Advertisement

مختصر الفتاوى المصرية


الكتاب: مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية
المؤلف: محمد بن علي بن أحمد بن عمر بن يعلى، أبو عبد الله، بدر الدين البعليّ (المتوفى: 778هـ)
المحقق: عبد المجيد سليم - محمد حامد الفقي
الناشر: مطبعة السنة المحمدية - تصوير دار الكتب العلمية
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
رب يسر وَلَا تعسر يَا كريم
الْحَمد لله مبدع الْعَالمين وناصر الْحق الْمُبين إِلَى يَوْم الدّين وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله أَجْمَعِينَ
وَبعد فَإِن الْعلم أفضل مَا صرفت إِلَيْهِ الهمة وأجمعت عَلَيْهِ عُلَمَاء الْأمة وَقد استخرت الله تَعَالَى فِي اخْتِصَار شَيْء من الدُّرَر المضية من فتاوي شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية مِمَّا أَكْثَره فقه السَّائِل وَمَا عسر علمه على الْأَوَائِل

بَاب النِّيَّة
مَحل النِّيَّة الْقلب بانفاق الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم إِلَّا بعض الْمُتَأَخِّرين أوجب التَّلَفُّظ بهَا وَهُوَ مَسْبُوق بِالْإِجْمَاع وَلَكِن تنازعوا هَل يسْتَحبّ التَّلَفُّظ بهَا مَعَ انفاقهم على أَنه لَا يشرع الْجَهْر بهَا وَلَا تكرارها
فاستحب التَّلَفُّظ بهَا طَائِفَة من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَلم يستحبه آخَرُونَ وَغَيرهمَا وَهَذَا أقوى فَإِن ذَلِك بِدعَة لم يَفْعَلهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أحد من الصَّحَابَة
وَأما مُقَارنَة النِّيَّة للتكبير فَفِيهَا قَولَانِ مشهوران
أَحدهمَا لَا يجب كَمَا هُوَ مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
وَالثَّانِي يجب كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَغَيره
والمقارنة الْمَشْرُوطَة قد تفسر بِوُقُوع التَّكْبِير عقيب النِّيَّة وَهَذَا مُمكن لَا صعوبة فِيهِ بل عَامَّة النَّاس هَكَذَا يصلونَ بل هَذَا أَمر ضَرُورِيّ وَلَو كلفوا تَركه لعجزوا عَنهُ
(1/9)

وَقد تفسر بانبساط أَجزَاء النِّيَّة على أَجزَاء التَّكْبِير بِحَيْثُ يكون أَولهَا مَعَ أَوله وَآخِرهَا مَعَ آخِره وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عزوب النِّيَّة فِي أول الصَّلَاة وخلو أَولهَا عَن النِّيَّة الْوَاجِبَة
وَقد تفسر بِحُضُور جَمِيع النِّيَّة مَعَ جَمِيع أَجزَاء التَّكْبِير وَهَذَا قد نوزع فِي إِمْكَانه فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه غير مُمكن وَلَا مَقْدُور للبشر فضلا عَن وُجُوبه وَلَو قيل بإمكانه فَهُوَ متعسر جدا فَيسْقط بالحرج
وَمِمَّا يبطل هَذَا وَالَّذِي قبله أَن المكبر يَنْبَغِي لَهُ أَن يتدبر التَّكْبِير ويتصوره فَيكون قلبه مَشْغُولًا بِمَعْنى التَّكْبِير لَا يشْغلهُ بِغَيْر ذَلِك من استحضار الْمَنوِي وَلِأَنَّهَا من الشُّرُوط والشروط تتقدم الْعِبَادَة وَيسْتَمر حكمهَا إِلَى آخرهَا كالطهارة وَغَيرهَا وَالله أعلم
والجهر بهَا وتكريرها منهى عَنهُ وفاعله مسيء وَإِن اعتقده دينا فقد خرج عَن إِجْمَاع الْمُسلمين يعرف ذَلِك فَإِن أصر قتل وَيجب تَعْرِيفه ذَلِك
وَلَو قَالَ كل يعْمل فِي دينه مَا يَشْتَهِي فَهِيَ كلمة عَظِيمَة يجب أَن يُسْتَتَاب مِنْهَا أَيْضا
فَإِن أصر على الْجَهْر بِالنِّيَّةِ عزّر وَإِن عزل عَن الْإِمَامَة إِذا لم ينْتَه كَانَ لعزله وَجه فقد عزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِمَامًا لأجل بزاقه فِي الْقبْلَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
فَإِن الإِمَام عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي كَمَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ لَهُ أَن يقْتَصر على مَا يقْتَصر عَلَيْهِ الْمُنْفَرد بل ينْهَى عَن التَّطْوِيل وَالتَّقْصِير فَكيف إِذا صر على مَا ينْهَى عَنهُ الإِمَام وَالْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرد
(1/10)

فصل
نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله هَذَا قَالَه غير وَاحِد بَعضهم يرفعهُ وَبَيَانه من وُجُوه
أَحدهَا أَن النِّيَّة الْمُجَرَّدَة عَن الْعَمَل يُثَاب عَلَيْهَا وَالْعَمَل بِلَا نِيَّة لَا يُثَاب عَلَيْهِ
الثَّانِي أَن من رأى الْخَيْر وَعمل مقدوره مِنْهُ وَعجز عَن إكماله كَانَ لَهُ أجر عَامله لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِن بِالْمَدِينَةِ رجَالًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ
الثَّالِث أَن الْقلب ملك الْبدن والأعضاء جُنُوده فَإِذا طَالب الْملك طالبت جُنُوده وَإِذا خبت خبثت وَالنِّيَّة عمل الْملك
الرَّابِع أَن تَوْبَة الْعَاجِز عَن الْمعْصِيَة تصح عِنْد أهل السّنة كتوبة الْمَجْبُوب من الزِّنَا وكتوبة الْأَخْرَس عَن الْقَذْف وأصل التَّوْبَة عزم الْقلب
الْخَامِس أَن النِّيَّة لَا يدخلهَا فَسَاد فَإِن أَصْلهَا حب الله وَرَسُوله وَإِرَادَة وَجه الله وَهَذَا بِنَفسِهِ مَحْبُوب لله وَرَسُوله مرضى لله وَرَسُوله والأعمال الظَّاهِرِيَّة يدخلهَا آفَات كَثِيرَة وَلِهَذَا كَانَت أَعمال الْقُلُوب الْمُجَرَّدَة أفضل من أَعمال الْبدن الْمُجَرَّدَة كَمَا قيل قُوَّة الْمُؤمن فِي قلبه وَضَعفه فِي جِسْمه وَالْمُنَافِق عَكسه وَالله أعلم
(1/11)

كتاب الطَّهَارَة
قد صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لما سُئِلَ عَن بِئْر بضَاعَة قَالَ المَاء طهُور لَا ينسجه شَيْء
وبئر بضَاعَة لَيست جرية جَارِيَة بالِاتِّفَاقِ وَمَا يذكر عَن الْوَاقِدِيّ أَنَّهَا جَارِيَة أمرباطل والواقدي لَا يحْتَج بِهِ وَلم يكن بِالْمَدِينَةِ عين جَارِيَة وَعين الزَّرْقَاء وعيون حَمْزَة محدثة بعد النبيي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبئر بَاقِيَة شَرْقي الْمَدِينَة مَعْرُوفَة إِلَى الْآن
وَأما حَدِيث الْقلَّتَيْنِ فالأكثر على أَنه حسن يحْتَج بِهِ
وَقد أُجِيب عَن كَلَام من طعن فِيهِ وصنف أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي جَزَاء در فِيهِ على ابْن عبد الْبر وَغَيره وَلَفظ الْقلَّة مَعْرُوفَة عِنْدهم أَنَّهَا الجرة الْكَبِيرَة كألحب وَكَانَ يمثل بهَا كَمَا جَاءَ فِي سِدْرَة الْمُنْتَهى وَإِذا وَرقهَا مثل آذان الفيلة وَإِذا نبقها مثل قلال هجر وَهِي قلال مَعْرُوفَة الصَّنْعَة والمقدار فَإِن التَّمْثِيل لَا يكون بمختلف وَهَذَا يبطل كَون الْقلَّة قلَّة الْجَبَل فَإِنَّهَا مُخْتَلفَة فِيهَا الْمُرْتَفع كثيرا وَمَا هُوَ دونه وَلَيْسَ فِي الْوُجُود مَاء يصل إِلَى قلل الْجبَال الا مَاء الطوفان فَحمل كَلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مثل ذَلِك يشبه الِاسْتِهْزَاء بِكَلَامِهِ
وَمن عَادَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يقدر المقدرات بأوعيتها كَقَوْلِه لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أَو سُقْ صَدَقَة والوسق حمل الْجمل وَكَانَ يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع وَذَلِكَ من أوعية المَاء فَكَذَا تَقْدِير المَاء بالقلال مُنَاسِب لِأَنَّهَا وعَاء المَاء
(1/12)

فصل
المَاء الْمُتَغَيّر بالطاهر الَّذِي يُمكن صونه عَنهُ فِيهِ قَولَانِ لِأَحْمَد وَغَيره
قَالَ شيخ الْإِسْلَام وَالصَّحِيح عِنْدِي نُصُوص أَحْمد أَنه لَا يسلبه الطّهُورِيَّة لِأَن الْمُتَغَيّر بالطاهرات إِمَّا أَن يتَنَاوَلهُ اسْم المَاء عِنْد الْإِطْلَاق أَولا فَإِن تنَاوله فَلَا فرق بَين مَا يُمكن صونه ومالا يُمكن صونه وَبَين مَا تغير بِأَصْل الْخلقَة وَغَيره وَإِذا تنَاوله فَلَا فرق بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ وَبَين غَيرهمَا إِذْ الْفرق بَين مَا كَانَ دَائِما وحادثا وَمَا كَانَ يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ ومالا يُمكن إِنَّمَا هِيَ فروق فقهية أما كَونهَا فروقا من جِهَة اللُّغَة وَتَنَاول اللَّفْظ لَهَا فَلَا
وَبِهَذَا يظْهر الْجَواب عَن جَمِيع شَوَاهِد أدلتهم مثل اشْتِرَاء المَاء فِي بَاب الْوكَالَة وَالنّذر وَالْوَقْف أَو الْيَمين أَو غير ذَلِك فَإِن خطاب النَّاس فِي هَذِه الْأَحْكَام لَا فرق فِيهِ بَين مقبل وحادث فحقيقة قَوْله تَعَالَى {فَلم تَجدوا مَاء} إِن كَانَ شَامِلًا للمتغير بِأَصْل الْخلقَة أَو لما تغير بِمَا يشق الِاحْتِرَاز عَنهُ فَهُوَ شَامِل لما تغير بِمَا لَا يشق صونه عَنهُ وَإِذا كَانَت دلَالَة الْقُرْآن عَليّ الْكل سَوَاء كَانَ التَّمَسُّك بِدلَالَة الْقُرْآن حجَّة لمن جعله طهُورا لَا عَلَيْهِ
وَلَيْسَ فِي المسئلة دَلِيل من السّنة وَلَا من الْإِجْمَاع وَلَا من الْقيَاس بل الْأَحَادِيث كَمَا فِي الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته اغسلوه بِمَاء وَسدر وَفِي غسل ابْنَته قَالَ اغسلها بِمَاء سدر
وتوضؤ أم سَلمَة من قَصْعَة فِيهَا أثر الْعَجِين وَقَوله {تَمْرَة طيبَة وَمَاء طهُور} كل ذَلِك وَنَحْوه نَص دَال على جَوَاز اسْتِعْمَال المَاء الْمُتَغَيّر بالطاهرات أدل مِنْهَا على نقيض ذَلِك
وَأَيْضًا الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ وَلَيْسَ هَذَا استصحابا للاجماع فِي مورد النزاع حَتَّى يُقَال فِيهِ خلاف فَإِن ذَلِك هُوَ دَعْوَى بَقَاء الْإِجْمَاع بل
(1/13)

يُقَال هُوَ قبل التَّغْيِير طَاهِر بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع وَالْأَصْل بَقَاء الحكم على مَا كَانَ وَإِن لم يكن الدَّلِيل شَامِلًا لَهُ إِذا مَعَ شُمُول الدَّلِيل إِنَّمَا يكون اسْتِدْلَالا بِنَصّ أوإجماع لَا بالاستصحاب وَهَذَا الِاسْتِدْلَال إِنَّمَا هُوَ بالاستصحاب
وَقَول بعض الحنيفة إِن المَاء لَا ينسقم رلا إِلَى طَاهِر ونجس فَلَيْسَ بشئ لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ كل مَا يُسمى مَاء مُطلقًا ومقيدا فَهُوَ خطأ لِأَن الْمِيَاه المعتصرة طَاهِرَة وَلَا يجوز بهَا رفع الْحَدث
وَإِن أَرَادَ المَاء الْمُطلق لم يَصح فَإِن النَّجس لَا يدْخل فِي الْمُطلق
وَقَوْلهمْ طهُور المَاء الْمُطلق يمعنى طَاهِر غلط لِأَن الطّهُور اسْم لما يتَطَهَّر بِهِ كالفطور والسحور والوجود لما يفْطر عَلَيْهِ ويتسحر بِهِ ويوجر بِهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى {وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ} والطاهر لَا يدل على مَا يتَطَهَّر بِهِ من ظن أَن الطّهُور معدول عَن طَاهِر فَيكون يمنزلته فِي التَّعْدِيَة واللزوم عِنْد النَّحْوِيين فَهُوَ قَول من لم يحكم قَوْله من جِهَة الْعَرَبيَّة
وَبِهَذَا تظهر دلَالَة النُّصُوص على مَا قُلْنَا لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْبَحْر هُوَ لاطهور مَاؤُهُ وَقَوله {جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وتربتها طهُورا} مِمَّا يبين أَن المُرَاد مَا يتَطَهَّر بِهِ وَلَا يجوز أَن يُرَاد طَاهِر لفساد الْمَعْنى وَلَا يجوز أَن يُرَاد طهُور تَعديَة طَاهِر لفساد الِاسْتِعْمَال

فصل
ويعفى عَن يسير بعر الفأر فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ
وهما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا
وَالِاحْتِيَاط بِمُجَرَّد الشَّك فِي أُمُور الْمِيَاه لَيْسَ مُسْتَحبا وَلَا مَشْرُوعا بل الْمُسْتَحبّ بِنَاء الْأَمر على الستصحاب
وَأما الْحمام إِذا كَانَ الْحَوْض فاءضا فَإِنَّهُ جَار فِي أصح قولي الْعلمَاء نَص
(1/14)

عَلَيْهِ أَحْمد وَهُوَ يمنزلة الحفيرة تكون فِي النَّهر فَإِنَّهُ جَار وَإِن كَانَ الجريان على وجهة فرنه يستخلفه شَيْئا فَشَيْئًا وَيذْهب وَيَأْتِي مَا بعده لَكِن يبطئ ذَهَابه بِخِلَاف الَّذِي يجرى جمعية
وَإِذا شكّ فِي روية هَل هِيَ نَجِسَة أم طَاهِرَة فَفِيهَا قَولَانِ
هما وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد يناء على أَن الأَصْل فِي الروث النَّجَاسَة أم الأَصْل فِي الْأَعْيَان ااطهارة وَهَذَا الْأَخير أصح
فصل
مَذْهَب الزُّهْرِيّ وَالْبُخَارِيّ أَن حكم الْمَائِع حكم الماد وروى عَن مَالك وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَهُوَ قَول طاذفة من السّلف وَالْخلف كَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم وَأبي ثَوْر وَغَيرهم وَلَا دَلِيل على نَجَاسَته من كتاب وَلَا سنة
وَمَا رَوَاهُ زبو دَاوُد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه سذل عَن فَأْرَة وَقعت فِي سمن فَقَالَ إِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا وكلوه وَإِن كَانَ مَائِعا فَلَا تقربوه فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف غلط فِيهِ عمر عَن الزُّهْرِيّ كَمَا ذكره الثِّقَات كالبخاري وَغَيره مثل التِّرْمِذِيّ وزبي حَاتِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَإِن اعْتقد بعض الْفُقَهَاء أَنه على شَرط الصَّحِيح فلعدم علمه بعلته وَقد تبين البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فَسَاد هَذِه الرِّوَايَة قَالَ: بَاب رذا وَقعت الْفَأْرَة فِي السّمن الجامد أَو الذائب حَدثنَا عَبْدَانِ حَدثنَا عبد الله يعْنى ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ أَنه سُئِلَ عَن الدَّابَّة تَمُوت فِي السّمن وَالزَّيْت وَهُوَ جامد أَو غير جامد الْفَأْرَة وَغَيرهَا فَقَالَ بلغنَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بفأرة مَاتَت فيسمن فَأمر بِمَا قرب مِنْهَا فَطرح ثمَّ أكل
(1/15)

وَفِي حَدِيث عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن عبد الله بن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن فَأْرَة وَقعت فِي سمن فَقَالَ زلقوها وَمَا حولهَا وكلوه
وَذكر البُخَارِيّ عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ الَّذِي هُوَ أعلم النَّاس بِالسنةِ فِي زَمَانه أَنه أفتى فِي الزَّيْت وَالسمن الجامد وَغَيره إِذا مَاتَت فِيهِ الْفَأْرَة أَنَّهَا تطرح وَمَا قرب مِنْهَا وَاسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَذكر الحَدِيث وَلم يقل فِيهِ إِن كَانَ مَائِعا فَلَا تقربوه وَلَا ذكر الْفرق
فَذكر البُخَارِيّ ذَلِك ليبين أَن من ذكر عَن الزُّهْرِيّ التَّفْصِيل فقد غلط عَلَيْهِ لجوابه بِالْعُمُومِ مستدلا بِهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه إِذْ إِطْلَاق الْجَواب من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَترك الاستفصال فِي حِكَايَة الْحَال مَعَ قيام الِاحْتِمَال ينزل منزلَة الْعُمُوم فِي الْمقَال فبذلك أجب الزُّهْرِيّ فَإِن مذْهبه فِي الماد أَنه لَا ينجس رلا بالتغير وَقد سوي البُخَارِيّ فِي أول الصَّحِيح بَين المَاء والمائع وَقد ذكرنَا أَدِلَّة هَذِه الْمَسْأَلَة مستوفاة
وَفِي تنجيس ذَلِك من فَسَاد الْأَطْعِمَة الْعَظِيمَة وَإِتْلَاف الْأَمْوَال الْعَظِيمَة مَالا تَأتي الشَّرِيعَة بِمثلِهِ وَالله تَعَالَى إِنَّمَا حرم علينا الْخَبَائِث تنزيهالنا عَن المضار وَأحل لنا الطَّيِّبَات كلهَا وَالله أعلم
وفأرة الْمسك طَاهِرَة عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء وَلَيْسَ ذَلِك فِيمَا يبان من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة بل هُوَ بِمَنْزِلَة الْبيض وَالْولد وَاللَّبن وَالصُّوف وَالله أعلم

فصل
الْأَظْهر طَهَارَة النَّجَاسَة بالاستحالة وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك
(1/16)

وَالصَّحِيح أَن النَّجَاسَة تزَال بِغَيْر الماد لَكِن لَا يجوز اسْتِعْمَال الْأَطْعِمَة والأشربة فِي إِزَالَتهَا بِغَيْر حَاجَة لما فِي ذَلِك من فَسَاد الْأَمْوَال كَمَا لَا يجوز الاستجاء بهَا
وَالْفرق بَين طَهَارَة الْحَدث والخبث أَن طَهَارَة الْحَدث من بَاب الْأَفْعَال المزمور بهَا فَلَا تسْقط بِالنِّسْيَانِ وَالْجهل وَيشْتَرط فِيهَا النِّيَّة وطهارة الْخبث من بَاب التروك اجْتِنَاب الْخبث فَلَا يشْتَرط فِيهَا فعل العَبْد وَلَا قَصده
وَإِذا صلى بِالنَّجَاسَةِ جَاهِلا أَو نَاسِيا فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ فِي زصح قولي الْعلمَاء وَذَلِكَ لِأَن مَا كَانَ مَقْصُوده اجْتِنَاب الْمَحْظُور إِذا فعله العَبْد نَاسِيا أَو مخطئا فَلَا إِثْم عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى {وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم} وَقَوله {رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا}
وَلِهَذَا كَانَ أقوى الْأَقْوَال أَن مَا فعله العَبْد نَاسِيا أَو مخطئا من مَحْظُورَات الصَّلَاة أَو الْحَج أَو الصّيام لَا يبطل الْعِبَادَة لَكِن إِذا أَتَى بهَا بِفِعْلِهِ وَنِيَّته أثيب على ذَلِك
وَيجب على الْمُضْطَر الْأكل وَالشرب بِقدر مَا يسد رمقه
وَفِي نَجَاسَة شعر الْكَلْب قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ فَلَو تمعط فِي بذر فَهَل يجب نزحه يجب نزحه عِنْد من يُنجسهُ وَهُوَ قَول فقهاد الْكُوفَة كزبي حنيفَة
وَقيل لَا ينجس رلا بالتغير وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور فَيجوز اسْتِعْمَال الماد وَإِن خرج فِيهِ شعر عِنْد من يطهره
وَعند المنجس يَقُول رذا خرج فِي الدَّلْو وَهُوَ قَلِيل نجس وَهُوَ الْمَشْهُور عَن أَحْمد
وَالْأَظْهَر أَن شعر الْكَلْب طَاهِر لِأَنَّهُ لم يثبت فِيهِ دَلِيل شَرْعِي
(1/17)

فصل
إِذا وَقع فِي المَاء نَجَاسَة فغيرته تنجس اتِّفَاقًا وَإِن لم يتَغَيَّر فَقيل لَا ينجس وَهُوَ قَول أهل الْمَدِينَة وَكثير من أهل الحَدِيث وَرِوَايَة عَن أَحْمد اخْتَارَهَا طَائِفَة من أَصْحَابه ونصرها ابْن عقيل وَابْن المنى وَغَيرهمَا
الثناي ينجس قَلِيل الماد بِقَلِيل النَّجَاسَة وَهِي رِوَايَة الْبَصرِيين عَن مَالك
الثَّالِث مَذْهَب الشَّافِعِي وَرِوَايَة عَن أَحْمد ينجس وَالْكثير
وَالرَّابِع الْفرق بَين الْبَوْل والعذرة المائعة وَغَيرهمَا فَالْأول ينجس مِنْهُ مَا أمكن نزحه دون مَالا يُمكن نزحه وَهِي الْمَشْهُورَة عِنْد أَحْمد وَاخْتِيَار أَكثر أَصْحَابه
الْخَامِس أَن المَاء ينجس بملاقاة النَّجَاسَة سَواد كَانَ قَلِيلا أَو كثيرا لَكِن مالم تصل النَّجَاسَة إِلَيْهِ مِنْهُ لَا ينجس
ثمَّ حدوا مَالا تصل رليه بِمَا لَا يَتَحَرَّك أحد طَرفَيْهِ بتحرك الطّرف الآخر
ثمَّ تنازعوا هَل هُوَ بحركة الْمُتَوَضِّئ أَو المغتسل وقدرء مُحَمَّد بن الْحسن يمسجده فَوَجَدَهُ عشرَة أَذْرع فِي عشرَة زذرع
وانازعوا فِي الْآبَار رذا وَقعت فِيهَا النَّجَاسَة فَزعم بشر المريسى أَنه لَا يُمكن تطهيرها وَقَالَ زبو حنيفَة يُمكن بالنزح وَلَهُم فِي تَقْدِير الدَّلْو زقوال مَعْرُوفَة
السَّادِس قَول أهل الظَّاهِر الَّذين ينجسون مَا بَال فِيهِ البائل دون مَا ألْقى فِيهِ الْبَوْل
وأصل ذَلِك أَن اخْتِلَاط الْخبث بِالْمَاءِ هَل يُوجب تَحْرِيم الْجَمِيع أم يُقَال بل اسحال فَلم يبْق لَهُ حكم فَهَل الأَصْل الْإِبَاحَة حَتَّى يقوم الدَّلِيل على التَّحْرِيم أم الأَصْل الْمَنْع رلا مَا قَامَ الدَّلِيل على إِبَاحَته
وَالصَّحِيح الأول وَهُوَ أَن النَّجَاسَة مَتى استحالت فالماء طَاهِر قَلِيلا كَانَ أول كثيرا فَإِنَّهُ دَاخل فِي حد الطّيب خَارج عَن الْخبث وَقد صَحَّ قَوْله
(1/18)

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الماد طهُور لَا يُنجسهُ شئ وَهُوَ عَام فِي قَلِيل وَالْكثير وَفِي جَمِيع النَّجَاسَات
وَأما رذا تغير فَإِنَّمَا حرم لظُهُور جرم النَّجَاسَة فِيهِ بِخِلَاف مَا رذا اسْتهْلك وَيبين ذَلِك أَن الْخمر وَاللَّبن لَو وَقع فِي مَاء فاستهلك فشربه شَارِب لم يحد وَلم ينشر الْحُرْمَة
وَنَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْبَوْل فِي الماد الداذم لِأَنَّهُ ذَرِيعَة إِلَى تنجيسه فسد الذريعة وَلِهَذَا يعم النَّهْي فِي كل ماد راكد فَلَا يجوز فِيمَا فَوق الْقلَّتَيْنِ وَلَا فِيمَا لَا يُمكن نزحه وَلَا فِيمَا لَا يَتَحَرَّك أحد بتحرك الآخر وَمن قَالَ يجوز فِي ذَلِك فقد خَالف إِذْ هُوَ عَام
وَأما قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الماد طهُور لَا يُنجسهُ شئ فَلَا يُقَال وصف المَاء بِكَوْنِهِ طهُورا يدل على تنجيس غَيره لِأَنَّهُ يجوز تَعْلِيل الحكم بعلتين وَكَون الماد طهُورا يُوجب دفع النَّجَاسَة عَن نَفسه وَأَنه أولى من غَيره وَلَا يمْنَع أَن يكون فِي غَيره مَا يمْنَع عَنهُ النَّجَاسَة
وَأَيْضًا فَإِنَّهُم سَأَلُوهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الماد فخصه بذلك لحَاجَة السَّائِل رليه مَعَ أَنه مَفْهُوم لقب وَهُوَ ضَعِيف
وَأما حَدِيث الْقلَّتَيْنِ رذا صَحَّ فمنطوقه مُوَافق لغيره وَهُوَ أَنه رذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يُنجسهُ شئ
وَأما مَفْهُومه إِذا قُلْنَا بِدلَالَة مَفْهُوم الْعدَد فانه إِنَّمَا يدل على أَن الحكم فِي
(1/19)

الْمَسْكُوت عَنهُ مُخَالف للْحكم فِي الْمَنْطُوق لَو بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يشْتَرط أَن يكون الحكم مُخَالفا للمنطوق من كل وَجه وَهَذَا معنى قَوْلهم الْمَفْهُوم لَا عُمُوم لَهُ فَلَا يلْزم أَن كل مَا لم يبلغ الْقلَّتَيْنِ ينجس بل رذا قيل بالمخالفة فِي صُورَة حصل الْمَقْصُود فمنطوقه زنه لَا يحمل الْخبث عِنْد بُلُوغ الْقلَّتَيْنِ مَفْهُومه والقليل قد يحمل لمظنة الْقلَّة فَيَكْفِي الْمُخَالفَة لجَوَاز احْتِمَال الْخبث فِي الْقَلِيل دون الْكثير فقد خَالف الْمَفْهُوم الْمَنْطُوق بذلك وَهُوَ كَاف إِذْ لَا يلْزم أَن الْمَفْهُوم يُخَالف الْمَنْطُوق فيكل صُورَة من صوره بل يَكْفِي وَلَو فِي صُورَة فَلَا عُمُوم للمفهوم كَمَا قُلْنَا وَهَذَا ظَاهر
وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يذكر ذَلِك حكما عَاما إِنَّمَا ذكره فِي جَوَاب من سزله عَن مَاء بِعَيْنِه فيتقيد بِهِ فَإِن التَّخْصِيص إِذا كَانَ لَهُ سَبَب غير اخْتِصَاص الحكم لم يبْق حجَّة بالتفاق كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق}
فَلَمَّا كَانَ حَال المَاء الْمَسْئُول عَنهُ أَنه كثير قد بلغ الْقلَّتَيْنِ وَمن شزن الْكثير أَنه لَا يحمل الْخبث بل يَسْتَحِيل فِيهِ دلّ ذَلِك على أَن منَاط الحكم كَون الْخبث مَحْمُولا فَحَيْثُ كَانَ مَحْمُولا أَي مَوْجُودا كَانَ نجسا وَحَيْثُ اسْتهْلك فَهُوَ غير مَحْمُول فَصَارَ حَدِيث الْقلَّتَيْنِ مُوَافقا لقَوْله المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شئ
ونكت الْجَواب عَن كَونه يحمل الْخبث أَولا يحملهُ أَنه أَمر حسى مَعْرُوف والحس دَلِيل وَالدَّلِيل على هَذَا اتِّفَاقهم على أَن المَاء إِذا تغير حمل الْخبث ونجسه فَصَارَ قَوْله رذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل الْخبث وَلم يُنجسهُ شئ مثل قَوْله الماد لَا يُنجسهُ شئ وَهُوَ إِنَّمَا أَرَادَ إِذا لم يتَغَيَّر فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأما إِذا كَانَ قَلِيلا فقد يحمل الْخبث لضَعْفه
(1/20)

وعَلى هَذَا يحمل أمره فِي الْكَلْب لما أَمر بتطهير مَا ولغَ فِيهِ سبعا
وَكَذَلِكَ قَوْله للمستيقظ من نوم اللَّيْل لَا يدْخل يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا المُرَاد الْإِنَاء الَّذِي للْمَاء الْمُعْتَاد للولوغ ولإدخال الْيَد وَهُوَ الصَّغِير وَالْكَلب يلغ بِلِسَانِهِ شَيْئا فَلَا بُد أَن يبْقى فِي المَاء من رقّه فَيكون ذَلِك مَحْمُولا وَالْمَاء يَسِيرا فيراق لأجل كَون الْخبث مَحْمُولا وَيغسل الْإِنَاء الَّذِي لاقاه ذَلِك الْخبث
بِخِلَاف مَا إِذا اسْتهْلك الْخبث كَالْخمرِ رذا قلب الله عينهَا فَتطهر بالدن لِأَن الاستحالة والاستهلاك حصل فِي الْخمر دن تِلْكَ وَلَو أَرَادَ الْفَصْل بَين الْمُبْتَدِئ وَالِي ينجس بِمُجَرَّد الملاقاة لقَالَ رذا لم يبلغ قُلَّتَيْنِ نجس وَمَا بلغَهَا لم ينجس إِلَّا بالتغير أَو نَحْو ذَلِك أما مُجَرّد قَوْله رذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل الْخبث مَعَ كَونه رذا تغير حمله وينجس فَلَا يدل على هَذَا الْمَقْصُود وَأما نَهْيه الْقَائِم من نوم اللَّيْل أَن يغمس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا فَهَذَا لَا يقتضى التَّنْجِيس بالِاتِّفَاقِ بل لِأَنَّهُ قد يُؤثر فِي المَاء معنى أَو يُفْضِي رليه مثل قَوْله لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وقدتقدم أَنه لَا يدل على التَّنْجِيس وَأما نَهْيه عَن الِاغْتِسَال فِيهِ بعد الْبَوْل إِن صَحَّ فَهُوَ كنهيه عَن الْبَوْل فِي المستحم وَقَوله فَإِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ وَرُبمَا بقى من أَجزَاء الْبَوْل فَعَاد عَلَيْهِ رشاشها فَكَذَلِك رذا بَال فِي مَاء ثمَّ اغْتسل فِيهِ فقد يغْتَسل قبل الاستحالة مَعَ بَقَاء أَجزَاء الْبَوْل
وَنَهْيه عَن الِاغْتِسَال فِي المَاء الدَّائِم وَإِن صَحَّ يتَعَلَّق بِمَسْأَلَة الماد الْمُسْتَعْمل وَقد يكون لما فِيهِ من تقذير المَاء على غَيره لَا لأجل النَّجَاسَة وَلَا لصيرورته مُسْتَعْملا فقد قَالَ المَاء لَا يجنب
(1/21)

فصل
الحكم رذا ثَبت بعلة يَزُول لزوالها فَإِن بقى مَعَ زَوَالهَا من غير أَن يخلفها عِلّة أُخْرَى كَانَت عديمة التَّأْثِير فَلَا تكون عِلّة وَأما إِذا خلفهَا عِلّة أُخْرَى فَإِنَّهَا لَا يبطل كَونهَا عِلّة وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي مَسْأَلَة عكس الْعِلَل وَعدم التَّأْثِير فِيهَا فَإِنَّهُ قد يظنّ أَنا إِذا جَوَّزنَا تَعْلِيل الحكم الْوَاجِب بِالشَّرْعِ بالنوع بعلتين لم تبطل الْعلَّة بِعَدَمِ التَّأْثِير فِيهَا وَهُوَ انفاء الحكم لانفاء الْوَصْف لجَوَاز أَن يخلفها عِلّة أُخْرَى بل إِذا كَانَ الحكم ثَابتا انْتَفَى الْوَصْف لثُبُوته مَعَ ثُبُوته دلّ على أَنه لَيْسَ بعلة فالنقض وجود الْوَصْف بِلَا حكم فَإِن لم يكن التَّخَلُّف لفَوَات شَرط أَو انْتِفَاء مَانع كَانَ دَلِيلا على أَنه لَيْسَ بعلة وَعدم التَّأْثِير هُوَ وجود الحكم بِلَا وصف فَإِن لم يكن لَهُ عِلّة أُخْرَى كَانَ دَلِيلا على أَن الْوَصْف لَيْسَ بعلة فَإِذا عللنا الْملك بِالْبيعِ أَو الْإِرْث أَو الاغتنام وَنَحْو ذَلِك وَقُلْنَا فِي صُورَة قد عللنا الْملك فِيهَا بِالْبيعِ هَذَا بيع بَاطِل فَلَا يحصل الْملك كَانَ كَامِلا صَحِيحا وَإِن علمنَا أَن الْملك يثبت بِإِرْث وَغَيره لَكِن التَّقْدِير أَنه لَا يثبت لَهُ هُنَا غير البيع وَإِذا قُلْنَا هَذَا يملك هَذِه السّلْعَة لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا شِرَاء شَرْعِيًّا أَو لِأَنَّهُ ورثهَا كَانَ كَامِلا صَحِيحا وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الْملك منتفيا فِي كل مَوضِع انْتَفَى فِيهِ البيع أَو الْإِرْث لِأَن الْملك لَهُ أَسبَاب مُتعَدِّدَة وَكَذَلِكَ الطَّهَارَة إِذا كَانَ لَهَا سببان فعلل الشَّارِع طَهَارَة بعض الْأَعْيَان بِسَبَب كَانَ ذَلِك كَامِلا صَحِيحا وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون كل مَوضِع انْتَفَى عَنهُ هَذَا السَّبَب أَن يكون الْملك منتفيا فِي كل مَوضِع انْتَفَى فِيهِ البيع وَلَا كَانَ مِنْهُ أَن مَا انْتَفَى عَنهُ ذها السَّبَب يكون نجسا
فَقَوله فِي الهر إها من الطوفين دَلِيل على أَن الطّواف سَبَب الطَّهَارَة فَإِذا انْتَفَى فِيمَا هُوَ سَبَب فِيهِ زَالَت طَهَارَته وَقد ثبتَتْ الطَّهَارَة لغيره وَهُوَ الْحل
(1/22)

كطهارة الصَّيْد والأنعام فَإِنَّهَا طيبَة الَّتِي أَبَاحَهَا الله تَعَالَى فَلَا يحْتَاج إِلَى تَعْلِيل طَهَارَتهَا بِالطّوافِ فَإِن الطّواف يدل على أَن ذَلِك لدفع الْحَرج فِي نجاستها وَقَوله الماد طهُور لَا يُنجسهُ شئ قد قَالَ فِيهِ
أَولا قد يكون الْمَقْصُود وصف المَاء بِكَوْنِهِ طهُورا وبكونه لَا يُنجسهُ شئ فَيكون صفة بعد صفة لَيْسَ الْمَقْصُود جعل إِحْدَاهمَا عِلّة لِلْأُخْرَى وَوَصفه بِهَاتَيْنِ الصفتين يبين مُفَارقَته للبدن وَالثَّوْب وَنَحْوهمَا من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ من جِهَة أَنه طهُور وَمن جِهَة أَنه لَا يُنجسهُ شئ وَإِذا لم يُعلل نفي النَّجَاسَة بِكَوْنِهِ طهُورا لم يُوجب ذَلِك حُصُول النَّجَاسَة فِيمَا لَيْسَ بِطهُور بِمُجَرَّد الملاقاة فَإِذا أمكن أَن تكون هَذِه عِلَّتَانِ لجَوَاز استقائه من الْبِئْر لم يجب أَن يُقَال إِن إِحْدَاهمَا عِلّة لِلْأُخْرَى بل كَانَ قَوْله لَا ينجس كَقَوْلِه المَاء لَا يجنب وَهُنَاكَ لم يُعلل انْتِفَاء الْجَنَابَة عَنهُ بِكَوْنِهِ طهُورا فَكَذَا هُنَا لم يُعلل انْتِفَاء النَّجَاسَة عَنهُ بِكَوْنِهِ طهُورا بل هُنَاكَ علل جَوَاز اسْتِعْمَال سُؤْر عَائِشَة بِأَن المَاء لَا يجنب وَهنا علل وضوءه من بِئْر بضَاعَة بِأَن المَاء لَا ينجس وَزَاد مَعَ ذَلِك أَن المَاء طهُور وَهَذَا بَين لمن تَأمله بل هُوَ ظَاهر الحَدِيث
وَبَيَان ذَلِك أَنه قد سمى التُّرَاب طهُورا فِي نَجَاسَة الْحَدث والخبث فَقَالَ جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وتربتها طهُورا وَقَالَ فِي النَّعْلَيْنِ فليدلكها بِالتُّرَابِ فَإِن التُّرَاب لَهما طهُور وَمَعَ هَذَا التُّرَاب وَغَيره من أَجزَاء الأَرْض فِي النَّجَاسَة سَوَاء لافرق بَين التُّرَاب وَغَيره إِذا ظَهرت فِيهِ النَّجَاسَة كَانَ نجسا وَإِذا زَالَت بالشمس وَنَحْوهَا فإمَّا أَن يُقَال تَزُول مُطلقًا أَو لَا تَزُول مُطلقًا لم يفرق بَين التُّرَاب والرمكل وَغَيرهمَا من أَجزَاء الأَرْض كَمَا فرق بَينهمَا من فرق فِي طَهَارَة الْحَدث بل احْتج من يَقُول تزوالها بِحَدِيث البُخَارِيّ وَكَانَت الْكلاب تقبل وتدبر وتبول فِي مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يَكُونُوا يرشون من ذَلِك شَيْئا وَالْمَسْجِد كَانَ فِيهِ التُّرَاب وَغَيره
(1/23)

فَإِذا كَانَ قَوْله فَإِن التُّرَاب لَهما طهُور صَرِيحًا فِي التَّعْلِيل وَلم يخص التُّرَاب بذلك فَقَوله فِي المَاء إِنَّه طهُور لَا يُنجسهُ شئ أولى أَن يخص بذلك لَكِن هَل يُقَال إِن غير المَاء يُشَارِكهُ فِي إِزَالَة النَّجَاسَة كَمَا شَارك التُّرَاب مَا لَيْسَ بِتُرَاب هَذَا نزاع مَشْهُور
وللعلماء فِي إِزَالَة النَّجَاسَة بِغَيْر المَاء ثَلَاثَة أَقْوَال
قيل يجوز مُطلقًا وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَرِوَايَة عَن أَحْمد
وَقيل لَا يجوز مُطلقًا كَقَوْل الشَّافِعِي وَالظَّاهِر عَن أَحْمد
وَقيل يجوز عِنْد الْحَاجة وَهُوَ قَول ثَالِث فِي مَذْهَب أَحْمد كَمَا قيل بذلك على أحد الْوُجُوه فِي طَهَارَة فَم الهر باللعاب وَكَذَلِكَ أَفْوَاه الصّبيان وَنَحْوهم من القئ فَإِن قيل إِن طهورية المَاء من النَّجَاسَة يُشَارِكهُ فِيهَا غَيره صَار كالتراب وَإِن قيل لَا يُشَارِكهُ كَانَ قَوْله المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شئ عليلا لَا ستبقائه كَمَا سبق
وَبِالْجُمْلَةِ فَلم أعلم إِلَى سَاعَتِي هَذِه لمن ينجس الماءعات الْكَثِيرَة بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهَا رذا لم تَتَغَيَّر حجَّة يعْتَمد عَلَيْهَا الْمُفْتِي فِيمَا بَينه وَبَين الله فتحريم الْحَلَال كتحليل الْحَرَام فَمن كَانَ عِنْده علم يرجع إِلَيْهِ أَو يعْتَمد عَلَيْهِ فَليتبعْ الْعلم وَإِن لم يكن عِنْده رلا مُجَرّد التَّقْلِيد فالنزاع فِيهِ مَشْهُور وَقد قَالَ الله تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام}

بَاب الْآنِية
المُرَاد بالضبة للْحَاجة مَا يحْتَاج إِلَى تِلْكَ الصُّورَة سَوَاء كَانَ غَيرهَا يقوم مقَامهَا كالنحاس أَولا أما لَو كَانَ مُضْطَرّا إِلَيْهَا أبيحت سَوَاء كَانَت من ذهب أَو فضَّة كالأنف وَشد الْأَسْنَان بِالذَّهَب وَنَحْو ذَلِك
لَو لم يجد مَا يشرب فِيهِ رلا إِنَاء ذهب أَو فضَّة جَازَ
(1/24)

وَلَو لم يجد ثوبا بَقِيَّة الْبرد أَو يَقِيه السِّلَاح أَو يستر عَوْرَته رلا حَرِيرًا منسوجا بِذَهَب أَو فضَّة جَازَ لبسه
فَإِن الضَّرُورَة تبيح أكل الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير بِنَصّ الْقُرْآن مَعَ أَن تَحْرِيم المطاعم أَشد من تَحْرِيم الملابس لِأَن تَأْثِير الْخَبَائِث بالمازجة للبدن أعظم من تأثيرها بالملابسة باللباس وَلِهَذَا كَانَت النَّجَاسَات الَّتِي يحرم ملابستها يحرم أكلهَا وَيحرم من السمُوم وَنَحْوهَا من المضرات مَا لَيْسَ بِنَجس وَلَا يحرم مباشرتها ثمَّ مَا حرم لخبث جنسه أَشد مِمَّا حرم لما فِيهِ من السَّرف وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء فَإِن هَذَا يحرم الْقدر الَّذِي يَقْتَضِي ذَلِك مِنْهُ وَيُبَاح للْحَاجة كَمَا للنِّسَاء وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيح من الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره جَوَاز التَّدَاوِي بِهَذَا الضَّرْب دون الأول كَمَا رخص صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للزبير وَطَلْحَة رَضِي الله عَنهُ فِي لبس الْحَرِير من حكة وَنهى عَن التداوى بِالْخمرِ وَقَالَ إِنَّهَا دَاء وَلَيْسَت بدواء وَنهى عَن الدَّوَاء الْخَبيث وَعَن قتل الضفدع لأجل التداوى بهَا وَقَالَ نقيقها تَسْبِيح وَقَالَ إِن الله تَعَالَى لم يَجْعَل شِفَاء أمتِي فِيمَا حرم عَلَيْهِم
وَاسْتدلَّ على طَهَارَة أَبْوَال الْإِبِل بِإِذْنِهِ العرنيين بشربها فَلَيْسَتْ من الْخَبَائِث الْمُحرمَة النَّجِسَة لنَهْيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن التَّدَاوِي بِمثل ذَلِك وَلم يَأْمر بِغسْل أَفْوَاههم مِنْهَا وَإِن كَانَ الْقَائِلُونَ بِطَهَارَة أبوالها تنازعوا فِي جَوَاز شربهَا لغير ضَرُورَة وَفِيه رِوَايَتَانِ منصوصتان وَكَذَلِكَ لما فِيهَا من القذارة الملحقة بالبصاق والمخاط والمنى وَنَحْو ذَلِك من المتقذرات
وَلِهَذَا أَيْضا حرم الضَّرْب فِي بَاب الْآنِية والمنقولات على الرِّجَال وَالنِّسَاء بِخِلَاف التحلى باذهب وَلبس الْحَرِير الْمُبَاح للنِّسَاء وَبَاب الحبائث بِالْعَكْسِ وَخص من اسْتِعْمَال ذَلِك مَا ينْفَصل عَن بدن الْإِنْسَان مِمَّا لَا يُبَاح مصلا بِهِ كَمَا بياح إطفاء الْحَرِيق بِالْخمرِ وإطعام الْميتَة للبزاة والصقور وإلباس الدَّابَّة الثَّوْب النَّجس والاستصباح بالدهن النَّجس فِي أشهر قولي الْعلمَاء وَذَلِكَ لِأَن
(1/25)

اسْتِعْمَال الْخَبَائِث فِيهَا يجرى مجْرى الْإِتْلَاف وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَر وَكَذَلِكَ فِي الْأُمُور الْمُنْفَصِلَة بِخِلَاف اسْتِعْمَال الْحَرِير وَالذَّهَب فَإِن غَايَته السَّرف وَالْفَجْر
وَبِهَذَا يظْهر غلط من رخص من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم فِي إلباس دَابَّته الْحَرِير قِيَاسا على النَّجس فَهُوَ بِمَنْزِلَة من يجوز افتراش الْحَرِير ووطأه قِيَاسا على المصورات أَو من يُبِيح تحلية دَابَّته بِالذَّهَب وَالْفِضَّة قِيَاسا على إلباسها الثَّوْب النَّجس فقد ثَبت بِالنَّصِّ تَحْرِيم افتراش الْحَرِير
وَيظْهر أَن قَول من حرم افتراشه على النِّسَاء كَمَا هُوَ قَول المراوزة من أَصْحَاب الشَّافِعِي أقرب من قَول من أَبَاحَهُ للرِّجَال كَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة وَأَن الْجُمْهُور على أَن الافتراش كاللباس يحرم على الرِّجَال دون النِّسَاء لِأَن الافتراش لبس إِذْ لَا يلْزم من إِبَاحَة التزين على الْبدن إِبَاحَة الْمُنْفَصِل كَمَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على أَن اسْتِعْمَال ذَلِك حرَام على الذّكر وَالْأُنْثَى

فصل
آخر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَن الدّباغ مطهر لَكِن فِي ذَلِك نزاع هَل يقوم الدّباغ مقَام الذَّكَاة أَو مقَام الْحَيَاة فِيهِ وَجْهَان أَو جهما الأول
وَهُوَ أَنه يطهر بالدباغ مَا يطهر بالذكاة وَحَدِيث عبد الله بن عكيم رَضِي الله عَنهُ نهى عَن الِانْتِفَاع بالجلود بِلَا دباغ فَإِنَّهُ كَانَ قد أرخص فِيهِ وَأما بعد الدبغ فَلم ينْه عَنهُ قطّ
وَعظم الْميتَة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها وَنَحْوه فِيهِ ثَلَاث أَقْوَال نَجَاسَة الْجَمِيع وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد
الثَّانِي أَن الْعِظَام وَنَحْوهَا نَجِسَة والشعور وَنَحْوهَا طَاهِرَة وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب أَحْمد
(1/26)

وَالثَّالِث أَن الْجَمِيع طَاهِر وَهُوَ الصَّوَاب وَقَول فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وملابسة النَّجَاسَة للْحَاجة جَائِز إِذا طهر بدنه وثيابه عِنْد الصَّلَاة كَمَا يجوز الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ مَعَ مُبَاشرَة النَّجَاسَة وَلَا يكره ذَلِك على أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَقَول أَكثر الْفُقَهَاء
وَهل تطهر النَّجَاسَة بالاستحالة على قَوْلَيْنِ للعماء هما رِوَايَتَانِ الصَّوَاب الطَّهَارَة
وَقَوْلهمْ إِن الْخمر نَجِسَة بالاستالة فَتطهر بهَا كَذَلِك جَمِيع النَّجَاسَات أَي إِنَّهَا تنجست بالاستحالة كَالدَّمِ يَسْتَحِيل عَن الْغذَاء كَذَلِك الْبَوْل والعذرة حَتَّى الْحَيَوَان النَّجس مُسْتَحِيل عَن المَاء والهواء وَالتُّرَاب وَنَحْوه من الطاهرات وَلَا يَنْبَغِي أَن يعبر عَن ذَلِك بِأَن النَّجَاسَة طهرت بالاستحالة فَإِن نفس النَّجس لم يطهر لَكُنْت اسْتَحَالَ وَهَذَا الطَّاهِر هُوَ ذَلِك النَّجس وَإِن كَانَ مستحيلا مِنْهُ والمادة وَاحِدَة كَمَا أَن الزَّرْع لَيْسَ هُوَ المَاء والهواء وَالْحب وَالْإِنْسَان لَيْسَ هُوَ المنى واللهه تَعَالَى يخلق أجسام الْعَالم بَعْضهَا من بعض وَمَعَ تبدل الْحَقَائِق لَيْسَ هَذَا ذَاك فيكف يكون الرماد هُوَ الْعظم وَاللَّحم وَالدَّم بِمَعْنى أَنه يتَنَاوَلهُ اسْم الدَّم أم الْعظم
أما كَونه هُوَ بِاعْتِبَار الْمَادَّة فَلَا يضر فَإِن التَّحْرِيم تبع للاسم وللمعنى الَّذِي هُوَ الْخبث وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ
وَيجوز الخرز بِشعر الْخِنْزِير فِي أظهر قولي الْعلمَاء وَمِنْهُم من يَقُول إِنَّه طَاهِر كمالك وَأحمد فِي رِوَايَة عَنهُ وعَلى القَوْل بِنَجَاسَتِهِ يُعْفَى عَن الرُّطُوبَة الَّتِي لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنْهَا وَإِمَّا أَن لَا يفعل إِن أمكن
وَالصَّحِيح طَهَارَة الشُّعُور كلهَا حَتَّى شعر الْكَلْب
وكل حَيَوَان قيل بِنَجَاسَتِهِ فَفِي شعره رِوَايَتَانِ
وَالصَّحِيح طَهَارَة الْعظم والقرن والريش وَنَحْوه
(1/27)

فصل
إِذا سرح شعره فِي الْمَسْجِد وَتَركه يَقع فِيهِ كره عِنْد من لَا ينجس الشّعْر وَعند من يُنجسهُ يحرم
وَبِالْجُمْلَةِ الْمَسْجِد يصان عَن القذاة الَّتِي تقع فِي الْعين
وَلَيْسَ حلق الرَّأْس فِي غير نسك بِسنة وَلَا قربَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَتَنَازَعُوا فِي كَرَاهَته وَكَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ يُعَزّر بحلق الرَّأْس فَإِنَّهُ كَانَ عِنْد السّلف مثله
وَمَا علمت أحدا كره السِّوَاك فِي الْمَسْجِد
وقص الشَّارِب لَيْسَ بِعَيْب بل فعله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومدح فَاعله وَمن عَابَ شَيْئا فعله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو أقرّ عَلَيْهِ عرف ذَلِك فَإِن أصر كفر
فصل
الْوضُوء عبَادَة لِأَنَّهُ لَا يعلم رلا من الشَّارِع وكل فعل لَا يعلم رلا من الشَّارِع فَهُوَ عبَادَة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَلِأَنَّهُ مُسْتَلْزم للثَّواب كَمَا وعد عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمُتَوَضِّئ بتكفير خطاياه فَلَا بُد فِيهِ من النِّيَّة وَمن لم يُوجب النِّيَّة رأى ذَلِك من شَرَائِط الصَّلَاة فَهُوَ كالسترة
وَهل يَصح غسل الْكَافِر من الْجَنَابَة على قَوْلَيْنِ بِخِلَاف وضوئِهِ
وَكره مَالك وَأحمد لبس الْعِمَامَة الْمُقطعَة الَّتِي لَيْسَ تَحت الحنك مِنْهَا شئ وَكَانَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ يَقُول لَا ينظر الله إِلَى قوم لَا يديرون عمائمهم تَحت أذقانهم وَكَانُوا يسمونها الفاسقية لَكِن رخص فِيهَا إِسْحَق
(1/28)

وَغَيره وروى أَن أَبنَاء الْمُهَاجِرين كَانُوا يتعممون كَذَلِك وَقد يجمع بَينهمَا بِأَن هَذَا حَال الْمُجَاهدين والمستعدين لَهُ وَهَذَا حَال من لَيْسَ من أهل الْجِهَاد وإمساكها بالسيور يشبه التحنيك

فصل
النّظر إِلَى الْأَمْرَد لشَهْوَة حرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَكَذَلِكَ إِلَى ذَوَات الْمَحَارِم ومصافحتهم والتلذذ بهم وَمن قَالَ إِنَّه عبَادَة فَهُوَ كَافِر وَهُوَ بِمَنْزِلَة من جعل إِعَانَة طَالب الْفَوَاحِش عبَادَة بل النّظر إِلَى الْأَشْجَار وَالْخَيْل والبهائم إِذا كَانَ على وَجه اسْتِحْسَان الدُّنْيَا والرياسة وَالْمَال فَهُوَ مَذْمُوم لقَوْله الله تَعَالَى {وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم زهرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنفتنهم فِيهِ ورزق رَبك خير وَأبقى}
وَأما إِذا كَانَ على وَجه لَا ينقص الدّين وَإِنَّمَا فِيهِ رَاحَة النَّفس فَقَط كالنظر إِلَى الأزهار فَهَذَا من الْبَاطِل الَّذِي يستعان بِهِ على الْحق
وَقد ينظر إِلَى الإسنان لما فِيهِ من الايمان وَالتَّقوى وَهنا الِاعْتِبَار بِقَلْبِه وَعَمله لَا بصورته
وَقد ينظر إِلَيْهِ لما فِيهِ من الصُّورَة الدَّالَّة على المصور فَهَذَا حسن
وَقد ينظر من جِهَة اسْتِحْسَان خلقه
فَكل قسم من هَذِه الْأَقْسَام مَتى كَانَ مَعَه شَهْوَة كَانَ حَرَامًا بِلَا ريب سَوَاء كَانَت شَهْوَة يمتع نظره لشَهْوَة الْوَطْء
وَفرق بَين مَا يجده الْإِنْسَان عِنْد نظره إِلَى الأزهار وَبَين مَا يجده عِنْد نظره إِلَى النسوان والمردان فَلهَذَا الْفرْقَان فرق فِي الحكم الشَّرْعِيّ فَصَارَ النّظر إِلَى المردان ثَلَاثَة أَقسَام
أَحدهَا مَا تقترن بِهِ الشَّهْوَة فَهُوَ حرَام بالِاتِّفَاقِ
(1/29)

وَالثَّانِي مَالا يحرم لِأَنَّهُ لَا شَهْوَة مَعَه كنظر الرجل الْوَرع إِلَى وَلَده الْحسن وَابْنَته الْحَسْنَاء فَهَذَا لَا تقترن مَعَه شَهْوَة إِلَّا أَن يكون من أفجر الْخلق وَمَتى اقترنت بِهِ الشَّهْوَة حرم
وعَلى هَذَا من لَا يمِيل قلبه رلي المردان كَمَا كَانَ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وكالأمم الَّذين لَا يعْرفُونَ هَذِه الْفَاحِشَة فَإِن الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ لَا يفرق بَين نظره إِلَيّ هَذَا الْوَجْه وَبَين نظره إِلَيّ ابْنه وَابْن جَاره وصبى أَجْنَبِي لَا يخْطر بِقَلْبِه شئ من الشَّهْوَة لِأَنَّهُ لم يعْتد ذَلِك وَهُوَ سليم الْقلب وَقد كَانَ الْإِمَاء على عهد الصَّحَابَة رَضِي الله عَنهُ يَمْشين فِي الطرقات مكشوفات الْوُجُوه ويخدمن الرِّجَال مَعَ سَلامَة القولب فَلَو أَرَادَ الرجل أَن يتْرك الإِمَام التركيات الحسان يَمْشين بَين النَّاس فِي هَذِه الْبِلَاد والأوقات لَكَانَ من بَاب الْفساد وَكَذَلِكَ المردان الحسان لَا يَصح أَن يخرجُوا فِي الْأَمْكِنَة والأزمنة الَّتِي يخَاف فِيهَا الْفِتْنَة بهم إِلَّا بِقدر الْحَاجة فَلَا يُمكن الْأَمْرَد الْحسن وَالْوَجْه من التفرج وَلَا من الْجُلُوس فِي الْحمام بَين الْأَجَانِب وَلَا من رقصه بَين الرِّجَال وَنَحْو ذَلِك
وَإِنَّمَا وَقع النزاع بَين النَّاس فِي الْقسم الثَّالِث وَهُوَ النّظر إِلَيْهِ لغير شَهْوَة لَكِن مَعَ خوف ثورانها فَفِيهِ وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد أصَحهمَا وَهُوَ المحكي عَن نَص الشَّافِعِي وَغَيره أَنه لَا يجوز
وَالثَّانِي يجوز لِأَن الأَصْل عدم ثورانها وَالْأول هُوَ الرَّاجِح
وَمن أدمن النّظر رلى الْأَمْرَد وَقَالَ إِنَّه لَا ينظر لشَهْوَة فقد كذب فَإِنَّهُ رذا لم يكن لَهُ دَاع يحْتَاج مَعَه إِلَيّ النّظر لم يكن مِنْهُ النّظر فَإِنَّهُ مَا ينظر رلا لما يحصل فِي الْقلب من اللَّذَّة وَأما نظر الْفجأَة فَهُوَ عَفْو إِذا صرف بَصَره
وَيُقَال غض الْبَصَر عَن الصُّورَة الَّتِي يحرم النّظر إِلَيْهَا لَهُ ثَلَاث فَوَائِد
إِحْدَاهَا حلاوة الْإِيمَان ولذته الَّتِي هِيَ أحلى وَأطيب مِمَّا تَركه لله وَالنَّفس تحب النّظر إِلَى الصُّور لَا سِيمَا نفوس أهل الرياضة والصفا فَإِنَّهُ يبْقى فِيهَا رقة
(1/30)

حَتَّى إِن الصُّور تجذب أحدهم وتصرعه وروى عَن فتح أَنه قَالَ صَحِبت ثَلَاثِينَ من الأبدال كلهم يوصيني عِنْد فِرَاقه بتركي صُحْبَة الْأَحْدَاث
الثَّانِيَة أَنه يُورث نور الْقلب والفراسة قَالَ الله تَعَالَى عَن قوم لوط {لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون}
فالتعلق بالصور يُورث فَسَاد الْعقل وَعمي الْبَصَر وسكر الْقلب بل جُنُونه كَمَا قيل
قَالُوا جننت بِمن تهوى فَقلت لَهُم ... الْعِشْق أعظم مِمَّا بالجانين
الْعِشْق لَا يستفيق الدَّهْر صَاحبه ... وَإِنَّمَا يصرع الْمَجْنُون فِي الْحِين
فَمن غض بَصَره عَمَّا حرمه الله عوضه الله من جنسه بِمَا هُوَ خير مِنْهُ فيطلق عين بصيرته وَيفتح عَلَيْهِ بَاب الْعلم والمعرفة والكشوف
وَالثَّالِثَة قُوَّة الْقلب وثباته وشجاعته فَيجْعَل الله لَهُ سُلْطَان النُّصْرَة مَعَ السُّلْطَان الْحجَّة وَفِي الْأَثر الَّذِي يُخَالف هَوَاهُ يفرق الشَّيْطَان من ظله وَيُوجد فِي التبع لهواه من الذل ذل النَّفس ومهانتها مَالا يُوجد فِي غَيره فَإِن الله جعل الْعِزَّة لمن أطاعه والذلة لمن عَصَاهُ {وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ} وَالنَّاس يطْلبُونَ الْعِزّ فِي بَاب الْمُلُوك وَلَا يجدونه رلا فِي طَاعَة الله أبي الله إِلَّا أَن يذل من عَصَاهُ

فصل
وَنقض الْوضُوء المذى وَيجب غسل ذكره وأنثييه
وَيجب على الرجل وَطْء زَوجته بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ أوكد حَقّهَا عَلَيْهِ أعظم من طعامها وشرابها
وَالْوَطْء الْوَاجِب قيل كل أَرْبَعَة أشهر مرّة وَقيل بِقدر حَاجَتهَا وَقدرته كإطعامها وَهُوَ أصح
وَلَو يجِئ الْوضُوء فِي كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رلا وَالْمرَاد بِهِ الْوضُوء
(1/31)

الشَّرْعِيّ وَلم يرد لفظ الْوضُوء بِمَعْنى غسل الْيَد والفم رلا فِي لُغَة الْيَهُود كَمَا روى أَن سلمَان رَضِي الله عَنهُ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّا نجد فِي التوارة أَن من بركَة الطَّعَام الْوضُوء قبله وَالْوُضُوء بعده
وَمَسّ الْيَهُودِيّ أَو النَّصْرَانِي لَا ينْقض الْوضُوء بِاتِّفَاق المسملين
وَأكل النِّسَاء الْأَجَانِب مَعَ الرِّجَال لَا يفعل إِلَّا لحَاجَة من ضيق الْمَكَان أَو قلَّة وَمَعَ ذَلِك فَلَا تكشف وَجههَا للأجانب وَلَا يلقمها الْأَجْنَبِيّ وَلَا تلقمه وَلما سُئِلَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الحمو الْمَوْت والحمو أَخُو الزَّوْج وَنَحْوه دون أَبِيه فَإِنَّهُ محرم
وَفِي الحَدِيث لَا يدْخل الْجنَّة ديوث وَهُوَ الَّذِي لَا غيرَة لَهُ بل إِذا رأى على أَهله شَيْئا لم يُنكره
وَلَا يجوز للْمَرْأَة أَن تظهر على أَجْنَبِي وَلَا رَقِيق غير ملكهَا وَلَو كَانَ خَصيا وَهُوَ الْخَادِم فَلَيْسَ لَهُ النّظر إِلَيْهَا لِأَنَّهُ يفعل مُقَدمَات الْجِمَاع وَيذكر بِالرِّجَالِ وَله شَهْوَة وَإِن كَانَ لَا يحبل
وَأما مملوكها فَفِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَنَّهَا مَعَه كَالْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالْمَشْهُور عَن أَحْمد
وَالثَّانِي أَنه محرم وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَقَول لِأَحْمَد

فصل
وَمن أَصَابَهُ سهم مَسْمُوم من سِهَام إِبْلِيس وَهُوَ الْعِشْق فَعَلَيهِ بالترياق والمرهم وَذَلِكَ بِأُمُور
مِنْهَا التَّزَوُّج أَو التسرى فَإِنَّهُ ينقص الشَّهْوَة ويضعف الْعِشْق
الثَّانِي أَن يداوم على الصَّلَوَات الْخمس وَالدُّعَاء والتضرع وَقت السحر وَتَكون صلَاته يحضور قلب وخشوع وَيكثر من قَول يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قلبِي على دينك
(1/32)

يَا مصرف الْقُلُوب صرف قلبِي على طَاعَتك وَطَاعَة رَسُولك فَمَتَى أدمن الدُّعَاء والتضرع لله صرف قلبه عَن ذَلِك
الثَّالِث أَن يبعد عَن سكن هَذَا الشَّخْص والاجتماع بِمن يجْتَمع بِهِ بِحَيْثُ لَا يسمع لَهُ خَبرا

بَاب الاستطابة
إِذا كَانَ فِي الْمَسْجِد بركَة يغلق عَلَيْهَا بَابه وَيَمْشي حولهَا دون أَن يُصَلِّي حولهَا فَهَل يبال فِيهَا
هَذَا يشبه الْبَوْل فِي الْمَسْجِد فِي القرورة وَمن الْفُقَهَاء من نهى عَنهُ لِأَن هَوَاء الْمَسْجِد كقراره فِي الْحُرْمَة
وَمِنْهُم من يرخص للْحَاجة وَالْأَشْبَه أَن هَذَا إِذا فعل للْحَاجة فقريب وَأما إِذا اتخذ مبالا أَو مستجي فَلَا
ونتر الذّكر والتنحنح وَالْمَشْي لَيْسَ بِوَاجِب إِنَّمَا يجب الانقاء
وَلَا يجب غسل دَاخل فرج الْمَرْأَة فِي أصح الْقَوْلَيْنِ
فَإِذا دست الْمَرْأَة دَوَاء مَعَ الْجِمَاع يمْنَع نُفُوذ المنى فِي مجارى الْحَبل فصومها وصلاتها صَحِيحَة وَإِن كَانَ ذَلِك الدَّوَاء يبْقى فِي جوفها
وَأما جَوَاز ذَلِك لمنع الْحمل فَفِيهِ نزاع بَين الْعلمَاء والأحوط أَن لَا تفعل

بَاب الْغسْل
يجوز الِاغْتِسَال عُرْيَان بكشف عَوْرَته إِن كَانَ فِي خلْوَة وَأما دَاخل الْحمام فَعَلَيهِ ستر عَوْرَته وَلَا يخلى أحدا يَرَاهَا وَلَا يَمَسهَا قيمًا كَانَ أَو غَيره وَلَا يشْهد مُنْكرا بل يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ بحبسه وَلَيْسَ لَهُ أَن يسرف فِي صب المَاء بل الْحمام أَشد لحق صَاحبه وَيلْزم السّنة فَلَا يجفو جفوة النَّصَارَى وَلَا يغلو غلو الْيَهُود
(1/33)

وَمن اغْتسل وَلم يتَوَضَّأ أحزأ عَنْهُمَا فِي الْمَشْهُور من مَذْهَب الْأَرْبَعَة لَكِن عَن أَحْمد وَأبي حنيفَة يجب أَن يتضمض ويستنشق
وَهل عَلَيْهِ أَن يَنْوِي رفع الحدثين فِيهِ نزاع بَين الْعلمَاء
وَهل للْمَرْأَة دُخُول الْحمام إِذا شقّ عَلَيْهَا تَركه بِأَن اعتادته عَليّ وَجْهَيْن فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
والاستمناء محرم عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَهُوَ أظهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَالْأُخْرَى أَنه مَكْرُوه لَكِن إِن اضْطر إِلَيْهِ مثل أَن يخلف الزِّنَا وَالْمَرَض إِن لم يَفْعَله فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران وَقد رخص فِيهِ هَذِه الْحَال طوائف من السّلف وَالْخلف وَيجوز الْمسْح على الْخُف رذا كَانَ فِيهِ خرق يسير عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَقيل لَا يجوز وَهُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَالْأول أرجح

بَاب التَّيَمُّم
إِذا لم تقدر الْمَرْأَة على الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ فعلَيْهَا أَن تصلي فِي الْوَقْت بِالتَّيَمُّمِ عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء لَكِن مَذْهَب الشَّافِعِي أَنَّهَا تغسل مَا يُمكن وتتيمم للْبَاقِي وَمذهب مَالك وَأبي حنيفَة إِن غسلت الْأَكْثَر لم تتيمم وَإِن لم يُمكن إِلَّا غسل الْأَقَل تيممت وَلَا غسل عَلَيْهَا
وَمن عدم المَاء وَالتُّرَاب صلى فِي الْوَقْت على الْأَصَح وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ فِي الْأَصَح وَمن أجنب ونام فَلم ينتبه رلا عِنْد طُلُوع الشَّمْس فَإِن استحم خَافَ الضَّرَر وَإِن رَاح إِلَى الْحمام خرج الْوَقْت فمذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَأبي حنيفَة أَنه يغْتَسل وَيُصلي وَلَو خرج الْوَقْت ومالكمذهبه يتَيَمَّم وَيُصلي فِي الْوَقْت
وَأما من كَانَ مستيقظا من أول الْوَقْت فَإِن عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت باغتسال أَو تيَمّم وَلَا يفوت الْوَقْت بِخِلَاف الأول فَإِن الْوَقْت فِي حَقه من حِين انتبه
(1/34)

وَهل يرفع التَّيَمُّم الْحَدث رفعا مؤقتا أَو يُبِيح فعل الصالة مَعَ قيام الْمَانِع فِيهِ نزاع
وَمن كَانَ حاقنا عادما للماد فَالْأَفْضَل أَن يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ غير حاقن من أَن يحفظ وضوءه وَيُصلي حاقنا
وَمن خَافَ إِن اغْتسل أَن يرْمى بِمَا هُوَ برِئ مِنْهُ ويتضرر بِهِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّم والصالة وَالْقِرَاءَة وَمَسّ الْمُصحف
ويؤم الْمُتَيَمم المغتسل عِنْد جمهو الْعلمَاء رلا مُحَمَّد بن الْحسن
وَقد روى عَن عمر وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا منع الْجنب من التَّيَمُّم وَخَالَفَهُمَا غَيرهمَا من جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
وَهل الْمُبِيح للتيمم خوف الضَّرَر أَو التّلف فِيهِ نزاع للشَّافِعِيَّة
وَمن أمكنه أَن يغْتَسل وَيُصلي خَارج الْحمام فعل ذَلِك فَإِن لم يكنه مثل أَن يَسْتَيْقِظ أول الْفجْر فَإِن اشْتغل بِطَلَب المَاء خرج الْوَقْت فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ عِنْد الْجُمْهُور رلا بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد قَالُوا يشْتَغل بتحصيل الطَّهَارَة وَإِن فَاتَ الْوَقْت وَهَكَذَا قَالُوا فِي اشْتِغَاله بخياطة الثَّوْب وَتعلم دَلَائِل الْقبْلَة وَنَحْوه
وَهَذَا القَوْل خطأ فرن قِيَاسه أَن الْمُسَافِر يُؤَخر حَتَّى يُصَلِّي بعد الْوَقْت بِالْوضُوءِ والعريان يُؤَخر حَتَّى يُصَلِّي بعد الْوَقْت باللباس وَهُوَ خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين بل على العَبْد أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت بِحَسب الْإِمْكَان وَهَذَا يُخَالف مَا إِذا اسْتَيْقَظَ آخر الْوَقْت
وَإِن اشْتغل باستقاء المَاء من الْبِئْر يخرج الْوَقْت أَو ذهب إِلَى الْحمام فَهُنَا يغْتَسل وَإِن خرج الْوَقْت عِنْد الحمهور إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ قَالَ يتَيَمَّم وَيُصلي فِي الْوَقْت كَمَا تقدم ذَلِك عَنهُ
وَأما من أمكنه الذّهاب إِلَيّ الْحمام لَكِن إِن دخل لَا يُمكنهُ الْخُرُوج حَتَّى
(1/35)

يخرج الْوَقْت إِمَّا لكَونه مقهورا مثل العَبْد الَّذِي لَا يُمكنهُ سَيّده من الْخُرُوج وَمثل الْمَرْأَة مَعهَا أَوْلَادهَا لَا يُمكنهَا الْخُرُوج حَتَّى تغسلهم وَنَحْو ذَلِك
فَهَؤُلَاءِ لَا بُد لَهُم من أحد أُمُور إِمَّا أَن يغتسلوا ويصلوا فِي الْحمام فِي الْوَقْت وَإِمَّا أَن يصلوا خَارج الْحمام بعد الْوَقْت وَإِمَّا أَن يصلوا بِالتَّيَمُّمِ خَارج الْحمام وَبِكُل من هَذِه الْأَقْوَال أُفْتِي طَائِفَة
لَكِن الْأَظْهر أَنهم يصلونَ خَارج الْحمام بِالتَّيَمُّمِ لِأَن الصَّلَاة فِي الْحمام منهى عَنْهَا وتفويت الصَّلَاة أعظم وَلَا يُمكنهُ الْخُرُوج عَن هذَيْن النهيين إِلَّا لاتيمم فِي الْوَقْت خَارج الْحمام ثمَّ يُصَلِّي بذلك قبل دُخُول الْحمام
وَصَارَ هَذَا كَمَا لَو لم يُمكنهُ الصَّلَاة رلا فِي مَوضِع نجس فِي الْوَقْت أَو فِي مَوضِع طَاهِر بعد الْوَقْت رذا غسل الْموضع أَو يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ فِي مَكَان طَاهِر فِي الْوَقْت فَهَذَا أولى لِأَن كلا من ذَلِك منهى عَنهُ
ونزاع الْفُقَهَاء فِيمَن صلى فِي مَوضِع نجس لَا يُمكنهُ الْخُرُوج مِنْهُ على قَوْلَيْنِ معروفين الْأَظْهر أَنه لَا يُعِيد بل الصَّحِيح أَن كَانَ من صلى فِي الْوَقْت بِحَسب إِمْكَانه لَا يُعِيد كالعاجز عَن الطَّهَارَة والستارة والاستقبال أَو اجْتِنَاب النَّجَاسَة أَو عَن إِكْمَال الرُّكُوع وَالسُّجُود أَو عَن قراأة الْفَاتِحَة وَنَحْوهم
مسزلة لَا يجوز لمن اشْترى جَارِيَة وَطئهَا قبل استرائها بِاتِّفَاق الْعلمَاء بل لَا يجوز فِي أحد قولي الْعلمَاء أَن يَبِيعهَا الوطئ حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا وَهل عَلَيْهِ اسْتِبْرَاء وعَلى المُشْتَرِي اسْتِبْرَاء أَو يكفيهما اسبراء وَاحِد على قَوْلَيْنِ
(1/36)

بَاب الْحيض
وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا حرَام فِي قَول جَمَاهِير الْعلمَاء وَمَتى وَطئهَا فِي الدبر وطاعته عزرا فَإِن لم ينتهيا فرق بَينهمَا كَمَا يفرق بَين الْفَاجِر وَبَين من يفجر بِهِ
وَمن شربت دَوَاء فَانْقَطع دَمهَا ثمَّ طَلقهَا زَوجهَا فَإِن كَانَت تعلم أَن الدَّم لَا يَأْتِي فِيمَا بعده بِحَال فعدتها ثَلَاثَة أشهر وَإِن كَانَ أَن يعود فَإِنَّهَا تَتَرَبَّص سنة ثمَّ تتَزَوَّج كَمَا قضى عمر رَضِي الله عَنهُ فِي الْمَرْأَة يرْتَفع حَيْضهَا وَلَا تَدْرِي مَا رَفعه هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ فِي قَول
وَمن قَالَ تنْتَظر حَتَّى تدخل فِي سنّ الْإِيَاس فهر ضَعِيف جدا لما فِيهِ من الضَّرَر الَّذِي لَا تَأتي الشَّرِيعَة بِمثلِهِ
وَإِذا انْقَطع لَا تَأتي الشَّرِيعَة بِمثلِهِ
ورذا انْقَطع الدَّم فَلَا تُوطأ حَتَّى تَغْتَسِل
وَقَالَ بعض الظَّاهِرِيَّة يجوز إِذا غسلت فرجهَا لقَوْله تَعَالَى {فَإِذا تطهرن} أَي غسلن فروجهن وَلَيْسَ بشئ فَإِن التَّطْهِير هُوَ الِاغْتِسَال
وزبو حنيفَة يَقُول إِذا اغْتَسَلت أَو مضى عَلَيْهَا وَقت الصَّلَاة أوانقطع الدَّم أَي لأكثره وَأَكْثَره عِنْده أَيَّام وَقَول الْجُمْهُور أصح
(1/37)

كتاب الصَّلَاة
لم أجد أحدا قَالَ إِن تَأْخِير جَمِيع الصَّلَوَات أفضل لَكِن مِنْهُم من يَقُول تَأْخِير بعضهمما أفضل ككما يَقُول زبو حنيفَة فِي الْفجْر وَالْعصر
والمواقيت الَّتِي علمهَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعلمهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمته حِين بَين مَوَاقِيت الصَّلَاة وَهِي الَّتِي ذكرهَا الْعلمَاء فيكتبهم هِيَ فِي الْأَيَّام الْمُعْتَادَة فَأَما ذَلِك الْيَوْم الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم كَسنة قَالَ اقدروا لَهُ قدره فَلهُ حكم آخر يبين ذَلِك أَن صَلَاة الظّهْر فِي الْأَيَّام الْمُعْتَادَة لَا تكون رلا بعد الزَّوَال وانتصاف النَّهَار وَفِي ذَلِك الْيَوْم يكون من أَوَائِل الْيَوْم بِقدر ذَلِك وَكَذَلِكَ وَقت الْعَصْر هِيَ فِي الْأَيَّام الْمُعْتَادَة إِذا زَاد ظلّ كل شَيْء على مثله عِنْد الْجُمْهُور كمالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهم وَقَالَ زبو حنيفَة إِذا صَار ظلّ كل شئ مثلَيْهِ وَهَذَا آخر وَقتهَا عِنْد مَالك وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالشَّافِعِيّ
وَالْمَقْصُود أَن فِي ذلكاليوم لَا يكون وَقت الْعَصْر فِيهِ إِذا صَار ظلّ كل شَيْء لَا مثله وَلَا مثلَيْهِ بل يكون زول يَوْم قبل هَذَا الْوَقْت شئ كثير فَكَمَا أَن وَقت الظّهْر وَالْعصر ذَلِك الْيَوْم هما قبل الزَّوَال كَذَلِك صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء قبل الْغُرُوب وَكَذَلِكَ صَلَاة الْفجْر فِيهِ تكون بِقدر الْأَوْقَات فِي الزيام الْمُعْتَادَة وَلَا ينظر فِيهَا إِلَيّ حَرَكَة الشَّمْس لَا بِزَوَال وَلَا بغروب وَلَا مغيب شفق وَنَحْو ذَلِك وَهَكَذَا كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا} قَالَ بَعضهم يُؤْتونَ عَليّ مِقْدَار البكرة والعشى فِي الدُّنْيَا
وَقيل يعرف ذَلِك بأنوار تظهر من نَاحيَة الْعَرْش كَمَا يعرف ذَلِك فِي الدُّنْيَا بِنور الشَّمْس
وَقَول الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الْيَوْم كالسنة أيكفينا
(1/38)

فِيهِ صَلَاة يَوْم فَقَالَ لَا ويكن اقدروا لَهُ قدره أَرَادوا الْيَوْم وَاللَّيْلَة
فقد يعْنى بِهِ اللَّيْل كَمَا يعْنى بِلَفْظ اللَّيْلَة بيومها كَقَوْلِه تَعَالَى {آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام} وَفِي الْموضع الآخر {ثَلَاث لَيَال سويا} وَيَوْم كَقَوْلِه {يَوْم عَرَفَة} ورذا فَاتَهُ الْوُقُوف يَوْم عَرَفَة يُرَاد الْيَوْم وَاللَّيْلَة الَّتِي تليه
وإيضا إِذا علمُوا أَنهم يقدرُونَ لثلاث صلوَات قبل وَقتهَا الْمُعْتَاد علم بطرِيق اللُّزُوم أَنهم يقدرُونَ للمغرب وَالْعشَاء وَوُقُوع ذَلِك فِي النَّهَار كوقوع صَلَاتي الْمغرب وَالْعشَاء قبل الزَّوَال من ذَلِك الْيَوْم
وَأَيْضًا فَقَوله اعْتكف الْعشْر يدْخل فِيهِ اللَّيْل وَقَوله {وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة} دخل فِيهَا النَّهَار وَالله أعلم

فصل
هَؤُلَاءِ الَّذين يُؤذنُونَ مَعَ الْمُؤَذّن الرَّاتِب يَوْم الْجُمُعَة فِي مثل صحن الْجَامِع لَيْسَ أذانهم مَشْرُوعا بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة بل هُوَ بِدعَة مُنكرَة مُشْتَمِلَة عَليّ وُجُوه مذمومة مِنْهَا أَنَّهَا بِدعَة
وَمِنْهَا أَنهم يتركون مَا أمروا بِهِ فقد صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أَمر أَن يَقُول السَّامع مثل قَول الْمُؤَذّن رلا فِي الحيعلة فَيَقُول لَا حول وَلَا قُوَّة رلا بِاللَّه
الثَّانِي أَنه يُصَلِّي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
الثَّالِث أَنه يسْأَل الله لَهُ الْوَسِيلَة
الرَّابِع أَن يَدْعُو بعد ذَلِك بِمَا شَاءَ
قيتركون سَماع الْمُؤَذّن وَمَا أمروا بِهِ ويفعلون مَا لم يؤمروا بِهِ
وَمِنْهَا أَنهم يشغلون النَّاس عَن هَذِه السّنَن ويخلطون عَلَيْهِم فَإِن أَصْوَاتهم تختلط وتشتبه
(1/39)

وَأَيْضًا لَا فَائِدَة فِي هَذَا الْأَذَان فَإِن أهل الْمَسْجِد قد سمعُوا قَول الْمُؤَذّن الرَّاتِب وَغَيرهم لَا سمع هَذَا الْمُؤَذّن
وَمِنْهَا أَنه يُؤذن مؤذنان فِي وَقت وَاحِد وَمَتى أذن مؤذنان مَعًا فِي وَقت وَاحِد مفترقان كَانَ مَكْرُوها مَنْهِيّا عَنهُ بِخِلَاف مَا إِذا أذن وَاحِد بعد وَاحِد كَمَا كَانَ المؤذنان على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَكَذَلِكَ الْقصاص الَّذين يقومُونَ على رُءُوس النَّاس الْجُمُعَة ويشغلونهم عَمَّا شرع من الصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالْقِرَاءَة لَا سِيمَا إِن قصوا وسألوا وَالْإِمَام يخْطب فَإِنَّهُ من الْمُنْكَرَات الشنيعة مَعَ مَا يكذبُون كثيرا فَيتَعَيَّن إِزَالَة ذَلِك بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَلم يكن التَّبْلِيغ وَرَاء الإِمَام على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا خلفائه وَلَكِن مَا مرض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى بِالنَّاسِ مرّة وَكَانَ أَبُو بكر يسمع النَّاس التَّكْبِير على أَن الظَّاهِر عَن أَحْمد أَن هَذِه الصَّلَاة كَانَ أَبُو بكر مؤتما بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ إِمَامًا للنَّاس فَيكون تبليغه لكَونه إِمَامًا للنَّاس وَكَذَا بلغ مرّة أُخْرَى حِين صرع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجحش شقَّه الْأَيْمن وَلِهَذَا اتّفق الْعلمَاء على أَنه لَا يسْتَحبّ التَّبْلِيغ بل يكره إلبا لحَاجَة مثل ضعف صَوت الإِمَام وَبعد الْمَأْمُوم وَنَحْوه وَقد اخْتلفُوا فِيهِ هَذِه الْحَال وَالْمَعْرُوف عَن أَحْمد أَنه جاذز وَأَصَح قولي مَالك
وَأما عِنْد عدم الْحَاجة فبدعة بل صرح كثير مِنْهُم أَنه مَكْرُوه بل قد ذهب طَائِفَة من أَصْحَاب مَالك وَأحمد إِلَى أَنه يبطل صَلَاة الْمبلغ لغير حَاجَة وَلم يستحبه أحد من الْعلمَاء حِينَئِذٍ
وَمن أصر على اعْتِقَاد كَونه قربَة فَإِنَّهُ يُعَزّر وَهَذَا أقل أَحْوَاله
وَكَذَلِكَ التثويب بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة لم يكن على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل كرهه أَكثر الْأَئِمَّة وَالسَّلَف وعدوة بِدعَة
وَكَذَلِكَ الْجَهْر بِالدُّعَاءِ عقيب الصَّلَوَات مثل دُعَاء الإِمَام والمأمومين جَمِيعًا
(1/40)

عقيب الصَّلَاة لم يكن وَلكنه ثَبت أَنهم كَانُوا يجهرون بِالذكر وَزنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يجْهر عقيب الصَّلَاة بِالذكر يَقُول لَا إِلَه رلا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شئ قدير لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا نعْبد إِلَّا رياه فالذكر ثَابت وَمن اعْتقد مالم يدل عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي قربَة فَهُوَ مُخطئ ظَالِم

فصل
الَّذِي جَاءَت بِهِ السّنة هُوَ مَا كَانَ على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وخلفائه من أَنه كَانَ بعض المؤذنين يُؤذن قبل الْفجْر وَبَعْضهمْ بعد طُلُوع الْفجْر وأبلغ مَا قَالَه الْفُقَهَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد غَيرهم فِي تَقْدِيم الْأَذَان من نصف اللَّيْل مَعَ أَن زبا حنيفَة وَغَيره بنهون عَن الْأَذَان قبل الْوَقْت مُطلقًا
فَأَما مَا سوى الْأَذَان من تَسْبِيح ونشيد وَرفع صَوت بِدُعَاء فَلَيْسَ بمسنون عِنْد الْأَئِمَّة وَلَا أعلم أحدا استحبه بل ذكره طاذفة من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد من الْبدع الْمَكْرُوهَة وَمَا كَانَ مَكْرُوها لم يكنت لأحد أَن يَأْمر بِهِ وَلَا يُنكر على تَركه وَلَا يعلق بِهِ اسْتِحْقَاق رزق وَلَا يلْزم فعله وَلَو شَرطه وَاقِف وَإِذا قيل فِي بعض هَذِه الصُّور مصلحَة راجحة على مفسدتها فَيقْتَصر من ذَلِك على الْقدر الَّذِي يحصل بِهِ الْمصلحَة دون الزِّيَادَة الَّتِي هِيَ ضَرَر بِلَا مصلحَة راجحة
فصل
لَا يجب على الْمَالِكِي وَلَا على غَيره تَقْلِيد أحد من الْأَئِمَّة بِعَيْنِه فِي جَمِيع الدّين بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة الْكِبَار
وَالصَّلَاة بالنعلين سنة أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمر إِذا كَانَ فِيهَا إذى أَن يدلكهما بِالْأَرْضِ فَإِنَّهَا لَهما طهُور وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح من قولي
(1/41)

الْعلمَاء وَصلَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه بالنعال فِي الْمَسْجِد مَعَ أَنهم يَسْجُدُونَ عَليّ مَا يلاقي النِّعَال كل ذَلِك دَلِيل على طَهَارَة أَسْفَل النَّعْل مَعَ أَنهم كَانُوا يروحون إِلَى الحش للبراز فرذا رأى عَلَيْهِمَا أثر النَّجَاسَة فدلكهما بِالْأَرْضِ طهرتا وخمرة الْخلّ هَل يجب إراقتها على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره أصَحهمَا الإراقة
مَسْأَلَة وَلَا يجوز أَن يذبح فِي الْمَسْجِد وَلَا أَن يقبر فِيهِ وَلَا أَن يستنجى وَلَا يُغير وَقفه مصلحَة وَفِي كَرَاهَة الْوضُوء نزاع
وَمن رد على الآمرين بِالْمَعْرُوفِ والناهين عَن الْمُنكر فِيهِ عُوقِبَ
وَلَا يغسل الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد
وَإِذا كَانَ الرجل مُتبعا لبَعض الْأَئِمَّة فَرَأى فِي بعض المساذل أَن مَذْهَب غَيره أقوى فَاتبعهُ كَانَ قد أحسن وَلم يقْدَح ذَلِك فِي عَدَالَته بِلَا نزاع بل هَذَا أولى بِالْحَقِّ وَأحب إِلَى الله وَرَسُوله مِمَّن يتعصب لوَاحِد معِين غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كمن يرى أَن قَول هَذَا الْمعِين هُوَ الصَّوَاب الَّذِي يَنْبَغِي اتِّبَاعه دون قَول الإِمَام الَّذِي خَالفه فَمن فعل هَذَا كَانَ جَاهِلا ضَالًّا بل قد يكون كَافِرًا
فَإِنَّهُ مَتى اعْتقد أَنه على النَّاس اتِّبَاع وَاحِد بِعَيْنِه من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة دون الإِمَام الآر فَإِنَّهُ يجب أَن يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل
بل غَايَة مَا يُقَال إِنَّه يسوغ أَو يَنْبَغِي أَن يجب على الْعَاميّ أَن يُقَلّد وَاحِد لَا بِعَيْنِه من غير تعْيين زيد وَلَا عَمْرو
وَأما أَن يَقُول قَائِل إِنَّه يجب على الْأمة تَقْلِيد فلَان أَو فلَان فَهَذَا لَا يَقُوله مُسلم
وَمن كَانَ مواليا للأئمة محبا لَهُم يُقَلّد كل وَاحِد مِنْهُم فِيمَا يظْهر لَهُ أَنه مُوَافق للسّنة فَهُوَ محسن فِي ذَلِك بل هُوَ أحسن حَالا من غَيره
فالأئمة اجْتِمَاعهم حجَّة قَاطِعَة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة وَاسِعَة فَمن تعصب لوَاحِد
(1/42)

بِعَيْنِه كَانَ يمنزلة الرافضة الَّذين يتعصبون لوَاحِد من الصَّحَابَة دون غَيره وكالخوارج وَهَذِه طَريقَة أهل الْبدع والأهواء الَّذين هم خارجون عَن الشَّرِيعَة بِإِجْمَاع الْأمة وَالْكتاب وَالسّنة
ثمَّ عَامَّة المتعصبين لوَاحِد إِمَّا مَالك أَو الشَّافِعِي أَو أَحْمد أَو أبي حنيفَة أَو غَيره غَايَته أَن يكون جَاهِلا بِقَدرِهِ فِي الْعلم وَالدّين وبقدر الآخرين فَيكون جَاهِلا ظَالِما وَالله يَأْمر بِالْعلمِ وبالعدل وَينْهى عَن الْجَهْل وَالظُّلم
فَالْوَاجِب مُوالَاة الْمُؤمنِينَ وَالْعُلَمَاء وَقصد الْحق واتباعه وليعلم أَن من اجْتهد مِنْهُم فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَمن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر
وبلاد الشرق من أَسبَاب تسليط الله عَلَيْهِم التّرْك كَثْرَة التَّفَرُّق والفتن بَينهم فِي الْمذَاهب وكل ذَلِك من الِاخْتِلَاف الَّذِي ذمه الله فَإِن الِاعْتِصَام بِالْجَمَاعَة والائتلاف من أصُول الدّين وَالْوَاجِب على الْخلق اتِّبَاع الْمَعْصُوم الَّذِي لَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا}
فعلى أَقْوَاله وأحواله وأفعاله توزن جَمِيع الْأَحْوَال والأقوال وَالْأَفْعَال
وَالله يوفقنا وإخواننا وساذر الْمُؤمنِينَ لما يُحِبهُ ويرضاه

فصل
يجب أَن يُحَرك لِسَانه بِالذكر وَالْوَاجِب فِي الصَّلَاة من الْقِرَاءَة وَنَحْوهَا مَعَ الْقُدْرَة وَمن قَالَ إِنَّهَا تصح بِدُونِهِ يُسْتَتَاب وَيسْتَحب ذَلِك فِي الذّكر الْمُسْتَحبّ وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد أَن يكون بِحَيْثُ يسمع نَفسه إِذا لم يكن ثمَّ مَانع وَفِيه وَجه أَن تكون الْحَرَكَة بالحروف
وأكمل الذّكر بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان ثمَّ بِالْقَلْبِ ثمَّ بِاللِّسَانِ والمأمور بِهِ فِي الصَّلَاة الْقلب وَاللِّسَان جَمِيعًا لَكِن ذكر اللِّسَان مَقْدُور وَالْقلب قد لَا يقدر عَلَيْهِ
(1/43)

للوسواس فَلَو قدر رجلَانِ أَحدهمَا ذكر الذّكر الْوَاجِب بِالْقَلْبِ فَقَط وَالثَّانِي بِلِسَانِهِ فَقَط فَإِن الأول لَا يُجزئهُ فيصلاته بِلَا نزاع وَإِن قدر ذكر الْقلب أفضل لِأَنَّهُ ترك الْوَاجِب الْمَقْدُور عَلَيْهِ كَمَا أَن الْخُشُوع لله بِالْقَلْبِ وَالْبدن أكمل مِنْهُ بِالْقَلْبِ وَحده وَهُوَ الْقلب وَحده أكمل مِنْهُ بِالْبدنِ وَحده ثمَّ إِن الصلي لَو اقْتصر على خشوع الْقلب لم يُجزئهُ بِلَا نزاع وَلَو غلب الوسواس على قلبه فِي أَكثر الصَّلَاة لم تصح صلَاته عِنْد أبي حَامِد الْغَزالِيّ وزبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ
لَكِن الْمَشْهُور عِنْد الْأَئِمَّة أَن الْفَرْض يسْقط بذلك
وَالتَّحْقِيق أَن كل عمل فِي الظَّاهِر من مُؤمن لَا بُد أَن يَصْحَبهُ عمل الْقلب بِخِلَاف الْعَكْس فَلَا يتَصَوَّر عمل الْبدن مُنْفَردا رلا من الْمُنَافِق الَّذِي يُصَلِّي رِيَاء وككان عمله بَاطِلا حابطا فَفرق بَين الْمُنَافِق وَالْمُؤمن فَيظْهر الْفرق بَين الْمُؤمن الَّذِي يقْصد عبَادَة الله بِقَلْبِه مَعَ الوسواس وَبَين الْمُنَافِق الَّذِي لَا يُصَلِّي رلا رِيَاء النَّاس وَأما أَبُو حَامِد وَنَحْوه فسووا بَين النَّوْعَيْنِ فَإِن كِلَاهُمَا إِنَّمَا تسْقط عَنهُ الصَّلَاة الْقَتْل فِي الدُّنْيَا من غير أَن تبرئ ذمَّته وَلَا ترفع عَنهُ عُقُوبَة الْآخِرَة والتسوية بَين الْمُؤمن وَالْمُنَافِق فِي الصَّلَاة خطأ
نعم قد يكون بعض النَّاس فِيهِ إمان ونفاق مثل أنيصلي لله ويحسنها لأجل النَّاس فيثاب على مَا أخلصه لله دون مَا عمله للنَّاس وَلَا يظلم رَبك أحدا

فصل
حَدِيث أنس فِي نفي الْجَهْر بالبسملة صَرِيح لَا يحْتَمل تَأْوِيلا فَإِن فِيهِ وَكَانُوا يستفتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول الْقِرَاءَة وَلَا فِي آخرهَا وَهَذَا النَّفْي لَا يجوز إِلَّا مَعَ الْعلم بذلك لَا يجوز بِمُجَرَّد كَونه لم يسمع مَعَ إِمْكَانه الْجَهْر بِلَا مسمع وَاللَّفْظ الآخر قس مُسلم صليت
(1/44)

خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر أَو قَالَ يصلى بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
فَهَذَا فِيهِ نفي السماع لَو لم يرو رلا هَذَا اللَّفْظ لم يجز تَأْوِيله بِأَنَّهُ لم يكن يسمع مَعَ جهر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لوجوه
أَحدهَا أَنه إِنَّمَا رُوِيَ هَذَا ليبين للنَّاس مَا كَانَ يَفْعَله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ لَا غَرَض لَهُم فِي معرفَة كَون أنس رَضِي الله عَنهُ سمع أَو لم يسمع إِلَّا ليستدلوا بِعَدَمِ سَمَاعه على عدم المسموع فَلَو لم يدل مَا كَانَ أنس رَضِي الله عَنهُ يرْوى شَيْئا لَا فاذدة فِيهِ وَلَا كَانُوا يروون هَذَا الَّذِي لَا يفيدهم
الثَّانِي أَن مثل هَذَا اللَّفْظ فِي الْعرف صَار دَالا على عدم مالم يدْرك فَإِذا قيل مَا سمعنَا وَلَا أدركنا وَلَا رَأينَا لما شَأْنه أَن يسمع أَو يدْرك أَو يرى وَالْمَقْصُود نفي وجوده ذكره وَنفي الْإِدْرَاك عَليّ نَفْيه عينه
الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ أَن أنسا رَضِي الله عَنهُ كَانَ يخْدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حِين قدم الْمَدِينَة إِلَيّ أَن مَاتَ وَكَانَ يدْخل على نِسَائِهِ قبل الْحجاب ويصحبه حضرا وسفرا وَحين حجَّته كَانَ تَحت نَاقَته يسيل عَلَيْهِ لُعَابهَا أتمكن مَعَ هَذَا الْقرب الْخَاص والصحبة الطَّوِيلَة أَن لَا يسمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يجْهر بهَا مَعَ كَونه كَانَ يجْهر هَذَا مِمَّا يعلم بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانه عَادَة ثمَّ إِنَّه صحب زبا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَلم يسمع من وَاحِد مِنْهُم مَعَ أَنهم كَانُوا يجهرون هَذَا لَا يُمكن بل هُوَ تَحْرِيف لاتأويل لَو لم يرد هَذَا اللَّفْظ
كَيفَ وَالْآخر صَرِيح فِي نفي الذّكر لَهَا فَقَالَ لم بكونوا يذكرونها فَهُوَ تَفْسِير هَذِه الرِّوَايَة وكلا التَّأْويلَيْنِ يَنْفِي قَول من تَأَول قَوْله يفتتحون الصَّلَاة بِالْحَمْد الله رب الْعَالمين بِأَنَّهُ سُورَة الْفَاتِحَة
وَمثل حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنهم كَانُوا يفتتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَقد روى يفتتحون الْقِرَاءَة ب {الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين}
(1/45)

وَهَذَا صَرِيح فِي إدارة الْآيَة
وَأَيْضًا فافتتاح الْقِرَاءَة بِالْفَاتِحَةِ قبل السُّورَة من الْمَعْلُوم الظَّاهِر يعرفهُ الْخَاص وَالْعَام كَمَا يعلمُونَ الرُّكُوع قبل السُّجُود فَلَيْسَ فِي نقل مثل هَذَا فَائِدَة لَكِن لَيْسَ فِي حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ نفي فراءتها سرا إِلَّا أَنه روى فَكَانُوا لَا يجهرون وَأما كَون الإِمَام لم يَقْرَأها فَلَا يمكنت إِدْرَاكه إِلَّا إِذا لم يكن بَين التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة سكتة
يُؤَيّد ذَلِك حَدِيث عبد الله بن مُغفل فِي السّنَن لما سمع ابْنه يجْهر بهَا فَأنْكر عَلَيْهِ وَقَالَ رَضِي الله عَنهُ يَا بني إياك وَالْحَدَث وَذكر أَنه يُصَلِّي خلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبي بكر وَعمر رصي الله عَنْهُمَا فَلم يَكُونُوا يجهرون
وَأَيْضًا فَمن الْمَعْلُوم أَن الْجَهْر بهَا مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله بل لَو انْفَرد بِنَقْل مثل هَذَا الْوَاحِد أَو الِاثْنَان قطع بكذبهما
وبمثل هَذَا تكذب دَعْوَى الرافضة النَّص على عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي الْخلَافَة وَأَمْثَاله ذَلِك
وَقد اتّفق أهل الْمعرفَة على أَنه لَيْسَ فِي الْجَهْر حَدِيث صَحِيح وَلم يرو أهل السننن من ذَلِك شَيْئا إِنَّمَا يُوجد الْجَهْر بهَا فِي أَحَادِيث مَوْضُوعَة يرْوى ذَلِك المارودي والثعلبي وأمثالهما من الَّذين يحتجون بِمثل حَدِيث الْحُمَيْرَاء
وأعجب من ذَلِك أَن بعض أفاضل الْفُقَهَاء لم يعز فِي كِتَابه حَدِيثا إِلَى البُخَارِيّ إِلَّا حَدِيث الْبَسْمَلَة وَمن هَذَا مبلغ عمله كَيفَ يكون حَاله فِي هَذَا الْبَاب أَو يَرْوِيهَا عَمَّن جمع الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب وَإِذا سُئِلَ يَقُول يموجب علمه كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لما سُئِلَ أفيها شئ صَحِيح فَقَالَ أما عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا وَأما عَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فَمِنْهُ صَحِيح وَمِنْه ضَعِيف
(1/46)

فَإِذا لم يكن فِيهَا حَدِيث صَحِيح فضلا أَن يكون فِيهَا أَخْبَار متواترة أَو مستفيضة امْتنع أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جهر بهَا فَلَا يُعَارض ذَلِك كَون عدم الْجَهْر مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله هُوَ فِي الْأُمُور الوجودية فَأَما العدمية فَلَا وَلَا ينْقل مِنْهَا إِلَّا مَا ظن وجوده أَو احْتِيجَ وجوده إِلَيّ مَعْرفَته وَلِهَذَا لَو نقل ناقل افتراض صَلَاة سادسة أَو صوما زَائِدا أوحجا أَو زِيَادَة فِي الْقِرَاءَة أَو فِي الرَّكْعَات لقطعنا بكذبه وَإِن كَانَ عدم ذَلِك لم ينْقل نقلا متواترا قطعا
يُوضحهُ أَنهم لم ينقلوا الْجَهْر بالاستفتاح والاستعاذة وَقد استدلت الْأمة على عدم جهره بذلك وَإِن كَانَ لم ينْقل عدم الْجَهْر نقلا عَاما فبالطريق الَّتِي يعلم عدم جهره بذلك بِعلم عدم جهره بالبسملة هَذَا وَجه
الثَّانِي أَن الْأُمُور العديمة لما احْتِيجَ إِلَى نقلهَا نقلت فَلَمَّا انقرض عصر الْخُلَفَاء رَضِي الله عَنهُ سَأَلَ النَّاس أنسا رَضِي الله عَنهُ حِين جهر بهَا بعض الْأَئِمَّة كإبن الزبير فَأخْبرهُم أنس رَضِي الله عَنهُ بترك الْجَهْر
الثَّالِث أَن نفى الْجَهْر قد نقل صحيحاض صَرِيحًا فِي غير حَدِيث والجهر لم ينْقل نقلا صَحِيحا مَعَ أَن الْعَادة توجب نقل الْجَهْر دون عَدمه كَمَا قدمْنَاهُ
وَمن تدبر هَذِه الْوُجُوه وَكَانَ عَالما بالأدلة قطع بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن يجْهر بهَا
وَهل هَذَا إِلَّا بِمَثَابَة من نقل أَنه كَانَ يجْهر بالاستفتاح مَعَ أَن بعض الصَّحَابَة كَانَ يجْهر بِهِ كَمَا كَانَ فيهم من يجْهر بالبسملة وَنحن نعلم بالاضطرار أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن يجْهر بالاستفتاح وَلَا بالاستعاذة كَمَا يجْهر بِالْفَاتِحَةِ فَكَذَلِك الْبَسْمَلَة لم يكن يجْهر بهَا مَعَ أَنه قَالَ قد كَانَ يجْهر بهَا أَحْيَانًا وَأَنه كَانَ يجْهر بهَا قَدِيما ثمَّ ترك ذَلِك كَمَا روى أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ أَنه كَانَ يجْهر بهَا بِمَكَّة فإذاسمعه الْمُشْركُونَ سبوا الرَّحْمَن فَترك الْجَهْر فَمَا جهر بهَا بِمَكَّة حَتَّى مَاتَ فَهَذَا مُحْتَمل
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه كَانَ يجْهر بِالْآيَةِ أَحْيَانًا وَمثل جهر عمر رَضِي الله عَنهُ
(1/47)

بقول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَمثل جهر ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنْهُمَا بالاستعاذة وجهر ابْن عَبَّاس بِالْقِرَاءَةِ على الْجِنَازَة ليعلم النَّاس
فَيمكن أَن يُقَال إِن من جهر بهَا من الصَّحَابَة كَانَ على هَذَا الْوَجْه ليعرفوا النَّاس أَن قرَاءَتهَا سنة مثل ماروى ابْن شهَاب يُرِيد بذلك أَنَّهَا آيَة من الْقُرْآن فَابْن شهَاب أعلم أهل زَمَانه بِالسنةِ قب تبين حَقِيقَة الْحَال فِي ذَلِك
فَإِن عُمْدَة من يجْهر إِنَّمَا هُوَ ابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم فقد عرفت حَقِيقَة حَال زبي هيرية وَغَيره رَضِي الله عَنْهُم
وَإِنَّمَا كثر الْكَذِب فِي أَحَادِيث الْجَهْر لِأَن الشِّيعَة تري الْجَهْر وهم من أكذب النَّاس فوضعوا أَحَادِيث لبسوا بهَا على النَّاس أَمر دينهم وَلِهَذَا يُوجد فِي كَلَام أَئِمَّة أهل السّنة مثل سُفْيَان الثَّوْريّ أَنهم يذكرُونَ من السّنة الْمسْح عَليّ الْخُفَّيْنِ وَترك الْجَهْر بالبسملة كَمَا يذكرُونَ تَقْدِيم أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا لأَنهم كَانَ عِنْدهم شعار الرافضة ذَلِك
وروى مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صلى صَلَاة لم يقْرَأ فِيهَا بِأم الْقرَان فَهِيَ خداج ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ رجل أكون أَحْيَانًا وَرَاء الإِمَام فَقَالَ اقْرَأ بهَا فِي نَفسك فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول قَالَ الله تَعَالَى {قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ فرذا قَالَ العَبْد الْحَمد لله رب الْعَالمين} الحَدِيث
فَدلَّ عَليّ أَنا أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ رأى الْقِرَاءَة الْوَاجِبَة عِنْده المقسومة هِيَ أم الْكتاب الْحَمد لله رب الْعَالمين كَمَا ذكره
وَحَدِيث نعيم المجمر عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَنه قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ثمَّ قَرَأَ بِأم الْقُرْآن فِيهِ دَلِيل على أَنَّهَا لَيست من أم القرأن وَلم يقل أحد إِنَّهَا لَيست من الْفَاتِحَة
فَالْحَاصِل أَن أَبَا هُرَيْرَة إِن كَانَ جهر بهَا فَذَلِك ليعلم النَّاس أَن قرَاءَتهَا مُسْتَحبَّة
(1/48)

كَمَا جهر عمر رَضِي الله عَنهُ بالاستفتاح وَيكون حَدِيث فِي الْقِسْمَة مُوَافقا لحَدِيث أنس وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم هَذَا إِن كَانَ حَدِيثه دَالا على الْجَهْر فَإِنَّهُ مُحْتَمل فَإِن فِيهِ أَنه قَرَأَ بهَا وَمُجَرَّد قِرَاءَته بهَا لَا يدل على الْجَهْر فَإِن قارىء المرقد يسمع قِرَاءَته من قرب مِنْهُ أَو أَن أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أخبرهُ بِقِرَاءَتِهَا وَقد روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يقْرَأ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِفَاتِحَة الْكتاب وَهِي قِرَاءَة سر
وَأما حَدِيث سُلَيْمَان التَّيْمِيّ الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم فَليعلم أَولا أَن الْحَاكِم متساهل فِي بَاب التَّصْحِيح حَتَّى إِنَّه يصحح مَا هُوَ مَوْضُوع فَلَا يوثق بِتَصْحِيحِهِ وَحده حَتَّى إِن تَصْحِيحه دون تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِلَا نزاع بل دون تَصْحِيح ابْن خُزَيْمَة وَأبي حَاتِم ابْن حبَان بل تَصْحِيح الْحَافِظ أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي فِي المختارة خير من تَصْحِيح الْحَاكِم بِلَا ريب وتحسين التِّرْمِذِيّ أَحْيَانًا يكون مثل تَصْحِيحه أَو أرجح فَهُوَ هَذَا
وَالْمَعْرُوف عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ وَابْنه مُعْتَمر أَنَّهُمَا كَانَا يجهران بالبسملة لَكِن نقل ذَلِك عَن أنس رَضِي الله عَنهُ هُوَ الْمُنكر مَعَ مُخَالفَة أَصْحَاب أنس الثِّقَات الْأَثْبَات لذلكك فَإِنَّهُم نقلوا عدم الْجَهْر
قَالَ الشَّافِعِي حَدثنَا عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد عَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم أَن أَبَا بكر بن حَفْص بن عمر أخبرهُ أَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ قَالَ صلى مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ بِالْمَدِينَةِ فجهر بِأم الْقُرْآن فَقَرَأَ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لأم الْقُرْآن وَلم يقْرَأ بهَا للسورة الَّتِي بعْدهَا وَلم يكبر حِين يهوى حَتَّى قضى تِلْكَ الصَّلَاة فَلَمَّا سلم ناداه من سَمعه من
(1/49)

الْمُهَاجِرين من كل مَكَان يَا مُعَاوِيَة أسرقت الصَّلَاة أم نسيت فَلَمَّا صلى بعد ذَلِك قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم للسورة الَّتِي بعد أم الْقُرْآن وَكبر حِين يهوي سَاجِدا
وأنبأنا ابراهيم بن مُحَمَّد حَدثنَا عُثْمَان بن خثيم عَن اسماعيل بن عبيد بن رِفَاعَة عَن أَبِيه أَن مُعَاوِيَة لما قدم الْمَدِينَة صلى لَهُم وَلم يقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلم يكبر إِذا خفض وَإِذا رفع فناداه الْمُهَاجِرُونَ حِين سلم والانصار رَضِي الله عَنْهُم أَي مُعَاوِيَة سرقت الصَّلَاة وَذكره
وَقَالَ الشَّافِعِي حَدثنَا يحيى بن سليم عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم عَن إِسْمَاعِيل بن عبيد بن رِفَاعَة عَن أَبِيه عَن جده عَن مُعَاوِيَة الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار بِمثلِهِ أَو بِمثل مَعْنَاهُ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَاده ثِقَات
وَالْجَوَاب أَنه حَدِيث ضَعِيف من وُجُوه
أَحدهَا انه يرْوى عَن أنس رَضِي الله عَنهُ وَأَحَادِيث أنس رَضِي الله عَنهُ الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة المستفيضة ترد هَذَا
الثَّانِي أَن مدارة على عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم وَقد ضعفه طَائِفَة وَقد اضْطَرَبُوا فِي رِوَايَته إِسْنَادًا ومتنا فَتبين أَنه غير مَحْفُوظ
الثَّالِث أَنه لَيْسَ فِيهِ إِسْنَاد مُتَّصِل السماع بل فِيهِ من الضعْف وَالِاضْطِرَاب مَالا يُؤمن مَعَه الِانْقِطَاع أَو سوء الْحِفْظ
الرَّابِع أَن أنسا كَانَ مُقيما بِالْبَصْرَةِ وَمُعَاوِيَة بِالْمَدِينَةِ وَلم يذكر أحد علمناه أَن أنسا رَضِي الله عَنهُ كَانَ مَعَه بل الظَّاهِر أَنه لم يكن مَعَه
الْخَامِس أَن هَذِه الْقَضِيَّة بِتَقْدِير وُقُوعهَا كَانَت بِالْمَدِينَةِ والرواي لَهَا أنس وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ وَهِي مِمَّا تتوافر الدَّوَاعِي والهمم على نقلهَا وَمن الْمَعْلُوم أَن أَصْحَاب أنس المعروفين بِصُحْبَتِهِ وَأهل الْمَدِينَة لم ينْقل أحد مِنْهُم ذَلِك بل الْمُتَوَاتر عَن أنس وَأهل الْمَدِينَة نقيض ذَلِك والناقل لَيْسَ من هَؤُلَاءِ وَلَا من هَؤُلَاءِ
(1/50)

السَّادِس أَن مُعَاوِيَة لَو كَانَ رَجَعَ إِلَى الْجَهْر بالبسملة فِي أول الْفَاتِحَة وَالسورَة لَكَانَ ايضا مَعْرُوفا من أمره عِنْد أهل الشَّام الَّذين صحبوه وَلم يقنل هَذَا أحد من أهل الشَّام عَن مُعَاوِيَة بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كَانَ مَذْهَبهم ترك الْجَهْر بل الْأَوْزَاعِيّ مذْهبه فِيهَا مَذْهَب مَالك لَا يقْرؤهَا سرا وَلَا جَهرا
فَمن تدبر ذَلِك قطع بِأَن حَدِيث مُعَاوِيَة إِمَّا بَاطِل لَا حَقِيقَة لَهُ وَإِمَّا مغير عَن وَجهه وَأَن الَّذِي حدث بِهِ بلغَة من وَجه لَيْسَ بِصَحِيح فحصلت الآفة من انْقِطَاع إِسْنَاده
وَقيل هَذَا الحَدِيث لَو كَانَ يقوم بِهِ الْحجَّة فَهُوَ شَاذ لِأَنَّهُ خلاف مَا رَوَاهُ النَّاس الاثبات عَن أنس وَعَن أهل الْمَدِينَة وَأهل الشَّام وَمن شَرط الحَدِيث أَن يكون شاذا وَلَا مُعَللا وَهَذَا شَاذ مُعَلل إِن لم يكن من سوء حفظ بعض رُوَاته
والعمدة الَّتِي اعتمدها المصنفون فِي الْجَهْر وَوُجُوب قرَاءَتهَا إِنَّمَا هُوَ كتَابَتهَا بقلم الْقُرْآن فِي الْمُصحف وَأَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم جردوا الْقُرْآن عَن غَيره والمتواتر عَن الصَّحَابَة أَن مَا بَين اللَّوْحَيْنِ قُرْآن
وَلَا يُقَال لَا يثبت إِلَّا بتواتر وَلَو تَوَاتَرَتْ لكفرنا فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يُقَال لَو كَانَ كَذَلِك لكفر مثبتها وَلَا تَكْفِير من الْجَانِبَيْنِ فَكل حجَّة تقَابل الْأُخْرَى
وَالْحق أَنه آيَة للفصل بَين السُّور
والبسملة قيل لَيست من الْقُرْآن الا فِي سُورَة النَّمْل وَهُوَ قَول مَالك وَطَائِفَة من الْحَنَفِيَّة والحنبلية
وَقيل هِيَ من كل سُورَة آيَة أَو بعض آيَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور عَن الشَّافِعِي
وَقيل إِنَّهَا من الْقُرْآن حَيْثُ كتبت وَمَعَ ذَلِك لَيست من السُّور بل كتبت آيَة فِي أول كل سُورَة وَكَذَلِكَ تتلى آيَة مُنْفَرِدَة فِي أول كل سُورَة كَمَا تَلَاهَا النَّبِي صلى الل عَلَيْهِ وَسلم حِين نزلت عَلَيْهِ سُورَة {إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر} كَمَا فِي صَحِيح مُسلم وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَالْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَهُوَ قَول من حقق القَوْل
(1/51)

فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَيْثُ جمع بَين مُقْتَضى الْأَدِلَّة وكتابتها سطرا مَفْصُولًا عَن السُّورَة وَتجب قِرَاءَة الْبَسْمَلَة عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة
وَقيل تكره سرا وجهرا وَهُوَ الْمَشْهُور عَن مَالك
وَقيل قرَاءَتهَا جَائِزَة بل مُسْتَحبَّة وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَالْمَشْهُور عَن أَحْمد وَأكْثر أهل الحَدِيث
وَطَائِفَة تسوى بَين قرَاءَتهَا وَتركهَا معتقدين أَن هَذَا على إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْن ويجهر بهَا وَقيل لَا وَقيل يخبر روى عَن إِسْحَاق وَهُوَ قَول ابْن حزم وَغَيره
وَمَعَ ذَلِك فمراعاة الائتلاف هُوَ الْحق فيجهر بهَا بِالْمَصْلَحَةِ راجحة ويسوغ ترك الْأَفْضَل لتأليف الْقُلُوب كَمَا ترك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِنَاء الْبَيْت على قَوَاعِد ابراهيم خشيَة تنفير قُرَيْش نَص الْأَئِمَّة كأحمد على ذَلِك فِي الْبَسْمَلَة وَفِي وصل الْوتر وَغَيره كَمَا فِيهِ الْعُدُول عَن الافضل إِلَى الْجَائِز مُرَاعَاة للائتلاف أَو لتعريف السّنة وأمثال ذَلِك وَالله أعلم
هَل الْأَفْضَل وضع يَدَيْهِ قبل رُكْبَتَيْهِ أَو بِالْعَكْسِ
فِيهِ رِوَايَتَانِ هما قَولَانِ للْعُلَمَاء
وَفِي بطلَان الصَّلَاة بالنحنحة والنفخ نزاع الْأَشْبَه عدم الْبطلَان لَكِن إِن كَانَ من خشيَة الله فالنزاع مَعَ الشَّافِعِي
وَأما إِن غلب عَلَيْهِ فَالصَّحِيح عِنْد الْجُمْهُور أَنه لَا تبطل وَهُوَ مَنْصُوص عَن أَحْمد وَقَالَ بعض أَصْحَابه تبطل
(1/52)

