Advertisement

مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه




بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الإخوة القائمين على هذا الموقع
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
إليكم هذه الكتب من مؤلفات الدكتور خالد كبير علال ، من عنده شخصيا
لاستفادة الفردية في الموقع و خارجه ،و لا يجوز استغلالها للأغراض التجارية ، و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته .





مدرسة الكذابين في رواية التاريخ
الإسلامي و تدوينه

الدكتور خالد كبير علال
-حاصل على دكتوراه دولة في اللتاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر-




دار البلاغ الطبعة الأولى
- الجزائر- -1424ه/2003م-




الإهداء



إلى كل محبي التاريخ الإسلامي
الحاملين لهمه و الغيورين عليه
و المدافعين عنه


أهدي هذا الكتاب




بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على رسولنا الكريم ، و بعد : خصصتُ هذا البحث لدراسة ظاهرة الكذابين و دورهم في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه ، لأنهم شكّلوا خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، تيارا فكريا اجتماعيا طائفيا جارفا ، تخصص في اختلاق الأكاذيب على رسول الله – صلى الله عليه و سلم- و صحابته الكرام ،و من جاء بعدهم .
و قد عنوّنته ب: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه ، و ذلك أن هؤلاء الكذابين قد كونوا مدرسة ، لها رجالها و منهاجها ،و موضوعها و خصائصها ، و آثارها و مصنفاتها ، و ذلك هو الذي سيتبين لنا جليا فيما يأتي من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى .
و أما إطاره الزماني فلم أحدد له إطارا زمنيا دقيقا مضبوطا ، لكنني ركزّت أساسا على القرون الثلاثة الهجرية الأولى ، لأن معظم الكذابين المعنيين بالدراسة قد عاشوا في تلك الفترة ،و لأن كثيرا من العلوم الشرعية و الأدبية قد دَوّنت فيها أيضا . لكنني مع ذلك كثيرا ما ذكرت كذابين عاشوا في القرن الرابع الهجري و ما بعده ، على امتداد أمصار المشرق الإسلامي .
و قد اعتمدتُ في كتابته على مصنفات الجرح و التعديل ، لأنها هي المصدر الأساسي لعلم الرجال دون منازع . و هدفت من كتابته : الكشف عن مدرسة الكذابين ، برجالها و منهاجها و خصائصها و آثارها ، قصد فضحها و مقاومتها و التحذير منها ، و تطهير تاريخنا من سمومها و مفترياتها .
و الله تعالى أسأل أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم ، و أن ينفع به قارئه ،و كل من سعى في إخراجه و توزيعه ، إنه تعالى سميع مجيب ، و ما ذلك عليه بعزيز .


خالد كبير علال

الفصل الأول
مظاهر الكذب في الأحاديث النبوية و الأخبار التاريخية

أولا : في الأحاديث النبوية :
انتشرت ظاهرة الكذب بين طائفة من رواة الأحاديث النبوية و الأخبار التاريخية ، انتشارا كبيرا خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى ، بسبب الخلافات السياسية و المذهبية التي عصفت بالمسلمين ، ثم خفّت حدتها بعد تدوين العلوم الشرعية ، دون أن تتوقف ، و استمرت بعد ذلك قرونا أخرى ، على أيدي كذابين محترفين ورثوا أسلافهم في الكذب على رسول الله –عليه الصلاة و السلام -.
و قد تجلى ذلك في أوجه كثيرة ، أولها اختلاق الأحاديث و نسبتها للرسول –عليه الصلاة و السلام- ، و هي المعروفة بالأحاديث الموضوعة ، و هذا النوع قد انتشر كثيرا بين الكذابين ، فروي أن الكذاب محمد بن يونس الكديمي البصري ، قد وضع أكثر من ألف حديث1 . و أن الكذابيّن أحمد الجويباري ، و ابن تميم السعدي قد وضعا قرابة مائة ألف حديث2 . ذلك و غيره هو الذي دفع الحافظ شعبة بن الحجاج ( ت 160 ه) إلى القول : (( ما أعلم أحدا فتّش الحديث كتفتيشي ، وقفتُ على ثلاثة أرباعه كذب ))3 .
و قد جمعتُ طائفة كبيرة من الكذابين ، زاد عددها عن 350 كذابا ، كلهم كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أذكر منهم : محمد بن عمر الواقدي ، و جابر الجعفي ، و أبو سلمى عثمان البري ،و نعيم بن حماد ، و معلى بن هلال الكوفي ،و مبشر بن عبيد الكوفي ،و وهب بن حفص البجلي ،و أبو سعيد بن علي العدوي ، و نهشل بن سعيد النيسابوري ،و إسماعيل بن أبان الكوفي ، و سليمان بن عمرو الكوفي ،و سليمان بن عيسى السجزي ،و جميع بن عمير الكوفي ،و الجاحظ بن بحر المعتزلي4 .
و لمعرفة المزيد عن الكذابين ،و الإطلاع على بعض ما افتروه على رسول الله –عليه الصلاة و السلام- نورد ستة عشر حديثا مكذوبا ، أولها –أي الأحاديث- اختلقه القاضي أبو البختري وهب بن وهب ( ت200ه) ،و فيه : (( من زوّق بيته و زخرف مسجده لم يمت من الدنيا ، حتى تصبه قارعة نوح ))5 .و الثاني ما كذبه القاضي عمر بن واصل ، و فيه : (( أنا خاتم الأنبياء و أنت يا علي خاتم الأولياء ))6 .

و الحديث الثالث افتراه الواعظ إسماعيل بن علي الإسترابادي (ت 448 ه) عندما سَئل عن الحديث المكذوب : (( أنا مدينة العلم و علي بابها )) ، قال أن الحديث هكذا : (( أنا مدينة العلم و أبو بكر أساسها ،و عمر حيطانها ،و عثمان سقفها ،و علي بابها )) ،و عندما سأله الناس أن يخرج لهم إسناد هذا الحديث ، وعدهم به7 . و لم تذكر المصادر هل أتاهم به أم لا ؟ ، لكن الأمر ليس صعبا عليه ، فكما اختلق حديثا من عنده ، فمن السهل عليه أن يركب له إسنادا مختلقا ! .
و الحديث الرابع ، كذبه يحيى بن محمد التجيبي (ت 307 ه) ، و فيه : ((رأيتُ ليلة أَسري بي الكوفة و دخلت مسجدها ، و صليتُ فيه أربع ركعات ))8 .و هذا كذب مفضوح يدل على وقاحة مفتريه و جسارته على الكذب ، و استهزائه بالناس ، لأن الكوفة مدينة أنشأها المسلمون ، و لم تعرف المساجد إلا بعد فتحهم لها .
و خامسها – أي الأحاديث – ما اختلقه يحيى بن هاشم السمار الكوفي ، و فيه (( نبات الشعر في الأنف ، أمان من الجذام ))9 . و سادسها ما افتراه احمد بن داود الحراني ثم المصري ، و فيه : (( مفتاح الجنة المساكين ، و الفقراء هم جلساء الله ))10 .و و السابع هو ما كذبه محمد بن عبد الله الشيباني الكوفي ( ت387ه ) ،و فيه : (( إن نبيا شكا إلى الله جبن قومه ، فقال له : مَرهم أن يستفوا الحرمل فإنه يَذهب الجبن ))11 .

