشككه وحيرته تقدح في إيمانه ودينه وعلمه وعقله.
فيقال لهم: أما كون الرب ـ سبحانه وتعالى ـ مركبًا ركبه غيره، فهذا من أظهر الأمور فسادًا، وهذا معلوم فساده بضرورة العقل. ومن قال هذا، فهو من أكفر الناس وأجهلهم وأشدهم محاربة لله، وليس في الطوائف المشهورة من يقول بهذا.
وكذلك إذا قيل: هو مؤلف أو مركب ـ بمعنى أنه كانت أجزاؤه متفرقة فجمع بينها كما يجمع بين أجزاء المركبات من الأطعمة والأدوية والثياب والأبنية ـ فهذا التركيب من اعتقده في الله، فهو من أكفر الناس وأضلهم، ولم يعتقده أحد من الطوائف المشهورة في الأمة. بل أكثر العقلاء عندهم أن مخلوقات الرب ليست مركبة هذا التركيب، وإنما يقول بهذا من يثبت الجواهر المنفردة.
وكذلك من زعم أن الرب مركب مؤلف؛ بمعنى أنه يقبل التفريق والانقسام والتجزئة، فهذا من أكفر الناس وأجهلهم، وقوله شر من قول الذين يقولون: إن لله ولدًا؛ بمعنى أنه انفصل منه جزء فصار ولدًا له، وقد بسطنا الكلام على هذا في تفسير: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، وفي غير ذلك. وكذلك إذا قيل: هو جسم؛ بمعنى أنه مركب من الجواهر المنفردة، أو المادة والصورة، فهذا باطل، بل هو ـ أيضًا ـ باطل في المخلوقات، فكيف في الخالق ـ سبحانه وتعالى؟ ! وهذا مما يمكن أن يكون قد قاله بعض المجسمة الهشامية، والكرامية وغيرهم ممن يحكى عنهم التجسيم؛ إذ من هؤلاء من يقول: إن كل جسم فإنه مركب من الجواهر المنفردة، ويقولون مع ذلك: إن الرب جسم، وأظن هذا قول بعض الكرامية، فإنهم يختلفون في إثبات الجوهر الفرد، وهم متفقون على أنه ـ سبحانه ـ جسم.
لكن يحكى عنهم نزاع في المراد بالجسم، هل المراد به أنه موجود قائم بنفسه، أو المراد به أنه مركب؟ فالمشهور عن أبي الهَيْصَم وغيره من نظارهم أنه يفسر مراده؛ بأنه موجود قائم بنفسه مشار إليه، لا بمعنى أنه مؤلف
(1/75)

مركب. وهؤلاء ممن اعترف نفاة الجسم بأنهم لا يكفرون؛ فإنهم لم يثبتوا معنى فاسدًا في حق الله ـ تعالى ـ لكن قالوا: إنهم أخطؤوا في تسمية كل ما هو قائم بنفسه، أو ما هو موجود جسمًا، من جهة اللغة؛ قالوا: فإن أهل اللغة لا يطلقون لفظ الجسم إلا على المركب.
والتحقيق أن كلا الطائفتين مخطئة على اللغة، أولئك الذين يسمون كل ما هو قائم بنفسه جسمًا، وهؤلاء الذين سموا كل ما يشار إليه وترفع الأيدي إليه جسمًا، وادعوا أن كل ما كان كذلك فهو مركب، وأن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على كل ما كان مركبًا. فالخطأ في اللغة، والابتداع في الشرع مشترك بين الطائفتين.
وأما المعاني: فمن أثبت من الطائفتين ما نفاه الله ورسوله، أو نفي ما أثبت الله ورسوله، فهو مخطئ عقلاً، كما هو مخطئ شرعا. بل أولئك يقولون لهم: نحن وأنتم اتفقنا على أن القائم بنفسه يسمى جسمًا في غير محل النزاع، ثم ادعيتم أن الخالق القائم بنفسه يختص بما يمنع هذه التسمية التي اتفقنا نحن وأنتم عليها، فبينا أنه لا يختص؛ لأن ذلك مبني على أن الأجسام مركبة، ونحن نمنع ذلك ونقول: ليست مركبة من الجواهر المنفردة.
ولهذا كره السلف والأئمة ـ كالإمام أحمد وغيره ـ أن ترد البدعة بالبدعة، فكان أحمد في مناظرته للجهمية لما ناظروه على أن القرآن مخلوق، وألزمه أبو عيسى محمد ابن عيسى برغوث [هو أحد مناظري الإمام أحمد وقت المحنة، صنف كتاب [الاستطاعة] و [المقالات] وغيرهما، توفي سنة 240هـ وقيل: سنة 241هـ] ، أنه إذا كان غير مخلوق لزم أن يكون الله جسمًا وهذا منتف، فلم يوافقه أحمد، لا على نفي ذلك، ولا على إثباته؛ بل قال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص] .
ونبه أحمد على أن هذا اللفظ لا يدرى ما يريدون به. وإذا لم يعرف مراد المتكلم به لم يوافقه، لا على إثباته، ولا على نفيه. فإن ذكر معنى أثبته الله ورسوله أثبتناه، وإن ذكر معنى نفاه الله ورسوله نفيناه باللسان العربي المبين، ولم نحتج إلى ألفاظ مبتدعة في الشرع، محرفة في اللغة، ومعانيها متناقضة في العقل، فيفسد الشرع واللغة والعقل؛ كما فعل أهل البدع من أهل الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة.
(1/76)

وكذلك ـ أيضًا ـ لفظ [الجبر] كره السلف أن يقال: جبر، وأن يقال: ما جبر؛ فروى الخلال في كتاب [السنة] عن أبي إسحاق الفزاري ـ الإمام ـ قال: قال الأوزاعي: أتاني رجلان، فسألاني عن القدر، فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما. قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب. قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان، فقال: تكلما، فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا في القدر، ونازعناهم حتى بلغ بنا وبهم الجواب، إلى أن قلنا: إن الله قد جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرم علينا، فقال: أجبهما يا أبا إسحاق، قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب، فقال: أجبهما، فكرهت أن أخالفه، فقلت: يا هؤلاء، إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثًا، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه، فقال: أجبت وأحسنت يا أبا إسحاق.
وروي ـ أيضًا ـ عن بَقِيَّة بن الوليد قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن والسنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق.
وروي عن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: تقول: إن الله أجبر العباد؟ فقال: هكذا لا تقول، وأنكر هذا. وقال: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.
وقال المروذى: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسين بن خلف العكبري وقال: إنه تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي؛ فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد ـ أراد بذلك إثبات القدرـ فوضع
(1/77)

أحمد بن على كتابًا يحتج فيه، فأدخلته على أبي عبد الله وأخبرته بالقصة قال: ويضع كتابًا؟ ! وأنكر عليهما جميعًا: على بن رجاء حين قال: جبر العباد، وعلى القدري الذي قال: لم يجبر، وأنكر على أحمد بن على وضعه الكتاب واحتجاجه، وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب، وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال: جبر العباد. فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة؟ فقال: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.
قال الخلال: وأخبرنا المروذي في هذه المسألة: أنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال: لم يجبر، وعلى من رد عليه جبر، فقال أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة، وأنكر على من رد شيئًا من جنس الكلام إذا لم يكن له فيه إمام تقدم.
قال المروذي: فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن على من عكبرا ومعه نسخة وكتاب من أهل عكبرا، فأدخلت أحمد بن على على أبي عبد الله، فقال: يا أبا عبد الله، هذا الكتاب ادفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه، وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر الله، فقال أبو عبد الله لي: ينبغي أن تقبلوا منه وارجعوا إليه.
قال المروذي: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان الثوري جبر، وقال: الله ـ تعالى ـ جبل العباد. قال المروذي: أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه وسلم لأشَجِّ عبد القيس.
قلت: هذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، وإنما المقصود التنبيه على أن السلف
(1/78)

كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه وينفونه عن الله من صفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات، بل كل معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم. والألفاظ المبتدعة ليس لها ضابط، بل كل قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراده أولئك؛ كلفظ الجسم، والجهة، والحيز، والجبر ونحو ذلك، بخلاف ألفاظ الرسول فإن مراده بها يعلم كما يعلم مراده بسائر ألفاظه، ولو يعلم الرجل مراده لوجب عليه الإيمان بما قاله مجملًا. ولو قدر معنى صحيح ـ والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخبر به ـ لم يحل لأحد أن يدخله في دين المسلمين، بخلاف ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن التصديق به واجب.
والأقوال المبتدعة تضمنت تكذيب كثير مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك يعرفه من عرف مراد الرسول صلى الله عليه وسلم ومراد أصحاب تلك الأقوال المبتدعة. ولما انتشر الكلام المحدث، ودخل فيه ما يناقض الكتاب والسنة، وصاروا يعارضون به الكتاب والسنة، صار بيان مرادهم بتلك الألفاظ وما احتجوا به لذلك من لغة وعقل، يبين للمؤمن ما يمنعه أن يقع في البدعة والضلال، أو يخلص منها ـ إن كان قد وقع ـ ويدفع عن نفسه في الباطن والظاهر ما يعارض إيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك. وهذا مبسوط في موضعه.
والمقصود هنا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدفع بالألفاظ المجملة كلفظ التجسيم وغيره مما قد يتضمن معنى باطلًا، والنافي له ينفي الحق والباطل. فإذا ذكرت المعاني الباطلة نفرت القلوب. وإذا ألزموه ما يلزمونه من التجسيم ـ الذي يدعونه نفر إذا قالوا له: هذا يستلزم التجسيم؛ لأن هذا لا يعقل إلا في جسم ـ لم يحسن نقض ما قالوه، ولم يحسن حله. وكلهم متناقضون.
وحقيقة كلامهم أن ما وصف به الرب نفسه، لا يعقل منه إلا ما يعقل في قليل من المخلوقات التي نشهدها كأبدان بني آدم. وهذا في غاية الجهل؛ فإن من المخلوقات مخلوقات
(1/79)

لم نشهدها كالملائكة والجن حتى أرواحنا. ولا يلزم أن يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مماثلًا لها، فكيف يكون مماثلًا لما شاهدوه؟ !
وهذا الكلام في لفظ الجسم من حيث [اللغة]
وأما الشرع، فمعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة، ولا التابعين، ولا سلف الأمة أن الله جسم، أو أن الله ليس بجسم، بل النفي والإثبات بدعة في الشرع.
وأما من جهة العقل فبينهم نزاع فيما اتفقوا على تسميته جسمًا: كالسماء والأرض، والريح والماء، ونحو ذلك مما يشار إليه ويختص بجهة وهو متحيز، قد تنازعوا: هل هو مركب من جواهر لا تقبل القسمة، أو من مادة وصورة، أو لا من هذا ولا من هذا؟ وأكثر العقلاء على القول الثالث. وكل من القولين الأولين قاله طائفة من النظار. والأول: كثير في أهل الكلام، والثاني: كثير في الفلاسفة، لكن قول الطائفتين باطل، معلوم بالعقل بطلانه عند أهل القول الثالث.
وإذا كان كذلك، فإذا قال القائل: أنا أقول: إنه فوق العرش، وأنه ترفع الأيدي إليه ونحو ذلك، وليس كل ما كان كذلك كان مركبًا من أجزاء مفردة، ولا من المادة والصورة العقليين، كان الكلام مع هذا في التلازم. فإذا قال الثاني: بل كل ما كان فوق غيره، وكل ما كان يشار إليه بالأيدي، فلا يكون إلا مركبًا إما من هذا، وإما من هذا: كان هذا بمنزلة قول الآخر: كل ما كان حيًا قادرًا عالمًا، فلا يكون إلا مركبًا هذا التركيب، أو كل ما كان له حياة وعلم وقدرة، فلا يكون إلا مركبًا هذا التركيب، أو كل ما كان سميعًا بصيرًا متكلمًا فلا يكون إلا مركبًا هذا التركيب، بناء على أن كل موجود قائم بنفسه هو جسم، وكل جسم فهو مركب هذا التركيب.
ومعلوم أن هذا باطل عند جماهير العلماء والعقلاء باتفاقهم؛ فإني لا أعلم طائفة من العقلاء المعتبرين أنهم قالوا: هو جسم، وهو مركب هذا التركيب، بل الذي أعرف أنهم
(1/80)

قالوا: هو جسم كالهشامية والكرامية لا يفسرون كلهم الجسم بما هو مركب هذا التركيب، بل إنما نقل هذا عن بعضهم، وقد ينقل عن بعضهم مقالات ينكرها بعضهم، كما نقل عن مقاتل بن سليمان، وهشام بن الحكم مقالات ردية. ومن الناس من رد هذا النقل عن مقاتل بن سليمان فرده كثير من الناس. وأما النقل عن هشام فرده كثير من أتباعه.
ومن قدر أنه قال ذلك من الناس، فقوله باطل كسائر من قال على الله الباطل، كما حكي عن بعض اليهود والرافضة والمجسمة، وإنهم يصفونه بالنقائص التي تعالى الله عنها، كوصفه أنه أجوف، وأنه بكى حتى رمد وعادته الملائكة، وعض أصابعه حتى خرج منها الدم، وأنه ينزل عشية عرفة على جمل أوْرَق [أي: في لونه بياض إلى سواد، وهو من أطيب الإبل لحْمًا لا سيْرًا وعملا] .
وأمثال هذه الأقوال التي فيها الافتراء على الله ـ تعالى ـ ووصفه بالنقائص، ما يعلم بطلانه بصريح المعقول وصحيح المنقول.
وهكذا إذا قال القائل: إنه لو نزل إلى سماء الدنيا، للزم الحركة، والانتقال والحركة والانتقال من خصائص الأجسام، أو قال: للزم أن يخلو منه العرش وذلك محال؛ فإن للناس في هذا ثلاثة أقوال:
أحدها: قول من يقول: ينزل وليس بجسم.
وقول من يقول: ينزل وهو جسم.
وقول من لا ينفي الجسم ولا يثبته، إما إمساكًا عنهما؛ لكون ذلك بدعة وتلبيسًا كما تقدم، وإما مع تفصيل المراد، وإقرار الحق وبطلان الباطل، وبيان الصواب من المعاني العقلية التي اشتبهت في هذا؛ مثل أن يقال: النزول والصعود والمجيء والإتيان، ونحو ذلك، مما هو أنواع جنس الحركة، لا نسلم أنه مخصوص بالجسم الصناعي الذي يتكلم المتكلمون في إثباته ونفيه، بل يوصف به ما هو أعم من ذلك. ثم هنا طريقان:
أحدهما: أن هذه الأمور توصف بها الأجسام والأعراض فيقال: جاء البرد وجاء الحر، وجاءت الحمى، ونحو ذلك من الأعراض. وإذا كانت الأعراض توصف بالمجيء
(1/81)

والإتيان، علم أن ذلك ليس من خصائص الأجسام، فلا يجوز أن يوصف بهذه الأفعال حقيقة مع أنه ليس بجسم، وهذه طريقة الأشعري ومن تبعه من نظار أهل الحديث وأتباع الأئمة الأربعة وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وغيره، وهذا معنى ما حكاه في [المقالات] عن أهل السنة والحديث.
ولهذا كان قول ابن كلاب والأشعري والقلانسي ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أصحاب أحمد وغيرهم، أن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش. وكذلك يقولون في النزول. ومعني ذلك أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم به ـ نفسه ـ فعل اختياري، سواء قالوا: إن الفعل هو المفعول، أو لم يقولوا بذلك، وكذلك النزول عندهم، فهم يجعلون الأفعال اللازمة بمنزلة الأفعال المتعدية؛ وذلك لأنهم اعتقدوا أنه لا يقوم به فعل اختياري؛ لأن ذلك حادث، فقيامه به يستلزم أن تقوم به الحوادث، فنفوا ذلك لهذا الأصل الذي اعتقدوه.
الطريق الثاني: أنيقال: المجيء والإتيان والصعود والنزول توصف به روح الإنسان التي تفارقه بالموت، وتسمى النفس، وتوصف به الملائكة، وليس نزول الروح وصعودها من جنس نزول البدن وصعوده؛ فإن روح المؤمن تصعد إلى فوق السموات، ثم تهبط إلى الأرض، فيما بين قبضها ووضع الميت في قبره. وهذا زمن يسير، لا يصعد البدن إلى ما فوق السموات، ثم ينزل إلى الأرض في مثل هذا الزمان.
وكذلك صعودها ثم عودها إلى البدن في النوم واليقظة؛ ولهذا يشبه بعض الناس نزولها إلى القبر بالشعاع، لكن ليس هذا مثالا مطابقًا. فإن نفس الشمس لا تنزل، والشعاع الذي يظهر على الأرض هو عرض من الأعراض يحدث بسبب الشمس، ليس هو الشمس ولا صفة قائمة بها، والروح نفسها تصعد وتنزل، ففي الحديث المشهور حديث البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ في قبض الروح وفتنة القبر، وقد رواه الإمام أحمد وغيره، ورواه أبو داود أيضًا واختصره، وكذلك النسائي، وابن ماجه، ورواه أبو عوانة في [صحيحه] بطوله، وفي روايته عن زاذان: سمعت البراء،
(1/82)

وذلك يبطل قول من قال: إنه لم يسمعه منه.
ورواه الحاكم في [صحيحه] من حديث أبي معاوية، قال: حدثنا الأعمش، ثنا المنهال بن عمرو، عن أبي عمرو زاذان، عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنهما ـ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، وذكر الحديث بطوله. ورواه الحاكم أيضًا من حديث محمد بن الفضل، قال: حدثنا الأعمش، فذكره. وقال في آخره: حدثنا فضيل، حدثني أبي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة بهذا الحديث، إلا أنه قال: " أرقد رقدة كرقدة من لا يوقظه إلا أحب الناس إليه ".
قال: وقد رواه شعبة، وزائدة، وغيرهما، عن الأعمش، ورواه مُؤَمَّل، عن الثوري عنه، قال: وهو على شرطهما قد احتجا بالمنهال بن عمرو، قال: وقد روى ابن جرير عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن والكافر، ثم ذكر طرفًا من حديث القبر، وقد رواه الإمام أحمد في [مسنده] عن عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، الحديث بطوله. قال: وكذلك أبوخالد الدالاني، وعمرو بن قيس الملائي، والحسن بن عبيد الله النخعي، عن المنهال، ورواه شعيب بن صفوان، عن يونس بن خباب، فقال: عن المنهال، عن زاذان، عن أبي البختري، قال، سمعت البراء قال: وهذا وَهْم من شعيب، فقد رواه معمر ومهدي بن ميمون وعباد بن عباد عن يونس التامر.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: وأما حديث البراء رواه المنهال بن عمرو عن زاذان، عن البراء، فحديث مشهور رواه عن المنهال الجَمُّ الغَفِير [الجمّ: الكثير، والغفير: المجتمع، أي العدد الكثير بجملتهم] . ورواه عن البراء عدي بن ثابت، ومحمد بن عقبة، وغيرهما. ورواه عن زاذان عطاء بن السائب. قال: وهو حديث أجمع رواة الأثر على شهرته واستفاضته، وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: هذا الحديث إسناده متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء.
(1/83)

وقال الإمام أحمد في [المسند] : حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلموجلسنا حوله، كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه فقال: (استعيذوا بالله من عذاب القبر) مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكة بِيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كَفَن من أكفان الجنة، وحَنُوط من حنوط الجنة، حتى يجلسون منه مَدَّ بَصَرِه، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) . قال: (فتخرج فتسيل كما تسيل القَطْرَة من فِي السِّقَاء، فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها ريح كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون ـ يعني بها ـ على ملأ من الملائكة بين السماء والأرض، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له. فيُشيِّعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة، فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عِلِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى) ، قال: (فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: الله ربي، فيقولان له: وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادى مناد من السماء: أن صَدَقَ عبدي، فأفْرِشُوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة) ، قال:
(1/84)

" فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره". قال: " فيأتيه رجل حَسَن الوجه، حسن الثياب، طيِّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يَسُرُّك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجىء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ".
وقال: " وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكة سُود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجى إلى سخط من الله وغضب "، قال: " فتتفرق في جسده، فينزعها كما ينزع السَّفُّود مَن الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المُسُوح، ويخرج منها كأنتن ريح جِيفَة وُجِدَت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له ". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] " فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا ". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] . " فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري: فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمُومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب، لا تقم الساعة ".
(1/85)

قلت: هذا قد رواه عن البراء بن عازب غير واحد غير زاذان، منهم: عدي بن ثابت، ومحمد بن عقبة، ومجاهد.
قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب [الروح والنفس] : حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف، ثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، ثنا أبو النضر هاشم بن قاسم، ثنا عيسى بن المسيَّب، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس وجلسنا حوله، كأن على أكتافنا فلق الصخر، وعلى رءوسنا الطير، فأزم قليلا ـ والإزمام: السكوت ـ فلما رفع رأسه قال: " إن المؤمن إذا كان في قُبُل من الآخرة ودُبُر من الدنيا وحضره ملك الموت، نزلت عليه ملائكة من السماء، معهم كفن من الجنة، وحَنُوط من الجنة، فيجلسون منه مدَّ بَصَره، وجاءه ملك الموت فجلس عند رأسه، ثم يقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه، فتَسِيل نفسه كما تقطر القَطْرَة من السِّقاء. فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض إلا الثقلين، ثم يصعد به إلى السماء فتفتح له السماء ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى العرش، مقربو كل سماء. فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين، فيقول الرب عز وجل: ردوا عبدي إلى مضجعه، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى فيرد إلى مضجعه، فيأتيه مُنْكَر ونَكِير، يثيران الأرض بأنيابهما، ويَفْحَصَان [أي: يحفران] . الأرض بأشعارهما، فيجلسانه ثم يقال له: يا هذا من ربك؟ فيقول: الله ربي، فيقولان: صدقت. ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقولان له: صدقت. ثم يقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد رسول الله، فيقولان: صدقت. ثم يفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، طيب الريح، فيقول له: جزاك الله خيرًا، فوالله ـ ما علمت ـ إن كنت لسريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصية الله، فيقول: وأنت، جزاك الله خيرًا، فمن أنت؟ فقال: أنا عملك الصالح. ثم يفتح له باب إلى الجنة، فينظر إلى
(1/86)

مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة. وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة وحضره ملك الموت، نزل عليه من السماء ملائكة معهم كفن من نار، وحنوط من نار ". قال: " فيجلسون منه مد بصره، وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه، ثم قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى غضب الله وسخطه، فتتفرق روحه في جسده، كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين، فيستخرجها كما يستخرج السَّفُّود [حديدة ذات شعب يشوى عليها اللحم] . من الصوف المبلول، فإذا خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء والأرض إلا الثقلين، ثم يصعد به إلى السماء الدنيا فتغلق دونه، فيقول الرب تبارك وتعالى: ردوا عبدي إلى مضجعه، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فترد روحه إلى مضجعه، فيأتيه منكر ونكير، يثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصان الأرض بأشعارهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيجلسانه، ثم يقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فينادى من جانب القبر: لا دريت، فيضربانه بمرزبة من حديد، لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل. ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: جزاك الله شرًا، فوالله ـ ما علمت ـ إن كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا في معصية الله، فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الخبيث، ثم يفتح له باب إلى النار، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة ".
وقال ابن منده: رواه الإمام أحمد بن حنبل، ومحمود بن غيلان، وغيرهما عن أبي النضر.
ومن ذلك حديث ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة. وقد رواه الإمام أحمد في [مسنده] وغيره. وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: هذا حديث متفق على عدالة ناقليه. اتفق الإمامان ـ محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج ـ على ابن أبي ذئب ومحمد بن عمرو بن عطاء، وسعيد بن يسار، وهم من شرطهما، ورواه
(1/87)

المتقدمون الكبار عن ابن أبي ذئب مثل ابن أبي فديك، وعنه دحيم بن إبراهيم.
قلت: وقد رواه عن ابن أبي ذئب غير واحد، ولكن هذا سياق حديث ابن أبي فديك لتقدمه. قال ابن أبي فديك: حدثني محمد بن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح فيقولون: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري برَوْح ورَيْحَان ورب غير غضبان "، قال: " فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء الدنيا فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فيقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل. وإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث. اخرجي ذميمة، وأبشري بحَمِيم وغَسَّاق، وآخَرَ من شَكْله أزواج. فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لن تفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى قبره. فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف، ثم يقال: ما كنت تقول في الإسلام؟ فيقول: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات من قبل الله فآمنا وصدقنا". وذكر تمام الحديث.
والمقصود أن في حديث أبي هريرة قوله: " فيصير إلى قبره " كما في حديث البراء ابن عازب، وحديث أبي هريرة روي من طرق تصدق حديث البراء بن عازب، وفي بعض طرقه سياق حديث البراء بطوله، كما ذكره الحاكم، مع أن سائر الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن؛ إذ المسألة للبدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور، وكذلك السؤال للروح بلا بدن قاله ابن ميسرة وابن حزم، ولو كان
(1/88)

كذلك لم يكن للقبر بالروح اختصاص.
وزعم ابن حزم أن [العود] لم يروه إلا زاذان عن البراء وضعفه، وليس الأمر كما قاله، بل رواه غير زاذان عن البراء. وروى عن غير البراء مثل عدي بن ثابت وغيره. وقد جمع الدارقطني طرقه في مصنف مفرد، مع أن زاذان من الثقات، روى عن أكابر الصحابة كعمر وغيره، وروى له مسلم في [صحيحه] وغيره، قال يحيى بن معين: هو ثقة، وقال حميد بن هلال ـ وقد سئل عنه فقال ـ: هو ثقة، لا يسأل عن مثل هؤلاء، وقال ابن عدي: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة، وكان يتبع الكرابيسي، وإنما رماه من رماه بكثرة كلامه.
وأما المنهال بن عمرو، فمن رجال البخاري. وحديث [عود الروح] قد رواه عن غير البراء أيضًا. وحديث زاذان مما اتفق السلف والخلف على روايته وتلقيه بالقبول.
وأرواح المؤمنين في الجنة، وإن كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن، كما أنها تكون في البدن، ويعرج بها إلى السماء كما في حال النوم. أما كونها في الجنة، ففيه أحاديث عامة، وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء، واحتجوا بالأحاديث المأثورة العامة وأحاديث خاصة في النوم وغيره. فالأول مثل حديث الزهري المشهور الذي رواه مالك عن الزهري في [موطئه] وشعيب بن أبي حمزة وغيرهما، وقد رواه الإمام أحمد في [المسند] وغيره.
قال الزهري: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن كعب بن مالك الأنصاري ـ وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ـ كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما نَسَمَة [أي: روح] المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده"، فأخبر أنه يعلق في شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده، يعني في النشأة الآخرة. قال أبو عبد الله بن منده: ورواه يونس، والزبيدي، والأوزاعي، وابن إسحاق.
وقال عمرو بن دينار، وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب،
(1/89)