وَالْقَوْل بِأَن العطاس يبطل مُحدث
وَقد تبين أَن هَذِه الْأَصْوَات الخلقية الَّتِي لَا تدل بِالْوَضْعِ على لفظ فِيهَا نزاع فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وَأبي حنيفَة وَالْأَظْهَر فِيهَا جَمِيعًا أَنَّهَا لَا تبطل فَإِن الْأَصْوَات من جنس الحركات وكما أَن الْعَمَل الْيَسِير لَا يبطل فالصوت الْيَسِير مثله بِخِلَاف القهقهة فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة الْعَمَل الْكثير
وَاللَّفْظ ثَلَاث دَرَجَات
أَحدهَا أَن يدل على معنى بِالْوَضْعِ إِمَّا بِنَفسِهِ وَإِمَّا مَعَ لفظ غَيره كفى وَعَن فَهَذَا كَلَام
الثَّانِي أَن يدل على معنى بالطبع مثل التأوه والأنين والبكاء
الثَّالِث أَن لَا يدل على معنى بالطبع وَلَا بِالْوَضْعِ كالنحنحة فَهَذَا الْقسم كَانَ أَحْمد قدس الله روحه يَفْعَله
وَإِذا لم يجد الرجل موقفا إِلَّا حلف الصَّفّ فَفِيهِ نزاع بَين المبطلين لصَلَاة الْمُنْفَرد وَالْأَظْهَر صِحَة صَلَاة هَذَا فِي هَذَا الْموضع لِأَنَّهُ عجز وطرده صِحَة صَلَاة الْمُتَقَدّم عَليّ الإِمَام للْحَاجة وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب أَحْمد
وَمن قَالَ إِن الإِمَام إِن سبح أَكثر من ثَلَاث بِغَيْر رضَا الْمَأْمُومين ببطلت صلَاته فَهُوَ قَول بَاطِل مُحدث لم يقلهُ أحد من الْأَئِمَّة
والطمأنينة بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَاجِبَة والنزاع فِي وجوب الْإِعَادَة
فصل
واللحن الَّذِي يحِيل الْمَعْنى إِن أَحَالهُ إِلَى مَا هُوَ من جنس معنى من مَعَاني الْقُرْآن خطأ فَهَذَا لَا يبطل صلَاته كَمَا لَو غلط فِي الْقُرْآن فِي مَوضِع الِاشْتِبَاه فخلط سُورَة بغَيْرهَا وَأما إِن أَحَالهُ إِلَى مَا يُخَالف معنى الْقُرْآن كَقَوْلِه أَنْعَمت بِالضَّمِّ
(1/53)

فَهَذَا بِمَنْزِلَة كَلَام الأدميين وَهُوَ فِي مثل هَذِه الْحَال محرم فِي الصَّلَاة لكنه لَو تكلم بِهِ فِي الصَّلَاة جَاهِلا بِتَحْرِيمِهِ فَفِي بطلَان صلَاته نزاع فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره كالناسي الصَّحِيح أَنه لَا يبطل صلَاته
وَالْجَاهِل بِمَعْنى أَنْعَمت عذره أقوى من عذر النَّاسِي وَالْجَاهِل لِأَن هَذَا يعْتَقد أَنَّهَا من كَلَام الله بِخِلَاف الْجَاهِل فَإِنَّهُ يعلم أَنه كَلَام الْآدَمِيّين لَكِن لَا يعلم أَنه مَحْظُور
وعَلى هَذَا فَلَو كَانَ مثل هَذَا اللّحن فِي نقل الْقِرَاءَة لم تبطل وَأما إِذا كَانَ فِي الْفَاتِحَة الَّتِي هِيَ فرض فَيُقَال هَب أَنَّهَا لَا تبطل من جِهَة كَونه متكلما لكنه لم يَأْتِ بِفَرْض الْقِرَاءَة فَيكون قد ترك ركنا فِي الصَّلَاة جَاهِلا وَلَو تَركه نَاسِيا لم تصح صلَاته فَكَذَلِك إِن تَركه جَاهِلا لَكِن هَذَا لم يتْرك أصل الرُّكْن وَإِنَّمَا ترك صنفه فِيهِ وأتى بغَيْرهَا ظَانّا أَنَّهَا هِيَ فَهُوَ بِمَنْزِلَة من سجد إِلَى غَيره الْقبْلَة
وَلَو ترك بعض الْفُرُوض غير عَالم بفرضه فَفِي هَذَا الأَصْل قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
وأصل ذَلِك خطاب الشَّارِع هَل يثبت قبل الْبلُوغ وَالْعلم بِهِ أم لَا على ثَلَاثَة أَقْوَال
أَصَحهَا أَن يعْذر فَلَا تجب الْإِعَادَة على هَذَا الْجَاهِل وَمثله مَا لَو لم تعلم الْمَرْأَة أَنه يجب ستر رَأسهَا وجسدها لم تعد وَلِهَذَا إِذا تغير اجْتِهَاد الْحَاكِم لم ينْقض مَا حكم فِيهِ وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي إِذا تغير اجْتِهَاده
وَأما إِن تعمد اللّحن عَالما بِمَعْنَاهُ بطلت صلَاته من جِهَة أَنه لم يقْرَأ الْفَاتِحَة وَمن جِهَة انه تكلم بِكَلَام الْآدَمِيّين بل لَو عرف مَعْنَاهُ وخاطب بِهِ الله كفر وَإِن تَعَمّده وَلم يعلم مَعْنَاهُ لم يكفر وَإِن لم يتَعَمَّد لَكِن ظن أَنه حق فَفِي صِحَة صلاتة نزاع كَمَا ذَكرْنَاهُ
وَكَذَا لَو علم أَنه لحن لَكِن اعْتقد أَن لَا يحِيل الْمَعْنى حَتَّى لَو كَانَ
(1/54)

إِمَامًا فَفِي صِحَة من صَلَاة من خَلفه نزاع هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
وَفِي إِمَامَة المتنقل بالمفترض ثَلَاثَة أَقْوَال يجوز وَلَا يجوز وَيجوز عِنْد الْحَاجة نَحْو أَن يكون المأمومون أُمِّيين أما لَو صلى من يلحن بِمثلِهِ فَيجوز إِذا كَانُوا عاجزين عَن إِصْلَاحه هَذَا فِي الْفَاتِحَة أما فِي غير الْفَاتِحَة فان تَعَمّده بطلت صلَاته
وَالَّذِي يحِيل الْمَعْنى مثل أَنْعَمت إياك بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَالَّذِي يحيله مثل فك الإدعام فِي مَوْضِعه أَو قطع همز الْوَصْل وَمثل الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين
وَأما إِن قَالَ الْحَمد أَو رب أَو نستعين أَو أَنْعَمت عَلَيْهِم فَهَذَا تصح صلَاته لكل أحد فَإِنَّهَا قِرَاءَة وَلَيْسَت لحنا
وإمامة الرَّاتِب فِي الْمَسْجِد مرَّتَيْنِ بِدعَة
ويعفى عَن النَّائِم وَالنَّاسِي إِن كَانَ محافظا على الصَّلَاة حَال الْيَقَظَة وَالذكر وَأما من لم يكن محافظا عُوقِبَ على التّرْك مُطلقًا
وَيجوز التَّمام الْمُسلمين بَعضهم بِبَعْض مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الْفُرُوع بِإِجْمَاع السّلف وَأَصَح قَول الْخلف فَإِن صَلَاة الإِمَام جَائِزَة إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ صلى بِاجْتِهَادِهِ فَهُوَ مأجور فَاعل الْوَاجِب عَلَيْهِ الَّذِي يَكْفِي وَهُوَ من المصلحين
وَمن قَالَ إِن صلَاته لَا تسْقط الْفَرْض فقد خَالف الْإِجْمَاع يُسْتَتَاب بِخِلَاف من صلى بِلَا وضوء مَعَ عمله فَهَذَا صلَاته فأسدة فَلَا يأتم بِهِ من علم حَاله
وَلم يزل الصَّحَابَة والتابعون رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ يؤم بَعضهم بَعْضًا مَعَ أَنهم مُخْتَلفُونَ فِي الْفُرُوع
وسر الْمَسْأَلَة أَن مَا تَركه الْمُجْتَهد من الْبَسْمَلَة وَغَيره إِن لم يكن وَاجِبا فِي نفس الْأَمر فَلَا كَلَام وان كَانَ وَاجِبا فقد يسْقط عَنهُ بِاجْتِهَادِهِ وَقد قَالَ تَعَالَى رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا فَقَالَ الله قد فعلت
(1/55)

فصل
من شرب الْخمر يَوْمًا ثمَّ لم يشْربهَا إِلَى شهر وَنِيَّته إِذا قدر عَلَيْهَا شربهَا فَهُوَ مصر لَيْسَ بتائب وَكَذَلِكَ جَمِيع الذُّنُوب
وَمن اعْتَادَ شربهَا كَمَا يعْتَاد أَمْثَالهَا من الشَّرَاب فَهُوَ مدمن عَلَيْهَا فاعتياد الْخمر كاعتياد اللَّحْم من النَّاس من يَأْكُلهُ كل يَوْم وَمِنْهُم من يَأْكُلهُ كل أُسْبُوع أَو يَوْمَيْنِ أَو أَكثر أَو أقل
وَلَا يجوز أَن يُولى الْمصر وَلَا المدمن إِمَامَة صَلَاة لَكِن لَو ولي صلى خَلفه عِنْد الْحَاجة كَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَة الَّتِي لَا يقوم بهَا غَيره وَإِن أمكن الصَّلَاة خلف الْبر فَهَذَا أولى
فصل
وَصَلَاة الْجَمَاعَة اتّفق الْعلمَاء على أَنَّهَا من أوكد الْعِبَادَات وَأجل الطَّاعَات وَأعظم شَعَائِر الْإِسْلَام على مَا ثَبت من فَضلهَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ تفضل صَلَاة الرجل فِي الْجَمَاعَة على صلَاته وَحده بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة وَفِي رِوَايَة بِسبع وَعشْرين دَرَجَة
وَالْجمع بَينهمَا أَن حَدِيث الْخمس وَالْعِشْرين ذكر فِيهِ الْفضل الَّذِي بَين صَلَاة الْمُنْفَرد وَالصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة وَهُوَ خمس وَعِشْرُونَ وَحَدِيث السَّبع وَالْعِشْرين ذكر فِيهِ صلَاته مُنْفَردا وَصلَاته فِي الْجَمَاعَة وَالْفضل بَينهمَا فَصَارَ الْمَجْمُوع سبعا وَعشْرين
وَمن ظن أَن صلَاته وَحده أفضل من أجل خلوته أَو غير ذَلِك فَهُوَ مخطىء ضال وأضل مِنْهُ من لم ير الْجَمَاعَة إِلَّا خلف مَعْصُوم فعطل الْمَسَاجِد وَعمر الْمشَاهد
(1/56)

وَمن ظن أَن الدُّعَاء عِنْد الْقُبُور أفضل من الدُّعَاء فِي الْمَسَاجِد فقد كفر فقد اتّفق أَئِمَّة الْمُسلمين على أَن اتِّخَاذ الْقُبُور للدُّعَاء عِنْدهَا أَو الصَّلَاة لَيست من دين الاسلام وَقد تَوَاتَرَتْ السّنَن فِي النَّهْي عَن اتخاذها لذَلِك
وَالْجَمَاعَة قيل سنة مُؤَكدَة وَقيل فرض كِفَايَة وَقيل فرض عين وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَغَيره من أَئِمَّة السّلف وعلماء الحَدِيث
وَقد تنازعوا فِيمَن صلى وَحده لغير عذر هَل تصح صلَاته على قَوْلَيْنِ
أَحدهمَا لَا تصح قَالَه طَائِفَة من قدماء أَصْحَاب أَحْمد وَبَعض متأخريهم وَطَائِفَة من السّلف
الثَّانِي تصح مَعَ إئمة بِالتّرْكِ وَهُوَ الْمَأْثُور عَن أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه وَحمل بَعضهم التَّفْضِيل فِي الحَدِيث على غير الْمَعْذُور لِأَن الْمَعْذُور يكْتب لَهُ أجره لَو كَانَ صَحِيحا مُقيما وَجعله حجَّة على صِحَة الْمُنْفَرد
وَمن لم يصححها قَالَ بل المُرَاد الْمَعْذُور وَلَكِن لَيْسَ كل مَعْذُور يكْتب لَهُ مَا كَانَ يعْمل غير مَعْذُور بل إِنَّمَا يكْتب لمن كَانَت بنته لَوْلَا الْعذر أَن يعْمل وَمن كَانَ عَادَته ذَلِك فَهَذَا يكْتب لَهُ مَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح مُقيم أما من لم يكن لَهُ وَلَا عَادَة فَكيف يكْتب لَهُ مَا علم لم يكن فِي عَادَته الْعَمَل بِهِ
فَلَيْسَ فِي الحَدِيث دَلِيل على صِحَة الْمُنْفَرد من غير عذر
وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي الحَدِيث أَن صَلَاة المربض فِي الْأجر مثل صَلَاة الصَّحِيح وَلَا أَن صَلَاة الْمُنْفَرد الْمَعْذُور مثل صَلَاة الرجل فِي الْجَمَاعَة وَإِنَّمَا فِيهِ أَنه يكْتب لَهُ من الْعَمَل مَا كَانَ يعْمل وَهُوَ صَحِيح مُقيم
قَوْله وَصَلَاة الرجل قَاعِدا على النّصْف من صلَاته قَائِما فقد قَالَ بَعضهم كَيفَ تكون صَلَاة الْمَعْذُور قَاعِدا دون صلَاته قَائِما فَحمل تَفْضِيل صَلَاة الْقَائِم على النَّفْل دين الْفَرْض لِأَن الْقيام فِي الْفَرْض وَاجِب فَلَزِمَهُ أَن تجوز
(1/57)

صَلَاة التَّطَوُّع للصحيح مُضْطَجعا لِأَن فِي الحَدِيث وَصلَاته مُضْطَجعا على النّصْف من صلَاته قَاعِدا
وَقد طرد ذَلِك طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيره وجوزوا التَّطَوُّع مُضْطَجعا لمن هُوَ صَحِيح وَهُوَ قَول مُحدث بِدعَة
وَالْجَوَاب مَا قدمْنَاهُ من أَنه يحمل على الْفَرْض
وَلَا يُعَارض مثل هَذَا الحَدِيث مُنْفَردا وَأَنه إِنَّمَا يكْتب لَهُ إِذا كَانَ من عَادَته أَن يعْمل وَنِيَّته أَن يعْمل لكل عجز بِالْمرضِ وَمن لم يكن لَهُ عَادَة لَا يكْتب لَهُ غير مَا عمله فَلَا تعَارض بَين الْأَحَادِيث
مَسْأَلَة وتدرك الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة وَالْمُسَافر وَصَلَاة الْمُقِيم وَإِدْرَاك الْحَائِض آخر الْوَقْت أَو إِدْرَاك أول الْوَقْت كل ذَلِك بِرَكْعَة فِي الصَّحِيح من قولي الْعلمَاء
وَمذهب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ فِي الْجُمُعَة بِرَكْعَة وَفِي سَائِر الْمَوَاضِع قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
فعلى هَذَا إِذا كَانَ الْمدْرك أقل من رَكْعَة وَكَانَ بعْدهَا جمَاعَة أُخْرَى فَصلَاته مَعَ الثَّانِيَة أفضل وَإِن كَانَ الْمدْرك رَكْعَة أَو أقل وَقُلْنَا يكون مدْركا للْجَمَاعَة فقد تعَارض إذراكه لهَذِهِ الْجَمَاعَة وَإِدْرَاك الثَّانِيَة من أَولهَا فَإِن كَانَت الجماعتان سَوَاء فالثانية أفضل وَإِن تميزت الأولى بِكَمَال الْفَضِيلَة أَو كَثْرَة الْجمع أَو فضل الإِمَام أَو كَونهَا الرَّاتِبَة فَهِيَ من هَذِه الْجِهَة أفضل وَتلك من جِهَة إِدْرَاكهَا كلهَا أفضل وَقد يتَرَجَّح هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
وَأما إِن قدر أَن الثَّانِيَة أكمل أفعالا أَو إِمَامًا أَو جمَاعَة فَهُنَا قد ترجحت من وَجه آخر
وَصلَاته مَعَ الرَّاتِب وَلَو رَكْعَة خير من صلَاته فِي بَيته وَلَو جمَاعَة
(1/58)

وَمن صلى فِي بَيته جمَاعَة فَهَل يسْقط عَنهُ حُضُور الْمَسْجِد فِيهِ نزاع وَيَنْبَغِي أَلا يتْرك حُضُور الْمَسْجِد إِلَّا لعذر
مَسْأَلَة وَلَو قَامَ رجل يقْضِي مَا فَاتَهُ فائتم بِهِ رجل آخر جَازَ فِي أصح قولي الْعلمَاء إِذا نويا
فَإِن نوي الْمَأْمُوم وَحده فَفِيهِ قَولَانِ الْمَشْهُور عَن أَحْمد أَنه لَا يَصح وَمن داوم على ترك السّنَن الرَّاتِبَة لم يُمكن من حكم وَلَا شَهَادَة وَلَا فتيا مَعَ إصراره على ذَلِك فَكيف بِمن يداوم على ترك الْجَمَاعَة الَّتِي هِيَ أعظم شَعَائِر الْإِسْلَام
وَيلْزم الْقَضَاء على الْفَوْر سَوَاء فَاتَتْهُ عمدا أَو سَهوا عِنْد جمهورهم كمالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَكَذَلِكَ الرَّاجِح عَن الشَّافِعِي إِن فَاتَتْهُ عمدا
وَقد روى فِي قِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيره فَإِن صَحَّ دلّ على أَن قرَاءَتهَا مُسْتَحبَّة لَكِن لَا يدل على أَن الإِمَام والمأموميين يقرءونها جَمِيعًا جاهرين بهَا فان ذَلِك بِدعَة بِلَا ريب

فصل
والمسبوق إِذا لم يَتَّسِع وَقت قِيَامه لقِرَاءَة الْفَاتِحَة فَإِنَّهُ يرْكَع مَعَ إِمَامه وَلَا يتم الْفَاتِحَة بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَإِن كَانَ فِيهِ خلاف فَهُوَ شَاذ
وَأما إِذا أخر فِي الصَّلَاة مَعَ إِمْكَانه حَتَّى قصر الْقيام أَو كَانَ الْقيام متسعا
(1/59)

وَلم يَقْرَأها فَهَذَا تجوز صلَاته عِنْد الجماهير وَعند الشَّافِعِي عَلَيْهِ أَن يقْرَأ وَإِن تخلف عَن الرُّكُوع وَإِنَّمَا تسْقط قرَاءَتهَا عِنْده عَن الْمَسْبُوق خَاصَّة
وَمن تخلف عَن الإِمَام لعذر من نوم أَو نِسْيَان وَنَحْوه فمذهب الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة أَنه إِذا أَتَى بِمَا تخلف عَنهُ وَلحق الإِمَام وَلَو سبقه بِرُكْن أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَهُوَ يُدْرِكهُ فِي الرَّكْعَة فصلائه صَحِيحَة
وَصلَاته السَّكْرَان الَّذِي لَا يعلم مَا يَقُول لَا تجوز بالِاتِّفَاقِ بل وَلَا يجوز أَن يُمكن من دُخُول الْمَسْجِد
وَإِذا قَالَ الرجل لَا أُصَلِّي إِلَّا خلف من يكون من أهل مذهبي فَهُوَ كَلَام محرم قَائِله يسْتَحق الْعقُوبَة فَإِنَّهُ لَيْسَ من أَئِمَّة الْمُسلمين من قَالَ لَا تشرع صَلَاة الْمُسلم إِلَّا خلف من يُوَافقهُ فِي مذْهبه الْمعِين
وتنازع الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا هَل على الْعَاميّ أَن يلْتَزم مَذْهَب وَاحِد بِعَيْنِه من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين بِحَيْثُ يَأْخُذ بِعَزَائِمِهِ ورخصه على قَوْلَيْنِ
وَالْمَشْهُور أَنه لَا يجب كَمَا أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يُقَلّد فِي كل مَسْأَلَة من يُوَافق غَرَضه وَلَيْسَ لَهُ أَن يُقَلّد فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة غير مقلده إِذا من مَذْهَب من يقلده يَجْعَل الْحق عَلَيْهِ بل عَلَيْهِ بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة أَن يعدل بَين غَيره وَنَفسه فِي الْأَقْوَال والاحكام فَإِذا اعْتقد وجوب شَيْء أَو تَحْرِيمه اعْتقد ذَلِك عَلَيْهِ وعَلى من يماثله
مِثَاله شُفْعَة الْجوَار للْعُلَمَاء فِيهِ قَولَانِ فَمن اعْتقد أحد الْقَوْلَيْنِ فقد قَالَ بقول طَائِفَة من عُلَمَاء الْمُسلمين
وَلَيْسَ لأحد ثُبُوت الشُّفْعَة إِذا كَانَ هُوَ الطَّالِب وانتفاؤها إِذا كَانَ هُوَ الْمَطْلُوب كَمَا يَفْعَله الظَّالِمُونَ أهل الْأَهْوَاء يتبعُون فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة هواهم فيوافقون هَذَا القَوْل تَارَة وَهَذَا أُخْرَى مُتَابعَة للهوى لَا مُرَاعَاة للتقوى وَقد ذمّ الله من يتبع الْحق إِذا كَانَ لَهُ لَا عَلَيْهِ فَقَالَ دعوا إِلَى
(1/60)

الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم إِذا فريق مِنْهُم معرضون وَإِن لم يكن لَهُم الْحق يَأْتُوا اليه مذعنين أَفِي قُلُوبهم مرض أم أرتابوا أَو يخَافُونَ أَن يَحِيف الله عَلَيْهِم وَرَسُوله بل أُولَئِكَ هم الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا الى الله وَرَسُوله ليحكم بيهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا وَأُولَئِكَ هم المفلحون وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون
وَقَول الْقَائِل لَا أتقيد بِأحد هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة
إِن أَرَادَ أَنه لَا يتَقَيَّد بِوَاحِد بِعَيْنِه دون البَاقِينَ فقد أحسن بل هُوَ الصَّوَاب من الْقَوْلَيْنِ وَإِن أَرَادَ أَنِّي لَا أتقيد بهَا كلهَا بل أخالفها فَهُوَ مخطىء فِي الْغَالِب قطعا إِذا لحق لَا يخرج عَن هَذِه الْأَرْبَعَة فِي عَامَّة الشَّرِيعَة
وَلَكِن تنَازع النَّاس هَل يخرج عَنْهَا فِي بعض الْمسَائِل على قَوْلَيْنِ
وَقد بسطنا ذَلِك فِي مَوضِع آخر
وَكَثِيرًا مَا يتَرَجَّح قَول من الْأَقْوَال يظنّ الظَّن أَنه خَارج عَنْهَا وَيكون دَاخِلا فِيهَا لَكِن لَا ريب أَن الله لم يَأْمر الْأمة بِاتِّبَاع أَرْبَعَة أشخاص دون غَيرهم هَذَا لَا يَقُوله عَالم وَإِنَّمَا هَذَا كَمَا يُقَال أَحَادِيث البُخَارِيّ وَمُسلم فَإِن الْأَحَادِيث الَّتِي رَوَاهَا الشَّيْخَانِ فصححاها قد صححها من الْأَئِمَّة مَا شَاءَ الله
فالأخذ بهَا لكَونهَا قد صحت لَا لِأَنَّهَا قَول شخصي بِعَيْنِه
وَأما من عرض عَلَيْهِ حَدِيث فَقَالَ لَو كَانَ صَحِيحا لما أَهله أهل مَذْهَبنَا فَيَنْبَغِي أَن يُعَزّر هَذَا على فرط جَهله وَكَلَامه فِي الدّين بِلَا علم وَالْكذب فِي حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعظم الذُّنُوب
وَقد اخْتلف هَل هُوَ فسق أَو كفر على قَوْلَيْنِ
(1/61)

فصل
الْمَسْجِد المبنى على قبر لَا يُصَلِّي فِيهِ فرض وَلَا تغل فَإِن كَانَ الْمَسْجِد قبل الْقَبْر غير إِمَّا بتسوية الْقَبْر أَو نبشه إِن كَانَ جَدِيدا وَإِن كَانَ الْقَبْر قبله فإمَّا أَن يزَال الْمَسْجِد وَإِمَّا أَن تزَال صُورَة الْقَبْر
وَالْجُمْهُور على أَن قَلِيل الحشيشة وكثيرها حرَام بل الصَّوَاب أَن آكلها يحد وَأَنَّهَا نَجِسَة
مَسْأَلَة وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَنه يجب الْإِنْكَار على الدّين يشربونها وَقَول الْقَائِل إِن من طول الْقيام على الرُّكُوع وَالْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ تبطل صلَاته قَول ضَعِيف بَاطِل
وَمن قَالَ لَا تجوز الصَّلَاة خلف الْأَئِمَّة الْمَالِكِيَّة مثلا فَهَذَا كَلَام مُنكر وَمن أشنع المقالات يسْتَحق مطبقة التَّعْزِير البليغ فَإِن فِيهِ من إِظْهَار الاستخفاف بِحرْمَة هَؤُلَاءِ السَّادة مَا يُوجب عَظِيم الْعقُوبَة وَيدخل صَاحبه فِي أهل الْبدع المضلة
وَكَذَا من قَالَ لَا تجوز الصَّلَاة خلف من لَا تعرف عقيدته وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فَهُوَ قَول لم يقلهُ أحد من السلمين فَإِن أهل الحَدِيث وَالسّنة كالشافعي وَأحمد وَإِسْحَاق وَغَيرهم متفقون على أَن صَلَاة الْجُمُعَة تصلي خلف الْبر والفاجر حَتَّى إِن اكثر أهل الْبدع كالجهمية الَّذين يَقُولُونَ بِخلق الْقُرْآن وَأَن الله لَا يرى فِي الْآخِرَة وَمَعَ أَن أَحْمد ابتلى بهم وَهُوَ أشهر الْأَئِمَّة بِالْإِمَامَةِ فِي السّنة وَمَعَ هَذَا فَلم تخْتَلف نصوصه أَنه تصلى الْجُمُعَة خلف الجهمي والقدري والرافضي وَلَيْسَ لأحد أَن يدع الْجُمُعَة لبدعة فِي الامام
(1/62)

لَكِن تنازعوا هَل تُعَاد على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد قيل تُعَاد خلف الْفَاسِق وَمذهب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة لَا تُعَاد

فصل
وَالْقِرَاءَة على الْجِنَازَة مَكْرُوهَة عِنْد الْأَرْبَعَة وَأخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا أعظم كَرَاهَة فَإِن الِاسْتِئْجَار على التِّلَاوَة لم يرخص فِيهِ أحد من الْعلمَاء
وَالصَّلَاة خلف أهل الْبدع أولى من الصَّلَاة خلف هُنَا
وَيجوز الِاسْتِئْجَار على الْإِمَامَة وَالْأَذَان حوه وَقيل لَا وَقيل عِنْد الْحَاجة وَالثَّلَاثَة لِأَحْمَد
والسكران بِالْخمرِ والحشيش إِذا علم مَا يَقُول فَعَلَيهِ الصَّلَاة بعد غسل فَمه وَمَا أَصَابَهُ وَهل عَلَيْهِ أَن يستقىء مَا فِي بَطْنه على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء أصَحهمَا لَا لَكِن إِذا لم يتب فقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من شرب الْخمر لم تقبل صلَاته أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ وَإِن عَاد فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال وَهِي عصارة أهل النَّار
فَلَا بُد لَهُم من الصَّلَاة وَإِن كَانَ قد قيل إِنَّهَا لَا تقبل وَإِن تَابُوا قبلهَا الله اصلوها فقد تكون على رَأْي من يَنْفِي الْقبُول أَنه لَا ثَوَاب لَهُم عَلَيْهَا لَكِن انْدفع بهَا عِقَاب التّرْك فِي الدُّنْيَا
وَلم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه يصلونَ على سجادة لَكِن صلى على خمرة وَهِي شَيْء يعْمل من الخوص يتقى بِهِ حر الأَرْض وَكَانَ يُصَلِّي على الْحَصِير وَالتُّرَاب
وروى أَن بعض الْعلمَاء قدم وقرش فِي مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا فَأمر مَالك رَحمَه الله يحْبسهُ وَقَالَ أما علمت أَن هَذَا فِي مَسْجِدنَا بِدعَة
(1/63)

وَمن يُبدل الرَّاء غينا وَالْكَاف همزَة لَا يؤم إِلَّا مثله أما من يثوب الرَّاء بغين يُخرجهَا من فَوق مخرجهما بِقَلِيل فَتَصِح إِمَامَته للقارىء وَغَيره وَهَذَا كُله مَعَ الْعَجز
وَيجوز تَعْلِيم الْقُرْآن فِي الْمَسْجِد إِذا لم يكن فِيهِ ضَرَر على الْمَسْجِد وَأَهله بل يسْتَحبّ
وَإِذا كَانَ الْمعلم يقرىء فَأعْطى شَيْئا جَازَ لَهُ أَخذه عِنْد أَكثر الْعلمَاء
وَمن كَانَ يظْهر الْفُجُور والبدع فَفِي الصَّلَاة خَلفه نزاع وَالَّذِي ينْهَى أَلا يقدم الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ لإمامة وَلَا يجوز مَعَ الْقُدْرَة على ذَلِك
فصل
وَيجوز النّوم فِي الْمَسْجِد للمحتاج الَّذِي لَا مسكن لَهُ أَحْيَانًا وَأما اتِّخَاذه مبيتا وَمَقِيلا فينهى عَنهُ
وَيكرهُ فِيهِ فضول الْمُبَاح
وَأما للشَّيْء بالنعال فِي الْمَسْجِد فَجَائِز كَمَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بنعله وَكَانَ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنهُ يَمْشُونَ بنعالهم فِي مَسْجده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَكِن يَنْبَغِي للرجل أَن ينظر نَعْلَيْه فَإِن كَانَ فيهمَا أَذَى فليدلكهما بِالْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَهما طهُور كَمَا أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك
وَتجوز الصَّلَاة خلف ولد الزِّنَا باتفاقهم لَكِن تنازعوا فِي كراهتها فكرهه مَالك وَأَبُو حنيفَة وَغير ولد الزِّنَا أولى
وَتجوز صَلَاة الْفجْر خلف الظّهْر فِي إِحْدَى الرواتين عَن أَحْمد
ومسابقة الإِمَام بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَمن سبقه سَهوا لم تبطل صلَاته وَلم يعْتد لَهُ بِمَا سبق إِمَامه بِهِ فَلهَذَا أمره الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أَن يتَخَلَّف بِمِقْدَار
(1/64)

مَا سبق بِهِ الإِمَام ليَكُون فعله بِقدر فعل الإِمَام فَأَما إِذا سبقه عمدا فَفِي بطلَان صلَاته قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
وَالصَّوَاب أَن مُرُور الْمَرْأَة وَالْكَلب الْأسود وَالْحمار بَين يَدي الْمُصَلِّي دون سترته يقطع الصَّلَاة
وَتجوز الصَّلَاة فِي الْكَنِيسَة وَقيل لَا وَقيل إِذا لم يكن فِيهَا صُورَة تجوز وَإِلَّا فَلَا وَالثَّلَاثَة لِأَحْمَد وَغَيره
وَإِذا ضَاقَ الْوَقْت فِي الْحمام فَهَل يصلى فِيهِ أَو يفوت الصَّلَاة حَتَّى يخرج فيصليها على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
وَمن فَاتَتْهُ الظّهْر أَو الْعَصْر وَنَحْوهمَا نِسْيَانا قضى وَأما من فوتهما مُتَعَمدا فقد اتى عَظِيم الْكَبَائِر وَعَلِيهِ الْقَضَاء عِنْد الْجُمْهُور وَعند بَعضهم لَا يَصح فعلهَا قَضَاء وَمَعَ وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِ لاتبرأ ذمَّته من جَمِيع الْوَاجِبَات وَلَا يقبلهَا الله تَعَالَى بِحَيْثُ يرْتَفع عَنهُ الْعقَاب ويستوجب الثَّوَاب بل لَعَلَّه يخلف عَنهُ الْعَذَاب بِمَا فعله من الْقَضَاء وَيبقى عَلَيْهِ إِثْم التفويت يحْتَاج إِلَى مسْقط آخر
قَالَ أَبُو بكر لعمر رَضِي الله عَنهُ فِي وَصيته وَاعْلَم أَن الله حَقًا بِالنَّهَارِ لَا يقبله بِاللَّيْلِ وَحقا بِاللَّيْلِ لَا يقبله بِالنَّهَارِ وَلَا يقبل النَّافِلَة حَتَّى تُؤَدّى الْفَرِيضَة وَالْعَمَل الْمَذْكُور هُوَ صَلَاة الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء
وَمن عدم المَاء وَالتُّرَاب قيل لَا شَيْء عَلَيْهِ وَقيل يؤخرها
وَإِذا صلى على حسب حَاله فَهَل يُعِيد فِيهِ نزاع وَالْأَظْهَر لَا
وَمن سلم إِمَامه وَقد بَقِي عَلَيْهِ شَيْء من الدُّعَاء هَل يُتَابع الإِمَام أَو يتمة الأولى مُتَابَعَته
وَمن لَا سَبَب لرزقه إِلَّا قِرَاءَة سيرة عنترة والبطال وَنَحْوهَا لَا يجوز أَن يرتب إِمَامًا يصلى بِالْمُسْلِمين فَإِنَّهُ يحدث دَائِما بالأكاذيب وَيَأْكُل الْجعل عَلَيْهَا
(1/65)

وَكِلَاهُمَا محرم فَإِن عنترة والبطال وَإِن كَانَ موجودين لَكِن كذب عَلَيْهِمَا مَالا يُحْصِيه إِلَّا الله
وَتجوز الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام لعذر من زحمة وَنَحْوهَا فِي أعدل الْأَقْوَال
وَكَذَا الْمَأْمُوم إِذا لم يجد من يَقُول مَعَه صلى وَحده وَلم يدع الْجَمَاعَة وَلم يجذب أحدا يُصَلِّي مَعَه كَالْمَرْأَةِ إِن لم تَجِد من يصافها فِيهَا نصف وَحدهَا بالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَأْمُور بالمصافة مَعَ الْإِمْكَان لَا مَعَ الْعَجز
والوسواس إِذا قل لم يبطل الصَّلَاة بالِاتِّفَاقِ لَكِن ينقصها وَأما الوسواس إِذا غلب فقد قيل يبطل قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ إِنِّي لأجهز جيشي وَأَنا فِي الصَّلَاة
وَلَيْسَ من نفكر بِالْوَاجِبِ مثل من تفكر بالفضول فعمر رَضِي الله عَنهُ كَانَ أَمِير الْجَيْش وَهُوَ مَأْمُور بِالصَّلَاةِ وَالْجهَاد مَعًا
فَلَو قدر أَنه نقص من الصَّلَاة شَيْء لأجل الْجِهَاد لم يقْدَح فِي كَمَال إيمَانه فَلهَذَا خففت صَلَاة الْخَوْف فَكَانَ بِمَنْزِلَة من يُصَلِّي صَلَاة الْخَوْف وَلَا شكّ أَن صَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَال الْخَوْف كَانَت نَاقِصَة عَن صلَاته حَال أَمنه فِي الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَإِذا كَانَ قد عفى عَن الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَإِذا كَانَ قد عفى عَن الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَكيف بالباطنة وَقَالَ تَعَالَى فَإِذا اطمأنتم فأقيموا الصَّلَاة وإقامتها حَال الْأَمْن لَا يُؤمر بِهِ حَال الْخَوْف وَالله أعلم

فصل
تفعل النَّافِلَة الَّتِي لَهَا سَبَب كتحية الْمَسْجِد وَقت النَّهْي فِي الْأَظْهر لِأَن حَدِيثهَا عَام مَحْفُوظ وَحَدِيث النَّهْي مَخْصُوص
وَأَيْضًا فعل الصَّلَاة وَقت الْخطْبَة مَنْهِيّ عَنهُ وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد وَالْإِمَام يخْطب يَوْم الْجُمُعَة فَلَا يجلس حَتَّى يُصَلِّي
(1/66)

رَكْعَتَيْنِ وَلم يخْتَلف قَول أَحْمد فِي هَذَا الْوَقْت لمجيء السّنة فِيهِ بِخِلَاف مَالك وَأبي حنيفَة فالنهي عِنْدهمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ
وَأَيْضًا جَاءَ فِي أَحَادِيث النَّهْي لَا تنحروا والتحري التعمد وَمَا لَهُ سَبَب لَا تَعَمّده فِيهِ
والمصافحة أدبار الصَّلَاة بِدعَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين لَكِن عِنْد اللِّقَاء فِيهَا آثَار حَسَنَة وَقد اعْتقد بَعضهم أَنَّهَا فِي أدبار الصَّلَاة تندرج فِي عُمُوم الِاسْتِحْبَاب وَبَعْضهمْ أَنه مُبَاحَة
وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا بِدعَة إِذا فعلت على أَنَّهَا عبَادَة أما إِذا كَانَت أَحْيَانًا لكَونه لقِيه عقيب الصَّلَاة لَا لأجل الصَّلَاة فَهَذَا حسن كَمَا أَن النَّاس لَو اعتادوا سَلاما غير الْمَشْرُوع عقيب الصَّلَاة كره
وَأما المعانقة فَفِي الحَدِيث النَّهْي عَنْهَا وَيحمل النَّهْي على فعهلا دَائِما وَأما عِنْد اللِّقَاء فقد جَاءَ فِيهِ حَدِيث جَعْفَر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقِيه فَالْتَزمهُ وَقبل بَين عَيْنَيْهِ
وَمن لم يُمكن أَن يُصَلِّي إِلَّا خلف مُبْتَدع لعَجزه عَن إِزَالَته صلى وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَقد ظن طَائِفَة من الْفُقَهَاء أَنَّهَا مثل من صلى خلف فَاسق فتعاد وَإِنَّمَا النزاع إِذا أمكنه الصَّلَاة خلف غَيره
وَأما الصَّلَاة خلف من يكفر من أهل الْبدع والأهواء فقد تنازعوا فِي نفس صَلَاة الْجُمُعَة خَلفه فَمن قَالَ يكفر أَمر بِالْإِعَادَةِ
وَفِي تَكْفِير أهل الْأَهْوَاء نزاع هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَغَيره
وَحَقِيقَة الْأَمر أَن القَوْل قد يكون كفرا فيطلق القَوْل بتكفير صَاحبه لَكِن الشَّخْص الْمعِين لَا يكفر حَتَّى تُقَام عَلَيْهِ الْحجَّة فَنَفْس القَوْل قد يكون
(1/67)

كفرا لَكِن قَائِله مَعْذُور فَإِذا كَانَ من الْمُؤمنِينَ فَلَا يكفر لِأَنَّهُ قد يغدره الله تَعَالَى بِأُمُور إِمَّا أَنه لم يعقله أَو أَنه لم يثبت عِنْده أَو أَنه لم يفهمهُ لمعارضة شُبْهَة فَمن كَانَ قَصده الْحق فأخطأه فان الله يغْفر لَهُ
وتقسيم الْمسَائِل إِلَى مسَائِل أصُول بِكفْر بإنكارها ومسائل فروع لَا يكفر بإنكارها لَيْسَ لَهُ أصل لَا عَن الصَّحَابَة وَلَا عَن التَّابِعين وَلَا عَن ائمة الاسلام وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ عَن الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم من أَئِمَّة الْبِدْعَة وهم متناقضون
فَإِذا قيل لَهُم مَا حد أصُول الدّين فَإِن قيل مسَائِل الِاعْتِقَاد يُقَال لَهُم قد تنَازع النَّاس فِي أَن مُحَمَّدًا هَل رأى ربه وَفِي أَن عُثْمَان أفضل أم عَليّ وَفِي كثير من مَعَاني الْقُرْآن وَتَصْحِيح بعض الْأَحَادِيث وَهِي اعتقادات وَلَا كفر فِيهَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَوُجُوب الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَتَحْرِيم الْفَوَاحِش وَالْخمر هِيَ مسَائِل عمليه وَالْمُنكر لَهَا يكفر اتِّفَاقًا
وَإِن قيل الْأُصُول هِيَ القطعية فَيُقَال كثير من مسَائِل النّظر لَيست قَطْعِيَّة وَكَون الْمَسْأَلَة قَطْعِيَّة أَو ظنية هِيَ أُمُور تخْتَلف باخْتلَاف النَّاس فقد يكون قَاطعا عِنْد هَذَا مَا لَيْسَ قَاطعا عِنْد هَذَا كمن سمع لفظ النَّص وتيقن مُرَاده وَلَا يبلغ قُوَّة النَّص الآخر عِنْده فَلَا يكون عِنْده ظنيا فضلا عَن كَونه قَطْعِيا
وَالْمَقْصُود أَن مَذَاهِب الْأَئِمَّة الْفرق بَين النَّوْع وَالْعين وَمن حكى الْخلاف لم يفهم غور قَوْلهم
فطائفة تحكي عَن أَحْمد فِي تَكْفِير أهل الْبدع مُطلقًا رِوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ هَذَا مذهبا لِأَحْمَد وَلَا لغيره من الْأَئِمَّة وَكَذَلِكَ تَكْفِير الشَّافِعِي لحفص الْفَرد حِين قَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي كفرت أَي قَوْلك كفر وَلِهَذَا لم يسع فِي قَتله وَلَو كَانَ عِنْده كَافِر لسعي فِي قَتله
وَأما قتل الداعية إِلَى الْبدع فقد يكون لكف ضررة عَن النَّاس كقطاع الطَّرِيق وَقتل غيلَان القدري قد يكون من هَذَا الْبَاب
(1/68)

فصل
السَّجْدَة الْوَاحِدَة بعد الصَّلَاة وتقبيل الأَرْض مَكْرُوه نَص عَلَيْهِ أَبُو عبد الله بن حَامِد وَغَيره
وَمن قَالَ إِن من سلم فِي الرّبَاعِيّة من رَكْعَتَيْنِ سَاهِيا اسْتوْجبَ غضب الله وَأَقل مَا يجب عَلَيْهِ أَن ينزل عَلَيْهِ نَار من السَّمَاء تحرقه يُسْتَتَاب من ذَلِك القَوْل فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل
وَمن حكى أَن أَحْمد وَالشَّافِعِيّ سَأَلَا شَيبَان الرَّاعِي فَأجَاب بذلك وَقَالَ هَذَا عندنَا فَهُوَ كذب بِاتِّفَاق أهل الْعلم وشيبان لم يجْتَمع بِهِ أَحْمد وَلَا الشَّافِعِي قطّ بل مَاتَ قبلهمَا بِزَمَان وَإِن كَانَت هَذِه الْحِكَايَة ذكرهَا الْقشيرِي صَاحب الرسَالَة وَنَحْوه وشيبان أجل من أَن ينْسب إِلَيْهِ مثل هَذَا الْكفْر وَلَو قَالَ هَذَا أعظم من شَيبَان استتيب فقد اتّفق الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم على اسْتِتَابَة قدامَة ابْن مَظْعُون وَهُوَ من أهل بدر من قَول قَالَه دون هَذَا لَكِن شَيبَان بَرِيء من هَذَا كَمَا أَن الشَّافِعِي وَأحمد بريئان مِنْهُ
وَأما تَقْبِيل الأَرْض وَوضع الرَّأْس قُدَّام الشَّيْخ وَالْملك فَلَا يجوز بل الانحناء كالركوع لَا يجوز وَمن فعله قربَة وتدينا بَين لَهُ فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل
وَأما إِذا أكره الرجل أَن يخْشَى أَخذ مَاله أَو ضربه أَو قطع رزقه من بَيت المَال فَإِنَّهُ يجوز عِنْد أَكثر الْعلمَاء فَإِن الْإِكْرَاه يُبِيح شرب الْخمر وَفعل الْمحرم عِنْد أَحْمد وَغَيره فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَلَكِن يفعل ذَلِك مَعَ كَونه يكره فعله ويحرص على الِامْتِنَاع بِحَسب الْإِمْكَان
وَذهب طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يُبَاح إِلَّا الْأَقْوَال فَقَط
وَإِذا تَأَول أَن الخضوع لله كَانَ حسنا
وَأما من يَفْعَله لقصد فضول الرياسة وَالْمَال فَلَا
(1/69)

فصل
أما من سَافر لمُجَرّد زِيَادَة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فَهُوَ يجوز لَهُ قصر الصَّلَاة على قَوْلَيْنِ معروفين
أَحدهمَا وَهُوَ قَول مُتَقَدِّمي الْعلمَاء الَّذين لَا يجوزون الْقصر فِي سفر الْمعْصِيَة كَأبي عبد الله بن بطة وَأبي الْوَفَاء ابْن عقيل وَطَوَائِف كثيرين من الْمُتَقَدِّمين أَنه لَا يجوز الْقصر فِي مثل هَذَا السّفر
وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ أَحْمد أَنه لَا يقصر فِي سفر منهى عَنهُ
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه يقصر وَهَذَا بقوله من يجوز الْقصر فِي السّفر الْمحرم كَأبي حنيفَة ويقوله بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد مِمَّن يجوز السّفر لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ كَأبي حَامِد الْغَزالِيّ وَأبي الْحسن بن عَبدُوس الْحَرَّانِي وَأبي مُحَمَّد ابْن قدامَة الْمَقْدِسِي
وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ السّفر لَيْسَ بِمَعْصِيَة لعُمُوم قَوْله زوروا الْقُبُور
وَاحْتج أَبُو مُحَمَّد ابْن قدامَة بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يزور قبَاء وَأجَاب عَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تشد الرّحال الحَدِيث بِأَنَّهُ مَحْمُول على نفي الِاسْتِحْبَاب
وَأما الْأَولونَ فَإِنَّهُم يحتجون بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام والأقصى ومسجدي هَذَا فَلَو نذر أَن يَأْتِي الْمَسْجِد الْحَرَام لحج أَو عمْرَة لزمة بالِاتِّفَاقِ وَلَو نذر الصَّلَاة فِي مَسْجده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو الْأَقْصَى لزمَه عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَلَا يلْزمه عِنْد أبي حنيفَة
قَالُوا لِأَن شدّ الرحل وَالسّفر لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ بِدعَة لم يَفْعَلهَا أحد من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا اسْتحبَّ ذَلِك أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين فَمن اعْتقد ذَلِك عبَادَة وفعلها فَهُوَ مُخَالف للسّنة ولإجماع الْمُسلمين
(1/70)

وَذكر ذَلِك أَبُو عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل من الْبدع الْمُخَالفَة للسّنة وَالْإِجْمَاع وزيارة قبَاء لَيْسَ فِيهِ شدّ رَحل
وَحمل حَدِيث لَا تشد الرّحال على نفي الِاسْتِحْبَاب فِيهِ تَسْلِيم أَن السّفر لَيْسَ بِعَمَل صَالح وَلَا قربَة وَلَا طَاعَة وَلَا من الْحَسَنَات فَمن اعْتقد كَونه قربَة فقد خَالف الْإِجْمَاع وَلَا يُسَافر أحد إِلَيْهَا إِلَّا لذَلِك وَأما لَو قدر أَن الرجل سَافر إِلَيْهَا لغَرَض مُبَاح فَهَذَا جَائِز لَيْسَ هَذَا من هَذَا الْبَاب وَالنَّفْي يَقْتَضِي النَّهْي وَالنَّهْي للتَّحْرِيم وَمَا ذكر من الْأَحَادِيث فِي زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء فضعيفة بالِاتِّفَاقِ بل مَالك إِمَام الْمَدِينَة كره أَن يَقُول الرجل زرت قبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عبيدا وصلوا عَليّ حَيْثُمَا كُنْتُم وَقَالَ لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُورهم أَنْبِيَائهمْ وصالحيهم مَسَاجِد يحذر مَا فعلوا قَالَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَلَوْلَا ذَلِك لأبرز قَبره وَلَكِن كره أَن يتَّخذ مَسْجِدا
وَلما كَانَت حجرَة عَائِشَة الَّتِي دفن فِيهَا الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُنْفَصِلَة عَن الْمَسْجِد إِلَى زمن الْوَلِيد بن عبد الْملك لم يكن أحد من الصَّحَابَة يدْخل إِلَيْهَا لَا لصَلَاة وَلَا لدعاء وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك فِي الْمَسْجِد وَكَانُوا إِذا سلمُوا عَلَيْهِ أَو أَرَادوا الدُّعَاء استقبلوا الْقبْلَة وَهَذَا كُله مُحَافظَة مِنْهُم على التَّوْحِيد فَإِن من أعظم أَسبَاب الشّرك بِاللَّه اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد كَمَا ذكر فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودا وَلَا سواعا} أَنهم كَانُوا قوما صالحين فِي قوم نوح فَلَمَّا مَاتُوا عكفوا على قُبُورهم ثمَّ صوروا على صورهم تماثيل ثمَّ طَال عَلَيْهِم الأمد فعبدوها ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَغَيره وَقد ثَبت عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الصَّحِيح أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد فَإِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك وَالله أعلم
(1/71)

فصل
فعل كل صَلَاة فِي وَقتهَا أفضل من الْجمع إِذا لم يكن بِهِ حَاجَة وَلَيْسَ هُوَ كالقصر فَإِنَّهُ رخصَة عارضة وَالْقصر سنة وَنفي الْجنَاح لَا يمْنَع أَن يكون الْقصر هُوَ السّنة كَمَا فِي قَوْله {فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما}
وَذكر الْخَوْف وَالسّفر لِأَن الْقصر يتَنَاوَل قصر الْعدَد وَقصر الْأَركان فالخوف يُبِيح قصر الْأَركان وَالسّفر يُبِيح قصر الْعدَد فَإِن اجْتمعَا أُبِيح الْقصر بِالْوَجْهَيْنِ وَإِذا انْفَرد السّفر أُبِيح أحد نَوْعي الْقصر وَالأَصَح أَنه لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة الْقصر وَالْجمع أَيْضا
مَسْأَلَة وتنازع الْعلمَاء فِي التربيع فِي السّفر هَل هُوَ حرَام كمذهب أبي حنيفَة أَن مَكْرُوه كإحدى روايتي مَالك وَأحمد أَو ترك الأولى كَأحد قَول الشَّافِعِي وَرِوَايَة لِأَحْمَد أَو التربيع أفضل وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَهُوَ أَضْعَف الْأَرْبَعَة الْأَقْوَال
وَذهب بعض الْخَوَارِج إِلَى أَنه لَا يجوز الْقصر إِلَّا مَعَ الْخَوْف ويذكرونه قولا للشَّافِعِيّ وَمَا أَظُنهُ يَصح عَنهُ
وَالصَّوَاب أَن الْجمع لَا يخْتَص بِالسَّفرِ الطَّوِيل
وَمن نوى الْإِقَامَة أَرْبَعَة أَيَّام فَمَا دونهَا قصر
ومسافة الْقصر عِنْد أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك يَوْمَانِ سِتَّة عشر فرسخا كل فَرسَخ ثَلَاثَة أَمْيَال الْميل أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع وَقَالَ أَبُو حنيفَة ثَلَاثَة أَيَّام وَذهب طَائِفَة من السّلف وَالْخلف إِلَى أننه يقصر فِيمَا دون يَوْمَيْنِ وَهُوَ قوي جدا
يُؤَيّدهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمين بِعَرَفَة ومزدلفة وَمنى قصرا وَفِيهِمْ أهل مَكَّة وَلم يَأْمُرهُم بالاتمام وَلما صلى بِمَكَّة قَالَ لَهُم أَتموا صَلَاتكُمْ فَإنَّا قوم سفر وَقَوله من صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيل الله بعد الله وَجهه عَن النَّار سبعين خَرِيفًا
(1/72)

قيل هُوَ السّفر فِي الْجِهَاد قبل لِقَاء الْعَدو وَقيل عِنْد لِقَائِه
وَقد يدْخل فِي هَذَا السّفر الْحَج لِأَنَّهُ من سَبِيل الله وَقيل سَبِيل الله طَرِيقه وَالْمرَاد إخلاص نِيَّته وَإِن كَانَ فِي الْمقَام
وَثَبت أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر رَكْعَتي الْفجْر وَالْوتر وَقيام اللَّيْل دون الرَّاتِبَة

فصل
الْجمع لغير عذر لَا يفعل وَيجوز للْمَرِيض عِنْد أَحْمد وَمَالك وَبَعض الشَّافِعِيَّة وأوسع الْمذَاهب مَذْهَب أَحْمد جوزه للشغل كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَرْفُوعا
قَالَ القَاضِي وَغَيره من الْأَصْحَاب المُرَاد بِهِ الشّغل الَّذِي يُبِيح لَهُ ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَجوزهُ للمستحاضة
فالمرأة إِذا غلب على ظَنّهَا أَنَّهَا لَا تخرج من الْحمام حَتَّى يفوت الْعَصْر أَو تصفر اشمس لمي جز لَهَا تَفْوِيت الْعَصْر بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة بل إِمَّا أَن تصلي فِي الْبَيْت جمعا وَإِمَّا أَن تخرج من الْحمام وَتصلي وَإِمَّا أَن تصلي فِي الْحمام وَجَمعهَا فِي الْبَيْت خير من صلَاتهَا فِي الْحمام
وَلَا يجب تَقْلِيد وَاحِد بِعَيْنِه غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَكِن من كَانَ مُعْتَقدًا قولا فِي مَسْأَلَة بِاجْتِهَاد أَو تَقْلِيد فانفصاله عَنهُ لَا بُد لَهُ من سَبَب شَرْعِي يرجح عِنْده قَول غير إِمَامَة فَإِذا ترجح عِنْد الشَّافِعِي مثلا قَول مَالك قَلّدهُ وَكَذَلِكَ غَيره
وَأما انْتِقَال الْإِنْسَان من قَول إِلَى قَول بِلَا سَبَب شَرْعِي يَأْمر الشَّرْع بِهِ فَفِي تسويقه نزاع
(1/73)

فصل
وَمن تعمد الصَّلَاة فِي الدكاكين مَعَ إِمْكَانه الدُّخُول إِلَى الْجَامِع فَهَؤُلَاءِ مخطئون مخالفون للسّنة وَإِذا لم تتصل الصُّفُوف بل كَانَ بَين الصُّفُوف طَرِيق فَفِي صِحَة الصَّلَاة قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
وجهر الْمُؤَذّن بِالصَّلَاةِ والترضى عِنْد رقي الْخَطِيب الْمِنْبَر وجهره بِالدُّعَاءِ للخطيب وَالْإِمَام بِدعَة وَأَشد مِنْهُ الْجَهْر بِنَحْوِ ذَلِك فِي الْخطْبَة فَكل ذَلِك بِدعَة لم يَفْعَلهَا أحد من السّلف وَلم يستحبها
وَقد أَمر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتسوية الصُّفُوف ورصها وسد الْفرج وتكميل الأول فَالْأول وَأَن يتوسط الإِمَام وتقاربها يَعْنِي الصُّفُوف خمس سنَن
وَمن أدْرك رَكْعَة من الْجُمُعَة ثمَّ قَامَ يقْضِي الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يُخَافت فَإِن الْجُمُعَة لَا يُصليهَا أحد مُنْفَردا والمسبوق إِنَّمَا يجْهر فِيمَا يجْهر فِيهِ الْمُنْفَرد وَلَا مُنْفَرد هُنَا
وَلَيْسَ لأحد أَن يتَّخذ مَقْصُورَة أَو نَحْوهَا فِي الْمَسْجِد يخْتَص بهَا وَيمْنَع غَيره فَهَذَا غير جَائِز بِلَا نزاع
وَالسّنة فِي الْمَسْجِد أَن من سبق إِلَى بقْعَة لعمل جَائِز فَهُوَ أَحَق بِهِ حَتَّى يقوم مِنْهُ لَكِن المصلون أَحَق بِالسَّوَارِي
وَيجوز نصب خيمة وسترة لمن يعْتَكف
وَكَذَلِكَ لَو أَقَامَ الرجل مُدَّة إِقَامَة مَشْرُوعَة كَمَا أذن صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لوفد ثَقِيف أَن ينزلُوا بِالْمَسْجِدِ ليَكُون أرق لقُلُوبِهِمْ وَأقرب إِلَى دُخُول الْإِيمَان فِيهَا وكما مرض سَعْدا فِيهِ لكَونه أسهل لعبادته وكالمرأة الَّتِي كَانَت تقم الْمَسْجِد كَانَ لَهَا خص فِيهِ
(1/74)

فَأَما أَن يتَّخذ مسكنا دَائِما أَو مبيتا أَو معقيلا وَيخْتَص بالحجرة دَائِما فَهَذَا يخرج الْبقْعَة عَن حكم الْمَسْجِد
وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي صِحَة الصَّلَاة فِي مثل هَذِه المقاصير والأماكن المتحجرة على قَوْلَيْنِ وفاعل ذَلِك منهى عَنهُ هَذَا إِذا كَانَ يَفْعَله لِلْعِبَادَةِ
أما من يَفْعَله للمحظورات من الْأَقْوَال الْمُحرمَة وَالْأَفْعَال الْمُحرمَة كمقدمات الْفَوَاحِش فَلَا ريب فِي النَّهْي عَن ذَلِك بل قد نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن توطين الْمَكَان فِي الْمَسْجِد كَمَا يوطن الْبَعِير فَنهى أَن يتَّخذ الرجل مَكَانا لَا يُصَلِّي إِلَّا فِيهِ
ويصان الْمَسْجِد عَمَّا يُؤْذِي الْمُصَلِّين مثل رفع الصّبيان أَصْوَاتهم وتوسيخ حصيره لَا سِيمَا وَقت الصَّلَاة فَإِن ذَلِك من أعظم الْمُنْكَرَات ويبيت فِيهِ بِقدر الْحَاجة ثمَّ ينْتَقل عَنهُ
وَيجوز إِقَامَة جمعتين فِي بلد وَاحِد لأجل الشحناء بِأَن حَضَرُوا كلهم وَوَقعت بَينهم الْفِتْنَة وَيجوز ذَلِك للضَّرُورَة إِلَى أَن تَزُول الْفِتْنَة
وَتسقط الْجُمُعَة عَمَّن يخَاف بِحُضُورِهِ فتْنَة إِذا لم يكن ظَالِما
وَالْوَاجِب عَلَيْهِم الِاعْتِصَام بِحَبل الله والاجتماع على مَا يُرْضِي الله وَعدم التَّفَرُّق وَالسُّؤَال محرم فِي الْمَسْجِد وخارج الْمَسْجِد إِلَّا للضَّرُورَة فَإِن كَانَ بِهِ ضَرُورَة وَلم يتخط النَّاس وَلَا كذب فِيمَا يرويهِ وَيذكر من حَاله وَلم يجْهر جَهرا يضر بِالنَّاسِ مثل من يسْأَل والخطيب يخْطب أَو وهم يستعمون علما بِهِ وَنَحْو ذَلِك جَازَ فِي أظهر قولي الْعلمَاء كَمَا جَاءَ أَن سَائِلًا سَأَلَ فَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإعطائه وَكَانَ فِي الْمَسْجِد
(1/75)

فصل
وَمن سلم على الْمُصَلِّين وَكَانَ فيهم من يحسن الرَّد بِالْإِشَارَةِ فَلَا بَأْس كَمَا كَانَ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسلمُونَ وَهُوَ يرد عَلَيْهِم بِالْإِشَارَةِ وَإِن لم يكن فيهم من يحسن الرَّد بِالْإِشَارَةِ بل قد يتَكَلَّم أحدهم فَلَا يَنْبَغِي إِدْخَاله فِيمَا يقطع صلَاته أَو يتْرك بِهِ الرَّد الْوَاجِب
وَلَا تكون الصَّدَقَة إِلَّا لوجه الله فَمن سَأَلَ بِغَيْر الله من صَحَابِيّ أَو شيخ أَو غَيره فينهى عَن ذَلِك فانه حرَام قطعا بل شرك
وَتجوز الْجُمُعَة فِي القلعة لِأَنَّهَا مَدِينَة أُخْرَى أَو قَرْيَة أَو شبه إِقَامَة جمعتين للْحَاجة
وَلَيْسَ قبل الْجُمُعَة سنة راتبة وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا ظهر مَقْصُورَة فقبلها مَا قبل الظّهْر وَهُوَ غير سديد لِأَن الظّهْر الْمَقْصُورَة لَا سنة لَهَا
وَيتَوَجَّهُ أَن يُقَال لما سنّ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ الْأَذَان الأول انفق الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ فَصَارَ أذانا شَرْعِيًّا وَحِينَئِذٍ فَتكون الصَّلَاة بَينه وَبَين الثَّانِي جَائِزَة حَسَنَة وَلَيْسَت سنة راتبة كَالصَّلَاةِ قبل الْمغرب فَمن فعل لم يُنكر عَلَيْهِ وَمن ترك لم يُنكر عَلَيْهِ وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال وَإِن كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يصل قبلهَا شَيْئا فقد قَالَ بَين كل أذانين صَلَاة لمن شَاءَ
وَقد يكون تَركهَا أفضل إِذا كَانَ الْجُهَّال يظنون أَنَّهَا سنة راتبة أَو وَاجِبَة فَتتْرك حَتَّى يعرف النَّاس أَنَّهَا لَيست براتبة لَا سِيمَا إِذا داوم عَلَيْهَا النَّاس فَيَنْبَغِي تَركهَا أَحْيَانًا كَمَا اسْتحبَّ أَكثر الْعلمَاء أَن لَا يداوم على قِرَاءَة السَّجْدَة يَوْم الْجُمُعَة وَإِن فعله لأجل تأليف الْقُلُوب وَترك الْخِصَام فَحسن
فالفعل الْوَاحِد يسْتَحبّ فعله تَارَة وَيتْرك أُخْرَى بِحَسب الْمصَالح
وَكَذَلِكَ لَو جهر بالبسملة من يرى المخافتة بهَا لأجل تأليف قُلُوب الْمَأْمُومين خَلفه أَو خَافت بهَا من يرى الْجَهْر فَحسن كَمَا كَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ يجْهر
(1/76)

بالاستفتاح لأجل تَعْلِيم السّنة وَقد جهر غير وَاحِد من الصَّحَابَة بالاستعاذة والبسملة ليعلم الْمَأْمُون أَن قرَاءَتهَا فِي الصَّلَاة سنة كَمَا قَرَأَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا على جَنَازَة بِأم الْكتاب جَهرا
وَالنَّاس قد تنازعوا فِي الْقِرَاءَة على الْجِنَازَة فَقيل لَا قِرَاءَة فِي الْجِنَازَة وَقيل وَاجِبَة وَقيل سنة وَهُوَ أعدل الثَّلَاثَة وَالسَّلَف فعلوا هَذَا وَهَذَا كَانُوا يصلونَ على الْجِنَازَة بِالْقِرَاءَةِ وَغَيرهَا كَمَا يصلونَ بالجهر بالبسملة وَبِغير جهر بهَا وَتارَة بالاستفتاح وَتارَة بِغَيْرِهِ وَكَانُوا يرفعون الْيَدَيْنِ فِي المواطن الثَّلَاثَة تَارَة وَتارَة بِغَيْر رفع وَتارَة بتسليمتين وَتارَة بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة ويقرءون خلف الإِمَام فِي السِّرّ تَارَة وَتارَة لَا يقرءُون وَيُكَبِّرُونَ على الْجِنَازَة أَرْبعا تَارَة وَتارَة خمْسا وَتارَة سبعا كل ذَلِك ثَابت عَنْهُم وَتارَة يرجعُونَ فِي الْأَذَان بِغَيْر تَرْجِيع وَتارَة يوترون الْإِقَامَة وَتارَة يشفعونها
فَهَذِهِ الْأُمُور وَإِن كَانَ بَعْضهَا أرجح من الآخر فَمن فعل الْمَرْجُوح فقد فعل جَائِزا وَقد يكون الْمَرْجُوح أرجح للْمصْلحَة الراجحة كَمَا قد يكون ترك الرَّاجِح أرجح وَهَذَا وَاقع فِي عَامَّة الْأَعْمَال حَتَّى فِي حَال الشَّخْص الْوَاحِد قد يكون الْمَفْضُول لَهُ أفضل بِحَسب حَاله لكَونه عَاجِزا عَن الْأَفْضَل أَو لكَون محبَّة أَو رغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أَكثر فَيكون لَهَا حَقه أفضل لما بِهِ مزِيد علمه وحبه وانتفاعه كَالْمَرِيضِ ينْتَفع بالدواء الَّذِي يشتهيه مَالا ينْتَفع بمالا يشتيه وَإِن كَانَ جنس ذَلِك أفضل
وَمن هَذَا الْبَاب صَار الذّكر لبَعض النَّاس فِي بعض الْأَوْقَات أفضل من الْقِرَاءَة وَالْقِرَاءَة لبَعْضهِم فِي بعض الْأَوْقَات خير من الصَّلَاة وأمثال ذَلِك لكَمَال انتفاعه لَا لِأَن جنسه أفضل وَلِأَن تَفْضِيل بعض الْأَعْمَال على بعض إِن لم يعرف التَّفْضِيل فَإِنَّهُ يتنوع بتنوع الْأَحْوَال فِي كثير من الْأَعْمَال وَإِلَّا وَقع فِيهِ اضْطِرَاب كثير قَالَ من النَّاس من إِذا اعْتقد اسْتِحْبَاب فعل ورجحانه
(1/77)

يحافظ عَلَيْهِ مَالا يحافظ على الْوَاجِبَات حَتَّى يخرج بِهِ الْأَمر إِلَى الْهوى والتعصيب وَالْحمية الْجَاهِلِيَّة كَمَا تَجدهُ فِيمَن يخْتَار بعض هَذِه الْأُمُور فيراها شعارا لمذهبه
وَالْوَاجِب أَن يعْطى كل ذِي حق حَقه وبوسع مَا وَسعه الله وَرَسُوله ويؤلف مَا أَلفه الله وَرَسُوله ويداعي مَا أحب الله وَرَسُوله وَيعلم أَن خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهدى هدي مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن الله بَعثه رَحْمَة للْعَالمين لسعادة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة

فصل
وَأما السّنة بعد الْجُمُعَة فقد ثَبت أَنه صلي الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي بعْدهَا رَكْعَتَيْنِ وَثَبت بعد الظّهْر رَكْعَتَيْنِ وَقبلهَا أَرْبعا وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر
فَهَذِهِ الرَّاتِبَة الَّتِي ثبتَتْ
وَكَانَ يقوم بِاللَّيْلِ إِمَّا إِحْدَى عشرَة وَإِمَّا ثَلَاث عشرَة
فَكَانَ مَجْمُوع صلَاته بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار قَرِيبا من أَرْبَعِينَ رَكْعَة فرضا ونفلا
وَالنَّاس مِنْهُم من لَا يُوَقت فِي الرَّوَاتِب كَمَا لَك فَإِنَّهُ لَا يرى سوى الْوتر وركعتي الْفجْر وَمِنْهُم من يقدر أَشْيَاء ضَعِيفَة بل بَاطِلَة كمن يروي قبل الْعَصْر أَرْبعا وَقبل الظّهْر سِتا وَبعدهَا أَرْبعا أَو أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يحافظ على الضُّحَى وأمثال ذَلِك من الْأَحَادِيث المكذوبة
وَأَشد من ذَلِك مَا يذكرهُ من يصنف فِي الرَّقَائِق من الصَّلَاة الأسبوعية والحولية الْمَذْكُورَة فِي كتاب الْقُوت لأبي طَالب الْمَكِّيّ وَأبي حَامِد الْغَزالِيّ وَعبد الْقَادِر وَغَيرهم وكصلاة الألفية الَّتِي فِي أول رَجَب وَنصف شعْبَان والاثنى عشرِيَّة فِي أول جُمُعَة من رَجَب وَفِي لَيْلَة سبع وَعشْرين فِي رَجَب وصلوات أخر تذكر فِي الْأَشْهر
(1/78)

الثَّلَاثَة وَصَلَاة لَيْلَتي الْعِيدَيْنِ وَيَوْم عاشورا وأمثال ذَلِك مَعَ اتِّفَاق أهل الْمعرفَة على كذب ذَلِك لَكِن بلغت أَقْوَامًا من أهل الدّين فظنوها صَحِيحَة فعملوا بهَا وهم مأجورون على حسن قصدهم وهم مخطئون فِي ذَلِك
وَأما من ثبتَتْ لَهُ السّنة فَظن أَن غَيرهَا أفضل مِنْهَا فَهُوَ ضال بل كَافِر وَصَحَّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من كَانَ مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل أَرْبعا وروى السِّت رَكْعَات عَن طَائِفَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم
وَالسّنة أَن يفضل بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فِي الْجُمُعَة وَغَيرهَا بِقِيَام أَو كَلَام وَلم يصل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل الْجُمُعَة بعد الْأَذَان شَيْئا وَلَا نقل هَذَا عَنهُ أحدا وَلَا نقل أَنه صلى فِي بَيته قبل الْخُرُوج مِنْهُ إِلَى الْجُمُعَة وَلَا وَقت بقوله صَلَاة مقدرَة قبل الْجُمُعَة بل رغب فِي الصَّلَاة إِذا قدم الرجل الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة
فَمن أَصْحَابه رَضِي الله عَنْهُم من كَانَ يُصَلِّي عشرَة وَمِنْهُم من كَانَ يُصَلِّي اثنتى عشرَة وَمِنْهُم من كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِيَة وَأَقل وَأكْثر على قدر التَّيْسِير

بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
التَّكْبِير فِي الْفطر أوكد لكَونه أَمر الله بِهِ بقوله {ولتكملوا الْعدة ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ} وَفِي النَّحْر أوكد من جِهَة أَنه يشرع أدبار الصَّلَوَات ومتفق عَلَيْهِ ويجتمع فِيهِ الزَّمَان وَالْمَكَان
وَعِيد النَّحْر أفضل وَمن تعمد ترك صَلَاة الْعِيد وَصلى فِي بَيته أَو فِي مَسْجده بِلَا عذر فَهُوَ مُبْتَدع
(1/79)

وَمن رأى هِلَال ذِي الْحجَّة وَلم يثبت بقوله يَصُوم التَّاسِع فِي الظَّاهِر عِنْد من يَقُول لَا يفْطر بِرُؤْيَة هِلَال شَوَّال وَحده
وَمن شرع لَهُ الْفطر يَوْم الثَّلَاثِينَ سرا لَا يشرع لَهُ صَوْم هَذَا لِأَنَّهُ عِنْده يَوْم الْعِيد وَلَيْسَ لَهُ الْوُقُوف بِعَرَفَة وَلَا التَّضْحِيَة قبل النَّاس فِي منى وَلَا فِي الْأَمْصَار بل يعرف مَعَ النَّاس فِي الْيَوْم الَّذِي هُوَ فِي الظَّاهِر التَّاسِع وَإِن كَانَ بِحَسب رُؤْيَته الْعَاشِر
فالهلال إِذا لم يطلع النَّاس ويستهلوه لم يكن هلالا وَكَذَا الشَّهْر مَأْخُوذ من الشُّهْرَة وانما يغلط كثير من النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لظنهم أَنه إِذا طلع فِي السَّمَاء كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة أَو الشَّهْر سَوَاء ظهر للنَّاس واستهلوا بِهِ أَولا وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل لَا بُد من ظُهُوره واستهلالهم بِهِ وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صومكم يَوْم تصومون وفطركم يَوْم تفطرون وأضحاكم يَوْم تضحون أَي هِيَ الْيَوْم الَّذِي تعلمُونَ أَنه وَقت الصَّوْم وَالْفطر والأضحى
فَيَنْبَغِي أَن يَصُوم التَّاسِع ظَاهرا وَإِن كَانَ بِحِسَاب رُؤْيَته عَاشر
فصوم الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ هَل هُوَ تَاسِع ذِي الْحجَّة أَو عاشره جَازَ بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء لِأَن الأَصْل عدم الْعَاشِر كَمَا لَو شكوا لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من رَمَضَان لم يكن شكا بالِاتِّفَاقِ بِخِلَاف لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من شعْبَان لِأَن لاأصل بَقَاء شعْبَان وَكَذَا الْمُنْفَرد بِرُؤْيَة شَوَّال لَا يفْطر عَلَانيَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء
وَهَذَا يفْطر سرا على قَوْلَيْنِ أصَحهمَا لَا يفْطر
وَلَا يجوز الِاعْتِمَاد على الْحساب بالنجوم بِاتِّفَاق الصَّحَابَة وَالسّنة كَمَا قد بَينته فِي موَاضعه
وَإِن عُلَمَاء الْهَيْئَة يعلمُونَ أَن الرُّؤْيَة لَا تنضبط بِأَمْر حسابي يثبت حد الْيَوْم وَأَنه لَا يَنْضَبِط بِالْحِسَابِ لِأَن النَّهَار يظْهر سَبَب الأبخرة فَمَتَى أدّى إِلَى أَن يَأْخُذ حِصَّة الْعشَاء من حِصَّة الْفجْر إِنَّمَا يَصح لَو كَانَ الْمُوجب لظُهُور النُّور وخفائه
(1/80)

مُجَرّد محاذاة الْأُفق الَّتِي لَا تعلم بِالْحِسَابِ فَأَما إِذا كَانَ للأبخرة تَأْثِير فالبحار يكون فِي الشِّفَاء وَفِي الاماكن الرّطبَة أَكثر فَلَا يَنْضَبِط بِالْحِسَابِ وَلِهَذَا تُوجد حِصَّة الْفجْر فِي زمن الشتَاء أطول مِنْهَا فِي زمن الصَّيف وَالْقِيَاس الحسابي يشكل عَلَيْهِ ذَلِك لِأَن حِصَّة الْفجْر عِنْده تتبع النَّهَار وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوْضِعه وَالله أعلم

بَاب صَلَاة التَّطَوُّع
قراءة سُورَة الْأَنْعَام فِي رَكْعَة وَاحِدَة فِي رَمَضَان أَو غَيره بِدعَة سَوَاء تحروا اللَّيْلَة بِعَينهَا أَولا كَمَا يَفْعَله بعض النَّاس يقرؤنها فِي آخر رَكْعَة من صَلَاة الْوتر يطول على النَّاس ويهذها هَذَا مَكْرُوها
وَإِذا صلى لَيْلَة النّصْف وَحده أَو بِجَمَاعَة خَاصَّة فَهُوَ حسن
أما الِاجْتِمَاع على صَلَاة فِي الْمَسَاجِد مقدرَة بِمِائَة رَكْعَة بِقِرَاءَة ألف {قل هُوَ الله أحد} دَائِما فَهِيَ بِدعَة لم يستحبها أحد
وَيكرهُ للنَّاس أَن يداوموا فِي الْجَمَاعَة على غير مَا شرعت لَهُ المداومة عَلَيْهَا لَكِن إِذا لم يتَّخذ راتبة وَكَذَا إِذا كَانَ لمصْلحَة مثل أَن لَا يحسن أَن يُصَلِّي وَحده أَو لَا ينشط وَحده فالجماعة أفضل إِذا لم تتَّخذ راتبة وفعلها فِي الْبَيْت أفضل إِلَّا لمصْلحَة راجحة
وَصَلَاة الْقدر الَّتِي تصلي بعد التَّرَاوِيح رَكْعَتَيْنِ فِي آخر اللَّيْل يصلونَ تَمام مائَة رَكْعَة بِدعَة مَكْرُوهَة والاجتماع الْمُعْتَاد فِي الْمَسَاجِد على صَلَاة مقدرَة بِدعَة
والتراويح سنة بعد الْعشَاء والرافضة تكره التَّرَاوِيح
وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين كل أذانين صَلَاة المُرَاد بِهِ بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة فَهِيَ مُسْتَحبَّة بَين كل أَذَان وَإِقَامَة لَيست راتبة
وَثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي بعد الْوتر رَكْعَتَيْنِ
(1/81)

وَهُوَ جَالس لَكِن جَاءَ مُفَسرًا فِي الحَدِيث الطَّوِيل فِي مُسلم أَن كَانَ يُوتر باحدى عشرَة وَأَنه بعد أوتر بتسع وَصلى بعد ذَلِك رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس فَتلك إِحْدَى عشرَة رَكْعَة وَكَذَلِكَ لما أوتر بتسع
فَهَذَا يبين أَنه لم يكن يداوم عَلَيْهَا
وويل للْعَالم إِذا سكت عَن تَعْلِيم الْجَاهِل وويل للجاهل إِذا لم يقبل
وَلَيْسَ للْمُسلمِ أَن يستفتى إِلَّا من يعلم أَنه من أهل الْعلم وَالدّين وَأَن لَا يقْتَدى إِلَّا بِمن يصلح الِاقْتِدَاء بِهِ
مَسْأَلَة وَإِذا كَانَ الرّجلَانِ من أهل الدّيانَة فَأَيّهمَا كَانَ أعلم بِالْكتاب وَالسّنة وَجب تَقْدِيمه على الْآخِرَة وَكَانَ ائتمامه بِهِ مُتَعَيّنا
وَلَيْسَ للامام تَأْخِير الصَّلَاة عَن الْوَقْت الْمُسْتَحبّ وَبعد حُضُور أَكثر الْجَمَاعَة منتظرا لأحد بل ينْهَى عَن ذَلِك إِذا شقّ
وَيجب عَلَيْهِ رِعَايَة الْمَأْمُومين
قَالَ سلمَان رَضِي الله عَنهُ رَأَيْت ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا جَالِسا على البلاط وَالنَّاس يصلونَ فَقلت مَا بك لَا تصلي فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا تُعَاد صَلَاة مرَّتَيْنِ وَقد قَالَ للرجلين إِذا صليتما فِي رحالكما ثمَّ أتيتما مَسْجِد جمَاعَة فَصَليَا مَعَ الْجَمَاعَة
الْجمع بَينهمَا أَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا لم يكن لَهُ سَبَب يُعِيد بِهِ صلَاته بِخِلَاف الرجلَيْن فَإِنَّهُمَا صليا فِي رحالهما ثمَّ أَتَيَا مَسْجِد جمَاعَة فَكَانَ سَبَب الْإِعَادَة حُضُور الْجَمَاعَة الزَّانِيَة بِخِلَاف الْإِعَادَة بِلَا سَبَب فَإِنَّهَا مَكْرُوهَة
وَمن السَّبَب الحَدِيث الَّذِي فِي سنَن أبي دَاوُد وَهُوَ قَوْله أَلا رجل يتَصَدَّق على هَذَا فالمتصدق أعَاد لتحصل لذَلِك الْمصلى فَضِيلَة الْجَمَاعَة
وَمن السَّبَب مَا جَاءَ عَنهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على صَلَاة الْخَوْف مرَّتَيْنِ
(1/82)

وَحَدِيث معَاذ كَانَ يُصَلِّي مَعَه الْعشَاء ثمَّ يُصَلِّي لِقَوْمِهِ فِي بني عَمْرو ابْن عَوْف
مَسْأَلَة وَيُشبه هَذَا إِعَادَة صَلَاة الْجِنَازَة لمن صلى عَلَيْهَا أَولا فَلَا يشرع بِغَيْر سَبَب بِاتِّفَاق الْعلمَاء بل لَو صلى عَلَيْهَا مرّة ثمَّ حضر من لم يصل عَلَيْهَا هَل يُصَلِّي عَلَيْهَا على قَوْلَيْنِ
قيل يُصَلِّي وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَعند مَالك وَأبي حنيفَة ينْهَى عَن ذَلِك كَمَا ينهيان عَن إِقَامَة الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد مرّة بعد مرّة
قَالُوا لِأَن الْفَرْض سقط بِالْأولَى وَصَلَاة الْجِنَازَة لَا يتَطَوَّع بهَا
وَأَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد يجيبون بجوابين
أَحدهمَا أَن الثَّانِيَة تقع فرضا عَمَّن فعلهَا وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي سَائِر فروض الكفايات أَن من فعهلا أسقط بهَا فرض نَفسه وَإِن كَانَ غَيره قد فعلهَا فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يَكْتَفِي بِإِسْقَاط ذَلِك عَنهُ وَبَين أَن يسْقط الْفَرْض بِنَفسِهِ
وَإِذا قيل هِيَ نَافِلَة فيمنعون قَول الْقَائِل لَا يتَطَوَّع بِصَلَاة الْجِنَازَة بل قد يتَطَوَّع بهَا إِذا كَانَ هُنَاكَ سَبَب يَقْتَضِي ذَلِك
وينبنى على هذَيْن المأخذين أَنه إِذا أعَاد الْجِنَازَة من لم يصل عَلَيْهَا أَولا فَهَل لمن صلى عَلَيْهَا أَن يُصَلِّي مَعَه تبعا على وَجْهَيْن
قيل لَا يجوز هُنَا لِأَن فعله هُنَا نفل بِلَا نزاع وَهِي لَا ينتفل بهَا
وَقيل بل لَهُ الْإِعَادَة فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما صلى على الْقَبْر صلى خَلفه من كَانَ قد صلى أَولا
وَهَذَا أقرب لِأَنَّهُ أعَاد تبعا لَيست قَضَاء وَلَا إِعَادَة مَقْصُودَة وَهَذَا سَائِغ فِي الْمَكْتُوبَة والجنازة
وَقِرَاءَة الْقُرْآن لله تَعَالَى فِيهَا الثَّوَاب الْعَظِيم وَلَو قصد بذلك أَن يستذكر لِئَلَّا
(1/83)

يسناه فَفِيهِ الثَّوَاب أَيْضا فَإِن نسيانه من الذُّنُوب فَإِذا قصد أَدَاء الْوَاجِب من دوَام الْحِفْظ وَأَدَاء الْأَمر وَاجْتنَاب النَّهْي فقد قصد طَاعَة فَكيف لَا يُؤجر وَقَول الْقَائِل اللَّهُمَّ أمنا مكرك وَلَا تؤمنا مكرك لَهُ مَعْنيانِ
أَحدهمَا صَحِيح وَالْآخر فَاسد فَإِن أَرَادَ لَا تؤمنا مكرك أَي لَا تجعلنا نَأْمَنهُ بل اجْعَلْنَا نخافه فالمؤمن يخَاف مكر الله ومكر الله أَن يُعَاقِبهُ على سيئاته وَالْكَافِر لَا يخْشَى الله فَلَا يخَاف مكره ومكره أَن يُعَاقِبهُ على الذَّنب لَكِن من حَيْثُ لَا يشْعر
وَقَوله أمنا مكرك يُرِيد قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن} يَجْعَل لَهُ أَن يمكر بهم وَإِن كَانُوا خافون الْمَكْر فَيكون حَقِيقَة قَوْله أمنا مكرك أنجزني على حسناتي وَلَا تعاقبني بذنوب غَيْرِي فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما
فَأَما الْمَعْنى الْفَاسِد فَأن يُرِيد اللَّهُمَّ أمنا من مكرك أَي لَا نخافك أَن تَمْكُر بِنَا وَقد يُرِيد لَا تؤمنا مكرك أَي لَا تجْعَل لنا أمنا من الْعَذَاب

فصل
قَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مَا قَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة إِلَى الصَّباح وَمَا صَامَ شهرا كَامِلا إِلَّا رَمَضَان
وَصَحَّ عَنْهَا رَضِي الله عَنْهَا أَنه كَانَ يَصُوم شعْبَان إِلَّا قَلِيلا بل كَانَ يَصُومهُ كُله وَأَنه كَانَ إِذا دخل الْعشْر شدّ المئرز وَأَحْيَا اللَّيْل كُله
فَجعل بَعضهم رِوَايَة الشَّك على رِوَايَة الحزم
وَكَذَلِكَ من صلى غَالب اللَّيْل فقد يُقَال إِنَّه أَحْيَاهُ أَو أَنَّهَا نفت الْقيام وأثبتت الْإِحْيَاء الَّذِي يكون بِقِيَام وإحياء وَقِرَاءَة وَذكر وَدُعَاء وَغير ذَلِك
والأوتار هَل هِيَ بِاعْتِبَار مَا مضى أَو بِاعْتِبَار مَا بَقِي فليله إِحْدَى وَعشْرين
(1/84)

وَثَلَاثَة وَخَمْسَة وَسَبْعَة وَتِسْعَة بِاعْتِبَار مَا مضى وَبِاعْتِبَار مَا بَقِي لتسْع بَقينَ وَسبع يَقِين وَنَحْو ذَلِك فَإِذا كَانَ الشَّهْر نَاقِصا فَقيل لتسْع كَانَت لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين فَيكون وتر الْمُسْتَقْبل والماضي وَإِن كَانَ الشَّهْر كَامِلا كَانَت الأوتار هِيَ الأشفاع بِاعْتِبَار الْمَاضِي كَمَا فسره أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ وَغَيره وَلِهَذَا كَانَت لَيْلَة الْقدر كثيرا مَا تكون لسبع مضين ولسبع يَقِين فَتكون لَيْلَة أَربع وَعشْرين وَهِي الَّتِي روى أَن الْقُرْآن نزل فِيهَا
فالتحقيق أَنَّهَا تكون فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فِي الأوثار لَكِن بالاعتبارين فَأَما لَيْلَة سبع عشرَة من رَمَضَان فَلَا ريب أَنَّهَا لَيْلَة سبع عشرَة من رَمَضَان فَلَا ريب أَنَّهَا لَيْلَة بدر يَوْمهَا هُوَ يَوْم الْفرْقَان يَوْم التقي الْجَمْعَانِ وَلم يَجِيء حَدِيث يعْتَمد عَلَيْهِ أَنَّهَا لَيْلَة الْقدر وَإِن كَانَ قد قَالَه بعض الصَّحَابَة كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ من يقم الْحول يصبهَا وَبَعْضهمْ يعينلها لَيْلَة من الْعشْر الْأَوَاخِر
والصيحيح أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر تنْتَقل
فروى البُخَارِيّ لَيْلَة الْقدر فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان
وَالْأَحَادِيث المروية أَنَّهَا فِي أول لَيْلَة الْمحرم أَو لَيْلَة عَاشُورَاء أَو أول لَيْلَة من رَجَب أَو أول لَيْلَة جُمُعَة من رَجَب أَو لَيْلَة سبع وَعشْرين أَو لَيْلَة الْعِيدَيْنِ وَفِي الصَّلَاة الألفية لَيْلَة النّصْف كلهَا كذب مَوْضُوعَة وَلم يكن أحد يَأْمر بتخصيص هَذَا اللَّيَالِي بِقِيَام وَلَا صَلَاة أصلا
وَقَول أَحْمد إِذا جَاءَ التَّرْغِيب والترهيب تساهلنا فِي الْإِسْنَاد فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إِذا كَانَ الْأَمر مَشْرُوعا أَو مَنْهِيّا عَنهُ بِأَصْل مُعْتَمد ثمَّ جَاءَ حَدِيث فِيهِ ترغيب فِي الْمَشْرُوع أَو ترهيب عَن المنهى عَنهُ لَا يعلم أَنه كذب وَمَا فِيهِ من الثَّوَاب وَالْعِقَاب قد يكون حَقًا وَلَو قدر أَنه لَيْسَ كَذَلِك فَلَا بُد فِيهِ من ثَوَاب وعقاب أما إِنَّه يرويهِ مَعَ علمه بِأَنَّهُ كذب فمعاذ الله لَا يجوز ذَلِك إِلَّا مَعَ بَيَان حَاله وَلَا يسْتَند إِلَيْهِ فِي ترغيب وَلَا غَيره
(1/85)

وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يثبت حكم شَرْعِي من ندب أَو كَرَاهَة أَو فَضِيلَة وَلَا عمل مُقَدّر فِي وَقت معِين بِحَدِيث لم يعلم حَاله أَنه ثَابت فَلَا بُد من دَلِيل ثَابت يثبت بِهِ الحكم الشَّرْعِيّ وَإِلَّا كَانَ قولا على الله بِغَيْر علم
وَمن الْعجب أَن طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد فضلوا لَيْلَة الْجُمُعَة على لَيْلَة الْقدر وَرَأَوا أَن إحياءها أفضل من إحْيَاء لَيْلَة الْقدر وَقد يثبت فِي الصَّحِيح النَّهْي عَن تخصيصها بِقِيَام مَعَ أَنه ثَبت بالتواتر أَن لَيْلَة أَمر الله بِالْقيامِ فِيهَا وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حض على قِيَامهَا وانها لَا عدل لَهَا من ليَالِي الْعَام
وَمن أصر على ترك الْوتر ردَّتْ شَهَادَته
وَأفضل الصَّلَاة بعد الْمَكْتُوبَة قيام اللَّيْل واوكده الْوتر وركعنا الْفجْر وَقَضَاء سنة الْفجْر بعد طُلُوع الشَّمْس جَائِز فِي أصح قولي الْعلمَاء وَكَذَا قَضَاء الرَّاتِبَة مثل سنة الظّهْر بعد الْعَصْر فِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد الْأَصَح الْجَوَاز

بَاب الْأَدْعِيَة والأذكار
جهر الإِمَام وَالْمَأْمُوم بِقِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ بعد الصَّلَاة مَكْرُوه بِلَا ريب وروى فِي قرَاءَتهَا حَدِيث لكنه ضَعِيف جدا
وَكَذَا جهر الإِمَام وَالْمَأْمُوم بِقِرَاءَة الْفَاتِحَة دَائِما أَو خَوَاتِيم الْبَقَرَة أَو أولى الْحَدِيد أَو آخر الْحَشْر
وَكَذَا اجْتِمَاع الإِمَام وَالْمَأْمُوم دَائِما على صَلَاة رَكْعَتَيْنِ عقيب الْفَرِيضَة وَنَحْو ذَلِك كل ذَلِك مِمَّا لَا ريب فِي أَنه من الْبدع
وَأما إِذا قَرَأَ الإِمَام آيَة الْكُرْسِيّ فِي نَفسه فَلَا بَأْس بِهِ إِذْ هِيَ عمل صَالح كَمَا لَو كَانَ لَهُ ورد من الْقُرْآن أَو الدُّعَاء أَو الذّكر عقيب الصَّلَاة فَلَا بَأْس بِهِ
(1/86)

والمشروع هُوَ مَا ثَبت فِي الصَّحِيح لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَنَحْوه
وَثَبت أَيْضا أَن تسبح وتحمد وتكبر كل وَاحِدَة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وروى أَن يكون التَّسْبِيح والتحميد وَالتَّكْبِير جملَة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وروى عشرا عشرا عشرا وروى أحد عشر أحد عشر وروى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيخْتم الْمِائَة بِالتَّوْحِيدِ التَّام وروى أَنه يَقُول كل وَاحِدَة من الْكَلِمَات الْأَرْبَع خمْسا وَعشْرين
فَهَذِهِ سِتَّة أَنْوَاع قد صحت عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأما الدُّعَاء فقد روى أَنه أَمر معَاذًا رَضِي الله عَنهُ أَن يَقُول دبر كل صَلَاة اللَّهُمَّ أَعنِي على ذكرك وشكرك وَحسن عبادتك وَنَحْو ذَلِك
لَكِن لفظ دبر قد يُرَاد بِهِ آخر جُزْء من الصَّلَاة كَمَا يُرَاد بدبر الشَّيْء آخِره وَقد يُرَاد بِهِ مَا بعد انْقِضَائِهَا كَقَوْلِه تَعَالَى {وأدبار السُّجُود} وَقد يُرَاد مجموعهما
أما دُعَاء الْمَأْمُومين مَعَ الإِمَام جَمِيعًا فَهَذَا لَا ريب أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَفْعَله فِي أعقاب المكتوبات وَلِهَذَا كَانَ الْعلمَاء الْمُتَأَخّرُونَ فِي ذَلِك على ثَلَاثَة أَقْوَال
مِنْهُم من يستحبه عقيب الْفجْر وَالْعصر كطائفة من أَصْحَاب أَحْمد وَمَالك وَأبي حنيفَة وَغَيرهم
وَمِنْهُم من استحبه أدبار الصَّلَوَات كلهَا سرا وَقَالَ لَا يجْهر بِهِ إِلَّا إِذا أَرَادَ التَّعْلِيم كَمَا ذَكرْنَاهُ طَائِفَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَغَيره وَلَيْسَ مَعَهم حجَّة بذلك بعد الصَّلَاة بل الْحجَّة قبل فَرَاغه من الصَّلَاة فان فِيهِ مُنَاسبَة إِذا هُوَ مقبل على الْمُنَاجَاة لرَبه حَتَّى أوجبه بَعضهم وَهُوَ قَول فِي الْمَذْهَب وَالْأَئِمَّة الْكِبَار لم يستحبوا ذَلِك لَكِن إِن فعل ذَلِك أَحْيَانًا لأمر عَارض كاستسقاء وَنَحْوه فَلَا بَأْس كَمَا لَو ترك الذّكر الْمَشْرُوع لعَارض فَلَا بَأْس فالدعاء قبل انْصِرَافه
(1/87)

مُنَاسِب بِخِلَاف بعد انْصِرَافه إِنَّمَا يُنَاسب الذّكر وَالثنَاء
وَأما رفع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء فقد جَاءَ فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة
وَأما مسح الْوَجْه فَفِيهِ حديثان لَا تقوم بهما حجَّة
وَلَا يسْتَحبّ عقيب الختمة قِرَاءَة الْإِخْلَاص ثَلَاثًا بل يقْرَأ كَمَا فِي الْمُصحف بِخِلَاف قرَاءَتهَا مُنْفَرِدَة
وَمن اسْتحبَّ أَن يقْرَأ بِالْفَاتِحَةِ وخواتيم الْبَقَرَة فَهُوَ مخطىء بِاتِّفَاق النَّاس وَإِن كَانَ قَالَه طَائِفَة من أَصْحَاب احْمَد وَغَيرهم

فصل
آل مُحَمَّد فيهم قَولَانِ
أَحدهمَا انهم أهل بَيته الَّذين حرمُوا الصَّدَقَة نَص عَلَيْهِ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَهُوَ أصح
وعَلى هَذَا فَفِي تَحْرِيم الصَّدَقَة على أَزوَاجه وكونهم من أهل بَيته رِوَايَتَانِ الْأَصَح دخولهن دون مواليهن كبريرة بِخِلَاف موَالِي الرِّجَال
وعَلى هَذَا أهل بَيته هم بَيته هم بَنو هَاشم من ذُرِّيَّة أبي طَالب وَالْعَبَّاس والْحَارث أَبنَاء عبد الْمطلب أعمام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فذرية هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أهل بيئه وَكَذَلِكَ ذُرِّيَّة ابي لَهب عِنْد الْجُمْهُور وَلَيْسَ من أَعْمَامه من لَهُ نسل غير هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة
وَأفضل أهل بَيته عَليّ وَفَاطِمَة وَحسن وحسين الدّين أدَار عَلَيْهِم الكساء وخصهم بِالدُّعَاءِ
وَأما بَنو الْمطلب هَل من أهل بَيته الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة على رِوَايَتَيْنِ وَالْقَوْل الثَّانِي آل مُحَمَّد هم أمته أَو الأنقياء من أمته روى ذَلِك عَن مَالك وَطَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم وَلَفظ آل فلَان إِذا أطلق دخل فِيهِ فلَان
(1/88)

وَآله وَقد يُقَال مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد فَلَا يدْخل فيهم مُحَمَّد وَكَذَلِكَ أهل الْبَيْت
وأصل آل أول فحركت الْوَاو وَانْفَتح مَا قبلهَا فَقبلت آنِفا وَمن قَالَ إِن أَصله أهل فقد غلط لِأَن الْأَهْل يُضَاف إِلَى الجماد وَغَيره وَأما آل فَإِنَّمَا يُضَاف إِلَى شخص مُعظم من شَأْنه أَن يؤول إِلَيْهِ غَيره أَي يسوسه فَيكون مآله إِلَيْهِ فَيتَنَاوَل نَفسه وَمن يؤول إِلَيْهِ
وَلِهَذَا جَاءَ فِي أَكثر الْأَلْفَاظ كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم وَجَاء فِي بَعْضهَا على إِبْرَاهِيم هُوَ الأَصْل فِي الصَّلَاة وَسَائِر أهل بَيته تبع لَهُ وَلم يَأْتِ على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم بل روى لكنه غير ثَابت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَمن الْمُتَأَخِّرين من يرى الْجمع بَين أَلْفَاظ الْأَدْعِيَة الَّتِي رويت بِأَلْفَاظ متنوعة مثل قَوْله ظلما كثيرا كَبِيرا وَهِي طَريقَة محدثة بل فَاسِدَة عقلا لِأَنَّهُ لم يسْتَحبّ أحد من الْمُسلمين للقارىء أَن يجمع بَين حُرُوف الْقِرَاءَة
فَإِن قيل فَلم جَاءَ على مُحَمَّد وعَلى آله ذكرت فِي مقَام الطّلب وَالدُّعَاء وَفِي إِبْرَاهِيم فِي مقَام الْخَبَر وَالْجُمْلَة الطبيبة إِذا بسطت كَانَ بسطها مناسبا لِأَن الْمَطْلُوب
(1/89)

يزِيد بِزِيَادَة الطّلب وَينْقص بنقصانه فَأَما الْخَبَر فَهُوَ خبر عَن أَمر قد وَقع لَا يحْتَمل الزِّيَادَة وَلَا النُّقْصَان فَلم يكن فِي زِيَادَة اللَّفْظ زِيَادَة معنى فَكَانَ الإيجاز أحسن وَلِهَذَا جَاءَ بلفط إِبْرَاهِيم تَارَة وبلفظ آل إِبْرَاهِيم أُخْرَى لِأَن كلا من اللَّفْظَيْنِ يدل على مَا يدل عَلَيْهِ الآخر وَهُوَ الصَّلَاة الَّتِي وَقعت وَمَضَت إِذا قد علم أَن الَّذِي وَقع هُوَ الصَّلَاة عَلَيْهِ وعَلى آله بِخِلَاف مالو طَالب صَلَاة على مُحَمَّد فَإِنَّهُ يدل على طلب الصَّلَاة على آل مُحَمَّد إِذْ هُوَ طلب وَدُعَاء ينشأ بَيْننَا بِهَذَا اللَّفْظ لم يعلم مَا يُرِيد بِهِ
وَلَو قيل صلى على آل مُحَمَّد لَكَانَ إِنَّمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي الْعُمُوم فَقيل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد ليخص بِالدُّعَاءِ
ثمَّ إِن قيل إِنَّه دَاخل فِي آله مَعَ الاقتران كَمَا هُوَ دَاخل مَعَ الْإِطْلَاق فقد صلى عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ خُصُوصا وعموما
وَلَو قيل إِنَّه لم يدْخل فَفِي ذَلِك بَيَان أَن الصَّلَاة على آله إِنَّمَا طلبت تبعا لَهُ وَأَنه هُوَ الأَصْل الَّذِي بِسَبَبِهِ طلبت الصَّلَاة عَليّ آله
فَإِن قيل قَوْله كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم يشْعر بفضيلة إِبْرَاهِيم لِأَن الْمُشبه دون الْمُشبه بِعْ
قيل الْجَواب أَن مُحَمَّدًا داخلي فِي آل إِبْرَاهِيم لِأَنَّهُ فِي الْأَصَح أَحَق من غَيره من الْأَنْبِيَاء بِالدُّخُولِ فَيدْخل عُمُوما فِي آل ابراهيم ثمَّ أمرنَا أَن نصلي على مُحَمَّد وعَلى آله خُصُوصا بِقدر مَا صلينَا عَلَيْهِ مَعَ سَائِر آل إِبْرَاهِيم عُمُوما ثمَّ لأهل بَيته من ذَلِك مَا يَلِيق بهم وَالْبَاقِي لَهُ فيطلب لَهُ من الصَّلَاة هَذَا الْقدر الْعَظِيم فَيحصل لَهُ بِهِ أعطم مَالا براهيم وَغَيره وَيظْهر بِهِ من فضيلته على كل من النَّبِيين مَا هُوَ اللَّائِق بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَجَوَاب ثَان وَهُوَ أَن آل إِبْرَاهِيم فيهم الْأَنْبِيَاء الَّذين لَيْسَ مثلهم فِي آل مُحَمَّد فَإِذا طلب لَهُ من الصَّلَاة مثل مَا صلى على هَؤُلَاءِ حصل لآله مَا يَلِيق بهم
(1/90)

فَإِنَّهُم دون الْأَنْبِيَاء وَبقيت الزِّيَادَة لمُحَمد فَحصل لَهُ بذلك مزية لَيست لإِبْرَاهِيم وَلَا لغيره وَهَذَا حسن أَيْضا
وَجَوَاب ثَالِث منع أَن يكون الْمُشبه دون الْمُشبه بِهِ
وَجَوَاب رَابِع أَن التَّشْبِيه عَائِذ إِلَى الصَّلَاة على الْآل فَقَط فَعِنْدَ قَوْله على مُحَمَّد انْقَطع الْكَلَام وَقَوله على آل مُحَمَّد مُبْتَدأ وَهَذَا نقل عَن الشَّافِعِي وَهُوَ ضَعِيف كَالَّذي قبله لِأَن الْفِعْل الْعَامِل فِي الْمَعْطُوف هُوَ الْعَامِل فِي أَدَاء التَّشْبِيه والحذف إِنَّمَا يجوز مَعَ قيام دَلِيل كَمَا لَو قَالَ اضْرِب زيدا وَعَمْرو مثل ضربك خَالِدا وَجعل التَّشْبِيه للمعطوف كَانَ تلبيسا
وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد أَي لَا ينفع ذَا الْحَظ وَالْمَال وَالْعَظَمَة مِنْك مَاله وَلَا عَظمته بل تقواه وإيمانه
وَمُحَمّد أفضل الرُّسُل بِاتِّفَاق الْمُسلمين لَكِن وَقع نزاع هَل هُوَ أفضل من جُمْلَتهمْ
قطع طَائِفَة بِأَنَّهُ أفضل كَمَا أَن صديقه أَبَا بكر وزن إيمَانه بِإِيمَان جَمِيع الْأمة فرجح
فعلى هَذَا يكون آل مُحَمَّد الدّين هُوَ فيهم أفضل من آل إِبْرَاهِيم الَّذين لَيْسَ مِنْهُم مُحَمَّد وَإِن كَانَ فيهم عدد من الْأَنْبِيَاء وَإِن لم يكن مُحَمَّد بن
(1/91)

آل نَفسه فَيكون آل مُحَمَّد لَيْسَ فيهم بني دون آل أبراهيم ففيهم أَنْبيَاء
وَإِن قُلْنَا إِنَّه دخل فِي آل إِبْرَاهِيم كَانَ آل إِبْرَاهِيم فيهم مُحَمَّد وأنبياء غَيره
وَآل مُحَمَّد فيهم مُحَمَّد وَلَا نَبِي مَعَه فَتكون الْجُمْلَة الَّتِي هُوَ وَغَيره فِيهَا من الْأَنْبِيَاء أفضل من الآخرين
وَاتفقَ الْمُسلمُونَ على أَن الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الدُّعَاء كلمة سرا أفضل بل الْجَهْر وَرفع الصَّوْت بِالصَّلَاةِ بِدعَة وَرفع الصَّوْت بذلك أَو بالترضى قُدَّام الْخَطِيب فِي الْجُمُعَة مَكْرُوه أَو محرم بالِاتِّفَاقِ وَمِنْهُم من يَقُول سرا وَمِنْهُم من يَقُول يسكت
وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَفْظ الحَدِيث أفضل من كل لفظ وَلَا يُزَاد عَلَيْهِ كَمَا فِي الْأَذَان وَالتَّشَهُّد قَالَه الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم
وَهِي فِي الصَّلَاة وَاجِبَة فِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ وَقَول للشَّافِعِيّ وَلَا تجب فِي غَيرهَا وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى لَا تجب فِي الصَّلَاة وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حُذَيْفَة
ثمَّ مِنْهُم من قَالَ تجب فِي الْعُمر مرّة وَمِنْهُم من قَالَ تجب فِي الْمجْلس الَّذِي يذكر فِيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأما استفتاح الفأل فِي الْمُصحف فقد تنَازع فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ ذكر القَاضِي أَبُو يعلى عَن ابْن بطة فعله وَلَكِن عَن غَيره أَنه كرهه
والاجتماع على الْقِرَاءَة وَالذكر وَالدُّعَاء حسن إِذا لم يتَّخذ سنة راتبة وَلَا اقْترن بِهِ مُنكر من بِدعَة
(1/92)

وكشف الرَّأْس مَعَ ذَلِك مَكْرُوه وَلَا سِيمَا إِن اتخذ عبَادَة فَلَا يجوز التَّعَبُّد بِهِ

فصل
وَقد ثَبت عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَنَّهُ كَانَ يخص نَفسه بِالدُّعَاءِ وَهُوَ إِمَام كَمَا فِي الاستفتاح اللَّهُمَّ باعدييني وَبَين خطاي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب الخ وَفِي قَوْله {أعوذ بك من عَذَاب جَهَنَّم} بعد التَّشَهُّد وَقَوله بعد رَفعه من الرُّكُوع بعد قَوْله لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطى لما منعت يَقُول اللَّهُمَّ طهرني من خطاياي بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد وَغير ذَلِك من الْأَدْعِيَة المأثورة عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وروى عَنهُ {لَا يحل لرجل يؤم قوما فيخص نَفسه بِالدُّعَاءِ} فَإِن صَحَّ هَذَا الحَدِيث يكون المُرَاد بِهِ الدُّعَاء الَّذِي يُؤمن عَلَيْهِ الْمَأْمُوم كدعاء الْقُنُوت فَإِن الْمُؤمن دَاع لقَوْله تَعَالَى مُوسَى وأخيه {قد أجيبت دعوتكما} وَكَانَ أَحدهمَا يَدْعُو وَالْآخر يُؤمن
فَإِذا كَانَ الْمَأْمُوم يُؤمن وَيَدْعُو الإِمَام فالدعاء يكون بِصِيغَة الْجمع كَمَا فِي دُعَاء الْفَاتِحَة {اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الخ}
مَسْأَلَة وَمن حفظ الْقُرْآن غير مُعرب فَلم يُمكنهُ أَن يقرأه إِلَّا يلحن الْعَجم أَو عَجزه عَن حفظ إعرابه وَنَحْوه فليقرأ كَمَا يُمكنهُ فَهُوَ أولى من تَركه {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا}
وَمن اعْتقد أَنه بِمُجَرَّد تلفظه بِالشَّهَادَةِ يدْخل الْجنَّة وَلَا يدْخل النَّار فَهُوَ ضال مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
(1/93)

وَالْحَمْد يتَضَمَّن الْمَدْح وَالثنَاء بجميل المحاسن سَوَاء كَانَ للمحمود إِحْسَان إِلَى الحامد أَولا
وَالشُّكْر لَا يكون إِلَّا على الْإِحْسَان إِلَى الشاكر
فَمن هَذَا الْوَجْه يكون الْحَمد أَعم لِأَنَّهُ على المحاسن وَالْإِحْسَان لَكِن الشُّكْر يكون بِالْقَلْبِ وَالْيَد وَاللِّسَان كَمَا قيل ... أفادتكم النعماء مني ثَلَاثَة ... يَدي ولساني وَالضَّمِير والمحجبا ...