و الحديث الثامن افتراه احمد بن محمد الملحمي الجرجاني ، و فيه : (( الباذنجان شفاء من كل داء ))12 .و التاسع هو ما اختلقه عبد الله بن أيوب بن أبي علاج الموصلي ، و فيه : (( إن لله ملكا من حجارة يَقال له عمارة ، ينزل على فرس من ياقوت ،طوله مدّ بصره يدور على البلدان ))13 . و الحديث العاشر كذبه محمد بن هارون بن بربرة الهاشمي ( ق: 2ه ) ،و فيه : (( الجبن داء فإذا أَكل بالجوز فهو شفاء ))14 .
و الحديث الحادي عشر ، افتراه عمرو بن عبيد البصري المعتزلي ( ق:2 ه) ،و فيه : (( إذا رأيتم معاوية على المنبر فاقتلوه ))15 .و الثاني عشر اختلقه أحمد بن عبد الله الجويباري ، و فيه : (( إنه سيكون في أمتي رجل يّقال له أبو حنيفة ، يجدد الله سنتي على يده ))16 . و الثالث عشر و الرابع عشر هما أيضا للجويباري ، و فيهما : (( من امتشط قائما ركبه الدين )) ، و (( حضور مجلس عالم خير من حضور جنازة ،و من ألف ركعة ، و من ألف حجة ،و من ألف غزوة ))17 . و الحديث الخامس عشر ، وضعه المؤدب محمد بن سهل الباهلي ، و فيه : (( من كثرت صلاته بالليل ، حسن وجهه بالنهار ))18 .و آخرها – أي الأحاديث – كذبه أبو ميمون بن جعفر بن نصر (ق :3ه) ، و فيه : (( لا تعلّموا نساءكم الكتابة ، و لا تَسكنوهن العلالي ، خير لهو المرأة المغزل ،و خير لهو الرجل السباحة ))19 .
و إضافة لما ذكرناه أشير هنا إلى فائدتين ، أولها أن الكذابيّن محمد بن عثمان النصيبي ، و محمد بن عبد الله الشيباني الكوفي ، كانا متخصصيّن في وضع الأحاديث للرافضة -الشيعة- على حد قول اين الجوزي20 .و ثانيهما أن الكذاب عبد الله بن المسور بن عون الهاشمي ( ق:2 ه) كان يضع الحديث المكذوب من كلام الناس ))21 .
و الوجه الثاني من مفتريات الكذابين في الحديث النبوي ، هو تحديثهم عن أقوام لم يلحقوا بهم ، و آخرين لم يسمعوا منهم ، و الأمثلة على ذلك كثيرة ، نذكر منها ثلاثة عشر كذابا ، مع مفترياتهم التي تفضحهم ، أولهم : الواعظ غلام خليل البغدادي (ت275ه) يَروى أنه عندما حدّث عن بكر بن عيسى ، عن أبي عوانة ، قال له أبو جعفر الشعيري : يا أبا عبد الله هذا شيخ قديم الوفاة لم تلحقه ، ففكر و لم يجب ، فابتدره الشعيري –عندما خافه –بقوله : كأنك سمعت من رجل باسمه ، فسكت غلام خليل ؛ و في الغد قال له : إني نظرت البارحة فيمن سمعت منه بالبصرة ، ممن يقال له بكر بن عيسى فوجدتهم ستين رجلا22 . و هذه حيلة مكشوفة من غلام خليل ، أراد بها التخلّص من الكذبة التي ورّطته و فضحته ، فارتكب كذبة أخرى مضحكة . و قد بحثتُ في كتب التراجم و الرجال فلم اعثر إلا علي رجلين لههما ذلك الاسم ، و هما : أبو بكر بن عيسى البصري الراسبي ( 204 ه) ،و هو الذي ذكره غلام خليل على ما يبدو ، و الثاني هو : بكر بن عيسى المروزي ، و هو مجهول23 .
و الكذاب الثاني هو القاضي محمد بن عبدة العبداني زعم أنه حدّث عن بكر بن عيسى البصري الراسبي ، و هذا كذب مفضوح ، لأن ابن عبدة ولد سنة 218ه ،و بكر بن عيسى توفي سنة 204 ه ، فكيف يكتب عنه أو يسمع منه الحديث ؟ ! 24 . و الثالث هو : القاضي عبد المنعم بن إدريس اليماني ( ت228ه) ، زعم أنه سمع من معمر بن راشد اليماني ( ت152ه) ، لكن سماعه منه لم يثبت ، و حدّث بكتب والده و لم يسمعها منه ، لأنه ولد بعد وفاته –أي وفاة والده- و كان يشتري كتب السيرة و يرويها عن أبيه و هو لم يسمع منه شيئا25 .
و رابعهم الكذاب أحمد بن محمد بن الصلت الحماني ، حدّث عن أقوام ماتوا قبل ولادته بمدة طويلة ، و وضع أحاديث و حدّث بها عن غيره ، لذا قال عنه الحافظ ابن عدي : (( ما رأيت في الكذابين أقل حياء منه ))26 . و خامسهم أبو سعيد الحسن بن علي العدوي البصري ، روى عن شيوخ لم يراهم ، و وضع أحاديث على شيوخ رآهم ، و حدّث عن الثقات بالمكذوبات ما يزيد على ألف حديث27 .
و الكذاب السادس هو : محمد بن يونس الكديمي البصري ، قال عنه المحدث موسى بن هارون : (( تقرّب الكديمي إلي بالكذب ، و قال لي : كتبتُ عن أبيك في مجلس محمد بن سابق )) ، ثم قال موسى بن هارون فاضحا الكديمي : (( و قد سمعت أبي يقول : ما كتبت عن محمد بن سابق شيئا ،و لا رأيته ))28 .و لا ندري هل فضحه عندما حدّثه ، أم سكت عنه ثم أذاع ما جرى بينهما فيما بعد. و السابع هو الكذاب لاحق بن الحسين بن أبي الورد المقدسي (ت 384 ه) ، وضع الأحاديث و حدّث عمن لم يسمع منهم ، من ذلك أنه حدّث عن الربيع بن حسان ،و المفضّل بن محمد الجندي ، فقال له الحافظ عبد الرحمن الإدريسي : أين كتبت عنهما ؟ قال : بمكة بعد العشرين و ثلاثمائة . ففضحه الإدريسي و قال له : إنهما ماتا قبل سنة 320 ه 29 .
و ثامنهم الكذاب أبو القاسم بن الثلاج البغدادي ( ت 337ه) ، قدم إليه الحافظ أبو سعد الإدريسي ليحدثه ، فاخرج له –و هو لا يعرفه – طرق حديث قبض العلم ، فإذا فيه : حدثني أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي ، فقال له الإدريسي : أين سمعت من هذا الشيخ ؟ قال : هذا شيخ قدم علينا حاجا فسمعت منه . فقال له الإدريسي : أيها الشيخ أنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي ،و هذا حديثي ، و الله ما رأيتك و لا اجتمعت بك قط ))30 .
و تاسعهم الكذاب عمر بن موسى الوجيهي الحمصي ( ق:2 ه) كان يضع الحديث إسنادا و متنا ، و قرأ على قوم بحمص فقال لهم : حدثنا شيخكم الصالح ، فقال له المحدث عفير بن معدان : من هذا الشيخ الصالح ؟ قال : خالد بن معدان ، فقال له : في أي سنة لقيته ؟ قال : في سنة 158ه في غزوة أرمينية ، فقال له عفير : يا شيخ لا تكذب ، إنه مات سنة 154ه ، و أزيدك أنه لم يغز أرمينية قط 31 . و عاشرهم الكذاب محمد بن سعيد الأزرق (ت 290ه) من مفترياته أنه روى عن المحدث هدبة أنه قال حدثنا أبو عوانة الوضاح عن أبيه عبد الله ، و هذا لا يصح و كذب مكشوف ، لأن أبا عوانة كان عبدا سَبي في جرجان ،و أبوه كان كافرا32، فكيف يروي الحديث ؟‍‍‍‍ .
و الكذاب الحادي عشر ، هو محمد بن عبد الله الشيباني الكوفي (ت 387ه) كان معروفا بوضع الحديث للشيعة ، و قد انكشف كذبه و سقط حديثه عندما حدّث عن المحدث ابن الفرات ، فقيل له : متى سمعت منه ؟ قال : سنة 310ه ، و هذا كذب مفضوح لأن ابن الفرات توفي قبل ذلك بثمانية أعوام ، أي في سنة 302ه 33 . و الثالث عشر هو القاضي محمد بن مهاجر البغدادي ، المعروف بأخي حنيف (ت 264ه) ، وضع الحديث و حدّث عن أقوام ماتوا قبل أن يَولد هو بثلاثين سنة 34 . و هذا سلوك غاية في القبح و الجسارة على الكذب .
و آخرهم الكذاب الحافظ إبراهيم بن الفضل الاصفهاني (ت 530ه) ، كان يكذب لنفسه و غيره في الإجازات ،و يضع الحديث و يروي عن شيوخ لم يلقاهم ، و يصر على الكذب و إن انكشف أمره ، و قد امتحنه الحافظ عبد الله الأنصاري الهروي ، فقال له : أحججت ؟ قال نعم ، فقال له : ما علامة عرفة ؟ قال : دخلنا ليلا ، فقال له : هذا يجوز ، فما علامة منى ؟ قال : كنا بها ليلا ‍، فقال له : ثلاثة أيام و ثلاث ليل ما طلع عليكم الصبح ، لا بارك الله فيك ، ثم أمر باخراجه من البلد ، و قال : هذا دجال من الدجاجلة . فكانت هذه الحادثة سببا في انكشافه ، فلحقه شؤم الكذب ، و عقوق المشايخ ، و صار آية في الكذب35 . و هذه الحادثة هي من أغرب حوادث الكذب التي تشير إلى أن هذا الرجل و أمثاله ، قد أصبح الكذب جزءا أساسيا من شخصيته المريضة ، لا يكاد ينفك عنها ، لذا رأيناه مصرا عليه رغم انفضاحه ، و مما يدعم ذلك و يزيده وضوحا ، أن المحدث معمر بن المفاخر كان متعجبا منه – أي من هذا الرجل – فقال أنه رآه في سوق أصفهان يروي الأحاديث الباطلة بحماس ، فكان يتأمّله كثيرا و يظن أن الشيطان تبدى على صورته36 .
و أما الوجه الثالث لمفتريات الكذابين في الحديث النبوي ، فهو التصرّف في الأسانيد ، زيادة و إنقاصا ، و اختلاقا و تركيبا ، و قد فعل ذلك كذابون كثيرون مستخدمين طرقا شتى لتحقيق ما يريدونه ، منها –أي الطرق – تركيب الأسانيد للأحاديث النبوية ، و قد مارسه كذابون عديدون ، منهم : محمد بن عمر الواقدي البغدادي ،و احمد بن أبي عمران الجرجاني (ت ب: 360ه) ،و احمد بن سعيد الأحميمي المصري ،و القاضي عبد الرحمن بن احمد الأبهري ( ت 342ه) ،و أبو الحسن علي بن احمد الهكاري (ت 486ه)37 .
و منهم أيضا الحافظ سليمان بن داود المنقري الشاذكوني البصري (ت234ه) ، كان يضع الأسانيد في الحال إذا احتاج إليها ،و رَوي أنه ذهب إلى اليمن فسمع بها من الحافظ عبد الرزاق ، فلما رجع إلى العراق حدّث عنه بأحاديث لم يسمعها منه ، فلما سمع به عبد الرزاق قال عنه : إنه عدو الله كذاب 38 . و كان الكذاب أبو مقاتل حفص بن سلم الفزاري السمرقندي (ت258ه) ، إذا وجد كلاما حسنا جعله حديثا ،و أنشأ له إسنادا39 .
و طريقهم الثاني في التصرّف بالأسانيد ، هو الزيادة فيها لتوصيلها تفاديا للانقطاع ، و قد مارسه جماعة من الكذابين ، منهم : أبو محمد عبد الرحمن بن خراش (ت283ه) ،و المؤدب الحسن بن شبيب ، الذي وصل أحاديث مرسلة40 .و أبو الهيثم خالد بن القاسم المدائني ، وصل طائفة من الأحاديث التي كان يرويها ، فأخذ الأحاديث التي رواها عن الليث بن سعد ، عن الشهاب الزهري ، و جعلها عن الزهري عن أبي هريرة- رضي الله عنه- ،و كل ما كان عن الزهري عن عائشة –رضي الله عنها – جعله عن عروة بن الزبير عن عائشة ، لتصبح تلك الأحاديث متصلة الأسانيد41 .
و طريقهم الثالث في التصرّف بالأسانيد ، هو تغيير الأسماء و التلاعب بها ، فمن ذلك أن الزنديق محمد بن سعيد الأسدي المصلوب (ق:2ه) ، كان كثير التغيير لاسمه ، حتى قيل أنه غيّره نحو مائة مرة ، منها : محمد الطبري ، و محمد الأردني ،و محمد بن سعيد السدي، و عبد الرحمن بن أبي شميلة ،و ابن أبي حسان ،و ابن الطبري ، و ابن أبي قيس ، فعل ذلك لكي لا يَكشف و يَروى عنه ، لأنه كان كذابا ، وضع آلافا من الأحاديث ،و كان يقول : (( إذا كان الكلام حسنا لم أبال أن أجعل له إسنادا ))42 .
و الثاني هو الكذاب لاحق بن الحسين (ت384ه) ، روى المصائب ،و اختلق أسماء لأناس لا تَعرف أساميهم ، منها : طرغال ، و طربال ، كركدن ،و شعبوب ، و لوكرى ، و حتى اسمه قيل أنه غيّره من محمد إلى لاحق لكي لا يَعرف و يكتب عنه المحدثون43 . و ثالثهم الكذاب أبو القاسم بن الثلاج البغدادي ، كان يضع الأحاديث و يركب لها الأسانيد ،و يتلاعب بالأسماء ، فقد قال عنه الحافظ الدارقطني : (( و قد حدّثت بأحاديث فأخذها – أي ابن الثلاج – و ترك اسمي و اسم شيخي –أي لم يذكرهما – و حدّث بها – أي الأحاديث – عن شيخ شيخي ))44 .
و طريقهم الرابع في التصرّف بالأسانيد ، هو سرقة الحديث ، فيأخذون أحاديث غيرهم و يضعون لها أسانيد مختلقة من عندهم45 . و قد مارس ذلك كذابون كثيرون عرفوا بسرقة الحديث ، منهم : الواعظ غلام خليل البغدادي (ت275ه) ،و صالح بن احمد بن أبي مقاتل القيراطي،و محمد بن عبد بن عامر السمرقندي ( ت ن: 300ه) ، و القاضي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، و الفقيه الحارث بن سريج النقال ،و عمر بن زياد الثوباني (ق:3ه) 46 .
و طريقهم الخامس هو سرقة الأسانيد الصحيحة و إلصاقها بأحاديث مكذوبة ، فمن ذلك ما كان يفعله محمد بن عبد الله العنبري البغدادي (ق:3ه) ، فقد حدّث بأحاديث باطلة بأسانيد جياد ، ويبدو أنه أخذها من الصحيحين و ركب عليها موضوعاته47 . و كان الحافظ إبراهيم بن الفضل الأصفهاني (ت530ه) يقف في سوق أصفهان و يروي أحاديث موضوعة بأسانيد الصحاح48 .و نفس العمل قام به الواعظ عبد الرحمن بن داود المصري (ق: 7ه) فكان يقف على أحد منابر القاهرة ، و يقرأ على الناس أحاديث الأربعين في قضاء الحوائج ، و هي أحاديث موضوعة ركّب لها أسانيد من طرق البخاري و أبي داود و غيرهما49 .
و أما الوجه الرابع لأكاذيبهم في الحديث النبوي ، فهو رواية الغرائب و المضحكات ،و العجائب و الطامات ، و هذا الفعل مارسه كثير من الكذابين منهم دون حياء ، فمن ذلك أن القاسم بن إبراهيم الملطي روي أنه من (( من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة ، …. … و من قرأ القرآن كله أعطي النبوة كلها ))50 . و الثاني هو الكذاب إسحاق بن نجيح الملطي ، من طاماته المكذوبة : (( من قال في ديننا برأيه فاقتلوه )) ، و منها أيضا أنه روي وصية للرسول –عليه الصلاة و السلام – أوصى بها عليا ، كلها في موضوع الجماع51 ! ! .
و ثالثهم الكذاب لاحق بن الحسين المقدسي (ت384ه) ، من مخازيه المكذوبة ، حديث : (( عليكم بالوجوه الملاح ، و الحدق السود ، فإن الله يستحي أن يَعذب وجها مليحا بالنار ))52 . و رابعهم أبو زكريا يحيى بن هاشم السمسار الكوفي ، من أكاذيبه العجيبة حديث : قال الرسول –عليه الصلاة و السلام – لعائشة (( لا تأكلي الطين فإنه يعظم البطن ، و يَصفّر اللون و يَذهب ببهاء الوجه )) ،و منها أيضا ، حديث : (( نبات الشعر في الأنف أمان من الجذام ))53 !! . و خامسهم الكذاب محمد بن خليل الذهلي البلخي ، من أكاذيبه الغريبة ، حديث : (( استوصوا بالغوغاء خيرا ، فإنهم يسدون السوق و يطفئون الحريق ))54 .
و الوجه الخامس لمفترياتهم في الحديث النبوي ، أن طائفة منهم تخصصت في الكذب فيه و تفرّغت له ، حتى عَدت أكاذيبها بالمئات و عشرات الآلاف ، أولهم الواعظ أبو عبد الله غلام خليل البغدادي( ت275ه) ، وضع الأحاديث ،و روى الكذب الفاحش ، حتى قال عنه أبو داود السجستاني : (( ذاك دجال بغداد ، نظرت في أربعة مائة حديث له عَرضت عليّ ، كلها كذب متونها و أسانيدها ))55 . و الثاني هو الزنديق محمد بن سعيد المصلوب (ق:2ه) وضع أكثر من أربعة آلاف حديث56 . و ثالثهم الحافظ محمد بن يونس الكديمي البصري (ت286ه) ، قال عنه الحافظ ابن حبان البستي : لعله وضع أكثر من ألف حديث57 . و رابعهم الكذاب احمد بن عبد الله الجويباري ، كان يضرب المثل بكذبه ، و وضع أكثر من ألف حديث ، حدّث بها عن الثقات58 . و خامسهم الحسن بن علي العدوي البصري ، حدّث بأكثر من ألف حديث موضوع رواه عن الثقات59 .