عن أبيه قال. . . قال صالح بن كَيْسَان، وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، أنه بلغه أن كعبًا قال. . . رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
قلت: وفي الحديث المشهور حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو حاتم في [صحيحه] وقد رواه ـ أيضًا ـ الأئمة. قال: " إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه. فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه. فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قِبَلِي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل، فيقال له: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس، وقد دنت للغروب فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي؛ فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه. فقال: عم تسألوني؟ فيقولون: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم، ما تشهد عليه به؟ فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله تعالى، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له: ذلك مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له: ذلك مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها لو عصيت ربك، فيزداد غبطة وسرورًا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له فيه، ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته في نسم الطيب، وهي طير تَعْلُق [أي: ترعى وتأكل] في شجر الجنة ".
وفي لفظ: "وهو في طير يعلق في شجر الجنة ". قال أبو هريرة: قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] ، وفي لفظ: " ثم يعاد الجسد إلى ما بدئ منه".
وهذه الإعادة هي المذكورة في قوله تعالى:
(1/90)

{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] ليست هي النشأة الثانية.
ورواه الحاكم في [صحيحه] عن معمر، عن قتادة عن قسامة بن زهير، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن المؤمن إذا احتضر أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيًا عنك إلى روح وريحان ورب غير غضبان؛ فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنهم ليناوله بعضهم بعضًا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! وكلما أتوا سماءً قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أفرح به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ قال: فيقولون: دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال لهم: ما أتاكم؟ ! فإنه قد مات؛ يقولون: ذهب به إلى أُمه الهاوية. وأما الكافر فإن ملائكة العذاب تأتيه، فتقول: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله وسخطه، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فينطلقون به إلى باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! ! كلما أتوا على أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح الكفار ".
قال الحاكم: تابعه هشام
(1/91)

الدّسْتُوائي، عن قتادة. وقال همام بن يحيى: عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
والكل صحيح، وشاهدها حديث البراء بن عازب. وكذلك رواه الحافظ أبو نعيم من حديث القاسم بن الفضل الحذائي، كما رواه مَعْمَر. قال: ورواه أبو موسى وبُنْدَار، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، مثله مرفوعًا. ومن أصحاب قتادة من رواه موقوفًا، ورواه همام عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، مرفوعًا نحوه. وقد روى هذا الحديث النسائي، والبزار في [مسنده] وأبو حاتم في [صحيحه] .
وقد روى مسلم في [صحيحه] عن أبي هريرة قال: " إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان فصعدا بها، فذكر من طيب ريحها وذكر المسك. قال: فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق بها إلى ربه ثم يقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه، وذكر من نتنها وذكر لعنًا، فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض. قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل ". قال أبو هريرة: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم رَيْطَة كانت عليه على أنفه هكذا.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند النوم: " باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين "، وفي الصحيح أيضًا: أنه كان يقول: " اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ
(1/92)

به عبادك الصالحين) ".
ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن، ما بين أن صعودها نوع آخر، ليس مثل صعود البدن ونزوله.
وروينا عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن منده في كتاب [الروح والنفس] : حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن الحسن الحراني، ثنا أحمد بن شعيب، ثنا موسى بن أيمن، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير هذه الآية: {اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] . قال: تلتقي أرواح الأحياء في المنام بأرواح الموتى ويتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها.
وروى الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم في [تفسيره] : حدثنا عبد الله بن سليمان، ثنا الحسن، ثنا عامر، عن الفُرَات، ثنا أسباط عن السدى: {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} قال: يتوفاها في منامها. قال: فتلتقي روح الحي وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان. قال: فترجع روح الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجله في الدنيا. قال: وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس.
(1/93)

وهذا أحد القولين وهو أن قوله: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} [الزمر: 42] أريد بها أن من مات قبل ذلك لقي روح الحي.
والقول الثاني ـ وعليه الأكثرون ـ أن كلا من النفسين ـ الممسكة والمرسلة ـ توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث؛ وهي التي قدمها بقوله: {اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} ، وعلى هذا يدل الكتاب والسنة؛ فإن الله قال: {اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} ، فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال، ولا ذكر في الآية التقاء الموتى بالنيام.
والتحقيق أن الآية تتناول النوعين؛ فإن الله ذكر توفيتين: توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى.
ومعلوم أنه يمسك كل ميتة، سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك، ويرسل من لم تمت. وقوله: {اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في النوم، فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في الأخرى، وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف. وما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتي لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه، لكن قوله: {فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} يقتضي أنه يمسكها لا يرسلها كما يرسل النائمة، سواء توفاها في اليقظة أو في النوم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " فوصفها بأنها في حال توفي النوم إما ممسكة وإما مرسلة.
وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا عمر بن عثمان، ثنا بَقيَّة؛ ثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر الحضرمي؛ أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله
(1/94)

عنه: أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال! فتكون رؤياه كأخذ باليد، ويرى الرجل الشيء؛ فلا تكون رؤياه شيئًا، فقال على بن أبي طالب: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله يقول: {اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42] ، فالله يتوفي الأنفس كلها، فما رأت ـ وهي عنده في السماء ـ فهو الرؤيا الصادقة. وما رأت ـ إذا أرسلت إلى أجسادها ـ تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها، فأخبرتها بالأباطيل وكذبت فيها، فعجب عمر من قوله.
وذكر هذا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب [الروح والنفس] وقال: هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره، ولفظه: قال على بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، يقول الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} والأرواح يعرج بها في منامها، فما رأت وهي في السماء فهو الحق، فإذا ردت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها، فما رأت من ذلك فهو الباطل.
قال الإمام أبو عبد الله بن منده: وروى عن أبي الدرداء قال: روى ابن لَهِيعَة عن عثمان بن نعيم الرُّعَيْني، عن أبي عثمان الأصْبَحِي، عن أبي الدرداء قال: إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها العَرْش قال: فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جُنُبًا لم يؤذن لها بالسجود. رواه زيد بن الحباب وغيره.
وروى ابن منده حديث على وعمر ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعًا، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد، ثنا محمد بن شعيب، ثنا ابن عياش بن أبي إسماعيل، وأنا الحسن بن علي، أنا عبد الرحمن بن محمد، ثنا قتيبة والرازي، ثنا محمد بن حميد، ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، ثنا الأزهر بن عبد الله الأزدي، عن محمد بن عجلان، عن سالم بن عبد الله بن
(1/95)

عمر، عن أبيه قال: لقي عمر بن الخطاب على بن أبي طالب فقال: يا أبا الحسن، ربما شهدت وغبنا، وربما شهدنا وغبت، ثلاثة أشياء أسألك عنهن، فهل عندك منهن علم؟ فقال على بن أبي طالب: وما هن؟ قال: الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيرًا، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرًا. فقال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الأرواح جنود مُجَنَّدَة، تلتقي في الهواء، فَتَشَامُّ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " قال عمر: واحدة. قال عمر: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه، فبينما هو قد نسيه إذ ذكره. فقال: نعم، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من القلوب قلب إلا وله سَحَابة كسحابة القمر، فبينما القمر يضىء إذ تجللته سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه فأضاء، وبينما القلب يتحدث إذ تجللته فنسي، إذ تجلت عنه فذكر ". قال عمر: اثنتان. قال: والرجل يرى الرؤيا: فمنها ما يصدق، ومنها ما يكذب. فقال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من عبد ينام فيمتلئ نومًا إلا عُرِج بروحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فهي الرؤيا التي تكذب ". فقال عمر: ثلاث كنت في طلبهن؛ فالحمد لله الذي أصبتهن قبل الموت.
ورواه من وجه ثالث: أن ابن عباس سأل عنه عمر، فقال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أيوب، ثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا إسماعيل بن عَيَّاش، عن ثعلبة بن مسلم الخَثْعَمِي، عن ابن أبي طلحة القرشي؛ أن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال لعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يا أمير المؤمنين، أشياء أسألك عنها؟ قال: سل عما شئت؛ فقال: يا أمير المؤمنين، مم يذكر الرجل، ومم ينسى؟ ومم تصدق الرؤيا، ومم تكذب؟ فقال
(1/96)

له: عمر أما قولك: مم يذكر الرجل ومم ينسى؟ فإن على القلب طَخَاء [الطَّخَاء: ثِقَلٌ وغَشْى، وأصله: الظُّلْمة والغَيْم] . مثل طخاء القمر، فإذا تغشت القلب نسي ابن آدم، فإذا تجلت عن القلب ذكر ما كان ينسى، وأما مم تصدق الرؤيا ومم تكذب؟ فإن الله يقول: {اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] فمن دخل منها في ملكوت السماء فهي التي تصدق، وما كان منها دون ملكوت السماء فهي التي تكذب.
قلت: وفي هذين الطريقين ذكر أن التي تكذب ما لم يكمل وصولها إلى العلو. وفي الأول ذكر أن ذلك يكون مما يحصل بعد رجوعها. وكلا الأمرين ممكن؛ فإن الحكم يختلف لفوات شرطه، أو وجود مانعه عن ذلك، قال عكرمة ومجاهد: إذا نام الإنسان فإن له سببا تجري فيه الروح، وأصله في الجسد، فتبلغ حيث شاء الله، فما دام ذاهبًا فإن الإنسان نائم، فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان، فكان بمنزلة شعاع هو ساقط بالأرض وأصله متصل بالشمس.
قال ابن منده: وأخبرت عن عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، عن على بن يزيد السمرقندي ـ وكان من أهل العلم والأدب وله بصر بالطب والتعبيرـ قال: إن الأرواح تمتد من مَنْخِر الإنسان، ومراكبها وأصلها في بدن الإنسان، فلوخرج الروح لمات، كما أن السراج لو فَرَّقْتَ بينها وبين الفتيلة لطفئت. ألا ترى أن تركب النار في الفتيلة، وضوءها وشعاعها ملأ البيت، فكذلك الروح تمتد من منخر الإنسان في منامه حتى تأتي السماء، وتَجُول في البلدان، وتلتقي مع أرواح الموتى. فإذا رآها الملك الموكل بأرواح العباد أراه ما أحب أن يراه وكان المرء في اليقظة عاقلًا ذكيًا صدوقًا لا يلتفت في اليقظة إلى شيء من الباطل رجع إليه روحه، فأدى إلى قلبه الصدق بما أراه الله ـ عز وجل ـ على حسب صدقه. وإن كان خفيفًا نَزِيقًا [أي: خفيفًا] . يحب الباطل والنظر إليه، فإذا نام وأراه الله أمرًا من خير أو شر رجع
(1/97)

روحه، فجب ما رأي شيئا من مخاريق الشيطان أو باطلا وقف عليه كما يقف في يقظته، وكذلك يؤدي إلى قبله، فلا يعقل ما رأي، لآنه خلط الحق بالباطل، فلا يمكن ميكن معبر يعبر له، وقد اختلط الحق بالباطل، فلا يمكن معبر يعبر له، وقد اختلط الحق بالباطل. قال الإمام ابن منده: ومما يشهد لهذا الكلام ما ذكرناه عن عمر وعلى وأبي الدرداء ـ رضي الله عنهم.
قلت: وخرج ابن قتيبة في كتاب [تعبير الرؤيا] ، قال: حدثني حسين بن حسن المروزي [حسين بن الحسن بن حرب السلمي بن عبد الله المروزي، نزيل مكة. روى عن ابن المبارك ويزيد بن زريع وابن علية وغيرهم، وروى عنه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وثقه ابن حبان وغير واحد. مات سنة 46هـ] ، أخبرنا ابن المبارك عبد الله، ثنا المبارك عن الحسن أنه قال: أنبئت أن العبد إذا نام وهو ساجد يقول الله ـ تبارك وتعالى: " انظروا إلى عبدي، روحه عندي، وجسده في طاعتي ".
وإذا كانت الروح تعرج إلى السماء مع أنها في البدن، علم أنه ليس عروجها من جنس عروج البدن الذي يمتنع هذا فيه. وعروج الملائكة ونزولها من جنس عروج الروح ونزولها، لا من جنس عروج البدن ونزوله. وصعود الرب ـ عز وجل ـ فوق هذا كله وأجل من هذا كله؛ فإنه ـ تعالى ـ أبعد عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق لمخلوق.
وإذا قيل: الصعود والنزول والمجيء والإتيان أنواع جنس الحركة، قيل: والحركة ـ أيضًا ـ أصناف مختلفة، فليست حركة الروح كحركة البدن، ولا حركة الملائكة كحركة البدن، والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز، ويراد بها أمور أخرى، كما يقوله كثير من الطبائعية والفلاسفة: منها الحركة في الكم كحركة النمو، والحركة في الكيف كحركة الإنسان من جهل إلى علم، وحركة اللون أو الثياب من سواد إلى بياض، والحركة في الأيْن كالحركة تكون بالأجسام النامية من النبات والحيوان في النمو والزيادة، أو في الذبول والنقصان، وليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز.
ومن قال: إن الجواهر المفردة تنتقل، فقوله غلط، كما هو مبسوط في موضعه. وكذلك الأجسام تنتقل ألوانها وطعومها وروائحها، فيسود الجسم بعد ابيضاضه، ويحلو
(1/98)

بعد مرارته، بعد أن لم يكن كذلك. وهذه حركات واستحالات وانتقالات، وإن لم يكن في ذلك انتقال جسم من حيز إلى حيز. وكذلك الجسم الدائر في موضع واحد كالدولاب والفلك هو بجملته لا يخرج من حيزه، وإن لم يزل متحركا. وهذه الحركات كلها في الأجسام، وأما في الأرواح فالنفس تنتقل من بغض إلى حب، ومن سخط إلى رضا. ومن كراهة إلى إرادة، ومن جهل إلى علم، ويجد الإنسان من حركات نفسه وانتقالاتها وصعودها ونزولها ما يجده. وذلك من جنس آخر غير جنس حركات بدنه.
وإذا عرف هذا؛ فإن للملائكة من ذلك ما يليق بهم، وإن ما يوصف به الرب ـ تبارك وتعالى ـ هو أكمل وأعلى وأتم من هذا كله، وحينئذ فإذا قال السلف والأئمة ـ كحماد بن زيد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من أئمة أهل السنة ـ أنه ينزل ولا يخلو منه العرش، لم يجز أن يقال: إن ذلك ممتنع، بل إذا كان المخلوق يوصف من ذلك بما يستحيل من مخلوق آخر، فالروح توصف من ذلك بما يستحيل اتصاف البدن به، كان جواز ذلك في حق الرب ـ تبارك وتعالى ـ أولى من جوازه من المخلوق كأرواح الآدميين والملائكة.
ومن ظن أن ما يوصف به الرب ـ عز وجل ـ لا يكون إلا مثل ما توصف به أبدان بني آدم، فغلطه أعظم من غلط من ظن أن ما توصف به الروح مثل ما توصف به الأبدان.
وأصل هذا: أن قربه ـ سبحانه ـ ودنوه من بعض مخلوقاته، لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش، بل هو فوق العرش، ويقرب من خلقه كيف شاء، كما قال ذلك من قاله من السلف، وهذا كقربه إلى موسى لما كلمه من الشجرة، قال تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى
(1/99)

لا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَن ظَلَمَ} [النمل: 7ـ11] وقال في السورة الأخرى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 29،30] وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 51،52] فأخبر أنه ناداه من جانب الطور، وأنه قربه نجيا، وقال تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 34ـ46] وقال تعالى: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} [النازعات: 15ـ20] .
وقال ابن أبي حاتم في [تفسيره] : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} [النمل: 8] قال: كان ذلك النار، قال الله: من في النور، ونودي أن بورك من في النور.
(1/100)

حدثنا على بن الحسين، ثنا محمد بن حمزة، ثنا على بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي؛ أن عكرمة حدثني عن ابن عباس: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّار} قال: كان ذلك النار نوره {وَمَنْ حَوْلَهَا} أي: بورك من في النور ومن حول النور. وكذلك روى بإسناده من تفسير عطية عن ابن عباس: {فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} [النمل: 8] يعني نفسه، قال: كان نور رب العالمين في الشجرة ومن حولها.
حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري [هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الجوهري، الطبري الأصل، البغدادي، الحافظ، ولد بعد السبعين ومائة، وثقه النسائي والخطيب، ومات سنة 249هـ وقيل غير ذلك] ، ثنا أبو معاوية، عن شيبان، عن عكرمة: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} [النمل: 8] قال: كان الله في نوره.
حدثنا أبو زُرْعَة، ثنا بن أبي شيبة، ثنا على بن جعفر المدائني، عن وَرْقَاء، عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} [النمل: 8] قال: ناداه وهو في النور.
حدثنا على بن الحسين المنْجَاني، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا مُفَضَّل بن أبي فَضَالة حدثني ابن ضَمْرَة: {فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} ، قال: إن موسى كان على شاطئ الوادي ـ إلى أن قال ـ فلما قام أبصر النار فسار إليها، فلما أتاها {نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} ، قال: إنها لم تكن نارًا، ولكن كان نور الله وهو الذي كان في ذلك النور، وإنما كان ذلك النور منه، وموسى حوله.
حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا مكي بن إبراهيم، ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله عز وجل: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} قال: النار نور الرحمة، قال: ضوء من الله تعالى {وَمَنْ حَوْلَهَا} : موسى والملائكة.
وروي بإسناده عن ابن عباس: {وَمَنْ حَوْلَهَا} قال: الملائكة. قال: وروي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتاده مثل ذلك. وروى عن السدي وحده: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} ، قال: كان في النار ملائكة.
(1/101)

وفي صحيح مسلم عن أبي عُبَيْدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يَخْفِض القِسْط ويرفعه، يُرْفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حِجَابُه النورـ أو النار ـ لو كَشَفَه لأحرقت سُبُحَات وجهه ما انتهي إليه بصره من خلقه ". ثم قرأ أبو عبيدة: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} وذكر من تفسير الوالبي عن ابن عباس: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} ، يقول: قدس، وعن مجاهد: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ} بوركت النار. كذلك كان يقول ابن عباس وفي السورة الأخرى: ذكر أنه ناداه من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وقوله: {مِنَ الشَّجَرَةِ} هو بدل من قوله: {مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ} [القصص: 30] فالشجرة كانت فيه، وقال أيضًا: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} [مريم: 52] والطور هو الجبل، فالنداء كان من الجانب الأيمن من الطور ومن الوادي فإن شاطئ الوادي جانبه، وقال: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} [القصص: 44] أي: بالجانب الغربي، وجانب المكان الغربي؛ فدل على أن هذا الجانب الأيمن هو الغربي لا الشرقي، فذكر أن النداء كان من موضع معين وهو الوادي المقدس طوى من شاطئ الوادي الأيمن من جانب الطور الأيمن من الشجرة، وذكر أنه قَرَّبه نَجيا فناداه وناجاه، وذلك المنادى له، والمناجى له، هو الله رب العالمين لا غيره، ونداؤه ومناجاته قائمة به، ليس ذلك مخلوقًا منفصلا عنه، كما يقوله من يقول: إن الله لا يقوم به كلام، بل كلامه منفصل عنه مخلوق، وهو ـ سبحانه وتعالى ـ ناداه وناجاه ذلك الوقت، كما دل عليه القرآن، لا كما يقوله من يقول: لم يزل مناديًا مناجيًا له، ولكن ذلك الوقت خلق فيه إدراك النداء القديم الذي لم يزل ولا يزال.
فهذان قولان مبتدعان لم يقل واحدًا منها أحد من السلف. وإذا كان المنادي هو الله
(1/102)

رب العالمين، وقد ناداه من موضع معين وقربه إليه، دل ذلك على ما قاله السلف من قربه ودنوه من موسى ـ عليه السلام ـ مع أن هذا قرب مما دون السماء.
وقد جاء ـ أيضًا ـ من حديث وهب بن منبه وغيره من الإسرائيليات قربه من أيوب ـ عليه السلام ـ وغيره من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ولفظه ـ الذي ساقه البغوي ـ أنه أضله غمام ثم نودي: يا أيوب، أنا الله، يقول: أنا قد دنوت منك، أنزل منك قريبًا. لكن الإسرائيليات إنما تذكر على وجه المتابعة، لا على وجه الاعتماد عليها وحدها، وهوـ سبحانه وتعالى ـ قد وصف نفسه في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بقربه من الداعي وقربه من المتقرب إليه، فقال تبارك وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] .
وثبت في [الصحيحين] عن أبي موسى، أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال: " أيها الناس، ارْبعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته ". وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: من تَقَرَّبَ إلىّ شبرًا تقربت إليه
(1/103)

ذراعًا، ومن تقرب إلىَّ ذِراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلَةً".
وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقر به جميع من يقول: إنه فوق العرش، سواء قالوا مع ذلك: إنه تقوم به الأفعال الاختيارية أو لم يقولوا.
وأما من ينكر ذلك:
فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض الوجوه فيكونون قريبين منه، وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة؛ فإنهم يقولون: الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة.
ومنهم من يفسر قربهم بطاعتهم، ويفسر قربه بإثابته. وهذا تفسير جمهور الجهمية؛ فإنهم ليس عندهم قرب ولا تقريب أصلًا.
ومما يدخل في معاني القرب ـ وليس في الطوائف من ينكره ـ قرب المعروف والمعبود إلى قلوب العارفين العابدين؛ فإن كل من أحب شيئًا فإنه لابد أن يعرفه ويقرب من قلبه، والذي يبغضه يبعد من قلبه. لكن هذا ليس المراد به أن ذاته نفسها تحل في قلوب العارفين العابدين، وإنما في القلوب معرفته وعبادته ومحبته، والإيمان به؛ ولكن العلم يطابق المعلوم.
وهذا الإيمان الذي في القلوب هو [المثل الأعلى] الذي له في السموات والأرض، وهو معنى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] ، وقوله: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] .
وقد غلط في هذه الآية طائفة من الصوفية والفلاسفة وغيرهم، فجعلوه حلول الذات واتحادها بالعابد والعارف، من جنس قول النصارى في المسيح، وهو قول باطل، كما قد بسط في
(1/104)

موضعه. والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة، وهو قول الأشعري وغيره من الكُلابية؛ فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته، وكذلك يثبتون استواءه على العرش بذاته، ونحو ذلك، ويقولون: الاستواء فعل فعله في العرش فصار مستويًا على العرش. وهذا ـ أيضًا ـ قول ابن عقيل، وابن الزاغوني، وطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم.
وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده؛ فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش. وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر.
وأول من أنكر هذا في الإسلام الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة، وكانوا ينكرون الصفات والعلو على العرش، ثم جاء ابن كُلاب فخالفهم في ذلك، وأثبت الصفات والعلو على العرش، لكن وافقهم على أنه لا تقوم به الأمور الاختيارية؛ ولهذا أحدث قوله في القرآن: أنه قديم لم يتكلم به بقدرته. ولا يعرف هذا القول عن أحد من السلف، بل المتواتر عنهم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، كما ذكرت ألفاظهم في كتب كثيرة في مواضع غير هذا.
فالذين يثبتون أنه كلم موسى بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا به، هم الذين يقولون: إنه يدنو ويقرب من عباده بنفسه. وأما من قال: القرآن مخلوق أو قديم، فأصل هؤلاء أنه لا يمكن أن يقرب من شيء ولا يدنو إليه، فمن قال منهم بهذا مع هذا، كان من تناقضه؛ فإنه لم يفهم أصل القائلين بأنه قديم.
وأهل الكلام قد يعرفون من حقائق أصولهم ولوازمها ما لا يعرفه من وافقهم على أصل المقالة، ولم يعرف حقيقتها ولوازمها؛ فلذا يوجد كثير من الناس يتناقض كلامه في هذا الباب. فإن نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف متظاهرة بالإثبات، وليس على النفي دليل واحد: لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر، وإنما أصله قول الجهمية، فلما جاء ابن كُلاب فرق، ووافقه كثير من الناس على ذلك، فصار كثير من الناس يقر
(1/105)

بما جاء عن السلف وما دل عليه الكتاب والسنة، وبما يقوله النفاة مما يناقض ذلك، ولا يهتدي للتناقض: {وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] .
وبهذا يحصل الجواب عما احتج به من قال: إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد ـ وهذا قد احتج به طائفة ـ وجعلوا هذا دليلًا على ما يتأولون عليه حديث النزول. وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته!
فإذا قدر النزول هكذا كان ممتنعًا؛ لما ذكروه من أنه لا يزال تحت العرش في غالب الأوقات أو جميعها، فإن بين طرفي العمارة نحو ليلة؛ فإنه يقال: بين ابتداء العمارة من المشرق ومنتهاها من المغرب مقدار مائة وثمانين درجة فلكية، وكل خمس عشرة فهي ساعة معتدلة، والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتي عشرة ساعة بالليل أو النهار، إذا كان الليل والنهار متساويين ـ كما يستويان في أول الربيع الذي تسميه العرب الصيف، وأول الخريف الذي تسميه الربيع ـ بخلاف ما إذا كان أحدهما أطول من الآخر، وكل واحد اثنتا عشرة ساعة، فهذه الساعات مختلفة في الطول والقصر، فتغرب الشمس عن أهل المشرق قبل غروبها عن أهل المغرب، كما تطلع على هؤلاء قبل هؤلاء بنحو اثنتي عشرة ساعة أو أكثر.
فإن الشمس على أي موضع كانت مرتفعة من الأرض الارتفاع التام ـ كما يكون عند نصف النهار ـ فإنها تضيء على ما أمامها وخلفها من المشرق والمغرب تسعين درجة شرقية وتسعين غربية، والمجموع مقدار حركتها: اثنتا عشرة ساعة، ستة شرقية، وستة غربية، وهو النهار المعتدل.
ولا يزال لها هذا النهار، لكن يخفي ضوؤها بسبب ميلها إلى جانب الشمال والجنوب، فإن المعمور من الأرض من الناحية الشمالية من الأرض التي هي شمال خط الاستواء المحاذي لدائرة معتدل النهار التي نسبتها إلى القطبين ـ الشمالي والجنوبي ـ نسبة واحدة؛ ولهذا يقال في حركة الفلك: إنها على ذلك المكان دولابية مثل الدولاب، وأنها عند القطبين
(1/106)