وَالْحَمْد إِنَّمَا يكون بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان
فَمن هَذَا الْوَجْه يكون الشُّكْر أَعم فَهَذَا أَعم من جِهَة أَنْوَاعه وَالْحَمْد أَعم من جِهَة أَسبَابه وَفِي الحَدِيث الْحَمد لله رَأس الشُّكْر
قَالَ ابْن حزم وَغَيره من الْمُتَأَخِّرين لَا يجوز الدُّعَاء إِلَّا بالتسعة وَالتسْعين اسْما فَلَا يُقَال يَا حنان يَا منان يَا دَلِيل الحائرين
وَجُمْهُور الْمُسلمين على خلاف ذَلِك وَعَلِيهِ مضى سلف الْأمة وَهُوَ الصَّوَاب وَفِي الْكتاب وَالسّنة مَا يزِيد على التِّسْعَة وَالتسْعين مثل الرب وَأكْثر الدُّعَاء الْمَشْرُوع بِهِ حَتَّى كره مَالك أَن يَقُول يَا سَيِّدي بل يَقُول يَا رب لِأَنَّهُ الْأَنْبِيَاء فِي الْقُرْآن وَكَذَلِكَ المنان
وَفِي السّنَن أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سمع دَاعيا يَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِأَن لَك الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أَنْت الله المنان بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض يَاذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام يَا حَيّ يَا قيوم فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقد دَعَا الله باسمه الْأَعْظَم الَّذِي إِذا دعى بِهِ أجَاب وَإِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى
وَقد قَالَ أَحْمد لرجل ودعه قل يَا دَلِيل الحائرين دلَّنِي على طَرِيق الصَّادِقين
(1/94)

وَأنكر طَائِفَة كَالْقَاضِي أبي يعلى وَابْن عقيل أَن يكون من أَسْمَائِهِ تَعَالَى الدَّلِيل
وَالصَّوَاب مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور لِأَن الدَّلِيل فِي الأَصْل هُوَ الْمُعَرّف للمدلول
وَفِي الصَّحِيح إِن الله وتر إِن الله جميل إِن الله لطيف إِن الله طيب فَهَذَا فِي الْأَحَادِيث كثير وتتعه يطول مثل سبوح قدوس وَفِي الحَدِيث أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول سبوح قدوس واسْمه الشافي كَمَا فِي الصَّحِيح أَنْت الشافي لَا شافي إِلَّا أَنْت
وَكَذَلِكَ مثل أَسْمَائِهِ المضافة مثل أرْحم الرَّاحِمِينَ وَخير الغافرين وَرب الْعَالمين وَمَالك يَوْم الدّين وَأحسن الْخَالِقِينَ وجامع النَّاس ليَوْم لَا ريب فِيهِ ومقلب الْقُلُوب مِمَّا ثَبت الدُّعَاء بهَا بِإِجْمَاع الْمُسلمين
وَله أَسمَاء اسْتَأْثر بعلمها كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث تفريج الكرب الَّذِي رَوَاهُ ابْن مَسْعُود أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وَذَهَاب غمى وهمي فَهَذَا يدل على أَن فِي أَسْمَائِهِ تِسْعَة وَتِسْعين مَوْصُوفَة بِأَنَّهَا من أحصاها دخل الْجنَّة لَا أَن مَعْنَاهَا أَنه لَيْسَ لَهُ غَيرهَا

فصل
كسب الْإِنْسَان ليقوم بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَة على نَفسه وَعِيَاله وَاجِب عِيَاله وَقد تنَازع النَّاس أَيّمَا أفضل الْغنى الشاكر أم الْفَقِير الصابر
وَالصَّوَاب أَن أتقاهما لرَبه هُوَ أفضلهما وَلَا يذم المَال لنَفسِهِ وَلَا لكسبه إِذا أَخذه من وحله وَوَضعه فِي حَقه ثمَّ المَال الصَّالح مَعَ الرجل الصَّالح
(1/95)

وَلَكِن المذموم فرط تعلق الْقلب بِالْمَالِ بِحَيْثُ يكون هلوعا جزوعا منوعا فَإِذا سلم من ذَلِك فقد يكون صَاحبه أزهد فِيهِ من فَقير هلوع
مَسْأَلَة والرضى بِفعل مَا أَمر الله بِهِ وَترك مَا نهى عَنهُ وَاجِب
وَأما الرِّضَا بالمصائب كالفقر وَالْمَرَض والذل فالصبح أَنه لَيْسَ بِوَاجِب لَكِن مُسْتَحبّ وَلَكِن الصَّبْر هُوَ الْوَاجِب هُنَا
أما الرضى بالْكفْر والفسوق والعصيان فَالَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الدّين أَنه لَا يُرْضِي بذلك فَإِن الله لَا يرضاه وَإِن كَانَ قد غلط فِيهِ قوم من المتفلسفة والصوفية وَلم يفرقُوا بَين الْمحبَّة والرضى الكونيين والدنين بل ظنُّوا أَن كل مَا أَرَادَهُ الله وَقدره فقد أحبه وَأَنه يجب عَلَيْهِم محبَّة ذَلِك لِأَن الله أَرَادَهُ وَلم يَقع لَهُم أَن الله لَا يَأْمر بِمَا يكرههُ وَلَا يُحِبهُ لقَوْل الله تَعَالَى {بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم} مَعَ أَنه قدره
والمتفلسفة ظنُّوا أَن محبَّة الْحق وَرضَاهُ وغضبه يرجع إِلَى إِرَادَته فَقَالُوا هُوَ مُرِيد لَهَا محب لَهَا
وَمعنى لَا يُرِيد الْفساد أَي لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ وَهَذَا تَحْرِيف لِأَنَّهُ لَا يُقَال لَا يجب الْإِيمَان للْكَافِرِينَ وَهَذَا كُله ضلال فَإِنَّهُ لَا يُطلق القَوْل أَنه لَا يحب الْإِيمَان

فصل
قِرَاءَة الْقُرْآن أفضل من الذّكر وَإِن كَانَ الْمَفْضُول قد يكون أفضل فَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أَئِمَّة الدّين
(1/96)

وَإِنَّمَا تنَازع فِيهِ بعض الْمُتَأَخِّرين فَجعل الذّكر أفضل إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا ي حق الْخَواص كَمَا يَقُوله أَبُو حَامِد فِي حق المبتدى وَهُوَ أقرب فَإِن الْمَفْضُول قد يكون أفضل فِي بعض الْأَزْمَان والأشخاص كالقراءة فِي الرُّكُوع تكره تَعْظِيمًا وتشريفا أَن يقْرَأ بِالْقُرْآنِ فِي حَال الخضوع والذل كَمَا كره أَن يقْرَأ على الْجِنَازَة وَكره بَعضهم قِرَاءَته فِي الْحمام
وَمن هَؤُلَاءِ من يرجح ذكر الإسم الْمُنْفَرد كَقَوْلِه الله الله الله على كلمة الْإِخْلَاص التَّامَّة وَهِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله وَمِنْهُم من يرجح ذكر الْمُضمر وَهُوَ قَول هُوَ هُوَ أَو يَا هُوَ على الإسم الْمظهر
وَهَذَا كُله من الْغَلَط الَّذِي سَببه فَسَاد كثير من السالكين حَتَّى آل الْأَمر ببعضهم إِلَى الْحُلُول والاتحاد فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أفضل الْكَلَام بعد الْقُرْآن أَربع وَهن من الْقُرْآن سُبْحَانَهُ وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وكل ذكر علمة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمته أَو قَالَه إِنَّمَا هُوَ بالْكلَام التَّام لَا بِالِاسْمِ الْمُنْفَرد وَلَا بالمضمر
وقِي الحَدِيث من شغله ذكرى عَن مَسْأَلَتي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين حسنه التِّرْمِذِيّ
وَالْقُرْآن أفضل من الذّكر وَالدُّعَاء لتعينه للصَّلَاة وَلَا يَقْرَؤُهُ جنب وَلَا يمسهُ إِلَّا الطَّاهِر بِخِلَاف الذّكر وَالدُّعَاء
وَالصَّلَاة أفضل من الْقُرْآن لِأَنَّهَا يشْتَرط لَهَا الطهارتان وتشتمل عَلَيْهِ
(1/97)

وَالرُّكُوع وَالسُّجُود أفضل من الْقيام وَذكر الْقيام أفضل من ذكرهمَا فاعتدلا هَذَا هُوَ الصَّحِيح
وَقيل إِن طول الْقيام أفضل
وَقيل بل كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود أفضل
وَالْقُرْآن الَّذِي يتَضَمَّن أَسمَاء الله كقل هُوَ الله أحد أفضل من الْقُرْآن الَّذِي لَا يتَضَمَّن أسماءه
وَصَحَّ أَن قل هُوَ الله أحد تعدل ثلث الْقُرْآن
وَقد فسر بِأَن مَعَاني كَلَام الله ثَلَاثَة تَوْحِيد وقصص وَنهي وَأمر و {قل هُوَ الله أحد} متضمنة للثلث الَّذِي هُوَ التَّوْحِيد
وَمعنى كَون ثَوَابهَا يعدل ثلث الْقُرْآن هُوَ أَن معادلة الشَّيْء بالشَّيْء نقتضي تساويهما فِي الْقدر لَا تَقْتَضِي تماثلهما فِي الْوَصْف كَمَا فِي الْقُرْآن أَو عدل ذَلِك صياما فألف دِينَار تعدل من الطَّعَام وَالشرَاب مَا قِيمَته ألف دِينَار فَهِيَ معادلة لَهُ فِي الْقيمَة لَا فِي الْوَصْف
وَإِذا كَانَ ثَوَاب {قل هُوَ الله أحد} يعدل ثلث الْقُرْآن لم يجب أَن يكون من جنسه وَصفته وَلم يجز أَن يسْتَغْنى بِقِرَاءَتِهَا ثَلَاثًا عَن قِرَاءَة سَائِر الْقُرْآن كَمَا لَا يَسْتَغْنِي بِملك نوع من المَال قِيمَته ألف دِينَار عَن سَائِر أَنْوَاع المَال فَالْعَبْد مُحْتَاج إِلَى كل مَعَاني الْقُرْآن من أَمر وَنهي ووعد ووعيد وقصص وأمثال فَلَو اقْتصر على {قل هُوَ الله أحد} لم يحصل لَهُ مَا يَحْتَاجهُ من الْأَمر وَالنَّهْي بل يضرّهُ فقد ذَلِك ويهلكه فِي الدُّنْيَا بسلب الْإِيمَان وَفِي الْآخِرَة بالنيران كمن جمع نوعا من المَال سَرِيعا وَلم يحصل لَهُ مَا يَحْتَاجهُ إِلَيْهِ من نوع آخر فَإِنَّهُ قد يَمُوت إِمَّا جوعا وَإِمَّا عريا وَإِمَّا عطشا فالقرآن مِنْهُ مَا تعلمه فرض عين وَمِنْه فرض كِفَايَة
وَالذكر مِنْهُ وَاجِب ومستحب
(1/98)

فَأَما ذكر أَسمَاء الله على غير وَجه الْقِرَاءَة فقراءة الْقُرْآن أفضل مِنْهَا فِي الْجُمْلَة هَذَا بِحَسب عَملهَا وثوابها
وَأما ذَات الْقُرْآن وَذَات فقد تنَازع فِيهِ طوائف
فَذهب طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يجوز أَن يظنّ أَن بعض ذَلِك أفضل من بعض وَلَو أَن بعض الْقُرْآن أفضل من بعض لِأَن الْجَمِيع كَلَام الله وَمن صِفَاته لَا سِيمَا مَعَ القَوْل بِأَنَّهُ قديم فَإِن التَّفَاوُت فِيهِ مُمْتَنع
وَذهب الْجُمْهُور المتبعون السّلف إِلَى أَن بعضه أفضل من بعض كَمَا فِي الصَّحِيح عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لأبي سعيد بن الْمُعَلَّى لأعلمنك سُورَة لم ينزل فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي الْإِنْجِيل وَلَا فِي الزبُور وَلَا فِي الْقُرْآن مثلهَا وَذكر وَلَا فِي الزبُور وَلَا فِي الْقُرْآن مثلهَا وَذكر أَنَّهَا فَاتِحَة الْكتاب
فَأخْبر الصَّادِق المصدوق أَنه لم ينزل مثلهَا فَلَا يجوز أَن يُقَال أنزل مثلهَا وَفِي الصَّحِيح أَن آيَة الْكُرْسِيّ أعظم آيَة نزلت
وَالْقُرْآن الَّذِي تكلم الله بِهِ فِي وصف نَفسه أعظم من الْقُرْآن الَّذِي تكلم فِي وصف خلقه وَكَلَامه الَّذِي هُوَ أسماؤه أفضل من كَلَامه الَّذِي لَيْسَ هُوَ أسماؤه وَالْكل كَلَامه لَكِن الشّرف يحصل من جِهَة نسبته إِلَى الْقَائِل الْمُتَكَلّم بِهِ وَمن جِهَة نسبته إِلَى الْمَقُول والمتكلم فِيهِ فَإِذا كَانَت النسبتان إِلَى الله كَانَ الْكَلَام أشرف
وَلَيْسَ مدح الشُّعَرَاء للأنبياء مثل مدح الشُّعَرَاء للملوك
وَأما إِن قدر لله أَسمَاء لَيست هِيَ كَلَامه فَكَلَامه أفضل من جِهَة الْمُتَكَلّم بِهِ وَإِلَّا فالإسم أفضل من جِهَة الْكَلَام الْمَدْلُول عَلَيْهِ لَكِن كلامة أفضل مِمَّا لَيْسَ بِكَلَامِهِ مُطلقًا
وَمَعْرِفَة الْقرَاءَات الَّتِي أقرأهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لصَاحِبهَا مزية على من لم يعرف ذَلِك
(1/99)

وَأما جمعهَا فِي الصَّلَاة فبدعة مَكْرُوهَة لَكِن يجوز أَن يقْرَأ بعض الْقرَاءَات بِحرف أبي عَمْرو وَبَعضه بِحرف نَافِع وَنَحْوه وَسَوَاء كَانَ فِي رَكْعَة أَو رَكْعَتَيْنِ أَو خَارج الصَّلَاة أَولا

فصل
مَا يُعلمهُ الْإِنْسَان من حق وباطل فَإِنَّهُ يقوم بِقَلْبِه وَيحل بِرُوحِهِ المنفوخة فِيهِ الْمُتَّصِلَة بِالْقَلْبِ الَّذِي هُوَ المضغة الصنوبرية الشكل
وَقد قيل إِنَّه يقوم بِجَمِيعِ الْجَسَد وَلَيْسَ لبَعض ذَلِك مَكَان من الْجَسَد يتَمَيَّز بِهِ عَن مَكَان آخر بِاتِّفَاق النَّاس وَإِنَّمَا الرّوح هِيَ الَّتِي يعبر عَن محلهَا الأول بِالْقَلْبِ تَارَة وتسميها الفلاسفة النَّفس الناطقة وَهِي الحاملة لجَمِيع الاعتقادات فتتنور قُلُوب الْمُؤمنِينَ وأرواحهم بالمعارف الألهية ونظام قُلُوب الْكَافرين بالعقائد الْفَاسِدَة كَمَا ضرب الله مثل الْمُؤمن وَالْكَافِر فِي سُورَة النُّور
وَمَا يحصل عِنْد الذّكر الْمَشْرُوع من الْبكاء ووجل الْقلب واقشعرار الجسوم فَمن أفضل الْأَحْوَال الَّتِي نطق بهَا الْكتاب
أما الِاضْطِرَاب الشَّديد والغشى والصيحان فَإِن كَانَ صَاحبه لم يعلم مَا هُوَ عَلَيْهِ لم يلم وَسَببه قُوَّة الْوَارِد مَعَ ضعف الْقلب وَالْقُوَّة والتمكن أفضل كَمَا هُوَ حَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه وَأما السّكُون قسوة وجفاء فَهَذَا مَذْمُوم
فصل
الْقُنُوت مَشْرُوع عِنْد النَّازِلَة فِي الصَّلَوَات وَفِي الْفجْر وَالْمغْرب أوكد والنازلة هِيَ الْعَدو نَحْو استنصاره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمستضعفين تَحت يَد الْعَدو ودعائه على الَّذين قتلوا أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة
(1/100)

وَأما قنوت الْإِنْسَان للاسترزاق فَلم يُؤثر عَن أحد من السّلف وَلَا علمت أحدا ذكره
وَاحْتج من زَعمه سنة دائمة فِي الْفجْر بقول الله تَعَالَى {حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَقومُوا لله قَانِتِينَ} وَيَقُول الْوُسْطَى الْفجْر والقنوت فِيهَا وكلنَا المقدمتين ضَعِيفَة
أما الصَّلَاة الْوُسْطَى فَهِيَ الْعَصْر بِلَا شكّ عِنْد من عرف الْأَحَادِيث
وَأما الْقُنُوت فَهُوَ المداومة على الطَّاعَة كَمَا قَالَ {أم من هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا} فَلَا يجوز حمله على طول الْقيام للدُّعَاء وَغَيره لِأَن الله أَمر بِالْقيامِ لَهُ قَانِتِينَ وَالْأَمر للْوُجُوب
وَقيام الدُّعَاء الْمُتَنَازع فِيهِ لَا يجب بِالْإِجْمَاع والقائم فِي حَال قِرَاءَته هُوَ فانت أَيْضا وَلما نزلت أمروا بِالسُّكُوتِ ونهوا عَن الْكَلَام فَعلم أَن السُّكُوت من تَمام الْقُنُوت الْمَأْمُورَة ب وَذَلِكَ وَاجِب فِي جَمِيع أَجزَاء الْقيام
والْحَدِيث مَا زَالَ يقنت حَتَّى فَارق الدُّنْيَا وَإِن صَححهُ الْحَاكِم فَهُوَ يصحح الموضوعات وَعِنْده تساهل فَلَا يقوم بِمثلِهِ الْحجَّة
قَالُوا وَقَوله الآخر ثمَّ ترك أَي الدُّعَاء لَا أصل لَهُ والْحَدِيث فِيهِ مَا قنت بعد الرُّكُوع إِلَّا شهرا فَتبين أَنه لم يقنت بعد الرُّكُوع إِلَّا شهرا فَبَطل التَّأْوِيل
والقنوت قبل الرُّكُوع قد يُرَاد بِهِ طول الْقيام قبل الرُّكُوع سَوَاء كَانَ فِيهِ دُعَاء أَولا فَلَا يكون اللَّفْظ دَالا على قنوت الدُّعَاء
وَقد ذهب طَائِفَة إِلَى أَن الْقُنُوت مَشْرُوع فِي جَمِيع الصَّلَوَات وَهُوَ شَاذ وَالصَّحِيح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قنت لسب النَّازِلَة ثمَّ ترك كَمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث وَعَلِيهِ الحَدِيث وَعَلِيهِ الْخُلَفَاء الراشدون فَإِن عمر رَضِي الله عَنهُ لما جَاءَت النَّصَارَى
(1/101)

قنت عَلَيْهِم فَقَالَ اللَّهُمَّ عذب كفرة أهل الْكتاب إِلَى آخِره فَجعله بعض النَّاس سنة راتبة فِي قنوت رَمَضَان وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِنَّمَا قلت بِمَا يُنَاسِبهَا وَلَو قلت دَائِما لنقله الْمُسلمُونَ عَن نَبِيّهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَنَّهُ من الْأُمُور الَّتِي تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله

فصل
إِذا تحقق مَا فِي الْقلب أثر فِي الظَّاهِر ضَرُورَة لَا يُمكن انفكاك أَحدهمَا عَن الآخر فالإرادة الجازمة مَعَ الْقُدْرَة التَّامَّة توجب وُقُوع الْمَقْدُور فَإِذا كَانَ فِي الْقلب حب الله وَرَسُوله ثَابتا استلزم مُوالَاة أوليائه ومعاداة أعدائه لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله الْآيَة
فَهَذَا التلازم أَمر ضَرُورِيّ
وَمن جِهَة ظن انْتِفَاء غالط غالطون كَمَا غلط آخَرُونَ فِي جَوَاز وجود إِرَادَة جازمة مَعَ الْقُدْرَة التَّامَّة بِدُونِ الْفِعْل حَتَّى تنازعوا هَل يُعَاقب على الْإِرَادَة بِلَا عمل
وَإِن بَينا أَن الهمة الَّتِي نهمها وَلم يقْتَرن بهَا فعل مَا يقدر عَلَيْهِ الْهَام لَيست إِرَادَة جازمة لِأَن الْإِرَادَة الجازمة لَا بُد أَن يُوجد مَعهَا فعل مَا يقدر عَلَيْهِ العَبْد والغفران وَقع عَمَّن هم بسيئة وَلم يَفْعَلهَا لَا عَمَّن أَرَادَ وَفعل الَّذِي أمكنه وَعجز من تَمام مُرَاده
وَمن عرف الملازمات بَين الظَّاهِر وَالْبَاطِن زَالَت عَنهُ شُبُهَات كَثِيرَة
وَتحقّق الْإِيمَان وَغَيره مِمَّا هُوَ من الْأَعْمَال الْبَاطِنَة أَو الظَّاهِرَة مثل حب الله والانقياد لَهُ والاستكانة ووجل الْقلب وَزِيَادَة الْإِيمَان عِنْد ذكر الله والتوكل عَلَيْهِ وَالْجهَاد وَإِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وضد ذَلِك مِمَّا يحدث عَن التَّصْدِيق أَو
(1/102)

عَن التَّكْذِيب والهم بِالْحَسَنَة أَو السَّيئَة أَو غير ذَلِك وَالله أعلم
قَوْله فِي حَدِيث أبي بكر رَضِي الله عَنهُ اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا وانه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وارحمني إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم
قَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ هَذَا عبد اعْترف بالظلم ثمَّ التجأ إِلَيْهِ مُضْطَرّا لَا يجد لذنبه سائرا غَيره ثمَّ سَأَلَهُ مغْفرَة من عِنْده وَلَكِن أَرَادَ شَيْئا من عِنْده والأشياء كلهَا من عِنْده وَلَكِن أَرَادَ شَيْئا محصوصا لَيْسَ مِمَّا يذكر للعامة فَللَّه رَحْمَة قد عَمت الْخلق برهم وفاجرهم سعيدهم وشقيهم ثمَّ لَهُ رَحْمَة خص بهَا الْمُؤمنِينَ خَاصَّة وَهِي رَحْمَة الْإِيمَان ثمَّ لَهُ رَحْمَة خص بهَا الْمُتَّقِينَ وَهِي رَحْمَة الطَّاعَة لله تَعَالَى وَللَّه رَحْمَة خص بهَا الْأَوْلِيَاء نالوا بهَا الْولَايَة وَله رَحْمَة خص بهَا الْأَنْبِيَاء ونالوا بهَا النُّبُوَّة وَقَالَ الراسخون فِي الْعلم {وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة} فَسَأَلُوهُ رَحْمَة من عِنْده
فَهَذَا صُورَة مَا شَرحه وَلم يذكر صفة الظُّلم وأنواعه كَمَا ذكر صفة الرَّحْمَة وليعلم أَن الدُّعَاء الَّذِي فِيهِ اعْتِرَاف العَبْد بظلمه لنَفسِهِ لَيْسَ من خَصَائِص الصديقين وَمن دونهم بل هُوَ من الْأَدْعِيَة الَّتِي يَدْعُو بهَا الْأَنْبِيَاء وهم أفضل الْخلق قَالَ الله تَعَالَى عَن آدم وحواء {قَالَا رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا} وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {رب إِنِّي ظلمت نَفسِي} والخليل عَلَيْهِ السَّلَام {رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي} {وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدّين} وَقَالَ هُوَ وَإِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام {رَبنَا تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم} الى قَوْله {وَتب علينا} وَقَالَ يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام {لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين} وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ ظلمت نَفسِي وَاعْتَرَفت بذنبي فَاغْفِر لي
(1/103)

وَثَبت عَنهُ اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي كُله دقه وجله وعلانيته وسره وأوله وَآخره اللَّهُمَّ اغْفِر لي خطيئتي وجهلي واسرافي فِي آمري وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني اللَّهُمَّ اغْفِر لي هزلي وجدي وخطأي وعمدي وكل ذَلِك عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِر لي مَا قدمت وَمَا أخرت وَمَا أسررت وَمَا أعلنت وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني أَنْت الْمِقْدَام وَأَنت الْمُؤخر لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَفِي الرُّكُوع وَالسُّجُود كَانَ يَقُول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي يتَأَوَّل الْقُرْآن
وَقَالَ لَهُ ربه {فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك} وَقَالَ تَعَالَى {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} وَسورَة النَّصْر آخر مَا نزل بعد قَوْله {ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر} فَقَالَ لَهُ النَّاس هَذَا لَك فَمَا لنا قَالَ فَأنْزل الله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ} الْآيَة
وَفِي هَذَا رد على الطَّائِفَة الَّذين يَقُولُونَ معنى ليغفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك هُوَ ذَنْب آدم وَمَا تَأَخّر هُوَ ذَنْب أمته فَإِن هَذَا القَوْل وَإِن لم يقلهُ أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين فقد قَالَه طَائِفَة من الْمُتَأَخِّرين وبظن بعض الْجُهَّال أَنه قَول شرِيف وَهُوَ كَذَّاب على الله وتخريف
فَإِنَّهُ قد ثَبت أَن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة يأْتونَ آدم فيعتذر إِلَيْهِم وَيذكر خطيئته فَلَو كَانَ مَا تقدم هُوَ ذَنْب آدم لم يكن يعْتَذر وَقد قَالَ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم هَذَا لَك فَمَا لنا فَلَو كَانَ مَا تَأَخّر مغْفرَة ذنوبهم لَكَانَ قَالَ هَذَا لكم
وَأَيْضًا فقد قَالَ الله لَهُ {واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} فَكيف تُضَاف ذنُوب الْفُسَّاق إِلَيْهِ وَيجْعَل الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر ذَنبا لَهُ {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} وَأي فرق بَين ذَنْب آدم ونوح وَإِبْرَاهِيم وَكلهمْ باؤه وَقد قَالَ تَعَالَى فِي غير مَوضِع فَإِن توَلّوا فَإِن مَا عَلَيْهِ مَا حمل وَعَلَيْكُم
(1/104)

مَا حملتم وَإِن تطيعوه تهتدوا وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين فَكيف يكون ذَنْب أمته لَهُ هَذَا لَا يخفى فَسَاده على من لَهُ أدنى تدبر وَإِن كَانَ قَالَه طَائِفَة من المصنفين فِي الْعِصْمَة حَتَّى ترى فِي كَلَام بعض من لَهُ قدم صدق من أهل السّنة لَكِن الغلو أوجب اتِّبَاع الْجُهَّال الضلال فَإِن أصل ذَلِك من المبتدعين الغالين وأولهم الرافضة فانهم لم ادعوا الْعِصْمَة فِي عَليّ وَغَيره حَتَّى من الْخَطَأ احتاجوا أَن يثبتوا ذَلِك للأنبياء بطرِيق الأولى وَلما نزهوا عليا رَضِي الله عَنهُ وَمن دونه أَن يكون لَهُ ذَنْب عصمَة أئمتهم الاسماعيلية القرامطة الباطنية الفلاسفة الدهرية وعبدوهم واعتقدوا فيهم الإلهية كَمَا كَانَت الغالية تعقد فِي عَليّ وَغَيره الإلهية أَو النُّبُوَّة وكما ألزموا الدعْوَة للمنتظر وَأَنه مَعْصُوم وَقَالُوا دخل فِي سرداب سامرا سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ طِفْل غير مُمَيّز وَصَارَ مثل هَذَا يدعى حَتَّى ادّعى ابْن تومرت المغربي صَاحب المرشد أَنه المهدى صَار طَائِفَة من الغلاة فِي مشايخهم يَعْتَقِدُونَ لَهُم الْعِصْمَة بقلوبهم أَو يَقُولُونَ إِنَّه مَحْفُوظ وَالْمعْنَى وَاحِد وَلَو أقرّ بِلِسَانِهِ عاملة بالعصمة بِقَلْبِه
فَهَؤُلَاءِ إِذا اعتقدوا الْعِصْمَة فِي بعض الْعَوام كييف لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِك فِي الْأَنْبِيَاء
فَإِن كَانَ من الْمُسلمين من اعْتقد أَن الْأَنْبِيَاء أفضل من شَيْخه وإمامه وَهُوَ يعْتَقد عصمَة شَيْخه فَهُوَ يعْتَقد عصمتهم بطرِيق الأولى
وَإِن كَانَ من الزَّنَادِقَة الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَن الشَّيْخ أفضل من النَّبِي كَمَا يَقُوله المتفلسفة والشيعة وغلاة الصُّوفِيَّة لاتحادية وَغَيرهم فَلَا بُد لهَؤُلَاء أَن يَفروا الغلو فِي الْأَنْبِيَاء حَتَّى يوافقهم النَّاس على الغلو فِي أئمتهم
وَهَذَا كُله من شعب النَّصْرَانِيَّة الَّذين قَالَ الله فيهم {قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ} إِلَى قَوْله {إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله}
(1/105)

إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ {أَن يكون لَهُ ولد} إِلَى قَوْله تَعَالَى {لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله} وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن مَرْيَم بل قُولُوا عبد الله وَإِنَّمَا أضلّ من كَانَ قبلكُمْ الغلو فِي الدّين وَقد قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لتركبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ وَمن قبلنَا قصدُوا تَعْظِيم الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فوقعوا فِي تكذيبهم فَإِن الْمَسِيح قَالَ {إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب} فَكَذبُوهُ وَقَالُوا مَا هُوَ عبد الله بل هُوَ الله وأشركوا بِهِ
وَكَذَلِكَ الغالية فِي على وَغَيره فَإِنَّهُ حرق الغالية فِيهِ وَنقل عَنهُ من نَحْو ثَمَانِينَ وجبها خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ عمر وَيذكر ذَلِك عَن ابْن الْحَنَفِيَّة كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ والشيعة تكذبه فهم مَعَه كالنصارى مَعَ الْمَسِيح وَالْيَهُود مَعَ مُوسَى
وَكَذَلِكَ أَتبَاع الْمَشَايِخ يغلون فيهم ويتركون اتباعهم على الطَّرِيقَة الَّتِي يُحِبهَا الله وَرَسُوله
وَهَذَا بَاب دخل مِنْهُ الشَّيْطَان عَليّ خلق كثير فأضلهم حَتَّى جعل أحدهم قَول الْحق تنقيصا لَهُ كَمَا إِذا قيل النَّصَارَى لِلنَّصَارَى {الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة} قَالُوا هَذَا تنقص بالمسيح وَسُوء أدب مَعَه وَهَكَذَا المنتسبون إِلَى هَذِه الْأمة تَجِد أحدهم يغلو فِي قدوته حَتَّى يكره أَن يُوصف بِمَا هُوَ فِيهِ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ يكذبهُ وَيَقُول عَلَيْهِ العظائم وَهَذَا بَاب يطول الْمَقْصُود النبيه عَلَيْهِ
إِذا عرف ذَلِك فقد اتّفق سلف الْأمة وَجَمِيع الطوائف الَّذين لَهُم قَول مُعْتَبر أَن من سوى الْأَنْبِيَاء لَيْسَ مَعْصُوم لَا من الْخَطَأ وَلَا من الذُّنُوب سَوَاء كَانَ صديقا أَو لم يكن وَلَا فرق بَين أَن يَقُول هُوَ مَعْصُوم أَو مَحْفُوظ أَو مَمْنُوع
(1/106)

وَقد قَالَ الْأَئِمَّة كل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَلِهَذَا اتّفق الْأَئِمَّة على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعْصُوم فِيمَا يبلغهُ عَن ربه وَقد انفقوا على أَنه لَا يقر على الْخَطَأ فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ لَا يقر على الذُّنُوب لَا صغائرها وَلَا كبائرها
وَلَكِن تنازعوا هَل يَقع من الْأَنْبِيَاء بعض الصَّغَائِر مَعَ التَّوْبَة مِنْهَا أَولا يَقع بِحَال
فَقَالَ بعض متكلمي الحَدِيث وَكثير من الْمُتَكَلِّمين من الشِّيعَة والمعتزلة لَا تقع مِنْهُم الصَّغِيرَة بِحَال وَزَاد الشِّيعَة حَتَّى قَالُوا لَا يَقع مِنْهُم لَا خطأ وَلَا غير خطأ
وَأما السّلف وَجُمْهُور أهل الْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَجُمْهُور متكلمي أهل الحَدِيث من الأشعرية وَغَيرهم فَلم يمنعوا وُقُوع الصَّغِيرَة إِذا كَانَ مَعَ التَّوْبَة كَمَا دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة فَإِن الله يحب التوابين
وَإِذا ابتلى بعض الأكابر بِمَا يَتُوب مِنْهُ فَذَاك لكَمَال النِّهَايَة لَا لنَقص الْبِدَايَة كَمَا قَالَ بَعضهم لَو لم تكن التَّوْبَة أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ لما ابتلى بالذنب أكْرم الْخلق عَلَيْهِ
وَأَيْضًا فالحسنات تتنوع بِحَسب المقامات كَمَا يُقَال حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين
فَمن فهم مَا تمحوه التَّوْبَة وَمَا ترفع صَاحبهَا إِلَيْهِ من الدَّرَجَات وَمَا يتَفَاوَت النَّاس فِيهِ من الْحَسَنَات والسيئات زَالَت عَنهُ الشّبَه فِي هَذَا الْبَاب وَأقر الْكتاب وَالسّنة على مَا فِيهَا من الْهدى وَالصَّوَاب
فَإِن الغلاة يتوهمون أَن الذَّنب إِذا صدر من العَبْد كَانَ نقصا فِي حَقه لَا ينجبر حَتَّى يجْعَلُوا من لم يسْجد لضم أفضل مِنْهُ وَهَذَا جهل فَإِن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار الَّذين هم أفضل هَذِه الْأمة هم أفضل من أَوْلَادهم وَغير أَوْلَادهم مِمَّن ولد على
(1/107)

الْإِسْلَام وَإِن كَانُوا فِي أول الْأَمر كفَّارًا يعْبدُونَ الْأَصْنَام بل المتنقل من الضلال إِلَى الْهدى يُضَاعف لَهُ الثَّوَاب كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات} فَالله سُبْحَانَهُ أفرج بتوبة عَبده من الَّذِي طلب رَاحِلَته فِي الأَرْض الْمهْلكَة ثمَّ وجدهَا
فَإِذا كَانَت التَّوْبَة بِهَذِهِ المثابة كَيفَ لَا يكون صَاحبهَا مُعظما
وَقد وصف الْإِنْسَان بالظلم وَالْجهل وَجعل الْفرق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْمُنَافِق أَن الْمُؤمن فيتوب الله علينا إِذا لم يكن لَهُ بُد من الْجَهْل فَقَالَ تَعَالَى {وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون وكل بني آدم خطاءون
وَقد ذكر الله تَعَالَى الَّذين وعدهم بِالْحُسْنَى فَلم ينف عَنْهُم الذُّنُوب فَقَالَ تَعَالَى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون} إِلَيّ قَوْله {ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا} فَذكر الْمَغْفِرَة والتكفير وَقَالَ تَعَالَى {أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة وعد الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون} وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل
وَاعْلَم أَن كثيرا من النَّاس يسْبق إِلَى ذهنه من ذكر الذُّنُوب الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَنَحْو ذَلِك فيستعظم أَن كَرِيمًا يفعل ذَلِك وَلَا يعلم هَذَا الْمِسْكِين أَن اكثر عقلاء بني آدم لَا يسرقون بِلَا يزنون حَتَّى فِي جاهليتهم وكفرهم فَإِن أَبَا بكر وَغَيره قبل الْإِسْلَام مَا كَانُوا يرضون أَن يَفْعَلُوا مثل هَذِه الْأَعْمَال وَلما بَايع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هندا بنت عتبَة بن ربيعَة أم مُعَاوِيَة بيعَة النِّسَاء على أَن لَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين قَالَت أَو تَزني الْحرَّة فَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يعْرفُونَ الزِّنَا إِلَّا للاماء وَكَذَلِكَ اللواط فَأكْثر الْأُمَم لم تعرفه وَلم يكن يعرف فِي الْعَرَب قطّ
وَلَكِن الذُّنُوب تتنوع وَهِي كَثِيرَة الشّعب كَالَّتِي هِيَ من بَاب الضلال
(1/108)

فِي الايمان والبدع الَّتِي هِيَ من جنس الْعُلُوّ فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء والحسد وَالْكبر والرياء هِيَ فِي النَّاس الَّذِي هم متفقون على الْفَوَاحِش
وَكَذَلِكَ الذُّنُوب لتي هِيَ ترك الْوَاجِبَات كالإخلاص والتوكل على الله ورجاء رَحمته وَخَوف عَذَابه وَالصَّبْر على بلائه وَالصَّبْر على حكمه وَالتَّسْلِيم لأَمره وَالْجهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَنَحْوه وَتَحْقِيق مَا يجب من المعارف والأعمال يطول
وَإِذا علم ذَلِك فظلم العَبْد نَفسه يكون بترك مَا ينفعها وَهِي محتاجة إِلَيْهِ وبفعل مَا يَضرهَا كَمَا أَن ظلم الْغَيْر كَذَلِك إِمَّا بِمَنْع حَقه أَو التَّعَدِّي
وَالنَّفس إِنَّمَا تحْتَاج من العَبْد إِلَى فعل مَا أَمر الله بِهِ وَإِنَّمَا يَضرهَا فعل نهي الله عَنهُ فظلمه لَا يَنْفَكّ عَن ترك حَسَنَة أَو فعل سَيِّئَة وَمَا يضْطَر العَبْد إِلَيْهِ حَتَّى أكل الْميتَة دَاخل فِي هَذَا فَأكلهَا عِنْد الضَّرُورَة وَاجِب فِي الْمَشْهُور من مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَكَذَلِكَ مَا يَضرهَا من جنس الْعِبَادَات مثل الصَّوْم الَّذِي يزِيد فِي مَرضهَا والاغتسال بِالْمَاءِ الْبَارِد الَّذِي يَقْتُلهَا وَهُوَ من ظلمها فَإِن الله أَمر الْعباد بِمَا يَنْفَعهُمْ ونهاهم عَمَّا يضرهم وَجَاء الْقُرْآن بِالْأَمر بالصلاح وَالنَّهْي عَن الْفساد وَالصَّلَاح كُله طَاعَة وَالْفساد كُله مَعْصِيّة وَقد لَا يعلم بعض النَّاس ذَلِك على حَقِيقَته فالمؤمن يعلم أَن الله يَأْمر بِكُل مصلحَة وَينْهى عَن كل مفْسدَة
وَمِمَّا يُوجب أَن يعرف أَن العَبْد قد يجب عَلَيْهِ بِأَسْبَاب أُمُور لَا تجب عَلَيْهِ بِدُونِ هَذِه الْأَسْبَاب فَإِن قَامَ بهَا كَانَ محسنا إِلَى نَفسه وَإِلَّا كَانَ ظَالِما لنَفسِهِ وَإِن لم يكن تَركهَا ظلما فِي حق من لم يجْتَمع عِنْده هَذِه الْأَسْبَاب كمن ولى ولَايَة فَفِي الْمسند أحب ألخلق إِلَى الله إِمَام عَادل وأبغضهم إِلَيْهِ إِمَام جَائِر وَكَذَلِكَ من لغيره عَلَيْهِ حُقُوق كَالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَاد وَالْجِيرَان فقد ذكر الله الْحُقُوق الْعشْرَة فِي قَوْله تَعَالَى {واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين}
(1/109)

إحسانا وبذى الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب والصاحب بالجنب وبن السَّبِيل وَمَا ملكت أَيْمَانكُم فَكلما أزدادت معرفَة الأنسان بالنفوس ولوازمها وتقلب الْقُلُوب وَبِمَا عَلَيْهَا من الْحُقُوق لله ولعباده وَبِمَا حد لَهُم من الْحُدُود علم أَنه لَا يخلوا أحد من ترك بعض الْحُقُوق وتعدي بعض الْحُدُود وَلِهَذَا أَمر الله عباده الْمُؤمنِينَ أَن يسألوه أَن يهْدِيهم السراط الْمُسْتَقيم فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فِي الْمَكْتُوبَة وَحدهَا سبع عشرَة مرّة وَهُوَ صِرَاط الَّذين أنعم عَلَيْهِم من النبين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَمن يطع الله وَرَسُوله فَهُوَ مَعَ هَؤُلَاءِ
فالصراط الْمُسْتَقيم هُوَ طَاعَة الله وَرَسُوله وَهُوَ دين الْإِسْلَام التَّام وَهُوَ اتِّبَاع الْقُرْآن وَهُوَ لُزُوم السّنة وَالْجَمَاعَة وَهُوَ طَرِيق الْعُبُودِيَّة وَهُوَ طَرِيق الْخَوْف والرجاء وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول فِي خطبَته الْحَمد الله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ لعلمه أَنه لَا يفعل خيرا وَلَا يجْتَنب شرا إِلَّا بإعانة الله لَهُ وَأَنه لابد أَن يفعل مَا يُوجب الأستغفار
وَفِي الصَّحِيح سيد الأستغفار أَن يَقُول العَبْد اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وأنما على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت اعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت
فَقَوله أَبُوء بنعمتك عَليّ يتَنَاوَل نعْمَته عَلَيْهِ فِي إعانته على الطَّاعَات وَقَوله أَبُوء بذنبي يبين إِقْرَاره بِالذنُوبِ الَّتِي يحْتَاج إِلَى الإستغفار مِنْهَا وَالله غَفُور رَحِيم شكور يغْفر الْكَبِير ويشكر الْيَسِير
وَجَاء عَن غير وَاحِد إِنِّي أصبح بَين نعْمَة وذنب أُرِيد أَن أحدث للنعمة شكرا وللذنب إستغفارا وَكَانَ الْمَشَايِخ يقرنون بَين هَذِه الثَّلَاثَة الشُّكْر مَا مضى
(1/110)

من إِحْسَان ربه وَالِاسْتِغْفَار لما تقدم من إساءة العَبْد إِلَى نَفسه والاستعانة لما يستقبله العَبْد من أُمُوره فَلَا بُد لكل عبد من الثَّلَاثَة
فَقَوله الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ يتَنَاوَل ذَلِك فَمن قصر فِي وَاحِدَة مِنْهَا فقد طلم نَفسه بِحَسب تَقْصِيره وَالْعَبْد إِذا عمل بِمَا علم أورثه الله علم مَا لم يعلم كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ لَكَانَ خيرا لَهُم} الْآيَة وَقَالَ {وَالَّذين اهتدوا زادهم هدى}
وَإِذا ترك العَبْد الْعَمَل بِعِلْمِهِ عَافِيَة الله بِأَن يضله عَن الْهدى وَأَن لَا يعرفهُ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم} وَقَالَ {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة} وَدلّ {فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا}
وَفِي الحَدِيث إِن العَبْد إِذا أذْنب ذَنبا نكت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء فَإِذا تَابَ وَنزع واستغفر صقل قلبه وَإِن زَاد زيد فِيهَا حَتَّى تعلو كل قلبه فَذَلِك الران الَّذِي قَالَ تَعَالَى {كلا بل ران على قُلُوبهم} رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ
فَهَذِهِ الْأُمُور يبين الله بهَا أَجنَاس ظلم العَبْد نَفسه لَكِن لكل إِنْسَان بِحَسبِهِ وبحسب دَرَجَته فَمَا من صباح يصبح إِلَّا وَللَّه على عبَادَة حُقُوق ولنفسه ولخلقه عَلَيْهِ حُقُوق فلنفسه عَلَيْهِ أَن يعفها وحدود عَلَيْهِ أَن يحفظها ومحارم عَلَيْهِ أَن يتجنبها
فَإِن أَجنَاس الْأَعْمَال ثَلَاثَة مَأْمُور بِهِ قَالُوا هُوَ الْفَرَائِض ومنهى عَنهُ وَهُوَ الْمحرم ومباح لَهُ حد فتعديه حُدُود الله بل قد تكون الزِّيَادَة بعض الْوَاجِبَات والمستحبات لحدود الله وَذَلِكَ هُوَ الاسراف كَمَا قَالَ {رَبنَا اغْفِر لنا ذنوبنا وإسرافنا فِي أمرنَا}
(1/111)

إِذا عرف ذَلِك فَقَوْل الْقَائِل مَا مَفْهُوم قَول الصّديق رَضِي الله عَنهُ ظلمت نَفسِي ظلما كَبِيرا وَالدُّعَاء بَين يَدي الله لَا يحْتَمل الْمجَاز وَالصديق رَضِي الله عَنهُ من أَئِمَّة التَّابِعين وَالرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمره بذلك هَل كَانَ لَهُ نازلة شُبْهَة إِن قَالَ كَانَ الصّديق رَضِي الله عَنهُ أجد قدرا من أَن يكون لَهُ ذنُوب تكون ظلما كثيرا فَإِن ذَلِك يُنَافِي الصديقية
وَهَذَا الشُّبْهَة تَزُول بِوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن الصّديق رَضِي الله عَنهُ بل وَالنَّبِيّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِنَّمَا كملت مرتبته وانتهت دَرَجَته وَتمّ علو مَنْزِلَته فِي نهايته لَا فِي بدايته وَإِنَّمَا نَالَ ذَلِك بِفعل مَا أَمر الله بِهِ وَمن الْأَعْمَال الصَّالِحَة وأفضلها التَّوْبَة وَمَا وجد قبل التَّوْبَة فَإِنَّهُ لم ينقص صَاحبه وَلَا يتَصَوَّر أَن بشرا يَسْتَغْنِي عَن التَّوْبَة كَمَا فِي الحَدِيث يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى الله فَإِنِّي أَتُوب الى الله فِي الْيَوْم أَكثر من سبعين مرّة وَإنَّهُ ليغان عَن قلبِي فَاسْتَغْفر الله فِي الْيَوْم مائَة
وَكَذَلِكَ قَوْله اللَّهُمَّ اغْفِر لي خطأي وجهلي وعمدي وكل ذَلِك عِنْدِي فِيهِ من الِاعْتِرَاف أعظم مَا فِي دُعَاء الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَالصِّدِّيقُونَ رَضِي الله عَنْهُم تجوز عَلَيْهِم جَمِيع الذُّنُوب بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة

فصل
فَمَا يلقى لأهل المكاشفات والمخاطبات من الْمُؤمنِينَ هُوَ من جنس مَا يكون لأهل الْقيَاس والرأي فَلَا بُد من عرضه على الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَلَيْسَ أحد من هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ الصديقين مَعْصُوما فَكل من ادّعى غناءه عَن الرسَالَة مكاشفة أَو مُخَاطبَة أَو عصمَة سَوَاء ادّعى ذَلِك لنَفسِهِ أَو لشيخه فَهُوَ من أضلّ النَّاس
(1/112)

وَمن اسْتدلَّ على ذَلِك بِقصَّة الْخضر فَهُوَ من أَجْهَل النَّاس فَإِن مُوسَى لم يكن مَبْعُوثًا إِلَى الْخضر وَلَا كَانَ يجب على الْخضر اتِّبَاعه بل قَالَ لمُوسَى إِنِّي على علم من علم الله علمنيه الله لَا تعلمه وَأَنت على علم من علم الله علمكه الله لَا أعلمهُ وَلما سلم عَلَيْهِ قَالَ وَأَنِّي بأرضك السَّلَام قَالَ أَنا مُوسَى قَالَ مُوسَى بني إِسْرَائِيل قَالَ نعم فالخضر عَلَيْهِ السَّلَام لم يعرف مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى عرفه مُوسَى نَفسه
وَأما مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ الرَّسُول إِلَى جَمِيع الْخلق فَمن لم يتبعهُ من جَمِيع من بلغته دَعوته كَانَ كَافِرًا ضَالًّا وَمن قَالَ لَهُ مثل مَا قَالَ الْخضر فَهُوَ كَافِر وَأَيْضًا مَا فعله الْخضر فَلم يكن خَارِجا عَن شَرِيعَة مُوسَى إِذْ لما بَين لَهُ الْأَسْبَاب أقره على ذَلِك فَكَانَ قد علم الْخضر الأسبا الَّتِي أَبَاحَتْ لَهُ ذَلِك الْفِعْل وَلم يكن يعلمهَا مُوسَى كَمَا يدْخل الرجل على غَيره فيأكل طَعَامه وَيَأْخُذ مَاله لعلمه بأذنه مَأْذُون لَهُ
وَأَيْضًا فَإِن الْخضر إِن كَانَ نَبيا فَلَيْسَ لغيره أَن يتشبه بِهِ وَإِن يكن نَبيا وَهُوَ قَول الْجُمْهُور فَأَبُو بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا أفضل مِنْهُ فَإِن هَذِه الْأمة خير أمة أخرجت للنَّاس وَأَبُو بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا خِيَارهَا وَكَانَ حَالهمَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا قد علم من الطَّاعَة لأَمره وَنحن مأمورون أَن نقتدي بهما بل من اعْتقد أَنه يجوز لَهُ أَن يخرج عَن طَاعَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتصديقه فِي شئ من أُمُوره الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة فَإِنَّهُ يجب استتابته فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل كَائِنا من كَانَ
(1/113)

وَأما مَا ذكره الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي أَصْنَاف الرَّحْمَة فَلَا ريب أَن الرَّحْمَة أَصْنَاف متنوعة كَمَا ذكره وَلَيْسَ فِي الحَدِيث رَحْمَة من عنْدك وَإِنَّمَا فِيهِ فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وَلَكِن مَقْصُوده أَن يشبه هَذِه بقوله وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة وَقد جعل هَذِه الْمَغْفِرَة من عِنْده سُبْحَانَهُ مغْفرَة مَخْصُوصَة لَيست مِمَّا يبْذل للعامة كَمَا أَن الرَّحْمَة الخصوصة لَيست مِمَّا يبْذل للعامة
وَهَذَا الككلام فِي بعضه نظر وَهُوَ كَغَيْرِهِ من المصنفين فِي كَلَامه مَرْدُود ومقبول فَلَيْسَ فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مغْفرَة من عنْدك وَلَكِن فِي قَول الراسخين هَب لنا من لَدُنْك رَحْمَة وَنَحْو ذَلِك لَا يَقْتَضِي اخْتِصَاص هَذَا الشَّخْص دون غَيره وَإِلَّا لما سَاغَ لغيره أَن يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء وَهُوَ خلاف الاجماع أَو تَفْسِير اللَّفْظ بِمَا لَا يدل عَلَيْهِ
وَقد قَالَ زَكَرِيَّا هَب لي من لَدُنْك ذُرِّيَّة طيبَة وَلم تكن الذُّرِّيَّة مُخْتَصَّة بِهِ وَلَا بالأنبياء بل الله يخرج الْأَنْبِيَاء من الْكفَّار إِذا شَاءَ وَلَكِن بمشيئته وَالله أعلم أَنه إِذا قَالَ من عنْدك وَمن لَدُنْك كَانَ مَطْلُوبا بِغَيْر فعل العَبْد
فَإِن مَا يُعْطِيهِ الله العَبْد على وَجْهَيْن مِنْهُ مَا يكون بِسَبَب فعله كالرزق الَّذِي يرزقه الله بِكَسْبِهِ والسيئات الَّتِي يغفرها الله بِالْحَسَنَاتِ الماحية وَالْولد الَّذِي يُعْطِيهِ الله بِالنِّكَاحِ الْمُعْتَاد وَالْعلم الَّذِي يَنَالهُ بالتعلم
وَمِنْه مَا يُعْطِيهِ للْعَبد ولايحوجه إِلَى السَّبَب الَّذِي ينَال بِهِ فِي غَالب الْأُمُور كَمَا أعْطى زَكَرِيَّا الْوَلَد مَعَ أَن امْرَأَته كَانَت عاقرا وَقد بلغ هُوَ من الْكبر عتيا فَهَذَا وهبه لَهُ الله من لَدنه لَيْسَ بالاأسباب الْمُعْتَادَة وَكَذَلِكَ الَّذِي علمه الْخضر من لَدنه لميكن بالتعلم الْمَعْهُود وَكَذَلِكَ الرَّحْمَة الْمَوْهُوبَة وَلِهَذَا قَالَ إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب وَقَوله مغْفرَة من عنْدك لم يقل فِيهِ من لَدُنْك بل من عنْدك وَمن النَّاس من يفرق بَين لَدُنْك وعندك كَمَا يفرق بَين التَّقْدِيم
(1/114)

وَالتَّأْخِير فَإِن لم يكن بَينهمَا فرق فقد يكون المُرَاد اغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك لَا أطلبها بِأَسْبَاب لِأَنَّهَا من عزائم الْمَغْفِرَة الَّتِي يغْفر لصَاحِبهَا كَالْحَجِّ وَالْجهَاد وَنَحْوه بل اغْفِر لي مغْفرَة توجبها لي وتجود بهَا على بِلَا عمل يَقْتَضِي تِلْكَ الْمَغْفِرَة
وَمن الْمَعْلُوم أَن الله قد يغْفر الذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ وَقد يغفرها بِالْحَسَنَاتِ أَو بالمصائب وَقد يغفرها بِمُجَرَّد اسْتِغْفَار العَبْد وسؤاله أَن يغْفر لَهُ فَهَذِهِ مغْفرَة من عِنْده
فَهَذَا الْوَجْه إِذا فسر بِهِ من عنْدك كَانَ أحسن وأشبه مِمَّا ذكر من الِاخْتِصَاص
وَأما قَوْله والأشياء كلهَا من عِنْده فَيُقَال
الْأَشْيَاء وَجْهَان مِنْهَا مَا جعل بِسَبَب من العَبْد يُوفيه عمله وَمِنْهَا مَا يَفْعَله بِدُونِ ذَلِك السَّبَب بِلَا حَاجَة لسؤاله إحسانا إِلَيْهِ وَاسْتِعْمَال لفظ من عنْدك فِي هَذَا الْمَعْنى مُنَاسِب دون تَخْصِيص لبَعض النَّاس دون بعض
فَإِن قَوْله من عنْدك دلَالَته على الأول أبين وَلِهَذَا يَقُول الرجل لمن يطْلب مِنْهُ أَعْطِنِي عَن عنْدك لما يَطْلُبهُ مِنْهُ بِغَيْر سَبَب بِخِلَاف مَا يَطْلُبهُ من الْحُقُوق الَّتِي عَلَيْهِ كَالدّين وَالنَّفقَة الْوَاجِبَة فَلَا يُقَال من عنْدك وَالله تَعَالَى أعلم وَإِن كَانَ الْخلق لَا يوجبون عَلَيْهِ شَيْئا فَهُوَ قد كتب على نَفسه الرَّحْمَة وَحرم الظُّلم على نسه وَأوجب بوعده مَا يجب لمن وعده إِيَّاه فَهَذَا قد يصير وَاجِبا بِحكم إِيجَاب وعده بِخِلَاف مَا لم يكن كَذَلِك
فاستعمال من عنْدك يُرَاد بِهِ أَن تكون مغْفرَة تجود بهَا أَنْت لَا تحوجني فِيهَا إِلَى خلقك وَلَا أحتاج إِلَى أحد يشفع فِي أَو يسْتَغْفر لي
وَاسْتِعْمَال لفظ من عنْدك فِي مثل هَذَا مَعْرُوف كَمَا فِي حَدِيث كَعْب ابْن مَالك رَضِي الله عَنهُ لما قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبشر بِخَير يَوْم
(1/115)

مر عَلَيْك مُنْذُ وَلدتك أمك فَقَالَ من عنْدك أم من عِنْد الله تَعَالَى فَقَالَ بل هُوَ من عِنْد الله وَأخْبرهُ أَنه تَابَ عَلَيْهِ من عِنْده
وكلا الْوَجْهَيْنِ فِي قَول مَرْيَم عَن رزقها هُوَ من عِنْد الله فَلَمَّا كَانَ الرزق لَا يَأْتِي بِهِ بشر وَلم تسع فِيهِ السعى الْمُعْتَاد قَالَت هُوَ من عِنْد الله
فَهَذَا الْمعَانِي وَمَا يُنَاسِبهَا هِيَ الَّتِي يشْهد لَهَا اسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظ
وَإِن قَالَ قَائِل وَكَذَلِكَ كَلَام الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ أَرَادَ بِهِ مثل هَذَا كَانَ مُحْتملا وَقد قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ احْمِلْ كَلَام أَخِيك على أحْسنه حَتَّى يَأْتِيك مَا يَغْلِبك مِنْهُ وَالله أعلم
وَالتَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار قد يكونَانِ من ترك الْأَفْضَل والذم والوعيد لَا يكونَانِ إِلَّا على ذَنْب
وَمن سمع الْمُؤَذّن وَهُوَ فِي صَلَاة أتمهَا وَلَا يَقُول مثل مَا يَقُول عِنْد الْجُمْهُور كَمَا لَو سمع غَيره يقْرَأ سَجْدَة لم يسْجد فِي الصَّلَاة عِنْد الْجُمْهُور
وَقَول لَيْسَ رلا الله وَمَا ثمَّ رلا الله مُجمل يحْتَمل حَقًا وباطلا

فصل
روى أَبُو ذَر رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا يرْوى عَنهُ ربه تبَارك وَتَعَالَى أَنه قَالَ يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظلموا الحَدِيث
فَقَوله حرمت الظُّلم على نَفسِي فِيهِ مَسْأَلَتَانِ كبيرتان كل مِنْهُمَا ذَات شعب وفروع
(1/116)

إِحْدَاهمَا أَن الظُّلم الَّذِي حرمه الله ونفاه نَفسه بقوله وَمَا ظلمنَا لَهُم وَقَوله {وَلَا يظلم رَبك أحدا} {وَمَا رَبك بظلام للعبيد} {إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة} {وَلَا تظْلمُونَ فتيلا} {وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد} {فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما}
فقد تنَازع النَّاس فِي معنى هَذَا الظُّلم تنَازعا صَارُوا فِيهِ بَين طرفين ووسط بَينهمَا وَخير الْأُمُور أوسطها
وَذَلِكَ بِسَبَب الْبَحْث فِي الْقدر ومجامعته للشَّرْع إِذا الْخَوْض فِيهِ بِغَيْر علم تَامّ أوجب ضلال عَامَّة الْأُمَم وَلِهَذَا نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابه عَن التَّنَازُع فِيهِ فَذهب الكذبون بِالْقدرِ الْقَائِلُونَ بِأَن الله لم يخلق أَفعَال الْعباد وَلم يرد أَن يكون رلا مَا أَمر بِأَن يكون وغلاتهم المكذبون بِتَقْدِيم علم الله وَكتابه سَيكون من أَفعَال الْعباد من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم إِلَى أَن الظُّلم مِنْهُ تَعَالَى هُوَ نَظِير الظُّلم من الْآدَمِيّين بَعضهم لبَعض وشبهوه ومثلوه فِي الْأَفْعَال بزفعال الْعباد حَتَّى كَانُوا هم ممثلة الْأَفْعَال وضربوا لله الْأَمْثَال ولميجعلوا لَهُ الْمثل الْأَعْلَى بل أوجبوا عَلَيْهِ وحرموا مَا رَأَوْا أَنه يجب على الْعباد وَيحرم بقياسه على الْعباد
قَالُوا إِذا أَمر العَبْد وَلم يعنه بِجمع مَا يقدر بِهِ عَلَيْهِ من وُجُوه الْإِعَانَة كَانَ ظَالِما لَهُ والتزموا أَنه لَا يقدر أَن يهدي ضَالًّا كَمَا قَالُوا إِنَّه لَا يقدر أَن يضل مهتديا وَقَالُوا إِذا أَمر اثْنَيْنِ بِأَمْر وَاحِد وَخص أَحدهمَا باعانته على فعل الْمَأْمُور كَانَ ظلما إِلَى أَمْثَال ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي هِيَ من بَاب الْفضل وَالْإِحْسَان جعلُوا تَركه لَهَا ظلما
وَكَذَلِكَ ظنُّوا أَن التعذيب لمن كَانَ فعله مُقَدرا ظلم لَهُ وَلم يفرقُوا بَين التعذيب لمن قالم بِهِ سَبَب اسْتِحْقَاق ذَلِك وَمن لم يقم بِهِ سَببه وَإِن كَانَ ذَلِك الِاسْتِحْقَاق لحكمة أُخْرَى عَامَّة أَو خَاصَّة
وَهَذَا الْموضع زلت فِيهِ أَقْدَام وضلت فِيهِ أفهام
(1/117)

فعارض هَؤُلَاءِ آخَرُونَ من أهل الْكَلَام المثبتين للقدر وَقَالُوا لَيْسَ الظُّلم مِنْهُ حَقِيقَة يُمكن وجودهَا بل هُوَ من الْأُمُور الممتنعة لذاتها فَلَا يجوز أَن يكون مَقْدُورًا وَلَا أَن يُقَال إِنَّه تَارِك لَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْجمع بَين الضدين وَجعل الْجِسْم الْوَاحِد فِي مكانين وقلب الْقَدِيم مُحدثا ورلا فمهما قدر فِي الذِّهْن وَكَانَ وجوده مُمكنا فَالله قَادر عَلَيْهِ فَلَيْسَ بظُلْم مِنْهُ سَواد فعله أَو لم يَفْعَله
وتلقى هَذَا القَوْل عَن هَؤُلَاءِ طوائف من أهل الاثبات من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم وَمن شرح الحَدِيث وفسروا هَذَا الحَدِيث بِمَا يَنْبَنِي عَليّ هَذَا القَوْل وَرُبمَا احْتَجُّوا بظواهر أَقْوَال مآثورة كَمَا روينَا عَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة أَنه قَالَ مَا ناظرت بعقلي كُله أحدا رلا الْقَدَرِيَّة قلت لَهُم مَا لاظلم قَالُوا أَن تَأْخُذ مَا لَيْسَ لَك أَو تتصرف فِيمَا لَيْسَ لَك قلت فَللَّه كل شئ
وَلَيْسَ هَذَا من إِيَاس إِلَّا ليبين أَن التَّصَرُّفَات الْوَاقِعَة فِي مكله تَعَالَى فَلَا يكن ظلما بِمُوجب حَدهمْ وَهَذَا لَا نزاع فِيهِ بَين أهل الْإِثْبَات فَإِنَّهُم متفقون مَعَ أهل الْإِيمَان بِالْقدرِ على أَن كل مَا فعله الله فَهُوَ عدل
فَرَأى إِيَاس أَن هَذَا الْجَواب المطابق لحدهم خَاصم لَهُم وَلم يدْخل مَعَهم فِي التَّفْصِيل الَّذِي يطول
وَبِالْجُمْلَةِ كَمَا قَالَ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن لغيلان حِين قَالَ لَهُ غيلَان نشدتك الله أَتَرَى الله يحب ان يَعْصِي فَقَالَ ربيعَة نشدتك الله أرى الله يعْصى قسرا فَكَأَنَّمَا ألقمه حجرا فَإِن قَوْله يحب أَن يَعْصِي لفظ فِيهِ إِجْمَال وَقد لَا يَأْتِي فِي المناظرة تَفْسِير المجملات خوفًا من لدد الْخصم فَيُؤتى بالواضحات كَمَا ألزمهُ بِالْعَجزِ الَّذِي هُوَ لَازم للقدرية وَلمن هُوَ شَرّ مِنْهُم من الدَّهْر والفلاسفة
(1/118)

وَغَيرهم فَقَوله لَا يخَاف ظلما وَلَا هضما قَالَ أهل التَّفْسِير لَا يخَاف أَن يظلم فَيحمل عَلَيْهِ سيئات غَيره وَلَا يهضم فينقصه من حَسَنَاته
وَلَا يجوز أَن يكون هَذَا الظُّلم هُوَ شَيْئا مُمْتَنعا غير مَقْدُور عَلَيْهِ فَيكون التَّقْدِير فَلَا يخَاف مَا هُوَ مُمْتَنع لذاته خَارج عَن الممكنات والمقدورات فَإِن مثل هَذَا إِذا لم يكن وجوده مُمكنا حَتَّى يَقُولُوا إِنَّه غير مَقْدُور وَلَو أَرَادَهُ كخلق الْمثل فَكيف يعقل وجوده فضلا عَن أَن يتَصَوَّر خَوفه حَتَّى ينفى خَوفه ثمَّ أى فَائِدَة فِي نفي خوف هَذَا وَقد علم من سِيَاق الْكَلَام أَن الْمَقْصُود بَيَان أَن هَذَا الْعَامِل لَا يجزى على إحسانه بالظلم والهضم
فَعلم أَن الظُّلم المنفى يتَعَلَّق بالجزاء كَمَا ذكره أهل التَّفْسِير وَأَن الله لَا يجْزِيه رلا بِعَمَلِهِ وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَاب أَن الله لَا يعذب رلا من أذْنب
وَكَذَا قَوْله وَمَا رَبك بظلام للعبيد يدل الْكَلَام على أَنه لَا يظلم محسنا فينقصه من حَسَنَاته أَو يَجْعَلهَا لغيره وَلَا يظلم مسيئا فَيحمل عَلَيْهِ إساءة غَيره بل لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا أكتسبت وَهَذَا كَقَوْلِه {أم لم ينبأ بِمَا فِي صحف مُوسَى وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وفى أَلا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} فَلَيْسَ على أحد وزر غَيره وَلَا يسْتَحق أحد إِلَّا ماسعاه وكلا الْقَوْلَيْنِ حق على ظَاهره
وَكَذَلِكَ قَوْله فِيمَن عاقبهم وَمَا ظلمناهم كَانُوا هم الظَّالِمين بَين أَن عِقَاب الْمُجْرمين عدل لذنوبهم واخاذهم الْآلهَة الَّتِي لَا تغنى عَنْهُم شَيْئا لَا لأَنا ظلمناهم فعاقبناهم لغير ذَنْب وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {يَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم مثل يَوْم الْأَحْزَاب مثل دأب قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد}
بَين أَن هَذَا الْعقَاب لم يكن ظلما بل هُوَ لاستحقاقهم ذَلِك
وزيضا فَالْأَمْر الَّذِي لَا يُمكن الْقُدْرَة عَلَيْهِ لَا يصلح أَن يمدح الممدوح بِعَدَمِ
(1/119)

إِرَادَته وَفعله وَإِنَّمَا يكون الْمَدْح بترك الْأَفْعَال إِذا كَانَ الممدوح قَادِرًا عَلَيْهَا فَعلم أَنه قَادر على مَا نزه نَفسه عَنهُ من الظُّلم وَأَنه لَا يَفْعَله
وَبِذَلِك يَصح قَوْله إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي فَلَا يجوز أَن يكون فِيمَا هُوَ مُمْتَنع لذاته فَلَا يصلح أَن يُقَال حرمت أَو منعت نَفسِي من خلق مثلي أَو من جعل الْمَخْلُوقَات خالقه وَنَحْو ذَلِك من المحالات الَّتِي يعلم كل أحد أَنَّهَا لَيست مرَادا للرب
وَالَّذِي قَالَه النَّاس إِن الظُّلم وضع الشئ فِي غير مَوْضِعه يتَنَاوَل هَذَا الْمَقْدُور دون ذَاك الْمُمْتَنع كَقَوْل بَعضهم الظُّلم إِضْرَار غير الْمُسْتَحق فَالله لَا يُعَاقب أحدا بِغَيْر حق
وَكَذَلِكَ من قَالَ هُوَ نقص الْحق كَقَوْلِه {كلتا الجنتين آتت أكلهَا وَلم تظلم مِنْهُ شَيْئا} وَمن قَالَ هُوَ التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر فَلَيْسَ بمطرد وَلَا منعكس فقد يتَصَرَّف الإسنان فِي ملك غَيره بِحَق وَلَا يكون ظلما وَقد يتَصَرَّف فِي ملكه بِغَيْر حق فَيكون ظلما وظلم العَبْد نَفسه كثير فِي الْقُرْآن

فصل
فَتبين بِمَا قدمْنَاهُ الْوسط وَهُوَ الْحق أَن الظُّلم الَّذِي حرمه الله عَليّ نَفسه مثل أَن يتْرك حَسَنَات المحسن فَلَا يجْزِيه بهَا ويعاقب البرئ على مالم يَفْعَله من السَّيِّئَات ويعاقب هَذَا بذنب غَيره أَو يحكم بَين النَّاس بِغَيْر الْقسْط وَنَحْو ذَلِك من الْأَفْعَال الَّتِي نزه نَفسه سُبْحَانَهُ عَنْهَا لقسطه وعدله وَهُوَ قَادر عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اسْتحق الْحَمد وَالثنَاء لِأَنَّهُ ترك هَذَا الظُّلم وَهُوَ قَادر عَلَيْهِ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة للنَّاس فِي أَفعَال الله بِاعْتِبَار مَا يصلح مِنْهُ وَيجوز وَمَا لَا يجوز
(1/120)

لَهُ حَتَّى وضعُوا لَهُ شَرِيعَة التَّعْدِيل والتجويز لَا يمعنى أَن الْعقل آمُر لَهُ وناه فَإِن هَذَا لَا يَقُوله عَاقل بل بِمَعْنى أَن تِلْكَ الْأَفْعَال مِمَّا علم بِالْعقلِ وُجُوبهَا وتحريمها وَلَكِن أدخلُوا فِي ذَلِك من النكرات مَا بنوه على بدعتهم من التَّكْذِيب بِالْقدرِ وتوابع ذَلِك
الطّرف الثَّانِي الغلاة فِي الرَّد عَلَيْهِم وهم الَّذين قَالُوا لَا ينزه الرب عَن فعل من الْأَفْعَال وَلَا يعلم وَجه امْتنَاع الْفِعْل مِنْهُ إِلَّا من جِهَة خَبره أَنه لَا يَفْعَله المطابق لعلمه بِأَنَّهُ لَا يَفْعَله فَهَؤُلَاءِ منعُوا حَقِيقَة مَا أخبر تَعَالَى بِهِ أَنه كتب على نَفسه الرَّحْمَة وَحرم على نَفسه الظُّلم
الطّرف الثَّالِث القَوْل الْوسط أَنه سُبْحَانَهُ عَليّ كل شئ قدير وَله الْخلق وَالْأَمر وَأَنه مَعَ ذَلِك حرم على نَفسه أَشْيَاء وَأخْبر أَنه لَا يَفْعَلهَا وَهِي مقدورة لَهُ وَيتْرك أَشْيَاء مَعَ قدرته عَلَيْهَا لِأَنَّهُ عَادل لَيْسَ بظالم كَمَا ينزه نَفسه عَن عُقُوبَة الْأَنْبِيَاء وكما ينزه نَفسه أَن يحمل البرئ ذنُوب الْمُعْتَدِينَ
وَقَوله لَا تظالموا فِيهِ كل الدّين
فالجملة الأولى قَوْله إِنِّي حرمت الظُّلم عَليّ نَفسِي يجمع حل مسَائِل الصِّفَات إِذا أَعْطَيْت حَقّهَا من التَّفْسِير وَهَذِه تَتَضَمَّن الدّين كُله فَإِن كل مانهى الله عَنهُ واجع إِلَى اظلم وكل مَا أَمر بِهِ رَاجع إِلَى الْعدْل
وَلما ذكر مَا أوجبه من الْعدْل وَحرمه منالظلم عَليّ نَفسه وَعلي عباده ذكر إحسانه إِلَى عباده مَعَ غناهُ عَنْهُم وفقرهم رليه وَأَنَّهُمْ لَا يقدرُونَ على جلب مَنْفَعَة لأَنْفُسِهِمْ وَلَا دفع مضرَّة رلا أَن يكون هُوَ سُبْحَانَهُ الميسر لذَلِك وَأمر الْعباد بِأَن يسألوه ذَلِك وَأخْبر أَنهم لَا يقدرُونَ عَليّ نَفعه وَلَا ضره مَعَ عظم مَا يوصله إِلَيْهِم من النعماء وَمَا يدْفع عَنْهُم من الْبلَاء
وجلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة إِمَّا أَن يكون للدّين أَو الدُّنْيَا فَصَارَت أَرْبَعَة أَقسَام
(1/121)

الْهِدَايَة وَالْمَغْفِرَة وهما جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة فِي الدّين وَالطَّعَام والسكوة وهما جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة فِي الدُّنْيَا
وَإِن شِئْت قلت الْهِدَايَة وَالْمَغْفِرَة متعلقتان بِالْقَلْبِ الَّذِي ملك الْبدن وَهُوَ الأَصْل فِي الْأَعْمَال الإرادية
وَالطَّعَام وَالْكِسْوَة متعلقتان بِالْبدنِ الطَّعَام لجلب الْمَنْفَعَة وَالْكِسْوَة لدفع الْمضرَّة وَفتح الْأَمر كُله بالهداية فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت الْهِدَايَة النافعة هِيَ الْمُتَعَلّقَة بِالدّينِ فَكل أَعمال النَّاس تَابِعَة لهداية الله إيَّاهُم قَالَ وَالَّذِي قدر فهدى وهديناه النجدين إِنَّا هديناه اليسبيل وَلِهَذَا قيل إِن الْهِدَايَة النافعة أَرْبَعَة أَقسَام
أَحدهَا الْهِدَايَة إِلَيّ مصَالح الدُّنْيَا
الثَّانِي الْهِدَايَة بِمَعْنى دُعَاء الْخلق إِلَى مَا يَنْفَعهُمْ وَأمرهمْ بذلك
الثَّالِث الَّذِي لاا يقدر عَلَيْهِ رلا الله وَهُوَ جعل الْهدى فِي الْقلب لقَوْله تَعَالَى {من يهد الله فَهُوَ الْمُهْتَدي} وَهُوَ لذِي يُسَمِّيه بَعضهم بالإلهام والإرشاد وَهَذَا يُنكر الْقَدَرِيَّة أَن يكون الله هُوَ الْفَاعِل لَهُ بل يَزْعمُونَ أَن العَبْد يهدي نَفسه وَهَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم حَيْثُ قَالَ فاستهدوني أهدكم بعد قَوْله {كلكُمْ ضال إِلَّا من هديته}
وَعِنْدهم لَا يقدر الله على شئ من الْهدى رلا مَا فعله من إرْسَال الرُّسُل وَنصب الْأَدِلَّة وإزاحة الْعِلَل وَلَا مزية للْكَافِرِ عَليّ الْمُؤمن فِي هِدَايَة الله وَلَا نعْمَة لله على الْمُؤمن عِنْدهم أعظم من نعْمَته على الْكَافِر فِي بَاب الْهدى
وَالْقسم الرَّابِع الْهدى فِي الآخر كَمَا قَالَا لله تَعَالَى {وهدوا إِلَى الطّيب من القَوْل وهدوا إِلَى صِرَاط الحميد}
وَأما قَوْله {كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته وكلكم عَار إِلَّا من كسوته} فَيَقْتَضِي أصلين عظيمين
أَحدهمَا وجوب التَّوَكُّل عَليّ الله فِي الرزق واللباس وَأَنه لَا يقدر أحد
(1/122)

غير الله ذَلِك قدرَة مُطلقَة وَالْقُدْرَة الَّتِي تحصل لبَعض الْعباد تكون على بعض أَسبَاب ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ {وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ} فَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَات مَا هُوَ وَحده سَبَب تَامّ لحُصُول الْمَطْلُوب فَمن ظن الِاسْتِغْنَاء بِالسَّبَبِ عَن التَّوَكُّل فقد ترك الْوَاجِب عَلَيْهِ من التَّوَكُّل وأخل بِوَاجِب التَّوْحِيد وَلِهَذَا يخذل هَؤُلَاءِ كَمَا أَن من دخل فِي التَّوَكُّل وَترك مَا أَمر بِهِ من الْأَسْبَاب فَهُوَ جَاهِل ظَالِم عَاص لله يتْرك مَا أمره بِهِ فان فعل الْمَأْمُور بِهِ عبَادَة الله قَالَ الله {فاعبده وتوكل عَلَيْهِ} {إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين}
وَفِي هَذَا رد على من جعل الْأَخْذ بِالسَّبَبِ نقصا أَو قدحا فِي التَّوْحِيد والتوكل وَأَن تَركه من كَمَال التَّوَكُّل وَهُوَ ملبوس عَلَيْهِم وَقد يقْتَرن بذلك اتِّبَاع الْهوى وميل النَّفس إِلَى البطالة وَلِهَذَا تجدعامة هَذَا الضَّرْب يتعلقون بِأَسْبَاب دون ذَلِك إِمَّا بالخلق رَغْبَة وَرَهْبَة وَإِمَّا أَن يتْركُوا وَاجِبَات أَو مستحبات أَنْفَع لَهُم من ذَلِك كمن يصرف همته فِي توكله إِلَى شِفَاء مَرضه بلادواء أَو نيل رزقه بِلَا سعى فقد يحصل لَهُ ذَلِك وَلَكِن كَانَت مُبَاشرَة الدَّوَاء وَالسَّعْي الْيَسِير وَصرف الهمة فِي عمل صَالح أَنْفَع لَهُ
وَفَوق هَؤُلَاءِ من يَجْعَل التَّوَكُّل والدعاد نقصا وانقطاعا عَن الْخَاصَّة أَن مُلَاحظَة مَا فرغ مِنْهُ فِي الْقدر هُوَ حَال الْخَاصَّة فقد قَالَ هَذَا {كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته وكلكم عَار إِلَّا وَكسوته فاستطعموني أطْعمكُم واستكسوني أكسكم} وَإِنَّمَا غلطوا لظنهم أَن سبق التَّقْدِير بِمَنْع أَن يكون بِالسَّبَبِ الْمَأْمُور بِهِ كمن يتزندق فَيتْرك الْأَعْمَال الْوَاجِبَة بِنَاء على زن الْقدر قد سبق بِأَهْل السَّعَادَة والشقاوة أَو لم يعلم أَن الْقدر سبق بالأمور على ماهي عَلَيْهِ بِأَسْبَاب بهَا
وَطَائِفَة تظن أَن التَّوَكُّل إِنَّمَا هُوَ من مقامات الْخَاصَّة المتقربين بالنوافل وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي أَعمال الْقلب وتوابعها من الْحبّ والرجاء وَالْخَوْف وَالشُّكْر
(1/123)

وَنَحْوه وَهَذَا ضلال مُبين بل جَمِيع هَذِه الْأُمُور فرض على الْأَعْيَان بِاتِّفَاق أهل الْإِيمَان
وقله {يَا عبَادي إِنَّكُم تخطئون باليل وَالنَّهَار وَأَنا أَغفر الذُّنُوب جَمِيعًا} فالمغفرة الْعَامَّة نَوْعَانِ
أَحدهمَا الْمَغْفِرَة لمن تَابَ وَهَذِه عَامَّة فِي جَمِيع الذُّنُوب على الصَّحِيح خلافًا لمن يسْتَثْنى بعض الذُّنُوب كتوبة الداعية إِلَى الْبدع لَا تقبل بَاطِنا وكتوبة الْقَاتِل وَنَحْوه لِأَن الله قد ذكر أَنه يَتُوب على أَئِمَّة الْكفْر الَّذِي هُوَ أعظم من الْبدع وَغَيرهم وَالتَّوْبَة الْعَامَّة كَمَا فِي قَوْله تعال ي {قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا}
النَّوْع الثَّانِي من الْمَغْفِرَة الْعَامَّة الَّتِي دلّ عَلَيْهَا قَوْله {يَا عبَادي إِنَّكُم تخطئون بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَنا أَغفر الذُّنُوب جَمِيعًا} الْمَغْفِرَة بِمَعْنى تَخْفيف الْعَذَاب أَو تَأْخِيره إِلَى أحل مُسَمّى وَهَذَا عَام مُطلقًا وَلِهَذَا شفع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي زبي طَالب مَعَ مَوته على الشّرك فَنقل من غنرة النَّار حَتَّى جعل فِي ضحضاح يغلى مِنْهَا رَأسه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَلَو يُؤَاخذ الله النَّاس بِمَا كسبوا مَا ترك على ظهرهَا من دَابَّة} {وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير}
وَأما قَوْله {إِنَّكُم لن تبلغوا ضرى فتضروني وَلنْ تبلغو نفعي فتنفعوني} فَإِنَّهُ بَين بذلك إِنَّه لَيْسَ هُوَ بمستعيض فِيمَا يحسن بِهِ إِلَيْهِم من إِجَابَة الدعْوَة وغفران الذُّنُوب بذلك جلب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة كَمَا يَفْعَله الْخلق مَعَ بَعضهم لبَعض فَقَالَ {إِنَّكُم لن تبلغوا ضرى فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعى فتنفعوني} فلست إِذا هديتكم وأطعمتكم وكسوتكم بِالَّذِي أطلب أَن تنفعواني وَلَا إِذا غفرت خَطَايَا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار أتقى بذلك أَن تضروني فَإِنَّكُم لن تبلغوا ذَلِك بل عاجزون عَن ذَلِك كُله بل لَا تقدرون رلا عَليّ مَا أقدره لكم وأريده وَكَذَلِكَ مَا يَأْمُركُمْ
(1/124)

بِهِ من الطَّاعَات وَمَا يَنْهَاكُم عَنهُ من السيذات فَإِنَّهُ لَا يتَضَمَّن استجلاب نَفعه كأمر السَّيِّد لعَبْدِهِ وَالْوَالِد لوَلَده وَلَا دفع مضرتهم كنهى هَؤُلَاءِ وَغَيرهم فنزه نَفسه سُبْحَانَهُ عَن لُحُوق نفعهم وضرهم فَلهَذَا ذكر هذَيْن الْأَصْلَيْنِ بعد ذَلِك
فَذكر أَن برهم وفحورهم وطاعتهم ومعصيتهم لَا تزيد ملكه وَلَا تنقص وَأَن مَا يعطيهم غَايَة مَا يسألونه نسبته إِلَيّ مَا عِنْده أدنى نِسْبَة فَقَالَ {يَا عبَادي لَو أَن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم على أفجر قلب رجل وَاحِد مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا وَلَو أَن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كَانُوا على أتقى قلب رجل مِنْكُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكي شَيْئا}
إِذْ ملكه قدرته عَليّ التَّصَرُّف فَلَا تزيد وَلَا تنقص كَمَا تزداد قدرَة الْملك بِكَثْرَة المطعين لَهُ وتنقص بقلة المطيعين فرن ملكه سُبْحَانَهُ مُتَعَلق بِنَفسِهِ وَهُوَ خَالق كل شئ وربه يُؤْتِي الْملك من يَشَاء وينزعه مِمَّن شاد
ثمَّ ذكر حَالهم فِي النَّوْعَيْنِ سُؤال بره وَطَاعَة أمره اللَّذين ذكرهمَا فِي الحَدِيث وَذكر الاستهداء والاستطعام والاستكساء وَذكر الغفران وَالْبر والفجور فَقَالَ {لَو أَن أولكم وأخركم وإنسكم جنكم قَامُوا فِي صَعِيد وَاحِد فسألوني فَأعْطيت كل وَاحِد مَسْأَلته مَا نقص ذَلِك مِمَّا عِنْدِي أَلا كَمَا ينقص الْمخيط أذا أَدخل الْبَحْر}
فَذكر أَن جَمِيع الْخَلَائق إِذا سَأَلُوهُ وهم فِي مَكَان وَاحِد وزمان وَاحِد فَأعْطى كل وَاحِد مَسْأَلته لم ينقص ذَلِك مماعنده رلا كَمَا ينقص الْمخيط وَهِي الإبرة إِذا غمس فِي الْبَحْر
وَقَوله لم ينقص مِمَّا عِنْدِي فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا يدل على أَن عِنْده أمورا مَوْجُودَة
(1/125)

وعَلى هَذَا فَيُقَال لفظ النَّقْص على حَاله لِأَن الْإِعْطَاء من الْكثير وَإِن كَانَ قَلِيلا فَلَا بُد أَن ينقص شَيْئا مَا
وَمن رَوَاهُ لم ينقص من ملكي يحمل عَليّ مَا عِنْده
وَقد يُقَال الْمُعْطى إِن كَانَ أعيانا قَائِمَة فقد تنقل من مَحل إِلَى مَحل فَيظْهر النَّقْص وَإِن كَانَ صِفَات فَلَا تنقل من محلهَا وَإِنَّمَا يُوجد نظيرها فِي مَحل آخر كَمَا يُوجد نَظِير علم الْمعلم فِي قلب المتعلم من غير زَوَال علم الْمعلم وكما يتَكَلَّم الْمُتَكَلّم بِكَلَام الْمُتَكَلّم قبله من غير انْتِقَال كَلَام الأول إِلَى الثَّانِي
وعَلى هَذَا فالصفات لَا تنقص مِمَّا عِنْده شَيْئا وَهِي من المسؤل كالهدى
وَقد يُجَاب عَن هَذَا بِأَنَّهُ من الْمُمكن فِي بعض الصِّفَات أَن لَا يثبت مثلهَا فِي الْمحل الثَّانِي حَتَّى تَزُول عَن الأول كاللون وكالروائح الَّتِي تعبق بمَكَان وتزول كَمَا دَعَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَليّ حمى الْمَدِينَة أَن تنْتَقل إِلَيّ الْجحْفَة
وَهل هَذَا الِانْتِقَال بانتقال عين الْعرض الأول أَو بِوُجُود مثله من غير انْتِقَال عينه فِيهِ للنَّاس قَولَانِ
وَالْقَوْل الثَّانِي أَن النَّقْص هُنَا كالنقص الَّذِي فِي حَدِيث مُوسَى وَالْخضر فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه قَالَ لمُوسَى وَقد وَقع عُصْفُور على قاب السَّفِينَة فَنقرَ فِي الْبَحْر فَقَالَ مَا نقص علمي وعلمك من علم الله إِلَّا كَمَا نقص هَذَا العصفور من هَذَا الْبَحْر وَمَعْلُوم أَن نفس علم الله الْقَائِم بِهِ لَا يَزُول مِنْهُ شئ بتَعَلُّم الْعباد
وَإِنَّمَا الْمَقْصُود أَن نِسْبَة علمي وعلمك إِلَى علم الله كنسبة مَا علق بمنقار العصفور إِلَى الْبَحْر
وَمن هَذَا الْبَاب كَون الْعلم يُورث وَكتاب يُورث
وَتَحْقِيق الْأَمر مَا أحَاط علمي وعلمك من علم الله إِلَّا كَمَا ينقص هذطا العصفور نِسْبَة هَذَا كنسبة هَذَا إِلَيّ هَذَا وَإِن كَانَ الْمُشبه بِهِ جسما ينْقل من مَحل إِلَيّ مَحل يَزُول عَن مَحل وَلَيْسَ الْمُشبه كَذَلِك
(1/126)

فَهَذَا الْفرق يُعلمهُ المستمع من غير التباس
ثمَّ خَتمه بتحقيق مَا بَينه فِيهِ من عدله وإحسانه فَقَالَ {إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أَو فِيكُم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن رلا نَفسه}
فَبين أَنه محسن رلى عباده فِي الجزاءأ على أَعْمَالهم إحسانا يسْتَحق بِهِ الْحَمد لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنعم بِالْأَمر بهَا والارساد إِلَيْهَا والإعانة عَلَيْهَا ثمَّ إحصائها ثمَّ توفيه جزائها فَكل ذكل فضل مِنْهُ وإحسان فَكل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل وَإِن كَانَ ذَلِك أوجبه عَليّ نَفسه فَلَيْسَ هُوَ كوجوب حُقُوق النَّاس بَعضهم على بعض لكَون إِحْسَان بعض النَّاس إِلَى بعض لحق الْمُعَاوضَة ورجاء الْمَنْفَعَة وَقد تبين عدم ذَلِك فِي حَقه فَلَيْسَ لأحد من جِهَة نَفسه عَلَيْهِ حق بل هُوَ الَّذِي أَحَق الْحق على نَفسه بكلماته فَهُوَ المحسن بِالْإِحْسَانِ وباحقاقه وكتابته على نَفسه فَهُوَ محسن إحسانا مَعَ إِحْسَان
ثمَّ بَين أَنه عَادل فِي الْجَزَاء عَليّ السَّيِّئَات فَقَالَ {وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه} كَمَا تقدم {وَمَا ظلمناهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ}
وَهَذِه نُكْتَة مختصرة تنبه الْفَاضِل على مَا فِي الْحَقَائِق من لجوامع والفوارق الَّتِي تفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل فِي هَذِه المضايق
وَالله ينفعنا وَسَائِر إِخْوَاننَا بِمَا علمنَا ويعلمنا مَا ينفعنا ويريدنا علما وَلَا حول وَلَا قُوَّة رلا بِاللَّه وَعَلِيهِ التكلان
(1/127)

فصل
وَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام دَعْوَة أخي ذِي النُّون لَا إِلَه رلا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين مَا دَعَا بهَا مكروب رلا فرج الله تَعَالَى كربته
اعْلَم أَن لفظ الدُّعَاء والدعوة يتَنَاوَل معنين دُعَاء الْعِبَادَة ودعاد الْمَسْأَلَة وكل عَابِد سَائل وكل سَائل عَابِد فأحد الاسمين يتَنَاوَل الآخر عِنْد تجرده عَنهُ وَإِذا جمع بَينهمَا فَإِنَّهُ يُرَاد بالسائل الَّذِي يطْلب جلب الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة بصيغ السُّؤَال والطلب وَيُرَاد بالعابد من يطْلب ذَلِك بامتثال الْأَمر وَإِن لم يكن هُنَاكَ صِيغَة سُؤال وَلَا طلب
وَلَا يتَصَوَّر زن يَخْلُو دَاع لله دُعَاء عبَادَة أَو دُعَاء مَسْأَلَة من الرغب والرهب وَالْخَوْف والطمع
وَمَا يذكر عَن بعض الشُّيُوخ أَنه جعل الْخَوْف والرجاء من مقامات الْعَامَّة فَهَذَا قد يُفَسر مُرَاده بِأَن المقربين يُرِيدُونَ وَجه الله فيقصدون التَّلَذُّذ بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَإِن لم يكن هُنَاكَ مَخْلُوق يتلذذ بِهِ سُبْحَانَهُ
وَهَؤُلَاء يرجون حُصُول هَذَا الْمَطْلُوب وَيَخَافُونَ حرمانه أَيْضا فَلم يخلوا عَن الْخَوْف والرجاء لككن مرجوهم ومخوفهم بِحَسب مطلوبهم
وَمن قَالَ من هَؤُلَاءِ لم أعبدك خوفًا من نارك وَلَا شوقا إِلَى جنتك فَهُوَ يظنّ أَن الْجنَّة اسْم لما يتمتع بِهِ من الْمَخْلُوقَات وَأَن النَّار اسْم لما لَا عَذَاب فِيهِ سوى ألم الْمَخْلُوقَات
وَهَذَا قُصُور مِنْهُم عَن فهم مُسَمّى الْجنَّة وَمَا فيهم من النَّعيم بل كل مَا أعد الله لأولياذه فَهُوَ من الْجنَّة وَالنَّظَر إِلَيْهِ هُوَ من الْجنَّة وَلِهَذَا كَانَ أفضل الْخلق صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْأَل ربه الْجنَّة ويستعيذ بِهِ من النَّار
(1/128)

مسألة وَقد أنكر على من يَقُول أَسأَلك لَذَّة النّظر إِلَى وَجهك فريق من أخهل الْكَلَام فظنوا أَن الله لَا يتلذذ بِالنّظرِ رلي وَجهه وَأَنه لَا نعيم إِلَّا بمخلوق فغلطوا فِي معنى الْجنَّة كَمَا غلط أُولَئِكَ السائلون لكن أُولَئِكَ طلبُوا مَا يسْتَحق أَن يطْلب وَهَؤُلَاء أَنْكَرُوا ذَلِك
وَأما التألم بالنَّار فَهُوَ أَمر ضَرُورِيّ وَمن قَالَ لَو أدخلني النَّار كنت رَاضِيا فَهُوَ عزم مِنْهُ والعزائم قد تَنْفَسِخ عِنْد وجود الْحَقَائِق وَمثل هَذَا يَقع فِي كَلَام طَائِفَة مثل سمنون الَّذِي قال
فَلَيْسَ لي فِي سواك حَظّ ... فكيفما شذت فامتحني
فَابْتلى بعسر الْبَوْل فَجعل يطوف على صبيان الْمكَاتب وَيَقُول ادعوا لعمكم الْكذَّاب
وَبَعض من تكلم فِي علل المقامات وَجعل الْحبّ وَالرِّضَا وَالْخَوْف والرجاء من مقامات الْعَامَّة بِنَاء على مشادة الْقدر وَأَن من نظر إِلَى الْقدر فقد نظر إِلَى تَوْحِيد الْأَفْعَال حَتَّى فنى من لم يكن وبقى من لم يزل يخرج عَن هَذِه الْأُمُور
وَهَذَا كَلَام مُسْتَدْرك حَقِيقَة وَشرعا
وَأما الْحَقِيقَة فَإِن الْحَيّ لَا يتَصَوَّر إِلَّا حساسا محبا لما يائمه مبغضا لما ينافره وَمن قَالَ إِن الْحَيّ يتَصَوَّر عِنْده أَن يستوى جَمِيع المقدورات فَهُوَ أحد رجلَيْنِ إِمَّا جَاهِل وَإِمَّا مكابر معاند لَا يتَصَوَّر مَا يَقُول
فَمن زعم أَن الْمشَاهد لمقام تَوْحِيد الربوبية يدْخل إِلَيّ مقَام الْجمع والفناء فَلَا يشْهد فرقا فَإِنَّهُ غالط غَلطا فَاحِشا بل ال بُد من الْفرق فرنه أَمر ضَرُورِيّ لَكِن إِذا خرج عَن الْفرق الشَّرْعِيّ بقى الْفرق الطبيعي فَيبقى مُتبعا لهواه لَا مُطيعًا لمَوْلَاهُ وَلِهَذَا لما وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة بَين الْجُنَيْد وَأَصْحَابه ذكر لَهُم الْفرق الثَّانِي وَهُوَ أَن يفرق بَين الْمَأْمُور والمحظور وَبَين مَا يُحِبهُ الله ويكرهه مَعَ شُهُوده الْقدر الْجَامِع فَيشْهد الْفرق فِي الْقدر الْجَامِع
(1/129)

وَمن لَا يفرق بَين الْمَأْمُور والمحضور فقد خرج عَن دين الْإِسْلَام وَخرج إِلَى وحدة الْوُجُود الَّتِي لَا يفرق معتقدوها بَين الْخَالِق والمخلوق وَلَكِن لَيْسَ كل هَؤُلَاءِ إِلَيّ هَذَا الْإِلْحَاد بل قد يفرقون من وَجه دون وَجه فيطيعون الله وَرَسُوله تَارَة ويعصون الله وَرَسُوله أُخْرَى كالعصاة من أهل الْقبْلَة
ودعوة ذِي النُّون تتَنَاوَل نَوْعي الدُّعَاء
فَقَوله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت اعْتِرَاف بتوحيد الإلهية وتوحيد الألهية يتَضَمَّن أحد نَوْعي الدعاد فَإِن الْإِلَه هُوَ الْمُسْتَحق لِأَن يدعى عبَادَة وَدُعَاء مَسْأَلَة وهوالله الَّذِي لَا رله رلا هُوَ
وَقَوله إِي كنت من الظَّالِمين اعْتِرَاف بالذنب وَهُوَ يتَضَمَّن طلب الْمَغْفِرَة فَإِن الطّلب تَارَة يكون بِصِيغَة الطّلب وَتارَة يسزل بصسغة الْخَبَر إِمَّا بوص حَاله وَإِمَّا بِوَصْف حَال المسذول وَإِمَّا بِوَصْف الْحَالين وَقد صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أفضل مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي يَوْم عَرَفَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شئ قدير
وَسُئِلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة رَحمَه الله تَعَالَى عَن أفضل الدُّعَاء فَذكر هَذَا الحَدِيث وَأنْشد قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت يمدح ابْن جدعَان ... أأذكر حَاجَتي أم قد كفاني ... حباؤك إِن شيتك الحباء ... إِذا أثنى عَلَيْك الْمَرْء يَوْمًا ... كَفاهُ من تعرضه الثَّنَاء ...

قَالَ فَهَذَا مَخْلُوق يُخَاطب مخلوقا فَكيف بالخالق تَعَالَى
وأكمل أَنْوَاع الطّلب مَا تضمن وصف حَال الدَّاعِي والمدعو وَالسُّؤَال بالمطابقة كَحَدِيث أبي بكر رَضِي الله عَنهُ اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا
وَلَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وارحمني إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم أَخْرجَاهُ فِي الصحيحن
لَكِن صَاحب الْحُوت مقَامه مقَام اعْتِرَاف فَنَاسَبَ حَاله صِيغَة الْوَصْف وَالْخَبَر
(1/130)

دون صِيغَة الطّلب كَأَنَّهُ قَالَ مَا أصابني الشَّرّ رلا بِسَبَب ذَنبي وَالْمَقْصُود دفع الضَّرَر وَالِاسْتِغْفَار جَاءَ بِالْقَصْدِ الثَّانِي فَلم يذكر صِيغَة الطّلب لاستشعاره أَنه مسئ ظَالِم وَأَنه هُوَ الَّذِي أَدخل الضَّرَر عَليّ نَفسه فَذكر مَا يرفعهُ من الِاعْتِرَاف بظلمه
وَقَوله سُبْحَانَكَ يتَضَمَّن تَعْظِيم الرب وتنزيهه عَن الظُّلم والعقوبة بِغَيْر ذَنْب يَقُول أَنْت مقدس منزه عَن ظلمي وعقوبتي بِغَيْر ذَنْب بل أَنا الظَّالِم الَّذِي ظلمت نَفسِي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت فَهُوَ الاله الَّذِي يسْتَحق أَن يكون مألوها وَحده مألوه لما يُريدهُ وَيُعْطِيه من الرَّحْمَة وَمَا اتّصف بِهِ من كَمَال الْقُدْرَة وَالْحكمَة وَغير ذَلِك من الصِّفَات الَّتِي تسلتزم أَن سُكُون هُوَ الْحُبُوب غَايَة الجحب المخضوع لَهُ غَايَة الخضوع
وَالْعِبَادَة تَتَضَمَّن غياة الْحبّ بغاية الذل وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَنْبَغِي لعبد أَن يَقُول إِنَّه من يُونُس مَتى
فَلَيْسَ لأحد من الْعباد أَن يُبرئ نَفسه عَن هَذَا الْوَصْف لَا سِيمَا فِي مقَام مناجاته لرَبه فَمن ظن أَنه خير من يُونُس بن متي فَهُوَ كَاذِب إِذْ زعم أَنه ليسش عَلَيْهِ أَن يعْتَرف بظُلْم نَفسه فَمن ادّعى ذَلِك فقد كذب وَلِهَذَا كَانَ سَادَات الخلاذق يعترفون بذلك كإبراهيم وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

فصل
لفظ الْأَيْمَان إِذا أفرد ذخل فِيهِ الْأَعْمَال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة مِمَّا يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَقيل الْإِيمَان قَول عمل أَي قَول الْقلب وَاللِّسَان وَعمل الْقلب والجوارح وَمِنْه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ أَو بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة أَعْلَاهَا قَول ال رله إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة ن الْإِيمَان وَقَوله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا} الْآيَة
(1/131)

فالإيمان الْمُطلق يدْخل فِيهِ الْإِسْلَام كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لوفد عبد الْقَيْس آمركُم بِالْإِيمَان بِاللَّه أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه شَهَادَة أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَأَن تُؤَدُّوا خمس مَا غَنِمْتُم
وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من السّلف كل مُؤمن مُسلم وَلَيْسَ كل مُسلم مُؤمنا فَأَما إِذا اقْترن لفظ الْإِيمَان بِالْعَمَلِ أَو بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يفرق بَينهمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وكما فِي الصَّحِيح لما سزله جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان فَقَالَ الْإِسْلَام أَن تشهد أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتى الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت قَالَ فَمَا الْإِيمَان قَالَ أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره قَالَ فَمَا الْإِحْسَان قَالَ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك
فَفرق بَين الْإِيمَان وَالْإِسْلَام لما فرق السَّائِل بَينهمَا
وَفِي ذَلِك النَّص أَدخل الْإِسْلَام فِي الْإِيمَان لما أفرده بِالذكر
وَكَذَلِكَ لفظ الْعَمَل فرن الْإِسْلَام هُوَ من الْعَمَل الظَّاهِر هُوَ مُوجب إِيمَان الْقلب وَمُقْتَضَاهُ وَإِذا حصل إِيمَان الْقلب حصل إِيمَان الْجَوَارِح ضَرُورَة وَلَا بُد فِي إِيمَان الْقلب من تَصْدِيق الْقلب وانقياده ورلا فَلَو زعم أَنه صدق قلبه أَن مُحَمَّد رَسُول الله وَهُوَ ببغضه ويحسده ويستكبر عَن مُتَابَعَته لم يكن قد آمن قلبه
وَالْإِيمَان وَإِن تضمن التصذيق فَلَيْسَ هُوَ مُرَاد مَا قَالَه فَلَا يُقَال لكل مُصدق بشئ إِنَّه مُؤمن بِهِ فَلَو قَالَ أَنا أصدق بِأَن الْوَاحِد نصف الْإِثْنَيْنِ وَأَن السماد فَوْقنَا وَالْأَرْض تحتنا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُشَاهِدهُ النَّاس لم يقل لهَذَا إِنَّه
(1/132)

مُؤمن بذلك بل لَا يسْتَعْمل رلا فِيمَا أخبر بِهِ عَن شئ من الْأُمُور الغاذبة كَقَوْل إحوة يُوسُف لأبيهم وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا فَإِنَّهُم أَخْبرُوهُ بِمَا غَابَ عَنهُ
وَفرق بَين آمن لَهُ وآمن بِهِ فَالْأول يُقَال للمخبر وَالثَّانِي للمخبر بِهِ كَمَا قَالَ إخْوَة يُوسُف وكما قَالَ تَعَالَى {يُؤمن بِاللَّه ويؤمن للْمُؤْمِنين} فَفرق بَين إيمَانه بِاللَّه وإيمانه للْمُؤْمِنين لِأَن المُرَاد تَصْدِيق إِذا أَخْبرُوهُ وَأما إيمَانه بِاللَّه فَهُوَ من بَاب الْإِقْرَار بِهِ
وَمِنْه قَوْله {أنؤمن لبشرين مثلنَا} أَي نقر لَهما ولصدقهما وَمِنْه {أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم} وَقَوله {فَآمن لَهُ لوط}
وَمن الْمَعْنى الآخر {يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ} و {آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ} {وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه} أَي أقرّ بذلك
فالمقصود أَن لفظ الْإِيمَان إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي بعض الْأَخْبَار وَهُوَ مَأْخُوذ من الْأَمْن كَالْإِقْرَارِ مَأْخُوذ من قر فالمؤمن صَاحب أَمن كَا الْمقر صَاحب إِقْرَار فَلَا بُد فِي ذَلِك من عمل الْقلب بِمُوجب تَصْدِيقه فَإِذا علم أَن مُحَمَّد رَسُول الله وَلم يقْتَرن بِهِ حبه وَلَا تَعْظِيمه بل كَانَ يحسده فانه لَيْسَ بِمُؤْمِن بل هُوَ كَافِر
وَمن هَذَا الْبَاب كفر إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَأهل الْكتاب الَّذين يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم
فمجرد علم الْقلب لَا يَكْفِي بل لَا بُد من عمل الْقلب بِمُوجب علمه مثل محبَّة الْقلب لَهُ واتباعه لَهُ بل أَشد النَّاس عذَابا مالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع
وَلَكِن الْجَهْمِية ظنُّوا أَن مُجَرّد علم الْقلب وتصديقه هُوَ لإيمان وَأَن من دلّ الشَّرْع عَليّ أَنه لَيْسَ بِمُؤْمِن فَإِن ذَلِك يدل على عدم علم قلبه وَهَذَا من أعظم الْجَهْل شرعا وعقلا
(1/133)

وَحَقِيقَة قَوْلهم توجب التَّسْوِيَة بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر وَلِهَذَا أطلق الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهم القَوْل بكفرهم بذلك
فَإِن من الْمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان يعلم بِقَلْبِه الْحق وَقد يبغضه لغَرَض آخر فَلَيْسَ كل مستكبر عَن الْحق يكون غير عَالم بِهِ فَحِينَئِذٍ لَا بُد من تَصْدِيق الْقلب وَعَمله وَهَذَا معنى قَول السّلف الْإِيمَان قَول وَعمل
ثمَّ إِذا تحقق الْقلب بالتصديق والمحبة التَّامَّة المتضمنة للإرادة لزم وجود الْأَفْعَال الظَّاهِرَة فَإِن الْإِرَادَة الجازمة إِذا اقْترن بهَا الْقُدْرَة التَّامَّة ازم وجود المُرَاد قطعا
وَأَبُو طَالب وَإِن كَانَ عَالما بِأَن مُحَمَّد رَسُول الله وَهُوَ محب لَهُ فَلم تكن محبته لَهُ كمحبة الله بل لِأَنَّهُ ابْن أَخِيه فَيُحِبهُ لِلْقَرَابَةِ وإدا أحب ظُهُوره فَلَمَّا كَانَ يحصل لَهُ بِهِ من الشّرف والرياسة فَأصل محبوبه الرياسة وَلِهَذَا لما عرض عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الشَّهَادَة عِنْد الْمَوْت أحب دينه أَكثر من دين ابْن أَخِيه فَم يقر بِهِ لِئَلَّا يَزُول عَن دينه فَلَو كَانَ حبه كحب أبي بكر رَضِي الله عَنهُ وَغَيره من الْمُؤمنِينَ لنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ قطعا فَلهَذَا كَانَ حبه حبا مَعَ الله لَا حبا لله فَلم يقبل الله مِنْهُ مَا فعله مَعَ الرَّسُول من نصرته ومؤازرته لِأَنَّهُ لم يعمله لله بِخِلَاف أبي بكر الَّذِي فعله ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى
فَهَذَا يُحَقّق أَن الْإِيمَان والتوحيد لَا بُد فيهمَا من أَعمال الْقلب فَلَا بُد من إخلاص الدّين لله وَالدّين لَا يكون دينا رلا بِعَمَل صَالح
وَكَذَا لفظ الْعِبَادَة والتوكل رذا أطلقت الْعِبَادَة دخل فِيهَا التَّوَكُّل وَنَحْوه كَقَوْلِه تَعَالَى {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} وَقَوله {اعبدوا ربكُم} وَإِذا قرنت اخْتصّت كَقَوْلِه {إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين} وَقَوله {فاعبده وتوكل عَلَيْهِ}
وتنوع دلَالَة لفظ الشئ فِي عُمُومه وخصوصه بِحَسب الْإِفْرَاد والاقتران
(1/134)

كثير كَلَفْظِ الْمَعْرُوف وَالْمُنكر نَحْو يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن النكر فَيدْخل فِي الْمُنكر كل مَا كرهه الله تَعَالَى كَمَا يدْخل فِي الْمَعْرُوف كل مَا يُحِبهُ
وَفِي لفظ الْفَقِير والمسكين إِذا أفرد أَحدهمَا دخل فِيهِ الآخر وَإِذا اقْترن اخْتصَّ وَكَذَا الْإِلَه والرب مثل قَوْله {الْحَمد لله رب الْعَالمين} فَإِن الْإِلَه هُوَ المعبود والرب هُوَ الَّذِي يرب غَيره فيدبره
وَلِهَذَا كَانَت الْعِبَادَة مُتَعَلقَة باسم الْإِلَه مُتَعَلق باسم الرب وَلما كَانَت الْعِبَادَة مُتَعَلقَة باسم الله جَاءَت الْأَذْكَار الْمَشْرُوعَة بِهَذَا الِاسْم كَلِمَات الْأَذَان الله أكبر وَمثل الشَّهَادَتَيْنِ والتحيات لله وَالتَّسْبِيح والتهليل سُبْحَانَ الله الْحَمد لله وَالله أكبر
وَأما السُّؤَال فكثيرا مَا يَجِيء باسم الرب نَحْو رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين رَبِّي إِنِّي ظلمت نَفسِي رَبنَا إِنِّي أسكت من ذريتي بواد غير ذى زرع الْآيَة
وَقد نقل عَن مَالك أَنه قَالَ أكره أَن يَقُول فِي دُعَائِهِ يَا سَيِّدي ياحنان يَا منان وَلَكِن بِمَا دعت بِهِ الْأَنْبِيَاء رَبنَا رَبنَا نَقله عَنهُ الْعُتْبِي فِي الْغَنِيمَة
فَإِذا سبق إِلَى الْقلب قصد السُّؤَال ناسب أَن يسْأَل باسم الرب وَلَو سَأَلَ باسم الله لتَضَمّنه اسْم الرب كَانَ حسنا وَأما إِذا سبق إِلَيّ الْقلب قصد الْعِبَادَة فاسم الله أولى بذلك
وَلما كَانَ يُونُس المغاضبة ومنازعة الْقدر وَنَوع مُعَارضَة فِي خلقه وَأمره ووساوس فِي حكمته ورجته احْتَاجَ أَن يدْفع عَنهُ ذَلِك فَيحْتَاج العَبْد أَن يدْفع عَنهُ ذَلِك وَيعلم أَن الْحِكْمَة وَالْعدْل فِيمَا اقْتَضَاهُ علمه وحكمته فروى أَن يُونُس نَادَى بارتفاع الْعَذَاب عَن قومه بعد أَن أظلهم وَخَافَ أَن ينْسب إِلَيّ الْكَذِب فَنَادَى من الْقدر وَحصل من منازعته الْإِرَادَة مَا يزاحم الإلهية فَنَاسَبَ أَن يجرد الإلهية ويخلصها لله وَحده
(1/135)

وَقَوله تَعَالَى {لَا إِلَه إِلَّا أَنْت} يتَضَمَّن الْبَرَاءَة مِمَّا سوى الله من الْآلهَة الْبَاطِلَة سَوَاء قدر هوى النَّفس أَو طَاعَة الْخلق أَو غير ذَلِك بِخِلَاف آدم فَإِنَّهُ اعْترف أَولا بِذَنبِهِ فَقَالَ رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده شئ من مُنَازعَة الْإِرَادَة لما أَمر الله بِهِ مَا يزاحم الإلهية بل ظن صدق إِبْلِيس فَنَاسَبَ رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا فيكوننا قبلنَا تغريره بِنَا وَمَا أظهر من نصحنا فَقَصره فَكَانَ مُحْتَاجين إِلَى أَن يربيهما بربوبتيه بِكُل حَال فَلَا يغترا بِمثل ذَلِك فشهدا حاجتهما إِلَى ربهما الَّذِي لَا يقْضِي حاجتهما غَيره
وَهَذَا مبْنى على القَوْل بالعصمة
وَالنَّاس متفقون عَليّ أَن الآنبياء معصومون فِيمَا يبلغون عَن الله فَلَا يقرونَ فِي ذَلِك على خطأ بِاتِّفَاق الْمُسلمين لَكِن هَل يتَصَوَّر مَا يَسْتَدْرِكهُ الله فَينْسَخ مَا يلقى الشَّيْطَان وَيحكم الله آيَاته فَهَذَا فِيهِ قَولَانِ
والمأثور عَن السّلف يُوَافق الْقُرْآن بذلك
وَأما الْعِصْمَة فِي غير مَا يتَعَلَّق بتبليغ الرسَالَة فللناس فِيهِ نزاع هَل هُوَ ثَابت بِالْعقلِ أَو بِالسَّمْعِ ومتنازعون فِي الْعِصْمَة من الكباذر والصغاذر أَو من بَعْضهَا وَهَذِه الْعِصْمَة إِنَّمَا هِيَ فِي الإفرار عَلَيْهَا لافي فعلهَا أم لَا يجب القَوْل بالعصمة إِلَّا فِي التَّبْلِيغ فَقَط وَهل تجب الْعِصْمَة من الْكفْر والذنُوب قبل الْبعْثَة أم لَا
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور الْمُوَافق للأثر إِثْبَات الْعِصْمَة من الْإِقْرَار على الذُّنُوب مُطلقًا
وَقَول من يجوز إقرارهم عَلَيْهَا وحجج الْقَائِلين بالعصمة إِذا حررت إِنَّمَا تدل عَليّ هَذَا القَوْل وحجج النفاة لَا تدل على وُقُوع ذَنْب أقرّ عَلَيْهِ الأنبياد فَإِن وُقُوع الذَّنب إِذا لم يقر عَلَيْهِ لم يحصل بِهِ تنفير وَلَا نقص فَإِن التَّوْبَة النصوح بِرَفْع اله بهَا صَاحبهَا أَكثر مِمَّا كَانَ أَولا وَكَذَلِكَ التأسي بالأنبياء إِنَّمَا هُوَ فِيمَا أقرُّوا عَلَيْهِ بِدَلِيل النّسخ وَنَحْوه
(1/136)

وَمن قَالَ إِن إِلْقَاء يُونُس إِلَيّ بطن الْحُوت كَانَ قبل النُّبُوَّة فَلَيْسَ هُوَ من هَذَا الْبَاب

فصل
وَتَصِح التَّوْبَة من ذَنْب مَعَ إصراره عَليّ آخر عِنْد السّلف وَالْخلف
وَقَالَ طَائِفَة من أهل الْكَلَام كَأبي هَاشم لَا تصح رلا بِالتَّوْبَةِ من الْجَمِيع وَحكى القَاضِي وَابْن عقيل هَذَا عَن أَحْمد
وَالْمَعْرُوف الأول وَمَا روى عَنهُ مَحْمُول على أَنَّهَا لَيست تَوْبَة تَجْعَلهُ تَائِبًا مُطلقًا فَإِن الدي ذكر الْمروزِي عَنهُ أَنه سذل عَمَّن تَابَ عَن الْفَاحِشَة ولميتب عَن النّظر فَقَالَ أَي تَوْبَة ذه
هَذَا لَا يعْطى مَا قَالَه عَنهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَيست تَوْبَة عَامَّة يحصل بهَا تَوْبَة مُطلقَة لم يرد أَن هَذَا كالمصر على الْكَبَائِر فَإِن نصوصه المتوتره عَنهُ تنافى ذَلِك فَحمل كَلَامه على مَا يُوَافقهُ أولى لَا سِيمَا إِذا كَانَ القَوْل الآخر مبتدعا لَا يعرف لَهُ سلف
وَأحمد من أَشد النَّاس وَصِيَّة بِاتِّبَاع السّلف وَوَصِيَّة بِالسنةِ والاتباع أَكثر من أَن يحصر
وَمن تَابَ من بعض ذنُوبه فَإِن التَّوْبَة تقتضى مغْفرَة مَا تَابَ مِنْهُ فَقَط
وَمَا علمت فِيهِ نزاعا إِلَّا فِي الْكَافِر إِذا أسلم فَإِنَّهُ إِسْلَامه يغْفر الله لَهُ بِهِ الْكفْر وَهل يغْفر لَهُ الذُّنُوب الَّتِي فعلهَا فِي حَال كفره وَلم يتب مِنْهَا فِي الْإِسْلَام عَليّ قَوْلَيْنِ معروفين
الصَّحِيح أَنه إِذا لم يتب من الذَّنب بقى عَلَيْهِ حكمه وَلَا يغْفر إِلَّا بِمَشِيئَة الله تَعَالَى كَغَيْرِهِ من الْمُسلمين الَّذين عمِلُوا الذُّنُوب فِي الْإِسْلَام
(1/137)

فصل
الْإِنْسَان قد يستحضر ذنوبا فيتوب مِنْهَا وَقد يَتُوب تَوْبَة مُطلقَة لايستحضر مَعهَا ذنُوبه لَكِن إِذا كَانَت نِيَّته التَّوْبَة الْعَامَّة فهى تتَنَاوَل كل مَا يرَاهُ ذَنبا لِأَن التَّوْبَة الْعَامَّة تَتَضَمَّن عزما عَاما عَليّ فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور وككذلك تَتَضَمَّن ندما عَاما على كل مَحْظُور والندم سَوَاء قيل إِنَّه من بَاب الاعتقادات أَو من بَاب الإرادات أَو من الْأَلَم الَّذِي يلْحق النَّفس بِسَبَب فعل مَا يَضرهَا فَإِذا استشعر الْقلب أَنه فعل مَا يضرّهُ حصل لَهُ معرفَة بِأَن الَّذِي فعله كَانَ من السَّيِّئَات وَهَذَا من بَاب الاعتقادات أَو كَرَاهِيَة لما كَانَ فعله وَهُوَ من جنس الإرادات أَو حصل لَهُ أَذَى وغم لما كَانَ فعله وَهَذَا من بَاب الآلام كالغموم وَالْأَحْزَان كَمَا أَن الْفَرح وَالسُّرُور هُوَ من بَاب اللَّذَّات لَيْسَ من بَاب الاعتقادات والإرادات
وَمن قَالَ من الفلاسفة إِن اللَّذَّة هِيَ إِدْرَاك الملائم والألم وَهُوَ إِدْرَاك المنافر فقد غلط فَإِن اللَّذَّة والالم حالات يعقبان إِدْرَاك الملائم والمنافر فَإِن الْحبّ لما يلائمه كالطعام المشتهى لَهُ ثَلَاثَة أَحْوَال
أَحدهَا الْحبّ كالشهوة وَالثَّانِي هُوَ إِدْرَاك المحبوب كَأَكْل الطَّعَام وَالثَّالِث اللَّذَّة الْحَاصِلَة واللذة أَمر مُغَاير للشهوة وللذوق المشتهى بل هِيَ حَاصِلَة بالذوق المشتهى وَلَيْسَت نفس الذَّوْق وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوه كالضرب فان كَرَاهَته شئ وحصوله شئ آخر والألم الْحَاصِل بِهِ شئ ثَالِث
إِذا عرف ذَلِك فَمن تَابَ تَوْبَة عَامَّة كَانَت مقتضية الغفران الذُّنُوب كلهَا وَإِن لم يستحضر أَعْيَان الذُّنُوب إِلَّا أَن يكون بعض الذُّنُوب لَو استحضره لم يتب مِنْهُ لقُوَّة إِرَادَته إِيَّاه أَو لاعْتِقَاده أَنه حسن لَيْسَ قبيحا فَمَا كَانَ لَو استحضره لم يتب مِنْهُ لم يدْخل فِي التَّوْبَة بِخِلَاف مَا لَو كَانَ لَو استحضره لتاب مِنْهُ فَإِنَّهُ يدْخل فِي عُمُوم التَّوْبَة
(1/138)

وَأما التَّوْبَة الْمُطلقَة وَهِي أَن يَتُوب تَوْبَة مجملة وَلَا يلْتَزم التَّوْبَة من كل ذَنْب فَهَذِهِ لَا توجب دُخُول كل فَرد وَلَا تمنع دُخُوله كاللفظ الْمُطلق لَكِن هَذِه تصلح أَن تكون سَببا لغفران معِين كَمَا لَا تصلح أَن تكون سَببا لغفرانه بِخِلَاف الْعَامَّة فَإِنَّهَا مقتضية للغفران الْعَام

فصل
فان قيل مَا السَّبَب فِي أَن الْفرج يَأْتِي عِنْد انْقِطَاع الرَّجَاء عَن الْخلق وَمَا الْحِيلَة فِي صرف الْقلب عَن التَّعَلُّق بهم وتعلقه بِاللَّه
فَيُقَال سَبَب هَذَا تَحْقِيق تَوْحِيد الربوبية وتوحيد الالهية
فتوحيد الربوبية أَنه لَا خَالق إِلَّا الله فَلَا بستقل شئ سواهُ بإحاديث أَمر من الْأُمُور بل مَا شاد الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَإِذا تحقق ذَلِك كَانَ سَببا لِأَن ينَال مَطْلُوبه ويأتيه الْفرج
وَأما من تعلق قلبه بمخلوق فالمخلوق عاججز إِن لم يَجعله الله فَاعِلا لذَلِك وَهَذَا من الشّرك الَّذِي لَا يغفره الله أَن يَرْجُو العَبْد قَضَاء حَاجته من غير ربه
فَمن أنعم الله عَلَيْهِ من الْمُؤمنِينَ بِنِعْمَة التَّوْحِيد منع حُصُول مَطْلُوبه بذلك الشّرك حَتَّى يصرف قلبه إِلَى التَّوْحِيد وَالله ينزل بِعَبْدِهِ الْمُؤمن من الشدَّة والضر مَا يلجئه إِلَى توحيده فيدعوه مخلصا لَهُ الدّين وَلَا يَرْجُو أحدا سواهُ وَيتَعَلَّق قلبه بِهِ وَحده فَيحصل لَهُ من التَّوَكُّل والإنابة وحلاوة الْإِيمَان وذوق طعمه والبراءة من الشّرك مَا هُوَ أعظم نعْمَة من زَوَال ضرَّة فَإِن مَا يحصل لأهل التَّوْحِيد لَا يُمكن وَصفه من ذَلِك
فَإِن الضّر فِي الدُّنْيَا من الْمَرَض والعسر والألم وَغَيره يشْتَرك فِي زَوَاله وذوق لَذَّة حلاوته الْمُؤمن وَالْكَافِر لِأَنَّهُ من أُمُور الدُّنْيَا بِخِلَاف حلاوة الْإِيمَان فَلَا يُمكن أَن يعبر عَنهُ بمقال
(1/139)

وَلكُل امْرِئ من الْمُؤمنِينَ نصيب بِقدر إيمَانه
فَمن تجرد توحيده لله بِحَيْثُ يجب فِي الله ويوالي فِيهِ ويعادى فِيهِ ويتوكل عَلَيْهِ فَلَا يسْأَل إِلَّا إِيَّاه وَلَا يَرْجُو غَيره بِحَيْثُ يكون عَن الْحق خلق وَعند الْخلق بِلَا هوى قد فنيت عَنهُ إِرَادَة مَا سواهُ بإرادته ومحبة مَا سواهُ بمحبته وَخَوف مَا سواهُ بخوفه ورجاء مَا سواهُ برجائه وَدُعَاء مَا سواهُ بدعائه هُوَ أَمر لَا بعرفه بالذوق والوجد رلا من لَهُ مِنْهُ نصيب وَمَا من مُؤمن إِلَّا وَله مِنْهُ نصيب
وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الْإِسْلَام وقطب رحى الْقُرْآن بِهِ بعث الله الرُّسُل وَبِه أنزل الْكتب وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان

