Advertisement

القانوني سلطان العالم


القانوني سلطان العالم
القانوني سلطان العالم
تقديم
مقدمة
القسم الأول القوة العالمية
الجلوس والجنازة
الطريق المتجه صوب القانون
جان بردي الغزالي
أولى حملات القانوني
فتح بلغراد
الاتفاقيات
صوب رودس
المواجهات العنيفة
العثمانيون في رودس
صدارة إبراهيم باشا
تمرد أحمد باشا
وقد سُلّت سيوفنا من الأغماد
إلى ملك فرنسا فرانشيسكو.
حملة المجر
معركة موهاج
حركات التمرد في الأناضول (1526-1528)
المُلّا قابض
مسائل المجر
لن نبلغ ما بلغه الفاتح
أمام فيينا
حفلة الختان (1530)
في عباب المياه الهندية
حملة ألمانيا (1532)
شارلكان
أنت خير الدين بيك والي الجزائر
لقد وصل عبدكم خير الدين
أمير أمراء الجزائر
الاتفاقية العثمانية - النمساوية (1533)
لنقد السيباهية صوب الشرق
بغداد تحت سيطرة العثمانيين
إعدام الدفتردار إسكندر جلبي
استمرار حملة العراقين
أولى حملات بربروس مع الأسطول
التحالف مع فرنسا
إبراهيم باشا
القرب من السلطان تلظٍّ بالنيران
القسم الثاني سليمان العظيم
حملة أفلونيا (فلوره)285
لن أبادل واحداً من مجاهديّ بألفٍ من هذه القلعة
مواصلة التحركات
حملة البغدان (1538)
الأسطول العثماني في بروزة (1538)
بدأ البحر بالغليان
النصر الكبير
حملة الهند (1538)
مراسم الاحتفال والصلح مع البندقية
موت زابوليا والاضطرابات في المجر
حملة العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين
عليك أن تطلبها من خير الدين باشا
سيفقد رأسه أيضاً
الحرب الكبرى أمام أسوار بودين
سليمان العظيم
سلسلة من الفتوحات
فتح إزترغوم (1543)
فتح سيكشفهيرفار (إيستوني بلغراد)
حملة بربروس على نيس (1543)413
يا درّة الأمراء يا سلطاني محمد
أحداث متفرقة
مات ريّس البحر
حملة تبريز (1548)
أحداث ترانسلفانيا (إردال) (1549-1552)
تحركات الشاه طهماسب (1552)
الأمير مصطفى
أنين الشعراء
حملة ناخيتشيفان (1553- 1555)498.
اتفاقية أماسيا
حوادث مختلفة
الصراع مع البرتغال في المحيط الهندي
افتتاح الكلية السليمانية
السلطانة هُرَّم
ما تركته من أعمال
العلاقات مع خانات الأوزبك
أحداث المجر وترانسلفانيا (1556- 1559)
حادثة الأمير بيازيد
والدي يا صاحب السعادة!
أعلن التوبة يا بني العزيز
التحركات البحرية (1550-1560)
القوة الصليبية الكبرى
على طريق جربة
ما الحياة إلا ليوم كهذا اليوم
النصر البحري العظيم
أمام حصن جربة
العزيمة الأقوى
الفتح
فليصن الله السلطان من الزلل
موت رستم باشا
حصار مالطا (1562)
مياه كيرك جيشمة (الأربعين عيناً)
القسم الثالث خسروف الآفاق/سلطان الآفاق
حملة سيكتوار
السلطان سليمان يأمركم
بنيران القهر احترقت يا رب
وفاته
أشرقت الشمس! ألن يستيقظ السلطان؟
على نية المرحوم
شخصيته
القرن التركي
الجيش يعمي عيون الأعداء
أخي الآخروي
رعاية حقوق العباد
فعالياته العمرانية
الكلية السليمانية
قانون نامه السلطان سليمان
حقوق النمل
نشكو القانوني إلى القانون
كنا نظن سلطاننا مستيقظاً
سليمان ! لقد أنقذت نفسك. .
كانت المناصب تسلم لأهلها
ما مصير أبناء عثمان؟
لا أبالي!
مُحبّي
السلطنة التي يتحدثون عنها
تخميسة قصيدة السلطان سليمان خان
ما أنت بباقٍ ولا أنا بباق
نظرة القانوني إلى الدنيا
الذنب وزر على كاهل العبد
الفعاليات العلمية والفنية في عهده
المؤسسات الطبية وأشهر الأطباء
الرياضيون والموقّتون
علماء الفلك
الجغرافية وعلوم الملاحة
العلوم الدينية والكتابة683
المؤرخون
الأدباء
هذا ما تعنيه الإنسانية
أحمد شيمشيرغيل
Notes







القانوني سلطان العالم




القانوني سلطان العالم
الجزء الرابع

تأليف
البروفيسور الدكتور
أحمد شيمشيرغيل

ترجمة
مهتاب محمد

مراجعة وتحرير
مركز التعريب والبرمجة












تقديم

حتى لو انحسرت مياه النهر، فآثاره في الوادي ستبقى محفورة لزمن طويل. ..
الأمم والحضارات التي انسحبت من مسرح التاريخ، لا يمكن لأثرها وتأثيرها، ولا لدلالاتها، وروحها أن تُمحى بسهولة، ومن هنا تنبع أهمية علم التاريخ.
فالتاريخ هو الرواية الأبدية للإنسان، لذا فأهميته تفوق التصور.
وهو يعتبر الوسيلة الأنجع لحفظ ميراث السلف والاستفادة منه.
فالتاريخ يعمل على تقوية ذكاء العلماء، ويفتح بصيرة الناس. .
وكما قال القدماء، فهو يحفز لدى الشباب حب الدين والدولة، والمُلك والأمة. .
إنه شاهد على خيانة هذه الدنيا. . وعلى أن كل ما عليها من ملك ومال فانٍ. . وبذا فهو دعوة للإنسان من أجل إعمال الفكر والصلاح. .
ما يقتضي بقاء علم التاريخ بمنأى عن الإيديولوجيات، وبعيداً عن الانحيازات لطرف ضد آخر، وأن يتم تقييمه وفق معايير العلم الدقيقة. وإلا فدعكم من عدم استخلاص العبر من أحداثه، فسيتم سوق الفكر البشري نحو دروب لا تطابق الحقيقة في شيء، وستكون العاقبة وخيمة على الدول والحضارات المتعاقبة. .
ولهذا السبب جاءت هذه السلسلة تطبيقاً عملياً لهذه الأفكار، لتلقي الضوء على تاريخ الدولة العثمانية التي تعتبر أهم وأقرب المحطات في تاريخنا.
ذلك لأنّ هذه الدولة شكلت نموذجاً فريداً لانسجام العديد من الأعراق والأديان والشعوب.
وقد كان لها فضل عظيم على العلم والفن والإنسانية لعصور مديدة. .
لقد تعرضت للضعف والخيبة وأُهدرت دماء الكثيرين من أبنائها، وقتل الأشقاء بعضهم، وفي النهاية ماتت واندثرت. ولكنها لم تتخل حتى في أحلك الظروف عن دينها وقيمها ولم تتنازل عن مُثُلها. .
وكانت كياناً سياسياً عالمياً استطاع أن يتكشّف عن مقدرة عظيمة على خلق مجتمع إنساني اتسم بالعدالة والحريات لكل مكوناته بما يفوق الكثير من معاصريها.
ولكن الضربة الأكثر إيلاماً، بل والتي قضت على هذه الحضارة الرائعة برغم كل منجزاتها وتضحياتها، ستأتي من العنصر الأساسي المكون لها وهم الأتراك، ومن الشعوب الإسلامية التي جاهدت السلطنة حتى لا يتم الإيقاع بهم؛ من عدم تفهمهم وتقديرهم لها، من الافتراءات والأكاذيب والتأويلات الخاطئة التي وسموا بها هذه الحضارة.
وهذه السلسلة ليست دراسة عامة عن التاريخ العثماني فحسب، بل إنها تحوي أيضاً إجابات عن كل الأسئلة التي يمكن أن تخطر ببالكم، لتتعرفوا من خلالها على حقيقة العثمانيين، من كل الجوانب.
فبالإضافة إلى الموضوعية واتباع المعايير العلمية في هذه الدراسة، فهي على قدر كبير من الإمتاع بحيث لن تفكر في ترك الكتاب قبل إتمامه.
وكما يقول الشاعر الكبير باقي:
حكمة الله تقتضي فناء كل الدول
ولن تبقى سوى أسمائنا على لوحها الفاني
البروفيسور الدكتور
أحمد شيمشيرغيل





مقدمة

«حين أعقد مقارنة بين نظامنا العسكري والنظام التركي العسكري، تصيبني القشعريرة ذعراً مما يحضره لنا المستقبل، فأحد هذين الجيشين سينتصر على الآخر والمرجح أنه سيكون الجيش التركي. ذلك أنه يستند إلى إمبراطورية قوية عظيمة المقدرات، إنها قوة تزخر بالحيوية، محنكة، لا تتزعزع، اعتاد جنودها على الانتصارات، يمتلكون القدرة على تحمل أصعب الظروف، ملتزمون بالنظام والانضباط، أصحاب بصيرة وعقيدة قوية.
أما جنودنا فغارقون في فوضى عارمة، مولعون بالثمالة والتمرد واللهو. والأسوأ من كل ذلك أنهم اعتادوا الهزائم. لذلك فإن مغبة هذا الوضع واضحة كوضوح الشمس.
إنّ الركيزة الوحيدة للإسلام هي السلالة العثمانية. فالمسلمون قادرون على البقاء والاستمرار بفضلهم، فإن زالت هذه السلالة، انهار الدين الإسلامي أيضاً».
الكلمات أعلاه تعود لبوسبيك سفير الإمبراطور فرديناند الذي أقام لسنوات طويلة في إسطنبول خلال عهد القانوني، وأجرى أبحاثاً متكاملة عن الأتراك ليرسلها في تقارير متعاقبة إلى أوروبا.
فالسفير الذي أدرك أنّ بقاء الأتراك في تلك الحقبة كان مرهوناً بالسلالة العثمانية وسياسة الفتوحات التي يقومون باتباعها، وأنه من دون تمزيق هذه الوحدة المتكاملة، لا يمكن القضاء على قوتهم، كان في الوقت نفسه يقدم رسالة خفية للكتاب الأوروبيين، مفادها الإساءة إلى هذه السلالة في كل فرصة ممكنة، وزعزعة مكانتهم في النفوس، وإظهارهم على أنهم مجرد ثلة من الأشخاص العاديين لنزع صفة الاحترام عنهم، بل من أصحاب الرذائل أيضاً. .
واعتباراً من هذا التاريخ بدأت حملة مكثفة من أجل تشويه صورة الأتراك وقادتهم العثمانيين، ولكنها بالطبع لم تكن حملة عشوائية مكشوفة، بل بدأت وفق قواعد محكمة ومنظمة. حتى أنها اتبعت في بدايتها أسلوب المديح المبالغ فيه الذي تخللت ما وراء سطوره الرسالة الحقيقية المراد إيصالها.
وهكذا سنرى أنّ كل محاولات التشويه التي طالت السلطانة هُرَّم، رستم باشا، السلطانة ميهريماه والأمير سليم، وبالمقابل السيناريوهات الملفقة التي تناولت حادثتي الأمير بيازيد والأمير مصطفى، سوف تستند في معظمها إلى تقارير سفراء كل من البندقية والنمسا.
فحين يتحدث بوسبيك في تقاريره عن السلطانة هُرَّم يساهم في مغالطة تاريخية كبيرة حيث يقول «حين أنجبت طفلاً ذكراً، استغلت هذا الميزة وتم عتقها»، رغم أنّ القانوني قام بعتق السلطانة هُرَّم ما بين الأعوام ألف وخمسمائة وأربعة وثلاثين وستةٍ وثلاثين، ومن ثم عقد قرانه عليها.
وفي المرة الأولى التي يتطرق فيها السفير باسانو إلى أنّ هُرَّم كانت مكروهة من قبل الشعب، يورد بوسبيك بعده بعشرين عاماً هذا العبارات حولها «تدور تقولات بين الشعب بأنّ هُرَّم تُحكم سيطرتها على القانوني بسبب لجوئها لتمائم العشق والشعوذة». .
أما الشجار الذي وقع بين محظيتي السلطان سليمان القانوني؛ ماهي دِفران خاتون والسلطانة هُرَّم، فإنّنا نعثر عليه أول مرة في كتابات سفير البندقية بيرنارد نافاغيرو، وسيعتمد كحقيقة تاريخية مطلقة من قبل الكتّاب الأجانب والمحليين على حد سواء. ويقول نافاغيرو إنّ أبعاد هذا الشجار امتدت لتتسبب في إرسال ماهي دِفران إلى مانيسا مع ابنها. ومن الواضح أنه كان غافلاً عن حقيقة أنّ السلطانات الأمهات كنّ على الدوام يرافقن أبناءهن الأمراء حين خروج هؤلاء لتولي إمارة أحد السناجق.
وبينما يصف سفير البندقية ماريو السلطان سليمان القانوني بأنه شخص شهواني، فإنّ زين يقدم وجهة نظر مغايرة تماماً حين يقول إنّ «السلطان ليس مولعاً بالشهوات، وقد اكتفى بزوجة واحدة فقط». .
كما يشير السفراء ذاتهم إلى أنّ «رستم باشا يستمد نفوذه في الحكومة لكونه زوج ابنة السلطان»، ما يجعل القرّاء يعتقدون بأنّ الباشا كان ابن محمد آغا الغني1 والذي تمكن من الزواج من ابنة السلطان وبالتالي حاز النفوذ والسلطة، غافلين عن مسيرة الباشا المهنية والخدمات التي قدمها للدولة ومن ثم توليه منصب الصدارة في التوقيت المناسب والأسباب الموجبة لذلك.
ويوضح السفير دي لودوفيجي أنّ «إبراهيم باشا وقبل إعدامه بعامين كان قد بدأ في إهمال شؤون الدولة والجيش»، على الرغم من أنّ إبراهيم باشا وفي آخر عامين كان يقود حملة العراقين ومن ثم قام بعقد الاتفاقية مع الحكومة الفرنسية.
ورغم أنّ هذه التقارير ستوهمكم بأنّ سفراء النمسا والبندقية كانوا مطلعين على كل سرٍّ ومعلن، فإنّ المفارقة الحقيقية هي أنهم كانوا غافلين عن أهم المعلومات السياسية.
ولكن النتيجة أنّ كل الكتابات والأعمال الغربية اللاحقة حول القانوني استندت إلى تقارير سفراء البندقية كمراجع أساسية.
والغريب أنّ عناوين هذه الأعمال كانت على الدوام جذابة على شاكلة (التركي الكبير)، (سليمان العظيم)، (التركي الذي لا يُقهر)، بينما كان محتواها يعج بالمؤامرات والدسائس والقصص الجنسية. .
وبذلك فإن المسلسل الذي ظهر في الآونة الأخيرة باسم (القرن العظيم)2، مدعياً أنه يتحدث عن عهد السلطان سليمان القانوني، اعتمد على المصادر الغربية التي استندت إلى تقارير سفراء البندقية.
«ما بني على باطل فهو باطل»
ومن المحقق أنّ هذه الافتراءات التي أطلقها سفراء البندقية والنمسا كان لها هدف وغاية محددة، وقد كانوا يدونون كتاباتهم وفق ذلك الهدف، وتمكنوا من بلوغ غايتهم. أما أعداء الأتراك والعثمانيين والمسلمين فقد اعتمدوا هذه الدلائل الباطلة التي لا تستند إلى أي حقائق تاريخية، واعتبروها مصادر لهم ليؤلفوا الروايات، وينتجوا الأفلام والمسلسلات ولا يزالون يفعلون ذلك حتى الآن.
ولكن يجب أن لا يُساء فهم هذا الكلام واعتبار أنّ كل ما كتبه الغربيون والسفراء مجدر أكاذيب. فمن المحقق أنّ هذه التقارير تضم معلومات قيمة للغاية، ولكن المؤرخ لا يمكن له اعتماد كل ما كُتب كحقيقة مطلقة دون تمحيص مصادره وتمريرها عبر مصفاة النقد. وبعد تقييم كل المصادر المتعلقة بالموضوع عبر منهجية علمية، حينها فقط يمكن إطلاق أحكام قاطعة وصحيحة. كما أنّ العديد من المؤرخين الغربيين المتخصصين في التاريخ العثماني والذين عملوا في أرشيفه، قد أشاروا إلى الأخطاء الواردة في تلك التقارير وضرورة تمحيصها والتحقق من صحتها ومنهم؛ ليسلي بييرس، إيمي سينجر وسواهم. .
ذلك أنّ أرشيف العثماني في رئاسة الوزراء، وأرشيف قصر توب كابي يزخران بآلاف الوثائق حول نظام الحرملك والحياة فيه. كما أنّ أعمال المؤرخين العثمانيين التي تدور حول عهد القانوني موجودة في المكتبات. فمن يتعامى عنها أو لا يعيرها أهمية وربما يعجز عن فهم محتوياتها، يحق فيه قول زيا باشا:
يبحث المنجّم الأفّاك عن طالع في السماء
ولا يرى غفلةً الحفرة في دربه نحو الفناء
إنّ الجزء الرابع من سلسة آل عثمان التي بين أيديكم والتي تحمل اسم «القانوني سلطان الآفاق»، لا يتحدث عن السلاطين العثمانيين الذين صبغوا قروناً طويلة بصبغتهم، بناء على مخيلة الناس والأحكام المسبقة والفلسفات الشخصية، بل يستند إلى أسس ومصادر تاريخية، ويعتمد على المعلومات والملاحظات العلمية، لذا يتوجب قراءته والتفكير فيه وتقييمه على هذه الأسس.
فالتقدير والانتقاد والتقييم تعود للقرّاء.
وأخيراً أودّ أن أتقدم بجزيل الشكر إلى أصدقائي وزملائي الأعزاء الذين قدموا لي المساعدة في إنجاز هذا الكتاب؛ شيبنيم كورو محمد، ألبير إيغجي، م. فاتح غوكجيك، إيلهان غوك، عثمان كاراتاش، فاتح غورجان، إرجان آلان ويونس إرينه، وأيضاً زينب بيركتاش رئيسة التحرير التي أولت عناية فائقة لإعداد العمل للنشر، ومصممة الغلاف روضة كِزِلتوغ. كما أنني مدين بالشكر لزوجتي العزيزة التي تقدم لي على الدوام العون والمساندة أثناء كتابة أعمالي ولأبنائي الأحبة. وأتوجه بشكر كبير لطلبتي الأعزاء الذين يشجعونني ويتابعون سلسلة تاريخ آل عثمان بلهفة واهتمام بالغين.
كما أتقدم بالشكر إلى محرر المشروع السيد أحمد كوجال وكل المسؤولين في منشورات تيماش التي تقدم مساهمات قيّمة على الصعيدين العلمي والثقافي.

البروفيسور الدكتور
أحمد شيمشيرغيل





القسم الأول القوة العالمية

«أنا سلطان السلاطين، خان الخانات، من ألبس الملوك تيجانهم، ظل الله على الأرض، سلطان وحاكم كل من البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر، روميلي وإسطنبول، مكة المكرمة والمدينة المنورة، القدس والأناضول، القرمان وكوردستان والروم (سيفاس، توكات، أماسيا) وإمارة ذي القادر وديار بكر وأذربيجان، وأرض العجم والشام وحلب وسائر البلاد العربية، ومصر والجزائر وتونس واليمن، الأفلاق والبغدان، إردال وبلغراد والبوسنة وبودين، والكثير من الممالك الأخرى التي فتحها أجدادي العظام بجيوشهم الساحقة، والعديد من البلدان التي فتحتها بسيفي المظفر الذي يتطاير من حدّه الشرر؛ السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان بن السلطان بيازيد خان، إلى ملك فرنسا فرانسوا».





الجلوس والجنازة

حين حمل الرسول الذي وصل في العام ألف وخمسمائة وعشرين إلى مانيسا، خبر وفاة السلطان يافوز سليم خان. ضجّ قلب الأمير الشاب بالأنين وفاضت عيناه بالدموع حزنا على موت والده الذي كان يحبه كثيراً، وكان وقع الخبر عليه صادماً زلزل كل كيانه، واعتصر صدره بقبضة الألم، وأخذ يبكي دماً، بينما شحب لونه كوردة النسرين وأوراق الخريف. .
وأخيراً استطاع أن يجد السلوى وهو يتلو الآيتين الكريمتين «إنّ الله مع الصابرين» و«وعلى الله فليتوكل المتوكلون»3 وهدأ قليلاً. 4
وعلى الفور أتمّ الأمير سليمان كل الاستعدادات، وانطلق ممتطياً جواده بسرعة كادت تذهب بأنفاسه، دون أن يتوقف للاستراحة سوى للضرورات حتى بلغ أوسكودار5 خلال ثلاثة أيام. وعبر المضيق إلى ضفة صراي بورنو على ظهر الزورق السلطاني، وحين دخل مياه الخليج الصافية، أخذ يجول ببصره على المدينة التي باتت عاصمة سلطنته.
كان تاريخ الثلاثين من أيلول العام ألف وخمسمائة وعشرين هو موعد انطلاق الأمير على متن سفينة من أوسكودار إلى صراي بورنو، ومن ثم التوجه إلى القصر الجديد (توب كابي). وقد استقبلته صفوف الإنكشارية المنتظمة، ولأنّ بيري باشا كان يتوقع وصوله في عصر ذلك اليوم، فقد أُعلن عن إقامة مراسم الجنازة والجلوس في اليوم التالي.
في صبيحة الأول من تشرين الأول استقبل قادة الجيش سليمان برفقة الصدر الأعظم اللذين انطلقا من الإندرون6 إلى الديوان وسط التصفيق، وقام المفتي وعلماء الدين وبقية أركان الدولة بتقبيل يده، وبذلك تمت مراسم البيعة والجلوس على العرش.
ومع حلول الظهيرة بلغهم خبر اقتراب نعش السلطان سليم خان من باب (إدرنة كابي)7، وانطلق السلطان الشاب مرتدياً ثوب الحداد لاستقبال نعش والده الذي لاقاه خارج أسوار المدينة. ترجل الباشوات عن ظهور المطايا، وحملوا التابوت لبعض الوقت على أكتافهم، ومن ثم ناب عنهم الجنود في حمله حتى بلغوا جامع الفاتح، وكان السلطان سليمان يرافق الحشد مترجلاً. .
أقيمت صلاة الجنازة، ومن ثم أُخذ النعش إلى المنطقة التي كانت تسمى ميرزا سراي، ليتم دفنه في حديقة الجامع الذي كان سليم خان قد وضع أساساته، وبعد إتمام عملية الدفن، استوضح السلطان عن المعلومات اللازمة حول عملية البناء، ومن ثم أمر بالإسراع في إتمام بناء الجامع، كما أمر ببناء ضريح لائق لوالده، ومدرسة وعمارة8 إلى جانب الجامع9.
وبعد مضي ثلاثة أيام من وصول السلطان الشاب إلى العاصمة، وزع الأردية والبخشيش والمناصب الجديدة على رجال الدولة وقادة الفرق العسكرية. 10 وأرسل إلى الإيالات11 والسناجق والدول الصديقة رسائل اعتلائه العرش.
أبقى السلطان على بيري باشا في منصب الصدارة، وقام باستدعاء مربيه (اللالا) كوجا قاسم باشا الذي كان يتولى إدارة سنجق صاروخان12، ليمنحه منصب الوزير في ديوانه. وهكذا استحدث منصب الوزير الرابع في الديوان السلطاني للمرة الأولى، حيث كان يضم إضافة للصدر الأعظم كلاً من: الوزير الثاني مصطفى باشا، الوزير الثالث فرهاد باشا والوزير الرابع قاسم باشا.
وبدأ العدو والصديق على حد سواء يترقب بفضول مدى قدرة السلطان الابن على ملء الفراغ الذي تركه سلطان بالغ القوة والنفوذ مثل السلطان يافوز سليم.
وسيعلق أحد المؤرخين المعاصرين لتلك الحقبة بالقول أنّ الجميع يعتقدون» بجلوس حمل وديع مكان أسد ضارٍ» ولكن السلطان سيخلد اسمه في التاريخ بطريقة مغايرة تماماً.





الطريق المتجه صوب القانون

بعد أن أتمّ السلطان المراسم المتبعة في الأيام الثلاثة الأولى من توليه مقاليد السلطة، وأدخل السرور إلى قلوب رجال الدولة والكابى كولو13 من خلال العطايا والمناصب التي وزعها عليهم، بدأ باتخاذ أول الإجراءات الإدارية. حيث أعتق الأسرى الستمائة الذين ساقهم والده سابقاً إلى العاصمة بعد عودته من حملته على تبريز، وخيّرهم بين العودة إلى ديارهم والبقاء في إسطنبول. . ثم رفع الحظر الذي كان قد أُقرّ أيضاً في عهد والده على تجارة الحرير، وسمح بحرية تنقل القوافل التجارية بين الدولة العثمانية وإيران، وأعاد البضائع التي تمت مصادرتها فيما سبق.
كان والي سنجق غاليبولي وقائد الأسطول جعفر بيك، قد اكتسب لقب (الدموي) بسبب المظالم والإجراءات التعسفية التي يرتكبها بحق الناس. وإثر الشكاوى التي وردت بحقه، أمر السلطان سليمان بالتحقيق في القضية، وحين تبين قيامه بإعدام بعض الأشخاص والاستيلاء على أموالهم، أمر بإعدامه14، وعيّن بولاك مصطفى باشا مكانه.
ومجدداً كانت الشكاوى التي بلغت مسامع السلطان بعد توليه العرش بعدة أيام، حول قيام السلحدار وأعوانه باقتحام منازل بعض الرعايا والاعتداء عليهم، السبب في إعدامه مع خمسة من رجاله.
كما وصلت شكاوى إلى الديوان تفيد بأنّ والي بريزرن15 يقوم بأسر أبناء السكان ومن ثم بيعهم في سوق العبيد، وبعد أن أكدت التحقيقات صحة الشكاوى، أرسل السلطان شاويشاً أنزل به أشد العقوبات وفق ما يقتضيه الشرع16.
هذه الوقائع التي استهّل بها السلطان سليمان حكمه العادل، كانت إثباتاً لبدء عهد من الحق والحقوق والنظام. وعلى امتداد نصف قرن من الزمن، لن يتم تطبيق أي قرار أو إجراء دون الاستناد إلى قوانين وأسباب عادلة. ولن يتم عزل أي من القضاة أو الأمراء وبقية أصحاب المناصب دون وجه حق، أو جرم يستوجب العزل.
أما الانضباط الرائع للجيش فسيكون محط الإعجاب في كل الحملات العسكرية، ولن يتم الاستيلاء على أموال الرعايا دون إذن بأي شكل من الأشكال. .
وسيبذل جميع موظفي السلطنة حرصاً بالغاً وجهداً كبيراً لعدم الخروج عن دائرة العدل والحق، ذلك أنهم كانوا يعلمون تمام العلم بأنّ خروجهم يعني أن الدنيا ستضيق بهم بما رحبت، ويخشون إذا تمّ عزلهم لأي من الأسباب الموجبة، فإنهم «لن يحلموا ببلوغ المناصب مرة أخرى». .
ولهذا الأسباب مجتمعة فإنّ هذا السلطان العثماني الذي لقبه الغرب بالتركي الكبير أو سليمان العظيم، حاز لدى الأتراك والمسلمين إلى لقب (القانوني) الذي قد يبدو متواضعاً، ولكنه يحمل دلالات بالغة الأهمية، بحيث غطى على هيبة ملك الساسانيين أنوشيروان، وغيّبه خلف أمجاده. .
وصيت العدل الذي كان لأنوشيروان
بات الآن مخصوصاً لسلطان الزمان
فلا أنين في عهده سوى أنين الناي
ولا اعوجاج سوى في قوس رامي السنان17.





جان بردي الغزالي

شعر الإنكشارية بالامتنان من السلطان سليمان بعد اعتلائه العرش من خلال البخشيش التي تمّ توزيعه عليهم، والوعود التي قطعها لهم. . كما أنّ الشعب أيضاً استحسن تولي سلطان شاب يتمتع بالكثير من المزايا، ويشي بالكثير من الآمال، لعرش السلطنة. وهكذا لم يحدث في إسطنبول أو بقية الولايات أي تحرك يهدد سلطة الدولة.
ولكن التمرد جاء من مكان غير متوقع على الإطلاق؛ ذلك أنه وقع في إيالة الشام. فبعد استيلاء السلطان يافوز سليم خان على أراضي دولة المماليك، ترك كلاً من الشام وغزة والقدس- التي كانت تشكل جزءاً من دولتهم- تحت إمارة جان بردي الغزالي. .
كان جان بردي الغزالي أحد أسرى السلاف المتحدرين من منطقة دالماسيا18، وقد بات لاحقاً من أكثر الأمراء نفوذا لدى كل من قانصوه الغوري ومن ثم طومان باي، كما أصبح والياً على الشام. .
وأثناء حملة سليم خان على مصر، توسّط له خاير بيك19 لدى السلطان الذي عفا عنه بعد أن أعلن الغزالي الطاعة للسلطان. وأثناء عودة السلطان سليم من مصر، عينه والياً على الشام ووضع تحت إدارته سنجقي القدس وغزة أيضاً. ورغم ذلك فقد ظل الرجل يحمل بذور التمرد والرغبة في الاستقلال، ولكنه كان مدركاً جيداً لسياسة سليم خان المتشددة، فلم يجرأ على الضلوع في أي خطوة تكشف نواياه خلال سلطنته. .
ولكنه ما إن سمع بخبر وفاة السلطان حتى أعلن استقلاله تحت اسم الملك الأشرف، وسك النقود باسمه كما أمر بإلقاء الخطبة باسمه في أنحاء الشام، وبالإضافة إلى مراسلته لأمير أمراء (بكلر بيكي)20 مصر خاير بيك من أجل الانضمام إليه، فقد راسل الشاه إسماعيل الصفوي أيضاً من أجل مساندته.
ولكن خاير بيك الذي شعر بخطورة عرض الغزالي، بعث رسولاً إلى السلطان عن طريق البحر ليعلمه بالأمر، وأرفقه الرسائل التي أرسلها له الغزالي أيضاً. .
أما الشاه إسماعيل فلم يعقد الكثير من الأمل على هذا التمرد، ولكنه ظلّ يراقب الأحداث عن كثب، وكان ينوي إرسال المدد إلى الغزالي في حال حقق عصيانه النجاح، وذلك من أجل الانتقام للهزيمة التي لحقت به في تشالديران.
ولابدّ أن ما شجع الغزالي على التمرد بُعيد وفاة السلطان سليم، هو الاستفادة من اختلال السلطة أثناء انتقال العرش، وافترض أنه ومع انضمام أمير أمراء مصر إليه والمساعدة التي سيقدمها الشاه الصفوي له، سيتمكن من الاستقلال في منطقته بسهولة أثناء التقلقل الذي سيصيب مركز السلطنة، بل وسيتمكن من السيطرة على الكثير من الأراضي التابعة للعثمانيين.
لقد كان الغزالي كبير الطموحات سريع الحركة، ولكن النقطة التي لم يحسب لها الحسبان هي؛ أنّ السلطان الشاب الذي استلم العرش، كان بالمقارنة مع صغر سنه واسع التجربة، نافذ البصيرة، على قدر عظيم من الانضباط، وأنه يملك المؤهلات الكافية التي تخوله التصرف على الفور إزاء وضع مماثل. .
جمع الغزالي قواته على وجه السرعة، وانطلق نحو حلب على رأس جيشه الذي بلغ قوامه عشرين ألف جندي، ولكنه قوبل هناك بمقاومة لم يكن يتوقعها، حيث تصدت له قوات الإنكشارية التي داخل المدينة بضراوة. .
وفي تلك الأثناء كان الرسول الذي أرسله أمير أمراء مصر خاير بيك إلى العاصمة قد وصل ليعلم السلطان بأنّه سيتحرك للوقوف في وجه الغزالي. ولأنّ السلطان سليمان الذي كان قد استلم العرش للتو كان مدركاً لعواقب الاعتماد على أحد ولاته لإخماد التمرد بدل إرسال جيشه الخاص، وتأويل ذلك من قبل بقية الولاة والحكام على أنه ضعف، فقد أمر أمير أمراء مصر بعدم إرسال قواته لمحاربة جان بردي الغزالي. ولم يغب عن ذهنه في الآن ذاته احتمال انضمام قوات مصر إلى التمرد في حال واجهتهم المصاعب. .
كُلّف الوزير الثالث فرهاد باشا بقيادة قوات كل من الأناضول، قرمان وإيالة سيفاس بالإضافة إلى أربعة آلاف جندي إنكشاري من الكابى كولو، كما صدر الأمر بانضمام شيخ سوار أوغلو علي بيك ذو القادر إلى هذه القوات21.
تحرك شيخ سوار بيك على وجه السرعة مع قواته، وبلغ أسوار حلب حتى قبل وصول فرهاد باشا، وفي شهر كانون الثاني من العام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين، أجبر قوات الغزالي على الانسحاب من حلب بعد الهزيمة التي ألحقها بهم، ومن ثم انضم إلى قوات الباشا، وواجهوا الغزالي مرة أخرى في موقع قريب من الشام يدعى مصطبة. ورغم أنّ جان بردي الغزالي زجّ بكامل قواته في المعركة، لكن الجنود العثمانيين المحنكين في القتال لم يمهلوهم فرصة الفوز.
انهمرت النبال كوابل فوق الأنام
وفتحت جروحاً بحمرة الورد القاني
وحين أدركت قوات الغزالي عبثية المقاومة، اختار البعض منهم الهرب للنجاة بروحه، فيما طلب الآخرون الأمان وأعلنوا استسلامهم. أما الغزالي الذي تم إلقاء القبض عليه، فقد قطع رأسه وأرسل إلى إسطنبول دلالة إخماد التمرد والقضاء عليه22.
وعلى إثر هذه الواقعة، انتقل حكم إيالة الشام إلى أياس باشا، كما غدت سناجق القدس، غزة وصفد أيضاً تحت حكمه. أما الشاه إسماعيل الصفوي الذي كان يطمح في الانتقام من هزيمة تشالديران، ، فقد انسحب إلى قزوين مسرعاً حين رأى ما آلت إليه الأمور، خوفاً من القبضة العثمانية مرة أخرى. .
وبدوره فقد مكث فرهاد باشا لبعض الوقت في وسط الأناضول بأمر من السلطان، وواصل القضاء على حركات التمرد التي كان يقوم بها الشيعة هناك. وبعد أن استتب الاستقرار في المنطقة، والأمن على حدود السلطنة، طلب الإذن من السلطان للعودة إلى العاصمة من جديد.





أولى حملات القانوني

في الوقت التي وصل نبأ إخماد تمرد جان بردي الغزالي إلى العاصمة، كان السلطان سليمان القانوني يستعد للسير على رأس حملة لمحاربة ملك المجر. كان قد مضى وقت طويل حتى ذلك الحين على نشوب صراع أو مشاكل جدية مع المجريين، فقد كانوا مكتفين بالمناوشات الحدودية. وقد ورد في المصادر العثمانية عنهم بأنهم «قد استحقوا تلقينهم درساً قاسيا، فلم يختبروا بعد الهزيمة في الميدان، ولم تمرغ أنوفهم في التراب» لوصف حالهم والغرور الذي ألمّ بهم. .
ومن لم يذق ضربة منتقم شديد
يظن أنّ من براثنه قُدَّ الحديد23.
أصبح لايوش الثاني (لويس الثاني) بن فلادسلاس الثاني المولد عام ألف وخمسمائة وثلاثة إمبراطور ألمانيا في العام ألف وخمسمائة وخمسة عشر، كما استلم عرش والده في كل من المجر وبوهيميا24 في العام ألف وخمسمائة وستة عشر وهو لا يزال في الثالثة عشرة من العمر، وفي الثامنة عشرة من العمر تزوج ماري من آل هابسبورغ شقيقة شارلكان ملك إسبانيا، وأرشيدوق النمسا فرديناند الأول، ما زاده غروراً وثقة بالغة بالنفس، ودفعه للقيام بتحركات أكثر شدة على الحدود العثمانية.
وهكذا فإن قيامه بإهانة المبعوث العثماني الشاويش بهرام الذي أُرسل لإعلامهم بتولي السلطان سليمان العرش، ومن ثم القيام بقتله، يؤكد ما جاء في المصادر العثمانية عن صلافة هؤلاء وعنجهيتهم. وتفيد بعض المصادر بأنّ بهرام قد أُرسل من أجل مطالبتهم بالجزية. ولكن المعاملة التي تلقاها السفير كانت إعلاناً عن نقض المجريين معاهدتهم مع السلطنة، وهذا ما دفع القانوني إلى الإعلان عن تجهيز حملة عسكرية على الفور25.
وفي الأسبوع المحدد لخروج القانوني في حملته، ذهب لزيارة قبر الصحابي أبي أيوب الأنصاري26، وقبر جده الأكبر السلطان محمد الفاتح، وجده بيازيد الثاني، ووالده السلطان سليم خان، وابتهل بالأدعية، كما وزع الصدقات على الرعية ونال بها دعواتهم الصالحة27. .
وفي الثامن عشر من شهر أيار العام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين غادر إسطنبول، وبعد مسيرة عشرة أيام بلغ إدرنة التي مكث فيها ثلاثة أيام وزع فيها الكثير من الهبات والصدقات. وبينما كان في إدرنة وصل أمير أمراء روميلي أحمد باشا، وبقية قادة الأكنجي للانضمام إليه28. وانطلقوا مجدداً ليصلوا فيليبه29 في الحادي عشر من حزيران، ومن ثم صوفيا في السابع عشر من الشهر ذاته. ومن هناك واصلوا السير نحو كروسيفاتش (ألاجا حيصار) ونيش30، وعقد المجلس الحربي بحضور قادة المراكز الحدودية أيضاً. .
كان هدف القانوني الأساسي هو عبور بلغراد وبلوغ بودين31، وإلقاء القبض على عدوه في عقر داره. وبعد السيطرة على عرش الملك وقطع رأسه، سيكون من السهل عليهم السيطرة على بقية قلاعه. ولكن رجال الدولة عارضوا فكرة السلطان، وبرروا ذلك بالقول:
«قلعة بلغراد بالغة الأهمية والاستحكام، مليئة بالمحاربين الأشداء، وليس من الحكمة تجاوز قلعة كتلك والتقدم». . وقد استصوب القانوني هذه الآراء، وقرر فتح بلغراد. وبحسب الخطة سيتم حصار قلعتها من جهتي الشرق والغرب عن طريق نهري الدانوب والسافا، ليتم فصل القلعة عن بقية أراضي المجر. .
وبناء على القرار المتخذ أرسل الصدر الأعظم بيري محمد باشا، أمير أمراء روميلي إلى بلغراد، فيما أرسل الوزير الثالث أحمد باشا لحصار شاباتس32 أحد المواقع الأساسية على نهر السافا. بينما تم تكليف الريّس (الربان) دانيشمند الذي ترعرع مع القراصنة بضبط الساحل الممتد من البحر الأسود وحتى نهر الدانوب، وأرسلت قوات الأكنجي تحت قيادة كل من؛ ميهال أوغلو، تورهانلي وبالي بيك يحيى باشا زاده للتوغل في الأراضي المجرية.
كانت قلعة شاباتس قد بُنيت من قبل إسحاق بيك في عهد السلطان الفاتح، ولكن العدو تمكن من السيطرة عليها لاحقاً، وقد تمكن جنود روميلي بعد عراك شديد من إعادة السيطرة على القلعة مجدداً، حيث تكبد كلا الطرفين الكثير من الخسائر، والعديد من الجرحى33. وبعد أن وصل السلطان سليمان وتجول في القلعة أمر بتوسيعها وبناء قلعة داخلية قائلاً:
«إنها أولى القلاع التي أقوم بفتحها، ويجب أن تكون معمورة»34. .
كما أغدق العطايا على جنوده، ومنحهم المناصب بحسب الخدمات التي بذلوها. ومن ثم تابع عملية بناء الجسر على نهر السافا جالساً تحت إحدى العرائش. وخلال عشرين يوماً تمكن الجيش من عبور نهر السافاً فوجاً تلو الآخر. بينما عبر السلطان النهر في السابع والعشرين من تموز ودخل سهل سريم35.
وفي هذه الأثناء تمكن سلطان زاده خسروف بيك من السيطرة على أطراف زيمون36 الواقعة على مشارف بلغراد، والوزير الثاني جولان مصطفى باشا من فتح قلعة سالانكامين.
وقد تخلى مدافعو القلعة عن مواقعهم حال رؤيتهم للجنود العثمانيين المعسكرين أسفل أسوارها في تلك الليلة بالذات للنجاة بأرواحهم متبعين المثل (ارفع أذيال ثوبك واحتمِ بأثواب الليل) وولوا الأدبار، فلا النبال ولا رؤوس الرماح ولا حتى السيوف كانت قادرة على الوصول إليهم. أما السلطان فقد لحق بقوات الصدر الأعظم بيري باشا المحاصرة لقلعة بلغراد، ونصب خيمته على رأس تلة مرتفعة.





فتح بلغراد

تمت محاصرة بلغراد من قبل العثمانيين للمرة الأولى في عهد السلطان مراد خان الثاني، وذلك في العام ألف وأربعمائة وواحد وأربعين. ظلت القلعة تحت الحصار من جهتي البر ونهر الدانوب لمدة ستة أشهر، ولكن المقاومة الشديدة من قبل حامية القلعة، وتفشي الأمراض بين الجنود العثمانيين تسببا في رفع الحصار. أما الحصار الثاني فكان في عهد السلطان محمد الفاتح، الذي قاد الحصار بنفسه وأُصيب أثناءه، وللمرة الثانية اضطروا للانسحاب بعد أن عجزوا عن تحقيق النتيجة المأمولة.
وها هم من جديد أمام أسوار قلعة بلغراد بقيادة السلطان سليمان القانوني، في أول أيام شهر رمضان من العام تسعمائة وسبعة وعشرين هجري الموافق لشهر آب من العام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين.
ضُربت أسوار القلعة لعدة أيام بطلقات المدافع، وفي خامس ليلة من شهر رمضان الموافق للعاشر من آب استمرت المعارك حتى طلوع الفجر، حيث تم الدخول إلى إحدى حصونها الخارجية بعد أن انسحب المدافعون إلى الحصن المسمى نيبويسا37. وفي الثالث عشر من آب نفذ هجوم كبير على القلعة الداخلية، وحين رأى العدو حماسة المجاهدين، دبّ فيهم الحماس وتجاسروا بدورهم على الخروج من أسوار القلعة، لكن الصدام الشديد بين الطرفين لم يفضِ إلى نتيجة تذكر.
وفي الثامن عشر من رمضان الموافق للثالث عشر من آب تم تنفيذ هجوم كبير آخر، وكان الأبطال العثمانيون يظهرون همة وجسارة عظيمة مستمدين حماستهم من الشهر الفضيل، وكانت السماء تردد أصوات طلقات مدافعهم، فتنهار حجارة الأسوار كندف القطن تحت وطأتها، وقد استشهد والي بورصة بهرام بيك خلال هذا الهجوم، فيما جرح كاراجا أحمد باشا. ولكن الهدف المنشود لم يتحقق وعجز الفاتحون عن دخول القلعة مرة أخرى.
وعلى إثر ذلك تم حفر أنفاق أسفل الأسوار، ووُضع فيها البارود والألغام، حيث زلزلت الأرض واهتزت الآفاق لانفجارها، وتمكنوا بذلك من دكّ حصن نيبويسا الذي بات ركاماً، بعد أن فقد معظم المدافعين عنه حياتهم، وهكذا بدأت علائم الفتح بالظهور38.
جمع يلاشكو أحد قادة حامية القلعة رجاله في اجتماع لتقييم الوضع، وقرروا الموافقة على تسليم القلعة سلماً، بشرط الأمان على أرواحهم.
وبذلك تم تسليم قلعة بلغراد في الثلاثين من آب الموافق للسادس والعشرين من شهر رمضان، بعد أخذ الأمان. ومن ثم سُمح لقادة القلعة المثول أمام السلطان بعد تقبيل الأرض بين يديه، فعفا عن أرواحهم وأرواح عوائلهم وعن أموالهم، وسمح لهم بالمغادرة عن طريق نهر الدانوب. بينما تم نقل السكان ذوي الأصول الصربية برفقة أسرهم وأموالهم إلى العاصمة حيث أُسكنوا جوار منطقة يدي كولة، وهم من سيؤسسون حي بلغراد في تلك المنطقة39.
تناقلت الكثير من المصادر التاريخية فتح بلغراد. وفي تلك الليلة كانت سورة الفتح تتلى في كل الجهات، فيما كان اليوم الذي يليه يصادف الجمعة، حيث صلى السلطان سليمان برفقة جميع جنده صلاة الجمعة في الكنيسة التي تمّ تحويلها إلى جامع، وتلوا أدعية الحمد بعد إقامة الصلاة.
وقد أرسل السلطان الفتح نامه40 إلى كل القضاة في أرجاء سلطنته، ليبلغهم بفتح بلغراد، والتي نصت على وقائع الحملة والحصار ومجريات الفتح، بأسلوب أدبي بليغ تتخلله الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما امتدح فيها خصال وزرائه وعلى وجه الخصوص الصدر الأعظم منهم. كما حصل على تبريك نامه من قبل كل من شيخ سوار علي بيك حاكم ذو القادر، والوزير فرهاد الباشا اللذين أرسل لهما السلطان الفتح نامات. ومن جهة أخرى أرسل السلطان إلى دوق البندقية مبعوثه خليل شاويش ليسلمه واحدة من هذه الفتح نامات، حيث استُقبل استقبالاً رسمياً من قبل مجلس الشيوخ.
عقب ذلك تم تكليف البُناة بإعادة ترميم الأجزاء التي تهدمت من قلعة بلغراد، كما نصت الأوامر على بناء الجوامع والمساجد والتكايا، بالإضافة للعمارات والحمامات داخل أسوار الحصن وخارجها. وتم تعيين قاضٍ وقائد عسكري على رأس الحامية التي جُهزّت بالأسلحة والذخائر اللازمة، وتم تخصيص عشرين ألف ذهبية من الخزينة لتلبية هذه الاحتياجات، كما تركوا لهم مائتي مدفع أيضاً. .
ضم السلطان كلاً من بلغراد وسميديريفو41 في سنجق واحد خصص له تسعمائة ألف أكجة42، ووضعها تحت حكم أمير البوسنة يحيى باشا أوغلو بالي بيك، وعين خسروف بيك في منصب أمير أمراء البوسنة الذي بات شاغراً. .
واعتباراً من هذا التاريخ أصبحت بلغراد التي اكتسبت طابعاً تركياً إسلامياً خلال وقت وجيز، إحدى أهم القواعد العثمانية أثناء حملات السلطنة على أوروبا، وباتت تسمى بدار الجهاد43.
في السادس عشر من شهر أيلول اجتاز السلطان القانوني نهار السافا، للبدء برحلة العودة، وحين بلوغه مدينة سميديريفو تلقى خبر وفاة ابنه الأصغر الأمير مراد، حيث لم يتمكن من حبس دموعه، ومن أجل التغلب على حزنه ونسيان مصابه، أمضى وقته في ممارسة الصيد في سهل أوزونجا الواقع بين إدرنة وفيليبة، ووصل إسطنبول في الواحد والعشرين من شهر تشرين الأول العام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين.
ولكنه فجع بموت ابنه الآخر الأمير محمود البالغ تسعة أعوام في نهاية الشهر ذاته، وكان رجال الدولة ممن يأتون لتعزية السلطان، يعزونه بالقول:
الشمس باقية الإشراق وإن غاب عنا البدر
فليكن البقاء لمن هو في العالم كبرعم الزهر44.





الاتفاقيات

ما إن استقر السلطان في العاصمة، حتى بدأ الديوان الهمايوني45 الذي كان يعقد بتواتر، يستقبل سفراء كل من راغوزا46، البندقية وروسيا حاملين رسائل التهنئة. كان سفراء راغوزا يطلبون موافقة السلطان ليتمكنوا من شراء الذخيرة التي تحتاجها بلادهم من الدولة العثمانية.
أما رسول القيصر الروسي فاسيلي الذي كان يحمل رسالة التهنئة بجلوس السلطان على العرش، فقد أوضح شكوى بلاده من هجمات خانية القرم47 المستمرة على حدودهم. وبدوره أرسل السلطان الشاب إلى الخان محمد غيراي ليحذره من عدم التعرض للروس وإزعاجهم.
ونصت الرسالة التي حملها منكوب بيك أحد أمراء خانية القرم إلى القيصر الروسي، على رغبة السلطان في مواصلة حسن الجوار بين الدولتين، وعلى مشاعر الصداقة التي يكنها لهم. ولم يرغب القيصر بدوره في إضاعة هذه الفرصة، حيث أرسل مبعوثاً جديداً هو جان موروزوف، لعقد اتفاقية جديدة مع السلطان. ولكنه لم يتمكن من الحصول على أكثر من ذلك.
ذلك أنّ الاتفاقية التي عُقدت مع البندقية وتجديد امتيازاتهم السابقة كانت أكثر أهمية، حيث تمكن سفير البندقية ماركو ميمّو في العام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين من عقد معاهدة مع السلطنة مكونة من ثلاثين بنداً.
كانت المعاهدة تنص على حرية التجارة وإحلال الأمن، وتعيين سفير جديد من قبل البندقية في إسطنبول كل ثلاث سنوات.
بالإضافة إلى إعادة العبيد الهاربين إلى البندقية، وأما من دخل منهم الإسلام فسيتم افتداؤه بألف أكجة.
كما سيتم تحرير الأسرى وتبادلهم بين الطرفين، ولن يتم التعرض للمنكوبين في البحر.
ويعتبر كل ربّان مسؤولاً عن سفينته، وسيتم إعادة الهاربين من القتلة والمجرمين من قبل الطرفين وتسليمهم إلى بلادهم.
وسيحضر المترجمون الدعاوي القضائية بين رعايا كل من الدولتين في جلسات المحاكم، ولن يتم سجن السفير بسبب ديون أي من رعايا البندقية.
لا يسمح للتجار البنادقة بالتجول في الأراضي التابعة للدولة العثمانية دون تصريح رسمي من السفير.
كما سينظر السفير في الدعاوي القضائية المتعلقة بالميراث لرعايا البندقية.
ولن يتم منع تجار البندقية من التجارة مع بلاد البربر كتونس والجزائر وليبيا.
ستخضع سفن البندقية الداخلة إلى ميناء إسطنبول للفحص والتفتيش، بينما ستعفى من هذا الإجراء في حين دخولها ميناء غاليبولي48.
كما ستدفع جمهورية البندقية جزية سنوية عن كل من جزيرتي قبرص وزانته49 مقدارها عشرة آلاف دوقة عن إحداها وخمسمائة دوقة50 عن الأخرى51.
هذه المعاهدة التي أبرمت في أولى سنوات عهد القانوني، ستغدو بمثابة أساس لبقية المعاهدات التي عقدها هذا السلطان مع بقية الدول المعاصرة لحكمه.





صوب رودس

مضى ذلك الشتاء في عقد جلسات الديوان وأعمال البناء، حيث تم الانتهاء رويداً رويدا من بناء جامع السلطان يافوز سليم خان في إسطنبول، كما تم تحصين قلعة هافالة القريبة من بلغراد، وأصبحت مدينة كافالا52 على ساحل البحر المتوسط، إحدى المدن الحصينة، حيث كان ألف عامل في ترسانتها يقومون ببناء أسطولها الجديد وتجهيزه.
ومع حلول الربيع بات من الواضح أنّ الهدف هو جزيرة رودس التي تشكل إحدى أهم معاقل الحامية المسيحية، والتي اكتسب موقعها أهمية إضافية بعد فتح مصر بشكل خاص.
كانت هناك الكثير من الأسباب التي تدعوا العثمانيين لفتح القلعة، وعلى رأسها الأضرار التي كان فرسان رودس53 يلحقونها بالتجارة البحرية للأتراك في البحر المتوسط، والتجاوزات التي يرتكبونها بحق رحلات الحج، إلى جانب المعاملة السيئة التي يعاملون بها الأسرى المسلمين المتواجدين على الجزيرة والذين كان عددهم يتراوح بين خمسة وستة آلاف أسير، وإجبارهم على العمل في شروط بالغة القساوة، بالإضافة إلى الدعم الذي قدموه لجان بردي الغزالي أثناء التمرد الذي قام به، كل هذا كان من بين أهم عوامل الفتح54.
ورغم ذلك فخلال المناقشات الدائرة في جلسات الديوان الهمايوني بخصوص السيطرة على رودس، كانت معظم الآراء رافضة لفكرة الحملة عليها. فسمة الفرسان كمحاربين أشداء، وحصانة قلعتها كانتا تنبئان باستمرار الحصار لفترة طويلة، بالإضافة إلى صلات الأوروبيين الوثيقة بالجزيرة، والتي ستدفعهم إلى تقديم العون لها دون تأخر، ولجملة هذه الأسباب كانوا يرفضون الخوض في مغامرة خطرة ستبوء بالفشل.
بينما كان كل من الصدر الأعظم بيري محمد باشا، والوزير الثاني جوبان مصطفى باشا، والبحار الشهير الريّس كورد أوغلو مصلح الدين من أشد المناصرين للحملة، فهؤلاء كانوا مقتنعين أنه ما من سبب يدعو للقلق من تدخل أوروبي، ومع اتفاق السلطان والصدر الأعظم على الرأي ذاته، أصدر الديوان الهمايوني قراراً نهائياً بفتح الجزيرة.
وانطلاقاً من ذلك التاريخ بدأت الحكومة العثمانية في مراسلة قائد فرسان الجزيرة (فيليب دي ليل آدام) دون إشعاره بمقاصدها الحقيقية من جهة، ومن جهة أخرى كانت تحاول الحصول على معلومات عن الجزيرة بوساطة الجواسيس الذين تمكنت من زرعهم فيها وجندتهم لصالحها. وبالمقابل فقد علم قائد الفرسان عن طريق جواسيسه بأنّه الهدف من التجهيزات القائمة في إسطنبول، وأخذ بدوره في تعزيز دفاعاته، كما طلب المساعدة من البابا ومن ملك فرنسا، ولم يغفل عن تخزين مؤن وذخائر كافية لتلبية احتياجات الجزيرة لعام كامل.
رغم أنّ الوزير أحمد باشا كان يرغب في قيادة الحملة المتجهة إلى رودس، فقد تم تعيين الوزير الثاني جوبان مصطفى باشا قائداً على الحملة، وذلك بتوصية من الصدر الأعظم بيري محمد باشا، ووضع تحت تصرفه الأسطول المحكم الذي تم تجهيزه في عهد السلطان يافوز سليم خان، وكان بولاك مصطفى باشا هو قائد الأسطول.
في الخامس من حزيران العام ألف وخمسمائة واثنين وعشرين قام السلطان القانوني بإرسال القائد مصطفى باشا برفقة أسطول مكون من ثلاثمائة سفينة على رأس الحملة، ومن ثم انطلق هو أيضاً في السادس عشر من الشهر ذاته، وحين وصوله إلى أوسكودار، كانت المنطقة برمتها قد غدت بستاناً تزينه الرايات زاهية الألوان، ومع انتهاء حزيران كان قد بلغ كوتاهيا، حيث كان كل من أمير أمراء الأناضول قاسم باشا، وأمير أمراء روميلي أياس باشا ينتظران السلطان هناك برفقة قواتهما، وقد وصل تعداد الجيش إلى مائة ألف جندي.
وبحسب تعبير كمال باشا زاده، فقد كان الجيش من الضخامة بحيث لو شربت خيولهم من نهر الفرات، لجفت مياهه، وبات فيه الوضوء تيمماً لا اغتسالاً. ومن أجل الحيلولة دون وقوع الازدحام أثناء العبور من الطرق الضيقة، كان كل واحد من أمير الأمراء يقود جيوشه من طريق مختلف55.
وبينما كان السلطان سليمان في منطقة كاراباغ في منطقة موغلا، وصل رسول فرهاد باشا من سيفاس ليعلم السلطان بقتله لشيخ سوار أوغلو علي بيك.
كانت الشكاوى قد بدأت تتواتر في الوصول بحق شيخ سوار أوغلو علي بيك الذي ينتمي لعائلة ذو القادر، والذي قدم الكثير من الخدمات للدولة. ولكنه كان يتصرف وفق أهوائه في كل من منتيش والبستان وبقية المناطق التابعة لإدارته، ليقتل من يشاء ويصادر أموالهم. حتى أنّ بعض المصادر تتحدث عن وجود شبهة حول نيته بإعلان استقلاله، واستناداً لذلك فقد كلّف القانوني فرهاد باشا بمهمة معاقبته56. بينما تورد مصادر أخرى بأنّ ما حصل كان نتيجة حقد فرهاد باشا عليه والعداوة التي يكنها له57.
وصل القانوني في الثامن والعشرين من تموز العام ألف وخمسمائة واثنين وعشرين إلى مشارف مرمريس58، ولمنع حدوث الزحام، سبقته معظم الفرق الأخرى في الوصول إلى جزيرة رودس وفي الثلاثين من تموز وصل السلطان أيضاً إلى الجزيرة.
أضرم فيليب دي ليل آدام قائد فرسان سان جان وفرسان رودس النيران في قرى رودس، وهدم معظم المنازل والأبنية، وساق أهالي القرى للعمل في ترميم القلعة وسد الثغور فيها. وقد أنيطت مهمة الدفاع عن أبراج القلعة السبعة بخليط من فرسان ثمانية شعوب هم: الفرنسيون، البريطانيون، الإسبان، البرتغال، الإيطاليون، الأفيرون، والبروفنس. 59
أما القانوني الذي وصل رودس فقد رتب قواته شمالي القلعة وجنوبها على الشكل التالي: تموضعت الميمنة بقيادة أياس باشا أمير أمراء روميلي وقواته قبالة أبراج الفرنسيين والألمان، وإلى جواره كان الوزير الثالث أحمد باشا مع قواته يحاصرون البرج الإسباني، وفي المركز كان الوزير الثاني مصطفى باشا يتموضع قبالة البرج الإنكليزي، ومع الاتجاه نحو جنوب شرق المدينة كانت قوات الأناضول تحت قيادة قاسم باشا وقوات الصدر الأعظم بيري محمد باشا تقابل أبراج الأفيرون والبروفنس60.





المواجهات العنيفة

قبيل بدء الحصار أرسل السلطان سليمان القانوني رسالة إلى قائد الفرسان يعرض عليه قبول الطاعة، وسيضمن بذلك حريتهم ولن يتعرض لأموالهم، لكنه لم يحصل على نتيجة إيجابية.
وفي الأول من آب سار أياس باشا أمير أمراء روميلي مع قواته نحو البرج الموضوع تحت حماية الفرسان الألمان معلناً بذلك بدء الحصار، فأمطر واحد وعشرون مدفعاً البرج بالنيران، وأمطر اثنان وعشرون مدفعاً حصن سانت نيكولاس في الوقت ذاته. بينما صوب أربعة عشر مدفعاً النيران على برجي الإسبان والإنكليز.
وقد أمضى المحاصَرون والمحاصِرون معظم شهر آب في حفر الأنفاق من كل جهة، وبفضل مهارات المهندس غابرييل مارتينينغو بندقي الأصل، فقد كان لمناورات الأنفاق من قبل الفرسان نتائج كبيرة، وهذا ما منع العثمانيين من الحصول على النتائج المرجوة من عمليات حفر الأنفاق. ولكنهم تمكنوا في الرابع من أيلول من الإطاحة بالجزء الجنوبي من برج الإنكليز ودكّه، ومن خلال الثغور التي فتحت سار المهاجمون وتمكنوا من إنزال سبع رايات مسيحية، ولكنهم اضطروا للانسحاب إزاء المقاومة الشديدة التي واجهتهم.
أعقب ذلك هجومان بالغا العنف في العاشر والثالث عشر من شهر أيلول، ولكنهما لم يكونا هجوماً عاماً وإنما معارك شديدة بين فريق من المحاصِرين وبين المدافعين من الفرسان الإنكليز.
أما في الرابع والعشرين من أيلول فقد أعلن عن هجوم عام على كل الخطوط الدفاعية للعدو، وكان المنادون يتجولون منذ الظهيرة وحتى منتصف الليل بين صفوف الجيش العثماني وهم يعلنون:
«سيبدأ الهجوم في الغد، فالحجارة والأرض ملك للسلطان، أما المال والدماء فهي غنائم للمنتصرين». . ومع شروق الشمس توجهت الفرق العثمانية نحو شمال جنوب وشرق المدينة، واستطاع آغا الإنكشارية الدخول إلى البرج الذي كان الإسبان يدافعون عنه، ورفع رايته فوقه. ولكن هذا التفوق لم يستمر سوى لوقت قصير، حيث عادت كل الأبراج إلى نفوذ المسيحيين، وأخذت الحجارة والجذوع الخشبية، والأوتاد الشائكة تنهال من كل أسوار القلعة بغزارة. حتى غدا ذلك اليوم صورة ليوم القيامة، وكان القتال من الشدة حتى امتلأت تحصينات كلا الطرفين بأجساد مقطوعة الرؤوس، كما جرح بالي بيك والي سنجق تيكه61، وانفصلت رؤوس الكثير من الفرسان عن الأعناق كما تنفصل البراعم عن سيقانها، وأخيراً مات من مات وعاد من بقي منهم حياً62.
كان هذا الهجوم من بين أكثر الحملات التي وقعت أثناء الحصار روعة، حيث أظهرت حتى النساء إلى جانب فرسان الجزيرة وحاميتها بطولات قلّ نظيرها. فلم يؤثر منظر الدماء المتدفقة المرعب على معنوياتهن، بل اندفع قسم منهن لمواساة الجرحى والمجهدين من الفرسان وتقديم الخبز والشراب لمدهم بالقوة مجدداً، بينما القسم الآخر منهن كان يحمل التراب لسد الثغرات في الأسوار، والحجارة لرميها على المهاجمين.
وقد استاء السلطان حين رأى أنّ الهجوم لم يثمر عن نتيجة مرضية، وألقى باللوم في الاجتماع الذي انعقد لاحقاً، على كل من الوزير الثالث أحمد باشا، وأمير أمراء روميلي أياس باشا. فحين لم يتبادل الجند المساعدة فيما بينهم ذهبت جهودهم هباءً، وعجزت الصفوف الأمامية عن التقدم أكثر بسبب عدم انضمام بقية الجنود إليهم. . وبعد أن بلغت هذه المعلومات مسامع السلطان، قام بعزل أياس باشا وحبسه، ولكنه نال العفو وعاد إلى منصبه القديم قبل مضي وقت طويل، وذلك بناء على تدخل إبراهيم باشا وشفاعته63.
ولكن الخبر الذي وصل في الثاني من تشرين الأول العام ألف وخمسمائة واثنين وعشرين، كان كفيلاً بإسعاد السلطان سعادة بالغة، حيث وُلد نجم جديد في سماء السلطنة، وقد أُطلق على الأمير الذي أنجبته السلطانة هُرَّم اسم والده سليم خان.
وفي السابع من الشهر ذاته توفي والي مصر خاير بيك، وحين وصل الخبر إلى السلطان، عيّن مكانه الوزير الثاني مصطفى باشا الذي كان قد كلّف بقيادة الحملة على ولاية مصر. وقد باشر الباشا بالاستعدادات اللازمة على الفور وغادر المعسكر متجهاً نحو مصر. بينما منح منصب الوزير الثاني بالإضافة لقيادة الجيش إلى أحمد باشا.
وبالاستناد إلى ما قاله إبراهيم بيجفي64، كان أحمد باشا معروفاً بأنانيته، وجلّ طموحه هو الحصول على منصب الصدر الأعظم. وكان يعلل إطالة فترة الحصار في كل مرة إلى تطبيقات كل من إبراهيم باشا والصدر الأعظم بيري باشا، ويوغر صدر السلطان عليهما، وقد بات أكثر قرباً من هدفه الآن بعد حصوله على منصب الوزير الثاني65. كما انتقل منصب قيادة الأسطول من بولاك مصطفى باشا إلى بهرام بيك.
عاود أحمد باشا الهجوم على البرج الإنكليزي في الثاني عشر من تشرين الثاني، وبحسب ما أورده المحاصَرون، فإن الهجمات العنيفة التي استمرت لثلاثة أسابيع والتي تزايدت وتيرتها بمرور الوقت، مكنت القوات العثمانية من ضرب طوق محكم حول الجزيرة، في الوقت الذي بدأ الإرهاق يظهر على المدافعين، وأخذت مؤنهم بالنفاذ، ورغم ارتفاع مستوى الخسائر التي تكبدها الجيش العثماني، لكن عزائم المدافعين كانت تنهار إزاء إصرار المحاصِرين. وهكذا فقد اضطروا إلى مراجعة السلطان في العاشر من كانون الأول العام ألف وخمسمائة واثنين وعشرين.
في الحقيقة ربما كانت هذه الخطوة آخر مناورة من قبل قائد الفرسان الذي أدرك أنّ القلعة وشيكة السقوط، ذلك أنّ المعاهدة التي وقعها السلطان بيازيد الثاني مع فرسان رودس بعد حادثة أخيه السلطان جيم، كانت تنص في إحدى فقراتها على أنه لو قام أحد من أحفاده بمقاتلة فرسان رودس فستصب عليه اللعنة. وقد أرسل قائد الفرسان نص المعاهدة إلى السلطان سليمان، الذي قرأها ثم قام بتمزيقها ورميها، وأخبر الرسل بأنهم ما لم يسلّموا القلعة خلال ثلاثة أيام، فسيقوم بتدمير رودس عن بكرة أبيها، وعلى إثر ذلك انقطعت المراسلات.
ولكن السفينة التي وصلت في الحادي عشر من كانون الأول محملة بالمساعدات، واستطاعت بلوغ القلعة، رفعت من معنويات المدافعين إلى درجة كبيرة، وغذوا الأمل في أن يرفع الأتراك الحصار عن الجزيرة إزاء وصول هذه الإمدادات، بالتزامن مع ازدياد قسوة الطقس بحلول الشتاء.
في هذا الوقت بالذات انطلق فرهاد باشا مع قواته المتواجدة في سيفاس للتوجه نحو الجزيرة، فعادت طبول الحرب لتدق من جديد في الثامن عشر من كانون الأول، حيث قادت هذه القوات التي وصلت للتو هجوماً كبيراً على البرج الإسباني، فمزقت الكثير من الصدور وعلت آهاتها كأنين النايات، وقصمت الكثير من القامات لتغدو كعيدان القصب المكسورة، وبلغت خسائر كل من الطرفين أكثر من ألف جسد واراه الثرى، وأخيراً تمكن الأتراك من مطاردة الفرسان حتى الحصون والخنادق المؤدية لقلب المدينة، وسيطروا بذلك على البرج.
وبذلك انهارت كل آمال الفرسان، وتغلغل اليأس بمرارته إلى قلوبهم، وفي النهاية وافق قائد الفرسان الذي أدرك أنّ النهاية المقدّرة باتت وشيكة، وأنهم غير قادرين على تحمل تبعات هجوم عمومي آخر، على تسليم القلعة مقابل بعض الشروط66.
وكانت هذه هي الشروط:
للمسيحيين الذي سيبقون في الجزيرة، مطلق الحرية في ممارسة طقوسهم الدينية.
لن يتم تطبيق نظام الدوشيرمة67 على سكان الجزيرة وسوقهم للانضمام لفرق الكابى كولو.
سيُعفى سكان الجزيرة من دفع الفدية لمدة خمس سنوات متتالية.
يحق للراغبين منهم ترك الجزيرة خلال ثلاث سنوات.
سيتم نقل فرسان الجزيرة المتجهين إلى ميناء كاندية68 على ظهر السفن العثمانية.
سيتم إخلاء الجزيرة خلال اثني عشر يوماً ومن ثمَّ تسليمها.
ومع الموافقة على شروط قائد الفرسان تم توقيع المعاهدة في السادس والعشرين من كانون الأول العام ألف وخمسمائة واثنين وخمسين69.





العثمانيون في رودس

بعد توقيع الاتفاقية دخل كل من الوزير الثاني أحمد باشا مع الكيتهودا70 الخاص به بيازيد جلبي، والصدر الأعظم بيري محمد باشا وآغا القوات الإنكشارية برفقة حاشيتهم إلى القلعة.
ومع موعد صلاة الظهر ارتفعت أصوات التكبير والأدعية من الخيمة الهمايونية، وأخذت الطبول والنّقارات تدق، وارتفع علما الإنكشارية الأحمر والأصفر فوق برج العرب (سانت نيكولاس) وبدأ عزف الميهتار71، ومن ثم بدأ المؤذنون برفع الآذان والدعاء باسم السلطان.
كانت كنيسة سانت جان التي تتوسط قلب المدينة إحدى الكنائس التي قلّ مثيلها في العالم بسبب ارتفاعها وضخامتها، وقد أخرج منها العثمانيون اللوحات وبقية الرموز المسيحية، ومن ثم قاموا بتحويل هذه الكنيسة إلى جامع، وبنوا محراباً داخلها.
كما تم تخليص الأسرى المسلمين الذي بلغ عددهم أربعة آلاف وخمسمائة أسير داخل القلعة، وكان هؤلاء التعساء ينتمون إلى مختلف البلدان والأقوام، وبينهم الدراويش والأسياد والكثيرون منهم كانوا من طائفة العلماء أيضاً. حيث ربطت أعناق البعض منهم بالسلاسل والأصفاد، فيما كان قسم آخر مغلولاً من جذعه أو من قدميه ويديه. . وحين فكّت أغلالهم وباتوا أحراراً رفعوا أيديهم بالدعاء للدولة العثمانية وللسلطان الذي أنعم عليهم بالحرية72. .
وفي اليوم التالي المصادف للأول من كانون الثاني العام ألف وخمسمائة وثلاثة وعشرين، جاء القائد الأعلى مع بعض من فرسانه إلى المعسكر العثماني، ولكنهم اضطروا للوقوف وقتاً طويلاً أمام خيمة السلطان بانتظار انتهاء الديوان المنعقد في ذلك اليوم. وحين مثوله بين يدي السلطان، قام بتقبيل يده وقدم له ثلاث مزهريات من الذهب، كما واساه السلطان بدوره مبيناً له أنّ خسارة البلدان والمدن هو قدر الحكام، وحاول التخفيف من وقع الهزيمة على نفسه، وتعهد لهم مرة أخرى بحريتهم في المغادرة حين يشاؤون، وبعد أن غادر فيليب دي ليل آدام، التفت السلطان سليمان نحو إبراهيم باشا قائلاً:
«في الحقيقة لن أقول أنني غير آسف على إجبار هذا المسيحي في شيخوخته على ترك بيته وأملاكه»73.
وفي تلك الليلة بالذات غادر خمسة آلاف من فرسان هذه الفرقة- الذين تسببوا للعثمانيين بالكثير من المشاق على امتداد عدة قرون- على ظهر سفن النقل التي أمنها لهم العثمانيون، برفقة كل أموالهم وممتلكاتهم، بل وحتى حيواناتهم أيضاً، متجهين من رودس نحو مالطة74.
وكان من المعلوم أنّ مراد بن جيم75 يقيم في الجزيرة، وقد أوضح السلطان قبل دخول مدينة رودس، وبصورة حاسمة، لقائد الفرسان بأنه ما لم يسلمه مراد بن جيم، فلن يطبق أي بند من بنود الاتفاقية، ولن يسمح لأي منهم ببلوغ الميناء. وبناء على ذلك تمّ تسليمه مراد وزوجته برفقة ابنه وابنتيه الاثنتين، حيث أمر السلطان بخنق الأمير وابنه، بينما أرسل زوجته وابنتيه إلى إسطنبول76.
وبعد أن أصبحت رودس خاضعة لنفوذ السلطنة العثمانية، أقام السلطان سليمان القانوني فيها أول صلاة جمعة حيث أمّهم المفتي وشيخ الإسلام زِمبيللي علي أفندي وخطب الخطبة، وذلك في كاتدرائية سانت جان التي تحولت إلى جامع. .
وقد عُيّن البحّار الشهير الريّس كورد أوغلو مصلح الدين والياً على سنجق رودس، وترك فيها خمسمائة جندي بالإضافة لخمسمائة إنكشاري كقوة حامية للجزيرة.
ومع فتح رودس، أصبحت قلاع كل من تاهتالو، إستانكوي، بودروم، إينجيلري، إيللاكي وسونبكي التي كانت تتبع لسلطة الجزيرة، تحت النفوذ العثماني، حيث عين في كل قلعة منها قائد حامية بالإضافة إلى قاضٍ77.
وقد أرسلت الفتح نامات إلى كل القضاة وخانية القرم وإلى مكة المكرمة، بالإضافة إلى كل الملوك والحكام الذين تربطهم علاقات بالسلطنة. وغادر السلطان في الثاني من كانون الثاني العام ألف وخمسمائة وثلاثة وعشرين رودس متجهاً نحو مرمريس، ووصل إسطنبول في أوائل شهر شباط. وكما ردت الأناضول برسائل التهنئة على الفتح نامات التي وصلتها بمناسبة فتح رودس، فقد قام الشاه إسماعيل ولأول مرة منذ جلوس السلطان على العرش بالقيام بواجب العزاء والتبريك في الآن ذاته، حيث أرسل برفقة مبعوثه إلى السلطنة رسالة أخرى تبين سرور الشاه من قيام السلطان بفتح رودس.





صدارة إبراهيم باشا

أثبت خاير بيك الذي عينه السلطان يافوز سليم خان والياً على مصر، ولاءه للدولة العثمانية سواء بعد وفاة السلطان أو خلال تمرد الغزالي. وأثناء حصار رودس أرسل أسطولاً مكوناً من عشرين سفينة حربية مجهزة تحت قيادة صهره كايت بيك من أجل الانضمام لقوات السلطان سليمان.
وقد اصطحبوا معهم راية العقاب العائدة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم والتي كانت الحافز لفوز المسلمين على الدوام، وهذا ما جعل السلطان يسرّ سروراً عظيماً من هذه الهدية. وقد بذلت هذه القوات المؤلفة من سبعة شيوخ من العرب بالإضافة لجنودهم جهوداً كبيرة أثناء الحصار، ولهذا السبب فقد سمي برج سانت نيكولاس ببرج العرب.
كانت هذه الخدمة الأخيرة التي قدمها خاير بيك للدولة، حيث وصل خبر وفاته إلى السلطان في رودس قبل مضي وقت طويل، وقد عيّن صهره الوزير الثاني جوبان مصطفى باشا والياً على مصر.
وفي الوقت الذي وصل فيه مصطفى باشا إلى القاهرة، كان الشراكس الراغبين في إعادة دولتهم المملوكية قد بدؤوا في التحرك مستغلين فرصة وفاة الوالي، وقد قرروا الهجوم على الديوان والقبض على الباشا ومن ثم السيطرة على مصر، وكان يتزعمهم كل من قانصوه قائد الإسطبلات، والخزندار مصر بيك والتوفيكجي باشي78. ولكن الباشا علم بمخططاتهم في الوقت المناسب وتم القبض عليهم وإعدامهم.
وقد استغل اثنان من أعيان الشراكس هما جانم وإينال هذه الحادثة وقادا التمرد الذي ضم عشرين ألف جندي، كما بعثوا بالرسائل إلى الجوار بهدف جمع المؤيدين، معلنين فيها إعفاءهم من الجزية لعام كامل، وتخفيض مقدارها إلى النصف في حال تقديم العون لهم، وأعلنوا إينال كاشفي سلطاناً لهم، والذي وصل به الأمر إلى القيام بالإعلان عن اليوم الذي سيدخل فيه القاهرة في كل الأرجاء.
وعلى الفور سار مصطفى باشا على رأس القوات الإنكشارية من أجل ضبط التمرد، وقد دارت بين الطرفين معركة شديدة الوطأة بالقرب من الريدانية، حيث ألحق الإنكشاريون هزيمة ماحقة بالمتمردين وبددوا شملهم. كما قبضوا على متزعمي التمرد الاثنين وقطعوا رأسيهما، ليعلّقا على باب الزويلة في القاهرة79.
وبعد أن قام مصطفى باشا بتخفيض بعض الضرائب التي كان الشعب يرزح تحت وطأتها، وتمكن من كسب محبتهم، تم استدعاؤه إلى إسطنبول بناءً على رجاء من زوجته السلطانة. وعّين بدلا منه أمير الركب السلطاني غوزِلجه قاسم بيك.
وبالمقابل كان أحمد باشا الذي حلّ مكان مصطفى باشا- بعد أن ترك الأخير منصبه إثر تعيينه والياً على مصر خلفاً لخاير بيك- وتقلّد منصب الوزير الثاني، يغذي الآمال من أجل الحصول على منصب الصدارة، ولهذا السبب كان يحاول استغلال كل الفرص للنيل من الصدر الأعظم بيري محمد باشا، ويوغر صدر السلطان الشاب عليه، وكان هذا الأخير الذي يأخذ بكلام وزيره يضيق الخناق على بيري محمد باشا مع مرور الوقت، ومع إرسال جوبان مصطفى باشا إلى مصر، بات الرجل العجوز بمفرده. .
ومع العودة من حملة رودس أخذ أحمد باشا يزيد من حملاته على الصدر الأعظم بيري محمد باشا بشكل كبير، وهذا ما تسبب في فقدان الصدر الأعظم لمكانته لدى السلطان. وكانت النتيجة إحالة بيري باشا إلى التقاعد من منصب الصدارة في الثامن والعشرين من حزيران العام ألف وخمسمائة وثلاثة وعشرين80. حيث انزوى الرجل في مزرعته في سيليفري81، وعاش هناك لمدة عشرة أعوام حتى وفاته سنة ألف وخمسمائة واثنين وثلاثين.
وكان أحمد باشا ينتظر اليوم الذي سيتم فيه استدعاؤه لتقلد منصب الصدارة، ولكن السلطان كان مدركاً لطباع الباشا الماكرة، ولهذا السبب قام بحركة مخالفة للقواعد المعمول بها حتى ذلك الوقت، حيث عيّن الخاص أوضا باشي82 إبراهيم آغا الذي رافقه أثناء عودته من مانيسا، أمير أمراء روميلي وصدراً أعظم في الآن ذاته وذلك في شهر تموز من العام ألف وخمسمائة وثلاثة وعشرين83.
وبسبب قلة خبرة الصدر الأعظم الجديد فقد تم تكليف جلال زاده مصطفى بيك أحد كتبة الديوان- والذي كان يعمل كاتباً لدى بيري باشا- رئيس قلم لدى إبراهيم باشا، بسبب خبرته الواسعة.
كان القرار صدمة قوية لأحمد باشا الذي انتظر الحصول على منصب الصدارة منذ سنوات طويلة، فلم تعد به رغبة في البقاء في إسطنبول، لذا رجا السلطان لكي يعينه والياً على مصر، رغم أنه لم تمضِ سوى عدة شهور على استدعاء جوبان مصطفى باشا من مصر إلى العاصمة، وتعيين قاسم بيك في مكانه.
وبالمقابل فإنّ مصطفى العائد من مصر، قد أوضح للسلطان بصورة مفصلة المشاكل التي تعاني منها المنطقة، والتدابير الكفيلة بضمها إلى أراضي السلطنة في أقرب فرصة. وبناء على هذه المستجدات فقد وافق القانوني على تعيين أحمد باشا- الذي رافق والده السلطان إلى مصر أثناء فتحها- والياً على مصر، ذلك أنه صاحب خبرة. كما أنه كان مدركاً للمنافسة الدائمة التي ستخيم على الديوان الهمايوني بين أحمد باشا وإبراهيم باشا، مما سيتسبب في العديد من المشاكل والخلافات.





تمرد أحمد باشا

تعرض أحمد باشا لخيبة أمل كبيرة مما جرى، بعد أن بات متيقناً من أنه أصبح قاب قوسين من منصب الصدارة. كان أحمد باشا المتحدر من أصول جورجية، قد عمل آمر الإسطبل لسنوات طويلة قبل أن يتقلد منصب أمير أمراء في عهد السلطان يافوز سليم، حيث تمكن من إثبات قوة شخصيته، وبعد حملة بلغراد تمّت ترقيته إلى وزير في الديوان. ومع ضياع فرصته في الحصول على منصب الصدارة، لم يعد يرغب البقاء في إسطنبول، حيث طلب تعيينه والياً على مصر وحصل على مراده. ولكن مطامع السلطة كانت قد أسرت عقله.
النفس تطمع والأسباب عاجزة والنفس تهلك بين اليأس والطمع
وصل أحمد باشا بولاق إلى مصر في الثلاثين من آب العام ألف وخمسمائة وثلاثة وعشرين، حيث استقبله أعيانها ورجالاتها، وقبل مضي الكثير من الوقت انخرط في تمهيد الظروف من أجل إعلان انفصاله. وبغية الحصول على عرش السلطنة في مصر قام بمنح أعيان المماليك الكثير من المزايا وأقنعهم بالوقوف إلى جانبه، ولكن قوات الإنكشارية الذين يسيطرون على قلعة القاهرة قد اعترضوا على الوضع ورفضوا تسليم القلعة إليهم، ورغم أنّ أحمد باشا حاول إغراءهم بالكثير من الوعود ولكنّ هؤلاء لم يخلّوا بولائهم للسلطان.
وهذا ما قاد الباشا في النهاية إلى ضرب الحصار على القلعة برفقة قوات كبيرة قوامها المماليك، ولكن الإنكشاريين خرجوا من القلعة على حين غرة، وقاموا بمهاجمة المحاصِرين. وفي واقعة ستظل محفورة في الأذهان، أظهروا بطولة وجسارة قلّ نظيرها، وقاموا بقتل أربعة آلاف من العصاة المتمردين وعادوا للتحصن داخل القلعة مجدداً.
ولكن أحمد باشا علم عن طريق جلال الدين أحد أمراء المماليك السابقين، بأنّ هناك قناة مياه سرية قديمة تفضي إلى داخل القلعة، فتمكن من إدخال الجنود المماليك إلى القلعة عبر ذلك الطريق، وارتكب مجزرة بحق الإنكشاريين.
وحين بلغت إسطنبول أخبار تمرد أحمد باشا وخيانته، اتخذت بعض التدابير اللازمة، حيث تحرك الوزير الثالث أياس باشا على رأس ثلاثة آلاف إنكشاري عن طريق البر، وقد كلّف الولاة القريبين من المنطقة بمساعدته في الحملة.
أما الخائن أحمد باشا الذي نال لقب السلطان، فقد بات يتصرف كحاكم مستقل في مصر، حيث أمر بذكر اسمه في الخطبة، وسك النقود باسمه. ولأنه تمكن من السيطرة على الإسكندرية وكل المناطق الساحلية، فقد قطع الاتصال بين مصر ومركز الدولة، كما قام بالاستيلاء على السفينة القادمة من العاصمة، والتي تحمل فرمان عزله، وتعيين كارا موسى- الذي أبدى نجاحاً باهراً في السيطرة على التمرد العربي الذي وقع في عهد سلفه مصطفى باشا- في مكانه. كما قام بقتل كارا موسى الشجاع الذي سرّ سروراً عظيماً عندما علم بالخبر، بالإضافة إلى الرسول الذي حمل إليه الفرمان.
وقد سار الخائن أحمد باشا على نهج السلاطين العثمانيين في تعيين ثلاثة وزراء، ووزع إدارة البلاد بين هؤلاء الثلاثة، وكان من ضمن هؤلاء الوزراء قاضي زاده محمد بيك الذي رافقه من إسطنبول. كان محمد بيك موقناً من أنّ الدولة العثمانية لن ترضخ للمستجدات التي حصلت، وأن عاقبتهم ستكون وخيمة بصورة لا لبس فيها. وانطلاقاً من هذه الفكرة أخذ يفكر في كيفية القضاء على الخائن أحمد باشا.
فقام على غفلة منه وبشكل سري، بإخفاء بضع مئات من الجنود في عدة منازل من القاهرة من أجل القضاء عليه، وانتظر خروج أحمد باشا من القلعة للتجول في المدينة. وأخيراً وجد الفرصة الملائمة حين توجه أحمد باشا إلى الحمام، وهجم عليه الجنود مرددين (فلينصر الله السلطان سليمان).
ورغم أنّ أحمد باشا تمكن من النجاة والانسحاب إلى القلعة الداخلية، ولكن محمد بيك استطاع برفقة رجاله الدخول إلى القلعة قبل أن تُغلق الأبواب. وقد خاطبهم مبيناً النهاية الفظيعة التي تنتظرهم في حال تمكن أحمد باشا من النجاة، ليبثّ فيهم الشجاعة، قائلاً:
«أيا رفاق دربي ورجالي الشجعان! لقد أقدمنا على أمر بالغ الخطورة والأهمية، وما علينا سوى أن نبذل أقصى ما نملك من جهد حتى نحقق غايتنا، وإلا فسنقاتل حتى يموت آخر واحد فينا. ذلك إن تمكن أحمد باشا من النجاة، فسيذيق كل واحد منا من العذاب قبل هلاكنا ما لا يخطر ببال، حتى نغدو عبرة تُضرب بنا الأمثال. لذا فالموت بشجاعة في ساحة القتال، أفضل من الموت عذاباً على يديه»84. .
وبعد المواجهة الدامية التي وقعت بين الطرفين، استطاع أحمد باشا النجاة مع حوالي عشرين من رجاله بعد أن نزلوا بواسطة الحبال التي عقلوها على جدران القلعة، وتمكن من الهرب خارج القاهرة، حيث غذّ السير نحو الإسكندرية على وجه السرعة. ولكن محمد بيك كان مصمماً على القضاء عليه دون أن يتيح له الفرصة لجمع قواته مجدداً، فلاحقه على رأس قوة مكونة من ثلاثة آلاف جندي مجهزين أفضل تجهيز، وأعلن بأنه لن يتسامح على الإطلاق مع كل من يساعده أو يحاول حمايته، وسيقوم بقتله على الفور.
وفي النهاية تمكن الشيخ إسماعيل أحد الشيوخ العرب من الإمساك به وتسليمه، فقام محمد بيك بقطع رأس الخائن وإرساله إلى العاصمة. وعلى إثر ذلك تمّ استدعاء أياس باشا المتجه إلى مصر برفقة قوات الإنكشارية المكونة من ثلاثة آلاف جندي. 85
ورغم كل ذلك ظلت المشاكل والاضطرابات مستمرة في مصر، ما دفع سليمان إلى إرسال إبراهيم باشا في ربيع العام ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين إلى مصر من أجل استتباب الأمن في البلاد وإعادة الاستقرار إليها. وفي اليوم الذي خرج فيه إبراهيم باشا من إسطنبول، قام السلطان بمرافقته حتى الجزر دلالة على المكانة العالية والثقة البالغة التي يحوزها، في حادثة هي الأولى والأخيرة من نوعها في تاريخ السلطنة. وأثناء تواجد الصدر الأعظم في مصر، انشغل السلطان بثلاث حوادث أخرى، كان إعدام فرهاد باشا أولى هذه الحوادث. .
كانت الشكاوى تصل إلى السلطان سليمان بحق فرهاد باشا- الذي قام بتأديب شيخ سوار أوغلو علي بيك- بسبب المظالم التي يقوم بها واعتداءاته على الرعية في الأناضول وبخاصة في إيالات الروم (سيفاس، توكات وأماسيا). فعاقبه السلطان في البداية بعزله من منصب الوزارة، وإرساله والياً على سنجق سميديريفو، وكان المأمول من هذه الخطوة إبعاده عن ارتكاب المظالم والفساد، بتعيينه في أحد السناجق الحدودية مع تخصيص ميزانية كبيرة له. .
ولكن الشكاوى استمرت بالوصول في وظيفته الجديدة أيضاً، وبينما كان القانوني مقيماً في منطقة إدرنة في تشرين الأول من العام ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين، بلغه خبر وصول فرهاد باشا إلى العاصمة دون طلب الإذن الرسمي. وعلى إثر ذلك تم استقدامه إلى إدرنة، حيث أعدم في الأول من تشرين الثاني من العام ذاته86.
أما الواقعة الثانية فقد كانت العصيان الكبير الذي قاده الإنكشاريون أثناء عودة السلطان سليمان من إدرنة، وقد اتضح أنّ مناوئي الصدر الأعظم كان لهم دور في التحريض على العصيان وقد أعلنوا:
«لا يجوز عقد الديوان دون الصدر الأعظم، وإن حدث ذلك فلا يمكننا ضبط العسكر». . وكانوا يرمون من كلامهم منح مهر الصدارة إلى شخص آخر. وحين وصل السلطان إلى إسطنبول واستقر في قصر كاغيت خانه، أخذت حركة التمرد بالبروز أكثر، حيث قام العصاة بشن هجوم على منازل كل من الصدر الأعظم إبراهيم باشا وأياس باشا والدفتردار87، بالإضافة إلى حي اليهود ومنطقة الجمارك وارتكبوا فيها السلب والتخريب.
فغادر السلطان سليمان قصر كاغت خانه متوجهاً إلى قصره على وجه السرعة، وبعد التحقيق الذي أشرف عليه بنفسه، أنزل أشد العقوبات بالمسؤولين عن التمرد وهم آغا الإنكشارية مصطفى آغا، وآغا السيباهي ورئيس الكتّاب حيدر أفندي، كما قام بعزل قسم من الضباط وقادة الجيش المتورطين في الحادثة أو المحرضين عليها، وإعدام قسم آخر منهم. وكان لتصرف القانوني السريع في السيطرة على العصيان والإشراف على التحقيق ومعاقبة المتورطين والمحرضين بأقسى العقوبات، دور حاسم في زرع الانضباط بين صفوف العسكر، بحيث لم تتكرر طوال عهده أي حركة مماثلة88.
وفي هذه الأثناء أرسل إلى إبراهيم باشا في مصر، يأمره بتعيين والٍ مناسب عليها، والعودة إلى إسطنبول على وجه السرعة، وذلك في الخامس والعشرين من حزيران العام ألف وخمسمائة وخمسة وعشرين.
وقد قام الصدر الأعظم الذي غادر القاهرة عائداً عن طريق البر، بمجموعة من الإجراءات الإدارية لإحلال العدل في المناطق التي مرّ بها، وبلغ إسطنبول في منتصف شهر أيلول، حيث تم استقباله مجدداً وسط احتفال مهيب. .
كان خبر موت الشاه إسماعيل العام ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين وجلوس ابنه طهماسب على العرش، قد وصل العاصمة منذ مدة، ولكن السلطان لم يتلقَّ وفداً رسمياً لينبئه بخبري الموت والجلوس، وبناء عليه لم يجد السلطان داعياً لتهنئة الشاه الإيراني الجديد، بل على العكس أرسل إليه رسالة تهديد من أجل توخي الحذر، مبلغاً إياه أنه في حال أبدى ما يخالف الطاعة، واستبد به الغرور والتكبر، فسيجد نفسه في مواجهة سلطان ديار الشرق، وتحداه بالقول «وإن شئت فجهز جيوشك في الوقت الذي تشاءه». . كما قام بإرسال رسالة توازيها في المعنى إلى شاه غيلان89 أيضاً، كما أرسل إلى أمير أمراء الأناضول ليعلمه بالمستجدات90.
لم يرد الشاه طهماسب على هذه الرسالة، ولكنه أرسل وفداً إلى أرشيدوق النمسا وإمبراطورها، لعقد تحالف في مواجهة التهديد العثماني.





وقد سُلّت سيوفنا من الأغماد

دخل ملك فرنسا فرانسوا الأول (فرانشيسكو الأول) الذي اعتلى العرش في العام ألف وخمسمائة وخمسة عشر، في صراع ضار مع شارل خنت91 الذي اعتلى عرش الإمبراطورية الألمانية بعد وفاة الإمبراطور ماكسيمليان في العام ألف وخمسمائة وتسعة عشر.
كان الأباطرة في ألمانيا يتولون السلطة عن طريق الانتخاب، ولم يكترث الأمراء السبع المخولون بالاختيار والمدركون لخطورة الدولة العثمانية، لوعود فرانسوا الذي أعلن أنه في حال اختياره سيقوم بتأسيس حلف صليبي جديد، وقاموا باختيار شارل خنت بدلاً منه.
وهذا ما دفع فرانسوا بحجة الدفاع عن بقاء الدولة الفرنسية، إلى إعلان الحرب على شارل خنت الذي اختاره الأمراء لمنحه لقب الإمبراطور وذلك في العام ألف وخمسمائة وعشرين.
ذلك أنّ شارل خنت (شارلكان) الذي كان حاكم كل من إسبانيا، ساردونيا، سيسيليا، نابولي وهولندا عن طريق نظام الوراثة، أصبح يحيط بفرنسا من الشمال والجنوب والشرق. .
وقد انتهت هذه الحرب بهزيمة الفرنسيين في الخامس والعشرين من شباط العام ألف وخمسمائة وخمسة وعشرين، في معركة بافيا92، حيث جرح فرانسوا ووقع في الأسر وتم إرساله إلى مدريد ليسجن في أحد أبراج قلعتها.93
وعلى إثر ذلك قامت والدته لويز دي سافوا دوقة آنغوليم التي تمّ اختيارها نائبة للملك بإرسال مبعوث لطلب مساعدة السلطان سليمان القانوني. وتفيد المصادر بأن الوفد الذي كان يضم المبعوث الفرنسي بالإضافة إلى اثني عشر شخصاً آخر، تحرك في نهاية شهر شباط من العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين نحو إسطنبول، ولكنهم قتلوا جميعاُ في البوسنة، دون وجود وثائق توضح ملابسات الحادثة.
ولكن وفداً آخر برئاسة المبعوث جان فرانغيباني قد وُفق في الوصول إلى إسطنبول في العام ذاته، وكان المبعوث يحمل معه رسالتين إحداهما من فرانسوا والأخرى من والدته.
وقد بدأت نائبة الملك لويز دي سافوا رسالتها بمخاطبة السلطان سليمان بـ»سلطان السلاطين»، حيث جاء فيها:
«لقد تمّ حبس ابني فرانسوا ملك فرنسا من قبل الإمبراطور الألماني، وقد تركت خلاص ابني بيد الرحمة التي سيبديها الإمبراطور كارل، ولكنه خلافاً لآمالنا المعلقة عليه في أداء هذا الواجب الإنساني، فقد أهان ابني وعامله باحتقار. وها أنا استعطف جلالتكم يا سلطان السلاطين الذي يشهد العالم برمته على عظمتكم ومجدكم، لكي تظهروا رأفتكم لإنقاذ ابني من براثن العدو».
كانت الخطوة الأولى التي اتخذها القانوني هي استدعاء والي البوسنة إلى إسطنبول، من أجل التحقيق معه حول اختفاء الوفد الفرنسي الأول، ومعاقبته العقاب اللازم. كما وعد فرانغيباني بأنه سيقوم بحملة على المجر وسيقدم دعماً قوياً من أجل تخليص الملك الفرنسي من الأسر.
حيث قام القانوني بمخاطبة فرانسوا على الشكل التالي:
«بعد الثناء والحمد على نعم الله، والصلاة والسلام على رسوله محمد المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلّم، نعلمكم بأنني أنا سلطان السلاطين، خان الخانات، من ألبس الملوك تيجانهم، ظل الله على الأرض، سلطان وحاكم البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر، روميلي وإسطنبول، مكة المكرمة والمدينة المنورة، القدس والأناضول، القرمان وكوردستان والروم وإمارة ذو القادر وديار بكر وأذربيجان، وأرض العجم والشام وحلب وسائر البلاد العربية، ومصر والجزائر وتونس واليمن، الأفلاق والبغدان، إردال94 وبلغراد والبوسنة وبودين، والكثير من الممالك الأخرى التي فتحها أجدادي العظام بجيوشهم الساحقة، والعديد من البلدان التي فتحتها بسيفي المنصور الذي يتطاير من حدّه الشرر؛ السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان بن السلطان بيازيد خان.





إلى ملك فرنسا فرانشيسكو.

لقد وصل قصري تابعك المخلص فرانغيباني مع الرسالة التي بعثت بها، وإضافة إلى رسالتك فقد أرسلت بعض الأخبار التي توضح فيها بأنّ العدو قد سيطر على بعض من أراضي مملكتك، وأنك في الوقت الحالي قد وقعت أسيراً بيدهم، وتطلب مني المدد والعون لإنقاذك. وأريد أن أبلغك أنّ كل ما أردت قوله قد بلغ أعتاب مقامي السلطاني وأحاط به علمي الشريف.
ولكن خسارة الحكّام في الحروب ووقوعهم في الأسر، ليست من الأمور التي تستدعي الاستغراب، لذا كن جسوراً، ولا تمنحهم الفرصة للقضاء عليك. فأجدادنا العظام (ليتغمدهم الله بنور رحمته) لم يتوانوا عن خوض الحروب في ملاحقتهم للعدو وسعيهم من أجل الفتوحات. وكانت جيادنا تعدو ليل نهار، وقد سلّت سيوفنا من الأغماد. .
فليوفقنا الله إلى ما هو خير لنا، وليكن الأمر كما شاء له».
وأثناء عودة المبعوث أبلغ فرنسوا الذي تمكن من النجاة من الأسر بفضل معاهدة مدريد، بالوعود التي قطعها السلطان سليمان، فأرسل بدوره رسالة إلى السلطان يعبر فيها عن امتنانه وشكره الكبير له95.
وقد جاء في أحد تقارير سفير البندقية بييرو براغادينو في العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين، أنّ السلطان قد أهدى المبعوث الفرنسي أثناء تواجده في إسطنبول، خلعة مشغولة بخيوط ذهبية، بالإضافة إلى خمسة عشر ألف أكجة. وفي الحقيقة لقد أوضح المبعوث الفرنسي فرانغيباني للسلطان سليمان القانوني حينها، بأنه في حال قام بحملة من جهتي البر والبحر ضد شارلكان، فسيتمكن من إنقاذ فرانسوا، وإلا فسيعقد الحاكمان الأوروبيان الصلح وهذا ما سيجعل من الإمبراطور حاكما مطلقاً على أوروبا كلها96.
وعلى ما يبدو فإنّ السلطان وبعد الأخذ بمشورة سفير البندقية أيضاً، أرسل تلك الرسالة إلى الملك الفرنسي التي يواسيه فيها مبيناً بأنّ الملوك معرضون لكل الأحداث في غمار المعارك، وأخبره بأنّه يعتزم التحرك ضد شارلكان على جبهتين إحداهما من المجر والأخرى من السواحل الإيطالية.
ومن أجل الشروع في تحقيق هذه الوعود أرسل السلطان سليمان وفداً إلى ملك المجر، مطالباً إياه بحق العبور الحر لقواته، ولكن الملك لويس الثاني قد رفض هذا المقترح، ما أثر على قرار السلطان القيام بالحملة، وجعله يتردد لبعض الوقت. وفي هذه الأثناء وصلت رسالة الملك فرانسوا الذي نجا من الأسر إلى السلطان ليشكره على اهتمامه، كما أوضح أنه كان سيأتي بنفسه للمثول أمام السلطان وتقبيل يده شكراً وامتنانا لولا اعتلال صحته. وبذلك فقد تحدد هدف الحملة بشكل نهائي نحو المجر.





حملة المجر

كان تأثير السياسة الفرنسية المحرض والموجه من أجل الخروج للحملة، بالإضافة للصراعات الحدودية بعد فتح بلغراد والصدامات المتبادلة بين الطرفين، من أهم الأسباب للخروج في حملة المجر الثانية.
وحال عودة إبراهيم باشا من مصر، أمر السلطان البدء بالاستعدادات للحملة القادمة، ولكن دون الإفصاح عن وجهتها في ذلك الحين. ورغم أنّ العلاقات مع البندقية كانت ودية بشكل عام منذ البداية، ولكن مع فتح بلغراد باتت الحدود الغربية تعاني من اضطراب مستمر. كما كان المجريون يشنون الهجمات على القلاع العثمانية الحدودية من جهة، ومن جهة أخرى يعملون على تحريض شعوب كل من الأفلاق والبغدان97 ضد الأتراك.
إلى جانب أنّ الأوضاع الداخلية في المجر لم تكن بأفضل حال في تلك الفترة، فقد كان فرسان قصر لويس الذي كان مرتعاً لأغرب النزوات، لا يعرفون لتصرفاتهم حدوداً، وكانوا يعاملون القرويين بقسوة كما لو أنهم حيوانات، وكل من يحاول الاعتراض على ذلك، يتم قتله بوحشية، وكتعبير عن سخطهم لهذا النوع من التعامل، فقد انضم قرويو المجر إلى الحركة البروتستانتية. كما لجأ العديد من جنودهم الذي لم يحصلوا على مستحقاتهم المالية، إلى قائد قوات الأكنجي العثمانية بالي بيك.
استدعت الخلافات بين الحكام والنبلاء في الأفلاق بغية الحصول على مقاليد السلطة، والنزاعات الدامية بين الأطراف الموالية لكل واحد منهم، بالإضافة للاضطرابات الداخلية التي تعصف بالمنطقة، تدخل والي سنجق نيقوبولس98 في بادئ الأمر. وبموافقة من السلطان والديوان الهمايوني، تمكن محمد بيك والي سنجق نيقوبولس الذي توجه نحو الأفلاق من تحقيق الاستقرار والنظام بعد مضي فترة من الزمن، كما اتخذ التدابير اللازمة من أجل حماية حدود الدولة المجاورة لكل من بولونيا وترانسلفانيا.
ومع أخذ نفوذ رادو- الذي لجأ للسلطان- مقارنة ببقية النبلاء بعين الاعتبار، فقد قام السلطان بتنصيبه حاكماً اعتباراً من العام ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين، شرط دفع جزية سنوية مقدارها أربعة عشر ألف دوقة. وعلى صعيد آخر فإنّ النزاعات الحدودية وبعض المعارك المحدودة لم تكن لتنقطع على ضفاف الدانوب الحدودية.
أبلغ يحيى باشا زاده بالي بيك والي أحد السناجق الحدودية، السلطانَ بأنه لو اتجه في حملته نحو تلك المناطق، فسيتمكن من فتح أراضي المجر الواقعة بين نهري السافا والدرافا بسهولة، وقد وصلت هذه الأخبار إلى المجر أيضاً، عن طريق جواسيس توموري أحد القادة المجريين الحدوديين.
كان قرار البدء بالحملة، قد تم اتخاذه في أشهر الشتاء، وقد نصت الفرمانات التي أرسلها السلطان إلى ولاة روميلي في شهر كانون الأول من العام ألف وخمسمائة وخمسة وعشرين، وكانون الثاني من العام الجديد، أن يجتمعوا مع قواتهم في مروج صوفيا مع حلول فصل الربيع، وأن يكونوا مستعدين للأوامر التي ستصلهم بعد ذلك.
كما أرسلت أوامر مماثلة إلى كل من أمير أمراء الأناضول بهرام باشا، ووالي سنجق البوسنة، بالإضافة إلى خان القرم سعادة غيراي، وبقية رجال الدولة من المعنيين بهذا الشأن. وقد أخذ السلطان يولي الصدر الأعظم إبراهيم باشا بعد عودته من مصر ثقة واعتماداً بالغين، حيث كلّفه بقيادة الجيوش في هذه الحملة.
كما كلّف كلاًّ من والي مصر السابق قاسم باشا، والعالم والمفتي الجليل كمال باشا زاده بإدارة إسطنبول أثناء فترة غيابه. وبعد زيارة ضريح السلطان أيوب، الشيخ أبو الوفا، وقبر والده السلطان سليم خان، وجديه بيازيد الثاني والسلطان محمد الفاتح، انطلق في الثالث والعشرين من شهر نيسان العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين على رأس قوة تعدادها مائة ألف جندي. وقد رافق الجيش ثلاثمائة مدفع، وكانت صفوف الجيش تعبر ولايات الأناضول العثمانية في انتظام وانضباط شديدين99.
وقد نصت القوانين على عقوبة الإعدام لكل من يدخل الحقول المزروعة، أو يقوم بصيد حيوانات الرعي التي تعود لأصحاب الأراضي الزراعية والمساس بمحاصيلهم. وكان كل من يخالف هذه الأوامر ويعترض عليها يقطع رأسه على الفور. وبذلك ستشكل هذه الحملة قدوة للحملات العسكرية المقبلة، بحيث لن يقدم الجنود على قطف تفاحة واحدة دون استئذان.
وكان القانوني خلال فترات الاستراحة يترأس العبور الرسمي للجند، يعقد الديوان ويستقبل سفراء الدول الأجنبية. وفي الخامس من نيسان وصل رسول حاكم مولدافيا لتقديم الجزية السنوية المعتادة. وبعد عدة أيام وافق على استقبال سيف الله الذي كان والده آهي جلبي طبيبَ السلطان سليم خان، وعينه طبيباً خاصا له براتب يومي قدره ستون أكجة.
أصبحت المعابر الستة المؤدية من فيليبة إلى نيش، بسبب الأمطار الغزيرة في حالة يتعذر معها عبورها، كما انضم فرسان الأناضول في فيليبة إلى الجيش العثماني، حيث تكبد الجنود مشقة هائلة، بسبب اضطرار الجيش العبور بكل قواته من المعبر الضيق الذي يقال له باب ترايان. ومن أجل التخفيف من وطأة هذه المشاكل، اتجهت قوات الأناضول نحو الشرق، ودخلت بلغاريا عن طريق مضيق إيزلادي (izladi).
أما الصدر الأعظم إبراهيم باشا، فقد انفصل عن السلطان في صوفيا، وعاد للالتحاق به عند أطراف مورافا100، حيث كانت قواته تتقدم الجيش باتجاه بيتروفارادين101. وقد التحقت قوات ولاة كل من البوسنة والهرسك بالجيش على ضفاف نهر الدانوب، بالقرب من مدينة بلغراد. كما أنّ الأسطول الخفيف المكون من أربعمائة سفينة صغيرة وقارب بقيادة كل من ميهال أوغلو، إسكندر أوغلو وياهشي بيك والذي يقلّ قوات الإنكشارية، رسا قبالة معسكر الجيش. ومع وصول السلطان إلى بلغراد، كان شهر رمضان يشرف على نهايته.
وفي مدينة بلغراد تقبل السلطان سليمان القانوني تهاني قادة الجيش، وكبار رجالات الدولة وأعيانها، بمناسبة عيد الفطر في الأول من شوال العام تسعمائة واثنين وثلاثين هجرية، الموافق للحادي عشر من تموز العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين ميلادية. وبهذه المناسبة فقد تمّ توزيع صرر تحوي كل منها ثلاثين ألف أكجة لأصحاب المناصب الرفيعة ممن يزيد مرتبهم عن أربعمائة ألف أكجة بالإضافة لقفطان، ومن كان مرتبه أقل، فقد وزعت عليهم صرر تحوي عشرين ألف أكجة، بالإضافة للقفطان.
وفي هذه الأثناء كان الصدر الأعظم إبراهيم باشا قد حاصر قلعة بيتروفارادين ونصب الترسانات، حيث تمكن من السيطرة على المدينة في يوم واحد وذلك في السادس عشر من تموز. ومن أجل عدم إضاعة الكثير من الوقت، بدأ حصار القلعة الداخلية على الفور، والذي استمر لاثني عشر يوماً. ورغم أنّ الهجومين العموميين اللذين شنتهما القوات العثمانية لم يسفرا عن أي نتيجة، لكن النفقين المفخخين اللذين حفرهما الجنود تحت أسوار القلعة أسفرا عن حدوث ثغر بالغ الاتساع، فدخلوا القلعة على وجه السرعة وتمكنوا من السيطرة عليها خلال وقت قصير. وقتلوا خمسمائة من جنود الحامية وأسروا ثلاثمائة منهم102.
وفي هذه الأثناء أرسل والي البوسنة إلى السلطان يبلغه بأنه تمكن من السيطرة على كافة القلاع الواقعة داخل منطقة سريم.
تقدمت القوات العثمانية على طول نهر الدانوب حتى جدران إيلوك (?ylok)، وضربوا الحصار عليها، وقد استسلمت القلعة بمحض إرادتها في اليوم السابع، ونتيجة لذلك خلع السلطان على اثني عشر شخصاً من أعيانها القفاطين ووزع عليهم العطايا. ومن ثم تمكنت القوات العثمانية من السيطرة على إحدى عشرة قلعة صغيرة مع تقدمهم حتى بلغوا أسوار قلعة أوسييك103 على ضفاف نهر درافا.
ومع استسلام هذه القلعة أيضاً أخذ المنادون يعلنون بين صفوف المقاتلين بأنّه «لقد عزم السلطان بلوغ بودين» معلنين بذلك هدفهم. وبذلك بانت الغاية وهي الوصول إلى قلب بلاد المجر. وبعد أن أشرف السلطان على بناء الجسر المقام على نهر درافا وعبوره، أخذ الجيش بالتوجه نحو مروج موهاج104.