رحاوية تشبه حركة الرَّحَى، وأنها في المعمور من الأرض حمائلية تشبه حمائل السيوف. والمعمور المسكون من الأرض، يقال: إنه بضع وستون درجة أكثر من السدس بقليل.
والكلام على هذا لبسطه موضع آخر، ذكرنا فيه دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وسائر من تبعهم من علماء المسلمين على أن الفلك مستدير. وقد ذكر إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد، منهم الإمام أبو الحسين بن المنادي الذي له نحو [أربعمائة مصنف] وهو من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم.
والمقصود هنا أن الشمس إذا طلعت على أول البلاد الشرقية، فإنه ـ حينئذ ـ يكون إما وقت غروبها وإما قريبًا من وقت غروبها على آخر البلاد الغربية، فإنها تكون بحيث يكون الضوء أمامها تسعين درجة وخلفها تسعين درجة، فهذا منتهي نورها. فإذا طلعت عليهم كان بينها وبينهم تسعون درجة، وكذلك على بلد تطلع عليه، والحاسب يفرق بين الدرجات كما يفرق بين الساعات، فإن الساعات المختلفة الزمانية كل واحد منها خمس عشرة درجة بحسب ذلك الزمان، فيكون بينها وبين المغرب أيضًا تسعون درجة من ناحية المغرب، وإذا صار بينها وبين مكان تسعون درجة غربية غابت، كما تطلع إذا كان بينها وبينهم تسعون درجة شرقية، وإذا توسطت عليهم ـ وهو وقت استوائها قبل أن تَدْلُكَ [أي تميل عن الاستواء] وتَزِيغَ ويدخل وقت الظهر ـ كان لها تسعون درجة شرقية وتسعون درجة غربية.
وإذا كان كذلك ـ والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم، واتفق علماء الحديث على صحته: هو " إذا بقي ثلث الليل الآخر "وأما رواية "النصف والثلثين" فانفرد بها مسلم في بعض طرقه، وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: " إذا بقي ثلث الليل الآخر ". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة كثيرة من الصحابة كما ذكرنا قبل هذا؛ فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث، والذي لا شك فيه إذا بقي ثلث الليل الآخر.
(1/107)

فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر [النزول] أيضًا إذا مضى ثلث الليل الأول وإذا انتصف الليل؛ فقوله حق وهو الصادق المصدوق، ويكون النزول أنواعًا ثلاثة: الأول إذا مضى ثلث الليل الأول، ثم إذا انتصف وهو أبلغ، ثم إذا بقي ثلث الليل، وهو أبلغ الأنواع الثلاثة.
ولفظ " الليل والنهار " في كلام الشارع إذا أطلق، فالنهار من طلوع الفجر، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ} [هود: 114] ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: " صم يومًا وأفطر يومًا " وقوله: " كالذي يصوم النهار ويقوم الليل " ونحو ذلك، فإنما أراد صوم النهار من طلوع الفجر، وكذلك وقت صلاة الفجر، وأول وقت الصيام بالنقل المتواتر المعلوم للخاصة والعامة والإجماع الذي لا ريب فيه بين الأمة، وكذلك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خِفْتَ الصبح فأوتر بركعة ". ولهذا قال العلماء ـ كالإمام أحمد بن حنبل وغيره ـ: إن صلاة الفجر من صلاة النهار.
وأما إذا قال الشارع صلى الله عليه وسلم: " نصف النهار " فإنما يعني به النهار المبتدئ من طلوع الشمس، لا يريد قط ـ لا في كلامه ولا في كلام أحد من علماء المسلمين بنصف النهارـ
(1/108)

النهار الذي أوله من طلوع الفجر؛ فإن نصف هذا يكون قبل الزوال؛ ولهذا غلط بعض متأخري الفقهاء ـ لما رأى كلام العلماء أن الصائم المتطوع يجوز له أن ينوي التطوع قبل نصف النهار؛ وهل يجوز له بعده؟ على قولين هما روايتان عن أحمد ـ ظن أن المراد بالنهار هنا نهار الصوم الذي أوله طلوع الفجر. وسبب غلطه في ذلك أنه لم يفرق بين مسمى النهار إذا أطلق، وبين مسمى نصف النهار، فالنهار الذي يضاف إليه نصف في كلام الشارع وعلماء أمته هو من طلوع الشمس، والنهار المطلق في وقت الصلاة والصيام من طلوع الفجر.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بالنزول إذا بقي ثلث الليل، فهذا الليل ـ المضاف إليه الثلث يظهر أنه من جنس النهار المضاف إليه النصف ـ وهو الذي ينتهي إلى طلوع الشمس، وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وقت العشاء إلى نصف الليل " أو " إلى الثلث "، فهو هذا الليل. وكذلك الفقهاء إذا أطلقوا ثلث الليل ونصفه؛ فهو كإطلاقهم نصف النهار. وهكذا أهل الحساب لا يعرفون غير هذا.
وقد يقال: بل هو الليل المنتهي بطلوع الفجر كما في الحديث الصحيح: " أفضل القيام قيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه ". واليوم المعتاد المشروع إلى طلوع الشمس بل إلى طلوع الفجر. فإن كان المراد بالحديث هذا، وحينئذ فإذا قدر ثلث الليل في أول المشرق يكون قبل طلوع الشمس عليهم بأربع ساعات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ حتى يطلع الفجر ". فقد أخبر
(1/109)

بدوامه إلى طلوع الفجر، وفي رواية: (إلى أن ينصرف القارئ من صلاة الفجر) . وقد قال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] تشهده ملائكة الليل والنهار، وقد قيل: يشهده الله وملائكته.
وإذا كان هذا النزول يدوم نحو سدس عند أولئك، فهكذا هو عند كل قوم إذا مضى ثلثًا ليلهم يدوم عندهم سدس الزمان، وأما النزول الذي في النصف أو الثلثين، فإنه يدوم ربع الزمان أو ثلثه، فهو أكثر دوامًا من ذلك. وإن أريد الليل المنتهي بطلوع الشمس، كان وقت النزول أقل من ذلك فيكون قريبًا من ثمن الزمان وتُسعه، وعلى رواية النصف والثلث يكون قريبًا من سدسه وربعه وأكثر من ذلك.
ومعلوم أن زمن ثلث ليل البلد الشرقي قبل ثلث ليل البلد الغربي كما قد عرف، والعمارة طولها اثنتا عشرة ساعة، مائة وثمانون درجة، فلو قدر أن لكل مقدار ساعة ـ وهو خمس عشرة درجة من المعمورـ ثلثا غير ثلث مقدار الساعة الأخرى، لكان المعمور ستة وثلاثين ثلثًا، والنزول يدوم في كل ثلث مقدار سدس الزمان، فيلزم أن يكون النزول يدوم ليلًا ونهارًا، أنه يدوم بقدر الليل والنهار ست مرات، إذا قدر أن لكل طول ساعة من المعمور ثلثًا فكيف النزول الإلهي إلى السماء الدنيا لدعاء عباده الساكنين في الأرض؟
فكل أهل بلد من البلاد يبقي نزوله ودعاؤه لهم: هل من سائل؟ هل من داع؟ هل من مستغفر؟ سدس الزمان، والبلاد من المشرق إلى المغرب كثيرة. والإسلام ـ ولله الحمد ـ قد انتشر من المشرق إلى المغرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (زُوِيَتْ لي الأرض، مشارقها ومغاربها، وسَيَبْلُغ مُلْكُ أمتي ما زُوِي لي منها) [وقوله: (زُوِيَتْ) : أي جُمِعت] .
(1/110)

وإنما ذكرنا هذا؛ لأنه قد يقال: إن هذا [النزول، والدعاء] إنما هو لعباده المؤمنين الذين يعبدونه ويسألونه ويستغفرونه؛ كما أن [نزول عَشِيَّةعَرَفَة] إنما هو لعباده المؤمنين الذين يحجون إليه، وكما أن رمضان إذا دخل فتحت أبواب الجنة لعباده المؤمنين الذين يصومون رمضان، وعنهم تغلق أبواب النار، وتُصَفَّد [أي: تُوثق وتُقيَّد] . شياطينهم، وأما الكفار الذين يستحلون إفطار شهر رمضان ولا يرون له حرمة ومزية فلا تفتح لهم فيه أبواب الجنة ولا تغلق عنهم فيه أبواب النار، ولا تصفد شياطينهم.
وليس المقصود هنا بسط هذا المعنى، بل المقصود أن النزول إن كان خاصًا بالمؤمنين، فهم ـ ولله الحمد ـ من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وإن كان عامًا؛ فهو أبلغ، فعلى كل تقدير لابد أن يدوم النزول الإلهي على أهل كل بلد مقدار سدس الزمان أو أكثر. فإنه إذا قيل: ليل صيفهم قصير، قيل: وليل شتائهم طويل، فيعادل هذا هذا، وما نقص من ليل صيفهم زيد في ليل شتائهم؛ ولهذا جاء في الأثر: (الشتاء ربيع المؤمن؛ يصوم نهاره، ويقوم ليله) .
وإذا كان كذلك، فلو كان النزول كما يتخيله بعض الجهال من أنه يصير تحت السموات وفوق السماء الدنيا وتحت العرش مقدار ثلث الليل على كل بلد، لم يكن اللازم أنه لا يزال تحت العرش وتحت السموات فقط؛ فإن هذا إنما يكون وحده هو اللازم إذا كان كل سدس من المعمور لهم كلهم ثلث واحد، وكان المجموع ستة أثلاث، فإذا قدر بقاؤه على هؤلاء مقدار ثلث، ثم على هؤلاء الآخرين مقدار ثلث، لزم ألا يزال تحت
(1/111)

العرش، أو تحت السموات، أو حيث تخيل الجاهل أن الله محصور فيه، فلا يكون قط فوق العرش.
وأما إذا كان لكل بلد ثلث غير الثلث الآخر، وأن أول كل بلد بعد الثلث الآخر، يقدر ما بينهما، وكذلك آخر ثلث ليل البلد الشرقي ينقضي قبل انقضاء ثلث ليل البلد الغربي، وأيضًا، إن كانت مداخلة، فلابد أن يدوم النزول على كل بلد ثلث ليلهم إلى طلوع فجرهم، فيلزم من ذلك أن يقدر أثلاث بقدر عدد البلاد.
وأيضًا، فكما أن ثلث الليل يختلف بطول البلد، فهو يختلف بعرضها أيضًا. فكلما كان البلد أدخل في الشمال، كان ليله في الشتاء أطول، وفي الصيف أقصر. وما كان قريبًا من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك وليله في الصيف أطول من ليل ذاك، فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي.
وحينئذ، فالنزول الإلهي لكل قوم هو مقدار ثلث ليلهم، فيختلف مقداره بمقادير الليل في الشمال والجنوب، كما اختلف في المشرق والمغرب. وأيضًا، فإنه إذا صار ثلث الليل عند قوم، فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد، فيحصل النزول الإلهي الذي أخبر به الصادق المصدق ـ أيضًا ـ عند أولئك إذا بقي ثلث ليلهم، وهكذا إلى آخر العمارة.
فلو كان كما توهمه الجاهل، من أنه يكون تحت العرش، وتكون فوقه السماء وتحته السماء؛ لكان هذا ممتنعًا من وجوه كثيرة:
منها: أنه لا يكون فوق العرش قط بل لا يزال تحته، ومنها: أنه يجب على هذا التقدير أن يكون الزمان بقدر ما هو مرات كثيرة جدًا ليقع كذلك، ومنها: أنه مع دوام نزوله إلى سماء هؤلاء إلى طلوع فجرهم، إن أمكن مع ذلك، أن يكون قد نزل على غيرهم أيضًا، ممن ثلث ليلهم يخالف ثلث هؤلاء في التقديم والتأخير والطول والقصر.
فهذا خلاف ما تخيلوه، فإنهم لا يمكنهم أن يتخيلوا نازلًا كنزول العباد، من يكون نازلا على سماء هؤلاء ثلث ليلهم، وهو ـ أيضًا ـ في تلك الساعة نازلًا على سماء آخرين، مع أنه يجب أن يتقدم على أولئك أو يتأخر عنهم، أو يزيد أو يقصر.
(1/112)

وحكى عن بعض الجهال أنه قيل له: فالسموات كيف حالها عند نزوله؟ قال: يرفعها، ثم يضعها، وهو قادر على ذلك. فهؤلاء الذين يتخيلون ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به ربه أنه مثل صفات أجسامهم، كلهم ضالون، ثم يصيرون قسمين:
قسم علموا أن ذلك باطل، وظنوا أن هذا ظاهر النص ومدلوله، وأنه لا يفهم منه معنى إلا ذلك، فصاروا: إما أن يتأولوه تأويلًا يحرفون به الكلم عن مواضعه. وإما أن يقولوا: لا يفهم منه شيء، ويزعمون أن هذا مذهب السلف.
ويقولون: إن قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} [آل عمران: 7] يدل على أن معنى المتشابه لا يعلمه إلا الله، والحديث منه متشابه ـ كما في القرآن ـ وهذا من متشابه الحديث، فيلزمهم أن يكون الرسول الذي تكلم بحديث النزول لم يَدْرِ هو ما يقول، ولا ما عنى بكلامه ـ وهو المتكلم به ابتداء. فهل يجوز لعاقل أن يظن هذا بأحد من عقلاء بنى آدم؟ ! فضلًا عن الأنبياء! فضلا عن أفضل الأولين والآخرين، وأعلم الخلق، وأفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلم؟ ! وهم مع ذلك يدعون أنهم أهل السنة، وإن هذا القول الذي يصفون به الرسول وأمته هو قول أهل السنة.
ولا ريب أنهم لم يتصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه. ولو تصوروا ذلك لعلموا أنه يلزمهم ما هو من أقبح أقوال الكفار في الأنبياء، وهم لا يرتضون مقالة من ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، ولو تنقصه أحد لاستحلوا قتله. وهم مصيبون في استحلال قتل من يقدح في الأنبياء عليهم السلام، وقولهم يتضمن أعظم القَدْح؛ لكن لم يعرفوا ذلك. ولازم القول ليس بقول، فإنهم لو عرفوا أن هذا يلزمهم ما التزموه.
وقسم ثان، من الممثلين لله بخلقه، لما رأوا أن قول هؤلاء منكر، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حق، قالوا مثل تلك الجهالات: من أنه تصير فوقه سماء وتحته سماء، أو أن السموات ترتفع ثم تعود، ونحو ذلك مما يظهر بطلانه لمن له أدنى عقل ولُبٍّ.
وقد ثبت في الصحيحين أنه ينزل، وفي لفظ: (ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر) ،
(1/113)

وفي حديث آخر: " أقرب ما يكون الرب من عبده في جَوْف الليل الآخر "، وفي صحيح مسلم: " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل "، وفي صحيح مسلم ـ أيضًا ـ: " إذا مضى شَطْر الليل أو ثلثاه، ينزل الله إلى سماء الدنيا " فما ذكر من تقدم اختلاف الليل في البلاد، يبطل قول من يظن أنه يخلو منه العرش، ويصير تحت العرش أو تحت السماء.
وأما النزول ـ الذي لا يكون من جنس نزول أجسام العباد ـ فهذا لا يمتنع أن يكون في وقت واحد لخلق كثير، ويكون قدره لبعض الناس أكثر، بل لا يمتنع أن يقرب إلى خلق من عباده دون بعض، فيقرب إلى هذا الذي دعاه دون هذا الذي لم يدعه. وجميع ما وصف به الرب ـ عز وجل ـ نفسه من القرب، فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعية؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص.
وأما قربه مما يقرب منه، فهو خاص لمن يقرب منه، كالداعي والعابد، وكقربه عشية عرفة، ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج، وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض البلاد، وتكون ليلا في بعض البلاد؛ فإن تلك البلاد لم يَدْنُ إليها، ولا إلى سمائها الدنيا، وإنما دنا إلى السماء الدنيا التي على الحُجَّاج، وكذلك نزوله بالليل.
وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة، وكل منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه، وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره. كذلك قال أبو رَزِين: للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر "، قال: يا رسول الله، كيف ونحن جميع وهو واحد؟ ! فقال: " سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله؛ هذا القمر كلكم يراه مخليا به، فالله أكبر ". وقال رجل لابن عباس ـ رضي الله عنه ـ كيف يحاسب الله العباد في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة.
وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله: قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي
(1/114)

ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} ، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى على عبدي، فإذا قال العبد: مالك يوم الدين؛ قال الله: مجدنى عبدي، فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين؛ قال: هذه بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ، قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ".
فهذا يقوله ـ سبحانه وتعالى ـ لكل مُصَلٍّ قرأ الفاتحة، فلو صلى الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك وفي تلك الساعة يصلي من يقرأ الفاتحة من لا يحصى عدده إلا الله، وكل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا، كما يحاسبهم كذلك، فيقول لكل واحد ما يقول له من القول في ساعة واحدة. وكذلك سمعه لكلامهم يسمع كلامهم كله مع اختلاف لغاتهم، وتفنن حاجاتهم، يسمع دعاءهم سمع إجابة، ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع. ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، فإنه ـ سبحانه ـ هو الذي خلق هذا كله، وهو الذي يرزق هذا كله وهو الذي يوصل الغذاء إلى كل جزء جزء من البدن على مقداره وصفته المناسبة له، وكذلك من الزرع.
وكرسيه قد وسع السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما، فإذا كان لا يؤوده خلقه ورزقه على هذه التفاصيل، فكيف يؤوده العلم بذلك، أو سمع كلامهم، أو رؤية أفعالهم، أو إجابة دعائهم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] .
وهذه الآية مما تبين خطأ هؤلاء، فإنه سبحانه وتعالى قال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
(1/115)

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه، ويقول: أنا الملك، أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ! ".
وفي حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أبلغ من ذلك، والسياق لمسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، ورواه عثمان بن أبي شيبة قال: " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله فيقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ".
وفي حديث عبد الله بن مِقْسَم عن عبد الله بن عمر، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وهو يقول: " يأخذ الجبار سمواته وأرضه ـ وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ـ ويقول: أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئًا، أنا الذي أعيدها، أين الجبارون أين المتكبرون؟ "، ويتميل رسول الله على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إنى أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ . رواه ابن منده، وابن خزيمة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وسعيد بن منصور وغيرهم من الأئمة الحفاظ النقاد الجهابذة.
فإذا كان ـ سبحانه ـ يطوي السموات كلها بيمينه، وهذا قدرها عنده ـ كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخَرْدَلَةٍ في يد أحدكم، وهو ـ سبحانه ـ بين لنا من عظمته بقدر ما نعقله، كما قال عبد العزيز الماجشُون [هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، الإمام المفتى الكبير، نزيل بغداد، وسمي بالماجشون؛ لأن وجنتيه كانتا حمراوين - والماجشون تطلق على الثياب المُصَبَّغَة - وثقه أبو زُرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، توفي ببغداد سنة 164هـ] : والله، ما دلهم على عظيم ما وصف من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صغر
(1/116)

نظيرها منهم عندهم، أن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم.
وقد قال تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] قال ابن أبي حاتم في [تفسيره] : حدثنا أبو زُرْعَة، ثنا مِنْجَاب بن الحارث، ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] قال: (لو أن الجن والإنس، والشياطين والملائكة؛ منذ خلقوا إلى أن فَنُوا صُفُّوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا) ، فمن هذه عظمته، كيف يحصره مخلوق من المخلوقات، سماء أو غير سماء؟ ! حتى يقال: إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صار العرش فوقه، أو يصير شيء من المخلوقات يحصره ويحيط به ـ سبحانه وتعالى.
فإذا قال القائل: هو قادر على ما يشاء، قيل: فقل: هو قادر على أن ينزل ـ سبحانه وتعالى ـ وهو فوق عرشه، وإذا استدللت بمطلق القدرة والعظمة من غير تمييز، فما كان أبلغ في القدرة والعظمة، فهو أولي بأن يوصف به مما ليس كذلك؛ فإن من توهم العظيم ـ الذي لا أعظم منه ـ يقدر على أن يصغر حتى يحيط به مخلوقه الصغير، وجعل هذا من باب القدرة والعظمة، فقوله: إنه ينزل مع بقاء عظمته وعلوه على العرش، أبلغ في القدرة والعظمة، وهو الذي فيه موافقة الشرع والعقل.
وهذا كما قد يقوله طائفة ـ منهم أبو طالب المكى ـ قال: إن شاء وسعه أدنى شيء، وإن شاء لم يسعه شيء، وإن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن أحب وجد عند كل شيء، وإن لم يحب لم يوجد عند شيء، وقد جاوز الحد والمعيار، وسبق القيل والأقدار، ذو صفات لا تحصى، وقدر لا يتناهى، ليس محبوسًا في صورة، ولا موقوفًا بصفة، ولا محكومًا عليه بكلم، ولا يتجلى بوصف مرتين، ولا يظهر
(1/117)

في صورة لاثنين، ولا يرد منه بمعنى واحد كلمتان، بل لكل تجل منه صورة، ولكل عبد عند ظهوره صفة، وعن كل نظرة كلام، وبكل كلمة إفهام، ولا نهاية لتجليه، ولا غاية لأوصافه.
قلت: أبو طالب ـ رحمه الله ـ هو وأصحابه [السالمية] أتباع الشيخ أبي الحسن بن سالم صاحب سهل بن عبد الله التُّسْتَرِي، لهم من المعرفة والعبادة والزهد واتباع السنة والجماعة في عامة المسائل المشهورة لأهل السنة ما هم معروفون به، وهم منتسبون إلى إمامين عظيمين في السنة؛ الإمام أحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التُّسْتَرِي، ومنهم من تفقه على مذهب مالك بن أنس كبيت الشيخ أبي محمد وغيرهم، وفيهم من هو على مذهب الشافعى.
فالذين ينتسبون إليهم، أو يعظمونهم، ويقصدون متابعتهم، أئمة هدى ـ رضوان الله عليهم أجمعين. وهم في ذلك كأمثالهم من أهل السنة والجماعة.
وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع؛ ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه، وأصول الدين، والفقه، والزهد، والتفسير، والحديث، من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، ويحكى من مقالات الناس ألوانًا، والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره؛ لعدم علمه به؛ لا لكراهته لما عليه الرسول.
وهؤلاء وقع في كلامهم أشياء، أنكروا بعض ما وقع من كلام أبي طالب في الصفات ـ من نحو الحلول وغيره ـ أنكرها عليهم أئمة العلم والدين ونسبوهم إلى الحلول من أجلها؛ ولهذا تكلم أبو القاسم بن عساكر في أبي على الأهوازي لما صنف هذا مثالب أبي الحسن الأشعري، وهذا مناقبه، وكان أبو علي الأهوازي من السالمية فنسبهم طائفة إلى الحلول. والقاضي أبو يعلى له كتاب صنفه في الرد على السالمية.
وهم فيما ينازعهم المنازعون فيه ـ كالقاضي أبي يعلى وغيره، وكأصحاب الأشعري، وغيرهم من ينازعهم ـ من جنس تنازع الناس، تارة يرد عليهم حق وباطل، وتارة يرد عليهم حق من حقهم، وتارة يرد باطل بباطل، وتارة يرد
(1/118)

باطل بحق. وكذلك ذكر الخطيب البغدادى في [تاريخه] أن جماعة من العلماء أنكروا بعض ما وقع في كلام أبي طالب في الصفات. وما وقع في كلام أبي طالب من الحلول سرى بعضه إلى غيره من الشيوخ، الذين أخذوا عنه كأبي الحكم بن بَرَّجَان ونحوه.
وأما أبو إسماعيل الأنصاري ـ صاحب [منازل السائرين]ـ فليس في كلامه شيء من الحلول العام، لكن في كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل إلى ما سماه هو: [مقام التوحيد] ، وقد باح منه بما لم يبح به أبو طالب، لكن كنى عنه.
وأما [الحلول العام] ففي كلام أبي طالب قطعة كبيرة منه، مع تبريه من لفظ الحلول، فإنه ذكر كلامًا كثيرًا حسنًا في التوحيد كقوله: عالم لا يجهل، قادر لا يعجز، حي لا يموت، قيوم لا يغفل، حليم لا يسفه، سميع بصير، ملك لا يزول ملكه، قديم بغير وقت، آخر بغير حدّ، كائن لم يزل، إلى أن قال: وإنه أمام كل شيء، ووراء كل شيء، وفوق كل شيء، ومع كل شيء، ويسمع كل شيء، وأقرب إلى كل شيء من ذلك الشيء، وإنه مع ذلك غير محل للأشياء، وأن الأشياء ليست محلًا له، وأنه على العرش استوى كيف شاء بلا تكييف ولا تشبيه، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء محيط.
وذكر كلامًا آخر يتعلق بالمخلوقات وإحاطة بعضها ببعض بحسب ما رآه، ثم قال: والله ـ جل جلاله وعظم شأنه ـ هو ذات منفرد بنفسه، متوحد بأوصافه، بائن من جميع خلقه، لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه من ذاته شيء، ليس في الخلق إلا الخلق ولا في الذات إلا الخالق.
قلت: وهذا ينفي الحلول كما نفاه أولًا.
ثم قال: فصل شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين
فشهادة الموقن يقينه أن الله هو الأول من كل شيء، وأقرب من كل شيء، فهو المعطى المانع، الهادي المضل، لا معطي ولا مانع ولا ضار ولانافع إلا الله، كما لا إله إلا الله، ويشهد قرب الله منه ونظره إليه، وقدرته عليه
(1/119)

