Advertisement

تاريخ الفكر الصهيوني جذوره ومساره وأزمته


مقدمة
الباب الأول مقدمة لدراسة تاريخ الفكر الصهيوني
الفصل الأول إشكالية التعريف بالصهيونية
الفصل الثاني موجز تاريخ الصهيونية
الباب الثاني الجذور الغربية للفكر الصهيوني
الفصل الأول العلمانية الشاملة والاستعمار والدولة المطلقة
الفصل الثاني الصهيونية والرومانسية والنيتشوية
الفصل الثالث الصهيونية والفاشية والنازية
الفصل الرابع الفكر الاسترجاعي
الفصل الخامس صهيونية غير اليهود ذات الديباجات الدينية والعلمانية
الفصل السادس الصهيونية وحملات الفرنجة
الفصل السابع الصهيونية وبعض الجماعات شبه المسيحية
الباب الثالث التيارات الصهيونية المختلفة
الفصل الأول المؤتمرات الصهيونية
الفصل الثاني صهيونية أثرياء الغرب اليهود واليهود المندمجين: صهيونية توطينية بلا إمبريالية
الفصل الثالث الصهيونية التسللية: صهيونية استيطانية بلا إمبريالية
الفصل الرابع الصهيونية الإقليمية والدولة مزدوجة القومية: تضييق نطاق الصهيونية
الفصل الخامس تيودور هرتزل واكتشاف الإمبريالية
الفصل السادس العقد الصامت والوعود البلفورية
الفصل السابع الصهيونية الدبلوماسية (الاستعمارية)
الفصل الثامن الصهيونية الإحلالية: آلية الاستيطان الإحلالية
الفصل التاسعالصهيونية الإثنية الدينية: آلية التهويد والتبرير
الفصل العاشر الصهيونية الإثنية العلمانية
الفصل الحادي عشر محاولات التملص من الصهيونية
الفصل الثاني عشر التيارات الصهيونية والإجماع الصهيوني
الباب الرابع الصهيونية في الوقت الحاضر
الفصل الأول الصهيونية العضوية وصهيونية عصر ما بعد الحداثة
الفصل الثاني الصهيونية والجماعات اليهودية
الفصل الثالث الدولة الصهيونية ويهود العالم في الوقت الحاضر
الفصل الرابع أزمة الصهيونية
الفصل الخامس محاولة الخروج من الأزمة الصهيونية
ملحق تعريف بأهم المصطلحات





د. عبد الوهاب المسيري

تاريخ الفكر الصهيوني
جذوره ومساره وأزمته






الطبعة الأولى ????
رقم الإيداع ????/???? ISBN 978-977-09-2965-0

? شـارع سيبويـه المصـري
مدينة نصر ـ القاهرة ـ مصر
تليفون: ????????ww.shorouk.com


مقدمة
يعاني الخطاب التحليلي العربي من نقائص كثيرة، لعل من أهمها ـ في تصورنا ـ تسرب كثير من المفاهيم والمسلمات والمقولات التحليلية، الإنجيلية والعلمانية (انظر الملحق)، التي يتعامل العالم الغربي من خلالها مع الجماعات اليهودية في العالم، مثل «المنفى» و«الشتات» و«الشعب اليهودي» و«القومية اليهودية». وقد أدى ذلك ـ بدوره ـ إلى تسرب كثير من المفاهيم والمقولات التحليلية الصهيونية، لعل من أهمها مقولة التاريخ اليهودي.
ويستند التصور الصهيوني للتاريخ، إلى عنصرين أساسيين:
? ـ الحلولية اليهودية (انظر الملحق) التي تمزج بين الخالق والشعب اليهودي وتخلع على اليهود القداسة والمطلقية. وقد ترجمت هذه الحلولية نفسها إلى الرؤية الصهيونية للتاريخ. فتاريخ اليهود ـ حسب هذه الرؤية ـ هو تاريخ مقدس بالمعنى العلماني، والشعب اليهودي من ثم جماعة قومية ومقدسة.
وتنطوي هذه الرؤية للتاريخ على رفض عميق له تتبدى بشكل واضح في المصطلح الصهيوني. فعادةً ما يستخدم الصهاينة كلمة «تاريخ»، لا للإشارة إلى التاريخ الحي المتعين، وإنما إلى العهد القديم، أو إلى التراث الديني اليهودي (المكتوب منه أو الشفوي)، أو إلى التاريخ المقدس. ولذا، تصبح الحدود التاريخية هي الحدود المقدسة المنصوص عليها في العهد القديم «من نهر مصر إلى الفرات»، وهي حدود لم يشغلها العبرانيون في أية لحظة من تاريخهم، ولا حتى أيام داود أو سليمان. والحقوق التاريخية هي أيضًا الحقوق المقدَّسة التي وردت في العهد القديم، والتي تؤكد أنهم شعب مقدَّس مختار، له حقوق تستمد شرعيتها من العهد الإلهي الذي قطعه الإله على نفسه لإبراهيم، وهو عهد يعبّر عن الحلول الإلهي فيهم. وتصبح فلسطين من ثم أرضًا (مقدسة) بلا شعب (مقدس).
? ـ التجربة التاريخية ليهود شرق أوربا كجماعة وظيفية (انظر الملحق). فقد أوهم هذا الوضع المؤرخين الصهاينة بأن لليهود تاريخهم اليهودي المستقل عن التاريخ العام الذي يحيط بهم، وأنساهم أن استقلالية اليهود نفسها هي إحدى سمات المجتمع الإقطاعي في كل من روسيا وبولندا، وأن الجيتو اليهودي المستقل هو في نهاية الأمر نتاج البناء التاريخي الأساسي الروسي أو البولندي، إذ أن الذي يحكم ظهور وسقوط الجيتو أو الأشكال الإدارية اليهودية المستقلة الأخرى ليس الإرادة اليهودية المستقلة، وإنما حركة التاريخ الروسي أو البولندي ومجموعة من العناصر المركبة التي يشكل أعضاء الجماعة اليهودية جزءًا منها وحسب.
وقد تسللت هذه المفاهيم والرؤى والمصطلحات إلى مفاهيمنا ورؤانا ومصطلحاتنا، وكي نتخلص، ونخلّص خطابنا التحليلي، منها يصبح من المهم بمكان دراسة الشأن اليهودي والصهيوني دون أن نسقط ضحية لما يسمى «إمبريالية المقولات»، أي أن يتبنى المرء مقولات الآخر التحليلية، عادة دون وعي منه. لقد أصبح من الواجب دراسة اليهود واليهودية والصهيونية من وجهة نظرنا، وأن نخضع تحيزاتنا (ونماذجنا التحليلية في الوقت ذاته)، للاختبار المستمر لنرى مقدرتها التفسيرية بالمقارنة بالنماذج التحليلية الأخرى. وهذا ما سنحاول إنجازه في هذا التاريخ الجديد للصهيونية، بإذن الله.
وتنقسم هذه الدراسة إلى أربعة أبواب: يحمل الباب الأول منها عنوان «مقدمة لدراسة تاريخ الفكر الصهيوني»، ويتناول الفصل الأول منه المعنون «إشكالية التعريف بالصهيونية»، التعريفات المتداولة للصهيونية، التي نرفضها، ونتبع ذلك بتعريفنا الذي نذهب إلى أنه أكثر تفسيرية. أما الفصل الثاني «موجز تاريخ الصهيونية» فيتناول عرضًا سريعًا موجزًا لتاريخ الصهيونية. ثم يبدأ بعد ذلك التاريخ التفصيلي للصهيونية.
ويحمل الباب الثاني عنوان «الجذور الغربية للفكر الصهيوني»، وهو يسعى إلى تتبع ملامح الخلفية الفكرية والثقافية التي أنبتت الفكر الصهيوني، فيتناول الفصل الأول مفاهيم «العلمانية الشاملة والاستعمار والدولة المطلقة» من أجل تحديد السياق الاقتصادي والحضاري الغربي للظاهرة الصهيونية. ويتناول الفصل الثاني «الصهيونية الرومانسية والنيتشوية» أوجه التشابه بين هذه التيارات الفكرية. ويعرض الفصل الثالث للعلاقة بين «الصهيونية والفاشية والنازية» مبيّنًا التماثل البنيوي بين الصهيونية والنازية وأشكال التعاون بين الصهاينة والنازيين. ويتناول الفصل الرابع «الفكر الاسترجاعي» نماذج للأحلام والعقائد الألفية والاسترجاعية. وفي مسعى لتأكيد أن تبنى الفكرة الصهيونية ليس مقصورًا على اليهود، ويتناول الفصل الخامس «صهيونية غير اليهود ذات الديباجات الدينية والعلمانية» إسهام مفكرين وساسة من غير اليهود في تبلور الفكرة الصهيونية. ويلقي الفصل السادس «الصهيونية وحملات الفرنجة» الضوء على أوجه التشابه بين المشروع الاستعماري للفرنجة، فيما عُرف باسم «الحروب الصليبية»، والمشروع الصهيوني. أما الفصل السابع «الصهيونية وبعض الجماعات شبه المسيحية» فيبيّن الأثر الصهيوني في فكر جماعات مثل «المورمون» و«شهود يهوه».
ويحمل الباب الثالث عنوان «التيارات الصهيونية المختلفة»، وهو أكبر أبواب الكتاب حجمًا، إذ ينقسم إلى إثني عشر فصلاً يتناول كل منها السمات الأساسية لأبرز التيارات الصهيونية. ويبدأ الفصل الأول «المؤتمرات الصهيونية» بعرض لتاريخ هذه المؤتمرات وأهم القضايا التي تناولتها منذ المؤتمر الأول عام ???? وحتى المؤتمر الخامس والثلاثين عام ????. وتتناول الفصول التالية تيارات «الصهيونية التوطينية»، التي سعت إلى توطين بعض اليهود في فلسطين دون الاعتماد على قوة إمبريالية، و«الصهيونية التسللية»، التي سعى أنصارها إلى الاستيطان في فلسطين من خلال عمليات تسلل تعتمد بالأساس على الجهود الذاتية والأنشطة الخيرية، و«الصهيونية الإقليمية» التي كان ممثلوها يرون إمكان بناء «وطن قومي لليهود» في مكان آخر غير فلسطين، ومن ثم طُرح في هذا الإطار «مشروع شرق إفريقيا. وتستمر فصول الباب في عرض التيارات المختلفة وصولاً إلى «تيودور «هرتزل»، الذي يتمثل إسهامه الأساسي في إدراك استحالة تحقيق المشروع الصهيوني دون الاعتماد على قوة استعمارية عظمى ترعاه وترى فيه أداة يمكن توظيفها لخدمة مصالحها الاستعمارية. وتلقي فصول أخرى الضوء على تيارات مثل: «الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية»، و«الصهيونية الإحلالية»، و«الصهيونية الإثنية الدينية»، و«الصهيونية الإثنية العلمانية». ويتناول الفصل الأخير في هذا الباب بعض الاختلافات بين التيارات الصهيونية المختلفة، وخاصة فيما يتعلق بالموقف من الدولة الصهيونية.
أما الباب الرابع، وهو بعنوان «الصهيونية في الوقت الحاضر» فيتناول الواقع الحالي للحركة الصهيونية في عصر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد، وذلك للتعرف على طبيعة الأزمة البنيوية والوجودية التي تواجهها الصهيونية. وبالرغم من أن الفصل الرابع يحمل عنوان «أزمة الصهيونية»، فمن الضروري التنبيه إلى أن هذا الموضوع يحتاج دراسة أكثر تفصيلاً، وهو ما سنحاول تحقيقه، بإذن الله، في كتاب آخر بمزيد من التحليل موضوع «أزمة الصهيونية ونهاية إسرائيل».
ويختتم هذا الكتاب، كما جرت العادة في كتب أخرى، بملحق يضم تعريفًا لأهم المصطلحات المستخدمة في سياق الدراسة.
وبعد ـ فهذه دراسة مبدئية لتاريخ الصهيونية، نرجو أن يجد القارئ فيها خريطة أولية وجديدة بعض الشيء لتاريخ الصهيونية، وللإشكاليات التي اكتنفت محاولة وضع الفكر الصهيوني موضع التطبيق.
وأحب أن أتوجه بالشكر للدكتور محمد هشام (المدرس بكلية الآداب ـ جامعة حلوان) والدكتورة جيهان فاروق (المدرس بكلية البنات ـ جامعة عين شمس) لقراءة مخطوطة هذا الكتاب. والأستاذة رحاب محمد (بدار الشروق) التي قامت بإعدادها للنشر. ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر للأستاذ فضل عمران، الذي قام بإعداد المخطوطة على الكمبيوتر.
عبد الوهاب المسيري
دمنهور/ القاهرة
يونيو ????/????





الباب الأول
مقدمة لدراسة تاريخ الفكر الصهيوني


الفصل الأول
إشكالية التعريف بالصهيونية
«الصهيونية» ليست «القومية اليهودية» وليست «القومية الإسرائيلية» ـ كما يدعي الصهاينة ـ فهي أيديولوجيا سياسية غربية ذات توجه استعماري استيطاني إحلالي وديباجات يهودية. وكلمة «صهيونية» كلمة شائعة يستخدمها الجميع في الشرق والغرب، الأمر الذي خلق الوهم أن معناها واضح، وحقلها الدلالي محدد. ولكن النظرة الفاحصة تبين أن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. وفي هذا الفصل سنتناول إشكالية التعريف، وتعريفات الصهيونية المختلفة التي تم سكها في الشرق والغرب، ثم سنقوم بطرح تعريفنا (الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة) الذي نذهب إلى أنه أكثر تفسيرية من التعريفات الأخرى، وسنقوم بإذن الله بالتدليل على ذلك.
القومية اليهودية
«القومية اليهودية» عبارة مرادفة لمصطلح «الصهيونية» وهي تفترض أن اليهود يشكلون جماعة قومية أو شعبًا يهوديًا. فالنسق الديني اليهودي، من حيث هو تركيب جيولوجى (انظر الملحق)، يحوي داخله تيارًا قوميًا قويًا جدًا يرتبط ارتباطًا تامًا بالبنية الحلولية، إذ يرى اليهود أنفسهم كيانًا دينيًا متماسكًا يُسمَّى «بنو يسرائيل» يتمتع بعلاقة خاصة مع الإله الذي يحل فيهم ويمنحهم درجة عالية من القداسة ويتولى قيادتهم وتوجيه تاريخهم القومي المقدَّس الفريد الذي بدأ بخروجهم من مصر. وقد أرسل الإله التوراة إليهم باعتبارهم شعبه المختار. ولذا، فإن اليهودية، من هذا المنظور، قومية دينية، وهي بذلك لا تختلف كثيرًا عن الأديان الوثنية الحلولية حيث يقتصر الدين والإله على شعب واحد دون غيره من الشعوب.
وتتلخص مهمة هذا الشعب اليهودي المقدَّس في أنه يقف شاهدًا على التاريخ وعلى وجود الإله أمام الشعوب الأخرى.
اليهودية، إذن، من هذا المنظور، هي دين قومي عرْقي، أو قومية دينية مقدَّسة تمزج الوجود التاريخي المتعيِّن والتصور الديني المثالى. ولذلك، فهي ديانة حلولية تعرف ثنوية الأنا والآخر ولكنها لا تعرف الثنائية الفضفاضة الناجمة عن الإيمان بإله واحد منزَّه مفارق لمخلوقاته. ولذا فاليهودية لا تفرِّق بين الإله والتاريخ أو بين الأرض والسماء. ولذلك، فإننا نجد أن الملكوت السماوي وآخر الأيام يكتسبان في اليهودية الحلولية طابعًا قوميًا، فهما مرتبطان بمجيء الماشيَّح الذي يأتي ليعود بشعبه إلى أرض الميعاد. وقد عرَّفت الشريعة اليهودية اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية أو من تهوَّد، وقد اعتمدت بذلك تعريفًا قوميًا دينيًا للهوية.
هذا من ناحية الرؤية. أما من ناحية الواقع التاريخي المتعيِّن، فنحن نرى أنه لا تُوجَد قومية يهودية أو شعب يهودي وإنما جماعات يهودية منتشرة في العالم تحكَّمت في صياغتها حركتان أساسيتان متكاملتان:
? ـ فالجماعات اليهودية لم تكن قط تشكل كتلة بشرية متماسكة تتبع مركزًا ثقافيًا أو دينيًا واحدًا يحدد معايير مثالية أو واقعية يصوغ أعضاء هذه الجماعات رؤيتهم لأنفسهم وأسلوب حياتهم تبعًا لها، بل لم يكن لديهم ميراث ثقافي أو ديني واحد. فالجماعات اليهودية كانت منتشرة في كثير من بقاع الأرض داخل معظم التشكيلات الحضارية المعروفة وداخل البنَى التاريخية والقومية المختلفة، تتفاعل معها وتساهم فيها وترقى برقيها وتتخلف بتخلفها. فاليهودي في الأندلس كان عربيًا، واليهودي في روسيا كان روسيًا، وفي اليمن كان يمنيًا، وهو أمريكي في الولايات المتحدة. وقد أدَّى هذا إلى تحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى تركيب جيولوجي غير متجانس، ولا يختلف ذلك عن العقيدة اليهودية بخاصيتها الجيولوجية.
? ـ وقد كان معظم الجماعات اليهودية يشكل جماعات وظيفية، وهي جماعات تحافظ على عزلتها وانفصالها، ويساعدها المجتمع على ذلك حتى يتيسر لها أن تلعب دورها الوظيفي. فهي، إذن، ذات سمات إثنية خاصة تميِّز كل واحدة منها عن أعضاء الأغلبية في المجتمعات التي يعيش اليهود بين ظهرانيها.ولكن هذه السمات الإثنية لم تكن قط سمات قومية عامة تسم كل اليهود أينما كانوا. فرغم أن كل جماعة يهودية كانت منفصلة عن محيطها، فإنها كانت تحدِّد هويتها من خلاله، كما أن انفصالها عن محيطها لا يعني بالضرورة اتصالها بأعضاء الجماعات اليهودية الأخرى. فاليديشية الجرمانية كانت تَعزل أعضاء الجماعة اليهودية عن محيطهم الثقافي السلافي في بولندا. ولكنها، مع هذا، لم تَكُن لها أية علاقة باللادينو (اللاتينية) التي كانت تَعزل يهود السفارد عن محيطهم العربي الإسلامي في الدولة العثمانية. أما العبرية (وهي اللغة الوحيدة المشتركة)، فقد ظلت من ناحية الأساس لغة الصلاة واللغة التي كُتبت بها النصوص الدينية وحسب، أي أن العنصر المشترك لم يتعد في جوهره الصلوات والعبادات وبعض المؤلفات. وظلت العلاقة بين أعضاء الجماعات اليهودية علاقة دينية أو وظيفية باعتبارهم أعضاء في الجماعة الدينية نفسها أو أعضاء في جماعات تضطلع بالوظيفة نفسها في كثير من المجتمعات. وعلى كلٍّ، لم تكن الرابطة الدينية بمعزل عن الوظيفة الاقتصادية أو الاجتماعية تمامًا إذ أن الجماعة الوظيفية تضرب حول نفسها العزلة ويساعدها في ذلك المجتمع المضيف. وتُعَدُّ العقائد الحلولية من أهم آليات العزلة.
لكن المجتمع الغربي استغنى عن الجماعات الوظيفية، وأخذ في تصفيتها بعدة طرق منها مساعدة أعضاء هذه الجماعات (ومن هؤلاء اليهود) على التخلص من خصوصيتهم الإثنية، وفي دمجهم في المجتمع أو تشجيعهم على الاندماج. واستجابًة لذلك، ظهرت حركة التنوير وحركة اليهودية الإصلاحية اللتان قامتا بتعريف ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» تعريفًا دينيًا.
وقد عارضت الصهيونية هاتين الحركتين، وراحت تعمل على تحويل كلٍّ من الإحساس بالانتماء الديني إلى جماعة دينية واحدة والارتباط العاطفي بأرض الميعاد إلى شعور قومي وبرنامج سياسي. كما قامت الصهيونية بعلمنة المفاهيم الدينية.
وقد أُسِّست الدولة الصهيونية تحقيقًا لفكرة القومية اليهودية. ولكن من الواضح أن القومية اليهودية هي رؤية غير واقعية وبرنامج إصلاحي ليس له ما يسنده في الواقع التاريخي، فقد كان اليهود في القرن التاسع عشر، عند ظهور الصهيونية، خليطًا هائلاً غير متجانس: بينهم يهود «اليديشية» من الإشكناز، ويهود العالم العربي، ويهود العالم الإسلامي من السفارد، واليهود المستعربة. كما كان هناك القرّاءون والحاخاميون الذين انقسموا بدورهم إلى أرثوذكس ومحافظين وإصلاحيين، هذا غير عشرات الانقسامات الدينية والإثنية والعرْقية الأخرى.وقد أطلق الصهاينة على كل هؤلاء اسم «الشعب الواحد» أو «أين فولك» حسب تعبير «هرتزل». لقد طرحوا شعارهم، ونجحوا في تهجير نسبة مئوية محدودة وحسب إلى إسرائيل. بل إن الهجرة في كثير من الأحيان، لم تكن تتم لأسباب قومية وإنما لأسباب نفعية محضة. ويواجه الصهاينة أزمة في المصادر البشرية نتيجة لأن سلوك أعضاء الجماعات اليهودية في العالم لا يَصدُر عن إيمانهم بمقولة «القومية اليهودية». ومن هنا، فإن الهجرة اليهودية ما زالت متجهة إلى الولايات المتحدة من ناحية الأساس. وهكذا، فإننا نجد أن أغلبية أتباع القومية اليهودية لا يزالون في المنفى يرفضون العودة إلى وطنهم القومي.
ويتضح زيف مقولة «القومية اليهودية» في فشل الدولة اليهودية في تعريف اليهودي، أي في تعريف ما يُسمَّى «الهوية اليهودية». وحينما يهاجر أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة إلى أمريكا اللاتينية، فإنهم يكتشفون عدم تجانسهم، إذ أن اليهودي الألماني يكتشف أن الصفات الإثنية المشتركة بينه وبين المهاجر الألماني غير اليهودي أكثر من السمات المشتركة بينه وبين أعضاء الجماعات اليهودية الآخرين. وقد ظهرت هذه القضية في أمريكا اللاتينية أكثر من أية منطقة أخرى في العالم. وفي الولايات المتحدة، وفي دول الهجرة الأخرى مثل كندا وأستراليا، تُطرَح على المهاجرين هوية قومية جديدة، عليهم تَبنِّيها. وقد فعل المهاجرون اليهود ذلك بكفاءة شديدة، واحتفظوا بشيء من يهوديتهم، ولكن هذه الملامح اتضح أنها مجرد ملامح يهودية داخل شخصية أمريكية واضحة. أما في أمريكا اللاتينية، فلا توجد هوية قومية جديدة، وإن وُجدَت فهي كاثوليكية أي استمرار للموروث الأوربي للقارة. وقد امتثل المهاجرون اليهود لهذا النمط، فأكدت كل جماعة يهودية مهاجرة ميراثها الإثني السابق، الأمر الذي أدَّى إلى تبعثر اليهود تمامًا وانقسامهم إلى عشرات الجماعات وإلى ظهور انعدام تجانسهم بحدة. ويوجد في المكسيك، على سبيل المثال، عشرات الجماعات اليهودية من بينها جماعتان سوريتان، أي من أصل سورى، إحداهما دمشقية والأخرى حلبية! لكلٍّ منهما مؤسساتها، وفي الآونة الأخيرة، بدأت الحواجز تَسقُط، ولكن هذا يتم داخل إطار أمريكي لاتيني لا داخل إطار يهودي.
وتحاول الدولة الصهيونية بذل محاولات جاهدة لدمج المهاجرين الوافدين إليها. ولكن، مع هذا، يتضح عدم تجانسهم في انقسامهم الحاد. وحتى لو قُدِّر النجاح لمحاولة إسرائيل مَزْج أعضاء الجماعات اليهودية، فإن ثمرة هذه المحاولة لن تكون «الشعب اليهودي» وتحقيق «القومية اليهودية» وإنما ستكون كيانًا جديدًا يمكن تسميته «الشعب الإسرائيلي» و«القومية الإسرائيلية».
ويرفض كثير من المفكرين اليهود، وكذلك التنظيمات اليهودية، فكرة القومية اليهودية، إما من منظور ديني أو من منظور ليبرالي أو اشتراكي، فيرون أن اليهود ليسوا شعبًا وإنما أقلية دينية، كما يرون أنهم ينتمون إلى الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. ويرفض دعاة قومية الجماعات (الدياسبورا) فكرة القومية اليهودية العالمية المجردة والمرتبطة بفلسطين، ويرون أنه إذا كان ثمة انتماء قومي يهودي فهو عبارة عن انتماءات قومية مختلفة متنوعة مرتبطة بمجتمعات سواء أكانت هذه المجتمعات في شرق أوربا أم كانت في الولايات المتحدة. ومن ثم، يمكننا أن نتحدث عن «الجماعة اليهودية القومية في شرق أوروبا» التي لا تختلف عن الأقليات القومية الأخرى، ولكن لا يمكننا أن نتحدث عن «الشعب اليهودي» بشكل عام. وثمة تيار فكري داخل إسرائيل يُسمَّى «الحركة الكنعانية» (نسبة إلى أرض كنعان) يرفض فكرة القومية اليهودية ويطرح بدلاً منها فكرة «القومية الإسرائيلية»، باعتبار أن «القومية اليهودية» أمر رومانسي رخو أما «القومية الإسرائيلية» فهي أمر واقعي صلب. والحديث عن «القومية الإسرائيلية» هو انسلاخ عن المنظومة الصهيونية التقليدية العالمية وطرح لمفهوم جديد تماما، له مشاكله ويطرح تساؤلاته الخاصة به.
وفي بطاقة تحقيق الشخصية عند الإسرائيليين، توجد ثلاثة بنود: المواطنة، والدين، والقومية. فجميع المواطنين «إسرائيليون» ومن ذلك العرب، أما الدين، فيختلف فيه مواطن عن آخر، فهو الإسلام بالنسبة إلى المسلمين، والمسيحية بالنسبة إلى المسيحيين، واليهودية بالنسبة إلى اليهود. أما القومية، فهي عربية عند العرب، وبالنسبة إلى الإسرائيليين اليهود فلا بد أن تكون القومية هي «اليهودية»، إذ لا بد أن يتفق بندا الدين والقومية (في حالة اليهود) حسب الرؤية الصهيونية. وقد أثار هذا قضية «من هو اليهودي؟» (كما نبين في كتابنا بهذا العنوان).
الصهيونية: تاريخ المفهوم والمصطلح
كلمة «صهيونية» يصعب تعريفها بشكل مباشر للأسباب التالية:
? ـ التعريفات الشائعة في المعاجم الغربية تشير إلى «الأمل الصهيوني» وليس إلى الظاهرة الصهيونية، فتُعرَّف الصهيونية، على سبيل المثال بأنها «الحركة الرامية إلى عودة اليهود إلى وطن أجدادهم «إرتس يسرائيل» حسبما جاء في الوعد الإلهي والآمال المشيخانية لليهود!» وغنى عن القول أن الأمل الصهيوني أو المتتالية المفترضة أو المتوقعة تختلف كثيرًا عن الواقع الصهيوني أو المتتالية المتحققة.
? ـ تختلط التعريفات بالاعتذاريات والمنظورات المختلفة بحيث لا تمكن التفرقة بين الواحد والآخر، فالصهيونية قد تكون من منظور البعض هي تحقيق الآمال المشيخانية، ولكنها من منظور البعض الآخر مخطط استعماري استيطاني.
? ـ يشير المصطلح إلى نزعات وحركات ومنظمات سياسية غير متجانسة، بل متناقضة أحيانًا، في أهدافها ومصالحها ورؤيتها للتاريخ، أو في أصولها الإثنية أو الدينية أو الطبقية.
? ـ قد يُستخدم المصطلح مع صفة تحدُّ من حقله الدلالي أو تُوسِّعه كأن نقول «الصهيونية العمالية» و«الصهيونية المسيحية». بل هناك أيضًا «صهاينة صهيون» وهم معارضو مشروع شرق أفريقيا باعتبار أن دعاة هذا المشروع هم صهاينة بدون صهيون (كما أشار بعض دعاة الصهيونية الإثنية العلمانية إلى صهيونية «هرتزل» باعتبارها «صهيون بلا صهيونية»).
وإذا كانت الصهيونية تعني «تهجير بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى فلسطين وتوطينهم فيها»، فبأي معنى إذن يمكننا الحديث عن «صهيونية الدياسبورا» أو «الشتات» (الجماعات اليهودية في العالم)، أي صهيونية اليهودي الذي يرفض أن يشترك في عملية الاستيطان الصهيوني وإن كان في الوقت نفسه يرى أن هذا الاستيطان هو الحل الوحيد لمشاكل اليهود؟ ولعل هذا هو الذي حدا بالمفكر الصهيوني العمالي «بوروخوف» إلى أن ينحت مصطلحًا في غاية الأهمية اختفى من الأدبيات والتواريخ الصهيونية وهو «صهيونية الصالونات»، ويعني صهيونية الطبقة الوسطى التي تهتم بالجوانب الحضارية والثقافية والإثنية (أي ما يُسمَّى «الوعي اليهودي») ولا تهتم كثيرًا بالاستيطان. كما نحت مفكر صهيوني آخر (بعد تأسيس الدولة الصهيونية) مصطلح «صهيونية دفتر الشيكات» وهي صهيونية اليهودي الذي يُحدث أصوتًا صهيونية عالية ولكنه يكتفي بدفع مبلغ من المال للمنظمة الصهيونية. ولذا، فإن الصفة هنا في الواقع لا تُعدِّل دلالة المصطلح وحسب، وإنما تغير معناه تغييرًا جوهريًا.
? ـ وهنا يجب أن نثير قضية تتصل بالمجال الدلالي. فإن قَبلنا بأن الصهيوني «هو من يدعو إلى تهجير اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها»، فهل يمكن أن نُطلق المصطلح على دعوة المعادين لليهود بطرد اليهود من أوطانهم وتوطينهم في فلسطين؟ بل هل يمكن أن نُطلق المصطلح على المشاريع النازية المختلفة للتخلص من اليهود؟ وهل يمكن الحديث عن النازيين كصهاينة؟ وعلى كل حال، فإن هذا ما فعله «أدولف أيخمان» أثناء محاكمته. فقد أشار إلى نفسه باعتباره صهيونيًا يحاول أن يضع شيئًا من الأرض الراسخة تحت أقدام اليهود (باعتبار أن اليهود شعبٌ بلا أرض، أما الأرض الراسخة فهي فلسطين، أرض بلا شعب).
ولم يُسك مصطلح «الصهيونية» إلا في القرن التاسع عشر، ولكنه مع هذا يستخدَم للإشارة إلى بعض النزعات في التاريخ الغربي، بل داخل النسق الديني اليهودي قبل هذا التاريخ. وسنحاول فيما يلي أن نرصد بعض استخدامات المصطلح ونوردها ـ على قدر المستطاع ـ في تسلسلها التاريخي، مع العلم بأن كل دلالة جديدة لا تنسخ بالضرورة ما سبقها، وإنما تُضاف إليها فتزيد المجال الدلالي اتساعًا وتناقضًا وتجعل المصطلح تركيبًا جيولوجيًا تراكميًا:
?ـ الصهيونية بالمعنى الديني: تشير كلمة «صهيون» في التراث الديني اليهودي إلى جبل صهيون والقدس، بل إلى الأرض المقدَّسة ككل، ويُشير اليهود إلى أنفسهم باعتبارهم «نبت صهيون». كما تُستخدَم الكلمة للإشارة إلى اليهود كجماعة دينية. والواقع أن العودة إلى «صهيون» فكرة محورية في النسق الديني اليهودي، إذ أن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بأن الماشيّح المخلِّص سيأتى في آخر الأيام ليقود شعبه إلى «صهيون» (الأرض ـ العاصمة) ويحكم العالم فيسود العدل والرخاء. ولكلمة «صهيون» إيحاءات شعرية دينية في الوجدان الديني اليهودي، فقد جاء في المزمور رقم ???/? على لسان جماعة «يسرائيل» بعد تهجيرهم إلى بابل: «جلسنا على ضفاف أنهار بابل وذرفنا الدمع حينما تذكرنا صهيون». وقد وردت إشارات شتى في الكتاب المقدَّس إلى هذا الارتباط بصهيون الذي يُطلَق عليه عادةً «حب صهيون»، وهو حب يعبِّر عن نفسه من خلال الصلاة والتجارب والطقوس الدينية المختلفة، وفي أحيان نادرة على شكل الذهاب إلى فلسطين للعيش فيها بغرض التعبد. ولذا، كان المهاجرون اليهود الذين يستقرون هناك لا يعملون ويعيشون على الصدقات التي يرسلها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وقد كان العيش في فلسطين يُعَد عملاً من أعمال التقوى لا عملاً من أعمال الدنيا، وجزاؤه يكون في الآخرة أو في آخر الأيام، ولذا فإنه لا تربطه رابطة كبيرة بالاستيطان الصهيوني، وخصوصًا أن اليهودية الحاخامية (الأرثوذكسية) تُحرِّم محاولة العودة الجماعية الفعلية إلى فلسطين وتعتبرها تجديفًا وهرطقة ومن قبيل «دحيكات هاكتس» أي «التعجيل بالنهاية». فاليهودية تؤمن بأن العودة إلى أرض الميعاد ستتم في الوقت الذي يحدده الرب وبطريقته، وأنها ليست فعلاً بشريًا يتم على يد البشر. وهذه النزعة الصهيونية الدينية (التي تؤكد عنصر تجاوز المادة) لا علاقة لها بالاستيطان الصهيوني الفعلي والمادي في فلسطين ولا حتى بما يُسمَّى «الصهيونية الدينية» في الوقت الحالي.
? ـ يُطلَق اصطلاح «الصهيونية» أيضًا على نظرة محددة لليهود ظهرت في أوروبا (وخصوصًا في الأوساط البروتستانتية في إنجلترا ابتداءً من أواخر القرن السادس عشر) وترى أن اليهود ليسوا جزءًا عضويًا من التشكيل الحضاري الغربي وليسوا أقلية دينية أو إثنية، لهم ما لبقية المواطنين وعليهم ما عليهم، وإنما تنظر إليهم باعتبارهم شعبًا عضويًا مختارًا وطنه المقدَّس في فلسطين ولذا يجب أن يُهجَّر (ترانسفير) (والترانسفير في تصورنا هو أحد السمات الأساسية للحضارة الغربية. انظر الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ، ص ??? حتى ص ???). وقد استمر هذا التيار المنادى بتوطين اليهود في فلسطين حتى بعد أن خمد الحماس الديني الذي صاحب حركة الإصلاح الديني. ويُطلَق على هذه النزعة اسم «الصهيونية المسيحية»، وهي تمارس في الولايات المتحدة الآن بعثًا جديدًا وخصوصًا في بعض الأوساط البروتستانتية (الأصولية) المتطرفة. وكل هذا أدى إلى حوسلة اليهود (أي تحويلهم إلى وسيلة).
? ـ مع تَزايُد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ظهرت نزعات ومفاهيم صهيونية في أوساط الفلاسفة (ولا سيما الرومانسيين) والمفكرين السياسيين والأدباء، تنادي بإعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أنهم شعب عضوي منبوذ تربطه علاقة عضوية بها استنادًا لأسباب تاريخية وسياسية بل «علمية». ويُطلَق على هذا الضرب من الصهيونية «صهيونية غير اليهود» أو «صهيونية الأغيار».
? ـ يُلاحَظ حتى الآن أن مصطلح «صهيونية» نفسه لم يكن قد تم سكه بعد، ومع هذا كان مفهوم الصهيونية مفهومًا مُتداوَلاً على نطاق واسع بين الفلاسفة والمفكرين والشعراء والمهووسين الدينيين. ولكن مع تبلور الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق، وبخاصة الشرق الإسلامي، ومع تبلور الفكر المعادي لليهود في الغرب (بسبب ظهور الدولة العلمانية المركزية التي همَّشت اليهود كجماعة وظيفية)، ومع تصاعد معدلات العلمنة بدأ مفهوم الصهيونية نفسه في التبلور والتخلص من كثير من أبعاده الغيبية الدينية أو الرومانسية وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول.
? ـ مع تبلور المشروع الاستعماري في الغرب (بعد منتصف القرن التاسع عشر) ضد العالم العربي والإسلامي، تبلورت المفاهيم الصهيونية على يد كثير من المفكرين الصهاينة غير اليهود مثل لورد «شافتسبري» و«لورانس أوليفانت».
? ـ يُلاحَظ أننا نضع تاريخ تطوُّر مفهوم الصهيونية في سياق التاريخ الفكري والسياسي والعسكري الغربي، ولا نعود إلى العهد القديم أو ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» (إلا في محاولة دراسة الديباجات). فحتى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر لم يكن يربط اليهود أو اليهودية علاقة كبيرة بالصهيونية كفكرة أو مفهوم أو مشروع سياسي واقتصادي عسكري. وقد كان هذا هو الرأي السائد في الأوساط الصهيونية حتى عهد قريب. فأول تاريخ رسمي للصهيونية كُتب بتكليف من المنظمة الصهيونية وكتبه «ناحوم سوكولوف» (الذي تولى رئاسة المنظمة الصهيونية بعض الوقت) مكوَّن من جزأين كُرِّس معظمهما لتاريخ الصهيونية بين غير اليهود.

? ـ بدأت النزعات الصهيونية تظهر بين اليهود أنفسهم في أواخر القرن التاسع عشر مع تفاقم المسألة اليهودية، وعبَّرت عن نفسها في بادئ الأمر عن طريق المساعدات التي كان أثرياء اليهود في الغرب يدفعونها للجمعيات التوطينية المختلفة التي كانت تهدف إلى توطين يهود شرق أوروبا في أي بلد (ويشمل ذلك فلسطين) حتى لا يهاجروا إلى غربها فيعرِّضوا مكانتهم الاجتماعية وأوضاعهم الطبقية للخطر.
? ـ عبَّرت النزعة الصهيونية في شرق أوروبا عن نفسها من خلال جماعات «أحباء صهيون» التي حاولت التسلل إلى فلسطين للاستيطان فيها. وتُوصَف هذه النزعات أيضًا بأنها «صهيونية» رغم اختلاف الدوافع بين الفريقين الأول (الديني) والثاني (التسللي).
وقد نحت المصطلح نفسه المفكر اليهودي النمساوي «نيثان بيرنباوم» في أبريل ???? في مجلة الانعتاق الذاتي وشرح معناه في خطاب بتاريخ ? نوفمبر ???? قال فيه إن الصهيونية هي إقامة منظمة تضم الحزب القومي السياسي بالإضافة إلى الحزب ذي التوجه العملي (أحباء صهيون) الموجود حاليًا. وفي مجال آخر (في المؤتمر الصهيوني الأول [????]) صرَّح «بيرنباوم» بأن الصهيونية ترى أن القومية والعرْق والشعب شيء واحد، وهكذا أعاد «بيرنباوم» تعريف دلالة مصطلح «الشعب اليهودي» الذي كان يشير فيما مضى إلى جماعة دينية إثنية، فأصبح يشير إلى جماعة عرْقية (بالمعنى السائد في ذلك الوقت)، وتم استبعاد الجانب الديني منه تمامًا. وأصبحت الصهيونية الدعوة القومية اليهودية التي جعلت السمات العرْقية اليهودية (ثم السمات الإثنية في مرحلة لاحقة) قيمة نهائية مطلقة بدلاً من الدين اليهودي، وخلَّصت اليهودية من المعتقدات المشيخانية والعناصر العجائبية الأخروية، وهي الحركة التي تحاول أن تصل إلى أهدافها من خلال العمل السياسي المنظم لا من خلال الصدقات. ورغم أن «بيرنباوم» كان يهدف إلى الدعوة إلى ضرب جديد من التنظيم السياسي مقابل جهود أحباء صهيون التسللية، فإن المصطلح استُخدم للإشارة إلى الفريقين معًا.
وبعد المؤتمر الصهيوني الأول (????) في «بازل»، تحدَّد المصطلح وأصبح يشير إلى الدعوة التي تبشر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها، وأصبح الصهيوني هو من يؤمن ببرنامج «بازل» (في مقابل المرحلة السابقة على ذلك، أي مرحلة أحباء صهيون بجهودها التسللية المتفرقة).
? ـ بعد ذلك، بدأت دلالات الكلمة تتفرع وتتشعب، فهناك «صهيونية سياسية» (يُشار إليها أحيانًا بعبارة «الصهيونية الدبلوماسية»)، وأخرى «عملية»، وتبعتها «الصهيونية التوفيقية». وكل صهيونية لها توجُّهها وأسلوبها الخاص وإن كانت جميعًا لا تختلف في الهدف النهائي، وتذهب «الصهيونية التوفيقية» إلى أن كل الاتجاهات الصهيونية غير متناقضة بكل يكمل الواحد منها الآخر، ومن ثم يَسهُل التوفيق بينها.
? ـ تَبلور المفهوم الغربي للصهيونية تمامًا في وعد «بلفور» الذي مُنح «للشعب اليهودي» (أسقطت عبارة «العرْق اليهودي») والذى أشار للعرب باعتبارهم الجماعات غير اليهودية، أي أن اليهود أصبحوا شعبًا بلا أرض وفلسطين أصبحت أرضًا بلا شعب. وكان «هرتزل» قد أسس المنظمة الصهيونية التي سماها «العالمية» لتتلقى هذا الوعد ولتحويل «اليهود»، في العالم الغربي أو أعضاء الجماعات اليهودية فيه، إلى مادة استيطانية نافعة للحضارة الغربية داخل إطار الدولة اليهودية الوظيفية.
? ـ يُشبِّه «يوري أفنيري» الصهيونية بالبيوريتانية (بالإنجليزية: بيوريتانيزم Puritanism) في أمريكا، فهي أيديولوجيا الأصول التي أدَّت إلى ظهور المجتمع الأمريكي، ولكنها ماتت ولم تَعُد لها فعالية في هذا المجتمع. ويرى الكاتب الإسرائيلي «بوعز إفرون» أن على الإسرائيلي في علاقته بالصهيونية أن يكون مثل الأمريكي في علاقته بالبيوريتانية. وبذا، تصبح الدوافع الأيديولوجية أو الاقتصادية التي دفعت الرواد الأوائل (الصهاينة أو البيوريتان) إلى الاستيطان (في فلسطين أو الولايات المتحدة) موضوعًا ذا أهمية تاريخية أو أكاديمية محضة، وليس موضوعًا أساسيًا.
ويتحدث الكاتب الإسرائيلي «أبراهام يهوشاوا» عن الصهيونية بوصفها حركة إنقاذ عملية ظهرت حلاً للمأزق اليهودي منذ قرن (أي المسألة اليهودية في شرق أوروبا)، وهو يعتقد أن العملية قد وصلت إلى نهايتها، أي أن الصهيونية كانت ولم تَعُد.
? ـ وفي الوقت الحاضر، فإن كلمة «صهيونية» تعني في العالم العربي «الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين الذي تَرسَّخ بدعم من الغرب». وتحمل الكلمة إيحاءات دينية لدى كثير من العرب المسلمين أو المسيحيين الذين يرون أن الصراع العربي/ الإسرائيلي صراع ديني.
? ـ لا تحمل الكلمة أي معنى ديني في بلاد العالم الثالث، ولا تشارك شعوب العالم الثالث في الديباجات الصهيونية المختلفة عن «حق» اليهود بسبب اضطهادهم أو أوروبا أو عن الرابطة الأزلية بأرض الميعاد. وتحمل الكلمة تقريبًا الدلالات نفسها التي تحملها في العالم العربي.
? ـ وحتى نُبيِّن مدى خلل المجال الدلالي، يمكن أن نشير إلى أن الصهيونية حركة عنصرية حسب أحد قرارات هيئة الأمم، ولكنها ليست كذلك حسب قرارات أخرى.
تعريف الصهيونية: (الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة)
تتسم التعريفات الشائعة في المعاجم الغربية للصهيونية بضعف مقدرتها التفسيرية. فإن كانت الصهيونية هي حركة القومية اليهودية وعودة اليهود لأرض الأجداد (كما تقول بعض المعاجم)، فكيف نُفسِّر أن أغلبية هذا الشعب اليهودي الساحقة لا تزال تعيش في «المنفى» متمسكة به، تدافع عن حقوقها فيه؟ وكيف نُفسِّر امتلاء مخيمات اللاجئين بملايين الفلسطينيين؟ كيف نُفسِّر ما يقومون به من مقاومة؟ ولذا لابد من طرح تعريفات جديدة أكثر تركيبية وشمولاً وتفسيرية تتجاوز كل الاعتذاريات والديباجات (الصهيونية والعربية) لنصل إلى بعض الثوابت الكامنة. وسنحاول إنجاز هذا من خلال عملية تفكيك لما هو ظاهر واكتشاف لما هو كامن وبلورته ثم نعيد التركيب ونطرح تعريفًا جديدًا، له مقدرة تفسيرية أعلى.
ونحن نذهب إلى أن ثمة صيغة صهيونية أساسية شاملة تُشكل التعريف الحقيقي للصهيونية، وثمة عقد صامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، كامن في هذه الصيغة، وثمة مادة بشرية مُستهدَفة (أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين والعرب الذين يعيشون فيها).
و«الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» مصطلح قمنا بسكه للإشارة إلى الثوابت والمسلمات النهائية الكامنة في الاتجاهات الصهيونية كافة مهما اختلفت دوافعها وميولها ومقاصدها وطموحاتها وديباجاتها واعتذارياتها. ولا يمكن وصف أي قول أو اتجاه بأنه صهيوني إن لم يتضمن هذه المسلمات، فهي بمنزلة البنية العامة الكامنة وهي التي تُشكِّل الأساس الكامن للإجماع الصهيوني.
ويمكن تلخيصها فيما يلي:
( أ ) اليهود شعب عضوي منبوذ غير نافع (أي جماعة وظيفية بلا وظيفة)، يجب نقله خارج أوربا ليتحوَّل إلى شعب عضوي نافع.
(ب) يُنقل هذا الشعب إلى أي بقعة خارج أوربا [استقر الرأي، في نهاية الأمر، على فلسطين بسبب أهميتها الاستراتيجية للحضارة الغربية وبسبب مقدرتها التعبوية بالنسبة للمادة البشرية المستهدفة] ليُوطَّن فيها وليحل محل سكانها الأصليين، الذين لابد أن تتم إبادتهم أو طَرْدهم على الأقل [كما هو الحال مع التجارب الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية المماثلة].
(جـ) يتم توظيف هذا الشعب لصالح العالم الغربي الذي سيقوم بدعمه وضمان بقائه واستمراره، داخل إطار الدولة الوظيفية في فلسطين.
وهذه الصيغة الشاملة لم يُفصح عنها أحد بشكل مباشر، إلا بعض المتطرفين في بعض لحظات الصدق النماذجية النادرة. ولكن عدم الإفصاح عنها لا يعني غيابها، فهي تشكل هيكل المشروع الصهيوني والبنية الفكرية التي أدرك الصهاينة الواقع من خلالها.
ويُلاَحظ أن كثيرًا من الأسس التي تستند إليها الصيغة الشاملة قد اختفى بفعل التطورات التاريخية. فيهود العالم الغربي قد تناقص عددهم واندمجوا بشكل شبه تام في مجتمعاتهم، ولم يَعُد هناك مجال للحديث عن «عدم نفعهم». كما أن عملية نَقْل اليهود ونفي العرب اكتملت معالمها إلى حدٍّ كبير، وخصوصًا أن «الترانسفير» بعد تأسيس الدولة أصبحت عملية هجرة تتم في ظلال قانون العودة. أما بالنسبة للسكان الأصليين فقد تم نفي غالبيتهم عام ????، ولكن بعد عام ???? أصبح من الصعب التخلص منهم. وما تبقَّى من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هو دولة وظيفية يدعمها الغرب ويضمن بقاءها وتقوم هي على خدمته وعلى تجنيد يهود العالم وراءها لخدمتها وخدمة العالم الغربي، وهذا ما يُشكِّل أساس الإجماع الصهيوني.
وهذه الصيغة لم تظهر كاملة بين يوم وليلة، وإنما ظهرت بالتدريج، وكان يُضاف لكل مرحلة عنصر جديد إلي أن اكتملت مع صدور وعد «بلفور» وتحَّولت إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. والواضح أن الصيغة الصهيونية الأساسية تضرب بجذورها في الحضارة الغربية. وفيما يلي تاريخ موجز لمراحل تشكُّلها واكتمالها:
? ـ تضرب الصيغة بجذورها في موقف الحضارة الغربية من الجماعات اليهودية وفي وضعهم داخلها، وهو موقف صهيوني ومعاد لليهود في آن واحد؛ أو صهيوني لأنه معاد لليهود. فاليهود شعب مختار عضوي متماسك (شعب شاهد ـ جماعة وظيفية)، ووجوده في مجتمع ما ليس له أهمية في حد ذاته وإنما بمقدار ما يخدم الوظيفة الموكلة إليه. وحين يفقد الشعب وظيفته، لابد من التخلص منه عن طريق نَقْله (أو ربما إبادته). ومن هنا، فإن نقطة الانطلاق (الشعب العضوي المنبوذ) هي الرقعة المشتركة بين معاداة اليهود والصهيونية، وهي صيغة خروجية تصفوية إذ تطالب بإخراج اليهود من أوربا وتصفيتهم، فالعنصر الأول بشقيه هو جوهر عداء اليهود وهو أيضًا المقدمة الأساسية للصهيونية.
? ـ وأضيف لهذه الصيغة العنصر الثاني (الكامن تاريخيًا وبنيويًا في العنصر الأول) وهو اكتشاف نفع اليهود، ومن ثم إمكانية توظيفهم خارج أوربا (وإصلاحهم). وقد اكتُشف هذا الجزء أو تم تأكيده ابتداءً من القرن السابع عشر، عصر ظهور الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية. ويُلاحَظ أن ما يميِّز الصهيونية عن معاداة اليهود هو هذا الجزء. فكلاهما يرى اليهود عنصرًا غير نافع يوجد داخل الحضارة الغربية ولكنه لا ينتمي إليها ولا حل للمشكلة إلا بإخراج اليهود. وبينما يلجأ أعداء اليهود إلى إخراج اليهود بشكل عشوائي عن طريق طردهم أو إبادتهم دون تخطيط أو ترشيد، فإن الصهاينة يرشِّدون العملية كلها ويرون إمكانية إخراج اليهود بشكل منهجي وتحويلهم إلى عنصر نافع. كما يُلاحَظ أن مكونات هذين العنصرين (المنبوذين ـ النافعين الذين يمكن توظيفهم) هي ذاتها السمات الأساسية للجماعة الوظيفية. ومن ثم، فإن اكتشاف نفع اليهود كان أمرًا متوقعًا، إذ أن ذلك لصيق ببنية الجماعة الوظيفية وهو سر وجودها وبقائها، إذ أنها لا يمكن أن يكتب لها البقاء في مجتمع إلا إذا كانت «نافعة» وتلعب دورًا ضروريًا.
? ـ تظل الصيغة الصهيونية حتى نهاية القرن التاسع عشر مجرد فكرة، ولكنها تتحول إلى حركة منظمة بعد مرحلة «هرتزل» و«بلفور» ومضمونها أن يتم التوظيف من خلال دولة وظيفية على أن تشرف على العملية إحدى الدول الاستعمارية الكبرى في الغرب التي تُؤمِّن للمستوطنين موطئ قدم وتضمن بقاء واستمرار الدولة الوظيفية الاستيطانية. ومع وعد «بلفور»، يصبح المكان الذي ستقام فيه الدولة الوظيفية هو فلسطين وتتحول الصيغة الأساسية إلى الصيغة الشاملة.
ولنا أن نلاحظ أن المفهوم الكامن وراء الصيغة الأساسية الشاملة في الصهيونية الغربية مفهوم محوري في الحضارة الغربية، فلم يتم إدراك اليهود وحدهم من خلاله وإنما تم إدراك كل المنحرفين اجتماعيًا، فمثلاً كان يتم نَقْل المساجين إلى أستراليا وتوظيفهم هناك بحيث يتحوَّلون إلى عناصر صالحة؛ أعضاء في الحضارة التي نبذتهم ونقلتهم.
والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة محايدة تمامًا، فهي صيغة علمانية نفعية مادية تمامًا، رغم كل ما قد يحيط بها من ديباجات مسيحية أو رومانسية، فهي ترى اليهود، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، باعتبارهم مادة نافعة لا قداسة لها. وهي تنظر لوجود اليهود في العالم الغربي نظرة سلبية لابد من وضع نهاية له. ولذا، فهي صيغة تدعو اليهود إلى إنهاء السلبية الدينية والعودة المادية العلمانية إلى فلسطين دون انتظار أي أمر إلهي (الأمر الذي يتنافى مع العقيدة المسيحية الكاثوليكية واليهودية الأرثوذكسية).
والصيغة تُعلمن اليهود (فهم مادة نافعة تُنقَل)، كما تُعلمن المكان الذي سُينقَلون إليه (فهو مجرد حيز)، وتُعلمن سكانه الأصليين (فمصيرهم إما النقل أو الإبادة)، وتُعلمن وسيلة النقل (فهي الإمبريالية).
والصيغة الأساسية الشاملة هي القاسم المشترك الأعظم بين كل الصهيونيات:
وذلك بغض النظر عن الديباجات والاعتذاريات وزوايا الرؤية. ولا شك في أنها تصلح أساسًا تصنيفيًا للتفرقة بين الصهيونية وغيرها من الحركات التي توجهت للقضايا نفسها.
والصيغة الشاملة تصلح أيضًا إطارًا لكتابة تاريخ عام للصهيونية، باعتبارها حركة فكرية سياسية اقتصادية اجتماعية في الحضارة الغربية (لا بين أعضاء الجماعات اليهودية وحسب)، بحيث لا يتم الفصل بين صهيونية اليهود وصهيونية غير اليهود كما هو مُتَّبع، وإنما يُنظَر إليهما كمراحل مترابطة في سياق تاريخي حضاري واحد.
والصيغة الشاملة هي الأساس الذي يستند إليه ما نسميه «العقد الصهيوني الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود الغرب»، فهذا العقد يتيح الفرصة أمام يهود الغرب لأن يحققوا من خلال الخروج من العالم الغربي ما فشلوا في تحقيقه من خلال البقاء فيه. وعلى المستوى السياسي، يمكن القول بأن الصيغة الشاملة تعني ربط حل المسألة اليهودية (المادة البشرية المستهدفة) بالمسألة الشرقية (المجال الذي ستُنقل فيه لتُوظَّف لصالح الحضارة الغربية). وقد تم تهويد الصيغة الشاملة من خلال مجموعة من الديباجات بحيث أصبحت «الصيغة الشاملة المُهوَّدة»، وذلك حتى يتحقق لليهود استبطانها.
تعريف الصهيونية: الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهوَّدة
«الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة» هي «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» بعد أن اكتسبت ديباجات ومسوغات يهودية جعل بإمكان المادة البشرية المستهدفة استبطانها. فالصيغة الشاملة تُعلمن اليهود تمامًا وتُحوْسلهم إلى أقصى حد، وهي أيضًا تُعلمن الهدف من نقلهم والأرض التي سينُقَلون إليها. وليس من السهل على المرء قبول أن يتحول إلى وسيلة وأن يُنقَل كما لو كان شيئَا لا قيمة له إلى أرض (أي أرض). ولذا، نجد أن المقدرة التعبوية للصيغة الشاملة تكاد تكون منعدمة، إذ أنها تفترض أن ينظر اليهود إلى أنفسهم بشكل براني، وهذا أمر مستحيل بطبيعة الحال.
وقد طوَّر «هرتزل» الخطاب الصهيوني المراوغ الذي فتح الأبواب المغلقة أمام كل الديباجات اليهودية المتناقضة التي غطت، بسبب كثافتها، على الصيغة الأساسية الشاملة وأخفت إطارها المادى النفعي حتى حلَّت، بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب بل بالنسبة لمعظم قطاعات العالم الغربي، محل الصيغة الأساسية الشاملة.
وقد تم إنجاز هذا بأن قامت الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية) بإسقاط ديباجات الحلولية الكمونية (التي تلغي الحدود بين الإله والأرض والشعب وتخلع القداسة على كل ما هو يهودي) على الصيغة الشاملة بحيث يتحول اليهود من مادة نافعة إلى كيان مقدَّس له هدف وغاية ووسيلة ورسالة. وتجعل عملية نقله مسألة ذات أبعاد صوفية أو شبه صوفية نبيلة. لكل هذا أصبح من السهل على المادة البشرية أن تستبطن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وأصبح من السهل التحالف بين الدينيين والعلمانيين: الجميع يتفق على قداسة الشعب ورسالته (ومطلقيته) ويختلفون حول مصدر القداسة وتجلياتها. ورغم كثافة الديباحات وإغراقها في الحلولية، تظل الثوابت كما هي، وتظل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كما هي.
وتذهب الصيغة المُهوَّدة إلى أن العالم هو «المنفى» وأن اليهود يشكلون «شعبًا عضويًا واحدًا» لابد أن يُنقَل من المنفى (فهو شعب عضوي منبوذ) إلى فلسطين «أرض الميعاد». ورغم هذا الاتفاق المبدئي إلا أن الديباجات تختلف، فالشعب العضوي المنبوذ لا يُنبَذ بسبب كونه جماعة وظيفية فقدت دورها أو لأنه قاتل المسيح (كما تدعي الصيغة الأساسية الشاملة)، وإنما لعدد من الأسباب تتغير بتغيُّر صاحب الديباجة منها أنه شعب مقدَّس مكروه من الأغيار في كل زمان ومكان بسبب قداسته (الصهيونية الإثنية الدينية) أو بسبب تركيبه الطبقي غير السوي (الصهيونية العمالية) أو لأن هويته الإثنية العضوية لا يمكن أن تتحقق إلا في أرضه (الصهيونية الإثنية العلمانية [الثقافية]) أو لأنه شعب ليبرالي عادي يود أن يكون مثل كل الشعوب، وخصوصًا الشعوب الغربية (الصهيونية السياسية). ومهما اختلفت الأسباب، فإن هذا الشعب ينظر إلى نفسه فيرى كيانًا عضويًا مطلقًا له قيمة إيجابية ذاتية (بل يجد أنه المطلق وموضع الحلول والكمون).
أما الهدف من النقل فليس التخلص من اليهود أو تأسيس دولة وظيفية تقوم على خدمة الغرب (كما تدعي الصيغة الأساسية الشاملة) وإنما هو إصلاح الشخصية اليهودية وتطبيعها وتأسيس دولة اشتراكية تحقق مُثُل الاشتراكية (الصهيونية العمالية) أو الاستجابة للحلم الأزلي في العودة وتحقيق رسالة اليهود الإلهية وتأسيس دولة تستند إلى الشريعة اليهودية (الصهيونية الدينية) أو تحقيق الهوية اليهودية وتأسيس دولة يهودية بالمعنى العلماني تكون بمنزلة مركز روحي وثقافي ليهود العالم (الصهيونية الإثنية العلمانية) أو تحقيق مُثُل الحرية وتأسيس دولة ديموقراطية غربية (الصهيونية السياسية). كما اكتسب المكان الذي سينقل إليه الشعب معنى داخليًا إذ تصبح الأرض هي الأرض الوحيدة التي تَصلُح للخلاص (المشيخاني أو الاشتراكي أو الليبرالي)، فهي «أرض الميعاد» الإثنية الدينية أو العلمانية، بل إن خلاص الشعب هو خلاص الأرض، وهو نفسه مشيئة الإله.
وآليات الانتقال ليست الاستعمار الغربي أو العنف والإرهاب (كما حدث في الواقع التاريخي) وإنما هي «القانون الدولي العام» متمثلاً في وعد «بلفور» (في الصياغة الصهيونية السياسية) أو «تنفيذًا للوعد الإلهي والميثاق مع الإله» (في الصياغة الدينية) أو بسبب قوة اليهود الذاتية (في الصياغة الصهيونية التصحيحية).
كما أن النتيجة النهائية واحدة وهي تحويل اليهود إلى مستوطنين صهاينة وطرد الفلسطينيين من وطنهم وتحويلهم إلى مهاجرين. وعلى هذا، فإن عملية نقل اليهود من المنفى إلى فلسطين (سواء بسبب الوعد الإلهي أو بسبب وعد «بلفور») تؤدي إلى نقل الفلسطينيين خارج وطنهم (إلى المنفى).
ويُلاحَظ أن الصهيونية التصحيحية هي أكثر التيارات الصهيونية صراحة، فهي تُفصح عن الارتباط بالاستعمار ووظيفية الدولة وضرورة اللجوء للعنف، فهي تقترب من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ولا تختفي إلا وراء الحد الأدنى من الديباجات.
وقد اتجهت الصيغة المُهودَّة لقضية يهود الغرب المندمجين في مجتمعاتهم والذين لا ينوون (لعدة أسباب خاصة بهم) الانتقال إلى أرض الميعاد الاشتراكية أو الرأسمالية أو اليهودية. فقبلت قرارهم هذا نظير تلقِّى دعمهم والتفافهم حولها على أن تلزم الحركة الصهيونية الصمت تجاه فضيحة الصهاينة الذين لا يهاجرون. ومن هنا ولدت الصهيونيتان: الاستيطانية والتوطينية.
وقد تنَّبه كثير من المفكرين الصهاينة إلى وجود الصيغة الشاملة المُهَّودة أو اليهودية من وجهة نظرهم (رغم أن أحدًا منهم لم يُسمِّها)، فيشير المفكر الصهيوني الديني «حاييم لانداو»، على سبيل المثال، إلى أن البرنامج الصهيوني يدور حول فكرة ثابتة واحدة «وكل القيم الأخرى إن هي إلا أداة في يد المطلق»، ثم يحدد هذا المطلق على أنه «الأمة». وقد وافقه المفكر الصهيوني العلماني «موشيه ليلينبلوم»، وكان ملحدًا، على قوله هذا: «إن الأمة كلها أعز علينا من كل التقسيمات المتصلبة المتعلقة بالأمور الأرثوذكسية أو الليبرالية في الدين. فلا مؤمنين وكفار، فإن الجميع أبناء إبراهيم وإسحق ويعقوب... لأننا كلنا مقدَّسون سواء كنا غير مؤمنين أو كنا أرثوذكسيين». والمعنى أن الشعب كله هو مركز الحلول، تجرى في عروقه هذه القداسة بشكل متواتر. أما «إسحق كلاتزكين»، فإنه يوضح القضية بشكل ينم عن الذكاء في مقاله «الحدود» حيث يبين أن اليهودية تعتمد على الشكل لا على المضمون (الشكل يعني في واقع الأمر بنية العلاقات الكامنة وليس الشكل بالمعنى الدارج للكلمة). وهذا الشكل الأساسي ـ كما يقول ـ هو تخليص «الشعب اليهودي» للأرض، أما المضامين الروحية أو الفكرية، فهي تختلف بشكل جذري، ولكن هذا لا يهم لأن مضمون الحياة نفسه (أي واقعها) سيصبح قوميًا عندما تصبح أشكالها قومية. وقد تنبَّه هؤلاء المفكرون الصهاينة ـ وأولهم ديني متطرف في تَديُّنه والآخران علمانيان ـ إلى أن ثمة فكرة ثابتة، جوهرًا ما، «مطلقًا» على حد قول الأول، و«شكلاً أساسيًا» أو «قداسة معيَّنة» على حد قول المفكرين الآخرين، كما تنبهوا إلى أن هذا الجوهر هو الثابت وأنه يُغيِّر ما عداه ويُحوِّره ويسمه بميسمه. وقد حددوه بأنه مفهوم الأمة اليهودية.

ومع أن هناك بعض ملامح خصوصية بل متفردة في الصهيونية، فإنها في تصوُّرنا ليست حركة عالمية، فهي ليست ثمرة تفاعل حركيات عالمية على مستوى التاريخ العالمي وإنما ثمرة قوى حضارية وسياسية واجتماعية داخل التشكيل الحضاري الغربي. بل نذهب إلى أن الصهيونية إشكالية كامنة داخل الحضارة الغربية ولا يمكن فهمها بمعزل عن سياق هذه الحضارة وتياراتها الفكرية والقوى السياسية والاجتماعية التي تعتمل فيها والإشكاليات الكبرى التي تواجهها. ولعل معظم الناس يسمونها «صهيونية عالمية» لأنها أطلقت على نفسها هذا الاسم، ولأنه حدث ترادف كامل في عقول معظم الناس بين ما هو غربي وما هو عالمي.
ولكل هذا، فإن تاريخ الصهيونية هو بالدرجة الأولى جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الغربية، ولا يمكن فهمه خارج حركيات هذا التاريخ. وسنستخدم الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كوحدة تحليلية تبسيطية أساسية نقدم من خلالها تاريخ الصهيونية. ولنا أن نلاحظ أن التاريخ الذي نقدمه من خلال الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة مرتبط تمامًا بتاريخ تحوُّل الجماعات اليهودية في الغرب إلى جماعات وظيفية وبفقدانها هذا الدور في عصر النهضة، وهو الأمر الذي أدَّى إلى تصاعد حمى معاداة اليهود وتزايد وتيرة الدعوة الصهيونية بين غير اليهود ثم بين اليهود، فهو إطار تاريخي عام ينتظم تاريخ الغرب وتاريخ الصهيونية بين غير اليهود واليهود وتاريخ معاداة اليهود. ونحن نصر دائمًا على ما نسميه «نظرية الصهيونيتين»، أي أن هناك صهيونيتين، واحدة توطينية وأخرى استيطانية، لكلٍّ رؤيتها وتاريخها ومصالحها وجماهيرها، ولكنهما تحالفا بعد صدور وعد «بلفور».
ولكن، رغم هذا التحالف، فإن كل صهيونية لا تزال محتفظة بتوجُّهها ومقاصدها وجماهيرها.


الفصل الثاني
موجز تاريخ الصهيونية
يرى الصهاينة والمعادون لليهود أن الصهيونية بدأت مع التاريخ اليهودي نفسه وأنها لازمت اليهود عَبْر تاريخهم بعد تحطيم الهيكل، وذلك لسببين: واحد سلبي والآخر إيجابي. أما السلبي، فهو ظاهرة العداء لليهود والمذابح والاضطهاد اللذين تعرَض لهما اليهود في كل مكان وكل زمان، وهي ظاهرة حتمية أزلية من المنظور الصهيوني. أما السبب الإيجابي، فهو الرغبة العارمة لدى اليهودي في العودة إلى فلسطين (أرض الوطن ـ أرض الأجداد والأسلاف ـ الوطن القومي ـ أرض الميعاد) حيث إنه يشعر بالاغتراب العميق في أرض المنفى (الأمر الذي أدَّى إلى إفساد الشخصية اليهودية). وتعود هذه الرغبة إلى أن اليهود، من منظور صهيوني، يشكلون قومية رغم أنهم لا يوجدون في مكان واحد ولا يتحدثون لغة واحدة ولا يتسمون بسمات عرْقية أو نفسية واحدة ولا يخضعون لظروف اقتصادية واحدة. وقد بدأت المسألة اليهودية يوم أن ترك اليهود وطنهم قسرًا. والصهيونية هي التي ستضع نهاية لهذا الوضع، وذلك من خلال آلية جديدة، فهي ترفض سلبية اليهودية الحاخامية وخنوع الشخصية اليهودية، وبالتالي سوف تحرِّض اليهود على العودة بأنفسهم إلى فلسطين ليحققوا تطلُّعهم القومي وستقوم بتنظيمهم لتحقيق هذا الهدف. ولكل هذا، تنظر الصهيونية إلى نفسها باعتبارها التعبير الحقيقي والوحيد عن مسار التاريخ اليهودي.
لكن هذه الرؤية الصهيونية لتاريخ الصهيونية ليس ذات مقدرة تفسيرية عالية إذ أنها تفشل في أن تفسر سبب ظهور الصهيونية بين اليهود في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر وعدم ظهورها قبل ذلك التاريخ في مكان آخر. ولو كان سبب ظهور الصهيونية هو عداء الأغيار لليهود ورغبتهم العارمة في العودة، لكان الأولى أن تظهر الصهيونية بمعناها السياسي الحديث إبان حروب الفرنجة على سبيل المثال. وكيف نفسر ظهور الفكر الصهيوني في الأوساط الاستعمارية الغربية وهم لا يدينون باليهودية ولا يوجد عندهم أي تطلُّع للعودة ولم يتعرضوا لاضطهاد الأغيار؟
وتاريخ الصهيونية مركب لأقصى حد بسبب تداخل مستوياته وساحاته. وسنحاول تقديم التاريخ الموجز من خلال ثلاثة عناصر: الساحة ـ الخلفية ـ المادة البشرية المستهدفة، وسنقسم تاريخ الصهيونية إلى أربع مراحل أساسية:
أولاً: المرحلة التكوينية.
ثـانياً: مرحلة الولادة في مطلع القرن العشرين أو مرحلة «بلفور».
ثـالثاً: الاستيطان وفلسطين (حتى عام ????).
رابعاً: الصهيونية في الوقت الحاضر.
وسنقسِّم كل مرحلة إلى فترات مختلفة.
وقد تناولنا تاريخ تطور الصهيونية بشكل ضمني وعرضي في الفصل السابق (أثناء عرضنا لتطور المفهوم والمصطلح). ولكن نظرا لأهمية الموضوع سنتناوله بشكل مباشر وبشىء من التفصيل في بقية هذا الفصل، ثم بمزيد من التفصيل في بقية الكتاب.
تاريخ الصهيونية: المرحلة التكوينية
يمكن تقسيم هذه المرحلة إلى عدة مراحل:
? ـ الصهيونية ذات الديباجة المسيحية (حتى نهاية القرن السابع عشر):
شهدت هذه المرحلة من ناحية الخلفية العامة البدايات الحقيقية للانقلاب التجاري في الغرب. إذ هيمن الجيب التجاري (الذي كان منعزلاً في المدن في أوربا الإقطاعية) على الاقتصاد الزراعي الاقطاعي عام ???? تقريباً، وأعاد صياغة الإنتاج وتوجيهه بحيث خرج به عن نطاق الاكتفاء الذاتي وسد الحاجة. وبدأ التجار يلعبون دوراً مهماً في توجيه سياسات الحكومات، وهذا ما يُعبَّر عنه باصطلاح «الانقلاب التجاري». وقد شجع هذا الانقلاب حركة الاكتشافات الجغرافية، وهي حركة استعمارية ضخمة كانت تأخذ شكل استيطان في مراكز تجارية على الساحل. وفي أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، أصبحت إنجلترا، بعد أن تحوَّلت عن الكاثوليكية ونفضت النفوذ الإسباني عنها، أهم قوة استعمارية، فراكمت الثروات وسيطرت على رقعة كبيرة من الأرض. وواكب كل هذا حركة الإصلاح الديني التي أعادت تعريف علاقة الإنسان بالخالق وبالكتاب المقدَّس بحيث أصبح في إمكان الفرد أن يحقق الخلاص بنفسه لنفسه خارج الإطار الكنسي الجمعي، ودون حاجة إلى رجال الدين، وأصبح من واجبه أن يفسر الكتاب المقدَّس لنفسه.
وإذا ما تركنا الخلفية جانباً وانتقلنا إلى الساحة، فلسطين، وجدنا أن الإمبراطورية العثمانية في هذه المرحلة كانت لا تزال تقف شامخة تحمي كل رعاياها، مسلمين ومسيحيين ويهوداً، وتُشكِّل كتلة بشرية ضخمة متماسكة، ولم يكن الاستعمار الغربي يجرؤ على مواجهتها، وكان يفضل الالتفاف من حولها. ومع هذا يجب أن نسجل أن هذه الفترة شهدت بداية جمود الدولة العثمانية وظهور علامات ضعفها (في الوقت الذي كانت فيه الدول القومية الأوربية تزداد قوة بتأثير الانقلاب التجاري).
ظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية في أواخر القرن السادس عشر على شكل الأحلام الاسترجاعية في الأوساط البروتستانتية الاستعمارية، وخصوصاً في إنجلترا، وقد وُلدت كفكرة وحسب، كإمكانية تبغي التحقق لا في أوربا وإنما خارجها، وليس من خلال الإنسان الأوربي ككل، وإنما من خلال الجماعات الوظيفية اليهودية. وكانت الصيغة الصهيونية الأساسية متدثرة بديباجات مسيحية بروتستانتية. وقد كانت هذه الصهيونية ترى اليهود باعتبارهم مادة بشرية يمكن حوسلتها (أي تحويلها إلى وسيلة توظفها قوة أخرى لمصلحتها). ولذا، فلم يُتصورَّ أن يكون لهم دولة وظيفية مستقلة (فمركز الحلول هو المسيحيون البروتستانت) والمكان الذي سيُنقَلون إليه كان يختلف من مفكر لآخر. والهدف من نقلهم هو الإعداد للخلاص المسيحي. ويُلاحَظ أن هذا الضرب من الصهيونية (شأنه شأن أية صهيونية توطينية) ينظر إلى اليهود من الخارج كعنصر يُستخدَم ومادة تُوظَّف. وإن كان يجدر ملاحظة أن الصهيونية هي بالدرجة الأولى حركة غير يهودية، لم يشترك فيها أعضاء الجماعة اليهودية من قريب أو بعيد. كما يُلاحَظ أن الخطاب الصهيوني كان هامشياً جداً، مقصوراً على الأصوليين البروتستانت.
? ـ صهيونية غير اليهود (العلمانية) (حتى منتصف القرن التاسع عشر):
شهدت هذه المرحلة تراكم رؤوس الأموال وهيمنة الملكيات المطلقة (بتوجهها المركنتالي) على معظم أوربا، غربها ووسطها، وإلى حدٍّ ما شرقها. ورغم أن القوى السياسية التقليدية كانت لا تزال مسيطرة على دفة الحكم فإن الطبقات البورجوازية ازدادت قوة وثقة بنفسها وبدأت تطالب بنصيب من الحكم، بل بدأت تؤثر فيه. وقد عبَّر هذا عن نفسه من خلال الفلسفات الثورية المختلفة والنظريات الكثيرة عن الدولة والفكر العقلاني، وأخيراً من خلال الثورة الفرنسية التي تُعدُّ ثمرة كل الإرهاصات السابقة وتشكِّل نقطة تحوُّل في تاريخ أوربا بأسرها.
وقد أدَّى تراكم رؤوس الأموال والفتوحات العسكرية والاكتشافات الجغرافية وتقدُّم العلم والتكنولوجيا إلى حدوث النقلة النوعية التي يُطلَق عليها «الثورة الصناعية»، ويرى بعض المؤرخين أن بدايتها تعود إلى هذه الفترة. وكانت إنجلترا في المقدمة في هذا التحول، فقد كانت أول دولة في العالم تتحول من دولة تجارية إلى دولة رأسمالية صناعية ثم تحوَّلت إلى قوة عظمى بعد انتصارها على فرنسا في حرب السنوات السبع، وبعد توقيع معاهدة «أوترخت» عام ????. وفي نهاية القرن الثامن عشر كانت إنجلترا أكبر قوة استعمارية في العالم. ومع تصاعُد المشروع الاستعماري انزوى دعاة الديباجات الدينية وتدثرت الصياغة الصهيونية الأساسية بالديباجات العلمانية الرومانسية والعضوية والنفعية والعقلانية. وقد دعا نابليون إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين مستخدماً خليطاً من الديباجات الرومانسية والدينية والنفعية.
وكان الوهن الذي دب في أوصال الدولة العثمانية (رجل أوربا المريض) قد بدأ يظهر ويتضح، وكانت كل القوى الغربية تفكر في طريقة للاستفادة من هذا الضعف لتحقق لنفسها بعض المكاسب. وقد أخذ هذا شكل الهجوم المباشر من روسيا التي ضمت بعض الإمارات التركية على البحر الأسود، ثم هجوم نابليون على مصر، بينما قررت إنجلترا، ومن بعدها ألمانيا (في مراحل مختلفة) الحفاظ على هذه الإمبراطورية مع تحقيق المكاسب من خلال التدخل في شئونها و«إصلاحها» حتى تقف حاجزاً ضد أي زحف روسي محتمل.
ولعل أهم حقيقة سياسية في هذه المرحلة هي ظهور محمد علي المفاجئ وقيامه بتكوين إمبراطوريته الصغيرة. فقد قلب موازين القوى وهدد المشروع الاستعماري الغربي الذي كان يفترض أن العالم كله إن هو إلا ساحة لنشاطه وسوق لسلعه، ووضع حداً لآمال الدول الغربية التي كانت تترقب اللحظة المواتية لاقتسام تركة الرجل المريض المحتضر. ولذا تحالفت الدول الغربية كلها، ومنها فرنسا، وعقدت مؤتمر لندن عام ???? وقررت فيه الإجهاز عليه، فاضطرته إلى التوقيع على معاهدة لندن لتهدئة المشرق. وعند هذه النقطة تبلورت الفكرة الصهيونية بين غير اليهود، وتحوَّلت من مجرد فكرة إلى مشروع استعماري محدد، إذ بدأت تُطرَح فكرة تقسيم الدولة العثمانية ومن ثم اكتسبت الصيغة الصهيونية الأساسية مضموناً تاريخياً وبُعْداً سياسياً، وأصبح بالإمكان دمج المسألة اليهودية (مسألة الشعب العضوي المنبوذ) مع المسألة الشرقية (تقسيم الدولة العثمانية)، وطُرحت إمكانية توظيف الشعب المنبوذ وبدأ التفكير في حل المسألة اليهودية عن طريق نَقْل اليهود إلى فلسطين وإيجاد قاعدة للاستعمار الغربي (أي أن تتم حوسلة اليهود باسم الحضارة الغربية ومصالحها التي هي مركز الحلول). ويمكن القول بأن الفكرة الصهيونية قد بدأت تتحول إلى فكرة مركزية في الوجدان السياسي الغربي. وهذه المرحلة هي مرحلة صهيونيين غير اليهود (العلمانية)، وهي صهيونية توطينية. وظهر فيها أهم مفكرين صهيونيين «إيرل أوف شافتسبري» السابع و«لورانس أوليفانت». ولكن، حتى هذه المرحلة، لم تكن فكرة الدولة اليهودية قد ظهرت، إذ كان التصور لا يزال أن يكون التجمُّع اليهودي محمية تابعة لدولة غربية. وحتى فلسطين نفسها كمكان للتجمُّع كان لا يزال أمراً غير مقرر. وكانت النظرة لليهود لا تزال خارجية، فقد كان يُنظَر إليهم كمادة استعمالية لا قيمة لها في حد ذاتها تكتسب قيمتها من نفعها. وكانت ديباجات الصهيونية في هذه المرحلة عقلانية مادية ورومانسية (لا عقلانية مادية).
تاريخ الصهيونية: الصهيونية بين أعضاء الجماعات اليهودية
نشأت الصهيونية كحركة سياسية بين الجهات الغربية غير اليهودية ثم انتقلت إلى الجماعات اليهودية، ويمكن أن نقسم تاريخ الصهيونية بين اليهود إلى عدة مراحل أيضا:
? ـ صهيونية أثرياء اليهود المندمجين في مجتمعاتهم الغربية (النصف الثاني من القرن التاسع عشر):
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم تَعُد الحروب ضد دول آسيا وأفريقيا، بعد التطورات الصناعية المذهلة في أوربا، أمراً يبهظ خزائن الدول الاستعمارية، بل إن العائد أصبح يفوق التكاليف (وكانت إحدى مقولات أعداء المشروع الاستعماري أن تكاليف الإمبراطورية تفوق عائدها). ومما تجدر ملاحظته كذلك أن الضغوط السكانية والأزمة الاقتصادية داخل المجتمعات الغربية جعلتها تبحث عن حل لمشاكلها خارج أوربا. ولكل هذا طرحت الإمبريالية نفسها باعتبارها المخرج من المأزق التاريخي.
ولكن المشروع «الإمبريالي» لم يكن يتم في ظل نظريات التجارة الحرة، إذ سيطر فكر احتكاري جديد يُسمَّى «نيو ـ مركنتالى» (neo-mercantile) (أي «المركنتالي الجديد») بحيث تم تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ واحتكارات، كل منطقة منها مقصورة على الدولة التي استعمرتها (ومن هنا المؤتمرات الدولية المختلفة في هذه الفترة لتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ). ومع منتصف القرن التاسع عشر كانت إنجلترا ورشة العالم بلا منازع. فإنتاجها الصناعي كان قد وصل إلى مستوى لم تعرفه البشرية من قبل، وإمبراطوريتها كانت مترامية الأطراف تحميها قوة عسكرية ضخمة وأسطول يُسيطر على كل بحار العالم. وقد اتخذت السياسة البريطانية شكلاً إمبريالياً أكثر حدة، ولا سيما بعد تحطيم مطامع روسيا في حرب القرم، وبعد أن تحوَّل مشروعها الاستعماري إلى أواسط آسيا وغيرها من المناطق البعيدة عن أفريقيا والشرق الأوسط اللذين تزايد الاهتمام «الإمبريالي» البريطاني بهما. فاشترت بريطانيا أسهم شركة قناة السويس عام ????، واستولت على قبرص عام ????، واحتلت مصر (الطريق إلى الهند) عام ????. ونتيجة كل هذا أصبح مصير فلسطين جزءاً من المخطط الاستعماري البريطاني، الأمر الذي حدا بكتشنر أن يطالب بتأمين ضم فلسطين للإمبراطورية. ومع هذا كانت بريطانيا لا تزال ملتزمة بضمان ممتلكات الدولة العثمانية «من النيل إلى الفرات» التي «وعد الرب بها إبراهيم» ومن ثم أصبحت منطقة نفوذ بريطانيا. ولكن في عام ???? قرَّرت حكومة المحافظين أن من الخير الموافقة على اقتراح القيصر بتقسيم الإمبراطورية (العثمانية).

ومع هزيمة فرنسا على يد ألمانيا عام ???? نشط المشروع «الإمبريالي» الألماني، وبالتالي العلاقة مع الدولة العثمانية، فزاد حجم القروض الألمانية لها، وزار القيصر وليام الثاني القسطنطينية عام ???? وزار بعدها فلسطين، ولذا ظل المشروع الصهيوني متأرجحاً بين أعظم قوتين إمبرياليتين في ذلك الحين، البريطانية والألمانية.
كانت الصيغة الصهيونية حتى هذه المرحلة مجرد فكرة غربية تبحث عن المادة البشرية اليهودية المُستهدفَة التي ستُوظَّف. ومع تعثُّر التحديث في شرق أوربا في أواخر القرن التاسع عشر، تدفَّق المهاجرون اليهود من شرق أوربا إلى غربها، الأمر الذي هدَّد أمن هذه الدولة كما هدَّد مكانة أعضاء الجماعات اليهودية فيها، وقد أدَّى هذا إلى تشابك مصير يهود غرب أوربا ومصير يهود اليديشية. وحلاّ لهذه المشكلة، اكتشف يهود الغرب الحل الصهيوني دون أية ديباجات قومية أو سياسية (ومن هنا رفض فكرة الدولة اليهودية والابتعاد عن فلسطين كمكان للتوطين وعدم الاهتمام بالدولة الراعية إذ لا حاجة لها) وظهرت الصهيونية التوطينية بين أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا، وخصوصاً بين الأثرياء منهم المندمجين في مجتمعاتهم. وعلى هذا، فهو يعتبر أول اتجاه صهيوني يظهر بين اليهود، ومع هذا فهو يشبه صهيونية غير اليهود في أنه ينظر لليهود من الخارج.
ويمكننا أن نقول إن تاريخ الصهيونية غير اليهودية يبدأ مع ظهور حركة الاستعمار الاستيطاني وتتبلور ديباجاته وتكتسب بُعْداً أساسياً مع ظهور محمد عليّ وسقوطه (ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية لا علاقة لهم بتطور الفكرة الصهيونية). ولا يبدأ تاريخ الصهيونية عند اليهود إلا مع تعثُّر التحديث وتعاظم الإمبريالية، كرؤية وكممارسة.
ومن أهم الصهاينة التوطينيين في هذه المرحلة «إدموند دي روتشيلد» و«هيرش» و«مونتفيوري».
? ـ إرهاصات التيارات الصهيونية المختلفة بين اليهود (العقود الأخيرة في القرن التاسع عشر):
لا تختلف الخلفية التاريخية لهذه المرحلة كثيراً عن سابقتها، فالإمبريالية الغربية كانت قد قسَّمت العالم بينها. وكانت ألمانيا تحاول أن تُعيد التقسيم لتوسيع الرقعة التي تهيمن عليها. ومن هنا استمرار تذبذب الصهاينة بين بريطانيا وألمانيا. ورغم أن سياسة بريطانيا الرسمية كانت الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية وأملاكها إلا أن القرار بتقسيمها كان قد تم اتخاذه بالفعل. وكان التعبير عن كل هذه الصراعات هو الحرب العالمية الأولى التي انتهت بضم فلسطين (الساحة) إلى الإمبراطورية البريطانية واختفاء الدولة العثمانية كقوة سياسية.
( أ ) الصهيونية التسللية: اكتشف يهود شرق أوربا الصهيونية كحركة استيطانية، ولكنهم لم يدركوا حتمية الحل الإمبريالي. ونظراً لقصور رؤيتهم، حاولوا الاستيطان دون دعم إمبريالي، وحاولوا تجنيد أثرياء يهود الغرب المندمجين ليرعوا مشروعهم ويدعموه، وهذا ما سميناه «الصهيـونية التسلليـة» (التي يقال لها «عملية») وهي أول صهيـونية استيطانيـة وتتسم بأنهـا نابعة من المادة البشرية المُستهدَفة. ويظل مفهوم الدولة شاحباً بين دعاة الصهيونية التسللية، كما أن فلسطين ليست بالضرورة ساحة الاستيطان. ومن أهم دعاة الصهيونية التسللية «ليلينبلوم» و«بنسكر»، ثم ظهرت جماعات «البيلو» و«أحباء صهيون». ويمكن النظر إليها باعتبارها إرهاصات «لهرتزل» وللصيغة الصهيونية الأساسية بعد تهويدها.
(ب) إرهاصات الصهيونية الإثنية الدينية والعلمانية: وظهرت كتابات «كاليشر» و«القلعي» التي تُعتبر إرهاصات الصهيونية الإثنية الدينية، ونشر «آحاد هعام» كتاباته الصهيونية التي ترى أهمية تأسيس دولة يهودية في فلسطين، ولكن وظيفتها لم تكن الإسراع بعملية دمج اليهود بل الحفاظ على هويتهم.
(جـ) إرهاصات الصهيونية العمالية: وقد ظهرت كذلك كتابات هس في منتصف القرن التاسع عشر التي ساعدت مفكري الصهيونية العمالية على صياغة أفكارهم.
? ـ مرحلة «هرتزل» (العقود الأخيرة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين):
ظهر «هرتزل» بين صفوف يهود الغرب المندمجين التوطينيين فاكتشف حاجة الغرب ويهود الغرب للتخلص وبسرعة من يهود شرق أوربا.ولكنه اكتشف الحقيقة البدهية الغائبة عن الجميع: حتمية التحرك داخل إطار الإمبريالية الغربية التي يمكنها وحدها أن تنقل اليهود خارج أوربا وأن توظفهم لصالحها نظير أن تزودهم بالدعم والحماية. وقد اكتشف «هرتزل» أيضاً فكرة القومية العضوية والشعب العضوي (فولك) التي تستطيع أوربا العلمانية الإمبريالية أن تدرك اليهود من خلالها. وقد نجح «هرتزل» في التوصل إلى خطاب مراوغ وهو ما جعل وضع نصوص العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم ممكناً. وهو عقد يُرضي يهود الشرق ولايُفزع يهود الغرب، ويجعل بإمكان الإمبريالية أن تضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. كما أنه فتح الباب أمام عملية تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية من خلال الديباجات اليهودية المختلفة. ويتميز «هرتزل» عن كل من «شافتسبري» و«أوليفانت» في أنه هو نفسه يهودي ينظر إلى المادة البشرية المُستهدَفة من الداخل. ولكنه مع هذا يهودي غير يهودي، ولذا فهو ينظر إلى هذه المادة من الخارج ويراها باعتبارها مشكلة تبغي حلاً لا قيمة إنسانية تبغي التحقق. وبسبب ازدواجيته هذه، نجح «هرتزل» في أن يكون جسراً بين التوطينيين والاستيطانيين وبين اليهود والغرب، ولذا يمكن القول بأن الصهيونية تحوَّلت من فكرة إلى مشروع استيطاني استعماري على يد «هرتزل» في مؤتمر «بال» الذي وُلدت فيه الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وقد فزع أثرياء الغرب اليهود من دعوة «هرتزل» في بادئ الأمر، كما رفضها معظم الجماعات والمنظمات اليهودية في العالم.
? ـ تبلور الفكرة الصهيونية بين اليهود:
( أ ) حتمية الحل الإمبريالي: أدرك قادة يهود شرق أوربا حتمية الحل «الإمبريالي» من خلال «هرتزل».
(ب) استقرار الصيغة الصهيونية الشاملة: تم قبول الدولة اليهودية الوظيفية باعتبارها الهدف الأساسي للحركة الصهيونية والإطار الذي يتم توظيف اليهود من خلاله. وأدَّى تقسيم الدولة العثمانية إلى حسم الأمور تماماً لصالح دعاة الاستيطان في فلسطين.
(جـ) تهويد الصيغة الصهيونية: أحس قادة يهود شرق أوربا أن الصيغة الصهيونية الأساسية، وصيغة «هرتزل» الاستعمارية، لا يمكن أن تُجنِّد يهود «اليديشية»، ولذا فقد أثاروا قضية المعنى والوعي اليهودي وأضافوا ديباجات إثنية دينية وعلمانية أدَّت إلى تهويد الصيغة الصهيونية وجعلت الشعب اليهودي مرة أخرى مركزاً للحلول وجماعةً لها قيمة في حد ذاتها، الأمر الذي جعل بإمكان يهود شرق أوربا استبطان الصيغة الصهيونية الأساسية (لمزيد من التفاصيل، انظر الفصل السابق من هذا الباب). ويُلاحَظ أن الصهيونية الإثنية الدينية والعلمانية لا هي بالتوطينية ولا هي بالاستيطانية لأنها تتوجه لمستوى الهوية والوعي الذي يتجاوز ثنائية الاستيطان والتوطين وإن كان لها ثنائيتها الخاصة (ديني/علماني)، وهي صهيونية تنظر إلى اليهود من الداخل.
( د ) الديباجات والتيارات السياسية: أدخل بعض الصهاينة العلمانيين ديباجات ليبرالية (الصهيونية العامة) أو اشتراكية (صهيونية عمالية) أو فاشية (الصهيونية التصحيحية) لتحديد شكل الدولة المزمع إقامتها، أي أنهم حددوا شكل الاستيطان، وبذا تكون الفكرة الصهيونية قد اكتملت وتحدَّدت ملامحها وصيغت كل الديباجات اللازمة لتسويقها أمام قطاعات وطبقات الجماعات اليهودية في شرق أوربا وغربها. وحتى ذلك التاريخ، كانت هناك صراعات كثيرة داخل الحركة الصهيونية:

( أ ) صراع بين التسلليين والدبلوماسيين.
(ب) بين الدينيين والعلمانيين.
(جـ) بين دعاة الاعتماد على ألمانيا في مواجهة دعاة الاعتماد على إنجلترا.
( د ) صراعات أيديولوجية بين دعاة الليبرالية ودعاة الاشتراكية.
(هـ) صراع بين دعاة الصهيونية الإقليمية ودعاة الصهيونية التوطينية، أي بين دعاة الاستيطان في أي مكان ودعاة ما يُسمَّى «صهيونية صهيون» أي الاستيطان في فلسطين وحدها.
? ـ تأسيس المنظمة الصهيونية: لم تكن بلورة الفكرة الصهيونية كافية، بل كان ضرورياً أن يوجد إطار تنظيمي. وقد وضع «هرتزل» التصور الأساسي في كتابه «دولة اليهود»، ثم دعا للمؤتمر الصهيوني الأول (????) وتم تأسيس المنظمة الصهيونية.
تاريخ الصهيونية: مرحلة الولادة في مطلع القرن العشرين حتى الوقت الحاضر
? ـ الحركة الصهيونية حتى عام ????.
تختلف خريطة العالم السياسية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى عن تلك التي سادت قبلها اختلافاً بيِّناً. فقد انتصر الاستعمار البريطاني على الاستعمار الألماني والتهم النصيب الأكبر من الإمبراطورية العثمانية، ثم ظهرت إرهاصات القومية العربية (ولكن حركة القومية العربية وحركة المقاومة العربية الفلسطينية، وبخاصة في العقود الأولى من هذه الفترة كانت ضعيفة غير قادرة على تعبئة الجماهير وتنظيمها ضد الاستعمارين الإنجليزي والصهيوني بتنظيمهما الحديث وعلاقاتهما العالمية وتعاونهما الوثيق داخل فلسطين وخارجها). وقد تصاعدت المقاومة في الثلاثينيات، ولكن المؤسستين الاستعماريتين نجحتا في قمعها وانتهى الأمر بطرد غالبية الفلسطينيين من ديارهم وأعلنت الدولة عام ???? بموافقة الدول الغربية العظمى كلها وموافقة الاتحاد السوفيتي (ولم تظهر المقاومة الفلسطينية مرة أخرى بشكل منظم إلا عام ???? بقيادة فتح وبمشاركة الفصائل الفلسطينية الأخرى رغم أنها لم تتوقف إذ أخذت أشكالاً تلقائية غير منظمة طيلة الفترة السابقة).
وفي بداية هذه المرحلة ظهرت الولايات المتحدة كقوة كبرى لها ثقل يُعتدُّ به على الصعيد العالمي. أما الاتحاد السوفيتي فقد دخل مرحلة البناء والتحديث الاشتراكي التي فرضت عليه نوعاً من العزلة. ومع ثلاثينيات القرن بدأ مركز الإمبريالية في الانتقال من لندن إلى واشنطن، وهي عملية يمكن القول بأنها اكتملت بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها الولايات المتحدة قائداً للمعسكر «الإمبريالي» بلا منازع.
كما يُلاحَظ تَركُّز معظم يهود العالم في الولايات المتحدة وقد كان لهذين العنصرين أعمق الأثر في تعميق توجُّه الحركة الصهيونية ثم الدولة الصهيونية نحو أمريكا.
ومع وعد «بلفور»، حُسمت كل الأمور. فبعد ظهور الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وقبول القيادات الصهيونية لها، يظهر «بلفور» (ممثل الإمبراطورية البريطانية والحضارة الغربية ككل) ويوقع عقد «بلفور» باعتباره ممثلاً للحضارة الغربية (ويوقعه عن الطرف الآخر الصهاينة التوطينيون من يهود الغرب المندمجين والصهاينة الاستيطانيين اليهود ممثلي المادة البشرية اليهودية من شرق أوربا) فتصبح الحركة الصهيونية مشروعاً استعمارياً استيطانياً إحلالياً متكاملاً.
ويجب ألا نخلق انطباعاً خاطئاً بأن هناك تعاقباً زمنياً صارماً، فالصهيونية ذات الديباجة المسيحية لا تزال مزدهرة رغم أن الحضارة الغربية قد تطوَّرت بطريقة همشت المسيحية ككل، كما أن صهيونية غير اليهود (العلمانية) لا تزال قائمة والصهيونية التوطينية لا تزال هي الصهيونية المنتشرة بين معظم يهود العالم (ويُطلَق عليها صهيونية الدياسبورا).
وبعد إعلان وعد «بلفور»، وبعد اكتساب المنظمات الصهيونية الشرعية الاستعمارية التي كانت تسعى إليها، تغيَّرت الصورة تماماً، فلم تَعُد القضية قضية بعض قيادات الفائض اليهودي من شرق أوربا، ولم تَعُد المسألة متصلة بإغاثة بضعة آلاف من اليهود، وإنما أصبحت المنظمة تابعة لأكبر قوة استعمارية على وجه الأرض آنذاك، وأصبحت ذات وظيفة محددة هي نَقْل المادة البشرية اليهودية إلى فلسطين لتأسيس قاعدة لهذه القوة. ولذا فلم يَعُد هناك مجال للاختلافات الصغيرة بين دعاة الاستيطان العمليين مقابل دعاة بذل الجهود الدبلوماسية مع الدولة الراعية. كما لم يَعُد هناك أي مبرر لوجود دعاة الصهيونية الإقليمية (أي توطين اليهود خارج فلسطين)، وتساقطت بالتالي كثير من التقسيمات الفرعية أو أصبحت غير ذات موضوع، وتم تقسيم العمل على أساس جديد يقبله الجميع، وظهر ما يمكن تسميته «الصهيونية التوفيقية». كما أن الرفض اليهودي للصهيونية فقد دعامته الأساسية: الخوف من ازدواج الولاء إذ أصبح تأييد الصهيونية أمراً لا يتناقض مع ولاء الإنسان الغربي لوطنه وحضارته.
وتاريخ الحركة الصهيونية بعد ذلك هو تاريخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين تحت رعاية حكومة الانتداب ومقاومة العرب لهذا الاستيطان. وقد ظهرت بعض التوترات بين القوة الاستعمارية الراعية والمستوطنين (وهو توتر يسم علاقة أية دولة راعية بالمستوطنين التابعين لها، وهو لا يعود إلى تناقض المصالح وإنما إلى اختلاف نطاقها، فمصالح الدولة الراعية أكثر اتساعاً وعالمية من مصالح المستوطنين). ولذا فقد أصدرت الحكومة البريطانية الراعية مجموعة من الكتب البيضاء لتوضِّح موقفها من المستوطنين الصهاينة ومن العرب. وقد انتقل دور الدولة الراعية من إنجلترا إلى الولايات المتحدة. ولكن كل هذه العناصر لا تغيِّر بنية الفكر الصهيوني ولا اتجاه الحركة ولا تؤثر في المنظمة الصهيونية.
أما بالنسبة للمنظمة الصهيونية، فبعد صدور وعد «بلفور» كان ضرورياً أن يكون لها ذراعها الاستيطاني الذي يتعامل مع حقائق الموقف في فلسطين. وقد أسَّست المنظمة الصهيونية ساعدها التنفيذي المعروف باسم الوكالة اليهودية عام ????، إذ نص صك الانتداب البريطاني على فلسطين على الاعتراف بوكالة يهودية مناسبة لإسداء المشورة إلى سلطات الانتداب في جميع الأمور المتعلقة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وفي عام ????، نجح «وايزمان» ـ رئيس المنظمة الصهيونية آنذاك ـ في إقناع أعضاء المؤتمر الصهيوني السادس عشر بضرورة توسيع الوكالة اليهودية بحيث يتشكل مجلسها من عدد من أعضاء المنظمة وعدد مثله من غير أعضائها. وكان الغرض من ذلك استمالة أثرياء اليهود التوطينيين لتمويل المشروع الصهيوني دون إلزامهم بالانخراط في صفوف المنظمة، والإيحاء في الوقت نفسه بأن الوكالة تمثل جميع يهود العالم ولا تقتصر على أعضاء المنظمة. وكان من شأن هذه الخطوة أن تعطي دفعة قوية للحركة الصهيونية وتدعم الموقف التفاوضي للمنظمة الصهيونية مع الحكومة البريطانية التي يقلقها تصاعد الأصوات الرافضة للصهيونىة في أوساط يهود بريطانيا (وقد ظلت المنظمتان تُعرَفان بالاسم نفسه على النحو التالي: المنظمة الصهيونية/ الوكالة اليهودية حتى عام ???? حين جرت عملية مزعومة وشكلية لإعادة التنظيم بحيث أصبحت المنظمتان منفصلتين قانونياً ولكل منهما قيادة مختلفة).
ولم يهدأ الصراع تماماً بين التوطينيين والاستيطانيين. فحتى عام ????، كان الصراع يدور حول من يتحكم في المنظمة وحول تحديد أهداف المشروع الصهيوني.
أما بعد عام ????، فإن مجال الصراع أصبح تعريف اليهودي (الديني والعلماني) إذ حُسمت قضية التحكم في المنظمة لصالح المستوطنين تماماً.
?ـ الاستيطان الصهيوني (حتى عام ????).
رغم عدم اشتراك يهود البلاد العربية في إفراز الفكر الصهيوني أو الحركة الصهيونية، ورغم أن الصهيونية (بشقيها الشرقي والغربي) لم تتوجه إليهم بشكل خاص ولم تحاول تجنيدهم بشكل عام وواسع قبل عام ????، فإن إنشاء الدولة قد خلق حركيات تتخطى إرادتهم. كما أن حاجة الدولة الصهيونية إلى طاقة بشرية (بعد عزل يهود الشرق أو اختفائهم وبعد رفض يهود الغرب الهجرة) جعلها تهتم بهم وتجندهم وتفرض عليهم في نهاية الأمر «مصيراً صهيونياً»، أي الخروج من أوطانهم. وقد استقرت أعداد كبيرة منهم في الدولة الصهيونية، وإن كان من الملحوظ أن أعداداً أكبر استقرت خارجها.
وقد ظهرت صراعات بين دعاة الديموقراطية ودعاة الشمولية، وبين دعاة المشروع الرأسمالي الحر والنهج الاشتراكي، ولكنها صراعات لا عـلاقة لها بالفكر الصهيوني ولا الحركة الصهيونية فهي صراعات داخليـة بين المستوطنين، وإذا شارك فيها الصهاينة التوطينيون فإن مساهمتهم تظل ثانوية. وتعود هامشية هذه الصراعات إلى الولايات المتحدة تمول التجمُّع الصهيوني بأسره، بمن فيه من رأسماليين وإرهابيين وعقلاء ومجانين واشتراكيين وقتلة. فالحقيقة الأساسيـة هي وظيفة الدولة الصهيونية، ولذا فإن الصراعات ذات المضمون الأيديولوجى العميق أو السياسي المسطح ليست ذات أهمية كبيرة. أما الصراع بين «الإشكناز» والشـرقيين فهو صراع عميق ومهم ولكنه لا يؤثر في الفكر الصهيوني أو الحركة الصهيونية، فهو قضية إسرائيلية داخلية تماماً.
وشهدت هذه المرحلة تحول الفكرة الصهيونية، الاستيطانية الإحلالية، إلى واقع استيطاني إحلالي، إذ نجحت الدولة الصهيونية في طرد معظم العرب من فلسطين المحتلة عام ???? واستبعاد من تبقى منهم، وأصبحت الدولة/ الشتتل أو الدولة/ الجيتو، المرفوضة من السكان الأصليين، أصحاب الأرض. ولكن في عام ???? بعد ضم الأراضي الفلسطينية بمن عليها من البشر، تحولت الدولة الصهيونية من دولة استيطانية إحلالية، إلى دولة استيطانية مبنية على التفرقة اللونية (الأبرتهايد). وشهدت هذه الفترة مولد المقاومة الفلسطينية المنظمة وتصاعدها.
?ـ الصهيونية في الوقت الحاضر.
تواجه الصهيونية، كفكرة وحركة ومنظمة ودولة، أزمة عميقة في الوقت الراهن لعدة أسباب من بينها انصراف يهود العالم عنها. فالصهيونية لا تعني لهم الكثير، فهم يفضلون إما الاندماج في مجتمعاتهم أو الهجرة إلى الولايات المتحدة، وقد تدهورت صورة المُستوطِن الصهيوني إعلامياً بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى (????) إذ أن هذه الدولة الشرسة أصبحت تسبب لهم الحرج الشديد وهي لم تعد دولة إحلالية، يمكن الدفاع عنها باعتبارها دولة يهودية خالصة، فقد أصبحت دولة استيطانية تستند إلى التفرقة اللونية والفصل العنصري (الأبرتهايد). نتيجة لهذا، أصبحت المادة البشرية المُستهدَفة ترفض الهجرة، الأمر الذي يسبب مشكلة سكانية استيطانية للمُستوطِن الصهيوني. ويُلاحَظ تزايد حركات رفض الصهيونية والتملص منها وعدم الاكتراث بها بين يهود العالم.
وعلى المستوى الأيديولوجي، يُلاحَظ، في عصر نهاية الأيديولوجيا وما بعد الحداثة، أن كل النظريات تتقلص ويختفى المركز، والشيء نفسه يسري على الصهيونية إذ أن إيمان يهود العالم بها قد تقلَّص تماماً، ولذا فإن من يهاجر إلى إسرائيل إنما يفعل ذلك لأسباب نفعية مادية مباشرة. وفي داخل إسرائيل، تظهر أجيال جديدة تنظر إلى الصهيونية بكثير من السخرية. وعلى المستوى التنظيمي، تفقد المنظمة كثيراً من حيويتها وتصبح أداة في يد الدولة الصهيونية، وتُقابَل اجتماعاتها بالازدراء من قبَل يهود العالم والمستوطنين في فلسطين. ولم تغيِّر اتفاقية أوسلو من الأمر كثيراً، بل لعلها تُسرع بتفاقم أزمة الصهيونية، باعتبار أن الدولة ستصبح أكثر ثباتاً واستقراراً وستتحدد هويتها كدولة لها مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية المتشعبة التي ليس لها بالضرورة علاقة كبيرة بأعضاء الجماعات اليهودية في العالم. ويستمر الفلسطينيون العرب في المقاومة، ويرفضون الاختفاء،وتندلع الانتفاضة وتطوّر إسرائيل قوانين عنصرية ومفاهيم أمنية ومؤسسات قمعية هي في جوهرها عدوان على الفلسطينيين. وتصل المسألة إلى الذروة في تفكير «نتنياهو» و«باراك» و«شارون»، الذين يرفضون أي سلام مبني على العدل، ويطرحون رؤية للسلام المبني على موازين القوى السائدة في الوقت الحالي، أي أنهم يطالبون بالسلام المبني على الحرب.
وسنتناول في الفصول القادمة كل هذه المراحل بشيء من التفصيل.





الباب الثاني
الجذور الغربية للفكر الصهيوني


الفصل الأول
العلمانية الشاملة والاستعمار والدولة المطلقة
يميل بعض الباحثين إلى تصنيف الصهيونية باعتبارها حركة يهودية وإلى اعتبار أن جذور الرؤية الصهيونية للعالم يهودية، وذلك استناداً إلى الادعاءات والتصريحات الصهيونية والغربية. ولذا فهم في دراستهم للظاهرة الصهيونية يذهبون للتوراة والتلمود وأحياناً لكتب القبالاه والبروتوكولات. ويذهب بعض دعاة التغريب إلى أن الصهيونية، شأنها شأن النازية والعنصرية والداروينية...إلخ، انحراف عن الحضارة الغربية الإنسانية الديمقراطية...إلخ. ولكننا، لو دققنا النظر ووضعنا الحركة الصهيونية في سياقها التاريخي وإطارها الثقافي، لأدركنا أنها تعبير مباشر ومتبلور عن النموذج الحضاري الغربي الحديث، والحداثة المنفصلة عن القيمة Value free وأفرق بين نوعين من الحداثة: الحداثة المتمركزة حول الإنسان والحداثة المتمركزة حول المادة. أما الأولى فقد كان من ثمراتها الفكر الإنساني (الهيوماني) الغربي والذي كان من أساطينه سير «توماس مور» و«إيرازموس» وكبار الكتاب المسرحيين مثل «شكسبير» و«راسين» و«كورنيل». وتدور الحداثة المتمركزة حول الإنسان في إطار ثنائية الإنسان والطبيعة/ المادة وترى الإنسان لا باعتباره كائنًا طبيعيًّا ماديًّا مساويًا للكائنات الأخرى بل تراه كقيمة مطلقة وكغاية في حد ذاته، ومركزًا للكون، أي أنه كائن حر قادر على الاختيار وعلى تجاوز ذاته المادية وسطح المادة.