معركة موهاج

غادر ملك المجر لويس الثاني بودين في العشرين من شهر تموز برفقة أربعة آلاف فارس، حيث وصل إلى تولنا105 في السادس من آب، وهناك كان ينتظره قائد الجيش نادور باثوري إستفا مع القوات الأساسية للجيش، ورغم أنّ مناقشات الاجتماع المنعقد، قد أسفرت عن وجوب إرسال نادور إلى أوسييك، ولكن اتضح أنّه ما من أحد كان راغباً في التقدم تحت قيادة نادور ما لم يرافقهم الملك لويس الثاني.
وبذلك اضطر الجيش المجري برمته التحرك نحو الجنوب من أجل مواجهة الجيش العثماني. وهنا قرر توموري القائد المجري أن يعسكروا في سهل موهاج من أجل مواجهة جيش السلطان. وفي هذه الأثناء أرسل ملك المجر إلى زابوليا حاكم ترانسلفانيا ليقوم مع حاكم الأفلاق بشن هجوم من الخلف على الجيش العثماني بأسرع وقت ممكن، ومن ثم الانضمام إلى الجيش الأساسي.
وفيما كان الجيش العثماني يتقدم نحو الشمال في مسير عسكري، كان الفرقة التي تتقدمه حاملة الشموع، تضفي على هذا المسير جواً احتفالياً. ومن خلال شبكة الجواسيس البارعة التي شكلها السلطان سليمان القانوني، فقد اطلع على مراسلات الملك لويس لكل الجهات طالباً المساعدة التي كان ينتظر وصولها، ولهذا السبب بالذات فقد أمر اثنين من أمهر قادة جيشه؛ بالي بيك وخسروف بيك أن يصدا برفقة قواتهما والمهاجمين المنضوين تحت قيادتهما، وصول قوات المساعدة من كرواتيا والتي كانت ستقدم مساعدة عظيمة للجيش المجري في حال تمكنت من الوصول إليه، وهكذا فقد كمن القائدان برفقة قواتهمت في الأماكن المناسبة106.
في التاسع والعشرين من شهر آب التقى الجيش العثماني الذي وصل موهاج، بالقوات الإسبانية، الألمانية، الإيطالية والتشيكية بالإضافة للقوات المجرية المنضوية تحت قيادة الملك لويس الثاني، والتي كانت تنتظر وصوله. وقد أعلن السلطان أنّ «الوقت بات متأخراً، والجميع يشعر بالتعب رجالاً ودواباً، لذا سنباشر بالهجوم إن شاء الله في السحر»
وفي هذه الأثناء طالب خسروف بيك قائد قوات المقدمة، أن ينضم المهاجمون القدامى أيضاً إلى المجلس الحربي الذي عقد بحضور كل قادة الجيش وأمرائه. وبحسب ما سمعه بيجفي ونقله عن الشيخ التركي علي دِده المقيم في سيكتوار107، أنه وبعد أن قام القائد الأعلى للجيش بتثبيت قوات روميلي في أماكنها، جمع كل قادة الجيش بأمر من السلطان لطلب مشورتهم، حيث خاطب خسروف بيك بالقول:
«يا قادة الجيش! إنّ مولانا السلطان يطلب مشورتكم، ها هي بادية موهاج أمامنا، فما التدبير برأيكم؟»
وعلى أثر ذلك ردّ عليه خسروف بيك والي سنجق البوسنة:
«نحن معتادون على طلب مشورة كبار السن من الجنود المحنكين، ولا نرغب القيام بأمر دون سماع رأيهم، لذا إن أمر مولاي، فنحن نريد الذهاب لسماع مشورتهم»، ولكن السلطان أمر بإحضار من يريدون طلب رأيهم. وبعد برهة ظهر عادل كوجا أحد المحاربين الأشاوس حاملاً سلاحه على ظهره، معتمراً خوذته، مرتدياً لبادته.
وقد ردّ على خسروف بيك الذي أبلغه بفرمان السلطان قائلاً:
«وهل هناك رأي أفضل من القتال؟ لقد أرسلني إليك كوجا آلاي بيك، فقد بدأت رايات العدو بالظهور، وباتوا قريبين من مقدمة الجيش، هيا قم لتقف على رأس قواتك»108.
ومن ثم نصبت خيمة السلطان على التلة التي سميت بتلة السلطان والتي تسمى اليوم (Satorhely) أي مكان الخيمة، وبدأ القادة بدورهم بنصب الخيام. .
في ذلك اليوم اعتلى السلطان ظهر حصانه قوي، وارتدى درعه وتقلد السيف وجعبة السهام وانطلق حتى وصل إلى صفوف قوات روميلي، وبعد أن شجع الجنود بكلماته المحفزة، رفع يديه نحو السماء مبتهلاً بالدعاء:
«إلهي أنت القوي القدير، إلهي بيدك الأمر والنصر، ومن لدنك الرحمة والعون، ومن لدنك الكرم والمروءة والحماية، فلا تُحزِن فقراء أمة محمد الضعفاء، ولا تُفرح أعداءنا المتجبرين»، وأخذت العبرات تنهمر من عينيه، حيث ارتفعت أصوات الجنود بشوق بالغ تردد خلفه «آمين»، وقد دفعت كلمات السلطان وتأثره البالغ آلاف الأبطال إلى ذرف الدموع، واستبد تأثر وهياج شديدان بالجيش، حتى أنّ الأرض كانت تمور تحت أقدامهم، فيما هم يقسمون على بذل أرواحهم فداء للسلطان109.
وبعد الانتهاء من الدعوات، بدأت قوات روميلي بالتقدم، ولحق بهم السلطان على رأس قواته الغفيرة، حتى بلغوا تلة تشرف على سهل موهاج، وكانت مياه نهر الدانوب المحيطة بالسهل تتدفق كبحر جارف، حيث الجيش المجري يعسكر على ضفافه، ويبدو من بعيد كغيمة سوداء هائلة. .
كان الجيش المجري منقسماً إلى قسمين، الأول هو قلب الجيش والميمنة والميسرة، والثاني هو القسم الخلفي الذي يضم أربعة أجنحة متوالية والتي كان الملك متواجداً بينها. وكانت الدروع الحديدية تغطي أجساد الجنود، حتى يبدو الجيش من بعيد وكأنه قلعة حديدية.
وقد نبه خسروف بيك السلطان إلى الأمر قائلاً:
«مولاي! عدا عن كون العدو مكتسياً بالحديد حتى غدا كالقلعة المصفحة، فصفوفه مترابطة كالسلاسل، ولا طاقة لنا بمهاجمتهم وهم على هذا النظام. ولكن في حال أقبلوا هم للهجوم علينا سننفصل إلى فصيلين، ونستدرجهم إلى الوسط لنحيط بهم كالكماشة. وإلا فالعواقب ستكون خطرة علينا لا قدّر الله». وقد استصوب القانوني هذا الرأي، واعتمد عليه في خطته الحربية.
كانت ميمنة الجيش العثماني تحت قيادة الصدر الأعظم وأمير أمراء روميلي إبراهيم باشا، بينما الميسرة تحت قيادة أمير أمراء الأناضول بهرام باشا، أما في الوسط فقد كان السلطان وآغا الإنكشارية، بالإضافة إلى جنود الكابى كولو.
رُفعت الرايات ورصّت الصفوف
ودقت الطبول والبيارق بدأت تطوف
ورغم أنّ السلطان قد أجل البدء في القتال إلى اليوم التالي، ولكن القوات المجرية اتخذت وضعية الاستعداد للقتال في التاسع والعشرين من آب، حيث تقدمت فرقة الفرسان المدرعة، والواثقة من قواها بشكل بالغ نحو الجيش العثماني في كتلة واحدة متراصة. انتاب الخوف الجيادَ بادئ الأمر، ولكن الحماس دبّ فيها وانطلقت حوافرها لتدّك الأرض، وتقدمت مع فرسانها الذين وجهوا رؤوس رماحهم الطويلة لغرزها في صدور الأتراك، وسط الجلبة الهادرة لآلاف النعال وهي تخبّ مسرعة لتمتزج مع صيحات المقاتلين. .
في ذلك العصر كانت فرقة الفرسان تشكل الضمانة القطعية لكسب الحرب بالنسبة للجيش المجري. وإن استذكرنا بأنّ كل الحروب التي خاضوها قد اعتمدت على هذه الفرقة التي تقوم استراتيجيتها على الهجوم المباشر بشكل عام، فإنّ خطط الجيش أيضاً كانت ترتبط بها. .
ومع وصول خبر انتقال القوات المجرية لوضع الهجوم، رفع السلطان يديه بالدعاء قائلاً «لا حول ولا قوة إلا بالله، يا رب انصر جنود الأمة المحمدية». وأمر إبراهيم باشا أن يتصدى لهذا الهجوم على رأس قوات روميلي. حيث وقع صدام شديد بين فرسان المجر والفرسان العثمانيين110.
كان هجوم فرسان المجر المدرعين بالغ العنف، وعلى الرغم من ذلك فإنّ قوات روميلي كانت تتصنع وضعية الدفاع محافظة على تنظيمها أثناء انسحابها بشكل جانبي، كما كانت قوات الأناضول أيضاً تتبع الخطة ذاتها في الانسحاب الجانبي.
اصطدم هجوم فرسان المجر المرعب هذه المرة بصدور الإنكشارية القوية كالحديد الصلد، حيث بات الهجوم في تلك المرحلة بالغ العنف والدموية. حتى أنّ اثنين وثلاثين من الفرسان الذين أقسموا على قتل السلطان، نجحوا في الوصول إلى حاميته والتوغل بين صفوفهم، وقد تمكن ثلاثة فرسان مجريين من الوصول إلى السلطان في صراع الحياة-الممات هذا، حيث سقطت سهامهم أرضاً بعد أن اصطدمت بدرع السلطان، الذي تمكن من التصدي لرماحهم بسيفه، وهنا تدخل الإنكشاريون وانهالوا عليهم بسيوفهم الماضية كالصواعق قبل أن يسمحوا لهم بالاقتراب من السلطان أكثر.
كان الإنكشاريون المحيطون بالسلطان يتناوبون في إطلاق النار من بنادقهم، ففيما يطلق قسم منهم النار، كان القسم الآخر يملؤون بنادقهم بالبارود. وفي الوقت الذي وصلت فيه القوات المجرية الأساسية إلى قلب الجيش العثماني، بدأ هزيم المدافع العثمانية يصمّ الآذان، وبدأت مدافع المجريين بدورها ترد على النيران المصوبة عليهم بشدة بالغة، وقد وجهت كل المدافع العثمانية نيرانها صوب العدو في الآن ذاته، حتى غدت صفوفه كإناء مملوء بالدماء. أما خنادقهم فقد تحولت ثغوراً تفيض بالدماء القانية وقد تبعثرت سيوفهم اللامعة كأوراق النرجس المتلألئة تحت ضوء الشمس. .
وبعد أن ظنوا أنهم باتوا على مشارف النصر، أخذت أرتال قوات المجريين المدرعة تنهار الواحدة تلو الأخرى تحت هذه الزوابع، وبدأت ثغور هائلة تفصل صفوفهم المتراصة عن بعضها، في حين أخذت قوات الأناضول وروميلي تحيط بهم مثل كماشة عملاقة وتسحقهم بقوة، دون أن يمهلوهم فرصة إدراك ما يجري. وقد خرج كل من بالي بيك وخسروف بيك من مكامنهم وهجموا مع قواتهم على أطراف الجيش المجري ومؤخرته، وتحولت الصدامات في هذه المرحلة إلى مذبحة، فمن استطاع الانفصال عن الجيش والهرب، كان يغدو إما هدفاً سائغاً لسيوف قوات الأكنجي، أو غريقاً في المستنقعات تحت ثقل دروعهم. وحين رأى الملك لويس الثاني قادته وقد قتل قسم منهم فيما أسر القسم الآخر، أدرك مصيره المظلم وأنه ما من مبرر للقتال أكثر، وأنه لم يعد له من موطئ قدم على هذه الأرض، لذا تخلى عن القتال وفرّ صوب النهر طالباً النجاة.
لم يكن قد مضى على بدء القتال سوى ساعتين، حين غدا جنود المجر والقوات المتحالفة معهم إما طعماً للسيوف الباترة، أو غُلّت أعناقهم بسلاسل الأسر، فيما ابتلعت المستنقعات الآلاف ممن اختاروا طريق الهرب بعد أن تاهوا في المنطقة المسماة جسر الملك، وهناك بالذات تمّ استخراج جسد الملك لويس من بين تلك الأجساد الغرقى.
في هذه المعركة التي غدت إبادة حقيقية فقد الجيش المجري عشرين ألفاً من جنوده إلى جانب أربعة آلاف فارس، وكان الملك لويس من بين الكثير من القادة البارزين الذين فقدوا حياتهم. فيما أقيمت احتفالات النصر في المعسكر العثماني حتى الصباح111.
في صبيحة اليوم التالي تجول السلطان سليمان برفقة وزرائه وقادة جيشه في ساحة المعركة، وفي هذه الأثناء صادف كوجا آلاي بيك حيث توجه إليه سائلاً: «ما الذي تراه بعد هذه المعركة؟»
فرد عليه قائلاً: «مولاي! لا يتوجب ترك صغار الخنازير في مضاجعها»، وعلى إثر ذلك تقرر التحرك باتجاه بودين. وفي هذه الأثناء توجه سبعة رسل مع رسائل النصر نحو كل من إسطنبول، إدرنة، بورصة، قرمان، الشام، مصر، ديار بكر وحلب، فيما وصل السلطان إلى بودين في الثاني عشر من شهر أيلول112.
ومع وصوله توجهت إليه هيئة من أعيان المدينة لتقدم إليه مفاتيحها، فمكث فيها عشرة أيام مقيماً في قصر الملك، وقد أقيمت الاحتفالات في بودين عاصمة المجر بمناسبة العيدين، حيث توافق هذا النصر مع عيد الأضحى المبارك، وبذلك عمّت الأفراح. وتجول السلطان برفقة الصدر الأعظم في المدينة، وقد عبر نهر الدانوب لينتقل إلى بِست113، فوق الجسر الجديد الذي بني على نهر الدانوب114.
وكان المجريون الطالبون للأمان من كلا الضفتين يتدفقون نحو بودين، وقد تمّ نقل قسم من هؤلاء الذي أبدوا رغبتهم في أن يصبحوا من رعايا السلطنة إلى منطقة يدي كولة في إسطنبول، فيما تمّ توطين قسم آخر منهم في مدينة سالونيك. ومن جهة أخرى حملت السفن قسماً من خزينة الملك وذخيرة الجيش، ومن ضمنها تماثيل برونزية لكل من الآلهة هرقل، ديانا وأبولو115.
أما الشمعدانيتان الكبيرتان اللتان تمّ إحضارهما، فقد علقتا على طرفي محراب جامع آيا صوفيا. وأثناء استقبال السلطان لبعض نبلاء المجر في بست، وعدهم بتنصيب حاكم ترانسلفانيا يانوش زابوليا116 ملكاً على المجر.
في السابع والعشرين من أيلول غادر السلطان بست عائداً بمحاذاة نهر الدانوب، وتمكن من السيطرة على قلاع زيجيد117، باج (Bac) وتيلك (Tilek)، ومن ثم وصل بلغراد.





حركات التمرد في الأناضول (1526-1528)

بالتزامن مع الحملة على المجر، قامت في الأناضول إحدى حركات التمرد التي قادها شخص يدعى سولون كوجا، وكانت تقف وراء حركات التمرد هذه التي استمرت في السنوات اللاحقة جملة أسباب تنقسم إلى شقين أساسيين؛ أسباب اقتصادية- اجتماعية، وأسباب دينية-مذهبية، ولكن الأكيد أنّ الأسباب الاقتصادية كان لها الأثر الأقوى في كلا النوعين من حركات التمرد.
أصدر السلطان سليمان قبيل خروجه إلى معركة موهاج التدابير الإدارية اللازمة للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها في كل من ولايات مصر والأناضول والشام، ولم يأخذ معه في حملته على المجر سوى قوات إيالة الأناضول. بينما ترك قوات كل من إيالات قرمان، الشام، مصر، حلب، ديار بكر والروم في مواقعهم تحت قيادة ولاتهم. كما كلّف والي أضنا رمضان أوغلو بيري بيك بالحفاظ على أمن كل من قرمان وحلب وما حولهما. ومن جهة أخرى واستناداً إلى قوانين الدولة العثمانية العليّة، فقد صدرت الأوامر بإعادة تنظيم سنجق بوزوك118 وبعض السناجق الأخرى إدارياً.
وقد تمّ تكليف كل من أمير اللواء هيرسك زاده أحمد باشا أوغلو مصطفى بيك، وقاضٍ يسمى مصلح الدين والكاتب محمد، بإعادة التنظيم الإداري لتركمان بوزوك، ولكن المظالم التي ارتكبها هؤلاء تسببت في تمرد الرعية، حيث تزعم كل من سولون كوجا وابنه شاه ولي وتركماني آخر هو ذو النون بابا حركات التمرد هذه.
قام التركمان الملتفون حول سولون كوجا بشن هجوم وقتل المكلفين بالتنظيم الإداري، ومن ثم امتد هجومهم ليشمل القرى المجاورة التي أجبروا سكانها على الانضمام إلى حركتهم، وساروا متجهين نحو سيواس.
وكان أول من تصدى لسولون كوجا وأتباعه أمير أمراء قرمان هورم باشا، ولكن خلال الصدامات التي وقعت قرب قيصري119 انهزمت قواته بعد الطلقة التي تلقاها في خاصرته وأودت بحياته، كما قتل في تلك الصدامات الكثير من الأمراء والقادة. وهذا ما مكن المتمردين من السيطرة على توكات أيضاً.
تلقى السلطان خبر العصيان أثناء عبوره نهر الدانوب في طريق عودته من المجر، من قبل والي أضنا بيري بيك. ومع توسع حركة العصيان قام كل من أمير أمراء الروم حسين باشا على رأس قوات سناجق ذو القادر، مرعش ومالطيا، وأمير أمراء ديار بكر خسروف باشا على رأس قوات إيالته، بشن هجوم على قبائل التركمان المتمردة وقمعهم، حيث قتل زعيمهم الخليفة ذو النون، وعلى إثر ذلك تشتّتت قواتهم. 120
في السنة التالية أي العام ألف وخمسمائة وسبعة وعشرين شهدت أطراف سنجق أضنا تمرداً آخر، وكانت بتحريض من معتنقي المذهب الشيعي. وقد رفع راية التمرد هذه المرة شخصان هما؛ تونوز أوغلان من ناحية بيريندي التابعة لسنجق أضنا، وينجة بيك من ناحية أولاش التابعة لسنجق تارسوس، حيث جمعا قوات بلغ تعدادها ستمائة شخص، وبدؤوا بارتكاب أعمال السلب والنهب في تلك المناطق.
وبالتزامن مع هذه الحركة قام شخص يدعى ولي خليفة أطلق على نفسه لقب شاه خليفة بجمع أفراد عشيرة كارا عيسى لي في إحدى نواحي أضنا، معلناً عُصيانه على السلطنة، ما زاد من أعداد المتمردين.
ولكن والي أضنا رمضان أوغلو بيري بيك تحرك على وجه السرعة، وألقى القبض على قادة التمرد وقام بمعاقبتهم، وأرسل إلى السلطان ليطلعه على الوضع. وفي تلك السنة قامت في قرمان حركة تمرد على نطاق أوسع من سابقاتها، حيث استطاع الشيعة، مستغلين تردي الظروف الاجتماعية والاقتصادية لقبائل التركمان البدوية، كسبَ الكثير من المناصرين إلى طرفهم.
لقد كانت قبائل التركمان البدو المعتادة على العيش دون ضوابط، مستاءة من الخضوع للشروط الصارمة التي فرضتها الأنظمة والقوانين التي فرضتها المرحلة الجديدة، والالتزامات المتأتية من ذلك والتي اعتبروها ثقيلة الوطأة عليهم. وكان زعيمهم شخص يدعى كاليندر أوغلو أو كما كانوا يسمونه كليندر شاه الذي يرجع نسبه إلى الحاج بيكتاش ولي. وكان يحاول من خلال إرجاع نسبه إلى بالِم سلطان121، حشد المؤيدين من حوله122.
وعندما وصلت الأخبار بأنّ تعداد قواته بلغ الثلاثين ألفا، وأنه بات يشكل تهديداً خطيرا على المنطقة، تم تعيين الصدر الأعظم إبراهيم باشا بالذات على رأس القوات المكلفة بإخماد العصيان. حيث انطلق الباشا مع ثلاثة آلاف من الإنكشارية وألفين من قوات السيباهي عابراً المضيق نحو ضفة أوسكودار، واتجه للقضاء على العدو.
وحين صوله إلى سنجق آك سراي أرسل كل من أمير أمراء الأناضول بهرام باشا وأمير أمراء قرمان محمود باشا على رأس قوات سباهية التيمار والزعامت من أجل القضاء على المتمردين123. حيث التقت قواتهم مع قوات كليندر أوغلو في موقع يسمى جينجيلفة، ولكن العصاة تمكنوا من إحراز نصر غير متوقع في القتال الذي نشب بين الطرفين، والتي أسفرت عن سقوط الكثير من الشهداء بينهم أمير أمراء قرمان محمود باشا، والي آلاية سنان بيك، والي أماسيا كوجي بيك، والي بيرجيك مصطفى بيك، دفتردار تيمار الأناضول نوح، وشيخ محمد كيتهودا دفتردار قرمان. .
وما إن وصلت هذه الأخبار المروعة إلى إبراهيم باشا، حتى انطلق صوب العدو على وجه السرعة ملحقاً الليل بالنهار. وحين بلغ ضواحي البستان124، بلغته أخبار تحركات المتمردين بالتفصيل. وفي هذه الأثناء تمّ تعيين كوجا إبراهيم باشا أوغلو عيسى بيك في منصب أمير أمراء قرمان، ووزعت بقية المناصب على شخصيات مناسبة.
وخلال توجه إبراهيم باشا لملاقاة العصاة، كان يقوم باتخاذ مجموعة من التدابير العسكرية التي لم يسبقه إليها أحد، حيث منع انضمام أي جندي من جنود الحملة العسكرية السابقة التي تعرضت للهزيمة على يد المتمردين لجيشه، وذلك لمنع البلبلة في صفوف مقاتليه من خلال أخبار الهزيمة التي سيحملها هؤلاء العائدون معهم وأمر بإعدام كل من يقوم بنشر مثل هذه الأخبار. كما أنه لم يقم بالاعتماد على القوات العسكرية الضخمة للإيالات، مكتفياً بقوات الكابى كولو التي تحت إمرته.
وبالمقابل ولإدراكه للأسباب الأساسية التي دفعت تركمان عشيرة ذو القادر للانضمام إلى عصيان كليندر أوغلو، والمتمثلة في سلبهم العديد من أراضي التيمار وإقطاعاتهم الزراعية وضمها إلى أراضي الخاص السلطانية125، فقد قام بإعادة تصويب هذه الممارسات، وبذلك تمكن من كسب ودّ رجالات ذو القادر وزعماء عشائرها، وضمن طاعة كل من عشائر جيجيك، آكجة كويونلو، مصادولو، بوزوكلو. .
وتكفّل هؤلاء الأعيان بإبعاد تركمان ذو القادر عن قوات كليندر أوغلو، وبالفعل فقد استطاعوا دفع أعداد أكثر من تلك التي وعدوا بها للتخلي عن جيش كليندر وخدمته، مما ساهم في حلحلة قوات المتمردين، حيث غادرت أفواج كاملة جيشه في عتمة الليل دون عودة، ولم يبقَ تحت إمرة كليندر سوى بضعة آلاف من الجند لا أكثر.
وبعد أن بلغت هذه الأخبار مسامع إبراهيم باشا، أرسل خمسمائة من خيرة مقاتليه تحت قيادة اثنين من أمهر صيادي القصر هما بلال محمد آغا (رئيس طباخي القصر) ودلي بيرفانة، لملاقاة العدو. وقد تمكن هؤلاء الإنكشاريون من شن هجوم قوي على قوات العدو التي كانت أضعاف أضعاف عددهم في مرعى باشساز، حيث تمكنوا من تشتيت العصاة خلال وقت وجيز، كما قطعوا رأس كليندر الذي ألقوا القبض عليه، واستولوا على كل أسلحته ومقتنياته، أما راياته التي تم تنكيسها فقد أرسلت إلى إسطنبول126.
وبعد تحقيق هذا النصر، قام إبراهيم باشا باستجواب بهرام باشا أمير أمراء الأناضول وبقية القادة الذين هزموا أمام المتمردين سابقاً، وسألهم زاجراً:
«لماذا وليتم الأدبار أمام ثلة من الرعاة المتمردين؟»، ولكن بهرام باشا الذي رأى حدة الباشا، التزم الصمت ولم يحر جواباً. كما قام الباشا باستجواب بقية القادة أيضاً بالأسلوب ذاته، حيث لاذ بعضهم بالصمت خوفاً، فيما حاول البعض الآخر أن يرمي التهمة على رفاقه مخاطبا إياهم بالقول: «لقد كان هروبكم هو السبب في هزيمتنا». . ولكنّ أياً منهم لم يقدم للباشا الإجابة التي كان يبحث عنها.
لذا فقد احتدّ الباشا كثيراً، ولكن ما من أحد خمّن عاقبة الأمر، فبينما كان الجلادون المحيطون بهم ينتظرون إشارة البدء، نهض محمد بيك والي سنجق إيجيل127 ابن الصدر الأعظم بيري باشا الذي قدم خدمات جليلة للسلطنة في عهد السلطان يافوز سليم خان، طالباً الإذن بالكلام.
وبدأ كلامه بالدعاء لسلطان المسلمين ومدحه والثناء عليه، ومدح الباشا، ثم واصل قائلاً:
«لقد علمنا أجدادنا أن الإقدام على هذا النوع من عظيم الأعمال، يستدعي بادئ ذي بدء اللجوء إلى الله طلباً للعون والمدد والدعاء لرسوله صاحب المعجزات، وطلب المشورة من ذوي الخبرة والحكمة، ومن ثم الشروع في العمل. ولكن الحال أنّ قادتنا لم يتضرعوا إلى الله طلباً للعون، ولم يلجؤوا لأصحاب الخبرة طلباً للمشورة، بل وصل بهم الأمر إلى ازدراء من قدم النصيحة في هذا الشأن وتعنيفه. وما البلاء الذي ابتلينا به إلا بسبب هذا الغرور والتكبر، وهذا جوهر ما يجب علينا القيام بإصلاحه». .
وقد كان لهذه الكلمات الحكيمة وقع عظيم على الباشا الذي ترقرقت الدموع في عينيه، ما دفعه إلى تقدير ابن الباشا، وقام بالعفو عن القادة إزاء هذا الرأي الصائب، ومنح الجنود إجازة، ثم عاد إلى إسطنبول التي بلغها منتصف شهر تموز.
ومكافأة على نجاحه مُنح سيفاً مشغولاً بالذهب وقفطاناً، والكثير من المجوهرات والعطايا الثمينة.
بعد مرور ما يقارب العام على إخماد تمرد كليندر أوغلو، عادت منطقة أضنا لتشتعل على وقع الاضطرابات من جديد. حيث قام شقيق والي سنجق أوزيَر128 المدعو سيدي بارتداء قلنسوة حمراء، ليبدأ في أعمال السلب والنهب. وبعد أن قام بحرق كل من بلدتي بيرندي وأياس، انضم إليه متمرد آخر يدعى إينجيريماز، وسارا معاً نحو بلدة سيس129.
وفي هذه الأثناء خرج لمواجهتهم أمير أمراء أضنا رمضان أوغلو بيري بيك الذي نال لقب بيري بسبب شجاعته ومروءته، على رأس قواته التي تراجعت في البدء إزاء ضخامة أعداد العدو. إلا أنّ شجاعة بيري بيك وهمته مكنتاه من جمع قواته من جديد لتتمكن من تحقيق النصر. ولم يمهل قادة التمرد الذين لاذوا بجبال سيس، حيث لحق بهم وأمسك بزعمائهم ليقوم بإعدامهم، وذلك في آذار من العام ألف وخمسمائة وثمانية وعشرين130.





المُلّا قابض

كان اسم المُلّا قابض وأقواله من أكثر المواضيع المتداولة في إسطنبول العام ألف وخمسمائة وسبعة وعشرين.
كان الملا قابض الذي أطلقت عليه المصادر ألقاباً من بينها (قابض العجم، القابض العجمي، قابض الملحد وقابض الفاسد)، أحد علماء الدين الفرس131. ولا توجد معلومات حول فترة قدومه إلى الأناضول وتحصيله العلمي، والوظائف التي عمل فيها. . ولكنه كان يتجول في الجوامع، ويفتح نقاشات تستدعي الجدل، ويزرع الشبهات في العقول، وكان من بين أهم أفكاره أنه وضع عيسى عليه السلام في مرتبة أعلى من مرتبة الرسول
الكريم صلى الله عليه وسلم، حيث قام بتفسير بعض الآيات والأحاديث على هواه من أجل تأكيد مزاعمه.
وقد كان قيامه بطرح أفكاره وسط العامة دون حسيب، وزرع البلبلة في أذهان البعض منهم، سبباً في إثارة نقمة الناس عليه، كما اشتكى عليه الكثير من علماء الدين. وهذا ما دفع إلى استدعائه من قبل الديوان الهمايوني في الثالث من تشرين الأول العام ألف وخمسمائة وسبعة وعشرين.
حيث كلف الصدر الأعظم إبراهيم باشا كلاً من قاضي عسكر روميلي فنار زاده محي الدين جلبي، وقاضي عسكر الأناضول قدري جلبي، بحل هذه المسألة في الديوان، ولكن القاضيين لم يتمكنا من التغلب عليه وسوق الأدلة المناسبة لإقناعه. ذلك أنّ الملا قابض الذي استحضر الكثير من الآيات والأحاديث، ومن خلال براعته في السفسطة والتأويل استطاع التغلب عليهما. وإزاء هذياناته لم يجد العلماء إجابة على الأفكار التي يحملها سوى تشريع قتله. فخاطب الصدر الأعظم قضاة العسكر قائلا:
«عليكم بادئ الأمر أن توضحوا لهذا الرجل خطأه على وجه التحديد، وتبعدوا الشكوك التي تعتمل في ذهنه من خلال الدلائل التي تصوّب أخطاءه، وفي حال إصراره على التمسك بأخطائه، سنقوم بعقابه» منهياً الاجتماع بذلك.
ولكن السلطان سليمان القانوني الذي كان يستمع إلى هذا النقاش خلف شِباك النافذة المطلة على الديوان، وبخ الوزراء الذين مثلوا بين يديه بشدة قائلاً:
«يدخل ملحد كهذا ديواننا، ويرخي بظلال الشبهة على مقام رسولنا العظيم، ويتجرأ على سرد كل هذه الترهات، دون أن يتمكن أحد من سوق الدلائل الكفيلة بإسكاته، ليخرج حراً طليقاً. فكيف لكل هذا أن يحدث؟»
ليجيبه الصدر الأعظم بالقول:
«ما العمل وقضاتنا عجزوا عن إسكاته بالدلائل. ولم يقنعوه بأجوبة كفيلة تدحض تخرصاته». .
فأمر القانوني حينها:
«إذاً يتوجب على شيخ الإسلام والقاضي أيضاً الحضور غداً، لينظروا في هذه الدعوة وفق قواعد الشرع الإسلامي».
وما إن خرج الباشوات من ديوان العرض حتى تم إرسال الحراس للقبض على الملا قابض، كما أبلغوا كلاً من شيخ الإسلام كمال باشا زاده وقاضي إسطنبول سعدي جلبي بوجوب حضور ديوان السلطان في اليوم التالي.
ومع حضور المكلفين إلى الديوان في اليوم التالي، تذرع عسكر روميلي بعدم جلوسه في مقدمة الجلسة بحسب الأعراف، ليغادر المكان. وعلى إثر ذلك جلس شيخ الإسلام مكان قاضي العسكر، وجلس القاضي قبالته.
توجه شيخ الإسلام كمال باشا زاده بأسلوب هادئ نحو ملا قابض ليسأله عن أفكاره، واستمع إلى أقواله بصبر بالغ. وقد عاد قابض ليسوق من الآيات والأحاديث ما يثبت أفكاره. ومن ثم بدأ شيخ الإسلام بإيضاح جوانب الخطأ التي وقع فيها محدثه وفق أسلوب علمي ليبعد عنه الشكوك، كما بيّن من خلال الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة علو مرتبة الرسول الكريم على كافة الرسل، ومع ظهور هذه الحقائق عجز الملا قابض عن الرد. فخاطبه شيخ الإسلام مجدداً:
«ها قد ظهر الحق وبان الصواب يا ملا قابض، فهل لديك ما تقوله أو تدعيه الآن؟» فأوضح الملا أنه لم يعد لديه ما يقوله أو يسأل عنه. وعندها سأله شيخ الإسلام:
«إذاً هل تعود عن آرائك الباطلة وتقبل الحقيقة البيّنة؟». . ولكن الملا تشبّث بمعتقده وأبى التخلي عن أفكاره. وإزاء هذا الوضع اتهمه شيخ الإسلام بالزندقة وأصدر بحقه الفتوى اللازمة، واتجه نحو القاضي قائلا:
«لقد تمّ إصدار الفتوى، وعليك بالحكم عليه وفق شرائع ديننا». . فعاد القاضي سعدي أفندي ليسأل المتهم: «هل عدت إلى الطريق القويم لمذهب أهل السنة والجماعة؟». ولكن قابض لم يقتنع بالحقيقة.
وإزاء إصراره صدر عليه حكم الإعدام، الذي تمّ تنفيذه بعد انتهاء الاجتماع. 132
ولكن بعض الكتّاب اعتبروا هذه الحادثة ضربة لحرية المعتقد الفكري التي أتاحتها الدولة العثمانية، وأنها دليل على سياسة عدم التسامح الديني التي كانت تتّبعها133. وهنا يظهر بوضوح أنّ قيام المؤرخين والمفكرين بدراسة حادثة معينة خارج سياقها الزماني والحالة الحقوقية للدولة، وآلية القوانين والأنظمة السائدة فيها بالإضافة لمنظومة الناس الفكرية والمعتقدية في حقبة تاريخية محددة، ومقاربتها من خلال منظار عصري بعد مضي خمسمائة عام وتقييمها وفق هذا الأساس، لا ريب سيفضي لظهور نظريات وادعاءات سقيمة ولا منطقية.
فالملا قابض هو شخص أتى من إيران إلى إسطنبول، وأخذ بنشر أفكاره على الملأ مهدداً بوقوع فتنة دينية، وبالنظر إلى أنّ المسألة قد تطورت حتى تمت مناقشتها في الديوان الهمايوني، فهذا يشير إلى كونه رأس الحربة لمشكلة كبيرة كانت ستُحدث شروخاً جدية في بنية المجتمع والتي ستفضي بدورها إلى نزاعات خطرة.
فعلاوة على نشر أفكار ومعتقدات تمسّ بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في مجتمع إسلامي وتخلّ بمنظومة المعتقدات السائدة، فقد كان بمثابة حالة من التبشير العلني التي ستفضي إلى اضطرابات خطرة في بنية المجتمع.
كما أنّ المصادر لا تذكر أي إشارة على اعتماد الملا قابض إلى جانب الأحاديث والآيات القرآنية، على الكتاب المقدس أو استناده إلى أدلة وبراهين منطقية لإثبات صحة مزاعمه. ومن بين أبرز الادعاءات التي حاول الترويج لها من خلال حملته الحروفية134، هي نفي صحة أحد أبرز المعتقدات الإسلامية الأساسية، من خلال المقارنة بين الرسول محمد والنبي عيسى وتفضيل الأخير من حيث المكانة، ما يعزز فرضية انتمائه للطريقة الحروفية. 135
كما تؤكد جميع المصادر على ارتياد الملا قابض للحانات وارتكابه مختلف أنواع الفحشاء والفجور، ما يشير إلى كونه مدرّساً عادياً منحل الأخلاق، حاول حشد الناس من حوله بأفكاره المختلفة طمعاً في الشهرة، وليس سوى مروج غريب الأطوار لادعاءات باطلة.
ومن المرجح أنّ رجال الدولة قد استبقوا نتائج هذه القضية التي ستفضي في قادم الأيام إلى نزاعات جدية داخل المجتمع. لذا فإن التمحيص الوافي في حركة الشيخ بدر الدين ومن ثم حادثة القضاة زاده136وسواها من الحركات المماثلة، يوضح بأن هذه التحركات التي توحي في البداية بأنّ أصحابها يحملون أفكاراً بريئة، يمكن لها أن تؤدي إلى نتائج كارثية بالنظر لظروف ذلك العصر.
ومن جهة أخرى فعوضاً عن إطلاق اتهامات قطعية تدعي بأنّ حادثة الملا قابض هي ضربة لحرية المعتقد، من الأجدى ملاحظة المفهوم الحقوقي للدولة العثمانية، وتقييمها على هذا الأساس. فحتى في مسألة تخالف معتقداتهم وهم على بينة من بطلانها، لم تصدر أي عقوبة بحق المذنب إلا بعد مناقشته بأسلوب علمي وسوق الأدلة التي أرغمته على التزام الصمت عجزاً، وهو مؤشر بالغ الدلالة على مدى التسامح الذي بني عليه النظام الحقوقي العثماني.
فقد رفض اثنان من أكبر علماء العصر وهما قاضيا عسكر الأناضول وروميلي إنزال عقوبة بحق المدعى عليه، لعجزهما عن سوق الأدلة التي تنفي ادعاءاته، رغم اعتراض السلطان شخصياً على خروج رجل مثله من المجلس طليقاً، حيث رد عليه الصدر الأعظم بالقول «لم يتمكنا من الرد عليه، فما العمل؟». كل ذلك في الواقع تعبير واضح عن احترام الرأي الآخر.
فالقضية التي أعيد فتحها مجدداً بحضور شيخ الإسلام وقاضي إسطنبول، دحضت مزاعم الملا قابض من خلال الأدلة والبراهين المقنعة التي حار عاجزا إزاءها. ورغم خسارته للقضية شرعاً وقانوناً، فقد صدر الحكم بحقه بسبب إصراره على التمسك بمعتقداته الباطلة، ورفضه القبول بالحقيقة.
ومن المرجح أنّ هذه الحادثة قد دفعت كمال باشا زاده إلى كتابة رسالة تتناول الموضوع ذاته، قام فيها بالرد على أفكار الملا قابض دون ذكر اسمه بشكل صريح، موضحاً من خلال الأدلة سمو مرتبة الرسول صلى الله عليه وسلّم على النبي عيسى عليه السلام والتي حملت اسم (رسالة في أفضلية محمد عليه السلام)، معتمداً على الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ليسوق ما ينوف على العشرين دليل حول صحة الأمر. وقد جاء في نص الرسالة بأنّ هناك إجماعاً حول سمو مرتبة الرسول الكريم على بقية الرسل والأنبياء حيث أنه أرسل رحمة للعالمين، وأنه خاتمة الرسل، كما أنّ أمته هي خير أمة أخرجت للناس، وبالتالي فإنّ نبي هذه الأمة هو أعلى مقاماً من أنبياء الأمم الأخرى، وسواها من الأدلة، كما أنّ صعود البني عيسى حياً إلى المساء لا يثبت علو مرتبته، ذلك أنه سينزل يوماً ما ليدعو أمته إلى طريق الحق كما هو معلوم137.





مسائل المجر

كان فتح بلغراد والنصر الذي حققته الدولة العثمانية في موهاج، سبباً في انحياز القلاع الحدودية المهمة الخاضعة لسيطرة المجريين، إلى الدولة العثمانية. كما أنّ السياسة العادلة والحكيمة التي اتبعها الغازي خسروف بيك والي سنجق البوسنة لعبت دوراً بالغ الأثر في هذا الترجيح.
وهكذا فقد أدركت حامية قلعة يايتشه138 المحاصرة منذ العام ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين، بأن المقاومة لن تجدي نفعاً ولن تفضي إلى نتيجة لصالحهم، وبذلك سلموا القلعة إلى الغازي خسروف بيك في العام ألف وخمسمائة وسبعة وعشرين. ثم توالت القلاع المجاورة ليايتشه في انضوائها تحت حكم السلطان سليمان القانوني كقلعة بوزيغا وفرانا على سواحل دالماسيا139، وقد أصبحت كلها تابعة لسنجق بوزيغا.
ومع انتهاء الحملات العسكرية على المجر بعد معركة موهاج، بدأت الحملات السياسية، وذلك لوجود رقيبين يتنافسان على تاج وعرش المجر.
أولهما هو يانوش زابوليا حاكم ترانسلفانيا الذي تعهد السلطان القانوني بتعيينه ملكاً على البلاد بناء على رغبة أعيان المجر الذين التقى بهم حين كان في بِست. والآخر هو أرشيدوق فيينا فرديناند المتحدر من عائلة هابسبورغ، الذي كان يطالب بعرش المجر بناء على الاتفاقيات وعلى حقه الوراثي. وقد أعلن شارلكان من خلال المجلس الذي عقده بأنّ شقيقه فرديناند هو الحاكم الشرعي للمجر، وما زابوليا سوى مغتصب للعرش.
ومع بدء الصراع الداخلي كان زابوليا يبدو الأكثر قوة، فإضافة إلى مجموعة من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كان هناك عامل روحي يكسبه هذه القوة. ذلك أنّ الشعب المجري الذي يعود في منشئه وثقافته إلى الشرق، كان متمسكاً بروح سكيثيا140 وكانت الحركة السكوثية القومية تعيش في روح هذا الشعب، وقد اعتبر زابوليا الممثل الحقيقي لهذه الروح التي تجسد تطلعاتهم. وبعد معركة موهاج بعدة أشهر، تم اختياره ملكاً قومياً على البلاد، ولكن هناك فئة كانت ترى بأنّ هذا الاختيار لا يتناسب مع التوافقات أو المنافع السياسية، وقد قام هؤلاء قبل مضي وقت طويل باختيار فرديناند ملكاً عليهم في مدينة أخرى من مدن المجر141.
وفي ظل هذا التنافس بدأ الطرفان الصراع، والبحث عن داعمين خارجيين لمطامحهما، ومن أجل هذه الغاية توجه زابوليا طالباً مساعدة أمراء كل من ألمانيا وفرنسا بالإضافة إلى البابا وملوك إنكلترا، لدعمه ضد منافسيه، ولكنه لم يحصل على نتيجة يعوّل عليها.
كما أنّ فرديناند صهر ملك المجر المتوفى لويس الثاني، وشقيق شارلكان ملك إسبانيا وإمبراطور ألمانيا قد بدأ بالتحرك بدوره. وبمساعدة من أخيه توجه على رأس جيش كبير إلى المجر في العام ألف وخمسمائة وسبعة وعشرين. ولكن الهزيمة التي تعرض لها زابوليا على يد قوات فرديناند في توكاي142 دفعته للانسحاب إلى ترانسلفانيا، ومن ثم لجأ إلى حميه ملك بولندا سيجسموند143.
تصرف زابوليا بعداء واضح اتجاه العثمانيين بعد جلوسه على عرش المجر، حيث طالب المجلس الإمبراطوري المنعقد في ريجنسبورغ ربيع العام ألف وخمسمائة وسبعة وعشرين، بتقديم العون له ضد العثمانيين، كما تكفّل باستعادة كل القلاع الواقعة على طول نهري السافا والدانوب. ولكنه وبعد فقدان مملكته وعرشه تعرض لتغيير نفسي كبير، حيث لم يتلقَّ أي مساعدة ضد شارلكان. ورغم ذلك فقد ظل يحافظ على تصرفه كملك حتى مع وجوده في بلد غريب. وقد قرر طلب المساعدة من السلطان سليمان القانوني أثناء فترة تواجده في ترانسلفانيا، بناء على النصيحة التي قدمها له دوق البندقية منذ بداية الصراع، كما أن حميه سيجسموند ملك بولندا أيضاً اقترح عليه الفكرة ذاتها.
نتيجة لهذه التطورات أرسل أحد أشهر الشخصيات الدبلوماسية وهو جيروم لاشكي- الذي كان له دور كبير في اتخاذ هذا القرار- يطلب مساعدة السلطان للحصول على التاج الذي كان قد وعده به سابقاً.
وما إن وصل المبعوث إلى العاصمة حتى تمكن من عقد صلات مع ألفونسو غريتي144 أحد ممثلي حكومة البندقية الذي كان مستشاراً خبيراً في العلاقات الخارجية، ويكاد يكون مختصاً في شؤون المجر. وبفضل دعمه تمكن من كسب ودّ الصدر الأعظم في البداية، ولكنه مع ذلك أوضح وبشكل صريح في أول لقاءاته مع لاشكي حقيقة الوضع وموقف الدولة العثمانية من هذه المسائل.
فقد شرح في البداية للمبعوث تصرفات زابوليا والأخطاء التي ارتكبها، ووبّخه لهذا السبب، حيث خاطبه إبراهيم باشا في إحدى هذه اللقاءات بالقول:
«لماذا لم يقم سيدك بطلب تاج المجر من السلطان منذ البداية؟ يبدو أنّ الملك لم يدرك حتى الآن كيفية الحفاظ على قلعة السلطان. . فنحن مطلعون على كل الوقائع. كما أننا نعلم قيمة الأرشيدوق وقيمة سيدك، وأيضاً كل ما يمكن أن يقوم به باقي الأمراء والملوك المسيحيون». .
ورغم ذلك فإنّ وجود حكومة موالية لشارلكان في المجر، كانت تتعارض بشكل قاطع مع المصالح العثمانية. كما أنّ فرانسوا ملك فرنسا الذي نجا من الأسر بعد اتفاقية مدريد العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين، كان راغباً في جعل المجر تابعة له من خلال تنصيب لويس دوق أورليان على عرشها. 145 ولهذه الاعتبارات فقد تم التوصل في الاجتماعات التي عقدت، إلى أنّ قيام السلطان والدولة العثمانية بوضع زابوليا تحت حمايتها هو أفضل الطرق المتوافقة مع مصلحة السلطنة.
وافق القانوني على استقبال لاشكي في السابع والعشرين من كانون الثاني العام ألف وخمسمائة وثمانية وعشرين، وقد خاطبه قائلاً:
«أتقبل وفاء سيدك لي بامتنان بالغ. فالحكم الفعلي لم يكن له حتى الآن، كما أن تلك الحكومة الحالية ملغية، فتلك البلاد التي فتحتها بحد سيفي هي من حقي، ولكنني سأترك له عرش المجر مكافأة على تبعتيه لي، وكما أنني سأحميه ضد النمسا»146.
وقد بادر فرديناند الذي اطلع على مبادرة زابوليا ونجاح لاشكي في مهمته، إلى الإسراع بإرسال وفد مكون من ثلاثة أشخاص برئاسة جان هوبوردانسكي إلى إسطنبول، من أجل الحصول على موافقة السلطان قبوله ملكاً على المجر. وقد وصلوا العاصمة في التاسع والعشرين من أيار العام ألف وخمسمائة وثمانية وعشرين، وكانت الرسالة التي يحملونها تنص على قبول فرديناند ملكاً على كل من بلغراد وبقية المواقع التي تم الاستيلاء عليها في المجر.
وحين رأى الصدر الأعظم إبراهيم باشا رسالة فرديناند سأل مبعوثي فرديناند مستهزئاً:
«ولماذا لا تطلبون إسطنبول أيضاً؟».
وإضافة إلى عدم صدور الموافقة باستقبال الوفد من قبل السلطان، فقد تمّ احتجازهم في إسطنبول لمدة تسعة أشهر. ولم يطلق سراحهم إلاّ بعد أن قدم سفير فيينا في العام ألف وخمسمائة وتسعة عشرين، خمسمائة دوقة عن كل شخص منهم147.





لن نبلغ ما بلغه الفاتح

بعد المباحثات التي عقدت مع السفراء، والوعود التي قطعت لمبعوث زابوليا سابقاً، أصبح القيام بحملة على النمسا أمراً لا مفرّ منه. وبعد اتخاذ قرار الحملة، قام السلطان القانوني باتخاذ أولى الخطوات من خلال توسيع صلاحيات الصدر الأعظم إبراهيم باشا بطريقة لم تكن معتادة حتى ذلك العهد، وتعيينه قائداً عاماً للجيش. وكان نص هذا القرار وشكله صيغة فريدة من نوعها حتى ذلك الوقت.
يورد بيجفي في تاريخه الواقعة التي حدثت في الثامن عشر من آذار العام ألف وخمسمائة وتسعة وعشرين الموافق للثامن من رجب العام تسعمائة وخمسة وثلاثين للهجرة، نقلاّ عن النيشانجي148 جلال زاده مصطفى بيك الذي أوردها في تاريخه على الشكل التالي:
«في أحد الأيام وبعد أن انفض الوزراء عن الديوان مغادرين إلى منازلهم، استدعى حضرة السلطان، هذا العبد الفقير للمثول أمام مقامه العالي، وبعد أن أنعم عليه بكلمات الثناء التي تضاهي اللؤلؤ المكنون في جمالها واتساقها، أمرني قائلاً:
بعون وإرادة الحق القدير، فقد اتسعت حدود بلادنا بشكل غير مسبوق، وازدادت المسائل ومشاغل المسلمين التي وكّلنا بإدارتها، وبات من المحال أن نقوم بالإشراف على كل هذه الأمور بشكل مباشر. ومن أجل التفرغ لمسائل الدولة الإدارية والدينية المهمة واتخاذ الإجراءات المناسبة، فقد قررنا تعيين إبراهيم باشا قائداً عاماً للجيش. وأريدك أن تباشر بكتابة نص الأمر الذي يقضي بوجوب طاعة كل رعاياي له والالتزام بأوامره.
وبناء عليه قمت في تلك الليلة بتحضير مسوّدة القرار التي طلبها، وقدمتها له في صبيحة اليوم التالي. وبعد الاستماع لمحتوى النص، فقد أبدى موافقته عليها. وبعد صياغتها بالأسلوب الأنسب لمقامه العالي، تمّت كتابتها في صورتها الأمثل وتزيينها بالطغراء التي ينير شكلها العالم برمته، ليتم تقديمها إلى مقامه السني.
وفي اليوم ذاته تم استدعاء آغا الإنكشارية للمثول أمام السلطان، حيث وصل مع فرقة من جنده إلى باب السلطان.
فأرسل معه إلى إبراهيم باشا بالإضافة إلى القرار السلطاني، خمسمائة ألف أكجة، وتسعة خيول زينت ألجمتها ورصعت سروجها بالذهب، بالإضافة لسيف مزين بالأحجار الكريمة، وأربعة قفاطين للاحتفال رائعة الصنعة، وتسع صرر ملؤها الأقمشة النفيسة وعمامة مرصعة بالمجوهرات. .
وبالطبع لا موجب لذكر كل العطايا التي منحت لإبراهيم باشا مع هذا المرسوم، فبالإضافة إلى إيراداته المالية من الإكراميات والعطايا، كان ريع أراضي الخاص التي وضعت تحت تصرفه يصل إلى مليوني أكجة، أضيف إليها مليون أكجة لتصل إلى ثلاثة ملايين أكجة، ومع تعيينه قائدا عاماً للجيش فقد مُنح الراية (التوغ)149 التي تفيض بِشراً بالإضافة للطبل والعلم أيضاً. .
وقد اجتمع في ذلك اليوم كل عناصر الكابى كولو إلى جانب الوزراء والأعيان والعلماء، وبعد تلاوة الفرمان السلطاني المبارك على مسامعهم، ردد الجميع كلمات التهنئة، وقاموا بتقبيل يد السلطان، كما تمت مكافأة الحضور بترقيتهم وزيادة مخصصاتهم، ليحصل كل منهم على رتبة أعلى في منصبه.
وبحسب ما تناقلته الألسن دون التحقق من صحة الرواية، فقد اعتبر إبراهيم باشا أنّ رفع مخصصاته من الخاصات إلى ثلاثة ملايين أكجة بحسب القرار غير كافٍ، وقد خاطب السلطان قائلاً:
«لقد وهب السلطان المرحوم محمد الفاتح خان، في نص فرمانه السلطاني صدره الأعظم محمود باشا أربعة ملايين أكجة، فما يضير كرم السلطان أن ينعم على عبده أيضاً بمثل ذلك الإحسان؟». .
ليرد عليه سعادة السلطان بالقول:
«كان ذلك حين نجحوا في فتح العاصمة إسطنبول، وحتى لو قام بمنحه أكثر من ذلك فهو أهل له». .
فعقب إبراهيم باشا قائلاً:
«ولكن بغداد أيضاً عاصمة الخلفاء العظام، أما بودين فهي موئل عرش الملوك منذ القدم، ورغم أنّ مكانتهما لا يمكن أن تعلو على مكانة إسطنبول، ولكنهما لا تعتبران أقل منها شأناً». . فأجابه السلطان حينها:
«إنّ إسطنبول هي عاصمتنا، فكيف لك أن ترجح ما سواها عليها؟ كما أنه لا يجوز لنا أن نقيس أنفسنا بسلطان عظيم مثل السلطان الفاتح»150.





أمام فيينا

لقد اعتبر السلطان سليمان القانوني أنّ عقد المجر - التي تقع ضمن خارطة البلاد التي قام بفتحها - صلاتٍ مع الهابسبورغ (النمسا)، خطراً يهدد أمن بلاده، وانطلاقا من هذه القناعة غادر إسطنبول على رأس جيش مكون من مائتين وخمسين ألف جندي، برفقة ثلاثمائة مدفع في العاشر من أيار العام ألف وخمسمائة وتسعة وعشرين.
وبعد اجتيازهم بلدة تشاتالجا151 أصدر السلطان فرماناً ينص على التنظيم العسكري للحملة، والذي رتبت وفقه ألوية الجيش التي ارتفع عددها إلى سبعة ألوية تحت إمرة السلطان، بحيث تصدرتها فرقة الطباخين، والمتفرقون152، ومن ثم آغوات الإندرون وفي النهاية قضاة العسكر، والدفترداريون والنيشانجي، بحيث لن يتواجد أي أحد خارج اللواء المحدد له.
كما اتخذت كل التدابير اللازمة للحفاظ على الانضباط والنظام طوال مسير الحملة، للحيلولة دون ارتكاب أي مخالفة أو اعتداء بحق أحد.
وحين وصولهم موهاج في التاسع عشر من آب، قام زابوليا برفقة مبعوثه لاشكي وقواته المؤلفة من ستة آلاف فارس بملاقاة السلطان، الذي استقبله في العشرين من آب كملك رسمي للمجر153.
وقد ضربت خيام خاصة من أجل مراسم تقبيل يد السلطان، حيث اصطف الوزراء، الآغوات، الحراس، قوات المتفرقين ولواء الطباخين، يليهم الإنكشاريون والسيباهية بكافة عتادهم وأسلحتهم، بالإضافة لقوات الأناضول وروميلي. وحين مثل زابوليا في حضرة السلطان، نهض الأخير وتقدم ثلاث خطوات حيث مدّ يده لتقبيلها.
وقد نقل لطفي باشا الحوار الذي دار بين السلطان وزابوليا على الشكل التالي:
بادر السلطان سليمان بسؤاله قائلاً:
«ما الذي دفعك للمجيء إليّ رغم الاختلاف الديني بيننا، كما لا تربطني بك أواصر الصداقة والود؟». .
فأخفض زابوليا رأسه وهو يجيب:
«أيا سلطان العالم الأعظم، لا حدّ لرعاياك من المسلمين والكفار، وقد جئت للانضمام إلى جموع رعاياك الغفيرة. كما أنّ لي رجاء لدى السلطان، وإن سمح لي أود أن أعرضه على مقامكم الشريف». . وقد سرّ السلطان سليمان من كلماته وخاطبه قائلاً:
«قل مرادك، وسنعمل على تنفيذه ما استطعنا إليه سبيلا». فرد عليه زابوليا:
«إنّ مملكة المجر (إنغروس)154 حالها خراب، وأنا كما تعلمون تجمعني أواصر القربى مع ملوكها، ولست مجهول النسب، لذلك فأنا الأجدر بمنصب الملك، وبناء عليه أتمنى على السلطان مساعدتي. وأتعهد أنه في حال قمتم بتعييني على إمارة بودين، وأخرجتم منها رجال فرديناند وسلمتموني إياها، سألتزم بدفع الجزية السنوية وفق ما هو معمول به. كما أنّ قرب بودين من فيينا، يدفع الأخيرة إلى الاعتداء عليها بين الفينة والأخرى، لذا ننصحكم بالاستيلاء عليها (فيينا) أيضاً». وقد رد السلطان على كلماته هذه بالقول:
«إذاً دعنا نتجه إلى بودين من أجل تحقيق غايتك ومرادك»155.
وبالتزامن مع اقتراب العثمانيين من بودين، تمكن بالي بيك من الاستيلاء على تاج المجر المقدس الذي كان في طريقه إلى فرديناند، وحين وصل السلطان إلى بودين على رأس الجيش، أُحضر تاج المجر من أجل تسليمه إلى السلطان.
في الثالث من أيلول العام ألف وخمسمائة وتسعة وعشرين بلغت القوات العثمانية الأسوار، وبدأت استعدادات الحصار الذي سيضرب على المدينة التي كانت تحميها القوات النمساوية الموالية لفرديناند. وبعد انتهاء الاستعدادات في السابع من أيلول، بدأ الجيش العثماني بالتحرك، وقبل البدء في القتال، شوهدت الرايات البيضاء ترفرف على أسوار القلعة من قبل المدافعين الذي عرضوا تسليم المدينة للسلطان مقابل الأمان على أرواحهم156.
مكث السلطان ستة أيام في بودين، قام خلالها بتتويج زابوليا ملكاً على المجر، وقد تقرر في الديوان الهمايوني الذي عقد لاحقاً، السير إلى فيينا من أجل مواجهة فرديناند وقواته. وبعد أنّ كلّف القانوني والي إلباسان157 خسروف بيك مع خمسين من رجاله للحفاظ على أمن بودين، انطلق للحاق بإبراهيم باشا الذي كان يتمركز مع قواته في إحدى القلاع القريبة للتوجه معاً نحو فيينا.
وقد علموا ممن أسروهم أثناء الطريق بأنّ فرديناند قد ترك عشرين ألفاً من المشاة وألفين من الفرسان لحماية قلعة فيينا، فيما انسحب هو إلى شمال النمسا. وفي السابع والعشرين من أيلول بلغ السلطان سليمان القانوني أسوار قلعة فيينا، حيث قام بنصب الخيمة الهمايونية في قرية تدعى (سميرينغ) ومن هناك قام بتنظيم قواته في مواقع الحصار المناسبة.
كان نيكولاس دي سالم وفون روجيندروف هما المكلفان بالدفاع عن القلعة. وفي الأسابيع الثلاث الممتدة بين السابع والعشرين من أيلول والرابع عشر من تشرين الأول، قام العثمانيون بشن العديد من الهجمات على القلعة، ولكنها لم تكلل بالنجاح. وبخاصة الهجوم الذي نفّذ في الثاني عشر من تشرين الأول على الأسوار الواقعة بين بابي كارنثير وأوجاكلار، حيث كان ساحة لقتال شديد بين الطرفين. وقد عقد على إثره مجلس حربي من أجل مناقشة وجهات النظر حول الخطط العسكرية اللازمة لمواصلة الحصار، حيث تم التطرق إلى حالة الطقس التي لم تعد مساعدة على استمرار بقائهم، بالإضافة إلى المؤونة التي بدأت بالتناقص، كما أنّ هطول الأمطار والبرد الذي حلّ باكراً، كل هذه العوامل كانت من الصعوبات التي سيواجهها الجيش في حال استمرار الحصار لمدة أطول. إضافة إلى أنّ عدم وجود مدافع كبيرة كان من أهم العوامل التي ستطيل مدة الحصار، لذلك تقرر في نهاية الأمر بأنّ الخسائر التي تكبدتها حامية المدينة خلال شن الهجمات القوية عليهم، كافية من أجل معاقبة فرديناند وتأديبه. وبالتالي تم التخلي عن فكرة الهجوم العمومي المزمع القيام بعده بعد يومين من الاجتماع، لعدم وجود مدافع كبيرة تسهل من مهمة المحاصرين في الاستيلاء على القلعة كما ذكرنا158.
وقد انسحب القانوني - الذي كانت غايته الأساسية معاقبة فرديناند- من أمام أسوار فيينا في السادس عشر من تشرين الأول، ولكنه بادل الستين أسيراً من ذوي المراتب العالية، بأسرى الأتراك المسجونين في فيينا.
وقد جاء في نص الرسالة التي وجهها إبراهيم باشا باللغة الإيطالية إلى فيينا ما يلي:
«ليكن معلوماً لديكم أننا لم نأتِ للاستيلاء على بلادكم، بل أتينا من أجل هزيمة أرشيدوقكم، ولأننا لم نعثر عليه فقد أضعنا كل هذا الوقت هنا». ليوضح لهم بذلك الموقف العثماني من هذه الحملة.
وأثناء العودة من أمام أسوار فيينا، تمّ توزيع إكرامية على كل جندي من قوات الإنكشارية مقدارها ألف أكجة، بالإضافة إلى توزيع التيمارات والمناصب على أفراد السيباهية159.
كما أنّ فعاليات المهاجمين العثمانيين في المنطقة طوال فترة حملة فيينا، كانت مدعاة للإعجاب. حيث غدت المناطق الحدودية لكل من النمسا، بافاريا، مورافيا160، بوهيميا، سلوفاكيا، سلوفانيا، سويسرا وسيليزيا161، أهدافا لهجماتهم المتواصلة. كما أنّ قوات الأكنجي الأتراك تحت قيادة يحيى باشا زاده غازي محمد بيك ابن عمة القانوني، قد وصلت في هجماتها حتى ريغنسبورغ162 إحدى أهم مدن بافاريا، ومدينة برنو163 أهم مدن تشيكوسلوفاكيا. وبينما كان مالكوج أوغلو قاسم بيك ينشر الدمار في باقي مدن النمسا، تمكن أحد المهاجمين من دخول فادوز مركز إمارة ليختنشتاين164 وإضرام النيران في قلعة الأمير، وسوقه أسيراً مع مئات من الأسرى. وبذلك حين غادر السلطان أسوار فيينا، كان بحوزة جيشه ستون ألف أسير165.
وقد ترك السلطان سليمان القانوني فرقة من جنود الإنكشارية ومستشار الصدر الأعظم غريتي في بودين، من أجل مراقبة تحركات الملك، وتقديم الدعم لحامية المدينة، ووصل إسطنبول عن طريق بلغراد في السادس عشر من كانون الأول العام ألف وخمسمائة وتسعة وعشرين. حيث استغرقت الحملة السلطانية الرابعة، سبعة أشهر وسبعة أيام.





حفلة الختان (1530)

أقيمت في إسطنبول حفلة ختان باذخة ومبهجة استمرت عدة أسابيع لأبناء السلطان سليمان القانوني وهم؛ مصطفى ولد في (1515)، محمد ولد في (1522)، سليم ولد في (1524).
وأثناء التحضير لمراسم الاحتفال بُعثت رسالة إلى صديق السلطان دوق البندقية أندريا غريتي لحضور الحفل، ولكن الدوق اعتذر عن المجيء لتقدمه في العمر، وأرسل كلاًّ من زين، بيرناردو وموسنيغو ليكونوا ممثلين عنه.
وقد بدأت الاحتفالات في الثامن عشر من حزيران، وفي موقع مناسب من ساحة آت ميداني166 تم بناء جوسق جميل للسلطان، حيث كانت فرقة الميهتار خانه167 تواكب الاحتفال، كما ضربت الخيام العالية للوزراء وأعيان الدولة، ونصبت المظلات المصنوعة من الحرير المطرز بأبدع النقوش. وقد اجتمع الوزير الثاني أياس باشا، والوزير الثالث قاسم باشا، وأمير أمراء روميلي وبقية أعضاء الديوان منذ الصباح الباكر في ديوان السلطان، وبعد قليل انضم إليهم الصدر الأعظم وقادة الجيش كما هو معتاد.
وبعد أن امتطى السلطان صهوة حصانه، سار الجميع في ركب مهيب نحو مكان الاحتفال، وحين وصلوا قبالة أرصلان خانه168، اقترب الوزراء من السلطان مترجلين، ومن ثم اتجهوا إلى وسط الميدان، حيث استقبله إبراهيم باشا قائد الجيش وأمير الأمراء، آغا الإنكشارية بالإضافة إلى آغوات الركب والإسطبل. .
وحين ترجل السلطان عن حصانه، علت أصوات هتافات وتصفيق الحراس والجنود حتى بلغت عنان السماء، وبعد أن جلس على عرشه العظيم، اصطف الوزراء وكبار الدولة وقادة الجيش من أجل تقبيل يده، وقد تلقى كل منهم الكثير من الهدايا القيّمة. .
ومن ثم جاء دور شيخ الإسلام وكبار رجال الدين والقضاة والمدرسين لتقبيل اليد، ليجلسوا في الأماكن المخصصة لهم على مائدة السلطان ويشاركوه الطعام.
وفي الثامن والعشرين من حزيران استقبل السلطان الوزراء المتقاعدين إلى جانب بيري محمد باشا وزينال باشا، وفي اليوم الذي يليه تم استقبال أمراء الكورد وولاة السناجق وسفراء البندقية، وكانت الهدايا المقدمة نفيسة ورائعة من بينها؛ أقمشة من الشام ومصر، شالات من الهند، أطباق من الذهب والفضة، صرر وصحون مليئة بالمجوهرات، الخزفيات الصينية، ومعاطف الفراء الثمينة التي جلبت من بلاد التتار والقفجاق169، وعبيد من مختلف الأجناس والأقوام إلخ. . وتشير السجلات بأنّ قيمة هدايا الصدر الأعظم لوحده قد بلغت خمسين ألف دوقة. .
وفي الثلاثين من حزيران أقيم احتفال لطائفة العلماء ورجال الدين، وقد قوبل معلم السلطان المُلّا خير الدين باحترام بالغ، حيث أُجلس إلى جوار الصدر الأعظم، متصدراً بذلك المكانة على قضاة العسكر.
كما قام الإنكشاريون والسيباهية في الثالث من تموز بإحضار النخلات170 المزينة بالشموع والأوراق الذهبية والأزهار المتنوعة وكل أشكال الطيور والفواكه، لكي تعرض أمام الجميع. كما أقيم في اليوم الذي يليه احتفال مبهج لجنود الإنكشارية.
وقد توافد الممثلون والبهلوانات واللاعبون والمصارعون من كل أنحاء السلطنة، لتقديم عروضهم المسلية أمام العامة، أما في الرابع من تموز فقد انضم الفرسان إلى هذه العروض الترفيهية، حيث قام مطرقجي نصوح171 بصناعة قلعتين من الورق المقوى نصبتا متقابلتين في الميدان، وقد نال استحسان السلطان وإعجاب الجميع من خلال المعركة التمثيلية التي أداها مائة من جنود الإنكشارية بين القلعتين. .
وفي السادس من تموز تمت دعوة مدرسي إسطنبول من فئة الخمسين أكجة (الذي يحصلون على يومية قيمتها خمسون أكجة) ومن هم أقل، والقضاة المعزولين عن وظائفهم، الشيوخ، المتصوفين، وتجار السوق، ومسؤولي الأوقاف وسواهم من مختلف الفئات، حيث وزعت عليهم الهدايا والإكراميات. .
وقد توجه أعضاء الديوان في العاشر من تموز إلى إسكي سراي172، وقاموا باصطحاب الأمراء على صهوات الجياد، في احترام وحفاوة بالغين إلى الميدان حيث استقبلهم الوزراء مترجلين، وبعد أن بلغوا باب الديوان خانه ترجلوا عن أحصنتهم. .
كما أقيم في اليوم الذي تلاه احتفال ضخم آخر، حيث جهزت مصطبة بعلو شبر لرجال الدولة أمام العرش من أجل السلطان، وبعد جلوسه عليها، جلس إلى يمينه الصدر الأعظم إبراهيم باشا، أياس باشا، أمير أمراء روميلي بهرام باشا، يعقوب باشا، الخوجا أفندي173، قضاة العسكر وأمير خانية التتار. أما على يساره فقد جلس على الترتيب بيري باشا الصدر الأعظم المتقاعد، زينال باشا، فروهشاد باشا أحد أعيان الدولة، بايندر أوغلو مراد بيك، ابن سلطان مصر محمد بيك بن قانصوه الغوري، عبد اللطيف بيك أحد أبناء ذو القادر. وبعد تقديم مختلف أنواع الأطعمة، تم تقديم الأشربة لذيذة النكهات والروائح بحسب الأصول المتبعة، حيث قدم عبيد الدفتردار إسكندر جلبي الشراب للسلطان في الآنية الخزفية الفيروزية الشهيرة، أما الوزراء وبقية الضيوف فقد قام آغوات الركاب بتقديم المشاريب لهم وفق الأصول والأعراف المعمول بها.
كانت المناظرة العلمية التي أقيمت في الثاني عشر من تموز بحضور السلطان سليمان جديرة بالمتابعة، حيث توجه رئيس الحراس (شاويش باشي) من أجل دعوة شيخ الإسلام وإحضاره، بينما كلّف قائد الذخيرة (جِبِجي باشي) بدعوة الخوجا أفندي. وقد جلس إلى يمين السلطان شيخ الإسلام كمال باشا زاده وقاضي عسكر الأناضول الملا قدري جلبي، وإلى يساره الخوجا الكبير الملا خير الدين وقاضي عسكر روميلي الملا فنار زاده محي الدين، وقبالتهم جلس بقية رجال الدين والعلماء كل وفق مقامه ومنزلته. وبإذن من السلطان بدأ شيخ الإسلام الحديث حول تفسير سورة الفاتحة، كما أدلى معظم العلماء بآرائهم المعروفة في هذا الخصوص ومقارنتها ببعضها ومناقشتها. وقد أقيمت مناظرات ثنائية بين أصحاب المهارات الكلامية والعلمية منهم، حيث أُغدقت عليهم الهدايا والمكافآت المادية والمعنوية. .
وفي اليوم العشرين توجه الموكب إلى كاغيت خانه174 لمتابعة مسابقة الخيول، وفي هذه الأثناء اندفعت أنثى كلب سلوقي وتمكنت من تجاوز كل الأحصنة. كما علّقت لوحة للتصويب مصنوعة من الفضة على رأس سارية ليصوب عليها الرماة سهامهم. وقد عرضت الكثير من الفنون والمهارات التي تلقى أصحابها ما لا يُعد ولا يُحصى من الهدايا والمكافآت.
وفي كل يوم جديد كانت تقدم العروض التي يقبل أفرادها من كل أنحاء البلاد، بما فيها المباريات التي يقدمها السيباهية، وألعاب الخفة التي يقدمها المهرجون، والألعاب النارية والمفرقعات، البهلوانات وعروضهم على ظهور الخيل، ممثلو مسرح الظل، والعديد من الفنون الأخرى. .
ومن الصعوبة بمكان وصف كل العروض، والألعاب النارية بتنوعها، والاحتفالات التي كانت تقام كل يوم بهيئة جديدة، وذكر كل المدعوين الذين حضروها من الأعيان والعامة على حد سواء، لغناها وتنوعها175.
وتبين المحادثة التي حصلت بين السلطان القانوني وإبراهيم باشا مدى روعة هذا الاحتفال وفخامته، فبحسب ما تنقل المصادر فقد توجه السلطان إلى إبراهيم باشا بالسؤال حول ما إن كان حفل الختان المخصص للأمراء أكثر فخامة، أم حفلة عرس زواج الباشا من أخته، ليجيب إبراهيم باشا بالقول:
«لم يحدث لحفل أن كان بفخامة عرسي، ولن يحدث ما هو أعظم منه»
وقد اندهش السلطان إزاء هذا الجواب، وسأله عن السبب، حيث ردّ عليه الباشا:
«لم يحضر حفلكم ضيف عظيم الشأن كما حدث في عرسي. فقد شرفني في عرسي أعظم سلاطين العالم السلطان سليمان؛ سلطان مكة والمدينة» وقد تأثر السلطان من هذا الرد بالغ الأثر ولاقى استحسانه كثيراً. 176





في عباب المياه الهندية

بدأ أول اضطراب في منطقة البحر الأحمر خلال عهد القانوني، أثناء حملة موهاج. وقد لفت انتباه السلطان أنّ البرتغال الذين استولوا على سواحل الهند، بدأوا يشنون حملات هجومية على سواحل شبه الجزيرة العربية بين حين وآخر. فهؤلاء وبعد استيلائهم على سواحل كل من شبه الجزيرة العربية وسواحل الهند، باتوا أشبه ببلاء ألّم بالعالم الإسلامي، ونتيجة لذلك تم اتخاذ قرار لحماية طرق قوافل الحج وطرق التجارة البحرية في آن. ولهذا السبب تم تعيين الريّس سلمان في العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين قبطاناً على أسطول البحر الأحمر، والذي تمكن من خلال أسطوله المكون من عشرين سفينة تم تجهيزها في ميناء السويس، من السيطرة على سواحل الجزيرة العربية حتى مدينة عدن، وضمها إلى نفوذ الدولة العثمانية177.
وبعد وفاة الريّس سلمان تولى منصبه ابن أخته بهرام بيه أوغلو أمير مصطفى بيك، الذي ارتأى بناء قلعة في كمران178، ذلك أنه في نهاية كانون الثاني من العام ألف وخمسمائة وثمانية وعشرين، وصلته معلومات عن توجه أسطول برتغالي عبر البحر الأحمر نحو كمران من أجل حرق السفن التركية الموجودة فيها، ولكن هؤلاء عجزوا عن الوصول إلى الجزيرة بسبب معاكسة الرياح لأشرعة سفنهم.
وقبل شروع أمير مصطفى في التحرك، قام بتعيين سيدي علي الرومي نائباً على اليمن، كما قام بتعيين أحمد بيك الذي كان أحد أتباع الريّس سلمان، مستشاراً إدارياً له. وما إن وصل كمران حتى بدأ العمل في بناء القلعة، ومكث في الجزيرة حتى موسم البحر (الصيف).
ثم توجه صوب عدن التي كانت تربطها علاقات مع البرتغاليين، وخلال وقت وجيز تمكنت قواته من فرض حصار على عدن، وتطويق مينائها. ولكن حين بلغته أخبار عن قرب وصول أسطول برتغالي مكون من عشر سفن تحت قيادة إيتور دي سيلفيريا، رفع أمير مصطفى الحصار عن ميناء عدن وذلك في شباط العام ألف وخمسمائة وثلاثين، وفتح أشرعته صوب آفاق جديدة، ما أتاح الفرصة للبرتغاليين للقيام بضرب الحصار على القلعة.
وقد قام حاكم عدن الذي كان يخشى العثمانيين خشية بالغة، بعقد اتفاقية صداقة مع البرتغاليين، ووافق على منحهم ضريبة سنوية مقدارها عشرة آلاف قطعة ذهبية، كما قام القائد البرتغالي سيلفيريا بترك قوة عسكرية في المدينة بقيادة أنطونيو بيتللو.
بعد الفشل الذي مني به أمير مصطفى في محاصرته لميناء عدن، توجه نحو الشحر179، حيث اجتمع مع حكامها وعقد علاقات جيدة معهم، وتم التباحث حول سبل التعاون من أجل التصدي للبرتغاليين. وأثناء إقامته في الشحر قام بترك مئة جندي في حضرموت من أجل الدفاع عن مصالح السلطان في المعارك الناشبة هناك. ثم بدأ يمخر عباب المحيط الهندي معقل نشاطات البرتغاليين، وذلك في كانون الأول من العام ألف وخمسمائة وثلاثين.
وفي هذه الأثناء كانت منطقة غرب الهند التي تحولت إلى مملكة كوجارات180 تُدار من قِبَل بهادير شاه (1526-1537)، وكانت تربطه علاقات جيدة مع البرتغاليين الذين سيطروا على بعض موانئ الهند. وفي تشرين الأول من العام ألف وخمسمائة وتسعة وعشرين، عيّن البرتغاليون حاكماً بالغ النشاط على رأس ولاية غوا181 وهو؛ نونو دا جونها.
وقد قام الحاكم الجديد بداية العام ألف وخمسمائة وثلاثين، بنقل مركز مستعمرات البرتغال في غرب الهند من كوتشي182 إلى غوا، والتي أصبحت اعتباراً من هذا التاريخ مركز الأراضي البرتغالية في الهند. كانت طموحات البرتغاليين هي السيطرة على الهند بالكامل من خلال الاستيلاء على ميناء مدينة ديو التي تعتبر مدينة ثائرة عليهم، وكانت تلك الخطوة ضرورية من وجهة نظرهم من أجل حماية مناطق نفوذهم في تلك المنطقة، ذلك أنّ ديو كانت مركز النشاطات المناهضة للاستعمار البرتغالي في الهند، كما كانت تشكل ملجأ لتمركز قوات الأتراك أيضاً.
لذا أعدّ الحاكم البرتغالي كل التجهيزات اللازمة من أجل تنفيذ الهجوم على ديو، حيث تكفل الطاقم الإداري والعسكري على حد سواء بالعمل بأقصى درجات النشاط في الورشات والعنابر للتحضير للحملة. وتكلل هذا الجهد بتجهيز أسطول مركب من أربعمائة مركبة بحرية بينها مائة وتسعون سفينة حربية، وكانت قواتهم العسكرية تبلغ ثمانية عشر ألفاً وستمائة محارب، بينهم ثلاثة آلاف وستمائة برتغالي، وألفي جندي من مالابار183، وثمانية آلاف من العبيد، بالإضافة إلى خمسة آلاف بحار محلي.
وصل الأسطول البرتغالي القوي في البداية إلى سواحل جزيرة بِتة، التي كانت حاميتها العسكرية في غاية الضعف ما دفعها إلى قبول تسليم الجزيرة للمحاصِرين، ولكن الحاكم البرتغالي رفض هذا العرض، واستعد لمحاربتهم بغرض أسرهم. وإزاء هذا القرار التعسفي، انخرط كل سكان الجزيرة في معركة الدفاع عنها بمن فيهم من نساء وأطفال وشيوخ، حيث أُبيدوا عن بكرة أبيهم في هذا القتال الشرس.
وفي الفترة التي تعرضت فيها الجزيرة للاعتداء البرتغالي، تمكن أمير مصطفى باشا والخوجا سفر قائد الأسطول العثماني من الوصول إلى ديو دون مقاومة تذكر من قبل القوات البرتغالية. كانت قوات أمير مصطفى مكونة مما يقارب ستمائة محارب تركي، وألفاً وثلاثمائة محارب عربي، كما كان بحوزتهم سبعة مدافع، وقوة يعتّد بها من فرقة المدفعية.
وشكّل وصول أمير مصطفى إلى ديو في هذه المرحلة الحرجة حيث مسلمو الهند أحوج ما يكونون فيها إلى مساعدة خارجية، دافعاً كافياً لتغيير الصورة العامة لخريطة الأحداث بصورة بالغة في لحظة غير متوقعة. حيث سيطرت أجواء احتفالية على السكان المحليين، الذين كانوا يرنون إلى الأسطول العثماني بعيون دامعة من الفرح وخاصة بعد الحوادث الأليمة التي تعرضت لها جزيرة بِتة.
في تلك الحقبة كانت جزيرة ديو تحت حكم مليك توغان بن مليك أياز، الذي كان والياً من قبل بهادير شاه ملك كوجارات. وقد استقبل مصطفى بيك والقادة الأتراك بحفاوة بالغة، وأبدى لهم الكثير من التقدير والاحترام.
ما إن وصل أمير مصطفى جزيرة ديو، حتى تولى مهمة حماية الجزيرة، حيث قام بتوزيع قوات المدفعية العثمانية في مواقع مناسبة، كما حفر على أطراف الجزيرة الخنادق وقام ببناء كل الاستحكامات الدفاعية الممكنة، والتي رفعت من قوة حامية المدينة إلى مستوى أعلى بكثير من السابق.
بعد أن قام الأسطول البرتغالي بتدمير جزيرة بِتة، توجه نحو ديو حيث رسا أسطوله هناك، ليفرض عليها حصاراً بحرياً. وبسبب التجهيز المتطور لهذا الأسطول، فقد كان يعتبر نفسه قوة بحرية لا يمكن التغلب عليها.
ومنذ اللحظة التي بدأ فيها الأسطول البرتغالي المعتد بنفسه مهاجمة الجزيرة في عجرفة بالغة، أذاقهم أمير مصطفى طعم الاحتراق بنيران مدافعه الصائبة، التي أجبرت سفينة نونو دا جونها على القيام بمناورة من أجل تغيير موقع رسوها. في اليوم التالي ورغم فتح المدافع البرتغالية الأربعين نيرانها، ورمي قذائف تزن الواحدة منها اثني عشر رطلاً، من مسافة خمسين قدماً في زخم متواصل، فإنها جوبهت بردّ المدافع العثمانية التي تفوقها قوة، وإزاء دقة الرماة العثمانيين في إصابة أهدافهم، لم تتمكن السفن البرتغالية من تفادي الخسائر الفادحة التي لحقت بها.
وبذلك اضطر العدو إلى رفع الحصار وسط يأسه من النصر في ليلة الواحد والثلاثين من شباط العام ألف وخمسمائة وواحد وثلاثين، تاركاً خلفه مدافع ضخمة. وقد احتفل المسلمون بنصرهم هذا مع إطلاق نيران المدافع التي زادت من أجواء البهجة التي عمّت المدينة.
أما الأسطول البرتغالي الذي فقد قسما كبيراً من طاقمه بعد الهزيمة التي لحقت به، فقد استبدت بجنوده الحيرة إزاء حصانة ديو حتى ظنوا أنهم أغاروا على بلاد أخرى، وانسحبوا فارين نحو باتان184. وقد صعد أحدهم اليابسة ليسأل لمن تكون السفن الراسية في ميناء المدينة، وحين أدرك البرتغاليون بأنّ هذه السفن تعود إلى ابن أخت الأمير سلمان، أعلنوا قائلين: «لا طاقة لنا على مقاومته»، وعادوا إلى غوا.
وتشير المصادر أنّ عدد قتلى البرتغال خلا المحاربين المحليين قد بلغ ألفاً وخمسمائة قتيل، إضافة إلى تدمير أربعين سفينة شراعية، وسيطرة الأتراك على عشرين سفينة من سفنهم، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الأسرى.
لقد كان للهزيمة التي مُني بها الأسطول البرتغالي القوي، وإجباره على التقهقر، دور كبير في نشر نفوذ السلطان العثماني، واعتباره الحاكم المسلم الأكثر قوة في تلك الحقبة.
ومن جهة أخرى فقد ضرب بهادير شاه الحصار على قلعة جيتور185 ما إن توجه الأسطول البرتغالي نحو ديو. ولكنه ما إن سمع بأخبار المعركة في ديو، حتى رفع الحصار عن جيتور وتوجه نحو تشامبانير186، حيث وصلته أخبار هزيمة العدو وانسحابه.
كان لشجاعة الربان التركي أمير مصطفى وجسارته، الدور الأعظم في إنقاذ ديو، وقد تم استدعاؤه إلى تشامبانير ليستقبله بهادير شاه بحفاوة بالغة، حيث أظهر السلطان امتناناً كبيراً لشجاعة المحاربين الأتراك، وقد دعا قائدهم للانضمام إليه في الاحتفالات مع أرفع قادة جيشه مقاماً. 187





حملة ألمانيا (1532)

لم يوفق زابوليا ملك المجر في بسط نفوذه على البلاد والسيطرة عليها بشكل مطلق بعد عودة السلطان سليمان القانوني من حملة فيينا، حيث كان القسم الأعظم من أعيان المجر وأمرائها من مؤيدي فرديناند. وهذا ما دفع حاكم سيكتوار الذي يكنّ له العداء إلى التمرد عليه، وتحريض بقية أعيان المجر للاقتداء به. وقد كلف زابوليا قوة عسكرية مكونة من عشرة آلاف جندي مجري، بالإضافة إلى الثلاثة آلاف إنكشاري المكلفين بحماية القلعة، القيام بتأديب هذا الوالي العاصي.
في شهر تشرين الأول من العام ألف وخمسمائة وثلاثين، أرسلت هيئة ديبلوماسية ثانية من قبل فرديناند إلى إسطنبول، والتي تزعمتها شخصيتان من أهم قادة الفرسان المسيحيين هما؛ نيقولا يوريسيج، والفارس والكونت جوزيف دو لامبيرغ. عرضت دفع جزية سنوية للدولة العثمانية إذا قامت بتنصيب فرديناند الذي يمتلك حقاً وراثياً في العرش، ملكاً على المجر.
وقد أوضح لهم الصدر الأعظم إبراهيم باشا بأنهم نجحوا في السيطرة على المجر لمرتين بحد السيف، وقاموا بتعيين زابوليا ملكاً عليها من قبل السلطان، ولهذا السبب فهو (السلطان) يملك الحرية في تنصيب من يشاء على عرشها. كما تم تبليغهم بصورة حاسمة أنّ إصرارهم على هذا المطلب، سيدفع الجيوش العثمانية إلى بلوغ الحدود الألمانية مرة أخرى188.
وبينما كانت المباحثات تتواصل مع البعثة في إسطنبول، قام فرديناند من جهته كنوع من فرض الواقع، بتكليف أحد قادة جيشه وهو روجيندروف بقيادة حملة لمحاصرة بودين. وهذا ما دفع زابوليا إلى استدعاء القوات التي كان قد أرسلها لمحاربة حاكم سيكتوار، كما طلب المساعدة من والي سنجق سميديريفو (سمنديرة). حيث لم يكن في القلعة سوى الملك بالإضافة إلى عدد قليل من الإنكشارية وحامية الإيالة تحت قيادة قاسم باشا. وكانت عودة القوات المتوجهة نحو سيكتوار بسرعة، ونجاحها في الدخول إلى القلعة مجدداً، السبب في نجاة بودين من الوقوع في يد الأعداء.
استمر الحصار لشهر ونصف، ولكن روجيندروف الذي سمع بقرب وصول والي سنجق سميديريفو يحيى باشا زاده محمد بيك، ووالي سنجق البوسنة الغازي خسروف بيك على رأس قوات الأكنجي والديلي189، رفع الحصار وانسحب عن أسوار القلعة.
ولكن قوات الأكنجي والديلي التي لم تكن تنوي ترك فرديناند الذي اجتاح أراضي بلادهم دون عقاب، قامت بشن هجمات انتقامية على الأراضي التابعة لفرديناند وغنمت الكثير من الأموال والأسرى.
في هذه الأثناء كان السلطان منشغلاً في إحدى رحلات الصيد في بورصة، وحين عودته إلى إسطنبول، قضى شتاء ذلك العام في التحضير لحملته على ألمانيا والنمسا.
ومع حلول الخامس والعشرين من نيسان العام ألف وخمسمائة واثنين وثلاثين الموافق للتاسع عشر من رمضان العام تسعمائة وثمانية وثلاثين للهجرة، انطلق على رأس قواته التي بلغ تعدادها أكثر من مائة ألف مقاتل، في حملته على ألمانيا، كان الإنكشارية يشكلون عشرين ألفاً منهم، بينما ثلاثون ألفاً من الأناضول، ستة عشر ألفا من قوات روميلي، عشرون ألف فارس، أما الباقي فكان من قوات المغاوير (الأكنجي). وقد التحقت بهم قوات سنجق البوسنة، وقوات التتار التي أرسلها خان القرم أيضاً190.
وبينما كان السلطان في نيش في الثالث عشر من حزيران، وصل مبعوثو فرديناند والإمبراطور الألماني إلى معسكره. وكانت هذه الهيئة التي برئاسة كل من الكونت لامبيرغ والكونت نوغارولا، مكلفة بتمديد الهدنة التي تم عقدها قبل مدة قصيرة بين كل من فرديناند وزابوليا في فيسيغراد191. كما عرضت دفع جزية سنوية مقدارها مائة ألف دوقة للسلطان في حال ترك عرش المجر لفرديناند، ولكن مطالبها قوبلت بالرفض192.
في الثامن والعشرين من حزيران وبعد أن بلغ الجيش سهل سريم، وصل رينسون مبعوث فرنسا إلى المعسكر العثماني، وبعد أن استقبله السلطان وسط مراسم بالغة الحفاوة، قام بتقبيل يد الأخير. وفيما كان الجيش يتقدم في السهل، وصل أحد نبلاء المجر وهو بيريني بيتير للمثول بين يدي السلطان سليمان القانوني.
وكان من الواضح أنّ الكثير من نبلاء المجر وأعيانها كانوا راغبين في الظهور إلى جانب زابوليا، وكان بيريني قد أعلن عن موقفه هذا لكسب الحظوة لدى السلطان من جهة، وتحقيق مكاسب شخصية من جهة أخرى، حيث كان يجري المباحثات منذ سنتين مع إسطنبول بواسطة ألفونسو كريتي، ويبغي الحصول على فرمان يعلنه كأحد الأمراء التابعين للدولة العثمانية. وتحقيقاً لهذا الهدف فقد أرسل الكثير من الهدايا، بالإضافة إلى الأسرى الذي حصل عليهم في الغارات التي كان ينفذها. وبالاعتماد على هذه العلاقة، فقد توجه إلى المعسكر العثماني المتمركز في أوسييك رفقة ستمائة من رجاله، منتظراً موافقة السلطان على منحه الإمارة التي كان يطمح إليها.
أما السلطان سليمان القانوني فقد كان يرى أنّ الإبقاء على زابوليا سيحقق له الكثير من المنافع، وبناء عليه فقد وافق على مقابلة بيريني وأبدى نحوه الاهتمام، ولكنه بالمقابل أمره بانتظار قراره النهائي، كما أمر رجاله بمراقبته. وتشير بعض المصادر أنه كان طامعاً في العرش، يبدي الصداقة علناً، ويتعامل مع العدو سراً، حيث تم القبض عليه، ولكن أطلق سراحه لاحقاً، وذلك بعد توسط زابوليا في هذا الشأن193.
وبعد أن انضمت قوات البوسنة تحت قيادة خسروف بيك إلى الجيش العثماني في أوسييك، واصل الجيش تقدمه ليدخل الأراضي العائدة ملكيتها لفرديناند، وأخذ يسيطر على قلاعها الواحدة تلو الأخرى. وفيما أعلنت كل من قلعتي فيلشويغيرسيغ وسيكلوس194 تبعيتها للسلطان طوعاً، تمت السيطرة على الكثير من القلاع الأخرى مثل بيلوفار (بيلوار)، بيرزنجه195. .
ولكن والي سميديريفو يحي باشا زاده محمد بيك قائد قوات الطليعة في الجيش، وقع في كمين مدافعي قلعة كوسيغ196، أثناء عبوره المنطقة، حيث وقعت بين الطرفين معركة حامية الوطيس.
في الحقيقة لم تولَ أهمية كبيرة لفتح القلاع في هذه الحملة، بل كان الهدف منها تخريب مملكة فرديناند، وتحطيم معنوياته، وإجباره على الاعتراف بأحقية زابوليا في العرش، لهذا السبب لم يتم إحضار المدافع الكفيلة بدك القلعة. ولكن إزاء هذه الجرأة والاعتداء الصريح توجب عليهم تلقين من شارك في الهجوم درساً قاسيا، لذا ضرب الحصار على قلعة كوسيغ.
وبعد عشرين يوماً من الحصار، والقتال الذي اشتركت فيه القوات الإسبانية والألمانية للدفاع عن القلعة، تم فتحها في الثامن والعشرين من آب. وأسقط الأتراك في اليوم التالي ألتنبورغ أيضاً197. وبالنظر إلى انتشار القوات العثمانية في كل أرجاء النمسا، فقد ظن الأرشيدوق والإمبراطور أنّ العثمانيين سيتجهون من جديد نحو فيينا، لذا أعاد تحصين دفاعات القلعة، وانسحب إلى داخل البلاد. 198
ولكن القانوني الذي ترك خلفه مدافع الحصار، كان ينوي إجبار الإمبراطور فتح جبهة معه وإجباره على القتال. ومع عدم مغادرة القوات النمساوية أسوار القلعة، سنحت الفرصة للعثمانيين مجدداً لتدمير بلادهم وقلبها رأساً على عقب.
ورغم ذلك فقد استاء السلطان سليمان القانوني كثيراً من تهرب كل من شارلكان وفرديناند من المواجهة، وأرسل مع مبعوث فرديناند المحتجز لديه رسالة لاذعة اللهجة إلى شارلكان.





شارلكان

هو كارلوس الأول بحسب الإسبان، كارل الخامس بحسب الألمان والفليمنك199، والكونت تشارلز بحسب الفرنسيين. وُلِد في الرابع والعشرين من شباط العام ألف وخمسمائة في مدينة (خنت) البلجيكية، والده هو فيلب الوسيم من آل هابسبورغ، أما والدته فهي ملكة قشتالة خوانا المجنونة200. وحين توفي والده في العام ألف وخمسمائة وستة، نصبته عمته نائب ملك هولندا.
وبعد وفاة والده، توفي جده لوالدته فرديناند الثاني أيضاً في العام ألف وخمسمائة وستة عشر، وبذلك فقد جمع في شخصه عرش كل من قشتالة، أراغون201، نابولي وصقلية. وامتدت حدود إمبراطوريته حتى إسبانيا وكل المستعمرات التابعة لها بالإضافة إلى كل الأراضي الألمانية والنمساوية، بحيث بقيت فرنسا وحدها خارج هذه الحدود. ومع نجاحه في أسر ملك فرنسا في بافيا، لم يبقَ من يواجهه سوى القانوني.
وبعد أن تمكن السلطان سليمان القانوني من قتل ملك المجر في معركة موهاج العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين، أخذ شارلكان يبذل مساعيه من أجل تنصيب أخيه فرديناند أرشيدوق النمسا ملكاً على المجر.
وفي العام ألف وخمسمائة وسبعة وعشرين تمكن برفقة جيشه المكون في معظمه من المرتزقة الألمان من دخول روما وقاموا بنهب المدينة. وبعد توقيع معاهدة مع البابا انسحب إلى بولوغنا202. وفي شباط من العام ألف وخمسمائة وثلاثين تم تتويجه من قبل البابا إمبراطوراً على الإمبراطورية الرومانية - الجرمانية المقدسة.
ولكنه وفي العام ألف وخمسمائة وتسعة وعشرين، وللمرة الثانية كان يتلوى عاجزاً ضعيفاً لا يتجرأ على الظهور أمام القانوني، الذي اجتاح ألمانيا وأرسل إليه الرسالة التالية التي عصفت بمكانته في أعين المسيحيين وقلوبهم في كل أنحاء أوروبا.
وقد جاء في خلاصة هذه الرسالة التي أوردها بيجفي إبراهيم أفندي في تاريخه عن المجر ما يلي:
«طوال الوقت وأنت تدّعي الشجاعة وتفاخر بها، ولكن ما من عمل أو مجد يدل عليك أو على شقيقك. لذا فأمثالك عار على الحكم وعلى الرجولة. ألا تشعر بالخجل أمام جنودك بل أمام زوجتك؟
فحتى النساء يملكن من الجسارة ما لا تملكها أنت.
فإن كنت رجلاً فأقبل إلى الميدان، فهو الفصل والحكم. تعال إلى بادية فيينا (بيج)203، لتقرّ أعين رعاياك المساكين.
ذلك أنّ الشجاعة ليست بتحين فرصة غياب الأسد عن الميدان، والمكر كما تمكر الثعالب.
فإن أبيت الخروج للميدان والقتال هذه المرة أيضاً، فاحمل الإبرة ومغزل النساء، وإياك أن تغزل تاج السلطة بيدك، أو أن تتحدث عن البطولة»204.
حين بلغت الرسالة شارلكان كان يمتلك جيشاً قوامه ثمانون ألف جندي من المشاة، وأربعون ألف فارس، ولكنه رغم هذا الخطاب القاسي لم يجرؤ على الخروج ومواجهة السلطان في القتال. وبذلك دخل التاريخ كواحد من أشهر وأعظم القادة المسيحيين وقد تعرض لأكبر قدر من الهزائم والإذلال على يد الدولة العثمانية، ولم يُعرف أبداً بلقبه كإمبراطور، حيث اكتفى بلقب الملك الذي أسبغته عليه إسبانيا.
في المقابل كان السلطان القانوني يواصل تحركاته في وسط أوروبا، فبعد القيام بفتح غرادجاتس205، توجه نحو الجنوب مجتازاً نهري مورافا ودرافا، ليدخل مملكة السلوفينيين206. ولأن حكامي كل من زغرب207 وبودغوغونجة (Podgogonce) قاما بإرسال مفتاحي قلعتيهما للسلطان، وأعلنا الولاء له، فقد اكتفى السلطان بفرض الجزية عليهما، ثم تم الاستيلاء على قلاع بوزاغا، زاسيسن، نيمتشه وبودغراد أيضاً. .
وفي السابع والعشرين من أيلول تقدم إبراهيم باشا على رأس قوات الطلائع، بينما توجه السلطان نحو بلغراد عن طريق أوسييك208.
وفي الديوان الذي عقد هناك، قام القانوني بإهداء الخلع العسكرية لكل من الوزراء، الدفتردارية، النشيانجي، وكل ولاة سناجق الأناضول وروميلي، كما تم إرسال الظفر نامات التي تحمل أخبار انتصار حملته على ألمانيا إلى كل أرجاء إمبراطوريته.
وقد بين الترجمان يونس بيك في نص الظفر نامة التي حملها معه إلى دوق البندقية، بأنّ الإمبراطور تصرف بجُبن، ولم يتجاسر على مقاتلة السلطان الذي تمكن من السيطرة على الكثير من قلاعه.
وتشير المصادر العثمانية إلى أن السلطان سليمان القانوني قد عاد من حملته المظفرة على ملك إسبانيا، والتي أطلقوا عليها حملة ألمانيا بعد سبعة أشهر. ووصل إلى إسطنبول في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني، ومع عودته بدأت الاحتفالات التي تواصلت في العاصمة لمدة خمسة أيام.
ولكن للأتراح نصيباً في هذا العالم، كما فيه لنا من الأفراح نصيب. ففي شهر آذار من العام ألف وخمسمائة وثلاثة وثلاثين توفيت السلطانة حفصة خاتون والدة السلطان سليمان القانوني، والتي كان يكن لها محبة كبيرة، وقد ووريت الثرى إلى جوار زوجها السلطان سليم.





أنت خير الدين بيك والي الجزائر

بعد عودة السلطان القانوني مظفراً شامخاً من حملة ألمانيا، بدأ التفكير في اتخاذ التدابير الواجبة لردع ملك إسبانيا الذي كان يساند أعداءه سواء عن طريق البر من خلال دعمهم بالجنود، أو عن طريق الهجمات البحرية التي ينفذها أسطوله على الشواطئ والمدن الإسلامية.
ذلك أنه وبينما كان على رأس قواته في أوروبا، قام أندريا دوريا بالاعتداء على سواحل المورا209، ومهاجمة قلعة كورون210، ونتيجة خيانة كل من الروم والألبان، تمكن من السيطرة على القلعة في العام ألف وخمسمائة واثنين وثلاثين. ثم قام بالاستيلاء على كل من باتراس وليبانت211.
وعلى إثر هذه التطورات قام السلطان بإرسال والي سنجق سميديريفو يحيى باشا زاده محمد بيك على رأس حملة نحو كورون، حيث نجح في ضمها مجدداً إلى الدولة العثمانية. ولكن القانوني لم يكن ينوي الاكتفاء بما حققه، حيث أرسل أسطولاً قويا إلى البحر المتوسط، من أجل إنزال أشد العقاب بعدو الدين أندريا دوريا الذي ألحق الكثير من الأضرار بتلك المنطقة وساكنيها، ولكن المهمة كانت تتطلب رباناً يمتلك معرفة بسواحل تلك المنطقة. وفي هذه الفترة بالذات تذكر الريّس خير الدين، وأعلن قائلاً:
«هناك شخص بهذه المواصفات في الولايات الغربية، حتى أنه يحظى بمقام السلطان في تلك الولاية، ولكنه من أحد رعاياي. فلماذا لا أقوم بدعوته من أجل الانضمام لخدمتي هنا، وسأجعله قائد الأسطول ودليلنا في حملاتنا البحرية. فهو يواصل القتال في البحر ضد الكفار منذ سنوات طويلة، وله خبرة كبيرة في ديار الكفار وأحوالهم، كما أنه جدير بالتغلب عليهم على كل الأصعدة. فلو لم يكن من رعاياي وأتباعي، فهل سيذكر اسمي على المنابر ويقوم بسك النقود باسمي؟ يجب أن نقوم بدعوته ونكرم وفادته ونحتفي به».
وعلى الفور بعث إليه برسالة، جاء فيها:
«أنت خير الدين بيك والي الجزائر، أحد رعاياي وابن واحد من رعاياي، كما أنك ترفع علمي ورايتي. ولأنني أفكر حالياً في التوجه على رأس حملة إلى إسبانيا، فأنا أريد منك القدوم والانضمام إلينا. فأنت مطلع على أحوال تلك البلاد وطرقاتها من كل الجوانب. لذا قُمْ بتعيين أحد من رجالك الثقاة في مكانك، وتعالَ إلى الآستانة السعيدة».
وقد سافر سنان شاويش إلى الجزائر حاملاً رسالة السلطان، حيث استقبله الريّس خير الدين واستلم منه الرسالة. وبعد أن قام الريّس بتقبيل الرسالة ووضعها على رأسه ثلاثاً، اغرورقت عيناه بدموع الفرح وهو يقرأ نصها، وأجاب بأنّ أمر السلطان مطاع، كما أنعم على الشاويش سنان بأثمن الهدايا. ومن ثم قام بجمع شيوخ الجزائر وعلمائها ورجال الدين فيها، وخاطبهم بالقول:
«أيها الموقّرون! لقد وصلتني رسالة من لدن مولاي، وبطبيعة الحال فسأنطلق دون تمهل. ذلك أنه يدعوني من أرض الذل ليفتح أمامي أبواب السعادة السنية، ولا يليق بمن يتلقى فرمان سيدنا سوى الانطلاق دون توقف حتى بلوغ بابه. ذلك أننا عباد مأمورون، ولا يجدر بنا سوى الطاعة التامة لأوامر سلطان كل الأمراء. فأينما كنا فالأمر للسلطان. وأطلب منكم إطاعة تابعي الذي عينته لينوب عني، كما كنتم تطيعونني. فطاعته من طاعتي». . ومن ثم شرع في التجهيز لرحلته.
ومن يعصِ أمر مولاه ويبدي العناد
لن يلقى في العالمين مجداً إن أراد
فمآله مآل الكافر الوضيع
ولن تبلغ دعواته لدن السميع212.

ومن جهته فإنّ أندريا دوريا قضى ذلك الشتاء في جنوة، وحين بلغته أخبار توجه بربروس على رأس أسطوله إلى إسطنبول، قام بتجهيز سفينة وضع فيها سبعين أسيراً من مسلمي كورون بالإضافة إلى بعض المواد التجارية وأرسلها إلى الجزائر. وقد وصلت السفينة بحجة بيع الأسرى والبضائع التي حملوها، فيما غرضهم الحقيقي هو إشاعة نية أندريا دوريا القيام بحملة كبيرة على المنطقة مع حلول الربيع، وذلك من أجل منع الريّس خير الدين من مغادرة القلعة.
ولكن الريّس خير الدين الذي استشف مقصدهم، تصنّع عطلاً أصاب أسطوله، وبدأ بوضع المتاريس والاستحكامات حول القلعة، كما بدأ بتحطيم السفن القديمة من أسطوله واستخدمها في تجهيزاته الدفاعية. وقد انتشرت الأخبار حول استعداداته من أجل التصدي للأسطول الإسباني. ثم قام بشراء كل مقتنيات السفينة القادمة من جنوة.
وما إن عاد طاقم السفينة إلى جنوة، حتى توجه لملاقاة أندريا دوريا وأخبره:
«يا قبطان! لقد تخلى بربروس عن فكرة التوجه إلى إسطنبول هذا الشتاء، وقد قام بتحطيم أسطوله. وهو مشغول بتجهيز دفاعات القلعة، بعد أن انتشرت الأخبار حول نية الأسطول الإسباني بمهاجمة الجزائر. لذا فالجميع مشغولون الآن بتدارك هذه الواقعة». . وقد شعر أندريا دوريا بامتنان عظيم من هذه الأخبار، وكان ينوي توجيه مسار أسطوله مع حلول الربيع نحو كورون مرة أخرى.