و الكذاب السادس هو احمد بن محمد بن الفضل القيسي الأبلي ، لعلّه وضع أكثر من ثلاثة آلاف حديث ، و حدّث بها عن الثقات60 . و سابعهم الكذاب احمد بن محمد بن فضالة المروزي(ت 323ه) ، كان يضع الحديث و يقلب الأسانيد بتبديل ألفاظها ، و لعله قلّب على الثقات أكثر من عشرة آلاف حديث61 . و ثامنهم الكذاب جابر بن يزيد الجعفي الشيعي الكوفي(ق:2ه) ، قال عنه أبو حنيفة النعمان : ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء بن أبي رباح ، و لا لقيت أكذب من جابر الجعفي ، ما أتيته بشيء إلا جاءني فيه بحديث ، و زعم أن عنده كذا و كذا ألف حديث لم يَظهرها .و كان هو يقول – أي جابر - : عندي خمسون ألف حديث ، ما حدّثت منها بحديث62 . و هذا يعني أن تلك الأحاديث من أكاذيبه ، و إلا فمن أين له بها حتى لا يعلمها إلا هو ؟ .
و سابعهم الكذاب محمد بن عمر الواقدي (ت 207ه) ، قال عنه الحافظ علي بن المديني : (( عنده عشرون ألف حديث لا أصل لها )) ،و قال عنه أبو داود السجستاني : (( لا أكتب حديثه و لا أحدث عنه ، ما أشك أنه كان يفتعل الحديث ، ليس ننظر للواقدي في كتاب إلا تبيّن أمره ))63 . و قال عنه يحيى بن معين : اغرب64 الواقدي عن رسول الله –صلى الله عليه و سلم – عشرين ألف حديث ،و في رواية أخرى أنه اغرب في ثلاثين ألف حديث65 . بمعنى أنه انفرد بهذا العدد الكبير من الأحاديث عن غيره من الرواة ، فمن أين جاء بها إذن ؟ ! واضح من أمره أنه كذبها . لذلك لم يرو عنه البخاري و مسلم و النسائي أبو داود و الترمذي ، و روى له ابن ماجة حديثا واحدا فقط ،و لم يذكره باسمه ، فما جسر أن يَفصح عنه لوهنه عند العلماء66 .
و هناك ثلاثة كذابين آخرين متخصصين في الكذب على رسول الله –صلي الله عليه و سلم-رَوي أنهم وضعوا أكثر من عشرة آلاف حديث ، و هم : أحمد بن عبد الله الجويباري ،و محمد بن تميم السعدي ، و محمد بن عكاشة الكرماني ؛ لكن الحافظ الذهبي ذكر منهم اثنين فقط ، هما : الجويباري و ابن تميم ، و قال عنهما : لعلهما قد وضعا مائة ألف حديث67 . و هذا عدد كبير جدا يزيد عن الأول أضعافا مضاعفة ، ويصعب تصديقه ، لكن يبدو لي أن الذهبي يقصد مائة ألف خبر مكذوب ،و ليس مائة ألف حديث مكذوب ، و مما يؤيد ذلك أن المؤرخ ابن الجوزي قال عن الجويباري و ابن تميم : لعلهما وضعا على الرسول- عليه الصلاة و السلام – و الصحابة و التابعين مائة ألف حديث68 . فكلامه واضح من أنه يقصد بالحديث ما نَسب لرسول الله و الصحابة و التابعين ، لأن ما وضعه هؤلاء على الصحابة و التابعين ليس حديثا بالمعنى الإصطلاحي ، لكنه خبر ، و الخبر يسمى أيضا حديثا ، أي كلاما و بذلك يمكن تقدير ما كذبه الجويباري و ابن تميم بأقل من عشرة آلاف حديث ، و ما كذباه على الصحابة و التابعين بنحو 90 ألف خبر .
و إلى جانب هؤلاء وجد قوم آخرون في شكل تنظيم جماعي منظم ، عملهم الكذب على رسول الله –صلى الله عليه و سلم – و التعاون عليه ! ، فقد روى الحافظ يحيى بن معين ، أنه كان ببغداد قوم كذابون يضعون الحديث ، منهم محمد بن زياد69 . و وجدت بالعراق جماعة أخرى من الكذابين حذّر الناس منها و سموهم الكذابين ، و عَرفت طائفتهم بالسبئية70 ، نسبة لعبد الله بن سبأ اليهودي المتمسلم .
و يتبين مما ذكرناه عن هؤلاء الكذابين الاثنى عشر أن مجموع ما كذبوه من الأحاديث يتراوح ما بين : 64400 – 109400 حديث ، فإذا كان هؤلاء القلائل قد كذبوا هذا العدد الكبير من الأحاديث ، فكم يا ترى يبلغ مجموع ما كذبه الكذابون الذين أحصيت منهم أكثر من 350 كذابا ؟
و ختاما لما تقدم ذكره يتبين لنا منه أن الكذابين على رسول الله –عليه الصلاة و السلام – كان عددهم كبيرا ، و أن مكذوبات الذين ذكرناهم تقدر بعشرات الآلاف . و أنهم في اقبالهم على الكذب كانوا في غاية و الوقاحة و الدجل ،و الجسارة على الباطل ، خدمة لأهوائهم و طعنا في الدين ،و تفريقا للمسلمين .