أما الحداثة المتمركزة حول المادة، فأمرها مختلف تمامًا. وقد عُرِّفت الحداثة بأنها استخدام العلم والتكنولوجيا والعقل في التعامل مع العالم، وهو تعريف قاصر لأنه يهمل البعد المعرفي (الكلي والنهائي) والذي أرى أنه يتلخص في عبارة value free أي المنفصلة عن القيمة. ولكن الانفصال عن القيمة يعني في واقع الأمر الانفصال عن الإنسان وعن العالم، بحيث يتحولان إلى مادة استعمالية، كما يعني غياب المعايير مما يؤدي إلى سيادة ما أسميه البنية المطلقة، أي أن تتساوى كل الأمور: الخير مع الشر، والعدل مع الظلم والجمال مع القبح. وهنا تظهر مشكلة: كيف يمكن حسم الخلافات والصراعات، والتي هي من صميم الوجود الإنساني؟ هنا تظهر قيمة واحدة هي القوة، أي أن الحداثة المتمركزة حول المادة تصبح الداروينية، حيث يمكن لصاحب القوة أن يملي إرادته ورؤيته على الواقع الإنسان، وأن يوظف الكون والإنسان والطبيعة لحسابه باعتبارهما مادة استعمالية لا قداسة لها. والحداثة المتمركزة حول المادة ترى الإنسان باعتباره كائنًا طبيعيًّا/ ماديًّا خاضعًا للحتميات الطبيعية والبيولوجية، ومع أنه هو مرجعية ذاته، فهو لا يقبل أي معايير خارج هذه الذات، إلا أنه غير قادر على تجاوزها أو تجاوز سطحها المادي. وقد نشأ في عصر النهضة الغربي صراع بين الرؤيتين ولكن الحداثة المتمركزة حول المادة هي التي كُتب لها الانتصار، فهي الإطار الذي تتحرك داخله النخب الحاكمة في الغرب وهي الرؤية التي أفرزت العلمانية الشاملة والرؤية المعرفية الإمبريالية والدولة المطلقة ومفاهيم أخرى مثل الشعب العضوي. وسنتناول في هذا الفصل، والذي يليه، بعض المكونات الأساسية الاقتصادية والسياسية والثقافية الغربية للفكر الصهيوني، وسنبيّن أنه يضرب بجذوره في الحضارة الغربية الحديثة وأنه إحدى إفرازاتها الكريهة العديدة.
السياق التاريخي والاقتصادي والحضاري للصهيونية
ثمة مركب محدد من الأسباب الحضارية الاقتصادية والتاريخية أدى إلى ظهور الصهيونية (بين غير اليهود واليهود). ونحن نذهب إلى أن سياق الحركة والفكر الصهيونيين هو سياق غربي بالدرجة الأولى، إذ إن حركيات الصهيونية مرتبطة تمام الارتباط بالتاريخ العام للغرب، وخصوصاً أن الغالبية الساحقة من يهود العالم موجودة في الغرب. فتاريخ الصهيونية جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الغربية وما صاحبه من ظواهر مرضية أو صحية (مثل معاداة اليهود وتصاعد معدلات العلمنة والثورة الصناعية)، وليس ذا علاقة كبيرة بالتوراة أو التلمود أو «حب صهيون» بالمعنى الديني أو حركيات ما يسمى «التاريخ اليهودي».
ويمكننا أن نورد أهم الأفكار والظواهر الغربية العامة التي أدت إلى ظهور الصهيونية، والقاسم المشترك بينها أنها كلها (value-free)، أي منفصلة عن القيمة. وأذهب إلى أننا لو تأملنا علاقة الصهيونية بالنموذج الحضاري الغربي والحداثة المنفصلة عن القيمة، لأدركنا أنها إحدى إفرازات الحضارة الغربية وليست انحرافًا عنها كما يدعي البعض.
? ـ ظهور العلمانية الشاملة التي حوّلت العالم إلى مادة استعمالية.
? ـ ظهور الإمبريالية في بداية الأمر كرؤية معرفية رأت العالم باعتباره مادة استعمالية يوظفها القوي لحسابه.
? ـ تحول الإمبريالية الغربية إلى قوة عسكرية وسياسية عالمية (بمعنى أن ساحتها العالم بأسره) تُجيِّش الجيوش وتوظِّف العالم في خدمة الشعوب الغربية.
? ـ ظهور الفكر العنصري المنفصل عن القيمة وهيمنته على قطاعات كبيرة في المجتمعات الغربية، وظهور معاداة اليهود الحديثة التي ارتبطت تماماً بتصاعد معدلات العلمانية الشاملة والعنصرية.
? ـ ظهور «النيتشوية» و«الداروينية» كفلسفات مهيمنة ومصاحبة للرؤية العلمانية الإمبريالية.
? ـ شيوع الرؤية الألفية الاسترجاعية والتفسيرات الحرفية للعهد القديم التي ابتعدت عن القيم الأخلاقية المسيحية وأحلت محلها بعض الأساطير المتجردة من القيمة والتي استخدمت كديباجات لتبرير الاستعمار الإحلالي في الغرب.
? ـ كما تأثر الصهاينة بأفكار أخرى امتصوها من الحضارة الغربية مثل فكرة حركة الاستنارة والبرجماتية سنتناولها في سياق مناقشة الأفكار الكبرى التي استوعبتها الصهيونية مثل الرومانسية والداروينية.
ويمكننا الآن أن نتناول أهم بعض الأفكار والظواهر الغربية التي أدت إلى ظهور الصهيونية.
العلمانية الشاملة
طرحت الصهيونية نفسها من البداية على أنها رؤية كاملة وشاملة للحياة اليهودية والتاريخ اليهودي والإنسان اليهودي وعلاقته بالطبيعة (الأرض) وبذاته (الهوية اليهودية) الخ، أي أنها طرحت نفسها كرؤية للكون. وقد أدركت الصهيونية هويتها، منذ البداية، باعتبارها حركة علمانية شاملة ترفض العقيدة اليهودية وترفض الإيمان بأية مطلقات أخلاقية أو دينية متجاوزة لعالم المادة والقوى السياسية والطبقية والصراعات الفكرية. والعنوان الفرعي لكتاب «هرتزل» (دولة اليهود) هو محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية (تماماً مثل المفكرين العنصريين الغربيين «ولهلم مار» و«إيوجين دوهرنج» اللذين كانا يصران على علمانية وعلمية رؤيتهم العنصرية لليهود واليهودية). ولنا أن نلاحظ أن مؤسسي الحركة الصهيونية الذين أتوا أساساً من مجتمعات وسط أوربا لم يعيروا اليهودية أي انتباه إلا باعتبارها مشكلة تبحث عن حل. بل إن بعضهم اعتبر العقيدة اليهودية نفسها مشكلة اليهود الحقيقية. وقد أظهر بعض زعماء الصهيونية عداءً واضحاً لليهودية، فقد تعمَّد«تيودور هرتزل» انتهاك العديد من الشعائر الدينية اليهودية حين قام بزيارة القدس، وذلك لكي يؤكد أن الرؤية الصهيونية رؤية لادينية. وكذا كان الوضع مع «ماكس نورداو» الذي كان يجهر بإلحاده، ويؤكد دائماً أن كتاب «هرتزل» دولة اليهود سيحل محل التوراة باعتباره كتاب اليهود المقدَّس. وكتاب «هرتزل» هذا لا علاقة له بالقيم الأخلاقية، فهو متحرر تماما من القيمة (value-free) ويدور في إطار الرؤية العلمانية الشاملة والرؤية المعرفية الإمبريالية. وقد اتخذ الصهاينة موقفاً لا دينياً من كثير من المفاهيم المحورية في العقيدة اليهودية، ويمكن أن نأخذ أهم العناصر المكونة للرؤية الصهيونية العلمانية الشاملة، وهي الموقف من الثالوث الحلولي: الإله والأرض والشعب، لنبيّن مدى عمق علمانية الموقف الصهيوني من المفاهيم الدينية الأساسية:
? ـ حلّ الإله في الأرض (اليهودية) والشعب (اليهودي) ـ حسب التصور الحاخامي الأرثوذكسي ـ وربط بينهما برباط عضوي لا يمكن فك أواصره. وبعد أن حل الإله في الأرض والشعب فإنه توحَّد بهما، حتى أنه أصبح لا وجود له بدونهما. ونظراً لحلول الإله في الأرض اليهودية والشعب اليهودي فإنهما أصبحا في قداسة الإله. هذا هو الموقف الحاخامي الأرثوذكسي من الأرض التي أصبحت أرض الموعد والميعاد والمعاد، كما أن هذا هو الموقف من الشعب الذي أصبح الشعب المقدس أو الشعب المختار.
? ـ ولكن بالنسبة للصهاينة الأمر جد مختلف، فصهيون (فلسطين) ليست أرضاً ذات قداسة خاصة، مرتبطة بالخلاص، وإنما مجرد أرض يُنقَل إليها اليهود لأسباب مادية علمانية. ولذا لم يطالب «هرتزل» بالقدس وإنما طالب بالأرض العلمانية فقط (على حد قوله)، أرض صالحة للتقسيم والتوزيع والاستيطان حتى يمكن إقامة قاعدة يُجمَع فيها اليهود ليقوموا على خدمة من يتكفل بحمايتهم ودعمهم.

? ـ وقد رفض الصهاينة أيضاً مفهوم الشعب المختار أو الشعب المقدَّس، وأخذوا موقفاً مغايراً تماماً، فنزعوا القداسة عن هذا الشعب ووجهوا سهام نقدهم إليه وإلى الشخصية اليهودية (الدينية) مستخدمين في نقدهم هذا مقولات تحليلية ونقدية وأنماطاً إدراكية استوردوها من كلاسيكيات الفكر العرقي الغربي، وخصوصاً أدبيات معاداة اليهود. ونقدهم في جوهره هو نقد الفكر التنويري الغربي للشخصية الدينية. وأعاد الصهاينة تعريف اليهود على أساس عرْقي أو إثني (مادي). ومن ثم، أصبح اليهود بالنسبة لهم شعباً مثل كل الشعوب، فهم مادة بشرية نافعة يمكن نقلها وتوظيفها لصالح الأقوى ومن يدفع الثمن.
? ـ وبعد تحويل صهيون إلى مادة طبيعية (أرض للاستيطان) والشعب المختار إلى شعب مثل كل الشعوب (مادة استيطانية)، وجَّه الصهاينة سهام نقدهم لعقيدة الماشيَّح والعودة فوصفها «هرتزل» بأنها رؤية متخلفة، ووسمها «بن جوريون» بالسلبية وطرح بدلاً من ذلك فكرة العودة بقوة السلاح وبمساعدة القوى العظمى لتأسيس دولة يهودية.
ويمكن القـول بأن الرؤية الصهيونية تنكر أي تجـاوز معرفي أو مطلقية أخلاقية، لأنها تبنّت الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية وما يتبعها من تمجيد لإرادة البقاء والقوة، وطُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية التي تشكل العمود الفقري لكل الصهيونيات: شعب عضوي منبوذ نافع يُنقَل خارج أوربا ليُوظَّف لصالح الغرب، وهي صيغة علمانية كاملة لا تعترف بقداسة أرض أو إنسان ولا تعترف بأية أخلاقيات. وفي هذا الإطار، يمكن فَهْم مشاريع الاستيطان الصهيونية المختلفة خارج فلسطين (صهيونية دون صهيون)، فهي مشاريع استعمارية عادية، شأنها في هذا شأن أيِّ مشروع استعماري غربي يهدف إلى حل بعض المشاكل الاجتماعية التي ظهرت داخل التشكيل الحضاري السياسي الغربي عن طريق نقلها إلى آسيا وأفريقيا. فالمشكلة كانت المسألة اليهودية وكان حلها نَقْل اليهود إلى أي مكان في الأرض وتحويلهم إلى مستوطنين غربيين.
وحتى بعد أن ظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (توظيف اليهـود داخـل إطار الدولة الوظيفية التي تُؤسَّس في فلسطين)، ظل كثير من الصهاينة ينظرون لمشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين من خلال المنظور نفسه، أي باعتباره مشروعاً استعمارياً غربياً.
وإذا كانت المنظومة العلمانية في العالم الغربي قد أخذت شكل تأسيس الدولة القومية العلمانية التي قامت بعلمنة المادة البشرية داخل نطاق الدولة وبترشيدها حتى يمكن توظيفها، ثم قامت بعد ذلك بتجييش الجيوش التي حقَّقت الانطلاقة الإمبريالية الغربية، فإن الاختلاف في حالة الصهيونية اختلاف فرعي، إذ تمت أولاً علمنة المادة البشرية اليهودية من خلال الدول القومية الغربية، ثم تم بعد ذلك نَقْل المادة البشرية بمعاونة القوى الإمبريالية الغربية، وتم أخيراً تأسيس الدولة اليهودية القومية العلمانية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التشكيل «الإمبريالي» الغربي، فالاختلاف لا ينصرف إلى الرؤية وإنما إلى ترتيب الخطوات.
ولا يزال هـذا التيار الصهـيوني العلمـاني الرافـض لليهودية قوياً، فمن المعروف أن الفكر الصهيوني كان يرفض استخدام اصطلاح «دولة يهودية»، فكتاب «هرتزل» يُسمَّى دولة اليهود لا «الدولة اليهودية». وكانت النية متجهة نحو استخدام اصطلاح «عبري» بدلاً من «يهودي»، ولذا كانت تتم الإشارة إلى «الدولة العبرية» وإلى «العبرانيين» (ولم يتم استخدام مصطلح «دولة يهودية» إلا في مراحل متأخرة). والصهاينة العلمانيون هم مؤسسو المُستوطَن الصهيوني الحقيقيون، وهم صهاينة إلحاديون تماماً، وكان المستوطنون الأوائل ينظمون مسيرة كل عام أمام المبكى (أكثر الأماكن قداسة) في يوم الغفران (أكثر الأيام قداسة في التقويم الديني اليهودي) ويلتهمون ساندوتشات من لحم الخنزير تعبيراً عن إلحادهم ورفضهم اليهودية. وقد توارت هذه الطفولية الثورية الرافضة إلى حدٍّ كبير، ولكن الإلحادية الصريحة ما تزال تُعلن عن نفسها. فلا يزال هناك صهاينة من أمثال «شالوميت آلوني» و«يائيل ديان» يحملون بغضاً عميقاً للعقيدة اليهودية والمؤسسة الدينية. بل إن الأولى كانت وزيرة للتربية في إسرائيل وكانت لا تكف عن التعبير عن احتقارها للتقاليد الدينية اليهودية. أما الثانية، وهي كاتبة روائية وابنة «موشيه ديان»، فكانت تصر دائماً على أن الملك داود كان مصاباً بالشذوذ الجنسي وأن علاقته مع «يوناثان» تدل على ذلك (وهناك مسرحية بهذا المعنى عُرضَت في إسرائيل). ولا تزال الكيبوتسات (العمود الفقري للمجتمع الإسرائيلي، وفي صفوفها تُجنَّد أعداد كبيرة من أعضاء النخبة الحاكمة) مؤسسات علمانية تماماً ترفض الاحتفال بالأعياد الدينية وتُطوِّر احتفالات خاصة بها، وتعيد تفسير كثير من النصوص الدينية والشعائر ليحل القومي الزمني محل الإلهي المتجاوز. ويصل هذا التيار إلى قمته في حركة الكنعانيين الذين يرون العقيدة اليهودية انحرافاً عن الهوية العبرية السامية. وتُعَدُّ الدولة الصهيونية من أكثر المجتمعات إباحية واستهلاكية على وجه الأرض، وكانت ستُطبَع فيها طبعة عبرية من مجلة «بنت هاوس» الإباحية وقد استُقبل محررها عند حائط المبكى احتفالاً بهذه المناسبة السعيدة. وتنتشر محلات الأشياء الإباحية في مدينة القدس وتُقام المسرحيات المهرطقة التي لا تعرف حرمة لأي شيء.
أما الأحزاب الدينية، فهي أحزاب أقلية لا تمارس نفوذها إلا في رقعة ضيقة جداً من الحياة العامة في إسرائيل، وهي على كلٍ أحـزاب تعبِّر عن يهودية تمت علمـنتها على يد الصهاينة (أي صهينتها)، ولذا فهي يهودية المظهر علمانية المخبر.
وقد نجحت الصهيونية كذلك في تصعيد معدلات العلمنة بين يهود العالم بحيث حلت الصهيونية محل اليهودية، وأصبحت المشاعر الدينية تعبِّر عن نفسها من خلال التظاهر من أجل إسرائيل وتحرير الشيكات لها.
ورغم أن الصهيونية بدأت كحركة علمانية صريحة في علمانيتها، فإنها لم تكن لتستمر على هذا المنوال للأسباب التالية:
( أ ) من المعروف في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة (ومتتالية العلمنة فيها) أن عملية العلمنة لا يمكن أن تتم بشكل واضح وصريح دفعة واحدة، حتى لا تَفزَع الجماهير من وحشية النموذج المطروح (العالم باعتباره مادة استعمالية خالية من القيمة ومجرد من الغاية)، ولذا نجد أن الخطاب العلماني يتبنَّى ديباجات دينية في المرحلة الأولى (كما هو الحال مع فلسفة «إسبينوزا» والعقائد الربوبية) لترويج أفكار إلحادية الجوهر إيمانية المظهر. ثم تظهر تنويعات مختلفة على هذه الديباجات الدينية إلى أن نصل إلى التعريفات العرْقية أو الإثنية الوثنية الصريحة المنفصلة عن القيمة. والصهيونية ولا شك، تنتمي إلى هذا النمط.
(ب) المنظومة العلمانية المادية ترفض فكرة غائية الكون وفكرة ثبات القيمة الأخلاقية ومطلقيتها. فالإنسان موجود في الكون بالصدفة دون هدف أو غاية، والأخلاق تتغير بتغير الزمان والمكان. وكل هذا يخلق ما يُسمَّى «أزمة المعنى». ولذا، فإن المنظومات العلمانية كثيراً ما تستورد مصطلحات ومفاهيم دينية دون أي التزام بالأعباء الأخلاقية المرتبطة بهذه المفاهيم، وذلك لحل مشكلة المعنى. فالجندي البريطاني الذي كان يقتل الأطفال في أدغال أفريقيا ويأتي على الأخضر واليابس، كان في حاجة إلى ما يبرر أفعاله الوحشية من خلال منظومة تستخدم ديباجات إنسانية تخبره أنه يقتل دفاعاً عن الحضارة الغربية وأخلاق المحبة المسيحية وأن هذا هو عبء الرجل الأبيض.
والصهيونية، أيضاً، حركة قامت باقتلاع مئات الألوف من اليهود من أوطانهم، ونقلتـهم إلى أرض معادية داخل مجتمعـات قام أهلوها بمقاومتهم. ولذا، لجأت الصهيونية للعقيدة اليهودية لتحل مشكلة المعنى للمادة البشرية المنقولة.
(جـ) الصهيونية، شأنها شأن أية عقيدة سياسية، تود أن تكتسب شرعية، وأن تُجيِّش الجماهير وراءها. وقد كان هذا أمراً حتمياً بالنسبة للصهيونية، فقد كانت أيديولوجية نشأت في وسط أوربا بين مثقفين يهود غير يهود، مندمجين تماماً، تشربوا الثقافة الألمانية لا مجرد معجبين بها. أما الجماهير اليهودية، فقد كانت في شرق أوربا، وهي جماهير «يهود اليديشية». وكانت قطاعات كبيرة منهم إما عميقة الإيمان بالدين أو على الأقل تربطها صلة وثيقة برموزه. ومن ثم، لم يكن هناك مفر من أن تستغل الصهيونية العقيدة اليهودية لتضفي على نفسها صبغة دينية، فلجأت إلى تبنِّي الرموز والأفكار الدينية المألوفة لدى هذه الجماهير بعد علمنتها، إذ أن أية صيغة صريحة في علمانيتها كانت ستفشل حتماً في تجنيدها. وهذا ما عبَّر عنه «كلاتزكين» حين قال: «إن الدين اليهودي يمكن أن يساهم في بلورة الروح القومية للشعب اليهودي». وقد كان «نوردوس» و«هرتزل» يدركان أهمية العناصر الدينية في تجنيد الجماهير. ولذا، فعندما فكرا في اختيار العراق مكاناً للاستيطان، فكرا أيضاً في «العناصر الصوفية» المرتبطة به وفي إمكانية الاستفادة منها. ولقد استقر الأمر على فلسطين في نهاية الأمر بسبب عدة عوامل من بينها قوة الأسطورة، أي الاسم في حد ذاته، «ففلسطين هي صرخة عظيمة تجمع اليهود» على حد قول «هرتزل».
والصهيونية، في هذا، لا تختلف من قريب أو بعيد عن كثير من أيديولوجيات المستوطنين البيض أو النازيين (بل وكثير من أيديولوجيات القومية العلمانية). فالمستوطنون البيض في جنوب أفريقيا أصحاب أيديولوجية عرْقية بيولوجية حتمية تستبعد السود من نطاق ما هو إنساني ما يتنافى تماماً مع العقيدة المسيحية. ومع هذا، فقد اسـتخدموا ديباجات مسـيحية لتسويغ كل أفعالهم، ومن ذلك إبادة الملايين، بل أسسوا كنيسة مسيحية تستبعد السود ولا تسمح لهم بالانضمام لها. وهذا أيضاً ما فعله النازيون الذين كانوا يؤمنون بأيديولوجية حلولية وثنية تماماً تحاول بَعْث التاريخ الألماني قبل دخول المسيحية في ألمانيا وقبل تغلغل أخلاق الضعفاء بين أعضاء الجنس الآري. ولكن النازية، مع هذا، أسَّست كنيسة مسيحية ألمانية بهدف اجتذاب الجماهير لهذه الأيديولوجية دون إفزاعها بالإلحاد الكامن والوثنية المتضمنة.
لكل هذا، نجد أن الصيغة الصهيونية التي شاعت هي التي تدور في إطار الحلولية الكمونية العضوية والتي تستخدم ديباجات دينية أو شبه دينية رغم أنها لا يربطها بالدين أي رابط (وهي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المُهوَّدة).
وتظهر علمانية الصهيونية في مصادرها الفكرية المتنوعة والمتعددة والتي تنتمي كلها للأنساق الفكرية العلمانية الغربية. وقد عبَّرت المنظومة العلمانية عن نفسها من خلال ما نطلق عليه «الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية» التي ترى العالم بأسـره مادة نسـبية يمكن توظيفها لصالح الإنسان الغربي، وهذه هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، فهي صيغة تستند إلى رؤية إمبريالية (من الناحية المعرفية) تهدف إلى توظيف اليهود (والعرب) باعتبارهم مادة بشرية يمكن نَقْلها واستخدامها، كما تهدف إلى توظيف الطبيعة (الأرض أو فلسطين) باعتبارها مادة طبيعية، إذ لا قداسة ولا حرمة لأي شيء. أما من الناحية الأخلاقية، فإن الصهيونية ممارسة علمانية إمبريالية منفصلة تماما عن القيمة تقوم على العنف وإبادة السكان الأصليين أو طَرْدهم من أرضهم، وهي تستـعين بالإمـبريالية الغربية في تنفيذ مخططها، سواء في نَقْل اليهود من بـلادهــم أو في طَـرْد الفلسطينيين من وطنهم.
الثورة الرأسمالية والمسألة اليهودية
ظل أعضاء الجماعات اليهودية في وضع مستقر، يحاول الصهاينة أن يؤكدوا أن سبب مأساة اليهود هو كره الأغيار لهم. وهو كره ـ كما يدعون ـ كامن في الطبيعة البشرية. وهم بذلك ينزعون مشاكل أعضاء الجماعات اليهودية من سياقها التاريخي والاجتماعي المتعين ثم يضفون عليها بعدًا لا تاريخي شبه أزلي. ومن خلال هذه الإجراءات المنهجية يصبح من الصعب، بل من المستحيل، فهم ما يحدث للجماعات اليهودية.

وفي تصوري أنه لفهم ما يحدث بالفعل لأعضاء الجماعات الغربية، ولفهم الجذور الحقيقية للصهيونية، يجب أن نعود للتاريخ الغربي وللتحولات الكبرى التي حدثت فيه. ويمكننا، بشيء من التبسيط، القول بأنه، منذ نهاية القرن الرابع عشر تقريباً، بدأت تغييرات بنيوية عميقة تدخل على المجتمعات الغربية، فبدأ النظام الإقطاعي ببنائه الهرمي الثابت يهتز، وأخذت العلاقات بين الطبقات تختل، وقامت الثورات والحركات الفكرية والاقتصادية المختلفة، ابتداءً بعصر النهضة والإصلاح الديني، مروراً بعصر الاكتشافات والرأسمالية المركنتالية وعصر الملكيات المطلقة وحركة التنوير، وانتهاءً بالثورة العلمية والصناعية والتكنولوجية والثورة الفرنسية، ثم الحركة الرومانتيكية والانقلاب الدستوري في إنجلترا وبقية أوربا. واستمرت العملية في أوربا عدة قرون طويلة (???? ـ ????) وربما إلى الوقت الحالي. وإذا بدأ المجتمع الإقطاعي المستقر مع بداية هذه الفترة، فإن المجتمع الرأسمالي المنتصر بدأ هو الآخر مستقراً مع نهاية هذه الفترة.
ويشير المؤرخ «كنيث نيل كامرون» ومؤرخون آخرون إلى ما يسمونه «الثورة الرأسمالية»، وهو اصطلاح ليس له مدلول اقتصادي وحسب بل مدلول حضاري كذلك، ولا يمكن فهم أية ظاهرة غربية في القرون الخمسة الأخيرة إلا بفهم طبيعة هذه التحولات التي طرأت على المجتمع الغربي على المستويين المادي والحضاري.
والثورة الرأسمالية هي، في نهاية الأمر، ثورة في طريقة الإنتاج والتوزيع، وفي بناء المجتمع، وفي علاقة الحاكم بالمحكوم، فجوهر الاقتصاد الإقطاعي هو تقسيم الأراضي الداخلة في وحدات اقتصادية كبيرة إلى أجزاء صغيرة يقوم الفلاحون بزراعتها لحساب مالك الوحدة الكبرى، ويحصلون على حاجاتهم المعيشية في حد الكفاف. والمجتمع الإقطاعي مقسَّم تقسيماً هرمياً صارماً يعرف كل شخص فيه مكانه ومكانته، اللذين عادةً ما يصل إليهما عن طريق الميراث وليس عن طريق الجد والعمل. وقد حُددت حقوق وواجبات كل أعضاء الطبقات تحديداً واضحاً، فالنبيل كان يعرف ما ينبغي عليه القيام به (الحماية الإقطاعية والفلاحية، وجباية الضرائب من الفلاحين، وربما الاشتراك في الحروب الصليبية). وكذلك كان الفلاحون ورقيق الأرض يعرفون واجباتهم وحقوقهم، وفي الأطراف كان التجار والصناع وكل الشخصيات الهامشية الأخرى.
ولعل أهم العوامل التي ساهمت في استقرار المجتمع الإقطاعي الأوربي هو غياب «الإنتاج المخصص للتبادل» إذ أن انهيار الإمبراطورية الرومانية أدى بدوره إلى انهيار نظام التجارة (العالمي) الذي أنشأته، وظهر ما يسمى «الاقتصاد الطبيعي»، وهو الاقتصاد الموجه أساساً نحو إشباع حاجات المجتمع ولا يتم فيه التبادل إلا عبر فائض السلع. فالتبادل التجاري في ظل الاقتصاد الطبيعي لم يكن عملية جوهرية وأساسية للنظام وإنما عملية هامشية عرضية، أي أن إنتاج المجتمع الإقطاعي كان إنتاجاً أساسه القيمة الاستعمالية وليس القيمة التبادلية. وقد وصفت الدكتورة بديعة أمين هذا النمط الإنتاجي كما يلي:
«ظلت القارة الأوربية كياناً استهلاكياً بصورة أساسية يصدر العبيد والنساء والصبيان والفراء والسيوف، ويستورد الأقمشة والحبوب والتوابل وغير ذلك من المنتجات التي تستهلكها بالدرجة الأولى طبقة الإقطاعيين والنبلاء. ومن هنا، فإنه لم يكن هناك ما يستدعي، وبتعبير أكثر صواباً، ما يمكن أن يؤدي إلى نشوء طبقة تجارية محلية تولد ولادة طبيعية».
وكان المجتمع الغربي في تلك الحقبة التاريخية التي تمتد من القرن الخامس الميلادي حتى القرن الخامس عشر مقسَّماً ليس فقط إلى دول وإمارات مستقلة تفتقد إلى سلطة مركزية قوية، وإنما أيضاً كانت كل دولة وكل إمارة مكوَّنة من جماعات متماسكة منفصلة لكل منها قوانينها، فكان النبلاء والأقنان الذين يعيشون في صميم النظام الإقطاعي يشتغلون بالقتال والزراعة، وكان التجار وأعضاء النقابات الحرفية أعضاء في البلديات، وكان القساوسة وممثلو البيروقراطية الدينية تابعين للكنيسة. وقد تمتعت كل جماعة بدرجة من الاستقلال عن الجماعات الأخرى. أما أعضاء الجماعات اليهودية، فلم يكونوا مواطنين في المدينة ولا فلاحين في الضياع الإقطاعية، ولم يكونوا من الفرسان المحاربين، كما أنهم لم يكونوا بطبيعة الحال منتمين إلى الكنيسة الكاثوليكية. وعلى أي حال، فإن الانتماء للمجتمع الإقطاعي المسيحي كان يتطلب يمين الولاء المسيحي، الأمر الذي لم يكن متاحاً لليهود إلا إذا تنصروا.
وقد حُلَّت هذه المشكلة القانونية بالعودة إلى القانون أو العرف الألماني، وتم تصنيف اليهود باعتبارهم «غرباء». وكان الغريب في العرف الألماني تابعاً للملك تبعية مباشرة. ومن ثم، فقد أصبح أعضاء الجماعة يتبعون الملك أو الإمبراطور، موضوعين تحت حمايته، بل وكانوا يُعَدُّون ملكية خاصة له بالمعنى الحرفي (أقنان بلاط باللاتينية Servi Camerae Regis وبالإنجليزية: serfs of the royal chamber) والتي تعني أقنان الخزانة الملكية. وكان الملك يفرض عليهم ضرائب كانت تصب في خزانته كما أنه كان يبيعهم المواثيق والمزايا ويحقق من ذلك أرباحاً. وقد حوّل هذا الوضع اليهود إلى أدوات إنتاج، شأنهم في هذا شأن المناجم والغابات والآلات المختلفة. ولكونهم تحت حماية الإمبراطور مباشرة، أصبح اليهود من الناحية الأساسية جماعة وظيفية مالية تابعة للطبقة الحاكمة، يتمتع أعضاؤها بحقوق تفوق في كثير من الأحيان حقوق عامة الشعب ولا تختلف أحياناً عن حقوق النبلاء ورجال الدين. ومع هذا، كان عضو الجماعة اليهودية لا حول له ولا قوة، إذ أنه، رغم تبعيته للملك والنخبة الحاكمة، كان يعيش بين قوىً شعبيــة لا تضـمر له حـباً ولا تشعـر نحـوه بأي عطـف، ويحيا في عزلة وغربة عنها، الأمر الذي زاد التصاقه بالملك وبالنخبـة وزاد اعتماده عليهم.
وقد ساعد على ظهور هذا التميز الوظيفي عدة ظروف تاريخية نوجز هنا بعضاً منها:
( أ ) بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية وانهيار النظام التجاري الذي أنشأته، انقسم العالم إلى قسمين: العالم الإسلامي والعالم المسيحي. وقد تسبب هذا في صعوبة التبادل التجاري بين القسمين بسبب اختلاف الشرائع. ولذا، أصبح اليهود حلقة الوصل الوحيدة بينهما. وساعد على ذلك اختفاء الأقليات التجارية الأخرى مثل الفينيقيين وغيرهم.
(ب) كان اليهود أقلية دينية في المجتمع الإقطاعي المسيحي، ويبدو أن المجتمعات الزراعية عادةً ما كانت توكل مهمة التاجر إلى أقلية تقف على حواف المجتمع وليس في داخله (ومن هنا المقولة الماركسية الشهيرة من أن اليهود يعيشون في مسام المجتمع الإقطاعي). ويبدو أيضاً أن هذا الأمر كان أكثر إلحاحاً في المجتمع الإقطاعي الأوربي الذي كان يستمد شرعيته (وبعض قوانينه وجانباً من رؤيته) من الدين المسيحي، وأن الإدلاء بيمين الولاء المسيحي كان أساسياً للانتماء لنخبته العسكرية الحاكمة.
(جـ) كما أن شبكة الاتصالات اليهودية الواسعة، التي كانت تغطي كل البحر الأبيض المتوسط وأجزاء أخرى كثيرة من العالم القديم، كانت تشكل ما يشبه النظام الائتماني العالمي، الأمر الذي يسر على أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب الاشتغال بالتجارة الدولية والمحلية، أي أن اليهودي كان له مكانه الواضح والمحدد في المجتمع الإقطاعي، وهو دور التاجر، وإن كانت السلع التي يتاجر بها ليست من السلع الأساسية وإنما السلع الترفية والسلع الفائضة عن الحاجة.
كل هذا يعني في واقع الأمر أن أعضاء الجماعات اليهودية تحولوا إلى جماعات وظيفية. والجماعة الوظيفية هي جماعة من البشر يستوردها المجتمع من خارجه أو يجندها من داخله ثم يُوكل لها بوظيفة لا يمكن لأعضاء المجتمع القيام بها لأسباب شتى، ثم يعرِّفُها في ضوء وظيفتها وليس في ضوء إنسانيتها المتكاملة. ومن أهم الجماعات الوظيفية الجماعات التي تقوم بوظائف مالية مثل التجارة والربا.
ولعل المزية الكبرى التي حصل عليها أعضاء الجماعات اليهودية من وضعهم كجماعة وظيفية هي حرية الحركة، إذ أصبحوا العنصر البشري الوحيد المتحرك في المجتمع. ذلك أن الأقنان والفلاحين كانوا مرتبطين بالأرض رغم أنفهم، وكان النبلاء لا كيان لهم خارج إقطاعياتهم، وكان رجال الكنيسة يرتبط كل واحد منهم بكنيسته أو ديره، كما أن التجار المسيحيين وقفت في طريقهم حواجز كثيرة أعاقت حركتهم مثل ضرائب المرور التي كان اليهود مُعْفَيْنَ منها. ولكل هذا، تحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى عنصر استيطاني تجاري متحرك وتَرسَّخ المفهوم تماماً في الوجدان الغربي.
ومع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات الغربية في العصور الوسطى جماعات وظيفية وسيطة تشكل جسماً غريباً بمعنى الكلمة وتعيش على هامش المجتمع أو في مسامه وتؤمن بدين معاد للديانة الرسمية، يرتدون أزياء خاصة بهم، ويتسمون بأسماء يهودية، ويتحدثون برطَانَات غريبة أو يتحدثون أحياناً بلغة غير لغة أهل البلاد، مثل الفرنسية في إنجلترا والألمانية (ثم اليديشية) في بولندا، ويعملون في وظائف هامشية مثل التجارة والربا. وقد أخذت عزلتهم تتزايد حتى تبلورت تماماً داخل الجيتو خلال القرن الخامس عشر الميلادي.
واستمرت عملية تحول المجتمعات الغربية من النمط الإقطاعي في الإنتاج إلى النمط الرأسمالي حتى القرن الخامس عشر واكتملت مع حلول القرن التاسع عشر (وإن كانت لا تزال هناك جيوب إقطاعية في كل أوربا). ويمكن تفسير هذه العملية بمركب متداخل من الأسباب الاقتصادية والسياسية، من بينها ظهور المدن وازدياد حجم التجارة الدولية والصناعات المحلية. وقد شجع هذا كثيراً من الأقنان على الهرب من القرية إلى المدينة.
وأدى ازدياد حجم التجارة إلى زيادة ثمن الحاصلات الزراعية، الأمر الذي حفز الكثير من كبار وصغار الملاك الإقطاعيين على إصلاح الأراضي البور للحصول على غلتها. واضطر كثير من الإقطاعيين إلى منح الأقنان حريتهم نظير أن يقوموا بالعمل المطلوب منهم. وتزامنت هذه العملية مع الموت الأسود (مرض الطاعون) الذي اجتاح أوربا وأهلك ثُلث سكانها مع نهاية العصور الوسطى. وبالتالي، فقد ازدادت ندرة الأيدي العاملة، وازدادت المدن قوة وازدادت القرية ضعفاً مع زيادة عدد الأقنان الأحرار.
وساهمت عدة عوامل سياسية أخرى في عملية إضعاف النظام الإقطاعي، من بينها حروب الفرنجة التي قضت على الكثير من النبلاء الإقطاعيين، وحرب المائة عام التي أدت إلى ثورات الفلاحين وإلى ظهور حالة من الفوضى العامة. ولعل أهم الأسباب السياسية هو ظهور الملكيات القومية القوية (خاصةً في إنجلترا وفرنسا) التي عملت جاهدة على أن تكون لها جيوش نظامية مستقلة عن النظام الإقطاعي (تتكون من جنود ذوي أصول غير أرستقراطية)، الأمر الذي أدى إلى تقوية قبضة الملك ومكنه من أن يكيل الضربات للأمراء والإقطاعيين وأن يصبح «ملكاً» بمعنى الكلمة بعد أن كان مجرد كبير للأمراء. وكثيراً ما تحالف هؤلاء الملوك مع الجماعات الهامشية في المجتمع مثل التجار وسكان المدن لضرب الإقطاع والإقطاعيين.
وما يهمنا في هذه البانوراما التاريخية هو أن نبين أن وضع اليهود الذي كان مستقراً داخل المجتمع الإقطاعي الثابت قد اهتز، وأنه لم تعد الأمور محددة المعالم كما كانت من قبل. فبعد أن كان أعضاء الجماعات اليهودية يشتغلون بالتجارة الدولية، ظهرت اتحادات من التجار الدوليين المسيحيين، مثل «العصبة الهانسية»، وهو اتحاد تجاري دفاعي تشكل بين المدن الساحلية في شمال ألمانيا، ومثل اتحاد لندن. كما ظهرت أساطيل تجارية قوية تابعة لجنوة والبندقية. وقد تمتعت هذه الاتحادات والأساطيل (المسيحية) بدعم الدولة، مما أضعف من قبضة التجار اليهود على التجارة الدولية واضطرهم إلى الاشتغال بالتجارة الداخلية والإقراض بالربا. ولكن حركة التاريخ كانت تأخذ مجراها، فظهرت طبقات التجار المحليين والمصارف المحلية التي زاحمت التاجر والمرابي اليهودي ثم احتلت أماكنهما، وبدأ أعضاء الجماعات اليهودية يفقدون وظيفتهم الأساسية في المجتمع الإقطاعي. وبدلاً من أن يلعبوا دوراً مثمراً، إن لم يكن منتجاً، وجدوا أنفسهم لا على هامش المجتمع وحسب ولكن عبئاً حقيقياً عليه لا دور لهم فيه.
وهذا الوضع الناجم عن تطور المجتمع الغربي من الإقطاع إلى الرأسمالية هو ما يمكن تسميته بالمسألة اليهودية. فالمسألة اليهودية ليست نتيجة اضطهاد الأغيار (غير اليهود) لليهود، وليست مؤامرة حيكت ضد اليهود، وإنما هي ظاهرة اجتماعية اقتصادية مفهومة تشبه في كثير من الوجوه المسألة اليونانية أو المسألة الإيطالية في مصر أو المسألة العربية في أفريقيا (إن صح التعبير). ففي هذه المجتمعات، قام اليونانيون والإيطاليون والعرب بدور الجماعة الوظيفية، ووقعوا ضحية للتطور التاريخي الذي طرأ على مجتمعاتهم وأصبحوا جماعات وظيفية بلا وظيفة. وقد حلت المسألة اليونانية في مصر، على سبيل المثال، برحيل كثير من اليونانيين إلى اليونان أو إلى أي بلاد أخرى، وتبقى من تبقى منهم بعد اندماجهم في المجتمع المصري وتقبُّل وضعهم دون تميز حضاري أو مهني. وقد تم الشيء نفسه بالنسبة للجماعات اليهودية في كل من إنجلترا وفرنسا، إذ طُردت الغالبية العظمى منهم وبقي عدد قليل اندمج مع بقية السكان، وكان اليهود المطرودون يحلون مشكلتهم عن طريق التقهقر إلى الوراء، أي بالهجرة إلى مجتمعات لا يزال النظام الإقطاعي فيها ثابتاً مستقراً. ولعل هذا يفسر انسحابهم إلى وسط أوربا ثم إلى شرقها (خاصةً بولندا). بل إنه من المعروف أن اليهود اتجهوا إلى بولندا بناءً على دعوة من حكامها وتشجيع منهم في القرن الثالث عشر، وذلك لتشجيع التجارة في هذه المملكة الإقطاعية.
ولكن للتاريخ منطقه المستقل إلى حدٍّ كبير عن نوايا الأفراد ومقاصدهم، ولهذا فإن الدورة الاقتصادية التي شاهدنا حدوثها من قبل في فرنسا وإنجلترا أخذت مجراها في بولندا وظهرت، كما هو طبيعي ومتوقع، طبقة من التجار المحليين والمصارف المحلية التي حلت محل التجار والمرابين اليهود. ولعل التجار المسيحيين المحليين قد تمكنوا من الحلول محل التجار اليهود بسهولة، لأن انتماءهم الحضاري لمجتمعاتهم قديم ولا شبهة فيه.
لكن الأهم من كل هذا هو نوعية التجارة التي كان التاجر اليهودي يمارسها وتلك التي كان يمارسها التاجر المسيحي المحلي، فالتجارة اليهودية تجارة بدائية (تعتمد على رأس المال التجاري الربوي) وهي ضرب من التجارة ترعرع في المجتمع الإقطاعي «حيث لا يوظف التاجر اليهودي أمواله في الإنتاج... ولا يبتاع مواد أولية، ولا ينفق على صناعة الأقمشة، فرأسماله التجاري ليس إلا وسيطاً بين منتجات لا يسيطر عليها ولا يخلق ظروف إنتاجها». أما الرأسمالي الجديد فإنه يقف في وسط العملية الإنتاجية ذاتها، يأخذ المخاطر ويوظف كل أمواله في شراء المواد الخام وابتياع العمل اللازم لتحويلها إلى سلع. والسلع التي يتم إنتاجها ليست مجرد سلع ترفية أو سلع استهلاكية، بل هي سلع تنتج بغرض بيعها داخل نظام اقتصادي مبني على البيع والشراء. وإذا كان التاجر اليهودي يقف على هامش المجتمع الأوربي، فإن التاجر الجديد قد وُلِد في رحم هذا المجتمع (ضمن الاقتصاد الرأسمالي الجديد). وكلما ازداد القطاع الرأسمالي قوة، ازداد هو قوة إلى أن حل تماماً محل التجارة البدائية، وتحول اليهود إلى جماعة وظيفية بلا وظيفة، وطرحت المسألة اليهودية نفسها على أوربا الشرقية ثم الغربية ثم على العالم الغربي بأسره.
الاستعمار
ومن المفارقات التاريخية أن الثورة الرأسمالية التي أدت إلى ظهور المسألة اليهودية هي التي أدت أيضاً إلى ظهور الحل الصهيوني. فقد أدت هذه الثورة (والثورة الصناعية التي تُعَدُّ أحد أهم تبدياتها) إلى السيطرة المتزايدة من قِـبَل الإنسان على الموارد الطبيعية، وأصبح من الممكن للإنسان أن ينتقل من مكان إلى مكان في يسر وسهولة حتى تحولت الدنيا بأسرها إلى مجرد «قرية عالمية». وأصبح من الممكن للمرء أن ينتقل من لندن إلى بومباي في ساعات بعد أن كانت هذه الرحلة تستغرق من قبل شهوراً أو سنوات، بل وأصبح من الممكن للإنسان أن يقطن في أي مكان يختاره (حاراً كان أم بارداً) إذ أصبح لديه من الآليات ما يمكنه من السيطرة على بيئته المباشرة، فيبني البيوت ويكيفها ويحتفظ بالأطعمة لمدة طويلة. وكما لاحظنا من قبل، غيَّرت الثورة الرأسمالية وجه الإنتاج الاقتصادي من مجرد إنتاج استهلاكي إلى إنتاج سلعي، أي أن الإنتاج من أجل التسويق أصبح عنصراً أساسياً، وتحرك السوق وعالم التجارة من الهامش إلى المركز. وقد فجرت هذه العملية بعض الطاقات الخلاقة في الإنسان، فقامت الثورة الصناعية وتوصلت أوربا منذ تلك الفترة إلى مجموعة مذهلة من الاختراعات، خاصةً في مجال الطاقة، إذ تمكن الإنسان من تسخير الطاقة الطبيعية في خدمته في الأغراض الصناعية بحيث أصبحت إنتاجية الفرد الواحد في يوم تعادل إنتاجية قرية بأسرها في شهر. وقد ولَّد هذا النمط الإنتاجي الجديد رغبة استهلاكية شرهة في الأسواق المحلية ثم المجاورة ثم العالمية، مما أدى إلى ظهور التشكيل «الإمبريالي» الغربي بأشكاله المختلفة والذي وصل إلى قمته حين قامت الاحتكارات الدولية بتقسيم العالم، بكل ثرواته وأسواقه، فيما بينها، ثم جيَّشت الجيوش الهائلة وبنت البحريات الضخمة لتسوية أي خلافات قد تنشأ أثناء عملية التقسيم، ولضمان الأمن في المستعمرات المفتوحة. وقد تمت هذه العملية تقريباً قبل الحرب العالمية الأولى (ويمكن رؤية هذه الحرب كنتيجة لمحاولة الدول الرأسمالية الإمبريالية المختلفة إعادة تقسيم غنائمها الآسيوية والأفريقية).
ولا يمكن رؤية الصهيونية خارج هذا السياق الاستعماري الإمبريالي. فحلم اليهود بالعودة إلى أرض الميعاد قديم قدم اليهودية ذاتها. ولم يكن الفلسطينيون (العرب) يبدون أية مقاومة ضد اليهود الذين كانوا يحضرون لفلسطين للصلاة أو حتى للاستيطان لأهداف دينية، بل إنهم كانوا يرحبون بهم. وعلى الرغم من هذا، فإن عدد اليهود في فلسطين لم يزد عام ???? عن عشرة آلاف يهودي فقط. وفي عام ???? لم يكن عدد اليهود يزيد عن «?? ألف يهودي من جملة ?? مليون يهودي في العالم يعبرون في صلواتهم ثلاث مرات عن رغبتهم في العودة إلى «أورشليم»، لكن الحلم الديني في العودة لم يؤد إلى نقل اليهود (والمسألة اليهودية) إلى الشرق. وهذا يعود إلى أن العودة الجماعية والحرفية لم تكن مطروحة أساساً على المستوى الديني. فالدين اليهودي، في إحدى صوره، يؤمن بأنه «في الوقت الذي يحدده الرب وبطريقته، وعندما يصبح الإنسان مؤهلاً للتحرر المطلق، فسوف يعاد اليهودي إلى فلسطين». ولكن حلم العودة لن يتم على أيدي الأفراد وإنما على يد الماشيح (أي المسيح ـ المخلِّص اليهودي). بل إن التلمود يقرر، في بعض نصوصه، أن أي شخص يهودي يعود إلى فلسطين بغرض الاستيطان وليس بغرض التعبد يخالف بذلك الوصايا الربانية ويرتكب جريمة «الدحيكات هاكتس»، أي التعجيل بالنهاية (بدلاً من انتظار إرادة الإله).
ولكن الاستعمار الغربي وجد أن الحل الوحيد الممكن لمسألة الغرب اليهودية هي تصديرهم («عودتهم» في المصطلح الديني) إلى آسيا وأفريقيا. وهذا متسق تماماً مع الرؤية الغربية الإمبريالية للكون التي حولت العالم إلى مادة استعمالية يوظفها القوي لصالحه. وكان العالم الغربي يدرك تماماً أنه يملك القوة التكنولوجية اللازمة لسحق كل من يقف في طريقه، فقام بإبادة شعوب واستعباد شعوب، وحل مشاكله الاقتصادية والاجتماعية عن طريق تصديرها إلى الشرق. فمشكلة الحصول على المواد الخام اللازمة للإنتاج، ومشكلة الإنتاج السلعي، كانت تُحل عن طريق استعمار الأراضي وتحويلها إلى مناجم ومزارع وأسواق. ومن أهم المشاكل التي نجمت عن الثورة الرأسمالية مشكلة الانفجار السكاني، الأمر الذي زاد من حدة أزمة البطالة، وأدى إلى ظهور جماعات المتعطلين الذين كان يطلق عليهم اصطلاح «الفائض البشري» (human surplus). ولكن الحل الاستعماري كان دائماً جاهزاً، إذ قامت أوربا بتصدير فائضها السكاني إلى الأمريكتين ثم إلى آسيا وأفريقيا وأخيراً إلى أستراليا ونيوزيلندا، واستقر الأوربيون في جيوب استعمارية استيطانية في الجزائر وجنوب أفريقيا والهند.

وقد طُرحت عدة حلول للمسألة اليهودية هي في جوهرها حلول ترمي إلى «تحديث» اليهود واليهودية انطلاقاً من أن أزمة اليهود واليهودية قد نجمت عن ارتباطهم اقتصادياً وحضارياً بالمجتمع الإقطاعي السائد وعن كونهم جماعات وظيفية بلا وظيفة، وبالتالي كان عليهم أن يعيدوا صياغة أنفسهم حتى يتكيفوا مع المجتمع التجاري الصناعي الجديد الذي ظهر في أوربا (في غربها في بداية الأمر، ثم في شرقها مع حلول القرن التاسع عشر) ويكتسبوا وظائف جديدة تسهِّل عليهم عملية الانخراط في المجتمع الجديد (وبطبيعة الحال، كان هناك الرافضون تماماً لأي شكل من أشكال التحديث مثل جماعات المتصوفين الذين يطلق عليهم «الحسيديون»).
وكانت الصهيونية إحدى الاستجابات اليهودية المختلفة لأزمة اليهود واليهودية في المجتمع الأوربي الحديث، وكانت تهدف إلى تحديث اليهود واليهودية بشكل أو بآخر. وقد وجدوا أن الحل الاستعماري لمشاكل أوربا، بما في ذلك المسألة اليهودية، هو الحل الأمثل، ولذا أيَّدوا تصدير المسألة اليهودية مع ما يُصدَّر من مشاكل وسلع بائرة إلى آسيا أو أفريقيا أو أي مكان آخر بخلاف أوربا. فدعوا إلى نقل الفائض البشري اليهودي من أوربا إلى خارجها، تماماً كما يدعون إلى نقل [ترانسفير] العرب من فلسطين إلى خارجها، أي أن الإدراك الصهيوني للذات وللآخر يضرب بجذوره في الرؤية الاستعمارية الغربية، خاصةً وأن الفائض البشري اليهودي كان من المفروض فيه أن يشكل قاعدة للاستعمار الغربي. وبالتالي، ينجح اليهود في الاندماج في الحضارة الغربية من خلال التشكيل «الإمبريالي» الغربي، بعد أن فشلوا في تحقيقه من خلال التشكيل الحضاري والاجتماعي الغربي.
وقد لاحظ جمال حمدان الحقيقة الهامة التالية: «أن الاستعمار كله ما تم إلا على يد أوربا وما تم إلا خارجها، ولم يحدث في التاريخ الحديث أن استعمر جزء من أوربا باستثناء نقاط من الاستعمار الاستراتيجي في جبل طارق ومالطة وقبرص... لقد كان الاستعمار ـ بوضوح ـ صناعة أوربية مسجلة ولكنها للتصدير إلى خارج أوربا فقط وغير قابلة للاستهلاك المحلي بحال». ولذا، لم يفكر أحد قط في تصدير المسألة اليهودية إلى لندن أو باريس، ولم يفكر أحد قط أن تستقطع منطقة من ألمانيا، حتى بعد مذبحة الإبادة النازية، لإقامة الوطن القومي اليهودي فيها، وإنما كان التفكير في مصر وكينيا وقبرص والكونجو وموزمبيق والأرجنتين والعراق وليبيا. وفي نهاية الأمر، كانت فلسطين الضحية الفعلية نظراً لبعض العوامل الخاصة بالاستعمار الصهيوني.
وكانت الصهيونية واعية تماماً بنفسها كحل استعماري للمسألة اليهودية. ولعل المنشور الذي صدر عام ???? عن «المنظمة الصهيونية في بريطانيا العظمى» بعنوان «الصهيونية: رد على النقد الجديد»، لعل هذا المنشور يلخص هذا الجانب من الحركة الصهيونية. يبدأ المنشور بتأييد الحقيقة البديهية التي أثبتتها التطورات اللاحقة وهي أن «الصهيونية لا تتفق ومبدأ تقرير المصير» لأن هذا المبدأ يعني ببساطة تقبُّل «التركيب العرقي الحالي في كل مقاطعة وبلدة». ثم يسأل المنشور: «هل تم الاعتراف في أي وقت مضى من تاريخ المدنية كله بأن استعمار إقليم متخلف لا يمكن أن يتم إلا بموافقة غالبية السكان الحقيقيين هناك؟ لو كانت الحال كذلك لندر أن يُستعمر أي بلد في العالم؟». ثم يدافع المنشور عن الفكرة الأساسية الكامنة وراء الاستعمار، فكرة تصدير المشاكل، فيقول: «إذا نفذ مبدأ تقرير المصير حتى نهايته المنطقية المجردة، وتم استفتاء السكان المحليين، لأصبح كل توسع مستحيلاً، ولسارت الجماهير الأوربية تطوف طليقة وتجول على هذا الطرف من الأطلسي بينما حفنة من الهنود الحمر لا تزال تطوف طليقة في مساحات أمريكا التي لا حدود لها». (شبَّه «بن جوريون» المعارك العنيفة التي خاضها المستوطنون الصهاينة ضد الفلسطينيين بتلك التي شنها المستوطنون البيض ضد الطبيعة الوحشية وضد الهنود الأكثر وحشية).
وقد تحدث المفكر الصهيوني الروسي «ليو بنسكر» عن حله للمسألة اليهودية بالمصطلح الاستعماري نفسه إذ يقول: «يتوجب علينا أن نرسل اليهود غير المندمجين والفائضين [غير المنتجين في المصطلح الصهيوني] إلى مكان آخر»، فهدف الحركة الصهيونية «هو إيجاد وطن آمن يعيش فيه بأمان هؤلاء اليهود الفائضون الذين يعيشون الآن كطبقة بروليتارية عالة على المواطنين الأصليين». ثم يضيف: «لو تمكنا مثلاً من توزيع اليهود على كل أنحاء العالم لأمكن، ربما بهذا التوزيع، حل المشكلة اليهودية». ولكنه كان يعرف جيداً أن «معظم البلاد المتحضرة [أي الأوربية] سوف لا تقبل بهجرة اليهود الجماعية إليها»، ولذا يجب الحصول على «بلد خاص لنا في الولايات المتحدة أو أي ولاية تركية». وقد وصف «أوسكار رابينوفيتش»، في كتاب هرتزل السنوي، المشروع الصهيوني بأنه يهدف إلى حل المسألة اليهودية عن طريق تحويل «تيار المهاجرين اليهود من إنجلترا إلى أفريقيا وآسيا»، وبأنه يهدف إلى تدعيم بريطانيا عن طريق «إنشاء مركز يهودي للحكم» يطل على الطريق البريطاني الحيوي (لندن ـ «سنغافورة» ـ ملبورن). وقد وصف «هرتزل» الفكرة الصهيونية عن حق بأنها «فكرة استعمارية»، ولذا فقد أرسل بمشروعه لسير «سيسيل رودس» «ليضع ختم شرعيته» على هذا المشروع. أما «ناحوم سوكولوف»، المؤرخ والزعيم الصهيوني، فقد قرر حسم التناقض بين الصهيونية كحركة بعث روحي والصهيونية كحركة استعمارية بأن قرر: علينا أن نكون صهاينة «في استعمارنا وروحنا وديننا».
وإذا كانت الصهيونية فكرة استعمارية، فإن كل مؤسساتها وممارساتها لابد وأن تتصف بهذه الصفة الجوهرية. وقد كتب «هرتزل» مثلاً في كتاب دولة اليهود عن الشركة اليهودية التي ستقوم بتنفيذ كل من الخطة العملية والمخططات السياسية التي ستعدها الجمعية اليهودية (أي المنظمة الصهيونية). وهذا التصور يشبه إلى حدٍّ كبير نسق الاستيطان الكولونيالي في الجزائر وروديسيا. ولذلك، حينما تأسست هذه الشركة بالفعل، أطلق عليها اسم «الشركة اليهودية الاستعمارية (الكولونيالية)» (وبالطريقة نفسها كانوا يتحدثون عن «البنك الكولونيالي»، وعن «الصندوق اليهودي الكولونيالي»).
والدولة الصهيونية، حسب التصور الصهيوني، هي تعبير عن جوهرها الاستعماري المتأصل، فهي ستكون «إمبراطورية بريطانية مصغرة» (إنجلترا الصغرى، على حد قول «هرتزل») وستستند دعائم صهيون الجديدة إلى الغزو الاستعماري وستمتد من جبال «كليمنجارو» في كينيا إلى فلسطين. وتتفق رؤية «موسى هس»، في كتابه روما والقدس مع رؤية «هرتزل»، وإن اختلفت عنها في بعض التفاصيل، ففكرة «هس» الصهيونية هي أيضاً فكرة استعمارية، وهي أيضاً تهدف إلى حل المسألة اليهودية عن طريق تصديرها. فهو يقول: إننا عندما نتكلم عن إقامة مستعمرات في الشرق لا نعني أن يهاجر يهود الغرب كلهم إلى فلسطين (فالدولة اليهودية لا تهدف إلى استيعابهم كلهم)، وإنما نهدف إلى استيعاب الفائض (أولئك الذين فشلوا في «أن يشقوا طريقهم إلى الحضارة الغربية بجهد بالغ ويحققوا لأنفسهم مركزاً اجتماعياً) أما الذين نجحوا في هذه العملية (فلن يتخلوا عن أي نجاح حققوه، لأن تضحية ذات نتيجة محددة كهذه هي ضد طبيعة الإنسان). ولكن «هس»، رغم هذا الاتفاق في نقطة الانطلاق، يعرف جيداً حدود الرؤية والممارسة، ولذلك فهو لا يتحدث قط عن إمبراطورية صهيونية استعمارية، وإنما يتحدث عن مستعمرة أو مستعمرات وحسب «ننشئها في بلد أجدادنا بمساعدة فرنسا، صديقتنا الحبيبة، المخلِّص الذي سيعيد لشعبنا مكانته في التاريخ العالمي».
والصورة هنا هي صورة فائض يهودي يبحث عن مخرج من مسألته اليهودية يقدم نفسه لقوة استعمارية تقوم بنقله إلى الشرق، ليستوطن هناك و«ليحل» محل أحد الشعوب الشرقية ـ نظير أن يصبح الجيب الصهيوني الجديد الدخيل «عميلاً» للقوة العظمى التي تقوم بحمايته، وهذا هو النمط الأساسي الذي يتواتر في الكتابات الصهيونية. ويمكننا القول إن الاستعمار الصهيوني هو إفراز للتشكيل الاستعماري الغربي، ولكن إفرازات هذا التشكيل متنوعة، فهو استعمار إحلالي ليس له دينامية مستقلة عن الدولة العظمى التي تتبناه. ولعل هاتين السمتين، إحلاليته وعمالته؛ هما السمتان الأساسيتان للاستعمار الاستيطاني الصهيوني.
ويمكن بشيء من التبسيط غير المخل تخيل أنواع الاستعمار المختلفة على هيئة هرم، لا تنفصل قمته عن قاعدته، وإن كانت تختلف عنه، ولعل المعيار الكامن في تدرج هذا الهرم هو درجة التشوه التي تلحق بجماعة المقهورين نتيجة للغزو الاستعماري. إذا قبلنا هذه الصورة المجازية، مع علمنا التام بأنها صورة تصنيفية وحسب وليست مقولة إمبريقية، فإننا سنجد عند قاعدة الهرم ما يسمى بالاستعمار الجديد، وهو أن تتحكم القوة العظمى الاستعمارية في مصير الشعب وثرواته عن طريق حكومات عميلة وعن طريق منظمات دولية خاضعة لهيمنة القوى العظمى (كما هو الحال الآن في معظم دول العالم الثالث). ومثل هذا النوع من الاستعمار يمارس سلطاته بشكل غير مباشر، ولذلك فالتشوهات الحضارية والاجتماعية التي يلحقها بمجتمع المقهورين قد لا تكون في عِظَم التشوهات التي قد تسببها أنواع الاستعمار الأخرى. يقع فوق هذا، في هرمنا الافتراضي، الاستعمار التقليدي، حيث ترسل الدولة الغازية بجيوشها وتحتل بلداً ما لتحويل سكانه إلى مصدر للعمالة الرخيصة وللاستيلاء على موارده الطبيعية ولتحويله إلى سوق للسلع الفائضة وللاستفادة من وضعه الاستراتيجي (كما كان حال مصر إبان فترة الاحتلال الإنجليزي). ومثل هذا النوع من الاستعمار يلحق كثيراً من التشوهات بالمجتمع المستعمَر، إذ يفرض ثقافته ويقضي على فرص هذا المجتمع في أن يطور نفسه بشكل طبيعي ويمنع سكانه من أن يسيطروا على مصيرهم. ولكن مع هذا لا يمكن أن تُقاس هذه التشوهات بتلك التي يلحقها الاستعمار الاستيطاني (وهو الضرب الثالث من الاستعمار) بالمجتمع المستعمَر، إذ أن الاحتلال هنا يأخذ شكل جماعة استيطانية، بكل مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والحضارية (من أسر وحكومات ونسق قيمي وجيش ولغة)، تُلقي بظلالها الكثيفة على السكان الأصليين، الذين يتحولون إلى عبيد يهاجرون يومياً من قراهم ومخيماتهم إلى المدينة الاستيطانية أو إلى المناجم ليعملوا نظير أجور هي دائماً أقل من حد الكفاف، بينما تعمل الزوجات في أماكن أخرى، ولا توجد أي مؤسسات حضارية تقليدية أو حديثة لترعى النشء الجديد مما ينتج عنه تشوه كامل لبناء المجتمع الأصلي. وفي قمة الهرم يقع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، وحسب معلوماتي لا يوجد في الوقت الراهن سوى الاستعمار الصهيوني الذي ينتمي إلى هذا النوع، وهو يشبه في كثير من النواحي استعمار الرجل الأبيض للولايات المتحدة. فالرجل الأبيض هناك لم يهدف إلى استغلال الأرض ومن عليها من سكان، وإنما كان يهدف إلى استغلال الأرض دون سكانها، ولذا كان لابد من إبادة السكان الأصليين. وهذا ما حدث في فلسطين، إذ لم يقم الصهاينة باستعمار الفلسطينيين وتحويلهم إلى عبيد مؤاجرين، وإنما قامت الصهيونية بالاستيلاء على الأساس المادي الذي يستند إليه المجتمع الفلسطيني ذاته، وأحلت المستوطنين الصهاينة محل الفلسطينيين، الذين طُردوا من ديارهم (ربما لأن الإبادة لم تكن مطروحة بسبب الصعوبات العملية، وإن كنا نعرف حالات حاول المستعمر الصهيوني فيها إبادة أعداد من الفلسطينيين ونجح في ذلك إلى حدٍّ ما، فالهدف من مثل هذه المذابح ليس بأية حال طرد الفلسطينيين وإنما الإجهاز عليهم). وبهذا يكون الاستعمار الاستيطاني الإحلالي أكثر أنواع الاستعمار شراسة وضراوة.
ولابد وأن نبيّن أن إحلالية الاستعمار الصهيوني هي نتيجة حتمية «لصهيونيته» (و«يهوديته» المزعومة)، بل إننا يمكن أن نعتبر أن الإحلالية والصهيونية هما مترادفان يعبران عن الشيء نفسه. فالصهيونية كانت تهدف لإنشاء دولة يهودية خالصة، ووجود أي عنصر غير يهودي داخل هذه الدولة سيؤدي إلى إفشال المشروع الصهيوني من أساسه، أي أن البرنامج الصهيوني، لأنه صهيوني، كان يقتضي إحلال اليهود محل العرب، وليس مجرد استغلال هؤلاء العرب. ولذا بينما كان الفلاح الإفريقي المطرود يُستوعب في النظام الاقتصادي الجديد كبروليتاري، كان الفلسطيني يتحول إلى لاجئ ـ أي إنسان منفصل عن أي نمط إنتاجي أو علاقات إنتاجية (ولعله من أكبر إنجازات منظمة التحرير الفلسطينية أنها احتفظت لهؤلاء اللاجئين ـ على الرغم من وضعهم الفريد ـ بهويتهم القومية وبإحساسهم بالانتماء لوطنهم الفلسطيني ولأمتهم العربية).
وكان غالبية الصهاينة مدركين للطبيعة الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية للمشروع الصهيوني، ولعل شعار «شعب بلا أرض لأرض بلا شعب» هو إفصاح عن هذا الاتجاه الإحلالي. والنزعة الإحلالية واضحة في كتابات «هرتزل» من البداية حينما يتحدث عن استخدام «المواطنين الأصليين» في قتل الثعابين الكبيرة والحيوانات المفترسة الأخرى، ثم إعطائهم وظائف في دول أخرى يقيمون فيها بصفة مؤقتة إلى أن يتم اختفاؤهم بشكل كامل. وكان «إسرائيل زانجويل» يرى (عام ????) أنه يجب أن يتم تدريجياً نقل العرب الفلسطينيين وتوطينهم في ما أطلق عليه «المملكة العربية الجديدة الواسعة»، حتى يتسنى تحويل فلسطين إلى «وطن قومي يهودي». وقد كتب «وايزمان» في أغسطس عام ???? يقول: إن نجاح مشروع تقسيم فلسطين يتوقف على «ما إذا كانت الحكومة ترغب بالفعل أو لا ترغب في تنفيذ هذه التوصية الخاصة بنقل العرب. وقد ذكر «جوزيف وايتز»، ممثل الوكالة اليهودية المسئول عن الاستيطان في صحيفة دافار (?? سبتمبر ????)، أنه هو وغيره من الزعماء الصهاينة توصلوا في عام ???? إلى نتيجة مفادها أنه ليس هناك «مكان يتسع لكلا الشعبين [العربي واليهودي] معاً في هذا البلد»، وأنه لتحقيق الأهداف الصهيونية لابد وأن تُقام دولة عند نهر الأردن ليس فيها عرب، ولذا كان من الضروري ـ حسب قوله ـ «نقل العرب من هنا ومن الدول المجاورة... نقلهم جميعاً، وبعد انتهاء عملية النقل هذه سيكون في مقدور الدولة (الصهيونية) استيعاب الملايين من إخواننا. وقد وافق جميع الزعماء الصهيونيين، باختلاف اتجاهاتهم السياسية، على إحلالية الاستعمار الصهيوني، سواء كان «سوكولوف» الصهيوني السياسي اليميني، أو «بوروخوف»، زعيم «اليسار» الصهيوني.
وكان «كارل كاوتسكي»، المفكر الثوري اليهودي، من أوائل المفكرين الذين أدركوا الطبيعة الإحلالية للاستعمار الصهيوني في دراسته الشهيرة هل يشكل اليهود جنساً؟ إذ تكهن بأن المستوطنين اليهود سيعانون الكثير خلال النضال العربي من أجل الاستقلال، لأن الاستعمار الصهيوني يدل على نية اليهود على البقاء في فلسطين ليس بهدف استغلال السكان الأصليين وحسب، بل لطردهم نهائياً أيضاً. ولا ندري هل كان «بن جوريون» واعياً بالأساس النظري الذي تنطلق منه الممارسات الصهيونية، ولكننا نعرف أنه أدرك الخاصية الإحلالية للاستعمار الصهيوني بعد إنشاء الدولة الصهيونية على الأقل، إذ اقترح على «ديجول» أن يتبنى الشكل الإحلالي من الاستعمار الاستيطاني حلاً للمشكلة الجزائرية، فتقوم فرنسا بإخلاء المنطقة الساحلية من الجزائر من سكانها العرب على أن يتم توطين الأوربيين وحدهم فيها، ثم تعلن المنطقة دولة مستقلة أوربية بيضاء خالصة لسكانها حق تقرير المصير، تماماً مثل الدولة اليهودية الخالصة (ولكن رد «ديجول» كان يتسم بالذكاء التاريخي إذ رفض أن يخلق «إسرائيل أخرى»، على حد قوله).
هذه هي الخاصية الأولى للاستعمار الصهيوني، أما الخاصية الثانية فهي عمالة الاستعمار الصهيوني. فالمشروع الصهيوني ابتداءً لم يكن من الممكن تنفيذه من الناحية التكنولوجية البحتة إلا بعد الثورة الرأسمالية التي ربطت أجزاء العالم وحولته إلى سوق واحد تقريباً، متماسكة أجزاؤه، وهي الثورة التي جعلت عملية نقل الملايين من قارة إلى أخرى وتوطينهم أمراً ممكناً. ومن الناحية العسكرية السياسية، لم يكن من الممكن أن تتم هذه العملية إلا بحماية قوة عظمى تضمن للمستوطنين الأوربيين (الصهاينة في هذه الحالة) قطعة أرض تقتطعها من آسيا وأفريقيا ثم تقوم بإمدادهم بالسلاح وبالعون العسكري اللازمين لصد هجمات السكان الأصليين.
ولعل عمالة الاستعمار الصهيوني تظهر أكثر ما تظهر في بحثه الدائب، في المراحل الأولى عن قوة إمبريالية ترعاه، فقد تفاوض «هرتزل» مع العثمانيين ثم مع الألمان والروس ومع الفرنسيين، وأخيراً مع الإنجليز الذين أدركوا الإمكانيات الاستعمارية الكامنة في المشروع الصهيوني، وقد كللت هذه المساعي بالنجاح، بعد موت «هرتزل»، بصدور وعد «بلفور». وقد أصبحت لندن بعد ذلك هي مقر القيادة الصهيونية، ولكن مع انتقال مركز الإمبريالية العالمية من العاصمة الإنجليزية إلى «واشنطن»، انتقلت القيادة الصهيونية هي الأخرى إلى هناك لتضمن أن تكون على مقربة من القوة الأساسية التي ترعاها.
ولم تكن عمالة الاستعمار الصهيوني بأمر خافٍ على الزعماء الصهاينة. فقد كان «هرتزل» يرى أن الدولة الصهيونية ستكون بالدرجة الأولى «مستعمرة كبيرة» تدعم النفوذ البريطاني، بل إنها ستكون بمثابة «مستعمرة جديدة غنية» تضاف إلى الإمبراطورية العتيدة. وقد شارك «نورداو» في هذا التصور أيضاً، فالدولة الصهيونية ستكون تحت وصاية بريطانيا العظمى، أما «اليهود [وهو يعني في الواقع الصهاينة] فسيكونون بمثابة حراس على طول الطريق ابتداءً من الشرقين الأدنى والأوسط حتى حدود الهند».
ويفهم من كلمات «نورداو» أن الدولة الاستيطانية والمستوطنين سيقومون على خدمة الإمبراطورية. ولكن يبدو أن المخطط الصهيوني لم يكن يهدف لهذا وحسب، وإنما كان يهدف أيضاً إلى تحويل كل يهود العالم إلى «عملاء» أو «تابعين سريين» (على حد قول «هرتزل» في مذكراته).
كما أن إحلالية الاستعمار الاستيطاني تكمن في صهيونيته، كذلك نجد أن عمالته لصيقة بشكل عضوي بصهيونيته أيضاً. وهذا ما نبه إليه «جابوتنسكي»، إذ قال إن فلسطين العربية ستنضم إلى بقية العالم العربي، أما الدولة الصهيونية التي لا تنتمي إلى المنطقة فستضطر أن تلجأ لبريطانيا لحمايتها وبالتالي ستكون معتمدة عليها اعتماداً كاملاً بما يضمن استمرار التعاون بين الاستعمار الصهيوني العميل والاستعمار البريطاني.
وقد أشرنا من قبل إلى أن الاعتماد على قوة استعمارية كبرى كان أمراً أساسياً لتحويل الرؤية الصهيونية الاستعمارية إلى حقيقة، وذلك لحماية المستوطنين من السكان الأصليين. ولكن يبدو أنه في حالة الصهيونية كان من الضروري الحصول على العون «الإمبريالي» الغربي لفرض الرؤية الصهيونية على اليهود أنفسهم الذين أبدوا معارضة قوية في بادئ الأمر ضد الحركة الصهيونية، وهذا ما اعترف به «وايزمان» حينما صرح أن وعد «بلفور» «كان مبنياً على الهواء» فالصهاينة «كانوا يقفون وحدهم على جزيرة صغيرة ـ مجموعة صغيرة من اليهود لها ماضٍ أجنبي». وكحل لهذه المشكلة ـ مشكلة الحركة الاستعمارية الاستيطانية التي لا تملك جماهير لنقلها إلى فلسطين ـ اقترح «وايزمان» استراتيجية الهجوم على اليهود من أعلى، أي أن تقوم الحركة الصهيونية بكسب ود القوة الإمبريالية. وبالتالي فإنها تكتسب شرعية أمام الجماهير اليهودية مما يضطر اليهود المناهضين للصهيونية إلى الموافقة على المشروع الصهيوني وعلى الانخراط في صفوف الحركة الصهيونية في الوقت المناسب. ولعل هذا هو السبب أن «وايزمان» أصر على أن يدرس المشروع الصهيوني لا في ضوء العهد القديم أو الجديد، وإنما «في ضوء المصالح الإمبريالية» (المنفصلة عن القيمة إنسانية كانت أم يهودية) ويبدو أن هذا هو ما تم بالفعل، ولذلك تحمس حكام الإمبراطورية وصدر وعد «بلفور»، وهو الوعد الذي يمنح الصهاينة «حقوق» المستعمرين «وواجباتهم»، ويمنح الحركة الصهيونية الشرعية الاستعمارية التي كانت تسعى لها.

الدولة المطلقة
ومن الأفكار المحورية في التشكيل الحضاري الغربي الحديث فكرة «الدولة المطلقة». و«الدولة المطلقة» غير الحاكم المطلق. فالحاكم المطلق هو الديكتاتور أما الدولة المطلقة فهي الدولة التي تعتبر نفسها المرجعية النهائية والتي لا تحتاج لأية شرعية، وبالتالي فإن مصلحة هذه الدولة هي القيمة المطلقة التي تتفرع عنها كل القيم الأخرى. ولكن لأن الدولة مرجعية ذاتها، فبوسعها أن تغير هذه القيم حسبما يتراءى لها وحسبما ترى مصلحتها. أي أن قيم الدولة المطلقة ليست قيما في واقع الأمر وإنما ديباجات لتبرير أفعالها بما في ذلك إبادة الآخرين أو تسخيرهم لصالحها. ويُلاحظ أن أهمية الدولة تزايدت تدريجياً في المجتمعات الغربية الحديثة حتى أصبحت الركيزة الأساسية للمجتمع ومصدر تماسكه الوحيد (بدلاً من القيم الدينية). ثم أصبحت الدولة هي المطلق موضع التقديس الذي يحل محل الكنيسة والإله، وأصبحت مصلحة الدولة العليا الإطار المرجعي للمنظومة القيمية. ومع ظهور القومية العضوية، أصبحت الدولة الإطار الذي يعبِّر الشعب العضوي من خلاله عن ذاته ويحقق تماسكه العضوي. ثم يصل هذا التيار إلى ذروته مع الفكر الهيجلي إذ أصبحت الدولة الأداة التي تتوسل بها «الفكرة المطلقة» لتحقيق ذاتها، بل أصبحت تجسد الفكرة المطلقة في التاريخ.
والفـكر الصهيوني لا يختلف عن الفكر الغربي إلا في التفاصـيل، فالدولة اليهودية هي الإطار الذي سيعبِّر الشعب العضوي المنبوذ (أي المادة البشرية التي سيتم نقلها) عن هويته من خلاله. وتكتسب الدولة في الفكر الصهيوني دلالة أخرى هي فكرة الدولة الراعية الغربية. فقد أدرك الصهاينة من اليهود في مرحلة «هرتزل» أنه لن يتأتى لهم تحقيق مشروعهم القومي إلا من داخل مشروع استعماري غربي. ومن هنا كان البحث عن دولة غربية عظمى تقوم بعملية نقل اليهود وتوطينهم وتأمين موطئ قدم لهم والدفاع عنهم ضد السكان الأصليين داخل إطار دولة عميلة تدين للغرب بالولاء.
وقد أصبحت الدولة بعد مرحلة «هرتزل» و«بلفور» جزءاً من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. وكما هو الحال عادةً، نجد أن الإجمـاع الصـهيوني لا ينصـرف إلا إلى هذه الصيغة الأساسية الشاملة، أما ما عدا ذلك فهو موضع خلاف وصراع (دون قتال) بسبب الطبيعة المراوغة للخطاب الصهيوني. وقد اكتسبت الدولة اليهودية أبعاداً دينية مطلقة وأصبحت هي آلية تَحقُّق الحلم المشيحاني بل مركز الحلول. وبعد إعلان الدولة الصهيونية، بدأ كثير من اليهود ينظرون إليها باعتبارها الكنيس المركزي وإلى رئيس وزرائها باعتباره الحاخام الأعظم. ومع انتشار لاهوت موت الإله بين اليهود، أصبحت الدولة حرفياً هي تَجسُّد المطلق في العالم المادي، الآن وهنا، فهي على حد قول أحد المفكرين اليهود «العجل الذهبي». (انظر الجزء المعنون «بعض الاختلافات الصهيونية بشأن الدولة الصهيونية» الفصل الحادي عشر من الباب الثالث).
العنصرية (ومعاداة اليهود)
عبَّرت الثورة الرأسمالية عن نفسها من خلال الأنواع المختلفة من الاستعمار، وقد ساند العملية الاستعمارية مجموعة من الاعتذاريات والتبريرات تتسم بالعنصرية، إذ تفترض هذه الاعتذاريات أن «عدم المساواة بين الأجناس... حقيقة تاريخية واضحة» (على حد قول «بلفور»)، فهناك أجناس متفوقة لها كافة الحقوق وأجناس متخلفة ليس لها حقوق على الإطلاق أو لها على الأكثر حقوق محددة.
والنظرية العنصرية الغربية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالثورة الرأسمالية. وقد أشار مؤلف مدخل «العلاقات بين الأجناس» في دائرة المعارف الدولية للعلوم الاجتماعية إلى أنه يمكن القول بأن «علاقات الأجناس قد بدأت بالتوسع الذي حققته القوى الأوربية الكبرى فيما وراء البحار ابتداءً من القرن الخامس عشر فصاعداً» (وهذا هو الوقت الذي بدأ فيه ظهور الأفكار الاسترجاعية المسيحية). ولكن هذا الاحتكاك الأولى بين الأجناس لم يتم في إطار التفوق التكنولوجي الأوربي، فالمغول في الهند والعثمانيون في البحر الأبيض المتوسط كانوا لا يزالون في قوة أي دولة أوربية أخرى، وكان في مقدورهم صد أي هجمات أوربية. وكان في مقدور الصينيين واليابانيين حتى القرن التاسع عشر أن يفرضوا شروطهم على الأوربيين الذين يودون دخول بلادهم والاتجار معهم. بل إن أفريقيا ذاتها كان بها دول قادرة على صد الهجمات العسكرية الغربية. والاستثناء الوحيد لهذه القاعدة كان الأمريكتين لأن سكانها الأصليين لم يكن لهم أي صلة بالتطورات التكنولوجية التي حدثت في القارات الأخرى، ولذا كان من السهل على الإنسان الأبيض المسلح أن ينشئ إمبراطوريات غربية هناك، وأن تظهر بالتالي أولى النظريات العنصرية في إسبانيا في القرن السادس عشر.
وفي منتصف القرن الثامن عشر، تغير الوضع وحققت أوربا تقدماً تكنولوجياً جعل جيوشها قادرة على كسب معظم المعارك العسكرية التي قد تدخلها، وهنا بدأ الأوربيون يدركون «تفوقهم». وبينما كانت أحاسيس التفوق في الماضي تستند إلى ادعاءات الإنسان (الدينية أو الفكرية) عن نفسه (وهي ادعاءات فكرية ذاتية واهية)، بدأت أوربا بعد الثورة الصناعية ترى تفوقها مستنداً إلى الآلات والمدافع. وقد ظل هذا الإحساس في تزايد حتى بداية القرن العشرين حين أصبح «حقيقة علمية» تساندها نظريات مثل نظرية «داروين» وأبحاث «علمية» أخرى ربطت بين الانتماء العرقي والحضارة. وقد بين كاتب مدخل «العنصرية» في دائرة المعارف البريطانية الجديدة أنه ليس من المصادفة أن العنصرية ازدهرت في وقت حدوث الموجة الثانية الكبيرة من التوسع الاستعماري الأوربي والزحف على أفريقيا، وهي أيضاً فترة ظهور الصهيونية وبداية الاستيطان الصهيوني في فلسطين.
وقد بين المفكر النازي «ألفريد روزنبرج»، أثناء محاكمته في «نورنبرج»، أن العنصرية جزء أصيل من الحضارة الغربية الحديثة وليس انحرافاً عنها كما يدّعي بعض العلمانيين والتنويريين في مجتمعاتنا، وأكد لقضاته العلاقة العضوية بين العنصرية والاستعمار، فأشار إلى أنه عثر على لفظة «سوبرمان» في كتاب عن حياة اللورد «كتشنر»، وهو الرجل «الذي قهر العالم»، كما أكد أنه صادف عبارة «العنصر السيد» في مؤلفات عالم الأجناس الأمريكي «ماديسون جرانت» والعلامة الفرنسي «لابوج». وأضاف قائلاً إن هذا النوع من الأنثروبولوجيا العنصرية ليس سوى «اكتشاف بيولوجي جاء في ختام الأبحاث التي دامت ??? عام». وقد كان «روزنبرج» محقاً فيما قاله، «فالعلم» الغربي في القرن التاسع عشر شغل نفسه بنظرية الأجناس، وظهرت أسماء مثل «و.ف. إدواردز» و«روبرت سوكس» والمفكر الإنجليزي «توماس آرنولد» (والد الشاعر والمفكر المشهور ماثيو آرنولد). وقد أثرت أفكار «نوكس» في «داروين» صاحب نظرية التطور، التي كان من اليسير على دعاة العنصرية أن يتبنوا منظورها المنفصل عن القيمة (كما فعل «نيتشه»)، وأن ينقلوا مفاهيمها من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان لتبرير الغزو والإبادة.
ويمكن تلخيص الأفكار الأساسية للفكر العنصري الغربي فيما يلي:
? ـ الحضارات غير الغربية أدنى بكثير من الحضارة الغربية.
? ـ الشعوب غير الغربية تختلف عرقياً عن الشعوب الغربية، وهذا الاختلاف وراثي.
? ـ ولأن الحضارة والعرق هما الشيء نفسه، فإن التخلف الحضاري أمر وراثي وبالتالي حتمي.
وقد ظهرت نظريات سياسية عديدة في درجة عنصريتها، فمنها من يرى أن «المتخلفين» أقرب إلى الحيوانات منهم إلى البشر، وبالتالي يجب إبادتهم. ومنهم من اتخذ موقفاً أكثر «رقة» ونظر للمتخلفين باعتبارهم يحتاجون إلى رعاية خاصة ولابد أن يؤخذ بأيديهم وأن يوضعوا تحت الوصاية وكأنهم أطفال. وهناك من بلغ به الحد إلى إلغاء وجودهم تماماً، بحيث أصبحت بلادهم «أرضاً بلا شعب» أو «مناطق جغرافية لا تاريخ لها».
وبغض النظر عن مدى قسوة أو رقة النظرية، نجد أن الافتراض الأساسي هو افتراض تخلف بعض الأجناس وتفوق البعض الآخر، وإن هذا التفوق يعطي هذا الفريق حقوقا مطلقة تجُب حقوق المتخلفين. ولذا كان من الممكن على المفكر الصهيوني ماكس نورداو أن يقترح توطين العمال الأوربيين العاطلين في آسيا وأفريقيا، وهم من الجنس المتفوق الأبيض، ليحتلوا مكان «الأجناس الأدنى» التي لا تستطيع البقاء خلال معركة التطور. وقد صرح بذلك قبل أن يتبنى الصهيونية حلاً للمسألة اليهودية.
كانت العنصرية إذن من أهم الأطر الإدراكية للحضارة والمجتمع الغربي في القرن التاسع عشر. وقد وُلد الإدراك الصهيوني للواقع داخل هذا الإطار وكان لابد وأن تتأثر به وتستفيد منه، فالرجل الأبيض المتفوق له حقوق متميزة، والصهيونية التي تبنت الحل الاستعماري كان لابد وأن تتبنى العنصرية أيضاً لأنهما وجهان للعملة نفسها. وبالفعل، نجد أن الصهيونية حاولت أن تنظر لليهود من الناحية الأساسية باعتبارهم جزءاً من الجنس الأبيض المتفوق. وعلى الرغم من أن الترويج لنظرية اليهودي كعضو في الجنس الأبيض المتفوق لم تبحث بشكل واعٍ أو على نطاق واسع، إلا أنها كانت الفكرة المتضمنة والكامنة في المساعي الصهيونية الأولى.
فقد كان «هرتزل»، على سبيل المثال ـ منطلقاً من افتراض أن المشروع الصهيوني هو واحد من مشاريع الرجل الأبيض الاستعمارية ـ يؤكد على ضرورة التنسيق بينها حتى لا تتعارض الحقوق المختلفة «للبيض» مع بعضها البعض. وقد كتب في مذكراته، قبل أن يجتمع مع «جوزيف تشامبرلين» ـ وزير المستعمرات الإنجليزي، أنه ينبغي عليه أن يبين له «بقعة في الممتلكات الإنجليزية ليس بها حتى الآن بيض» قبل مناقشة ذلك المخطط الصهيوني للاستيطان. وافتراض إسرائيل زانجويل النقاء العِرْقي للمشروع الصهيوني، وحبذ الاستيطان الصهيوني في شرق أفريقيا كوسيلة لمضاعفة «عدد السكان البيض» التابعين لبريطانيا هناك.
والحديث الذي لا ينتهي في الكتابات الصهيونية عن تقدم اليهود وتفوقهم على أهل البلاد الأصليين وعن حقوق اليهود، لا يمكن فهمه إلا في إطار النظريات العنصرية الاستعمارية الغربية. إن عودة اليهود لبلاد الأجداد لن تتم حسب رؤى العهد القديم أو كتب «الأبوكريفا» أو غيرها من الكتب أو الأساطير، وإنما سيعود اليهود ـ من منظور «حاييم وايزمان»، أول رئيس للدولة الصهيونية ـ «بصفتهم ممثلين للحضارة الغربية»، وسيجلبون معهم العادات الغربية الراسخة مثل النظافة والنظام [والأسلحة الجديدة؟] «إلى هذا الركن الموبوء والبالي من الشرق» [المليء بالمواد الخام والعمالة الرخيصة؟]. إن الدولة الصهيونية، شأنها في هذا شأن المستعمرات الأخرى، مثل الجزائر والكونغو وجنوب أفريقيا التي ذبح فيها الملايين، ستشكل «جزءاً من جدار الدفاع عن أوربا في آسيا، ومعقلاً للحضارة ضد التخلف والهمجية».
ولكن من المفارقات التي واجهها الصهاينة أن العنصرية الغربية لم تكن موجهة ضد الأفريقيين والآسيويين وحسب، وإنما كانت موجهة أيضاً ضد اليهود. فالفكر العنصري الغربي يسري فيه تيار قوي معادٍ لليهود، بل إنه يمكن القول بأن الفكر الاسترجاعي المسيحي الغربي (وهو كما بيّنا إرهاص للفكر الاستعماري) الذي يدعو إلى توطين اليهود في فلسطين هو فكر معادٍ لليهود يطالب بالتخلص منهم. ونحن إذا ما نظرنا إلى كتابات المفكرين الاسترجاعيين لوجدنا أنهم من كبار المعادين لليهود. ولعل أهم المفكرين والساسة الاسترجاعيين على الإطلاق هو اللورد «بلفور». ولكننا إذا درسنا مواقفه وسلوكه السياسيين لاكتشفنا تلازم صداقته الظاهرية لليهود ومعاداته الحقيقية لهم. ففي عام ???? نجد أنه تبنى وناصر مشروع الاستيطان الصهيوني في شرق أفريقيا، ولكنه في الوقت نفسه أيَّد قانوناً يقيد عدد اليهود المسموح لهم بدخول إنجلترا كمهاجرين. إن «بلفور» كان ينظر لليهود باعتبارهم «جماعة معادية أدى وجودها داخل الحضارة الغربية إلى بؤس وشقاء استمر دهراً من الزمن»، إذ أن تلك الحضارة لا تستطيع طردهم أو استيعابهم. و«ولاء اليهود للدولة التي يعيشون فيها» ـ حسب تصور «بلفور» ـ «ضعيف إذا ما قورن بولائهم لدينهم ولعرْقهم»، وهذا يعود لطريقة وجودهم وعزلتهم. إن موقف «بلفور» من اليهود موقف معادٍ لهم فهو يراهم شعباً لا جذور له ولا ولاء محدد له، ولذا يجب توطينهم خارج الحضارة الغربية.
إن مشروع توطين اليهود في فلسطين هو، في واقع الأمر، مشروع لطرد اليهود من الغرب، وتصديرهم ضمن ما صدَّرت أوربا من نفايات إلى الشرق، أي أنه مشروع يتضمن كرهاً واحتقاراً عميقين لليهود. وسنكتشف أن الصهيونية التي تبنت الحل الاستعماري للمسألة اليهودية تبنت أيضاً الرؤية العنصرية لليهود.
السياق اليهودي الغربي للظاهرة الصهيونية
في محاولتنا دراسة الجذور الغربية للظاهرة الصهيونية وللفكر الصهيوني، حاولنا أن نضعها في سياقها الأساسي وهو التاريخ الأوربي بكل أبنيته الفكرية والحضارية والاقتصادية. ولكننا، مع ذلك، يجب ألا نهمل العناصر الخاصة بأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب والتي أدت إلى ظهور الصهيونية، فالصهيونية كانت بلا شك مشروعاً استعمارياً استيطانياً إحلالياً عنصرياً لا يختلف عن المشاريع الاستعمارية الاستيطانية الأخرى، ولكنها كانت أيضاً لها خصوصيتها اليهودية الغربية. ودراستنا للعناصر اليهودية في خلفية الصهيونية التاريخية لا تعني بأية حال أنها ظاهرة فريدة لا تنتمي إلى أي نمط، وإنما تعني أنها ظاهرة لها خصوصيتها برغم انتمائها إلى نمط تاريخي معروف. وفي تصورنا أن كل الظواهر تتسم بمفرداتها الخاصة، فقد تدخل فيها عناصر لا تدخل في الظواهر المماثلة، وتختلف الطريقة التي تترابط بها عناصر ظاهرة ما عنها في الظواهر الأخرى، كما تختلف علاقة الجزء بالكل من ظاهرة لأخرى. والوضع نفسه ينطبق على الظاهرة الصهيونية، فعلاقة الصهيونية بالثورة الرأسمالية (والإمبريالية) تختلف عن علاقة النازية بها، وذلك على الرغم من أن الصهيونية والنازية ظاهرتان متماثلتان، وتنتميان للتشكيل الحضاري الاقتصادي نفسه. ولذا، فإن اعتذاريات الصهيونية تختلف عن اعتذاريات النازية، كما يختلف مجالهما وأساليبهما وتوجهاتهما. كما أرى أنه يجب أن نشير إلى أن ما يسمى «الخصوصية اليهودية» ليست خصوصية عالمية يتسم بها أعضاء الجماعات اليهودية أينما كانوا، وإنما خصوصية غربية، أي أنها مرتبطة تمام الارتباط بالتشكيل الحضاري الغربي الحديث.
ويمكننا القول إن ثمة عناصر اجتماعية وفكرية غربية عديدة كان لها تأثيرها القوي على وضع الجماعات اليهودية في الغرب، أدت إلى ظهور الصهيونية وساهمت في تشكيل الفكر الصهيوني، نذكر بعضًا منها فيما يلي:
? ـ فشل المسيحية الغربية في التوصل إلى رؤية واضحة لوضع الأقليات على وجه العموم، ورؤيتها لليهود على وجه الخصوص، باعتبارهم قتلة المسيح ثم الشعب الشاهد على عظمة الكنيسة (في الرؤية الكاثوليكية) وأداة الخلاص (في الرؤية البروتستانتية) إذ لا يمكن أن يتم الخلاص دون عودة اليهود إلى فلسطين وتنصيرهم.
? ـ مناقشة قضية إعتاق اليهود في إطار فكرة المنفعة، ومدى نفع اليهود للمجتمعات الغربية.
? ـ تزايد أعضاء الجماعات اليهودية زيادة ملحوظة بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، وخصوصاً في شرق أوروبا، ابتداءً من القرن التاسع عشر.
? ـ وجود اليهود في مناطق حدودية متنازع عليها بين الدول الغربية.
? ـ تعثُّر التحديث في شرق أوروبا الأمر الذي دفع بالألوف إلى أوروبا الغربية، وهو ما ولّد الفزع في قلوب حكومات غرب أوروبا وأعضاء الجماعات اليهودية فيها. ونحن نذهب إلى أن عام ???? (تاريخ صدور قوانين مايو التي كرَّست تعثُر التحديث في الإمبراطورية القيصرية الروسية) هو تاريخ ظهور الصهيونية بين اليهود.
? ـ عزلة يهود «اليديشية» ثقافياً وبخاصة في منطقة الاستيطان وفشل قطاعات كبيرة منهم في التكيف مع الأوضاع الجديدة.
? ـ أزمة اليهودية الحاخامية وظهور حركات الإصلاح والدمج.
? ـ سقوط القيادات التقليدية للجماعات اليهودية (الحاخامات وأثرياء اليهود) وظهور المثقف اليهودي الذي فقد هويته اليهودية ولم يكتسب هوية غربية جديدة.
ولكن كما بيّنا من قبل، تُعد الثورة الرأسمالية هي السبب الأساسي الذي أدى إلى ظهور المسألة اليهودية، ويمكن أن نضيف هنا أن الثورة الرأسمالية عبرت عن نفسها في أشكال مختلفة تختلف باختلاف الظروف الحضارية أو الاقتصادية أو الدينية للظاهرة التي تتأثر بها الثورة. فالثورة الرأسمالية، على سبيل المثال، تركت أثراً عميقاً على طبقة النبلاء المسيحيين وعلى التفكير الديني المسيحي وعلى الفلاحين المسيحيين وعلى أعضاء الجماعات اليهودية. وهددت الثورة الرأسمالية مواقع النبلاء المسيحيين، فقاوموها كما حدث في فرنسا مثلاً، أو هادنوها كما حدث في إنجلترا. أما بالنسبة للدين المسيحي، فإنه يمكن رؤية الإصلاح الديني وظهور البروتستانتية كتعبير عن هذه الثورة الرأسمالية. أما بالنسبة للفلاحين، فقد هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى المدينة حيث تحولوا إلى «بروليتاريا». وعبرت الثورة الرأسمالية عن نفسها بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في شكل المسألة اليهودية والتي قلنا إنها مشكلة انتقال اليهود واليهودية من مسام المجتمع الإقطاعي وهامشه إلى صلب المجتمع الرأسمالي الجديد، وهي أيضاً المشكلة التي كانوا يسمونها (Productivization of the Jews) أي تحويل اليهود إلى قطاع إنتاجي، أي جعل اليهود يكتسبون المهارات اللازمة حتى يتكيفوا مع المجتمع الجديد ويساهموا فيه إنتاجياً بدلاً من أن يصبحوا عبئاً عليه. والمشكلة، كما أسلفنا، كانت إذن مشكلة «تحديث» اليهود واليهودية.
والواقع أن الثورة الرأسمالية هي التي أدت إلى هذا الوضع، ولكنها في الحقيقة لم تكن وحدها المسئولة عن ظهور المسألة اليهودية وإنما كان لتميز اليهود الوظيفي والاقتصادي دور فعال أيضاً. فالإقطاعي المسيحي كان أمامه بديل أو بدائل عديدة من بينها محاربة الاقتصاد الجديد أو الانضمام له، والفلاح المسيحي كذلك كان أمامه بدائل قد تكون أقل جاذبية من البدائل المتاحة أمام الإقطاعي وكان مجال الحركة مفتوحاً أمامه. أما اليهودي فكان مسلوب الإرادة ولا تسنح له بدائل تاريخية جديدة. ولعل هذا ما يفسر الإحساس بالبؤس الذي عانت منه الجماهير اليهودية مع بداية القرن السادس عشر، وانتشار الحركات الماشيحانية بينها، وهي حركات صوفية تبشر بوصول الماشيح (المسيح المخلِّص) الذي سيأخذ شعبه المختار ليعود به إلى أرض الميعاد. ويمكن ترجمة هذا «المصطلح» الصوفي إلى مصطلح أكثر نثرية بالقول بأن الماشيَّح سيوجد بديلاً تاريخياً أمام الجماهير اليهودية التي وجدت نفسها في طريق مسدود. وبالفعل، طالبت الحركة الماشيحانية الفرانكية بإعطاء أرض لليهود حتى يتمكنوا من الاشتغال بالزراعة وترك التجارة الإقطاعية الطفيلية. وهذا الشعار هو الذي تبنته الحركة الصهيونية في نهاية الأمر وإن كانت قد ضمته إلى نسقها الفكري الاستعماري، وأصبحت القضية هي العودة لفلسطين هروباً من طفيلية وهامشية الشتات، من شخصية التاجر والمرابي للعمل بالزراعة والأعمال اليدوية المنتجة الأخرى.
عبَّر التميز الاقتصادي والوظيفي لأعضاء الجماعات اليهودية عن نفسه في ظاهرة الجيتو. وكان من الممكن نظرياً أن يتأقلم أعضاء الجماعات اليهودية بالتدريج في المجتمع الجديد، كما حدث للفئات الأخرى من المجتمع وكما حدث ليهود غرب أوربا (خاصةً في إنجلترا وفرنسا)، خاصةً وأن عملية التحديث استغرقت في أوربا عدة قرون (على عكس الوضع في العالم الثالث). ولكن مثل هذه العملية التدريجية لم تتم بالنسبة لليهود، خاصةً في شرق أوربا، إذ انعزلوا عن التيار الأساسي للحضارة الغربية داخل أسوار «الجيتو». ولم يكن هذا الانعزال في بداية الأمر شيئاً سيئاً، بل كان أمراً يطالب به اليهود أنفسهم، باعتبار أن الفصل بين الطبقات هو السمة الأساسية للمجتمع الإقطاعي، وباعتبار أن عزلتهم في «الجيتو» كان الهدف منها تيسير أدائهم لمهمتهم. ومع تآكل هذا المجتمع، تحول الجيتو من مكان يقطنه أعضاء الجماعات اليهودية ويمارسون فيه استقلالهم الديني والوظيفي إلى مكان يُعزلون فيه. وقد تسبب انهيار الأساس الاقتصادي للجيتو في انهيار معنوي وأخلاقي كامل، كما زاد من حدة اضطهاد العالم الخارجي للقاطنين فيه، وأصبح الجيتو هو المكان الذي يتم فيه عزل ومحاصرة أعضاء الجماعات اليهودية بعد أن كان المكان الخاص المقصور عليهم.

ثم تحول «الجيتو» في كثير من الأحيان إلى مكان قذر للغاية، تتفشي فيه الأمراض وتتراكم فيه القاذورات وتحيط به أسوار وحيطان عالية، وله بوابة واحدة أو بوابتان ويمنع اليهود من مغادرته. وقد ترك الانحطاط الاقتصادي والمعماري للجيتو أثراً عميقاً على وجدان القاطنين فيه، وعمق من انفصالهم عن العالم الخارجي، ولون إدراكهم للواقع.
وقد واجه يهود شرق أوربا كثيراً من الصعاب في الانتقال إلى العصر الحديث نتيجة لتخلفهم الحضاري. ومن هنا ظهرت الصهيونية باعتبارها إحدى صيغ التحديث، ولكنها إحدى الصيغ السطحية للغاية، والتي ادعت أنها تحدِّث اليهود واليهودية ولكنها قامت في واقع الأمر بخلق أكبر جيتو في العالم: الدولة الوظيفية الصهيونية. والصهيونية في جوهرها رؤية جيتوية وإدراكها للواقع جيتوي، ويمكن أن نلخص بعض نقاط التشابه بين الصهيونية والرؤية الجيتوية والوضع الجيتوي فيما يلي:
( أ ) كان سكان الجيتو ينظرون للعالم الخارجي نظرة شك عميقة تستند إلى الثنائية الحادة التي تسم رؤية الجماعات الوظيفية للعالم. والصهيونية تتبنى هذه النظرة، فهي تنطلق من ثنائية اليهود والأغيار والتي تتبدى في نظرية الأمن الإسرائيلية، كما تتبدى في كل الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي الذي يصدر عن هذا الشك العميق في الأغيار (الذي يمثلهم العرب في الخريطة الإدراكية الصهيونية).
(ب) ورثت إسرائيل دور «الجيتو» في منطقة الشرق الأوسط، فالجيتو لم يكن منتجاً من الناحية الاقتصادية، وإنما كان يقدم دوراً وحسب، فقد كان المكان الذي تقيم فيه الجماعة الوظيفية اليهودية التي كانت تقوم بدور الوسيط. وإسرائيل تلعب الدور نفسه، فهي دولة وظيفية تلعب دور الوسيط بين الدول الإمبريالية والعالم العربي، ووظيفتها هي تأديب العرب لحساب العالم الغربي نظير أن يقوم الغرب بحمايتها.
(جـ) لم يكن المرابي اليهودي يستغل الفلاحين وحسب وإنما كان يهدد الأساس المادي لوجودهم، إذ كان ينزع ملكية الفلاحين بعد دورة الإقراض الطويلة. وقد بينا من قبل أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الإحلالي لا يختلف كثيراً عن ذلك، فقد استولى على الأساس الإنتاجي للشعب العربي في فلسطين.
( د ) إذا كان «الجيتو» يتواجد في هامش المجتمعات الغربية، فإن الدولة الصهيونية تصر على أن تكون في الشرق الأوسط «جغرافياً» دون أن تنتمي إليه «حضارياً»، ولذلك فهي توجد أيضاً على هامشه.
(هـ) وثمة جوانب جيتوية أخرى عديدة في الدولة والرؤية الصهيونية، مثل اعتماد الدولة الصهيونية على دولة عظمى لحمايتها وتمويلها، ومثل إيمان الصهاينة بأن كل شيء يُباع ويُشترى فيقترحون دفع التعويضات للفلسطينيين حتى ينسوا وطنهم، ويدفعون الحوافز والرشاوى لليهود السوفيت حتى يهاجروا إلى أرض الميعاد.
كل هذه العناصر تبين أن الصهيونية لم تحدِّث اليهود وإنما نقلتهم إلى الشرق العربي ليحتفظوا بالمكونات الأساسية للجيتو وللرؤية الجيتوية في شكل دولة وظيفية حديثة أسست للدفاع عن مصالح الغرب في المنطقة نظير أن يقوم على حمايتها، فهي دولة لا تختلف في كثير من سماتها عن الجماعات الوظيفية اليهودية.


الفصل الثاني
الصهيونية والرومانسية والنيتشوية
ثمة أنساق فكرية عديدة مرتبطة بالثورة الرأسمالية ساهمت في تشكيل الرؤية الصهيونية للعالم. ومن أهم هذه الأفكار الرؤية الداروينية التي نعدها البنية الفكرية التحتية للحداثة الغربية، وهذا ما أدركه الفيلسوف الألماني نيتشه. وسنتناول في هذا الفصل علاقة كل من الرومانسية والنيتشوية بالصهيونية وكيف حددتا الأطر الإدراكية للصهاينة.
الرومانسية
ساد فكر حركة الاستنارة في أوربا في القرن الثامن عشر، وهو فكر أكد أهمية العقلانية ومقدرة العقل على اكتشاف أبعاد الواقع والتحكم فيه، كما أكد إمكانية أن يقوم الإنسان العاقل ليس فقط بتنظيم بيئته وإنما أيضاً بكبح جماح عواطفه والسيطرة عليها. والفكر الصهيوني يشبه الإسفنجة، يمتص الأفكار من كافة الأنساق الفكرية. فرغم عداء الفكر الصهيوني العميق للعقل ورغم ما أسميه غيبياته العلمانية، ادعى أنه فكر عقلاني. وانطلاقاً من فكر حركة الاستنارة رفض الصهاينة الدين اليهودي وغيبيته، كما رفضوا ما ادعوا أنه خنوع الشخصية اليهودية وطفيليتها، ولذا طالبوا اليهود ألا ينتظروا الأمر الإلهي بالعودة إلى صهيون وأن يأخذوا الأمور في أيديهم. فالمخطط الصهيوني لاحتلال فلسطين لا يمكن أن يتم من خلال التدخل الإلهي وإنما من خلال التخطيط البشري وقوة السلاح. كما تبنى الصهاينة مفهوماً محورياً في فكر حركة الاستنارة الغربية وهو مفهوم التقدم، فادعوا أن المستوطنين الصهاينة هم حملة التقدم وأنهم عادوا للشرق المتخلف لينقذوه من تخلفه ولينهضوا به.
كما استوعب الصهاينة مفاهيم أخرى مثل الفلسفة «البرجماتية» وهي فلسفة علمانية عملية، لا تكترث بالكليات أو المطلقات، فما يهم في فكرة ما هو مدى صلاحيتها في التعامل مع الواقع ومدى نجاحها في ذلك. ويتصور البعض أن الصهاينة «عمليون» برجماتيون، وهم بالفعل كذلك، ولكن المسألة تحتاج إلى شيء من التوضيح. وتتضح برجماتية الصهاينة في مواقف كثيرة. فعلى سبيل المثال، في المؤتمر الصهيوني الأول لاحظ «هرتزل» أن ثمة نقاشاً عنيفاً نشب بين بعض المثقفين اليهود حول البيان الذي سيصدر عن المؤتمر، هل ستذكر كلمة «دولة يهودية» أم سيكتفي بعبارة «وطن قومي لليهود، فأخبرهم «هرتزل» أن يكتبوا «وطن قومي لليهود» وسيعلم الجميع أن المقصود هو «دولة يهودية». وحينما قبل الصهاينة قرار التقسيم احتج بعض الصهاينة لأن القرار قد جعل صحراء النقب من نصيب العرب، فنصحهم «وايزمان» بقبول القرار، وأضاف قائلاً: إن النقب لن تفر، أي أنه يمكن الاستيلاء عليها فيما بعد. وقد عرّف أحدهم الدبلوماسية الإسرائيلية بأنها دبلوماسية الجوقة، أي تتحدث بكل الألسنة والديباجات المختلفة يمينية ويسارية، اشتراكية ورأسمالية، وديموقراطية وفاشية...إلخ. ولأنها تتحدث بكل الأصوات فإنها ستجد قبولاً لدى كل المتلقين. وقد قال «أبا إبيان» إن الخطة الأساسية للدبلوماسية الإسرائيلية هي أن تبحث عن حلول سلمية للصراع العربي الإسرائيلي، تعرف مسبقاً أن العرب يقبلونها ثم تطرح عليهم، وحين يرفضونها، يتوجه الإسرائيليون للعالم وهم يشعرون بالألم بسبب هذا المرض ويبيّنون كيف أن العرب يرفضون الحلول السلمية، مع أن هذه الحلول التي يقال لها «سلمية» هي دون الحد الأدنى الذي يطالب به العرب. وهذه ليست برجماتية، إنما مراوغة لفظية الهدف منها ليس التعامل مع الواقع بطريقة عملية، وإنما التمويه لحين أن تحين الفرصة للافتراس. وكثيراً ما يلجأ الصهاينة لهذا النوع من البرجماتية أو المراوغة اللفظية في تعاملهم مع القوى العظمى. فيمكن أن يصرِّح «أولمرت» في واشنطن بأنه سيوقف الاستيطان، ولكنه حين يعود إلى القدس المحتلة فإنه يطالب بتوسيع المستوطنات. وأنا أذهب إلى القول إن «البرجماتية» هي «داروينية» الضعفاء. فكل من «البرجماتية» و«الداروينية» ينكر القيم المتجاوزة للواقع المادي، وكلاهما يؤمن بالقوة كآلية واحدة ووحيدة لحسم الخلافات. والدارويني هو من ينجح في فرض إرادته، و«البرجماتي» هو من يَهزم في المعركة. ويتضح هذا في المثل القائل: (If you can not beat them, join them) «إذا لم يكن بوسعك أن تتغلب على خصومك، هادنهم». ولذا فالصهاينة برجماتيون عمليون في تعاملهم مع القوى الكبرى، ولكنهم داروينيون شرسون في تعاملهم مع الفلسطينيين.
ولكن أهم مصادر الفكر الصهيوني هي الفكر الرومانسي وما يتفرع عنه من أفكار أخرى مثل «النيتشوية» و«الداروينية» و«النازية»، كما سنبيّن في بقية هذا الفصل.
ظهر الفكر الرومانسي كرد فعل لفكر حركة الاستنارة وكتعبير عن تغيرات بنيوية عميقة في المجتمع الغربي. والرومانسية اصطلاح شامل لعدد كبير من الاتجاهات تتباين في أوقاتها وأماكنها ودعاتها. والواقع أن تعريف كلمة «الرومانسية» يقع خارج نطاق هذا البحث، ولكننا إذا نظرنا إلى دلالة هذا المصطلح في مجال السياسة لوجدنا أنه يُستخدم للإشارة إلى بعض المواقف السياسية التي يمكن اعتبارها تقدمية وثورية، كما يستخدم أيضاً للإشارة إلى مواقف أخرى محافظة بل ورجعية. وبدلاً من أن نأخذ جانب هذا الاستخدام ضد ذاك، وكلاهما في رأينا مشروع، فإننا سنكتفي برصد بعض جوانب الحركة الصهيونية يمكن تصنيفها على أنها «رومانسية» أو يمكن رؤية أثر الفكر الرومانسي عليها.
ومن الأفكار الرومانسية الأساسية، فكرة الهرب من عالم مركب إلى عالم بسيط، من عالم فاسد إلى عالم خير، من عالم المدينة والصناعة والتلوث والفساد إلى عالم القرية والطبيعة والنقاء والطهر. و«العودة»، في الفكر الرومانسي، تأخذ أشكالاً عدة، فهناك العودة للطبيعة التي تظهر في الأدب الرومانسي، وهناك العودة للتقاليد القديمة أو العودة للجذور أو العودة إلى العالم ما قبل الصناعي. ومثل هذه العودة، العودة إلى العالم ما قبل الصناعي، عادةً ما تكتسب مضموناً رجعياً محافظاً وإن لم تكن بالضرورة كذلك.
وفي محاولة للربط بين الحركة الصهيونية وحركة العودة إلى البساطة الأولى، يقول المفكر الصهيوني «ميخا جوزيف بيرديشفسكي»: «إن الكون يدل على عظمة الله، والطبيعة تروي صنع يديه، لأن الطبيعة هي أم الحياة ومصدر كل الحياة، إنها منبع كل شيء... هي منبع كل ما يحيا وروحه.. وبعدئذٍ غنت إسرائيل أغنية الكون والطبيعة، أغنية السماء والأرض وما عليها، أغنية البحر وما فيه، أغنية التلال والمرتفعات، أغنية الأشجار والأعشاب، أغنية البحار والجداول. وبعد ذلك جلس كل إسرائيلي تحت كرمته أو تينته، ثم نبتت البراعم على التينة، وامتد سحر التلال الخضراء إلى البعيد». هذه هي إسرائيل الأصلية في تصور «بيرديشفسكي»، ولكن حدث سقوط في التاريخ إذ قام جيل إثر جيل «يحتقر الطبيعة ويعتقد أن أعاجيب الله ليست سوى تفاهات نافلة». ولذا، فإن طريق الخلاص واضح جلي «ردوا إلينا شجراتنا الجميلة وعقولنا الجميلة! ردوا إلينا الكون». وكما يقول الشاعر الصهيوني «شاؤول تشرنحوفسكي»: «فلنكن مثل الأطفال الصغار/... قبل أن نصيب الحكمة/ وقبل أن يرهقنا الأنبياء»، بقيمهم الأخلاقية.
إن العودة للطبيعة هنا هي عودة إلى عالم لا حدود له ولا قانون فيه، ولذا عادةً ما تتحول جنة روسو الفردوسية إلى غابة «داروين» المتوحشة حيث يسود «قانون الغابة»، وهي عودة إلى ما قبل التاريخ اليهودي وقبل إرسال الأنبياء إلى بني إسرائيل، وما كانوا يحملون من أخلاقيات إنسانية!
وأسطورة «العودة الرومانسية»، في سياقها الثوري، هي صورة مجازية لتحطيم الحدود وعودة للأصول الإنسانية التي تضم كل البشر، أي أنها دعوة للمساواة والإخاء. ولكن أسطورة العودة عند الصهاينة تتبنى المفهوم الرومانسي لتبرر تمركز الهوية الصهيونية حول نفسها.
ولعل قصيدة «تشرنحوفسكي» الشهيرة «أمام تمثال أبولو» تبين المضمون السياسي العنصري لأسطورة العودة عند الصهاينة. تبدأ القصيدة بالتغني بأبولو إله الإغريق القدامى، فهو «جميل كالربيع، قهر الشمس، وعرف أسرار الحياة وفنونها الكونية». ويذهب «تشرنحوفسكي» إليه باعتباره اليهودي الذي سئم تاريخه الطويل فيقول:
أسجد وأنحني أمام الخير والسمو
لكل ما هو مجيد في هذا العالم
لكل ما هو رائع بين المخلوقات
لكل ما هو متسامٍ في ديانات الكون البدائية.
ولكننا نكتشف بعد قليل أن هذا اليهودي المتمرد الذي يعود إلى الطبيعة والبراءة يعود في واقع الأمر إلى «رب البرية المليئة بالأسرار، رب الرجال الذين غزوا أرض كنعان العاصفة». في هذا البيت الأخير، فإننا لا نسمع حفيف أجنحة الطيور ولا نرى العاصفة تتجمع لتطهر الأرض من الأوراق وإنما نسمع في الواقع صليل السيوف التي ذبحت الأبرياء في دير ياسين وقانا وجنين.
والغنائية الرقيقة نفسها، والحديث نفسه عن «العودة» الذي يخبئ حداً عارماً من العنف، يظهر في خطاب «مارتن بوبر» إلى «غاندي» حينما يقول له «إن هذه الأرض تعترف بنا لأنها بواسطتنا تصبح مثمرة، ولأنها تحمل ثمارنا فإنها تعترف بنا». ثم يدَّعي «بوبر» أن الصهاينة إنما عادوا لزراعة الأرض ولتعليم إخوانهم العرب فنون الزراعة! وفي الخطاب نفسه، يشكك المفكر الصهيوني الصوفي في حق العرب في ملكية فلسطين، فهم قد اكتسبوا هذا الحق «عن طريق الغزو» ثم يضيف: «الأرض المفتوحة قد أعيدت إلى الفاتح الذي أقام عليها والله يتدبر ما سيفعل بها». وبالتالي، حينما يعود المستوطنون الصهاينة، يمكن فتح الملفات مرة أخرى. إن صورة العودة الرومانسية المجازية تحولت إلى برنامج لاغتصاب الأرض، بعد أن صفيت الصورة من مضمونها الثوري ومن صفتها المجازية وحملت مضموناً حرفياً رجعياً (وهذه سمة أساسية في الفكر الصهيوني، فكل الصور المجازية «الدينية» مثل فكرة «العودة إلى صهيون» تفسر بشكل حرفي حتى يمكن تحويلها إلى برنامج سياسي. وبدلاً من حب صهيون الديني التقليدي الذي لا يختلف في جوهره عن حب المسلم لمكة أو المدينة، يتحول هذا الحب إلى ارتباط «عرقي» وقومي وحتمي بفلسطين، الأمر الذي يبرر غزوها والاستيلاء عليها، وليس مجرد السكنى فيها بشكل مؤقت للتعبد والتبرك).
ومن الأفكار الأساسية الأخرى في الفكر الرومانسي، فكرة الوحدة العضوية بين كل الأشياء والظواهر. وهذه الفكرة المحورية هي أيضاً فكرة أساسية في التفكير (المحافظ والرجعي) الغربي. فالفكر الرجعي الغربي يرى أن الإنسان لا وجود ولا هوية له خارج تراثه، ذلك لأن ارتباط الإنسان بتراثه ارتباط عضوي عميق. كما أن أفراد المجتمع الواحد لا يدخلون في علاقات مركبة وإنما يدخلون أساساً في علاقات عضوية تتخطى الإرادات الفردية. وبحسب هذه الرؤية، يصبح مواطنو أي دولة مجرد تعبير عن إرادة هذه الدولة وعن روح القومية التي ينتمون إليها. ومن الواضح أن التفكير العضوي ينكر فكرة الصراع أو أنه ينظر إليها على أنها فكرة هامشية. كما أن هذا التفكير ينحو نحو الإطلاق لأن الكيان العضوي كيان مكتفٍ بذاته، تماماً مثل الزهرة التي لا تشير إلى شيء خارجها.
والفكر الصهيوني (مثل الفكر النازي) تفكير عضوي عنصري متطرف، فالتصور الصهيوني لعلاقة اليهودي بأرضه تصور عضوي بشكل ضمني إن لم يكن بشكل صريح. فاليهودي الذي لا يعيش في أرض الميعاد يعيش منفياً «منقسماً على نفسه، موزع الولاء، ممزقاً»، فحالة الكمال والتكامل العضوية لا تتم إلا بعد العودة. وقد وصف «ج. ل. هاكوهين فيشمان»، أول وزير للشئون الدينية في إسرائيل، صلة اليهودي بأرضه بأنها صلة «مباشرة، سماوية وأبدية» لا تشبه صلة الأغيار بها، فهذه الأخيرة صلة «سياسية وعلمانية وخارجية وعرضية ومؤقتة» (والعلاقة العضوية تتسم دائماً بأنها علاقة داخلية ضرورية وصوفية لأنها تستعصي على الفهم التجريبي العادي). وتبين كلمات الفيلسوف «أهارون جوردون» أن المصطلح العضوي يختلط بالمصطلح الصوفي داخل عقله الصهيوني حين يقول: «جئت إلى الأرض في منامي، فرأيتها جرداء ومقفرة، وقد أُعطيتْ للغرباء فحاق بها الدمار وشاع فيها فساد الحكم الأجنبي.. والصلة الوحيدة التي تربط روحي بها وتذكرني بأنني ولدها بأنها أمي، هي أن روحي مقفرة مثل روحها». إن علاقة اليهودي بالأرض مثل علاقة الابن بأمه، ومن هنا التماثل بينهما. وكل هذه الشواهد تشير إلى أن العلاقة بينهما عضوية وأنهما ينتميان إلى الكل اليهودي المطلق نفسه. وهذا ما يسمى في الفكر الغربي «الشعب العضوي».