لقد وصل عبدكم خير الدين

أما الريّس خير الدين بربروس فبعد أن أتمّ التجهيزات اللازمة في الجزائر وعين ابنه حسن آغا في مكانه، انطلق في منتصف آب من العام ألف وخمسمائة واثنين وثلاثين على رأس أسطوله المكون من عشر سفن مجدافية ليشق عباب البحر. ومرّ في البداية على جزيرة سردينيا ومن ثم كيلار، حيث مكث فيها بضعة أيام من أجل راحة جنوده، ثم عاودوا الانطلاق مجدداً. وبعد عدة أيام وفي صبيحة يوم باكر أنزل الريّس خير الدين قواته في موقع قريب من إحدى مدن جنوة، حيث هاجموا المدينة وأعملوا فيها السلب والنهب213.
وقبل أن يعلم أحد بحملة بربروس البحرية وهجومه على المدينة والقيام بنهبها، انقض الريّس خير الدين كالشاهين على قافلة بحرية مكونة من ثماني عشرة سفينة تحمل القمح كانت متجهة من جنوة إلى ميسينا214 وذلك بغية إيصالها إلى جزيرة صقلية، فتمكن من الاستيلاء عليها جميعاً. وبعد أن أسر من بداخلها وغنم حمولتها، أضرم النيران في السفن على مرأى من السكان، لتعمّ الدهشة كل الأرجاء إزاء تصرفه.
حين حضر الأسرى للمثول أمامه، بدأ يسألهم عن أخبار أندريا دوريا، فأعلموه بأنه توجه على رأس أسطول مكون من أربع وعشرين كادرغة215 وست وعشرين بارجة نحو كورون. وعلى إثر ذلك وجه الريّس خير الدين مسار رحلته نحو كورون، حيث وصل بروزة216 في البداية، وما إن رأى سكان تلك الولاية سفن الريّس خير الدين حتى عمهم سرور عظيم، ذلك أنهم كانوا يكرهون أندريا دوريا بسبب المظالم التي ارتكبها بحقهم.
وفي هذه الأثناء أرسل أهالي المدينة القريبة من جنوة والتي أغار عليها بربروس، إلى دوريا وأبلغوه بما فعله بالسفن الثماني عشرة المتجهة إلى ميسينا، وقد استغاثوا به قائلين:
«أيها القبطان! إنّ بربروس يصول في البحر مع أربع وأربعين سفينة، وقد جاء إلينا وارتكب ما لا يتصوره عقل، كما أنه يواصل السؤال والبحث عنك في كل مكان، فإياك أن تغفل عنه». .
وما أن بلغته الأخبار بأنّ الريّس خير الدين يشق عباب البحر باحثاً عنه، حتى ترك مكان إقامته، وانسحب على وجه السرعة إلى بيرنديز (Pirendiz). وحين وصل الريّس خير الدين بروزة علم أنّ أندريا دوريا قد غادر مسرعاً منذ ستة أيام فقط، لذا قام بإرسال خمسة وعشرين سفينة من أسطوله إلى الغرب، فيما توجه على رأس البقية إلى كورون. وقد التقت السفن التي أرسلها بربروس غرباً، بسبع سفن كانت قد أبحرت من نافارين من أجل الانضمام لأندريا دوريا، فتمكنت من السيطرة عليها بكامل طاقمها ومعداتها، وقادتها معها عائدة نحو الجزائر.
أما الريّس خير الدين فقد انطلق من بروزة متجهاً نحو قلعة نافارين حيث التقى هناك مع الأسطول العثماني. وقد احتفى الطرفان بهذا اللقاء، وأقاما الاحتفالات ابتهاجاً، كما كان لقاء بربروس مع قائد الأسطول العثماني (قبطانى دريا) كمانكيش أحمد باشا ودياً جداً.
وبعد ذلك أكمل الريّس خير الدين رحلته متجهاً صوب كورون هذه المرة، حيث أعلن عن ظهوره في دعوة صريحة للعدو، وأجهر بأنه ينوي معاقبة أندريا دوريا، كما قام بتحرير بعض الأسرى الأتراك المحتجزين في القلعة. وغادر بعدها متجها صوب القلعة السلطانية217، فأنزل مراسي السفن وتركها ترسو، وكتب على الفور عريضة بعث بها إلى إسطنبول طالباً فيها الإذن بلقاء السلطان.
وما إن علم السلطان بوصول الريّس خير الدين إلى القلعة السلطانية وطلبه الإذن للقائه، حتى أرسل له الموافقة على الفور، وقد استلمها الريّس خير الدين ووضعها على رأسه تقديراً وإجلالا. وانطلق دون تأخير، حيث وصل إسطنبول في ساعة مباركة أطلقت فيها المدافع وأقيمت الاحتفالات، وقد رسا أسطوله أمام غالاتا.
وبأمر شريف من القانوني، أقام في قصر أحمد بيك قائد الأسطول، الكائن في آت ميداني. وتم استقباله من قبل السلطان في يوم عقد الديوان وفق القواعد والأعراف المتبعة. وقد قدم الريّس خير الدين الهدايا التي أحضرها محمولة على أكتاف ورؤوس ثلاثمائة من الأسرى. وكانت هذه الهدايا تضم صكوك ملكية ولاية الجزائر والكثير من المدن والجزر الأخرى. حيث شكلت مراسم تقديم الهدايا وقيمتها البالغة واقعة فريدة، لم يسمع أو يرى مثلها قبلاً. .
جاء عبدكم الفقير خير الدين، أيها السلطان العظيم
فإن قبلت هدايانا على زهدها، فهو لنا أجلّ تكريم
وقد قبّل يد السلطان في احترام وتواضع بالغين، ومن ثم قام سبعة عشر من أقرب رجاله ممن خاضوا معه غمار البحار والفتوحات، وتحملوا العوائق والمشقات، بتقبيل يد السلطان أيضاً.
شعر السلطان بامتنان بالغ لاستقبال هذا الربان الغازي، الذي بلغته أخبار حملاته منذ سنوات طويلة، وربّت على ظهره داعياً له بدوام النصر، وألبسه خلعة، كما شكره على هداياه التي لا تقدر قيمتها بثمن. ومن ثم قام بتخصيص مناصب ورواتب لكل واحد من رجاله، بحيث أرضاهم جميعاً. فنالوا من المجد والاحترام ما يفوق تصورهم218.
أدرك القانوني - الذي كان متمكناً من سرائر النفوس وما تخفيه الصدور، موفقاً في تعيين الشخص المناسب في المكان المناسب - من النظرة الأولى أنّ بربروس بحار يتمتع بدهاء وحنكة كبيرة. كما أنه أعجب أشد الإعجاب بولائه وبالخطوات التي قام بها بهدف توحيد الصفوف والرايات. وقد قدم له صك بلاد عظيمة كالجزائر بكل تواضع، وهو البحار الذي أذاق أسطول إسبانيا الويلات، كما أنّ رغبة بحارته المحنكين الذين اكتسبوا خبرة سنوات طويلة في البحار، للعمل في خدمته، كان يستحق كل تقدير وثناء. وقد اعتبر السلطان سليمان القانوني أنّ هذا البحار التركي العظيم أهل لكل تكريم.





أمير أمراء الجزائر

طلب السلطان القانوني من الريّس خير الدين أن يقوم بالعمل في الترسانة، ويقوم بصنع السفن وفق الطريقة التي يختارها. وقد انشغل الطرفان لبعض الوقت بالعمل في الترسانة.
في تلك الأثناء كان الصدر الأعظم إبراهيم باشا يقيم في حلب، وحين علم بأنّ الريّس خير الدين قد بلغ إسطنبول، بعث برسالة إلى السلطان جاء فيها:
«إنّ خير الدين باشا فارس يجاهد في سبيل الله، لذا أتمنى اللقاء به إن كان ذلك ممكناً»، راجياً السلطان أن يبعث به إلى حلب. وفي أحد أيام الجمعة توجه السلطان إلى الريّس خير الدين بالقول:
«لقد طلب مني اللالا إبراهيم باشا، الإذن بلقائك وجهاً لوجه. فما تقول؟»
وقد رد عليه الريّس خير الدين:
«أمر مولاي المبجّل مُطاع».
وبناء عليه فقد أمر السلطان بتجهيز سفينة من أجل الرحلة، وكلف حاجي كامل من فرقة السيباهية بخدمة الريّس، ومنحه قدراً كبيراً من الأكجة، وأوصاه مؤكداً:
«إياك أن تسمح له بدفع أكجة واحدة من أجل المصاريف. وعليك أن تقوم بخدمته كما يقتضي الواجب، حتى يظل راضياً مسروراً. ولا تغفل عنه لحظة واحدة، فلو لم يرضَ عن خدمتك، ستتحمل وزر ذلك». .
وفي اليوم التالي، صعد الريّس متن السفينة متجهاً إلى حلب، وحين باتوا قريبين من المدينة، وقد بلغت أخبار وصولهم إبراهيم باشا، قام بإرسال وفد غفير من وزرائه وأعيان الدولة من أجل استقباله. وبعد أن وصلوا حلب استقروا في القصور التي جهزت خصيصاً لهم، ليستريحوا فيها ويذهب عنهم تعب الرحلة، ومن ثم قام إبراهيم باشا باستقبالهم.
استقبل الباشا ضيفه بحفاوة وتوقير بالغين، حيث قدم له الريّس خير الدين الهدايا التي أحضرها معه. وبعد برهة من الحديث والمسامرة، بدأوا تناول الطعام وهم يشكرون الله ويحمدونه على النعم والمكانة التي أنعم بها عليهم219.
وفي اليوم التالي اشترك الريّس خير الدين في اجتماع الديوان الذي عقده إبراهيم باشا، وبسبب التسلسل الإداري، فقد كان يتقدمه في المجلس سبعة من البكوات الذين يحتلون مناصب أعلى، وقد التزم بربروس بتراتبية موقعه، حيث صدر في اليوم التالي الأمر الشريف (القرار السلطاني) بتعيينه أمير أمراء الجزائر.
وعلى إثر ذلك تم استدعاؤه مرة أخرى من أجل إبلاغه بمنصبه الجديد، وقد نال الخلع، والكثير من الهدايا القيمة. وفي اجتماع الديوان التالي، أجلسه إبراهيم باشا بالقرب منه، في إشارة إلى سمو مكانته على بقية الوزراء.
وقد قضى فترة من الزمن في حلب مع صاحب السعادة، في أجواء من السرور والاحتفال. كما تباحث الطرفان في أمور الدولة، وناقشا وضع الأسطول أيضاً. وأخيراً طلب الإذن بالرحيل، وغادر حلب في ساعة مباركة، عائداً صوب الآستانة مجدداً.
وطوال رحلته وفي كل المحطات التي توقف فيها الريّس خير الدين باشا، كان يغدق العطايا والإحسان على الفقراء والمحتاجين ويدخل البهجة إلى قلوبهم، حتى وصل قونيا التي بدأ إقامته فيها بزيارة قبر مولانا سلطان220، ثم أقام الولائم لأعيان المدينة وفقرائها على حد سواء، وأغدق على المحتاجين العطايا، وأفرح القلوب الحزينة.
ومن قونيا توجه نحو بورصة، حيث زار قبر السيد أمير سلطان221، وقبور بقية السلاطين وأبنائهم، وختم القرآن على أرواحهم. كما قام بتوزيع العطايا والأموال على الفقراء من طلبة العلم، والأيتام، والنساء اللواتي لا معيل لهن، فلم يحرم محتاجاً أو طالباً من إحسانه. وقد استهوته بورصة كثيراً، فقضى فيها ما يقارب الشهر، وروّح عن نفسه في ينابيعها الحارة.
ثم توجه نحو إسطنبول، حيث التقى بالسلطان سليمان، وأجزل بالدعاء من أجل بقاء دولته وحكمه، ونقل إليه أخبار حلب والمناطق التي تجول فيها. وبدوره فقد أثنى عليه السلطان القانوني بالمديح، وأهداه قفطاناً من الفرو.
كما تباحث الاثنان مطولاً هذه المرة في شؤون البحر الأبيض المتوسط، حيث سأله السلطان عن التدابير اللازمة من أجل كسر شوكة الأسطول الإسباني في غرب المتوسط، وتطرق بالحديث عن أندريا دوريا أيضاً.
وقد اغتمّ البحار الجليل حين وصل النقاش بهم إلى هذه النقطة، خاصة بعد أن تلفظ السلطان باسم هذا النصراني، حيث علّق على الأمر قائلاً:
«من هذا الملعون يا مولاي السلطان حتى يجري ذكره على لسانك! فأنا أطارده منذ عشر سنوات، ولكنه لم يتجرأ على الظهور أمامي حتى الآن. وإن أمسكت به بفضل دعوات مولانا، سأسحقه كما تُسحق البعوضة». .
وفي كل لقاء مع هذا القبطان الجسور، حصيف الرأي، المتمكن من حسن المقال والأفعال، كانت محبة السلطان سليمان القانوني له تتعاظم أكثر. وبات على قناعة تامة بأن قوة أسطوله في البحر المتوسط ستبلغ أعلى مراتب العظمة والمجد تحت قيادته.
وبعد أن دعا لبربروس بدوام النصر، طلب منه أن يقوم بإعادة تنظيم الترسانة العامرة، ويقوم بتجهيز الأسطول. وبناء على أوامره قام خير الدين باشا وخلال مدة وجيزة ببناء وتجهيز إحدى وستين باشطرده222 وسفينة، وأضاف إليها السفن الثلاث والعشرين التي أحضرها معه من الجزائر، ليصبح الأسطول الذي جهزه مكوناً من أربع وثمانين قطعة حربية.





الاتفاقية العثمانية - النمساوية (1533)

في العام ألف وخمسمائة واثنين وثلاثين وبينما كان السلطان سليمان القانوني يجول أوروبا الوسطى شبراً شبراً بحثاً عن شارلكان بغية مواجهته، قام أندريا دوريا قائد بحرية شارلكان ذائع الصيت، بالتوجه نحو شبه جزيرة المورا، واستطاع السيطرة على قلعة كورون. وأسكن الفرنجة في القلعة الداخلية، أما الروم المحليون فقد أسكنهم في القسم الخارجي منها، وبعد أن استولى على كل من باتراس وليبانت انسحب من المنطقة.
وبعد عودة السلطان القانوني، حاول كل من شارلكان وفرديناند الاستفادة من هذه التطورات التي وقعت. حيث أرسلا وفداً على وجه السرعة ليعرضا على السلطان إعادة قلعة كورون، وجزيرة أرجِل (Arcel) الواقعة على سواحل أفريقية والتي تعود ملكيتها إلى بربروس في حال ترك عرش المجر لفرديناند. وكان المكلف بإدارة المباحثات هو جيرمو دي زارا شقيق جوريسيس قائد حامية كوسيغ.
وقد كان ردّ إبراهيم باشا إزاء هذا العرض كالتالي:
«نفضل استعادة القلعة عنوة. لذا اهتموا أنتم بشؤونكم». منهياً بذلك النقاش.
ومن ثم قام بنقل بالي بيك زاده محمد بيك والي سنجق سميديريفو، ليعينه والياً على سنجق المورا، وأمره بفتح كورون.
ومع توجه محمد بيك إلى المنطقة، كانت خطة النمساويين قد باءت بالفشل، وبذلك تعثرت كل الجهود التي بذلها فرديناند لنيل تاج المجر، وبات إصرار العثمانيين على التمسك بزابوليا يفضي بآماله إلى طريق مسدود. وهكذا أصبح فرديناند الذي يدين بالفضل لأخيه شارلكان في الوقوف أمام الدولة العثمانية، مضطراً أكثر من ذي قبل إلى البحث عن سبل المصالحة والاتفاق.
ذلك أنّ السلطان سليمان القانوني في حملته الأخيرة زعزع هيبة شارلكان في كل أرجاء أوروبا. فعدم تجرّئه على مواجهة العثمانيين الذين كانت قواتهم تصول وتجول في قلب أوروبا على هواها، تسبب في إحداث دهشة عارمة. وكان شارلكان المدرك للمتاعب التي ستواجهه في أوروبا الغربية وتقوّض مكانته، قد طالب شقيقه بشكل قطعي عقد اتفاق مع العثمانيين، لتأمين حدوده الشرقية على الأقل.
ولهذه الأسباب مجتمعة فقد بذل مبعوث فرديناند كل مساعيه من أجل الحصول على فرصة اللقاء بالسلطان، والنجاح في عقد اتفاق معه. ولكن الوقائع كانت تشير إلى أنّ عقد اتفاق مع النمسا كان في صالح السلطنة أيضاً، ذلك أنّ سير الأحداث في الشرق كان يقوي من احتمال نشوب حرب ضارية مع إيران الصفوية. ورغم ذلك فقد حاولت إخفاء ميلها للصلح من أجل فرض الشروط التي تريد في الاتفاقية المزمع إبرامها.
وأخيرا تم استقبال المبعوث من قبل السلطان سليمان القانوني، ولكنه لم يحصل سوى على هدنة مؤقتة، حيث اشترط القانوني لتحويل الهدنة إلى معاهدة سلام، قيام فرديناند بإظهار علائم الطاعة له من خلال إرسال مفتاح قلعة إزترغوم (جران) إليه223. وبعد أن تم تلبية هذا الشرط المبدئي، عادت المباحثات لتتواصل. وفي هذه الأثناء وصل كورنيليوس شيبر مبعوث الملكة ماريا (زوجة الملك لويس الذي قُتل في معركة موهاج، وشقيقة فرديناند) إلى إسطنبول حاملاً رسالة من شارلكان. وقد تواصلت هذه المباحثات لاحقاً مع مشاركة غريتي الذي تم استدعاؤه من المجر خصيصاً.
وأخيراً توصل الطرفان في الثاني والعشرين من حزيران إلى عقد اتفاقية نصت على أن يظل فرديناند محتفظاً بملكية المناطق التي تخضع لسلطته حتى تلك الفترة.
كما نصت على عدم التعرض مطلقاً لأراضي زابوليا ملك المجر.
وعلى احتفاظ السلطان بحق التصديق على الاتفاقيات الثنائية التي يمكن أن تعقد بين فرديناند وزابوليا مستقبلاً.
وسيدفع فرديناند لقاء احتفاظه بملكية الأراضي المجرية التابعة له، جزية سنوية لخزينة السلطنة مقدارها ثلاثون ألف ذهبية.
وقد كلّف غريتي بتثبيت الحدود الفاصلة بين الطرفين.
وفي حال رغب الإمبراطور بعقد صلح، فعليه بإرسال وفد خاص لهذه المهمة.
وبالنتيجة ستتوقف كل النزاعات بين الطرفين، ولكن إن أقدم شارلكان على أي خطوة عدائية، فسيتم الرد الدفاعي اللازم.
ولم تحدد الاتفاقية مهلة زمنية لانتهائها، فقد نصت على العمل بها، طالما التزم فرديناند بالشروط المتفق عليها.
وفي اليوم التالي مثل المبعوثون أمام السلطان، وقد بادروا للتصرف والتحدث بناء على القواعد التي لقنهم إياها إبراهيم باشا مسبقاً بهذا الشأن، وقد خاطبوا القانوني بالقول:
«إنّ ابنك الملك فرديناند، يعتبر ما تملكونه ملكاً له، وما يملكه هو ملك لكم، ذلك أنه ابنك». .
وعلى إثر هذه الكلمات أعلن السلطان بأنه سيعيد للملكة ماريا جهازها (الأراضي التي تملكها في المجر)، وسيعتبر أصدقاء ابنه فرديناند أصدقاءه، وأعداءه أعداء للسلطان أيضاً.
وبذلك تحققت معاهدة السلام العثمانية - النمساوية في حزيران من العام ألف وخمسمائة وثلاثة وثلاثين. وبعد مرور وقت قصير أرسل السلطان الرسائل التي كتبها إلى كل من فرديناند وشارلكان، مع المترجم يونس بيك224.
ونتيجة لهذه المعاهدة ظهرت مملكتان مجريتان؛ الأولى تحت حكم زابوليا والتي تتبع لحماية السلطنة بشكل مباشر، والثانية تحت حكم فرديناند، وتدفع جزية للسلطنة لقاء الأراضي التي بحوزتها.





لنقد السيباهية صوب الشرق

بعد عقد اتفاقية مع النمسا، توجهت أنظار القانوني نحو الشرق. فبعد تولي طهماسب العرش خلفاً لوالده الشاه إسماعيل، لم يجد داعياً لتهنئته، بل أرسل له عوض رسالة التبريك، رسالة تهديد. وكانت مجموعة من التطورات التي وقعت في الشرق لاحقاً، مبرراً لقرار السلطان بالتوجه على رأس حملة نحو الشرق.
كان أحدها قيام الأمير الكوردي شرف خان بيك حاكم بدليس225 المنتسب لعائلة شرف خان الحاكمة لتلك المنطقة منذ القرن الثالث عشر، بالانفصال عن التبعية للدولة العثمانية التي أقروا بها في عهد السلطان يافوز سليم، واللجوء لحماية الشاه.
أما السبب الثاني فهو قيام حاكم أذربيجان عُلَما خان بالإعراض عن سلطة الشاه طهماسب، والتوجه نحو السلطان سليمان ليعرض عليه تبعيته. وكان قد تم استقبال هذا الحاكم قبيل محاصرة كوسيغ حيث منحه عشرين صرة من الأكجة، وتم تعيينه حاكماً على بدليس وحسن كيف226.
ومن جهة أخرى قام والي بغداد الخان ذو الفقار بإرسال مفاتيح المدينة إلى السلطان القانوني، وكانت هذه المدينة تحتل مكانة بالغة الأهمية لدى الشعوب الإسلامية وحكامهم على حد سواء. وبالتالي لم يكن من المتوقع من القانوني أن يقف غير مبال إزاء إقدام مدينة بهذه المكانة على خطوة لها دلالة بالغة. ولكن الشاه طهماسب استغل وجود القانوني على رأس حملة ألمانيا، وقام بمحاصرة المدينة، بينما اغتال أتباعه في الداخل ذو الفقار خان، وبذلك سيطر على المدينة مرة أخرى227.
تحرك إبراهيم باشا بصفته قائداً للجيش من إسطنبول في أيلول العام ألف وخمسمائة وثلاثة وثلاثين، متجهاً نحو بدليس، كما قام بتعيين الدفتردار إسكندر جلبي الكيتهودا والمستشار الخاص به، للاستفادة من خبرته وتجربته، وذلك بأمر من السلطان.
وحين بلغ الباشا قونيا وصل خبر مقتل شرف خان إلى معسكر الجيش، فعمّهم سرور بالغ. وبعد أن دخل حلب، قام بتوزيع الجنود على ثكناتهم، ومكث هناك ليمضي فيها فصل الشتاء. ولكنه طوال فترة الشتاء كان يرسل مبعوثيه إلى مختلف حكام القلاع الذين يتبعون للصفويين، ويحاول إقناعهم بالانضمام إلى لواء السلطنة.
وقد تحرك الجيش مجدداً في ربيع العام ألف وخمسمائة وأربعة وثلاثين، حيث انتقلت قلاع كل من أخلاط، آديلجيفاز، إرجيش ووان228 إلى التبعية العثمانية طوعاً. وخلال قيام الباشا بفتح بعض القلاع على الحدود الشرقية، وقع خلاف بينه وبين الدفتردار، ومع الشقاق الحاصل بين هاتين الشخصيتين المتنفذتين، بدأت الأقاويل أيضاً تنتشر في الجيش، وقد راجت على وجه الخصوص إشاعات مختلفة حول تصرف إبراهيم باشا كسلطان مطلق، وأخذ الجميع يردد متذمراً «يلزم للشاه شاهٌ».
وحين أدرك إبراهيم باشا بأنّ العسكر بات يتململ متذمراً من غياب السلطان، أرسل إلى العاصمة ليعلمه بالوضع، وعلى إثر ذلك تحرك القانوني مغادراً إسطنبول في العاشر من حزيران العام ألف وخمسمائة وأربعة وثلاثين، ولكنه وقبل المغادرة أرسل قوة عسكرية قوامها ثلاثة آلاف جندي إلى غريتي في المجر، وبعد توطيد أوضاع روميلي وإسطنبول، كلّف ابنه الأمير مصطفى والي سنجق صاروخان، بالحفاظ على أمن الأناضول.
وفيما توجه القانوني في حملته نحو الصفويين كتب هذه الأبيات التي تحمل أهمية بالغة لأنها تعبر عن حقيقة مشاعره وأفكاره اتجاه المنطقة بشكل عام، وكذلك عزيمته الكبيرة على الجهاد:
فلنردد الله الله ونرفع في ديار الشاه رايات الحق
ولتغمر جحافل جنود السيباهي أرض الشرق
وليمطر الرماة أرض عدو الدين بالنبال

وتكحّل عيونه بدل الكحل بدخان الحرق
فلنحاصره بصفوف الهمة من الجانبين
ولتدكّ حوافر جيادنا الأرض كهزيم الرعد والبرق
فنصرة الدين القويم فرض علينا وواجب
فكيف نهنئ بعيش دون الجهاد المستحق
وبعون من العلي وشفاعة خير الأنام
قُدْ جحافل السيباهي يا محبي صوب الشرق229.
وصل السلطان إلى إلماداغ230 مجتازاً كلاًّ من يني شهير (بوزويوك) وكوتاهيا، وبعد أن قضى ثلاثة أيام في الصيد هناك، وصل إلى آك شهير عبر طريق أفيون كارا حيصار231. وهناك وصله تقرير قائد الجيش ليبلغه بفتح قلعة وان وفوستان وبقية القلاع المجاورة.
في العشرين من تموز حين وصل السلطان إلى قونيا، كان أول ما قام به هو زيارة قبر مولانا جلال الدين الرومي، ثم اتجه عبر الطريق المار بكل من ديفيلو- كارا حيصار- قيصري- سيواس حتى بلغ إرزينجان في الواحد والعشرين من آب. وهناك استقبل بعض السفراء والمبعوثين.
ومن جهته فقد استطاع إبراهيم باشا الذي انطلق مغادراً من ديار بكر، السيطرة على كثير من القلاع الكبيرة والصغيرة، والتي استسلمت في معظمها طالبة الأمان، وفي الثالث عشر من تموز العام ألف وخمسمائة وأربعة وثلاثين، دخل تبريز دون قتال، حيث أنّ الشاه طهماسب لم يكن في تلك الأرجاء.
وقد كلف إبراهيم باشا عُلَما خان بإدارة إيالة أذربيجان، كما كلّف مراد بيك المتحدر من قبيلة الآق قوينلو232 بإدارة منطقة تبريز. وفي هذه الأثناء وصل كل من خان غيلان أمير دوباج مظفر خان، وسلطان خليل الثاني بن إبراهيم المتحدر من عائلة شيرفان شاه معلنين ولاءهما للدولة العثمانية.
دخل السلطان القانوني مدينة تبريز في السابع والعشرين من أيلول وسط حفاوة بالغة، ثم التقى الصدر الأعظم وبقية قواته في أحد قصور الشاه الصيفية الذي يُدعى قصر أوجان233. وفي التاسع والعشرين من الشهر ذاته عقد اجتماع الديوان، وأغدق القانوني على رجالات دولته العطايا بسبب النجاحات التي حققوها، ثم توجه إلى سلطانية عبر منطقة زنجان234، حيث كان قائد الجيش في المقدمة، بينما قوات الكابى كولو مع السلطان في مركز الجيش، وقوات قرمان في المؤخرة.
وعلى إثر خبر بلغهم أثناء الطريق عن نية القزلباش235 الهجوم على الخيمة الهمايونية، كان الجيش يتحرك وسط تدابير احتياطية. حيث اجتازوا قرية التركمان ثم مضيقاً يدعى معبر كابلانت، حتى بلغوا منطقة نهر كِزل أوزِن، الذي يشكل الحدود الفاصلة بين كل من العراق العجمي236 وأذربيجان.
وحين وصل الجيش سلطانية، بلغه خبر عودة الشاه طهماسب، كما التجأ محمد بيك المنسوب إلى سلالة ذو القادر إلى السلطان هارباً من الصفويين. كان الطريق الجبلي المؤدي إلى همذان بالغ المشقة، ومع تساقط الثلوج في تلك الفترة، ازدادت العقبات. وبمشقة بالغة استطاع السلطان أن يصل قصري سعد آباد ودينفر، ولكن الخسائر في تعداد الجيش كانت كبيرة.
وبدوره لم يضيع إبراهيم باشا هذه الفرصة، حيث أوغر صدر السلطان سليمان على الدفتردار إسكندر جلبي واتهمه باختيار الطريق الخاطئ للحملة، حتى وفق في النهاية إلى دفع السلطان لعزله من منصبه.





بغداد تحت سيطرة العثمانيين

أخيراً غادر الجيش العثماني تبريز عن طريق قصر شيرين237، وبعد سبعة وعشرين يوماً كان يقف على أبواب بغداد. ولأن تِكلي خان قائد حامية قلعتها، كان قد غادر المدينة حال وصول أخبار تفيد بتقدم العثمانيين نحوهم، فقد استسلمت المدينة دون أن تبدي أدنى مقاومة. دخل إبراهيم باشا الذي يقود مقدمة الجيش المدينة أولاً، ورفع الرايات العثمانية على أبراج القلعة على الفور، وذلك في كانون الأول العام ألف وخمسمائة وأربعة وثلاثين، ثم دخل السلطان سليمان القانوني منتصراً بلدة برج الأولياء.
وتشير هذه الأبيات إلى الحفاوة البالغة والاستقبال الحاشد الذي قوبل به السلطان سليمان القانوني حين دخوله المدينة:
رُفعت القامات والأكف نحو السماء
وفُتحت الأبواب لسلطان العلياء
وانحنت له أرض العراق إجلالاً
كما انحنت كل أرض جنوباً وشمالاً
حتى المنازل والحجارة تاقت لرؤياه

والطريق ينتظر بشوق وقع خطاه
والعباد أفواج من كل حدب وصوب
يتهادون متهلِّلين خلف الركب238.
قام الصفويون خلال فترة سيطرتهم على بغداد، بهدم ضريح الإمام الأعظم أبو حنيفة239 مؤسس المذهب الحنفي، وقبلة أهلة السنة من المسلمين، حتى بات مجرد أنقاض ضائعة. وكانت أولى خطوات القانوني في المدينة هي العثور على ضريح هذا الإمام الذي يجلّه، وزيارته، حيث أمر بترميم الضريح بصورة تليق به، كما أمر ببناء جامع إلى جواره. ثم قام بزيارة ضريح الإمام موسى الكاظم وأضرحة بقية علماء المسلمين وأعلامه الواحد تلو الآخر. ووزع من الصدقات ما لا يُحصى على الفقراء والمحتاجين، وقد قوبلت أعمال السلطان القانوني بتقدير كبير لدى السنة والشيعة على حد سواء240.
كما قام السلطان القانوني الذي قضى ذلك الشتاء في بغداد بكثير من الإصلاحات الإدارية والمالية في المنطقة برمتها، كان في مقدمتها اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الجيش من إلحاق الأذى أو المشقة بالشعب، وعين رسول الكتّاب جلال زاده مصطفى مكان النيشانجي سعيد بيك الذي توفي أثناء الدخول إلى بغداد. ومع إجراء مسح لأراضي المنطقة، تم توزيعها بحسب نظامي التيمار والزعامت فيها. وبذلك عمل القانوني فترة الأربعة أشهر التي قضاها في هذه المنطقة التي فتحها، على ترسيخ أسس حكمه العادل فيها.
كما قام بزيارة أضرحة كل الأولياء والصالحين الراقدين في بغداد، وأعلن أوامره في إصلاح وترميم المتهدم منها. فبنى ضريحاً مرتفعاً فوق قبر الشيخ عبد القادر الكيلاني، كما أمر ببناء عمارة إلى جوار ضريحه، حيث تمّ تنفيذ العمل على وجه السرعة. ثم قام بزيارة ضريح الإمام علي وبقية شهداء كربلاء. . وقد حولت الفعاليات العمرانية التي بوشر العمل بها في بغداد والتي أنجزت بسرعة قياسية، هذه المدينة إلى حاضرة عمرانية تضاهي في رونقها جِنان إرم ذات العماد241.
وبعد أن قام الجيش بفتح البلدات والمدن المجاورة لبغداد، أبقى السلطان إلى جواره قوات الكابي كولو وروميلي، فيما سمح لبقية فرق الجيش بالمغادرة، والعودة إلى مواقعهم الأساسية.
كما أرسل من بغداد فتح نامت إلى كل من البندقية وفيينا، وبعد مدة كلّف شاويشاً آخر بالذهاب إلى فيينا على إثر حادثة قتل غريتي في ترانسلفانيا.





إعدام الدفتردار إسكندر جلبي

هو إسكندر جلبي بن موسى، ترعرع في مكاتب المالية، تولى منصب الباش دفتردار (رئيس الدفتردارية) بناء على توصية الوزير أحمد باشا، خلفاً للباش دفتردار عبد السلام بيك الذي بنى قصر يالي للسلطان يافوز سليم. وقد شغل إسكندر جلبي هذا المنصب لسنوات طويلة، ويعتبر من أبرز الشخصيات التي تولت هذا المقام على كل الأصعدة.
وقد عيّن الكيتهودا (الوكيل) العسكري للجيش مع تعيين إبراهيم باشا في منصب القائد العام للجيش، وبذلك أحيلت إلى عهدته كل الأمور المتعلقة بجيش الدولة. وقد خولته كفاءته والتزامه وإخلاصه للسلطان بالإضافة لخبرته الواسعة، اكتساب سمعة لا نظير لها ومنحته من السلطات ما لم يمتلكه أمراء الدولة ووزراؤها، بل ومن شغل منصب الصدر الأعظم أيضاً. . وحتى الخروج إلى حملة العراقين كان إبراهيم باشا يعامله معاملة الابن لأبيه، ويحاول الاستزادة من خبرته وآرائه.
كما أنّ السلطان سليمان القانوني كان يوليه ثقة بالغة. ومن أجل الاستفادة من خبرته فقد عينه كيتهودا قائد الجيش، وبحسب ما جاء في تاريخ بيجفي، فقد أوصى السلطان الصدر الأعظم قبل الانطلاق في الحملة قائلاً:
«إسكندر جلبي رجل محنك ومثابر في العمل، فلا تخالفه الرأي». . وبناء عليه فقد تم الاعتماد على رأيه في الكثير من التدابير التي تمّ اتخاذها أثناء تقدم الحملة. فحين قرر الصدر الأعظم الذي قضى الشتاء في حلب، أن يتوجه بحملته نحو بغداد، أُجبر بضغط من الدفتردار على تغيير مسار الحملة نحو أذربيجان.
ورغم أنّ منصب قائد الجيش الذي يشغله الصدر الأعظم، جعل منه صاحب القرار والمسؤول الأول عن سير الأمور، ولكن التحرك بحسب رأي الدفتردار إسكندر جلبي كان يثير امتعاضه. ورغم أنه لم يكن يعترض على الأمر علناً، بناء على توصية السلطان. إلا أنّ ذلك لم يحل دون شعوره بالاستياء كونه أصبح في مرتبة ثانوية بالمقارنة مع الدفتردار.
وإزاء اتهامات دفتردار حلب نقّاش علي بيك لإسكندر جلبي بالارتشاء وارتكاب الموبقات، فقد أعرض الصدر الأعظم عنه بصورة علنية، وقد تزامن الأمر مع حادثة أخرى ساهمت في اتساع هوة الخلاف بين الرجلين.
فمع الوصول إلى حدود أذربيجان، بدأ الصدر الأعظم يعلن بعض الأمور عن طريق الدلّالين في الجيش، حيث كان الدلال يبدأ إعلان الأمر بالقول «لقد أمر السلطان قائد الجيش بما يلي. .» وقد نبّه إسكندر جلبي أحد هؤلاء المنادين موضحاً له:
«إياك والقول السلطان قائد الجيش، بل عليك القول هذه أوامر حضرة قائد الجيش»، وبدوره أبلغ الدلال إبراهيم باشا بالأمر، مما فاقم من الشقاق.
ومع وصول السلطان سليمان إلى تبريز، استجوب الصدر الأعظم قائلاً:
«ما السبب الذي دفعكم لإبقاء الجيش في ديار العدو أثناء فصل الشتاء خلال حملة بهذه الأهمية، وتعريضه لهذا الموقف الذي يحمل مخاطر جمّة؟». .
ليرد عليه الصدر الأعظم:
«وهل أمتلك من الأهمية ما يكفي لتسألني؟ فقد أعطيتم عبدكم إسكندر جلبي مقاليد الحل والربط. وقبيل المغادرة أوصيتم عبدكم هذا بالاعتماد على تجربة الدفتردار والاحتكام لرأيه، وقد تحرك الجيش بناء على رأيه، حتى وصل بنا الحال إلى هذا المآل»242.
وكانت هذه الكلمات كفيلة ليعرض السلطان عن إسكندر جلبي، وبذلك وبعد أن غادرت الحملة تبريز باتجاه بغداد، وبينما كانوا على مسافة قريبة من همذان، عُزل إسكندر جلبي من منصب الدفتردار.
ورغم أنّ الدفتردار قد عُزل بتحريض من الصدر الأعظم، لكنه ظل محافظاً على نفوذه السياسي، الأمر الذي كان يخشاه إبراهيم باشا، ويدرك كم أنّ خصمه شخص بالغ الخطورة، لذا أخذ يتحين الفرص من أجل إعدامه. وأخيراً وفي أحد اجتماعات الديوان المنعقد في الثالث عشر من آذار العام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين، نجح في الحصول على فرمان السلطان القاضي بإعدام إسكندر جلبي، وذلك قبيل انضمام بقية الوزراء مثل قاسم باشا وأياس باشا إلى الاجتماع، حيث نفذّ الحكم على الفور في منطقة آتابازار في المدينة. وقد انتقلت أملاكه وعبيده إلى خزينة الدولة الخاصة (في الخامس عشر من آذار العام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين الموافق للثامن من رمضان العام تسعمائة وواحد وأربعين).
كان إسكندر جلبي معروفاً بغناه الواسع إلى جانب كثرة عبيده، حتى أنّ أحمد باشا الذي سيتولى منصب الصدر الأعظم في العام ألف وخمسمائة وتسعة وسبعين، قد علّق على الأمر قائلاً:
«نحن الآن سبعة وزراء في الديوان، ولو جُمعت ثرواتنا كلها، فلن تبلغ ما بلغته ثروة المرحوم أفندي». .
ومع مراجعة سجلات العبيد بعد وفاة إسكندر جلبي، تبين أنه قام بشراء سبعة آلاف ومائتي عبد، حيث أنّ سفينة تجارية محملة بالكتان كانت تصل سنوياً من طرابزون، من أجل خياطة السراويل والقمصان الخاصة بعبيده وجواريه. حتى أنّ حاشية غفيرة بلغ عددها ألفاً ومائتين من العبيد قد رافقته أثناء مشاركته في حملة العراقين، من أجل حمل أسلحته وثيابه، ومرافقة خيوله. .
وبعد إعدامه تم توزيع الإيج أوغلانلار الذين ناهز عددهم المائة، ممن كانوا في خدمته على بعض الأعيان بعد انتقاء عشرة من خيرتهم، ولكن السلطان الذي أعجب بتربيتهم وتحصيلهم العلمي العالي، أمر بإعادة البقية ممن تم توزيعهم، ليخصصهم للعمل في القصر. ومن بينهم أحمد باشا- المذكور أعلاه- الذي شغل منصب الصدر الأعظم، والوزير الثاني بيالة باشا، وأيضاً من شغلوا منصب أمير الأمراء كغولابي باشا، بهرام باشا وروس حسن باشا. .
وبحسب ما نقلته المصادر، ففي الليلة التي أُعدم فيها إسكندر جلبي، زار السلطان في حلمه ولفّ منديلاً حول عنقه لكي يخنقه وهو يقول له «لمَ قمت بإعدامي دون وجه حق؟». . ومع تطور الأحداث لاحقاً، واحتمال إدراك السلطان بأنّ إسكندر جلبي قد ذهب ضحية لضغينة وغايات إبراهيم باشا الشخصية، فقد بدأ يشعر بالاستياء منه243.





استمرار حملة العراقين

أثناء وجود السلطان في بغداد، وصل الشاه طهماسب إلى تبريز، ولكنه لم يتمكن من إلقاء القبض على عُلما خان الذي فرّ للالتجاء إلى قلعة وان، ما دفع الشاه للحاق به.
أما القانوني الذي قام بتنظيم إدارة بغداد فأصبحت إحدى الإيالات العثمانية، وعين رمضان أوغلو أوزون سليمان باشا والياً عليها، كما ترك في المدينة ما يكفي من الحامية العسكرية، فقد بعث بالرسل إلى جنوده في ثكناتهم الشتوية، ثم تحرك على رأس الجيش متجهاً نحو تبريز في الثاني من نيسان العام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين.
وقد اتخذ الجيش هذا المرة في وجهته نحو الشمال، الطريق الممهدة باتجاه السلمانية ومن ثم كركوك. وبعد اجتياز طريق جبال حمرين244 الذي يمتاز بأهمية كبيرة، بلغوا غوكيورت وليلان245 حيث مكثوا هناك. وفي هذه الأثناء كان رسل عُلما خان قد وصلوا لينبئوا السلطان بانسحاب قوات الشاه طهماسب من أمام قلعة وان، وبقرب وصول شقيق الشاه سام ميرزا للالتجاء إلى حماية السلطان.
وفي هذه الفترة وتحديداً في السادس والعشرين من أيار العام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين، وصل جان دي لا فوريه رسول ملك فرنسا ليقابل السلطان. كما حمل الرسول معه الرسالة التي بعث بها بربروس خير الدين باشا إلى السلطان أيضاً. كانت رسالة الملك فرنسا تعبر عن شكره وامتنانه للسلطان، وتتمنى عليه التوقيع على المعاهدة التي سيطلعه عليها لا فوريه والتي تضم موافقة كل حكام أوروبا خلا الإمبراطور.
وكانت المهمة الحقيقية للمبعوث الفرنسي هي إقناع السلطان بالتحالف مع فرنسا في شن حرب ضد الإمبراطور، كما سيطلب لا فوريه من السلطان مساعدة مالية تقدر بمليون ذهبية من أجل التجهيز لهذه الحرب، بالإضافة إلى إرسال الأسطول العثماني نحو سواحل صقلية وسردينيا. كما سيعمل على استمرار الامتيازات التجارية التي كانت تتمتع بها فرنسا في الشرق منذ القدم.
وقبل وصول الجيش إلى مراغة246، وصل إلى معسكر الجيش مبعوث الشاه ويدعى أوستاجلو خان في موقع ساروجاقاميش (Sarucakami?)، وطلب مقابلة السلطان لكن طلبه قوبل بالرفض.
تحرك السلطان مع جيشه من مراغة نحو ساد آباد (Sadabad) ومن ثم بلغ تبريز في تموز من العام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين، وقد عجز الشاه هذه المرة أيضاً عن حماية المدينة التي وقعت بيد العثمانيين للمرة الثالثة. وفي هذه الأثناء وصل مبعوث آخر من لدن الشاه، ومن ثم وصل سام ميرزا شقيق طهماسب ووالي هرات247 ليلتجئ إلى السلطان. وبعد أن نظم السلطان الأمور الإدارية في تبريز، توغل داخل إيران لبعض الوقت، متجهاً نحو زنجان وسلطانية حتى بلغ دِرغوزين (Dergüzin)248.
ومع تحرك السلطان شعر الشاه طهماسب المقيم في منطقة قزوين بالتهديد، فانسحب إلى أصفهان، وبذلك تبينت استراتيجية الصفويين، وهي عدم تجرئهم على مواجهة العثمانيين مطلقاً، فمع تقدم الجيش كانوا ينسحبون بدورهم نحو كل من مشهد، هراة وقندهار. . وقد سلكت القوات العثمانية طريق العودة في السابع من آب، لتبلغ تبريز في العشرين من الشهر ذاته.
ومجدداً وصل مبعوثو الشاه للقاء السلطان الذي ظلّ يبحث عنه لمدة ثمانية عشر يوماً دون طائل، وناشدوه الموافقة على توقيع معاهدة الصلح، ومع إدراكه أنّ القوات الصفوية لن تتجاسر على الظهور أمامه ومواجهته، عاد إلى تبريز.
وبينما كان القانوني في تبريز أرسل إلى دوق البندقية فتح نامه تبلغه بفتح بغداد، وبعد مكوثه في المدينة ستة أيام، انطلق مغادراً في السابع والعشرين من آب، حيث وصل خوي249 في السابع من تشرين الأول، وهناك زار قبر شمس الدين التبريزي معلم مولانا جلال الدين الرومي.
ثم تحرك مجدداً ليتجه نحو أخلاط التي مكث فيها أجداده قبل دخولهم الأناضول، ومن هناك أرسل عُلما باشا نحو قلعة وان، بينما سلك هو طريق تطوان بدليس ليصل إلى ديار بكر ومن ثم حلب، وقد مكث فيها بضعة أيام زار فيها أماكنها المقدسة وقلعتها وجوامعها الشهيرة.
وبعد فترة غياب استمرت سنة وستة أشهر وسبعة وعشرين يوماً، وصل العاصمة في الثامن من كانون الثاني العام ألف وخمسمائة وستة وثلاثين بصفته فاتح بغداد. أما إبراهيم باشا فكان قد مضى على خروجه من إسطنبول ما يقارب العامين250.
ولأنه تمكن من فتح عراق العرب بالإضافة إلى عراق العجم، فقد أطلق القانوني على هذه الحملة اسم (حملة العراقين)، والتي أخرجت الصفويين من العالم العربي بصورة نهائية، وبقي عراق العرب منضويا تحت لواء السلطنة لمدة أربعة قرون متوالية.





أولى حملات بربروس مع الأسطول

قام السلطان سليمان القانوني باستقبال بربروس برفقة ثمانية عشر رجلاً من خيرة رجاله ورفاقه. ولخشيته من التطورات الحاصلة في البحر المتوسط، فقد سأل الربان بضعة أسئلة حول أندريا دوريا، وقد راقه أسلوب بربروس الجريء في الإجابة، وبذلك رفعه إلى مرتبة أمير الأمراء ليضع الترسانة العامرة تحت تصرفه بصلاحيات مطلقة، بوصفه الأميرال الجديد. ثم قام بإرساله إلى حلب حيث الصدر الأعظم إبراهيم باشا كان يقضي فصل الشتاء أثناء حملة إيران، وهناك قام الصدر الأعظم بإلباسه الخلعة بعد تعيينه أمير أمراء الجزائر وقبطان غاليبولي، ثم أرسله إلى إسطنبول مجدداً.
بعد عودة بربروس خير الدين باشا إلى إسطنبول، قام بأولى حملاته على رأس الأسطول العثماني في شهر أيار من العام ألف وخمسمائة وأربعة وثلاثين. وفي هذه الأثناء كان السلطان القانوني يقود حملة إيران متجهاً نحو تبريز بعد أن دعاه الصدر الأعظم.
توجه خير الدين باشا نحو السواحل الإيطالية على رأس أسطول مكون من ثمانين سفينة، وأحرز بعض الانتصارات في مدينة ريدجو251 المطلة على مضيق ميسينا والمناطق المجاورة. وكان يهدف من هذه الحركة إجبار أندريا دوريا على خوض معركة بحرية مباشرة معه.
بعض ضرب بربروس سواحل إيطالية الجنوبية، توجه نحو الجزائر ومع حركة الرياح المواتية وصل إلى سواحل تونس التي كان يحكمها مولاي الحسن من بني حفص، وقد قام هذا الرجل بقتل ما يزيد على الأربعين من أشقائه، بينما تمكن شقيقه الخامس والأربعون رشيد من النجاة والهرب إلى الجزائر للاحتماء بخير الدين بربروس، ثم توجه برفقته إلى إسطنبول.
توجه بربروس نحو مدينة حلق الوادي252، وبدأ إنزال قواته العسكرية على سواحلها، بغرض السيطرة على تونس. وقد هرب مولاي الحسن على أثر ذلك، لتنتقل تونس خلال مدة وجيزة إلى حكم السلطنة العثمانية.
حاول مولاي الحسن جمع قواته، وسار باتجاه تونس، لكنه لم يوفق في محاولته الأولى، بل اضطر للانسحاب، ما دفعه للتوجه إلى الإمبراطور شارلكان طالباً منه المساعدة.
كان شارلكان خائفاً من انتقال تونس إلى يد العثمانيين الذي باتوا يحكمونها، فجهز أسطولاً حربياً قوامه خمسمائة قطعة حربية بقيادة أندريا دوريا في شهر أيار من العام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين، وقد رافق الحملة بشكل شخصي متوجهاً نحو حلق الوادي، وأشرف على إنزال قواته المكونة من خمسة وعشرين ألف جندي.
في السادس عشر من حزيران وفي مياه بحيرة تونس التي يشكلها المضيق البحري، والتي تمتد حتى أسوار مدينة تونس، رست السفن الألمانية ومن ثم الإسبانية وأخيراً الإيطالية مع قواتها العسكرية. كان البرجان اللذان تفصلهما مسافة تقارب الميل، ويتموضع كل منهما على مسافة أربعين متراً مربعاً، أول الخطوط الدفاعية لقلعة حلق الوادي. وبالإضافة إلى أنها كانت تمثل مفتاح الدخول إلى تونس، فقد كانت مركز ترسانة بربروس. وقد ترك بربروس على رأس حامية هذه القلعة بالغة الأهمية، أحد أشهر القباطنة وهو الريّس سنان.
وخلال شهر من حصار القلعة المشدد، استطاعت القوات العثمانية الخروج من القلعة في ثلاث حملات هجومية شديدة الوطأة، تكبد الجيش الصليبي خلالها الكثير من الخسائر. حيث قتل في أولى هذه الهجمات الدوق دو سارنو أحد قادة الجيش، وفي الهجوم الثالث أصيب ماركي مونديا بجروح بالغة.
بعد مضي شهر من خروج الأسطول من سواحل برشلونة (التاسع والعشرين من حزيران)، مثل مولاي الحسن أمام شارلكان وأعلن تبعيته له. وبدوره أعلن شارلكان أنه يقف إلى جانب التونسيين مع فرسانه البالغ عددهم ستة عشر ألفاً، كما احتفى به وأجزل له العطاء والإكرام.
مع انقطاع المساعدات، انسحب الريّس سنان من قلعة حلق الوادي في الرابع عشر من تموز، ليتجه إلى مدينة تونس حيث بربروس.
وقد أراد بربروس خير الدين باشا أن يزج كامل قواته في معركة ميدانية مع العدو، وكان ما يقارب السبعة آلاف من الأسرى المسيحيين موجودين في المدينة، وخشية من تسببهم في إحداث المشاكل، أراد بربروس إعدامهم، ولكن أهالي المدينة عارضوا تنفيذ الأمر، كما تصدوا لبربروس. وإزاء هذا الموضوع الحساس، ولعدم إثارة نقمة الأهالي أكثر من ذلك، اضطر الأميرال العثماني التراجع عن الفكرة. ولم يكن تحت إمرته من القوات سوى تسعة آلاف وسبعمائة جندي، كان ثلاثة أرباع هذا الجيش الضعيف قد أحضر من الأناضول، أما الربع الباقي المكون من سكان المدينة، فلم يكن يحبذ فكرة الخروج من أسوار القلعة.
استطاع بربروس في المقابل أن يحصن من دفاعيات تونس ويتمركز في موقع بالغ الاستحكام، يحول بشكل قاطع دون اقتراب قوات العدو من المدينة. ولكن تبين له أثناء المعركة أنّ جنود الأناضول فقط كانوا يستخدمون أسلحتهم ويبادرون للقتال، على خلاف الجنود الأفارقة الذين كانوا يتجنبون القتال قدر المستطاع253.
وهنا وقع ما كان يخشاه بربروس، حيث تمكن الأسرى المسيحيون المحتجزون داخل المدينة من فك قيودهم، وقاموا بإغلاق بوابات المدينة. وإزاء عجزه عن الانسحاب ودخول المدينة مجدداً، اضطر خير الدين بربروس باشا أن ينسحب باتجاه الجبال مع الريّس سنان قائد حامية مدينة حلق الوادي، وبقية رجاله الخلّص.
وفي الواحد والعشرين من تموز العام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين، كان الإمبراطور يستعد لدخول تونس دون إحداث أي تخريب فيها، بسبب الدعم والمساعدة التي قدمتها له في المعركة، ولكن مطامع الجنود الإسبان في النهب والسلب، دفعتهم للتصرف بشكل مخالف لرغبة الإمبراطور.
وينقل لنا هامر254 المظالم التي ارتكبت بحق أهالي المدينة، وموقف الإمبراطور العاجز عن ردعهم على الشكل التالي:
«استمر النهب ليومين من الصباح وحتى المساء، حيث تمّ قتل ثلاثين ألف شخص، وأسر عشرة آلاف. لم تعش تونس والمناطق المحيطة بها، فاجعة أليمة بهذا الحجم منذ زمن طويل، فالأجساد الدامية لثلاثين ألفاً من أبنائها ممن غدوا ضحية لهذا الانتقال في السلطة، شكّل واقعة فجيعة بكل المقاييس. وكان الجنود الإسبان هم أكثر من أظهر قدراً مريعاً من الوحشية والحقد في أعمال القتل والنهب، حيث كانوا يسلبون البيوت وينقبون في الصناديق والأقبية وحتى في أعمق الآبار بحثاً عن غنائم في جشع تحركه ضغينة بالغة. وقد تدمرت الجوامع والمدارس والمكتبات، ومزقت محتوياتها من الكتب القيمة والنادرة وأتلفت. ولم تكن ترى حولك سوى الأجساد الممزقة وآثار الحفر والسلب والدمار. وفي اليوم الثالث أمر الإمبراطور أن تقتصر أعمال النهب على المواد الغذائية فقط، حيث دخل المدينة مع الجنود الألمان. كما أعلن أمراً ينص على توقف المنتصرين على التخريب والنهب، وإعدام من يخالف الأوامر.
وفي الأول من آب غادر شارلكان المدينة، وأمر قواته بالعودة إلى مواقعهم السابقة على أطراف حلق الوادي والبرج البحري. وكان الجنود المنسحبون يتعثرون طوال الطريق بأجساد من قتلوهم من الأسرى سواء بدافع الحقد أو دافع التخلص منهم. .
وبسبب تباطؤ المكلفين بتأمين المؤونة في نقل المؤن والذخائر إلى السفن، تم الإعلان أنّ الأشياء التي ستبقى حتى مساء الغد دون تحميلها على ظهر السفن، ستترك في مواقعها. ولكن الجنود الألمان والإيطاليين الساخطين لحرمانهم من المشاركة في نهب المدينة، انشغلوا بالسلب والنهب أثناء المهلة التي أعلن عنها. وبدل الانتهاء من تحميل السفن، ظلوا منشغلين حتى صباح اليوم التالي بأعمال النهب، ما دفع الإمبراطور إزاء هذه الفوضى العارمة، إلى الخروج مسرعاً من قلعة حلق الوادي، متجهاً إلى مركز الجيش لإيقاف أعمال السلب والسطو». .
حتى أنّ هامر يستغل هذه الفرصة للمقارنة بين الانضباط الكبير الذي فرضه الصدر الأعظم إبراهيم باشا على الجيش في حملة العراقين التي تزامنت مع هذه الواقعة، وبين فوضى جيش الإمبراطور بالقول:
«مقابل سلطة الصدر الأعظم وقوة إدارته، التي كانت السبيل لحماية بغداد وتبريز من السلب والدمار في حملة العراقين حتى في ظل غياب السلطان، فإنّ ضعف الإمبراطور قد جعل نصره يتلوث بدماء ثلاثين ألفاً من الأبرياء، ودمار أهم المكتبات»255.
وقد ساهم وجود مولاي الحسن إلى جانب شارلكان في هذه المعركة، والرسائل التي بعث بها إلى حامية المدينة وسكانها، في تهدئتهم. كما ترك شارلكان حامية عسكرية بالإضافة إلى الأسطول في المدينة بغرض حماية مولاي الحسن، وانطلق مغادراً في آب.
أما بربروس فقد اضطر إلى التخلي عن حماية المدينة بعد الخيانة التي تعرض لها على يد التوانسة، وتوجه إلى ميناء عنّابة256 واستقل سفنه التي كانت راسية هناك، واضطر للانسحاب إلى الجزائر. وما أن وصل حتى كان في انتظاره استقبال حاشد، حيث مكث في الجزائر لمدة خمسة عشر يوماً، تجهز خلالها لرحلته القادمة. ومع اصطحابه لبعض القباطنة وسفنهم أيضاً معه، فقد انطلق في البحر بأسطول قوامه اثنان وثلاثون سفينة. وبالقرب من سواحل جزيرة مايوركا257 صادفوا السفن الإسبانية التي تنقل الأسرى التونسيين، فاستولوا عليها جميعاً، وقاموا بتحرير المسلمين، بينما أسروا الإسبان وأحرقوا سفنهم. ثم قاموا بمهاجمة جزر البليار258، ولكن إزاء عدم ظهور أندريا دوريا، توجهوا عائدين إلى إسطنبول.
ومن جهة أخرى عاد مولاي الحسن إلى تقلد السلطة في تونس، بعد المذابح والمظالم التي ارتكبها الإسبان بحقهم، ولكنه بالكاد استطاع الحفاظ على موقعه في سدة الحكم لخمس سنوات وذلك بفضل حماية الإسبان له. حيث تم خلعه عن العرش في العام ألف وخمسمائة وأربعين من قبل ابنه السلطان أبو العباس أحمد.





التحالف مع فرنسا

وصل مبعوثو الملك الفرنسي إلى معسكر الجيش العثماني بينما كان السلطان سليمان القانوني في حملة العراقين، حيث بدأت اللقاءات بين الطرفين بغرض توقيع اتفاقية مشتركة. وقد تسارعت وتيرة هذه اللقاءات أخيراً مع عودة السلطان إلى إسطنبول، حيث تم التوقيع على معاهدة بين الدولتين، وبوشر العمل بها.
ولم تقتصر المعاهدة على منح امتيازات وحقوق للفرنسيين، والتي سيتم تجديدها وتطويرها لاحقاً من خلال توقيع معاهدات مشتركة بين الطرفين فحسب، بل تمّ تعزيزها من خلال القرارات والفرمانات السلطانية أيضاً. وهناك خلاف على تاريخ توقيع هذه المعاهدة، فبحسب التقويم القديم يرجح أنها وقعت في شباط العام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين، لكن الوقائع تشير إلى أنها وقعت في شباط العام ألف وخمسمائة وستة وثلاثين.
ويمكن ترتيب بنود المعاهدة على الشكل التالي:
يحق لأسطولي الطرفين القيام بالحملات العسكرية في البحار التي تعود ملكيتها إلى الدولتين. كما سيتولى السفراء الفرنسيون القيام بكل التدابير الحقوقية في حال وقوع أي أحداث أثناء الحملات.
يحق لمواطني الدولتين في كل من فرنسا والدولة العثمانية شراء كل البضائع غير المحظورة وبيعها، وتحميلها بغاية نقلها، كما يمتلكون الحرية في نقلها براً وبحراً مع دفع الضرائب المعتادة، بحيث يدفع التركي الضرائب كأحد الرعايا الفرنسيين في فرنسا، كما سيدفع الفرنسي في تركيا ضرائب مماثلة لتلك المفروضة على الرعايا الأتراك.
يتوجب على القضاة نقل القضايا المتعلقة بفرض عقوبة على أحد الرعايا الفرنسيين إلى الديوان الهمايوني، كما سيرافق القضاة الذين سيفرضون الحكم ترجمان فرنسي.
إن هرب أحد الرعايا الفرنسيين قبل أن يدفع الديون المترتبة عليه لأحد الرعايا الأتراك، فلا يحق للتركي رفع دعوة على بقية الرعايا الفرنسيين أو القنصل الفرنسي في السلطنة، بل سيوجه دعوته بشكل مباشر إلى ملك فرنسا، وسيطلب منه دفع الديون عن طريق المحاكم المختصة.
يحق للرعايا الفرنسيين تحديد صيغة وصاياهم بالشكل الذي يريدون دون أن يكونوا ملزمين بمراجعة الحاكم المحلي، وسيتم تسليم الأملاك المحددة في الوصية إلى القنصل الفرنسي الذي سيقوم بتوزيعها على المعنيين بحسب القوانين وشروط الوراثة الفرنسية.
لن يتم استخدام السفن العائدة ملكيتها للتجار أو الرعايا الفرنسيين، بما فيها من أسلحة وذخائر في أي مهمة بحرية أو برية، دون موافقة أصحابها، كما لن يتم تشغيلهم في أي من أعمال السخرة.
في حال أقام أحد الرعايا الفرنسيين في الدولة العثمانية لمدة عشر سنوات دون انقطاع، فسيُعفى من كل الضرائب كالجزية والعوارض والاحتساب259. كما لن تعيق الحدود في أراضي السلطان تحرك الرعايا الفرنسيين، ولن يجبر هؤلاء على العمل في الترسانة أو الثكنات العسكرية، أو في أعمال السخرة. وسيعامل الرعايا العثمانيون بالمثل في فرنسا.
يتوجب إطلاق سراح الأسرى السابقين من كلا الدولتين، ولن يعامل الذين يتم اعتقالهم في الحروب من رعايا الطرفين معاملة الأسرى.
وقد أبدى الملك الفرنسي رغبته في ضم كل من البابا، ملك إنكلترا وملك السويد أيضاً إلى هذا التحالف، والذين سيمنحون مهلة ثمانية أشهر من تاريخ التوقيع، للانضمام إليهم.
كما يتوجب على السلطان والملك الفرنسي التصديق على هذه المعاهدة خلال مدة ستة أشهر، والعمل على تطبيقها، بالإضافة إلى الإعلان عنها في كل مكان260.
هذا النوع من الاتفاقيات التي وقعتها السلطنة العثمانية كان بداية ما أطلق عليه لاحقاً الامتيازات، وقد اعتبرت من أهم العوامل التي أدت إلى انهيار السلطنة في القرن الماضي. ولكن واقع الحال يشير إلى أنّ الكثير من المعاهدات والاتفاقيات المماثلة قد أُبرمت سابقاً من قبل الدولة العثمانية حتى ذلك التاريخ. كانت أولى هذه المعاهدات في عهد السلطان مراد الأول مع جمهورية راغوزا في العام ألف وثلاثمائة وخمسة وستين، والتي كانت مجرد دولة فقيرة على سواحل دالماسيا، حيث منحت بعض الامتيازات التجارية لقاء جزية سنوية مقدارها خمسمائة دوقة. كما تم منح السفير البيزنطي والقناصلة الذين قدموا إلى الدولة العثمانية بعض الامتيازات في العام ألف وثلاثمائة وسبعة وتسعين. ولقاء هذه الامتيازات توجب على الإمبراطورية البيزنطية تخصيص منطقة للأتراك في إسطنبول، وتعيين قاض ومفتٍ من أجل النظر في دعواى الأتراك المقيمين في تلك المنطقة وتسيير شؤونهم.
كما وافق السلطان محمد الفاتح بعد فتح إسطنبول على استمرار الامتيازات التي منحتها بيزنطة لكل من البندقية وجنوة بعد إدخال تعديلات طفيفة عليها. وفي العام ألف وأربعمائة وسبعة وتسعين، منح السلطان الفاتح البندقية حق ممارسة الأعمال التجارية في كل من طرابزون وفيودوسيا (كِفِة) 261. هذه الامتيازات التي مُنحت للبندقية من قِبَل السلطان محمد الفاتح، جرى القبول بها وتوسيعها من خلال المعاهدات التجارية العثمانية - البندقية التي أبرمت في العام ألف وخمسمائة وثلاثة عشر في عهد السلطان يافوز سليم، والعام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين في عهد السلطان القانوني. وبعد فتح مصر أقرّ السلطان يافوز سليم بالامتيازات الممنوحة من قبل المماليك سابقاً لكل من الفرنسيين والبنادقة والكتالان262. وقد عمد السلاطين العثمانيون إلى منح البنادقة هذه النوع من الامتيازات في المناطق التي يقومون بفتحها من أجل تنشيط التجارة، والإبقاء على المعابر والطرق التجارية المهمّة التي يستولون عليها فعالة. كما كان لاكتشاف أميركا ورأس الرجاء الصالح في تلك الفترة، وما نجم عنها من تحويل التجارة إلى الغرب بدلاً من طريق الحرير في الأراضي العثمانية، دور في منح تلك الامتيازات.
وفي أكثر عهود الدولة العثمانية ازدهاراً على كل المقاييس، حيث اتسعت الفتوحات إلى أقصى مداها، ووصلت الثقافة والفنون إلى أعلى مستوياتها، كان منح السلطان سليمان القانوني هذه الامتيازات لفرنسا، يعتبر استثماراً سيعود عليه بالفائدة من الناحيتين السياسية والتجارة على حد سواء.
ومع تحول الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان خان إلى دولة عالمية وسيطرتها على الكثير من الدول الأوروبية، بات الأمر مصدر قلق بالنسبة لباقي الدول الغربية، فإمبراطور ألمانيا وملك إسبانيا شارلكان المستاء من ازدياد قوة العثمانيين، كان يبحث عن طرق تضعف السلطنة، ويحاول الدخول في تحالفات لإنشاء أوروبا الكبرى.
وحين تأكد للسلطان سليمان خان، المساعي المتبادلة بين شاه إيران وإمبراطور ألمانيا - إسبانيا لعقد تحالف ضده، استغل ضعف فرنسا، فقدم الدعم السياسي لها، وربطها بسلطنته اقتصادياً، وذلك للحيلولة دون سيطرة شارلكان على كل أرجاء أوروبا.
وكان لهذه السياسة التي طبقها القانوني دور كبير في زيادة نفوذ الدولة العثمانية. كما كان للدعاية الإيجابية التي أطلقت في أوروبا حول الإدارة العثمانية، والتعرف على عظمة الدولة العثمانية، وزيادة التعامل مع المسلمين، دور بالغ الأثر في نشر الدين الإسلامي.
وكانت هذه المعاهدة آخر الاتفاقيات التي أبرمت خلال صدارة إبراهيم باشا، الذي شغل هذا المنصب لمدة أربع عشر سنة متواصلة. حيث بدأ باستغلال الثقة والسلطة التي منحها إياه السلطان، ما كان السبب في أمر السلطان بخنقه في إحدى الليالي أثناء وجوده في القصر.





إبراهيم باشا

تم استدعاء إبراهيم باشا الذي كان مشغولاً في تلك الفترة بإبرام المعاهدة مع الفرنسيين، من أجل الإفطار وذلك في ليلة الواحد والعشرين- الثاني والعشرين من رمضان عام تسعمائة واثنين وأربعين هجرية، الموافقة لليلة الرابع عشر- الخامس عشر من آذار العام ألف وخمسمائة وستة وثلاثين، ودون إظهار سبب واضح، تم خنقه حتى الموت، وبعد إخراج جثمانه من القصر، أُخذ إلى تكية جانفيدا التي تلي الترسانة في غالاتا، حيث دفن هناك.
من المرجح أنّ إبراهيم باشا قد أبصر النور في العام ألف وأربعمائة وثلاثة وتسعين، في إحدى القرى المجاورة لمدينة بارغا263 التي تقع اليوم ضمن الحدود اليونانية. وتخبرنا الرواية بأنّ والده كان صياداً، وقد تم اختطافه من قبل القراصنة الأتراك حين كان في السادسة من العمر، ليتم بيعه كعبد إلى أرملة في منطقة مانيسا.
وبحسب طيب غوكبيلغين إبراهيم أُسر وهو في السادسة من العمر، من قِبَل أمير أمراء البوسنة إسكندر باشا في عهد بيازيد الثاني، وذلك في إحدى الهجمات، وبسبب قابليته وكفاءته تم إهداؤه إلى الأمير سليمان الذي كان حينها والياً على سنجق فيودوسيا، حيث ترعرعا سوياً264.
أما بالعودة إلى المعلومات التي قدمها لنا لطيفي265، سنجد أنه في حقبة تولي الأمير سليمان منصب إمارة مانيسا، سمع في أحد الأيام عزفاً على الكمان، وأراد التعرف إلى العازف، وكان الشخص الذي أُحضر إليه هو العبد إبراهيم. وقد راق للأمير كثيراً بسبب ذكائه وسرعة بديهته وتهذيبه، ومع الوقت أصبح جزءاً لا يتجزأ من مجالسه، حتى بات يدعوه باستمرار لزيارته في القصر. وعلى إثر ذلك قامت الأرملة التي ربت إبراهيم بإعتاق عبدها لينضم إلى حاشية الأمير سليمان266.
وبذلك كان هذا التقارب خطوة البداية لتلك المغامرة التي حولت العبد إبراهيم إلى إبراهيم باشا في النهاية. فقد نال هذا الشخص الذي يُقال بأنه اتصف بالذكاء والكفاءة والتحصيل العلمي، من الدعم والتقدير ما لم يسبقه إليه أحد في التاريخ العثماني. ولكن من الواضح أنه في إمبراطورية تزخر بالعديد من رجال العلم والدين، والشخصيات التي استطاعت أن تبدي جدارة فائقة في تأدية المهام الموكلة إليها، لم تكن المؤهلات التي تمتع بها إبراهيم بالدرجة الكافية التي تخوله أن يشغل المنصب الذي بلغه بالجدارة المطلوبة، وهذا ما قاده إلى مصيره.
لذلك يجب عدم التغاضي عن أنّ الفضل في صعوده السريع، يعود في جزء كبير منه إلى التقارب بينه وبين السلطان سليمان، والصداقة التي جمعتهما منذ الحقبة التي كان لا يزال فيها أميراً. ولكن ما لا يرقى إليه الشك أنه لم يغب عن ذهنه مطلقاً، بأنه أمام ولي عهد الإمبراطورية، والحاكم المستقبلي العظيم لها، ما جعله يتصرف إزاء كل المسائل والمواقف بالجدارة والجدية والخبرة المطلوبة.
وإن كان ارتقاء إبراهيم باشا السلم الوظيفي من رئيس الغرفة الخاصة (خاص أوضة باشي) إلى منصب الصدارة، يوضح مكانته لدى السلطان سليمان، فإنّ زواجه من السلطانة خديجة شقيقة السلطان سليمان، والذي جعله صهر العائلة، قد كان له دور بالغ الأثر في المكانة التي بات يحتلها267.
وقد أقيم عرسه بعده عدة أشهر من توليه منصب الصدر الأعظم، وهذا الاحتفال الذي جرى في الثاني والعشرين من أيار العام ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين بحسب ما تشير إليه المصادر التاريخية، كان بالغ الفخامة، حيث أقيم أمام القصر الذي بني لإبراهيم باشا في آت ميداني.
وكما هو معلوم فقد قام أشهر شعراء تلك الحقبة أمثال خيالي بيك، زاتي وفيغاني بتقديم قصائدهم للباشا أثناء حفلة العرس. كما تنوه جميع المصادر التي تطرقت إلى العرس، أنّ حضور خاقان العصر سليمان القانوني العرسَ، قد زاد من استثنائية المكانة التي تمتع بها الرجل.
ومع فتح قلعة بودين زادت صلاحيات إبراهيم باشا السياسية بصورة ملحوظة، وبالمقابل فقد ساهمت الكثير من ممارساته وقراراته في زعزعة مكانته. . فحين قتل لويس الثاني ملك المجر في معركة موهاج دون ترك وريث لعرشه، بات منصب الملك شاغراً، ما دفع المدينة إلى تسليم مفاتيحها للسلطان القانوني الذي سار نحوها على رأسه جيشه، وقد أرسلت الغنائم التي حصلوا عليها إلى إسطنبول. وكان من بين أهم هذه الغنائم مكتبة الملك ماتياس كورفينوس بن إيوان دي هونيدورارا، والشمعدانات البرونزية التي وضعت على طرفي محراب آيا صوفيا، بالإضافة إلى تماثيل من البرونز لكل من هرقل وأبوللو وديانا، وقد نصبها إبراهيم باشا قبالة قصره الكائن في ساحة آت ميداني. ولكن وضع الباشا لهذه الهياكل البشرية أمام قصره، في حركة مخالفة للعرف الإسلامي الذي يحظر هذا النوع من الفنون، كان له بالغ الأثر في زعزعة مكانته والثقة التي أولاها إياه الشعب. وتشير بعض الروايات إلى أنّ ألقاب إبراهيم «الكافر» و«الفرنجي» التي نُعت بها، تعود إلى تنصيبه لهذه التماثيل. وقد نظم الشاعر فيغاني مستلهماً من قصيدة فارسية شهيرة، بيته ذائع الصيت حول الحادثة والذي أودى به إلى الإعدام، حيث يقول:
أقبل إلى هذه الدنيا إبراهيمان أولهما
هدم الأوثان، وأما الثاني فنصب الأوثان268.
أما إبراهيم الأول الذي يشير إليه البيت، فهو النبي إبراهيم، وأما الثاني فهو إبراهيم باشا البارغلي269. وقد كان لهذه الواقعة من جهة، وموقف الباشا الأقرب إلى اللامبالاة إزاء قضية الملا قابض، السبب في منح بعض الكتاب الغربيين المبرر لمحاولاتهم إظهار إبراهيم باشا بأنه ظلّ يعتنق المسيحية سراً270.
وبالعودة إلى التمرد الكاندرلي الذي نشب في منطقة الأناضول العام ألف وخمسمائة وسبعة وعشرين، استطاع الباشا الذي قاد قوة مؤلفة من خمسة آلاف جندي، أن يخمد هذه الحركة في مدة وجيزة، ويعود إلى العاصمة. ما دفع السلطان إلى مكافأته، فازدادت صلاحياته سواء داخل الإمبراطورية، أو على صعيد العلاقات الخارجية، وحاز على مستوى من النفوذ لم يبلغه أحد من قبل في كثير من المسائل.
وباتت السياسة الخارجية للدولة العثمانية تسير في معظمها، وفق آراء إبراهيم باشا والوجهة التي يرغب فيها. حيث تؤكد المصادر الأجنبية، بالإضافة إلى التقارير العائدة لسفراء تلك الحقبة وجهة النظر هذه. ومع توليه منصب القائد العام للجيش، أصبح يجهر في كثير من المناسبات، أنّ صلاحياته لا تقتصر على إدارة العلاقات الخارجية، بل أصبحت تتعداها إلى إدارة الإمبراطورية بشكل شخصي. وبالإضافة إلى قرار إعلانه قائداً للجيش، فقد حاز الكثير من الميزات الأخرى، حيث يوضح لنا جلال زاده نيشنانجي مصطفى بيك قائلا:
«وقد حصل بالإضافة إلى هذه البراءة271، على خمسمائة ألف أكجة، وثمانية جياد زين أحدها بلجام مشغول بالذهب، وسيف مزين بالذهب، وخلعة نفيسة مطرزة، وتسعة صرر من الأقمشة ونيشان سلطاني، وقد أرسلت جميعها بواسطة قائد الإنكشارية إلى الباشا. وبالإضافة إلى ما لا يُعد ولا يُحصى من الهدايا والعطايا التي لا يمكن تقديرها بثمن، فقد أضيف مبلغ مليون أكجة، إلى مبلغ المليوني أكجة المخصص له، بحيث وصلت قيمة مخصصاته إلى ثلاثة ملايين أكجة.
ومع تعيينه القائد العام للجيش، فقد منح الطبل والعلم واللواء (التوغ)، كما صدر فرمان سلطاني بجعل أعلام السلاطين العثمانيين التي كانت أربعة منذ القدم- سبعة أعلام. ما زاد من نفوذ الباشا ورفعه إلى مقام غير مسبوق272.
أما حجم هذه التطورات التي أوردها البيجفي في تاريخه، فتثير الدهشة بحق، حيث يورد:
«بعد أن كانت رايات السلاطين العثمانيين أربعاً منذ القدم، صدر فرمان بجعلها سبع رايات» ولا يشير هذا إلى حمل السلطان العثماني لسبع رايات، بقدر ما يشير إلى أنّ الصدر الأعظم إبراهيم باشا بات يحمل ست رايات، وهذا ما يزيد عن الرايات التي حملها السلاطين العثمانيون بمن فيهم السلطان سليمان القانوني حتى ذلك الوقت.
ولأنه لا يجوز أن يحمل إبراهيم باشا من الرايات ما يزيد على رايات القانوني، فقد صدر الفرمان السلطاني، الذي يرفع رايات السلاطين إلى سبع. وكانت النتيجة أنّ إبراهيم باشا الذي بات صهر القصر (الداماد)، قد شغل منصب قائد الجيش، وأمير أمراء روميلي، بالإضافة لحيازته ست رايات.





القرب من السلطان تلظٍّ بالنيران

بالنظر إلى الصلاحيات شبه اللامحدودة التي حازها إبراهيم باشا مع تبوئه منصب قائد الجيش، ودوره المؤثر على السياسة العثمانية الخارجية، وحيازته ست رايات، بمعدل راية واحدة أقل فقط من القانوني، لم يكن ينقصه سوى اللقب الديني. وقد أفضت هذه الامتيازات والصلاحيات الكبيرة، إلى استحواذ شهوة السلطة عليه كما تفيد مصادر كثيرة. فبالعودة إلى فعاليات إبراهيم باشا والقرارات التي اتخذها، سنجد أنها المحرض الأساسي على قرار قتله.
وفي توافق مع مقولة «القرب من السلطان تلظٍّ بالنيران»، كان إبراهيم باشا يقترب كل يوم خطوة جديدة من هذه النيران.
وأخيراً تمّ إعدامه في العام ألف وخمسمائة وستة وثلاثين، بتهمة سوء استخدام السلطة.
ويمكننا أن نشير إلى أربعة عوامل أساسية مهدت لسقوط الباشا، أول هذه العوامل هي طموحه السلطوي، الأمر الذي تشير إليه بوضوح تقارير السفراء والمبعوثين الأوروبيين التي تتطرق إلى لقائهم بالباشا، أما الثاني فهو السلطانة هُرَّم زوجة القانوني التي اعتبرت إبراهيم باشا تهديداً لأبنائها، والثالث هو إعدام الدفتردار إسكندر جلبي، والعامل الرابع هو قيام إبراهيم باشا الذي كان قائد الجيش أثناء حملة العراقين في بغداد، بتوقيع الفرمانات تحت لقب «السلطان قائد الجيش»273.
ويمكن التطرق إلى كثير من الأمثلة التي توضح مدى قوة الباشا ونفوذه اللامحدود، فأثناء اللقاءات التي كان يعقدها باسم السلطان الذي قدم له هذه الصلاحيات، كان طموحه السلطوي يظهر بصورة علنية. وهو الأمر الذي نعثر عليه في تقارير كثير من السفراء والمبعوثين الأوروبيين. ولعل أبرز الأمثلة ما قاله إبراهيم باشا لسفراء فرديناند:
«أنا من يدير هذه البلاد العظيمة، وكل ما أقرره يدخل حيز التنفيذ، ذلك أنني أمتلك مقاليد السلطة الحقيقية. فأنا من يقسم الإيالات، وما أمنحه فهو ممنوح بالفعل، وما أرفضه فهو مرفوض بالمطلق. وحتى حين يشاء السلطان العظيم أن يشمل بإحسانه أحدهم، فلا يدخل أمره حيز التنفيذ ما لم أقم بالتصديق على قراره. ذلك أنّ سلطات الحرب والصلح، الثروة والسلطة كلها تجتمع في يدي»274.
وكان من الواضح أنّ إبراهيم باشا يعتبر نفسه في موقع يعلو على السلطات الرسمية الممنوحة له. فبالإضافة إلى الصلاحيات التي يحوزها فوق الأراضي العثمانية، فقد أصبح يمتلك السلطة على الغرب من خلال اتفاقيات السلام التي تم توقيعها مع النمسا. ولعل أبرز التطورات التي طالت اتفاقيات السلام بالنسبة لإبراهيم باشا، هي خضوع الملك فرديناند للسلطان القانوني بصفة الأبوة، ولإبراهيم باشا باعتباره الأخ الأكبر.
وبناء عليه فقد تمت الموافقة على استقبال مبعوثي النمسا جيرومو دي زارا وكورنيليوس شيبر، اللذين طالبا أن يمثل الصدرُ الأعظم إبراهيم باشا، الملكَ فرديناند في الديوان العثماني، باعتباره الأخ الأكبر للملك. ما يشير بوضوح إلى أنّ إبراهيم باشا كان يمتلك سلطة إدارية على الملك فرديناند المعترف به ملكاً في أرجاء واسعة من العالم المسيحي. ويفسر هامر في كتابه «تاريخ الدولة العثمانية» هذه الخطوة، بأنها تقهقر أحد ملوك الغرب إلى مستوى الصدر الأعظم العثماني.
في الحقيقة لقد قام إبراهيم باشا الذي بدأت صداقته مع السلطان منذ فترة مكوثه في مانيسا، بالاعتماد على الدالّة التي تعود لسنوات طويلة من هذه الرابطة بينهما، ثم الانتقال سوية إلى رأس السلطة في إمبراطورية عظيمة، وتبوّئه بعد ثلاث سنوات من ذلك منصب الصدارة في هذه الدولة القوية، باستغلال السلطات التي منحها له سيده إلى أقصى مداها. وقد وصل في مجاهرته بسلطته وهيبته أمام الدول غير المسلمة، حدود إذلاله لها. ولعله السبب الذي دفع بعض الكتاب الغربيين، إلى افتراض أنه بات يمهد الطريق نحو حيازة السلطة والعرش بشكل فعلي.
كما تشير الأبحاث المتعلقة بهذا الشأن، إلى قيام إبراهيم باشا بالانحياز إلى أحد ورثة عرش السلطان القانوني، حيث تورد مختلف المصادر بأنّ «إبراهيم باشا لم يؤيد اعتلاء أحد أبناء القانوني من زوجته السلطانة هُرَّم للعرش، بل كان يرى أنه من الأنسب أن يعتلي مصطفى؛ أكبر أبنائه الذكور العرش، حتى أنه كان يسانده بصورة علنية. ما جعل السلطانة هُرَّم تعتبره تهديداً مباشراً لها». . مفترضين بذلك أنّها لعبت دوراً في مقتل الباشا. 275 رغم أنّ صغر سنّ أبنائها في ذلك الحين، وعمر القانوني الذي لم يتجاوز الأربعين بعد، يجعلان من هذا الاحتمال أضعف حلقة في سلسلة الأسباب السابقة.
ولكن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها أنّ إخلاص إبراهيم باشا لسيده كان فوق كل الشبهات، وكان يدرك بوضوح أنّ كل خطوة يقوم باتخاذها إنما تتخذ باسمه، ففي الرسالة التي بعث بها إلى السلطان في حملة العراقين والفتوحات التي حققها هناك، ليعلمه بطرد القزلباش من سمرقند وخراسان، أورد البيتين التاليين مشيراً إلى «العناية السلطانية والهمة الخاقانية» قائلا:
أياديك البيضاء ولطفك المستدام
هي زادنا في الحياة وفي الفلاح
فلولا عطف سليمان الزمان علينا
لذرى بالمجد وبالعمر قفر الرياح276.
ولعل هذه السلطة والصلاحيات اللامحدودة التي مُنحت له بدافع من الثقة والائتمان، قد كانت من أهم الأسباب التي دفعت به إلى نهايته المحتومة. ذلك أنّ هذا الغرور والجبروت اللذين سيطرا عليه، كانا السبب في إعدام إسكندر جلبي في حملة العراقين، وتوقيعه فرماناً خلال فترة وجوده في بغداد بصفته «السلطان قائد الجيش» ما مهد السبيل إلى إعدامه لاحقاً.
وقد خطط إبراهيم باشا في حملة العراقين التي كان الهدف الأساسي من ورائها هو فتح بغداد، التوجه إليها عبر طريق ديار بكر- الموصل. ولكنه تخلى عن الفكرة لاحقاً وتحرك نحو مدينة تبريز. وتتفق معظم المصادر التاريخية على أنّ النزاع قد بدأ بالظهور بين إبراهيم باشا والدفتردار إسكندر جلبي ابتداءً من هذه الفترة، وأخذ بالصعود.
ويبرر الصراع الناشب بين الرجلين إلى الغيرة التي أوغلت صدر الباشا اتجاه الدفتردار، فمع امتلاك إبراهيم باشا لأربعمائة من العبيد، كان يحيط بإسكندر جلبي ستمائة من العبيد الذين يرفلون وسط أبهتهم، خلا ستة آلاف ومائتي عبد آخر ضمن ممتلكاته. ومع طلب الباشا من إسكندر جلبي منحه مائة وعشرة من عبيد حاشيته، واكتفاء الدفتردار بإرسال ثلاثين عبداً فقط، تأججت نيران الصراع المحتدمة بين الطرفين بصورة أكبر. كما انضم في هذه الأثناء دفتردار حلب النقاش علي بيك- الذي كان يطمع في منصب إسكندر جلبي- إلى جبهة إبراهيم باشا، وبدآ التخطيط سوية للإيقاع بإسكندر جلبي والتخلص منه.
وأخيراً وجد إبراهيم باشا الذريعة المناسبة، حين قام بتحميل إسكندر جلبي مسؤولية الصعاب التي واجهت الجيش أثناء توجهه إلى تبريز والخسائر التي لحقت بهم. رغم أنّ فتح تبريز قد ساهم إلى حد كبير في تعويض الخسائر التي مُنيوا بها في أذربيجان، ولكن إبراهيم باشا وبعد فتح بغداد مباشرة، تذرع بهذه الحجة أمام السلطان وأقنعه بإعدام إسكندر جلبي.
ويعتبر بيجفي في تاريخه بأنّ الخسائر التي تكبدها الجيش وإعدام أسكندر جلبي لاحقاً، من أفدح الأخطاء التي ارتكبها إبراهيم باشا. وتشير كل المصادر التاريخية التي تناولت هذه الواقعة، أنّ إعدام إسكندر جلبي بالاستناد إلى اتهامات إبراهيم باشا السابقة، كان قراراً جائراً. وبحسب بعض الروايات، فقد رأى القانوني في حلمه، إسكندر جلبي يندفع نحوه وهو يسأله عن السبب الذي دفعه لإعدامه ظلماً، ما جعل السلطان يشعر بالاستياء من إبراهيم باشا. . وبترك هذه الرواية جانياً، فقد كان السبب الأهم لاستياء السلطان منه، هو لقب (السلطان قائد الجيش) الذي أضفاه الباشا على نفسه في هذه الحملة.
وفي الوقت الذي يشدد فيه بيجفي بأنّ فريقاً من القزلباش قد أسبغوا هذه الصفة على الباشا، مقابل اعتراض إسكندر جلبي على الأمر، فهو يورد احتمال أن تكون هذه الحادثة السبب في بداية العداوة بين الرجلين. وفي المحصلة فإنّ هذه الأسباب التي تطرقت إليها المصادر التاريخية بتفصيل وافٍ، قد تمخضت عن إعدام الباشا في العام ألف وخمسمائة وستة وثلاثين.
ولكن حتى عملية إعدامه تفردت بخصوصيتها، فبعد تناول الإفطار مع القانوني وإقامة صلاة التراويح، تمّ إعدامه في إحدى غرف الإندرون التي جهزت له، ليس بقطع رأسه كما هي العادة المتبعة، بل اتبعت الطريقة التي تطبق على المتحدرين من سلالة السلاطين العثمانيين حصراً، وهي الخنق حتى الموت.
لقد صيغت حياة إبراهيم باشا من قِبَل حاميه المباشر؛ السلطان سليمان القانوني، فالدعم الذي قدمه له حوله من عبد بسيط إلى أبرز شخصية في الإمبراطورية العثمانية برمتها. ورغم بعض الأخطاء التي تسببت في إعدامه، فلا يجب أن نتغاضى عن نجاحاته، ومساهمته الفعالة في تطوير الدولة العثمانية خلال مدة وجيزة.
ونذكر على وجه الخصوص دوره البارز في تطوير مجالي الفنون والأدب، فبالسير على خطى حاميه القانوني، أصبح هو أيضاً من أبرز رعاة الفنون في تلك الحقبة. وقد تمكن العديد من شعراء العصر كخيالي بيك، زاتي، يحيى بيك وغيرهم الكثير، بفضل رعايته المباشرة، من تدوين وحفظ كثير من أعمالهم الشعرية277. كما أنّ الباشا أيضاً كان شاعراً، ويقول لنا لطيفي إنّ «الأبيات التي ألّفها، توازي ديواناً شعرياً»، ويقدم لنا البيت التالي كمثال:
كلمات العشق وحكايا مجنون وفرهاد
بحر أميل على أمواجه كيفما مال278
ولابد من أنّ السلطان سليمان القانوني، الذي قام بالتخلي عن هذا الصديق المقرب، وأمر بإعدامه فجأة دون أن يقدم مبرراً واضحاً، قد استند إلى قناعة شخصية راسخة.
ويصفه لنا إبراهيم بيجفي، كشخص يولي عناية فائقة لتطبيق أوامر السلطان وقراراته، ويحرص على التمسك بالعدالة في كل ما يقوم به، على درجة كبيرة من التدين، ولكن تغيراً كبيراً طرأ عليه بعد فتح بغداد. فقد استبد به الغرور وبات يصيخ السمع لأقوال السفهاء ويرتكب أفعالاً لا تلائم مقامه. كما فوّت العديد من الفرص المهمة أثناء فترة توليه قيادة الجيش، حتى أنه رفض قبول نسخة من القرآن الكريم مع الوفد الذي جاء ليقدمها هدية له. وبالتالي فقد تسببت كل هذه الأفعال في جر نقمة السلطان عليه279.
ويوضح لنا الشاعر وصاحب التذكرة لطيفي280؛ المعاصر لإبراهيم باشا، بأنّ صعوده المفاجئ، وتصرفاته خلال حقبة توليه منصب الصدارة، والأبهة التي أحاط نفسه بها، وصلاحياته الكبيرة، والغرور الذي استبد به نتيجة كل ذلك، وولعه بالشهرة والبذخ، ومن ثم إعدامه دون سابق إنذار وهو على ما هو عليه من مجد وشأن، لهو أمر يتطلب منا استخلاص العبر والاتعاظ. وفي مذكرة أخرى للطيفي نفسه معنونة باسم (أوصاف إبراهيم باشا) يشير إلى كرمه، ورعايته للأدباء والشعراء، ويمدحه بالكثير من العبارات. كما ينوّه إلى أنّ من جاؤوا بعده، لم يولوا الشعراء والأدباء أي أهمية، حتى أنهم قطعوا عنهم العطايا والجوائز المخصصة لهم من خزينة الدولة، بل ويصل به القول إلى أنّ الشعب لم يدرك قيمة إبراهيم باشا إلا بعد وفاته281.
أما لطفي باشا أحد رجال الدولة في حقبة القانوني، والذي ألّف كتاب (السياسة نامه)، ويشدد على عدم جواز اقتراب من يحتلون منصب الصدر الأعظم من السلطان كثيراً، حتى لا تغشي أبصارهم عظمة السلطة، ويقدم في معرض حديثه إبراهيم باشا كمثال عن ذلك. فهذا الرجل الذي زاره السلطان بشكل شخصي في بيته وذهب إلى حديقته، حتى بات محط أنظار الحاسدين، قد فقد حياته في نهاية المطاف لأسباب متعددة282.
كان إبراهيم باشا الذي تبوأ منصب الصدر الأعظم لمدة ثلاثة عشر عاماً، ونال من المجد والشرف ما لم يسبقه إليه أحد حتى ذلك العهد، واللاعب الأبرز لأهم التطورات السياسية لتلك الحقبة، كان بحسب ما جاء في تقرير أحد سفراء البندقية، يتكلم عدة لغات، ويولي التاريخ اهتماماً كبيراً، وفي الوقت نفسه كان رجل دولة محب للخيرات وللفنون على حد سواء.
وبالإضافة إلى مسجده (ياغكاباني) الذي بناه على ضفة الخليج في منطقة برشمبة بازري في غالاتا، بنى جوامع في كل من مكة، سالونيك، كافالا ورازغراد283، بالإضافة إلى مكتبات، وسبل ماء وحمامات ومدارس، إلى جانب تخصيص العديد من الأوقاف الخيرية للزوايا والمساجد في الكثير من البلدات. كما بنى جامعاً ومدرسة في ينيجة كوي في سنجق نيقوبولس، وأوقف عليها إيرادات خمس قرى284.
وقد قامت زوجته السلطانة خديجة ببناء جامع كوم كابي والتكية المجاورة له، لتخليد ذكرى زوجها.





القسم الثاني
سليمان العظيم

«يا خير الدين! لقد عيّنتك قائداً للأسطول من أجل تقديم العون لفرنسا، والقيام بحملة على إسبانيا. ومهمتك في هذه الحملة بالغة الأهمية، ذلك أنك ستقوم بمواجهة كل الأساطيل الموجودة في البحر المتوسط، خلا الأسطول الفرنسي، وتنتصر عليهم».





حملة أفلونيا (فلوره)285

بعد التحالف الذي عُقد مع جمهورية البندقية في العام ألف وخمسمائة واثنين، تغاضت السلطنة عن تورطها في بعض النشاطات المعادية، ما جعل علاقة الصداقة هذه تستمر بين الطرفين لمدة خمسة وثلاثين عاماً، أي حتى العام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين. وقد كان لإبراهيم باشا المعروف بميله للبنادقة، الدور الرئيسي في الأمر.
وفي المعاهدة التي وقعها البنادقة مع الدولة العثمانية في العام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين، تمكنوا من الحصول على امتيازات مهمة منها؛ حرية التجارة، امتيازات حقوقية بخصوص الدعاوى القضائية والميراثية، صلاحيات السفراء وحقوقهم، المعاهدات الخاصة المتعلقة بسفن البندقية. . كل ذلك ساهم في تحقيق أرباح طائلة ومصالح كبيرة للجمهورية.
ورغم كل ذلك لم تتخلَّ البندقية عن سياستها المعهودة المبنية على المكائد والنفاق، وخاصة في النزاعات البحرية، حيث كانت تنسق في الخفاء وتساند إمبراطور ألمانيا وملك إسبانيا شارلكان. فخلال حصار كورون مثلا، قام قائد حامية كريت بتحطيم أسطول عثماني، وصادر سفينتين محملتين بالقمح. وكانت البندقية تبادر عادة إلى الاعتذار الفوري على هذا النوع من التجاوزات حال تضييق الخناق عليها، لتنجو بفضل إبراهيم باشا من المأزق الذي وضعت نفسها فيه.
ولكن بعد مقتل غريتي في المجر، وإبراهيم باشا في إسطنبول، بدأت علاقات السلطنة - البندقية التي حافظت على طابع الصداقة والاستقرار منذ عهد طويل، بالتزعزع والاضطراب. فرغم أنّ الصدر الأعظم الجديد أياس باشا، كان يتصرف باعتدال للحفاظ على الصلح المبرم، ولكن قائد الأسطول الجديد والجسور بدأ يكشف النقاب عن تصرفات البنادقة ونفاقهم في الديوان الهمايوني بكل وضوح.
وقد حان الوقت لتختار البندقية الطرف الذي ستقف عليها، وتحدد موقفها بصورة علنية. ولرغبة السلطان سليمان القانوني الوقوف على الحقيقة، قام في الفترة التي كان يجري فيها المباحثات مع سفراء كل من راغوزا وفرنسا، بإرسال الترجمان يونس بيك إلى البندقية، وقد نصت الرسالة التي حملها على دعوة البندقية من أجل الحفاظ على البنود الواردة في المعاهدات، كما سيحاول المبعوث إقناعهم بالاتفاق مع فرنسا ضد شارلكان.
كانت دولة البندقية طوال الفترة التي ارتبطت فيها بعلاقات ودية مع القانوني، تحاول البقاء على الحياد إزاء الخلاف بين فرانسوا الأول وشارلكان، لذا فقد اكتفت بإكرام وفادة يونس بيك. ورغم أنها أوضحت رغبتها في الصلح ومواصلة العلاقات الجيدة، لكن موقفها إزاء الدخول في تحالف معارض للهابسبورغيين اتسم بالبرود. ولمّا كان البنادقة معتادين على الاعتداء على السفن التركية في تلك الحقبة، فقد قاموا بمضايقة الترجمان يونس بيك في طريق عودته بصورة علنية286.
ومن الوارد أنّ البندقية كانت تركن إلى الاعتقاد بأنّ العثمانيين الذين يمتلكون قوة برية أكثر تفوقاً، سيتوجهون براً نحو أوروبا الوسطى، بدل الدخول في حرب بحرية في البحر الأدرياتيكي. وفي تلك الأثناء توجه القنصل توماسو موسنيغو إلى إسطنبول على الفور، لنقل تهاني الدوق وتبريكاته للسلطان، بعد نجاح حملة العراقين. كما نقل شكاوى مجلس الشيوخ حول الاستيلاء على عدد من سفن البندقية، بالإضافة لزيادة الرسوم الجمركية على سفنها التجارية المحملة بالبضائع المتجهة إلى منطقة الشام وبعض الحالات الأخرى المخالفة للمعاهدات المبرمة بين الطرفين. وقد تعهد أياس باشا بعد الحصول على موافقة السلطان، بالبحث في هذه المسائل والقيام بحلها.
وكانت التحضيرات المكثفة على الموانئ العثمانية بالتوازي مع هذه المستجدات، قد غذّت آمال البنادقة بأنّ الحملة المقبلة ستكون نحو تونس أو نابولي. في الوقت الذي لم يعد السلطان القانوني يعتمد على صداقة البنادقة أو يأتمنهم.
وفي السابع عشر من أيار العام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين، انطلق السلطان العثماني المظفر مغادراً إسطنبول على رأس حملة عسكرية لمحاربة العدو للمرة السابعة، وقد رافقه الأميران سليم ومحمد في هذه الحملة.
أما الوزير لطفي باشا قائد الأسطول، فقد غادر برفقة بربروس خير الدين باشا إسطنبول قبل أسبوع من ذلك، على رأس أسطول ضخم نحو البحر المتوسط. كان هذا الأسطول من الضخامة التي لم يسبقه إليها أسطول آخر، بحيث اقتضى جمع ثلاثين ألف جذاف من كل أرجاء البلاد للعمل فيه. وقد ضمّ مائة وخمساً وثلاثين كادرغة، بالإضافة إلى مختلف أنواع السفن، بحيث بلغ مجموع قطعه مائتين وثمانين سفينة. وقد كلّف هذا الأسطول العثماني العظيم بضرب السواحل الإيطالية الشرقية، حيث كان السلطان قد وضع فلوره (أفلونيا) نصب عينيه.
كانت فلوره تقع على حدود السلطنة الغربية، وتقطنها قبائل الألبان. وقد كان هؤلاء المعروفون بجسارتهم، يكررون الإغارة على المواقع الحدودية العثمانية، ولا يتورعون عن ارتكاب كل الشرور فيها. وفي كل مرة كانت تصل فيها جيوش من الممالك المعادية إلى تلك المناطق، كان الألبان يقدمون لهم المساعدة، ويكبدون العثمانيين الخسائر. . وهذا ما جعل ألبانيا تتحول مع مرور الوقت إلى مرتع للفساد، بحيث فاقت أعداد من هلك ونُهبت أمواله في تلك الأنحاء، كل حد وحساب، وبلغ الفساد كل مبلغ، فبات من العسير العيش في سكينة داخل بلاد الألبان. .
ولهذا السبب فقد قام أياس باشا الذي كان ينحدر من أصول ألبانية، بإقناع السلطان، لشن حملة على تلك الديار. وقد كان للمشاق التي يكابدها الألبان المسلمون، ومطالبهم في تقديم العون والحماية الدور الأبرز.
كان الصدر الأعظم مقتنعاً بأنّ حملة السلطان على ألبانيا ستعود عليه بالفائدة من نواحٍ عدة. الأولى أنّ حملته هذه ستضمن سلامة مسلمي تلك المنطقة واستقرارهم، وستقطع السبيل على اعتداءات الألبان وجورهم. والثانية أنّ موقع الألبان الساحلي كان يسمح لهم بالتعاون مع القراصنة، وبالتالي فالسيطرة على فلوره، ستقطع على قراصنة البندقية طريق الهجوم على قلعة كورون. والثالثة أنّ الألبان سيرتدعون عن التحالف مع البندقية بعد رؤيتهم لقوة جيش السلطان، والرابعة هي أنّ قيام السلطان بالعفو عن الألبان المتمردين، سيسهل السيطرة على عصيانهم من خلال هذه البادرة اللطيفة287.
في الرابع عشر من حزيران العام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين، وصل السلطان على رأس جيشه إلى بادية ساماكوف، ومن هناك توجه الجيش نحو سكوبيه288، حيث عسكر جوار قلعة إلباسان في التاسع والعشرين من الشهر ذاته. ولأنّ تلك المنطقة كانت غنية جداً بحيوانات الصيد، فقد نظمت حملة صيد كبيرة، وانطلق الصيادون في مسيرة ما يقارب الثلاثة أيام نحو السهول والجبال والأنهار في المنطقة في موكب قلّ نظيره في تلك البقاع. وكان السلطان وأبناؤه الأمراء في غاية الانشراح. . وفي هذه الأثناء تم تعيين غازي خان الذي أعلن ولاءه للسلطان أثناء حملة العراقين، أمير أمراء على إيالة لرستان289، كما تم قبول مبعوث الملك زابوليا.
مع وصول السلطان إلى فلوره في بداية شهر تموز، وصلته أخبار تفيد باستيلاء أندريا دوريا على عشر سفن عثمانية محملة ببضائع نفيسة، كانت متجهة من ميناء الإسكندرية إليهم. وعلى الفور أرسل بربروس على رأس ستين سفينة من أجل حماية ومرافقة بقية السفن المحملة بالذخيرة، والقادمة من مصر، كما أمر الوزير لطفي باشا بالتحرك صوب سواحل بوليا290.
ومن جهته قام أندريا دوريا بشن هجوم آخر في الثاني والعشرين من تموز، على اثنتي عشرة سفينة متجهة من غاليبولي تحت قيادة أمين ترسانتها الكيتهودا علي، للانضمام إلى الأسطول العثماني. وقد تصدى الكيتهودا علي للأسطول الإسباني القوي الذي يفوقه حجماً بأضعاف مضاعفة، وواجهه ببسالة، وأسفرت المواجهة التي استمرت لساعتين عن استشهاد البحارة العثمانيين برمتهم، وعلى رأسهم الكيتهودا علي، كما تكبد الإسبان بدورهم خسائر كبيرة، حتى أنّ أندريا دوريا أصيب بجرح في ركبته.
وفي هذه الأثناء علم أندريا دوريا بأنّ بربروس يسير نحوه على رأس ستين سفينة، فأبحر هارباً نحو ميسينا على وجه السرعة، رغم وجود أسطول مكون من مائة وعشرين سفينة تحت إمرته.
أما لطفي باشا فقد بلغ سواحل بوليا مع سفنه، وكان الفاتحون يعتزمون تجديد الفتوحات التي تحققت سابقاً على يدي غيديك أحمد باشا في عهد السلطان محمد الفاتح. حيث تم إنزال القوات المكونة من عشرة آلاف جندي من المشاة، وثمانية آلاف من الفرسان، بالإضافة لمدافع الحصار العظيمة، على سواحل كاسترو القريبة من أوترانتو291. وقد تسببت ضربات المدافع في إحداث دمار هائل لأسوار المدينة، ما زرع الرعب في قلوب المدافعين، وفتحت أبواب القلعة أمام العثمانيين على حين غرة. وقد أعقبتها قلعة أوترانتو، وبقية القلاع والبلدات في المنطقة. وقد عصفت في المنطقة برمتها رياح خوف شديد، مع ضربات العثمانيين الذين استمر هجومهم ما يقارب الشهر، ووصلوا حتى نابولي التي عادوا منها بغنائم وافرة، إلى جانب عشرة آلاف أسير.
لم يكن السلطان قد أعلن الحرب على البندقية حتى ذلك الوقت، وقد أسفرت بعض الحوادث البحرية، واستيلاء خفر البندقية على سفينة عثمانية، إلى إرسال يونس بيك للمرة الخامسة إلى البندقية لإبلاغها بجملة من المطالب. ورغم أنّ مجلس الشيوخ قد أوضح ليونس بيك رغبتهم في مواصلة العلاقات الودية مع السلطنة، لكن الهجوم الذي تعرض له في طريق العودة، كان إعلاناً سافراً عن حقيقة نواياهم. حيث قامت أربع من سفن البندقية الحربية بملاحقة السفن الثلاث التي رافقت يونس بيك في خليج كورفو292، وهاجموهم بشدة ما دفعهم إلى الرسو على شواطئ هيماري293. وبعد المعاملة السيئة التي تلقاها المنكوبون على يد الأهالي، أطلقوا سراح يونس بيك بعد أن اطلعوا على منصبه ومهمته.
ورغم أنّ البندقية التي شعرت بقلق بالغ إثر هذه الحادثة المهمة، وخشيت من مغبة غضب السلطان، قد قامت بإلقاء القبض على قائد الأسطول الكونت غرادينيكو الذي هاجم سفن يونس بيك، من أجل محاكمته. لكن صبر السلطان سليمان القانوني كان قد نفد تماماً. .
وفي هذه الأثناء قدم بربروس خير الدين باشا الأدلة التي تثبت تحالف سفن البندقية مع أسطول أندريا دوريا.





لن أبادل واحداً من مجاهديّ بألفٍ من هذه القلعة

كلف السلطان القانوني خلال فترة إقامته في فلوره، الوزير مصطفى باشا بمهمة تأديب الألبان المتمردين. وقبل مضي وقت طويل انضم الصدر الأعظم أياس باشا أيضاً على رأس قواته، إلى قوات الوزير294.
وقد تمكنت القوات العثمانية من إنزال ضربة قوية بالمتمردين الألبان الذين لم يتورعوا عن إلحاق خسائر كبيرة بالأتراك والمسلمين من خلال أعمال السلب والنهب، واشتركوا في كل الاعتداءات التي شُنت عليهم، ولم تفلح كل المحاولات السابقة من أجل ردعهم. حيث تم فتح قلعة دِلفينا295، ما دفع العصاة الألبان إلى إعلان الطاعة والولاء للسلطنة.
وأثناء إتمام هذه المهمة، وبعد مضي شهر على ملاحقة سفن يونس بيك من قبل الكونت غرادينيكو، وصل أمر السلطان القانوني من مقره في فلوره، إلى قوات الجيش والأسطول بالتحرك نحو كورفو.
وبذلك توجهت الحملة من فلوره باتجاه البندقية. وقد تلقى لطفي باشا قائد الأسطول الأمر بإنزال قواته المكونة من خمسة وعشرين ألف جندي، ترافقهم قوة مدفعية كبيرة على الجزيرة. وقد شكل الجنود جسراً من السفن بطول نصف ميل، للعبور إلى الجزيرة. وانضم إليهم فيما بعد كل من أياس باشا ومصطفى باشا مع بقية قادة الجيش وأمرائه وذلك في آب من العام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين.
تقع جزيرة كورفو في أقصى شمال الجزر الأيونية، إلى الغرب من بحر إيجة، على البوابة التي تنفتح على البحر الأدرياتيكي، وتعتبر بمثابة بوابة حدودية على مدخل خليج البندقية، تمتد على مساحة تبلغ مائة وعشرين ميلاً.
وقد أولى البنادقة تحصين قلعة كورفو عناية فائقة، حتى باتت في غاية المَنَعة، فنصبوا المدافع القوية فوق أبراجها، كما أقيمت العديد من الاستحكامات الدفاعية داخل المدينة.
وما إن وطأت أقدام العثمانيين الجزيرة، حتى تمكنوا من السيطرة على كل القرى والبلدات خلا قلعة كورفو. ولأنّ الجزيرة معروفة بغناها فقد غدت منبعاً وافراً للغنائم، أما البنادقة فقد ركزوا كل قوتهم في حصن كورفو، واستعدوا للدفاع.
وبدوره فقد تحرك السلطان من فلوره نحو الجنوب في السادس والعشرين من آب، ليقيم معسكره في مرفأ باستيا296 المقابل لكورفو. وعلى إثر رفض عروض التسليم بدأ الأسطول العثماني من البحر والقوات البرية بتصويب نيران المدافع المتواصلة ليل نهار نحو القلعة.
وبعد عدة أيام بدأت الثغرات بالظهور في جدران القلعة، ولكن البرد حلّ بشكل مفاجئ، فأخذت أمطار طوفانية وبَرَد غزير بالتساقط حتى لم تبقَ خيمة واقفة على أعمدتها. وبدأ البحر بالهياج والأسطول بالتضعضع، ما دفع القانوني إلى قرار رفع الحصار الذي بدا أنه سيطول أكثر مما يقتضي297.
ولكن لطفي باشا وبربروس خير الدين باشا قد طالباه بتأجيل الأمر لعدة أيام أخرى معللين ذلك بالقول «لا نريد أن تذهب كل جهودنا هباء، كما أنّ إمارات الفتح باتت واضحة والثغور جاهزة في انتظارنا». .
ولكن استشهاد أربعة من المجاهدين إثر ضربة مدفع في تلك الأثناء دفعت بالقانوني إلى رفع الحصار رغم إصرار كل من حوله، وهو يقول:
«لن أبادل واحداً من مجاهديّ بألفٍ من هذه القلعة»298.
وبعد أن أمر السلطان القانوني والي سنجق المورا ووالي سنجق البوسنة بالإضافة لخير الدين باشا بمواصلة هجماتهم على البنادقة، انطلق مغادراً في الرابع والعشرين من أيلول سالكاً طريق مانستر أوستروفا، سالونيك، سيرس، كافالا، فيريس، ذيذيموتيخو299، وأخيراً إدرنة، حتى بلغ إسطنبول.