وحيطته به، فسبق نظره وهمه إلى الله قبل كل شيء، ويذكره في كل شيء، ويخلو قلبه له من كل شيء، ويرجع إليه بكل شيء، ويتأله إليه دون كل شيء، ويعلم أن الله أقرب إلى القلب من وريده، وأقرب إلى الروح من حياته، وأقرب إلى البصر من نظره، وأقرب إلى اللسان من ريقه بقرب هو وصفه لا يتقرب ولا يقرب.
وأنه ـ تعالى ـ على العرش في ذلك كله، وأنه رفيع الدرجات من الثَّرَى، كما هو رفيع الدرجات من العرش، وأن قربه من الثرى ومن كل شيء كقربه من العرش، وأن العرش غير ملاصق له بحس، ولا تمكن فيه، ولا يذكر فيه بوجس ولا ناظر إليه بعين، ولا يحاط به فيدرك؛ لأنه ـ تعالى ـ محتجب بقدرته عن جميع بريته، ولا نصيب للعرش منه إلا كنصيب موقن عالم به، واجد لما أوجده منه من أن الله عليه، وأن العرش مطمئن به، وأن الله محيط بعرشه فوق كل شيء، وفوق تحت كل شيء، فهو فوق الفوق، تحت التحت، لا يحد بتحت فيكون له فوق؛ لأنه العلي الأعلى.
أين كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان، ولا يحد بمكان، ولا يفقد من مكان، ولا يوجد بمكان، فالتحت للأسفل، والفوق للأعلى.
وهو ـ سبحانه ـ فوق كل فوق في العلو، وفوق كل تحت في السمو، هو فوق ملائكة الثرى، كما هو فوق ملائكة العرش والأماكن الممكنات، ومكانه مشيئته ووجوده قدرته، والعرش والثرى فما بينهما، هو حد للخلق الأسفل والأعلى بمنزلة خردلة في قبضته، وهو أعلى من ذلك محيط بجميع ذلك، كما لايدركه العقل ولا يكيفه الوهم، ولا نهاية لعلوه، ولا فوق لسموّه، ولا بعد في دنوه.
إلى أن قال: وإن الله لا يحجبه شيء عن شيء، ولا يبعد عليه شيء، قريب من كل شيء بوصفه، وهو القدرة والدراك، والأشياء مبعدة بأوصافها؛ وهو البعد والحجب، فالبعد والإبعاد حكم مشيئته، والحدود والأقطار حجب بريته.
إلى أن قال: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] ، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
(1/120)

الْعَرْشِ} [الفرقان: 59] ، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] غير متصل بالخلق ولا مفارق، وغير مماس للكون ولا متباعد، بل منفرد بنفسه، متوحد بوصفه، لا يزدوج إلى شيء، ولا يقترن به شيء، أقرب من كل شيء بقرب هو وصفه، وهو محيط بكل شيء بحيطة هى نعته، وهو مع كل شيء، وفوق كل شيء، وأمام كل شيء، ووراء كل شيء؛ بعلوه ودنوه، وهو قربه، فهو وراء الحول الذي هو وراء حملة العرش، وهو أقرب من حبل الوريد الذي هو الروح، وهو مع ذلك فوق كل شيء وهو محيط بكل شيء، وليس هو تعالى في هذا مكانًا لشيء ولا مكانًا له شيء، وليس كمثله في كل هذا شيء، لا شريك له في ملكه ولا معين له في خلقه، ولا نظير له في عباده، ولا شبيه له في إيجاده، وهو أول في آخريته بأولية هى صفته، وآخر في أوليته بآخرية هى نعته، وباطن في ظهوره بباطنية هى قربه، وظاهر في باطنيته بظهور هو علوه، لم يزل كذلك أولا، ولا يزال كذلك آخرًا، ولم يزل كذلك باطنًا، ولا يزال كذلك ظاهرًا.
إلى أن قال: هو على عرشه بإخباره لنفسه؛ فالعرش حد خلقه الأعلى وهو غير محدود بعرشه؛ والعرش محتاج إلى مكان، والرب ـ عز وجل ـ غير محتاج إليه؛ كما قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] الرحمن اسم، والاستواءنعته، متصل بذاته والعرش خلقه منفصل عن صفاته، ليس بمضطر إلى مكان يسعه ولا حامل يحمله.
إلى أن قال: وهو لا يسعه غير مشيئته، ولا يظهر إلا في أنوار صفته، ولا يوجد إلا في سعة البسطة. فإذا قبض أخفي ما أبدى، وإذا بسط أعاد ما أخفي. وكذلك جعله في كل رسم كون، وفعله بكل اسم مكان، ومما جل فظهر ومما دق فاستتر، لا يسعه غير مشيئته بقربه، ولا يعرف إلا بشهوده، ولا يرى إلا بنوره، هذا لأوليائه اليوم بالغيب في القلوب، ولهم ذلك عند المشاهدة بالأبصار، ولا يعرف إلا بمشيئته، إن شاء وسعه أدنى شيء، وإن لم يشأ لم يسعه كل شيء، إن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن
(1/121)

أحب وجد عند كل شيء، وإن لم يحب لم يوجد بشيء. وذكر تمام كلامه كما حكيناه من قبل.
قلت: وهذا الذي ذكره من قربه وإطلاقه، وأنه لايتجلى بوصف مرتين ولا يظهر في صورة لاثنين، هو حكم ما يظهر لبعض السالكين من قربه إلى قلوبهم، وتجليه لقلوبهم ـ لا أن هذا هو وصفه في نفس الأمر، وأنه كما تحصل هذه التجليات المختلفة تحصل يوم القيامة للعيون.
وهذا الموضع مما يقع الغلط فيه لكثير من السالكين، يشهدون أشياء بقلوبهم فيظنون أنها موجودة في الخارج هكذا، حتى إن فيهم خلقًا منهم من المتقدمين والمتأخرين يظنون أنهم يرون الله بعيونهم؛ لما يغلب على قلوبهم من المعرفة والذكر والمحبة، يغيب بشهوده فيما حصل لقلوبهم، ويحصل لهم فناء واصطلام، فيظنون أن هذا هو أمر مشهود بعيونهم، ولا يكون ذلك إلا في القلب؛ ولهذا ظن كثير منهم أنه يرى الله بعينه في الدنيا.
وهذا مما وقع لجماعة من المتقدمين والمتأخرين، وهو غلط محض حتى أورث مما يدعيه هؤلاء شكًا عند أهل النظر والكلام الذين يجوزون رؤية الله في الجملة، وليس لهم من المعرفة بالسنة ما يعرفون به؛ هل يقع في الدنيا أو لا يقع؟ فمنهم من يذكر في وقوعها في الدنيا قولين، ومنهم من يقول يجوز ذلك. وهذا كله ضلال؛ فإن أئمة السنة والجماعة متفقون من أن الله لا يراه أحد بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة. وقد روى نفي رؤيتنا له في الدنيا عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال ـ لما ذكر الدجال ـ قال: " واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت " وموسى بن عمران ـ عليه السلام ـ قد سأل الرؤية، فذكر الله ـ سبحانه ـ قوله: {قَالَ لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] ، وما أصاب موسى من الصعق.
(1/122)

وهؤلاء منهم من يقول: إن موسى رآه، وإن الجبل كان حجابه، فلما جعل الجبل دكا رآه، وهذا يوجد في كلام أبي طالب ونحوه. ومنهم من يجعل الرائي هو المرئي، فهو الله فيذكرون اتحادًا، وأنه أفنى موسى عن نفسه حتى كان الرائي هو المرئي فما رآه عندهم موسى، بل رأى نفسه بنفسه، وهذا يدعونه لأنفسهم.
والاتحاد والحلول باطل. وعلى قول من يقول به إنما هذا في الباطن والقلب، لا في الظاهر؛ فإن غاية ذلك ما تقوله النصارى في المسيح، ولم يقولوا: إن أحدًا رأى اللاهوت الباطن المتُدَرِّع [أي: المتلبس، وفيها معنى الدخول في الشيء] . بالناسوت.
وهذا الغلط يقع كثيرًا في السالكين. يقع لهم أشياء في بواطنهم فيظنونها في الخارج في ذلك بمنزلة الغالطين من نظار المتفلسفة ونحوهم؛ حيث يتصورون أشياء بعقولهم كالكليات والمجردات ونحو ذلك، فيظنونها ثابتة في الخارج، وإنما هى في نفوسهم؛ ولهذا يقول أبو القاسم السهيلي وغيره: نعوذ بالله من قياس فلسفي، وخيال صوفي.
ولهذا يوجد التناقض الكثير في كلام هؤلاء وهؤلاء. وأما الذين جمعوا الآراء الفلسفية الفاسدة والخيالات الصوفية الكاسدة كابن عربى وأمثاله، فهم من أضل أهل الأرض؛ ولهذا كان الجنيد ـ رضي الله عنه ـ سيد الطائفة إمام هدى، فكان قد عرف ما يعرض لبعض السالكين، فلما سئل عن التوحيد قال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم.
فبين أنه يميز المحدث عن القديم تحذيرًا عن الحلول والاتحاد. فجاءت الملاحدة ـ كابن عربى ونحوه ـ فأنكروا هذا الكلام على الجنيد؛ لأنه يبطل مذهبهم الفاسد. والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال، وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين، وفيما يرونه في قلوبهم من الأنوار وغير ذلك، وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله ـ تعالى.
وقد خطب عروة بن الزبير من عبد الله بن عمر ابنته، وهو في الطواف، فقال: أتحدثنى
(1/123)

في النساء، ونحن نتراءى الله في طوافنا؟ ! فهذا كله وما أشبهه لم يريدوا به أن القلب ترفع جميع الحجب بينه وبين الله حتى تكافح الروح ذات الله كما يرى هو نفسه؛ فإن هذا لا يمكن لأحد في الدنيا، ومن جوز ذلك إنما جوزه للنبى صلى الله عليه وسلم؛ كقول ابن عباس: رأي محمد ربه بفؤاده مرتين، ولكن هذا التجلي يحصل بوسائط بحسب إيمان العبد ومعرفته وحبه؛ ولهذا تتنوع أحوال الناس في ذلك كما تتنوع رؤيتهم لله تعالى في المنام، فيراه كل إنسان بحسب إيمانه، ويرى في صور متنوعة.
فهذا الذي قاله أبوطالب وهؤلاء، إذا قيل مثله فيما يحصل في القلوب، كان مقاربًا، مع أن في بعض ذلك نظرًا. وإما أن يقال: إن الرب ـ تعالى ـ في نفسه هوكذلك، فليس الأمر كذلك.
أما قوله: أقرب إلى الروح من حياته، وأقرب إلى البصر من نظره وإلىاللسان من ريقه بقرب هو وصفه، وقوله: أقرب من حبل الوريد، فهذا ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قاله أحد من السلف، لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا الأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين، ولا الشيوخ المقتدى بهم من شيوخ المعرفة والتصوف. وليس في القرآن وصف الرب ـ تعالى ـ بالقرب من كل شيء أصلا، بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام؛ كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] فهو سبحانه قريب ممن دعاه.
وكذلك ما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير؛ فقال: " يأيها الناس، ارْبَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته " فقال: " إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم " لم يقل: إنه قريب إلى كل
(1/124)

موجود، وكذلك قول صالح ـ عليه السلام ـ: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [هود: 61] هو كقول شعيب: {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90] ، ومعلوم أن قوله: {قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} مقرون بالتوبة والاستغفار، أراد به قريب مجيب لاستغفار المستغفرين التائبين إليه، كما أنه رحيم ودود بهم، وقد قرن القريب بالمجيب، ومعلوم أنه لا يقال: إنه مجيب لكل موجود، وإنما الإجابة لمن سأله ودعاه، فكذلك قربه ـ سبحانه وتعالى.
وأسماء الله المطلقة؛ كاسمه السميع، والبصير، والغفور، والشكور، والمجيب، والقريب، لا يجب أن تتعلق بكل موجود، بل يتعلق كل اسم بما يناسبه، واسمه العليم لما كان كل شيء يصلح أن يكون معلومًا تعلق بكل شيء.
وأما قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 16ـ 18] ؛ وقوله: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 83ـ85] ، فالمراد به قربه إليه بالملائكة، وهذا هو المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف، قالوا: ملك الموت أدنى إليه من أهله، ولكن لا تبصرون الملائكة، وقد قال طائفة: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} بالعلم، وقال بعضهم: بالعلم والقدرة، ولفظ بعضهم: بالقدرة والرؤية.
وهذه الأقوال ضعيفة؛ فإنه ليس في الكتاب والسنة وصفه بقرب عام من كل موجود، حتى يحتاجوا أن يقولوا بالعلم والقدرة والرؤية، ولكن بعض الناس لما ظنوا أنه يوصف بالقرب من كل شيء، تأولوا ذلك بأنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء.
وكأنهم ظنوا أن لفظ [القرب] مثل لفظ [المعية] ، فإن لفظ المعية في سورة الحديد والمجادلة في قوله تعالى:
(1/125)

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4] ، وقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [المجادلة: 7] .
وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه، وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وسفيان الثوري، وأحمد ابن حنبل وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر، عن نوح بن ميمون المضروب، عن بُكَيْر بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} قال: هو على العرش وعلمه معهم. قال: وروى عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم. وقال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد ابن إبراهيم الدورقي [أحمد بن إبراهيم الدورقي العبدي، والد المحدث الثقة عبد الله بن أحمد، روى عنه مسلم وأبو داود والترمذى وغيرهم، ووثقه العقيلي والخليلي وغيرهما، مات سنة 642 هـ] . حدثنا نوح بن ميمون المضروب [هو أبو سعيد نوح بن ميمون بن عبد الحميد بن أبي الرجال العجلي البغدادي، ويقال: المروزي، المعروف بالمضروب ـ لضربة كانت بوجهه ـ وثقه ابن حبان والخطيب وغيرهما. توفي سنة 218هـ] ، ثنا بُكَيْر بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله: {أَيْنَ مَا كَانُوا} قال: هو على العرش وعلمه معهم. ورواه بإسناد آخر عن مقاتل بن حيان هذا، وهو ثقة في التفسير ليس بمجروح، كما جرح مقاتل بن سليمان.
وقال عبد الله بن أحمد: ثنا أبي، ثنا نوح بن ميمون المضروب، عن بكير بن معروف، ثنا أبو معاوية، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} قال: هوعلى العرش وعلمه معهم. وقال على بن الحسن بن شقيق: حدثنا
(1/126)

عبد الله بن موسى صاحب عبادة، ثنا مَعْدان ـ قال ابن المبارك: إن كان أحد بخراسان من الأبدال فمعدان ـ قال: سألت سفيان الثوري عن قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ؛ قال: علمه.
وقال حنبل بن إسحاق في كتاب [السنة] : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما معنى قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} و {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله تعالى: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] قال: علمه، عالم الغيب والشهادة محيط بكل شيء، شاهد. علام الغيوب، يعلم الغيب، ربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السموات والأرض.
وقد بسط الإمام أحمد الكلام على معنى المعية في [الرد على الجهمية] . ولفظ المعية في كتاب الله جاء عامًا كما في هاتين الآيتين، وجاء خاصًا كما في قوله: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] وقوله: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] وقوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] . فلو كان المراد أنه بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص؛ فإنه قد علم أن قوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار، وكذلك قوله: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} خصهم بذلك دون الظالمين والفجار.
وأيضًا، فلفظ [المعية] ليست في لغة العرب ولا شيء من القرآن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى؛ كما في قوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح: 29] ، وقوله: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 146] ، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] ، وقوله: {وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ} [الأنفال: 75] . ومثل هذا كثير؛ فامتنع أن يكون قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} يدل على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق. وأيضًا، فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم.
(1/127)

وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر، وبين أن لفظ المعية في اللغة ـ وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة ـ فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه. فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد.
وقد قال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن الفضل: حدثنا محمد بن على بن الحسن بن شَقِيق، ثنا محمد بن مُزِاحم، ثنا بُكَيْر بن معروف، عن مقاتل بن سليمان في قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ} من المطر {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من النبات {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء} من القطر {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} ما يصعد إلى السماء من الملائكة {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} يعنى بقدرته وسلطانه وعلمه معكم أينما كنتم.
وبهذا الإسناد عن مقاتل بن سليمان قال: بلغنا ـ والله أعلم ـ في قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ} قال: قبل كل شيء {وَالْآخِرُ} قال: بعد كل شيء {وَالظَّاهِرُ} قال: فوق كل شيء {وَالْبَاطِنُ} قال: أقرب من كل شيء؛ وإنما نعنى بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] يعلم نجواهم ويسمع كلامهم، ثم ينبئهم يوم القيامة بكل شيء نطقوا به، سيِّئ أو حسن.
وهذا ليس مشهورًا عن مقاتل كشهرة الأول الذي روى عنه من وجوه لم يجزم بما قاله، بل قال: بلغنا، وهو الذي فسر الباطن بالقريب، ثم فسر القرب بالعلم والقدرة، ولا حاجة إلى هذا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء " وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبي ذر
(1/128)

ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير هذه الأسماء، وحديث [الإدلاء] ما قد بسطنا القول عليه في [مسألة الإحاطة] .
وكذلك هذا الحديث ذكره قتادة في تفسيره، وهو يبين أنه ليس معنى الباطن أنه القرب، ولا لفظ الباطن يدل على ذلك، ولا لفظ القرب في الكتاب والسنة على جهة العموم كلفظ المعية، ولا لفظ القرب في اللغة والقرآن كلفظ المعية؛ فإنه إذا قال: هذا مع هذا؛ فإنه يعنى به المجامعة والمقارنة والمصاحبة، ولا يدل على قرب إحدى الذاتين من الأخرى، ولا اختلاطها بها؛ فلهذا كان إذا قيل: هو معهم، دل على أن علمه وقدرته وسلطانه محيط بهم، وهو مع ذلك فوق عرشه، كما أخبر القرآن والسنة بهذا. وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] فأخبر سبحانه أنه مع علوه على عرشه يعلم كل شيء، فلا يمنعه علوه عن العلم بجميع الأشياء.
وكذلك في حديث [الأوعال] [جمع الوَعْل، وهو تيْس الجبل] الذي في [السنن] قال النبي صلى الله عليه وسلم: " والله فوق عرشه ويعلم ما أنتم عليه "، ولم يأت في لفظ القرب مثل ذلك أنه قال: هو فوق عرشه وهو قريب من كل شيء، بل قال: {إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] وقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميع قريب ".
قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، ثنا جرير، عن عبدة بن أبي بَرْزَةَ السجستاني، عن الصلت بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله
(1/129)

تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} [البقرة: 186] . إذا أمرتهم أن يدعونى فدعونى أستجيب لهم.
ولا يقال في هذا: قريب بعلمه وقدرته؛ فإنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، وهم لم يشكوا في ذلك ولم يسألوا عنه، وإنما سألوا عن قربه إلى من يدعوه ويناجيه؛ ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} فأخبر أنه قريب مجيب.
وطائفة من أهل السنة تفسر [القرب] في الآية والحديث بالعلم؛ لكونه هو المقصود؛ فإنه إذا كان يعلم ويسمع دعاء الداعي حصل مقصوده، وهذا هو الذي اقتضى أن يقول من يقول: إنه قريب من كل شيء، بمعنى العلم والقدرة؛ فإن هذا قد قاله بعض السلف، كما تقدم عن مقاتل بن حيان وكثير من الخلف، لكن لم يقل أحد منهم: إن نفس ذاته قريبة من كل شيء. وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين، من يقول: إنه فوق العرش، ومن يقول: إنه ليس فوق العرش.
وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشُون قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] يعلم وهو كذلك ما توسوس به أنفسنا منا، وهو بذلك أقرب إلينا من حبل الوريد، وكيف لا يكون كذلك وهو أعلم بما توسوس به أنفسنا منا، فكيف بحبل الوريد؟ ! وكذلك قال أبو عمرو الطلمنكي، قال: ومن سأل عن قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] فاعلم أن ذلك كله على معنى العلم به والقدرة عليه. والدليل من ذلك صدر الآية، فقال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} لأن الله لما كان عالمًا بوسوسته، كان أقرب إليه من حبل الوريد، وحبل الوريد لا يعلم ما توسوس به النفس.
(1/130)

ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطًا لدم الإنسان ولحمه، وألا يجرد الإنسان تسمية المخلوق حتى يقول: خالق ومخلوق؛ لأن معبوده بزعمه داخل حبل الوريد من الإنسان وخارجه، فهو على قوله ممتزج به غير مباين له.
قال: وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه، بائن من جميع خلقه، وتعالى الله عن قول أهل الزيغ، وعما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
قال: وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] أي بالعلم به والقدرة عليه، إذ لا يقدرون له على حيلة ولا يدفعون عنه الموت، وقد قال تعالى: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] ، وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11] .
قلت: وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبى وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهما في قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، وأما في قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} فذكر أبو الفرج القولين: أنهم الملائكة، وذكره عن أبي صالح عن ابن عباس، وأنه القرب بالعلم.
وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد أن ذات الباري ـ جل وعلا ـ قريبة من وريد العبد ومن الميت، ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون قرب الملائكة فسروا ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية، ولا حاجة إلى هذا؛ فإن المراد بقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} أي بملائكتنا في الآيتين، وهذا بخلاف لفظ المعية، فإنه لم يقل: ونحن معه، بل جعل نفسه هو الذي مع العباد، وأخبر أنه ينبئهم يوم القيامة بما عملوا، وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض، وهو نفسه الذي استوى على العرش، فلا يجعل لفظ مثل لفظ، مع تفريق القرآن بينهما.
وكذلك قال أبو حامد موافقًا لأبي طالب المكي في بعض ما قال، مخالفًا له في البعض؛
(1/131)

فإنه من نفاة علو الله نفسه على العرش، وإنما المراد عنده أنه قادر عليه مستول عليه، أو أنه أفضل منه. قال: وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله والمعنى الذي أراده، استواء منزهًا عن المماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطيف قدرته، مقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقيته لا تزيده قربًا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام، وأنه لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء، إلى أن قال: وإنه بائن بصفاته من خلقه، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته.
قلت: فالفوقية التي ذكرها في القدرة والاستيلاء [فوقية القدرة] ، وهو أنه أفضل المخلوقات، و [القرب] الذي ذكره هو العلم أو هو العلم والقدرة. وثبوت علمه وقدرته واستيلائه على كل شيء هو مما اتفق عليه المسلمون، وتفسير قربه بهذا قاله جماعة من العلماء، لظنهم أن القرب في الآية هو قربه وحده، ففسروها بالعلم لما رأوا ذلك عامًا. قالوا: هو قريب من كل موجود بمعنى العلم، وهذا لا يحتاج إليه كما تقدم، وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} لا يجوز أن يراد به مجرد العلم؛ فإن من كان بالشيء أعلم من غيره لا يقال: إنه أقرب إليه من غيره لمجرد علمه به، ولا لمجرد قدرته عليه.
ثم إنه ـ سبحانه وتعالى ـ عالم بما يسر من القول وما يجهر به، وعالم بأعماله، فلا معنى لتخصيص حبل الوريد بمعنى أنه أقرب إلى العبد منه؛ فإن حبل الوريد قريب إلى القلب ليس قريبًا إلى قوله الظاهر، وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه. قال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 13، 14] وقال تعالى: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفي}
(1/132)

[طه: 7] ، وقال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [التوبة: 78] ، وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] ، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] .
ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم؛ أنه قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: 16،17] ، فأخبر أنه يعلم ما توسوس به نفسه، ثم قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} فأثبت العلم؛ وأثبت القرب وجعلهما شيئين، فلا يجعل أحدهما هو الآخر. وقيد القرب بقوله: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} .
وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد، أو أن ذاته أقرب إلى الميت من أهله فهذا في غاية الضعف؛ وذلك أن الذين يقولون: إنه في كل مكان، أو إنه قريب من كل شيء بذاته، لا يخصون بذلك شيئًا دون شيء، ولا يمكن مسلمًا أن يقول: إن الله قريب من الميت دون أهله، ولا إنه قريب من حبل الوريد دون سائر الأعضاء.
وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم، وهو عندهم في جميع بدن الإنسان، أو قريب من جميع بدن الإنسان، أو هو في أهل الميت كما هو في الميت، فكيف يقول: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} إذا كان معه ومعهم على وجه واحد؟ ! وهل يكون أقرب إلى نفسه من
(1/133)

نفسه؟ ! وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة؛ فإنه قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 16-18] . فقيد القرب بهذا الزمان، وهو زمان تلقي المتلقيين، قعيد عن اليمين، وقعيد عن الشمال، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال، ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب.
وكذلك قوله في الآية الأخرى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 83-85] ، فلو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال، ولا قال: {وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ} ؛ فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال ولكن نحن لا نبصره، والرب ـ تعالى ـ لا يراه في هذه الحال، لا الملائكة ولا البشر.
وأيضًا، فإنه قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} ، فأخبر عمن هو أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحال. وذات الرب ـ سبحانه وتعالى ـ إذا قيل: هي في مكان، أو قيل: قريبة من كل موجود، لا يختص بهذا الزمان والمكان والأحوال، ولا يكون أقرب إلى شيء من شيء.
ولا يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص، كما في قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] ، فإن ذاك إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده، وهذا المحتضر قد يكون كافرًا أو فاجرًا أو مؤمنًا أو مقربًا؛ ولهذا قال تعالى: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: 88 ـ94] ، ومعلوم أن مثل هذا
(1/134)

المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من حوله، وقد يكون حوله قوم مؤمنون، وإنما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97] ، وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفي الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50] ، وقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 39] ، وقال تعالى: {حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] ، وقال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11] .
ومما يدل على ذلك: أنه ذكره بصيغة الجمع، فقال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} ، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، وهذا كقوله سبحانه: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 3] ، وقال: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] ، وقال: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 17-19] .
فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله ـ تعالى ـ في كتابه دل على أن المراد أنه ـ سبحانه ـ يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة؛ فإن صيغة [نحن] يقولها المتبوع المطاع العظيم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة ربهم، وهو خالقهم وربهم، فهو ـ سبحانه ـ العالم بما توسوس به نفسه، وملائكته تعلم؛ فكان لفظ [نحن] هنا هو المناسب.
وكذلك قوله: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} فإنه سبحانه يعلم ذلك،
(1/135)