ثانيا : مظاهر الكذب في الأخبار التاريخية :
روي الكذابون كثيرا من الأخبار المكذوبة على الصحابة الكرام و التابعين و من جاء بعدهم ، و معظم الذين رووا عن هؤلاء هم من الأخباريين ، على اختلاف طوائفهم و مذاهبهم ،و معظمهم قد جمع بين الكذب على الرسول –عليه الصلاة و السلام – و على غيره من الناس . و قد أحصيتُ منهم نحو ثلاثين أخباريا كذابا71 ، أذكر بعضهم فيما يأتي
فبخصوص الكذابين على الصحابة ، فمنهم طائفة معروفة تخصصت في الكذب عليهم و الطعن فيهم ، منهم : الشاعر السيد الحميري الشيعي ،و مينا بن أبي مينا ،و أبو الجارود زياد بن المنذر الكوفي ، و أبو محمد بن خراش ، و احمد الجويباري ،و ابن تميم السعدي72 .
و الذين كذبوا على علي و أهل البيت –رضي الله عنهم – كان عددهم كبيرا ، معظمهم من الشيعة73 ، منهم : عباد بن عبد الله الأسدي ، و الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، و محمد بن السائب الكلبي الكوفي ،و عمرو بن عبد الغفار التميمي ، و بنان بن سمعان ، و المغيرة بن سعيد الكوفي المدعي للنبوة74 .و قد روي أن جعفر الصادق كان يقول : برأ الله و رسوله من المغيرة ،و بنان بن سمعان ، فإنهما كذبا علينا أهل البيت75 . و قال سليمان الأعمش (ت148ه) عن المغيرة بن سعيد : (( لم يكن بالكوفة ألعن منه فيما يَروى عنه من التزوير على علي بن أبي طالب ، و على أهل البيت ،و هو دائما يكذب عليهم ، و لا أعرف له من الحديث مَسندا ))76.
و من أكاذيب المغيرة بن سعيد و ضلالاته أنه أقسم للأعمش أن عليا يحي الموتى ،و أنه لو شاء لأحي عادا و ثمودا ! ! ، فقال له الأعمش : من أين علمت ذلك ؟ قال له أنه ذهب إلى رجل من أهل البيت – لم يسميه – فتفل في فمه ، فأصبح يعلم كل شيء ، و بذلك العلم علم أن عليا يحي الموتى77 !! . فأنظر إلى هذا الدجال الزنديق الوقح ، كيف يكذب على أهل البيت دون حياء ، و يزعم أنه أصبح يعلم كل شيء ، و هذه صفة لا يتصف بها إلا الله تعالى الواحد الأحد .
و من أكاذيبهم على علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – روايتان ، أولهما ما رواه الكذاب عباد بن عبد الله الأسدي ، أن عليا قال : (( أنا عبد الله و أخو رسول الله ،و أنا الصديق الأكبر ،و ما قالها أحد قبلي ، و لا يقولها إلا كاذب مفتر ، و لقد أسلمت قبل الناس بسبع سنين )). هذه الرواية هي عند الذهبي كذب على علي بن أبي طالب78 ، لأنها من أظهر الكذب المكشوف ، فكيف يَسلم علي قبل نزول الوحي على رسول الله –صلى الله عليه و سلم- بسبع سنين ؟ ، و الله تعالى يقول له : (( ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان )) . كما أنه من الثابت أن كثيرا من الصحابة السابقين الأولين قد أسلموا في العام الأول من الدعوة الإسلامية ، و بعضهم أسلم مباشرة بعد نزول الوحي ، كخديجة ،و أبي بكر ،و زيد ،و عثمان – رضي الله عنهم- فهل يصح بعد هذا أن يَزعم أن عليا آمن قبل الناس بسبع سنيين ؟ ! . و مما ينقض هذا الزعم تماما أن عليا –رضي الله عنه – عند نزول الوحي كان صبيا ، له من العمر 5 أو 7 سنوات – ولد سنة18 أو 20ق ه – فكيف يؤمن قبل الناس بسبع سنين و هو إما أنه لم يَولد بعد ، أو له سنة واحدة ؟ !! .
و الرواية الثانية افتراها الكذاب محمد بن السائب الكلبي ، فقد روى أن جبريل كان يملي الوحي على رسول الله – عليه الصلاة و السلام – فلما دخل إلى الخلاء ، واصل جبريل إملاء الوحي ، فأملاه على علي بن أبي طالب79 . فأنظر إلى هذا الدجال الوقح ، كيف يفتري الكذب دون حياء ،و يقول على الله و رسوله بلا علم ، و يسيء إلى النبي – عليه الصلاة و السلام - ،و يجعل عليا شريكا في النبوة ؟ ! . و لا شك أن الذي يحدث بذلك فهو كافر زنديق .
و لا شك أن عليا و أهل البيت –رضي الله عنهم – بريئون من تلك الأكاذيب ، و ذلك أن خصومهم من الشيعة و النواصب و الخوارج و غيرهم من الناس ، قد كذبوا عليهم كثيرا ، حتى قال شعبة بن الحجاج ،و حصين بن عامر : (( ما كَذب على أحد من هذه الأمة ما كَذب على علي – رضي الله عنه - )) ، و قال محمد بن سيرين : عامة ما يَروى عن علي بن أبي طالب باطل80 . و ذكر ابن القيم الجوزية أن الرافضة –الشيعة – وضعت من فضائل علي و أهل البيت نحو ثلاثمائة ألف حديث ، ثم قال أن هذا غير مستبعد ، فلو تَتبع ما عند الرافضة من تلك الروايات لوجد الأمر كذلك81 .
ذلك ما افتراه الشيعة على أهل البيت ، فلماذا كذبوا عليهم ،و هم يزعمون أنهم من أتباعهم ؟ يبدو لي أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية دفعتهم إلى الكذب عليهم ، أولها أن الشيعة الرافضة الأوائل لما كانوا على منهاج باطل و فكر ضال ، مخالفين لأهل البيت ، و هم يزعمون أنهم على منهاجهم و فكرهم ، دفعهم ذلك إلى الكذب عليهم ،و تأسيس مذهب جديد يوافق أفكارهم الضالة ، ثم نسبوه لأهل البيت .
و السبب الثاني هو أنه لما كان مذهب الراقضة –على اختلاف تياراته – يتناقض تماما مع القرآن الكريم ، دفعهم ذلك إلى الكذب على أهل البيت ، و اتخاذ أقولهم المكذوبة عليهم أدلة شرعية مقدسة لرد ما جاء في القرآن الكريم ، و تأسيس مذهبهم الباطل . و السبب الثالث هو أنهم لما كانت السنة النبوية الصحيحة ، و الحوادث التاريخية المتواترة تناقض مذهبهم ، لجؤوا إلى الكذب على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- و أهل بيته و صحابته ، لرد المتواترات من السنة النبوية ، و الحوادث التاريخية ، تأسيسا لمذهبهم و نصرا لباطلهم .
و من الكذابين من تخصص في الطعن في الصحابة و القدح فيهم ، باختلاق المكذوبات و ترويجها ، فقد كان الكذاب أبو مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي يضع الأحاديث و الأخبار ،و يروي المثالب في عثمان بن عفان –رضي الله عنه - ، و يَحدُث عنه ببلايا . مما حدا بالحافظ ابن حبان إلى القول : لا يجوز الاحتجاج بأبي مريم82 .
و الثاني هو الكذاب أبو علي الحسين بن عبد العجلي ، كان يطعن في عثمان بن عفان ،و روى في مقتله خبرا طويلا مكذوبا هو المتهم بوضعه83 . ثالثهم عبد الرحمن بن يوسف بن خراش الشيعي(ت283ه) ، كذاب متهم بالزندقة ، كذب على الشيخين أبي بكر و عمر – رضي الله عنهما – و صنف في مثالبهما رسالتين84 .و رابعهم أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفي(ت ب: 260ه) زعم أنه شهد معركة صفيّن سبعون صحابيا بدريا ، و قد كذّبه – في زعمه هذا – شعبة بن الحجاج 85 .و قد تبين لي من دراسة هذه القضية أن ما زعمه أبو شيبة من مشاركة سبعين بدريا في معركة صفيّن ، هو زعم لم يثبت ، و أنه مجرد ادعاء لا دليل عليه ، و أن الصحابة البدريين الذين شاركوا في صفيّن كان عددهم قليلا لا يتعدى عشرين رجلا على أكبر تقدير 86 .
و من أكاذيبهم أيضا أن بعضهم اختلق شخصيات خيالية لصحابة لا وجود لهم ، فذكروا منهم : عبد النور الجني ، و معمر ،و مكلبة بن ملكان الخوارزمي ،و موسى الأنصاري ،و يسر بن عبد الله ،و نسطور الرومي ، و هذان الأخيران كذابان كل منهما زعم أنه صحابي عاش ثلاثمائة سنة ، بعد رسول الله – صلى الله عليه و سلم87 .
و أما أكاذيبهم –أي الأخباريون – على التابعين و من جاء بعدهم ، فسأذكر منها –إن شاء الله تعالى- طائفة متنوعة ، أولها أن المتكلم عمرو بن عبيد البصري المعتزلي (ق: 2ه) كان يكذب على الحسن البصري (ت110ه) ،و يروى عنه الأباطيل ، منها أنه زعم أن الحسن حدّثه بحديث : (( إذا رأيتم معاوية على المنبر فاقتلوه ))،و هذا حديث مكذوب88 . و الثانية هي أن المحدث نعيم بن حماد (ت228ه) كان يختلق الحكايات الباطلة في ثلب أبي حنيفة النعمان ، و يرويها على لسان العلماء 89 .
و ثالثها هي أن الكذاب أبا سعيد أبان بن جعفر البصري ، كان متخصصا في الكذب على الإمام أبي حنيفة ، و قد وضع عليه أحاديث كثيرة تزيد عن 300 حديث ، ما حدّث بها أبو حنيفة قط ، و عندما ذهب إليه الحافظ ابن حبان ليَحدّثه و أخرج له تلك الأحاديث غضب منه ،و نهاه و قال له اتق الله ، ثم خرج من عنده90 .
و الرابعة هي الأخرى لها علاقة بأبي حنيفة ، فقد روى الكذاب احمد بن محمد بن الصلت الحماني (ت302ه) أن الإمام أبي حنيفة قال : (( حججتُ مع أبي و لي ثمانية عشر عاما ، فمررنا بحلقة فإذا رجل ، فقلت من هذا ؟ فقالوا : عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي )) ، و هذا خبر مكذوب ، لأن ابن جزء مات بمصر ولأبي حنيفة ست سنين91 . و خامسها خبر مفاده أن الأخباري محمد بن إسحاق أظهر التحديث عن فاطمة بنت المنذر ، فكذّبه زوجها هشام بن عروة ، و قال أنها دخلت عليه و هي ابنة تسع سنين ، و ما رآها ابن إسحاق حتى لقيت الله تعالى .و هذا الخبر هو خرافة من وضع سليمان بن داود الشاذكوني ، و ليس ابن إسحاق ، لأن الشاذكوني متهم بالكذب ،و هو أحد رجاله –أي الخبر – و مما يَثبت ذلك أن متنه يحمل دليل بطلانه ، و ذلك أن فاطمة بنت المنذر لما كان لها تسع سنين لم يكن زوجها هشام بن عروة قد وَلد أصلا ، لأنها تكبره بأكثر من عشر سنوات92 . فهل يعقل أن يتزوجها و لها من العمر تسع سنين ،و هو لم يولد بعد ؟ !! .
و السادسة هي ما رواه الأخباري الحسين بن القاسم الكوكبي المتهم بالكذب ، من أن هارون الرشيد حج و معه إبراهيم الجرجاني ، فلما دخلا المدينة وجد الجرجاني داخل المسجد النبوي رجلين أحدهما يغني ، فأنكر عليه فعله ، فرد عليه أحدهما بقوله : نحن في روضة من رياض الجنة ، و في الجنة ما تشتهي الأنفس . فقال له الجرجاني : (( سوءة لك من شيخ )) ، فقال الرجل : (( أنا أعلم بالله و رسوله منك )) ، فتركهما الجرجاني و دخل على الرشيد و أخبره بما رأى في المسجد ، فأستدعى الرشيد الرجلين ، فكان أحدهما فقيه مكة أبو الوليد بن جريج ، فكلّمه الرشيد و حاوره ، فحدّثه بقصة عجيبة لم يرويها ابن حجر في لسان الميزان ، و اكتفى بالاشارة إليها ، لكنه نبهنا إلى أن هذه الرواية التي رواها الحسين الكواكبي ، بعيدة عن الصحة و يشهد على بطلانها أن ابن جريج المذكور في القصة ، كان قد مات قبل أن يلي المهدي- والد الرشيد –الخلافة93 . و ذلك أن ابن جريج تَوفي سنة 150ه ،و الرشيد تولى الخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة 170 ه ، فبين ابن جريج و الرشيد عشرون سنة ، و هذا دليل دامغ على أن الرواية مكذوبة افتراها الحسين الكوكبي .
و آخرها حكاية وضعها الصوفي علي بن الحسين الطرسوسي ، على الإمام احمد بن حنبل(ت242ه) ، و مفادها أنه قيل لأحمد : إن هؤلاء الصوفية جلوس في المساجد بغير عمل ، فقال : هل أجلسهم العلم ؟ قيل له : همتهم كسرة و ِخرقة – لباس الصوفية - ، فقال احمد : لا أعلم عزا ممن هذا صفتهم ، فقيل له : إنهم إذا سمعوا السّماع – الغناء – يقومون فيرقصون ، قال : دعهم ساعة يفرحون بربهم . هذه الحكاية وضعها علي الطرسوسي ، ليَظهر أن احمد بن حنبل كان راضيا على الصوفية ، و أنه حسّن أحوالهم 94 .
و هناك طائفة أخرى من الأخباريين الكذابين أذكر منهم خمسة ، أولهم عيسى بن دأب المديني(ق:2ه) ، كان يختلق الأشعار و أحاديث السمر و ينسبها للعرب ، فسقطت بذلك مكانته بين العلماء95 . و ثانيهم عوانة بن الحكم الكوفي(ت158ه) ، كان عثماني النزعة ، يضع الأخبار لبني أمية96 .و ثالثهم الكذاب هشام بن محمد الكلبي (ت 204ه) ، يروي الأخبار المكذوبة في مختلف المجالات ،و اتهمه أبو الفرج الأصفهاني بالكذب ،و قال عنه أحمد بن حنبل : إنما كان صاحب سمر و نسب ، ما ظننت أن أحدا يَحدّث عنه97 .و رابعهم بكير بن المعتمر البغدادي (ق:3ه) كان يختلق الأخبار للخليفة الأمين في حروبه مع خصومه98 . و أخرهم هو كذاب مجهول ، اختلق شخصية أسطورة خيالية ، سماها : رتن الهندي ، و نسب إليه أخبارا مكذوبة99 .
و ختاما لهذا المبحث يتبين لنا منه أن الكذابين الأخباريين معظمهم قد جمعوا بين الكذب على رسول الله –عليه الصلاة و السلام- و على غيره من الناس ،و أنهم قد غطوا بمفترياتهم مختلف مجالات الحياة .و قد أحصيتُ منهم نحو ثلاثين أخباريا كذابا ، من مجموع ما أحصيته من الكذابين الذين زاد عددهم عن 350 كذابا .
و تبيّن أيضا أنه من خلال عرض كثير من الروايات المكذوبة ، التي انتقدها المحدثون المحققون و بينوا زيفها ، أنهم أظهروا براعة في النقد و التحقيق جمعا بين الإسناد و المتن . مما يَثبت أن ما يزعمه بعض الباحثين المعاصرين من أن أهل الحديث اهتموا بنقد الإسناد و أهملوا المتن ، هو زعم غير صحيح .