مواصلة التحركات

بعد مغادرة السلطان، حقق كل من والي البوسنة الغازي خسروف بيك، وحاكم فيربوزن (Verbozen) بعض الانتصارات في الهجوم على عدة قلاع في دالماسيا. ومن ثم قاموا بحصار قلعة كليس300، والتي أُنشئت على جرف صخري يصعب الوصول إليه، وباتت معقلاً لقطاع الطرق الهاربين من العثمانيين. ومن أجل منع المساعدات عن القلعة، وإجبار حاميتها على الاستسلام، قام العثمانيون بإنشاء أبراج على طرفي القلعة.
وفي هذه الأثناء أسرع بيير كروسيج على رأس قوة مؤلفة من خمسة آلاف جندي، لمؤازرة القلعة. ولكن قوات الغازي خسروف بيك أنزلت بهم هزيمة فادحة في لمح البصر، بحيث لم يتمكن سوى عدد قليل من النجاة هرباً. وحين رأى قائد حامية القلعة أنّ هذه المواجهة التي لم تستمر سوى لوقت قليل قد أسفرت عن قتل معظم جنود كروسيج الذي كان رأسه الدامي معلقاً على إحدى الحراب، بادر إلى إعلان الطاعة والاستسلام على الفور للنجاة بروحه. وقد واصل الغازي خسروف بيك والحاكم مراد فتوحاتهم التي طالت قلاع كل من بوزكو (Bozko)، بريزلو (Berizlo) وأوبروفاج (Obrovaç).
وقد شعر شارلكان بالقلق من حملة السلطان سليمان القانوني التي استهدفت فلوره براً، وسواحل إسبانياً بحراً، فأرسل إلى شقيقه فرديناند أرشيدوق النمسا، ليعلمه بأنّ:
«السلطان العثماني يتحرك نحو بلادنا من جهتي البر والبحر، لذا عليك أن تستجمع كل ما لديك من قوات، وتجهز جيشك بمئات المدافع، وترسله للإغارة على بلاد السلطان براً، ليعيث فيه خراباً وتدميراً»301.
ورغم المعاهدة الموقعة بين الطرفين، قام فرديناند بتحريض كونتات الضفاف الشرقية لنهر درافا، للوقوف في وجه المهاجمين العثمانيين الذين باتوا يشكلون تهديداً لأراضيه أيضاً، وتمكن بمساعدتهم من إعداد قوة عسكرية كبيرة.
كانت هذه القوات المؤلفة من ستة عشر ألفاً من المشاة وثمانية آلاف من الفرسان، تحت قيادة كل من لوي بيرغي وبول باكيج من المجر، أوبيرشيليك من بوهيميا، وجول كونت هارديك من النمسا، جان أونغناد من إستريا302، إيراسيم ماجر من كيرنتن303، ولوي كونت لودرون، أما القائد العام فكان كاتزيانير304 من كارنيول والمعروف بعدائه الشديد للأتراك.
تجمعت هذه القوات في كابروفانتش (Kabrovanç) وبمساندة المدافع تمكنوا من عبور نهر كاراسيكا305 القريب من مدينة فالبوفو306 بسرعة كبيرة متقدمين نحو مدينة أوسييك. وعلى الفور قام أمير أمراء سميديريفو يحيى باشا أوغلو محمد بيك، بإرسال الأخبار إلى كل من والي البوسنة خسروف بيك، والي زفورنيك307 جعفر بيك، والحاكم مراد، طالباً منهم المساعدة. ومن ثم بدأ بملاحقة الحلفاء بواسطة القوة العسكرية الصغيرة التابعة له، ليقوم بمضايقتهم في هجمات مفاجئة، ويمنع تقدمهم.
حيث كان يغير على المساعدات المتجهة نحو القوات الصليبية، ويقوم بهجمات متفرقة على معسكر العدو ليخطف الأحصنة والثيران التي كانت تحمل المدافع. أما كاتزيانير فقد امتنع عن الردّ على هجمات محمد بيك حتى لا يبعثر قواته، وكان يتقدم بصعوبة بالغة وسط العديد من المشاق، وحين بلوغه ضفاف نهر فوكا (Voka) تلقى صدمة لم تكن في الحسبان، حيث لم يتحمل الجسر ثقل المدافع فانهار تحتها، لتغرق المدافع الثقيلة في قعر النهر. وبذلك اضطر جيش التحالف ترك بقية مدافع الحصار، مكتفياً بالمدافع الخفيفة وقد ربط العربات التي تحملها بسلاسل محكمة، بحيث بات تقدمهم أكثر حصانة.
وبعد أن نجح كاتزيانير مع قواته في اجتياز مرتفعات جبال فيرتيجو (Vertiço) التي تغطيها الثلوج، نزلوا نحو السهل، وبالكاد كانوا قد التقطوا أنفاسهم حين باغتهم الفرسان العثمانيون.
كان يحيى بيك باشا أوغلو محمد بيك يريد أن يلقن العدو درساً قاسياً، خاصة وأنه فقد مدافعه الثقيلة، وأنهكته مسيرة العبور، ليمنعهم من التقدم أكثر. وقد أسفرت المواجهة العنيفة بين الطرفين في يومها الأول عن مقتل بول باكيج- الذي ألحق هزيمة مؤلمة بفرقة قاسم بيك أثناء حملة فيينا- مع ألمع فرسانه تحت وابل نيران البنادق، وبذلك تلقى المتحالفون ضربة قاسية منذ اليوم الأول ما دفع كلا من كاتزيانير وجان أونغناد، ولاديسلاس مور وبيغري للفرار وسط جنح الظلام.
ومع حلول الصباح واكتشاف الحقيقة، قرر كل من كونت لودرون وماجر قائد قوات كيرنتن خوض قتال دون الاكتراث بالموت الحتمي. وبدورهم لم يمهل العثمانيون العدو الفرصة، بل شنوا عليهم هجوماً قوياً كما في اليوم السابق. وقد لقي ماجر من كيرنتن حتفه في البداية ليلحق به كل من؛ نيكولا كونت تورن، غونريغير من النمسا، وقادة آخرون منهم يوري تايفل، بيلزير ولامبيرغ ولوي كونت لودرون وسواهم. . وكان هؤلاء ممن يغيرون على الأتراك العزّل في قراهم لسنوات طويلة، ويقتلون المسلمين، ويزرعون الرعب في تلك المناطق، وكانوا يعتبرون من أبرز فرسان المسيحية وأبطالها.
أرسل محمد بيك ابنه أرسلان بيك مع ألفٍ من الأسرى بالإضافة لرؤوس قادة العدو المقطوعة إلى إسطنبول، وقد قابل السلطان أثناء إقامته في إدرنة، والذي سرّ سروراً بالغاً من هذه الأخبار، وكمكافأة على هذا النصر قام بتعيين أرسلان بيك والياً على سنجق بوزيغا. كما أرسل العديد من الهدايا إلى واليي كل من البوسنة وسميديريفو، بالإضافة إلى الهدايا والمناصب التي منحها للجنود وقادتهم308.
وبالتزامن مع هذه الوقائع في البوسنة وسميديريفو، كان بربروس خير الدين باشا على رأس أسطوله المكون من سبعين كادرغة وثلاثين سفينة مجدافية أخرى، يلاحق البنادقة في البحر المتوسط ويضيق عليهم الخناق. وتمكن من السيطرة على مجموعة من الجزر متفاوتة الحجم وهي؛ سيروس، كيروس، جورا، إيوس، باروس، أنتييباروس، ناكسوس، تينا، باتموس وإيجينا، 309، حيث أنّ هذه الجزر كانت تحتل مكانة بالغة الأهمية لدى البندقية. 310 وقد استطاع جمع غنائم وافرة، كما فرض جزية مرتفعة على كل من نابولي وبعض القلاع المجاورة لها لقاء بقائها بيد أصحابها.





حملة البغدان (1538)

في العام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين كانت القوات العثمانية تخوض قتالاً عنيفاً على ثلاث جبهات متباعدة في الآن ذاته. ففيما توجه السلطان سليمان القانوني على رأس قواته نحو البغدان، كان بربروس خير الدين باشا يواجه الأسطول الصليبي في البحر المتوسط، أما هاديم سليمان باشا فقد كان يخوض صراعاً ضاريا ضد البرتغال في المحيط الهندي.
فرضت الجزية لأول مرة على إقليم البغدان في عهد السلطان الفاتح، وفي عهد بيازيد الثاني تم تعديل هذه الجزية السنوية مجدداً، وفي عهد السلطان سليمان القانوني وأثناء حملة فيينا، أرسل حاكم البغدان بيترو راريش مبعوثه لمقابلة السلطان مبدياً بذلك الإخلاص، وحين عودة الجيش من هذه الحملة قدم بنفسه الجزية المترتبة عليه ومقدارها أربعة آلاف دوقة، بالإضافة لأربعين فرساً، وعشرين مهراً وذلك في العام ألف وخمسمائة وثلاثين.
وبالمقابل فقد أهداه القانوني معطفاً من فرو السمور، ورايتا توغ دلالة إمارته، وقلنسوة (خاصة بقادة الإنكشارية). كما سمح له ببناء قصر بالقرب من منطقة الفنار في إسطنبول.
ولكن لم يطل الأمر ببيترو ليخرج عن طاعة الدولة العثمانية بتحريض من فرديناند، فامتنع عن إرسال الجزية السنوية، كما دخل في حرب مع ملك بولونيا سيجسموند الذي كان صديق الدولة العثمانية. وأظهر العداء لغريتي الذي كان أحد نبلاء البندقية الذين ضمهم القانوني تحت حمايته الخاصة، بل وكان له دور مهم في قتله. وأخيراً علم السلطان عن طريق جواسيسه بأنه يقوم بجمع الجنود والأسلحة، كما راسل الدول الأوروبية طالباً منها المساعدة311.
وبناء على هذه التطورات أمر السلطان القانوني بتجهيز القوات البرية والبحرية، بالإضافة إلى جمع المتطوعين من الجنود الأشداء ممن يتوجب عليهم العمل في السفن. كما أمر بتزويد الحملة بالمدافع والبنادق والذخيرة اللازمة من التوبخانه312. وقد أصدر فرماناً يقتضي بتجهيز ثلاثة آلاف إنكشاري من أجل الانضمام لطاقم الأسطول. وبعد صدور هذا الفرمان تحدد الجنود الذين سيشتركون في الحملة، وأولئك الذي سيمكثون في مواقعهم.
كما تقرر أنّ ينضوي كل من؛ علي بيك والي سنجق قوجه إيلي313، وهورّم بيك والي سنجق تيكه، وعلي بيك والي سنجق حميديلي314، ومصطفى بيك والي سنجق آلاية315، ووالي سنجق غاليبولي مع قواتهم تحت إدارة بربروس خير الدين باشا قائد البحرية (قبطانى دريا) ويرافقوا الأسطول. وبعد أن تم تحديد القوات التي سترافق خير الدين باشا، تم تجهيز الجنود وتوزيعهم على السفن.
وحين استكمل السلطان كل الاستعدادات، قام بتكليف فرهاد بيك والي سنجق آيدين316 بحماية إسطنبول، كما ترك حماية منطقة إيجة لوالي سنجق صاروخان الأمير مصطفى. وفي هذه الأثناء وصل مبعوث من فلورنسا محملاً بالهدايا النفيسة وبرسالة من كوزيمو دي ميدتشي317، وقد سرّ السلطان كثيراً من مبادرة الصداقة التي أبدتها فلورنسا، فأمر بتخصيص مبلغ للمبعوث مكافأة له.
وبعد أن قام القانوني بزيارة قبر والده سليم خان، وجده بيازيد خان وجده الأكبر السلطان محمد الفاتح، انطلق مغادراً إسطنبول في التاسع من تموز العام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين318.
ومع وصوله إلى إدرنة جاء أمير أمراء روميلي خسروف باشا، وحاكم البصرة ابن الأمير راشد لمقابلة السلطان وتقبيل يده. وقد شعر القانوني بامتنان بالغ لانضمام البصرة التي ظلت حتى ذلك الوقت مستقلة، إلى الدولة العثمانية، فأنعم على ابن الأمير بالنفيس من الهدايا، وأرسل معه رسالة يقرّ فيها ببقاء البصرة تحت حكم الأمير راشد مع ذكر اسم السلطان في الخطبة وسك النقود باسمه، بالإضافة للكثير من الهدايا القيمة التي أرفقها مع الرسالة.
وطوال فترة مكوث الجيش في إدرنة لم يعلن السلطان عن الوجهة التي ستتخذها حملته، ومع بدء التحرك حينها فقط تم الإعلان بأنهم متجهون نحو البغدان.
وما إن علم الحاكم (فويفودا) بيترو بأنّ السلطان يسير نحوه على رأس جيشه، حتى أرسل وفداً إلى المعسكر. ومع وصول الوفد كان السلطان قد بلغ منطقة سلطان جايري، حيث استقبل الوفد المرسل الذي أعلن بأنّ الحاكم سيطيع من الآن فصاعداً الفرمان الهمايوني، راجياً السلطان بألّا يدخل بلاده.
وقد أعاد القانوني المبعوث مع رسالة كما كلّف سنان جلبي أمين فيودوسيا أيضاً بمرافقته، وقد جاء في نص الرسالة التي وجهها القانوني إلى بيترو:
«لقد قررت القيام بحملة على البغدان بسبب أعمالك الهجمية وما ارتكبته من تمرد، فإن أتيت إلى بابي ومرغت وجهك في التراب معلناً توبتك، وتعهدت بعدم القيام بمثل هذه الأفعال مرة أخرى، حينها ربما تشملك رحمتي وأعفو عنك»319.
ومن جهة أخرى فقد أمر السلطان بأن يواصل الجيش تقدمه، وحين بلغوا قلعة إيساكجي320، عاد سنان جلبي الذي حمل رسالة السلطان إلى بيترو راريش، وقد أعلم السلطان بأنه التقى مع راريش في ياش321، وعرض عليه المثول بين يدي السلطان ولكنه تهرب من الأمر، ولم يعطه جواباً واضحاً ذلك أنه يسعى للتحايل على جيش السلطان الحاشد وينوي تدبير المكائد. .
وفي هذه الأثناء تمكن والي سنجق سيليسترا322 من بناء جسر قوي على مرفأ إيساكجي في مدة وجيزة، ليعبره الجيش مع كل تجهيزاته إلى الضفة الأخرى خلال يومين. حيث أمر القانوني جيشه المظفر بدخول أراضي البغدان (مولدافيا).
وفي الأثناء وصل خان القرم صاحب غيراي خان برفقة أمرائه وجنوده للانضمام لجيش السلطان، الذي استفاد من انضمام القوات التي أرسلها حاكم الأفلاق أيضاً، حيث شكلت مقدمة الجيش وبدأت تتعقب تحركات حاكم البغدان.
مع دخول القوات العثمانية أراضيه، انسحب بيترو راريش مع قواته نحو جبل بوتشيني، ولكنه لم يكتف بذلك بل قام بتدمير بعض الطرقات وبدأ يخطط للإيقاع بالجنود المسلمين.
وقد توجه العثمانيون في البداية نحو ياش التي تضم العديد من الكنائس الرائعة وقصور راريش، حيث أنه اتخذها مركزاً لحكومته لبعض الوقت، فأغاروا عليها بشكل مفاجئ وحولوها إلى خراب ومعالم مدَمرة.
وما إن علم بيترو باستيلاء العثمانيين على قلعة ياش، وتحركهم نحوه، حتى ألمّ به خوف عظيم، فانفصل عن جنوده متجهاً نحو القلعة التي كان قد جهزها مسبقاً. ومع تقدم القوات العثمانية، كان العدو يتّجه نحو الغابات هارباً323.
لذا قام السلطان بتجهيز فرقة مكونة من قوات سميديريفو والتتار من أجل ملاحقة الفارين. وقد عمد بيترو إلى قطع الأشجار على طول الطريق، وحوّل بعض المناطق إلى وهاد عميقة، ما صعّب عملية تقدم الجيش. وحين وصل السلطان ورأى حال المنطقة، أحضر ثلاثة آلاف حطاب من الأفلاق وأمرهم بفتح طريق في هذا المكان بواسطة الفؤوس. وقد تمكن هؤلاء من فتح طرقات واسعة لعبور الجيش على وجه السرعة.
اجتازت القوات العثمانية الوديان الضيقة لسفوح جبل بوتوشان (Poto?an)، حتى بلغوا مدينة سوتشافا324 التي تعتبر المركز الأساسي في البغدان، وعسكروا بالقرب منها. وما أن سمع أهالي المدينة باقتراب الجنود حتى لاذوا بالفرار مذعورين للنجاة بأنفسهم. مدينة سوتشافا تمتاز بجمال عمارتها، وهوائها المعتدل، ومياهها الصافية العذبة وبوفرة أشجارها وخضرتها الدائمة. كما أنّ قلعتها عالية وأبراجها حصينة، وأبوابها ضيقة، وخنادقها واسعة، وموقها المنيع «لا يسمح بوصول الطير الطائر إليها». وتتموضع على أبراجها مدافع قوية، وتفيض أقبيتها بالذخائر والمؤن.
توزع قسم من الجيش العثماني حول القلعة، بينما أقام القسم الآخر خيام المعسكر في الأودية والجبال والسهول القريبة من القلعة. فأدرك حينها حماة القلعة أنهم عاجزون عن الدفاع عنها ومقاومة الجيش العثماني، لذا أعلنوا الاستسلام مرغمين، وأحضروا مفاتيح المدينة لتسليمها للسلطان325.
كانت الغاية من فتح البغدان هي إلحاقها بالدولة العثمانية، وحين تحققت الغاية أخذت الدولة تظهر التسامح إزاء أهالي المنطقة. فقد منعت أعمال السلب والنهب، لأنها منحت الأمان للمدينة. وبذلك أعلن ابن الحاكم السابق للبغدان بالإضافة إلى القساوسة والتجار والأعيان، رغبتهم للمثول بين يدي السلطان، لإعلان الطاعة والولاء وطلب العفو عن الأخطاء التي بدرت منهم سابقاً. وقد أعلمهم السلطان بأنه لا يملك من الوقت ما يخوله الانتظار طويلاً، ولكنه سيمكث أربعة أيام أخرى في انتظارهم.
وعلى إثر ذلك توافد الأعيان والأشراف والقساوسة للمثول في ديوان السلطان، معلنين طاعتهم ومتعهدين بأنهم لن يتراجعوا عن ولائهم له من الآن فصاعداً. وقد ناشدوا جميعهم السلطان ليقوم بتعيين جتين بن ستيفان الحاكم الأسبق للبغدان، حاكماً للبلاد. وبذلك تم تنصيب جتين حاكماً جديداً، حيث أهداه السلطان قفطاناً من فراء السمور، والقلنسوة بالإضافة إلى التوغ والسنجق326.
وفي الوقت نفسه تم استقبال الحاكم في سوتشافا عاصمة البغدان على جري العادة بالطبل والنقارة والتوغ. وابتداءً من ذلك اليوم دخلت ولاية البغدان تحت حكم الدولة العثمانية.
ونصت البراءة التي منحها القانوني لحاكم البغدان الجديد، على أن يدفع جزية كل سنتين ويحضرها بنفسه إلى إسطنبول، بالإضافة لإعادة بناء قلعة كيلي وتحصين قلعة أكيرمان327. كما أعلن فرماناً ينص على إلحاق مدينة بندر الحصينة على الضفة الغربية لنهر دنيستر، بالإضافة لمنطقة جنوب بيسارابيا بالدولة العثمانية328.
كما تم اعتبار كل من كيلي وأكيرمان سنجقاً واحدا، عين على رأسه والي سنجق329.
وبعد أن أنهى السلطان مشكلة البغدان، عقد الديوان وأثنى فيه على خان القرم، ومنحه مع قادة جيشه الخلع، وقد قبّلوا بدورهم عرش السلطان، الذي أعلمهم بحرية عودتهم إلى بلادهم. كما أنّ مبعوث ملك بولونيا كان قد جاء لإبداء الطاعة والولاء، وقد رافق الجيش لفترة طويلة، فأنعم عليه السلطان بالخلع، وسمح له بالعودة أيضاً.
ومن ثم أرسل السلطان مبعوثيه إلى كل أرجاء البلاد مرفقين بالظفر نامات، بينما قضى بعضاً من الوقت خلال عودته في يامبل330 من أجل الصيد. وهناك تلقى أخبار النصر الذي حققه خير الدين باشا في بروزة، ومن ثم توجه إلى إدرنة لقضاء فصل الشتاء.





الأسطول العثماني في بروزة (1538)

دخل الفاتيكان مع الدولة الأوروبية في تحالف جديد لمواجهة تحركات بربروس خير الدين باشا في البحر المتوسط. وبعد مباحثات طويلة عقد إمبراطور الألمان وملك الإسبان، بالإضافة للبابا وحكومة البندقية تحالفاً قويا ضد الدولة العثمانية، هدفه إجلاء الأتراك من البحر المتوسط، وإنهاء نشاطات الأسطول العثماني بقيادة بربروس خير الدين باشا.
وهذا ما دفع الدولة العثمانية لأن تقضي شتاء العام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين وثمانية وثلاثين في تحضيرات شاملة للأسطول، والتي كان بربروس يشرف عليها بنفسه.
وبعد إتمام كل الاستعدادات خرج بربروس خير الدين باشا بأسطوله من خليج إسطنبول في السابع من تموز العام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين متجهاً إلى القصر، حيث استقبله رجال الدولة على بابه ليدخل بربروس خير الدين باشا مع رجاله الذين يعتمرون الخوذ الذهبية، ويتمنطقون الأحزمة المزينة بالأحجار الكريمة، ويحملون السيوف والخناجر الموشاة بالجواهر، وقد اصطحب معه عدداً كبيراً من الجنود من أجل المراسم. فعلى جري العادة كان الباشا يمنح راية وطبلاً ونقّاراً. وقد رافق كل رجال الدولة قائد الأسطول (قبطانى دريا) حتى وصوله الميناء.
وحين بلغ بربروس خير الدين باشا الساحل، قام البحارة بفتح الأشرعة وشدّها، ورفعوا المراسي وبدأ الجذّافون العمل استعداداً للتحرك. ومع إشارة الانطلاق، أخذت البنادق والمدافع تهزّ سماء إسطنبول بدويها. وبذلك ودّع السلطان سليمان القانوني قبطانى دريا بربروس خير الدين باشا بضربات المدافع التي أُطلقت تحية له ولأسطوله المكون من أربعين سفينة حربية331.
تلقى خير الدين باشا أخباراً تفيد بأنّ أندريا دوريا توجه إلى جزيرة كريت في انتظار الريّس صالح قادماً من مصر مع عشرين سفينة محملة ببضائع الهند. لذا فقد انطلق على وجه السرعة مع أربعين سفينة فقط، دون انتظار تجهيز بقية الأسطول، وأمر بأن تلحق به التسعون سفينة الباقية حال تجهيزها.
كما أنّ السلطان القانوني غادر إسطنبول في اليوم التالي (الثامن من تموز) على رأس حملته الثامنة.
وقد اصطحب بربروس خير الدين باشا ثلاثة آلاف إنكشاري من قوات الكابى كولو وبعض ولاة السناجق من قادة البحرية (علي بيك والي سنجق قوجه إيلي، وهرّوم بيك والي سنجق تيكه، وعلي بيك والي سنجق حميديلي، ومصطفى بيك والي سنجق آلاية ووالي سنجق غاليبولي). وبعد تحقيق بعض الفتوحات في بحر إيجة، والتحاق التسعين سفينة من إسطنبول والريّس صالح أيضاً به، توجه نحو بروزة.
وبعد أن استولى على غنائم وافرة نتيجة الهجمات التي قام بها على قلاع جزيرة كريت، قام باستكمال ما يلزمه من جنود وجدافين. وبينما كان الأسطول العثماني يقيم في جزيرة كوس332 لأخذ قسط من الراحة، كان التحالف المسيحي يزداد قوة. وقد تمكنت الدول الصليبية المطلة على سواحل المتوسط والتي باتت حبيسة خلجان صغيرة لخوفها من بربروس خير الدين باشا، من تشكيل تحالف قوي ضد الدولة العثمانية، ومن خلال جمع أساطيلها الصغيرة والكبيرة ظهر أسطول صليبي هائل.
وقد كُلّف الأميرال الجنوي الشهير أندريا دوريا بقيادة هذا الأسطول، الذي هاجم بروزة الواقعة على سواحل شبه جزيرة المورا التابعة للدولة العثمانية، وضرب الحصار على قلعتها. وما إن تلقى بربروس الخبر حتى أرسل الريّس تورغوت مع سفنه العشرين التي تطوع بها في مهمة استكشافية، فصادف الأخير في طريقه بالقرب من سواحل زانتي333 أربعين سفينة حربية للعدو، ليعود على الفور ويطلع بربروس على الوضع.
وبدوره فقد أعلم الأسطول المتمركز في زانتي، أندريا دوريا باقتراب الأسطول العثماني، فقام برفع الحصار عن قلعة بروزة ما إن علم بتوجه بربروس نحوه، وجمع أسطوله متوجهاً نحو الشمال. أما خير الدين باشا فبعد أن قام بضرب جزيرة كيفالونيا334 التي تتبع للبندقية، وصل جزيرة بروزة وأمر بترميم قلعتها وتحصينها.
اجتمع الأسطول الصليبي الذي عقد العزم على إنهاء سيطرة المسلمين في البحر المتوسط بالقرب من كورفو، وبدأ قادته في التباحث حول سبل دحر الأسطول العثماني. وقد تم قبول العرض الذي قدمه أندريا دوريا والمعارض لحملة برية.
وقد بلغ تعداد الأسطول الصليبي ثلاثمائة وسفينتين (302)، من ضمنها مائة واثنتان وستون كاردغة، وأربعون سفينة حربية أخرى، وكانت هذه السفن تحمل ألفين وخمسمائة مدفع بالإضافة إلى ستين ألف جندي.
أما الأسطول العثماني فقد كان مكوناً من مائة واثنين وعشرين سفينة مجدافية، وكانت تتصدر مقدمة كل سفينة ثلاثة مدافع بعيدة المدى، والتي بلغ عددها مائة وستة وستين مدفعاً. وبالإضافة إلى طاقم البحارة، كانت السفن تحمل عشرين ألف جندي من الإنكشارية والسيباهية التيماريين.
وكما هو واضح فقد كانت الأسطول العثماني يعادل ثلث الأسطول العدو، أما نسبة المدافع فقد كانت تعادل ستة عشرة بالمائة من مجموع مدافع العدو. هذا إلى جانب وجود ثمانية آلاف محارب نظامي في الأسطول العثماني مقابل ستين ألف جندي مسلح في أسطول المتحالفين335.
قبل وصول أسطول التحالف سواحل بروزة، قام بربروس بجمع قادته. وقد أوصى الريّس سنان بالإضافة إلى ولاة السناجق بضرورة تحصين رأس أكتيوم تحسباً لإنزال العدو قواته هناك، وبعد وضع قوة عسكرية فيها، قام بربروس بتوزيع بقية المهام والتعليمات على قادة السفن.
وقد كان قرار وضع قوة عسكرية في أكتيوم صائباً بالفعل، فقد أرسل أسطول التحالف الذي وصل قبالة بروزة قوة استكشافية إلى ساحل الجزيرة، ولكن نيران البنادق العثمانية قد أجبرتهم على التقهقر والعودة.
في صبيحة اليوم التالي الموافق للسابع عشر من أيلول، تحرك بربروس مع قواته الأساسية نحو جزيرة باكسو في جولة استكشافية. وقد قرر أسطول التحالف المعتدّ بتفوقه عدة وعتاداً، البدء بالهجوم حيث أخذوا بالاقتراب من الأسطول العثماني.
تعتبر هذه المعركة من أبرز الوقائع البحرية، حيث كان الأسطول العثماني تحت قيادة قبطانى درايا بربروس خير الدين باشا، وكانت الميمنة تحت إمرة الريّس صالح، بينما الميسرة تحت إمرة عالم الجغرافية والرياضيات الكبير والبحار الشهير سيدي الريّس علي، وقوات الاحتياط تحت قيادة كل من الريّس تورغوت، مراد، صادق، غوزيلجة وسواهم من القباطنة المتطوعين. .
أما أسطول التحالف فكان بقيادة أندريا دوريا أشهر أميرال أوروبي، وماركو غريماري من البندقية، وكان أسطول الفاتيكان تحت قيادة فيسينت كاباللو. وكان جيشهم يضم جنود العديد من الشعوب والدول، ولم يكن يجمعهم سوى العداء للأتراك، والاعتماد على التحالف الصليبي. على خلاف العثمانيين الذين كانوا يكنون ولاءً كبيراً لقادتهم، إلى جانب معنوياتهم العالية.
وقبيل المعركة جمع بربروس خير الدين باشا كافة قباطنته بصفته قائد الأسطول، وأوضح لهم بأنّ التخطيط الجيد في المعركة سيتفوق على عنصر الكثرة العددية لجنود وسفن العدو، وأنّ انتصارهم في هذه المعركة سيؤسس لحكم مطلق للدولة العثمانية على ملاحة البحر المتوسط، ليرفع من معنوياتهم. كما نصب مدافع ثلاثية على السفن، ونسق ترتيبها لتتخذ وضعية لهلال.
أما الترتيب الحربي الذي اتبعه أندريا دوريا فقد اعتمد على وضع أسطولي البندقية والفاتيكان في المقدمة، بينما يتبعهما أسطولا إسبانيا وجنوة. وكانت الرياح تهب من خلف الأسطول الصليبي، ما منع الأسطول العثماني من التقدم. وقد قام أسطول التحالف بسد مدخل ميناء بروزة لمنع خروج الأسطول العثماني، وتقدموا باتجاه الجزيرة تساندهم الرياح القوية التي تهب من الخلف. وإلى جانب الرياح المعاكسة، فقد كان الضباب الكثيف يحجب الرؤية، وكان من الواضح أن استمرار الطقس على هذا النحو سيتسبب في هلاك الأسطول العثماني.
قام بربروس خير الدين باشا بكتابة آيات قرآنية على قصاصات من الورق ونثرها على سطح الموج، ما رفع من معنويات محاربيه. ولم يمضِ وقت طويل حتى تغير اتجاه الرياح لصالح العثمانيين ومع انقشاع الضباب وجد الأسطول الصليبي نفسه في مواجهة الأتراك. وقد سرّ الفاتحون سروراً عظيماً ودخلوا المعركة متوكلين على الله وعلى رسوله الكريم336.





بدأ البحر بالغليان

سار جيشا الطرفين العائمان فوق الأمواج كبحر على سطح بحر، لمواجهة بعضهما، حيث بدأ غليون337 ضخم من أسطول العدو بالتقدم ورمي نيران مدافعه، ولكن نيران المدافع العثمانية الكثيفة حولته إلى حطام وقتلت العديد من أفراد طاقمه.
وقد غطى دخان نيران المدافع الكثيفة صفحة السماء التي بدت وكأنها تزيّت بالسواد، ولم يعد من الممكن التمييز بين سطح البحر وحدود اليابسة، فيما أصداء المدافع الهادرة كانت ترج العالم في دوي صاخب، وكأن قبة السماء قد غرقت في بحر من الظلام والسواد. وانهمرت النيران المتبادلة بين الطرفين بغزارة قلّ نظيرها، جعلت البحر يبدأ بالغليان لفرط تأججها، فأخذ من في جوفه من حيوانات وأسماك يتقد بهذه النيران ويُشوى في عويل بلغ عنان السماء.
وكانت النتيجة أنّ النيران التي انطلقت من مدافع الطرفين قد خلقت حولهما سحابة من الدخان، حتى بات من المحال على الأسطولين أن يتمكن أحدهما من رؤية الآخر. ولكن هذه النيران تحولت إلى ما يشبه المشاعل التي اهتدوا بها وسط هذا الظلام.
شنّ خير الدين باشا في البداية هجوماً على ميمنة العدو، وحين رأى العدو ذلك حاولت ميسرته الالتفاف حوله ومفاجأة الباشا من الخلف، ليحاصروه من الجهتين ويقضوا عليه بنيران مدافعهم. ولكن بربروس خمن على الفور خطتهم وما يرمون إليه، فتراجع في مناورة سريعة ليشن هجوماً جديداً على سفن العدو.
وإزاء هذا الهجوم فرّت سفن العدو للاحتماء بالبوارج، ولكن الباشا لم يقم بملاحقتهم بل توجه لشن هجوم على ميسرة الأسطول هذه المرة، فالتفت سفن الميمنة نحوه يغذيها الأمل في تطويق الباشا، فما كان منه إلا أن قام بالهجوم عليهم مرة أخرى، ليعيد هؤلاء الكرة في الاختباء خلف البوارج. وتكرر الأمر لثلاث مرات متوالية، فحين كان الباشا يشن هجوماً على الميمنة تلتف عليه الميسرة والعكس يحدث مع الميسرة في محاولة منها للالتفاف عليه وتطويقه بين نيرانها من الجهتين.
لذا أدرك بربروس صعوبة تحقيق النصر دون إبعاد سفن العدو الشراعية والكادرغة عن البوارج الضخمة، فرفع يديه نحو السماء مبتهلاً وهو يقول» يا رب! اقضِ على القوم الكافرين وأنعم على عبادك المسلمين، ومدّهم بالعزة والنصر»، ووسط هتافات «الله الله» شنّ هجوماً على بوارج العدو، فتمكن من إحراق العديد منها مع مدافعها، وشق طريق وسطها ليسير نحو بقية سفن الكادرغة.
وما إن رأت سفن الكادرغة، الباشا وقد بات وسط بوارجهم، ظنوا بأنّ جنوده سينشغلون بالسلب والنهب، وبالتالي ستسهل عليهم مهمة الهجوم على بربروس والقضاء عليه، ولكن الأمر لم يسر وفق ما كانوا يشتهون، فلم يلتفت العثمانيون إلى الأموال والمغانم، بل كانوا يسيرون نحوهم بتصميم بالغ، ما حطم آمالهم بالنصر، وزرع الرعب في قلوبهم338.





النصر الكبير

قبل البدء بالهجوم، قام بربروس خير الدين باشا بتحذير قادته وشدد عليهم بالقول:
«بإذن الله سنشنّ هجوماً على سفن العدو، فإياكم ثم إياكم الانشغال بالغنائم والأسرى أثناء خوضنا القتال، وليكن هدفكم الأساسي هو سفن الكادرغة. وإن قدّر لكم الحق تعالى شيئاً، فلن يذهب إلى سواكم. فما قدّره لكم من مال ورزق سيجد طريقه إليكم»
وهذا ما جعل المجاهدين يعرضون عن المال والغنائم، بل ساروا بثبات خلف الباشا محطمين كل السفن التي تعترض طريقهم، فيما الجنود الناجون من السفن الغارقة كانوا يتوجهون نحو قوارب النجاة، فمنهم من يجد سبيله للفرار مبتعداً عن ساحة القتال، والبعض يحتمون بسفنهم، بينما كان قسم منهم يتجه نحو السفن العثمانية خوفاً من الهلاك، فيتوسلون أن يأخذوهم أسرى، ولكن المجاهدين وامتثالاً لأوامر الباشا لم يلقوا بالاً إليهم339.
وحين شاهدت قوات التحالف بوارجهم وقد تحطم بعضها وغرق القسم الآخر منها في قاع البحر، وأنّ المجاهدين لم يلقوا إليها بالاً، بل كان يغذّون الإبحار نحوهم، أمر أندريا دوريا قواته بالتراجع فيما الوقت يقترب من المساء.
وفي هذه الأثناء بادرت قوات الاحتياط تحت قيادة الريّس تورغوت بالتحرك على الفور، وبدؤوا بإغراق سفن العدو المنسحبة، من خلال نيران مدافعهم. ما جعل الذعر يسيطر على أسطول العدو برمته.
وحين شاهدهم خير الدين باشا يلوذون بالفرار، رفع يديه بالدعاء يحمد الله ويشكره، ومن ثم انطلق في إثرهم، واستطاع الاستيلاء على سفينتين من سفنهم. ولكن الوقت كان قد تجاوز العشاء، وبات الظلام يخيم على كل مكان، وأصبح من الصعب تمييز العدو من الصديق، والبحر من البر، وتعذر على السفينة أن ترى سفينة أخرى. كما أنّ أندريا دوريا قد أمر كل سفنه بإطفاء مصابيحها، الأمر الذي كان يعتبر بحسب قواعد ذلك العصر الحربية، أقصى درجات الإذلال في المعارك البحرية340.
وهذا ما دفع خير الدين إلى التراجع عن ملاحقة العدو، والعودة إلى الموقع الذي جرى فيه القتال ليرسو فيه. وقد اجتمع بقية القادة كلهم حول بربروس وأرسوا سفنهم هناك، ومن ثم أضرموا النيران في سفن العدو وبوارجه التي خلّفها، والتي فاق عددها كل حدٍّ وحساب، حتى كان يبدو للناظر من بعيد أن البحر يحترق.
خسر الصليبيون نصف أسطولهم في بروزة، حيث غرقت مائة وثمانية وعشرون سفينة حربية بالإضافة إلى الكثير من سفن النقل بنيران العثمانيين، الذين تمكنوا من الاستيلاء على الكثير من السفن أيضاً. أما السفن الهاربة فقد أصاب الخراب معظمها، ما يعني أنّ ما من سفينة صليبية في هذه المعركة، نجت من الإصابة والتدمير.
أما الخسائر العثمانية فلم تكد تذكر، حيث أنها لم تتجاوز أربع أو خمس سفن. ومقابل آلاف القتلى من العدو وأسر ثلاثة آلاف منهم، كانت خسائر الجانب العثماني أربعمائة شهيد، وثمانمائة جريح341.
لقد كان أندريا دوريا موقناً بأن العثمانيين لن يتجرؤوا على مهاجمة قوة بحرية تتفوق عليهم بشكل بالغ الوضوح، وحتى مع انتقال بربروس إلى وضعية الهجوم، فقد أراد فرض مساره الخاص على سير الوقائع معتمداً على ميزة تفوقه الكمي، ولكن الأميرال العثماني كان يطبق مساراً جديداً تمام الجدة، مفوتاً الفرصة على عدوه في الإمساك بزمام المبادرة. فحتى ذلك الوقت كان المعارك البحرية تعتمد على إطلاق النيران المتبادل بين الأسطولين المتواجهين، ليتم بعد ذلك الانتقال إلى المواجهة المباشرة باقتراب السفن من بعضها وإنزال الجند على سفن العدو. ولكن الاستراتيجية التي اتبعها بربروس كانت بداية عصر جديد في خطط المعارك البحرية، حيث بدأ استخدامها في الحروب البحرية والاعتماد عليها اعتباراً من ذلك التاريخ.
ولإعلام السلطان سليمان القانوني بأخبار هذا النصر العظيم، قام بربروس خير الدين باشا بإرسال ابنه حسن بيك، وقد كان السلطان حينها يتجه نحو إدرنة عائداً من حملته الهمايونية على البغدان. فبلغ حسن معسكر السلطان بينما كان في مدينة يامبل.
وقد مثل بين يدي السلطان بعد مضي سبعة عشر يوماً على تحقيق هذا النصر العظيم، وقبّل يديه. حيث أبلغه بأنباء النصر وتحيات بربروس، كما قدّم إليه اثنين من كبار أميرالات العدو الذين تم أسرهم.
وعلى إثر ذلك أمر السلطان بعقد ديوان استثنائي، قرأ فيه حسن بيك الظفر نامه التي كتبها بربروس، بينما كان السلطان ورجاله يستمعون وقوفاً وهم يحمدون جناب الحق على هذا النصر المبين، والذي أعلنه السلطان باعتباره الجهاد الأكبر.
كما أمر بمنح بربروس خير الدين باشا مائة ألف أكجة، إلى جانب إرسال الفتح نامات إلى كل أرجاء البلاد، وإقامة الاحتفالات في كل أنحاء الدولة العليّة342. وقد عمت الاحتفالات أراضي الدولة العالمية الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الهندي ومن أواسط أفريقيا حتى جنوب موسكو.
دخل بربروس خير الدين باشا إلى إسطنبول وسط استقبال حاشد ومهيب، وقد مكث فيها ليومين، ومن ثم انطلق إلى إدرنة للقاء السلطان، والتي وصلها في الثالث والعشرين من تشرين الأول، حيث قبّل يد السلطان، واجتمع به في لقاءات خاصة ومطولة أطلعه فيها على كل تفاصيل النصر الذي حققه.
بعد نصر بروزة غدا البحر المتوسط بحيرة عثمانية، وعندما باتت البحار تضيق على مطامح البحارة العثمانيين فتحوا أشرعتهم صوب المحيطات. وقد تصدوا للقراصنة الذين كانوا يتلقون الدعم من ملوك أوروبا، موفرين بذلك الأمان للتجارة والنقل البحري، والاستقرار والأمن لسكان السواحل. وقاموا بحماية دول شمال أفريقيا الإسلامية من اعتداءات الدول الأوروبية، وبسطوا حمايتهم على طرق الحج البحرية، حيث بات في وسع الحجاج السفر بحراً لأداء فريضة الحج دون التعرض لهجمات القراصنة.





حملة الهند (1538)

بعد اعتلاء بهادير شاه (1527-1537) عرش كوجارات بعدة سنوات، أصبح واحداً من أقوى الحكام المسلمين في تلك الحقبة بمساعدة قوات المدفعية العثمانية، وقد لجأ إليه العديد من أمراء الهند لتقديم المساعدة ضد أعدائهم. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل باتت كوجارات ملجأً لكل من يضعه بهادير تحت حمايته. ومن جانب آخر فقد قام بهادير شاه وفي الحقبة الأكثر تألقاً من حكمه، بارتكاب خطأ سياسي سيساهم مستقبلاً في سيطرة البرتغاليين على غرب الهند.
فقد نجح محمد الزمان ميرزا وهو أحد العصاة، في الهرب من دلهي والتوجه إلى كوجارات، حيث حصل على حماية بهادير. وعلى إثر ذلك أرسل هُمايون شاه وفداً أرفقه برسالة يطالب فيها بتسليم محمد الزمان ميرزا، فردّ عليه الشاه بهادير برسالة سخرية، ذكر فيها أنه سيقوم بحل المشكلة بالطرق الديبلوماسية، ما أثار سخط همايون من هذه الإهانة، وقرر من لحظته التوجه على رأس حملة نحو بهادير شاه من أجل معاقبته.
وبينما كان بهادير شاه مشغولاً بمحاصرة جيتور، وصل هُمايون على رأس جيش كبير إلى غفاليور منتظراً بهادير لينتهي من غزوته. وبعد أن تمكن الأخير من السيطرة على جيتور، وكسب غنائم هائلة، تحرك نحو قلعة مانداسور ومن هناك توجه لملاقاة همايون.
استمرت مواجهة الجيشين الإسلاميين لمدة شهرين متواصلين، ذلك أنّ جنود كلا الطرفين كانوا يتهربون من إصابة بعضهم بنيران المدافع والبنادق، وقد اتخذ همايون تدابير مشددة من أجل حجز المؤن المتجهة لجيش بهادير والاستيلاء عليها، وبذلك بدأ شح الموارد الغذائية يزداد في معسكر بهادير مع مرور الوقت، فأدرك بأنّ تمرد الجنود بات وشيكاً وخارت شجاعته، ليهرب خلسة من ساحة القتال تاركاً قيادة الجنود لقادة الجيش. وبعد شيوع نبأ فراره، تشرذمت قوات كوجارات في حال يُرثى لها.
بعد الهزيمة التي لحقت ببهادير شاه، أمام همايون شاه انسحب إلى قلعة بندر ديو لكنه لم يشعر بالأمان هناك. ما دفعه لمراسلة حاكم غوا البرتغالي من جهة، ومن جهة أخرى قام بالتواصل مع السلطان العثماني حاكم مصر والبحر الأحمر، وأشهر الحكّام في ممالك الشرق والمحيط الهندي. ولتوخي المزيد من الحذر فقد أرسل خزينته إلى الحجاز تحسباً للالتجاء إليها إن اقتضت الحاجة.
وبدوره فقد أكرم السلطان سليمان القانوني مبعوث الشاه بهادير الذي استقبله في إدرنة العام ألف وخمسمائة وستة وثلاثين، واحتفى به احتفاءً بالغا، كما أبلغه بأنه سيقدم المساعدة اللازمة لهم.
أما بهادير شاه فقد دفع غالياً ثمن التحالف مع البرتغال، فبعد خلاف وقع بين الطرفين قام البرتغاليون بقتله في شباط العام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين في ديو. وقد بلغ الخبر السلطان العثماني في شباط من العام الذي تلاه.
وبالطبع فلن يتغاضى حاكم أقوى دولة إسلامية في العالم، عن جرأة المسيحيين على قتل حاكم مسلم في استهتار واضح. وبالتالي فلم يعد الهدف الذي وضعه نصب عينيه هو مناصرة الشاه بهادير على عدوه همايون شاه، بل الجهاد ضد البرتغاليين الذين قطعوا طرق الحجاز البحرية، وقاموا بقتل حاكم مسلم.
وقد عيّن على رأس هذه الحملة هاديم سليمان باشا أمير أمراء مصر الذي يحكمها حكماً عادلاً وبكفاءة عالية منذ عشر سنوات، كما عين مكانه على حكم مصر، داوود باشا الذي ترعرع في القصر، وكان يشغل منصب الخزندار، والذي وصل مصر في أيار من العام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين. أما سليمان هاديم باشا فبعد أن سلّم منصب أمير أمراء مصر لخليفته، انطلق نحو قناة السويس ليقود الحملة الموجهة ضد البرتغاليين343.
وهكذا فبالتزامن مع خروج السلطان سليمان القانوني على رأس الحملة المتجهة إلى البغدان، وقائد الأسطول بربروس خير الدين باشا إلى حملة بروزة، كان أسطول عثماني آخر بقيادة هاديم سليمان باشا يبحر في عباب المحيط الهندي. وما قدرة الإمبراطورية العثمانية على تسيير ثلاث حملات عسكرية في الآن ذاته لمواجهة أقوى دول العالم، سوى دليل آخر على مدى عظمتها.
وصل سليمان باشا في الخامس من حزيران العام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين إلى قناة السويس، ومكث فيها ثمانية أيام للراحة. وكان أسطوله يضم سبع عشرة كادرغة، سبعة وعشرين سفينة مجذافية خفيفة، وثلاثة من سفن الغليون، وأربع بوارج بالإضافة إلى العديد من السفن الصغيرة، ليصل عددها جميعاً إلى ستة وسبعين قطعة. كما تم تزويد السفن الكبيرة منها بمدافع بالغة القوة، أما القوة العسكرية فبلغ تعدادها تسعة آلاف جندي بمن فيهم ألفان من الإنكشارية، ومع فرقة المدفعية وطواقم البحارة، كان عدد المشتركين في الحملة يناهز العشرين ألفاً.
وفي الثالث عشر من حزيران، فتح الأسطول العثماني الجبّار أشرعته للرياح، وغادر قناة السويس بهدف الانتقام من البرتغاليين344. ومروا بسواحل كل من طور المصرية وجدة لاستكمال احتياجاتهم، ومن ثم توجه الأسطول نحو مدينة عدن، وكان سليمان هاديم باشا قد بعث سابقاً وفداً بقيادة وكيله الخاص المدعو فرهاد إلى كل من حاكم عدن الشيخ أمير بن داوود والسلطان بدر حاكم الشحر، يعرض عليهما إطاعة السلطان وذكر اسمه في الخطبة.
وقد استقبل بدر سلطان الشحر وأهالي المدينة الوفد العثماني بحفاوة بالغة، واجتمعوا في الجامع للاطلاع على الفرمان القادم من لدن العثمانيين، وأظهروا الاحترام الواجب بالاستماع إلى أوامر السلطان باعتبارها الحكم الشريف وقوفاً بمن فيهم السلطان بدر، الذي ارتدى خلال هذا الاجتماع أحد القفطانين اللذين أهداهما إليه الباشا باسم السلطان العثماني. وقد غادر الوفد المدينة برفقة العديد من الهدايا ورسالة إلى السلطان سليمان القانوني تقر فيها المدينة بولائها له.
وبالمقابل فإنّ حاكم عدن لم يمنح العثمانيين الجواب الذي يأملون، وعلى إثر ذلك أمر سليمان باشا قوات الإنكشارية بتنفيذ عملية إنزال على ساحل عدن في الخامس من آب العام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين. كما بعث برسله إلى أمير بن داوود يحملون نصائح يتخللها الإقناع والتهديد على حد سواء من أجل التوجه إليه ومقابلته. فوافق الأخير حين أدرك جدية سليمان باشا وإصراره، ومع وصوله كان الجنود العثمانيون يدخلون عدن، ومنعاً لحدوث أي اضطرابات مستقبلاً، قام سليمان باشا بإعدام الشيخ أمير بن داوود ووزيره وثلاثة من رجاله المقربين345.
في التاسع من آب ذكر اسم السلطان سليمان على كل المنابر في خطبة الجمعة، وقد اتخذ سليمان باشا كافة التدابير الضامنة لحماية عدن واستقرارها، كما ترك ثلاث سفن كادرغة في ميناء عدن بالإضافة لحامية عسكرية قوامها خمسمائة جندي عثماني في القلعة. ومن ثم أمر الأسطول بالتحرك مجدداً.
دخل الأسطول العثماني المهيب مياه المحيط الهندي، بمؤازرة من الرياح المواتية وبعد إبحار دام سبعة عشر يوماً، بلغ سواحل كوجارات في الرابع من أيلول. وقد تمكن من السيطرة بسهولة على قلعة غوكالا التي يسميها المؤرخون المسلمون بندر ترك والبرتغاليون فيلا دي رومس وعلى قلعة كات أيضاً، ومن ثم توجه لمحاصرة القلعة التي بناها البرتغاليون في ديو.
ومن جهة أخرى وبعد قتل بهادير شاه على يد البرتغاليين، شهدت كوجارات سلسلة نزاعات حول العرش، أسفرت عن صراعات طويلة الأمد بين محمد الزمان ميرزا من سلالة الهاندش الذي قام بتحريض بهادير شاه ضد همايون شاه ما فتح الطريق لوقوع المنطقة تحت حكم الاحتلال البرتغالي، وبين الشاه محمود الثالث بن لطفي خان ابن أخي بهادير شاه، والذي كان لا يزال في الثانية عشرة من العمر، وقد أسفر هذا الصراع في النهاية عن وصول محمود الثالث إلى العرش.
وقد أرسل سليمان باشا رسالة إلى سلطان كوجارات الجديد الشاه محمود الثالث، طالباً تقديم العون والذخيرة. ولكن خوفاً من العثمانيين ومن المصير الذي لاقاه حاكم عدن، وبتأثير من البرتغاليين، امتنع محمود الثالث الذي كان لا يزال طفلاً يخاف أن تضيع منه سلطنته، امتنع عن تقديم المساعدة.
وطوال شهر تشرين الأول نفذ سليمان باشا هجمات بالغة الشدة على ديو، وفي الوقت الذي كانت فيه القلعة آيلة للسقوط بيدهم، قام الكوجاراتيون باختلاق أخبار عن قرب وصول أسطول برتغالي ضخم لتقديم العون لهم، وبذلك فقد رفع سليمان باشا الحصار عن المدينة وغادر مع أسطوله الذي أنهك أثناء الحصار وفقد ألفاً ومائتين من جنوده، دون أن يتمكن من القضاء على النفوذ البرتغالي في مياه الهندي346. على الرغم من الأسطول البرتغالي القابع في ميناء غوا بقيادة غارسيا دا نورونها، لم يكن يجرأ على الاقتراب من الأسطول العثماني.
وصل سليمان باشا في الثالث عشر من آذار العام ألف وخمسمائة وتسعة وثلاثين إلى ميناء جدة، بعد أن استغرقت حملته ثلاثة أشهر، وقد قام في طريق عودته باتخاذ بعض التدابير الإدارية في كل من اليمن وعدن، وبعث برسله إلى السلطان ليعلمه بفتوحاته ويطلعه على تفاصيل رحلته. وقد توجه من هناك إلى الحج، بينما أرسل الأسطول إلى قناة السويس. ومن ثم عاد إلى مصر عن طريق البر، ومن هناك توجه إلى إسطنبول إثر الفرمان الهمايوني الذي تلقاه. وتقديراً لانتصاراته وجهوده، عيّنه السلطان سليمان في منصب وزير قبة347 مكافأه له348.





مراسم الاحتفال والصلح مع البندقية

بعد وفاة الصدر الأعظم أياس باشا في الثالث عشر من تموز العام ألف وخمسمائة وتسعة وثلاثين، قام السلطان القانوني بتعيين لطفي باشا في مكانه، ومن ثم توجه في شهر أيلول نحو بورصة من أجل الصيد، ولكنه لم يمكث سوى ثمانية أيام ليعود، وأثناء مروره من مضيق الدردنيل (جاناق قلعة) أمر بتحصين المضيق وفق أساليب الدفاع الحديثة.
وما إن وصل إسطنبول حتى أمر بإقامة حفل ختان كل من الأميرين بيازيد وجيهانغير، وقد استمرت الاحتفالات التي بدأت في السادس والعشرين من تشرين الثاني من العام ألف وخمسمائة وتسعة وثلاثين، خمسة عشر يوماً متواصلاً، حيث توجه السلطان القانوني في اليوم الأول إلى آت ميداني، فاستقبله الوزراء وبقية أعيان الدولة وولاتها وقادتها، وقدموا له التهاني. كما أقيمت وليمة فاخرة للإنكشارية وجنود الخاص، كما أقيم عرض ضخم للعامة، ضم مختلف أنواع الحيوانات كالأسود النمور، الفهود، الذئاب، الطيور الجارحة والزرافات. .
وفي اليوم التالي أقبل قضاة العسكر والدفتردارية وبقية أركان الدولة، ليقدموا بدورهم التهاني والهدايا للسلطان الجالس على عرشه.
كما وصل سفراء كل من فرنسا، البندقية، أرشيدوق النمسا فرديناند وملك المجر زابوليا، وألقوا التحية على السلطان وقدموا له الكثير من الهدايا.
وفي سائر أيام الاحتفال كانت تقام الولائم الضخمة إلى جانب عروض المصارعة والمبارزة والرماية، والتي كان الشعب يتابعها بشغف كبير، وكان البهلوانات والمصارعون ولاعبو مسرح الظل والمهرجون يقدمون عروضاً مبهجة للأطفال، كما نصب اليهود في الميدان تنيناً بسبعة رؤوس.
وقد تنعّم الوزراء والولاة والعلماء والمشايخ بعطايا السلطان وكرمه الذي لا حدود له، فحصلوا على الخلع وما لا يحصى من الهدايا والنفائس، وارتوى الأغنياء والفقراء على حد سواء من سبيل السعادة349.
وبالتزامن مع حفلة الختان، فقد أقام السلطان سليمان القانوني حفل زواج ابنته السلطانة ميهريماه من رستم باشا.
وفي هذه الأثناء كان النزاعات مستمرة مع البندقية منذ حصار كورفو، وقد تعرضت بعض القلاع على سواحل دالماسيا إلى هجمات من كلا الطرفين، حيث تناقل الطرفان ملكية قسم منها لعدة مرات، كما استسلم بعضها الآخر. ولعل الحادثة الأهم هي سيطرة البنادقة على قلعة نوفي كاستل350، ونجاح بربروس خير الدين باشا لاحقاً في استعادتها. وكان كل اعتداء من قبل البنادقة يقابله هجوم مضاد وانتقام من قبل الغازي خسروف بيك والي سنجق البوسنة، ومراد بيك والي سنجق كليس.
وفي الفترة التي كانت فيها الدولة العثمانية تستعد لاستعادة نوفي كاستل، بدأت حكومة البندقية التباحث حول عقد اتفاقية أو هدنة عامة، ذلك أنّ تحالفها مع الإمبراطور كان يضر بمصالحها، ما دفع مجلس الشيوخ للبحث عن سبل التخلص من هذا المأزق. ولمعرفة نوايا السلطان وبالتالي الديوان الهمايوني حول هذا الشأن، قامت بإرسال أحد عملائها سراً إلى إسطنبول.
ومع حصولها على ردٍّ إيجابي، فقد أرسلت في نيسان العام ألف وخمسمائة وتسعة وثلاثين، بييترو زين للمثول بين يدي القانوني، ولكن وفاته في الطريق جعلت هذه المهمة تنتقل إلى توماسو كونتاريني. ولكن كونتاريني الذي يمتلك من الصلاحيات ما يكفي، رغم أنه حظي بلقاء السلطان، لكنه إضافة إلى عدم تلقيه معاملة جيدة، لم يحصل من السلطان على شيء يمكن التعويل عليه. وقد أوضح له الصدر الأعظم لطفي باشا أنّ توقيع اتفاقية يستلزم تمتعه بصلاحيات واسعة، ونفوذ كافٍ. وطلب منه التوجه إلى البندقية، والعودة مجدداً في شهر أيلول لحضور حفل ختان الأمراء وزواج السلطانة ميهريماه.
كانت البندقية مدركة أنّ تحقيق السلام مع السلطان ستكون حركة ذكية في ضوء الوضع السياسي لأوروبا، وقرار عقد مؤتمر بين ملك فرنسا والإمبراطور، وكانت تسعى لإبرام الصلح حتى لو تطلب ذلك تقديم العديد من التضحيات. وبناء عليه فقد أرسلت في ربيع العام ألف وخمسمائة وأربعين عضو مجلس الشيوخ لويجي بادورو إلى إسطنبول لمواصلة مباحثات السلام مع السلطان سليمان.
وقد منح المجلس مبعوثه صلاحيات تخوله أثناء المباحثات تقديم عرض بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل نقض المعاهدة بين الطرفين، بالإضافة إلى دفع تعويضات للحملات التي قام بها السلطان تصل حتى ثلاثمائة ألف دوقة، مع شرط عدم التخلي مطلقاً عن قلعتي مونيمفاسيا ونافبليو351. ولكن مجلس العشرة البندقي الذي كان يميل لمنح المبعوث صلاحيات أكبر عند الضرورة، أعطاه تعليمات سرية تقضي بالتخلي عن القلعتين إن شكّل التمسك بهما عقبة أمام عقد الصلح مع السلطنة352.
ولكن هذه التعليمات السرية أفشيت عن طريق كاتب السفارة الذي أطلع السفير الفرنسي عليها، والذي قام بدوره بإخبار وزراء الديوان الهمايوني353. وبذلك فقد قام وزراء القانوني خلال المباحثات بممارسة ضغوطات كبيرة على المبعوث أجبرته على تقديم آخر ما بحوزته من تنازلات.
وبعد مفاوضات استمرت لثلاثة أشهر، أبرمت معاهدة السلام في العشرين من تشرين الأول العام ألف وخمسمائة وأربعين. والتي نصت على تخلي البندقية عن القلعتين سابقتي الذكر بالإضافة إلى قلعتي نادين وأورانا على سواحل دالماسيا، وأيضاً ترك الجزر التي تمكن بربروس من السيطرة عليها للسلطان وهي سيروس، بطمس، أستيباليا354، إيجينا، نيو، باروس وأنتيباروس. ودفع تعويض مالي عن الحملات مقداره ثلاثمائة ألف دوقة. ومقابل ذلك تمكنت دولة البندقية من تحقيق حاجتها للسلام والاستقرار، أما السلطنة فستواصل حملاتها ضد أوروبا والمجر بعد الانقطاع الذي سادها مؤخراً355.





موت زابوليا والاضطرابات في المجر

بالتزامن مع صراع السلطنة مع البندقية، كانت جملة من الوقائع والتطورات تحصل في المجر، فقد أشيع عن قيام زابوليا الذي نصبه السلطان القانوني ملكاً على قسم من أراضي المجر بعقد اتفاق مع فرديناند أرشيدوق النمسا في مدينة أوراديا356، والتي نصت على عدم قيام زابوليا بالتحالف مع القانوني ضد فرديناند والإمبراطور (شارلكان)، والتعهد بترك أراضيه بعد وفاته لفرديناند، بسبب عدم إنجابه لوريث.
وبعد مضي عام واحد على هذا الاتفاق، قام زابوليا بالزواج من إيزابيلا ابنة ملك بولندا الذي كان يتبع سياسية معادية للهابسبورغيين، وقد منح جزءاً من قلاع ومدن المجر إلى الملك البولندي كهدية العرس. ما دفع فرديناند- الحانق من انتقال ملكية قسم من الأراضي والقلاع الممنوحة له بحسب الاتفاق السابق، إلى ملكية طرف آخر- لإرسال مبعوث إلى إسطنبول من أجل الإفشاء عن المعاهدة السرية بين الطرفين، وذلك في العام ألف وخمسمائة وتسعة وثلاثين.
وعلى إثر هذه المعلومات خاطب السلطان سليمان القانوني الصدر الأعظم لطفي باشا بالقول:
«هذان الملكان لا يستحقان التاج الذي يعتلي رأسيهما، فهما لا يلتزمان بالوعود. . فلا خشية الله ولا شعور الخجل منعهما من نكث المعاهدة التي أقسما على الالتزام بها». وقد أرسل القانوني رسالة تهديد شديدة اللهجة إلى زابوليا. 357 أما زابوليا الذي كان عليه أن يحارب ملك ترانسلفانيا، ومن جهة أخرى أن يسعى لكسب رضا السلطان مجدداً بكل السبل، فقد توفي بشكل مفاجئ في ترانسلفانيا في الثاني والعشرين من العام ألف وخمسمائة وأربعين. وقبيل وفاته بعدة أيام تلقى أخباراً من قصره ببودين تعلمه بأنه رزق بمولود ذكر، وبذلك تخلى عن الالتزام بمعاهدة أوراديا، وأوصى بأن يتولى ابنه عرش المجر بعد وفاته. ومن أجل الحصول على مساعدة السلطان القانوني فقد أوفد أحد رجاله إلى إسطنبول.
وبدور، فقد أرسل فرديناند الذي بلغه خبر موت زابوليا مبعوثاً أخر هو ترانكيلوس إلى إسطنبول على وجه السرعة، والذي تلقى تعليمات لبذل كل التضحيات من أجل كسب كل من الصدر الأعظم لطفي باشا، ورستم باشا بالإضافة إلى ترجمان الديوان الهمايوني يونس بيك إلى جانبه. فقد كان فرديناند عازماً على السيطرة على عرش المجر في هذه الفترة المضطربة، مهما كلفه الثمن. ولم يتورع عن إشاعة بعض التقولات التي تشكك في شرعية الطفل الذي أنجبته إيزابيلا، والتي زرعت الشكوك في نفوس الجميع.
ومن أجل التحقق من صحة إنجاب الملكة إيزابيلاً ابنا من زابوليا، فقد قام السلطان القانوني بإرسال أحد رجاله إلى بودين على وجه السرعة، حيث تبينت صحة نسب الطفل358.
وبناء عليه قبل استقبال الرسول فيربوجي الذي أرسلته الملكة إيزابيلا إلى إسطنبول لدفع الجزية، وطلب المساعدة بالمقابل، وذلك في تشرين الأول من العام ألف وخمسمائة وأربعين. وقد منحه القانوني قراراً رسمياً ينص على أنّ أراضي المجر التي تعد ملكاً له بعد أن فتحها بحد سيفه، والتي تركها حتى الآن تحت حكم زابوليا ستؤول إلى ابنه وذلك مقابل دفع الجزية الواجبة. كما وافق على أن تقوم الملكة الأم بإدارة شؤون البلاد بوصفها نائبة الملك، لحين بلوغ ابنها السن المناسبة للحكم.
أما فرديناند فقد كان يحاول عن طريق مبعوثيه أن يكسب تأييد رجال الدولة في إسطنبول من جهة، بالإضافة لتلبيته دعوة بعض النبلاء المجريين الذي مالوا إلى صفه مستغلين فرصة موت زابوليا وما نجم عنها من اضطراب، ليرسل قواته إلى بودين. وكان ينوي من هذه الحركة السيطرة عليها وما يجاورها قبل أن يتدخل السلطان ويقرر لها نظاماً جديداً، وبالتالي سيتمكن من الجلوس معه على طاولة المفاوضات لعقد اتفاقية بشروط أفضل من ذي قبل، وكان قد حصل على تأييد شاركان أيضاً في هذا الشأن.
ومن جهته فقد تمكن مبعوثه الديبلوماسي المخضرم جيروم لاشكي بعد مباحثات طويلة وبفضل طراوة لسانه من إقناع الصدر الأعظم وبقية الوزراء، وحصل على الموافقة للمثول بين يدي السلطان. ولكنه ما إن دخل حتى وبّخه السلطان بحدة:
«ألم تخبر سيدك فرديناند بأن المجر هي ملك لي؟ إذاً ما الذي أتى بك إلى هنا؟»359، وأنهى المقابلة بحيث تمّ إخراجه على الفور من قاعة العرض360.
وبعد مباحثات بين السلطان سليمان والوزراء استمرت لثلاث ساعات، تقرر إعلان الحرب على فرديناند. ومن أجل تخليص بودين من الحصار تم إرسال الوزير الثالث محمد باشا برفقة خسروف باشا أمير أمراء روميلي على رأس قوات كبيرة إلى تلك المنطقة.





حملة العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين

كانت رغبة نبلاء المجر الموالين لفرديناند، هي أن يقوم بالسيطرة على بودين بأسرع ما يمكن، قبل وصول مساعدة من السلطان. ما دفع فرديناند لإرسال جيش قوي إلى المنطقة من أجل هذه الغاية.
وحين وصلت إلى إسطنبول أخبار حصار بودين من قبل هذه القوات، قام السلطان في بادئ الأمر بإرسال وزيره الثالث حاجي محمد باشا361، إلى جانب خسروف باشا أمير أمراء روميلي، كما قرر أن يسير بنفسه على رأس حملة أخرى إلى المجر.
ولكن الأخبار المؤسفة أخذت تصل من بلاد المجر بعد فترة قصيرة، حيث كانت قوات فرديناند تشن هجمات على القلاع من جهة، وتقوم بتحريض الموالين للدولة العثمانية من جهة أخرى. وبالتزامن مع ذلك كان يواصل مباحثاته مع الملكة إيزابيلا، ويطلب منها أن تترك له بودين مقابل ترانسلفانيا. وقد تمكن النمساويون من الاستيلاء على قلعتي فيسيغراد وفاك362 التي مكنتا العثمانيين من السيطرة على بودين. كما استطاعوا كسب مسيحيي مدينة سيكشفهيرفار363 إلى جانبهم، ومن السيطرة على بِست، وانتقلوا لمحاصرة بودين.
ومن جهة أخرى فإنّ وجهة نظر السلطان القانوني والديوان الهمايوني حول مسألة المجر قد تغيرت بشكل جذري، فقد أدرك القانوني بأنّ المجر لن تستطيع الحفاظ على استقلالها ضد آل هابسبورغ، وتتمكن من الدفاع عن نفسها مع المساعدة العثمانية كما في السابق. فقد بات من الواضح أنّ شارلكان الذي يرمي إلى ضم مملكة المجر، يريد أن يصل بحدود إمبراطوريته جنوباً إلى نهر الدانوب، وبالتالي سيمتلك إمكانات أكبر للتعرض للأراضي العثمانية في البلقان والهجوم عليها. وإن أصبحت السلطنة العثمانية جارة مباشرة لإمبراطورية هابسبورغ، فمن الضروري أن تبلغ حدودها ليس نهر الدانوب فحسب، بل يتوجب أن تمتد على مناطق شمال وغربي بودين.
وإزاء فعاليات فرديناند فقد كان السلطان متمسكاً بوعده المتمثل في الانتظار حتى انتهاء الشتاء، وحلول الربيع والصيف ليقوم بإنزال أقسى العقوبات فيمن قام بنقض السلام364.
وبناء على هذه القناعات والأوضاع السياسية قام السلطان القانوني بمغادرة إسطنبول في الثالث والعشرين من حزيران برفقة ابنيه الأميرين سليم وبيازيد. أما الصدر الأعظم لطفي باشا فقد تم عزله من منصبه في الخامس من أيار العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين، بعد مشادة بينه وبين زوجته السلطانة شاه، والتي بلغت مسامع السلطان فأثرت عليه كثيراً، ما دفعه إلى فسخ عقد زواجهما، وبالتالي عزله من منصبه. ومن ثم كلف هاديم سليمان باشا الذي عُيّن مكانه بالحفاظ على حدود الدولة الشرقية، لذا تقرر بقاؤه في إسطنبول.
ومع وصول السلطان إلى فيليبة، تلقى أخباراً بتوجه أسطول إسباني نحو الجزائر، فأمر بربروس خير الدين باشا بالتوجه إليها على رأس أسطول مكون من ثمانين كادرغة، من أجل حمايتها. وبعد اجتياز صوفيا وبيروت365 وصلوا إلى نيش. وهناك تم استقبال مبعوثي فلورنسا المحملين بالهدايا الثمينة وسط احتفال رسمي في معسكر الجيش. وبدوره أرسل السلطان رسالة يعبر فيها عن مشاعر الصداقة اتجاه الدوق كوزيمو دي ميدتشي، وأرفقها بأنفس الهدايا مع الوفد المغادر.
كان جيش القانوني كما هو معتاد يتقدم في انضباط والتزام صارمين. وبحسب ما أورده المؤرخون فإنّ «من يتسبب في إتلاف قشة واحدة، ينال مقابلها ألف ضربة عصا»، معبرين بذلك عن العدالة والانضباط الذي كان يسير وفقه الجيش366.
وفي هذه الأثناء كانت القوات التي سبقتهم بقيادة محمد باشا، قد بلغت بودين وأخذت مواضعها لمواجهة العدو. ولكن قائد الجيش الألماني فون روجيندروف الذي كان معتدّاً بجيشه الضخم الذي يضم ثمانين ألف جندي، رفض رفع الحصار عن المدينة، حيث توقف عن ضرب القلعة، وأمر بحفر الخنادق حول جيشه، ووضع العربات في المقدمة ليشكل سوراً من الحديد، وكانت طوابير جيشه من الجهة الأخرى تستند إلى سفوح الجبل.
وبذلك حوصر الألمان بين القلعة والقوات العثمانية، وكانت الضربات بين الطرفين تتواصل ليل نهار، ولأنّ قوات العدو كبيرة العدد، فقد كان بمقدورها مواجهة حامية القلعة من جهة، وقوات محمد باشا من الجهة الأخرى. وكان الفرسان المدرعون ينزلون أفواجاً إلى الميدان كل يوم ليصطدموا بالقوات العثمانية، وفي المساء ينسحبون إلى جوار طوابير فرق المدفعية.
امتنعت القوات العثمانية عن شن هجوم عمومي عليهم، ذلك أنّ امتلاك العدو لأعداد كبيرة جداً من المدافع والبنادق كان سيسهل عليهم صدّ هذا النوع من الهجوم بنيران كثيفة. ومع كل دفعة من الجرحى الذين يرسلونهم بواسطة السفن، كانت تصلهم دفعات أخرى من الجنود والذخائر. لذا فإنّ استراتيجية المماطلة التي اتبعها محمد باشا كانت صائبة، في انتظار وصول قوات السلطان. وقد استمر هذا الوضع لأكثر من شهر، وبدأت أحوال سكان المدينة تسوء وتزداد معاناتهم من الضيق، وبات من الواضح استحالة المقاومة أكثر من ذلك367.
وفي هذا الوقت بالتحديد وصلت الأخبار إلى بودين لتبشرهم بأنّ قوات المشاة العثمانية السريعة تجتاز نهري سافا ودرافا، وأنهم على بعد ثلاثة أو أربعة أيام لا أكثر. وبذلك عم السرور والانشراح القوات العثمانية وحامية القلعة بدل القلق، وخيمت أجواء احتفالية عليهم جميعاً.
أما في معسكر العدو فقد كان لخبر اقتراب القانوني وقع صادم عليهم، حيث لفّهم قلق وخوف عظيم. وفي ليلة الرابع والعشرين من تموز العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين، ومع حلول الظلام صعدوا متن سفنهم لاجتياز الدانوب إلى الضفة المقابلة. أما محمد باشا الذي كان يراقب كل تحركات العدو، فحين بلغه أنهم على وشك الهرب، قام على الفور بتوجيه قواته نحو طوابير الألمان.
وكان لهجوم الأبطال العثمانيين المفاجئ وقع صادم على قوات العدو، فعمهم اضطراب عظيم، وغدا قسم منهم نهباً للسيوف حتى قبل أن يغادوا اليابسة، أما القسم الآخر، فقد احتشدوا وتكدسوا فوق بعضهم خوفا من الموت على متن السفن التي ابتلعتها مياه الدانوب، ولم ينجُ منهم سوى القليل، وقد أصيب قائدهم فون روجيندروف أيضاً في تلك الأثناء، وفارق الحياة بالقرب من بلدة كوماران.
وفي صبيحة اليوم التالي تجول محمد باشا باكراً في مواقع العدو، حيث المدافع الضخمة التي تهد القلاع، الأسلحة والذخائر وما لا يحصى من عربات القتال، والتي انتقلت كلها إلى خزينة السلطان الذي بلغ مشارف بودين بعد يومين من ذلك. أما من تمّ أسرهم فقد اقتيدوا أفواجاً أفواجا يحملون راياتهم المنكسة، بالإضافة إلى قلب كل آلاتهم وأعلامهم، ليصدر الفرمان بقتلهم368.
نصب السلطان سليمان معسكره في المرج الذي كان موقع بودين القديم، وأرسل هدايا قيمة للملك الصغير ووالدته، ومن بين الهدايا التي حملها الرقيب علي آغا ثلاث خيول رائعة تزينها سلاسل ذهبية، ثلاثة قفاطين نفيسة مشغولة بخيوط ذهبية، سيف وصولجان ذهبيان، بالإضافة إلى العديد من الخواتم الثمينة، والسلاسل الذهبية المرصعة باللآلئ والمجوهرات. وحين أفصح علي آغا عن رغبة السلطان في رؤية الملك الصغير، أظهرت الملكة الأم بعض التردد خشية إصابته بمكروه، ولكن بناء على نصيحة من القسيس مارتينوجي تقرر تقديم الملك الصغير ستيفان (يسمى أيضاً سيسجسموند) للسلطان. وقد تم استقبال الملك الصغير الذي رافقه في عربته مرضعته إلى جانب حاشيته، من قبل آغوات الركاب وقادة الفرق العسكرية. وأخبر السلطان مرافقي الملك الصغير بأنه سينصبه على عرش المجر، ومن ثم أرسل مرضعة الملك وبعضاً من مربيه إلى الحرملك الهُمايوني.
وبينما كان أفراد حاشية الملك جالسين على مائدة الطعام، بوشر العمل بالخطة الموضوعة مسبقاً، حيث بدأ الإنكشارية بدخول القلعة بحجة التفرج عليها في مجموعات خماسية وعشرية، فقاموا بإغلاق أبواب القلعة، وأخذ المنادون يتجولون بين الأهالي معلنين وجوب تسليم أسلحتهم، واستقبال الإنكشارية بالحسنى وأن أرواحهم وأموالهم آمنة، وبذلك تمت السيطرة على بودين في هدوء قبل أن تغرب الشمس.
وأخذت الرايات التركية ترفرف على قلعة بودين وأبراجها؛ فمنذ معركة موهاج في العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين غدت بودين مركز حكم الملك زابوليا بفضل دعم وتصديق السلطان سليمان القانوني، كما كانت محط أنظار فرديناند وكل الحكّام المسيحيين. ولكنها الآن انضمت بشكل مباشر إلى الدولة العثمانية وأصبحت واحدة من ولاياتها.
ويورد المؤرخ بيجفي الذي ثمّن عالياً خطة السلطان سليمان القانوني، على الشكل التالي:
«في الحقيقة إنه تصرف يقتضي بالغ التقدير، ويستحق أن يتسيّد منصب الصدارة في الفتوحات، ذلك أنّ السلطان كان باستطاعته الاستيلاء على القلعة بالطريقة التي يشاء، حيث أنّ العدو لم يكن في وضع يسمح له بالمقاومة على الإطلاق. ورغم ذلك فإنّ استخدام العنف ضدهم وإطلاق النار، ربما كان سيدفع بالمجريين للرد بعنف مضاد وسط يأسهم، لتراق دماء كثيرة لا ضرورة لها. ووسط كل هذه الاحتمالات فإن إعلان السلطان عن الأمان على أرواح الناس وأموالهم في هدوء تام، لهو تصرف راجح عاد بفوائد كثيرة. وكان أعلم الناس بذلك هم أمراء السناجق الحدودية»369.
ولكي لا تشعر الملكة إيزابيلا بأنها وابنها تعرضا للغبن، فقد أوضح السلطان سليمان للمقربين من رجالها مطمئناً:
«عليكم أن تعلموا بأنّ فرديناند ملك النمسا لن يسمح لكم بحكم بودين، وسيلحق بكم الأذى كلما سنحت له الفرصة، لذا فمن الأنسب أن أمنح الملك الصغير مملكة ترانسلفانيا ونواحيها حتى يكبر، ليتولى رعاية شؤونها». . كما قدّم لهم الكثير من الهدايا والعطايا النفيسة.
وبعد مباحثات بين الطرفين وافقت الملكة ورجالها على مطالب السلطان، وغادروا قلعة بودين في الخامس من أيلول متجهين نحو قلعة ليبوفا370 في ترانسلفانيا371.
وبهذه الطريقة فقد قسّمت المجر إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يتبع للدولة العثمانية بشكل مباشر، وقسم تحت إدارة فرديناند، أما القسم الثالث فهو منطقة ترانسلفانيا الخاضعة لحكم الملك الصغير.
وكانت إيالة بودين المتشكلة حديثاً تضم سهول وسط المجر ومنطقة سريم الممتدة بين نهري درافا وسافا، بالإضافة إلى سنجق سميديريفو الواقع على الضفة اليمنى لنهر الدانوب. وقد عيّن سليمان باشا أمير أمراء الأناضول والمتحدر من المجر والياً عليها، كما عيّن خير الدين أفندي قاضياً لها. وتم تكليف آخر مبعوثي الملكة إيزابيلا المستشار فيربوجي بتولي شؤون المسيحيين فيها.
وبعد إزالة النقوش والتماثيل عن جدران كنيسة سانت ماري (الأم مريم) أكبر كنائس بودين، أنشأ فيها محراب ومنبر ليتحول إلى جامع. وقد دخله السلطان مع أركان الدولة في يوم الجمعة، وبعد الخطبة ورفع الأذان، أقاموا صلاة الجمعة، حيث شكر المسلمون وحمدوا الله على نعمه وسط تهلل وحبور ودموع الفرح تنهمر من عيونهم، وقد ابتهلوا بالدعاء لدوام الدولة372.
وينقل لنا المؤرخ جلال زاده، واقعة غريبة تصادف حدوثها في ذلك اليوم قائلاً:
«كان السلطان القانوني يهمّ بدخول الجامع لإقامة الصلاة، وقد احتشد كل أهالي بودين رجالاً ونساءً وأطفالاً من أجل رؤية السلطان، وكانوا يتحدثون فيما بينهم مستغربين، فاستبد بي الفضول وسألت المترجم المرافق لي، حول الأمر الذي يتحدثون حوله. فأخبرني بأنّهم يتحدثون عن سماعهم طوال عام لهذه الأصوات (صوت الأذان وتلاوة القرآن الكريم) مساءً، ما دفع بعض القساوسة لترك الكنيسة حينها والتوجه إلى كنائس أخرى»373.
وبينما كان القانوني في بودين، أرسل كل من فرديناند وشارلكان مبعوثيهم يعرضون على السلطان دفع جزية سنوية مقدارها مائة ألف دوقة، مقابل ترك المجر لهم. وفي حال لم يقبل بهذا التكليف، فإنّ فرديناند يطالبه بأن يترك الأملاك التي سيطر عليها بعد موت زابوليا تحت حكمه، متعهداً بدفع جزية سنوية مقدارها أربعون ألف فلورين مقابل الأراضي الشمالية للمجر374.
ورغم أنّ المبعوثين استقبلوا من قبل السلطان، ولكن العرض الذي تقدموا به لم يؤخذ بعين الاعتبار، وقد أبلغهم رستم باشا بأسلوب شديد اللهجة بأنه ما لم يقم فرديناند بإعادة الأراضي التي استولى عليها مؤخراً بشكل كامل، ويتعهد بدفع جزية عن القسم المجري الذي يسيطر عليه النمساويون، فمن المحال عقد اتفاقية سلام بين الطرفين.
وفي هذه الأثناء وصلت أخبار تفيد بقيام بالاسّا وهو أحد نبلاء المجر بتحريض الناس في ترانسلفانيا للتمرد على الدولة العثمانية، فتم تكليف فرقة من الفرسان لملاحقته، بالإضافة إلى تحذير كل أهالي ترانسلفانيا عن طريق الفرمان الهمايوني الذي صدر بهذا الشأن، حيث ذكرهم بوجوب الولاء للملك الصغير ووالدته الملكة اللذين يتمتعان بحماية السلطان الشخصية، وبأنهم فيما لو انصاعوا لتحريض فرديناند، فسيعرضون أنفسهم لبلاء عظيم، وبأنّ قوات السلطان إضافة لقوات التتار سيكون لها الحق في الدخول إلى بلادهم وتدميرها375.
وبعد أنّ مكث السلطان القانوني ستة وعشرين يوماً في بودين، انطلق مغادرا نحو إسطنبول في الثاني والعشرين من أيلول، وبلغها في السابع والعشرين من تشرين الثاني العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين، وقد فارقها لمدة خمسة أشهر وسبعة أيام.





عليك أن تطلبها من خير الدين باشا

في الوقت الذي خرج فيه السلطان القانوني على رأس حملة بودين، أرسل من صوفياً فرماناً إلى بربروس خير الدين باشا يأمره فيه بالتوجه إلى الجزائر لتقديم المساعدة اللازمة لها. ذلك أنه وبالتزامن مع انطلاق السلطان القانوني نحو المجر لإيجاد حل جذري لأوضاعها، قرر شارلكان اتباع استراتيجية مغايرة هذه المرة بغرض مواجهته، حيث توجه أسطوله نحو الجزائر في العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين، لتنزل قواته على شواطئها.
ورغم أنّ بربروس خير الدين باشا هو أمير أمراء الجزائر، لكنه كان يتواجد في مركز السلطنة، وقد أوكل ابنه حسن آغا لينوب عنه في الحكم. وكان القراصنة الأتراك والجزائريون يقومون بكل الأنشطة للتضييق على الإسبان.
لذا فقد قرر شارلكان، مستغلاً توجه السلطان نحو المجر أن يقوم بالتخلص من هؤلاء القراصنة، وأن يعوّض ولو نسبياً الخسارة التي تعرض لها في بروزة، بالإضافة إلى تلقين الجزائر درساً لن تنساه.
فتحرك على رأس أسطول ضخم في خريف العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين، كان يضم اثني عشر ألفاً من جنود المشاة، وما يقارب الألف فارس، بالإضافة لانضمام أسطولي البابا وفرسان مالطة إليه، حتى وصل عدد سفن أسطوله بين كبيرة وصغيرة إلى خمسمائة وسبع عشرة سفينة، وعدد الجنود إلى خمسة وعشرين ألف جندي.
لم يضيع شارلكان وقته على الإطلاق حيث رسا على رأس هذا الأسطول الضخم قبالة سواحل الجزائر، وأنزل قواته في رأس تامنفوست376 في خليج الجزائر، وكان من الواضح أنه يريد تحقيق نتيجة حاسمة ليستبق احتمال وصول بربروس.
وكان يظهر برفقة الإمبراطور بعض النساء الإسبانيات، ومن الوارد أنه كان يخطط لإهدائهن إلى القادة الذين سيقدمون مساهمات فعالة لتحقيق النصر377.
أما الهاديم حسن آغا فلم يكن تحت إمرته من القوات التي سيواجه بها العدو سوى ستمائة فارس تركي، وبضعة آلاف من الجنود العرب. وحين بلغ شارلكان سواحل الجزائر أرسل إلى حسن آغا الرسالة التالية:
«أنا حاكم إسبانيا، وكما هو معلوم لك ولأتباعك داخل القصر، فقد أقبلت نحوكم بما شهدتموه من السفن وما لا يُحصى من الجنود. وسأمهلكم ثلاثة أيام لتخرجوا جميعكم من القلعة مع أموالكم إلى مكان لا يصلكم فيه عقابي. وإلا فسأسيطر على قلعتكم جبراً وقهراً، وأرديكم جميعاً قتلى بسيوف جنودي»
وحين قرأ حسن آغا رسالة شارلكان أمام قادة جنده، تقرر إرسال الجواب التالي على رسالته:
«إنّ غيرة الدين تجري في الدماء، فكيف نسلم الكفار القلعة؟ كما أنّ هذه القلعة تعود لبربروس خير الدين باشا وعليك أن تطلبها منه حين وصوله»378.
وإزاء هذا الجواب ثار سخط شارلكان، وقام بتنظيم جنوده في اليوم التالي وفق التشكيلة الحربية في ثلاثة ألوية، كان الإسبان يحتلون فيها قوات المقدمة، يليهم الألمان مع إمبراطورهم، وفي المؤخرة القوات الإيطالية تحت قيادة كاميلو كولونا إلى جانب فرسان مالطة.
كان طول الطريق المباشر الذي يفصل بين رأس تامنفوست والعاصمة الجزائر يبلغ اثني عشر ميلاً، وقد اجتازت قوات شارلكان هذه المسافة حتى بلغوا أسوار قلعة الجزائر في الوقت الذي كان حسن آغا يعقد فيه ديوانه، وكان يلقي على رجاله خطاباً مؤثراً حول عدم تسليم القلعة التي ائتمنهم عليها بربروس إلى ألدّ أعدائه، وإلا فبأي وجه سيقابلون الباشا بعد وصمة كهذه؟ وقد أحدثت هذه الكلمات الأثر المرجو، فتعهد المجاهدون على الموت في سبيل الدين المبين، وأعلنوا أنهم على أتم الاستعداد لتنفيذ كل ما يطلب منهم عن طيب خاطر.
وأخيرا بلغ المتحالفون المدينة، حيث تموضع الإسبان فوق الجبل، والألمان على التلال والسفوح المجاورة، بينما الإيطاليون نصبوا المتاريس على الشاطئ، حيث داهمهم في تلك الليلة بالذات حسن آغا على رأس الستمائة فارس التركي وألفين من الفرسان العرب وشنّ عليهم هجوماً رائعاً. وقد صعق العدو الذي أنهكه التعب مما يجري، حتى أنه عجز عن تبيّن الوضع وتداخلت صفوفه. وبعد أن تمكن المجاهدون من قتل ما يقارب ثلاثة آلاف فارس عادوا إلى داخل القلعة بالسرعة ذاتها.
ألّمت الدهشة بشارلكان الذي قام بحشد جنوده في صباح اليوم التالي ورصهم خلف المتاريس التي نصبوها، وبدؤوا بإنزال الذخائر والمؤن والمدافع إلى الساحل على وجه السرعة. ولكن مصيبة من نوع آخر كانت تنتظرهم هذه المرة، فرغم أنّ الرياح كانت هادئة حتى ساعات المساء، لكنها بدأت تعصف بشكل مفاجئ مع هطول أمطار غزيرة، وأخذت العاصفة تشتد حتى أنها باتت تهدد سلامة الأسطول والجيش على حد سواء، وأصبح الجنود الذين نزلوا إلى الساحل دون معاطف أو خيام نهباً للأمطار الغزيرة حتى الصباح.
استبد تعب شديد بالجنود وأعياهم الإرهاق، فيما كانت الأرض الرطبة تنزلق تحت أقدامهم. وقد أصاب العطب أربع عشر سفينة من سفنهم بما فيها سفينتا الأمير ميلفي وجانتينو دوريا، بينما اختفت مائة وثلاثون سفينة أخرى.
وعاد حسن آغا لينتهز الفرصة، وكان قد لاحظ الفوضى والإرهاق الذي ألمّ بصفوف العدو، فوجه هجومه هذه المرة على طوابير الطليان، وتمكن من طرد قواتهم المزعزعة إلى الطرف الآخر من الجسر الذي كانوا قد سيطروا عليه في اليوم السابق. ورغم أنّ أعداد القتلى في صفوفهم لم تكن بالقليلة، لكنهم عادوا للمقاومة بشدة وردوا على الهجوم.
فانسحب حسن آغا مع قواته قليلة العدد نحو القلعة في انتظام كبير، ليتعقبهم الإيطاليون حتى الأسوار، وبعد دخول العثمانيين القلعة، لم ينجُ فرد واحد من القوات الإيطالية التي تعقبتهم ممن وصلت بهم الجرأة حتى تسلق الأسوار بالسلالم التي علقوها، فمنهم من فقد حياته بنيران المدافع، ومنهم من أضحى نهباً لسيوف المدافعين.
أما العاصفة فكانت لا تزال مستمرة، وقد تمكن ثمانمائة من الأسرى المسلمين من النجاة بعد أن اصطدمت السفن التي تحملهم بالشاطئ، وكادوا يقضون على كل الجنود المسيحيين الذين يأسرونهم، ونجحوا في الهرب ودخول القلعة. وبالكاد تمكن القائد الإسباني الشهير إرنان كورتيس379 الذي كان على متن واحدة من هذه السفن، من النجاة من الخطرين الداهمين اللذان تحالفا ضده وهما؛ البحر العاصف والعرب. وأما من نجا من السفن الأسطول الصليبي التي ارتطمت بالشاطئ، فلم ينجحوا في إنزال الذخيرة نتيجة استمرار العاصفة380.
أما شارلكان الذي شعر بندم بالغ لأنه وطئ شواطئ الجزائر، فقد أمر بذبح الخيول لتعويض نقص الطعام الذي بات يعانيه جيشه. وإزاء خسارة عدد كبير من سفنه، وتوقف البنادق والمدافع عن العمل بعد البلل الذي أصاب البارود، وفقدان قسم كبير من المدافع والمؤن والذخائر، اضطر لتأجيل آماله حول الجزائر إلى ربيع آخر وأمر قواته بالانسحاب.
وستتحول رحلة الوصول إلى سفنهم الراسية في رأس تامنفوست كابوساً آخر، ذلك أنّ الجداول المائية قد اتسعت حتى أصبحت كالأنهار، وتحولت الأرض إلى مستنقعات، وساءت أحوال الطريق إلى درجة بالغة جعلت تقدمهم حافلاً بالصعوبات والمشقات. أما حسن آغا فلم يكن ينوي أن يدعهم وشأنهم، وكانت هجماته المتلاحقة تزيد من معاناة المنسَحبين، حيث يتعمد الإغارة عليهم في المعابر والجسور، ليغدو قسم منهم عرضة للموت بسيوف جنوده، والقسم الآخر غريقا في مياه النهر. وأخيراً تمكن شارلكان من بلوغ تامنفوست في رحلة استغرقت منه أربعة أيام، في حين أنها لا تتطلب سوى مسيرة يوم واحد عادة.
وطوال تلك الكيلومترات كانت جثث العدو ترتصف الطريق، وأما الغنائم التي سيطروا عليها فقد تجاوزت الحساب. وقد تمكن الجنود المسلمون من أسر النساء الألمانيات والإيطاليات والإسبانيات النبيلات، من دوقات وماركيزات وكونتيسات381.
وقد غادر شارلكان في حالة يرثى لها مع من بقي حياً من جيشه، على متن السفن القليلة التي تمكنت من النجاة في السادس عشر من كانون الأول العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين، وبدأ يمخر العباب في رحلة العودة. ولكن البحر لم يكن قد انتهى من إكرام وفادة هؤلاء الضيوف اللامدعوين، حيث وقعت عاصفة أخرى دفعت بسفنهم نحو شواطئ مدينة بجاية382، وقد اضطروا للتأرجح على سطح البحر لثلاثة أسابيع، أجبر فيها جنود قيصر الغرب العظيم على أن يقتاتوا الحشائش والكلاب والقطط، حتى أنهكم الجوع والعطش.
وهكذا انتهت حملة شارلكان الذي هرب من لقاء السلطان سليمان القانوني، ومخر عباب البحر أملاً في تحقيق نصر كبير وبطولات عظيمة في الجزائر، بعد حصار دام شهراً بهزيمة غير مسبوقة. وبعد سلسلة من الكوارث تمكن من الوصول إلى مايوركا، لكنه لم يتمكن قط من نفض آثار هذه الهزيمة المباغتة عنه383.
وسيعبر ممثل الحكومة الفرنسية عن فرحته العارمة في الرسالة التي بعث بها للملك فرانسوا، وهو يتحدث عن شارلكان بالكلمات التالية «لقد أصيب في أعمق أعماق قلبه»384.
أما بربروس خير الدين باشا فخلال العاصفة التي أهلكت أسطول شارلكان، كان يرسو في أحد الموانئ، حيث لم يصب أسطوله بأدنى ضرر. وقد تقاسم الفرحة العارمة بعد وصول أخبار النصر مع أبطال الجزائر من جهة، ومع السلطان الذي بعث إليه برسالة التبشير من جهة أخرى.





سيفقد رأسه أيضاً

تلقى السلطان سليمان القانوني خبر النصر الذي تحقق في الجزائر خلال طريق عودته من بودين، فسرّ سروراً عظيماً، وأنعم على كل من ساهم في تحقيق هذا النصر بالهدايا والمناصب المناسبة، كما شكر جناب الحق على فضله، وأقام الولائم للفقراء والمحتاجين، ومن ثم توجه إلى إدرنة. وانشغل فيها بتسيير شؤون البلاد من جهة، وبرحلات الصيد التي كان ينظمها من جهة أخرى.
وبسبب مرض والي بودين سليمان باشا المجري، فقد بعث إلى السلطان يطلب تقاعده لعدم قدرته على مواصلة وظيفته، فتم قبول طلبه، وعيّن في منصبه أحد أشهر قادة القوات الحدودية؛ يحيى باشا أوغلو بالي بيك. كما تم إرسال الأمير محمد إلى ولاية صاروخان، والأمير سليم إلى قونيا. وقد تلقى الأمير محمد يوم توليه إمارتي الحكم وهما الراية والطبل، وبعد المكوث عدة أيام في أوسكودار، انطلق مغادراً لتولي مهام منصبه الجديد، كما نفذت الإجراءات ذاتها مع الأمير سليم385.
وبالمقابل ومع مغادرة السلطان سليمان بلاد المجر، بدأت فرقتان من القوات العثمانية بالتوغل في هجماتهما داخل البلاد. الفرقة الأولى التي كانت تحت إمرة والي البوسنة واتخذت وجهتها صوب مورافيا، لكن فيضان نهر فاه386 أجبرهم على التوقف. أما الفرقة الثانية فقد كانت وجهتها منطقة غيارمات387 معقل أمريك بالاسّا الذي حاول تحريض أهالي ترانسلفانيا على السلطان، وكان ذلك في نيسان العام ألف وخمسمائة واثنين وأربعين. فالفرمان الذي أعلنه السلطان بحق بالاسّا كان قاسياً جداً، والذي حمل وعيداً أيضاً بحق الترانسلفانيين في حال استجابوا لتحريض فرديناند لهم، حيث سيتعرضون لهجوم مائة ألف من فرسان التتار والأكنجي الذين سيغرقون البلاد في النيران والدماء.
أما فرديناند فلم يسأم من إرسال مبعوثيه إلى السلطان للمطالبة بالمجر. فبعد وفاة زابوليا عاد الكاتب ترانكيلوس إلى إسطنبول بناء على طلب فرديناند، وقد كلّف بتقديم عرض لجناب السلطان ينص على منحه جزية سنوية مقدارها خمسون ألف دوقة مقابل تخليه عن المجر، وفي حال رفضه فسيقوم بدفع مائة ألف دوقة388.
وقد رأى الوزراء العثمانيون أنّ عرض ترانكيلوس لا يحمل أي أهمية تخوّل صاحبه المثول بين يدي السلطان.
ومقابل محاولة المبعوث الدفاع عن مشروعية مطالب سيده مستنداً إلى المعاهدة السرية التي وقعت سابقاً بين زابوليا وفرديناند، فقد قام الوزراء العثمانيون بعرض حقوق الفتح، والتي تنص على أنّ تلك البلاد للسلطان وقد أنعم على زابوليا بحكمها، ولكن ذلك لا يخوله أن ينقل حكمها لشخص آخر. ومع إصرار المبعوث على موقفه، نهره الصدر الأعظم هاديم سليمان باشا بحدة مذكراً إياه بعاقبة علاء الدولة قائلاً389:
«لو حاول سيدك التمادي أكثر، فسيفقد رأسه أيضاً»
كما أنّ الوزير الثاني رستم باشا هدده بالقول:
«كان إبراهيم باشا يضغط على فيينا بطرف إصبعه، أما أنا فأريد تطويقها بكلتا راحتي. وإن كنت لا تستطيع لقاء السلطان، ولا تنال شرف تقبيل يده، فلا تضع وزر ذلك سوى على العروض التي جئت بها»390.
ومن جهة أخرى فإنّ انتقال بودين للإدارة العثمانية بشكل مباشر قد خلق الكثير من ردود الفعل في أوروبا. أما السلطان سليمان الذي اعتبر الأمر فتحاً جديداً لدولته، فلم يكن هدفه تولي السلطة بشكل مباشر لإحدى الدول التي كانت تحت حمايته سابقاً، بقدر ما كان يرمي لهزيمة قوات فرديناند وردعها نهائياً عن المدينة. ورغم أنّ ردود الفعل قد ظهرت أكثر ما يمكن داخل حدود الإمبراطورية في أوروبا، لكن الأمراء البروتستانت أيضاً بدؤوا يعتبرون الدولة العثمانية مصدراً للتهديد.
فقد كان ملوك إسبانيا والنمسا في حالة يرثى لها إزاء التوسع العثماني في الغرب، وكانوا يخشون من وقوع الأسوأ ما لم يقوموا باتخاذ التدابير اللازمة في الوقت المناسب. وكانوا يعبرون عن الأمر بالقول:
«في حال لم نقم بردع الأتراك، فلن يبقوا على أحد منا. والحل الأنسب لذلك هو ألا نمنحهم الراحة»391.





الحرب الكبرى أمام أسوار بودين

بالتوافق مع هذه الأفكار بدأ كل من شارلكان وفرديناند بالتواصل مع البابا، وملوك كل من بولندا، إسبانيا، الدانمارك، السويد، هولندا، البندقية، الفلامينك، نابولي وأنكونا392، إلى جانب أمراء المقاطعات في بلادهم، وقد أسفرت الاجتماعات التي قاموا بعقدها عن الاتفاق على تشكيل جيش قوي، تجمعه فكرة إجلاء العثمانيين عن بودين، بل وعن بلاد المجر برمتها. وقد حشدوا الجنود والذخائر من كل الشعوب، ليظهر جيش بالغ الضخامة. بالإضافة إلى تشكيل أسطول قوي يضم كل آلات الحرب وأدواته، واختير كارا هيرسك قائداً لهذا الجيش.
في العام ألف وخمسمائة واثنين وأربعين، انطلق كارا هيرسك على رأس جيشه المكون من ثمانين ألف جندي، وضرب حصاراً على بِست من عدة جهات. 393
وما أن بلغت هذه الأخبار مسامع السلطان القانوني حتى أمر بتجهيز الجيش للانطلاق في الحملة. فأمر أمير أمراء روميلي أن يستعد للتوجه صوب صوفيا. كما كلّف كلاًّ من: والي البوسنة عُلما باشا، والي سميديريفو محمد بيك، والي بوزيغا أرسلان بيك، والي كيوستينديل394 خضر بيك، والي كليس مراد بيك ووالي كروسيفاتش (ألاجا حيصار) محمد بيك بالتوجه إلى بِست لتقديم المساعدة لها.
وقد دخل كل هؤلاء الولاة مع قواتهم قلعة بِست في الوقت الذي وصل فيه العدو إلى سهل بِست. أما حامية قلعة بودين والتي يبلغ عددها ثلاثة آلاف إنكشاري، فقد توجه قسم منهم تحت قيادة قائد الحامية نحو المداخل الدفاعية لبِست. ومع وصول هذه المساعدات، بلغ تعداد القوات العثمانية في القلعة ثمانية آلاف جندي.
صوب العدو نيران مدافعه نحو القلعة لسبعة أيام بلياليها دون توقف، حتى نجح في إحداث ثغرات كبيرة في جسم القلعة. ولكن العثمانيين في الداخل كانوا قادرين على صدّ العدو من خلال التدابير التي قاموا باتخاذها. وأخيراً أعلن العدو الهجومَ العمومي في اليوم السابع ليدخلوا القلعة من خلال الثغرات. ولكن من دخل منهم كانت تنتظره عاقبة وخيمة، وخاصة من قبل فرق الإنكشارية المكلفة باستقبالهم، فقد باشروا بحصدهم في لمح البصر، ولم يتمكن أحد من الداخلين الخروج حياً من القلعة. ما أثار فزعاً ورعباً عظيمين بين صفوف العدو. وقد خمن القائد الحدودي المحنك بالي بيك حالهم هذه، ولم يكن ينوي منحهم فرصة استجماع قواهم.
وفي اليوم التالي وبينما فرق العدو تستعد لهجوم جديد، بدأت المدافع العثمانية الكثيفة تزعزعهم مجدداً، وإزاء ارتفاع عدد القتلى، انهارت معنويات قوات التحالف، وبدأت الخلافات بالظهور بين القادة. وبعد العديد من المناقشات والجدال، تقرر رفع الحصار عن القلعة والانسحاب.
أمّا العثمانيون بدورهم فكانوا يتعقبون كل تحركات العدو بانتباه شديد، وحين أدركوا أنّ هؤلاء على وشك الانسحاب، خرجوا من القلعة ليهاجموا مؤخرة قواتهم، حيث نشب بين الطرفين صراع دموي بالغ العنف. وبينما كان قائدهم كارا هيرسك ينسحب أصابته طلقة مدفع فقد على إثرها حياته. أما الأتراك فقد قتلوا كل من أمسكوا به من جنود العدو الذين كانوا يهربون في حالة يُرثى لها395.
ومع انهزام الجيش الصليبي الهائل الذي ناهز ثمانين ألف جندي، والذي كان يرمي طرد العثمانيين من المجر، أمام ثمانية آلاف جندي عثماني، وانسحابهم مشتتين في أسوأ حال، ترسخ الحكم العثماني في بودابست بهذا النصر الساحق.
عندما علم السلطان سليمان القانوني أنّ العدو متجه صوب بودين على رأس جيش ضخم، أمر ولاته الحدوديين بالتوجه إليها لتقديم العون، وانتقل بدوره إلى إدرنة. وبينما كان منهمكاً بالتحضير للحملة، وصلته أبناء النصر، فقام بتأجيل الحملة إلى الربيع التالي396.





سليمان العظيم

كان قيام الجيش الصليبي الذي تشكل بمساندة من شارلكان وفرديناند في العام ألف وخمسمائة واثنين وأربعين بمحاصرة إيالة بودين المتشكلة حديثا، سبباً في احتدام غضب السلطان سليمان القانوني. فرغم قيام القوات الحدودية بتشتيت هذا الجيش، وتأجيل الحملة لذلك العام، فقد كان عازماً على إنزال ضربة قاصمة بالمتحالفين الأوروبيين، وإظهار قوته اللامحدودة أمام العدو، ليدفعوا ثمن الاعتداء على أراضي السلطان.
وفي خضم هذه القناعات وصل إلى إسطنبول مبعوثا فرنسا؛ باولين وبيليسيه، ليقدما الاحترام بالنيابة عن ملك فرنسا، ويلتمسا من السلطان العثماني مساعدة أسطول فرانسوا في مواجهة رقيبه الأزلي شارلكان.
فبعد الهزيمة التي تلقاها شارلكان في الجزائر، توقفت نشاطاته البحرية، ورغم ذلك لم يكن فرانسوا يبلغ سوية تمكنه من مجاراة قوته البحرية، وهذا ما جعله بحاجة لوجود قوة السلطان العثماني إلى جانبه. وقد سبق له أن طلب المساعدة سابقاً لمرات كثيرة، كان السلطان سليمان القانوني يلبيه فيها في الأوقات التي يراها مناسبة. ورغم ذلك فلم يتوانَ عن التصرف بنفاق بسبب من التعصب الديني الذي كان يسود أوروبا. ومع اطلاع السلطان على حقيقة نفاق الملك، فقد كان يقدم له الدعم الضروري، معللاّ الأمر بالضرورات السياسية التي يتحرك وفقها هو والملك على حد سواء.
وبما أنه كان ينوي شنّ حملة على أوروبا، فقد وافق على طلب الملك المتزامن مع قراراه، حيث ستمكنه هذه الخطوة من إضعاف شارلكان من عدة جبهات. وبناء عليه فقد أمر بتجهيز الأسطول من أجل توجهه في الربيع لتقديم العون للأسطول الفرنسي، كما شدد على تزويد الأسطول العثماني بسفن الكادرغة الضخمة، وتخصيص المهرة من الجذّافين والعزاب397 للانضمام للأسطول. وقد كلّف بربروس خير الدين باشا بتجهيز الأسطول وقيادته أيضاً، حيث خاطبه بالقول:
«يا خير الدين! لقد عينتك قائد الأسطول المتوجه لتقديم العون للفرنسيين ومحاربة الإسبان. ومهمتك هذه المرة بالغة الأهمية، ذلك أنه يتوجب عليك أن تتحدى كل الأساطيل في البحر المتوسط، خلا الأسطول الفرنسي، وتنتصر عليهم». وبناء عليه بدأت الترسانة بالعمل وبناء سفن الكادرغة الضخمة398.
كان الحملات كلها تنطلق من إسطنبول حتى ذلك الوقت، ولكن السلطان القانوني قرر إطلاق الحملة هذه المرة من إدرنة. ومن أجل قضاء الشتاء فيها، غادر السلطان برفقة قواته عاصمته في السابع عشر من تشرين الثاني العام ألف وخمسمائة واثنين وأربعين، حيث استقبله أهالي إدرنة لدى وصوله استقبالاً حافلاً، وكان أعيان المدينة، وعلماء المدارس، ورجال الدين وشيوخ التكايا والدراويش على رأس المستقبلين، مبتهلين بالدعاء من أجل نصرة السلطان ودوام حكمه.
وبعد أن حضر السلطان مجالس الدعاء، توجه إلى قصره القائم على ضفة نهر تونجا، فيما تم توزيع حاشيته من الوزراء وقادة الجيش وأركان الدولة، على أجمل أبنية المدينة. وخلا الأوقات التي كان ينشغل فيها بتسيير شؤون الدولة، كان يقضي أوقاته في صيد الأسماك والطيور والحيوانات البرية. حتى انقضت خمسة أشهر على إقامته في قصر إدرنة.
وكما هو معتاد دائماً، كان السلطان سليمان القانوني يأمر قواته بالانطلاق في الحملة مع قدوم عيد النيروز، ولكنه وعلى خلاف عادته لم يشأ تأخير انطلاق حملته حتى الثاني والعشرين من آذار رغم برودة الطقس. فاستدعى أحمد باشا أمير أمراء روميلي لجمع قوات إيالته، وأمره الالتحاق بمعسكر الجيش في بلغراد.
وعلى إثر هذا القرار قام أحمد باشا بجمع قواته رغم برودة الطقس، وبدأ المسير. وفي هذه الأثناء أعلن بربروس خير الدين باشا بأنه أتمّ كل استعداداته، وانتظر أوامر السلطان ودعاءه لهم. ومع وصول أوامر التحرك، بدأ بالإبحار نحو المياه الفرنسية.
في الثالث والعشرين من نيسان المصادف ليوم الإثنين من العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين، انطلق السلطان سليمان القانوني على رأس جيشه مغادراً إدرنة. وكان يوماً غير مسبوق في تاريخ المدينة، حيث احتشد الناس على جانبي الطريق، وقد اتخذ الديبلوماسيون الأجانب القادمون من إسطنبول الأماكن المخصصة لهم، وكانوا يراقبون احتفال العبور الرسمي بانفعال بالغ، ولكن في صمت مطبق بالمقابل، وكأن أنفاسهم قد حبست إزاء هذا العبور الذي تواصل لساعات فيما القوات العثمانية تختال وسط أبهة وعظمة لا مثيل لها، ما يفسر سبب لقب العظيم الذي أسبغه الغرب على السلطان القانوني.
وقد كلّف السقاة بتوزيع المياه على قوات المقدمة من خلال القرب المليئة التي كانوا ينقلونها. حيث تقود هذه القوات سبع مجموعات ثلاثمائوية من سلاسل بغال الحمل، وكانت هذه الحيوانات التي وصل مجموعها إلى ألف ومائة دابة تحمل كنوز السلطان وخزينته.
يليهم تسعمائة من فرسان الخاصة بأزيائهم الرائعة، يسيرون في مائة صف متتابع يضم كل منها تسعة فرسان.
ومن ثم عبر بهم خمسة آلاف وأربعمائة جمل يسيرون أسداساً في مائة صف متتابع، وكانوا يحملون قسماً من مؤن الجيش وذخيرته.
يليهم فرقة الذخيرة المكونة من ألف جندي.
فرقة الألغام وتضم خمسمائة جندي.
فرقة المدفعية وتضم ثمانمائة جندي.
فرقة سائقي عربات المدافع المكونة من أربعمائة جندي برفقة آغواتهم.
يعقبهم أركان القصر؛ الكاهيات، الكتبة، آغوات المؤن، الخزندار باشي (رئيس الخزينة)، وكابي آغاسي (آغا الباب).
يليهم الفرسان الذي انقسموا لجناحين؛ في الجناح الأيمن ألفان من السيباهي براياتهم الحمراء، خمسمائة من فرقة العلوفة براياتهم الخضراء إلى جانب خمسمائة من فرقة الغرباء براياتهم البيضاء399.
أما في الجناح الأيسر فسار ألفا سلحدار براياتهم الصفراء، خمسمائة علوفجي براياتهم البيضاء والخضراء المخططة، وخمسمائة من فرقة الغرباء براياتهم الحمراء والبيضاء المخططة.
وكان يتعقبهم أركان الديوان، النيشانجي باشي، قضاة العسكر، وأمامهم يسير الوزراء الأربعة محاطين براياتهم الرباعية وضباطهم وعبيدهم.
وكان يليهم فرقة صيد السلطان وهم مربو الطيور الجارحة بما فيها الصقور والشاهين، القناصون، مربو الكلاب السلوقي وكلاب الصامصون400، المتفرقون، الطباخون وذواقو الطعام، والعاملون في الإسطبل العامر.
ومن ثم فرسان روميلي، الأناضول، قرمان، الكورد، العجم والعرب، تغطي جيادهم السروج والألجمة المزينة بالفضة بحواشيها الموشاة بخيوط ذهبية، يتقدمهم أمير الإسطبل الأول والثاني مع وكلائهم وكتَبَتهم.
بالإضافة إلى ثلاثمائة فارس من الكابجي باشي (حراس أبواب القصر)، يتقدمون اثني عشر ألفا من أفضل فرق الجيش وهم الإنكشارية المسلحين بالسيوف والرماح والبنادق الطويلة، حيث ثلاث من رايات التوغ تتقدم أعلامهم الحمراء. وكان ظهور أربعة عشر من حملة الأعلام يرفعون الأعلام السبعة الذهبية المخططة ورايات التوغ السبع، دلالة على اقتراب السلطان ليبلغ الانفعال أقصى ذراه.
ومع عبور مائتي عازف من فرقة الميهتار ترافقهم أصوات المارشات الداوية، بدأت رغبة الجهاد في القلوب تنتعش بصورة مفاجئة، وكان الجميع صغاراً وكباراً يشعرون بأنفسهم يحاربون في ميادين القتال، حيث كان مائة من النقّارة بآلاتهم المعلقة إلى أعناقهم بسلاسل ذهبية، ومائة من الطبّالين، يضفون أجواء رائعة من الحماسة الحربية على الركب والحشود.
وخارج الدائرة التي كانت تشكلها قوات العُسر401 حول السلطان، كان هناك مائة وخمسون شاويشاً يسيرون تحت قيادة شاويش باشي، يحملون العصي المصنوعة من الفضة والتي تزينها سلاسل فضية قصيرة، وكانت الأصوات التي تصدرها حين تهتز ممتزجة بأصواتهم الهاتفة «يعيش مولاي السلطان» تضفي بهجة فريدة على الموكب. .
وضمن صفوف العُسر كان سبعون من السعاة (حملة البريد)، يرفلون وسط أثوابهم المصنوعة من أفخر أنواع الأقمشة، تزين رؤوسهم قلنسوات مذهبة، ويحملون الرماح الذهبية.
أما السلطان فقط كان يرتدي ثياباً غاية في البساطة، ويتهادى على حصانه بأناة ووقار فيما هو يتقدم، وبحسب ما وصفه المؤرخون «كان كالشمس التي تتلألأ خلف غيوم رقيقة، متوارياً خلف عمائم العُسر المتموجة»402.