فصل
أجمع الْمُسلمُونَ على أَن العَبْد الْمُسلم يجوز لَهُ أَن يشتكى إِلَى الله تَعَالَى مَا ينزل بِهِ من الضّر وَلَيْسَ ذَلِك منافيا للصبر بل الشكوى إِلَى الْخلق قد تنافى الصَّبْر
وَمن قَالَ أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء أكله الْقمل فاشتكى إِلَى ربه فَأوحى الله إِلَيْهِ لذن اختلج هَذَا فِي سرك لأمحونك من ديوَان الْأَنْبِيَاء
فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يحْكى إِمَّا لِأَنَّهُ كذب أَو مُخَالف لشريعة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل كَانَ الْأَنْبِيَاء يَشكونَ إِلَيّ رَبهم كيعقوب وَأَيوب وذى النُّون ونوح عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
فَهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء شكوا إِلَيّ رَبهم وكشف الله مَا بهم من الضّر وَالْغَم لَكِن يَنْبَغِي الرضى وَلَيْسَ هُوَ بِوَاجِب فِي أصح قولى الْعلمَاء بل هُوَ مُسْتَحبّ
(1/140)

وَإِنَّمَا الْوَاجِب الصَّبْر وَلَا يُنَافِي الشكوى واختلاج السِّرّ لَا ينافى الرضى بِالْقضَاءِ بافاق الْعُقَلَاء والرضى يكون بعد الْقَضَاء

فصل
أصل الْإِيمَان فِي الْقلب وَهُوَ قَول الْقلب وَعَمله وَهُوَ إِقْرَار الْقلب بالتصديق وَالْحب والانقياد وَلَا بُد أَن يظْهر مُوجبه وَمُقْتَضَاهُ على الْجَوَارِح فالأعمال الظَّاهِرَة من مُوجب إِيمَان الْقلب وَدَلِيل عَلَيْهِ وَشَاهد لَهُ وَشعْبَة من مَجْمُوع الْإِيمَان الْمُطلق وَبَعض لَهُ وَمَا فِي الْقلب أصل لَهَا وَهُوَ الْملك والأعضاء جُنُوده وَقد ظن طوائف أَن الْإِيمَان هُوَ مافي الْقلب خَاصَّة وَمَا على الْجَوَارِح لَا يدْخل فِي مُسَمَّاهُ لَكِن هُوَ من ثَمَرَته ونتائجه حَتَّى آل الْأَمر بغلاتهم كجهم ابْن صَفْوَان وَأَتْبَاعه إِلَى أَن قَالُوا يُمكن أَن يصدق بِقَلْبِه لَا يظْهر بِلِسَانِهِ رلا الْكفْر وَيكون مَا فِي الْقلب إِيمَانًا نَافِعًا لَهُ
وَإِذا حكم الشَّرْع بِكفْر أحد بِعَمَل أَو قَول فلكونه دَلِيلا على انْتِفَاء مَا فِي الْقلب فتناقض قَوْلهم
فَإِنَّهُ إِذا كَانَ دَلِيلا مستلزما لانْتِفَاء الْإِيمَان من الْقلب امْتنع أَن يكون الْإِيمَان فِي الْقلب مَعَ الدَّلِيل المستلزم نَفْيه وَإِن لم يكن دَلِيلا لم يجزأن يسْتَدلّ بِهِ على المفر الْبَاطِن
فالتحقيق أَن اسْم الْإِيمَان الْمُطلق قد تنَاول الأَصْل مَعَ الْفَرْع وَقد يخص بِالِاسْمِ وَحده وبالاسم مَعَ الاقتران وَقد لَا يتَنَاوَل رلا الأَصْل إِذا لم يخص رلا هُوَ كاسم الشَّجَرَة يتَنَاوَل الأَصْل وَالْفرع إِذا وجد
وَلَو قطعت الْفُرُوع لتناول اسْم الشَّجَرَة الأَصْل وَحده
(1/141)

وَكَذَا اسْم الْحَج يتَنَاوَل كل مَا شرع من ركن وواجب ومستحب وَهُوَ أَيْضا تَامّ بِدُونِ المستحبات وَحج نَاقص بِدُونِ الْوَاجِبَات
والشارع لَا يَنْفِي اسْم الايمان عَن العَبْد لترك مُسْتَحبّ لَكِن لترك وَاجِب
وَلَفظ الْكَمَال يُرَاد بِهِ الْكَمَال الْوَاجِب والكمال الْمُسْتَحبّ فَلَمَّا قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَنَحْو ذَلِك كَانَ المُرَاد أَنه يَنْفِي بعض مَا وَجب فِيهِ لَا يَنْفِي الْكَمَال الْمُسْتَحبّ
وَالْإِيمَان يَتَبَعَّض ويتفاضل النَّاس فِيهِ كَالْحَجِّ وَالصَّلَاة وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يخرج من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان ومثقال شعيرَة
وَأما إِذا اسْتعْمل اسْم الْإِيمَان مُقَيّدا كَقَوْلِه تَعَالَى {الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وكته وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت
فَهُنَا قد يُقَال إِنَّه متناول لذَلِك وَأَن عطف ذَلِك عَلَيْهِ من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام كَقَوْلِه تَعَالَى {من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال}
وَقد يُقَال إِن دلَالَة الإسم متنوعة بِالْإِفْرَادِ والاقتران كَلَفْظِ الْفَقِير والمسكين إِذا أفرد أَحدهمَا تنَاول الآخر وَإِذا جمع بَينهمَا كَانَا صنفين
وَلَا ريب أَن فروع الْإِيمَان مَعَ أُصُوله كالمعطوفين وَهِي مَعَ جَمِيعه كالبعض مَعَ الْكل
وَمن هُنَا نَشأ النزاع والاشتباه هَل الْأَعْمَال دَاخِلَة الْإِيمَان أم لَا لكَونهَا عطفت عَلَيْهِ فِي الْآيَات وَالْأَحَادِيث
وَقد يعْطف على الْإِيمَان بعض شُعْبَة فَيُقَال هَذَا أرفع الْإِيمَان أَي الْيَقِين وَالْمُؤمن الَّذِي مَعَه يَقِين وَعلم أرفع من الْمُؤمن الَّذِي مَعَه يَقِين وَلَيْسَ مَعَه علم
وَمَعْلُوم أَن النَّاس يتقاضون فِي نفس الْإِيمَان والتصديق فِي قوته وَضَعفه وعمومه وخصوصه وبقائه ودوامه وموجبه ومقتضيه وَغير ذَلِك من أُمُوره
(1/142)

فيخص أحد نوعيه باسم يفضل بِهِ على النَّوْع الآخر وَيبقى اسْم الْإِيمَان وَمثل ذَلِك متناول للقسم الآخر كَمَا يُقَال خير الْحَيَوَان وَالْإِنْسَان خير الدَّوَابّ وَإِن كَانَ الْإِنْسَان يدْخل فِي الدَّوَابّ فِي قَوْله تَعَالَى {إِن شَرّ الدَّوَابّ}
فَإِذا عرف ذَلِك فَحَيْثُ وجد تَفْضِيل شَيْء على الْإِيمَان فَإِنَّمَا هُوَ تَفْضِيل خَاص على عُمُومه أَو تَفْضِيل بعض شُعْبَة الْعَالِيَة على غَيرهَا وَاسم الْإِيمَان قد يتَنَاوَل النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا وَقد يخص أَحدهمَا كَمَا تقدم
وَأكْثر اخْتِلَاف الْعُقَلَاء من جِهَة اشْتِرَاك الْأَسْمَاء
وَالْإِيمَان لَهُ نور فِي الْقلب قَالَ تَعَالَى {مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح} أَي مثل نوره فِي قلب الْمُؤمن كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح إِلَى قَوْله {وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور} وَقَالَ تَعَالَى {أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا} فَسمى الايمان الَّذِي يَهبهُ للْعَبد نورا
وَلَا ريب أَنه يحصل بسبب مثل سَماع الْقُرْآن وتدبره وَمثل رُؤْيَة أهل الايمان وَالنَّظَر فِي أَحْوَالهم وَمَعْرِفَة أَحْوَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومعجزاته وَالنَّظَر فِي آيَات الله والتفكر فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض والتأمل فِي أَحْوَال نفس الْإِنْسَان والضرورات الَّتِي يحدثها الله تَعَالَى للْعَبد يضطره بهَا إِلَى ذكر الله والاستسلام لَهُ واللجأ إِلَيْهِ وَقد يكون هَذَا سَببا لشَيْء من الْإِيمَان وَهَذَا سَببا لشَيْء آخر بل كل مَا يكون فِي الْعَالم فَلَا بُد لَهُ من سَبَب وَسبب الْإِيمَان وشعبه يكون تَارَة من العَبْد وَتارَة من غَيره مثل من يقيض لَهُ من يَدعُوهُ إِلَى لإيمان ويأمره بِالْخَيرِ وينهاه عَن الشَّرّ
ثمَّ قد يكون بعض أَسبَابه أَهْون على بعض النَّاس من بَعْضهَا الآخر
وَمِنْهُم من يكون الْعلم أيسر عَلَيْهِ من الزهرد وَبِالْعَكْسِ
(1/143)

وَمِنْهُم من تكون عَلَيْهِ المبادة أيسر مِنْهُمَا
والمشروع لكل إِنْسَان أَن يفعل مَا يقدر عَلَيْهِ من الْخَيْر كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم}
وَإِذا ازدحمت شعبه قدم مَا كَانَ أرْضى الله وَهُوَ عَلَيْهِ أقدر فقد يكون على الْمَفْضُول أقد مِنْهُ على الْفَاضِل وَيحصل لَهُ أفضل بِمَا يحصل لَهُ من الْفَاضِل فَالْأَفْضَل لهَذَا أَن يطْلب مَا هُوَ أَنْفَع لَهُ وَهُوَ فِي حَقه أفضل لَا يطْلب مَا هُوَ أفضل مُطلقًا إِذا كَانَ متعسرا عَلَيْهِ إِذْ قد يفوتهُ مَا هُوَ أفضل وأنفع كمن يقدر أَن يقْرَأ الْقُرْآن بِاللَّيْلِ فيتدبره وَينْتَفع بتلاوته وَالصَّلَاة تثقل عَلَيْهِ وَلَا ينْتَفع مِنْهَا بطائل أَو ينْتَفع بِالذكر أعظم مِمَّا ينْتَفع بِالْقِرَاءَةِ فَأَي عمل كَانَ لَهُ أَنْفَع وَللَّه أطوع فَهُوَ أفضل فِي حَقه من عمل لَا يَأْتِي بِهِ على وَجهه
وَمَعْلُوم أَن الصَّلَاة آكِد من الْقِرَاءَة وَالْقِرَاءَة أفضل من الذّكر وَالدُّعَاء
وَمَعْلُوم أَن الذّكر فِي وقته الْخَاص كالركوع وَالسُّجُود أفضل من قِرَاءَة الْقُرْآن فِي ذَلِك الْمحل وَأَن الذّكر وَالْقِرَاءَة وَالدُّعَاء عِنْد طُلُوع الشَّمْس وغروبها خير من الصَّلَاة

فصل
والزهد هُوَ ضد الرَّغْبَة وَهُوَ كالبغض الْمُخَالف للمحبة وَالْكَرَاهَة الْمُخَالفَة للارادة
وَحَقِيقَة الْمَشْرُوع مِنْهُ أَن يكون بغضه وحبه وزهده فِيهِ أَو تَابعا لحب الله وكراهته فيحب مَا أحبه الله وَيبغض مَا أبغضه ويرضى مَا يرضاه ويسخط مَا يسخطه بِحَيْثُ لَا يكون تَابعا لهواه بل لأمر مَوْلَاهُ فَإِن كثيرا من الزهاد فِي الدُّنْيَا أَعرضُوا عَن فضولها وَلم يقبلُوا على مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَلَيْسَ هَذَا
(1/144)

الزّهْد هُوَ الَّذِي أَمر الله بِهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي الْمُشْركين زهاد وَفِي أهل الْكتاب زهاد وَفِي أهل الْبدع زهاد
وَمن النَّاس من يزهد طلبا للراحة من تَعب الدُّنْيَا أَو من مَسْأَلَة أَهلهَا والسلامة من أذاهم أَو لطلب الرِّئَاسَة إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأَنْوَاع الَّتِي لم يَأْمر الله بهَا وَلَا رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأما مَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله فَهُوَ أَن يزهد فِيمَا لَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله ويرغب فِيمَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله فَيكون زهده عَمَّا لم يَأْمر الله بِهِ أَمر إِيجَاب أَو اسْتِحْبَاب سَوَاء كَانَ محرما أَو مَكْرُوها أَو مُبَاحا وَيكون مَعَ ذَلِك مُقبلا على مَا أَمر الله بِهِ وَلَا يتْرك الْمَكْرُوه بِدُونِ فعل المحبوب
فَإِن الْمَقْصُود بِالْقَصْدِ الأول فَهُوَ فعل المحبوب وَترك الْمَكْرُوه معِين على ذَلِك فتزكو النَّفس بذلك كَمَا يزكو الزَّرْع إِذا نقى من الدغل
وَطَرِيق الْوُصُول إِلَى ذَلِك هُوَ الِاجْتِهَاد فِي فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور والاستعانة بِاللَّه على ذَلِك
فَمن فعل ذَلِك وصل إِلَى حَقِيقَة الْإِيمَان لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احرص على مَا ينفعك واستعن الله بعد قَوْله الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وَفِي كل خير احرص على مَا ينفعك واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِن أَصَابَك بِشَيْء فَلَا نقل لَو أَنِّي فعلت كَذَا وَكَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِن قل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل فَإِن لَو تفتح عمل الشَّيْطَان

فصل
لَا ريب أَن الَّذين أُوتُوا الْعلم وَالْإِيمَان أرفع من الَّذين أُوتُوا الْإِيمَان فَقَط كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة
وَالْعلم الممدوح هُوَ الَّذِي ورثته الْأَنْبِيَاء
(1/145)

وَهَذَا الْعلم ثَلَاثَة أَقسَام
علم بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَمَا يتبع ذَلِك وَفِي مثله أنزل الله سُورَة الْإِخْلَاص وَآيَة الْكُرْسِيّ وَنَحْوهمَا
وَالْقسم الثَّانِي الْعلم بِمَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ مِمَّا كَانَ من الْأُمُور الْمَاضِيَة وَمِمَّا يكون من الْمُسْتَقْبلَة وَمَا هُوَ كَائِن من الْأُمُور الْحَاضِرَة وَفِي مثله أنزل الله الْقَصَص والوعد والوعيد وَصفَة الْجنَّة وَالنَّار
وَالْقسم الثَّالِث الْعلم بِمَا أَمر الله بِهِ من الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة بالقلوب والجوارح من الْإِيمَان بِاللَّه وَمن معارف الْقُلُوب وَأَحْوَالهَا الْجَوَارِح وأعمالها وَهَذَا ينْدَرج فِيهِ الْعلم بأصول الْإِيمَان وقواعد الْإِسْلَام وَالْعلم بالأقوال وَالْأَفْعَال الظَّاهِرَة مِمَّا هُوَ فِي كتب الفقة
وَقد يكون الرجل حَافِظًا لحروف الْعلم وَلَا يكون مُؤمنا بل منافقا فالمؤمن الَّذِي لَا يحفظ الْعلم وصوره خير مِنْهُ وَإِن كَانَ ذَلِك الْمُنَافِق قد ينْتَفع بِهِ الْغَيْر كَمَا ينْتَفع بالريحان فَأَما الَّذِي أُوتِيَ الْعلم وَالْإِيمَان فَهُوَ مُؤمن عليم هَذَا أصل
وأصل آخر وَهُوَ أَنه لَيْسَ كل عمل أورث كشفا أَو تَصرفا فِي الْكَوْن يكون أفضل من الْعَمَل الَّذِي لَا يُورث ذَلِك فَإِن الْكَشْف إِن لم يكن مِمَّا يستعان بِهِ على دين الله وَالْإِيمَان بِهِ كَانَ من مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَقد يحصل ذَلِك للْكفَّار وَإِن لم يحصل لأهل الْإِيمَان
وفضائل الْأَعْمَال ودرجاتها لَا تتلقى عَن مثل من يحصل لَهُ هَذَا بل من الْكتاب وَالسّنة فَأكْرم الْخلق عِنْد الله أنقاهم لله
وتفضيل الْعَمَل قد يكون مُطلقًا وَقد يكون مُفِيدا فِي وَقت أَو زمَان أَو شخص وَقد يَأْتِي الرجل بِالْعَمَلِ الْفَاضِل ويفوت شُرُوطه وَغَيره يَأْتِي بالفضول مكملا فَيكون هَذَا أفضل من ذَلِك
(1/146)

فصل
إِذا قَرَأَ القارىء بِغَيْر حرف ابْن كثير كَانَ تَركه للتكبير هُوَ الْأَفْضَل بل هُوَ الْمَشْرُوع الْمسنون فَإِن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة نقلوا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نقل تَوَاتر فَيمْتَنع أَن يَكُونُوا أضاعوا فِيهَا مَا أَمرهم بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَنهم أهل تَوَاتر
وأبلغ من ذَلِك الْبَسْمَلَة فَإِن فِي الْقُرَّاء من لَا يفصل بهَا مَعَ كَونهَا مَكْتُوبَة فِي الْمَصَاحِف
وَلَيْسَ التَّكْبِير من الْقُرْآن بِاتِّفَاق الْمُسلمين بِخِلَاف الْبَسْمَلَة فَإِن مَذْهَب مَاتَ أَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن إِلَّا فِي سُورَة النَّمْل وَهُوَ قَول فِي ذهب أَحْمد وَأبي حنيفَة
وَلَيْسَ لمن يقْرَأ الْقُرْآن وَالنَّاس يصلونَ تَطَوّعا أَن يجْهر جَهرا يشغلهم فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج على أَصْحَابه من السحر فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس كلكُمْ يُنَاجِي ربه فَلَا يجْهر بَعْضكُم على بعض فِي الْقِرَاءَة
وَصلَاته النَّافِلَة فِي الْجُمْلَة أفضل من اسْتِمَاع الْقُرْآن لَكِن قد تكون الْقِرَاءَة واستماعها أفضل لبَعض النَّاس
وَقَوله تَعَالَى {إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم} من للتَّبْعِيض بالانفاق
وَقد يكون العابد بِغَيْر علم شرا من الْعَالم الْفَاسِق وَقد يكون الْعَالم الْفَاسِق شرا مِنْهُ
وَأما العابد بِعلم فَهُوَ خير من الْفَاسِق إِلَّا أَن يكون لِلْفَاسِقِ حَسَنَات تفضل على سيئاته بِحَيْثُ يفضل لَهُ أَكثر من حَسَنَات ذَلِك العابد
(1/147)

بَاب الْكُسُوف
الْكُسُوف والخسوف لَهما أَوْقَات مقدرَة كَمَا أَن لطلوع الْهلَال وقتا مُقَدرا وَذَلِكَ مِمَّا أجْرى الله تَعَالَى عَادَته كالليل وَالنَّهَار والشتاء والصيف وَسَائِر مَا يتبع جَرَيَان الشمسو الْقَمَر وَذَلِكَ من آيَات الله تَعَالَى فَكَمَا أَن الْعَادة أَن الْهلَال لَا يستهل إِلَّا لَيْلَة ثَلَاثِينَ أَو إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَن الشَّهْر لاي كَون إِلَّا ثَلَاثِينَ أَو تسعا وَعشْرين فَكَذَلِك أجْرى الله تَعَالَى الْعَادة أَن الشَّمْس لَا تنكسف إِلَّا وَقت الاستسرار وَأَن الْقَمَر لَا يخسف إِلَّا وَقت الإبدار وللشمس وَالْقَمَر لَيَال مُعْتَادَة من عرفهَا عرف الْكُسُوف والخسوف كَمَا أَن من علم كم مضى من الشَّهْر يعلم أَن الْهلَال يطلع فِي الميلة الْفُلَانِيَّة لَكِن الْعلم بالهلال هُوَ علم عَام للنَّاس وَأما علم الْكُسُوف فَهُوَ لمن يعرف حِسَاب جريانهما
وَلَيْسَ خير الحاسب بذلك من بَاب علم الْغَيْب بل مثل الْعلم بأوقات الْفُصُول وَمن قَالَ من الْفُقَهَاء إِن الشَّمْس فِي غير وَقت الاستسرار فقد غلط وَقَالَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم
وَمَا يرْوى عَن الْوَاقِدِيّ من ذكره أَن إِبْرَاهِيم بن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاتَ يَوْم الْعَاشِر وَهُوَ الَّذِي كسفت فِيهِ الشَّمْس فغلط والواقدي لَا يحْتَج بمسانيده فَكيف بمراسيله هَذَا فِيمَا لم يعلم أَنه خطأ فَكيف وَهَذَا فَهُوَ خطأ قطعا
وَأما مَا ذكره طَائِفَة من الْفُقَهَاء من اجْتِمَاع صَلَاة الْعِيد والكسوف فَذكره فِي ضمن كَلَامهم فِيمَا إِذا اجْتمع صَلَاة الْكُسُوف وَغَيرهَا من الصُّور الْمَفْرُوضَة كَمَا قد ذكرُوا اجْتِمَاع الْوتر وَالظّهْر وَذكروا الْعِيد مَعَ عدم استحضارهم هَل ذَلِك مُمكن أم لَا
(1/148)

لَكِن استفدنا من تقديرهم الْعلم بالحكم فَقَط على تَقْدِير وجوده كَمَا يقدرُونَ مسَائِل يعلم أَنَّهَا لَا نفع لتحرير الْقَوَاعِد وتمرير الأذهان على ضَبطهَا
وَبِكُل حَال فالمخبر بذلك قد يكون غالطا أَو فَاسِقًا لَكِن إِذا تواطأوا على ذَلِك لَا يكَاد يخطىء وَبِكُل حَال فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم شَرْعِي فَإنَّا لَا نصلي صلَة الخسوف والكسوف إِلَّا إِذا شاهدنا ذَلِك
وَقد أخبر الصَّادِق صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهُمَا آيتان من آيَات الله يخوف الله بهما عباده
وَهَذَا بَيَان أَنَّهُمَا سَبَب لنزول الْعَذَاب فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا يزِيل الْخَوْف من الصَّلَوَات وَالدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار وَالصَّدَََقَة وَالْعِتْق حَتَّى ينْكَشف مَا بِالنَّاسِ وَصلى بِالْمُسْلِمين صَلَاة طَوِيلَة
وَقد رُوِيَ فِي صَلَاة الْكُسُوف أَنْوَاع لَكِن الَّذِي استفاض عِنْد أهل الْعلم بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلذَلِك استحبه أَكثر أهل الْعلم كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه صلى بهم رَكْعَتَيْنِ فِي كل رَكْعَة ركوعان يقْرَأ قِرَاءَة طَوِيلَة ثمَّ يرْكَع رُكُوعًا طَويلا دون الْقِرَاءَة ثمَّ يقوم فَيقْرَأ قِرَاءَة طَوِيلَة دون الْقِرَاءَة الأولى ثمَّ يرْكَع رُكُوعًا دون الرُّكُوع الأول ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ طويلتين
وَثَبت فِي الصَّحِيح أَنه كَانَ يجْهر بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا
وَالْمَقْصُود أَن تكون صَلَاة الْكُسُوف إِلَى أَن يتجلى فان فرغ قبل التجلى ذكر الله وَدعَاهُ إِلَى أَن يتجلى والكسوف يطول زَمَانه تَارَة وَيقصر أُخْرَى
(1/149)

فصل
وَهَذِه النُّجُوم من آيَات الله الدَّالَّة عَلَيْهِ المسبحة لَهُ الساجدة كَمَا قَالَ تَعَالَى {ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَكثير من النَّاس} ثمَّ قَالَ {وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب}
وَهَذَا التَّفْرِيق يبين أَنه لم يرد سجودها لمُجَرّد مَا فِيهَا من الدّلَالَة على ربوبيته كَمَا يُقَال ذَلِك طوائف من النَّاس إِذْ هده الدّلَالَة يشْتَرك فِيهَا جَمِيع الْمَخْلُوقَات وَهُوَ قد فرق فَعلم أَن ذَلِك قدر زَائِدَة على الدّلَالَة وَمَعَ ذَلِك فقد جعلهَا مَنَافِع لِعِبَادِهِ وسخرها لَهُم
وَمن مَنَافِعهَا الظَّاهِرَة مَا جعله سُبْحَانَهُ بالشمس من الْحر وَالْبرد وَاللَّيْل وَالنَّهَار وإنضاج الثِّمَار وَخلق الْحَيَوَان والنبات والمعادن والترطيب والتيبيس وَغير ذَلِك من الْأُمُور المشهودة كَمَا جعل فِي النَّار الْإِشْرَاق والإحراق وَفِي المَاء التَّطْهِير والسقي وأمثال ذَلِك من نعمه الَّتِي يذكرهَا فِي كِتَابه
وَقد أخبر الله فِي غير مَوضِع أَنه يحيى بعض مخلوقاته بِبَعْض كَمَا قَالَ {لنحيي بِهِ بَلْدَة مَيتا}
وَمن قَالَ من أهل الْكَلَام إِنَّه يفعل ذَلِك عِنْده لَا بِهِ فعبارته مُخَالفَة لكتاب الله والأمور الْمَشْهُورَة كَمَا أَن من زعم أَنَّهَا مُسْتَقلَّة بِالْفِعْلِ فَهُوَ شرك مُخَالف لِلْعَقْلِ وَالدّين
وَمن قَالَ إِن لَهَا تَأْثِيرا وعني بذلك مَا قد علم بالحس مِمَّا جعله الله تَعَالَى فِيهَا مِمَّا ذكره سُبْحَانَهُ فَهُوَ حق وَلَكِن قد أَمر الله وَرَسُوله الْعباد بِمَا يدْفع سَبَب الْعَذَاب الْحَاصِل بهَا مثل صَلَاة الْكُسُوف وَالذكر عِنْد الرّيح مثل قَوْله اللَّهُمَّ
(1/150)

إِنَّا نَسْأَلك خير هَذِه الرّيح وَخير مَا أرْسلت بِهِ ونعوذ بك من شَرها وَشر مَا أرْسلت بِهِ
فَهَذِهِ هِيَ السّنة فِي أَسبَاب الْمخبر وَالشَّر أَن يفعل العَبْد عِنْده هَذِه الْأَسْبَاب مَا علمه الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أما الْأَسْبَاب الَّتِي تخفى فَلَيْسَ العَبْد مَأْمُورا بِأَن يتَكَلَّف مَعْرفَتهَا بل يَتَّقِي الله وَيفْعل مَا أمره بِهِ فان فعل كَفاهُ الله مُؤنَة الشَّرّ وَيسر لَهُ أَسبَاب الْخَيْر قَالَ تَعَالَى {وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب} وَفِي سنَن أبي دَاوُد من اقتبس شُعْبَة من النُّجُوم فقد اقتبس شُعْبَة من السحر
وَالسحر محرم بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَذَلِكَ أَن النُّجُوم الَّتِي هِيَ من السحر نَوْعَانِ
أَحدهمَا على وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بحركات النُّجُوم على الْحَوَادِث من جنس الاستسقام بالأزلام
وَالثَّانِي عَمَلي وَهُوَ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ إِنَّه تَأْثِير القوى السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية كالطلاسم وَنَحْوهَا وَهَذَا من أرفع أَنْوَاع السحر
وكل مَا حرمه الله وَرَسُوله فضرره أعظم من نَفعه
فَالثَّانِي وَإِن نوهم المتوهم أَن فِيهِ تقدمة للمعرفة بالحوادث وَأَن ذَلِك ينفع فالجهل فِي ذَلِك أظهر ومضرة ذَلِك أعظم
وَلِهَذَا فقد علم بالتواتر أَن مَا يحكم بِهِ المنجمون يكون الْكَذِب فِيهِ أَضْعَاف الصدْق وهم فِي ذَلِك من نوع الْكُهَّان
وَلما ناظرت بِدِمَشْق من حضرني من رُؤَسَائِهِمْ وبينت لَهُ فَسَاد صناعتهم بالأدلة قَالَ وَالله إِنَّا لنكذب مائَة كذبة حَتَّى نصدق فِي وَاحِدَة وَذَلِكَ أَن مَبْنِيّ علمهمْ على أَن الحركات العلوية هِيَ السَّبَب فِي الْحَوَادِث وَالْعلم بِالسَّبَبِ يُوجب الْعلم بالمسبب وَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا علم السَّبَب التَّام
وَهَؤُلَاء أَكثر مَا يعلمُونَ إِن علمُوا جُزْءا يَسِيرا من جملَة الْأَسْبَاب الْكَثِيرَة
(1/151)

وَلَا يعلمُونَ بَقِيَّة الْأَسْبَاب وَلَا الشُّرُوط وَلَا الْمَوَانِع مثل من يعلم أَن الشَّمْس فِي الصَّيف تعلو الإرض حِين يشْتَد الْحر فيريد أَن يعلم من هَذَا مثلا أَنه حِينَئِذٍ أَن الْعِنَب الَّذِي فِي الأَرْض الْفُلَانِيَّة يصير زبيبا بِنَاء على أَن هُنَاكَ عنبا وَأَنه ينضج وينشره صَاحبه فِي الشَّمْس وَقت الْحر فيزبب
وَهَذَا وَإِن كَانَ كثيرا لَكِن أَخذ هَذَا من مُجَرّد حر الشَّمْس جهل عَظِيم إِذْ قد يكون هُنَاكَ شجر عِنَب وَقد لَا يكون وَقد يُثمر ذَلِك الشّجر وَقد لَا يُثمر وَقد يُؤْكَل عنبا وَقد يسرق
والأدلة على فَسَاد هَذِه الصِّنَاعَة وتحريمها كَثِيرَة جدا
وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من أَتَى عرافا فَسَأَلَهُ لم يقبل الله صلَاته أَرْبَعِينَ يَوْمًا
والعراف اسْم للكاهن والمنجم والرمال وَنَحْوهم مِمَّن يتَكَلَّم فِي تقدمة الْمعرفَة بِهَذِهِ الطّرق
وَأما إِنْكَار بعض النَّاس أَن يكون شَيْء من حركات الْكَوَاكِب وَغَيرهَا من الْأَسْبَاب فَهُوَ أَيْضا قَول بِلَا علم بل النُّصُوص تدل على خلاف ذَلِك كَمَا فِي السّنَن أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نظر إِلَى الْقَمَر فَقَالَ يَا عَائِشَة تعوذي بِاللَّه من شَرّ هَذَا يَعْنِي الْقَمَر فَهَذَا الْفَاسِق إِذا وَقب وَحَدِيث الْكُسُوف حَيْثُ أخبر أَن الله يخوف بهما عباده وأنهما لَا يخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ وَإِن كَانَ موت بعض النَّاس قد يَقْتَضِي حُدُوث أَمر فِي السَّمَوَات كَمَا فِي الصَّحِيح إِن عرش الرَّحْمَن اهتز لمَوْت سعد بن معَاذ رَضِي الله عَنهُ
وَأما كَون الْكُسُوف أَو غَيره قد يكون سَببا لحادث فِي الأَرْض من عَذَاب يَقْتَضِي موتا أَو غَيره فَهَذَا قد أثْبته الحَدِيث وَلَا يُنَافِي ذَلِك كَونه الْكُسُوف لَهُ وَقت محدد يكون عِنْد أَجله يَجعله الله سَببا لما يَقْضِيه من عَذَاب وَغَيره كَمَا أَن تَعْذِيب الله لمن عذبه بِالرِّيحِ الشَّدِيدَة كَمَا فِي لوقت الْمُنَاسب وَهُوَ آخر الشتَاء وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا رأى مخيلة وَهُوَ السَّحَاب الَّذِي يخال فِيهِ الْمَطَر
(1/152)

أقبل وَأدبر وَتغَير فَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا إِن النَّاس إِذا رَأَوْهُ اسْتَبْشَرُوا فَقَالَ وَمَا يؤمنني وَقد رأى قوم عَاد الْعَذَاب فَقَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا قَالَ الله تَعَالَى {بل هُوَ مَا استعجلتم بِهِ ريح فِيهَا عَذَاب أَلِيم}
وَكَذَلِكَ الْأَوْقَات الَّتِي تنزل فِيهَا الرَّحْمَة كالعشر الْأَوَاخِر من رَمَضَان وَالْأولَى من ذِي الْحجَّة وكجول اللَّيْل وَغير ذَلِك هِيَ أَوْقَات محدودة تنزل فِيهَا الرَّحْمَة مَالا تنزل فِي غَيرهَا
واعتقاد أَن نجما من النُّجُوم السَّبْعَة هُوَ الْمُتَوَلِي لسعد فلَان ونحسه اعتقادا فَاسد وَإِن اعْتقد أَنه هُوَ الْمُدبر لَهُ فَهُوَ كَافِر وخصوصا إِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك دعاؤه والاستغاثة بِهِ كَانَ كفرا وشركا مَحْضا
وَغَايَة من يَقُول ذَلِك يبنيه على أَن هَذَا الْوَلَد ولد بِهَذَا الطالع وَهَذَا الْقدر يمْتَنع أَن يكون وَحده هُوَ الْمُؤثر فِي أَحْوَال هَذَا الْمَوْلُود بل غَايَته أَن يكون جُزْءا يَسِيرا من جملَة الْأَسْبَاب وَهَذَا الْقدر لَا يُوجب مَا ذكر بل مَا علم حَقِيقَة تَأْثِيره فِيهِ مثل حَال الْوَالِدين والبلد الَّذِي هُوَ فِيهِ فَإِن ذَلِك سَبَب محسوس فِي أَحْوَال الْمَوْلُود وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ هَذَا سَببا مُسْتقِلّا
ثمَّ إِن الْأَوَائِل من المنجمين الْمُشْركين الصابئين وأتباعهم قد قيل إِنَّهُم كَانُوا إِذا ولدهم الْمَوْلُود أخذُوا طالع الْمَوْلُود وسموه باسم يدل على الطالع فَإِذا كبر سُئِلَ عَن اسْمه أَخذ السَّائِل حَال الطّلع فجَاء هَؤُلَاءِ الطرقية يسْأَلُون الرجل عَن اسْمه وَاسم أمه ويزعمون أَنهم يَأْخُذُونَ من ذَلِك الدّلَالَة على أَحْوَاله وَهَذِه ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض مُنَافِيَة لِلْعَقْلِ وَالدّين
وَأما اختباراتهم أَن يَأْخُذُوا الطالع للسَّفر مثلا أَن يكون الْقَمَر فِي شروفه وَهُوَ السرطان وَألا يكون فِي هُبُوطه وَهُوَ الْعَقْرَب فَهُوَ من هَذَا الْبَاب المذموم
وَلما أَرَادَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَن يُسَافر لقِتَال الْخَوَارِج عرض لَهُ منجم فَقَالَ لَا تُسَافِر فَإِن الْقَمَر فِي الْعَقْرَب فَإنَّك إِن سَافَرت وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب يهْزم
(1/153)

جيشك فَقَالَ بل نسافر ثِقَة بِاللَّه وتوكلا على الله وتكذيبا لَك فسافر فبورك لَهُ فِي هَذَا السّفر وَقتل عَامَّة الْخَوَارِج وَكَانَ ذَلِك من أعظم مَا سر بِهِ حَيْثُ كَانَ قِتَاله لَهُم بِأَمْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَمَا يذكرهُ بعض النَّاس من أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا تسافروا وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب فكذب مختلق بِاتِّفَاق أهل الحَدِيث
وَمن قَالَ إِن هَذِه الصَّنْعَة مَأْخُوذَة عَن إِدْرِيس فَهُوَ قَول بِلَا علم وَلَكِن فِي كتب هَؤُلَاءِ هومس ويزعمون أَنه إِدْرِيس والهرمس عِنْدهم اسْم جنس وَلِهَذَا يَقُولُونَ هرمس الهرامسة
وَبِهَذَا تعلم أَن مَا عِنْدهم يَسْتَحِيل أَن يكون مأخوذا عَن نَبِي من الْأَنْبِيَاء لما فِيهِ من الْكَذِب وَالْبَاطِل
وَلَو فرض أَنه كَانَ مَوْجُودا عَن إِدْرِيس لم يكن لَهُم فِيهِ حجَّة فَإِنَّهُ كَانَ معْجزَة لَهُ وعلما أعطَاهُ الله إِيَّاه فَيكون من الْعُلُوم النَّبَوِيَّة
وَهَؤُلَاء إِنَّمَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بالتجربة وَالْقِيَاس لَا يَقُول أحد من الْأَنْبِيَاء وَلَو كَانَ بعضه مأخوذا عَن نَبِي فَفِيهِ من زياداتهم من الْكَذِب وَالْبَاطِل أَضْعَاف مَا هُوَ مَأْخُوذ عَن ذَلِك النَّبِي
وَمَعْلُوم أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى عِنْدهم من الْعُلُوم الْمَأْخُوذَة عَن الْأَنْبِيَاء مَا هُوَ أقل كذبا من هَؤُلَاءِ فَإنَّا قد تَيَقنا قطعا أَن أصل دينهم مَأْخُوذ عَن الْمُرْسلين ثمَّ أخبرنَا الله أَنهم قد حرفوا وكذبوا وكتموا
فَإِذا كَانَ هَذَا حَال الْوَحْي الْمُحَقق الَّذِي هُوَ أقرب إِلَيْنَا من إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام فَمَا الظَّن بِهَذَا الْقدر إِن كَانَ فِيهِ مَا هُوَ مَنْقُول عَن إِدْرِيس
فَإنَّا نعلم أَن فِيهِ من الْكَذِب وَالْبَاطِل أعظم مِمَّا فِي عُلُوم أهل الْكتاب
وَقد ثَبت عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَنه قَالَ إِذا حَدثكُمْ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم فَكيف تَصْدِيق هَؤُلَاءِ السَّحَرَة فِيمَا يَزْعمُونَ أَنه مَأْخُوذ عَن إِدْرِيس مَعَ أَنَّهَا أبعد من أهل الْكتاب
(1/154)

وَأما علم الْحساب من معرفَة أقدار الأفلاك وَالْكَوَاكِب وصفاتها ومقاديرها فَهَذَا فِي الأَصْل علم صَحِيح لَا ريب فِيهِ كمعرفة الأَرْض وصفاتها لَكِن جُمْهُور الدَّقِيق مِنْهُ كثير التَّعَب قَلِيل الْفَائِدَة كَالْعلمِ بمقادير الدقائق والثواني والثوالث فِي حركات السَّبْعَة الْمُتَحَيِّرَة {بالخنس الْجوَار الكنس} فَهَذَا يُمكن أَن يكون أَصله عَن إِدْرِيس وَالله أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك كَمَا يَقُول نَاس إِن أصل الطِّبّ مَأْخُوذ عَن بعض الْأَنْبِيَاء
وَأما الْأَحْكَام الَّتِي هِيَ من جنس السحر فَمن الْمُمْتَنع أَن يكون نَبِي من الْأَنْبِيَاء كَانَ ساحرا وهم يذكرُونَ أنواعا من السحر وَيَقُولُونَ هَذَا يصلح لعمل النواميس أَي الشَّرَائِع وَالسّنَن وَمِنْهَا مَا هُوَ دُعَاء للكواكب وَعبادَة لَهَا وأنواع من الشّرك الَّذِي يعلم كل من آمن بِاللَّه وَرَسُوله بالاضطرار أَن نَبينَا من الْأَنْبِيَاء محَال أَن يَأْمر بِشَيْء من ذَلِك وَلَا علمه وَإِضَافَة ذَلِك إِلَى نَبِي من الْأَنْبِيَاء كاضافة من أضَاف ذَلِك السحر إِلَى سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لما سخر الله لَهُ الْجِنّ فَقَالَ تَعَالَى {وَمَا كفر سُلَيْمَان وَلَكِن الشَّيَاطِين كفرُوا}
وَكَذَلِكَ الِاسْتِدْلَال على الْحَوَادِث بِمَا يستدلون بِهِ من الحركات العلوية على اخْتِيَار أَوْقَات الْأَعْمَال كل هَذَا مِمَّا يعلم قطعا أَن نَبينَا من الْأَنْبِيَاء لم يَأْمر قطّ بِهِ إِذْ فِيهِ من الْكَذِب وَالْبَاطِل مَا ينزه عَنهُ الْعُقَلَاء الَّذين هم دون الْأَنْبِيَاء
قَالَ إِمَام هَؤُلَاءِ أَبُو نصر الفارابي مَا مضمونه إِنَّك لَو نقلت أوضاع المنجمين فَجعلت مَكَان السعد نحسا وَمَكَان النحس سَعْدا أَو مَكَان الْحَار بَارِدًا وَمَكَان الْبَارِد حارا أَو مَكَان الذّكر مؤنثا وَمَكَان الْمُؤَنَّث مذكرا وحكمت لَكَانَ حكمك من جنس أحكامهم تصيب تَارَة وتخطىء أُخْرَى وَمَا كَانَ بِهَذِهِ المثابة فهم ينزهون عَنهُ بقراط وأفلاطون وإرسطو وَأَصْحَابه الفلاسفة المشاءين الَّذِي يُوجد فِي كَلَامهم من الْبَاطِل مَا هُوَ أبطل مِمَّا يُوجد فِي كَلَام الْيَهُود وَالنَّصَارَى
فاذا كَانُوا ينزهون عَنهُ هَؤُلَاءِ الصابئين وأتباعهم الَّذين هم أقل مرتبَة
(1/155)

وَأبْعد عَن معرفَة الْحق من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَكيف يجوز نِسْبَة ذَلِك إِلَى نَبِي كريم
وَنحن نعلم من أَحْوَال أمتنَا أَنه قد أضيف إِلَى جَعْفَر الصَّادِق وَلَيْسَ هُوَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء مَا هُوَ من جنس هَذِه الْأُمُور مِمَّا يُعلمهُ كل عَالم بِحَال جَعْفَر أَن جَعْفَر مَكْذُوب عَلَيْهِ حَتَّى نسبوا إِلَيْهِ أَحْكَام الحركات السفلية كاختلاج الْأَعْضَاء وحوادث الجو من الرَّعْد والبرق والهالة وقوس الله الَّذِي يُقَال لَهُ قَوس قزَح وأمثال ذَلِك وَالْعُلَمَاء يعلمُونَ أَنه بَرِيء من ذَلِك كُله
وَكَذَلِكَ ينْسب إِلَيْهِ الْجَدْوَل الَّذِي يبْنى عَلَيْهِ الضلال طَائِفَة الرافضة وَهُوَ كذب افتعله عَلَيْهِ عبد الله بن مُعَاوِيَة الْكذَّاب
وَكَذَلِكَ أضيف إِلَيْهِ كتاب الجفر والنظافة والهفت حَتَّى أضييف إِلَيْهِ رسائل إخْوَان الصَّفَا وَهَذَا فِي غَايَة الْجَهْل فَإِن هَذِه الرسائل إِنَّمَا وضعت بعد مَوته بِأَكْثَرَ من مِائَتي سنة فَإِنَّهُ توفّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة وَهَذِه الرسائل وضعت فِي دولة بني بويه فِي أثْنَاء الْمِائَة الرَّابِعَة فِي أَوَائِل دولة بني عبيد الَّذين بنوا الْقَاهِرَة وَضعهَا جمَاعَة وَزَعَمُوا أَنهم جمعُوا بهَا بَين الشَّرِيعَة والفلسفة فضلوا وأضلوا
وَكَذَلِكَ كثير مِمَّا ينْسبهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ إِلَى جَعْفَر فِي كتاب حقائق التَّفْسِير هُوَ من الْكَذِب الَّذِي لَا يشك أحد فِي كذبه
وَكَذَلِكَ كثير من الْمذَاهب الْبَاطِلَة الَّتِي يحكيها عَنهُ الرافضة وَهِي من أبين الْكَذِب عَلَيْهِ
وَأول من ابتدع الرافض عبد الله بن سبأ كَانَ منافقا زنديقا أَرَادَ بذلك فَسَاد دين الْمُسلمين كَمَا فعل بولص صَاحب الرسائل الَّتِي بأيدي النَّصَارَى حَيْثُ ابتدع لَهُم بدعا أفسد بهَا دينهم وَكَانَ يَهُودِيّا فأظهر النَّصْرَانِيَّة نفَاقًا لقصد إِفْسَاد ملتهم
وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن سبأ يَهُودِيّا فقصد بذلك وسعى فِي الْفِتْنَة وَلم يتَمَكَّن
(1/156)

لَكِن حصل بِسَبَبِهِ بَين الْمُؤمنِينَ تحريش وفتنة قتل فِيهَا عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَللَّه الْحَمد فَلم تَجْتَمِع هَذِه الْأمة على الضلال بل لَا تزَال طَائِفَة مِنْهُم ظَاهِرين على الْحق حَتَّى تقوم السَّاعَة
وَلما حدثت بدع الشِّيعَة فِي خلَافَة عَليّ رَضِي الله عَنهُ ردهَا وَكَانَت ثَلَاث طوائف غَالِيَة وسبئية ومفضلة فَحرق على الغالية لما خرج إِلَيْهِم من بَاب كِنْدَة فسجدوا لَهُ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا أَنْت هُوَ الله فَخدَّ الأخاديد وأضرم فِيهَا النَّار ثمَّ قذفهم فِيهَا وَقَالَ
لما رَأَيْت الْأَمر أمرا مُنْكرا ... أحجت نَارِي ودعوت قنبرا

وَأما السبئية فَلَمَّا بلغ عليا أَن ابْن سبأ أَبَا بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا طلبه ليَقْتُلهُ فهرب إِلَى قريسيا وَكَانَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ يُدَارِي أمراءه لِأَنَّهُ لم يكن مُتَمَكنًا وَلم يَكُونُوا مُطِيعِينَ لَهُ فِي كل مَا يَأْمُرهُم بِهِ
وَأما المفضلة فَقَالَ لَا أُوتِيَ بِأحد يُفَضِّلُنِي على أبي بكر وَعمر إِلَّا جلدته حد المفترى
وأضافت إِلَيْهِ القرامطة والباطنية والخرمية والمزدكية والاسماعيلية والنصيرية مذاهبها الَّتِي هِيَ من أفسد مَذَاهِب الْعَالم وَادعوا أَن ذَلِك من الْعُلُوم الموروثة عَنهُ
فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الزَّمن الْقَرِيب الَّذِي هُوَ أقل من سَبْعمِائة سنة قد كذب على عَليّ وعَلى أهل بَيته وَأَصْحَابه وَغَيرهم وأضيف إِلَيْهِم من مَذَاهِب الفلاسفة والمنجمين مَا يعلم كل عَاقل براءتهم مِنْهُ ونفق ذَلِك على طوائف كَثِيرَة فنسبه إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ وجود من يبين كذب هَؤُلَاءِ وَيُنْهِي عَن ذَلِك ويذب عَن الْمَسْأَلَة وَالْيَد وَاللِّسَان فَكيف الظَّن بِمَا يُضَاف إِلَى إِدْرِيس وَغَيره من الْأَنْبِيَاء من أُمُور المنجمين والفلسفة مَعَ تطاول الزَّمَان وتنوع الْحدثَان وَاخْتِلَاف الْملَل والأديان وَعدم من يبين حَقِيقَة ذَلِك بِحجَّة أَو برهَان مَعَ اشْتِمَال ذَلِك على مَا لَا يُحْصى من الْكَذِب والبهتان
(1/157)

وَكَذَلِكَ دَعْوَى الْمُدعى أَن نجم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالعقرب والمريخ وَنجم أمته بالزهرة هُوَ من أوضح الهذيان
فَإِن من أوضح الْكَذِب قَوْلهم إِن نجم الْمُسلمين بالزهرة وَنجم النَّصَارَى بالمشتري مَعَ قَوْلهم إِن المُشْتَرِي يَقْتَضِي الْعلم وَالدّين والزهرة تَقْتَضِي اللَّهْو اللّعب
وكل عَاقل يعلم أَن النَّصَارَى أعظم الْملَل جهلا وضلالة وَأَكْثَرهم اشتغالا بالملاهي وتعبدا بهَا والفلاسفة متفقون على أَنه مَا قرع الْعَالم ناموس أعظم من الناموس الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمته أكمل الْأُمَم عقلا ودينا وعلما بِاتِّفَاق الفلاسفة حَتَّى فلاسفة الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُم لَا يرتابون فِي أَن الْمُسلمين أفضل عقلا ودينا من كل أمة
وَإِنَّمَا يصر أحدهم على دينه لهواه أَو ظنا مِنْهُ أَن يجوز التَّمَسُّك بِأَيّ مِلَّة كَانَت وَأَنَّهَا كالمذاهب فَإِن جُمْهُور الفلاسفة من المنجمين وأمثالهم يَقُولُونَ ذَلِك ويجعلونها بِمَنْزِلَة الدول الصَّالِحَة وَإِن كَانَ بَعْضهَا أفضل من بعض فَظهر جهلهم على مُقْتَضى اعْتِقَادهم وصنعتهم فَإِن الْمُسلمين بِاتِّفَاق كل ذِي عقل أولى بِالْعلمِ وَالدّين وَالْعقل وَالْعدْل وأمثال ذَلِك مِمَّا يُنَاسب عِنْدهم آثَار المُشْتَرِي وَالنَّصَارَى أبعد عَن ذَلِك مِمَّا يُنَاسب عِنْدهم آثَار الزهرة
وَبِذَلِك كَانَ مَا ذَكرُوهُ ظَاهر الْفساد حَتَّى إِن كَبِير الفلاسفة الَّذِي يسمونه فيلسوف الْإِسْلَام يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْكِنْدِيّ عمل تيسيرا لهَذِهِ الْأمة وَزعم أَنَّهَا تَنْقَضِي عَام ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَزعم من زعم أَنه استخرج ذَلِك من حِسَاب الْجمل الَّذِي للحروف الَّتِي فِي أَوَائِل السُّور وَهِي مَعَ حذف المكرر أَرْبَعَة عشر حرفا وحسابها فِي الْجمل الْكَبِير سِتّمائَة وَثَلَاثَة وتعسون
وَهَذَا أَيْضا مِمَّا ذكر فِي التَّفْسِير أَنه لما نزل آلم قَالَ بعض الْيَهُود بَقَاء هَذِه الْأمة أحد وَثَلَاثُونَ فَلَمَّا نزل آلر والمر قَالُوا خلط علينا
فَهَذِهِ الْأُمُور وأشباهها خَارِجَة عَن دين الْإِسْلَام مُحرمَة فِيهِ يجب إنكارها
(1/158)

وَالنَّهْي عَنْهَا وَاجِب على الْمُسلمين على كل قَادر بِالْعلمِ وَالْبَيَان وَالْيَد وَاللِّسَان فَإِن ذَلِك من أعظم مَا أوجبه الله من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَهَؤُلَاء وأشباههم هم أَعدَاء الرُّسُل وسوس الْملك وَلَا ينْفق الْبَاطِل فِي الْوُجُود إِلَّا بشوب من حق كَمَا أَن أهل الْكتاب لبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ فَيحصل بذلك فتْنَة فِي الدّين وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم

بَاب فِي الاسْتِسْقَاء
يحول رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّل الْقَحْط
من النَّاس من قَالَ إِن الْيَد لَا ترفع إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء وَتركُوا رفع الْيَدَيْنِ فِي سَائِر الْأَدْعِيَة
وَمِنْهُم من فرق بَين دُعَاء الرَّغْبَة وَدُعَاء الرهبة فَقَالَ فِي دُعَاء الرَّغْبَة يَجْعَل ظَاهر كفيه إِلَى السَّمَاء وباطنهما إِلَى الأَرْض وَفِي الرهبة بِالْعَكْسِ يَجْعَل باطنهما إِلَى السَّمَاء وظاهرها إِلَى الأَرْض
وَقَالُوا الرَّاغِب كالمستطعم والراهب كالمستجير
وَالصَّحِيح الرّفْع مُطلقًا فقد تَوَاتر عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا فِي الصِّحَاح أَن الطُّفَيْل قَالَ يَا رَسُول الله إِن دوسا قد عَصَتْ وأبت فَادع الله عَلَيْهِم فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اهد دوسا وائت بهم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لما دَعَا لأبي عَامر رفع يَدَيْهِ
وَفِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لما دَعَا لأهل البقيع رفع يَدَيْهِ ثَلَاث مَرَّات رَوَاهُ مُسلم
وَفِيه أَيْضا أَنه رفع يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أمتِي أمتِي وَفِي آخِره ان الله تَعَالَى قَالَ إِنَّا سنرضيك فِي أمتك وَلَا نسوءك
(1/159)

وَفِيه أَنه لما نظر إِلَى الْمُشْركين وهم ألف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة معد يَدَيْهِ وَجعل يَهْتِف بربه فَمَا زَالَت يَهْتِف بربه مَادًّا يَدَيْهِ حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبه الحَدِيث
وَفِي حَدِيث قيس بن سعد رَضِي الله عَنهُ فَرفع يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اجْعَل صلواتك ورحمتك على أبي سعد بن عبَادَة
وَبعث جَيْشًا فِيهِ عَليّ رَضِي الله عَنهُ فَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تمتنى حَتَّى تريني عليا
وَلما كَانَ أُسَامَة بن زيد رَضِي الله عَنهُ رديفة قَالَ فَرفع يَدَيْهِ يَدْعُو فَسقط خطام الناقلة فتناوله بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَهُوَ رَافع الْأُخْرَى
وَفِي حَدِيث الْقُنُوت رفع يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَيْهِم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْأول رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره
وروى عَنهُ أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يرفع يَدَيْهِ فِي شَيْء من دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِمَا أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ حَتَّى بَيَاض إبطَيْهِ وينحى فِيهِ يَدَيْهِ
وَهَذَا هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا الابتهال وَجعل الْمَرَاتِب ثَلَاثًا الْإِشَارَة بإصبع وَاحِدَة كَمَا كَانَ يفعل يَوْم الْجمع على الْمِنْبَر
وَالثَّانيَِة الْمَسْأَلَة وَهُوَ أَن تجْعَل يَديك حَذْو منكبيك كَمَا فِي أَكثر الْأَحَادِيث
الثَّالِثَة الابتهال وَهُوَ الَّذِي ذكره أنس رَضِي الله عَنهُ وَلِهَذَا قَالَ كَانَ يرفع يَدَيْهِ حَتَّى يرى بَيَاض إبطه وَهُوَ الرّفْع إِذا اشْتَدَّ وَكَانَ بطُون يَدَيْهِ مِمَّا يَلِي وَجهه وَالْأَرْض وَظُهُورهمَا مِمَّا يَلِي السَّمَاء
وَقد يكون أنس رَضِي الله عَنهُ أَرَادَ بِالرَّفْع على الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة كَمَا فِي مُسلم وَغَيره أَنه كَانَ لَا يزِيد على أَن يرفع إصبعه المسبحة
(1/160)

وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَولَانِ هما وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد فِي رفع الْخَطِيب يَدَيْهِ
قيل يسْتَحبّ قَالَه ابْن عقيل وَقيل لَا يسْتَحبّ بل هُوَ مَكْرُوه وَهُوَ أصح
قَالَ إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ هُوَ بِدعَة للخطيب وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم باصبعه إِذا دَعَا
وَأما فِي الاسْتِسْقَاء فَإِنَّهُ لما استسقى على الْمِنْبَر رفع يَدَيْهِ كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن أنس رَضِي الله عَنهُ فقد روى فِي الحَدِيث أَنه استسقى بهم يَوْم الْجُمُعَة على الْمِنْبَر فَرفع يَدَيْهِ
وَقد ثَبت أَنه لم يكن يرفع يَدَيْهِ على الْمِنْبَر فِي غير الاسْتِسْقَاء فَيكون أنس أَرَادَ هَذَا الْمَعْنى لَا سِيمَا وَقد كَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان أحدث رفع الْأَيْدِي على الْمِنْبَر وَأنس رَضِي الله عَنهُ أدْرك هَذَا الْعَصْر وَقد أنكر ذَلِك على عبد الْملك عَاصِم بن الْحَارِث فَيكون هُوَ أخبر بِالسنةِ الَّتِي أخبر بهَا غَيره من أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يرفع يَدَيْهِ يَعْنِي على الْمِنْبَر إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء
وَهَذَا يبين أَن الاسْتِسْقَاء مَخْصُوص بمزيد الرّفْع وَهُوَ الابتهال الَّذِي ذكره ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا
فالأحاديث تأتلف وَلَا تخْتَلف
وَمن ظن أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرّفْع المعتدل جعل ظهر كفيه إِلَى السَّمَاء فقد أَخطَأ
وَكَذَلِكَ من ظن أَنه قصد بِوَجْهِهِ وَظهر يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء فقد أَخطَأ فَإِنَّهُ نهى عَن ذَلِك فَقَالَ إِذا سَأَلْتُم الله فأسألوه ببطون أكفكم وَلَا تسألوه بظهورها أخرجه أَبُو دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ وَهُوَ من غير وَجه عَن مُحَمَّد بن كَعْب كلهَا واهية وروى أَحَادِيث أخر فِي أبي دَاوُد وَغَيره
(1/161)

وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا هُوَ الرّفْع الَّذِي استفاضت بِهِ الْأَحَادِيث وَعَلِيهِ الْأَئِمَّة والمسلمون من زمن نَبِيّهم إِلَى هَذَا التَّارِيخ
وَحَدِيث أنس الَّذِي تقدم يدل على أَنه لشدَّة الرّفْع انحنت يَدَاهُ فَصَارَ كَفه مِمَّا يَلِي السَّمَاء لشدَّة الرّفْع لَا قصدا لذَلِك كَمَا جَاءَ أَنه رفعهما حذاء وَجهه وَتقدم حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ فَفِيهِ أَنه رَآهُ يَدْعُو بباطن كفيه وظاهرهما
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَنْوَاع فِي هَذَا الرّفْع الشَّديد
رفع الابتهال يذكر فِيهِ أَن بطونها مِمَّا يَلِي وَجهه وَهَذَا أَشد
وَتارَة يذكر هَذَا وَهَذَا
فَتبين بذلك أَنه لم يقْصد فِي هَذَا الرّفْع الشَّديد لَا ظهر الْيَد وَلَا بَطنهَا لِأَن الرّفْع إِذا قوى تبقى أصابعهما نَحْو السَّمَاء مَعَ نوع من الانحناء الَّذِي يكون فِيهِ هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
وَأما إِذا قصد تَوْجِيه بطن الْيَد أَو ظهرهَا لاظهر الْيَد وَلَا بَطنهَا لِأَن الرّفْع إِذا قوى تبقى أصابعهما نَحْو السَّمَاء مَعَ نوع من الانحناء الَّذِي يكون فِيهِ هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة
وَأما إِذا قصد تَوْجِيه بطن الْيَد أَو ظهرهَا فَإِنَّمَا كَانَ تَوْجِيه بَطنهَا وَهَذَا فِي الرّفْع الْمُتَوَسّط الَّذِي هُوَ رفع الْمَسْأَلَة الَّتِي يُمكن فِيهَا الْقَصْد وَرفع مَا يخْتَار من الْبَطن وَالظّهْر بِخِلَاف الرّفْع الشَّديد الَّذِي يرى بِهِ بَيَاض إبطَيْهِ فَلَا يُمكن فِيهِ تَوْجِيه بَاطِنهَا بل ينحنى قَلِيلا بِحَسب الرّفْع
فَبِهَذَا تتألف الْأَحَادِيث وَتظهر السّنة

فصل
وَالسَّمَوَات مستديرة عِنْد عُلَمَاء الْمُسلمين حكى الْإِجْمَاع على ذَلِك غير وَاحِد مثل أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن جَعْفَر الْمَنَاوِيّ من الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَأبي مُحَمَّد بن حزم وَابْن الْجَوْزِيّ
والاستسرار اجْتِمَاع القرصين
(1/162)

وَظن طَائِفَة من الْجُهَّال أَنهم يضبطون وَقت طُلُوع الْهلَال بمعرفتهم وَقت ظُهُوره بعد استسراره وبمعرفة بعده عَن الشَّمْس بعد مفارقتها وَقت الْغُرُوب وضبطهم قَوس الرُّؤْيَة وَهَذَا الْخَلْط الْمَفْرُوض مستديرا قطعه من دَائِرَة وَقت الاستهلال فَإِن هَذِه دَعْوَى بَاطِلَة عُلَمَاء الشَّرِيعَة على تَحْرِيم الْعَمَل بذلك فِي الْهلَال فانفق عُلَمَاء الْحساب الْعُقَلَاء على أَن معرفَة الْهلَال لَا تنضبط بِالْحِسَابِ ضبطا صَحِيحا قطّ وَلم يتَكَلَّم فِيهِ إِلَّا قوم من الْمُتَأَخِّرين تَقْرِيبًا وَذَلِكَ ضلال عَن دين الله وتغيير لَهُ شَبيه بضلال الْيَهُود وَالنَّصَارَى عَمَّا أمروا بِهِ من الْهلَال إِذا باعت الشَّمْس وَقت اجْتِمَاع القرصين وكبس الشُّهُور الْهِلَالِيَّة وَذَلِكَ من النسيء الَّذِي كَانَ فِي الْعَرَب زِيَادَة فِي الْكفْر
فَمن أَخذ علم الْهلَال بِالْحِسَابِ فَهُوَ فَاسد الْعقل وَالدّين
وَإِذا صَحَّ حِسَاب الحاسب فَأكْثر مَا يُمكنهُ ضبط الْمسَافَة الَّتِي بَين الشَّمْس وَالْقَمَر وَقت الْغُرُوب مثلا وَهُوَ الَّذِي يُسمى بعد الْقَمَر عَن الشَّمْس
أما كَونه يرى أَولا يرى فَلَا يعلم بذلك فَإِن الرُّؤْيَة تخْتَلف بعلو الأَرْض وانخفاضها وصفاء الجو وَكَذَلِكَ لم يتفقوا على قَوس وَاحِد للرؤية بل اضْطَرَبُوا فِيهِ كثيرا وَلَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا مرجعه إِلَى الْعَادة وَلَيْسَ لَهُ ضَابِط حسابي فَمنهمْ من ينقصهُ عَن عشر دَرَجَات وَمِنْهُم من يزِيدهُ عَنْهَا وَفِي الزِّيَادَة وَالنَّقْص أَقْوَال متقابلة
(1/163)

كتاب فِي ترك الصَّلَاة
الحكم فِيمَن تَركهَا
قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ من غير عذر من الْكَبَائِر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا وَقَالَ الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم والأثر
وتفويت الْعَصْر أعطم من تَفْوِيت غَيرهَا فَإِنَّهَا الْوُسْطَى وَعرضت على من كَانَ قبلنَا فضيعوها وَمن حَافظ عَلَيْهَا فَلهُ الْأجر مرَّتَيْنِ وَلما فَاتَت سُلَيْمَان فعل بِالْخَيْلِ مَا فعل
وَفِي الصَّحِيح من فَاتَتْهُ صَلَاة الْعَصْر فقد حَبط عمله وَفِيه فقد وتر أَهله وَمَاله فِي حَدِيث آخر
وَكَذَلِكَ كل من أخر صَلَاة عَن وَقتهَا فقد أَتَى بَابا من الْكَبَائِر
وَكَذَلِكَ من ترك الطَّهَارَة أَو الْقبْلَة أَو ترك من فعلهَا رُكُوعًا أَو سجودا أَو الْقِرَاءَة الْوَاجِبَة أَو غير ذَلِك مُتَعَمدا فقد فعل كَبِيرَة بل تتوزع فِي كفره إِذا لم يسْتَحل ذَلِك أما لَو استحله فقد كفر بِلَا ريب
وَلَا نزاع أَنه إِذا علم العادم للْمَاء أَنه يجده بعد الْوَقْت يُمكنهُ أَن يفعل ذَلِك كَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي فِي الْوَقْت بِحَسب إِمْكَانه
وَمن قَالَ يجوز تَأْخِير الصَّلَاة لمشتغل بشرطها فَهَذَا لم يقلهُ أحد قبله من أَصْحَابنَا بل وَلَا من سَائِر طوائف الْمُسلمين إِلَّا أَن يكون بعض الشَّافِعِيَّة فَهَذَا
(1/164)

شكّ فِيهِ وَلَا ريب أَنه لَيْسَ على عُمُومه وإطلاقه بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَإِنَّمَا أَرَادَ صُورَة مَعْرُوفَة كَمَا إِذا أمكن الْوُصُول إِلَى الْبِئْر بعد أَن يصنع حبلا يستقى بِهِ لَا يفرغ إِلَّا بعد الْوَقْت أَو أمكن الْعُرْيَان أَن يخيط لَهُ ثوبا لَا يفرغ مِنْهُ إِلَّا بعد الْوَقْت وَنَحْو هَذِه الصُّور
وَمَعَ ذَلِك فالدين قَالُوا هَذَا قد خالفوا الْمَذْهَب الْمَعْرُوف عَن أَحْمد وَأَصْحَابه وَغَيرهم إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ محجوج بِإِجْمَاع الْمُسلمين فَإِنَّهُ لَو دخل الْوَقْت وَأمكنهُ أَن يجد المَاء ويطلبه بعد الْوَقْت لم يجز لَهُ التَّأْخِير بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِن كَانَ مشتغلا بِالشّرطِ وَكَذَلِكَ الْعُرْيَان لَو أمكنه أَن يذهب إِلَى قَرْيَة يَشْتَرِي لَهُ ثوبا وَلَا يُصَلِّي إِلَّا بعد خُرُوج الْوَقْت لم يجز لَهُ التَّأْخِير بِلَا نزاع
وَكَذَلِكَ من لَا يعلم الْفَاتِحَة إِلَّا بعد الْوَقْت وَالتَّكْبِير وَالتَّشَهُّد إِذا ضَاقَ الْوَقْت وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَة إِذا كَانَ دَمهَا يَنْقَطِع بعد الْوَقْت فَكل هَؤُلَاءِ يصلونَ فِي الْوَقْت بِحَسب الْحَال وَلَا يجوز لَهُم التَّأْخِير
وَأما من يجمع مَا ثَبت الْجمع فِيهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهُوَ لم يُؤَخر عَن الْوَقْت بل لَا يحْتَاج الْجمع إِلَى نِيَّة وَلَا الْقصر فِي إِحْدَى الْقَوْلَيْنِ إِلَى نِيَّة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالْجُمْهُور
وَكَذَا صَلَاة الْخَوْف تفعل فِي الْوَقْت بِحَسب الْحَال وَلَا تُؤخر لتفعل تَامَّة وَكَذَا من اشتبهت عَلَيْهِ الْقبْلَة لَا يؤخرها حَتَّى يعلمهَا بعد الْوَقْت بل يُصَلِّي على حسب حَاله بِالِاجْتِهَادِ
وَأما نزاع النَّاس فِيمَا إِذا أمكنه التَّعَلُّم بدلائل الْقبْلَة وَلَكِن يخرج عَن الْوَقْت فَهَذَا هُوَ القَوْل الْمُحدث الشاذ الَّذِي تقدم
وَإِنَّمَا النزاع الْمَعْرُوف فِيمَا اذا اسْتَيْقَظَ النَّائِم فِي آخر الْوَقْت وَلم يُمكنهُ أَن يُصَلِّي قبل خُرُوج الْوَقْت بِوضُوء هَل يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ أَو يتَوَضَّأ وَيُصلي بعد الْوَقْت على قَوْلَيْنِ
(1/165)

الأول قَول مَالك مُرَاعَاة للْوَقْت وَالثَّانِي قَول الْأَكْثَرين
وَمن هُنَا توهم قوم أَن الشَّرْط مقدم على الْوَقْت وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْوَقْت فِي حق الناذم حِين يَسْتَيْقِظ فَلَيْسَ فِي النّوم تَفْرِيط بِخِلَاف المستيقظ
وَقد نَص جُمْهُور الْعلمَاء على أَنه إِذا ضَاقَ الْوَقْت وَلم يصل قتل وَلَو قَالَ أَنا أقضيها كَمَا إِذا قَالَ أَنا أُصَلِّي بِغَيْر وضوء أَو قَالَ أترك فرضا مجمعا عَلَيْهِ قتل وَلَا يقتل حَتَّى يُسْتَتَاب
وَهل هِيَ وَاجِبَة أَو مُسْتَحبَّة أَو مُؤَقَّتَة بِثَلَاثَة أَيَّام فِيهِ نزاع
وَهِي يقتل بِصَلَاة أَو بِثَلَاثَة على رِوَايَتَيْنِ
وَهل يشْتَرط ضيق وَقت الَّتِي بعْدهَا أَو يَكْفِي ضيق وَقتهَا على وَجْهَيْن وَوجه ثَالِث الْفرق بَين صَلَاتي الْجمع وَغَيرهَا
وَمن لَا يعْتَقد وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ فَهُوَ فِي الْبَاطِن كَافِر وَيجْرِي عَلَيْهِ فِي الظَّاهِر أَحْكَام الْإِسْلَام كالمنافقين وَإِن لم يكن فِي الْبَاطِن مُكَذبا للرسول لَكِن معرض عَمَّا جَاءَ بِهِ وَلَا يخْطر بِقَلْبِه الصَّلَاة هَل هِيَ وَاجِبَة أَو لَيست وَاجِبَة وَإِن خطر ذَلِك لَهُ أعرض عَنهُ واشتغل بأموره وشهواته عَن أَن يعْتَقد الْوُجُوب ويعزم على الْفِعْل فَهَؤُلَاءِ وَإِن صلوا لم تقبل صلَاتهم
وَإِذا تَابَ فَاعْتقد الْوُجُوب وعزم على الْفِعْل كَانَ بِمَنْزِلَة من تَابَ من الْكفْر فَإِن أصح قولي الْعلمَاء وَأَكْثَرهم لَا يُوجب على من تَابَ من الْكفْر قَضَاء مَا تَركه قبل الْإِسْلَام من صَلَاة وَغَيرهَا وَلِهَذَا لم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمر من تَابَ من الْمُنَافِقين بِإِعَادَة مَا فَعَلُوهُ أَو تَرَكُوهُ وَلَا أَمر الْمُرْتَدين الَّذين تَابُوا بِقَضَاء مَا تَرَكُوهُ حَال الرِّدَّة وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي الظَّاهِر عَنهُ
وَمذهب الشَّافِعِي الْقَضَاء وَبَنوهُ على أَنه هَل يحبط عمله بِنَفس الرِّدَّة أَو بهَا مَعَ الْمَوْت وَفِيه كَلَام لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
(1/166)

أما الَّذِي تَركهَا تكاسلا مَعَ اعْتِقَاده وُجُوبهَا فَيجب عَلَيْهِ الْقَضَاء عِنْد الْجُمْهُور وَعند بَعضهم لَا يجب إِذا تَابَ بِخِلَاف النَّائِم وَالنَّاسِي فَيَقْضِي بِالْإِجْمَاع
وتارك الصَّلَاة يجب أَن يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا عُوقِبَ عُقُوبَة شَدِيدَة إِلَّا أَن يُصَلِّي بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَأَكْثَرهم يحكم بقتْله إِمَّا كفرا أَو حدا على قَوْلَيْنِ لِأَحْمَد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ

فصل
يجب على الْإِنْسَان أَن يَأْمر بِالصَّلَاةِ كل من يقدر على أمره إِذا لم يقم بِهِ غَيره فَإِن لم يَأْمُرهُ عزّر تعزيرا بليغا وَلم يسْتَحق أَن يكون من جند الْمُسلمين وَيَأْمُر زَوجته ويحضها بالرغبة والرهبة فَإِن أصرت على ترك الصَّلَاة طَلقهَا فِي الصَّحِيح
وَمن ترك الزَّكَاة أخذت مِنْهُ قهرا فَإِن غيب مَاله قَتله فِي أحد قولي الْعلمَاء وَفِي الآخر لَا يزَال يضْرب ضربا مَا بعد ضرب حَتَّى يظْهر مَاله فَيُؤْخَذ مِنْهُ الزَّكَاة
وَمن عرف حَاله فَيَنْبَغِي أَن يهجره فَلَا يسلم عَلَيْهِ وَلَا يُجيب دَعوته ويوبخه ويغلظ عَلَيْهِ حَتَّى يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة
وَلَا نَفَقَة للزَّوْجَة مُدَّة تَركهَا الصَّلَاة وَإِذا هجرها وَامْتنع من وَطئهَا كَانَ محسنا وَيجوز أَن يُقَال عَنهُ إِنَّه تَارِك للصَّلَاة بل يَنْبَغِي أَن يشاع عَنهُ ذَلِك حَتَّى يُصَلِّي
وكل طَائِفَة ممتنعة عَن شَرِيعَة من شرائع الْإِسْلَام الظَّاهِرَة الْمَعْلُومَة يجب قتالها وَلَو تشهدوا مثل أَن لَا يصلوا أَو لَا يزكوا أَو لَا يَصُومُوا أَو لَا يحجوا الْبَيْت أَو قَالُوا نَفْعل هَذَا وَلَا نَدع الْخمر وَلَا الزِّنَا أَو الرِّبَا أَو الْفَوَاحِش أَو لَا نجاهد أَو لَا نضرب الْجِزْيَة على أهل الذِّمَّة أَو نَحْو ذَلِك قوتلوا حَتَّى يكون الدّين كُله لله
(1/167)

كتاب الْجَنَائِز
كَانَ الْمَيِّت على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخرج بِهِ الرِّجَال يحملونه إِلَى الْمقْبرَة لَا يسرعون وَلَا يبطئون بل عَلَيْهِم السكينَة لَا نسَاء مَعَهم وَلَا يرفعون أَصْوَاتهم لَا بِقِرَاءَة وَلَا غَيرهَا وَهَذِه هِيَ السّنة بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَعمل الْعرس للْمَيت من أعظم الْبدع الْمُنْكَرَات وَكَذَلِكَ الضَّرْب بالدف عِنْد الْجِنَازَة لَكِن يضْرب بِهِ عِنْد الْعرس وَكَرِهَهُ بَعضهم مُطلقًا وَالصَّحِيح الْفرق وَكَانَ دفهم لَيْسَ لَهُ صلاصل وَلِهَذَا تنَازع الْعلمَاء فِي دف الصلاصل على قَوْلَيْنِ
وَأما الشَّابَّة فَلم يرخص أحد من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي حُضُورهَا مُجْتَمع الرِّجَال الْأَجَانِب لَا فِي الْجِنَازَة وَلَا فِي الْعرس
وتلقين الْمَيِّت بعد دَفنه قيل مُبَاح وَقيل مُسْتَحبّ وَقيل مَكْرُوه وَفعله وائلة بن الْأَسْقَع وَأَبُو أُمَامَة وَالْأَظْهَر أَنه مَكْرُوه لِأَنَّهُ لم يَفْعَله الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل الْمُسْتَحبّ الدُّعَاء لَهُ كَمَا فِي سنَن أبي دَاوُد أَنه كَانَ إِذا مَاتَ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقوم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قَبره فَيَقُول اسألوا لَهُ التثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل

فصل
الْقُبُور ثَلَاثَة مُتَّفق على صِحَّته كقبر نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصاحبيه أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا
وَمِنْهَا مَا هُوَ كذب لَا ريب فِيهِ مثل قبر أبي بن كَعْب بِدِمَشْق
وَكَذَلِكَ اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بِالْمَدِينَةِ فَمن قَالَ إِن
(1/168)

أم حَبِيبَة بِدِمَشْق قد كذب وَلَكِن قبر بِلَال مُمكن فَإِنَّهُ دفن بِبَاب الصَّغِير وَأَسْمَاء بنت يزِيد بن السكن توفيت بِالشَّام صحابية رَضِي الله عَنْهَا
وَكَذَلِكَ قبر أويس غربي دمشق كذب وَكذب قبر هود
وَالثَّالِث مُخْتَلف فِيهِ كقبر خَالِد فِي حمص قيل هُوَ خَالِد بن الْوَلِيد بن يزِيد أَخُو مُعَاوِيَة بن يزِيد الَّذِي خَارج بَاب الصَّغِير
وَكَذَلِكَ قبر أبي مُسلم الْخَولَانِيّ بداريا فِيهِ قَولَانِ
وَمن الْكَذِب قطعا قبر الْحُسَيْن بن عَليّ بِمصْر وَكَذَا قبر نوح بجبل بعلبك كذب قطعا وَكَذَلِكَ قبر عَليّ الَّذِي بالنجف فَإِنَّهُ إِنَّمَا دفن بِالْكُوفَةِ بقصر الْإِمَارَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ بقصر الْإِمَارَة بِمصْر وَمُعَاوِيَة بقصر الْإِمَارَة بِدِمَشْق خوفًا عَلَيْهِم من الْخَوَارِج
وَكَذَا قبر جَابر فِي حران كذب إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَدِينَة بالانفاق وقبر عبد الله بن عمر لَيْسَ بالجزيرة بل هُوَ بِمَكَّة اتِّفَاقًا
وَكَذَا قبر رقية وَأم كُلْثُوم رَضِي الله عَنْهُمَا مِمَّا هُوَ بِالشَّام أَو غَيرهَا فَإِن النَّاس متفقون على أَنَّهُمَا ماتتا فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَحت عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَبِهِمَا سمي بِذِي النورين وَلَكِن قد يتَّفق اسْم مَعَ اسْم آخر من النَّاس فيظن الْجُهَّال أَنه فلَان مثلا لشهرته وَيكون غَيره
وَكَذَلِكَ الْمَسْجِد الَّذِي بِجَانِب عَرَفَة يُقَال لَهُ مَسْجِد إِبْرَاهِيم فقد يظنّ بَعضهم أَنه إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَإِنَّمَا هُوَ من ولد الْعَبَّاس وَكَانَ بحران مَسْجِد إِبْرَاهِيم فيظن الْجُهَّال أَنه ابراهيم الْخَلِيل وَإِنَّمَا هُوَ ابراهيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن عَبَّاس الَّذِي كَانَت لَهُ الدعْوَة العباسية مَاتَ هُنَاكَ فِي الْحَبْس وَأوصى إِلَى أَخِيه السفاح قبل الْمَنْصُور
وَأما قبر الْخَلِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فقد قَالَ الْعلمَاء إِنَّه حق لَكِن كَانَ
(1/169)

مسدودا بِمَنْزِلَة قبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأحدث عَلَيْهِ الْمَسْجِد وَكَانَ أهل الْعلم وَالدّين الْعَالمُونَ بِالسنةِ لَا يصلونَ هُنَاكَ

فصل
وَينزل عِيسَى بن مَرْيَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام على المنارة الْبَيْضَاء شَرق دمشق وَيدْرك الدَّجَّال بِبَاب اللد الشَّرْقِي فيقتله وَيَأْمُر الله بعد قَتله أَن تحْشر النَّاس إِلَى الطّور وَيُقَال لَهُ يَا روح الله تقدم فصل بِنَا فَيَقُول لَا إِن بَعْضكُم على بعض أَمِير فَيصَلي بِالْمُسْلِمين بَعضهم وَيتم الصَّلَاة وَلَا يحدث فِيهَا
والاستئجار على نفس تِلَاوَة الْقُرْآن غير جَائِز وَإِنَّمَا النزاع فِي التَّعْلِيم وَنَحْوه مِمَّا فِيهِ مصلحَة تصل إِلَى الْغَيْر وَالثَّوَاب لَا يصل إِلَى الْمَيِّت إِلَّا إِذا كَانَ الْعَمَل لله
وَمَا وَقع بِالْأَجْرِ من النُّقُود وَنَحْوهَا فَلَا ثَوَاب فِيهِ وَإِن قيل يَصح الِاسْتِئْجَار عَلَيْهِ
فَإِذا أوصى الْمَيِّت أَن يعْمل لَهُ ختمة فَيَنْبَغِي أَن يتَصَدَّق بذلك على المحاويج من أهل الْقُرْآن أَو غَيره فَذَلِك أفضل وَأحسن
فصل
والأنبياء أَحيَاء فِي قُبُورهم كَمَا رأى مُحَمَّد مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِمَا وعَلى ساذر الْأَنْبِيَاء فِي قَبره لَيْلَة الأسراء وَقد جَاءَ فِي أَحَادِيث
(1/170)

حسان أَن الْعَمَل الصَّالح يصور لصَاحبه صُورَة حَسَنَة والسيء صُورَة قبيحة ينعم بِهِ صَاحبه أَو يعذب
وَجَاء مَخْصُوصًا بِبَعْض الْأَعْمَال مثل الْقُرْآن وَغَيره وَذَلِكَ فِي البرزخ وَفِي عرصات الْقِيَامَة
وَأما جَزَاء الْأَعْمَال بِالْأَعْمَالِ فَإِن كَانَ الْمَعْنى أَن عبورهم على الصِّرَاط بِحَسب أَعْمَالهم فَهَذَا حق وَأما تَصْوِير الْعَمَل لصَاحبه على الصِّرَاط فَلم يبلغنِي فِيهِ شَيْء

فصل
قَالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ من كَانَ مستنا فَليَسْتَنَّ بِمن قد مَاتَ فَإِن الْحَيّ لَا تؤمن عَلَيْهِ الْفِتْنَة أُولَئِكَ أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبر هَذِه الْأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اخْتَارَهُمْ الله لصحبة نبيه وَإِقَامَة دينه فاعرفوا لَهُم حَقهم وتمسكوا بهديهم فَإِنَّهُم كَانُوا على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم
وَقَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله عَنهُ يَا معشر الْقُرَّاء اسْتَقِيمُوا وخذوا بطرِيق من قبلكُمْ فو الله لَئِن اسْتَقَمْتُمْ لقد سبقتم سبقا بَعيدا وَلَئِن أَخَذْتُم يَمِينا أَو شمالا لقد ضللتم ضلالا بَعيدا
فَلم يكن من عَادَة السّلف إِذا صلوا أَو صَامُوا أَو حجُّوا تَطَوّعا أَو قرءوا الْقُرْآن أَن يهدوا ثَوَاب ذَلِك للموتى بل كَانَ من عَادَتهم أَن يعبدوا الله بأنواع الْعِبَادَات المشروعات ويدعوا للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات لأحيائهم وأمواتهم فِي صلَاتهم على الْجِنَازَة وَعند زِيَارَة قُبُورهم وَغير ذَلِك
رُوِيَ أَن عِنْد كل ختمة دَعْوَة مستجابة فَإِذا دَعَا عقيب الختمة لنَفسِهِ ولوالديه ولمشايخه وَغَيرهم من الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات كل مَشْرُوعا
وَكَذَلِكَ مَوَاطِن الْإِجَابَة كجوف اللَّيْل وَنَحْوه فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُول عَن طريقهم إِلَى طَرِيق المبتدعين وَإِن كَانُوا كثيرين
(1/171)

فصل
يجوز ركُوب الْبَحْر إِذا غلب على طنه السَّلامَة وَلَو مَاتَ غريقا فَهُوَ شَهِيد وَدفن الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد حرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين
وَمن يحدث بِأَحَادِيث مفتعلة ليضحك النَّاس أَو لغَرَض آخر فَهُوَ عَاص لله وَلِرَسُولِهِ مُسْتَحقّ للعقوبة الَّتِي تردعه
وَأما عرض الْأَدْيَان على الْمَيِّت عِنْد الْمَوْت فَلَيْسَ هُوَ أمرا عَاما لكل ميت وَلَا عَدمه أَيْضا أمرا عَاما عَن كل أحد بل قد يعرض على وَاحِد دون غَيره وَقد يعرض قبل الْمَوْت وَذَلِكَ من فتْنَة الْمحيا الَّتِي أمرنَا بالاستعاذة مِنْهَا وَلَكِن روى إِن الشَّيْطَان أَشد مَا يكون عِنْد الْمَوْت يَقُول لأعوانه دونكم إِن فاتكم لم تظفروا بِهِ أبدا
وحكاية الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى مَشْهُورَة
وفتة الْقَبْر عَامَّة إِلَّا لِلنَّبِيِّينَ وَغير الْمُكَلّفين ففيهم خلاف
وَقد تنازعوا فِي الْمُرْتَد هَل كَانَ إيمَانه صَحِيحا يحبط بِالرّدَّةِ أم يُقَال بِالرّدَّةِ تَبينا أَن إيمَانه كَانَ فَاسِدا وَأَن الْإِيمَان الصَّحِيح لَا يَزُول الْبَتَّةَ على قَوْلَيْنِ للنَّاس
وعَلى ذَلِك يَنْبَنِي قَول الْمُسْتَثْنى أَنا مُؤمن إنْشَاء الله
وَهل يعود إِلَى كَمَال الْإِيمَان فِي الْحَال أَو يعود إِلَى الْوَفَاء فِي الْمَآل
وَفِي لحد الرجل للْمَرْأَة نزاع الصَّحِيح أَنه إِن كَانَ من أهل الْخَيْر يلحدها
وَيجوز حجَّة عَنْهَا اتِّفَاقًا وَفِي حجمها عَنهُ نزاع
فصل
وَلَا يسْتَحبّ حفر الْقَبْر قبل الْمَوْت
وَرُوِيَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَغَيره أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الْمَيِّت يبْعَث فِي ثِيَابه الَّتِي قبض فِيهَا
(1/172)

ودعا أَبُو سعيد رَضِي الله عَنهُ بِثِيَاب جده فلبسها عِنْد الْمَوْت وَقَالَ ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
فَحمل الحَدِيث على ثِيَابه الَّتِي يقبض فِيهَا لَا على كتفه
فَقيل يبْعَث فِي نفس الثَّوْب الظَّاهِر
وَقيل إِن المُرَاد أَنه يبْعَث على مَا مَاتَ عَلَيْهِ من الْعَمَل كَمَا قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين فِي قَوْله تَعَالَى {وثيابك فطهر} أَي عَمَلك
يُؤَيّد ذَلِك مَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنهم يحشرون حُفَاة عُرَاة غرلًا ثمَّ قَرَأَ {كَمَا بدأنا أول خلق نعيده} قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا النِّسَاء وَالرِّجَال ينظر بَعضهم الى بعض قَالَ نعم قَالَت وافضحيتاه قَالَ الْأَمر أَشد من ذَلِك

فصل
إِذا قضيت الْحَاجة عِنْد قبر من قُبُور الْأَوْلِيَاء فَمن أَيْن يعرف أَن قضاءها لأجل الْقَبْر
فقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن النّذر لَا يَأْتِي بِخَير وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ الْبَخِيل
وَفِي لفظ النّذر لَا يَأْتِي لِابْنِ بِآدَم بِشَيْء وَلَكِن يلقيه الْقدر فَيعْطى على النّذر مَالا يعْطى على غَيره
فَإِن كَانَ ذَلِك فِي النّذر الَّذِي نقضي أَكثر الْحَوَائِج عِنْده فَكيف يكون عِنْد غَيره نقضي بِهِ الْحَاجة فالحاجة إِمَّا أَن تكون قد قضيت بِغَيْر دُعَائِهِ فَلَا كَلَام وَإِمَّا بدعائه فَيكون قد اجْتهد فِي الدُّعَاء اجْتِهَادًا لَو اجتهده فِي غير تِلْكَ الْبقْعَة أَو عِنْد الصَّلِيب مثلا لقضبت فَيكون السَّبَب اجْتِهَاده فِي الدُّعَاء لَا خُصُوص الْقَبْر وَلِهَذَا قد نقضي حوائج الْمُشْركين عِنْد أوثانهم وصلبانهم وكنائسهم فَهَل يقوم مُسلم إِنَّه يجوز قصد صلبانهم وأوثانهم لذَلِك
(1/173)

وَلَو قيل إِن للقبر تَأْثِير فِي ذَلِك سَوَاء كَانَ باتصال روح الدَّاعِي وروح الْمَيِّت فيقوى بذلك كَمَا يزعمه ابْن سينا وَأَبُو حَامِد الْغَزالِيّ وأمثالهما فِي زِيَارَة الْقُبُور أَو كَانَ بِسَبَب آخر فَيُقَال لَيْسَ كل سَبَب نَالَ الانسان حَاجته يكون مَشْرُوعا وَلَا مُبَاحا وَإِنَّمَا يكون مَشْرُوعا إِذا غلبت مصْلحَته على مفسدته مِمَّا أذن فِيهِ الشَّرْع
وَمن هَذَا الْبَاب تَحْرِيم السحر مَعَ مَاله من التَّأْثِير وَقَضَاء بعض الْحَاجَات وَمَا يدْخل فِي ذَلِك من عبَادَة الْكَوَاكِب ودعائها واستحضار الْجِنّ وَالْكهَانَة والاستسقام بالأزلام وأنواع السحريات مَعَ كَونهَا لَهَا نوع كشف وتأثير
وَفِي هَذَا تَنْبِيه على جملَة الْأَسْبَاب الَّتِي تقضي بهَا الْحَوَائِج
وَأما تَفْصِيل ذَلِك فَلهُ مَوضِع آخر
لكل الْعَاقِل يعلم أَن أمة من الْأُمَم لَا تَجْتَمِع على أَمر بِلَا سَبَب فلأجل ذَلِك اجْتمع نَاس بالسحرة وناس بالشرك وَعبادَة الْأَصْنَام والخليل يَقُول {رب إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس} وَلم يقل أحد إِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ إِن الْأَصْنَام تخلق وتحيي وتجلب الرزق بل عبدوها لحاجتهم إِلَيْهَا من حسن قصد الْمُشْركين للقبور المعظمة وَقصد النَّصَارَى لصورة القديسين يتخذونهم شُفَعَاء ووسائط ووسائل
وَيَكْفِي الْمُسلم أَن يعلم أَن الله لم يحرم شَيْئا إِلَّا ومفسدته مَحْضَة أَو غالبة

فصل
تعود الرّوح إِلَى الْمَيِّت وتفارقه وَهل يُسمى ذَلِك موتا فِيهِ قَولَانِ
والنفخ ثَلَاثَة
أَحدهَا الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى {ينْفخ فِي الصُّور فَفَزعَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض}
وَنفخ الصَّعق وَالْقِيَام الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى {وَنفخ فِي الصُّور فَصعِقَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله ثمَّ نفخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هم قيام ينظرُونَ}
(1/174)

وَقَوله تَعَالَى {إِلَّا من شَاءَ الله} متناول لأهل الْجنَّة من الْحور وَغَيرهم مِمَّن يُعلمهُ الله تَعَالَى

فصل
ذهب طَائِفَة من الْمُتَأَخِّرين إِلَى جَوَاز إهداء الْأَعْمَال الصَّالِحَة من الصَّدَقَة وَالصَّلَاة وَالْقِرَاءَة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأزواجه
وَفِي إهداء الْفَرِيضَة وَجْهَان
وَأما السّلف فَلم يَكُونُوا يَفْعَلُونَ شَيْئا من ذَلِك وهم أخلق بالاتباع وَحَدِيث أبي الَّذِي فِيهِ أجعَل صَلَاتي كلهَا عَلَيْك قَالَ إِذا يَكْفِيك الله همك وَيغْفر ذَنْبك
المُرَاد أَنه يَجْعَل لَهُ ربع دُعَائِهِ أَو نصفه أَو ثلثه إِلَى أَن قَالَ كلهَا أَي كل دعائي فَإِن الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء وَلِهَذَا قَالَ لَهُ إِذن يَكْفِيك الله همك وَيغْفر ذَنْبك فَإِنَّهُ إِذا صلى عَلَيْهِ مرّة صلى الله بهَا عَلَيْهِ عشرا
وَمن دَعَا لِأَخِيهِ وكل الله بهَا ملكا يَقُول وَلَك بِمثلِهِ فَإِذا صلى عَلَيْهِ بدل دُعَائِهِ كَفاهُ الله همه وَحصل لَهُ مَقْصُود ذَلِك الدُّعَاء من كِفَايَة همه وغفران ذَنبه وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه فَكيف بِمن يَدْعُو للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بدل نَفسه إِنَّه لحقيق أَن يحصل لَهُ أَكثر مِمَّا يَطْلُبهُ لنَفسِهِ
وَقد يتَوَهَّم متوهم من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صلى عَليّ مرّة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا أَنه يحصل للْمُصَلِّي أَكثر مِمَّا يحصل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل لَهُ مثل أجر الْمصلى الَّذِي حصل لَهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي علمه وَسن لَهُ ذَلِك فَلهُ على ذَلِك مثل أجره
(1/175)

وَلَيْسَ للْأَب إِلَّا مَا يَدعُونَهُ بِهِ الْوَلَد لَهُ فَظهر معنى قَوْله تَعَالَى {النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم} فَهُوَ الْأَب الروحاني وَالْوَالِد الْأَب الجثماني وَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَبَب السَّعَادَة الأبدية لِلْمُؤمنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْأَب سَبَب لوُجُوده فِي الدُّنْيَا
وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان يجب عَلَيْهِ أَن يُطِيع معلمه الَّذِي يَدعُوهُ إِلَى الْخَيْر ويأمره بِمَا أمره الله وَلَا يجوز لَهُ أَن يطبع أَبَاهُ فِي مُخَالفَة هَذَا الدَّاعِي لِأَنَّهُ يدله على مَا يَنْفَعهُ ويقربه إِلَى ربه وَيحصل لَهُ باتباعه السَّعَادَة الأبدية
فَظهر فضل الْأَب الروحاني على الْأَب الجثماني فَهَذَا أَبوهُ فِي الدّين وَذَلِكَ أَبوهُ فِي الطين وَأَيْنَ هَذَا من هَذَا
وَأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ فِي الْحُرْمَة لَا فِي الحرمية ولهن من الاحترام مَا لَيْسَ للْأُم الوالدة

فصل
لِقَاء الله تَعَالَى قد فسره طَائِفَة من السّلف أَنه الْمُشَاهدَة والمعاينة
وَاسْتدلَّ بِهِ قوم على رُؤْيَة الله تَعَالَى وَقَوله تَعَالَى {وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت من قبل أَن تلقوهُ فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون} لِأَن الْإِنْسَان يُشَاهد بنسفه هَذِه الْأُمُور
وَقد قيل إِن الْمَوْت نَفسه يُشَاهد وَيرى ظَاهرا
وَقيل المرئي أَسبَابه
وَقد تنَازع النَّاس فِي الْكفَّار هَل يرَوْنَ رَبهم أول مرّة ثمَّ يحتجب عَنْهُم أم لَا يرونه بِحَال على قَوْلَيْنِ
وَالْأول أصح وَهُوَ قَول أهل الحَدِيث وَأكْثر الْفُقَهَاء
وَالثَّانِي قَول الْمُتَكَلِّمين
(1/176)

فصل
نطق الْكتاب وَالسّنة بمحبته تَعَالَى وَهِي على حَقِيقَتهَا عِنْد سلف الْأمة وائمتها ومشايخها
وَأول من أنكر حَقِيقَتهَا شيخ الْجَهْمِية الْجَعْد بن دِرْهَم فَقتله خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي بواسط يَوْم النَّحْر وَقد فسروا محبته تَعَالَى بمحبة عِبَادَته وطاعته وَلَا ريب أَن الْمُؤمنِينَ يعْرفُونَ رَبهم فِي الدُّنْيَا ويتفاوتون فِي دَرَجَات الْعرْفَان
وَأكل الشَّيْطَان لَو تصور لَكَانَ من أعظم الْمُحرمَات لما فِيهِ من الْخبث وَالْبَغي والعدوان فَمن قَالَ إِن آدم سلقه وَأكله فَمن أقبح الْبُهْتَان
وَأما عرض السُّجُود على إِبْلِيس عِنْد قبر آدم فقد ذكره بعض النَّاس وَأما عرض السُّجُود على إِبْلِيس عِنْد قبر آدم فقد ذكره بعض النَّاس وَأما عرضه عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة فَمَا علمت أحدا ذكره وَكِلَاهُمَا بَاطِل
وَاتفقَ سلف الْأمة وأئمتها على أَن من الْمَخْلُوقَات مَالا يعْدم وَهُوَ الْجنَّة وَالنَّار وَالْعرش وَغير ذَلِك
وَلم يقل بِفنَاء جَمِيع الْمَخْلُوقَات إِلَّا طَائِفَة من أهل الْكتاب المبتدعين وَهُوَ قَول بَاطِل
فصل
قَوْله أَنا فِي بركَة فلَان أَو تَحت نظره أَو يَا فلَان مدنِي بخاطرك
فَإِن أَرَادَ أَن نظره أَو خاطرة أَو بركته مُسْتَقلَّة بتحصيل الْمَنَافِع وَدفع المضار فَهُوَ كذب وشرك
وَإِن أَرَادَ أَن فلَانا دَعَا فانتفعت بدعائه أَو أَنه عَلمنِي أَو أَنه أدبني وَأَنا فِي بركَة مَا انتفعت بِهِ من تَعْلِيمه وتأديبه فَهُوَ صَحِيح
(1/177)

وَإِن أَرَادَ أَنه بعد مَوته يجلب الْمَنَافِع أَو يدْفع المضار فَهُوَ كذب محرم وَهُوَ الشّرك الَّذِي حظره الله على عباده وَالَّذِي لَا يغْفر إِلَّا بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ
وَلَا يجوز الدُّعَاء للْوَالِدين إِذا مَاتَا على الشّرك
وَقَول الشَّخْص اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد فِي الْأَوَّلين لَيْسَ هُوَ مأثورا وَالْمرَاد بالأولين من قبل مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبالآخرين أمته قَالَه الْجُمْهُور
وَقيل الْأَوَّلين والآخرين أمته وَالْأول أصح
قيل ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى {ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين}
وَلَفظ الأول إضافي فَلَا شخص إِلَّا وَقَبله أول وَبعده آخر
وَقَوله اللَّهُمَّ صل على سيدنَا مُحَمَّد فِي الْأَوَّلين إِن أَرَادَ بهم من قبل مُحَمَّد أَو من قبل الْمصلى فمحتمل لَكِن يكون المُرَاد بِهِ صل عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلين وَإِن كَانُوا مَاتُوا فَالْمُرَاد أَزوَاجهم فَإِنَّهُنَّ موجودات أَو صل عَلَيْهِ فِي الْمَوْجُودين فَهَذَا مُجمل حسن وَفِي الآخرين أَي فِيمَن يُوجد من الْمُتَأَخِّرين
وَقد يكون المُرَاد صلى عَلَيْهِ فَمن يُصَلِّي عَلَيْهِم من الْأَوَّلين والآخرين وَالْمَلَأ الْأَعْلَى أَي صل عَلَيْهِ فِي كل طَائِفَة صليت عَلَيْهَا فَهُوَ معنى صَحِيح
(1/178)

فصل
روى مَالك فِي موطئِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم عَن أسلم مولى عمر وَفِي لفظ عَن نعيم بن ربيعَة أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة {وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ} الْآيَة فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ إِن الله خلق آدم ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج ذُريَّته فَقَالَ جعلت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل أهل الْجنَّة يعْملُونَ ثمَّ مسح ظَهره فاستخرج مِنْهُ ذُريَّته فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله إِذا خلق الرجل للجنة اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل الْجنَّة فَيدْخل بِهِ الْجنَّة وَإِذا خلق الرجل النَّار اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل النَّار فَيدْخل بِهِ النَّار
وَفِي حَدِيث الحكم بن سِنَان عَن ثَابت عَن أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله قبض قَبْضَة فَقَالَ إِلَى الْجنَّة برحمتي وَقبض قَبْضَة فَقَالَ إِلَى النَّار وَلَا أُبَالِي
وَهَذَا الْمَعْنى مَشْهُور عَنهُ من وُجُوه مُتعَدِّدَة
(1/179)

وَفِيه فصلان
أَحدهمَا الْقدر السَّابِق وَهُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى علم أهل الْجنَّة من أهل النَّار قبل أَن يعملوا الْأَعْمَال وَهَذَا حق يجب الْإِيمَان بِهِ بل قد نَص الْأَئِمَّة كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَن من جحد هَذَا فقد كفر بل يجب الْإِيمَان بِهِ فَإِن الله علم مَا سَيكون كُله قبل أَن يكون
كَمَا فِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله قدر مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عمرَان بن حُصَيْن رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ كَانَ الله وَلَا شَيْء غَيره وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض
وَفِي الْمسند عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِنِّي عِنْد الله لمكتوب خَاتم النَّبِيين وَإِن آدم لَمُنْجَدِل فِي طينته وسأنبئكم بِأول ذَلِك دَعْوَة أبي إِبْرَاهِيم وبشرى أخي عِيسَى ورؤيا أُمِّي رَأَتْ حُسَيْن ولدتني أَنه خرج مِنْهَا نور أَضَاءَت لَهُ قُصُور الشَّام
وَنَحْوه كثير كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَليّ حَدِيث بَقِيع الْغَرْقَد
وَفِي الصَّحِيح قَالُوا يَا رَسُول الله علم الله أهل الْجنَّة من أهل النَّار فَقَالَ نعم قيل فيمَ الْعَمَل قَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
وَذَلِكَ أَن الله علم الْأَشْيَاء كَمَا هِيَ عَلَيْهِ وَقد جعل لَهَا أسبابا تكون بهَا وَيعلم أَنَّهَا تكون بِتِلْكَ الْأَسْبَاب
فَلَو قَالَ قَائِل إِذا علم الله أَنه يُولد لي ولد فَلَا حَاجَة لي بِالزَّوْجَةِ كَانَ أَحمَق فَإِن الله يعلم مَا سَيكون بأسبابه بِمَا قدره من الْوَطْء وَغَيره
وَكَذَلِكَ علم مَا سَيكون من أَن هَذَا يشْبع بِالْأَكْلِ وَهَذَا يَمُوت بِالْقَتْلِ
(1/180)

فَلَا بُد من الْأَسْبَاب الَّتِي قد علمهَا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من الدُّعَاء وَالسُّؤَال وَغَيره فَلَا ينَال العَبْد شَيْئا إِلَّا بِمَا قدره الله من جَمِيع الْأَسْبَاب وَالله خَالق ذَلِك الشَّيْء وخالق الْأَسْبَاب
وَلِهَذَا قيل الِالْتِفَات إِلَى الْأَسْبَاب شرك فِي التَّوْحِيد ومحو الْأَسْبَاب أَن تكون أسبابا نقص فِي الْعقل والاعراض عَن الْأَسْبَاب بِالْكُلِّيَّةِ قدح فِي الشَّرْع
وَمُجَرَّد الْأَسْبَاب لَا توجب حُصُول الْمُسَبّب بل لَا بُد من تَمام الشُّرُوط وَزَوَال الْمَوَانِع
فَكل ذَلِك بِقَضَاء الله وَقدره
وَكَذَلِكَ أَمر الْآخِرَة فَلَيْسَ بِمُجَرَّد عمل العَبْد ينَال الْإِنْسَان السَّعَادَة بل الْعَمَل سَبَب كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ الحَدِيث وَقَالَ تَعَالَى {ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} فَهَذِهِ بَاء السَّبَب أَي بِسَبَب أَعمالكُم
وَالَّذِي نَفَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَاء الْمُقَابلَة والمعارضة كَمَا يُقَال اشْتريت هَذَا بِهَذَا أَي لَيْسَ الْعَمَل عوضا أَو ثمنا كَافِيا فِي دُخُول الْجنَّة بل لَا بُد مَعَه من عَفوه تَعَالَى وَرَحمته وفضله ومغفرته وفضله ومغفرته فغفرته تمحو السَّيِّئَات وَرَحمته تَأتي بالخبرات وتضاعف الْحَسَنَات
وَهنا ضل فريقان فريق أخذُوا بِالْقدرِ وأعرضوا عَن الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة والأعمال الصَّالِحَة وظنوا أَن ذَلِك كَاف وَهَؤُلَاء يؤول أَمرهم إِلَى الْكفْر بِاللَّه وَكتبه وَرُسُله
وفريق أخذُوا يطْلبُونَ الْجَزَاء من الله كَمَا يَطْلُبهُ الْأَجِير من الْمُسْتَأْجر متكلين على حَولهمْ وقوتهم وعملهم وهم جهال ضلال فَإِن الله لم يَأْمر الْعباد بِمَا أَمرهم بِهِ عَن حَاجَة مِنْهُ إِلَيْهِم وَإِنَّمَا أَمرهم بِمَا فِيهِ صَلَاحهمْ وَلَا نَهَاهُم عَن شَيْء بخلا بل نَهَاهُم عَمَّا فِيهِ فسادهم وكما قَالَ يَا عبَادي لن تبلغوا ضري
(1/181)

فتضروني وَلنْ تبلغوا نفعي فتنفعونني وَهُوَ مَعَ غناء عَن الْعَالمين أرسل إِلَيْهِم الرُّسُل بفضله سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ أوجب على نَفسه الرَّحْمَة وَحرم عَلَيْهَا الظُّلم فَهُوَ وَاقع لَا محَالة وَاجِب بِحكم إِيجَابه ووعده لَا أَن الْخلق يوجبون على الله شَيْئا أَو يحرمُونَ عَلَيْهِ شَيْئا بل هم أعجز من ذَلِك وكل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة من عدل كَمَا فِي قَوْله فِي الحَدِيث فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يلو من إِلَّا نَفسه
فَمن أعرض عَن الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد نَاظرا إِلَى الْقدر فقد ضل وَمن طلب الْمقَام بِالْأَمر وَالنَّهْي معرضًا عَن الْقدر فقد ضل بل لَا بُد من الْأَمريْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين} فنعبده اتبَاعا لِلْأَمْرِ ونستعينه إِيمَانًا بِالْقدرِ
فَكل عمل يعمله الْعَامِل وَلَا يكون طَاعَة وَعبادَة وَعَملا صَالحا فَهُوَ بَاطِل فَإِن الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ لله وَلَو نَالَ بذلك الْعَمَل رياسة ومالا فغاية المترئس أَن يكون كفرعون وَغَايَة المتمول أَن يكون كقارون وَقد ذكر الله فِي سُورَة الْقَصَص من قصتهما مَا فِيهِ عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب
وكل عمل لَا يعين الله العَبْد عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يكون وَلَا يَقع فَمَا لَا يكون بِهِ لَا يكون وَمَا لَا يكون لَهُ لَا يَدُوم وَلَا ينفع فَلذَلِك أَمر العَبْد أَن يَقُول {إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين} فِي كل صَلَاة
وَلِلْعَبْدِ حالان حَال قبل الْقدر فَعَلَيهِ أَن يَسْتَعِين بِاللَّه ويتوكل عَلَيْهِ ويدعوه وَحَال بعد الْقدر فَعَلَيهِ أَن يحمد الله فِي الطَّاعَة ويصبر ويرضى فِي الْمُصِيبَة ويستغفر فِي الذَّنب وَفِي الطَّاعَة من النَّقْص ويشكره عَلَيْهَا إِذْ هِيَ من نعْمَته
فَينْظر إِلَى الْقدر عِنْد الْمُصِيبَة بعد وُقُوعهَا ويستغفر عِنْد الْمعْصِيَة قَالَ تَعَالَى لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك} وَقَالَ تَعَالَى {مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها إِن ذَلِك على الله يسير لكَي لَا تأسوا على مَا فاتكم وَلَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم}
(1/182)

فصل
فِي الْأَحَادِيث الَّتِي سُئِلَ فِيهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن السَّاعَة فَقَالَ إِن يَعش هَذَا الْغُلَام لن يُدْرِكهُ الْهَرم حَتَّى تقوم السَّاعَة
المُرَاد بذلك سَاعَة الْقرن وَهن مَوْتهمْ فَإِن فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت كَانَ الْأَعْرَاب إِذا قدمُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلُوهُ مَتى السَّاعَة فَينْظر إِلَى أحدث إِنْسَان مِنْهُم فَيَقُول إِن يَعش هَذَا الْغُلَام لم يُدْرِكهُ الْهَرم حَتَّى تقوم عَلَيْكُم سَاعَتكُمْ قَالَ هِشَام يَعْنِي مَوْتهمْ
فَهَذَا يبين تِلْكَ الْأَحَادِيث
وَقد يُرَاد بالقيامة الْمَوْت وَأَن من مَاتَ فقد قَامَت قِيَامَته كَمَا قَالَ الْمُغيرَة ابْن شُعْبَة رَضِي الله عَنهُ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم تَقولُونَ الْقِيَامَة الْقِيَامَة وَإِن من مَاتَ فقد قَامَت قِيَامَته
وَلَيْسَ وَاحِد من هذَيْن النَّوْعَيْنِ منافيا لما أخبر الله بِهِ من الْقِيَامَة الْكُبْرَى الَّتِي يقوم فِيهِ النَّاس من قُبُورهم لرب الْعَالمين حُفَاة عُرَاة بعد أَن تُعَاد الْأَرْوَاح إِلَى الأجساد وَإِنَّمَا يُنكر هَذَا أهل الزندقة من الفلاسفة وَنَحْوهم ويتأولون مَا فِي الْقُرْآن من ذَلِك وَمن ذكر الْقِيَامَة على أَن المُرَاد بهَا الْمَوْت {وَإِذا النُّجُوم انكدرت} إِنَّهَا أَعْضَاء الْإِنْسَان وحواسه {وَإِذا الْجبَال سيرت} إِنَّهَا أعضاؤه الْكِبَار الَّتِي يحملهَا الحاملون إِلَى الْقَبْر {وَإِذا العشار عطلت} إِنَّهَا مَا فِي بدنه من الْأَرْوَاح البخارية وقواها
وأمثال هَذِه التأويلات الَّتِي يذكرونها السهرودي الْمَقْتُول على الزندقة فِي الْأَرْوَاح الْعمادِيَّة ويذكرها من المتفلسفة القرامطة الباطنية
فَإِن الْقِيَامَة الْكُبْرَى مِمَّا علم بالاضطرار من دين الْإِسْلَام وَمن تدبر الْقُرْآن
(1/183)

وَتَفْسِيره وَالْأَحَادِيث المتواترة عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن أَصْحَابه وَسَائِر الْأَئِمَّة علم ذَلِك كَمَا يعلم أَن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالصَّلَاةِ وبالصوم وَحج الْبَيْت الْعَتِيق وَتَحْرِيم الْفَوَاحِش وَنَحْو ذَلِك كَمَا فِي أول سُورَة الْوَاقِعَة وَقَالَ فِي آخر السُّورَة فلولا إِذا بلغت الْحُلْقُوم فَهَذَا تَفْصِيل لحَال الْمَوْت كَمَا أَن أول السُّورَة لذكر الْقِيَامَة
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة} ثمَّ قَالَ {وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة أيحسب الْإِنْسَان ألن نجمع عِظَامه} فَجمع عِظَامه هُوَ فِي الْقِيَامَة الْكُبْرَى إِلَى قَوْله {أذا بلغت التراقي وَقيل من راق وَظن أَنه الْفِرَاق} فَبين مَا يَقُوله عِنْد الْمَوْت إِلَى قَوْله {أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى} إِلَى أَن قَالَ {أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى}
فاستدل سُبْحَانَهُ بقدرته على الْخلق الأول على قدرته على إحْيَاء الْمَوْتَى وَذَلِكَ فِي الْقُرْآن كثير يسْتَدلّ بالنشأة على الْبَعْث فِي الْقِيَامَة الْكُبْرَى وَتارَة يبين الْعَبَث بِبَيَان قدرته على خلق الْحَيَوَان وَتارَة بِخلق النَّبَات كَمَا قَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث} الْآيَة وَقَوله {وَترى الأَرْض هامدة فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت} إِلَى قَوْله {وَأَنه يحيي الْمَوْتَى وَأَنه على كل شَيْء قدير وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور} وَقَوله {وأحيينا بِهِ بَلْدَة مَيتا كَذَلِك الْخُرُوج} {كَذَلِك النشور} فَهَذَا كُله بَيَان للقيامة الْكُبْرَى
وَتارَة يسْتَدلّ عَلَيْهَا بقدرته على خلق الْعَالم كَمَا فِي قَوْله فِي سُورَة ق {أفلم ينْظرُوا إِلَى السَّمَاء} إِلَى قَوْله {ونزلنا من السَّمَاء مَاء مُبَارَكًا} إِلَى قَوْله {كَذَلِك الْخُرُوج} ثمَّ ذكر الْمَوْت بقوله {وَجَاءَت سكرة الْمَوْت بِالْحَقِّ} وَقَوله {أَو لَيْسَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِقَادِر على أَن يخلق مثلهم} وَقَوله {لخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض أكبر من خلق النَّاس} وَقَوله تَعَالَى
(1/184)

{أَو لم يرَوا أَن الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلم يعي بخلقهن بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى بلَى إِنَّه على كل شَيْء قدير}
وَتارَة يسْتَدلّ بالنشأة الأولى نَحْو قَوْله {وَضرب لنا مثلا} ألايات وَقَوله تَعَالَى {قل كونُوا حِجَارَة أَو حديدا} الْآيَة
وَذكر إحْيَاء الْمَوْتَى فِي غير مَوضِع نَحْو قَوْله تَعَالَى {ثمَّ بعثناكم من بعد موتكم} وَقَالَ فِيهَا أَيْضا {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى} وَقَالَ فِيهَا {ألم تَرَ إِلَى الَّذين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم} وَقَالَ فِيهَا {وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها ثمَّ نكسوها لَحْمًا} وَذَلِكَ أَكثر من أَن يحصر
وَأما أَشْرَاط السَّاعَة الَّتِي ذكر الله تَعَالَى أَنه لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ مثل الدَّجَّال وَالدَّابَّة وطلوع الشَّمْس من معربها وَغير ذَلِك فَهِيَ من أشرط السَّاعَة وَهِي الْقِيَامَة الْكُبْرَى الَّتِي لَا يعلمهَا أحد إِلَّا الله فَهَذِهِ ابساعة لَا يعلمهَا أحد غَيره سُبْحَانَهُ بِخِلَاف غَيرهَا من موت الْإِنْسَان وانخرام الْقرن فَإِنَّهُ يعرفهُ من الْخلق من شَاءَ الله مِنْهُم وَجُمْهُور الْخلق يعلمُونَ ذَلِك تَقْرِيبًا وَإِن لم يعلموه تحديدا كَمَا يعمون أَن غَالب الْخلق لَا يبقون مائَة سنة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة
وَقد يعلم ذَلِك بطرِيق أُخْرَى مِمَّا لَا يَتَّسِع لَهُ هَذَا الْموضع
فَلَا يُقَال فِي تِلْكَ السَّاعَة الصُّغْرَى {لَا يجليها لوَقْتهَا إِلَّا هُوَ ثقلت فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض} أَي حفي علمهَا على أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَقَالَ {إِنَّمَا علمهَا عِنْد الله} وَقد قَالَ {إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث وَيعلم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِن الله عليم خَبِير}
وَالنَّاس فِي الْمعَاد على أَرْبَعَة أَصْنَاف
(1/185)