وملائكته يعلمون ذلك كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا همَّ العبد بحسنة كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، وإذا همَّ بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإن تركها لله كتبت حسنة ". فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة، وليس ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص الله به، وقد روى عن ابن عيينة أنهم يشمون رائحة طيبة فيعلمون أنه همَّ بحسنة، ويشمون رائحة خبيثة فيعلمون أنه همَّ بسيئة، وهم وإن شموا رائحة طيبة ورائحة خبيثة، فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك، بل مافي قلب ابن آدم يعلمونه، بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه، بل الشيطان يلتقم قلبه، فإذا ذكر الله خَنَس [أي انقبض وتأخر] .، وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس، ويعلم هل ذكر الله أم غفل عن ذكره؟ ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغي فيزينها له.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكر صفية ـ رضي الله عنها ـ: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ".
وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار، سواء كان العبد مؤمنا أو كافرًا. وإما أن تكون ذات الرب في قلب كل أحد كافر أو مؤمن فهذا باطل، لم يقله أحد من سلف الأمة ولا نطق به كتاب ولا سنة، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف مع العقل يناقض ذلك.
ولهذا لما ذكر الله ـ سبحانه ـ قربه من داعيه وعابديه قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] ، فهنا هو نفسه ـ سبحانه وتعالى ـ القريب الذي يجيب دعوة الداع لا الملائكة، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلمفي الحديث المتفق على صحته: " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ".
(1/136)

وذلك لأن الله ـ سبحانه ـ قريب من قلب الداعي، فهو أقرب إليه من عنق راحلته. وقربه من قلب الداعي له معنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون: إن الله فوق العرش، ومعنى آخر فيه نزاع.
فالمعنى المتفق عليه عندهم يكون بتقريبه قلب الداعي إليه، كما يقرب إليه قلب الساجد؛ كما ثبت في الصحيح: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه من ربه، وإن كان بدنه على الأرض. ومتى قرب أحد الشيئين من الآخر صار الآخر إليه قريبًا بالضرورة. وإن قدر أنه لم يصدر من الآخر تحرك بذاته، كما أن من قرب من مكة قربت مكة منه. وقد وصف الله أنه يقرب إليه من يقربه من الملائكة والبشر، فقال: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] ، وقال: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10، 11] ، وقال تعالى: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} [الواقعة: 88، 89] ، وقال تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 28] ، وقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 57] ، وقال: {وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52] .
وأما قرب الرب قربًا يقوم به بفعله القائم بنفسه، فهذا تنفيه الكُلابية ومن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته. وأما السلف وأئمة الحديث والسنة، فلا يمنعون ذلك، وكذلك كثير من أهل الكلام. فنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، ونزوله عشية عرفة، ونحو ذلك هو من هذا الباب؛ ولهذا حد النزول بأنه إلى السماء الدنيا، وكذلك تكليمه لموسى ـ عليه السلام ـ فإنهلو أريد مجرد تقريب الحجاج وقوام الليل إليه، لم يخص نزوله بسماء الدنيا، كما لم يخص ذلكفي إجابة الداعي وقرب العابدين له، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] . وقال: " من تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا "
(1/137)

وهذه الزيادة تكون على الوجه المتفق عليه، بزيادة تقريبه للعبد إليه جزاء على تقربه باختياره. فكلما تقرب العبد باختياره قَدْر شبر زاده الرب قربًا إليه حتى يكون كالمتقرب بذراع. فكذلك قرب الرب من قلب العابد، وهو ما يحصل في قلب العبد من معرفة الرب والإيمان به، وهو المثل الأعلى، وهذا ـ أيضًا ـ لا نزاع فيه، وذلك أن العبد يصير محبًا لما أحب الرب، مبغضًا لما أبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديا لمن يعادي، فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه.
وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه، وموالاة الرب لعبده. فإن الولاية ضد العداوة، والولاية تتضمن المحبة والموافقة، والعداوة تتضمن البغض والمخالفة. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه ".
فأخبر ـ سبحانه وتعالى ـ أنه يقرب العبد بالفرائض، ولا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله فيصير العبد محبوبًا لله، كما قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران: 31] ، وقال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، وقال تعالى: {وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] ، وقال تعالى: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] ، وقال: {فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
(1/138)

يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4] ، وقال تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] ، وقال تعالى: {وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] .
فقد أخبر أنه يحب المتبعين لرسوله والمجاهدين في سبيله، وأنه يحب المتقين والصابرين والتوابين والمتطهرين، وهو ـ سبحانه ـ يحب كل ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب.
وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] يقتضي أنه ـ سبحانه ـ وجنده الموكلين بذلك يعلمون ما يوسوس به العبد نفسه، كما قال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] فهو يسمع، ومن يشاء من الملائكة يسمعون، ومن شاء من الملائكة.
وأما الكتابة فرسله يكتبون، كما قال هاهنا: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 81] ، وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] . فأخبر بالكتابة بقوله نحن؛ لأن جنده يكتبون بأمره. وفصل في تلك الآية بين السماع والكتابة لأنه يسمع بنفسه، وأما كتابة الأعمال فتكون بأمره والملائكة يكتبون.
فقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} مثل قوله: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} لما كانت ملائكته متقربين إلى العبد بأمره، كما كانوا يكتبون عمله بأمره، قال ذلك، وقربه من كل أحد بتوسط الملائكة كتكليمه كل أحد بتوسط الرسل؛ كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء} [الشورى: 51] .
(1/139)

فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل، وذاك قربه إليهم عند الاحتضار، وعند الأقوال الباطنة في النفس والظاهرة على اللسان، وقال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10ـ 12] .
وقد غلط طائفة ظنوا أنه نفسه الذي يسمع منه القرآن، وهو الذي يقرؤه بنفسه بلا واسطة عند قراءة كل قارئ، كما غلطوا في القرب، وهم طائفة من متأخري أهل الحديث ومتأخري الصوفية.
ومن الناس من يفسر قول القائلين: بأنه أقرب إلى كل شيء من نفس ذلك الشيء؛ بأن الأشياء معدومة من جهة أنفسها، وإنما هي موجودة بخلق الرب ـ سبحانه وتعالى ـ لها، وهي باقية بإبقائه، وهو ـ سبحانه وتعالى ـ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا موجود إلا بإيجاده، ولا باقى إلا بإبقائه. فلو قدر أنه لم يشأ خلقها وتكوينها لكانت باقية على العدم لا وجود لها أصلا، فصار هو أقرب إليها من ذواتها، فتكوين الشيء وخلقه وإيجاده هو فعل الرب ـ سبحانه وتعالى ـ وبه كان الشيء موجودًا وكان ذاتًا محققة في الخارج. والموجود دائما محتاج إلى خالقه لا يستغنى عنه طرفة عين، فكان موجودًا بنسبته إلى خالقه، ومعدومًا بنسبته إلى نفسه، فإنه بالنظر إلى نفسه لا يستحق إلا العدم، فكان الرب أقرب إلى المخلوقات من المخلوقات إلى أنفسها بهذا الاعتبار.
وقد يفسر بعضهم قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] بهذا المعنى؛ فإن الأشياء كلها بالنظر إلى أنفسها عدم محض، ونفي صرف، وإنما هي موجودة تامة بالوجه الذي لها إلى الخالق، وهو تعلقها به، وبمشيئته وقدرته، فباعتبار هذا الوجه كانت موجودة، وبالوجه الذي يلي أنفسها لا تكون إلا معدومة.
وقد يفسرون بذلك قول لَبِيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ...
(1/140)

ولا يقال: هذه المقالة صحيحة في نفسها، فإنها لولا خلق الله للأشياء لم تكن موجودة، ولولا إبقاؤه لها لم تكن باقية. وقد تكلم النظار في سبب افتقارها إليه: هل هو الحدوث، فلا تحتاج إلا في حال الإحداث كما يقول ذلك من يقوله من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، أو هو الإمكان الذي يظن أنه يكون بلا حدوث بل بكون الممكن المعلول قديمًا أزليًا، ويمكن افتقارها في حال البقاء بلا حدوث كما يقوله ابن سينا وطائفة.
وكلا القولين خطأ، كما قد بسط في موضعه، وبين أن الإمكان والحدوث متلازمان كما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين حتى قدماء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه؛ فإنهم أيضًا يقولون: إن كل ممكن فهو محدث، وإنما خالفهم في ذلك ابن سينا وطائفة؛ ولهذا أنكر ذلك عليه إخوانه من الفلاسفة كابن رشد وغيره، والمخلوقات مفتقرة إلى الخالق، فالفقر وصف لازم لها دائما لا تزال مفتقرة إليه.
والإمكان والحدوث دليلان على الافتقار، لا أن هذين الوصفين جعلا الشيء مفتقرًا بل فقر الأشياء إلى خالقها لازم لها لا يحتاج إلى علة، كما أن غنى الرب لازم لذاته لا يفتقر في اتصافه بالغنى إلى علة، وكذلك المخلوق لا يفتقر في اتصافه بالفقر إلى علة، بل هو فقير لذاته لا تكون ذاته إلا فقيرة فقرًا لازمًا لها، ولا يستغنى إلا بالله.
وهذا من معاني [الصمد] ، وهو الذي يفتقر إليه كل شيء، ويستغنى عن كل شيء. بل الأشياء مفتقرة من جهة ربوبيته، ومن جهة إلهيته، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا يصلح ولا ينفع ولا يدوم، وهذا تحقيق قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .
فلو لم يخلق شيئًا بمشيئته وقدرته لم يوجد شيء، وكل الأعمال إن لم تكن لأجله، فيكون هو المعبود المقصود المحبوب لذاته، وإلا كانت أعمالًا فاسدة؛ فإن الحركات تفتقر إلى العلة الغائية كما افتقرت إلى العلة الفاعلية، بل العلة الغائية بها صار الفاعل فاعلًا، ولولا ذلك لم يفعل.
فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شيء من الأعمال والحركات، بل كان العالم يفسد، وهذا معنى
(1/141)

قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ولم يقل: لعدمتا؛ وهذا معنى قول لَبِيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وهو كالدعاء المأثور: " أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل، إلا وجهك الكريم ".
ولفظ [الباطل] يراد به المعدوم، ويراد به ما لا ينفع، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: " كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته لزوجته، فإنهن من الحق ".
وقوله عن عمر ـ رضي الله عنه ـ: " إن هذا الرجل لا يحب الباطل "، ومنه قول القاسم بن محمد لما سئل عن الغناء قال: إذا ميز الله يوم القيامة الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء؟ قال السائل: من الباطل. قال: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32] ، ومنه قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62] .
فإن الآلهة موجودة ولكن عبادتها ودعاؤها باطل لا ينفع، والمقصود منها لايحصل، فهو باطل، واعتقاد ألوهيتها باطل، أي غير مطابق، واتصافها بالإلهية في أنفسها باطل، لا بمعنى أنه معدوم.
ومنه قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] ، وقوله: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَان
(1/142)

زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، فإن الكذب باطل لأنه غير مطابق، وكل فعل ما لا ينفع باطل؛ لأنه ليس له غاية موجودة محمودة.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل "
هذا معناه: أن كل معبود من دون الله باطل، كقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62] ، وقال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 31، 32] ، وقد قال قبل هذا: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إلى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [يونس: 30] ، كما قال في الأنعام: {حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إلى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقّ} [الأنعام: 61، 62] ، وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} [محمد: 3] .
ودخل عثمان أو غيره على ابن مسعود ـ وهو مريض ـ فقال: كيف تجدك؟ قال: أجدني مردودًا إلى الله مولاي الحق، قال تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 24، 25] ، وقد أقروا بوجوده في الدنيا، لكن في ذلك اليوم يعلمون أنه الحق المبين دون ما سواه؛ ولهذا قال: {هُوَ الْحَقُّ} بصيغة الحصر، فإنه يومئذ لا يبقى أحد يدعي فيه الإلهية، ولا أحد يشرك بربه أحدًا.
(1/143)

فصل
وإذا عرف تنزيه الرب عن صفات النقص مطلقًا، فلا يوصف بالسُّفُول ولا علو شيء عليه بوجه من الوجوه، بل هوالعلي الأعلى الذي لا يكون إلا أعلى، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس كمثله شيء فيما يوصف به من الأفعال اللازمة والمتعدية، لا النزول ولا الاستواء ولا غير ذلك، فيجب مع ذلك إثبات ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، والأدلة العقلية الصحيحة توافق ذلك لا تناقضه، ولكن السمع والعقل يناقضان البدع المخالفة للكتاب والسنة، والسلف، بل الصحابة والتابعون لهم بإحسان كانوا يقرون أفعاله من الاستواء والنزول وغيرهما على ما هي عليه.
قال أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره: ثنا عصام بن الرَّوَّاد، ثنا آدم، ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء} [فصلت: 11] يقول: ارتفع. قال: وروي عن الحسن ـ يعني البصري ـ والربيع بن أنس مثله كذلك.
وذكر البخاري في صحيحه في [كتاب التوحيد] قال: قال أبو العالية: {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء} [فصلت: 11] : ارتفع فسوى خلقهن. وقال مجاهد: {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء} [فصلت: 11] : علا على العرش، وكذلك ذكر ابن أبي حاتم فيتفسيره في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء} [فصلت: 11] وروى بهذا الإسناد عن أبي العالية، وعن الحسن، وعن الربيع مثل قول أبي العالية. وروى بإسناده {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4] قال: في اليوم السابع.
وقال أبو عمرو الطلمنكي: وأجمعوا ـ يعني أهل السنة والجماعة ـ على أن لله عرشًا، وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه. قال: فأجمع المسلمون
(1/144)

من أهل السنة على أن معنى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء.
قال: وقال أهل السنة في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] : الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز، واستدلوا بقول الله: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [المؤمنون: 28] ، وبقوله: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [الزخرف: 13] ، وبقوله: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44] ، إلا أن المتكلمين من أهل الإثبات في هذا على أقوال: فقال مالك ـ رحمه الله ـ: إن الاستواءمعقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وقال عبد الله بن المبارك ـ ومن تابعه من أهل العلم، وهم كثير ـ: إن معنى {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3] : استقر، وهو قول القتيبي، وقال غير هؤلاء: استوى أي ظهر. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: استوى بمعنى: علا، وتقول العرب: استويت على ظهر الفرس، بمعنى: علوت عليه، واستويت على سقف البيت، بمعنى علوت عليه، ويقال: استويت على السطح بمعناه، وقال الله تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} ، وقال: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} ، وقال: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} ، وقال: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} بمعنى علا على العرش.
وقول الحسن: وقول مالك من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشده استيعابا؛ لأن فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعقول، وقد ائتم أهل العلم بقوله واستجودوه واستحسنوه.
ثم تكلم على فساد قول من تأول {اسْتَوَى} بمعنى: استولى.
(1/145)

وقال الثعلبي: وقال الكلبي ومقاتل: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} يعني: استقر، قال: وقال أبو عبيدة: صعد. وقيل: استولى. وقيل: ملك. واختار هو ما حكاه عن الفراء وجماعة أن معناه: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه، قال: ويدل عليه قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] أي: عمد إلى خلق السماء.
وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق السموات والأرض، وكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض ". فإذا كان العرش مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؛ لو كان هذا يعرف في اللغة: أن استوى على كذا بمعنى أنه عمد إلى فعله، وهذا لا يعرف قط في اللغة، لا حقيقة ولا مجازًا، لا في نظم ولا في نثر.
ومن قال: استوى بمعنى: عمد، ذكره في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] ؛ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا، وقصدت إلى كذا، ولا يقال: عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك
(1/146)

الآية لا يعرف في اللغة أيضًا، ولا هو قول أحد من مفسري السلف، بل المفسرون من السلف قولهم بخلاف ذلك كما قدمناه عن بعضهم.
وإنما هذا القول وأمثاله ابتدع في الإسلام، لما ظهر إنكار أفعال الرب التي تقوم به ويفعلها بقدرته ومشيئته واختياره؛ فحينئذ صار يفسر القرآن من يفسره بما ينافي ذلك، كما يفسر سائر أهل البدع القرآن على ما يوافق أقاويلهم. وأما أن ينقل هذا التفسير عن أحد من السلف فلا، بل أقوال السلف الثابتة عنهم متفقة في هذا الباب، لا يعرف لهم فيه قولان، كما قد يختلفون أحيانًا في بعض الآيات. وإن اختلفت عباراتهم فمقصودهم واحد وهو إثبات علو الله على العرش.
فإن قيل: إذا كان الله لا يزال عاليًا على المخلوقات كما تقدم، فكيف يقال: ثم ارتفع إلى السماء وهي دخان؟ أو يقال: ثم علا على العرش؟ قيل: هذا كما أخبر أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يصعد، وروى [ثم يعرج] ، وهو ـ سبحانه ـ لم يزل فوق العرش، فإن صعوده من جنس نزوله. وإذا كان في نزوله لم يصر شيء من المخلوقات فوقه، فهو ـ سبحانه ـ يصعد وإن لم يكن منها شيء فوقه.
وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء} [البقرة: 29] إنما فسروه بأنه ارتفع؛ لأنه قال قبل هذا: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 9-12] ، وهذه نزلت في سورة [حم] بمكة. ثم أنزل الله في المدينة سورة البقرة: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ
(1/147)

اسْتَوَى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 28، 29] ، فلما ذكر أن استواءه إلى السماء كان بعد أن خلق الأرض وخلق ما فيها، تضمن معنى الصعود؛ لأن السماء فوق الأرض، فالاستواء إليها ارتفاع إليها.
فإن قيل: فإذا كان إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام، فقبل ذلك لم يكن على العرش؟ قيل: الاستواء علو خاص، فكل مستو على شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستو عليه.
ولهذا لا يقال لكل ما كان عاليًا على غيره: إنه مستو عليه، واستوى عليه، ولكن كل ما قيل فيه: إنه استوى على غيره؛ فإنه عال عليه. والذي أخبر الله أنه كان بعد خلق السموات والأرض [الاستواء] لا مطلق العلو، مع أنه يجوز أنه كان مستويًا عليه قبل خلق السموات والأرض لما كان عرشه على الماء، ثملما خلق هذا العالم كان عاليًا عليه ولم يكن مستويًا عليه، فلما خلق هذا العالم استوى عليه، فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم له، كما أن عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك، وأما [الاستواء] فهو فعل يفعله ـ سبحانه وتعالى ـ بمشيئته وقدرته؛ ولهذا قال فيه: {ثُمَّ اسْتَوَى} [فصلت: 11] ؛ ولهذا كان الاستواء من الصفات السمعية المعلومة بالخبر.
وأما علوه على المخلوقات فهو عند أئمة أهل الإثبات من الصفات العقلية المعلومة بالعقل مع السمع، وهذا اختيار أبي محمد بن كُلاَّب وغيره، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى، وقول جماهير أهل السنة والحديث ونظار المثبتة.
وهذا الباب ـ ونحوه ـ إنما اشتبه على كثير من الناس؛ لأنهم صاروا يظنون أن ما وصف الله ـ عز وجل ـ به من جنس ما توصف به أجسامهم، فيرون ذلك يستلزم الجمع بين الضدين؛ فإن كونه فوق العرش مع نزوله يمتنع في مثل أجسامهم، لكن مما يسهل عليهم معرفة إمكان هذا معرفة أرواحهم وصفاتها وأفعالها، وأن الروح قد تعرج من النائم إلى السماء وهي لم تفارق البدن، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي
(1/148)

مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 24] وكذلك الساجد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". وكذلك تقرب الروح إلى الله في غير حال السجود مع أنها في بدنه؛ ولهذا يقول بعض السلف: القلوب جوّالة: قلب يجول حول العرش، وقلب يجول حول الحش.
وإذا قبضت الروح عرج بها إلى الله في أدنى زمان، ثم تعاد إلى البدن فتسأل وهي في البدن، ولو كان الجسم هو الصاعد النازل لكان ذلك في مدة طويلة، وكذلك ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم من حال الميت في قبره وسؤال منكر ونكير له، والأحاديث في ذلك كثيرة.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أقعد الميت في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] ) .
وكذلك في صحيح البخاري وغيره عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن العبد إذا وضع في قبره ـ وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ـ أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقول له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فيراهما جميعًا. وأما الكافر والمنافق فيقول: هاه، هاه، لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دَرَيتَ ولا تَلَيْتَ، ويضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين " [وقوله: " ولا تَلَيْتَ " قال ابن الأثير: هكذا يرويه المحدِّثون. والصواب: ولا ائتَلَيت. وقيل: معناه: لا قرأت، أي: لا تلوت] . .
(1/149)

والناس في مثل هذا على ثلاثة أقوال: منهم من ينكر إقعاد الميت مطلقًا؛ لأنه قد أحاط ببدنه من الحجارة والتراب ما لا يمكن قعوده معه، وقد يكون في صخر يطبق عليه، وقد يوضع على بدنه ما يكشف فيوجد بحاله ونحو ذلك؛ ولهذا صار بعض الناس إلى أن عذاب القبر إنما هو على الروح فقط، كما يقوله ابن ميسرة وابن حزم، وهذا قول منكر عند عامة أهل السنة والجماعة.
وصار آخرون إلى أن نفس البدن يقعد، على ما فهموه من النصوص.
وصار آخرون يحتجون بالقدرة وبخبر الصادق، ولا ينظرون إلى ما يعلم بالحس والمشاهدة، وقدرة الله حق، وخبر الصادق حق، لكن الشأن في فهمهم.
وإذا عرف أن النائم يكون نائمًا وتقعد روحه وتقوم وتمشي وتذهب وتتكلم وتفعل أفعالًا وأمورًا بباطن بدنه مع روحه، ويحصل لبدنه وروحه بها نعيم وعذاب، مع أن جسده مضطجع، وعينيه مغمضة، وفمه مطبق، وأعضاءه ساكنة، وقد يتحرك بدنه لقوة الحركة الداخلة، وقد يقوم ويمشي ويتكلم ويصيح لقوة الأمر في باطنه ـ كان هذا مما يعتبر به أمر الميت في قبره؛ فإن روحه تقعد وتجلس وتسأل وتنعم وتعذب وتصيح وذلك متصل ببدنه، مع كونه مضطجعًا في قبره. وقد يقوى الأمر حتى يظهر ذلك في بدنه، وقد يرى خارجًا من قبره والعذاب عليه وملائكة العذاب موكلة به، فيتحرك بدنه ويمشى ويخرج من قبره، وقد سمع غير واحد أصوات المعذبين في قبورهم، وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب، ومن يقعد بدنه ـ أيضًا ـ إذا قوى الأمر، لكن هذا ليس لازما في حق كل ميت؛ كما أن قعود بدن النائم لما يراه ليس لازمًا لكل نائم، بل هو بحسب قوة الأمر.
وقد عرف أن أبدانًا كثيرة لا يأكلها التراب كأبدان الأنبياء وغير الأنبياء من الصديقين، وشهداء أحد، وغير شهداء أحد، والأخبار بذلك متواترة. لكن المقصود أن
(1/150)

ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلممن إقعاد الميت مطلقًا هو متناول لقعودهم ببواطنهم، وإن كان ظاهر البدن مضطجعًا.
ومما يشبه هذا إخباره صلى الله عليه وسلم بما رآه ليلة المعراج من الأنبياء في السموات، وإنه رأي آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وأخبر ـ أيضًا ـ أنه رأى موسى قائمًا يصلي في قبره، وقد رآه ـ أيضا ـ في السموات. ومعلوم أن أبدان الأنبياء في القبور إلا عيسى وإدريس. وإذا كان موسى قائما يصلي في قبره، ثم رآه في السماء السادسة، مع قرب الزمان، فهذا أمر لا يحصل للجسد. ومن هذا الباب ـ أيضًا ـ نزول الملائكة ـ صلوات الله عليهم وسلامه ـ جبريل وغيره.
فإذا عرف أن ما وصفت به الملائكة وأرواح الآدميين من جنس الحركة والصعود والنزول وغير ذلك لا يماثل حركة أجسام الآدميين، وغيرها مما نشهده بالأبصار في الدنيا، وأنه يمكن فيها ما لا يمكن في أجسام الآدميين ـ كان ما يوصف به الرب من ذلك أولى بالإمكان، وأبعد عن مماثلة نزول الأجسام، بل نزوله لا يماثل نزول الملائكة وأرواح بني آدم، وإن كان ذلك أقرب من نزول أجسامهم.
وإذا كان قعود الميت في قبره ليس هو مثل قعود البدن، فما جاءت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم من لفظ [القعود والجلوس] في حق ـ الله تعالى ـ كحديث جعفر بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وحديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وغيرهما أولى ألا يماثل صفات أجسام العباد.
فَصْل
نزاع الناس في معنى [حديث النزول] ، وما أشبهه في الكتاب والسنة من الأفعال اللازمة المضافة إلى الرب ـ سبحانه وتعالى ـ مثل المجيء، والإتيان، والاستواء إلى السماء وعلى
(1/151)