و«الشعب العضوي» هو الشعب الذي يترابط أعضاؤه ترابُط الأجزاء في الكائن العضوي الواحد والذي تربطه رابطة عضوية بأرضه وتراثه. ويُشار إلى الفكر القومي، الذي يَصدُر عن مفهوم الشعب باعتباره الفولك أو الكيان العضوي المتماسك، بعبارة «الفكر القومي العضوي»، ويُقال له أيضاً «القومية العضوية». وعادةً ما تُوضَع الوحدة العضوية مقابل الترابط الآلي.
ويرتبط بهذا المفهوم مفهوم آخر وهو «الشعب العضوي المنبوذ» وهو مصطلح نستخدمه لنصف موقف الحضارة الغربية من أعضاء الجماعات اليهودية. فالجماعات اليهودية كانت تشكل في معظم الأحيان جماعة وظيفية متماسكة عضوياً (مكتفية بذاتها) ولكنها فقدت وظيفتها فتم نبذها، فأصبحت شعباً عضوياً منبوذاً. وهذا المفهوم يشكل حجر الزاوية في التفاهم بين الصهاينة وأعداء اليهود، فهم جميعاً يرون أن اليهود شعبٌ عضويٌ واحد، لا ينتمي إلى الغرب أو إلى أي وطن لأنه يرتبط عضوياً بإرتس يسـرائيل. والشـعب العضوي، سواء كان منبوذاً أو غير منبوذ، مكتفٍ بذاته ومرجعية ذاته، مقدَّس ومطلق، تنبع قداسته ومطلقيته من داخله، فهو موضع الحلول والكمون.
ولتفسير الشعار الصهيوني «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» في ضوء الصورة المجازية العضوية، يمكننا أن نقول إنه إذا كانت العلاقة بين الشعب اليهودي والأرض علاقة عضوية مطلقة فإن علاقة الأغيار بهذه الأرض علاقة عارضة وتصبح الأرض وكأنها لا شعب عليها، لأن الشعب الوحيد الذي ينتمي لهذه الأرض هو الشعب الذي يرتبط بها برباط عضوي، أي الفولك اليهودي أو الشعب العضوي اليهودي. لذا يمكن ترجمة الشعار إلى ما يلي: «أرض [شعب عضوي] بلا شعب، لشعب [عضوي] بلا أرض». وكما هو واضح، فإن الدائرية اللفظية للشعار هي انعكاس لتماسك الرؤية ودائريتها.
السوبر أمة
يُعد الفكر الرومانسي أحد أهم مصادر الرؤية الصهيونية للواقع. وقد تبدى هذا الفكر في أشكال مختلفة، فهو تارة رؤية ثورية تطالب بتغيير الواقع (لصالح المستوطنين الصهاينة)، وهو تارةً أخرى رؤية رجعية تحاول الحفاظ على المجتمع باعتبار أنه نمو عضوي. ومن أهم تبديات الفكر الرومانسي الفلسفة «الداروينية». فهي فلسفة تطالب أيضاً بالعودة للطبيعة وباتخاذها معياراً وحيداً يقيس به الإنسان نظمه الأخلاقية والمعرفية. وجوهر المنظومة الداروينية أن العالم في حالة تغير مستمر وتطور إلى الأرقى، وأن آلية التغير هي الصراع، وأن آلية حسم الخلافات والصراعات هي القوة، ولذا فإن البقاء ليس دائماً للأصلح أخلاقياً وإنما للأقوى مادياً. وقد أسلفنا القول إن الفلسفة «الداروينية» تشكل البنية التحتية للحداثة الغربية حتى أننا نسميها «الحداثة الداروينية».
والفكر الصهيوني، مثله مثل الفكر النازي، ترجمة للرؤية «الداروينية»، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين باسم حقوقهم اليهودية المطلقة التي تجبُّ حقوق الآخرين، كما أنهم جاءوا إلى فلسطين ممثلين للحضارة الأوربية يحملون عبء الرجل الأبيض. وهم، نظراً لقوتهم العسكرية، يملكون مقدرة أعلى على البقاء. أي أنهم جاءوا من الغرب مسلحين بمدفعية أيديولوجية وعسكرية داروينية علمانية ثقيلة، وقاموا بتسوية الأمور من خلال الموقع الدارويني فذبحوا الفلسطينيين وهدموا قراهم واستولوا على أراضيهم، وهي أمور شرعية تماماً من منظور دارويني علماني، بل وواجبة.
و«النيتشوية» هي الأخرى أحد التبديات المتطرفة والمتبلورة للرؤية الرومانسية، أو فلنقل إنها رومانسية عصر الإمبريالية والعنصرية، فهي التعبير الفلسفي عن الرؤية الداروينية للواقع. ونحن نحب أن نميز هنا بين كتابات «نيتشه» والنيتشوية. فكتابات «نيتشه» مسألة مركبة متداخلة متناقضة. ولكن ما حدث أنه تم عزل بعض الأفكار الأساسية من منظومة «نيتشه» المركبة وإشاعتها. وهذه الأفكار، وليس كتابات «نيتشه»، هي التي ساهمت في تحديد إدراك الكثير من الأوربيين في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وكذلك في تحديد إدراك المفكرين الصهاينة. لكن هذا لا يعني أن مثل هذه الأفكار النيتشوية ليس لها وجود في كتابات «نيتشه»، فهي موجودة ومتواترة، ولكن النص الفلسفي عادةً ما يكون أكثر تركيباً من الرؤية التي يفرزها.
والنيتشوية هي الفلسفة الفردية والعدمية الغربية التي تعبر خير تعبير عن الأوضاع الحضارية والاقتصادية للمجتمع الغربي في ذروة الثورة الرأسمالية والتوسع الإمبريالي، ولذا فإننا بدلاً من التعامل مع «الداروينية» والصهيونية سنكتفي بالحديث عن النيتشوية، خاصةً وأن كثيراً من المفكرين الصهاينة تأثروا بالنيتشوية وكان تأثرهم بالداروينية من خلال قراءتهم للنيتشوية. فالصهيونية نشأت في أحضان الفلسفة الألمانية المثالية التي تقدس روح الشعب (الفولك) وتقدس حقوقه المقدسة (المطلقة)، وتؤكد على فكرة علاقة التربة أو الأرض بالدم. وكان «تيودور هرتزل» وصديقه «ماكس نورداو»، مؤسس المنظمة الصهيونية، يكتبان بالألمانية ويتحدثان بها، وكانا ينتميان للتقاليد الحضارية الألمانية ويكنان لها الإعجاب. أما الزعماء الصهاينة من شرق أوربا فكانوا يتحدثون «اليديشية» (وهي رطانة ألمانية دخلت عليها كلمات عبرية)، ولذا فإن كثيرين منهم كانوا يدينون بالولاء لألمانيا وللحضارة الألمانية. يظهر هذا الإعجاب بالحضارة الألمانية في كتابات «هرتزل»، كما يظهر في توجهه إلى قيصر ألمانيا كي يحصل على تأييده للمشروع الصهيوني. بل إن التصور المبدئي للدولة الصهيونية كان تأسيس مستعمرة تبسط «ألمانيا العظيمة» حمايتها عليها. ولعل الولاء الصهيوني للحضارة الألمانية قد تجلى في المستوطن الصهيوني فيما يسمى «حرب اللغة»، حيث حاول بعض المستوطنين أن يجعلوا اللغة الألمانية اللغة الرسمية للدولة الصهيونية بدلاً من العبرية. ومما له دلالة أيضاً في هذا الصدد أن لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى كانت الألمانية.
ولم يكن الإعجاب من جانب واحد، فالعسكريون الألمان كانوا يعرفون أن مثل هذه المستعمرة الصهيونية الألمانية يمكنها أن تلعب دوراً فعالاً في خدمة المصالح الاستعمارية الألمانية، كما يمكنها أن تستوعب الفائض السكاني اليهودي الذي كان قد بدأ «يتسل» إلى ألمانيا من شرق أوربا. فكان «ويلهلم» الثاني، قيصر ألمانيا، يدرك إمكانية الاستفادة من «قوة رأس المال اليهودي العالمي» ومن «عرفان اليهود بالجميل لألمانيا». وكان «بسمارك» أيضاً يفكر في توطين اليهود في «المنطقة المحاذية لخط بغداد ـ برلين، لكي يصبحوا أقلية تجارية تصطدم بالسكان المحليين، فتعتمد على ألمانيا لحمايتها، فيكونون خير ممثل للاستعمار الألماني هناك». وفيما بعد، أبدى «النازيون» اهتماماً كبيراً بالمشروع الصهيوني، وتعاونوا في وضع هذا المخطط موضع التنفيذ، بل ودرسوا ثلاث خطط أخرى لتوطين اليهود في سوريا وإكوادور ومدغشقر.
لم يكن من المستغرب، إذن، أن يتأثر المفكرون الصهاينة بفكر «نيتشه» بشكل مباشر كما هو الحال مع «برديشفسكي» أو «مارتن بوبر» أو «آحاد هعام». كما أن العديد من المفكرين الصهاينة تأثروا بفلسفة «نيتشه» بشكل غير مباشر عن طريق تشرب الموضوعات الرومانتيكية النيتشوية المختلفة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من نظرة الإنسان الأوربي للكون في هذه الفترة.
النيتشوية والصهيونية
ليس من قبيل الصدفة، إذن، أن يكون التشابه بين الصهيونية والنيتشوية مدهشاً حقاً. ويمكننا أن نوجز ذلك في النقاط التالية:
? ـ النيتشـوية، مثلها مثل الصـهيونية، ديانة علمانية ملحدة أو حلولية بدون إله، تعلن موت الإله («نعم لقد مات الإله وماتت الآلهة جميعاً»)، أو هي وحدة وجود مادية ترد الكون بأسره إلى مبدأ زمني واحد هو إرادة القوة. وتتبدى إرادة القوة هذه عند «نيتشه» في الإنسان الأعلى، أما في الإطار الصهيوني فهي إرادة القوة اليهودية التي تحقق بقاء الشعب اليهودي. فبقاء هذا الشعب لا يتحقق إلا من خلال إرادة الشعب ومن خلال قوته الذاتية.

? ـ والنيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، تعبير عن توثّن الذات حينما يحل المطلق في الإنسان ويصبح كامناً فيه، فيعبد الإنسان ذاته أو يعبد أسلافه، أي الذات القومية المقدَّسة، باعتبارها تجسيداً لذاته.
? ـ والنيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، نسق عضوي يقرن بين البدايات والنهايات، وتسود فيه صورة مجازية عضوية.
? ـ الفكر النيتشوي، مثل الفكر الصهيوني، تسري فيه نزعة قوية من وحدة الوجود. وتختفي حدود الأشياء ومعالمها في الكتابات الصهيونية وفي فكر «نيتشه» ليحل محلها ضباب اللاتحدد والمطلقات اللادينية.
? ـ دائرية الفكر الصهيوني، حيث تتماهى البدايات العبرانية الوثنية والنهاية الصهيونية الوثنية، تشبه في كثير من الوجوه الفكرة النيتشوية بخصوص العود الأبدي. يقول «نيتشه» على لسان «زرادشت»: «سأعود مع هذه الشمس، وهذه الأرض، وهذا النسر، وهذا الثعبان، لا إلى حياة جديدة أو حياة أفضل، أو حياة تقرب من هذه، سأعود أبداً إلى نفس هذه الحياة، في كل صغيرة وكبيرة منها، لكي أدعو مرة أخرى إلى العود الأبدي لكل الأشياء»، وهذا هو التوازن الآلي الذي ينجم عن تحدد الهدف وثباته والدوران حول المطلق.
? ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، ديانة داروينية تسبغ نوعاً من الروحية والقداسة على قانون التطور، وتجعل من القوة الأساس الوحيد لأي نسق أخلاقي («القوة إذن هي الفضيلة السامية، والضعف هو النقيض في الشر. الخير هو الذي يستطيع أن يحيا ويظفر، أما الشر فهو ما يخور ويهوى، هذه هي النتيجة اللازمة لمبدأ «تفاني البقاء») وهو ما يُطلَق عليه في المصطلح السياسي الإسرائيلي والغربي «فرض سياسة الأمر الواقع» و«خلق حقائق جديدة».
? ـ الحـياة، بالنسـبة للنيتشـوية، توسُّع ونمـو واستيلاء على الآخر وهزيمة له، وتمجيد لأخلاق السادة الأقوياء، وهذا هو جوهر الصهيونية التي لا يمكنها أن تعيش إلا على التوسع وعلى إلغاء الآخر. والآخر هو، أولاً، الفلسطينيون الذين يجب أن يختفوا من على وجه الأرض، ثم يهود «الدياسبورا» الذين يعملون بالأعمال الفكرية ويؤمنون بأخلاق العبيد.
? ـ وإذا كان «نيتشه» قد دعا الإنسان إلى أن يعود لحالة الحيوية والطبيعة المقدَّسة، ويكون كالحيوان المفترس الأشقر، وينبذ العقائد الدينية وأخلاق الضعفاء، فقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها الأيديولوجية التي ستحول يهود المنفى المترهلين الذين يؤمنون بأخلاق الضعفاء إلى يهود وحوش يؤمنون بأخلاق القوة، إلى مفتولي عضلات يحسمون كل القضايا بالقوة ويفرضون رؤيتهم.
? ـ معاداة الفكر واحتقاره أو تقديس الفعل والحركة، حتى لو كانت عمياء، من صميم الفكر النيتشوي، ولذا فإن «نيتشه» كان يمجِّد الحضارة اليونانية قبل ظهور «سقراط»، لأنها كانت ( في تصوره) حضارة عدمية متشائمة، ثم جاء «سقراط» «نموذج الرجل النظري فكان علامة على انحلال الخلق اليوناني، إذ أخذت قوة الجسد والروح القديمتين يضحى بهما شيئاً فشيئاً من أجل ثقافة عقلية مشكوك فيها، وهي تتضمن انحطاطاً شديداً في قوى البدن والعقل. لقد حل العلم محل الفن، والعقل محل الغريزة وانتصرت الروح الأبولونية على الروح «الديونيزية». لكن تمجيد «الديونيزية» هو، في واقع الأمر، دعوة إلى «الاندماج المباشر بالطبيعة التلقائية في صورتها الأولى، قبل أن يشوهها العقل الخالص ويبعث فيها الثبات والجمود».
?? ـ هذه التلقائية والعودة إلى الفعل المطلق الذي لا تحده أي حدود إنسانية عقلانية يتضح في محاولة الصهاينة إحياء تقاليد العنف الجسدي بين اليهود بعد أن أضعفته ـ في تصورهم ـ سنوات طويلة من النفي. وقد رفض «بيرديشفسكي» التاريخ اليهودي الذي يسيطر عليه الحاخامات والمفكرون اليهود، ونادى بتفضيل الفعل على الفكر، والسيف على الكتاب: «الكتاب ليس أكثر من ظل للحياة، هو الحياة في شيخوختها... السيف ليس شيئاً مجرداً يقف بعيداً عن الحياة. إنه تجسيد للحياة في أعرض خطوطها... وهو تجسيد جوهري ومحسوس يشبه الحياة إلى حدٍّ كبير». ولذلك أعاد الصهاينة كتابة التاريخ اليهودي، فركزوا على النقاط التي تجلى فيها العنف اليهودي الغريزي، النقاط «الديونيزية» إن صح التعبير، مثل ثورة «المكابيين» أو حادثة «ماسادا» أو بطولات «شاؤول» و«داود». وقد صور «بيرديشفسكي» الأمة اليهودية في نشأتها على أنها جماعة محاربة من الرعاة الوثنيين الغزاة. وهو يعود بخياله إلى الأيام التي كانت فيها «رايات اليهود مرتفعة»، كما ينظر إلى «الأبطال المحاربين اليهود الأوائل».
?? ـ الإنسان التلقائي الغريزي «الديونيزي» يفضل أن يعيش في خطر، وهذا بالضبط ما حققته الصهيونية للمستوطنين اليهود ـ خيامهم لم تضرب بجوار البركان وإنما في فوهته. وإذا كان «السيف مثل التوراة هما زينة الإنسان» كما يقول الحاخام «أليعازر» (وإذا كان السيف مثل التوراة تماماً «قد أنزلا علينا من السماء» كما جاء في خطاب ألقاه «جابوتنسكي» على بعض الطلاب اليهود في فيينا) فإن كل شيء يصبح مرتكزاً عليه. ولذا فإن الإنسان النيتشوي الصهيوني يقف حاملاً سيفه دائماً «هذا هو قدر جيلنا، وخيار حياتنا.. [إن] سقط السيف من قبضتنا، نزعت منا حياتنا» (كما قال «ديان» في جنازة أحد أصدقائه الذي قتله الفدائيون الفلسطينيون). إن الحياة الصهيونية هي «حياة في خطر»، ولذا فإن الفلاح لابد وأن يكون محارباً، والصانع لابد وأن يكون مقاتلاً، وكل المؤسسات لابد وأن تكتسب طابعاً عسكرياً. بل إن الافتراض القائم في إسرائيل هو أن حالة الحرب ضرورة حضارية حتى يمكن صياغة الأمة اليهودية الجديدة وصياغة الإنسان الإسرائيلي. والوضع نفسه أمر ضروري بالنسبة ليهود العالم خارج فلسطين، فهم أيضاً لابد وأن يعيشوا في خطر دائم وإلا ابتلعهم الأغيار ووقعوا ضحايا الاندماج.
?? ـ الفكر النيتشوي يرفض الديمقراطية («الديمقراطية معناها تقويض المجتمع... معناها تقديس الكفاية المتوسطة ومقت التفوق والنبوغ... معناها الحيلولة دون ظهور العظماء»). ولذا، فإن غاية الإنسانية، من وجهة نظر «نيتشه»، تصبح هي «الإنسان الأعلى... لا الجنس البشري بأسره»... «إنني أبشركم بالإنسان الأعلى يجب أن يأتي من الإنسان ما يفوق الإنسان». وحركة التطور الحقيقية لابد وأن تؤدي إلى ظهور أمة مختارة من هذا النوع من الرجال، وما الإنسان العادي سوى الحلقة أو الجسر الموصل لهذه المرحلة العليا (التي توجد بطبيعة الحال مرحلة أعلى منها إلى أن نصل إلى الحد الأقصى «المطلق» غير المعروف).
والتفكير الصهيوني تفكير نخبوي في جوهره، وهو نخبوي على مستويين؛ بالنسبة لليهود وبالنسبة للعرب. أما بالنسبة للعرب فإنه يمكن، على المستوى الفلسفي، القول بأن الفكر الصهيوني، بتحويله الأمة إلى مطلق مكتفٍ بذاته، كان يعني على المستوى المعرفي نقل العرب وإبادتهم. أما على مستوى الممارسات الصهيونية ضد العرب (من طرد وحبس وتعذيب وإبادة) فإن هذه الممارسات أصبحت من الأخبار اليومية التي تتناقلها الصحف.
وبالنسبة إلى موقف الصهاينة النخبوي من اليهود، يمكن القول بأن الصهيونية تنظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية في العالم باعتبارهم مجرد وسيلة لتنفيذ المخطط الصهيوني («إن أجل ما في الإنسان هو أنه جسر لا هدف... إن ما يُحَب في الإنسان هو أنه انتقال وتمهيد»). وقد طرح «كلاتزكين» هذا التصور حينما أكد أن يهود الشتات ليس لهم سوى فائدة مرحلية، إذ أنهم سيعطون الصهاينة الوقت الكافي لاستخلاص بعض اللبنات «لاستخدامها في إقامة البناء القومي الجديد»، فالشتات في حد ذاته لا يستحق البقاء، لكنه قد يكون مفيداً كوسيلة... إن «الوجود المرحلي الانتقالي» للشتات هو بالتأكيد «أمر له أهمية، وهذا بالتحديد لأنه وجود مرحلي». بل إن «أهارون ديفيد جوردون» تحدث عن الجاليات اليهودية في الشتات باعتبارها «مستعمرات» تابعة للوطن الأم أو الدولة الصهيونية.
?? ـ التفكير النخبوي هو بطبيعة الحال تفكير نبوي، فالسوبرمان هو الإنسان الذي يصل إلى الحقيقة دون عناء والذي يحيا حياة فاضلة (ماشيحانية). وقد سيطر التفكير النبوي على «نيتشه» إلى درجة أنه وقع أحد خطاباته بكلمة «المصلوب» وهي صفة كثيراً ما يستخدمها المفكرون الصهاينة للإشارة للشعب اليهودي وللأفراد اليهود، بل إن لاهوت موت الإله اليهودي يدور حول فكرة الشعب اليهودي كمسيح مصلوب.
?? ـ وبتفكيره النبوي المطلق، لا يتحدث «نيتشه» عن السعادة الفردية أو عن السعادة عامة، فالسعادة من شيم الضعفاء والعبيد، أما السوبرمان فإنه يعلو على الخير والشر. كما أن تجاهل السعادة كقيمة إنسانية هو إحدى سمات الفكر الصهيوني، فالصهاينة مشغولون بتصوراتهم المثالية الماشيحانية عن الدولة اليهودية والشعب المختار، وبالتالي فإنهم ينسون الفرد اليهودي المحسوس نفسه. والوجه الصهيوني مثل الوجه النيتشوي الفاشي لا تظهر عليه أية إشراقات إنسانية ولا تعلوه أية ابتسامة، فهو وجه غاضب وميت في الوقت نفسه، وعيونه مركزة على الأزلية. والقارئ لكتابات المفكرين الصهيونيين يحس بالاختناق الشديد لأنه لا تلفحه أية نسمات إنسانية.
?? ـ ويتحدث «نيتشه» في كتاباته دائماً عن الماضي والمستقبل ولا يركز عيونه على الحاضر أبداً (والماضي والمستقبل، على خلاف الحاضر الحي، يتحولان إلى ثابتين مجردين). والصهاينة بدورهم لا يتحدثون عادة إلا عن الماضي والمستقبل البعيدين وإذا نظروا إلى الحاضر فإنهم ينظرون إليه في ضوء اهتمامهم بالماضي والمستقبل. وإذا بدأ مفكر سياسي مثل «أفنيري» أو «جولدمان» أو «دوفنوف» في الاهتمام بالحاضر كواقع تاريخي أو متعين، فإن الصهاينة يتهمونه على التو بالسلبية والتخاذل. ومع هذا، ظهرت أجيال جديدة في إسرائيل متوجهة بعنف نحو اللذة ولا تكترث إلا بالآن وهنا.


الفصل الثالث
الصهيونية والفاشية والنازية
يتصور الكثيرون أن النازية هي أعدى أعداء اليهود، وبالتالي هي أيضاً من أعدى أعداء الصهيونية. وما لا يدركه الكثيرون أن النازية والصهيونية هما من الإفرازات العنصرية الكريهة للحضارة الغربية، وأن كليهما يدور في إطار «النيتشوية» و«الداروينية»، وأن كليهما يرمي إلى تخليص أوروبا من اليهود. إذا أخذنا هذا في الاعتبار فلن نندهش من درجة التعاون بين النازيين والصهاينة والتي تحاول الدراسات الغربية والصهيونية عدم الإشارة لها إلا فيما ندر. وفي هذا الفصل سنتناول أوجه التعاون بين النازيين والصهاينة، كما سنبدأ بتناول العلاقة بين النظام الفاشي والحركة الصهيونية. ولكن وجدت من المفيد أن أتناول الإدراك الغربي لأعضاء الجماعات اليهودية لأنه سيضع علاقة الصهاينة بالنازيين في سياقها الغربي.
اليهود كعنصر نافع
أدرك الغرب أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم عنصراً نافعاً يمكن توظيفه. وهذا النمط الإدراكي يعود إلى شيوع ظاهرة الجماعة الوظيفة في المجتمعات الغربية. والجماعة الوظيفية هي جماعة بشرية يستجلبها المجتمع لتضطلع بوظائف يأنف أعضاء المجتمع القيام بها لأنها مشينة (البغاء)، أو لأنهم عاجزون عن القيام بها لأنها تتطلب أدوات وخبرات معينة (الطب وقطع الماس)، أو لأسباب أخرى عديدة (الاعتبارات الأمنية)، وعادةً ما يُعرَّف عضو الجماعة الوظيفية في ضوء الوظيفة التي يضطلع بها، وفي ضوء مدى نجاحه أو إخفاقه في أدائها، أي في ضوء نفعه؛ هذا هو تعريفه وهذا هو إدراك مجتمع الأغلبية له. وكانت الجماعات اليهودية تضطلع بدور الجماعة الوظيفية (القتالية والاستيطانية والأمنية) في العصور القديمة ثم تحولت إلى جماعات وظيفية تجارية في العصور الوسطى في الغرب ـ مادة بشرية نافعة يتم قبولها أو رفضها في إطار مدى النفع الذي سيعود على المجتمع من جراء وجودها.
والملاحظ أن إدراك أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم عنصراً نافعاً ازداد انتشاراً وتواتراً ووضوحاً مع علمنة الحضارة الغربية. ويمكن القول بأن الرؤية الغربية لليهود في العصر الحديث هي إعادة إنتاج لهذه الرؤية النفعية. ولكن يُلاحظ أن الديباجات الدينية ازدادت خفوتاً (إلى أن تلاشت تماماً إلا من بعض التصريحات المضحكة عن التراث المسيحي ـ اليهودي). ولقد كان وضع اليهود مستقراً تماماً داخل المجتمعات الغربية في العصور الوسطى كجماعة وظيفية وسيطة ذات نفع واضح. ثم بدأ هذا الوضع في التقلقل مع التحولات البنيوية العميقة التي خاضها المجتمع الغربي ابتداءً من القرن السادس عشر وظهور الثورة التجارية، ولم يعد من الممكن الاستمرار في الدفاع عن وجود اليهود من منظور فكرة الشعب الشاهد (الدينية). فظهرت فكرة العقيدة الألفية أو الاسترجاعية (البروتستانتية) التي تجعل الخلاص المسيحي مشروطاً بعودة اليهود إلى فلسطين. ولكن هذه الأسطورة ذاتها رغم نفعيتها وماديتها الواضحة لا تزال مرتبطة بالخطاب الديني، وكان لابد أن يتم الدفاع عن اليهود على أسس لا دينية، كما كان لابد من طرح أسطورة شرعية جديدة ذات طابع أكثر علمانية ومادية.
وابتداءً من النصف الثاني من القرن السابع عشر، يُلاحظ تراجع الديباجات الدينية وبروز مفهوم المنفعة المادية ولذا تم الدفاع عن عودة اليهود إلى إنجلترا من منظور النفع الذي سيجلبونه على الاقتصاد الإنجليزي تم الدفاع عن عودة اليهود إلى إنجلترا، ومن منظور النفع الذي سيجلبونه على الاقتصاد الإنجليزي وتم النظر إليهم كما لو كانوا سلعة أو أداة إنتاج. وكان المدافعون عن توطين اليهود يتحدثون عن نقلهم على السفن الإنجليزية بما يتفق مع قانون الملاحة الذي صدر آنذاك، والذي جعل نقل السلع من إنجلترا وإليها حكراً على السفن الإنجليزية.
ويبدو أن مفهوم نفع اليهود مفهوم متجذر في الوجدان الغربي تبناه الجميع. ولذا، فحينما قام أعداء اليهود بالهجوم عليهم من منظور ضررهم وعدم نفعهم، تبنى أعضاء الجماعات اليهودية نفس المنطق، فلم يدافعوا عن أنفسهم من منظور حقوقهم الأساسية والمطلقة كبشر وإنما بينوا أن حقوقهم تستند إلى نفعهم. فكتب «سيمون لوتساتو» (???? ـ ????)، وهو حاخام إيطالي، مقالاً تحت عنوان «مقال عن يهود البندقية» عَدَّد فيه الفوائد المادية الكثيرة التي يمكن أن تعود على البندقية وعلى غيرها من الدول من جراء وجود اليهود فيها، فهم يضطلعون بوظائف لا يمكن لغيرهم الاضطلاع بها مثل التجارة. وهم يطورون فروعاً مختلفة من الاقتصاد، ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماماً ولا يبحثون عن المشاركة فيها. وهم يقومون بشراء العقارات ومن ثم لا ينقلون أرباحهم خارج البلاد. ومن هذا المنظور، فإن اليهود لا يشبهون الرأسمال الأجنبي.
وقد تبنى الممول اليهودي الهولندي «منسي بن إسرائيل» نفس المنطق في خطابه إلى «كرومويل»، والذي طلب فيه السماح لليهود بالاستيطان في إنجلترا. كذلك تبنى أصدقاء اليهود المنطق ذاته، فطالب «جوسيا تشايلد» رئيس شركة الهند الشرقية (عام ????) بإعطاء الجنسية لليهود الموجودين في إنجلترا بالفعل، وأشار إلى أن هولندا قد فعلت ذلك، وازدهر اقتصادها بالتالي. كما كتب «جون تولاند» عام ???? كتيبا مهماً للغاية عنوانه «الأسباب الداعية لمنح الجنسية لليهود الموجودين في بريطانيا العظمى وأيرلندا» دافع فيه عن نفع اليهود مستخدماً منطلقات لوتساتو.
ومن أهم المدافعين عن نفع اليهود الفيلسوف الفرنسي «مونتسكيو»، حيث بين أهمية دورهم في العصور الوسطى في الغرب، وكيف أن طرد اليهود ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم اضطرهم إلى اختراع خطاب التبادل لنقل أموالهم من بلد إلى آخر، ومن ثم أصبحت ثروات التجار غير قابلة للمصادرة وتمكنت التجارة من تحاشى العنف ومن أن تصبح نشاطاً مستقلاً، أي تم ترشيدها (في الإطار المادي).
ولعل أدق وأطرف تعبير عن أطروحة نفع اليهود ما قاله «إديسون» في مجلة «إسبكتاتور» في ?? سبتمبر ???? حين وصف بدقة تحول اليهود إلى أداة كاملة، فاليهود منتشرون في كافة الأماكن التجارية في العالم حتى أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة والتي تترابط من خلالها الإنسانية، فهم مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ، وعلى الرغم من أنهم ليس لهم قيمة في ذاتهم فإن أهميتهم مطلقة لاحتفاظ الهيكل بتماسكه.

وقد أصبح مفهوم نفع اليهود مفهوماً مركزياً في الحضارة الغربية مع ازدهار فكر حركة الاستنارة، ومع هيمنته شبه الكاملة على الفكر الفلسفي والأخلاقي الغربي. ومن أهم ركائز هذا الفكر في المجال الأخلاقي الفلسفة النفعية التي تنظر للعالم كله ولكافة مجالات الحياة من منظور المنفعة (المادية). وقد ظهر في هذه المرحلة فكر كل من «آدم سميث» في إنجلترا، و«الفيزيوقراط» في فرنسا، حيث كان كلاهما يطالب الدولة بتنظيم ثروتها وزيادتها، كما كانا يتقبلان فكرة أن الهدف النهائي (والمطلق) لكل الأشياء هو مصلحة الدولة. وكان أعضاء الفريق الأول يرى أن الصناعة هي المصدر الأساسي للثروة، في حين كان أعضاء الفريق الثاني، بحكم وجودهم في بلد زراعي أساساً، يرون أن الزراعة هي المصدر الأساسي للثروة. ولكن، مع هذا، تظل فكرة المنفعة هي الفكرة الأساسية في فكر الفريقين.
ولابد أن ندرك أن هذه المرحلة شهدت اهتزاز وضع أعضاء الجماعات اليهودية، فمع ظهور جماعات تجارية محلية، ومع تزايد سلطة الدولة المركزية، لم يعد وضع أعضاء الجماعات اليهودية قلقاً وحسب بل وبدأ يدخل مرحلة الأزمة. وتم طرح الحل في إطار مدى نفع اليهود للدولة، فأعلنت الأكاديمية الملكية في متز (فرنسا) عن مسابقة في عام ???? لكتابة بحث عن إمكانية جعل يهود فرنسا أكثر نفعاً وسعادة. ولو طرحنا حكاية السعادة جانباً باعتبارها ديباجات مريحة تساهم في عملية ترويج فكرة النفع، فإنه يمكننا القول بأن الغرب قد أدرك تماماً في عصر الاستنارة أن حل المسألة اليهودية يكمن في تحويل اليهود إلى مادة بشرية نافعة، وهو مصطلح أصبح شائعاً في الأدبيات الغربية عن اليهود منذ ذلك التاريخ. ومع هذا، يجب التنبه إلى أن هذا الإطار لم ينطبق على اليهود وحسب وإنما على كل البشر وعلى الطبيعة، فالفكر الاستناري حَوَّل الكون (الإنسان والطبيعة) إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها بكفاءة عالية.
وقد نشر الموظف البروسي «كريستيان دوم» كتابه الشهير عن نفع اليهود في عام ????، حيث طالب بإعطاء اليهود حقوقهم المدنية حتى يصبحوا نافعين بالنسبة إلى دولة تريد أن تزيد من عدد سكانها وقوتها الإنتاجية. ويبين «دوم» أن اليهود مفضلون على أي مستوطنين جدد لأنهم ذوو جذور في البلاد التي يقطنونها (رأسمال محلى) أكثر من الأجنبي الذي يعيش في البلد بعض الوقت (رأسمال أجنبي). ومع هذا، طالب «دوم» بأن يُعتق اليهود لا باعتبارهم أفراداً وإنما باعتبارهم مجموعة عضوية متماسكة تعيش داخل الجيتو. ومعنى هذا أن دوم كان يود تحويل اليهود إلى مادة نافعة متماسكة تعيش وسط المجتمع الألماني، فيمكن لهذا المجتمع الاستفادة منها على ألا تصبح جزءاً منه، ويظل اليهود في المجتمع دون أن يكونوا فيه (وهذه هي الرؤية الغربية لإسرائيل: جيتو تابع للغرب يكون في الشرق دون أن يكون منه). وهذه ترجمة حديثة لرؤية الغرب لليهود كشعب شاهد أو كأداة للخلاص أو كجماعة وظيفية.
وقد نُشرت كتابات عديدة بأقلام الكتاب الفرنسيين الذين ساهموا في الثورة الفرنسية مثل «ميرابو» وغيره، دافعوا فيها عن نفع اليهود أو إمكانية إصلاحهم أو تحويلهم إلى شخصيات نافعة منتجة. وموضوع نفع اليهود يشكل –كما أسلفنا- إحدى اللبنات الأساسية في كتابات السياسي الإنجليزي والمفكر الصهيوني المسيحي اللورد «شافتسبري» الذي اقترح توطين اليهود في فلسطين لأنهم جنس معروف بمهارته ومثابرته، ولأنهم سيوفرون رءوس الأموال المطلوبة، كما أنهم سيكونون بمثابة إسفين في سوريا يعود بالفائدة لا على إنجلترا بمفردها، وإنما على العالم الغربي بأسره. وتحويل اليهود إلى عنصر نافع عن طريق نقلهم إلى الشرق ليصبحوا مادة بشرية استيطانية هو الحل الغربي الاستعماري للمسألة اليهودية. ولذا فإننا نجد أن «بلفور» يكرر نفس هذه الآراء في مقدمته لكتاب «ناحوم سوكولوف» تاريخ الصهيونية.
وقد سيطر الفكر «الفيزيوقراطي» وفكر «آدم سميث» على كثير من الحكام المطلقين في أوربا، حيث كانت حكومات البلاد الثلاثة التي اقتسمت بولندا واليهود فيما بينها، في أواخر القرن الثامن عشر، يحكمها حكام مطلقون مستنيرون: «فريدريك الثاني» في بروسيا، و«جوزيف الثاني» في النمسا، و«كاترين الثانية» في روسيا. فتبنت هذه الحكومات مقياس المنفعة تجاه أعضاء الجماعات اليهودية، فتم تقسيمهم إلى نافعين وغير نافعين. وكان الهدف هو إصلاح اليهود وزيادة عدد النافعين، وطرد الضارين منهم أو عدم زيادتهم. ونظراً لأن معظم أعضاء الجماعة اليهودية مركزون في التجارة، فقد أخذت عملية تحويل اليهود إلى عناصر نافعة شكل تشجيعهم على العمل في الصناعة أو الزراعة، وهو ما يسمَّى «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج». كما كان لا يُعتق من اليهود سوى النافع منهم، وكان يُنظر لليهود كمادة بشرية وتُحد حريتهم في الزواج حتى لا يتكاثروا. وكان الشباب من أعضاء الجماعات اليهودية يجندون لمدد طويلة حتى يتم تحديثهم وتحويلهم إلى عناصر نافعة. ومن الحقائق المرعبة أن البغايا كن يعتبرن من العناصر النافعة ولذا منحن حرية التنقل. وقد أدى هذا إلى زيادة عدد البغايا اليهوديات زيادة واضحة.
قابل للترحيل
ولا يمكن فهم تاريخ الحركة الصهيونية والفكر الصهيوني ولا تاريخ العداء لليهود، بما في ذلك النازية، إلا في إطار مفهوم المنفعة المادية هذا. فقد تبنى المعادون لليهود هذا المفهوم وصدروا عنه في رؤيتهم وأدبياتهم، فراحوا يؤكدون أن أعضاء الجماعات اليهودية شخصيات هامشية غير نافعة، بل وضارة يجب التخلص منها. وتدور معظم الأدبيات العنصرية الغربية في القرن التاسع عشر حول هذا الموضوع، وهناك أطروحة لها أصداؤها أيضاً في الأدبيات الماركسية، بما في ذلك أعمال «ماركس» نفسه، حيث يظهر اليهودي باعتباره ممثلاً للرأسمالي الطفيلي الذي يتركز في البورصة ولا يغامر أبداً بالدخول في الصناعة. وتظهر نفس الأطروحة في كتابات «ماكس فيبر» الذي يرى أن رأسمالية اليهود رأسمالية منبوذة، بمعنى أنها رأسمالية مرتبطة بالنظام الإقطاعي القديم ولا علاقة لها بالنظام الرأسمالي الجديد (ومن المفارقات أن اليهودي الذي كان رمزاً للرأسمال المحلى المتجذر، أصبح هنا رمز الرأسمال الأجنبي الطفيلي المستعد دائماً للرحيل والهرب).
وقد وصل هذا التيار إلى قمته في الفكر النازي الذي هاجم اليهود لطفيليتهم وللأضرار التي يلحقونها بالمجتمع الألماني وبالحضارة الغربية. وقد قام النازيون بتقسيم اليهود بصرامة منهجية واضحة إلى قسمين:
( أ ) يهود غير قابلين للترحيل (untransferable non-disposable)، وهم أكثر اليهود نفعاً.
(ب) يهود قابلون للترحيل ويُستحسن التخلص منهم (transferable disposable) بوصفهم عناصر غير منتجة (أفواه تأكل ولا تنتج (useless eaters) حسب التعبير النازي الرشيد في الإطار المادي) وبوصفهم عناصر غير نافعة لا أمل في إصلاحها أو في تحويلها إلى عناصر نافعة منتجة. (ومما يجدر ذكره والتأكيد عليه أن هذا التقسيم تقسيم عام شامل، غير مقصور على اليهود، فهو يسرى على الجميع، فقد صنف الألمان المعوقين والمتخلفين عقلياً وبعض العجزة والمثقفين البولنديين على أنهم «غير نافعين»، أي قابلين للترحيل ويستحسن التخلص منهم. وقد سويت حالة هؤلاء (بما في ذلك اليهود) عن طريق الترحيل إلى معسكرات الإبادة، أما غير القابلين للترحيل فكانوا يُرسلون إلى معسكرات السخرة. وكل هذا كان يتم حسب مقتضيات الظروف والحسابات النفعية المادية الرشيدة في الإطار المادي.
ومن المعروف أن من أهم وظائف أعضاء الجماعة الوظيفية القيام بوظيفة ما هي في جوهرها استغلال للجماهير لصالح النخبة الحاكمة. فتقوم الجماعة بتحصيل الضرائب من الجماهير أو امتصاص فائض القيمة منهم من خلال الإقراض بالربا أو التخصُّص في بيع سلعة معينة (مثل الملح)، أما الخمور فقد كان يحتكرها الحاكم لحسابه. وكان أعضاء الجماعة الوظيفية يحققون بذلك أرباحاً عالية، ولكنهم بعد ذلك كان عليهم دفع الضرائب الباهظة للحاكم. ولذا، فقد كانت معظم الأرباح تصب مرة أخرى في خزائنه - أي أن أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية كانوا في واقع الأمر من أهم مصادر الربح للنخب الحاكمة في الغرب في العصور الوسطى. ومفهوم «الشعب النافع» هو استمرار لنفس هذه الرؤية وإعادة إنتاج لها داخل أطر حديثة.
وقد تقبَّل الصهاينة هذه الأطروحة النفعية المادية تماماً وأدركوا دور أعضاء الجماعات اليهودية داخل نفس الإطار. فنجد أن «هرتزل» يؤكد أن اليهود في أوربا فائض بشري غير نافع داخل أوربا، ولكن يمكن تحويله إلى عنصر نافع للحضارة الغربية عن طريق نقله إلى الشرق (فلسطين على سبيل المثال) ليصبح عنصراً استيطانياً، أي أنه سيتم التخلص من اليهود وسيتم تحويلهم إلى عنصر نافع بضربة واحدة من خلال نقلهم وتحويلهم إلى مستوطنين في إطار الدولة الصهيونية الوظيفية المملوكية (أي التي تخدم السلطان الأمريكي نظير أجر محدد، وهو الدعم المادي والعسكري والسياسي والمعنوي). ويتحدث «ناحوم سوكولوف» بنفس الطريقة عن اليهود ويقدم الاقتراحات الكفيلة بتحويلهم إلى مادة نافعة. وكان مفكرو الصهيونية العمالية (جوردون - بوروخوف- سيركين) يؤكدون ضرورة تحويل الشعب الطفيلي اليهودي إلى عنصر نافع ومنتج من خلال غزو الحراسة والأرض والعمل والإنتاج.
ويمكننا الإشارة إلى كل من «ألفريد نوسيج» و«رودولف كاستنر» باعتبارهما تعبيراً عن إدراك الصهاينة لليهود من خلال مفهوم المنفعة المادية. وسنتناول هاتين الشخصيتين بشيء من التفصيل في آخر هذا الفصل.
والدولة الصهيونية الوظيفية النافعة تدور في نفس الإطار، فهي ستقوم بنفس الأعمال التي تقوم بها الجماعة الوظيفية في العصور الوسطى، فتتحول الجماعة الوظيفية التي فقدت وظيفتها إلى دولة وظيفية تغرس في الشرق العربي في العصر الحديث. وستقوم هذه الدولة الوظيفية بنفس الأعمال المشينة التي كانت تقوم بها الجماعات الوظيفية، وهي أعمال لا يمكن للدول الغربية المحترمة أن تقوم بها نظراً لأنها دول ليبرالية وديمقراطية تود الحفاظ على صورتها المشرقة، فتوكل إلى الدولة الصهيونية القيام بمثل هذه الأعمال. ومن هذه الوظائف تزويد دول أمريكا اللاتينية العسكرية بالسلاح، والتعاون مع جنوب أفريقيا في كثير من المجالات، بما في ذلك السلاح النووي، والقيام ببعض أعمال المخابرات والتجسس، والسماح للولايات المتحدة بإنشاء إذاعة موجهة فيها للاتحاد السوفيتي (سابقاً). كما تقوم الدولة الصهيونية بتوفير الجو الملائم والتسهيلات اللازمة للترفيه عن الجنود الأمريكيين. ويبدو أن الدولة الصهيونية الآن أصبحت مصدراً لكثير من المرتزقة في العالم، كما يبدو أنها بدأت في تصدير البغايا لبلدان غربية مثل هولندا (أمستردام) وألمانيا (فرانكفورت).
ولكن أهم وظائف الدولة الصهيونية على الإطلاق هي الوظيفة القتالية (لا التجارية أو المالية) فعائد الدولة الوظيفية الأساسي عائد استراتيجي، والسلعة أو الخدمة الأساسية الشاملة التي تنتجها هي القتال: القتال في نظير المال ـ أي أنها وظيفة مملوكية بالدرجة الأولى. وفيما عدا ذلك، فإنها ديباجات اعتذارية وتفاصيل فرعية.
وقد تنبه أصدقاء الصهيونية وأعداؤها على السواء إلى طبيعة هذه العلاقة وطبيعة­ هذه الوظيفة منذ البداية، فتم الدفاع عن المشروع الصهيوني والترويج له من هذا المنظور، كما تم الهجوم عليه وشجبه من هذا المنطلق. فعلى سبيل المثال، صرح «ماكس نورداو»، في خطاب له في لندن (في ?? يونيو ????) بأنه يرى أن الدولة الصهيونية ستكون بلداً تحت وصاية بريطانيا العظمى وأن اليهود سيقفون حراساً على طول الطريق الذي تحف به المخاطر ويمتد عبر الشرقين الأدنى والأوسط حتى حدود الهند، وكان «حاييم وايزمان» كثير الإلحاح في تأكيد الأهمية الإستراتيجية (وليس الاقتصادية) للجيب الاستيطاني الصهيوني الذي سيشكل، حسب رأيه، «بلجيكا آسيوية»، أي خط دفاع أول لإنجلترا ولا سيما فيما يتعلق بقناة السويس.
وقد عرض «ناحوم جولدمان» القضية بشكل دقيق للغاية عام ???? في خطاب له ألقاه في مونتريال بكندا قال فيه «إن الدولة الصهيونية سوف تؤسس في فلسطين، لا لاعتبارات دينية أو اقتصادية بل لأن فلسطين هي ملتقى الطرق بين أوربا وآسيا وأفريقيا، ولأنها المركز الحقيقي للقوة السياسية العالمية والمركز العسكري الإستراتيجي للسيطرة على العالم». معنى هذا أن الدولة الصهيونية لن تنتج سلعاً بعينها ولن تقدم فرصاً للاستثمار أو سوقاً لتصريف السلع أو مصدراً للمواد الخام والمحاصيل الزراعية، وإنما سيتم تأسيسها لأنها ستقدم شيئاً مختلفاً ومغايراً وثميناً: دوراً إستراتيجياً يُؤمِّن سيطرة الغرب على العالم، وهو دور سيكون له مردود اقتصادي دون شك ـ ولكن غير مباشر. وقد بيَّن «ب. سبير» (في صحيفة عل همشمار بتاريخ ?? أبريل ????) أن إسرائيل قد جعلت من جيشها الذراع المستقبلية المحتملة للولايات المتحدة، فهي خدمة حربية كامنة جاهزة على أهبة الاستعداد لتأدية الخدمات في أي وقت.
هذا هو المفهوم الغربي لإسرائيل، فالمدافعون عنها في الولايات المتحدة لا يلجأون أبداً إلى الحديث عن المغانم الاقتصادية الثانوية أو المغارم الاقتصادية التافهة، وإنما يشيرون دائماً إلى الحليف الذي يمكن التعويل عليه، وإلى المغانم الإستراتيجية الأساسية الشاملة الهائلة. وقد عبَّرت مجلة الإيكونومست (في ?? يوليو ????) عن موقف هؤلاء بقولها: إذا كان من الممكن لأمريكا أن تدفع ?? بليون دولار كل عام ضمن تكاليف حلف الأطلنطي(لتحقيق أهداف إستراتيجية)، فإن من المؤكد أن إسرائيل، وهي المخفر الأمامي والقاعدة المحتملة، تستحق على الأقل مبلغاً تافهاً (نحو ? بلايين دولار مثلاً).

الدولة الوظيفية هي دولة يتم حوسلتها (أي تحويلها إلي وسيلة) لصالح الدول الراعية الإمبريالية، ولكن يبدو أن الحوسلة الصهيونية في حالة الحركة الصهيونية لن تتوقف عند الدولة الوظيفية، بل ستمتد لتشمل كل المادة البشرية اليهودية أينما كانت. وفي اجتماع بين «هرتزل» و«فيكتور عمانوئيل الثالث»، ملك إيطاليا، أشار الزعيم الصهيوني إلي أن «نابليون» دعا إلى عودة اليهود إلى فلسطين ليؤسسوا وطناً قومياً، ولكن ملك إيطاليا بيَّن له أن ما كان يريده في الواقع هو أن يجعل اليهود المشتتين في جميع أنحاء العالم عملاء له. وقد اضطر «هرتزل» إلى الموافقة علي ما يقول، بل وأن يعترف بأن تشامبرلين، وزير الخارجية البريطاني، كان لديه أيضاً أفكار مماثلة. وكان «هرتزل» يفكر بأنه إذا وافقت إنجلترا على مشروعه الصهيوني، فإنها ستحصل «وفي ضربة واحدة» على عشرة ملايين تابع (عميل) سري في جميع أنحاء العالم يتسمون بالإخلاص والنشاط، وبإشارة واحدة سيضع كل واحد منهم نفسه في خدمة الدولة التي تقدم لهم العون. «إن إنجلترا ستحصل على عشرة ملايين عميل يضعون أنفسهم في خدمة جلالتها وضمن نفوذها». ثم أضاف «هرتزل»، مستخدماً الاستعارة التجارية التعاقدية الشائعة في الأدبيات الصهيونية «ثمة أشياء ذات قيمة عالية تكون من نصيب الشخص الذي يحصل عليها في وقت لم تكن بعد قد عُرفت قيمتها الحقيقية العالية». وأعرب الزعيم الصهيوني عن أمله في أن تدرك إنجلترا مدى القيمة والفائدة التي ستعود عليها من وراء كسبها الشعب اليهودي، أي أن «هرتزل» مدرك تماماً لوظيفية الدولة اليهودية والشعب اليهودي ونفعهم وفائدة توظيف اليهود وحوسلتهم. وقد طبق الصهاينة نفس المفهوم على العرب، فهم قابلون للترحيل (الترانسفير)، ويمكن بقاؤهم في الضفة الغربية طالما أنهم ذوو نفع. والسلطة الفلسطينية هي دولة وظيفية مهمتها إدارة «عرب المناطق» لصالح الدولة الصهيونية الراعية!
بعد تأكيد هذا البعد في الإدراك الغربي ثم الصهيوني لأعضاء الجماعات اليهودية يمكننا تناول علاقة الصهاينة بكل من النظام الفاشي في إيطاليا والنظام النازي في ألمانيا.
الصهيونية والفاشية
من أقوال «جابوتنسكي» الماثورة أنه يجب على اليهود تعلم الذبح من الأغيار، وقد تعلم بطل روايته «شمشون» الصفات العسكرية من الفلسطينيين، وتأمل فيها وفي معناها. كما أن «شارلوت كورداي» (Charlotte Corday)، في قصيدته المعنونة «شارلوت المسكينة»، تتخلص من رتابة حياتها وسخفها وتروي تعطشها للعمل البطولي بالانتقال إلى الفعل «إذ تسدد الضربة إلى «جان مارا» فترديه قتيلا وهو في الحمام». ولكن «جابوتنسكي» كان باحثا عن الاستقلالية اليهودية، ولذا فقد وجد العنف والذبح في تراثه «فالاقتتال بالسيف ليس ابتكارا ألمانيا... إنه ملك لأجدادنا الأوائل... فالتوراة والسيف أنزلا علينا من السماء».
ومهما كان مصدر العنف فإن «جابوتنسكي» تعلم الكثير من الفاشية الغربية، وكان يعبر عن إعجابه الشديد بنظام «الدوتشي» وفكره، وبالتنظيمات الشبابية الفاشية التي حاولت المنظمات الشبابية المراجعة التشبه بها في زيها الرسمي. وقد كال «موسوليني» المديح والتقريظ «لجابوتنسكي» حين قال مرة للحاخام «ديفيد براتو» (David Prato) الذي أصبح فيما بعد حاخام روما: «كي تنجح الصهيونية يجب أن تحصلوا على دولة يهودية لها علم يهودي ولغة يهودية. والشخص الذي يفهم ذلك حقا هو الفاشي «جابوتنسكي». (ولقد نعت «موسوليني» نفسه ضمنا بأنه «صهيوني» يدافع عن فكرة الدولة اليهودية).
وعلى الرغم من أن «جابوتنسكي» لم يكن يرتاح أحيانا إلى وصفه بالفاشي، فإن موقفه بشكل عام كان موقف المؤيد والمعجب. فالفكر الشمولي هو أحد مكونات الفكر الصهيوني (والصهيونية لا تتحدث عن اليهود كأفراد (Jews) وإنما تفضل دائماً الحديث عن اليهود كجماعة (Jewry). وقد تعمق الجانب الشمولي في عشرينات القرن، ولاسيما أن الصهيونية قادرة على امتصاص أي ديباجة شائعة في المجتمع الذي تكون فيه. ولكن بغض النظر عن جذور الصهيونية الفكرية أو توجهاتها فقد كان موقف الصهاينة من اليهود يتلخص في ضرورة عزلهم عن عالم الأغيار باعتبارهم جماعة مستقلة لها تاريخها ووعيها المستقلان ومصالحها المستقلة، ومن ثم تحاول الصهيونية ألا يشترك الصهاينة في أي حركات تحريرية أو حركات مقاومة تهدف إلى انعتاق المجتمع وتحرره ككل، وإن كانت لا تمانع في عقد تحالفات مع أي قوى سياسية يمينية أو يسارية، إنسانية أو فاشية، ما دام هذا يخدم المشروع الصهيوني المستقل. وقد كانت القوى الاستعمارية والعرقية والفاشية مؤهلة بحكم تكوينها أكثر من غيرها لتفهم طبيعة المشروع الصهيوني وأهمية دوره في الشرق الأوسط وأوروبا. ولذا كان من اليسير أن تتعاون المنظمة مع «موسوليني» (ومع القرى المعادية لليهود في بولندا وأوكرانيا، ومع «هتلر»)، وأن تدير ظهرها تماما للقوى التحريرية والثورية في أوروبا آنذاك.
وقد قام «حاييم وايزمان»، بوصفه رئيس المنظمة الصهيونية، بزيارة «موسوليني» لمحاورته بشأن الصهيونية والدعم الفاشي الممكن تقديمه إلى الحركة في يناير ????. واكتشف الزعيم الصهيوني أن اعتراض «موسوليني» على الصهيونية مرده إلى إحساسه أن الصهيونية أداة لإضعاف الدول الإسلامية لصالح الإمبراطورية البريطانية، فرد «وايزمان» عليه رداً مقنعاً بين له فيه أن إضعاف الدول الإسلامية سيعود أيضاً على إيطاليا بالنفع، وأضاف أن شروط حكومة الانتداب ذاتها تفتح المجال أمام إيطاليا ـ أو أي دولة أخرى ـ للمشاركة في تطوير هذا البلد (أي «تصدير العمالة الفائضة والحصول على امتيازات تجارية» كما قال «وايزمان»)، وأن في وسع إيطاليا أن تفعل ذلك إذا اعتمدت الميزانية اللازمة. وانتهى الاجتماع بتفاهم كامل بين الطرفين سمح «موسوليني» على أثره بتعيين يهودي إيطالي في الوكالة اليهودية.
وحينما دعي «وايزمان» مرة أخرى إلى إيطاليا في سبتمبر ???? عرض «موسوليني» أن يقدم المساعدة للصهاينة كي يبنوا اقتصادهم، وقامت الصحافة الفاشية بنشر مقالات مؤيدة للصهاينة. كما قام «ناحوم سوكرلوف»، باعتباره رئيس اللجنة التنفيذية في المنظمة الصهيونية، بزيارة إيطاليا عام ???? وصرح بأنه أدرك «طبيعة الفاشية الحقة» وأكد أن «اليهود الحقيقيين لم يحاربوا قط ضدها». ولا شك أن كلماته هذه تحمل معنى التأييد الكامل للنظام الفاشي، ولذا تبعته في ذلك المنظمة الصهيونية في إيطاليا. ومن الزعماء الصهاينة الذين زاروا إيطاليا الفاشية «ناحوم غولدمان» (Nahum Goldmann) [???? ـ ????] الرئيس السابق للمؤتمر اليهودي العالمي، وقد استمع إلى الزعيم الإيطالي وهو يعرب عن حماسته للمشروع الصهيوني وعن استعداده الكامل لمساندته.
الصهيونية والنازية: التماثل البنيوي
لابد من الإشارة إلى أن النظريات العرقية الغربية هي التي أفرزت كلا من الصهيونية ومعاداة اليهود، ولذا فإنه ليس من الغريب أن نجد الفكر الصهيوني والفكر النازي يشتركان في موضوعات كثيرة مثل الأهمية القصوى للدولة كوسيلة للتعبير عن الهوية وفكرة الشعب العضوي المنبوذ والأطروحات الخاصة بالتفوق والاصطفاء.
وقد قام الصهاينة قبل ظهور النازية في ألمانيا بدعاية مكثفة طرحوا فيها تصوراتهم «للشعب اليهودي، وهويته. وبرى بعض مؤرخي النازية أن هذا النشاط قد أسهم في خلق مناخ ثقافي أشاع هذه الأفكار وأسبغ عليها كثيرا من المصداقية. وفي أثناء محاكمات «نورمبرج» كان الزعماء النازيون يؤكدون الواحد تلو الآخر أن الموقف النازي من اليهود تمت صياغته من خلال الأدبيات الصهيونية التي كانت تنحو منحى متطرفا حتى من منظور صهيوني.
والحضارة الغربية الحديثة ـ في تصوري ـ حضارة داروينية تمجِّد القوة وتجعلها الآلية الوحيدة لحسم الصراعات، كما تجعل مصلحتها معياراً وحيداً أوحد للحكم على الظواهر. وهي حضارة إمبريالية عنصرية تتمركز حول نفسها ولا ترى الآخر إلا باعتباره مادة استعمالية، وهذا هو جوهر كل من النازية والصهيونية. فإذا كانت النازية قد حوَّلت اليهود وغيرهم إلى مادة استعمالية، فإن الصهاينة قد فعلوا ذلك مع الفلسطينيين. وإذا كان النازيون قد فرضوا رؤيتهم على الواقع بقوة السلاح، فإن الصهاينة لم يتوانوا عن استخدام نفس المنهج. هذا هو الإدراك الغربي الدارويني للآخر، وهذا هو أيضاً الإدراك النازي والصهيوني.
ويبدو أن الحضارة الغربية غير قادرة على مواجهة نفسها وعلى مواجهة هذه الحقيقة، ولذا فالمتحدثون باسمها لا يكفُّون عن الثرثرة عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الأطفال وحقوق القطط والكلاب... إلخ. أما الإبادة النازية ليهود أوربا، فبدلاً من رؤيتها على أنها ظاهرة متكررة في الحضارة الغربية الحديثة التي بدأت بإبادة السكان الأصليين في أمريكا الشمالية واستمرت حتى العصر الحديث في فيتنام والبوسنة والشيشان (مروراً بإبادة السكان الأصليين في أستراليا ونيوزيلندا وإبادة الملايين في أفريقيا)، نقول بدلاً من أن تدرك الحضارة الغربية الإبادة النازية باعتبارها ظاهرة متكررة، فإنها تصنِّفها على أنها حدث فريد، ثم تستخدمها كستار من دخان لتخبئة ما يدور من مذابح في عالمنا.
لكن الأعمال الأدبية ـ في كثير من الأحيان ـ لا تعكس الواقع، وإنما تصوِّره تصويراً نقدياً. فأدب القرن التاسع عشر، بما في ذلك الأدب الرومانسي، كُتب إبَّان الثورة الصناعية وسيادة المفاهيم النفعية المادية، ومع هذا فقد وضع الأدباء نُصب أعينهم الهجوم على وحشية الثورة الصناعية ولا إنسانية المفاهيم النفعية المادية.
ونفس القول ينطبق على الرواية الخيالية التي كتبها عالِم اللغة البريطاني اليهودي «جورج ستانير» (بعنوان نقل أ. هـ. إلى سان كريستوبال)، فهي رواية تاريخية خيالية تدور حول حدث خيالي: العثور على «هتلر» حياً في إحدى غابات الأمازون، والقبض عليه من قِبَل بعض اليهود الذين اقتفوا أثره والذين قرروا محاكمته. والمحاكمة دون شك خيالية، ولكنها مع هذا تصل إلى كبد الحقيقة، إذ يبيِّن «هتلر» العلاقة الوثيقة بين الإدراك النازي والإدراك الصهيوني للواقع، مشيراً إلى أحد المفاهيم العنصرية الأساسية التي تبناها النازيون، أي مفهوم التفاوت بين الأعراق والجنس الأرقى، فيقول مخاطباً اليهود الذين يقومون بمحاكمته:
«يجب أن تفهموا أنني لم أخترع شيئاً. لم يكن الجنس المتفوق من بنات أحلام «أدولف هتلر» الذي كان يحلم باستعباد الشعوب الأدنى. أكاذيب. أكاذيب... لقد تعلمت قوتكم الخفية هناك، قوة تعاليمكم الخفية، تعاليمكم أنتم، فأنتم شعب مختار، شعب اختاره الله لنفسه، وعِرْقكم هو العِرْق الوحيد المختار على وجه الأرض... وجعله الإله فريداً دون البشر».
ثم يقتبس «هتلر» من العهد القديم، ويشير خصوصاً إلى بطولات «يوشع بن نون»، وهو بطل قومي/ديني يتواتر ذكره في الكتابات الصهيونية، ويوصف بأنه حرق المدن وخربها كليةً وأباد سكانها، نساءً ورجالاً وأطفالاًً، حتى الحيوانات هي الأخرى أُبيدت بحد السيف. ولذا، فإن «هتلر» يرى أن كتاب اليهود المقدَّس تفوح منه رائحة الدم. ثم يُضيف قائلاً «لقد تعلمت أن أي شعب لابد أن يكون مختاراً كي يُحقق مصيره، وألا يكون هناك أي شعب آخر في نفس مرتبته: الأمة الحقيقية سر دفين، جسد واحد خلقه الله بإرادته وخلق دمها الطاهر، خلقها سر الإرادة والاختيار، أن تهزم أرضها الموعودة وتستعبد كل من يقف في طريقها، وأن تعلن نفسها خالدة أبدية».
والمصطلح النازي الذي يستخدمه «هتلر» يُذكِّر المرء بالمصطلح الصهيوني، فكلاهما يأخذ المفاهيم الدينية ثم يقوم بعلمنتها وتجنيد الجماهير من خلالها، وبذلك تحوَّل مفهوم الشعب المختار إلى مفهوم الشعب العضوي (فولك) الذي يرتبط أعضاؤه بأرضهم وببعضهم البعض برباط عضوي أزلي، أنه «روح الشعب» أو«المصير الأزلي» أو«إله الشعب» إلى آخر هذه المطلقات والغيبيات العلمانية. ثم يستطرد «هتلر» قائلاً: «لم تكن عنصريتي سوى تقليد هزلي لعنصريتكم أنتم، تقليد هزيل. ماذا يكون الرايخ الذي سيدوم ألف عام بالقياس إلى صهيون الأبدية؟».
إن مؤلف الرواية يبين أن فكرة الشعب المختار فكرة عِرْقية غربية قد يكون لها جذور يهودية، ولكنها أصبحت جزءاً من التراث الغربي. وقد ذكر «هتلر» في إحدى خطبه (الحقيقية) أنه لا يوجد سوى شعب مختار واحد هو الشعب الألماني. ومن المعروف تاريخياً أن «هتلر» تشرب كثيراً من آرائه العنصرية من «الدراسات» العنصرية التي انتشرت في أوروبا لتبرير المشروع الإمبريالي.
ولكن الأهم من هذا أن «هتلر» في مرافعته الخيالية وضع الإبادة النازية في سياق الحضارة الغربية باعتبارها حضارة إبادية لا تتردد في إزالة الآخر من طريقها (فهو من الناحية العِرْقية يشغل مكانة أدنى، ولذا لا يستحق الحياة): «أنا لم أخلق القبح، ولم أكن أسوأ القبحاء. بل إن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك.. كم عدد التعساء الصغار الذين قتلهم أصدقاؤكم (المستعمرون) البلجيك في الغابات - إما بشكل مباشر أو بتركهم يموتون جوعاً أو من مرض الزهري حينما اغتصبوا الكونغو؟ أجيبوا عليَّ يا سادة. أم يجب عليّ أن أُذكركم؟ عشرون مليوناً! هذه النزهة الخلوية كانت قد بدأت وكنت أنا في المهد صبياً؟ في لعبة الأرقام السـوداء لسـت أسوأ اللاعبين». ثم يؤكد «هتلر» أن «ستالين» ارتكب هو الآخر جرائم تفوق جرائمه هو كيفاً وعدداً.
وما لم يذكره «هتلر» في دفاعه عن نفسه في المحاكمة الخيالية وقائع الإبادة المختلفة في التاريخ الغربي الحديث. ولكننا نعرف أنه في أحاديثه الخاصة (الحقيقية) كثيراً ما كان يبدي إعجابه بالمستوطنين الأمريكيين البيض وطريقة «معالجتهم» لقضية الهنود الحمر. وقد صرح «هتلر» في إحدى خطبه أن الحرب التي تخوضها ألمانيا ضد عناصر المقاومة في شرق أوربا لا تختلف كثيراً عن كفاح البيض في أمريكا الشمالية ضد الهنود الحمر. ومن هنا كان «هتلر» يشير إلى أوربا الشرقية باعتبارها «أرضاً عذراء» أو «صحراء مهجورة»، تماماً كما كان الصهاينة يتحدثون عن «أرض بلا شعب» وعن فلسطين باعتبارها «صحراء ومستنقعات».
بعد أن وضع «هتلر» الإبادة النازية ليهود أوربا في سياقها الحضاري الغربي العريض، فإنه يضعها في سياق ألماني يهودي: رفض اليهود الاندماجيين للنازية وترحيب الصهاينة بها ـ التعاون بين الصهاينة والنازيين ـ الصهيونية في علاقتها النظرية والفعلية مع النازية! فكشف عن كثير من حقائق التعاون بين النازيين والصهاينة. يقول «هتلر» في مرافعته الخيالية في نفس الرواية المشار إليها:
«هذا الكتاب الغريب المسمى دولة اليهود [كتاب «هرتزل» والإنجيل الصهيوني] قرأته بعناية بالغة. إن كلماته جاءت من أعماق «بسمارك» (والعسكرية البروسية): اللغة، الأفكار وحتى النبرة نفسها. إني أتفق معكم أنه كتاب ذكي صاغ الصهيونية على شاكلة الأمة الألمانية الجديدة. ولكن من الذي خلق إسرائيل في واقع الأمر، «هرتزل» أم أنا؟ انظروا إلى السؤال دون تحيز؟ هل كان من الممكن أن تصبح فلسطين إسرائيل.. دون مذبحة الإبادة التي قمت بها. إن مذبحتي هي التي أعطتكم شجاعة الظلم التي جعلتكم تطردون العربي من منزله وحقله لأنه كان يقف في طريقكم. هذا هو الذي جعلكم قادرين على تحمل معرفة أن هؤلاء الذين قمتم بطردهم يجلسون يكاد يأكلهم العفن في معسكرات اللاجئين، على بُعد أقل من عشرة أميال [من وطنهم]، مدفونين أحياء في بؤسهم».
ولم يذكر الروائي، على لسان «هتلر»، معاهدة «الهعفرا» بين النازيين والصهاينة (التي سنتناولها بالتفصيل في هذا الفصل). فهذه المعاهدة هي التي أنقذت الجيب الصهيوني من الهلاك، إذ أنه كان يعاني من توقف الهجرة الاستيطانية ومن تدفق رؤوس الأموال، الأمر الذي تكفل به النازيون (نظير أن يقوم الصهاينة بكسر طوق المقاطعة اليهودية للبضائع الألمانية). ولهذا قال أحد المعلقين: إذا كان «هرتزل» هو «ماركس» الصهيونية (أي منظِّرُها)، فإن «هتلر» هو لينينها (أي من حول النظرية إلى واقع سياسي).
وما لم يذكره مؤلف الرواية أيضاً أن «جابوتنسكي» (الأب الروحي لكل من «شارون» وحزب «الليكود») كان من أشد المعجبين «بهتلر» و«موسوليني». فمجلة الجبهة الوطنية (National Front)، التي كان يصدرها «الاتحاد العالمي للصهاينة المراجعين» وكانت تعبر عن آراء «جابوتنسكي»، قالت في عددها الصادر في ?? مارس ????: إن الاشتراكيين والديمقراطيين يصفون حركة «هتلر» بأنها مجرد قشرة، ويمكننا أن نرى أنها قشرة تغطي ثمرة، والقشرة هي معاداة السامية، أما الثمرة فهي تحقيق الهدف الصهيوني المتمثل في تهجير أعدادٍ غفيرة من يهود أوروبا للاستيطان في فلسطين. وقد أضاف «إلياهو كوهين»، وهو محامٍ في حزب «جابوتنسكي»، قائلاً: «لو أن أتباع «هتلر» خففوا في برامجهم من كرههم لليهود، فإنهم سيحظون بتأييدنا «. وقد قال أحد زعماء الحركة التصحيحية: «نحن التصحيحيين نكن الإعجاب الشديد «لهتلر»، فهو الذي أنقذ ألمانيا، ولولاه لهلكت خلال أربعة أعوام وسنتبعه إن هو تخلى عن عدائه لليهود».
ولنوضح مدى التلاقي الفكري بين النازية والصهيونية يمكننا أن نشير إلى «كورت بلومنفلد» (Kurt Blumenfeld) (????-????) القوة المحركة للمنظمة الصهيونية في ألمانيا، وهو يهودي ألماني ولد في أسرة مندمجة، ولكنه خلص إلى أنه لا جدوى من الانعتاق وأنه لن يكون في وسع اليهود الاندماج في المجتمع الألماني. وقد تزوج فتاة من شرق أوروبا، وبعد أن درس في كلية الحقوق في إحدى الجامعات الألمانية انضم إلى المنظمة الصهيونية وأصبح سكرتيرها الأول عام ????، ثم أصبح السكرتير العام للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية ورئيس قسم النشر وترأس تحرير مجلة «دي ولت» لسان حال المنظمة. وبعد الحرب العالمية الأولى قام بحملات واسعة لجمع التبرعات للصندوق القومي اليهودي وأصبح رئيسا للمنظمة الصهيونية الألمانية عام ????، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام ????، أي عندما وُليَ «هتلر» السلطة في ألمانيا. (هاجر «بلومنفلد» بعد ذلك إلى فلسطين واستوطن فيها وأصبح الرئيس التنفيذي للصندوق القومي اليهودي في فلسطين، ومات عام ????، ولكن المصادر الصهيونية لا تذكر شيئاً عن نشاطه السياسي منذ عام ???? حتى وفاته، أي مدة عشرين عاماً، وهو أمر يحتاج إلى دراسة).
كان «بلومنفلد» يرى نفسه «نبي» الصهيونية الألمانية في عصر ما بعد الاندماج وفشله»، وبدأ يعلن عن مواقفه ويقوم بالجولات الإعلامية داخل ألمانيا وخارجها بوصفه مسئولاً صهيونياً. وكثيرًا ما كان يلقي الخطب النارية ويطرح الشعارات التي كانت تسبب كثيراً من الحرج لأعضاء الأقلية اليهودية في ألمانيا. وقد كان «بلومنفلد» وراء أول قرار أصدرته المنظمة الصهيونية الألمانية عام ???? وحددت فيه الصهيونية كحركة قومية تترجم نفسها إلى هجرة إلى فلسطين «وطن اليهود القومي». وفي هذا القرار قال «بلومنفلد» إنه كان بمثابة إعلان للهجوم على صهيونية الإحسان (الغربية) (أي الصهيونية التوطينية)، وأنه بصدوره أصبحت الصهيونية حركة «ذات طابع قومي» واضح. (وقد اعترف «بلومنفلد» أيضاً بأن الأعضاء وافقوا على قراره لأنهم لم يدركوا تضميناته السياسية الراديكالية).
وفي عام ???? قدم عضوان في المنظمة الصهيونية مشروع قرار بإيعاز من «بلومنفلد» جاء فيه أنه «نظراً للأهمية القصوى للعمل ذي التوجه الصهيوني (حرفيا: العمل ذي التوجه الفلسطيني) يعلن أنه من الواجب على كل صهيوني، ولاسيما الذين يتمتعون باستقلال اقتصادي، أن يجعل الهجرة جزءاً عضوياً من برنامج حياته. وقد سمي هذا القرار قرار «بوزن» (Posen) وأصبح الإطار العقائدي للصهيونية الألمانية التي تخلت بفضله تماماً عن أي أبعاد غربية غير قومية ذات طابع خيري، وأصبحت أيديولوجية قومية عضوية. وكان «بلومنفلد» خبيرا بالمناورات السياسية، ولذلك فقد نجح في تمرير قراره من خلال ما سماه بعض معارضيه «الأغلبية الطارئة»، أي عن طريق تقديم مشروع القرار أثناء وجود المؤيدين وغياب المعارضين والحصول على موافقة الحاضرين. وقد اتهمه المعارضون بالمزايدة، وفسروا تطرفه بأنه ناتج عن أنه يقبض راتبا من المنظمة الصهيونية، لا من الحكومة الألمانية ولا من أي هيئة أو مؤسسة ألمانية، وهذا يسمح له بأن يتخذ مثل هذه المواقف، وأن يمرر مثل هذه القرارات التي لا تعكس وضع يهود (أو حتى صهاينة) ألمانيا أو تطلعاتهم.

وقد قام الصهاينة الألمان بعد ذلك بتطوير الأيديولوجية الصهيونية والوصول بأطروحاتها إلى نتائجها المنطقية، أي تصفية الأقليات تماماً وإنشاء الدولة الصهيونية. وابتداء من العشرينات بدأ الزعماء الصهاينة في ألمانيا يطلقون التصريحات الصهيونية التي تؤكد الهوية اليهودية الخالصة وتنكر على اليهود انتماءهم إلى الأمة الألمانية. فقد ألقى «غولدمان» عام ???? (قبل ظهور كتاب كفاحي بثلاثة عشر عاماً) خطاباً في جامعة «هايدلبرج» بيّن فيه أن اليهود شاركوا بشكل ملحوظ للغاية في الحركات التخريبية، وفي إسقاط الحكومة في تشرين الثاني/ نوفمبر ????، وأصر على أنه ليس بين يهود ألمانيا والشعب الألماني عناصر مشتركة، ومن ثم فإن للألمان الحق في منع اليهود من الاشتراك في شئون الفولك الألماني. وأما «وايزمان» فقد شبه علاقة الألمان باليهود باستعارة استقاها من عملية الهضم، إذ قال إن كل بلد يريد تحاشي الاضطرابات المعوية عليه أن يستوعب عدداً محدداً من اليهود لا يتجاوزه. وفي رأيه أنه كان في ألمانيا عدد أكبر من اللازم من اليهود، أي فائض يهودي. وفي نفس الفترة وصف «كلاتزكين» اليهود بأنهم جسم مغروس وسط الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، «ولذا من حقهم أن يحاربوا ضدنا من أجل تماسكهم القومي». وهذه كلها موضوعات قديمة مطروحة في كتابات «هرتزل» و«نورداو» الأبوين الروحيين للصهيونية على وجه العموم، والصهيونية الألمانية على وجه التحديد، ولكنها تكتسب أهمية خاصة من سياقها الزماني والمكاني في ضوء ما حدث بعد ذلك. وإذا أخذنا في الاعتبار هذا التوجه الصهيوني فإنه لم يكن من الغريب أن يرى «هتلر» حين وصل إلى الحكم أن كثيراً من الصهاينة على استعداد لتفهم وجهة نظره. فقد صرح الحاخام الصهيوني «يواكيم برنز» (Joachim Prinz) في يناير ???? أن لا مكان الآن يستطيع اليهود أن يختبئوا فيه، «وبدلا من الاندماج نرى نحن الصهاينة أنه يجب الاعتراف بالأمة اليهودية وبالعرق اليهودي». وحينما قام النازيون في ?? يناير ???? بحرق الكتب التي كانوا يرون أنها هدامة كتبت مجلة الجوديش روندشاو (Judische Rundschau) (المجلة الناطقة باسم الاتحاد الصهيوني) تقول إن كثيرا من المؤلفين اليهود «خونة» تنكروا لجذورهم لأنهم شتتوا جهودهم بإسهامهم في الثقافة الألمانية غير اليهودية. وفي نبرة ترحيب واضحة صرح «إميل لودفيغ» (Emil Ludwig) (الكاتب اليهودي الألماني) بأن ظهور النازيين دفع بآلاف اليهود إلى حظيرة اليهودية مرة أخرى بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنها، ولذا «فأنا شخصيا ممتن لهم». وترد نفس الفكرة النازية/ الصهيونية على لسان الشاعر الصهيوني «حاييم بياليك» (Hayyim Bialik) (???? ـ ????) إذ يرى أن الهتلرية أنقذت يهود ألمانيا، ويضيف: «أنا أيضا مثل «هتلر» أؤمن بفكرة الدم». وقد لاحظ أعضاء الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان من أتباع العقيدة اليهودية (Central-verein deutscher Staatsbürger Jüdischen Glaubens) (وهي جماعة اندماجية تعتبر يهود ألمانيا مواطنين ألمان) بكثير من القلق نشاطات الصهاينة وتصريحاتهم واعتبروها «طعنة من الخلف» في الحرب ضد الفاشية.
ولكن كل هذه المقالات والتصريحات لم تكن سوى افتتاحيات تمهيدية للإعلان الصهيوني الألماني الرسمي الذي صدر في ?? يونيو ???? بعد وصول النازيين إلى السلطة («إعلان الاتحاد الصهيوني بشأن وضع اليهود في ألمانيا الجديدة»). (?usserung der Zionistischen Vereinigung für Deutschland zur Stellung der Juden im Neuen Deutschen) وقد اتخذ الإعلان شكل مذكرة أرسلت مباشرة إلى الحزب «النازي» و«هتلر» (بتاريخ ?? يونيو ????) وتم من خلالها تحديد المقولات المشتركة بين النازيين والصهاينة. فقد بدأت المذكرة/ الإعلان بتأكيد إمكانية التوصل إلى حل يتفق مع المبادئ الأساسية للدولة الألمانية الجديدة، دولة البعث القومي، ثم تطرح أمام اليهود طريقة جديدة لتنظيم وجودهم. ثم تنتقل المذكرة بعد ذلك لعرض إطارها «السوسيولوجي» فتقوم بانتقاد الشخصية اليهودية التي تتسم بالكسل وتبين أن صعوبة وضع اليهود تنبع من شذوذ النمط الوظيفي الذي يتبعونه، ومن الخلل الكامن في كونهم جماعة تتخذ مواقف فكرية أخلاقية غير متجذرة في تقاليدهم [الحضارية] الخاصة. وبعد أن تتبنى المذكرة هذا النقد «النازي» لليهود تنتقل لإيضاح نقط الالتقاء الفلسفية والنظرية بين الصهيونية والنازية فتؤكد أن الصهيونية مثل النازية تمزج الدين بالقومية، فالأصل والدين ووحدة المصير والوعي الجمعي يجب أن تكون كلها ذات دلالة حاسمة في صياغة حياة اليهود. وتؤكد المذكرة أن المنظمة تتقبل مبدأ العرق، أحد ثوابت الرؤية النازية، كأساس لتصنيف الأفراد والجماعات المختلفة، ولإنشاء علاقة واضحة مع الشعب الألماني وحقائقه القومية والعرقية. وتقوم بتعريف اليهود تعريفا عرقيا، مبينة أن هدف الصهيونية هو التصدي للزيجات المختلطة والحفاظ على نقاء الجماعة اليهودية.
هذا هو الإطار الفلسفي المقترح الذي يمكن أن يتحول إلى ممارسة وإجراءات. وقد طرحت المنظمة الصهيونية نفسها باعتبارها الحركة الوحيدة القادرة على أن تأتي بحل للمسألة اليهودية يحوز على رضا الدولة الجديدة ويتفق مع خطها، حل يهدف إلى بعث اليهود من الناحية الاجتماعية والثقافية والأخلاقية ويتبع النموذج النازي «وعلى تربة الدولة الجديدة، ألمانيا النازية، نريد أن نعيد صياغة بنية جماعتنا بأكملها» بطريقة تفيد ألمانيا واليهود في المجال المخصص لهم، فهدف الصهيونية هو تنظيم هجرة اليهود إلى فلسطين. وسيؤدي الإطار النظري الفلسفي المطروح إلى ظهور حقائق اجتماعية جديدة تأخذ شكل نموذج جديد: اليهودي المتجذر في تقاليده الروحية، الواعي بنفسه الذي لا يحس بالحرج تجاه هويته، وهو نموذج مختلف تماماً عن ذلك اليهودي الذي لا جذور له والذي يهاجم الأسس القومية للجوهر الألماني، وهو مختلف أيضا عن اليهود المندمجين الذين يحسون بالضيق لانتمائهم للجماعة اليهودية وللعرق اليهودي وللماضي اليهودي. [ويلاحظ أن النموذج اليهودي الجديد لا يختلف في أساسياته عن النموذج النازي]. ثم تذكر المذكرة أن الصهيونية تأمل أن تحظى بالتعاون مع حكومة معادية لليهود بشكل أساسي. إذ إنه في مجال تناول المسألة اليهودية لا يوجد مكان للعواطف، في مسألة تهم كل الشعوب، والشعب الألماني على وجه الخصوص، في الوقت الراهن. وفي نهاية المذكرة/ الإعلان شجب الصهاينة جهود القوى المعادية للنازية و«هتلر»، التي كانت قد طالبت في ربيع عام ???? بمقاطعة ألمانيا النازية اقتصادياً: «إن الدعاية التي يقومون بها لمقاطعة ألمانيا هي بطبيعتها غير صهيونية، فالصهيونية لا تريد أن تحارب، وإنما تهدف إلى الإقناع والبناء».
ونشرت مجلة جوديش روندشاو مقالاً تعلن فيه عن استعداد الصهاينة للتعاون مع أصدقاء اليهود وأعدائهم «حيث إن المسالة اليهودية ليست مسألة عاطفية، وإنما هي مسألة حقيقية تهتم بها كل الشعوب». وهذا الموقف امتداد لموقف «هرتزل» حين ميز بين التعصب الديني القديم (وهو مجرد تعصب عاطفي غير منهجي) ومعاداة اليهود الحديثة التي وصفها بأنها «حركة بين الشعوب المتحضرة الغربية تحاول من خلالها التخلص من شبح يطاردها من ماضيها». ويتضمن التمييز هنا شكلاً من أشكال القبول لمعاداة اليهود المنهجية. وقد تبنى «هتلر» موقفاً مماثلاً حين ميز هو الآخر بين «معاداة اليهود العاطفية ومعاداة اليهود المعقولة أو المنهجية، إذ تنتهي الأولى بالمجازر، وأما الثانية فتنتهي بطرد جميع اليهود من ألمانيا». وقد حدد «هتلر» مشروعه بالنسبة إلى اليهود على أسس صهيونية ومنهجية بقوله ردا على سؤال وجهه إليه أحد سامعيه عن حقوق اليهود الإنسانية: «فليبحث اليهودي عن حقوقه الإنسانية حيث ينتمي، في دولته فلسطين». وفي العام نفسه قرر «روزنبرج» ضرورة «مساندة الصهيونية بكل نشاط حتى يتسنى لنا أن نرسل سنوياً عدداً محدداً من اليهود إلى فلسطين، أو على الأقل عبر الحدود». ولذا فإنه حينما استولى النازيون على السلطة سمحوا للصهاينة بالقيام بنشاطاتهم الحزبية، مثل الاجتماعات إصدار المنشورات جمع التبرعات وتشجيع الهجرة إلى فلسطين والتدريب على الزراعة والحرف، أي السماح لهم بنشاط صهيوني خارجي كامل. كما أن المجلات الصهيونية كانت المجلات الوحيدة غير النازية المسموح لها بالصدور في ألمانيا، وكانت تتمتع بحريات غير عادية، فكان من حقها أن تدافع عن الصهيونية كفلسفة سياسية مستقلة. وكما يقول «أدوين بلاك» (Edwin Black) مؤرخ اتفاقية «الهعفرا» (Haavra) (أي النقل): «إن الصهيونية هي الفلسفة السياسية المستقلة الوحيدة التي وافق عليها النازيون». وحتى عام ???? لم يتأثر عدد صفحات مجلة جوديش روندشاو بالقرارات الاقتصادية التقشفية التي تقرر بمقتضاها إنقاص عدد صفحات المجلات الآرية. كما نشرت دور النشر الألمانية، بشكل قانوني كامل، أعمال «حاييم وايزمان» و«بن غوريون» و«آرثر روبين».
وقد أرسلت جماعة «ستيرن» الصهيونية للحكومة النازية مذكرة تتصل بإيجاد حل للمسألة اليهودية في أوربا واشتراك أعضاء جماعة «ستيرن» إلى جانب القوات النازية في الحرب ضد قوات الحلفاء. وتنص المذكرة على أن إجلاء الجماهير اليهودية من أوربا هو شرط مسبق لحل المسألة اليهودية. وقد عبَّر كاتب الوثيقة عن وجود نقط تماثل بين النازية والصهيونية. كما تذكر الوثيقة وجود مصالح مشتركة بين النازيين والصهيونية، وتعبِّر عن تقدير جماعة «ستيرن» للرايخ الثالث لتشجيعه النشاط الصهيوني داخل ألمانيا وللهجرة الصهيونية إلى فلسطين. وتؤكد الوثيقة ضرورة التعاون بين ألمانيا الجديدة و«الشعب اليهودي» في المجالين السياسي والعسكري.
وهنا لابد أن نسأل عن الصلة بين عمليات تهجير اليهود إلى الخارج التي قامت بها الحكومات «الديموقراطية» الغربية وعمليات الإبادة التي نظمها النازيون وراح ضحيتها كثير من اليهود وغيرهم من السلافيين والغجر والعجزة ومعارضي النازية؟ إن ما تجدر ملاحظته هنا هو أن عملية نقل اليهود تلك لم تكن بأيةِ حالٍ نقيضاً لعملية الإبادة، فكلتاهما تصدران عن الإيمان بضرورة التخلص من يهود أوربا، إذ ينظر إليهم «النازيون» باعتبارهم «فائضاً بشرياً طفيلياً لا نفع له» وينبغي القضاء عليه أو نفيه خارج أوربا، بينما يرى الصهاينة أن اليهود يمثلون عنصراً غريباً داخل النسيج الأوربي وأن استمرار وجودهم في أوربا هو جذر «المشكلة اليهودية»، ومن ثم ينبغي إفراغ أوربا منهم. وما دام الهدف واحداً، فلا يهم بعد ذلك أن يتحقق من خلال «النقل» أو «القتل».
إن ما أوردناه حتى الآن يعطينا الحق في أن نشير للأيديولوجية الصهيونية ككل باعتبارها أيديولوجية عِرْقية نازية، فقانون العودة الصهيوني (الذي يعتبره «بن جوريون» العمود الفقري للمستوطن الصهيوني) يفتح أبواب إسرائيل على مصراعيه لأي يهودي يود الاستيطان في أرض فلسطين المحتلة، وينكر هذا الحق الإنساني البسيط على أي فلسطيني اضطر إلى ترك وطنه تحت تهديد السلاح منذ بضع سنوات. كل هذا بهدف تأسيس دولة يهودية خالصة لا تختلف كثيراً في منطلقاتها عن الدولة النازية.
وقد قارن كثير من الكُتَّاب اليهود والإسرائيليين بين قانون العودة والقوانين النازية. فعلى سبيل المثال، أعـرب الأستاذ الإسرائيلي «د. كونفيتس» ـ خلال النقاش الذي دار قبل الموافقة على قانون العودة ـ عن مخاوفه من احتمال مقارنة هذا القانون بالقوانين النازية ما دام يُجسِّد مبدأ التمييز بين الأفراد على أساس ديني أو عِرْقي.
وبعد صدور هذا القانون، حذَّرت صحيفة جويش نيوزلتر، في عددها الصادر في ?? مايو ????، من أن هذا القانون يعيد إلى الذاكرة النظرية العنصرية الخطيرة القائلة بأن الفرد الألماني يتمتع بمزايا جنسيته، بغض النظر عن المكان الذي يوجد فيه.
الصهيونية والنازية: اتفاقية «الهعفرا» وأشكال التعاون الأخرى
بسبب هذا التماثل البنيوي والاتفاق في المنطلقات قام النظام النازي بتشجيع النشاط الصهيوني ودعم المؤسسات الصهيونية والسماح للمنظمات الصهيونية بممارسة جميع أنشطتها من تعليم وتدريب على الاستيطان، فضلاً عن نشر مجلاتها، بينما مُنع الداعون إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم وكذلك اليهود «الأرثوذكس» من إلقاء الخطب، أو الإدلاء بتصريحات، أو جمع التبرعات أو مزاولة أي نشاط آخر. وقد قام «كورت جروسمان»، في كتاب هرتزل السنوي (الجزء الرابع)، بدراسة الموضوع، ونشره تحت عنوان «الصهاينة وغير الصهاينة تحت حكم النازي في الثلاثينيات». وألحق الكاتب بالمقال ثماني وثائق نازية تحمل كلها توجيهات للشرطة خاصة بتنظيم النشاط اليهودي في ألمانيا النازية. وأول هذه التوجيهات (رقم ?????/?????) بتاريخ ?? فبراير ???? أنه «يجب حل المنظمات اليهودية التي تدعو إلى بقاء اليهود في ألمانيا». وقد مُنع مواطن صهيوني، وهو «جورج لوبنسكر»، عن طريق الخطأ من إلقاء الخطب، ثم صدر توجيه آخر (رقم ?????/????? ب) ليصحح هذا الوضع، وصدر أمر بالسماح له بممارسة نشاطه» لأنه مدافع بليغ عن الفكرة الصهيونية وتعهد بأن يساعد على هجرة اليهود في المستقبل دون أية عوائق».
وثمة دلائل تشير إلى أن «الغستابو» وفرق الإس إس S.S. (الصاعقة) ساعدت في مجال تهريب المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين، أي أن النازية لم تدعم الصهيونية الخارجية وحسب، بل امتد دعمها إلى صهاينة المستوطن أيضا. ولكن أهم أشكال التعاون مع الصهاينة الاستيطانيين تم من خلال اتفاقية «الهعفرا» (وهي كلمة عبرية تعني «النقل») المبرمة بين النظام النازي وصهاينة المستوطن (دون علم صهاينة أو يهود الخارج). ولا تكمن أهمية الاتفاقية في أنها تبين مدى عمق العلاقة بين الصهاينة والنازيين وحسب، وإنما تكمن أيضا في أنها تبين مدى عمق التناقض بين الصهاينة المستوطنين وصهاينة الخارج، وهو تناقض سيطر على الحركة الصهيونية منذ ولادتها ولم تفلح الأيام إلا في زيادته حدة. ويمكن القول إن إبرام اتفاقية «الهعفرا» كان أول مواجهة حقيقية بين الفريقين، وقد كسب المستوطنون هذه الجولة تماما كما سنرى.
وقد أطلق الصهاينة دعوة لما يسمى غزو الجاليات (أي الجماعات اليهودية في العالم) وتوظيفها لصالح المنظمة الصهيونية، وأن تتم تصفية الجماعات اليهودية ليتم بناء المستوطن. ولذا فإن إنقاذ اليهود دون خدمة الأهداف الصهيونية هو دعم للجماعات اليهودية على حساب المستوطن، أو هو على الأقل فصل لمصير الواحد عن مصير الآخر. وقد قال «إسحق غرينباوم» (Isaac Greenbaum) رئيس لجنة الإنقاذ بالوكالة اليهودية أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية في ?? فبراير ???? إنه لو سئل عما إذا كان من الممكن التبرع ببعض أموال النداء اليهودي الموحد (الجباية اليهودية الموحدة) لإنقاذ اليهود، فإن إجابته ستكون قاطعة: «كلا، ثم كلا. يجب أن نقاوم هذا الاتجاه نحو وضع النشاط الصهيوني في المرتبة الثانية»، «إن بقرة واحدة في فلسطين أثمن من كل اليهود في بولندا». وكان «وايزمان» قد عبر عن الفكرة النفعية نفسها عام ???? بقوله: «إن العجائز سيموتون.. فهم تراب.. وسيتحملون مصيرهم.. وينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك».
وقد عبر هذا التعارض في الرؤية عن نفسه من خلال موقفين متعارضين من النازيين. فبينما كان الصهاينة العماليون الاستيطانيون يبحثون عن وسائل لدعم المستوطن وحماية مصالحهم بأي طريقة، بما في ذلك التعاون مع النظام النازي، كان صهاينة الخارج ويهوده مشغولين بعمليات إنقاذ يهود ألمانيا بما في ذلك تنظيم مقاطعة اقتصادية ضد هذا النظام. وكان من أهم الشخصيات القيادية في عملية المقاطعة «صمويل أونترماير» (Samuel Untermeyer) المحامي الأمريكي اليهودي (الصهيوني) الذي نجح في تكوين حركة جماهيرية تضم اليهود وغير اليهود بقيادة «الرابطة الأمريكية للدفاع عن حقوق اليهود»، (American League for the Defense of Jewish Rights) كما أسس منظمة دولية «اسمها الاتحاد اليهودي الاقتصادي العالمي» (World Jewish Economic Federation) (في أمستردام) للتنسيق بين كل المنظمات الداعية إلى المقاطعة. وقد شكلت المقاطعة، ولاسيما في الشهور الأولى، تهديدا خطيرا للنظام النازي. ويقول «إدوين بلاك» إنه لو اتحدت المنظمات اليهودية والصهيونية خلف حركة المقاطعة فلربما كانت نجحت في تعبئة الجماهير المسيحية وانضمت بعض الحكومات إليها، ولم ينجح «النازيون»، ولاسيما في الأشهر الأولى من تسلمهم السلطة، في الإمساك بزمام الأمور. «إن استجابة مباشرة وموحدة كان من الممكن أن تقصم ظهر ألمانيا قبل شتاء عام ????».
ولكن المستوطنين كانوا قد قرروا تبنى خطة تخدم مصالحهم، فسافر «حاييم أرلوسوروف» (Chaim Arlosoroff) (???? ـ ????) الزعيم العمالي الصهيوني ورئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية إلى ألمانيا لمناقشة إمكانية التعاون والتبادل الاقتصادي معها. وكانت المسألة ـ بالنسبة إلى المستوطنين ـ ملحة للغاية، فقد فشل المستوطن الصهيوني في اجتذاب المهاجرين ولم يصل إليه الرأسمال اليهودي المتوقع. (تم اغتيال «أرلوسوروف» بعد عودته من ألمانيا بعدة أيام). وكان «هنريش وولف» (Heinrich Wolf) قنصل ألمانيا العام في القدس قد مهد الجو له وللمبعوثين الصهاينة من بعده عندما كتب مؤيداً وموضحاً المزايا التي سيجنيها النظام النازي من التعاون معهم. وفي النهاية تم توقيع الاتفاق الذي كان يقضي بأن تسمح السلطات الألمانية لليهود الذين يقررون الهجرة من ألمانيا إلى فلسطين بـ«نقل» جزء من أموالهم إلى هناك رغم القيود التي فرضتها ألمانيا على تداول العملة الصعبة. (وهذه الاتفافية هي التي عُرفت باسم «الهعفرا»).
وكان ذلك يتم بتمكين أولئك اليهود من إيداع المبلغ المسموح بتحويله في حساب مغلق يفتح في بنك «الرايخ» الألماني باسم شركة «هانوطياع» ويسمح لها باستعماله فقط لشراء تجهيزات وآلات زراعية مختلفة من ألمانيا وتصديرها إلى فلسطين. وهناك تقوم الشركة ببيع هذه البضائع وتسدد بأثمانها المبالغ المستحقة لمودعيها بعد وصولهم كمهاجرين إلى فلسطين، وتحتفظ بالفرق كعمولة أو ربح لها.
وقد تم تعديل الاتفاقية بحيث أصبح في مقدور اليهود الألمان الذين لم يكونوا ينوون الهجرة مباشرة ويريدون مع هذا «تأسيس بيت في فلسطين والمساهمة في تطورها» أن يستعملوا الحساب المغلق وأن يودعوا أموالهم فيه شرط ألا يزيد المبلغ الإجمالي عن ? ملايين مارك تستعمل لشراء بضائع ألمانية أيا كان نوعها. ثم حل البنك البريطاني ـ الفلسطيني ممثلا للوكالة اليهودية محل شركة «هانوطياع». وأثناء تنفيذ الاتفاقية اعترضت بعض العناصر في وزارة الخارجية الألمانية على هذه المساهمة النازية في بناء المستوطن الصهيوني، كما أن المستوطنين الألمان في فلسطين (من أتباع جماعة الهيكل) قاموا بالضغط ولكن دون جدوى، إذ إن «هتلر» نفسه قرر أنه يجب الاستمرار في العمل بالاتفاقية».
ويبدو أن الهدف الأساسي والمباشر من الاتفاقية كان من المنظور النازي قصم ظهر المقاطعة اليهودية للبضائع الألمانية في أنحاء العالم. وفي محاولة لتوضيح الموقف النازي قال وزير الاقتصاد الألماني لوزير الخارجية إن الاتفاقية تقدم «أحسن ضمان لأقوى تأثير [مضاد] لإجراءات المقاطعة اليهودية» للبضائع الألمانية. كما أن القنصل الألماني العام في القدس أكد الفكرة نفسها حين قال: «بهذه الطريقة يمكن أن نقوم [نحن الألمان] بحملة ناجحة ضد المقاطعة اليهودية [في الخارج] ضد ألمانيا، وقد يمكننا أن نحدث ثغرة في الحائط». ولاحظ القنصل أنه في الصراع الدائر بين يهود الخارج التوطنيين وصهاينة الداخل الاستيطانيين بدأت موازين القوى تتغير لصالح المستوطنين: «ففلسطين هي التي تعطي الأوامر، ومن الأهمية بمكان أن نحطم المقاطعة في فلسطين في المقام الأول، وسيترك هذا أثره على الجبهة الأساسية في الولايات المتحدة».
وقد أيده في ذلك «فريتز رايخرت» (Firtz Reichert) عميل الغستابو في فلسطين حين قال: «إن مهمتنا الأساسية هي أن نمنع من فلسطين توحيد صفوف يهود العالم على أساس العداوة لألمانيا... لقد دمرنا مؤتمر المقاطعة في «لندن» من «تل أبيب» لأن رئيس «الهعفرا» في فلسطين، بالتعاون الوثيق مع القنصلية الألمانية في القدس، أرسل برقيات إلى لندن [أحدثت الأثر المطلوب]. ويقول «إدوين بلاك»: «إن احتمالات انهيار [الاقتصاد الألماني] بدأت بالتناقص بسرعة بمرور الوقت. فحينما عقد «أونترماير» اجتماعا لاتحاده الدولي في أمستردام في أواخر تموز/ يوليو ???? كانت الفرصة لا تزال جيدة. ومع نهاية آب/ أغسطس، عند انعقاد المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (????)، كانت الفرصة صعبة لكنها ممكنة.