فَالَّذِي عَلَيْهِ الرُّسُل وأتباعهم الَّذين لَا بِدعَة فيهم هُوَ الاقرار بمعاد الْأَبدَان والأرواح
وَأكْثر هَؤُلَاءِ الدهرية كذبُوا بالمعاد مُطلقًا
وَبَين هذَيْن طَائِفَتَانِ طَائِفَة من أهل الْكَلَام أقرُّوا بمعاد الْأَبدَان وَالْقِيَامَة الْكُبْرَى وأنكروا أَمر الرّوح فَلم يقرُّوا بِأَنَّهُ بعد الْمَوْت يكون فِي نعيم أَو عَذَاب
وَمِنْهُم من أقرّ بِالْعَذَابِ على الْبدن فَقَط دون الرّوح وَزعم أَن الرّوح هِيَ الْحَيَاة الَّتِي للبدن وَمِنْهُم من يقر بمعاد الرّوح فَقَط
وَطَائِفَة من المتفلسفة أقرُّوا بمعاد الْأَنْفس فَقَط دون الْأَبدَان وَكَفرُوا بِمَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل
وَقد دخل مَعَ أُولَئِكَ من متكلمى الْإِثْبَات جمَاعَة كَالْقَاضِي أبي بكر بن الطّيب وَأَمْثَاله مِمَّن يزْعم أَن الرّوح لَيست جواهرا قَائِما لَكِنَّهَا عرض من أَعْرَاض الْبدن
وَمِنْهُم من جعل الرّوح جَزَاء من أَجزَاء الْبدن وَهُوَ الرّيح الَّذِي يدْخل الْبدن وَيخرج مِنْهُ البخار الَّذِي من الْقلب وَهَذِه الْأَقْوَال فَاسِدَة
وَالَّذِي عَلَيْهِ السّلف أَن الرّوح الَّتِي تقبض بِالْمَوْتِ لَيست هِيَ الْبدن وَلَا جُزْء مِنْهُ وَلَا صفة من صِفَاته بل هِيَ جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ وَدَلَائِل الْكتاب وَالسّنة على ذَلِك كَثِيرَة جدا
لَكِن هَؤُلَاءِ مَعَ غلطهم وضلالهم أقرب إِلَى الْإِسْلَام مِمَّن قَالَ إِن هَذِه الرّوح لَيست دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا تُوصَف بحركة وَلَا سُكُون وَلَا دُخُول وَلَا خُرُوج وَلَا تحول وَلَا انْتِقَال وَأَن الْمعَاد لَيْسَ إِلَّا لَهَا وَالْبدن لَا يُعَاد فَإِن إِنْكَار معاد الْأَبدَان كفر بَين وَقد علم من دين الْإِسْلَام فَسَاده وَأَن المكذبين بالمعاد مراغمون للرسل مراغمة بَيِّنَة كَمَا قد بسط فِي موصعه وَالله أعلم
(1/186)

فصل
وولدان أهل الْجنَّة خلق الْجنَّة
وَأَبْنَاء الدُّنْيَا إِذا دخلُوا الْجنَّة يكمل خلقهمْ على صُورَة آدم أَبنَاء ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ طول سِتِّينَ ذِرَاعا
وروى أَن الْعرض سَبْعَة أَذْرع
وأرواح الْمُؤمنِينَ تنعم فِي الْجنَّة
وأرواح الْكفَّار تعذب فِي النَّار
وَولد الزِّنَا كَغَيْرِهِ يجازى بِعَمَلِهِ لَا ينْسبهُ وَإِنَّمَا يذم ولد الزِّنَا لمظنة أَن يعْمل خبيثا كَمَا هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ
وَأكْرم الْخلق عِنْد الله أَتْقَاهُم لله
وَأَوْلَاد الْمُشْركين فيهم عدَّة أَقْوَال أَصَحهَا جَوَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة الحَدِيث إِلَى قَوْله قيل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت من يَمُوت من أَطْفَال الْمُشْركين فَقَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين
يَعْنِي الله أعلم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ لَو عاشوا حَتَّى يبلغُوا الْحلم
وَقد روى أَنهم فِي الْقِيَامَة يبْعَث إِلَيْهِم رَسُول الله فَيظْهر فيهم مَا علم من الطَّاعَة والمصية
وَقد روى أَنهم يحبسن فِي عرصات الْقِيَامَة
وَقد دلّت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَن بَعضهم فِي الْجنَّة وَبَعْضهمْ فِي النَّار
وَلَيْسَ فِي الْجنَّة شمس وَلَا قمر وَلَا ليل وَلَا نَهَار وَلَكِن تعرف البكرة والعشية بأنوار تظهر من قبل الْعَرْش
(1/187)

قَاعِدَة
علم الله السَّابِق يُحِيط بالأشياء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر فَلَا محو فِيهِ وَلَا تَغْيِير وَلَا إِثْبَات وَلَا نقص وَلَا زِيَادَة
وَأما اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي لَا يطلع عَلَيْهِ غَيره فَهَل فِيهِ محو وَإِثْبَات على قَوْلَيْنِ
وَأما الصُّحُف الَّتِي بأيدي الْمَلَائِكَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيُؤْمَر بكتب رزقه وَعَمله وأجله وشقي أَو سعيد فَهَل يصل فِيهَا المحو وَالْإِثْبَات فَإِنَّهُ قد يقدر لَهُ من الْعُمر مُدَّة لم يعْمل شَيْئا يزِيد بِهِ على ذَلِك مِمَّا علمهمْ الله أَن يَفْعَله مثل أَن يصل رَحمَه فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من سره أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وينسأ لَهُ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه أَو غير ذَلِك من الْأَسْبَاب كَمَا روى التِّرْمِذِيّ إِن الله أرى آدم ابْنه دَاوُد فأعجبه فَسَأَلَ عَن عمر فَقَالَ أَرْبَعِينَ سنة فوهبه آدم من عمره سِتِّينَ سنة وَكتب عَلَيْهِ بذلك كتابا ثمَّ بعد ذلكك أنكر ونسى فَجحد فَجحدت ذُريَّته
فقد علم أَن الله قدر لَهُ أَرْبَعِينَ سنة بِلَا سَبَب وَعلم أَنه يحصل لَهُ سِتُّونَ بِسَبَب هبة أَبِيه لَهُ
وَقَوله تَعَالَى {أولم نُعَمِّركُمْ مَا يتَذَكَّر فِيهِ من تذكر} فَيكون المُرَاد طول الْأَعْمَار وقصرها
وَقَوله تَعَالَى {وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا} الْآيَة
(1/188)

تَشْمَل الْكَافِر فَلهُ مِنْهَا حق الْوَعيد وتشمل الْمُؤمن المرتكب الْكَبِيرَة فَلهُ نصيب من ضنك الْعَيْش بِقدر إعراضه عَن الذّكر
وَمذهب أهل السّنة أَن الشَّخْص الْوَاحِد تَجْتَمِع فِيهِ الْحَسَنَات والسيئات فَيسْتَحق الثَّوَاب وَالْعِقَاب جَمِيعًا
وَسَمَاع الْمَيِّت لقرع نعَالهمْ وَالسَّلَام عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا ثَبت أَن جنس الْأَمْوَات يسمعونه لَيْسَ ذَلِك مَخْصُوصًا بِقوم مُعينين بل هُوَ مُطلق
وَقَوله تَعَالَى {فَإنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى} المُرَاد السماع المعتاذ الَّذِي يتَضَمَّن الْقبُول وَالِانْتِفَاع كَمَا فِي حق الْكفَّار السماع النافع فِي قَوْله {وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} وَقَوله تَعَالَى {لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل}
فَإِذا كَانَ قد نفى عَن الْكَافِر السّمع مُطلقًا وَعلم أَنه إِنَّمَا نفى سمع الْقلب المتضمن للفهم وَالْقَبُول لَا مُجَرّد سَماع الْكَلَام فَكَذَلِك الْمُشبه بِهِ وَهُوَ الْمَيِّت
والْحَدِيث الَّذِي قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ إِن الْمَيِّت إِذا حمل قَالَ قدموني أَو يَقُول يَا وَيْلَهَا الحَدِيث
لَيْسَ هَذَا هُوَ الْكَلَام الْمُعْتَاد بتحريك اللِّسَان فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لسمعه كل أحد وَلكُل هُوَ أر بَاطِن آخر وَلَيْسَ هُوَ مُجَرّد الرّوح فَإِن الرّوح مُنْفَصِل عَن الْبدن فالنائم قد يسمع وَيتَكَلَّم وَذَلِكَ بِرُوحِهِ وبدنه الْبَاطِن بِحَيْثُ يظْهر أثر ذَلِك فِي بدنه حَتَّى إِنَّه قد يقوم ويصيح وَيَمْشي ويتنعم بدنه ويتعذب وَمَعَ ذَلِك فعيناه مغمضتان وغالبهم أَن لِسَانه لَا يَتَحَرَّك لَكِن إِذا قوي أَمر الْبَاطِن فقد ينْطَلق المسان الظَّاهِر حَتَّى يصوت بِهِ وَلَو نُودي من حَيْثُ الظَّاهِر لَا يسمع فَكَمَا أَن النَّائِم حَاله لَا تشبه حَال الْيَقظَان وَلَا أَحْوَاله مُخْتَصَّة بِالروحِ فالميت أبلغ من ذَلِك فَإِن مَعْرفَته بالأمور أكمل من النَّائِم
وإرداك الْإِنْسَان بعد مَوته لأمور الْآخِرَة أكمل من إِدْرَاك أهل الدُّنْيَا وَإِن
(1/189)

كَانَ قد تعرض للْمَيت حَال لَا يدْرك فِيهَا كَمَا قد يعرض ذَلِك للنائم وَقد روى من مَاتَ وَلم يوص لَا يَسْتَطِيع الْكَلَام
وأرواح الْمُؤمنِينَ وَإِن كَانَت فِي الْجنَّة فلهَا اتِّصَال بِالْبدنِ إِذا شَاءَ الله تَعَالَى من غير زمن طَوِيل كَمَا تنزل الْمَلَائِكَة فِي طرفَة عين
قَالَ مَالك رَحْمَة الله تَعَالَى بَلغنِي أَن الرّوح مُرْسلَة تذْهب حَيْثُ شَاءَت وَلِهَذَا روى أَنَّهَا على أفنية الْقُبُور وَأَنَّهَا فِي الْجنَّة والجميع حق
وَفِي الصِّحَاح أَنَّهَا ترد إِلَيْهِ بعد الْمَوْت وَيسْأل وَترد فَتكون مُتَّصِلَة بِالْبدنِ بِلَا ريب وَالله أعلم
وَقد استفاضت الْأَخْبَار بِمَعْرِِفَة الْمَيِّت بِحَال أَهله وَأَصْحَابه فِي الدُّنْيَا وَأَن ذَلِك يعرض عَلَيْهِ وَأَنه يرى ويدري بِمَا يفعل عِنْده وَيسر بِمَا كَانَ حسنا ويتألم بِمَا كَانَ قبيحا وَرُوِيَ أَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا بعد أَن دفن عمر رَضِي الله عَنهُ كَانَت تستتروتقول كَانَ أبي وَزَوْجي فَأَما عمر فأجنبي تَعْنِي أَنه يَرَاهَا
وروى أَن الْمَوْتَى يسْأَلُون الْمَيِّت عَن حَال أَهْليهمْ فيعرفهم أَحْوَالهم وَأَنه ولد لفُلَان ولد وَتَزَوَّجت فُلَانُهُ وَمَات فلَان فَمَا جَاءَ فَيَقُولُونَ رَاح إِلَى أمه الهاوية
مَسْأَلَة بِنَاء الْمَسَاجِد على الْقُبُور محرم بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة
وَلَو بنى على الْقَبْر مَسْجِد نهى عَنهُ أَيْضا بِاتِّفَاق الْعلمَاء
وَإِنَّمَا تنازعوا فِي تطيينه فَرخص فِيهِ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَكَرِهَهُ أَبُو حنيفَة كالتجصيص
وَبِنَاء القباب والمساجد على الْقُبُور مُحدث فِي الْإِسْلَام من قريب
وَكَذَلِكَ تَرْتِيب الْقِرَاءَة على الْقُبُور مُحدث
(1/190)

وَقد تنَازع الْعلمَاء فِيمَن أهْدى للْمَيت عبَادَة بِذَنبِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالْقِرَاءَة فمذهب أَحْمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا وُصُول ذَلِك
وَالْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ أَن ذَلِك لَا يصل
وَاتَّفَقُوا على وُصُول الْعِبَادَات الْمَالِيَّة كَالْعِتْقِ وَالْوَقْف على من يتَعَلَّم الْقُرْآن ويعلمه أَو الحَدِيث أَو الْعلم أَو نَحوه من الْأَعْمَال الْمَأْمُور بهَا فِي الشَّرِيعَة فَهَذَا أفضل من الْوَقْف على من يقْرَأ وَيهْدِي ثَوَابه لأي من كَانَ نَبِي أَو غَيره
وَلم يقل أحد إِن الْقِرَاءَة عِنْد الْقَبْر أفضل من غَيره
وكل من وقف وَقفا على شَيْء من أَعمال البركان لَهُ أجره وَلِلنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ وَسلم أجر ذَلِك كُله لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي علم الدّين وَسن للنَّاس وعلمهم جَمِيع الْخيرَات فَلهُ أجر من عمل بذلك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء فَإِنَّهُ هُوَ الدَّاعِي إِلَى كل خير وَهدى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
مَسْأَلَة الدّين الَّذِي بعث الله بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه هُوَ عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ فَإِذا كَانَ مَطْلُوب العَبْد من الْأُمُور الَّتِي لَا يقدر عَلَيْهَا إِلَّا الله مثل شِفَاء مريضه أَو وَفَاء دينه من غير جِهَة مُعينَة أَو عافيته مِمَّا بِهِ من بلَاء الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَو انتصاره على عدوه أَو هِدَايَة قلبه أَو غفران ذَنبه أَو دُخُوله الْجنَّة من النَّار أَو أَن يتَعَلَّم الْعلم وَالْقُرْآن أَو أَن يصلح قلبه وَيحسن خلقه وَذَلِكَ فَهَذَا لَا يجوز أَن يطْلب إِلَّا من الله تَعَالَى
وَلَا يجوز أَن يُقَال لملك وَلَا نَبِي وَلَا شيخ ميت أَو حَيّ اغْفِر لي ذَنْب
(1/191)

وَانْصُرْنِي على عدوي فَمن سَأَلَ مخلوقا شَيْئا من ذَلِك فَهُوَ مُشْرك بِهِ قد أَتَّخِذ لله ندا يجب أَن يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَهَذَا مثل دين النَّصَارَى
وَكَذَا قَوْله يَا سَيِّدي فلَان أَنا فِي حَسبك أَو فِي جيرتك فلَان يظلمني يَا شَيْخي فلَان انصرفي عَلَيْهِ
وَأما مَا يقدر عَلَيْهِ العَبْد فَيجوز أَن يطْلب مِنْهُ فِي بعض الْأَحْوَال دون بعض فَإِن مَسْأَلَة الْمَخْلُوق قد تكون جَائِزَة وَقد تكون مَنْهِيّا عَنْهَا وَمن ذَلِك قَوْله يَا فلَان ادْع الله لي اسْأَل الله لي كَذَا فَطلب الدُّعَاء مِمَّن هُوَ فَوْقه أَو دونه مَشْرُوع
وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من سَأَلَ الله لي الْوَسِيلَة حلت عَلَيْهِ شَفَاعَتِي وَذَلِكَ لأجل منفعَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِطَلَب الْوَسِيلَة لَهُ ومنفعتنا بالشفاعة
وَفرق بَين من يطْلب من غَيره الدُّعَاء لمنفعته مِنْهُ وَبَين من يسْأَل غَيره لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَقَط
وَفِي الصَّحِيح أَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذا أجد بِنَا نتوسل إِلَيْك نبيك فتسقينا وَإِنَّا نتوسل إِلَيْك بعم نَبينَا فاسقنا
وَأما زِيَارَة الْقُبُور الْمَشْرُوعَة فَهِيَ أَن يسلم على الْمَيِّت وَيَدْعُو لَهُ فَقَط كَالصَّلَاةِ على جنَازَته
فَلَيْسَ فِي الزِّيَارَة الْمَشْرُوعَة حَاجَة للحي إِلَى الْمَيِّت وَلَا توسل بِهِ بل فِيهَا مَنْفَعَة الْمَيِّت كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالله يرحم هَذَا ويثيبه على عمله وَيرْحَم هَذَا ويثيبه على دُعَائِهِ للْمَيت وتذكره الدَّار الْآخِرَة كَمَا علم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّحَابَة الزِّيَارَة وكما كَانَ هُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يزور
وَالْمَقْصُود أَن من يَأْتِي إِلَى الْقَبْر أَو إِلَى رجل صَالح ويستنجده فَهَذَا على ثَلَاث دَرَجَات
(1/192)

إِحْدَاهمَا أَن يسْأَل حَاجته مثل أَن يكون أَن يَقُول اغْفِر لي وَنَحْوه فَهَذَا شرك كَمَا تقدم
الثَّانِيَة أَن يطْلب مِنْهُ أَن يَدْعُو لَهُ لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْإِجَابَة فَهَذَا مَشْرُوع فِي الْحَيّ وَأما الْمَيِّت فَلم يشرع لنا أَن نقُول لَهُ ادْع لنا وَلَا اسْأَل لنا رَبك وَلم يفعل ذَلِك أحد من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا أَمر بِهِ أحد من الْأَئِمَّة وَلَا ورد فِيهِ حَدِيث بل فِي الصَّحِيح أَن عمر رَضِي الله عَنهُ استسقى بِالْعَبَّاسِ وَلم يَأْتِ قبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل كَانُوا إِذا جَاءُوا قَبره سلمُوا عَلَيْهِ فَإِذا دعوا استقبلوا الْقبْلَة ودعوا الله وَحده لَا شريك لَهُ كَمَا يَدعُونَهُ فِي سَائِر الْبِقَاع
وَقد ثَبت أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن إتْيَان قَبره واتخاذه عيدا ومسجدا فِي أَحَادِيث كَثِيرَة
وَلِهَذَا قَالَ الْعلمَاء إِنَّه لَا يجوز بِنَاء الْمَسَاجِد على الْقُبُور
وَلَا يجوز أَن ينذر للقبر وَلَا للمجاورين عِنْده شَيْء من الْأَشْيَاء لَا دَرَاهِم وَلَا زَيْت وَلَا شمع وَلَا حَيَوَان وَلَا غير ذَلِك
وَلم يقل أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين إِن الصَّلَاة عِنْد الْقُبُور عِنْد الْقُبُور وَفِي مشَاهد الْمَوْتَى مُسْتَحبَّة أَو فِيهَا فَضِيلَة وَلَا أَن الدُّعَاء وَالصَّلَاة أفضل عِنْد الْقُبُور مِنْهَا عِنْد غَيرهَا
بل اتَّفقُوا كلهم على أَن الصَّلَاة فِي الْمَسَاجِد والبيوت أفضل من الصَّلَاة عِنْد قُبُورهم الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ
وَقد شرع الله الصَّلَاة فِي الْمَسَاجِد دون الْمشَاهد
وَلِهَذَا اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن من زار قبرهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو غَيره
(1/193)

من أهل بَيته أَو غَيرهم أَنه لَا يتمسح بِهِ وَلَا يقبل مَا أقيم عَلَيْهِ من الانصاب وَلَا يُطَاف حوله بل لَيْسَ شَيْء يشرع تقبيله إِلَّا الْحجر الْأسود
وَقد ثَبت أَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ فِيك إِنَّك حجر لَا تضر وَلَا تَنْفَع
وَلَكِن تنَازع الْفُقَهَاء فِي وضع الْيَد على مِنْبَر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما كَانَ الْمِنْبَر مَوْجُودا فكرهه مَالك وَغَيره
وَأما التمسح بِقَبْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَتَقْبِيله فكلهم نهى عَنهُ أَشد النَّهْي
وَذَلِكَ أَنهم علمُوا مَا قَصده الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حسم مَادَّة الشّرك وَتَحْقِيق التَّوْحِيد لله وَحده
وَهَذَا مِمَّا يظْهر بِهِ الْفرق بَين سُؤال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَيَاته وَبعد مَوته وسؤال العَبْد الصَّالح فِي حَيَاته وَبعد مَوته وَذَلِكَ أَن أحدا فِي حَيَاته لَا يعبد لِأَنَّهُ لَا يُمكن أحدا من ذَلِك كَمَا قَالَ الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دَامَت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد
وَقَالَ نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن مَرْيَم فَإِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله وَكَذَا لما سجد لَهُ معَاذ رَضِي الله عَنهُ نَهَاهُ وَقَالَ إِنَّه لَا يصلح السُّجُود إِلَّا لله
وم كَانَ أحد أحب إِلَيْهِم من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا كَانُوا يقومُونَ لَهُ إِذا قدم عَلَيْهِم مَا يرَوْنَ من كَرَاهَته لذَلِك
فَهُوَ شَأْن أَنْبيَاء الله تَعَالَى وأوليائه وَإِنَّمَا يقر على الغلو فِيهِ وتعظيمه من يُرِيد الْعُلُوّ فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ كفرعون ومشائخ الضَّلَالَة الَّذين غرضهم الْعُلُوّ فِي الأَرْض
(1/194)

والفتنة بالأنبياء وَالصَّالِحِينَ واتخاذهم أَرْبَابًا والاشراك بهم فِي غيبتهما أقرب من الْفِتْنَة بالملوك ورؤساء الدُّنْيَا
فَظهر الْفرق بَين سُؤال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْعَبْد الصَّالح فِي حَيَاته بِحُضُورِهِ وَبَين سُؤَاله فِي ماته وغيبته
وَمن أعظم الشّرك أَن يستغيث الْإِنْسَان بِرَجُل ميت عِنْد المصائب فَيَقُول يَا سَيِّدي فلَان كَأَنَّهُ يطْلب مِنْهُ إِزَالَة ضَرَره أَو جلب نَفعه كَمَا هُوَ حَال النَّصَارَى فِي الْمَسِيح وَأمه وأجبارهم وَرُهْبَانهمْ
فَإِذا حصل هَذَا الشّرك نزلت عَلَيْهِم الشَّيَاطِين وأغوتهم وَرُبمَا خاطبتهم كَمَا كَانَت نَفْعل مَعَ أَصْحَاب الْأَصْنَام لَا سِيمَا عِنْد سَماع المكاء والتصدية فَإِن الشَّيَاطِين تتنزل عَلَيْهِم عِنْده وَقد يُصِيب أحدهم من الإرغاء والأزباء والصباح الْمُنكر وتكلمه بِمَا لَا يعقله هُوَ وَلَا الْحَاضِرُونَ وأمثال ذَلِك
وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ أَن يَقُول اللَّهُمَّ بجاه فلَان عنْدك أَو ببركة فلَان أَو بِحرْمَة فلَان عنْدك أفعل لي كَذَا وَكَذَا فَهَذَا يَفْعَله كثير من النَّاس لَكِن لم ينْقل عَن أحد من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا سلف الْأمة أَنهم كَانُوا يدعونَ بِمثل هَذَا الدُّعَاء
قَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى لم يبلغنِي عَن أحد من الْعلمَاء فِي ذَلِك مَا أحكيه إِلَّا مَا رَأَيْته فِي فتاوي الْعِزّ بن عبد السَّلَام فَإِنَّهُ أفتى أَنه لَا يجوز
(1/195)

لأحد أَن يفعل هَذَا إِلَّا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن صَحَّ الحَدِيث فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو معنى ذَلِك
وَذَلِكَ أَنه روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه علم بعض أَصْحَابه أَن يَدْعُو فَيَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك وأتوسل إِلَيْك بنبيك نَبِي الرَّحْمَة يَا مُحَمَّد يَا رَسُول الله إِنِّي أتوسل بك إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتي ليقضيها لي اللَّهُمَّ شُفْعَة فِي
فَهَذَا الحَدِيث اسْتدلَّ بِهِ طَائِفَة على التوسل بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَيَاته ومماته
وَلَيْسَ فِيهِ على فرض صِحَّته أَنه دَعَاهُ واستغاث بِهِ بل فِيهِ أَنه سَأَلَهُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث الْمَشْي إِلَى الصَّلَاة اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِحَق السَّائِلين بِحَق السَّائِلين وبحق ممشاي هَذَا فَالله قد جعل على نَفسه حَقًا فَقَالَ تَعَالَى وَكَانَ حَقًا نصر الْمُؤمنِينَ
وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث جَوَاز التوسل بِهِ فِي مماته وَلَا مغيبه بل إِنَّمَا فِيهِ التوسل بِهِ فِي حَيَاته بِحُضُورِهِ كَمَا استسقى عمر بِالْعَبَّاسِ لما مَاتَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّا كُنَّا نتوسل إِلَيْك نَبينَا وَذَلِكَ أَن التوسل بِهِ فِي حَيَاته هُوَ أَنهم كَانُوا يتوسلون بِهِ أَي يسألونه أَن يَدْعُو الله فيدعو لَهُم وَيدعونَ فيتوسلون بِشَفَاعَتِهِ ودعائه كَمَا سَأَلُوهُ أَن يستسقى لَهُم يَوْم الْجُمُعَة
وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ لما استسقى قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نتشفع إِلَيْك بخيارنا يزِيد بن الْأسود الجرشِي ارْفَعْ يَديك يَا يزِيد إِلَى الله فَرفع يَدَيْهِ ودعا ودعوا فسقوا
وَكَذَلِكَ قَالَ الْعلمَاء يسْتَحبّ أَن يستسقى بِأَهْل الصّلاح وَالدّين وَإِن كَانُوا من أهل بَيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أحسن
وَلم يذكر أحد من الْعلمَاء أَنه يشرع التوسل بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(1/196)

وَلَا بِالرجلِ الصَّالح بعد مَوته وَلَا فِي مغيبه وَلَا استحبوا ذَلِك فِي الأستسقاء وَلَا فِي الاستنصار وَلَا غير ذَلِك من الْأَدْعِيَة
وَالدُّعَاء مخ الْعِبَادَة وَالْعِبَادَة مبناها على السّنة والاتباع لَا على الْهوى والابتداع فَإِنَّمَا يعبد بالأهواء والبدع
وَأما وضع الرَّأْس عِنْد الكبراء من الشُّيُوخ أَو غَيرهم أَو تَقْبِيل الأَرْض أَو نَحْو ذَلِك فَهُوَ مِمَّا لَا نزاع بَين الْأَئِمَّة فِي النَّهْي عَنهُ بل مُجَرّد الانحناء بِالظّهْرِ لغير الله منهى عَنهُ
وَقَول الْقَائِل انْقَضتْ حَاجَتي ببركة فلَان فمنكر من القَوْل وزور لِأَن قَائِلا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا شَاءَ الله وشئت فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أجعلني الله ندا بل مَا شَاءَ وَحده
وَقَول الْقَائِل ببركة الشَّيْخ فقد يَعْنِي بِهِ معنى صَحِيحا مثل بركَة دُعَائِهِ أَو بركَة مَا أَمر بِهِ من الْخَيْر أَو بركَة اتِّبَاعه لَهُ على الْحق وطاعته لَهُ من طَاعَة الله أَو بركَة معاونته على الْحق وموالاته فِي الدّين وَنَحْو ذَلِك
وَقد يَعْنِي بِهِ معنى بَاطِلا مثل دُعَائِهِ الْمَيِّت وَالْغَائِب واستقلال الشَّيْخ بذلك تَأْثِيرا أَو فعله لَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا الله أَو مُتَابَعَته أَو مطاوعته على الْبدع والمنكرات وَنَحْو هَذِه الْمعَانِي الْبَاطِلَة
فَالَّذِي لَا ريب فِيهِ أَن الْعَمَل بِطَاعَة الله وَدعَاهُ الْمُؤمنِينَ بَعضهم لبَعض وَنَحْو ذَلِك هُوَ نَافِع فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَذَلِكَ بِفضل الله وَرَحمته
وَأما قَول الْقَائِل إِن الْغَوْث هُوَ القطب الْجَامِع فِي الْوُجُود وَتَفْسِير ذَلِك بِأَنَّهُ مدد الْخَلَائق فِي رزقهم ونصرتهم حَتَّى إِنَّه مدد الْمَلَائِكَة وَالْحِيتَان فِي الْبَحْر فهذ كفر بالِاتِّفَاقِ
وَكَذَلِكَ إِن عني بالغوث مَا يَقُوله بَعضهم إِن فِي الأَرْض ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر رجلا النجباء مِنْهُم سَبْعُونَ نفسا وَمِنْهُم أَرْبَعُونَ أبدالا وَمِنْهُم سَبْعَة
(1/197)

أقطاب وَمِنْهُم أَرْبَعَة أوتاد وَمِنْهُم وَاحِد غوث وَأَنه مُقيم بِمَكَّة وَأَن أهل الأَرْض إِذا نابهم نائبة ونصرهم فزعوا إِلَى الثلاثمائة والبضعة عشر وَأُولَئِكَ يفزعون إِلَى السّبْعين وَالسَّبْعُونَ إِلَى الْأَرْبَعين والأرعون إِلَى السَّبْعَة والسبعة إِلَى الْأَرْبَعَة وَالْأَرْبَعَة إِلَى الْوَاحِد وَبَعْضهمْ يزِيد فِي ذَلِك وَينْقص فِي الْأَعْدَاد والأسماء والمراتب فَإِن لَهُم فِي هَذَا الْبَاطِل مقالات حَتَّى يَقُول بَعضهم إِن رزقه ينزل من السَّمَاء باسم غوث الْوَقْت واسْمه خضر بِنَاء عَليّ قَول من يَقُول مِنْهُم إِن الْخضر مرتبَة وَإِن لكل زمَان خضرًا وَإِن لهمفي قَوْلَيْنِ فَهَذَا كُله بَاطِل لَا أصل لَهُ فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا قَالَه أحد من سلف الْأمة وَلَا أئمتها وَلَا من الشُّيُوخ الْكِبَار الْمُتَقَدِّمين الَّذين يصلحون للاقتداء بهم
وَمَعْلُوم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبا بكر وَعمر وعليا رَضِي الله عَنْهُم كَانُوا خير هَذِه الْخَلَائق فِي زمانهم وَكَانُوا بِالْمَدِينَةِ لم يَكُونُوا بِمَكَّة
وَمثل ذَلِك مَا يَقُوله الفلاسفة من الْعُقُول الْعشْرَة الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا الْمَلَائِكَة وَهُوَ مثل مَا يَقُوله النَّصَارَى فِي الْمَسِيح كل ذَلِك كفر بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة
وَقد روى بَعضهم حَدِيثا فِي أبي لؤلؤة غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَأَنه أحد السَّبْعَة وَهُوَ كذب بِاتِّفَاق أهل الْمعرفَة
وَقد يرْوى بعض هَذِه الْأَحَادِيث أَبُو معيم فِي الْحِلْية وَالشَّيْخ أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى فَلَا يغتر بشئ مِنْهَا
وَكَذَلِكَ يُقَال ثَلَاثَة مَالهَا أصل بَاب النَّصَارَى وغوث الصُّوفِيَّة ومتنظر الرافضة
وَالصَّوَاب أَن الْخضر مَاتَ فَإِنَّهُ لَو كَانَ مَوْجُودا فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لآمن بِهِ وجاهد مَعَه
(1/198)

ثمَّ لَيْسَ للْمُسلمين بِهِ حَاجَة فَإِنَّهُم أخذُوا دينهم عَن الْمَعْصُوم النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي علمهمْ الْكتاب وَالْحكمَة
ثمَّ كَيفَ يظْهر للْمُشْرِكين وَلَا يظْهر للسابقين الْمُوَحِّدين
وَكَيف يظْهر لقوم كفار يرفع سفينتهم وَلَا يظْهر لخير أمة أخرجت للنَّاس وَقد قَالَ نَبِيّهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو كَانَ مُوسَى حَيا مَا وَسعه إِلَّا آتباعي وَقَالَ لَو اتبعتموه وتركتموني لَو كَانَ حَيا للضللتم وَإِذا نزل عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام من السَّمَاء فانا يحكم بِملَّة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَعَامة مَا يحْكى عَن الْخضر إِمَّا كذب وَإِمَّا مبْنى على ظن مثل الَّذِي رأى شخصا فَقَالَ لَهُ إِنَّه الْخضر وَهَذَا مثل قَول الرافضة فِي المنتظر
ويروى عَن الإِمَام أَحْمد رَضِي الله عَنهُ أَنه ذكر لَهُ ذَلِك فَقَالَ من أحالك على غَائِب فَمَا أنصفك وَمَا لبس عَلَيْهِ الإ الشَّيْطَان
وَقد يُرَاد بالغوث أَنه أفضل أهل زَمَانه فَهَذَا مُمكن لَكِن قد يكون ذَلِك جمَاعَة وَقد يتساوون وَقد يتقاضلون من وَجه دون وَجه
وَبِكُل حَال فتسمية هَذَا غوثا أَو قطبا أَو جَامعا بِدعَة وضلالة مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان وَلَا يعلم بهَا أحد من السّلف وَمَا زَالَ السّلف يظنون فِي بعض النَّاس أَنه أفضل أهل زَمَانه وَلَا يطلقون هَذِه التَّسْمِيَة عَلَيْهِ
وَقَالَ بعض الْكِبَار المنتحلين لهَذَا إِن القطب ينْطق علمه من علم الله وَقدرته عَن قدرَة اله فَيعلم مَا يُعلمهُ الله وَيقدر على مَا يقدر عَلَيْهِ الله وَزعم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ كَذَلِك وانتقل ذَلِك عَنهُ إِلَى أبي الْحسن ثمَّ انْتقل إِلَى شَيْخه فَهَذَا كفر قَبِيح وَجَهل صَرِيح وَالله الْمُسْتَعَان
مَسْأَلَة الاعتداء فِي الدُّعَاء غير جَائِز منهى عَنهُ فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَهُوَ أَن يسْأَل الله منَازِل الْأَنْبِيَاء أَو أَكثر من ذَلِك من السُّؤَال الَّذِي لَا يصلح
(1/199)

والاعتداء فِي الطُّهْر عَنهُ وَهُوَ الزِّيَادَة على الْمَشْرُوع قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَيكون فِي هَذِه الْأمة قوم يَعْتَقِدُونَ فِي الطُّهْر وَالدُّعَاء
مَسْأَلَة عِيسَى بن مَرْيَم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى رَفعه الله تَعَالَى إِلَيْهِ بِرُوحِهِ وبدنه وَقَوله تَعَالَى {إِنِّي متوفيك} أَي قابضك وَكَذَلِكَ ثَبت أَنه ينزل على المنارة الْبَيْضَاء شَرْقي دمشق فَيقْتل الدَّجَّال وَيكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير وَيَضَع الْجِزْيَة حكما عدلا مقسطا
وَيُرَاد بالتوفي الِاسْتِيفَاء وَيُرَاد بِهِ الْمَوْت وَيُرَاد بِهِ النّوم وَيدل على كل وَاحِد الْقَرِينَة الَّتِي مَعَه
وَلَا يجوز ذبخ الضَّحَايَا وَلَا غَيرهَا فِي الْمَسْجِد وَلَا الدّفن فِيهِ وَلَا تَغْيِير الْوَقْف عَلَيْهِ لغير مصلحَة وَلَا الِاسْتِنْجَاء فِي الْمَسْجِد
وَفِي كَرَاهَة الْوضُوء فِيهِ نزاع إِلَّا أَن يحصل مَعَه بصاق أَو مخاط فِي الْمَسْجِد فَإِن البصاق فِيهِ خَطِيئَة وكفارتها دَفنهَا فَكيف بالمخاط
وَمن لم يأتمر بِمَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله وَلم ينْتَه عَمَّا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله بل يرد على من أمره بِالْمَعْرُوفِ أَو نَهَاهُ عَن الْمُنكر يُعَاقب الْعقُوبَة الشَّرْعِيَّة
وَلَا تغسل الْمَوْتَى فِي الْمَسْجِد وَلَا يحدث فِيهِ مَا يضر بالمصلين فَإِن أحدث أزيل وأعيد إِلَى الصّفة الأولى وَأصْلح مِنْهَا
مَسْأَلَة قَالَ أَبُو الْعَالِيَة سَأَلت أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا التَّوْبَة على الله للَّذين يعْملُونَ السوء بِجَهَالَة} فَقَالُوا اكل من عصى الله فَهُوَ جَاهِل وكل مَا تَابَ قبل الْمَوْت فقد تَابَ من قريب
وَأما كِتَابَة لَا إِلَه إِلَّا الله على الدَّرَاهِم فمحدث من خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان وَإِلَى الْآن وَكَانُوا يَكْتُبُونَ عَلَيْهَا نَحوا من ذَلِك
وَيجوز للمحدث مسكها وَإِذا كَانَت مَعَه فِي منديل أَو خريطة وشق عَلَيْهِ مسكها جَازَ أَن يدْخل بهَا بَيت الْخَلَاء
(1/200)

وَلم يضْرب الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أَصْحَابه دَرَاهِم وَإِنَّمَا حدث ضربهَا فِي خلَافَة عبد الْملك كَمَا تقدم
وَمَرْيَم بنت عمرَان وآسيا زَوْجَة فِرْعَوْن من أفضل النِّسَاء
والفواضل من هَذِه الْأمة كخديجة وَعَائِشَة وَفَاطِمَة رَضِي الله عَنْهُن أفضل مِنْهَا كَمَا أَن المفضلين من رجال هَذِه الْأمة أفضل من فضلاء رجال غَيرهَا
فَإِن الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة الْمُسلمين وَحكى الْإِجْمَاع عَلَيْهِ غير وَاحِد أَنَّهُمَا ليستا نبيتين وَإِنَّمَا غايتهما الصديقية كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن
وصديقوا هَذِه الْأمة رجالها ونساؤها أفضل من صديق غَيرهَا
وَأما الْأَبْكَار فَالله يزوجهن فِي الْجنَّة
وَمَا أعلم صِحَة ذَلِك وَالله أعلم
وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَن من لم يُؤمن بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد بُلُوغ رسَالَته إِلَيْهِ أَنه كَافِر مخلد فِي النَّار وَمن ارتاب فِي ذَلِك فَهُوَ كَافِر يجب قَتله كَمَا استتاب عمر وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا طَائِفَة جهلت حُرْمَة الْخمر فضلت أَنَّهَا تُبَاح للصالحين دون غَيرهم وَاتفقَ الصَّحَابَة على أَن هَؤُلَاءِ إِن أصروا قتلوا
مَسْأَلَة نقل عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يَوْم يكْشف عَن سَاق} أَنه قَالَ عَن شدَّة
وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سعيد رَضِي الله عَنهُ فِي حَدِيثه الطَّوِيل الَّذِي فِيهِ تجلي الله تَعَالَى لعبادة يَوْم الْقِيَامَة وَأَنه يحتجب ثمَّ يتجلى قَالَ فَيكْشف عَن سَاقه فينطرون إِلَيْهِ
وَالَّذِي فِي الْقُرْآن سَاق لَيست مُضَافَة فَلهَذَا وَقع النزاع هَل هُوَ من الصِّفَات أم لَا
قَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَلَا أعلم خلافًا عَن الصَّحَابَة فِي شَيْء
(1/201)

مِمَّا يعد من الصِّفَات الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن إِلَّا هَذِه الْآيَة لعدم الْإِضَافَة فِيهَا وَالَّذِي يَجْعَلهَا من الصِّفَات يَقُول فِيهَا كَقَوْلِه فِي قَوْله تَعَالَى {لما خلقت بيَدي} وَقَوله تَعَالَى {وَيبقى وَجه رَبك} وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ مَعَ الصِّفَات تثبت وَيجب تَنْزِيه الرب تَعَالَى عَن التَّمْثِيل لِأَنَّهُ لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير
وَمن نبش قُبُور الْمُسلمين عُدْوانًا عُوقِبَ بِمَا يردعه وَأَمْثَاله عَن ذَلِك وَكَذَا من خرب مَسْجِدهمْ فَعَلَيهِ إِعَادَته من مَاله
مَسْأَلَة خرج مُسلم عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَت سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن قَوْله تَعَالَى {يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات وبرزوا لله الْوَاحِد القهار} فَأَيْنَ يكون النَّاس يَوْمئِذٍ قَالَ على الصِّرَاط
فالأرض تبدل كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّاس يحشرون على أَرض بَيْضَاء عفراء كقرصة النقى لَيْسَ فِيهَا علم لأحد
قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ هِيَ أَرض بَيْضَاء كَهَيئَةِ الْفضة لم يعْمل عَلَيْهَا خَطِيئَة وَلَا سفك فِيهَا دم حرَام وَيجمع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد ينفذهم الْبَصَر وَيسْمعهُمْ الدَّاعِي حُفَاة عُرَاة غرلًا كَمَا خلقُوا فَيَأْخُذ النَّاس من كرب ذَلِك الْيَوْم وشدته حَتَّى يلجمهم الْعرق
وَبَعْضهمْ يرفعهُ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَكَذَا هُوَ مُجَاهِد وَغَيره من السّلف
فَهَذَا الحَدِيث وَسَائِر الْآثَار تبين أَن النَّاس يحشرون على الأَرْض المبتلة وَالْقُرْآن يُوَافق على ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى {يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات وبرزوا لله الْوَاحِد القهار}
وحشرهم وحسابهم يكون قبل الصِّرَاط فَإِن الصِّرَاط عَلَيْهِ ينجون إِلَى الْجنَّة وَيسْقط أهل النَّار فِيهَا كَمَا ثَبت فِي الْأَحَادِيث
(1/202)

وَحَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا الْمُتَقَدّم يدل على أَن التبديل وهم على الصِّرَاط لَكِن البُخَارِيّ لم يُورِدهُ فَلَعَلَّهُ تَركه لهَذِهِ الْعلَّة وَغَيرهَا فَإِن سدنه جيد
أَو يُقَال تبدل الأَرْض قبل الصِّرَاط وعَلى الصِّرَاط تبدل السَّمَوَات
وَأما قَوْله {يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب} فالطي غير التبديل
وَقَالَ تَعَالَى {وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ}
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه يطوى السَّمَوَات ثمَّ يأخذهن بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُول أَنا الْملك أَنا الْجَبَّار أَيْن الجبارون أَيْن المتكبرون وَفِي لفظ يَأْخُذ الجهار سمواته وأرضه بِيَدِهِ وَهُوَ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة
فطى السَّمَوَات لَا يُنَافِي أَن يكون الْخلق فِي موضعهم وَلَيْسَ فِي شَيْء من الحَدِيث أَنهم يكونُونَ عِنْد الطي على الجسر كَمَا روى ذَلِك وَقت تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَإِن كَانَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَة مَا فِيهَا
وَالَّذِي لَا ريب فِيهِ أَنه لَا بُد من تبديلها وطيبها
وَمذهب سلف الْأمة إِثْبَات الصِّفَات لله كَمَا جَاءَت إِثْبَاتًا بِلَا تَمْثِيل وتنزيها بِلَا تَعْطِيل
وَفِي يَوْم الْقِيَامَة تبدل الْجُلُود فِي النَّار كَمَا أخبر سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ
فَقيل إِنَّه تغير الْجُلُود فِي الصِّفَات لَا فِي الذوات فَكلما تَغَيَّرت الصِّفَات صَار هَذَا غير هَذَا وَإِن كَانَ الأَصْل وَاحِدًا وَهَذَا كَمَا تمد الأَرْض وَتَكون السَّمَاء كَالْمهْلِ وكما يُعَاد خلق الانسان وَيبقى طوله سِتُّونَ ذِرَاعا
(1/203)

قَاعِدَة
الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن النَّار لَا يخلد فِيهَا أحد من أهل الْإِيمَان والتوحيد كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الْأَحَادِيث إِنَّه يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَنَحْوه
وَلَكِن لَا بُد أَن يدْخل النَّار عصاة أهل التَّوْحِيد بِذُنُوبِهِمْ ويعاقبون على مِقْدَار ذنوبهم ثمَّ يخرجُون بشفاعة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيره
وَأما أهل الْبدع فَلهم أَقْوَال مضطربة بَاطِلَة
فجمهور الْمُعْتَزلَة والخوارج يَقُولُونَ من دخل النَّار خلد فِيهَا وَآخَرُونَ من المرجئة يَقُولُونَ إِنَّا لَا نقطع لمُعين
فَأُولَئِك اعتقدوا أَن الْإِيمَان مَتى ذهب بعضه ذهب جَمِيعه
قَالُوا وَالْفَاسِق قد نقص إيمَانه وَالْحق مَا عَلَيْهِ السّلف
وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن الحَدِيث إِنَّمَا سلبه كَمَال الْإِيمَان الْوَاجِب وَحَقِيقَته الَّتِي بهَا يسْتَحق الْجنَّة والنجاة من النَّار
وَكَذَلِكَ قَوْله من غَشنَا لَيْسَ منا وَشبهه
وَمَا ورد من نُصُوص الْوَعيد الْمُطلقَة كَقَوْلِه تَعَالَى {فَسَوف نصليه نَارا} فَهُوَ مُبين ومفسر بِمَا فِي الْكتاب وَالسّنة من النُّصُوص المبينة لذَلِك الْمقيدَة لَهُ
وَكَذَلِكَ مَا ورد من نُصُوص الْوَعْد الْمُطلقَة
وَكَذَلِكَ بَين أَن الْحَسَنَات تمحو السَّيِّئَات والخطايا تكفر بالمصائب وَغَيرهَا من الْعَمَل الصَّالح من غَيره كالدعاء لَهُ وَالصَّدَََقَة عَنهُ وَالصِّيَام وَالْحج عَنهُ
فَقَوله لَا يدْخل النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان نفي بِهِ الدُّخُول الْمُطلق الَّذِي توعد بِهِ فِي الْقُرْآن توعدا مُطلقًا وَهُوَ دُخُول الخلود فِيهَا وَأَنه
(1/204)

لَا يخرج مِنْهَا بشفاعة وَلَا غَيرهَا مثل قَوْله {لَا يصلاها إِلَّا الأشقى} وَقَوله تَعَالَى {سيدخلون جَهَنَّم داخرين}
فَيُقَال إِن من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان يمْنَع من هَذَا الدُّخُول الْمَعْرُوف لَا أَنه لَا يصبهُ شَيْء من عَذَاب النَّار لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَقُول الله تَعَالَى أخرجُوا من النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان وَقَالَ وَأما أهل النَّار الَّذين هم أَهلهَا فَإِنَّهُم لَا يموتون فِيهَا وَلَا يحيون وَلَكِن نَاس أَصَابَتْهُم بِذُنُوبِهِمْ فأماتتهم إمانة حَتَّى إِذا كَانَ حما أذن فِي الشَّفَاعَة فَخَرجُوا ضبائر ضبائر فينبتون على نهر الْجنَّة
وَكَذَلِكَ قَوْله لَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبة مِثْقَال ذرة من كبر نفي الدُّخُول الْمُطلق الْمَعْرُوف وَهُوَ دُخُول الْمُؤمنِينَ الَّذين أعدت لَهُم الْجنَّة كَقَوْلِه تَعَالَى {وسيق الَّذين اتَّقوا رَبهم إِلَى الْجنَّة زمرا حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا} الْآيَة وَقَوله {يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ بِمَا غفر لي رَبِّي وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين} وأمثال ذَلِك مِمَّا يُطلق فِيهِ الدُّخُول وَالْمرَاد الدُّخُول ابْتِدَاء من غير سبق عَذَاب فِي النَّار بِحَيْثُ لَا يفهم من ذَلِك يُعَذبُونَ فَهَذَا الدُّخُول لَا يَنَالهُ من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر
وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْأَحَادِيث مُبين فِيهَا سَبَب دُخُوله الْجنَّة من الْعَمَل الصَّالح وَسبب دُخُول النَّار كالكبر
فَإِن وجد فِي العَبْد أحد السببين فَقَط فَهُوَ من أَهله وَإِن وجدا فِيهِ مَعًا ستحق الْجنَّة وَالنَّار
وَمن مَعَه كبر وايمان يسْتَحق النَّار فيعذب فِيهَا حَتَّى يَزُول الْكبر من قلبه وَحِينَئِذٍ يدْخل الْجنَّة وَلم يبْق فِي قلبه كبر وَلَا مِثْقَال ذرة مِنْهُ كَمَا أَنه لَو تَابَ مِنْهُ لم يكن من أَهله
وَكَذَا إِذا عذب بِذَنبِهِ فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَة لم يكن حِينَئِذٍ من أَهله
(1/205)

فَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مُؤمنَة حق إِذا أُرِيد بِهِ الدُّخُول الْمُطلق الْكَامِل أُرِيد بالمومن الْكَامِل الْمُطلق وَإِذا أُرِيد بِالدُّخُولِ مُطلق الدُّخُول فقد يتَنَاوَل الدُّخُول بعد الْعَذَاب فَإِنَّهُ يُرَاد بِهِ مُطلق الْمُؤمن حَتَّى يتَنَاوَل الْفَاسِق الَّذِي فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان فَإِن هَذَا يدْخل ي مُطلق المومن كَقَوْلِه تَعَالَى {فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة}
وَلَا يدْخل فِي الْمُؤمن الْمُطلق كَقَوْلِه تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا} الْآيَة
وَمثل هَذَا كثير فِي الْكتاب وَالسّنة ينتفى الِاسْم عَن الْمُسَمّى تَارَة لنفي حَقِيقَته وكماله وَيثبت لَهُ تَارَة لوُجُود أَصله وَبَعضه حَتَّى يُقَال للْعَالم الْقَاصِر والصانع الْقَاصِر هَذَا عَالم وَهَذَا صانع بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَا يعلم وَإِلَى من لَا يصنع وَيُقَال هَذَا لَيْسَ بعالم وَلَا صانع لوُجُود نَقصه وتقصيره وَيُقَال للكامل هُوَ الْعَالم والصانع وَهَذَا هُوَ الشجاع وَأَمْثَاله كثير من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات كالمؤمن وَالْكَافِر وَالْفَاسِق وَالْمُنَافِق وَالله أعلم
وورود حَوْض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل الصِّرَاط فَيردهُ قوم ويذاد عَنهُ آخَرُونَ وَقد بدلُوا وغيرو وَالله أعلم
وَلَا ريب أَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده إِنَّمَا كَانَ أَرَادَ أَن يكْتب لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ الْعَهْد بالخلافة بعده كَمَا فسر ذَلِك فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنهُ يَوْم الْخَمِيس قَالَ لَهَا ادعِي لَهَا أَبَاك وأخاك أكتب لأبي بكر كتابا لَا يخْتَلف النَّاس بعدِي ثمَّ أعلم أَن الله يَأْبَى ذَلِك والمؤمنون إِلَّا أَبَا بكر وَذَلِكَ لما أَنه كَانَ نصب لَهُم من الْعَلامَة على خِلَافَته من الصَّلَاة بِالنَّاسِ إِمَامًا وسد خوخة غَيره وإخباره بحبه أَكثر من غَيره وَغير ذَلِك من العلامات ثمَّ قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ نسخ الله كِتَابه ذَلِك عَن
(1/206)

النَّاس وَإِلَّا فَلَمَّا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتْرك حكم الله وَلَا يبلغهُ لقَوْل عمر
وَقَول ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أريناك إِلَّا فتْنَة للنَّاس} المُرَاد بِهِ فِي حق من شكّ فِي خلَافَة أبي بكر وَصدق ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فَإِنَّهَا رُؤْيا حق من شَاءَ الله فتْنَة
وَأما من أَرَادَ الله هداه فَذَلِك خير لمزيد اجْتِهَاده وموافقته الْحق
وَالله يبتلى بِمَا يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم

فصل
مَا يذكر عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَنه لما مَاتَ ركب فَوق نَاقَة أَو دَابَّة وسيبت وَدفن حَيْثُ يتبرك بِهِ وَأَنه أوصى بذلك وَفعل بِهِ فَهَذَا كذب مختلق بِاتِّفَاق أهل الْعلم لم يوص على شَيْء من ذَلِك وَلَا فعل بِهِ شَيْء من ذَلِك وَلَا يحل أَن يفعل هَذَا بِأحد من موتى عوام الْمُسلمين فضلا عَن عَليّ وَلَا يحل لأحد أَن يُوصي بذلك وَهَذَا مثله بِالْمَيتِ
وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي مَوضِع قَبره وَالْمَعْرُوف أَنه دفن بقصر الْإِمَارَة بِالْكُوفَةِ وعمى قَبره لِئَلَّا تنبشه الْخَوَارِج الدّين كَانُوا يكفرونه ويستحلون قَتله فَإِن الَّذِي قَتله هُوَ عبد الرَّحْمَن بن ملجم الرادى أَحْمد الْخَوَارِج وَكَانَ قد تعاهد هُوَ وآخران على قتل على وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنْهُم فَإِنَّهُم كَانُوا يكفرون هَؤُلَاءِ كلهم وكل من لم يوافقهم على أهوائهم وَقد تَوَاتَرَتْ النُّصُوص على قَتلهمْ رَوَاهَا مُسلم وَالْبُخَارِيّ من عشرَة أوجه وَاتفقَ الصَّحَابَة على قِتَالهمْ لَكِن الَّذِي بَاشر قَتلهمْ وَأمر بِهِ على رَضِي الله عَنهُ كَمَا ثَبت ذَلِك فِي
(1/207)

الصَّحِيحَيْنِ وَكَانُوا اجْتَمعُوا فِي حروراء فَلذَلِك قيل لَهُم الْخَوَارِج والحرورية
وَمُعَاوِيَة أَرَادَ الآخر فجرحه فَاتخذ الْمَقْصُورَة
وَأما الَّذِي أَرَادَ قتل عَمْرو بن الْعَاصِ فَذهب إِلَى عَمْرو وانتظره فِي صَلَاة فَكَانَ عَمْرو قد اسْتخْلف ذَلِك الْيَوْم خَارِجَة فَظن الْخَارِجِي أَنه عَمْرو فَقتله فَلَمَّا تبين لَهُ قَالَ أردْت عمرا وَأَرَادَ الله خَارجه وَصَارَت مثلا
فَكَتَمُوهُ قبر على رَضِي الله عَنهُ لذَلِك
وقبر مُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ كَذَلِك بقصر الامارة خوفًا عَلَيْهِم من الْخَوَارِج ودفنوا مُعَاوِيَة دَاخل الْحَائِط القبلى من جَامع دمشق فِي قصر الْإِمَارَة الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ الخضراء وَهُوَ الَّذِي تسميه الْعَامَّة قبر هود وَهود عَلَيْهِ السَّلَام لم يَجِيء إِلَى دمشق بل قَبره بِبِلَاد الْيمن وَقبل بِمَكَّة
وَأما المشهد الَّذِي بالنجف فَأهل الْمعرفَة مثقفون على أَنه لَيْسَ قبر عَليّ بل قيل إِنَّه قبر الْمُغيرَة بن شُعْبَة
وَإِنَّمَا قيل إِنَّه قبر عَليّ بعد وَفَاته بِأَكْثَرَ من ثَلَاثمِائَة سنة
وَأما أهل الْبَيْت وإركابهم على الْإِبِل حِين سيبوا بعد وقْعَة كربلا وَأَن الله خلق لَهَا سنامان هِيَ البخاتي فَهَذَا أَيْضا من أقبح الْكَذِب وأبينه وَهُوَ مِمَّا افتراه الزَّنَادِقَة المُنَافِقُونَ الَّذِي مقصودهم الطعْن فِي الْإِسْلَام
وَهَذَا مثل كذبهمْ فِي أَن عليا رَضِي الله عَنهُ نصب يَده حَتَّى مر عَلَيْهَا الْجَيْش بِخَيْبَر فواطئته البغلة فَقَالَ لَهَا قطع الله نسلك
(1/208)

فَإِن كل عَاقل يعلم أَن البغلة لم يكن لَهَا نسل مُنْذُ خلقهَا الله مَعَ أَنهم لم يكن مَعَهم بِخَيْبَر بِغَلَبَة
وَأما الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ وَلعن من قَتله وَمن رضى بقتْله فالشمر حض على قَتله وسعى فِيهِ إِلَى نَائِب السلطنة على الْعرَاق عبيد الله بن زِيَاد فَأمر نَائِبه عمر بن سعد بن أبي وَقاص بقتاله فقاتلوه وقتلوه ظلما ثمَّ حملُوا ثقله وَأَهله إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة بِدِمَشْق وَلم يكن أَمر بقتْله وَلَا ظهر مِنْهُ سرُور بذلك بل قَالَ كلَاما فِيهِ ذمّ لمن قَتله
قيل إِنَّه قَالَ لقد كنت أرْضى من طَاعَة أهل الْعرَاق بِدُونِ ذَلِك وَقَالَ لعن الله ابْن رَيْحَانَة عني عبد الله بن زِيَاد أما وَالله لَو كَانَ بَينه وَبَين الْحُسَيْن رحم لما قَتله
يعرض بالطعن فِي نسبه لِأَنَّهُ كَانَ ينْسب إِلَى أبي سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة وَبَنُو أُميَّة وَبَنُو هَاشم هما بَنو عبد منَاف
وروى أَنه لما قدم عَلَيْهِ بِأَهْل الْحُسَيْن ظهر من دَاره الْبكاء والصراخ لَكِن مَعَ ذَلِك لم يقم حق الله من قَتله وَلَا اقْتصّ لَهُ بل قَتله أعوانه لإدامة ملكه
وَقد نقل عَنهُ أَنه كَانَ يتَمَثَّل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ ... لما بَدَت تِلْكَ الحمول ... تِلْكَ الرؤس على ربى جيرون ... نعق الْغُرَاب فَقلت نح أَو لَا تَنَح فقد قصيت على النَّبِي ديوني ... وَهَذَا الشّعْر كفر وَمن النَّاس من يكفره وهم الرافضة حَتَّى يكفرون أَبَاهُ وَأَبا بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله عَنْهُم
وَمِنْهُم من يَجعله من أَئِمَّة الْهدى وَالْعدْل حَتَّى جعله بَعضهم نَبيا وَبَعْضهمْ صحابيا وَهَذَا كُله من أبين الْجَهْل والضلال
(1/209)

بل الْحق فِيهِ أَنه كَانَ ملكا من مُلُوك الْمُسلمين لَهُ حَسَنَات وَله سيئات
وَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي أَمْثَاله من الْمُلُوك لَا نحبه وَلَا نسبه
وَهُوَ أول من غزا قسطنطينية وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أول جَيش يغزوها يغْفر لَهُم
وَفعل من أهل الْمَدِينَة مَا فعل وَقد توعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قتل فِيهَا قَتِيلا ولعنه
وَأما رَأس الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ فَإِن الْحُسَيْن قتل بكربلاء قَرِيبا من الْفُرَات وَدفن جسده حَيْثُ قتل وَحمل رَأسه إِلَى قُدَّام عبيد الله بن زِيَاد بِالْكُوفَةِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَأما حَملَة إِلَى الشَّام فَلم يثبت وَإِن كَانَ قد رُوِيَ
وَأما حمله إِلَى مصر فَالْعُلَمَاء متفقون على أَنه كذب
والمشهد الَّذِي بِمصْر بِالْقَاهِرَةِ بَاطِل لَيْسَ فِيهِ رَأس الْحُسَيْن وَلَا شَيْء مِنْهُ وَإِنَّمَا أحدث فِي دولة بني عبيد القداح فِي أثْنَاء الْمِائَة الْخَامِسَة نقل هَذَا المشهد الصَّالح بن رزيك من عسقلان وعقيب ذَلِك انقرضت دولة العبيدين الَّذين ابتدعوه على يَد صَلَاح الدّين الأيوبي
وَالَّذِي رَجحه أهل الْعلم أَن رَأس الْحُسَيْن حمل إِلَى الْمَدِينَة المنورة وَدفن بهَا وَهَذَا مقارب
وَمَا ذكر أَنه بعسقلان فَأبْطل الْبَاطِل لَا نقبله بل قد أحدث بعد السّبْعين والأربعمائة فَهُوَ يحدث بعد قتل الْحُسَيْن بِأَكْثَرَ من أَرْبَعمِائَة وَثَلَاثِينَ سنة ثمَّ زَعَمُوا أَنه نقل بعد ذَلِك إِلَى الْقَاهِرَة
وَكَذَلِكَ أحدث قبر نوح بِالْبَقَاءِ فِي أثْنَاء الْمِائَة السَّابِعَة
وَكَذَلِكَ مشْهد أبي بن كَعْب بِدِمَشْق كذب بالِاتِّفَاقِ
وَلم يثبت سوى قبر نَبينَا وَفِي الْخَلِيل نظر صلى الله عَلَيْهَا وَسلم
(1/210)

فصل
قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الطرقات وَفِي الْأَسْوَاق منهى عَنْهَا لِأَنَّهُ للتأكل بِالْقُرْآنِ وَفِيه ابتذال الْقُرْآن وَلَا يصغى اليه أحد
وَأما قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ فقد أشكل على كثير
فطائفة ظنت إِنَّه غير صَحِيح كعائشة وَالشَّافِعِيّ
وَمن النَّاس من يتأوله على مَا أوصى بِهِ الْمَيِّت قبل مَوته
وَمِنْهُم من يتأوله على مَا إِذا لم ينْه عَنهُ فِي حَيَاته مَعَ اعتياده لَهُ
وَهَؤُلَاء ظنُّوا أَن الْعَذَاب لَا يكون إِلَّا على ذَنْب فاحتاجوا أَن يجْعَلُوا للْمَيت ذَنبا يسْتَحق عَلَيْهِ الْعَذَاب وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل الْعَذَاب يكون على ذَنْب وَقد لَا يكون قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم السّفر قِطْعَة من الْعَذَاب وَهُوَ لم يقل إِنَّه يُعَاقب بل قَالَ يعذب وَالْمعْنَى يتألم بالاعتداء كَمَا قد يتألم الْحَيّ بشم الرَّائِحَة الكريهة فَلهَذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للنِّسَاء ارْجِعْنَ مَأْزُورَات إنكن تؤذين الْمَيِّت وَقَالَ مامن ميت يَمُوت فَيَقُول قَائِلهمْ واجبلاه وَنَحْوه إِلَّا وكل بِهِ ملكان يلهزانه أهكذا أَنْت
فَيكون قَوْله يعذب أَي يتألم ويتأذى وَهَذَا لَا ريب فِيهِ كَمَا ثَبت خُصُوصا إِذا علم أَنه يسمع ويبصر وَيدْرك عِنْده
(1/211)

فصل فِي الرّوح
روح الْإِنْسَان مخلوقة بِاتِّفَاق سلف الْأمة وأئمتها حكى الْإِجْمَاع على ذَلِك غير وَاحِد مثل مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي الإِمَام الَّذِي هُوَ أعلم أهل زَمَانه بِالْإِجْمَاع وَالِاخْتِلَاف وَأبي مُحَمَّد بن قُتَيْبَة
وَالَّذين قَالُوا إِنَّهَا لَيست مخلوقة هم الزَّنَادِقَة وَالنَّصَارَى فِي عِيسَى فَقَط والقائلون بقدمها صنفان
أَحدهمَا من الصابئة والفلاسفة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ هِيَ قديمَة أزلية لَكِن لَيست من ذَات الله كَمَا يَقُولُونَ ذَلِك فِي الْعُقُول والنفوس الفلكية
وَزعم من دخل مَعَهم من أهل الْملَل أَنَّهَا هِيَ الْمَلَائِكَة
وصنف من زنادقة هَذِه الْأمة من المتصرفة والمتكلمة والمتحدثة يَزْعمُونَ أَنَّهَا من ذَات الله هَؤُلَاءِ شَرّ من أُولَئِكَ فَإِنَّهُم جعلُوا الآدمى نِصْفَيْنِ نصف لَا هوت وَهُوَ روحه وَنصف ناسوت وَهُوَ جسده نصف رب وَنصف عبد وَقد كفر الله النَّصَارَى بِنَحْوِ من هَذَا القَوْل الَّذِي قَالُوهُ فِي الْمَسِيح فَقَط فَكيف بِمن يزْعم ذَلِك لكل النَّاس حَتَّى فِي فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون
وَالنَّاس فِي روح الأدمِيّ على طرفى نقيض فكثير من المتكلمة يَجْعَلهَا جَزَاء من هَذَا الْبدن أوصفة من صِفَاته وَهَذَا خطأ بل روح أَمر غير الْبدن وأبعاضة وَصِفَاته وَلِهَذَا تكون بَاقِيَة بعد مُفَارقَة الْبدن
وَكثير من المتفلسفة يبالغون فِي عدم تحيزها ووصفها بِالصِّفَاتِ السلبية حَتَّى يَقُولُونَ لَيست دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا متحركة وَلَا سَاكِنة وَلَا تخْتَص بمَكَان دون مَكَان كَمَا يَقُولُونَ فِي وَاجِب الْوُجُود
وَهَذَا القَوْل أَيْضا ضلال وباطل
(1/212)

هَل يكون العَبْد قَادِرًا على غير الْفِعْل الَّذِي فعله الَّذِي سبق الْعلم بِهِ من الله تَعَالَى
هَذَا مِمَّا تنَازع فِيهِ النَّاس كَمَا تنازعوا فِي أَن الِاسْتِطَاعَة هَل تكون مُقَارنَة للْفِعْل أَو يجب أَن تتقدمه
فَمن قَالَ إِن الِاسْتِطَاعَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل يَقُول إِن العَبْد لَا يَسْتَطِيع غير مَا فعله وَهُوَ مَا تقدم بِهِ الْعلم وَالْكتاب
وَمن قَالَ إِن الِاسْتِطَاعَة قد تقدم الْفِعْل وَقد تُوجد بِدُونِ الْفِعْل فَإِنَّهُ يَقُول إِنَّه سَيكون مستطيعا لما يَفْعَله وَلما علم وَكتب أَنه لَا يَفْعَله
وَفصل الْخطاب أَن الِاسْتِطَاعَة فِي الْكتاب وَالسّنة نَوْعَانِ
أَحدهمَا الِاسْتِطَاعَة المصححة للْفِعْل وَهِي متناوله لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي لقَوْله تَعَالَى
(1/213)

{وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} وَقَوله تَعَالَى {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم}
(1/214)

فَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَة مُقَدّمَة على الْفِعْل لِأَنَّهَا لَو كَانَت لاتوجد إِلَّا مَعَ الْفِعْل لوَجَبَ أَلا يجب الْحَج إِلَّا على من حج
(1/215)

وَأما الِاسْتِطَاعَة الَّتِي يكون مَعهَا الْفِعْل فقد يُقَال هِيَ المقرونة بِالْفِعْلِ الْمُوجبَة لَهُ
(1/216)

وَهَذَا النَّوْع الثَّانِي نَحْو قَوْله تَعَالَى {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السّمع وَمَا كَانُوا يبصرون}
(1/217)

فَإِن الِاسْتِطَاعَة الْمَشْرُوطَة فِي الْأَمر وَالنَّهْي الَّتِي هِيَ منَاط التَّكْلِيف كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم}
لَكِن قد يُقَال إِن الِاسْتِطَاعَة هُنَا كالاستطاعة المنفية فِي قَول الْخضر
(1/218)

لمُوسَى عَلَيْهِم السَّلَام {إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا} فَإِن هَذِه لَو أُرِيد بهَا مُجَرّد الْمُقَارنَة فِي الْفَاعِل والتارك لم يكن هُنَاكَ فرق بَين الْمُجْرمين والمؤنين وَلَا
(1/219)

بَين مُوسَى وَالْخضر فَإِن كل وَاحِد فعل أَو لم يفعل لَا تكون الِاسْتِطَاعَة الْمُقَارنَة مَوْجُودَة قبل فعله
(1/220)

وَالْقُرْآن يدل على أَن هَذِه الِاسْتِطَاعَة إِنَّمَا نفيت عَن التارك لَا عَن الْفَاعِل فَعلم أَنَّهَا تقوم بِالْعَبدِ من الْوَاقِع الَّتِي تصدر عَن إِرَادَة الْفِعْل وَعَمله بِكُل حَال
(1/221)

فَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَة منتفية فِي حق من كتب عَلَيْهِ أَنه لَا يفعل وَقضى عَلَيْهِ ذَلِك
(1/222)

وَإِذا عرف هَذَا الْقسم علم أَن إِطْلَاق القَوْل بِأَن العَبْد لَا يَسْتَطِيع غير مَا فعل وَلَا يَسْتَطِيع خلاف الْمَعْلُوم الْمَقْدُور وَأَن إِطْلَاق القَوْل بِأَن استطاعة الْفَاعِل
(1/223)

والتارك سَوَاء أَن الْفِعْل لَا يخْتَص من التارك بإستطاعة خَاصَّة الإطلاقين خطأ بِدعَة
(1/224)

وَلِهَذَا أتفق سلف الْأمة وأئمتها على ان الله قَادر على مَا علمه وَأخْبر أَنه لَا يكون وعَلى مَا يمْتَنع ضَرُورَة عَدمه لعدم إِرَادَته لَا لعدم قدرته عَلَيْهِ ش
(1/225)

وَإِنَّمَا خَالف فِي ذَلِك أهل الضلال من الْجَهْمِية والقدرية والمتفلسفة الصابئة وَالَّذين يَزْعمُونَ انحصار الْمَقْدُور فِي الْمَوْجُود ويخصون قدرته بِمَا شاءه
(1/226)

وَعلمه وَقد قَالَ تَعَالَى {أيحسب الْإِنْسَان ألن نجمع عِظَامه بلَى قَادِرين على أَن نسوي بنانه} وَقَالَ تَعَالَى {هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم}
(1/227)

وَقد ثَبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ حِين نزلت هَذِه الْآيَة {من فَوْقكُم} أعوذ بِوَجْهِك {أَو من تَحت أَرْجُلكُم} أعوذ بِوَجْهِك {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض} قَالَ هَاتَانِ أَهْون
(1/228)

وَقَالَ تَعَالَى {وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها} وَمن حكى عَن أحد أَن العَبْد لَيْسَ قَادِرًا على غير مَا فعل الَّذِي هُوَ خلاف
(1/229)

الْمَعْلُوم فَإِنَّهُ مُخطئ فِيمَا نَقله عَنْهُم من نفى الْقُدْرَة مُطلقًا ومصيب فِيمَا نَقله عَنْهُم من نفي الْقُدْرَة الَّتِي اخْتصَّ بهَا الْفَاعِل دون التارك
(1/230)

وَأما مَا يجب على أعيانهم فَهَذَا يتنوع بتنوع قدرهم ومعرفتهم وحاجتهم وَهَذَا من أصُول تنازعهم فِي جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطلق
فَإِن من يَقُول إِن الِاسْتِطَاعَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل والتارك لَا استطاعة
(1/231)

لَهُ بِحَال يَقُول كل من عصى الله فَمَا عَصَاهُ إِلَّا أَنه كلفه مَا لَا يطيقه كَمَا قد يَقُولُونَ إِن جَمِيع الْعباد كلفوا مَالا يُطِيقُونَ
(1/232)

وَمن يَقُول إِن استطاعة الْفِعْل هِيَ التّرْك يَقُول إِن الْعباد لم يكلفوا إِلَّا بِمَا هم مسبوقون فِي طَاعَته وقدرتهت والاستطاعة لَا يخْتَص الْفَاعِل دون التارك باستطاعة خَاصَّة
فإنطلاق القَوْل بِأَنَّهُ كلف مَالا يطيقه كإطلاقه بِأَنَّهُ مجبور عَليّ أَفعاله إِذا سلب الْقُدْرَة فِي الْمَأْمُور نَظِير إِثْبَات الْجَبْر فِي الْمَحْظُور
وَإِطْلَاق القَوْل بِأَن العَبْد لَيْسَ مجبورا بِحَال كإطلاقه بِأَن العَبْد قَادِرًا على خلاف مَعْلُوم الله وَتَقْدِيره
وَسلف الْأمة وأئمتها يُنكرُونَ هَذِه الإطلاقات كلهَا لاشتمال كل وَاحِد من طرفِي النَّفْي وَالْإِثْبَات عَليّ بَاطِل وَإِن كَانَ فِيهِ حق بل الْوَاجِب إِطْلَاق الْعبارَات الْحَسَنَة وَهِي الْمَأْمُور بهَا الَّتِي جَاءَت بهَا النُّصُوص وَالتَّفْصِيل فِي الْعبارَات المجملة المشتبهة
وَكَذَلِكَ الْوَاجِب نَظِير ذَلِك فِي ساذر زبواب أصُول الدّين أَن يَجْعَل نُصُوص الْكتاب وَالسّنة هِيَ الأَصْل الْمُعْتَمد الَّذِي يجب اتِّبَاعه ويسوغ إِطْلَاقه وَتجْعَل الْأَلْفَاظ الَّتِي تنَازع فِيهَا النَّاس نفيا أَو إِثْبَاتًا موقوفاة على الاسفسار وَالتَّفْصِيل وَيمْنَع من إِطْلَاق نفي مَا أطلقهُ الله وَرَسُوله وَإِطْلَاق إِثْبَات مَا نفى الله ورسلوه
وَفصل الْخطاب أَن النزاع فِي أصلين
أَحدهمَا أَن التَّكْلِيف الْوَاقِع اتّفق الْمُسلمُونَ على وُقُوعه فِي الشَّرِيعَة وَهُوَ أَمر الْعباد كلهم بِمَا أَمرهم الله وَرَسُوله من الأذمان بِهِ وتقواه وَهل يُسمى هَذَا أَو شَيْء مِنْهُ تَكْلِيف لَا يُطَاق
(1/242)

فالقائل إِن الْقُدْرَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل يَقُول إِن الْمعاصِي مِمَّا لَا يُطَاق وَيَقُول كل أحد كلف حِين كَانَ مطيقا
وَكَذَلِكَ من زعم أَن تقدم الْعلم وَالْكتاب بالشئ يمْنَع أَن يقدر العَبْد عَليّ خِلَافه
وَكَذَلِكَ من يَقُول إِن الْعرض لَا يبْقى زمانين يَقُول إِن الِاسْتِطَاعَة الْمُتَقَدّمَة لَا تبقى رلى حِين الْفِعْل وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ دَائِما فِي الْأَفْعَال الَّتِي أَمر الله بهَا أَو نهى عَنْهَا هَل يَتَنَاوَلهَا التَّكْلِيف
وَقد قدمنَا أَن الْقُدْرَة نَوْعَانِ وَأَن من يُطلق القَوْل بِأَن الِاسْتِطَاعَة لَا تكون إِلَّا مَعَ الْفِعْل فإطلاقه مُخَالف فِي الْمَسْأَلَة وَقَول ثَالِث كَانَ مُمْتَنعا لذاته كالجمع بَين النقيضين مُخَالف لما ورد فِي الْكتاب وَالسّنة كإطلاق الْخَيْر وَإِن كَانَ قد أطلق ذَلِك طوائف من المنتسبين إِلَى السّنة
وَمنع الاطلاق فِي ذَلِك مَنْقُول عَن شُرَيْح والقلانسي وَنقل عَن أبي حنيفَة وَهُوَ مُقْتَضى قَول الْأَئِمَّة
وَامْتنع أَبُو إِسْحَاق بن شاقلا وَحكى فِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا ذكره عَن القَاضِي أبي يعلى الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل أَو قبله
وَهَذَا كَمَا أَن من قَالَ لَيْسَ للْعَبد إِلَّا قدرَة وَاحِدَة يقدر بهَا على الْفِعْل وَالتّرْك فَهُوَ بَاطِل وهم الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ إِن العَبْد لَا يفْتَقر حَال الْفِعْل إِلَى الله يُعينهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا إوجده الْفِعْل وَأَن الله لَيْسَ لَهُ نعْمَة بهَا على من آمن بِهِ وأطاعه أَكثر من نعْمَته على من كفر بِهِ وَعَصَاهُ
وَاتفقَ أهل السّنة على تضليل هَؤُلَاءِ
ثمَّ النزاع بَينهم بعد ذَلِك مِنْهُ لفظى وَمِنْه اعتبارى كتنازعهم فِي أَن الْعرض هَل يبْقى زمانين أم لَا وبنوا عَلَيْهِ بَقَاء الِاسْتِطَاعَة
(1/243)

فَالْوَاجِب أنتجعل نُصُوص الْكتاب وَالسّنة هِيَ الأَصْل كَمَا قدمنَا
وَأما الأَصْل الثَّانِي وَهُوَ مَا اتّفق النَّاس عَليّ أَنه غير مَقْدُور للْعَبد وَتَنَازَعُوا جَوَاز التَّكْلِيف بِهِ فَهُوَ نَوْعَانِ
أَحدهمَا مَا هُوَ مُمْتَنع عَادَة كالمشي على الْوَجْه والطيران وَنَحْو ذَلِك
وَالثَّانِي مَا هُوَ مُمْتَنع فِي نَفسه كالجمع بَين الضدين فَهَذَا فِي جَوَازه عقلا ثَلَاثَة أَقْوَال كَمَا تقدم وَأما وُقُوعه فِي الشَّرِيعَة وجوازه شرعا فقد اتّفق حَملَة الشَّرِيعَة عَليّ أَن مثل هَذَا لَيْسَ بواقع فِي الشَّرِيعَة
وَحكى الْإِجْمَاع على ذَلِك غير وَاحِد وَمِنْهُم ابْن الزاغرانى قَالَ إِن التَّكْلِيف على ضَرْبَيْنِ
أَحدهمَا مَالا يُطَاق لوُجُود ضِدّه من الْعَجز كنقط الْكتاب للأعمى فَلَا يجوز الاجماع على ذَلِك
وَالثَّانِي تَكْلِيف مَالا يُطَاق لوُجُود ضِدّه من الْعَجز مثل أَن يُكَلف الْكَافِر الَّذِي سبق فِي علمه تَعَالَى أَنه لَا يستجيب للتكليف كفرعون وهامان وَأبي جهل فَهَذَا جَائِز
وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن تَكْلِيف مَالا يُطَاق غير جَائِز
وَهَذَا الْإِجْمَاع الَّذِي ذكره هُوَ إِجْمَاع الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء
فَإِنَّهُ قد ذهب طاذفة من أهل الْكَلَام إِلَى أَن التَّكْلِيف بالمتنع لذاته وَاقع فِي الشَّرِيعَة وَهُوَ قَول الرَّازِيّ وَطَائِفَة قبله وَزَعَمُوا أَن تَكْلِيف أبي جهل من هَذَا الْقَبِيل حَيْثُ كلف أَن يصدق بالأخبار الَّتِي من جُمْلَتهَا الْإِخْبَار بِأَنَّهُ لَا يُؤمن
وَهَذَا غلط فَإِن من أخبر أَنه لَا يُؤمن بعد دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه إِلَى الْإِيمَان فقد حقت عَلَيْهِ كملة الْعَذَاب كَالَّذي يعاين الملاذكة وَقت الْمَوْت وَلم يبْق بعد هَذَا مُخَاطبا من جِهَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَيْنِ الْأَمريْنِ المتناقضين
(1/244)

وَكَذَلِكَ من قَالَ تَكْلِيف الْعَاجِز وَاقع محتجا بقوله {يَوْم يكْشف عَن سَاق وَيدعونَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} فَإِنَّهُ لَا يُنَاقض هَذَا الْإِجْمَاع أَو مَضْمُون الْإِجْمَاع ينفى وُقُوعه فِي الشَّرِيعَة
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خطاب تعجيز على وَجه الْعقُوبَة لَهُم لتركهم السُّجُود وهم سَالِمُونَ فيعاقبون على ترك الْعِبَادَة فِي حَال قدرتهم بِأَن أمروا بهَا حَال عجزهم
وخطاب الْعقُوبَة هُوَ من جنس خطاب التكوين لَا يشْتَرط فِيهِ قدرَة الْمُخَاطب رذ لَيْسَ الْمَطْلُوب فعله
فَإِذا ثبتَتْ الْأَنْوَاع والأقسام زَالَ الِاشْتِبَاه والإبهام وَالله أعلم

فصل
قد قَالَ بعض النَّاس إِنَّه تجوهر
وَهَذَا قَول قوم داوموا على الرياضة مُدَّة فَقَالُوا لَا نبالى بِمَا عَملنَا بعد ذَلِك وَإِنَّمَا الْأَمر والنهى رسم للعوام لَو تجوهروا مثلنَا لسقط عَنْهُم وَحَاصِل النُّبُوَّة ترجع إِلَى الْحِكْمَة والمصلحة وَالْمرَاد مِنْهَا ضبط الْعَوام ولسنا من الْعَوام فندخل فِي التَّكْلِيف لأَنا قد تجوهرنا وعرفنا الْحِكْمَة
فَهَؤُلَاءِ أَكثر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى بل هم أكفر أهل الأَرْض
فَإِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى آمنُوا بِبَعْض الْكتاب وَكَفرُوا بِبَعْض وَهَؤُلَاء كفرُوا بِالْجَمِيعِ فهم خارجون عَن الْتِزَام شئ من الْحق
(1/245)

لَكِن كثير من هؤلاد لَا يطلقون السَّلب الْعَام مُطلقًا بل يَزْعمُونَ سُقُوط بعض الْوَاجِبَات عَنْهُم وَحل بعض الْمُحرمَات لَهُم وَمِنْهُم من يزْعم أَنه يقطت عَنهُ الصَّلَاة لوصوله إِلَى مقصودها وَبَعْضهمْ يزْعم سُقُوطهَا وَقت الْمُشَاهدَة وَبَعْضهمْ يزْعم سُقُوط الْجُمُعَات اسْتغْنَاء بالنوبة والحضور وَبَعْضهمْ يسْقط الْحَج وَمِنْهُم من يسْتَحل الْفطر فِي رَمَضَان لغير عذر شَرْعِي وَمِنْهُم من يسْتَحل الْخمر أَو يزْعم أَنَّهَا تحرم على الْعَامَّة دون الْخَاصَّة الْعُقَلَاء فَإِن أهل الْأَنْفس الزكية والأعمال الصَّالِحَة لَا يَقع مِنْهُم مَا يَقع من الْعَوام
وَهَذَا كَانَ قد حصل لبَعض الْأَوَّلين فِي الْخمر فاتفق الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم على قَتلهمْ أَن لم يتوبوا فَإِن قدامَة بن عبد الله شربهَا هُوَ وَطَائِفَة وتأولوا قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح} الْآيَة فَلَمَّا ذكر ذَلِك لعمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ اتّفق مَعَ على سَائِر الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم على أَنهم إِن اعْتَرَفُوا بِالتَّحْرِيمِ جلدُوا وَإِن أصروا على استحلالها قتلوا
وَكَذَلِكَ ثَبت أَن الْآيَة نزلت فِي الَّذين شَرِبُوهَا قبل تَحْرِيمهَا وماتوا قي وقْعَة أحد ثمَّ علم قدامَة وَأَصْحَابه أَنهم قد أخطئوا وَأَيِسُوا من التَّوْبَة حَتَّى كتب إِلَيْهِم عمر ابْن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ حم تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم غَافِر الذَّنب وقابل التوب وَكتب إِلَيْهِ مَا أدرى أى ذَنْبك أعظم أستحلالك الْمحرم أَولا أم يأسك من التَّوْبَة ثَانِيًا
وَالَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْأَئِمَّة رَحْمَة الله عَلَيْهِم لَا ينازعون فِي شئ من ذَلِك
وَمن جحد وجوب بعض الْوَاجِبَات الظَّاهِرَة المتواترة كَالصَّلَاةِ أَو حجد تَحْرِيم الْمُحرمَات الظَّاهِرَة المتواترة كالفواحش وَالظُّلم وَالْخمر وَالزِّنَا والربا أَو حجد حل بعض المباحثات الظَّاهِرَة المتواترة كالخبز وَاللَّحم وَالنِّكَاح فَهُوَ كَافِر مُرْتَد يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَمن أضمره فَهُوَ زنديق مُنَافِق لَا يُسْتَتَاب عِنْد أَكثر الْعلمَاء
(1/246)

وَمن هَؤُلَاءِ من يسْتَحل بعض الْفَوَاحِش كمؤاخاة النِّسَاء الْأَجَانِب وَالْخلْوَة بِهن والمباشرة لَهُنَّ يزْعم أَنه يحصل لَهُنَّ الْبركَة بِمَا يَفْعَله فِيهِنَّ وَإِن كَانَ محرما فِي الشَّرِيعَة
وَمِنْهُم من يسحل ذَلِك من المردان وَيَزْعُم أَن التَّمَتُّع بِالنّظرِ رليهم ومباشرتهم هُوَ طَرِيق لبَعض السالكين حَتَّى يترقى من محبَّة الْمَخْلُوق إِلَى محبَّة الْخَالِق ويأمرون بمقدمات الْفَاحِشَة الْكُبْرَى وَقد يسْتَحلُّونَ الْفَاحِشَة الْكُبْرَى كَمَا يستحلها من يَقُول إِن اللواط مُبَاح بِملك الْيَمين
فَهَؤُلَاءِ كلهم كفار بِاتِّفَاق أَئِمَّة الْمُسلمين
لَكِن من النَّاس من يكون جَاهِلا بِبَعْض ذَلِك فَلَا يحكم بكفرة حَتَّى تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة {لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة}
كَمَا لَو أسلم رجل وَلم يعلم أَن الصَّلَاة وَاجِبَة ثمَّ علم هَل يجب عَلَيْهِ قَضَاء مَا تَركه حَال جَهله عَليّ قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
أَحدهمَا لَا يجب وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
وَالثَّانِي يجب وَهُوَ قَول الشَّافِعِي الْمَشْهُور عَن أَصْحَابه بل النزاع فِي كل من ترك وَاجِبا قبل بُلُوغ الْحجَّة مثل من ترك الصَّلَاة عِنْد عدم المَاء زعما مِنْهُ أَنَّهَا لَا تصح مَعَ التَّيَمُّم أَو أكل حَتَّى تبين لَهُ الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود كَمَا جرى لبَعض الصَّحَابَة أَو مس ذكره أَو أكل لحم أبل وَلم يتَوَضَّأ ثمَّ تبين لَهُ وجوب ذَلِك وأمثال هَذِه الْمسَائِل
وأصل ذَلِك أَن الْخطاب هَل يثب فِي حق الْمُكَلف قبل التَّمَكُّن من سَمَاعه على ثَلَاثَة أَقْوَال لِأَحْمَد وَغَيره
قيل يثبت وَقيل لَا يثبت وَقيل يفرق كَمَا فِي خطاب النّسخ وكما يفرق بَين الْمُبْتَدِئ وَغير الْمُبْتَدِئ وكما فِي الْقبْلَة
وَالصَّحِيح أَنه لَا يثبت قبل التَّمَكُّن وَأَن الْقَضَاء لَا يجب فِي الصُّورَة
(1/247)

الْمَذْكُورَة مَعَ اتِّفَاقهم على انْتِفَاء الْإِثْم
وَجَاء فِي الحَدِيث يَأْتِي على النَّاس زمَان لَا يعْرفُونَ فِيهِ صَلَاة وَلَا زككاة وَلَا صوما وَلَا حجا رلا الشَّيْخ الْكَبِير والعجوز الْكَبِيرَة يَقُولُونَ أدركنا النَّاس وهم يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَقيل لِحُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله عَنهُ مَا تغنى عَنْهُم لَا إِلَه رلا الله بِلَا صَوْم وَلَا زَكَاة وَلَا حج فَقَالَ تنجيهم من النَّار
وَجَمِيع الْأَنْبِيَاء قد أَتَوا بِالْأَمر والنهى إِلَى حِين موت العَبْد فَلَا يضاد الْعَمَل مَا فِي قبله من خضوع وَإِقْرَار بِأَن الله إِلَه الْعَالم لِأَن الْإِلَه هُوَ الَّذِي يعبد دَائِما
وتجوهر النَّفس وصفاؤها وطهارتها عَن الأكوان البشرية مُمْتَنع فِي حق الْبشر وَلِهَذَا كَانَ سلف الْأمة وأئمتها يدينون بِأَن الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا هم معصومون من الْإِقْرَار عَليّ الذُّنُوب وَأَن الله يستدركهم بِالتَّوْبَةِ وَإِن كَانَت حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين وَأَن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ لكَمَال النِّهَايَة بِالتَّوْبَةِ لَا لنَقص الْبِدَايَة بالذنب وَأما غَيرهم فَلَا تجب لَهُم الْعِصْمَة وَإِنَّمَا يدعى الْعِصْمَة الْمُطلقَة لغير الْأَنْبِيَاء الْجُهَّال من الرافضة وغالية النساك
وَمن هَؤُلَاءِ من يزْعم استغناءه عَن النَّوَافِل حِينَئِذٍ وَهُوَ مفتون منكوس وَلَفظ الشَّرْع يُطلق على ثَلَاثَة معَان شرع منزل وَشرع مؤول وَشرع مبدل
فالمنزل الْكتاب وَالسّنة فَهَذَا الَّذِي يجب اتِّبَاعه عَليّ كل أحد
والمؤول هُوَ رد الِاجْتِهَاد الَّذِي تنَازع فِيهِ الْفُقَهَاء فاتباع الْمُجْتَهدين جَائِز لمن اعْتقد حجَّة متبوعة هِيَ القوية أَو لمن سَاغَ لَهُ تَقْلِيده
والمبدل مثل الْأَحَادِيث الموضعة والتأويلات الْفَاسِدَة والفتيا الْبَاطِلَة والتقليد الْمحرم فَهَذَا يحرم اتِّبَاعه
وَهَذَا مِثَال النزاع فَإِن كثيرا من النَّاس يُوجب اتِّبَاع حاكمه وإمامه وَشَيْخه والتزام حكمهم ظَاهرا وَبَاطنا وَيرى أَن الْخُرُوج عَن اتِّبَاعه خُرُوج عَن الشَّرِيعَة
(1/248)

المحمدية وَهَذَا جهل مِنْهُ وظلم بل دَعْوَى ذَلِك على الْإِطْلَاق كفر ونفاق وَالله أعلم

فصل
لَيْسَ للْمَرْأَة أَن تَجِد على غير زَوجهَا فَوق ثَلَاث لَا أَبِيهَا وَلَا أَخِيهَا وَهَذَا بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة فَإِن تَعَمّدت ترك بعض الثِّيَاب للْمَيت غير الزَّوْج فَهَذَا منهى عَنهُ وَالله أعلم
والعمر يطول والرزق يبسط بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار وَالْعَمَل الصَّالح كَمَا أَن الْهَلَاك والاغراق اسْتَحَقَّه قوم نوح بالْكفْر والتكذيب وَقد قَالَ تَعَالَى {وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يمتعكم مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى} وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أحب أَن ينسأ لَهُ فِي عمره ويبسط لَهُ فِي رزقه فَليصل رَحمَه
وَالله يعلم مَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لَا يكون لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون وَالله أعلم أما تغشية قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَغَيرهم بالأغشية من الثِّيَاب الحريرية وَغَيرهَا فَلَيْسَ مَشْرُوعا فِي الدّين وَلَا قربَة لرب الْعَالمين فَلَا يجب الْوَفَاء بِهِ إِذا نذر بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة بل ينْهَى عَن ذَلِك
وَهل على ناذره كَفَّارَة على قَوْلَيْنِ
وَكَذَلِكَ الزَّيْت والحصر لمَكَان لَا يصلى فِيهِ الْمُسلمُونَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لَيْسَ بِطَاعَة الله وَلَا ينْعَقد نَذره
وَلَكِن من الْعلمَاء من أوجب عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين أَو صرف النّذر فِي طَاعَة الله نَظِير هَذِه وَمِنْهُم من لَا يُوجب شَيْئا فَيكون هَذَا مَالا ضائعا لَا مُسْتَحقّ لَهُ فَيصْرف فِي مصَالح الْمُسلمين حَيْثُ يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي مَسْجِد أَو غَيره
(1/249)

فصل
مَا ذكر من نزُول الْمَلَائِكَة إِلَى الأَرْض وَأَنَّهُمْ يعْبدُونَ الله فِيهَا ويموتون فِيهَا لَا أصل لذَلِك
وَكَذَلِكَ طى السَّمَاء قبل الأَرْض بِأَرْبَعِينَ سنة بَاطِل
وَلَا أعلم أحد من الْعلمَاء المعتبرين ذكر ذَلِك
وَأما الْأَحَادِيث المأثورة فِي المهدى فَمِنْهَا مَا هُوَ صَحِيح وَمِنْهَا مَا هُوَ حسن وَقد صحّح الترمذى حَدِيث ابْن مَسْعُود وَأم سَلمَة وَغَيرهمَا رَضِي الله عَنْهُم قَالُوا لَو لم يبْق من الدُّنْيَا رلا يَوْم لطول الله ذَلِك الْيَوْم حَتَّى يبْعَث فِيهِ رجلا من أهل بَيْتِي يواطئ اسْمه اسْمِي وَاسم أَبِيه اسْمه اسْم إبي يمْلَأ الأَرْض قسطا وعدلا كَمَا ملئت جورا وظلما
وروى عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ المهدى من ولد الْحُسَيْن
وَمَا يرْوى لَا مهدى رلا عِيسَى حَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ ابْن ماجة
وَقد ادعيت هَذِه المهدية لعدد كثير من الدجالين وكل ذَلِك بَاطِل مثل ادِّعَاء الرافضة ذَلِك لمُحَمد بن الْحسن الدَّاخِل فِي السرادب فَهَذَا مِمَّا يعلم بُطْلَانه عقلا وَمثل ادِّعَاء مُحَمَّد بن تومرت أَنه المهدى الَّذِي بشر بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد اتّفق أهل الدّين على أَنه كَاذِب
وَطَوَائِف ادعوا ذَلِك مِنْهُم من قتل وَمِنْهُم من عزّر وَحبس وَمِنْهُم من راج أمره على طَائِفَة من الضلال حَتَّى انْكَشَفَ مَا فعله من الْمحَال وَالله الْمُسْتَعَان
(1/250)

فصل
وَأما الْجِنَازَة الَّتِي فِيهَا مُنكر مثل أَن يحمل قدامها أَو وَرَاءَهَا الْخبز وَالْغنم أَو غير ذَلِك من الْبدع الفعلية أَو القولية أَو يَجْعَل على النعش شنخانات فَهَل لَهُ أَن يمْتَنع من تشييعها على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
وَالصَّحِيح أَنه يشيعها لِأَنَّهُ حق للْمَيت فَلَا يسْقط بِفعل غَيره وينكر النكر بِحَسبِهِ
وَإِن كَانَ مِمَّن إِذا امْتنع تركُوا النكر امْتنع بِخِلَاف الْوَلِيمَة فَإِن صَاحب الْحق هُوَ فَاعل النكر فَسقط حَقه لمعصيته كالمتلبس بِمَعْصِيَة لَا يسلم عَلَيْهِ حَال تلبسه بهَا وَالله أعلم
فصل
الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة أَن الله لَا يخلد فِي النَّار أحدا من أهل الْإِيمَان وَخَالف فِي ذَلِك قوم من أهل الْبدع والخوارج والحرورية والمعتزلة فَقَالُوا إِن أهل الكباذر يخلدُونَ فِيهَا وَمن دَخلهَا لم يخرج مِنْهَا بشفاعة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا غَيره وكذبوا
وعارض هَؤُلَاءِ قوم من المرجئة وَزَعَمُوا أَن الْإِيمَان حَاصِل من الْخلق جَمِيعهم وَأَن إِيمَان الملاذكة والأنبياء وَالصديقين كَإِيمَانِ أهل الْكَبَائِر وكذبوا
وغلاتهم تزْعم أَنه لَا يدْخل فِي النَّار أحد ويحرقون الْكَلم عَن موَاضعه وكل هَؤُلَاءِ ضالون
فالطائفة الأولى نظرُوا إِلَى نُصُوص الْوَعيد
(1/251)

وَالثَّانيَِة نظرُوا إِلَى نُصُوص الْوَعْد
وَأما أهل اسنة فآمنوا بِكُل مَا جَاءَ من عِنْد الله وَلم يضْربُوا بعض ذَلِك بِبَعْض ونظروا فِي الْكتاب وَالسّنة فوجدوا أَن أهل الْكَبَائِر من الْمُوَحِّدين الَّذين توعدهم الله بالعقاب بَين أَن عقابهم يَزُول عَنْهُم بِأَسْبَاب
أَحدهَا التَّوْبَة فَإِن الله يغْفر بِالتَّوْبَةِ النصوح الذُّنُوب جَمِيعًا
السَّبَب الثَّانِي الْحَسَنَات الماحية كَمَا قَالَ {وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحق} الْآيَة
السَّبَب الثَّالِث مصائب الدُّنْيَا والبرزخ
السَّبَب الرَّابِع الدُّعَاء والشفاعة مثل الصَّدَقَة عَلَيْهِ بعد مَوته وَالدُّعَاء لَهُ وَالِاسْتِغْفَار
السَّبَب الْخَامِس الْأَعْمَال الصَّالِحَة الَّتِي يهديها لَهُ غَيره من عتاقة وَصدقَة
السَّبَب السَّادِس رَحْمَة ربه
فَكل حَدِيث فِيهِ عَن مُؤمن أَنه دخل النَّار أَو أَنه لَا يدْخل الْجنَّة قد فسره الْكتاب وَالسّنة أَنه عِنْد انْتِفَاء هَذِه الْمَوَانِع
وَكَذَلِكَ نُصُوص الْوَعْد مَشْرُوطَة بِعَدَمِ الْأَسْبَاب الْمَانِعَة مندخول الْجنَّة وَأَعْظَمهَا أَن يَمُوت كَافِرًا
وَمِنْهَا أَن تكْثر ذنُوبه وظلمه فَيُؤْخَذ من حَسَنَاته حَتَّى تذْهب ثمَّ تُوضَع عَلَيْهِ سيئات من ظلمهم
وَمِنْهَا أَن يعقب الْعَمَل مَا يُبطلهُ كالمن واأذى وَترك صَلَاة الْعَصْر قيل تحبط عمل ذَلِك الْيَوْم وَقيل الْعَمَل كُله وكما قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه
فَانْتفى هَذَا الدُّخُول الْمُطلق وَهُوَ دُخُول الْجنَّة بِلَا عَذَاب فَمن أَتَى بالكباذر لم يسْتَحق هَذَا الدُّخُول الْمُطلق الَّذِي لَا عَذَاب قبله
وَهَذَا مثل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من غَشنَا فَلَيْسَ منا فَإِن الِاسْم
(1/252)

الْمُطلق للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالَّذين آمنُوا مَعَه هُوَ الْإِيمَان الْكَامِل الْمُطلق الَّذِي يسْتَحقُّونَ بِهِ الثَّوَاب وَيدْفَع الله بِهِ عَنْهُم الْعقَاب فَمن غشهم لم يكن من هَؤُلَاءِ بل مَعَه أصل الْإِيمَان الَّذِي يُفَارق بِهِ الْكفَّار ويخرجه من النَّار
وَإِذا جَاءَ من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة وَإِن زنا وَإِن شرب الْخمر وَنَحْوه فَهَذَا يعْطى أَن صَاحب الْإِيمَان مُسْتَحقّ للجنة وزن الذُّنُوب لَا تَمنعهُ ذَلِك لَكِن قد يحصل لَهُ قبل الدُّخُول نوع من الْعَذَاب إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي البرزخ وَإِمَّا فِي الْعَرَصَة وَإِمَّا فِي النَّار
وَكَذَلِكَ نُصُوص الْوَعيد كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يدْخل الْجنَّة قَاطع رحم وَكَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم ملك كَذَّاب وَشَيخ زاني وعائل مستكبر وَلَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر وَلَا يدْخل النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان وَمن شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة وَمن لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة والمستكبر والمنان والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب لَا يكلمهم الله وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم وَثَلَاثَة أخر رجل على فضل مَاء يمنعهُ من ابْن السَّبِيل فَيَقُول الله الْيَوْم أمنعك فضلى كَمَا منعت فضل مَا لم تعْمل يداك وَرجل بَايع إِمَامًا لَا يبايعه إِلَّا للدنيا وَرجل يحلف على سلْعَة بعد الْعَصْر كَاذِبًا لقد أعْطى أَكثر مِمَّا أعْطى وَلَا يدْخل الْجنَّة بخيل وَلَا منان ولاسئ الملكة فؤن الْبُخْل من الكباذر وَهُوَ منع الواجباب من الزَّكَاة وصلَة الرَّحِم وقرى الضَّيْف وَترك الاعطاء فِي النوائب وَترك الانفاق فِي سَبِيل الله وعقوق الْوَالِدين وَشَهَادَة الزُّور وَأكل مَال الْيَتِيم وَقذف الْمُحْصنَات والتولى يَوْم الزَّحْف وَالسحر وَأكل الرِّبَا كل ذَلِك من الْكَبَائِر
بل كل ذَنْب فِيهِ حد الله فِي الدُّنْيَا أَو وَعِيد فِي الْآخِرَة مثل غضب الله ولعنته وَالنَّار فَهُوَ من الْكَبَائِر
(1/253)

وَهَذَا بَاب يطول وَصفه لَكِن ذكرنَا الأَصْل الْجَامِع فِي ذَلِك
وَمن تَابَ من ذَنْب فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى نرجوا أَن الله يَتُوب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ من مظالم الْعباد مثل ظلم أَبَوَيْهِ فَعَلَيهِ أَن يفعل مَعَهم الْحَسَنَات بِقدر مافعل مَعَهم من السَّيِّئَات حَتَّى يقوم هَذَا بِهَذَا

فصل
وَقد ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع أَمر الثقلَيْن الْجِنّ وَالْإِنْس
وَثَبت أَن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِمَا
وَاتَّفَقُوا على ثَوَاب الْإِنْس بِالطَّاعَةِ
وَاخْتلفُوا فِي الْجِنّ هَل يثابون أَولا ثَوَاب لَهُم إِلَّا النجَاة من الْعَذَاب عَليّ قَوْلَيْنِ
الأول قَول الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَغَيرهم
الثَّانِي مأثور عَن طَائِفَة مِنْهُم أَبُو حنيفَة
وَقد اخْتلف هَل من شَرط الْوُجُوب الْعقَاب على ترك على قَوْلَيْنِ
فَأَما الثَّوَاب عَليّ الْفِعْل فَوَاجِب بِالسَّمْعِ وَمن لَا تَكْلِيف عَلَيْهِ هَل يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة
فالإنس وَالْجِنّ جَمِيعًا بالِاتِّفَاقِ لوم يَخْتَلِفُوا فِيمَا علمت رلا فِيمَن لم ينْفخ فِيهِ الرّوح
وَاخْتَارَ القَاضِي بَعثه وَذكره عَن أَحْمد
وَأما البهاذم فَهِيَ مبعوثة بِالْكتاب وَالسّنة قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض وَلَا طَائِر يطير بجناحيه إِلَّا أُمَم أمثالكم مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء ثمَّ إِلَى رَبهم يحشرون} وَقَالَ {وَإِذا الوحوش حشرت} والْحَدِيث فِي قَول الْكَافِر يَوْم الْقِيَامَة {يَا لَيْتَني كنت تُرَابا} لما روى من جعل الْبَهَائِم تُرَابا مَعْرُوف وَمَا أعلم فِيهِ خلافًا
(1/254)

وَلَكِن اخْتلف بَنو آدم فِي معاد الْآدَمِيّين على أَرْبَعَة أَقْوَال
أَحدهَا قَول الْمُسلمين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وجماهير الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس أَن الْمعَاد للروح وَالْبدن يُنكرُونَ معاد روح قاذمة بِنَفسِهَا
وَالثَّانِي أَن الْمعَاد للبدن دون الرّوح
وَالثَّالِث ضد هَذَا وَهُوَ قَول الفلاسفة وَمن نصر مَذْهَبهم من متكلمى أهل الْقبْلَة ومتصوفيهم أَن الْمعَاد للروح دون الْبدن
الرَّابِع أَنه لَا معاد للبدن وَلَا للروح وَهُوَ قَول مُشْركي الْعَرَب والبطائعيين والمنجمين وَبَعض الإليهين من المتفلسفة
فعلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يقطع قائلوها بِعَدَمِ حشر الباهاذم
وعَلى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين يقبل الْخلاف

فصل
من لَا تَكْلِيف عَلَيْهِ مِمَّن رفع عَنهُ الْقَلَم يعذب فِي الْآخِرَة
وَتَأْتِي هُنَا مَسْأَلَة أَطْفَال الْمُشْركين فَمن قَالَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم إِنَّهُم يُعَذبُونَ تبعا لِآبَائِهِمْ قَالَ تَعْذِيب غير الْمُكَلف تبعا للمكلف
وَمن قَالَ من أَصْحَابنَا وَغَيرهم يدْخلُونَ الْجنَّة قَالَ ينعمهم اسْتِقْلَالا
الوصواب أَنهم لَا يُعَذبُونَ جَمِيعهم بل فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير
وَهَذَا مُقْتَضى نُصُوص أَحْمد فَإِن أَكثر نصوصه الْوَقْف لَا يحكم بجنة وَلَا بِنَار فَدلَّ على جَوَاز الْأَمريْنِ عِنْده فِي حق الْمعِين
وَأما تَحْرِير الْأَمر مجموعهم فَلَا يلْزم الْبَحْث عَنْهُم وَهُوَ قَول الْأَشْعَرِيّ وَغَيره وَبِهَذَا أجَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَوْله الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين فَبين أَن الْأَمر رَاجع إِلَى علم الله فِيمَا كَانُوا يعْملُونَ لَو بلغُوا
وَيجوز قتل الصَّبِي إِذا قَاتل أوصال كالجنون والبهيمة
(1/255)

وَحَدِيث عَائِشَة عُصْفُور من عصافير الْجنَّة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو غير ذَلِك يَا عَائِشَة إِن الله خلق للجنة خلقا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم وَخلق للنار خلقا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم
وَثَبت أَن الْغُلَام الَّذِي قَتله الْخضر طبع على الْكفْر وَقَتله قبل الِاحْتِلَام وَكَانَ أَبوهُ مُؤمنين
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا لَا يشْهد لأحد بِعَيْنِه من أَطْفَال الْمُؤمنِينَ أَنه فِي الْجنَّة وَلَكِن يُطلق القَوْل أَن أَطْفَال الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة
وَقد روى أَحَادِيث حسان أَن الله يمْتَحن يَوْم الْقِيَامَة من لم يُكَلف الدُّنْيَا من الصّبيان والمجانين وَمن مَاتَ فِي الفترة فَمن أطَاع دخل الْجنَّة وَمن عصى دخل النَّار
فَهَذَا التَّفْصِيل هُوَ الصَّوَاب
وَأما الْبَهَائِم فعامة الْمُسلمين أَنه لَا عِقَاب عَلَيْهِم إِلَّا مَا يحْكى عَن التناسخية

فصل
الدُّنْيَا دَار تَكْلِيف بِلَا خلاف وَكَذَلِكَ البرزخ وعرصة الْقِيَامَة وَإِنَّمَا يَنْقَطِع التَّكْلِيف بِدُخُول دَار الْجَزَاء وَهِي الْجنَّة أَو النَّار كَمَا صرح بذلك أَصْحَابنَا وَغَيرهم
(1/256)

والامتحان فِي البرزخ لمن لم يكن مُكَلّفا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا وَغَيرهم وعَلى هَذَا لاخلاف فِي امتحانهم فِي الْعَرَصَة
وَغير الْمُكَلف قد يرحم فَإِن أَطْفَال الْمُؤمنِينَ مَعَ آبَائِهِم فِي الْجنَّة

فصل
والتكليف بِالْأَمر والنهى ثَابت فِي الشَّرْع والاتفاق
وَفِي ثُبُوته بِالْعقلِ اخْتِلَاف بَين الْعلمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم
وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب مَعْلُوم بِالسَّمْعِ وَهُوَ قَول كثير من أَصْحَابنَا والأشعرية وَغَيرهم وَذهب طوائف إِلَى أَنه يعلم بِالْعقلِ
والوصاب أَن مَعْرفَته بِالسَّمْعِ وَاجِبَة وَأما بِالْعقلِ فقد يعرف وَقد لَا يعرف وَلَيْسَت مَعْرفَته بِالْعقلِ بممتنعة وَلَا هِيَ وَاجِبَة وَالله أعلم
فصل
وَأما الشَّهَادَة لرجل بِعَيْنِه بِأَنَّهُ من أهل النَّار أَو الْجنَّة فَلَيْسَ لأحد ذَلِك إِلَّا بِنَصّ صَحِيح يجوب كالعشرة الَّذين بشرهم الصَّادِق صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْجنَّةِ وَمِنْهُم من جوز ذَلِك لمن استفاض فِي الْأمة الثَّنَاء عَلَيْهِ كعمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ وَأَمْثَاله
وَقد كَانَ بعض السّلف يمْنَع أَن يشْهد بِالْجنَّةِ لغير الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى نَاظر على بن المدينى أَحْمد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ أَقُول إِنَّهُم فِي الْجنَّة وَلَا أشهد لمُعين
قَالَ أَحْمد مَتى قلت إِنَّهُم فِي الْجنَّة فقد شهِدت أَنهم فِي الْجنَّة
وَأما توقف النَّاس فِي الْقطع بِالْجنَّةِ فلخوف الخاتمة وَمَعَ هَذَا فنرجو لَهُ حسن ونخاف على الْمُسِيء
(1/257)

وَمن ظهر مِنْهُ أَفعَال يُحِبهَا الله وَرَسُوله وججب أَن يُعَامل بِمَا يُوجِبهُ ذَلِك من الملاة والمحبة وَالْإِكْرَام وَمن ظهر مِنْهُ خلاف ذَلِك عومل مُقْتَضَاهُ

فصل
فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي قَالَ فِي آخِره عَن الله تَعَالَى {قد غفر لعبدي فليعمل مَا شَاءَ}
هَذَا الحَدِيث لم يَجعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَاما فِي كل دنب من ككل من أذْنب وَتَابَ وَعَاد وَإِنَّمَا ذكره حِكَايَة حَال عَن عبد كَانَ مِنْهُ ذَلِك فَأفَاد أَن العَبْد قد يعْمل من الْحَسَنَات الْعَظِيمَة مَا يُوجب غفران مَا تَأَخّر من ذنُوبه وَإِن غفر لَهُ بِأَسْبَاب أخر
وَهَذَا مثل حَدِيث حَاطِب بن أبي بلتعة رَضِي الله عَنهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ لعمر وَمَا يدْريك أَن الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَمَا جَاءَ من أَن غُلَام حَاطِب شكاه فَقَالَ وَالله يَا رَسُول الله ليدخلن حَاطِب النَّار فَقَالَ كذبت إِنَّه قد شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة
فَفِي هَذِه الْأَحَادِيث بَيَان أَن الْمُؤمن قد يعْمل من الْحَسَنَات مَا يغْفر لَهُ بهَا مَا تَأَخّر من ذَنبه وَإِن غفر بِأَسْبَاب غَيرهَا وَيدل عَليّ أَنه يَمُوت مُؤمنا وَيكون من أهل الْجنَّة وَإِذا وَقع مِنْهُ ذَنْب يَتُوب الله عَلَيْهِ كَمَا تَابَ عَليّ بعض الْبَدْرِيِّينَ كقدامة بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ لما شرب الْخمر متأولا واستتابه عمر وَأَصْحَابه رَضِي الله عَنهُ وجلدوه وطهر بِالْحَدِّ وَالتَّوْبَة وَإِن كَانَ مِمَّن قيل لَهُ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم
ومغفرة الله لعَبْدِهِ لاتنافى أَن تكون الْمَغْفِرَة بأسبابها وَلَا تمنع أَن تصدر مِنْهُ تَوْبَة إِذا مغْفرَة الله لعَبْدِهِ مقتضاها أَن لَا يعذبه بعد الْمَوْت وَهُوَ سُبْحَانَهُ يعلم الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ فَإِذا علم من العَبْد أَنه يَتُوب أَو يعْمل حَسَنَات ماحية
(1/258)

غفر لَهُ فِي نفس الْأَمر إِذْ لَا فرق بَين من يحكم لَهُ بالمغفرة أَو بِدُخُول الْجنَّة
وَمَعْلُوم أَن بشارته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْجنَّةِ إِنَّمَا هِيَ لعلمه بِمَا يَمُوت علسيه المبشر وَلَا يمْنَع أَن يعْمل سَببهَا
وَعلم الله بالأشياء وآثارها لَا ينافى مَا علقها عَلَيْهِ من الْأَسْبَاب كَمَا أخبر أَن مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من الْجنَّة أَو النَّار وَمَعَ ذَلِك قَالَ اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ وَلَا من أخبرهُ أَنه ينتصر على عدوه لَا يمْنَع أَن يَأْخُذ أَسبَابه وَلَا من أخبرهُ أَنه يكون لَهُ ولد لَا يمْنَع أَن يتَزَوَّج أَو يتسرى
وَكَذَا من أخبرهُ بالمغفرة أَو الْجنَّة لَا يمْنَع أَن يَأْخُذ بِسَبَب ذَلِك مرِيدا للآخرة وساعيا لَهَا سعيها
وَمن ذَلِك الدُّعَاء الْمَذْكُور فِي آخر سُورَة الْبَقَرَة فقد ثَبت أَن الله تَعَالَى قَالَ قد فعلت وَمَعَ ذَلِك فَمن الْمَشْرُوع لنا أَن نَدْعُوهُ
وَمِنْه قَول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سلوا الله لي الْوَسِيلَة فحصول الْمَوْعُود لَا ينافى السَّبَب الْمَشْرُوع
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى لنَبيه سنة سِتّ من الْهِجْرَة {ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر} وَمَعَ هَذَا فَمَا زَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَغْفر ربه بَقِيَّة عمره
وَأنزل عَلَيْهِ فِي آخر عمره سُورَة النَّصْر {فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا} وَكَانَ يتَأَوَّل ذَلِك فِي رُكُوعه وَسُجُوده أى يمتثل مَا أمره ربه
فَإِذا كَانَ سيد الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَغْفر ربه كَيفَ لَا يسْتَغْفر غَيره وَيَتُوب وَإِن قيل لَهُ ذَلِك أبي وأخذته الْعِزَّة
وَلِهَذَا مَا زَالَ سُبْحَانَهُ يُخَاطب أهل وبيعة الرضْوَان بِالْأَمر والنهى والوعد والوعيد وَيذكر أَنه عَلَيْهِم كَمَا قَالَ تَعَالَى {لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه بهم رؤوف رَحِيم} وَقد نزلت بعد عَام
(1/259)