سلسلة من الفتوحات

وسط كل هذه الأبهة انطلق السلطان القانوني على رأس جيشه في حملة جديدة. ومع قطع مسافة محددة في كل يوم، تمكن من الوصول إلى بلغراد في الرابع من حزيران العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين، وكان أحمد باشا أمير أمراء روميلي قد سبقه إلى هناك، كما وصل جنود أمير أمراء الأناضول إبراهيم باشا على رأس قوات الأناضول لينضم إلى الجيش.
كان نهر سافا في هذا الوقت من السنة غزير المياه كبحر متدفق، وقد تمكن العمال من بناء جسر متين فوق مياه هذا النهر، حيث عبره الجيش في الثاني عشر من حزيران ليطأ جزيرة سريم، ورغم أنّ قلعة فالبوفو الواقعة شمال الجزيرة قد تمّ فتحها سابقاً، لكنها وقعت بيد العدو فيما بعد. وقد كُلّف والي البوسنة خسروف باشا باستعادتها، ومن ثم انتقلت هذه المهمة إلى أمير أمراء روميلي أحمد باشا.
وبسبب امتلاء خنادق القلعة بالمياه، فقد واجه جنود روميلي مشقة عظيمة، بالإضافة إلى أنّ العدو كان يصوب نحوهم نيران مدافعه ليل نهار دون توقف. ورغم ذلك تمكنت نيران المدافع العثمانية من تخريم أسوار القلعة، وحين شاهد المدافعون الاستعدادات للهجوم العمومي، قاموا بتسليم القلعة مفضلين إنقاذ أرواحهم، وكان ذلك في الثاني والعشرين من حزيران العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين. وبعد السيطرة على هذه القلعة، تم فتح العديد من القلاع الصغيرة المجاورة لها403.
وقد استقبل السلطان قائد حامية القلعة بينما كان معسكره مقيما في أوسييك، وأنعم عليه بزعامت جوار بودين، لإظهاره الولاء والطاعة. كما ترك حامية في قلعة فالبوفو وعين فيها قاضياً.
أما والي سنجق أوسييك مراد بيك ووالي سنجق موهاج قاسم بيك فقد أنيطت بهما مهمة استعادة قلعة بيتش404 التي كانت تتبع للعثمانيين فيما مضى. كانت بيتش مدينة قديمة قلعتها حصينة، تحيط بها جنان من الأزهار والأشجار الوارفة من كل صنف ونوع، وكل زاوية فيها تنافس قطعة من الجنان. وحين علم أهلها وحاميتها بأنّ الجيش العثماني يسير نحوهم، أدركوا أنهم لا قِبل لهم على صدهم، فسلموا القلعة دون قتال. وقد أرسلت بشرى الفتح إلى السلطان على الفور.
أما حامية قلعة سيكلوس فقد رفضوا عروض تسليم القلعة دون قتال، والتي كانت حصينة ومنيعة إلى درجة عالية. وإزاء ذلك تقرر أن يخيم الجيش حول القلعة ويفرض عليها الحصار، بينما حامية القلعة كانت تمطر العثمانيين بوابل غزير من نيران مدافعها. ما أثار غضب السلطان وأمر بأن يتم فتحها على وجه السرعة. وعلى إثر هذه الأوامر قام العثمانيون بنصب المدافع في مواقع مناسبة، وبدؤوا بتصويب نيرانهم نحو القلعة، وبعد خمسة إلى ستة أيام فتحت ثغرات في جدران القلعة الخارجية، مهدت للقيام بهجوم في الخامس من تموز. فتقدمت قوات الأناضول تحت غطاء من نيران المدافع العثمانية ودخلوا القلعة، وشنوا هجوماً ضارياً على العدو بالسيوف والسهام والرماح وتمكنوا من السيطرة على القسم الخارجي للحصن.
ومن ثم بدؤوا بإدخال المدافع ووجهوها نحو القلعة الداخلية، وبعد أن قاوم أهالي القلعة لفترة أخرى، طلبوا الأمان مقابل تسليم القلعة في الثامن من تموز، حيث أخذت الرايات العثمانية ترفرف على أبراجها، وعلت أصوات الأذان، وعزف الميهتار المارشات العسكرية، لتنضم القلعة بذلك إلى الأملاك العثمانية. 405
دخل السلطان القلعة وتجول فيها برفقة أركان دولته، وكافأ من ساهم في السيطرة عليها بالخلع والعطايا، فقاموا بتقبيل يد السلطان، وقد انضمت القلعة بذلك إلى سنجق موهاج.
وبعد أن قام الجيش بفتح قلعة سيكلوس، أخذت طلائعه بالتحرك نحو بودين. حيث تم الاستيلاء على كل القلاع الواقعة على الطريق الواحدة تلو الأخرى، إلى أن بلغ الجيش بودين في الثالث والعشرين من تموز.
وبعد أخذ قسط من الراحة لبضعة أيام في المدينة، انطلقت قوات الجيش شمالاً، واضعة نصب أعينها قلعة إزترغوم.





فتح إزترغوم (1543)

كانت إزترغوم إحدى المدن التاريخية المقدسة بالنسبة للمجريين، والمركز الديني للبلاد حيث يقيم فيها رئيس أساقفة الكاثوليك.
وقد بنيت على التلة المقابلة للموقع الذي يلتقي فيه نهرا الدانوب وغران، وكانت القلعة تضم حصناً داخلياً منيعاً، تحيط به الكثير من الكنائس المرتفعة البناء، والتي كانت عمارتها المذهلة تسحر الأبصار. كانت نوافذها مزينة بزخارف مذهبة، أما الأرضيات فمغطاة بالمرمر. وبسبب تموضع القلعة في مكان غاية في الارتفاع، كانت احتياجاتها من المياه تؤمن بواسطة النواعير التي فوق نهر الدانوب. ورغم أنّ العثمانيين تمكنوا من السيطرة عليها قبلاً، لكنهم خسروها لاحقاً. وكان قاطنو القلعة من غير المسلمين يلحقون الكثير من الأذى بالمسلمين المقيمين في تلك الأرجاء.
وفي الثامن والعشرين من تموز وإثر رفض عرض التسليم، بدأ الجيش العثماني في اليوم التالي بمحاصرة القلعة من خلال أسطوله الحربي في نهر الدانوب، وقواته البرية التي بدأت تأخذ مواقع الحصار.
وإزاء عدم كفاية التدابير المتخذة ومقاومة المدافعين الشديدة، نصبت المدافع الكبيرة على السفن قبالة المواقع الضرورية، ووقعت القلعة تحت وابل كثيف من نيران المدافع، وبالمقابل كان العدو المتخندق في قلعته العالية، يطلق نيران المدافع التي تنهال كالصواعق على المحاصِرين. لذا كان جنود الإنكشارية يقيمون المتاريس حول القلعة لتفادي الأضرار قدر الإمكان. وكان الوزراء والقادة يحاولون دعم الجبهات الضعيفة، وحفر الخنادق من عدة جوانب، للاحتماء بها من أجل الاقتراب من أسوار القلعة.
في الرابع من آب تقدم الأسطول لمسافة أقرب، ما مكن مدافع الأسطول ومدافع القوات البرية من إمطار القلعة بنيرانها ليل نهار دون توقف، حتى غدت أشبه بسجن على قاطنيها.
وفي السادس من آب الموافق ليوم الاثنين أُعلن عن شنّ هجوم عمومي على القلعة، حيث أخذ المجاهدون مواقعهم أمام الثغرات التي فتحت في جدران القلعة حتى أنّ قسماً منهم بدأ بتسلقها، وتمكن من الدخول. فحدثت اشتباكات عنيفة جداً بين الطرفين، ورغم كل تلك الجهود لم تسقط القلعة. وقد استشهد قسم من جيش المسلمين بنيران البنادق والمدافع، وقسم آخر نتيجة الاشتباكات مع المدافعين. ومن بين الشهداء جندي سنان أحد أمراء الأناضول، ومحمد بيك أحد قادة الأسطول من أمراء روميلي.
وقد تمكن محاربو الجيش العثماني ممن استطاعوا دخول القلعة قبيل استشهادهم من قتل أعداد كبيرة من المدافعين، وبذلك كانت الخسائر بين صفوفهم بالغة الحجم. وبدا من الواضح أنهم غير قادرين على التصدي لهجوم عمومي آخر، لذا حاولوا الضغط بشدة على قادتهم، وهم يوضحون لهم:
«لن نستطيع حل المسألة بالعناد. ولن يفيد الندم بعد فوات الأوان. فما من عاقل سيصرّ على التصدي لهذا الجيش الجرار»
وهكذا فقد أرسلوا مفتاح القلعة في العاشر من آب العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين مقابل الأمان، فعفى عنهم السلطان بدوره. وبذلك انضمت إزترغوم لأراضي السلطنة حيث رُفعت فوق أبراجها الرايات العثمانية دون تأخر406.
ووصف البعض من القادة ورجال الدولة ممن دخلوا القلعة، الكنائس الكثيرة داخلها والمرصوفة بالمرمر النقي. أما الكنيسة الرائعة التي تتوسط المدينة، فقد تمّ تحويلها إلى جامع وأضيف إليها منبر ومحراب.
وفي يوم الجمعة الذي تلا الفتح دخل السلطان برفقة جميع أركان دولته وقادته على ظهور جيادهم، وتجولوا في القلعة والمدينة، كما تجولوا في قصرها الرائع. ومع حلول موعد الصلاة توجهوا إلى الجامع وأقاموا صلاة الجمعة بداخله، وابتهلوا بالدعاء للسلطان لدوام نصره ومجده. وقد عين السلطان في المدينة قاضياً، وقائداً لحامية القلعة، وفرقة مدفعية وما يلزمها من ذخائر ومدافع، كما أمر بإعادة إعمار المواضع التي تهدمت من القلعة407.
ومع فتح قلعة إزترغوم، تم تأسيس سنجق إزترغوم أيضاً، وهو عبارة عن قطعة أرض صغيرة على الضفة اليمنى لنهر الدانوب. وبعد بناء حصن شتوروفو408 توسعت حدود سنجق إزترغوم شمالاً.





فتح سيكشفهيرفار (إيستوني بلغراد)

بعد مدينة إزترغوم كان الهدف هو مدينة سيكشفهيرفار المركز الحكومي السابق للمجر، والتي تحمل قيمة معنوية عالية، حيث كانت تضم رفات العديد من ملوك المجر الذين كانوا يدفنون في مقبرتها، بينما تتم مراسم اعتلاء الملك الجديد للعرش في هذه المدينة أيضاً. وهذا ما جعل المجريين يغلقونها أمام الغرباء، ولكن القانوني كان قد عقد العزم على امتلاكها.
بعد أن انطلق الجيش من تاتا409 وصل في العشرين من آب العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين إلى سهل سيكشفهيرفار، حيث نصبت خيمة السلطان على تلة مرتفعة تمكنه من رؤية حصن المدينة. أما الجيش فقد خيّم قسم في السهل، والقسم الآخر على سفوح الجبل.
كانت قلعة سيكشفهيرفار قلعة قديمة محصنة، تحيط بها البحيرات من الجهات الأربع وتقع في سهل واسع. تتوسطها كنيسة عظيمة البناء. وكانت أبراج الحصن الداخلي للقلعة غاية في الارتفاع، أما الحصن الخارجي فكان ضخماً حتى يبدو كمدينة واسعة. وكانت ضواحي القلعة أشبه بمدينة كبيرة. كما كانت تضم حامية كبيرة العدد، وكانت معنويات أفرادها عالية ذلك أنهم لم يشهدوا حتى ذلك التاريخ احتلالاً من قبل. فحصانة القلعة وقوتها ومدافعها بعيدة المدى كانت تزيد من اعتدادهم. وهذا ما جعلهم يرفضون عروض التسليم دون تردد، متعهدين بمحاربة العثمانيين ومنع أي غريب من دخول القلعة. وما إن وصلت القوات العثمانية واستقرت حول القلعة، حتى بدؤوا يمطرونهم بنيران مدافعهم بعيدة المدى.
وبناء على هذا الوضع، قام السلطان القانوني بإرسال إبراهيم باشا أمير أمراء الأناضول إلى بودين لإحضار المدافع ذات المدى والمواصفات المناسبة. ومن ثم أمر الوزير الثالث محمد باشا وآغا الإنكشارية بالتمركز قبالة إحدى ضواحي المدينة، والوزير الرابع خسروف باشا وأمير أمراء روميلي أحمد باشا بالانتقال إلى الجانب الآخر. ومن أجل الجنود الإنكشاريين الذين سيحيطون بالقلعة، فقد تم حفر أنفاق وبناء متاريس قريبة جداً من ضواحيها ليلاً. وبذلك بدأت الخطوات العملية لفتح القلعة410.
كان أحد جدران القلعة مبنياً من الطوب الخام، وكانت معظم الذخائر مخزنة في الجانب الآخر من الجدار، ما يسهل على العدو الدفاع عن تلك المنطقة. لذا فاقتراب جنود المسلمين من القلعة كان صعباً دون السيطرة على هذا الجدار.
ومن أجل رفع معنويات الجنود، قام القادة المحنكون بضمهم في مجموعات، ومع عزف الميهتار، وارتفاع أصوات التكبير، تليت أدعية النصر. وبالمقابل فإنّ ضوضاء صاخبة كانت تصل من جهة العدو أيضاً، وقد وقع صدام عنيف جداً بين الطرفين، حيث سقط عدد كبير من الشهداء.
وكان لوصول المدافع تأثير إيجابي على معنويات المحاصِرين، وخاصة أنّ أحد المدافع المخصصة لضرب هذا الحصن كان يستطيع رمي قذائف يبلغ وزنها خمسين رطلاً، وطول سبطانته ثمانية عشر شبراً. وقد صممه المدفعي أسد الله ليتصف بقوة المدافع ذات القذائف الكبيرة وسرعة المدافع الصغيرة في آن.
وعلى الفور تم توزيع المدافع على مواقعها المعدة مسبقاً، ووجهت نحو أهدافها، وفي صبيحة اليوم التالي بدأت بإطلاق قذائفها ترافقها الأدعية بالنصر. وبعد عدة أيام من الضرب، بدأت الثغور تظهر في جدران القلعة.
وفي الثامن والعشرين من آب قام أحمد باشا أمير أمراء روميلي بشن هجوم عمومي عبر الثغرات التي فتحت على جبهته. فبعد أن تمكنت قوات المدفعية من فتح ثغرة في الجدار، لم يتمهل الجنود العثمانيون، بل بادروا على الفور بالانتقال للهجوم. ولكن وبسبب ضيق الفتحة لم يكونوا قادرين على الدخول سوى فرادى أو مثنى. ولكن الهجوم الذي لم يسفر عن إرهاب العدو، أدى لاستشهاد الكثير من الجنود، وبالتالي تم إيقافه، وانشغل المجاهدون بدفن رفاقهم.
وفي الثاني من أيلول أُعلن عن تنفيذ هجوم عمومي آخر على القلعة، وانتشرت بين الجيش مقولة أنه «سيتم سلب القلعة في الغد» حتى أن العديد منهم لم يتمكن من النوم حتى حلول الصباح، حيث كان الضباب الكثيف يحجب الرؤية، الأمر الذي كان في صالح المهاجمين، ذلك أنّ جنود العدو لم يتمكنوا من رؤيتهم وهم يقتربون من الثغور. وبعد أن توقفت المدافع العثمانية عن الإطلاق، هتف المشاة «الله الله» وبدؤوا الدخول من الثغرات، وسارعوا بمهاجمة العدو.
وفي تلك الأثناء كان القانوني من موقعه المشرف على القلعة، قادراً على رؤية تفاصيل المعركة بشكل واضح. حيث كان يراقب جنود المسلمين وهم يهاجمون مضحين بأرواحهم، ويدعو الله ليجعل النصر المبين من نصيبهم.
كما ذكرنا مسبقاً، فقد كانت الضواحي وما فيها من المنازل المحيطة بالسور أشبه بمدينة، أحياؤها واسعة وموقع السوق فيها بالغ الاتساع، وكان يفصلها عن القلعة الداخلية خندق مائي أقيم فوقه جسر ضيق. وبينما كان العدو يهرب نحو القسم الداخلي، كان الجنود العثمانيون يلاحقونهم حتى هذا الجسر، ويقتلون من يمسكون به. ومع تراكم جثث قتلى العدو فوق الجسر، لم يعد يصلح للعبور. حتى أنّ الكثير منهم اضطر للقفز في الخندق ليغرق في مياهه، ولم يتمكن سوى القليل منهم من دخول القلعة.
ومع رفع الجنود العثمانيين لراياتهم فوق أبراج الحصن، بدؤوا دخول المنازل والإقامة فيها. ذلك أنّ أبنيتها الفخمة قد جعلت منه مدينة قلّ نظيرها؛ بكنائسها العالية الضخمة، ونقوشها النافرة، وتماثيلها الرائعة، وأرضياتها المرصوفة بالمرمر المصقول. حتى أنّ الوزراء بدورهم جاؤوا للإقامة فيها.
وفي الثالث من أيلول أرسل قادة القلعة رجالهم لطلب الأمان من السلطان، الذي وافق على منحهم الأمان. وبذلك قام حاكم القلعة وقادة جيشها، وزعماؤها الدينيون إلى جانب أعيانها بتسليم مفاتيح القلعة للسلطان411.
وعلى الفور قامت القوات العثمانية التي دخلت المدينة برفع راياتهم فوق أبراجها. وأزيلت النواقيس عن برج الناقوس ليرفع الأذان. ومع عزف الميهتار لمارشات النصر، عمت الاحتفالات كافة الأرجاء.
كانت المدينة تملك العديد من القصور الفخمة والكنائس الرائعة الشاهقة، والتي كان الكثير منها يضم رفات ملوك المجر السابقين. كما كانت تماثيل النصر المرمرية المنصوبة في كل زاوية من زوايا المدينة، دليلاً على مكانتها ومجدها. وكيفما التفت كنت ترى شواهد قبور الملوك، الأقواس المهدمة، والقناطر المنهارة، كما كانت التوابيت المصنوعة من حجارة ضخمة على شكل صناديق موزعة في الكثير من أرجائها، وكان قسم منها قد صنع بعناية فائقة، تزين رؤوس هياكلها اليواقيت، وقد علقت على صدورها صلبان ذهبية وفضية، ما يدل على أنها كانت تخص القديسين. وكان العديد منهم يتقلد السيف أو الخنجر، وتزين أصابعه خواتم ذهبية412.
وقد تركت لهم الكنيسة التي تضم رفات ملوكهم، وتم تحويل كنيسة أخرى تشبهها في وسط القلعة إلى جامع، حيث ذكر اسم السلطان في خطبة الجمعة، ومن ثم تمت كتابة الظفر نامات التي أرسلت بواسطة السعاة إلى كل أرجاء البلاد.
وقد تمكن السلطان سليمان القانوني من فتح كل قلاع المنطقة التي تشكل تهديداً للوجود العثماني في بودين، دون أن تواجهه أي قوة يمكن أن تشكل تهديداً، ليوطد بذلك استقرار المنطقة وأمنها.
كما أنّ قلعتي إزتروغوم وسيكشفهيرفار اللتين بالإضافة لموقعهما الجيوبوليتكي المهم، كانتا تحتلان مكانة دينية بالغة الأهمية لدى المسيحيين. وكانت تلك آخر حملات السلطان القانوني العسكرية على الغرب المسيحي.
فحتى الحملة الثالثة عشرة والأخيرة على سيكتوار، لم يقم القانوني بشن أي حرب على أوروبا طوال ثلاث وعشرين سنة. ولم يكتف خلال هذه الحملة الطويلة والظافرة أن يثبت مدى عظمته وقدرته اللامحدودة للدول الغربية، بل أجبرها من خلال فتح أهم قلاعها على طلب الصلح أيضاً.
كما أرسل الظفر نامات إلى كل ولاته وأمرائه، بالإضافة لملك فرنسا، ودوق البندقية. ومن هناك توجه نحو بودين ومن ثم وصل إلى بلغراد عن طريق أوراديا في الواحد والعشرين من أيلول.
وبعد أن أرسل الجنود إلى ثكناتهم سار برفقة جنود الكابى كولو نحو إسطنبول. ولكنه تعرض لصدمة شديدة وحزن عظيم إثر تلقيه خبر وفاة ابنه الذي يحبه كثيراً؛ الأمير محمد في مانيسا.





حملة بربروس على نيس (1543)413

كان السلطان القانوني الذي يقود حملته على أوروبا، قد وعد مبعوثي فرانسوا ملك فرنسا بتقديم العون له، حيث كلف بربروس بهذه المهمة.
وحال عودة المبعوث بيليسيه بعد أن أخذ وعدا من القانوني بالمساعدة، ألّم خوف عظيم بشارلكان الذي بدأ جهودا محمومة من أجل الدخول في حلف مع إنكلترا ضد فرنسا. أما القانوني فقد أرسل مبعوثيه إلى جمهورية البندقية يطالبها بالتحالف مع فرنسا. ولكن البنادقة أوضحوا بأنهم سيظلون على الحياد، رافضين طلب السلطان بشكل لائق وموضحين الأعذار التي تبرر موقفهم. وكانت الغاية الحقيقية للقانوني تحييد البندقية ومنع تحالفها مع الإمبراطور كما حدث في معركة بروزة، وقد نجح في مسعاه.
أما بربروس خير الدين باشا فقد تمكن من إنهاء كل استعداداته في وقت قصير بعد بذل الكثير من جهد والاهتمام. كما أنّ تحسن الطقس كان عاملاً مساعداً للخروج في حملة بحرية. وقد أنهت الترسانة العثمانية صنع السفن الحربية المطلوبة التي غطت سطح الخليج، متسلحة بالمدافع والذخائر والقوات اللازمة.
وفي ربيع العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين توجه الأسطول العثماني العظيم المكون من مائة وعشر سفن كادرغة، وأربع سفن مانافا414 عملاقة بقيادة بربروس خير الدين باشا نحو مياه المتوسط. وكان المبعوث الفرنسي باولين أيضاً على متن سفينة الأميرال العثماني. ومع وصولهم قبالة سواحل ريدجو القريبة من نابولي، انضم إليهم أسطول الجزائر المكون من واحد وأربعين سفينة. وبعد سيطرة الأسطول العثماني على ريدجو وبعض البلدات الساحلية المجاورة، واصل تقدمه في أبهة وجلال عظيمين ليرسو في أوستيا أنتيكا وهو ميناء روما. وقد سيطرت الدهشة والهلع على الأهالي الذين باتوا يترقبون مصيرهم في خشية، حتى أنّ قوات الأمن كانت تتجول ليلاً حاملة الفوانيس لمنع المدنيين في روما من التسلل وترك المدينة تحت غطاء الظلام415.
ولم تهدأ الأوضاع حتى أوضح الأسطول بأنه لا يضمر نوايا عدائية، ولكنه رسا بغرض تأمين ما يحتاجه من مؤن وقدم لهم الضمانات الكافية. وكان قيامهم بدفع ثمن كل المواد التي قاموا بشرائها من المدن الساحلية، خير دليل على حسن أخلاق الجنود العثمانيين416، وإثباتاً دامغاً على زيف الادعاءات المتداولة عنهم حتى ذلك الوقت.
تحرك الأسطول من أوستيا أنتيا ليبلغ شواطئ مرسيليا في الرابع والعشرين من حزيران العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين، حيث استقبل قائد الأسطول الفرنسي فرانسوا دو بوربون نظيره العثماني وسط مراسم رسمية، وقدمت السفن الخمسون الفرنسية التحية بإطلاق المدافع في أجواء احتفالية تشي بالنصر، لترد السفن العثمانية التحية المدفعية بدورها. كان الأميرال الفرنسي شاباً في الثالثة والعشرين من العمر، وحين التقاه بربروس ليستوضح منه عن خطته الحربية، أدرك من خلال الأجوبة التي تلقاها أنّ الفرنسيين الذين طلبوا مساعدة الأسطول العثماني لم يضعوا أسس أي خطط حربية بعد. ورغم امتعاض بربروس من هذا الأمر، لكنه لم يجاهر به.
كان قيام السلطان سليمان القانوني بإرسال الأميرال بربروس خير الدين باشا الذي راجت شهرته في كل أرجاء أوروبا على رأس أسطوله الذي رسا في سواحل مرسيليا لتقديم العون للفرنسيين، حدثاً له وقع بالغ. حيث توافد الآلاف من الأهالي ورجال القصر إلى هذه المدينة لمشاهدة الأسطول الذي مكث ينتظر انتهاء الأسطول الفرنسي من إتمام استعداداته.
وقد اتضح من المباحثات المبرمة بين الطرفين، أنّ الفرنسيين يريدون السيطرة على نيس التي تخضع لحكم الدوق سافوا حليف شارلكان. وقد أوضح لهم بربروس نواقص القوات الفرنسية، والنقص في العدد والعتاد الذي يواجههم، ما يعرقل فتح المدينة، ولكنه وإزاء إصرارهم الشديد وافق على مطالبهم.
بعد الانتهاء من الاستعدادات، توجه بربروس نحو تولون وغادرها في العشرين من آب، برفقة الأسطول الفرنسي المكون من خمسين سفينة ضعيفة الإمكانات.
وبعد وصول الأسطول العثماني قبالة سواحل نيس، رسا في ميناء فيلا فرنسا (Villafransa) القريبة من المدينة. وإثر التضييق على المدينة بالحصار ونيران المدافع أعلنت استسلامها. وفي الوقت الذي كانت فيه القلعة الداخلية تبدي مقاومة شديدة، وتشتبك مع الأتراك في صراع عنيف، أعلن الفرنسيون عن نفاذ البارود لديهم، وطالبوا بربروس منحهم إياه. فاستغرب الأميرال التركي طلبهم هذا وردّ بالقول:
«يالكم من محاربين! يملؤون سفنهم ببراميل الخمر، ولكنهم ينسون حمل براميل البارود»
ومن ثم التفت نحو المبعوث الفرنسي الذي يرافقه ووبخه بشدة:
«أكنت تسخر مني حين أخبرتني في إسطنبول بأنّ دولتك قد أتمت معظم استعداداتها من أجل الحملة؟»
كما لفت إلى تصرفات الفرنسيين الرعناء وتقاعسهم417.
وبسبب إدراكه لنفاق الفرنسيين وكسلهم، فقد أعلن أنه ما من حاجة لفتح القلعة الداخلية التي واصلت المقاومة، وكان رفعه للحصار عن المدينة والعودة إلى تولون بمثابة إنذار للفرنسيين. وبينما كان في المدينة لم يسمح بقيام أي من أعمال النهب والسلب فيها، ولكنه وإثر تسليم مفاتيح المدينة للفرنسيين ودخول قواتهم إليها، فقد حدثت فيها أحداث سلب مفجعة.
وبحسب الاتفاق المبرم مع الفرنسيين فإن إدارة مدينة تولون ستؤول إلى الأسطول العثماني طوال مدة إقامته فيها، وبناء عليه فقد انسحبت القوات الفرنسية برفقة الموظفين من المدينة، ونصب العلم التركي فوق قلعتها، وصدحت أصوات الأذان فيها خمس مرات كل يوم. استمرت إقامة بربروس فيها لثمانية أشهر حتى نيسان العام ألف وخمسمائة وأربعة وأربعين. وقد صرح أحد مواطني ليون بأن «تولون قد غدت مماثلة لإسطنبول»418.
وخلال هذه المدة قام بربروس بإرسال كل من الريّسين صالح وحسن إلى سواحل كتالونيا الإسبانية، حيث عادا منها بالكثير من الغنائم والأسرى. ولم يظهر أسطول أندريا دوريا خلال هذه الفترة على الإطلاق.
وأثناء رحلة العودة، أدار بربروس خير الدين باشا دفة الأسطول العثماني نحو جنوة بشكل مفاجئ، ما أثار دهشة الجنويين إزاء ظهور هذا الأسطول العظيم أمامهم، وبدأ الفضول يطغى على الجميع لمعرفة ما ينويه بربروس الذي أعلن مهدداً:
«سلموني تورغوت على الفور. وإلا سأقوم بتدمير مدينتكم وكل قراكم وأجعلها خراباً»، موضحا بذلك نيته. كان الريّس تورغوت الذي يدعوه الأوروبيون دراغوت والذي سيصبح من أعظم الأميرالات مستقبلاً، قد أُسر من قبل جانتينو دوريا ابن أخ أندريا دوريا، وتم سجنه في جنوة. وكان قد مضى على سجنه ثلاثة أعوام حتى ذلك الوقت. وقد تعهد الجنويون بتلبية كل مطالب بربروس شرط عدم التعرض لهم، مهدئين بذلك من روعه. وإلى جانب تسليمهم للريّس تورغوت على الفور، فقد أمنوا كل احتياجات الأسطول من أرزاق ومجاديف الخ. .
وكانت فرحة بربروس خير الدين باشا حين قابل الريّس تورغوت، أعظم من فرحته فيما لو فتح العالم برمته. وقد خاطب كل القادة والقباطنة الذين برفقته قائلا:
«إنّ تورغوت لهو صنديد أكثر نفعاً مني» موضحاً بذلك مكانته المهمة ومدى المحبة التي يكنها له419.
وقد سلّم السفينة الاحتياطية الخاصة به للريّس تورغوت، كما حرر الكثير من أسرى المسلمين والأتراك في الكثير من القلاع والمدن التي مرّ بها أثناء عودته. وبعد حصوله على غنائم تفوق الحصر من شواطئ إيطاليا، بلغ إسطنبول في صيف العام ألف وخمسمائة وأربعة وأربعين. وقد استقبل السلطان القانوني هذا المجاهد البحري العظيم مانحاً إياه صفة البطل، كما أسبغ عليه الكثير من الثناء.
يا درّة الأمراء
إياك والركون لمفاتن الأيام
فما أنت وكل هذا المجد إلا كالنمل
فارضخ للملمات حين تأتي جماعاً
ألم تسمع بأنّ السرور لا يدوم في الأصل
ألم تفقه بأن الغرور والحسد بلاء
سار عليه أبليس وابن باعوراء من قبل
عليك بالصبر وإن كان كالعلقم فهو
السبيل القويم لكل ذي عقل
وإن تدّنس القلب برذائل الدنيا
فطهره بحسن القول والفعل
فلا يغرنك التاج والعرش يا محبي
فما دامتْ لبهرام ولن تدوم للكل420.
كانت حياة السلطان القانوني مزيجاً من تناقضات الفرح والحزن، السعادة والألم، المجد والفجيعة في الآن ذاته. وقد تكون هذه الأبيات مرآة لما كان يعتمل في فؤاده في لحظات كتلك. وإلى جانب أنها تفيض بالنصح لكنها تستحق التقدير من ناحية الأسلوب والصياغة.
ورغم أنّ السلطان يخاطب نفسه خلال هذه الأبيات، ولكنها موجهة نحو القارئ أيضاً كما هو واضح.
فبينما مشاعر الفرح والبهجة تطغى على السلطان العائد من آخر حملاته على النمسا بعد الانتصارات التي حققها، حيث فتح خلالها العديد من المدن، انهار حزناً مع وصوله إدرنة وتلقيه خبر موت الأمير محمد والي سنجق صاروخان. وأدرك أنّ القوة مهما تعاظمت لا تبلغ كل مرام، وأنّ خاتمة الملذات ترافقها الآلام.
الأمير محمد هو أول أبناء القانوني من السلطانة هُرَّم، وُلِد في إسطنبول العام ألف وخمسمائة وواحد وعشرين، وتلقى مستوى عالياً من التربية والتعليم. وقد رافق والده في حملة فلوره (أفلونيا) العام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين، وحملة المجر العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين. كان خطاطاً وشاعراً، تولى حكم سنجق صاروخان في تشرين الأول من العام ألف وخمسمائة واثنين وأربعين. وكان قد مضى على توليه هذا المنصب عام، حين أصيب بداء الجدري وانتقل إلى دار البقاء في السادس من تشرين الثاني العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين. وكان يبلغ من العمر حينها اثنين وعشرين عاماً.
وقد أمر القانوني بنقل جثمان ابنه من مانيسا إلى إسطنبول، وفي الثامن عشر من تشرين الثاني العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين أقيمت على روحه صلاة الجنازة في جامع بيازيد وسط حضور حشود غفيرة من أهالي إسطنبول. ودفن بناء على رغبة والده في مكان قريب من الجامع وهي منطقة الغرف القديمة (الثكنات) للإنكشارية، التي أخليت بأمر من السلطان (الفناء المجاور لجامع شيهزاده باشي حالياً).





يا درّة الأمراء يا سلطاني محمد

هذا الشطر قد خلّد به السلطان سليمان القانوني موت الأمير، يوضح على الرغم من بساطة طابعه، عمق المحبة التي كان يكنها لابنه421.
كما أمر المعماري كوجا سنان422 بناء كلية شيهزاده تخليدا لذكرى ابنه، وقد ضم الصرح الذي استمر العمل فيه بين الأعوام ألف وخمسمائة وأربعة وأربعين وثمانية وأربعين؛ جامعاً، ومدرسة، ومكتبة صبية423، وعمارة ومقبرة.
وعلى باب المقبرة نقشت الأبيات التالية بخط فارسي منمق:
إن كنت عبدا أو كنت سليل المجد
فالقصور خاوية تردد قل هو الله أحد
فها قد رحل عنا الأمير العفيف
وشمله بواسع الغفران الواحد الصمد
وانتقل إلى دار البقاء والخلود
عظم الله أجر مولانا حتى الأبد
وبإذن الله ذكر الأمير باق
فمنزله جنان الخلد ومقامه السعد
(سنة تسعمائة وخمسين للهجرة، ألف وخمسمائة وثلاث وأربعين ميلادية)424.
كما مدحه جلال زاده في هذه الأبيات:
يا بحر الفضائل ودرته اليتيمة

وشاه أرض الكرم والمكارم
وسلطان البلاد وما عليها
أمير الجود وصاحب العزائم
وإن كان للخلق قدوة ومثال
فأنت للخلق القويم دعائم
فلتنعم روحك في جنان الخلد
بنور الرحمة وصحبة الأكارم425.





أحداث متفرقة

خلال عودة السلطان سليمان القانوني من حملة العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين، أمر القادة الحدوديين باستمرار تحركاتهم ونشاطهم. وبناء عليه سار أمير أمراء بودين يحيى باشا زاده محمد بيك في ربيع العام ألف وخمسمائة وأربعة وأربعين على رأس قوات إيالته نحو قلاع العدو المتاخمة للمناطق الحدودية. وحقق الكثير من الفتوحات في فترة وجيزة، حيث قام بفتح إحدى أهم القلاع النمساوية وهي قلعة فيسيغراد، بالإضافة إلى قلاع نوغراد، هاتفان، جوكا، سيمونتورنيا، أوفيديوبول426 وقلعة أندريك (Anderik)427.
ما دفع كلاً من فرديناند الذي كان يخسر مع مضي كل يوم جديد إحدى مدنه المهمة، وأخيه شارلكان الذي يتلقى الهزيمة تلو الأخرى على يد بربروس خير الدين باشا، إلى إرسال مبعوثين لعقد الصلح مع السلطان سليمان القانوني. وقد أسفرت المفاوضات مع الهيئة المرسلة، إلى هدنة تحولت إلى اتفاقية في الثامن عشر من حزيران العام ألف وخمسمائة وسبعة وأربعين. وكانت هذه الاتفاقية تشمل شارلكان أيضاً في السنوات الخمس الأولى. حيث قام الأخير بالتصديق عليها في الأول من آب العام ألف وخمسمائة وسبعة وأربعين في آوغسبورغ428، وصدّق عليها فرديناند بدوره في السادس والعشرين من الشهر ذاته في براغ429.
كانت هذه الاتفاقية تخلص الهابسبورغيين من ضغوط الدولة العثمانية التي كانت راغبة بدورها في تأمين حدودها الغربية، في حال اعتزمت القيام بحملة على إيران. وكانت هذه الاتفاقية سواء من حيث بنودها، أو نتائجها على قدر كبير من الأهمية. وشكلت نقطة تحول في العلاقات العثمانية - الهابسبورغية. والتي نصت على دفع فرديناند ثلاثين ألف دوقة كجزية سنوية عن المناطق التابعة له في المجر. وكانت بذلك نصراً جلياً للعثمانيين على خصومهم آل هابسبورغ، حيث رفعت من هيبة السلطنة إلى أعلى مراتبها، واعترفت أقوى دولة مسيحية في أوروبا وهي الإمبراطورية الإسبانية- الألمانية بتفوقها عليها. كما أنها كانت مؤشراً على توقف الحملات العثمانية المتعاقبة على المركز الأوروبي، وفي الآن ذاته توكيدا للتفوق العثماني في الصراع العسكري - السياسي على الأرض. كما أنّ القوتين العظيمتين باشرتا في التخاطب بشكل مباشر بعد أن فقدت المجر فرصتها في البقاء كدولة مستقلة عازلة.
ومن جهته أعلن فرانسوا الحرب مجدداً على الهابسبورغ وطالب القانوني بتقديم العون له، وأرسل أرامون مبعوثاً له إلى إسطنبول هذه المرة. ومقابل القرض المالي الذي طلبه السفير ومقداره ثلاثمائة ألف ذهبية، لم يحصل سوى على السماح بالحصول سنوياً على مقدار محدد من ملح البارود من الإسكندرية. ومع التأكيد على أواصر الصداقة التي حمّلها القانوني لمبعوث فرانسوا العائد، فقد أعلمه أيضاً باحتمال قيامه بحرب ضد إيران، لذا فهو لا يفكر بالقيام بخطوة عدائية اتجاه النمسا في الوقت الحالي.
كما كان قد أمر أثناء عودته من حملته الأخيرة على المجر، بتصنيف كل سناجق هذه المنطقة بما فيها إيالة بودين. وقد جرى هذا التحرير الأولي من قبل الدفتردار خليل، والذي شكل المرجع الأساس للمائة وخمسين سنة لاحقة حول إيراداتها المالية، وكان يتم الرجوع إليه في كل المباحثات القادمة.
كانت إيالة بودين مكونة في سنواتها الأولى من السناجق التالية: لواء باشا بودين، إزترغوم، سيكشفهيرفار، موهاج، بيتش، سيكلوس، نوغراد، فاتفان، سيمونتورنيا، زيجيد، سكسارد، فسبرم430. وهناك بعض المصادر التي تضيف إليها سناجق؛ بوزيغا، سميديريفو وسريم أيضاً431.
كما أحدث السلطان القانوني في المجال الإداري تغييرين بالغي الأهمية وذلك في العام ألف وخمسمائة وأربعة وأربعين؛ أولهما تعيين الأمير سليم الذي كان في العشرين من العمر والياً على سنجق صاروخان بدل قونيا432.
ويمكن اعتبار هذا التغيير إشارة إلى انتقال ولاية العهد للأمير سليم، ذلك أنّ أهمية السناجق التي يتولى الأمراء حكمها، لا تتأتى من اتساع مساحة أراضيها وغنى مواردها، بل من مدى قربها من العاصمة، حيث أنّ مانيسا (صاروخان) كانت الأقرب إلى إسطنبول، ما يخول أميرها الوصول بسرعة أكبر إلى العاصمة في حال حدوث فراغ في العرش، واستلام مقاليد الحكم قبل بقية أخوته الأمراء في السناجق الأخرى، ولهذا الاعتبار فقد تولى الأمير محمد حتى وفاته حكم هذا السنجق.
أما الأمير مصطفى أكبر أبناء السلطان من أم أخرى هي ماهي دِفران خاتون، فقد استلم إمارة سنجق أماسيا البعيدة عن إسطنبول.
أما التغيير الثاني الذي أحدثه القانوني؛ فهو قيامه بعزل الصدر الأعظم هاديم سليمان باشا، وتعيين صهره الوزير الثاني رستم باشا في منصبه. وكان السبب الذي أدى لهذه الخطوة هو التالي:
حدث خلاف بين الصدر الأعظم هاديم سليمان باشا والوزير الثالث خسروف باشا، وتعود أسبابه إلى إرسال هاديم سليمان باشا أثناء توليه حكم مصر بعد خسروف باشا، تقريراً إلى العاصمة حول بعض المخالفات اللاقانونية التي ارتكبها سلفه.
وقد تطور الجدال الذي حصل بين الوزيرين في أحد اجتماعات الديوان التي لم يحضرها السلطان، من المشادات الكلامية إلى الضرب وسلّ الخناجر، ومع تدخل بقية الباشوات تم تهدئة الوضع، ولكن السلطان امتعض جداً من تصرف الصدر الأعظم والوزير الثالث بهذه الطريقة خلال تواجدهما في الديوان، فقام بعزل كليهما من مناصب الوزارة. 433
حيث تم نفي هاديم سليمان باشا إلى مالكارا434، وقد بقي فيها حتى وفاته في العام ألف وخمسمائة وثمانية وأربعين، أما خسروف باشا فلم يعش طويلاً، وقد مات متأثراً بالحادثة435.





مات ريّس البحر

كانت حملة نيس التي قام بها قبطانى دريا بربروس خير الدين باشا لتقديم العون لفرنسا آخر حملاته، ومن هناك عرج على جنوة، ليقوم بتحرير البحار التركي العظيم الريّس تورغوت من أسره.
وقد انشغل فيما بعد بإدارة الترسانة، حيث توفي في الخامس من تموز العام ألف وخمسمائة وستة وأربعين عقب فترة قصيرة من المرض. ودفن في المقبرة المجاورة للمدرسة التي قام بإنشائها في منطقة بشيكتاش. وقد نعي بجملة «مات ريّس البحر» التي خلدت ذكراه في التاريخ. وفي العصور اللاحقة بات عرفاً أن يرسو الأسطول الذي سينطلق إلى بحر إيجة في ميناء خير الدين في بشيكتاش.
وبحسب ما تورد المصادر فقد كان بربروس خير الدين باشا أشقر البشرة، ضخم الجثة، كثّ اللحية والشوارب، كثيف الشعر غزير الرموش غليظ الحاجبين. يتقن الرومانية436، العربية، الإسبانية، الفرنسية والإيطالية. وقد نقش على الجامع الذي بناه في الجزائر اسمه كما يلي «السلطان المجاهد مولانا خير الدين بن الأمير الشهير المجاهد أبي يوسف يعقوب التركي».
وقد تولى ابنه حسن آغا المولود من سيدة جزائرية، منصب أمير أمراء الجزائر، أما ابنته الوحيدة فقد تزوجت من الريّس تورغوت.
تزخر كتب التاريخ بالأبطال الذين قاموا بفتح مناطق باسم ملوكهم، ولكنهم وقبل مضي وقت طويل انساقوا وراء مطامعهم الشخصية، ليعلنوا سلطناتهم وإماراتهم المستقلة.
وبالمقابل فليس من المألوف أن يقوم أحدهم بفتح إمارة بحد سيفه، ليقوم بتسلمها إلى سلطان آخر، وينضم تحت لوائه.
ولكن بربروس خير الدين باشا أعظم الأميرالات في التاريخ التركي والعالمي، كان خير مثال على التواضع الملازم للبطولة والشجاعة.
فهو لم ينس أبداً الحماية والمساعدة التي قدمها الأمير كوركود له ولأخيه عروج في عهد السلطان بيازيد الثاني. وفي كل الأماكن التي قام بفتحها، كان على الدوام يأمر بذكر اسم السلاطين العثمانيين في الخطبة ويسك النقود بأسمائهم.
وقد أظهر الولاء للسلطان سليم خان والاستعداد لخدمته في كل فرصة ممكنة، والأكثر من ذلك أنه وحين قام السلطان القانوني باستدعائه، حمل معه أوراق ملكية إيالة عظيمة الشأن كالجزائر:
لا يليق بمقامكم إلا ما هو أعظم، فأرجو أن تقبل هديتي المتواضعة. .
قالها وهو يقدمها منحنياً أمام السلطان.
واعتباراً من هذا التاريخ (1534) وحتى وفاته، خدم الدولة العثمانية لمدة اثني عشر عاماً باعتباره قبطانى داريا لأسطول السلطنة. وخلال هذه الفترة قام بفتح العشرات من الجزر والمدن صغيرها وكبيرها، بالإضافة إلى إيالة كبيرة كتونس، ليمتد النفوذ العثماني حتى فاس.
ومن بين الهزائم التي ألحقها بالأساطيل المسيحية؛ هزيمتهم أمام جزيرة بروزة، ليخلد التاريخ هذا الانتصار البحري العثماني بحروف من ذهب، حتى بات الأوروبيون غير قادرين على تعويم قطعة خشبية فوق المتوسط.
وإلى جانب أنه كرّس حياته للمحاربة في البحر المتوسط وكللها بالفتوحات والانتصارات، فقد أسهم في رفد البحرية العثمانية بالعديد من البحارة والقباطنة الذين نشؤوا في كنفه كالريّس تورغوت، الريّس سنان، الريّس سيدي علي، الريّس آيدين، غازي حسن باشا، كليج علي باشا وصالح باشا، ليقدم بذلك خدمة قلّ نظيرها للسلطنة.
وما الرجال إلا بأعمالهم الباقيات الخالدات
فمن رحل دون أثر ذرته السيول الجارفات
لم يكن ما ميّز بربروس خير الدين باشا عن سواه هو حسن إدارته للأسطول فحسب، بل ما أظهر من خبرة في السيطرة على ولاية كبيرة مع حفنة من أصدقائه، في جغرافيّة بالغة التعقيد. ومن المحقق أنه يدين بالفضل في إنجاز كل هذه الانتصارات، إلى مقدرته على كسب قلوب الناس وإدارتهم وفق مشيئته، والكشف عن طاقات الآخرين وملكاتهم، ابتعاده عن التكلف في حياته الدينية واعتماد أسلوب يميل للبساطة والصدق، إظهار الرأفة حين الحاجة والشدة عندما تقتضي الضرورة، تحليه بالسلاسة والكرم والتسامح، وعدم الخوض في أي أمر دون أخذ المشورة. . إنه واحد من أولئك القادة الذين يتوجب التوقف عند حياتهم، والتمحيص في شخصيتهم، والإحاطة بها من جوانبها المتعددة، ذلك أنّ إمارات القيادة كانت تتجلى في شخصه.
ويجدر بالقادة المعاصرين للسياسة الآيلة للتفتت، التعرف عليه أكثر من غيرهم. كما على من يريد الاطلاع على مكاسب الوحدة والمساواة، وما يمكن للتفرقة أن تجر من كوارث، أن يقف على حياته بصورة أكثر قرباً.
كان بوسع الريّس خضر أن يعلن سلطنته الخاصة في الجزائر الواقعة بين سلطنتي فاس وتونس، ولكنه ومع الانضواء تحت لواء السلطان يافوز سليم خان، أظهر بأنه من أخلص أتباعه.
وقد مدحه السلطان سليم بدوره قائلاً عنه «أنت قائد المجاهدين ومعلمي»، ومنح لقب خير الدين لهذا القائد البحري437.
وبعد أن قبل الريّس خضر رسالة السلطان سليم خان ثلاثاً، لم يستطع حبس دموعه الصادقة إزاء دعوات السلطان له بالنصر، ولقب خير الدين الذي أسبغه عليه، وألقى أمام بحارته ورجال الدين والشيوخ وقادة أسطوله هذه الكلمات الصادقة العفوية، والتي ستُنقش في قلوب الشعب التركي:
«إنّ أعظم أكسير في هذا العالم، هو دعاء السلطان وعطف من لدنه، وهذا ما منحنا إياه السلطان العثماني، صاحب المجد والشأن الجليل، حيث رفع يديه لتصل دعواته عرش الرحمن من أجل أن ينصرنا وتبقى سيوفنا ماضية مرفوعة. وما من شكّ أن من ينال حظوة الدعاء من آل عثمان، فلن يخيب في كل ما يقدم عليه. ذلك أنهم قوم شأنهم عظيم، ومن يدير لهم ظهره، فسيسقط رأسه»438.
ورغم هذا السمو والثناء الذي تلقاه الريّس خضر، فقد كان مدركاً أنه لا يتوجب عليه أبداً الانسياق وراء الغرور والتكبر. ولأنه كان مدركاً أنّ كل هذه النعم هبة من جناب الحق، فقد كان يبتهل داعياً:
«يارب العالمينّ لست سوى عبد ضعيف من عبادك، وشتان ما بين السلطان وبيني أنا العبد الآثم. ولكنك من منحني نعمة القبول لدى السلطان، أنت ملك الملوك، الخالق الرزاق. وما كان لعبدك أن يبلغ ما بلغه سوى بفضل وكرم من لدنك»439.
وبالمقابل فقد كان يعلن عدم انصياعه للغرور، والتزامه بواجبه كأحد رعايا السلطان بالقول:
«لقد نلت حظوة لدى السلطان، وارتديت خلعته، وامتشقت سيفه، واعتمرت عمامته، ولكن هذه الحظوة لم تفقدني الصواب، بل بتّ أتمسك بتلابيب الحق أكثر مما سبق».
لقد واجه بربروس وأخوته دولة بحرية عظيمة كإسبانيا لسنوات طويلة، وضيقوا عليها الخناق في البحر المتوسط. وحين أدرك الإسبان أنهم غير قادرين على التصدي لهم، بدؤوا باللجوء للمكائد وتحريض العرب عليهم. وقد تعرضوا للكثير من الخيانات التي وضعتهم في مواجهة مخاطر عظيمة، ولكنهم لم يظهروا أدنى بوادر الاستسلام متوكلين ومسَلّمين بإرادة جناب الحق أياً كانت.
وكان أكثر ما يثير حزنهم، ويتجاوز قدرة التسامح لديهم، هو تحالف المسلمين مع الكفار، حيث خاطب الريّس خضر حاكم تلمسان مسعود بيك الذي تحالف مع الإسبان بالقول:
«أين وعدك وعهدك الذي قطعته أمامنا يا مسعود؟ ألم تتعهد بعدم الانضواء تحت لواء الكفار وعقد أي صلح أو حلف معهم، وبأنك ستظل على الدوام تكن لهم العداء والبغضاء؟ فأن تصادقهم يعني أنك بت تعادينا. فما الذي ساءك منا طوال هذه السنوات، حتى وضعت يدك في يد الكفار وصالحتهم؟ أيجوز لمسلم أن يتحالف مع عدو الدين والإسلام ويضع يده في يد الكفار ضد أخيه في الدين؟» ليوضح بذلك توجهه كقائد والنهج الذي سيتبعه على الدوام440.
ويمكن استخلاص الكثير من العبر، من خلال الروح القتالية التي تمتع بها بربروس خير الدين باشا، فهي دليل حقيقي على ما يمكن القيام به مع حفنة من المجاهدين والانتصارات التي يمكن تحقيقها. ولكن ما يجب التركيز عليه بحق، هو تلك الخصال العظيمة التي تمتعت بها هذه الشخصية التي قادتهم نحو هذه كل الانتصارات.





حملة تبريز (1548)

القاص ميرزا هو ثالث أبناء الشاه إسماعيل، حاكم ولاية شيرفان441، تمرد على أخيه الشاه طهماسب ولجأ إلى الدولة العثمانية في العام ألف وخمسمائة وسبعة وأربعين. وقد سرّ القانوني من هذه الواقعة كثيراً، ذلك أنّ العلاقات مع الصفويين منذ حملة العراقين وإن لم تتحول إلى حرب حقيقية، فلم تكن طبيعية أيضاً. حيث تمكن الشاه طهماسب من استعادة بعض قلاعه الحدودية، ولكن السلطان سليمان القانوني وبسبب انشغاله بحروبه مع الأوروبيين، لم يولِ الأمر أهمية بالغة. ولكن التجاء أمير إيراني إلى حمايته، شكل فرصة مناسبة للقيام بحملة ضد جاره الشرقي.
قبل لجوء القاص ميرزا، كان برهان علي سلطان بن خليل الثاني مالك بلاد شيرفان الأسبق والمتحدر من شاهات شيرفان، قد التجأ قبل عدة سنوات إلى السلطان العثماني، بعد فشل محاولته في استرداد بلاده. حيث قام السلطان القانوني بتعيينه في وظيفة وخصص له راتباً. والآن فقد بات الخلف والسلف كلاهما تحت حماية السلطان، فكان أول ما قام به هو إرسال برهان علي سلطان مع رسالة همايونية إلى شيرفان. ومن ثم استضافة القاص ميرزا في أحد قصور إسطنبول، حيث أمر بإكرام وفادته. وفي نهاية ذلك العام ومع عودته من إدرنة إلى العاصمة، أقيم احتفال مهيب لاستقباله، وقد شهده القاص ميرزا أيضاً.
وبعد عدة أيام تم استدعاء القاص ميرزا إلى الديوان الهمايوني، وأقيمت على شرفه وليمة فاخرة. ومن ثم قدمت للأمير الذي قام بتقبيل يد السلطان، العديد من الهدايا النفيسة من قبل القانوني ورجال دولته442.
وفي المرة الثانية التي استقبل فيها السلطان القاص ميرزا، تقدم الأخير بشكوى ضد أخيه الشاه طهماسب، ليقرر القانوني التوجه على رأس حملة إلى إيران. حيث أرسل جيشاً بقيادة كل من والي أرضروم عُلما باشا والقاص ميرزا وذلك في ربيع العام ألف وخمسمائة وثمانية وأربعين.
وفي نيسان من العام ذاته انتقل السلطان مع قواته من الكابى كولو إلى أوسكودار، كما أنّ الولاة والأمراء كانوا قد أتموا استعداداتهم من أجل الحملة المتجهة شرقاً، بناء على الأوامر التي تلقوها قبل عدة أشهر. وقد سمح للمبعوث الفرنسي أرامون أيضاً بالانضمام لهذه الحملة.
استقبل السلطان القانوني أمير سنجق صاروخان في سيد غازي، وأرسله إلى إدرنة من أجل إدارة منطقة روميلي. كما استقبل الأمير بيازيد أمير سنجق قونيا والده في آكشهير443. ومع الوصول إلى بادية سيفاس عبر طريق نيدا-قيصري، تم استقباله من قبل أكبر أبنائه الأمراء والي أماسيا الأمير مصطفى ليقوم بتقبيل يد والده444.
وفي نهاية شهر حزيران وصل السلطان إلى أرضروم، ليلتقي بقوات الإيالة التي كانت قد اجتمعت هناك قبله. ومن ثم اتجه صوب آديلجيفاز عبر طريق إرجيش-قلعة حسن (هاسان كالى). وقد أرسل في هذه الأثناء علما باشا وأمير أمراء قرمان بيري باشا من آل رمضان أوغلو، للسيطرة على قلعة وان. أما برهان علي سلطان الذي ذهب إلى بلاد شيرفان حاملاً رسالة السلطان، فقد أرسل إلى القانوني يبلغه بأنّ البلاد برمتها تعلن ولاءها للسلطان الذي سرّ كثيراً من سماع هذه الأخبار.
كان السلطان يفكر باللحاق بعُلما باشا وبيري باشا إلى وان، وتخليص شرق الأناضول من سيطرة الصفويين بشكل كامل، ولكن بسبب توجيه ونصائح القاص ميرزا، فقد غيّر وجهة حملته نحو تبريز.
وصل السلطان سليمان القانوني الذي سلك طريق إلشكيرت، في الواحد والعشرين من تموز العام ألف وخمسمائة وثمانية وأربعين إلى خوي445. وبعد أن مكث فيها لأسبوع، وصل إلى منطقة شنب غازان446، حيث انتشرت خيام المعسكر العثماني في كل المنطقة المحيطة بشنب غازان. أما الشاه طهماسب الذي كان يقيم في هذه المنطقة منذ شهر، فما إن سمع بوصول السلطان على رأس قواته، حتى غادر مسرعاً نحو منطقة قزوين مرة أخرى دون أن يجرؤ على مواجهته في معركة مباشرة.
دخل القانوني تبريز دون أي مقاومة، وبحسب ما يورده المؤرخون فإنّ القوات العثمانية التي دخلت تحت قيادة السلطان، لم تلمس فيها بيضة أو دجاجة تعود لأهالي المدينة. على الرغم من أنّ الشاه طهماسب قام بحرق كل المناطق حتى تبريز للحيلولة دون وقوعها بيد العثمانيين.
كان السلطان يفكر في تعيين القاص ميرزا والياً، وبحسب بعض المصادر شاهاً على تبريز، ولكنه تراجع عن هذه الفكرة إزاء تصرفات الأخير التي لا تشي بالثقة، ورغبته في القيام بمذبحة بحق أهالي تبريز.
وفي هذه الأثناء وبعد أن أدرك السلطان أنّ الشاه طهماسب هرب، أقام في المدينة خمسة أيام، ومن ثم تحرك صوب وان في الأول من آب. وبما أنّ الصفويين كانوا قد أضرموا النار في كل المزروعات والقرى التي على الطريق الرئيسي، فقد سلك القانوني طريق الجبال، وبعد مسيرة شاقة تمكن من بلوغ وان في الخامس عشر من الشهر ذاته.
كان كل من علما باشا وبيري باشا اللذان أرسلهما سابقاً إلى المنطقة، قد ضربا الحصار على قلعة وان، ومع وصول القوات العثمانية الأساسية، استلم رستم باشا القيادة، وقام بنصب المدافع، وبدأ بضرب جدران القلعة على الفور. وبدأ الجنود في نقل التراب لبناء المتاريس، وبعد حصار دام لأسبوع أدرك قائد حامية القلعة علي خان، أنه غير قادر على المقاومة أكثر، فقام بتسليم مفاتيح القلعة شرط الأمان وذلك في الرابع والعشرين من آب العام ألف وخمسمائة وثمانية وأربعين.
بعد اتخاذ التدابير اللازمة في القلعة، توجه القانوني عائداً نحو ديار بكر في الخامس والعشرين من أيلول، فامتلأت مروج جوليك بالخيام الملونة، وهناك قضى السلطان شهر رمضان، حيث نصبت الرايات والمظلات العالية من أجل عيد الفطر. وبعد عزف الميهتار في صبيحة العيد، جلس السلطان على عرش ذهبي مرتفع، ليهنئه بالعيد كل من الوزراء ورجالات الدولة وأعيانها القادمين من كل أرجاء البلاد، إلى جانب الشيوخ ورجال الدين والعلماء والآغوات من كل مِلّة وصوب، ومن ثم أقيمت وليمة عظيمة جلس عليها الكبير والصغير، الغني والفقير في سرور بالغ، وتسامروا في انشراح. وبعد انتهاء العيد وبسبب اقتراب فصل الشتاء، أمر السلطان القادة والأمراء بالعودة على رأس قواتهم إلى ثكناتهم447.
إثر خسارة الشاه طهماسب لقلعة وان، وما إن علم بعودة قوات السلطان إلى ثكناتهم، شن هجمات تخريبية على كل من أخلاط وإرجيش وآديلجيفاز. كما قام بمهاجمة أمير لواء منطقة باسين المكلف بترميم قلعة قارص، وقتل العديد من أهالي المنطقة وامتدت هجماته حتى تيرجان وإرزينجان448.
عندما بلغت هذه الأخبار السلطانَ المقيم في ديار بكر، أرسل الوزير الثاني أحمد باشا على رأس قوة كبيرة نحو الشاه، وفي هذه الأثناء حقق عثمان باشا الشركسي نصراً حاسماً على قوات الشاه طهماسب. ومن ثم وبناء على طلب القاص ميرزا تم إرساله على رأس قوة عسكرية للهجوم على كل من أصفهان، قُم، كاشان وسمح له بالمغادرة بعد أن أردفه بقوات عسكرية، وقد توجه في البداية نحو بغداد449.
أما القانوني فقد توجه من ديار بكر إلى حلب، حيث أمضى فيها الشتاء. وهناك استدعى الأمير بيازيد من قونيا، حيث مكثا سوية، وكان يخرجان في رحلات صيد في منطقة حماه وجوارها. وفي هذه الأثناء وصل وزير القاص ميرزا ونديمه سيد عزيز الله شيرفاني حاملا رسالة من القاص إلى جانب العديد من نفائس الهدايا. وقد كان القاص ميرزا يوضح في رسالته بأنه تمكن من الإغارة على قصور الشاه وبقية السلاطين في كل من أصفهان وقم وكاشان، وأرسل الخزائن والكنوز الثمينة التي حصل عليها برفقة رسوله، لينتقم من الشاه طهماسب بسبب الهجمات التدميرية التي شنها على مناطق أخلاط، إرجيش وإرزينجان. أما السلطان وليظهر له امتنانه الكبير من هذه الأخبار، فقد أرسل إليه الخلع والهدايا الثمينة بدوره450.
وخلال الشتاء ذاته أرسل إسكندر باشا أمير أمراء وان إلى السلطان يعلمه بأنه تمكن من قتل دونبلو حاجي خان زعيم إحدى أكبر العشائر والمعروف بشجاعته الكبيرة، والذي كان موالياً للعثمانيين فيما مضى، ولكنه انتقل إلى طرف الشاه طهماسب لاحقاً. وقد سرّ السلطان لهذا الخبر سروراً بالغاً، وأرسل لإسكندر باشا السيف والخلعة بالإضافة لمكافأة مالية مجزية451.
ومن جهة أخرى فقد وصلت أخبار من أمير أمراء أرضروم الذي توجه على رأس حملة إلى جورجيا بناء على أوامر السلطان، تفيد بفتح قلاع كل من بيركان (Berakan)، بيناك (Penak)، غومغة (G?mge) غيرميك (Germek)، ساماغار (Samagar) وأهادِر (Ahad?r) وقد تم الاحتفال بهذا النصر أيضاً.
أما القاص ميرزا الذي رجع إلى بغداد، وأثناء زيارته لقبور كربلاء عاد لاتباع عادات الروافض، فانفضّ عنه أهل السنة من رجال السلطان. وحين بات وحيداً، شعر بالخوف من أخيه الشاه فهرب إلى جبال إمارة أردلان452، وكان قد رفض دعوة السلطان المقيم في ديار بكر للمثول بين يديه، خوفا من فقدان حظوته، وتقول إحدى الروايات أنه توسط لدى أخيه طهماسب من أجل العفو عنه، وحين أبلغ حموه الشاه نعمة الله الذي تدخل بين الطرفين أنه نال العفو، قام بتسليم نفسه. ولكن الشاه طهماسب قام بسجنه في قلعة آلموت، وقتله بالسم بعد مدة وجيزة.
ومنذ مغادرة السلطان لحلب وحتى تاريخ السادس من حزيران العام ألف وخمسمائة وتسعة وأربعين قضى معظم أوقاته في الصيد، وحين عاد للتوجه إلى ديار بكر، انفصل عنه الأمير بيازيد وعاد متوجهاً إلى سنجق قونيا.
وبعد أن اجتاز السلطان نهر الفرات، اعتلت صحته في منطقة إلمالى (Elmal?)، فمكث لبعض الوقت في هضاب كاراجاداغ453 التي واتته بمائها وهوائها، حتى تماثل للشفاء.
وفي العاشر من أيلول وصل السلطان إلى أرضروم، فيما كان الوزير الثاني أحمد باشا منشغلاً بحملته على جورجيا، حيث استطاع السيطرة على العديد من القلاع سواء بالقتال أو طلبها للأمان والتسليم، كقلعة آغجة وتورتوم وسواها454. . وعقب الانتهاء من موسم الحملات، عاد إلى أرضروم ومن ثم إلى ديار بكر لينضم للسلطان، الذي أنعم على كل من أمراء وولاة أرضروم، قرمان، ذو القادر وسيواس الذين اشتركوا في هذه الحملات بالكثير من الثناء والهدايا.
وبذلك انتهت حملة إيران التي ساهمت في تعزيز الأمان والاستقرار في تلك المناطق، وأوضحت الحدود بين الطرفين. وفي الثالث عشر من تشرين الثاني العام ألف وخمسمائة وتسعة وأربعين غادر الجيش ديار بكر وسط مراسم فخمة، وواصل رحلته وسط انضباط صارم، ليبلغ العاصمة في الواحد والعشرين من كانون الأول455.





أحداث ترانسلفانيا (إردال) (1549-1552)

تولى الراهب مارتينوزي (يسميه المجريون فراتير جورجي أما المصادر العثمانية فتذكره باسم باراتا) الوصي على ملك ترانسلفانيا الصغير الذي نُصب على عرشها منذ العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين شؤون البلاد، وبعد فترة أخذ يتواصل مع آل هابسبورغ ويتباحث معهم حول فصل ترانسلفانيا عن حماية السلطان، وإلحاقها بالهابسبورغيين بل وتمكينهم من احتلالها بشكل فعلي. وبينما كان يراسل السلطان القانوني مراوغاً، كان هدفه الحقيقي الانضمام لحكم فرديناند.
وفي العام ألف وخمسمائة وثمانية وأربعين تواصل بشكل مباشر مع البابا، طالباً منه التوسط لكي يتدخل كل من فرديناند والإمبراطور ويقوما بضم الملكة والملك الصغير لحمايتهما. وعلى إثر هذه المباحثات تم عقد اتفاق في أيلول العام ألف وخمسمائة وتسعة وأربعين بين رجال إيزابيلا وفرديناند، والذي نص على إلغاء سلطة القانوني على ترانسلفانيا وكل الأراضي الممتدة حتى نهر تيسا456، لتخضع لسلطة آل هابسبورغ457.
وكان مارتينوزي يريد تطبيق هذه الاتفاقية على أرض الواقع بشكل سري دون علم القانوني والديوان الهمايوني، وفي حال افتضاح أمرها سيقوم بإلقاء المسؤولية على عاتق رقيبه السياسي بيتروفيتش. وفي هذه الأثناء كان المبعوثون يتباحثون مع النمسا لحل مجموعة من المسائل منها ما يتعلق بالمشاكل الحدودية ومنها ما يتعلق بتأخير دفع الجزية السنوية.
وبعد عودة المبعوث محمود شاويش، ووصفه لتصرفات الإمبراطور المريبة، اهتزت ثقة السلطان والديوان الهمايوني، وازدادت شكوكهم حول وضع ترانسلفانيا. وفي العام ألف وخمسمائة وخمسين وبينما كان مارتينوزي يواصل دسائسه دون التمكن من إقناع الملكة إيزابيلا بعد، تقدم بطلب إلى السلطان لنيل مساعدة مالية للملك الصغير، معتقداً بذلك أنه سيتمكن من المواربة على مكائده.
ولكن السلطان الذي كان مطلعاً على المسألة من كل جوانبها، أرسل فرماناً تهديدياً لنبلاء ترانسلفانيا المنتسبين لثلاثة أعراق هم؛ المجر السيلكيين والسكسانيين، يأمرهم بإبعاد مارتينوزي عن السلطة وتسليمه للعثمانيين، وعدم إطاعة أحد خلا الملكة وتابعها الأمين بيتروفيتش. كما أمر السلطان أمير أمراء بودين ووالي سنجق هاتفان بهدم قلعة سولنك، والقيام بحملة للسيطرة على قلعة إغير458.
ورغم قيام مارتينوزي بتوقيع اتفاق مع آل هابسبورغ في تموز العام ألف وخمسمائة وواحد وخمسين لتسليمهم ترانسلفانيا، فقد حاول من جهة أخرى إنكار الشائعات التي تفيد بدخول الهابسبورغيين إلى البلاد، وذلك لكسب مزيد من الوقت. وبالمقابل فقد كان أمير أمراء بودين يراسل السلطان باستمرار لينبئه بسيطرة قوات فرديناند على ترانسلفانيا، وهذا ما دفع السلطان لإرسال فرمان جديد يخاطب فيه أهالي البلاد.
ومن أجل تنفيذ الأوامر الواردة في فرمان السلطان بشكل فعلي، فقد أرسل تعليماته إلى كل من أمير أمراء روميلي سوكلّو محمد باشا، ولاة كل من سميديريفو وفيدين459، قوات الأفلاق والبغدان، وتتار دوبروجة460، وخانية القرم وذلك في الأول من تموز العام ألف وخمسمائة وواحد وخمسين.
ومع اقتناع السلطان بخيانة مارتينوزي وترك ترانسلفانيا سراً لسلطة فرديناند، ودخول القوات النمساوية إلى أراضيها، قام باستدعاء سفير النمسا مالفيزي للديوان الهمايوني وطالبه بإيضاح هذه التطورات، وإزاء عدم تقديم السفير إجابة مطمئنة تقرر حبسه في برج كارا كولى في قلعة أناضولو حيصار، ورغم قيام فرديناند بإرسال رسالة احتجاجية على هذه الحادثة، ولكن القانوني لم يولها أي أهمية461.
وفي ذلك الوقت كانت القوات العثمانية بقيادة أمير أمراء روميلي محمد باشا، قد اجتازت الدانوب من مدينة بيتروفارادين، ونهر تيسا بالقرب من تيتِل462 ليدخلوا بذلك أراضي ترانسلفانيا. وبعد حصار دام أربعة أيام تمت السيطرة على مدينة باتش، أعقبتها قلاع عديدة مثل زرنيانين، سيناد463، ماروش (Maro?) وإيلاديا (Illadya) وسواها الكثير من البلدات والقلاع. . ولكن سوكلو محمد باشا الذي فرض الحصار على مدينة تيميشوارا464، عاد إلى بلغراد في منتصف شهر تشرين الأول بسبب قسوة البرد، ليقضي فيها فصل الشتاء465.
في العام التالي كان الوزير الثاني أحمد باشا مكلفاً بمتابعة التطورات الجارية في ترانسلفانيا، حيث انطلق من إدرنة في الثالث والعشرين من نيسان العام ألف وخمسمائة واثنين وخمسين على رأس قوة عسكرية كبيرة. وبناء على التعليمات التي أصدرها السلطان والديوان الهمايوني، كانت أولى خطواته هي محاصرة تيميشوارا، التي سيطر عليها بعد صراع عنيف. وعقب ذلك قام بضرب الحصار على قلعة إغير، ولكن المقاومة الناجحة التي أبداها قائد حامية القلعة ستيفان دوبون، حالت دون سقوط القلعة466.
كانت الفعاليات العثمانية في المنطقة تتقدم بسرعة كبيرة، حيث تمكنت قوات بودين بقيادة هاديم علي باشا من تحقيق انتصار باهر بفتح قلعة دراغليه (Dragley) التي استبسل مدافعوها في المقاومة. أما يحيى باشا أوغلو أرسلان بيك، فقد وصل على رأس قواته إلى قلعة سالغو467حيث كان الضباب يلف المكان، وإزاء هذا الوضع قام بنصب كتل كبيرة من جذوع الأشجار حول القلعة على هيئة مدافع محدثاً ضجة هائلة، فانطلت الحيلة على حامية القلعة وظنوها مدافع ضخمة بالفعل، ما دفعهم إلى تسليم القلعة على الفور.
ومن ثم انضم أرسلان بيك إلى قوات هاديم علي باشا، ليلحقوا هزيمة كبيرة بالقوات الألمانية البالغ عددها تسعة آلاف جندي تحت قيادة الجنرال توفل، الذي تم أسره برفقة القائد سفورتزا وأربعة آلاف أسير آخر.
وأخيرا تمكنت قوات الوزير أحمد باشا وهاديم علي باشا من ضم قلعة سولنك أيضاً إلى السلطنة، متوجين بهذا الفتح سلسلة انتصاراتهم468.





تحركات الشاه طهماسب (1552)

استغل الشاه طهماسب انشغال الجيش العثماني في حملته على المجر، وتواجد السلطان في إدرنة، ليتقدم بجيشه حتى محيط وان، ويشن هجمات تخريبية على أطراف كل من آديلجيفاز وأخلاط ومن ثم قام بمحاصرة قلعة إرجيش، ولكنه بسبب مقاومة إبراهيم بيك أحد الأمراء الكورد في المنطقة، والشجاعة الكبيرة التي أبداها في الدفاع عن القلعة، لم يوفق في السيطرة عليها، فتوجه نحو قلعة آديلجيفاز التي كان سنان باشا زاده إبراهيم بيك قائد حاميتها، وإزاء المقاومة الشديدة التي واجهها هناك أيضاً، تخلى عن فكرة السيطرة عليها469.
رغم تجول الشاه في المنطقة لشهور، لكنه لم يوفق في تحقيق أي انتصار، وأخيراً توجه نحو قلعة أخلاط التي اعتقد سكانها بأنهم غير قادرين على صد القوات الإيرانية القوية، لذلك وبعد الانخداع بوعود الأمان، وتعهدات الشاه بعد التعرض لهم، قاموا بتسليم القلعة. ولكنهم ما إن فتحوا الأبواب حتى قتلوا مع نسائهم وأطفالهم470.
وبعد السيطرة على أخلاط، توجه إسماعيل ميرزا بن الشاه على رأس ثلاثة آلاف جندي نحو أرضروم، ولأن أمير أمرائها إسكندر باشا لم يكن مطلعاً بالشكل الكافي على قوة الصفويين، فقد خرج من القلعة على رأس قوة عسكرية صغيرة لمواجهتهم. حيث ظهر بضع مئات فقط من الجيش الصفوي أمام أسوار القلعة، وحين توجه إسكندر باشا على رأس قواته نحوهم، تراجعوا متصنعين الانسحاب، وبعد ابتعاد الباشا عن القلعة، خرجت بقية القوات الصفوية من مكامنها، وأغاروا على العثمانيين بكل قوتهم. ورغم ذلك فقد حارب الباشا القوات الصفوية التي تفوقهم عدداً ببسالة وشجاعة فائقة، ولكن الخسائر الكبيرة التي ألحقوها بجيش العدو لم تحل دون الهزيمة المحقَّقة. وقد تمكن من العودة إلى القلعة برفقة عدد قليل جداً ممن بقي من رجاله. بينما بقي ولاة كل من طرابزون، بوزوك، مالطيا وكارا حيصار في ميدان المعركة.
وكان لعودة إسكندر باشا إلى أرضروم لحماية المدينة من الوقوع بيد الصفويين، وقع حسن لدى السلطان القانوني، فأرسل مع الرسالة التي يوضح فيها تقديره لشجاعة الباشا ومقاومته الباسلة التي أبداها إزاء العدو، هدايا من بينها خلعة وسيف وصولجان، وقد جاء في نص الرسالة:
«فليبيّض الله وجهك في العالمين، ورغم أنّ القتال بينك وبين قوات ابن الشاه لم يكن متعادلاً، ولكنك أثبتت من تكون، ولم تقصّر في إظهار الشجاعة. كما أنّ النصر والهزيمة منوطان بإرادة من جناب الحق، فكن راضي البال»471.
ومن جهة أخرى فإن اعتداءات الإيرانيين كانت تستوجب القيام بحملة أخرى ضدهم، وإلا فما كان للمناطق الحدودية في السلطنة أن تنعم بالأمان والهدوء. ولكن لم يكن من الواضح ما إذا كان السلطان سيقود الحملة بنفسه، أم سيوكل المهمة إلى أحد وزرائه. كان القانوني قد بلغ التاسعة والخمسين من العمر، وينوء جسده تحت مشاق الخروج على رأس إحدى عشرة حملة همايونية حتى ذلك الوقت.
لذا فقد عيّن الصدر الأعظم رستم باشا على رأس الجيش، الذي انتقل إلى ضفة الأناضول بداية العام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين برفقة قوات الإنكشارية وبقية الفرق. ومن ثم صدرت الأوامر إلى أمير أمراء روميلي سوكولو محمد باشا للتوجه إلى توكات من أجل الانضمام إلى الجيش على رأس قواته مع حلول الربيع. ولكن وفي هذه الأثناء بالذات، قام رستم باشا بإرسال آغا السيباهية شمسي آغا إلى إسطنبول لمقابلة السلطان بشكل مفاجئ، لقد كان شمسي آغا يحمل أخباراً خطرة عن الأمير مصطفى أكبر أبناء القانوني.
كان هذا الأمير الذي بلغ الثامنة والثلاثين من العمر في ذلك الوقت، يحكم سنجق أماسيا بعيداً عن الحظوة والمكانة، على سوية علمية ومعرفية رفيعة، وخبرة عسكرية واسعة، وإلى ذلك فهو يتمتع بشعبية كبيرة لدى العسكر. وقد وصل إلى قناعة تفيد بأنه سقط من حسابات والده وأركان الدولة في الطريق المؤدي إلى تولي العرش، ما دفعه للبدء وبتحريض وتشجيع من حاشيته ومواليه باتخاذ الخطوات الفعلية التي ستمكنه من حيازة السلطة.
ويشير كل من بيجفي وعلي وسواهم من المؤرخين العثمانيين الموثوقين، بأن البعض من أهل الفتنة والفساد قد خدعوه بذرائع حول تقدم والده في السن، ولهذا السبب بالذات فقد قام بتعيين رستم باشا قائداً على جيش الأناضول، وأنّ هذا الأخير يضمر له السوء مسبقاً، وأنه لو ذهب إلى مقر الجيش وقام بقتل رستم باشا، فلن تحول بينه والعرش أي عقبة. كما يفيد هؤلاء المؤرخون بأنّ الأمير بيازيد أيضاً كان يرى أخاه الأمير مصطفى أنسب لتولي العرش من سواه.
ويتضح من خلال إجماع معظم الآراء على اعتبار مصطفى المرشح الأنسب للسلطة، أنّ الأمير نفسه قد تأثر بهذه الآراء والمقولات، وبناء على الشائعات التي كانت تفيد بتقدم السلطان في العمر واعتلال صحته - كما هو موضح في المصادر - فقد بدأ بحشد قواته من أجل إعلان التمرد على والده.
حتى أنّ هؤلاء الناصحين من الشيوخ والمعلمين الذي تغفل المصادر عن ذكر أسمائهم، قد أوهموا الأمير بأنّ السلطان قد عدل عن رغبته في تعيين مصطفى ولياً لعرشه بتحريض من رستم باشا، وأنّ بإمكانه بعد توليه السلطة إرسال والده إلى قصر ذيذيموتيخو لقضاء بقية عمره في العبادة والراحة. وقد اقتنع الأمير مصطفى بهذه الادعاءات وبادر للتحرك. هذه هي الأخبار التي نقلها شمسي آغا الذي أرسله رستم باشا إلى السلطان. 472
ولكن القانوني لم يصدق هذه الأخبار في البداية، وعلّق على التقرير الذي بعث به الصدر الأعظم قائلاً:
«حاشا! من المحال أن يتورط أميري مصطفى في صفاقة كهذه. ومن الواضح أنّ بعض المغرضين الذين يطمعون في أن تبقى مقاليد السلطة في يدهم، قد افتروا على الأمير. إياكم وأن تلفظوا هذه الكلمات مرة أخرى، ولا تصدقوا مثل هذه السفاهات» محذراً من حوله بشكل حاسم473.
كما أوضح رستم باشا في رسالته بأنّ الجنود مصرون على أن يحضر السلطان بنفسه ليقودهم. وبناء على هذه التطورات، أذن السلطان للجنود بفترة راحة، واستدعى الصدر الأعظم إلى العاصمة. وبذلك كان القانوني سيقود الحملة بنفسه مرة أخرى.
حين بلغ الشاه طهماسب أنّ العثمانيين يحضرون لحملة جديدة، حاول ثني السلطان عن هذا القرار بإرسال وفد لمقابلته يضم والي سنجق بيغا474 محمود بيك الذي فكّ أسره، وكلفه بمهمة المبعوث. ومن ثم قام بإرسال مبعوث آخر من الأعيان للغاية ذاتها، أما السلطان فلم يوافق على مقابلة هذا المبعوث حتى وصوله إلى حلب.
غادر السلطان إسطنبول في الثامن والعشرين من آب العام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين. ولكن من الصعوبة بمكان التحقق ما إذا كان هذا التأخير يعود لمرض السلطان أم بسبب القرار الذي تم اتخاذه بحق الأمير مصطفى، والتدابير المتخذة بهذا الشأن. فبعد أن خرج السلطان مصطحباً معه الأمير جيهانغير من أوسكودار، استقبل في يني شهير الأمير بيازيد، وأمره بالتوجه إلى إدرنة من أجل حماية منطقة روميلي.
كما استقبل في كوتاهيا سفير ملك بولندا يازلوفيك، ليعلمه هذا الأخير بمشاعر الصداقة التي يكنها له الملك، ويطالب بإيقاف هجمات المغيرين الأتراك على الأراضي البولندية وتجديد المعاهدات القديمة، وبدوره وافق السلطان على مطالبه وسمح له بالعودة إلى بلاده.
وفي الثاني والعشرين من أيلول ومع وصول الجيش إلى بولفادين475، وصل الأمير سليم والي سنجق صاروخان لتقبيل يد والده، ونال منه الموافقة على التحاقه بالحملة.
وعندما بلغ الجيش منطقة آك تيبة التحق الأمير مصطفى والي سنجق أماسيا مع قواته بالجيش، وقد نصب خيمته إلى جوار خيمة والده السلطان غافلاً عن المصير الذي ينتظره476.





الأمير مصطفى

وُلِد العام ألف وخمسمائة وخمسة عشر في مانيسا أثناء تولي والده حكم سنجق صاروخان، والدته هي ماهي دِفران أولى محظيات السلطان سليمان. وقد أمضى الأمير أولى سنوات طفولته في قصر مانيسا.
ومع اعتلاء والده العرش في العام ألف وخمسمائة وعشرين، جاء بصحبة والدته إلى إسطنبول، وباعتباره الأمير الأكبر وبعد وفاة أخويه محمود ومراد، فقد تلقى اهتماماً كبيراً أثناء تنشئته في القصر، ونال تربية وتعليماً استثنائيين، وقد وصفه سفير البندقية وهو لا يزال في التاسعة من العمر بأنه موهوب إلى درجة بالغة، وسيغدو محارباً عظيماً، كما أنه كان محبوباً جداً من قبل الإنكشارية477.
وفي العام ألف وخمسمائة وثلاثين أقيم حفل ختانه برفقة شقيقيه محمد وسليم، وقد استمرت الاحتفالات لمدة تقارب العشرين يوماً. وفي العام ألف وخمسمائة وأربعة وثلاثين توجه إلى مانيسا بعد أن عُيّن والياً على سنجق صاروخان.
ومن جهة أخرى فإنّ السلطانة هُرَّم التي انضمت إلى حرم القانوني بعد اعتلائه للعرش، والتي أنجبت له كلا من الأمراء محمد سليم بيازيد وجيهانغير، نالت حظوة كبيرة لدى السلطان. وبعد مرافقة ماهي دِفران خاتون لابنها الأمير مصطفى أثناء توجهه إلى مانيسا، فقد زاد نفوذ هُرَّم في القصر.
كما أثيرت بعض الادعاءات التي تفيد بأنّ حادثة قتل الصدر الأعظم إبراهيم باشا في العام ألف وخمسمائة وستة وثلاثين، والمعروف بعلاقته الوثيقة بالأمير مصطفى، قد ساهمت في زعزعة مكانة الأخير، ومهدت طريق السلطة أمام أخوته من السلطانة هُرَّم، كما تزعم هذه الروايات التي يروج لها بعض المؤرخين بضلوع هُرَّم في حادثة قتل إبراهيم باشا. رغم أنّ قتل إبراهيم باشا يعود لأسباب مختلفة تماماً، كما أنّ الأمير مصطفى قد استمر في إدارة سنجق مانيسا بعد موت الباشا بخمس سنوات.
في العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين تم نقل مصطفى من سنجق مانيسا إلى سنجق أماسيا، وما من شك أنّ تعيين الأمير محمد بدلاً منه، كان يعود في جزء كبير منه إلى المحبة العظيمة التي يكنها له القانوني وزوجته هُرَّم، كما أنه يشير إلى رغبة والده السلطان في تعيينه ولياً للعهد.
وقد شعر الأمير مصطفى بحزن بالغ جراء انتقاله إلى أماسيا. وكانت والدته ماهي دِفران خاتون ترافقه في تلك الفترة، وستظل إلى جواره، لتمنحه المساعدة والأمل على الدوام، كما أنّ الأمير مصطفى كان متعلقاً بها إلى درجة كبيرة.
ومع وفاة الأمير محمد الذي عيّن على سنجق مانيسا إثر مرض مفاجئ، فقد تعززت آمال مصطفى من جديد في الترشح لولاية العهد. ولكن تعيين ابن هُرَّم الآخر الأمير سليم في العام ألف وخمسمائة وأربعة وأربعين واليا لمانيسا، كان مؤشراً واضحاً على أنه سقط من حسابات تولي العرش.
واعتباراً من هذا التاريخ بدأت علاقة الأمير بوالده تتدهور، وهو ما يبدو جلياً في المصادر التاريخية، وبالطبع لن ننكر في هذه المرحلة الدور الذي لعبه أهل الفتنة والساعون خلف مصالحهم الشخصية من حاشية الطرفين، في تهويل الأحداث وتفسيرها في الوجهة السلبية، ذلك أنّ سير الأحداث اللاحقة يؤكد هذا الافتراض.
ففي العام ألف وخمسمائة وتسعة وأربعين وبعد عودة القانوني من حملة العراقين، أرسل مصطفى إلى والده رسالة اعتذار، يطلب فيها الإذن بالقدوم إلى إسطنبول للقائه والاعتذار منه، ولكنه لم يتلق رداً مأمولاً عليها. وقد لاقت رسالة الاسترحام التي بعث بها في السابع والعشرين من كانون الثاني العام ألف وخمسمائة وواحد وخمسين المصير ذاته ولم يتلق عليها الجواب الشافي. تشير هذه الوقائع إلى تورط الأمير في بعض الأحداث التي أثارت استياء والده، ولكنها توضح في الآن ذاته رغبة الأمير في التحقق من مصدر الشائعات المغرضة بحقه، ونيته في إذابة الثلوج بينه وبين والده السلطان.
ولا يمكن التغاضي عن موقف رستم باشا المناوئ للأمير مصطفى، والذي بات أكثر وضوحاً مع توليه منصب الصدر الأعظم. حيث نجد في المصادر التاريخية روايات تشير إلى تورطه في بعض الفعاليات التي من شأنها أن تظهر مصطفى في مظهر الساعي وراء العرش والاستيلاء على السلطة478.
وبدوره لم يتوان مصطفى عن القيام ببعض الإجراءات في سبيل الاحتفاظ بحقه في تولي العرش، واستطاع اكتساب محبة وتعاطف الشعب والعسكر على حد سواء من خلال كفاءته وشخصيته. كما كان إلى ذلك شاعراً جمع بين الشعر والعلم على حد سواء.
ومن أبرز سماته الكرم والتواضع، وكان يحسن معاملة المقربين منه، ويغدق عليهم في العطاء. إلى جانب عدالته، ففي المناطق التي طالها حكمه، كان الجميع يعيش تحت مظلة العدالة والحق. وقد اعتاد في كل يوم جمعة التوجه إلى جامع السلطانية الكائن في مانيسا مع موكبه ليخاطب الناس، فقد كان يجد متعة كبيرة في الاختلاط بالناس والاستماع إلى شكاويهم شخصيا. وبذلك كان يزيد من شعبيته لدى الجموع479. حتى بات الكل ينظر إليه باعتباره وريث العرش. والأهم من ذلك كله أنّ المشتكين من استمرار انخفاض قيمة الأكجة وغلاء المعيشة، وكل من لديه مبرراته لمعارضة الإدارة الحالية في الحكم، كان هؤلاء جميعاً يجدون لهم ملاذاً إلى جوار مصطفى، ويعتبرونه مرشح العرش الأفضل والمخلص القادم. ومن المؤكد أنّ الحماية التي يوفرها الأمير مصطفى لهؤلاء، كانت تمنح خصومه الفرصة الأمثل لاستغلالها ضده.
ويورد سفير البندقية نافاغيرو في الخصوص، بأنّ مصطفى كان يحظى بقبول أكبر من بقية أشقائه ليكون الحاكم المستقبلي، وعلى عكس السلطان والصدر الأعظم كان الإنكشارية يرغبون في رؤيته جالساً على العرش، حيث تمتع بصيت عظيم بين صفوفهم، ويضيف السفير بأنه ورغم هذا التأييد الكبير، فمن الغريب عدم قيامه بأي تحرك ضد والده.
أما الأمير بدوره فقد اقتنع أنّ البدء بتحرك مضاد قد حان وقته، بعد تفضيل أشقائه عليه، وعدم توفر الفرصة المناسبة للقاء والده والتفاهم معه، إضافة إلى احتمال سقوطه من حسابات الحكم ووراثة العرش.
وكانت أولى خطواته هي اللجوء إلى أمير أمراء الأناضول أياس باشا، طالباً مساعدته في حقه الشرعي لتولي العرش من بعد والده. 480 وبذلك فقد بدأ استعداداته من أجل ضمان وصوله للعرش، مقتدياً بجده السلطان يافوز سليم. وبسبب عدم اشتراك السلطان الذي كان يقاسي آلام مرض النقرس خلال تلك الفترة في الحملات العسكرية، فقد شاع بين صفوف الجيش بأنّ السلطان بات عجوزاً، وراجت التقولات التي تقول بضرورة خلعه عن العرش وإرساله إلى ذيذيموتيخو.
وهذا ما كان عليه الواقع، فمع انتهاء التحضيرات لحملة إيران نهاية العام ألف وخمسمائة واثنين وخمسين، لم يخرج السلطان على رأس الحملة، بل عين رستم باشا قائداً للجيش. ولكن الباشا وبسبب خشيته من مصطفى ومن تحركات الجيش فقد أرسل إلى السلطان ليعلمه بأنّ مصطفى بات يستعد من أجل الاستيلاء على العرش.
لم يصدق السلطان سليمان القانوني هذه الأخبار التي كان ترده منذ سنوات، ولكن الوضع كان يبدو مختلفاً هذه المرة. ومن الوارد أنه اقتدى بالمقولة التي تقول «إنّ شيوع الفكرة، أسوأ من تحققها»، ولم يعد لديه شك بعد التطورات الأخيرة بأنّ مصطفى ينوي التمرد عليه بالفعل.
وربما بات يؤول الكلمات التي قالها سابقاً الأمير في سبيل خدمته، بطريقة معاكسة. حيث كان مصطفى قد وعد السلطان بأنه لو تم تعيينه قائداً للجيش، سيضع إيران برمتها تحت قدمي والده.
أيا سلطاناً يطل مجده على الدنيا كالشمس
مرادي الهجوم على الروافض ودك عروشهم
بإذن الله ستفتح أبواب النصر والفتح للعباد
فإن كنتُ قادراً على هذه الخدمة لمَ المشقة؟
يا ظل الله على الأرض وصاحب الملك
فلينعم الله تعالى عليك بالسرور حتى الأبد
امنحني الإذن يا مولاي لتسيير الجيوش
فإن كنتُ قادراً على هذه الخدمة لمَ المشقة؟
وإن لم يهرب العدو من ميدان الوغى سيفنى

وإن لاذ بالفرار ستضيق عليه الدنيا على رحبها
اعطف علي مولاي وأجِز لي أن أسير بجندي
فإن كنتُ قادراً على هذه الخدمة لمَ المشقة؟
فلن تنام عيوني ولن يرتاح البواسل حولي
ما لم نعد إلى بابك برايات النصر العالية
والحمد الله فنحن لا نخشى بفضلك الأعادي
فإن كنتُ قادراً على هذه الخدمة لمَ المشقة؟. .481.
وبذلك فقد قامت الأخبار المتلاحقة الواردة من رستم باشا، بتأكيد الشكوك التي كان السلطان يحاول طوال سنوات دفعها عن ذهنه، ولم يعد لديه أي شك في أنّ ابنه مصطفى انتقل إلى مرحلة التحرك من أجل الاستيلاء على منصبه، فحصل على الفتوى اللازمة لقتل ابنه من المفتي أبو السعود أفندي. وقد انطلق السلطان مغادراً من أوسكودار في الثامن والعشرين من آب العام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين، وبلغ منطقة آك تيبة القريبة من إريغلي في قونيا ليقيم معسكر جيشه، وذلك في الخامس من تشرين الأول.
وفي اليوم ذاته توجه الأمير مصطفى على رأس قوة عسكرية تعدادها خمسة آلاف جندي، مجهزة بشكل جيد نحو الموقع ذاته. وفي اليوم التالي تحرك لزيارة والده في الخيمة الهمايونية، دون أن يلقي بالا للتحذيرات حول التخطيط للتخلص منه.
وما أن ترجل عن حصانه، سلّم سيفه وخنجره بناء على طلب أحد الحراس، ومن ثم دخل الخيمة لتقبيل يد والده، ولكنه لم يجد سوى الجلادين الصمّ482 في انتظاره هناك، حيث انقض عليه سريعاً سبعة جلادين من أجل القيام بخنقه، وقد نشب صراع عنيف بين الطرفين، حتى أنّ الأمير تمكن من النجاة لوهلة، ولكن أحد مصارعي القصر ويُدعى زال محمود، تمكن من الانقضاض عليه وأمسك به، وبذلك تمكنوا من لفّ الحبل حول عنقه وخنقه483.
وبحسب المصادر الإيطالية المعاصرة، فقد وضع جثمانه على سجادة إيرانية، في إحالة واضحة لتعاونه مع الشاه، ليعرض أمام الخيمة الهمايونية، ومن ثم أخذ الجثمان إلى إريغلي لإقامة صلاة الجنازة عليه، ليتم إرساله من هناك إلى بورصة ويوارى الثرى في مقبرة مراد الثاني.
كما صودرت كل أمواله وممتلكاته الموجودة في معسكره، وأعقب ذلك قتل أمير الإسطبل وقسم من رجاله أيضاً، وقد أُرسلت والدته ماهي دِفران إلى بورصة.
أحدث قتل الأمير مصطفى رد فعل بالغ الشدة في المعسكر، حيث ألقى الإنكشاريون المسؤولية بشكل علني على رستم باشا، وطالبوا السلطان بمعاقبته. حتى أنّ الشعراء قد خلدوا هذا الاتهام في مصراع بيت يشير إلى «مكر رستم»484.
وخاصة مرثية يحيى تاشليجه لي التي انتشرت بسرعة انتشار النار الهشيم لتتداولها كل الألسن:
لقد أدى بهتان الكاذب وحقده الخفي
إلى تهاطل دموعنا لنحترق بنار الهجران
وغدا بعض من أهل الفتنة سيفا
وغدت بضع رسائل مزورة سهام القتل
وذلك في إشارة واضحة إلى رستم باشا. 485
وقد أسفر هذا الوضع المعادي لرستم باشا إلى قيام الحاجب أثناء اجتماع الديوان بأخذ المهر الهمايوني من رستم باشا، ومن ثم أوضح بضرورة عودة كل الوزراء إلى خيامهم بناء على أوامر من السلطان. حيث تم منح المهر الهمايوني إلى الوزير الثاني أحمد باشا، ليتقلد منصب الصدارة486.





أنين الشعراء

حقيقة لقد كان لقتل مصطفى وقع بالغ الأثر على طبقات واسعة من جموع الشعب التي استاءت وشعرت بحزن كبير، ومن المحتمل أنّ رواج المراثي الشعرية التي كتبها الشعراء في رثائه قد لعبت دوراً في هذا الشعور487.
فالأبيات التي ألفها يحيى تاشليجه لي الذي كان يرافق الجيش في تلك الأثناء، انتشرت بسرعة محمومة في أوساط العسكر وتسببت في عزل رستم باشا.
مدد مدد فقد انهارت إحدى دعائم الدنيا
مذ أن غيب الأجل مصطفى خان
غاب البدر جميل المحيا عن المجالس
وألمّ الوبال والبلاء بآل عثمان
أكاذيب الماكرين وكيد المنافق
أحرقت الفؤاد وأسعرت نار الهجران
فليت عيني لم تشهد هذا المصاب
فواأسفي على من أذاقه كأس المنون
وفي بقية هذه المرثية يمدح يحيى تاشليجه لي الأمير مصطفى بالكلمات التالية:
فريد العصر كان عالماً وعليما

وموته كان لأمة محمد مصاباً جليلا
كان خير الأمراء على خلق عظيم
زاهداً تقياً عميق الإيمان قوي المعتقد
رفيق المشايخ أنيس مجالس العقل
كريم النفس يزدان بأعظم الأخلاق
كنجم في سماء الليل تراه العين
وتبتهج لحسن قوامه وجمال خُلقه
ولكنه إن ألقى التحية تواضع أدباً
فهل للبدر في تمامه أن يبلغ كماله؟
فواأسفاه لمن كان ضحية الغدر
ولكنه سينعم برحمة الله تعالى ونعيمه488.
وعندما عاد رستم باشا إلى منصب الصدارة لاحقا، أراد قتل يحيى تاشليجه لي، ولكن السلطان سليمان القانوني منعه عن ذلك بالقول:
«لا تلقي بالا بما يقوله أمثال هؤلاء، وإياك أن تفكر بالانتقام منه».
لذا قام رستم باشا باستدعاء يحيى لرفع هذه التهمة عنه، وربما كان يريد دفعه لارتكاب خطأ ما وبالتالي استصدار الفتوى لقتله، حيث خاطبه بالقول:
«إنه السلطان، وقد قتل ابنه من أجل الحفاظ على نظام العالم (السلطنة)، كما أنّ المفتي قد أصدر الفتوى الواجبة لقتله. فكيف لمثلك أن يقول هذه الكلمات؟ وكيف تتجرأ على اتهام السلطان بارتكاب خطأ، وتزعم أنه جانب الصواب؟»
فرد عليه الشاعر:
«لقد متنا مع من ماتوا، وبكينا مع من بكوا، ولكننا لم نعلم ما الجرم في ذلك؟»، فعلق الباشا بالقول:
«لا أعلم، ولكنك بدأت تردد تلك الترهات وذكرت فلاناً في اتهاماتك، وافتريت على بعضهم الآخر، فما ردك على ذلك؟» ليرد عليه يحيى بيك:
«إنّ القول بأنّ الذنب يعود إلى أهل الفتنة، خير من القول بأنّ السلطان قد أخطأ. وهذا ما دفعني إلى تأويل كلامي بهذا الشكل»489.
وعلى إثر هذه الإجابة، خشي رستم باشا إن عارضه، أن يتم تأويل كلامه بأنه يتهم السلطان بارتكاب الخطأ، لذا فقد عمد إلى إنهاء الموضوع وترك الشاعر وشأنه.
ومن جهة أخرى فإنّ الشاعر سامي الذي اعتبر أنّ مصطفى كان يبذل كل جهده من أجل إرضاء والده، وأنه كان ينوي الانتقام من الصفويين، خاطب القانوني في هذه الأبيات:
كان ينوي الثأر فاصطبغ رأسه بالدماء
فكيف ضحيت بابنك وبأي ذنب قتلته
ألا تعلم من الذي كان السبب يا مولاي
فما الذي دفعك لقتل مصطفى يا سلطاني490.
أما رحمي جلبي فيعبر عن الألم العميق الذي اعتصر روحه إثر الحادثة من خلال هذه القصيدة:
كان موته مصاباً ألمّ بكل الكائنات
حين التف حبل الموت حول عنقه
فلا تغتر بالدنيا وما عليها فأولها
بكاء وآخرها زوال وربيعها زائل
كانت زلة وعثرة لدولة العالم
أودت بفخر السلطنة وأميرها

المكر كان السبيل لها وسيفها
الظالم الذي أودى بخيرة البنين
فغاب السرور والسنا في حزن المآتم
واكتست السماء بالحزن والأرض بالسواد
فمن سمع يا ترى بهذا المصاب الجليل
وشهد مقتل الأبناء فهل هذي حال الدنيا؟491.
كما أنّ الشاعر فضلي الذي كان ضمن حاشية الأمير التي ضمت العديد من الشعراء والعلماء، فيعبر عن مشاعره هو وأصدقائه إزاء المصير المفجع لولي نعمته بالكلمات التالية:
يا إلهي كيف للبدر المهيب أن يزول
ويغدو هلالاً بعيداً تبكيه العيون
وكيف لمن كان السعد طالعه والمجد
أن تجعله المنون يغدو أثراً بعد عين
فتذرف الأحداق دماً وتنزف القلوب
فأي قدر أليم هذا الذي ألمّ بنا
حتى غدا السرور والبهجة ذكرى
لا تمرّ بنا بعد هذه المصيبة
فليكن مثواه يارب جنان الخلد
وليكن مسكنه مع الأبرار الصالحين492.
كما أنّ موت مصطفى شكل أحد أكثر المواضيع التي اشتغل عليها الكتاب الأوربيون في تلك الحقبة، حيث غدا موضوعاً للتراجيديات والأوبرات. كالمسرحية التراجيدية التي كتبها بروسبيرو بوناريللي وت. تاسو493 بعنوان (سليمانو)، وأوبرا أيضاً تحمل اسم (سليمانو) من تأليف ج. أمبروجيو (G. Ambrofio) وم. أ. فالنتيني (M. A. Valentini)494.
وما مصدر الروايات التي تدور حول لقاء القانوني والأمير قبيل مقتله، والكلام القاسي الذي وجهه الأب لابنه، أو قيامه بمراقبة عملية القتل من إحدى الغرف الداخلية للخيمة، سوى نتاج خيال محض لأصحاب هذه المسرحيات والأوبرات.
وقد أقيم ضريح على قبر الأمير مصطفى بعد اعتلاء سليم الثاني للعرش، كما أنه منح السيدة ماهي دِفران والدة الأمير مصطفى مساعدات مالية، وبعض الممتلكات.
أما المعلومات الواردة في المصادر العثمانية حول قيام القانوني بقتل الأمير مصطفى الذي كان يحظى بمحبة واسعة من أطياف الشعب، فهي تذكر الدور الذي لعبه رستم باشا سواء بشكل علني أو خفي في حادثة القتل هذه. وكون الأخير كان متزوجاً من السلطانة ميهريماه ابنة السلطانة هُرَّم، فإن فرضية الاتهام هذه تنسحب على كل من السلطانتين أيضاً. وبالتالي فإنّ الكتب التاريخية التي كتبت في القرن الأخير، والأفلام المترجمة والروايات، تحاول إظهار الحادثة كإحدى مؤامرت القصر حاكها أقطاب ثلاثة؛ رستم باشا، السلطانة هُرَّم، والسلطانة ميهريماه495.
والغريب بحق أنّ المؤرخين أيضاً لم يخرجوا عن نطاق هذه الفكرة، ومن الواضح أنّ نهاية الأمير مصطفى الحزينة قد أثرت عليهم، بحيث دفعتهم لتقييم الموضوع من الزاوية ذاتها.
والحقيقة أنه وفي عرف السلطنة العثمانية تعتبر حماية الأم لأبنائها من أكثر الأحداث الطبيعية والمألوفة، ولو أنّ القانوني قد ضحى بابنه بتحريض من السلطانة هُرَّم، فاللوم هنا يقع على القانوني أكثر من أي أحد آخر.
ولكن تورط رستم باشا باعتباره أحد رجال الدولة، في خطة من هذا النوع، ليس أمراً مقبولاً أو مسألة يمكن استحسانها. وبالمقابل فإنّ صحة هذا الافتراض هو أمر قابل للجدل بحد ذاته، ذلك أنّ معظم الاستنادات المؤسِسة له تنبع من مصادر أجنبية496. ولابد لنا في معرض هذا الحديث توضيح الأمر من كل جوانبه؛ فرستم باشا لم يقم بأي بادرة لإصلاح الأمور ومحاولة التقريب بين الأب وابنه، ولعل هذا هو المبرر الوحيد الذي يمكن على أساسه تسويغ الاتهام الذي وجهه المؤرخون العثمانيون للباشا باعتباره المسبب للحادثة.
كما لا يمكن التغاضي بالمقابل عن قيام مصطفى ببعض الفعاليات المحظورة عليه، وذلك بتحريض من بعض حاشيته ورجال الدولة المحيطين به. فقد دفع به هؤلاء إلى القيام ببعض المبادرات التي من شأنها أن تمهد له السبيل إلى السلطة في ظل الظروف السائدة. ولا نستبعد بالطبع انصياع مصطفى الذي فقد حظوته لدى السلطان، لهذه التحريضات والانخراط في هذه النشاطات. ورغم أنّ السلطان القانوني قد استبعد احتمال أن يكون الأمير متورطاً في هذا النوع من الحركات منذ سنوات طويلة، فإن مراسلة مصطفى لأياس باشا على وجه الخصوص، كانت السبب في رفع سوية هذه الاحتمالات.
ولكن الأكيد أنّ حصول السلطان سليمان القانوني في النهاية على فتوى من العلامة الكبير أبو السعود أفندي لقتل الأمير مصطفى، دليل دامغ على وجود وثائق مثبتة وكافية لإقناعه وإقناع المفتي على حد سواء.
لذلك وباحتساب تأثير كل من رستم باشا والسلطانة هُرَّم والسلطانة ميهريماه على القانوني، لا يجب أن نغفل عن الفعاليات التي تورط فيها الأمير مصطفى، والتي كانت كافية لإقناع والده بهذه الادعاءات المضادة له.
أما جلال زاده مصطفى جلبي فيوضح أنّ ملابسات الحادث ومسبباته مجهولة عن الجميع حيث يورد «فبعد إيراد كل التقولات التي راجت بين الناس، الصحيح منها والخاطئ، فلا يسعنا القول سوى أنها إرادة الله وحكمه، وما علينا سوى الرضا والقبول، والدعاء للسلطان والدولة بالبقاء».
هذي أحوال دنيا الفناء
وما لأحد فيها من بقاء
وكل من قدرت له الحياة كان
الموت إلى جواره على الدوام
وكمال الدول يشي بزوالها
كما يحين ذبول الوردة بعد إزهار
فالحقيقة أنّ هذه الدنيا مأتم
فلا نفع من التعلق بملذاتها
وكل ما وجد فيها من خلْق
قد خُلق ليزول في يوم من الأيام
فهذا ما تقوله القبور يا فيغاني
فعمر الوردة قصير الأجل497





حملة ناخيتشيفان (1553- 1555)498.