ثالثا : مظاهر الكذب في تأليف الكتب :
لم يكتف كثير من الكذابين باختلاق الأكاذيب و نشرها بين الناس عامة و أهل الحديث و الأخباريين خاصة ، و إنما أوصلهم حبهم للكذب و حرصهم عليه إلى تصنيف الكتب لتدوين مفترياتهم . و سأذكر منهم – إن شاء الله تعالى – خمسة عشر كذابا مؤلِفا .
أولهم محمد بن عمر الواقدي (ت207ه) ، روي المناكير عن المجهولين ، و له مصنفات كثيرة سارت بها الركبان ، و هي في المغازي و السيّر و الطبقات و الفقه100 . لكنه لم يكن أمينا ، فهو ليس بثقة و متهم بالكذب ، و كان حاطب ليل في تأليفه لكتبه ، خلّط فيها بين الغث و السمين ،و الخرز بالدر الثمين ، لذا طرحه العلماء و لم يحتجوا به101 . و من كانت تلك حالته ، فاعتقد أن كتبه ليس لها قيمة علمية كبيرة ، و لا يمكن أن نثق فيها ، و لا نأخذ منها إلا بحذر بعد تحقيقها و تمحيصها .و من كانت تلك هي أخلاقه و منهجيته ، فمن و الواضح جدا أنه سيملأ كتبه بالأكاذيب قدر المستطاع ، لذا قال الإمام الشافعي عن مصنفاته : كتب الواقدي كذب102 . و قال عنه الحافظ علي بن المديني : كتب الواقدي كتبه عن الكذاب إبراهيم بن يحيى103 . و بذلك اجتمعت في كتبه أكاذيبه و مفتريات إبراهيم بن يحيى ،و أباطيل المجاهيل الذين روى عنهم ، لتصبح كتبه في حالة غير مقبولة ،و يصدق عليها قول الشافعي الآنف الذكر .
و الثاني هو الكذاب محمد بن السائب الكلبي (ق:2ه) ، له تفسير للقرآن الكريم مليء بالأباطيل ، قال عنه الحافظ يحيى بن معين : هو كتاب ينبغي أن يّدفن . و قال عنه أحمد بن حنبل : لا يحل النظر في تفسير الكلبي104 . لأن مؤلفه كذاب رواه عن الكذاب أبي صالح مولى أم هانئ ، الذي زعم أنه رواه عن ابن عباس- رضي الله عنه – و هو لم يره105 .
و ثالثهم الكذاب خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي (ت185ه)، له كتاب في الديات ، قال عنه يحيى بن معين : بالشام كتاب ينبغي أن يَدفن ، هو كتاب الديات لخالد بن يزيد ، لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة106 .

و الرابع هو الكذاب المعروف بشوكر ، مؤرخ شيعي لا يَعتمد عليه ، كان يضع الحديث و الأخبار و الكتب107 . و خامسهم القاضي احمد بن عبد الله البكري ، كان يختلق الحكايات و الروايات الخيالية و ينشرها في كتبه القصصية الكثيرة ، ككتاب الأنوار ،و حروب الإمام علي ، و الذروة في السيرة النبوية ، الذي لا توجد فيه غزوة على وجهها الصحيح ، بل كل ما ذكره فيه لا يخلو من بطلان أصلا أو زيادة108 .
و سادسهم عبد الله بن احمد بن عامر (ت 324ه)،روى عن أبيه عن علي الرضا عن أبائه رسالة مختلقة باطلة ، هي من وضعه هو –أي عبد الله بن احمد- أو من والده109 . و سابعهم عيسى بن مهران المستعطف الرافضي البغدادي (ق:3ه) ، تخصص في اختلاق الأكاذيب و البلايا ، قال عنه الخطيب البغدادي : هو من شياطين الرافضة و مردتهم ، ألف كتابا فيه طعن في الصحابة و تكفير لهم ، و قد وقف شعري –أي شعر الخطيب- و عظم تعجبي مما فيه من الموضوعات و البلايا110 .
و الثامن هو الكذاب أبو موسى زيد بن زيد الحسيني المعروف بابن أميرك ، من الوضاعين الدجالين ، وضع كتاب الأربعين حديثا111 .و تاسعهم الكذاب عبد الله بن محمد البلوي ، له كتاب : رحلة الشافعي ، طوّلها و نمّقها ،و غالب ما فيها كذب مختلق112 . و عاشرهم الكذاب محمد بن يوسف بن يعقوب الرازي(ق:3ه) ، تخصص في الوضع في القراءات و الحديث ،و قد وضع نحو ستين رسالة في القراءات لا أصل لها113 .

و الحادي عشر هو محمد بن أيوب بن سويد الرملي(ق:3ه)، روى عن أبيه أحاديث باطلة ،و أدخل في كتبه –أي كتب والده – مرويات مكذوبة114 . و الثاني عشر هو الكذاب احمد بن سعيد بن فرسخ الأحميمي المصري ، وضع أحاديث كثيرة و ركب لها أسانيد مختلقة ،و صنّف كتاب الاحتراف ، ذكر فيه أحاديث و أثارا في فضائل التجارة ، لا أصل لها مختلقة الأسانيد115 . و الثالث عشر هو هشام بن محمد الكلبي )ت204ه) ، قال عنه أهل الحديث : رافضي متروك ، متهم بالكذب لا يوثق به ، يروي الأخبار المكذوبة . نشرها في مصنفته الكثيرة التي زادت عن 150 مصنفا في الأنساب و أيام الناس ،و قال عنه الإمام احمد بن حنبل : إنه كان صاحب سمر و نسب ، ما ظننت أن أحدا يحدّث عنه116
و الرابع عشر هو الكذاب عبد الرحمن بن يوسف بن خراش الشيعي ، كتب جزئين في مثالب الشيخين أبي بكر و عمر –رضي الله عنهما -،و قدّمهما لأحد أعيان الرافضة فأجازه بألفي درهم117 . و آخرهم هو كذاب مجهول صنف رسالة و نسبها لعلي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق العلوي (ت203ه) ، و هي رسالة موضوعة كانت منتشرة زمن الحافظ الذهبي(ت748ه) ، فيها أكاذيب عن جعفر الصادق على لسان حفيده علي الرضا .و لم يكن علي الرضا هو الذي يروي الأكاذيب و الأعاجيب المروّجة عن أبيه و جده ، على ما يزعمه بعض الناس عنه118 .
و يتبين مما قلناه في هذا المبحث إن إقدام الكذابين على تصنيف الكتب باسمهم أو نسبتها لغيرهم ، أدى إلى انتشار أكاذيبهم بين أهل العلم من جهة ،و إلى الحفاظ عليها و ادخالها في المكتبة الإسلامية ، و نقلها إلى الأجيال القادمة من جهة أخرى . كما أنهم بذلك الفعل قد اعطوا لمفترياتهم قوة في التأثير على الناس ، لأن الشيء المدوّن له على النفس وقع أكثر مما للروايات الشفوية في كثير من الأحيان .
و ختاما لهذا الفصل يتضح لنا مه أن الكذابين كان عددهم كبيرا ، أحصيتُ منهم أكثر من 350 كذابا ، كذبوا على رسول الله – عليه الصلاة و السلام- و صحابته و التابعين و من جاء بعدهم ، . و أن كثيرا منهم تخصص في الكذب و تفرّغ له ؛ حتى قدرت مفترياتهم بمئات الآلاف ، التي سنقف على أسبابها و أهدافها في الفصل الأخير إن شاء الله تعالى .
و هم بذلك الفعل القبيح الشنيع ، كوّنوا مدرسة عَرفت بهم ، و ساهمت بقوة في تشويه التاريخ الإسلامي و تسميمه ،و كان لها دور كبير في تخريب الفكر الإسلامي ،و إشعال نار الفتن بين الطوائف الإسلامية ، و تكريس خلافاتها .

الفصل الثاني
كبار الكذابين في رواية الأحاديث و الأخبار التاريخية

أحصيت من الرواة الكذابين في الحديث النبوي و الأخبار التاريخية أكثر من 350 كذابا119 ، و سأذكر -إن شاء الله – من هؤلاء طائفة تمثل كبار الكذابين حسب طوائفهم المذهبية و تخصصاتهم العلمية و مدنهم و بلدانهم .