الْحُدَيْبِيَة بِثَلَاث سِنِين وَقد كَانَ من شَأْن مسطح الَّذِي كَانَ يصله أَبُو بكر لرحمه مَا كَانَ وَهُوَ من أهل بدر رَضِي الله عَنْهُم وعده الله فِي قَوْله {لكل امْرِئ مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم} وَقَوله {وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم} وَقَوله {إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم} وَقد روى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جلدهمْ
فقد وَقع هَذَا البدرى رَضِي الله عَنهُ المغفور لَهُ فِي هَذَا الْإِفْك الْعَظِيم لَكِن تَابَ مِنْهُ بِلَا ريب فَتبين أَن قَوْله {قد غفر لكم} لَا منع أَن يعلمُوا بعد ذَلِك ذنوبا ويتوبون مِنْهَا بل لَا بُد أَن يكون لِئَلَّا يتكلوا عَليّ الْأَخْبَار فَقَط بل لَا بُد من فعل السَّبَب من التَّوْبَة والحسنات الماحيات الْمُتَقَدّمَة أَو غير ذَلِك من الْأَسْبَاب كالمصائب فِي الدِّينَا أَو فِي البرزخ أَو عرصات الْقِيَامَة أويرحمهم
وَهَذِه الْأَسْبَاب يشْتَرك فِيهَا من علم أَنه قد غفر لَهُ وَمن لم يعلم لَكِن قد علم أَن الله يغْفر للتائب ويدخله الْجنَّة
وَأما الْجَاهِل بِحَالهِ فَلَا يدْرِي حَاله عِنْد الله فَعلمه بِأَن الله يغْفر الذَّنب وَيَأْخُذ بِهِ وإيمانه الْعَظِيم الَّذِي فِي قلبه بذلك أَفَادَهُ أَنه صَار عِنْد الله مِمَّن يغْفر لَهُ لَا محَالة فَلَا بُد لَهُ من الْأَسْبَاب فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يَدُوم عَليّ الْإِيمَان ودوامه عَليّ الْإِيمَان من أعظم الْحَسَنَات الماحية وَأَن يصلى وَيَتُوب ويستغفر وَنَحْو ذَلِك من مُوجبَات الرَّحْمَة وعزاذم الْمَغْفِرَة
وَمن كرر التَّوْبَة مَرَّات واسترسل فِي الذُّنُوب وَتعلق بِهَذَا الحَدِيث كَانَ مخدوعا مغرورا من وَجْهَيْن
أَحدهمَا ظَنّه أَن الحَدِيث عَام فِي حق كل نَائِب وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَة حَال فَيدل عَليّ أَن من عباد الله من هُوَ كَذَلِك
وَالثَّانِي أَن هَذَا لَا يقتضى أَن يغْفر لَهُ بِدُونِ أَسبَاب الْمَغْفِرَة كَمَا قدمنَا وَمن كرر التَّوْبَة الْمَذْكُورَة وَالْعود للذنب لَا يجْزم لَهُ أَنه قد دخل فِي معنى
(1/260)

هَذَا الحَدِيث وَأَنه قد يعْمل بعد ذَلِك مَا شَاءَ لَا يُرْجَى لَهُ أَنه يكون من أهل الْوَعْد وَلَا يجْزم لمُعين بِهَذَا الحكم كَمَا لَا يجْزم فِي حق معِين بالوعيد كساذر نُصُوص الْوَعْد والوعيد فَإِن هَذَا كَقَوْلِه من فعل كَذَا دخل الْجنَّة وَمن فعل كَذَا دخل النَّار لَا يجْزم لمُعين لَكِن يُرْجَى للمحسن وَيخَاف على المسئ
وَمن هَذَا الْبَاب حَدِيث البطاقة الَّتِي قدر الْكَفّ فِيهَا التَّوْحِيد وضعت فِي الْمِيزَان فرجحت عَليّ تِلْكَ السجلات من السيذات
وَلَيْسَ كل من تكلم بالسهادتين كلن بِهَذِهِ المنرلة لِأَن هَذَا العَبْد صَاحب البطاقة كَانَ فِي قلبه من التَّوْحِيد وَالْيَقِين وَالْإِخْلَاص مَا أوجب أَن عظم قدره حَتَّى صَار راجحا على هَذِه السَّيِّئَات
وَمن أحل ذَلِك صَار الْمَدّ من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أفضل من مثل جبل أحد ذَهَبا من غَيرهم
وَمن ذَلِك حَدِيث الْبَغي الَّتِي سقت كَلْبا فغفر لَهَا فَلَا يُقَال فِي كل بغى سقت كَلْبا غفر لَهَا لِأَن هَذِه البغى قد حصل لَهَا من الصدْق وَالْإِخْلَاص وَالرَّحْمَة بِخلق الله مَا عَادل إِثْم البغى وَزَاد عَلَيْهِ مَا أوجب الْمَغْفِرَة وَالْمَغْفِرَة تحصل بِمَا يحصل فِي الْقلب من الْإِيمَان الَّذِي يعلم الله وَحده مِقْدَاره وَصفته وَهَذَا يفتح بَاب الْعَمَل ويجتهد بِهِ العَبْد أَن يَأْتِي بِهَذِهِ الْأَعْمَال وأمثالها من مُوجبَات الرَّحْمَة وعزائم الْمَغْفِرَة وَيكون مَعَ ذَلِك بَين الْخَوْف والرجاء كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة أَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون}
وَلِهَذَا اسْتثْنى ابْن مَسْعُود وَغَيره فِي الْإِيمَان فَكَانَ يَقُول أحدهم أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله فَإِن الْإِيمَان الْمُطلق الْكَامِل يقتضى أَدَاء الْوَاجِب وأحدهم لَا يعلم بِيَقِين أَنه أدّى كل الْوَاجِب كَمَا أَمر وَلَئِن فَهُوَ فضل من الله ورحة فَلهَذَا استثنوا فِيهِ واستثنوا فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا لِأَنَّهُ لَا يجْزم بِأَنَّهُ أَتَى بهَا عَليّ وَجههَا فيأتى بِمَا أَتَى بِهِ من الْخَيْر وَقَلبه وَجل
(1/261)

وَإِن كَانَ للاستثناء وَجه آخر وَهُوَ خوف الخاتمة وَأَن الْمُؤمن الْمُطلق هُوَ من علم الله أَنه يَمُوت عَليّ الْإِيمَان الْكَامِل
وَوجه ثَالِث وَهُوَ التَّبَرُّك بِمَشِيئَة الله
وَمثل تهذا الحَدِيث يُوجب فائدتين عظيمتين
أَحدهمَا أَن يعْمل الْإِنْسَان مثل هَذَا الْعَمَل مُجْتَهدا فِي تقوى الله تَعَالَى حَتَّى يثيبه بِمثل هَذَا الْجَزَاء
الثَّانِي أَنه إِذا رأى غَيره من الْمُؤمنِينَ لَهُ من الذُّنُوب مَا يُمكن أَن يكون لَهُ مَعهَا مثل هَذِه الْحَسَنَة الَّتِي يكون صَاحبهَا مغفورا لَهُ لم يشْهد لَهُ بالنَّار وَلم يعامله بِمَا يُعَامل بِهِ أهل الكباذر بل يرجوا أَن يرحمه الله بل قد يكون من أَوْلِيَاء الله فَإِن من كَانَ مُؤمنا نقيا كَانَ لله وليا فَلَا يحكم على أحد معِين من أهل الْقبْلَة أَنه من أهل النَّار وَلَو قتل نَفسه إِلَّا أَن يكون مَعَه علم يَقِين كَالَّذي شهد لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه من أهل النَّار لقَتله نَفسه بالمشقص وَعبد الله بن أبي بن سلول وإبليس وَالله أعلم

فصل
فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ من أحب أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وينسأ لَهُ فِي عمره فَليصل رَحمَه
وَقد تَأَول بَعضهم أَنه يُبَارك لَهُ فِي عمره حَتَّى قد يعْمل فِيهِ من الْخَيْر فِي الْعُمر الْقصير مَا يعْمل فِي الْعُمر الطَّوِيل
وَالصَّحِيح أَنه يزِيد وَينْقص فِيمَا فِي أَيدي الْمَلَائِكَة من الصُّحُف كَمَا تقدم
وَلَيْسَ لأحد اطلَاع عَليّ اللَّوْح سوى الله
وَمَا يُوجد فِي كَلَام بعض الشُّيُوخ والمتكلمين من الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فمبنى على
(1/262)

مَا اعتقدوا من أَن اللَّوْح هُوَ الْعقل الفعال وَأَن نفوس الْبشر تتصل بِهِ كَمَا يذكر ذَلِك أَصْحَاب رساذل إخْوَان الصفاء
وَقد يُوجد فِي كَلَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ فِي مثل جَوَاهِر الْقُرْآن والإحياء ويظن من لَا يعرف حَقِيقَة هَؤُلَاءِ وَلَا حَقِيقَة دين الْإِسْلَام أَن هَذَا من كَلَام أَوْلِيَاء الله المكاشفين وَلَا يعلم هَذَا الْجَاهِل أَن الفلاسفة الصوفين تَقوله فِي الْعقل الفعال وَأَن الْعلم السُّفْلى يفِيض عَنهُ وَأَنه فِي الْحَقِيقَة ربه ومدبره
وَكَذَلِكَ مَا يَقُولُونَهُ فِي الْعُقُول الْعشْرَة من كَون كل عقل يفِيض عَنهُ مَا تَحْتَهُ وَهُوَ كفر بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى
وَهَؤُلَاء يَأْخُذُونَ لب الصابئة ويكسونه لحى الْإِسْلَام وهم من جنس الْمَلَاحِدَة الْمُنَافِقين يلبسُونَ على الْمُسلمين وَإِن كَانَ مِنْهُم من قد تَابَ أَو تلبس عَلَيْهِ مَعَ أَن أصل الْإِيمَان مَعَه وَأَخْطَأ فِي بعض ذَلِك أخطاء قد يغفرها الله لَهُ
ويزعمون أَنه لم يسْجد لآدَم شئ من الْمَلَائِكَة وَأَن الشَّيَاطِين امْتَنعُوا عَن السُّجُود لَهُ لأَنهم يفسرون الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين بقوى النَّفس قوى الْخَيْر وَالشَّر ويجعلون كَلَام الله للأنبياء مَا يفِيض عَلَيْهِم من نفوس الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم وَمَلَائِكَته مَا يكون فِي نُفُوسهم من الأشكال النورانية
وَالْمَقْصُود أَنه يُوجد فِي عِبَارَات هَؤُلَاءِ إِطْلَاق اللَّوْح والقلم وَالْمَلَائِكَة وَنَحْو ذَلِك من عِبَارَات الْمُسلمين وَلَكِن المُرَاد بهَا عِنْدهم مَا هُوَ من دين الصائبة وَلَيْسَ من دين الْمُسلمين

فصل
أما الدُّعَاء بطول الْعُمر فقد كرهه الْأَئِمَّة وَكَانَ أَحْمد إِذا دَعَا لَهُ أحد بطول الْعُمر يكره ذَلِك وَيَقُول هَذَا أَمر قد فرغ مِنْهُ
وَحَدِيث أم حَبِيبَة رضى الله عَنْهَا لما طلبت امتاعها يُزَوّجهَا وأبيها وأخيها
(1/263)

فَقَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلت الله لآجال مَضْرُوبَة وآثار مبلوغة وأرزاق مقسومة
فَفِيهِ أَن الْعُمر لَا يطول بِهَذَا السَّبَب الَّذِي هُوَ الدُّعَاء فَقَط
وَقد تنَازع النَّاس فِي الدُّعَاء مُطلقًا
فَقَالَت طَائِفَة لَا فَائِدَة فِيهِ وهم المتفلسفة والمتصوفة وتبعهم طاذفة من الْمُؤمنِينَ باشراذع قَالُوا إِنَّه عبَادَة مَحْضَة
وَقَالَ آخَرُونَ بل هُوَ أَمارَة وعلامة على حُصُول الْمَطْلُوب وكل هَذَا بَاطِل
بل الْحق أَنه من أعظم الْأَسْبَاب الَّتِي جعلهَا الله سَببا
وَالصَّوَاب أَن الله جعل فِي الْأَجْسَام القوى الَّتِي هِيَ الطباذع فَإِن من أهل الْإِثْبَات من أنكرها وَقَالَ إِن الله جعل الْآثَار عِنْدهَا لَا بهَا فيخلق الشِّبَع عِنْد الْأكل لَا بِهِ وَهَذَا خلاف الْكتاب وَالسّنة فَإِن الله تَعَالَى قَالَ {فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات} وَفِي الْقُرْآن من هَذَا كثير
فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ جعل فِي الْأَجْسَام قوى مهيذة فَكَذَلِك الدُّعَاء من جملَة الْأَسْبَاب الَّتِي خلقهَا وَالسَّبَب لَا يسْتَقلّ بالحكم وَلَا يُوجِبهُ بل قد يتَخَلَّف الحكم عَنهُ لمَانع فاذا كَانَ متوقفا على وجود أَسبَاب أخر وَانْتِفَاء مَوَانِع فَلَيْسَ فِي الْوُجُود مَا يسْتَقلّ بالتأثير إِلَّا الله الَّذِي هُوَ خَالق كل شئ وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن قَالَ تَعَالَى {وَمن كل شَيْء خلقنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ} فتعملون أَن خَالق الْأزْوَاج وَاجِد
وَقد بسطنا الْكَلَام فِي بطلَان مَا قَالَه المتفلسفون فِي أَن الْوَاحِد لَا يصدر عَنهُ رلا وَاحِد وَمَا ذَكرُوهُ من التَّرْتِيب الَّذِي وضعوه لخيالاتهم الْفَاسِدَة فِي غير هَذَا الْموضع
(1/264)

فصل
لَا نعلم فِي الْقيام للمصحف شَيْئا مأثورا عَن السّلف
وَقد سُئِلَ أَحْمد عَن تقبيله فَقَالَ مَا سَمِعت فِيهِ شَيْئا وَلَكِن روى عَن عِكْرِمَة ابْن أبي جهل أَنه كَانَ يفتح الْمُصحف وَيَضَع وجهة عَلَيْهِ وَيَقُول كَلَام رَبِّي كَلَام رَبِّي
وَالسَّلَف وَإِن لم يكن من عَادَتهم قيام بَعضهم لبَعض رلا لمثل القادم من غيبَة وَنَحْو ذَلِك وَلم يكن أحد أحب إِلَيْهِم من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يَكُونُوا يقومُونَ لَهُ لما يرَوْنَ فِي وجهة من كَرَاهَته لذَلِك
وَالْأَفْضَل للنَّاس اتِّبَاع السّلف فِي كل شئ
فَأَما إِذا اعتادوا الْقيام لبَعْضهِم بَعْضًا فقد يُقَال إِن تركُوا الْقيام للمصحف مَعَ تعود الْقيام لبَعْضهِم لم يَكُونُوا محسنين بل هم إِلَيّ الذَّم أقرب حَيْثُ يجب للمصحف من احترامه وتعظيمه مَا لَا يجب لغيره وَفِي ذَلِك تَعْظِيم حرمات الله وشعائره
وَقد ذكر بعض الْفُقَهَاء الْكِبَار قيام النَّاس للمصحف ذكر مقررا لَهُ غير مُنكر
وَأما جعله عِنْد الْقَبْر وَإِيقَاد الْقَنَادِيل هُنَاكَ فَهُوَ منهى عَنهُ وَلَو جعل للْقِرَاءَة هُنَاكَ فَكيف إِذا لم يقْرَأ فِيهِ وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن الله زوارات الْقُبُور والمتخذين عَلَيْهَا السرج والمساجد وترتيب الذَّم على الْمَجْمُوع يقتضى أَن كل وَاحِد لَهُ تَأْثِير فِي الذَّم وَالْحرَام لَا يتَوَلَّد بالانضمام الْمُبَاح
وَالنَّاس قد تنازعوا فِي الْقِرَاءَة عِنْد الْقَبْر
(1/265)

وَجعل الْمُصحف عِنْد القر ليقْرَأ فِيهِ بِدعَة مُنكرَة لم يَفْعَلهَا السّلف بل يدْخل فِي معنى اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور وَلَا نزاع فِي النمهى عَن إتخاذها ماسجد
وَمَعْلُوم أَن الْمَسَاجِد بنيت للصَّلَاة وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة

فصل
وَأما استفتاح الفأل بالمصحف فَلم ينْقل عَن السّلف فِيهِ شئ وَقد تنَازع فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ
وَذكر القَاضِي أَبُو يعلى أَن ابْن بطة فعله وَذكر عَن غَيره أَنه كرهه
وَإِنَّمَا كَانَ الفال أَن تسمع نَحْو يَا بُرَيْدَة قَالَ يَا أَبَا بكر يرد أمرنَا
وَأما الطَّيرَة فَأن يكون قد بَدَأَ فِي فعل أَمر أَو عزم عَلَيْهِ فَيسمع كلمة مَكْرُوهَة مثل مَا يتم فيتركه فَهَذَا منهى عَنهُ
وَالَّذِي يَنْبَغِي الاستخارة الَّتِي علمهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمته لم يَجْعَل الفأل والطيرة أمرا باعثا عَليّ شئ من الْفِعْل أَو التّرْك وَإِنَّمَا يأتمر وينتهى بذلك أهل الْجَاهِلِيَّة الَّذين يستقسمون بالأزلام
وَقد حرم الله الاستقسام بهَا كالضرب بالحصا وَالشعِير واللوح والخشب وَالْوَرق الكتوب عَلَيْهِ حُرُوف أبجد وأبيات شعر وَنَحْو ذَلِك منهى عَنهُ لِأَنَّهَا من أَسبَاب الاستقسام بالازلام
فصل
فِيمَن قَالَ لَا بُد لنا من وَاسِطَة بَيْننَا وَبَين الله تَعَالَى
فَإِذا أَرَادَ بالواسطة أَنه لَا بُد من وَاسِطَة تبلغه أَمر الله وَنَهْيه فَهَذَا حق لَا بُد للنَّاس من رَسُول يبلغ عَن الله أمره وَنَهْيه وَيُعلمهُم دين الله الَّذِي تعبدهم بِهِ
(1/266)

فَهَذَا مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل الْملَل وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ كَافِر بِالْإِجْمَاع
وَإِن أَرَادَ بالواسطة أَنه لَا بُد مِنْهُ فِي جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار ورزق الْعباد وهداهم فَهَذَا شرك
وَقد كفر الله بِهِ الْمُشْركين حَيْثُ اتَّخذُوا من دونه شُفَعَاء وأولياء يستجلبون بهم الْمَنَافِع
فَمن جعل الْمَلَائِكَة أَو غَيرهم أَرْبَابًا أَو وَاسِطَة يَدعُوهُم ويتوكل عَلَيْهِم ويسألهم أَو يسْأَل الله بهم غفران الذُّنُوب وهداية الْقُلُوب وتفريج الكربات وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ كَافِر بِإِجْمَاع الْمُسلمين
وَمن جعل الْمَشَايِخ من أهل الْعلم وَالدّين وسائط عَن الرَّسُول يبلغون الْأمة شرائع الرَّسُول وهديه فقد أصَاب وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء
وكل أحد يُؤْخَذ من كَلَامه وَيتْرك إِلَّا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَمن أثبتهم وسائط بِمَعْنى الْحجاب الَّذين بَين الْملك ورعيته بِحَيْثُ يكونُونَ هم يرفعون إِلَى الله حوائج خلقه فَهَذَا شرك وَكفر

فصل
وَأعظم نعْمَة أنعمها الله على الْعباد هِيَ الْإِيمَان وَهُوَ قَول وَعمل يزِيد وَينْقص يزِيد بِالطَّاعَةِ والحسنات وَينْقص بالفسوق والعصيان فَكلما ازْدَادَ الْإِنْسَان عملا للخير ازْدَادَ إيمَانه
هَذَا هُوَ الايمان الْحَقِيقِيّ الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى {اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم}
بل نعم الدُّنْيَا نعْمَة الدّين
وَهل هِيَ نعْمَة أم لَا فِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم
وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا نعْمَة من وَجه وَإِن لم تكن نعْمَة تَامَّة من كل وَجه
(1/267)

وَأما الإنعام بِالدّينِ من فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور فَهُوَ الْخَيْر كُله وَهُوَ النِّعْمَة الْحَقِيقِيَّة عِنْد أهل السّنة إِذْ عِنْدهم أَن الله هُوَ الَّذِي أنعم بِالْخَيرِ كُله
والقدرية عِنْدهم أَنه إِنَّمَا أنعم بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَهِي صَالِحَة للضدين فَقَط

فصل
قد حرم الله تَعَالَى على العَبْد أَن يسْأَل العَبْد مَسْأَلَة إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَإِن كَانَ إِعْطَاء السَّائِل مستحيا فَمن طلب من غَيره وَاجِبا أَو مُسْتَحبا كَانَ قَصده مصلحَة المسؤل أَو مصلحَة نَفسه فَهُوَ مثاب عَليّ ذَلِك
فَإِن قصد حُصُول مَطْلُوبه من غير قصد بِحُصُول النَّفْع للمسؤل فَهَذَا من نَفسه أَتَى
وَمثل هَذَا السُّؤَال لَا يَأْمر الله بِهِ قطّ إِذْ هُوَ سُؤال مَحْض الْمَخْلُوق من غير قصد لنفعه وَالله يَأْمُرنَا أَن نعبده وَحده ويأمرنا أَن نحسن إِلَيّ عبَادَة وَهَذَا لم يقْصد لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَلم يقْصد الرَّغْبَة إِلَى الله وَلَا إِلَى دُعَائِهِ وَلَا قصد الْإِحْسَان إِلَى عبَادَة الَّذِي هُوَ الزَّكَاة وَإِن كَانَ قد لَا يَأْثَم بِمثل هَذَا السُّؤَال لَكِن فرق بَين مَا يُؤمر العَبْد بِهِ وَبَين مَا يُؤذن لَهُ فِيهِ
أَلا ترى أَن السّبْعين ألفا الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة بِلَا حِسَاب هم الَّذين لَا يسْتَرقونَ وَإِن كَانَ من الاسترقاء مَا هُوَ جَائِز
فصل
والإله هُوَ الَّذِي تألهه الْقُلُوب بِكَمَال الْمحبَّة والتعظيم والإجلال والرجاء وَالْخَوْف وَمَعَ علم الْمُؤمن أَن الله رب كل شئ ومليكه فَلَا يُنكر مَا خلقه الله من الْأَسْبَاب فَيَنْبَغِي أَن يعرف فِي الْأَسْبَاب ثَلَاثَة أُمُور
أَحدهَا أَن السَّبَب الْمعِين لَا يسْتَقلّ بالمطلوب بل لَا بُد مَعَه من أَسبَاب أخر وَمَعَ هَذَا فلهَا مَوَانِع
(1/268)

الثَّانِي لَا يجوز أَن يعْتَقد أَن الشئ سَبَب لَا يعلم فَمن أثبت سَببا بِلَا علم أَو بِخِلَاف الشَّرْع كَانَ مُبْطلًا كمن يظنّ أَن النّذر سَبَب فِي رفع الْبلَاء
الثَّالِث أَن الْأَعْمَال الدِّينِيَّة لَا يجوز أَن يتَّخذ شئ مِنْهَا سَببا للدنيا إِلَّا أَن تكون مَشْرُوعَة فَإِن الْعِبَادَة مبناها على الإذان من الشَّارِع فَلَا يجوز أَن يُشْرك بِاللَّه فيدعو غَيره وَإِن ظن أَن ذَلِك سَبَب فِي حُصُول بعض أغراضه
وَكَذَلِكَ لَا يعبد الله بالبدع وَإِن ظن فِي ذَلِك ثَوابًا فَإِن الشَّيْطَان قد تعين الْإِنْسَان على بعض مقاصده إِذا أشرك وَقد يحصل لَهُ بالْكفْر وَالْفِسْق والعصيان بعض أغراضه فَلَا يجوز لَهُ ذَلِك

فصل
الْعَذَاب أَو النَّعيم فِي البرزخ هَل هُوَ على الرّوح فَقَط أَو على الْبدن فَقَط أَو عَلَيْهِمَا فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال للْمُسلمين
وَهل يجب أَن يكون على كل بدن أَو لبَعض الْأَشْخَاص وَفِي بعض الْأَحْوَال على قَوْلَيْنِ
فَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان وَتَفَرَّقَتْ أوصاله بتحريق أَو أكل سبع وَلم يبْق لَهُ أثر كَيفَ يضغطه الْقَبْر وَكَيف ينعم أَو يعذب
فَمن قَالَ إِن ذَلِك عَليّ روح لَا يرد عَلَيْهِ
وَمن قَالَ إِنَّه على الْبدن أَو على الرّوح وعَلى الْبدن أَو هُوَ مُخْتَصّ بِبَعْض النَّاس لَا يرد عَلَيْهِ أَيْضا
وَمن قَالَ إِنَّه عَام فَلهم فب الْأَبدَان قَولَانِ
أَحدهمَا أَن الله يُوصل ذَلِك إِلَى جُزْء من الْبدن وَهُوَ الْجَوْهَر الْفَرد
وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الْبدن يبْلى إِلَّا عجب الذَّنب كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح فالنعيم وَالْعَذَاب يتَّصل إِلَيْهِ مَعَ الرّوح
وَتعلق الرّوح بِالْبدنِ بعد الْمَوْت نوع آخر وَالْعَذَاب أَنْوَاع قد شَاهده فِي
(1/269)

زَمَاننَا غير وَاحِد وَسمع أَصْوَاتهم وَلِهَذَا إِذا أصَاب الْخَيل مغل قربت من قُبُور الْكفَّار فيزول عَنْهَا لما تسمعه فتفزع فينحل بَطنهَا كَمَا يحصل للخائف فَإِن الْفَزع يحل الْبَطن

فصل
والمعاصى فِي الْأَيَّام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ وَالْعِقَاب عَلَيْهَا على قدر ذَلِك الْمَكَان وَالزَّمَان
وَلَا يجوز كِتَابَة الْقُرْآن حَيْثُ يهان كَمَا لَو كتب عَليّ نصيبة قبر تبول عَلَيْهِ الْكلاب ويدوسه النَّاس كَمَا لَا يجوز أَن يُسَافر بِهِ إِلَيّ أَرض الْعَدو فتجنب إِزَالَته وَإِزَالَة مَا كتب فِيهِ من مَوضِع الإهانة بالِاتِّفَاقِ
مَسْأَلَة وَالله تَعَالَى إِذا أَرَادَ أَن يجمع بَين أحد من أَعلَى الْجنَّة أنزلهُ إِلَى الْأَسْفَل
وَقَالَ رجل للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي أحبك مَا أَسْتَطِيع أَن أَصْبِر عَنْك وَإنَّك فِي أَعلَى الْجنَّة فَلَا أَرَاك فَأنْزل الله تَعَالَى {وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا}
وإبليس لعنة الله يعذب بالنَّار هُوَ وَذريته وَإِن كَانَ من نَار فالإنسان مَخْلُوق من صلصال لَو ضرب بالصلصال لقَتله وَالله أعلم
(1/270)

كتاب الزَّكَاة
إِذا خلف مورث مَالا من إبل أَو غنم أَو غَيرهَا فِيهِ شئ حرَام من غصب أَو غَيره لَا يعرفهُ الْوَارِث عينا يعرف مَالِكه أَو لَا يعرفهُ وَقدر نصيب الْحَرَام غير مَعْرُوف
فَإِنَّهُ ينصفه نِصْفَيْنِ نصفه لهَذِهِ الْجِهَة وَنصفه لهَذِهِ الْجِهَة كَمَا فعل عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فِي مشاطرة الْعمَّال أَمْوَالهم لما تبين لَهُ أَن فِي مَالهم شَيْئا من بَيت المَال وَمَا هُوَ خَالص لَهُم وَلم يتَبَيَّن الْقدر فَجعل عمر أَمْوَالهم نِصْفَيْنِ وَلِأَنَّهُ مَال مُشْتَرك وَالشَّرِكَة الْمُطلقَة تقتضى التَّسْوِيَة
وَلَا تجوز الْقرعَة ووقف الْأَمر إِضَاعَة للحقوق
وَالْقَوْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِالْقِسْمَةِ تَارَة والقرعة تَارَة وإنفاقها فِي الْمصَالح تَارَة خير من حَبسهَا بِلَا فَائِدَة
وَقَالَت طَائِفَة تجب الزَّكَاة فِي خمس من الْبَقر كالاإبل وَرووا فِيهِ أثرا فَقَالُوا هَذَا آخر الْأَمريْنِ

فصل
وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا من صَاحب إبل لَا يُؤدى حَقّهَا
يُرَاد بِالْحَقِّ الزَّكَاة وَيُرَاد بِهِ مَا يجب من غير الزَّكَاة مثل الْإِعْطَاء فِي النوائب لِابْنِ السَّبِيل والمسكين وذى الرَّحِم
وَمن حَقّهَا حلبها يَوْم وردهَا لأجل ابْن السَّبِيل وَنَحْوهم فَإِنَّهُم يَقْعُدُونَ عَليّ المَاء
فَإِن إطْعَام الْمُحْتَاج وسقيه فرض كِفَايَة
وَأما مَا يَأْخُذهُ الْعداد فان كَانَ هُوَ من أهل الزَّكَاة أَجْزَأت عَن صَاحبهَا
(1/271)

عِنْد الْأَئِمَّة وَإِن كَانَ من الكلف الَّتِي وَضعهَا الْمُلُوك فَإِنَّهَا لَا تُجزئ عَن الزَّكَاة
وَمن أنكر زَكَاة السَّائِمَة وَجَبت استتابته

فصل
الإقطاع الْيَوْم إقطاع استغلال لَيْسَ لَهُ بَيْعه وَلَا وهبته بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَلَا ينْتَقل إِلَيّ ورثته بِخِلَاف مَا كَانَ فِي العصور الأولى
وَمَا يَأْخُذهُ الْجند لَيْسَ أُجْرَة للْجِهَاد لِأَنَّهُ لَو كَانَ أُجْرَة كَانَ لفعل الْجِهَاد وَإِنَّمَا عَلَيْهِم أَن يقاتلوا فِي سَبِيل الله لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَيكون الدّين كُله لله وأجرهم عَليّ الله فَإِن الله تَعَالَى اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة
والاقطاع يأخذونه معاونة لَهُم وَرِزْقًا لنفقة عِيَالهمْ ولأقامة الْخَيل وَالسِّلَاح وَفِي الحَدِيث مثل الَّذِي يَغْزُو من أمتى فِي سَبِيل اله مثل أم مُوسَى ترْضع ابْنهَا وَتَأْخُذ أجرهَا فهى ترْضِعه لما فِي قَلبهَا عَلَيْهِ من الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة لَا لأجل أجرهَا كَذَا الْمُجَاهِد ويغزو لما فِي قلبه من الْإِيمَان بِاللَّه وَالدَّار الْآخِرَة لَا لأجل المَال
وَإِذا كَانَ الله قد أَمر الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَغَيرهم أَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم وَأوجب عَلَيْهِم عشر أَمْوَالهم من الْخَارِج من الأَرْض فَكيف لَا يجب على من يعْطى مَالا ليجاهد وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جهز غازيا فقد غزا وَمن خَلفه فِي أَهله فقد غزا فَالَّذِي يعْطى الْمُجَاهِد يكون مُجَاهدًا بِمَالِه والمجاهد يُجَاهد بِنَفسِهِ وَأجر كل وَاحِد مِنْهُمَا على الله لَا ينقص أَحدهمَا من الآخر شَيْئا وَلم يكن هَذَا أَجِيرا لهَذَا
وَلَو أعْطى رجل من الْمُسلمين رجلا أَرضًا يستغلها وَيكون هُوَ يُجَاهد فِي سَبِيل الله لوَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الْعشْر وَلم يسْقط لأجل الْجِهَاد فَإِن الإقطاع أولى
(1/272)

وَولى الْأَمر لَا يعطيهم من مَاله وَإِنَّمَا يقسم بَينهم حَقهم كَمَا يقسم التَّرِكَة بَين الْوَرَثَة وَلِهَذَا يجوز لَهُم إجَازَة كَمَا يجوز لأهل الْوَقْف كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور}
فَمن قَامَ بِهَذِهِ الْأُمُور نَصره الله على عدوه
فعلى كل من أنبت الله لَهُ زرعا الْعشْر سَوَاء كَانَ بِأَرْض مصر أَو غَيرهَا من كمالك ومستأجر ومقطع ومستعير
وَكَذَلِكَ التَّمْر وَالزَّبِيب وَنَحْوه مِمَّا تجب فِيهِ لزكاة فَلَا تخلى الأَرْض من عشر أَو خراج بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَلَكِن اخْتلفُوا هَل يجْتَمع الْعشْر وَالْخَرَاج الَّذِي هُوَ خراج الاسلام
فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا وَقَالَ الْبَاقُونَ نعم
وَالْأَرْض الخراجية عِنْد أبي حنيفَة هِيَ الَّتِي يملكهَا صَاحبهَا وَعَلِيهِ فِيهَا الْخراج وَله بيعهَا وهبتها وتورث عَنهُ
فَمن قَالَ إِن أَرض مصر الْيَوْم لَا عشر عَلَيْهَا عِنْد أبي حنيفَة فقد أَخطَأ لِأَن الْجند لَا يملكونها وَلَا الفلاحون وَلم يضْرب على المقطع خراج فِي خدمته
وَإِذا تركت الأَرْض الْمَمْلُوكَة بِلَا عشر ولاخراج كَانَ هَذَا مُخَالفا لإِجْمَاع الْمُسلمين
وَمن أفتى بخلو هَذِه الأَرْض عَن الْعشْر وَالْخَرَاج يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَمن زعم أَن الْجِهَاد هُوَ عوض الْخراج فقد أَخطَأ لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَنهم لَا يملكُونَ الْخراج بل تنَازع النَّاس فِي إجَازَة الإقطاع حَتَّى ظن طوائف من الحنيفة وَغَيرهم أَنه لَا يُؤجر لِأَن المقطع لم يملك الْمَنْفَعَة بِنَفسِهِ وَالْأَرْض الخراجية يؤجرها من عَلَيْهِم الْخراج بِالْإِجْمَاع
الثَّانِي أَن مَا يعطاه الجندي من الرزق لَيْسَ خراجا عَلَيْهِم وَلَا أُجْرَة للْجِهَاد
(1/273)

بل هم أعظم الْمُسْتَحقّين وَغَيره من أصُول الفئ والفئ إِمَّا أَن يختصوا بِهِ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَإِمَّا أَن يَكُونُوا من أَحَق الْمُسلمين بِهِ فَكيف يكون الْخراج مأخوذا مِنْهُم
وَقَول الْقَائِل الامام أسقط عَنْهُم الْخراج لكَوْنهم من الْمُقَاتلَة فصاروا كَأَنَّهُمْ يؤدونه
يُقَال لَهُ هَذَا لَا يسْقط الزَّكَاة لِأَن إقطاعهم إِيَّاهَا لأجل أَن يستغلوها بِلَا خراج وَلَو كَانَ كالخراجية لجازلهم بيعهَا وَالَّذِي تنقل إِلَيْهِ إِمَّا أَن يُؤدى خراجهات أَو يسْقط عَنهُ الْخراج إِن كَانَ من الْمُقَاتلَة فَأَما مَا لم يكن لَهُم ذَلِك علم أَنه لَا خراج عَلَيْهِم
وَلَو اسْتَأْجر الْمُجَاهِد أَرضًا كَانَ عَلَيْهِ الْعشْر عِنْد الْجُمْهُور وَعَلِيهِ الْأُجْرَة لرب الأَرْض وَهُوَ قَول صَاحِبي أبي حنيفَة
وَأَبُو حنيفَة يَقُول الْعشْر على الْمُؤَجّر فَلَا يجْتَمع عِنْده الْأُجْرَة وَالْعشر
وَأَبُو حنيفَة أسقط الْعشْر عَمَّن عَلَيْهِ الْخراج قَالَ لِأَن كِلَاهُمَا حق وَجب بِسَبَب الأَرْض والمقطع لم يُعْط شَيْئا غير مَا أعد نَفسه لَهُ من الْقِتَال
أَلا ترى أَنه لَو أَخذ بعض الْمُسلمين أَرضًا خَرَاجِيَّة كَانَ عَلَيْهِ الْعشْر مَعَ الْجِهَاد يُوضح ذَلِك أَن الأَرْض لَو كَانَت عشرِيَّة وَصَارَت لبيت المَال بطرِيق الْإِرْث فأقطعها السُّلْطَان لمن يستغلها من المقالتة فَهَل يكون ذَلِك مسْقطًا للعشر فَمن يَجْعَل الاقطاع اسْتِئْجَار يَجْعَل الْمُجَاهدين بِمَنْزِلَة من يستأجره الإِمَام للعمارة والفلاحة يَقُول إِذا كَانَ الْخراج على شخص فاعتاض عَنهُ الإِمَام بِبَعْض هَذِه الاعمال كَانَت الأَرْض خَرَاجِيَّة
وَهَذَا غلط عَظِيم فَإِنَّهُ يخرج الْجِهَاد عَن أَن يكون قربَة وَطَاعَة وَيجْعَل الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله بِمَنْزِلَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى استؤجروا الْعِمَارَة وصنعة سلَاح وَالْفُقَهَاء متفقون على الْفرق بَين الِاسْتِئْجَار عَليّ الْقرب وَبَين رزق أَهلهَا
(1/274)

فرزق الْمُقَاتلَة والقضاة المؤذنين وَالْأَئِمَّة جاذز بِلَا نزاع وَأما الِاسْتِئْجَار فَلَا يجوز عِنْد أَكْثَرهم لَا سِيمَا أَوب حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَإِن جوزوه على الْإِمَامَة فَإِنَّهُ لَا يجوز عَليّ الْجِهَاد لِأَنَّهُ يصير مُتَعَيّنا
فَهَؤُلَاءِ غلطوا على الْأَئِمَّة عُمُوما وعَلى أبي حنسفة خُصُوصا

فصل
يجوز أَن توكل من يقبض لَهُ شَيْئا من الزَّكَاة مَا تيَسّر وَإِن كَانَ مَجْهُولا وَلَا مَحْذُور فِيهِ
وَإِن اسْتَأْجر أَرضًا فَعِنْدَ انْعِقَاد الْحبّ أمْطرت السَّمَاء حِجَارَة أهلكت زرعه قبل حَصَاده سقط الْعشْر وَفِي وجوب الْأُجْرَة نزاع
الْأَظْهر أَنه إِن لم يكن تمكن من اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة الْمَقْصُودَة بِالْعقدِ فَلَا أُجْرَة
فصل
لَا يَنْبَغِي أَن تُعْطى الزَّكَاة لمن لَا يَسْتَعِين بهَا على طَاعَة الله فان الله فَرضهَا مَعُونَة عَليّ طَاعَته فَمن لَا يصلى لَا يعْطى حَتَّى يَتُوب ويلتزم بأَدَاء الصَّلَاة
وَمَا يُؤْخَذ من التُّجَّار بِغَيْر اسْم الزَّكَاة من الْوَظَائِف السُّلْطَانِيَّة فَلَا يعْتَبر من الزَّكَاة
وَأما مَا يُؤْخَذ باسم الزَّكَاة فَفِيهِ نزاع وَالْأولَى إِعَادَتهَا إِذا غلب على الظَّن أَنَّهَا لَا تصرف إِلَى مستحقيها وَإِذا أَخذ ولى الْأَمر الْعشْر أَو زَكَاة التِّجَارَة فصرفها فِي مصرفها أَجْزَأت بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَأما إِذا كَانَ ولى الْأَمر مِمَّن يتَعَدَّى فِي صرفهَا فَالْمَشْهُور عِنْد الْأَئِمَّة أَنه يجزى أَيْضا كَمَا نقل ذَلِك عَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم
(1/275)

فصل
إِذا زرع الجندي إقطاعة فَعَلَيهِ فِيهِ الزَّكَاة
وَمذهب ساذر الْأَئِمَّة أَنه لَا بُد فِي الأَرْض من عشر أَو خراج وَهل يَجْتَمِعَانِ قَالَ أَبُو حنيفَة لَا فَلَو كَانَ على مصر خراج كَمَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام كَانَ فِي وجوب الْعشْر عَلَيْهَا نزاع فَأَما الْيَوْم فَلَا خراج عَلَيْهَا لِأَن الأَرْض الخراجية عِنْد أبي حنيفَة هِيَ الَّتِي يملكهَا صَاحبهَا وَعَلِيهِ خراجها وَهُوَ لخراج الَّذِي ضربه عمر على مَا فتح من الأَرْض عنْوَة وأقراها فِي أَيدي أَرْبَابهَا بالخراج الَّذِي ضربه
فَأَما الْجند فَلَا يملكُونَ الأَرْض الْيَوْم فَلَا خراج عَلَيْهِم فَيكون عَلَيْهِم الْعشْر بِلَا نزاع
لَكِن لَو اسْتَأْجرهَا رجل وزرعها فالعشر على الْمُسْتَأْجر صَاحب الزَّرْع عِنْدهم إِلَّا أَبَا حنيفَة فَقَالَ على رب الأَرْض الْمُؤَجّر لَهَا
فصل
دفع الزَّكَاة إِلَى الْوَالِد لَا يجوز عِنْد الْأَئِمَّة المتبوعين فِي الْمَشْهُور عَنْهُم إِلَّا إِذا أَخذهَا لكَونه غارما لإِصْلَاح ذَات الْبَين أَو للْجِهَاد وَنَحْوه مِمَّا فِيهِ مصلحَة للْمُسلمين وَأما إِذا كَانَ غارما فِي مصلحَة نَفسه فَفِيهِ خلاف وجوازه قوي متحبه ويدفعها إِلَيّ أبنائه إِن كَانَ عَاجِزا عَن نَفَقَتهم فِي قَول بَعضهم
وَإِن دَفعهَا إِلَيّ غَرِيمه وشارطه أَن يُوفيه إِيَّاهَا فَلَا يجوز وَإِن قصد ذَلِك من غير شَرط فَفِيهِ نزاع
وَإِن دَفعهَا لَا تجب عَلَيْهِ نَفَقَة من هم فِي عِيَاله فيعطيهم مَا لم تجر عَادَتهم بانفاقه من مَاله وَإِن أَعْطَاهُم مَا هومعتاد إِنْفَاقه من مَاله فَفِيهِ نزاع والمأثور عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا الْمَنْع
وَذكر أَحْمد رَضِي الله عَنهُ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ كَانَ القماء رَحِمهم الله
(1/276)

يَقُولُونَ لَا يحابي بهَا قَرِيبا وَلَا يدْفع بهَا مذلة وَلَا مذمة وَلَا يقى بهَا مَاله وَالله أعلم

فصل
فِي المَال حُقُوق سوى الزَّكَاة مثل صلَة الرَّحِم من النَّفَقَة الْوَاجِبَة وَحمل الْعقل عَن الْمَعْقُول عَنهُ وَاجِب بِالْإِجْمَاع وَمثل إطْعَام الجاذع وَكِسْوَة العارى وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ فرض كِفَايَة فَمن غلب ظَنّه أَن غَيره لَا يقوم بذلك تعين عَلَيْهِ
وَمثل الْإِعْطَاء فِي النواذب مثل النَّفَقَة فِي الْجِهَاد وقرى الضَّيْف فَهُوَ وَاجِب بِالسنةِ الصَّحِيحَة
فصل
كل مَا أعد للتِّجَارَة من مَاء وحطب وَغَيره فَفِيهِ الزَّكَاة وَمَا أعد للكراء كالقدور وَالْجمال وَالْعَقار وَغَيرهَا فَفِيهِ نزاع فِي مَذْهَبنَا وَغَيره
وَمن السّلف من يُوجب الزَّكَاة فِي الْمعد للكراء إِذا قبض الْأُجْرَة
فصل
إِذا اشْترى من قبض الزَّكَاة ليدفعها إِلَى أَهلهَا عقارا وَنَحْوه فَإِن عَلَيْهِ أَن يُؤدى إِلَى الثَّمَانِية الْأَصْنَاف مِقْدَار الَّذِي قَبضه وَمَا حصل من نَمَاء يقسمهُ بَينه وَبينهمْ
وَإِذا منع بَنو هَاشم حَقهم من الْخمس فَلَا يجوز لَهُم أَخذ الصَّدَقَة إِلَّا عِنْد بعض الْمُتَأَخِّرين وَلَيْسَ هُوَ قولا لأحد المتبوعين
فصل
إِذا فرط الْإِنْسَان وَلم يخرج الزَّكَاة حَتَّى مَاتَ فعلى الْوَرَثَة الْإِخْرَاج عِنْد أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَكَذَلِكَ كل حق لله
وَعند غَيرهمَا لَا يجب عَليّ الْوَرَثَة مَعَ أَنه يعذب بِتَرْكِهِ الزَّكَاة
(1/277)

وَأما إِذا مَاتَ الْمَيِّت وَله غُرَمَاء مديونون لم يسْتَوْف مِمَّا عَلَيْهِم شَيْئا فَهَل مطالبتهم للْمَيت أَو للْوَرَثَة اضْطر فِيهِ النَّاس
وَالصَّوَاب إِن كَانَ الْحق مظالم لم يتَمَكَّن هُوَ وَلَا ورثته من استيفائها من قَود أَو قذف أَو غصب فَهُوَ المطالب
وَإِن كَانَ دينا ثَبت بِاخْتِيَارِهِ وَتمكن من استيفاذه فَلم يستوفه حَتَّى مَاتَ فورثته تطالب بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَإِن كَانَ دينا عجز عَن استيفاذه هُوَ وورثته فالأشبه أَنه هُوَ الَّذِي يُطَالب بِهِ فَإِن الْعَجز إِذا كَانَ ثَابتا فِيهِ وَفِي الْوَارِث وَلم يتَمَكَّن أَحدهمَا من الِانْتِفَاع بذلك فِي الدُّنْيَا لم يدْخل فِي الْمِيرَاث فَيكون الْمُسْتَحق أَحَق بِحقِّهِ فِي الْآخِرَة كَمَا فِي الْمَظَالِم وَالْإِرْث مَشْرُوط بالتمكن من الِاسْتِيفَاء كَمَا أَنه مَشْرُوط بِالْعلمِ بالوارث
فَلَو مَاتَ لَهُ عصبَة بعيدَة لَا يعرف نسبهم لم يرثوه لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَهَذَا عَام فِي جَمِيع الْحُقُوق الَّتِي لله ولعباده هِيَ مَشْرُوطَة بالتمكن من الْعلم وَالْقُدْرَة والمجهول والمعجوز عِنْد كالعدوم
وَلِهَذَا قَالَ الْعلمَاء إِن مَا يجهل مَالِكه من الْأَمْوَال الَّتِي قبضت بِغَيْر حق كالمكوس أَو قبضت بِحَق كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِية وَجَهل صَاحبهَا بِحَيْثُ تعذر ردهَا إِلَيْهِ فَإِنَّهَا تصرف فِي مصَالح الْمُسلمين وَتَكون حَلَالا لمن أَخذهَا بِحَق كَأَهل الْحَاجة والاستعانة بهَا على مصَالح الْمُسلمين دون من أَخذهَا بباطل كمن يَأْخُذ فَوق حَقه
ثمَّ الْمَظْلُوم إِذا طَالب بهَا يَوْم الْقِيَامَة وَعَلِيهِ زَكَاة فَلَا تقوم هَذِه بِالزَّكَاةِ بل عُقُوبَة الزَّكَاة أعظم من حَسَنَة الْمَظَالِم والوعيد بترك الزَّكَاة عَظِيم
وَلَكِن الَّذِي ورد أَن الفرذض تجبر بالنوافل فَهَذَا إِذا تصدق بِاخْتِيَارِهِ صَدَقَة تطوع لَا يكون شَيْئا خرج بِغَيْر اخْتِيَاره فَإِنَّهُ يرجي لَهُ أَن يُحَاسب بِمَا
(1/278)

تَركه من الزَّكَاة إِذا كَانَ من أَهلهَا العازمين عَليّ فعلهَا
وَأول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة الصَّلَاة فَإِن أكملها وإلاقيل انْظُرُوا إِن كَانَ لعبدي تطوع فيكمل بهَا فريضته ثمَّ الزَّكَاة كَذَلِك ثمَّ تُؤْخَذ الْأَعْمَال على حِسَاب ذَلِك روى ذَلِك أَحْمد فِي الْمسند
وَهَذَا لِأَن التَّطَوُّع من جنس الْفَرِيضَة فَأمكن الْجبرَان بِهِ عِنْد التَّعَذُّر كَمَا قَالَ الصّديق رَضِي الله عَنهُ إِن الله لَا يقبل نَافِلَة حَتَّى تُؤدِّي الْفَرِيضَة
فَيكون من رَحْمَة الله بِهِ أَن يَجْعَل النَّفْل مثل الْفَرْض بِمَنْزِلَة من أحرم بِالْحَجِّ تَطَوّعا وَعَلِيهِ فَرْضه فَإِنَّهُ يَقع عَن فَرْضه عِنْد طاذفة كالشافعي وَأحمد فِي الْمَشْهُور وَكَذَلِكَ فِي رَمَضَان عِنْد أبي حنيفَة وَقَول فِي مَذْهَب أَحْمد
وَكَذَلِكَ من شكّ هَل وَجب عَلَيْهِ غسل أَو وضوء بحذث أم لَا فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ غسل
وَكَذَلِكَ الْوضُوء عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء لَكِن يسْتَحبّ لَهُ التطهر احْتِيَاطًا وَإِذا فعل ذَلِك وَكَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر أَجْزَأَ عَنهُ لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا
وَكَذَلِكَ الشَّارِع جعل عمل الْغَيْر عَنهُ يقوم مقَام فعله فِيمَا عجز عَنهُ مثل من وَجب عَلَيْهِ الْحَج وَهُوَ معضوب أَو مَاتَ وَلم يحجّ أَو نذر صوما أَو غَيره وَمَات قبل فعله فعله عَنهُ وليه فقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دين أَحَق بِالْقضَاءِ أَي أَحَق أَن يسْتَوْفى من وَارِث الْغَرِيم لِأَنَّهُ أرْحم من الْعباد فَهَذَا تشهد لَهُ الْأُصُول أما أَن يعْتد لَهُ بِالدّينِ عَليّ النَّاس مَعَ كَونه لم يخرج الزَّكَاة فَلَا يَصح
نعم لَو كَانَ للنَّاس عَلَيْهِ مظالم أَو دُيُون بِقدر مَاله عِنْد النَّاس كَانَ يسوغ أَن يُقَال يُحَاسب بذلك فَيُؤْخَذ حَقه من هَذَا وَيصرف إِلَى هَذَا كَمَا يفعل فِي الدُّنْيَا بالمدين الَّذِي لَهُ وَعَلِيهِ
(1/279)

وكل هَذَا من حكم الْعدْل بَين الْعباد وَلَا يظلم رَبك أحدا

فصل
لَا يجوز دفع الزَّكَاة إِلَيّ الْوَالِدين رلا إِذا غرموا أَو كَانُوا مكاتبين فِي وَجه وَالْأَظْهَر الْجَوَاز
وَأما إِذا كَانُوا فُقَرَاء وَهُوَ عَاجز عَن نفقتهما فالأقوى جَوَازه فِي هَذِه الْحَال
والأحوة أولى فَإِن اسْتَووا فالقرابة أولي من الْأَجْنَبِيّ
فصل
إِذا أعْطى الْوَرَثَة من لَهُ دين على مُورثهم إِن كَانَ مُسْتَحقّا لِلزَّكَاةِ دَرَاهِم أَجْزَأَ بِلَا ريب وَأما إِذا أَعْطوهُ الْقيمَة فَفِيهِ نزاع هَل يجوز مُطلقًا أَو لَا يجوز مُطلقًا أَو يجوز فِي بعض الصُّور للْحَاجة أَو الْمصلحَة الراجحة على ثَلَاثَة أَقْوَال فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَهَذَا القَوْل هُوَ أعدل الْأَقْوَال
فَإِن كَانَ آخذ الزَّكَاة يُرِيد أَن يشترى هبا كسْوَة فَاشْترى رب المَال لَهُ بهَا كسْوَة وَأَعْطَاهُ فقد أحسن إِلَيْهِ وَأما إِذا قوم هُوَ الثِّيَاب الَّتِي عِنْده وَأَعْطَاهَا إِيَّاه فقد يقومها بِأَكْثَرَ من السّعر وَقد يَأْخُذ الثِّيَاب من لَا يحْتَاج إِلَيْهَا بل يَبِيعهَا فَيغرم أُجْرَة المادى وَرُبمَا خسرت فَيكون فِي ذَلِك ضَرَر عَليّ الْفُقَرَاء
والأصناف الَّتِي يتجر فِيهَا يجوز أَن يخرج عَنْهَا جميعاض دَرَاهِم بِالْقيمَةِ فَإِن لم يكن عِنْده دَرَاهِم فَأعْطى مقدارها من جنس مَا يتجر فِيهِ فَالْأَظْهر أَنه يجوز لِأَنَّهُ واسى الْفُقَرَاء فَأَعْطَاهُمْ من جنس مَاله
وَأما الدّين الَّذِي عَليّ الْمَيِّت فَيجوز أَن يُوفى من الزَّكَاة فِي أحد فولى الْعلمَاء وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد لِأَن الله تَعَالَى قَالَ {والغارمين} وَلم يقل وللغارمين فالغارم لَا يشْتَرط تَمْلِيكه على هَذَا وَعلي هَذَا يجوز الْوَفَاء عَنهُ وَأَن يملك لوَارِثه وَلغيره وَلَكِن الَّذِي عَلَيْهِ الدّين لَا يعْطى ليوفى دينه وَالله أعلم
(1/280)

فصل
وَالْمَرْأَة يكون لَهَا صَدَاقهَا عِنْد زَوجهَا تمر عَلَيْهِ السنون المتوالية لَا يُمكنهَا أَن تطالبه بِهِ لِئَلَّا تقع الْفرْقَة بَينهمَا فيعوضها عَن صَدَاقهَا بعقار أَو يدْفع لَهَا الصَدَاق جملَة بعد مُدَّة من السنين فَهَل عَلَيْهَا فِيهِ الزَّكَاة السنين الْمَاضِيَة بِمُجَرَّد قبضهَا لَهُ أم إِلَى أَن يحول عَلَيْهِ الْحول من حِين قَبضته
هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا للْعُلَمَاء أَقْوَال
قيل يجب تَزْكِيَة السنين الْمَاضِيَة سَوَاء كَانَ الزَّوْج مُوسِرًا أَو مُعسرا كَأحد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَقد نَصره طاذفة من أصحابهما
وَقيل تجب مَعَ يسَاره وتمكنها من قَبضه دون مَا إِذا لم يُمكن تمكينها من الْقَبْض كالقول الآخر فِي مَذْهَبهمَا
وَقيل تجب لسنة وَاحِدَة كَقَوْل مَالك وَقَول فِي مَذْهَب أَحْمد
وَقيل لَا تجب بِحَال كَقَوْل أبي حنيفَة وَقَول فِي مَذْهَب أَحْمد
وأضعف الْأَقْوَال قَول من يُوجِبهَا لسنين الْمَاضِيَة حتي مَعَ الْعَجز عَن قَبضه
فَإِن هَذَا القَوْل بَاطِل فَأَما أَن يجب للفقاء مَا يأخذونه مَعَ أَنه لم يحصل لَهُم شئ فَهَذَا مُمْتَنع فِي الشَّرِيعَة ثمَّ إِذا طَال الزَّمَان كَانَت الزَّكَاة أَكثر من المَال ثمَّ إِذا نقص النّصاب وَقيل إِن الزَّكَاة تجب فِي عين النّصاب وَقيل إِن الزَّكَاة تجب فِي عين النّصاب لم يعلم الْوَاجِب إِلَّا بِحِسَاب طَوِيل يمْتَنع إتْيَان الشِّيعَة بِهِ
وَأقرب الْأَقْوَال قَول من لَا يُوجب فِيهِ سيذا بِحَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول أَو يُوجب فِيهِ زَكَاة عِنْد الْقَبْض فَلهَذَا القَوْل وَجه وَلِهَذَا وَجه وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَهَذَا قَول مَالك وَكِلَاهُمَا قيل بِهِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَالله أعلم
(1/281)

فصل
صَدَقَة الْفطر قدرهَا صَاع من الشّعير أَو التَّمْر وَنصفه من الْبر عِنْد أبي حنيفَة وَاخْتِيَار الشَّيْخ وخرجه على قَوَاعِد أَحْمد
وَإِذا كَانَ الْفُقَرَاء مُجْتَمعين فِي مَوضِع وأكلهم جَمِيعًا فِي سماط وهم مشتركون فِيمَا يَأْكُلُون فِي الصَّوْم وَيَوْم الْعِيد لم يكن لأَحَدهم أَن يعْطى فطرته لوَاحِد من هَؤُلَاءِ الشُّرَكَاء وَكَذَلِكَ إِن دَفعهَا إِلَى وَاحِد على أَن يَدْفَعهَا إِلَى الآخر
وَأما إِذا كَانُوا متفقين على أَن الصَّدَقَة الَّتِي يَأْخُذهَا أحدهم يشتركون جَمِيعًا فِي أكلهَا فَهَذَا لَا يجوز بِلَا ريب
(1/282)

كتاب الصَّيام
إِذا غم الْهلَال أَو حَال دونه غيم أَو قتر لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من شعْبَان فللناس فِي صَوْمه ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا يجب صَوْمه وَهُوَ قَول كثير من أَصْحَاب أَحْمد وَضعف أَبُو الْخطاب وَابْن عقيل هَذَا
والأولون يذكرُونَ أَن هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ وَلم أجد فِيمَا وقفت عَلَيْهِ من كَلَام أَحْمد مَا يَقْتَضِي أَنه كَانَ يُوجِبهُ
وَلَكِن الَّذِي وجدته أَنه كَانَ يَصُومهُ أَو يسْتَحبّ صَوْمه اتبَاعا للصحابة رَضِي الله عَنْهُم وَكَذَلِكَ القَوْل عَن الصَّحَابَة يَقْتَضِي جَوَاز صَوْمه أَو اسْتِحْبَابه لَا وُجُوبه
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه جَائِز وَلَا وَاجِب وَلَا محرم وَهَذَا القَوْل أعدل
وَهل يجل تعْيين النِّيَّة لرمضان
فمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ تجب فَلَو نوى نِيَّة مُطلقَة أَو معلقَة لم تجزه وَعند أبي حنيفَة لَا يجب التَّعْيِين فَلَو نوى نِيَّة مُطلقَة أَو معلقَة تقع عَن رَمَضَان فِي هَذِه الصُّورَة وَفِي هَذِه الصُّورَة فِي مَذْهَب أَحْمد ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا كمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ يجب
وَالثَّانِي كَقَوْل أبي حنيفَة
وَالثَّالِث تقع عَن رَمَضَان مَعَ الْإِطْلَاق لَا مَعَ نِيَّة غير رَمَضَان وَهَذَا اخْتِيَار الْخرقِيّ فِي شرح الْمُخْتَصر وَاخْتِيَار جدي الْمجد عبد السَّلَام وَغَيرهم
وَالَّذِي يجب أَن يفرق بَين الْعَالم فَمن علم أَن غَدا من رَمَضَان وَلم يُنَوّه بل نوى غَيره فَقَط ترك الْوَاجِب فَلم يجزه وَمن لم يعلم فَنوى صوما مُطلقًا للِاحْتِيَاط أَو صوما مُقَيّدا فَهَذَا إِذا قيل بِجَوَازِهِ كَانَ مُتَوَجها
(1/283)

وَيَوْم الشَّك يَوْم يتحدث النَّاس بِرُؤْيَة الْهلَال وَيَرَاهُ من لَا يثبت بقوله وَيكون صحوا
أما يَوْم الْغَيْم فَهَل هُوَ يَوْم شكّ فِيهِ رِوَايَتَانِ
وَقد يُقَال إِن أصل ذَلِك أَن الْهلَال اسْم لما يرَاهُ النَّاس ويستهلون بِهِ أَو هُوَ اسْم لما يطلع فِي السَّمَاء وَإِن لم يره النَّاس على قَوْلَيْنِ
وَالْقَوْل الثَّالِث فِي الْمَسْأَلَة أَنه ينْهَى عَن صَوْم هَذَا الْيَوْم لِأَنَّهُ يَوْم الشَّك إِلَّا أَن يُوَافق عَادَة وَهل من نهي أَو تَنْزِيه على قَوْلَيْنِ
وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَات عَنهُ وَعنهُ رِوَايَة ثَالِثَة أَن النَّاس تبع للامام

فصل
وَمن شكّ فِي مِقْدَار مَا وَجب من الصَّلَاة عَلَيْهِ وَفِي قدر مَا وَجب من الزَّكَاة كمن قَالَ لَا أَدْرِي أبلغ مَالِي مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة من سنة أم من سنتَيْن أَو حَال على مَالِي حول أَو حولان فَعَلَيهِ الْيَقِين
وَمن لم يعلم أَن الْهلَال رؤى إِلَّا من النَّهَار هَل يلْحق بِأَهْل الْأَعْذَار مبناه على أَن الْهلَال هَل هُوَ اسْم لما يستهل أَي يتَكَلَّم بِهِ النَّاس أَو اسْم لما يطلع فِي السَّمَاء وَإِن لم يتكلموا
ثمَّ إِذا قيل هُوَ اسْم لما يتَكَلَّم بِهِ النَّاس فَهُوَ يخْتَص بِمن تكلم بِهِ أَو بِغَيْرِهِ فِيهِ نزاع أَيْضا
وَمن نذر صَوْم يَوْم يقدم فلَان فَقدم نَهَارا فَأمْسك من حِين علم بِهِ فَهَل يجْزِيه فِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد فَمن لم يلْحقهُ بِأَهْل الاعذار قَالَ إِذا علم من النَّهَار فَعَلَيهِ أَن يمسك كَمَا يَقُوله طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيره وَمن ألحقهُ بِأَهْل الْأَعْذَار قَالَ إِذا لم يعلم إِلَّا بِالنَّهَارِ فَلَا يجْزِيه الصَّوْم سَوَاء علم قبل
(1/284)

الزَّوَال أَو بعده كمن نذر صَوْم يَوْم يقدم فلَان فَقدم نَهَارا وَهُوَ مُمْسك فَنوى حِين قدومه أَجزَأَهُ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد كَمَا قدمْنَاهُ وَالْأُخْرَى يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ
وَإِن قدم وَهُوَ مفطر أَو يَوْم عيد أَو فِي رَمَضَان فَهَل عَلَيْهِ الْقَضَاء على رِوَايَتَيْنِ

فصل
قَضَاء الصَّلَاة لم يجب على الْحَائِض لِأَنَّهُ لَا يجب فِي الْيَوْم أَكثر من خمس صلوَات وَلم تكن الصَّلَاة إِلَّا فِي أَوْقَاتهَا فَلَمَّا وَجب فِيهِ خمس أَدَّاهُ لم يجب فِيهِ خمس أُخْرَى قَضَاء بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ يجب فِي وَقت الْحيض فَلَا يكون فِيهِ صَوْم آخر عَلَيْهَا
فصل
الْفطر للْمُسَافِر جَائِز بِاتِّفَاق الْمُسلمين سَوَاء كَانَ سفر حج أَو جِهَاد أَو تِجَارَة أَو نَحْو ذَلِك من الْأَسْفَار الَّتِي لَا يكرهها الله وَرَسُوله
وَتَنَازَعُوا فِي سفر الْمعْصِيَة كَالَّذي يُسَافر ليقطع الطَّرِيق وَنَحْو ذَلِك على قَوْلَيْنِ مشهورين كَمَا تنازعوا فِي قصر الصَّلَاة
فَأَما السّفر الَّذِي تقصر فِيهِ الصَّلَاة فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ الْفطر مَعَ الْقَضَاء بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَيجوز الْفطر للْمُسَافِر بِاتِّفَاق الْأمة سَوَاء كَانَ قَادِرًا على الصّيام أَو عَاجِزا وَسَوَاء شقّ عَلَيْهِ الصَّوْم أَو لم يشق بِحَيْثُ لَو كَانَ مُسَافِرًا فِي الظل وَالْمَاء وَمَعَهُ من يَخْدمه جَازَ لَهُ الْفطر وَالْقصر
وَمن قَالَ إِن الْفطر لَا يجوز إِلَّا لمن عجز عَن الصّيام فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَكَذَلِكَ من أنكر على الْمُفطر فطره فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب من ذَلِك
وَمن قَالَ إِن الْمُفطر عَلَيْهِ إِثْم فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب من ذَلِك فَإِن هَذِه الْأَحْوَال
(1/285)

خلاف كتاب الله وَخلاف سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخلاف إِجْمَاع الْأمة
وَهَكَذَا السّنة للْمُسَافِر أَنه يُصَلِّي الرّبَاعِيّة رَكْعَتَيْنِ وَالْقصر أفضل لَهُ من التربيع عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة كمذهب مَالك وَأبي حنيفَة وَأحمد وَالشَّافِعِيّ فِي أصح قوليه
وَلم تتنازع الْأمة فِي جَوَاز الْفطر للْمُسَافِر بل تنازعوا فِي جَوَاز الصّيام للْمُسَافِر فَذهب طَائِفَة من السّلف وَالْخلف إِلَى أَن الصَّائِم فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر وَإِذا صَامَ لم يجزه بل عَلَيْهِ أَن يقْضِي ويروي هَذَا عَن عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف وَأبي هُرَيْرَة وَغَيرهمَا من السّلف وَهُوَ مَذْهَب أهل الظَّاهِر
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لَيْسَ من الْبر الصَّوْم فِي السّفر
لَكِن مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَنه يجوز للْمُسَافِر أَن يَصُوم وَأَن يفْطر كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس قَالَ كُنَّا نسافر مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَمَضَان فمنا الصَّائِم وَمنا الْمُفطر فَلَا يعيب الصَّائِم على الْمُفطر وَلَا الْمُفطر على الصَّائِم
وَقد قَالَ الله تَعَالَى {وَمن كَانَ مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر}
وَفِي الْمسند عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن الله يحب أَن يُؤْخَذ بِرُخصِهِ كَمَا يكره أَن تُؤْتى مَعْصِيَته
وَفِي الصَّحِيح أَن رجلا قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي رجل أَكثر الصَّوْم أفأصوم فِي السّفر فَقَالَ إِن أفطرت فَحسن وَإِن صمت فَلَا بَأْس
وَفِي حَدِيث آخر خياركم الَّذِي يقصرون فِي السّفر ويفطرون
وَأما مِقْدَار السّفر الَّذِي يقصر فِيهِ وَيفْطر فمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه مسيرَة يَوْمَيْنِ قَاصِدين بسير الْإِبِل والأقدام وَهُوَ سِتَّة عشر فرسخا كَمَا بَين مَكَّة
(1/286)

وَعُسْفَان وَمَكَّة وَجدّة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها
وَقَالَ طَائِفَة من السّلف وَالْخلف بل يقصر وَيفْطر فِي كل مَا يُسمى سفرا وان كَانَ أقل من يَوْمَيْنِ
وَهَذَا قَول قوي فَإِنَّهُ قد ثَبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي بِعَرَفَة ومزدلفة وَمنى يقصر الصَّلَاة وَخَلفه أهل مَكَّة وَغَيرهم يصلونَ بِصَلَاتِهِ لم يَأْمر أحدا مِنْهُم بإتمام الصَّلَاة
وَإِذا سَافر فِي أثْنَاء يَوْم فَهَل يجوز لَهُ الْفطر على قَوْلَيْنِ مشهورين للْعُلَمَاء هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
أظهرهمَا أَنه يجوز ذَلِك كَمَا ثَبت فِي السّنَن أَن من الصَّحَابَة من كَانَ يفْطر إِذا خرج من يَوْمه وَيذكر أَن ذَلِك سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نوى الصَّوْم فِي السّفر ثمَّ إِنَّه رُبمَا بِمَاء فَأفْطر وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ
وَأما الْيَوْم الثَّانِي فيفطر فِيهِ بِلَا ريب وَإِن كَانَ مِقْدَار سَفَره يَوْمَيْنِ فِي مَذْهَب جُمْهُور الْأَئِمَّة وَالْأمة
وَأما إِذا قدم الْمُسَافِر فِي أثْنَاء يَوْم فِي وجوب الْإِمْسَاك عَلَيْهِ نزاع مَشْهُور بَين الْعلمَاء لَكِن عَلَيْهِ الْقَضَاء سَوَاء أمسك أَو لم يمسك
وَيفْطر من عَادَته السّفر إِذا كَانَ لَهُ بلد يأوى إِلَيْهِ كالتاجر الْجلاب الَّذِي يجلب الطَّعَام وَغَيره من السلفع وكالمكاري الَّذِي يكرى دوابه من الْجلاب وَغَيرهم وكالبريد الَّذِي يُسَافر فِي مصَالح الْمُسلمين وَنَحْوهم وَكَذَلِكَ الملاح الَّذِي لَهُ مَكَان فِي الْبر يسكنهُ
فَأَما من كَانَ مَعَه فِي السَّفِينَة امْرَأَته وَجَمِيع مَصَالِحه وَلَا يزَال مُسَافِرًا فَهَذَا لَا يقصر وَلَا يفْطر
(1/287)

وَأهل الْبَادِيَة كأعراب الْعَرَب والأكراد وَالتّرْك وَغَيرهم الَّذين يشتون فِي مَكَان ويصيفون فِي مَكَان إِذا كَانُوا فِي حَال ظعنهم من المشتى إِلَى المصيف وَمن المصيف إِلَى المشتى فَإِنَّهُم يفطرون ويقصرون وَأما إِذا نزلُوا بمشتاهم ومصيفهم لم يفطروا وَلم يقصروا وَإِن كَانُوا يتتبعون المراعي والكلأ وَالله أعلم
صَلَاة التَّرَاوِيح
هَل هِيَ وَاجِبَة على الْكِفَايَة فِيهِ قولانه للْعُلَمَاء
وَلَو نذر الصَّلَاة فِي وَقت النَّهْي فَفِي صِحَّتهَا لكَونه يفعل فيهمَا الْوَجْهَانِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد الصَّوَاب أَنه لَا يَصح
صَوْم رَجَب
وأفراد رَجَب بِالصَّوْمِ مَكْرُوه نَص على ذَلِك الْأَئِمَّة كالشافعي وَأحمد وَغَيرهمَا وَسَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي فضل الصَّوْم فِيهِ مَوْضُوعَة لَكِن لَو صَامَ أَكْثَره فَلَا بَأْس
فَلَو نذر صَوْمه قصدرا فَهُوَ مثل من نذر صَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَغَيره من الْعِبَادَات الْمَكْرُوهَة وَالْوَاجِب أَن يَصُوم شهرا آخر
وَهل عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين على قَوْلَيْنِ لنا ولغيرنا وَإِنَّمَا يلْزم الْوَفَاء بِمَا كَانَ طَاعَة بِدُونِ النّذر وَالنّذر فِي نَفسه لَيْسَ بِطَاعَة وَلَكِن يَجْعَل الطَّاعَة وَاجِبَة وَالصَّلَاة فِي وَقت النَّهْي منهى عَنْهَا فَلَا تصير بِالنذرِ طَاعَة وَاجِبَة
فصل
إِذا دخل الْمُسَافِر فَنوى الْإِقَامَة فِي رَمَضَان أقل من أَرْبَعَة أَيَّام فَلهُ أَن يفْطر وَقد تقل عَن طَائِفَة من السّلف أَن الْغَيْبَة والنميمة وَنَحْوهمَا تفطر الصَّائِم وَذكر وَجها فِي مَذْهَب أَحْمد
(1/288)

وَتَحْقِيق الْأَمر فِي ذَلِك أَن الله تَعَالَى أَمر بالصيام لأجل التَّقْوَى وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه فاذا لم تحصل لَهُ التَّقْوَى لم يحصل لَهُ مَقْصُود الصَّوْم فينقص من أجر الصَّوْم بِحَسب ذَلِك
والأعمال الصَّالِحَة لَهَا مقصودان حُصُول الثَّوَاب واندفاع الْعقَاب فَإِذا فعلهَا مَعَ المنهيات من الْغَيْبَة والنميمة وَأكل الْحَرَام وَغَيره فَأَنَّهُ الثَّوَاب
فَقَوْل الْأَئِمَّة لَا يفْطر أَي لَا يُعَاقب عِقَاب الْمُعْلن بِالْفطرِ
وَمن قَالَ إِنَّه يفْطر بِمَعْنى أَنه لم يحصل لَهُ مَقْصُود الصَّوْم أَو قد يذهب بِأَجْر الصَّوْم فَقَوله مُوَافق لقَوْل الْأَئِمَّة
وَمن قَالَ إِنَّه يفْطر بِمَعْنى أَنه يُعَاقب على التّرْك فَهُوَ مُخَالف لأقوالهم
وَأما نقص الْغَيْبَة والنميمة للْوُضُوء فقد نقل عَن طَائِفَة من السّلف وَبَعض الْخلف القَوْل بِالنَّقْضِ
وَالتَّحْقِيق أَن الطَّهَارَة لَهَا مَعْنيانِ
أَحدهمَا الطَّهَارَة من الذُّنُوب كَقَوْلِه تَعَالَى {إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا} وَقَوله {إِنَّهُم أنَاس يتطهرون} وَقَوله {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا}
وَالْمعْنَى الثَّانِي الطَّهَارَة الحسية بِالْمَاءِ وَالتُّرَاب وَإِنَّمَا أَمر بِهَذِهِ لتتحقق تِلْكَ فالفاعل للمهى عَنهُ خرج مَقْصُود الطَّهَارَة فَيُسْتَحَب لَهُ إِعَادَة الْوضُوء
وَأما أَنه بعض كالنقض بِقَضَاء الْحَاجة فَلَا وَلَكِن إِن صلى بعد الْغَيْبَة كَانَ أجره على صلَاته أنقص بِقدر نقص الطَّهَارَة النفسية فتخريج كَلَامهم على هَذَا لَا يُنَافِي قَول الْأَئِمَّة
(1/289)

فصل
الْيَوْم الثَّامِن من شَوَّال لَيْسَ لأحد أَن يَتَّخِذهُ عيدا وَلَا هُوَ عبد الْأَبْرَار بل هُوَ عيد الْفجار وَلَا يحل أَن يحدث فِيهِ الْمُسلم شَيْئا من شَعَائِر الأعياد فَإِن الْمُسلمين متفقون على أَنه لَيْسَ بعيد وَكره بَعضهم صَوْم السِّت من شَوَّال عقب الْعِيد مُبَاشرَة لِئَلَّا يكون فطر يَوْم الثَّامِن كَأَنَّهُ الْعِيد فينشأ عَن ذَلِك أَن بعده عوام النَّاس عيدا آخر
فصل
صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ صِيَام يَوْم عَرَفَة يكفر سنتَيْن وَصِيَام يَوْم عَاشُورَاء يكفر سنة لَكِن إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ يكفر لَا يُوجب أَن يكفر الْكَبَائِر بِلَا تَوْبَة فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَة لما بَينهُنَّ إِذا اجْتنبت الْكَبَائِر
وَمَعْلُوم أَن الصَّلَاة هِيَ أفضل من الصّيام وَصِيَام رَمَضَان أعظم من صِيَام يَوْم عَرَفَة وَلَا يكفر السَّيِّئَات إِلَّا باجتناب الْكَبَائِر كَمَا قَيده النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكيف يظنّ أَن صَوْم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ تَطَوّعا يكفر الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر وَالْميسر وَالسحر وَنَحْوه فَهَذَا لَا يكون
(1/290)

فصل
والاتمام بِإِمَام التَّرَاوِيح ليحصل صَلَاة الْجَمَاعَة أولى من صلَاته وَحده كَمَا رجح الْعلمَاء صَلَاة الْمَرِيض قَاعِدا فِي الْجَمَاعَة على صلَاته قَائِما وَحده
والتراويح سنة وَإِن سَمَّاهَا عمر رَضِي الله عَنهُ بِدعَة لِأَنَّهَا لم تفعل قبل ذَلِك على الْوَجْه الَّذِي جمع النَّاس فِيهِ عَن أبي كَمَا أخرج عمر الْيَهُود وَالنَّصَارَى من الجزيرة وكما قَاتل أَبُو بكر وَالصَّحَابَة أهل الرِّدَّة وكما جمع أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ الْمُصحف وكما قَاتل عَليّ رَضِي الله عَنهُ الْخَوَارِج وكما شَرط عمر على أهل الذِّمَّة الشُّرُوط وَغير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي فَعَلُوهَا عملا بِكِتَاب الله واتباعا لسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن لم يتَقَدَّم نظيرها وكضرب عمر رَضِي الله عَنهُ النَّاس على الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر وعَلى إِلْزَامه الافطار فِي رَجَب وَكسر أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ كيزان أَهله فِي رَجَب وَقَالَ لَا تشبهوه برمضان
فَهَذِهِ الْعقُوبَة الْبَدَنِيَّة والمالية لمن كَانَ يعْتَقد أَن صَوْم رَجَب مَشْرُوع مُسْتَحبّ وَأَنه أفضل من صَوْم غَيره من الْأَشْهر وَهَذَا الِاعْتِقَاد خطأ وضلال وَمن صَامَهُ على هَذَا الِاعْتِقَاد الْفَاسِد كَانَ عصيا فيعزر على ذَلِك وَلِهَذَا كرهه من كرهه خشيَة أَن يتعوده النَّاس وَقَالَ يسْتَحبّ أَن يفْطر بعضه وَمِنْهُم من رخص فِيهِ إِذا صَامَ مَعَه شهرا آخر من السّنة كالمحرم
وَوَجَب أحد الْأَشْهر الْحرم وَله فضل على غَيره من الْأَشْهر الَّتِي لَيست بحرم وكما كَانَ الْمَكَان وَالزَّمَان أفضل كَانَت الطَّاعَة فِيهِ أفضل والمعاصي فِيهِ أَشد وَلَيْسَ هُوَ أفضل الْمَشْهُور عِنْد الله بل شهر رَمَضَان أفضل مِنْهُ كَمَا أَن يَوْم الْجُمُعَة أفضل أَيَّام الْأُسْبُوع
وَصَلَاة الرغائب بِدعَة محدثة وَأما لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَفِيهَا فضل وَكَانَ من السّلف من يُصليهَا لَكِن اجْتِمَاع النَّاس فِيهَا لاحيائها فِي الْمَسَاجِد بِدعَة وَالله أعلم
(1/291)

وَصَلَاة الألفية فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان والاجتماع على صَلَاة راتبة فِيهَا بِدعَة وَإِنَّمَا كَانُوا يصلونَ فِي بُيُوتهم كقيام اللَّيْل
وَإِن قَامَ مَعَه بعض النَّاس من غير مداومة على الْجَمَاعَة فِيهَا وَفِي غَيرهَا فَلَا بَأْس كَمَا صلى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة بِابْن عَبَّاس وَلَيْلَة بحذيفة
وَولي الْأَمر يَنْبَغِي أَن ينْهَى عَن هَذِه الاجتماعات البدعية
الِاعْتِكَاف والفطرة
لَيْسَ للمعتكف أَن يخيط ثوبا وَقيل يجوز أَن يخيط لنَفسِهِ لَا ليكتسب وَقيل يجوز الْيَسِير وَهَذِه الثَّلَاثَة الْأَقْوَال فِي الْمَذْهَب
وَزَكَاة الْفطر هَل تجْرِي مجْرى زَكَاة المَال أَو مجْرى الْكَفَّارَات على قَوْلَيْنِ
فَإِن أجريت مجْرى الْكَفَّارَات تُعْطى لمن هُوَ أحْوج لحَاجَة نَفسه لَا فِي الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم والرقاب
وَهَذَا أقوى دَلِيلا وَمن قَالَ بالإجزاء استوعب الْأَصْنَاف الثَّمَانِية إِن كَانَ مذْهبه ذَلِك وَإِلَّا فَلَا
وأضعف الْأَقْوَال قَول من يَقُول يجب دَفعهَا لاثنى عشر أَو ثَمَانِيَة عشرا أَو ثَمَانِيَة وَعشْرين أَو اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَو نَحْو ذَلِك
(1/292)

كتاب الْحَج
الْحَج على الْوَجْه الْمَشْرُوع أفضل من الصَّدَقَة الَّتِي لَيست بواجبة
وَأما إِن كَانَ لَهُ أقَارِب محاويج أَو هُنَاكَ فُقَرَاء تضطرهم الْحَاجة إِلَى نَفَقَة فالصدقة عَلَيْهِم أفضل
أما إِذا كَانَ كِلَاهُمَا تَطَوّعا فالحج أفضل لَكِن بِشَرْط أَن يُقيم الْوَاجِب وَيتْرك الْمُحرمَات وَيُصلي الصَّلَوَات وَيصدق الحَدِيث وَيُؤَدِّي الْأَمَانَة وَلَا يتَعَدَّى على أحد فَمن فعل شَيْئا من تِلْكَ الْمُحرمَات فقد يكون إئمة أعظم من أجره فَأَي فَضِيلَة فِي هَذَا قَالَ تَعَالَى {الْحَج أشهر مَعْلُومَات فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال فِي الْحَج}
فِيهِ قراءتان {فَلَا رفث وَلَا فسوق} بِالرَّفْع {وَلَا جِدَال} بِالْفَتْح
وَالْقِرَاءَة الثَّانِيَة التَّسْوِيَة بَين الْكل بِالْفَتْح
فالقراءة الأولى توَافق الحَدِيث فِي الصَّحِيح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من حج هَذَا الْبَيْت فَلم يرْفث وَلم يفسق رَجَعَ كَيَوْم وَلدته أمه
جعل الْوَعْد بالمغفرة لمن لم يرْفث وَلم يفسق
فالمنهي عَنهُ الْمحرم فِي الْآيَة هُوَ الرَّفَث وَهُوَ الْجِمَاع ودواعيه قولا وفعلا والفسوق هُوَ الْمعاصِي كلهَا هَذَا الَّذِي نهى عَنهُ الْمحرم
وَقَوله وَلَا جِدَال نهى الْمحرم عَن الْجِدَال مُطلقًا بل الْجِدَال بِالَّتِي هِيَ أحسن قد يُؤمر بِهِ الْمحرم وَغَيره
وَالْمعْنَى أَن أَمر الْحَج قد بَينه الله وأوضحه فَلم يكن فِيهِ جِدَال
وَأما الْقِرَاءَة الْأُخْرَى فَقَالُوا فِي أحد الْقَوْلَيْنِ نهى الْمحرم عَن الثَّلَاثَة الرَّفَث وَالْجِمَاع وَذكره والفسوق وَهُوَ السباب والجدال
(1/293)

وَالتَّحْقِيق أَن الفسوق أَعم من السباب والجدال الْمَكْرُوه الْمحرم هُوَ المُرَاد وَالْخُصُومَة من الْجِدَال لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ترك المراء وَهُوَ محق نَبِي الله فِي أَعلَى الْجنَّة وَمن تَركه وَهُوَ مُبْطل نَبِي الله لَهُ بَيْتا فِي ربض الْجنَّة
وَقَالُوا فِي القَوْل الآخر حكم هَذِه الْقِرَاءَة حكم الأولى فِي أَن المُرَاد نهى الْمحرم عَن الرَّفَث والفسوق وَهِي الْمعاصِي كلهَا
وَبَين الله سُبْحَانَهُ بعد ذَلِك أَن الْحَج قد اتَّضَح أمره فَلَا جِدَال بِالْبَاطِلِ أَي لَا تجادلوا فِيهِ بِغَيْر حق فقد ظهر وَبَان
وَهَذَا القَوْل أصح لموافقته الحَدِيث الْمُتَقَدّم فَإِن فِيهِ من حج فَلم يرْفث وَلم يفسق فَقَط
وَبِكُل حَال فالحاج مَأْمُور بِالْبرِّ وَالتَّقوى
وَالْبر إطْعَام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام كَذَا روى فِي الحَدِيث وَهُوَ يتَضَمَّن الْإِحْسَان إِلَى النَّاس بِالنَّفسِ وَالْمَال
وَإِذا حصل من الْحَاج المشاجرة وَالْخُصُومَة والسب فكفارته الاسْتِغْفَار وَفعل الْحَسَنَات المساحية إِلَى من جهل عَلَيْهِ وَغَيره فَيحسن إِلَيْهِ ويستغفر لَهُ وَيَدْعُو لَهُ ويداريه ويلاينه
وَإِن اغتاب غَائِبا وَهُوَ لم يعلم دَعَا لَهُ وَلَا يحْتَاج إِلَى إِعْلَامه فِي أصح قولي الْعلمَاء

فصل
مَا روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه تمتّع فَإِنَّهُ فسر التَّمَتُّع بِأَنَّهُ قرن بَين الْعمرَة وَالْحج وَهُوَ تمتّع يجب فِيهِ هدى التَّمَتُّع
وَمن روى أَنه إفرد الْحَج فَإِنَّهُ فسره بِأَنَّهُ لم يفعل غير أَعمال الْحَج وَلم يحل من إِحْرَامه كَمَا يحل الْمُتَمَتّع
(1/294)

وَهنا مَسْأَلَة
وَهِي أَن الْقَارِن هَل يطوف طوافين وَيسْعَى سعيين أم يَكْفِيهِ طواف وَاحِد وسعى وَاحِد
فمذهب أبي حنيفَة أَنه يطوف وَيسْعَى للْعُمْرَة أَولا ثمَّ يطوف وَيسْعَى لِلْحَجِّ ثَانِيًا وَإِذا فعل مَحْظُورًا فَعَلَيهِ فديتان وَقد روى عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا
وَأما الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة فعندهم وَيسْعَى مرّة وَاحِدَة وَعمل الْعمرَة دخل فِي الْحَج كَمَا يدْخل الْوضُوء فِي الْغسْل لِأَن الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تبين أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يطف وَلم يسع إِلَّا طَوافا وَاحِدًا وسعيا وَاحِدًا وَذَلِكَ كُله قبل التَّعْرِيف فَأَما بعد التَّعْرِيف فَإِنَّهُ يطوف طواف الْحَج وَهُوَ طواف الزِّيَارَة وَهُوَ طواف الْإِفَاضَة وَهُوَ ركن الْحَج الَّذِي بِهِ تَمَامه وَلَيْسَ عَلَيْهِ بعده سعي إِلَّا أَن يكون لم يسع مَعَ طواف الْقدوم
فَأَما الْمُتَمَتّع فَلَا بُد أَن يسْعَى قبل ذَلِك
وَهل عَلَيْهِ سعي ثَان فِيهِ رِوَايَتَانِ هما قَولَانِ للْعُلَمَاء
وَذَلِكَ لما روى أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم تمَتَّعُوا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج وَلم يسعوا بَين الصَّفَا والمروة إِلَّا مرّة وَاحِدَة مَعَ طواف الْقدوم
وَهَذَا بَيَان أَن عمْرَة الْمُتَمَتّع بعض حجه كَمَا أَن وضوء المغتسل بعض غسله فَيَقَع السَّعْي عَن جملَة النّسك كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخلت الْعمرَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالله أعلم
وَمن حج بِمَال حرَام لم يتَقَبَّل الله مِنْهُ حجَّة
وَهل عَلَيْهِ الْإِعَادَة على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء
(1/295)

فصل
من ترك طواف الزِّيَارَة حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَده موطىء امْرَأَته لزمَه الرُّجُوع وَالْإِحْرَام من الْمِيقَات بِعُمْرَة فَإِذا طَاف وسعى وَقصر للْعُمْرَة طَاف حِينَئِذٍ كطواف الزِّيَارَة الَّذِي تَركه نَص عَلَيْهِ أَحْمد وَغَيره بِخِلَاف من يخرج إِلَى التَّنْعِيم فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ للْعُمْرَة ذَلِك وَلَا يخرج من مَكَّة
وَمن لم يُمكنهُ الطّواف إِلَّا عُريَانا فطوافه عُريَانا هُوَ من جنس صلَاته عُريَانا إِذا لم يستره وَهُوَ وَاجِب بالِاتِّفَاقِ فالطواف مَعَ العري إِذا لم يُمكنهُ إِلَّا ذَلِك أولى وَأَحْرَى وَهَذَا الْعذر نَادِر لَا يكَاد الشَّخْص يعجز عَن الستْرَة لَكِن لَو سلب ثِيَابه والقافلة خارجون وَلَا يُمكنهُ أَن يتَخَلَّف عَنْهُم فَالْوَاجِب فعل مَا قدر عَلَيْهِ من الطّواف مَعَ العري وَهُوَ الْأَظْهر وَكَذَلِكَ تَطوف الْحَائِض وَمن بِهِ سَلس الْبَوْل وَطواف الْحَائِض فَإِذا جَازَ فِي الْعُرْيَان الْعَاجِز فَهِيَ الْحَائِض إِذا عجزت وأفضى إِلَى تخلفها وَانْقِطَاع الطَّرِيق وَعدم وَمَعَهَا مُسَافر بهَا وهلاكها بذلك أولى وَأَحْرَى
فَمن جعل الطَّهَارَة وَاجِبَة فِي الطّواف فَإِنَّهُ يَقُول إِذا طَاف مُحدثا وَأبْعد عَن مَكَّة لم يلْزمه الْعود للمشقه فَكيف يجب على الْحَائِض مَالا يُمكنهَا إِلَّا بِمَشَقَّة أعظم من ذَلِك
وَمن جعلهَا شرطا فَلَيْسَ كَونهَا شرطا فِيهِ أعظم من كَونهَا شرطا فِي الصَّلَاة وشروط الصَّلَاة تسْقط بِالْعَجزِ فشروط الطّواف أولى وَأَحْرَى أَن تسْقط بِالْعَجزِ
(1/296)

فصل
من اغتصب إبِلا أَو اشْتَرَاهَا بِثمن مغضوب أَو بعضه وَأَرَادَ الْحَج وَلَيْسَ لَهُ مَال يحجّ بِهِ غَيره فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يعوض أَرْبَابهَا إِن أمكن معرفتهم وَإِلَّا تصدق بِقدر قيمَة الثّمن عَنْهُم فَإِن عجز عَن الصَّدَقَة تصدق وَقت قدرته بعد ذَلِك وَإِن عرفهم فِي قَرْيَة وَلَا يعرف أعيانهم تصدق على فُقَرَاء تِلْكَ الْقرْيَة وَقد طَابَ لَهُ الْحَج وَالله أعلم
وَإِذا ندب الإِمَام من يحجّ لخفارة من الْحَاج من الْجند المرتبين فِي الدِّيوَان وَأمر الْجَمَاعَة الَّذين لم يخرجُوا أَن يُعْطوا الَّذِي يحجّ مَا يَحْتَاجهُ فَلهُ أجر ذَلِك وَهُوَ حَلَال فَإِن هَذَا خرج بِنَفسِهِ وَهَؤُلَاء بِأَمْوَالِهِمْ وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون عدلا بَين الْجَمِيع وَسَوَاء شَرط هَذَا عَلَيْهِم فِي الإقطاع أولى
وَله أجر الْحَج وَأجر الْجِهَاد بِالدفع عَن الْوَفْد وَإِقَامَة حُرْمَة الْحَج إِلَى بَيت الله تَعَالَى
وَلَا يسْقط الْوُقُوف بِعَرَفَة شَيْئا من فَرَائض الْإِسْلَام الْوَاجِبَة لَا من حق الله تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَلَا من حق الْآدَمِيّين وَالْأَمْوَال وَمَكَّة لَا تشفع لأحد
فصل
الْأَفْضَل لمن كَانَ بِمَكَّة من مجاور ومستوطن وقادم الطّواف بِالْبَيْتِ وَهُوَ أفضل من الْعمرَة سَوَاء خرج إِلَى التَّنْعِيم أَو غَيره من أدنى الْحل أَو أقْصَى الْحل كالجعرانة وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ
وَإِنَّمَا النزاع فِي أَنه هَل يكون للمكي أَن يخرج للاعتمار من الْحل أم لَا وَهل يكره أَن يعْتَمر من يشرع الله الْعمرَة كالآفاقي فِي السّنة أَكثر من عمْرَة أم لَا وَهل يسْتَحبّ الاعتمار أم لَا وَهل يكره فَهَذَا فِيهِ النزاع
(1/297)

وَلَا يشرع الطّواف بِغَيْر الْكَعْبَة من سَائِر الأَرْض بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَمن أَتَّخِذ ذَلِك عرف واستتيب فَإِن أصر قتل بالِاتِّفَاقِ
وَهل كَانَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لما اعْتَمَرت من التَّنْعِيم قارنة حِين حَاضَت أَو كَانَت قد رفضت إحرامها على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء وَالثَّانِي قَول أبي حنيفَة

فصل
لما نهى عمر رَضِي الله عَنهُ عَن الاعتمار فِي أشهر الْحَج قصد أَمرهم بالأفضل لأَنهم تركُوا الاعتمار فِي سفرة مُفْردَة فِي غير أشهر الْحَج وصاروا فِي عهد أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنهُ يقتصرون فِي الْعمرَة على الْعمرَة فِي أشهر الْحَج مَعَ الْحَج ويتركون السّفر إِلَى الْعمرَة سَائِر الْأَشْهر فَصَارَ الْبَيْت يعرى عَن الْعِمَارَة من أهل الْأَمْصَار فِي سَائِر الْحول فَكَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ من شفقته على رعتيه اخْتَار الْأَفْضَل لإعراضهم عَنهُ كَالْأَبِ الشفيق يَأْمر وَلَده بِمَا هُوَ الْأَصْلَح لَهُ وَهَذَا كَانَ مَوضِع اجْتِهَاد مِنْهُ لرعيته فألزمهم بذلك
وَخَالفهُ عَليّ وَعمْرَان بن حُصَيْن وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَلم يرَوا أَن يلزموا النَّاس بل يتركونهم وَمَا يختارون فَمن أحب شَيْئا عمله قبل أشهر الْحَج أَو فِيهَا وَإِن الأول أكمل وقوى النزاع فِي ذَلِك فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ حَتَّى ثَبت أَنه كَانَ ينْهَى عَن الْمُتْعَة فَلَمَّا رَآهُ عَليّ رَضِي الله عَنهُ أهل بهما وَقَالَ لم أكن لأدع سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقَوْل أحد
وَنهى عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ عَن الْمُتْعَة لاختيار الْأَفْضَل وليعمر الْبَيْت بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ فِي كل سنة لَا نهى كَرَاهَة للْعَمَل فِي ذَاته
فَلَمَّا قتل عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ صَار النَّاس شيعتين قدما يميلون إِلَى عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وقوما يميلون إِلَى عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَصَارَ قوم من بني أُميَّة من شيعَة عُثْمَان ينهون عَن الْمُتْعَة ويعاقبون على ذَلِك وَلَا يمكنون أحدا من الْعمرَة فِي أشهر الْحَج وَكَانَ فِي ذَلِك نوع من الظُّلم وَالْجهل فَلَمَّا رأى ذَلِك عُلَمَاء الصَّحَابَة
(1/298)

كَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهمَا رَضِي الله عَنْهُم جعلُوا يُنكرُونَ ذَلِك ويأمرون بِالْمُتْعَةِ اتبَاعا للسّنة فَصَارَ بعض النَّاس يناظرهم بهَا بوهمه على أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا فَيَقُولُونَ لِابْنِ عمر إِن أَبَاك كَانَ ينْهَى عَنْهَا فَيَقُول رَضِي الله عَنهُ إِن أبي لم يرد ذَلِك وَلَا كَانَ يضْرب النَّاس عَلَيْهَا وَيبين لَهُم أَن قصد عمر رَضِي الله عَنهُ كَانَ الْأَفْضَل لَا تَحْرِيم الْمَفْضُول فَكَانُوا ينازعونه فَكَانَ يَقُول لَهُم قدرُوا أَن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا كَانُوا يعارضونه بِمَا توهموا على أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا فَيَقُول لَهُم يُوشك أَن ينزل عَلَيْكُم حِجَارَة السَّمَاء أَقُول قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتقولون قَالَ أَبُو بكر وَعمر

فصل
فِي الصَّحِيح عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أفرد وَفِيه أَنه قرن وروى أَنه تمتّع
وكل ذَلِك صَحِيح بِمَعْنى وَاحِد
فَمَعْنَى أَنه قرن وتمتع وَاحِد لِأَن الْقرَان تمتّع عَام مَشْهُور والتمتع بِمَعْنى أَنه يحل من الْعمرَة ثمَّ يحجّ فِي أشهر الْحَج فِي عَام وَاحِد اصْطِلَاح خَاص
وَمن روى أَنه أفرد فَمَعْنَاه أَنه لم يحل من عمرته بل أفرد أَفعَال الْحَاج وَلم يكن فِي أَفعاله زِيَادَة على عمل الْمُفْرد فَالْمَعْنى وَاحِد وَلِهَذَا كَانَ رُوَاة الْإِفْرَاد هم رُوَاة الْقُرْآن
فروايات الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم متفقة وفسروا التَّمَتُّع بِالْقُرْآنِ وَرووا فِيهِ صَرِيحًا أَنه قَالَ لبيْك حجا وَعمرَة وَأَنه قَالَ أتأتي آتٍ فِي وَاد العقيق فَقَالَ قل عمْرَة وَحجَّة قَالَ الإِمَام أَحْمد رَضِي الله عَنهُ لَا شكّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا والتمتع أحب إِلَى أَي لمن لم يسق الْهدى فَإِنَّهُ
(1/299)

لَا يخْتَلف قَوْله أَنه من جمع الْحَج وَالْعمْرَة فِي سفرة وَاحِدَة وَلم يسق الْهدى أَن هَذَا التَّمَتُّع لَهُ أفضل بل هُوَ الْمَطْلُوب لأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابه بذلك فَأَما من سَاق الْهدى فَهَل الْقرَان لَهُ التَّمَتُّع
ذكرُوا عَنهُ رِوَايَتَيْنِ فَأَما من أفردهما فِي سفرتين أَو اعْتَمر قبل أشهر الْحَج وَأقَام إِلَى الْحَج فَهَذَا أفضل من التَّمَتُّع وَهُوَ قَول الْخُلَفَاء الرَّاشِدين رَضِي الله عَنْهُم وَقَول أَحْمد وَغَيره وَبَعض أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم
وَهل على المنتفع بعد طواف الْإِفَاضَة سعى غير السَّعْي الأول الَّذِي كَانَ عقيب طواف الْعمرَة فِيهِ قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَمَالك وَإِن كَانَ يخْتَار الْإِفْرَاد لمن يعْتَمر عقيب الْحَج كالمحرم
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى وَلَا أحفظ قَول الشَّافِعِي فِيمَن يعْتَمر عقيب الْحَج وَإِن كَانَ من أَصْحَابه من يَجْعَل هَذَا هُوَ أفضل كَمَا يظنّ كثير من أَصْحَاب أَحْمد أَن الْمُتْعَة أفضل من الاعتمار قبل أشهر الْحَج فالغلط كثير

فصل
الَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن مَا اخْتَارَهُ الله لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ الْأَفْضَل وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو اسْتقْبلت من أمرى مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهدى فَهُوَ حكم مُعَلّق على شَرط وَالتَّعْلِيق على شَرط بِعَدَمِ عَنهُ عَدمه فَمَا اسْتقْبل من مرّة مَا استدبر وَقد اخْتَار لَهُ ربه أَنه لم يسْتَقْبل من أمره مَا استدبر
وَلَكِن هَذَا يبين أَن الْمُوَافقَة إِذا كَانَت فِي تنويع الْأَعْمَال تفرق وَلَيْسَ هُوَ أولى من تنويعها وتنويعها هُوَ بِاخْتِيَار الْقَادِر للأفضل وَالْعَاجِز للمفضول كَمَا اخْتَار من قدر على سوق الْهدى الْأَفْضَل مِمَّن لم يقدر على سوقه مَعَ السَّلامَة
وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَن طواف القادمين أفضل من الصَّلَاة لتحية الْمَسْجِد فان تَحِيَّة الْمَسْجِد الْحَرَام هُوَ الطّواف مَعَ فضيلتها أَيْضا وَكَذَلِكَ الطّواف للقادم أفضل
(1/300)

صَحَّ عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ حِين أَرَادَ تَقْبِيل الْحجر الْأسود إِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر لَا تضر وَلَا تَنْفَع وَلَوْلَا أَن رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبلك لما قبلتك وَزَاد بَعضهم أَن أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ قَالَ بل ينفع ويشفع وَهَذَا كذب وَاضح
وروى الْأَزْرَقِيّ عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي ذَلِك أثرا لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف واه وَالْبَيْت زَاده الله تَشْرِيفًا وتعظيما ومهابة وَبرا لَهُ الشّرف من وُجُوه كَثِيرَة
مِنْهَا نفس الْبقْعَة شرفعها الله على غَيرهَا كَمَا شرف فِي بَقِيَّة الْأَنْوَاع بعض أشخاصها وكما خص بعض النَّاس بِنَوْع من الْفضل
وَمِنْهَا أَن الله بوأه لخليلة ابراهيم خير الْبَريَّة فَلَيْسَ بعد مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل من ابراهيم الَّذِي بناه ودعا النَّاس إِلَيْهِ
وَمِنْهَا أَنه جعل على النَّاس حج الْبَيْت حَتَّى حجَّة الْأَنْبِيَاء كموسى وَيُونُس وَغَيرهمَا
وَفِيه آيَات كَثِيرَة مثل مقَام ابراهيم وَمثل الْأمان الَّذِي جعله للنَّاس وَالطير والوحش
وَمن إهلاك الْجَبَابِرَة الَّذِي قصدُوا انتهاكه إِلَى غير ذَلِك مِمَّا فِيهِ من العلامات والدلالات على حرمته وعظمته
وَمن دخله كَانَ آمنا فَلَا يقتل الْجَانِي فِيهِ عِنْد أَحْمد وَأبي حنيفَة
وَكَانَ الْكفَّار يعظمونه حَتَّى ليلقى الرجل قَاتل أَبِيه فَلَا يقْتله والاسلام زَاده حُرْمَة
وَأما أَن يظنّ أَن من دخله كَانَ آمنا من عَذَاب الله مَعَ تَركه الْفَرَائِض واتخاذه الأنداد من دون الله فخلاف إِجْمَاع الْمُسلمين
(1/301)

فصل
هَل تجوز الصَّلَاة على غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْإِفْرَاد مثل اللَّهُمَّ صل على أبي بكر أَو عمر أَو عَليّ رَضِي الله عَنْهُم
فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَطَائِفَة من الْحَنَابِلَة إِلَى أَن لَا يُصَلِّي على غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُفردا
وَذهب الإِمَام أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه إِلَى أَنه لَا بَأْس بذلك لِأَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ قَالَ لعمر بن الْخطاب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا أصح وَأولى
لَكِن إِفْرَاد وَاحِد من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أَو من الْقَرَابَة كعلي بِالصَّلَاةِ دون غَيره مضاهاة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِحَيْثُ يَجْعَل ذَلِك شعارا مَقْرُونا باسمه هُوَ بِدعَة

سُؤال
فِي خطْبَة بَين صَلَاتَيْنِ كِلَاهُمَا لوَقْتهَا فِي سَاعَة مشكلة الْعين وَاعْتِبَار الشَّرْط فِيهَا كَمَا فِي غَيرهَا من هَيْئَة الدّين كالطهر والسترة وَالْوَقْت والقبلة أَيْضا بِالتَّأْذِينِ
الْجَواب هَذِه الْمَسْأَلَة قد تنزل على عدَّة مسَائِل بَعْضهَا مُتَّفق عَلَيْهِ وَبَعضهَا متنازع فِيهِ
مِنْهَا إِذا اجْتمع عيد وجمعة فَمن قَالَ إِن الْعِيد فرض يَقُول إِن خطْبَة الْجُمُعَة هِيَ خطْبَة بَين صَلَاتَيْنِ كِلَاهُمَا فرض بِخِلَاف خطْبَة الْعِيد فَإِنَّهُ يَقُول لَيست فرضا
وَإِمَّا أَن ينزل على مَا إِذا عقدت جمعتان فِي مَوضِع فَلَا تصح فِيهِ جمعتان فَإِنَّهُ تصح الأولى وَتبطل الثَّانِيَة إِذا كَانَتَا بِإِذن الإِمَام فَإِن أشكل عين السَّابِق بطلتا جَمِيعًا وصلوا ظهرا فَإِن الْخطْبَة الَّتِي قبل الثَّانِيَة إِذا كَانَتَا بِإِذن الإِمَام قد
(1/302)

أذن فِي كل مِنْهُمَا واعتقدوا أَن الْجُمُعَة لَا تقم عِنْدهم فكلاهما يعْتَقد أَن جمعته فرض
وَيُمكن أَن يُرِيد السَّائِل الْفجْر وَالْجُمُعَة فَإِن الْفجْر فرض وَقتهَا وَالْجُمُعَة فرض وَقتهَا وَبَينهمَا خطْبَة
وَيُمكن أَن يُرِيد السَّائِل خطْبَة الْحَج فَإِن خطْبَة عَرَفَة تكون بَين الصَّلَاة بِعَرَفَة وَبَين صَلَاة الْمغرب فكلاهما فرض وَالْخطْبَة يَوْم النَّحْر تكون بعد الْفجْر وَالظّهْر وَكِلَاهُمَا فرض
فصل
دم الْمَنْفَعَة دم نسك وَهدى وَهُوَ مِمَّا وسع الله فِيهِ على الْمُسلمين فأباح لَهُم التَّحَلُّل فِي أثْنَاء الْإِحْرَام وَعَلَيْهِم مَا استبشر من الْهدى لما فِي اسْتِمْرَار الْإِحْرَام من الْمَشَقَّة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْقصر فِي السّفر وَالْفطر وَالْمسح فَهُوَ أفضل
وَلأَجل ذَلِك من سنّ لَهُم الْأكل مِنْهُ فقد أكل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من هَدِيَّة وَأطْعم نِسَاءَهُ من الْهدى ذبحه عَنْهُن وَكن متمتعات وَهُوَ كَانَ مُتَمَتِّعا التَّمَتُّع الْعَام
فَدلَّ على اسْتِحْبَاب الْأكل من هدى التَّمَتُّع وَدم الْجِيرَان لَيْسَ كَذَلِك وَأَيْضًا فَهُوَ بِسَبَب فعل مَحْظُور كَالْوَطْءِ وَفعل الْمَحْظُورَات أَو ترك الْوَاجِبَات والتمتع جَائِز مُطلقًا فَلَا يقْدَح دم التَّمَتُّع فِيهِ ويجعله مفضولا
وَالْهدى وَإِن كَانَ بَدَلا عَن ترفهه لسُقُوط أحد السفرين فَهُوَ أفضل لمن جمع بَينهمَا وَقدم فِي أشهر الْحَج من أَن يَأْتِي بِحَجّ مُفْرد يعْتَبر عَقِيبه وَالْبدل يكون وَاجِبا كَالْجُمُعَةِ وكاليتيم للعاجز عَن اسْتِعْمَال المَاء فَإِن الْجُمُعَة وَالتَّيَمُّم وَاجِب عَلَيْهِ وَهُوَ بدل فَإِذا جَازَ كَون الْبَدَل وَاجِبا فكونه مُسْتَحبا أولى بِالْجَوَازِ
وَكَذَلِكَ الْمَرِيض وَالْمُسَافر يسْتَحبّ لَهما أَن يفطرا ويقضيا وَالْقَضَاء بدل وتحلل الْإِحْلَال لَا يمْنَع أَن يكون الْجمع بِمَنْزِلَة الْعِبَادَة الْوَاحِدَة كطواف
(1/303)

الْفَرْض فَإِنَّهُ من تَمام الْحَج بالِاتِّفَاقِ وَلَا يفعل المتحلل الأول وكرمي الْجمار فانه من تَمام الْحَج وَإِذا طَاف قبل ذَلِك فقد رمى بعد الْحلَل التَّام وَهُوَ السّنة كَمَا فعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَصَوْم رَمَضَان يَتَخَلَّل صِيَام أَيَّامه فطر اللَّيْل

فصل
لم يخْتَلف النَّقْل عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا عَن أحد من أهل الْعلم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَصْحَابه بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة وَأَنه أَمرهم إِذا طافوا بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة أَن يحلوا من إحرامهم فَهُوَ مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث
وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يعْتَمر بعد حجَّة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أحد من أَصْحَابه رَضِي الله عَنْهُم إِلَّا عَائِشَة رصي الله عَنْهَا
لَكِن تنازعوا فِي إِحْرَامه هَل كَانَ مُتَمَتِّعا أَو قَارنا أَو مُفردا أَو أحرم مُطلقًا
واضطربت عَلَيْهِم الْأَحَادِيث وَهِي بِحَمْد الله متفقة لمن فيهم مرادها
وَالْمَنْصُوص على أَحْمد أَنه كَانَ قَارنا وَهُوَ قَول إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ وَغَيره وَهُوَ الصَّوَاب
وَأول من أدعى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّمَتُّع الْخَاص القَاضِي أَبُو يعلى
ثمَّ الَّذين قَالُوا إِنَّه كَانَ مُتَمَتِّعا على قَوْلَيْنِ
أضعفهما أَنه حل من إِحْرَامه مَعَ سوقه الْهدى وحملوا الْهدى على أَن الْمُتْعَة كَانَت خَاصَّة وَأَنَّهُمْ حلوا من الْإِحْرَام مَعَ سوى الْهدى وَهَذِه طَريقَة القَاضِي وَهِي مُنكرَة عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء
القَوْل الثَّانِي أَنه تمتّع بِمَعْنى أَنه أحرم بِالْعُمْرَةِ وَلم يحل لسوق الْهدى
(1/304)

وَأحرم بِالْحَجِّ بعد أَن طَاف وسعى للْعُمْرَة وَهِي طَريقَة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْمَقْدِسِي وَقد يسمون هَذَا قَارنا
وَأما الشَّافِعِي فَقَالَ تَارَة إِنَّه أفرد وَتارَة إِنَّه تمتّع إِنَّه أحرم مُطلقًا
وَأحمد يَقُول من روى الْإِفْرَاد كعائشة وَابْن عمر لكَونه أحفظ وَجَابِر قَالَ وَظن أَن الْأَحَادِيث فِيهَا مَا يُخَالف بعضة بَعْضًا خطأ
فَإِن قَالَ قَائِل فَمن أَيْن أثبت حَدِيث عَائِشَة وَجَابِر وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُم وَفِي الصَّحَابَة من قَالَ قرن
قيل لتقدم صُحْبَة جَابر وَحسن سياقته لحجة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولفضل حفظ عَائِشَة ولقرب ابْن عمر مِنْهُ
قلت وَالصَّوَاب أَن الْأَحَادِيث متفقة الْإِسْنَاد إِلَّا شَيْئا يَسِيرا وَالِاخْتِلَاف يَقع مثله فِي غير ذَلِك فقد كَانَ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ ينْهَى عَن الْمُتْعَة وَكَانَ على رَضِي الله عَنهُ يَأْمر بهَا فَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لقد علمت أَنا تَمَتعنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عُثْمَان أجل وَلَكِن كُنَّا خَائِفين
فقد اتّفق عُثْمَان وَعلي رَضِي الله عَنْهُمَا أَنهم تمَتَّعُوا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ الصَّحِيح
وَقَول عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ كُنَّا خَائِفين فَإِنَّهُم مَا كَانُوا خَائِفين إِلَّا فِي عمْرَة الْقَضِيَّة وَكَانُوا اعتمروا فِي أشهر الْحَج وكل من اعْتَمر فِي أشهر الْحَج يُسمى مُتَمَتِّعا
والناهون عَن الْمُتْعَة كَانُوا ينهون عَن الْعمرَة فِي أشهر الْحَج مُطلقًا فَفِي الصَّحِيح عَن سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ لما بلغه أَن مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ نهى عَن الْمُتْعَة قَالَ فعلناها مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا كَافِر بالعرش يَعْنِي مُعَاوِيَة
(1/305)

وَمَعْلُوم أَن مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ كَانَ مُسلما فِي حجَّة الْوَدَاع بل وَفِي عمْرَة الْجِعِرَّانَة عَام الْفَتْح وَلَكِن فِي عمْرَة الْقَضِيَّة كَانَ كَافِرًا بالعرش بِمَكَّة فقد سمى سعد رَضِي الله عَنهُ عمْرَة الْقَضِيَّة وَكَانُوا خَائِفين أَيْضا عَام الْفَتْح أما عَام حجَّة الْوَدَاع فَكَانُوا آمِنين وَلِهَذَا قَالُوا صلينَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بمنى آمن مَا كَانَ النَّاس رَكْعَتَيْنِ
فَلَعَلَّهُ قد اشْتبهَ حَالهم هَذَا الْعَام بحالهم ذَاك الْعَام كَمَا اشْتبهَ على من روى أَنه نهى عَن مُتْعَة النِّسَاء فِي حجَّة الْوَدَاع وَإِنَّمَا كَانَ النَّهْي عَنْهُمَا فِي غزَاة الْفَتْح وكما ظن بَعضهم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دخل الْكَعْبَة فِي حج أَو عمْرَة وَإِنَّمَا دَخلهَا عَام الْفَتْح وَلم يقل أحد إِنَّه دَخلهَا فِي حج وَلَا عمْرَة
أَو يكون مُرَاد عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ أَن غَالب أهل الأَرْض كَانُوا كفَّارًا مخالفين لنا والآن فقد فتحت الأَرْض فَيمكن الْإِنْسَان أَن يذهب إِلَى مقرة ثمَّ يرجع لعمرة وَهَذَا لم يكن مُمكنا فِي حجَّة الْوَدَاع لمن كَانَ مجاور الْعَدو بِالشَّام وَالْعراق ومصر
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن مطرف بن عبد الله بن الشخير قَالَ قَالَ لي عمرَان بن حُصَيْن رَضِي الله عَنهُ أحَدثك حَدِيثا لَعَلَّ الله ينفعك بِهِ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمع بَين حجَّته وعمرته ثمَّ إِنَّه لم ينع عَنهُ حَتَّى مَاتَ وَلم ينزل فِيهِ قُرْآن يحرمه
وَفِي رِوَايَة تمتّع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتمتعنا مَعَه
فَهَذَا عمرَان بن حُصَيْن من أجل السَّابِقين الْأَوَّلين أخبر أَنه تمتّع وَأَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة
وَفِي مُسلم عَن غنيم بن قيس قَالَ سَأَلت سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ عَن الْمُتْعَة فِي الْحَج فَقَالَ فعلناها وَهَذَا كَافِر بالعرش يَعْنِي مُعَاوِيَة وَهُوَ إِنَّمَا كَانَ كَافِرًا فِي عمْرَة الْقَضِيَّة
(1/306)

فَكَانَ السَّابِقُونَ ينهون عَن الِاعْتِمَاد فِي أشهر الْحَج فَصَارَ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم يوردون السّنة فِي ذَلِك ردا على من نهى عَن ذَلِك فالقارن عِنْدهم متمتع وَلِهَذَا وَجب على الْقَارِن أَن يهدي هَديا وَدخل فِي قَوْله تَعَالَى {فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج}
وَفِي البخار عَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول أَتَانِي آتٍ من رَبِّي فَقَالَ صل فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك وَاديا لعتيق وَقل عمْرَة فِي حجَّة
فَهَذِهِ الْأَحَادِيث صَرِيحَة فِي أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا بِلَا شكّ والقارن يسمونه مُتَمَتِّعا
وَفِي الصحيحن عَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة قَالَ بكر فَحَدِيث ابْن عمر قَالَ لبّى بِالْحَجِّ وَحده فَلَقِيت أنسا فَقَالَ رَضِي الله عَنهُ مَا يعدونا إِلَّا صبيانا سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة جَمِيعًا
وَقد روى الثِّقَات مثل سَالم روى عَن ابْن عمر أَنه قَالَ تمتّع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ بِالْعُمْرَةِ وَالْحج
وَهَؤُلَاء أثبت عَن ابْن عمر من بكر وَغلط بكر أولى من غلط سَالم على أَبِيه وتغليطه هُوَ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونسبته إِلَى ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ لَهُ أفرد الْحَج فَظن هُوَ أَنه قَالَ لبّى بِالْحَجِّ فَإِنَّهُم كَانُوا يطلقون إِفْرَاد الْحَج ويريدون إِفْرَاد أَعماله
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن سَالم عَن أَبِيه رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ تمتّع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج قَالَ الزُّهْرِيّ وحَدثني عُرْوَة عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا بِمثل حَدِيث سَالم عَن أَبِيه
فَهَذَا أصبح حَدِيث على وَجه الأَرْض
(1/307)