فماذا حدث في هذا المؤتمر؟ لعل دراسة الوقائع وتوقيتها يعطينا صورة دقيقة ومثيرة عن المعركة بين المستوطنين وصهاينة الخارج وكيفية إدارتها، وبعض الأساليب التي استخدمها المستوطنون لإحكام قبضتهم على الفريق المعادي. فلقد وقعت الاتفاقية بشكل مبدئي في ?? أغسطس ???? وسُويت كل النقط الفنية المعلقة في ?? أغسطس بعد افتتاح جلسات المؤتمر الصهيوني الثامن عشر في «براغ» (تشكوسلوفاكيا). وقد أدرك النازيون الأهمية غير العادية للمؤتمر، ولذا ركزوا كل جهودهم عليه حتى يتسنى إفشال المحاولات الرامية لإصدار قرارات من شانها دعم المقاطعة اليهودية. وبعد افتتاح جلسات المؤتمر ألقى «سوكولوف» خطبة ملتهبة عن يهود ألمانيا وبؤسهم دون أي ذكر للمقاطعة. وقد كان المراجعون بقيادة «جابوتنسكي» يودّون إقصاء العماليين عن قيادة المنظمة، ولذا فقد قرروا استغلال الاتفاقية وتبنوا قضية المقاطعة. وأما العماليون بقيادة بن غوريون فقد كان كل همهم إلحاق الهزيمة بالمراجعين حتى يتسنى لهم الاستمرار في قيادة المنظمة والاستمتاع بالمكاسب الاقتصادية في صمت، الأمر الذي لم يكن ليتأتى لهم إلا بعدم ذكر الاتفاقية. ولكن النازيين كان يودّون إحراز المكاسب الإعلامية التي يطمحون إليها، ولذا فقد أعلنوا عن الاتفاقية يوم ?? أغسطس، وهو اليوم المحدد لمناقشة وضع يهود ألمانيا في المؤتمر، وتناقلت صحف أوروبا الخبر. وقد ألقى «سوكولوف» خطبة ملتهبة أخرى قال فيها: «إن اليهود يحترمون إسبانيا القديمة أكثر من ألمانيا الحديثة لأنه من الأفضل أن يتم خروج كامل لليهود عن أن يتم إهانتهم على هذا النحو». ورغم أن الألفاظ غاضبة شكلا فإن مضمونها نازي/ صهيوني، فهو لا يتحدث عن حقوق اليهود وإنما عن خروجهم الكامل والنهائي.
وانتهت جلسات الصباح بخطاب ألقاه آرثر روبين (Arthur Ruppin) (???? ـ ????) أحد قادة الصهاينة الاستيطانيين عن أوضاع يهود ألمانيا وأشار فيه إشارة عابرة، في جملة أو جملتين، إلى «الهعفرا». وعندما افتتحت جلسات المساء قدم الصهاينة العماليون مشروع قرار حماسي يصف بؤس يهود ألمانيا ويعبر عن «عميق الأسى» لما حدث. وذكر مشروع القرار أن هذا الاضطهاد دليل على مدى صدق تحليل «هرتزل» للمسالة اليهودية. وتم افتتاح مشروع القرار بالإلحاح على أن بناء الوطن القومي خير دليل على تضامن الصهاينة مع يهود ألمانيا. وأما مشروع قرار المراجعين فكان قراراً محدداً خاصاً بالمقاطعة، ولكن العماليين نجحوا في فرض قرارهم. وكان النازيون قد أوقفوا مجلة جوديش روند شاو عن الصدور مدة ستة أشهر، فرفع عنها الحظر وصدرت في اليوم نفسه وهي تحمل مقالاً تتباهى فيه بأن المؤتمر الصهيوني هزم بأغلبية ساحقة اقتراح المراجعين الذي كان يهدف إلى تحويل المنظمة الصهيونية إلى وحدة مقاتلة. وصدرت الصحف النازية مرحبة هي الأخرى بموقف المؤتمر الإيجابي.
وحينما افتتحت جلسة يوم ?? أغسطس انهالت برقيات الاحتجاج من يهود العالم لأن الاتفاقية ستهز مصداقية حركة المقاطعة اليهودية من جذورها وتقضي عليها تماماً في نهاية الأمر، فصعّد النازيون من حملتهم الإعلامية الذكية وأعلنوا يوم ?? أغسطس عن صفقة برتقال ضخمة مع المستوطن الصهيوني (أشار إليها أحد صهاينة الخارج «بالبرتقالة الذهبية» قياساً على «العجل الذهبي»)، وأرسل «أنترماير» برقية يطلب فيها أن ينكر المؤتمر أن مثل هذه الصفقة قد أبرمت، وهدد بأنه إذا كان الأمر حقيقة ولم يتم إلغاء الصفقة فان المنظمة الصهيونية الأمريكية ستنسحب من المنظمة الصهيونية. وفي يوم ?? أغسطس نشر الرايخ النص الكامل لاتفاقية «الهعفرا» فقوبل الحدث بعدم التصديق الكامل من جانب يهود الخارج. ونشرت الجويش كرونيكل النص على أنه نكتة نازية رائعة، كما أنكرت الدائرة السياسية للوكالة اليهودية أي علاقة بالموضوع، ولكنها تراجعت عن ذلك بالتدريج واعترفت بإبرام الاتفاقية.
وفي يوم ? سبتمبر طرح العماليون مشروع قرار يحكم سيطرتهم الكاملة على صهاينة الخارج جاء فيه: «كجزء من الانضباط الصهيوني لا يسمح لأي فرد أو مجموعة داخل المنظمة الصهيونية أن يشتغل بالسياسة الخارجية أو أن يتصل بالحكومات الأجنبية أو عصبة الأمم أو يقوم بأي نشاطات سياسية من شأنها المساس بصلاحيات اللجنة التنفيذية». ويتضمن هذا القرار تحريماً لكل أشكال الاحتجاج ضد النازية بما في ذلك اتفاقية «الهعفرا». وقد تم التصويت على القرار الساعة الثالثة صباحا والموافقة عليه، وأجل التصويت على الاتفاقية ذاتها حتى آخر يوم. وبعد طرح مشروع قرار عمالي ومشروع قرار مضاد قام «برل كاتزنلسون» (Berl Katzenelson) (???? ـ ????) الزعيم العمالي فتحدث عن الانضباط وكيف أن مناقشة اتفاقية «الهعفرا» خرق له، وبين للمؤتمرين أن في كل الاجتماعات الديموقراطية مسائل هامة لا يمكن مناقشتها. ثم اختتم كلمته قائلاً إن على كل هيئة صهيونية أن تعترف بأن «إرتس يسرائيل» لها أولوية على كل شيء آخر، وأهم واجب هو إنقاذ حياة اليهود وممتلكاتهم من الخطر الذي يتعرضون له. (وعلى الرغم من أنه استخدم لغة الإنقاذ والإغاثة، فقد أحاطها بالإطار الأيديولوجي بتأكيده أولوية المستوطن على كل شيء). وقد وافق المؤتمر على مشروع القرار العمالي الذي لم يأت فيه سوى «أنه لن يتم اتخاذ أي شيء من شأنه أن يتعارض مع موقف المؤتمر بخصوص المسالة اليهودية الألمانية»، أي أنه لن يقوم أي شخص بأي نشاط مضاد وسيترك الأمر برمته للجنة التنفيذية. وقد وافق المؤتمرون في الجلسة نفسها على أن يصبح علم المنظمة هو علم الدولة، وأن يصبح نشيد «الهاتيكفا» (Hatikvah)، النشيد الوطني للدولة عند إنشائها، وأنشد المؤتمرون النشيد واختتمت أعمال المؤتمر. وقد أدركت الجويش كرونيكل في ? سبتمبر أن الاتفاقية لم تكن نكتة نازية بل حقيقة صهيونية/ نازية، ونشرت صحف أخرى أنباء الاتفاقية وما حدث في المؤتمر.
وكان المؤتمر اليهودي العالمي الثالث (????) على وشك الانعقاد في «جنيف» في ? سبتمبر ????. ولما كانت أنباء الاتفاقية قد أصبحت معروفة ولم يعد هناك أي لبس أو إبهام فقد كان من الممكن اتخاذ قرار في هذا الشأن. وكما يقول «إدوين بلاك»: «كانت هذه هي الفرصة الأخيرة» أمام اليهود والصهاينة لكي يتخذوا قرارا حاسما (ولاسيما أن حركة المقاطعة في الأوساط غير اليهودية كانت آخذة بالتزايد). ولكن المؤتمر اليهودي اجتمع وفشل في اتخاذ قرار محدد بخصوص المقاطعة نتيجة الضغط الصهيوني واكتفى بتأييد المعارضة التلقائية بين الجماهير. وقد تم إفشال المؤتمر بإشراف «ستيفن وايز» (Stephen Wise) (???? ـ ????) الزعيم الصهيوني الأمريكي، وكان قد أفشل قبلا اجتماع «أنترماير» في «أمستردام» و«لندن». وحينما عرضت الاتفاقية مرة أخرى على المؤتمر الصهيوني التاسع عشر (????) بهدف نقضها رفض مشروع القرار وتقرر «وضع كافة نشاطات «الهعفرا» تحت إشراف الإدارة الصهيونية».
وقد حققت اتفاقية «الهعفرا» نجاحاً باهراً من وجهة نظر النازيين والصهاينة. وأما بالنسبة إلى النازيين قد «نجحوا في تصديع أسس المقاطعة اليهودية لألمانيا دون أن يضطروا إلى إجراء أي تعديل في سياستهم تجاه اليهود». وأما بالنسبة إلى المستوطنين فتُعد فترة «الهعفرا» أهم فترة في تاريخ المستوطن إذ تم تزويده بعدد كبير من أعضاء المادة البشرية المطلوبة وبالرأسمال اللازم للبنية التحتية. وقد بلغ عدد اليهود الألمان الذين هاجروا إلى فلسطين في الفترة الواقعة بين ???? و???? بموجب الاتفاقية، ??.??? يشكلون ??? من مجموع المهاجرين اليهود إلى فلسطين خلال الفترة ذاتها. وكان من بينهم ??.??? رأسمالياً يمثلون إضافة اقتصادية ضخمة للمستوطن، ?.??? مهاجر من أبناء الطبقة المتوسطة المثقفة غالبيتهم من الأطباء والمحامين والمهندسين والصناعيين. (وفي تقدير آخر بلغ عدد المهاجرين ?? ألفا، ومع هذا لا يمثل هذا العدد سوى نسبة صغيرة من المجموع الكلي للمهاجرين اليهود من ألمانيا وعددهم ??? ألفا اتجهوا إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان). وقد أحضر المهاجرون معهم إلى فلسطين ـ ضمن إطار «الهعفرا» ـ بعد أن فقدوا ما يتراوح بين ثلثي وثلاثة أرباع قيمة ممتلكاتهم نتيجة لمصادرات السلطات الألمانية من جهة و«عمولات» المؤسسات الصهيونية من جهة ثانية – [أحضروا] نحو ?و??? مليون مارك (?.? ملايين جنيه فلسطيني) وذلك خلال السنوات ???? - ????. ومن هذه الأموال، أدخل إلى فلسطين خلال الأعوام ????- ???? نحو ?? مليون مارك (?.? ملايين جنيه فلسطيني) وهو مبلغ ضخم بمقاييس تلك الأيام، يعادل نحو?? بالمائة من جميع مصاريف حكومة الانتداب خلال السنوات نفسها (??.? ملايين جنيه فلسطيني)، ونحو ?? بالمائة من مجموع ما صرفته «كيرن هايسود» على الاستيطان الصهيوني في فلسطين خلال ?? سنة، ???? ـ ???? (?.?? ملايين جنيه فلسطيني).
وقد شجع نجاح «الهعفرا» الكبير على تكرار التجربة فأنشئت شركات أخرى على غرارها مثل شركة الشرق الأدنى والأوسط التجارية (Near and Middle East Commercial) واختصارها (NEMICO) (أنشئت عام ????) وكان مجال نشاطها البلاد العربية المجاورة. وحسبما جاء في كتاب «ليني برنر» (Lenni Brenner) الصهيونية في زمن الديكتاتورية (Zionism in the Age of the Dictators) فقد هدد الاتحاد الصهيوني في مصر بنشر تفاصيل الاتفاق الجديد وبفضح تعاون الصهاينة مع النازيين إن لم ترجع المنظمة الصهيونية عن الاتفاق، فآثرت المنظمة التراجع للحفاظ على المشروع الأكبر وهو «الهعفرا».
وهناك إلى جانب ذلك التعاون المؤسسي بين الصهيونية والنازية حالات من التعاون الفردي الذي تم بموافقة المنظمة الصهيونية وبمباركتها. ولعل «رودولف كاستنر» (Rudolf Kastner) (???? ـ ????) أحد زعماء الحركة الصهيونية في رومانيا والمجر، أن يكون مثلاً جيداً على هذا النوع من التعاون. فقد قام بالتفاوض مع النازيين وعقد معهم اتفاقاً تم بموجبه السماح لألفي يهودي («من أفضل المواد البشرية» حسب تعبير «أيخمان») بالاستيطان في فلسطين لقاء قيام «كاستنر» بإقناع يهود المجر الذين كانت القطارات تقلهم إلى معسكرات الإبادة بأنهم ذاهبون إلى أماكن أخرى يستقرون فيها، أو أنهم في طريقهم إلى معسكرات تدريب مهني. ولعله كان من المستحيل على النازيين نقل الآلاف المؤلفة من اليهود أثناء الحرب دون تعاون القيادات الصهيونية. وهذا التعاون بين الفريقين هو ولا شك تحقيق لنبؤة مؤسس الصهيونية، بما اتسم به من حس عملي، حينما قال: «إن المعادين لليهود سيكونون أكثر الأصدقاء الذين يمكننا الاعتماد عليهم، وستكون الدول المعادية لليهود حليفة لنا».
وقبل أن نترك هذا الجانب من الفكر والممارسة الصهيونيين يجدر ذكر «ألفريد نوسيج» ومنظمة «بريت هابيريونيم» (Berit Habiryonim) (أي عصبة الأشداء). فهما يمثلان حالة لا تتعاون فيها الصهيونية مع النازية وحسب، وإنما تصبح هي ذاتها النازية. و«نوسيج» فنان نمساوي من صهاينة الغرب ومن أوائل الدعاة للصهيونية. وقد نشر ابتداء من عام ????، أي قبل ظهور «هرتزل» بعدة سنوات، دراسات ومقالات طالب فيها بإنشاء دولة يهودية كحل وحيد للمسالة اليهودية، وأسس منظمة استيطانية لتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين. وقد حضر نوسيج عدداً من المؤتمرات الصهيونية ممثلاً لصهاينة ألمانيا وصوت ضد مشروع شرق أفريقيا. ويمكن القول إن هدف الصهيونية (الغربية التوطينية) هو إفراغ أوروبا من الفائض البشري اليهودي (الذي كان يلقي به شرق أوروبا في وسط أوروبا وغربها)، وقد قام «نوسيج» بذلك على أكمل وجه، إذ عمل جاسوساً للألمان أثناء الحرب العالمية الثانية ووضع خطة لإبادة اليهود الألمان المسنين والفقراء. وحينما وصلت القوات النازية إلى بولندا قام بتقديم عدة خطط لإبادة الفائض البشري اليهودي. وهو يمثل بذلك استمرار التقاليد الصهيونية الألمانية التي طالما عرضت على الحكومة الألمانية إمكانية التعاون معها في عملية التخلص من الفائض اليهودي في روسيا وبولندا. وقد عينه النازيون عضواً في مكتب تابع لقسم الشؤون اليهودية ورئيسا لقسم الفنون اليهودية التابع له. وحينما اكتشفت المقاومة اليهودية في «جيتو وارسو» تعاونه مع النازيين وكونه عضواً في «الجستابو» ألقت القبض عليه وقدمته إلى المحاكمة فحكم عليه بالإعدام شنقاً عام ???? ونُفذ فيه الحكم!

«أما عصبة الأشدَّاء (أي الأقوياء) (بالعبرية «بريت هابريونيم» Brit Habiryonim) فهي جماعة صهيونية مراجعة أسسها «أبا أهيميير» (المعروف باسم «أشيميير» abba Ahimeir) (Achimeir)) (???? ـ ????) ومجموعة من المثقفين الصهاينة مثل الشاعر «أوري جرينبرج» (Uri Greenberg). وكان معظم مؤسسي الجمعية أعضاء في منظمات صهيونية عمالية ثم استقالوا منها. وقد تبنت الجماعة صيغة صهيونية/ نازية لا تخفي إعجابها بالفكر النازي أو الأيديولوجية النازية. وكما قال أحد كبار الصهاينة المراجعين: «نحن المراجعين نكن الإعجاب الشديد لهتلر فهو الذي أنقذ ألمانيا ولولاه لهلكت خلال أربعة أعوام، وسنتبعه إن هو تخلى عن معاداته لليهود». وكانت مجلة عصبة الأشدَّاء في فلسطين تزخر بالمقالات التي تمجد «هتلر» والهتلرية. وكان من ضمن هتافات أعضاء العصبة «ألمانيا لهتلر، إيطاليا لموسوليني، وفلسطين لجابوتنسكي». وقد مجد أعضاء الجمعية الجوانب العسكرية في تاريخ العبرانيين فكانوا يشبهون أنفسهم بجماعة حملة الخناجر، وهم فريق من جماعة الغيورين (Zealots) كانت تغتال الرومان واليهود الذين يتحالفون معهم، وذلك أثناء التمرد اليهودي في فلسطين عام ?? ـ ?? ميلادية (واسم الجمعية ذاته «بريت هابيريونيم» هو اسم إحدى الجمعيات الإرهابية في تلك الفترة). وكان أتباع الجمعية يرون أن الاغتيال السياسي ليس جريمة، وإنما هو فعل له هدف ومعنى، وأن الدم والحديد هما الطريق الوحيد للتحرر. وتعود أهمية الجمعية إلى تأثيرها في حركة المراجعين ككل.
وعلى الرغم من أن «جابوتنسكي» كان يحاول أحياناً أن يحتفظ بمسافة بينه وبين أعضاء الجمعية، فقد كان يعبر في خطاباته عن إعجابه بهم وتعاطفه معهم. ولم يتخذ أي إجراء تنظيمي ضدهم بل أطلق على «أشيميير» (بنبرة لاتخلو من التهكم) اسم «معلمنا ومرشدنا الروحي»، كما أن الحاخام «كوك» دافع عنهم. وتذكر موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن «مناحيم بيجن» انضم إلى الجناح «الراديكالي» لحركة المراجعين الذي كان مرتبطا بجماعة «بريت هابير يونيم». (لم تذكر الموسوعة في المدخل عن «أشيميير» أي شيء عن اتجاهاته النازية المذكورة، واكتفت بالإشارة إلى أفكاره «الراديكالية»). وقد استمرت العلاقة بين «بيجن» و«أشيميير» حتى بعد إعلان الدولة، فسمح «بيجن»، باعتباره رئيس حزب «حيروت»، «لأشيميير» أن يكتب في صحيفة الحزب اليومية.






الفصل الرابع
الفكر الاسترجاعي
كانت اليهودية الحاخامية تحرِّم العودة إلى فلسطين وتعتبرها فعلاً من أفعال «الهرطقة» التي لا تُغتفر، لأنه من قبيل «الدحيكات هاكتس»، أي التعجيل بالنهاية، إذ كان من المفروض على اليهودي أن ينتظر في صبر وأناة إلى أن يأذن الإله بعودة اليهود تحت قيادة «الماشيَّح» في آخر الأيام، وليس الآن وهنا. ولكن حدث تحول جوهري وظهر فكر صهيوني يطلق عليه اصطلاح الفكر الاسترجاعي يدعو اليهود إلى العودة إلى صهيون أو أرض الميعاد، أي فلسطين المحتلة. وسنتناول في هذا الفصل هذا الفكر وتبدياته المختلفة.
الأحلام والعقائد الألفية والاسترجاعية
اصطلاح «الألفية» ترجمة لكلمة «ميلينيريانزم» (Millenarianism) الإنجليزية المأخوذة من الكلمة اللاتينية «ميلينياروس» ومعناها «تحتوى على ألف». وثمة نزوع إنساني عام لفرض نظام عام على أحداث التاريخ، وهو عادةً نظام رياضى هندسى صارم. ومن ثم، فقد ظهر الإيمان في كثير من الحضارات بأن العالم يشهد، في نهاية كل ألف من السنين، انتهاء دورة زمنية، وتصاحب هذه النهاية عادةً أحداث ضخمة. بل تذهب هذه الرؤية إلى أن التاريخ كله سيكون في نهاية ألف معينة. والفكرة الألفية متواترة في كثير من الحضارات. ويُقال إن حروب الفرنجة كانت نتيجة تصاعُد الحمى الألفية. وقد كتب الشاعر الأيرلندى و«ليام بتلر يتس» في نهاية القرن التاسع عشر قصائد ذات طابع ألفي. ولعل آراء «فوكوياما» (الموظف بوزارة الخارجية الأمريكية) عن نهاية التاريخ، ذات طابع ألفي هي الأخرى (مع انتهاء القرن العشرين، أي في نهاية الألف الثانية بعد الميلاد). كما أن العراف «نوستراداموس» من قبله وضع مخططاً يتنبأ فيه بنهاية التاريخ في إحدى الدورات الألفية. وللعقيدة الألفية جذور شعبية في العادة، تماماً مثل النزعات «المشيحانية» المختلفة التي تعبِّر عن تزايد معدلات الحلولية وضيق بالحدود وعن نفاد صبر بشأن العملية التاريخية وبالخلاص التدريجي.
وتعود جذور العقيدة الألفية والاسترجاعية إلى اليهودية، ولكنها أصبحت فكرة مركزية في المسيحية «البروتستانتية» وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من فكر الإصلاح الديني «البروتستانتي» (وخصوصاً في أشكاله المتطرفة) برفضه التفسير المجازي للكتاب المقدَّس وفتحه الباب على مصراعيه لفكرة الخلاص الفردي خارج الكنيسة وللتفسير الفردي للنصوص المقدَّسة، بحيث أصبح المسيحي هو نفسه الكنيسة والكتاب المقدَّس، يفرض عليهما ما يشاء من قيم ورؤى، وهو ما يعبِّر عن تَصاعُد معدلات الحلول والعلمنة وانتشار ما نسميه «الرؤية المعرفية الإمبريالية». وقد انتشر الفكر الصهيوني في أواخر القرن السادس عشر؛ عصر الثورة العلمانية الشاملة والثورة التجارية والحركة الاستيطانية الغربية ونشوء الرأسماليات الأوربية الباحثة عن مصادر الثروات والمواد الخام وعن أسواق لتصريف سلعها. وكانت إنجلترا أهم مراكز الصهيونية ذات الديباجة المسيحية بعد أن تحوَّلت عن «الكاثوليكية» ونفضت النفوذ الإسباني عنها وأصبحت واحدة من أهم القوى الاستعمارية (ومع هذا، يُلاحَظ أن إنجلترا لم يكن فيها يهود تقريباً).
ويمكننا هنا أن نذكر بعض المفكرين الصهاينة غير اليهود، مثل «توماس برايتمان» وسير «هنري فنش»، اللذين طرحا تفسيراً حرفياً للعهد القديم وطالبا بعودة اليهود إلى فلسطين. كما يمكن الإشارة إلى «فيليب دي لانجالري» (???? ـ ????) (الفرنسي). وقد ظهرت عشرات المقالات التي تعالج هذا الموضوع وتتخذ موقفاً مماثلاً. وزاد هذا الموقف عمقاً باستيلاء المتطهرين (البيوريتان) على الحكم. فكتب إنجليزيان بيوريتانيان نداء يطلبان فيه إعادة اليهود لإنجلترا وذلك حتى يتشتَّتوا في كل بقاع الأرض. فالشتات الكامل ـ حسب الأسطورة ـ هو شرط عودتهم لأرضهم، على أن تكون عودتهم على «سفن إنجليزية» (ولنتذكر هنا قانون الملاحة «المركنتالي»، الصادر عام ????، الذي أصدرته حكومة «كرومويل» والذى تم بمقتضاه استبعاد السفن الهولندية من حَمْل التجارة البريطانية، ولذا أصبح حَمْل سلع من أفريقيا أو آسيا غير ممكن إلا على سفن إنجليزية).
وتُعَدُّ هذه أول مرة في تاريخ العالم المسيحي يطرح فيها بشر مشروعاً بشرياً لإنجاز ما كان يُعتقَد حتى ذلك الوقت أنه أمر سيتم بتَدخُّل العناية الإلهية. وقد أدلى «كرومويل» بدلوه فدافع عن عودة اليهود لإنجلترا بسبب نَفْعهم وإمكانية استخدامهم كجواسيس له. ويُلاحَظ أن الصيغة الصهيونية الأساسية هي النموذج الأساسي الكامن في كل هذه الكتابات.
ويُلاحَظ أن الفكر الاسترجاعي يأخذ شكلاً تبشيرياً بين اليهود، وهو ينظر لليهود من الخارج تماماً، فهم مجرد أداة للخلاص، قتلة المسيح الذين يجب تنصيرهم وهدايتهم. قد قامت جمعيات مسيحية تبشيرية عديدة مهمتها نشر المسيحية بين اليهود وهدايتهم واسترجاعهم إلى فلسطين إعداداً للخلاص. وأهم جمعية صهيونية مسيحية هي «جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود الإنجليز ويهود الدولة العثمانية» (????)، وكان يشار إليها على أنها «جمعية اليهود» («جوز سوسياتى Society Jews»). كما تم تأسيس «جمعية التبشير الكنسية» التي ازدهرت إلى درجة أن ميزانيتها بلغت ?? ألف جنيه عام ????، وكان يتبعها ?? فرعاً في لندن والقدس وغيرهما من المدن، وأصبحت المنبر الأساسي للصهاينة من المسيحيين (مثل لورد «شافتسبري السابع»).
ويمكننا الآن أن نعرض للأفكار الأساسية للعقيدة الاسترجاعية. يرى من تبنُّوا هذه الرؤية بأنه حينما يعود المسيح المخلص (الذي يشار إليه بأنه «الملك الألفي» و«الملك المقدَّس») فإنه سيحكم العالم هو والقديسون لمدة ألف عام يشار إليها أحياناً باسم «أيام المسيح»، وهي فترة سيسود فيها السلام والعدل في العالم التاريخي والطبيعة وفي مجتمع الإنسان والحيوان.
وتظهر العقيدة الألفية في العهد الجديد في سفر رؤيا «يوحنا اللاهوتي» والذي يدور حول عودة المسيح الثانية وحُكْمه العالم لمدة ألف عام. والنص، مثل كل كتب الرؤى، مركب مضطرب تنثال فيه صور الحشر الأخروية وتتداخل. والنص يتحدث عن تقييد الشيطان ثم حكم المسيح للعالم مع قديسيه لفترة تمتد لمدة ألف عام (ويبدو أن الألف عام هذه لا علاقة لها بيوم البعث أو يوم القيامة أو الفردوس السماوي إذ هي نوع من الفردوس الأرضي الذي سيتحقق الآن وهنا قبل يوم الحساب). بعد ذلك يُطلَق الشيطان من سجنه لهجمة أخيرة، ولعله عند هذه اللحظة يظهر المسيح الدجال (بالإنجليزية: «أنتي كرايست» (anti-Christ) وهي كلمة تعني حرفياً: ضد المسيح).
وعقيدة المسيح الدجال عقيدة مسيحية أخروية ظهرت مع بدايات المسيحية، وزادت أهميتها مع الإصلاح الديني، وهي عقيدة صهيونية بصورة ملموسة إذ أنها تضع اليهود في مركز الدراما الكونية الخاصة بخلاص العالم، وهي أيضا عقيدة معادية لليهود إذ أن مركزيتهم نابعة من كونهم تجسيداً للشر في التاريخ، ومن ثم فإن تنصُّرهم (ونهاية التاريخ) شرط أساسي للخلاص.
وتذهب هذه العقيدة إلى أن المسيح الدجال شخصية كافرة قاسية طاغية، وهو ابن الشيطان (بل لعله هو نفسه الشيطان المتجسد). ومن علاماته أنه توجد في أقدامه مخالب بدلاً من الأصابع. أما أبوه، فيُصوَّر على هيئة طائر له أربعة أقدام ورأس ثور بقرون مدببة وشعر أسود كثيف.
والمسيح الدجال ابن امرأة يهودية، وسيأتي من قبيلة «دان» (فاستناداً إلى نبوءة «يعقوب»، فإن «دان» سيكون ثعباناً في الطريق، واستناداً إلي كلمات «إرميا فإن جيوش «دان» ستلتهم الأرض. كما أن الإصحاح السابع في رؤيا «يوحنا» لم يذكر قبيلة «دان» عندما ذكر القبائل العبرانية). ويتواتر الآن في الأوساط المسيحية الحرفية أن المسيح الدجال سيكون يهودياً من سوريا. ويُقال إن المسيح الدجال سيظهر في الشرق الأوسط في نهاية الأيام وهو العدو اللدود للمسيح وسيسبق ظهوره عـدد من الدجالين، وأنه سيدَّعى أنه المسيح ويصدقه الكثيرون، وخصوصاً أنه قادر على الإتيان ببعض المعجزات (ولذا، فهو يسمَّى «قرد الإله» أي الذي سيقلد الإله كما تقلد القردة البشر) وسيطيعه الرعد وتحرس الشياطين له بعض كنوز الأرض (التي سيستخدمها في غواية البشر).
وسيقوم الدجال ببناء الهيكل وسيهدم روما (مقر البابا) وسيُحيى الموتى وسيحكم الأرض مع الشيطان لمدة يُقال إنها ستصل إلى خمسين عاماً، وإن كان الرأي الأغلب أن فترة حكمه لا تتجاوز ثلاثة أعوام ونصفاً وسيساعده اليهود في كل أفعاله. وعندما يصل البؤس إلى منتهاه، سيتدخل الإله فتنفخ الملائكة في البوق معلنة حلول يوم القيامة وسينزل المسيح (عودة المسيح الثانية) لينقذ البقية الصالحة. وستدور معركة كونية حيث يَلقَى ثُلثا اليهود حتفهم أثناءها. وسيعود «إلياهو» و«إنوخ» وسيأمر الدجال بقتلهم، ولكنهم قبل أن يلاقوا حتفهم سينصّرون اليهود الذين سيقبلون المسيح باعتبارهم أفراداً (لا شعباً). وسيخرج من فم المسيح سيفٌ ذو حدين سيصرع به المسيح الدجال ويحكم العالم بالعدل لمدة ألف عام (أو إلى ما لا نهاية) حيث ينتشر السلام والإنجيل في العالم.
وكثيراً ما كان الدجال يُقرَن بالماشيَّح الذي ينتظره اليهود (أي المسيح المخلص اليهودي). ويذهب المفسرون الحرفيون إلى أن إنشاء دولة إسرائيل علامة على أن موعد عودة المسيح قد دنا ومن ثم لحظة هداية اليهود، كما يَقرن الوجدان «البروتستانتي» الدجال ببابا روما وبأية شخصية تصبح تجسيداً للآخر (دعاة الاستنارة ـ قيصر ألمانيا ـ «لينين» ـ «هتلر» ـ جمال عبد الناصر).
ويُلاحَظ أن المسيح الذي يعود هذه المرة ليس هو مسيح الأناجيل الذي يشيح بوجهه عن مملكة الأرض والذي يعرف أنه سيُصلَب فداءً للبشر، وإنما هو مسيح عسكري يجيء راكباً حصاناً أبيض و«عيناه كلهيب نار» و«متسربل بثوب مغموس بدم» و«من فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم، وهو سيرعاهم بعصا من حديد» (رؤيا يوحنا ??/?? ـ ??). فهو إذن مسيح من إفراز الرؤية المعرفية الإمبريالية، يشبه جيوش أوربا التي داست الأرض ولوثت البيئة وثقبت «الأوزون». وهو مسيح سيقتحم التاريخ عنوة ويدخل المعركة النهائية، معركة «هرمجدون»، ضد ملوك الأرض الذين يساعدهم الشيطان، فيُلحق بهم جميعاً الهزيمة النكراء.
و«هر مجدون» (أو: آر مجدون) كلمة مكونة من كلمتين: «هار» بمعنى «تل» و«مجدو» اسم مدينة في فلسطين («مجيدو») والتي تقع بالقرب منها عدة جبال ذات أهمية إستراتيجية، وهو ما جعل المدينة حلبة لكثير من المعارك العسكرية في العالم القديم. «وهرمجدون» هي الموضع الذي ستجرى فيه المعركة الفاصلة والنهائية بين ملوك الأرض تحت قيادة الشيطان (قوى الشر) ضد القوى التابعة للإله (قوى الخير) في نهاية التاريخ، وسيشترك فيها المسيح الدجال حيث سيُكتَب النصر في النهاية لقوى الخير وستعود الكنيسة لتحكم وتسود مع المسيح على الأرض لمدة ألف سنة، وبعدها ستأتي السماوات الجديدة والأرض الجديدة والخلود. وقد ورد ذكر «هرمجدون» مرة واحدة في العهد الجديد (رؤيا «يوحنا اللاهوتي» ?/?? «فجَمَعهم إلى الموضع الذي يُدعَى بالعبرانية هرمجدون»). ويرتبط كل هذا بعودة اليهَود إلى أرض الميعاد مرة أخرى، فهذا شرط الخلاص (وإن كان يرتبط أيضاً بهلاك أعداد كبيرة منهم تبلغ ثلثى يهود العالم). «وهرمجدون» هي الصورة المجازية الأساسية في العقائد الألفية الاسترجاعية «البروتستانتية». وهي تتواتر في الخطاب الغربي السياسي الديني (خصوصاً في الأوساط «البروتستانتية» المتطرفة واليهودية الصهيونية) لوصف المعارك بين العرب والصهيونية، أو لوصف أي صراع ينشب في الشرق الأوسط، أو حتى في أية بقعة في العالم، كما يتم إدراك الصراع العربي الإسرائيلي من خلال هذه الصورة المجازية (هرمجدون). وكثيراً ما يشير بعض رؤساء الجمهورية في الولايات المتحدة إلى هذه الصورة المجازية في تصريحاتهم الرسمية.
ولا يمكن الحديث هنا عن أي تأثير يهودي أو نفوذ للوبي الصهيوني، فمثل هذه المصطلحات المسيحانية متأصلة في الخطاب الديني «البروتستانتي» منذ عصر النهضة الغربية، وذلك نظراً لتصاعد معدلات العلمنة والحلولية والحرفية التي تصر على أن ترى كل التعبيرات والأحداث المجازية في العهدين القديم والجديد كنبوءات تاريخية لابد أن تتحقق بحذافيرها.
وهناك نقط عديدة يدور حولها الخلاف بين الألفيين، أهمها الخلاف بخصوص موعد النهاية النهائية، هل تكون بعد عودة المسيح أم قبلها؟ وما علامات هذه العودة الثانية، أهي مزيد من الشر والتدهور أم الخير والتقدم؟ ويقُسَّم الألفيون، أي المؤمنين بالعقيدة الألفية، إلى قسمين حسب رؤيتهم لزمن ظهور المملكة الألفية:
( أ ) أنصار ما قبل الألف: وهؤلاء يؤمنون بأن الملك الألفي أي المسيح سيأتي فجأة ويبدأ مملكة الألف عام التي سيسود فيها العدل والسلام، وهذه الرؤية هي الأكثر شيوعاً. وعلامة النهاية عند هؤلاء تكون عادةً انهيار الحضارة وتدهورها. وعندما ترد كلمة «ألفية» دون إضافات أو تحفظات فهي تشير عادةً إلى العقيدة ما قبل الألفية.
(ب) أنصار ما بعد الألف: وهؤلاء يرون أن الملك الألفي سيأتي بعد الألف عام التي سيسود فيها السلام والمحبة وتعم فيها النعمة بسبب أن المسيحيين سيتخذون موقفاً أخلاقياً ويطيعون إلههم. وستكون العودة الثانية للمسيح هي ذروة هذه المرحلة، فهو سيأتي ليبعث الموتى ويحاسبهم على أفعالهم، وهذا هو يوم القيامة أو الحساب الأخير. وعلامة النهاية هنا هي شيوع السلام والمحبة والرخاء في الأرض.
والخلافات هنا عميقة وبنيوية، فما قبل الألفيين يرون أن التغير فجائي ناجم عن تَدخُّل أو تجسُّد إلهي في التاريخ دون محاولة من جانب البشر، فهم عنصر سلبي في «الدراما» الكونية، وسيصاحب تَدخُّل الخالق مذابح وحروب. أما ما بعد الألفيين، فيرون أن التغيُّر تدريجي، وأنه ناجم عن أن المسيحيين سيقومون بتغيير أنفسهم وتحسين دنياهم. والذروة التي يصل إليها التاريخ تدريجيًا هي إذن تعبير عن فعل إنساني أخلاقي وليس مجرد تجسُّد فجائي للإله في التاريخ. فالإنسان ليس عنصرًا سلبيًا في «الدراما» الكونية، بل هو فاعل لا يخضع للحتميات. وقد تزاوجت هذه الرؤية، فيما بعد، مع فكر عصر الاستنارة وعقيدة التقدم، وتمت علمنتها بحيث أصبح تقدُّم المسيحيين التدريجي هو التقدم التدريجي للعلوم، وأصبحت عودة المسيح (والحكم الألفي) هي هذه أو تلك النقطة في التاريخ. والواقع أن هذا الفكر يصل إلى قمته في منظومة «هيجل»، بل في كل المنظومات العلمانية الهيجلية.
والعقيدة الألفية، في كل مفاهيمها، تدور حول تجسُّد الإله في التاريخ، وحول تَدخُّله فيه حتى يمكن مشاهدته في آثاره الفعلية، وفي كل الشواهد المادية التي يمكن إدراكها بالحواس الخمس الآن وهنا في مملكة الأرض، أي أنها رؤية مادية للواقع. وقد استفاد الألفيون من التأملات القبَّالية الخاصة بحساب نهاية الأيام وموعد وصول «الماشيَّح». وبهذا المعنى، تكون العقيدة الألفية تعبيرًا عن تهويد المسيحية.
و«العقيدة الاسترجاعية» هي الفكرة الدينية التي تذهب إلى أنه كيما يتحقق العصر الألفي، وكيما تبدأ الألف السعيدة التي يحكم فيها المسيح (الملك الألفي)، لابد أن يتم استرجاع اليهود إلى فلسطين تمهيدًا لمجيء المسيح. ومن هنا، فإن العقيدة الاسترجاعية هي مركز وعصب العقيدة الألفية. ويرى الاسترجاعيون أن عودة اليهود إلى فلسطين هي بشرى الألف عام السعيدة، وأن الفردوس الأرضي الألفي لن يتحقق إلا بهذه العودة. كما يرون أن اليهود هم شعب الله المختار القديم أو الأول (باعتبار أن المسيحيين هم شعب الله المختار الجديد أو الثاني). ولذا، فإن أرض فلسطين هي أرضهم التي وعدهم الإله بها، ووعود الرب لا تسقط حتى وإن خرج الشعب القديم عن الطريق ورفض المسيح (وصلبه). ولذا، فإن كل من يقف في وجه هذه العودة يُعتَبر من أعداء الإله ويقف ضد الخلاص المسيحي، فأعداء اليهود هم أعداء الإله.
وقد أدركت الكنيسة «الكاثوليكية» منذ البداية خطورة العقائد الألفية والاسترجاعية على العقيدة المسيحية. وقد وصفت الكنيسة العقيدة الألفية بأنها «عقيدة على طريقة اليهود» أي تشبه الفكر «المشيحاني اليهودي». وقد حاول القديس «أوغسطين» محاصرة ذلك المفهوم الواحدي الكوني المعادي للتاريخ والحدود، وحاول أن يحاصر الحلولية التي يَصدُر عنها ويحوِّلها إلى ما نسميه «حلولية مؤقتة شخصية منتهية» تحققت في لحظة نزول الإله باعتباره الابن ثم صلبه وقيامه، ومع قيامه تنتهى اللحظة الحلولية ويُستأنَف التاريخ الإنساني. وقد بيَّن القديس «أوغسطين» أن الكنيسة «الكاثوليكية» هي مملكة المسيح، وأنها التجسيد التام للعصر الألفي، وأنها حالة روحية وصلت إليها الكنيسة في عيد العنصرة، أي بعد موت وبعث المسيح. وهذا لا يعني انتهاء الفوضى في الطبيعة والتاريخ، بل إن الفوضى ستستمر إلى نهاية الزمان حتى يعود المسيح ثانيًة، وهي العودة التي سوف تتم في وقت لا يمكن التنبؤ به، أي يتم خارج التاريخ (في يوم القيامة). وقد واكب تلك الرؤية تقديم التفسير المجازي للعهد القديم بحيث تصبح كل القصص والأحداث فيه رموزًا لحالات روحية وأخلاقية.
ومما يجدر ذكره أن العقائد الألفية والاسترجاعية بتأكيدها مركزية فكرة نهاية التاريخ قد تأخذ شكلاً «فاشيًا» متطرفًا، فترى اليهود باعتبارهم شعبًا عضويًا منبوذًا وحسب ولا داعي لتوظيفه ويمكن الاكتفاء بالتخلص منه.
وتظهر الكراهية العميقة لليهود عند أتباع حركة تُسمَّى «الهوية المسيحية» وهي جماعة ألفية تنادي بنبذ (بل إبادة) كل العناصر البشرية المختلفة (أي غير البيضاء غير البروتستانتية) الأخرى داخل المجتمع الأمريكي: السود «والكاثوليك» واليهود. ويرى أتباع هذه الحركة الألفية أنهم هم إسرائيل الحقيقية وأن شعوب شمال أوربا هم قبائل «يسرائيل» العشرة المفقودة. ويُلاحَظ أن النزعة الوثنية المادية الكامنة في العقيدة الألفية الاسترجاعية تظهر بشكل واضح في أدبيات هذه الحركة. فهم يرفضون المسيحيين السود وكل «الكاثوليك» في الوقت الذي يقبلون فيه أتباع العبادات الوثنية النوردية، كما يعادون «إسرائيل» ويسمون حكومة الولايات المتحدة «زوج ZOG» وهي اختصار لعبارة «زايونست أوكيوبيشن جوفرنمنت (Zionist Occupation Government) أي «حكومة الاحتلال الصهيونية». ويُعدُّ أتباع هذه الحركة أنفسهم لمعركة «هرمجدون» فيتدربون على السلاح ويقومون بتخزينه. وعلى أية حال، فإن العداء الصريح الذي تبديه هذه الحركة لليهود هو العداء الذي تشعر به أيٌّ من الحركات القومية العضوية تجاه الآخر، فهي حركات تدور في إطار حلولية بدون إله أو في إطار وحدة الوجود حيث يحل الإله في الشعب ويصبح الشعب في قداسة الإله أو أكثر قداسة منه، فهو يحوي داخله ركيزته النهائية ومصدر قداسته، والآخر يقع خارج دائرة القداسة، ولذا فهو مباح.
وقد لاحظ المؤرخون أن الرايخ الثالث في الفكر الألماني (الذي سيستمر ألف عام) يقع داخل هذا النمط، فالدولة النازية تحوي داخلها ركيزتها النهائية، أي أن المطلق لا يتجاوزها وإنما هو كامن فيها ومتجسد من خلالها. وكان الغجر والسلاف وأعضاء الجماعات اليهودية يقعون خارج دائرة القداسة العضوية.
ومن المعروف أن الأساطير والعقائد الألفية والاسترجاعية غير معروفة لدى المسيحيين الشرقيين، كما أنها ليست موضع حوار أو مناظرة بينهم.
والعقيدة الألفية والاسترجاعية هي بلورة لكثير من جوانب الموقف الغربي من اليهود، فالحضارة الغربية تضع اليهود (الشعب العضوي المقدَّس المنبوذ) في مركز الكون حيث يتم القضاء عليهم بطريقتين: إما عن طريق الإبادة (الهولوكوست) في معركة «هرمجدون» (أو في معسكرات الغاز والإبادة)، أو عن طريق التنصير (أو عمليات الاندماج المكثفة في الولايات المتحدة وغيرها: الهولوكوست الصامت).
وبطبيعة الحال، لا يهمنا هنا مناقشة مدى صحة هذه الأفكار من منظور ديني مسيحي أو حتى يهودي، إذ أن ما يهمنا في السياق الحالي هو أن هذه الأفكار الدينية بدأت تتحول بالتدريج إلى ما يشبه البرنامج التبشيري الديني/ السياسي في القرن السابع عشر، وازدهرت في القرن الثامن عشر (عصر الاكتشافات والرأسمالية المركنتالية والأشكال الأولى من الاستعمار)، ثم وصلت إلى قمتها في القرن التاسع عشر (عصر الإمبريالية وتقسيم العالم والبحث عن الأسواق ومصادر المواد الخام).

وقد شهد عصر الإمبريالية تزايد الحمى الاسترجاعية (خصوصاً في إنجلترا) بسبب ظهور المسألة الشرقية والمطامع الأوربية في وراثة الإمبراطورية العثمانية. وقد بدا ضعف هذه الإمبراطورية التي كانت تعالج سكرات الموت، كما لو كان إحدى مقدمات أو علامات «الأبوكاليبس» ـ رؤى آخرة الأيام ـ وبدأ «رجال السياسة الأوربيون ينظرون إلى فكرة عودة اليهود إلى صهيون على أنها وسيلة لطرد العثمانيين من الشرق الأوسط». وعلى الرغم من أن دعاة الفكر الاسترجاعي كانوا لا يشكلون قوة سياسية، فإنهم ساهموا في تحديد معالم التفكير والمصطلح السياسي لهذه الفترة، بين غير اليهود في بداية الأمر، ثم بين اليهود أنفسهم فيما بعد.
والرؤية الاسترجاعية تنظر لليهود باعتبارهم جماعة دينية/ قومية، فهم شعب الله المختار كما جاء في العهد القديم، وهم أيضاً الشعب اليهودي (بالمعنى السياسي الحديث). وهم شعب مرتبط ارتباطاً عضوياً بفلسطين، وبفكرة «الخروج» (باليونانية: «إحسودس» (exodus) التوراتية. فهو شعب «يخرج» من مصر أو بابل أو المنفى ليستوطن في فلسطين. وفي إطار الفكر الاسترجاعي أصبحت رؤية الخلاص تتطلب توطين اليهود في فلسطين (أي «خروجهم» من الغرب)، لكي يعجلوا بعودة الماشيح المخلِّص (المسيح المخلص اليهودي). فالتوطين أو الاستيطان يخدم المصالح الربانية والإمبريالية في الوقت نفسه. «فإرتس يسرائيل» (أو فلسطين) هي الأرض التي يتحدث عنها الكتاب المقدس، وهي أيضاً البلد الذي يقع في قلب الإمبراطورية العثمانية (رجل أوربا المريض) الذي كان الجميع يتوقعون سقوطه ليرثوه وليملأوا الفراغ الناجم عن هذا السقوط. وهي كذلك البلد الذي يطل على البحر الأبيض المتوسط وقناة السويس ومصر وطريق الهند وبوابات الشرق، وهي إلى جانب هذا كله المكان الذي يمكن أن يستوعب الفائض اللشري اليهودي أي المهاجرين اليهود الذين كانوا قد بدأوا في التدفق مع شرق أوروبا إلى وسطها وغربها وبدأوا يقرعون أبوابها ويهددون أمنها الاجتماعي.
وكما أسلفنا، فإن الرؤية الاسترجاعية «البروتستانتية» رؤية معادية لليهود، فالهدف من استرجاع اليهود هو هدايتهم وتحويلهم إلى المسيحية (بعد أن تقوم مذابح «هرمجدون» التي سيروح ضحيتها العديد منهم)، أي أن الصهاينة المسيحيين يودون استرجاع اليهود لإفنائهم إما دينياً أو جسدياً. ولذا نشأت المفارقة التالية: فبينما يرفض يهود الولايات المتحدة هذا اليمين الصهيوني بسبب نزعته الإبادية وكراهيته العميقة لليهود، تتحالف معهم الدولة الصهيونية لأسباب «برجماتية»، ولأن الصهيونية (كما أسلفنا) تنبع من كره اليهود ومن رفضهم.
وكانت استجابة اليهود للفكر الاسترجاعي «البروتستانتي» فاترةً لوقتٍ طويل، فلم يرتفع صوت يهودي مرحباً بالفكرة أو مؤيداً لها، فظلت الدعوة إلى إنهاء وضع «النفي» مسعى غير يهودي بالدرجة الأولى. ولكن مع انتصاف القرن التاسع عشر، ومع تفاقم المسألة اليهودية في شرق أوربا، ومع انتشار الفكر الإمبريالي، بدأ بعض المفكرين اليهود في الاستجابة بطريقة أكثر إيجابية للصيغ الصهيونية غير اليهودية.
ويرى الزعيم الصهيوني البولندي الأصلي، «حاييم وايزمان» (???? ـ ????) وهو أول رئيس للدولة الصهيونية، أن بعض كبار القادة العسكريين في الغرب مثل «الإسكندر الأكبر» و«يوليوس قيصر» و«نابليون» قد أدركوا أهمية فلسطين بالنسبة لخططهم الشرقية، وأنهم لهذا السبب «كانوا موالين لليهود في سياستهم الخارجية بشكل ملحوظ. وما لم يصرح به و«ايزمان»، إما لغبائه أو لرغبته الواعية أو غير الواعية في إخفاء الحقيقة، أن «الإسكندر الأكبر» و«يوليوس قيصر» و«نابليون» هم من صناع الإمبراطوريات الغربية، وأنهم كانوا يرغبون في توظيف اليهود في خدمتهم. ثم وصف «وايزمان» «نابليون بونابرت» ـ أول أوربي يغزو الشرق العربي في الأزمنة الحديثة ـ بأنه «أول الصهاينة العصريين من الأغيار». وفي النداء الذي وجهه «نابليون» إلى كل يهود آسيا وأفريقيا في ?? أبريل ????، حثهم على السير وراء القيادة الفرنسية حتى يتسنى استعادة العظمة الأصلية «لبيت المقدس»، ووعد بأنه سيعيد اليهود إلى «الأرض المقدسة» إذا «ساعدوا قواته». وعلى الرغم من لهجة نداء «نابليون» الرومانسية فقد كشف عن مطامعه الاستعمارية ورغبته في أن يغلق الطريق المؤدي إلى الهند أمام بريطانيا، ويمكننا في الواقع اعتبار نداء نابليون الاسترجاعي أول «وعد بلفوري». ونابليون لم يَكن يُكِن أي مشاعر من الحب والاحترام لليهود، وهذا يظهر في تشريعاته داخل فرنسا. ومن هنا كانت صهيونيته، فإخراج اليهود من فرنسا وتوطينهم في فلسطين فيه حل للمسألة اليهودية في فرنسا (والتي كانت قد بدأت في التفاقم) وتحقيق لمشاريعه الإمبراطورية. أي أن «نابليون» كان يهدف إلى ضرب عصفورين بحجر: تخليص فرنسا من اليهود وتوظيفهم في خدمة مشاريعه وتحويلهم إلى عملاء له، وهذا ما قاله ملك إيطاليا «لهرتزل» (وقد وافقه الزعيم الصهيوني على رأيه).


الفصل الخامس
صهيونية غير اليهود ذات الديباجات الدينية والعلمانية
انتشر في اللغات الأوربية مصطلح «الصهيونية المسيحية» (Christian Zionism) وتسلَّل منها إلى اللغة العربية، حيث تتم ترجمة كل المصطلحات بأمانة شديدة وتبعية أشد دون إدراك مضامين المصطلح، الذي لا يعبِّر بأية حال عن رؤيتنا للظاهرة التي يشير إليها المصطلح. والواقع أن مصطلح «الصهيونية المسيحية» يضفي على الصهيونية صبغة عالمية تربطها بالمسيحية ككل، وهو أمر مخالف تماماً للواقع، إذ ليس هناك صهيونية مسيحية في الشرق. بل إن أوائل المعادين للصهيونية بين عرب فلسطين كانوا من العرب المسيحيين، وأول مفكر عربي تنبأ بأبعاد الصراع العربي ـ الصهيوني وبمدى عمقه هو المفكر المسيحي (اللبناني الأصل، الفلسطيني الإقامة) نجيب عازوري. كما أن الكنيستين «الكاثوليكية» و«الأرثوذكسية» تعارضان الصهيونية على أساس عقائدي ديني مسيحي. وإن حدث تقارب ما (كما هو الحال مع الفاتيكان)، فإن ذلك يتم مع دولة إسرائيل ولاعتبارات عملية خارجة عن الإطار الديني إلى حدٍّ كبير. بل هناك في الغرب المسيحي «البروتستانتي» عشرات من المفكرين المسيحيين الذين يرفضون الصهيونية على أساس ديني مسيحي أيضاً. ولذا، فإن مصطلح «الصهيونية المسيحية» غير دقيق نظراً لعموميته ومطلقيته. ومن هنا، من الأفضل الحديث عن «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية»، فهي صهيونية غير مسيحية بأية حال، بل صهيونية استمدت ديباجتها (عن طريق الحذف والانتقاء) من التراث المسيحي دون الالتزام بهذا التراث بكل قيمه وأبعاده، ودون استعداد منها لأن يُحكَم عليها من منظوره الأخلاقي (ويمكنها أن تستخدم ديباجات دون أن يتغيَّر مضمونها أو بنيتها الفكرية الأساسية). وفي تصورُّنا أن هذا هو الفارق بين أية عقيدة دينية وأية عقيدة علمانية شاملة، فالمؤمن بعقيدة دينية يؤمن بمجموعة من القيم المطلقة المتجاوزة لإرادته (فهي ليست من إبداعه ولا من إبداع غيره من البشر)، ومن ثم يمكن تقييمه وتقييم سلوكه من منظور هذه القيم. أما العقيدة العلمانية الشاملة، فهي مجموعة من القيم النسبية المتغيرة، ولا يمكن أن يُحاكَم الإنسان العلماني من منظورها إذ بوسعه أن يرفضها ويتنكر لها ويعدِّلها بما يتفق مع مواقفه المتغيِّرة واحتياجاته المتطورة وأهوائه المتجددة ورغباته التي لا تنتهي.
الصهيونية ذات الديباجة المسيحية
الصهيونية ذات الديباجة المسيحية هي إفراز للعقيدة الألفية الاسترجاعية التي ترى أن العودة شرط لتحقيق الخلاص، وهي تضم داخلها هذا المركب الغريب من حب اليهود الذي هو في واقع الأمر كره عميق لهم، تماماً مثل الصيغة الصهيونية الأساسية: شعب عضوي منبوذ نافع يُنقَل خارج أوربا ليُوظَّف لصالحها. (لمزيد من التفاصيل، انظر الفصل الرابع من الباب الثاني بعنوان «الفكر الاسترجاعي»).
ويُلاحَظ أن الصهيونية ذات الديباجة المسيحية تأخذ شكلاً دينياً استرجاعياً صريحاً وشكلاً تبشيرياً بين اليهود، وهي تنظر لليهود من الخارج تماماً، فهم مجرد أداة للخلاص، قتلة المسيح الذين يجب تنصيرهم وهدايتهم. وعلى الرغم من أن دعاة الصهيونية ذات الديباجة المسيحية شخصيات ليست سوية تماماً، وعلى الرغم أن معظمهم كانوا بعيدين عن مركز صناعة القرار، فقد كانت الأبواب دائماً مفتوحة أمامهم.
ومع تَصاعُد معدلات العلمنة وتزايد النزعة الرومانسية (الحلولية العضوية)، بدأت الديباجات الدينية تبهت بالتدريج وبدأت تحل محلها ديباجات علمانية عقلانية نفعية تدور في إطار مفهوم الشعب العضوي المنبوذ مجرداً من كل الديباجات المسيحية. ولكن لا يعني ظهور الصهيونية ذات الديباجة الرومانسية العضوية أو العلمانية العقلية المادية أن الصهيونية ذات الديباجة المسيحية الواضحة اختفت أو حتى توارت. فالعكس هو الصحيح، إذ أن هذه الديباجة استمرت في التمتع بذيوع لا تعادله أية ديباجة أخرى، رغم تزايد علمنة المجتمع الغربي. بل إن النزعة الرومانسية قد أعطتها حياة جديدة وزادتها حيوية ودينامية، ويتضح ذلك في أن القرن التاسع عشر شهد بعثاً مسيحياً متمثلاً في الحركة «الإنجيلية» (أي المبشرة بالإنجيل) التي كانت تهدف إلى بَعْث القيم المسيحية بين صفوف الطبقة العاملة والفقراء والتبشير بين اليهود. كما يتضح في استمرار كثير من الصهاينة العلمانيين غير اليهود في استخدام ديباجات مسيحية. بل يمكن القول بأن الديباجة الأكثر شيوعاً هي مزيج من الديباجتين العلمانية النفعية والمسيحية (كما هو الحال مع «شافتسبري» و«بلفور»).
وقد بدأت الصهيونية ذات الديباجة المسيحية تتمتع ببعث جديد بعد إنشاء الدولة الصهيونية. وبدأت الفكرة الاسترجاعية تنتشر بشكل كبير في الأوساط «البروتستانتية» المتطرفة (الأصولية) في الولايات المتحدة (ومنهم بعض رؤساء الولايات المتحدة مثل «كارتر» و«ريجان») والتي تُصر على أن دولة إسرائيل هي تحقق النبوءة حرفياً في العصر الحديث وهي بُشرى الألف سنة السعيدة، أي أن الحلول أو التجسد الذي حدث مرة واحدة وبشكل مؤقت في التاريخ من منظور «كاثوليكي»، أصبح حلولاً حرفياً ودائماً ومادياً في شكل الدولة الصهيونية وفي أحداث التاريخ الحديث. لذلك، نجد أن الاسترجاعيين المُحدَثين يستغرقون في التفسيرات الحرفية. وعلى سبيل المثال، فإن «جيرى فالويل» يشير إلى أن كتاب «حزقيال» يشير إلى أرض معادية للماشيَّح هي «روش»، وهي أرض بها مدينتان هما «ميشسن وتوبال»، تصبح روش «روسيا» وتصبح ميشسن «موسكو» وتوبال «تيبولسك» وستقوم «روش» بغزو إسرائيل ونهبها (حسب سفر حزقيال)، ولذا فإن «فالويل» يفسر هذا بأن روسيا ستقوم بغزو إسرائيل للحصول على الغنائم. وكلمة «النهب» يقابلها في الإنجليزية كلمة «سبويل spoil»، فإن حذفنا أول حرفين فإنها تصبح «أويل oil»، أي البترول، وهنا تصبح الأمور شديدة البساطة (وهذه الطريقة في التأويل ذات جذور قبَّالية، كما يُلاحَظ هنا أيضاً الازدواجية التي تتبدَّى في التأرجح بين التفسير الحرفي الجامد الذي يصر على معنى واحد مباشر والتأويل السائل الذي يفرض أي معنى على النص). ويقوم هؤلاء الاسترجاعيون بحوسلة إسرائيل (أي تحويلها إلى وسيلة) بشكل حاد. وعلى سبيل المثال، فإن «تيرى ريزنهوفر» (المليونير الأصولي الأمريكي الذي يقوم بتمويل عملية إعادة بناء الهيكل) يرى أن السلام بين إسرائيل وجيرانها مسألة مستحيلة. بل يرى الاسترجاعيون ضرورة تحريك الأمور باتجاه الحرب لإضرام الصراع والتعجيل بالنهاية (ولذا، فإن موقفهم من مفاوضات السلام أكثر تشدداً من موقف أكثر صقور إسرائيل تشدداً). ولا يختلف الأمر كثيراً بشأن حدود أرض الميعاد، فهذه الحدود مُعطَى ثابت مقدَّس لا يمكن التفاوض بشأنه. كما أن حدود إسرائيل التي يتخيلها الاسترجاعيون أكثر اتساعاً من حدود إسرائيل الكبرى التي يتخيلها أكثر الصهاينة تطرفاً. فحدودها، حسب الرؤية الاسترجاعية، تضم الأردن وأجزاء من مصر ولبنان ومعظم سوريا (وضمنها دمشق). أي أن الاسترجاعيين يرون ضرورة سفك الدم اليهودي تحقيقاً لرؤيتهم لنبوءات الكتاب المقدَّس.وهذا المفهوم لا يختلف كثيراً عن مفهوم «آرثر بلفور» (صاحب الوعد المشهور) الذي أرسل اليهود إلى فلسطين ليكونوا قاعدة أمامية للحضارة الغربية، تُنزَف دماؤهم دفاعاً عن الحضارة التي نبذتهم.
صهيونية غير اليهود العلمانية
«صهيونية غير اليهود» اصطلاح نستخدمه للإشارة لما يسمى «صهيونية الأغيار» ونضيف أحيانًا كلمة «علمانية» حتى نميزها عن صهيونية غير اليهود ذات الديباجة المسيحية، وإن كنا عادة لا نفعل ذلك ونكتفى بالحديث عن «صهيونية غير اليهود» من قبيل إطلاق العام والشائع على الخاص. وقد تدثرت الصيغة الصهيونية الأساسية بديباجات مسيحية عندما ظهرت في الغرب في القرن السابع عشر، كما أسلفنا القول. ومع تزايد معدلات العلمنة، ابتداء من القرن الثامن عشر، ومع انتشار الفلسفات النفعية والعقلانية، بدأت الديباجة المسيحية في الضمور والتواري وتم تسويغ الصهيونية انطلاقًا من الرؤية المعرفية الإمبريالية وأطروحاتها المادية. ومع هذا فعادة ما كانت الديباجات العلمانية والدينية تختلط، ولذا كانت تُطرح ضرورة توطين اليهود في فلسطين لتحقيق الخلاص ولحماية الطريق إلى الهند أو لحماية الدولة العثمانية أو للقضاء عليها... إلخ.
ويلاحظ أنه في الفترة الممتدة من القرن الثامن عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر، بدأت صهينة الوجدان الغربي، فبلور الفكر الألماني فكرة الشعب العضوي (الفولك)، وأصبح هناك «شعب عضوي ألماني» و«شعب عضوي إنجليزي» وبطبيعة الحال «شعب عضوي يهودي». وبالفعل يرد اليهود في كتابات بعض كثير من مفكري عصر الاستنارة باعتبارهم شعبًا عضويًا. ولكن الشعب العضوي اليهودي لا ينتمي إلى أوربا ولا للحضارة الغربية، فهو شعب عضوي منبوذ لابد من نقله. وقد تبلورت في أوائل هذه المرحلة فكرة نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم وتوظيفهم، أي أن الصيغة الصهيونية الأساسية زادت تبلورًا ووضوحًا. وقد عبر فلاسفة حركة الاستنارة، مثل «جون لوك» و«إسحق نيوتن»، عن نزعة صهيونية أساسية في كتاباتهم. وفي كتاب له صدر عام ???? صنف الفيلسوف «ديفيد هارتلى» (صاحب ما يسمى بالفلسفة الترابطية) (associatiainist) اليهود ضمن الهيئات السياسية باعتبارهم «كيانًا سياسيًا موحدًا ذا مصير قومي مشترك رغم تشتتهم الحالي». وقد تبنى الحجج الدينية الاسترجاعية وأضاف لها تفسيرات دنيوية. كما أن «جوزيف بريستلي»، المفكر الثوري التقدمي، صور فلسطين أرضًا «غير مأهولة بالسكان، أهملها مغتصبوها الأتراك ولكنها مشتاقة ومستعدة لاستقبال اليهود العائدين». ولم يكن الفكر الرومانسي أقل حماسة من الفكر الاستناري، بل يمكن القول بأن الفكر الرومانسي أعطى دفعة جديدة للصهيونية فتزايد الحديث عن العبقرية اليهودية والعرق اليهودي والشعب العضوي. وقد نادى «روسو» (الذي ينحدر من أسرة بروتستانتية) بإعادة اليهود لدولتهم الحرة. وكان الفكر الألماني الرومانسي، الذي وُلدت في أحضانه فكرة الشعب العضوي، يتسم بنزعة صهيونية (معادية لليهود) كما يتضح في كتابات «هردر» و«كانط» و«فخته». كما توجد أصداء صهيونية في أشعار «بايرون» وروايات «وولتر سكوت».
ويلاحظ تزايد الاهتمام باللغة العبرية، كما بدأ الفنانون الغربيون يتناولون الموضوعات اليهودية والعبرية بكثير من الألفة لم تكن معروفة من قبل. وقد نشر «دزرائيلي» روايتيه ديفيد الرؤى (????) وتانكرد (????)، وهما روايتان لهما نزعة صهيونية واضحة. وقد ظهرت رواية «جورج إليوت» دانيل ديروندا (????) وهي التي تُعد أهم وثيقة أدبية صهيونية غير يهودية والتي وُصفت بأنها مقدمة أدبية لوعد «بلفور». ونشر في الفترة بين ???? و???? ما يزيد على ???? كتاب من كتب أصحاب الرحلات إلى فلسطين، وقد ساهمت هذه الكتب في تدعيم صورة فلسطين كأرض مهملة، وصورت العرب (المسلمين أو البدو) كمسئولين عن هذا الخراب. وأسس صندوق استكشاف فلسطين عام ???? وكان مركزًا لمؤيدى الاستيطان الصهيوني. ومن أهم العلماء الأثريين فيه سير «تشارلز وارن» الذي قام بالعديد من الاكتشافات الأثرية وتنبأ بقيام حكم اليهود في فلسطين. كما قام «كلود كوندر» (???? ـ ????) بكتابة دراساته الجغرافية التي كانت تنشرها الصحافة الصادرة بالعبرية.
وقد ظلت النزعة الصهيونية في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر تأخذ طابعًا فكريًا تأمليًا أو عاطفيًا لأن أوربا كانت في حالة انتقال. كما أن المشاريع الاستعمارية المختلفة كانت متوقفة أو لا تزال في حالة التفاف حول الدولة العثمانية التي كانت قد بدأت في التآكل من الداخل، وإن كانت لا تزال قوية قادرة على حماية رعاياها. ولكن ظهور محمد علي قلب موازين القوى وهدد المشروع الاستعماري الغربي ووضع حدًا لآمال الدول الغربية التي كانت تترقب اللحظة المواتية لاقتسام تركة رجل أوربا المريض، أي الدولة العثمانية، يشكل نقطة تحول في تاريخ فلسطين وتاريخ الصيغة الصهيونية الأساسية، إذ تساقطت الأردية الدينية وظهر الواقع المادى النفعي.
ويلاحظ أن البعد الجغراسي (الجيوبولتيكي) الكامن للفكر الصهيوني بين غير اليهود أخذ يزداد حدة وتحددًا، بل أصبح البعد الرئيسي. ولم يعد الحل الصهيوني مجرد فكرة فلسفية أو تطلع عام. «فالتطورات السياسية [على حد قول «سوكولوف»] أدت إلى ظهور خلفية جديدة للصهيونية. إن قضية استرجاع إسرائيل التي كانت قضية أثيرة لدى العاطفيين وكتاب المقالات والأدباء.. وكل مؤمن بالإنجيل وكل صديق للحرية، أصبحت قضية حقيقية مطروحة [على المستوى السياسي]». وكما قالت «التايمز» عام ????، فإن المسألة أصبحت مطروحة بشكل جدى، بمعنى أن الصهيونية لم تعد فكرة هامشية تتداول في الأوساط التبشيرية الإنجيلية وحسب، فعام ???? هو عام ولادة المسألة الشرقية وهو أيضًا عام ولادة الحل الصهيوني للمسألة اليهودية!
وقد طرحت مشاريع صهيونية عديدة في كل مكان في أوربا (في روسيا وبولندا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا)، فمع بدايات المشروع الاستعماري الألماني قام «مولتكه» (الضابط في الحرس الملكي البروسي) عام ???? بنشر كتاب ألمانيا وفلسطين يقترح فيه إنشاء مملكة صليبية هناك لتشجيع كل من اليهود والمسيحيين. وقد وضع «بندتوا موسولينو»، الإيطالي الجنسية، خطة في عام ???? لتأسيس دولة يهودية في فلسطين. وشهد منتصف القرن التاسع عشر بعثًا مؤقتًا للمشروع الاستعماري الفرنسي المستقل إبان حكم «نابليون الثالث». فقد حصلت فرنسا على امتياز شق قناة السويس عام ???? ثم جردت حملة عسكرية فرنسية عام ???? ـ ???? إلى جبل لبنان عقب الحرب الأهلية بين «الدروز» و«الموارنة»، وهي الحرب التي كانت في واقع الأمر حربًا على النفوذ بين الإنجليز والفرنسيين. ويقال إن الهدف من الحملة كان الضغط على السلطان العثماني للموافقة على امتياز قناة السويس. وفي هذا الإطار، ظهرت عدة كتابات فرنسية في الموضوع، أهمها دعوة «لاهارن» (سكرتير «نابليون الثالث») لليهود بالعودة إلى فلسطين حتى يكونوا بمنزلة الوسطاء الذين سيفتحون الشرق للغرب لتأسيس دولة يهودية في فلسطين. وكان «هنري دوتان» (???? ـ ????)، مؤسس الصليب الأحمر الدولي، مهتمًا بالمشروع الصهيوني، حيث حاول منذ عام ???? حتى عام ???? إثارة اهتمام الجماعات اليهودية باقتراحاته دون جدوى. وقد أسس جمعية الاستعمار الفلسطينية في لندن، واتصل «بنابليون الثالث» وبالحكومة العثمانية لعرض فكرته، كما حضر المؤتمرات الدولية للدفاع عنها واشترك في بعض المؤتمرات الصهيونية.
ويُلاحظ «سوكولوف» أن الكتابات الفرنسية في موضوع الصهيونية تتسم بأنها مجردة أكثر من اللازم. وبدلاً من أن يبين أصحاب هذه الكتابات بشكل محدد الإجراءات التي يجب اتخاذها، فإنهم يكتفون بالتعبير عن الآمال الفارغة ويصوغون اقتراحات ودعاوى غامضة. ولعل هذا يعود إلى أن الفكر الصهيوني في فرنسا لم يكن وراءه لا تاريخ طويل ولا مصالح محددة كما كان الحال مع الفكر الصهيوني في إنجلترا. كما أن فرنسا «الكاثوليكية»، برفضها التفسير الحرفي للعهد القديم، لم تكن متعاطفة مع هذه الرؤية لليهود.
ويلاحظ أن صهيونية غير اليهود صهيونية غربية بمعنى الكلمة (روسي ـ بولندي ـ ألماني ـ فرنسي ـ هولندي ـ إنجليزي) وقد أصدرت معظم هذه الدول وعودًا بلفورية أو ما يشبه الوعود البلفورية، ولكن صهيونية غير اليهود تظل ظاهرة بريطانية وبروتستانتية بالدرجة الأولى. والواقع أن أكبر عدد من الصهاينة غير اليهود العلمانيين ظهر بين صفوفهم، مثل الكولونيل «جورج جاولر» و«جيمس فين» و«وليام بلاكستون» و«جوزيف تشامبرلين» و«إيان سمطس» و«جوسيا ودجوود»، ولكن «لورد شافتسبري» و«لورانس أوليفانت» يعتبران أهم هؤلاء. وفي محاولة تفسير ذلك، يمكن القول بأن إنجلترا كانت أكبر قوة استعمارية، وأنها البلد الذي انتشر فيه التفسير الحرفي للكتاب المقدس، وأنها أخيرًا البلد الذي لم يكن فيه يهود حتى أواخر القرن السابع عشر، فكان من الممكن ـ لكل هذه الأسباب ـ تجريد اليهود وتحويلهم عقليًا (ثم فعليًا) إلى وسيلة. كما يلاحظ أن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية كانت تتم في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي ككل، «والأنجلو ساكسوني» على وجه الخصوص، ولذا نجد أن معظم المهاجرين اليهود استوطنوا في بلاد مرتبطة بالمشروع الاستيطاني «الأنجلوا ساكسوني» (الولايات المتحدة ـ نيوزيلندا ـ جنوب أفريقيا ـ إسرائيل).
وازدادت الفكرة الصهيونية مركزية في الوجدان السياسي الغربي، ولعل أكبر دليل على هذا أن المفكرين الصهاينة من غير اليهود أصبحوا قريبين من صانع القرار. ويمكن أن نذكر في هذا المضمار وزير البحرية البريطانية «هنري إنس» (الذي كتب مذكرة عام ???? موجهة إلى كل دول شمال أوربا وأمريكا البروتستانتية، قام اللورد «بالمرستون»، رئيس الوزراء، برفعها إلى الملكة «فيكتوريا»). وقد نشرت صحيفة جلوب اللندنية (القريبة من وزارة الخارجية) مجموعة مقالات عام ????/???? تؤيد فيها مسألة تحييد سوريا (وضمنها فلسطين) وتوطين أعداد كبيرة من اليهود فيها. وقد حازت المقالات موافقة اللورد «بالمرستون». وقد نوقش في مؤتمر القوى الخمس الذي عقد في لندن عام ???? مسألة تحديد مستقبل مصر. وفي ذلك العام، كتب «بالمرستون» خطابه إلى سفير إنجلترا في الآستانة يقترح فيه إنشاء دولة يهودية حماية للدولة العثمانية ضد محمد علي. وقدّم الكولونيل «تشرشل» عام ???? مذكرة إلى «موسى مونتفيوري» يقترح تأسيس حركة سياسية لدعم استرجاع اليهود لفلسطين لإقامة دولة محايدة (أي في خدمة الدول الغربية).
وفي عام ????، ظهر كتاب تهدئة سوريا والشرق من تأليف «جورج جولر» (حاكم جنوب أستراليا) حيث طرح خطوات عملية لعملية توطين اليهود في فلسطين. كما أن «جولد سميد» صاحب «موسى مونتفيوري» في رحلته إلى فلسطين عام ????، بل أسس عام ???? واحدة من المنظمات الصهيونية الأولى، وهي منظمة «تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين» التي قدمت المساعدة للقنصل الإنجليزي في القدس في عملية تدريب اليهود المحليين على الزراعة. كما نشر اقتراحات عملية تتصل بتأسيس صناعات ترمي إلى زيادة النفوذ الإنجليزي في سوريا، وبعد انتهاء حرب القرم (???? ـ ????)، قدمت إلى مؤتمر القوى العظمى الذي عقد في باريس مذكرة بشأن توطين اليهود في فلسطين. وقدم «بنجامين دزرائيلي» (الذي تقلد رئاسة الوزارة عام ????) مذكرة غفلاً من اسم واضعها موجهة إلى المندوبين في مؤتمر برلين ???? تتضمن اقتراحًا ذا طابع صهيوني لحل المسألتين اليهودية والشرقية، ولكن لم يتم توزيعها بسبب معارضة «بسمارك» (وقد قام المفكر الصهيوني الروسي «بيرتس سمولنسكين» بترجمة المذكرة إلى العبرية ونشرها).

وفي عام ????، قدم «إدوارد كازالت» اقتراحًا بتوطين اليهود تحت حماية إنجلترا، وقد دافع عن الفكرة في كتابه وخطبه أثناء حملته الانتخابية حينما رشح نفسه للبرلمان. ويمكن القول بأن المشروع الصهيوني كانت ملامحه وأجزاؤه قد تكاملت في عقل «كازلات»، ولذا نجده يتوجه للتفاصيل الدقيقة وإلى الطابع اليهودي الإثني للاستيطان اليهودي، وإلى قضية الوعي اليهودي ككل، فكان أول من فكر في إنشاء جامعة عبرية. وفي نهاية السبعينيات، قام هو «وأوليفانت»، وانضم إليهما ممثلون عن جماعة «البيلو»، بالتفاوض مع الدولة العثمانية بشأن مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين.

وفي ذلك الحين، كانت الولايات المتحدة (بتوجهها «البروتستانتي» الحرفي) تمور بالمفكرين الصهاينة غير اليهود مثل «مانويل نواه» (صاحب مشروع «أرارات» لتوطين اليهود بالقرب من شلالات «نياجارا») و«وليام بلاكستون». كما ظهرت فيها جماعات صهيونية مسيحية بعضها متعاطف مع اليهود والبعض الآخر يكن له الحقد والاحتقار من أهمها، كما ذكرنا من قبل، جماعة «شهود يهوه» و«المورمون». كما كانت توجد جماعة صهيونية مسيحية كان لها مشروعها الاستيطاني المستقل هي جماعة فرسان الهيكل الألمانية.
ومن الأمور المهمة والجديرة بالذكر أن كل هؤلاء الصهاينة غير اليهود توصلوا إلى الصيغة الصهيونية الأساسية، وأضافوا لها الديباجات لتبريرها، وخططوا المشروعات لوضعها موضع التنفيذ دون أية مؤثرات يهودية (فكرية أو غيرها). وفي كثير من الأحيان، كان ذلك يتم دون أي احتكاك باليهود أو أية معرفة بهم، ففكرهم ولد من داخل النموذج الحضاري الغربي، وهو ثمرة بنية الحضارة الغربية نفسها ونتاج حركياتها وتطور مصالحها الاستراتيجية. وقد أعلن أحد المؤتمرات الصهيونية أن أبا الصهيونية (الحقيقي) هو الصهيوني غير اليهودي «بلاكستون»، وهو وصف دقيق ومباشر وليس فيه أية أبعاد مجازية. وكما أسلفت يُلاحظ أن معظم المفكرين الصهاينة غير اليهود كانوا شخصيات غريبة الأطوار، إن لم تكن شاذة ومهزوزة، ومع هذا فإن أفكارهم كانت تجد صدى في الأوساط السياسية الغربية، وهو ما يدل على أن هذه الأفكار تعبر عن شيء أصيل وكامن في الحضارة الغربية آنذاك، يتجاوز شذوذ وغرابة أطوار حملة هذا الفكر.
ولم يكن حديث هؤلاء الصهاينة غير اليهود عن عودة اليهود يلقى صدى لدى أعضاء المادة المستهدفة إذ كانت اليهودية «الحاخامية الأرثوذكسية» ترى أن العودة إلى «صهيون» أرض الميعاد (أي فلسطين) أمر لن يتحقق إلا في آخر الأيام، أي أن العودة كانت تعد ضرباً من الحلم الديني الذي لا يتحقق إلا في مجال التاريخ المقدس لا على مستوى التاريخ الزمنى. ولذا، كان اليهود ـ وبخاصة يهود العالم الغربي ـ يرفضون التورط في مشاريع العودة التي تطلق على نفسها اسم «مشاريع قومية». ولم تلق دعوة «نابليون» إلى يهود الشرق بالاستيطان آذانًا صاغية. وقد رفض مجلس مندوبي يهود إنجلترا الاقتراح الذي تقدم به الكولونيل «تشارلز تشرشل» لتوطين اليهود في فلسطين والذى حمله السير «موسى مونتفيوري» إلى المجلس نيابة عنه.
وقد شهد منتصف القرن التاسع عشر ظهور اليهودية الإصلاحية بتأكيدها المثل الاندماجية ورفضها فكرة العودة الفعلية إلى فلسطين رفضًا تامًا. وعقد عام ???? مؤتمر «فرانكفورت» الشهير الذي حذف من كتب الصلوات جميع التوسلات للعودة إلى أرض الآباء وإحياء دولة يهودية. وحينما عُقد المؤتمر اليهودي الأول عام ???? لبحث مشكلة يهود رومانيا، لم يتطرق هذا المؤتمر إلى الهجرة اليهودية إلى فلسطين باعتبارها حلاً للمسألة اليهودية.

ومن أطرف التعليقات اليهودية على المشاريع الصهيونية غير اليهودية ما نشرته مجلة يهودية ألمانية (ذات طابع اندماجي) إذ قارنت المشاريع الصهيونية الإنجليزية التي نُشرت في الجلوب والتايمز بالمشاريع الفرنسية، وبينت أن الشاعر «لامارتين» (???? ـ ????) الذي كان يشغل منصبًا حكوميًا آنذاك يقترح تأسيس مملكة مسيحية عند منابع نهر الأردن، وأنه ينوي، إذا ما وقعت القدس تحت الهيمنة الفرنسية، أن يترك العالم بأسره لإنجلترا. ولكن الغريب في الموضوع ـ كما تقول المجلة ـ أن اللورد «بالمرستون» قد اختار البقعة نفسها لإنشاء دولة يهودية، فبينما كان الشاعر الشهير يحلم بإقامة دولة مسيحية في القدس كان اللورد «بالمرستون» ينوي إقامة جمهورية يهودية فيها (وحولها)، وقد حذرت المجلة الشباب اليهودي من مثل هذه الدعاوى الصهيونية.
ويبدو أن الصهاينة غير اليهود أدركوا أن المادة البشرية المستهدفة لمشاريعهم ترفض مثل هذه المشاريع التي تهدف إلى اقتلاعهم من أوطانهم، ولذا فقد بذلوا جهدًا في التوجه إلى الجماعات اليهودية وفي التقارب معها. فكتب الكولونيل «كلود كوندر» يشجع جهود أحباء صهيون على التسلل إلى فلسطين. ونشر «هنري ونتورث مونك» (كندى الجنسية) عدة مقالات صهيونية ظهرت في جويش كرونيكل بين عامي ???? و????، وأسهم في تأسيس أولى المستوطنات اليهودية في فلسطين. وعقد مؤتمر للمسيحيين البارزين في مايو ???? لمناقشة مسألة توطين المهاجرين اليهود من رومانيا وروسيا في فلسطين. وشهدت الفترة نفسها كتابات الأب «إغناطيوس» التي نشرت على صفحات مجلة دي فيلت الصهيونية والتي ناشد فيها اليهود الانضمام إلى الحركة الصهيونية.
وكان «شافتسبري» (أهم الصهاينة غير اليهود) صديقًا «لمونتفيوري»، أما «أوليفانت» (أكثرهم ديناميكية ونشاطًا) فقد اتصل ببعض الجمعيات اليهودية الاستيطانية لتشجيعها، وذهب بنفسه إلى فلسطين للاستيطان فيها بصحبة سكرتيره اليهودي «نفتالي هرتز إمبر» (مؤلف نشيد «هاتيكفا»، أي «الأمل»، وهو نشيد الحركة الصهيونية الذي أصبح النشيد «الوطني» لدولة إسرائيل فيما بعد). وبدأت تظهر شخصيات تقف بين الجماعتين اليهودية والمسيحية: مثل «دزرائيلي» (اليهودي الذي تنصر ليدخل الحضارة الغربية). ويمكننا الإشارة إلى الواعظ البروتستانتي «هشلر» الذي كان من أكثر الناس حماسة لإرجاع اليهود، فقدم العون «لهرتزل» وساهم في تقديمه للدوق «بادن» الذي قدمه بدوره إلى «قيصر» ألمانيا.
ولكن، ومهما ازداد التقارب بين الصهاينة غير اليهود واليهود، فإن ذلك لم يكن له جدوى وكان ضروريًا أن يحدث شيء تاريخي ضخم يتجاوز حركات الأفراد، وقد كان هذا الشيء هو تعثر التحديث في شرق أوربا وتوافد الآلاف من يهود «اليديشية» على غرب أوربا، الأمر الذي أدى إلى ظهور «هرتزل» الذي طور الخطاب الصهيوني المراوغ وجعل بإمكان يهود الغرب قبول العقد الصهيوني الصامت وهو الأمر الذي كلل بإصدار وعد/عقد «بلفور».
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن «تيودور هرتزل»، مؤسس الصهيونية، لم يكن يميز بين الصهاينة اليهود وغير اليهود، بل كان يرى الجميع جزءًا من التاريخ الغربي. ولذا، فهو يشير إلى «دزرائيلي» و«جورج إليوت» و«موسى هس» و«ليو بنسكر» باعتبارهم صهاينة دون تمييز أو تفرقة بين اليهود منهم وغير اليهود.
صهيونية «شافتسبري» «وأوليفانت»
لعل تداخل الأبعاد السياسية بالأبعاد الرومانسية الدينية يظهر في هذه الواقعة: عندما ذهب «هرتزل» إلى فلسطين عام ???? لاكتشاف إمكانيات الاستيطان الصهيوني هناك، ولمقابلة الإمبراطور «ويلهلم الثاني» إمبراطور ألمانيا، اعتقد البعض أنه لم يكن سوى مبشر مسيحي بين اليهود يحاول تنصيرهم، لأنه يحاول توطينهم في فلسطين. ومثل هذا الخلط والتشابك بين الجوانب السياسية والدينية لا يزال باقياً حتى يومنا هذا، إذ لا يزال الكثيرون (بما في ذلك بعض رؤساء الجمهورية في الولايات المتحدة) يتحدثون عن الاستيطان الصهيوني في فلسطين بعبارات دينية/ سياسية. وبعد حرب ????، اعتقدت بعض البعثات التبشيرية المسيحية في إسرائيل أن الانتصار العسكري الإسرائيلي دليل أكيد على اقتراب العصر الألفي السعيد الذي سيحكم فيه المسيح الأرض، ومن ثم زادوا من نشاطهم في الدولة الصهيونية.
ومع هذا يمكن القول إن ما يحتل المركز هي الرؤية الصهيونية العلمانية النفعية المادية، فقبل ظهور الصهيونية بين اليهود بفترة طويلة، قرر اللورد «بالمرستون» (???? ـ ????)، حينما كان يشغل منصب وزير خارجية بريطانيا، أن يستخدم اليهود كمخلب قط لقمع العرب لأسباب علمانية نفعية مادية. فقد أعلن، في رسالة بعث بها إلى السفير البريطاني في استنبول ـ عاصمة الإمبراطورية العثمانية ـ بتاريخ ?? أغسطس ???? (بعد ان حثه لورد «شافتسبري» على ذلك) أنه «إذا عاد أفراد الشعب اليهودي إلى فلسطين» تحت حماية السلطان العثماني وبناءً على دعوة منه [وكانت السلطنة العثمانية حينذاك هي القوة الخارجية المهيمنة في العالم العربي] فإنهم سيقومون بكبح جُماح أي مخططات شريرة قد يديرها محمد على أو من سيخلفه في المستقبل.
وتاريخ الرسالة التي بعث بها «بالمرستون» في غاية الأهمية، فظهور محمد علي المفاجئ وتكوين إمبراطوريته الصغيرة، قلب موازين القوى وهدد المشروع الاستعماري الغربي الذي كان يفترض أن العالم كله إن هو إلا ساحة لنشاطه وسوق لسلعه، ووضع حدا لمطامع الدول الغربية التي كانت تترقب اللحظة المواتية لتقسيم واقتسام الدولة العثمانية. ولذا تحالفت الدول الغربية كلها، بما فيها فرنسا، ضد محمد علي وعقدت مؤتمر لندن عام ???? وقررت فيه الإجهاز عليه، فاضطرته إلى التوقيع على معاهدة لندن لتهدئة المشرق (Treaty of London for the Pacification of the Levant).
وتمثل هذه النقطة، كما يقول «ناحوم سوكولوف»، أحد رؤساء المنظمة الصهيونية ومؤرخ الحركة الصهيونية، «نقطة تحول في تاريخ فلسطين». إذ تبلورت الفكرة الصهيونية بسرعة، فطرحت فكرة تحييد سوريا، بمعنى فصلها عن كلٍّ من محمد علي وتركيا. ويضيف «سوكولوف»: «في هذه اللحظة كان من الممكن أن يستعيد اليهود أرضهم القديمة لو كان عندهم منظمة لتنفيذ الخطة». وإن أردنا ترجمة هذا الكلام إلى مصطلح سياسي أكثر دقة لقلنا إن المسألة الشرقية «وهي المشاكل الناجمة عن وضع الإمبراطورية العثمانية المتردي الذي كانت فلسطين جزءاً لا يتجزأ منه [والذي]... كان يؤثر في ميزان القوي القائم في أوربا التقت بمسألة أوربا اليهودية فاندمجتا تمام الاندماج وتم التوصل إلى إمكانية حل المسألة اليهودية عن طريق تخليص أوربا من اليهود وتوظيفهم في حل المسألة الشرقية».
ويشرح «سوكولوف» المنطق في أوربا آنذاك على النحو التالي:
«إذا اتفقت الدول العظمي الخمس على تسوية المسألة الشرقية على أساس استقلال سوريا... واسترجاع اليهود لها... حاملين معهم عُدة الحضارة وأجهزتها، بحيث يكوِّنون نواة لخلق مؤسسات أوربية... تحت رعاية القوى الأوربية الخمس... فإن ذلك سيساعدهم في أن تسترجع الدولة العثمانية قوتها... ومما لا شك فيه أن حالة سوريا محفوفة بعديد من المصاعب نظراً لانقسام سكانها إلى قبائل منفصلة. ولكن هذا لا يثبت سوى ضرورة إدخال «مادة جديدة» حتى يتم صهر الطبقات كلها في جماعة مترابطة متوازنة، وإذا ما سلمنا بضرورة إدخال مادة جديدة في نسيج سوريا بأكثر المواد قبولاً، وسيتبع ذلك إقامة مؤسسات أوربية وستجد إنجلترا حليفا جديداً سيثبت أن الصداقة معه في نهاية الأمر ذات نفع لها في التعامل مع المسألة الشرقية».
هكذا لخص «سوكولوف» الرأي السائد آنذاك، مستخدماً مصطلحات نفعية (طُبعت ببنط غامق). وإذا كان تلخيصه دقيقاً، وهو في تصوري كذلك، فإن المشروع الصهيوني ولد في ذلك العام (نقل يهود أوربا اعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً إلى فلسطين بمساعدة الدول الغربية الراعية ـ التخلص من الفلسطينيين ـ توظيف المادة البشرية الوافدة لصالح العالم الغربي).
ويمكن القول إن «أنتوني أشلي كوبر»، وهو لورد «شافتسبري السابع» (???? ـ ????) هو أهم مفكر صهيوني استعماري غربي غير يهودي في هذه المرحلة، وواحد من أهم الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر، إذ يقول عنه المؤرخ الإنجليزي «تريفليان» إنه كان يعد أحد أهم أربعة أبطال شعبيين في عصره، وكان بالإضافة إلى ذلك شقيق زوجة رئيس الوزراء «بالمرستون» الذي كان يثق فيه تماماً ويأخذ بمشورته. وكان «شافتسبري» زعيم حزب «الإنجيليين» (الذي كان يهدف إلى تنصير اليهود)، لذا نجد أن اليهود هم أحد الموضوعات الأساسية في تفكيره، ومحط اهتمامه الشديد. وكان تفكير «شافتسبري» خليطاً مدهشاً من العناصر الاجتماعية والدينية والتاريخية، يتداخل في عقله الوقت الحاضر بالزمان الغابر بالتاريخ المقدس. ويتضح ذلك في موقفه من اليهود ونظرته إليهم التي كانت تدور داخل إطار العقيدة الألفية والاسترجاعية. فهم يكونون بالنسبة إليه شعباً مستقلاً «وجنساً عبرياً» يتمتع باستمرارية لم تنقطع، وهذه هي نقطة الانطلاق الأولى للفكر الصهيوني والتي نسميها «الشعب العضوي»، أي الذين يرتبطون فيما بينهم برباط عضوي لا يمكنهم الفكاك منه (فاليهودي يظل يهودياً مهما فعل حتى لو تحول عن اليهودية) كما يقول أعداء السامية. ولكنهم لهذا السبب أصبحوا جنساً «من الغرباء» الذين لا ينتمون للبلد الذي يقيمون فيه ولا يشعرون نحوه بأي ولاء. كما أنهم أصبحوا «متعجرفين، سود القلوب، منغمسين في الانحطاط الخُلقي والعناد والجهل بالإنجيل»، بل إنهم ليسوا سوى «خطأ جماعي»، ولأن اليهود شعب عضوي منبوذ، لا ينتمي إلى أوربا، يرى «شافتسبري» أنه ينبغي عليهم العودة إلى فلسطين (التي يرتبطون بها برباط عضوي) حتى تبدأ سلسلة الأحداث التي ستؤدي إلى عودة المسيح الثانية وخلاص البشر. وإبادة ثلثي اليهود (في معركة هرمجدون) وتنصير ما تبقى منهم وانطلاقاً من هذا الخليط الفريد من الأطروحات السياسية والدينية والعرقية عارض «شافتسبري» منح اليهود حقوقهم المدنية السياسية، أي أنه تبنى الفكرة الصهيونية المحورية: الشعب العضوي المنبوذ، أي الشعب اليهودي الذي لا ينتمي للغرب ولذا يجب نقله إلى بلدٍ آخر.
ويرى «شافتسبري» ـ كما أسلفنا ـ أن ثمة علاقة عضوية بين هذا الشعب وبقعة جغرافية محددة هي فلسطين، فبعثهم لا يمكن أن يتم إلا هناك، كما أن وجودهم في هذه البقعة يمثل ـ كما تقدم ـ عنصراً حيوياً في الرؤية المسيحية للخلاص، وكما قال: «إن أي شعب لابد أن يكون له وطن. الأرض القديمة للشعب القديم». ثم طور هذا الشعار ليصبح «وطنٌ: بلا شعب لشعبٍ بلا وطن»، الذي أصبح فيما بعد الشعار الصهيوني المحوري «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض».
وقد نشر «شافتسبري» عام ???? في مجلة كوارترلي ريفيو (وهي من أكثر المجلات نفوذًا في ذلك العصر) عرضًا لكتب أحد الرحالة إلى فلسطين. وقد بدأ المقالة بالديباجة الدينية المعتادة عن قضية اليهود، ثم تناول بعد ذلك تربة فلسطين ومناخها باعتبارها مناسبة لنمو محصولات تتطلبها احتياجات إنجلترا مثل القطن والحرير وزيت الزيتون. ويبين «شافتسبري» أن كل المطلوب لإنجاز هذه العملية هو رأس المال والمهارة، وكلاهما سيأتى من إنجلترا، وخصوصًا بعد تعيين قنصل لإنجلترا في القدس إذ سيؤدي وجوده إلى زيادة أسعار الممتلكات. ثم يقترح عند هذه النقطة توظيف اليهود على أن يكون القنصل البريطاني الوسيط بينهم وبين الباشا العثماني، حتى يصبحوا، مرة أخرى، مزارعين في يهوذا والجليل. هذا الاقتراح يحوي بعض عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية (شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ ينقل خارج أوربا ـ لتوظيفه لصالحها).
ولكن أهم وثائق الصهيونية غير اليهودية وأكثرها شفافية (إذ تتضح فيها الصيغة الصهيونية الأساسية بكل وضوح وجلاء) هي الوثيقة التي قدمها «شافتسبري» إلى «بالمرستون» (?? سبتمبر ????) لاسترجاع اليهود وحل المسألة الشرقية وتطوير المنطقة الممتدة من جهة الرافدين حتى البحر الأبيض المتوسط (وهي البلاد التي وعد الإله بها إبراهيم حسب أحد تفسيرات الرؤية التوراتية). ويؤكد «شافتسبري» في مقدمة المذكرة أن المنطقة التي أشار إليها آخذة في الإقحال بسبب التناقص في الأيدى العاملة، ولذا فهي تتطلب رأس مال وعمالة. ولكن رأس المال لن يأتي إلا بعد توفير الأمن. ولهذا، فلابد أولاً من اتخاذ هذه الخطوة، ثم يشير بعد ذلك إلى أن حب اختزان المال والجشع والبخل ستتكفل بالباقي، فهي من أهم دوافع الإنسان (الوظيفي)، ولذا فهي ستدفع به إلى أية بقعة يمكن أن يحقق فيها أرباحًا (ومثل هذه الضمانات ستشجع كل محب للمال عنده الحماس التجاري، أي أعضاء الجماعات الوظيفية).
كل هذه المقدمات العامة تقود «شافتسبري» إلى الحديث عن «العنصر العبري» أو الشعب العضوي المنبوذ (باعتباره جماعة وظيفية استيطانية) ثم يقترح أن القوة الحاكمة في الأقاليم السورية (دون تحديد هذه القوة) لابد أن تحاول وضع أساس الحضارة الغربية في فلسطين وأن تؤكد المساواة بين اليهود وغير اليهود فيها. وتحصل هذه القوة على ضمانات الدول العظمى الأربع عن طريق معاهدة ينص أحد بنودها على ذلك، وسوف يشجع هذا الوضع الشعب اليهودي العضوي المعروف بعاطفته العميقة نحو فلسطين حيث يحمل أعضاؤه ذكريات قديمة في قلوبهم نحوها. وهذا الشعب اليهودي العضوي «جنس معروف بمهاراته وثروته المختبئة ومثابرته الفائقة. وأعضاء هذا الجنس يمكنهم أن يعيشوا في غبطة وسعادة على أقل شيء، ذلك أنهم ألفوا العذاب عبر العصور الطويلة. وحيث إنهم لا يكترثون بالأمور السياسية، فإن آمالهم تقتصر على التمتع (بالأموال) التي يمكنهم مراكمتها... إن عصورًا طويلة من العذاب قد غرست في هذا الشعب عادتى التحمل وإنكار الذات». ويضيف «شافتسبري»: «إذا رأينا عودتهم في ضوء استعمار فلسطين، فإن هذه الطريقة هي أرخص الطرق وأكثرها أمنًا في الوفاء بحاجات هذه المناطق غير المأهولة بالسكان. وهم سيعودون على نفقتهم الخاصة دون أن يعرضوا أحدًا ـ سوى أنفسهم ـ للخطر»، أي أنهم أداة آمنة كفء وسيخضعون للشكل القائم للحكومة، فهم لم يصوغوا أية نظرية سياسية مسبقة يهدفون إلى تطبيقها. وقد تم ترويضهم في كل مكان تقريبًا على الخضوع الضمني (الهادئ) للحكم المطلق ولا تربطهم رابطة بشعوب الأرض، ولذا لابد لهم من الاعتماد على قوة ما... وسيعترف اليهود بملكية الأرض لأصحابها الحقيقيين... حيث سيكتفون بالحصول على الفائدة من خلال الطرق المشروعة مثل الإيجار والشراء، ولن يتطلب المشروع أية اعتمادات مالية من القائمين على المشروع، ولهذا فإن ثمرتها ستعود على العالم المتحضر (أي الغربي) بأسره.
ورغم أن هذه المذكرة قد كتبت قبل عشرين عامًا من ميلاد «هرتزل»، فإن كل ملامح المشروع الصهيوني موجودة فيها، وخصوصًا فكرة توظيف وضع اليهود الشاذ داخل المجتمعات الغربية لخدمة هذه المجتمعات، وذلك عن طريق نقلهم ليصبحوا كتلة عضوية واحدة لا تخدم دولة غربية واحدة وإنما الغرب بأسره.
وفي عام ????، كتب «شافتسبري» مقالاً آخر يطرح فيه مرة أخرى أفكاره الصهيونية بدقة ووضوح بالغين، فقد أكد أن سوريا وفلسطين ستصبحان شديدتي الأهمية من الناحيتين الجغرافية والتجارية بعد فترة وجيزة. وبعد الحديث عن الأمجاد الغابرة القديمة، يتساءل «شافتسبري» فيقول: من تجار العالم بالدرجة الأولى؟ والسؤال مجرد سؤال خطابي، لكن الإجابة معروفة، ثم يستطرد: «إن فلسطين في حاجة إلى السكان ورأس المال، وبإمكان اليهود أن يعطوها الشيئين معًا، وإنجلترا لها مصلحة في استرجاعهم لأنها ستكون ضربة لإنجلترا إن وُضع منافسوها في سوريا. لكل هذا، يجب أن تحتفظ إنجلترا بسوريا لنفسها كما يجب أن تدافع عن قومية اليهود وتساعدهم حتى يعودوا فيكونوا بمنزلة الخميرة لأرضهم القديمة. إن إنجلترا أكبر قوة تجارية وبحرية في العالم، ولهذا فلابد لها أن تضطلع بدور توطين اليهود في فلسطين... وهذه ليست تجربة مصطنعة... إنها الطبيعة... إنه التاريخ».
ويلاحظ أن الديباجة الدينية هنا قد اختفت تمامًا وأن الديباجة الجغراسية (موازين القوى ـ الإمبراطورية ـ الموقع الجغرافى ـ الأهمية التجارية العسكرية) هي الأهم.
وقد قام «شافتسبري» بعدة محاولات لتحويل صهيونيته الفكرية إلى صهيونية سياسية، فتحدث مع «بالمرستون» عن استخدام اليهود كرأس حربة لبريطانيا في الشرق الأوسط. وكما أسلفنا حث «شافتسبري» لورد «بالمرستون» على أن يكتب للسفير البريطاني في استنبول عن فكرة الدولة اليهودية وقد أرسل خطابًا بهذا المعنى بالفعل. ثم فتح «بالمرستون» قنصلية في القدس (وهذه بداية الصهيونية الاستيطانية) بناء على إلحاحه على ضرورة مقاومة مصالح الدول الأخرى وحتى تجد بريطانيا من تحميه (فقد كانت فرنسا تحمي الكاثوليك وكانت روسيا تحمي الأرثوذكس). وعين «وليام ينج» قنصلاً لتقديم الحماية لليهود والطوائف المسيحية، وهكذا قدمت الحماية (أي التبعية لإنجلترا) لأي يهودي دون التثبت من أصله. وقد وافق الروس بين عامي ???? و???? على أن يقوم الإنجليز بحماية اليهود الروس، المادة البشرية التي ستستخدمها الصهيونية الغربية. وكما يقول «سوكولوف»، فإن حماية اليهود جزء من اهتمام إنجلترا السياسي بالمسألة الشرقية.

وبعد أن ترك «بالمرستون» الوزارة، استمر «شافتسبري» في نشاطه. وبدأ في وضع الأساس العملي لتحقيق حلمه في استرجاع اليهود إلى فلسطين تحت رعاية إنجلترا البروتستانتية، فساهم في جهود تأسيس أسقفية ألمانية إنجليزية تهدف إلى استرجاع اليهود. وقد اختير حاخام يهودي متنصر أسقفًا لها. وكان «شافتسبري» يعد هذا تتويجًا لجهود جمعية اليهود، ذلك أن تأسيس الأسقفية كان بمنزلة العلامة على ابتداء عودة اليهود.
وقد أصبح «شافتسبري» رئيسًا لصندوق استكشاف فلسطين. ورغم أنه يؤكد في كتاباته دائمًا أن روح العودة موجودة عند اليهود منذ ثلاثة آلاف عام، وأن الأمة اليهودية أمة عضوية تحن إلى وطنها ولابد أن تحصل عليه، فالملاحظ أن اليهود «الحقيقيين» الذين يقابلهم في الحياة تنقصهم الوحدة التي يفترض هو وجودها حسب رؤيته الإنجيلية الحرفية (أي أن رؤية الإنجيلية لا علاقة لها). وعلى كل، فإنه يذكر في أحد خطاباته إلى «بالمرستون» أن اليهود «غير متحمسين للمشروع الصهيوني، فالأغنياء سيرتابون فيه ويستسلمون لمخاوفهم، أما الفقراء فسيؤخرهم جمع المال في بلاد العالم، وسوف يفضل بعضهم مقعدًا في مجلس العموم في بريطانيا على مقعد تحت أشجار العنب والتين في فلسطين. وقد تكون هذه أحاسيس بعض الإسرائيليين الفرنسيين، أما يهود ألمانيا الكفار فيحتمل أن يرفضوا الاقتراح».
وعلى هذا، فقد اكتشف «شافتسبري» المشكلة الأساسية في الصيغة الصهيونية الأساسية وهي أن المادة البشرية المستهدفة لن تخضع بسهولة لأحلامه الإنجيلية الحرفية الاستيطانية ولن تقبل ببساطة أن يتم انتزاعها من أوطانها.
أما «أوليفانت» فهو «لورانس أوليفانت» (???? ـ ????)، وهو صهيوني غير يهودي ومفكر يستخدم ديباجات علمانية. وهو أحد أصدقاء لورد «شافتسبري السابع». عمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بعض الوقت (في الشئون الهندية)، كما كان عضوًا في البرلمان الإنجليزي. وينطلق «أوليفانت»، شأنه شأن معظم الصهاينة، من فكرة الشعب العضوي المنبوذ ليدور داخل نطاق الفكر الألفي الاسترجاعي، فاليهود جنس مستقل يتسم أعضاؤه بالذكاء في الأعمال التجارية وبالمقدرة على جمع المال، ولكن وجودهم داخل الحضارة الغربية أمر سلبي لأن جذورهم في فلسطين.
وكان «أوليفانت» (منطلقًا من الصيغة الصهيونية الأساسية) يرى، مثل كثير من السياسيين البريطانيين في عصره، ضرورة إنقاذ الدولة العثمانية من مشاكلها المستعصية حتى تقف حاجزًا ضد التوسع الروسي. ويمكن أن يتم ذلك عن طريق إدخال عنصر اقتصادي نشيط في جسدها المتهاوي ووجد أن اليهود هم هذا العنصر. ولذلك، دعا «أوليفانت» بريطانيا إلى تأييد مشروع توطين اليهود لا في فلسطين وحسب وإنما في الضفة الشرقية للأردن كذلك. وكان المشروع يتلخص في إنشاء شركة استيطانية لتوطين اليهود برعاية بريطانية وبتمويل من الخارج على أن يكون مركزها استنبول (وقد لاحظ «بن هالبرن» ـ وهو أحد مؤرخي الصهيونية المحدثين وأحد المؤيدين لها ـ أوجه الشبه بين هذه الخطة واقتراحات «هرتزل» فيما بعد).
وكانت صهيونية «أوليفانت» تتسم بالعملية والحركية إذ لم يكتف بطرح أفكاره، بل اتجه إلى فلسطين للبحث عن موقع مناسب للمستوطن المقترح، واختار منطقة شرق الأردن شمالي البحر الميت (وتسمى هذه المنطقة «جلعاد» في العهد القديم) ثم اتجه إلى استنبول مع إدوارد «كازالت» (الممول الإنجليزي) لعرض مشروع سكة حديد وادى الفرات، وقدما طلبًا إلى السلطان بإعطاء اليهود قطعة من الأرض بعرض ثلاثة كيلو مترات على حافتي الطريق المقترح.
وكانت تربط «أوليفانت» علاقة بعدد من الزعماء الصهاينة من اليهود في شرق أوربا مثل «بيرتس سمولنسكين» و«أهارون ديفيد جوردن». وقد حضر مؤتمر «فوكساني» في رومانيا، الذي عقد في ?? ديسمبر ???? لمناقشة هجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين. وكان لظهوره فعل السحر، وانتشرت آراؤه بشأن توطين اليهود في فلسطين بدلاً من الولايات المتحدة حيث كان اليهود يتهددهم الاندماج. وقام أعضاء جماعة «البيلو» بالاتصال به، وكتب له بعض أحباء صهيون يخبرونه بأن الخالق وحده هو الذي وضع في يده صولجان قيادة اليهود، وسموه «المخلص الماشيح» أو «قورش الثاني». ويبدو أنه لم يكن بعيدًا عن تأسيس جماعة «بيلو». وقد قام «أوليفانت» بطرح مشروع جماعة «البيلو» على السلطان العثماني للحصول على قطعة أرض في فلسطين، وحضر أحد مؤتمرات جماعة أحباء صهيون، كما عارض الجهود التي كانت تبذلها جماعة «الاليانس» لتهجير اليهود إلى الولايات المتحدة لإنقاذهم، وقام بجمع توقيعات من اليهود على عريضة يؤكدون فيها رغبتهم في الهجرة إلى فلسطين لا إلى غيرها من البلدان. وبالفعل، نجح «أوليفانت» في تهجير سبعين يهوديًا من أصحاب الحرف إلى فلسطين.
وفي عام ????، نشر «أوليفانت» كتابه أرض جلعاد الذي نادى فيه بضرورة توطين اليهود في فلسطين، كما شرح أبعاد فكره الصهيوني الذي أسلفنا الإشارة إليه. ومن القضايا الأساسية في الكتاب، مشروعه الخاص بسكان البلاد من العرب. فبعد أن عبر «أوليفانت» عن عدم تعاطفه مع العرب باعتبارهم مسئولين عن إفقار فلسطين، قسمهم إلى قسمين: بدو وفلاحين. واقترح طرد البدو ووضع الفلاحين في معسكرات مثل معسكرات الهنود في كندا، على أن يتم استخدامهم كمصدر للعمالة الرخيصة تحت إشراف اليهود. وقد ترجم «سوكولوف» الكتاب إلى العبرية عام ???? ووزع منه ?? ألف نسخة، وهو رقم قياسي بالنسبة إلى المنشورات العبرية في ذلك الوقت، بل يقال إنه كان أكثر الكتب المكتوبة بالعبرية شيوعًا. وقد عاد «أوليفانت» إلى فلسطين واستقر فيها مع سكرتيره اليهودي «نفتالي إمبر». وكان يهدف إلى مساعدة المستوطنين الصهاينة وإلى كتابة مجموعة من المقالات عن المستوطنات الصهيونية. وقد ألف بالفعل كتابًا آخر بعنوان حيفا أو الحياة في فلسطين الحديثة، ومات في هذه المدينة الفلسطينية عام ???? (أما سكرتيره الصهيوني اليهودي فلم ترق له الحياة في فلسطين وهاجر منها إلى الولايات المتحدة).
ولا يعبر «أوليفانت» عن كرهه للشعب العضوي المنبوذ ولا عن رغبته في التخلص منه عن طريق التشهير به أو التبشير بين أعضائه كما كان «شافتسبري» يفعل أحيانًا، وإنما عن طريق طرح مشروع متكامل للتهجير يتبناه اليهود بأنفسهم. كما أنه عمل على تخليص صهيونية غير اليهود من ديباجتها الدينية وإعطائها ديباجاتها العملية العلمية العلمانية، بحيث أصبح بالإمكان تداولها بين أكبر عدد ممكن من المسيحيين واليهود والعلمانيين. كما أن «أوليفانت» نجح في التمييز بين النزعات الصهيونية التوطينية الخيرية التي قام بها يهود الغرب المندمجون لإنقاذ يهود الشرق والتخلص منهم وبين الرؤية الصهيونية الاستيطانية التي لا تحاول إنقاذ اليهود كبشر وأفراد وإنما تنطلق من فكرة الشعب العضوي المنبوذ الذي لا مكان له في العالم الغربي ويمكن توظيفه وحوسلته لصالح الغرب عن طريق توطينه في فلسطين (وقد مر على «هرتزل» عدة سنوات وعلى يهود شرق أوربا عدة عقود قبل إدراك هذه الحقائق).
وتتميز صهيونية «أوليفانت» عن صهيونية «شافتسبري» باقترابها من اليهود ومحاولة التوجه إليهم وتجنيدهم. ولعل ظروف المرحلة قد ساعدته على ذلك باعتبار أن محاولات التحديث في شرق أوربا كانت في أربعينيات القرن، حينما بدأ «شافتسبري» نشاطه، لا تزال في بدايتها الناجحة ولم تكن قد تعثرت بعد، بينما بدأ أوليفانت نشاطه الصهيوني مع بدايات التعثر. وتجدر ملاحظة أن «أوليفانت» كان يتحرك في صفوف اليهود بألفة شديدة لم نشهدها من قبل بين الصهاينة غير اليهود. كما أن المشروع الصهيوني في كتاباته لم يكن مشروعاً محدداً يتناول كل التفاصيل والأبعاد بدقة بالغة.
تقييم إسهام صهيونية غير اليهود العلمانية
يمكن تلخيص إسهام صهيونية غير اليهود كما يلي:
? ـ تمت صياغة الفكرة الصهيونية بمعظم أبعادها وديباجاتها. ولذا، فعندما ظهر المفكرون الصهاينة من اليهود كانت الصياغات الأساسية جاهزة، وكذلك معظم الديباجات والمشاريع.
? ـ صهيونية غير اليهود ذات الديباجة المسيحية والرومانسية حولت فلسطين ومن عليها إلى مكان خارج التاريخ، فهي مجرد أرض ليس فيها أي أثر للتاريخ الحقيقي. وبالتالي، فقد أهدرت حقوق سكان فلسطين الفعليين، وأصبحت فلسطين في الوجدان الغربي مكانًا خاويًا ينتظر سكانه الأصليين.
? ـ خلقت صهيونية غير اليهود (الدينية والعلمانية) المناخ السياسي الملائم لرؤية الأهمية «الجغراسية» لفلسطين.
? ـ وضعت صهيونية غير اليهود الأساس للحل الاستعماري الغربي للمسألة اليهودية في شرق أوربا.
? ـ طرحت صهيونية غير اليهود تفسيراً حرفيًا لأحداث التاريخ وافترضت استمرارًا حيث لا استمرار. وقد أثر ذلك في رؤية اليهود لفلسطين وأسهم في تحويل المفاهيم اليهودية الدينية التقليدية (المجازية) إلى مفاهيم استيطانية استعمارية.
? ـ حينما ظهرت مشكلة المهاجرين اليهود من روسيا وبولندا ورومانيا في أواخر القرن التاسع عشر لم ينظر إليها باعتبارها مشكلة إنسانية تتطلب عملية التحديث السريعة، وإنما نظر إليها باعتبارها مشكلة شعب عضوي مختار أو كتلة بشرية مستقلة أو مادة بشرية فعالة يمكن توظيفها في عملية الخلاص المسيحية أو المشاريع التجارية والاستعمارية الغربية المختلفة.
? ـ ربطت صهيونية غير اليهود بين المسألتين الشرقية واليهودية وطرحت تصورًا مفاده أن إحدى المشكلتين يمكن حلها من خلال الأخرى.
ورغم كل هذه النشرات والمقالات والمذكرات، فإن ثمة إشكالية أساسية كامنة في صهيونية غير اليهود وهي أنها مهما بلغت من تحدد وتبلور وحدة فهي لا تكترث بيهودية اليهود، فما يهمها هو المصالح الإستراتيجية للعالم الغربي (المسيحي) والاعتبارات العملية والنتائج الملموسة. ولذا، كان الصهاينة من غير اليهود ينظرون إلى اليهود من الخارج كأداة تستخدم وحسب، وكانوا يتحركون في العالم الغربي لا داخل المحيط اليهودي، ولم يكن بوسعهم بالتالي الوصول إلى المادة البشرية المستهدفة التي كانت تنظر بكثير من الشك إلى عالم الأغيار الذي كان يحاول أن يقضي عليها في الماضي بالذبح، ويحاول الآن القضاء عليها بالإعتاق والعلمانية الشاملة.
ولنلاحظ ما يلي:
? ـ الفكرة الصهيونية حتى كأسطورة دينية/ سياسية لا تعود بجذورها إلى التراث الديني وإنما تعود إلى حركيات التاريخ والفكر الديني/العلماني الغربي.
? ـ تبلور الفكر الصهيوني على يد مفكرين استعماريين غير يهود قبل أن يصل إلى المفكرين الصهاينة بعشرات السنين. ولم يظهر الفكر الصهيوني بين أعضاء الجماعات اليهودية إلا في أواخر القرن التاسع عشر (بعد عام ???? على وجه التحديد، وهو التاريخ الذي أنهى المحاولات الرامية لدمج يهود روسيا في المجتمع الروسي) أي بعد مرور ما يقرب من قرنين من ظهوره بين المفكرين الصهاينة غير اليهود.
? ـ تنبع هذه الصهيونية الغربية الاستعمارية من كره عميق لليهودية واليهود.