أولا : حسب الطوائف المذهبية و الاجتماعية :
ينتمي هؤلاء الكذابون إلى مختلف الطوائف المذهبية و الاجتماعية التي عرفها التاريخ الإسلامي خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى ، و سأقتصر على ذكر الكذابين المنتمين إلى الشيعة ، و السنة ،و الزنادقة ،و المعتزلة ،و الزهاد و الصالحين .

(أ ) المنتمون إلى الشيعة :
أحصيت من الكذابين المنتمين إلى الشيعة أكثر من 45 كذابا شيعيا ، منهم : عمران بن ميثم ،و جميع بن عمير الكوفي ،و إسحاق بن محمد النخعي الأحمر ،و محمد بن فارس العطشي ،و سهل بن احمد الديباجي ،و فرات بن أحنف الكوفي ،و ثوير بن أبي فاختة ،و زياد بن المنذر الهمداني120 .
و نخص جماعة من هؤلاء بشيء من التفصيل فيما يأتي ، أولهم محمد بن السائب الكلبي الكوفي ، قال عنه ابن حِبان : كان بالكوفة كذابان ، أحدهما محمد بن السائب الكلبي .و هذا الكذاب هو الذي افترى الخبر الذي فيه : إن جبريل كان يملي الوحي على الرسول-صلى الله عليه و سلم – فلما دخل الرسول الخلاء ، واصل جبريل الوحي فأملاه على علي بن أبي طالب121 . فهذا خبر باطل راويه كافر زنديق .
و الثاني هو هشام بن محمد الكلبي(ت206ه) كذاب كأبيه ، روى الأخبار الموضوعة122 . و ثالثهم الكذاب الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني ، كان يكذب على علبي بن أبي طالب ، و ادعى النبوة ،و زعم أنه تعلّم القرآن في ثلاث سنوات ، و الوحي في سنتين123 .و رابعهم الكذاب المغيرة بن سعيد الكوفي، ادعى النبوة ،و كان كثير الكذب على علي بن أبي طالب و أهل البيت –رضي الله عنهم - ، زعم أن عليا يحي الموتى ، و فسّر القرآن الكريم بهواه و جهله ، فزعم أن قوله تعالى : (( إن الله يأمر بالعدل و الإحسان )) ، أن العدل هو علي ،و الإحسان هو فاطمة ، و ((و إيتاء ذي القربى )) ، هو الحسن و الحسين ، و (( و ينهى عن الفحشاء و المنكر )) ، هو فلان كان أفحش الناس ،و المنكر هو فلان124 . و واضح أنه يقصد بفلان و فلان الشيخين أبي و عمر -رضي الله عنهما – و هذا قول على الله بلا علم ،و وقاحة أملاها التعصب المذهبي المذموم ، الذي كشف عن بعض ما يكنه هذا الكذاب و أمثاله للصحابة الكرام –رضي الله عنه - .
و سادسهم الكذاب حرام بن عثمان الأنصاري المديني (ق:2ه) ، كان يقلب الأسانيد ،و يرفع المراسيل ، و له جسارة على الكذب ، فعندما قيل له : هل عبد الرحمن بن جابر ،و محمد بن جابر ،و أبو عتيق ، هم شخص واحد ؟ قال لمن سأله : إن شئت جعلتهم عشرة . و قال عنه أهل الحديث : الرواية عن حرام حرام125 . و سابعهم الكذاب عيسى بن مهران البغدادي (ق:3ه) ، كذاب محترق في الرفض ، قال عنه الخطيب البغدادي : كان من شياطين الرافضة و مردتهم ، يطعن في الصحابة و يكفرهم126 .و ثامنهم الكذاب تليد بن سليمان المحاربي الكوفي ، قال عنه أهل الحديث : رافضي دجال كان يشتم بعض الصحابة127 .
و الكذاب التاسع هو أبو مريم عبد الغفار الأنصاري الكوفي ، قال عنه أصحاب الحديث : رافضي كذاب يضع الحديث ، و عامة أحاديثه أباطيل ، حدّث عن عثمان بن عفان ببلايا128 .و عاشرهم الكذاب عمرو بن شمر الجعفي ، قال عنه المحدثون : رافضي كذاب ، يشتم الصحابة ،و يضع الأحاديث للرافضة129 . و الكذاب الحادي عشر هو جعفر بن احمد بن سيابة المصري (ت304ه) ، قال عنه أصحاب الحديث : رافضي يضع الحديث ، قليل الحياء في دعاويه على قوم لم يلحق بهم ، و في وضع الأحاديث الركيكة التي لا تشبه كلام الرسول –صلى الله عليه و سلم - ،و عامة أحاديثه موضوعة .130 و الثاني عشر هو الكذاب مسور بن الصلت الكوفي (ق:2ه) ، قال عنه المحدثون : كذاب متروك ، يروي الموضوعات عن الثقات ، لا يجوز الاحتجاج به،و كان غاليا في التشيع و شتم السلف131 .
و أخرهم محمد بن عمر الواقدي البغدادي ، هو محسوب على أهل السنة لكنني ذكرته مع الكذابين الشيعة ، لأنه تبيّن لي أنه كان شيعيا يمارس التقية ، يخفي التشيع و يظهر التسنن ، و أدلتي على ذلك ثلاثة ، أولها إن كثيرا من علماء الحديث قد كذبوه و اتهموه بوضع الحديث و رواية المناكير عن المجهولين ، و من هؤلاء العلماء : الشافعي ،و احمد ، و البخاري، و مسلم ، و النسائي ،و أبو داود ،و الترمذي132 – رضي الله عنهم - . و في مقابل هؤلاء وثّقه آخرون كإبراهيم الحربي ،و أبي بكر الصاغاني ،و مصعب بن عبد الله133 . و هذا يشير إلى أن الرجل –أي الواقدي – كان يمارس التقية في تعامله مع أهل العلم ، فطائفة تبيّن لها كذبه ، و أخرى لم يتبين لها ذلك منه .
و الدليل الثالث هو أن الواقدي روى أخبارا شيعية تتفق مع مذهبه ، منهما أنه روى أن عليا كان من معجزات الرسول –عليه الصلاة و السلام – كما كانت العصا من معجزات موسى –عليه السلام - ،و إحياء الموتى من معجزات عيسى –عليه السلام -134 . و الدليل الثالث هو أن الشيعي ابن النديم – صاحب الفهرست – كشف لنا أمر الواقدي دون التباس ، فقال عنه : كان يتشيع حسن المذهب ، يلزم التقية135 .
و من الشيعة الكذابين ، طائفة معروفة بالكذب ، هي الجماعة السبئية136 ، سماهم الناس الكذابين ، من رؤوسهم : محمد بن السائب الكلبي (ق:2ه) ،و جابر بن يزيد الجعفي ، من أفكارهم الخرافية ، الزعم بأن عليا في السماء ،و أنه سيرجع إلى الدنيا ،و كان رشيد الهجري السبئي يقول لعلي بن أبي طالب : أنت دابة الأرض137 .
و أشير في هذا المقام إلى أن أهل السنة قد اختلفوا في الاحتجاج بروايات الرافضة138 –الشيعة – على ثلاثة أقوال ، أولها المنع المطلق ،و ثانيها الترخّص مطلقا إلا فيمن يكذب و يضع الحديث ، و ثالثها التفصيل فتقبل رواية الرافضي الصدوق العارف بما يّحدّث ، و تَرد رواية الرافضي الداعية لمذهبه و لو كان صدوقا139 . و الموقف الأول هو الأصح في اعتقادي ، فهو الأصوب و الأسلم و الأحوط ،و ذلك أن الرافضة يسبون الصحابة و يكفرونهم ،و الكذب شعارهم و التقية و النفاق دثارهم140 . فمن كان ذلك هو حالهم فالكذب و الصدق عندهم سيان ، من فعلهما فهو في عبادة ،و من هذه حاله لا تقبل روايته كائن من كان ،و في أي حال من الأحوال .
و مما يؤيد ما ذهبتُ إليه ، ما قاله كثير من كبار العلماء في الشيعة ، فقال فيهم الإمام مالك : لا تكلموهم ، لا تروا عنهم ، فإنهم يكذبون .و قال عنهم الإمام الشافعي : لم أر أشهد بالزور من الرافضة .و قال شريك : احمل العلم من كل ما لقيت إلا الرافضة ، فإنهم يضعون الحديث و يتخذونه دينا .و قال يزيد بن هارون : يَكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة ، فإنهم يكذبون141 .
و قال بن القيم الجوزية : الرافضة أكذب خلق الله ،و أكذب الطوائف .و قال الذهبي : أكثر ما ترويه الرافضة كذب ،و أن دأبهم رواية الأباطيل ،و رد ما في الصحاح و الأسانيد ،و تكفير الصحابة ،و التدثر بالتقية و النفاق ، فمن كان ذلك حالهم لا تقبل روايتهم و لا يحتج بقولهم . و قال ابن حجر : الشيعة لا يوثق بنقلهم142 . و مما يؤكد ما قاله هؤلاء عن الرافضة ، أن ما كذبه الشيعة على علي و أهل البيت – رضي الله عنهم – قَدر بنحو ثلاثمائة ألف حديث143 .
و بذلك يتبين لنا أن الرواة الكذابين في الطائفة الشيعية كان عددهم كبيرا ، أحصيتُ منهم أكثر من 45 كذابا ، جمع الكثير منهم بين الكذب و الغلو في التشيع ، كسب الصحابة و تكفيرهم و القول برجعة علي إلى الدنيا .

(ب ) المنتمون إلى أهل السنة :
وَجد في أهل السنة رواة كثيرون اتهموا بالكذب ، أذكر منهم طائفة ، أولهم محمد بن إسحاق بن سيار المديني (ق:2ه) ،جرّحه بعض العلماء و اتهموه بالكذب ، منهم : مالك بن أنس ، و الأعمش ،و الدارقطني ، و وثّقه آخرون و رووا عنه ، منهم : سفيان الثوري ،و سفيان بن عيينة ، و عبد الله بن المبارك،و أبو زرعة الرازي ،و يحيى بن سعيد144 . و من أسباب تجريح العلماء له هو أنه كان يكتب عن كل أحد ، فلا يتورّع و لا يبالي عمن يروي ، فروى عن المجهولين الأباطيل و الواهيات و المناكير ،و الأخبار المنقطعة .و منها أيضا – أي الأسباب – أنهم جرّحوه بسبب تشيعه و تدليسه و قوله بالقدر145 .
و الثاني هو سيف بن عمر التميمي ، متهم بالزندقة و وضع الحديث و التحديث بالموضوعات ،و الرواية عن الكذابين و المجهولين .و قال عنه يحي بن معين : ضعيف، فلس خير منه .و قال عنه ابن عدي : عامة حديثه منكر 146 . و ثالثهم : الكذاب غلام خليل البغدادي(ت275ه) كان يروي الكذب الفاحش ،و يضع الأحاديث ،و يَجيب عن كل ما يَسأل ، و يكذب دون حياء ، قال عنه أبو داود السجستاني : ذاك كذاب بغداد147 . و رابعهم نعيم بن حماد (ت228ه) ، روي المناكير عن الثقات ،و وضع الأحاديث تقوية للسنة ، وله حكايات مكذوبة عن أبي حنيفة148 .و خامسهم الكذاب سيف بن محمد بن أخت سفيان الثوري ، كان ممن يضع الحديث . و أخرهم علي بن الجهم (ت 249ه) ، كان ناصبيا من أكذب الناس149 .