وَثَبت عَنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اعْتَمر أَربع عمر الرَّابِعَة مَعَ حجَّته وَلم يعْتَمر بعد حجَّته بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَتعين أَن يكون كَانَ تمتّع قرَان
وَأما الَّذين نقلوا أَنه أفرد فيهم ثَلَاثَة عَائِشَة وَابْن عمر وَجَابِر رَضِي الله عَنْهُم وَالثَّلَاثَة نقل عَنْهُم أَنهم كَانُوا يتمتعون وَحَدِيث عَائِشَة وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج أصح من حَدِيثهمَا أَنه أفرد الْحَج
وَلَئِن صَحَّ ذَلِك عَنْهُمَا فَمَعْنَاه إِفْرَاد أَعمال الْحَج
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه أَمر أَزوَاجه أَن يتحللن عَام حجَّة الْوَدَاع قَالَت حَفْصَة رَضِي الله عَنْهَا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا مَنعك أَن تحل قَالَ إِنِّي لبدت رَأْسِي وقلدت هَدْيِي فَلَا أحل حَتَّى أنحر
وَفِي حَدِيث عَائِشَة وَابْن عمر رَضِي الله عَنهُ فَطَافَ بالصفا وَطَاف بالمروة ثمَّ لم يحل من شَيْء حرم مِنْهُ حَتَّى قضى حجَّة وَنحر هَدْيه يَوْم النَّحْر وأفاض بالمروة ثمَّ لم يحل من شَيْء حرم مِنْهُ حَتَّى قضى حجه وَنحر هَدْيه يَوْم النَّحْر وأفاض بِالْبَيْتِ ثمَّ حل من كل شَيْء وَفِي رِوَايَة قَالَت حَفْصَة رَضِي الله عَنْهَا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا شَأْن النَّاس حلوا وَلم تحل أَنْت من عمرتك فَقَالَ إِنِّي لبدت رَأْسِي وقلدت هَدْيِي فَلَا أحل حَتَّى أنحر
فَهَذَا يدل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مُعْتَمِرًا وَلَيْسَ فِيهِ أَنه لم يكن مَعَ الْعمرَة حَاجا
فقد تبين أَن الرِّوَايَات الْكَثِيرَة الثَّابِتَة عَن ابْن عمر وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم توَافق مَا نَقله سَائِر الصَّحَابَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مُتَمَتِّعا التَّمَتُّع الْعَام
وَمن قَالَ إِنَّه أحرم مُطلقًا يحْتَج بِحَدِيث مُرْسل فَلَا يُعَارض هَذِه الْأَحَادِيث الثَّابِتَة
فقد تبين أَن من قَالَ إِنَّه أفرد الْحَج وَأَرَادَ أَنه آعتمر بعد حجَّة كَمَا يَظُنّهُ بعض المتفقهة فَهَذَا مخطىء بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَأَن من قَالَ أفرد الْحَج بِمَعْنى أَنه
(1/308)

لم يَأْتِ مَعَ حجه بِعُمْرَة فقد اعتقده بعض الْعلمَاء فَهُوَ غلط لأَنهم اتَّفقُوا على أَنه اعْتَمر أَربع عمر الرَّابِعَة مَعَ حجه
وَمن قَالَ إِنَّه أحرم إحراما مُطلقًا فَقَوله غلط لم ينْقل عَن أحد من الصَّحَابَة وَمن قَالَ إِنَّه تمتّع بِمَعْنى أَنه حل من إِحْرَامه فَهُوَ أَيْضا مخطىء بِاتِّفَاق الْعلمَاء العارفين بالأحاديث
وَمن قَالَ إِنَّه قرن بِمَعْنى أَنه طَاف طوافين وسعى سعيين فقد غلط أَيْضا وَلم ينْقل ذَلِك أحد من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فالغلط وَقع مِمَّن هُوَ دون الصَّحَابَة مِمَّن لم يفهم كَلَامهم وَأما الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فنقولهم متفقة
وَمِمَّا يبين أَنه لم يطف طوافين وَلَا سعى سعيين لَا هُوَ وَلَا أَصْحَابه مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ من كَانَ مَعَه هدى فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا وَقَالَت فِيهِ فَطَافَ الَّذين كَانُوا أهلوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة ثمَّ حَلقُوا ثمَّ طافوا آخر بعد أَن رجعُوا لحجهم وَأما الَّذين جمعُوا الْحَج وَالْعمْرَة فَإِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا وَفِي مُسلم عَنَّا أَنَّهَا قَالَ لَهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم يسعك طوافك لحجك وعمرتك فَأَبت فبعثها مَعَ أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر إِلَى اتنعيم فاعتمرت بعد الْحَج وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن أَنه قَالَ لَهَا يسعك طوافك لحجك وعمرتك يَكْفِيك طوافك لحجك وعمرتك وَقد حللت من حجك وعمرتك جَمِيعًا قَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي أجد فِي نَفسِي أَنِّي لم أطف بِالْبَيْتِ حَتَّى حججْت قَالَ فَاذْهَبْ بهَا يَا عبد الرَّحْمَن فأعمرها من التَّنْعِيم وَذَلِكَ لَيْلَة الحصبة
فقد أخْبرت أَن الَّذين قرنوا لم يطوفوا بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة إِلَّا الطّواف
(1/309)

الأولى الَّذِي طافه المتمتعون أَولا وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهَا يسعك طوافك لحجك وعمرتك فَدلَّ على أَنَّهَا كَانَت قارنة وَأَنه أجزأها طواف وَاحِد وسعي وَاحِد كالمفرد لَا سِيمَا وَهِي لم تطف أَولا طواف قدم بل وَلم تطف إِلَّا بعد التَّعْرِيف وسعت مَعَ ذَلِك وَإِذا كَانَ طواف الْإِفَاضَة وَالسَّعْي بعده يَكْفِي الْقَارِن فَلِأَن يَكْفِيهِ طواف الْقدوم مَعَ طواف الْإِفَاضَة وسعى وَاحِد مَعَ أَحدهمَا بطرِيق الأولى
وَقد صحّح عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ دخلت الْعمرَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِذا دخلت الْعمرَة فِي الْحَج لم يحْتَج إِلَى عمل زَائِد لَهَا
فقد تبين أَن من سَاق الْهدى فالقرآن لَهُ أفضل وَمن لم يسْبق الْهدى فالتمتع لَهُ أفضل كَمَا عَلَيْهِ عَامَّة أَصْحَاب الحَدِيث كأحمد وَغَيره وَالله أعلم

فصل
قَالَ الله تَعَالَى {قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني}
فالدعوة إِلَى الله هِيَ الدعْوَة إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَت بِهِ رسله وَذَلِكَ يتَضَمَّن الدعْوَة إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت وَالْإِيمَان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت والايمان بِالْقدرِ خَيره وشره والدعوة إِلَى أَن يعبد العَبْد ربه كَأَنَّهُ يرَاهُ فَإِن الدَّرَجَات الثَّلَاث وَهِي الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان دَاخِلَة فِي الدّين
وأصل الدّين عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ كَمَا اتّفق على ذَلِك جَمِيع الرُّسُل قَالَ تَعَالَى {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون}
(1/310)

فالدين وَاحِد وَإِنَّمَا تنوعت شرائع الْأَنْبِيَاء ومناهجهم قَالَ تَعَالَى {لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا}
فالرسل متفقون فِي الدّين الْجَامِع لِلْأُصُولِ الاعتقادية والعملية
فالاعتقادية الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وَالْيَوْم الآخر والعملية كأعمال الْعِبَادَة الْعَامَّة الْمَذْكُورَة فِي سور الْأَنْعَام والأعراف وَبني إِسْرَائِيل كَقَوْلِه تَعَالَى {قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم} إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث وَقَوله تبَارك وَتَعَالَى {وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه} إِلَى آخر الْوَصَايَا وَقَوله {قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد} وَقَوله {قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق}
فالدعوة إِلَى الله الْأَمر بِعِبَادَتِهِ وَحب كل مَا أحبه وَمن أحبه وبغض كل مَا أبغضه الله وَرَسُوله من بَاطِن وَظَاهر فَمن الدعْوَة إِلَى الله النهى عَمَّا نهى عَنهُ ولاتتم الدعْوَة إِلَى الله إِلَّا بذلك سَوَاء كَانَ من الْأَقْوَال الْبَاطِنَة أَو الظَّاهِرَة أَو من الْأَعْمَال الْبَاطِنَة أَو الظَّاهِرَة كالتصديق بِمَا أخبر بِهِ الرَّسُول من أَسمَاء الله وَصِفَاته والمعاد وَمَا أخبر بِهِ عَن ساذر الْمَخْلُوقَات كالعرش والكرسي وَالْمَلَائِكَة والأنبياء السَّابِقين وأممهم وأعدائهم كإخلاص الدّين لله وَأَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وكالتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وخشية غَضَبه وعذابه وَالصَّبْر لحكمه وأمثال ذَلِك وكصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَالْوَفَاء بالعهد وصلَة الْأَرْحَام وَحسن الْجوَار وكالجهاد فِي سَبِيل الله بِالْقَلْبِ وَالْبدن وَاللِّسَان
إِذا تبين ذَلِك فالدعوة إِلَى الله وَاجِبَة على من اتبع الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على طَرِيقه وهم أمته الَّذين يدعونَ إِلَى الله تَعَالَى كَمَا دَعَا هُوَ إِلَيْهِ ويتناول الْأَمر بِكُل مَعْرُوف والنهى عَن كل مُنكر كَمَا وَصفهم الله تَعَالَى بقوله {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر}
(1/311)

وَهَذَا وَاجِب كفائى على كل الْأمة إِن قَامَ بِهِ طاذفة سقط عَن البَاقِينَ
فمجموع أمته تقوم فِي الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ إِجْمَاعهم حجَّة قَاطِعَة فَلَا تَجْتَمِع أمته على ضَلَالَة
وكل وَاحِد من الْأمة يجب عَلَيْهِ أَن يقوم من الدعْوَة بِمَا يقدر عَلَيْهِ إِذا لم يقم بِهِ غَيره فَيجب على كل من يقدر على شئ أَن يَدْعُو إِلَيْهِ من تَعْلِيم الْعلم وَالْجهَاد وَالْعَمَل وتبيين الْأَمر وَغير ذَلِك
والدعوة إِلَى الله هِيَ الدعْوَة إِلَى سَبيله وسبيله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَصْدِيقه فِيمَا أخبر وطاعته فِيمَا أَمر وَقد تبين أَنَّهُمَا واجبان على كل فَرد من أَفْرَاد الْمُسلمين وجوب فرض الْكِفَايَة
وَالْقِيَام بِالْوَاجِبِ من الدعْوَة والواجبة وَغَيرهَا بِثَلَاثَة شُرُوط كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث يَنْبَغِي لمن أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر أَن يكون فقهيا فِيمَا يَأْمر بِهِ فَقِيها فِيمَا ينْهَى عَنهُ رَفِيقًا فِيمَا يَأْمر بِهِ وفيقا ينْهَى عَنهُ حَلِيمًا فِيمَا يَأْمر بِهِ حَلِيمًا فِيمَا ينْهَى عَنهُ
فالتفقه ليعرف بِهِ والرفق ليسلك بِهِ وَهُوَ أقرب الطّرق تَحْصِيل الْمَقْصُود والحلم ليصير على الْأَذَى فكثيرا مَا يحصل لَهُ الْأَذَى كَمَا قَالَ تَعَالَى {واصبر على مَا أَصَابَك} بعد أَن قَالَ {وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر} وَقَوله تَعَالَى لنَبيه {ولربك فاصبر} وَقَوله {واصبر على مَا يَقُولُونَ} وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن وَالسّنة
وَلَكِن للآنر أَن يدْفع عَن نَفسه فَإِذا أَرَادَ الْمَأْمُور أَن يُؤْذِيه فَلهُ أَن يدْفع أَذَاهُ عننفسه قبل الْإِيقَاع بِهِ أما بعد وُقُوع الْأَذَى وَالتَّوْبَة فيصبر ويحلم
والكمال حَال نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقد ثَبت أَنه مَا انتقم لنَفسِهِ وَلَا ضرب خَادِمًا وَلَا زَوْجَة وَلَا دَابَّة وَلَا نيل مِنْهُ فانتقم لنَفسِهِ إِلَّا أَن
(1/312)

تنتهك حرمكات الله فَإِذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شئ حَتَّى ينْتَقم لله
فالآمر الناهي إِذا نيل مِنْهُ ثمَّ تَابَ الْمَأْمُور الَّذِي قدنال مِنْهُ وَقبل الْحق فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يقْتَصّ مِنْهُ ويعقب على أَذَاهُ فَإِنَّهُ قد سقط عَنهُ بِالتَّوْبَةِ كَمَا تسْقط عَن الْكَافِر إِذا اسْلَمْ حُقُوق الله وَلم يضمن مَا أتْلفه للْمُسلمين من الدِّمَاء وَالْأَمْوَال بل أجر الْمُسلمين عَليّ الله وَلَو أسلم وَبِيَدِهِ مَال للْمُسلمين كَانَ ملكا لَهُ عِنْد الْجُمْهُور وَهُوَ الَّذِي مَضَت بِهِ السّنة وَفِي الحَدِيث الْإِسْلَام يهدم مَا كَانَ قبله وَالتَّوْبَة تهدم مَا كَانَ قبلهَا
أما إِذا كَانَ الْمَأْمُور المنهى مستحلا لأَذى الْآمِر كالرافضى وَغَيره الَّذِي يسب الصَّحَابَة ويكفرهم فَإِذا تَابَ من هَذَا الِاعْتِقَاد وَصَارَ يُحِبهُمْ لم يبْق لَهُم قبله حق بل دخل حَقهم فِي حق الله تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ أصح قولى الْعلمَاء أَن أهل البغى لَا يضمنُون مَا أتلفوه عَليّ أهل الْعدْل وَكَذَلِكَ الْمُرْتَد
وَهَذَا بِخِلَاف شَأْن من يعْتَقد أَن مَا يَفْعَله بغى وعدوان كَالْمُسلمِ إِذا ظلم الْمُسلم وَالْمُرْتَدّ الَّذِي أتلف مَالا لمُسلم وَلَيْسَ بمحارب بل هُوَ فِي الظَّاهِر مُسلم أَو معاهد فَإِن هَؤُلَاءِ يضمنُون مَا أتلفوه بالِاتِّفَاقِ فَمن اعْتقد أذي الآخر بِتَأْوِيل فَهُوَ من المتأولين
وَحقّ الْآمِر الناهى دَاخل فِي حق الله تَعَالَى فَإِذا تَابَ سقط عَنهُ الحقان فَهُوَ كالحاكم إِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ وكالمفتى وكالشاهد إِذا اجتهدوا فأخطأوا
وَقد يُقَال إِنَّه سقط عَنهُ الْجَزَاء على وَجه الْقصاص الَّذِي يجب فِي الْعمد لَا فِي الْخَطَأ كَمَا تجب وكما يجب ضَمَان الْأَمْوَال الَّتِي يتلفها الصّبيان والمجانين وَالْقَاتِل خطأ الدِّيَة على عَاقِلَته وَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي ظلم خطأ
لَكِن يُقَال الْفرق بَين مَا كَانَ حَقًا لله وَحقّ الآدمى تبع لَهُ أَو مَا كَانَ حَقًا لآدمى مَحْضا أَو غَالِبا وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد من هَذَا
(1/313)

الْبَاب مُوَافق لقَوْل الْجُمْهُور الَّذين يوجبون عَليّ أهل البغى ضَمَان مَا أتلفوه لأهل الْعدْل بالتأويل فَهَذَا من با الِاجْتِهَاد الَّذِي يَقع فِيهِ الْأجر عَليّ الله تَعَالَى وَهَذَا مَا يتَعَلَّق بِالْعَبدِ الْآمِر الناهي
وَالْإِنْسَان قد تزين لَهُ نَفسه أَن عَفوه عَن ظالمه ذل فَتلْزمهُ أَن لَا بُد أَن يجْزِيه عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك فقد ثَبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صَحِيح ميلم ثَلَاث إِن كنت لحافا عَلَيْهِنَّ مَا زَاد الله عبدا بالغفو إِلَّا عزا وَمَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه
فَالَّذِي يَنْبَغِي للانسان أَن يعْفُو عَن حَقه ويتوقى حُدُود الله تَعَالَى بِحَسب الْإِمْكَان قَالَ تَعَالَى {وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون}
قَالَ النَّخعِيّ كَانُوا يكْرهُونَ أَن يسذلوا فَإِذا قدرُوا عفوا قَالَ الله تَعَالَى {هم ينتصرون} يمدحهم بِأَن فيهم همة الِانْتِصَار للحق وَالْحمية لَيْسُوا بِمَنْزِلَة الَّذين يعفون عَجزا وذلا بل هَذَا مِمَّا قد ذمّ بِهِ الرجل
(1/314)

فصل
الصّفة الَّتِي كَانَت شمَالي الْمَسْجِد كَانَ ينزلها الْمُهَاجِرُونَ الْفُقَرَاء فَمن تأهل مِنْهُم أَو سَافر أَو خرج غازيا خرج مِنْهَا وَقد كَانُوا يكونُونَ فِي الْوَقْت الْوَاحِد سبعين أَو أقل أَو أَكثر وَمِنْهُم سعد بن أبي وَقاص وَأَبُو هُرَيْرَة وخبيب وسلمان الْفَارِسِي وَغَيرهم رَضِي الله عَنْهُم
وَقد جمع أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى تاريخهم وهم نَحْو سِتّمائَة أَو سَبْعمِائة أَو غير ذَلِك
وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَنهم كَانُوا كَافِرين جاهلين بِاللَّه وَرَسُوله حَتَّى هدَاهُم الله بكتابه وَرَسُوله مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبعد الْإِسْلَام كَانَ غَيرهم مِمَّن لَيْسَ من أهل الصّفة كَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي رَضِي الله عَنْهُم أعلم بِاللَّه مِنْهُم وَأعظم يَقِينا من عامتهم وَكَانُوا من أعظم النَّاس جهادا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا وَصفهم الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون وَالَّذين تبوؤوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم} الْآيَة وَقَالَ {للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض} الْآيَة
وَقتل مِنْهُم يَوْم بِئْر مَعُونَة سَبْعُونَ وهم الَّذين قنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الَّذين قتلوهم وَأخْبرهُ جِبْرِيل عَنْهُم
وَأما وَصفهم بنهم تتقى بهم المكاره وتسد بهم الثغور وَأَنَّهُمْ أول النَّاس ورودا على الْحَوْض وَأَنَّهُمْ الشعث رُءُوسًا الذنس ثيابًا الَّذين لَا ينْكحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ وَلَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السدد فَذَلِك لم يكن خَاصّا بِأَهْل الصّفة بل كَانَ الْخُلَفَاء الراشدون رَضِي الله عَنْهُم وقواد الْمُسلمين من السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار رَضِي الله عَنْهُم كَذَلِك يقى الله بهم الْمُسلمين
(1/315)

المكاره وَلم يَكُونُوا مفتونين بزينة الدُّنْيَا وزخرفها الْكَاذِب رَضِي الله عَنْهُم
وَأما إِنَّهُم قبل مبعثه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا مهتدين فعلى من قَالَ هَذَا لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ بل لَا خلاف أَنهم كَانُوا كَافِرين
وَكَذَلِكَ من قَالَ إِنَّهُم عرفُوا مَا أوحاه الله إِلَى نبيه لَيْلَة الْمِعْرَاج فكذب مَلْعُون قَائِله والمعراج كَانَ بِمَكَّة وَالصّفة بِالْمَدِينَةِ بعد الْمِعْرَاج بِكَثِير
وَكَذَلِكَ من يَقُول إِن عمر كَانَ يكون كالزنجي بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأبي بكر وأنهما يتكلمان بمالا يفهم فكدب
نعم كَانَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ أقرب النَّاس إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأعلمهم بمراده لِأَنَّهُ لم يسْبقهُ إِلَى الاسلام وملازمة صَحبه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحد قطّ
وَكَذَلِكَ من يَقُول إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَنا من الله والمؤمنون مني فكذب على قَائِله أَو مفتريه لَعنه الله وليتبوأ مَقْعَده من النَّار بل من اعْتقد صِحَة مَجْمُوع هَذِه الْأَحَادِيث وَجَبت استتابته فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَهَذَا كُله وَاضح عِنْد من عرف الله وَكَانَ مُؤمنا حَنِيفا
وإنمات يَقع فِي هَذِه الجهالات من نقص علمه واستكبر على الْحق حَتَّى صَار بِمَنْزِلَة فِرْعَوْن وَالله علينما وَعَلَيْهِم شَهِيد ووكيل وحسيب

فصل
مَا روى أَن من وقف بِعَرَفَة غفر لَهُ ذنُوبه وَمن ظن أَنه لم يغْفر لَهُ فَلَا غفر الله لَهُ وَلَو مر بهَا راعي غنم غفر لَهُ وَإِن لم يعلم أَنه يَوْم عَرَفَة وَمَا نسبوه إِلَيّ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَوْلهم وَمن حج وَلم يزرني فقد جفاني وَمن زارني وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي
لَيْسَ مِنْهَا حَدِيث صَحِيح بل مِنْهَا مَا مَعْنَاهُ مُخَالف للسّنة فَإِنَّهُ لَو وقف
(1/316)

رجل خَائِف أَن الله لَا يغْفر لَهُ ذنُوبه لم يقل أحد إِن الله لَا يغفرله فَإِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا بِالتَّوْبَةِ وَيغْفر غير الشّرك لمن يَشَاء
والمسلمون متفقون على أَن من وقف بِعَرَفَة لم يسْقط عَنهُ مَا وَجب عَلَيْهِ من صَلَاة وَزَكَاة وَكَذَلِكَ حُقُوق الْعباد من الْمُسلمين بل لم يثبت عَنهُ سُقُوط شئ من الْمَظَالِم بِالْوُقُوفِ بعوفة
وجفاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محرم وزيارة قَبره لَيست وَاجِبَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين بل لم يثبت عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث وَاحِد فِي زِيَارَة قَبره
وَيجوز الْحَج بِمَال يُؤْخَذ على وَجه النِّيَابَة اتِّفَاقًا
أما عَليّ وَجه الْإِجَازَة فَفِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء وهما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
إِحْدَاهمَا يجوز كَمَا هُوَ عِنْد الشَّافِعِي وَالْآخر لَا يجوز كَمَا عِنْد أبي حنيفَة
ثمَّ إِن كَانَ قَصده الْحَج أَو نفع الْمَيِّت كَانَ لَهُ فِي ذَلِك أجر وثواب وَإِن كَانَ لَيْسَ لَهُ مقصد إِلَّا أَخذ الْأُجْرَة فَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق
وَإِذا كَانَت الْمَرْأَة من الْقَوَاعِد وَقد يئست من النِّكَاح وَلَا محرم لَهَا فَيجوز لَهَا أَن تحج مَعَ من تأمنه فِي أحد قولي الْعلمَاء هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَمن اسْتَطَاعَ الْحَج بالزاد وَالرَّاحِلَة وَجب عَلَيْهِ الْحَج بِالْإِجْمَاع فَإِن خرج عقيب ذَلِك بِحَسب الْإِمْكَان وَمَات فِي الطَّرِيق وَقع أجره على الله وَمَات غير عَاص وَإِن كَانَ فرط ثمَّ خرج بعد ذَلِك وَمَات قبل الْحَج مَاتَ عَاصِيا وَله أجر مَا فعله وَلم يسْقط عَنهُ الْفَرْض بل يحجّ عَنهُ من حَيْثُ بلغ
وَفِي أحد قولي الْعلمَاء لَا يكون هَديا إِلَّا ماسيق من الْحل إِلَى الْحَرَام وسوقه من الْمِيقَات أفضل من أدنى الْحل
(1/317)

كتاب اللبَاس
هَذِه العمائم الَّتِي يلبسهَا النِّسَاء حرَام بِلَا ريب الَّتِي مثل أسنمة البخت لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صنفان من أمتِي لم أرهما بعد نسَاء كاسيات عاريات على رءوسهن مثل أسنمة البخت الحَدِيث وَمَا رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم سَلمَة تتعصب قَالَ لَهَا لية لَا ليتين
وحياصة الذَّهَب مُحرمَة وَأما حياصة الْفضة فَفِيهَا نزاع
وَأما كِتَابَة آيَة من الْقُرْآن عَلَيْهَا أَو على آلَات الْحَرْب فتشبه الْكِتَابَة على الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَلَكِن تمتاز لِأَنَّهُ يُعَاد إِلَى النَّار وَهَذَا كُله مَكْرُوه
وَلبس الْحَرِير عِنْد ضَرُورَة الْقِتَال جَائِز إِذا كَانَ لَا يقوم غَيره مقَامه من دفع السِّلَاح
وَأما لِبَاسه لإرهاب الْعَدو فَفِيهِ نزاع الْأَظْهر الْجَوَاز
وَالْعلم الْحَرِير أَربع أَصَابِع جَائِز وَفِي الْعلم جَائِز وَفِي الْعلم الذَّهَب نزاع الْأَظْهر جَوَازه وَخَاتم الْفضة مُبَاح وَخَاتم الذَّهَب حرَام بِاتِّفَاق الْأَرْبَعَة على الرِّجَال
وَتجوز تحلية السَّيْف بِيَسِير الْفضة وَفِي الذَّهَب خلاف وَالأَصَح جَوَازه
وحيلة الحياصة بِيَسِير الْفضة جَائِز عَليّ الْأَصَح
والكلاليب إِذا احْتِيجَ إِلَيْهَا وَكَانَت بزنة الْخَاتم كالمثقال وَنَحْوه صَحَّ فَهُوَ أولى من الْخَاتم
(1/318)

ويسير الذَّهَب التَّابِع لغيره كالطراز وَنَحْوه جَائِز فِي الْأَصَح من مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
وقبع الْحَرِير حرَام عَليّ الرِّجَال إِجْمَاعًا وعَلى النِّسَاء لِأَنَّهُ لعن من تشبه من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَأما الصّبيان فَفِيهِ قَولَانِ الْأَظْهر أَنه لَا يجوز
وَمَا حرم لبسه لم يحل صناعته وَلَا بَيْعه لمن يلْبسهُ من أهل التَّحْرِيم وَلَا يخيط لمن يحرم عَلَيْهِ لبسه لما فِيهِ من الْإِعَانَة على الْإِثْم والعدوان فَهُوَ مثل الْإِعَانَة على الْفَوَاحِش
وَلَا يُبَاع الْحَرِير لرجل يلْبسهُ أما بَيْعه للنِّسَاء فَجَائِز وَكَذَلِكَ بَيْعه لكَافِر لِأَن عمر رَضِي الله عَنهُ أرسل بحلة حيرير إِلَى رجل مُشْرك
وَلَا يجوز أَن يُبَاع المسترسل رلا بالسعر الَّذِي يُبَاع بِهِ غَيره فَلَا يغبن بِالرِّيحِ غبنا يخرج عَن الْعَادة وَقدره بَعضهم بِالثُّلثِ وَبَعْضهمْ بالسدس بَعضهم بِمَا جرت بِهِ الْعَادة
وَالرِّيح على المتماكسين يجوز ربحه على المسترسل
المسترسل فسر بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يماكس بل يَقُول أَعْطِنِي وَبِأَنَّهُ الْجَاهِل يقيمة الْمَبِيع فَلَا يغبن غبنا فَاحِشا لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَفِي الحَدِيث غين المسترسل رَبًّا
وَمن علم أَنه يغبنهم يسْتَحق الْعقُوبَة بل يمْنَع من الْجُلُوس فِي سوق الْمُسلمين وللمغبون فسخ البيع ورده
وَإِذا تَابَ هَذَا الْغبن وَلم يُمكنهُ رد الْمَظَالِم فليتصدق بِمِقْدَار مَا ظلمهم بِهِ عَنْهُم لتبرأ ذَنبه من ذَلِك
وَكَذَلِكَ الْمُضْطَر وَمن لَا يجد حَاجته إِلَّا عِنْد شخص لَا يَبِعْهُ إِلَّا بِأَكْثَرَ من الرِّبْح الْمُعْتَاد يَنْبَغِي لَهُ يربح عَلَيْهِ مثل مَا يربح على غير الْمُضْطَر وَلَو كَانَت الضَّرُورَة
(1/319)

إِلَى مَالا بدمنه مثل أَن يضْطَر النَّاس إِلَيّ ماعنده من الطَّعَام واللباس فَيجب عَلَيْهِ أَن لَا يبيعهم إِلَّا بِالْقيمَةِ الْمَعْرُوفَة بِغَيْر اخْتِيَاره وَلَا يعطوه زِيَادَة على ذَلِك
والصمت وملازمة لبس الصُّوف والتعري وَالْقِيَام فِي الشَّمْس أَو لبس الليف أَو أَن يغطى وَجهه أَو يمْتَنع من أكل الْخبز وَاللَّحم أَو شرب المَاء وَنَحْوه كُله بِدعَة مَرْدُودَة لَيست من الدّين
فَإِن المبتدع لذَلِك قَصده أَن يعظمه النَّاس ويزار فَلَيْسَ عمله لله وَلَا صَوَابا بل هُوَ زغل وناقص بِمَنْزِلَة خِنْزِير ميت حرَام من وَجْهَيْن
فَيجب الْإِنْكَار عَليّ أهل هَذِه الْبدع بِحسن قصد بجيث يكون الْمَقْصُود طَاعَة الله وَرَسُوله لَا اتِّبَاع الْهوى وَلَا مُنَافَسَة المريدين للعظمة
وَطول الْقَمِيص وَسَائِر اللبَاس لَيْسَ لَهُ أَن يَجعله أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ
(1/320)

كتاب الْبيُوع
من اشْترى عشرَة أَزوَاج بِثمن وَاحِد فقسم الثّمن على قدر كل وَاحِد مِنْهَا بِالْعَدْلِ وَأخْبرهُ بِصُورَة الْحَال فقد صدق
وَمَتى ظهر الْمَبِيع مُسْتَحقّا فللمشترى أَن يرجع بِالثّمن عَليّ من قَبضه مِنْهُ أَو يُبدلهُ فَإِن كَانَ الْقَابِض غَائِبا إِذا قَامَت الْحجَّة وَسلم إِلَى الْمَحْكُوم لَهُ حَقه من مَال الغاذب مَعَ بَقَائِهِ على حجَّته
وَمن اشْترى جَارِيَة فأبقت وَكَانَت مَعْرُوفَة بالإباق قبل ذَلِك وكتم البَائِع فَلِلْمُشْتَرِي أَن يُطَالب البَائِع بِالثّمن إِذا أبقت عِنْد المُشْتَرِي فِي أصح قولي الْعلمَاء كَمَا هُوَ مَذْهَب مَالك وَالْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَفِي الْأُخْرَى يُطَالب بِالْأَرْشِ
وَإِن حدث الْعَيْب فَلَا ردله إِلَّا عِنْد مَالك فانه قَالَ لَهُ الرَّد إِلَى تَمام ثَلَاثَة أَيَّام والبخس فِي الميكال وَالْمِيزَان من الْأَعْمَال الَّتِي أهلك الله بهَا قوم شُعَيْب والإصرار عَلَيْهِ من أعظم الكباذر وَيُؤْخَذ مِنْهُ مَا بخسه على طول الزَّمَان وَيصرف فِي مصَالح الْمُسلمين إِذا لم يُمكن إِعَادَته إِلَى أَصْحَابه وَالَّذِي بخس لغيره هُوَ من أخسر النَّاس صَفْقَة إِذْ بَاعَ آخرته بدنيا غَيره
ولايحل أَن يَجْعَل بَين النَّاس وزانا يبخس أَو يحابي كَمَا لَا يحل أَن يكون بَينهم مقوم يحابي بِحَيْثُ يَكِيل أَو يزن أَو يقوم لمن يرجوه أَو يخَاف شَره أَو يكون لَهُ جاه وَنَحْوه بِخِلَاف مَا يَكِيل أَو يزن أَو يقوم لغيره أَو يظلم من يبغضه وَيزِيد من يُحِبهُ
وَمن أعْتقهُ سَيّده وَهُوَ بطال وَله عائلة هَل يجوز بَيْعه
أما البيع الشَّرْعِيّ فَلَا وَلَكِن إِذا انْضَمَّ إِلَيّ بعض الْمُلُوك أَو الْأُمَرَاء باسم مَمْلُوك فَيَجْعَلهُ من مماليكه الَّذين يعتقهم لَا يَتَمَلَّكهُ بِملك الأرقاء فَهَذَا يشبه
(1/321)

ملك السَّيِّد الأول فَإِن هَذَا الدي يَفْعَله هَؤُلَاءِ إِنَّمَا هُوَ بيع عادي وَإِطْلَاق عادي وَأكْثر المماليك ملك بَيت المَال وولاؤهم للْمُسلمين
وَلَا بَأْس أَن ينضاف الْإِنْسَان إِلَيّ من يُعْطِيهِ حَقه وَعَلِيهِ طَاعَة من ولاه الله أمره وَلَا يطيعوا أحدا فِي مَعْصِيّة الله
وَلَا يحل لأحد أَن يضمن من وُلَاة الْأُمُور أَن لَا يَبِيع الصِّنْف الْفُلَانِيّ إِلَّا هُوَ
وَإِن كَانَ يَشْتَرِي بِمَال حَلَال جَازَ الشِّرَاء وَإِن اشْترى بِمَال من يَظْلمه فَهُوَ كالمغضوب وَحكمه ظَاهر
وَإِن كَانَ أصل مَاله حَلَالا وَلَكِن ربح فِيهِ بِهَذِهِ الْمَعيشَة حَتَّى زَاد فقد صَار فِيهِ شُبْهَة إِن كَانَ الغلب حَلَالا جَازَ الشِّرَاء وَتَركه ورع
وَإِن كَانَ الْغَالِب حَرَامًا فَهَل الشِّرَاء مِنْهُ حَلَال على وَجْهَيْن
والنبات الَّذِي ينْبت بِغَيْر فعل الْآدَمِيّ كالكلأ ينبته الله فِي ملك الْإِنْسَان وَنَحْوه لَا يجوز بَيْعه فِي أحد قولي الْعلمَاء لَكِن إِن قصد صَاحب الأَرْض تَركهَا بِغَيْر زرع لينبت فِيهَا الْكلأ فَبيع هَذَا أسهل لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة استنباته
وَإِذا دخل الْمُسلم إِلَى بِلَاد الْحَرْب بِغَيْر أَمَان فَاشْترى مِنْهُم أَوْلَادهم وَخرج إِلَى دَار الْإِسْلَام كَانُوا ملكا لَهُ بِاتِّفَاق وَله مَعَهم وَكَذَلِكَ إِن بَاعَ الْحَرْبِيّ نَفسه للْمُسلمين وَخَرجُوا بِهِ بل لَو أعْطى الحربيون أَوْلَادهم للْمُسلمين بِغَيْر ثمن وَخَرجُوا بهم ملكوهم وَكَذَا لَو سرقهم الْمُسلم
أما لَو دخل بِأَمَان فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا لَهُ شِرَاء أَوْلَادهم وَالْآخر لَا يجوز
وَكَذَلِكَ لَو هادن الْمُسلمُونَ أهل بَلْدَة فسباهم ثمَّ اعهم للْمُسلمين
وَلَو قهر أهل الْحَرْب بَعضهم بَعْضًا أَو اشْترى بَعضهم بَعْضًا أَو سرقهم فوهبهم أَو باعهم للْمُسلمين ملكوهم
(1/322)

فصل فِيمَا يجوز بَيْعه ومالا يجوز
إِذا اتّفق أهل السُّوق أَن لَا يزِيدُوا فِي سلْعَة لَهُم فِيهَا غَرَض ليشتريها أحدهم ويتقاسموها فَهَذَا يضر بِالْمُسْلِمين أَكثر من تلقى الركْبَان
أما إِذا اتّفق اثْنَان وَفِي السُّوق من يزِيد فَلَا يحرم ذَلِك لِأَن بَاب المزايدة مَفْتُوح وَلَا يجوز أَن يطْلب بالسلعة ثمنا كثيرا ليغرى الْمُشْتَرى بهَا فَيدْفَع مَا يزِيد عَليّ قمتها إِذا كَانَ جَاهِلا بِالْقيمَةِ
وَهل يلْزم الْوَكِيل عُهْدَة العقد إِذا سمى موكلا على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ وَإِن لم يسم طُولِبَ بدرك الْمَبِيع
وَالْمَاء والكلأ الَّذين يكون فِي الأَرْض الْمُبَاحَة يجوز بَيْعه بِاتِّفَاق الْعلمَاء
وَلَا يجوز للْمَالِك أَن يزِيد فِي السّلْعَة فانه يكون ظَالِما ناجشا بل هُوَ أعظم من نجش الْأَجْنَبِيّ فَإِنَّهُ لَا يطْلب البيع أَي نجش الْأَجْنَبِيّ إِذا لم يواطئه رب السّلْعَة وَأما الباذع رذا ناجش أَو واطأ من يناجش فَفِي بطلَان البيع قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ
وَلَا يجوز خلط المَاء بِاللَّبنِ لمن يُرِيد بَيْعه وَلَو أعلم بِهِ الْمُشْتَرى فَإِنَّهُ لَا يعلم قدر مَا شابه من المَاء
والشريكان فِي الْعقار وَنَحْوه يجوز لكل وَاحِد أَن يُؤَاجر للْآخر ويؤاجره لغَيرهم ويتهايآينه بِالْمَكَانِ والزمانومن المتنع من المؤاجرة والمهايأة أجبر عَلَيْهَا وَعند جُمْهُور الْعلمَاء إِلَّا الشَّافِعِي فِي الْإِجْبَار على الْمُهَايَأَة أَقْوَال ثَلَاثَة مَعْرُوفَة
(1/323)

بَاب الرِّبَا
الذَّهَب المخيش بِالْفِضَّةِ رذا علم مِقْدَار مَا فِيهِ من الْفضة وَالذَّهَب فَهَل يجوز بَيْعه بِأَحَدِهِمَا إِذا كَانَ الْمُفْرد أَكثر من الَّذِي مَعَه غَيره فَهَذِهِ على ثَلَاثَة أَنْوَاع
أَحدهَا أَن يكون الْمَقْصُود بيع فضَّة بِفِضَّة مُتَفَاضلا أَو بيع ذهب بِذَهَب مُتَفَاضلا وَيضم رلى الأنقص من غير جنسه حِيلَة فَلَا يجوز ذَلِك أصلا
وَالثَّانِي أَن يكون الْمَقْصُود بيع أَحدهمَا أَو بيع عرض بِأَحَدِهِمَا وَفِي الْعرض مَا لَيْسَ مَقْصُودا مثل بيع السِّلَاح بِأَحَدِهِمَا وَفِيه حلية يسيرَة أَو بيع عقار بِأَحَدِهِمَا وَفِي سقفه وحيطانه أَحدهمَا وَكَذَلِكَ مثل بيع غنم ذَات صوف بصوف وَذَات لبن بِلَبن فَيجوز هَذَا عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَهُوَ الصَّوَاب أَو بيع المخيشة بِذَهَب عِنْد السبك بِفِضَّة مثله هُوَ من هَذَا الْبَاب فَإِذا بِيعَتْ الْفضة المصنوعة المخشية بِذَهَب أوبيعت بِذَهَب مَقْبُوض جَازَ ذَلِك
ورذا بِيعَتْ الْفضة المصنوعة بِفِضَّة أَكثر مِنْهَا لأجل الصِّنَاعَة لم يجز
وَالثَّالِث أَن يكون كلا الْأَمريْنِ مَقْصُودا مثل أَن يكون على السِّلَاح ذهب أَو فضَّة كثير فَهَذَا إِذا كَانَ مَعْلُوم الْمِقْدَار أَو بيع بِأَكْثَرَ من ذَلِك فَفِيهِ نزاع مَشْهُور الْأَظْهر جَوَازه
وَإِذا بِيعَتْ الْفضة المصنوعة بِفِضَّة أَكثر مِنْهَا لم يجز وَمن احْتَاجَ إِلَى دَرَاهِم فَاشْترى سلْعَة ليبيعها فِي الْحَال فَهُوَ مَكْرُوه فِي أظهر قولي الْعلمَاء
وَأما حياصة الذَّهَب أَو الْفضة فَلَا تبَاع إِلَى أجل بِذَهَب أَو فضَّة لَكِن تبَاع بِعرْض إِلَى أجل
وَمن اشْترى قمحا إِلَى أجل ثمَّ عوض البَائِع عَن الثّمن سلْعَة إِلَى أجل لم يجز وَكَذَلِكَ إِن احتال على أَن يزِيدهُ فِي الثّمن ويزيده ذَلِك فِي الْأَجَل بِصُورَة
(1/324)

يظْهر رباها لم يجز وَلم يكن لَهُ عِنْده إِلَّا الدّين الأول فَإِن هَذَا هُوَ الرِّبَا الَّذِي أنزل الله فِيهِ الْقُرْآن يَقُول الرجل لغريمه عِنْد مَحل الْأَجَل تقضى أَو تربى فَإِن قَضَاهُ وَإِلَّا زَاده هَذَا فِي الْأَجَل فَحرم الله ذَلِك وآذن بِحَرب من لم ينْتَه عَنهُ
وَمن تدين من رجل دينا فَدخل بِهِ السُّوق فَاشْترى شَيْئا بِحَضْرَة الرجل ثمَّ بَاعه عَلَيْهِ بفائدة فَهِيَ على ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَن يكون بَينهم مواطأة لفظية أَو عرفية على أَن يَشْتَرِي السّلْعَة من رب الْحَانُوت ثمَّ يَبِيعهَا للْمُشْتَرِي ثمَّ تُعَاد إِلَى صَاحب الْحَانُوت فَلَا يجوز ذَلِك
الثَّانِي أَن يَشْتَرِيهَا مَعَه ثمَّ يُعِيدهَا إِلَيْهِ فَلَا يجوز لحَدِيث أم ولد زيد ابْن أَرقم رَضِي الله عَنهُ
الثَّالِث أَن يَشْتَرِي السّلْعَة شِرَاء ثَابتا ثمَّ يَبِيعهَا للمستدين ثَانِيًا فيبيعها أَحدهمَا فَهَذِهِ تسمى التورق لِأَن غَرَض المُشْتَرِي هُوَ الْوَرق فَيَأْخُذ مائَة وَيبقى عَلَيْهِ مائَة وَعِشْرُونَ مثلا فقد نَازع فِي ذَلِك السّلف والأقوى أَنه ينْهَى عَنهُ قَالَ عمر بن الْعَزِيز التورق رَبًّا فَإِن الله حرم أَخذ دَرَاهِم بِدَرَاهِم أَكثر مِنْهَا إِلَى أجل لما فِي ذَلِك من ضَرَر الْمُحْتَاج وَأكل مَاله بِالْبَاطِلِ وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي هَذِه الصُّورَة وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَالَّذِي أَبَاحَهُ الله للْبيع وَالتِّجَارَة وكل قرض جر مَنْفَعَة فَهُوَ رَبًّا كَمَا يقْرض صناعه ليحابوه بِالْأُجْرَةِ أَو يقْرضهُ مَائه ويبيعه سلْعَة تَسَاوِي مائَة بِمِائَة وَخمسين وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ رَبًّا
وَيجب على الْمُقْتَرض أَن يُوفي الْمقْرض فِي الْبَلَد الَّذِي اقْترض فِيهِ وَلَا يكلفه شَيْئا من مُؤنَة السّفر إِلَى بلد آخر وَمؤنَة حمل ذَلِك فَإِن قَالَ مَا أوفيك إِلَّا فِي بلد أُخْرَى كَانَ عَلَيْهِ مُؤنَة الْمقْرض وَمَا يُنْفِقهُ على الْمَعْرُوف
وَلَا يجوز الْوَفَاء فُلُوسًا إِلَّا برضى البَائِع وَإِذا وفاه فُلُوسًا فَلَا يكون إِلَّا بالسعر الْوَاقِع أما النَّقْد ان فَيجوز اسْتِيفَاء النَّقْدَيْنِ أَحدهمَا عَن الآخر كاستيفاء
(1/325)

أَحدهمَا عَن نَفسه فَلَا يكون ذَلِك من بَاب الْمُعَارضَة وَلَا يجوز فِيهِ الزِّيَادَة بِالشّرطِ كَمَا لَا يجوز فِي الْقَرْض وَنَحْوه مِمَّا يُوجب الْمُمَاثلَة
فَإِن اتفقَا على أَن يُوفي أَحدهمَا أَكثر من قِيمَته كَانَ كالانفاق أَن يُوفي عَنهُ أَكثر مِنْهُ من جنسه بِخِلَاف الزِّيَادَة من غير شَرط
وعَلى هَذَا فالفلوس النافقة قد يكون فِيهَا شوب قوي من الأتمان فيوفيها على أحد النَّقْدَيْنِ كتوفية أَحدهمَا عَن صَاحبه
وَإِذا قوم السّلْعَة بِقِيمَة حَالَة ثمَّ بَاعهَا إِلَى أجل بِأَكْثَرَ من ذَلِك فَهَذَا مَنْهِيّ عَنهُ فِي أصح قولي الْعلمَاء كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ إِذا أسلمت بِنَقْد ثمَّ بِعْت بِنَقْد فَلَا بَأْس وَإِذا أسلمت بِنَقْد ثمَّ بِعْت نَسِيئَة بِأَكْثَرَ من الثّمن فَهَذَا هُوَ الرِّبَا
إِذا كَانَ لَهُ عَليّ رجل دَرَاهِم مُؤَجّلَة فباعة بِأَقَلّ مِنْهَا حَالَة فَهَذَا رَبًّا وَإِن كَانَت حَالَة فَأخذ الْبَعْض وأبرأه من الْبَعْض فقد أحسن وأجره على الله
وَإِذا ابتيعت أسورة ذهب بِذَهَب أوفضة إِلَى أجل لم يجز بِاتِّفَاق الْعلمَاء بل يجب رد الأسورة إِن كَانَت بَاقِيَة ورد بدلهَا إِن كَانَت فَائِتَة
وَمن قَالَ لتاجر أَعْطِنِي هَذِه السّلْعَة فَقَالَ التَّاجِر مشتراها ثَلَاثُونَ وَمَا أبيعها إِلَّا بِخَمْسِينَ إِلَى أجل فَهِيَ على ثَلَاثَة أَنْوَاع
أَحدهَا أَن يكون مَقْصُوده السّلْعَة ينْتَفع بهَا للْأَكْل أَو الشّرْب أَو اللّبْس وَنَحْوه
وَالثَّانِي أَن يكون مَقْصُوده التِّجَارَة
فهذان جائزان بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَلَا بُد من مُرَاعَاة الشُّرُوط الشَّرْعِيَّة فَإِذا كَانَ المُشْتَرِي مُضْطَرّا لم يجز أَن يُبَاع إِلَّا بِقِيمَة الْمثل مثل أَن يضْطَر الْإِنْسَان إِلَى شِرَاء طَعَام لَا يجده إِلَّا عِنْد شخص فَعَلَيهِ أَن يَبِيعهُ إِيَّاه بِقِيمَة الْمثل فَأن أَبى أَن يَبِيعهُ إِلَّا بِأَكْثَرَ فَلِلْمُشْتَرِي
(1/326)

أَخذه قهرا بِقِيمَة الْمثل وَإِذا أعطَاهُ إِيَّاه لم يجب عَلَيْهِ إِلَّا قيمَة الْمثل وَإِن بَاعه إِيَّاه إِلَى أجل بَاعه بِالْقيمَةِ إِلَى ذَلِك الْأَجَل وَيَأْخُذ قسطا من الثّمن
وَالنَّوْع الثَّالِث أَن يكون المُشْتَرِي إِنَّمَا يُرِيد دَرَاهِم مثلا ليوفي بهَا دينه فيتفقان على أَن يُعْطِيهِ مثلا الْمِائَة بِمِائَة وَعشْرين إِلَى أجل فَهَذَا منهى عَنهُ
فَإِن اتفقَا على أَن يُعِيد السّلْعَة إِلَيْهِ فَهُوَ بيعان فِي بيعَة وَإِن أدخلا بَينهمَا ثَالِثا فيشتري مِنْهُ السّلْعَة ثمَّ تُعَاد إِلَيْهِ فَكَذَلِك وَإِن بَاعه وأقرضه فَكَذَلِك وَإِن كَانَ المُشْتَرِي يَأْخُذ السّلْعَة فيبيعها فِي مَوضِع آخر فيشتريها بِمِائَة ويبيعها بتسعين لأجل الْحَاجة إِلَى الدَّرَاهِم فَهِيَ مَسْأَلَة التورق وَفِيه نزاع والأقوى أَنه منهى عَنهُ وَأَنه أصل الرِّبَا كَمَا قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَطَائِفَة الْمَالِكِيَّة وَغَيرهم وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَرخّص فِيهِ آخَرُونَ والأقوى كَرَاهَته وَالله أعلم

فصل
مَا يصنعه ابْن آدم من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَغَيرهمَا من أَنْوَاع الْجَوَاهِر وَالطّيب واللؤلؤ والياقوت والمسك والعنبر وَمَاء الْورْد وَغير ذَلِك كُله لَيْسَ بِمثل مَا يخلقه الله من ذَلِك بل هُوَ مشابه لَهُ من بعض الْوُجُوه لَيْسَ هُوَ مُسَاوِيا لَهُ لَا فِي الْحَد وَلَا فِي الْحَقِيقَة وَذَلِكَ محرم فِي الشَّرْع بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء الَّذين يعلمُونَ حَقِيقَة ذَلِك
وَحَقِيقَة الكيمياء تَشْبِيه الْمَصْنُوع بالمخلوق وَهُوَ بَاطِل فِي الْعقل وَالله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله فَلَنْ يقدر الْعباد أَن يصنعوا مثل مَا خلق وَمَا يصنعونه لم يخلق لَهُم مثله فَلم يخلق طَعَاما مخلوقا وَلَا ثوبا منسوجا وَقد اسْتَقر أَن الْمَخْلُوق لَا يكون مصنوعا والمصنوع لَا يكون مخلوقا عِنْد
(1/327)

الْمُسلمين وَعند أَوَائِل الفلاسفة الَّذين تكلمُوا فِي الطبائع قَالَ الله تَعَالَى {أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء} وَفِي الصَّحِيح عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا يروي عَن ربه وَمن أظلم مِمَّن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا بعوضة الحَدِيث وَقد لمن المصورين وَقَالَ من صور صُورَة كلف أَن ينْفخ فِيهَا الرّوح وَلَيْسَ بنافخ وَقَالَ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة الَّذين يضاهون خلق الله
وَلَيْسَ فِي التَّصْوِير تلبيس وَأَن كل أحد يعلم أَن صُورَة الْحَيَوَان المصورة لَيست حَيَوَانا وَلِهَذَا يفرق فِي التَّصْوِير فَيجوز تَصْوِير الشّجر والمعادن فِي الثِّيَاب والحيطان وَلِهَذَا قَالَ جِبْرِيل مر بِالرَّأْسِ فليقطع وَنَصّ الْأَئِمَّة على ذَلِك وَقَالُوا الصُّورَة بِلَا رَأس لَا يبْقى فِيهَا حَيَاة فَتبقى مثل الجمادات
وَأما الكيمياء فَإِنَّهَا غش وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غَشنَا فَلَيْسَ منا وَلم يكن من الْأَنْبِيَاء وَلَا الصَّالِحين وَلَا الْعلمَاء من هُوَ من أهل الكيمياء
وأقدم من يحْكى عَنهُ ممارسة الكيمياء خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَلَيْسَ هُوَ مِمَّن يَقْتَدِي بِهِ الْمُسلمُونَ فِي دينهم فَإِن ثَبت النَّقْل عَن جَعْفَر الصَّادِق فقد دلّس عَلَيْهِ فَإِنَّهَا على مَرَاتِب
مِنْهَا مَا يفْسد بعد بضع سِنِين أَو أَكثر كَمَا دلّس على غَيره كمحمد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ المتطبب وَكَانَ من المصححين لَهَا وَمَا أعلم الْأَطِبَّاء الإسلاميين من كَانَ فِيهَا مِنْهُ وَهِي أَشد تَحْرِيمًا من الرِّبَا
وَمن قَالَ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَملهَا فَقَوله مُسْتَلْزم للكفر وَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول {لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ} وَكَانَ يُمكنهُ أَن يعْمل الكيمياء على قَول هَذَا المفتري وَيكون عِنْده مَا يحملهم عَلَيْهِ
وَكَثِيرًا مَا ينضاف إِلَيْهِ السحر كَمَا كَانَ ابْن سبعين والسهروردي وَالْحُسَيْن
(1/328)

الحلاج المقتولان على الزندقة وَالسحر من الْكَبَائِر والكيمياء من السحر

فصل
بيع الدَّرَاهِم بأنصاف أَصله مَسْأَلَة مد عَجْوَة وَهِي ثَلَاثَة أَقسَام يجمعها بيع رِبَوِيّ بِجِنْسِهِ ومعهما أَو مَعَ أَحدهمَا صنف آخر من غير جنسه
الْقسم الأول أَن يكون الْمَقْصُود بيع رِبَوِيّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا أَو يضم إِلَى الْأَقَل غير الْجِنْس حِيلَة مثلي ألفي دِينَار بِأَلف دِينَار ومنديل
فَالصَّوَاب فِي مثل هَذَا الْجَزْم بِالتَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِلَّا فَلَا يعجز أحد عَن رَبًّا الْفضل
الْقسم الثَّانِي أَن يكون الْمَقْصُود بيع غير رِبَوِيّ وَإِنَّمَا دخل الرِّبَوِيّ ضمنا وتبعا كَبيع شَاة ذَات صوف وَلبن بِشَاة ذَات صوف وَلبن أَو سيف فِيهِ فضَّة يسيرَة بِسيف أَو غَيره فِيهِ فضَّة أَو دَار مموهة بدار مموهة فَهُنَا الصَّحِيح فِي مَذْهَب مَالك وَأحمد الْجَوَاز
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ الْمَقْصُود بيع الرِّبَوِيّ بِغَيْر الرِّبَوِيّ مثل بيع الدَّار وَالسيف بِذَهَب أَو بَيْعه بِجِنْسِهِ وهما يتساويان
وَمَسْأَلَة الدَّرَاهِم المغشوشة فِي زَمَاننَا من هَذَا الْبَاب فَإِن الْفضة الَّتِي فِي أحد
(1/329)

الدرهمين مثل الْفضة الَّتِي فِي الدِّرْهَم الآخر والنحاس تَابع غير مَقْصُود وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيح جَوَاز ذَلِك بِخِلَاف الْقسم الثَّالِث وَهُوَ مَا إِذا كَانَ كِلَاهُمَا مَقْصُودا مثل بيع مد عَجْوَة وَدِرْهَم بمدين ودرهمين أَو بيع دِينَار بِنصْف دِينَار وَعشرَة دَرَاهِم ورطل نُحَاس بِعشْرَة دَرَاهِم ورطلي نُحَاس فَمثل هَذِه فِيهَا نزاع مَشْهُور
فَأَبُو حنيفَة يجوزه وَقَالَ فِي مَوضِع اخر وَهُوَ الْأَشْبَه إِذا لم تشتبه بالربا وَالْأَصْل حمل الْعُقُود على الصِّحَّة فَحصل أَن مَسْأَلَة بيع الدَّرَاهِم النقرة الَّتِي ثلثهَا فضَّة بالسود الَّتِي ربعهَا فضَّة مخرجة على مَسْأَلَة مد عَجْوَة وَالنَّاس بَين مفرط ومفرط ومتوسط
فَإِذا كَانَ الْمَقْصُود بيع الرِّبَوِيّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا فَحَرَام وَإِن كَانَ الْمَقْصُود البيع الْجَائِز وَمَا فِيهِ من رِبَوِيّ تبع فَالصَّوَاب جَوَازه كَمَا جَازَ فِي بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا تبعا
وَأما إِن كَانَ كلا الصِّنْفَيْنِ مَقْصُودا فَفِيهَا النزاع الْمَشْهُور مِنْهُم من حرمه لكَونه ذَرِيعَة إِلَى الرِّبَا وَلكَون الصّفة الْمُشْتَملَة على عوضين يقسم الثّمن عَلَيْهَا بِالْقيمَةِ وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة
وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى يجوز إِذا كَانَ الْمُفْرد أَكثر
وَجوز أَبُو حنيفَة بيع النقرة بالنقرة والمغشوشة والنقرة بِالسَّوْدَاءِ إِذا لم يقْصد بيع فضَّة مُتَفَاضلا يخرج على النزاع الْمَشْهُور فِي مد عَجْوَة وَالشَّافِعِيّ يحرمه وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ وَمَالك يفصل بَين الثَّلَاث وَغَيرهَا
(1/330)

كتاب الْأَطْعِمَة وَغَيرهَا
إِذا بَاعَ الرجل سلْعَته وَأخذ عَلَيْهِ مكس من البَائِع أَو من المُشْتَرِي لم يحرم ذَلِك السّلْعَة وَلَا الشِّرَاء لَا على بَائِعهَا وَلَا على مشتريها وَلَا شُبْهَة فِي ذَلِك أصلا
وَلَو كَانَ الْمَأْخُوذ بعض السّلْعَة كسواقط الشَّاة مثلا
وَأما إِذا ضمن نوعا من السّلع لَا يَبِيعهَا إِلَّا هُوَ فَهُوَ ظَالِم وَهَذَا نَوْعَانِ
مِنْهُم من يسْتَأْجر حانوتا بِأَكْثَرَ من قيمتهَا إِمَّا لمقطع أَو غَيره على أَن لَا يَبِيع فِي الْمَكَان إِلَّا هُوَ وَيجْعَل عَلَيْهِ مَالا يُعْطِيهِ لمقطع أَو غَيره بِلَا اسْتِئْجَار حَانُوت وَلَا غَيره فكلاهما ظَالِم
النَّوْع الثَّانِي أَن يكون عَلَيْهِم ضَمَان لَكِن يلتزمونه بِالْبيعِ للنَّاس كالطحانين والخبازين وَنَحْوهم مِمَّن لَيْسَ عَلَيْهِم وَظِيفَة كمن عَلَيْهِ أَن يَبِيع كل يَوْم شَيْئا مُقَدرا وَيمْنَعُونَ من سواهُم من البيع وَلِهَذَا جَازَ التسعير على هَؤُلَاءِ وَإِن لم يجز التسعير على الْإِطْلَاق فَإِنَّهُم قد وَجَبت عَلَيْهِم الْمُبَايعَة لهَذَا الصِّنْف وَمنع غَيرهمَا عَن ذَلِك فَلَو مكنوا أَن يبيعوا بِمَا شَاءُوا كَانَ ظلما للْمَسَاكِين بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ النَّاس كلهم متمكنين من ذَلِك لَكِن لم يجز أَن يلزموا أَن يبيعوا بِدُونِ ثمن الْمثل كَمَا لَا يبيعون بِمَا شَاءُوا
وَهل يجوز أَن يلزموا بِمثل ذَلِك فَيُقَال أما إِذا اخْتَارُوا أَن يلزموا بِمَا يحْتَاج النَّاس إِلَيْهِ من تِلْكَ المبيعات وَألا يبيعوا إِلَّا بِقِيمَة الْمثل على أَن يمْنَع غَيرهم من البيع وَمن اخْتَار الدُّخُول دخل مَعَهم فِي ذَلِك إِن أمكن فَهَذَا لَا يبين تَحْرِيمه بل قد يكون فِيهِ مصلحَة عَامَّة للنَّاس فهم لم يلزموا بل دخلُوا باختيارهم وَمنع غَيرهم لمصْلحَة عَامَّة النَّاس فَإِن دخل فِي هَذِه الْمصلحَة مكن
وَقد يُقَال هَذَانِ نَوْعَانِ من الظُّلم إِلْزَام لشخص أَن يَبِيع وَأَن يكون
(1/331)

بَيْعه بِثمن الْمثل وَفِي هَذَا فَسَاد وَحِينَئِذٍ فَإِن كَانَ أَمر النَّاس صَالحا بِدُونِ هَذَا لم يجز احْتِمَال هَذَا بِلَا مصلحَة راجحة وَأما أَن كَانَ بِدُونِ هَذَا لَا يحصل للنَّاس مَا يكفيهم من الطَّعَام وَنَحْوه أَو لَا يكون ذَلِك إِلَّا بأثمان مُرْتَفعَة وَبِذَلِك يحصل مَا يكفيكم بِثمن الْمثل فَهَذِهِ الْمصلحَة الْعَامَّة يفْتَقر فِي جَانبهَا مَا ذكر من المتع
وَأما إِذا ألزم النَّاس بذلك فَفِيهِ تَفْصِيل فَإِن النَّاس إِذا اضطروا إِلَى مَا عِنْد الْإِنْسَان من السّلْعَة وَالْمَنْفَعَة وَجب عَلَيْهِ أَن يبذلها لَهُم بِقِيمَة الْمثل وَيمْنَع أَن لَا يَبِيع سلْعَة حَتَّى يَبِيع مِقْدَار معينا وتفصيل ذَلِك لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه
إِذا تبين ذَلِك فَالَّذِي يضمن كُله من الكلف على أَن لَا يَبِيع السّلْعَة إِلَّا هُوَ ويبيعها بِمَا يخْتَار لَا ريب أَنه من جنس الكلف السُّلْطَانِيَّة وسبيل أهل الْوَرع لَا يَأْكُلُون من الشِّرَاء المضمن أَو الْملح المضمن فَإِنَّهُ مَكْرُوه لأجل الشُّبْهَة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ لَا يَبِيع إِلَّا هُوَ بِمَا يخْتَار صَار كَأَنَّهُ يكره النَّاس على الشِّرَاء مِنْهُ فَيَأْخُذ مِنْهُم أَكثر مِمَّا يجب عَلَيْهِم ويختلط بِمَالِه فَيكون بِمَالِه شُبْهَة
وَمن أحد ذَلِك من الْمُبَاح وَإِن كَانَ إِنَّمَا بِضَمَان فَلَيْسَتْ كَغَيْرِهَا فَإِن أصل الْملح مُشْتَرك بَين النَّاس وَلَا يحرم شِرَاؤُهُ لِأَن المُشْتَرِي لَا يظلم أحد والمباح لم يملكهُ بِمَالِه فَيجوز للْمُشْتَرِي دفع المَال ليَأْخُذ مَا كَانَ لَهُ أحد بِغَيْر شَيْء كَمَا لَا يجوز أَن يَشْتَرِي الرجل ملكه المغضوب من غاضبه وَله بذل ثمنه وَإِن حرم على البَائِع كَمَا يجوز رشوة الْعَامِل ليدفع الظُّلم عَن نَفسه لَا لمنع الْحق وإرشاؤه حرَام فِيهَا وَكَذَلِكَ الْأَسير وَالْعَبْد الْمُعْتق وَالزَّوْجَة الْمُطلقَة إِذا أنكر الآسر وَسيد العَبْد وَالزَّوْج الْمُطلق جَازَ لَهُم دفع شَيْء ليقروا بِالْحَقِّ وَإِن حرم على الْآخِذ وَنَحْو ذَلِك وَمَا وَفِي الْعرض بِهِ صَدَقَة
وَلَو أعْطى الرجل شَاعِرًا لِئَلَّا يكذب عَلَيْهِ يهجو أَو غَيره أَو لِئَلَّا يَقُول فِي عرضه مَا يحرم عَلَيْهِ كَانَ بذله لذَلِك جَائِزا وَأما أَخذ الشَّاعِر ذَلِك لِئَلَّا يَظْلمه فَحَرَام لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ ترك ظلمه وَترك الْكَذِب عَلَيْهِ بِلَا عوض فَإِذا لم يتْركهُ
(1/332)

إِلَّا بِمَال كَانَ حَرَامًا تسميه الْعَامَّة قطع مصانعه
فالمباحات الَّتِي يشْتَرك فِيهَا الْمُسلمُونَ كالصيود الْبَريَّة والبحرية والمعادن إِذا تحجرها السُّلْطَان وَأمر أَن لَا يَأْخُذهَا إِلَّا نوابه وتباع للنَّاس لم يحرم على النَّاس شراؤها ونواب السُّلْطَان يستخرجونها بأثمانها الَّتِي أخذوها ظلما وَنَحْو ذَلِك من الظُّلم قبل تِلْكَ الْأَمْوَال أخذت من الْمُسلمين ظلما فالمسلمون هم المظلومون وَذَلِكَ لَا يحرم عَلَيْهِم مَا كَانَ حَلَالا لَهُم وَهَذَا طَاهِر فِيمَا إِذا كَانَ الظُّلم مناسبا مثل أَن يُبَاع كل مِقْدَار بِثمن معِين وَيُؤْخَذ من تِلْكَ الْأَثْمَان مَا يسْتَخْرج بِتِلْكَ الْمُبَاحَات بِدُونِ الْمُعَامَلَة بالأموال السُّلْطَانِيَّة الْمُشْتَركَة
أما لَو سخر نواب السُّلْطَان بِغَيْر حق من يسْتَخْرج تِلْكَ الْمُبَاحَات فَهَذِهِ بِمَنْزِلَة أَن يغْضب من يطْبخ لَهُ طَعَاما أَو ينسج لَهُ ثوبا أَو يطْبخ بحطب مغضوب فَهَذَا فِيهِ شُبْهَة
وَطَرِيقَة التَّخَلُّص أَن ينظر النَّفْع الْحَاصِل فِي تِلْكَ الْعين ويقدره بِعَمَل الْمَظْلُوم فيعطيه أجرته وَإِن تعذر معرفَة الْمَظْلُوم تصدق بهَا عَنهُ كَمَا لَو اخْتَلَط مَاله بِمَا غَضَبه فَلَا يُوجب تَحْرِيم كل مَاله عَلَيْهِ لِأَن الْمُحرمَات نَوْعَانِ
محرم عَلَيْهِ لوصفه وعينه كَالدَّمِ وَالْميتَة فَهَذَا إِن اخْتَلَط بالمائع وَظهر فِيهِ حُرْمَة ومحرم لكسبه كالنقدين والحبوب الثِّمَار وَأَمْثَاله فَهَذَا لَا تحرم أعيانه تَحْرِيمًا مُطلقًا بل تحرم على آخذها ظلما أَو بِوَجْه محرم فَإِذا الرجل مِنْهَا شَيْئا وخلطه بِمَالِه فَالْوَاجِب إِخْرَاج قدره وَمَا بَقِي من مَاله حَلَالا فَهُوَ حَلَال لَهُ وَلَو أخرج مثل الْحَرَام من غَيره فَفِيهِ وَجْهَان لأَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَهَذَا أصل فِيمَا يحصل فِي يَد الْإِنْسَان من وَدِيعَة وعارية وغصوب لَا يعرف صَاحبهَا يتَصَدَّق بِهِ عَنهُ فِي مصَالح الْمُسلمين على مَذْهَب مَالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهم وَيجوز للْفُقَرَاء أَخذهَا فَإِن الْمُعْطى نَائِب صَاحبهَا بِخِلَاف من تصدق من غلُول وَهُوَ الَّذِي يحوز المَال وَيتَصَدَّق بِهِ مَعَ إِمْكَان رده أَو يتَصَدَّق بِهِ صَدَقَة
(1/333)

متقرب فَهُوَ كَمَاله وَأما ذَاك فَيتَصَدَّق صَدَقَة متحرج متأتم بِمَنْزِلَة أَدَاء الَّذين وَأَدَاء الْأَمَانَة إِلَى أَصْحَابه وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَمُعَاوِيَة رَضِي الله عَنْهُمَا
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي اللّقطَة فَإِن جَاءَ رَبهَا وَإِلَّا فَهِيَ مَال الله يؤتيه من يَشَاء فَجَعلهَا للملتقط إِذا تعذر معرفَة صَاحبهَا وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي جَوَاز صدقته بهَا وَإِنَّمَا نزاعهم فِي جَوَاز تملكه لَهَا مَعَ الْغَنِيّ وَالْجُمْهُور على جَوَازه مَعَ الْجَزْم بِأَنَّهَا سَقَطت من مَالك فَكيف بِمَا يجهل فِيهِ ذَلِك

فصل
فِي كلب نزا على نعجة فَولدت خروفا نصفه كلب وَنصفه خروف وَهُوَ نِصْفَانِ بالطول لَا يُؤْكَل مِنْهُ شَيْء وَإِن كَانَ مهْرا وَلِأَن الْأكل بعد التذكية وَلَا يَصح تذكية مثل هَذَا لأجل الِاخْتِلَاط
وَأما الْمُتَوَلد بَين حمَار وَحشِي وَفرس فَهُوَ بغل حَلَال بِخِلَاف الْمُتَوَلد بَين حمَار إنسي وَفرس
وعناق أرضعتها كلبة مرّة يجوز أكلهَا وَشرب لَبنهَا
وَمَا روى فِي الْبِطِّيخ إِنَّه مَكْتُوب عَلَيْهِ لَا إِلَه إِلَّا الله وَمن أكله بقشره فَلهُ كَذَا أَو ببذره فَلهُ كَذَا فكله كذب مفترى
وَلَا بَأْس بِالْأَكْلِ وَالشرب قَائِما مَعَ الْعذر كَمَا شرب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من زَمْزَم قَائِما لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوضِع جُلُوس وَأما مَعَ عدم الْحَاجة فَيكْرَه لنَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ وَبِهَذَا التَّفْصِيل يحصل الْجمع بَين النُّصُوص وَفِيه عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ قيل يكره وَقيل لَا
(1/334)

وَمن قَالَ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أكل الْعِنَب دو دو فَهُوَ كذب لَا أصل لَهُ
وَمن أكل الطَّيِّبَات بِدُونِ الشُّكْر الْوَاجِب فَهُوَ مَذْمُوم قَالَ تَعَالَى {ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم} أَي عَن شكر النَّعيم
والإسراف فِي الْأكل هُوَ مُجَاوزَة الْحَد
وَمن أكل بنية الِاسْتِعَانَة على الْعِبَادَة كل مأجورا
وَإِذا أَضَافَهُ رجل فِي مَاله شُبْهَة قَليلَة وَفِي التّرْك مفْسدَة من قطيعة رحم أَو فَسَاد ذَات الْبَين فليجبه وَإِن لم يكن فِي التّرْك مفْسدَة وَفِيه مصلحَة الْإِجَابَة فَقَط وَفِي الْإِجَابَة مفْسدَة أكل مَا فِيهِ شُبْهَة فَأَيّهمَا أرجح فِيهِ نزاع
وَقَوْلهمْ من أكل مَعَ مغْفُور غَفُور لَهُ لم ينْقل عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَفظه وَإِنَّمَا ذكر أَنه رُؤْيا رَآهَا رَاء وَلَيْسَ هَذَا على إِطْلَاقه صَحِيحا
وَأكل الْحَيَّات والعقارب حرَام مجمع عَلَيْهِ فَمن أكلهَا مستحلا لَهَا استتيب وَمن عتقد التَّحْرِيم وأكلها فَهُوَ فَاسق عَاص لله وَرَسُوله فَكيف يكون صَالحا وَلَو ذكى الْحَيَّة كَانَ أكلهَا بعد ذَلِك حَرَامًا عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء وَأما من يَأْكُل الْحَيَّات والثعابين ويجعله من بَاب الكرامات فَهُوَ شَرّ مِمَّن يأكلها فسقا فان كرامات الْأَوْلِيَاء لَا تكون بِمَا نهى الله عَنهُ من أكل الْخَبَائِث كَمَا لَا تكون بترك الْوَاجِبَات وَلَا يجوز إِعَانَة هَؤُلَاءِ المشعبذين بِالصَّدَقَةِ وَنَحْوهَا على أَن يقيموا الصناعات والشعبذات الْمُحرمَة ويفعلون مَالا يرضى الله من إِقَامَة مشيخة تخَالف الْكتاب وَالسّنة وَلَا يعْطى رزقه على مشيخة جَاهِلِيَّة تخَالف كتاب الله وَإِنَّمَا يعان بالرزق من قَامَ بِطَاعَة الله وَرَسُوله وَعمل مَا ينفع الْمُسلمين فِي دنياهم ودعا إِلَى طَاعَة الله وَرَسُوله
(1/335)

والسياحة فِي الْبِلَاد لغير مقصد مَشْرُوع كَمَا يعانيه بعض النساك أَمر منهى عَنهُ
قَالَ الإِمَام أَحْمد لَيست السياحة من الْإِسْلَام فِي شَيْء وَلَا من فعل النَّبِيين وَلَا الصَّالِحين وَقَوله تَعَالَى {السائحون} المُرَاد بِهِ الصائمون

فصل فِي بيع الْأُصُول وَالثِّمَار
إِذا ضمن الْبُسْتَان بِحَيْثُ يكون الضَّامِن هُوَ الَّذِي يزرع أرضه ويسقي شَجَره كَالَّذي يسْتَأْجر الأَرْض فللعلماء فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنَّهَا دَاخِلَة فِي النَّهْي عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا
وعَلى هَذَا فَمنهمْ من يحتال على ذَلِك بِإِجَارَة الأَرْض وَالْمُسَاقَاة على الشّجر كَمَا يَقُول طَائِفَة من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَبَعض أَصْحَاب أَحْمد مِنْهُم القَاضِي أَبُو يعلى فِي إبِْطَال الْحِيَل وَالْمَنْصُوص عَن أَحْمد بطلَان الْحِيَل
القَوْل الثَّانِي قَول من يفرق بَين كَون الأَرْض كَثِيرَة أَو قَليلَة فَإِن كَانَت الأَرْض الْبَيْضَاء أَكثر من الثُّلثَيْنِ وَالشَّجر أقل من الثُّلُث جَازَ إِجَارَة الأَرْض وَدخل فِيهَا بيع الثَّمَرَة تبعا وعَلى هَذَا قَول مَالك وَفِي وقف الثُّلُث قَولَانِ
القَوْل الثَّالِث جَوَاز ذَلِك مُطلقًا وَهُوَ قَول طَائِفَة من السّلف وَالْخلف مِنْهُم ابْن عقيل وَغَيره وَهُوَ الْمَأْثُور عَن الصَّحَابَة
(1/336)

وَقد روى سعيد بن مَنْصُور عَن عمر بِإِسْنَاد ثَابت أَنه قبل حديقة أسيد بن الْحضير لغرمائه ثَلَاث سِنِين وَكَانَ لَهُم عَلَيْهِ سِتَّة آلَاف دِرْهَم لما مَاتَ وفيهَا النّخل وَالثَّمَر وتسلف الْقَابِلَة ووفى دينه وَلم يُنكر ذَلِك أحد من الصَّحَابَة
وَأَيْضًا وضع الْخراج على أَرض الْخراج وَالْأَعْنَاب وَالْخَرَاج أُجْرَة عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور
وَهَذَا القَوْل أصح الْأَقْوَال وَبِه يَزُول الْحَرج عَن الْمُسلمين وَله مأخذان أَحدهمَا أَنه لَا بُد من إجَازَة الأَرْض وَلَا يُمكن إِلَّا مَعَ الشّجر فَجَاز للْحَاجة كَمَا إِذا بدا صَلَاح بعض ثَمَر شَجَرَة جَازَ بيع جَمِيعهَا اتِّفَاقًا وَقد يدْخل من الْغرَر فِي الْعُقُود مَالا يدْخل أصلا كأساسات الْحِيطَان الدَّاخِلَة وَمَا يدْخل من الزِّيَادَة بعد بَدو الصّلاح وكما يجوز بيع الْعَرَايَا للْحَاجة كالمضاربة والمسافاة والمزارعة
المأخذ الثَّانِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَالْحب قبل اشتداده
ثمَّ إِنَّه يجوز عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة إِجَارَة الأَرْض لمن يعْمل عَلَيْهَا حَتَّى ينْبت الزَّرْع وَلَيْسَ ذَلِك بيعا للحب
كَذَلِك تَقْبِيل الشّجر لمن يعْمل عَلَيْهِ حَتَّى يُثمر لَيْسَ هُوَ بيعا للثمرة
أَلا ترى أَن الْمُزَارعَة على الأَرْض كالمساقاة على الشّجر وَالثَّمَرَة وَإِن كَانَت أعيانا فَإِنَّهَا تجْرِي مجْرى الْفَوَائِد والنفع لِأَنَّهَا يسْتَخْلف بدلهَا كاللبن فِي استرضاع الظِّئْر لما كَانَ يسْتَخْلف بدله أجْرى مجْرى النَّفْع وَلِهَذَا فِي بَاب بيع الثَّمر إِنَّمَا يقوم البَائِع بسقايتها وكمالها
والقبالة الَّتِي فعلهَا عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّمَا يقوم فِيهَا المتقبل بسقاية الشّجر وَمؤنَة حُصُول الثَّمر الْمُتَّصِل فَلَا يُقَاس هَذَا بِهَذَا
(1/337)

وَنَهْيه عَن بيع الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه لم يتَنَاوَل هَذِه القبالة بِلَا ريب ثمَّ إِن قدر أَن الثَّمَرَة لم تطلع أَو تلفت بعد طُلُوعهَا بِدُونِ تَفْرِيط المتقبل كَانَ بِمَنْزِلَة تعطل الْمَنْفَعَة فِي الْإِجَارَة وَهُوَ لَا يسْتَحق أُجْرَة إِذا لم يتَمَكَّن الْمُسْتَأْجر من الِانْتِفَاع
وَأما إِذا كَانَ المُشْتَرِي اشْترى مُجَرّد الثَّمَرَة فَقَط ومؤنه السَّقْي عَن البَائِع وَقد أطلع الثَّمر وَلم يبد صَلَاح جيمعه بل نوع دون نوع فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا يجوز بيع جَمِيع الْبُسْتَان لِأَن فِي التَّفْرِيق ضَرَرا وَهُوَ أقوى وَمن النَّاس من قَالَ لَا يجوز بَيْعه وَهُوَ الْمَشْهُور وَإِذا استثنيت الْعرية من الْمُزَابَنَة للْحَاجة جَازَ فَلِأَن يجوز بيع النَّوْع تبعا لنَوْع آخر مَعَ أَن الْحَاجة فِي ذَلِك أَشد أولى
وَنَهْيه عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا فقد خص بيعهَا تبعا للشجرة فَعلم أَنه إِنَّمَا نهى عَن مُفْرد الثَّمَرَة كنهية عَن الذَّهَب وَالْحَرِير مُفردا وَالْحمل لَا يجوز إِفْرَاده بِالْبيعِ وَيجوز تبعا
وسر الشَّرِيعَة أَن الْفِعْل إِذا اشْتَمَل على مفْسدَة منع إِلَّا إِذا عارضها مصلحَة راجحة كَمَا فِي إِبَاحَة الْميتَة للْمُضْطَر وَبيع الْغرَر وَنهى الله عَنهُ لِأَنَّهُ نوع ميسر من كَونه أكل مَال بِالْبَاطِلِ فَإِذا عَارضه ضَرَر أعظم من أباحة دفعا لأعظم الفسادين بِاحْتِمَال أدناهما وَالله أعلم
وَيجوز بيع قصب السكر والجوز واللوز فِي أصح قولي الْعلمَاء وَكَذَلِكَ القت والقلقاس فِي أصح الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ قَول لِأَحْمَد وَكَذَلِكَ بيع المقاتي بعروقها وكل ذَلِك من بَاب تجويزه للْحَاجة لِأَن فِي تَحْرِيمه فَسَادًا أعظم مِنْهُ عِنْد جَوَازه
ثمَّ إِن كَانَت الجوائح تُوضَع إِن تلف فَهُوَ كالثمرة والشريعة اسْتَقَرَّتْ على أَن مَا يحْتَاج إِلَى بَيْعه يجوز وَإِن كَانَ مَعْدُوما كالمنافع وَإِجَارَة الثَّمر الَّذِي لم يبد
(1/338)

صَلَاحه مَعَ الأَصْل وَالَّذِي بدا صَلَاحه مُطلقًا كَمَا اسْتَقر أَن ذَلِك يجوز تبعا وَإِن لم يجز مُفردا وَمِنْه مَا روى مُسلم من بَاعَ عبدا وَله مَال فَمَاله للْبَائِع إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع
فصل ظَاهر مَذْهَب أَحْمد أَن مَا كَانَ مُتَعَيّنا بِالْعقدِ لَا يحْتَاج إِلَى تَوْفِيَة بكيل أَو وزن وَنَحْوهمَا بِحَيْثُ يكون المُشْتَرِي قد تمكن من قَبضه فَهُوَ من ضَمَانه قَبضه أَو لم يقبضهُ كصبره اشْتَرَاهَا جزَافا وَنَحْوه وَهُوَ قَول مَالك
وَأما عِنْد الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة فَإِنَّهَا من ضَمَان البَائِع وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّد
لَكِن الصَّوَاب فِي ذَلِك أَنَّهَا متنوعة فمذهب أبي حنيفَة لَا يدْخل الْمَبِيع كُله فِي ضَمَان المُشْتَرِي إِلَّا بِالْقَبْضِ إِلَّا الْعقار وَعند الشَّافِعِي الْعقار وَغَيره سَوَاء وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى بِالْفرقِ بَين الْمكيل وَالْمَوْزُون وَغَيرهمَا وَرِوَايَة بِالْفرقِ بَين الطَّعَام وَغَيره وَبَين المطعوم الْمكيل أَو الْمَوْزُون أَو غَيره وَهَذَا فِي الْقَبْض وَعنهُ الرِّوَايَات فِي الرِّبَا
وَهل جَوَاز التَّصَرُّف وَالضَّمان متلازمان فِيهِ نزاع
فطريقة القَاضِي أبي يعلى وَأَصْحَابه والمتأخرين من أَصْحَاب أَحْمد مَعَ أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ يَقُولُونَ يتلازم التَّصَرُّف وَالضَّمان فَمَا دخل فِي ضَمَان المُشْتَرِي جَازَ تصرفه فِيهِ ومالا فَلَا
وطرد الشَّافِعِي ذَلِك فِي بيع الثِّمَار على الشّجر فَلم يقل بِوَضْع الجوائح بِنَاء على أَن المُشْتَرِي إِذا قبضهَا جَازَ تصرفه فِيهَا فَصَارَ ضَمَانهَا عَلَيْهِ
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي مَذْهَب أَحْمد الَّذِي ذكره الْخرقِيّ وَغَيره من الْمُتَقَدِّمين وَعَلِيهِ تدل أصُول أَحْمد أَن الضَّمَان وَالتَّصَرُّف لَا يتلازمان وَلِهَذَا كَانَ ظَاهر
(1/339)

مذْهبه وضع الجوائح فِي الثِّمَار وَجَوَاز تصرفه فِيهِ بِالْبيعِ وَغَيره مَعَ كَون ضَمَانهَا على البَائِع فَهِيَ كمنافع الْإِجَارَة مَضْمُونَة على الْمُؤَجّر قبل الإستيفاء فَلَو مَاتَ الدَّابَّة فتعطلت الْمَنَافِع كَانَت من ضَمَان الْمُؤَجّر مَعَ أَنه يجوز للْمُسْتَأْجر التَّصَرُّف فِيهَا فِي ظَاهر الْمَذْهَب
وَلِهَذَا كَانَ الظَّاهِر فِي مذْهبه فِي بَاب ضَمَان العقد الْفرق بَين مَا يتَمَكَّن من قَبضه وَمَا لم يتَمَكَّن لَيْسَ هُوَ الْفرق بَين الْمَقْبُوض وَغَيره كَمَا قَالَ الْخرقِيّ وَغَيره فِي بيع الصُّبْرَة الْمَبِيعَة جزَافا تدخل فِي ضَمَان المُشْتَرِي بِالْعقدِ وَلَا يجوزون للْمُشْتَرِي بيعهَا حَتَّى ينقلها فجوز التَّصَرُّف فِي الثَّمَرَة مَعَ كَون ضَمَانهَا على البَائِع وَمنع الصُّبْرَة مَعَ كَون ضَمَانهَا على المُشْتَرِي فَثَبت عدم التلازم
وَلَو عتق العَبْد الْمَبِيع قبل قَبضه نفذ عتقه إِجْمَاعًا
وَقد تنَازع النَّاس فِي الْهِبَة وَغَيرهَا وأصول الشَّرِيعَة توَافق هَذِه الطَّرِيقَة فَلَيْسَ كل مَا كَانَ مَضْمُونا على شخص يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِيهِ كالمغضوب وَالْعَارِية وَلَيْسَ كل مَا جَازَ التَّصَرُّف فِيهِ كَانَ مَضْمُونا على الْمُتَصَرف كالمالك لَهُ أَن يتَصَرَّف فِي المغضوب والمعار فيبيع الْمَغْصُوب من غاصبه أَو مِمَّن يقدر على تخليصه وَإِن كَانَ مَضْمُونا على الْغَاصِب كَمَا أَن الضَّمَان بالخراج إِنَّمَا هُوَ فِيمَا اتّفق ملكا ويدا
أما إِذا كَانَ الْملك لشخص وَالْيَد لآخر فقد يكون الْخراج للْمَالِك وَالضَّمان على وَاضع الْيَد مَعَ أَن الدّين لَيْسَ مَضْمُونا على الْمَالِك
وَأَيْضًا فالبائع إِذا مكن المُشْتَرِي وَلم يتَمَكَّن من الْقَبْض فقد قضى مَا عَلَيْهِ
وَظَاهر الْمَذْهَب فِي الثَّمَرَة إِذا بِيعَتْ بعد بَدو الصّلاح أَنَّهَا من ضَمَان البَائِع
لِأَن عَلَيْهِ الْقَبْض إِلَى كَمَال الْجذاذ وَالْمُشْتَرِي لم يتَمَكَّن من جذاذها وَلَكِن جَازَ لَهُ التَّصَرُّف فِيمَا بدا مِنْهَا إِذا خلى بَينه وَبَينهَا
فَجعل فِي التَّصَرُّف قبضهَا بِالتَّخْلِيَةِ وَجعل فِي الضَّمَان قبضهَا بالتمكن من
(1/340)

الاتنفاع الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود بِالْعقدِ ولعوض مَأْخَذ هَذِه الْمسَائِل تنَازع الْفُقَهَاء فِيهَا كثيرا فَمِنْهُ من يلحظ فِيهَا معنى بل يتَمَسَّك فِيهَا بِظَاهِر النُّصُوص لِأَن أُجْرَة الْمثل فِي الأَرْض المغروسة تقدر بِالْأَرْضِ الْبَيْضَاء لاغراس فِيهَا المهيأة لِأَن يغْرس فِيهَا فَمَا بلغ فَهُوَ من أُجْرَة الْمثل
فصل فِي الْمُصراة وَغَيرهَا
وَلَا يجوز بيع الْمَغْشُوش وَلَا عمله إِذا لم يعلم قدر الْمَغْشُوش وَلَو أعلم المُشْتَرِي أَنه مغشوش لم يجز بَيْعه كاللبن المشوب بِالْمَاءِ وَالصُّوف المشوب بالمشاقة لِأَن المُشْتَرِي لَا يعلم قدر الْخَلْط فَيبقى الْمَبِيع مَجْهُولا وَكَذَا كل مَا كَانَ من الْغِشّ فِي المطعوم والملابس وَغَيرهَا
وَقد أفتى طَائِفَة من الْعلمَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَمَالك وَغَيرهم أَن من صنع مثل هَذَا فَإِنَّهُ يجوز أَن يُعَاقب بتمزيق الثَّوْب الَّذِي غشه وَالتَّصَدُّق بِالطَّعَامِ الَّذِي غشه كَمَا يجوز شقّ ظروف الْخمر وَكسر دنانها كَمَا أَمر عمر رَضِي الله عَنهُ بتحريق كل مَكَان يُبَاع فِيهِ الْخمر وَقد نَص عَلَيْهِ أَحْمد وَغَيره وكما أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عجل السامري وَلم يعده إِلَى أَهله وكما تكسر آلَات الملاهي
وَهَذِه تبنى على أَن الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال يتبع فِيهَا مَا جَاءَت بهَا الشَّرِيعَة كالأبدان يتبع فِيهَا مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة
وَادّعى قوم أَن الْعُقُوبَات الْمَالِيَّة مَنْسُوخَة وَلَا حجَّة مَعَهم فِي ذَلِك أصلا كَمَا أَن الْبدن إِذا قَامَ بِالْفُجُورِ أقيم عَلَيْهِ الْحَد وان كَانَ قد يتْلف بِإِقَامَة الْحَد كَذَلِك الَّذِي قَامَ بِهِ صَنْعَة الْفُجُور مثل الصَّنَم يجوز إِتْلَافه وتحريقه كَمَا حرق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَصْنَام
وَكَذَلِكَ من صنع صَنْعَة مُحرمَة فِي طَعَام أَو لِبَاس أَو نَحْو ذَلِك
(1/341)

وَلَا يجوز للدلال أَن يكون شَرِيكا فِي أَن يزِيد من غير علم البَائِع لانه يجب أَن لَا يزِيد أحد عَلَيْهِ فَلَا ينصح وَإِذا تواطأ جمَاعَة على ذَلِك استحقوا التَّعْزِير وَمن تعزيرهم أَن يمنعوا من المناداة حَتَّى يتوبوا وَتظهر تَوْبَتهمْ
وكل بيع غرر مثل الطَّائِر فِي الْهَوَاء والشارد والآبق وَالثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَبيع الْحَصَاة من الميسر الَّذِي حرمه الله فِي الْقُرْآن لِأَنَّهُ إِن قدر عَلَيْهِ كَانَ المُشْتَرِي قد قمر البَائِع حَيْثُ أَخذ مَاله بِدُونِ قِيمَته وَإِن لم يقدر عَلَيْهِ كَانَ البَائِع قد قمر المُشْتَرِي وَفِي كل مِنْهُمَا أكل مَال بِالْبَاطِلِ فَهُوَ قمار
وَمِنْه أَن يَبِيعهُ مَا فِي بطن الدَّابَّة وَنَحْوهَا
وَيجوز بيع الْغرَر لحَاجَة البَائِع كَمَا قد بسط ذَلِك فِي مَوْضِعه
إِذا أنزى على بهائمه فَحل غَيره فاللقاح لَهُ وَلَكِن إِذا كَانَ ظَالِما بالإنزاء بِحَيْثُ يضر بالفحل المنزى فَعَلَيهِ ضَمَان مَا نقص لصَاحبه فَإِن لم يعرف لَهُ صاحبا تصدق عَنهُ وَأما أَن كَانَ لَا يضرّهُ فَلَا قيمَة لَهُ
وَإِذا مَاتَ رب المَال فِي الْمُضَاربَة انْفَسَخت ثمَّ إِذا علم الْعَامِل بِمَوْتِهِ وَتصرف بِغَيْر إِذن الْوَرَثَة فَهُوَ غَاصِب
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الرِّبْح هَل هُوَ للْمَالِك فَقَط كَمَاء الْأَعْيَان أَو لِلْعَامِلِ فَقَط لِأَن عَلَيْهِ الضَّمَان أَو يتصدقان بِهِ لِأَنَّهُ ربح خَبِيث أَو يكون بَينهمَا على أَرْبَعَة أَقْوَال أَصَحهَا الرَّابِع وَبِه حكم أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر رَضِي الله عَنهُ فِيمَا أَخذ ابناه من بَيت المَال فاتجروا فِيهِ بِغَيْر اسْتِحْقَاق فَجعله مُضَارَبَة
وَعَلِيهِ اعْتمد الْفُقَهَاء فِي بَاب الْمُضَاربَة أَن الرِّبْح مِمَّا حصل من مَنْفَعَة بدن هَذَا وَمَال هَذَا يكون بَينهمَا
(1/342)

فصل
إِذا أعْطى الدَّلال قماشا يَبِيعهُ ويختمه فَمَا وجد الختام فأودعه عِنْد شخص أَمِين عَادَتهم أَن يودعوا عِنْده فَعدم مِنْهُ شَيْء فَإِذا كَانَ عَادَتهم أَن يودعوا وَأَصْحَاب القماش يعلمُونَ ذَلِك ويقرونهم عَلَيْهِ فَلَا شَيْء على الدَّلال وَأما إِن كَانَ الدَّلال فرط فتصرف بِمَا لم يُؤذن لَهُ فِيهِ لَا لفظا وَلَا عرفا ضمن وَمن استودع وَدِيعَة فحفظها مَعَ مَاله فسرقت دون مَاله كَانَ ضَامِنا الْوَدِيعَة فِي أحد قولي الْعلمَاء هما رِوَايَتَانِ فَإِن عمر رَضِي الله عَنهُ ضمن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ وَدِيعَة ادعِي أَنَّهَا ذهبت دون مَاله وَأما إِن ادّعى أَنَّهَا ذهبت مَعَ مَاله ثمَّ ظهر أَن مَاله لم يذهب بل بَاعه أَو نَحوه فَهُنَا أوكد أَن يضمن
فَإِن ادّعى صَاحبهَا أَنه طلبَهَا من الْمُودع فَلم يُسَلِّمهَا أَو أَنه خَان فِيهِ كَانَ القَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه أقوي وآكد بل يسْتَحق الْمُودع التَّعْزِير على كذبه
وَإِن كَانَ من أهل الذِّمَّة فَشهد عَلَيْهِ من أهل دينه المقبولين عِنْدهم قبلت شَهَادَتهم فِي أحد قولي الْعلمَاء هما رِوَايَتَانِ وَقبُول شَهَادَتهم هُنَا أوكد فَإِنَّهُ يحكم بِيَمِين الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لرجحان قَول الْمُدعى فِي قوليهم أَيْضا
وَأما من كَانَ من أهل الذِّمَّة يؤوى أهل الْحَرْب ويعاونهم على الْمُسلمين فقد انْتقض عَهده وَحل مَاله وَدَمه
ورذا أودع رجل شخصا مَالا ليوصله إِذا مَاتَ لأولاده فَمَاتَ وَترك غير أَوْلَاده وَرَثَة أخر فَإِذا كَانَ المَال الْمُودع وَجب أَن يُوصل إِلَى وَارِث حَقه سَوَاء خص بِهِ الْوَالِد الْأَوْلَاد أَولا وَلَيْسَ للمستودع أَن يخص بِهِ بعض الْوَرَثَة إِلَّا بِإِجَازَة البَاقِينَ وَلَو صرح لَهُ الْمَالِك بالتخصيص فَلَا يجوز ويحفظ نصيب هَؤُلَاءِ لصغار فَإِن كَانَ فِي الْبَلَد حَاكم عَالم عَادل قَادر يحفظ هَذَا المَال سلم إِلَيْهِ
(1/343)

وَإِن لم يجد من يحفظه أبقاه بِيَدِهِ يتجر فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَالرِّبْح للْيَتِيم وأجره على الله تَعَالَى
وَيجوز صرف مَال الْأَسير فكاكه بِلَا إِذْنه
وَالْمَال الْمُوصى بِهِ فِي يَد النَّاظر أَمَانَة يجب عَلَيْهِ حفظه تحفظ الْأَمَانَات وَلَا يودعه لحَاجَة فَإِن أودعهُ عِنْد من يغلب على الظَّن حفظه فالحاكم الْعَادِل إِن وجد أَو غَيره بِحَيْثُ لَا يكون فِي إيداعه تفريطا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَإِن أودعهُ لخائن أَو عَاجز مَعَ إِمْكَانه أَن لَا يفعل فَهُوَ مفرط
وَأما الْمُودع إِذا لم يعلم أَنه وَدِيعَة فَفِي تَضْمِينه قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ أظهرهمَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَمَا حصل على التَّرِكَة بِسَبَب ظلم من المغارم فَهُوَ على المَال جَمِيعه
وَإِذا غضِبت الْوَدِيعَة فللناظر الْمُطَالبَة بهَا وللمودع أَيْضا فِي غيبته
وَإِذا مَاتَ الْمُودع وَلم يعلم حَال الْوَدِيعَة هَل أخذت أَو تلقت فَإِنَّهَا تكون دينا على تركته فِي أظهر قولي الْعلمَاء كَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَظَاهر نَص الشَّافِعِي تُؤْخَذ من مَاله
فَإِن لم يكن لَهُ مَال سوى الْوَقْف فَفِيهِ نزاع مَشْهُور فِي وقف الدّين الَّذِي أحَاط الدّين بِمَالِه وَكَذَلِكَ الْوَقْف الَّذِي لم يخرج عَن يَده حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ يبطل فِي أحد قولي مَالك وَأحد الْقَوْلَيْنِ لِأَحْمَد وَأبي حنيفَة
وَإِن كَانَ الْوَقْف قد صَحَّ وَلزِمَ وَله مستحقون وَلم يكن صَاحب الدّين يتَنَاوَلهُ الْوَقْف لم يكن وَفَاء الدّين فِي ذَلِك لَكِن إِن كَانَ مِمَّن تنَاوله الْوَقْف مثل أَن يكون على الْفُقَرَاء وَصَاحب الدّين فَقير فَلَا ريب أَن الصّرْف إِلَى هَذَا الْفَقِير الَّذِي لَهُ دين على الْوَقْف أولى من الصّرْف إِلَى غَيره
(1/344)

فصل
فِي رجل أسلف مائَة دِرْهَم على حَرِير فَلَمَّا حل الْأَجَل لم يكن عِنْده بِمَا يرضيه فَقَالَ رب الدّين اشْتَرِ مني هَذَا الْحَرِير إِلَى أجل وأحضر حَرِيرًا بِمِائَة وَخمسين ثمَّ قَالَ أوفى هَذَا الْحَرِير عَن السّلف الَّذِي عنْدك فو رَبًّا حرَام وَهَذَا المربي لَا يسْتَحق مَا فِي ذمم النَّاس إِلَّا مَا أَعْطَاهُم أَو نَظِيره
فَأَما الزِّيَادَات فقد يكون مَا قَبضه قبل ذَلِك رَبًّا وَلَكِن يُعْفَى عَنهُ وَأما مَا بَقِي فِي الذمم فَهُوَ سَاقِط لقَوْله تَعَالَى {وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين} وَقَوله {وَإِن تبتم فلكم رُؤُوس أَمْوَالكُم} وَالله أعلم
إِذا أسلف فِي حِنْطَة فاعتاض عَنْهَا شَعِيرًا فَفِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ أصَحهمَا الْجَوَاز إِذا كَانَ بِسعْر الْوَقْت أَو أقل وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس
وَمن بَاعَ قمحا إِلَى أجل بِدَرَاهِم فَلَا يجوز أَن يعتاض عَنهُ بِمَا يجْرِي فِيهِ الرِّبَا فِي قَول مَالك وَالْمَشْهُور عَن أَحْمد وَقَالَ بعض أَصْحَابه يجوز وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
وَمن بَاعَ عقارا فَخرج مُسْتَحقّا وَكَانَ الْمُشْتَرط عَالما ضمن الْمَنْفَعَة سَوَاء انْتفع بهَا أَولا وَإِن لم يعلم فقرار الضَّمَان على الظَّالِم
وَإِذا انتزع الْمَبِيع من يَد المُشْتَرِي وَأخذت مِنْهُ الْأُجْرَة وَهُوَ مغرور رَجَعَ بذلك على البَائِع الغر لَهُ
وَإِذا أسرت الْمَرْأَة وَلها ملك فرهنه أَخُوهَا أَو زَوجهَا لأجل أَن يخلصها فَلَا شَيْء عَلَيْهِم فَلَو وجدهَا قد خلصت أعَاد إِلَيْهَا مَا قَبضه ويفك الرَّهْن عَن ملكهَا
وَمن أَخذ من تَاجر مَالا وَامْتنع من إِعْطَائِهِ جَازَ ضربه ليؤدي المَال
وَمن غيب المَال وَجحد مَوْضِعه ضرب حَتَّى يدل على مَوْضِعه
(1/345)

وكل من عَلَيْهِ حق لَا يُوفيه مطلا جَازَت عُقُوبَته حَتَّى يُوفيه بِضَرْب مرّة بعد أُخْرَى وَمِنْهُم من قَالَ كل مرّة تِسْعَة وَثَلَاثِينَ وَمِنْهُم من يقدره وَله أَن يُعَاقِبهُ حَتَّى يَنْوِي توفيته فَلَيْسَ على الْحَاكِم إِلَّا ذَلِك وَإِن كَانَ يجوز لَهُ بيع مَاله ووفاء دينه لَكِن مَتى رأى أَن يلْزمه إِيَّاه إِمَّا بنقله عَنهُ وَإِمَّا لخوف مفْسدَة أَو ردعه جَازَ لَهُ ذَلِك
وَمن عَلَيْهِ مَال وَلم يوفه حَتَّى شكى رب المَال ومحرم عَلَيْهِ مَالا وَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ حق قَادِرًا على الْوَفَاء ومطل حَتَّى أحْوج مَالِكه إِلَى الشكوى فَمَا غرم بِسَبَب ذَلِك فَهُوَ على الظَّالِم الماطل إِذا كَانَ غرمه على الْوَجْه الْمُعْتَاد
وَمن حبس بدين وَله رهن لَا وَفَاء لَهُ غَيره وَجب على رب الدّين إمهالة حَتَّى يَبِيعهُ وَهُوَ فِي الْحَبْس ضَرَر وَجب إِخْرَاجه ليَبِيعهُ وَيضمن عَلَيْهِ أَو يمشي مَعَه الدَّائِن أَو وَكيله
وَمن عَلَيْهِ دين وَله ملك لَا يُمكنهُ بَيْعه إِلَّا بِدُونِ ثمن الْمثل الْمُعْتَاد غَالِبا فِي ذَلِك الْبَلَد لم يجب بَيْعه وَيلْزم الْغَرِيم إنظاره إِلَى ميسرَة إِلَّا أَن يكون تغير تغيرا مُسْتَقرًّا فَيكون حِينَئِذٍ ثمن الْمثل قد نقص فَيُبَاع بِثمن الْمثل المستقر وَله أَن يطْلب مِنْهُ كل وَقت مَا يقدر عَلَيْهِ وَهُوَ التقسيط
وَمن هرب وَعِنْده أمانات لَا يعرف حَالهَا وَكَانَ عَلَيْهَا عَلامَة من اسْم كل وَاحِد على متاعة أَو نَحوه عمل بذلك وَإِن تعذر ذَلِك كُله أَقرع بَين المدعين فَمن خرجت قرعته على عين أَخذهَا مَعَ يَمِينه وَمن علم حَقه بِبَيِّنَة أَخذه
وَإِذا حبست زَوجهَا على كسوتها وَكَانَ مُعسرا فَلَا نَفَقَة لَهَا أَيَّام حَبسه لِأَنَّهَا منعته ظلما وَإِن كَانَ مماطلا مَعَ قدرته وَهِي باذلة نَفسهَا فَعَلَيهِ نَفَقَتهَا
وَمن أعْطى رجل مَالا قراضا ثمَّ ظهر عَلَيْهِ دين قبل الفراض فَلَا يجوز
(1/346)

أَن يُوفي الدّين من مَال الْقَرَاض إِلَّا أَن يخْتَار رب المَال وَإِذا ادّعى مَا يُمكن فِي الْعَادة من نقص الْقَرَاض أَو عَدمه فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه وَإِن ادّعى مَا يُخَالف الْمَادَّة لم يقبل بِمُجَرَّد قَوْله
وَمن ادّعى عَلَيْهِ حق فَطلب أَن يعْقد فِي الترسيم حَتَّى يَبِيع مَاله ويوفي وَجب تَمْكِينه وَلم يجز حَبسه الْحَبْس الحاجز لَهُ عَن ذَلِك وَهَذَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَكَذَا إِن أمكنه أَن يحتال لوفاء دينه باقتراض أمْهل بِقدر ذَلِك وَلم يجز منفعه من ذَلِك بحبسه وَالْحَال لَا يتأجل وَقيل بلَى وَقيل فِي المفاوضات يتأجل دون التَّبَرُّعَات وَالثَّلَاثَة لِأَحْمَد رَحمَه الله تَعَالَى

فصل فِي الْحجر
إِذا تزوجت لم يجب عَلَيْهَا طَاعَة أَبِيهَا وَلَا أمهَا فِي فِرَاق زَوجهَا وَلَا فِي زيارتهم وَنَحْو ذَلِك بل الْوَاجِب عَلَيْهَا طَاعَة زَوجهَا إِذا لم يأمرها بِمَعْصِيَة وطاعته أَحَق من طاعتهما وَأَيّمَا امْرَأَة رَاض عَنْهَا دخلت الْجنَّة
وَإِذا أَرَادَت الْأُم التَّفْرِيق بَين ابْنَتهَا وَزوجهَا فَهِيَ من حبس هَارُون وماروت لَا طَاعَة لَهَا وَلَو دعت عَلَيْهَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَكُونَا مجتمين على مَعْصِيّة الله أَو تكون أمرت الْبِنْت بِطَاعَة الله وَرَسُوله ومنعها الزَّوْج ذَلِك وَطَاعَة الله وَاجِبَة على كل مُسلم وَالله أعلم
وَمن تزوج امْرَأَة وَبعد مُدَّة جَاءَ والدها فطلبت مِنْهُ شَيْئا لمصلحتها فَقَالَ أَنا تَحت الْحجر فَلَا يقبل قَوْله بل الْأَصَح صِحَة التَّصَرُّف وَعدم الْحجر حَتَّى يثبت وَمن كَانَ مِنْهُمَا تَحت حجر أَبِيه فَلهُ عَلَيْهِ الْيَمين أَنه لَا يعلم رشده إِذا طلب ذَلِك وَلم تقم بَيِّنَة وَإِن أَقَامَ بَيِّنَة برشده فك عَنهُ الْحجر وَإِن لم يعْتَرف بِهِ أَبوهُ
وَمن قَالَ ازوجته أَنْت طَالِق فأبرأته وَلَيْسَت تَحت الْحجر وَلَا لَهَا أَب ثمَّ ادَّعَت السَّفه ليسقط الْإِبْرَاء لم تقبل دَعْوَاهَا وَلَو أَقَامَت بَيِّنَة بَينه أَنَّهَا كَانَت سَفِيهَة
(1/347)

وَإِن لم تكن تَحت الحجز لم يبطل الْإِبْرَاء بذلك وَإِن كَانَت هِيَ المتصرفة لنَفسهَا وَمن ثَبت أَنه ضَامِن بِإِقْرَار أَو بَيِّنَة أَو بخطة لزمَه ماضمنه فَإِن ادّعى أَنه كَانَ تَحت الْحجر لم يقبل بِمُجَرَّد الدَّعْوَى وَإِذا قَالَ إِن الْمَضْمُون لَهُ يعلم ذَلِك فَلهُ إحلافه وَكَذَا لَو ادّعى الْإِكْرَاه
وَإِذا مَاتَ الْوَصِيّ وَلم يعلم الْيَتِيم قد ذهب بِغَيْر تَفْرِيط فَهُوَ فِي تركته لَكِن هَل هُوَ دين يحاص بِهِ الْغُرَمَاء أم أَمَانَة يقدم بهَا فِيهِ نزاع

فصل فِي الصُّلْح
وَمن شَارك كَافِرًا فِي بِنَاء فَلَيْسَ لَهُ رفْعَة على بِنَاء الْمُسلمين وَإِن أَرَادَ ذَلِك واستخدم الْكَافِر فِي بناءأ أَو شَاركهُ وَقصد بجاه الْإِسْلَام رَفعه فقد بخس الاسلام وَاسْتحق أَن يهان الإهانة الإسلامية
وَيجوز أَن يَبْنِي من وقف الْمَسْجِد خَارج الْمَسْجِد بَيْتا ينْتَفع بِهِ أهل الِاسْتِحْقَاق لريع الْوَقْف القائمين بمصلحة الْوَقْف وَيجوز أَن يعْمل مَكَانا لمصْلحَة الْمَسْجِد وَأَهله من تَغْيِير الْعِمَارَة من صُورَة إِلَى صُورَة وَنَحْو ذَلِك مثل أَن يعْمل ميضأة مَكَانا للْوُضُوء وَلَا مَحْذُور فِيهِ فَإِن الْوضُوء فِي الْمَسْجِد جَائِز بل لَا يكره عِنْد الْجُمْهُور وَلَيْسَ لأحد التحجير على مَقْبرَة الْمُسلمين ليختص هُوَ بِموضع وَلَا بِنَاء حَائِط وَنَحْوه
ومالا تقوم الْعِمَارَة إِلَّا بهم من الْعمَّال والحساب فهم من أهل الْعِمَارَة
وَلَا يجوز بيع شئ من طَرِيق الْمُسلمين سَوَاء كَانَت وَاسِعَة أَو ضيقَة
وَإِذا صَالح على بعض الْحق خوفًا من ذهَاب جَمِيعه فَهُوَ مكره لَا يَصح صلحه لَهُ أَن يُطَالِبهُ بِالْحَقِّ بعد ذَلِك إِذا أقرّ بِهِ أَو ثَبت بِبَيِّنَة
وَإِذا لم يبْق فِي الْقرْيَة من أهل الذِّمَّة أحد بل مَاتُوا أَو أَسْلمُوا جَمِيعًا جَازَ أَن تتَّخذ الْبيعَة مَسْجِدا لَا سِيمَا إِن كَانَت بِبِلَاد الشَّام فَإِنَّهُ فتحت عنْوَة
(1/348)

مَسْأَلَة لَا يجوز لأحد أَن يخرج فِي طَرِيق الْمُسلمين شَيْئا من أحزاء الْبناء حَتَّى إِنَّه نهى عَن تَخْصِيص الْحَائِط إِلَّا أَن يدْخل فِي حَده بِقدر الجص
وَلَا يجوز قسْمَة الْوَقْف إِذا كَانَ عَليّ جِهَة وَاحِدَة اتِّفَاقًا وَقد صرح طَائِفَة فِي قسْمَة الْوَقْف بِوَجْهَيْنِ وصرحوا بِأَن الْوَقْف إِنَّمَا يقسم إِذا كَانَ على جِهَتَيْنِ وَلَيْسَ لأحد اتِّخَاذ الْمَسْجِد طَرِيقا

فصل فِي الضَّمَان
إِذا تعدى الْمَضْمُون فهرب بذلك مَعَ قدرته على الْوَفَاء فَمَا لزم الضَّامِن من غَرَامَة فَلهُ أَن يرجع بهَا على الْمَضْمُون الَّذِي ظلمه إِذا كَانَ مَا غرمه بِالْمَعْرُوفِ ضَمَان مالم يجب وَضَمان الْمَجْهُول جاذز عنجمهور الْعلمَاء كمالك وَأبي حنيفَة وَأحمد وَلَا يجوز عِنْد الشَّافِعِي
وَيجوز لِلْكَاتِبِ وَالشَّاهِد أَن يكْتب العقد وَيشْهد عَلَيْهِ وَلَو لم ير جَوَازه لِأَنَّهُ من مسَائِل الإجتهاد وَولى الْأَمر يحكم بِمَا يرَاهُ من الْقَوْلَيْنِ
وَإِذا كَانَ على الْوَلَد فتغيب فَلَا يُطَالب بِهِ وَالِده إِذا لم يكن ضامنه وَلَا لَهُ عِنْده مَال لَكِن إِن أمكنه مَعُونَة صَاحب الْحق على إِحْضَار وَلَده بالتعريف مَكَانَهُ وَنَحْوه لزمَه ذَلِك وَإِلَّا فَلَا شئ عَلَيْهِ
وَمن سلم غَرِيمه إِلَى السجان ففرط السجان فِيهِ حَتَّى هرب فالسجان وَنَحْوه مِمَّن هُوَ وَكيل على بدن الْغَرِيم بِمَنْزِلَة الْكَفِيل للْغَرِيم يتَوَجَّه عَلَيْهِ إِحْضَاره فَإِن تعذر ضمن مَا عَلَيْهِ من المَال عندنَا وَعند مَالك
وَإِذا أسلم الْكَفِيل الْغَرِيم وَهُوَ فِي حبس الشَّرْع برِئ وَلَا يلْزمه إِخْرَاجه من الْحَبْس وتسليمه إِلَى المككفول لَهُ بل يَكْفِي تَسْلِيمه وَهُوَ فِي الْحَبْس
وَمن كَانَ فِي يَده دَوَاب لغيره من رَاع وَنَحْوه فَحصل مرض وَخَافَ مَوتهَا
(1/349)

فَلهُ ذَبحهَا وَلَا شئ عَلَيْهِ فَإِن ذَبحهَا خير من تَركهَا حَتَّى تَمُوت وَقد فعل مثل هَذَا رَاع عَليّ عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يُنكر عَلَيْهِ وَلَا بَين أَنه ضَامِن وَهُوَ نَظِير خرق صَاحب مُوسَى السَّفِينَة ينْتَفع بهَا أَهلهَا مَرْقُوعَة خير من ذهابها بِالْكُلِّيَّةِ وَمثل مَا لَو رأى الرجل مَال أَخِيه يتْلف بِمثل هَذَا فَأصْلح مِنْهُ بِحَسب الْإِمْكَان كَانَ مأجورا عَلَيْهِ وَإِن نقصت قيتهت فناقص خير من تَالِف فَكيف إِذا كَانَ مؤتمنا كَالرَّاعِي والمستكرى وَنَحْوه
وَمن كَانُوا مماليك لرجل نحس يمنعهُم من طَاعَة الله ويكرههم على مَعْصِيَته وَيطْلبُونَ البيع فيضربهم فهوبوا مِنْهُ فَلَا شئ عَلَيْهِم بل الْوَاجِب عَلَيْهِم ذَلِك وَقد أَحْسنُوا فَلَا حُرْمَة لمن يكون كَذَلِك لَو كَانَ فِي طَاعَة الْمُسلمين فَكيف إِذا ك ان فِي طَاعَة الْمُشْركين فَإِنَّهُ يجب قِتَاله وَإِن كَانَ مُسلما وَهَؤُلَاء الْمُهَاجِرُونَ الَّذين فروا بِأَنْفسِهِم قد أَحْسنُوا
وَالْعَبْد إِذا هَاجر من أَرض الْحَرْب فَهُوَ حر
وَمن دخل إِلَى دَوَاب غَيره فَلهُ إخْرَاجهَا بأسهل مَا يُمكن فَإِذا أمكن إحراجها بِغَيْر العرقية فعرقبها عزّر عَليّ تَعْذِيب الْحَيَوَان بِغَيْر حق وعَلى الْعدوان على أَمْوَال النَّاس وَضمن بدلهَا لمَالِكهَا
وعَلى أهل الزَّرْع حفظ زرعهم نَهَارا وعَلى أهل الْمَوَاشِي حفظ دوابهم لَيْلًا كَمَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَمن ربط جملَة فِي الرّبيع بِجنب جمل غَيره فَانْقَلَبَ عَلَيْهِ فَقتله فَإِن كَانَ فرط فِي ربط بِقَيْد ضَعِيف فَعَلَيهِ ضَمَان مَا أتْلفه من جمل أَو غير وَإِلَّا فَلَا
ومنشارك بِبدنِهِ وَمَال صَاحبه وَتلف المَال أَو بعضه من غير عدوان من صَاحب الْبدن الْعَامِل فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ من المَال سَوَاء كَانَت الْمُضَاربَة صَحِيحَة أَو فَاسِدَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء
(1/350)