الفصل السادس
الصهيونية وحملات الفرنجة
كما أشرنا من قبل، فإن ثمة نزعة «صهيونية» داخل الحضارة الغربية تعبِّر عن نفسها فيما أسميه «الوعود البلفورية»، وهي الوعود التي ترى ضرورة الاستيلاء على فلسطين وتوطين مادة بشرية فائضة فيها، لتخليص الغرب منها وتوظيفها، في موطنها الجديد، أي فلسطين، لصالح العالم الغربي. ورغم أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا المادة البشرية المستهدفة ابتداءً من القرن السابع عشر، فقد كان الفائض البشري المسيحي هو المستهدف قبل ذلك التاريخ. ومن هنا نذهب إلى أن حملات الفرنجة (التي يقال لها الحملات الصليبية) تنتمي إلى نمط صهيوني كامن في الحضارة الغربية.
و«الصليبيون» ترجمة لكلمة «كروسيدرز» (Crusaders) المشتقة من كلمة «كروس» (cross)، ومعناها «صليب». وهي عبارة تُستخدَم في الخطاب السياسي والتاريخي في الغرب للإشارة إلى الفرنجة الذين شنوا عدة حملات على العالم العربي والإسلامي من القرن الثاني عشر حتى القرن الثالث عشر، وقد تَبنَّى كثير من العرب المحدثين هذا المصطلح. ونحن نستخدم في هذا الفصل عبارة «حروب الفرنجة» للإشارة إلى الحملات الغربية التي جُرِّدت ضد الشرق الإسلامي لنهبه والتي شنها حكام أوربا الإقطاعية لاحتلال فلسطين إبان العصور الوسطى. وهي حروب كانت تساندها حركة سياسية واجتماعية ضخمة قادتها النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) ووجدت صدى عميقاً لدى الجماهير الشعبية التي انضمت إليها بأعداد ضخمة لم تضعها النخبة الحاكمة نفسها في الحسبان. ولم تكن المسيحية سوى ديباجة سطحية استخدمها الغزاة ولا علاقة لها بالرؤية المسيحية، فالنخبة الغازية لم تقبل بالمعايير الأخلاقية المسيحية ولا يمكن محاكمتهم من منظورها. وقد تبنى الغزاة الديباجات المسيحية حتى ينجحوا في تجنيد الجماهير ولتبرير حملاتهم الاستعمارية تبريراً نبيلاً، تماماً كما فعل الإنسان الأبيض فيما بعد لتبرير عملية النهب الاستعماري الذي قام بها، فأخبر جنوده أنهم يقومون بالنهب والسلب والقتل بسبب «عبء الرجل الأبيض ورسالته الحضارية». ونحن نذهب إلى أن حملات الفرنجة تنتمي إلى النمط الصهيوني الكامن في الحضارة الغربية.
ويرى د.سعيد عاشور أن الفرنجة، أو من يقال لهم «الصليبيون»، هم من جموع المسيحيين الغربيين الكاثوليك الذين خرجوا من بلادهم في شتى أنحاء الغرب الأوربي، واتخذوا الصليب شعاراً لهم لغزو ديار الإسلام، وبخاصة منطقة الشرق الأدنى وبلاد الشام حيث الأراضي المقدَّسة. ومعنى هذا أن المسيحيين الشرقيين من روم وأرمن وسريان وأقباط ونحوهم لا يدخلون في دائرة مصطلح «الصليبيين» لأن هؤلاء من أهل البلاد (وليسوا وافدين عليها من الخارج) ربطتهم بالأرض التي ينتمون إليها روابط أصلية جذرية ترجع إلى ما قبل الإسلام. وعاش معظمهم قبل الحركة الصليبية تحت مظلة الإسلام يتمتعون بما كفلته لهم هذه الديانة من حقوق ويؤدون ما فرضته عليهم من واجبات.
وتشير المصادر العربية المعاصرة إلى الصليبيين باعتبارهم «الفرنجة» أو «الفرنج». وهذا يعود إلى أن المكون البشري لهذه الحركة الاستيطانية الغربية لم يكن متجانساً عرْقياً، ورغم هذا فإن الفرنجة سكان بلاد الغال (غاليا) التي عرُفت فيما بعد باسم «فرنسا» كانوا أكثر إقبالاً من غيرهم على المشاركة في الحركة الاستيطانية. وتشير بعض المصادر اليهودية إلى الفرنجة بكلمة «إشكناز» وهي الكلمة التي استُخدمت فيما بعد للإشارة إلى يهود أوربا، خصوصاً ألمانيا وبولندا.
أسباب حروب الفرنجة
حروب الفرنجة جزء من المواجهة التاريخية العامة بين الحضارة الغربية وحضارة الشرق الأدنى والتي تعود بجذورها إلى بداية الحضارة الغربية نفسها حين وصلت شعوب البحر (الفلستيون) من كريت وبحر «إيجة» إلى ساحل مصر، ثم استقروا في ساحل أرض كنعان بعد أن صدهم المصريون. وحينما هيمن الفرس على الشرق الأدنى، أخذت المواجهة شكل اشتباك عسكري بينهم وبين المدن اليونانية التي صدت الغزو الفارسي. ثم قام «الإسكندر الأكبر» بغزو الشرق وأسس الإمبراطورية اليونانية التي انقسمت إلى ثلاث امبراطوريات بعد موته. كما هيمن الرومان بعد ذلك على معظم الشرق الأدنى القديم. وقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية)، والامبراطورية الغربية. ومع وصول الإسلام وقيامه بفتح المنطقة وتوحيدها، وتحويله البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة عربية إسلامية، انحسر نفوذ العالم الغربي وأصبح محصوراً داخل القارة الأوربية. بل إن الجيب البيزنطي المتبقي على أرض الشرق في آسيا الصغرى كان قد بدأ يقع تحت هجمات السلاجقة وهي الهجمات التي أدَّت في نهاية الأمر لسقوط الدولة البيزنطية، وكذلك «القسطنطينية»، على يد العثمانيين. وقد هُزم جيش بيزنطي بقيادة الإمبراطور «رومانوس» «ديجينيس» هزيمة ساحقة على يد السلاجقة بقيادة «ألب أرسلان» في «مانزيكريت» في أرمينيا. ثم استمر التوسع السلجوقي، فتم الاستيلاء على أنطاكية عام ????، الأمر الذي اضطر الإمبراطور «أليكسيوس كومنينوس» إلى أن يطلب العون من الغرب حيث لم يجد آذاناً صاغية وحسب بل شهية مفتوحة.
وتعود حروب الفرنجة إلى مركب من الأسباب المادية والمعنوية:
? ـ يُلاحَظ أن الاقتصاد الغربي بمعظم مؤسساته تساقط على أثر سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية وتردَّى إلى حالة من الاقتصاد البدائي والطبيعي. ولكنه بدأ يصحو من كبوته ابتداءً من القرن التاسع الميلادي، فشهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة شيئاً من الانتعاش الاقتصادي، وكانت هناك محاولات ترمي لزيادة الرقعة الزراعية عن طريق اجتثاث الأشجار وتسهيل حركة التجارة وتنظيم الأسواق الدولية والمحلية. وقد ساعدت تلك الحروب بدورها على هذا الانتعاش الأقتصادي، ذلك أن التاجر المسيحي تبع المقاتل الفرنجي بعد أن ترك كثيراً من خوفه من الطرق المجهولة وعاد بالسلع من الشرق بعد أن كان التاجر اليهودي يحتكر هذه العملية تقريباً من خلال شبكة الاتصالات الدولية اليهودية الخاصة به. كما أن الملوك والنبلاء والفرسان العائدين استعذبوا مذاق السلع الترفيهية الشرقية وهو ما كان يعني ظهور سوق لها في الغرب ونشاط للتجارة الدولية.
? ـ تزايد نفوذ المدن الإيطالية التجارية بخاصة «البندقية» و«جنوا» و«بيزا»، وأصبح لها أساطيلها التجارية الضخمة التي فكت الهيمنة الإسلامية على البحر الأبيض المتوسط. وقام «الجنويون» و«البيزيون» بطرد المسلمين من قواعدهم في جنوب إيطاليا وجزيرة «كورسيكا» في القرن العاشر الميلادي، وهيمنوا على غربي المتوسط في القرن الحادي عشر الميلادي. بل أولت المدن الإيطالية تأمين موطئ قدم لها على ساحل المتوسط ذاته، فعبأت كل من «جنوا» و«بيزا» أسطولاً هاجم تونس عام ????، واضطر أمين تونس بعدها إلى أن يفرج عن الأسرى المسيحيين وأن يدفع تعويضاً ويعفي التجار الجنويين والبيزيين من ضرائب الاستيراد. وكان لمدينة البندقية نشاطها أيضاً، فقد هيمنت على البحرين «الأدرياتيكي» و«الإيجي» في بداية القرن الحادي عشر الميلادي ووصلت إلى البحر الأسود. ولا شك في أن حروب الفرنجة ساهمت في العملية المتصاعدة الهادفة إلى فك الحصار الذي فرضه المسلمون على تجارة الشرق، وأعطت المدن الإيطالية موطئ قدم في مواقع مهمة من شرق المتوسط. وقد حصلت هذه المدن على امتيازات وتسهيلات تجارية ضخمة داخل الممالك الخاضعة للفرنجة في الشام وفلسطين.
? ـ يُلاحَظ أن أوربا شهدت تزايداً في عدد السكان مع نهاية القرن العاشر الميلادي واستمر التزايد حتى القرن الثالث عشر الميلادي وهو تزايد لم تواكبه بالضرورة زيادة في الرقعة الزراعية، ومن هنا بدأت السلطات الدنيوية في تحريم امتلاك اليهود للأراضي الزراعية وهو حظر طُبِّق على الكنائس والأديرة.
? ـ يدور النظام الإقطاعي الغربي حول نشاطين أساسيين: الزراعة والقتال. وكما بيَّنا، كان النظام الإقطاعي يواجه تَناقُص الرقعة المزروعة. ومن القواعد الأساسية في الإقطاع الغربي أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الضيعة، أما بقية إخوته فلم يكن أمام أىٍّ منهم فرصة سوى محاولة البحث عن وريثة غنية يقترن بها، أو أن ينخرط في سلك الكنيسة أو يتوجه إلى المهن الأخرى مثل القتال.
? ـ كان هناك ما يشبه المجاعة في غرب أوربا، وخصوصاً في فرنسا، من القرن العاشر حتى أواخر القرن الحادي عشر الميلاديين. وربما كانت هذه المجاعة وراء النشاط الأقتصادي الذي شهدته الفترة، وكذلك سوء حال الفلاحين والأقنان. وتُشكِّل الحروب والمشاريع الاستيطانية وسيلة تقليدية للتخلص من العناصر المشاغبة التي لا مكان لها في المجتمع (من نبلاء بلا أرض، إلى تجار يبحثون عن مزيد من الأرباح، وفلاحين جوعى ومجرمين ولصوص) وذلك حتى يحقق المجتمع الغازي استقراراً اجتماعياً داخلياً. ويبدو أن عدد الأطفال غير الشرعيين كان يتزايد في أوربا، وكانت حروب الفرنجة وسيلة للتخلص منهم، وقد أخذت إحدى الحملات التي خرجت من «أراجون» عام ???? اسم «حملة الأطفال غير الشرعيين».
? ـ تمتعت أوربا بشيء من الاستقرار السياسي، وتزايدت إمكاناتها ومقدرتها على تجريد حملات ضخمة كما بدا بوضوح مع الفتح النورماندي لإنجلترا وإيطاليا وصقلية في بدايات القرن الحادي عشـر، وقد تزايدت حدة حركة استرداد إسبانيا في القرن الحادي عشر الميلادي حين قام «ألفونسو السادس» (من ليون) بالاستيلاء على «طليطلة» عام ????. وابتداءً من القرن العاشر الميلادي، بدأ التوسع الألماني نحو الشرق والشمال وهي حركة لم تتوقف إلا في القرن الثالث عشر الميلادي.
? ـ حدث بَعْث ديني حقيقي في بداية القرن العاشر الميلادي. ويمكن القول بأن حروب الفرنجة تعود إلى ما يُسمَّى «الإصلاح الكلوني» وهي حركة إحياء دينية بدأت عام ??? في مدينة «كلوني» بفرنسا، وأكدت تَفوُّق سلطة الكنيسة على السلطة الدنيوية. وقد تزامنت حروب الفرنجة مع المجامع «اللاترانية» الأربعة في أعوام ???? و???? و???? و???? على التوالي. وهي المجامع التي بلورت موقف الكنيسة من عدة قضايا، منها تحريم الربا وتحديد وضع اليهود وكثير من علاقات الكنيسة بالسلطة الدنيوية. ولعبت الكنيسة دوراً أكثر نشاطاً في الحياة الدنيوية، وأخذت تؤكد نفسها بشكل أكثر جرأة. وقد أُعيدت صياغة البنية «الكهنوتية» وهو ما سمح للبابوات بأن يلعبوا دوراً أكثر فعالية. ووجدت الكنيسة في حروب الفرنجة فرصة مواتية لزيادة نفوذها وتسريب طاقة الأمراء والملوك القتالية إلى الشرق، ولتحقيق السلام والاستقرار في الغرب المسيحي. ومما له دلالته أن مجلس «كليرمون» (عام ????)، الذي اتخذ القرارات التي بدأت حملات الفرنجة على الشرق، جدد ما يُسمَّى «هدنة الرب» في الغرب! وقد وجدت الكنيسة الرومانية أن تجريد حملة تحت سلطتها، لمساعدة الدولة البيزنطية، قد يسرع بتحقيق حلم روما القديم بإخضاع الكنيسة البيزنطية.
? ـ شهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة تزايد حركة الحج. وكانت أهم المزارات «روما» حيث يُوجد ضريح لكلٍّ من «بطرس» «وبولس»، وكذلك ضريح «سنتياجو دي كومبو ستلا» في شمال غربي إسبانيا. ولكن أهم المزارات جميعاً كانت هي القدس حيث تضم كنيسة القيامة. ولم يكن الحج عملاً من أعمال التقوى وحسب، وإنما أصبح وسيلة للتكفير عن الذنوب. بل كان القساوسة يوصون، في بعض الأحيان، بالحج لمن يرون أنه اقترف إثماً فاحشاً. وكان الحجاج يرجعون بقصص عن مدى ثراء الشرق، كما أنهم كانوا يتحدثون أيضاً عن المتاعب التي تجشموها والأهوال التي لاقوها. ولا شك في أن حديثهم هذا كان له أساس من الصحة حيث إن المنطقة لم تكن تنعم بالهدوء أو الاستقرار، وخصوصاً أن السلاجقة كانوا قد بدأوا في شن هجومهم على الدولة البيزنطية. ولكن مما لا شك فيه أنه كان هناك عنصر مبالغة، فالعائدون كانوا يريدون إبراز بطولتهم وكان الوجدان الشعبي يتلقف هذه القصص ويضخمها، وخصوصاً أن المستوى الثقافي لجماهير أوربا آنذاك كان متدنياً إلى أقصى حد.
? ـ يبدو أن حركة استرداد إسبانيا من المسلمين، وتَفاعُل المسيحيين مع المسلمين إبان حرب الاسترداد، قد تركا أثرهما في الرؤية المسيحية للحرب، إذ تأثر العالم المسيحي بفكرة الجهاد الإسلامي، فبدا أن الحرب للدفاع عن المجتمع المسيحي، ولاسترداد القدس، ليست حرباً عادلة وحسب وإنما حرب مقدَّسة أيضاً. ويبدو أن نشوء جماعات من الرهبان المحاربين مثل فرسان الهيكل وفرسان الإسعاف (الداوية والإسبتارية) هو صدى لفكرة المرابطين الإسلامية.
?? ـ من الأفكار المسيحية الشعبية الراسخة، ما يُطلَق عليه العقائد أو الأحلام الألفية (انظر الفصل الرابع من هذا الباب)، وتتمثل هذه الأفكار في الإيمان بأن الدورة الكونية أو التاريخية تستغرق ألف عام في العادة، وأن عام ألف أي بداية القرن الحادي عشر الميلادي سيشهد نهاية العالم والتاريخ، كما سيشهد عودة المسيح. وقد سادت هاتان الفكرتان أوربا في العصور الوسطى، وهما من الأفكار التي ازدادت شيوعاً إبان تفاقم الأزمات الاجتماعية وازدياد البؤس بين الجماهير. ويقول العلماء إن تاريخ نهاية العالم لم يكن محدداً بهذه الدقة، وأن الأحلام الألفية استمرت خلال القرن الحادي عشر الميلادي كله وحتى بعد ذلك التاريخ. ومن الأساطير الألفية التي شاعت أن الإمبراطور الأخير سيكون هو ملك الفرنجة خليفة «شارلمان»، وأنه هو الذي سيقود المؤمنين إلى القدس لينتظر العودة الثانية للمسيح ليؤسس مملكة السلام والعدل ويحكم العالم من صهيون، أي القدس، وما القدس الدنيوية سوى رمز للقدس الأخروية!
?? ـ واجهت الكنيسة، ابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي، ظهور هرطقات في جنوب فرنسا، فظهر «الكاثاري» في بداية الأمر ثم تبعهم أصحاب «الهرطقة الألبيجينية». وهذه الجماعات كانت جماعات ثنوية تؤمن بوجود إلهين: إله الخير وإله الشر. وكان بعضهم يذهب، شأنه شأن «الغنوصيين»، إلى أن هذا العالم من خلق الإله الصانع (الشرير)، كما كانوا ينزعون منزعاً واحدياً روحياً ينكر أية حقيقة للمادة. وقد جردت الكنيسة أول حملة صليبية ضدهم عام ????، وتبع ذلك تأسيس محاكم التفتيش الرومانية (مقابل محاكم التفتيش الإسبانية) عام ????. ولا شك في أن إحساس الكنيسة بأنها مهددة ساهم في تصعيد حمى الحرب.
وقد استخدمنا كلمة «مركب» للإشارة إلى الأسباب التي أدَّت إلى حروب الفرنجة حتى لا نتوهم أن هناك بنية تحتية من الدوافع الاقتصادية والاجتماعية تغطيها قشرة من الأكاذيب أو التبريرات الدينية. فالنفس البشرية لا تتحرك بهذه الطريقة الآلية إذ تتداخل في عقل الإنسان أنبل الدوافع وأكثرها خسة في آن واحد، فالفلاح المسيحي الذي حمل صليبه وفأسه كان مدفوعاً برغبة دينية حقيقية، وإن كان هذا لا ينفي أيضاً وجود دوافع مادية. فقد كان يفعل ذلك، ليهرب من الفاقة والدَّيْن وكان في الوقت نفسه يحمل في وجدانه أحلام الثراء والخلاص.
وقد دعا البابا «إربان الثاني» (???? ـ ????)، وكان فرنسياً (أي من الفرنجة) لمجلس في «كليرمون» في ?? نوفمبر ????، حضره أساقفه من جنوب فرنسا، كما حضره آخرون من شمالها ومن أماكن أخرى. وألقى البابا خطاباً أشار فيه إلى بؤس الكنيسة البيزنطية، وتهديد الحجاج المسيحيين، وتدنيس الأماكن المقدَّسة. وحث هؤلاء الذين يعكرون السلام في الغرب على أن يوجهوا قواهم القتالية لخدمة غرض مقدَّس، كما أشار إلى إمكانات الحصول على الثروة من أرض تفيض باللبن والعسل، فصاح الجميع باللاتينية «ديوس وولت» (deus volt) أي «الله يريد ذلك». ثم تتالت الأحداث وجاء المتطوِّعون من كل أنحاء أوربا، ولكنهم جاءوا أساساً من الأراضي الفرنسية وشبه الفرنسية «اللورين» وجنوب إيطاليا وصقلية.
ومن الحقائق الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها ما نسميه تصاعُد «الحمَّى المشيحانية»، أي الرغبة في العودة إلي صهيون (أي فلسطين) والاستيلاء عليها وتحويلها إلى وطن قومي يهودي. إذ من المعروف أن الشريعة اليهودية تحرِّم على اليهود العودة إلى فلسطين وعلى اليهودي أن ينتظر بصبر وأناة إلى أن يشاء الإله ويرسل الماشيَّح، فيحق له حينئذ أن يعود. ويرى كثير من المؤرخين أن حمَّى العودة ورَفْض الانتظار بدأت بين اليهود بحملات الفرنجة ووصلت إلى قمتها مع الحركة الصهيونية التي حققت النجاح لأنها جندت النزعة الاستعمارية في المجتمع الغربي وتحالفت معها ووضعت نفسها تحت تصرفها. وما يهمنا هنا من الحركات المشيحانية حركة الماشيِّح الدجال (داود الرائي) المولود عام ???? إذ يبدو أن هجمات الفرنجة على فلسطين، والفوضى التي أعقبتها، طرحت إمكانية العودة وتحرير القدس في مخيلة بعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد تركزت دعوة داود الرائي هذا في آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية وممالك الفرنجة. ولعل شيئاً من ذكرى إمبراطورية الخزر وأمجادهم كان لا يزال عالقاً بذهن «داود الرائي» وأتباعه.
وقد تصاعدت الحمَّى المشيحانية مرة أخرى في القرن السادس عشر الميلادي إذ يبدو أن البابا «كلمينت السابع» (????) عاودته الأحلام الاستيطانية الاسترجاعية، وكان يتصوَّر أن بإمكانه دَعْم طريق الكنيسة مرة أخرى واستعادة شيء من نفوذها عن طريق تجريد حملة صليبية. وقد أدرك هذه الحقيقة ماشيَّح دجال آخر يُسمَّى «ديفيد رءوبيني»، فادعَّى أنه ابن ملك يُدعى سليمان وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم بعض الجماعات والقبائل اليهودية في خيبر بالقرب من المدينة المنورة. وقد أخبر «رءوبيني» البابا أن أخاه يتبعه ثلاثمائة ألف جندى مدربون على الحرب وأنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طرد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبالاً حسناً في بادئ الأمر، بل نجح في مقابلة ملك البرتغال وفي التأثير عليه. وفي تصوُّري أن هذه هي أول مرة يتحول فيها المشروع الصليبي للفرنجة إلى مشروع صهيوني وتقبل فيها المؤسسات الغربية استخدام المادة البشرية اليهودية المقاتلة بدلاً من المادة المسيحية.
التشابه بين حملات الفرنجة والمشروع الصهيوني
رغم أن حملات الفرنجة مرتبطة بالتشكيل الحضاري الغربي في العصر الوسيط، ورغم أن المادة البشرية المستهدفة من المسيحيين وليسوا اليهود، فقد ساهمت وبعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والعرب. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ عمق التشابه بين المشروع الفرنجي والمشروع الصهيوني الإسرائيلي، وهذا أمر متوقع لأن كليهما جزء من المواجهة المستمرة بين التشكيلين الحضاريين السائدين في الغرب والشرق العربي، كما أن حملات الفرنجة هي نقطة انطلاق أوربا نحو التوسع والإصرار على بسط سيطرتها على الخارج. والواقع أن حملات الفرنجة احتوت بذور كل أشكال «الإمبريالية» الأوربية التي حكمت فيما بعد حياة جميع شعوب العالم (على حد قول أحد مؤرخي حملات الفرنجة الغربيين). ولهذا، أصبحت حملات الفرنجة صورة مجازية أساسية في الخطاب الاستعماري الغربي، وأصبحت ديباجاتها هي نفسها ديباجة المشروع الاستعماري الغربي. وقد رأى كثير من المدافعين عن المشروع الصهيوني، من اليهود وغير اليهود، أنه استمرار وإحياء للمشروع الصليبي أي الفرنجي ومحاولة وَضعْه موضع التنفيذ من جديد في العصر الحديث. فقد ألَّف «سي. آر. كوندر» عام ????، وهو صهيوني غير يهودي ومؤسس «صندوق استكشاف فلسطين»، كتاباً عن تاريخ المملكة اللاتينية في القدس أشار فيه إلى أن «الإمبريالية» الغربية قد نجحت فيما أخفقت فيه الحملات الصليبية أي حملات الفرنجة. والواقع أن تصوُّره هذا يشبه في كثير من الوجوه تصوُّر الصحافة البريطانية وكذلك تصوَّر بعض أعضاء النخبة الحاكمة في بريطانيا بأن هجوم «أللنبى» على القدس يساوي حملة صليبية أخرى. وقد صرح «لويد جورج» رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، والذى أصدرت وزارته وعد «بلفور»، أن «أللنبى» شن وربح آخر الحملات الصليبية وأعظمها انتصاراً. ويمكننـا أن نقول إن المشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الفرنجي بعد أن تمت علمنته، وبعـد أن تم إحلال المادة البشرية اليهودية التي تم تحديثها وتطبيعها وتغريبها وعلمنتها محل المادة البشرية المسيحية.

وقد لاحَظ «روبرت برنارد سولومون»، وهو ضابط إنجليزي رأس الاتحاد الصهيوني البريطاني، أوجه التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في دراسة له نشرها في «جويش ريفيو» عام ???? تحت عنوان «مستعمرات القرن الثاني عشر في فلسطين» حيث أكد أن المشكلات التي واجهها المستوطنون الفرنجة ونجحوا في التغلب عليها تشبه من نواح كثيرة تلك المشكلات التي تواجه المستوطنين الصهاينة في فلسطين ثم أخذ في تعداد هذه النواحي. كما أشار إلى العوامل التي أدَّت إلى انهيار ممالك الفرنجة بعبارة «المؤثرات الشرقية التي أدَّت إلى الانحلال» ليحذر المستوطنين الجدد منها. وسنحاول حَصْر جوانب الشبه بين التجربتين الفرنجية والصهيونية، وتصنيفها تحت رؤوس موضوعات قد تكون متداخلة ولكنها مع هذا تيسر لنا عملية تقسيم هذه الأوجه والتعامل معها.
ولعل نقطة التشابه الأساسية ذات طابع جغراسي (أي جغرافي سياسي) ففلسطين هي النقطة المستهدفة في كل من المشروعين الفرنجي والصهيوني. ويبدو أن فلسطين مستهدفة دائماً من صناع الإمبراطوريات إذ أنها تُعَدُّ مفتاحاً أساسياً لآسيا وأفريقيا، وتُعدُّ معبراً على البحرين الأحمر والأبيض، وتقف على مشارف الطرق البرية التي تؤدي إلى العراق وإيران، وهي أيضاً معبر أساسي لشطري العالم الإسلامي. وفلسطين في واقع الأمر ليست سوى جزء من ساحل طويل يضم سوريا ومصر، يشكل فاصلاً بين البحر المتوسط في الغرب والمحيط الهندي في الشرق. ويُعد هذا الموقع، بالتالي، فاصلاً بين مراكز النشاط في أوربا الغربية والشرق الأقصى. كل هذا يبين تشابك المصير بين سوريا ومصر من جهة وفلسطين من جهة أخرى، وخصوصاً أن كثافة مصر السكانية جعلتها دائما المرشحة لقيادة المنطقة بأسرها في صراعها ضد الغزوات الغربية. ويلاحظ أن كلاً من المشروعين الفرنجي والصهيوني اكتشف أنه لحسم الصراع لصالحه، فلابد من ضرب مصر أو على الأقل تحييدها.
والواقع أن الغزاة الاستيطانيين عادةً ما يسلكون طريق البحر، ثم تستقر الجيوب الاستيطانية على الساحل أو تحتفظ بركيزتها الأساسية فيه كما حدث في جنوب أفريقيا والجزائر. وكذلك، فإن الغزوتين الفرنجية والصهيونية سلكتا الطريق البحري نفسه واحتلتا أجزاء من نفس الشريط البحري، وإن كان الشريط الذي احتله الفرنجة أكثر طولاً من الشريط الذي احتله الصهاينة.
أما من الناحية التاريخية، فيمكن القول بأن ثمة تشابهاً بين وَضْع العالمين العربي والإسلامي في القرن الحادي عشر ووضعهما في أواخر القرن التاسع عشر، فقد كانا في حالة انقسام وتراجع وتجزئة. فالخلافة الفاطمية في مصر كانت في حالة مواجهة مع الخلافة العباسية في العراق، وقد اقتسمتا فيما بينهما العالم الإسلامي وكان النظامان العباسي والفاطمي يعانيان من الصراعات الداخلية والمؤامرات. وهما، في هذا، يشبهان النظام السياسي العربي المعاصر، المتجزئ، المنقسم على نفسه، المتصارع مع ذاته.
والغزوتان الفرنجية والصهيونية تهدفان إلى حل بعض مشاكل المجتمع الغربي وتخفيف حدة تناقضاته. فالمجتمع الوسيط الغربي كان يخوض عملية بَعْث اقتصادي فتحت شهيته للاستيلاء على طرق التجارة المتجهة إلى الشرق. وهذا يشبه مع بعض الوجوه، وإن كان بدرجة أقل، انفتاح شهية رجل أوربا الشره في القرن التاسع عشر الميلادي الذي لم يهدأ له بال إلا بعد أن وقع العالم كله في قبضته. وقد استخدمت أوربا كلا المشروعين، الفرنجي والصهيوني، في التخلص مما أطلق عليه في القرن التاسع عشر الميلادي «الفائض البشري»، أي العناصر التي لم تستطع أن تحقق الحراك الاجتماعي داخل مجتمعاتها ولذا كانت تهدِّد السلام الاجتماعي ولم يكن هناك مفر من تصديرها للشرق حتى يحقق الغرب سلاماً اجتماعىاً داخلياً. فالمشروع الفرنجي كان يهدف أيضاً إلى تخليص أوربا من فائضها البشري الذي كان يهدد سلامها الاجتماعي حسب تصوُّر البعض على الأقل.
ومن نقط التشابه الأخرى أن المشروعين الفرنجي والصهيوني مشروعان استعماريان من النوع الاستيطاني الإحلالي. فالمشروع الفرنجي كان يهدف إلى تكوين جيوب بشرية غربية وممالك فرنجية تدين بالولاء الكامل للعالم الغربي. ولذا، لم تأت الجيوش وحسب، وإنما أتى معها العنصر البشري الغربي المسيحي ليحل محل العنصر البشري العربي الإسلامي. وهو في هذا لا يختلف عن المشروع الصهيوني إلا في بعض التفاصيل. فغزو فلسطين تم أولاً على يد القوات البريطانية، ثم حَضَر المستوطنون الصهاينة بعد ذلك بوصفهم عنصراً يقوم بالزراعة والقتال. وقد كانت المؤسسات الاقتصادية للفرنجة، مثلها مثل قرينتها الإسرائيلية، تتسم بطابع عسكري. كما أن التنظيم الاقتصادي التعاوني لم يكن مجهولاً لدى الفرنجة. ويمكن القول بأن دويلات الفرنجة، مثلها مثل الدولة الصهيونية، كانت ترسانات عسكرية في حالة تأهب دائم للدفاع عن النفس وللتوسع كلما سنحت لها الفرصة. ويُلاحَظ أن كلاً من ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية، بسبب طبيعتها الإحلالية، خلقت مشكلة لاجئين. كما يُلاحَظ أن هؤلاء اللاجئين تحوَّلوا إلى وقود جنَّد سكان المنطقة ضد الدولة القلعة.
ومن المعروف أن الكيانات الاستيطانية لا تفقد صلتها قط بالوطن الأم بل تعتمد عليه اعتماداً يكاد يكون كاملاً لأنها، بسبب تناقضها الجوهري مع البيئة المحلية التي تلفظها، تستمد مقومات الحياة من دعم عسكري ومالي وهوية ثقافية ومادة بشرية من وطنها الأصلي. وهذه سمة أساسية في الكيانين الفرنجي والصهيوني، مع تنويعات فرعية تنصرف إلى التفاصيل لا الجوهر. فمثلاً اعتمدت ممالك الفرنجة على كل أوربا كمصدر للدعم، ولكن اعتمادها كان على فرنسا بالدرجة الأولى. وكذلك، فإن الدولة الصهيونية التي اعتبرت أوربا قاعدتها الاستراتيجية واعتمدت على معظم دول العالم الغربي الرأسمالي مع التركيز على بلد واحد هو إنجلترا ثم فرنسا لفترة قصيرة وأخيراً الولايات المتحدة منذ منتصف الستينيات. ومع سقوط الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي تطرح الدولة الصهيونية نفسها باعتبارها قاعدة للحضارة الغربية كلها في مواجهة العالم الإسلامي. ويشير أحد الدارسين الإسرائيليين إلى أنه كان هناك جباية فرنجية موحدة تماماً مثل الجباية اليهودية الموحَّدة.
وقد جاءت المادة البشرية لكلا المشروعين من العالم الغربي. ولكنهما، مع هذا، لم يحققا التجانس العرْقي المطلوب لتحقيق شيء من التوازن داخل التجمُّع الاستيطاني، فتولدت درجة عالية من التوتر. فممالك الفرنجة كانت تضم في باديء الأمر عنصراً فرنسياً غالباً بالإضافة إلى عنصر إيطالي انقسم بدوره إلى جنوي وبندقي نسبة إلى جنوة والبندقية. ولكن عناصر أخرى انضمت إلى هذين العنصرين، مثل: الأرمن وبعض العناصر المسيحية المحلية والمسلمين الذين تنصروا. كما أن ممالك الفرنجة نفسها استوعبت، بمرور الزمن، العناصر الثقافية من البيئة المحلية. ولكن، ومع هذا، يمكن القول بأن ممالك الفرنجة احتفظت بقدر من التجانس أعلى كثيراً مما حققه الكيان الصهيوني. فهذه الممالك ظلت فرنجية (فرنسية)، كما أن أعضاء النخبة الحاكمة التي كانت عناصرها الأساسية من الفرنجة ظلت متماسكة، وكذلك كانت الهوية الثقافية مستمدة من فرنسا. ويلاحظ أن أوربا في ذلك الوقت لم تكن قد انقسمت بعد إلى كيانات قومية لكل منها لغتها، وكانت اللاتينية لغة العبادة والفكر. وكان التشكيل الحضاري يتمتع بشيء من الوحدة الثقافية، على الأقل، بالقياس إلى فترة التفتت القومي التي بدأت بعصر النهضة.
وقد حاول التجمع الصهيوني أن يحتفظ بهوية «إشكنازية» متجانسة تستند إلى تجربة شرق أوربا. ولكن أوربا، في القرن التاسع عشر الميلادي، كانت ذات تشكيل حضاري مقسم إلى كيانات قومية مختلفة تتحدث لغات مختلفة، فجاء يهود من المجر ورومانيا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا، كلٌّ يتحدث لغته. وجاء من شرق أوربا نفسها أنواع غير متجانسة، فثمة يهود جاءوا من بولندا يتحدثون البولندية، وآخرون جاءوا من رومانيا يتحدثون الرومانية، ومن روسيا جاء من يتحدث الروسية إلى جانب الأغلبية التي تتحدث «اليديشية». كما كان النسق الديني اليهودي في حالة تفتُّت وتراجُع ومن ثم نجد أن هناك يهوداً «أرثوذكس» ويهوداً إصلاحيين أو محافظين أو «قرّائين»... إلخ. ثم اجتاحت التجمع الصهيوني الكثافة السكانية الوافدة من العالمين العربي والإسلامي التي غيَّرت بنيته السكانية وتوجُّهه الثقافي بحيث أصبحت أغلبية العنصر اليهودي شرقية تحكمها أقلية «إشكنازية». ولكن الدولة الصهيونية تحاول مع هذا أن تحتفظ بالتوجه «الإشكنازى» للمجتمع، إذ يتضح هذا في تشجيع الهجرة من الاتحاد السوفيتي وفي المناخ الثقافي الذي تفرضه المؤسسة الحاكمة، وهذا الوضع يُولِّد الكثير من التوتر.
وقد لاحظ الكاتب يوري أفنيري، عضو الكنيست السابق، أن كلاً من التجمعين الفرنجي والصهيوني تكوَّن من ثلاث طبقات ذات طابع عرْقى: الطبقة الحاكمة من المسيحيين الغربيين في دويلات الفرنجة يقابلها اليهود «الإشكناز» في الدولة الصهيونية. ثم يأتي في المرتبة الثانية مواطنو الدرجة الثانية من المسيحيين الشرقيين في دويلات الفرنجة يقابلهم اليهود الشرقيون في الدولة الصهيونية. وأخيراً يأتي مواطنو الدرجة الثالثة وهم المسلمون واليهود وبعض المسيحيين العرب في دويلات الفرنجة، والمسلمون والمسيحيون العرب في الدولة الصهيونية.
والمجتمع الاستيطاني مجتمع مزروع أو مشتول في العادة، فهو يأخذ شكل الدولة الجيتو أو الدولة القلعة. ونشير له الآن بأنه الدولة الشتتل. والشتتل هي المدن الصغيرة التي أسسها النبلاء البولنديون (شلاختا) في أوكرانيا لأعضاء الجماعات اليهودية ليقوموا بدورهم الذي أوكل إليهم في جمع الضرائب والإيجارات والإشراف على إدارة ضياع هؤلاء النبلاء حيث كانت تحميهم القوة العسكرية البولندية. وهذا المجتمع منعزل عن بيئته وينصرف جزء كبير من نشاطه إلى عملية القتال ضد السكان المحليين. وهذه مسألة ليست عرضية وإنما هي مسألة جوهرية وتنبع من الوظيفة نفسها. والعالم الغربي يزود الجيوب الاستيطانية بالعون ومقومات الحياة حتى تظل ركيزة لنشاطاته الإمبريالية والتوسعية. وينطبق هذا الوضع على الجيبين الفرنجي والصهيوني، وإن كان يبدو أن الدعم الغربي للجيب الصهيوني يفوق الدعم الغربي للجيب الفرنجي. ولعل هذا يعود إلى أن الغرب أدرك وظيفة الجيب الصهيوني كاستثمار استراتيجي يأتي بعائد اقتصادي غير مباشر عن طريق تهدئة المنطقة وليس كاستثمار اقتصادي يأتي بعائد اقتصادي مباشر. وربما لم تكن لدى أوربا في العصور الوسطى الرؤية الإستراتيجية الشاملة التي يمتلكها الغرب في الوقت الحاضر.
ويبدو أن أزمة التجمُّع الفرنجي لا تختلف عن أزمة التجمع الصهيوني. فيُلاحَظ أن الكيان الفرنجي كان يعاني من أزمة سكانية لا تختلف كثيراً عن أزمة المستوطن الصهيوني، وذلك نظراً لانخفاض عدد سكان أوربا عام ???? بعد انتهاء فترة تزايد السكان، الأمر الذي أدَّى إلى عدم مجيء المزيد من المادة البشرية، كما كان الكيان الفرنجي يعاني من تناقص نسبة المواليد. وكان كثير من الأراضي التي ضمها الفرنجة يزرعها سكانها الأصليون العرب. بل إن بعض الأقنان الذين جاءوا مع حملات الفرنجة اشتغلوا بأعمال أخرى غير الزراعة، نظراً لعدم درايتهم بالتربة وربما لتفتُّح فرص اقتصادية أخرى بحيث أمكنهم العمل في التجارة. ويشبه هذا زحف العرب التدريجي على الزراعة داخل المُستوطَن الصهيوني وضمن ذلك «الكيبوتسات»، وتحوُّل المستوطنين الصهاينة إلى مهام أخرى غير الزراعة.
ولا تنحصر نقاط التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في الظروف الاجتماعية والجغرافية المحيطة بكل منهما، ولا في بنية الكيانين فقط، وإنما تمتد نقاط التشابه هذه لتضم الديباجات والقصد. فقد قُدِّمت تبريرات للمشروعين وتم الدفاع عنهما عن طريق ديباجات دينية تستخدم الرموز الدينية وتوظفها في عملية التعبئة العسكرية. والرموز الدينية المستخدمة هي في واقع الأمر رموز عرْقية أو إثنية أو قومية رغم طلائها الديني اللامع. ويتبدَّى هذا في واقع أنه لا حملات الفرنجة ولا الحملة الصهيونية تحتكم إلى القيم الأخلاقية المسيحية أو اليهودية، ولا يوجد لدى أىٍّ منهما استعداد لأن يُقيِّم سلوك المقاتلين التابعين لها من منظور مسيحي أو يهودي. فلم يكن الصليب في الحروف التي يُقال لها «صليبية» رمزاً للنسق الديني المسيحي وإنما كان رمزاً للهوية الإثنية الغربية المغرقة في الدنيوية، كما أن نجمة «داود» كان يستخدمها الصهاينة الذين لا يعرفون إلا القليل عن الدين اليهودي والذين لا علاقة لهم بالنسق الديني اليهودي. فالحملات التي يُقال لها «صليبية»، أو تلك التي يُقال لها «صهيونىة»، هي إذن تعبير عن قوى غير دينية استولت على الرموز الدينية ووظفتها مثلما استولت فيما بعد على الأراضي وقتلت أصحابها.
ومن هنا كانت عنصرية الديباجات الصليبية والصهيونية. ومن هنا أيضاً كان تمييزها الحاد بين البشر وتقسيمهم إلى أدنى وأعلى، أو حاضر وغائب، أو فئة لها كل الحقوق وفئة لا حقوق لها على الإطلاق...إلخ. وهذا مختلف تماماً عن إيمان الديانات التوحيدية الثلاث بالمساواة بين البشر والتي تصدُر عن الإيمان بأننا نولد جميعاً من آدم وآدم من تراب.
ويُلاحَظ أن ديباجات الفرنجة والصهاينة ترى غزو فلسطين في إطار فكرة أن الغزاة شعب مقدّس أو مختار. وكان يسيطر على كل من الفرنجة والصهاينة تفكير نخبوي يجعل زعماءهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم طلائع شعوبهم التي ستحمل السلاح لتخلِّص الأرض المقدَّسة، وأن هذه الحملة العسكرية إن هي إلا خروج ثان يشبه خروج العبرانيين من مصر إلى كنعان. وقد ارتبطت الديباجات في كلا المشروعين بالأحلام الألفية في استرجاع فلسطين بعد عودة المسيح أو تمهيداً لعودته.
فرسان الهيكل
سبق القول إن المسيحيين كانوا المادة البشرية المستهدفة للمشروع الصهيوني الغربي حتى القرن السابع عشر، وبعد ذلك أصبحت هذه المادة المستهدفة هي أعضاء الجماعات اليهودية. ولكن مع هذا هناك محاولة لتحقيق المشروع الصهيوني من خلال المادة البشرية المسيحية، وهي محاولة ما يسمى «فرسان الهيكل». ونحن نتناول هذه المحاولة الصليبية/الصهيونية لنبيّن أن «الصهيونية» نمط كامن في الحضارة الغربية.
و«فرسان الهيكل» جمعية استيطانية صهيونية ذات ديباجة مسيحية. واشتقت الجمعية اسمها من جماعة «فرسان الهيكل» الأولى، وهم جماعة من الفرسان الرهبان ظهروا في فلسطين عام ???? بعد وصول حملات الفرنجة لأرض الشام بما لا يزيد عن عشرين عامًا، وكونوا جماعة وظيفية قتالية استيطانية في العالم الإسلامي، وجماعة وظيفية مالية وسيطة في العالم الغربي. وقد كانت العلاقة بين العالم المسيحي في العصور الوسطى وجماعة «فرسان الهيكل» علاقة نفعية. وقد دخل الفرسان صراعًا مع كل من الكنيسة والسلطة الزمنية، لكن كلاً منهما تحمل استقلالية الفرسان على مضض طالما كانت ثمة وظيفة لهم. وبانتفاء الغرض الذي قامت من أجله جماعة «فرسان الهيكل»، ومع فقدانها وظيفتها بعد سقوط عكا في يد المسلمين عام ????، لم يعد هناك مجال للاستمرار في العلاقة فهجمت السلطة الزمنية (بتشجيع من الكنيسة) على الفرسان واتهمتهم بالهرطقة وقامت بتعذيبهم ومصادرة أموالهم وتشريدهم وقتل رئيسهم «جاك دي مولاى» عام ???? بأمر من «فيليب الجميل» ملك فرنسا، وبمباركة من البابا «كلمنت الخامس»، واستولى «فيليب الجميل» على ثروة «فرسان الهيكل» وتمكن من إضعاف سلطة النبلاء وتقوية الدولة.
وتعود جمعية «فرسان الهيكل» الحديثة إلى حركة الأتقياء التي ظهرت في ألمانيا في القرن السابع عشر كحركة إصلاحية في الكنيسة «الإنجيلية» أكدت دراسة الكتاب المقدس وأكدت الإلهام الديني المباشر والذاتي. وقد استمرت هذه الحركة حتى القرن ?? وتركزت حول «تيوزوفن بنجل» الذي بشر بقيام مملكة الرب وعودة المسيح إلى الأرض في أعقاب كوارث مريعة سببها الابتعاد عن الروح المسيحية. وتوقع بنجل عودة المسيح عام ???? بعد ظهور المسيح الدجال متمثلاً في شخص «نابليون بونابرت». وعندما حلت مجاعة بمملكة «فورتمبرج» عام ????، دعا «بنجل» أتباعه إلى الهجرة إلى الشرق، فهاجر آلاف الفلاحين من هذه المملكة إلى جنوب روسيا حيث رحب بهم قيصر روسيا «ألكسندر الأول».
وقد رأت مملكة «فورتمبرج» في هجرة مواطنيها خطرًا يتهددها، ولذا لجأت إلى إنشاء جمعيات خاصة للمتدينين ذات استقلال ذاتي. وكانت أولى تلك الجمعيات تحت رئاسة «جوتليب هوفمان» والد «كريستوف هوفمان» مؤسس جمعية الهيكل الألماني، الذي وجد أن ازدياد نفوذ الاتجاهات الليبرالية والثورية في البرلمان القائم في «فرانكفورت» دليل قاطع على سيطرة الاتجاهات الشيطانية بسبب فشل الكنيسة «الإنجيلية» في رسالتها. ولذا دعا «هوفمان» إلى إقامة كنيسة جديدة مستقلة، وساعده في هذا صديقاه «جورج ديفيد هارديج» و«عمانويل باولوس».
ومع اندلاع حرب القرم عام ????، أطلت الأحلام الصليبية/الصهيونية برأسها، إذ اعتقد ««هوفمان» أن الوقت قد حان لإقامة مملكة الرب وسلخ أرض الميعاد في فلسطين عن الإمبراطورية العثمانية المتداعية وجعلها موطنًا لشعب الله المختار تنفيذًا للوعود التوراتية. وقد فسر «هوفمان» هذه الوعود بأنها ليست لليهود ولكن للشعب المسيحي الإنجيلي.
ومن ثم، شكل «هوفمان» جمعية تحت اسم «أصدقاء القدس» عام ???? دعت إلى اتخاذ الوسائل والتدابير لوضع مشروعه موضع التنفيذ. وطرح «هارديج» فكرة السعي لدى البرلمان الألماني في «فرانكفورت» من أجل التأثير على السلطان العثماني للسماح للألمان باستيطان فلسطين واستعمارها من أجل إيجاد عمل للمتعطلين من الألمان، وكان شعاره هو «ينبغي إيجاد عمل للشعب الألماني» (أي أنه اكتشف الحل الاستعماري لمشاكل أوربا، وهو تصديرها للشرق). وقد تبنت الجمعية اقتراح «هارديج» بالإجماع.
وبناء على ذلك، كتب «هوفمان» مشروع دستور للجمعية الجديدة أسماه «مشروع دستور شعب الله» وسميت الجمعية «جمعية تجميع شعب الإله في القدس». ثم قام «هوفمان» «وهارديج» برحلات عديدة في أوربا للدعوة لهذه الجمعية حيث لاقت دعوتهم بعض القبول وتبرعت بعض الأسر الثرية بالأموال لشراء الأراضي لتكون مواضع لتجميع شعب الإله قبل الانطلاق لاستعمار فلسطين. وقد أدت المجاعة التي أصابت «فورتمبرج» إلى انضمام العديد من الأنصار إلى الجمعية. ومع انتهاء حرب القرم عام ???? وعدم انهيار الإمبراطورية العثمانية كما توقع «هوفمان»، شنت الكنيسة «الإنجيلية» حملة شديدة على الجمعية، الأمر الذي أدى إلى تقلص عدد أعضائها تدريجيًا.
وقد دخل «هوفمان» وأنصاره، نتيجة هذا الهجوم الشرس، معركة كبرى مع الكنيسة «الإنجيلية»، وهو ما أدى إلى طردهم منها عام ????. ولهذا، فقد أنشأوا طائفة دينية خاصة بهم دعاها «هوفمان» «الهيكل الروحي». وقد أدى انشقاق الجماعة إلى اشتداد الحملة الكنسية عليها الأمر الذي أدى إلى انفضاض الأتباع عنها لكنها استطاعت أن تستمر وتحافظ على كينونتها، بفضل وجود أتباع كثيرين لها بين المهاجرين الألمان في أمريكا الشمالية وجنوب روسيا.

وقد أعيد تنظيم الجماعة عام ???? تحت اسم «جماعة الهيكل الألمانية» وكان شعارها «من أجل تجديد الحياة الدينية والاجتماعية لشعب الإله». وكان من الطبيعي أن تتم عملية التجديد هذه من خلال صيغة صهيونية واضحة: خروج الشعب المختار، أو البقية الصالحة، من أرض السبي والمنفي (أوربا التي تسودها الآثام الأخلاقية والبطالة) ـ دخول أرض الميعاد أو صهيون (استعمار فلسطين) ـ قيام مجتمع مثالي (صهيوني) يتسم بصفتين: أن يكون طابعه ألمانيًا فاقعًا وسميت إحدى المستعمرات «فالهالا»، أي قاعة الآلهة «التيوتون» التي يقيمون فيها الولائم بعد أن يقضوا يومهم في الحرب والقتال. كما سميت مستوطنة أخرى «فيلهلما»، أي «الوليامية» (نسبة إلى فلهلم أو وليام قيصر ألمانيا). وقد تقرر أن يتسم المجتمع المثالي الجديد أيضًا بأنه مستقل عن المحيط العربي، فيكون مجتمعًا صهيونيًا استيطانيًا وربما إحلاليًا غير يهودي. وسيقوم المجتمع الجديد بتمثيل مصالح ألمانيا في الشرق، وستقوم هي بحمايته، أي أن المجتمع الجديد دولة وظيفية.
وقد أنشأت الجمعية علاقات وثيقة مع جمعيات صهيونية غير يهودية مماثلة في أوربا بغرض استعمار فلسطين، ومن أهمها العلاقة بين «هارديج» «وهنرى دوتان» السويسري مؤسس الصليب الأحمر والذى أسس جمعية تحت اسم «جمعية العمل الدولي من أجل تجديد فلسطين» وكانت تدعو إلى هيمنة المسيحيين (أي الاستعمار الغربي) على فلسطين عن طريق الاستيطان السلمي (أي التسلل). ولهذا، فقد سعى «دوتان» لدى السفير العثماني في باريس (جمال باشا) ولدى الوزير الفرنسي المفوض في استنبول (المسيو بوريه) من أجل الضغط على الباب العالي للسماح للمستعمرين الألمان من جمعية فرسان الهيكل بشراء الأراضي في فلسطين والاستقرار بها. وقد أدت ضغوط «دوتان» إلى موافقة الباب العالي على هذا عام ????، وقام «دوتان» بإبلاغ «هارديج» بهذا الانتصار. ومن ثم، سافر «هوفمان» «وهارديج» مع أسرتيهما إلى فلسطين والتقيا في الطريق مع العديد من الدبلوماسيين الأوربيين الذين زودوهما بنصائح عن كيفية التعامل مع الباب العالي وبينوا لهما ضرورة عدم التجنس بالجنسية العثمانية حتى يتمتعوا بالحماية الأوربية (كما فعل المستوطنون الصهاينة اليهود بعدهم). وكان أحد الأسباب التي شجعت «هوفمان» «وهارديج» على البدء بمشروعهما الاستيطاني هو القانون العثماني الذي صدر في ???? مبيحًا للأجانب حق تملك الأرض في المدن والريف في الولايات العثمانية كافة.
وعند الوصول إلى حيفا عام ????، قام «هوفمان» «وهارديج» بالتحايل على رفض الباب العالي الموافقة لهما على شراء الأراضي في حيفا عن طريق وسيط عثماني، وبدأ عام ???? في بناء أول مستعمرة ألمانية في فلسطين من البحر حتى سفح جبل الكرمل (افتتحت رسميًا عام ????). وقد حرص هوفمان وأتباعه على بناء المستعمرة على النسق الأوربي مع المحافظة على علاقتهم بالوطن الأم في ألمانيا. وقد نمت تلك المستعمرة حتى وصل عدد سكانها عام ???? إلى ??? نسمة. وقد أنشأ «فرسان الهيكل» الألمان مستعمرات أخرى مثل: مستعمرة يافا (????) ومستعمرة «سارونا» على طريق تل أبيب ـ يافا (????)، ومستعمرة «ريفايم» (????) التي صارت مقر إدارة الجمعية (????)، ومستعرة «فالهالا» (????)، ومستعمرة «فيلهلما» (????).
وقد كان نشاط المستعمرات زراعيًا بالدرجة الأولى في بداية الأمر، ولكن المستوطنين اتجهوا بالتدريج نحو التجارة والصناعة وانصرفوا عن الزراعة، فأنشأوا العديد من الورش والمعامل حتى أصبحوا محور الحياة الاقتصادية في حيفا وأدخلوا أنشطة ثقافية متعددة مثل الأمسيات الموسيقية والمسرح والنوادي الرياضية وأوجه الثقافة الأوربية كافة.
وكانت علاقة المستوطنات بالوطن الأم علاقة شد وجذب. وثمة عوامل كانت تضغط على ألمانيا باتجاه تقديم العون للمستعمرين الألمان في فلسطين: الرأي العام الألماني، والبلاط القيصري، ووزارة خارجية «فورتمبرج»، والبحرية الألمانية. ولكن العوامل الأقوى هنا هي التي أدت إلى ابتعاد الوطن الأم عن المستوطنات. فمصالح الوطن الأم عادة ما تكون ذات نطاق عالمي، فمسرح نشاطها هو العالم بأسره أما المستوطنات فتدور في إطار مصالحها الضيقة المباشرة. فمع عام ????، وبعد تحقق الوحدة الألمانية التي تلت انتصار ألمانيا على فرنسا، تحولت ألمانيا إلى دولة عظمى في أوربا وبدأ الاهتمام بالحصول على مستعمرات أفريقية، واتجهت السياسية الألمانية إلى التحالف مع العثمانيين في مواجهة الإنجليز والروس، ولذا لم تحاول ألمانيا دعم فرسان الهيكل كثيرًا. ومن ثم، أخذت الدعوة للهجرة من ألمانيا تتوقف، وخصوصًا بعد تحسن الأحوال الاقتصادية في ألمانيا نفسها، وانتهت تمامًا بحلول عام ????. وقد أدرك المستوطنون هذا وتوقفوا عن السعي لتحقيق غايتهم المنشودة وهي تجميع شعب الإله في القدس وإقامة مملكة الرب. وتركز اهتمامهم على تحسين أحوالهم المعيشية.

ودبت الخلافات بين المؤسسين حتى انفصل «هارديج» عام ???? وشكل «رابطة الهيكل». وكانت العلاقة بين المستوطنين والسكان العرب متوترة (كما هو الحال دائمًا بين أي مستوطنين غربيين وأصحاب الأرض الأصليين). وقد حدثت مشادة بين عربي ومستوطن ألماني، فقتل المستوطن العربي، فانتقم أهله له، فنشبت معركة حادة بين الفريقين. الأمر الذي دعا المستوطنين إلى طلب حماية ألمانيا (الدولة الاستعمارية الراعية) التي سارعت بإرسال بارجة حربية لشواطيء فلسطين في سابقة لم تحدث من قبل.
ولكن التوتر بين المستوطنين والسكان الأصليين أدى إلى مزيد من تقليص الدعم الألماني للمستوطنين، وذلك نظرًا لأن ألمانيا كانت تود تحسين علاقاتها مع الباب العالي. وقد صدرت تعليمات مشددة من الخارجية الألمانية باعتبار المستوطنين ليسوا ألمانًا، ما لم يرسلوا أبناءهم لأداء الخدمة العسكرية. وبعدئذ، حاول المستوطنون الألمان، أكثر من مرة، لفت نظر الحكومة الألمانية إلى أهمية فلسطين وإلى الضرر الذي قد يلحق بألمانيا إن وقعت فلسطين تحت السيطرة الفرنسية، بيد أن موقف الحكومة الألمانية كان مخيبًا لآمال المستوطنين. وقد اتخذت جماعة «فرسان الهيكل» موقفًا معاديًا من المستوطنين اليهود لاعتبارات عدة دينية وسياسية واقتصادية. فمن الناحية الدينية، رفض «هوفمان» اعتبار اليهود شعب الإله لأنهم غارقون في الدنس، ومن الناحية الاقتصادية اعتبرهم «فرسان الهيكل» منافسين خطرين، ومن الناحية السياسية خشى «فرسان الهيكل» من سيطرة اليهود على مقدرات الحياة في فلسطين لحسن تنظيمهم وقدراتهم المالية.
وفي المقابل، استفاد الصهاينة من تجربة «فرسان الهيكل» في كيفية بناء المستوطنات والتنظيم على النسق الأوربي، وطالبتهم الجرائد الصهيونية باتخاذ موقف متسامح ومتفهم للمصالح المشتركة بين اليهود والألمان. وقد ساعد على تحسن العلاقة، ولو لفترة قصيرة جدًا، أن الحركة الصهيونية قبل وعد «بلفور» كانت تتطور في ألمانيا. والتزم فرسان الهيكل بالسياسة الألمانية الرسمية في دعم الصهاينة في محاولة منهم للتقرب من الحكومة الألمانية. ولكن الحرب العالمية الأولى جاءت واتجه الصهاينة إلى الحلفاء ضد دول الوسط، وبعدئذ سقطت فلسطين في أيدي الإنجليز لتنهي كل علاقة طيبة بين «فرسان الهيكل» والصهاينة، بل لتنهي المستعمرات الألمانية في فلسطين. ومن الأمور التي قد تكون طريفة ودالة في آن واحد أن بقايا «فرسان الهيكل» قد أصبحوا نواة الحزب النازي في فلسطين في الثلاثينيات واختفوا تمامًا مع سقوط النازية.
ومن الأمور التي تستحق التأمل التشابه الكامل بين الصهيونيتين رغم اختلاف الشخصيات التي قامت بتنفيذ كل منهما: ففرسان الهيكل «مسيحيون» والصهاينة «يهود». ولعل هذا يعود إلى أن إشكالية الصهيونية هي إشكالية كامنة على المستوى الحضاري والمعرفي في الحضارة الغربية، ولذا فهي نموذج نهائي قادر على التهام أشكال الخطاب الديني المختلفة (يهوديًا كان أم مسيحيًا) لتعيد إنتاجه على هيئة مشروع لا ديني يستخدم ديباجات دينية. ويمكن تلخيص نقط التشابه فيما يلي:
? ـ يدور «فرسان الهيكل» داخل الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة: خروج من أوربا ـ دخول في فلسطين ـ توظيف المادة البشرية المنقولة ـ إنشاء الدولة الوظيفية ـ دولة راعية تقوم الدولة الوظيفية على خدمتها.
? ـ تتشابه الديباجات بين تجربة الصهاينة وتجربة «فرسان الهيكل» بشكل مدهش فهي ديباجة حلولية كمونية يتداخل فيها المقدس والنسبي والتوراتي والعسكري بشكل شبه كامل.
? ـ العنف العسكري هو آلية حتمية لكلتا التجربتين لأن السكان الأصليين رفضوا المستوطنين.
? ـ العلاقة بين المستوطنين (الهيكليين والصهاينة) والدولة الراعية هي علاقة نفعية هي علاقة المرتزق بولي نعمته.
? ـ التجربة الصهيونية الألمانية (غير اليهودية) تسبق التجربة الصهيونية اليهودية (وهي في هذا تعبير عن أسبقية الصهيونية ذات الديباجات المسيحية وصهيونية غير اليهودية العلمانية على الصهيونية ذات الديباجة اليهودية).
مركزية حملات الفرنجة في الوجدان الصهيوني/الإسرائيلي
نظراً للتشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني، ونظراً لأن كليهما اتخذ فلسطين ساحة لتنفيذ أحلامه، نجد أن الوجدان الصهيوني منشغل إلى أقصى حد بالمشروع الفرنجي، وخصوصاً أن الفرنجة قد رحلوا ولم يتركوا شيئاً خلفهم سوى بعض القلاع المخربة التي يزورها السائحون ويدرسها علماء الآثار من الإسرائيليين والعرب. ويحاول الدارسون الصهاينة أن ينظروا إلى مشروع الفرنجة من منظور ما يسمونه «التاريخ اليهودي» وكأن حملات الفرنجة جُرِّدت بالدرجة الأولى ضد اليهود، تماماً مثلما يمنحون الجماعات اليهودية مركزية في كل الأحداث التاريخية. وتتحدث الكتابات الصهيونية الإسرائيلية عن ضحايا حملات الفرنجة وكأنهم الضحايا الوحيدون، بل تدَّعى بعضها دوراً يهودياً مستقلاً في صد الفرنجة، وهو الأمر الذي يتنافي تماماً مع حقائق التاريخ، وقد ورد في كتابات بعض الرحالة اليهود المعاصرين مثل «بنيامين التويطلي»، لأن مدينة صور كانت (في عام????) تضم خمسمائة يهودي على حين كانت كلٌّ من عكا وقيصرية تضم مائتين، وكانت عسقلان تضم مائتي يهودي حاخامي. وتشير موسوعة التاريخ اليهودي إلى أن هذه هي الجماعات اليهودية الكبيرة! ويذكر العالم اليهودي الإسباني «موسى بن نحمان» (نحمانيدس) أنه وجد في القدس عام ???? يهوديين اثنين فقط.
ولكن أهم جوانب الاهتمام الصهيوني الإسرائيلي بالكيان الفرنجي هو دراسته من منظور الصراع العربي الإسرائيلي، بمعنى عَقْد الدراسات المقارنة في مشاكل الاستيطان ومشاكل الموارد البشرية والعلاقات الدولية فضلاً عن محاولة فَهْم عوامل الإخفاق والفشل التي أودت بالكيان الفرنجي. وهناك من يهتم بدراسة المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية للكيان الفرنجي، ومن يهتم برصد العلاقة بين هذا الكيان والكيان الأوربي المساند له. وقد وجَّه فريق من الباحثين اليهود اهتمامه لدراسة مشكلات الاستيطان والهجرة.
ولكن الاهتمام لا يقتصر على الدوائر الأكاديمية، فنجد أن شخصيات سياسية عامة مثل «إسحق رابين» و«موشيه ديان» و«يوري أفنيري» يهتمون بمشاكل الاستيطان والهجرة. ففي سبتمبر ????، عقد إسحق رابين مقارنة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية حيث توصَّل إلى أن الخطر الأساسي الذي يهدد إسرائيل هو تجميد الهجرة، وأن هذا هو الذي سيؤدي إلى اضمحلال الدولة بسبب عدم سريان دم جديد فيها. ويعقد أفنيري في كتابه إسرائيل بدون صهيونية (????) مقارنة مستفيضة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية لا تختلف كثيراً عن المقارنة التي عقدناها في الجزء الخاص بهذا الموضوع والذى استفدنا فيه بتحليله الذكي. ولكن أفنيري يخلص إلى أن المقارنة درس لابد أن يتعلم منه الصهاينة، فإسرائيل مثل الفرنجة مُحاصَرة عسكرياً لا لأن هذا هو المصير الموعود (الذي لا مفر منه) كما يتصور بعض الصهاينة، وإنما هي مُحاصَرة عسكرياً لأنها تجاهلت الوجود الفلسطيني ورَفضت الاعتراف بأن أرض الميعاد يقطنها العرب منذ مئات السنين.
وقد عاد أفنيري إلى الموضوع، عام ????، بعد الغزو الصهيوني للبنان، في مقال نشر في مجلة هاعولام هزه بعنوان «ماذا ستكون النهاية؟»، فأشار إلى أن ممالك الفرنجة احتلت رقعة من الأرض أوسع من تلك التي احتلتها الدولة الصهيونية، وأن الفرنجة كانوا قادرين على كل شيء إلا العيش في سلام، لأن الحلول الوسط والتعايش السلمي كانا غريبين على التكوين الأساسي للحركة. وحينما كان جيل جديد يطالب بالسلام كانت مجهوداتهم تضيع سدى مع قدوم تيارات جديدة من المستوطنين، الأمر الذي يعني أن ممالك الفرنجة لم تفقد قط طابعها الاستيطاني. كما أن المؤسسة العسكرية الاقتصادية للفرنجة قامت بدور فعال في القضاء على محاولات السلام، فاستمر التوسع الفرنجي على مدى جيل أوجيلين. ثم بدأ الإرهاق يحل بهم، وزاد التوتر بين المسيحيين الفرنجة من جهة وأبناء الطوائف الشرقية من جهة أخرى، الأمر الذي أضعف مجتمع الفرنجة الاستيطاني، كما ضعف الدعم المالي والسكاني من الغرب. وفي الوقت نفسه، بدأ بعث إسلامي جديد، وبدأت الحركة للإجهاز على ممالك الفرنجة، فأوجد المسلمون طرقاً تجارية بديلة عن تلك التي استولى عليها الفرنجة. وبعد موت الأجيال الأولى من أعضاء النخبة في الممالك، حل محلهم ورثة ضعفاء في وقت ظهرت فيه سلسلة من القادة المسلمين العظماء ابتداءً من صلاح الدين ذي الشخصية الأسطورية حتى الظاهر بيبرس. وظل ميزان القوى يميل لغير صالح الفرنجة، كما لم يكن هناك ما يوقف هزيمتهم النهائية. وقد ترك هذا الحدث التاريخي بصماته وآثاره في وعي شعوب المنطقة حتى اليوم.
والواقع أن اهتمام المستوطنين الصهاينة بممالك الفرنجة تعبير عن إدراك أوَّلى لطبيعة دورهم في المنطقة كدولة وظيفية تكون مجرد أداة في يد قوى عظمى خارجية، وهو إحساس يشوبه قسط كبير من القدرية والعدمية الناجمة عن إحساس الأداة بأنها لا تمتلك ناصية أمورها ولا تسيطر على مصيرها أو قدرها.


الفصل السابع
الصهيونية وبعض الجماعات شبه المسيحية
لا يزال الفكر الاسترجاعي مسيطراً على بعض الجماعات شبه المسيحية مثل «المورمون» «وشهود يهوه». ونحن نشير إليها باعتبارها شبه مسيحية لأنها انحرفت عن العقائد المسيحية الأساسية وإن كانت احتفظت بالفكر الاسترجاعي. وكل هذه الجماعات تنظر لليهود باعتبارهم وسيلة وليس غاية، فهم يؤمنون بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين كشرط أساسي للخلاص ومجرد أداة لتحقيقه. والخلاص هنا ليس خلاص اليهود وإنما خلاص المسيحيين.
«المورمــــون»
«المورمون» حركة دينية شبه مسيحية، مركزها الرئيسي «مدينة سولت ليك» في ولاية «أوتاه»، واسمها الحقيقي هو «كنيسة المسيح عيسى، قديس آخر الأيام». وهي حركة ذات طابع حلولي كموني واضح. وتوجد مجموعات من «المورمون» في مدينة «إندبندانس» في ولاية «ميسوري» ومدينة «بيرليختون» في ولاية «ويسكونسين».
والخلفية الاجتماعية والتاريخية لنشوء حركة «المورمون» مهمة لفهم عقائدهم، فقد بدأت في عشرينيات القرن الماضي وهي فترة توسع اقتصادي ضخم في الولايات المتحدة الأمر الذي خلق ردة فعل لدي ضحايا التقدم وتزايدت الدعوات «الإنجيلية».
وقد نشأ «جوزيف سميث» (???? ـ ????)، مؤسس الحركة، في أسرة تبحث عن الحراك الاجتماعي استقرت في «نيويورك» لهذا السبب. وفي هذا الجو الذي يتسم بالسيولة بدأ «سميث» بحثه عن الكنيسة الحقيقية أو الصحيحة. وفي ربيع ????، في سن الرابعة عشرة، تلقى وحيًا من الرب من خلال ملاك يدعى «موروني» (ومن هنا التسمية التي اشتهروا بها) بألا ينضم لأي من الكنائس القائمة لأنها كلها «خاطئة». ثم تلقى وحيًا آخر بأن الرب اختاره ليكون أداته لاستعادة الكنيسة الحقيقية أو الصحيحة بعد أن أفسدها أفراد لا عصمة لهم انحدروا إلى الشر والفساد. فقد هداه الملاك إلى أن يذهب إلى تل على مقربة من مزرعة أبويه حيث عثر على صحائف ذهبية فترجمها ونشرها عام ???? تحت عنوان كتاب المورمون وهو التاريخ المقدس لثلاث قبائل هاجرت إلى أمريكا الشمالية (??? ق.م) أي قبل وصول «كولومبوس»، وبعد حروب طويلة انقسمت القبائل إلى قسمين: «النفايت» (Nephite) «واللامانايت» (Lamanite) وهم أسلاف الهنود الحمر. وحسبما جاء في كتاب المورمون زار المسيح أمريكا بعد صلبه وعلمهم الإنجيل وأسس كنيسة لإقناع اليهود والأغيار أن عيسى هو المسيح، الإله الخالد الذي يكشف عن نفسه لكل الأمم (وهكذا تصبح الولايات المتحدة موضع الحلول والكمون). وقد أعلن «سميث» أن كتاب المورمون هو كتاب مكمل للإنجيل وليس بديلاً له، ولذا ينظر «المورمون» إليه باعتباره كتابًا مقدسًا.
وقد كان «سميث» يرى أن الكتب المقدسة ليست كافية في حد ذاتها لاستعادة الحقيقة المطلقة، فالجنس البشري يحتاج إلى سلطة إلهية (شرعية إلهية) وقد اختفت مثل هذه السلطة بعد الأيام الأولى للمسيحية، ولكنها ظهرت مرة أخرى عام ???? في شخص «سميث» ومساعده «أوليفر كودري». وهكذا عادت الكنيسة الحقيقية الصحيحة التي يقودها مجموعة من الكهنة ذوي الصلاحية الإلهية الذين يتمتعون بقدر عال من العصمة. وفي عام ???? طور «سميث» العقيدة المورمونية بعد نشر كتاب الوصايا والعقائد والمواثيق. وقد طلب من القديسين (أعضاء الكنيسة) أن يتجمعوا في جماعات وبنوا هيكلاً هو المركز الحرفي والمجازي المقدس للجماعة. وحسب ادعاءات الجماعة ظهر عيسى وموسى وإلياس و«إلياهو» «لسميث» و«كودري» في المعبد عام ???? وبدأ تأسيس مملكة الرب التي لا تفرق بين المقدس والنسبي ويحكمها الكهنة (تمامًا كما هو الحال في مملكة يسرائيل القديمة) وقد حقق «سميث» نجاحات كثيرة في حركته التبشيرية وفكر في ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية.
وبدأت تتبلور بعض العقائد التي تبتعد في جوهرها عن المسيحية، ومن هذه العقائد إيمان «المورمون» بأن الإله ليس ثالوثًا مقدسًا (كما يؤمن المسيحيون) وإنما ثلاثة آلهة، وأن الإله الأب كان في يوم من الأيام إنسانًا وصل إلى الألوهية. وكما يقول «لورنزو سنو» (أحد «أنبياء المورمون» عام ????) و«كما هو الإنسان الآن، كان الإله يومًا، وكما هو الإله الآن سيصبح الإنسان»، وهي عبارة لا تختلف كثيرًا عن عبارة «فتشينو الهرمسى» إن الإله قد أصبح إنسانًا كي يصبح الإنسان إلهًا (ولذا فكل من يتزوج زواجًا توافق عليه الكنيسة، سيصبح إلهًا في العالم الآخر) وكل من يتبع المورمونية في نهاية الأمر سيصبح هو الآخر إلهًا. ومن الواضح أن المنظومة المورمونية منظومة حلولية كمونية متطرفة لا تفرق بين الخالق والمخلوق. وهنا نجد ما سماه أحد الدارسين «ميتافيزيقا المادية»، أي عدم الاعتراف بالخلق من العدم، أي أن الإله خلق العالم من مادة قديمة (على عكس الديانات التوحيدية التي تصر دائمًا على الإيمان بالخلق من العدم) وهم يؤمنون بنوع من الوجود الروحي قبل الميلاد (وليس بتناسخ الأرواح)، إذ يوجد ما يسمى الإنسان الأزلي أو الأول، وهو إنسان وجد قبل الخلق كجزء من الخالق، بل إنه هو نفسه الخالق (تمامًا كما هو الحال في النظم الغنوصية). وينقسم العالم الآخر إلى ثلاثة أقسام (كما هو الحال في الكاثوليكية) قسم أعلى يحتله المؤمنون والثاني لغير المؤمنين والثالث للشيطان وأتباعه. وأعضاء «المورمون» ممن يودون أن يدخل أسلافهم الجنة يمكنهم تعميدهم بأثر رجعي، ولذا يهتم «المورمون» بالسلالات وشجرة العائلة.
ويلاحظ أن النزعة «المشيحانية» تحوي داخلها تيارين متناقضين: نزعة عميقة وواحدية معادية للحداثة ونزعة لا تقل عمقًا أو واحدية مؤيدة لها، وهو تناقض يوجد داخل «المشيحانية المورمونية». ولكن هذا الصراع حسم عام ???? لصالح التحديث، إذ أصدر الرئيس الثالث للجماعة «ويلفورد وودروف» إشعاراً بمنع تعدد الزوجات إذا كان هذا يعني التخلي عن فكرة الكنيسة الصحيحة ودخول التيار الأمريكي الذي يقبل التعددية النسبية. وبدأ «المورمون» تأكيد عناصر أخرى هي مصدر للتماسك مثل عدم شرب الكحول والشاي والقهوة وارتداء أزياء معينة والابتعاد عن الممارسات الجنسية الإباحية، كما أكدوا الإيمان بالتقدم اللانهائي للإنسان (ونهاية التقدم أن يصبح الإنسان إلهًا). وهذه القيم هي عبارة عن بعث الأخلاقيات والقيم «البروتستانتية» التي هي عبارة عن زهد داخل الدنيا يساعد على الانضباط وتوحيد حياة الإنسان وتكثيف طاقتها وتوجيهها بشكل رشيد حتى يمكن غزو العالم، كل هذا يعني في واقع الأمر التكيف مع مرحلة الرأسمالية التنافسية في الولايات المتحدة.
ورغم أن «سميث» كان يرى أن الولايات المتحدة هي موضع الكمون والحلول، فلم يكن يحصره فيها، إذ كان يرى أن فلسطين هي الأخرى موضع حلول وكمون ولذا كان يرى أن ثمة ضرورة لتجميع اليهود في فلسطين باعتبارها أرض إسرائيل، وذلك من أجل تحقيق الوعد للمؤمنين الجدد الذين يجب عليهم التجمع في أرض الميعاد الجديدة، «مورمون» في أمريكا ويهود في فلسطين. وقد كان اهتمام «سميث» بفكرة عودة اليهود كبيرًا لدرجة أنه أنشأ مع أتباعه، عام ????، مدرسة لتعليم اللغة العبرية بدون معلم لدراسة التوراة بلغتها الأصلية وأيضًا للتبشير بين اليهود بلغتهم الأصلية من أجل إرسالهم لفلسطين. وقد أرسل «سميث» أحد أنصاره (أرسون هايد) في رحلة تبشيرية دينية لأوربا وفلسطين لنشر دعوة «المورمون» في الأوساط اليهودية الأوربية عام ????. وقد قُوبلت دعوة هايد بالرفض من قبل حاخام هولندا. وأرسل «هايد» «لسميث» رسالة يخبره فيها بضرورة استخدام القوة السياسية والضغوط الحكومية لإعادة الشعب اليهودي إلى أرضه، وأن إنجلترا مُقدر لها أن تلعب هذا الدور لتحقيق هذا المشروع العظيم. وأعرب «هايد» عن تفاؤله لأن هذه الأرض المباركة ستصير خصبة وعامرة عندما يمتلكها أصحابها الحقيقيون.
وبعد مقتل «سميث» عام ???? (على يد أتباعه ممن رفضوا آراءه المتطرفة)، تصاعدت النزعة الصهيونية بين «المورمون» كما هو الحال مع الصهاينة وغيرهم من ذوي الديباجة المسيحية فبعد أن قضت الدول الغربية على تجربة محمد علي في التجديد الحضاري عام ????، ساد الإحساس بأن سقوط الدولة العثمانية يبدو وشيكًا وأن اليهود أصبح مقدرًا لهم أن يلعبوا دورًا في الشرق العربي الإسلامي، وقد أصدر خليفة «سميث» «بريجهام يونج» ومجلس الحكماء الاثني عشر بيانًا لكل ملوك العالم ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ولكل حكام الأرض وشعوبها، يدعون فيه إلى إصدار أمر باسم المسيح لليهود المشتتين بين كل شعوب الأرض بإعداد أنفسهم للعودة إلى القدس (فلسطين) وبإعادة بناء هذه المدينة والهيكل المكرس للإله، وكذلك تنظيم وإقامة دولتهم الخاصة وحكومتهم وذلك تحت إدارة قضاتهم وحكامهم ومشرعيهم في هذا البلد: «وليكن معلومًا لليهود أننا نحمل مفاتيح القداسة والمملكة التي سيعودون قريبًا إليها، ولذا فإن عليهم أيضًا أن يندموا ويتوبوا ويعدوا أنفسهم لإطاعة أحكام الرب».
وقد لعب «المورمون» في الولايات المتحدة دورًا مهمًا في التبشير بالعقائد الصهيونية وبأفكار عودة اليهود وتجميعهم في فلسطين. وعبر «بلفور» و«ودروف» عن إيمانه باقتراب الزمان الذي يقوم فيه أثرياء اليهود باستخدام ثرواتهم لتجميع الشعب المشتت وشراء أراضي أجدادهم في القدس وإعادة بناء المدينة المقدسة والهيكل. وفي عام ????، وبعد المؤتمرين الصهيونيين الأول والثاني (????، ????)، نشر «د. تانر»، عميد كلية الزراعة بجامعة ولاية «يوتاه»، مقالة افتتاحية طويلة في صحيفة المورمون يحث فيها أغنياء اليهود على رعاية الحركة الناشئة لأن المشكلة الاقتصادية ستطل برأسها لا محالة والاعتبارات العملية ينبغي عدم إغفالها. ويؤكد «تانر» أن العديد من اليهود لن ينتظروا قرار السلطان التركي.
ومع صدور وعد «بلفور»، أعرب «المورمون» عن فرحهم الشديد لتحقيق الوعد وجمع شمل اليهود في فلسطين وذلك لتحقيق ملكوت السموات. وقد سافر اثنان من قادة «المورمون» إلى فلسطين بمناسبة الذكرى الرابعة لصدور وعد «بلفور»، وعبرا عن دهشتهما مما شاهداه من مظاهر الرفض المسيحي والإسلامي لحركة الاستيطان اليهودي، كما أعلنا أن الأمريكيين يحبذون عودة اليهود لفلسطين لأنهم مسيحيون مخلصون!
وثمة تشابه بنيوي ملحوظ بين حركة «المورمون» والحركة الصهيونية، فكلتا الحركتين تقومان على فكرة حلول الإله في شعب أو جماعة، سواء كانت هذه الجماعة هي اليهود في حالة الصهيونية أو الأوربيين البيض الشقر في حالة «المورمون». وكلتا الجماعتين تؤمنان بفكرة العودة المقدسة أو بأن ثمة شعبًا تائهًا مشتتًا يبحث عن أرض الميعاد. وفي حالة «المورمون»، كانت هذه الأرض هي ولاية «يوتاه» حيث تنص تعاليم «سميث»، نبى الحركة، على أن أمريكا هي صهيون الحقيقية كما رأينا. ومن ثم، فإن رؤية «المورمون» تفترض غياب السكان الأصليين. ومعنى ذلك أنها رؤية إبادية تغيب الآخر، تمامًا مثل الرؤية الصهيونية للفلسطينيين. وقد أفلت الفلسطينيون من الإبادة لأسباب كثيرة من بينها أنهم ينتمون لتشكيل حضاري مركب ويتمتعون بمستوى تعليمى عال وكثافة سكانية. ولهذا، فإن الصهاينة لم يستطيعوا سوى طردهم من فلسطين، أما قبائل «الساليش» التي كانت تقطن «يوتاه» فلم تفلت من هذا المصير إذ أبيد معظمهم. ويتبدى التشابه البنيوي بين «المورمون» والصهاينة في أجلى صوره في عملية اختيار «المورمون» ليوتاه والبحيرة المالحة لبناء مدينتهم ومستوطنهم، فلقد وجدوا في هذه البقعة بحيرة مالحة يغذيها نهر حلو وينبع النهر من بحيرة أخرى. وعلى الفور، رأوا التشابه الشكلي مع الأردن والبحر الميت وبحيرة طبرية، حتى أنهم سموا النهر باسم الأردن.
ويمكن القول بأن الأفكار «المشيحانية» التي توجه حركة «المورمون» تقود لا محالة إلى تأييد الفكر الصهيوني من منطلق احتقار اليهود، وحوسلتهم باعتبارهم جزءًا من متتالية الخلاص المسيحية، ومن الرغبة في تنصيرهم وإبادة جرثومة الشر الموجودة في العالم إيذانًا بحلول السلام ونهاية التاريخ.
وفي إحدى أدبيات «المورمون» نقرأ أن «ثمة غريزة موروثة تقود اليهود نحو هذا الهدف [أي الذهاب إلى فلسطين] بيد أنهم لا يعرفون سبب هذا فهم وسيلة وليسوا غاية». ولكن السبب واضح لنا، فهم سيذهبون «للإعداد وللترحيب بعودة ابن الرب وملك الملوك وسيد الأسياد وأمير السلام الذي سيضع قدمه على الجبل فيقسمه شطرين». وعلاقة «المورمون» بالحركة الصهيونية تذكرنا بأولئك الصهاينة غير اليهود الذين يودون جمع اليهود في مكان واحد ليسهل إفناؤهم أو تنصيرهم فموقف «المورمون» المتعاطف مع الصهاينة يعبر عن رغبة عميقة في التخلص من اليهود.
وإذا كان صهاينة أوربا من غير اليهود يفكرون في التخلص من اليهود باعتبارهم عنصرًا بشريًا فائضًا يهدد الأمن الاجتماعي ويمكن نقله خارج أوربا وتوظيفه لصالحها، فإن موقف «المورمون» من اليهود كان أكثر جذرية. فالمورمون أصحاب رؤية حلولية كمونية يدورون في إطار ثالوث مقدس: إله يحل في «المورمون» (ومن ثم فهم شعب مختار) وفي أرضهم (أمريكا، أرض الميعاد).
وجماعة «المورمون» لها حركة تبشيرية قوية، إذ أن أعضاء الكنيسة من الذكور لابد أن يقوموا بخدمة تبشيرية تصل أحيانًا لمدة عام (ويبلغ عدد المبشرين «المورمون» ?? ألفًا) ولذا ارتفعت عضوية الكنيسة من ?.? مليون عام ???? إلى ? ملايين ويعيش منهم ?.? مليون في الولايات المتحدة وكندا، بينما يعيش ?.? مليون منهم في أمريكا اللاتينية. وتبلغ ميزانية الكنيسة ? ملايين دولار.
وقد حاول «المورمون» مؤخرًا أن يؤسسوا جامعة في إسرائيل لتكون مركزًا للتبشير برسالة «المورمون» وعقيدتهم، وقد اعترض على ذلك كثير من أعضاء المؤسسة الدينية اليهودية في إسرائيل ولكن «المورمون» نجحوا في نهاية الأمر، من خلال ضغوط مارسوها على الكونجرس الأمريكي.
ويرى الناقد الأدبى الأمريكي اليهودي «هارولد بلوم» أن حركة «المورمون» حركة دينية غنوصية، وأنها تعبر عن جميع العقائد الدينية السائدة في الولايات المتحدة، أي أنها العقيدة الدينية النماذجية الأمريكية، عقيدة الإنسان المتأله.
شهود يهوه
«شهود يهوه» جماعة دينية مسيحية «بروتستانتية» اسمها الأصلي هو (Watch Tower Bible and Tract Society) يؤمن أتباعها بعدد من الأفكار «المشيحانية» الصهيونية. ويعود اسم الجماعة الشائع إلى إيمانها بأن اسم الإله الحقيقي هو «يهوه» وأن الاسم الحقيقي للمسيحيين هو «شهود». نشأت الحركة في الولايات المتحدة الأمريكية عام ???? في مدينة «بتسبرج» بولاية «فيلادليفيا» على يد رجل أعمال شاب يدعى «تشارلز راسل» (????-????) كان ينتمي لجماعة «الأدفنتست»، وهي جماعة «بروتستانتية» تدور أفكارها حول أطروحة عودة المسيح (فهم «الأدفنتست» أو المؤمنون بالعودة) وتنصير اليهود باعتبارهم أس الشر وجرثومة الفساد التي نمت في العالم.
ولقد واكب ظهور حركة «شهود يهوه» نهاية الحرب الأهلية الأمريكية التي شهدت دمار الجنوب وإخضاعه لسيطرة الشمال، وبذا وجدت تربة خصبة لنمو الأفكار «المشيحانية» عن الخلاص ونهاية العالم في جو الإحباط والدمار الذي تلا الحرب.
وقد أسس «راسل» جماعة لدراسة التوراة ونشر عام ???? على نفقته الخاصة كتيب غرض عودة الرب وكيفيتها الذي يزعم فيه أنه كشف للعالم الخطة التي رسمها الرب للبشرية.
وفي عام ????، قامت الجماعة بتأسيس مجلة برج صهيون وبشير مجيء المسيح الشهرية التي ازداد توزيعها بمرور الوقت. وقد انخرط «راسل» في حسابات معقدة مستمدة من التوراة لمعرفة وقت عودة المخلص وبداية العهد الألفي وتخليص العالم من الشر ونهاية التاريخ وهي الأفكار التي تمثل حجر الزاوية في كل الأنساق الحلولية. وقد حدد «راسل» عام ???? لعودة اليهود. وفيما بعد، أعلن أتباعه أنه كان يقصد الإشارة لوعد «بلفور» الذي صدر عام ????.
وصاغ «راسل» نظرية دينية تقوم على منظومة تمرد الشيطان وخداعه لآدم وحواء ودفعهما للخطيئة ومحاربته للرب. وبعدئذ، سيطر الشيطان أو قوة الشر على العالم فيما أسماه راسل «إمبراطورية الشر» (المصطلح الذي يتواتر في الخطاب السياسي الأمريكي).
كل هذا يعني في واقع الأمر أن حكم المسيح الألفي أصبح وشيكًا وأن معركة «هرمجدون» بين قوى الخير والشر وشيكة وسيهزم الشيطان ويحطم الأشرار إلى الأبد. أما من يرضي عنهم «يهوه» فنصيبهم هو الخلود. هذا يعني أن هناك من الأحياء الآن الذين لن يموتوا قط وسيحيون هذه الحياة الخالدة في العصر الألفي. وكما قال أحد قادة «شهود يهوه» «يوجد ملايين من الأحياء الآن لن ينال منهم الموت». وترى جماعة «شهود يهوه» أنه يوجد ??? ألفا من المؤمنين عميقي الإيمان عبر التاريخ سيولدون كأبناء الإله الروحانيين وسيشاركون في حكم العالم مع المسيح. ومملكة المسيح ليست مفارقة للأرض، فالمملكة الألفية ستؤسس هنا وهي مملكة كل ما فيها مثالي إذ ستمتلئ الدنيا عدلاً بعد أن امتلأت جورًا، بل إن الطبيعة المادية ذاتها ستتغير، كما هو الحال في الرؤى «المشيحانية».
وعلى عضو جماعة «شهود يهوه» أن يظل بمنأى عن الدنيا الفاسدة وألا يطيع تلك القوانين والممارسات العلمانية، وأن يتبع تفسير الجماعة للإنجيل، وبناء عليه يجب عدم استخدام الصور في العبادة وعدم المشاركة في الحوار بين الأديان وألا يسمح عضو الجماعة بنقل دم له وألا يحيى العلم القومي لأية دولة ولا يقسم يمين الولاء لأية أمة من أمم الأرض (وقد أدى هذا إلى اضطهاد أعضاء الجماعة وإلى مقتل بعضهم).
ويؤمن الشهود بالثالوث المسيحي، ولكن الأب «يهوه» يشغل مكانة عالية تفوق مكانة الابن. ومع هذا يشغل الابن مكانة خاصة فهو أول مخلوقات الإله، دفع حياته تكفيرًا عن خطايا البشر وقد مات على الخازوق (لا الصليب) ورفع كروح خالدة، وهو موجود في العالم على هيئة الروح. والابن هو المركز الذي يتجمع حول الشهود في صلاتهم، فهم يصلون ليهوه من خلال المسيح.
ورغم أن الشهود يؤمنون بميلاد المسيح بدون دنس فإنهم لا يحتفلون بعيد الميلاد باعتبار أنه من أصول وثنية ولا يعترفون بالصوم الكبير ولا عيد الفصح. والتعميد عن طريق «شهود يهوه» يتم من خلال إغراق الجسد كله في الماء. وهم لا يصلون يوم الأحد إذ يقولون إن إقامة شعائر السبت تنطبق على اليهود وحدهم وأنه تم نسخها من خلال المسيح. ومع هذا يقبل الشهود يوم الأحد كيوم راحة وتغيير (كمحاولة للتكيف مع المعايير الاجتماعية السائدة وليس على أساس عقائدي). ولا توجد طبقة كهنوتية عند «شهود يهوه» ويجتمع أعضاء الجماعة فيما يسمى «صالات المملكة» للدراسة والتعميد، كما يجتمعون في منازل الأعضاء.
ويلاحظ أنه بعد موت «راسل» عام ???? حدث تحول عميق في الحركة ظهرت آثاره عام ????. فقد تبنت الحركة في هذه المرحلة اسمها الجديد (شهود يهوه) وتسنم رئاستها محام بروتستانتي معمداني هو «جوزيف رذرفورد» تبنى أراء أكثر تطرفًا من المجتمعات العلمانية، إذ أعلن نهاية زمن الأغيار وأن الشيطان قد أصبح الحاكم الحقيقي والفعلي لكل حكومات الأرض وأن عصبة الأمم أصبحت ألعوبة في يد الشيطان.
وينعكس هذا التطور على موقف الجماعة من اليهود ومن المستوطن الصهيوني. ففي المرحلة الأولى كان «راسل» يذهب، وفقًا لحساباته، إلى أن اليهود سيلعبون دورًا حاسمًا في صراع الرب ضد الشيطان حيث اصطفى الرب إسرائيل أو اليهود وأعطاهم حكمًا دينيًا ليكونوا شعبه المختار. لكن اليهود عصوا الرب، فعاقبهم بالنفي والشتات، وسيستمر هذا النفي مدة من الزمان تساوي سبعة أمثال خطاياهم كما ورد في التوراة. وبعدئذ، يعود اليهود إلى أرض إسرائيل، وتعود صهيون لأهلها، ويسامح الرب شعبه المختار. وقد دعا «راسل» اليهود إلى العودة لأرض إسرائيل كخطوة أولى نحو إقامة مملكة الرب على الأرض. وقد ازداد نمو حركة «راسل» بسرعة مع نهاية القرن واتصل بالقيادات الصهيونية وأبدى إعجابه الشديد «بهرتزل» وسماه «رجل الأقدار». وقد زار «راسل» فلسطين عدة مرات وتقابل مع قادة الصهاينة الاستيطانيين هناك، وزاد دعايته للهجرة اليهودية إلى فلسطين وأعرب عن اعتقاده أن فلسطين تستطيع أن تستوعب ضعف عدد اليهود في الأرض، ولكنه أعرب في الوقت نفسه عن شكه في إمكانية هجرتهم جميعًا واقترح «هجرة الفقراء المخلصين باستخدام أموال الأغنياء». ولا يخفى الفكر الاستيطاني التوطيني الذي يقدمه «راسل» ولا تطابُقه مع الفكر الصهيوني، وخصوصًا الفرع الأمريكي للمنظمة الصهيونية العالمية. وقد تقابل «جاكوب دي هاس» محرر صحيفة الجويش أدفوكيت مع «بوسطن راسل»، وأعرب عن إعجابه به وأشار إلى أن آراءه تشبه كثيرًا آراء اليهودية الحسيدية، بل سماه «أول محبي اليهود».

وقد تراجع هذا الموقف المتعاطف مع تسنم «رذرفورد» قيادة الحركة، فقد أفزعه أن الصهاينة اتجهوا للتعاون مع المؤسسات العلمانية، ولذا قام بتحذيرهم من خطر الابتعاد عن حظيرة الرب. وقد حدد «رذرفورد» عام ???? بوصفه عامًا حاسمًا في بناء مملكة الرب. وعندما مر العام دون حدوث شيء يُذكر، تذرع الأتباع بواقعة إقامة الجامعة العبرية (فالنسق الحلولي الكموني لا يعدم العثور على الشواهد التي يتم تأويلها من خلال لي عنق الواقع حتى يتفق مع النموذج المطروح).
وشهد عام ???? تحولاً كاملاً في حركة «شهود يهوه»، فقد أعلن «رذرفورد» أن اليهود باتجاههم المستمر نحو العلمنة وتخليهم عن الحكومة الدينية قد نقضوا، وإلى الأبد، عهدهم مع الرب، وأصبح «شهود يهوه» هم الشعب المختار الروحي الوحيد. ودعا «رذرفورد» اليهود إلى نبذ المؤسسات الدولية والانضمام لحركة «شهود يهوه». وبعدئذ انقلب من محب لليهود إلى معاد لهم. وعلى كل لا تقبل الأيديولوجيات التي تدور حول مركب الشعب المختار شعبًا مختارًا آخر، إذ لا يمكن أن يوجد أكثر من شعب مختار واحد، ومن هنا جذور الصراع بين «شهود يهوه» والصهاينة، وهو لا يختلف كثيرًا عن معركتهم مع النازيين. وقد سُئل «هتلر» مرة عن سبب عدائه لليهود، فكانت إجابته واضحة ومباشرة: «لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران. ونحن وحدنا الشعب المختار، فهل هذه إجابة شافية عن السؤال؟». ولذا عادي النازيون كلاً من اليهود «وشهود يهوه» (باعتبارهم شعوبًا مختارة)، بل اتهم النازيون حركة «شهود يهوه» بأنها ألعوبة يهودية في إطار المؤامرة اليهودية المستمرة من أجل حكم العالم. وبعد إقامة دولة إسرائيل، أصبحت دولة إسرائيل بالنسبة لأتباع «شهود يهوه» قلعة أخرى من قلاع الشيطان على الأرض.
وحركة «شهود يهوه» حركة تبشيرية قوية لها نشاط ملحوظ في إسرائيل وتحاربها الحكومة الإسرائيلية. وقد وصل عدد أعضاء جماعة «شهود يهوه» في العالم إلى ما يزيد على ? مليون فرد في حوالي مائتي بلد.
ومما يجدر ذكره أن الجماعة تهدئ قليلاً نزعتها «المشيحانية» فأعلن قادتها أن كل النبوءات السابقة القائلة بأن «هرمجدون» والحقبة الألفية وشيكة كانت مجرد نبوءات وليست عقائد مستقرة.





الباب الثالث
التيارات الصهيونية المختلفة


الفصل الأول
المؤتمرات الصهيونية
قبل أن نتناول تطور الفكر الصهيوني بين أعضاء الجماعات اليهودية، وجدت أنه قد يكون من المفيد أن ندرس قرارات المؤتمرات الصهيونية والهيئة العليا للمنظمة الصهيونية العالية التي ترسم الخطوط العامة لسياسات المنظمة. فرَصْد لبعض أهم جوانب تاريخ الحركة الصهيونية والفكر الصهيوني. وفيما يلي عرض موجز لقرارات المؤتمرات الصهيونية التي انعقدت حتى الوقت الحاضر:
المؤتمرات الصهيونية من المؤتمر الصهيوني الأول (????) حتى إعلان الدولة الصهيونية (????)
المؤتمر الأول: بازل: أغسطس ????
كان مزمعاً عقده في «ميونيخ»، بيد أن المعارضة الشديدة من قبَل التجمُّع اليهودي هناك والحاخامية في «ميونيخ» حالت دون ذلك. وقد عُقد في أغسطس ???? برئاسة «تيودور هرتزل» الذي حدد في خطاب الافتتاح أن هدف المؤتمر هو وضع حجر الأساس لوطن قومي لليهود، وأكد أن المسألة اليهودية لا يمكن حلها من خلال التوطن البطيء أو التسلل بدون مفاوضات سياسية أو ضمانات دولية أو اعتراف قانوني بالمشروع الاستيطاني من قبَل الدول الكبرى. وقد حدد المؤتمر ثلاثة أساليب مترابطة لتحقيق الهدف الصهيوني، وهي: تنمية استيطان فلسطين بالعمال الزراعيين، وتقوية وتنمية الوعي القومي اليهودي والثقافة اليهودية، ثم أخيراً اتخاذ إجراءات تمهيدية للحصول على الموافقة الدولية على تنفيذ المشروع الصهيوني. والأساليب الثلاثة تعكس مضمون التـيارات الصهـيونية الثلاثة: العمـلية (التسللية)، والثقافية (الإثنية)، والسياسية (الدبلوماسية الاستعمارية). وقد تعرَّض المؤتمر بالدراسة لأوضاع اليهود الذين كانوا قد شرعوا في الهجرة الاستيطانية التسللية إلى فلسطين منذ ????، واقترح «شابيرا» إنشاء صندوق لشراء الأرض الفلسطينية لتحقيق الاستيطان اليهودي، وهو الاقتراح الذي تجسَّد بعدئذ فيما يُسمَّى الصندوق القومي اليهودي. وقد اعترض «هرتزل» على هذا الاقتراح رغم أنه لم ينكر الحاجة إلى مثل هذا المشروع، ويبدو أن تحفظاته كانت تنْصبُّ على توقيت المشروع وليس جوهره. وفي هذا المؤتمر أيضاً، تم وضع مسودة البرنامج الصهيوني الذي عُرف ببرنامج «بازل»، كما ارتفعت الدعوة إلى إحياء اللغة العبرية وتكثيف دراستها بين اليهود والمستوطنين. وشهد المؤتمر ظهور الأشكال الجنينية للتيار الذي عُرف بعد ذلك باسم «الصهيونية العملية» التي قادها زعماء أحباء صهيون واصطدمت في كثير من الجوانب المرحلية بتيار «هرتزل» الذي يُطلَق عليه اسم «الصهيونية السياسية»، وكانت اللغة المستخدمة في المؤتمر هي الألمانية «واليديشية».
المؤتمر الثاني: بازل: أغسطس ????
عُقد برئاسة «هرتزل» الذي ركَّز على ضرورة تنمية النزعة الصهيونية لدى اليهود، وذلك بعد أن أعلن معظم قيادات الجماعات اليهودية في أوربا الغربية عن معارضتهم للحل الصهيوني للمسألة اليهودية. وكانت أهم أساليب القيادة الصهيونية لمواجهة هذه المعارضة، هو التركيز على ظاهرة معاداة اليهود، والزعم بأنها خاصية لصيقة بكل أشكال المجتمعات التي يتواجد فيها اليهود كأقلية. وقد ألقى «ماكس نورداو» تقريراً أمام المؤتمر عن مسألة «دريفوس» باعتبارها نموذجاً لظاهرة كراهية اليهود وتعرُّضهم الدائم للاضطهاد حتى في أوربا الغربية وفي ظل النظم الليبرالية بعد انهيار أسوار «الجيتو». كما لجأت قيادة المؤتمر إلى تنمية روح التعصب الجماعي والتضامن مع المستوطنين اليهود في فلسطين بالمبالغة في تصوير سوء أحوالهم، وهو ما بدا واضحاً في تقرير «موتزكين» الذي كان قد أُوفد إلى فلسطين لاستقصاء أحوال مستوطنيها من اليهود، فأشار في تقريره إلى أنهم يواجهون ظروفاً شديدة الصعوبة تستدعي المساعدة من يهود العالم كافة لضمان استمرار الاستيطان اليهودي في فلسطين. ولهذا الغرض، فقد تم انتخاب لجنة خاصة للإشراف على تأسيس مصرف يهودي لتمويل مشاريع الاستيطان الصهيوني في فلسطين.
المؤتمر الثالث: بازل: أغسطس ????
عُقد برئاسة «هرتزل» الذي عرض تقريراً عن نتائج اتصالاته مع القيصر الألماني في إستنبول وفلسطين، وهي الاتصالات التي عرض فيها «هرتزل» خدمات الحركة الصهيونية الاقتصادية والسياسية على الإمبريالية الألمانية الصاعدة في ذلك الوقت مقابل أن يتبنى الإمبراطور المشروع الصهيوني. وطالب المؤتمر بتأسيس المصرف اليهودي تحت اسم «صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار»، وذلك لتمويل الأنشطة الاستيطانية الصهيونية وتوفير الدعم المالي للحركة الصهيونية. كما ناقش المؤتمر قضية النشاط الثقافي اليهودي في العالم، كما تناول المؤتمر مسألة إعادة بناء الجهاز الإداري الدائم للحركة الصهيونية ليحل محلها الجهاز المؤقت.
المؤتمر الرابع: لندن: أغسطس ????
عُقد برئاسة «هرتزل»، وجرى اختيار العاصمة البريطانية مقراً لانعقاد المؤتمر نظراً لإدراك قادة الحركة الصهيونية في ذلك الوقت تعاظُم مصالح بريطانيا في المنطقة، ومن ثم فقد استهدفوا الحصول على تأييد بريطانيا لأهداف الصهيونية، وتعريف الرأي العام البريطاني بأهداف حركتهم. وبالفعل، طُرحت مسألة بث الدعاية الصهيونية كإحدى المسائل الأساسية في جدول أعمال المؤتمر. وشهد هذا المؤتمر ـ الذي حضره ما يزيد على ??? مندوب ـ اشتداد حدة النزاع بين التيارات الدينية والتيارات العلمانية، وذلك عندما طُرحت المسائل الثقافية والروحية للمناقشة، إذ طالب بعض الحاخامات بألا تتعرض المنظمة الصهيونية للخوض في القضايا الدينية والثقافية اليهودية، وأن تقصر عملها على النشاط السياسي وخدمة الاستيطان اليهودي في فلسطين. وإزاء ذلك، دعا «هرتزل» الجميع إلى نبذ الخلافات والتركيز على الأهداف المشتركة. وخلال المؤتمر، تم وَضْع مخطط المشروع المتعلق بإنشاء الصندوق القومي اليهودي. وقد وُوجه المؤتمر بمعارضة أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا، وتجاهله أثرياء اليهود، ولذا توجَّه المؤتمر لغير اليهود ونجح في اجتذاب اهتمامهم إلى حدٍّ ما، وخصوصاً أن الصهيونية كانت تطرح حلاًّ لمشكلة المهاجرين من يهود «اليديشية» الذين كانوا يثيرون القلق في أوساط النخبة الحاكمة الإنجليزية وأثرياء اليهود. ولذا، حرص «هرتزل» على أن يدلي بشهادته أمام اللجان المختصة بمناقشة موضوع الهجرة اليهودية إلى إنجلترا.
المؤتمر الخامس: بازل: ديسمبر ????
عُقد برئاسة «هرتزل» الذي قدَّم تقريراً عن مقابلته مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ومحاولاته إقناعه بالسماح بموجات هجرة يهودية واسعة إلى فلسطين التي كانت وقتئذ إحدى ولايات الإمبراطورية العثمانية، وذلك مقابل اشتراك الخبرات اليهودية في تنظيم مالية الإمبراطورية العثمانية التي كانت تعاني ضائقة مالية آخذة في التفاقم.
وقد وافق المؤتمر على الاقتراح الذي تقدَّم به «جوهان كريمينكس» لتأسيس «الصندوق القومي اليهودي» بوصفه مصرفاً للشعب اليهودي يمكن استخدامه على نطاق واسع لشراء الأراضي في فلسطين وسوريا.
وشهد المؤتمر بروز تيار صهيوني، بزعامة «مارتن بوبر» و«حاييم وايزمان» و«ليو موتزكين» و«فيكتور جاكوبسون»، ينتقد أساليب «هرتزل» غير الديموقراطية في القيادة ويدعو إلى أن تتحلى قيادة الحركة الصهيونية بقدر أكبر من الديموقراطية. كما انتقد هذا التيار عدم حرص قيادة المنظمة على القيام بنشاط فعال لبعث الثقافة اليهودية. وفي المقابل، ظلت التيارات الدينية على موقفها المعارض لقيام المنظمة بأية أنشطة ثقافية. وأدَّى احتدام الجدل بين هذه التيارات إلى انسحاب المتدينين بزعامة الحاخام «إسحق راينز»، وقد أسسوا فيما بعد حركة «مزراحي» الصهيونية التي آثرت ممارسة نشاطها في إطار الحركة الأم.
المؤتمر السادس: بازل: أغسطس ????
عُقد برئاسة «هرتزل»، وكان آخر المؤتمرات الصهيونية التي حضرها. وقد ركز «هرتزل» في خطابه الافتتاحي، كالعادة، على تقديم تقرير إجمالي عن مباحثاته. وقد كانت مباحثاته هذه المرة مع السياسي البريطاني «جوزيف تشمبرلين» بشأن مشروع الاستيطان اليهودي في شبه جزيرة سيناء. وكان «هرتزل» قد ألمح لبريطانيا بهذا المشروع كوسيلة لمواجهة الثورة الشعبية المصرية التي رآها هو وشيكة الحدوث، وهو ما يستدعي وجود كيان سياسي حليف لبريطانيا على حدود مصر الشرقية. إلا أن بريطانيا لم تقبل هذه الفكرة وعرضت مشروعاً للاستيطان اليهودي في أوغندا عرف باسم «مشروع شرق أفريقيا». وقد نصح «هرتزل» المؤتمر بقبول هذا العرض، إلا أنه ووُجه بمعارضة من أطلقوا على أنفسهم اسم «صهاينة صهيون» بزعامة «مناحم أوسيشكين» رئيس اللجنة الروسية والذين رفضوا القبول ببديل لاستيطان اليهود في فلسطين. وقد نجح «هرتزل» رغم ذلك في الحصول على موافقة أغلبية المؤتمر على اقتراحاته وهو ما حدا بالمعارضين إلى الانسحاب من المؤتمر.
وقد تقرَّر إيفاد لجنة للمنطقة المقترحة للاستيطان اليهودي للاطلاع على أحوالها ودراسة مدى ملاءمتها لهذا الغرض. كما تقرَّر إنشاء «الشركة البريطانية الفلسطينية» في يافا لتعمل كفرع لـ «صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار».
وقد شهد هذا المؤتمر نمواً عددياً ملحوظاً في أعضائه إذ حضره ??? عضواً يمثلون ???? جمعية صهيونية في أنحاء العالم.
المؤتمر السابع: بازل: أغسطس ????
انتقلت رئاسة المؤتمر إلى «ماكس نورداو» بعد وفاة «هرتزل»، وكانت القضية الأساسية التي طُرحت للنقاش هي مسألة الاستيطان اليهودي خارج فلسطين، وخصوصاً في شرق أفريقيا. وجاء تقرير اللجنة التي أُوفدت إلى هناك ليفيد بعدم صلاحية المنطقة لهجرة يهودية واسعة. إلا أن بعض أعضاء المؤتمر دافع عن ضرورة قبول العرض البريطاني بدون أن تفقد الحركة أطماعها في فلسطين، وسُمِّي أنصار هذا الرأي الذي عبَّر عنه «زانجويل» باسم «الصهاينة الإقليميون». غير أن من المُلاحَظ أن غياب «هرتزل»، واعتراض المستوطنين البريطانيين في شرق أفريقيا على توطين أجانب في إحدى المستعمرات البريطانية، وكذا اعتراض اليهود المندمجين على المشروع، رجَّح إلى حدٍّ بعيد وجهة النظر الرافضة للاستيطان اليهودي خارج فلسطين، الأمر الذي جعل أغلبية المؤتمر تُصوِّت ضد هذا المشروع، وهو ما أدَّى إلى انسحاب الإقليميين وتأسيسهم المنظمة الإقليمية العالمية. واستمرت الأغلبية في تأكيد ضرورة الاستيطان في فلسطين. واكتسب أنصار الصهيونية العملية (الاستيطانية) قوة جديدة من هذا الموقف فتضمنت قرارات المؤتمر أهمية البدء بالاستيطان الزراعي واسع النطاق في فلسطين عن طريق شراء الأراضي من العرب وبناء اقتصاد مستقل لليشوف (الجيب) الاستيطاني داخل فلسطين، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في تاريخ الحركة الصهيونية على ضوء حقيقة أنه جاء عقب بداية وصول موجة الهجرة اليهودية الثانية (????) إلى فلسطين، وهي الهجرة التي وضعت الأُسس الحقيقية للاستيطان الصهيوني وأسهمت إلى حدٍّ كبير بالاشتراك مع الهجرة الثالثة في تحديد معالمه، وامتد تأثيرهما معاً إلى فلسفة وأبنية الكيان الإسرائيلي عقب تأسيس الدولة. وقد أدخل المؤتمر تعديلاً مهماً على قانون «صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار» بحيث ينص على تنفيذ المشاريع الصهيونية في فلسطين وسوريا وأي قسم آخر من تركيا الآسيوية وفي شبه جزيرة سيناء وجزيرة قبرص. كما جرى انتخاب «دافيد ولفسون» لرئاسة المنظمة الصهيونية العالمية خلفاً «لهرتزل». وقد انتقلت قيادة الحركة الصهيونية من «فيينا» إلى «كولونيا» بألمانيا حيث يعيش «ولفسون».
المؤتمر الثامن: لاهاي: أغسطس ????
عُقد برئاسة «ماكس نورداو»، وتركزت المناقشات فيه على برامج الاستيطان وإنشاء المستعمرات الزراعية في فلسطين. ولما كانت المنظمة الصهيونية تفتقر إلى مركز في فلسطين للإشراف على الأنشطة الاستيطانية، قرر المؤتمر تأسيس «مكتب فلسطين» ليتولى شراء الأراضي ومساعدة المهاجرين اليهود ودعم الاستيطان الزراعي. كما وافق المؤتمر على تأسيس شركة لشراء واستثمار الأراضي وهي التي سُجلت ـ فيما بعد ـ في بريطانيا باسم «شركة تنمية الأراضي في فلسطين». وقد ظهر في هذا المؤتمر التيار الصهيوني المسمَّى «الصهيونية التوفيقية».
وقد جدَّد المؤتمر انتخاب «ولفسون» رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية. وكان سبب عقد المؤتمر في لاهاي بهولندا هو تزامنه مع مؤتمر السلام الدولي الثاني حتى تُوضَع الحركة الصهيونية في بؤرة الاهتمام الدولي.
المؤتمر التاسع: هامبورج: ديسمبر ????
عُقد برئاسة كل من «مناحيم أوسيشكين» و«حاييم وايزمان» و«ناحوم سوكولوف»، وهو أول مؤتمر يُعقَد في ألمانيا، وقد أولى اهتماماً واضحاً لبحث النتائج المترتبة على الثورة التركية بالنسبة لمشاريع الاستيطان اليهودي في فلسطين. وتشكيل رئاسة المؤتمر يبيّن أن يهود شرق أوروبا (المصدر الأساسي للمادة البشرية الاستيطانية) قد أصبحوا هم القيادة بدلاً من «هرتزل» أو «نورداو» الذين جاءوا من ألمانيا ووسط أوربا. وشهد المؤتمر زيادة ثقل الصهاينة العمليين ورغبتهم في ابتلاع فلسطين دون انتظار توافر الظروف السياسية الدولية المناسبة. ولهذا، قرر المؤتمر إنشاء مستوطنات تعاونية مثل «الكيبوتس» و«الموشاف»، كما تصاعدت الأصوات المعارضة لزعامة «ولفسون» بسبب نظرته التجارية للنشاطات الاستيطانية، إذ كان ينظر إلى أهمية هذه الأنشطة طبقاً لقيمتها الاقتصادية، إلا أنه نجح مع ذلك في الاحتفاظ بمنصبه كرئيس للمنظمة الصهيونية.
المؤتمر العاشر: بازل: أغسطس ????
عُقد برئاسة «مناحم أوسيشكين»، وقد اتضح فيه تماماً أن المؤتمرات الصهيونية إطار يتسع لوجود الاتجاهات والتيارات الصهيونية كافة، برغم ما يبدو عليها ظاهرياً من تناقضات. ففي الوقت الذي أكد فيه المؤتمر أن المسألة اليهودية لا يمكن أن تحل إلا بالهجرة إلى فلسطين، وأن المهمة الملحة للمنظمة الصهيونية العالمية هي تشجيع وتنظيم الهجرة إلى فلسطين، فقد نوقشت أيضاً مسألة إحياء وتدعيم الثقافة العبرية. كما سجل الصهاينة العمليون خلال هذا المؤتمر انتصاراً جديداً، حيث اضطر «ولفسون» أمام المعارضة المتنامية للاستقالة من منصبه وتم اختيار «أوتو واربورج» (أحد زعماء الصهيونية العملية) رئيساً للمنظمة الصهيونية. كما أن هذا المؤتمر كان بداية صعود نجم «ناحوم سوكولوف» حيث اختير لعضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة. وكل هذا يعني استيلاء يهود شرق أوربا على المنظمة وأفول نجم يهود وسط أوربا (الألمان) الذين طوَّروا الأطروحات الصهيونية وأسسوا المنظمة وأداروها.
المؤتمر الحادي عشر: فيينا: سبتمبر ????
عُقد برئاسة «ديفيد ولفسون»، وهو آخر المؤتمرات الصهيونية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد تمت فيه الموافقة بشكل مبدئي على إنشاء جامعة عبرية في القدس، وجاء ذلك تأكيداً لنفوذ «وايزمان» المتزايد حيث كان هو و«أوسيشكين» و«بوبر» من أبرز دعاة المشروع. كما أعلن المؤتمر تشجيعه للجهود الرامية لشراء وتنمية الأراضي في فلسطين. كما أصدر المؤتمر قراراً يتناول الهجرة اليهودية إلى فلسطين كواجب والتزام صهيوني على كل من يملك القدرة المادية على خلق مصالح اقتصادية ملموسة في فلسطين. وأشار القرار إلى أنه يجب على كل يهودي أن يضع مسألة الاستيطان في فلسطين كجزء من برنامج حياته وسعيه لتحقيق مثاليته وكماله الخلقي.
المؤتمر الثاني عشر: كارلسباد: سبتمبر ????
عُقد برئاسة «ناحوم سوكولوف» وهو أول مؤتمر تعقده الحركة الصهيونية بعد نجاحها في استصدار وعد «بلفور» من بريطانيا عام ???? واحتلال الجيوش البريطانية لفلسطين، الأمر الذي كان موضع ترحيب شديد من المؤتمر باعتباره خطوة في طريق تحقيق المشروع الصهيوني. كما تمت أيضاً مناقشة نشاطات الصندوق التأسيسي اليهودي الذي أنشئ عام ???? خلال مؤتمر استثنائي للمجلس الصهيوني العام في «لندن». كما قرَّر المؤتمر تأسيس المجلس الاقتصادي المالي ليعمل كهيئة استشارية وليشرف على المؤسسات الاقتصادية والمالية للحركة الصهيونية. ومن الغريب أن المؤتمر، برغم هذا التخطيط الصهيوني، قد أعلن أن الصهـاينة يكافحون من أجل العيش في ظل علاقات انسجام واحترام متبادل مع الشعب العربي، كما أن المجلس التنفيذي للمنظمة ناشد المنظمة أن تحقق تفاهماً صادقاً مع الشعب العربي. ونظراً لازدياد أهمية الدور البريطاني بالنسبة للحركة الصهيونية، فقد قرر المؤتمر أن يكون للمجلس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية مقران، أحدهما في لندن والآخر في القدس. واختير ممثل العمال اليهود في فلسطين «جوزيف سبرنزاك» رئيساً للجنة التنفيذية في القدس بينما اختير «سوكولوف» رئيساً للجنة التنفيذية بأكملها. وقد صدَّق المؤتمر على قرارات مؤتمر «لندن» الاستثنائي عام ???? بانتخاب «وايزمان» رئيساً للمنظمة الصهيونية. وهكذا حُسم الصراع الذي دار في المؤتمر حول أساليب الاستيطان بين صهاينة الولايات المتحدة بزعامة «لويس برانديز» وصهاينة أوربا بزعامة «وايزمان» لصالح «وايزمان».
المؤتمر الثالث عشر: كارلسباد: أغسطس ????
عُقد بعد موافقة عصبة الأمم على فرض الانتداب البريطاني على فلسطين. وقد أعلن المؤتمر ترحيبه بهذه الخطوة على ضوء التزام بريطانيا (في البند الرابع من صك الانتداب) بالاعتراف بوكالة يهودية تتمتع بالصفة الاستشارية إلى جانب حكومة الانتداب لها سلطة القيام بتنفيذ المشاريع الاقتصادية والاستيطانية، وبذلك التزمت بريطانيا بالتعاون مع تلك الوكالة في كل الأمور المتعلقة بإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين.
وقد ناقش المؤتمر اقتراح «وايزمان» الرامي إلى توسيع الوكالة اليهودية بحيث تضم في مجلسها الأعلى ولجانها عدداً من المموِّلين اليهود في العالم، وخصوصاً غير الصهاينة منهم. وكان الغرض من ذلك تعزيز المصادر المالية للمنظمة الصهيونية وضمان سرعة تنفيذ المشاريع الصهيونية اعتماداً على المراكز الرسمية الحساسة التي يشغلها هؤلاء المموِّلون بالإضافة إلى تدعيم المركز التفاوضي للمنظمة مع الحكومات الأوربية، والوقوف في وجه الرفض اليهودي للصهيونية وسياستها بادعاء أن المنظمة تمثل يهود العالم كافة دون تمييز. وقد لقي الاقتراح معارضة شديدة كان أبرز ممثليها «جابوتنسكي». ولهذا، اكتفى المؤتمر باتخاذ قرار بتوجيه الدعوة إلى اجتماع لبحث توسيع الوكالة اليهودية عملاً بنص المادة الرابعة من صك الانتداب.
المؤتمر الرابع عشر: فيينا: أغسطس ????
حضر المؤتمر وفد من الصهاينة التصحيحيين برئاسة «جابوتنسكي» الذي طالب بتبني سياسة صهيونية أكثر إيجابية، وهو يعني في الواقع سياسة أكثر عنفاً ونشاطاً في تنفيذ مشروعات الاستيطان، كما عارض السماح لغير الصهاينة من اليهود بالانضمام إلى الوكالة اليهودية. وقد تناول المؤتمر بالتقييم تجربة السنوات الخمس الأولى من الانتداب، ومدى نجاح مشاريع الاستيطان المرتبطة بموجة الهجرة الرابعة القادمة من بولندا.
المؤتمر الخامس عشر: بازل: أغسطس/ سبتمبر ????
عُني المؤتمر بقضية أساسية هي بحث الأوضاع الاقتصادية السيئة التي برزت في المقام الأول في شكل تفشِّي ظاهرة البطالة في التجمع الاستيطاني الصهيوني في تلك الفـترة، وهو ما أدَّى إلى تصاعُـد موجـة الهجرة من فلسـطين إلى خارجها. وقد نظرت قيادة الحركة الصهيونية إلى هذه الظاهرة بانزعاج شديد، وجعلت هذا المؤتمر ميداناً لبحث الوسائل الكفيلة بمنع تفاقمه.
المؤتمر السادس عشر: زيورخ: يوليه/ أغسطس ????
كان الإنجاز الأساسي لهذا المؤتمر هو إعداد دستور الوكالة اليهودية التي نص عليها صك الانتداب البريطاني على فلسطين، وتحقَّق في هذا الصدد ما نادى به «وايزمان» من ضرورة توسيع هذه الوكالة لتشمل اليهود غير الصهاينة، وهو الأمر الذي عارضه «جابوتنسكي» بشدة. كما كان المؤتمر بداية لبروز شخص «ديفيد بن جوريون». وفي نهاية المؤتمر تجدَّد انتخاب «وايزمان» رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية، و«سوكولوف» رئيساً لمجلسها التنفيذي.