بعد هذه الحادثة أذن القانوني بعودة مبعوث الشاه الإيراني، وقرر قضاء فصل الشتاء في حلب، كما أمر بتوجه قوات الأمير سليم إلى ثكنات مرعش، وقوات روميلي إلى ثكنات توكات. وأثناء إقامة السلطان في حلب توفي الأمير جيهانغير.
ولد الأمير جيهانغير في العام ألف وخمسمائة وواحد وثلاثين، وكان أصغر أبناء القانوني وهُرَّم، كان عليل الصحة، حيث خضع لعملية في عظام كتفه وهو صغير. ولهذا السبب لم يتولَّ إمارة أي سنجق، بل كان على الدوام يرافق والده. وكان القانوني وزوجته يوليان هذا الأمير الذي يتمتع بذكاء حاد ومستوى عالٍ من العلم والأخلاق والذي لم يفارقهما، اهتماما كبيراً وعناية ومحبة كبيرة. وكانت السلطانة هُرَّم تصطحبه معها حين زيارة أخويه في سنجقيهما، كما اعتاد القانوني أن يصطحبه معه في حملاته العسكرية.
رافق والده خلال حملة ناخيتشيفان، وكان لمقتل أخيه الأمير مصطفى الذي يكن له محبة كبيراً، وقع شديد الأثر على نفسه، حيث اشتدت وطأة المرض عليه وهو لا يزال في الثانية والعشرين من عمره، وتوفي قبل مضي وقت طويل وذلك في تشرين الأول العام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين. وبعد إقامة الصلاة على روحه، قام القانوني بتوزيع ما لا يحصى من الصدقات على الفقراء، ومن ثم أرسل جثمانه مع أحد آغوات باب السعادة499 إلى إسطنبول، حيث دفن إلى جوار أخيه محمد500.
وقد أجرى القانوني الذي قضى فصل الشتاء في حلب، العديد من الإصلاحات المالية في المنطقة، حيث أمر بالقضاء على الاستغلال الواقع من قبل جباة الضرائب، وبسبب الحزن الذي ألمّ به جراء وفاة الأمير جيهانغير، قام باستعداء الأمير سليم الذي كان يعسكر في مرعش لقضاء الشتاء، ليصطحبه معه في جولات صيد في منطقة حماة ومعرة النعمان.
في التاسع من أيار العام ألف وخمسمائة وأربعة وخمسين، غادر القانوني حلب ووصل ديار بكر عن طريق أورفا، وأمر بعقد اجتماع موسع للديوان. وعلى خلاف المعتاد، لم يقتصر الديوان على أعضائه فقط بل دُعي آغوات الفرق العسكرية، وكيل الإنكشارية، الكتبة، قادة فرق المشاة، قادة الأفواج، قادة الثكنات، وكلاء المالية، الحرس العُسر، كبار السن من أفراد الفرق. . اجتمع الآلاف من الرجال واصطفوا للمثول بين يدي السلطان، وقد مثلت كل زمرة منهم أمام السلطان الذي كان يسألهم عن أحوالهم ومشاكلهم، ومن ثم يعرض أمامهم أسباب الحملة موضحا أنّ تجاوزات الشاه على بلاد الإسلام يعتبر مساساً بشرف السلطنة، خلا ما لا يُحصى من المشاكل والمتاعب التي يسببها للبلاد والعباد، وبأنّه يتوجب على مجاهدي الإنكشارية الذود عن الدين المبين، والسير على دروب أجدادهم العظام بهمة وعزم، كما أعرب عن رغبته في أن يبذلوا كل ما في وسعهم من جهد وطاقة، ووعدهم بأنّه سيكافأ الأبطال ممن يتفانون في هذا السبيل بأجزل العطايا.
وقد كان لكلماته وقع بالغ الأثر على الجنود، حتى أنّ الجميع صغاراً وكباراً، قادة وجنداً، اخضلَّت عيونهم بالدموع وهتفوا في صوت واحد:
«لو أنك توجهت إلى الهند والسند، بل لو حملت على جبل قاف، فلن نحيد عن دربك. فالتضحية في سبيل السلطان طريق السعادة في الدنيا والآخرة. وكل ما تأمرنا به مطاع»501.
في العشرين من أيار توجه السلطان من ديار بكر إلى محيط أرضروم، وبعد اجتياز الجسر الذي أقيم على نهر مراد وصل إلى بينكُل502، وفي حزيران بدأ توزيع الذخيرة على الجنود في الموقع المسمى كارغابازاري. ثم بدأت القوات العبور بشكل رسمي أمام السلطان بحسب تراتبيتها؛ الصدر الأعظم أحمد باشا، الوزير الثاني سيميز علي باشا، يليهما قوات روميلي، قرمان، سيواس، ذو القادر، وبقية الأمراء والولاة بالإضافة للأمير سليم على رأس قواته.
وبعد أن تحددت وجهة الحملة، بدأ الجيش بالتقدم نحو الحدود، حيث بلغ بادية قارص في الخامس من تموز، وهناك بعث السلطان برسالة إلى الشاه طهماسب، والتي تستحضر الرسالة التي بعثها السلطان سليم خان سابقاً إلى الشاه إسماعيل، في دعوة صريحة إلى الحرب. وبالاستناد إلى الفتوى التي أصدرها علماء الدولة العثمانية التي أرفقها مع رسالته، كان القانوني يدعوه إلى العودة لشريعة الرسول، وفي حال لم يقبل بهذا العرض، فهو يدعوه إلى القتال، وقد زين دعوته هذه بآيات من القرآن الكريم، ومن أجل استفزازه فقد أوضح له بأنه «لو كان يملك مقدار حبة خردل من الشرف والجرأة، وذرة من الرجولة» فعليه الخروج ومواجهة الجيش العثماني، وإن كان يخشى المواجهة بسبب البنادق والمدافع العثمانية، فهو على استعداد لمحاربته بالسيوف والرماح فقط.
وهكذا أرسل السلطان قواته إلى كل من مناطق يريفان، ناختيشيفان وقره باغ503، وتمت السيطرة على بلدات شورِجيل (?uregil)، شراب خانه (?arabhane) ونيلفراك (Nilfrak)، حتى بلغوا في الثامن عشر من تموز يريفان المزدانة بالقصور الباذخة لكل من الشاه وابنه وبقية الخانات والسلاطين، بالإضافة لمنطقة باذخة تُسمى باغي سلطانية (الحديقة السلطانية)، ومن هناك وصلوا إلى آرابجاي وفي اليوم التالي بلغوا قصر كارا حيصار القريب من ضفاف نهر أراس. 504
وحين وصل الجيش منطقة قره باغ، بدأ الأهالي بالهروب إلى المناطق المجاورة، وقد خبؤوا كل ممتلكاتهم الثمينة. وأخيراً وصل السلطان نهاية تموز إلى ناخيتشيفان، حيث تم الاستيلاء على قصور وأموال وممتلكات أمراء الصفويين والإيرانيين ورجال دولتهم. وبذلك اكتفى السلطان بعد أن أخذ بثأر الدمار والسلب الذي قام به الشاه طهماسب سابقاً في مناطق أخلاط وإرجيش وآديلجيفاز.
أما الشاه الذي انسحب إلى جبال اللور505، فلم يجد في نفسه الجرأة الكافية هذه المرة أيضاً لمواجهة السلطان العثماني الذي أعطى أوامره بالعودة506.
في السادس من آب وحين وصل السلطان مع جيشه إلى جوار قلعة بيازيد507، وصلت رسالة من الشاه طهماسب إلى الصدر الأعظم، والتي أوضح فيها بأنّه لن يخرج لمواجهة السلطان حتى لو توجه صوب الشرق عشرات المرات، وأكدّ بأنه سيدخل الأراضي العثمانية بعد انسحاب الجيش، ويعامل رعاياهم بالأسلوب ذاته.
وفي هذه الأثناء وصلت أخبار من حاكم العمادية سلطان حسين بيك، تفيد بتحقيق انتصارات على الإيرانيين في كل من مراغة وتبريز وسِهِند508، كما نجح في التصدي لبعض الأمراء الإيرانيين الذين كانوا يستعدون للهجوم على بغداد، وقد أرسل الرايات والنقّارات والسناجق التي استولى عليها منهم إلى السلطان.
وبينما كانت تحدث بعض المناوشات المتفرقة بين الطرفين، كانت المراسلات تتواصل بين وزيري الدولتين. وفي منطقة جوبان كوبروسو509 القريبة من باسينلار (حسن قلعة) استقبل السلطان واليي كل من دياربكر ووان اللذين جاءا لتقبيل يد السلطان، ومنحهما الخلع بسبب البطولات التي أبداها كل منهما.





اتفاقية أماسيا

مع تبادل الرسائل بين وزيري الدولتين والمباحثات التي أعقبتها، بدا وكأنّ الثلوج المتراكمة على العلاقات بين الطرفين آخذة في الذوبان، وتحتل الرسائل المبعوثة من قبل الوزراء العثمانيين إلى الشاه طهماسب مكانة بالغة الأهمية لطرحها وجهة نظرهم الدينية، حيث جاء في بعض منها:
«تدعون أنكم حماة الإسلام والإيمان، وتخطون آيات من القرآن الكريم في رسائلكم، ولكن بلاد السلاطين (العثمانيين) الذين هم أهل الإيمان، تزخر بالجوامع والمساجد التي يؤمها المسلمون جماعة ويصدح منها صوت الأذان خمسة أوقات في اليوم. وتقام فيها صلوات الجمعة وتلقى فيها الخطبة من على المنابر، ويصلى فيها على خير الأنام وعلى آله وأصحابه. فأنصفوا الحكم وأخبرونا هل من آثار للدين والإسلام في ما تقومون به من أفعال؟ وما الذي يقال عن بلاد لا تسير وفق قوانين الشرع الشريف؟ فأنتم لا تعرفون ما هو الإيمان والإسلام، وهل يكفي الرجل من الدين أن يقول بأنه مسلم حتى يكون مؤمناً؟ لقد مضى على ظهور الدين المحمدي تسعمائة وواحد وستون عاماً، أما المذهب الذي استحدثتموه فلم يمضِ على ظهوره خمسون عاماً. أفلا تتفكرون؟ أين كان هذا الدين الذي اتبعتموه طوال هذه السنوات؟ إنّ ما تقومون به مخالف لشريعة نبينا الكريم الشريفة. أفلا يكون من اتبع هذا المذهب المستحدث الذي لا يستند على أسس شرعية كافراً؟ أفلا تخجلون من جناب رب العالمين؟ وما الذي ستردون به يوم القيامة؟»510
وبينما كان القانوني يقيم في أرضروم، وصل إلى معسكر الجيش في السادس والعشرين من أيلول العام ألف وخمسمائة وأربعة وخمسين شاه كولو آغا المبعوث الإيراني، حاملا رسالة تتضمن من العبارات ما يليق بكلا الحاكمين، وحين مثل أمام السلطان قام بتقبيل يده، وقدم له رسالة الشاه. وبذلك تم السماح ببدء مباحثات تهدف لعقد السلام وإنهاء العداوة بين الطرفين. كما عاد المبعوث برسالة همايونية إلى الشاه.
وفي الثلاثين من أيلول غادر السلطان أرضروم متجهاً نحو سيواس التي وصلها بعد عشرين يوماً، ومن هناك توجه إلى أماسيا التي بلغها بعد اثني عشر يوماً. حيث أمر قوات الكابى كولو، وقوات الإيالات بالعودة إلى ثكناتهم، كما منح الزعماء علاوة مائتي أكجة بالألف، ومائة بالألف لأصحاب التيمارات (السيباهية)، وعين سوكولو محمد باشا أمير أمراء روميلي وزيراً. وقد مكث السلطان في أماسيا ذلك الشتاء، وإلى جانب انشغاله ببعض الشؤون السياسية والإدارية، فقد كان يقضي بقية أوقاته في الصيد حتى حلول الربيع.
وكان يريد أن يبرهن من خلال بقائه في أماسيا شتاءً دون العودة إلى إسطنبول، على جدية تهديداته في إعادة جمع جيشه في الربيع من أجل شن هجوم على كل من إردبيل وتبريز وتدميرهما. ما دفع طهماسب إلى البحث عن كل السبل لإبرام اتفاقية السلام.
وبذلك وصل إلى أماسيا مبعوث الشاه قائد الحرس فروخ زاد بيك في العاشر من أيار العام ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين، محملاً برسالة من الشاه وعروض جديدة لعقد السلام بالإضافة للعديد من الهدايا القيمة.
كان الشاه في رسالته يشير إلى قبوله ببالغ الاحترام الرسالة السابقة التي بعث بها السلطان إليه، ويطالب بإبقاء باب التفاوض مفتوحاً باستمرار من أجل عقد سلام دائم بين الطرفين، موضحا بأنها خطوة ضرورية من أجل عقد الأواصر بين الشعبين، وتأمين استقرار المنطقة وأمنها، وكان يرجو السماح للحجاج الشيعة بزيارة الكعبة وبقية الأماكن المقدسة أيضاً. وقد تلقى فروخ زاده معاملة لائقة، وتم تسليمه رسالة همايونية مختصرة للرد على رسالة الشاه، تتضمن شروط الموافقة على عقد اتفاقية السلام، وذلك في الأول من حزيران العام ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين.
وتعتبر تلك أول رسالة تتعلق بعقد معاهدة سلام بين الدولتين العثمانية والإيرانية. وقد تعهد السلطان سليمان القانوني بقبول طلبات الشاه الواردة، كما شدد على ثلاثة شروط اعتبرها أساسية من أجل عقد الصلح وأواصر الصداقة بين الطرفين، والتي تعهد المبعوث بالموافقة عليها، وهي:
- حظر كل أشكال السباب التي تطال الصحابة الكرام الثلاثة من الخلفاء الراشدين، وأم المؤمنين عائشة، ومنع تحول الأمر إلى شعيرة دينية في إيران.
- امتناع أمراء الولايات العثمانية الحدودية من القيام بأي اعتداء أو تجاوز للحدود ما لم يتعرضوا لاعتداء أو هجوم من الطرف المقابل.
- السماح للحجاج من القزلباش بأداء فرائض الحج في أمان وطمأنينة511.
منذ تأسيس الشاه إسماعيل للدولة الصفوية، ورغم فترات الهدنة الكثيرة التي تخللت الاعتداءات بين الدولتين، لم يتم التوصل إلى اتفاقية مكتوبة بين الطرفين. ولكن السلطان القانوني ومن خلال هذه المعاهدة التي تم توقيعها في أماسيا، استطاع توطيد حدود أماسيا وتحديدها بشكل واضح.





حوادث مختلفة

خلال تواجد السلطان القانوني في أماسيا، وصل سفراء كل من البندقية وفرنسا وبولندا، لإبلاغ السلطان بتهنئة حكّامهم حول حملة ناخيتشيفان التي انتهت بتوقيع اتفاقية السلام. وبعد أن وافق السلطان على لقائهم، غادر أماسيا نهاية حزيران ووصل أوسكودار في الحادي والثلاثين من تموز العام ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين.
وقد شهدت القرم بعض التغيرات في آخر سنتين، فقد كان صاحب غيراي بن منجلي غيراي الذي يحكم خانية القرم منذ العام ألف وخمسمائة واثنين وثلاثين يحظى بدعم كبير من السلطان القانوني، ولكنه درج في السنوات الأخيرة على عادة التخلص من كل أعدائه ومنافسيه القريبين والبعدين على حد سواء.
وقد استاء الوزراء العثمانيون من هذا الوضع، وكان آخر ما ينوي القيام به هو التخلص من ابن أخيه دولت غيراي الشخصية المحبوبة جداً والمقيم في إسطنبول، ، وذلك عن طريق تعيينه على خانية أستراخان512. وبذلك فقد حظوته لدى السلطان من خلال هذا التصرف، فقام قاسم باشا والي فيودوسيا (كِفِة)، بناء على الأوامر التي تلقاها بقتله مع أبنائه خلال عودته من حملته على شركيسيا513، وفي العام ألف وخمسمائة وواحد وخمسين، عيّن مكانه دولت غيراي الذي ترعرع في إسطنبول، وكان والياً للعهد خلال فترة حكم سعادة غيراي514.
أما الأفلاق فكان بيترو يحكمها منذ العام ألف وخمسمائة وخمسة وثلاثين بدعم من العثمانيين، وقد تولى الحكم بعده ميرسيا الثالث في العام ألف وخمسمائة وخمسة وأربعين، والذي بدأ مؤخراً اتباع سياسة مؤيدة لفرديناند، ليتم عزله على إثر ذلك وإرسال بيترشكو بن رادول لتولي منصبه في شباط العام ألف وخمسمائة وأربعة وخمسين515.
وفي البغدان انتقلت إدارة البلاد إلى ألكسندر الثاني بموافقة من السلطنة، وذلك بعد مقتل ستيفان السابع في العام ألف وخمسمائة واثنين وخمسين. وفي العام ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين، أشيع بأن ألكسندر بات يميل في سياسته نحو بولندا، فتم عزله من منصبه واستدعاؤه إلى إسطنبول، حيث نفذ هذا الأمر دون أي خوف وتوجه إلى العاصمة، مبدداً بذلك الشائعات التي أثيرت حوله، ليعود إلى منصبه الذي استمر فيه حتى العام ألف وخمسمائة وواحد وستين516.
وقد تزامنت هذه الأحداث مع واقعة مصطفى المحتال، وذلك في آب من العام ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين، حين ظهر شخص مجهول في منطقة دوبروجة، وبدأ يخطط للاستيلاء على السلطة مستغلاً الشبه الكبير بينه وبين الأمير المقتول مصطفى، ومن خلال جسارته الكبيرة وكرمه الفائق تمكن من جمع أربعة عشر ألف سيباهي حوله من إيالتي بلغاريا وتراقيا، وقد منح بعض المقربين منه مناصب الوزارة وقضاة العسكر، لينخرط في مغامرة بالغة الخطورة. وقد اطلع الأمير بيازيد على الحادثة الأثناء إقامته في إدرنة، بأمر من والده السلطان لحماية روميلي، خلال خروج هذا الأخير على رأس حملة إيران. فأرسل الأمير قوة عسكرية من أجل القضاء عليه، ومع توجه السلطان إلى أماسيا علم بالأمر من خلال تقارير ولاة سناجق روميلي وقضاتها، ما دفعه حال بلوغه إسطنبول إلى تكليف الوزير الثالث سوكلو محمد باشا بحل هذه المشكلة. وخلال وقت قصير أحاطت قوات السلطان بمصطفى المحتال من كل جانب، فأخذ رجاله المقربون بالاستسلام لمحمد باشا حفاظاً على حياتهم، أما هو فقد أعدم في إسطنبول. كما تم القبض على بقية قادته وأعوانه الواحد تلو الآخر ليتم قتلهم جميعاً517.
وفي العام نفسه وقعت حادثة أخرى، وهي إعدام الصدر الأعظم أحمد باشا في الثامن والعشرين من أيلول. جاء أحمد باشا إلى القصر عن طريق نظام الدوشيرمة وفيه ترعرع، وتدرج في المناصب من قائد للحرس إلى أمير أمراء روميلي، ليتقلد منصب الوزير الثاني. وأثناء تقلده الوزارة تمكن من السيطرة على تيميشوارا لينال لقب فاتح تيميشوارا. وفي العام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين وبعد عزل رستم باشا من الصدارة بعد مقتل الأمير مصطفى، تبوأ منصب الصدر الأعظم. 518
كان أحمد باشا يعتبر سميز علي باشا أكبر منافس له، ما دفعه ومنذ توليه منصب الصدارة بذل العديد من المجهودات في محاولة التقليل من شأنه وزعزعة مكانته لدى السلطان، ومن جهة أخرى كان يحاول إثبات أنه أكثر خبرة وحنكة من سلفه رستم باشا في ملء خزينة الدولة. وقد أمر دوكاكين زاده محمد باشا الذي عينه بدلاً من سميز علي باشا، بأن يرفع الضريبة السنوية الواردة من مصر إلى أقصى ما يمكن، فقام الوالي الجديد بإرسال مائة وخمسين ألف دوقة زائدة عن وارد مصر السنوي.
وبالطبع لم تغب هذه الزيادة عن نظر السلطان، وحين سأل سميز علي باشا الذي كان في تلك الفترة وزيراً في الديوان الهمايوني عن سرّ هذه الزيادة، أوضح له الباشا بأنّ والي مصر السابق كان يدير البلاد حسب القوانين والأحكام الواجبة، دون فرض ضرائب جديدة قد تكلّف الناس مشقة كبيرة لا قبل لهم بها وتسبب في مظالم جمّة، ما جعل القانوني يأمر بإجراء تحقيق للوقوف على حقيقة الموضوع.
كما اتضح بأنّ أحمد باشا قد ارتكب بعض المكائد ليسقط سميز علي باشا من نظر السلطان، وبحسب ما ورد في المصادر فقد تعهد له القانوني حين منحه منصب الصدارة بألا يقوم بعزله، وبذلك تم إعدامه دون عزله من المنصب519.
أما المؤرخ بيجفي فيصفه بأنه كان شخصاً منصفاً، عادلاً، صادق الوعد، يحترم أصحاب الحق، ونتيجة للظروف المصاحبة لتوليه هذا المنصب520 تكاثر الأعداء والخصوم من حوله، ما عجل من نهايته المحتومة. ويشير بيجفي ذاته في موقع آخر بأنّ أحمد باشا وأثناء حملة إيران الأخيرة ورغم ضخامة القوات التي تحت إمرته لم يتمكن من تحقيق الانتصارات المأمولة، كما أبدى بعض التقصير في أداء مهامه، ما أسفر عن خسارته لثقة السلطان521.
ويحيلنا الباحثون إلى نتيجة أخرى اعتماداً على تاريخ البيجفي مفادها؛ أنّ السبب الخفي الكامن وراء إعدام باشا هو رغبة السلطانتين هُرَّم وابنتها ميهرميهاه في إعادة رستم باشا إلى منصب الصدارة، وقد استغلتا نفوذهما الكبير على السلطان القانوني لتحقيق هذه الغاية. وفي ظلّ عدم وجود أي دلائل موثوقة ووقائع مثبتة نجد بعضاً من كتاب الغرب ومن يقتدي بهديهم من مؤرخينا، يزجون باسم السلطانتين في العديد من المؤامرات والسيناريوهات المفترضة. 522 رغم أنه وإلى جانب انتفاء أي دليل يثبت بأنّ السلطان سليمان القانوني كان يتخذ قراراته ويتصرف سواء في هذه الحادثة أو سواها بناء على رأي النساء ومشورتهن، فإن شخصيته أيضاً لا تتوافق مع هذا النوع من الافتراضات.
وتجدر الإشارة بأنّ أحمد باشا قد بنى كلية في منطقة توب كابي تضم جامعاً، ومدرسة ومكتبة وسواها من الأبنية. .





الصراع مع البرتغال في المحيط الهندي

بعد عودة هاديم سليمان باشا إلى مصر استمرت الصراعات مع البرتغال الذين توغلوا في البحر الأحمر وأرادوا الاستيلاء على ميناء جدة، لكن المقاومة الكبيرة التي أبدتها حامية القلعة، ووصول أمير مكة الشريف محمد أبو نُمّي على وجه السرعة مع قواته لتقديم المساعدة، حال دون وقوع الميناء في يدهم. كما أنّ محاولاتهم في الاستيلاء على ترسانة قناة السويس وإحراق الأسطول العثماني لم تسفر عن أي نتيجة، ولكنهم ألحقوا دماراً كبيراً بمدينة الطور المصرية، كما تمكنوا من السيطرة على مدينة عدن الميناء البحري المهم.
لم يكن العثمانيون ليسمحوا ببقاء عدن بيد البرتغال، ولهذا فقد تم تعيين البحار المتمكن بيري ريّس قبطاناً لميناء السويس. وما أن تولى بيري ريّس منصبه حتى بدأ بإجراء تعديلات على ترسانة السويس وأتمَّ كل النواقص والاحتياجات، وفي التاسع والعشرين من تشرين الأول العام ألف وخمسمائة وسبعة وأربعين انطلق من ميناء السويس، ليلتقي بفرهاد باشا أمير أمراء اليمن في ميناء المخاء523 حيث أخذا في تبادل المعلومات، وتمكن في الثاني من كانون الثاني العام ألف وخمسمائة وثمانية وأربعين من السيطرة على ثلاث سفن برتغالية، ومن ثم بلغ شواطئ عدن في التاسع عشر من كانون الثاني العام ألف وخمسمائة وتسعة وأربعين524.
ولأنّ الرياح التي تهب من جهة البر، كانت معاكسة لهم، قام بيري ريّس بطي الأشرعة، وأبحر بالمجاذيف ليرسو بأسطوله في باب اليمن525. وبعد تقييم سريع للوضع، أمر على الفور بإنزال القوات والمدافع على الشاطئ. وقد رفض حاكم القلعة محمد بن علي عروض التسليم معتمداً على القوات البرتغالية التي ستصل قريبا لمساعدته. وعلى إثر ذلك قام بيري ريّس بنصب مدافعه على تلة محكمة وعالية تطل على القلعة التي أمطرها بنيران القذائف لثلاثة أيام متواصلة بلياليها. وفي اليوم الرابع قامت قوات محمد بن علي بإطلاق نيران مدافعها من موقع أعلى من التلة التي تمركزت فيها القوات العثمانية.
وفي الرابع من شباط تمكنت قوات بيري ريّس بعد هجوم عنيف، من السيطرة على الموقع الذي تموضعت عليه مدافع حاكم القلعة، ليصبح منصة للمدافع العثمانية. وقد استمر إطلاق المدافع لثمانية عشر يوماً آخر. وأخيراً ظهر ثغر في بدن القلعة، وتقرر الدخول من خلاله. ولكن المعلومات التي نقلها أسيران تركيان تمكنا من الهروب من القلعة، أوضحت أنّ أنفاقاً مفخخة قد تمّ حفرها في الموقع الذي تقرر منه الهجوم، ما دفعهم إلى إرجاء الهجوم والاستمرار في إطلاق نيران المدافع.
وبعد يومين جاء إليهم رجل كان مكلفاً بحراسة برج الشام حين كانت عدن تحت السيادة العثمانية، وأعطاهم معلومات حول المواقع التي يتوجب شن الهجوم عليها، وبعد التحقق من صحة ما جاء به، تمّ شنّ هجوم في ليلة الخامس والعشرين من شباط على الجهة التي يقال لها جبل كوفي، حيث تمت السيطرة على كافة أبراج القلعة بما فيها من مدافع.
في اليوم التالي وبعد النجاح في صدّ الهجوم الذي قام به العدو، دخل المقاتلون القلعة من المواقع التي لا يحيطها السور، وبعد معارك ضارية استمرت طوال ذلك اليوم، تمكنوا من السيطرة على القلعة برمتها، وبدأت الرايات التركية ترفرف على كل أبراجها526.
كانت إعادة السيطرة على عدن إضافة لما تحمل من أهمية عسكرية، انتصاراً سياسياً لا يقل عنه أهمية. حيث أصبحت كل موانئ البحر آمنة، كما تلقى البرتغاليون ضربة قوية أُغلقت على إثرها كل شواطئ اليمن في وجههم.
وحين أبلغ والي مصر داوود باشا القانوني بأخبار النصر الذي تحقق في عدن، تم رفع رواتب كل البحارة والقباطنة الذين شاركوا في هذه المعركة، ومنح بيري ريّس زعامات يعادل دخلها مائة ألف أكجة.
وفي العام ألف وخمسمائة وواحد وخمسين خرج بيري ريّس على رأس أسطول مكون من ثلاثين مركبة إلى المحيط الهندي، ماراً بميناء جدة وبعد قضاء ثلاثة أيام فيها، توجه نحو عمّان، ومن هناك إلى مسقط الواقعة إلى جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، حيث اشتبكوا مع أسطول البرتغال المكون من سبعين سفينة وانتصروا عليهم، وقد فرّ هؤلاء نحو قلعة هرمز محتمين بها، ورغم حصار الريّس للقلعة لكنه لم يوفق في السيطرة عليها، فقام بنهب المدينة لأنّ أهلها قاموا بتقديم العون للعدو. ومن هناك توجه صوب البصرة وطلب المساعدة من واليها قوباد باشا، ولكن الوالي ردّ عليه:
«لقد ألحقت الظلم بالمسلمين، ونهبت أموالهم»، ولم يكتفِ برفض المساعدة، بل ألقى القبض على بيري ريّس وحاول أخذ أمواله.
وبينما كان بيري ريّس في البصرة وصلته أخبار عن نيّة البرتغاليين إغلاق الخليج العربي، فلم يرغب أن تتم محاصرته، لذلك غادر مسرعاً مع ثلاثة من سفنه، ولكن جنوده وبقية الأسطول لم يتمكنوا من الخروج من البصرة.
غادر بيري ريّس على عجل ليصل قناة السويس في العام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين بعد أن فقد سفينة أخرى من سفنه في عرض البحر، ومن هناك توجه إلى مصر. وقد تم إرسال هذه الأخبار إلى العاصمة، ونتيجة رفعه الحصار عن قلعة هرمز وتركه لجنوده وبقية أسطوله في البصرة تم عزله، ومن ثم اعتبر مذنباً حيث قطع رأسه في ديوان مصر العام ألف وخمسمائة وأربعة وخمسين وصودرت كل أمواله وممتلكاته527.
يعتبر الكتاب الذي ألفه بيري ريّس بعنوان (كتاب البحرية) والذي يضم خريطة مفصلة لكل شواطئ المتوسط بما فيها من رؤوس وخلجان وموانئ ومصبات ومضائق، مرجعاً بالغ الأهمية بالنسبة لتاريخ البحرية العثمانية.
وبناء على الرسالة التي بعث بها قوباد باشا أمير أمراء البصرة إلى إسطنبول، تم تعيين الريّس مراد الوالي السابق لسنجق القطيف، قائداً على أسطول السويس. وقد تلقى الريّس مراد أوامر بعدم التحرك كسلفه بيري ريّس، بل الاكتفاء بالبقاء مع الأسطول في خليج البصرة. ذلك أنّ الأسطول البرتغالي كان يواصل نشاطاته في المحيط الهندي وبحر عدن.
ولكن الريّس مراد استغل الفرصة بعد فترة، وغادر ميناء البصرة على رأس أسطول مكون من خمس عشرة كادرغة وسفينتين، حيث صادف الأسطول البرتغالي بالقرب من شواطئ جزيرة هرمز، وبعد معركة شديدة بين الطرفين، لم يتمكن من إحراز النصر فيها اضطر للعودة إلى خليج البصرة، وقد استشهد خلال هذه المعركة اثنان من أشهر القباطنة؛ الريّسان سليمان ورجب. ورغم أنه لم يتم إعدام الريّس مراد كما سلفه بيري ريّس ولكنه عزل من منصبه في العام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين. وبذلك بقي أسطول السويس محاصراً في خليج البصرة، كما تمكن البرتغاليون من الاستيلاء على إحدى سفنهم.
ومن ثم تم تعيين سيدي علي ريّس وهو أحد قباطنة الترسانة وابن خضر بيك وكيل الترسانة قناة السويس، قائداً للأسطول وذلك في العام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين، وقد كلّف بإعادة الأسطول من البصرة إلى السويس. فانطلق براً عبر حلب للوصول إلى البصرة، وأراد إخراج خمس عشرة سفينة من خليج البصرة، فاتبع الساحل الإيراني، ووصل إلى جزيرة البحرين عبر مدينة بوشهر528. وحين بلغ ساحل عمان التقى بأسطول برتغالي مكون من ثمانية وعشرين سفينة. وقد تمكن العثمانيون من إحراز النصر في المعركة التي وقعت بين الطرفين، ما دفع الأسطول البرتغالي للانسحاب ليلاً مستغلا الظلام.
أما الأسطول العثماني الذي تابع طريقه فقد حوصر في ميناء مسقط مرة أخرى من قبل الأسطول البرتغالي، وقد استغل هؤلاء قرب قواعدهم التي ستمكنهم من تأمين كل احتياجاتهم، وحرية الهجوم على الموقع الذي يريدون مزودين بالقوة الكافية. وكان أسطولهم هذه المرة مكوناً من اثنتين وثلاثين سفينة.
ولما أدرك الريّس سيدي علي أنه غير قادر على الدخول في معركة بحرية مفتوحة، قام بصف أسطوله بموازاة الساحل، وبدأ القتال الذي استمر منذ ساعات الفجر الأولى وحتى ساعة متأخرة من المساء بضراوة بالغة، حيث انفضّ الطرفان بعد التعب الكبير الذي ألمّ بهما. ومن هناك توجه الأسطول العثماني إلى سواحل إيران ومن ثم إلى سواحل بلوشستان، حيث أرشدتهم إحدى سفن المسلمين إلى ميناء جوادر529.
وقد أكرم حاكمها جلال الدين بين دينار وفادتهم، وزودهم بكل ما يحتاجون من مؤن ولوازم أخرى. وبعد أن مكثوا فيها فترة وأصلحوا أمورهم قدر المستطاع، تحركوا غرباً صوب شبه الجزيرة العربية، حيث واجهتهم هذه المرة عاصفة عنيفة دفعتهم أمواجها العاتية نحو سواحل الهند. وبعد أن هاموا عائمين على وجه البحر لأيام متوالية تعرضوا خلالها لما لا يُحصى من المشاق بلغوا سواحل ديو، كوجارات ومن ثم سورات530، وخلال هذه الرحلة بات الأسطول في وضع لم يعد يسمح له بالقتال.
رسا الريّس سيدي علي بسفنه في ميناء سورات، وقام بتسليم ما بقى من ذخيرة ومدافع في سفنه إلى رجب خان وهو أحد ولاة سلطان كوجارات. كما ترك من أراد من الجنود في خدمته، ومن ثم توجه مع ما يقارب الخمسين من أصدقائه إلى إسطنبول براً. مجتازاً خلال رحلته بلاد السند والهند، زابلستان، بدخشان531، ما وراء النهر، خوارزم، خراسان وإيران والأناضول ليصل إلى إسطنبول بعد ثلاث سنوات. وقد دوّن سيدي علي ريّس مجريات هذه الرحلة في كتاب أسماه (مرآة الممالك) وقدمه للسلطان سليمان القانوني532. فعينه السلطان ضمن طاقم المتفرقين533 بيومية قدرها ثمانون أكجة، كما وزع الإكراميات والمناصب على بقية أصدقائه أيضاً.
وقد عيّن من بعده كورد أوغلو خضر ريّس قائداً لأسطول السويس، فاستمرت الصراعات في عهده أيضاً مع الأسطول البرتغالي في المياه الهندية.





افتتاح الكلية السليمانية

في العام ألف وخمسمائة وخمسين، أقيمت مراسم وضع حجر الأساس لهذه الكلية بحضور كل من الصدر الأعظم، شيخ الإسلام وكافة أركان الدولة، والتي استمر العمل فيها لمدة ست سنوات534.
ويصف لنا معماري الجامع كوجا سنان آغا ما حدث حينها بالكلمات التالية:
«في صبيحة أحد الأيام، قام سلطان العالم السلطان سليمان خان بن سليم خان، باستدعائي أنا العبد الفقير، وأبدى رغبته في بناء جامع، وأخبرني بأنه قد كلفني بإنشائه.
وفي تاريخ شريف ويوم مبارك وساعة سعد، تم وضع أسس ذلك الجامع، وذُبحت الأضاحي ووزعت على الفقراء، ومُنح الصالحون من عباد الله ما يُحصى من الهدايا والعطايا.
وكانت الأعمدة المرمرية الأربعة الضخمة التي استخدمتها في جامع السليمانية، قد أحضر كل واحد منها من بلد. أحدها هو العمود الذي يقال له (كِزِلتاش)535، وهو عمود يعود إلى العهد البيزنطي، ويبلغ طوله ارتفاع منارة.
وبناء على أمر وفرمان السلطان ملاذ العالم، نصبت الأعمدة التي يُقال لها «الكاليون» الضخمة باعتناء كبير، وبدأ تثبيتها قطعة فقطعة، حتى لا تهتز أو تسقط. وقد بذل مجهود كبير لتحقيق ذلك، حيث استخدمت حبال بثخن جذع رجل، كما استخدمت سواري السفن أيضاً لتثبيتها. وقد استقدم الآلاف من العجمي أوغلان536 في عملية البناء، فاقتطعت الأعمدة الطويلة لتصبح مساوية لبقية الأعمدة في الطول. وكان أحد هذه الأعمدة قد أحضر من مدينة الإسكندرية المصرية بواسطة السفن. والبقية أحضرت من بعلبك عبر البحر المتوسط إلى إسطنبول، أما العمود الرابع فقد تم أخذه من قصر توب كابي.
كما اقتطعت كافة ألواح المرمر البيضاء من جزيرة مرمرة، بينما أحضر المرمر الأخضر من بلاد العرب، أما السماقي فقد أحضر من بلدان أخرى.
وقد صنعت الأبواب من خشب الأبنوس، والتي زينها أمهر الصدّافين، 537 أما النوافذ المزخرفة والملونة فقد كانت تحفاً فنية لا نظير لها، حيث تتبدل ألوانها مع تدرجات أشعة الشمس وتقلبات الفصول، لتضفي على الجامع في كل لحظة منظراً جديداً.
غدا الجامع مجمعاً لأهل الصفا
ومقاماً للصالحين كالقلب للجسد
يسرّ جماله الأبدان والأرواح معاً
تزينه الزخارف وتزيده ترفا.
وأخيراً قمت بإقفال قبة الجامع العظيم، وقد زيّن كاراهيصار أمهر الخطاطين القبة بآية من القرآن الكريم، وعلى كل باب سطّرت كتابات مختلفة، وقد كلّف أمهر الفنانين بكتابتها وزخرفتها.
وبالتزامن مع بناء الكلية السليمانية، كنت أشرف على إنشاء مبانٍ أخرى، وكنت حريصاً على إتمام قصر فنار باهتشي، وقد كان السلطان صاحب السعادة في هذه الأثناء يقيم في إدرنة.
فقام بعض الحاسدين بإرسال رسائل للسلطان يخبرونه فيها بأنني انشغلت عن بناء الجامع بأعمال أخرى، حتى أنّ الجاهلين قد أخبروه بأنني «غير قادر على إخراج البناء من الطين الأسود» وروّجوا الأقاويل وهم يحلمون كل يوم أن تنهار القبة. وبالمقابل فقد كان هناك فريق آخر ادّعى أنّ مساً من الجنون أصابني وأصحبت مهووساً في رفع تلك القبة الضخمة، وكان هؤلاء يروجون أقاويل تفيد بأنني «غير قادر على إخراج البناء من طينه الأسود، وقد بان العيب في البناء، ومن غير المؤكد أن تبقى دعائمه ثابتة. والرجل مهووس بهذه القبة، يقضي تحتها جلّ يومه، فهو قد انتقل من العقل والتدبر إلى وادي الجنون بعد أن غلبه الهوس». .
في أحد الأيام كنت في الساحة التي يعمل فيها البناؤون، وكنت أتباحث مع رئيس العمال حول كيفية بناء كل من المحراب والمنبر، وعلى حين غرة وصل السلطان صاحب السعادة، فألقيت عليه التحية بمنتهى الأدب ووقفت في حضرته عاقدا يدي، فخاطبني بغضب واضح وحدة لا تخفى:
«لماذا لا تهتم بإتمام العمل في جامعي، وتنشغل بأمور ليست بذي بال؟ أخبرني على الفور متى سيتم الانتهاء من بناء هذا الجامع، وإلا فأنت تعرف العاقبة». .
وقد ألمت بي دهشة كبيرة وأنا أسمع سلطان العالم يخاطبني بهذا الأسلوب الغاضب الذي لم أسمعه قبلاً، فتلعثمت، ولم أتمكن سوى من قول الكلمات التالية:
«مولاي صاحب السعادة، إن شاء الله تعالى سنتم العمل بعد شهرين»
وقد استبدت الحيرة بحاشية السلطان قدر الحيرة التي استبدت به حين سمعوا كلمة شهرين، وتدخل أحد من حاشيته يريد حمايتي قائلاً:
«يا معمار آغا، ألم تسمع ما قاله السلطان صاحب السعادة؟ إنه يسألك عن الموعد النهائي لإقفال باب هذا البناء والانتهاء من العمل فيه؟»
«مع اكتمال الشهرين، سيكون بناء هذا الجامع أيضاً قد اكتمل»، وبذلك لم أتراجع عن الكلمة التي جرت على لساني بادئ الأمر. فخاطبنا سلطان العالم بالقول:
«يا آغوات! اشهدوا على ما قاله رئيس المعمارين» ومن ثم التفت نحوي قائلاً «إن لم يكتمل البناء بعد شهرين، فلنا حديث آخر». . وغادر متجهاً نحو القصر الهمايوني.
وما أن وصل القصر الهمايوني حتى خاطب رئيس الخزينة وسائر حاشيته بالقول:
«من الواضح أنّ رئيس المعماريين قد أصابه مس من الجنون، فهل من المعقول الانتهاء في شهرين من عمل يتطلب العمل فيه سنوات عدة؟ يبدو أنّ الرجل خوفاً على رأسه قد فقد عقله. لذا قوموا باستدعائه أنتم أيضاً، واسألوه وانظروا ما سيقوله حينها. فإن لم يتطابق كلامه، فذلك يشير إلى أنّ العمل في البناء سيواجه متاعب جمة». .
وعلى إثر ذلك استُدعيت إلى القصر، فذهبت على الفور، حيث خاطبني رئيس الخزينة:
«متى من الممكن أن ينتهي البناء؟»
فأجبته كما أجبت حضرة السلطان «سينتهي بعد شهرين، وكما تعلمون فقد جعلكم مولانا شهوداً على هذا الكلام. وإن شاء الله تعالى سيكتمل البناء بعد شهرين، ليدخل اسمي التاريخ». .
وقد عرضوا جوابي على سلطان العالم قائلين له:
«مولاي! لقد اعترته همّة عالية، وإن شاء الله فالرجل سليم العقل كما في سابق عهده، وهذا هو سبب اهتمامه وهمته. وفي القريب العاجل ستقيم صلاتك في جامعك الشريف». .
وعلى إثر ذلك قمت بجمع كل الحرفيين والعمال المهرة في المدينة، ووزعت عليهم العمل، ولم أكتف بالعمل نهاراً، بل واصلت العمل ليلاً ولم أضيع ولو ساعة واحدة. وبعد مضي أسبوع واحد، شرّف السلطان صاحب السعادة مرة أخرى، وخاطبني بالقول:
«يا معمار باشي! ما زلت مصراً على قولك؟»
«بعون من الله، واعتباراً من التاريخ السابق وحتى اكتمال الشهرين، وبفضل من مولانا صاحب السعادة، سأنتهي من بناء جامعك الشريف وأغلق أبوابه».
مولاي لقد بذلت الجهد والمساعي
وزينت كل زاوية بنقش بديع
وعجلت في ببنائه باحتراف
فلن تجد لمثل جماله من صنيع
فيارب بجاه أسمائك العزيزة
وجاه رسولك خير الأنام الشفيع

أدم عزّ مولانا المبجل
واجعل النصر والظفر حليفه أبدا
ووفقني لمسعاي يا إلهي
ليكون هذا الصرح لذكرك مددا
وأخيراً اكتمل الشهران، وبعون من الله وفضل من السلطان، لم تبق زاوية غير منتهية البناء في الجامع، واكتمل جامع السليمانية، وأغلقت كل أبوابه، ومن ثم أقبل خاقان العالم مع حاشيته وأعيان دولته، حيث وضعتُ مفاتيح الجامع في يديه المباركتين.
وقد التفت حضرة السلطان إلى أحد أفراد حاشيته ليسأله:
«من الأجدر بفتح باب الجامع؟»
ليرد عليه الرجل بالقول:
«مولاي! إنّ المعمار آغا علّامة جليل، وهو الأجدر من بين الجميع بفتح أبواب الجامع». . فالتفت نحوي سلطان العالم السلطان سليمان القانوني وخاطبني بالقول:
«إنّك الأولى بفتح أبواب بيت الله تعالى، فليكن عامراً بالصدق والصفاء والدعاء». .
وبعد أن أتم دعائه، سلمني مفتاح الجامع من صميم قلبه.
«يا فتّاح!» قلتها وأنا أفتح الأبواب، وقد تلقيت من السلطان ما لا يوصف من الثناء والإحسان»538.
وبعد عدة قرون، علّق الفرنسي ألبرت غابرييل539 الذي اعتبره مؤرخو الفن بأنه «قطب الباحثين في تاريخ الفن التركي» في حوار خيالي على لسان السلطان محمد الفاتح وهو يقف أمام جامع السليمانية، قائلاً:
«سليمان! يا ابن حفيدي! لم تكتف مثل أجدادك بأمجاد الفتوحات وعظمة الانتصارات، بل منحت اسمك لقرن برمته. وقد دان العالم كله لمجدك وشهرتك التي استحققتها بجدارة. وتسابق أعظم الحكام من أجل التحالف معك. وقد حظيت بما لا يحظى به إلا القلائل لبنائك هذا الجامع العظيم، في هذا الميدان الرائع، لتهدي عاصمة الأتراك القديمة تاجاً.
وبذلك فأنت الوحيد الذي تمكن من إتمام ما قمتُ بالتخطيط له، واكتسبتَ لقب الباني العظيم. أما أنا الذي لم أغبط في حياتي كلها حظوظ أي أحد، فها أنا وأمام هذا الصرح الفريد أغبطك يا سليمان»540.
وبمناسبة افتتاح الكلية السليمانية أرسل الشاه طهماسب وفداً رفيعاً محملاً بالهدايا النفسية ونسخة نادرة من القرآن الكريم، كما أرسل ابن الشاه خودابند رسالة تهنئة إلى الصدر الأعظم، وكذلك فعلت زوجة الشاه مع السلطانة هُرَّم. كما أنّ المدارس السليمانية التي تم بناؤها قبالة مدرسة الصحن الثمانية التي بناها السلطان الفاتح، غدت مؤسسات علمية رفيعة المستوى، وقد أبدى السلطان اهتماما شخصياً من أجل إحضار أكثر المدرسين كفاءة وعلماً للتدريس فيها.





السلطانة هُرَّم

لا ريب أنّ العام ألف وخمسمائة وثمانية وخمسين قد شهد أكثر الأحداث المؤلمة للسلطان القانوني، فقد انتهت تلك الرابطة التي وصفت بأنها العشق العظيم الذي رافق ذلك القرن العظيم، بعد أن قام بدفن زوجته التي أحبها كثيراً؛ السلطانة هُرَّم.
فزوجة السلطان القانوني- الذي أسبغ اسمه على قرن برمته، حتى بات يسمى «عصر سليمان»- الوحيدة، كانت توازيه في استقطاب الاهتمام في كل ما يتعلق بها، من صفاتها الجسدية ومناقبها الشخصية، طراز ثيابها، مأكلها ومشربها، وكل ما تقدم عليه وتستحدثه. وقد انشغل كل المؤرخين والأدباء بالكتابة عنها والبحث في حياتها. أما من لم تسعفه الشروط في الحصول على معلومات عن الحرملك العثماني الذي يستمد اسمه من كلمة (الحَرَم)، فقد لجؤوا كما في كل مرة إلى مَلَكة الخيال وشطَحات الفانتازيا والأساطير، ليؤلفوا السيناريوهات. وإزاء الغموض الذي يلفّ الكثير من جوانب التاريخ والذي أفرز العديد من الكتابات البعيدة عن الموضوعية والتي تشوه الحقائق التي لم يلق عليها الضوء بعد، فليس من الصعوبة تخيل ما قد نال الحرملك الذي تعتبر المعلومات الواردة عن طبيعة الحياة فيه من أندر المواضيع في التاريخ العثماني.
وكنتيجة لذلك فإن عوالم الخيال التي ألفها وتركها لنا الرحالة والروائيون وكتّاب المسرح والأفلام الأجانب منهم على وجه الخصوص، قد خلقت سلطانة مختلفة تمام الاختلاف. 541 فأسندوا دور البطولة إلى كل واقعة قابلة للانتقاد، وكل حادثة حاملة لمختلف التأويلات الخاطئة في عهد القانوني، إلى السلطانة هُرَّم وابنتها السلطانة ميهريماه. كما قام كتاب التاريخ والروائيون المحليون بكل أسف، ودون تكلفهم مشقة التدقيق والانتقاد، بنسخ هذه الهذيانات والافتراءات في أعمالهم، وكأنها حقائق مؤكدة ووقائع علمية مثبتة، وصاغوا على أساسها القصص والروايات، وبذلك ظهرت أمامنا شخصية مغايرة لهُرَّم حتى بات الوصول إلى حقيقة شخصيتها بالغ الصعوبة بل ضرب من المحال542.
وكأحد الأمثلة على هذا النوع من القصص، هو ادعائهم بقيام السلطانة هُرَّم بإخراج السيدة ماهي دِفران أولى محظيات القانوني من القصر، ويرجعون السبب في ذلك إلى حادثة لا أساس لها حول قيام ماهي دِفران بضرب هُرَّم543. رغم أنّ حقيقة خروج ماهي دِفران من القصر يعود فقط إلى مرافقتها لابنها مصطفى أثناء خروجه لسنجق مانيسا544. ذلك أنّ العادة كانت تقتضي مرافقة الأمهات لأبنائهن الأمراء أثناء خروجهم لتولي حكم أحد السناجق. أما بقاء السلطانة هُرَّم في القصر فيعود إلى خروج ثلاث من أبنائها إلى ثلاث سناجق، ولو رافقت أيا منهم فسيظهر على أنه ولي العهد، ما سيثير النزاعات بين الأمراء.
وإن احتكمنا إلى مقولة أنّ «من عمله يُعرف الصانع» وقمنا بتقييم التاريخ انطلاقاً من مرتكز الحقيقة، فكيف ستبدو لنا السلطانة هُرَّم؟ وأي نوع من الزوجات والأمهات والسلطانات كانت؟
يتفق عموم المؤرخين على أنّ السلطانة هُرَّم تنحدر من أصول روسية، وقد أبصرت النور في أوكرانيا التي كانت في تلك الحقبة تتبع لسلطة بولونيا، في العام ألف وخمسمائة وستة. وبسبب لون شعرها الضارب للحمرة، فقد سميت روزا أو روسا أو روكسلانا.
وبحسب ليسلي بييرس التي قامت ببحث علمي يحمل اسم (الحرملك الهمايوني)545، فمن المرجح أنها تنحدر من غربي أوكرانيا. وبالاعتماد على المرويات البولونية فاسمها ألكساندرا ليسوفسكا، وهي ابنة راهب أوكراني (روتانيلي) تم أسرها من قبل التتار في بلدة روهاتين الواقعة على نهر دنيستر والقريبة من مدينة لفيف546. وقد اعتمد الأوربيون تسميتها روكسلانا التي تعني باللغة البولونية عذراء أوكرانيا547.
اختطفت من قبل أتراك القرم وهي في التاسعة من العمر، حيث أمضت عدة سنوات في قصر القرم نالت خلالها التربية والتعليم. ومن ثم تم إهداؤها إلى القصر الهمايوني من قبل خان القرن، وهناك روايات متعددة حول من أهداها للسلطان أهي والدته السلطانة حفصة، أم عمته هانجرلي خاتون (السلطانة فاطمة خانم) أم إبراهيم باشا548.
وبعد دخولها القصر العثماني، تلقت أصول التربية الإسلامية والتركية، وقد لفتت الانتباه على الفور لجاذبيتها، ووجها الباسم، وطباعها المرحة، خفة دمها، وسرعة بديهتها بالإضافة لنشاطها. وبسبب وجهها الضاحك فقد أطلق عليها في القصر لقب هُرَّم549.
ويفيد بعض الكتاب بأنها كانت عادية الجمال، بيضاء البشرة، متوسطة القامة، ذات أنف أخنس وقوام نحيل ونظرات ثاقبة، وابتسامة جميلة، ما جعلها جذابة وفاتنة إلى حدّ كبير. وفي الحقيقة فإن جلّ هذه الصفات والملامح التي تنسب إليها، إنما تعود إلى اللوحات الفنية التي رسمها الفنانون. ومن الواضح أنّ هذه اللوحات والبورتريهات التي تكاد لا تتشابه فيما بينها، ما هي إلا محصلة خيال مبدعيها. لذلك فإنّ استخلاص صورة لشخصية هُرَّم بالاعتماد عليها، لن يكون سوى محض اختلاق.
رغم أنّ الحقيقة التي لا تقبل الجدال، أنّ الجارية التي يتم إدخالها القصر، أو تقدم كهدية للسلطان، يشترط فيها التحلي بسوية عالية من الجمال والصفات الخُلقية. وبحسب الأعراف المتبعة في القصر فإن مهمة اختيار جارية تتصف بالجمال، وحسن التربية، والذكاء، والمهارة، العفة والقابلية التي تتيح لها أن تغدو والدة السلطان المستقبلي، وأن تكون قادرة على خدمة أقوى شخصية في القصر، كانت تقع على عاتق السلطانات الأمهات. وهكذا فقد قامت السلطانة حفصة باختيار فتاة تتحلى بهذه الصفات لابنها القانوني، والتي كانت هُرَّم.
لا يمكن التحقق على وجه الدقة من التاريخ الذي انضمت فيه هُرَّم إلى حرملك السلطان القانوني، ولكن الاحتمال الأقوى أن الأمر حدث في أول عامين من توليه السلطنة. وبالطبع كانت أكثر النساء نفوذا في القصر في تلك الفترة هي والدة السلطان سليمان القانوني مهد العلياء السلطانة حفصة، وتليها في المرتبة ماهي دِفران خاتون أولى زوجات السلطان القانوني والتي أنجبت له الأمير مصطفى في العام ألف وخمسمائة وخمسة عشر.
ومع إنجاب السلطانة هُرَّم للأمير محمد عام ألف وخمسمائة وعشرين أو واحد وعشرين، زاد نفوذها في القصر ومكانتها لدى السلطان القانوني. ذلك أنّه قضى وقتاً طويلاً مع هُرَّم التي ضمها إلى حريمه بعد ماهي دِفران خاتون، وخلا جارية أخرى تدعى غولفِم لا يوجد ما يشير إلى ارتباطه بنساء أخريات. ومن المعلوم أنّ العلاقة بين غولفِم خاتون وهُرَّم كانت علاقة ودية جدا550.
وتشير مجمل الأحداث التي وصلتنا إلى أنّ الهاسكي هُرَّم سلطان، محظية القانوني كانت على درجة عالية من الذكاء، ودودة، امرأة فائقة الجمال وأمّاً بالغة العطف والحنان، كما كانت متمسكة بدينها. وفي معرض حديث الكاتب برنارد بروماج عن حياتها، يشير إلى قوة مشاعرها الجهادية، حيث يقول:
«في أعظم عهود السلطنة العثمانية، شاركت سليمان العظيم الحكم. فهذه المرأة الجميلة التي اعتبرت زوجها فاتح العالم برمته، قد سعت لأن يعلو الهلال على الصليب حتى في أبعد بقعة يقطنها المشركون». كما شجعت على القيام بحملة ضد فرسان رودس الذين انتشر صيتهم كحماة للمسيحية واشتهروا بعدائهم للأتراك551.
أنجبت السلطانة هُرَّم التي تصغر القانوني بأحد عشر عاماً، ستة أبناء من هذا الزواج، وقد توفي ابنها الثالث عبد الله في سن صغيرة، أما بقية أبنائها فهم؛ سليم، محمد، جيهانغير، بيازيد وميهريماه.
وقفت السلطانة هُرَّم المعروفة بتعلقها الشديد بعائلتها، إلى جوار زوجها القانوني وأبنائها في كل الظروف، وقد زارت سناجق كل من مانيسا، قونيا، كوتاهيا وأماسيا التي حكمها أبناؤها الأمراء، وسعت لخلق روابط قوية بين أفراد أسرتها552.
كان الأمير محمد هو أكثر من حظي بمحبة والديه القانوني وهُرَّم، والذي كان أكبر أمراء القانوني من زوجته هُرَّم، ومن المرجح أنّ التغيير الذي أحدثه القانوني في ولاية السناجق العام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين، يعود لرغبته في أن يوليه العرش من بعده.
حيث نقل الأمير مصطفى من مانيسا إلى أماسيا، وقام بتعيين محمد على ولاية مانيسا؛ ذلك أنّ حاكم مانيسا كان مرشح السلطان لولاية العهد، كما أنها كانت الأقرب إلى عاصمة الحكم، وكان كل الأمراء يرغبون في حكمها، ومن الوارد أنّ السلطانة هُرَّم قد لعبت دوراً في شأن هذا التعيين.
كما أنّ الأمير محمد كان مثل أخيه مصطفى على درجة عالية من التربية والخلق، ولكن حكمه على سنجق مانيسا لم يدم لوقت طويل، فبعد مضي عام واحد توفي بشكل مفاجئ في العام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين. وكان لوفاة هذا الأمير المحبوب ووريث العرش المحتمل، أثر صادم على عائلته التي غرقت في حداد أليم.
أيا درّة الأمراء يا سلطاني محمد
هذا الشطر الذي خلّد به القانوني موت ابنه، يوضح الحزن العميق الذي عصف به مع موته. كما أنشأ المعمار سنان بأمر من السلطان جامعا بديع البنيان على اسمه وهو جامع شيهزاده باشي.
ويمكن القول بأنّ هذا الموت كان البداية لسنوات حزن طويلة في حياة السلطانة هُرَّم التي كانت سلطانة محبوبة جداً من قبل الشعب، ومعروفة بحبها لأعمال الخير. وفي القرن الذي عاصرته كانت تحظى باحترام بالغ، كما استمر الأمر في العهود التالية، حيث كان اسمها مرادفاً دائماً للتقدير وفعل الخير والعطاء الذي عرفت به، ومن بين مئات الكتابات التي كتبت عنها، سنورد هذه الجمل التي تصف حقيقتها:
«كانت سيدة النساء الشريفات، بخصال ملائكية، رفيعة الشأن، كاملة الأوصاف، قدسية الذات، درّة نادرة تفيض بالخيرات والحسنات، سيدة عظيمة، جليلة عالية المقام». .
ورغم أنّ السلطانة هُرَّم قد بلغت شأواً لم تبلغه أي من زوجات السلاطين قبلها على المستوى السياسي، لكنها تعرضت بين الفينة والأخرة لأحزان عميقة، فإلى جانب أبنائها الذين ماتوا في سن باكرة، فقد كان لموت الأمير محمد حاكم مانيسا، ومن ثم الأمير جيهانغير وقع بالغ الأسى عليها.
كما عانت من العديد من الأمراض، وقاست أوجاعاً شديدة، وقد قضت آخر شتاء لها إلى جوار القانوني، سلطانها الذي أحبته حباً جمّاً في إدرنة. ومع اشتداد وطأة المرض عليها، عادت إلى إسطنبول حيث أقامت في قصر إسكي سراي الذي كان يضم مستشفى خاصاً. ولم تتمكن من النجاة من مرض القولنج الذي أصابها، فتوفيت في عمر مبكر (الثانية والخمسين)، وذلك في العام ألف وخمسمائة وثمانية وخمسين553.
وقد حُمل نعشها على أكتاف الوزراء حتى ساحة جامع بيازيد، وأقيمت على روحها صلاة الجنازة بإمامة شيخ الإسلام أبو السعود أفندي، والذي قام بدفنها أيضاً. وقد تأثّر لموتها كل أهالي إسطنبول.
لقد قُدّر لسلطان العالم السلطان سليمان ما لم يقدر سوى للقلائل في العالم، حيث عاش عمرا مديدا وحياة طغت عليها علاقة حب لم تخمد أوارها مع زوجته، كانا على الدوم خير عون لبعضهما، وقد التزم بإخلاصه لحبها بعد وفاتها كما في حياتها، حيث لم يرتبط بامرأة أخرى بعد وفاة زوجته المحبوبة، التي أراد لجثمانها أن يبقى قريبا منه، حيث أمر بدفنها إلى جوار القبر الذي أعده لنفسه إلى جوار جامع السليمانية، وعين الحراس وحفظة القرآن على قبرها، فكانت سور القرآن الكريم تُتلى على روح هذه السلطانة المحبة للخيرات على مدار أربع وعشرين ساعة متواصلة لقرون طويلة دون انقطاع.
وبحسب الوثائق الموجودة في أرشيف رئاسة الوزراء، فقد وصل عدد الحراس وحافظي القرآن الذين تناوبوا على العمل في قبرها إلى مائة وثمانية وثلاثين موظفاً. وكان هؤلاء يتلقون أجراً عالياً يصل إلى ثلاثمائة وخمسين أكجة في اليوم، ما يوضح المحبة الكبيرة التي كان القانوني يكنها لزوجته السلطانة هُرَّم.
في الحقيقة لقد ربطت علاقة حب قوية بين القانوني وهُرَّم، ولكن هذه المشاعر، لم تمنع أياً منهما من أداء كل الواجبات المناطة على عاتقه بأفضل صورة ممكنة. فخلال الثماني وثلاثين سنة التي عاشاها سوية، قضى القانوني نصفها على ظهر حصانه، ولم يتوان عن واجبه في الجهاد. ولم يهمل شؤون دولته على الإطلاق.
وبدورها فإنّ السلطانة هُرَّم قد أضفت لمسة أنثوية على إسطنبول كما على الكثير من البلدات والمدن، من خلال تزيينها بالأبنية العمرانية والفعاليات الخيرية. وقد لجأ الاثنان إلى التعبير عن أشواقهما وحبهما العظيم من خلال تبادل الرسائل والقصائد.
ففي إحدى الرسائل التي بعثت بها هُرَّم إلى السلطان، نجدها تخاطب مولاها بالأبيات التالية:
ياريح الصبا مرّي على مولاي برفق
والثمي خده كلثم شدو البلبل للشوق
وأخبريه بأن القلب بات للأسى مهدا
وأنّ الروح لا تحيا إلا بلهيب العشق
وبالمقابل فقد ردّ القانوني على أشواق زوجته من خلال الشعر، في محاولة لتخفيف هذه الحسرة ولو قليلاً:
تصلني رسائلك من إسطنبول توقا
إلى بغداد فتزيدني أرقاً وشوقا
وقد حال قلبي بلبلاً يشدو لهيفا

حتى طلوع الفجر وجداً وخفقا
وفي رسالة أخرى من رسائل السلطانة هُرَّم إلى السلطان القانوني الذي أطال غيابه عنها، نجدها تخاطبه بالقول «سلطاني يا نجم سعادتي، مولاي، سلطاني أنا، سلطاني الذي أفتديه، نور عينيّ، أملي في العالمين وقطعة من روحي، ونور عيني، وبهجة فؤادي، يا وجه يوسف». . ليرد عليها بعبارات تجدد حبهما في كل لحظة «يا إسطنبولي، وبغدادي، يا بدخشاني، وخراساني، ويا مصري سلطانة قلبي، يا قمري المتلألئ، ربيعي، فرحتي، وغاية أيامي، وردتي الضاحكة، منبع سعادتي، ورفيقة روحي»554.
ولم يجد لسان العشق ترجماناً للغته
ولكن ما كان موقف السلطانة هُرَّم التي حازت كل هذه المناقب الجميلة من مقتل الأمير مصطفى؟
في الحقيقة ومع الأخذ بعين الاعتبار للقوانين والأعراف الخاصة بتولي العرش في السلطنة العثمانية555، فمن هي المرأة التي لن ترغب في رؤية ابنها على سدة الحكم؟ وبالتالي فإنّ رغبة السلطانة هُرَّم في تولي واحد من أبنائها لعرش السلطنة هو من أكثر الأمور الطبيعية. فمن يحاول انتقاد هُرَّم لرغبتها في تولي أحد أبنائها العرش، هل كان يظن أنّ ماهي دِفران خاتون لا ترغب في رؤية ابنها مصطفى يتولى العرش يا ترى؟
وبالعودة إلى حادثة قتل الأمير مصطفى، فمن المحال أن يكون القانوني قد تأثر بكلامها، وأقدم على قتل ابنه بناء على رغبتها. ذلك أنّ تبعة هذه الحادثة تقع بالدرجة الأولى على عاتق رجال الدولة الذين قاموا بتحريض الأمير في سبيل تولي العرش، كما أنّ الحقيقة التي لا مراء فيها أنّ من أقدم على بعض الفعاليات بتأثير من تأليبهم أو أنّ هذا ما أشيع حوله؛ هو الأمير مصطفى. أما رستم باشا الذي من الواضح أنه لم يكن من مؤيدي الأمير مصطفى بأي شكل، فقيامه باستغلال هذه الأحداث في محاولة للتخلص من الأمير، يضعه في موضع المسبب الثاني لهذه الواقعة.
ومن جهة أخرى فإنّ المطلعين على الآثار الرائعة التي تركتها السلطانة هُرَّم لشعبها التركي والذين يقدرونها حقّ قدرها، يدركون حقيقة محبتها وتقديرها لهذا الشعب. ذلك أنها ومن خلال هذه الفعاليات قد تفوقت على كل السلطانات اللواتي أتين من بعدها، وبلغن ما بلغته من مجد.
ورغم أنّ السلطانة هُرَّم لم تقم الصلاة في كل تلك الجوامع، ولم تدرس في تلك المدارس، ولم تنم في نزل المسافرين، ولم تشرب من مياه السُبُل التي أنشأتها، ولم تتعالج في دار الشفاء، ولكنها تركت كل ذلك ميراثاً لدولتها وشعبها وأبنائها. .





ما تركته من أعمال

أحد الأعراف الجميلة في العائلة العثمانية، كان العناية بكل الحاجيات الخاصة التي يتركها المتوفون من هذه العائلة حتى من توفي منهم في سن صغيرة. ولكن السيدات والفتيات الصغيرات كن مستثنيات من هذه العادة التي تغيرت مع وفاة السلطانة هُرَّم. فقد تم الاحتفاظ بمقتنيات المرحومة في القصر وفي مدفنها الخاص، والتي تضم ألفعة بديعة الصنعة، وعصابات للرأس ومجوهراتها وأغراضها الشخصية. والتي تعرض حالياً في متحف قصر توب كابي ومتحف الآثار التركية الإسلامية.
كانت هُرَّم تتبوأ قائمة السلطانات العثمانيات اللواتي أولين الأعمال الخيرية اهتماما كبيرا، فقد بذلت الكثير من الجهود لخدمة الناس في أرجاء السلطنة المترامية الأطراف، والممتدة على قارات العالم القديم الثلاث. وقد أفرد كل من صولاك زاده وإبراهيم بيجفي في كتابيهما قسماً خاصاً لأعمال السلطانة هُرَّم بعد ذكر الأعمال التي تركها السلطان القانوني556.
كلية (مجمع) الهاسكي:
يضم هذا المجمع جامعاً، مدرسة، مكتبة صبية، عمارة خيرية ودار شفاء (مشفى). وهو أول أعمال المعمار سنان بعد تعيينه رئيس المعماريين، واعتباراً من القرن التاسع عشر سميت منطقة أفرات بازي في إسطنبول والتي أقيمت فيها الكلية بمنطقة هاسكي. ويعتبر إبراهيم أفندي البيجفي بأنّ بناء الكلية في هذا الموقع هو لفتة رقيقة من السلطان القانوني اتجاه زوجته المحبوبة.
أول العناصر التي تم بناؤها في هذا المجمع هو الجامع، تلاه بعد عام المدرسة ومكتبة الصبيان، أما العمارة ودار الشفاء فقد بنيا بعد مضي اثني عشر عاماً. وهذا يشير إلى أنّ الكلية لم تظهر كفكرة مجمع متكامل في البدء، بل تغير تصميمها، وأضيفت إليها الأبنية في حقب زمنية مختلفة. أما وقف الكلية الموجود في المكتبة السليمانية فقد تم بناؤه في العام ألف وخمسمائة وواحد وخمسين.
يقع الجامع على أحد طرفي شارع هاسكي، بينما المدرسة، ومكتبة الصبية، ودار الشفاء والعمارة فتقع على الطرف المقابل.
الجامع: تم بناء هذا الجامع مربع الشكل وحيد القبة وفق طراز كلاسيكي في العام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين. وكانت له منارة واحدة، وقد تم توسيعه لاحقاً لضيق مساحته أمام جموع المصلين، وأضيفت إليه قبة وعمودان في عهد السلطان أحمد الأول العام ألف وستمائة واثني عشر. ولا تزال أبوابه مشرعة حتى يومنا الحالي أمام المصلين.
المدرسة: تقع قبالة الجامع، وقد بينت العام ألف وخمسمائة وتسعة وثلاثين، وهي بناء كلاسيكي الطابع. يفضي بابها الرئيسي المطل على الشارع إلى رواق يطل على باحة مغلقة من بقية جهاتها الثلاث. وتتموضع الدرس خانة في منتصف الرواق المقابل للباب، وعلى كل من جانبيها الاثنين تقع ست غرف مكونة من صفين ثلاثيين متقابلين، كما تقع عشر غرف مكونة من صفين خماسيين على كل جانب من جانبي الباحة، وكلها غرف مقببة ويوجد في كل منها موقد للنار. وقد جاء في سجلات الوقف التي تتحدث عن أهمية التربية والتعليم، أنه وقف مخصص لرجال العلم وطلبته. وكان المدرسون يحصلون على خمسين أكجة في اليوم، وللطلاب ممن بلغوا السادسة عشرة أكجتان في اليوم، أما المعيد فيحصل على خمسة أكجات. وقد غدت الغرف حالياً غرفاً للنوم، والدرس خانة مسجداً.
مكتبة الصبية: تقع إلى شرق المدرسة، وهي عبارة عن بناء مربع مؤلف من كتلتين. القسم الأول منها عبارة عن درس خانة مفتوحة تحيط بها الأعمدة من كلا الجانبين، والقسم الثاني هو درس خانة مغلقة. أما صحن البناء والذي يتوسطه حوض ماء، فمن المحتمل أنه صمم كباحة للعب. ولأن اللوحة الكتابية التي تتصدر المكتبة ظلت فارغة، فلا نعلم على وجه التحديد تاريخ بنائها، ولكن تماثل أنماط ورود النيلوفر المستخدمة في تزيين المدرسة والمكتبة، يشير إلى أنّهما قد بُنيتا في الفترة ذاتها.
وكانت مكتبة الصبية موقوفة على الفتية المسلمين، حيث كانت التعليم الديني أحد الشروط المدرجة في برنامجها التدريسي.
وإلى جوار الدرس خانة المغلقة توجد حظيرة (مقبرة) صغيرة بالغة العناية، ومن شواهد القبور المتوزعة في أرجائها، نكتشف أنها في معظمها تعود إلى الهيئة المشرفة على البناء بالإضافة إلى العاملين في الكلية مع أفراد أسرهم.
العمارة: يقود الباب الثالث على شارع هاسكي إلى مدخل العمارة، وتشير لوحتها الكتابية إلى تاريخ بنائها وهو العام ألف وخمسمائة وخمسين. يحيط بصحن العمارة الداخلي من جهة الشمال رواق ثلاثي القناطر، ومن جهتي الشرق والغرب رواقان تؤطر كل منهما خمس قناطر، وقد غطيت هذه الأروقة بالقباب المستندة إلى أعمدة متوّجة. وفي الجزء الشمالي من الباحة يتموضع المطبخ التي تغطيه قبتان كبيرتان وأربع قباب صغيرة، وإلى جواره تقع الغرف مستطيلة الشكل.
وقد تحول القسم المخصص لإعداد الطعام وتناوله في العمارة إلى مكتبة حاليا.
دار الشفاء: تعتبر دار الشفاء نموذجاً متفرداً من العمارة العثمانية الأصيلة لا نجد لها نظيراً، وبحسب الكتابة المدونة على مدخل هاسكي «دار الشفاء» التي تعتبر من أروع الآثار العمرانية التي بناها معمار سنان، فقد انتهى بناؤها العام ألف وخمسمائة وخمسين. وتتصدر دار الشفاء هذه المشافي التي تم بناؤها حتى عصرنا الحالي من حيث التهوية الممتازة والرحابة. فالمدخل الرئيسي يفضي بنا إلى صحن مثمن يطل عليه بناء المُعاينة بقناطره العالية، وبعد قسم العيادات الخارجية، يبدأ القسم الداخلي المكون من الغرف المقببة الخاصة بالأطباء والمرضى.
وقد بنى المعمار سنان بالإضافة إلى القسم الرئيسي، غرفتين منفصلتين لصنع الأدوية والعلاجات. وكان يعمل في خدمة هذا البناء سبعة أطباء، اثنان من الصيادلة، تسعة وعشرون موظفا ومستخدماً. وإلى جانب المعاينة وقوفا، كان الاستلقاء للمعاينة الطبية وتلقي العلاج طريقة متبعة أيضاً هنا.
وقد وضعت السلطانة هُرَّم شروطاً تخص الأطباء الذين سيعملون في دار الشفاء الخاص بوقفها، لا يمكن إزاءها سوى إبداء الإعجاب. فمثلا يتوجب على الجميع بمن فيهم رئيس الأطباء وبقية الموظفين مخاطبة المرضى بأسلوب لطيف، والرد على كل أسئلتهم برحابة صدر، وهو ما دوّن في سجلات الوقف.
كما نصت هذه الشروط على منح رواتب عالية لكل العاملين في المشفى، بالإضافة لعدم أخذ أجرة المعاينة وثمن الأدوية من المرضى الفقراء.
واعتباراً من تاريخ العشرين من كانون الثاني العام ألف وتسعمائة وستة وسبعين وحتى الوقت الراهن، تحول البناء إلى مركز تعليم هاسكي التابع لوزارة الشؤون الدينية، وداخل أبنيتها يعمل المفتي والدعاة ويتلقون تعليمهم، إلى جانب تدريس أصول التلاوة. كما أنّ غرف مدرسة الكلية تستعمل كمهاجع، والدرس خانة المغلقة تحولت إلى مسجد، والعمارة إلى مطبخ، ومكتبة الصبية إلى قاعة اجتماعات، بينما تحولت دار الشفاء إلى مبنى التعليم والإدارة557.

بقية آثارها:
جامع الأمير جيهانغير (شيهزاده جامي): بُني على التلة الكبيرة المطلة على منطقة توبخانة.
في بغداد: بناء قلعة حصينة إلى جوار قبر الإمام الأعظم، بالإضافة إلى جامع وعمارة خيرية بديعة البناء، وضريح عال ومشفى للأمراض العقلية.
وأيضاً في بغداد إعادة بناء قبة عالية فوق قبر الشيخ عبد القادر الكيلاني، وترميم جامعه، بالإضافة إلى تجديد العمارة والكثير من المباني الخيرية التي خصصت لها الأوقاف الكافية لرعايتها.
في قونيا: جامع مرتفع ذو منارتين إلى جوار ضريح مولانا جلال الدين الرومي، ومسجد جميل البناء، وبناء عمارة خيرية وغرف للدراويش والعديد من الأبنية المماثلة.
في الشام: جامع عالي البناء، مدرسة والكثير من العمارات الخيرية الأخرى.
في فيودوسيا وإزنيق: كانت الكنيستان الكبريان في كل منهما واللتان تحولتا إلى جامعين قد نالهما الخراب مع مرور الزمن، فقامت بتجديدهما وأوقفت عليهما الأوقاف الخيرية اللازمة.
بالإضافة إلى الكثير من المباني الخيرية والصدقات التي خصت بهما كلاًّ من مكة والمدينة المنورة، حتى غدت المورد الأساسي لكل من عاش في تلك الأرجاء، ورغم أنّ هذه الصدقات كانت تقدم في السابق أيضاً، ولكنها أصبحت مضاعفة وباتت توزع في انضباط كبير ويشرف عليها الكتبة، لينال كل شخص الحصة المخصصة له دون أي نقص.
إلى جانب صدقة المياه الجارية؛ وهذه المياه كان مصدرها جبل عرفة، وكانت هذه القنوات قد شقت بأمر من زبيدة زوجة هارون الرشيد لتصل إلى المدينة، ولكنها رُدمت وتدمرت مع مرور الزمن، وعادت مشكلة ندرة المياه من جديد، حتى أنّ قربة ماء يمكن حملها بإصبع واحد كانت تباع في يوم عرفة بقطعة ذهبية، فأمرت السلطانة بإعادة حفر وتوسيع هذه القنوات لتتضاعف كمية المياه الجارية فيها وتلبي احتياجات المدينة والحجاج من المياه.
في مكة: بنت أربع مدارس كبيرة لكل مذهب من المذاهب الأربعة، وخصصت لكل منها خمسة عشر طالباً ومساعد مدرس، وكانت تصلهم أجرتهم المخصصة في الوقت المحدد دون أي نقصان.
كان المنزل الذي أنجبت فيه أم المؤمنين السيدة خديجة، ابنتها السيدة فاطمة وبقية أبنائها، قد تحول إلى مسجد فيما بعد. ولكنه تعرض للخراب بمرور الوقت، فقامت بإعادة ترميمه وبنت فوقه قبة كبيرة، حيث كان الدراويش والفقراء يجتمعون فيه كل صبيحة جمعة حتى صلاة الظهر، وكل ليلة ثلاثاء حتى الفجر، وهم يسبّحون بذكر الله.
كما قامت ببناء عمارتين غنيتين في كل من مكة والمدينة، يجتمع فيهما فقراء المدينتين كل يوم ليحصلوا على الطعام والشراب.
بالإضافة لإنشاء العديد من سبل المياه في إدرنة، والتي تسيل منها مياه نقية كمياه الكوثر، ليتنعّم بها الفقراء وساكنو المدينة ويلبوا احتياجاتهم.
كما أمرت ببناء جامع وعمارة بديعة وخانٍ كبير في بلدة مصطفى باشا كوبروسو558، لتنضم إلى قائمة أعمال هاسكي سلطان الخيرية.
وأنشأت مدرسة في منطقة كارييه في إسطنبول، بالإضافة إلى حمام السلطانة هُرَّم الذي يقع بين آيا صوفيا وجامع السلطان أحمد، الذي يعتبر إحدى التحف المعمارية559.
وأخيرا فإن العمارة الخيرية الرائعة التي قامت ببنائها في القدس560 (تكية خاسكي سلطان)، وتعليماتها الواردة في سجلات الوقف، يسلط ما يكفي من الضوء على الجوانب الإنسانية والدينية والوجدانية في شخصيتها.
«وقد ورد في الشروط التي تم وضعها، على أنّ جموع المقيمين في حجرات الوقف يحصل الواحد منهم يومياً في كل وجبة على مغرفة طعام (حساء) ورغيف، وفي ليالي الجمعة يضاف إلى وجباتهم صحن من اليخنة أيضاً. أما إمام المسجد الشريف وكاتب الوقف وكل العاملين في العمارة، فيحصلون في كل وجبة على مغرفة طعام ورغيفين، وفي ليالي الجمعة يحصلون بدورهم على صحن يخنة. كما جاء في شروط العمارة المذكورة أنّ كل وجبة طعام عليها أن تطعم أربعمائة شخص من الفقراء والمحتاجين والمساكين، يحصل كل واحد منهم على رغيف، وكل اثنين على صحن حساء، ويمنحون وجبة يخنة أيضاً في ليالي الجمعة. ونصت على أنّ كل من يقوم- خلا العاملين في الوقف- عن طريق الشفاعة والوساطة بإخراج الطعام والأرزاق خارج الوقف دون وجه حق، فهو حرام عليه»561.
فليت من استفادوا من أوقاف السلطانة هُرَّم التي تركتها، قرؤوا قبل ذلك نصوص أوقافها، واستوعبوا ما جاء فيها.





العلاقات مع خانات الأوزبك

بالتزامن مع وصول موفدي الشاه طهماسب إلى إسطنبول، كانت رسالة حاكم دولة الأوزبك الحاكمة لبخارى وسمرقند وسائر بلاد ما وراء النهر، قد وصلت إلى السلطان القانوني. ورغم أنّ العلاقات مع هذه الدولة التركية-إسلامية التي كانت في حالة عداء مستمر مع الدولة الصفوية، كانت علاقة واهنة، لكنها كانت على الدوام في إطار الصداقة والأخوة.
ففي حملة العراقين تعاون الحاكم عبيد الله خان مع السلطان العثماني وأقاما حلفاً مشتركاً ضد العدو، حيث وسّع حدود بلاده حتى خراسان، وتمكن من السيطرة على مدينتي بسطام ودامغان562. وفي رسالة همايونية غير مؤرخة إلى خان الأوزبك، يتضح أنّ علاقات الصداقة بين الطرفين كانت في غاية المتانة على عهد عبد العزيز خان بن عبيد الله خان.
كما أنّ علاقة السلطان كانت قوية مع خلفه عبد اللطيف خان (1540-1552)، فالرسالة التي بعثها إليه بتاريخ الواحد والثلاثين من أيار العام ألف وخمسمائة وخمسين، تعتبر توثيقاً لهذه العلاقات.
وفي الشتاء الذي قضاه السلطان القانوني في حلب أثناء حملة تبريز، استقبل أحد مبعوثي عبد اللطيف خان، والذي أوضح للسلطان أنه قام بزيارة الحجاز، كما شدد على ضرورة عقد تحالف بين الطرفين ضد إيران، من أجل تحقيق النصر. وقد أرسل السلطان إلى أمير بخارى حينها عبد العزيز خان، قوة عسكرية مكونة من ثلاثمائة إنكشاري بالإضافة إلى فرقة مدفعية، كمساعدة حربية.
تواصلت أواصر هذه الصداقة مع نوروز بهادير أحمد خان حفيد أبو الخير، والمعروف أيضاً ببراق خان، والذي تولى الحكم بعد عبد اللطيف خان، حيث أكدّ في الرسالة التي بعثها مع رسول يدعى كوتلوك فولادي وصول القوة العسكرية التي أرسلت في عهد سلفه، كما عبّر فيها عن امتنانه للسلطان.
وقد أعلم براق خان عن طريق مبعوثه نظام الدين أحمد شاويش، السلطانَ بفتح بخارى، كما طلب منه المساعدة ضد الإيرانيين.
وفي رسالة الردّ الهمايونية التي بعث بها القانوني في أيار العام ألف وخمسمائة وسبعة وخمسين، أوضح بأنه عقد صلحاً مع الإيرانيين، ولكنه بالمقابل لن يرضى على الإطلاق عن قيام الإيرانيين بالاعتداء على مملكة براق خان، وطلب منه إعلامه على الفور في حال وقع اعتداء من هذا النوع.
كما أنّ تحالف الدولتين الإسلاميتين السنيتين العثمانية والأوزبكية ضد الإيرانيين قد تواصل فيما بعد، وقد أرسلت السلطنة في أكثر من مناسبة مساعدات عسكرية إلى الأوزبك563.





أحداث المجر وترانسلفانيا (1556- 1559)

كانت الاتفاقية الموقعة في أماسيا مع بوسبيك ورفاقه، قد وضعت حداً للمناوشات الحدودية. بينما كانت التجاوزات مستمرة بين كل من الجانب النمساوي من قبل القائد الكرواتي البارون أونغناد من جهة، وبين الجانب العثماني من قبل تويغون باشا، وهاديم علي باشا وأمير أمراء بودين وبقية ولاة السناجق، سواء على شكل مناوشات فردية أو معارك مشتركة.
وعلى إثر قيام النمساويين بمهاجمة القلاع العثمانية الحدودية، قام أمير أمراء بودين هاديم علي باشا بمحاصرة قلعة سيكتوار التي تحتل أهمية بالغة لدى النمساويين والتي كانت مركز تجمع عسكري بسبب موقعها الاستراتيجي، وذلك في العام ألف وخمسمائة وستة وخمسين. وبعد أن نفذ العديد من الهجمات المدمرة على أطرافها وعمليات السلب، قام بالانسحاب.
ورداً على ذلك قام بالافيجيني أحد القادة النمساويين بالاستيلاء على بعض الحصون الصغيرة. ومن جهته قام والي سنجق البوسنة مالكوج أوغلو علي بيك بشن هجمات مضادة على مدينة بوسانسكا كروبا والقلاع المجاورة لها، حيث تمكن من السيطرة على المنطقة الواقعة بين نهري الأونا وكولبا وقلعة كوستانيكا564. ومع استمرار هذا النوع من الحوادث، فقد شنت قوة كبيرة من المغاوير العثمانيين في العام ألف وخمسمائة وثمانية وخمسين هجوماً على موتلينغ في منطقة كارنيولا565 وعادت بغنائم وفيرة. كما تمكن والي سنجق سيكشفهيرفار حمزة بيك من السيطرة على قلعة تاتا.
ولا يمكن القول بأنّ القانوني قد أولى هذه الحوادث أهمية كبيرة، فقد أوضح هامر أنّ رسائل السلطان الثلاث العائدة لتلك الحقبة، والتي اطلع عليها في الأرشيف النمساوي، لم تأتِ على ذكر تلك الحوادث الحدودية، بل إنها تتضمن معلومات أخرى. وفي المقابل كان الإمبراطور يواصل إرسال مبعوثيه إلى القانوني من أجل حلّ هذه المسائل الخلافية، وفي الوقت ذاته كان يصر على مطالبته بالتنازل له عن حكم ترانسلفانيا.
ومقابل ذلك وفي حزيران من العام ألف وخمسمائة وستة وخمسين وبعد عودة بوسبيك من أماسيا، قام السلطان القانوني بإرسال وفد رفيع المستوى يحمل معه رسالة همايونية إلى فيينا، يطالب فيها بالتنازل له عن سيكتوار. كما أنّ مبعوثيّ النمسا أ. فيرانتيوس وف. زاي حملا معهما في طريق العودة مذكّرة تتضمن المطالب ذاتها. وقد كررت الرسالة الهمايونية المبعوثة في نيسان العام ألف وخمسمائة وسبعة وخمسين هذا المطلب.
ومن جهته فقد دعا مجلس إقليم ترانسلفانيا في العام ألف وخمسمائة وستة وخمسين، وبهدف إنهاء حالة الفوضى والاضطرابات التي تعمّ المنطقة، كلاً من الملكة وابنها- اللذين كانا قد هربا إلى بولونيا سابقا- للعودة إلى ترانسلفانيا واستلام سدة الحكم مجدداً. وبأمر من السلطان قبل واليا الأفلاق والبغدان الدعوة، وقاما بمرافقة الملكة إيزابيلا التي أطاعت أوامر السلطان مع ابنها يانوش سيجسموند، من بولونيا لإعادتها إلى ترانسلفانيا، ليواصلا حكم المنطقة بالتبعية لإدارة السلطان.
وفي هذه الأثناء وصل مبعوث إيزابيلا إلى إسطنبول يطالب بترك حكم كل من ليبوفا وتيميشوارا لإدارتها، كما كان يشجعهم على شنّ حرب جديدة على النمسا. ولكن تم رفضهم مطالبهم حول ردّ القلاع المذكورة إلى ترانسلفانيا بشكل حاسم.
ومن جهة أخرى فإن بوسبيك الذي توجه أصدقاؤه نحو فيينا، ظل هو منتظراً في إسطنبول، وبناء على التعليمات التي تلقاها من فيينا، أوضح للديوان الهمايوني بأن النمسا غير عازمة على التخلي عن سيكتوار. ولكنه تمكن من التوصل إلى عقد هدنة جديدة مدتها سبعة أشهر، تم التوقيع عليها في إدرنة العام ألف وخمسمائة وثمانية وخمسين. حيث أعلم فرديناند كل قادته في المجر باللالتزام بهذه الهدنة، وفي العام ألف وخمسمائة وتسعة وخمسين ومع انتهاء صلاحية الهدنة، عادت المباحثات بين الطرفين من جديد.
في الثامن من حزيران عام ألف وخمسمائة وتسعة وخمسين، تم قبول بوسبيك بشكل رسمي من قبل السلطان في أوسكودار. وقد أوضح في هذا اللقاء رغبتهم في عقد اتفاقية صلح بين الطرفين دون تحديد شكل المعاهدة وشروطها، وأنّ الإمبراطور سيوقع على هذه الاتفاقية في خطوة تؤكد إخلاصه التام. كما أضاف بأنّه (الإمبراطور) سيتوصل إلى اتفاق مع إيزابيلا حول المناطق الحدودية المتنازع عليها، وسيتنازل عن كل مطامحه المتعلقة بتلك المنطقة.
وبسبب اعتداءات فرديناند على ترانسلفانيا وفعاليته فيها، جدد السلطان مطالبه بالتخلي له عن قلعة سيكتوار. وإزاء رفض هذا المطلب تم وضع بوبسيك تحت الإقامة الجبرية في دار السفراء الواقع بالقرب من منطقة تشِمبرلي تاش. وفي هذه الأثناء استقبل السلطان سفراء فرنسا، البندقية وإسبانيا، كما بعث برسالة إلى حاكم روسيا، وقد خاطبه لأول مرة بلقب القيصر، وقد تطرق فيها إلى العلاقات الودية بين الدولتين الروسية والعثمانية، وطالب بضرورة بتطوير العلاقات التجارية بين الطرفين.





حادثة الأمير بيازيد

بعد وفاة الأميرين مصطفى وجيهانغير بشكل متعاقب، لم يبق لدى السلطان سليمان القانوني سوى اثنين من أبنائه الذكور هما؛ الأمير سليم الذي ولد العام ألف وخمسمائة وأربعة وعشرين، ويحكم سنجق مانيسا، وشقيقه الأصغر الأمير بيازيد الذي ولد العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين، ويحكم إمارة قونيا. وعلى عكس طباع الأمير سليم المتواضعة والهادئة، كان الأمير بيازيد بالغ الجسارة متقد الحيوية، ما جعله محبوباً من قبل حاشيته ورجال الدولة وتمسكوا به أكثر من أخيه. ورغم تردد الروايات حول تعلّق السلطانة هُرَّم ببيازيد وتمسكها به، لكن لا توجد وثائق تؤيد هذه الفرضية. ذلك أنّ السلطانة وطوال حياتها كانت تعامل جميع أبنائها بعطف بالغ وتكن لهم جميعاً المحبة دون تفريق.
وبسبب الكفاءة التي أبداها الأمير بيازيد أثناء حادثة مصطفى المحتال، فقد تم نقله إلى سنجق كوتاهيا، ما ولدّ لديه انطباعاً بأنه أصبح ولي عهد والده. 566 فأخذ يتحرك بحرية أكثر وينخرط في فعاليات من شأنها توطيد طريق السلطة أمامه.
فعلى سبيل المثال حين توجه قطب الدين المكي مبعوث شريف مكة إلى إسطنبول في العام ألف وخمسمائة وثمانية وخمسين، وأثناء استقباله في مدينة كوتاهيا، أوضح له الأمير بيازيد بأنه يريد إحداث بعض التغييرات على الصرة الهمايونية567 التي كانت ترسل إلى الحرمين الشريفين كل عام، فيما لو قدّر له الجلوس على العرش.
وفي الحقيقة كانت الغالبية تعتبره المرشح الأفضل للعرش بسبب قوة شخصيته، ثقافته وكفاءاته العالية، وهنا لابد من الإشارة إلى الدور التحريضي الذي لعبه بعض من السيباهية الذين كانوا من مؤيدي الأمير مصطفى سابقاً وانضموا إليه فيما بعد، بالإضافة إلى بعض رجال الدولة مثل اللالا مصطفى من المحرضين والمشجعين له من أجل الإقدام على التحرك، ذلك أنّ سنجقه كان أبعد من سنجق الأمير سليم عن مركز السلطنة.
ويمكن اعتبار السلطانة هُرَّم الرادع الوحيد لاصطدام هذين الأميرين، ولكن وفاتها العام ألف وخمسمائة وثمانية وخمسين أفسحت المجال لصعود كل الخلافات إلى السطح. كما أنّ مواقف مؤيدي كلا الأميرين زادت من اتساع الهوة بين الشقيقين. ورغم ذلك فالحقيقة التي لا مراء فيها أنّ الأمير سليم كان يتبع موقفاً أكثر هدوءاً واعتدالاً ويتجنب أي تصرف من شأنه أن يفسح المجال لنشوء صراع بينهما. وكان يكتفي بإرسال التقارير إلى والده لإطلاعه على كل تحركات أخيه التي قد تتسبب في وقوع نزاعات بينهما والتدابير التي يتخذها هو بدوره.
وأخيراً أقدم السلطان سليمان القانوني الذي كان يتابع هذا الخلاف بين ابنيه بقلق بالغ يزيد من وطأته استمرار وصول شكاوى سليم، بتغيير سناجق كل منهما للحيلولة دون نشوب صراع بين الشقيقين. فنقل سليم من مانيسا إلى قونيا، وبيازيد من كوتاهيا إلى أماسيا. ومنح كل منهما زيادة قدرها ثلاثمائة ألف أكجة. كما قام بتعيين مراد بن سليم والياً على سنجق آكشهير، وأورهان بن بيازيد والياًعلى سنجق جوروم568.
ومقابل إطاعة الأمير سليم الفورية للأوامر وانتقاله من مانيسا إلى سنجقه الجديد، اعتبر بيازيد تعيينه في ولاية بعيدة عن إسطنبول إهانة لشخصه، ولم يرغب في التوجه إلى أماسيا. ومن أجل إقناع والده بوجهة نظره هذه، أوضح بأنه أنفق أموالاً طائلة على تعمير مدينة كوتاهيا، وأنه بحاجة للمزيد من الأموال من أجل انتقاله. ولكن السلطان الذي لم يوافق على ذرائعه، أمره بترك المدينة على وجه السرعة، وبأنه سيرسل إليه المال ما إن تصله أخبار تحركه من كوتاهيا.
ورغم تذرعه بالكثير من الحجج والأعذار لاحقاً، فقد اضطر في النهاية إلى مغادرة كوتاهيا. ولكنه كان يتباطأ في رحلته ويقضي وقتاً اكثر مما يجب في محطات الاستراحة على الطريق، وفي هذه الأثناء كان يلتحق به طوال الطريق العديد من الأشخاص، لتزداد قوته مع مرور الوقت. ومقابل هذا الوضع شعر القانوني الذي كان قلقاً بالأساس من تحركات بيازيد، بضرورة إرسال شخص يستطيع إلزامه بأوامر والده وتهدئته، وإقناع بالتوجه إلى أماسيا دون مزيد من التلكؤ. ولكي يظهر حياديته في التصرف مع ولديه، فقد قرر إرسال شخص آخر إلى الأمير سليم أيضاً.
وبذلك فقد أرسل الوزير الرابع بيرتيف باشا إلى بيازيد، والوزير الثالث سوكولو محمد باشا إلى سليم. وقد أوضح بيرتيف باشا الذي قابل الأمير بالقرب من أنقرة، بأنّ السلطان يحبه كما يحب أخاه سليم دون تفريق، وأنه أقدم على هذه التغييرات من أجل حل النزاع القائم بين الطرفين، حيث نجح إلى حد ما في تهدئة بيازيد. ورغم وصول الأمير إلى أماسيا في الواحد والعشرين من كانون الأول العام ألف وخمسمائة وثمانية وخمسين فقد استمرت المنافسة بين الشقيقين.
وتنص بعض المصادر على روايات تفيد بأن اللالا مصطفى الذي كان يرافق الأمير بيازيد قد لعب دوراً مهماً في تأجيج هذا الصراع، وأنه في الحقيقة كان من مناصري الأمير سليم وهذا ما دفعه إلى القيام ببعض المكائد لإظهار بيازيد بمظهر المتمرد العاصي، كما كان يقوم بتحريضه في الوقت نفسه. 569 ورغم أنّ الصدر الأعظم رستم باشا قد أدرك حقيقة هذه المكائد، فقد قرر مراقبة الأحداث في صمت وتنفيذ كل أوامر السلطان، وذلك توجساً مما أصابه سابقاً نتيجة دوره في مقتل الأمير مصطفى، وما جرّه على نفسه من نقمة حينها570.
وفي المحصلة فقد تمكن الأمير بيازيد من جمع قوة عسكرية بلغ عددها عشرين ألف جندي مكونين في معظمهم من الكثير من اللصوص وقطاع الطرق الذين عينهم في قوات الكابى كولو بالإضافة إلى العديد من جنود السكبان571 وحاملي البنادق. ومقابل ذلك فقد اتخذ الأمير سليم بدوره احتياطاته وبدأ بالتحضيرات العسكرية. ولكن على خلاف الأمير بيازيد الذي كان يتحرك من تلقاء نفسه، فقد كان سليم يتصرف وفق أوامر السلطان ويقوم بكل الاستعدادات بمساعدة منه وبناء على تعليماته.
ورغم ذلك فقد كان السلطان يدرك بأن سليم عاجز عن التصدي لبيازيد بمفرده. لذلك فقد أمره بعدم الاعتماد على أفراد مرتزقة مثل بيازيد، بل ضمِّ أفراد يمتلكون مهارات قتالية، يجيدون امتطاء الخيل، بالإضافة إلى استخدام الأسلحة، وتعيينهم كجنود بأجر يومي. ومن أجل تلبية هذه المصاريف فقد أنعم عليه بمنحة مالية قدرها ستمائة ألف أكجة. ورغم كل هذا الدعم فقد واجه سليم صعوبة في حشد قوات عسكرية، وبناء عليه فقد أمر السلطان أميري الأمراء القريبين من قونيا بالاستعداد مع قواتهم والانضمام إلى قوات الأمير سليم. فتوجه أمير أمراء الأناضول جنابي أحمد باشا مع قواته إلى أفيون كارا حيصار، وأمير أمراء ذو القادر علي باشا مع قواته إلى قيصري، بينما سيتحرك كل من فرهاد باشا أمير أمراء قرمان ووالي أضنا رمضان أوغلو بيري باشا، بناء على توجيهات الأمير سليم. بالإضافة إلى المزيد من الإداريين الذي وصلهم فرمان السلطان بهذا الخصوص، وبذلك فقد حوصر الأمير بيازيد في أماسيا داخل طوق محكم.
وللتخلص من هذه الكماشة ومع قيام الأمير بيازيد بمغادرة المدينة، وجمع قواته منطلقاً صوب أنقرة، قرر القانوني بأنه حان الوقت للتحرك ضد بيازيد. فأرسل كلاً من سوكولو محمد باشا وأمير أمراء روميلي إلى قونيا، كما أمر الأمير سليم بالإعداد لمعركته الدفاعية إلى جوار قونيا.
كانت مغادرة الأمير بيازيد لسنجقه وتحركه على رأس قواته، إيذاناً علنياً بالعصيان. ورغم أنّ السلطان القانوني وبسبب الحزن الذي أصابه نتيجة واقعة الأمير مصطفى، قد حاول لوقت طويل الحيلولة دون وقوع هذا النزاع، ولكنه لم يوفق في مسعاه. واضطر لاتخاذ أصعب قرار له كأب، حين قام بمراجعة شيخ الإسلام أبو السعود أفندي للمرة الثانية بخصوص ابن آخر من أبنائه، وقد توجه إليه بالسؤال:
«إن خرج واحد من أبناء سلطان عادلٍ عن طاعته، وقام بحشد الجنود من حوله، وباشر بالقتال على رأس قواته للاستيلاء على البلدات والقلاع، ولم يستمع إلى النصائح على الإطلاق، فهل من الجائز شرعاً قتله وتفريق قواته؟»
وكان ردّ شيخ الإسلام كالتالي:
«الجواب: إنه حلال. وهو مثبت بحسب ما جاء في نص القرآن الكريم. وهو حكم شرعي، وقد أجمع الصحابة الكرام على هذا الرأي. فالسعي لدفع الفتنة والفساد واجب على من يستطيع بالقتال، فإن لم يستطع فبالدعاء والكلام الحق»572.
وابتداء من هذه المرحلة رغب القانوني في متابعة الأحداث عن كثب، لذا أقام خيمته في أوسكوادر في حزيران العام ألف وخمسمائة وتسعة وخمسين. وقبل مضي وقت طويل وقعت معركة حامية الوطيس في قونيا بين قوات الأمير بيازيد، وقوات الأمير سليم الذي تسانده قوات السلطان، كانت نتيجتها هزيمة قوات الأمير بيازيد وفراره من ساحة المعركة، حيث تمكن من الوصول إلى أماسيا برفقة أبنائه مع فرقة صغيرة من قواته.
وقد قام بإرسال مفتي أماسيا محي الدين الجرجاني إلى إسطنبول ليعبر للسلطان عن ندمه، ويطلب منه العفو والسماح على ما أقدم عليه. كما أرفق موفده برسالة جاء فيها «لقد قمت بكل ما قمت به، بتحريض من لالا مصطفى باشا. فهو من دفع بي إلى هذا الطريق». ولكن من المرجح أنّ هذه الرسائل قد تم الاستيلاء عليها من قبل رجال اللالا مصطفى ولم تصل إلى يديّ القانوني573. أما السلطان بدوره فقد بات من الواضح أنه يرغب في تطبيق الفتوى الشرعية على ابنه العاصي الذي تدل الوقائع على عدم مطابقة أقواله لأفعاله، وأنه لا يستحق الرحمة بموجب ما يبيحه الشرع الشريف.
وبناء عليه فقد أمر الأمير سليم وقواته بإلقاء القبض على الأمير بيازيد، فتحرك كل من سوكولو محمد باشا وأمير أمراء روميلي مصطفى باشا والأمير سليم نحو أماسيا، وتحسباً لاحتمال هربه خارج البلاد فقد أرسل السلطان إلى أمرائه الحدوديين رسائل متعاقبة، يأمرهم فيها بمنع الأمير بيازيد من الهرب صوب إيران.
وبينما كان بيازيد ينتظر قرار العفو بدأ يدرك أنّ الأوضاع تنقلب عليه بشكل بالغ الخطورة، وأنه غير قادر على المكوث في أماسيا أكثر من ذلك، لذلك اصطحب أبناءه الأربعة معه وانطلق نحو إيران في السابع من تموز العام ألف وخمسمائة وتسعة وخمسين. ولم يرافقه سوى قوة عسكرية تدين له بالولاء والإخلاص التام. وقد أدركه متعقبوه في موقع حدودي يدعى سعد جوكورو، ووقعت بين الطرفين معركة شديدة الوطأة، ولكن بيازيد استطاع أن يلحق بهم الهزيمة وأن يجتاز الحدود ونجح في الدخول إلى الأراضي الإيرانية.
استقبله حاكم يريفان نظام الدين شاه كولو خان استقبالاً فخماً، وبعد أن أبلغ الشاه طهماسب بالوضع، قام بإرسال الأمير وحاشيته إلى تبريز بناء على الأوامر التي تلقاها منه. حيث تم استقبال الملتجئين وفق مراسم احتفالية مهيبة من قبل الشاه.
وفي الرسالتين اللتين بعث بهما القانوني إلى الشاه طهماسب موضحاً حقيقة عصيان ابنه ومجريات معركة قونيا، كان يطالبه وبناء على علاقات الصداقة بين الطرفين بإعادته وتسليمه، وإلا فستضطر القوات العثمانية المكلفة بإلقاء القبض على الأمير المتمرد، دخولَ الأراضي الإيرانية. وكانت خشية السلطان الحقيقة هي قيام الشاه بتقديم مساعدة فعلية إلى الأمير، وتحسباً لهذه الاحتمالات فقد أمر قوات جيشه بالإقامة في الثكنات العسكرية على طول الحدود.





والدي يا صاحب السعادة!