العرش، بل وفي الأفعال المتعدية مثل الخلق، والإحسان، والعدل وغير ذلك ـ هو ناشئ عن نزاعهم في أصلين:
أحدهما: أن الرب ـ تعالى ـ هل يقوم به فعل من الأفعال؛ فيكون خلقه للسموات والأرض فعلًا فعله غير المخلوق، أو أن فعله هوالمفعول، والخلق هوالمخلوق؟ على قولين معروفين:
والأول: هو المأثور عن السلف، وهو الذي ذكره البخاري في [كتاب خلق أفعال العباد] عن العلماء مطلقًا، ولم يذكر فيه نزاعًا، وكذلك ذكر البغوي وغيره مذهب أهل السنة، وكذلك ذكره أبو علي الثقفي والضُّبَعِي وغيرهما من أصحاب ابن خزيمة في [العقيدة] التي اتفقوا هم وابن خزيمة على أنها مذهب أهل السنة، وكذلك ذكره الكلاباذي في كتاب [التعرف لمذهب التصوف] أنه مذهب الصوفية وهو مذهب الحنفية وهو مشهور عندهم، وبعض المصنفين في [الكلام] كالرازي ونحوه ينصب الخلاف في ذلك معهم، فيظن الظان أن هذا مما انفردوا به، وهو قول السلف قاطبة، وجماهير الطوائف، وهو قول جمهور أصحاب أحمد، متقدميهم كلهم وأكثر المتأخرين منهم، وهو أحد قولي القاضي أبي يعلى. وكذلك هو قول أئمة المالكية والشافعية وأهل الحديث وأكثر أهل الكلام، كالهشامية أوكثير منهم، والكرامية كلهم، وبعض المعتزلة وكثير من أساطين الفلاسفة، متقدميهم ومتأخريهم.
وذهب آخرون من أهل الكلام الجهمية، وأكثر المعتزلة والأشعرية، إلى أن الخلق هو نفس المخلوق، وليس لله عند هؤلاء صنع ولا فعل ولا خلق ولا إبداع إلا المخلوقات أنفسها، وهو قول طائفة من الفلاسفة المتأخرين؛ إذ قالوا بأن الرب مبدع كابن سينا وأمثاله.
والحجة المشهورة لهؤلاء المتكلمين: أنه لو كان خلق المخلوقات بخلق، لكان ذلك الخلق إما قديمًا وإما حادثًا. فإن كان قديمًا لزم قدم كل مخلوق، وهذا مكابرة. وإن كان حادثًا، فإن قام بالرب لزم قيام الحوادث به، وإن لم يقم به كان الخلق قائمًا بغير الخالق، وهذا ممتنع.
(1/152)

وسواء قام به أو لم يقم به، يفتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر، ويلزم التسلسل، هذا عمدتهم.
وجواب السلف والجمهورعنها بمنع مقدماتها، كل طائفة تمنع مقدمة، ويلزمهم ذلك إلزامًا لا محيد لهم عنه.
أما الأولى: فقولهم: لو كان قديمًا لزم قدم المخلوق، يمنعهم ذلك من يقول: بأن الخلق فعل قديم يقوم بالخالق، والمخلوق مُحدَث، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية والحنفية والحنبلية والشافعية والمالكية والصوفية وأهل الحديث، وقالوا: أنتم وافقتمونا على أن إرادته قديمة أزلية مع تأخر المراد، كذلك الخلق هو قديم أزلي وإن كان المخلوق متأخرًا. ومهما قلتموه في الإرادة ألزمناكم نظيره في الخلق.
وهذا جواب إلزامي جدلي لا حيلة لهم فيه.
وأما المقدمة الثانية: وهي قولهم: لوكان حادثا قائما بالرب، لزم قيام الحوادث وهو ممتنع، فقد منعهم ذلك السلف وأئمة أهل الحديث، وأساطين الفلاسفة وكثير من متقدميهم ومتأخريهم، وكثير من أهل الكلام، كالهشامية والكرامية، وقالوا: لا نسلم انتفاء اللازم، وسيأتي الكلام إن شاء الله ـ تعالى ـ على ذلك في [الأصل الثاني] .
وأماالثالث: فقولهم: إن لم تقم به فهو محال، فهذا لم يمنعهم إياه إلا طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، فمنهم من قال: بل الخلق يقوم بالمخلوق، ومنهم من يقول: بل الخلق ليس في محل، كما تقول المعتزلة البصريون: فعل بإرادة لا في محل، وهذا ممتنع لا أعرفه عن أحد من السلف وأهل الحديث والفقهاء والصوفية والفلاسفة.
وأما المقدمة الرابعة وهي قولهم: الخلق الحادث يفتقر إلى خلق آخر، فقد منعهم من ذلك عامة من يقول بخلق حادث من أهل الحديث والكلام والفلسفة والفقه والتصوف وغيرهم، كأبي معاذ التومني، وزهير الإبرى، والهشامية، والكرامية، وداود بن على
(1/153)

الأصبهاني، وأصحابه، وأهل الحديث، والسلف الذين ذكرهم البخاري وغيره، وقالوا: إذا خلق السموات والأرض بخلق، لم يلزم أن يحتاج ذلك الخلق إلى خلق آخر، ولكن ذلك الخلق يحصل بقدرته ومشيئته، وإن كان ذلك الخلق حادثا.
والدليل على فساد إلزامهم: أن الحادث إما أن يكفي في حصوله القدرة والمشيئة، وإما ألا يكفي. فإن لم يكف ذلك، بطل قولهم: إن المخلوقات تحدث بمجرد القدرة والإرادة بلا خلق، وإذا بطل قولهم، تبين أنه لابد للمخلوق من خالق خلقه، وهو المطلوب. وإن كفي في حصول المخلوق القدرة والمشيئة، جاز حصول هذا الخلق الذي يخلق به المخلوقات بالقدرة والمشيئة، ولم يحتج إلى خلق آخر، فتبين أنه على كل تقدير، لا يلزم أن يقال: خلقت المخلوقات بلا خلق، بل يجوز أن يقال: خلقت بخلق، وهو المطلوب.
وتبين أن النفاةليس لهم قط حجة مبنية على مقدمة إلا وقد نقضوا تلك المقدمة في موضع آخر، فمقدمات حجتهم كلها منتقضة.
وأيضا، فمن المعقول أن المفعول المنفصل الذي يفعله الفاعل لا يكون إلا بفعل يقوم بذاته. وأما نفس فعله القائم بذاته فلا يفتقر إلى فعل آخر، بل يحصل بقدرته ومشيئته؛ ولهذا كان القائلون بهذا يقولون: إن الخلق حادث، ولا يقولون: هو مخلوق، وتنازعوا هل يقال: إنه محدث؟ على قولين.
وكذلك يقولون: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه هو حديث، وهو أحسن الحديث، وليس بمخلوق باتفاقهم، ويسمى حديثًا وحادثًا. وهل يسمى محدثًا؟ على قولين لهم. ومن كان من عادته أنه لا يطلق لفظ المحدث إلا على المخلوق المنفصل ـ كما كان هذا الاصطلاح هوالمشهور عند المتناظرين الذين تناظروا في القرآن في محنة الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وكانوا لايعرفون للمحدث معنى إلا المخلوق المنفصل ـ فعلى هذا الاصطلاح لا يجوز عند أهل السنة أن يقال: القرآن محدث، بل من قال: إنه محدث، فقد قال: إنه مخلوق.
(1/154)

ولهذا أنكر الإمام أحمد هذا الإطلاق على [داود] لما كتب إليه أنه تكلم بذلك، فظن الذين يتكلمون بهذا الاصطلاح أنه أراد هذا فأنكره أئمة السنة. وداود نفسه لم يكن هذا قصده، بل هو وأئمة أصحابه متفقون على أن كلام الله غير مخلوق، وإنما كان مقصوده أنه قائم بنفسه، وهو قول غير واحد من أئمة السلف، وهو قول البخاري وغيره.
والنزاع في ذلك بين أهل السنة لفظي؛ فإنهم متفقون على أنه ليس بمخلوق منفصل، ومتفقون على أن كلام الله قائم بذاته، وكان أئمة السنة، كأحمد وأمثاله، والبخاري وأمثاله، وداود وأمثاله، وابن المبارك وأمثاله، وابن خزيمة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن أبي شيبة وغيرهم، متفقين على أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، ولم يقل أحد منهم: إن القرآن قديم، وأول من شهر عنه أنه قال ذلك هو ابن كُلاب.
وكان الإمام أحمد يحذر من الكُلابية، وأمر بهجر الحارث المحاسبي لكونه كان منهم، وقد قيل عن الحارث: إنه رجع في القرآن عن قول ابن كُلاب، وإنه كان يقول: إن الله يتكلم بصوت. وممن ذكر ذلك عنه الكلاباذي في كتاب [التعرف لمذهب التصوف] .
والمقصود هنا أن قول القائل: لو كان خلقه للأشياء ليس هو الأشياء، لافتقر الخلق إلى خلق آخر فيكون الخلق مخلوقًا ـ ممنوع، بل الخلق يحصل بقدرة الرب ومشيئته، والمخلوق يحصل بالخلق.
وأما المقدمة الخامسة: وهو أن ذلك يفضى إلى التسلسل، فهذه المقدمة تقال على وجهين:
أحدهما: أن الخلق يفتقر إلى خلق آخر، وذلك الخلق إلى خلق آخر، كما تقدم.
والثاني: أن يقال: هب أنه لا يفتقر إلى خلق، لكن يفتقر إلى سبب يحصل به الخلق، وإن لم يسم ذلك خلقا، وذلك السبب إنما تم عند وجود الخلق، فتمامه حادث، وكل حادث فلابد له من سبب؛ إذ لو كان ذلك الخلق لا يفتقر إلى سبب حادث للزم وجود الحادث بلا سبب
(1/155)

حادث. وإن قيل: إن السبب التام قديم، لزم من ذلك تأخر المسبب عن سببه التام، وهذا ممتنع.
وهنا للقائلين بأن الخلق غير المخلوق وإن الخلق حادث أربعة أجوبة:
أحدها: قول من يقول: الخلق الحادث لا يفتقر إلى سبب حادث لا إلى خلق ولا إلى غيره، قالوا: أنتم يا معشر المنازعين كلكم يقول: إنه قد يحدث حادث بلا سبب حادث، فإنه من قال: المخلوق غير الخلق، فالمخلوقات كلها حادثة عنده بلا سبب حادث، ومن قال: الخلق قديم، فلا ريب أن القديم لا اختصاص له بوقت معين، فالمخلوق الحادث في وقته المعين له لم يحصل له سبب حادث.
قالوا: وإذا كان هذا لازمًا على كل تقدير، لم يخص بجوابه، بل نقول: المخلوق حدث بالخلق، والخلق حصل بقدرة الله ومشيئته القديمة من غير افتقار إلى سبب آخر، وهذا قول كثير من الطوائف من أهل الحديث والكلام كالكرامية وغيرهم.
الجواب الثاني: قول من يقول من المعتزلة: إن الخلق الحادث قائم بالمخلوق أو قائم لا بمحل، كما يقولون في الإرادة إنها حادثة لا في محل من غير سبب اقتضى حدوثها، بل إحداثها بمجرد القدرة.
الجواب الثالث: جواب معمر وأصحابه الذين يسمون [أهل المعاني] ، فإنهم يقولون بالتسلسل في آن واحد، فيقولون: إن الخلق له خلق وللخلق خلق، وللخلق خلق آخر، وهلم جرًا لا إلى نهاية، وذلك موجود كله في آن واحد، وهذا مشهور عنهم.
والجواب الرابع: قول من يقول: الخلق الحادث يفتقر إلى سبب حادث، وكذلك ذلك السبب، وهلم جرا. وهذا يستلزم دوام نوع ذلك، وهذا غير ممتنع؛ فإن مذهب السلف: أن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، وكلماته لا نهاية لها، وكل كلام مسبوق بكلام قبله لا إلى نهاية محدودة، وهو سبحانه يتكلم بقدرته ومشيئته.
(1/156)

وكذلك يقولون: الحي لا يكون إلا فعالًا، كما قاله البخاري، وذكره عن نعيم بن حماد، وعثمان بن سعيد، وابن خزيمة وغيرهم، ولا يكون إلا متحركًا، كما قال عثمان ابن سعيد الدارمي وغيره، وكل منهما يذكر أن ذلك مذهب أهل السنة، وهكذا يقول ذلك من أساطين الفلاسفة من ذكر قوله بذلك في غير هذا الموضع من متقدميهم ومتأخريهم.
قالوا: وهذا تسلسل في الآثار والبرهان، إنما دل على امتناع التسلسل في المؤثرين، فإن هذا مما يعلم فساده بصريح المعقول، وهو مما اتفق العقلاء على امتناعه، كما بسط الكلام عليه في موضع آخر.
فأما كونه ـ سبحانه وتعالى ـ يتكلم كلمات لا نهاية لها وهو يتكلم بمشيئته وقدرته، فهذا هو الذي يدل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول، وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها، والفلاسفة توافق على دوام هذا النوع. وقدماء أساطينهم يوافقون على قيام ذلك بذات الله كما يقوله أئمة المسلمين وسلفهم. والذين قالوا: إن ذلك ممتنع هم أهل الكلام المحدث في الإسلام من الجهمية والمعتزلة، وهم الذين استدلوا على حدوث كل ما تقوم به الحوادث بامتناع حوادث لا أول لها.
ومن هنا يظهر الأصل الثاني ـ الذي تبنى عليه أفعال الرب ـ تعالى ـ اللازمة والمتعدية: وهو أنه ـ سبحانه ـ هل تقوم به الأمورالاختيارية المتعلقة بقدرته ومشيئته أو لا؟
فمذهب السلف وأئمة الحديث وكثير من طوائف الكلام والفلاسفة جواز ذلك. وذهب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة، والكلابية من مثبتة الصفات إلى امتناع قيام ذلك به.
أما نفاة الصفات: فإنهم ينفون هذا وغيره، ويقولون: هذا كله أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام محدثة، فلو قامت به الصفات، لكان محدثًا.
(1/157)

أما الكلابية: فإنهم يقولون: نحن نقول: تقوم به الصفات ولا نقول: هي أعراض، فإن العرض لا يبقى زمانين، وصفات الرب ـ تبارك وتعالى ـ عندنا باقية بخلاف الأعراض القائمة بالمخلوقات؛ فإن الأعراض عندنا لا تبقى زمانين.
وأما جمهور العقلاء، فنازعوهم في هذا، وقالوا: بل السواد والبياض الذي كان موجودًا من ساعة هو هذا السواد بعينه، كما قد بسط في غير هذا الموضع؛ إذ المقصود هنا التنبيه على مقالات الطوائف في هذا الأصل.
قالت الكلابية: وأما الحوادث فلو قامت به، للزم ألا يخلو منها، فإن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده. وإذا لم يخل منها لزم أن يكون حادثا، فإن هذا هو الدليل على حدوث الأجسام. هذا عمدتهم في هذا الأصل، والذين خالفوهم قد يمنعون المقدمتين كليهما، وقد يمنعون واحدة منهما.
وكثير من أهل الكلام والحديث منعوا الأولى؛ كالهشامية والكرامية، وأبى معاذ وزهير الإبَرِيَّ، وكذلك الرازي، والأمدي، وغيرهما من الأشعرية، منعوا المقدمة الأولى وبينوا فسادها، وأنه لا دليل لمن ادعاها على دعواه. بل قد يكون الشيء قابلًا للشيء وهو خال منه ومن ضده، كما هو الموجود؛ فإن القائلين بهذا الأصل التزموا أن كل جسم له طعم ولون وريح، وغير ذلك من أجناس الأعراض التي تقبلها الأجسام. فقال جمهور العقلاء: هذا مكابرة ظاهرة، ودعوى بلا حجة، وإنما التزمته الكلابية لأجل هذا الأصل.
وأما المقدمة الثانية: وهو منع دوام نوع الحادث، فهذه يمنعها أئمة السنة والحديث، القائلين بأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن كلماته لا نهاية لها، والقائلين بأنه لم يزل فعالًا، كما يقوله البخاري وغيره، والذين يقولون: الحركة من لوازم الحياة فيمتنع وجود حياة بلا حركة أصلًا؛ كما يقول الدارمي وغيره.
(1/158)

وقد روى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق - رضى الله عنه ـ: أنه سئل عن قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115] لم خلق الله الخلق؟ فقال: لأن الله كان محسنا بما لم يزل فيما لم يزل إلى مالم يزل، فأراد الله أن يفيض إحسانه إلى خلقه، وكان غنيا عنهم، لم يخلقهم لجر منفعة ولا لدفع مضرة، ولكن خلقهم وأحسن إليهم وأرسل إليهم الرسل حتى يفصلوا بين الحق والباطل، فمن أحسن كافأه بالجنة، ومن عصى كافأه بالنار.
وقال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في قوله تعالى: {وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 100] {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 17] ونحو ذلك، قال: كان ولم يزل ولا يزال.
ويمنعها ـ أيضا ـ جمهور الفلاسفة، ولكن الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية يقولون بامتناعها، وهي من الأصول الكبار التي يبتنى عليها الكلام في كلام الله ـ تعالى ـ وفي خلقه.
وهذا القول هو أصل الكلام المحدث في الإسلام الذي ذمه السلف والأئمة؛ فإن أصحاب هذا الكلام في الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم، ظنوا أن معنى كون الله خالقًا لكل شيء ـ كما دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم ـ أنه ـ سبحانه وتعالى ـ لم يزل معطلًا لا يفعل شيئًا ولا يتكلم بشيء أصلًا، بل هو وحده موجود بلا كلام يقوله، ولا فعل يفعله. ثم إنه أحدث ما أحدث من كلامه ومفعولاته المنفصلة عنه، فأحدث العالم. وظنوا أن ما جاءت به الرسل واتفق عليه أهل الملل ـ من أن كل ما سوى الله مخلوق، والله خالق كل شيء ـ هذا معناه، وأن ضد هذا قول من قال بقدم العالم أو بقدم مادته، فصاروا في كتبهم الكلامية لا يذكرون إلا قولين:
أحدهما: قول المسلمين وغيرهم من أهل الملل: أن العالم محدث، ومعناه عندهم ما تقدم.
والثاني: قول الدهرية الذين يقولون: العالم قديم، وصاروا يحكون في كتب الكلام
(1/159)

والمقالات: أن مذهب أهل الملل قاطبة من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم أن الله كان فيما لم يزل لا يفعل شيئًا، ولا يتكلم بشيء، ثم إنه أحدث العالم، ومذهب الدهرية: أن العالم قديم.
والمشهور عن القائلين بقدم العالم أنه لا صانع له؛ فينكرون الصانع جل جلاله. وقد ذكر أهل المقالات أن أول من قال من الفلاسفة بقدم العالم [أرسطو] صاحب التعاليم الفلسفية؛ المنطقي والطبيعي والإلهي. وأرسطو وأصحابه القدماء يثبتون في كتبهم العلة الأولى، ويقولون: إن الفلك يتحرك للتشبه بها؛ فهي علة له بهذا الاعتبار، إذ لولا وجود من تشبه به الفلك لم يتحرك، وحركته من لوازم وجوده، فلو بطلت حركته لفسد. ولم يقل أرسطو: إن العلة الأولى أبدعت الأفلاك، ولا قال: هو موجب بذاته، كما يقوله من يقول من متأخري الفلاسفة؛ كابن سينا وأمثاله، ولا قال: إن الفلك قديم وهو ممكن بذاته؛ بل كان عندهم ما عند سائر العقلاء أن الممكن هوالذي يمكن وجوده وعدمه، ولا يكون كذلك إلا ما كان محدثًا، والفلك عندهم ليس بممكن بل هو قديم لم يزل، وحقيقة قولهم إنه واجب لم يزل ولا يزال.
فلهذا لا يوجد في عامة كتب الكلام المتقدمة القول بقدم العالم، إلا عمن ينكر الصانع، فلما أظهر من أظهر من الفلاسفة؛ كابن سينا وأمثاله، أن العالم قديم عن علة موجبة بالذات قديمة، صار هذا قولا آخر للقائلين بقدم العالم، أزالوا به ما كان يظهر من شناعة قولهم من إنكار صانع العالم، وصاروا أيضًا يطلقون ألفاظ المسلمين من أنه مصنوع ومحدث ونحو ذلك، ولكن مرادهم بذلك أنه معلول قديم أزلي، لا يريدون بذلك أن الله أحدث شيئًا بعد أن لم يكن، وإذا قالوا: إن الله خالق كل شيء، فهذا معناه عندهم، فصار المتأخرون من المتكلمين يذكرون هذا القول، والقول المعروف عن أهل الكلام في معنى حدوث
(1/160)

العالم الذي يحكونه عن أهل الملل كما تقدم، كما يذكر ذلك الشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم.
وهذا الأصل الذي ابتدعه الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام، من امتناع دوام فعل الله، وهو الذي بنوا عليه أصول دينهم، وجعلوا ذلك أصل دين المسلمين، فقالوا: الأجسام لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث؛ لأن ما لا يخلو عنها ولا يسبقها يكون معها أو بعدها، وما كان مع الحوادث أو بعدها فهو حادث.
وكثير منهم لا يذكر على ذلك دليلًا لكون ذلك ظاهرًا؛ إذ لم يفرقوا بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين، لكن من تفطن منهم للفرق، فإنه يذكر دليلًا على ذلك بأن يقول: الحوادث لا تدوم بل يمتنع وجود حوادث لا أول لها. ومنهم من يمنع أيضًا وجود حوادث لا آخر لها، كما يقول ذلك إماما هذا الكلام: الجهم بن صفوان وأبو الهذيل.
ولما كان حقيقة هذا القول أن الله ـ سبحانه ـ لم يكن قادرًا على الفعل في الأزل، بل صار قادرًا على الفعل بعد أن لم يكن قادرًا عليه، كان هذا مما أنكره المسلمون على هؤلاء، حتى إنه كان من البدع التي ذكروها؛ من بدع الأشعري في الفتنة التي جرت بخراسان لما أظهروا لعنة أهل البدع، والقصة مشهورة.
ثم إن أهل الكلام وأئمتهم ـ كالنظام والعلاف وغيرهما من شيوخ المعتزلة والجهمية ومن اتبعهم من سائر الطوائف ـ يقولون: إن دين الإسلام إنما يقوم على هذا الأصل، وإنه لا يعرف أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الأصل؛ فإن معرفة الرسول متوقفة على معرفة المرسل، فلابد من إثبات العلم بالصانع أولا، ومعرفة ما يجوز عليه وما لا يجور عليه.
قالوا: وهذا لا يمكن معرفته إلا بهذه الطريقة، فإنه لا سبيل إلى معرفة الصانع فيما زعموا إلا بمعرفة مخلوقاته، ولا سبيل إلى معرفة حدوث المخلوقات إلا بهذه الطريق فيما زعموا، ويقول أكثرهم: أول ما يجب على الإنسان معرفة الله، ولا يمكن معرفته إلا بهذا الطريق.
(1/161)

ويقول كثير منهم: إن هذه طريقة إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ المذكورة في قوله: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] قالوا: فإن إبراهيم استدل بالأفول ـ وهو الحركة والانتقال ـ على أن المتحرك لا يكون إلهًا.
قالوا: ولهذا يجب تأويل ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفًا لذلك من وصف الرب بالإتيان والمجيء والنزول وغير ذلك؛ فإن كونه نبيًا لم يعرف إلا بهذا الدليل العقل، فلو قدح في ذلك لزم القدح في دليل نبوته فلم يعرف أنه رسول الله، وهذا ونحوه هو الدليل العقلي الذي يقولون: إنه عارض السمع والعقل. ونقول: إذا تعارض السمع والعقل امتنع تصديقهما وتكذيبهما وتصديق السمع دون العقل؛ لأن العقل هو أصل السمع، فلو جرح أصل الشرع كان جرحًا له.
ولأجل هذه الطريق أنكرت الجهمية والمعتزلة الصفات والرؤية، وقالوا: القرآن مخلوق؛ ولأجلها قالت الجهمية بفناء الجنة والنار؛ ولأجلها قال العلاف بفناء حركاتهم؛ ولأجلها فرّع كثير من أهل الكلام، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
فقال لهم الناس: أما قولكم: إن هذه الطريق هي الأصل في معرفة دين الإسلام ونبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام؛ فإنه من المعلوم لكل من علم حال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما جاء به من الإيمان والقرآن، أنه لم يدع الناس بهذه الطريق أبدًا، ولا تكلم بها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، فكيف تكون هي أصل الإيمان؟ ! والذي جاء بالإيمان وأفضل الناس أيمانًا لم يتكلموا بها البتة، ولا سلكها منهم أحد.
والذين علموا أن هذه طريق مبتدعة حزبان:
حزب ظنوا أنها صحيحة في نفسها، لكن أعرض السلف عنها لطول مقدماتها وغموضها، وما يخاف على سالكها من الشك والتطويل. وهذا قول جماعة كالأشعري في رسالته إلى
(1/162)

الثغر، والخطابي والحليمي، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء.
والثاني: قول من يقول: بل هذه الطريقة باطلة في نفسها؛ ولهذا ذمها السلف، وعدلوا عنها. وهذا قول أئمة السلف كابن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي يوسف، ومالك بن أنس، وابن الماجشون عبد العزيز، وغير هؤلاء من السلف.
وحفص الفرد لما ناظر الشافعي في مسألة القرآن ـ وقال: القرآن مخلوق، وكفَّره الشافعي ـ كان قد ناظره بهذه الطريقة.
وكذلك أبو عيسى ـ محمد بن عيسى برغوث ـ كان من المناظرين للإمام أحمد بن حنبل في مسألة القرآن بهذه الطريقة.
وقد ذكر الإمام أحمد في رده على الجهمية مما عابه عليهم أنهم يقولون: إن الله لا يتكلم ولا يتحرك.
وأما عبد الله بن المبارك، فكان مبتلى بهؤلاء في بلاده، ومذهبه في مخالفتهم كثير وكذلك الماجشون في الرد عليهم، وكلام السلف في الرد على هؤلاء كثير، وقال لهم الناس: إن هذا الأصل الذي ادعيتم إثبات الصانع به، وإنه لا يعرف أنه خالق للمخلوقات إلا به، هو بعكس ما قلتم، بل هذا الأصل يناقض كون الرب خالقًا للعالم، ولا يمكن مع القول به القول بحدوث، العالم ولا الرد على الفلاسفة.
فالمتكلمون الذين ابتدعوه وزعموا أنهم به نصروا الإسلام، وردوا به على أعدائه كالفلاسفة، لا للإسلام نصروا، ولا لعدوه كسروا، بل كان ما ابتدعوه مما أفسدوا به حقيقة الإسلام على من اتبعهم، فأفسدوا عقله ودينه، واعتدوا به على من نازعهم من المسلمين، وفتحوا لعدو الإسلام بابًا إلى مقصوده.
(1/163)