المؤتمر السابع عشر: بازل: يونيو/ يوليو ????
عُقد برئاسة «ليو موتزكين»، وقد أعلن المؤتمر احتجاجه على مقترحات اللورد البريطاني «باسفيلد»، الذي أوصى عقب المظاهرات العربية في فلسطين سنة ???? بوضع بعض القيود على الهجرة اليهودية وعلى عمليات شراء الأراضي العربية. وقد اضطر «وايزمان» إلى الاستقالة من رئاسة المنظمة الصهيونية أمام ضغوط المعارضة التي احتجت على سياسته الرامية إلى التحالف غير المشروط مع بريطانيا. وقد انتُخب «سوكولوف» رئيساً للمنظمة خلفاً «لوايزمان». وأثار التصحيحيون بقيادة «جابوتنسكي» أزمة حينما طالبوا المؤتمر بأن يعلن في قرار واضح لا لبس فيه أن إقامة دولة يهودية في فلسطين هو الهدف النهائي للحركة الصهيونية، إلا أن الأحزاب الصهيونية العمالية رفضت أن يُطرَح مثل هذا القرار للتصويت لخطورة النتائج المترتبة على مثل هذا الإعلان المبكر عن الأهداف الصهيونية. وقد أيَّدت الأغلبية هذا الرأي، وهو ما أدَّى إلى انسحاب «جابوتنسكي» وأنصاره وتكوين المنظمة الصهيونية الجديدة.
المؤتمر الثامن عشر: براغ: أغسطس/ سبتمبر ????
تكمن أهمية هذا المؤتمر في أنه جاء عقب وصول «هتلر» إلى الحكم في ألمانيا. وقد درس المؤتمر برنامجاً واسعاً لتوطين اليهود الألمان في فلسطين. وحضر المؤتمر بعض التصحيحيين بزعامة «ماير جروسمان»، الذين انشقوا على قيادة «جابوتنسكي» وألفوا «حزب الدولة اليهودية» وأكدوا اعترافهم بسيادة المنظمة الأم في كل الأحوال. كما شهد المؤتمر صراعاً واضحاً بين حزب «الماباي» الذي تأسس سنة ???? وبين التصحيحيين، وهو الأمر الذي يُعَد الأساس التاريخي للصراع بين «الماباي» وحزب «حيروت» بعد إنشاء دولة إسرائيل (ثم بين المعراخ وليكود). وقد جدَّد المؤتمر انتخاب «سوكولوف» رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية. وفي هذا المؤتمر نجح الصهاينة العماليون (الاستيطانيون) في تمرير اتفاقية «الهعفرا» التي كان يفكر قادة المستوطنين في توقيعها مع النازي. وقد تمت الموافقة على عقد اتفاقية «الهعفرا» مع النازيين، مما أدى إلى قصم ظهر المقاطعة الاقتصادية اليهودية العالمية للنظام النازي (انظر الفصل الثالث من الباب الثاني، وهو بعنوان «الصهيونية الفاشية والنازية»).
المؤتمر التاسع عشر: لوسيرن (سويسرا): أغسطس/ سبتمبر ????
عُقد برئاسة «وايزمان»، وكان «ناحوم جولدمان» أحد نواب الرئيس. وقد قاطع التصحيحيون هذا المؤتمر الذي انصب اهتمامه على أوضاع اليهود في ألمانيا وكيفية ترتيب إجراءات هجرتهم إلى فلسطين، وكذلك تنمية نشاطات الصندوق القومي اليهودي. وقد رفض المؤتمر الاقتراح الذي تقدَّمت به بريطانيا لإنشاء المجلس التشريعي في فلسطين. كما تقرر إعادة «وايزمان» لرئاسة المنظمة الصهيونية بينما انتُخب «سوكولوف» رئيساً فخرياً للمنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية، كما أُعيد انتخاب «بن جوريون» لعضوية اللجنة التنفيذية.
المؤتمر العشرون: زيوريخ: أغسطس ????
عُقد برئاسة «مناحم أوسيشكين». وقد تناول المؤتمر تقرير لجنة حول تقسيم فلسطين والذي كان قد أُعلن قبل شهر من انعقاد المؤتمر. وقد انقسمت الآراء حول التقرير ودارت المناقشة حول المقارنة بين المزايا النسبية لإقامة الدولة الصهيونية المستقلة وبين ما تصوَّرت بعض قيادات الحركة الصهيونية أنه تضحية من جانبها بالأقاليم المخصصة للعرب وفقاً لهذا المشروع وخسارة للجزء الأعظم من فلسطين. فمن جانبهما، أعلن «وايزمان» و«بن جوريون» تأييدهما لإجراء مفاوضات مع الحكومة البريطانية بهدف التوصل إلى خطة تُمكِّن يهود فلسطين من تكوين دولة يهودية مستقلة ومن تحسين أحوال اليهود في البلاد الأخرى في آن واحد. وعلى الجانب الآخر، قاد «كاتزنلسـون» و«أوسيشكين» المعارضة الصارمة، ورفضا مبدأ التقسـيم أصلاً، انطلاقاً من أن الشعب اليهودي لا يملك أن يتنازل عن حقه في أي جزء من وطنه التاريخي، ولذا فإن الدولة اليهودية (أي الصهيونية) لابد أن تشمل فلسطين كلها. وقد توصَّل المؤتمر إلى حل وسط تمثَّل في اعتبار مشروع التقسيم غير مقبول، إلا أنه فوَّض المجلس التنفيذي في التفاوض مع الحكومة البريطانية لاستيضاح بعض عبارات الاقتراح البريطاني التي اعتُبرت غامضة في ظاهرها، وكان الهدف الحقيقي هو ممارسة الضغط على بريطانيا لتبنِّي موقف أكثر تعبيراً عن المصالح الصهيونية مع استغلال نشوء ظرف تاريخي جديد هو اشتعال الثورة الفلسطينية الكبرى (????ـ ????).
المؤتمرات الصهيونية من إعلان الدولة الصهيونية (????) حتى عام (????)
المؤتمر الحادي والعشرون: جنيف: أغسطس ????
عُقد برئاسة «أوسيشكين». وكانت القضية الأساسية المطروحة للمناقشة أمامه هي الموقف من الكتاب الأبيض البريطاني الذي كانت بريطانيا قد أصدرته لتوها لاسترضاء العرب بوضع بعض القيود على حجم الهجرة اليهودية ومساحات الأرض التي يجوز شراؤها من جانب اليهود، وذلك بعد أن نجحت في قمع الثورة الفلسطينية الكبرى (???? ـ ????) بالتعاون مع الحركة الصهيونية ومنظماتها الاستيطانية في فلسطين. وقد استند هذا الرفض الصهيوني إلى مناخ الحرب العالمية الثانية التي بدأت نذرها تلوح في الأفق بما يعنيه هذا من شدة احتياج بريطانيا لمساعدة الحركة الصهيونية.
المؤتمر الثاني والعشرون: بازل: ديسمبر ????
عُقد برئاسة «وايزمان»، وقد حضر التصحيحيون هذا المؤتمر. وكان المناخ الذي انعقد في ظله المؤتمر هو محاولة الضغط على بريطانيا لخلق الدولة الصهيونية، ولذا فقد تزعَّم التصحيحيون الاتجاه الداعي إلى تبنِّي سياسة متشددة إزاء بريطانيا انطلاقاً من الاعتقاد بأنها لم تنفذ ما تعهدت به وفق نص الانتداب. كما طالبوا بتدعيم حركة المقاومة العبرية التي هاجمت بعض المنشآت البريطانية. وفي مواجهة هذا الموقف، تبنَّى «وايزمان» رأياً يدعو إلى الدخول في حوار مع بريطانيا حرصاً على استمرار علاقات طيبة مع الدولة التي تملك إمكانية فتح أبواب فلسطين لهجرة يهودية واسعة. وإزاء هذا الصراع قدَّم «وايزمان» استقالته من رئاسة المنظمة الصهيونية، وأخفق المؤتمر في اختيار بديل له. وقد اختير «ناحوم جولدمان» رئيساً للجنة التنفيذية في «نيويورك»، «وبيرل لوكر» رئيساً لهذه اللجنة في القدس.
المؤتمر الثالث والعشرون: القدس: أغسطس ????
أول مؤتمر صهيوني يُعقَد في القدس بعد قيام الدولة الصهيونية، وكان برئاسة «ناحوم جولدمان». ولذا، فقد كان من الطبيعي أن تكون إحدى المسائل الأساسية موضوع الدراسة في المؤتمر هي العلاقة بين الدولة الصهيونية الناشئة والحركة الصهيونية التي خلقتها متمثلة في المنظمة الصهيونية العالمية، وكيفية تحديد اختصاصات كل منهما تفادياً للتضارب أو الازدواج. وقد ترتَّب على توصية المؤتمر بتنظيم هذه العلاقة حيث أصدرت الحكومة الإسرائيلية قانوناً بهذا الشأن في نوفمبر ???? أعطت للمنظمة بموجبه وضعاً قانونياً فريداً يخوِّل لها حق جَمْع الأموال من يهود العالم وتمويل الهجرة إلى إسرائيل بل حتى الإشراف على توطين واستيعاب المهاجرين داخل المجتمع الإسرائيلي والمساعدة في تطوير الاقتصاد وما تستدعيه ممارسة هذه الصلاحيات جميعاً من التمتع بحقوق التعاقد والملكية والتقاضي، وهو ما دفع بعض الفقهاء القانونيين إلى اعتبار هذا الوضع نموذجاً شاذاً لمنظمة خاصة ذات صفة دولية تمارس صلاحيات واسعة على إقليم دولة معينة بموافقتها وعلى أراضي الدولة الأخرى نيابة عنها. وقد أدخل المؤتمر تعديلات جوهرية على برنامج «بازل» لمواجهة الأوضاع الجديدة التي ترتبت على تحقيق الهدف الرئيسي لهذا البرنامج أي تأسيس الدولة الصهيونية، وعرف هذا البرنامج الجديد باسم «برنامج القدس»، والذي تُعَدُّ الموافقة عليه شرطاً أساسياً لعضوية المنظمة الصهيونية.
ويحدد البرنامج الأهداف الرئيسية للحركة الصهيونية معتبراً أن «تجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي ـ أرض إسرائيل ـ عن طريق الهجرة من جميع البلدان» هو هدف الصهيونية الأول.
المؤتمر الرابع والعشرون: القدس: أبريل/ مايو ????
عُقد برئاسة «سير نيزاك». وقد كان هذا المؤتمر بمنزلة مظاهرة دعائية تمهد للعدوان الإسرائيلي على مصر والذي أعقب انفضاض جلسات المؤتمر بخمسة شهور، فقد أشار المؤتمر في بيانه السياسي الختامي إلى أنه يدرك تماماً المخاطر التي تهدِّد دولة إسرائيل بسب النوايا العدوانية للدول العربية التي تتلقَّى السلاح من الشرق والغرب. وناشد المؤتمر يهود العالم جميعاً الإسراع بتحمُّل مسئولياتهم التاريخية تجاه إسرائيل، وتعبئة كل الإمكانيات لضمان قوتها وأمنها ورخائها، وضمنه تدفُّق الهجرات اليهودية واسعة النطاق إلى إسرائيل، وضمان توفُّر نظام متكامل وحديث لاستيعاب المهاجرين الجدد في إسرائيل، وهو ما يعني في النهاية تكريس المشروع الاستيطاني الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني. وفي نهاية المؤتمر، تم انتخاب «جولدمان» رئيساً للمنظمة الصهيونية ورئيساً للمجلس التنفيذي للوكالة اليهودية بعد أن ظل هذا المنصب شاغراً منذ استقالة «وايزمان» عام ????.
المؤتمر الخامس والعشرون: القدس: ديسمبر ????/ يناير ????
عُقد برئاسة «ناحوم جولدمان»، وقد اتسم هذا المؤتمر بانفجار خلاف واضح بين «بن جوريون» (رئيس الوزراء وقتئذ) و«جولدمان» حول تكييف العلاقة بين إسرائيل والمنظمة الصهيونية. وهنا تبدو محاولة الصفوة السياسية الإسرائيلية وضع قبضتها على المنظمة الصهيونية، فقد أشار «بن جوريون» إلى ضرورة أن تكون المنظمة إحدى أدوات السياسة الخارجية الإسرائيلية في تحقيق الإشراف على يهود العالم وتعبئة إمكاناتهم لتدعيم الكيان الصهيوني، بينما كان «جولدمان» يرى أن المنظمة هي المسئولة دائماً عن الحركة الصهيونية، سواء داخل حدود إسرائيل (الكيان الذي خلقته المنظمة) أو خارجها. وبالإضافة إلى هذا، كانت قضية الهجرة اليهودية إلى إسرائيل هي ميدان الخلاف الثاني، خصوصاً بعد أن كادت الهجرة اليهودية من أوربا الغربية وأمريكا لإسرائيل أن تتوقف نتيجة تصاعُد إمكانات اندماج اليهود في مجتمعاتهم. وإزاء هذا الوضع، أكد «بن جوريون» أن الهجرة إلى إسرائيل واجب ديني وقومي على كل اليهود، ذلك لأن اليهودي لا يكتسب كماله الخلقي ومثاليته ولا يعبِّر عن إيمانه بالصهيونية إلا بالوجود على أرض الدولة اليهودية، أي الدولة الصهيونية، على حين رأى «جولدمان» أن بمقدور اليهودي أن يكون صهيونياً مخلصاً مع استمراره في الإقامة في بلده الأصلي.
وقد انتهى المؤتمر إلى حل وسط يتمثل في ضرورة تدعيم التعليم اليهودي في أنحاء العالم وتنمية الثقافة اليهودية لدى يهود المجتمـعات الغربية للحـيلولة دون انصـهارهم في مجتمعاتهم الأصلية. كما أعاد المؤتمر انتخاب جولدمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية.
المؤتمر السادس والعشرون: القدس: ديسمبر ????/ يناير ????
عُقد برئاسة «جولدمان» الذي أشار في خطاب الافتتاح إلى ضرورة بدء عهد جديد من التعاون بين إسرائيل والجماعات اليهودية في العالم (الدياسبورا)، كما أكد مسئولية دولة إسرائيل في مكافحة خطر اندماج يهود «الدياسبورا» فكرياً وثقافياً واجــتماعياً في المجتـمعات التي يقيمون فيها، وهو الخطر الذي اتسمت الحركة الصهيونية دائماً بحساسية دائمة ومفرطة تجاهه والذي رأت فيه تهديداً لها لا يقل عن ظاهرة العداء لليهود. ولمواجهة هذا الخطر، أوصى المؤتمر بأن تُولي المنظمة الصهيونية بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية قضية تدعيم اللغة العبرية والقيم القومية التقليدية لدى يهود العالم اهتماماً متزايداً. ونظراً لهبوط معدلات الهجرة إلى إسرائيل في تلك الفترة هبوطاً شديداً، شهد هذا المؤتمر بداية الضغوط الصهيونية بشأن ما عُرف بقضية اليهود السوفييت. وقد جدَّد المؤتمر انتخاب «جولدمان» رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية.
المؤتمر السابع والعشرون: القدس: يوليو ????
أول مؤتمر صهيوني يُعقد بعد أن دخلت التوسعية الإسرائيلية مرحلة متقدمة من مراحل التعبير عن نفسها في حرب يونيو ????. وقد طُرحت قضية الهجرة اليهودية إلى إسرائيل كقضية محورية في هذا المؤتمر للدفاع عما استطاعت إسرائيل تحقيقه من تَوسُّع بالقوة المسلحة في حرب يونيو ????، ولتشجيع سياسة الاستيطان في الأراضي المحتلة، ولتطبيق السياسة التي أعلن عنها «ديان» باسم «سياسة خَلْق الحقائق الجديدة». والواقع أن هذا يؤكد ما اعتبره «جولدمان» المهام الأساسية التي تواجه الحركة الصهيونية والتي كانت مسألة الهجرة في طليعتها. وفي هذا الصدد، صدَّق المؤتمر على قرار الحكومة الإسرائيلية بإنشاء وزارة لاستيعاب المهاجرين. وهنا يبدو أن تَوسُّع سنة ???? قد اختصر المسافة بين «جولدمان» من جهة و«بن جوريون» وتلاميذه «ديان» و«بيريز» من جهة أخرى، وجعل القضية المطروحة عليهم جميعاً بإلحاح هي كيفية خلق واقع سكاني جديد في الأراضي العربية المحتلة. ومن المثير للدهشة بعد هذا أن يناشد المؤتمر الشعوب العربية والقادة العرب التعجيل بإحلال السلام في الشرق العربي، وأن يدعو بيانه الختامي الدول المحبة للسلام أن تقدِّم لإسرائيل أسلحة دفاعية ضد العرب الذين يهددونها بخطر الإبادة. وفي نهاية المؤتمر، قدَّم «جولدمان» استقالته من رئاسة المنظمة الصهيونية ولم يتم اختيار خلف له. وقد أقر المؤتمر إضافة الفقرة التالية إلى «برنامج القدس (????)»، الذي سُمِّي «برنامج القدس وهي تُوضِّح أهداف الصهيونية بالتفصيل كما يلي: وحدة الشعب اليهودي ومركزية إسرائيل في حياته؛ تجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي ـ أرض إسرائيل ـ عن طريق الهجرة من مختلف البلدان؛ تدعيم دولة إسرائيل التي قامت على أساس الرؤيا النبوئية للعدل والسلام؛ الحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال تعزيز التربية اليهودية والعبرية والقيم الثقافية والروحية اليهودية، وحماية الحقوق اليهودية أينما كانت.
وصياغة «برنامج القدس» صياغة مراوغة إلى أقصى حد، وهو ما جعـل عملية تبنيه مسألة سهلة جداً. ورغم الموافقة الأولية على «برنامج القدس» من جانب الاتحادات الصهيونية والتجمعات اليهودية المختلفة، باعتباره شرطاً لانضمامها إلى المنظمة الصهيونية، فقد أثار منذ إقراره (وحتى الآن) نقاشـات وخـلافات حادة بين الاتجاهات المتعددة في الحركة الصهيونية، وخصوصاً فيما يتعلق بتأكيده محورية الهجرة إلى إسرائيل كأساس لتحقيق الصهيونية، وبالتالي إعطاء إسرائيل دور المركز بالنسبة ليهود العالم، وما يترتب على ذلك من اعتبار من لا يعتزم الهجرة إلى إسرائيل غير صهيوني.
وتمثل التجمعات الصهيونية خارج إسرائيل عموماً، والتجمعات الصهيونية في أمريكا بشكل خاص، المعارضة الأساسية لهذه النصوص التي تؤدي ـ في نظرهم ـ إلى زيادة ثقل دولة إسرائيل داخل الحركة الصهيونية مع تقليص دور التجمعات في الخارج وتهميشها. وترفض المنظمات المؤيدة لهذا الاتجاه اعتبار اليهود «أمة» مرتبطة بوطن وتكتفي بالحديث عن «شعب يهودي» دون الارتباط بوطن واحد. كما تطالب بتأكيد المشاركة بين الدولة ويهود «الشتات» في الخارج على قدم المساواة، وبالنظر إلى الهجرة نحو إسرائيل لا كأساس لتحقيق الصهيونية وإنما كمثل أعلى.
المؤتمر الثامن والعشرون: القدس: يناير ????

عُقد برئاسة «أرييه بينكوس» الذي انتُخب أيضاً رئيساً للجنة التنفيذية. وقد كان واضحاً منذ البداية تصاعد النفوذ الإسرائيلي الرسمي في المؤتمر. وقد أعلن «جولدمان» اعتراضه على الحملة الإسرائيلية على الاتحاد السوفيتي حول قضية هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل. ويمكن القول بأن السمة الأساسية للمناخ الذي انعقد في ظله المؤتمر هي الإحساس بتفاقم التناقضات العرْقية والاجتماعية في إسرائيل، ولعلها المرة الأولى التي يتطرق فيها مؤتمر صهيوني إلى الناحية الاجتماعية داخل الكيان الصهيوني، بحيث خصص إحدى لجانه لدراستها، وخصوصاً بعد ظهور حركة «الفهود السود»، كأحد مظاهر احتدام التناقض بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين. ولعل هذا هو السبب في رفض قيادات المؤتمر الصهيوني إعطاء الفرصة لممثلي «الفهود السود» كي يتحدثوا أمام المؤتمر وذلك خشية ما يمكن أن يحـدث من آثار سـلبية على قضـية الهـجرة اليهودية إلى إسرائيل، وهي القضية التي استمر المؤتمر في تأكيد محوريتها وتأكيد ضرورة كفالة الظروف الملائمة لتشجيعها مثل الاستيعاب والاستيطان والحيلولة دون احتدام التناقضات الاجتماعية والسلالية داخل إسرائيل. وقد دعا المؤتمر إلى ضرورة دعم التعليم اليهودي والثقافة الصهيونية لدى الجماعات اليهودية في العالم. وقد استغلت بعض القيادات الإسرائيلية (بنحاس سابير ـ إيجال آلون) المؤتمر لتأكيد أهمـية الهجرة للمطالبة بمزيد من المسـاعدات المالية من الجماعات اليهودية، وذلك لتأمين استيعاب موجات الهجرة إلى إسـرائيل عن طريق مشـروعات الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، وهي المشروعات التي أشار «إيجال آلون» إلى أنها تسهم في تجديد روح الريادة في أوساط الشباب، وهو ما يعني تحقيق المزيد من إضفاء الطابع الصهيوني على الصابرا والمهاجرين الجدد، وخصوصاً بعد أن لاحظ المؤتمر عزوف الشباب عن الصهيونية ومُثُلها.
المؤتمر التاسع والعشرون: القدس: فبراير/ مارس ????
عُقد برئاسة «أرييه دولزين» الذي انتُخب رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية. وشارك في هذا المؤتمر ـ لأول مرة ـ ممثلون ومراقبون من خمس منظمات يهودية عالمية هي: «الاتحاد العالمي لليهود الشرقيين» ـ منظمة «مكابي» العالمية ـ «الرابطة العالمية لليهود التقدميين» ـ «المجلس العالمي للمعابد المحافظة» ـ «المؤتمر العالمي للمعابد الأرثوذكسية».
وجاء المؤتمر عقب صعود «الليكود» إلى الحكم، ففقد التجمع العمالي «المعراخ» مكانته كقوة أولى في الحركة الصهيونية، كما تغيَّرت التحالفات داخل المؤتمر لصالح «الليكود» حيث انفرط الحلف التقليدي بين العمل «ومزراحي» نتيجة انضمام الأخير إلى تحالف «الليكود». وأبدت «الكونفدرالية العالمية للصهيونية العمومية» استعدادها للانضمام للائتلاف الجديد. وفي المقابل، نشأ تحالف بين «المعراخ» وممثلي اليهود الإصلاحيين. وقد انعكس هذا التحول على مناقشات المؤتمر، فشهدت مداولات تشكيل اللجنة التنفيذية خلافات حادة بين الكتلتين على توزيع مقاعد اللجنة، كما تفجرت الخلافات بينهما عند مناقشة مسألة تمثيل اليهود الشرقيين بشكل مناسب في أجهزة المنظمة الصهيونية.
وعكست مناقشات المؤتمر جو الأزمة العامة التي تعيشها الحركة الصهيونية والتي تجسَّدت في عدد من الظواهر البارزة لعل أهمها تَراجُع معدلات الهجرة إلى الكيان الصهيوني وتزايد معدلات النزوح والتساقط، بالإضافة إلى الإخفاقات المستمرة في مجال التعليم اليهودي وانفصال الشباب اليهودي بشكل متزايد عما يُسمَّى «التراث اليهودي» وارتفاع نسبة الزواج المُختلَط، وهو ما اعتبره أعضاء المؤتمر كارثة سكانية تزداد حدتها يوماً بعد يوم.
وأولى المؤتمر التوسـع في إقامة مـستوطنات جــديدة اهتماماً بالغاً، وكذا العمل على سرعة استيعاب المهاجرين في المستوطنات القائمة. وبشكل عام، تميَّزت المناقشات بالتكرار والصخب والتهديد بالانسحاب من جانب هذا التيار أو ذاك، ولهذا فقد أُحيلت القرارات إلى محكمة المؤتمر للبت فيها ولم يتمكن المؤتمر من إعلان مقرراته في جلسته الختامية.
المؤتمر الثلاثون: القدس: ديسمبر ????
عُقد برئاسة «آرييه دولزين»، وهو المؤتمر الأول بعد توقيع معاهدة السلام بين الحكومتين المصرية والإسرائيلية، وقد جاء بعد أشهر قليلة من الغزو الصهيوني للبنان وما أسفرت عنه الحرب اللبنانية من تغيُّرات جوهرية في خريطة الصراع العربي الصهيوني. كما صاحب المؤتمر تصاعُد الرفض داخل إسرائيل وخارجها لسياسات حكومة «الليكود».

وقد تركزت مناقشات المؤتمر حول المشاكل التقليدية للحركة الصهيونية وأهمها مشكلة النزوح والتساقط وإخفاق جهود الدولة والمنظمة الصهيونية في جَلْب المهاجرين اليهود إلى إسرائيل، بالإضافة إلى عدم إقبال الشباب على التعليم اليهودي. وكالعادة، لم يتوصل المؤتمر إلى تعريف اليهودي ولا تعريف الصهيوني، وهو ما دفع الكثيرين من أعضاء المؤتمر إلى التعبير عن خيبة أملهم إزاء فشل المؤتمرات الصهيونية المتوالية في مواجهة أيٍّ من المشاكل الملحة للحركة الصهيونية.
وبالنسبة للاستيطان، تقدَّم مندوبو «الليكود» و«مزراحي» و«هتحيا» بمشروع قرار ينص على حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل كحق أبدي غير قابل للاعتراض. واختلف معهم مندوبو «المعراخ» في تحديد أفضلية مناطق الاستيطان، حيث يرى هؤلاء ضرورة إعطاء الأولوية للتطور الاستيطاني الواسع في المناطق التي لا توجد بها كثافة سكانية كبيرة وفي المناطق التي تشكل أهمية حيوية لأمن إسرائيل.
وكاد المؤتمر أن يسفر عن انشقاق في الحركة الصهيونية عندما حاول «الليكود» تشكيل اللجنة التنفيذية بدون «حركة العمل» وهو ما أدَّى إلى تشابك المندوبين بالأيدي والكراسي وتهديد «حركة العمل» بتعطيل المؤتمر. وتعرَّض المؤتمر لهزة أخرى حين قدَّم المراقب المالي للمنظمة تقريراً اتهم فيه كبار المسئولين بإساءة استخدام الأموال التي يتبرع بها يهود العالم.
وتعرَّض المؤتمر لقضية الفجوة الطائفية بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين في إسرائيل، واتهم اتحاد اليهود الشرقيين كلاًّ من وزير الخارجية ورئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية بتجاهل ممثلي الاتحاد عمداً. وقد أعاد المؤتمر انتخاب «دولزين» رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة.
المؤتمر الحادي والثلاثون: القدس: ديسمبر ????
ناقش المؤتمر كالعادة قضية «تعريف اليهودي» وأصدر قراراً في هذا الصدد بمنح تيارات الديانة اليهودية كافة حقوقاً متساوية وهو قرار بلا معنى. كما ناقش المؤتمر قضية حدود الدولة ولم يصل إلى أية قرارات في هذا الصدد كالعادة أيضاً. ولم يتم الموافقة على مشروع القرار الذي قدمته حركة العمل الداعي لإنهاء السيطرة على ?.? مليون عربي. وحتى بعد تعديله وفوزه بالأغلبية، لم يَصدُر القرار لأن اليمين هدد بالانسحاب. ومن الواضح أن قادة يهود العالم لم يَعُد لهم أي تأثير على سياسة الحكومة الإسرائيلية. وأشارت قرارات المؤتمر إلى تدنِّي الهجرة إلى إسرائيل وازدياد النزوح منها. وطرح البعض مبدأ ثنائية المركزية (أي أن يكون ليهود العالم مركزان، واحد في إسرائيل والثاني في الدياسبورا) بعد فشل «برنامج القدس» في تحقيق أهدافه. والدلالة العملية لهذا المبدأ هو أن إسرائيل لم تَعُد مركزاً روحياً لليهود كما تدَّعي الحركة الصهيونية بل إن فكرة المركز الروحي نفسها قد اشهرت إفلاسها. وناقش المؤتمر موضوع «الفلاشا» ويهود سوريا. وكان التركيز في القرارات على التربية اليهودية والصهيونية رغم أن القرارات عكست أيضاً تمزقاً شديداً، حتى أن البعض ناقش مرة أخرى مبرر استمرار بقاء المنظمة الصهيونية بعد إنجاز هدف إقامة الدولة العبرية.
وقد عكس المؤتمر الانحسار الأيديولوجي للصهيونية خصوصاً أنه جاء بعد نشوب انتفاضة الشعب الفلسطيني في الأرض العربية المحتلة وانكشاف الأزمة العميقة في الدولة الصهيونية.
ومما يجدر ذكره أنه، خلال المؤتمر الحادي والثلاثين، لم تَعُد القوة المهيمنة على حكومة المستوطنين هي نفسها القوة المهيمنة على المنظمة، إذ انتقل ميزان القوى ولأول مرة منذ عام ???? إلى كتلة تمثل التحالف بين بعض الصهاينة الاستيطانيين و«حركة العمل الصهيونية» (حزب العمل وحزب مابام وراتس وياحد) من جهة، والحركات الصهيونية العالمية (التوطينية) مثل الكونفدرالية العالمية للصهيونيين المتحدين والحركة الصهيونية الإصلاحية وحركة المحافظين من جهة أخرى، حيث استحوذ هذا التحالف على ??? مندوبين من مجموع ??? مندوباً. وقد حدث هذا الانقلاب بعد أن شـعر الإصـلاحيون والمحافظون بأن اليمين الصهيوني (الليكود وغيره)، المتحالف مع الأحزاب الدينية، سيعمل على تمرير قانون «من هو اليهودي»، ذلك إلى جانب الاستياء المتراكم من ممارسـات حكومة الليكـود الإسرائيلية نتيجـة سياستها الداخلية والخارجية. وقد انتُخب «سيمحا دينيتز» رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة خلفاً «لآرييه دولزين».

المؤتمر الثاني والثلاثون: القدس: يوليو ????
بلغت ميزانية المنظمة ?? مليون دولار مقابل ميزانية الوكالة اليهودية التي بلغت ??? مليون دولار مما يعني تراجع أهميتها. وقد استُنفد معظم الوقت في تدبير التعيينات في المناصب والصراع على الوظائف رغم أنه كان قد وُوفق على معظمها قبل المؤتمر. وقد لوحظ أن معظم التعيينات تمت على أساس سياسي وليس على أساس الكفاءة، كما لوحظ أن أعضاء المؤتمر لم يتم انتخابهم إذ تم تعيينهم عن طريق عقد الصفقات. وقد أجمع المراقبون على أن المنظمة تعاني تضخُّم البيروقراطية والإسراف والابتعاد عن الأيديولوجية الصهيونية. وقد فُسِّر ذلك على أساس تعاظم دور المؤسسات الصهيونية غير السياسية في الحركة الصهيونية، وخصوصاً تلك التي تنتمي إلى التيارات الدينية المختلفة. ورغم الحديث عن ضرورة تشجيع الهجرة، لم يُسمح بأن يلقي «ميخائيل تشلينوف» (رئيس المنظمة العليا لمهاجري الاتحاد السوفيتي سابقاً «فاعد») كلمته، وذلك لأن أعضاء الوفد السوفيتي حضروا باعتبارهم مراقبين ليس لهم حق الانتخاب، وقد انسحب أعضاء الوفد لهذا السبب.
وكانت المشاكل الصهيونية كلها لا تزال قائمة، فاستمر الحديث الممل مرة أخرى عن ضرورة توثيق العلاقة بين الصهيونية في الشتات (أي الصهيونية التوطينية) وإسرائيل وضرورة تقوية التعليم اليهودي وتعلُّم العبرية ومركزية إسرائيل في حياة «الدياسبورا»، وقد أقر المؤتمر أهمية تشجيع الهجرة إلى إسرائيل من الدول الغربية، وتأسيس لجنة تستهدف تحفيز الهجرة من هذه البلدان في ظل خطورة الوضع «الديمجرافي» الذي يهدد استمرار وجود أغلبية يهودية داخل إسرائيل. كما نادى بضرورة تشجيع الإسرائيليين الذين هاجروا منها بالعودة إليها مرة أخرى، وقد أشار إلى خطورة تزايد معدلات استيعاب الجماعات اليهودية داخل مجتمعاتهم وتأثير ذلك على مركزية إسرائيل في حياة يهود الشتات وعلاقاتهم بها. وإدراكا لهذا الواقع الجديد والمواجهة بين إسرائيل ويهود الشتات أقر المؤتمر بضرورة تحديث «برنامج القدس» حتى يكون أكثر واقعية وأكثر استجابة لواقع ومتطلبات الجماعات اليهودية في الشتات. ونظراً لتكرار القرارات نفسها، أطلق كثير من المعلقين الإسرائيليين التصريحات السلبية، فشبه أحدهم الحركة الصهيونية بالعظام الجافة «وهيكل بلا وظيفة»، وقال آخر إن «المولد الصهيوني على وشك الانفضاص». وقال ثالث إنه قد حان الوقت لإطفاء الأنوار وليذهب كلٌّ إلى حاله، وقال رابع إن هذه ليست حركة صهيونية وإنما هي حركة أحباء صهيون أو حركة متبرعي صهيون. وقد لخص أحد مراسلي الإذاعة الإسرائيلية الموقف كله حين بدأ حديثه عن المؤتمر قائلاً: «هل ما زالت هذه المؤسسة قائمة؟» ومما يجدر ذكره أنه لم يجر انتخاب أي من المندوبين الذين حضروا إلى هذا المؤتمر، إذ نجحوا كلهم بالتزكية نظراً لعدم وجود منافسين، مما يبيّن مدى عدم اكتراث الجماهير اليهودية بالحركة الصهيونية.
المؤتمر الثالث والثلاثون: القدس: ديسمبر ????
عُقد هذا المؤتمر متأخرا عن موعده وقد كان المفروض أن يعقد في عام ????. وقد تم تأخيره حتى يتزامن مع الذكرى المئوية للمؤتمر الصهيوني الأول. وحضر المؤتمر ??? مندوبًا من يهود العالم (حوالي ثلاثة أرباعهم من اليهود الإصلاحيين أو المحافظين) و??? مندوبًا عن المستوطنين الصهاينة. وقد وصل «عيزر وايزمان»، رئيس الدولة، «وبنيامين نتنياهو»، رئيس الوزراء، متأخرين عن موعدهما. ولم تعر الصحف الإسرائيلية المؤتمر اهتماماً كبيراً، ونشرت أخباره في مقابل صفحة الوفيات!
وقد اهتم المؤتمر بمناقشة طبيعة وماهية الصهيونية ودورها على أبواب الألفية الجديدة والتحديات التي تواجهها وكذلك علاقة الجماعات اليهودية (في العالم) بدولة إسرائيل. وقد احتلت النقطة الأخيرة أهمية خاصة خلال المؤتمر نظراً لتصاعد التوتر بين المؤسسة اليهودية «الأرثوذكسية» داخل إسرائيل من جهة واليهود الإصلاحيين والمحافظين في «الشتات» من جهة أخرى حول مسألة التهويد والاعتراف بعقود الزواج التي يجريها الحاخامات التابعون للتيار الإصلاحي والمحافظ. ويلاحظ صعود تيار اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة داخل الحركة الصهيونية بعد فوز ممثليهم في الانتخابات التي تمت لاختيار المندوبين الأمريكيين إلى المؤتمر، فيما اعتبره البعض نقطة تحول تاريخية في موازين القوى داخل المنظمة الصهيونية. وقد فازت الحركة الإصلاحية وحدها بما يقرب من نصف عدد المندوبين البالغ عددهم ??? الممثلين للولايات المتحدة في المؤتمر، حيث استثمرت الحركة تنامي مشاعر الغضب بين اليهود غير «الأرثوذكس» على القانون الخاص بالتهويد الذي كان ينظر في الكنيست الإسرائيلي آنذاك، والذي يعطي شرعية للحاخامات «الأرثوذكس» فقط فيما يتعلق بمسألة التهويد وعقود الزواج. وعملت الحركة الإصلاحية على الدفع برؤيتها خلال المؤتمر والمطالبة باعتراف إسرائيل بسلطة رجال الدين اليهود غير «الأرثوذكس». وقد أقر المؤتمر بالفعل أهمية إعلاء مبدأ التعددية (داخل الإطار اليهودي)، ومطالبة الحكومة الإسرائيلية بعدم إدخال أي تغييرات على قانون العودة، وعدم تعديل التشريعات الدينية دون وجود إجماع واسع داخل إسرائيل وبين الجماعات اليهودية خارج إسرائيل بشأنها. وقد حذّر الحاخام «نورمان رام»، رئيس جامعة «يشيفا»، من إعطاء ثقل غير حقيقي للحركتين الإصلاحية والمحافظة داخل الحركة الصهيونية. وهذه كلها موضوعات «قديمة» سبق نقاشها من قبل.
وكالمعتاد كان هناك كثيرمن الاقتراحات معظمها طُرحَ من قبل مثل: فصل الدين عن الدولة ـ تقوية الديموقراطية الإسرائيلية ـ حذف مفهوم «نفى الدياسبورا» على أن يحل محله مفهوم «مركزية إسرائيل في الحياة اليهودية» ـ مفهوم التعددية يحل محل مفهوم «أتون الصهر» أو «مزج المنفيين»، بمعنى أن تحتفظ كل جماعة يهودية مهاجرة إلى فلسطين المحتلة بملامحها الإثنية والدينية الأساسية التي أتت بها من بلدان المهجر (أي الوطن الأصلي) ـ تغيير الموقف من النازحين (يوريديم) ـ الاهتمام بالمواطنين غير اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل ـ الاهتمام بأسلوب الحياة والبيئة في إسرائيل ـ إنشاء «بعثات سلام إسرائيلية»، أي أن يقوم الشباب اليهودي في العالم بأداء نوع من الخدمة «القومية» في إسرائيل نيابة عن الشعب اليهودي.
وقد تواصل الحديث خلال هذا المؤتمر عن أهمية دعم التعليم اليهودي والصهيوني وتعلُّم العبرية ومركزية إسرائيل في حياة «الدياسبورا» وتحفيز الهجرة إلى إسرائيل والاستيطان بها. وقد أقر المؤتمر تفعيل قرار تأسيس قسم «ماجشميم» «هاجشاما» (hagshamah) أو «الصهيونية التجسيدية» الجديد وصياغة مهمته ورسالته. وكان المؤتمر الـثاني والثلاثون قد أقر أن تعمل المنظمة الصهيونية من خلال هيئتين هما: هيئة التجسد (هاجشاما) و«هيئة النشاط الصهيوني». وهذا القسم، الذي تأسس بالفعل عام ????، يتوجه للشبيبة والحركات الطلابية الصهيونية بهدف زيادة معدلات الهجرة إلى إسرائيل وبالذات من الدول الغربية، وذلك في ظل تراجع الهجرة إلى إسرائيل وتزايد معدلات نزوح الإسرائيليين عنها، ويخصص لهذا القسم ولأنشطته ??? من ميزانية المنظمة الصهيونية. وفي محاولة أخرى لاستقطاب الشباب إلى الحركة الصهيونية أقر المؤتمر بأن تتراوح أعمار ??? من مندوبي المؤتمر الصهيوني بين ?? ـ ?? سنة.
كما نشبت المعارك المعتادة: فحينما قال «يوسى ساريد» (عضو الكنيست ورئيس حزب ميرتس) أن أي شخص يساهم في توسيع المستوطنات يرتكب فعلاً معادياً للصهيونية لأنه يعرض عملية السلام للخطر، وحين قام بالهجوم على «نتنياهو»، قاطعته أصوات عالية تتهمه بأنه ليس يهوديا، بل وطالبه البعض بالذهاب إلى وطنه!
وقد هاجمت «شوشانا كاردين»، رئيسة حركة «النداء الإسرائيلي الموحد»، الطبيعة السياسية للحركة الصهيونية وطالبت بإعادة تعريفها بحيث تصبح مشاركة حقيقية بين الدولة الصهيونية والجماعات اليهودية في العالم، وأن تقوى أواصر العلاقة بينها.
وكانت قرارات المؤتمر الصهيوني كلها ذات طابع إداري إجرائي، وتنبع معظمها من إحساس أعضاء المنظمة الصهيونية والقائمين عليها بأن المنظمة غدت بلا قيمة وأنه أصبح من الممكن الاستغناء عنها (على أن تقوم الحكومة بالوصول مباشرة إلى أعضاء الجماعات اليهودية في العالم). وكان من ضمن القرارات إقامة مشاركة حقيقيه بين إسرائيل ويهود العالم ينعكس على اختيار المندوبين، بحيث يكون نصفهم من إسرائيل والنصف الآخر من يهود العالم، وهو قرار يعكس المحاولة اليائسة من جانب المنظمة الصهيونية أن تصبح لها دور، ولكنه في ذات الوقت تعبير عن تآكل دورها.
ورغم هذا فقد برزت خلال هذا المؤتمر التصريحات التي ترى أن المنظمة الصهيونية أصبحت غير ذات معنى، حيث صرح «اسمار شورش» رئيس «المعهد اللاهوتي اليهودي» (Chancellor of the Jewish Theological Seminary) بأن المنظمة الصهيونية العالمية ماتت منذ زمن بعيد، وأحد الدلائل على ذلك أن ?? فقط من اليهود الأمريكيين شاركوا في انتخابات المؤتمر الصهيوني لعام ????.
المؤتمر الصهيوني الرابع والثلاثون: القدس: يونيو ????
قرر ضرورة الحرب ضد معاداة السامية (أي معاداة اليهود واليهودية). وهذا القرار لا يختلف عن مجموعة من القرارات صدر أولها في المؤتمر الصهيوني الثاني (????) وصدرت بعد ذلك عدة مرات. ولكن الجديد هذه المرة هو أن المؤتمر قرر الحرب ضد كل من معادة السامية ومعاداة الصهيونية. فقد أكد المؤتمرون تأييدهم لرئيس الوزراء «شارون» وللحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي وقوات الأمن، أي لكل مؤسسات الإرهاب الصهيوني. بل إن المؤتمر طالب الحكومة الإسرائيلية بضرورة دعم الاستيطان في النقب ووادي عربا والجليل وتشجيعه، كما دعا الحكومة إلى تذليل كل العقبات البيروقراطية التي تعوق الاستيطان في هذه المناطق.
المنظمة الصهيونية إذن تؤيد الإرهاب الصهيوني والتوسع الصهيوني وكل أفعال الدولة الصهيونية، ولهذا قرر المؤتمر ضرورة أن يُرفع علم إسرائيل في كل المؤسسات والمنظمات والمشروعات التي تدعمها المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية. ولا يُفهم على وجه الدقة معنى هذا القرار ـ فالعلم الإسرائيلي يُرفع حتى في كثير من المعابد اليهودية في الولايات المتحدة، وكأن الدولة الصهيونية، بكل جرائمها اليومية، أصبحت جزءاً من العقيدة اليهودية. هل هناك بعض المؤسسات اليهودية في الولايات المتحدة التي تدعمها المنظمة الصهيونية لا ترفع علم إسرائيل؟ وهل المطلوب أن ترفع هذه المؤسسات العلم حتى يؤكد الصهاينة انتماء هذه المؤسسات للشعب اليهودي وليس للولايات المتحدة؟ هل هي محاولة صهيونية لتعميق الولاء المزدوج: أي أن يشعر اليهودي أنه لا ينتمي بشكل كامل لوطنه، فهو ـ حسب الرؤية الصهيونية ـ يدين في المقام الأول بالولاء للوطن القومي اليهودي؟
لو قبلنا بهذا التفسير فإن هذا يوضح مغزى القرار الذي اتخذه المؤتمر بمطالبة الرئيس «جورج بوش» بالعفو عن «جوناثان بولارد» وإطلاق سراحه. «وجوناثان بولارد» هو المواطن اليهودي الأمريكي الذي كان يعمل في إحدى المؤسسات الأمنية الأمريكية وانطلاقاً من صهيونيته قام بالتجسس على الولايات المتحدة لحساب إسرائيل، وسرب لها كماً هائلاً من الوثائق والمعلومات السرية مما أضر بالأمن القومي الأمريكي. «فبولارد» بهذا المعنى هو الرمز المتعين للولاء المزدوج.
كما أصدر المؤتمر بعض القرارات الأخرى التي يمكن أن نصفها بأنها مكررة، نظراً لأن معظم المؤتمرات السابقة قامت بإصدار قراراتٍ مماثلة. فقد أصدر المؤتمر قراراً بتأكيد مركزية القدس وأهمية دعم السياحة والتربية في اقتصاد عاصمة إسرائيل (أي القدس). كما أكد المؤتمر ضرورة تنمية التعليم اليهودي الصهيوني وزيادة ميزانية الحركات الشبابية. وقد لوحظ أن ?? بالمئة من المندوبين في هذا المؤتمر كانوا تحت سن الثلاثين. وقد رحب المؤتمر بمشاركة الشباب ودعا الوكالة اليهودية أن تعيد لحركات الشباب المسئوليات التي كانت تضطلع بها في الماضي وأن تدعم حركات الريادة الشبابية. وقرر المؤتمر أنه يتعين على جميع مؤسسات المنظمة أن تضم ?? بالمائة من القيادات الشبابية.
وقد ناقش المؤتمر مسألة تراجع مكانة المنظمة الصهيونية بين الجماعات اليهودية في العالم، وقد أقر المؤتمر إصدار تعليماته لوضع ميثاق جديد بين المنظمة وإسرائيل وكذلك تحديث الاتفاق مع الوكالة اليهودية في إسرائيل، وهو الأمر الذي لم يتحقق حتى المؤتمر الخامس والثلاثين، كذلك تأسيس لجنة عليا لدراسة وضع الاتحادات القطرية الصهيونية ووضع خطة عملية للإرتقاء بقدراتها ومكانتها بين الجماعات اليهودية في الشتات.
وفي محاولة لاستعادة مكانة المنظمة التي فقدتها نتيجة تجريدها من بعض وظائفها، أقر المؤتمر إعادة إحياء نشاط التعليم غير الرسمي داخل المنظمة الصهيونية ونقل مسئولية هذا النوع من التعليم الذي يستهدف منظمات الشبيبة والطلاب والكبار من الوكالة اليهودية إلى المنظمة الصهيونية علما بأنه كان قد تم توحيد ونقل مسئولية التعليم الرسمي وغير الرسمي في مرحلة سابقة إلى الوكالة اليهودية. ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراءات في هذا الصدد حتى المؤتمر الخامس والثلاثين. وفي محاولة أيضا لجذب الشباب وخلق قيادات جديدة داخل المنظمة اقر المؤتمر أن تعمل كافة المؤسسات والهيئات التابعة للمنظمة الصهيونية نحو رفع نسبة تمثيل الشباب (?? ـ?? سنة) داخل مجالسها ولجانها وبعثاتها وقيادتها لتكون ???.
كما أثار المؤتمر مشكلة تراجع ميزانية المنظمة الصهيونية بشكل كبير منذ المؤتمر السابق واقر وضع خطة لزيادة ميزانيتها إلى الضعف خلال الأربع سنوات القادمة وفي حال فشل الحصول على هذه الموارد المطلوبة من الوكالة اليهودية أو الحكومة الإسرائيلية أو من الصندوق القومي اليهودي أو من الاتحاد الاستعماري اليهودي (Jewish Colonial Trust) أن تقوم المنظمة بحملة مستقلة لتعبئة الموارد، ولكن لم يتم تحقيق هذا الهدف بحلول المؤتمر الخامس والثلاثين.
وقد استمرت خلال هذا المؤتمر ملامح التوتر بين إسرائيل والمنظمة حول مسألة التهويد، حيث أيد المؤتمر حكم المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر عام ???? والذي طالب الحكومة الإسرائيلية بالاعتراف بعمليات التهويد التي تتم على أيدي رجال الدين الإصلاحيين والمحافظين كما طالب المؤتمر الكنيست الإسرائيلي بإصدار تشريع يبيح الزواج المدني، وكذلك إقرار قانون أساسي لحرية العقيدة (Basic Law for Freedom of Religion).
وقد أقر المؤتمر أهمية تشجيع الهجرة إلى إسرائيل من الدول الغربية وتأسيس لجنة تستهدف تحفيز الهجرة من هذه البلدان في ظل خطورة الوضع الديمغرافي الذي يهدد استمرار وجود أغلبية يهودية داخل إسرائيل كما نادى بضرورة تشجيع الإسرائيليين الذين هاجروا منها بالعودة إليها مرة أخرى، وقد أشار إلى خطورة تزايد معدلات استيعاب الجماعات اليهودية داخل مجتمعاتهم وتأثير ذلك على مركزية إسرائيل في حياة يهود «الشتات» وعلاقاتهم بها. وإدراكا لهذا الواقع الجديد والمواجهة بين إسرائيل ويهود «الشتات» أقر المؤتمر بضرورة تحديث «برنامج القدس» حتى يكون أكثر واقعية وأكثر استجابة لواقع ومتطلبات الجماعات اليهودية في الشتات.
في وسط كل هذا التأييد المحموم للدولة الصهيونية هنأ المؤتمر الوكالة اليهودية والمجلس الصهيوني لتعاونهما مع الجماعة الدرزية ودعا لتعميق العلاقة بينهما وبين هذه الجماعة باعتبارها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في المشروع الصهيوني. ومرة أخرى يجب ألا نأخذ التصريحات الصهيونية على عواهنها. إذ إن السؤال يطرح نفسه: المشروع الصهيوني مشروع لتأسيس دولة يهودية خالصة، تضم أعضاء ما يُسمى «الشعب اليهودي»، وأعضاء الشعب اليهودي وحده، ولذا فقانون العودة الصهيوني ينطبق على اليهود أينما كانوا، ويستبعد من سواهم، بما في ذلك «الدروز»! وهذا ما عرفه عملاء إسرائيل من أعضاء جيش «لحود» في جنوب لبنان. فحينما فر الجيش الإسرائيلي حاول العملاء الفرار معه، فمنعتهم القوات الإسرائيلية من دخول أرض الميعاد! ومن نجح منهم في دخول إسرائيل عُزل في مخيمات خاصة وتم التخلص منه في أول فرصة ممكنة! وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن نصدق دعوة المؤتمر المواطنين العرب في إسرائيل إلى الاندماج في المجتمع الإسرائيلي كمواطنين لهم كافة الحقوق في الدولة؟ ومن المفارقات المضحكة أن يطالب المؤتمر بعدم التمييز ضد القطاع العربي، ثم يطالب في الوقت نفسه بالتصدي بعنف للمطلب العربي بحق العودة.

المؤتمر الصهيوني الخامس والثلاثون: القدس: ????
كان محور اهتمام المؤتمر الخامس والثلاثين (????) كيفية تفعيل «برنامج القدس الجديد» وتوثيق العلاقة بين الحركة الصهيونية والجماعات اليهودية في العالم وتحفيز دعمهم لها، واتخذ المؤتمر شعار «إحياء وتجديد الحركة الصهيونية» (innovation and revitalization) بهدف التصدي للتراجع المستمر في أهمية الحركة الصهيونية ومكانتها وكذلك ميزانيتها.و مع ذلك شهد المؤتمر استمرار عزوف أفراد الجماعات اليهودية عن المشاركة في فعالياته حيث تراجع عدد المشاركين في انتخابات المؤتمر من أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة من ?????? عام ???? إلى ????? عام ???? وإلى ??.??? عام ????. وقد حصل ممثلو الحركات الدينية الصهيونية على ??? من إجمالي المقاعد البالغ عددها ??? واحتفظ التيار الديني الإصلاحي بصدارته.
كما حاول المؤتمر التصدي لمسألة تجديد المنظمة الصهيونية وإعادة هيكلتها بشكل يساهم في توسيع قاعدة العضوية فيها في تحفيز دعم ومساندة الجماعات اليهودية لها خاصة في ظل تراجع ميزانية المنظمة الصهيونية ومواردها. وكانت هناك محاولات منذ عام ???? لصياغة دستور جديد للمنظمة ووضع ميثاق جديد بينها وبين إسرائيل خاصة فيما يخص المساهمة المالية للحكومة الإسرائيلية في ميزانية المنظمة الصهيونية وكذلك تحديث الاتفاق مع الوكالة اليهودية، وكان المجلس الصهيوني قد اقر عام ???? عملية التجديد وإعادة الهيكلة وأصدر تعليماته بتشكيل «لجنة التجديد» لكن لم يتم اتخاذ خطوات فعالة في عملية التجديد حتى إنعقاد المؤتمر الـ??.
كذلك تناول المؤتمر تراجع ميزانية المنظمة الصهيونية رغم القرارات التي تم اتخاذها في المؤتمر الرابع والثلاثين بوضع برنامج لزيادة ميزانيتها، حيث بلغت ??.? مليون دولار عام ???? مقارنة بـ ?? مليون دولار عام ????/???? وهو ما يعكس تراجع مساهمات منظمات الجباية اليهودية للوكالة اليهودية وللمنظمة الصهيونية، وقد قرر المؤتمر تشكيل قوة عمل للميزانية (budgetary task force) لإيجاد سبل لزيادتها.
كما أكد المؤتمر على ضرورة التوجه إلى الشباب وتمثيلهم بشكل أكبر في المؤسسات الصهيونية ومؤسسات المنظمة الصهيونية. وكان المؤتمر الرابع والثلاثون قد قرر تأسيس لجنة استشارية للتخطيط للشباب ولكن لم يتم تفعيلها ودعا المؤتمر الخامس والثلاثون إلى ضرورة تفعيل هذه اللجنة وإطلاق لقب أو منصب جديد هو « العضو الشاب في الحركة الصهيونية» (Young Member of the Zionist Movement (YAZM)). كما دعا المؤتمر إلى تأسيس قوة عمل لمراجعة كافة القرارات التي تم اتخاذها منذ المؤتمر الرابع والثلاثون الخاصة بتمثيل الشباب داخل المؤسسات الصهيونية (الاتحادات الصهيونية ومؤسسات المنظمة الصهيونية) وإيجاد سبل لتفعيل هذه القرارات، وكذلك الدعوة لعقد مؤتمر صهيوني للشباب كل أربع سنوات.
كما تناول المؤتمر القضايا التي تعكس استمرار أزمة الصهيونية مثل توتر العلاقة بين إسرائيل والجماعات اليهودية في العالم وتزايد معدلات اندماجهم في بلادهم، ومشاكل التهويد والزواج في إسرائيل بالنسبة للكثيرين من المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي سابقا ودول أوروبا الشرقية والتي لا يعترف بيهوديتهم وفقا للمؤسسة الدينية «الأرثوذكسية» ومن ثم لا يحق لهم الزواج في إسرائيل، وطالب المؤتمر بضرورة إيجاد أطر للزواج والطلاق موازية للأطر القائمة حالياً، كذلك مشاكل النزوح عن إسرائيل، والتي تشير التقديرات أنها تعادل أو تزيد عن معدلات الهجرة إلى إسرائيل، وصعوبات استيعاب المهاجرين الجدد، وخاصة المهاجرين اليهود من أثيوبيا، واتساع الفجوة الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي وتزايد معدلات الفقر.
الأسطوانة الصهيونية المشروخة
مما سبق، نرى أن وضع المنظمة الصهيونية أصبح هامشياً بالنسبة لكلٍّ من الدولة الصهيونية والجماعات اليهودية، حيث شهدت خلال العقود الأخيرة تراجعاً مستمراً في مكانتها ووظائفها ومواردها ومشاركة أفراد الجماعات اليهودية في صفوفها أو فعالياتها، وهو ما يثير مرة أخرى الجدل في شأن مبرر استمرار بقائها. وليس مصادفة أن المبرر الرسمي الذي يعطى اليوم لبقاء الوكالة اليهودية هو كونها الهيئة الوحيدة القادرة على أن تشكل قناة لتحويل الأموال من المتبرعين اليهود، وخصوصاً في الولايات المتحدة، إلى دولة لا يحق لها جمع مثل هذه التبرعات (الدولة الصهيونية).
والملاحَظ من متابعة سير المؤتمرات الصهيونية المختلفة، أن الاختلافات والصراعات التي قامت بين أنصار التيارات الصهيونية المختلفة، من صهيونية سياسية وصهيونية عمالية أو عملية أو ثقافية أو دينية أو توفيقية، لا تعدو أن تكون خلافات داخل «الأسرة الواحدة» حول أفضل الأساليب وأكثرها فاعلية دون أن تتجاوز هذا إلى الأهداف النهائية التي هي موضع اتفاق عام بين هذه التيارات.
وقد أُثيرت في الآونة الأخيرة شكوك قوية ـ من جانب كثير من القيادات والتيارات الصهيونية ـ حول جدوى المؤتمرات الصهيونية ومدى فاعليتها. إذ يرى الكثيرون أن المؤتمرات تحوَّلت إلى منتديات كلامية، أو بالأحرى إلى ما يشبه الأسطوانة المشروخة التي تكرر الكلمات والمطالب والتوصيات نفسها، ومن ثم فقد أصبحت عاجزة عن مواجهة المظاهر المتفاقمة للأزمة الشاملة للحركة الصهيونية ودولتها، التي تتمثل في مشاكل النزوح والتساقط واندماج اليهود في مجتمعاتهم والزواج المُختلَط والتمايز بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين، بالإضافة إلى انفضاض يهود العالم عن حركة الصهيونية بما يكرس عزلتها. ومن أبرز الدلائل على تلك الأزمة أن المؤتمرات الصهيونية المتتالية لم تفلح حتى الآن في الاتفاق على حلٍّ لمشكلة «من هو اليهودي» و«من هو الصهيوني» رغم أنها تأتي دائماً في مقدمة الموضوعات المطروحة على جدول الأعمال في المؤتمرات المختلفة. وإذا كان البعض يحاول أن يُرجع هذا العجز إلى أسباب فنية وتنظيمية فقد بات واضحاً أن مظاهر الأزمة ذات طبيعة تاريخية وحتمية تتجاوز الحدود التنظيمية لتصل إلى جذور المشروع الصهيوني نفسه وإلى طابع نشأته وتطوره. ولهذا، فليس من قبيل المبالغة أن يُضاف عجز المنظمة الصهيونية بهيئاتها، المختلفة ومنها المؤتمر، إلى مجمل المظاهر العامة لأزمة الحركة الصهيونية.
وفي محاولة لمواجهة هذه الأزمة، وضع «المجلس الصهيوني العام» عام ???? سلسلة من المعايير عُرفت باسم «متسفوت»، وهي كلمة عبرية تعني «الأوامر والنواهي» الدينية، فكأن المبادئ الصهيونية الجديدة هي بمنزلة الأوامر والنواهي الدينية. وتهدف هذه المبادئ أو «المتسفوت» الجديدة إلى تحديد المهام التي يجب أن يضطلع بها كل من يعتبر نفسه صهيونياً، وذلك حتى يمكن التمييز بين الأعضاء الحقيقيين للحركة الصهيونية وبين أصدقاء إسرائيل. وهذه المبادئ تقضي بأن يقوم أعضاء المنظمة الصهيونية بالبدء، هم وأسرهم، بالهجرة إلى إسرائيل. وحيث إن التعليم اليهودي أكبر ضمان للحفاظ على التراث اليهودي وتفرُّد الشعب اليهودي وتميُّزه، لذا يجب أن يزوِّد كل صهيوني نفسه وأولاده بتعليم صهيوني مكثف، وأن يشجع أولاده على الانضمام إلى حركات الشباب الصهيوني بل أن يكون جو المنزل نفسه ذا طابع صهيوني، ويجب على الصهاينة أن يجعلوا التقويم الصهيوني جزءاً عضوياً من حياتهم اليهودية بالإضافة إلى التقويم اليهودي. ويجب أن تصبح العبرية حلقة الوصل بين إسرائيل و«الدياسبورا»، ومن الواجب على كل الصهاينة أن يجعلوا العبرية لغتهم. ويجب أن يكون هناك وجود صهيوني في حياة الجماعات اليهودية وخصوصاً في عمليات جمع التبرعات. ويجب أن يؤكد كل صهيوني التزامه بالدفاع عن حرية اليهود الذين يعيشون في ضيق في الهجرة إلى إسرائيل. ويجب على كل المؤسسات الصهيونية والمرتبطة بالحركة الصهيونية أن تجعل «المتسفوت» (الأوامر والنواهي) الصهيونية جزءاً من دساتيرها وبرامجها.
ورغم استخدام اصطلاح «متسفوت» بكل ما يحمل من رنة دينية صوفية، فإن هذه المطالب متواضعة للغاية وتحاول التوصل إلى حد أدنى يجمع بين التيار الاثني (الديني أو العلماني) والصهيونيتين التوطينية والاستيطانية. كما تقرَّر أن الالتزام بهذه الأوامر والنواهي يُعتبَر اختيارياً بالنسبة للأعضاء (أي أنها ليست في واقع الأمر «أوامر ونواهي» وإنما «توصيات»). كما أقر المؤتمر الحادي والثلاثون (????) إقامة حركة عالمية لصهيونية تجسيدية (بالعبرية: مجشميم) لتضم منظمات الهجرة وحركات الشبيبة الصهيونية التي ستكون قدوة لسائر أعضاء الحركة من خلال تجسيد جوهر الصهيونية (أي الهجرة). ولكن هاتين المحاولتين لم تنجحا في إحياء الروح الصهيونية بين أعضاء المنظمة، وهو ما أدَّى إلى تلاشيهما تماماً بحلول عام ???? وانتهائهما بدون نتيجة.
وقد أقر المجلس الصهيوني العام «برنامج القدس الجديد» عام ???? ويؤكد البرنامج الجديد على المبادئ المتضمنة في البرنامج القديم مثل وحدة الشعب اليهودي ومركزية إسرائيل في حياته، وعلى الهجرة إلى إسرائيل من مختلف البلدان، ثم تدعيم دولة إسرائيل من خلال تشجيع التربية اليهودية واللغة العبرية والقيم الروحية والثقافية اليهودية، وعلى حماية الحقوق اليهودية «أينما كانت». ولكنه أضاف عناصر جديدة مثل النص على مركزية القدس، عاصمة دولة إسرائيل في حياة الشعب اليهودي، وربما هذه الإضافة تؤكد على وضعية القدس في أي تسوية سياسية مقبلة، كما تم إضافة نقطة سادسة تنص على «استيطان البلاد كتعبير عن الصهيونية العملية». ورغم أن هذه النقطة الأخيرة هي محاولة للتأكيد على الجانب الاستيطاني للمشروع الصهيوني، فإن الصياغة الجديدة للبرنامج تتضمن عدة تغيرات تتضمن الاعتراف بأن حالة الشتات حالة نهائية ومستمرة حتى الآن وكذلك صعود التوترات بين إسرائيل من ناحية والجماعات اليهودية من ناحية أخرى حول مسألة الهوية اليهودية والتهويد و كذلك المشاكل الاجتماعية التي تواجهها إسرائيل في الداخل. فلقد تم حذف عبارة «تجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي (إرتس يسرائيل)» والاكتفاء بالتأكيد على الهجرة إلى إسرائيل من كافة البلدان، وهو ما يعكس ضمنيا أن وجود اليهود في الشتات وارتباطهم بأوطانهم هو أمر واقع. أما عبارة «وطنه التاريخي (إرتس يسرائيل)» فقد جاءت في سياق الحديث عن وحدة الشعب اليهودي و«ارتباطه بهذا الوطن التاريخي» أي ما معناه ضمنيا الاعتراف بالعلاقة المعنوية والعاطفية بين الشعب والوطن التاريخي (الصهيونية التو طينية) دون أن يترتب على ذلك بالضرورة الانتقال إلى هذا الوطن التاريخي (الصهيونية الاستيطانية)..كما تم التأكيد على دعم دولة إسرائيل «كدولة يهودية وصهيونية وديمقراطية ومجتمع نموذجي ذي خصائص معنوية وروحية متميزة (unique) يحكمه الاحترام المتبادل للتنوع والجوانب المتعددة للشعب اليهودي (Multi-Faced) وهذه الإضافة تعكس حقيقة تزايد التوتر القائم بين المؤسسة الدينية «الأرثوذكسية» في إسرائيل والجماعات اليهودية في العالم حول مسألة التهويد وتعريف اليهودي. ولعل حذف عبارة «الحفاظ على هوية الشعب اليهودي» من البرنامج القديم والاستعاضة عنها بعبارة «ضمان مستقبل وتميز (distinctiveness) الشعب اليهودي» هو محاولة للالتفاف حول مسألة «الهوية» هذه. كما أن إضافة عبارة «الدمج الفعال للمهاجرين داخل المجتمع الإسرائيلي» يعكس مشاكل دمج المهاجرين الجدد داخل إسرائيل.
التوتر بين الدولة الصهيونية والحركة الصهيونية
كانت المنظمة الصهيونية حتى عام ???? هي المسئولة عن المشروع الصهيوني بشقيه الخارجي والاستيطاني، وببعديه الإثني الديني واللاديني. وعلى الرغم من وجود تناقضات أساسية بين صهاينة الداخل الاستيطانيين والخارج التوطينيين، وبين تياري الخطاب الغيتوي (هذا بخلاف التناقضات الفرعية داخل كل فريق مثل التناقض بين «المزراحي» وأجودات إسرائيل في المعسكر الديني، والتناقض بين المراجعين والعماليين سواء في الداخل أو في الخارج، والتناقض بين أتباع إنكلترا وأتباع القوة الإمبريالية الصاعدة: الولايات المتحدة)، على الرغم من ذلك، فقد ظلت هذه التناقضات محصورة في أضيق نطاق بسبب حاجة المستوطنين الماسة إلى دعم يهود العالم، وبسبب عدم مقدرتهم على الحركة بحرية على الصعيد الغربي (فهم كمستوطنين في الداخل لم يكونوا يملكون الاتصالات اللازمة للقيام بهذه العملية). وفي الأعوام القليلة السابقة على إعلان الدولة كان صهاينة الداخل والخارج يشعرون بضرورة وجود هيئة تمثل جميع الصهاينة وتكون المُحاور الوحيد للدولة المنتدبة والأمم المتحدة، وهو الدور الذي قامت به المنظمة. ومع تعاظم نفوذ الولايات المتحدة داخل المعسكر الإمبريالي، تصاعد نفوذ الصهاينة الأمريكيين وأصبحوا هم المهيمنين تقريبا على المنظمة الصهيونية (من هنا صدور تصريح «بيلتمور» في الولايات المتحدة). ولا غرو، والوضع على ما هو عليه، أن المنظمة الصهيونية (لا الفاعد ليومي Vaad Leum [المجلس الملي العام] الذي كان يمثل يهود فلسطين) هي التي أعلنت تأسيس الدولة الصهيونية في أبريل ????. كما أن «بن غوريون» أعلن قيام الدولة في ?? مايو من العام نفسه، فإنما فعل ذلك باسم المستوطن الصهيوني والمنظمة الصهيونية في الوقت ذاته.
ولكن إعلان الدولة فجر كثيراً من التناقضات الكامنة. فالاتجاه الخارجي (المنتشر بين يهود الغرب المندمجين) يقوم بتقديم الدعم وحسب ولا يهاجر أتباعه إلا فيما ندر. فالهجرة ـ حسب رؤيتهم ـ ليست مسألة عقائدية وإنما هي عملية برجماتية (ذرائعية) يقوم بها من يحتاج إليها، بينما يتخذ الاستيطانيون موقفاً مختلفاً تماماً: فالهجرة ـ بالنسبة إليهم ـ ليست مسألة عقائدية وحسب، وإنما أمر أساسي لتحقيق الهوية اليهودية. وبعد صدور وعد «بلفور» جعلت المنظمة الصهيونية حق الهجرة إلى فلسطين وضرورة فتح أبوابها مطلباً صهيونياً أساسياً. وما دامت هناك قوانين «جائرة» و«ظالمة» تنظم الهجرة اليهودية وتمنع «يهود الخارج من العودة إلى أرض الأجداد» فقد ظل التناقض مستتراً، وكان بوسع من لا يفكر في الهجرة أن يصيح مطالباً بها دون أن يكتشف أمره.
ولكن حينما فتحت الأبواب بعد عام ????، وبعد إعلان قانون العودة عام ????، (بكل ما ينطوي عليه من ربط بين الهوية والهجرة) أصبح على الصهيوني الذي لا يهاجر أن يسوّغ موقفه أمام نفسه وأمام يهود الخارج ومستوطني الداخل. وهكذا أطل التناقض بوجهه مرة أخرى.
وقد عقد المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرون (????) بهدف التوصل إلى تعريف للصهيونية يحل محل برنامج «بازل». فتقدم بعض الاستيطانيين بمشروع قرار يعرف هدف الصهيونية بأنه «خلاص الشعب اليهودي من خلال تجميع المنفيين، في أرض إسرائيل»، وهي صيغة متشددة كانت تهدد بتفجير التناقضات. ولذا فقد تم التغاضي عنها واتخذ المؤتمر بدلاً منها قراراً يحدد مهمة الصهيونية بالطريقة الإسفنجية الصامتة التالية: «تدعيم دولة إسرائيل، وتجميع المنفيين في أرض إسرائيل، وتأمين وحدة الشعب اليهودي». وبينما تتضمن الصيغة المرفوضة «أن الخلاص لا يكمن إلا في الدولة، وأن تجميع المنفيين هو الوسيلة الوحيدة للخلاص (وهذا واضح من عبارة «من خلال»)، وأن الشعب اليهودي بأسره هو في المنفى ما دام يوجد خارج إسرائيل»، نرى أن الصيغة الإسفنجية الجديدة لما سمي «برنامج القدس» تترك الفراغات وتكتفي بسرد ثلاث مهمات مستقلة بعضها عن بعض بعلامة فاصلة، دون إجراء ربط بينها، فالربط يجعل من الرابط «وسيلة» إلزامية ومن المربوط هدفاً، الأمر الذي كان يرفضه الصهيونيون الأمريكيون. وكانت مهمات الصهيونية الثلاث المذكورة تحظى بإجماع الجميع لأنها كانت تتطرق إما إلى برامج عملية (مساعدة الدولة وتسهيل الهجرة لطالبي الهجرة) أو إلى تصريح طوباوي (وحدة الشعب اليهودي)». ولكن الأهم من ذلك هو إبهام الصيغة المعتمدة فعبارة «وحدة الشعب اليهودي» قد تعني وحدة روحية (التفسير التوطيني) أو تعني وحدة قومية (التفسير الاستيطاني). كما أن عبارة «تجميع المنفيين» قد تشمل اليهود الذين يحتاجون إلى الهجرة الفعلية دون غيرهم ممن لا يعتبرون أنهم في المنفى (التفسير التوطيني)، وقد تشمل جميع أعضاء الأقليات (التفسير الاستيطاني).
وقد تم تعديل مهام الصهيونية مرة أخرى في المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين بمقتضى «برنامج القدس (????)»، ونصه هو التالي: «أهداف الصهيونية هي: وحدة الشعب اليهودي ومركزية إسرائيل في حياته، تجميع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي ـ أرض إسرائيل ـ عن طريق الهجرة من مختلف البلدان، تدعيم دولة إسرائيل التي قامت على أساس رؤية الأنبياء للعدل والسلام، الحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال تشجيع التربية اليهودية والعبرية والقيم الروحية والثقافية اليهودبة، حماية الحقوق اليهودية أينما كانت».
وصيغة البرنامج هي تسليم بالأمر الواقع، أي بانقسام الحركة الصهيونية إلى اتجاهين، توطيني واستيطاني، لكل تعريفه الخاص «للشعب اليهودي». وهو يشكل محاولة للحفاظ على وحدة غير موجودة ولتغطية تناقض يزداد تفاقما، ولذا فقد ازدادت درجة الإسفنجية. وثمة افتراضان متناقضان كامنان في «برنامج القدس»: أولهما، أن الشعب اليهودي شعب واحد وأن «وطنه التاريخي» هو (أرض إسرائيل)، وبالتالي يكون هدف الصهيونية تجميع الشعب اليهودي عن طريق الهجرة، أي تصفية الأقليات، وهذه هي صهيونية المستوطنين. ولكن البرنامج يضم افتراضاً متناقضاً تماما مع الافتراض السابق. فهو يفترض أن حالة «التشتت» حالة نهائية، ومن ثم تنبغي المناداة بحماية «الحقوق اليهودية أينما كانت»، والحديث عن «مركزية إسرائيل في حياة الشعب» الموجود في «الشتات».
ولكن الصيغة الاسفنجية الخاصة بشأن «الشعب اليهودي» تواجه كثيراً من التحديات. فالاتفاق الصامت بين صهاينة الداخل والخارج على عدم التدخل يتمزق بين آونة وأخرى. وعلى سبيل المثال يصعّد صهاينة الداخل أحياناً من حملتهم على صهاينة الخارج، كما حدث في المؤتمر الثامن والعشرين (????) حينما تقدم بعض الصهاينة الاستيطانيين بمشروع قرار ينص على أن القادة الصهاينة الذين لا يستوطنون في إسرائيل بعد فترتين من الخدمة يفقدون الحق في ترشيح أنفسهم مرة أخرى، فانسحب كل مندوبي «الهاداساه» (أكبر تنظيم صهيوني في العالم، وكان يمثل أكثر من نصف الوفد الأمريكي)، احتجاجاً على الاقتراح. كما تجدد الصدام حين وقعت الأزمة بين الدينيين واللادينيين في إسرائيل مؤخراً، وتم حرق معبد يهودي على يد فريق، ورشق الإعلانات الإباحية في محطات الأتوبيس بالطلاء على يد الفريق الآخر، إذ ألقى «شلومو أفنيري» بالتّبِعة على يهود الولايات المتحدة الإصلاحيين والمحافظين المندمجين قائلا لهم إنه لو هاجر منهم ??? ألف وحسب لرجحت كفة اللادينيين (الذين سماهم العلمانيين) ولتم تأليف الحكومة دون حاجة إلى أصوات الأحزاب الدينية، «ولتبخرت الحاخامية الأرثوذكسية في الهواء».
ويحدث العكس أحياناً، إذ يجد صهاينة الخارج أن سلوك حكومة المستوطنين يسبب لهم كثيراً من الحرج في مجتمعاتهم الديموقراطية، كما حدث بعد الغزو الإسرائيلي للبنان، وبعد مذبحة صبرا وشاتيلا، فقد غدا من الصعب الحفاظ على أساطير كثيرة مثل «إسرائيل المحاصرة» أو «إسرائيل الباحثة عن السلام»، وكما حدث بعد حادثة «جوناثان بولارد» (Jonathan Pollard)، المواطن اليهودي الأمريكي الذي قام بالتجسس على حكومة بلده لصالح الدولة اليهودية، وكما يحدث كلما ظهرت أخبار عن مدى عمق العلاقة بين (إسرائيل) واتحاد جنوب أفريقيا.
ولكن معظم هذه الخلافات تظل عائلية، على السطح على الأقل، وتظل الواجهة الصهيونية العامة (بشقيها التوطيني والاستيطاني) تتسم بالوفاق. ومهما يكن فانه يجدر ملاحظة أن «برنامج القدس» الذي حدد أهداف الصهيونية قد «لجأ» إلى صيغة إسفنجية مراوغة تسمح لكل صهيوني بأن يفسر حدود إسرائيل بالطريقة التي تروق له. فلم ينص البرنامج صراحة على «أن إقامة الدولة على ضفتي الأردن هي هدف الصهيونية»، وإنما تحدث عن «الوطن التاريخي، أي أرض إسرائيل» وهي عبارة مطاطة لها دلالات كثيرة في العقل الصهيوني (ولاسيما في إطار «رؤية الأنبياء») من بينها الحدود «المعقولة» التي يقبلها العقل الليبرالي المعتدل، ولكنها قابلة للتمدد فتضم ولاشك ضفتي الأردن، وضفاف النيل والفرات إذا تفتحت الشهية.


الفصل الثاني
صهيونية أثرياء الغرب اليهود واليهود المندمجين:
صهيونية توطينية بلا إمبريالية
تبلور الفكر الصهيوني على يد مفكرين غير يهود قبل أن يظهر اليهود كجماعة فاعلة سياسيًا داخل هذه الحضارة. ولكن منذ بداية القرن التاسع عشر بدأت الجماعات اليهودية في الغرب تلعب دورًا مركزيًا متزايداً في صنع القرار السياسي في الغرب. ولعل أول العناصر التي دخلت حلبة السياسة الغربية هي أثرياء اليهود في العالم الغربي. ويمكن القول إنه قد نشأ تحالف صامت من بين أثرياء الغرب اليهود واليهود المندمجين من جهة وبعض صهاينة يهود شرق أوربا من جهة أخرى. ولكن ما فات الفريقين هو أهمية الإمبريالية الغربية كآلية أساسية وكبرى لتحقيق أية مشاريع (تجارية أو سياسية أو فكرية) في القرن التاسع عشر. ورغم الاختلافات التي نشأت بين الفريقين فقد كان الجميع يدور داخل إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ذات الجذور الغربية أو داخل معظم بنودها مع استبعاد تلك «البنود» التي قد تسبب لهم بعض الجروح (مثل أن اليهود شعب عضوي منبوذ).
صهيونية أثرياء الغرب اليهود واليهود المندمجين (التوطينية)
«صهيونية أثرياء الغرب» شكل من أشكال الصهيونية التوطينية (بين اليهود في مرحلة ما قبل «هرتزل» و«بلفور») ظهرت بين أثرياء الغرب اليهود المندمجين. وقد كان هؤلاء الأثرياء بمنزلة قيادة ليهود العالم بسبب نفوذهم المستمد من ثروتهم وتواجدهم في مواقع مهمة داخل التشكيل الحضاري الغربي، إذ كانوا لا يزالون يلعبون دور الوسيط (شتدلان) التقليدي، ويتشفعون لأعضاء الجماعات اليهودية عند الحكام والسلطات الرسمية.
ومع النصف الأخير من القرن التاسع عشر، تدفق يهود «اليديشية» من شرق أوربا على غربها، وتحولت القضية بالتدريج من مجرد تشفع لهذا اليهودي أو تلك الجماعة إلى قضية توطين اليهود في أماكن متفرقة من العالم لتفريغ أوروبا من فائضها البشري حتى يتسنى لأعضاء الجماعات اليهودية من الأثرياء ومن سكان البلاد الأصليين ممن حققوا معدلات عالية من الاندماج في مجتمعاتهم وتبنّوا ثقافته ورؤيته للكون، أن يحافظوا على مواقعهم الاقتصادية ومكانتهم الاجتماعية التي كان هذا الفائض البشري من المهاجرين يتهددها، أي أن الصهيونية بالنسبة لهؤلاء الأثرياء اليهود وهؤلاء المندمجين هي الصهيونية التوطينية، أي صهيونية اليهودي الذي يبذل قصارى جهده لتوطين المهاجرين اليهود بعيداً عن أوروبا ولكنه لا يهاجر مطلقًا. والواقع أن تبنى هؤلاء اليهود الصهيونية التوطينية ينم عن تناقض عميق، إذ أن طبيعة وضعهم في مجتمعاتهم كان يستند إلى تصور أنهم أعضاء أقلية دينية وحسب لا يربطهم بأعضاء الجماعات اليهودية الأخرى سوى رباط واه، وأن ولاءهم يتجه لأوطانهم بالدرجة الأولى والأخيرة، وأن هويتهم القومية (الإنجليزية أو الفرنسية مثلاً) لا علاقة لها بانتمائهم الديني ولا تتأثر به. وهم في اندماجهم هذا يعدون مثلاً حيًا لانتصار المثل الليبرالية. ولكنهم بتورطهم في مشروع صهيوني (حتى لو كان توطينيًا)، يقرون ضمنًا بوحشية الحضارة الغربية التي تقتلع أعضاء الأقليات التي تعيش بين ظهرانيها وبفشل المثل الليبرالية ومثل الاندماج والتحديث. ولكن أثرياء الغرب المندمجين وقعوا في هذا المأزق لأسباب خارجة عن إرادتهم. فمع تعثر التحديث في شرق أوربا (وهو تعثر صاحبه انفجار سكاني حاد بين أعضاء الجماعات اليهودية) خرجت مئات الألوف بل الملايين من اليهود الفائضين من شرق أوربا ووصلت جحافلهم إلى النمسا وفرنسا وشواطئ بريطانيا. وكما أسلفنا هدد هؤلاء اليهود المواقع الطبقية والمكانة المتميزة الجديدة التي كان يشغلها يهود الغرب المندمجون. بل يقال إنهم كانوا يهددون الأمن الاجتماعي للدول التي يهاجرون إليها. وهنا حدث التشابك بين «مصير» يهود شرق أوربا وأثرياء يهود الغرب (و«تشابك المصير» يختلف عن «وحدة المصير» التي يتحدث عنها الصهاينة)، فيهود الغرب نظروا إلى القادمين على أنهم (على أسوأ تقدير) خطر يتهددهم أو على أنهم (على أحسن تقدير) إخوة في الدين سيئو الحظ يستحقون الإحسان. وقد عبر ذلك عن نفسه من خلال مشاريع صهيونية توطينية يمولها يهود الغرب لإغاثة يهود الشرق وللتخلص منهم في الوقت نفسه. ومع هذا يجب أن نضيف أن موقف أثرياء اليهود واليهود المندمجين من يهود «اليديشية» ومحاولة التخلص لا يختلف في جوهره عن موقف النخبة الحاكمة في بلادهم، وقد خفف هذا من حدة التناقض بين انتماء أثرياء اليهود واليهود المندمجين لأوطانهم وتورطهم في مشروع صهيوني.
وقد كان أثرياء اليهود في الغرب، مثل «روتشيلد» و«هيرش» و«مونتفيوري»، على استعداد لتمويل مشروعات لتوطين يهود شرق أوربا في أية بقعة خالية (أو يتصور أنها خالية) خارج أوربا (مثل الأرجنتين) وظهرت المؤسسات التوطينية اليهودية المختلفة التي كان يدعمها هؤلاء الأثرياء (مثل «الإليانس» وجمعية الإغاثة التي كانت تهدف إلى توطين اليهود في مختلف أنحاء العالم وإلى تحسين أحوال أعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصًا في شرق أوربا في أوطانهم بما يكفل عدم هجرتهم). وكانت هذه المؤسسات تقوم بتدريب أعضاء الجماعات اليهودية حتى يمكنهم إما التكيف مع الأوضاع الاقتصادية الجديدة في أوطانهم الأصلية أو العمل في مهنة جديدة تحتاج إليها الأوطان الجديدة التي وُطنوا فيها.
ويجب تأكيد أن هذه المشاريع والمساعدات التي يمكن أن نطلق عليها «الصهيونية الخيرية» أو (صهيونية الإغاثة والإنقاذ» كانت تتسم بما يلي:
? ـ قلصت الصهيونية التوطينية نطاق اهتمامها، فهي لا تهتم باليهود ككل، وإنما بيهود شرق أوربا وحسب، وخصوصًا الفقراء الذين يتم توجيه عملية الإنقاذ والإغاثة إليهم وحدهم (أما يهود الغرب أنفسهم فيتم إنقاذهم من يهود «اليديشية». وقد لاحظ «هرتزل» أن الصهيونية التوطينية تتضمن نزعة معادية لليهود).
? ـ تتم عملية الإنقاذ بشكل عملي برجماتي خارج أي مشروع قومي أو سياسي يهودي مستقل، فالصهيونية التوطينية معادية لما يسمى «القومية اليهودية»، ولذا فإن مشاريعها لم تكن مرتبطة بفلسطين أو أرض الميعاد ولا بالأفكار الدينية اليهودية التقليدية ولا باللغة العبرية، وكانت «الإليانس» (على سبيل المثال) تدافع عن استخدام الفرنسية.
? ـ يُلاحظ أن كل شخصية، وكل جمعية صهيونية خيرية، كانت تتبع في نشاطها الدولة الأوربية التي تنتمي إليها، «فالإليانس» كانت تتبع فرنسا وتحاول الدفاع عن المصالح والثقافة الفرنسية، على عكس جمعية الإغاثة التي كانت تحاول الدفاع عن المصالح والثقافة الألمانية، وبهذا يؤكد الصهاينة التوطينيون انتماءهم الكامل لأوطانهم.
? ـ لا يمكن إنكار أن «روتشيلد»، أو غيره من أثرياء الغرب، استفادوا كأفراد من نفوذهم في العالم الغربي ومن علاقتهم مع الحكومات الاستعمارية المختلفة في عملية شراء الأرض لتوطين الفائض اليهودي من شرق أوربا. ولكن هذا لا يغير بتاتًا التوجه الكلي ذا الطابع الخيري الإغاثي الذي ينفر من الإطار العقائدي الصهيوني.
? ـ لما كانت عملية التوطين عملية إنقاذ وإغاثة بدون ديباجة قومية، فإنها ستتم في أية بقعة من العالم (الأرجنتين أو شرق أفريقيا أو فلسطين)، وبشكل قانوني عن طريق شراء الأرض. ولم يول صهاينة الغرب المندمجون مشكلة السكان الأصليين أي اهتمام لأن الأمر لم يكن يعنيهم كثيرًا، ولأن اهتمامهم كان ينصب بالدرجة الأولى على تخليص أوربا من فائضها اليهودي وتوطينه في أي مكان وبأية شروط (تجدر الإشارة هنا إلى أنه، على مستوى الممارسة، كان مندوبو «روتشيلد» وجماعة أحباء صهيون يشترون الأرض في فلسطين ويطردون سكانها منها ويوطنون فيها اليهود).
ويمكننا أن نقول أن أول الاتجاهات الصهيونية بين اليهود هي صهيونية الأثرياء المندمجين في غرب أوربا. وقد توجه إليهم صهاينة شرق أوربا التسلليون. ويمكن أن نضع داخل هذا الإطار محاولات السير «موسى مونتفيوري»، والبارون «موريس دي هيرش» المليونير اليهودي الذي ساهم بتبرعات سخية «للإليانس» ومول مشروعات توطين اليهود في الأرجنتين وغيرها من البلدان وأسس جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) لهذا الغرض، و«إدموند جيمس دي روتشيلد»، وجمعية الإغاثة اليهودية في ألمانيا، وجمعية «الإليانس»، والمحاولات المختلفة الرامية إلى توطين اليهود في الأرجنتين والبرازيل.
وقد ظهرت عدة مؤسسات توطينية استمرت في نشاطها حتى الحرب العالمية الثانية. بل لا يزال بعضها يمارس نشاطه في الوقت الحالي رغم اعتراض المنظمة الصهيونية العالمية.
ورغم أن يهود الغرب وأثرياءهم هم الذين مولوا عمليات التوطين الأولى، فإنهم لم يكونوا قط مرشحين لقيادة الحركة الصهيونية لعدة أسباب:
? ـ لم يوافق هؤلاء اليهود قط على المضمون القومي للتوطين الذي كان يهود شرق أوروبا (من يهود اليديشية) يحاولون فرضه.

? ـ بعد أن أصبح المشروع الصهيوني جزءًا لا يتجزأ من المشروع الاستعماري الغربي، رضخ يهود الغرب للأمر الواقع. ولكنهم آثروا، مع هذا، الاحتفاظ بمسافة بينهم وبينه، فهم في نهاية الأمر مستفيدون من المثل الليبرالية السائدة في مجتمعاتهم، وهي مثل تتناقض مع المثل التي ينطلق منها المشروع الصهيوني.
? ـ لم يكترث يهود الغرب بيهودية المشروع الصهيوني، فما كان يعنيهم أساسًا هو إبعاد يهود شرق أوربا عنهم. وهم، في هذا، كانوا أقرب للصهاينة غير اليهود منهم للصهاينة من اليهود، ولذا فهم صهاينة يهود غير يهود.
? ـ لم تكن هذه القيادات تعرف شيئًا عن المادة البشرية اليهودية المستهدفة التي كان يُراد نقلها إلى فلسطين، كما لم تكن تدرك لغتها ولا طموحاتها أو آلامها، ولذا فقد كانت تنظر إليها من الخارج شأنها في هذا شأن صهيونية غير اليهود.
? ـ كانت قوة يهود الغرب في نهاية الأمر محدودة، فقد كانوا يملكون أن يتوسطوا لدى السلطان العثماني ليحسن أحوال اليهود أو ليمنحهم قطعة أرض، ولكن لم يكن بوسعهم أن يطلبوا لليهود أرضًا ينشئون عليها دولة، كما أنهم لم يكن عندهم أي إدراك لحتمية الاستعانة بالإمبريالية في أية عملية توطينية.
بعض أثرياء الغرب اليهود المندمجين: «مونتفيوري» و«هيرش» و«روتشيلد»
يمكن القول أن «مونتفيوري» و«هيرش» يعدان من أهم أثرياء الغرب المندمجين ممن تبنوا الصهيونية التوطينية، ولكن أهمهم طرًا هو «روتشيلد».
? ـ موسى مونتفيوري (????-????)
«موسى مونتفيوري» ثري ومالي بريطاني يهودي، زعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا، ومن كبار المدافعين عن الحقوق المدنية لليهود في إنجلترا والعالم. ولد في بريطانيا لأسرة إنجليزية ذات أصول إيطالية «سفاردية» استقرت في إنجلترا في القرن الثامن عشر. وبدأ عمله كسمسار في بورصة لندن حيث حقق ثراء سريعًا. وقد ارتبط بعائلة «روتشيلد» المالية الثرية من خلال المصاهرة، الأمر الذي ساعده في مجال أعماله. وقد كان «مونتفيوري» من أوائل المشاركين في تأسيس البنوك الصناعية بالتعاون مع المؤسسة الإنجليزية ـ الأمريكية العاملة في مجال الماس والمال والتي اشترك في تأسيسها «إرنست أوبنهايمر» اليهودي الثري رجل الصناعة والمال في جنوب أفريقيا. وقد حقق «مونتفيوري» ثروة طائلة من خلال أعماله، وهو ما مكنه من اعتزال العمل عام ????. وقد كان «مونتفيوري» ثاني يهودي يتولى منصب عمدة لندن وأول يهودي يحصل على لقب «سير».
وقد كرس «مونتفيوري» جهوده بعد ذلك للقضايا المرتبطة بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا والعالم الإسلامي، وزار فلسطين سبع مرات، وقدم لمحمد علي باشا عام ???? خطة لتوطين اليهود في فلسطين تتضمن توفير وضع متميز لليهود وقدر كبير من الاستقلال الذاتي وتنمية المشاريع الزراعية والصناعية في فلسطين حتى يحقق اليهود الاعتماد على الذات. وفي المقابل، اقترح «مونتفيوري» تأسيس البنوك في المدن الرئيسية في المنطقة لتقدم التسهيلات الائتمانية للمنطقة بأكملها. وقد ساهم مونتفيوري في تأسيس بعض المستوطنات الزراعية في الجليل ويافا، وأسس أول حي يهودي خارج أسوار مدينة القدس القديمة، كما أسس بعض المشاريع الصناعية. وقد التقى بمحمد علي مرة أخرى في القاهرة عام ???? لبحث قضية دمشق (وهي القضية التي اتُهم فيها بعض اليهود بذبح راهب مسيحي فيما يعرف «بفرية» الدم)، إلا أن مشاريعه في فلسطين تعثرت بعد خروج محمد علي من فلسطين تحت ضغط القوى العظمى في تلك الفترة. ومع ذلك، نجح في إقناع السلطان العثماني بمنح الامتيازات التي كان يتمتع بها الأجانب لليهود في جميع أرجاء الإمبراطورية العثمانية، وهو ما ساهم بدون شك في تحويلهم إلى عنصر أجنبي منبت الصلة بالمنطقة وذي قابلية خاصة للتحول إلى جماعة وظيفية استيطانية.
وقد اهتم «مونتفيوري» أيضًا بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا، فزار روسيا عامي ???? و???? لبحث حالتهم مع الحكومة القيصرية، كما زار المغرب عام ???? ورومانيا عام ???? للغرض نفسه.
وقد اكسبته جهوده لصالح الجماعات اليهودية، ومهاراته وحنكته الدبلوماسية، وقدرته على الوصول إلى الحكام المناسبين، مكانة واحترامًا كبيرًا، خصوصًا لدى الحكومة البريطانية حيث كان كثير من نشاطاته متفقًا مع السياسات الاستعمارية البريطانية. وكان تأييده للاستيطان اليهودي في فلسطين، شأنه شأن معظم الأثرياء اليهود المندمجين في الغرب، يهدف إلى تحويل تيار الهجرة المتدفق من شرق أوربا على غربها بعيدًا عنها، لأن هذا التيار كان يهدد وضعه الطبقي والحضاري في إنجلترا. ولذلك، كان من أهم اهتماماته تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج، عن طريق ربطهم بالأرض ومهنة الزراعة وإنشاء المستوطنات الزراعية وإدخال العلوم العصرية في المدارس اليهودية في شرق أوربا.
? ـ موريس دي هيرش (????-????)
«موريس دي هيرش»، ثري ألماني يهودي، ومؤسس جمعية الاستيطان اليهودي، وأول من فكر في إعادة توطين اليهود على نطاق واسع. وقد ولد «هيرش» لعائلة يهودية ثرية ومرموقة، تلقى في صباه دراسة دينية وتعلم العبرية. وفي «بروكسل»، اشتغل في مؤسسة مصرفية كبيرة مملوكة لعائلة يهودية مالية ذات مكانة مرموقة في «بلجيكا»، وهي عائلة «بيسخو فشايم». وقد ارتبط «هيرش» بهذه العائلة من خلال الزواج، وهو ما سهل له البدء في مشاريع تمويل بناء السكك الحديدية في تركيا والنمسا ودول البلقان. وقد كان للممولين اليهود بصفة عامة (في القرن التاسع عشر) دور مهم في تمويل بناء السكك الحديدية في أوربا، وهو مجال كان لا يزال في بداياته، وبالتالي كان ينطوي على كثير من المجازفة. إلا أن تراث اليهود كجماعة وظيفية، وتشعب خبراتهم وعلاقتهم المالية، أهلهم لدخول هذه المجالات الجديدة وتحقيق قدر كبير من النجاح. وقد حقق «هيرش» من خلال نشاطه في هذا المجال، وأيضًا من خلال نشاطه في المضاربات على سلعتي السكر والنحاس، ثروة طائلة في عام ????، وإن كانت الشبهات تحيط بمصادر الجانب الأعظم من هذه الثروة. وليس أدل على ذلك من الفضيحة المالية التي تفجرت عقب نجاح «هيرش» عام ???? في إبرام صفقة مع الدولة العثمانية للحصول على امتياز إنشاء وتشغيل شبكة خطوط حديدية في البلقان، حيث كُشف النقاب آنذاك عن الأساليب الملتوية التي لجأ إليها «هيرش» للحصول على الصفقة، ثم أشكال التلاعب في تنفيذ المشروع نفسه.
وقد كان «هيرش» واعيًا بالمسألة اليهودية في شرق أوربا، فاهتم بنشاط «الإليانس» «إسرائيليت يونيفرسل» التعليمي، وتبرع لها بمبلغ مليون فرنك، ثم خصص لها صندوقًا يوفر لها عائدًا سنويًا كبيرًا. كما قدم للحكومة الروسية مبلغ مليونين من الجنيهات لإنشاء نظام تعليمي حديث، إلا أن تبرعه رُفض نظرًا لإصراره على فرض الوصاية على هذا المشروع. فقام بتأسيس جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) برأسمال قدره مليونان من الجنيهات دفعها كلها تقريبًا. وكانت الجمعية تهدف إلى تهجير وتوطين اليهود في كندا والولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج عن طريق تعليمهم الزراعة والحرف المختلفة.
وقد حاول «أحباء صهيون» و«هرتزل» أن يطلبوا من «هيرش» العون لمشاريعهم ولكنه اعتبر محاولة إنشاء دولة صهيونية في فلسطين مجرد وهم كبير. ومع ذلك، فقد ظل على إيمانه بإمكانية تحويل يهود أحياء «الجيتو» في شرق أوربا إلى شعب زراعي. وقد استمرت جمعية الاستيطان اليهودي في نشاطها بعد وفاته، لكن صندوقها تحول لخدمة الاستيطان في فلسطين. وفي عام ????، تم دمج مؤسستي «روتشيلد» و«هيرش» تحت اسم «بيكا» (هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين) وبلغ مجموع ما امتلكته هذه المؤسسة الموحدة خلال ربع قرن (????-????) ما مساحته ?? ألف دونم، أو ثلث ما كان بحوزة اليهود من أراض عند إعلان قيام إسرائيل.
? ـ إدموند دي روتشيلد (????-????)

«إدموند دي روتشيلد» هو أحد زعماء الفرع الفرنسي لعائلة «روتشيلد» المالية اليهودية، وهو أحد الأبناء الخمسة «لجيمس ماير دي روتشيلد» (???? ـ ????) مؤسس فرع العائلة في فرنسا. وترجع أهميته لمساهمته الكبيرة في المشاريع الاستيطانية اليهودية في فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
بدأ اهتمام «إدموند جيمس روتشيلد» بقضية يهود «اليديشية» وبعملية توطين اليهود في فلسطين في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي شهدت هجرة أعدد كبيرة من يهود شرق أوربا إلى غربها وإلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الاستيطانية، عقب تعثر عملية التحديث في شرق أوربا ثم توقفها.
ولم يكن «روتشيلد» مؤيدًا أول الأمر لصهيونية «هرتزل» السياسية، وقد اتسمت أول مقابلة بينهما في باريس عام ???? بالفتور الشديد، بل كان يرى أن «هرتزل» ليس إلا «شنورر»، أي متسول مثل آلاف المتسولين من شرق أوربا الذين كانوا يتدفقون على وسطها وغربها. كما أن «روتشيلد» كان يذهب إلى أن المشروع الصهيوني برمته مشروع غير عملي، وأن فلسطين لن تستطيع استيعاب هجرة جماعية ضخمة. وكان يرى أنه بالرغم من حاجة السلطان العثماني إلى النقود فإنه لن يمنح فلسطين للصهاينة لتأسيس دولة فيها، وأنه سيكتفي بإعطاء بعض الوعود الغامضة التي لا قيمة لها. كما كان يخشى من أن تثير إقامة دولة يهودية مشاعر معادية لليهود وتؤدي إلى المطالبة بطرد اليهود من البلاد التي يعيشون فيها. لكل هذا، كان «روتشيلد» يفضل أن تتم عملية الاستيطان في فلسطين بشكل هادئ وتدريجي. إلا أنه مع توسع الاستيطان اليهودي في فلسطين، والذى تم تحت رعايته، ونجاح المشاريع المختلفة التي أسسها هناك، توطدت علاقته بالمنظمة الصهيونية، وخصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث استخدم نفوذه للحصول على موافقة فرنسا على وعد «بلفور» وعلى إدخال فلسطين تحت الانتداب البريطاني.
كما أن عملية توطين اليهود في فلسطين كان لها بعدها السياسي، «فروتشيلد» كان مرتبطًا بالمصالح الرأسمالية الإمبريالية الفرنسية التي كانت تريد توسيع رقعة نفوذها في الشرق وكانت تفكر بحماس شديد في التركة التي سيتركها رجل أوربا المريض (الدولة العثمانية).
وقد بدأ «روتشيلد» اهتمامه بأعمال الاستيطان اليهودي في فلسطين بعد أن توجهت إليه حركة «أحباء صهيون» التي كانت تتولى أعمال الاستيطان في فلسطين في تلك الفترة، كما توجه إليه زعماء مستوطنة «ريشون لتسيون» التي كانت تعاني أزمة مالية حادة مطالبين إياه بتقديم دعمه المالي لنشاطهم في فلسطين. وبالفعل، ما كان بوسع المستوطنات الأولى التي أقيمت في فلسطين الاستمرار لولا معونات «روتشيلد». وقد وصل إنفاقه على المستوطنين خلال الفترة بين ???? و???? نحو ?.???.??? جنيه إسترلينى في حين كان إسهام حركة أحباء صهيون ??.??? جنيه إسترلينى فقط. وقد اشترى «روتشيلد» أرضًا في فلسطين أواخر عام ???? لإقامة مستوطنة زراعية نموذجية لحسابه الخاص أطلق عليها اسم والدته. كما أسس عدة صناعات للمستوطنين الصهاينة مثل صناعة الزجاج وزيت الزيتون، وعددًا من المطاحن في حيفا، وملاحات في «عتليت»، كما ساهم في تأسيس هيئة كهرباء فلسطين عام ????. إلا أن أهم الصناعات التي أقامها وأوسعها نطاقًا كانت صناعة النبيذ التي كان يسعى «روتشيلد» إلى ربطها بصناعة النبيذ المملوكة لعائلة «روتشيلد» في فرنسا.
وقد وصل حجم رعاية «روتشيلد» ودعمه للمستوطنات إلى الحد الذي أكسبه لقب «أبو اليشوف» أي أبو المستوطن الصهيوني. وحينما اختلف المستوطنون الصهاينة، حذرهم «ليو بنسكر»، أحد زعماء ومفكري حركة «أحباء صهيون»، قائلاً «إن مفاتيح المستوطن الصهيوني توجد في باريس». وكان «روتشيلد» يحكم المستوطنات من خلال جهاز «بيروقراطي» يشغله موظفون فرنسيون من اليهود وغير اليهود يراقب عمليات إنفاق أموال «روتشيلد» واستثمارها ويقدم الخبرات للمستوطنين في المجال الزراعي. وقد كانت هذه الرعاية البيروقراطية للمستوطنات مصدر مشاكل كثيرة ومثارًا للانتقادات الحادة نظرًا لما كانت تثيره من خلافات بين المستوطنين من ناحية والموظفين الفرنسيين من ناحية أخرى. وقد دفع ذلك زعماء «أحباء صهيون» وزعماء المستوطنات إلى مطالبة «روتشيلد» بإنهاء هذا النظام عام ????. وكان «روتشيلد» قد حول إدارة مشاريعه في فلسطين عام ???? إلى جمعية الاستيطان اليهودي وقدم لها منحة قدرها أربعة ملايين فرنك من أجل أن تمول نفسها ذاتيًا. وفي عام ????، أسس جمعية الاستيطان اليهودي في فلسطين والتي ترأسها ابنه «جيمس أرماند» (???? ـ ????). وقد أسس «روتشيلد» من خلال هذه الهيئة أكثر من ?? مستوطنة في جميع أنحاء فلسطين، ووصل حجم إنفاقه على هذه المشاريع بعد عام ???? نحو سبعة ملايين فرنك ذهبي.