(ج ) الكذابون من الطوائف الأخرى :
نذكر من الطوائف المتبقية : الزنادقة ،و المتكلمون ، و الزهاد و الصوفية . فبخصوص الزنادقة فقد قَدر مجموع ما كذبوه على رسول الله –صلى الله عليه و سلم – باثنى عشر ألف حديث ،و ذكر إسحاق بن راهويه أن زنديقا تاب عن الزندقة ، فكان يبكي و يقول : (( كيف نَقبل توبتي ،و قد زوّرت أربعة آلاف حديث تدور في أيدي الناس150 .و يَروى أن الخليفة هارون الرشيد أخذ زنديقا ليقتله ، فقال للرشيد : أين أنت من ألف حديث وضعتها ؟ فرد عليه الرشيد : أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري ،و ابن المبارك ، يتخللانها فيخرجانها حرفا حرفا151 .
و من هؤلاء الزنادقة : عبد الكريم بن أبي العوجاء، قتله الخليفة العباسي المهدي ، بعد سنة 160 ، قتله بسبب الزندقة ،و عندما أخذ لقطع عنقه، اعترف بوضع أربعة آلاف حديث ، حرّم فيها الحلال و حلل فيها الحرام152 . و الثاني هو عبد الرحمن بن خراش ، مَتهم بالزندقة ، روى الأباطيل في مثالب الشيخين الصديق و الفاروق –رضي الله عنهما – و حدّث بالمراسيل و وصلها153 . و ثالثهم : يوسف بن خالد السمتي البصري ، قال عنه المحدثون : كذاب متروك ، زنديق خبيث154 .و رابعهم الزنديق محمد بن سعيد المصلوب(ق:2ه) ، قتله الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ، بسبب الزندقة ، قال عنه أهل الحديث : كذاب زنديق ، وضع أكثر من أربعة آلاف حديث155 .و خامسهم الأديب المتفلسف أبو حيان التوحيدي(ق:4ه) ، مَتهم بالزندقة و الكذب و الانحلال ،و التعطيل و القدح في الشريعة156 . و آخرهم أبو عبد الرحيم الكوفي (ق:1ه) ،و إسحاق بن محمد الأحمر ، قال عنهما أهل الحديث : كذابان زنديقان157 .
و أما الكذابون المتكلمون ، فمنهم عمر بن بحر الجاحظ (ت225ه) ، قال عنه المحدثون : كان من أكذب الناس ،و أوضعهم للكذب158 .و الثاني هو أبو عثمان عمرو بن عبيد البصري ، قال عنه أصحاب الحديث : كان من الكذابين الآثمين ، يضع الحديث و يكذب على الحسن البصري159 . و ثالثهم شيخ المعتزلة : أبو الهذيل العلاف البصري (ت235ه) ، كان من معطلة الصفات ، قال عنه ابن قتيبة : كذاب أفاك160 . و رابعهم أبو القاسم بن عباد الطالقاني ، المشهور بالصاحب بن عباد(ت385ه) ، مَتهم بالكذب و الانحراف عن الشرع ، و وضع الأحاديث ،و عدم أداء الصلاة161 . و آخرهم محمد بن إسحاق بن النديم (ق:4ه) ، جمع بين الرفض و الاعتزال و هو متهم بالكذب ،و توثيق الكذابين ،و تجريح الثقات في كتابه الفهرست162 .
و فيما يخص الكذابين من الزهاد و العَبّاد و الصوفية ، فإنه من الغريب أن نجد من هؤلاء كذابين اشتهروا بالكذب و حذّر منهم أهل الحديث ،و ذكروهم في مصنفاتهم مع المجروحين . لكن هذه الغرابة تزول إذا تذكرنا ثلاثة أمور هامة ، أولها أن الانتساب إلى الدين و التظاهر بالصلاح شيء ،و الالتزام به ظاهرا و باطنا شيء آخر . و ثانيهما علينا ألا ننس أن الانتساب إلى الدين ليس خاصا بطائفة الزهاد و الصوفية ، فمعظم الذين ذكرناهم سابقا كانوا ينتسبون للدين و يكذبون باسمه .و ثالثها هو أن التعصب للرأي و للطائفة يعمي الإنسان و يصمه ،و يدفعه إلى الكذب انتصارا لنحلته . و يقول الحافظ يحيى بن القطان عن الصالحين الكذابين ، : (( ما رأيت الصالحين في شيء ، أكذب منهم في الحديث ، يكتبون عن كل أحد )) ،و قال آخر : (( ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينتسب إلى الخير ))163 .
و منهم هؤلاء الزهاد و العَباد : أبو عبد الرحمن الهيثم بن عدي الكوفي(ت207ه) ، قال عنه بعض أهل الحديث : أخباري كذاب ليس بثقة . و من غريب أمره أنه كان متفرغا للعبادة و الكذب معا ، فقد روت إحدى جواريه أن مولاها : كان يصلي عامة ليله ، فإذا أصبح جلس يكذب164 ! ! .
و الثاني هو محمد بن عكاشة الكرماني (ت ب: 225ه) ، كان كذابا بكاء ، يضع الحديث و يحدث بالأباطيل ، و روي أنه كان إذا حدّث بكي ، و يَسمع خفقان قلبه ، و قيل أنه صَعق فمات عندما سمع آية الجمعة165 . و لا ندري أكان يتباكى تظاهرا بالبكاء ، ، أم كان يبكي على نفسه الكذابة التي كانت تروي أكاذيبه المنسوب لرسول الله –صلى الله عليه و سلم- ؟ ! .
و ثالثهم غلام خليل البغدادي ، كان معروفا بالزهد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، لكنه مع ذلك كان يضع الحديث ، و يروي الكذب الفاحش ،و يسرق الحديث .و قد سماه أبو داود السجستاني : دجال بغداد .و الغريب في أمره أنه هو شخصيا كان يعترف بوضعه للحديث ، فعندما كَلم في ذلك ، قال : (( وضعناها لنرقق القلوب ))166 . هذا الرجل جمع الكذب و السرقة ،و الوقاحة و التظاهر بالصلاح،و الزهد في الدنيا ، لكن أعماله تدل على أنه كان زاهدا في الآخرة لا في الدنيا .
و رابعهم سليمان بن عمرو النخعي (ق:3ه) ، له ظاهر صالح ،و صاحب تقشف و عبادات ، لكنه كان معروفا بالكذب و وضع الحديث وضعا ، قال عنه يحيى بن معين : هو من أكذب الناس167 . و خامسهم علي بن حسن الطرسوسي ، كان ينتمي إلى الصوفية ، و قد وضع حكاية مكذوبة عن أحمد بن حنبل في تحسين أحوال الصوفية في ارتدائهم للخرقة و عقد مجالس السمّاع التي يرقصون فيها168 . و سادسهم وهب بن حفص الحراني (ق:3ه) كان ينتسب للصالحين ،و زَعم أنه مكث عشرين سنة لا يَكلم أحدا ، لكن المحققين قالوا عنه : كذاب مَغفل ، لا يفهم الحديث ، و أحاديثه كلها مناكير ، كان يضع الحديث من عنده ، و يسرقه من غيره169 . و لعله سكت دهرا ليستعد للكذب و يتفرّغ له بالكلام الكثير !! .
و السابع هو عبد الله بن أيوب بن أبي علاج الموصلي ، كان من كبار العَباد الصالحين ، يتصدق بما يفضل من قوته ، لكنه متهم بالكذب و وضع الحديث ، و قد وضع حديثا عجيبا جاء فيه : (( إن لله ملكا من حجارة ، يَقال له عمارة ، ينزل على فرس من ياقوت ، طوله مد بصره يدور على البلدان ))170 . و ثامنهم الصوفي أبو عبد الرحمن السلمي النيسابوري (ت 412ه) ، هو شيخ الصوفية في عصره ، له مصنفات في تاريخهم و طبقاتهم و تفسيرهم ، لكنه ليس بعمدة في الرواية ،و متهم بوضع الحديث للصوفية . ( ابن حجر : اللسان،ج5ص:140) ، و تاسعهم الصوفي الحسين بن علي الألمعي الكاشغري (ت484ه) كان صالحا متدينا ، له مصنفات في التصوف ، لكنه متهم بالكذب و وضع الحديث و رواية المناكير إسنادا و متنا171 . و آخرهم علي بن احمد الهكاري(ت486ه) كان صاحب عبادة ، و اجتهاد ، و زهادة ، و تفرّد بطاعة الله تعالى ، و ابتنى أربطة للصوفية . لكنه – مع ذلك – لم يكن ثقة ، و اتهم بوضع الحديث و تركيب الأسانيد .و الغالب على حديثه الغرائب و المناكير و الموضوعات172 .

ثانيا : حسب التخصص العلمي:
تبيّن لي من إحصاء أكثر من 350 كذابا أن معظمهم كان متخصصا في الحديث النبوي ، و أن منهم نحو 63 كذابا تخصصوا في مجالات أخرى ؛ و بناء على ذلك فإنني لا أتطرّق للمتخصصين في الحديث ، لأنه سبق و أن ذكرنا منهم طائفة كبيرة ؛ و إنما أتطرّق للكذابين من القضاة ، و الأخباريين ،و الشعراء ،و الوعاظ و القصاص .
فبخصوص القضاة الكذابين ، فهم فقهاء تولوا القضاء ، و قد أحصيت منهم ستة عشر قاضيا كذابا173 ، أذكر منهم سبعة بشيء من التفصيل ، أولهم القاضي أصرم بن حوشب ، تولى قضاء همدان ، قال عنه نَقاد الحديث : كذاب خبيث منكر الحديث ، يضع الحديث على الثقات174 . و الثاني أبو البختري وهب بن وهب (ت200ه) تولى قضاء المدينة ، قال عنه المحدثون : هو كذاب هذه الأمة ، و من أكذب الخلق ، له جسارة على الكذب يمضي عامة ليله في وضع الحديث175 . و ثالثهم قاضي جرجان عمرو بن الأزهر (ق:3ه) ، قال عنه المحققون : كذاب ليس بثقة ، يضع الحديث176 .
و رابعهم عبد الله بن زياد بن سمعان ، تولى قضاء المدينة المنورة ، قال عنه أصحاب الحديث : كذاب يروي المناكير و يضع الحديث ، و يروي عمن لم يره ،و يحدث بما لم يسمع177 .و خامسهم القاضي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي (ت 258ه) مَتهم بالكذب ، وحدّث بأحاديث لا أصل لها ،و روى المناكير178 عن الثقات ، من موضوعاته حديث : (( أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منه اهتدى ))179 . و سادسهم عبد الرحمن بن محمد الأبهري (ت342ه)، تولى القضاء في عدة مدن ، كان متهما بالكذب ،و وضع الحديث ، و تركيب الأسانيد على المتون ،و التحديث بالموضوعات ،و رواية ما لم يسمع من المصنفات180 .و آخرهم القاضي ، محمد بن عثمان النصيبي ، قال عنه المحدثون : كان كذابا ، يضح الأحاديث للرافضة181 .
و أما الأخباريون فأحصيت منهم نحو 24 كذابا182 ، أذكر منهم أثنى عشر أخباريا بشيء من التفصيل ، أولهم محمد بن عمر الواقدي البغدادي(ت207ه) ، أخباري مشهور له مصنفات كثيرة في المغازي و السيّر و الطبقات ، لكنه يفتقد إلى المنهج العلمي الصحيح ، فهو ليس بثقة و خلّط في كتبه الغث بالسمين و الخرز بالدر الثمين ، و قال عنها الإمام الشافعي إنها كذب183 . و الثاني هو عبد الرحمن بن خراش ، جمع بين الحديث و الأخبار ،و كان يوصل المراسيل ، روي أخبارا طعن فيها في الشيخين أبي بكر و عمر – رضي الله عنهما- .و عنه يقول الحافظ ابن حجر : (( هذا و الله هو الشيخ المغتر الذي ظل سعيه ، فإنه كان حافظ زمانه ، و له الرحلة الواسعة و الاطلاع الكثير و الإحاطة ، و بعد هذا ما انتفع بعلمه ، فلا عتبى على حمير الرافضة ))184 .