فإن حقيقة قولهم ـ إن الرب لم يكن قادرًا، ولا كان الكلام والفعل ممكنًا له، ولم يزل كذلك دائما مدة، أو تقدير مدة لا نهاية لها، ثم إنه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك، وجعلوا مفعوله هو فعله، وجعلوا فعله وإرادة فعله قديمة أزلية والمفعول متأخرًا، وجعلوا القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ـ وكل هذا خلاف المعقول الصريح وخلاف الكتاب والسنة، وأنكروا صفاته ورؤيته، وقالوا: كلامه مخلوق، وهو خلاف دين الإسلام.
والذين اتبعوهم وأثبتوا الصفات قالوا: يريد جميع المرادات بإرادة واحدة، وكل كلام تكلم به أو يتكلم به إنما هو شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض، وإذا رُؤى رُؤى لابمواجهة، ولا بمعاينة، وإنه لم يسمع ولم ير الأشياء حتى وجدت، ثم لما وجدت لم يقم به أمر موجود، بل حاله قبل أن يسمع ويبصر كحاله بعد ذلك، إلى أمثال هذه الأقوال التي تخالف المعقول الصريح والمنقول الصحيح.
ثم لما رأت الفلاسفة أن هذا مبلغ علم هؤلاء، وأن هذا هو الإسلام الذي عليه هؤلاء، وعلموا فساد هذا ـ أظهروا قولهم بقدم العالم، واحتجوا بأن تجدد الفعل بعد أن لم يكن ممتنع، بل لابد لكل متجدد من سبب حادث، وليس هناك سبب، فيكون الفعل دائما، ثم ادعوا دعوى كاذبة لم يحسن أولئك أن يبينوا فسادها وهو: أنه إذا كان دائمًا، لزم قدم الأفلاك والعناصر.
ثم إنهم لما أرادوا تقرير [النبوة] جعلوها فيضًا يفيض على نفس النبي من العقل الفعال أو غيره، من غير أن يكون رب العالمين يعلم له رسولا معينا، ولا يميز بين موسى وعيسى ومحمد ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ ولا يعلم الجزئيات، ولا نزل من عنده ملك، بل جبريل هو خيال يتخيل في نفس النبي أو هو العقل الفعال، وأنكروا أن تكون السموات والأرض خلقت في ستة أيام، وأن السموات تنشق وتنفطر، وغير ذلك مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وزعموا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أراد به خطاب الجمهور، مما يخيل إليهم بما ينتفعون
(1/164)

به من غير أن يكون الأمر في نفسه كذلك، ومن غير أن تكون الرسل بينت الحقائق، وعلمت الناس ما الأمر عليه.
ثم منهم من يفضل الفيلسوف على النبي صلى الله عليه وسلم. وحقيقة قولهم: إن الأنبياء كذبوا لما ادعوه من نفع الناس، وهل كانوا جهالا؟ على قولين لهم. إلى غير ذلك من أنواع الإلحاد والكفر الصريح والكذب البين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد بين في غير هذا الموضع أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل، وإن تظاهروا بالإسلام؛ فإنهم يظهرون من مخالفة الإسلام أعظم مما كان يظهره المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ: المنافقون اليوم شر من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: ولم ذلك؟ قال: لأنهم كانوا يسرون نفاقهم، وهم اليوم يعلنونه. ولم يكن على عهد حذيفة من وصل إلى هذا النفاق ولا إلى قريب منه؛ فإن هؤلاء إنما ظهروا في الإسلام في أثناء [الدولة العباسية] وآخر [الدولة الأموية] لما عربت الكتب اليونانية ونحوها، وقد بسط الرد عليهم في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أن هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا عليهم، لم يكن الأمر كما قالوه، بل هم فتحوا لهم دهليز الزندقة؛ ولهذا يوجد كثير ممن دخل في هؤلاء الملاحدة إنما دخل من باب أولئك المتكلمين، كابن عربي وابن سبعين وغيرهما. وإذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة فإنهم يستنصرون ويستعينون بأولئك المتكلمين المبتدعين، ويعينهم أولئك على من ينصر الله ورسوله، فهم جندهم على محاربة الله ورسوله كما قد وجد ذلك عيانًا.
ودعواهم أن هذه طريقة إبراهيم الخليل في قوله: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] كذب ظاهر على إبراهيم؛ فإن الأفول هو التغيب والاحتجاب باتفاق أهل اللغة والتفسير، وهو من الأمور الظاهرة في اللغة، وسواء أريد بالأفول ذهاب ضوء القمر
(1/165)

والكواكب بطلوع الشمس، أو أريد به سقوطه من جانب المغرب؛ فإنه إذا طلعت الشمس يقال: إنما غابت الكواكب واحتجبت، وإن كانت موجودة في السماء، ولكن طمس ضوء الشمس نورها.
وهذا مما ينحل به الإشكال الوارد على الآية في طلوع الشمس بعد أفول القمر، وإبراهيم ـ عليه السلام ـ لم يقل: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] لما رأى الكوكب يتحرك، والقمر والشمس، بل إنما قال ذلك حين غاب واحتجب. فإن كان إبراهيم قصد بقوله الاحتجاج بالأفول على نفي كون الآفل رب العالمين - كما ادعوه - كانت قصة إبراهيم حجة عليهم، فإنه لم يجعل بزوغه وحركته في السماء إلى حين المغيب دليلًا على نفي ذلك، بل إنما جعل الدليل مغيبه، فإن كان ما ادعوه من مقصوده من الاستدلال صحيحًا، فإنه حجة على نقيض مطلوبهم، وعلى بطلان كون الحركة دليل الحدوث.
لكن الحق أن إبراهيم لم يقصد هذا، ولا كان قوله: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 77] إنه رب العالمين، ولا اعتقد أحد من بني آدم أن كوكبًا من الكواكب خلق السموات والأرض، وكذلك الشمس والقمر، ولا كان المشركون قوم إبراهيم يعتقدون ذلك، بل كانوا مشركين بالله يعبدون الكواكب، ويدعونها، ويبنون لها الهياكل، ويعبدون فيها أصنامهم، وهو دين الكلدانيين والكشدانيين والصابئين المشركين، لا الصابئين الحنفاء، وهم الذين صنف صاحب [السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم] كتابه على دينهم.
وهذا دين كان كثير من أهل الأرض عليه بالشام والجزيرة والعراق وغير ذلك، وكانوا قبل ظهور دين المسيح ـ عليه السلام ـ وكان جامع دمشق وجامع حران وغيرهما موضع بعض هياكلهم؛ هذا هيكل المشتري، وهذا هيكل الزهرة.
وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وبدمشق محاريب قديمة إلى الشمال. والفلاسفة اليونانيون كانوا من جنس هؤلاء المشركين
(1/166)

يعبدون الكواكب والأصنام، ويصنعون السحر، وكذلك أهل مصر وغيرهم. وجمهور المشركين كانوا مقرين برب العالمين، والمنكر له قليل، مثل فرعون ونحوه.
وقوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع، ولهذا قال لهم إبراهيم الخليل: {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75-77] فعادى كل ما يعبدونه إلا رب العالمين، وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} [الممتحنة: 4] ، وقال الخليل ـ عليه السلام ـ: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95،96] ، وقال تعالى في سورة الأنعام: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 78-82] ، قال الله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83] .
ولما فسر هؤلاء [الأفول] بالحركة، وفتحوا باب تحريف الكلم عن مواضعه، دخلت الملاحدة من هذا الباب، ففسر ابن سينا وأمثاله من الملاحدة الأفول بالإمكان الذي ادعوه
(1/167)

حيث قالوا: إن الأفلاك قديمة أزلية وهي مع ذلك ممكنة، وكذلك ما فيها من الكواكب والنيرين. قالوا: فقول إبراهيم: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} أي: لا أحب الممكن المعلول وإن كان قديمًا أزليًا. وأين في لفظ الأفول ما يدل على هذا المعنى؟ ولكن هذا شأن المحرفين للكلم عن مواضعه.
وجاء بعدهم من جنس من زاد في التحريف فقال: المراد بـ[الكواكب والشمس والقمر] هوالنفس والعقل الفعال والعقل الأول. وقد ذكر ذلك أبوحامد الغزالي في بعض كتبه، وحكاه عن غيره في بعضها، وقال هؤلاء: الكواكب والشمس والقمر لا يخفي على عاقل أنها ليست رب العالمين، بخلاف النفس والعقل.
ودلالة لفظ الكواكب والشمس والقمر على هذه المعاني لو كانت موجودةمن عجائب تحريفات الملاحدة الباطنية، كما يتأولون العلميات مع العمليات، ويقولون: الصلوات الخمس معرفة أسرارنا، وصيام رمضان كتمان أسرارنا، والحج هو الزيارة لشيوخنا المقدسين. وفتح لهم هذا الباب [الجهمية] و [الرافضة] حيث صار بعضهم يقول: الإمام المبين: علي بن أبي طالب، والشجرة الملعونة في القرآن: بنو أمية، والبقرة المأمور بذبحها: عائشة، واللؤلؤ والمرجان: الحسن والحسين.
وقد شاركهم في نحو هذه التحريفات طائفة من الصوفية وبعض المفسرين، كالذين يقولون: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين: 1-3] ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ وكذلك قوله: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أبو بكر {فَآزَرَهُ} عمر {فَاسْتَغْلَظَ} هو عثمان {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29] هو علي، وقول بعض الصوفية: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه: 24] هو القلب {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67] هي: النفس. وأمثال هذه التحريفات. لكن منها مايكون معناه صحيحًا، وإن لم يكن هو المراد باللفظ، وهو
(1/168)

الأكثر في إشارات الصوفية. وبعض ذلك لا يجعل تفسيرًا، بل يجعل من باب الاعتبار والقياس، وهذه طريقة صحيحة علمية، كما في قوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 97] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب "، فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة، وإذا كان الملك لا يدخل بيتًا فيه كلب، فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبًا فيه أخلاق الكلاب المذمومة، ولا تنزل الملائكة على هؤلاء، وهذا لبسطه موضع آخر.
والمقصود أن أولئك المبتدعة من أهل الكلام، لما فتحوا باب القياس الفاسد في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات، صار ذلك دهليزًا للزنادقة الملحدين إلى ما هو أعظم من ذلك من السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات، وصار كل من زاد في ذلك شيئًا دعاه إلى ما هو شر منه، حتى انتهي الأمر بالقرامطة إلى إبطال الشرائع المعلومة كلها، كما قال لهم رئيسهم بالشام: قد أسقطنا عنكم العبادات، فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة.
ولهذا قال من قال من السلف: البدع بريد الكفر، والمعاصي بريد النفاق.
ولما اعتقد أئمة الكلام المبتدع، أن معنى كون الله خالقًا لكل شيء هو ما تقدم: أنه لم يزل غير فاعل لشيء، ولا متكلم بشيء، حتى أحدث العالم، لزمهم أن يقولوا: إن القرآن أو غيره من كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه. فإنه لو كان له كلام قديم، أو كلام غير مخلوق، لزم قدم العالم على الأصل الذي أصلوه؛ لأن الكلام قد عرف العقلاء أنه إنما يكون بقدرة المتكلم ومشيئته.
وأما كلام يقوم بذات المتكلم بلا قدرة ولا مشيئة، فهذا لم يكن يتصوره أحد من العقلاء، ولا نعرف أن أحدًا قاله، بل ولا يخطر ببال جماهير الناس، حتى أحدث القول به ابن كلاب.
(1/169)

وإنما ألجأه إلى هذا: أن أولئك المتكلمين لما أظهروا موجب أصلهم، وهو القول بأن القرآن مخلوق، أظهروا ذلك في أوائل المائة الثانية، فلما سمع ذلك علماء الأمة أنكروا ذلك، ثم صار كلما ظهر قولهم أنكره العلماء ـ وكلام السلف والأئمة في إنكار ذلك مشهور متواتر ـ إلى أن صار لهؤلاء المتكلمين الكلام المحدث في دولة المأمون عز، وأدخلوه في ذلك، وألقوا إليه الحجج التي لهم.
وقالوا: إما أن يكون العالم مخلوقًا أو قديمًا. وهذا الثاني كفر ظاهر، معلوم فساده بالعقل والشرع. وإذا كان العالم مخلوقًا محدثًا بعد أن لم يكن، لم يبق قديم إلا الله وحده، فلو كان العالم قديمًا، لزم أن يكون مع الله قديم آخر.
وكذلك الكلام إن كان قائمًا بذاته، لزم دوام الحوادث وقيامها بالرب، وهذا يبطل الدليل الذي اشتهر بينهم على حدوث العالم. وإن كان منفصلا ً عنه لزم وجود المخلوق في الأزل، وهذا قول بقدم العالم.
فلما امتحن الناس بذلك، واشتهرت هذه المحنة، وثبت الله من ثبته من أئمة السنة، وكان الإمام ـ الذي ثبته الله وجعله إمامًا للسنة حتى صار أهل العلم بعد ظهور المحنة يمتحنون الناس به، فمن وافقه كان سنيًا، وإلا كان بدعيًا ـ هو الإمام أحمد بن حنبل، فثبت على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
وكان المأمون، لما صار إلى الثغر بطرسوس، كتب بالمحنة كتابًا إلى نائبه بالعراق إسحاق بن إبراهيم، فدعا العلماء والفقهاء والقضاة، فامتنعوا عن الإجابة والموافقة، فأعاد عليه الجواب، فكتب كتابًا ثانيًا يقول فيه عن القاضيين ـ بشر بن الوليد، وعبد الرحمن بن إسحاق ـ إن لم يجيبا فاضرب أعناقهما، ويقول عن الباقين: إن لم يجيبوا فقيدهم فأرسلهم إلى. فأجاب القاضيان، وذكرا لأصحابهما أنهما مكرهان، وأجاب أكثر الناس قبل أن يقيدهم لما رأوا الوعيد، ولم يجب ستة أنفس فقيدهم. فلما قيدوا أجاب الباقون إلا اثنين ـ أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح النيسابوري [هو أبو الحسن محمد بن نوح بن عبد الله الجُنْد يسابوري، نزيل بغداد، وثقه غير واحد، وحدّث بدمشق ومصر وبغداد، ومات سنة 231هـ] . فأرسلوهما مقيدين إليه، فمات محمد بن نوح في الطريق، ومات
(1/170)

المأمون قبل أن يصل أحمد إليه، وتولى أخوه أبو إسحاق، وتولى القضاء أحمد بن أبي دؤاد، وأقام أحمد ابن حنبل في الحبس من سنة ثماني عشرة إلى سنة عشرين.
ثم إنهم طلبوه وناظروه أيامًا متعددة، فدفع حججهم وبين فسادها، وأنهم لم يأتوا على ما يقولونه بحجة لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر، وأنه ليس لهم أن يبتدعوا قولًا، ويلزموا الناس بموافقتهم عليه، ويعاقبوا من خالفهم. وإنما يلزم الناس ما ألزمهم الله ورسوله، ويعاقب من عصى الله ورسوله، فإن الإيجاب والتحريم، والثواب والعقاب، والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله، ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله، وتحريم ما حرمه الله ورسوله، وتصديق ما أخبر الله به ورسوله. وجرت في ذلك أمور يطول شرحها.
ولما اشتهر هذا وتبين للناس باطن أمرهم، وأنهم معطلة للصفات يقولون: إن الله لا يرى، ولا له علم، ولا قدرة، وأنه ليس فوق العرش رب، ولا على السموات إله، وإن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، إلى غير ذلك من أقوال الجهمية النفاة ـ كثر رد الطوائف عليهم بالقرآن والحديث والآثار تارة، وبالكلام الحق تارة، وبالباطل تارة.
وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان له فضل وعلم ودين. ومن قال: إنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين ـ كما يذكره طائفة في مثالبه، ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك ـ فهذا كذب عليه. وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم؛ فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى. وقد ذكر مثل ذلك عنهم الإمام أحمد في الرد على الجهمية، وصار ينقل هذا من ليس من المعتزلة من السالمية، ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ينفرون عنه لبدعته في القرآن، ويستعينون بمثل هذا الكلام الذي هو من افتراء الجهمية والمعتزلة عليه. ولا يعلم هؤلاء أن الذين ذموه بمثل هذا هم شر منه، وهوخير وأقرب إلى السنة منهم.
(1/171)

وكان أبو الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال، سلك طريقة أبي محمد بن كلاب، فصار طائفة ينتسبون إلى السنة والحديث من السالمية وغيرهم كأبي علي الأهوازي، يذكرون في مثالب أبي الحسن أشياء هي من افتراء المعتزلة وغيرهم عليه؛ لأن الأشعري بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها مالم يبينه غيره، حتى جعلهم في قمع السمسمة.
وابن كلاب لما رد على الجهمية، لم يهتد لفساد أصل الكلام المحدث الذي ابتدعوه في دين الإسلام، بل وافقهم عليه. وهؤلاء الذين يذمون ابن كلاب والأشعري بالباطل هم من أهل الحديث. والسالمية من الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم كثير منهم موافق لابن كلاب والأشعرى على هذا، موافق للجهمية على أصل قولهم الذي ابتدعوه. وهم إذا تكلموا في [مسألة القرآن] وأنه غير مخلوق، أخذوا كلام ابن كلاب والأشعري فناظروا به المعتزلة والجهمية، وأخذوا كلام الجهمية والمعتزلة فناظروا به هؤلاء، وركبوا قولًا محدثا من قول هؤلاء وهؤلاء لم يذهب إليه أحد من السلف، ووافقوا ابن كلاب والأشعري وغيرهما على قولهم: إن القرآن قديم، واحتجوا بما ذكره هؤلاء على فساد قول المعتزلة والجهمية وغيرهم، وهم مع هؤلاء. وجمهور المسلمين يقولون: إن القرآن العربي كلام الله، وقد تكلم الله به بحرف وصوت، فقالوا: إن الحروف والأصوات قديمة الأعيان، أو الحروف بلا أصوات، وأن [الباء والسين والميم] مع تعاقبها في ذاتها فهي أزلية الأعيان لم تزل ولا تزال؛ كما بسطت الكلام على أقوال الناس في القرآن في موضع آخر.
والمقصود هنا التنبيه على أصل مقالات الطوائف، وابن كلاب أحدث ما أحدثه لما اضطره إلى ذلك من دخول أصل كلام الجهمية في قلبه، وقد بين فساد قولهم بنفي علو الله ونفي صفاته. وصنف كتبًا كثيرة في أصل التوحيد والصفات، وبين أدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية، وبين فيها أن علو الله على خلقه، ومباينته لهم، من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
وكذلك ذكرها الحارث
(1/172)

المحاسبي في كتاب [فهم القرآن] وغيره. بين فيه من علو الله واستوائه على عرشه ما بين به فساد قول النفاة، وفرح الكثير من النظار الذين فهموا أصل قول المتكلمين، وعلموا ثبوت الصفات لله، وأنكروا القول بأن كلامه مخلوق، فرحوا بهذه الطريقة التي سلكها ابن كلاب، كأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، والثقفي؛ ومن تبعهم، كأبي عبد الله بن مجاهد، وأصحابه، والقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبى بكر بن فُوَرك، وغير هؤلاء.
وصار هؤلاء يردون على المعتزلة ما رده عليهم ابن كلاب والقلانسي والأشعري وغيرهم من مثبتة الصفات، فيبينون فساد قولهم: بأن القرآن مخلوق وغير ذلك، وكان في هذا من كسر سورة المعتزلة والجهمية ما فيه ظهور شعار السنة، وهو القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، وإثبات الصفات والقدر، وغير ذلك من أصول السنة.
لكن الأصل العقلي الذي بنى عليه ابن كلاب قوله في كلام الله وصفاته، هو أصل الجهمية والمعتزلة بعينه، وصاروا إذا تكلموا في خلق الله السموات والأرض وغير ذلك من المخلوقات، إنما يتكلمون بالأصل الذي ابتدعه الجهمية ومن اتبعهم؛ فيقولون قول أهل الملة، كما نقله أولئك، ويقررونه بحجة أولئك.
وكانت محنة الإمام أحمد سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم، فإن كتب الفلاسفة قد عُرِّبَتْ وعرف الناس أقوالهم. فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل. طمعوا في تغيير الملة. فمنهم من أظهر إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود، كما فعلته قرامطة البحرين. وكان قبلهم قد فعل بَابَكْ الخُرَّمِي مع المسلمين ما هو مشهور.
(1/173)

وقد ذكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره من كشف أسرار الباطنية، وهتك أستارهم، فإنه كان منهم من النفاة الباطنية الخرمية، وصاروا يحتجون في كلامهم وكتبهم بحجج قد ذكرها أرسطو وأتباعه من الفلاسفة، وهو أن الحركة يمتنع أن يكون لها ابتداء، ويمتنع أن يكون للزمان ابتداء، ويمتنع أن يصير الفاعل فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلا، فصار هؤلاء الفلاسفة وهؤلاء المتكلمون كلاهما يستدل على قوله بالحركة.
فأرسطو وأتباعه يقولون: إن الحركة يمتنع أن يحدث نوعها بعد أن لم يكن، ويمتنع أن يصير الفاعل فاعلًا بعد أن لم يكن؛ ولأنه من المعلوم بصريح المعقول أن الذات إذا كانت لا تفعل شيئًا ثم فعلت بعد أن لم تفعل، فلا بد من حدوث حادث من الحوادث، وإلا فإذا قدرت على حالها وكانت لا تفعل، فهي الآن لا تفعل، فإذا كانت الآن تفعل، لزم دوام فعلها.
ويقولون: [قبل وبعد] مستلزم للزمان، فمن قال بحدوث الزمان لزمه القول بقدمه من حيث هو قائل بحدوثه.
ويقولون: الزمان مقدار الحركة فيلزم من قدمه قدمها، ويلزم من قدم الحركة قدم المتحرك ـ وهو الجسم ـ فيلزم ثبوت جسم قديم، ثم يجعلون ذلك الجسم القديم هو الفلك، ولكن ليس لهم على هذا حجة، كما قد بسط في موضع آخر.
وصار المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والكُلابية والكُرَّامية يردون عليهم، ويدعون أن القادر المختار يرجح أحد المقدورين المتماثلين على الآخر المماثل له بلا سبب أصلًا، وعلى هذا الأصل بنوا كون الله خالقًا للمخلوقات.
ثم نفاة الصفات يقولون: رجح بمجرد القدرة، وكذلك أصل القدرية، والمعتزلة جمعت بين الأمرين. وأما المثبتة كالكُلابية والكُرَّامية فيدعون أنه رجح بمشيئة قديمة أزلية. وكلا القولين مما ينكره جمهور العقلاء.
ولهذا صار كثير من المصنفين في هذا الباب، كالرازي، ومن قبله من أئمة الكلام والفلسفة ـ كالشهرستاني ومن قبله من طوائف الكلام والفلسفة ـ لا يوجد عندهم إلا العلة الفلسفية، أو القادرية المعتزلية أو الإرادية الكلابية، وكل
(1/174)

من الثلاثة منكر في العقل والشرع؛ ولهذا كانت بحوث الرازي في مسألة القادر المختار في غاية الضعف من جهة المسلمين، وهي على قول الدهرية أظهر دلالة.
واحتج أهل الكلام المبتدع بأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، ويقولون: لو وجدت حوادث لا أول لها، لكنا إذا قدرنا ما وجد قبل الطوفان وما وجد قبل الهجرة، وقابلنا بينهما، فإما أن يتساويا ـ وهو ممتنع ـ لأنه يكون الزائد مثل الناقص، وإما أن يتفاضلا، فيكون فيما لا يتناهي تفاضلًا وهو ممتنع، ويذكرون حججًا أخرى قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع.
وقد تكلم الناس في هذه [الحجة] ونحوها، وبينوا فسادها؛ بأن التفاضل إنما يقع من الطرف المتناهي لا من الطرف الذي لا يتناهي، وبأن هذا منقوض بالحوادث المستقبلة، فإن كون الحادث ماضيًا أو مستقبلًا أمر إضافي؛ ولهذا منع أئمة هذا القول ـ كجهم والعلاف ـ وجود حوادث لا تتناهي في المستقبل، وقال جهم: بفناء الجنة والنار، وقال العلاف: بفناء الحركات، وهذا كله مبسوط في موضع آخر.
وصار طائفة أخرى، قد عرفت كلام هؤلاء وكلام هؤلاء ـ كالرازي والآمدي وغيرهما ـ يصنفون الكتب الكلامية، فينصرون فيها ماذكره المتكلمون المبتدعون عن أهل الملة من [حدوث العالم] بطريقة المتكلمين المبتدعة هذه، وهو امتناع حوادث لا أول لها، ثم يصنفون الكتب الفلسفية كتصنيف الرازي [المباحث الشرقية] ونحوها، ويذكر فيها ما احتج به المتكلمون على امتناع حوادث لا أول لها، وإن الزمان والحركة والجسم لها بداية، ثم ينقض ذلك كله، ويجيب عنه، ويقرر حجة من قال: إن ذلك لا بداية له.
وليس هذا تعمدًا منه لنصر الباطل، بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره وبحثه. فإذا وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح
(1/175)

به في كلام الفلاسفة قدح به، فإن من شأنه البحث المطلق بحسب ما يظهر له. فهو يقدح في كلام هؤلاء بما يظهر له أنه قادح فيه من كلام هؤلاء، وكذلك يصنع بالآخرين. ومن الناس من يسىء به الظن، وهو أنه يتعمد الكلام الباطل، وليس كذلك، بل تكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر والبحث في كل مقام بما يظهر له، وهو متناقض في عامة ما يقوله؛ يقرر هنا شيئًا ثم ينقضه في موضع آخر؛ لأن المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة، يشتمل على كلام باطل ـ كلام هؤلاء وكلام هؤلاء ـ فيقرر كلام طائفة بما يقرر به ثم ينقضه في موضع آخر بما ينقض به.
ولهذا اعترف في آخر عمره فقال: لقد تأملت الطرق الكُلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا [الغليل: شدة العطش وحرارته] ، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] ، واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، ومن جَرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
والآمدي تغلب عليه الحيرة والوقف في عامة الأصول الكبار، حتى إنه أورد على نفسه سؤالًا في تسلسل العلل، وزعم أنه لا يعرف عنه جوابًا، وبنى إثبات الصانع على ذلك، فلا يقرر في كتبه لا إثبات الصانع ولاحدوث العالم، ولا وحدانية الله، ولا النبوات، ولا شيئًا من الأصول التي يحتاح إلى معرفتها.
والرازي ـ وإن كان يقرر بعض ذلك ـ فالغالب على ما يقرره أنه ينقضه في موضع آخر، لكن هو أحرص على تقرير الأصول التي يحتاج إلى معرفتها من الآمدي. ولو جمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد جميعه موافقًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجد صريح المعقول مطابقًا لصحيح المنقول.
لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء
(1/176)