] وَمن اتهمَ بقتل فأحضر إِلَى النَّائِب وألزموه بعقابه وضمنوا دَمه فَعُوقِبَ حَتَّى مَاتَ وَلم يقر بشئ وَلَا ظهر عَلَيْهِ شئ لَزِمَهُم دَمه بل يعاقبون كَمَا عُوقِبَ روى أَبُو دَاوُد فِي السّنَن عَن النُّعْمَان بن بشير رَضِي الله عَنهُ أَنه قضى بِنَحْوِ ذَلِك

فصل
يجب أَن يُولى الامامة وَالنَّظَر على الْمَسَاجِد شرعا وهم الأقرأ لكتاب الله والأعلم بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ الأسبق إِلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة مثل أَن يكون أسبق إِلَى الْهِجْرَة أَو أقدم سنا فَكيف إِذا كَانَ الأحق هُوَ المتولى فَلَا يجوز عَزله بِاتِّفَاق الْعلمَاء
وللشريك إِلْزَام شَرِيكه بِالْقِسْمَةِ إنكان الْمَكَان مِمَّا يقسم بِلَا ضَرَر وَإِن كَانَ فِيهِ ضَرَر فَلهُ الْمُطَالبَة بِبيع الْجَمِيع ليقتسما الثّمن
وَمن شهد عَليّ بيع ظلم يعلم أَنه ظلم فَشهد مَعُونَة على ذَلِك فقد أعَان على الْإِثْم بل صَحَّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه لعن آكل الرِّبَا وموكله وَشَاهده وكاتبه وَقَالَ إِنِّي لَا أشهد على جور وَمن فعل ذَلِك مصرا عَلَيْهِ قدح ذَلِك فِي عَدَالَته
وَإِذا مَاتَ الْوَصِيّ وَلم يعلم الْيَتِيم فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا يقسم بَينهمَا وَهُوَ قو أبي حنيفَة
وَالثَّانِي يُوقف الْأَمر حَتَّى يصطلحا كَقَوْل الشَّافِعِي
وَالثَّالِث وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد يقرع بَينهمَا فَمن قرع حلف وَأخذ لما روى أَبُو دَاوُد أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا فِي مَتَاع وَلَا بَيِّنَة لوَاحِد مِنْهُمَا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتهمَا عَلَيْهِ
(1/351)

وَإِذا طلب الشَّرِيك أَن يُؤجر الْعين المشركة ويقتسموا الْأُجْرَة أَو أَن يتهايؤها بقسم الْمَنْفَعَة وَجب على الشُّرَكَاء إجَابَته إِلَى أحد الْأَمريْنِ وَلَيْسَ لَهُم الغلو وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَيجب عَليّ الشَّرِيك أَن يعْمل مَعَ شَرِيكه فِي أصح قَول الْعلمَاء فَإِن أجابوه إِلَى الْمُهَايَأَة وطلبوا تَطْوِيل الدّور الَّذِي يَأْخُذ فِيهِ نصِيبه وَهُوَ تَقْصِيره وَجب إجَابَته دونهم فَإِن الْمُهَايَأَة فِيهَا تَأْخِير حُقُوق بعض الشُّرَكَاء وَكلما كَانَ أقرب كَانَ أولى لِأَن الأَصْل اسْتِيفَاء الشُّرَكَاء جَمِيعهم حُقُوقهم وَالتَّأْخِير لأجل الْحَاجة فَكلما قل زمن التَّأْخِير كَانَ أولى
وَلَيْسَ للشَّرِيك أَن يقسم بِنَفسِهِ شَيْئا أَو يَأْخُذ نصِيبه مِنْهُ وَإِذا امْتنع بعض الشُّرَكَاء من الزَّرْع جَازَ لبَعْضهِم أَن يزرع فِي مِقْدَار نصِيبه وَيخْتَص بِمَا زرعه
وَإِذا اشْترك الشُّرَكَاء وَنَحْوهم فَمُقْتَضى عقد الشُّرَكَاء الْمُطلقَة التَّسْوِيَة فِي الْعَمَل وَالْأَجْر فَإِن عمل بَعضهم أَكثر مُتَبَرعا ساووه فِي الْأجر وَإِن لم يتَبَرَّع طالبهم بِمَا زَاد فِي الْعَمَل الزَّائِد بِأُجْرَة وَإِن اتَّفقُوا عَليّ شَرط زِيَادَة لَهُ جَازَ
وَلَيْسَ لوَلِيّ الْأَمر أَن يحمل النَّاس عَليّ مذْهبه فِي منع مُعَاملَة لَا يَرَاهَا وَلَا للْعَالم والمفتي أَن يلزما النَّاس باتباعهما فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد بَين الْأَئِمَّة بل قَالَ الْعلمَاء إِجْمَاعهم قَاطِعَة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة وَاسِعَة وَمثل هَذِه الْمسَائِل الاجتهادية لَا تنكر بِالْيَدِ
ورذا لم يتَّفق الشريكان فِي الدَّابَّة يَجْعَلهَا عِنْد أَحدهمَا أَو غَيرهمَا جعلهَا الْحَاكِم عَن ثَالِث يحتاره لَهما فَإِن طلب أَحدهمَا مفاظلة الآخر فيهمَا بِيعَتْ جَمِيعهَا قسم ثمنهَا بَينهمَا
وَكَذَا الدَّار إِذا طلب أَحدهمَا الْقِسْمَة وَكَانَت تقبلهَا قسمت وأجبر الْمُمْتَنع عِنْد الْأَرْبَعَة وَإِذا كَانَ طَالب الْقِسْمَة طلب فَيجْبر الْمُمْتَنع وَيقسم بَينهمَا الثّمن فِي مَذْهَب مَالك وزبي حنيفَة وَالْإِمَام أَحْمد
وَمن اشْترك هُوَ وَآخر من أَحدهمَا الدَّابَّة وَمن الآخر دَرَاهِم نظر فِي قيمَة
(1/352)

الدَّابَّة فَتكون هِيَ وَالدَّرَاهِم رَأس المَال وَذَلِكَ مُشْتَرك بَينهمَا لِأَن عندنَا الشّركَة وَالْقِسْمَة تصح بالأبدان لَا تفْتَقر رلي خلط وتمييز فسخا الشّركَة بِيعَتْ الدَّابَّة واقتسما ثمنهَا هَذَا إِذا صححنا الشّركَة بالعروض وَأما إِذا أبطناها فَحكم الْفَاسِدَة حكم الصَّحِيحَة فِي الضَّمَان وَعَدَمه وَصِحَّة التَّصَرُّف وفساده وَإِنَّمَا يفترقان فِي الْحل وَمِقْدَار الرِّبْح على أحد الْقَوْلَيْنِ وَظَاهر مَذْهَب أَحْمد أَن الرِّبْح عَليّ ماشرطا وعَلى القَوْل الآخر الرِّبْح تبع لِلْمَالِ وَللْآخر أُجْرَة الْمثل وَالأَصَح فِي هَذَا أَن لَهُ ربح الْمثل والأقوال ثَلَاثَة
وَإِذا كَانَت غنم الخلطاء مَعَ رَاع واحتاجت إِلَى نَفَقَة فَبَاعَ بَعْضهَا وأنفقه عَليّ الْبَاقِي اقتسموا الْبَاقِي على قدر رُءُوس الْأَمْوَال أَو غرم الرَّاعِي قيمَة مَا بَاعَ
وَإِذا كَانَ الشَّرِيك فِي الْبَقَرَة يَأْخُذ اللَّبن وَهُوَ قدر الْعلف فَلَا شئ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ انتفاعه بهَا أَكثر من الْعلف أعْطى شَرِيكه نصِيبه من الْفضل
وَلَا يجوز أَن يَبِيعهُ عَليّ أَن يقْرضهُ وَلَا يؤجره على أَن يساقيه وَلَا يُشَارِكهُ على أَن يقْرضهُ وَلَا يَبِيعهُ عَليّ أَن يبْتَاع مِنْهُ باتفاقهم

فصل فِي الْوكَالَة
إِذا قَالَ لرجل إِن لم ترض زَوْجَتي بِالنَّفَقَةِ سلم إِلَيْهَا كتابها فقد وَكله وَهَذَا القَوْل كِنَايَة فِي الطَّلَاق
فَإِن قَالَ الْمُوكل أردْت بِهِ الطَّلَاق أَو علم ذَلِك بِقَرِينَة الْحَال ملك الْوَكِيل أَن يُطلق وَاحِدَة لَا ثَلَاثًا إِلَّا بِإِذن الْمُوكل فَإِذا قَالَ لم أرد إِلَّا وَاحِدَة كَانَ القَوْل قَوْله وَللزَّوْج أَن يُرَاجِعهَا
وَإِذا أجر أَرض مُوكله عَن شَرِيكه مثل أَن يؤجرها بِنصْف أُجْرَة الْمثل كَانَ الْوَكِيل ضَامِنا للنقص
(1/353)

وَهل للْمَالِك إبِْطَال الْإِجَارَة فِيهِ نزاع
وَمن طلق زَوجته ثمَّ تزوج غَيرهَا ووكل الثَّانِيَة فِي طَلَاق الأولى فَقَالَ مَتى رددت أم أَوْلَادِي كَانَ طَلاقهَا بِيَدِك لم تطلق الَّتِي وَكلهَا وَبَطلَت وكانتها فِي ذَلِك بِخِلَاف مَا لَو وَكلهَا فِي بيع وَنَحْوه ثمَّ طَلقهَا ثَلَاثًا لم تبطل الْوكَالَة بالتطليق هُنَا كَمَا ذكر ذَلِك الْفُقَهَاء وَقد يظنّ صِحَة التَّوْكِيل فِي التَّطْلِيق
وَالصَّوَاب أَنه يبطل توكيلها فِي طَلَاق الأولى إِذا طَلقهَا لِأَن مَقْصُوده أَن لَا أجمع بَيْنك وَبَينهَا إِلَّا برضاك لما تكره منالضرر بمشاركتها لَهَا فِيمَا تستحقه من ذَلِك بالقسم وننحوه فَإِذا بتها لم يبْق لَهَا عَلَيْهِ حق فَلَا تزاحمها تِلْكَ فِي الْحُقُوق وَلَا يعْتَبر رِضَاهَا فِي تزَوجه لَهَا عَليّ ذَلِك لِأَن الْعَادة أَنه يرضى زَوجته وَهُوَ قد أسخطها بِطَلَاقِهَا فَكيف يقْصد رِضَاهَا بِمَا هُوَ دونه
وَمن كَانَ مَمْلُوكه يتَصَرَّف لَهُ تصرف الْوَكِيل من البيع وَالْإِجَارَة وَنَحْوهَا وَهُوَ يعلم ذَلِك فَفعل شَيْئا من االبيع وَالْإِجَارَة فَقَالَ السَّيِّد لَيْسَ هُوَ وَكيلِي فِي ذَلِك لم يقبل إِنْكَاره حَتَّى لَو قدر أَنه لم يُوكله فتفريطه وتسليطه عدوان مِنْهُ يُوجب الضَّمَان
وَمن وكل رجلا فِي تَحْصِيل أَمْوَاله والتحدث فِيهَا بالعشر أَو وَكله مُطلقًا عَليّ الْوَجْه الْمُعْتَاد الَّذِي يقتضى فِي الْعرف أَن لَهُ الْعشْر فَلهُ ذَلِك فَإِنَّهُ يسْتَحق الْعشْر بِشَرْط لَفْظِي أَو عرفي وَهَذَا كاستئجار الأَرْض للزَّرْع بِجُزْء من زَرعهَا وَهِي مَسْأَلَة قفيز الطَّحَّان وَمن نقل النهى عَن أَحْمد فقد أَخطَأ
وَاسْتِيفَاء المَال بِجُزْء شاذع مِنْهُ جَائِز فِي أظهر قولي الْعلمَاء
وَإِن كَانَ قد عمل لَهُ عَليّ أَن يُعْطِيهِ عوضا وَلم يعين فَلهُ أجر الْمثل الَّذِي جرت بِهِ الْعَادة وَإِذا اسْتحق عَلَيْهِ شَيْئا فَلهُ استيفاءه من تركته بِدُونِ إِذْنه وَإِن لم يسْتَحق شَيْئا لم يَأْخُذ شَيْئا إِلَّا بِإِذْنِهِ
(1/354)

وَمن وكل رجلا وكَالَة مُطلقَة فِي إجَازَة أَو نَحْوهَا فأجر أرضه بِخَمْسَة آلَاف وأجرتها تَسَاوِي عشرَة آلَاف فَلهُ تضمين الْوَكِيل مَا فرط فِيهِ وَأكْثر الْفُقَهَاء يَقُولُونَ الْإِجَارَة بَاطِلَة كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحد قولي أَحْمد لَكِن إِن كَانَ الْمُسْتَأْجر مغرورا لم يعلم بِحَال الْوَكِيل بل ظن أَنه مَالك علم بِالْقيمَةِ فَلهُ الرُّجُوع على من غره بِمَا لم يلْزم فِي أصح قولي الْعلمَاء وزرعه مُحْتَرم لَا يقْلع مجَّانا بل يتْرك بِأُجْرَة الْمثل وَإِن كَانَ عَالما فَهُوَ ظَالِم غَاصِب وَهل للْمَالِك قلعه مجَّانا عَليّ قَوْلَيْنِ وَهل يملكهُ بِنَفَقَتِهِ عَليّ قَوْلَيْنِ وَيملك إبقاءه بِأُجْرَة الْمثل اتِّفَاقًا وَإِذا ادّعى الْمُسْتَأْجر أَنه غير عَالم بِالْحَال فَأنْكر الْمُؤَجّر فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه
وَمن وكل وَكيلا فِي بيع ملكه فَبَاعَهُ لشخص وَثَبت البيع والحيازة وَحكم بِهِ حَاكم ثمَّ وَقفه الْمُشْتَرى وَحكم حَاكم بِصِحَّة الْوَقْف وَالْمُوكل عَالم بذلك كُله وَلم يبد فِيهِ مطعنا ثمَّ ادّعى أَنه كَانَ قد عزل الْوَكِيل قبل البيع وَلم يعلم الْوَكِيل وَأقَام بَيِّنَة وَحكم بِهِ حَاكم فَمن قَالَ لَا يَنْعَزِل قبل الْعلم وَهُوَ الْمَشْهُور مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَقَول مَالك فعلى هَذَا لَا يقبل بِمُجَرَّد قَوْله بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ الْعَزْل قبل التَّصَرُّف ورذا أَقَامَ بِهِ بَيِّنَة بِبَلَد آخر كَانَ حكما عَليّ الْغَائِب إِذا قيل بصتح فالغائب على حجَّته فَلهُ الْقدح فِي الشُّهُود وَفِي الحكم بِمَا يسوغ من كَون الْحَاكِم الَّذِي حكم لَا يرى الْعَزْل وَكَون الشُّهُود فسقه أَو متهمين
ثمَّ الَّذِي حكم بِصِحَّة البيع وَالْوَقْف إِن كَانَ مِمَّن لَا يرى عزل الْوَكِيل قبل علمه وَقد بلغه ذَلِك فَحكمه نَافِذ لَا يجوز نقضه بِحَال بل من نقضه نقض حكمه وَإِن كَانَ لم يعلم ذَلِك ومذهبه عدم الحكم بِصِحَّتِهِ إِذا ثَبت كَانَ وجود حكمه كَعَدَمِهِ وَالْحكم الثَّانِي إِذا لم يعلم الْعَزْل قبل البيع أَو علم بذلك وَهُوَ لَا يرَاهُ أَو رَآهُ وَهُوَ لَا يرى نقض الحكم الْمُتَقَدّم وَمَا ذكر من علم الْمُوكل بِمَا جرى وسكوته كَانَ وجود حكمه كَعَدَمِهِ واستوثق الحكم فِي الْقَضِيَّة وَقبض الْمُوكل الثّمن دَلِيل عَليّ بَقَاء الْوكَالَة إِ لم يعرضه معَارض راحج
(1/355)

وَأكْثر الْعلمَاء يقبلُونَ مثل هَذِه الْحَج ويدفعون بهَا دَعْوَى الْعَزْل لَا يسما مَعَ كَثْرَة شُهُود الزُّور
وَلَو حكم بِبُطْلَان الْوَقْف لم يجب على الْوَكِيل وَلَا على المُشْتَرِي رد مَا اسْتَوْفَاهُ من الْمَنْفَعَة لِأَنَّهُمَا مغروران غرهما الْمُوكل فَلَا تضمن لَهُ الْمَنْفَعَة وَالْقَوْل فِي دفع الثّمن إِلَى الْمُوكل قَول الْوَكِيل إِن كَانَ بِلَا جعل وَإِن كَانَ يَجْعَل فَقَوْلَانِ وَإِذا فسخ الْوَكِيل النِّكَاح الْمَأْذُون لَهُ فِي فَسخه بعد تَمْكِين الْحَاكِم لَهُ صَحَّ فَسخه وَلم يحْتَج بعد ذَلِك إِلَيّ حكم بِصِحَّة الْفَسْخ فِي مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَغَيرهم وَلَكِن الْحَاكِم نَفسه إِذا فعل فعلا مُخْتَلفا فِيهِ من عقد أَو فسخ كتزويج بِلَا ولي ومشترى عين غَائِبَة ليتيم ثمَّ رفع إِلَى حَاكم لَا يرَاهُ فَهَل لَهُ نقضه قبل أَن يحكم بِهِ أَو يكون فعل الْحَاكِم حكما رَافعا للْخلاف عَليّ وَجْهَيْن فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد
وَالْحَاكِم هُنَا لَيْسَ هُوَ الفاسخ وَإِنَّمَا هُوَ الْآذِن وَالْحَاكِم بِجَوَازِهِ كَمَا لَو حكم بميراث وَأذن لَهُ فِي التَّصَرُّف أَو حكم بِأَنَّهُ ولي الْيَتِيم وَأذن لَهُ فِي التَّصَرُّف
فَفِي كل مَوضِع حكم لشخص بِاسْتِحْقَاق العقد أَو الْفَسْخ فعقد هَذَا الْمُسْتَحق أَو فسخ لم يحْتَج بعد ذَلِك إِلَيّ حكم حَاكم للصِّحَّة أَو للْفَسْخ بِلَا نزاع فِي مثل هَذَا وَإِنَّمَا النزاع فِيمَا إِذا كَانَ هُوَ الْعَاقِد أَو الفاسخ
وَالصَّحِيح أَن عقده وفسخه لَا يحْتَاج إِلَيّ حكم حَاكم فِيهِ يرى أَن لَا يفْسخ بِالِاعْتِبَارِ كَأبي حنيفَة
أما من يرى الْفَسْخ فَلَيْسَ لَهُ نقض الحكم بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة
وكل تصرف متنازع فِيهِ رذا حكم بِصِحَّتِهِ لم يكن لغيره نقضه إِذا لم يُخَالف نصا وَلَا إِجْمَاعًا
وَمن صَالح عَليّ بعض الْحق خوفًا من ذهَاب جمعيه فَهُوَ مكره لم يَصح صلحه وَله أَن يُطَالب بِالْحَقِّ بعد ذَلِك إِذا ثَبت بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار
(1/356)

وَإِذا غر الْوَكِيل شخصا وأجره أَرضًا بِدُونِ أُجْرَة الْمثل فَهَل لأَصْحَاب الأَرْض تضمين الْمُسْتَأْجر عَليّ قَوْلَيْنِ
وَإِذا ضمنوه فَهَل لَهُ الرُّجُوع عَليّ الْغَار الَّذِي هُوَ الْوَكِيل بِمَا يلْتَزم ضَمَانه بِالْعقدِ عَليّ قَوْلَيْنِ لِأَحْمَد وَغَيره
وَإِن علم الْمُسْتَأْجر ضمن مَا اسْتَوْفَاهُ من الْمَنْفَعَة وَإِن لم يكن استوفى بعد فللمالك مَنعه من الِاسْتِيفَاء

فصل فِي الْإِقْرَار
وَمن اتهمَ غُلَامه بِسَرِقَة شئ فَذكر الْغُلَام أَنه أودعهُ عِنْد فلَان مثلا فَلَا يجوز مُؤَاخذَة فلَان بقول الْغُلَام بِاتِّفَاق الْمُسلمين سَوَاء كَانَ الحكم قَاض الحكم أَو ولي الْأَمر بل الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْفُقَهَاء فِي الْمُتَّهم بِسَرِقَة وَنَحْوهَا أَن ينظر فِي الْمُتَّهم فإمَّا أَن يكون مَعْرُوفا بِالْفُجُورِ أَو مَجْهُول الْحَال فَإِن كَانَ مَعْرُوفا بِالْبرِّ وَالتَّقوى لم يجز مُطَالبَته وَلَا عُقُوبَته وَهل يحلف عَليّ قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء وَمِنْهُم من قَالَ يعززمن رَمَاه بالتهمة
فَأَما إِن كَانَ مَجْهُول الْحَال فَإِنَّهُ يجنس حَتَّى يكْشف أمره وَقيل يحبس شهرا وَقيل بِقدر اجْتِهَاد ولي الْأَمر لما فِي السّنَن عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه حبس فِي تُهْمَة وَكَذَلِكَ نَص عَلَيْهِ الْفُقَهَاء من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم
وَإِن كَانَ الرجل مَعْرُوفا بافجور الْمُنَاسب للتُّهمَةِ فَقَالَ طَائِفَة من الْفُقَهَاء يضْربهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَقَالَ طَائِفَة يضْربهُ الْوَالِي فَقَط ذكر ذَلِك طوائف من أَصْحَاب مَالك وَالْإِمَام أَحْمد وَالشَّافِعِيّ
وَمن الْفُقَهَاء من قَالَ لَا يضْرب وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر الزبير أَن يمس بعض المعاهدين بِالْعَذَابِ لما كتم إخْبَاره بِالْمَالِ
(1/357)

حبن سَأَلَهُ عَن كنز حَيّ بن أَخطب فَقَالَ يَا مُحَمَّد أذهبته النَّفَقَات والحروب فَقَالَ المَال كثير والعهد أقرب من هَذَا ثمَّ قَالَ للزبير دُونك هَذَا فمسه الزبير بشئ من الْعَذَاب فدلهم على المَال
وَأما إِذا ادعِي أَنه استودعه فلَانا فَهُوَ أخف
فَإِذا كَانَ مَعْرُوفا بِالْخَيرِ لم يجز إِلْزَامه بِالْمَالِ بِاتِّفَاق الْمُسلمين بل يحلف الْمُدَّعِي عَلَيْهِ سَوَاء كَانَ الحكم والبا أَو قَاضِيا
وَمن أقرّ بِوَطْء جَارِيَته فَأَتَت بِولد يُمكن كَونه مِنْهُ لحقه وَلَيْسَ لَهُ بيعهَا وَلَا وَلَدهَا لَكِن إِن ادّعى الِاسْتِبْرَاء فَفِي قبُول قَوْله وتخليفه نزاع بَين الْعلمَاء
وَمن ادّعى بِحَق بعد مُدَّة طَوِيلَة من غير مَانع يعرف فَلَا تقبل الدَّعْوَى فِي أحد قولي الْعلمَاء وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَغَيره
وَمن كَانَ عَلَيْهِ حق شَرْعِي فتبرع بِملكه بِحَيْثُ لَا يبْقى لأهل الْحُقُوق مَا يستوفونه فَهُوَ بَاطِل فِي أحد قولي الْعلمَاء وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد من جِهَة أَن قَضَاء الدّين وَاجِب وَنَفَقَة الْوَلَد كَذَلِك فَيحرم عَلَيْهِ أَن يدع الْوَاجِب وبصرفه فِيمَا لَا يجب فَيرد إِلَى ملكه ويصرفه فِيمَا يجب من قَضَاء دينه وَنَفَقَة وَلَده
وَإِن أقرّ لفُلَان بِمَال وَلم يكن لَهُ قبل هَذَا الْإِقْرَار شئ لم يصر لَهُ عَلَيْهِ شئ بِهَذَا الْإِقْرَار بل الْإِقْرَار بَاطِل كذب وَلَو جعله لَهُ فِي ذمَّته لم تكن عطيته أمرا وَاجِبا
وَالْعدْل بَين أَوْلَاده وَاجِب فِي أصح قولي الْعلمَاء ورذا قَالَ أعْطوا هَذَا لأيتام فلَان وَثمّ قرينَة تبين مُرَاده هَل هُوَ إِقْرَار أَو وَصِيَّة عمل بهَا وَإِن لم يعرف فَمن كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ لم يزل عنملكه بِلَفْظ مُجمل بل يَجْعَل وَصِيَّة لَا إِقْرَارا وَالله أعلم
وَمن أقرّ لزوجته بشئ وَلَا شئ لَهَا قبل ذَلِك لم يحل لَهَا أَخذه فَإِنَّهُ يكون
(1/358)

وَصِيَّة لوَارث فَلَا تَأْخُذهُ رلا بِإِجَازَة الْوَرَثَة وَأما فِي الحكم فَلَا تُعْطى حَتَّى تصدق على إِقْرَار وَإِن كَانَ فِي مرض الْمَوْت كَانَ بَاطِلا عِنْد أَكثر الْعلمَاء
وَإِذا صدقت على الْإِقْرَار فَادّعى وَصِيَّة أَو ورثته أَنه إِقْرَار من غير اسْتِحْقَاق فَإِن ذَلِك بِمَنْزِلَة أَن يدعى فِي الْإِقْرَار أَنه أقرّ قبل الْقَبْض وَمثل هَذَا تنَازع الْعلمَاء فِي التَّحْلِيف عَلَيْهِ وَالصَّحِيح التَّحْلِيف
وَمن أعتق أمة ثمَّ تزَوجهَا ثمَّ ملكهَا فِي صِحَة من عقله جَمِيع مَا حوى مسكهم الَّذِي هم فِيهِ من نُحَاس وقماش وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ خَارج عَن لبسه ثمَّ زقر لَهَا بذلك إِقْرَارا
فَأجَاب ابْن جمَاعَة بدر الدّين إِن كَانَ الَّذِي ملكهَا إِيَّاه معينا وأقبضها إِيَّاه فِي صِحَة مِنْهُ وَجَوَاز تصرف صَحَّ التَّمْلِيك بِشُرُوطِهِ وَالله أعلم
وَأجَاب شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس رذا زقر أَن جَمِيع مَا فِي بَيته ملك زَوجته رلا السِّلَاح وَالدَّوَاب وَآله الْخَيل كَانَ هَذَا الْإِقْرَار صَحِيحا يعْمل بِمُوجبِه بِلَا خلاف وَكَأن مُسْتَنده فِي ذَلِك أَنه ملكه لزوجته تمليكها شَرْعِيًّا لَازِما بَاطِنا وظاهرا وَالله أعلم
مَسْأَلَة فِي الْأُمَرَاء الَّذين يستدينون مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَيكْتب الْأَمِير خطه لصَاحبه أَو يُقَيِّدهُ وَكيله أَو نَائِبه فِي دفتره أَو يقْرض دَرَاهِم وكل ذَلِك بِغَيْر حجج وَلَا إِشْهَاد ثمَّ يَمُوت فَكل مَا وجد بِخَط الْأَمِير أَو أخبر بِهِ كَاتبه أَو وَكيله فِي ذَلِك مثل أسناد دَاره فَإِنَّهُ يجب الْعَمَل بذلك لِأَن خطة كلفظه وَإِقْرَار وَكيله فِيمَا وَكله فِيهِ مَقْبُول فَلَا يحْتَاج أَصْحَاب الْحُقُوق إِلَى بَيِّنَة لِأَن فِيهِ ظلما للأموات والأحياء وخروجا عَن الْعدْل الْمَعْرُوف
وَإِذا أَبرَأته من صَدَاقهَا ثمَّ أقرّ لَهَا بِهِ لم يجز هَذَا الْإِقْرَار لِأَنَّهُ قد علم أَنه كذب وَلَو جعله تَمْلِيكًا بدل ذَلِك لم يجز أَيْضا عِنْد الْجُمْهُور وَلَا أَن يَجْعَل ذَلِك دينا فِي ذمَّته لِأَن التَّمْلِيك لَا يكون فِي الذِّمَّة
(1/359)

كتاب الْغَصْب
من اسْتعَار فرسا إِلَى مَكَان معِين فَزَاد عَنهُ ضمن نقص الْفرس إِن نقصت وَكَانَ ظَالِما
ورذا طلبت الْجَارِيَة شيذا من شخص عَليّ لِسَان سيدتها وَلم تكن السيدة أَذِنت لَهَا كَانَت الْجَارِيَة غاصبة قابضة ذَلِك بِغَيْر حق فَإِن تلف فضمانه فِي رقبَتهَا
وَمن كَانَ مَعَه دَرَاهِم حَرَامًا قد أَعْطَاهَا إِيَّاه وَاحِد وبدلها من دَرَاهِم وَالِده بِدَرَاهِم حَلَال فَحكم الْبَدَل حكم الْمُبدل مِنْهُ فَإِذا نمت بِفِعْلِهِ وريحت أَو كسبت فَفِيهِ نزاع أعدل الْأَقْوَال التَّقْسِيم بَين مَنْفَعَة المَال وَمَنْفَعَة الْعَامِل بِمَنْزِلَة الْمُضَاربَة كَمَا فعل عمر رَضِي الله عَنهُ فِي المَال الَّذِي اتّجر فِيهِ أَوْلَاده من بَيت المَال
والكلف الَّتِي تطلب من النَّاس بِحَق أَو بغيرحتى يحب الْعدْل وَيحرم أَن يوفر فِيهَا بعض النَّاس وَيجْعَل قسطه على غَيره وَمن قَامَ فِيهَا بنية الْعدْل وَتَخْفِيف الظُّلم مهما أمكن وإعانة الضَّعِيف لِئَلَّا يتَكَرَّر الظُّلم بِلَا نِيَّة إِعَانَة الظَّالِم كَانَ كالمجاهد فِي سَبِيل الله تَعَالَى إِذا تحرى الْعدْل وابتغى وَجه الله تَعَالَى
وَالثَّوَاب وَالْجَزَاء إِنَّمَا هُوَ على الصَّبْر على الْمُصِيبَة لَا على الْمُصِيبَة لِأَن الْمُصِيبَة من فعل الله تَعَالَى وَهِي من جَزَاء الله للْعَبد على ذَنبه يكفر لَهُ ذَنبه بهَا وَفِي الْمسند أَنهم دخلُوا على أبي عُبَيْدَة بن الْجراح رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ مَرِيض فَذكرُوا أَنه يُؤجر على مَرضه فَقَالَ مَالِي من الْأجر وَلَا مثل هَذِه وَلَكِن المصائب خطه فَتبين أَن نفس الْمَرَض لَا يُؤجر عَلَيْهِ بل يكفر بِهِ عله
وَكَثِيرًا مَا يفهم من هَذَا الْأجر غفران الذُّنُوب فَيكون فِيهِ الْأجر بِهَذَا الِاعْتِبَار
(1/360)

وَمن النَّاس من قَالَ لَا بده من التعويض وَالْأَجْر وَالْإِنْسَان قد يحصل لَهُ ثَوَاب بِغَيْر عمل مِنْهُ كَمَا يفعل عَنهُ من أَعمال الْبر
وَأما الصَّبْر فَفِيهِ أجر عَظِيم فَمن أُصِيب بِجرح وَنَحْوه فَعَفَا عَن جارحه كَانَ الْجرْح مُصِيبَة يكفر بهَا عَنهُ ويؤجر على صبره وعَلى إحسانه إِلَى الظَّالِم بِالْعَفو عَنهُ فَمن توهم أَن بِالْعَفو قد يسْقط حَقه أَو ينقص قدره أَو يحصل لَهُ ذل فَهُوَ غالط كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ثَلَاث إِن كنت لحالفا عَلَيْهِنَّ مَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا وَمَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه
وَهَذَا رد لما يَظُنّهُ من النَّقْص والذل أتباعا للظن وَمَا تهوى الْأَنْفس من أَن الْعَفو مذلة وَالصَّدَََقَة تنقص مَاله والتواضع يخفضه وَمَا انتقم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لنَفسِهِ قطّ إِلَّا أَن تنتهك محارم الله فينتقم لله
وَالنَّاس أَرْبَعَة مِنْهُم من ينتصر لنَفسِهِ ولربه وَهُوَ الَّذِي فِيهِ دين وَغَضب الله وَمِنْهُم من لَا ينتصر لنَفسِهِ وَلَا لرَبه وَهُوَ الَّذِي فِيهِ جبن وَضعف دين وَمِنْهُم من ينْتَقم لنَفسِهِ لَا لرَبه وَهُوَ شَرّ الْأَقْسَام وَأما الْكَامِل فَهُوَ الَّذِي ينتصر لحق الله وَيَعْفُو عَن حق نَفسه عِنْد الْمقدرَة
وَمن غضب زرع رجل وحصده أُبِيح للْفُقَرَاء الْتِقَاط المتساقط كَمَا لَو حصدها الْمَالِك كَمَا يُبَاح رعي الْكلأ فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة نَص أَحْمد على هَذَا الْمَسْأَلَة
الثَّانِيَة أَن مَا يُبَاح من الْكلأ واللفاظ لَا يخْتَلف بِالْغَضَبِ وَعَدَمه وَلَا يمنعهُ حق الْمَالِك
وَمن وهب ربع مَكَان فَتبين أَنه أقل من ذَلِك لم تبطل الْهِبَة
(1/361)

بَاب الشُّفْعَة
لَا يحل الْكَذِب والتحيل على إِسْقَاط حق الْمُسلم من الشفعية وَغَيرهَا وَيجب على المُشْتَرِي تَسْلِيم الثشقص بِالثّمن الَّذِي وَقع البيع عَلَيْهِ بَاطِنا والتحميل على إِسْقَاطهَا بعد رُجُوعهَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَإِنَّمَا النزاع فِي الاحتيال عَلَيْهَا قبل الْوُجُوب
وَإِن بَاعَ المُشْتَرِي الشّقص الْمَشْفُوع فَلَا تسْقط الشُّفْعَة
وَإِن وقْعَة أَو وهبه فَفِيهِ نزاع وَحَيْثُ حكم الْحَاكِم للشَّفِيع بِالشُّفْعَة فَلَا ينقص الحكم إِلَّا إِذا أَخذ الشَّفِيع الشّقص أما مُجَرّد الحكم باستحقاقه فَلَا لَكِن مَا وجد من التَّصَرُّفَات لأجل الاحتيال على إِسْقَاط الشُّفْعَة فَهُوَ بَاطِل فَإِذا أظهر صُورَة أَن البيع بَاطِل لتخلف شَرطه بِأَن ادّعى عدم الرُّؤْيَة الْمُعْتَبرَة ورد الْمَبِيع ثمَّ وقف البَائِع على المُشْتَرِي حِيلَة فكله بَاطِل وَحَتَّى الشَّفِيع ثَابت إِلَّا أَن يتْركهُ
وَالْمَال المكسوب عوضا عَن عين مُحرمَة مُحرمَة أَو مَنْفَعَة إِن كَانَت الْعين أَو الْمَنْفَعَة مُبَاحَة فِي نَفسهَا وَإِنَّمَا حرمت بِالْقَصْدِ مثل من يَبِيع عنبا لمن يتخذها خمرًا أَو من يسْتَأْجر لعصر الْخمر أَو حملهَا فَهَذَا يَفْعَله بِالْعِوَضِ لَكِن لَا يطيب لَهُ أكله
وَأما إِن كَانَت الْعين أَو الْمَنْفَعَة مُحرمَة كمهر الْبَغي وَثمن الْخمر فَهُنَا لَا يقْضِي لَهُ بِهِ قبل الْقَبْض وَلَو أعطَاهُ إِيَّاه لم يحكم برده إِلَى باذله فَإِن هَذَا مَعُونَة لَهُم على الْمعاصِي إِذْ لَهُ بَين الْعِوَض والمعوض وَلَا يحل هَذَا المَال للبغايا أَو الْخمار أَو نَحْوهمَا لَكِن يصرف إِلَيْهِم من هَذَا المَال مِقْدَار حَاجتهم فَإِن كَانَ وَاحِد مِنْهُم يقدر أَن يتجر أَو يعْمل صَنْعَة كالنسج والغزل أعْطى مَا يكون لَهُ رَأس مَال وَإِن افترضوا مِنْهُ شَيْئا ليكتسبوا بِهِ وَلم يردوا عوض الْقَرْض كَانَ أحسن
(1/362)

وَإِمَّا إِذا تصدق بِهِ لاعْتِقَاده أَنه لَا يحل لَهُ أَن يتَصَدَّق بِهِ فَهَذَا يُثَاب على ذَلِك
وَأما إِذا تصدق ب كَمَا يتَصَدَّق الْمَالِك بِملكه فَهَذَا لَا يقبله الله إِن لَا يقبل إِلَّا الطّيب وَهَذَا خَبِيث كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مهر الْبَغي خَبِيث
وَلَا يجوز خياطه الْحَرِير لمن يلْبسهُ لباسا محرما مثل لبسه مصمتا للرجل فِي غير حَرْب وَلَا تداو بِهِ وَلِأَنَّهُ من الْإِعَانَة على الْإِثْم والعدوان
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من هَذَا الْبَاب مثل صَنْعَة الذَّهَب لمن يلْبسهُ لباسا محرما وَكَذَلِكَ الْآتِيَة من الذَّهَب وَالْفِضَّة على أصح الْقَوْلَيْنِ عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء
وَكَذَلِكَ صَنْعَة آلَات اللَّهْو وتصوير وَالْحَيَوَان وتصوير الْأَوْثَان والصلبان وأمثال ذَلِك مِمَّا فِيهِ تَصْوِير الشَّيْء على صُورَة يحرم اسْتِعْمَالهَا فِيهِ
وَكَذَلِكَ صَنْعَة الْخمر وَأمكنهُ الْكفْر والمعاصي والعوض الْمَأْخُوذ على ذَلِك الْعَمَل الْمحرم خَبِيث وَيجب إِنْكَار ذَلِك
وَأما خياطته لمن يلْبسهُ لباسا جَائِزا فَهُوَ يُبَاح وَإِن كَانَ الرجل يمسهُ عِنْد الْخياطَة
وَيجوز اسْتِعْمَال خيوط الْحَرِير فِي لِبَاس الرجل وَكَذَلِكَ الْعلم والسجاف مَوضِع اثْنَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَرْبَعَة أَصَابِع
وَمن ورث من آبَائِهِ ملكا هُوَ السُّلْطَان يقاسم بِالثُّلثِ مثل الْمغل فَلَيْسَ لأحد أَن ينْزع حُقُوق النَّاس الَّتِي بِأَيْدِيهِم وَلَا يجوز رفع أَيدي الْمُسلمين الثَّانِيَة على حُقُوقهم إِذْ الأَرْض الخراجية كالسواد وَغَيره نقل من المخارجة إِلَى الْمُقَاسَمَة كَمَا فعل ذَلِك الْمَنْصُور بسواد الْعرَاق وأقرت أَيدي أَهلهَا وَهل تنْتَقل عَن أَهلهَا إِلَى ذُرِّيتهمْ وَغَيره بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّة وَالْهِبَة وَكَذَلِكَ بِالْبيعِ تنْتَقل فِي أصح قَول الْعلمَاء إِذْ حكمهَا بيد المُشْتَرِي كحكمها بيد البَائِع وَلَيْسَ هَذَا بيعا للْوَقْف الَّذِي لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث كَمَا غلط فِي ذَلِك من منع بيع أَرض السوَاد مُعْتَقدًا أَنَّهَا كالوقف الَّذِي لَا يجوز مَعَه مَعَ أَنه يجوز أَن يُورث ويوهب
(1/363)

إِذا لَا خلاف فِي هَذَا بل يَنْبَغِي أَن يُبَاع مَا لبيت المَال من هَذِه الْأَرْضين وَمَال بَيت المَال من الْمَغَانِم الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَة الْخراج فَمثل هَذَا لَا يُبَاع لما فِيهِ من إِضَاعَة حُقُوق الْمُسلمين
وَمن أغضب مَالا استفادة صَاحبه من حَلَال فَاشْترى بِهِ مماليك وأعتقهم فَإِن كَانَ اشْترى بِإِذْنِهِ فَلَا يَصح الْعتْق إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِن اشْترى بِمَالِه بِغَيْر إِذْنه فَلصَاحِب المَال أَخذهم وَله أَن يغرمه مَاله وَإِذا أعتقهم هَذَا المُشْتَرِي إِذن فَلصَاحِب المَال أَخذهم وَالْعِتْق بَاطِل
وَلَا يجوز أَن يزاحم من فرض لَهُ ولي الْأَمر على الصَّدقَات قرضا لأجل فقره فَلَا يجوز انْتِزَاعه من يَده وَإِذا حرم السمُوم على سوم الرجل فِي الْمُعَاوَضَات فَهَذَا أَشد تَحْرِيمًا من ذَلِك
نتاج الدَّابَّة المغضوبة لمَالِكهَا وَلَا يحل للْغَاصِب لَكِن إِن كَانَ النِّتَاج مستولدا من عمل الْغَاصِب فَمن النَّاس من يَجْعَل النَّمَاء مقاسمة بَين الْمَالِك وَالْغَاصِب كالمضاربة وَنَحْوهَا

بَاب الْمُسَاقَاة
الْمُزَارعَة على الأَرْض بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا جَائِز سَوَاء الْبذر من رب الأَرْض أَو من الْعَامِل
هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي دلّت عَلَيْهِ سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ زارع أهل خَيْبَر على شطر مَا يخرج مِنْهَا من ثَمَر وَزرع على أَن يعمروها من أَمْوَالهم
والمزارعة على الأَرْض الْبَيْضَاء مَذْهَب الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى وَأحمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن والمحققين من أَصْحَاب الشَّافِعِي وعلماء الحَدِيث وَبَعض أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم
(1/364)

وَنَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن المخابرة هِيَ أَنَّهَا كَانُوا يعاملون ويشترطون للْمَالِك بقْعَة مُعينَة من الأَرْض وَهَذَا بَاطِل بالِاتِّفَاقِ كَمَا لَو شَرط دَرَاهِم مقدرَة فِي الْمُضَاربَة
وَمن اسْتَأْجر أَرضًا بِجُزْء من زَرعهَا فَظَاهر الْمَذْهَب صِحَّتهَا سَوَاء سميت إجَازَة أَو مزرعة فَإِن لم تزرع الأَرْض وصححناها ضمنت بِالْمُسَمّى وَالصَّحِيح هُنَا لَيْسَ هُوَ فِي الذِّمَّة ينظر إِلَى معدل الْمغل فَيجب الْقسْط الْمُسَمّى فِيهِ
وَإِذا جعلناها مُزَارعَة صَحِيحَة فَيَنْبَغِي أَن تضمن بِمثل ذَلِك لِأَن الْمَعْنى وَاحِد
وَإِن أفسدناها وسميناها إِجَارَة فَفِي الْوَاجِب قَولَانِ
أَحدهمَا أُجْرَة الْمثل وَهُوَ ظَاهر قَول أَصْحَابنَا وَغَيرهم
وَالثَّانِي قسط الْمثل وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق
وَأجَاب بعض النَّاس أَن هَذِه إجَازَة فَاسِدَة فَيجب بِالْقَبْضِ فِيهَا أُجْرَة الْمثل
وَضَمان الْبَسَاتِين الَّتِي فِيهَا أَرض وَشَجر عدَّة سِنِين صَحِيح فِي أحد قولي الْعلمَاء فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن عقيل وَغَيره وَثَبت عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ أَنه ضمن حديقة لأسيد ابْن حضير بعد مَوته ثَلَاث سِنِين ووفى بِالضَّمَانِ دينه
فَهَذِهِ الضمانات الَّتِي الْبَسَاتِين دمشق الشتوية الَّتِي فِيهَا أَرض وَشَجر صَحِيحَة وَإِن كَانَ قد كتب فِي الْمَكْتُوب إِجَارَة الأَرْض وَالْمُسَاقَاة على الشّجر فالمقصود الَّذِي اتفقَا عَلَيْهِ هُوَ الضَّمَان الْمَذْكُور وَالْعبْرَة فِي الْعُقُود بِالشُّرُوطِ الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا المتعاقدان والمقاصد مُعْتَبرَة فِي الْعُقُود
والعقود الَّتِي نهى عَنْهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من بيع الثَّمر قبل بَدو صَلَاحهَا هُوَ بيع الثَّمر الْمُجَرّد كَمَا تبَاع الكروم فِي دمشق بِحَيْثُ يكون السَّقْي وَالْعَمَل على البَائِع والضمانات مبينَة بالمؤاجرة
(1/365)

وَمن أعْطى أرضه لرجل يغرسها بِجُزْء مَعْلُوم وَشرط عَلَيْهِ عمارتها فغرس بعض الأَرْض وتعطل بَاقِي الأَرْض من الْغِرَاس فَإِذا لم يقم بِمَا شَرط عَلَيْهِ كَانَ لرب الأَرْض الْفَسْخ وَإِذا فسخ الْعَامِل كَانَت فلزب الأَرْض تملك نصيب الغارس بِقِيمَتِه إِذا اتفقَا على الْقلع
وَمن رتب على فائض مَسْجِد رزقه على الحكم أَو الخطابة فَبَقيَ سِنِين لَا يتَنَاوَل شَيْئا لعدم الفائض ثمَّ زَادَت الْأُجْرَة فِي السّنة الثَّانِيَة وَلَيْسَ لَهُ مصارف شَرْعِيَّة وَاقْتضى نظر الإِمَام أَن يصرفهُ إِلَى الإِمَام أَن يصرفهُ إِلَى الإِمَام عوضا عَمَّا فَاتَهُ فِي الْمَاضِي جَازَ ذَلِك وَإِن كَانَ لَهُ مصارف شَرْعِيَّة بِالشّرطِ لم يجز بل يصرف إِلَى مصارفه
ومزارعة الإقطاع جَائِزَة كالملك فِي أصح قولي الْعلمَاء وَلَا يجوز أَن يشْتَرط على الْعَامِل شَيْئا معينا كالدجاجة وَنَحْوهَا وَتجوز الشَّهَادَة عَلَيْهَا وَلَو كَانَ الشَّاهِد مِمَّن لَا يجوزها لِأَنَّهُ عقد مُخْتَلف فِيهِ وَالشَّاهِد يشْهد بِمَا رأى والمحققون من أَصْحَاب أبي حنيفَة ويجوزنها كَمَا هُوَ مَذْهَب فُقَهَاء الحَدِيث
وَإِذا ألزموا الْفَلاح بِعشر مَا على الجندي الْمزَارِع فيؤديه من مَال الجندي فَهُوَ حق ثَابت بَين لَا نزاع فِيهِ وَلَيْسَ حَقًا خفِيا وَلَا يُمكن الجندي جَحده فَهُوَ بِمَنْزِلَة حق هِنْد بنت عتبَة على أبي سُفْيَان فَإِن حق النَّفَقَة للزَّوْجَة على زَوجهَا ظَاهر لَا يُمكن جَحده وَلذَلِك قَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ بِخِلَاف الْحق الْخَفي الَّذِي قَالَ فِيهِ أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك وَلَا تخن من خانك لما قَالَ لَهُ إِن لنا جيرانا لَا يدعونَ لنا شَاذَّة وَلَا فاذة إِلَّا أخذوها فَإِذا قَدرنَا لَهُم على شَيْء أفتأخذه فَقَالَ أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك وَلَا تخن من خانك لِأَن الْحق هُنَا خَفِي فَإِذا أَخذ شَيْئا من غير اسْتِحْقَاق ظَاهر كَانَ خِيَانَة
(1/366)

بَاب الاجارة
إِذا دلّس الْمُسْتَأْجر على الْمُؤَجّر مثل أَن يكون أخبرهُ أَن قيمَة الأَرْض فِي النَّاحِيَة الْفُلَانِيَّة كَذَا بِمَا ينقص عَن قيمتهَا وَلم يكن الْأَمر كَذَلِك فَأَجره بِمَال ثمَّ تبين لَهُ هَذَا التَّدْلِيس فَلهُ فسخ الْإِجَارَة
كَذَلِك إِن أُجْرَة موهما لَهُ أَنه لَيْسَ هُنَاكَ من يستأجرها وَكَانَ لَهَا طلاب أَو أخبرهُ أَن هَذَا سعرها وَلم يكن سعرها وأمثال ذَلِك
وَإِذا أجر الوصى بِدُونِ الْمثل كَانَ ضَامِنا لما فَوْقه على الْيَتِيم وَلَيْسَت الْإِجَارَة لَازِمَة فلليتيم فَسخهَا بعد رشده بل هِيَ ياطلة فِي أحد قولي الْعلمَاء وَفِي الآخر لَهُ أَن يفسخها ثمَّ إِن كَانَ الْمُسْتَأْجر غير عَالم بِتَحْرِيم مَا فعله الْوَصِيّ كَانَ لَهُ أَن يضمنهُ مالم يلْتَزم ضَمَانه فَإِن علم اسْتَقر الضَّمَان عَلَيْهِ بل إِذا أجره بِأُجْرَة الْمثل مُدَّة يعلم أَن الصَّبِي يبلغ فِي أَثْنَائِهَا فَأكْثر الْعلمَاء يجوزون للْيَتِيم الْفَسْخ
وصناعة التنجيم وَالِاسْتِدْلَال بهَا على الْحَوَادِث محرم بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَأخذ الْأجر على ذَلِك سحت وَيمْنَعُونَ من الْجُلُوس فِي الحوانيت والطرقات وَيمْنَع النَّاس أَن يكرموهم وَالْقِيَام فِي مَنعهم عَن ذَلِك من أفضل الْجِهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَلَيْسَ لوَرَثَة الْمُؤَجّر فسخ الْإِجَارَة وتستوفى من تركته عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء لَكِن مِنْهُم من قَالَ قَالَ تحل الْأُجْرَة بِالْمَوْتِ وتستوفي من تركته فان لم يكن لَهُ تَرِكَة فسخ الْإِجَارَة
وَمِنْهُم من قَالَ لَا تحل رلا إِذا وَافق الْوَرَثَة وَهَذَا أظهر الْقَوْلَيْنِ لِأَحْمَد وَالله أعلم
وَمن أجر أرضه وساقاه على الشّجر ثمَّ قطع الْمُؤَجّر بعض الشّجر فقد نقص من الْعِوَض الْمُسْتَحق بِقدر مَا نقص من الْمَنْفَعَة وَهَذَا وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ إِجَارَة ومساقاة فَهِيَ عَليّ الْمَعْنى الْمَقْصُود عِنْد الْجَمِيع
(1/367)

وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي صِحَة هَذَا العقد سَوَاء قيل بِصِحَّتِهِ أَو فَسَاده فَمَا ذهب من الشّجر ذهب مَا يُقَابله من الْعِوَض سَوَاء كَانَ بِقطع الْمَالِك أَو غير قطعه
وَجوز إِجَارَة أَرض مصر سَوَاء شملها مَاء الرى أَو لم يشملها إِذا كَانَت الأَرْض مِمَّا قد جرت الْعَادة بِأَن الرى يشملها كَمَا تكرى الأَرْض الَّتِي جرت عَادَتهَا أَن تشرب من المَاء قبل أَن ينزل الْمَطَر عَلَيْهَا وَهَذَا مَذْهَب أَئِمَّة الْمُسلمين مَالك وَأبي حنيفَة وَأحمد وَهُوَ إيضا مَذْهَب الشَّافِعِي الصَّحِيح عَنهُ
وَلَكِن بعض أَصْحَابه غلط فِي مَعْرفَته فَلم يفرق بَين الأَرْض الَّتِي ينالها المَاء غَالِبا وَالَّتِي لَا ينالها إِلَّا نَادرا كَالَّتِي تشرب فِي غَالب الْأَوْقَات
ثمَّ هَذِه الأَرْض الَّتِي صحت إِجَارَتهَا إِن شملها الرى وَأمكن مجئ الزَّرْع الْمُعْتَاد وَجَبت الْأُجْرَة وَإِن لم يرو مِنْهَا شئ فَلَيْسَ على الْمُسْتَأْجر شئ من الْأُجْرَة وَإِن روى بَعْضهَا وَجب من الْأُجْرَة بِقَدرِهِ وَمن ألزم الْمُسْتَأْجر بِالْأُجْرَةِ إِذا لم ترو الأَرْض فقد خَالف إِجْمَاع الْمُسلمين
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا حَاجَة إِلَى قَوْله أجرتكها مقيلا أَو مراحا وَلَا فَائِدَة فِيهِ وَإِنَّمَا فعل ذَلِك من ظن أَنه لَا تجوز الْإِجَارَة قبل رى الأَرْض وَالَّذِي فَعَلُوهُ من إِجَارَتهَا مقيلا أَو مراحا بَاطِل بِإِجْمَاع الْمُسلمين من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنَّهَا لَا تصلح مقيلا وَلَا مراحا لِأَن الْمَاشِيَة لَا تقبل إِلَّا بِأَرْض تقيم بهَا عَادَة بِقرب مَا ترعاه وتشرب من مَائه أما الأَرْض الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَاء وَلَا زرع وَلَا عمَارَة فَلَا تصلح مقيلا وَلَا مراحا وَإِجَارَة الْعين لمَنْفَعَة لَيست فِيهَا بَاطِلَة
الثناي أَن هَذِه الْمَنْفَعَة إِذا كَانَت حَاصِلَة فَهِيَ غير مُتَقَومَة فِي مثل هَذِه الأَرْض بل الْبَريَّة كلهَا تشارك هَذِه الأَرْض فِي كَونهَا مقيلا ومراحا وَالْمَنْفَعَة الَّتِي لَا قيمَة لَهَا فِي الْعَادة بِمَنْزِلَة الْأَعْيَان الَّتِي لَا قيمَة لَهَا لَا يصلح أَن يرد عَلَيْهَا عقد
(1/368)

إِجَارَة وَلَا بيع بِاتِّفَاق كالاستظلال بشجرة والاستضاءة بناره من بعد وَالنَّاس يعلمُونَ فِي الْعدة هَل رويت أم لَا

فصل
إِذا كَانَت الْإِجَارَة لَازِمَة فَلَيْسَ للمؤجر أَن يخرج الْمُسْتَأْجر عَن الْعين قبل انْقِضَاء الْمدَّة سَوَاء حصلت زِيَادَة فِي أثْنَاء الْمدَّة أَو لم تحصل وَسَوَاء كَانَت الْعين وَقفا أَو ملكا ليتيم أَو غَيره وَهَذَا مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَلم يقل أحد من الْمُسلمين إِن الْإِجَارَة الْمُطلقَة تكون لَازِمَة من أحد الطَّرفَيْنِ فِي وَقت وَلَا غَيره
وَإِن شَذَّ بعض المتأجرين فَحكى نزاعا فِي بعض ذَلِك فَهُوَ مَسْبُوق بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة قبله فَلَا تجوز قبُول الزِّيَادَة فِي وقف وَلَا غَيره الا حَيْثُ لَا تكون الْأُجْرَة لَازِمَة مثل كل يَوْم بِكَذَا فَفِي كل يَوْم لَهُ أَن يُخرجهُ وَله أَن يخرج فَهُوَ مُتَمَكن من الإخلاء والمؤجر كَذَلِك مثله
لَيْسَ للنَّاظِر وَلَا لوَلِيّ الْيَتِيم أَن يسلم مَا يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا بِإِجَارَة شَرْعِيَّة وَكَذَلِكَ الْوَكِيل مَعَ مُوكله متصرف بِحكم الْولَايَة
لَيْسَ للنَّاظِر أَن يَجْعَل الْإِجَارَة لَازِمَة من جِهَة الْمُسْتَأْجر جَائِزَة من جِهَته فَإِن هَذَا خلاف الْإِجْمَاع
إِن اعْتقد صِحَة الْإِجَارَة والنفع وَنَحْوهَا مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور جَازَ لَهُ أَن يُسلمهُ الْعين بِمَا هُوَ إِجَارَة فِي الْعرف وَإِن كَانَ لَا يرى صِحَة ذَلِك إِلَّا بِاللَّفْظِ كَانَ عَلَيْهِ أَن لَا يُسَلِّمهَا إِلَّا إِذا أجرهَا بِاللَّفْظِ
وَمن اعْتقد جَوَاز بيع المعاطاه سَلمَة الْمَبِيع بِهَذَا البيع وَإِن اعْتقد عدم صِحَّته لم يكن لَهُ أَن يُسلمهُ بالمعاطاة
فَكل من اعْتقد شَيْئا وَجب عيه الْعَمَل بِهِ لَهُ وَعَلِيهِ وَلَيْسَ لأحد أَن يعْتَقد
(1/369)

أحد الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَهُ دون مَا عَلَيْهِ كمن يعْتَقد أَنه إِذا كَانَ جارا اسْتحق شُفْعَة الْجوَار وَإِذا كَانَ مُشْتَريا لم تجب عَلَيْهِ شُفْعَة الْجوَار
وَإِذا كَانَ من الْإِخْوَة من الْأُم فِي المشركة أسقط ولد الْأَبَوَيْنِ وَإِن كَانَ هُوَ من الْأُخوة لِلْأَبَوَيْنِ ورث وشارك وَإِذا كَانَ هُوَ الْمُدعى قضى بِالنّكُولِ وَإِذا كَانَ مدعى عَلَيْهِ قضى برد الْيَمين وأمثال ذَلِك كثير
فَلَيْسَ لأحد أَن يعْتَقد فِي مَسْأَلَة نزاع مثل هَذَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَإِن مَضْمُون هَذَا أَنه يحلل لنَفسِهِ مَا يحرمه على مثله وَبِالْعَكْسِ وَيُوجب على غَيره مَالا يُوجِبهُ على نَفسه مَعَ تساويهما فَمن اعْتقد جَوَاز فَهُوَ كَافِر فالمؤجر يلْتَزم لَهُ وَعَلِيهِ مَا يَعْتَقِدهُ فَإِذا سلم الْعين بِإِجَارَة يجوزها لنَفسِهِ وَيُطَالب بِالْأُجْرَةِ الَّتِي سَمَّاهَا لم يحل لَهُ أَن يقبل زِيَادَة
وَمن ذَلِك من زَاد على من يكترى أَو ساوم على من ركن إِلَيْهِ وَجب تعزيز المزايد والمساوم الَّذِي يضارره
وَيجوز إِجَارَة الإقطاع وَإِذا أقطعت لآخر صَارَت لَهُ من حِين أقطع فَإِن شَاءَ أجرهَا لذَلِك الْمُسْتَأْجر وَإِن شَاءَ لم يؤجرها لَهُ وَإِن كَانَ للْمُسْتَأْجر فِيهَا زرع أبقاه بأجره الْمثل إِلَى حِين تَمام صَلَاحه

فصل
هَل يجوز ضممان الْبَسَاتِين وَالْأَرْض الَّتِي فِيهَا النّخل أَو الشّجر الَّذِي لم يبد صَلَاح ثَمَرَة
فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال
قيل لَا يجوز بِحَال بِنَاء على أَنه دَاخل فِيمَا نهى عَنهُ من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عَن الشَّافِعِي وَأحمد نَص عَلَيْهِ وَمذهب أبي حنيفَة أَشد منعا وتنازع هَؤُلَاءِ هَل يجوز الاحتيال على ذَلِك بِأَن يُؤجر
(1/370)

الأَرْض ويساق على الشّجر يجزء يسير على قَوْلَيْنِ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد أَنه لَا يجوز وَذكر القَاضِي أَبُو يعلى أَنه يجوز وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي وَهَذِه الْحِيلَة قد تتعذر عَليّ أصل مصححي الْحِيَل وَهِي بَاطِلَة من وُجُوه
أَحدهَا أَن الأَرْض قد تكون وَقفا أَو ليتيم وَنَحْوه فَمن يتَصَرَّف فِي مَاله بِحكم الْولَايَة فالمساقاه عَليّ ذَلِك بِجُزْء يسير لَا يجوز وَاشْتِرَاط أحد الْعقْدَيْنِ فِي الآخر لَا يجوز
الثَّانِي أَن الْفساد الَّذِي نهى من أَجله عَن بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا من كَونه غررا هُوَ من جنس الْقمَار مَوْجُود فِي هَذِه الْمُعَامَلَة أَكثر من وجوده عِنْد مُجَرّد بيع الثَّمَرَة
الثَّالِث أَن اسْتِئْجَار الأَرْض الَّتِي تَسَاوِي مائَة بِأَلف وَالْمُسَاقَاة عَليّ الثَّمَرَة بِجُزْء من ألف جُزْء فعل السُّفَهَاء الَّذين يسْتَحقُّونَ الْحجر عَلَيْهِم فضلا عَن إِمْضَاء فعلهم وَالْحكم بِصِحَّتِهِ
وَأَيْضًا لَهُ أَن يُطَالِبهُ بِجَمِيعِ الْأُجْرَة حصلت الثَّمَرَة أَو لم تحصل فَلَيْسَ هَذَا من أَفعَال الرَّاشِدين لَا سِيمَا إِن كَانَ الْمُتَصَرف مِمَّا لَا يملك التَّبَرُّع وَلَيْسَ الْفَقِيه من عمد إِلَيّ مَا نهى عَنهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دفعا لفساد يحصل لَهُم فَعدل عَنهُ إِلَى مَا فَسَاده أَشد مِنْهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة المستجير من الرمضاء بالنَّار وَهَذَا يسلم من قَاعِدَة إبِْطَال الْحِيَل فَإِن كثيرا مِنْهَا يتَضَمَّن من الْفساد وَالضَّرَر أَكثر مِمَّا فِي إِثْبَات المنهى عَنهُ ظَاهرا كَمَا قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ يخادعون الله كَأَنَّمَا يخادعون الصّبيان لَو أَتَوا الْأَمر على وَجهه كَانَ أَهْون على وَلِهَذَا يُوجد فِي نِكَاح التَّحْلِيل من الْفساد أعظم مِمَّا يُوجد فِي نِكَاح الْمُتْعَة إِذا الْمُتَمَتّع قَاصد للنِّكَاح إِلَى وَقت والمحلل غير قَاصد لنكاح فَكل فَسَاد نهى عَنهُ فِي التَّمَتُّع فَهُوَ فِي التَّحْلِيل وَزِيَادَة وَلِهَذَا تنكر قُلُوب النَّاس التَّحْلِيل أعظم من إنكارها الْمُتْعَة والمتعة أبيحت أول الاسلام وتنازع السّلف فِي نسخهَا والتحليل لم يبح قطّ وَمن شنع على الشِّيعَة
(1/371)

بِإِبَاحَة الْمُتْعَة مَعَ إِبَاحَته التَّحْلِيل فقد سلطهم عَليّ الْقدح فِي السّنة كَمَا يُسَلط النَّصَارَى على الْقدح فِي الاسلام بِمثل إِبَاحَة التَّحْلِيل حَتَّى قَالُوا إِن هَؤُلَاءِ قَالَ لَهُم نَبِيّهم إِذا طلق أحدكُم امْرَأَته لم حل لَهُ حَتَّى تَزني وَذَلِكَ أَن التَّحْلِيل سفاح كَمَا سَمَّاهُ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم
القَوْل الثَّانِي أَنه إِن كَانَت مَنْفَعَة الأَرْض هِيَ الْمَقْصُود وَالشَّجر تَابع جَازَ أَن يُؤجر الأَرْض وَيدخل فِي ذَلِك الشّجر تبعا وَهَذَا قَول مَالك يقدر البَائِع بِقدر الثُّلُث وَيجوز من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا مَا يدْخل ضمنا وتبعا كَمَا أجَاز أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع الثَّمَرَة بعد أَن يُؤثر الشّجر فالمبتاع قد اشرى الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا لَكِن تبعا لذَلِك
القَوْل الثُّلُث أَنه يجوز ضَمَان الأَرْض وَالشَّجر جَمِيعًا وَإِن كَانَ أَكثر وَهُوَ قَول ابْن عقيل وَهُوَ مأثور عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فِي بيعَة حُذَيْفَة أسيد بن حضير رَضِي الله عَنهُ لما قبلهَا ثَلَاث سِنِين ووفي دين أسيد بن حضير روى ذَلِك حَرْب فِي مسائلة عَن أَحْمد وَرَوَاهُ أَبُو ذَر الدِّمَشْقِي وَغَيرهمَا وَهُوَ مَعْرُوف عَن عمر رَضِي الله عَنهُ والحداذق الَّتِي بِالْمَدِينَةِ يغلب عَلَيْهَا الشّجر
وَقد ذكر هَذَا الْأَمر بعض فُقَهَاء الْمغرب وَزعم أَنه خلاف الْإِجْمَاع وَلَيْسَ بِشَيْء بل ادِّعَاء الْإِجْمَاع على جَوَازه أقرب فَإِن عمر رَضِي الله عَنهُ فعله بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة بمشهد من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار واشتهر وَلم يُنكر مَعَ أَنهم كَانُوا يُنكرُونَ مادون هَذَا عَليّ عمر كَمَا أنكر عمرَان بن حُصَيْن وَغَيره رَضِي الله عَنْهُم مَا فعله عمر من مُتْعَة الْحَج وَالَّذِي فعله عمر رَضِي الله عَنهُ هُوَ الصَّوَاب وَإِذا تدبر الْفَقِيه أصُول الشَّرِيعَة تبين لَهُ أَنه لَيْسَ دَاخِلا فِيمَا نهى الله عَنهُ لأمور
أَحدهَا أَن الأَرْض يُمكن فِيهَا الْإِجَارَة وَيُمكن فِيهَا بيع حبها قبل أَن يشْتَد وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما نهى عَن بيع الْحبّ حَتَّى يشْتَد لم يكن ذَلِك نهيا عَن إِجَارَة الأَرْض وَإِن كَانَ هُوَ مَقْصُود الْمُسْتَأْجر الَّذِي يعْمل فِي الأَرْض
(1/372)

حَتَّى يحصل لَهُ الْحبّ بِخِلَاف الْمُشْتَرى فَإِنَّهُ حبا مُجَردا وعَلى البَائِع خدمته حَتَّى يتَحَصَّل وَكَذَلِكَ نَهْيه عَن بيع الْعِنَب حَتَّى يسود لَيْسَ نهيا لمن يَأْخُذ الشّجر فَيقوم عَلَيْهَا ويسقيها حَتَّى تثمر إِنَّمَا النهى لمن اشْترى عنبا مُجَردا رعلى البَائِع خدمتها حَتَّى تكمل كَمَا يفعل المشترون للأعيان الَّتِي تسمى الكروم وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ لَا يبيعونها حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا بِخِلَاف التَّضْمِين
الْوَجْه الثَّانِي أَن الْمُزَارعَة عَليّ الأَرْض كالمسافاة على الشَّجَرَة وَكِلَاهُمَا جاذز عِنْد فُقَهَاء الحَدِيث وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالَّذين نهوا عَنْهَا ظنوها من بَاب الْإِجَارَة بعوض مَجْهُول وَأَبُو حنيفَة طرد قِيَاسه فَلم يجوزها بِحَال
وَأما الشَّافِعِي فَإِنَّهُ اسْتثْنى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ كالبياض إِذا دخل تبعا للشجر فِي المسافاة وَكَذَلِكَ مَالك يُرَاعى الْقلَّة وَالْكَثْرَة على أَصله
هَؤُلَاءِ جعلُوا الْمُضَاربَة بِهِ أَيْضا خَارِجَة الْقيَاس ظنا مِنْهُم أَنَّهَا من بَاب الْإِجَارَة بعوض مَجْهُول
وَالتَّحْقِيق أَن هَذِه الْمُعَامَلَات هِيَ من بَاب المشاركات لَا من بَاب المؤاجرات وَالْمُضَاربَة وَالْمُسَاقَاة والمزارعة مُشَاركَة هَذَا بنفع بِبدنِهِ وَهَذَا ينفع مَاله وَمَا قسم الله من الرِّبْح كَانَ بَينهمَا كشركة الْعَنَان
وَلَو قيل هِيَ جعَالَة كَانَ أشبه لِأَن الْجعَالَة لَا يكون الْعَمَل فِيهَا مَعْلُوما وَلَكِن لَيست جعَالَة أَيْضا فَإِن الْجعَالَة يكون الْمَقْصُود فِيهَا لأَحَدهمَا من غير جنس مَقْصُود الآخر هَذَا قَصده رد أبقه وَهَذَا قَصده الْجعل بِخِلَاف الْمُسَاقَاة والمزارعة وَالْمُضَاربَة فَإِنَّهُمَا شريكان فِي الْجِنْس الْمَقْصُود وَهُوَ الرِّبْح مستوران فِي المغرم والمغنم وَلِهَذَا وَجب أَن يكون الْمَشْرُوط فِيهَا مشَاعا مُقَدرا مَعْلُوم وَلَو كَانَت إِجَارَة أَو جعَالَة لَكَانَ أقل الْأَحْوَال فِيهَا أَن يجوز كَون الْعِوَض فِيهَا مُقَدرا مَعْلُوما لَا شَائِعا فَلَمَّا كَانَ الْمَشْرُوط لأَحَدهمَا من جنس الْمَشْرُوط للْآخر علم
(1/373)

أَنه من بَاب الْمُشَاركَة كَمَا فِي الشّركَة الْعَنَان وَلَو شَرط لأَحَدهمَا مِقْدَارًا من الرِّبْح أَو غَيره لم يجز لِأَنَّهُ المخابرة فَأَيْنَ من يَجْعَل مَا جَاءَت بِهِ السّنة مُوَافقا لِلْأُصُولِ مِمَّن يَجعله مُخَالفا لِلْأُصُولِ
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فمعلوم أَنه إِذا ساقاه عَليّ الشّجر بِجُزْء من الثَّمَرَة كَمَا إِذا زارعه عَليّ الأَرْض بِجُزْء من الزَّرْع أَو مُضَارَبَة عَليّ النَّقْد بِجُزْء من الرِّبْح فقد جعلت الثَّمَرَة من بَاب الناء والفائدة الْحَاصِلَة ببدن هَذَا وَمَال هَذَا وَالَّذِي نهى عَنهُ من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا لَيْسَ للْمُشْتَرِي عمل فِي حُصُوله أصلا بل الْعَمَل كُله عَليّ البَائِع فَإِذا اسْتَأْجر الأَرْض وَالشَّجر حَتَّى يحصل لَهُ ثَمَر جَازَ كَمَا إِذا استأة ر الأَرْض حَتَّى يحصل لَهُ الزَّرْع
الْوَجْه الثَّالِث أَن الثَّمَرَة تجرى الْمَنَافِع والفوائد فِي الْوَقْف وَالْعَارِية وَنَحْوهَا وَيجوز وقف الشّجر لينْتَفع مِنْهُ أهل الْوَقْف بالثمرة كَمَا يقف الأَرْض وَيجوز إِعَارَة الشّجر كَمَا يجوز إفقار الظّهْر وإعارة الدَّار ومنحه اللَّبن
فَإِن قيل هَذَا يقتضى أَن الْأَعْيَان مَعْقُود عَلَيْهَا فِي الْإِجَارَة
قيل إِن تَقْبِيل الأَرْض وَالشَّجر لَيْسَ هُوَ عقد عَليّ عين وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة إِجَارَة الأَرْض ليحصل لَهُ الزَّرْع لَكِن العقد ورد عَليّ الْمَنَافِع الَّتِي هِيَ مَنْفَعَة هَذِه الْأَعْيَان
وَيُقَال ثَانِيًا لَا سنلم أَن ؤجارة الظِّئْر عَليّ خلاف الْقيَاس فَكيف يُقَال ذَلِك وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن إِجَارَة مصوصة فِي شريعتنا إِلَّا فِي إِجَارَة الظذر فَمن ظن أَن الْإِجَارَة لَا تكون إلاعلى الْمَنْفَعَة قَالَ ذَلِك وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل الْإِجَارَة لَا تكون إِلَّا على مَا يسْتَوْفى مَعَ بَقَاء أَصله سَوَاء كَانَ عينا أَو مَنْفَعَة كالظذر ونقع الْبذر فهى يحدثها الله تَعَالَى وَأَصلهَا بَاقٍ فَهِيَ كالمنفعة وَلِهَذَا جَازَ وقف هَذِه الْأُصُول لَا ستمرار هَذِه الْفَوَائِد أعيانها ومنافعها
(1/374)

فَأن قيل فَهَذَا يقتضى جَوَاز إجغارة الْحَيَوَان
قيل وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة نزاع بَين الْعلمَاء أَيْضا والمعرضة لَا تكون بِمَسْأَلَة نزاع بل بِدَلِيل شَرْعِي فَإِن كل ماذكرنا من ذَلِك يُوجب صِحَة هَذِه الْإِجَارَة وَلزِمَ طرده
ورذا لم يتَمَكَّن الْمُسْتَأْجر من ازدراع الأَرْض لآفة حصلت لم يكن عَلَيْهِ أُجْرَة وَإِن نبت الزَّرْع ثمَّ حصلت آفَة سَمَاوِيَّة أتلفته قبل التَّمَكُّن من حَصَاده فَفِيهِ نزاع نظرا إِلَى أَن الثَّمَرَة وَالْمَنْفَعَة هِيَ الْمَعْقُود عَلَيْهَا وَهَذَا الزَّرْع لَيْسَ بمعقود عَلَيْهِ بل الْمَعْقُود عَلَيْهِ الْمَنْفَعَة وَمن سوى بَينهمَا قَالَ الْمَقْصُود بِالْإِجَارَة هُوَ الزَّرْع فَإِذا حَالَتْ الآفة بَين الْمَقْصُود بِالْإِجَارَة وَالْمُسْتَأْجر كَانَ قد تلف الْمَقْصُود بِالْعقدِ قبل التَّمَكُّن من قَبضه والمؤجر وَإِن لم يعاض عَليّ زرع فقد عاوض عَليّ الْمَنْفَعَة الَّتِي يُمكن بهَا من حُصُول الزَّرْع فَإِذا حصلت الآفة قبل التَّمَكُّن لم تسلم لَهُ الْمَنْفَعَة الْمَعْقُود عَلَيْهَا بل تلفت قبل التَّمَكُّن وَلَا فرق بَين تعطل مَنْفَعَة الأَرْض فِي أول الْمدَّة أَو آخرهَا
وعَلى هَذَا بنبني مَسْأَلَة ضَمَان الحداذق وَالله أعلم
وَمن لَهَا حلى فأكثرته كِرَاء مُبَاحا لمن تتزين بِهِ ازوجها أَو سَيِّدهَا فَهُوَ حائز وَكَرِهَهُ مَالك وَأحمد وَكثير من أصحابهما كَرَاهَة تَنْزِيه
فَإِذا أكرته لحاجتها وأكلت كراءه لم ينْه عَنهُ وَعَلَيْهَا زَكَاته عِنْد أَكْثَرهم أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد
فَأَما إِن أكرته لمن تتزين بِهِ للرِّجَال الْأَجَانِب فَلَا يجوز وَأَشد من يَفْعَله للفاحشة قَالَ الله تَعَالَى {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان} وَلَا يجوز أَخذ الْأُجْرَة عَليّ الْإِعَانَة عَليّ الْفَاحِشَة لَا يجلى وَلَا يلبس وَلَا مسكن وَلَا دَابَّة وَلَا غير ذَلِك
(1/375)

وَمن اسْتَأْجر مَا يكون مَنْفَعَة إِجَارَته لعامة النَّاس مثل الْحمام والفندق والقيسارية فنقصت الْمَنْفَعَة الْمَعْرُوفَة لعمل خير منهت أَو قلَّة الزبون لخوف أَو حَرْب أَو تحول ذى سُلْطَان وَنَحْوه يحط عَن الْمُسْتَأْجر من الْأُجْرَة بِقدر مَا نقص من الْمَنْفَعَة سَوَاء رَضِي النَّاظر وَأهل الْوَقْف أَو سخطوا
وَالْوَزْن كالوزن بِسَائِر الموازين إِذا وزن بِالْعَدْلِ جَازَ لَهُ أَخذ الْأُجْرَة مِمَّن وزن لَهُ وَإِن وزن باخسا كَانَ من الظَّالِمين الْمُعْتَدِينَ
إِذْ أعطَاهُ شمعا وَقَالَ أوقده فَكلما نقص مِنْهُ أُوقِيَّة فَهِيَ بِكَذَا جَازَ ذَلِك كَمَا لَو قَالَ اسكن هَذِه الدَّار كل يَوْم بِكَذَا فِي أظهر قولي الْعلمَاء فَإِنَّهُ إِذن فِي الْإِتْلَاف عَليّ وَجه الِانْتِفَاع وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ هُوَ من بَاب الْإِجَارَة وَلَا من بَاب البيع اللَّازِم بل هُوَ مُعَاوضَة جاذزة لَا لَازِمَة كَمَا لَو قَالَ ألق متاعك فِي الْبَحْر وعَلى ثمنه لَكِن لَا بُد أَن يكون الْإِذْن بالايقاد فِي أَمر مُبَاح وعَلى النَّاظر أَن لَا يُؤجر حَتَّى يغلب على ظَنّه أَنه لَيْسَ هُنَاكَ من يزِيد وَعَلِيهِ أَن يشهر الْمَكَان عِنْد أهل الرغبات الَّذين جرت عَادَتهم باستئجار مثل ذَلِك الْمَكَان فَإِذا فعل ذَلِك فقد أجره بأجره الْمثل وَهِي الْإِجَارَة الشَّرْعِيَّة فَإِن حابى بِهِ بعض أصدقائه أَو بعض من لَهُ عِنْده يَد فَأَجره بِدُونِ أُجْرَة الْمثل كَانَ ظَالِما ضَامِنا لما نقص أهل الْوَقْف من أُجْرَة الْمثل
وَلَو تَغَيَّرت أسعار الْعقار بعد الْإِجَارَة الشَّرْعِيَّة لم يملك الْفَسْخ بذلك فَإِن هَذَا لَا يَنْضَبِط وَلَا يدْخل فِي التَّكْلِيف وَالْمَنْفَعَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَان قد تخْتَلف فَتكون قيمتهَا فِي الشتَاء أَكثر مِنْهَا فِي الصَّيف وَبِالْعَكْسِ فَلَو قدر أَنَّهَا انْفَسَخت فِي بعض الْحول لسقطت الْأُجْرَة فِي مثل ذَلِك بِالْقيمَةِ رلا بأجزاء الزَّمَان فَيُقَال كم قِيمَته وَقت الصَّيف وَكم قِيمَته وَقت الشتَاء فتقسم الْأُجْرَة ويحسب لكل من الْأُجْرَة بِقدر قِيمَته وَالْوَاجِب على النَّاظر أَن يفعل مصلحَة الْوَقْف من كرائه مساومة أَو شماهرة أَو مانهة
(1/376)

وَلَيْسَ لَهُ إِخْرَاج الْمُسْتَأْجر قبل انْقِضَاء مدَّته لأجل زِيَادَة أَو غَيرهَا
وَمَا فعله بعض متأخرى الْفُقَهَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد من التَّفْرِيق بَين أَن يُزَاد قدر الثُّلُث أَو أقل فَهُوَ قَول مُبْتَدع لَا أصل لَهُ عِنْد أحد من الْأَئِمَّة لَا بِسَبَب تفَاوت وَقت وَلَا غَيره وَالله أعلم
ورذا كَانَ الْوَقْف عَليّ وجهة عَامَّة جَازَت إِجَارَته بِحَسب الْمصلحَة وَلَا يتَقَدَّر بِعَدَد عِنْد أَكثر الْعلمَاء
وَإِذا وَقع النزاع بَين الْمَالِك وَالْمُسْتَأْجر فَقَالَ الْمُسْتَأْجر أعرتني وَقَالَ الْمَالِك بل أجرتك فَالْقَوْل قَول الْمَالِك وَفِي الدَّابَّة رِوَايَتَانِ قيل قَول الْمَالِك وَقيل قَول الرَّاكِب وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
ورذا قُلْنَا فِي الأَرْض مثلا القَوْل قَول الْمَالِك فَهَل يُطَالب بِالْأُجْرَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا أَو بِأُجْرَة الْمثل أَو بِالْأَقَلِّ مِنْهَا عَليّ ثَلَاثَة أَقْوَال فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَقَالَ مَالك القَوْل قَول الْمَالِك
وَمِنْهُم من قَالَ إِلَّا أَن يكون مثله لَا يكرى الدَّوَابّ
وَللشَّافِعِيّ فيهمَا قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج فَإِنَّهُ نَص فِي الأَرْض أَن القَوْل قَول الْمَالِك وَفِي الدَّابَّة القَوْل قَول الرَّاكِب وَبَعض أَصْحَابه قررالنصين وَفرق بِأَن الدَّابَّة يسمح بعاريتها بِخِلَاف الأَرْض

فصل
فِي فلاح حرث أَرضًا ثمَّ زَرعهَا غَيره إِذا كَانَت الأَرْض مقاسمة لرب الأَرْض سهم وللفلاح سهم فَإِنَّهُ يقسم نصيب الْفَلاح من الْحَرْث وَالزَّرْع على مِقْدَار مَا يذلاه من نفع وَمَال
وَإِذا أجره الْوَصِيّ مُدَّة ثَلَاثِينَ سنة بِغَيْر قيمَة الْمثل ثمَّ توفى الْوَصِيّ وَبَلغت
(1/377)

الْمُوصى عَلَيْهَا رشدها فلهَا أَن تفسخ الْإِجَارَة بِلَا نزاع وَإِنَّمَا النزاع هَل تقع الْإِجَارَة بَاطِلَة من أَصْلهَا ومضمونة عَليّ الْمُؤَجّر
أجَاب بذلك فِي رجل تصدق على بنته لصلبه وَأسْندَ وَصيته لرجل فأجر مُدَّة ثَلَاثِينَ سنة فَأجَاب بذلك
ورذا أقْرضهُ عشرَة عَليّ أَن يكترى مِنْهُ حانوته بِأَكْثَرَ من أُجْرَة الْمثل لم يجز هَذَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين بل لَو قرن بَينهمَا كَانَ بَاطِلا مَنْهِيّا عَنهُ عِنْد أَكثر الْعلمَاء والإقطاع نَوْعَانِ نوع إقطاع تمْلِيك كَمَا يقطع ولي الْأَمر الْموَات لمن يحييه بتملكه وإقطاع استغلال وَهُوَ إقطاع مَنْفَعَة الأروض لمن شَاءَ وَأَن يستغلها أَو يؤجرها أَو يزارع عَلَيْهَا
والإقطاع الْيَوْم من هَذَا الْبَاب فَإِن المقطعين لم يقطعوا لمُجَرّد أخراج وَاجِب عَليّ شئ من الأَرْض بيدهم كالخراج الشَّرْعِيّ الَّذِي ضربه عمر رَضِي الله عَنهُ على بِلَاد العنوة وكالإجارة الَّتِي تكون فِي ذمَّة من يسْتَأْجر عقارا لبيت المَال فَمن أقطع ذَلِك فقد أقطع خراجا
وَإِذا عرف ذَلِك فَإِذا انْفَسَخ الإقطاع أثْنَاء السّنة إِمَّا لمَوْت المقطع وَإِمَّا لغير ذَلِك كَانَت الْمَنْفَعَة الْحَادِثَة للمقطع الثَّانِي دون الأول بِحَيْثُ لَو كَانَ الأول قد أجر الأَرْض ثمَّ انْفَسَخ إقطاعه انْفَسَخت تِلْكَ الْإِجَارَة كَمَا تَنْفَسِخ إِجَارَة الْبَطن الأول إِذا انْتقل الْوَقْف إِلَى الْبَطن الثَّانِي فِي أصح الْوَجْهَيْنِ فَإِذا انْفَسَخ فِي نصف الْمدَّة كَانَ لَهُ نصف الْمَنْفَعَة وَإِذا انْفَسَخ فِي ربعهَا كَانَ الأول الرّبع وَللثَّانِي ثَلَاثَة أَربَاع الْمَنْفَعَة الْمُسْتَحقَّة وَالْأول لَيْسَ بغاصب بل هُوَ كالمستأجر بل أولى فَهُنَا للفقهاء ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا الزَّرْع للزارع وَعَلِيهِ الْأُجْرَة
وَالثَّانِي الزَّرْع لرب الأَرْض وَعَلِيهِ مَا أنفقهُ الأول على زرعه وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ معروفان فِيمَن زرع أَرض غَيره بِغَيْر إِذْنه وَهَذَا لَيْسَ غَاصبا لَكِن
(1/378)

هُوَ بِمَنْزِلَة من زرع أَرض الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه فَهُوَ كَمَا لَو اتّجر فِي مَال يطنه لنَفسِهِ فَبَان أَنه لغيره
وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث قضى بِهِ عمر رَضِي الله عَنهُ فِي نظيرها وَهُوَ أَصَحهَا فَإِنَّهُ كَانَ قد اجْتمع عِنْد أبي مُوسَى الاشعري رَضِي الله عَنهُ مَال للْمُسلمين يُرِيد أَن يُرْسِلهُ إِلَى عمر فَمر بِهِ عبد الله وَعبيد الله ابْنا عمر فاستقرضاه فَقَالَ إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن أعطيكما شَيْئا وَلَكِن عِنْدِي مَال أُرِيد أَن أحملهُ إِلَى أبيكما فخذاه اتجرا بِهِ وَأَعْطوهُ مثل المَال فتكونان قد انتفعتما وَالْمَال حصل عِنْده مَعَ ضمانكما لَهُ فاشتريا بِهِ بضَاعَة فَلَمَّا قدما على عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ أكل الْعَسْكَر أقرضهم مثل مَا أقرضكما فَقَالَا لَا ضعا الرِّبْح كُله فِي بَيت المَال فَسكت عبد الله وَقَالَ لَهُ عبيد الله أَرَأَيْت لَو ذهب هَذَا المَال أما كَانَ علينا ضَمَانه قَالَ بلَى فَقَالَ كَيفَ يكون الرِّبْح للْمُسلمين وعلينا ضَمَانه فَوقف عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَة اجْعَلْهُ مُضَارَبَة بَينهمَا وَبَين الْمُسلمين لَهما النّصْف من الرِّبْح وَالْمُسْلِمين النّصْف فَعمل عمر ذَلِك
وَهَذَا أحسن الْأَقْوَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي تنَازع فِيهَا الْفُقَهَاء وَفِي مَسْأَلَة التِّجَارَة بالوديعة وَغَيرهَا من مَال الْغَيْر فَإِن فِيهَا أَرْبَعَة أَقْوَال لِأَحْمَد وَغَيره هَل الرِّبْح للْمُودع أَو لبيت المَال أَو لِلْعَامِلِ أَو يتصدقان بِهِ أَو يقسم بَينهمَا كالمضاربة
وَمَسْأَلَة الإقطاع كَذَلِك فَإِنَّهُ زرع الأَرْض يَظُنهَا لنَفسِهِ فَتبين أَنَّهَا أَو بَعْضهَا لغيره فَجعل الزَّرْع بَينهمَا للمزارعة الْمُطلقَة مشاطرة فَجعل للْأولِ نصف الزَّرْع كالعامل فِي الْمُزَارعَة وَجعل النّصْف الثَّانِي للمنفعة الْمُقطعَة وَالْأول قد اسْتحق ربعهَا فَيجْعَل لَهُ النّصْف بِنَاء على مَا ذكرنَا وَللثَّانِي ثَلَاثَة أَربَاع النّصْف وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال فِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة
وتضمن ذَلِك أَن المارعة يكون الزَّرْع فِيهَا من الْعَامِل وَهُوَ الصَّوَاب كَمَا عَامل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل خَيْبَر
وَأما الْقُوَّة الَّتِي تجْعَل على الأَرْض فَإِنَّهَا لَيست قرضا مَحْضا كَمَا يَظُنّهُ
(1/379)

بَعضهم فَإِن الْقَرْض الْمُطلق يتَصَرَّف فِيهِ بِمَا أَرَادَ وَهَذِه الْقُوَّة مَشْرُوطَة على من يقبضهَا أَن يبذلها فِي الأَرْض لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّف فِيهَا بِغَيْر ذَلِك فقد جعلت قُوَّة فِي الأَرْض ينْتَفع بهَا كل من يسْتَعْمل الأَرْض من مقطع أَو عَامل إِذْ مصلحَة الأَرْض لَا تقوم إِلَّا بذلك وَلِهَذَا يُقَال من دخل على قُوَّة خرج على نظيرها
وَحَقِيقَة الْأَمر أَن السُّلْطَان اشْترط على من يقطعهم أَن ينزلُوا على الأَرْض قُوَّة وَإِذا كَانَ الأول قد أنزل فِيهَا قُوَّة وَالثَّانِي مُحْتَاج إِلَيْهَا فَهِيَ لَهُ
وَلَيْسَ لأحد من وُلَاة الْأَمر أَن يَجْعَل عطاءها للْأولِ فان قسطه بِحَسب الْمصلحَة جَازَ ذَلِك وَإِذا جرت الْعَادة بِأَن من دخل على قُوَّة خرج على نظيرها وَمن أعْطى قُوَّة من عِنْده واستوفاها مُؤَجّلَة كَانَ إقطاع ولي الْأَمر لَهُ بِهَذَا الشَّرْط وَذَلِكَ جَائِز فَإِن الزَّرْع إِنَّمَا ملكه بالإقطاع وإقطاع ولي الْأَمر بِمَنْزِلَة بَيت مَال الْمُسلمين
وَلَيْسَت قسْمَة الْأَمْوَال السُّلْطَانِيَّة بِمَنْزِلَة قسْمَة المَال بَين الشُّرَكَاء المعينين لِأَن قسْمَة المَال بَين الشُّرَكَاء مثل قسْمَة الْمِيرَاث يقسم بَين كل صنف فَرْضه مِنْهُ فان قبل الْقِسْمَة وَإِلَّا بيع وَقسم ثمنه بَين الْوَرَثَة عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء كمالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَلَيْسَ لأحد الشَّرِيكَيْنِ أَن يخْتَص بصنف
وَأما أَمْوَال الْفَيْء فللإمام أَن يخص مِنْهَا طَائِفَة بِنصْف وَطَائِفَة بِنصْف آخر وَكَذَلِكَ فِي الْمَغَانِم على الصَّحِيح كَمَا يجوز تَفْضِيل بعض الغائمين بِمَنْفَعَة على الصَّحِيح فَمَال الْفَيْء يسْتَحق بِحَسب الْحَاجة وَمَال الْغَنَائِم يقسم على الْمُقَاتلَة فَيجب أَن يقسم بِالْعَدْلِ كَمَا يجب الْعدْل على كل حَاكم وكل قَاسم لَكِن إِذا قدر أَن الْحَاكِم أَو الْقَاسِم لَيْسَ عدلا لم تبطل جَمِيع أَحْكَامه وقسمه على الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ السّلف
فَإِنَّهُ قد ثَبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه أَمر بِطَاعَة وُلَاة الْأُمُور مَعَ جَوْرهمْ فَإِذا أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَجَبت طَاعَته وَإِن كَانَ ظَالِما وَإِن حكم حكما عدلا وَقسم قسما عدلا كَانَ من الْعدْل الَّذِي يجب طَاعَته والظالم لَو قسم مِيرَاثا بَين
(1/380)

مستحقيه بِكِتَاب الله كَانَ عدلا بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَلَو قسم مغنما بَين الْغَانِمين بِالْحَقِّ كَانَ عدلا باجماع الْمُسلمين وَلَو حكم بِبَيِّنَة عادلة لَا معَارض لَهَا وَجب طَاعَته فِيهِ
فَأَما إِن كَانَت الْقِسْمَة غير عادلة مثل أَن يُعْطي بعض النَّاس فَوق مَا يسْتَحق أَو ينقص بَعضهم فَهَذَا من الأثرة الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ على الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِي عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عَلَيْهِ مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة وَمَعْلُوم أَن هَذَا مَا زَالَ فِي وُلَاة الْأَمر وَإِنَّمَا يسْتَثْنى الْخُلَفَاء الراشدون وَمن اتبعهم على سُنَنهمْ
وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول آخذه بِمُجَرَّد الِاسْتِيلَاء كَمَا لَو لم يكن حَاكم وَلَا قَاسم فَإِنَّهُ على نُفُوذ هَذِه الْمقَالة تبطل الْأَحْكَام والأعطية الَّتِي فعلهَا وُلَاة الْأُمُور جَمِيعهم غير الْخُلَفَاء وَحِينَئِذٍ تسْقط طَاعَة وُلَاة الْأُمُور إِذا فرق بَين حكم وَقسم وَبَين عَدمه وَفِي ذَلِك من الْفساد فِي الْعقل وَالدّين مَالا يخفي فَإِنَّهُ لَو فتح ذَلِك الْبَاب أفْضى إِلَى فَسَاد أعظم من الْمَظَالِم ثمَّ كَانَ كل وَاحِد يظنّ أَن مَا يَأْخُذهُ بِنَفسِهِ هُوَ حَقه وَلَيْسَ للْإنْسَان أَن يكون حَاكما لنَفسِهِ وَلَا شَاهدا لَهَا فَكيف يكون قاسما لَهَا وَلَو كَانَ على مَا يَظُنّهُ الْجَاهِل لَكَانَ وجود الْحَاكِم كَعَدَمِهِ وَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل بل قَالَ الْعُقَلَاء سِتُّونَ سنة من سُلْطَان ظَالِم خير من لَيْلَة بِلَا سُلْطَان وَمَا أحسن قَول عبد الله بن الْمُبَارك رَحمَه الله تَعَالَى ... لَوْلَا الْأَئِمَّة لم يُؤمن لنا سبل ... وَكَانَ أضعفنا نهبا لاقوانا ...

فصل
وَيجوز إِجَارَة المقصبة ليقوم عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجر ويسقيها فتنبت الْعُرُوق الَّتِي فِيهَا بِمَنْزِلَة من يسْقِي الأَرْض لينبت لَهُ فِيهَا الْكلأ بِلَا بذر
(1/381)

ثَبت أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم وَأعْطى الْحجام أجره وَلَو كَانَ سحتا لم يُعْطه إِيَّاه
وَلَا ريب أَن الْحجام إِذا حجم أعطي أُجْرَة حجمه عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء وَإِن كَانَ فِيهِ قَول ضَعِيف بِخِلَاف ذَلِك وَقد أرخص لَهُ أَن يعلفه نَاضِحَهُ ويطعمه رَقِيقه كَمَا روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبِذَلِك احْتج أَكثر الْعلمَاء على أَنه لَا يحرم وَإِنَّمَا يكره للْخَبَر تَنْزِيها لِأَنَّهُ لَا يَأْمر بإطعام الْحَرَام للرقيق
وَقيل بل يحرم لما روى مُسلم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كسب الْحجام خَبِيث وَمَا رُوِيَ أَنه نهى عَن ثمن الدَّم
قَالَ الْأَولونَ وَكَذَلِكَ قَالَ من أكل من هَاتين الشجرتين الخبيثتين فَلَا يقربن مَسْجِدنَا فسماهما خبيثتين لخبث ريحهما وليستا حَرَامًا وَقَالَ لَا يصلين أحدكُم وَهُوَ مَا يدافعه الأخبثان فَيكون تَسْمِيَته خبيثا لملاقاة النَّجَاسَة لَا لتحريمه بِدَلِيل أَنه أعْطى الْحجام أجره وَأذن أَن يطعمهُ الرَّقِيق والبهائم وَمهر الْبَغي لَا يطعمهُ رَقِيقا
وَبِكُل حَال فحال الْمُحْتَاج لَيْسَ كَحال المستغني عَنهُ كَمَا قَالَ بعض السّلف كسب فِيهِ بعض الدناءة خير من مَسْأَلَة النَّاس
وَلِهَذَا تنَازع النَّاس أَخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن وَنَحْوه على ثَلَاثَة أَقْوَال لِأَحْمَد وَغَيره
أَحدهَا أَنه يُبَاح للمحتاج قَالَ أَحْمد أُجْرَة التَّعْلِيم خير من جوائز السُّلْطَان وجوائز السُّلْطَان خير من صلَة الإخوان
وأصول الشَّرِيعَة تفرق فِي المنهيات بَين الْمُحْتَاج وَغَيره كَمَا فِي المأمورات
(1/382)

فأبيحت الْمُحرمَات عِنْد الضَّرُورَة لَا سِيمَا إِذا قدر أَنه يعدل على ذَلِك إِلَى سُؤال النَّاس فَالْمَسْأَلَة أَشد تَحْرِيمًا وَلِهَذَا قَالَ الْعلمَاء يجب أَدَاء الْوَاجِبَات وَإِن لم يقم إِلَّا بِالشُّبُهَاتِ كَمَا سُئِلَ الإِمَام أَحْمد رَضِي الله عَنهُ سَأَلَهُ رجل فَقَالَ إِن ابْنا لي مَاتَ وَعَلِيهِ دين وَله دُيُون أَكثر مِمَّا عَلَيْهِ أفأتقاضاها فَقَالَ أتدع ذمَّة ابْنك مرتهنة بدينة وَلِهَذَا اتّفق الْعلمَاء على أَن رزق الْحَاكِم وَأَمْثَاله جَائِز عِنْد الْحَاجة وَتَنَازَعُوا فِي الرزق عِنْد عدمهَا وَأَصله ولي الْيَتِيم يَأْكُل من مَال الْيَتِيم لِحَاجَتِهِ قَالَ الله تَعَالَى {وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ}
إِذْ الشَّرِيعَة مبناها على تَحْصِيل الْمصَالح وتكميلها وتعطيل الْمَفَاسِد وتقليلها والورع ترجيج خير الخيرين بِتَقْدِيم أَحدهمَا وَدفع شَرّ الشرين وَإِن حصل أدناهما
وَقد جَاءَ فِي الْحجامَة أَحَادِيث كَثِيرَة وَفِي الصَّحِيح أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ شِفَاء أمتِي فِي ثَلَاث شربة غسل أَو شرطة محجم أَو كَيَّة نَار وَمَا أحب أَن أكتوى والتداوي بالحجامة جَائِز بِالسنةِ المتواترة وَإِجْمَاع الْعلمَاء
وَإِذا جَاءَ من يخْتم القماش بِدَرَاهِم يَدْفَعهَا عَن دينه وَذكر أَنَّهَا من غير كَسبه وَغلب عَليّ الظَّن صَدَقَة جَازَ أَخذهَا وَإِن لم يغلب على الظَّن كذبة جَازَ تَصْدِيق إِذا لم يعرف كذبه
وَأي الْأَمريْنِ أفضل فِي أَرض تقبل للنَّاس أَن تَأْخُذ أجرتهَا وَتَتَصَدَّق بهَا أَو تقبل بِلَا أُجْرَة إِن كَانُوا فُقَرَاء فَتَركه لَهُم أفضل وَإِن كَانُوا أَغْنِيَاء وَهُنَاكَ مُحْتَاج فَأخذ الْأُجْرَة لأجل الْمُحْتَاج أفضل
وَمن اسْتَأْجر أَجِيرا يعْمل فِي بُسْتَان فَترك الْعَمَل الْمَشْرُوط عَلَيْهِ من غير عذر فَتلف من المَال شَيْء ضمن مَا تلف بِسَبَب تفريطه
وَمن اسْتَأْجر أَرضًا فَمَا وَالْأُجْرَة مقسطة فَلَا يجب على أَوْلَاده تَعْجِيل جَمِيع الْأُجْرَة لَكِن إِذا لَا يُوثقُوا بِهِ فَلهُ أَن يطالبهم بِمن يضمن لَهُ الْأُجْرَة فِي أقساطها وَهَذَا قَول من يَقُول لَا يحل الدّين الْمُؤَجل بِمَوْت من هُوَ عَلَيْهِ ظَاهر فَأَما على قَول
(1/383)

من يَقُول إِنَّه يحل فَكَذَلِك هُنَا على الصَّحِيح من قولي الْعلمَاء لِأَن الْوَارِث الَّذِي ورث الْمَنْفَعَة عَلَيْهِ أُجْرَة تِلْكَ الْمَنْفَعَة الَّتِي استوفاها بِحَيْثُ لَو كَانَ على الْمَيِّت دُيُون لم يكن للْوَارِث أَن يخْتَص بِمَنْفَعَة ويزاحم أهل الدّين بِالْأُجْرَةِ بِنَاء على أَنَّهَا من الدُّيُون الَّتِي على الْمَيِّت كَمَا لَو كَانَ ثمن مَبِيع نافد بِمَنْزِلَة أَن تنْتَقل الْمَنْفَعَة إِلَى مُشْتَر أَو متهب مثل أَن يَبِيع الأَرْض أَو يَهَبهَا أَو تورث عَنهُ فَإِن أُجْرَة الأَرْض من حِين الِانْتِقَال تلْزم أَو الْمُتَّهب أَو الْوَارِث فِي أصح قولي الْعلمَاء كَمَا عَلَيْهِ عمل الْمُسلمين فَإِنَّهُم يطالبون المُشْتَرِي وَالْوَارِث بالحكر قسطا لَا يطْلبُونَ الحكر جَمِيعه من البَائِع أَو تَركه الْمَيِّت على ذَلِك لِأَن الْمَنَافِع لَا نستقر إِلَّا بِاسْتِيفَاء الْأُجْرَة وَلَو تلفت الْمَنَافِع قبل الِاسْتِيفَاء سَقَطت الْأُجْرَة بِاتِّفَاق وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَغَيره أَن الْأُجْرَة لَا تملك بِالْعقدِ بل بِالِاسْتِيفَاءِ وَلَا يملك الْمُطَالبَة إِلَّا شَيْئا فَشَيْئًا وَلِهَذَا قَالَ إِن الْإِجَارَة تَنْفَسِخ بِالْمَوْتِ
وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِن قَالَا لَا تملك بِالْعقدِ الْمُطَالبَة بهَا إِذا أسلم الْعين فَلَا نزاع عِنْدهمَا أَنَّهَا تملك إِلَّا بالإستياء وَلَا نزاع أَنَّهَا إِذا كَانَت مُؤَجّلَة لم تطلب إِلَّا عِنْد مَحل الْأَجَل فَإِذا كلف الْوَارِث أَن يعجل الْأُجْرَة الَّتِي لم تجب إِلَّا مؤجرة مَعَ تَأْخِير اسْتِيفَاء حَقه من الْمَنْفَعَة كَانَ هَذَا ظلما لَهُ مُخَالفا للعدل الَّذِي هُوَ مبْنى الْمُعَاوضَة وَإِذا لم يرض الْوَارِث بِأَن يجب عَلَيْهِ الْأُجْرَة وَقَالَ الْمُؤَجّر أَنا مَا أسلم إِلَيْك الْمَنْفَعَة لتوفى حَقك مِنْهَا فأوجبنا عَلَيْهِ أَدَاء الْأُجْرَة حَالَة من التَّرِكَة مَعَ تَأْخِير الْمَنْفَعَة تبين مَا فِي ذَلِك من الحيف عَلَيْهِ
وَأما إِذا كَانَ الْمُؤَجّر وَقفا فَهُنَا لَيْسَ للنَّاظِر تَعْجِيل الْأُجْرَة كلهَا بل لَو شَرط ذَلِك لم يجز لِأَن الْمَنَافِع المستقلة إِذن لم يملكهَا وَيملك أجرتهَا من يحدث فِي الْمُسْتَقْبل فَإِذا تعجلت من غير حَاجَة إِلَى عمَارَة كَانَ ذَلِك أخذا لما لم يسْتَحقّهُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ الْآن
وَأجَاب لَا يلْزمهُم تَعْجِيل الْأُجْرَة فِي أصح قولي الْعلمَاء لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْمُؤَجّر حبسا فَإِن تَعْجِيل الْأُجْرَة فِي الْحَبْس لَا يجوز إِلَّا لعمارة وَنَحْوهَا لِأَن
(1/384)

مَنَافِع الْحَبْس يَسْتَحِقهَا الْمَوْقُوف عَلَيْهِ بعد بطن وكل قوم يسْتَحقُّونَ أُجْرَة الْمَنَافِع الْحَادِثَة فِي زمانهم فَإِذا استسلقوا للمستقبل كَانُوا قد أخذُوا مالم يستحقوه من الْوَقْف وَهَذَا لَا يجوز
لَكِن إِذا طلب من الْوَرَثَة ضمينا فَلم ذَلِك مَعَ أَنه لَو لم يكن وَقفا لم تحل الْأُجْرَة على قَول من يَقُول لَا يحل الدّين الْمُؤَجل بِالْمَوْتِ وَكَذَا على قَول من يَقُول يحل فِي أظهر قوليه أَو يفرقون بَين الْإِجَارَة وَغَيرهَا كَمَا يفرقون فِي الأَرْض المحتكرة إِذا بِيعَتْ أَو ورثت فَإِن الحكر يكون على المُشْتَرِي وَالْوَارِث وَلبس اجرة من البَائِع من تَرِكَة الْمَيِّت فِي أظهر أَقْوَالهم وَالله أعلم

فصل
ضَمَان الإقطاع صَحِيح لَا نعلم أحدا من الْعلمَاء الَّذين يُفْتى بقَوْلهمْ وَلَا أحدا من المصنفين قَالَ إِنَّه بَاطِل إِلَّا مَا بلغنَا أَن بعض النَّاس حكى فِيهِ خلافًا قولا بِالْجَوَازِ وقولا بِالْمَنْعِ وقولا يجوز سنة فَقَط
وَلم يفت أحد بِتَحْرِيمِهِ إِلَّا بعض أهل زمَان لشُبْهَة عرضت لَهُم اعتقدوا أَن المقطع بِمَنْزِلَة الْمُسْتَعِير وغفلوا عَن كَون الْمَنَافِع مُسْتَحقَّة لأهل الإقطاع وغفلوا عَن كَون السُّلْطَان أذن فِي الِانْتِفَاع بالمقطع استغلالا وإيجارا وَلَو أذن الْمُعير بِالْإِجَارَة جَازَت وفَاقا فيكف بالإقطاع
وَمن أَخذ عوضا عَن عين مُحرمَة أَو نفع محرم مثل أُجْرَة حمال المحمر وصانع الصَّلِيب وَمهر الْبَغي وَنَحْوه وَأُجْرَة الْبَيْت ليتَّخذ مَكَانا للفسوق ليتصدق بهَا وَتَكون صدقته بذلك كَفَّارَة عَمَّا عمله من الْمحرم فَإِن هَذَا الْعِوَض لَا يجوز الِانْتِفَاع بِهِ لِأَنَّهُ خَبِيث وَلَا يُعَاد إِلَى صَاحبه لِأَنَّهُ إِعَانَة لَهُ على الْإِثْم والعدوان بل
(1/385)

يَتَّصِف بِهِ كَمَا نَص على ذَلِك أَحْمد فِي مثل حَامِل الْخمر وَأَصْحَاب مَالك وَغَيرهم
وَمن اكترى لفعل محرم كالغناء وَالزِّنَا وَشَهَادَة الزُّور كَانَ كراؤه محرما
وَكَذَلِكَ إِن أكراه لفعل مَا وَجب عَلَيْهِ مثل أَن تتَعَيَّن عَلَيْهِ شَهَادَة بِحَق أَو فيتا فِي مَسْأَلَة أَو قَضَاء فِي حُكُومَة أَو جِهَاد معِين فَإِن هَذَا الْكِرَاء لَا يجوز
وَإِن كَانَ الْفِعْل يخْتَص بِأَهْل القربات كالكراء لإقراء الْقُرْآن وَالْعلم والإمامة وَالْأَذَان أَو الْحَج أَو للْجِهَاد الَّذِي لَا يتَعَيَّن فَفِيهِ نزاع وَإِن كَانَ الْكِرَاء لعمل كالخياطة وَالتِّجَارَة وَالْبناء جَازَ بالِاتِّفَاقِ
وَإِذا انْتقل نحل إِلَى بلد فَلَا يجوز شَيْئا وَالْعَمَل هُوَ من الطول الَّتِي هِيَ المباحثات وَهِي أَحَق بالبذل من الْكلأ فَإِن هَذِه الطلول لَا يُمكن أَن يجمعها إِلَّا النَّحْل لَكِن إِن كَانَ لصَاحب الأَرْض نحل فَهُوَ أَحَق بالجني فِي أرضه فَإِذا كَانَ جنى ذَلِك النَّحْل يضر بِهِ فَلهُ مَنعه من ذَلِك
وَيَقَع اسْتِئْجَار الْأَعْمَى وشراؤه صَحِيحا عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء كمالك وَأبي حنيفَة وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَلَا بُد أَن يُوصف لَهُ الْمَبِيع وَالْمُسْتَأْجر فان وجده بخلافة فَلهُ الْفَسْخ
وَلَا يجوز أَن يسْتَأْجر من يُصَلِّي عَنهُ فرضا وَلَا نفلا لَا فِي حَيَاته وَلَا بعد مماته فَإِذا أوصى بِدَرَاهِم لمن يُصَلِّي عَنهُ تصدق الْوَرَثَة بهَا عَنهُ ويخص بِالصَّدَقَةِ أهل الصَّلَاة فَيكون للْمَيت أجر كل صَلَاة يصلونها ويستعينون عَلَيْهَا بِصَدَقَتِهِ من غير أَن ينقص من أجر الْمصلى شَيْئا كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من فطر صَائِما فَلهُ مثل أجره وَمن جهز غازيا فقد غزا
وَأما تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْعلم بِغَيْر أُجْرَة فَهُوَ أفضل الْأَعْمَال وأحبها إِلَى الله تَعَالَى وَهَذَا مِمَّا يعلم بالاضطرار من الدّين وَكَانَ السّلف لَا يعلمُونَ إِلَّا الله تَعَالَى
(1/386)

وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء وَيجوز أَن يعْطى رزقا من بَيت المَال مَعَ الْحَاجة
وَهل يجوز مَعَ الْغَنِيّ على قَوْلَيْنِ
وَإِجَارَة أَرض الإقطاع جَائِزَة وللمستأجر أَن يؤجرها
وَأما إِذا مَاتَ المقطع أَو انْقَطع إقطاعه فالمقطع الثَّانِي لَا يلْزمه إِجَارَة الأول فَلَيْسَ لَهُ أَن يقطع مَا فِيهَا من الشّجر وَالزَّرْع مجَّانا بل يُخَيّر بَين أَن يبقيه بِأُجْرَة الْمثل أَو أَن يُؤجر للْمُسْتَأْجر إِجَارَة مستأنفة بِمَا يتفقان عَلَيْهِ لَكِن لَيْسَ لَهُ أَن يلْزمه بِأَكْثَرَ من أُجْرَة الْمثل وَإِذا اسْتَأْجرهَا صَاحب الزَّرْع جَازَ فَإِنَّهُ يتَمَكَّن من الِانْتِفَاع بهَا وَلِصَاحِب الزَّرْع الْفَسْخ فَإِنَّهَا تَنْفَسِخ بانتقال الإقطاع فَلَيْسَ لأَحَدهمَا إِلْزَام الآخر وَلَو اسْتَأْجرهَا غَيره جَازَ على الصَّحِيح وَقَامَ فِيهَا مقَام الْمُؤَجّر
وَهَذِه الْمُعَامَلَات الْوَاقِعَة على الْبَسَاتِين الْمُسَمَّاة بِالضَّمَانِ سَوَاء كَانَت قبل ظُهُور الثَّمَرَة وَقبل بَدو صَلَاحهَا أَو بعدهمَا أَو بَينهمَا وَسميت ضمانا أَو سميت ضمانا أَو سميت للتحيل مُسَاقَاة أَو إِجَارَة فَإِنَّهُ إِذا تلف الثَّمر بِآفَة سَمَاوِيَّة وَجب وضع الْجَائِحَة عَن الْمُسْتَأْجر سَوَاء كَانَ العقد فَاسِدا أَو صَحِيحا أَو متحيلا على صِحَّته
وَلَو قَالَ الْعَامِل ضمنته بِكَذَا وَإِن كَانَ أكله الْجَرَاد فَهُوَ شَرط فَاسد لِأَنَّهُ شَرط غرر وقمار وَإِن كَانَ مَعَ الشَّرْط قد ضمنه بعوض دون عوض الْمثل الْخَالِي من الشَّرْط فَحِينَئِذٍ يفرق بَين صِحَة العقد وفساده على الْمَشْهُور فَإِذا كَانَ فَاسِدا كَانَ الْوَاجِب الْمَقْبُوض بِهِ أَو قِيمَته وَإِن كَانَ صَحِيحا زيد على نصيب الْبَاقِي من الْمُسَمّى بِقدر قيمَة مَا بَين الْقيمَة مَعَ الشَّرْط وَالْقيمَة مَعَ عَدمه فَإِذا كَانَ الْمُسَمّى أنفًا وَالْبَاقِي ثلث الثَّمَرَة كَانَ نصِيبه ثلث مَا بَقِي من الْألف فَينْظر قيمَة الْجَمِيع بِالشّرطِ فيوجد بسبعمائة فيزاد على الْمُسَمّى أَو يُصِيبهُ ثلثه
وَمن اسْتَأْجر دَارا بجوارها رجل سوء فَمثل هَذَا عيب فِي الْعقار إِذا لم يعلم بِهِ الْمُسْتَأْجر فَلهُ فسخ الْإِجَارَة عِنْد الْعلم بِهِ
(1/387)

وَمذهب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَن الشبابة حرَام وَلم يتنازع فِيهَا إِلَّا مُتَأَخّر وَأَصْحَاب أَحْمد من الخراسانيين فانهم ذكرُوا وَجْهَيْن وَأما الْعِرَاقِيُّونَ فَقطعُوا بِالتَّحْرِيمِ وهم أعلم بمذهبه وَبِكُل حَال فَهُوَ وَجه ضَعِيف وَقد قَالَ الشَّافِعِي الْغناء مَكْرُوه يشبه الْبَاطِل وَالْمحرم اسْتِمَاع الآت اللَّهْو لاسماعها فَمن اجتاز فَسمع كفرا أوغيبة أَو شَبابَة لم يحرم عَلَيْهِ وَلَو اسْتمع وَلم يُنكر بِقَلْبِه أَو يَده أَو لِسَانه أَثم اتِّفَاقًا وَمَا رُوِيَ عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه سمع راعي غنم يزمر بزمارة فسد أُذُنَيْهِ وَقَالَ لنافع هَل تسمع قَالَ لَا فَأخْرج أَصَابِعه وروى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك هُوَ يبين أَن عدم السماع أولى وَلَا يدل هَذَا على أَن الشبابة جَائِزَة فَإِن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا سامع لَا مستمع وَالسَّامِع لَا يحرم عَلَيْهِ كَمَا لَا يُؤجر السَّامع لقِرَاءَة الْقُرْآن إِنَّمَا يُؤجر المستمع وسد أُذُنَيْهِ رَضِي الله عَنهُ مُبَالغَة فِي التحفظ وَلَو كَانَ مُبَاحا لما سد أُذُنَيْهِ بل سدهما يدل على أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يسمع مَالا يجوز استماعه
وَأَيْضًا فرفيقه نَافِع لم يعلم أَنه كَانَ بَالغا فَلَعَلَّهُ كَانَ صَغِيرا وَالصبيان يرخص لَهُم من اللّعب مَا لَا يرخص فِيهِ للبالغين
وَأَيْضًا فَلَو قدر أَن الِاسْتِمَاع لَا يجوز فَلَو سد هُوَ ورفيقه أذنيهما لم يعرفا مَتى يَنْقَطِع الصَّوْت
وَأَيْضًا زمارة الرَّاعِي لَيست مطربة كالشبابة الَّتِي تصنع من اليراع فَلَو قدر الْإِذْن فِيهَا لم يجز الْإِذْن فِي اليراع الْمَوْصُول وَمَا يتبعهُ من الْأَصْوَات الَّتِي تفعل فِي النُّفُوس فعل حميا الكؤوس
وَأَيْضًا فقد ذكر ابْن الْمُنْذر الِاتِّف