وإلى جانب المشاريع الاقتصادية، امتد نشاط «روتشيلد» إلى مجال التعليم حيث قدم دعمًا ماليًا عام ???? للمدارس الصهيونية في المستوطن الصهيوني والتي كانت تواجه أزمة مالية، كما أمد «حاييم وايزمان» بالمعونة اللازمة لإنشاء الجامعة العبرية في القدس. وفي عام ????، عُين «روتشيلد» رئيسًا فخريًا للوكالة اليهودية التي كانت قد انشئت قبل ذلك بسنوات قليلة. ولا شك في أن دعم «روتشيلد» وغيره من الأثرياء اليهود للحركة الصهيونية، بصرف النظر عن النوايا أو المصالح الذاتية، كانت مسألة أساسية، لولاها ما قامت للحركة قائمة ولما استطاعت أن تضرب بجذورها في أرض فلسطين.


الفصل الثالث
الصهيونية التسللية:
صهيونية استيطانية بلا إمبريالية
بعد أن تناولنا صهيونية اليهود من أثرياء الغرب المندمجين يمكن أن نتناول الفريق الثاني من تيار الصهيونية بلا إمبريالية والذي يسمى «الصهيونية العملية» وما نسميه «الصهيونية التسللية». والصهيونية التسللية شأنها شأن كل التيارات الصهيونية الأخرى تدور في إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة ذات الجذور الغربية، وإن كان قد فاتهم إدراك أن المشروع الصهيوني لا يمكن تنفيذه دون المظلة الإمبريالية.
الصهيونية العملية (التسللية)
«الصهيونية العملية» اصطلاح يطلق على أحد التيارات الصهيونية التي وجدت قبل ظهور «هرتزل» و«بلفور»، وهو تيار يصدر عن الصيغة الصهيونية الأساسية. ولكن ديباجاتها كانت تنطوي على بعض الخلل، إذ تصور التسلليون أن حل المسألة اليهودية لا يمكن أن يتم إلا عن طريق جهود اليهود الذاتية والانعتاق الذاتي والعمل على تحقيق أمر واقع في فلسطين وذلك عن طريق التسلل إلى فلسطين بالطرق السرية أو بالوساطات الخفية غير المباشرة (على حد قول «هرتزل») أو عن طريق الاستيطان القائم على الصدقات، أي بمساعدة أثرياء الغرب المندمجين دون اللجوء لمساعدة أية قوة عظمى أو المناورات الدبلوماسية (مع الدول الغربية الاستعمارية) ولا عن طريق الضمانات الدولية. وقد كان «حاييم وايزمان» من أهم قادة هذا الاتجاه العملي، ومن أهم مفكريه «ليو بنسكر» و«موشيه ليلينبليوم». وكانت الثمرة العملية لهذا الاتجاه جماعة أحباء صهيون الذين كانوا يحاولون استيطان فلسطين عن طريق التسلل وترسيخ أقدامهم فيها عن طريق العمل البطيء والمثابرة.
واصطلاح «الصهيونية العملية» مثل معظم المصطلحات الصهيونية مضلل وغير دقيق، ولذا فنحن نطرح بدلاً منه اصطلاح «الصهيونية العملية التسللية» أو «الصهيونية التسللية». فالمتسللون كانوا يتحركون داخل إطار يهودي (شرق أوربي) محض وينظرون للأمور من خلال منظار يهودي محض ويتصورون واهمين إمكانية استيطان فلسطين عن طريق التسلل.
وكانت تجربة معظم التسلليين تقليدية محدودة وكانوا يدورون في إطار الجماعة الوظيفية التي تمارس قيادتها السيطرة الكاملة عليها، وتقوم بدور الوسيط (شتدلان) بين الجماعة اليهودية والقوة الحاكمة. وكانت القيادة اليهودية دائمًا تتمثل في مجموعة من الحاخامات والأثرياء. ولكن بات من الواضح للجميع أن الحاخامات قد فقدوا كل صلة بالواقع الغربي الحديث، وأن ثقافتهم التلمودية وجهلهم بلغة البلد قد زادهم عزلة. ولذا، لم تعد الحكومات تخاطبهم في أمور اليهود كما كان يحدث في الماضي. أما أثرياء شرق أوربا فكان عددهم صغيرًا، وكانوا ضعفاء جدًا وفي حالة هلع شديد للحفاظ على مواقعهم الطبقية الجديدة، ولذا كانوا يؤثرون الحفاظ على مسافة كبيرة بينهم وبين الجماهير اليهودية في بلادهم.
وحيث إن يهود «اليديشية» لم يدركوا أهمية الإمبريالية لأنهم كانوا من شرق أوربا، خاضعين للرقابة في الإمبراطورية القيصرية، وهي إمبراطورية لم يكن لها مشروع استعماري استيطاني في فلسطين أو حولها (إذ أخذ مشروعها الاستعماري شكل التوسع من خلال ضم المناطق المتاخمة لحدودها)، لذا نجدهم يتحركون نحو الغرب (مركز القوة). وكان في هذا تحديث للحركة، ولكنهم كانوا لا يتوجهون إلى حكوماته وإنما إلى أثرياء اليهود في الغرب (بدلاً من أثرياء اليهود في الشرق) كي يقوموا بتمويل نشاطهم الاستيطاني والتسللي. ولعل توجههم للأثرياء بدلاً من الحكومات هو نفسه نتاج تجربتهم مع الدولة الروسية التي لم تكن تتمتع بعد بالمركزية والهيمنة التي كانت تتمتع بها نظيراتها في أوربا الغربية.
وقد تم النشاط الاستيطاني التسللي بشكل هزيل وعملي، خارج نطاق أي فكر أيديولوجي، وظل محتفظًا بطابعه البرجماتي الإغاثي المباشر، ولم يتجاوز إقامة مزارع صغيرة لا قيمة لها. وقد استفاد التسلليون من نفوذ قناصل الدول الغربية (الذين كانوا يتنافسون على حماية اليهود، أي تحويلهم إلى عنصر وظيفي عميل). وهذا يشير إلى أن التسلليين كانوا يتحركون عمليًا وموضوعيًا داخل إطار صهيوني بالمعنى الاستعماري الاستيطاني للكلمة، حتى ولو لم يدركوا هم ذلك. ولكنهم وضعوا أولوياتهم بطريقة أدخلتهم طريقًا مسدودًا (تسلل استيطاني ـ دعم الأثرياء ـ إنشاء دولة) إذ جعلوا الاستيطان مقدمة وهو في واقع الأمر نتيجة للآلية الكبرى للإمبريالية. ولذا، فقد سقطوا في نهاية الأمر في يد «روتشيلد» وأصبحوا موظفين لديه، يقومون بابتزازه ويقوم هو بتمويلهم وزجرهم والتحكم فيهم.
وكان التسلليون، بسبب طبيعة نشأتهم في شرق أوربا، يهتمون بمسائل الهوية اليهودية (اليديشية) وبعملية إصلاح اليهود واليهودية. على عكس «هرتزل» الذي اهتم بما سماه «الاستيطان القومي» الذي يضمنه القانون العام، أي الدولة الغربية الاستعمارية الكبرى. وقد ظهرت الخلافات بين التسلليين «وهرتزل» في المؤتمر الصهيوني الأول (????)، ولكن «هرتزل» اكتسح الجميع بسبب دقة أولوياته وحداثة طرحه، وخطابه المراوغ، فانضموا هم إلى المنظمة ولم ينضم هو إلى جماعاتهم الكثيرة رغم أنه كان مجرد صحفي كتب كراسة عن المسألة اليهودية وكانوا هم عدة تنظيمات يضمون في صفوفهم كثيرًا من المفكرين وبضعة آلاف من الأعضاء. ثم صدر برنامج بازل، وقد قبل التسلليون الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية وقبلوا قيادتها للمنظمة. ومنذ تلك اللحظة، سقطت عنهم الصفة التسللية بإدراكهم حتمية الاستعانة بالإمبريالية الغربية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.
ورغم هذا، استمر الخلاف بين ما يمكن تسميته «الصهيونية العملية (الاستيطانية)» مقابل الصهيونية الدبلوماسية (التوطينية)، فقد شهدت الفترة الواقعة بين عامي ???? و???? تبلور معارضة الصهاينة الاستيطانيين الذين طالبوا بالتركيز على البند الأول من برنامج «بازل» الخاص بتشجيع عملية الاستيطان في فلسطين، بينما انصرف اهتمام تيار «هرتزل» الدبلوماسي إلى تحقيق البند الرابع من البرنامج وهو الخاص بالحصول على ضمان أو اعتراف من الدول الاستعمارية الرئيسية لحماية مشروع إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين. ولم تكن الخلافات بين العمليين (الاستيطانيين) من جهة، والدبلوماسيين (التوطينيين) من جهة أخرى، سوى خلافات ناجمة عن سوء الفهم من جانب العمليين الذين لم يكونوا قد أدركوا بعد أهمية الدولة الاستعمارية الراعية للمشروع الصهيوني، رغم قبولهم إياها، ومن جانب الدبلوماسيين التوطينيين الذين لم يدركوا أهمية سياسة خلق الأمر الواقع في فلسطين وضرورة تبنى ديباجات إثنية لتجنيد المادة البشرية المستهدفة. ومع هذا، بدأت عملية التقارب، إذ بدأ الاستيطانيون يدركون بالتدريج تفاهة فكرة الاعتماد على الذات، ولذا أصبح النشاط الاستيطاني في مرتبة ثانوية بالنسبة لمنظمة «هرتزل» الصهيونية، كما بدأوا يدركون أولوية الجهود الدبلوماسية الاستعمارية على الجهود الاستيطانية. وربما لهذا السبب لا نسمع كثيرًا عن جهود استيطانية مكثفة في هذه المرحلة. ونظرًا لسطحية الاختلاف، لم يكن من العسير التوفيق بين الاتجاهين. فمن البداية أعربت المنظمة الصهيونية عن استعدادها للاعتراف بالاستيطان الذي يتم بناء على ترخيص مسبق من الحكومة التركية، وأعلنت عن استعدادها لتقديم المساعدة لمثل هذا الاستيطان، بل أقامت المنظمة لجنة خاصة لشئون الاستيطان.

وقد تم، في نهاية الأمر، التوصل إلى صيغة توفيقية في المؤتمر الصهيوني السابع (????)، فرفض الاستيطان التسللي (الذي يعتمد على الصدقات وعلى الحصول على قطعة أرض) نهائيًا. وقررت المنظمة الصهيونية أن تشجع العمل الزراعي والصناعي الاستيطاني هناك، وتم انتخاب لجنة تنفيذية جديدة تضم ثلاثة من العمليين الاستيطانيين وثلاثة من الدبلوماسيين التوطينيين.
وفي المؤتمر الصهيوني العاشر (????) انتخب المؤتمر «ووربورج» ومعه ? أعضاء آخرين في اللجنة التنفيذية، وكانوا من العمليين الاستيطانيين، وظلت المؤسسات المالية في يد العمليين الاستيطانيين.
وفي المؤتمر الصهيوني الحادي عشر (????) أحكم الاستيطانيون السيطرة على كل المؤسسات الصهيونية. وقد كان «هرتزل» ـ شأنه شأن صهاينة الغرب عامة ـ يعتقد أن صهاينة شرق أوربا غير قادرين على قيادة الحركة الصهيونية، بل كان يعتقد «أننا سنكون أداة تستفيد منها الحركة الصهيونية الغربية»، على حد قول «وايزمان». ولكن مسار التاريخ قلب تقسيم العمل المقترح تمامًا، فأمسك الشرقيون من يهود «اليديشية» بزمام الأمور في المنظمة الصهيونية وتولوا قيادتها، وهو أمر منطقي ومتوقع. فالاستيطانيون (العمليون) كانوا من شرق أوربا، والمشروع الصهيوني كان ـ حسب تصورهم ـ أمرًا حيويًا، بل مصيريًا بالنسبة لهم، فهم ممثلو الفائض اليهودي والقادرون على التحدث باسم هذه الكتلة البشرية المرشحة للنقل إلى فلسطين وبلغتها، على عكس يهود الغرب الصهاينة الذي كان يهمهم التخلص من الفائض وإبعاده عن بلادهم وحسب، وكانوا غير قادرين على تفهم لغته وآماله.
وقد ساعدت صياغة «هرتزل» المراوغة على امتصاص كل الخلافات، فتعلم الصهاينة أن يعيشوا مع التناقض والصراعات ما دام ثمة اتفاق على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وعلى الأولويات الإجرائية.
ولكن الذي حسم الخلاف تمامًا بين الفريقين لم تكن المؤتمرات الصهيونية وإنما التطورات الدولية. فبعد اتخاذ قرار تقسيم تركيا، ومع اهتمام إنجلترا المتزايد بالبعد الجيوسياسي لفلسطين، لم يكن أمام الصهاينة (العمليين أو السياسيين أو خلافهم) سوى انتظار الدولة الراعية التي سترعى مصالحهم والتي ستوفر لهم الأرض والضمانات الدولية اللازمة. والصهيونية التي لم يكن لديها أية جماهير لم تكن تملك سوى الانتظار والتلقي، وبذا يكون الاستعمار الغربي في واقع الأمر مصدر الوحدة بين الاتجاهات الصهيونية المختلفة.

جمعيتان صهيونيتان تسلليتان: أحباء صهيون وبيلو
أهم المنظمات الصهيونية التسللية هي «أحباء صهيون» ومنظمة «البيلو».
?- أحباء صهيون
«أحباء صهيون» اسم يطلق على مجموعة من الجمعيات الصغيرة في روسيا (التي كانت تضم أكبر جماعة يهودية) وبولندا ورومانيا، والإمبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا وإنجلترا والولايات المتحدة. وكانت جمعيات أحباء صهيون في غرب أوربا تضم أساسًا اليهود والمهاجرين من شرق أوربا وبعض العناصر المحلية القلقة من هذه الهجرة اليهودية، وكان لهذه الجمعيات أسماء كثيرة تحمل معنى حب صهيون أو الرغبة في العودة، كما كان هناك جمعيات تحمل أسماء مثل «البيلو» وقديمًا وجمعية بني موسى (السرية). وكان أهم هذه الجماعات جماعة «زروبابل» في «أوديسا» التي كان يترأسها «بنسكر وليلينبلوم» أهم مفكري الحركة (ويمكن أن نضيف إليهما سمولنسكين).
إلا أن تعدد الأسماء والجمعيات هذا لا يعني أن جمعيات «أحباء صهيون» كانت حركة جماهيرية اكتسحت يهود شرق أوربا، فقد ظلت حتى النهاية تنظيمات صغيرة من المثقفين والبورجوازيين الصغار، وكانت كل جمعية تضم حوالي ??? إلى ??? عضوًا، وكان عددها ?? جمعية عام ???? ووصل إلى ??? جمعية بين عامي ???? و????، وتراوحت العضوية بين تسعة آلاف وأربعة عشر ألفًا عام ???? من مجموع يهود العالم البالغ حينذاك عشرة ملايين تقريبًا، وقد آثر ما يقرب من مليونين منهم الهجرة إلى الولايات المتحدة، ولعل هذا يفسر عدم إدراك «هرتزل» لوجودهم، وحينما أدرك وجودهم فإنه لم يعاملهم باحترام شديد وقرر توظيفهم في مخططه.
ويعود ظهور هذه الجمعيات إلى تعثر عملية التحديث في روسيا وشرق أوربا، وإلى تناقص فرص الحراك الطبقي أمام بعض قطاعات اليهود هناك. وتصدر هذه الجمعيات عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعد تهويدها من خلال بعض المفاهيم اليهودية أو شبه اليهودية، مثل: رفض الاندماج، والإيمان بأن معاداة اليهود ظاهرة أزلية، ورفض الانتظار السلبي للماشيح، وكذلك حل المسألة اليهودية، هنا في الأرض وفي هذه الأيام وليس هناك في السماء أو في آخر الأيام.
وحركة «أحباء صهيون» هي أهم ممثلي التيار الصهيوني التسللي (الذي يسمى «العملي») والذى تصدى «لهرتزل». وقد دعى «بنسكر وليلينبلوم» و?? شخصية يهودية إلى اجتماع في منزل «بنسكر» في أكتوبر ????. ولعل وظائف المدعوين تعطي صورة عن التكوين الطبقي للجمعية فحوالى النصف كانوا من التجار، وكان هناك أيضًا صاحب بنك وسمسار في البورصة وأربعة أطباء وصيدلي وكبير حاخامات «أوديسا»، وكان المجتمعون يعرفون أن أثرياء اليهود في شرق أوربا سيعارضونهم (إذ أنهم كانوا من دعاة الاندماج). ولذا قرروا أن يكون التوجه للطبقة الوسطى.
وقد عقدت جمعية «أحباء صهيون» أول مؤتمر لها في «كاتوفيتش» عام ???? وألقى «بنسكر» خطابًا تحدث فيه عن مساعدة المستوطنين اليهود «أينما كانوا»، وطالب بإنشاء جمعية «مونتفيوري» لتطوير الزراعة بصورة خاصة بين المستوطنين في فلسطين. وقد بذل «بنسكر» قصارى جهده للابتعاد عن أية ديباجة قومية حتى لا يخيف يهود الغرب الذين كان يطلب عونهم فأكد أن: «فكرة الدولة اليهودية... لا تزال بالضرورة بعيدة المنال، وهي تحتاج لجهد يفوق طاقة جيلنا، وهو جهد صعب بشكل خاص في البلاد المتحضرة [أي بلاد غرب أوربا] التي تحدد الإيقاع في أوربا بأسرها». ولعله كان يخشى أيضًا خلق جو من التوتر بين الدولة العثمانية والمستوطنين الصهاينة.
ثم عقد مؤتمر آخر في «دروسكينكى» ???? حيث ظهر الخلاف بين المتدينين والعلمانيين، وقد فشل الفريق الأول في عزل «بنسكر» ولكنهم نجحوا في تعيين ثلاثة حاخامات في اللجنة التنفيذية، ولم تختلف قرارات هذا المؤتمر عن سابقه. وقد ازدادت الخلافات بين الفريقين اتساعًا عام ???? / ???? لأنه عام سبتي لا يباح فيه لليهود زراعة الأرض، ولكن المستوطنين مع هذا استمروا في زراعتها. وعقد مؤتمر ثالث عام ???? في «فلنا» وزاد النفوذ الصهيوني الديني فيه الأمر الذي اضطر العلمانيين إلى تأسيس جماعة «بني موسى» السرية (على غرار المحافل الماسونية).
وعُقد المؤتمر الرابع في «أوديسا» عام ???? بعد اعتراف النظام القيصري بالجمعية. وقد حصلوا على الاعتراف من خلال بارون روسي يهودي توسط لهم لدى الحكومة، وسميت الجمعية رسميًا باسم «جمعية تقديم المساعدات للمستوطنين اليهود الزراعيين وأصحاب الحرف اليدوية في سوريا وفلسطين». وبعد أن رفعت السلطات العثمانية الحظر عن الاستيطان اليهودي في فلسطين تم فتح مكتب في يافا. وقد وقع انقسام وخلاف بين القيادة في روسيا واللجان المحلية في فلسطين، فكان شراء حصان، على سبيل المثال، يتطلب مناقشة لجان عديدة والحصول على الموافقة من روسيا. ولم تفهم لجنة «أوديسا» الطبيعة الخاصة للزراعة الاستيطانية والعلاقة مع العرب. وقد تملك المستوطنين إحساس بالعجز التام أمام العثمانيين وبأن الباب العالي لن يعطيهم أية تنازلات. وقد أغلق مكتب يافا عام ???? بعد أن أصيب بخسائر مالية فادحة، وبعد أن نجح العرب في إيصال معارضتهم للأستانة.
وقد سبقت المؤتمر عدة محاولات لتشكيل هيئة مركزية، فحاول «موهيليفر» اختيار لجنة مركزية، وعقد مؤتمرًا محدودًا لهذا الغرض في «بيالستوك»، ولكن اللجنة المنتخبة كانت خاملة تمامًا وهو ما دفع جمعية «بناي بريت» إلى تنظيم مؤتمر آخر في سبتمبر من العام نفسه، ولكنه لم يحقق نجاحًا يذكر.
وقد تم الإعلان عن المؤتمر باعتباره مؤتمرًا تأسيسيًا لإنشاء جمعية خيرية، لتشجيع المستوطنات الزراعية اليهودية، تسمى «مزكيرايت موشيه» أي «ذكرى موسى» أو «أحباء موسى» نسبة إلى «موسى مونتفيوري» (الذي مات بعد عدة أشهر من تاريخ عقد المؤتمر، ولم يترك لهم أي دعم مالي أو معنوي، ومن ثم فقد تخلوا عن الاسم).
وقد عُقد المؤتمر في جو من الإحساس بالضعف والخوف من الفشل أو من عداء أثرياء الغرب، ولذا خفف المؤتمرون تمامًا من أية ديباجة قومية وتبنوا صيغة إنقاذية وتحدثوا عن ضرورة عودة اليهود إلى النشاط الزراعي في فلسطين، ولم يذكروا شيئًا عن طموحات الإحياء القومي أو الاستقلال السياسي. ومع هذا، فقد اكتشف المؤرخ «جرايتز» البُعد القومي الكامن المستتر، كما اكتشف أن المؤتمر ليس مجرد مؤتمر لحل مشاكل يهود روسيا فانسحب من المؤتمر. وقد تقرر أن يكون مركز الجمعية برلين (في الغرب) على أن تكون «أوديسا» هي المركز مؤقتًا. وتقرر تكوين لجنتين، إحداهما لاستقصاء المعلومات عن فلسطين والأخرى للذهاب للباب العالي للتفاوض بشأن فتح أبواب فلسطين أمام المستوطنين، وتقرر تقديم طلب رسمى للحكومة الروسية لتأسيس جمعية خيرية، وانتخب المؤتمر لجنة مركزية لجمعيات «أحباء صهيون» من تسعة عشر عضوًا تحت رئاسة «بنسكر». وتقرر عدم إنشاء أية مستوطنات أخرى والاستمرار في دعم المستوطنات الموجودة بالفعل. ولم يناقش المؤتمر المسألة الكبرى، وهي: هل سيحل الاستيطان (على طريقتهم التسللية) المسألة اليهودية أو لا؟ وقد حضر المؤتمر اثنان وثلاثون مندوبًا (?? روسيًا، ? ألمان، بريطانيان، ومندوب واحد من كل من فرنسا ورومانيا)، وتم انتخاب «موهيليفر» رئيسًا فخريًا له. وقد أثيرت في المؤتمر عدة قضايا من بينها وضع الدين، وهل سيتوقف العمل في الدولة اليهودية يوم السبت؟ وإذا ما تقرر ذلك، فماذا سيكون العمل فيما يتصل بالبريد والمواصلات التي لابد أن تعمل ?? ساعة؟
وقد قُدم في المؤتمر اقتراح بأن تصدر القرارات بلغتين: نسخة عبرية إلى جانب النسخة الألمانية وتختلف عنها في اللهجة والتوجه (أي أنه تقرر إصدار نسخة عبرية استيطانية، وأخرى ألمانية توطينية). ولكن «بنسكر» عارض الفكرة. وقد سقطت فكرة توجيه الحركة من الغرب لعدم وجود حماس كاف بين أثرياء الغرب. وقد عُقدت مؤتمرات أخرى في «دروسكينكي» عام ???? وفي «فلنا» عام ????.
ويمكن القول بأن المؤتمر قد يدل على أن صهاينة شرق أوربا كانوا قد اكتشفوا عقم الصيغة التسللية بل عقم الاتصال بأثرياء اليهود المندمجين وبدأوا ينتظرون المخلص من الغرب دون أن يعرفوا هويته أو خصائصه. ثم جاء «هرتزل» ومعه الحل: الاعتماد على قوة إمبريالية تقوم بنقل اليهود إلى فلسطين وتؤسس لهم دولة وظيفية تابعة تقوم على خدمتها وتضمن القوة الإمبريالية بقاءها واستمرارها.
? ـ البيلو
أول حركة استيطانية صهيونية حديثة اتخذت اسمها من الأحرف الأولى للعبارة الدينية «بيت يعقوب لخي فنيلخا» بمعنى (أيا بيت يعقوب هيا نذهب) (أشعياء ?/?)، وهي صياغة استيطانية فضلها أعضاء «البيلو» على الصيغة التوطينية التي وردت في سفر الخروج (??/??) والتي تحرض أبناء جماعة «يسرائيل» على الخروج. وقد نشأت الحركة على أيدي بعض الطلبة اليهود من أحباء صهيون في «خاركوف» الروسية عام ???? كرد فعل على المذابح الروسية وقتها وعلى قوانين مايو. ولم تقتصر الحركة على الطلبة فقط بل انتشرت في أماكن غير «خاركوف» حتى بلغ إجمالي أعضائها ??? عضوًا.
وقد انطلق أعضاء «البيلو» من الإيمان بأن حضارة أوربا لا مكان فيها لليهود، وأنه لابد من الإحياء القومي اليهودي عن طريق الهجرة إلى فلسطين والنهوض باليهود وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج عن طريق العودة للزراعة، أي أن أعضاء «البيلو» اكتشفوا الصيغة الصهيونية الأساسية وأضفوا عليها بعض الديباجات الشعبوية (الروسية) واليهودية. وقد قررت الجمعية تجنيد ثلاثة آلاف يهودي وتهجيرهم وجمع المال من أثرياء اليهود في روسيا (وفشلت في تحقيق الهدفين).
وقد تحدث برنامج «البيلو» عن تأسيس مركز سياسي للشعب اليهودي ومركز روحي لهم، أي أن الخلافات التي وسمت الحركة الصهيونية ظهرت من البداية. كما حدث خلاف آخر إذ انقسم أعضاء «البيلو» إلى فريقين: واحد يرى أن الاستيطان المباشر (التسللي) هو الحل الوحيد. أما الفريق الآخر فكان يرى ضرورة الحصول على موافقة الباب العالي (الصهيونية الدبلوماسية).
وقد وصل إلى استنبول وفد يمثل الحركة، والتقى أعضاء الوفد مع الصهيوني غير اليهودي «لورانس أوليفانت» وطلبوا منه التوسط لدى السلطات العثمانية لتسمح لهم بالاستيطان. وقد بذل «أوليفانت» جهدًا بالنيابة عنهم ولكنه لم يوفق في مساعيه. فاتجه ?? عضوًا من الوفد إلى فلسطين. ورغم وصولهم ووصول غيرهم ممن هاجروا مباشرة من روسيا لم يزد المجموع الكلي على الخمسين في حين أن عدد أعضاء الجمعية في روسيا كان قد وصل إلى خمسمائة. ويمكن القول بأن عام ???? يؤرخ لبداية الهجرة الصهيونية الاستيطانية لفلسطين.

وفي فلسطين، عمل أعضاء «البيلو» بالزراعة وأسسوا بعض المستعمرات الزراعية وتعلموا في مدرسة «مكفيه إسرائيل» الزراعية وعاشوا عيشة جماعية وواجهوا صعوبات جمة لأنهم لم يعتادوا العمل اليدوي الشاق، ولجهلهم بالزراعة وعدم اعتيادهم الطقس، كما أنهم تلقوا مرتبات صغيرة وعانوا من المعاملة الفظة من قبل مدير المدرسة. ولكنهم التقوا «بتشارلز نتر» مؤسس المدرسة الذي شجعهم على الاستمرار، كما التقوا «بميخائيل باينس» الذي انتخبوه رئيسًا للبيلو، فنقل بعضهم إلى القدس ليشتغلوا بالحرف وكونوا جمعية تسمى «شيحو» (الحروف الأولى لعبارة «شيفات هي حاريش بي هامسجر» (لتعد إلى الحرفي والحداد، ملوك ثانى ??/??). ولكن هذا المشروع فشل أيضًا وتبعثر أعضاء «البيلو».
ثم انتقل بعض أعضاء «البيلو» إلى «ريشون لتسيون» وعملوا كعمال أجراء عند مجلس المستوطنة، ولكن العلاقات توترت بينهم، فاستمر أعضاء «البيلو» في الانتقال من «ريشون لتسيون» «ومكفيه إسرائيل». وقد خيبت جماعة «أحباء صهيون» ظنهم أيضًا فلم تزودهم بأي عون. وقد اشترى أعضاء الجمعية بواسطة «باينس» أرض قرية عربية، وهكذا أسست مستوطنة جديرًا.
وقد قدم إليهم «روتشيلد» العون لبعض الوقت، ولكنهم ضاقوا بهيمنته ومعاملة مدير مستوطنة ريشون لتسيون لهم فقام بطردهم، كما أنه سحب تمويله لمستوطنة «جديرا» لأن أكثر سكانها كانوا من جماعة «البيلو». وقد عاد بعض أعضاء «البيلو» إلى روسيا واتجه البعض الآخر إلى الولايات المتحدة كما بقى البعض في فلسطين.
والجدير بالذكر أن اليهود «الأرثوذكس» في القدس لم يتحمسوا لأعضاء «البيلو»، بل رأوا فيهم عامل إقلاق وامتصاص لجزء من أموال الحالوقاه (الصدقة) المرسلة من الخارج، ولذلك فقد ناصبوهم العداء. كما وقفت السلطات العثمانية ضد هؤلاء المستوطنين وحرمت هجرة اليهود الروس وشراء الأراضي في فلسطين، لكنهم تحايلوا على ذلك برشوة الموظفين الأتراك وتسجيل الأراضي بأسماء يهود من أوربا الشرقية ومن خلال بعض رعايا الدول الأجنبية ممن يتمتعون بالحماية التي تكفلها لهم الامتيازات الأجنبية.
على أن الظاهرة الجديرة بالملاحظة هي الصراع الذي ما لبث أن نشب بين «البيلو» وعناصر الهجرة اليهودية الثانية الذين سُموا الرواد، وهم الذين اتهموا عناصر الموجة الاستيطانية الأولى بالاندماج مع العرب والإقامة في المدن مع استخدام العامل العربي في الزراعة بل التحدث باللغة العربية وارتداء الأزياء العربية. وقد ترتب على هذا الصراع إثارة واحدة من أهم قضايا الحركة الصهيونية في هذه الفترة وهي المعروفة بقضية العمل العبري.
كما أن أعضاء «البيلو»، برؤيتهم الرومانسية ومعاداتهم للغرب (وهي أفكار كانت منتشرة بين أعضاء الحركة الشعبوية في روسيا)، كانوا يتصورون أنهم سيتبنون الحضارة الشرقية (العربية في هذه الحالة) ويصبحون جزءًا منها، وقد كتب بعضهم أعمالاً أدبية تمجد العربي وتحيطه بهالة رومانسية باعتباره «المتوحش النبيل». ويظهر أعضاء «البيلو» في صورهم مرتدين اللباس العربي.
وجماعة «البيلو» جماعة صهيونية جنينية اكتشفت معظم مكونات المشروع الصهيوني ومشاكله ولكنها لم تكتشف حتمية الاعتماد على الإمبريالية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. ومع هذا، يمكن القول بأن أعضاء الجمعية بدأوا يتحسسون طريقهم نحوها في اتجاههم نحو الباب العالي و«روتشيلد».
ليوبنسكر: مفكر الصهيونية التسللية

«ليوبنسكر» (???? ـ ????) طبيب روسي صهيوني استيطاني تسللي وزعيم جماعة «أحباء صهيون». ولد في روسيا، وكان أبوه مدرسًا وعالمًا، كما كان يعمل بالتجارة وقد انتقل إلى مدينة «أوديسا» بعد فشله في أعماله التجارية في «جاليشيا»، وكانت «أوديسا» مدينة روسية جديدة تتسم بارتفاع معدلات العلمنة والاندماج بين أعضاء الجماعة اليهودية، فزود ابنه بثقافة روسية علمانية وعرفه بأفكار حركة الاستنارة اليهودية، كما تعلم «بنسكر» اللغة الألمانية (وكانت لغة الحديث في منزله) وتعلم قليلاً من العبرية. ولم يتعلم «بنسكر» في مدرسة يهودية (كما هو الحال مع معظم المفكرين والزعماء الصهاينة)، وإنما أنهى دراسته الثانوية في مدرسة روسية ثم درس الحقوق في «أوديسا» ودخل جامعة «موسكو» لينال منها شهادة طبية. وقد كتب عدة مقالات في مجلة راسيفيت، وهي أول مجلة أسبوعية يهودية تصدر بالروسية (بدأ نشرها عام ????)، وكتب أيضًا في مجلات يهودية أخرى ذات طابع اندماجي كما قام بجهود كبيرة كعضو في جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا. وخدم بنسكر في الجيش الروسي أثناء حرب القرم (????)، وساهم في حركة الترويس، وقد كان يرى أن اليهود إن تعلموا اللغة القومية فإن ذلك سيساهم في دمجهم.
ولكن أحداث عام ???? في «أوديسا» زعزعت إيمانه. ومع تعثر التحديث وصدور قوانين مايو ????، تغير موقفه بشكل جوهري وعدل عن كثير من آرائه، وبدأ الشك يساوره في مقدرة الاستنارة وحدها على حل مشاكل اليهود. وفي عام ????، وفي أحد اجتماعات جماعة تنمية الثقافة، طالب «بنسكر» بالعدول عن هذه السياسة واقترح إعادة توطين اليهود في وطن واحد. وبدأ بنسكر في التجوال في عواصم أوربا للدعوة لفكرته بشأن الدولة الصهيونية، فقابل «الحاخام أدولف» جيلنيك، حاخام «فيينا» الأكبر وصديق أبيه، فأشار هذا عليه بإخضاع نفسه للعناية الطبية باعتباره مريضاً. وقابل زعماء «الإليانس» وبعض القادة اليهود ولكنهم عارضوه. ومع هذا، فقد ألف بالألمانية كراسة الانعتاق الذاتي: تحذير من يهودي روسي لإخوته (????) الذي نشر دون ذكر اسم المؤلف لأنه كان موجهًا أساسًا إلى يهود الغرب. والكراس يأخذ شكل البيان الإنشائي «المانفستو»، ولذلك فإنه خال من أي عمق.
ويتميز كراس «بنسكر» بأنه لا ينظر إلى اليهود من الداخل باعتبارهم جماعة مستقلة (كما يفعل بعض مثقفي يهود اليديشية) وإنما ينظر إليهم من الخارج كما ينظر إليهم الصهاينة غير اليهود. وقد تعلم «بنسكر» تعليمًا غربيًا وكان ذا هوية غربية، واليهود واليهودية بالنسبة إليه موضوعات وحسب. وعلى أية حال، فبالإمكان تصنيفه على أنه صهيوني يهودي غير يهودي.
يضع «بنسكر» الموضوع اليهودي في سياقه الغربي وينطلق، مثله مثل معظم الصهاينة، من رفض اليهودية التقليدية والتفكير الديني اليهودي. فهو يعلن ضرورة التخلص من موقف الانتظار وضرورة الثورة ضد الشعور الديني القديم الذي يدفع اليهود إلى تقبل وضعهم ووجودهم في المنفى باعتباره عقابًا أنزله الإله بهم «فشعب الله المختار إن هو إلا شعب مختار للكراهية للعالمية». ولذا، يجب على اليهود التخلي عن الفكرة المغلوطة القائلة بأن اليهود بتشتتهم هذا يحققون رسالة إلهية، فتلك الرسالة لا يؤمن بها أحد.
ويقدم «بنسكر» طرحًا مغايرًا تمامًا للرؤية الدينية، فينظر لليهود في سياق وضعهم الهامشي في المجتمع الغربي، وفي إطار التحولات التي طرأت على هذا المجتمع (التصنيع والتحديث والتنوير والإعتاق والعلمنة) والتي أدت إلى ظهور المسألة اليهودية في إطار فكرة الشعب العضوي المنبوذ من المجتمع الغربي. فهو يقول إن اليهود شعب عضوي لا يمكن أن يذوب في الأمم الأخرى، ولذا فهو يعيش في بلاد لا تعترف به ابنًا لها، فالألماني الفخور بصفاته التيوتونية والسلافي الفخور بصفاته السلافية وغيرهم لا يعترفون بأن اليهودي يتساوى معهم بالمولد، فهذه القوميات العضوية تجعل الانتماء القومي مسألة عضوية موروثة. واليهود، رغم أنهم شعب عضوي، إلا أنهم يفتقرون إلى كثير من الصفات القومية العضوية (لغة وعادات مشتركة وأرض مشتركة) كما أنهم ليس لهم وطن أصلي ولا حكومة تمثلهم، ولهذا تحولوا من أمة يهودية إلى مجرد يهود، وأصبحوا بذلك شعبًا ميتًا: فقدوا استقلالهم وتحولوا إلى حالة التعفن التي لا تستطيع مسايرة العضو الحي المتكاسل. وهم «شبح» يأتي من عالم الأموات (ولنلاحظ أن كل الصور المجازية الإدراكية هنا صور مجازية عضوية). ثم تتوالى الصور المجازية التي تدل على تقبل «بنسكر» مقولات معاداة اليهود: «إننا قطيع منتشر في أرجاء المعمورة دونما راع يحمينا ويجمعنا معًا. أما في أحسن الظروف، فقد نصل إلى مرتبة الماعز التي تبيت (حسب التقليد الروسي) في إسطبلات الخيل»، وإذا بقيت الظروف على ما هي عليه «فسنظل طفيليين نعتمد في معيشتنا على بقية السكان». وهذا هو أس البلاء، فما دام اليهود عنصرًا قوميًا غريبًا، ضيوفًا على أمم مضيفة، فإنهم سيظلون محط كراهية كل الشعوب لأن الناس تخاف من الأشباح.
ومن الواضح أن وصف «بنسكر» متأثر بتجربة يهود شرق أوربا، وخصوصًا في روسيا، فقد كانوا يعيشون في مناطق الاستيطان على هامش المجتمع الروسي: «منبوذون... لا يطبق عليهم القانون العام باعتبارهم أغرابًا بمعنى الكلمة. فثمة قوانين خاصة باليهود». وقد يكون في هذا الوصف شيء من الموضوعية التقريرية المباشرة، ولكنه يعزل أعضاء الجماعات اليهودية عن الظواهر المماثلة في المجتمع الروسي وفي المجتمعات الأخرى، ويجعل الاضطهاد حكرًا على اليهود في كل مكان. ومادام اليهودي لا وطن له في أي مكان وليس له حقوق المواطنة، فإنه منبوذ في كل مكان وزمان. فالخوف من الأشباح، أي معاداة اليهود، أمر أزلي ينتقل من جيل إلى آخر ويقوى عبر العصور. كما أن «بنسكر» نفسه يقول: «تظهر هذه الفكرة في كل زمان ومكان».
وما الحل الآن؟ يرفض بنسكر مرة أخرى الحلول التقليدية مثل الهجرة الفردية: «كافحنا عبر القرون بجهد كي نحيا لكن كأفراد وليس كأمة». كما يرفض «بنسكر» فكرة الاستيطان الديني التقليدي الذي كان يمول بأموال الصدقة (الحالوقاه)، فمشروعه الصهيوني المقترح لا يتم «بجمع التبرعات من الحجاج والهاربين الذين سينسون وطنهم ومن ثم سيضيعون في أعماق غربة أرض مجهولة».
الحل هو التخلص من اليهود من خلال تصفيتهم، ومن اليهودية من خلال التخلي عنها تمامًا. «نحن نرضى التخلي عن (رسالتنا الإلهية) إذا أمكن محو اللقب الممقوت «يهودي» من ذاكرة الإنسان». وقد ذكر «بنسكر» هذه الكلمات في لحظة غضب، ولكنه يهدأ ويبدأ في اقتراح الطرق المنهجية الكفيلة بتحقيق هذا الهدف «لابد أن تتعامل الأمم مع أمة يهودية» ولابد من «خلق مأوى دائم». و«الطريق الوحيد الصحيح لإصلاح الوضع هو خلق قومية يهودية مؤلفة من شعب يعيش على أرض يملكها». أما بالنسبة إلى آليات هذا الحل، فهو أولاً لن يأتي من الإله وإنما سيتم بالانعتاق الذاتي (عنوان الكراسة). ويلاحظ «بنسكر» أن الجو العام في أوربا قد خلق مناخًا مواتيًا لحركة البعث القومي. فالفكرة القومية في كل مكان، كما أن اليهود يشعرون بالبؤس في كل مكان أيضًا. ولكن الحل الذي يطرحه «بنسكر» لنقل اليهود خارج أوربا يثير عدة مشاكل من بينها أن الشعوب التي نالت استقلالها مؤخرًا هي أمم عاشت على أرضها وكانت تتكلم لغة واحدة، فكان لها بذلك أرض. أما اليهود فلا أرض لهم، ولابد من خلق هذه الأرض.
وثمة مؤشرات كامنة في كراسة «بنسكر» تحدد هوية هذه الأرض وهوية من يهاجر إليها وآليات النقل:
? ـ من الواضح أنه، حينما يفكر في الحركة القومية، يفكر أيضًا في تقسيم الدولة العثمانية، فهو يفكر في الصرب وأهل رومانيا وحصولهم على الاستقلال ومن ثم، فالأرض هي في غالب الأمر أرض فلسطين.
? ـ وهو يضيف قائلاً إن تحرير اليهود واجب كواجب تحرير الزنوج. ومع هذا، فإنه يضيف أن اليهود ينتمون إلى عرق متقدم وليسوا زنوجًا، أي أنهم عنصر استيطاني أبيض.
? ـ ومعظم البلاد المتحضرة سوف لا تقبل هجرة اليهود الجماعية إليها، أي أن الدول الغربية ستوقف سيل يهود «اليديشية» إليها.
? ـ ولكن إذا لم يكن اليهود زنوجًا، ومع هذا ترفض الدول المتحضرة (البيضاء) هجرتهم إليها لأن وجود اليهود بينهم يسبب لهم المشاكل (المسألة اليهودية)، وإذا كانت الدولة العثمانية آخذة في التآكل (المسألة الشرقية)، ومادام المشروع الصهيوني لن ينشأ بشكل عشوائي وإنما سينشأ بمعاونة الحكومات، فإن الحل سيكون كامنًا في ربط المسألة اليهودية بالمسألة الشرقية فتحل المسألتان الواحدة من خلال الأخرى.
? ـ ويرى «بنسكر» ضرورة أن نلفت «أنظار الشعوب التي تمقتنا»، أي يجب تجنيد أعداء اليهود من الشعوب الغربية، كما يجب أيضًا الضغط على السياسة الدولية في الوقت الحاضر فستظهر نتيجته المثمرة في المستقبل. أي يجب الاستعانة بالدول الغربية، فالسياسة الدولية هي السياسة الإمبريالية الغربية.
? ـ وحينما يقول «امنحونا متعة الاستقلال واسمحوا لنا أن نقرر مستقبلنا، وأعطونا قطعة من الأرض، امنحونا تلك الأشياء التي منحتموها للصرب وأهل رومانيا، أعطونا مجال وجود القومية الحرة» فنحن نعرف أنه يتوجه للقوى العظمى الاستعمارية (وإن لم يدرك هو ذلك تمامًا)، فهي وحدها القادرة على توطين الفائض البشري خارج أوربا. وهو يطلب رقعة في الولايات المتحدة أو ولاية كتلك التي يقوم عليها باشاوات آسيا التركية، يعترف بها الباب العالي والعالم الغربي كبلد محايد. ثم يضيف: وستكون مهمة الإدارة الصهيونية المقترحة إقناع الباب العالي والحكومات الأوربية بهذا المخطط.
ثم يطرح «بنسكر» عدة قضايا متصلة بالتنظيم والإجراءات الأخرى، مثل تأسيس مجلس وطني أو مؤسسة وطنية تقوم بوضع السياسة العامة ثم تؤسس شركة لشراء قطعة الأرض، والإشراف على أمور الاستيطان لشراء الأراضي وغير ذلك، وهي أمور كانت تُعتبر جديدة كل الجدة على اليهود، لأنه حديث عن آليات العودة بشكل حديث لم يألفوه من قبل.
ولكن الأهم من ذلك هو حديثه عن الأرض فهو يقول: «يجب ألا يكون الحديث عن الأرض المقدسة وإنما عن مجرد أرض نملكها، أرض ذات مركز جيد ومساحة كافية لإسكان عدة ملايين تحددها بعثة خبراء تعطي رأيها بعد تحريات ودراسات عميقة». إن علمانية المصطلح وحداثته كان أمرًا جديدًا كل الجدة. ومع هذا يتدارك «بنسكر» ويقول: «قد تعود الأرض المقدسة لنا، فإذا حدث هذا الشيء فهو أفضل»، بمعنى أنه لا يرفض تمامًا الصهيونية الإثنية ويترك الباب مفتوحًا أمامها.
وقد توقع «بنسكر» معارضة معظم اليهود، ولذلك حاول أن يكون برنامجه أكثر وضوحًا وتفصيلاً إذ يفرق بين الصهيونيتين، فقسم اليهود إلى غربيين مندمجين (سعداء)، وشرقيين (بؤساء). أما بالنسبة للفريق الأول فهم اليهود الغربيون الذين يكونون نسبة قليلة من السكان، ولذلك فحالهم في البلاد التي يعيشون فيها أحسن، ومن الأفضل لهم ألا يهاجروا. أما البلاد التي بلغ اليهود فيها درجة التشبع مثل روسيا (وبولندا التي كانت تتبعها)، ورومانيا (أي شرق أوربا)، فمن الأفضل لهم الهجرة (وهكذا يبدأ تقسيم العمل إلى صهيونية استيطانية وأخرى توطينية). فالحديث ليس عن كل اليهود وإنما عن اليهود غير المندمجين في المجتمع والفائضين عنه، الذين يجب إرسالهم إلى مكان آخر (الوطن القومي) لأنهم كبروليتاريا يعيشون عالة على أعضاء المجتمعات المضيفة. بل يضيف «بنسكر» بُعدًا آخر يبلغ الغاية في الأهمية إذ يقرر أنه حتى أغنياء شرق أوربا بإمكانهم البقاء حيث هم، ومعنى هذا أنه يعرِّف الفائض إثنيًا وطبقيًا وليس قوميًا.
ويمكن القول بأن كثيراً من عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة قد ظهرت في كراس «بنسكر». ومن هنا أهميته في تاريخ الفكر الصهيوني، فقد أسقط المقولات الدينية التقليدية ونزع القداسة عن اليهود واقترح ربط المسألة الشرقية بالمسألة اليهودية باعتبارهم شعبًا عضويًا منبوذًا وعنصرًا استيطانيًا أبيض، أي أن يقترح أن يتم الحل داخل التشكيل الاستعماري الغربي. بل إنه يترك الباب مفتوحًا أمام الأشكال الصهيونية الأخرى (الصهيونية الإثنية الدينية وغيرها)، ويضع يده على ضرورة وجود صهيونيتين؛ واحدة استيطانية والأخرى توطينية.
ومع هذا، ظلت صيغة «بنسكر» مترددة متعثرة، ربما بسبب تكوينه الثقافي الضيق، فالأفق الثقافي في روسيا القيصرية كان ضيقًا إلى أقصى حد، وكان أكثر ضيقًا داخل المدن اليهودية ومواطن الاستيطان. ولذا، فإنه لم يكن لديه إدراك كامل لحتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية لوضع أي مشروع استيطاني موضع التنفيذ. فالمشروع الاستعماري الروسي لم يكن على استعداد لتوظيف اليهود لصالحه، بل كان يود التخلص منهم في أسرع وقت. كما أنه لم يكن مشروعًا عالميًا كما كان الحال في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة، إذ أن المطامع الروسية القيصرية كانت تتجه نحو دول البلطيق والمناطق التي تفصل بين روسيا واليابان والصين والدولة العثمانية. أما فلسطين فقد كان الروس ينظرون إليها باعتبارها منطقة نفوذ «أرثوذكسية»، وهو ما يتطلب استبعاد اليهود. ولذا، فرغم أن كل أفكار «هرتزل» الأساسية موجودة في كراس الانعتاق الذاتي، فقد حقق «هرتزل» ما لم يحققه «بنسكر» لأنه كان مدركًا لحتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية باعتبارها الآلية الوحيدة لتحقيق الحلم الصهيوني.
وقد أصبح «بنسكر» زعيم جمعية «أحباء صهيون» ودُعي إلى مؤتمر «كاتوفيتش» ????، وانتُخب رئيسًا للجمعية. ولكن حينما نشبت بعض الخلافات داخل الجمعية، قدم استقالته عام ???? ثم سحبها خشية أن تسيطر العناصر اليهودية «الأرثوذكسية»، تحت قيادة «موهيليفر»، على الجمعية. وقد استقال ثانية عام ???? إثر اختيار قيادة جديدة للحركة، ولكنه عاد مرة أخرى بعد سماح السلطات الروسية بإنشاء لجنة «أوديسا».
وخلال رئاسة «بنسكر»، تمكنت الجمعية من جمع بعض الأموال لإقامة مستعمرات في فلسطين، ومهدت السبيل أمام الاستيطان الصهيوني، كما تأسست في روسيا «جمعية تقديم المساعدات للمستوطنين الزراعيين وأصحاب الحرف اليدوية اليهود في سوريا وفلسطين» التي كانت تُعرف بلجنة «أوديسا».
وقد زار «بنسكر» باريس وأقنع «روتشيلد» بمساعدة الاستيطان اليهودي، ونظرًا لأن الأموال التي جمعتها جماعة «أحباء صهيون» كانت قليلة جدًا (فهي لم تكن حركة جماهيرية)، فإن معظم المستوطنات كانت في نهاية الأمر قد أصبحت تابعة «لروتشيلد». كما أن «بنسكر» تابع مشاريع البارون «موريس دي هيرش» لتوطين اليهود الروس في الأرجنتين باهتمام شديد.
الصهيونية التسللية (العملية) وتطوير الفكر الصهيوني
ساعدت صهيونية يهود شرق أوربا على اكتشاف الحل الصهيوني، ويتبدى هذا الاكتشاف في النقاط التالية:
? ـ رفض التسلليون (الدينيون منهم واللادينيون) الموقف الديني التقليدي الذي يطلب من اليهود الانتظار إلى أن يبعث الإله «الماشيح»، وطلبوا من اليهود عدم انتظار مشيئة الإله والإمساك بزمام الموقف واتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق العودة. وبعد أن توصل التسلليون إلى أن الحل ليس في السماء، اكتشفوا أنه في غرب أوربا متمثلاً في أثرياء الغرب وقناصل دولهم في فلسطين، أي أنهم بدأوا يتحسسون الطريق نحو التحالف الذي سيحول الحلم الصهيوني إلى حركة ومنظمة واستيطان.
? ـ قبل التسلليون مقولة أن وضع اليهود داخل الحضارة الغربية وضع شاذ وهامشي، وأن الفائض اليهودي لا يمكنه أن يندمج في المجتمع. وقد خلصوا من ذلك إلى أن اليهود لا مكان لهم داخل المجتمعات الغربية، وحولوا معاداة اليهود إلى إحدى الدعائم النظرية للفكر الصهيوني، وركزوا على نقد الشخصية اليهودية. وقد توصل التسلليون إلى واحد من أهم ملامح الحل الصهيوني، وهو حل مسألة الفائض اليهودي عن طريق نقله إلى خارج أوربا، وقاموا بأول محاولة فعلية لوضع الحل موضع التنفيذ.
? ـ اكتشف التسلليون أن الزراعة وسيلة أساسية للاستيطان في أرض أجنبية معادية، كما أدركوا طبيعة المشروع الصهيوني الإحلالية.
? ـ اكتشف التسلليون إمكانية توظيف الخطاب الصهيوني المراوغ لحل التناقضات العقائدية، فأدركوا إمكانية التعاون مع أثرياء الغرب المندمجين وإمكانية ابتزازهم ما داموا لا يفرضون عليهم الصيغة القومية ولا يشهرون بهم لرفضها. كما أدركوا إمكانية تعايش العلمانيين والمتدينين داخل صيغة مبهمة تسمح لكل فريق بأن يفرض المعنى الذي يراه.
? ـ ظهرت طلائع المفكرين الذين صاغوا الخطاب الصهيوني الإثني (الديني والعلماني) وهو الاتجاه الذي هود الصيغة الشاملة، فعمق فكرة الشعب اليهودي وأضفى عليها أبعادًا تاريخية ودينية ونقاها من بقايا الفكر الاندماجي العلماني. وهذا الاتجاه هو الذي أسبغ على الصهيونية شرعية يهودية تُخفي الأبعاد العملية والنفعية التي توصل إليها الصهاينة غير اليهود والصهاينة اليهود غير اليهود الذين لا يكترثون بمشاكل الهوية. وقد كانت هذه الشرعية ضرورية للجماهير اليهودية المتدينة في شرق أوربا، وللجماهير التي فقدت إيمانها التقليدي وظلت تبحث عن هوية خاصة.

لكل هذا، يمكن القول بأن صهيونية شرق أوربا أسهمت في تطوير فكر صهيوني ذي ديباجة يهودية يحاول حل مشكلة اليهود واليهودية، ويطرح نفسه بوصفه المعبر عن آمال وآلام جماهير شرق أوربا، وهي المجموعة البشرية المطلوب تجنيدها لتنفيذ المشروع الصهيوني. وبذا، تكون صهيونية يهود أوربا قد بدأت بالسير نحو حل مشكلة الصهيونية في الحضارة الغربية، فلأول مرة، يظهر مفكرون من داخل صفوف هذه المجموعة البشرية ينظرون إليها من الداخل، ويستخدمون مصطلحها ورموزها، وينظمون بضعة آلاف منها، بل يقومون بتجارب استيطانية قد تكون متفرقة وهزيلة، ولكنها تمثل مع هذا نقطة البداية نحو نقل اليهود من أوربا وتشكل إطارًا يجعل الحوار مع الغرب غير اليهودي ممكنًا.


الفصل الرابع
الصهيونية الإقليمية والدولة مزدوجة القومية:
تضييق نطاق الصهيونية
«الصهيونية» ليست «القومية اليهودية» وليست «القومية الإسرائيلية»، كما يدعي الصهاينة، فهي أيديولوجيا سياسية غربية ذات توجه استعماري استيطاني إحلالي وديباجات يهودية. وفي فصل سابق بيَّنا أن ثمة صراعًا أساسيًا بين شرق أوربا (يهود «اليديشية» والفائض البشري) وغربها (اليهود المندمجون). ومع تدفُّق يهود «اليديشية» على وسط وغرب أوربا، ظهر المشروع الصهيوني لتحويل سيل الهجرة، ثم ترجم الصراع نفسه إلى الصهيونيتين: الاستيطانية والتوطينية. والصهيونية التوطينية شكل من أشكال التملص من الصهيونية عن طريق تضييق نطاقها بحيث تصبح مجرد دعم الدولة الصهيونية سياسيًا واقتصاديًا دون الاستيطان في فلسطين.
ولم تكن الصهيونية التوطينية المحاولة الوحيدة لتضييق نطاق الصهيونية، فهناك محاولتان أخريان: كانت الأولى تهدف إلى الإسراع بعملية تخليص أوربا من فائضها اليهودي عن طريق توطينه في أي أرض، دون أي اعتبار للديباجات الصهيونية وتسمى «الصهيونية الإقليمية». أما الثانية فكانت تهدف إلى تخفيف حدة المواجهة مع السكان الأصليين عن طريق تأسيس دولة مزدوجة القومية. ويُلاحظ أن محاولات تضَييق نطاق الصهيونية كان يعني التخلي عن بعض عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
الصهيونية الإقليمية
«الصهيونية الإقليمية» ضرب من ضروب الصيغة الصهيونية الأساسية قبل أن تتحوَّل إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وقبل أن تدخلها أية ديباجات إثنية أو دينية أو أيديولوجية، فهي تذهب إلى ضرورة تهجير الفائض البشري اليهودي في أوربا إلى أي مكان في العالم حلاً للمسألة اليهودية، فهي إذن شكل من أشكال الصهيونية التوطينية. وكان الصهاينة الإقليميون يرون اليهود عنصرًا استيطانيًا أبيض يُوطَّن في أي مكان، وكانوا يرون المشروع الصهيوني مشروعًا غربيًا تمامًا وجزءًا لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي الذي يرمي إلى خلق مناطق نفوذ غربية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يَبسُط من خلالها سيطرته الكاملة على العالم، كما يرمي إلى خلق بقع استيطانية تستوعب الفائض البشري اليهودي. وكان العنصر الحاسم في اختيار هذا المكان أو ذاك هو مدى أهميته في سياق المصالح الاستعمارية للدولة الراعية للمشروع التوطيني. ولذا، فإنهم لم يطالبوا بدولة يهودية مستقلة ذات سيادة، وتركوا هذه النقطة لتقررها الدولة الراعية التي ستقوم بعملية نقل الفائض البشري. لكل هذا، كان الصهاينة الإقليميون لا يرون ضرورة تحتم إنشاء هذا الجيب الاستيطاني اليهودي في فلسطين، بل إن بعضهم كان يشير إلى أن فلسطين بالذات غير مناسبة بسبب وجود العرب فيها.
وقد كان دعاة المشاريع المختلفة لتوطين اليهود خارج أوربا على وعي تام باستحالة تحقيق أيٍّ من هذه المشاريع إلا إذا حظي برعاية قوة استعمارية كبرى تجد فيه فرصتها لتحقيق مصالحها الاستعمارية بشكل أو آخر، ومن ثم كان هؤلاء الدعاة يحرصون على السعي لدى هذه القوة العظمى أو تلك لضمان أن يتم المشروع التوطيني بموافقتها وتحت رعايتها، ولم يكن يعنيهم في كثير أو قليل أن يحظى المشروع بموافقة أعضاء الجماعات اليهودية (المادة البشرية المستهدفة) ممن كان يُرجَى توطينهم.
ودعاة الصهيونية الإقليمية التوطينية، من أمثال «دي هيرش» و«ديفيز ترييتش» و«إسرائيل زانجويل» وأضرابهم، هم في الغالب من اليهود غير اليهود الذين فَقَدوا هويتهم الدينية والإثنية. ولذا فإنهم لم يعودوا يشعرون بأية ضرورة لمسألة الحفاظ على ما يُسمَّي «الإثنية اليهودية». كما أن يهود الغرب بينهم كانوا يرغبون في تحويل سيل الهجرة اليهودية من بولندا وروسيا بشكل فوري لأي مكان لأنه يهز مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية الجديدة ويهدد وجودهم كجزء من النخب المتميِّزة اقتصاديًا وسياسيًا وحضاريًا في مجتمعاتهم الأوربية.
وإصرار هؤلاء الصهاينة على بقعة ما دون غيرها كان دائمًا في إطار محاولتهم تأكيد ولائهم لأوطانهم ولمصالحها الاستعمارية. «فزانجويل» البريطاني (صاحب مشروع شرق أفريقيا)، كان يدافع في واقع الأمر عن المصالح الإمبريالية الإنجليزية التي كانت تبحث عن مواطنين بيض لتوطينهم في جزء من الإمبراطورية. ولقد انصرف اهتمام «زانجويل» والإقليميين عن فلسطين لأن بريطانيا كانت قد احتلت مصر في مطلع القرن العشرين، ولم تكن تستطيع في ظروف التوازن الدولي الدقيق أن تخطط للاستيلاء على فلسطين، فكان اهتمامها بالمنظمة الصهيونية قائمًا على رغبتها في تسخيرها لتنظيم استيطان استعماري في بعض أنحاء الإمبراطورية وحسب، ولكن بتغيُّر الأوضاع في العالم إبان الحرب العالمية الأولى، وسنوح فرصة تقسيم ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، وقيام الثورة العربية التي هددت المصالح الإمبريالية البريطانية، بُعث مشروع توطين اليهود في فلسطين ومُنح «وايزمان» وعد «بلفور»، وتَحوَّل الإقليميون عن موقفهم وعادوا إلى صفوف المنظمة الصهيونية بعد أن كانوا قد انسحبوا منها في المؤتمر الصهيوني السابع (????) بعد أن أصبحت مصالحها متفقة مع مصالح الإمبريالية البريطانية.
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن «بنسكر» في كتابه الانعتاق الذاتي و«هرتزل» في كتاب دولة اليهود لم يتقيدا ببقعة معينة لإقامة الدولة المقترحة. ويظهر في يوميات «هرتزل» أنه لم يكن يتحمس كثيرًا في أواخر حياته لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين، خشية أن يثير هذا المكان، المشحون بالدلالات الدينية والتاريخية، رغبة لدى المستوطنين في العودة إلى صُورَ الحياة اليهودية التقليدية التي كانت موضع ازدراء من جانب «هرتزل»، وهو الأمر الذي قد يبتعد بهم عن أساليب الحياة العلمانية «الحديثة».
مشروع شرق أفريقيا
ظهرت مشروعات عديدة لتوطين اليهود خارج فلسطين، وقد ظهرت هذه المشاريع مع التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. وكان أول المشاريع التوطينية هو مشروع «نونيزدا فونسيكا» عام ???? لتأسيس مستعمرة يهودية في «كوراساو»، وقد وافق مجلس هولندا على المشروع. وتم توطين اليهود في «سورينام» في إطار مماثل، وقد نجحوا في تكوين جيب استيطاني شبه مستقل قضى علىه الثوار من السود والسكان الأصليين. وفي عام ????، منحت شركة الهند الغربية (الفرنسية) تصريحًا إلى «ديفيد ناسى» لتأسيس مستعمرة يهودية في كايين.
وفي عام ????، اقترح كاتب بولندى توطين اليهود في أوكرانيا (التابعة لبولندا وكان هذا أحد المطالب الأساسية للحركة الفرانكية). وفي عام ???? قدَّم القس البولندي شاتوفسكي اقتراحًا بأن يُوطَّن اليهود في جيب يهودي صغير في آسيا الصغرى يكون قاعدة للدولة الروسية ضد الخلافة العثمانية.
وظهرت مشروعات توطينية أخرى في الولايات المتحدة من أهمها مشروع موردخاي نواه المعروف بمشروع «جبل أرارات» (????) لتوطين اليهود حول «شلالات نياجارا». وهناك مشروعات صهيونية إقليمية كثيرة مشروع العريش وقبرص ومدين وأنجولا وموزمبيق والكونغو والأحساء والأرجنتين.
وقد ظهرت جماعات صهيونية إقليمية أخرى، منها جماعة قامت في ألمانيا للاستيطان في الجزء البرتغالى من أنجولا عام ????، ولكن المشروع فشل لأن الحكومة البرتغالية لم توافق عليه. وقد قُدِّم اقتراح في مؤتمر «إفيان» (????) لتوطين ??? ألف يهودي في جمهورية «الدومينكان»، ولكن الصهاينة أجهضوا العملية بعد البدء فيها بالفعل. ويمكن أن نضع مشروع «بيروبيجان» السوفييتى في هذا الإطار. وقد كان للنازيين في ألمانيا والفاشيين في إيطاليا مشاريعهم التوطينية خارج فلسطين. كما قامت جمعية أخرى في «نيويورك» وظلت باقية حتى بعد إنشاء الدولة، وذلك لأنها لم تجرؤ على أن تترك مستقبل «الشعب اليهودي» متوقفًا على إسرائيل وحدها وذلك بسبب صغر مساحتها وموقف جيرانها المعادي منها. ولا توجد بطبيعة الحال أحزاب صهيونية إقليمية في إسرائيل.
وأهم المشاريع الصهيونية الإقليمية هي «مشروع شرق أفريقيا» الذي يُعرف أيضًا باسم «مشروع أوغندا» وهو الاسم الذي يُطلَق عادةً على الاقتراح الذي تقدمت به الحكومة البريطانية عام ???? لليهود لتنشئ لهم مقاطعة صهيونية في شرق أفريقيا البريطانية (كينيا الآن، وليس أوغندا كما هو شائع) في هضبة وعرة مساحتها ?? ألف ميل مربع ليست صالحة للزراعة.
ويبدو أن الخطأ في التسمية يعود إلى أن «تشامبرلين» أشار أثناء حديثه عن المشروع مع «هرتزل» إلى سكة حديد أوغندا، فتَصوَّر «هرتزل» أن أوغندا هي الموقع المقترح للاستيطان. وقد تقدَّمت الحكومة البريطانية بالاقتراح في وقت تزايد فيه النشاط الاستعماري الألماني والإيطالي، وكان الخط الحديدي الذي يربط الساحل الأفريقي وبحيرة فيكتوريا على وشك الانتهاء، وفي وقت تزايدت فيه هجرة يهود «اليديشية» إلى إنجلترا. ومن ثم، سنحت الفرصة لوضع الصيغة الصهيونية الأساسية موضع التنفيذ بتحويل المهاجرين إلى مادة استيطانية تُوطَّن داخل محمية إنجليزية تقوم بحماية الموقع الإستراتيجي الجديد. وقد عرض البريطانيون شرق أفريقيا لا فلسطين، مكانًا للاستيطان، لأن الدولة العثمانية كانت حليفة لبريطانيا التي قررت الحفاظ على وحدة الدولة العثمانية لتقف ضد الزحف الروسي، أي أن تقسيم الدولة العثمانية لم يكن قد تقرَّر بعد. وقد كان المفترض أن تكون المقاطعة محمية خاضعة للتاج البريطاني يحكمها حاكم يهودي، وكانت ستُسمَّى «فلسطين الجديدة». وقد أعد مكتب «لويد جورج» براءة الشركة التي ستقوم بتنمية المنطقة، وكان «هرتزل» من بين الموافقين على المشروع، كما أيده «نورداو» الذي وصف المشروع بأنه «ملجأ ليلي»، وتزعَّم «إسرائيل» «زانجويل» الحركة.
وقد كتبت مجلة جويش كرونيكل في ذلك الوقت أن المشروع كان يحظى بتأييد اليهود الروس بدرجة تفوق كثيراً تأييد قيادتهم الصهيونية له، كما يُلاحظ أن المستوطنين الصهاينة في فلسطين كانوا من أشد المتحمسين للمشروع. ولكن المندوبين الروس عارضوا المشروع بشدة حينما عُرض على المؤتمر الصهيوني السادس (????)، وكان من المعارضين أيضًا «وايزمان» و«أوسيشكين». وقد سُمِّى المعارضون «صهاينة صهيون» لإصرارهم على تشييد الدولة الصهيونية في صهيون نفسها، أي فلسطين.
وقد أيَّد اليهود «الأرثوذكس» المشروع لأن العودة إلى فلسطين كانت تُعد شكلاً من أشكال «الهرطقة». وعلى عكس ما يرد دائمًا في المصادر والمراجع الصهيونية، وافق المؤتمر في نهاية الأمر على الاقتراح بأغلبية ??? مؤيدًا و??? معارضًا، وامتنع ??? عن التصويت، فأحدث ذلك صدعًا في الحركة الصهيونية، وحاول شاب يهودي اغتيال «نورداو» «الشرق أفريقي» في باريس.
وقد تشكَّلت لجنة استطلاعية مُكوَّنة من بريطاني مسيحي ومهندس روسي وصحفي سويسري (اعتنق الإسلام فيما بعد). وحينما وصلت اللجنة ضللهم المستوطنون وزودوهم بمعلومات خاطئة، ووجهوهم إلى أراض غير صالحة ولذا فقد كان تقرير اللجنة غير إيجابي. وقد حُسم الصراع بأن سحبت الحكومة البريطانية اقتراحها في العام نفسه بسبب معارضة المستوطنين البريطانيين في شرق أفريقيا، فقد أرسلوا عدة رسائل إلى الصحف والمجلات البريطانية، من بينها برقية اتحاد المزارعين وملاك البساتين، وأخرى من لجنة المستوطنين في «نيروبي»، وعريضة من أسقف «مومباسا»، يحتجون فيها على إدخال اليهود الأجانب «منحطي المنزلة» الذين سيكون لهم أثر سيء من الناحية الأخلاقية والدينية والسياسية على القبائل الأفريقية! وقد قام خبراء الشئون الأفريقية (وعلى رأسهم السير هاري جونسون) بشن حملة ضد المشروع، مبينين أن هذه الأرض ثمينة مُدَّت عليها سكة حديدية. وقد تَطوَّع بعض معارضي المشروع بالإشارة إلى فلسطين كمكان منطقي للاستيطان اليهودي! ومما هو جدير بالذكر أن بعض اليهود الاندماجيين في بريطانيا عارضوا المشروع أيضًا بسبب دلالته السياسية وبسبب تأكيده مقولة ازدواج الولاء. وحينما انعقد المؤتمر الصهيوني السابع (????)، رفضت كل مشروعات التوطين خارج فلسطين، فانشق «زانجويل» (ومعه أربعون مندوبًا)، وأسَّس الحركة الصهيونية الإقليمية.
ويُعَدُّ مشروع شرق أفريقيا أول بلورة للمشكلة التي تواجهها الجماعات اليهودية في علاقتها بالصهاينة وهو ما يمكن صياغته في الأسئلة التالية: هل أسِّست الدولة الصهيونية لخدمة اليهود أم أن اليهود في كل مكان هم الذين يجب وضعهم في خدمة الدولة؟ هل الصهيونية بالفعل حركة إنقاذ ليهود أوربا وغيرهم أم رؤية أيديولوجية لا علاقة لها بإغاثة اليهود أو إنقاذهم؟ فبينما كان المستوطنون الصهاينة أنفسهم في فلسطين يؤيدون مشروع أفريقيا، كانت أقلية من الصهاينة تُصر على فلسطين دون غيرها لاعتبارات عقائدية إثنية وأيديولوجية.
وتشير التواريخ الصهيونية إلى أن مشروع شرق أفريقيا فيه اعتراف ضمني بالهوية المستقلة للشعب اليهودي وأن المشروع كان سيؤدي إلى إنشاء دولة يهودية. لكن هذه النقطة لم تكن موضع جدال على الإطلاق. وقد جاء في مسودة اتفاقية مشروع الاستعمار اليهودي المقدمة من قبَل الصهاينة صياغات غامضة قد يُفهَم منها أن المقصود إنشاء دولة يهودية، فكتب أحد موظفي وزارة الخارجية البريطانية على هامش المادة المقدمة: «إذا تملَّك اليهود المنطقة فسيعني ذلك عمليًا إعطاءهم حكمًا ذاتيًا محليًا كاملاً بشرط أن يبقى تحت سيطرة التاج البريطاني تمامًا». كما أشار وزير الخارجية البريطاني إلى أن انتخاب رئيس بلدية يهودي لكل مدينة هو أقصى ما يمكن إجراؤه. ولم تذكر المذكرة أي شيء عن منح الجنسية البريطانية لسكان هذه المقاطعة إذ يبدو أن وزارة الخارجية كانت قلقة من أن يستغلها اليهود الروس الذين سيستوطنون شرق أفريقيا كنقطة انطلاق وحسب يقفزون منها وبواسطتها إلى بريطانيا بجوازات سفر بريطانية يحصلون عليها في المستعمرة.

وقد حدَّد «زانجويل» بوضوح شديد الطبيعة الحقيقية لمشروع شرق أفريقيا بقوله: «إن الاستيطان الصهيوني في شرق أفريقيا سيكون وسيلة لمضاعفة عدد السكان البيض التابعين لبريطانيا هناك».
ويرتبط مشروع شرق أفريقيا بشخصين أساسيين هما «تشامبرلين» و«زانجويل».
تشامبرلين وزانجويل
«جوزيف تشامبرلين» (???? ـ ????) رجل سياسة بريطاني، والمنظِّر الحقيقي لمشروع شرق أفريقيا، ومن ثم فهو صاحب أول وعد «بلفوري» محدد. والواقع أن «جوزيف تشامبرلين» هو الذي اختار لنفسه منصب وزير المستعمرات عام ???? وظل فيه حتى عام ????، فكانت أطول مدة لأي وزير في هذا المنصب.
وقد كان «جوزيف تشامبرلين» يتميَّز بسعة الخيال والقدرة على الابتكار، وقد حاول أن يُخرج إنجلترا من عزلتها الدبلوماسية وأن يُقوِّي الإمبراطورية بحيث تصبح مهيمنة كقوة، وأن يزيد نفوذها تجاه القوى العظمى الأخرى. ولذا، مدَّ السكك الحديدية، وحاول إقامة الزراعة في المستعمرات على أساس علمي، ونظَّم إدارة الإمبراطورية.
وكان «تشامبرلين» عنصريًا حتى النخاع، يؤمن بالنظرية الداروينية (مثل معظم أعضاء النخبة السياسية في العالم الغربي في أواخر القرن التاسع عشر). فكان مؤمنًا بأهمية العرق، وبأنه يُحدد السمات الأساسية للحضارات (أي أنه كان يؤمن بالقومية العضوية) ولذا فقد كان يرى ضرورة وضع السياسة الخارجية على أسس عرقية علمية واضحة، وأن تستند إليها التحالفات.

كانت رؤية «تشامبرلين» للعرق هرمية. وعلى قمة الهرم كان يتربع الأنجلو ـ ساكسون (الإنجليز والأمريكان)، يليهم التيوتون، أما اليهود فكانوا بطبيعة الحال في قاع الهرم. ومع هذا، كان «تشامبرلين» يرى أن بعض الأجناس الدنيئة أقل دناءة من غيرها. فالهنود، على سبيل المثال، من الأجناس الدنيئة، ولكنهم أقل دناءة من السود، ولذا يمكن تطوير الزنوج وإدخال الحضارة بينهم عن طريق عنصر أجنبي وسيط، ومن ثم تستفيد الأطراف كافة، إذ يستفيد الغرب ويستفيد الوسيط الهندي، بل يستفيد المواطن الأصلي الأسود نفسه! كما لاحظ «تشامبرلين» أن الجو لم يكن مواتيًا في كثير من المستعمرات لاستخدام الإنسان الأبيض في بناء السكك الحديدية، ولذا تم استخدام الهنود كمادة بشرية وظيفية في بنائها. وأخيرًا، لاحظ «تشامبرلين» أن العنصر الأوربي غير الإنجليزي قد لا يكون مطيعًا بالقدر الكافي ولا يمكن أن ينضوي تحت لواء الإمبراطورية الإمبراطورية البريطانية كما فعل الأفريكانز (المستوطنون البيض من أصل هولندي في جنوب أفريقيا). وكان الوضع، من منظور العنصر البشري الغربي، سيئًا جدًا، ولذا اكتشف «تشامبرلين» أن اليهود قد يكونون العنصر الذي يحل محل الهنود في عملية الاستيطان كعنصر وسيط، فهم عنصر أوربي ولكنهم لا يسببون القلاقل مثل الأفريكانز.
وفي عام ????، دُعي «هرتزل» ليدلي بشهادته أمام اللجنة البريطانية للغرباء التي أنشئت للنظر في مشكلة هجرة يهود «اليديشية» إلى إنجلترا. فاقترح تحويل الهجرة إلى وطن يهودي مُعترف به قانونًا، وكان الشاهد الوحيد الذي قدَّم حلاً صهيونيًا للمشكلة، وقد ترك ذلك أثرًا عميقًا في السامعين. وبعد عدة أشهر دُعي «هرتزل» لمقابلة «تشامبرلين» الذي استمع لوجهة نظره وأدرك إمكانية توظيف الشعب العضوي المنبوذ في المشاريع السياسية والإقليمية الخارجية للحكومة البريطانية، وطرح عليهم كلاً من قبرص والعريش. ولم يكن اسم «هرتزل» معروفًا، فقابل لورد «لاندسدون» الذي كتب تقريرًا عن مشروع العريش الذي اقترحه «هرتزل» باعتبارها البقعة التي يمكن أن «يُلقى فيها» بيهود «أوديسا» «والإيست إند» في لندن، ولكن «كرومر» رفض المشروع.
زار «تشامبرلين» أفريقيا عام ????، ثم استقبل «هرتزل» مرة أخرى وعرض عليه إنشاء مُستوطن يهودي مستقل في شرق أفريقيا، وقد تم ذلك بموافقة «بلفور» الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك.
أما «إسرائيل زانجويل» (???? ـ ????) فهو روائي إنجليزي وزعيم الصهيونية الإقليمية. ولُد في لندن وكان على رأس النشاط الصهيوني في إنجلترا حينما زارها «هرتزل» واتصل به ليرتب له اجتماعًا مع قادة الأقلية اليهودية فيها. وكان «زنجويل» يدرك أن اليهودية ستتحوَّل إذا خرجت من الجيتو، وأن من غير المعقول الاستمرار في الادعاء بأن الأمور ستسير على منوالها القديم. وتعالج كثير من أعماله الأدبية هذه القضية، فكتاب أطفال الجيتو (????) هو تاريخ أسرة يهودية، وهو في واقع الأمر تاريخ أسرته هو، وهي رواية بانورامية تتناول شخصيات الشاعر «بنحاس»، وهو في الواقع صورة كاريكاتورية ساخرة للشاعر «نفتالي» إمبر مؤلف نشيد «الهاتيكفاه». كما يُصوَّر الكتاب بعض الشخصيات التي يمزقها ازدواج الانتماء لعالم الجيتو اليهودي وعالم الأغيار المعاصر. ويضم الكتاب دراسات في شخصيات يهودية تترك العقيدة اليهودية، مثل: «دزرائيلي» و«هايني» و«لاسال» و«شبتاي تسفي». وتعالج رواية حالمو الجيتو (????) الموضوع نفسه، فهي تزخر بشخصيات تبحث عن مهرب من الجيتو والقيم الدينية العتيقة التي تهيمن عليه. أما رواية مآس جيتوية (????) فتحكى قصة يهودي تزوج من امرأة مسيحية ولكنه لا يملك إلا أن يبقى يهوديًا في الخفاء. أما روايته ملك الشحاذين (????) فتتناول اليهود «السفارد» في لندن قبل وصول يهود «اليديشية». ومن رواياته الأخرى كوميديات جيتوية (????).
ويتسم موقف «زانجويل» تجاه اليهود بازدواجية غريبة، فهو من ناحية معجب إلى حدٍّ ما بالجيتو وبشخصياته، ولكنه من ناحية أخرى يجدها شخصيات ضيقة ومائلة للذوبان في العصر الحديث، وهو فخور ببعض الجوانب اليهودية في حياته ولكنه يشعر بالخجل تجاه البعض الآخر. ويمكن القول بأن رفضه لليهود واليهودية أكثر عمقًا بكثير من إعجابه ببعض جوانب الشخصية «اليديشية».
ورفضه اليهود واليهودية يتجلى في كتابه الدين المقبل حيث يعبرِّ عن أمله في ظهور ديانة جديدة تمزج الديانتين اليهودية والمسيحية والحضارتين العبرية والمسيحية. وله كتاب آخر ألفه في أخريات حياته هو عقيدتى (????) يطالب فيه بيهودية غير يهودية، حتى يتم التوصل إلى عقيدة عالمية لكل البشر.
ومن أهم مسرحياته، مسرحية آتون الصهر التي يتصور فيها الولايات المتحدة على أنها آتون إلهي للصهر ستذوب فيه كل أجناس أوربا وتندمج، وتختفي فيه كل الخصوصيات، وضمن ذلك الخصوصية اليهودية. ومن أهم آليات الصهر، الزواج المختلط (وقد كان «زانجويل» نفسه متزوجًا من مسيحية). فكأن الولايات المتحدة هي الترجمة التاريخية النهائية لمثل عصر الاستنارة التي ستريح الإنسان من عبء التاريخ وتريح اليهود من عبء الهوية. وقد صدرت «لزانجويل» عدة روايات أخرى ليس لها علاقة كبيرة بالموضوع اليهودي مثل السيد (????) وهي قصة صبي مهاجر من كندا ينجح في أن يصبح فنانًا شهيرًا، وله أيضًا رواية بعنوان عباءة إلياهو (????) عن أحداث حرب «البوير» في جنوب أفريقيا.

وموقف «زانجويل» يشبه تمامًا موقف «هرتزل» و«نورداو» ويهود غرب أوربا عامة، وهو أن اليهود واليهودية يمثلان بالنسبة له مشكلة تتطلب حلاً لا انتماءً إيجابيًا يرحب به المرء. وقد ترجم هذا الموقف نفسه إلى صهيونية توطينية، فقام «زانجويل» بتقديم «هرتزل» لاجتماع المكابيين عام ???? في لندن، وذهب إلى فلسطين عام ???? وحضر المؤتمر الصهيوني الأول في العام نفسه. ولكن توطينية «زانجويل» كانت عميقة جدًا، ورغبته في التخلص من الفائض اليهودي كانت متبلورة، ولذا ألقى بكل ثقله خلف مشروع شرق أفريقيا الذي وصفه بأنه سيكون وسيلة لمضاعفة عدد السكان البيض التابعين لبريطانيا. فالاستعمار الاستيطاني بالنسبة إليه يشبه الزواج المختلط، وسيلة للتخلص من اليهود ولتذويبهم في التشكيل الحضاري الغربي. ولذا، حين رفض المؤتمر السابع (????) المشروع، انشق «زانجويل» على المنظمة الصهيونية ـ كما أسلفنا ـ وأسَّس الصهيونية الإقليمية التي كانت تهدف إلى تأسيس إقليم يهودي (ليس بالضرورة في فلسطين) بهدف إنقاذ وإغاثة اليهود خارج أية تصورات قومية يهودية. وقد تحرك «زانجويل» بحماس في إطار صهيونيته التوطينية، فطلب العون من أثرياء الغرب المندمجين (لورد «روتشيلد» و«يعقوب شيف») وحاول توطين بعض المهاجرين اليهود، ولكنه لم ينجح إلا في توطين بعض عائلات في تكساس. وحينما أعلن وعد «بلفور»، أصبح «زانجويل» من كبار المتحمسين له، والواقع أن هذا الوعد جعل المشروع الصهيوني جزءًا من التشكيل الحضاري الغربي أو على وجه الدقة التشكيل «الإمبريالي» الغربي. وطالب «زانجويل» بتفريغ فلسطين من سكانها في أسرع وقت، فهو مثل «نورداو» و«جابوتنسكي» في عجلة من أمره ويتمنى اختفاء اليهود حتى يستأنف حياته في غرب أوربا كمواطن عادي. وقد وجَّه «زانجويل» النقد اللاذع للحكومة البريطانية لفشلها في تنفيذ ما جاء في الوعد بسرعة. ولكنه، مع هذا، عاد واكتشف حقيقة الموقف في فلسطين، ووجد أن المشروع الصهيوني سيرتطم بالسكان الأصليين. ولهذا، فقد عاد مرة أخرى للحل الإقليمى.
من أهم كتبه التي تضم مقالاته صوت القدس (????) وكتاب خُطب ومقالات وخطابات (????)، وقد نُشِرَت هذه الكتابات بعد موته. وقد قام «زانجويل» بترجمة أعمال «ابن جبيرول» من العبرية إلى الإنجليزية.
الدولة مزدوجة القومية: بريت شالوم وإيحود
أدرك بعض زعماء الاستيطان الصهيوني أن المشروع الصهيوني مشروع استعماري استيطاني لا يكترث كثيرًا بسكان البلاد الأصليين، شأنه في هذا شأن أي مشروع مماثل. كما لاحظوا تزايُد المقاومة العربية للاستيطان الصهيوني، فالأرض، كما تبيَّن ليست بلا شعب. فحاول هؤلاء تخفيف حدة المقاومة والتوصُّل إلى حل سلمي مع العرب عن طريق مشروع الدولة مزدوجة القومية، حيث يقتسم العرب والمستوطنون الصهاينة فلسطين ويتعاونان سويًا. ويمكن القول بأن هذه الدعوة، رغم ما فيها من إدراك إنساني لحقوق السكان الأصليين، تغفل الطابع الاستيطاني الإحلالي البنيوي للصهيونية. وأهم الجمعيات المطالبة بدولة مزدوجة القومية هي بريت شالوم وإيحود.
? ـ بريت شالوم
«بريت شالوم» عبارة عبرية تعني «عهد السلام» وهي منظمة يهودية في فلسطين ولها فروع في دول أخرى، وكانت تدعو لتعايش سلمي بين الصهاينة والعرب. وكانت المنظمة أساسًا من المثقفين والأعضاء البارزين في التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين. وقد تأسست «بريت شالوم» عام ???? مع افتتاح الجامعة العبرية في القدس، ووصلت إلى قمة نشاطها في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات في القرن العشرين. وقد أسس هذه المنظمة عدة شخصيات مهمة دعت إلى تغيير في النشاط الصهيوني، فبدلاً من الاعتماد على العلاقات مع سلطات الانتداب البريطاني حاول أعضاء الجمعية العمل على خلق علاقات طيبة مع العرب. ولم تصل «بريت شالوم» إطلاقًا إلى تحديد واضح لأهدافها وبنيتها التنظيمية. فبعض أعضائها كان يعتبرها جماعة بحثية عليها أن تلفت نظرالحركة الصهيونية إلى أهمية المشكلة العربية. ودعا البعض الآخر إلى قيام نشاط دعائي واسع النطاق. وهم، على أية حال، ليسوا جماعة جماهيرية. وقد ساعدت أفكار هذه المنظمة على خلق حوارات سياسية ولكنها لم تؤد أبدًا إلى أنشطة فعالة.
وكان الهدف الرئيسي «لبريت شالوم» هو الدعاية لخلق دولة مزدوجة القومية في فلسطين بغض النظر عن التمثيل العددي، وكان هذا يعني التخلي عن خطة تكوين الدولة اليهودية. وأعرب بعض أعضائها عن اعتقادهم بوجوب تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
ويبدو أن الصهيونية كانت تمثل، بالنسبة إلى أعضاء «بريت شالوم»، حركة ثقافية أكثر منها سياسية، ودعا البعض إلى تقوية العلاقات العرقية التي تعود للأصل السامي بين العرب واليهود. وحاول أعضاء «بريت شالوم» إقامة مؤسسات للحكم الذاتي يهودية/عربية من أجل التعاون في الإدارة البلدية والحياة الاقتصادية، وتطوير الخدمات العربية بمساعدة اليهود. وكانت المنظمة تُصدر جريدة عبرية وكذلك مطبوعات بالعربية والإنجليزية. وقد انتقدت المنظمة بشدة سياسات «الهستدروت» تجاه العمال العرب.
وقد رفض العرب برنامج «بريت شالوم» بوصفه دعاية صهيونية متخفية. وكان تأثير الجماعة في المستوطنين اليهود ضئيلاً جدًا رغم مشاركة شخصيات مثل «صمويل هوجو برجمان» و«آرثر روبين» و«حاييم كلفارسكي» و«جرشوم شولم» و«مارتن بوبر» و«يهودا ماجنيس». وقد تَوقَّف نشاط الجمعية تمامًا مع أوائل الثلاثينيات.
? ـ إيحـود
«إيحود» كلمة عبرية تعني «الاتحاد» أو «الوحدة». و«إيحود» جماعة يهودية دعت إلى إقامة دولة عربية يهودية مزدوجة القومية في فلسطين. وفي عام ????، رأت لجنة «بيل»، التي عينتها الحكومة البريطانية لتَقصِّي الحقائق بعد اندلاع الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام ????، أن خطة إقامة كومنولث مزدوج القومية قد صارت خطة مستحيلة التطبيق. وكبديل، اقترحت اللجنة تقسيم فلسطين. وقد رفض أعضاء جماعة «إيحود»، ومن بينهم «يهودا ماجنيس» و«مارتن بوبر» و«حاييم كالفارسكي» و«آرثر روبين»، هذه الخطة. واتفق معهم في الرأي كلٌ من «موسى سيملانسكي» وقادة جماعة الحارس الفتى (هاشومير هاتزعير) اليسارية. وفي عام ????، تم تكوين جمعية «إيحود» أو الوحدة التي دعت إلى إقامة فلسطين مستقلة تضم العرب واليهود معًا. وقد انضمت جماعة صغيرة من العرب إلى الجماعة، بيد أنه تم اغتيالهم الواحد بعد الآخر.
وكانت الجمعية تُصدر دوريات باللغات الرسمية الثلاث في فلسطين، وكذلك مجلة شهرية. وقد نشب خلاف أساسي بين أعضاء الجماعة من العرب واليهود حول موضوع تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، دعت إيحود إلى المفاوضات مع العرب واستمرت في جهودها (عام ????) من أجل التوصل إلى اتفاق لتأسيس دولة مزدوجة القومية. وطالب «ماجنيس» بهذا الحل أمام اللجنة الخاصة للأمم المتحدة حول فلسطين، وطالب بتحييد فلسطين (مثل سويسرا) مع إعطاء اليهود مقعدًا خاصًا في الأمم المتحدة بوصفهم قومية خاصة. ومع صدور قرار التقسيم، قام كلٌّ من «ماجنيس» و«إيحود» بالدعوة إلى إقامة اتحاد سامى يشمل إسرائيل، بيد أن هذه المحاولة قد فشلت. ويعد «آرثر روبين» هو بطل «بريت شالوم» أما «ماجنيس» فهو بطل «إيحود».
روبين وماجنيس
«آرثر روبين» (???? ـ ????) عالم اقتصاد واجتماع، وقائد صهيوني ومنظم المستوطنات الزراعية في فلسطين. ولد في ألمانيا لعائلة فقيرة، وترك الدراسة في سن الرابعة عشرة. لكنه عمل ودرس حتى حصل على دكتوراه في القانون عام ????.
اشترك في عدة جمعيات يهودية في الفترة بين عامي ???? و????، والتحق بالمنظمة الصهيونية العالمية في ????. وطلب منه «ديفيد ولفسون» (عام ????) أن يذهب إلى فلسطين ليبحث حالة المستوطنات اليهودية. وكانت تلك المرحلة نقطة تحوُّل في حياته حيث كرَّس كل جهوده بعد ذلك لتطوير المستوطنات اليهودية، واستقر في فلسطين حيث ترأس المكتب الفلسطيني للمنظمة الصهيونية في يافا.
طرده أحمد باشا والي الشام وقائد الجيش التركي في سوريا لشكه في أنه يعمل لحساب الحلفاء، لكنه رحل إلى استنبول حيث عمل كحلقة اتصال بين مكتب فلسطين والمكتب الصهيوني التنفيذي في «برلين». وعاد «روبين» إلى فلسطين عام ???? واستقر هناك، حيث كان مسئولاً عن مكتب المستوطنات، وأسس عدة بنوك في فلسطين لتمويل حركة الاستيطان.
وقد ساعد «روبين» في تأسيس حركة «بريت شالوم»، وكان من دعاة تأسيس دولة مزدوجة القومية في فلسطين. وبعد الثورة العربية عام ????، حارب «روبين» بشدة من أجل زيادة الهجرة إلى فلسطين وزاد نشاطه في حركة الاستيلاء على الأراضي العربية بكل الطرق. وقد ظل يتأرجح بين موقفيه المتناقضين: محاولة ضمان تنفيذ المشروع الصهيوني عن طريق تصعيد الهجرة الاستيطانية ومحاولة التفاهم مع العرب، وضحايا المشروع الصهيوني. ومع تَصاعُد الصراع مع العرب، دوَّن في مذكراته (إبان الحرب العالمية الثانية) أنه يعتقد أن ثمة جنونًا كاملاً قد سيطرعلى العالم بأسره. وتُوفي «آرثر روبين» في القدس عام ????.
أما «يهودا ماجنيس» (???? ـ ????) فهو حاخام أمريكي إصلاحي، صهيوني توطيني، ورئيس الجامعة العبرية. ولُد في الولايات المتحدة لعائلة يهودية من أصل ألماني متأثرة بالتعاليم والنزعات الصهيونية. قام بنشاطات صهيونية فأصبح سكرتيرًا لفيدرالية الأمريكيين (???? ـ ????)، كما ساهم في تأسيس اللجنة اليهودية الأمريكية. ولكن معظم نشاطاته كانت من النوع التوطيني، فأصله الألماني، وكذلك توجُّهه الإصلاحي واندماجه في المجتمع الأمريكي وانتماؤه للطبقة الوسطى، جعل تبنِّيه مُثل الصهيونية الاستيطانية أمرًا مستحيلاً. ولذا، فقد كان يرى أن الصهيونية هي بالدرجة الأولى حركة لإنقاذ يهود شرق أوربا وجسر يربط النخبة اليهودية ذات الأصل الألماني في الولايات المتحدة وجماهير المهاجرين من يهود روسيا. وكان يصر دائمًا على وجوب تفسير الصهيونية بطريقة تلائم البيئة الأمريكية خارج نطاق النظرية القومية التي كانت سائدة في أوربا. ولذا، فإننا نجده يشترك في جمع التبرعات لضحايا مذبحة «كيشينيف» وينظم بعض التظاهرات لصالحهم.
وقد عُينَ «ماجنيس» عام ???? حاخامًا لمعبد «إيمانوئيل» في نيويورك. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، طالب بأن يترجم الإيمان الديني نفسه إلى رفض للحرب واتخاذ موقف سلمي، فأغضب هذا الكثيرين، ومنهم المؤسسة الصهيونية التي كانت تسعى للحصول على وعد «بلفور»، فاضطر إلى الاستقالة من المعبد ثم من الفرع الأمريكي للحركة الصهيونية (????). وهكذا أصبح يزداد ابتعادًا عن الصهيونية الدبلوماسية والعامة (الاستعمارية) بتأكيدها أولوية الدولة، كما أصبح يزداد اقترابًا من الصهيونية الإثنية العلمانية التي تركز على مسائل الهوية والوعي. ولذا، نجد أنه على المستوى الديني كان يزداد اقترابًا من اليهودية المحافظة. وقد أسس مؤسسة سمّاها «القهال» (????) كي تكون إطارًا إداريًا موحَّدًا للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بهدف أمركة المهاجرين. وقد نجحت هذه المؤسسة إلى حدٍّ ما في مجال التعليم ومكافحة الجريمة بين المهاجرين بالتعاون مع الشرطة. ولكنها حُلت عام ????، ولم تترك أثرًا يُذكَر إلا في مجال التربية.
وفي إطار صهيونية «ماجنيس» الإثنية التوطينية، كان يطالب بإحياء الثقافة واللغة العبريتين. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، دعا إلى تنظيم الجامعة العبرية فقام بجمع التبرعات اللازمة ووضع الإطار الأكاديمى لها، واستقر في فلسطين نهائيًا عام ????. وحينما افتُتحت الجامعة عام ????، عُيِّن «ماجنيس» رئيسًا لها.
ورغم هذا الحماس للإحياء القومي اليهودي، كان «ماجنيس» من القلة الصهيونية النادرة التي تنبهت إلى المخاطر التي تنطوى عليها إقامة الوطن اليهودي، فقد كان يعرف أن هناك شعبًا عربيًا فلسطينياً يقاوم الغزوة الاستيطانية الصهيونية وأن الدولة التي أنشئت رغمًا عنه ستعيش في حالة حرب دائمة. وقد كرس «ماجنيس» نفسه للترويج لفكرة التفاهم اليهودي العربي، ودعا إلى وضع نظام يتسم بالتكافؤ التام بين العرب واليهود، وطالب بتقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وفي مقال تحت عنوان «مثل كل الشعوب» كتبه عام ????، حذَّر الصهاينة من أن العرب يشكلون الأغلبية المطلقة في فلسطين. وحيث إن الغاية (مهما سمت) لا يمكن أن تبرر الواسطة (الدنيئة)، فقد عبَّر عن اطمئنانه إلى (أو عن أمله في) أن اليهود لن تسمح لهم أنفسهم بغزو أرض الميعاد على طريقة يوشع بن نون الذي فتح كنعان (وأباد سكانها)، والذى ثبَّت دعائم الوجود اليهودي عن طريق السيف. لقد كان «ماجنيس» من المؤمنين بأن «تأسيس الوطن اليهودي بكبت طموح العرب السياسي أمر غير ممكن، لأن مثل هذا الوطن سيُؤسَّس على رؤوس الحراب مدة طويلة». ولذلك، فقد اقترح التغلب على الصعاب التي تواجه الصهاينة «باستخدام جميع الأسلحة التي وضعتها الحضارة تحت تصرفهم باستثناء الحراب، مثل الأسلحة الروحية والثقافية والاجتماعية والمالية والاقتصادية والطبية.. والأخوة والصداقة».
وقد ساهم «ماجنيس» في تأسيس جماعة «بريت شالوم» (عهد السلام) لتعزيز التفاهم والتعاون بين العرب واليهود، ودرء الخطر الناجم عن تنفيذ برنامج «بلتيمور» الصهيوني. كما ساهم في تأسيس جماعة «إيحود» (الاتحاد) عام ????، التي ضمنت عددًا من الأعضاء السابقين في «بريت شالوم» بالإضافة إلى شخصيات يهودية بارزة. وقد عارض «ماجنيس» قرار تقسيم فلسطين. وفي عام ????، أصدر مجلس الجامعة العبرية بيانًا أعلن فيه أن الجامعة وهيئة التدريس لا علاقة لهما بنشاطات «ماجنيس» السياسية الرامية لإنشاء دولة تتسع لليهود والعرب.