به الرسول، وحصل اضطراب في المعقول به، فحصل نقص في معرفة السمع والعقل، وإن كان هذا النقص هو منتهي قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته، فالعجز يكون عذرًا للإنسان في أن الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام. هذا على قول السلف والأئمة في أن من اتقى الله ما استطاع، إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به.
وأما من قال من الجهمية ونحوهم: إنه قد يعذب العاجزين، ومن قال من المعتزلة ونحوهم من القدرية: إن كل مجتهد فإنه لابد أن يعرف الحق، وإن من لم يعرفه فلتفريطه لا لعجزه، فهما قولان ضعيفان، وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من أهل القبلة يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضم بعضًا.
فيقال لأرسطو وأتباعه ـ ممن رأى دوام الفاعلية ولوازمها: العقل الصريح لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم، لا فلك ولا غيره، وإنما يدل على أن الرب لم يزل فاعلاً. وحينئذ فإذا قدر أنه لم يزل يخلق شيئا بعد شيء كان كل ما سواه مخلوقًا محدثا مسبوقًا بالعدم، ولم يكن من العالم شيء قديم، وهذا التقدير ليس معكم ما يبطله فلماذا تنفونه؟ ! ونفس قدر الفعل هو المسمى بالزمان، فإن الزمان إذا قيل: أنه مقدار الحركة، كان جنس الزمان مقدار جنس الحركة، لا يتعين في ذلك أن يكون مقدار حركة الشمس أو الفلك.
وأهل الملل متفقون على أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وخلق ذلك من مادة كانت موجودة قبل هذه السموات والأرض، وهو الدخان الذي هو البخار، كما قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] ، وهذا الدخان هو بخار الماء الذي كان حينئذ موجودًا، كما جاءت بذلك الآثار عن الصحابة والتابعين، وكما عليه أهل الكتاب، كما ذكر هذا كله في موضع آخر. وتلك الأيام لم تكن مقدار حركة هذه الشمس وهذا الفلك، فإن هذا مما خلق في تلك الأيام، بل تلك الأيام مقدرة بحركة أخرى. وكذلك إذا
(1/177)

شق الله هذه السموات، وأقام القيامة، وأدخل أهل الجنة الجنة، قال تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62] ، وقد جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ـ تبارك وتعالى ـ يتجلى لعباده المؤمنين يوم الجمعة، وأن أعلاهم منزلة من يرى الله ـ تعالى ـ كل يوم مرتين، وليس في الجنة شمس ولا قمر، ولا هناك حركة فلك، بل ذلك الزمان مقدر بحركات، كما جاء في الآثار أنهم يعرفون ذلك بأنوار تظهر من جهة العرش.
وإذا كان مدلول الدليل العقلي أنه لا بد أنه قديم تقوم به الأفعال شيئًا بعد شيء، فهذا إنما يناقض قول المبتدعة من أهل الملل الذين ابتدعوا الكلام المحدث ـ الذي ذمه السلف والأئمة ـ الذين قالوا: إن الرب لم يزل معطلا عن الفعل والكلام. فصار ما علمته العقلاء من أصناف الأمم من الفلاسفة وغيرهم بصريح المعقول، هو عاضد وناصر لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على من ابتدع في ملته ما يخالف أقواله.
وكان ما علم بالشرع ـ مع صريح العقل أيضًا ـ راد لما يقوله الفلاسفة الدهرية من قدم شيء من العالم مع الله، بل القول بقدم العالم قول اتفق جماهير العقلاء على بطلانه، فليس أهل الملة وحدهم تبطله، بل أهل الملل كلهم، وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف المشركين، مشركي العرب، ومشركي الهند وغيرهم من الأمم. وجماهير أساطين الفلاسفة كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن، بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء، والعرب المشركون كلهم كانوا يعترفون بأن اللّّه خالق كل شيء وأن هذا العالم كله مخلوق، والله خالقه وربه، وهذه الأمور مبسوطة في موضعها.
والمقصود هنا الكلام على ما يحتاج إليه من معرفة [حديث النزول] وأمثاله، وهما [الأصلان المتقدمان] . ومن تمام الأصل الثاني لفظ [الحركة] : هل يوصف الله بها أم يجب نفيه عنه؟
اختلف فيه المسلمون، وغيرهم من أهل الملل، وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام، وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال. وهذه الثلاثة موجودة في أصحاب الأئمة الأربعة من
(1/178)

أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. وقد ذكر القاضي أبو يعلى الأقوال الثلاثة عن أصحاب الإمام أحمد في [الروايتين والوجهين] وغير ذلك من الكتب.
وقبل ذلك ينبغي أن يعرف أن لفظ الحركة والانتقال والتغير والتحول، ونحو ذلك، ألفاظ مجملة؛ فإن المتكلمين إنما يطلقون لفظ الحركة على الحركة المكانية، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان بحيث يكون قد فرغ الحيز الأول وشغل الثاني، كحركة أجسامنا من حيز إلى حيز، وحركة الهواء والماء، والتراب والسحاب، من حيز إلى حيز، بحيث يفرغ الأول ويشغل الثاني، فأكثر المتكلمين لا يعرفون للحركة معنى إلا هذا.
ومن هنا نفوا ما جاءت به النصوص من أنواع جنس الحركة؛ فإنهم ظنوا أن جميعها إنما تدل على هذا، وكذلك من أثبتها وفهم منها كلها هذا، كالذين فهموا من نزوله إلى السماء الدنيا أنه يبقى فوقه بعض مخلوقاته، فلا يكون هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، ولا يكون هو العلي الأعلى، ويلزمهم ألا يكون مستويا على العرش بحال، كما تقدم.
والفلاسفة يطلقون لفظ [الحركة] على كل ما فيه تحول من حال إلى حال. ويقولون أيضا: حقيقة الحركة هي الحدوث أو الحصول، والخروج من القوة إلى الفعل يسيرًا يسيرًا بالتدريج. قالوا: وهذه العبارات دالة على معنى الحركة.
وقد يحدون بها الحركة. وهم متنازعون في الرب تعالى: هل تقوم به جنس الحركة؟ على قولين.
وأصحاب أرسطو جعلوا الحركة مختصة بالأجسام، ويصفون النفس بنوع من الحركة، وليست عندهم جسمًا فيتناقضون. وكانت الحركة عندهم ثلاثة أنواع، فزاد ابن سينا فيها قسمًا رابعًا فصارت أربعة. ويجعلون الحركة جنسًا تحته أنواع: حركة في الكيف، وحركة في الكم، وحركة في الوضع، وحركة في الأين.
فالحركة في الكيف: هي تحول الشيء من صفة إلى صفة؛ مثل اسوداده واحمراره واخضراره واصفراره، ومثل مصيره حلوًا وحامضًا، ومثل تغير رائحته، وكذلك في النفوس كعلم
(1/179)

الإنسان بعد جهله، وحبه بعد بغضه، وإيمانه بعد كفره، وفرحه بعد حزنه، ورضاه بعد غضبه، كل هذه الأحوال النفسانية حركة في الكيف، وهذا مما احتج به من جوز منهم الحركة، فإن إرادته لإحداث الشيء عندهم حركة. والحركة في الكم: مثل امتداد الشيء، مثل كبر الحيوان بعد صغره، وطوله بعد قصره، ومثل امتداد الشجر والنبات وامتداد عروقه في الأرض وأغصانه في الهواء، فهذا حركة في المقدار والكمية، كما أن الأول حركة في الصفات والكيفية.
وأما الحركة في الوضع: فمثل دوران الشيء في موضع واحد، كدوران [الفلك] و [المنجنون] الذي يسمى الدولاب، وكحركة الرحى وغير ذلك، فإنه لا ينتقل من حيز إلى حيز، بل حيزه واحد، لكن يختلف في أوضاعه، فيكون الجزء منه تارة محاذيًا للجهة العليا فيصير محاذيًا للجهة السفلى، أو للجهة اليمنى فيصير محاذيًا للجهة اليسرى.
وهذا النوع يقولون: إن ابن سينا زاده.
والرابع: الحركة في الأين: وهي الحركة المكانية، وهو انتقاله من حيز إلى حيز.
وأما عموم أهل اللغة فيطلقون لفظ الحركة على جنس الفعل. فكل من فعل فعلًا فقد تحرك عندهم، ويسمون أحوال النفس حركة، فيقولون: تحركت فيه المحبة، وتحركت فيه الحمية، وتحرك غضبه، وتوصف هذه الأحوال بالحركة والسكون، فيقال: سكن غضبه، قال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ} [الأعراف: 154] ، فوصف الغضب بالسكوت، وفي قراءة ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ومعاوية ابن قرة، وعكرمة: [ولما سكن] بالنون وعلى القراءة المشهورة [بالتاء] قال المفسرون: سكت الغضب: أي سكن. وكذلك قال أهل اللغة؛ الزجاج وغيره.
(1/180)

قال الجوهري: سكت الغضب مثل سكن، فالسكون أخص، فكلساكت ساكن، وليس كل ساكن ساكتًا، وإذا وصف بالسكون دل على أنه كان متحركا، وهذا وصف للأعراض النفسانية بالحركة والسكون.
والأشعري قد استدل على أن الحركة وأنواعها لا تختص بالأجسام بما وجد من استعمالهم ذلك في الأعراض، قال: فإنهم يقولون: جاءت الحمى، وجاء البرد، وجاءت العافية، وجاء الشتاء، وجاء الحر. ونحو ذلك مما يوصف بالمجيء والإتيان من الأعراض. ومجيء هذه الأعراض هو حدوث وتغير وتحول من حال إلى حال.
فإن قيل: ما وصف بالحركة والسكون من هذه الأعراض فإنما هو لتحرك المحل الحامل لذلك العرض ـ وإلا فالعرض لا يقوم بنفسه، ولا يفارق محله، فإن الحمى والحر والبرد يقوم بالهواء الذي يحمل الحر والبرد. وكذلك الغضب هوغليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا حركة الدم؛ فإذا سكن غليان الدم سكن الغضب.
قيل: ليس الأمر كذلك، بل هذا يستعمل فيما يحدث من الأعراض في المحل شيئًا فشيئًا، وإن لم يكن هناك جسم ينتقل معه، كما تقدم من الحركة في الكيفيات والصفات؛ فإن الماء إذا سخن حدثت فيه الحرارة، وسخن الوعاء الذي فيه الماء من غير انتقال جسم حار إليه، وإذا وضع الماء المسخن في المكان البارد، برد من غير انتقال جسم بارد إليه. وكذلك الحمى ـ حرارة أو برودة ـ تقوم بالبدن من غير أن ينتقل إلى كل جزء من البدن جسم حار أو بارد. والغضب ـ وإن كان بعض الناس يقول: إنه غليان دم القلب ـ فهو صفة تقوم بنفس الغضبان غير غليان دم القلب؛ وإنما ذلك أثره، فإن حرارة الغضب تسخن الدم حتى يغلي. فإن مبدأ الغضب من النفس، هي التي تتصف به أولًا، ثم يسرى ذلك إلى الجسم، وكذلك الحزن والفرح وسائر الأحوال النفسانية. والحزن يوجب دخول الدم؛ ولهذا يصفر لون الحزين، وهو من الأحوال النفسانية، لكن الحزين يستشعر العجز عن دفع المكروه الذي أصابه وييأس من ذلك
(1/181)

فيغور دمه، والغضبان يستشعر قدرته على الدفع أو المعاقبة، فينبسط دمه.
والحركة والسكون والطمأنينة التي توصف بها النفس، ليست مماثلة لما يوصف به الجسم، قال تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] والاطمئنان هو السكون، قال الجوهري: اطمأن الرجل إطمئنانًا وطمأنينة: أي سكن، قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [الفجر: 27،28] وكذلك للقلوب سكينة تناسبها، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] .
وكذلك [الريب] حركة النفس للشك، ومنه الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بظبي حاقف فقال: " لا يريبه أحد " [وقوله: " ظبي حاقف ": أي نائم] . ويقال: رابني منه ريب، و " دع ما يريبك إلى مالا يريبك) [و " لا ": أي لا يزعجه] ، وقال:
(1/182)

"الكذب ريبة، والصدق طمأنينة " فجعل الطمأنينة ضد الريبة وكذلك اليقين ضد الريب. واليقين يتضمن معنى الطمأنينة والسكون، ومنه: ماء يقن، وكذلك يقال: انزعج. وأزعجه فانزعج أي: أقلقه، ويقال ذلك لمن قلقت نفسه، ولمن قلق بنفسه وبدنه حتى فارق مكانه، وكذلك يقال: قلقت نفسه، واضطربت نفسه، ونحو ذلك من أنواع الحركة. ويسمى ما يألفه جنس الإنسان ويحبه سكنًا؛ لأنه يسكن إليه. ويقال: فلان يسكن إلى فلان ويطمئن إليه، ويقال: القلب يسكن إلى فلان، ويطمئن إليه، إذا كان مأمونًا معروفًا بالصدق؛ فإن الصدق يورث الطمأنينة والسكون.
وقد سميت الزوجة سكنا، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 12] ، وقال: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] ، فيسكن الرجل إلى المرأة بقلبه وبدنه جميعًا.
وقد يكون بدن الشخص ساكنًا ونفسه متحركة حركة قوية، وبالعكس قد يسكن قلبه، وبدنه متحرك. والمحب للشيء المشتاق إليه يوصف بأنه متحرك إليه؛ ولهذا يقال: العشق حركة نفس فارغة. فالقلوب تتحرك إلى الله ـ تعالى ـ بالمحبة والإنابة والتوجه، وغير ذلك من أعمال القلوب، وإن كان البدن لا يتحرك إلى فوق، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". ومع هذا فبدنه أسفل ما يكون.
فينبغي أن يعرف أن الحركة جنس تحته أنواع مختلفة باختلاف الموصوفات بذلك. وما يوصف به نفس الإنسان من إرادة ومحبة وكراهية وميل ونحو ذلك، كلها فيها تحول النفس من حال إلى حال وعمل للنفس، وذلك حركة لها بحسبها؛ ولهذا يعبر عن هذه المعاني بألفاظ الحركة، فيقال: فلان يهفو إلى فلان كما قيل:
(1/183)

يهفو إلى البان من قلبي نوازعه ... وما بي البان بل من دارة البان
وهذا اللفظ يستعمل في حركة الشيء الخفيف بسرعة، كما يقال: هفا الطائر بجناحه، أي: خفق وطار، وهفا الشيء في الهواء، إذا ذهب كالصوفة ونحوها، ومر الظبي يهفو، أي: يطفو، ومنه قيل للزلة: هفوة، كما سميت زلة، والزلة حركة خفيفة، وكذلك الهفوة. وكذلك يسمى المحب المشتاق الذي صار حبه أقوى من العلاقة [صبًا] وحاله صبابة، وهو رقة الشوق وحرارته، والصَبُّ المحب المشتاق؛ وذلك لانصباب قلبه إلى المحبوب كما ينصب الماء الجاري، والماء ينصب من الجبل، أي: ينحدر. فلما كان في انحداره يتحرك حركة لا يرده شيء سميت حركة الصب [صبابة] ، وهذا يستعمل في المحبة المحمودة والمذمومة.
ومنه الحديث: إن أبا عبيدة ـ رضي الله عنه ـ لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية بكى صبابة وشوقًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والصبابة والصَبُّ متفقان في الاشتقاق الأكبر. والعرب تعاقب بين الحرف المعتل والحرف المضعف كما يقولون: تقضى البازي وتقضض، وصبا يصبو: معناه: مال، وسمي الصبِي صَبِيًّا؛ لسرعة ميله. قال الجوهري: والصبي ـ أيضًا ـ من الشوق، يقال منه: تصابي، وصبا يصبو صبوة وصبوًا، أي: مال إلى الجهل والفتوة، وأصبته الجارية. وقد يستعمل هذا في الميل المحمود على قراءة من قرأ: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين} بلا همزة في قراءة نافع، فإنه لا يهمز {الصابئين} في جميع القرآن. وبعضهم قد حمده الله ـ تعالى ـ وكذلك يقال: حن إليه حنينًا، ومنه: حنه في الاشتقاق الأكبر يحنو عليه حنوًا. قال الجوهري: حنوت عليه عطفت عليه، ويحني عليه، أي: يعطف، مثل تحنن، كما قال الشاعر:
تحنى عليك النفس من لاعج الهوى ... فكيف تحنيها وأنت تهينها؟
وقال: الحنين: الشوق وتوقان النفس، ويقال: حن إليه يحن حنينًا، فهو حان
(1/184)

والحنان الرحمة. يقال: حن عليه يحن حنانًا، ومنه قوله تعالى: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا} [مريم: 13] . والحنان ـ بالتشديد ـ: ذو الرحمة، وتحنن عليه: ترحم، والعرب تقول: حنانيك يا رب، وحنانك، بمعنى واحد، أي: رحمتك، وهذا كلام الجوهري.
وفي الأثر في تفسير [الحنّان، المنّان] : أن الحنّان هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنّان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، وهذا باب واسع.
والمقصود هنا أن هذا كله من أنواع جنس الحركة العامة، والحركة العامة هي التحول من حال إلى حال، ومنه قولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسي ـ رضي الله عنه ـ: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ " قال: بلى، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ".
وفي صحيح مسلم وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال الرجل: الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم
(1/185)

قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، فقال: الله أكبر الله أكبر ".
فلفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال، والقوة هي القدرة على ذلك التحول؛ فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال، ولا قدرة على ذلك إلا بالله. ومن الناس من يفسر ذلك بمعنى خاص فيقول: لا حول من معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته.
والصواب الذي عليه الجمهور هو التفسير الأول، وهو الذي يدل عليه اللفظ، فإن الحوْل لا يختص بالحول عن المعصية، وكذلك القوة لا تختص بالقوة على الطاعة، بل لفظ الحول يعم كل تحول.
ومنه لفظ [الحيلة] ووزنها فعلة بالكسر، وهي النوع المختص من الحول كما يقال: الجلسة، والقعدة، واللبسة، والأكلة، والضجعة ونحو ذلك بالكسر هي النوع الخاص، وهو بالفتح المرة الواحدة. فالحيلة أصلها حولة، لكن لما جاءت الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء، كما في لفظ ميزان وميقات، وميعاد وزنه مفعال؛ وقياسه موزان وموقات، لكن لما جاءت الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء، قال تعالى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء: 98] من الحيل؛ فإنها نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الحيل. وكذلك لفظ [القوة] ، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] ، ولفظ القوة قد يراد به ما كان في القدرة أكمل من غيره، فهو قدرة أرجح من غيرها، أو القدرة التامة. ولفظ
(1/186)

[القوة] قد يعم القوة التي في الجمادات بخلاف لفظ القدرة؛ فلهذا كان المنفي بلفظ [القوة] أشمل وأكمل. فإذا لم تكن قوة إلا به لم تكن قدرة إلا به بطريق الأولى. وهذا باب واسع.
والمقصود هنا أن الناس متنازعون في جنس [الحركة العامة] التي تتناول ما يقوم بذات الموصوف من الأمور الاختيارية كالغضب والرضا والفرح، وكالدنو والقرب والاستواء والنزول، بل والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان وغير ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول من ينفي ذلك مطلقًا وبكل معنى، فلا يجوز أن يقوم بالرب شيء من الأمور الاختيارية. فلا يرضى على أحد بعد أن لم يكن راضيًا عنه، ولا يغضب عليه بعد أن لم يكن غضبان، ولا يفرح بالتوبة بعد التوبة، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته إذا قيل: إن ذلك قائم بذاته.
وهذا القول أول من عرف به هم [الجهمية] و [المعتزلة] وانتقل عنهم إلى الكُلابية والأشعرية والسالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبى الفضل، وابن ابنه رزق الله، والقاضي أبى يعلى، وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني، وأبى الفرج بن الجوزي؛ وغير هؤلاء من أصحاب أحمد ـ وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض كلامه ـ وكأبي المعالي الجُوَيْنِيّ وأمثاله من أصحاب الشافعي، وكأبي الوليد الباجي وطائفة من أصحاب مالك، وكأبي الحسن الكَرْخي وطائفة من أصحاب أبي حنيفة.
والقول الثاني: إثبات ذلك، وهو قول الهشامية والكرامية وغيرهم من طوائف أهل الكلام، الذين صرحوا بلفظ الحركة.
وأما الذين أثبتوها بالمعنى العام حتى يدخل في ذلك قيام الأمور والأفعال الاختيارية بذاته، فهذا قول طوائف غير هؤلاء، كأبي الحسين البصري، وهو اختيار أبى عبد الله بن الخطيب الرازي، وغيره من النظار، وذكر طائفة: أن هذا القول لازم لجميع الطوائف.
وذكرعثمان بن سعيد الدارمي إثبات لفظ الحركة في كتاب نقضه
(1/187)

على بِشْر المرِّيسِي، ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث، وذكره حرب بن إسماعيل الكرماني، لما ذكر مذهب أهل السنة والأثر عن أهل السنة والحديث قاطبة، وذكر ممن لقى منهم على ذلك: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور. وهو قول أبى عبد الله بن حامد وغيره.
وكثير من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح، لكن لا يطلق هذا اللفظ لعدم مجيء الأثر به، كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر وغيره في كلامهم على حديث النزول.
والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة من أنه يأتي وينزل، وغير ذلك من الأفعال اللازمة.
قال أبو عمرو الطلمنكي: أجمعوا ـ يعني أهل السنة والجماعة ـ على أن الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفّا صفّا لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء، قال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ} [البقرة: 210] . وقال تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] .
قال: وأجمعوا على أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار كيف شاء، لا يحدون في ذلك شيئًا، ثم روى بإسناده عن محمد بن وضاح قال: وسألت يحيى بن معين عن النزول فقال: نعم، أقر به، ولا أحد فيه حدًا.
والقول الثالث: الإمساك عن النفي والإثبات، وهو اختيار كثير من أهل الحديث والفقهاء والصوفية، كابن بطة وغيره. وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن تقدير أحد الأمرين، ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما، ولكن لا يتكلم لا بنفي ولا بإثبات. والذي يجب القطع
(1/188)

به أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه. فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء فهو مخطئ قطعًا، كمن قال: إنه ينزل فيتحرك وينتقل، كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار، كقول من يقول: إنه يخلو منه العرش، فيكون نزوله تفريغًا لمكان وشغلا لآخر، فهذا باطل يجب تنزيه الرب، عنه كما تقدم.
وهذا هو الذي تقوم على نفيه وتنزيه الرب عنه الأدلة الشرعية والعقلية؛ فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أخبر أنه الأعلى، وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] . فإن كان لفظ العلو لا يقتضي علو ذاته فوق العرش، لم يلزم أن يكون على العرش.
وحينئذ، فلفظ النزول ـ ونحوه ـ يتأول قطعًا، إذ ليس هناك شيء يتصور منه النزول. وإن كان لفظ العلو يقتضي علو ذاته فوق العرش، فهو ـ سبحانه ـ الأعلى من كل شيء، كما أنه أكبر من كل شيء. فلو صار تحت شيء من العالم لكان بعض مخلوقاته أعلى منه، ولم يكن هو الأعلى، وهذا خلاف ما وصف به نفسه.
وأيضًا، فقد أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، فإن لم يكن استواؤه على العرش يتضمن أنه فوق العرش، لم يكن الاستواء معلومًا، وجاز حينئذ ألا يكون فوق العرش شيء؛ فيلزم تأويل النزول وغيره.
وإن كان يتضمن أنه فوق العرش فيلزم استواؤه على العرش، وقد أخبر أنه استوى عليه لما خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأخبر بذلك عند إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بألوف من السنين، ودل كلامه على أنه عند نزول القرآن مستو على عرشه، فإنه قال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4] .
وفي حديث الأوعال [جمع الوَعْل، وهو تَيْس الجبل]ـ الذي رواه أهل السنن كأبي داود والترمذي وغيرهما ـ: لما مرت سحابة قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " السحاب "، قالوا: السحاب، قال: " والمزن "، قالوا: والمزن، وذكر السموات وعددها، وكم بين كل
(1/189)

سمائين، ثم قال: " والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه ".
وكذلك في حديث جُبَيْر بن مُطْعَم ـ الذي رواه أبو داود وغيره عن جبير بن مطعم ـ قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويحك! تدري ما تقول؟ ! " وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: " ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله على عرشه، وعرشه على سمواته مثل القبة " وأشار بيده.
وهذا إخبار عن أنه ـ سبحانه ـ فوق العرش في تلك الحال، كما دل عليه القرآن، كما أخبر أنه استوى على العرش، وأنه معنا أينما كنا، وكونه معنا أمر خاص؛ فكذلك كونه مستويًا على العرش.
وكذلك سائر النصوص تبين وصفه بالعلو على عرشه في هذا الزمان، فعلم أن الرب ـ سبحانه ـ لم يزل عاليًا على عرشه. فلو كان في نصف الزمان أو كله تحت العرش أو تحت بعض المخلوقات، لكان هذا مناقضًا لذلك.
وأيضًا، فقد ثبت في الحديث الصحيح ـ الذي رواه مسلم وغيره ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء "، وهذا نص في أن الله ليس فوقه شيء، وكونه الظاهر صفة لازمة له مثل كونه الأول والآخر، وكذلك الباطن، فلا يزال ظاهرًا ليس فوقه شيء، ولا يزال باطنًا ليس دونه شيء.
(1/190)

وأيضا، فحديث أبي ذر وأبي هريرة وقتادة، المذكور في تفسير هذه [الأسماء الأربعة] الذي فيه ذكر الأدلاء، قد ذكرناه في [مسألة الإحاطة] ، وهو مما يبين أن الله لا يزال عاليًا على المخلوقات مع ظهوره وبطونه وفي حال نزوله إلى السماء الدنيا.
وأيضًا، فقد قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] . فمن هذه عظمته يمتنع أن يحصره شيء من مخلوقاته، وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية أحاديث صحيحة اتفق أهل العلم بالحديث على صحتها، وتلقيها بالقبول والتصديق، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم. ا. هـ
تم كتاب شرح حديث النزول والحمد لله الذي تتم بنعمه الصالحات.
(1/191)