ومن جهته كان سليم أيضاً يبعث برسائل تراوح لهجتها بين الرجاء والتهديد من أجل الغاية نفسها إلى الشاه طهماسب، ولكن أولى رسائل الشاه إلى القانوني كانت توضح رغبة بيازيد في تشفعه لدى والده، ومن ثم تواصلت المراسلات بين السلطان وإيران وكانت هذه الشفاعة في البداية سبيلاً لتسكين حدة القانوني وغضبه، وإذكاء مشاعر الأبوة لديه مجدداً.
كما أنّ الأمير بيازيد بدوره كان يواصل بعث رسائله إلى والده يرجوه فيها العفو عنه. وفي إحدى هذه الرسائل يخاطب الأمير بيازيد الذي كان يتكنّى بلقب شاهي في أشعاره، والده بأبيات غاية في الرقة والإحساس:
أيا سليمان سلطان العالم ووالدي
وروح الروح بل وأغلى منها يا والدي
كيف لك أن تضحي ببيازيد يا والدي
فأنا البريء والله يعلم يا صاحب السعادة والدي
بجاه الأنبياء وبجاه آدم عليهم السلام
بجاه عيسى وموسى ومريم عليهم السلام
بجاه أشرف الخلق وخير الأنام
فأنا البريء والله يعلم يا صاحب السعادة والدي
وكأنني مجنون باتت الجبال ملاذي
تركت المال والملك وأنا بعيد عنك
أذرف دموع الشوق والحسرة من هذا الفراق
فأنا البريء والله يعلم يا صاحب السعادة والدي
من له أن يخبرك بحالي يا سلطاني الكريم
فقد بت بعيدا عن أخوتي وحالي كحالي اليتيم
وما بقلبي ذرة لعصيانك والتمرد عليك

فأنا البريء والله يعلم يا صاحب السعادة والدي
ألا تعلم أنني البريء أيها السلطان العظيم؟
فكيف لك أن تسفك دمي وأنا لا ذنب لي؟
ألن نجتمع في ديار الحق معاً يا مولاي؟
فأنا البريء والله يعلم يا صاحب السعادة والدي
فبجاه الله تعالى الذي أنعم عليك بعرش العالم
لا تقتلني وتجعل الأعداء يشمتون بك يا مولاي
لا تبعدني عن أبنائي نور عيني وفؤادي
فأنا البريء والله يعلم يا صاحب السعادة والدي
فلتمسك يدي كما كنت تفعل في السابق
ولتعفُ عما مضى فما من عبد لا يخطئ
وأعفُ عن ذنب عبدك بيازيد وارحمه
فأنا البريء والله يعلم يا صاحب السعادة والدي





أعلن التوبة يا بني العزيز

ولم يكن يليق بالسلطان سليمان القانوني بوصفه سلطاناً إلا الردّ بالمثل، حيث ردّ جواباً منظوماً مشحون بعاطفة كبيرة وأسلوب جميل على ابنه:
أيا بني الذي رفع راية العصيان والتمرد
أيا بني الذي لم يضع طوق الطاعة في عنقه أبداً
كيف لي أن أفرط فيك يا بني بيازيد
لا تقل لي إنك بريء بل أعلن التوبة
بجاه أرواح الأنبياء والأولياء الأكارم
بجاه نوح وإبراهيم وموسى وابن مريم
بجاه خاتم الأنبياء وفخر الكائنات والعباد

لا تقل لي إنك بريء بل أعلن التوبة
الأبوّة سنة الله في هذا العالم يا بني
ومن يعصِ قول «لا تقل أفٍّ لهما» يظل يتيماً
والله يدري بمن يعصاه ومن يطيعه
لا تقل لي إنك بريء بل أعلن التوبة
ألا تعلم أنّ الرحمة والشفقة زينة الإيمان؟
ألا تخشى من سفك دماء المسلمين؟
ألا تريد أن تكون من التائبين حين يحين الأجل؟
لا تقل لي إنك بريء بل أعلن التوبة
فقد منّ علي الحق تعالى بأن أكون راعياً لعباده
وأنا أريد أن أهزم مع خرافي ذئاب العدو
حاشا لله أن أقتلك دون ذنب أو خطيئة
لا تقل لي إنك بريء بل أعلن التوبة
لقد وافقت أن أمسك بيديك الغارقتين في الدماء
فإن أعلنت التوبة فسنعفوا عنك
بيازيد سأعفو عن ذنبك إن اتبعت السبيل القويم
لا تقل لي إنك بريء بل أعلن التوبة574.
وبالمقابل فإنّ تواجد الأمير بيازيد في إيران قد زاد من فرص الشاه طهماسب في الحصول على منافع من الدولة العثمانية، حتى تحولت المراسلات بين الحاكمين إلى نوع من المساومة. ولكن سواء بسبب بعض الأحداث التي ارتكبها أفراد من حاشية الأمير المتواجد في منطقة قزوين من جهة، أو القلق الناتج عن رواج الأقاويل حول رغبة الأمير في السيطرة على عرش إيران وما ولّده من شكوك من جهة أخرى، فقد تخلى الشاه طهماسب عن دعمه وبات يميل لفكرة تسليمه إلى موفدي السلطان575.
وفي النهاية وصلت رسالة القانوني إلى طهماسب والتي تحمل الموافقة على دفع مبلغ مالي ضخم جداً مقابل تسليمه الأمير بيازيد إلى رجال سليم. حيث أعلن السلطان أنه سيقدم له تسعمائة ألف ذهبية مقابل تسليم بيازيد وأبنائه، وأنّ سليم أيضاً سيدفع لها ثلاثمائة ألف ذهبية، فيما لو قام بإحضار الأمراء إلى أرضروم من قبل رجال معتمدين، وهناك سيدفع له المبلغ المتفق عليه. وبسبب حل مسألة النقود من جهة، والتوقيع على معاهدة تؤكد على استمرار علاقات الصداقة مع الإيرانيين من جهة أخرى، فقد توجه وفد حاشد إلى قزوين لاستلام الأمير وأبنائه من الشاه طهماسب، وتم تنفيذ حكم الإعدام بحقهم في مكان التسليم على الفور وذلك في الثالث والعشرين من تموز العام ألف وخمسمائة واثنين وستين576.
كان الأمير بيازيد يشبه والده في العديد من طباعه، فهو يحب القراءة، كريم، فاضل الأخلاق، شاعر، ذكي، متواضع، يتحلى بالجرأة والشجاعة، وهذا ما جعل حاشيته تتعلق به وتكن له محبة كبيرة، كما كان يكتب الأشعار متخذا لقب شاهي كما أسلفنا سابقا. وأثناء فترة إقامته في كوتاهيا اجتمع حوله العلماء والشعراء، الذين اعتادوا عقد مجالسهم بحضوره على الدوام. وفي ديوانه المكون من ألف وأربعمائة وثلاثة وأربعين بيتا، نجد قصائد باللغة الفارسية أيضاً. 577
ويشير فيها إلى الصراع الذي خاضه في سبيل السلطة، وطموحه الجامح الذي منعه من الاستماع إلى نصائح والده. كما أنّ هذه الأبيات التي كتبها بعد الهزيمة التي لحقت به وفراره إلى إيران ملتجئاً، توضح أنه شخص من أهل التوكل والإيمان.
أطاحت الآمال والمطامح بقلبي الذي
بات زاهداً عن مفاتن الدنيا عفيفا
يلوذ بالصبر حتى حلول الأجل وقد
أحالت المحن ربيعه قبل الأوان خريفا





التحركات البحرية (1550-1560)

بعد وفاة بربروس خير الدين باشا في العام ألف وخمسمائة وستة وأربعين، استمرت السيطرة العثمانية على البحر المتوسط. وبعد استلام سوكلو محمد باشا منصب قائد البحرية لفترة قصيرة، انتقل هذا المنصب إلى سنان باشا شقيق رستم باشا.
وكان خليفة بربروس وأمير أمراء الجزائر ابنه حسن باشا، ومن ثم تم تعيين صالح ريّس مكانه وهو أحد البحارة الذين تولى بربروس رعايتهم.
أما تورغوت ريّس المتحدر من سنجق مينتيشة578، فقد ذاعت شهرته في الآفاق بسبب شجاعته بينما لا يزال بربروس على قيد الحياة. ورغم أنه وقع في الأسر في إحدى الفترات، لكنه نجا بعد تدخل بربروس وتهديده لبحارة الإمبراطور، ومع سيطرته على قلعة كاستلامار (Castellamar) في خليج نابولي فقد تمكن من الحصول على غنائم وفيرة. ومن ثم تم استدعاؤه من قبل قبطانى دريا سنان باشا إلى إسطنبول، حيث منح سنجق إيتوليا أكارنانيا (كارلي إيلي)579، كما خصصت رواتب لباقي رجاله وحصلوا على العديد من الامتيازات.
ومن ثم قام تورغوت بالسيطرة على قلعة المهدية في تونس، وأبدى شجاعة ومقاومة عظيمة أمام جيش شارلكان الذي ضرب الحصار على هذه القلعة في العام ألف وخمسمائة وخمسين. وفي إحدى المرات قام بإطلاق نيران مدافعه على إحدى سفن البندقية التي صادفها، لأنها لم تنزل أشرعتها توقيرا له ولم تدفع له المال. ما دفع السفير الذي كانت بلاده في حالة سلام مع السلطنة إلى تقديم شكوى لرستم باشا، فقام القانوني على إثر ذلك باستدعائه إلى إسطنبول.
ولكن بسب الخلافات الدائمة بين تورغوت ريّس وشقيق الصدر الأعظم رستم باشا، فقد خشي الريّس التوجه إلى إسطنبول تحسباً لتدابير اتخذت ضده. واستمر في مزاولة نشاطه على سواحل المغرب لما يقارب السنتين مستقلا بنفسه. وحين تقرر فتح طرابلس الغرب (ليبيا)، فقد أرسل إليه السلطان- رغم استيائه من عدم تلبية دعوته سابقاً- مع أمر الاستدعاء مصحفا وسيفاً ذي مقبض ذهبي.
وقد سرّ تورغوت ريّس سروراً عظيماً من هذه الدعوة، فانضم إلى أسطول قبطانى دريا سنان باشا وتمكنوا من فتح طرابلس الغرب في العام ألف وخمسمائة وواحد وخمسين. ورغم الوعد القاطع الذي تلقاه من السلطان القانوني بمنحه حكم طرابلس، فقد قام سنان باشا بعد فتحها، بمنح الحكم فيها لشخص آخر، ما أثار استاء الريّس تورغوت. واصطحب معه بقية بحارته وأراد الانفصال عن قوات السلطان ليعود إلى سواحل المغرب، ولكنه تراجع عن الفكرة بإصرار من سنان باشا ووافق على العودة معه إلى إسطنبول.
وخلال السنوات اللاحقة تمكن تورغوت ريّس من تحقيق العديد من الفتوحات والانتصارات في البحر المتوسط. فقد توالت هجماته على سواحل نابولي وصقيلة، كما قام بحصار قلعة باستيا في كورسيكا580، وقام بالتضييق على السواحل الألبانية ونجح في معاقبتها. وحين عاد إلى إسطنبول بانتصارات وغنائم تفوق كل التوقعات، أراد السلطان أن يكافئ هذا القائد البحري العظيم بسبب المجد والمهابة اللذين أسبغهما على أسطول بلاده، بمنحه منصب أمير أمراء الجزائر.
ورغم أنّ رستم باشا حال دون تحقيق هذه المنحة متذرعاً بأنّ الخدمات التي سيقدمها تورغوت ريّس للسلطنة وهو حرّ من أي التزام سيعود عليها بالنفع أكثر، فقد مثل تورغوت ريّس أمام القانوني ورجاه أن يمنحه حكم ولاية طرابلس، ولم يكن من السلطان سوى تلبية رغبة هذا البحار الشجاع الذي يكنّ له تقديراً بالغا، وبذلك أصبحت طرابلس تحت تصرف الريّس حتى وفاته.
وبعد وفاة سنان باشا، تولى بيالي باشا منصب قائد الأسطول وذلك في العام ألف وخمسمائة وأربعة وخمسين، وقد استمر تورغوت ريّس في التعاون معه خلال الفعاليات والفتوحات في البحر المتوسط. وكانت مهمتهم هذه المرة تقديم المساعدة للأسطول الفرنسي وذلك بعد الجهود الحثيثة التي بذلها أرامون581 في هذا الشأن، والتي أسفرت عن إصدار السلطان لفرمان موجه لقائد الأسطول ينص على الاستعانة بقوات تورغوت ريّس والاستفادة من تجربته وخبراته، والانضمام سوية إلى الأسطول الفرنسي. 582
وقد كان امتنان الملك الفرنسي من قرار السلطان ومساعدته كبيراً، حتى أنه خاطبه في رسالة الشكر التي بعث بها في الثالث من تموز العام ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين بالقول:
«أيها الحاكم بالغ العظمة، عالي الشأن، والمنتصر دوما! يا سلطان المسلمين العظيم! يا صديقنا العزيز والمحترم جداً!»
وبعد الشكر الحار الذي أبداه للسلطان، فقد أبلغه بأنّ الأسطول العثماني ما إن يبلغ سواحل بروزة، سيجد الأسطول الفرنسي في انتظاره، وهناك سيجتمعون مع الأميرالات الفرنسيين للاتفاق حول الخطة التي سيواجهون بها عدوهم المشترك (الإمبراطور) وما إلى ذلك من بقية التفاصيل.
وبالفعل فقد توجه بيالي باشا على رأس أسطوله إلى صقلية، وتمكن من حصار وفتح بعض القلاع على سواحل المتوسط، وفي هذه الأثناء كان أندريا دوريا راسياً على سواحل نابولي مع أسطوله المكون من خمس وستين سفينة، ولكنه ما إن علم باقتراب الأسطول العثماني، حتى ابتعد عن المنطقة. ومع ذلك وكما حصل سابقاً في عهد بربروس، لم يحدث تعاون فعلي مع الأسطول الفرنسي، ما دفع الملك الفرنسي إلى بعث رسالة جديدة للسلطان القانوني في العام ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين، وإزاء فشل محاولته هذه، أرسل إليه يوضح أعذاره ويرجوه ألا يلومه.
وفي هذه الأثناء كانت الجزائر التي يتولى حكمها صالح باشا تشهد بعض الفعاليات والمستجدات، وقد تطرقت الرسائل المرسلة إلى ملك فرنسا إلى هذه الأحداث. والتي بدأت مع قيام أحد زعماء القبائل المحلية المتحالف مع الإسبان بحصار قلعة جزيرة القميرة583، ليسرع صالح باشا إلى هناك ويتمكن من هزيمة الإسبان وطردهم. كما أنّ الأخبار الواردة حول عقد الملك الفرنسي هدنة مع الإمبراطور في منطقة فاسيليس584 لم تقع موقعاً حسناً لدى حليفه القانوني. حيث اعترض على هذه الاتفاقية الموقعة من طرف واحد والتي لم يحضرها ممثل عنه. وقد بادر هنري الثاني على الفور بالتوضيح للسلطان عن طريق سفيره دي لافين، بأنه وافق على توقيع هذه الهدنة من أجل تسهيل تنازل الإمبراطور عن العرش. وفي الواقع ما كان لهذه الاتفاقية أن تطبق في ظل ظروف مغايرة.
وقد كانت هذه الهدنة من جهة، ومطالبة صالح باشا بإرسال أسطول لمساعدته من جهة أخرى، السبب في إرسال السلطان الأسطولَ بقيادة بيالي باشا إلى سواحل المغرب بشكل متعاقب خلال عدة سنوات، وقد أبلغَ ملك فرنسا بهذه التفاصيل في إحدى رسائله التي بعث بها إليه.
وفي الفترة الممتدة بين الأعوام ألف وخمسمائة وستة وخمسين وثمانية وخمسين، قام بيالي باشا بالسيطرة على وهران وبنزرت المحصنتين، كما شن هجوماً مدمراً على جزيرة مايوركا، وعاد إلى إسطنبول دون أن يقابل الأسطول الإسباني. وفي العام ألف وخمسمائة وتسعة وخمسين قام بحملة الأدرياتيكي585.





القوة الصليبية الكبرى

كانت الانتصارات المتوالية التي حققها بيالي باشا في البحر المتوسط، والضربات الموجعة التي وجهها للقواعد الإسبانية في كل عام، سبباً في تفاقم خشية هؤلاء. ما دفع الملك الإسباني فيليب الثاني للإعلان عن تعبئة عامة من أجل الإعداد لحملة صليبية، وأقحم الفاتيكان أيضاً في الحملة، حتى نجح في عقد تحالف معادٍ للدولة العثمانية يضم كلاً من؛ إسبانيا والفاتيكان، فرسان مالطا، نابولي، جنوة وفلورنسا586. حيث قرر المتحالفون أن يقوموا في البداية بفتح طرابلس الغرب التي يتولى حكمها تورغوت ريّس.
أما بيالي باشا ومع حلول الربيع بدأ بالتحرك على رأس أسطوله في سواحل المتوسط وبحر إيجة، للحيلولة دون هرب الأمير بيازيد بحراً، بعد إعلانه التمرد وهزيمته في معركة قونيا، وعلى إثر تلقيه أخباراً تفيد بتوجه الأمير الفار نحو الشرق، أبحر الباشا نحو سواحل المورا، وتمكن من السيطرة على أسطول صغير للعدو صادفه بالقرب من سواحل مودون587. وحصل على معلومات من طاقهما- الذي كان ينوي الانضمام إلى القوات الصليبية- حول آخر تحركات العدو، فعلم أنّ قراصنة مالطا على وجه الخصوص يشعرون بقلق عظيم، وقد انخرطوا في جهود حثيثة من أجل إلحاق الهزيمة بالأتراك، كما أعلمه قائد الأسطول الأسير بأنّ كل الدول المسيحية قد استجابت لهذه الدعوة، وبدأت الاستعداد من أجل تشكيل أسطول صليبي ضخم.
وقد استغل هؤلاء خلافات الأشراف العرب مع تورغوت ريّس، فقاموا بالتواصل مع قسم منهم، وكان أول أهدافهم إنهاء سيطرة الأتراك على طرابلس الغرب.
وعلى الفور أرسل بيالي باشا تقريراً بهذه الأخبار إلى إسطنبول، فجاءته الأوامر بشن هجوم على أسطول العدو إن اقترب من تلك الأرجاء. كما تم تجهيز عشر سفن كاردغة إضافية وأرسلت إليه، وبذلك وصل عدد السفن التي تتحرك تحت إمرته إلى ثمانٍ وتسعين سفينة.
ومن هناك توجه الباشا إلى سواحل فلوره، وأخذ في مراقبة تحركات الأسطول الصليبي الذي كان يستعد للتوجه إلى جزيرة جربة وطرابلس، وقد تسبب وصول الأسطول العثماني إلى المنطقة، في إثارة قلق العدو، ما دفعهم إلى تأجيل تحركاتهم والانسحاب. وعلى إثر ذلك ومع انقضاء موسم الحملات، وقدوم فصل الشتاء، عاد الأسطول العثماني بدوره إلى إسطنبول.
وبالمقابل لم يتفرق الأسطول الصليبي، ولم تعد فرقه البحرية إلى بلدانها، فقد رسوا في إحدى قواعدهم البحرية القريبة من طرابلس الغرب لقضاء الشتاء، مقررين الانطلاق مجدداً في شهر شباط.
كانت معركة بروزة لا تزال ماثلة في ذاكرتهم، لذا كانوا يتحركون وسط حذر وقلق شديدين، حتى لا يفضي بهم التصادم مع القوات العثمانية فوق مياه المتوسط إلى فاجعة جديدة. وفي حال تمكنوا من إلحاق الهزيمة بتورغوت ريّس في جربة والقضاء على قواته، سينجحون في التخلص من خصم قوي، كما وسيغدو طريق تونس وطرابلس الغرب مفتوحاً أمامهم. وفي حال تمكنوا من الحصول على تأييد العرب، فستغدو إمكانية استرداد الأتراك لهذه المناطق منهم ضرباً من المحال- كما كانوا يخططون. وبالتالي سيتمكنون من التصدي بشكل أقوى للهجمات السنوية التي كان الأسطول التركي يشنها على سواحلهم.
كان الصليبيون يفكرون وفق استراتيجية عسكرية صحيحة، ففي حال السيطرة على جربة الواقعة بين كل من تونس وطرابلس، سيغدو بمقدورهم التحكم بصورة أفضل على كلا البلدين، وسيكون هدفهم الثاني هو طرابلس الغرب الخاضعة لحكم تورغوت ريّس. وقد كانوا حريصين على تطبيق خططهم وفق سرية بالغة.
انطلق الأسطول الصليبي مع بداية شباط من سواحل صقلية، متجهاً نحو سواحل جربة المحاذية لخليج قابس (سرت الصغير) القريب من طرابلس الغرب. وكانت قواته تضم ألف جندي تركي، وبضعة آلاف من الجنود العرب المتطوعين، بينما كان تورغوت ريّس على رأس القوات الأساسية يتحصن في طرابلس، بعد أنّ تحققت تواقعاته في أنّ القوات الصليبية تخطط لشن حملة عليه. وفي السابع من آذار العام ألف وخمسمائة وستين بدأ الحلف الصليبي إنزال قواته الحاشدة على شاطئ الجزيرة، ولكن المدافعين الذين أبدوا مقاومة ضارية لمدة خمسة أيام متتالية، أدركوا أنهم غير قادرين على التصدي لهذه الجموع العسكرية الضخمة، فانسحبوا في الليلة الخامسة من الجزيرة، ونجحوا في الوصول إلى طرابلس والانضمام إلى تورغوت ريّس.
وبذلك تمكن الصليبيون من السيطرة على القلعة في الثاني عشر من آذار فبادروا بتدميرها على الفور، والشروع في بناء حصن منيع مكانها، ليغدو أقوى القواعد العسكرية خلال حملاتهم على سواحل شمال أفريقيا. وقبل التوجه إلى طرابلس الغرب، أرادوا التحقق من تحركات الأسطول العثماني ووضع الخطط بناء على التطورات المستجدة، وكانوا يعتبرون أنفسهم في موقع أكثر تفوقاً بعد أن كسبوا الجولة الأولى، ورغم ذلك فمن الواضح أنهم كانوا يخشون هجوم الأسطول العثماني عليهم أثناء توجههم نحو طرابلس588.
وعلى إثر المعلومات التي اطلع عليها تورغوت ريّس من السفينة الفرنسية التي استولى عليها، قام بإرسال أولوج علي ريّس إلى إسطنبول على وجه السرعة لإبلاغهم بتحركات الأسطول الصليبي.
وقد أحدثت هذه الأخبار لدى وصولها إلى إسطنبول أسفاً عميقا، فأصدر السلطان سليمان القانوني أوامره إلى بيالي باشا بتجهيز الأسطول المكون من مائتي سفينة حربية بكامل العدة والعتاد حتى حلول الربيع. وفي الردّ الذي أرسله إلى تورغوت ريّس، أوضح له بأنّ الأسطول يتم استعداداته، وسينطلق مع حلول الربيع، كما أبلغه بأنه أرسل أوامره إلى الشيوخ والزعماء العرب في المنطقة لتقديم العون له في حال تعرض لهجوم العدو قبل وصول الإمدادات إليه.
وهذا ما كان بالفعل، فقد أسرع السلطان القانوني بإرسال الهدايا والرسائل إلى كل الشيوخ المتنفذين والمرابطين في شمال أفريقيا، وقد اختار لتنفيذ هذه الوظيفة بالغة الأهمية سعيد ريّس الذي ولد في تلك الأنحاء ويتقن التحدث بالعربية، فصعد مع الجنود الموضوعين تحت إمرته إلى السفينة التي أرسلها تورغوت باشا وفتح أشرعتها صوب طرابلس.
وقد أكدّ السلطان القانوني في رسائله إلى الشيوخ والمرابطين العرب أنّ التحالف مع أعداء الدين والقتال إلى جوارهم يعد أكبر المساوئ التي سيلحقونها بالدين الإسلامي، وخاطبهم بالكلمات التالية:
«أنتم رجال حققتم فتوحات عظيمة، كما أنّ أجدادكم وأسلافكم من خيرة العلماء والصالحين الذين تلقى دعواتهم القبول. أتيتم لدرء الفتنة والعداوة، ورضيتم في سبيل الجهاد لوحدة بلاد الإسلام بقربة ماء وحفنة زاد، أنتم الحامدون الشاكرون، المؤتمنون على علم أبي الدرداء، المجاهدون الذي يفترشون حصيرة في قيظ الصيف وقسوة الشتاء. والمؤمنون بوصايا الأنبياء والملتزمون بسيرهم منذ الأزل. وقد سألت عنكم رجالي وأصدقائي ممن انشغلوا في دياركم بتعمير البلاد والذود عن دين الحق، وعلمت أنّ أهالي جربة على وجه الخصوص لم يحاربونا على الإطلاق. وكانت تصلنا منهم على الدوام رسائل ودية تعبر عن الولاء.
فيا عباد الله المختارين، لو أنكم أطلعتموني حال نشوب خلاف بينكم وبين جنودي، بسبب تحالفكم مع الأعداء، أما كنت سأحلّ الخلاف بينكم؟ ذلك أنّ خشية الله تعالى يوم الحساب ستدفعني للنطق بالحقيقة وسأقول له: لقد بعثت إليهم بالخلع وقمت بإسداء النصح لهم، ولكنهم اختاروا العدو، ولم يثقوا بكلماتي. فأين ذهبت همتكم في سبيل الله سبحانه وتعالى، وكيف لك أن تتركوا شريعة الرسول الكريم وسننه، وتضعوا يدكم في يد أعداء الدين والله؟ فما يليق بمثلكم هو العودة إلى أوامر جناب الحق، وسنة رسوله الشريف وشرعه، وأحكام علماء الدين وشيوخه، والوقوف إلى جانب سلطان المسلمين المهيب، صاحب القوة والعظمة». .
حين وصل سعيد ريّس إلى مدينة تاجوراء589 القريبة من طرابلس كان الأسطول المسيحي قد بلغ رأس مليح، فيما كان تورغوت باشا يقيم في جزيرة جربة، وكان وضعه في غاية الحرج بسبب ملاحقته من قبل بعض خصومه من زعماء العرب، وكان يبذل قصارى جهده من أجل عبور الجسر والانتقال إلى طرابلس بأسرع وقت ممكن. وحين علم بوصول سعيد ريّس محملاً بالهدايا والرسائل المبعوثة إلى أعيان المنطقة، خمّن على الفور نوايا السلطان العثماني، وأدرك وجوب تحسين علاقاته مع العرب والتقرّب منهم.
وقد حاول سعيد ريّس ومرافقوه بما حملوه من أخبار أن يقنعوا الأعيان العرب بطيب الكلام وحسن المعاملة، حتى تمكنوا من جمعهم والاجتماع بهم، وقدموا لهم الخلع التي أرسلها السلطان ووزعوا عليهم الهدايا، وتجاوزوا بذلك العداء. أما شيوخهم المحنكون، وبعض من أمرائهم العقلاء فقد تأثروا كثيراً وهم يستمعون للأوامر الواردة من الديوان الهمايوني، وأعلنوا قائلين:
«لقد أحسن السلطان سليمان القانوني الغازي القول. ولا يجوز لنا أن نبدّل الفناء بالخلود، ولا الدنيا بالآخرة، ولا أن نؤثر مفاتن الدنيا على الدين القويم. فلنرجع كلنا عن هذا العمل المشين». . وأعلن كل منهم قائلاً «لقد أعلنت التوبة والعودة للحق» كما أبدوا اعتذارهم واستغفروا الله على ذنوبهم.
وقد كان لهذه الكلمات وقع بالغ الأثر على المرابطين والشيوخ المتواجدين معهم، فأعلنوا بدورهم:
«طالما أنّ سلطان الأوان وخليفة العالم قد استند لآيات الله الكريمة، وأحاديث رسوله العظيم وشرعه، راغباً في صداقتنا ودعواتنا نحن العباد العاجزين، فنحن من اليوم وصاعداً رعاياه المطيعون لوصايا قلباً وقالباً، نحن أصدقاؤه والعباد المؤتمرون بأمره. ولم نكن نعلم قبلاً أنّ جناب السلطان صاحب السعادة، كان يهتم بأحوال عباد هذه البلاد ويسأل عن أوضاعهم، وها قد اطلعنا الآن على أوامره السنية، وأدركنا حقيقة موقفه، فمن اليوم نحن حلفاء تورغوت باشا، لا نحيد عن كل ما يأمرنا به». .
ولم يتأخروا عن إبلاغ الإسبان بحقيقة قرارهم، وتغير موقفهم، حيث أعلنوا لهم:
«من الآن فصاعداً لا تنتظروا منا أي عون، فذلك يتنافى مع مبادئ ديننا. وكل ما جرى سابقاً هو أنّ بعضاً من الجهلة والطامعين قد ضلوا جادة الصواب وحادوا عن الحق». .
فنحن المطيعون لحكم السلطان بن السلطان
عباده ورعاياه الذين نفتدي بالروح ابن عثمان
ومن جهته فإنّ بيالي باشا الذي أمضى فصل الشتاء في إتمام التحضيرات، انطلق مبحراً في الرابع من نيسان العام ألف وخمسمائة وستين، بعد المراسم الرسمية التي أقيمت في بشيكتاش أمام ضريح بربروس خير الدين باشا.





على طريق جربة

حين بلغ الباشا جزر أوينوسيس590، وصلت فرقاطة من قبل تورغوت باشا، لتخبرهم بأنّ الأسطول الصليبي على وشك شنّ الهجوم على مدينة طرابلس. ومن أجل الاطلاع على أحوال العدو قام بيالي باشا بإرسال أولوج علي ريّس إلى سواحل البندقية.
وقد صادف أولوج علي ريّس أثناء مهمته سفينة ضخمة من سفن العدو، ونجح في السيطرة عليها بعد صراع شديد وقع بين الطرفين، وأسر خمسين من جنود العدو الذين كانوا على متنها، كما غنم ثلاثة مدافع برونزية تطلق نيران قوية، بالإضافة إلى ثلاثة وأربعين مدفعاً طلقاتها أشدّ من الصواعق.
عاد أولوج علي ريّس إلى بيالي باشا مع السفينة التي غنمها، فاستقبلوه وسط فرحة عارمة، واعتبروا الأمر بشارة خير، فتوجه الكل بالحمد لله تعالى. فيما أرسلت السفينة التي تمت السيطرة عليها إلى إسطنبول.
ومن هناك انطلق الأسطول العثماني صوب خليج كورون، ليلتحق بهم حاكم سنجق جزيرة ميديللي (لسبوس)591 مصلح الدين مصطفى بيك مع أسطوله، حيث تبادل الطرفان أثناء عملية الانضمام التحية عبر طلقات المدافع، وارتفعت البيارق الملونة، ودقت الطبول والنقارات، وعلّت أصوات الحمد والتكبير، وقدمت العروض والاحتفالات.
وحين وصلوا أمام قلعة مودون، انضم إليهم هناك كورد أوغلو أحمد بيك والي سنجق رودس مع سفنه. وأثناء اللقاء علت مجدداً أصوات التكبيرات والتوحيد حتى طغت على أصوات طلقات المدافع، وأمضى المجاهدون أيامهم وسط سرور وحماس عظيمين.
وبعد قضاء عدة أيام في الجزيرة، حيث أجريت إصلاحات طفيفة على السفن، واستكملت النواقص من المؤونة والعتاد. قام بيالي باشا بإرسال كورد أوغلو أحمد بيك إلى ميناء أنافيرين (Anaverin)، فيما توجه في الأول من أيار العام ألف وخمسمائة وستين على رأس أسطوله الأساسي إلى جزيرة مالطا.
وعلى الفور أنزل قواته على شواطئ جزيرة مالطا الصغرى (جوزو)592، وخلال وقت قصير تمكنوا من اغتنام الكثير من الأموال والأسرى، وقد أعلمهم هؤلاء الأسرى بأنّ الأسطول الصليبي لا يزال منتظراً في قلعة جربة، فأرسل بيالي باشا إلى تورغوت ريّس يخبره بالتوجه إلى سواحل جربة لملاقاته، كما سار هو أيضاً نحو العدو دون إضاعة المزيد من الوقت.
وبعد إبحار استمر ليومين وليلتين في عباب البحر، وصل إلى جزيرة قرقنة القريبة من جربة ورسا بسفنه فيها، وفي اليوم التالي أخذت السفن تستعد لبدء المعركة.
وما أن تحرك الأسطول العثماني حتى انتقلت الأخبار من مالطا إلى جربة، لتعلم أسطول التحالف بأنّ بيالي باشا يسير نحوهم.
وعلى إثر هذه الأخبار قام الأسطول الصليبي أيضاً باتخاذ استعداداته دون تأخير، وفتح أشرعته ليبحر مبتعدا عن سواحل جربة حوالى ثمانية أميال، للنجاة من هجوم مفاجئ.





ما الحياة إلا ليوم كهذا اليوم

كانت تلك الليلة تحمل قيمة استثنائية بالنسبة للجنود العثمانيين، فقد كانت ليلة البراءة (ليلة النصف من شعبان)، وقد قاموا بإحيائها على متن سفنهم حتى ساعات الصباح في التسبيح والتهليل وترديد الأذكار.
ومع حلول الصباح كانت أعظم قوتين بحريتين في العالم تقفان متواجهتين. ضم الأسطول العثماني إلى جانب بيالي باشا القبطانى دريا المحنك الذي يمخر عباب البحار منذ أربعة أعوام دون هوادة، مجموعة من أفضل القباطنة والبحارين الذين ترعرعوا ونشؤوا على يد بربروس وأخوته، وكانت تجمعهم روابط وثيقة وتفاهم عميق، يرومون تحقيق هدف واحد؛ وهو محو العدو بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وقد نظم بيالي باشا سفنه وقواته البحرية على شكل هلال، واتخذ موقعه في المركز، على الميسرة كان كورد أوغلو مصلح الدين مصطفى بيك والي سنجق ميديللي وقواته، وكان مصطفى بيك قد تولى سابقاً قيادة أسطول القانوني أثناء فتح جزيرة رودس قبل تسعة وثلاثين عاماً، أما على الميمنة فقد كان شقيق مصطفى بيك ووالي سنجق رودس كورد أوغلو أحمد بيك يترأس قواته، أما سيدي علي ريّس الذي قاده ميسرة القوات البحرية أثناء معركة بروزة، فكان يقود الأسطول الاحتياطي، إلى جانب العديد من قادة الأسطول مثل؛ أولوج علي ريّس، غضنفر ريّس، ديلي جعفر ريّس وعلي بيرتك ريّس وسواهم من البحارة المحنكين.
أما الأسطول الصليبي المتشكل نتيجة جهود حثيثة بذلها الملك الإسباني فيليب الثاني لإنزال ضربة قاصمة بالتفوق العثماني البحري، والذي شارك فيه إلى جانب الفاتيكان كل من جنوة، فلورنسا، مالطا، صقلية ونابولي، فكان مكوناً من مائتي سفينة تحت قيادة جيان أندريا دوريا، وهو ابن أخي القائد البحري الشهير أندريا دوريا الذي اشتبك مع بربروس في معركة بروزة، أما عمه أندريا دوريا الذي كان قد بلغ من العمر أربعة وتسعين عاماً، فقد كان يقيم في جنوة منتظراً وصول أخبار انتصار ابن أخيه، ولكنه ومع تلقي أخبار الهزيمة رقد على فراش الموت.
ومن ضمن قادة الأسطول الصليبي المشهورين، قائد أسطول الفاتيكان المير بلامينو أورسيني، قائد القوات المالطية جويلامو، قائد أسطول جنوة جيغالا، قائد أسطول صقلية دونجوان دي كاردونا، قائد أسطول نابولي دون برانجي دو ريكينس. وكان عدد قواتهم على متن السفن ثلاثين ألف جندي. وقد اتخذ الأسطول الصليبي وضعية الحرب البحرية المفتوحة.
وفي سبيل رفع معنويات جنوده، فقد لجأ بيالي باشا إلى كل السبل، حيث خطب فيهم ليزيد من حماستهم:
«اليوم هو اليوم الموعود، وما الحياة إلا ليوم كهذا اليوم، وإن كان القصد هو كسب مرضاة الله سبحانه وتعالى، فها هي الفرصة أمامنا. كما أنّ همة السلطان معنا في هذا السبيل. فليكن جناب الحق العلي في عوننا»593.





النصر البحري العظيم

في الرابع عشر من أيار العام ألف وخمسمائة وستين، بدأت السواحل التونسية ترتجّ على وقع طلقات المدافع، ومع بدء مناورات الأسطول العثماني، والتي كان من الواضح أنها تهدف إلى القضاء بشكل كلي على أسطول العدو، سيطر ذعر هائل على هؤلاء حيث اختفى قائد الأسطول وبدأ كل واحد من بقية القادة يتصرف من تلقاء نفسه، فتراجع قسم منهم نحو جزيرة جربة للاحتماء بقلعتها، أما قوات جيان أندريا دوريا فقد أبحرت مبتعدة.
وحين رأى بيالي باشا حالة الفوضى التي عمت الأسطول الصليبي، قام على الفور بتقسيم أسطوله إلى قسمين، فكلّف كلا من كورد أوغلو إبراهيم بيك، وعلي بيرتيك بيك مع قواتهما بقطع الطريق على الفارين إلى القلعة للاحتماء بها، والقضاء عليهم. أما هو وبقية القباطنة الذين تحت أمرته فقد انطلقوا لإنزال الضربة القاضية ببقية سفن العدو.
وبالفعل فقد انطلقت السفن العثمانية وعلى رأسها سفينة بيالي باشا نحو سفن العدو الهاربة، فكانت تصوب نيران المدافع على بعضها لتغرقها في قاع البحر، أو تحاول السيطرة عليها بواسطة السقالات، وهكذا فقد هلك أسطول العدو بمعظمه ذلك أنّ السفن التي لم تغرقها نيران المدافع، تمت السيطرة عليها أو انجرفت نحو الشاطئ، وكانت النتيجة نصراً بحرياً مؤزراً لصالح الأسطول العثماني، بعد النصر العظيم الذي حققوه من قبل في بروزة.
وعلى الفور علت هتافات البحارة العثمانيين لتبلغ عنان السناء، وهي تحمد الله وتشكره على هذا النصر المبين. وأثناء الاحتفالات والفرحة العارمة التي عمت الجميع، كان المجاهدون العثمانيون يسجدون لله حمداً وتسبيحا.
أما خسائر العدو فقد كانت مريعة، حيث غرقت سفن قادة أسطول إسبانيا والفاتيكان، وباتت سفن أميرالات كل من جنوة، نابولي وصقلية تحت يد العثمانيين. وكان مجموع ما تم إغراقه من السفن ستاً وأربعين سفينة حربية؛ عشرين منها كادرغة، وستاً وعشرين بارجة. بالإضافة إلى إغراق أربع وعشرين سفينة حمولة. أما البقية فقد أبحرت هاربة نحو شواطئ إيطاليا وإسبانيا وهي متداعية وشبه مدمرة، بينما تمكن قسم منها دخول قلعة جربة.
وبالنسبة إلى أعداد القتلى في قواتهم، فقد زادت عن العشرين ألفاً. أما الأميرال جيان أندريا دوريا وبعد السيطرة على سفينته، فبالكاد استطاع النجاة وهو جريح وفي حالة يُرثى لها، بعد أن رمى بنفسه في قارب عادي، وقد شاركه نائب ملك صقلية ودوق ماديناسيلي المصير ذاته فبالكاد تمكنا من الهرب.
وكان ابن الدوق دون غاستون، وقائد الأسطول الصقلي دونجوان دي كاردونا، قائد أسطول نابولي دون برانجي دو ريكينس ودون ألفار دي ساندي وسواهم الكثير من أهم قادة الأسطول الصليبي والنبلاء من بين الأسرى.
ومقابل هذه الخسائر المريعة للسفن والجنود في صفوف التحالف الصليبي، كانت خسائر الأسطول العثماني متدنية إلى حد لا يُذكر، حيث غرقت بعض سفن الأسطول الصغيرة، بينما لم يتجاوز عدد الشهداء الألف. وبالطبع فإنّ تقييم النتائج التي تم تحقيقها في معركة بحرية مفتوحة من هذا النوع، دليل واضح على مدى عظمة الأسطول العثماني وأهمية النصر الذي تم تحقيقه.
وقد قام بيالي باشا بتدوين مجريات معركة جربة بتفاصيلها، وكيف تمكنوا من تمزيق أسطول العدو، وعدد السفن التي غرقت، وتلك التي تمت السيطرة عليها، بالإضافة إلى خسائره القليلة مقارنة بخسائر العدو الفادحة، منوهاً بفضل السلطان ونعمة النصر التي أسبغها عليهم الله القوي العزيز. كما أوضح أنه سيبذل كل ما في وسعه من أجل السيطرة على حصن جربة، ولن يعود دون تحقيق هذا الهدف، طالبا من السلطان إغاثتهم بالدعاء، كما دوّن استدعاءه لعبده المطيع ورفيقه المخلص نصوح آغا، ليسلمه الرسالة من أجل إيصالها إلى السلطان594.





أمام حصن جربة

بلغ تعداد الصليبيين الذين التجؤوا إلى قلعة جربة بعد الهزيمة التي لحقت بهم مع مدافعي القلعة تسعة آلاف جندي. وكانت الأوامر التي تلقوها من الملك الإسباني فيليب الثاني حاسمة في هذا الشأن؛ والتي نصت على عدم تسليم القلعة حتى سقوط آخر شخص فيهم. وكانت حامية القلعة تحت قيادة الجنرال الإسباني دون ألفارو دي ساندي.
كان الإسبان خلال الفترة السابقة قد تمكنوا من تحصين القلعة بصورة محكمة، حتى غدت أقرب من حيث التكنيك الدفاعي إلى قلعة رودس التي تمتاز بخصائصها الدفاعية على بقية الحصون. فقد أنشؤوا حولها تحصينات دفاعية من الجهات الأربع، فقاموا بقطع أشجار نخيل عالية وطويلة الجذوع ونصبوها بمحاذاة الجدران من كافة الأطراف وملؤوا الفراغات التي تتوسطها بالتراب، وبذلك تشكلت طبقات من الجدران الطينية، تسطيع صدّ طلقات المدافع المعادية التي ستغرق وسط طبقات التراب الناعمة ذات القوام العجيني دون أن تصيب الجدران الحجرية بأي ضرر، حتى أنّ القذائف الحجرية حين تدخل بين هذه الطبقات ستقوم بتقويتها ودعمها بدل من دكّ الجدران. كما قاموا بوضع صفائح وسلاسل معدنية فوق الأبواب والجدران، حتى لا تخترقها قذائف المدافع والسهام وسواها، وخزنوا مؤناً ومحاصيل تكفيهم لعامين كاملين.
وقد تقاطر على القلعة أكثر المتطرفين والحاقدين على الأتراك والمسلمين من كل الدول الأوروبية وإسبانيا، وقد كانوا مجموعة من العزّاب الذين شغلت الحروب معظم سني حياتهم، يمثلون بؤرة العداوة ورمزاً للحقد والعناد، وكانوا لا يظهرون الاحترام سوى للصليب، ملتزمين بخوض الحروب ولبس الدروع، لا يعرفون الرحمة أو الرأفة، وقد تعاهد كل واحد منهم على قتل خمسة عشر تركياً على أقل تقدير، لذا فإن هذه الوحدة القتالية كانت تمثل الحامية الحقيقية للقلعة. كما أنّ الهاربين من المعركة البحرية ممن التجؤوا للقلعة، كانوا منضوين في الخطوط الدفاعية، يعملون ليل نهار لتعزيز التحصينات، وقد قاموا بنقل المدافع وبقية الذخائر من على متن السفن التي تمكنت من النجاة ونصبوها على جهات القلعة الأربع التي غدت محصنة على كل المستويات595.
وكان إنزال بيالي باشا قواته العسكرية، إيذاناً ببدء الحصار. حيث قام تورغوت ريّس الذي وصل في اليوم الثالث من تحقيق الانتصار، بإرسال مبعوثيه إلى فرسان ومشاة القلاع المجاورة، وسرعان ما اجتمعت قوات كل من قفصة، صفاقس، سوسة، طرابلس خلال خمسة إلى عشرة أيام في المهدية، بالإضافة إلى جنود كل من الحمامات والمنستير، وأبطال تاجوراء وما يجاورها من المناطق.
ومع وصول قوات تورغوت ريّس بات الحصن محاصراً من جهاته الأربع، حيث اصطف الأمراء وقواتهم على إحدى الجهات، يليهم طوابير الإنكشاريين، فقوات العزّاب والقباطنة إلى جانب قوات تورغوت ريّس. وعلى وجه السرعة تم رفع المتاريس وحفر الخنادق596.
ومع بناء العثمانيين للمتاريس ونصب المدافع، بدأ مدافعو القلعة بالخروج لشن هجمات مفاجئة وشديدة متبعين المبدأ القائل «الهجمات المفاجئة يصعب التصدي لها». وإزاء هذه الهجوم اللامتوقع ساد التخبط لوهلة بين صفوف جنود السلطنة، وأصبح من احتمى منهم بالخنادق في وضع بالغ الحرج. وبعد برهة من الاضطراب، بدأ الغازون ينادون «حي على الجهاد» وانتقلوا إلى وضعية الهجوم. حيث حمل آغا الإنكشارية رافعاً راياته مع جنوده حملة قوية على العدو، وقد هبّت بقية الفرق العسكرية لنجدته دون تأخر.
ومع هتافات «الله الله» ووسط الحماس الذي خيّم لم يعد أحد يشعر بالخوف أو يحسب للموت حساباً، وبات الجميع مستعدين للتضحية بأرواحهم. فتداخلت الصفوف وارتطمت كالجبال، واستمر الهجوم على أشدّه لساعتين متواصلتين ولأنّ جنود العدو كانوا مدججين بالدروع من رؤوسهم وحتى الأقدام، فقد كان من الصعوبة بمكان أن تخترق أجسادهم السهام أو ضربات السيوف. أما الجنود العثمانيين الذين كانوا يعتمدون الدبّوس والسيوف فلم يتمكنوا من قتل جنود العدو سوى بإنزال ضربات قوية على رؤوسهم. وأخيراً بعد أن خسر العدو ما بين خمسمائة إلى ستمائة من جنودهم ولحقت بهم الهزيمة، انسحبوا مسرعين للاحتماء بالقلعة مجدداً.
ورغم ذلك فلم تتضعضع معنوياتهم، حيث تمكن قادتهم من رفع حماستهم مجدداً من خلال خطابات تحفيزية أخبروهم فيها بأنّ الملك سيستضيفهم وسيغدق عليهم الكثير من العطايا والنعم، وأنّ الشعب الإسباني سيستقبلهم متهللاً استقبال الأبطال، ما أعاد لهم الحماسة.
وفي اليوم التالي عاودوا الخروج من القلعة بقوات أكبر عدداً وقوة، ولكن العثمانيين كانوا مستعدين هذه المرة. ونشبت بين الطرفين صدامات بالغة الضراوة، وتبادلا نيران البنادق وقذائف المدافع، وامتشقت السيوف وانهمرت السهام المتعاكسة مغطية السماء.
وقد شارك صناديد تورغوت ريّس أيضاً في هذه المعركة، وقاتلوا دون هوادة وأبدوا بطولات عظيمة. وكان جنود العدو يقاتلون على وقع الطبول وأبواق، فيما فرقة الميهتار تردد مارش الهجوم الذي يلهب نفوس العثمانيين بالحماس والحمية. فتشابكت سنابك الخيول وعلت صيحات الفرسان، وتطايرت الرؤوس كقذائف المدافع، وتمكن الأتراك من تمزيق أجساد العدو الغارقة في الدروع بواسطة الرماح والدبابيس والسيوف.
وبعد ثلاث ساعات من القتال العنيف، خسر المدافعون مجدداً ما بين خمسمائة إلى ستمائة من جنودهم، ليعودوا إلى القلعة التي لم يخرجوا منها مرة أخرى.





العزيمة الأقوى

استمرت المواجهات الدموية العنيفة التي بدأت بين الطرفين في اليوم الثالث من رمضان العام تسعمائة وثمانية وستين هجرية (الثامن عشر من أيار العام ألف وخمسمائة وواحد وستين)، لثمانين يوماً.
جرت خلالها هجمات بحرية، وحملات هجوم عمومية من البر، بالإضافة إلى معارك جانبية استخدمت فيها أبراج عالية وحفرت الأنفاق المفخخة.
أما مدافعو القلعة فقد استمروا برمي القذائف المدفعية وإطلاق نيران البنادق طوال أيام متتالية للدفاع عن القلعة، وبالمقابل فقد واجه العثمانيون الجهات التي كانت تنطلق منها القذائف بإطلاق كثيف من مدافعهم، فكانت الكثير من الأبراج تنهار مع المدافع المنصوبة عليها، وكانت هذه الاشتباكات تستمر لأيام عديدة.
ومع اقتراب نهاية شهر رمضان كانت الخنادق قد حفرت، والمتاريس تتقدم صوب الأسوار دون توقف. وفي أولى ليالي عيد الفطر استمرت الاشتباكات بين الأبطال العثمانيين الذي أرادوا تجفيف آبار العدو من جهة، وقوات حامية القلعة من جهة أخرى حتى ساعات الصباح، حيث كانت المجريات تنقلب رأساً على عقب مع كل مجموعة جديدة من الأجساد التي تتساقط من كلا الجانبين، وأخيراً مالت موازين النصر لصالح العثمانيين، واضطر جنود العدو للتخلي عن مواقع حراسة آبار مياه الشرب والهرب، وعلى الفور تم ردم هذه الآبار.
كان الوضع يزداد سوءاً بالنسبة للمدافعين مع مرور كل يوم جديد، فبدأ كل من لاحت له الفرصة يسلك سبيل الهرب، بسببٍ من نقص الموارد الغذائية وشحّ المياه.
وقد تمكن في هذه الأثناء شعبان ريّس أحد القباطنة الأتراك الذي أسره العدو جريحاً، من النجاة والهرب، وأوضح لهم بأنه من دون تحطيم سفن العدو الراسية أمام القلعة، فليس من الممكن السيطرة عليها. ذلك أنّ هذه السفن قد ظلت خارج الحصار، وبالتالي كان المدافعون يلجؤون إلى هذه الوجهة في أوقات القيظ الشديد والحرارة العالية.
ولكن ضحالة المياه في الميناء، والسفن المرصوصة إلى جوار بعضها البعض والتي تحميها سلاسل معدنية مربوطة لصواريها، كانت تحميها من هجمات الفاتحين، الذين كانوا يضطرون في كل مرة يحاولون فيها فكها وإبعادها عن بعضها البعض، إلى التراجع تحت كثافة نيران البنادق والمدافع المنهمرة عليهم من أسوار القلعة.
وعلى إثر ذلك تقرر اتخاذ تدابير جديدة لقطع هذه السلاسل والاقتراب من السفن، ومن أجل هذه المهمة تم تحضير سفن صغيرة تستطيع التحرك بخفة والإبحار في مساحات ضيقة، ونصبت على مؤخراتها مدافع لضرب القلعة. كما زودت بتروس منيعة لحماية الجنود الذين على متنها. وأنيطت إلى قائد كل سفينة مهام بالغة الأهمية. كما رافقهم أمهر رماة السهام والقناصة. وبعد إقامة صلاة الفجر في ثاني أيام العيد، سارت الصنادل والقوارب نحو سفن العدو وسط أصوات الدعاء.
أما المدافعون في القلعة فقد أسرعوا نحو الأبراج والكوى ما إن رؤوا ما يحصل، وكانت طلقات المدافع والبنادق التي صوبوها من الكثافة حتى بدا وكأن المجاهدين يجذفون وسط بحر من النيران، ورغم ذلك لم يبد عليهم أي اضطراب بل أكملوا الإبحار نحو السلاسل التي قاموا بقطعها. وهنا بدأ الطرفان في تبادل غزير لنيران المدافع والبنادق. وخلا قذائف والطلقات التي كان العدو يصوبها على المجاهدين، بدأت سفنهم أيضاً بشن هجوم عنيف. أما المجاهدون فكانوا يحاربون في شغف وحبور أقرب لرقص النسوة في الأعياد والأعراس، وقد استشهد العديد منهم، بينما تكلل الكثيرون بالمقابل بخِلع الفاتحين، ولكنهم اضطروا للتراجع لأنّ الهجوم لم يفض إلى نتيجة حاسمة، وكان من بين الشهداء حمزة ريّس أحد القباطنة المعروفين بشجاعتهم وبراعتهم. وقد عاد المجاهدون إلى بناء المتاريس دون توقف، والتي كانت تقترب كل يوم من أسوار القلعة أكثر.
وفي هذه الأثناء كان بيالي باشا يعامل أهل المنطقة معاملة غاية في اللطف ويمنح كل من يلجأ إليه الأمان، ويغدق عليهم بالإكرام والعطايا من أجل كسبهم إلى جانبه. ولكنه كان يغتمّ كثيراً لأنّ القلعة رغم الحصار الطويل والهجمات العنيفة والمتكررة لم تسقط بيدهم وظلت تقاوم. فكان يلجأ للصبر والهمة بالتناوب ويسلي نفسه بالقول إنّ مآل الأمور «تقدير إلهي»، وأنّ نهاية هذا الكرب ستكون بالفرج، وأن القوة تلتزم الصبر لبلوغ المرام «فما من وردة دون شوك، ولا بُدّ دون الشهد من لسعات النحل».
ونتيجة الجهود الجبارة للجنود العثمانيين، كان العمل في الخنادق والمتاريس يستمر دون توقف، حتى بلغت شاطئ البحر وذلك تحت إدارة قباطنة وبحارة مشهورين مثل أولوج علي ريّس وعلي بيتريك بيك، فحُرمت سفن العدو من التواصل مع القلعة بمن فيها من المدافعين، وسهلت إمكانية شن الهجمات على آبار المياه الموزعة على أطراف المتاريس، حيث قام المجاهدون تحت قيادة أوروج علي ريّس بهجوم مفاجئ على قوات الحراسة المكلفة بحمايتها، ولأنها كانت آخر آبارهم، فقد شددوا الحراسة عليها، ولكن أبطال الإنكشارية أمطروهم بنيران البنادق، ومن ثم أمطروهم بالنبال وامتشقوا السيوف منقضين عليهم. وبدورهم حصل المدافعون على قوات دعم كبيرة. وقد أظهر المجاهدون بطولات لا نظير لها، وتوشحوا بالحمرة من رأسهم وحتى الأقدام كأولى شقائق النعمان التي تستقبل الصيف بغبطة، وتمكنوا من اختراق مقدمة صفوف العدو ولكنهم أجبروا على الانسحاب نتيجة المقاومة الشديدة، ولم يوفقوا كما في المرة السابقة من ردم هذه الآبار أيضاً.
على الرغم من قتالهم في ظروف قاسية، والضربات الموجعة التي أنزلوها بالعدو، لم يحصل المهاجمون على النتيجة المرجوة، ما جعلهم يشعرون بالأسى والعار وهم يلتفتون إلى بعضهم مرددين:
«إن تركنا هذه القلعة بيد هؤلاء الكافرين، فلا يجدر بنا ارتداء هذه الخوذ مجدداً»، ولم يطب لهم شراب ولا طعام، بل ظلوا يعملون ليل نهار لرفع المتاريس وحفر الخنادق، وتعاهدوا بعد إقامة صلاة العشاء في آخر جمعة من شهر شوال على السيطرة على آبار مياه الشرب الباقية597.
«يا إلهي انصر جنودك المسلمين، ولا تذلنا أمام أعداء الدين، وأولئك المنافقين من العرب ممن هادنوا العدو، وأنعم علينا بالفتح والنصر المبين». . هكذا كانوا يبتهلون ويتضرعون لله سبحانه وتعالى. وبعد أن أتموا الدعاء، وسجدوا لله ممرغين وجوههم في التراب، نهضوا ترافقهم أصوات التكبير والدعاء.
ومن ثم شنت فرقة مختارة من بين صفوف الإنكشارية وجنود العزّاب هجوماً على آخر آبار العدو المتبقية في يده. وبدورهم فقد أبدى المدافعون- الذين كانوا على أتم استعداد للدفاع عن هذا الموقع الذي يشكل أحد مصادر الحياة بالنسبة للقلعة- مقاومة ضارية وقاتلوا ببسالة، وألحقوا خسائر كبيرة بصفوف العثمانيين عن طريق نيران البنادق والقذائف المتفجرة. ولكن حوالى خمسين مجاهداً من خيرة أبطال الفرقة، تمكنوا من التوغل بين صفوف العدو وأعملوا فيهم كل بالسيوف. وبعد ساعة من القتال العنيف قضوا على حامية البئر وتمكنوا من أسر حوالى عشرة من جنودهم.
وبذلك أصبحت كافة الآبار تحت سيطرة العثمانيين، فنصبوا عليها فرق للحماية. ورغم أنّ الإسبان أعلنوا قائلين «نفضل الموت ونحن نرفع سيوفنا على الهلاك عطشاً»، وأخذوا يشنون هجمات متتالية، ولكنهم لم يحصلوا إلا على المزيد من الخسائر في صفوفهم. وقد ساءت ظروف المدافعين أكثر، وازداد أعداد الهاربين منهم مع كل يوم جديد. وكان هؤلاء يعلمون العثمانيين بأنّ أحوال المدافعين في القلعة أسوأ ما يكون، فهم يعانون العطش الشديد وما استمرارهم في الدفاع إلا بإجبار من قادتهم.





الفتح

حين أدرك بيالي باشا أنّ الحصار الذي استمر على أشدّه لما يقارب الثلاثة أشهر قد اقترب من نهايته، وقبيل الإعلان عن هجوم نهائي ابتهل بالدعاء بعد منتصف الليل، وبدأ بمناجاة ربه، وهو يردد الأبيات التالية:
رفعت يدي بالدعاء مبتهلا
والقلب واللسان يرددان اسم الله
وقلت يا خالق العباد يا صاحب الملك
أنت الأحد الذي لم يكن له كفواً أحد
إن شئت جعلت من عبدك سلطانا
وإن شئت جعلته ذليلاً مهانا
ومنك العزة والمذلة ولا اعتراض
ومنك اللطف والشدة ولا اعتراض
فأنت من يعطي وأنت من يأخذ
وبأمرك العزيز العطاء والحرمان
فالعالم بما عليه ملك لأمرك
لك الليل والنهار يسبّحان
وأنت من يشفي النفوس من الغم
وأنت من خلقت لكل داء دواء
أكرمت من اتبع هدي الحبيب
وأذللت أعداءه وقدرت لهم الهوان

فأنت الأول وأنت الآخر يا إلهي
ونور هديك شمس لدروبنا
وقد أدنيت العزة قاب قوسين لمن أردت
وأكرمت المؤمنين وأعليت شأنهم
فالنصر من لدنك والعزة يا إلهي
فأكرم على جنودك بالنصر والنصرة
وأسبغ علينا رحمتك وعطفك
واجعل وجوهنا تشرق بنور نصرك598.
ومن جهة أخرى فإنّ المدافعين الذين انقطعت كل صلاتهم مع العالم الخارجي، باتوا يعتمدون على البنادق والمدافع من فوق تحصيناتهم. أما المجاهدون فبذلوا ما في وسعهم لرفع المتاريس الترابية. وخلال وقت قصير أوشكت المتاريس أن تبلغ في علوها مستوى الحصن. كما تم بناء أبراج مرتفعة من جذوع الأشجار، وقد دعمت بأوتاد من أشجار الزيتون، وغطيت بطبقة من الصلصال. ونصبت المدافع و«الضرب زن»599، وقد اتخذ آغا الإنكشارية من نيران المدافع والأبراج غطاء لقواته.
بدأت الأبراج تمطر تحصينات العدو بوابل غزير من القذائف ونيران البنادق والحجارة، حتى تداعى معظمها واستوى بالأرض، وإزاء هذا الوضع ساد اضطراب عظيم بين صفوف المدافعين الذين انهارت معنوياتهم.
أما القائد الإسباني الشهير دونابور الذي قاد الأسطول وهو يطمح للسيطرة على بلاد واسعة- وكان قد دخل القلعة مع ثمانية آلاف وثمانمائة من مقاتليه الأشداء للدفاع عنها- فحين أدرك أنّ النهاية باتت وشيكة، قرر أخيراً أن يبادر إلى التحرك.
فاختار ألفاً من خيرة من تبقى من قواته، وفي ساعة متأخرة من ليلة الواحد والثلاثين من تموز العام ألف وخمسمائة وستين بادر لشن هجوم مفاجئ على الجنود المسلمين الذين لم يكونوا غافلين عن تحركاتهم، فخرجوا للتصدي لهم من كل صوب وفجّ. ووقعت بين الطرفين معركة ضارية لما يقارب من الساعتين، وكان الكر والفر في تبادل بينهما، خسرا خلالها أعداداً كبيرة من الجنود. وحين أدرك الإسبان مغلوبيتهم آثروا الانسحاب، ولكنهم انقسموا إلى قسمين إزاء حملات الإنكشاريين، حاول أحدهما الدخول إلى القلعة، فيما رمى الآخر بنفسه على السفن للنجاة، وتكبدوا الكثير من الخسائر أثناء هذه الجلبة أيضاً، وقد تمكن قائدهم دونابور من الوصول إلى إحدى السفن وإنقاذ نفسه.
وإزاء هذا التقدم لم يبقَ بيالي باشا متفرجاً، بل أعلن الهجوم العمومي، فمن جهة كان الفاتحون يدكون جدران القلعة بالمتفجرات وهم في الخنادق، وبموازاتهم كانت الأبراج تدكها بنيران المدافع من الأعلى. أما صنادل وفرقاطات الأسطول العثماني فقد باشرت بالتحرك أيضاً لقطع السبل على السفن الإسبانية الهاربة.
ومع دخول الفاتحين إلى القلعة، بدأ المدافعون يستغيثون صارخين «الأمان الأمان» وهم يستسلمون، ولكن الأبطال العثمانيين لم يعودوا يستجيبون إليهم. وكانوا يتقاطرون على القلعة من كل الجهات وسط أصوات التكبير والتهليل، ليقتلوا معظم جنودها ويأسروا القسم الباقي.
كما أحاطت السفن العثمانية بالكادرغات الإسبانية منعاً لانسحابها، وسيطروا عليها بسرعة قصوى. أما دونابور الذي كان يخشى من قتله، فقد ألقى بنفسه في الماء، وكان يرمي من ذلك إما الموت غرقاً أو عدم التعرف عليه حين يتم إلقاء القبض عليه، ولكن أحد الجنود العثمانيين الناجين من الأسر تعرف عليه حين إخراجه من الماء، وأعلن قائلاً «ها هو رأس الأعداء» فامتشق المحاربون سيوفهم وأحاطوا به من كافة الجهات، ولكن أحد قباطنة سفينة بيالي باشا الذي كان متواجداً بينهم في تلك الأثناء حال دون قتله، بل ضمه لحشود الأسرى.
وقد رفع الفاتحون بمن فيهم بيالي باشا وكل قادة الجيش والأسطول والجنود، أيديهم بالحمد والثناء لله سبحانه وتعالى بعد أن منّ عليهم بهذا النصر المبين والفتح العظيم.
ترك بيالي باشا جزيرة جربة تحت حكم أمير أمراء طرابلس الغرب تورغوت ريّس، كما عينّ بناء على طلب هذا الأخير، أحد البحارة المحنكين والذي أبدى جهوداً وخدمات جليلة أثناء الحصار؛ حسين ريّس قائداً على حامية القلعة. وبعد تنظيم الأمور في جربة انتقل بيالي باشا إلى طرابلس فقضى فيها ثلاثة أيام، حرص خلالها على معاقبة بعض أمراء العرب الذين تسببوا لهم بالعديد من المشاكل والعقبات أثناء حصار جربة. وبدوره حرص تورغوت ريّس ورجالاته على إكرام وفادة الباشا خلال هذه الأيام الثلاثة.
في السابع عشر من آب العام ألف وخمسمائة وستين تحرك الأسطول العثماني من طرابس مبحراً نحو إسطنبول. وكانت الكادرغة التي تحمل بشرى النصر الذي تحقق في جربة إلى العاصمة، تجرّ خلفها أكبر أعلام الجيش الإسباني، وهي تمخر عباب المتوسط بكل زهو.
وفي يوم وصول بيالي باشا المصادف للسابع والعشرين من أيلول، انتقل السلطان القانوني إلى قصره الذي على الشاطئ ليضفي المزيد من الألق على استقبال قائد أسطوله المظفر. وفي الجزء الخلفي من سفينة الأميرال كان كل من؛ دون ألفارو دو ساندي، الجنرال دون سانجيو دي ليفيا، قادة أسطولي نابولي وصقلية؛ دون برانجي دو ريكنيس ودونابور محتجزين. بينما كانت سفن أسطولهم التي تمت السيطرة عليها تُجرّ دون سوارٍ أو دِفاف600.
كان السلطان سليمان يراقب هذا المنظر الرائع في وقار وهيبة، وقد حياه الأسطول بطلقتي مدفع وهو يبحر من أمام القصر. وبعد الاستماع إلى تقرير رستم باشا حول هذا الظفر المبين، علق قائلاً:
«لا يجدر بنا الاحتفال، بل شكر الله وحمده».
ومن ثم أمر بصرف الأموال التي غنموها في هذه الحملة على الأعمال الخيرية.





فليصن الله السلطان من الزلل

امتدح الشاعر والطبيب والمؤرخ الندائي الذي شارك في الحملة التي تكللت بنصر باهر، السلطانَ القانوني بالأبيات التالية، وقد توّجها بالثناء والحمد على تنعمهم بظلال حكمه:
أبياتي هذه في مدح السلطان
من توج بالعدل ملك آل عثمان
فهو ظل الله ولنصرة الإسلام عنوان
يعقد ديوان العزة لحكم كل العالم
ذو بأس وحزم وشجاعة ومهابة
يقف الأعادي أذلاء تحت عرشه السامي
كريم النفس لا يضاهيه في المروءة أحد
فليعلِ الحق القدير مقامه في كل مكان
فهو لهذا المُلك جسد وروح وهو له الحامي
فليصن الله السلطان سليمان من البلاء
فهو راعي الحق لا يدانيه في العدل ملك

نصير الفقراء ليس لهم سواه من راع
فخر أركان الدولة الذي به يضرب المثل
يشدو الرعايا باسمه ويدعون له بالبقاء
فيما العدو المقهور يأنّ مغلوباً متحسرا
ضاقت الدنيا على أعداء الدين بفضل بأسه
وعلت رايات وآيات الجهاد في كل ركن
ولم يعد لتارك دين الإسلام من ملجأ وملاذ
فليصن الله السلطان سليمان من كل سوء
سليل المجد وخليفة الشجعان على العرش
اعتمر تاج السعادة وحمد الله وأثنى عليه
اقتدى بالقانون وشرع الله واتخذه سبيلا
وعلت أصوات الدعاء تدعو له بالبقاء
وامتشق سيف القدرة في وجه أعداء الدين
فقتل الكثير منهم وأفنى ملكهم وحكمهم
فقد هداه الله تعالى لدرب خضر وإلياس
لذا فهو يتبع طريق الحق ولا يحيد عنه
ويرفع الراية التي ورثها أباً عن جد
فليصن الله السلطان سليمان من كل خطب
ذكره في الخطبة يزدان بالدعاء من على المنابر
ويطيع فرمان أمره الرعايا من الخاصة والعامة
وقد بايعوه على سنة الإسلام لهم خليفة
وهو الذي يقضي يومه في طاعة الله وعبادته
فهو من أهل النور الذي يبصره الجاهل والعالم
وأهل العرفان من كل صوب يبتهلون بالدعاء له

وقد تنعم كل الناس بلطفه وعطائه الوفير
فما من مظلوم ولا من مغبون في ظل حكمه
فليصن الله السلطان سليمان من كل محنة
وليدم عز دولته القويمة ويزد مجدها يوماً بعد يوم
وليكن درب الجهاد مفتوحاً أمامه على الدوام
وليكن في الشجاعة والجود كمثل سيدنا علي
وليكن صحبه الأبرار والصالحون وأهل الإيمان
ولينل مراده في الدنيا وفي الآخرة معاً
ولتنعم أرواح أجداده بالسلام والرحمة والغفران
وليبعد الله عنه الغم ويبتهج محياه بالسرور
وليعمّ العدل في عهده ويزول الظلم والجور
فليصن الله السلطان سليمان من كل زلل601.





موت رستم باشا

هو صهر القانوني وصدره الأعظم لمرتين بلغت فيهما مدة تبوئه المنصبَ ما يناهز الخمسة عشر عاماً، وقد توفي أثناء المراسلات المتبادلة بخصوص تسليم الأمير بيازيد في الثاني عشر من تموز العام ألف وخمسمائة وواحد وستين.
كان أحد الصدرَين الأعظمين اللذين تركت شخصيتهما والأعمال التي قاما بها تأثيرا عميقاً- سواء سلباً أو إيجابا- على عهد السلطان القانوني. حتى أننا نستطيع تعريف سلطنة القانوني بأنها حقبة أعظم صدارتين تكامل فيها عهدا إبراهيم باشا ورستم باشا. فكما مثّل الأول حقبة العظمة والتوسع والحيوية، كان الثاني ممثل حقبة الرخاء التي اغتنت فيها الخزينة كما لم يسبق لها، وعاشت القوة العسكرية أزهى عهودها.
كان رستم باشا من أكثر الشخصيات تأثيراً على قرارات القانوني وإنجازاته، والرجل الذي لعب دوراً مهماً في سير مجمل الأحداث التي وقعت حينها. ورغم ذلك فإنّ الكتاب الغربيين ومن يسير على نهجهم من مؤرخينا ورجال العلم ومؤلفي الروايات التاريخية الذين ينسخون كل ما يقول هؤلاء دون تدقيق أو انتقاد، قد جعلوا اسم رستم باشا يرتبط في أذهان الناس بأمرين: الأول هو دوره في حادثة قتل الأمير مصطفى والمبالغات التي كتبت في هذا الخصوص، والثاني هو الرشوة وسوء استعمال السلطة.
لا نعرف على وجه التحديد السنة التي وُلِد فها رستم باشا، لكن من المتفق عليه أنه ولد في أولى سنوات القرن السادس عشر، في بوتومير (Butomir) التابعة لمدينة سراييغو أو قرية قريبة من (Sarajevsko Polje)، ينحدر من أصول كرواتية أو بوسنية، وينتمي لعائلة (Opukoviç) أو (?igalic) بحسب ما هو معروف. وقد استخدمت شواهد مقبرة العائلة كنية (?igalic)، كما يرد ذكر والده بعدة أسماء؛ عبد الرحمن، عبد الرحيم، عبد الحميد ومصطفى.
وحين عجز سيده عن دفع الجزية قام ببيعه كعبد للسلطان. وقد بدأ أولى مراحل تعليمه في قصر غالاتا سراي، وهناك تمكن من لفت الأنظار فتم إرساله إلى القصر كواحد من الإيج أوغلانلار.
بعد مدة وجيزة من انتقاله للقصر استطاع سواء بسبب قابليته للتعليم أو ذكائه الحاد وكفاءته العالية، أن يلفت نظر السلطان. وبعد أن أنهى تعليمه في الخاص أوضة، تخرج من الإندرون ليصبح من آغوات الركاب.
انضم رستم آغا إلى حملة موهاج بصفة السلاحدار، وحال العودة من الحملة عُيّن رئيس الإسطبل وذلك في العام ألف وخمسمائة وستة وعشرين، واستمر في عمله هذا حتى العام ألف وخمسمائة وتسعة وعشرين.
وقد أثارت قدرة رستم آغا على لفت انتباه السلطان إليه، واكتساب تقديره، خشية الصدر الأعظم إبراهيم باشا، فقام بإبعاده عن إسطنبول عن طريق تعيينه والياً على سنجق تيكه في الأناضول. ولكن حظوظ الحسّاد وضامري السوء تتشح بالسود، أما أهل الهمة والإخلاص، فيلمع نجمهم.
فبعد مقتل إبراهيم باشا العام ألف وخمسمائة وستة وثلاثين، تم تعيين رستم باشا أمير أمراء قرمان، ومن ثم أمير أمراء ديار بكر.
وخلال التعديلات التي حصلت خلال حملة البغدان العام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين، ترقى رستم باشا إلى منصب أمير أمراء الأناضول، ومن ثم حضر حفلة ختان الأمير بيازيد التي أقيمت في آت ميداني، العام ألف وخمسمائة وتسعة وثلاثين بصفة وزير.
وفي هذه الأثناء كانت السلطانة ميهريماه ابنة القانوني قد شارفت سنّ الزواج، وقد اعتبر السلطان رستم باشا الذي ينتظره مستقبل مشرق، ويتمتع بأخلاق عالية وكفاءات مميزة، مرشحاً مناسباً لمصاهرته. ولكن خصومه ومنافسيه أشاعوا هذه المرة بأنّ الباشا أبرص.
فكلّف القانوني الذي لا يلقي بالاً للشائعات والأقاويل دون دلائل، رئيس أطباء القصر محمد خليفة بفحصه والتحقق من الأمر. وقد عاد الطبيب بعد أن قضى برهة من الوقت في مجلس الباشا دون أن يقوم بفحصه أو حتى يتطرق للموضوع أمامه، وقدم للسلطان تقريراً حاسماً على أنّ الباشا ليس مصاباً بالبرص على الإطلاق.
وقد كان لرؤية الطبيب محمد خليفة قملة على ياقة الباشا الدور الحاسم لتوصله إلى هذا التشخيص، ذلك أنّ المصابين بالبرص لا ينتقل إليهم القمل602.
وبذلك فقد عقد قران رستم باشا على السلطانة ميهريماه في الرابع من كانون الأول العام ألف وخمسمائة وتسعة وثلاثين، ليحمل لقب الداماد603 رستم باشا اعتباراً من ذلك التاريخ.
وتعقيباً على هذه الحادثة فقد نظم البيت التالي حول كيفية نجاة المحظوظين من أصعب الظروف بأبسط الوسائل:
إن شاءت الأقدار أن تنعم بطالع السعد
فحتى ياقة ثوبٍ قد تغدو سبيلاً للمجد
ومع عزل الصدر الأعظم لطفي باشا وتعيين هاديم سليمان باشا في مكانه، ترقى رستم باشا إلى منصب الوزير الثاني. وقد رافق السلطان في حملات المجر بين الأعوام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين وثلاثة وأربعين، وبات يمارس دورا فعالا في شؤون الدولة. وعلى إثر عزل كل من هاديم سليمان باشا وخسروف باشا بعد الشجار الذي وقع بينهما في الديوان، انتقل منصب الصدارة إليه وذلك العام ألف وخمسمائة وأربعة وأربعين.
وقد تمكن رستم باشا خلال الحقبة التي تولى فيها منصب الصدارة من لعب دور مهم في العديد من القضايا، حيث تمكن من توقيع هدنة مع إمبراطورية هابسبورغ لمدة سنة ونصف وذلك في العام ألف وخمسمائة وخمسة وأربعين، وفي العام ألف وخمسمائة وسبعة وأربعين وقع اتفاقية مع النمسا مقابل دفعها ثلاثين ألف ذهبية سنوية، لقاء أراضي المجر التي تحت سيطرتها، مؤسساً بذلك للسلام بين الطرفين.
في العام ألف وخمسمائة وثمانية وأربعين اشترك مع القانوني في حملة إيران الثانية، وقد أراد في هذه الحرب أن يجرب الأسلحة النارية الشائعة التي يعتمد عليها الأوروبيون في حروبهم. فكلّف فرقة خاصة مكونة من مائتي جندي لتجريب هذه الأسلحة، ولكنه اضطر للتراجع عن قراره إزاء اعتراض السيباهية على استخدام هذه الأسلحة.
ونتيجة التقولات التي راجت عن الدور الذي لعبه في مقتل الأمير مصطفى- الذي أشيعت عنه نية العصيان في العام ألف وخمسمائة وثلاثة وخمسين- تأججت أجواء العداء من حوله، ما أدى إلى عزله وتعيين كارا أحمد باشا مكانه.
وقد قضى فترة العزل التي امتدت لما يقارب العامين في قصره في منطقة أوسكودار، وإثر إعدام الصدر الأعظم أحمد باشا في التاسع والعشرين من أيلول العام ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين، تولى رستم باشا منصب الصدارة للمرة الثانية.
وخلال الفترة الثانية من صدارته التي امتدت ستة أعوام هذه المرة، أحرز الأسطول العثماني بقيادة قبطانى دريا بيالي باشا النصر في معركة جربة البحرية في أيار العام ألف وخمسمائة وستين. وأثناء الصراع الذي نشب بين الأميرين بيازيد وسليم، أبدى رستم باشا الحذر في تصرفاته، توخياً لما تعرض له بعد مقتل الأمير مصطفى. وقد كان حريصاً على عدم الإتيان بأي تصرف يوحي بأنه منحاز إلى جانب أحدهما ضد الآخر، أو محاولة التدخل في سير الأحداث. وفي نهاية الصراع بين الأميرين والذي رجح لصالح الأمير سليم، ألمّ به المرض وتوفي بتاريخ الثاني عشر من تموز العام ألف وخمسمائة وواحد وستين، حيث دفن في مقبرة حديقة جامع شيهزاده في إسطنبول.
«فليرقد في جنان الخلد» هذا البيت مدوّن على شاهدة قبره.
تصفه المصادر العثمانية بأنه رجل دولة من الطراز الرفيع، محنك مقتصد، وافر الغنى، لا يحب الشعراء، صائب التفكير إلى جانب جملة من الأوصاف الأخرى.
ويورد المؤرخ بيجفي بأنه قد حاز على احترامٍ ومحبة كبيرة لدى السلطان بسبب ذكائه، وحكمته والخدمات التي قدمها بالإضافة إلى وقاره وتربيته الرفيعة، وتقواه وزهده. . وخلال فترة توليه منصب الصدارة، تنعم الشعب بالرفاه والسلام. فقد عمّ الأمان والاستقرار في كل مكان، ويقال بأنه لم تتعرض أي قرية أو منزل حتى في أقفر البراري للسلب أو النهب604.
وبالمقابل فقد تعرض لنقد شديد من قبل مؤرخي الغرب، فقد كان وصفه الفرنسيون بالمخلوق المخيف، وكان بالنسبة للألمان غدّاراً كريهاً، كما أنّ البنادقة كانوا يخشونه خشية بالغة وقد وصفوه بأنه غدّار وفظ. وفي الحقيقة لو أننا تمعنا جيداً في هذه التقييمات، لخلصنا إلى صفات مناقضة تماماً توضح مدى إخلاصه لدولته، وحرصه البالغ على منافع السلطنة.
وخلال فترتي توليه منصب الصدارة، أثبت بأنه شخصية إصلاحية، حقق نجاحات كبيرة في المجالات المالية والسياسة وعلى مستوى علاقات السلطنة الخارجية ببقية الدول.
وبحسب شهادة الدبلوماسي النمساوي الشهير بوسبيك الذي قضى فترة طويلة في إسطنبول بحكم عمله، فإنّ رستم باشا قدم خدمات جليلة بذكائه الحاد وبصيرته الثاقبة، ساهمت في تعزيز مجد السلطان القانوني وعظمته. وأوضح بأنّ قدرة هذا الصدر الأعظم وكفاءته العالية كانت العامل الأساسي في ملء خزانة الدولة، حتى أنه قد سمع هذا الكلام من خصوم رستم باشا بالذات. فقد حرص على تفعيل كل المصادر التي يمكن لها أن تشكل مورداً لإغناء الخزينة. وفي الوقت ذاته تؤكد الوثائق المتاحة بأنه اتخذ تدابير مشددة للحيلولة دون تعويم العملة واستغلال الجباة للضرائب. .
كانت العلاقات الاقتصادية التي تربط السلطنة في عهد القانوني مع الدول الأوروبية، تُستغل في بعض الأحيان لما يضرّ مصالحها، ما يؤدي إلى شحّ في الموارد الغذائية في إسطنبول وبقية أرجاء البلاد. وكان السبب في ذلك يعود إلى بيع محاصيل الأراضي الزراعية في كل من الأناضول وروميلي إلى الخارج دون أخذ الاحتياجات الداخلية بالحسبان، حتى أنه كان يتم تهريبها في بعض الأحيان. فقد كانت السفن الأجنبية تصل إلى موانئ البحرين الأسود والمتوسط، لتشتري محاصيل الحبوب وسواها بسعر أعلى من الرائج على الأغلب، فبعد تخزينها بواسطة التجار المحليين والأجانب في العنابر، كانوا يقومون بنقلها إلى بلدانهم. وأحياناً كان تصدير المواد الغذائية التي لم تكن تلبي احتياجات الدولة وبعض المواد الصناعية بشكل عشوائي، وخاصة في أوقات الحملات العسكرية، يتسبب في شح هذه المواد، فكانت إسطنبول والمناطق الأخرى تعاني أزمات اقتصادية والتي تؤدي إلى تفشي الغلاء واحتكار المواد الأساسية.
وخلال فترة صدارة رستم باشا، قدّم تقريراً إلى السلطان القانوني حول هذه المسألة التي تهمّ البلاد برمتها، بل وتمسّ مصالح بعض من الوزراء الذين أولوا بدورهم اهتماما خاصاً بهذا الشأن، وبذلك تمكن من لفت انتباه السلطان إلى الموضوع، موضحاً أنّ البيع الحرّ لمحاصيل الحبوب دون ضبط أو تقييد يؤدي إلى جملة من الأضرار كما أشار إلى التدابير الواجب اتخاذها في هذا الخصوص.
ويورد حافظ حسين أفندي عن رستم باشا المعلومات التالية: «لم يرتكب أياً من الفواحش أو يتلقى الرشى وسواها من الرذائل، بلى قام بملء كل خزائن الدولة بالاعتماد على حنكته وسياسة التوفير والاقتصاد»605.
وحقيقة الأمر أنّ التدابير المالية التي اتخذها رستم باشا ساهمت في توفير موارد جد غنية لخزينة الدولة، ولعل ما أورده بعض الرحالة الأجانب حوله قيامه ببيع الورود العائدة للقصر لتصبح مورداً للخزينة، يعطينا صورة واضحة عن سياسته الاقتصادية. وبحسب الكتاب المستتب606 فقد امتلأت الخزينة عن آخرها حتى لم تعد تتسع لمزيد من الأموال، فتم تحويلها إلى يدي كولة للاحتفاظ بها هناك.
وربما تعود اتهامات الرشوة التي بدأت تطال رستم باشا مؤخراً607، لاستحداثه ضريبة مقام جديدة. وقد لجأ الباشا إلى هذه الوسيلة لا لمنافع شخصية، بل لتشكيل مصدر مالي جديد للخزينة608.
وبالتالي فإنّ رستم باشا قد تصرف وفق معطيات عصره، وحاول إجراء إصلاحات مالية. ولو كان مرتشياً بالفعل، لقام بتغيير موظفيه على الدوام من أجل جمع أموال أكثر (بناء على ضريبة المقام). رغم أنّ الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أنه وفي عهده لم يكن من السهولة بمكان عزل أصحاب المناصب واستبدالهم.
وبحسب ما تنقله المصادر، فقد أرسل إليه أمير أمراء أرضروم خمسة آلاف ذهبية ضريبة على الخيول، فأخذ رستم باشا منها ثلاثة آلاف وأعاد الألفين الباقيين موضحاً بأنّ «ذلك المنصب لا يحتمل ضريبة أكبر من هذه»609.
وبالنسبة إلى الادعاءات التي تقول إنّ ثروته الكبيرة إنما تعود إلى تلقيه الرشى، فإنّ أصحابها لا يأخذون بالحسبان الخاصات والإيرادات الأخرى المخصصة لأحد الباشاوات العثمانيين، والذي تولى منصب الصدارة لمدة خمسة عشر عاماً في أوج قوة الإمبراطورية وذروة مجدها واقتدارها وفي عهد سلطان عالمي كالقانوني. وإلا فهم يبرهنون على جهل لا يمكن إغفاله.
وبحسب المصادر العثمانية فإنّ ثروة الباشا كانت تقدر بما يقارب اثني عشر مليون ذهبية، وقد اعتبر من بين أغنى الشخصيات في البلاد من بعد السلطان. وترك بعد وفاته في كل من إيالتي روميلي والأناضول ثمانمائة وخمس عشرة مزرعة، أربعمائة وست وسبعين طاحونة ماء، ألفاً وسبعمائة عبد، ألفين وتسعمائة من خيول الحرب، ألفا ومائة وستة جمال، ألفي درع، مائة وثلاثين زوجاً من الرُكّاب الذهبية، سبعمائة وستين سيفاً مرصعاً بالجواهر، ألف رمح من الفضة، سبعمائة وثمانين ألف ذهبية، وألف حمولة من العملات النقدية، وأكثر من خمسة آلاف مجلداً من الكتب بالإضافة إلى الكثير من المقتنيات النفيسة610.
ولكنه لم يصرف كل هذه الثروة في سبيل ملذاته، فمئات الأوقاف الخيرية التي قام ببنائها والتي خصص لها موارد لا تنضب، تحتل مكانة استثنائية في تاريخ الدولة. وقد توزعت هذه الأعمال الخيرية على جغرافية السلطنة بكافة جهاتها من كرواتيا إلى المجر، البلقان، روميلي، الأناضول، إسطنبول، مصر، المدينة المنورة والقدس، ولعل أهمها:
جامع في إسطنبول إلى جانب مدرسة ومكتبة، خمس خانات، ومسجدان ومكتبتا صبية.
حمام في أنقرة ونزل للمسافرين.
جامعان في كل من بلدة داداي وقرية ديبك التابعتين لقسطموني.
سوق مسقوف في إرزينجان إلى جانب حمام وخان.
خان في أرضروم بالإضافة إلى نزل للمسافرين وخان وسوق مسقوفة.
جامع ومدرسة ومكتبة في تيكرداغ، إلى جانب مكتبة للصبية ونزل للمسافرين.
جامع ومكتبة صبية وعمارة خيرية وزاوية دينية في صَبنجا611.
مدرسة وحمام في كوتاهيا.
جامع في إرمِنِك612.
مدرسة واثنا عشر جامعاً ومسجداً، سبعة مكاتب صبية، اثنان وثلاثون حماماً، واثنان وعشرون سبيل ماء، مائتان وثلاث وسبعون غرفة، أربعة وخمسون مخزناً، خمسمائة وثلاثة وستون حانوتاً، ثمانية وعشرون خاناً ونزل مسافرين، وخمس مدارس، والتي تشكل جزءاً من أوقافه في المدينة المنورة613.
كما أنّ جامعه الذي بناه في منطقة إمينونو في إسطنبول مشهور بزخارفه والفسيفساء التي تزينه.
أما المدرسة التي بناها باسمه المعمار سنان في العام ألف وخمسمائة وخمسين وبحسب ما جاء في مكتبتها الخيرية في كانون الثاني العام ألف وخمسمائة وواحد وستين فقد كلّف بها حارساً للكتب بأجر يومي مقداره خمس أكجات. وقد تم بناء هذه المكتبة لكي يستفيد منها الطلبة والمدرسون الذين كانوا قادرين على استعارة كتب منها حين الحاجة614.
ويعود الموقف السلبي الذي اتخذه الشعراء وبعض المؤرخين المعاصرين إزاءه للدور الذي لعبه في مقتل الأمير مصطفى615. وحقيقة الأمر أنّ رستم باشا كانت الشخصية الوحيدة القادرة على الحيلولة دون وقوع الحادثة بالنظر إلى منصبه حينها. وقد اعتبر مذنباً من قبل الجميع لهذا السبب، واقترن اسمه بعبارة (مكر رستم) في التاريخ.
إلى جانب ذلك كانت تربط رستم باشا علاقة وثيقة مع أهم شيوخ طريقتي النقشبندية والزيدية في تلك الحقبة، وقد تولى القاضي زاده فيلبيلي محمد جلبي مهمة تعليمه، كما كانت تربطه علاقة بأحد أكبر أولياء عصره وهو برهان الدين بن محمد الإيغيرديري. 616
رزق من السلطانة ميهريماه بطفلين هما؛ عائشة هوماشاه وعثمان، وقد تزوجت ابنته السلطانة عائشة من الصدر الأعظم سميز أحمد باشا، أما حفيداه من السلطانة عائشة وعثمان بيك فمدفونان في حظيرة جامع السلطانة ميهريماه في أوسكودار.





حصار مالطا (1562)

مع فتح العثمانيين لجزيرة رودس في العام ألف وخمسمائة واثنين وعشرين، تم توطين فرسان القديس يوحنا الذين أخرجوا منها، في جزيرة مالطا من قبل شارلكان، كما أوكل إليهم مهمة إدارة طرابلس الغرب التي تعود ملكيتها إليهم. ومع مرور الوقت تمكن الفرسان من تحصين الجزيرة، وبدؤوا كما كانوا يفعلون في رودس سابقاً، بالإغارة على سفن التجارة التركية كلما سنحت لهم الفرصة، ومحاربة القراصنة الأتراك، والمشاركة في كل المعارك والتحالفات المعادية للعثمانيين. وقد دخلوا في الحلف الصليبي بكل قوتهم أثناء معركتي بروزة وجربة البحريتين، كما أنّ القراصنة المسيحيين، وحين تضيق بهم السبل كانوا يلجؤون للاحتماء بموانئهم.
وفي الحقيقة فإنّ الحفاظ على الطرق البحرية لكل من مصر والجزائر وطرابلس الغرب، كان يلزم العثمانيين بالسيطرة على جزيرة مالطا. ذلك أنّ فرسان القديس يوحنا كانوا على الدوام يشكلون مصدر تهديد للسفن التجارية التي تعبر من وإلى هذه الموانئ. وأحد الأمثلة على هذا النوع من الاعتداءات التي تؤكد ضرورة اتخاذ هذه الخطوة هو قيام سبع سفن تعود إلى مالطا بالسيطرة على غليون محملة بالبضائع كانت متوجهة إلى القصر في العام ألف وخمسمائة وأربعة وستين.
ومن جهة أخرى فإنّ التقارير المتعاقبة التي يرسلها تورغوت ريّس للقصر منذ سنوات، كانت تضغط على الديوان الهمايوني من أجل فتح مالطا، وتبين له ضرورة هدم هذا الوكر المعادي الذي يعتدي على الطرق البحرية العثمانية617.
وأنه في حال انتقلت مالطا إلى سلطة الدولة العثمانية، فستتحول إلى قاعدة عسكرية أساسية للتحركات العسكرية المقبلة ضد جنوب إيطاليا وجزيرة صقلية.
وبناء على هذه الأسباب فقد تقرر في اجتماع الديوان الهمايوني الذي انعقد في خريف العام ألف وخمسمائة وأربعة وستين، التحضير لحملة على جزيرة مالطا.
وبحسب القرار المتخذ فإن الأسطول المكلف بالحملة سيضم مائة وثلاثين باشطرده وكادرغة، إحدى عشرة غليوناً، ثلاث سفن كارا مُرسل618 وخمسين سفينة نقل. وكانت سفن النقل تحمل بالإضافة للمؤن مائة وخمسة وسبعين مدفع حصار، عشرين ألف قنطار بارود، أربعين ألف قذيفة، عشرة آلاف معزق وعشرة آلاف رفش. وإلى جانب ثلاثة عشر ألف بحار على متن السفن كان هناك ستة عشر ألف جندي موزعين بين أربعة آلاف وخمسمائة إنكشاري، وثلاثة آلاف وخمسمائة من جنود روميلي وثمانية آلاف من جند الأناضول.
وقد تولى قيادة الحملة كِزِل أحمدلو كارا مصطفى باشا، بينما كان بيالي باشا هو قائد الأسطول، إلى جانب تكليف أمير أمراء طرابلس الغرب تورغوت باشا بالمشاركة في الحملة.
وقد نص فرمان السلطان سليمان القانوني على أن:
«تورغوت وبحكم خبرته أكثر دراية من الجميع بالمواقع التي يجب ضرب القلعة منها، وبناء المتاريس والتحصينات فيها. لذا إياكم ومخالفة آرائه»619.
وحين بلغ الأسطول سواحل مالطا، لم يكن تورغوت ريّس قد انتهى من تجهيز أسطول طرابلس الغرب بعد، ما منعه من الوصول معهم إلى الجزيرة. وبدل أن يقوم قائد الحملة كارا مصطفى باشا وقبطانى دريا بيالي باشا بانتظار تورغوت باشا، فقد أعلنا:
«سننتظره من أجل البدء في حصار مالطا، ولكن حتى موعد مجيئه سنقوم بالسيطرة على قلعة سانت إلمو620، ومن ثم التوجه سوية صوب قلعة مالطا وضرب الحصار عليها»621.
كانت الوضع العسكري لجزيرة مالطا أكثر استحكاما مقارنة مما كان عليه خلال معركة العام ألف وخمسمائة وواحد وخمسين، حيث تم بناء قلعة سانت إلمو المنيعة جداً على اللسان البحري الفاصل بين ميناء مرسا (Marsa) الكبير وبين ميناء مرسا موسِة (Marsa Müse)، وبذلك كان بالإمكان ضرب القلعة بالمدافع من كلا الجانبين. أما حصن سانت أنجيلو المنتصب على الطرف المقابل لميناء مرسا فقد كان في غاية الاستحكام. وبالقرب من القسم الداخلي للرأس المذكور كانت تقع جزيرة سانجلى (Sangle) التي بنيت فيها قلعة سانت ميشيل وقد أحاطت السفن المربوطة بواسطة سلاسل قوية بالميناء لمنع دخوله.
وكانت القوة العسكرية في الجزيرة مؤلفة من خمسمائة من فرسان القديس يوحنا، ألف من جنود الإسبان وتوسكانا، وألف من الجنود الموجودين على متن السفن بالإضافة إلى حوالي تسعمائة من أهل البلدة. كما أنّ خبر إبحار الأسطول العثماني الذي كان في غاية القوة من إسطنبول قد بلغ المالطيين على وجه السرعة، فأسرعوا يطلبون النجدة من البابا وإسبانيا، وقد وصل الجزيرة بعض الجنود برفقة مساعدات مادية.
ولكن قلعة سانت إلمو لم تكن أقل تحصيناً من قلعة مالطا، وبعد سبعة أيام شعر تورغوت باشا بأسف بالغ من المنحى الذي اتخذته التطورات، وصرح مشتكياً:
«ما الفائدة التي سنجنينها من السيطرة على قلعة سانت إلمو؟ فحتى لو تمكنا من بناء عشر قلاع مثلها فلن نتمكن من فتح الجزيرة ما لم نسيطر على قلعة مالطا»622.
ولكن لم يعد التراجع ممكناً بعد هذه المرحلة، لذا فقد أوصاهم بتنفيذ هجوم عمومي، وتولى هو قيادة الهجوم على حصن سانت تانج(Sentanj).
وأثناء هذا الهجوم بتاريخ الثامن عشر من حزيران، أصابت قذيفة تم رميها من القلعة أحد الحجارة، فتطايرت الشظايا لترتطم برأس تورغوت باشا، وبدأت الدم يتدفق من فمه وأذنيه وأنفه، ورقد أربعة أيام في الفراش فاقداً الوعي. ربما كان المجاهد والغازي العظيم ينتظر بشرى الفتح، وعندما أخبروه في اليوم الخامس بفتح قلعة سانت إلمو ارتسمت على وجهه ابتسامة عذبة، ونال شرف الشهادة بعد أن أغمض عينيه عن دنيا الفناء.
وعلى الفور أرسل جثمانه برفقة خمس من سفنه إلى طرابلس الغرب، ليوارى الثرى في المدفن المجاور للجامع والمدرسة اللذين بناهما هناك. 623
وما زال الموقع الذي استشهد فيه تورغوت باشا يدعى بموقع دراغوت (برج تورغوت)624، ولاحقاً نصب فرسان مالطاً نصب تذكارياً في هذا الموقع.
وقعت معارك بالغة العنف والدموية أثناء حصار قلعة سانت مايكل الذي بدأ في صبيحة الأول من تموز، ومع حلول شهر أيلول لم تكن الهجمات العمومية التي شنت لمرات متوالية، قد أسفرت عن أي نتيجة بعد. كما أنّ موسم الحملات البحرية بدأ بالانحسار، فيما اقتربت عواصف الخريف. بينما كان الأسطول الإسباني يواصل الاعتداء على الأسطول العثماني للتخفيف من وطأة الحصار. ومقابل احتمال وصول المساعدات الإسبانية والبابوية للعدو في أي لحظة، كانت مؤن وعتاد الأسطول العثماني الذي احتاط لحصار سيدوم لثلاثة أشهر فقط، تتقلص تدريجياً. أما استشهاد تورغوت ريّس فقد كان له وقع بالغ السوء على معنويات الجنود بشكل عام.
وبناء على كل هذه الأسباب فقد أمر مصطفى باشا برفع الحصار في الثامن من أيلول، وبقي بعدها لثلاثة أيام أخرى على الجزيرة لتحميل كافة معداته على متن السفن قبل المغادرة. وأخيراً بعد حصار دام ثلاثة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، غادروا مالطا في الحادي عشر من شهر أيلول.
وبينما واصل بيالي باشا فعالياته في المتوسط وبحر الجزر برفقة أسطول مكون من ثمانين كادرغة، توجه مصطفى باشا عائداً نحو إسطنبول على رأس بقية السفن.
وقد أثارت هذه الهزيمة استياء السلطان القانوني، لذلك قام بالتحقيق مع كل القادة الذي شاركوا في الحملة للوقوف على الأسباب الحقيقة لهذا الفشل. وقد اتضح أنّ الأسطول لم يكن له وزر في فشل الحملة، وبذلك نجا بيالي باشا من نقمة السلطان، وبالمقابل تم عزل مصطفى باشا من منصب الوزارة. 625
في الحقيقة كان الصدر الأعظم سميز علي باشا قد استشف نتيجة الحملة من خلال تصرفات مصطفى باشا ومن حوله، وبعد أن ودعهم أعلن لمرافقيه قائلاً:
«يظن باشواتنا أنّ قلعة مالطا هي قطعة حلوى يسهل تناولها، وفي الحقيقة فأنا غير راض عن تصرفاتهم ومواقفهم البتة، ولم ترق لي أفعالهم، ولكن الواضح أنهم لا يتلقون النصح بآذان صاغية. فليتمّ الله عاقبة هذا الأمر على خير. فأنا لا أتمنى أن أرى خذلانهم وضعفهم، ولكن الله سبحانه وتعالى أعلم بما هو مقدّر لنا. فلننتظر ونرَ كيف ستكون العاقبة؟»626.
وبالفعل فقد توفي سميز علي باشا دون أن يدرك النتيجة التي توقعها، وحلّ مكانه سوكولو محمد باشا في منصب الصدارة.





مياه كيرك جيشمة (الأربعين عيناً)

يصف لنا المهندس البارع المعمار سنان قصة جلب مياه كيرك جيشمة إلى إسطنبول في عهد أعظم بناة السلطنة العثمانية؛ السلطان سليمان القانوني، من خلال السطور التالية:
«فيما كنا نتجول أنا ومولانا سليمان سلطان العالم في أحد الأيام حول سدود المياه، تفضل بسؤالي أنا العبد الفقير قائلاً:
- ما هي الطريقة الممكنة لجلب هذه المياه؟
فأجبته:
- مولاي! هناك طريقتان لتحقيق الأمر؛ الأولى هم خدمكم وعبيدكم الذين لا حدّ ولا حساب لعددهم، وإن أمرتم فكل منهم سيضحي بروحه لخدمتكم. وأما الثانية فهي أن نستأجر العمال بمبلغ معلوم من مال الخزينة.
فرد السلطان سليمان:
- لن تعود علينا الطريقة الأولى بفائدة، وخير تدبير هو آخر ما قلته. علينا أن نقوم بحل الأمر عن طريق مالنا، حتى لا نكون قد أسأنا مقدار ذرة لأي شخص.
فيا حبذا من سلطان مجاهد مكلل بالعدل
فلن ترى منه ما يسيئ لا فعِلا ولا قول
وقد سررت عظيم السرور لأمر السلطان، وبعد عدة أيام جاء إلي الوزير وأمير أمراء مصر علي آغا ليكون أمين الحسابات من أجل بناء قناطر المياه. وبدوري قمت بجمع أفضل المهندسين والمعماريين.
وبدأت الإنشاء في تاريخ مبارك وساعة سعد، وخلال بضعة أيام انتشر خبر هذا المشروع بين كل أهالي إسطنبول. وقبل مضي الكثير من الوقت راجت إشاعات نقلها أمين المشروع علي آغا إلى السلطان صاحب السعادة. فقد ظهر معترضون حتى من بين الوزراء وهم يتساءلون: أيعقل صرف كل هذه الأموال على هذا العمل؟
كان هؤلاء يريدون أن تحفر القنوات في الجبال وأن تنعم إسطنبول بوفير المياه دون صرف أي مال. حتى أنّ بعض الجهلة بدؤوا يدعون بأنّ حساباتي خاطئة، وأنني لن أتمكن وفق هذه الحسابات من جلب المياه إلى إسطنبول، وأنّ كمية الماء التي أعلنت عن تزويد المدينة بها، هي ضرب من المحال.
وتحت تأثير هذه التقولات، أقبل السلطان صاحب السعادة في أحد الأيام إلى موقع البناء وسألني قائلا:
- هل أنت واثق من قدرتك على جمع مياه هذه الجداول وجعلها تجري في الأنابيب حتى تبلغ المدينة؟ وهل تعلم كمية المياه التي يمكن الحصول عليها؟
- مولاي صاحب السعادة! ستملأ خمسة من هذه الأنابيب، ولا أظن أن حساباتي خاطئة.
وهنا تدخل علي آغا بالقول:
- مولاي! المعمار آغا ماهر في هذا الفن، وأستاذ كامل العلم، ويعلم مقدار المياه الجارية في جوف الأرض، كعمله بتلك التي تسير على سطحها.
وحقيقة الأمر أنني ما إن سمعت بوصول السلطان حتى بعثت برجالي إلى الجداول وجهزت الأنابيب، ولهذا فحين أمرني السلطان بالقول:
- أين تلك المياه التي تتحدثون عنها؟ خذني لرؤيتها.
لم أؤخذ على حين غرة، بل تقدمته في المسير وأنا أتعثر من فرط انفعالي وأدعو الله أن يسهل عليّ عملي ومآلي
يا إلهي أنت العليم الحكيم
منزه عن كل نقيصة وعيب
فلا تلقي بي في وادي الغم
وتذلني أمام السلطان يارب
وأخيرا بلغنا الجدول الذي تتدفق مياهه في ثلاثين أنبوباً انتهينا من صنعها. وحين رأى السلطان صاحب السعادة تلك المياه العذبة وهي تتدفق غزيرة، ارتاح باله، وخاطبني بالقول:
- يا معمار، أهذا هو كل ما لديك من منابع للمياه؟ أما من جداول أخرى؟
- بلى يا مولاي. هناك جدولان آخران تتدفق مياههما كمثل هذا الجدول، كنا نريد أن نصبها في مائة أنبوب ولكن يبدو أننا بحاجة لخمسين أبنوباً آخر. خاصة وأنّ الشتاء على الأبواب، وبالتالي لن ينخفض منسوب المياه إطلاقاً.
أمر مولاي مطاع في كل حين
وكنبع الجنان يفيض علينا عدله

كلماته النقية كماء زلال
ومديحه نعمة أدام الله ظله
فيا رب أنعم عليه بعمر مديد
وأعنه أينما حلّ وأطل عمره
وليدم حكمه ويكلل بالمجد
وليكن له من الطوالع سعده
ومن هناك توجهت مع سلطاني صاحب السعادة لرؤية نبع آخر، كانت مياهه تتدفق عبر الأنابيب كسابقه، فشرب السلطان سليمان خان من تلك المياه الصافية، ومن ثم انتقلنا إلى نبع آخر، وحين رأى مياهه وقد تدفقت على وجه الأرض، فُكّت عقدة حاجبيه المباركين، وظهرت علائم الانشراح على وجهه، وعلى الفور خلع علي خلعة وأثنى عليّ بكلمات التقدير والإحسان.
ومع حفر القنوات كانت تظهر تحت طبقات التراب المتراكمة ألواح مرمر كاملة، وبعد مدة من الحفر ظهرت كمية كبيرة من المرمر، فأقبل السلطان صاحب السعادة مرة أخرى من أجل رؤيتها. وأعاد ثناءه علي لأنني تمكنت من إخراج هذه الآثار القديمة من باطن الأرض دون إلحاق الخراب بها.
وقد اشتهرت إحدى القناطر التي قمت ببنائها بأوزون كِمِر (القنطرة الطويلة)، وقد بلغ ارتفاعها عشرين ذراعاً، وطولها ألفاً ومائتين وعشرين ذراعاً. أما السور الثاني من القناطر فيدعى (غوزالجة كِمِر) وكان يضاهيه في الأبهة. والقنطرة الثالثة فكانت مؤلفة من ثلاثة طوابق ويتسع عرضها لسير فارس على ظهر جواده. وكان ارتفاعها خمسة وستين ذراعاً، وبلغ عمق أساساتها ثمانية عشر ذراعاً، وتسمى هذه القنطرة بقنطرة ماغلوفا. أما قناطر (المُدرّس) فهي أيضاً تتشكل من عدة قناطر فرعية، وفي أحواضها تتجمع كل المياه الجارية، ومن هناك تتوزع في كل أرجاء إسطنبول، وإن حسبنا عمق أساسات هذه القناطر تحت الأرض وارتفاعها، فستبلغ طول برج غالاتا.
ومن ثم قمت بإصلاح الطرق التي تمر عبرها القناطر، وقد بدأت بهذا العمل في أول شهر ذي القعدة من سنة تسعمائة واثنين وستين (ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين) وانتهيت منه سنة تسعمائة وأربعة وسبعين (ألف وخمسمائة وأربعة وستين) وقد صُرف من الأموال على القناطر الجديدة أربعون مليوناً ومائتا ألف وثلاثة وستون ألفاً وثلاث وستون أكجة (40263063)، أما القناطر الباقية من العهد البيزنطي فقد صُرف على ترميمها وإحيائها سبعة وتسعون يوكاً627 وواحد وتسعون ألفاً ومائة وأربع وأربعون أكجة (91144). وبعد الكثير من المشقات، تمكنت إسطنبول من التنعم بمياه وفيرة أطلق عليها اسم كيرك جيشمة.
أيا شاه العالم وخسروف الأنجم والآفاق
أدام الله عزك وملكك ما بقي في الدهر يوم
فالحمد لله حين فاضت الينابيع بمجيئك
ودانت لحكمك الإنس والجان من كل قوم 628.

وقد تم جلب مياه كيرك جيشمة إلى القصر الهمايوني بداية، ومن ثم وزعت المياه على كل أرجاء إسطنبول629.