الفصل الخامس
تيودور هرتزل واكتشاف الإمبريالية
بعد أن تناولنا ما سميناه «الصهيونية التسللية» وصهيونية أثرياء الغرب اليهود واليهود المندمجين والتي سميناها «صهيونية بلا إمبريالية»، وبعد أن تناولنا محاولة تضييق نطاق الصهيونية والذي تبدى من كل من الصهيونية الإقليمية ومحاولة تأسيس دولة مزدوجة القومية، يمكننا الآن أن نتناول مكتشف الإمبريالية كآلية من آليات وضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ، أي «تيودور هرتزل»، مؤسس الحركة والمنظمة الصهيونية.
هرتزل: حياته
«هرتزل» (???? ـ ????) هو مؤسس الحركة والمنظمة الصهيونية. وضع نهاية للصهيونية التسللية وجهودها الطفولية، ونجح في تطوير الخطاب الصهيوني المراوغ، كما نجح في إبرام العقد الصهيوني الصامت بين العالم الغربي والمنظمة الصهيونية باعتبارها ممثلاً غير منتخب ليهود العالم، وهو ما جعل توقيع وعد «بلفور» أهم حدث في تاريخ الصهيونية، ممكنًا. وقد خرجت كل الاتجاهات الصهيونية من تحت عباءته أو ثنايا خطابه المراوغ.
والواقع أن شخصية «هرتزل» تجعله في وضع مثالى يؤهله لأن يكون جسرًا موصلاً بين العالم الغربي والجماعات اليهودية فيه، وبين يهود الغرب المندمجين ويهود «اليديشية». فقد كان شخصية هامشية مثل يهود «المارانو» يقف على الحدود، فهو يهودي غربي مندمج لم يبق من يهوديته سوى قشرة، أي أنه يهودي غير يهودي. ومع هذا، فهو يصنف على أنه يهودي، ولذا فهو يملك أن يتحدث للغرب باعتباره غربيًا ويهوديًا في ذات الوقت وأن يتحدث ليهود «اليديشية» باعتباره يهوديًا وغربيا أيضا. فسطحية انتمائه هو ما جعل منه جسرًا مثاليًا ومعبرا مريحًا.
وقد بيَّن المفكر الصهيوني «جيكوب كلاتزكين» المولود في روسيا أن «هرتزل» هو ثمرة الوعي الإنساني العالمي (أي الغربي) لا ثمرة وعي ثقافي يهودي منحط (من شرق أوربا). «وكلاتزكين» مُحق في ذلك إلى حدٍّ كبير (مع عدم قبولنا لتقييماته وتحيزاته). ولكنه، على أية حال، أهمل أهمية القشرة اليهودية السطحية في تكوين «هرتزل»، فهي التي أكسبته الشرعية أمام جماهير شرق أوربا اليهودية وأظهرته بمظهر اليهودي الغربي العائد، ولهذا فقد اعتبروا عودته إحدى علامات آخر الأيام.
ولم يكن «هرتزل» سوى واحد من جيل طويل من اليهود المغتربين الذين كانوا يتنصرون لإعلان ولائهم الغربي (مثل دزرائيلي ووالد ماركس وهايني). ولكنهم، مع ازدياد العلمانية في الحضارة الغربية، أصبح بإمكانهم الانتماء إلى الغرب بلا تنصُّر، فالغرب نفسه كان قد بدأ يفقد مسيحيته.
ولم تكن هامشية «هرتزل» وحدها هي التي ترشحه لأن يكون الجسر الموصل، وإنما نرى أن سطحيته الفكرية ساهمت إلى حدٍّ كبير في ذلك. ولأنه كان يظل دائمًا على سطح الأشياء، لم يدرك عمق التناقضات بين الصهيونية الغربية وصهيونية شرق أوربا، وهو ما جعله قادرًا على أن يصل للصيغة المراوغة التي سترضي الجميع دون أن يضطر أحد للتنازل عن شيء. وأعتقد أن عبقريته التي تتحدث عنها التواريخ الصهيونية تكمن هنا.
ولُد «تيودور هرتزل» عام ???? لأب تاجر ثري. وكان يحمل ثلاثة أسماء، أهمها اسمه الألماني «تيودور» وثانيهما اسمه العبري «بنيامين زئيف» وثالثها اسمه المجري «تيفا دارا». والتحق «تيودور» الصغير بمدرسة يهودية وعمره ست سنوات لمدة أربعة أعوام انقطعت بعدها علاقته بالتعليم اليهودي. ولذا لم يُقدَّر له أن يَدرُس العبرية، بل لم يكن يعرف الأبجدية نفسها. والتحق بعد ذلك بمدرسة ثانوية فنية، ومنها التحق بالكلية الإنجيلية ???? وعمره ?? سنة (أي أنه التحق بمدرسة مسيحية بروتستانتية، ولعله تَلقَّى تعليمًا دينيًا مسيحيًا هناك)، وأنهى دراسته عام ????. وكانت أسرة «هرتزل» مجرية النسب إلا إنها، ضمن مجموعة من اليهود، قاومت عملية المجيرة (أي صبغها بالصبغة المجرية) واحتفظت بولائها لألمانيا (مثل كثير من يهود المجر: «ماكس نورداو» و«جورج لوكاش» وغيرهما). ولذا، نزحت الأسرة إلى فيينا عام ????. وكان عدد اليهود في «فيينا» آنذاك (????) لا يزيد على عشرة آلاف يهودي، ولكن تَعثُّر التحديث في شرق أوربا أدَّى إلى دَفْع جحافل اليهود إلى وسط وغرب أوربا بحيث بلغ عددهم عام ???? ما يزيد على ???ألف، أي أنهم زادوا عشرة أضعاف خلال أقل من عشرة أعوام.
التحق «هرتزل» بجامعة «فيينا» وحصل على دكتوراه في القانون الروماني عام ???? وعمل بالمحاماة لمدة عام، ولكنه فضل أن يكرس حياته للأدب والتأليف. ومع هذا، ظلت عقليته أساسًا عقلية قانونية تعاقدية، فنشر ابتداءً من عام ????مجموعة من المقالات، وكتب بعض المسرحيات التي لم تلاق نجاحًا كبيرًا من أهمها مسرحية الجيتو الجديد (????) التي تقدم صورة متعاطفة مع بطلها، إلا أنها تقدم اليهود من خلال الأنماط المعروفة في تراث معاداة اليهود في الغرب. وتنتهى المسرحية بأن يطلب البطل الخروج من الجيتو العقلي المضروب حوله، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استحالة هذه العملية.
ولعل بطل المسرحية يشبه من بعض الوجوه زعماء الحركة الصهيونية في تلك المرحلة، «هرتزل» و«بنسكر» و«نورداو» و«جابوتنسكي» وغيرهم ممن حاولوا الاندماج في الحضارة الغربية، وحاولوا تَرْك تراثهم تمامًا ونسيان هويتهم اليهودية (الإثنية والدينية). ولكنهم تصوروا أنهم لم يوفقوا في مساعيهم ولم يتمكنوا من العودة بسبب بعض مظاهر معاداة اليهود أو بسبب تصنيف المجتمع لهم على أنهم يهود. فهم يهود رغم أنفهم، يهود وغير يهود. وقد وَصَفهم «نورداو» هم وأمثالهم وصفًا دقيقًا في المؤتمر الصهيوني الأول (????): «يسرع اليهود المندمجون إلى قَطع خطوط رجعتهم وذلك بتأثير نشوة وضعهم الجديد. لقد أصبح عندهم الآن بيوت جديدة فلم يعودوا بحاجة إلى عزلتهم. أصبح لديهم الآن معارف جدد، فهم غير مجبرين على العيش مع إخوانهم في الدين، وتحوَّل الشعور بالاختلاف إلى تعمُّد التقليد الأعمى». لقد فقد هؤلاء المندمجون هويتهم الإثنية وهويتهم الدينية «لقد فقدوا ذلك الإيمان الذي قد يساعدهم على تحمُّل العذاب واعتباره مجرد قصاص من الإله، كما فَقَدوا الأمل في مجيء «الماشيَّح» الذي سيوجههم إلى المجد في يوم عجيب». وكلما حاولوا التهرب من اليهودية حتى عن طريق التنصرُّ، تدفع بهم معاداة اليهود بعيدًا عن هدفهم. ولذا فإنهم يصبحون «المارانو الجدد»، أي مسيحيون من الخارج يهود من الداخل. ولكن منطق «نورداو» نفسه يجعلنا نعتقد أن يهوديتهم الداخلية ضعيفة هامشية، تمامًا مثل يهودية «المارانو».
وفي عام ????، تزوج «هرتزل» من «جول نتشاور» وكانت من أسرة كان يأمل «هرتزل» أن يحل من خلالها بعض مشاكله المالية. ولكن الزواج لم يكن موفقًا بسبب ارتباط «هرتزل» الشديد بأمه التي غذت أحلامه، فقد قامت نشأته على تصوُّر من ينتدب نفسه لتحقيق عظائم الأمور ويحلم بأنه صاحب رسالة في الحياة. ويبدو أنه مما عقَّد الأمور عدم حماس الزوجة للتطلعات الصهيونية لدى زوجها. ولعل مشاكل «هرتزل» الجنسية لعبت دورًا في ذلك، إذ يبدو أنه أصيب بمرض سري (شأنه شأن «نيتشه» معاصره) وتنقَّل في عدة مصحات للاستشفاء من هذا المرض.
وفي عام ????، التحق «هرتزل» بصحيفة نويا فرايا براسا أوسع الصحف النمساوية انتشارًا، وأرسل إلى باريس للعمل مراسلاً للصحيفة هناك (حتى عام ????) حينما عُيِّن رئيسًا لتحرير القسم الأدبي في الصحيفة وبقي في عمله حتى وفاته.
وهنا قد يكون من المفيد التوقف قليلاً للتحدث عن هوية «هرتزل» التي كانت تقف بين عدة انتماءات دينية إثنية متنوعة (ألمانية ـ مجرية ـ يهودية ـ مسيحية) دون أن ينتمي لأىٍّ منها أو يُستوعَب فيها. فإذا نظرنا لانتمائه اليهودي، فإننا نجد أنه يرفض الدين اليهودي والتقاليد الدينية اليهودية. والواقع أن زوجته كان مشكوكًا في يهوديتها، وقد رفض حاخام «فيينا» إتمام مراسم الزواج. كما أن «هرتزل» لم يختن أولاده ولم يكن الطعام الذي يُقدَّم في بيته «كوشير»، أي مباحًا شرعًا. أما تَصوُّره للإله، فلم يكن يستند إلى العقيدة اليهودية بقدر استناده إلى فلسفة «إسبينوزا» بنزعته الحلولية التي توحِّد الإله والطبيعة، فهي حلولية وحدة الوجود أو حلولية بدون إله.
أما من الناحية الثقافية، فقد كان «هرتزل» ابن عصره، يجيد الألمانية والمجرية والإنجليزية والفرنسية. ويبين أحد مؤرخي الحركة الصهيونية أن اتخاذ «هرتزل» دور «الداندي» (أي الوجيه الذي يبالغ في الأناقة) وتَظاهُره بأنه من الأرستقراطيين هو القناع الذي كان يختبئ وراءه ليهرب من هويته اليهودية. ولم يكن «هرتزل» يعرف العبرية، وقد تساءل علنًا وبسخرية (في المؤتمر الصهيوني الثالث [????]) عما يُسمَّى «الثقافة اليهودية». وحينما قرَّر مجاملة حاخامات مدينة بازل، اضطر إلى تأدية الصلاة في كنيس المدينة قبيل افتتاح المؤتمر الصهيوني الأول (????)، كما اضطر إلى تعلُّم بضع كلمات عبرية لتأدية الصلاة. وكان المجهود الذي بذله في تعلُّمها أكبر من المجهود الذي بذله في إدارة جلسات المؤتمر بأسرها (حسب قوله). ومما له دلالة عميقة أن «هرتزل» كان يرى أنه «دزرائيلي» يهودي، و«دزرائيلي» هو اليهودي المتنصِّر الذي دخل عالم الغرب من خلال باب غربي وبشروط غربية بعد أن تخلَّى عن يهوديته أو الجزء الأكبر منها. أما «هرتزل» فقد فعل مثله تمامًا باستثناء التخلي عن القشرة اليهودية المتبقية.
ولكن، ورغم ابتعاده عن الثقافة اليهودية، نجده متأثرًا بعقيدة «الماشيَّح» المخلّص، ونجد أن ذكرها يتواتر في مراسلاته ومذكراته بأسلوب ينم عن الإيمان بها وإن كان الأمر لا يخلو من السخرية منها في آن واحد. وكان اهتمامه ينصب على «الماشَيَّح» الدجال «شبتاي تسفي». وقد استخدم «هرتزل» كلمة «الخروج» التوراتية ليشير إلى مشروعه الاستيطاني، الأمر الذي يدل على أن الأسطورة التوراتية كانت تشكل جزءًا من إطاره الإدراكي. وتتداخل الأساطير الحديثة مع الأساطير اليهودية، ونجده يعتبر أن «فرديناند ديليسبس» مَثَله الأعلى في الحياة، ونجده يرى أن الكهرباء هي الماشيَّح المنتظر (وهذا امتداد لرؤية إسبينوزا للإله). لكل ذلك، لا يمكن القول بأنه كان يهوديًا حقًا (كما هو الحال مع حاخامات الحسيديين مثلاً) ولا حتى بالمعنى الإثني (كما هوالحال مع «وايزمان» و«آحاد هعام»)، ولا هو مندمج تمامًا (كما هو الحال مع «إدوين مونتاجو» وأثرياء يهود إنجلترا)، فهو مُعلق في الهواء في منطقة حدودية تلتقي فيها الحلولية الكمونية اليهودية بالحلولية الكمونية العلمانية.
هذه الهوية الهامشية التي تقف على حافة الهويات الأخرى كانت أمرًا مقبولاً بحسب تعريف الهوية في الإمبراطورية النمساوية/المجرية، فهو تعريف لم يكن محددًا أو ضيقًا وإنما كان (كما هو الحال دائمًا مع الإمبراطوريات) تعريفًا رحبًا سمحًا يسمح بتعايش التناقضات. ولهذا، فقد كان من الممكن أن يسمح بوجود مثل هذه الشخصية التي لا تنتمي لليهودية من الناحية الدينية أو الإثنية. ومع هذا، كان بإمكانه التحدث عن نفسه كيهودي دون أن يثير الضحك، كما كان بإمكانه أن يتحدث عن القومية اليهودية والانفصال اليهودي (بينما كان هو شخصيًا يتمتع بالاندماج).
ولعل هامشية الانتماء الحضاري هذا تفسر جانبًا آخر من شخصية «هرتزل» وهو ذكاؤه الحاد وسطحيته الشديدة، وقد وَصفَه مؤرخ الصهيونية «وولتر لاكير» بأن تفكيره يتصف بالتبسيط الشديد. ووَصَفه مؤرخ آخر هو «حاييم فيتال»، في أكثر من مكان،. بأنه ذكى دون أن يكون عميقًا، وأنه لم يكن يدرك كثيرًا من الأبعاد السياسية لعصره. أما المؤرخ «شلومو أفنيري»، فيرى أن كتاباته قد تكون متألقة لامعة ولكنها ينقصها العمق الروحي، كما تحدَّث عن «الجانب الخفيف» في طبيعته، أي سطحيته.
ويطرح السؤال نفسه: كيف تتمكن شخصية هامشية سطحية (رغم كل ذكائها)، شخصية لم يكن عندها مصادر مالية، تقف ضدها كل المؤسسات الدينية والمالية اليهودية ولم يكن لديها تنظيم، أن تفرض نفسها بهذا الشكل؟
ويفسر «شلومو أفنيري» هذه الأعجوبة بسببين أولهما: كفاح «هرتزل» البطولي الذي يكاد يكون جنونيًا، وثانيهما: اكتشافه الرأي العام العالمي وألاعيب الإعلام. بل يضيف قائلاً: «إن المشروع الصهيوني قد نجح إلى حدٍّ كبير، حتى الوقت الحاضر، في الوقوف ضد السياسة والتاريخ»، بسبب الرأي العام. ولعل هذا قد يفسر بعض أسرار نجاح «هرتزل»، ولكنه لا يصلح بأية حال لتفسير نجاحه في تَخطِّى الحاخامات والأثرياء وجمعيات «أحباء صهيون» وأن يفرض نفسه فرضًا على الجميع ويتحدث باسم يهود أوربا الذين لم يعطوه الصلاحية لأن يفعل ذلك.
ولكننا نعتقد أن نجاحه يكمن في نقط قصوره وهامشيته وذكائه السطحي، إذ تضافرت هذه العوامل وجعلته قادرًا على أن يصل إلى الصيغة التي تفتح الطريق المسدود الذي كانت الصهيونية (بشقيها اليهودي وغير اليهودي) قد دخلته. فهامشيته جعلته قادرًا على أن ينظر مثلاً لليهود من الخارج على طريقة العالم الغربي «كمادة بشرية» (وهو المصطلح الذي استخدمه في كتابه دولة اليهود) يجب التخلص منها أو توظيفها. ولذا، فإن اهتمامه باليهود كان اهتمامًا غربيًا. ولعل هذا يفسر أن الحلول الأولى التي طرحها للمشكلة اليهودية تتسم بكثير من السوقية الفظة، فقد اقترح، على سبيل المثال، حلاً للمسألة اليهودية يتمثل في تعميد اليهود في كاتدرائية «القديس بولس» في «روما».
وكما بيَّنا من قبل، لم يكن «هرتزل» يعرف شيئًا عن عالم اليهود ولكنه كان يعرف بعض الشيء عن شخصيات الاستعمار الغربي مثل «بنجامين دزرائيلي» و«سيسل روديس» و«هنري ستانلي»، وعن موازين القوى وعن رجل أوربا المريض وعن التشكيل الاستعماري الغربي.
ورغم كل هذا ورغم إعجاب «هرتزل» الشديد بمؤسسات الحضارة الغربية، ابتداءً من العقلية الألمانية وانتهاء بالمشروع الاستعماري والتكنولوجيا الغربية، فقد اكتشف أن هذه الحضارة قد أوصدت أبوابها دونه أو على الأقل دون الاندماج التام الذي كان يطمح إليه، فتعرَّض لتمييز عنصري وللسخرية لأنه يهودي، فتذكرة الدخول للحضارة الغربية والاندماج الكامل فيها كان لا يزال اعتناق المسيحية (كما اكتشف هايني). ولعل انتماءه إلى جماعة شبابية للمبارزة، وهي جماعة ذات مُـثُل قومية ألمانية عضوية، دليل على حرصه على الانتماء الألماني. ولكن الجمعية اتخذت قرارًا عام ???? بعدم ضم أعضاء يهود جدد، فقرر الاستقالة احتجاجًا على القرار (ولكن مما له دلالته أن صاحب الاقتراح كان هو نفسه شخصية هامشية، فهو نمساوي من أصل يهودي).
إن «هرتزل» بهذا المعنى مثال جيد على «اليهودي غير اليهودي»، ولذا كان بإمكانه أن يلعب دور الجسر الموصل، فينظر إليه الغرب على أنه رسولهم إلى اليهود، وينظر إليه اليهود على أنه رسولهم للغرب. وهو شخصية هامشية حدودية يستطيع الغرب أن يراه على أنه اليهودي الذي يحمل مُثلاً غربية لليهود فيُفهِّمهم ويساعدهم، وبإمكان اليهود أن يروه الغربي الذي يفهم المسألة اليهودية من الداخل ويعاني منها معهم ويمكن أن يشرح حالتهم للعالم الغربي.
ومما له دلالته أن «هرتزل» لم يكن يفُرِّق بين صهيونية غير اليهود وصهيونية اليهود، فهو في مذكراته يَقرن «موسى هس» مع «دزرائيلي» و«جورج إليوت» كممثلين للفكرة الصهيونية. وإذا قرنَّا كل ذلك بجهله بفكر «رجل يدُعى بنسكر» كان يعيش في «أوديسا»، بل بكل ما هو يهودي، لأصبح من الممكن أن نتحدث عنه باعتباره نتاج صهيونية غير اليهود وأن أصوله اليهودية مسألة عرضية.
وقد ظهر «هرتزل» في مرحلة كانت صهيونية غير اليهود وصهيونية شرق أوربا فيها قد دخلت طريقًا مسدودًا، فالفريق الأول كان ينظر لليهود من الخارج وكان الثاني لا ينظر إلى الخارج أبدًا، أما هو فيهودي غربي، أو إن أردنا الدقة لا هو من شرقها ولا هو من غربها وإنما من وسطها، يقف بين شرقها المتعثر وغربها المندمج. ورغم أنه يهودي كُتب عليه أن يكون يهوديا، فقد كان كصحفي نمساوي يتحرك بكفاءة في الأوسـاط الغربية كما كان يتحـدث لغتها. وقد قال هو نفسـه إنه «تعلَّم في «باريس» كيف يدار العالم». وكان قد ذهب إلى «باريس» وعمره ?? عامًا وتركها وعمره ?? عامًا.
وقد كانت جماهير شرق أوربا تنظر إليه لا باعتباره من وسط أوربا وإنما باعتباره غربيًا، واعتُبرت عودته لها إحدى علامات آخر الأيام. وقد عبَّر «وايزمان» عن هذا الإحساس خير تعبير حين قال: «أتى «هرتزل» من عالم غريب لم نعرفه، فركعنا أمام النسر الذي جاء من تلك البلاد [ولنلاحظ الصورة الوثنية هنا، فالنسر علامة القوة ورمز عالم الأغيار بكل تأكيد]. ولو أن «هرتزل» قد تتلمذ في مدرسة دينية (حيدر) لما تبعه أحد من اليهود [يعني يهود شرق أوربا]. لقد سحر اليهود لأنه ظهر في قلب الثقافة الأوربية».
ولكن «هرتزل» عاد إلى الشرق بشروطه الغربية، عاد ليُخرج يهود «اليديشية» من نطاق يهوديتهم التقليدية، أو كما قال «نورداو» «ليُخرج كل جهودهم الصهيونية من إطار الكنيس والاجتهادات الدينية»، ولقد عاد كما عاد «هس» من قبله وكما يفعل الصهاينة من بعده.
ولا ندري بالضبط سبب العودة التي تبدو فجائية، ولكننا نعتقد كما ذكرنا أن الهامشية كانت بكل تأكيد أحد الأسباب التي أهلته للعودة، كما أن تَفَاقُم المسألة اليهودية مع عقم الحلول الصهيونية المطروحة كانت سببًا آخر. ولعل رفض إحدى مسرحياته عام ???? له علاقة بالموضوع، وهو أمر يَصعُب البت فيه، ولكننا نعرف أن ملامح الحل الصهيوني كانت قد بدأت تختمر حينذاك في عقله وأنه قرَّر في شتاء ذلك العام أن يبدأ جهوده السياسية أو الدبلوماسية،وهي جهود لم تكن بعيدة على كل حال عن جهوده الأدبية، إذ تبدأ اليوميات التي كتبها بالحديث عن الدولة اليهودية كما لو كانت رواية.
وما بين ربيع عام ???? وشتائه، اختمرت فكرة الدولة اليهودية في عقل «هرتزل»، تم قرَّر أن يسجل أفكاره في كتيب ففعل ذلك في خمسة أيام ونشر موجزًا في مجلة جويش كرونيكل، ثم نشرها في ?? فبراير ???? بعنوان دولة اليهود: محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية. وقد ألَّف «هرتزل» الكتيب بالألمانية ونشر منه بين عامي ???? و???? خمس طبعات بالألمانية وثلاثًا بالروسية وطبعتين بكلٍّ من العبرية «واليديشية» والفرنسية والرومانية والبلغارية. وقد أصر «هرتزل» على أن يضع لقبه العلمى (دكتوراه في القانون) بجوار اسمه (ليؤكد حداثة حله). والكتيب مكون من ?? ألف كلمة (ويقع في ?? صفحة في طبعته الأصلية) وأسلوبه واضح بسيط لا يتسم بأي عمق أو تفلسُف. وقد وصف «هرتزل» كتابه بأنه ليس حلاً وحسب، وإنما هو «الحل الوحيد الممكن». وطالب بألا يُنظر إليه على أنه «يوتوبيا»، فهو مشروع محدد قوته الدافعة هي مأساة اليهود الذين يُعامَلون كغرباء، أي أنه من البداية حدَّد مجال اهتمامه فهو ليس إيجابيًا (هوية التراث اليهودي) وإنما سلبي (اضطهادهم). والواقع أن سيرة «هرتزل» بعد ذلك التاريخ هي سيرة الحركة الصهيونية التي كانت تدور حوله بالدرجة الأولى.
أفكار «هرتزل»
«هرتزل» ليس صاحب فكر وإنما صاحب أفكار وانطباعات متناثرة في نصوص كثيرة لا يتسم معظمها بالذكاء أو التسلسل المنطقي أو الوضوح أو التماسك، فهو ينتقل من نقطة إلى أخرى ثم يعود إليها، ولا يتعمق في أيٍّ من النقاط التي يطرحها. ولذا فيمكنه أن يطرح حلاً للمسألة اليهودية بكل جرأة دون إدراك لتضميناته الفلسفية والعملية. وسنحاول في هذا الجزء من هذا الفصل أن نجمع شتات أفكاره فيما يشبه النسق المتكامل وهو نسق ليس فيه ارتباط كبير بين المقدمات والنتائج وإنما يتسم بالترهل والهلامية، وهو مليء بالثغرات لعل «هرتزل» تركها عمدًا كي يملأها كل من يقرأ نصه بالطريقة التي تروق له. والنصوص التي سنستخدمها هي دولة اليهود، والخطاب الذي ألقاه «هرتزل» في المؤتمر الصهيوني الأول (????)، ويومياته. كما سنشير إلى رواية الأرض القديمة الجديدة وبعض تصريحات أصدقاء «هرتزل» المقربين، أمثال «ماكس نورداو»، لتوضيح نقطة ما أو مفهوم كامن لم يتضح تمامًا في كتابات «هرتزل» نفسها.

يَصدر «هرتزل» عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، ولكنه طوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ وهو ما فتح الباب لتهويد الصيغة الأساسية. وقد يكون الخطاب المراوغ أحد أهم إسهاماته في عملية تطوير الفكر الصهيوني والحركة الصهيونية، «فهرتزل» يقدم حله للأطراف المعنية بصياغة مراوغة تجعل من الصعب على أي طرف رفض الصيغة، إذ أنها ستُرضي الجميع وستتعايش داخلها التناقضات، وهي صيغة منفتحة جدًا تسمح بكل التحورات والتلونات، كالحرباء كل شيء فيها يتغيَّر إلا عمودها الفقرى (يستخدم «هرتزل» صورة الحرباء المجازية للإشارة إلى يهود الغرب في عصره الذين يتلونون ببيئتهم. وفي العصور الوسطى، كان يُشار لليهود بأنهم إسفنجة تمتص أي شيء، وهما صورتان مجازيتان متقاربتان في أنهما يؤكدان عدم وجود حدود صلبة، حيث الداخل والخارج متماثلان أو متداخلان رغم وجود «داخل» و«خارج»). ويمكن القول بأن الصياغة الهرتزلية المراوغة هي محاولة أولية لتهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة حتى تستطيع المادة البشرية المستهدفة استيعابها، أو هي على الأقل محاولة لفتح الصيغة الأساسية الشاملة المصمتة حتى يمكن استيعاب الديباجات اليهودية ومن ثم يمكن تهويدها.
وقد ساعدته الصياغة المراوغة على وضع إطار تعاقدي بين يهود الغرب والعالم الغربي، نشير إليه باعتباره «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» الذي يُعبِّر عن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ولكن المراوغة جزء من اتجاه أهم وأشمل في كتابات «هرتزل»، فقد قرَّر تحديث فَهْم المسألة اليهودية وتحديث الحلول المطروحة ومحاولة تقديم حل رشيد. والواقع أن المفتاح الحقيقي لفهم كتابات «هرتزل» هو العنوان الفرعي لكتابه دولة اليهود وهو محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية.
ولا تتبَّدى حداثة «هرتزل» في الأفكار وحسب وإنما تتبدَّى كذلك في النبرة الهادئة، وهو يَصدُر عن فكرة الشعب العضوي المنبوذ ويفسره ويطرح حلولاً عملية للموضوع:
?- الشعب العضوي المنبوذ
يذهب «هرتزل» إلى أن معاداة اليهود كامنة في الحضارة الغربية ولا مجال للتخلص منها، فهي إحدى الحتميات العلمانية التي تعلَّمها «هرتزل» من «داروين» وغيره، ولذا فهو يقابل الظاهرة بكثير من الهدوء والتجرد ويفسرها على عدة أسس:
( أ ) أساس تاريخي اجتماعي
تَطوَّر اليهود داخل الجيتو وأصبحوا قوة مالية مستقلة ونفوذ اقتصادي كبير. ولذا، فإن الشعوب المسيحية تدفع عن نفسها ضد هذه السيطرة، «فليس بمقدورهم أن يخضعوا لنا في الجيش والحكومة وفي جميع مجالات التجارة». وتتضح حداثة «هرتزل» في هدوئه وهو يستنتج مشروعية معاداة اليهود، فهي «شكل من أشكال الدفاع عن النفس». والمعادون لليهود بطردهم إياهم كانوا ببساطة يدافعون عن أنفسهم. السبب الكامن وراء معاداة اليهود، إذن، سبب موضوعي اجتماعي بنيوي هو المنافسة التجارية. ولكن «هرتزل» يضيف سببًا آخر هو «التعصب الموروث»، وهو سبب ذو بُعد تاريخي. ولعل «هرتزل» كان يعني بذلك أن المنافسة التجارية في المجتمعات الغربية البورجوازية كان يجب ألا تؤدي بالضرورة إلى معاداة اليهود.ولكن بسبب التعصب الموروث، أو بسبب أنماط الإدراك التقليدية الموروثة عن العصور الوسطى، أدَّى نجاح اليهودي في المجتمع البورجوازي إلى رفضه.
(ب) أساس عرْقي
كان «هرتزل» يرى أحيانًا أن اليهود عرْق مستقل، ولذا فقد تحدَّث عن أنوفهم المعقوفة المشوهة وعيونهم الماكرة المراوغة. وكثيرًا ما تحدَّث عنهم من خلال الأنماط العرْقية التقليدية الشائعة في أدبيات اليهود.
وقد قرأ «هرتزل» كلاسيكية «دوهرنج» عن معاداة اليهود عام ???? فتركت فيه أثرًا عميقًا. ويبدو أنه اعتقد بصحة ما جاء فيها أو تقبَّلها بشيء من التحفظ.
(جـ) أساس إثني ثقافي
كان «هرتزل» ينظر لليهودي (في عمله المسرحي الجيتو الجديد) من خلال الأنماط الإثنية لأدبيات معاداة اليهود، فاليهودي متسلق اجتماعيًا وتاجر في البورصة وشخص يعقد زيجات من أجل المنفعة والمصلحة المالية. واليهود شخصيات كريهة خارجية طفيلية تشكل خطرًا على القوميات العضوية في أوربا. وقد كان «هرتزل» يرى أن اليهود، بماديتهم الموغلة وألمانيتهم الفاسدة (اليديشية)، يقومون بإفساد الروابط العضوية التي تربط أعضاء الفولك الألماني بعضهم ببعض، وتزخر يومياته بالمقارنات التي يعقدها بين الشخصية الألمانية المنفتحة الصحيحة والشخصية اليهودية العليلة.
ومن الطريف أن التواريخ الصهيونية ترى أن واقعة «دريفوس» هي التي هزت «هرتزل» وأعادته إلى يهوديته، ولكن المقالات التي كتبها لصحيفته عام ???? تدل على أنه كان مقتنعًا بأن الضابط اليهودي كان مذنبًا، ولعل اقتناعه بوجاهة الاتهامات هو الذي قاده إلى الصهيونية. فالكره العميق لليهود واليهودية هو الأساس العميق الكامن للصهيونية.
وقد أصبحت معاداة اليهود واليهودية الإطار المرجعي الوحيد لفكره وهويته، فمعاداة اليهود هي التي حولت اليهود إلى شعب «شعب واحد» (بالألمانية: أين فولك Ein volk) «هكذا علمنا أعداؤنا سواء رغبنا في ذلك أم لم نرغب، ولذا فإن مصيبتنا تَربطنا، تُوحِّدنا». وإن عداء اليهود هو الرابط الحلولي العضوي وليس الإله أو العقيدة كما هو الحال في الحلولية التقليدية. هناك، إذن، علاقة عضوية بين هويته اليهودية وبين واقع معاداة اليهود: الأولى تنمو نمو الثانية. ويجب أن نلاحظ أن هذا الشعب قد نُزعت القداسة عنه تمامًا، فهو شعب مثل كل الشعوب، وهو مادة بشرية استيطانية.
والواقع أن صيغة الشعب العضوي صيغة خروجية تصفوية، إن صح التعبير، فهي تعني حتمية خروج الجسم الغريب (اليهود) من الكيان العضوي الأكبر (الحضارة الغربية) واختفائه تمامًا، فالخروج هو «الحل النهائي». وقد بيَّن «هرتزل» أن ثمة علاقة بين خروج موسى والمشروع الصهيوني، ولكن الخروج على الطريقة الموسوية حل قديم بال. ويُعلمن «هرتزل» الخروج ويشير إلى طرق غير موسوية لإنجازه. ومع هذا، فهي تؤدي جميعًا إلى الهدف المنشود النهائي: يمكن أولاً أن يتم الخروج عن طريق الزواج المختلط، ولكن هذا يتطلب ارتفاع المستوى الاقتصادي. ومن الواضح أن ازدياد قوة اليهود المالية وتزاوجهم مع المسيحيين سيزيد تحكُّم اليهود في الاقتصاد، الأمر الذي سيزيد المسألة اليهودية حدة. وقد اقترح «هرتزل» كذلك عام ???? تعميد اليهود وتنصيرهم حلاً نهائيًا للمشكلة. ولعل انضمام اليهود للحركات الاشتراكية كان يشكل أيضًا أحد الحلول من وجهة نظر البعض. ويشير «هرتزل» في كتابه دولة اليهود إلى إحدى المحاولات في عصره، وهي محاولة تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج عن طريق توجيههم من التجارة الهامشية والربا إلى الأعمال الزراعية بحيث يصبح اليهود فلاحين. ويعترض «هرتزل» على هذا الاتجاه، فالطبقة الصاعدة هي العمال، كما أن اشتغال اليهود بالزراعة لن يزيل المشكلة فمراكز اشغال اليهود بالزراعة في روسيا هي مراكز حركة معاداة اليهود.
وبإمكان اليهود الاختفاء أيضًا عن طريق الخروج الفردي أو الهجرة الفردية. ولعل «هرتزل» كان يشير هنا إلى ملايين اليهود التي هاجرت إلى الولايات المتحدة، ولكن اعتراضه على الهجرة الفردية يدخل ضمن اعتراضه على الصهيونية التسللية وصهيونية الأثرياء التوطينية، وهي في الواقع جهود فردية، ولا يمكن تحقيق الخروج إلا بشكل جماعي. ولنلاحظ أن كل الحلول «حلول نهائية» تنطوي على فكرة اختفاء اليهود، وقد ظل هذا هو جوهر الحل الصهيوني، «فهرتزل» (الصهيوني اليهودي غير اليهودي) لم يكن له اعتراض على الاندماج والذوبان والانصهار والاختفاء، فهو يقرر في كتابه دولة اليهود، بشيء من الاستحسان، أن اليهود لو تُركوا وشأنهم لاختفوا، ولكنهم لا يُتركون وشأنهم. كما أن كل الحلول النهائية المطروحة حلول يراها «هرتزل» غير رشيدة (وقد تَوصَّل «النازيون» إلى أن أكثر الحلول رشدًا في مجال الخروج أو «الترانسفير» النهائي هو الإبادة، عن طريق السخرة وأفران الغاز فهو توظيف للمادة البشرية يؤدي إلى نتائج مذهلة، وهذا ما تَوصَّل إليه صديق «هرتزل»: «ألفريد نوسيج» الذي تعاون مع النازيين وقدَّم لهم خطة تؤدي إلى الخروج النهائي من خلال الإبادة).
? ـ نَفْع اليهود والحل الإمبريالي
إذا كان اليهود شعبًا عضويًا منبوذًا، فإن أوربا منذ عصر النهضة اكتشفت نَفْع اليهود وإمكانية حوسلتهم لصالح الحضارة الغربية، وهذا ما يفعله «هرتزل» في كتابه دولة اليهود. فهو أيضًا يكتشف إمكانية نفع اليهود وتوظيفهم لصالح أي راع إمبريالي يقوم بوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.
ويبدو أن «هرتزل» كان يرفض في بادئ الأمر «الخروج» على الطريقة الصهيونية الاستيطانية، شأنه في هذا شأن يهود الغرب المندمجين. وقد نشر في المجلة التي كان يكتب فيها عام ???? تقارير تفصيلية عن أحوال الاستيطان اليهودي في الأرجنتين. وقد سافر زميل له مندوبًا عن يهود برلين (الذين أخافهم وصول يهود «اليديشية»، تمامًا كما أخاف ذلك يهود فيينا) ليَدرُس احتمالات توطين اليهود في البرازيل. كما كان «هرتزل» يعزف عن مشروع توطين اليهود في الساحل الشمالي الغربي في الجزيرة العربية (الإحساء)، فكتب مقالا عام ???? يرفض فيه فكرة عودة اليهود إلى فلسطين وقال: «إن الوطن التاريخي لليهود لم يَعُد ذا قيمة بالنسبة لهم، ومن الطفولي أن يستمر اليهودي في البحث عن موقع جغرافي لوطنه». كما سخر في مقال له من إحدى مسرحيات «ألكسندر دوماس» لما تحتويه من أفكار وحلول صهيونية. ولكن هذا كان قبل أن يكتشف الاستعمار الغربي كآلية لتحقيق أي مشروع استعماري استيطاني.
ويجب ألا ننسى أن عملية التحديث في الغرب متلازمة تمامًا مع العملية الاستعمارية، ولا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى. فتراكم رؤوس الأموال الذي يُسمَّى «التراكم الرأسمالي» الذي جعل تشييد البنية التحتية الهائلة في الغرب ممكنًا، هو في واقع الأمر «تراكم إمبريالي»، فهو نتاج العملية الاستعمارية التي بدأت بالاحتكار المركنتالي وانتهت بالتقسيم «الإمبريالي» للعالم. كما أن كثيرًا من مشاكل التحديث الغربية من بطالة وانفجار سكاني وسلع زائدة تم حلها عن طريق الاستعمار، أي عن طريق تصديرها للشرق، واكتشاف «هرتزل» الطريقة الغربية الإمبريالية الحديثة لحل المشاكل، أي تصديرها وفَرْضها بالقوة على الآخر، يشكل الانتقال النوعي في فكره وحياته.
وقبل أن يطرح «هرتزل» حله، وجَّه نقدًا للمحاولات الاستيطانية الصهيونية في عصره (محاولة التسلليين من شرق أوربا بدعم أثرياء الغرب المندمجين) ووصفها بأنها رومانسية مستحيلة دخلت طريقًا مسدودًا. ثم ينتقل «هرتزل» بعد ذلك فيرفض الفكر «المركنتالي» الذي يدَّعي أن هناك قيمة اقتصادية محدودة، ويؤكد بدلاً من ذلك أن العصر الصناعي الرأسمالي والتقدم الفني يؤدي إلى خلق القيم الاقتصادية الجديدة المستمرة ويسمح بالتوسع الدائم. ثم يطرح «هرتزل» رؤيته القائلة بأن ثمة تقدمًا هائلاً ودائمًا في جميع مجالات الحياة فهناك «سفن تجارية تحملنا بسرعة وأمان عبر البحار الواسعة»، و«القطارات تحمل الإنسان عبر جبال العالم، فالمساحات الشاسعة لا تُشكِّل عائقًا الآن. ومع هذا، فنحن نتذمر من مشكلة تكاثُف السكان (وخصوصًا اليهود). إن الانقلاب الصناعي وحركة المواصلات يمكنها أن تحل مشاكل الإنسان [الغربي] ومن بينها المسألة اليهودية». وعبارة «الانقلاب الصناعي وحركة المواصلات» البريئة تعني في واقع الأمر الانقلاب «الإمبريالي» الذي هيمن على العالم، والذى أمكنه، من خلال الاستعمار الاستيطاني، حل «مشكلة تكاثف السكان».
وبعد أن أكد «هرتزل» للدول الغربية أن نَقْل الشعب العضوي المنبوذ هو الحل المطروح، فإنه يبين لهم منافع الحل الصهيوني المطروح. فبالنسبة للدولة الراعية، ستكون الهجرة هجرة فقراء وحسب، ولذا فإنها لن تؤثر على اقتصادها. كما أن الخروج سيتم تدريجيًا، دون أي تعكير، وستستمر الهجرة من ذلك البلد حسب رغبة ذلك البلد في التخلص من اليهود. كما أنه يذكر بشيء من التفصيل الثمن الذي سيدفعه اليهود (الدور الذي سيلعبونه والوظيفة التي سيؤدونها) ومدى نفعهم للراعي الاستعماري الذي سيضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ:
( أ ) ومن الجدير بالذكر أن الحكومات المعنية ستستفيد من هذه الهجرة استفادة كبيرة.
(ب) ولو كانت الحكومة المعنية هي السلطان العثماني، فإن الفوائد تكون بالغة الكثرة:
ـ «فلو يعطينا جلالة السلطان فلسطين، لأخذنا على عاتقنا مقابل ذلك إدارة مالية تركية كاملة.
ـ ستستفيد هذه السلطات بالمقابل إذ أنها ستدفع قسطًا من دينها العام وستقيم مشاريع نحتاج إليها نحن أيضًا.
ـ يمكن وضع النفوذ الصهيوني في خدمة السلطان، كأن تقام حملة صحفية ضد الأرمن الذين كانوا يسببون له المتاعب.
ـ ويمكن أن يؤسِّس الصهاينة جامعة في استنبول لإبعاد الشباب التركي عن التيارات الثورية في الغرب».
ـ وأخيرًا، فإن هجرة اليهود ستبعث «القوة في الإمبراطورية العثمانية كلها» وهو مطلب ألماني إنجليزي في ذلك الوقت (ضد الزحف الروسي).
(جـ) أما لو تم اختيار الأرجنتين كموقع للاستيطان، فمن مصلحتها أيضًا أن تقبل اليهود في أراضيها.
( د ) وسواءٌ تم التهجير إلى الأرجنتين أو فلسطين أو أية منطقة أخرى، فإن خَلْق دولة يهودية أمر مفيد للأراضي المجاورة، ذلك لأن استثمار قطعة أرض ضيقة يرفع قيمة المناطق المجاورة، وستبعث هجرة اليهود قوة في تلك الأراضي الفقيرة.
(هـ) ولأن «هرتزل» كما بيَّنا كان يعرف أن الحكومات المعنية هي في الواقع القوى الغربية، لذلك فهو يقدم قائمة كاملة شاملة.
ـ «بهذا الخروج ستكون نهاية فكرة معاداة اليهود، وبالتالي لن يحس الغرب الليبرالي بالحرج بسبب عنصريته الواضحة.
ـ ومما لا شك فيه أن الدولة الغربية ستجنى فوائد أخرى مثل تخفيف حدة الانفجار السكاني، كما ستفيد من كل المشاكل الناجمة عن وجود شعب عضوي غريب».
ـ وفي تحليل أسباب معاداة اليهود، قال «هرتزل»: «عندما نسقط نصبح بروليتاريا ثورية، نقود كل حزب ثوري، وعندما نصعد تصعد معنا قوتنا المخيفة» ولذا فإن الصهيونية ستقوم بتخليص الغرب من أحد العناصر الثورية بتسريب طاقته الثورية في القنوات الصهيونية.
( و) ولكن أهم منافع الصهيونية أنها ستُحوِّل المادة البشرية اليهودية إلى عملاء للدولة الغربية مانحة السيادة ويأخذ هذا أشكالاً كثيرة:
ـ فبالنسبة للصهاينة الاستيطانيين: «يمكن حل المسألة الشرقية والمسألة اليهودية في آن واحد. وسوف يكون لهذا الحل تأثير في العالم المتحضر [الغربي] بأسره يكون ذلك بأن يقام هناك [في فلسطين] حائط لحماية أوربا [دولة وظيفية] يكون بمنزلة حصن منيع للحضارة في وجه الهمجية. ويتوجب علينا كدولة محايدة أن نبقى على اتصال مع أوربا التي ستضمن وجودنا بالمقابل». وهو يرجو أن تدرك إنجلترا مدى القيمة والفائدة التي ستعود عليها من وراء كَسْبها الشعب اليهودي».
ـ ولا ندري هل أدرك «هرتزل» منذ البداية الإستراتيجية الصهيونية الحالية الرامية إلى تفتيت الشرق العربي إلى جماعات دينية وإثنية، فهو يقول: «إن تَحسُّن وضع اليهود سيساعد على تَحسُّن وضع مسيحيى الشرق». فهو بعد أن ربط مصير اليهود بالغرب، يرى إمكانية طرح السيناريو نفسه بالنسبة لمسيحيى الشرق.
ـ أما بالنسبة لليهود الذين يمكثون خارج فلسطين (الصهاينة التوطينيون)، فيمكن تحويلهم إلى عملاء للدولة مانحة السيادة، «فتحصل إنجلترا على عشرة ملايين عميل يضعون أنفسهم في خدمة جلالها ونفوذها».
وانطلاقًا من كل هذا، يطرح «هرتزل» الحل: «يجب ألا يأخذ الخروج شكل هروب أو تسلُّل، وإنما يجب أن يتم بمراقبة الرأي العام [الغربي]. هذا ويجب أن تتم الهجرة وفقًا للقوانين وبمعاونة صادقة من الحكومات المعنية [الغربية طبعًا] التي يجب أن تضمن وجودنا لأن اليهود لا يمكنهم أن يفعلوا ذلك بأنفسهم». وهكذا رفض «هرتزل» تمامًا فكرة الانعتاق الذاتي باعتباره حلمًا رومانسيًا، وطرح حتمية الاعتماد على الإمبريالية (وهذا هو مربط الفرس الذي لم يتنبه إليه أي مفكر صهيوني آخر من قبله). ولذا، فإن القول بأن أفكار «هرتزل» كانت كلها في كتابات «أحباء صهيون» قول صادق وكاذب في آن واحد! صادق إذا ما فتَّتنا الأفكار إلى وحدات صغيرة، مثل: فكرة الدولة اليهودية، فكرة وطن قومي لليهود، فكرة الاستيطان... إلخ، ولكنه كاذب إذا ما نظرنا إلى البنية الكامنة أو إلى الإطار الكلي المبتكر.
وعندما تتضح الأمور عند «هرتزل»، فإنه يتقدم للحكومات الغربية المعنية.. «امنحونا سلطة على قطعة من الأرض في هذا العالم [غير الغربي] تكفى حاجاتنا القومية المشروعة، ونحن سنعمل ما يتبقى». ويكرر «هرتزل» الفكرة نفسها في موضع آخر «متى أظهرت القوى الدولية [الغربية] رغبة في مَنْحنا السلطة فوق قطعة أرض محايدة [أي خارج أوربا]، ستعمل جمعية اليهود مع السلطات الموجودة في تلك الأراضي [أي الدولة العثمانية أو الحكومة الأرجنتينية أو غيرها من الدول] وتحت إشراف القوى الأوربية [المصدر الوحيد للسلطة]». وبهذا يكون «هرتزل» قد قدَّم الحل: دولة يهودية ذات سيادة تُوسَّس خارج أوربا، مصدر سيادتها هوالعالم الغربي، أي أنه سيحقق السيادة من خلال العمالة للقوى العظمى الغربية صاحبة القرار في العالم في ذلك الوقت. وهو بذلك قد توصَّل للآلية الكبرى والوحيدة لتنفيذ المشروع الصهيوني وهي الإمبريالية، وللإطار الأمثل وهو الدولة الوظيفية التي سيتم توظيف اليهود من خلالها لصالح العالم الغربي. بل ستُحل مشكلة الهوية اليهوديةحلاً عبقريًا، فهو يُخرج اليهود من التشكيل القومي الغربي، يُخلِّص الغرب منهم، ولكنه يُدخلهم الغرب مرة أخرى عن طريق التشكيل الاستعماري الغربي، إذ يبدو أن الدولة الوظيفية سيتم استيعابها في الحضارة الغربية وتصبح دولة مثل كل الدول الغربية. إن الغرب العنصرى (ويهود الغرب المندمجين) لم يكونوا على استعداد لتقبُّل الشعب اليهودي العضوي المنبوذ داخل الغرب، ولكن مَنْ الذي يمكنه أن يرفض الشعب اليهودي العضوي الذي يحقق هويته اليهودية هناك بعيدًا عن الغرب، داخل دولة وظيفية تقوم على خدمته وتظل تربطه به علاقة؟
قد يُقال إن هذا الحل الاستعماري ليس تحديثًا بقدر ما هو استمرار لوضع اليهود القديم في أوربا منذ العصور الوسطى كجسد غريب من المرابين والتجار، في أوربا وليس منها ويعيشون في مسام المجتمع (على حد قول ماركس). ولكن أن يعيش الإنسان على هامش المجتمع خير له من أن يعيش في مسامه، لأن الحالة الثانية خطرة جدًا. كما أن الغرب الحديث على ما يبدو قد ضاقت مسامه كثيرًا، ولذا فقد قام بتصفية معظم الجيوب الإثنية. كما أن عملية التحديث تأخذ أحيانًا في الظاهر شكل العودة إلى الوراء، إلى القديم وإلى الأصول، ولكنها في الواقع عملية تغيير شاملة. وهذا أيضًا ما فعله «هرتزل»، فقد احتفظ بالأشكال القديمة (عقيدة الخروج وأسطورة الشعب والعودة) ولكنه أعطاها مضمونًا جديدًا أو حديثًا، وهذا مؤشر آخر على براعته.
موقف «هرتزل» من التيارات الصهيونية السابقة
لعل أهمية «هرتزل» في تاريخ الصهيونية هي أنه حوَّل الصهيونية بين أعضاء الجماعات اليهودية من مجرد فكرة رومانسية حالمة دخلت في طريق مسدود إلى حركة ومنظمة، وبلور العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية باعتبارها ممثلة ليهود أوربا، ومن ثم فقد خَلَق الإطار اللازم لعملية التوقيع التي تمت وأخذت شكل وعد «بلفور». ولكن العقد الصامت لم يُولَد مكتملاً بل استغرق ميلاده مدة طويلة، فقد تعثَّر «هرتزل» نفسه طويلاً قبل أن يصل إلى هذه الصيغة. وبرغم عصرية حلِّه وحداثته فقد خانته بصيرته، إذ بدأ نشاطه السياسي بطريقة تقليدية فتوجَّه للقيادات اليهودية التقليدية (الحاخامات والأثرياء) أصحاب النفوذ التقليدي (الذين نظروا إليه بنوع من الفتور أو الاشمئزاز). ففي يونيو ????، قام «هرتزل» بمقابلة «هيرش» (المليونير والمصرفي الألماني اليهودي) ليقرأ عليه خطابًا يحدد فيه حله للمسألة اليهودية، ولكن «هيرش» لم يسمح له بالاستمرار في الحديث، فأرسل إليه «هرتزل» خطابًا في اليوم التالي قوبل بالفتور نفسه. وبدأ «هرتزل» في كتابة مذكراته وفي كتابه خطاب لعائلة «روتشيلد» (في فرنسا) أو إلى مجلس العائلة وأنهى الخطاب في يونيو ????، ثم طلب من حاخام «فيينا» «موريتز جودمان» أن يكون همزة الوصل بينه وبين «ألبرت روتشيلد» زعيم العائلة في «فيينا». وقد كان منطقه أن ثروة «روتشيلد» محكوم عليها بالهلاك والمصادرة في عالم الأغيار، ولذا فإن عليه أن يتبنَّى المشروع الصهيوني.
ولكن يجب أن نلاحظ أن «هرتزل»، حتى في هذه المرحلة، كان قد بدأ في عملية التحديث، فهو لم يتقدم للأثرياء اليهود كشحاذ يهودي يطلب الصدقات من إخوانه في الدين وإنما كمفكر يهودي غربي يطرح قضية حاجة اليهود إلى القيادة، وينبه إلى عُقم الاستعمار التسللي في الأرجنتين وفلسطين. والأهم من ذلك كله أنه يطالب أثرياء اليهود بالتوسط لدى قيصر ألمانيا وأن تقوم القيادة اليهودية بتمويل عملية الخروج وأن تُقنع القيصر بأهميتها، وذلك حتى تتم هذه العملية على نطاق واسع وبشكل منظم ومنهجي ورشيد.

ولكن «روتشيلد» رفض اقتراحه لأسباب بيَّنها «روتشيلد» نفسه في تاريخ لاحق:
? ـ أن «هرتزل» سيثير عداوة البدو (أي العرب).
? ـ أنه سيثير شكوك الأتراك (أي الدولة المهيمنة على الشرق)، وخصوصًا أن تركيا معادية لروسيا. روسيا لن تسمح بسقوط فلسطين في يد اليهود (وهنا يدرك «روتشيلد» أهمية القوى العظمى).
? ـ سيثير «هرتزل» غيرة المستعمرات المسيحية والحجاج (المسيحيين)، وربما تكون الإشارة هنا إلى مستعمرات فرسان الهيكل وغيرها من المستعمرات.
? ـ قد يؤدي هذا إلى هَدْم المستوطنات اليهودية هناك (أي جهود الإنقاذ التي يقوم بها يهود الغرب والتي تضمن لهم الهيمنة).
? ـ سيثير «هرتزل» أعداء اليهود لأن أطروحته الصهيونية ستبين أن اليهود المندمجين منافقون في ادعائهم حب أوطانهم، ولذا سيطالب المعادون لليهود بعودة اليهود لوطنهم القومي.
? ـ كما أشار «روتشيلد» إلى قضية التمويل، فمن سيمول ??? ألف شحاذ من الذين سيصلون إلى فلسطين؟
وعند هذا الحد أدرك «هرتزل» أن القيادات اليهودية من أثرياء الغرب المندمجين غير جادة وغير قادرة. ولكنه مع هذا تعلَّم منها الكثير، ذلك أن اعتراضات «روتشيلد» مهمة. ولعل هذا ساعده في تطوير الخطاب الصهيوني المراوغ. أما قيادات شرق أوربا (التي لم يكن «هرتزل» يعرف عنها الكثير)، فقد كانت غير مطروحة أساسًا لأنها لم تكن قد دخلت العالم الحديث بعد، فكان الشرقيون غارقين في الجيتو وكان الغربيون غارقين في الاندماج، فأخذ «هرتزل» بزمام الموقف وكتب مباشرة إلى «بسمارك»، ثم أعد مذكرة ليقدمها لقيصر ألمانيا. ولكن الدول، بطبيعة الحال، لا تتعامل مع أفراد وإنما مع كتل بشرية، ولذا فقد كانت الاستجابات سلبية في كل مكان. ولذا قرر «هرتزل» (على حد قوله) أن يتوجَّه إلى الشعب، والشعب هنا لا يعني الجماهير اليهودية وإنما يعني حركة «أحباء صهيون»، التي كانت تضم بضعة آلاف من اليهود، كما يعني الحركات المماثلة المتناثرة ذات الأهداف المماثلة، والتي تدعم موقفه التفاوضي أمام عالم الصهيونية غير اليهودية، عالم الاستعمار الغربي. ويكون «هرتزل» بهذا قد حطَّم الجيتو، وقام بتحديث قيادة اليهود في الغرب، أو طرح نفسه (وهو الصحفي ذو الثقافة الغربية) بديلاً عن الأثرياء والحاخامات. وقد كان «هرتزل» أكثر ذكاء من الآخرين لأنه كان يملك ما لا يملكون: رؤية جديدة للمسألة اليهودية وعقدًا جاهزًا للتوقيع مع الحضارة الغربية يرضي جميع الأطراف. لقد اكتشف حتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية.
توجَّه «هرتزل»، إذن، لما سمّاه «الشعب»، ولكنه كان يرفض النزعات الصهيونية السابقة عليه، فصهيونية أثرياء يهود الغرب المندمجين (صهيونية الإنقاذ التي تأخذ شكل صدقات) غير صالحة لأن المشروع الصهيوني مشروع ضخم يتجاوز الجهود الفردية. أما بالنسبة للتسلل، فقد ساهم الصهاينة التسلليون ولا شك في إلقاء الضوء على فكرة تأسيس الدولة (وهي أحد عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة)، كما أن أخطاء التسلليين أثناء الممارسة قد تفيد في تنفيذ المشاريع الصخمة المقبلة. ولكن التسلل، مع هذا، بَذَر الشك في نفس الناس بشأن المشروع الصهيوني ككل، كما أنه اتسم بالرومانسية، فالمتسللون من أحباء صهيون يظنون أن خروج اليهود سيتخذ شكل تَرْك الحضارة والسكنى في الصحراء. لكن الأمر ليس كذلك إذ أن كل شيء سيتم في إطار الحضارة (الغربية). وقد شبَّه «نورداو» و«هرتزل» التسلليين بجماعة «الملاكمين» الذين قاموا بثورة رومانسية في الصين وأرادوا التصدي للزحف الغربي بالوسائل التقليدية. وتتجلَّى سطحية «هرتزل» وبرجماتيته في اعتراضه على التسلل باعتبار أنه سيؤدي إلى رفع أسعار الأراضي (فالسمسار في داخله لا يهدأ له بال)، ثم يبين بعملية حسابية عبث الحلول التسللية قائلاً: «لو افترضنا أن عدد يهود العالم هو تسعة ملايين [كانوا تسعة عشر مليونًا في واقع الأمر حسب بعض الإحصاءات]، وإذا كان بإمكاننا إرسال عشرة آلاف يهودي كي يستعمروا فلسطين سنويًا، فهذا يعني أن المسألة اليهودية ستُحل بعد تسعمائة سنة». ومن هنا فقد شبه التسلليين بمن يريد نزح المحيط بواسطة دلو.
ثم يثير «هرتزل» قضية مهمة أخيرة، هي أن التسلليين ليس عندهم أية سيادة قومية، ولذلك فهم تحت رحمة الباشا العثماني، كما أنهم يفتقدون أساس القوة. ولذا فلن يمكنهم الحصول على الاستقلال، وسوف يظل الاستيطان التسللي استيطانًا «يائسًا جبانًا». وكتب «هرتزل» لـ«بودنهايمر» يخبره بأنه حتى لو وصل التسلليون إلى مستوى كاف من القوة، وحتى لو وهن الباب العالي إلى الحد الذي يسمح للصهاينة بإعلان استقلالهم، فإن هذه المحاولة لن تنجح لأن القوى العظمى الغربية لن تعترف بالكيان الجديد. ويثير «هرتزل» أيضًا مشكلة الاستعمار الإحلالي، فمهما بلغ عدد المتسللين، ومهما بلغوا من قوة، فسيأتي حتمًا الوقت الذي تبدأ فيه الحكومات المعنية (تحت ضغط السكان الأصليين) في وضع حد لتسلل اليهود. إذن، فالهجرة لا فائدة منها «إلا إذا كانت تأتي ضمن السلطة الممنوحة لنا [من قبَل الدول الغربية]».
وانطلاقًا من كل هذا، طرح «هرتزل» رؤيته الصهيونية الجديدة الحديثة التي خرجت بالصهيونية من إطار المعبد اليهودي والاجتهادات الدينية وجو شرق أوربا الخانق ودخلت بها جو الإمبريالية (الحديث)، فطالب بأن يُنظَر إلى المسألة اليهودية كمشكلة سياسية دولية تجتمع كل الأمم المتحضرة لمناقشتها وإيجاد حل لها (كلمة «دولية» أو «متحضرة» تعني في الواقع «غربية»). ومعنى ذلك أن المسألة اليهودية ستصبح مشكلة قومية غربية تحلها الأمم الغربية أوالقوى العظمى. إن هذه المسألة يمكن حلها من خلال المنظومة الغربية، إذ يجب أن يتحول الاستيطان من «التسلل» ليصبح «الاستيطان القومي». وهذا يتطلب عملية إدراكية، تترجم نفسها إلى حركة استعمارية. أما العملية الإدراكية، فهي أن يُنظَر لليهود لا باعتبارهم أعضاء في طبقة طفيلية منبوذة وإنما باعتبارهم شعبًا عضويًا (فولك) ولكن منبوذًا. أما الحركة الاستعمارية فهي الخروج بموافقة الرأي العام (الغربي) وبموافقة الحكومات المعنية التي يجب أن «تضمن وجودنا لتأسيس دولة يهودية ذات سيادة» مصدر سيادتها ليس القوة اليهودية الذاتية كما يظن التسلليون وإنما الحكومات الغربية وفي إطار هذه الدولة، يمكن تحويل أعضاء الشعب العضوي المنبوذ إلى عنصر نافع لا لأنفسهم وحسب وإنما للحضارة الغربية، إذ سيصبحون عنصرًا تابعًا للاستعمار الغربي وقاعدة له. بل إن معاداة اليهود (مأساة اليهود)، إذا ما وُظِّفت توظيفًا صحيحًا، ستكون قوة كافية لإدارة محرك كبير يحمل مسافرين وبضائع، وهذا رمز جيد للاستعمار الاستيطاني. وقد أدار «هرتزل» المحرك عن طريق خطابه المراوغ وصياغة العقد الصامت. وقد لاحَظ قيادات «أحباء صهيون» حتى قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول (????)، كيف تحوَّل «هرتزل» إلى بطل أسطوري، وكيف أن الموقف العام للصهيونية تغيَّر تمامًا بعد ظهوره، وأن الاهتمام بالصهيونية والتعاطف معها قد ازداد. وهكذا، وجدوا أنهم إن لم ينضموا إليه لاكتسحهم النسيان، فليس عندهم ما يقدمونه للجماهير سوى «التسلل» المميت. وقد عبَّر «أوسيشكين» عن هذا الوضع بطريقة بلهاء فقال: «إن «هرتزل» عنده آمال وبرامج، أما نحن فعندنا برامج وحسب ». ولعل ما يريد أن يقوله هو أن «هرتزل» كان يملك رؤية تجعل بالإمكان وضع البرامج الميتة موضع التنفيذ بسبب اكتشافه حتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية كآلية لتنفيذ المشروع الصهيوني، أما برامجهم التسللية فقد كانت ميتة لأنهم لم يكتشفوا الاستعمار الغربي.
«هرتزل» والصهيونيتان
تتبدَّى براعة «هرتزل» لا في تطويره الخطاب الصهيوني المراوغ وحسب، ولا في اكتشافه حتمية الاعتماد على الإمبريالية فقط، وإنما في اكتشافه منذ البداية نظرية الصهيونيتين. وقد اكتشف «هرتزل» الصهيونيتين لأنه صهيوني يهودي غير يهودي ينظر إلى اليهود من الخارج، باعتبارهم مادة بشرية مستهدفة، ولكنه ينظر أيضًا إليهم من الداخل باعتبارهم كيانًا يحتاج لأن يجد معنى لحياته وأفعاله.
وقد توجه «هرتزل» للطرفين: يهود الغرب المندمجين التوطينيين، ويهود «اليديشية» الاستيطانيين. ولكنه واجه متاعب مع الطرفين في طرح حله الصهيوني لأسباب مختلفة:
?ـ يهود «اليديشية»
يشير «هرتزل» إلى «هؤلاء المسجونين دوماً، الذين لا يتركون سجنهم برضا». والمسجونون هم يهود «اليديشية». والواقع أن مسألة يهود شرق أوربا كانت مسألة متشعبة ومتشابكة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين: المشكلة الاقتصادية والمشكلة الثقافية أو الإثنية:
( أ ) المشكلة الاقتصادية: كان الحل الذي طرحه «هرتزل» بالنسبة للشق الاقتصادي بسيطًا وهو تحويل الطبقة المضطهدة (أي الجماعات الوظيفية) إلى أمة عن طريق تهجير الفقراء الفائضين، وإتاحة فرص الحراك الاجتماعي أمامهم. ويؤكد «هرتزل» أن الصهيونية لن تعود بالمستوطنين إلى مرحلة متأخرة، إنما سترتفع بهم إلى مرحلة أعلى «لن نفقد ما نملك إنما سنحافظ عليه... لن يغادر إلا أولئك الذين ستتحسن أوضاعهم بالهجرة... سيذهب أولاً أولئك الذين هم في حالة يأس ثم يتبعهم الفقراء، وبعدهم يذهب الأغنياء. إن الذين يذهبون أولاً سيرفعون أنفسهم إلى مرتبة توازى مرتبة الذين سيلحقون بهم من الأغنياء. وهكذا فإن الخروج سيكون طريقًا للرقي الطبقي»، أي أن جماهير البورجوازية الصغيرة اليهودية في شرق أوربا التي أدَّى تَعثُّر التحديث إلى القضاء على فرصها في الحراك، سيمكنها مرة أخرى أن تحقق أحلامها عن طريق المشروع الصهيوني. وهناك الكثيرون من الثوريين في صفوف يهود الشرق، ولهذا فإن «هرتزل» قد وَعَد بتسريب هذه الطاقة الثورية. ولعل فَتْح أبواب الحراك الاجتماعي هو في حد ذاته جزء من عملية التسريب هذه، كما أن عملية نَقْل العنصر الثوري من مجتمعه وطبقته إلى مجتمع جديد ستؤدي إلى تقويض التطلعات الثورية.
(ب) المشكلة الإثنية: لعل مواجهة «هرتزل» مع المدافعين عن الخطاب الإثني (الديني أو العلماني) كانت من أعمق المواجهات. كان «هرتزل» يرى أن الانتماء اليهودي (يهودية اليهود) مسألة مفروضة عليهم من قبَل أعدائهم، ولذا فهي مسألة فارغة تمامًا، شكل من أشكال الغياب، وليست تعبيرًا عن ثقافة يهودية، فمثل هذه الثقافة ـ حسب تصوُّره ـ غير موجود إطلاقًا. ولذا، فإن الحل الصهيوني بالنسبة إليه ليس مسألة حفاظ على التقاليد أو تعبيرا عن هوية بقدر ما هو حل لمشكلة اجتماعية عن طريق الصيغة الاستعمارية وهي نَقْل اليهود خارج الغرب، ولا يهم إن كان نَقْلهم إلى فلسطين أم إلى الأرجنتين. أما بالنسبة للغة الدولة، فلكل مواطن أن يتحدث بلغته. وقد لاحظ أحد أعضاء «أحباء صهيون» (بعد المؤتمر الأول) أن ثمة خيطًا رفيعًا يفصل حزب «هرتزل» عن حزبه، فالأول لم يكن يطلب سوى إفراغ أوربا من اليهود لوضع نهاية لمعاداة اليهود، بينما كان الثاني يرغب في تأسيس مُستوطَن «إرتس يسرائيل» ليعبِّر عن الأشكال الإثنية التي عرفوها في شرق أوربا. وقد فرَّق «وايزمان» بين الصهيونية كحركة إنقاذ، ويمكن أن نسميها أيضًا حركة إفراغ أو إخراج نسبة إلى الخروج: «إجسودس» (exodus) من جهة، والصهيونية كحركة تعبير عن الذات، من جهة أخرى. وقد رأى المدافعون عن الصهيونية الإثنية أن «هرتزل» قد أهمل الجانب التعبيري عن الصهيونية، أي أهمل الإثنية اليهودية.
ولكن «هرتزل» في الواقع لم يهمل شيئًا، فصيغته المراوغة تسمح بامتصاص أي شيء، ومن هنا كانت أهمية سطحيته وهامشيته في صياغة الحل الصهيوني المقبول للجميع، فحينما كان يتناول قضية مصيرية (على الأقل من وجهة نظر يهود الشرق)، مثل موقع الوطن المقترح، فإنه يتحدث عنها كما لو كانت مسألة عابرة تفصيلية (بسبب خلفيته غير اليهودية) «أيهما أفضل، فلسطين أم الأرجنتين؟ ستأخذ جمعية اليهود ما يُعطَى لها [من الدول الغربية كما حدث في مشروع شرق أفريقيا] وما يفضله الرأي العام اليهودي. ستقرر الجمعية كلاً من هذين الأمرين».وقد ترك هنا مشكلة الإثنية برمتها مفتوحة، فهي في الواقع أمر يعنيه كثيرًا ولكنه صحفي قادر على كتابة تقارير تتسم بالذكاء وإن كانت لا تتسم بالعمق وحين يتحدث عن أهمية فلسطين يقول «هرتزل» «إنها وطننا التاريخي الذي لا يمكننا نسيانه، ومجرد الاسم هو صرخة جامعة عظيمة». ولكنه لا ينسى الأرجنتين، فهي من أخصب بلاد العالم وتمتد فوق مساحات شاسعة، سكانها غير كثيفين كما أن مناخها معتدل.
إن الصيغة المقترحة منفتحة جدًا، تركت المجال مفتوحًا لأي شكل من أشكال الإثنية العلمانية أو الدينية أو رفض الإثنية، دينية كانت أم علمانية. ومما سهل الأمور أن الصهيونية الإثنية لا تكترث كثيرًا بالنشاطات السياسية أو الاقتصادية أو الاستيطانية، ويقتصر نشاطها على أشكال التعبير، ولذا فإن دعاتها لم يطرحوا برنامجًا سياسيا أو اقتصاديًا محددًا. وقد قال «آحاد هعام» ذات مرة: «إن خلاص إسرائيل سيأتي من خلال الأنبياء وليس من خلال الدبلوماسيين الذين يتفاوضون مع القوى الاستعمارية»، وهي عبارة مضحكة تنم عن جهل المفكر الصهيوني بأبعاد المشروع الصهيوني. فإسرائيل التي يتحدث عنها ليست إسرائيل التي كان يبشر بها «هرتزل» أو التي يمكن أن تساعد الإمبريالية على بنائها، ولذلك فقد اكتسحه «هرتزل» تمامًا، واضطر هو في نهاية الأمر أن يلحق بالحركة التي أسسها الصحفي النمساوي وأن يقوم بجهود دبلوماسية استعمارية (لا علاقة لها كثيرًا بالأنبياء أو حتى الكهنة) وذلك أثناء وجوده في لندن. وفي نهاية الأمر، قدَّم «هرتزل» لأصحاب الخطاب الإثني أو الصهيونية الإثنية فكرة دولة اليهود، أي الدولة الجيتو. والواقع أن عبارة «دولة اليهود» (يودين شتات) نفسها كانت تُطلَق على الجيتو في مدينة براغ. وبهذا الشكل، قدَّم لهم «هرتزل» الإطار الذي يمكن أن تتحقق من خلاله إثنيتهم، وفي هذا إشباع لبعض طموحاتهم.
وفكرة الدولة نفسها تتضمن فكرة الشعب العضوي الذي له إثنيته العضوية المستقلة التي تحتاج إلى إطار مستقل للتعبير عنها. وهي على أية حال فكرة مُتضمَّنة في الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي كان يتحرك في إطارها العالم الغربي وكذلك «هرتزل».
وماذا عن الدين اليهودي؟ لقد فَقَد «هرتزل» علاقته بالدين اليهودي وبقيت لديه (في خطابه) بضعة مصطلحات مثل «الخروج»، وبضع إشارات مثل «الماشيَّح». ومع هذا، لم يغلق «هرتزل» الباب تماماً، بل تركه مفتوحًا للإيمان الديني مثلما تركه مفتوحًا أمام الإثنية، ولذا كان دائمًا يحاول أن يخطب ود الحاخامات ويقوم ببعض الشعائر دون أن يفهم معناها، كما كان يستخدم ديباجات دينية أحيانًا. بل لقد كُشف النقاب عن اتصال «هرتزل» بالحاخام «فيشمان» (ميمون فيما بعد) عام ???? لحثه على إنشاء حزب ديني صهيوني ليوازن العصبة الديموقراطية التي اعترضت على أسلوبه في إدارة المنظمة. وقد اتصل «فيشمان» بالحاخام «إسحق راينس» وتم تأسيس حركة «مزراحي» بناءً على هذه الاتصالات. ودفع «هرتزل» تكاليف المؤتمر الذي أسِّست فيه حركة «مزراحي» من ماله الخاص. وقد نجح دعاة الصهيونية الإثنية في إسقاط ديباجاتهم الحلولية العضوية على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة فقاموا بتهويدها، الأمر الذي يسَّر للمادة البشرية المستهدفة استبطانها حتى نسى الجميع أصول الصيغة الصهيونية البروتستانتية والعلمانية التي أصبحت صيغة يهودية قلبًا وقالبًا.
? ـ يهود الغرب المندمجون
واجه «هرتزل» بعض المتاعب مع يهود الغرب المندمجين. فلم تكن لديهم مسألة يهودية ولكنها عاودت الظهور مع هذا، لا نتيجة تطورات سلبية داخل مجتمعاتهم وإنما بسبب وصول جحافل يهود الشرق، وهو ما نَجَم عنه التشابك بين المندمجين والمنبوذين. ولهذا، فقد اضطر يهود الغرب إلى التنازل الجزئي وليس الكلي عن قيمهم الاندماجية إذ قَبلوا فكرة فشل المثل الاندماجية واللبيرالية لا بالنسبة لأنفسهم وإنما بالنسبة ليهود الشرق. ولهذا قرروا تقديم يد العون للبؤساء من الشرق، ولكنه عون كان في إطار الصدقات وحسب، وخارج أية أطروحات قومية أو أي حديث عن حركة منظمة أو دولة وظيفية، ولذا رفض هؤلاء الأثرياء «هرتزل» في بداية الأمر. ولكن يهود الشرق استمروا في المجيء بأعداد متزايدة، الأمر الذي زاد تشابكهم وتوترهم. وقد تنبَّه «هرتزل» لذلك الوضع وذكَّرهم بأن صهيونيتهم الخيرية (التوطينية) هي في واقع الأمر ضد اليهود المضطهدين وليس من أجلهم، ولسان حالهم يقول «تخلَّصوا من المعوزين بأسرع ما يمكن». وهو يزيل عنهم الحرج بخطابه الزلق المراوغ، ويخبرهم بأنه سيفعل ذلك بالضبط، أي أنه سيخلصهم من المعوزين وبطريقة منهجية لن تهدد مواقعهم وانتماءاتهم «فمن يرغب أن يبقى فليبق، ومن يُرد الذهاب معنا فلينضم لرايتنا». ولن يهاجر اليهود جميعًا، فهؤلاء الذين يستطيعون أو الذين يرغبون في أن يندمجوا فليبَقوا أو يندمجوا، بل إن الحل الصهيوني سيساعدهم على مزيد من الاندماج لأنهم لن يتعرضوا بعد ذلك إلى ما يزعج عملية تلوُّنهم (كما يقول داروين) بلون المحيط الذي سيندمجون فيه بسلام. وسيُصدِّق المجتمع اندماجهم، وذلك إذا ما فضلوا البقاء فيه حتى بعد قيام الدولة اليهودية. فالصيغة الصهيونية ليست صيغة كاسحة وإنما هي صيغة مراوغة قادرة على إفراز ما يراد منها «فإذا اعترض أحد يهود فرنسا [أو حتى كل يهود فرنسا] على هذه الخطة لأنهم قد اندمجوا، فردي عليهم بسيط: إن الأمر لا يعنيهم. إنهم إسرائيليون فرنسيون»، فهذا الأمر (الصهيونية القومية) ليس إلا مسألة خاصة بالفائض البشري اليهودي (من يهود اليديشية).
بل إن الصهيونية أخذت خطوة ما كان يحلم بها يهود الغرب المندمجون وهي أنها وعدت بتطبيع اليهود (على حد قول نورداو)، أي وسمهم بميسم غربي وتحويلهم إلى شخصيات مفيدة منتجة لا تسبب الحرج ليهود الغرب، وهذا شكل من أشكال الدمج والصهر. وأكثر من ذلك أنه إذا كان «هرتزل» قد أعلن فشل الاندماج على مستوى الأفراد في الشرق، فقد بيَّن بما لا يقبل الشك أنه فعل ذلك صاغرًا، وأنه سيُوطِّن هؤلاء الفائضين في دولة اليهود التي ستكون دولة عادية تندمج تمامًا في عالم الأغيار مع غيرها من الدول. وهكذا، سيحقق يهود شرق أوربا المتخلفون الفائضون، عن طريق التشكيل الاستعماري الغربي، ما فشلوا في تحقيقه عن طريق التشكيل الحضاري الغربي.
والصهيونية ستُنقذ يهود الغرب من جحافل يهود «اليديشية» ولكنها لن تطالبهم بالهجرة ولن تَفْرض عليهم الشعارات القومية رغم أنها ستطالبهم بدعم المشروع الصهيوني بالمال والنفوذ. ولكن المشروع الصهيوني جزء من المشروع الاستعماري الغربي، والغرب هو مصدر السيادة، ولذا فإن الدعم اليهودي الغربي للمشروع الصهيوني لا يتناقض مع ولاء اليهود لأوطانهم، لأن الولاء للواحد يعني الولاء للآخر.
والموازنة نفسها التي تؤدي إلى إرضاء الجميع يتسم بها شكل الدولة. فلنأخذ على سبيل المثال قضية السيادة: سيكون الجيب الاستيطاني المقتَرح دولة ذات سيادة (على الطريقة الغربية) كما كان يتوق بعض يهود «اليديشية» ممن سيطرت عليهم أفكار القومية العضوية، ولكن مصدر السيادة (كما هو مُتوقَّع) هو الغرب الذي سيرعى الدولة ويحميها، أي أنها ستدور في فلك الغرب، الأمر الذي يَقْبله الغربيون.
وهكذا سيترك اليهود أصدقاء مكرمين (تحت رعاية الدول الغربية)، وعندما يعودون لزيارة البلاد التي تركوها، فسوف يستقبلهم أهلها بحفاوة توازي استقبالهم للزوار الأجانب. وسيتم الاستيطان على النحو التالي: سيذهب أولاً الأكثر فقرًا لتأسيس البنية التحتية لزراعة الأرض، سيبنون الطرق والجسور والسكك الحديدية والخطوط اللاسلكية وسيعملون على تنظيم مياه الأنهار ويهيئون لأنفسهم بيوتًا، كل ذلك وفقًا لخطة مدروسة (تضعها جمعية اليهود). وسيؤدي ذلك إلى تجارة، والتجارة تؤدي بدورها إلى أسواق، تجذب مستوطنين جددًا. وبالتالي، فسوف يتبع المهاجرين الفقراء الأوائل هؤلاء الذين هم أعلى منهم درجة (أي الطبقة الوسطى والمموِّلون).

وهناك قضية تتصل بالتوجه الاقتصادي للدولة، فرغم أن الغرب سيرعى المشروع الصهيوني فإنه لن يحسم إلا توجُّهه الإستراتيجي. وسيترك للمنظمة الصهيونية (شأنها شأن شركات الاستعمار الاستيطاني) كامل الحرية في الإشراف على الاستيطان، بكل ما يتطلب ذلك من حرية سياسية واقتصادية، حتى يتمكن المستوطنون من التكيف مع وضعهم الفردي. ولذا فإن وصف «هرتزل» للعملية الاستيطانية وصف شديد التجرد يتجاوز أية تقسيمات طبقية بل يشمل الجميع.
«فهرتزل» ـ كما يقول «شلومو أفنيري» ـ كان ليبراليًا ولكنه في حديثه عن الدولة تخلى عن كثير من مُـثُله الليبرالية وتبنّى مثلاً اشتراكية عمالية. ولعل ذلك يعود إلى إدراكه العميق لخصوصية المشروع الصهيوني الذي يهدف إلى تحويل اليهود من طبقة إلى أمة. فمثل هذا التحويل لا يمكن أن يتم من خلال الاقتصاد الحر، ولذا نجده يشير إلى أن ملكية الأراضي في الدولة اليهودية ستكون ملكية عامة، وسيؤجر الفلاحون أرضهم من الصندوق القومي. بل إن عَلَم الدولة اليهودية الذي اقترحه «هرتزل» علم عمالي صهيوني لونه أبيض «رمزًا لحياتنا الصافية الجديدة، ويتوسطه سبعة نجوم ذهبية رمزًا لساعات العمل السبع. فنحن سندخل أرض الميعاد نحمل شارة العمل».
ويبدو أن «هرتزل» كان واعيًا بأنه بتبنَّيه «المثُل الاشتراكية» إنما يتبنَّى لغة كان يفهمها شباب اليهود في شرق أوربا، وأنه بذلك كان يكسبهم لصفه، وأنه وضع بذلك إطار التعامل بين المنظمة الصهيونية التي كانت تُوجد في الغرب الليبرالي من جهة والمستوطنين الذين عليهم أن يتعاملوا مع الظروف الطبيعية القاسية ومع المواطنين الأصليين من جهة أخرى، وهو إطار يفترض أن لكل فريق توجُّهه العقائدي الذي يخدم مصالحه، وأن كل فريق يجب ألا يتدخل في شئون الآخر.
وبهذا، يكون «هرتزل» قد حدد رقعة كل من التوطينيين والاستيطانيين، وقسَّم العمل بينهم وهدَّأ من روعهم. ولهذا، يحق له أن يقول إنه قدَّم شيئًا يكاد يكون مستحيلاً: «الاتحاد الوطيد بين العناصر اليهودية الحديثة المتطرفة [المندمجون في الغرب والثوريون في الشرق] وبين العناصر اليهودية المحافظة [الإثنيون الدينيون والعلمانيون في الشرق]. وقد حدث ذلك بموافقة الطرفين دونما أي تنازل من الجانبين ودون أية تضحية فكرية»، فالخطاب المراوغ يسمح بامتصاص كل شيء.
«هرتزل» والحركة الصهيونية
طوَّر «هرتزل» الخطاب الصهيوني المراوغ الذي جعل بالإمكان صياغة العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم. وأصبحت كل الأطراف جاهزة للتوقيع. ولكن الاستعمار الغربي لايتعامل مع أفراد، وإنما مع مؤسسات تمثل المادة البشرية المستهدفة، أي يجب أن يكون هناك هيكل تنظيمي يمكن توقيع العقد معه. وقد اقترح «هرتزل» في دولة اليهود إنشاء مؤسستين: جمعية اليهود (بالإنجليزية: سوسياتي أوف ذا جوز (Society of the Jews)، والشركة اليهودية (بالإنجليزية: «جويش كومباني» (Jewish Company)، وقد أورد «هرتزل» هذه التسميات الإنجليزية في النص الألماني لكتابه:
( أ ) جمعية اليهود: وهي القوة الخالقة للدولة في نَظَر القانون الدولي، وهي القسم الذي يُعنى بكل شيء ما عدا حقوق الملكية. فَتوجَُهها ـ كما يقول «هرتزل» ـ علمي سياسي تضطلع بمسئولية الشئون القومية، وتتعامل مع الحكومات وتحصل على موافقتهم على فَرْض السيادة اليهودية على قطعة أرض تدير المنطقة كحكومة مؤقتة (فهي إذن تقوم بالجانب التوطيني والتفاوض مع القوى الاستعمارية).
(ب) الشركة اليهودية: وتقوم بتصفية الأعمال التجارية لليهود المغادرين والعمل على تنظيم التجارة والأعمال المتعلقة بها في البلد الجديد. وستكون هذه الشركة هي الشركة اليهودية ذات الامتياز، وستُؤسَّس كشركة مساهمة تُسجَّل في إنجلترا بموجب القانون الإنجليزي وتحت حمايته وتكون خاضعة للتشريع الإنجليزي (أي أنها ستتكفل بالجانب الاستيطاني).

وقد وضع «هرتزل» أفكاره موضع التنفيذ وعقَد المؤتمر الصهيوني الأول (????)، فحضره ما بين ??? و??? مندوبًا (وهذه مشكلة خلافية باعتبار أن من الصعب تقرير من حضر كمراقب ومن حضر كمندوب). وكان معظم المندوبين من جمعية أحباء صهيون ونصفهم من شرق أوربا (كان ربع المندوبين من الإمبراطورية الروسية). ولكن حتى الذين أتوا من الغرب كانوا هم أيضًا من أصل أوربي شرقي. أما من ناحية التكوين الطبقي، فقد كان معظم المندوبين من أبناء الطبقة الوسطى المتعلمة وكان ربعهم رجال أعمال وصناعة وأعمال مالية. وأما الفئات الثلاث التالية (وتكوِّن كل منها سدس المشتركين)، فقد كانت من الأدباء والمهنيين والطلبة. كما كان هناك ?? حاخامًا، والباقون من مهن مختلفة. وكان بينهم المتدين وغير المتدين والملحد، كما كانوا يضمون في صفوفهم بعض الاشتراكيين. ولم يكن هناك أي يهودي يتمتع بشهرة عالمية باستثناء «نورداو» الذي ما لبث أن خبا نجمه بعد ذلك (ومن الجدير بالملاحظة أن مشاهير اليهود في العالم لا يتولون قيادة الجمعيات اليهودية والتنظيمات الصهيونية، الأمر الذي يجعلها تقع في أيدي عقليات لا يمكن وصفها بسعة الأفق أوالمقدرة على تجاوز موازين القوى القائمة لاستشراف الأبعاد التاريخية للواقع).
وبعد تأسيس المنظمة الصهيونية، انتقل النشاط الصهيوني من مرحلة البداية الجنينية ذات الطابع المحلي إلى مرحلة العمل المنظم على الصعيد الغربي. ولكن «هرتزل» كان قد بدأ نشاطه قبل ذلك إذ كان قد قام بعدة اتصالات مع بعض الشخصيات الاستعمارية، وساعده على ذلك، الصهيوني غير اليهودي «هشلر».
ولكن، حتى بعد تأسيس المنظمة، كان «هرتزل» يدرك أن منظمته لا تمثل أحدًا أو أنها تمثل أقلية من اليهود لا يُعتدُّ بها، وأن العنصر الحاسم ليس المنظمة وإنما هو الدولة الراعية. ولذا، فقد تَجاهَل منظمته وبدأ بحثه الدائب عن قوة غربية ترعى المشروع. فقد كان يعلم تمام العلم أنه لو حصل على مثل هذه الموافقة فسترضخ له المنظمة وتتبعه، وخصوصًا أنها لم تكن تملك بديلاً، كما أن الصهاينة التسلليين كانوا يعلمون أن المشروع الصهيوني كان قد وصل بقيادتهم إلى طريق مسدود.
ومن هنا، فإن التفسير التقليدي لسلوك «هرتزل» بأنه زعيم دكتاتوري وشخصية أوتوقراطية أرستقراطية هو تفسير يحاول تطبيع النسق الصهيوني، أي النظر إليه على أنه نسق طبيعي يتم تفسيره باستخدام القواعد نفسها التي تُستخدَم في تفسير الأنساق المماثلة. وفي هذا خلل منهجي أساسي، فالصهيونية ظاهرة لها قوانينها الخاصة، وأحد قوانينها الأساسية أنها حركة سياسية بلا جماهير. وهذا ما اكتشفه «هرتزل» منذ البداية، ولذا فلا يمكن اتهامه بالدكتاتورية، فقد كان عمليًا أكثر من العمليين، مدركًا لما فشل الصهاينة الديموقراطيون في إدراكه، كما كان يعرف كيف يتصل بممثلي الحضارة الغربية ويعرف كيف يتحدث لغتهم وكيف يعرض عليهم العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية.
وانطلاقًا من هذا، تخطَّى «هرتزل» الجميع (الجميع كانوا تقريبًا من شرق أوربا)، وبدأ اتصالاته الدبلوماسية، أو فلنقل إنه استمر فيها باعتبار أنه كان قد قام باتصالات قبل ذلك. ومن الشخصيات التي اجتمع بها لعرض مشروعه الصهيوني، ملك إيطاليا (عمانوئيل الثالث) ووزير داخلية روسيا (فون بليفيه) وكان شخصية مكروهة تمامًا من يهود روسيا. ولكن «هرتزل» ركَّز معظم جهوده على القوتين الاستعماريتين العظميين آنذاك: ألمانيا وبريطانيا، وهما أيضًا القوتان اللتان كانتا لهما تطلعات استعمارية في الشرق الأوسط، وكانتا تتنافسان على حماية ومساعدة الباب العالي. ولم يكن «هرتزل» مُنظِّرًا من الدرجة الأولى، ولكنه كان صحفيًا يرصد الأحداث بذكاء ويتسم بحس عملي فائق، ولذلك فإنه بعد أن قضى بضع سنوات يغازل ألمانيا (والباب العالي) اكتشف أن الطريق إلى فلسطين يبدأ من لندن، فحمل أمتعته وذهب إلى هناك حيث وجد جوزيف «تشامبرلين» (وزير المستعمرات البريطاني في وزارة «بلفور») شخصًا متفهمًا لمشروعه، متقبلاً للفكرة المبدئية وهي حل مسألة يهود شرق أوربا على الطريقة الاستعمارية، أي نَقْلهم إلى الشرق. ولكن وقت تقسيم الدولة العثمانية لم يكن قد حان بعد، ولذا اقترح وزير المستعمرات على «هرتزل» أن يبحث عن أي أرض أخرى داخل الإمبراطورية الإنجليزية (قبرص ـ العريش ـ شرق أفريقيا). وبعد عدة سنوات واقتراحات واتصالات، استقر الرأي على شرق أفريقيا بناءً على نصيحة «تشامبرلين»، ولكن الخطة لم يُكتَب لها النجاح. ومع هذا، يمكن القول بأنه تم من خلالها إجراء أول بروفة لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم واتخاذ الإجراءات الأولية لتأسيس مُستوطَن صهيوني.
جذور العنف الصهيوني في أفكار «هرتزل»
طوَّر «هرتزل» الخطاب المراوغ ودعا كل الأطراف (العالم الغربي ويهود العالم بشقيه الغربي والشرقي) لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية. ولكن هناك طرفًا لم يُدع للتوقيع، رغم أنه سيضار حين يُوضَع العقد موضع التنفيذ، ألا وهو العرب. فقد ذكر «هرتزل» هذا الطرف بشكل عابر أحيانًا في معرض نقده للصهيونية التسللية التي لم تدرك أن المستوطنين الأصليين (العرب وربما الهنود الحمر في الأرجنتين) سيشعرون بأنهم مهددون فيضغطون على الحكومات المعنية فتضطر هذه الحكومات لإيقاف التسلل. ولا يرد للعرب ذكر في دولة اليهود أو في الخطاب الذي ألقاه أمام المؤتمر الأول (????)، أي في الوثائق الموجهة للصهاينة. ولكن هناك وثائق أخرى موجهة للرأي العام مثل الأرض الجديدة القديمة حيث يُقدِّم «هرتزل» صورة وردية لمصير العرب من مواطني الدولة اليهودية الذين سيزدادون رخاءً وسينعمون بالهناء. وقد كتب «هرتزل» عام ???? خطابًا لأحد القادة الفلسطينيين يبشره بالرفاهية التي ستعم والثروة التي ستزيد. ولكن مهما كانت رقة قلب «هرتزل»، فإن العرب والسكان الأصليين لم يُدعَوا لتوقيع العقد، فسيادة الدولة اليهودية مصدرها الغرب، والحكومات المعنية يمكن أن تسبب المضايقات، أما السكان الأصليون فلا أهمية لهم. «وهرتزل» لم يكن فريدًا في هذا، فتحديث الغرب على الطريقة الاستعمارية كان يفترض أن يدفع الشرق فواتير التقدم الغربي. وبالتالي، فإن السكان الأصليين ليسوا ضمن عملية التحديث وإنما يقعون خارجها تمامًا. ولذا، فإن الإغفال والتغييب جزء من النظام الإدراكي الغربي الحديث للآخر، ومن ثم يصبح العنف هو الآلية المحضة لتنفيذ المشاريع التي تتحرك في إطار القانون الدولي العام أي القانون الاستعماري الغربي.
ولكن «هرتزل»، بمراوغته، لا يتحدث قط عن العنف في الوثائق العامة، إلا من إشارة عابرة للمكابيين في دولة اليهود، وهي إشارة يمكن أن تُفهَم على أن المقصود بعث عسكري وليس بالضرورة عنفًا ضد العرب. والتفسير نفسه يمكن أن ينطبق على خطابه للبارون «دي هيرش» حين ذكر خطته التي تهدف لأن يخلق من البروليتاريا اليهودية المثقفة (المفكرين المتوسطين الذي يتحدث عنهم في دولة اليهود) شيئًا نافعًا «جنود وكوادر الجيش الذي سيبحث عن الأرض ويكتشفها ثم يستولى عليها». وعلى أية حال، فإن العنف يطل برأسه في كلمتي «يكتشف» و«يستولي» فاكتشاف أمريكا كان يعني إبادة سكانها الأصليين والاستيلاء على أرضهم. والأمر يختلف قليلاً في اليوميات التي يختلط فيها الإعجاب بالعسكرية البروسية بالحديث عن كيفية الاستيلاء على الملكية الخاصة للسكان الأصليين وكيفية استخدامهم لقَتْل الثعابين وتأمين عمل لهم في بلاد أخرى (كما دوَّن في مذكراته عام ????). وفي عام ????، كتب «هرتزل» لـ«تشامبرلين» عن مصير السكان الأصليين في قبرص إن وقعت في الدائرة الصهيونية الفاتكة: «سيُرحَّل المسلمون، أما اليونانيون فسيبيعون أرضهم بكل سرور نظير سعر جيد ثم يهاجرون إلى أثينا أو كريت»، أي أن الاستيلاء على الأرض وإخلاءها من سكانها هو الافتراض الكامن في كتاباته، فالعنف رابض بين السطور، يتحين الفرصة لكى يتحقق، وينتظر اللحظة المواتية كي ينهمر الرصاص ويسقط النابالم. ومما يجدر ذكره أن «هرتزل» لا يستبعد استخدام العنف ضد اليهود أنفسهم (إن رفضوا الخضوع للرؤية الصهيونية) كما يتضح في مفهوم غزو الجاليات.
وقد سمى أعداء «هرتزل» دولته الصهيونية بأنها «صهيون بدون صهيونية» وهو اصطلاح استخدمه الصهاينة الإثنيون (الدينيون والعلمانيون) للإشارة إلى تَصوُّر «هرتزل» وغيره من الصهاينة لدولة اليهود، فهي دولة تشكل إطارًا يُستوعَب فيه الفائض اليهودي وحسب، ولم تكن له أية معالم أو قسمات يهودية ممَّيزة. والصهاينة الإثنيون كانوا محقين إلى حدٍّ ما في موقفهم، فالصهاينة التوطينيون في مرحلة ما قبل «بلفور» كانوا مهتمين بشيء واحد هو التخلص من الفائض البشري اليهودي «اليديشي»، وبأسرع وقت ممكن، بإلقائه في أي مكان متاح. ولكنهم لم يكونوا محقين بشكل مطلق إذ أن صياغة «هرتزل» الهلامية تركت الباب مفتوحًا أمام سائر الديباجات الصهيونية الممكنة، فهي لم ترفض الصهيونية الإثنية وإنما كانت غير مكترثة بها وحسب.


الفصل السادس
العقد الصامت والوعود البلفورية
لعل أهم حلقة من حلقات تطور الصهيونية هي اكتشاف «هرتزل» الإمبريالية كآلية من آليات تنفيذ المشروع الصهيوني. نقول «اكتشاف» لا «اختراع» لأن الحضارة الغربية ـ كما أسلفنا ـ كانت قد أفرزت الصهيونية باعتبارها الشكل «الإمبريالي» لحل المسألة اليهودية. وقد أدى اكتشاف «هرتزل» إلى توقيع ما أسميه «العقـد الصامت بين الحضـارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم (الغربي)».
العقد الصامت
«العقد» هو اتفاق بين طرفين يلتزمان بمقتضاه تنفيذ بنوده، أما «العقد الصامت» فهو عقد ضمني غير مكتوب لا يتم الإفصاح عنه أو التصريح به. والعقد الصامت في أغلب الأحيان غير واع ومع هذا فهو يعبر عن نفسه من خلال سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات.
ويمكن القول بأن كل مجتمع إنساني يستند إلى عقد صامت بين أعضائه ينطلق من بعض المقولات الأولية القبلية التي يؤمن بها أعضاء هذا المجتمع، وتستمد السلطة الحاكمة شرعية وجودها واستمرارها من هذا العقد. والحديث عن «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية» هو محاولة من جانبنا لتسمية شيء كامن مهم متضمن لم يُسمه أحد من قبل، رغم المقدرة التفسيرية للمصطلح.
وقد ظل تاريخ الصهيونية متعثراً قبل ظهور «هرتزل» وظلت الصهيونية فكرة غير قادرة على التحقق لأسباب عديدة من أهمها أن دعاة الفكر الصهيوني كانوا من الصهاينة غير اليهود أومن أعداء اليهود، الأمر الذي جعل أعضاء المادة البشرية المستهدفة (أي اليهود) يرفضون الدعوة إلى استيطان فلسطين. كما أنه لم تكن هناك أية أطر تنظيمية تضم كل الجماعات اليهودية. وعلاوة على هذا كان هناك يهود الغرب المندمجون الذين كانوا يرون أن المشروع الصهيوني يهدد وجودهم ومكانتهم وكل ما حققوه من مكاسب.
وكما أسلفنا، فقد حل «هرتزل» كل هذه الإشكاليات، فقام بوضع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية استنادًا للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم هذه الحضارة ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي. ولم يكتف «هرتزل» بوضع العقد وإنما قام بتأسيس المنظمة الصهيونية التي طرحت كإطار تنظيمي يمكن من خلاله توقيع العقد مع الحضارة الغربية وفرض الصيغة الصهيونية الشاملة على الجماهير اليهودية بحيث تتحول هذه الجماهير إلى مادة استيطانية ويدخل المشروع الصهيوني إلى حيز التنفيذ. كما طوّر «هرتزل» الخطاب المراوغ الذي جعل بالإمكان إرضاء مختلف قطاعات يهود العالم الغربي (في غرب أوربا وشرقها)، بل استيعاب كل ما قد يجد من مشاكل في المستقبل، الأمر الذي فتح الباب أمام تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.
وكما سبق القول، فإن هذا عقد صامت، غير مكتوب، أي أن كلمة «عقد» هنُا تستخدَم مجازًا. ومع هذا يمكننا القول بأن هذه الصورة المجازية ليست من نحتنا إلا بشكل جزئي، فهي تتواتر في الأدبيات الصهيونية غير اليهودية (وهذا أمر متوقعَ، فهي صهيونية كانت تنظر لليهود كعنصر نافع غريب يمكن توظيفه)، ثم انتقلت الكلمة إلى كتابات الصهاينة اليهود. فقد أشار «هرتزل» في المؤتمر الصهيوني الأول (????) إلى ضرورة التفاهم التام مع الوحدات السياسية المعنية حتى يتم الحديث عن حقوق الاستعمار وعن المنافع التي سيقدمها الشعب اليهودي برمته مقابل ماُ يعطى له. كما أشار إلى أن هذا سيأخذ شكل اتفاقية وإلى أن الاتفاقية سوف تصاغ على أساس الحقوق (التي ستمنح لليهود ) وعلى أساس تعهدات قانونية معترف بها. وحينما طلب القيصر «ولهلم الثاني» من «هرتزل» أن يلخص له مطالب الصهيونية، قال هذا «تشارتر» (charter)، أي «ميثاق» أو «براءة» أو «عقد شركة»، وكان الصهاينة يشيرون إلى وعد «بلفور» باعتباره هذا الميثاق أو العقد الذي منح للحركة الصهيونية.
وقد كان «هرتزل» يهدف إلى تحديث المسألة اليهودية، ولذا فقد كان من اللازم أن يستخدم (فعلا أو ضمنا) اللغة التعاقدية النفعية المادية التي تفهمها الحضارة الغربية. وقد عبر العقد عن نفسه عبر تاريخ الصهيونية من خلال ما أشرنا إليه على أنه «الوعود البلفورية» ومن خلال وعد «بلفور» نفسه ثم الدولة الصهيونية، والاتفاقيات العسكرية والاستراتيجية والدعم العسكري والمالي والسياسي.
الوعود «البلفورية»: «نابليون» وقيصر ألمانيا
«الوعود البلفورية» مصطلح نستخدمه للإشارة إلى مجموعة من التصريحات التي أصدرها بعض رجال السياسة في الغرب يدعون فيها اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ويعدون بدعمه وتأمينه نظير أن يقوم اليهود على خدمة مصالح الدولة الراعية، أي أنها دعوة لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية.
«والوعود البلفورية» تعبير عن نموذج كامن في الحضارة الغربية يضرب بجذوره فيها. وهي حضارة تنحو منحى عضويًا، وتجعل التماسك العضوي مثلا أعلى ونظراً لأن التماسك العضوي هو المثل الأعلى، فإن عدم التجانس يصبح سلبيا كريها. وينتج عن هذه الرؤية للكون رفض الآخر في شكل الأقليات. ومن خلاله نجد أن الحضارة الغربية (والمسيحية الغربية) لم تتوصل إلى إطار تتعامل من خلاله مع الأقليات، وبالذات اليهود، وإنما همشتهم (شعب شاهد) وحوسلتهم (جماعة وظيفية). ومنذ عصر النهضة الغربية والثورة العلمانية الشاملة، بدأت أزمة الجماعات اليهودية وظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي تدور في إطارها الحضارة الغربية والتي ترجمت نفسها إلى فكرة العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم، والوعود البلفورية.
وقد صدرت معظم «الوعود البلفورية» في القرن التاسع عشر واستمرت حتى صدور وعد «بلفور» عام ????، الذي حسم مسألة علاقة اليهود بالحضارة الغربية وسنقوم بمحاولة تحليل عدد من «الوعود البلفورية» وسنقسمها إلى ثلاثة عناصر أساسية:
? ـ نص الوعد.
? ـ الديباجة العلنية (أو الأسباب المعلنة) التي عادة ما ترد في الوعد نفسه أو في مجال الدفاع عنه.
? ـ الدوافع الخفية (العميقة أو الحقيقية) وهي عادةً لا ترد في أي من الوعود، وعلينا أن نبحث عنها في نصوص وحقائق تاريخية تشكل السياق التاريخي للوعد «البلفوري» موضع البحث.
ويُعتبر «نابليون بونابرت» من أوائل القادة الغربيين الذين أصدروا وعدا بلفوريًا وهو أيضا أول غاز للشرق في العصر الحديث. وفيما يلي الجزء المهم من نص الوعد:
«من «نابليون» القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وأسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين.
«أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي، وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط».
«إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين ـ وإن لم تكن لهم مواهب المتنبئين مثل «أشعياء» و«يوئيل» ـ قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع من دمار وشيك لمملكتهم ووطنهم: أدركوا أن عتقاء الإله سيعودون لصهيون وهم يغُنوّن، وسيولد الابتهاج بتملكهم إرثهم دون إزعاج، فرحا دائما في نفوسهم (أشعياء ?? ـ ??)، انهضوا إذن بسرور أيها المبعدون. إن حربا لم يشهد لها التاريخ مثيلا، تخوضها أمة دفاعا عن نفسها بعد أن اعتبر أعداؤها أرضها التي توارثوها عن الأجداد غنيمة ينبغي أن تقسم بينهم حسب أهوائهم. وبجرة قلم من مجلس الوزراء تقوم للثأر وللعار الذي لحق بها وبالأمم الأخرى البعيدة. ولقد نُسي ذلك العار تحت قيد العبودية والخزي الذي أصابكم منذ ألفي عام. ولئن كان الوقت والظروف غير ملائمة للتصريح بمطالبكم أو التعبير عنها، بل وإرغامكم على التخلي عنها، فإن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات.
«إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقرًا لقيادتي، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تعد تُرهب مدينة داود.
«يا ورثة فلسطين الشرعيين
«إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب (يوئيل?/?)، تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ماتم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء.
«انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شوقًا «لإسبرطة» و«روما» (كابيون ??/??)، وأن معاملة العبودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها.
«سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة، التي قد لا تتكرر لآلاف السنين للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سلُبت منكم لآلاف السنين، وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه، طبقًا لعقيدتكم، علنا وإلى الأبد. (يوئيل ?/??)».
وفيما يتعلق بوعد «نابليون» البلفوري، يمكن ملاحظة ما يلي:
? ـ جوهر الوعد هو العبارة التالية: «تقدم فرنسا فلسطين لليهود في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات»، «هذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين. تدعوكم [فرنسا] لا للا ستيلاء على إرثكم بل لأخذ ماتم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء» «وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي في عبادة يهوه طبقًا لعقيدتكم، علنا وإلى الأبد».
? ـ لا يختلف تصريح «نابليون» عن وعد «بلفور»، «فنابليون» يعتبر أعضاء الجماعات اليهودية شعبًا غريبا عن وطنه (وهو ما يعني إسقاط المواطنة عنه) وهو شعب مرتبط بفلسطين. وقد وجه «نابليون» نداءه إلى «الشعب الفريد » و«المبعدين» الذين عاشوا «تحت قيد العبودية والخزي... منذ ألف عام » «ورثة فلسطين الشرعيين» ( أي الشعب العضوي المنبوذ ) بأن يتبعوا فرنسا التي ستقدم لهم إرث إسرائيل، أي فلسطين، أي أنهم سيتم خروجهم من فرنسا وتوطينهم في فلسطين.
? ـ ثم نأتي ثالثا إلى الدوافع الخفية، وليس من الصعب تخمينها «فنابليون» لم يَكُنْ يُكِّن كثيرا من الحب أو الاحترام لليهود، وهذا يظهر في تشريعاته داخل فرنسا. ولذا، فإن إرسالهم إلى فلسطين فيه حل للمسألة اليهودية في فرنسا (والتي كانت قد بدأت في التفاقم). ومع هذا، كان «نابليون» يهدف إلى توظيف اليهود في خدمة مشاريعه وتحويلهم إلى عملاء له، وهذا ما قاله ملك إيطاليا «لهرتزل» (وقد وافقه الزعيم الصهيوني على رأيه). ولعل إشارة «نابليون» إلى التقاليد المكابية هو إشارة خفية للدور القتالي (المملوكي) الذي يمكن أن تلعبه الدولة اليهودية المقترحة في خدمة المصالح الغربية.
وقد صدرت أيضا عدة وعود «بلفورية» ألمانية. ويمكننا هنا أن نتوقف قليلا عند واحد من أهم إسهامات «هرتزل» للحركة الصهيونية، وهو أنه إذا كانت الفكرة الصهيونية إمكانية كامنة في الحضارة الغربية تود أن تتحقق، فلم يكن بإمكانها أن تخرج من عالم الوجود بالقـوة إلى عالم الوجـود بالفعـل إلا من خـلال آليات محددة أهمها المادة البشرية (اليهودية) التي سيتم ترحيلها، وتأسيس إطار تنظيمي يستطيع أن يتلقى الوعود وأن يقوم بتنفيذها. وحينما أصدر «نابليون» وعده «البلفوري» لم يكن هناك تنظيم يهودي يمكنه تلقي هذا الوعد والعمل على تسخير المادة البشرية لتنفيذه. وهذا ما أنجزه «هرتزل» بعد أن نشر كتابه دولة اليهود الذي وضح فيه ما نسميه «العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية»، فقرر «هرتزل» أن يأخذ بزمام الأمور وأن يتوجه للدول العظمى. وقد ساعده في مسعاه هذا القس (الواعظ) الصهيوني نصف المجنون «هشلر»، إذ قدمه إلى أحد كبار المسئولين الألمان الذي تحدَّث إلى القيصر عن الموضوع. وكانت ثمرة هذه الاتصالات وعد «بلفوري» ورد في خطاب من «دون إيلونبرج» باسم حكومة القيصر إلى «هرتزل» (مؤرخ في سبتمبر ????) وجاء فيه «إن صاحب الجلالة على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان، وأنه سيسعده أن يستمع إلى مزيد من التفاصيل منكم في القدس.
«وقد أصدر جلالته أوامره بأن تذلل كل الصعاب التي تواجه استقبال وفدكم.
«وأخيرا يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها. وجلالته، حينما يكشف لكم عن نواياه، فهو يُعَوِّل، بطبيعة الحال، على مقدرتكم على الكتمان. وكم يسعدني أن أنقل لكم هذه المعلومات، وأتمنى أن تنجح في الوصول إلى القدس في الموعد المحدد. وفي الحقيقة، فإن فشلك في هذا سيسبب لجلالته خيبة الأمل. وأترك لكم، بما تتميزون به من لباقة، أن تقرروا ما إذا كنتم تودون الوصول إلى إستنبول في الوقت الذي يصل فيه جلالته إليها أم لا».
ويمكننا ملاحظة ما يلي:
? ـ جوهر الوعد يُوجد في العبارة: «يحب جلالته أن يخبركم عن استعداده أن يأخذ على عاتقه مسئولية محمية [يهودية] في حالة تأسيسها»، «وأنه على استعداد أكيد أن يناقش الأمر [توطين اليهود] مع السلطان».
? ـ وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الديباجة العلنية والنوايا الطيبة المعلنة، فإننا لن نجد لها أي أثر، فقيصر ألمانيا لم يكن تحت أية ضغوط للبحث عن مسوغات رومانسية، بل إن العكس في حالته هو الصحيح، إذ كان عليه أن يبرر أمام شعبه مسألة تعاطفه مع المشروع الصهيوني وتأييده له، بل واستعداده لأن يضع الصهاينة تحت حمايته. وكما قال في خطابه المؤرخ ?? سبتمبر ???? والمرسل إلى دوق «بادن»، فإن تسعة أعشار شعبه سيصدم صدمة عميقة إذا اكتشف هذه الحقيقة. فاليهود ـ كما يقول ـ هم قتلة المسيح، وهو يعترف بهذه الحقيقة، لكنه يضيف قائلا: «إن الإله قد أنزل بهم العقاب على ما اقترفوه من آثام، إلا أنه لم يأمر المسيحيين بأن يسيئوا معاملة هذا الشعب».
? ـ وأما العنصر الثالث، أي الدوافع الحقيقية الخفية، فهي موجودة وبغزارة، في خطاب القيصر المذكور، وفي تعليقه على تقرير سفير ألمانيا في سويسرا عن المؤتمر الصهيوني الأول (????) فهو، في مجال تسويغ تعاونه مع «قتلة المسيح»، يورد الأسباب التالية لتأييد ألمانيا للمشروع الصهيوني:
( أ ) سينتج عن توطين شعب إسرائيل رخاء للمنطقة، ولا سيما أن الملايين ستصب في الأكياس العثمانية، والأمر الذي قد يؤدي إلى شفاء الرجل المريض.
(ب) ستوجه طاقة اليهود ومواهبهم إلى أهداف أكثر نبلا من استغلال المسيحيين.
(جـ) إفراغ ألمانيا من اليهود الذين فيها «وكلما عجلوا بالذهاب...، كان ذلك أفضل، فلن أضع أية عراقيل في طريقهم».
( د ) إذا بحثت المسألة من منظور الحقائق السياسية [لا الأخلاقية]، فإن ألمانيا ستستفيد غاية الاستفادة لأن رأس المال اليهودي العالمي، بكل خطورته، سينظر بعين العرفان إلى ألمانيا.
ولعل موقف القيصر من اليهود، بما يتسم به من كره عميق لهم وترحيب شديد بالتخلص منهم واستعداد تام لتوظيفهم في خدمة المصالح الألمانية، لا يختلف كثيرًا عن موقف نابليون من قبله أو موقف «بلفور» من بعده.
ورغم وعود القيصر، ورغم حرصه على تبنّي المشروع الصهيوني، فإنه لم يكن مدركًا مدى عُمقْ الرفض العثماني للمشروع الصهيوني، وهو الأمر الذي أدركه إبان زيارته لإستنبول. ولذا، فحينما تم اللقاء في نهاية الأمر في القدس، حيث كان من المتوقع أن يصدر القيصر وعده «البلفوري» العلني الكامل، تراجع واكتفى ببعض المجاملات الخالية من المعنى.
الوعود البلفورية الأخرى
من الأمثلة الأخرى على الوعود البلفورية، الوعد «البلفوري» الروسي القيصري فقد قام «هرتزل» بمقابلة «فون بليفيه»، وزير الداخلية الروسي المعادي لليهود، بتفويض من المؤتمر الصهيوني الخامس (????)، حتى يحصُل على تصريح يعبرّ عن نوايا الروس يتلوه في المؤتمر الصهيوني السادس المزمع عقده سنة ???? وبالفعل، صدرَ الوعد «البلفوري» القيصري على النحو التالي (في شكل رسالة وجهها «فون بليفيه» إلى «تيودور هرتزل»). وهذا هو منطوق الوعد:
«ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس، فمن المؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبذ ذلك. وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا إذا ساعدت الإجراءات العملية التي يفكر فيها على تخفيف عدد اليهود في روسيا».
وقد توصل «هرتزل» أيضًا إلى اتفاق مع المسئولين الروس مفاده: أن تبذل الحكومة الروسية مساعيها الحميدة لدى تركيا لتسهيل دخول اليهود إلى فلسطين. وستقدم مساعدات مالية للمهاجرين تُجمع من مصادر يهودية، وستسهل تنظيم الجمعيات الصهيونية الملتزمة ببرنامج «بازل». وقد سُمح أيضا لبنك الاستيطان اليهودي ببيع أسهمه في روسيا شريطة أن تستطيع السلطات مراقبة عمليات البيع. كذلك قام «بليفيه» بتزويد «هرتزل» برسالة موقعة منه، وبعد أن بحث محتوياتها مع القيصر، أعلن فيها أن الحكومة الروسية تنظر بعين العطف إلى الصهيونية ما دام هدفها إقامة دولة مستقلة في فلسطين، وأنها على استعداد لمساعدتها. وهذه المساعدة قد تتخذ شكل حماية الممثلين الصهاينة أمام الحكومة العثمانية، وتسهيل نشاط جمعيات الهجرة ومساعدتها ماليًا من الضرائب التي تُجبى من اليهود، وقد استغل «هرتزل» هذه الرسالة، في أكثر من مناسبة فيما بعد.
ويُلاحَظ أنه لا توجد أية ديباجات رومانسية في هذا الوعد فهو مسألة تعاقدية جافة يتحدث فيها كل طرف عن الفائدة المرجوة وعلى العائد من الصفقة. ولذا، فقد أكد «فون بليفيه» دون مواربة أو حياء أن الهدف هو التخلص من اليهود عامة باستثناء الأثرياء منهم، وجاء هذا واضحاً في قوله:... «إن نجاح اليهود في إقامة دولة مستقلة لهم تستوعب عدة ملايين منهم لهو أمر نقبله وندعمه... إننا لا نريد التخلص من جميع اليهود الروس... إننا نريد فقط التخلص من المعدمين والمضطربين». وحذر «فون بليفيه» من أن التأييد الروسي القيصري سيتم سحبه إن كان هدف الصهيونية، غير المعلن، هو تحقيق تركيز قومي لليهود في روسيا، فالدعم الروسي مشروط بالتخلص من اليهود.
وقد كان ذلك مفهومًا تماما لدى «هرتزل» الذي أكد في مفاوضاته مع «بليفيه» أن الحركة الصهيونية «ستستقطب جميع اليهود وضمنهم المتطرفون [أي العناصر الثورية التي كانت تقض مضجع الدولة الروسية القيصرية]، أما إذا انهارت آمالنا فإن الوضع سينقلب رأسًا على عقب وستكسب الأحزاب الثورية إلى صفوفها أولئك الذين سينسحبون من الصهيونية التي أمثلها أنا وزملائي». كما أن «هرتزل» فهم تماما تحذير «بليفيه»، وهكذا فإننا نجده، في المؤتمر الصهيوني السادس (????)، يؤكد للمجتمعين أن الحكومة الروسية لن تسبب أية مشاكل للحركة الصهيونية، ما دام نشاطها منحصرًا ضمن النظام والقانون (أي في عملية التخلص من اليهود وتفريغ روسيا منهم). واستطاع «هرتزل» بجهد وتصميم أن يحول بين المؤتمر وبين مناقشة مذابح «كيشينيف»، وقد علق على الموضوع في رسالة بعث بها إلى «بليفيه» قال فيها «... رغم المصاعب التي واجهتني في إدارة جلسات المؤتمر بجوها المشحون نتيجة الأحداث المؤلمة [مذابح «كيشينيف»]، فقد نجحت في المحافظة على النظام. وإعادة الهدوء إلى الجلسات... ولا شك في أن الفضل يعود في ذلك إلى رسالتكم التي تكرمتم بإرسالها في ?? أغسطس والتي كشفت محتوياتها لأخمد بذلك كل جدال ثار حول تلك الأحداث».

ويمكن أن ننظر إلى مشروع شرق أفريقيا باعتباره أحد أهم الوعود «البلفورية» وهو لا يختلف كثيراََ عن الوعود «البلفورية» التي أشرنا إليها وإن كان أكثر جدية وأكثر تحددًا منها. كما أنه يشبه في كثير من النواحي وعد «بلفور» الذي صدر في نهاية الأمر.
وقد صدر آخر الوعود «البلفورية» عن ألمانيا بعد صدور وعد «بلفور» عن إنجلترا، إذ استغل الصهاينة الوضع الدولي الناشئ عن الجمود الذي ساد جبهات القتال عام ???? واتجهوا إلى حث الحكومة الألمانية على إصدار بيان رسمي يتضمن العطف على الصهيونية في فلسطين. ولكن الحكومة الألمانية كانت لاتزال مرتبطة بتحالف مع الحكومة العثمانية، كما كانت تخشى أن يؤدي تدهور الوضع العسكري إلى أن تسارع الحكومة العثمانية بعقد صلح منفرد مع الحلفاء. وحيث إن ألمانيا لن تضحي بتحالفها من أجل الصهاينة، فإنها ترددت كثيرا في الاستجابة للمطلب الصهيوني. ثم صدر وعد «بلفور» نفسه عام ????. وعند هذه النقطة وحسبما جاء في دراسة الدكتور محافظة، «اندفع الصهاينة يلحون على حكومة «برلين» لتلبية مطالبهم مع تشكيل وزارة طلعت باشا في عام ????. وحاولت الحكومة الألمانية إرضاء الصهاينة بتدخُلها الحاسم لإلغاء التدابير العسكرية التي فرضها جمال باشا على اليهود في فلسطين عام ????. وبعد صدور تصريح «بلفور»، اتجه الصهاينة إلى برلين لاستصدار تصريح مماثل، كما انتهزوا زيارة الصدر الأعظم (طلعت باشا) في مطلع يناير????، فقابله الزعيم الصهيوني «ألفريد نوسيج» الذي بحث معه موضوع اليهود في الدولة العثمانية.. وطلب «نوسيج» باسم الصهاينة إلغاء القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين. فوعدهم الصدر الأعظم بأن الباب العالي سوف يعيد تنظيم الأوضاع حالما تعود القدس وجنوب فلسطين إلى السيادة العثمانية بصورة تكفُل الرضا التام لليهود وتحقق أمانيهم كافة وقد نُشر هذا التصريح في الصحف الألمانية في اليوم التالي للقاء».
ولايمكن أن نسمي هذا التصريح وعدا بلفورياً بمعنى الكلمة وإن كان يقترب من ذلك. ومن الواضح أن ذلك يمثل إحدى الحيل التي كانت تستعملها الدولة العثمانية على ممثلي العالم الغربي، وهو فن تمّلك العثمانيون ناصيته نظرا لضعفهم العسكري. ولكن أهمية هذا التصريح لا تكمن فيه وإنما في أنه أعطى الضوء الأخضر للدولة الألمانية. وقد استمر الصهاينة في ضغوطهم حتى حصلوا على تصريح من وكيل وزارة الخارجية الألمانية في اليوم التالي لتصريح الصدر الأعظم هذا نصه:

«نحن نؤيد رغبة الأقليات اليهودية في البلدان التي لهم فيها ثقافة متطورة، في أن تختط طريقها الخاص بها، ونميل إلى دعم أمانيها. أما بالنسبة إلى أماني اليهود، وبخاصة أماني الصهاينة منهم في فلسطين، فإن الحكومة [الألمانية] ترحب بالتصريح الذي أدلى به مؤخرًا الصدر الأعظم، طلعت باشا، والذى يعبِّر عن عزم الحكومة التركية، المتفق مع نظرتها الودية نحو اليهود بوجه عام، على تنمية استقرار يهودي مزدهر في فلسطين، عن طريق الهجرة غير المقيَدة والاستيطان ضمن قدرة البلاد الاستيعابية وقيام حكم ذاتي يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها».
ويلاحظَ أن صياغة هذا الوعد تميل نحو الإبهام الشديد، فهو يؤكد حق اليهود المندمجين في الاستمرار في اندماجهم، وهو يميِّز بينهم وبين الصهاينة الذين لهم أمان في فلسطين حيث يسمح لهم «باستقرار يهودي مزدهر في فلسطين»، وهي عبارة غامضة حاول الوعد تحديدها عن طريق عبارة «قيام حكم ذاتي»، ثم عاد وعدَّلها من خلال إضافة عبارة «يتفق وقوانين البلاد والتطور الحر لحضارتها». ولنلاحظ أن فكرة «قوانين البلاد» تحل محل عبارة «القانون العام» أو «القانون الدولي» التي ترد في الأدبيات الصهيونية، خصوصًا في صياغتها الهرتزلية، وهي عبارة تعني «حسب القانون الغربي الاستعماري». فكأن الوعد هنا ينزع المشروع الصهيوني من سياقه الغربي ويضعه في سياق عثماني، الأمر الذي يعني فقدانه كل معنى، فالمستوطنون الصهاينة كان معروضًا عليهم دائمًا أن يحصلوا على المواطنة العثمانية ويستقروا في فلسطين كعثمانيين لا كنعصر استيطاني تابع لدولة غربية. والقضية لم تكن قضية عدة آلاف من اليهود لا وطن لهم، أو مضطهدين في أوطانهم ويبحثون عن مأوى لهم، وإنما هي قضية غَرْس عنصر بشري غريب يتحول إلى دولة ذات تَوجُّه غربي استعماري استيطاني.
وبعد صدور الوعد «البلفوري» الألماني، استمر الصهاينة في الضغط على الدولة العثمانية. وكلَّف الصدر الأعظم، بعد عودته من برلين، النائب اليهودي التركي «قاراصو» بتأليف لجنة يهودية عثمانية لوضع التفاصيل العملية لإنشاء شركة ذات امتياز في إستنبول تتولَّى العمل في المناطق المأهولة باليهود لإقامة حكم ذاتي فيها. وأمر طلعت باشا بدراسة الخطة التي وضعتها اللجنة ووعد بتبنيها عند بَحْث شروط الصلح بعد انتهاء الحرب. وسعى الصهاينة، انطلاقًا من هذا الوعد، إلى الحصول على مزيد من التنازلات من الجانب العثماني، وإصدار تصريح عثماني مماثل لتصريح «بلفور». و