القسم الثالث
خسروف الآفاق/سلطان الآفاق

لا يغرنك مال وجاه ولا تقل من مثلي في الشان
واسجد في ذل وفي تواضع للواحد الرحمن
وإياك والركون للدنيا فهي مخاتلة
وإياك والكِبْر والحقد فهما للقلب آفتان
وإن كنت تروم لحسن الختام فاعلم
أنّ العدل سبيلك وحفظ اللسان
وإن لم تكن كالسهم في الاستقامة
ستقضي دربك ضائعا في هوان
فيا محبي لم تدم دار الفناء لسابق
فزينتها زوال وكل ما عليها فان





حملة سيكتوار

على الرغم من عقد المعاهدة العثمانية - النمساوية العام ألف وخمسمائة واثنين وستين، فقد استمرت المشاكل الحدودية وظهرت بعض الخلافات في المجر. ولهذا السبب امتنعت الحكومة النمساوية عن إرسال الخراج المتفق عليه سابقاً، لمدة سنتين متعاقبتين. ومع وفاة الإمبراطور فرديناند بعد توقيع المعاهدة بعامين وذلك سنة ألف وخمسمائة وأربع وستين، قام الصدر الأعظم سميز علي باشا باستدعاء السفير النمساوي في إسطنبول من أجل دفع الأموال المتراكمة، وتجديد مدة الست سنوات المتبقية من المعاهدة.
وبدوره فقد ارتأى الإمبراطور الجديد ماكسيميليان الثاني، تأجيل دفع الخراج حتى حلّ الخلافات الناشبة بين الطرفين. وحين قام القانوني بإرسال بالي شاويش إلى فيينا للتهنئة بجلوسه على العرش، استفسر المبعوث عن نية الإمبراطور في تجديد المعاهدة السابقة. وفي هذه الأثناء حصل خلاف بين يانوش سيجسموند ملك ترانسلفانيا والإمبراطور حول ملكية إحدى المناطق، وبحسب رأي الترانسلفانيين فإن سيطرة النمسا على المنطقة حتى ذلك الحين هو أمر لا مسوغ البتة.
وسواء بسبب هذه الحادثة أم للتوصل إلى اتفاقية حول بقية المواضيع مثار الخلاف، فقد وصل إلى إسطنبول وفد نمساوي جديد، أوضح للصدر الأعظم أنّ إمبراطورهم يقبل تمديد الاتفاقية بين الطرفين لمدة ثماني سنوات، ولكنه يرغب في السيطرة على كل الأراضي التي تملكها السلطنة العثمانية خلف نهر تيسا. وخلال هذه المباحثات وعودة الوفد إلى فيينا من أجل الحصول على تعليمات جديدة، توفي الصدر الأعظم سميز علي باشا وحل مكانه سوكولو محمد باشا في العام ألف وخمسمائة وخمسة وستين.
كان موقف سوكولو من هذه المواضيع ونهجه السياسي مختلفاً تمام الاختلاف عما كان لسلفه. ومع عودة المبعوث النمساوي زيرنويس مجدداً لمواصلة المباحثات، فقد تم إعلامه بضرورة قيام الإمبراطور بإعادة كل من توكاي630 وزيرينس (Serenez)، كما أنّ معاهدة ساتمار631 التي وقِعّت دون الحصول على موافقة السلطان، من المحال تطبيق بنودها على أرض الواقع. لذلك فإن كل المباحثات سيتم إيقافها حتى دفع الخراج المترتب عليهم وتنفيذ كافة طلباتهم، وأنه لا يمكن الحديث عن تجديد معاهدات السلام سوى بعد تطبيق هذه الشروط.
ومع حلول العام ألف وخمسمائة وستة وستين كان الوضع لا يزال على سابق عهده من التوتر، وكان الإمبراطور يتحضر للحرب من جهة، ويواصل بعث موفدين جدد إلى القانوني من جهة أخرى. ولكن المبعوث الجديد هوستوتاي الذي طالب باستعادة قلعة كروبا (Kruppa) التي كانت مثار خلاف بين الطرفين، لم يحضر معه مبالغ الجزية المتراكمة، ولم يقدم توضيحاً مطمئناً حول قلعة توكاي التي تشكل عنصراً آخر من عناصر الخلاف.
ولهذا السبب فقد قام السلطان بوضع المبعوث تحت الإقامة الجبرية، وأعلن عن حملة جديدة ضد النمسا. ويوضح المؤرخون أنه من بين أسباب هذه الحملة هي قيام قوات العدو المتحصنة في قلعة سيكتوار بالإغارة على المناطق الحدودية للسلطنة وسلب أموال الرعايا والإخلال باستقرارهم.
كان السلطان القانوني قد تقدم به العمر حينها، ولم يكن قد خرج على رأس حملة عسكرية منذ ثلاثة عشر عاماً. كما أنّ مقتل ابنيه مصطفى وبيازيد كان له وقع بالغ الأثر على نفسيته. ولكنه الآن قرر قيادة الحملة برغم مرضه وتقدمه في السن. كما يرجع بعض المؤرخين رغبة السلطان في قيادة الحملة بنفسه، إلى رغبته السيطرة على قلعتي سيكتوار وإغير النمساويتين المنيعتين بعد أن باءت كل محاولات السيطرة عليهما وفتحهما حتى ذلك الوقت بالفشل، وبالتالي القضاء على آخر قلاع المقاومة وأبرز مراكز القوة العسكرية في المجر. كما كان يفكر في السيطرة على قلعتي جيور (ديور) وكوماروم632 وإتمام سلسلة فتوحاته في هذه المنطقة بتحقيق مجد وشرف عظيمين.
وقد استصوب الصدر الأعظم سوكولو محمد باشا أيضاً قيادة السلطان للحملة وشجعه عليها، وذلك من أجل التغطية على الهزيمة التي لحقت بهم في حملة مالطا. وهناك روايات تفيد بأنّ ابنته السلطانة ميهريماه أيضاً قد شجعته. وأخيراً كان للعرائض والتقارير التي يقدمها الولاة الحدوديون في هذه المناطق ومطالبهم بالمساعدة أثر على قرار السلطان633.
ومع خروج القانوني على رأس الحملة، ترك لابنه الأمير سليم هذه الوصية المكتوبة بخط يده:
«ابني الأغلى من روحي ونور عينيّ سليم خان!
لقد وهبت هذين الحرزين وصندوقاً مشغولاً بالمجوهرات لروح فخر العالمين محمد المصطفى الطاهرة. وأطلب منك بصفتك ابني أن تنفذ وصيتي وتقوم ببيع هذه الأغراض لإيصال المياه إلى مكة المكرمة، كما يشهد كل آغوات القصر والغرفة الخاصة على الأمر، بالإضافة إلى أنك تعرف خطي. كما أنّ هذه رغبة فخر العالمين وليست رغبتي أنا، لذا عليك أن تفي بها. فهذا العالم ليس باقياً لأحد، والأمل هو أن نقضي أيامنا كما يليق بنا. فليبارك الحق جلّ جلاله في هذه الحملة، وليقدّر لها ما يسر قلوبنا، بجاه حبيبه الأكرم عليه السلام»634.
كلّف القانوني أمير أمراء الأناضول إسكندر باشا بحماية إسطنبول وإدارتها، وقد أبدى أهالي إسطنبول اهتماماً بالغاً بخروج القانوني على رأس حملة جديدة بعد مرور سنوات طويلة، واحتشدوا في الطرقات من أجل توديع السلطان، والذي كان يلقي التحية في تواضع جمّ يميناً وشمالاً على الفقراء والأغنياء على حد سواء، ويغدق عليهم بما لا يحصى من العطايا والإحسان. وبدوره فقد كان الناس يرفعون أيديهم مبتهلين بالدعاء وسط دموعهم المنهمرة:
«يا رب انصر سلطان الإسلام وكن غوثاً للمسلمين. وأذلّ كل من يهين الدين الإسلامي، ومدّ المدافعين عن دين الحق بعون ومدد من لدنك»635.
وكأن كل شيء كان يشير إلى أنها آخر حملات السلطان، وكان الوضع برمته أقرب منه إلى مراسم الوداع الأخير. وأثناء خروج السلطان من باب إدرنة، رأى على حافة الطريق شيخاً طاعناً في السن رافعاً يديه وهو يدعو الله:
«مولاي لقد كنا راضين عنك، فليرضَ عنك سبحانه وتعالى أيضاً». وقد خمن السلطان لدى سماع هذه الكلمات بأنه سيموت في هذه الحملة636.
وقد رافق كل من العلامة الكبير شيخ الإسلام أبو السعود أفندي وقاضي إسطنبول مولانا أحمد أفندي وقائم مقام إسطنبول إسكندر باشا، السلطانَ حتى باب إدرنة.
كما أنّ الشاعر باقي الذي كان السلطان يكن له بالغ المحبة والاحترام، ودّعه على باب إدرنة بهذه الأبيات الرائعة دون أن يعلم بأنها المرة الأخيرة التي سيرى فيها السلطان:
ربيع العالم باق مع سلطان الدهر
إن سار في الدرب حال نورزاً مزدان
في ركبه يسير الربيع دوماً فهو السلطان
وتبتهج السماء شوقاً لمرآه السامي
نسيم النصر بستان العمر فاتح الأمصار
يتهادى في عز وخيلاء عظيم الشان
ينير ظلمة العالم ويطفئ لهيب الظمآن
ويروي الأرض بدماء العدو فتصير بستان
وإن تفاخر بالمجد بهرام وملوك الدهر
فأنت العظيم بما لا يُضاهى وفارس الميدان
دعاؤنا مرفوع للحق الباري في ابتهال
ليحفظ على الدوام سلطان العدل سليمان637.





السلطان سليمان يأمركم

قبل انطلاق الحملة الهمايونية، تم تكليف الوزير الثاني بيرتيف باشا بقيادة الجيش والتوجه على رأس قواته إلى ترانسلفانيا، وكانت مهمته السيطرة على قلعة غيولا638 القريبة من تيميشوارا، ما سيوفر الحماية لميمنة الجيش العثماني. وقد غادر السلطان إسطنبول على رأس جيشه في الأول من أيار العام ألف وخمسمائة وستة وستين.
وبحسب ما تورده المصادر التاريخية كانت تلك أكثر حملات الجيش الهمايوني هيبة، وأعظمها على الإطلاق. وقد قوبل في كل المدن التي مرّ بها بحشود الأهالي المحتفين. وحين بلغوا بلدة تاتار بازاي وصلت رسل الأمير سليم، لتبشر بأنّ ابنه الأمير مراد والي مانيسا قد رزق بطفل ذكر، ويرجو من السلطان أن يطلق عليه اسماً. فأعلن السلطان بدوره أنّ:
«جدي الأكرم كان اسمه محمد بن مراد، فليحمل ابن حفيدي اسم محمد الشريف »، وسيتولى هذا الطفل العرش لاحقاً باسم محمد الثالث639.
كان الوهن الذي يفرضه عمر السلطان الذي بلغ الثانية والسبعين، والتعب ومرض النقرس الذي أصاب قدميه يمنعه من السير، فكان يواصل الرحلة في العربة أحياناً وعلى المحمل أحياناً أخرى، وحين يبلغ المناطق المأهولة يمتطي ظهر حصانه. وفي اليوم الذي وصل فيه إلى بلغراد عن طريق فيليبة وصوفيا، كانت السماء صافية، والهواء عليلاً. وقد ارتدى السلطان قفطاناً رائعاً وتعمم بعمامة تزينها المجوهرات الثمينة ليبدو في مظهر بالغ الهيبة والعظمة، ويشارك بنفسه في مراسم الاستقبال. وقد عم السرور الرعية والبرية واحتفلوا مبتهجين وهم يبتهلون لله بدوام سلطانه ومجده.
وضع الجيش العثماني الذي بدأ التوغل في الأراضي المجرية قلعة إغير نصب عينيه. ولكن وجهة الحملة تغيرت نحو سيكتوار بعد قيام القوات التي أرسلها قائد حامية المدينة الكونت نيكولا زيرينسكي بقتل والي مدينة بيتش وابنه.
وبعد اجتياز الجيش العثماني زيمون كان في انتظارهم ظروف صعبة وأمطار غزيرة غير متوقعة جعلت الأنهار تفيض هائجة، وتحولت الطرقات إلى مستنقعات موحلة وانهارت الجسور. حتى أنّ السجادة المفروشة في الخيمة الهمايونية قد ابتلت بمياه الدانوب التي جرفت معها أوتاد الخيام وأعمدتها والقوارب والأواني الخشبية. وفي تلك الليلة أمر السلطان ببناء جسر جديد على نهر درافا القريب من مدينة أوسييك.
تقدم حمزة بيك مع عدد كافٍ من الرجال، ولكنه حين بلغ الموقع المحدد وقف حائراً لا يدري ما يفعله، ذلك أنّ نهر درافا قد تحول إلى محيط هائل واجتاحت أمواجه كل الحقول المجاورة. فأرسل للسلطان موضحاً له بأن لا فرق بين بناء جسر على مياه النهر الذي تحول إلى سيل مرعب وبناء جسر على السحب في صفحة السماء، مشيراً إلى استحالة المهمة. فأعاد السلطان المبعوث مع منديل أسود من الكتان، وقد نص فرمانه على الكلمات التالية:
«يأمركم السلطان سليمان ببناء جسر على نهر الدرافا، وإن وصل قبل إتمام بناء الجسر، فسيقوم بخنقك بواسطة هذه القماشة السوداء».
وقد كانت أوامر السلطان والدهشة التي أثارتها سبباً في تحقيق المستحيل، حيث شمّر حمزة بيك عن ساعديه وتمكن من بناء جسر على مياه الدرافا خلال ستة عشر يوماً رغم الفيضانات. كان الجسر المكون من قوارب مربوطة ببعضها بواسطة سلاسل حديدية بطول ألف ومائة متر، وعرض ثلاثة أمتار.
ولدى سماع أمير أمراء بودين يحيى باشا زاده أرسلان باشا بخروج السلطان على رأس الحملة، قام ودون الحصول على إذن بجمع الجنود المتمركزين على طول حدود إيالته، وتوجه لحصار قلعة بالاتا القريبة من سيكشفهيرفار، والتي تشكل معقلاً لقطاع الطرق واللصوص. وحين سمع ملك النمسا هذه الأخبار قام على الفور بإرسال قواته العسكرية لمهاجمة أرسلان باشا، الذي لم تقتصر خسارته على اضطراره للانسحاب فقط، بل فقد قلعتي تاتا وفسبرم اللتين وقعتا بيد النمساويين. وبسبب هذا الفشل الذي تسبب فيه أرسلان باشا فقد تم إعدامه لدى وصوله إلى هارساني640 بناء على أوامر السلطان. وتم تعيين ابن أخي الصدر الأعظم ووالي سنجق البوسنة؛ مصطفى باشا مكانه.





بنيران القهر احترقت يا رب

تنتصب قلعة سيكتوار في شموخ، وسط سهل واسع، تحيط بها مستنقعات تغطيها نباتات البردي وسواها من الشجيرات. وكان أبراج القلعة وجدرانها مبنية بطريقة محصنة تحوز كل المواصفات الدفاعية الخاصة بتلك الحقبة. وعلى وجه الخصوص القلعة الداخلية التي كانت على غاية من التحصين والمنعة، حتى أنها تترك انطباعاً لدى كل من يراها للوهلة الأولى بأنّ سقوطها أمر محال. كما أنّ محيط المدينة كان مسوراً بخنادق مائية تعلوها جسور للعبور. وبذلك كانت المدينة تخطط لمماطلة الجيش العثماني قدر المستطاع حتى حلول الشتاء الذي ستدفع أجواؤه القاسية الجيش إلى رفع الحصار والانسحاب. وفي حال لم ينسحب سيأتي ملك النمسا على رأس جيشه لنجدتهم، وسيهلك الجيش العثماني تحت وطأة ظروف الشتاء.
كان قائد حامية القلعة نيكولا زيرينسكي علاوة على تحصين القلعة بطريقة متكاملة، قد جهز جيشاً دفاعياً أيضاً. ومع اقتراب الجيش العثماني قام بنصب صليب ضخم فوق الحصن، كما قام بفرش جدران القلعة بقماش من الجوخ الأحمر منافساً أبهة السلطان العثماني، حتى أنه ولإظهار عدم خشيته منهم قام بقطع رأس أحد الآغوات الأتراك الأسرى لديهم، يوم وصول السلطان العثماني أمام أسوار القلعة، في حركة تنم عن مدى قسوته وعجرفته.
ومع وصول السلطان سليمان القانوني أمام القلعة، كان الجيش العثماني قد قام بتطويقها، حيث كان الوزير الثالث فرهاد باشا وأمير أمراء الأناضول محمود باشا يعسكرون في الجهة الغربية والجنوبية من القلعة، أما الوزير الخامس مصطفى باشا وأخوه أمير أمراء روميلي شمسي أحمد باشا يطوقان القسم الشمالي من القلعة. وكانت تفصل بين فرهاد باشا وقوات روميلي قوات الإنكشارية بقياد علي آغا الذي نصب تحصيناته هناك، أما إلى الغرب من قوات فرهاد باشا كان القبطان علي بيرتيك ونصوح بيك والي بوزيغا يعسكران على رأس قواتهما.
ومع وصول السلطان ورفض عروض التسليم، بدأت المدافع تدك جدران القلعة من الجهات الأربع ليل نهار. وفي اليوم السادس ومع فتح إحدى ضواحي المدينة تم قتل ستمائة من المدافعين.
ومن ثم وقعت اشتباكات عنيفة أمام القلعة الداخلية، ومن أجل تجفيف البحيرة التي كانت تحيط بها، قاموا بشق مجاري واسعة حتى يسيل فيها الماء، وخلال بضعة أيام جفت مياه البحيرة، ورغم ذلك ظلت بعض بقاعها مغطاة بمياه كافية لإغراق رجل بالإضافة إلى الأوحال. ولكن الجنود ودون إضاعة المزيد من الوقت قاموا ببذل جهود تفوق طاقة البشر، ونجحوا في ردم هذا المستنقع أيضاً، وبعد مضي عدة أيام ظهر طريق واسع يسمح لهم بالعبور. ومن أجل نصب المدافع بالقرب من القلعة دون التعرض لأي مشاكل، تقرر إضرام النار في أنقاض التحصينات التي تحيط بجدرانها، وأخذ الجنود يقطعون أشجار الغابات المحيطة بكل جهات القلعة وكوموها وبعد أن رشوها بالنفط أضرموا فيها النيران الذي بدأ بالاشتعال رويداً رويدا ومن ثم ارتفعت ألسنته حتى كبد السماء. ومن جهة أخرى فإنّ المدافع العثمانية المنصوبة فوق التحصينات الترابية العالية المحيطة بالقلعة بدأت بزرع الموت بين صفوف المدافعين وحصد الأرواح.
وبينما كانت الهجمات العنيفة تتوالى في السادس والسابع من أيلول، أخذ السلطان الراقد في فراش المرض يتململ من طول مدة الحصار دون تحقيق الفتح حتى ذلك الوقت، وقد بعث بالمذكرة التالية إلى الصدر الأعظم:
«لست راضياً على الإطلاق عن التقدم حتى خنادق العدو، فقادة جيشي وجند الإسلام أهم لدي من كل شيء، كما يتوجب عليك استخدام آلات الحرب والضرب بحسن تفكير وتدبير ولتكونوا يداً ورأياً واحدا لتحقيق الهدف».
وقد حذره من عدم رمي نفسه في المهالك، وهو يكمل:
«بنيران القهر احترقتُ يا رب، فلتحترق هذه القلعة أيضاً وسط النيران»، معبراً عن حزنه بسبب طول الحصار، ومشدداً على ضرورة فتحها سريعاً641.
وبالفعل فقد بدأت القلعة تحترق وسط ألسنة النار في صباح اليوم التالي، بعد أن أسلم السلطان الروح في الليلة السابقة التي دعا فيها ربه مستغيثاً.
أما قائد حامية القلعة زيرينسكي فقد أدرك اقتراب نهايته، فارتدى عِقده الذهبي، وملأ جيوبه بمائة ذهبية حتى لا يقال بأنه كان خالي الوفاض في حال تم تفتيشه. وارتدى قبعة فاخرة مذهبة الحواف ومزينة بقطعة ألماس ثمينة، وخطب في رجاله الذين جمعهم من حوله خطاباً قصيراً أوضح فيه بأنه ما من سبيل أمامهم سوى النصر أو الموت دونه، وبعد أن وضع مفتاح القلعة أيضاً في جيبه، وأعلن أنه لن يسلم هذا المفتاح طالما بقي على قيد الحياة، اختار من بين السيوف الأربعة التي أحضرت إليه سيف والده المزخرف بالذهب، وحمل في يده اليسرى ترساً دائرياً خفيفاً، وهتف مذكراً رجاله للمرة الأخيرة بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم «فلنمت حتى يقولوا لقد ماتوا في عزة وكبرياء». .
كانت ألسنة النيران تستعر في كل بقعة من القلعة الداخلية، وبالقرب من الباب الكبير كان يتمركز مدفع مليء بقطع حديدية، وبعد أن أزال العقبات من أمامه، أصدر زيرينسكي أمره النهائي:
«فلتنزلوا الجسر المتحرك، ولتطلقوا نيران المدفع».
ومع نزول الجسر تمكن زيرينسكي من الاحتماء بالدخان الكثيف الذي أصدره المدفع وعبر الجسر مع لوران يورانيج أحد رجاله الخلّص مهاجمين الأتراك، ولكنه وقبل أن يتمكن من إصابة أي واحد منهم، تلقى طلقتين في صدره وسقط أرضاً. وقبل أن ينفض المدافعون عن أنفسهم غبار الدهشة، كان الجنود العثمانيون المستعدون لهذه اللحظة قد سحقوا هذا الهجوم بنيران بنادقهم، وتمكنوا من الدخول بسرعة البرق ليقضوا بسيوفهم الماضية في لمح البصر على المدافعين الذين أعيوهم لما يزيد عن الشهر، وخلال وقت قصير كان آلاف من جنود العدو في عداد القتلى.
أما الإنكشاريون الذين تمكنوا من الإمساك بالكونت زيرينسكي وهو لا يزال حياً، فقد قيدوه إلى فوهة مدفع (كاتشيانِر) وأداروا وجهه صوب الأسفل، ليقوموا بقطع رأسه، عقابا له على قطع رأس الآغا التركي سابقاً.
وبذلك أسفر الحصار الذي دام أربعة وثلاثين يوماً، عن فتح سيكتوار في يوم السبت الموافق للسابع من أيلول العام ألف وخمسمائة وستة وستين.





وفاته

كان السلطان في حالة من الضعف والمرض حين خرج على رأس الحملة. وقبيل وصوله إلى إدرنة تم نقله إلى عربة مريحة. وللتقليل من آثار الوهن والتعب الذي سيلاقيه أثناء الرحلة، كان الصدر الأعظم يتقدم الجيش من أجل الإشراف على تسوية الطريق وتعبيده، وذلك للتخفيف من ترجرج العربة أثناء المسير. وهناك عدة روايات حول الأمراض التي كان يعاني منها، فإلى جانب النقرس يقال بأنه كان مصاباً بالزحار أيضاً.
وقد أشيع في المعسكر اشتداد وطأة المرض عليه في آخر أيام الحصار، حيث توفي في ليلة السابع من أيلول بعد منتصف الليل، وعلى الفور تم نقل الخبر إلى الصدر الأعظم سراً.
كان للخبر وقع شديد على سوكولو محمد باشا، ورغم ذلك فلم يتوانَ عن اتخاذ التدابير الكفيلة بتسيير الأمور الإدارية لمواصلة الحصار الذي شارف على تحقيق النصر المأمول. حيث أصدر أوامر مشددة للمطلعين على الحقيقة بكتمان الخبر للحيلولة دون ظهور الفوضى أو الوهن في معنويات الجنود وعزيمتهم، وضرورة التصرف بحرص وكأن السلطان سليمان لا يزال على قيد الحياة.
كما قام ببعث رسالة سرية إلى السلحدار جعفر آغا تنص على ضرورة استدعاء وكيل الحرس إلى الخيمة الهمايونية، وأن ينقل إليه الأخبار التالية:
«الحمد لله صحة السلطان بدأت بالتحسن، ولكنه يشعر بقلق بالغ بسبب عدم النجاح في فتح القلعة كل هذا الوقت بعد كل من بذلنا من جهد وتكبدنا من مشاق، وقد نصّ أمره الشريف على فتح القلعة اليوم بالذات». .
وبالفعل تم التحرك بناء على هذه الأوامر دون أن يطلع أحد بمن فيهم الوزراء على نبأ وفاته، فتمكنوا من فتح القلعة في ذلك اليوم بالذات. كما أنّ الصدر الأعظم كان بين الحين والآخر يُظهر بعض العرائض التي تنص على أوامر ينسبها إلى السلطان الذي يقوم جعفر آغا بتقليد خطه، من أجل التحرك وفقها.
وفي هذه الأثناء قام سوكولو باشا بإرسال خبر وفاة السلطان إلى الأمير سليم والي كوتاهيا، وقد كلّف الشاويش حسن أحد حراس الديوان بالمهمة، وقد أمره قائلا:
«قم بإيصال رسالتنا هذه إلى الأمير سليم في بادية سيجانلي التي تقع على الطريق، وأعلمه بنبأ الفتح، وأخبره بأنّ مولانا صاحب الجلالة لن يغادر قبل الانتهاء من تحصين إعادة القلعة، وأنه بخير وبصحة جيدة». .
وكان الشاويش حسن لا يعلم حقيقة الوضع وما يحمله من خبر، ويظن أنه مكلف بحمل بشارة إلى أحد الباشوات بتعيينه أمير أمراء إيالة حلب، بالإضافة لتسليم الرسالة إلى الأمير أثناء طريقه، ذلك أنّ الأمير سليم كان يقضي الصيف في مراعي سيجانلي.
تم استخراج الأعضاء الداخلية للخاقان المرحوم، وقد وضعها رئيس الأطباء كايسون زاده في إناء فضي، حيث دفنت بالقرب من سيكتوار في الموقع الذي يسميه المجريون في الوقت الحالي توربوك642. وقد قام سوكولو مصطفى باشا أمير أمراء بودين فيما بعد ببناء ضريح رائع من المرمر فوق القبر الذي ظل الناس يؤمونه لقرون باعتباره قبر السلطان سليمان في سيكتوار. وفي الوقت الحالي فإن المجريين يستقبلون زائريه بالقول «هنا يرقد قلب السلطان سليمان العظيم». أما جثمانه فقد غُسل وحنط وكُفن، ووضع في تابوت، ودفن بشكل مؤقت داخل الخيمة، حيث اصطحبوه معهم بعد رحيلهم.
وباستثناء فئة محدودة وضيقة لم يطلع سوكولو أحداً على وفاة السلطان، بل قام ببعث الفتح نامات إلى كل الأصقاع لإعلامهم بالنصر والفتح. وبمناسبة هذا الظفر أمر بقراءة المولد في الخيمة الهمايونية وفي خيمته في اليوم التالي. كما أقيمت الاحتفالات، وبدأ العمل من أجل ترميم القلعة ونصب المدافع على الأبراج والمواقع المخصصة لها.
وتم تحويل أكبر كنائس سيكتوار بعد إصلاحها إلى جامع، وأعلن عن أنّ السلطان سيقوم بأداء صلاة الجمعة فيها. ومع حلول الجمعة أوضحوا بأنّ السلطان اشتدت عليه آلام النقرس لذا لن يتمكن من حضور الصلاة. ومع انتشار الأقاويل حول النعم التي سيغدق بها السلطان على الجميع بمناسبة النصر فيما لو حضر الصلاة، أمر سوكولو الذي تظاهر بأنه لا يعلم عن هذه الأقاويل شيئاً، أمر الدلالين بالإعلان بين العسكر بأنّ «يا بكوات! يا أيها الآغوات! فلتتجهزوا غداً لعقد الديوان». وبذلك تمكن من إسكات كل الأقاويل واقتنع الجميع بأنّ السلطان لا يزال على قيد الحياة.
وقبيل عقد الديوان بليلة أرسل سوكولو محمد باشا خبراً إلى كل خيم الوزراء مع الكاتب فريدون بيك (مؤلف كتاب منشآت السلاطين) وأوصاهم بالعمل وفق رأي موحد، فقد كانوا يخشون من اطلاع الإنكشاريين على حقيقة الوضع وأن يقوموا بالتمرد ويطالبوا بالعودة دون استكمال التدابير اللازمة، ما سيثير الاضطراب الذي قد يستغله العدو لصالحه. كما أنّ الصدر الأعظم عقد اجتماعاً مع آغا الإنكشارية وتمكنا من الوصول إلى حل.
وفي اليوم التالي عقد الديوان في الخيمة ذات الأعمدة الإثني عشر، وتمت مناقشة الشؤون التي تستوجب البحث، ومن ثم توجه العسكر لتناول الطعام بحسب ما تنص عليه القوانين، وبعد الغداء توجه آغا الإنكشارية للمثول أمام السلطان وخرج بعد برهة، وبحسب ما اتفق عليه مع سوكولو، فقد أعلن لجنده:
«يا رفاق! إنّ سلطاننا العظيم يدعو الله أن يرضى عن عباده وأن يبيض وجوههم، وأن يبارك جهادهم، ويأمركم باستكمال بناء القلعة على وجه السرعة، من أجل توزيع الإكراميات والمناصب عليكم جميعاً. وهو راض عنكم ويدعو لكم بالخير» ومن ثم هتف في جنوده للبدء بالمهمة على الفور «امتطوا الجياد»
وحين سأله الإنكشاريون «هل ستكون الإكراميات جزيلة؟»، ردّ عليهم الآغا:
«أنا أضمن ذلك للجميع، فلنقم بتحقيق أوامر السلطان على الفور وننتهي من العمل» ومن ثم امتطى صهوة جياده وتبعه الجنود لمباشرة المهمة. وفي تلك الأثناء كان سوكولو محمد باشا قد أرسل قسماً كبيراً من الإنكشارية تحت قيادة أمير أمراء روميلي شمسي أحمد باشا من أجل فتح قلعة بابوكسا643، محاولاً قدر المستطاع إخلاء المعسكر644.
أما القوات التي أرسلها تحت قيادة الوزير بيرتيف باشا بغرض تقديم العون لحاكم ترانسلفانيا فقد قامت بفتح كل من قلاع؛ جيولا، لوغوج645 ويانفا (Yanva) وسواها من القلاع المجاورة. وبعد وصول الأخبار عن سيطرة الوزير الخامس مصطفى باشا وشقيقه شمسي أحمد باشا على قلعة بابوكسا، فقد عم المعسكر سرور عظيم. ومع الاستيلاء على قلعة سيكتوار، سمح سوكولو باشا بمواصلة الهجمات على المنطقة، حيث تمكن المهاجمون من الإغارة على ضواحي كل من ناجيكانيزسا، بيرزينسى646 وكونار (Konar)، وأعملوا فيها الخراب والتدمير.
وبذلك تمكن الصدر الأعظم من إلهاء الجيش لمدة أربعة وأربعين يوماً في سيكتوار بحجة ترميم القلعة من جهة وإعادة تحصينها، والسيطرة على القلاع المجاورة في المنطقة التي لم تضمها الفتوحات بعد. وفي الواحد والعشرين من تشرين الأول وصل رسول يعلم سوكولو باشا بأنّ السلطان الجديد سليم الثاني قد وصل إلى بلغراد. وعلى إثر ذلك قام الباشا بتعيين إسكندر بيك قائد قوات السيباهية في بيتش والياً على سيكتوار.
وقبيل الانطلاق في رحلة العودة، أمر سوكولو محمد باشا بوضع بعض لمسات من المكياج على وجه حسن آغا؛ أحد ضباط الغرفة الخاصة، والذي كان يشبه السلطان سليمان إلى حد كبير، حتى بات للناظر من بعيد وكأنه السلطان بالفعل، كما ارتدى ثياب السلطان واعتمر عمامته، ولأنه كان مطلعاً على كل حركات السلطان المرحوم، فقد طلب منه تقليدها بدقة. ومن ثم تحرك الجيش الهمايوني بأمر السلطان القانوني- كما كان يحدث عادة في حياته- من سيكتوار. وهكذا جلس حسن آغا منتحلا شخصية القانوني على المحفة وأحاط به الوزراء، وقد تواصل هذا المشهد لعدة أيام على مرأى من العسكر ولكن من مسافة لا تسمح بكشف التفاصيل. وكان سوكولو يدّعي تلقيه بعض الأوامر مقترباً من السلطان، ويبادله الحديث وينحني أمامه.
ومع اقتراب مسافة أربعة منازل من بلغراد، أمر الصدر الأعظم سوكولو محمد باشا أن يصطف حفظة القرآن إلى جوار العربة التي كانت تحمل نعش السلطان القانوني، وارتفعت أصوات ترتيل القرآن الكريم، وبذلك علم الجميع بالأمر. وربما كانت المرة الأولى منذ فترة طويلة، التي بدأت فيها صفوف الجيش الهمايوني الذي أبهر العالم بانتظامه وانضباطه، بدأت هذه الصفوف تختل وتتداخل وتتوقف عن المسير. وكان الجند من فرط التأثر يرمون عمائمهم والقلنسوات وهم ينتحبون منادين:
«يا سلطان سليمان!»
وكانت أصواتهم تشق عنان السماء لوعة وأسى، فيما الدموع تنهمر مدرارة من العيون، وكأن نهاية العالم قد حلت مع موته.
ولم تؤثر فيهم أوامر قادتهم فالجنود الذين كانوا في العشرين من العمر حين اعتلائه العرش، بلغوا الخامسة والستين، وبالتالي لم يعاصر كل من في الجيش على وجه التقريب حاكماً غيره، أما من عاصر والده السلطان يافوز سليم خان من الجنود، فلم يتبقّ منهم سوى زمرة قليلة من المسنين الذين بلغت أعمارهم السبعين. لقد حاربوا مع السلطان لسنوات طويلة، حزنوا سوية وتقاسموا الفرح، وبالتالي تحول إلى أب للجميع.
ومع حلول الظلام، بدأ سوكولو يخاطبهم وهو على صهوة جواده:
«أيها الأخوة! أيها الرفاق! لماذا توقفتم عن المسير؟ لقد كان سلطان الإسلام لكل هذه السنوات، فدعونا نكرمه بآيات القران الكريم. إنه السلطان الذي خرج في الكثير من الغزوات، وضم بلاد المجر إلى ديار الإسلام، وأنعم علينا جميعاً بإحسانه وعطاياه. ولا يجدر بنا سوى أن نحمل جسده المبارك فوق رؤوسنا، وأن يستمر الحفظة في تلاوة القرآن الكريم، وأن نكمل المسير»
وقد أظهرت هذه الكلمات أثرها ودبّت الحيوية في الفرق التي أحجمت عن السير وهتفوا:
«لا دواء لكربنا سوى بالقرآن، ديننا وإيماننا هو القرآن، فلنسر على هدي إيماننا بالقرآن الكريم». . وهكذا عادوا لاستكمال رحلتهم، وقد قضوا ليلتهم تلك دون نوم، ولم تنطفئ المشاعل والشموع، ومع بزوغ الفجر عادت الصفوف للانتظام. وأقيمت صلاة الفجر وسط صمت مهيب647.





أشرقت الشمس! ألن يستيقظ السلطان؟

ومع مواصلة الجيش لرحلته في الصباح، كتب الشاعر الباقي الذي كان أثيراً لدى السلطان هذه الأبيات الخالدة، بعد أنّ حلّ الصباح ولم يستيقظ السلطان، لتجعل كل من يقرأها يبكي بدموع حارقة حزناً ولوعا:
هلّ الصباح أفلن يستيقظ سلطان الدنيا؟
ولن نبصر نور وجهه البهي كسماء صافية؟
عيوننا ترقب الطريق وما من خبر وصل
ولا من رسول يطمئننا على السلطان المبجل
راقد شاحب الوجه وقد جفت شفتاه
كوردة ذبلت بعد أن انقطعت عنها المياه
فيا مولاي هذي حال الدهر تغشى
سحبه وجه السماء وهي ترتعد لوعة
ومن لم يبكه من شيب وشبان فدعائي
أن تجف مآقيه كما تحتبس الينابيع في الأرض
فلتحترق الشمس بنيران الحسرة والأسى
ولتحجب خلف الغيوم القاتمة حزنا

وسيفك الذي بحده أحرزت النصر
فليغرق في غمده ويرقد هناك إلى الأبد
ولتتكسر الأقلام حسرة وجوى لفراقك
ولتتمزق كل الرايات والبيارق تفجعاً648.





على نية المرحوم

في الخامس والعشرين من تشرين الأول وصل الجيش إلى سرمسكا ميتروفيتسا649، وفي اليوم التالي بلغوا بلغراد. وكان كل شبر يجتازونه من تراب هذه البلاد محملاً بذكريات الخاقان العظيم، فقد سار على رأس سبع حملات همايونية فوق هذه الأراضي، ومكث في كل موقع منها أربع عشر مرة في رحلتي الذهاب والإياب. ومن بعيد لاحت قلعة بلغراد الرائعة، والتي فتحت قبل خمس وأربعين سنة حين خرج السلطان سليمان على رأس أولى حملاته الهمايونية، حيث نصبت خيمة السلطان الهمايونية على التلة التي حملت اسمه لاحقاً، وهي تلة هونكار (السلطان). وفي الموقع ذاته نصب عرش السلطان الجديد وجلس عليه السلطان سليم الثاني واقترب منه سوكولو محمد باشا، وقبل يد حميه السلطان سليم والذي كان أكبر منه سناً، وقدم له واجب العزاء، ومن ثم هنأه بجلوسه على العرش وقام بمبايعته.
أقيمت صلاة الجنازة على روح سلطان العالم بعد مضي خمسين يوماً، وذلك في جامع أولو الذي بناه بنفسه في بلغراد. كان السلطان سليم يبكي، ومع تردد صوت رئيس معلمي السلطان الجديد باش خوجا حاجي سلطاني عطا الله أفندي:
«على نية الميت» ألمت رعشة الحزن والانفعال بالصفوف المتراصة على مدّ البصر.
وقد تكررت صلاة الجماعة التي أّنت لها منابر بلغراد، في كل المدن والبلدات القريبة، ومن ثم جنوباً في نيش، صوفيا، فيليبة، إدرنة. ومن هناك انتشرت في كل البلدان الإسلامية في آسيا وإفريقيا. كما أقامت البلاد الإسلامية الأخرى التي لا تنضوي تحت لواء السلطنة، صلاة الجنازة على روح السلطان المجاهد.
أما شمالاً فقد انتشر الخبر من بلغراد نحو بودين، ومن هناك وصل إلى فيينا التي أسماها الأتراك بيج (Bec)، ومن مركز عرش الإمبراطورية الألمانية ذاع الخبر في كل أرجاء أوروبا، في البلاد التي أطلق عليها الأتراك لقب ديار الكفر.
انتقل سليمان العظيم إلى عالم البقاء. . ولم تقل دهشة الدول الأوروبية عن تلك التي عمت البلاد الإسلامية، ذلك أنهم لم يتصوروا سلطاناً عثمانيا آخر سوى القانوني، فحين يذكر التركي الكبير أو السلطان العظيم لا يرد للأذهان سوى القانوني.
وقد تقدمت جنازةُ السلطان سليمان القانوني الجيشَ الهمايوني في رحلة العودة، حيث بلغوا إسطنبول في الثامن والعشرين من تشرين الثاني العام ألف وخمسمائة وستة وستين.
وملأت حشود غفيرة محيط جامع السليمانية وبقية المناطق المجاورة، وفي إحدى الزوايا كان يقف معماري الجامع كوجا سنان في تأثر بالغ عاقداً يديه، وقد أمّ الصلاة شيخ الإسلام أبو السعود أفندي يليه نقيب الأشراف تاشكنتلي محترم أفندي، وبسبب الحشود الغفيرة أقيمت صلاة الجنازة لمرة ثانية.
حمل أبو السعود أفندي الذي كان القانوني يكن له محبة واحتراماً كبيرين الزاوية اليمنى من مقدمة النعش على كتفه، بينما حمل قضاة العسكر النعش من بقية أطرافه. وكانت أصوات التكبير والصلوات تبلغ أقصى الآفاق. .
وتم دفن الجثمان في إحدى زوايا الجامع، ووضع فوقه التابوت. وقد كلف سليم الثاني المعماري سنان بإنشاء ضريح فوق قبر والده.
وظلت آيات القرآن الكريم تتلى لأيام متواصلة أمام القبر، وكان كل واحد من الحفظة يستمر في التلاوة لساعة كاملة، كما وزعت الصدقات على روحه. وهكذا فإنّ روح سلطان العالم الذي حكم الدنيا لما يقارب النصف قرن، لم تكن تطلب شيئاً الآن سوى الرحمة.
أما من بقي فقد كانوا يرددون هذه الأبيات التي رثاه فيها الشاعر الكبير باقي أفندي، وينعشون ذكراه في القلوب
لقد قطع سيفك الماضي ألسنة العدو
فخرس الجميع عن الكلام والقول
ورمحك الذي يرنو للعلياء كغصن يانع
قد محى من ذاكرة العدو أسماء قادته
وكل موطئ لحافر جوادك قبلة
يحج إليها الملوك والحكام خاضعين
وعلى دربك طيور الموت تحط وتعلو
فحسامك في سبيل الله يُسيل الدماء
وفي كل ركن وكل صوب وحدب
زلزلت سيوف أبطالك عروش الطغاة
وحولت المعابد مساجد طاهرة في كل أرض
لتعلو أصوات المآذن في كل حين
وأخيرا دقت طبول الرحيل فنزحت
إلى جنان الخلد مثواك الأزلي
فحمدا لله أن اقترن اسمك
بالمجاهد الشهيد ونعم الشهيد650.





شخصيته

كان القانوني عاشر السلاطين العثمانيين وخليفة المسلمين الخامس والسبعين. هو ابن السلطان يافوز سليم خان والسلطانة عائشة حفصة، أبصر النور في السابع والعشرين من نيسان العام ألف وأربعمائة وخمسة وتسعين في طرابزون، وقد سمي باسم سليمان عند فتح القرآن الكريم بعيد ولادته، تيمناً باسم النبي سليمان الوارد في الآية الثلاثين من سورة النمل.
وقد تلقى الأمير سليمان الذي ترعرع على يد والدته عائشة حفصة خاتون وجدته غولبهار خاتون، أول مبادئ العلوم لدى بلوغه السابعة من العمر. حيث تمّ تكليف شخص معروف بورعه وعلمه من بلدة داداي القريبة من قسطموني يدعى أوحد أوغلو خير الدين، والذي لقنه علوم العقل والنقل.
وككل أمير كان يتوجب عليه تعلم أحد الفنون أو الحرف، فعين واحد من أشهر صاغة العصر من أجل تدريبه على حرفة الصياغة. ومع تقدمه في السن أخذ يتلقى مختلف العلوم على يد العديد من المدرسين.
فتعلم فنون القتال والإدارة والعلوم العسكرية، وبعد أن مكث إلى جانب والده حتى بلوغه الخامسة عشرة، طالب بالخروج إلى أحد السناجق وفقاً للقوانين، فعين بداية والياً على كاراحيصار الشرقية651، ومن هناك والياً على سنجق بولو. ولكن لاعتراض عمه أحمد على ذلك تم تعيينه والياً على سنجق فيودوسيا وذلك العام ألف وخمسمائة وتسعة.
وفي سنجق فيودوسيا الذي انتقل إليه برفقة والدته، أخذ في اكتساب الخبرة الإدارية تحت إشراف مربيه الذي يرافقه. ولم يكن في أي وقت بعيداً عن الأجواء العلمية التي كانت تحيط به وتستجد من حوله، فكان ينضم على الدوام إلى دروس ومجالس العلماء، يستمع إلى نصائحهم، ويستقي من فيض علومهم، وقد تمكن من التفوق في علوم الفقه على وجه الخصوص.
وبعد اعتلاء السلطان يافوز سليم خان العرش في العام ألف وخمسمائة واثني عشر، تم استدعاء الأمير سليمان إلى إسطنبول لينوب عن والده في السلطة، أثناء خوض الأخير صراع العرش مع أخوته حيث تمكن من التفوق عليهم، وبعد أن اعتلى عرش السلطنة دون وجود منافسين، أرسل الأمير سليمان إلى مانيسا مركز سنجق صاروخان. وهناك تمكن من تحصيل شؤون الإدارة والحكم تحت إشراف اللالا قاسم باشا.
وعلى إثر طلب والدته من الولي ذائع الصيت سومبل أفندي إرسال أحد طلبته، قام الأخير بإرسال مركز أفندي إلى مانيسا. وقد استفاد الأمير سليمان من سعة علم مركز أفندي سواء في سنوات ولايته في مانيسا، أو حتى بعد انتقاله إلى إسطنبول. وبعد توليه العرش قام بإنشاء تكية خارج قصر توب كابي ووضعها تحت إمرة الأفندي.
وخلال حملتي السلطان يافوز سليم على إيران العام ألف وخمسمائة وأربعة عشر، وعلى مصر العام ألف وخمسمائة وستة عشر، انتقل الأمير سليمان إلى إدرنة إثر تكليفه بإدارة روميلي والمحافظة عليها. ومع عودة والده من حملة مصر، عاد بدوره إلى سنجق صاروخان. وبعد وفاة والده السلطان سليم في قرية سِرت بالقرب من تشورلو652، انتقل الأمير إلى إسطنبول إثر إرسال الصدر الأعظم بيري محمد باشا سليمان آغا وكيل السلحدارية إلى مانيسا لإعلامه بخبر الوفاة. تولى الأمير سليمان السلطة وهو في السادسة والعشرين من العمر، وذلك في الثلاثين من أيلول العام ألف وخمسمائة وعشرين.
كان السلطان سليمان القانوني ذا وجه دائري ممتلئ، أشهل العينين، متباعد الحاجبين، مقوس الأنف، طويل القامة وسيماً ومتناسق القوام، معتدلاً في تصرفاته ودود الكلام.
يحب رفقة العلماء والشعراء والحكماء، حسن المعشر، والخلاصة أنه سلطان جمع في شخصه جميع المحاسن المادية والمعنوية باتفاق جميع المؤرخين.
كان فناناً بارعاً في حرفة الصياغة التي تلقى علومها خلال سنوات إمارته. يبرع في استخدام السيف ويميل للصيد كثيراً.
يتقن العربية والفارسية والصربية بالإضافة إلى لهجة التتار.
وإلى جانب تمكنه من ثقافة الشرق الإسلامية، فقد كان واسع الاطلاع على ثقافة الغرب أيضاً. وبسبب من قوة إرادته وبصيرته النافذة، فقد كان يضع أصحاب المواهب والمبدعين تحت حمايته ورعايته.
كان قليل الكلام ولكن كلمته تعتبر بمثابة وعد قاطع لن يتراجع عنه على الإطلاق. ورغم أنه لم يكن عصبي المزاج كوالده السلطان يافوز سليم خان، ولكنه كان يتحلى بقدر كبير من الجدية والوقار. وفي عهده ذاعت شهرة أكثر من مائتي شاعر في إسطنبول، وتخطت شهرة البعض منهم عصره لتصل إلينا، ومن القامات الشعرية المتمكنة زاتي، باقي، خيالي، خيرتي وفضولي، حيث بلغ شعر الديوان653 ذروة الإبداع بفضل هؤلاء الشعراء.
كان القانوني سلطاناً تزامنت انتصاراته العسكرية مع إبداعه الفكري، فاهتمامه برجال العلم والفن، وحضوره المجالس التي يعقدونها على الدوام، إلى جانب موهبته الشعرية، كل ذلك جعله من بين أكثر السلاطين الشعراء غزارة في الإنتاج. وقد طبع ديوانه من قبل السلطانة عديلة ابنة حفيده محمود الثاني.
ويضم أبياتٍ في غاية الجمال ما زالت ترددها الألسن:
قيل عن قدِّ الأليف غصن رهيف وقيل عنه غزال

توحدت المقاصد في مبتغاها وإن فاضت الأقوال
وفي بيت آخر يقول:
كن في وصال الحبيب على مساوئه وفيا
فمن رام الكمال في الناس بات وحيدا
ويقول أيضاً:
ملك الدنيا ليس بباق لأحد، والعاقبة خسران
فيا محبي لو دامت لأحد لدامت لسليمان
قضى السلطان القانوني عمره في الفتوحات وإعمار أرجاء سلطنته الواسعة والاهتمام بالعلم، بعيداً عن مباهج القصر، فخلال عهده الذي امتد لستة وأربعين عاماً، وبينما كان القصر يفيض بأجمل نساء العالم وأكثرهن جاذبية وحسناً، فإنّ تعلقه بامرأة واحدة على وجه التقريب هي السلطانة هُرَّم لهو دليل واضح يعزز هذا الرأي.
ومن المعلوم أنّ القانوني اقترن بثلاث نساء هنّ غولفِم654، ماهي دِفران655، والسلطانة هُرَّم. وقد رزق منهن بثمانية أبناء ذكور هم عبد الله، مراد، محمود، مصطفى، محمد، جيهانغير، بيازيد وسليم، وابنة واحدة هي السلطانة ميهريماه.
وقد توفي كل من الأمراء عبد الله، محمود ومراد وهم لا يزالون أطفالاً، بينما توفي الأمير محمد وهو في الثانية والعشرين من عمره. أما الأمير جيهانغير فقد تأثر لمقتل أخيه وولي العهد الأمير مصطفى والذي كان يكن له محبة كبيرة، ومات بعده بفترة وجيزة وهو في الثانية والعشرين من العمر. كما أنّ الأمير مصطفى قد قتل نتيجة لتورطه في نزاعات السلطة، بعد أن أعلن التمرد ودخل في صراع مع أخيه سليم ليخرج منه مهزوماً ويلتجأ إلى إيران، حيث قتل على الطريق بعد تسليمه واستعادته.





القرن التركي

ذاعت شهرة السلطان القانوني في أوروبا من خلال الحملات الثلاث عشرة التي قادها بنفسه، لكن شهرته الداخلية استندت أكثر من ذلك إلى حكمه العادل والإصلاحات التي أدخلها في بنية الدولة. ولذلك فإنه في الوقت الذي عرف في أوروبا بألقاب كمثل؛ التركي الكبير، سليمان العظيم، فقد اشتهر بين الأتراك بلقب القانوني.
فاعتلاؤه العرش وهو في السادسة والعشرين من العمر، واستمرار حكمه لمدة ستة وأربعين عاماً، واتسام عهده بشكل عام بالانتصارات والغنى المادي، وإدارته للإمبراطورية على أسس من العدل والنظام، كانت من بين العوامل الأساسية التي زادت من مكانته ومحبته لدى الشعب.
وخلال سنوات حكمه الطويلة فإن الجيش العثماني خاض الكثير من الحروب في قارات آسيا، أفريقيا وأوروبا، وساهمت الانتصارات التي حققها في توسيع رقعة الإمبراطورية الممتدة على أراضي القارات الثلاث، وقد تولى بنفسه قيادة الكثير من هذه الحملات، وكان له النصيب الأعظم في توسيع سلطنته وازدهارها.
فمساحة الستة ملايين وخمسمائة ألف كيلومتر مربع من الأراضي العثمانية التي ورثها عن والده السلطان سليم خان، قد تضاعفت لمرات خلال الفتوحات التي حققها لتصل إلى أربعة عشر مليون وثمانمائة ألف كيلومتر مربع. وصلت فتوحاته غرباً حتى داخل ألمانيا، وشرقاً حتى بحر قزوين. وقد ساهم في توحيد تركيا-آسيا الوسطى وحقق تطورات على كل الأصعدة فيها، كما امتدت سيطرته على البلاد العربية بما فيها الشرق الأوسط، المحيط الهندي، بحر عمان، خليج البصرة، البحر الأحمر وسواحل أفريقيا الشمالية حتى المحيط الأطلسي.
«القرن التركي» أو العصر التركي هو القرن السادس عشر وتحديداً عصر السلطان سليمان خان الذي تمتع بسلطة تفوق سلطة كل ملوك وأمراء عصره. وكانت تربطه علاقات مع كل من السلاطين والملوك والدوقات وحكام كل من؛ الإمبراطورية الرومانية-الألمانية، البرتغال، إسبانيا، فرنسا، ميلانو، نابولي، الفاتيكان، جنوة، البندقية، المجر، النمسا، بولندا، أمراء روسيا، الصفويين، الغورغانيون656.
عقد صلات مع المسلمين في كل أرجاء العالم، وعمل على حل مشاكلهم، وهبّ لمساعدتهم، كما أنقذ مسلمي الأندلس في إسبانيا من اضطهاد المسيحيين لهم، ونقلهم إلى الأراضي العثمانية في سواحل شمال أفريقيا.
وإلى جانب هذه القيادة العسكرية الناجحة، فقد أبدى حساسية كبيرة اتجاه حقوق العامة وحل مشاكلهم، وكان لاحترامه الاستثنائي للعدالة دور كبير في اتباعه لهذه السياسة، والتي قوبلت في المصادر المحلية والأجنبية ومن قبل معاصريه بتقدير بالغ.
فاعتباراً من أول أيامه على العرش، لم يظهر السلطان سليمان أي تهاون إزاء من يقوم بظلم الرعايا، أو يبيع أبناءهم كأسرى سواء من الإداريين أو من رجال الجيش، وأنزل فيهم أشد العقوبات ليعزز بذلك أول تجليات عدالة حكمه. كما أنه لم يقم طوال فترة سلطنته بعزل أي شخص من منصبه دون وجه حق، فإنّ من عزل بسبب تهمة كبيرة كان من الصعوبة جداً أن يستحوذ على منصب جديد.
ويورد المؤرخ بيجفي العديد من الأمثلة في هذا المجال، ويبين بأنّ السلطان سليمان لم يكن ذا طبيعة متسرعة، بل يتخذ قرارته بعد تفكير مطول يستند فيها إلى المشورة والميل لما تقرره الأكثرية من وزرائه، دون التخلي عن موازين العدالة ورباطة الجأش، والتي شكلت إحدى الخصال التي مهدت أمامه سبيل النجاح وقادته نحو العظمة.
كان يضع مصلحة الدولة العليا فوق كل اعتبار، معتبراً استمرار نفوذها وقوتها إحدى أهم الأولويات، ومن المثبت أنه لم يتوان عن التضحية بكل من اعتبره قد يخل بمصلحتها- حتى لو كان أحب الناس إليه- دون تردد. ومن المعروف عنه اختياره لأشخاص مناسبين وتعيينهم في المناصب الرفيعة، فكل من الصدور العظام، الوزراء، الدفتردارية والنيشانجية وقضاة العسكر وسواهم من رجالات الدولة في عهده، كانوا من أصحاب الحنكة والكفاءة والقدرات العالية. .





الجيش يعمي عيون الأعداء

كانت قوة الجيش تتعاظم بفضل نفوذه وقوة شخصيته أمام قادة الجيش والإداريين على حد سواء، وإلى جانب مشاعر الاحترام والمحبة التي يكنها هؤلاء له، كان تقيده الصارم أثناء الترفيعات وترقية أصحاب المناصب بالسجل الوظيفي لهم ووضعه نصب عينيه محط تقدير الجميع. هذه الصورة المترسخة في أذهان الشعب ووجدانه لم تهتز على الإطلاق حتى حين قام بإعدام شخصيات تحظى بمحبة الناس واحترامهم كالأمير مصطفى، الأمير بيازيد، إبراهيم باشا وأحمد باشا. لذلك فإن انتشار خبر موته بين العسكر والأهالي أدى إلى حزن عارم غطى السلطنة من أقصاها إلى أقصاها. .
لقد بلغت قوة الجيش البرية والبحرية درجة من القوة، خولته المحاربة في عام واحد على ثلاث من أبعد الجبهات عن العاصمة، ضد دول تعتبر من بين الأقوى في العالم حينها. ففي العام ألف وخمسمائة وثمانية وثلاثين، حين خرج السلطان سليمان القانوني على رأس حملة البغدان، كان بربروس خير الدين باشا يحارب واحداً من أكبر الأساطيل التي شكلتها دول العالم المسيحي، فيما هاديم سليمان باشا كان يحارب البرتغال في المحيط الهندي، وكانت رسائل النصر تتوالى في الوصول إلى إسطنبول وتضجّ سماؤها بطلقات مدافع الاحتفالات. . ومرة أخرى حين كانت الجيوش الألمانية - النمساوية تحيط ببودين، وفي الوقت الذي كان القانوني يسير من إسطنبول إلى إدرنة، تمكنت القوات العثمانية من إلحاق الهزيمة بقوات العدو التي تفوقه عدداً بمرات مضاعفة. أما حسن باشا فقد تمكن من إلحاق هزيمة مدوية بشارلكان الذي كان يعتبر إمبراطور أوروبا كلها، جعلته يقرر التخلي عن مواصلة الحكم والانزواء في أحد الأديرة، حيث تنازل لاحقاً عن عرش إسبانيا لابنه فيليب بينما ترك عرش النمسا لأخيه فرديناند.
وقد استطاع هذا السلطان العثماني العظيم الذي لم تتمكن أي قوة من الوقوف في وجهه، من جعل جيوشه الحدودية قوى ضاربة تستطيع خلال مدة وجيزة تدمير العدو دون رحمة. لذلك ومن أجل حماية أراضي سلطنته التي بلغت خمسة عشر مليون كيلومتر مربع، كان ملزماً بتخصيص مبالغ سنوية كبيرة لكل من الجيش والأسطول، ولم يكن يدخر وسعاً لتلبية هذا المطلب.
في واحد من مجالس الديوان التي حضرها القانوني أيضاً، وبينما كان النقاش دائراً حول إحدى مسائل الدولة، انتقل الحديث إلى الجيش والعسكر، فخاطب أحد الوزراء السلطان بالقول:
- سلطاني القدير! هل تسمح بعرض ما يجول في ذهني دون مواربة؟
ليرد عليه السلطان:
- قل. .
- كما تعلمون فقد بلغ الجيش الهمايوني من الضخامة مبلغاً عظيماً، وهو يستهلك كل موارد الدولة من جهة، ويؤثر على النمو السكاني، ولا يجب أن ننسى أنّ أجدادنا العظام قد اعتمدوا في فتوحاتهم على جيوش قليلة العدد، فائقة المهارة. فإطعام وإعالة جيش بهذه الضخامة يستجلب الفقر والفاقة والقحط ويضر بزيادة السكان. .
وقد أجابه السلطان:
- رأيك حقيقة محضة. ولكن الزمن تغير والظروف تبدلت، فحين كان أجدادنا العظام يحاربون على رأس حفنة من الجنود، كانت مساحة أراضيهم لا تتجاوز راحة اليد على الخرائط، ولكننا الآن وبحمد من الله نحارب العالم برمته، ونحاول ترسيخ قوتنا ووجودنا فيه. ويجب ألا يغيب عن أذهانكم أنّ الجيش القوي يعمي عيون الأعداء، ويصم أسماعهم، ويحطم جسارتهم، ولا يترك لهم القوة والقدرة على مهاجمة بلادنا.
لقد بلغ العسكر في عهد القانوني مكانة وأهمية بالغتين، فقد كان حريصاً على الاطمئنان عليهم أثناء الحملات، والاستماع إلى شكواهم ومشاكلهم وتلبية مطالبهم المحقة. ولعل أحد المواقف اللافتة أنه وخلال حصار قلعة كورفو التي كانت على وشك السقوط، وعلى إثر إصابة إحدى طلقات المدافع أربعة من جنوده الذين استشهدوا جراءها، أعلن قائلاً «لن أبادل واحداً من مجاهديي بألفٍ من هذه القلعة» وأمر برفع الحصار. ونظراً لمواقفه هذه، كان الجنود أيضاً يكنون له محبة عظيمة، ويعلنون في الكثير من المناسبات «سنسير معك إلى الهند والسند، بل إلى ما وراء جبال قاف»، معبرين عن مشاعرهم واستعدادهم للتضحية من أجله بكل رضا وسرور.





أخي الآخروي

كان السلطان سليمان يكنّ توقيراً كبيراً للعلماء والمتصوفين، ويغدق عليهم بالإكرام والتقدير كل بحسب حاله ومكانته. وكان كل من سنبل أفندي وطالبه مركز أفندي وبابا حيدر أحد خلفاء حضرة عبيد الله أحرار وبقية الأولياء في إسطنبول يحظون باحترام كبير من قبل السلطان، ومع تقدمه في العمر بات نور الدين زاده مصلح الدين أفندي لا يفارق مجلسه على الإطلاق.
ولم يكن يقدم على أي خطوة دون استشارة العلماء، أو يحرم أولياء الله من رعايته واهتمامه. حيث بنى المدارس من أجل العلماء، والتكايا من أجل الأولياء، وكان الاحترام العظيم والمكانة الكبيرة التي يحظى بها العلامة أبو السعود أفندي لديه، تفوق كل وصف. فقد كان يواظب الرجوع إلى أبو السعود أفندي- الذي كان يحرص عادة على الابتعاد عن شؤون الدولة- ويأخذ بمشورته ويسترشد برأيه. ولقناعته بأنه شخص مبارك سعيد الطالع، فقد كلفه بوضع حجر أساس محراب جامع السليمانية خلال مراسم وضع حجر أساس الجامع. وفي الرسالة التي كتبها له في نيش وبعث بها من هناك، يظهر الاحترام والتقدير الذي يكنه لهذا العلامة الكبير من خلال الكلمات التالية:
«يا رفيقي في كل حال، وتِربي، يا أخي في الآخرة، ورفيقي على طريق الحق؛ حضرة المُلا أبو السعود أفندي!
بعد الدعاء اللامتناهي لله عزل وجل، كيف هو حالكم؟ وكيف صحتكم؟ فلينعم عليك جناب الحق من لدن خزائنه الخفية بكمال القوة وتمام الصحة. وما نرجوه من لطائف كرمكم وبركاتكم ألا تخرجونا نحن عباد الله العاجزين من قلوبكم في الساعات المباركة ولا تنسونا من الدعاء. وإن شاء الله سيكون جزاء العدو هو الهزيمة والألم، وأما جنود الإسلام السائرون برضا الله فنصيبهم النصر والظفر.
الدعاء ثم الدعاء، عبد الله؛ سليمان الصادق»657.





رعاية حقوق العباد

ومثل كل السلاطين العثمانيين كان السلطان سليمان القانوني حريصا على رعاية حقوق العباد، ويخشى كثيراً من محاسبة الله في يوم الحساب. فبعد الانتهاء من الكلية السليمانية التي كانت مكونة من أقسام خدمية مختلفة، طلب السلطان من كل العمال والمعمارية الذي شاركوا في بنائها أن يجتمعوا جميعاً لكي يحلّوا تعبهم عليه658. وقد حضر الجميع في التاريخ والساعة المحددة، كما أنّ السلطان سليمان الذي كان يرغب عن انتظار الناس له حتى لا يتعدى على حقوقهم، قد حضر بدوره في الموعد دون تأخر، وانتقل إلى المكان المخصص له. وقد بدأ سلطان السلاطين حديثه بالثناء على الله سبحانه وتعالى والصلاة على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه الكرام بصوت عذب، ثم قرأ الفاتحة على روح أجداده وكل أخوته في الدين ودعا لهم:
«يا أخوتي في الإيمان! يا رفاق دربي! كما ترون فقد انتهى بناء هذا الجامع الشريف، فليرضى الله سبحانه وتعالى عن كل من بذل فيه جهداً، ولكنني أريد أن أطلب من كل من عمل فيه ولم يحصل على حقه، أن يأتي ويطلبه منا». فلم ينبس أحد ببنت شفة، وحينها واصل السلطان كلامه:
«وإن حدث وتغيب أحد ممن لم يحصلوا على حقوقهم عن الحضور اليوم، فأنا أتعهد بإيفاء حقوقهم وليبلغ حاضركم الغائبين منكم ليأتوا ويحصلوا على كل حقوقهم». ولم يخرج أحد ليعلن بأنّ له حقاً لم يحصل عليه. ما يدل على أنّ عملية البناء تمت وفق انضباط محكم لم يسمح بالاعتداء على حقوق أي أحد.
وبحسب التمحيص في الوثائق فإنه وخلال أشد أوقات العمل كثافة، كانوا يهتمون حتى بإطعام الدواب من الخيول والبغال التي تعمل في البناء، ويبذلون جهداً كبيراً كي لا يتجاوزوا حقوق أي من المخلوقات.





فعالياته العمرانية

أولى القانوني الذي عرف عنه اهتمامه بأعمال الخير والأوقاف، عناية كبيرة بالحركة والفعاليات العمرانية أيضاً، وقد ترك آثارا عمرانية خالدة في العمارة التركية؛ من جوامع ومدارس. كما قام بإعادة ترميم وبناء العديد من المباني التي تركها أجداده، أما أعظم الصروح التي أمر بإنشائها فهي الكلية السليمانية التي بناها المعمار سنان. ولعل هذه المقولة التي انتشرت بين الناس هي تعبير حقيقي عن الواقع:
«السليمانية؛ صاحبها سليمان ومِعمارها سنان وعجينتها الإيمان».
وقد آلت مهمة استكمال المسيرة العلمية لمدارس صحن الثماني التي بناها سابقاً جد السلطان محمد الفاتح، إلى الكلية السليمانية. هذه الكلية التي بُنيت على واحدة من تلال إسطنبول السبعة، كانت تضم الجامع الشريف، كلية الطب، أربع مدارس، مدرسة ملازمة659، دار الحديث، مشفى، عمارة، مطبخاً، دار القرّاء بالإضافة للمقبرة.
وإلى جانب الكلية السليمانية، فقد قام القانوني ببناء جامع السلطان سليم على اسم والده مع لواحقه، بالإضافة لجامع على اسم كل من أبنائه محمد وجيهانغير وبقية منشآتهما، جامعان باسم ابنته السلطانة ميهريماه في منطقتي إدرنة كابي وأوسكودار، جامع هاسكي سلطان الذي بناه على اسم زوجته السلطانة هُرَّم، إلى جانب المدرسة ودار الشفاء الملحقة بهذا الجامع، وسواها من الآثار العمرانية التي زينت ملامح إسطنبول على مر العصور.
أما قنوات المياه في إسطنبول والتي أطلق عليها اسم كيرك جيتشمه، فهي من أعظم وأهم الآثار العمرانية للقانوني، هذه القنوات المائية التي بوشر العمل فيها العام ألف وخمسمائة وخمسة وخمسين وانتهي في الثالث والعشرين من حزيران العام ألف وخمسمائة وثلاثة وستين والتي كلفت في مرحلتها الأولى أكثر من أربعمائة يوك، أي ما يعادل (40263063) أكجة، ومن ثم وبسبب الفيضان الكبير وما ألحقه ما دمار ببعض أجزاء القنوات تم صرف ثمانية وتسعين يوكاً إضافياً (9800000) أكجة، وبذلك بلغت تكلفة قنوات المياه ما يقارب (50054207) أكجة.
في العام ألف وخمسمائة وثلاثة وستين وأثناء الفيضان الكبير الذي اجتاح المدينة بما فيها حديقة إسكندر جلبي (تقع حاليا بين منطقتي فلوريا ويشيلكوي). كان السلطان القانوني متواجداً هناك وقد كادت المياه الجارفة أن تودي بحياته أيضاً، لذا أمر المعمار سنان ببناء جسر بيوك جيشمجه، والذي بدأ العمل فيه مع حلول تموز من العام ألف وخمسمائة وخمسة وستين وانتهى في آب العام ألف وخمسمائة وسبعة وستين بتكلفة تعادل (11450000) أكجة.
وقد بنى القانوني منشآت أخرى في مختلف بقاع إمبراطوريته، ففي بغداد أعاد تعمير ضريح الإمام الأعظم أبو حنيفة الذي كان الشيعة قد دمروه سابقاً، وأمر ببناء عمارة وجامع إلى جواره. وفي بغداد أيضاً بنى ضريحاً فوق قبر مؤسس الطريقة القادرية الشيخ عبد القادر الكيلاني بالإضافة إلى جامع وخصص لهما ما يكفي من الأوقاف الخيرية.
وفي قونيا بنى جامع بمنارتين بالقرب من ضريح مولانا جلال الدين الرومي وسماع خانة660، إلى جانب عمارة وغرف من أجل الدراويش. وأنشأ تكية كبيرة إلى جوار ضريح سيد بطال غازي في بلدة سيد غازي بالإضافة لجامع ومدرسة وعمارة661.
وفي هذا العهد تم ترميم العديد من الكنائس في كل القلاع والحصون والبلدات التي تم فتحها، لتتحول إلى جوامع، وفي حال عدم وجودها كان يتم بناء الجوامع فيها. كما أمر السلطان بترميم جامع قبة الصخرة في القدس وزخرفة كل جدرانه الداخلية والخارجية.
وكما الخلفاء السابقين فقد كان القانوني أول السلاطين العثمانيين الذين قاموا بترميم الكعبة الشريفة وتزيينها. وقد حصل على فتوى من المفتي أبو السعود أفندي تجيز هذه التزيينات، وأمر بأن تتم عمليات البناء في حضور فقهاء وأئمة المذاهب الأربعة في مكة وهي الحنفي، المالكي، الشافعي والحنبلي. كما قام بتوسيع الوقف الذي أحدثه سلاطين مصر قبلاً من أجل كسوة الكعبة.





الكلية السليمانية

يورد لنا المؤرخ المعاصر لتلك الحقبة؛ جلال زاده إبراهيم جلبي الوقائع التالية حول بناء أعظم آثار القانوني ألا وهو الكلية السليمانية حيث يقول:
«لا يجوز لنا أن نقارن بطل ساحات الوغى، وأنوشروان الزمان وسلطان الترك الأشهر السلطان سليمان القانوني، مع أسلافه من السلاطين. ذلك أنّ من بين رعاياه الكثير من الأمراء، السلاطين والخانات والنجاشيون ممن يستثيرون غيرة الملوك والشاهات، كما أنّ الفتوحات والروائع المعمارية التي أنشئت في عهده، لم تقدّر لأي سلطان قبله.
لا ننكر أنّ العالم شهد مرور الكثير من السلاطين ذائعي الصيت، ولكن القسم الأكبر منهم قد ارتكب المظالم بحق شعوبهم. فحتى أهريمان أيضاً فتح الكثير من البلاد؛ ولكن ما ارتكبه من قسوة ومظالم لم يكن لها حد أو حساب. وقد حدثنا التاريخ عنه كما حدثنا عن أصحاب الفضيلة والمكارم.
فكما يختلف الشاهين عن العصفور، وكما لا تشبه الشمس النجوم، فكذلك هو الفرق بين القانوني وبقية السلاطين.
ومهما علت مكانة الإنسان في هذا العالم وعظمت مرتبته، فلا يمكن له أن يبلغ الخلود، كما أنّ ما شيء ثابت في هذا الكون. ولا يمكن للعاقل الوثوق في حسن الطالع على الإطلاق، فحين يرى البلبل الربيع، يغرد حبوراً، ولكن لا الربيع يدوم إلى الأبد ولا حبور البلبل وانشراحه يستمران. فما أن تهب نسائم الخريف، حتى ينعقد لسانه ويخبو شدوه.
والحكيم من لا يعقد الآمال على عالم الفناء، فالانخداع بمفاتنه جهالة كبيرة، فهذه الدنيا ليست سوى لحظة عابرة. والعمر أشبه بشمعة نورها ليس ببقاء للأبد، وسيخبو عاجلاً أم آجلا. أما الفرح فهو كمثل ظل تتغير صورته وأبعاده. الورد، الجمال، المياه، النار والرياح كلها من نفس الطبيعة ولا يجوز للقلب أن يسلمها نواصيه.
فالحكماء والعقلاء من الرجال يعلمون جيداً أنّ صورة العمر لا يمكن لها التجلي سوى في مرآة الحياة. والأجدى بالإنسان أن يفعل الخير بينما صحته جيدة، وأن يترك خلفه صالح الأعمال والآثار. فإن كان من شيء يمنح الإنسان الخلود؛ فهي الأعمال والأفعال الصالحة. فالإنسان سيموت، ولكن ما تركه خلفه من حسن الآثار سيبقى.
هذه الحقائق أدركها السلطان سليمان وقضى وفقها حياته كلها، وكان دائم التفكير في ترك أعمال الخير التي من شأنها أن تخلد اسمه في هذا العالم. وكانت حصيلة هذا التفكير أنه قرر بناء جامع على قدر كبير من العظمة والعلو والأبهة، وعمارة ومدرسة. وقد أراد أن يبنيه في مكان عال منشرح، يطل على البحر فاختار موقعاً قريبا من القصر القديم (إسكي سراي). لتتألق هذه المؤسسة الخيرية في أجمل مواقع إسطنبول وتبهج القلوب ببديع مظهرها.
وقبل الانخراط في هذا العمل، تباحث مطولاً مع المهندس الشهير المعمار سنان، وبعد أن أتم الأخير تصميمات البناء قدمها للسلطان. وحين نالت الرسومات إعجاب السلطان، توجه المعمر سنان نحو موقع بناء الجامع بادئ ذي بدء، فقام بتسوية الأرض وثبت الأوتاد في المواقع المحددة لحفر أساسات البناء، وجمع حشداً غفيرا من العمال المهرة ليبدؤوا بالحفر. وفي اليوم الحادي والعشرين من جمادي الأول العام تسعمائة وستة وخمسين للهجرة الموافق للسابع عشر من حزيران عام ألف وخمسمائة وتسعة وأربعين، امتطى السلطان صهوة حصانه مصطحباً معه كل رجالات الدولة وعلماء إسطنبول وتوجه نحوم موقع البناء. وبعد توزيع الكثير من الصدقات والإحسان تم ذبح الأضاحي من أكباش وأغنام، حتى أشرقت وجوه الأيتام والفقراء غبطة، ورفعوا مع كل الحاضرين أيديهم بالدعاء.
وفي هذه الأثناء توجه السلطان ومفتي إسطنبول الشهير أبو السعود أفندي، نحو المعمار السنان لسؤاله عن موقع محراب الجامع، وبعد أن أطلعهم على موقعه، وضع أبو السعود أفندي بيديه المباركتين حجر أساس المحراب. وبدأ الحفظة بتلاوة القرآن الكريم، وكان العديد من الجنود أيضاً قد وصلوا، حيث كلف السلطان مهندس القصر الشهير حسين جلبي بالإشراف على هؤلاء. وترك له إدارة المصاريف المالية لعملية البناء. وقد بوشر العمل بالجامع وبقية المنشآت الأخرى بعد تحديد مواقعها ووضع أساساتها عام تسعمائة وستة وخمسين للهجرة الموافق للعام ألف وخمسمائة وتسعة وأربعين ميلادية، وانتهى العمل من قبة الجامع في يوم السبت الموافق للتاسع من شهر شوال العام تسعمائة وستة وخمسين.
تم بناء زوايا باب الجامع من المرمر وزيّن ببديع الزخارف. وفوق الباب المواجه للمحراب من الخارج كتب باللغة العربية (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
أما الباب المفضي لصحن الجامع فهو بديع الصنعة، وتحيط بالصحن من الجهات الأربع أعمدة عالية من الرخام تعلوها أقواس مرتفعة، وفوق هذه الأقواس الكثير من القباب الصغيرة. وتثير منارات الجامع المرتفعة وقبابه الضخمة الإعجاب والدهشة في النفوس. وعلى يمين ويسار الجهة القبلية لصحن الجامع يوجد رواقان، وما يلفت النظر فيهما تلك الأقواس المنصوبة على الأعمدة الضخمة والمصنوعة من الرخام الملون والتي تعلوها الكثير من القباب أيضاً. وبسبب من هذا التصميم المعماري الفريد، فإن الجامع يحتل مكانة قيّمة في فن العمارة. أما الباب الكبير الذي يقع قبالة المحراب، فتزينه زخارف أخّاذة، لن ترى أو تسمع عن نظير لها في أي صرح آخر في العالم كله، وفوق الباب نقشت الآية التالية (ادخلوها بسلام آمنين).
وقد صُنعت أقفال الأبواب وحلقاته وبقية أقسامه المعدنية من الذهب والفضة المؤطرة بالمرمر، والتي تزينها نقوش تسر الناظرين. وفي ساحة الجامع موضئ تتوسطه نافورة مياه جميلة الصنع، تتدفق مياهها العذبة براقة بلون الفضة من عدة فتحات على أطراف الحوض دون توقف.
كما أنّ قبة الجامع من الفخامة بحيث قلّ أن تجد لها مثيلاً في العالم برمته، فهذه القبة تبدو مستوحاة من عظمة القرآن الكريم، وكأنها بُنيت لتكون له حرزاً أميناً.
أما المآذن الأربع لرفع الأذان فهي تشير إلى صحابة الرسولصلى الله عليه وسلّم الأربعة الكرام. وتتوزع على هذه المآذن عشر شرفات؛ شرفتان مزدوجتان على مئذنتين منهما، وثلاث شرفات على كل من المئذنتين الباقيتين. وبدورها تشير إلى الصحابة العشر المبشرين بالجنة.
هذه التحفة المعمارية الرائعة التي بناها السلطان سليمان تستحق أن تُسمى بجامع الأقصى الثاني فهي في روعتها تكاد أن تمثل قطعة من الجنة. كما تحيط بالقبة الكبيرة أربعة أقواس ضخمة لا تختلف في جمالها عن روعة قبة السماء.
وعلى اليمين واليسار تنتصب أربعة أعمدة هائلة من الرخام السماقي، لا نظير لها في العالم برمته. اثنان منها كانا موجودين في إسطنبول، أما الآخران فقد تم إحضارهما بواسطة السفن من مدينة الإسكندرية في مصر، لتكون من نصيب هذا الجامع وتنتصب في حرمه.
للجامع بابان على اليسار واليمين بحسب جهة القبلة، وفي الجهة المعاكسة للمحراب، يوجد مصلى آخر تنتصب قبته على أعمدة رخامية، ويطل كل من الصحن الرئيسي والمصلى الفرعي على الفناء الخارجي للجامع، وفي منتصف هذا الفناء بُني سبيل ماء على شكل مربع، على كل طرف من أطرافه ثمانية عشر صنبوراً.
تتدلى بعض السلاسل من قبة الجامع نحو الأسفل، وقد علقت على أطرافها كرات زجاجية ملونة بألوان زاهية، وهي عبارة عن هدايا منحها للجامع العديد من أصحاب الحرف والفنانين المهرة، وتتخلل هذه الكرات قناديل مذهبة تستحضر للأذهان النجوم في سماء الليل. وقد تولى السلطان سليمان كل مصاريف الجامع من ماله الخاص؛ أما النقوش والزخارف والتصاميم وبقية التفاصيل فقد كانت تحفاً فنية أهداها الفنانون والحرفيون الأتراك للجامع.
ومن أجل تزويد الجامع من كل جهاته بالضوء والتهوية اللازمة، فقد احتوى على العديد من الأبواب والنوافذ التي تغطيها ألواح زجاجية بديعة الألوان والزخارف.
ولأن قسماً من النوافذ مطلي باللون الذهبي فقد كانت تلعب دور المرايا أيضاً، وكانت كل واحدة منها تتلألأ كالنجوم والشموس لتنير كل جهات الجامع حين تنعكس أشعة الشمس عليها.
بُني محراب الجامع من رخام مصقول، مستوٍ ونقي كالزجاج، وقد برع النقاشون في تزيين كلا جانبيه بمهارة، حتى غدا لوحة فنية جديرة بالتأمل. ووُضعت على طرفيه مجامر البخور ومقارئ وضعت عليها نسخ من القرآن الكريم. وإلى جوار المحراب منبر مرتفع من أجل قراءة الخطبة، وقد بني من الرخام نقي اللون بحرفية وبراعة تشي بذائقة فنية رفيعة.
وقبالة كل من المنبر والمحراب أقيمت ردهة على أعمدة رخامية، وهي مخصصة من أجل قرّاء القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة والواعظين، وإلى جوارها مساحات واسعة من أجل إقامة الصلاة لكل من يرغب.
في الطابق الأول وقبالة أول الصفوف، وُضعت مصاحف كتبها أشهر الخطاطين بخطوط غاية في الروعة والإتقان، وقد زينت بنقوش مذهبة وغُلفت بعناية فائقة، وُوضعت في محافظ منسوجة من أفخر أنواع الأقمشة فوق مقارئ مصنوعة من أخشاب عطرية لتسهل قراءتها، وكل ما ذكرناه من تفاصيل قد استغرق الكثير من الوقت والجهد لإنجازه بأتم صورة.
كما نُصبت على يمين ويسار المحراب شمعدانات مذهبة صنعها أفضل الحرفيين، ووُضعت في العديد من أجزاء هذا الطابق كراسي ليجلس عليها الوعّاظ. وقد خُصص طابق على يسار المحراب مرفوع على أعمدة رخامية ليقيم فيه السلطان صلاة الجمعة والأعياد.
أما على يسار ويمين الجامع فقد بنيت أربع مدارس يلفت بنيانها العالي الأنظار، وفيها يتلقى الطلبة الأتراك الدروس على يد أكثر العلماء معرفة وعلماً وذلك لأربعة أيام في الأسبوع. وتتألف كل واحدة من هذه المدارس من العديد من الغرف المقبّبة.
وبفضل هذا المدارس زادت مكانة العلماء والمدرسين وارتفعت سوية التعليم بالمجمل، وزاد عدد النابغين في كل مجالات العلم حتى بلغوا مرتبة الكمال، كما أنّ العلماء كان يحصلون فيها على رواتب عالية. وكان الطلبة والمدرسون يواصلون الدعاء للسلطان.
وقبالة محراب الجامع وإلى اليمين أقيم بناء ضخم ومرتفع من أجل تعليم أحاديث الرسولصلى الله عليه وسلّم، وهو مكون من غرف عديدة، تدرّس فيها علوم الحديث، وبين الحين والآخر يتلقى الشعب النصح والمشورة بناءً على تلك الأحاديث.
ولأن السلطان كان يكنّ توقيراً ومحبة بالغة لآيات القرآن الكريم، فقد عيّن مدرسين يتقنون التجويد من أجل تلقين الحفظة كيفية التلاوة بأفضل صورة، وكان هؤلاء يعلمون اليتامى من الأطفال المسلمين تلاوة القرآن وتجويده أيضاً.
وبعد الانتهاء من كل هذه المؤسسات الخيرية، كان يتوجب بناء حمام خاص بها، فكما هو معلوم تعتبر النظافة أحد أسس الدين الإسلامي. وكان السلطان يولي هذه الناحية الأهمية اللازمة، لذا فقد أُقيم حمام بديع الطراز على يسار الجامع خلف المدارس.
وقبالة أول أبواب حرم الجامع، بُنيت عمارة خيرية كبيرة، ونزل للمسافرين يضم ثماني عشرة غرفة ليرتاح فيها المسافرون. كما بُنت قبالة باحتها الصيفية والشتوية أحواض وسبُل مياه من المرمر الخالص.
وكان مطبخ العمارة يقدم صباحا وعند الظهيرة في أطباق خزفية وجبات طعام متنوعة بحسب المواسم بالإضافة للمخللات وسواها من الأطباق الجانبية. وقد خصصت أماكن يضع فيها المسافرون حيواناتهم التي ترافقهم، يقدم لهم فيها علف قادم من إسطبلات القصر. وإلى جانب ذلك كانت تقدم للطلبة الصوفته662 في هذه المدارس وجبات خاصة بهم. كما كانت توزع على الفقراء والمحتاجين أطباق يومية من الطعام بشكل منتظم.
وقد بنى السلطان سليمان إلى جوار هذه العمارة مستشفى أيضاً، كان فقراء المدينة من المرضى يتلقون فيه العلاج بالمجان ويبيتون فيه عند الحاجة ويحصلون على الأدوية والطعام المناسب لحالتهم المرضية، وكان للمشفى حمام ومطبخ وأماكن للمبيت خاصة بعامليه، إلى جانب الحدائق التي تزينها الأحواض. وكانت أوقات العلاج فيه تبدأ كل يوم من الصباح وحتى الظهيرة.
وقد أنشئت خانات للتجار القادمين إلى إسطنبول بقصد التجارة، وضمت غرفاً مختلفة، تناسب مقام الشخص الذي تستضيفه إلى جانب الردهات وبقية الأقسام. وبنيت حولها الحوانيت والأسواق التجارية، لتتم فيها عمليات البيع والشراء والمبادلات التجارية.
وعند الانتهاء من بناء العمارة، قام السلطان بتعيين مصطفى جلبي كاتب الأوامر في القصر ليتولى إدارة المكان، وقد كان هذا الشخص أحد آغوات وقف حرم المدينة المنورة، صاحب علم، كريم الخلق، ورعاً. لذا فقد ترك السلطان كل أمور العمارة في عهدته. وقد نُظمت في هذه الأعمال الخيرية وبخاصة جامع السليمانية الذي بُني على اسم السلطان، العديد من المؤلفات الشعرية والنثرية663.





قانون نامه السلطان سليمان

على الرغم من الألقاب الفخمة التي عُرف بها السلطان سليمان في العالم الخارجي كسليمان العظيم والتركي الكبير والتركي العظيم، لكنه في العالم التركي والإسلامي حاز لقباً أكثر بساطة وتواضعاً وهو القانوني، والذي يستند على أسس عميقة المعنى. فهناك سببان مهمان لحصوله على هذا اللقب؛ أولهما قيامه بجمع القوانين العثمانية السابقة تحت اسم القانون العثماني العالي (قانون نامه عالي عثمان) بموجب ضرورات عصرية، واستناداً على منظومة الحقوق والشريعة الإسلامية، ليقوم بتنظيمها وتطويرها.
وقد ساعد السلطان سليمان خان في مهمة إعداد (قانون نامه عالي عثمان) اثنان من أهم علماء تلك الحقبة؛ كمال باشا زاده وأبو السعود أفندي. وتضمّن قانون نامه كل المواضيع الضرورية الحقوقية، الإدارية، المالية، العسكرية وبقية الفروع، وكانت أهم القضايا التي عالجتها هي؛ الجنائيات والضرائب والقضايا الخاصة بالرعية والجنود.
وقد اعتُمدت هذا القانون نامه لقرون متواصلة من أجل تثبيت أوضاع الرعية وأصحاب التيمارات والزعامات من الناحيتين القانونية والمالية، حيث قسمت الأراضي إلى عشرية وخراجية وميرية ونظمت ملكيتها وفق الأحكام المحددة.
وقد استمدت قوانين (القانون نامه) بالكامل من الحقوق والشرائع الإسلامية وفق المذهب الحنفي، وفي كل البلدان التي تم فتحها، تم الحفاظ على الأعراف والقوانين الباقية من الحكم السابق، شرط مواءمتها مع القوانين الإسلامية لتأخذ مكانها في (القانون نامه)664.
وقد أشرف القانوني بنفسه على تنظيم أحكام الدولة الإدارية، ومتطلبات مؤسسة الخلافة بالإضافة إلى الأحكام المتعلقة بالعدالة الاجتماعية.
وفي إمبراطورية السلطان سليمان خان التي تمتد أراضيها من المحيط الأطلسي وحتى بحر عمان ومن المجر والقرم وقازان665 وحتى الحبشة، كان النجاح حليفه في إدارتها بفضل العمل وفق أوامر القرآن الكريم الذي هو كلمات الله سبحانه وتعالى، وعلى أسس من العدل.
ولم تنص أحكام (القانون نامه) على أي قانون، دون الرجوع إلى علماء الدين الإسلامي والأخذ بمشورتهم. وقد حرص القانوني خلال مدة الستة وأربعين عاماً التي حكم فيها على تطبيق القوانين التي تم وضعها في عهده على أحسن وجه، ليصبح منبع سعادة واستقرار لرعايا الدولة وكل من في حكمهم.
أما السبب الثاني لاستحقاقه لقب القانوني فهي أنه ومنذ لحظة استلامه السلطة وحتى رمقه الأخير، أدار كل أعماله بموجب القانون وفي ظل أحكامه التي لم ينحرف عنها مقدار ذرة.





حقوق النمل

حين اجتاح النمل أشجار النمل في حديقة غول هانه، ولم تفلح كل الإجراءات في الحد من انتشاره، قام السلطان سليمان بمراسلة أبو السعود أفندي يسأله عن جواز قتل النمل من عدمه من خلال البيت التالي:
إذا دبّ النمل على الشجر
فهل في قتله من ضرر؟
وبالطبع لا يمكن لأبو السعود أفندي أن يرد على السلطان بما هو أقل بلاغة، حيث أجابه بالبيت التالي:
إذا نُصب ميزان العدل
يأخذ النمل حقه بلا خجل





نشكو القانوني إلى القانون

حين عاد الجيش من حملته على بودين، اضطر لأن يجتاز في رحلته طرقاً ضيقة وعرة، وأثناء ذلك تعرضت حقول بعض القرى للضرر. وحين حاول أحد القرويين الوصول للسلطان وإطلاعه على حقيقة الوضع، منعه الموظفون والحراس من الوصول إليه وإسماعه شكواه، فلم يجد من سبيل أمامه سوى رمي القانوني بالعكازة التي بيده من بعيد.
فاسترعى الأمر انتباه السلطان وأمر بإحضار الرجل إليه على الفور. وعلى إثر ذلك تم اعتقال القروي وإحضاره للمثول أمام القانوني وهو ما كان يرمي إليه الرجل.
فخاطبه السلطان سليمان بالقول:
- ما هي مشكلتك ولماذا قمت بذلك؟
فرد عليه الرجل:
- نحن قرويون فقراء، وقد اجتاز بعض من جنودك الحقول التي زرعناها للتو، فإما أن تقوموا بتعويضنا عن هذا الضرر وإلا فسأشتكي عليكم.
وعلى إثر هذا الجواب ضحك القانوني رغماً عنه، وهو يقول:
- حسناً، ولمن ستشكونا؟
فأجابه القروي:
- ألست القانوني؟ إذاً سأقوم بشكايتك إلى القانون.
وقد سرّ القانوني سروراً عظيماً من هذا الجواب، وعلى الفور أمر بحساب الضرر الذي أصاب القرويين، ودفع لهم التعويض المناسب.
كان القانوني حريصاً على متابعة أحوال الرعية دوماً، ويرغب في حل مشاكلهم ووقف معاناتهم دون تأخير. ولعل هذه الحادثة تحمل دلالة هامة لتسليطها الضوء على وجهة نظره إزاء حقوق الرعايا.
في أحد الأيام توجه السلطان لبعض المقربين منه في أحد مجالسه بالسؤال التالي:
- من هو ولي نعمة العالم؟
فرد عليه الحاضرون بالقول:
- بالطبع هو سلطان الآفاق وصاحب البلاد حضرة مولانا السلطان.
لكن هذا الجواب لم يرق له، واعترض عليه موضحاً:
- إنّ ولي نعمتنا الحقيقي هم الفلاحون، فهم يبذلون الجهد في الزراعة والحصاد، حتى الراحة والاستقرار محال عليهم، ومن خلال النعم التي ينتجونها نشبع نحن.





كنا نظن سلطاننا مستيقظاً

في أحد الأيام جاءت عجوز إلى القصر وأصرت على مقابلة السلطان، ولم تنفع معها كل المحاولات لإيضاح غرضها، حتى بلغ الخبر أخيراً مسامع السلطان، الذي أمر قائلاً:
- أحضروها لنستمع إلى مطلبها.
وحين مثلت العجوز أمامه أخبرته بأنّ منزلها قد نُهب وأعلنت أنّ السلطان هو المسؤول عن الحادثة وطالبته بدفع التعويض عما أصابها من ضرر.
فسألها القانوني:
- وما الذي سرقه اللص يا خالة؟
- لم يترك شيئاً، أخذ كل ما أملكه.
فابتسم القانوني وقال لها:
- وماذا كنت تفعلين بينما أخذ كل ما في المنزل؟ أيجوز أن يكون نومك ثقيلاً إلى هذا الحد؟ في هذه الحالة فأنت المذنبة. .
لترد عليه العجوز بالقول:
- كنا نظن أنّ سلطاننا يظل مستيقظا، لذا ننام ملء الجفون. ولكن الحقيقة أنك أنت أيضاً لا تبقى متيقظاً.
وقد راق جوابها كثيراً للسلطان القانوني، فأمر على الفور بمقابلة كل مطالب العجوز وتعويض أضرارها من ماله الخاص.





سليمان ! لقد أنقذت نفسك. .

أُحضر جثمان السلطان سليمان القانوني إلى جامع السليمانية من أجل إقامة صلاة الجنازة على روحه. ولكن ساحة الجامع ضاقت على جموع المصلين، حيث امتدت حشود الناس من تلة مرجان وحتى شوارع الوفاء666، من أجل الوداع الأخير لسلطان عظيم طبع عصراً برمته بطابعه الخاص.
وقد أمّ الصلاة شيخ الإسلام أبو السعود أفندي، وبعد إقامة الصلاة، وقراءة الفاتحة على روحه، اقترب من القبر من أجل دفنه. وبينما يتم إنزال جثمانه إلى الأسفل استرعى انتباه أبو السعود أفندي أحد آغوات القصر وهو يحاول حشر صندوق أسود داخل القبر، فناداه على الفور:
- توقف يا آغا! ما الذي تفعله هناك؟
- في عهدتي أمانة يا سيدي، ويتوجب عليّ أن أؤديها.
فسأله أبو السعود أفندي:
- ما هي الأمانة؟ أرِنا إياها.
حيث رد عليه الآغا:
- يا شيخنا! هي وصية مولاي السلطان، فقد أراد أن نضعها معه في القبر.
ليعلن أبو السعود أفندي محاولاً منع الآغا:
- لا يمكن، فهذا الأمر ليس جائزا.
فأوضح له الآغا حينها:
- يا شيخنا! لقد أوصاني مولانا السلطان وأكدّ علي وضع الصندوق معه. ويجب علي تنفيذ وصيته بأي شكل.
فاستبد الفضول بأبو السعود وهو يقول:
- كما تعلم فديننا لا يبيح أمراً كهذا. لذا دعنا نرَ ما بداخله ومن ثم نقرر بعدئذ.
فمدّ الآغا الصندوق الذي يحمله إلى شيخ الإسلام، ليتفاجأ برؤية كل الفتاوي والأحكام التي تعود له ومن سبقه ممهورة وتحمل الإمضاء، وهي مصفوفة ومرتبة بعضها فوق بعض.
فشحب شيخ الإسلام وغاض الدم من وجهه حتى اصفرّ وأظلمت عيناه، وخارت قواه، وبات على وشك الانهيار والسقوط، فخرّ على الأرض وأحاط رأسه براحتيه وقد خنقته العبرات، وسالت هذه الكلمات همساً من بين شفتيه وسط نظرات الدهشة التي ألمت بكل من حوله:
- آه يا سليمان! لقد أنقذت نفسك، فلنرَ كيف سيفي أبو السعود حسابه؟





كانت المناصب تسلم لأهلها

أوضحت القوانين والأنظمة التي استحدثها السلطان سليمان القانوني بمشورة خيرة رجال العلم والدين في دولته، الأسس الواجبة لتعيين الموظفين وعزلهم، ودرءاً للمظالم المحتملة فقد حال دون التعيينات والعزل العشوائي، وأظهر تقيداً شخصيا تاماً بالقوانين والأنظمة التي وضعها، لذلك فقد حرص الجميع على أداء مهامهم بأفضل صورة ممكنة خوفاً من عدم إعادة تعيينهم في حال تم عزلهم من وظائفهم. ذلك أنّ القوانين الجديدة قد نصت على أنّ الموظف الذي يتم عزله من عمله بسبب عدم تقيده بالأنظمة والقوانين لن يعاد تعيينه مجدداً، ولن يرى منصباً ومقاماً ما بقي حياً.
وهكذا منعت الدولة العثمانية الامتيازات الشخصية، وساهمت في جعل الكفاءة والجدارة السبيل لتحقيق كل المكاسب، فالمناصب لم تكن تنتقل من الآباء للأبناء وراثة؛ فقد يكون الأب العاقل وزيراً، لكن ابنه الفاشل قد يغدو كناساً.
وكان العبد وبالاعتماد على الكفاءة والإخلاص اللذين يظهرهما، يملك الفرصة في الارتقاء حتى منصب الصدارة تقديراً. أما مفهوم الأصالة فقد كان محصوراً ومتوارثا فقط بين أفراد السلالة العثمانية. كما كان كل أمير من أمراء السلاسة يحصل على أرقى مستويات التعليم على يد زمرة من المدرسين الأكفاء، ليكون جديراً بتولي عرش الدولة العلية مستقبلا. ولم يكن أي واحد منهم يضيع وقته سدى، ففي كل يوم واعتماداً على برنامج محدد يبدأ من الصباح وحتى المساء، كان ملزماً بتنفيذ العديد من الواجبات. وبذلك كان القصر يحدد مهام كل أفراده ابتداءً من الغلمان تحت التدريب وانتهاء بقمة الهرم؛ السلطان.
وكان المعيار في الحصول على أي وظيفة لا يقوم على الغنى أو الفقر، الصداقة والصحبة، بل على الكفاءة بالدرجة الأولى.
وبحسب ما أورده السفير النمساوي المعاصر لتلك الحقبة بوسبيك فإنّ:
«كل شخص كان الباني لمنصبه الحالي والمستقبلي، فالأتراك لا يعتقدون أنّ المؤهلات الشخصية تنتقل عبر الأشخاص بالوراثة، أو أنها تركة يتوارثونها. وكان الكسالى والمقصرون والسفلة لا يرتقون على الإطلاق، ولا ينالون الاحترام، ويظلون مهانين محقرين ويصبحون عرضة للإهمال». .
فعلى سبيل المثال تم تعيين المهاجم الشهير بالي بيك (كوجا بالي باشا) الذي حقق انتصارات لافتة على العدو في المناطق الحدودية، والياً على بلغراد اعتباراً من عام تسعمائة وستة وعشرين هجرية (الموافق للعامين ألف وخمسمائة وتسعة عشر وعشرين ميلادية). وبعد الخدمات المهمة التي قدمها بالي بيك الذي هو في الوقت نفسه ابن عمة القانوني، في الحملات على كل من المجر وبولونيا وألمانيا، فقد أرسل إلى السلطان سليمان القانوني يطالب بمنحه الراية (التوغ). ووفق النظام العثماني فقد كان يتوجب منح التوغ لوالي السنجق الذي يعادل في يومنا الحالي اللواء أو الجنرال.
وقد ردّ سليمان العظيم الذي كانت الدول الغربية تتسابق لتقبيل ركاب سرجه، على طلب بالي بيك برسالة، ويا لها من رسالة! وكأن من كتبها ليس سلطاناً يمتلك قوة عظيمة، وحاكم الأقاليم السبعة، بل مجرد معلم يحاول أن يرشد طالبه لحسن الأخلاق والسلوك.
أجل، فقد خاطب سليمان العظيم القائد الذي يسعى للمناصب بسطور مليئة بالعبر تدعو للتأمل والتبصر ملياً، وقد بدأها بالقول:
«أيها الغازي بالي بيك!
يا فخر الخواص المقربين، معتمد الملوك والسلاطين، قاتل الكفار والمشركين، وراية العزة الجليلة؛ الغازي بالي بيك!
سيصلك الأمر السلطاني العظيم، وليكن بمعلومك أنّ الرسالة التي بعثت بها إلينا قد وصلت، وقمنا بقراءتها وأدركنا المرام منها. فقد قمت بفتح ثماني عشرة قلعة، كما أرسلت ثلاثين مزلجة إلى الترسانة العامرة إلى جانب ستين ألف أسير. فليباركك الله ولتكن أبيض الوجه في العالمين، وكل ما أكلته من خبزي فهو حلال عليك. وأنت تتمنى علينا التوغ.
يا غازي بالي بيك! لم يحن أوان التوغ بعد، على الرغم من أنك قد قدمت لنا من الخدمات الكثير، وبدورنا فقد منحناك من النعم ثلاثاً مقابل هذه الخدمات.
أما الأولى فقد خاطبناك باسم أمير المؤمنين.
والثانية أننا أرسلنا إليك من الخلع أفخرها.
وأما الثالثة فقد منحناك راية رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم.
وقد كرمناك وعظمنا من شأنك من خلال هذه المنح الثلاث، والتي لا يعلو عليها إحسان أو منحة مطلقاً.
لذا فالواجب عليك أن تسعى لتقديم الشكر لحصولك على هذه النعم، وأعلم أنّ كل أمر وكل توفيق هو من الله سبحانه وتعالى، لذا إياك وأن يدخل الغرور قلبك، ولا تقل بأنّك قد فتحت كل هذه الممالك بحد سيفك.
فالملك والممالك لله جل جلاله، ومن ثم لرسوله الكريم، وثالثاً فهي لخليفتك بأمر من الحق عز وجل.
إنّ حصولك على البكوية (الإمارة) هو كالميزان، كفته الأولى هي الجنة وأما الثانية فهي الجحيم. وعليك أن تكون ممن تنام عيونهم وتظل قلوبهم يقظة، فالعدل رأس الملك، وكل حكم عادل هو بمثابة يوم تقضيه في العبادة، فليجعلنا الله سبحانه وتعالى جميعاً من بين عباده العادلين. وكل مظلمة واعتداء يقع في كل زاوية يمتد إليها حكمك وتصلها على رأس جنودك، إن سُئلت عنها يوم القيامة فسأرمي بوزرها عليك، لذا احرص منذ الآن ألا يصيبك الخزي في ذلك اليوم.
وإن كلفت أياً من الناس لأداء مهمة، فإياك والاعتماد على ما يظهر من حاله، فالكثيرون يظهرون وجه الصلاح حين لا تلوح أمامهم الفرص، وما إن تحين الفرصة التي ينتظرون حتى يبدؤوا بالتنمرد.
والخلاصة أنه لا يجب عليك الانخداع في أحوال ابن آدم دون أن تمتحنه بالتجربة. وكن يقظاً ومراقبا، ذلك إن قام البكوات والوكلاء بأداء مهامهم على أحسن وجه، ستُحفظ حقوق الرعايا ويصبحون بأفضل حال. فالرعايا هم كالقنديل للبكوات، فإن سقط هؤلاء صار أولئك في أسوأ حال.
وهناك من الناس من يظل صائماً كل نهاره، ساجداً كل ليله، ولكنهم مشركون، فقبلتهم وقلبهم للمال. وما من أمر أكثر غواية للناس من حب المال، لذا فإياك أن تميل لما هو فانٍ وتكّن له المحبة.
وأجزل على عباد الله بالنعم التي أنعم عليك بها، وكن كريماً. فالعطاء يقيك من الحسد والكثير من الشرور الأخرى.
ولا تغتم إن كان واردك لا يفي بصادرك وما تنفق، فإن اقتضت الضرورة والحاجة، أرسل إلينا لتعلمنا، ولن أكون عاجزاً عن إرسال ثلاث أو أربع مائة صرة من أموال الخزينة إليك. وإياك وأن تستملك كل أموال وأرزاق القلاع التي تقوم بفتحها من أجل بيت مال المسلمين، فهذا الأمر لا يلقى رضاي الهمايوني بأي شكل من الأشكال. فبيت المال يأخذ قسماً من الأموال، أما الباقي فهو من حق جنود الإسلام، وعلينا أن نرعى جنودنا.
وليكن كبير السن بمنزلة الأب لديك، والأقل سناً بمنزلة الأخ، أما الأصغر فليكن لك بمنزلة الابن. وأظهر الرحمة والعطف اتجاه أبنائك، وأكرم أشقاءك، واحترم آباءك ووقرهم.
وإياك أن تسيء إلى جنود الإسلام بأي شكل، وكن حامياً لعباد الله الفقراء في كل حدب وصوب من البلاد، ومن يحتاج منهم لصدقة، فليتكفل بيت مال المسلمين بكسوته وقوته. فالفقراء هم عباد الله سبحانه وتعالى، وبيت مال المسلمين من حق عباد الله، وإن كان بينهم أحد من السادة الكرام (الأشراف) فأرسل إلى آستانتي (العاصمة) اسمه وأوصافه، لنقوم بمنحه وظيفة، حتى لا يكابد أحفاد الرسول الكريم أي مشقة وضيق.
ولست موافقاً على الإطلاق عن أخذ أكثر من نصف أكجة من الفقراء ضريبة عن حيواناتهم وأملاكهم لأنها ستثقل على كاهلهم وتضايقهم. فعلى رعايا الكفار أن يشعروا بالغيرة والحسد من رفاه رعيتنا وسعة عيشهم، حتى يشعروا بالميل والمحبة اتجاهنا.
وقد أرسلت مولانا مصطفى أفندي ليكون قدوة المكارم وفصل الكلام الحق وقاضياً على جيش الإسلام. وحين وصوله يتوجب عليكم الانقياد التام والطاعة إزاء كمال مرتبته بحسب ما يقتضيه الشرع الشريف. وتذكر على الدوام مقولة (لحوم العلماء مسمومة) وإياك أن تسيئ إليه، بل أكرم وفادته ذلك أنّ العلماء ورثة الأنبياء.
كما أبديت رغبتك في وقف بعض القرى (جعل إيرادها للأوقاف) فوالله العظيم لو جعلت كل القرى التي تقوم بفتحها أوقافاً لأبديتُ القبول. لذا أرسل لنا تقارير بأسماء وأحوال القرى التي تريد جعلها أوقافاً، وإن أظهر كل من جاء من بعدك من نسل آل عثمان من السلاطين، وكل من تقلد منصب الصدارة والإمارة من الولاة وأمراء اللواء والقضاة وجملة أهل الإسلام، إجحافاً بحقوق هؤلاء الرعايا، فلعنة الله عليهم أجمعين، وسأخاصمهم وأعاديهم يوم الدين.
فيا أيها الغازي بالي بيك! عليك بالاجتهاد وبذل الغالي والثمين في سبيل دوام السلطنة وانتصار الدين المبين، وأن تجعل شجاعتك درعك لجنودك الميامين. وأن يكون هواك لصهوة جوادك وأن يبقى حد حسامك ماضياً، وأن تبقي باب الكرم مفتوحاً على الدوام.
ولا تكن كأهل الظاهر حين يرددون ?. .. أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ? دون تبصر، بل كن كأهل الباطن من العارفين، واجعل الآية الكريمة ?ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا. .. ? حرزاً في عنقك، وسترافقك دعواتي بالخير دوماً. ولتجاهد في سبيل الله على الدوام، ولينصرك الله سبحانه وتعالى على أعداء الدين وكلّ جنود الإسلام. وليكن وجهك أبيض في العالمَين.
فاسمع وأطع أمرنا الشريف. عام تسعمائة وثلاثة وثمانون للهجرة (ألف وخمسمائة واثنتان وثلاثون)»667.





ما مصير أبناء عثمان؟

من المؤكد أنّ أكبر مخاوف رجل تبوأ قمة العالم هو أن يأتي يوم يفقد فيه كل هذه النعم وتخرج الدولة من يده. وقد كانت أعظم مخاوف السلطان سليمان القانوني وأكثر ما يثير خشيته، أن يصيب الضعف هذه الدولة الإسلامية العظيمة. لذا فقد بذل جهده من أجل ترسيخ أسس دولته على دعائم من القانون والنظام.
وكان يواصل طلب المشورة من العلماء في هذا الخصوص، وإلى جانب قضاة العسكر والمفتي وشيخ الإسلام ومن في مقامهم من علماء الدين والدنيا، فقد كان يتشرف بمجالسة أقطاب التصوف ويستمع إلى نصائحهم ومشورتهم أيضاً، ومن بينهم يحي أفندي البشيكتاشي.
يحيى أفندي الذي كان يلقب بالبشيكتاشي والملا شيخ زاده، هو ابن عمر أفندي الشامي، ينحدر من أماسيا، وقد أبصر النور في طرابزون مثل الأمير سليمان وفي الأسبوع ذاته (900هـ\1495م). وعندما جف حليب السلطانة حفصة والدة الأمير سليمان، قامت والدة يحيى بإرضاع سليمان الصغير لبعض الوقت. وبذلك أصبح هذان اللذان سيغدو أحدهما لاحقاً سلطان العالم والآخر سلطان القلوب، أخوين في الرضاعة.
وكما تم تأهيل الأمير سليمان بدءأ من طرابزون خطوة بخطوة من أجل مستقبله في الحكم، فقد تم تأهيل أخيه بالرضاعة يحيى أفندي على طريق العلم بالاهتمام ذاته. وتمكن منذ بواكير وعيه أن يتغلب على نوازع النفس بالتقشف والصرامة. واستمر في حضور مجالس العلامة الكبير زِمبيللي علي أفندي، وبعد أن تمكن الأخير من تغيير عالمه برمته، أصبح يحيى مدرساً.
وحين أتم عمله في التدريس، ركن للعزلة، وبدأ في قضاء جلّ وقته في العبادة وأداء صالح الأعمال. وفي التكية التي أهداها إليه أخوه السلطان سليمان، والتي يوجد فيها قبره حالياً، كان يقضي أيامه وهو يدّرس الطلبة ويقودهم نحو درب العلم والمعرفة. وبات من المعلوم أنه شخص رفيع المنزلة مُستجاب الدعاء.
كان السلطان القانوني بدوره يقيم في قصر توب كابي، حيث امتدت أذرع دولته إلى كل القارات، وبلغت من المجد الذروة. وكان العالم برمته ينحني أمام الدولة العلية، ولكن السلطان كانت لديه مخاوف لم ينتبه إليها أحد.
لولا ملامة الناس لعففت عن الدنيا بمن فيها
فمهما قدّر الكمال لعبدٍ كان الزوال تاليها.
ربما كان يستحضر بيته الشعري هذا وهو يرى إمبراطوريته وقد بلغت ذروة الكمال متربعة على القمة التي تخفي النقيض، مستشفاً أولى علامات الزوال، الأمر الذي كان يجعله يقضي لياليه أرِقاً تتقاذفه الهواجس. وربما وبعد أن يركن الجميع للنوم وتختفي الضوضاء، كان يطل من أجمل شرفات قصر توب كابي على المضيق، أوسكودار، قمة تشامليجا وبشيكتاش مقلباً في ذهنه المخاوف التي لم يفصح عنها لأحد.
وفي يوم من تلك الأيام قرر فجأة إرسال خط همايوني (رسالة) إلى أخيه يحيى بيك، وقد حمل أحد موظفي القصر الرسالة وقدمها لحضرة الشيخ في تكيته في بشيكتاش بحسب الأصول المرعية. وحين فتح سلطان القلوب الخط الهمايوني، وجد القانوني بعث إليه السؤال التالي:
«أخي! إنك مطلع على الأسرار الإلهية، فتفضل علينا وأخبرنا بما ستكون عليه عاقبة أبناء عثمان، فهل سينقطع نسلهم ويختفون؟ وإن حدث أمر مماثل، فلأي سبب سيحدث؟». .
وكان الموظف القادم من القصر ينتظر جالساً في أدب جمّ على ركبتيه مع بعض من العاملين في التكية. وبعد أن جال الشيخ بنظراته على كلمات السلطان لبرهة، لم يتفوه بكلمة، بل غمس اليراع في محبرته، وكتب سطراً تحت كلمات السلطان وأرفقه بالتحية وحسن الدعاء، وأعاد الرسالة للرسول.
وفي هذه الأثناء وبينما كان القانوني يقوم بتسيير بعض شؤون الدولة، كان ذهنه منشغلاً بالرد الذي سيصله من أخيه، وأخيراً وصل الخبر بعد ساعة بعودة الرسول.
ففتح القانوني الرسالة بلهفة، ليرى تحت سؤاله جواباً مؤلفاً من كلمتين اثنتين:





لا أبالي!

ألمت الحيرة بالسلطان سليمان، فكيف لشخصية قديرة مثل العلامة يحيى، وللرجل الذي يعتبره بمنزلة الأخ، أن يجيب عن سؤال يتعلق بمصير الدولة العلية العثمانية المحمدية بجواب كهذا الجواب؟
لم يطلع القانوني أحد على الأمر وطوى الخط الهمايوني في هدوء، وبعد أن ظل ممسكاً به لبرهة من الوقت، أمر من حوله:
«قوموا بتجهيز القارب، سأذهب لزيارة أخي».
عندما وصل خاقان العالم على متن قارب