و ثالثهم المؤدب الحسين بن شبيب ، مَتهم بالكذب و التزوير ، و حدّث عن الثقات بالبواطيل ،و وصل أحاديث مرسلة في الأصل185 . و رابعهم عبد الله بن شبيب الربعي ، قال عنه أصحاب الحديث : أخباري بارع ،لكنه ذاهب الحديث و متهم في دينه ، يروي الأحاديث الباطلة ،و يقلب الأخبار و يسرقها 186 . و خامسهم أبو مخنف لوط بن يحيى (ت 157ه) ، مؤرخ مشهور ، قال عنه نقاد الحديث : متهم بالكذب ليس بثقة ، متروك لا يوثق به ، شيعي محترق صاحب أخبارهم ، يروي عن الكذابين و المجهولين187 . و سادسهم الأخباري المعروف بشوكر البصري (ق:2ه) ، قال عنه المحققون : مؤرخ شيعي لا يعتمد عليه ، كان يضع الأحاديث و الأخبار و الأسفار188 . و سابعهم عيسى بن دأب الليثي المدني (ق:2ه) كان عارفا بالسيّر و الأنساب و الأدب و أيام الناس ، لكنه أفسد علمه و أسقط مكانته بوضعه للأحاديث و الأخبار189 .
و أما الثامن فهو الهيثم بن عدي الطائي الكوفي (ت207ه) ، مؤرخ أخباري علامة ، قال عنه نقاد الحديث: كذاب متروك الحديث ،و من غرائبه و مخازيه أنه كان متفرغا للكذب190 . و تاسعهم سيف بن عمر التميمي (ق:2ه) ، أخباري عارف ، لكنه يحدّث بالموضوعات و يروي عن الكذابين و المجهولين .و قال عنه الحافظ بن حِبان : يروي الموضوعات عن الأثبات ،و يضع الحديث191 . و عاشرهم الحسين بن القاسم الكوكبي ، أخباري مشهور كذاب ، في أخباره كثير من المناكير يرويها بأسانيد جياد192 .
و الحادي عشر هو نصر بن مزاحم العطار البغدادي(ت212ه) ، مؤرخ مشهور اعتمد عليه الطبري كثيرا في تاريخه193 . و قال عنه نقاد أهل الحديث : كذاب رافض مغالٍٍ ، حديثه فيه اضطراب و خطأ كثير ، و روى الماكير عن الضعفاء194 . و آخرهم إبراهيم بن محمد بن هلال الثقفي (ت283ه) ، مؤرخ له مصنفات تاريخية كثيرة ، منها : المغازي ، و السقيفة ،و و النهروان ،و مقتل علي ، و مقتل الحسين ،و أخبار المختار الثقفي ، لكنه كان متهما بالكذب غالبا في التشيع و الرفض195 .
و يَلاحظ على هؤلاء الأخباريين الكذابين ، أن كثيرا منهم جمعوا بين الكذب في الحديث النبوي و الكذب في الأحبار التاريخية .و أن جماعة منهم هم من أقطاب الأخباريين المعروفين الذين دوّنوا التاريخ الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى ، كمحمد بن عمر الواقدي ، و سيف بن عمر التميمي ،و أبي مخنف لوط بن يحيى ،و نصر بن مزاحم .
و أما بالنسبة للوعاظ الكذابين فسأذكر منهم خمسة ، أولهم عبد المنعم بن إدريس اليماني (ت228ه) ،، قال عنه النقاد المحققون : كذاب لا يعتمد عليه ، وضع الحديث و حدّث عن أبيه و لم يسمع منه ،و كذب على وهب بن منبه196 . و الثاني هو أبو عبد الله غلام خليل البغدادي (ت275ه) ، واعظ بغداد في زمانه ، سماه الحافظ أبو داود السجستاني : دجال بغداد ، وضع أحاديث كثيرة لترقيق القلوب على حد زعمه197 .و ثالثهم الحسين بن علي الكاشغري (ت 484ه) ، واعظ معروف بالصلاح ، لكنه متهم و بوضع الحديث ،و رواية المناكير التي ليس لها وجه صحيح198 . و ثالثهم إسماعيل بن علي الإسترابادي (ت448ه) ، واعظ معروف ، لم يكن يتورع من الكذب في مجالس وعظه ، فقد سَئل في مجلس له بدمشق عن حديث موضوع ، فقال هذا حديث مختصر ،و زاد في متنه أشياء مختلقة دون إستاد ، فلنا سألوه عنه –أي الإسناد – و عدهم به مستقبلا199 . و آخرهم الواعظ عبد الرحمن بن داود (ق:7ه) كان يعقد مجالسه بالقاهرة ، و يذكر فيها أحاديث موضوعة ركّب لها أسانيد صحيحة ، أخذها من صحيح البخاري و سنن أبي داود و غيرهما .و من أكاذيبه أنه حدّث بكتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي ، عن المحدث أبي الوقت عبد الأول (ق:6ه) ، و زعم أنه لقيه بمكة ، و هذا كذب مكشوف ، لأن أبا الوقت ما دخل مكة200 .
و أما القصاص الكذابون ، فهم متهمون ، بإفساد الحديث ،و إماتة العلم ، و اللعب بالعقول و إفسادها بالخرافات201 .و قد أحصيت منهم أحد عشر قاصا202 ، أذكر منهم ثمانية ، أولهم احمد بن عبد الله البكري ، قال عنه نقاد الحديث : كذاب دجال ، يضع القصص الخيالية التي لا أصل لها ، و لم يرو من العلم حرفا بسند ، وله كتب قصصية كثيرة تكلم في بعضها عن السيرة النبوية ، فجاءت محشوة بالأكاذيب و الأباطيل203 . و الثاني هو إسحاق بن بشر البخاري (ت206ه) ، قال عنه المحدثون المحققون : قاص تالف ، كذاب متروك ، حدّث عن أقوام لم يدركهم ،و وضع الحديث على الثقات204 . و ثالثهم محمد بن الحسن النقاش البغدادي(ت351ه) ، قاص مفسر متهم بالكذب ، له كتاب : أخبار القصاص، في أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة 205 . بمعنى أنه كان يركب لها أسانيد صحاح . و رابعهم القاصة : حكامة ، لها أحاديث تشبه أحاديث القصاص ، و هي أحاديث لا أصل لها206 .
و القاص الخامس هو عمر بن واصل ، متهم بالكذب و وضع حديث : (( أنا خاتم الأنبياء ، و أنت يا علي خاتم الأولياء ))207 . و سادسهم القاص أبو الخطاب النهاس بن فهم البصري ، قال عنه نقاد الحديث : متهم بالكذب يروي المناكير عن المشاهير و يخالف الثقات ، و روى عن عطاء عن ابن عباس –رضي الله عنه - أشياء منكرة ، لذا لا يجوز الاحتجاج به208 . و سابعهم القاص المعروف بسيعويه ، ذكره ابن الجوزي في مصنفه : كتاب الحمقى و المغفلين ، كان لا يبالي بوضع الأسانيد و المتون ، و قد روى حديثا في إسناده : أخبرنا شبابة ، عن ورقاء ، عن قتادة ، عن علي بن الجعد ، فقيل له : هذا علي بن الجعد ما يزال حيا ،و لم يلق قتادة ، فقال : ما كنت أظنه إلا في بني إسرائيل209 !! . و آخرهم القاص أبو داود سليمان النخعي ، حدّث عن ثقات المدنيين و الشاميين بالمناكير، و كذّبه الإمام احمد بن حنبل210 .
و أما الشعراء الكذابون ، فمنهم إسماعيل بن محمد الحميري المشهور بالسيد الحميري ، قال عنه نقاد الحديث : كان رافضيا خبيثا ، يسب السلف و يفتري عليهم211 . و ثانيهم الشاعر حماد الراوية (ق:2ه) ، عالم بالشعر و الأنساب ، و متهم بالكذب في الرواية و عمل الشعر و نسبته للمتقدمين ، حتى قيل عنه : إنه أفسد الشعر 212 . و ثالثهم الشاعر الهجاء دعبل بن علي الخزاعي (ق:3ه) ، قال عنه المحققون : رافضي بغيض سباب ، متهم بالكذب ، روى عن الإمام مالك المناكير213 . و آخرهم الشاعر علي بن الحسن الصقر الصائغ البغدادي ، قال عنه نقاد الحديث : كذاب يسرق الحديث ، ويضع الأحاديث على الشيوخ214 .
و بهؤلاء يتبين لنا مما ذكرناه عن الكذابين حسب تخصصاتهم العلمية ، أن كثيرا منهم كانوا مختصين في علم الحديث ، و أن قلة منهم تخصصوا في علوم أخرى ، في مقدمتهم : الأخباريون ثم القضاة ، ثم القصاص ، ثم الوعاظ ، و آخرهم الشعراء . و هؤلاء كلهم - و غيرهم من الكذابين- جمعهم الكذب ليؤسسوا به مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه ، ويكونوا هم مؤسيسوها و روادها و ممثلوها المتحمسون لها بالكذب و الدجل .

ثالثا : الكذابون حسب مدنهم و بلدانهم :
أخذتُ طائفة من الكذابين بطريقة عشوائية ، بلغ مجموعها 145 كذابا ، ثم فرزتهم و أحصيتهم حسب بلدانهم ، فوجدتُ 94 كذابا من العراق ، و الباقي ( 51 ) موزعون كالآتي : 13 من الشام ، و 09 من خَراسان ،و 09 من مصر ، و 05 من همدان ،و 04 من المدينة ، و 04 من الري ، و 02 من اليمن ،و 02 من جرجان ،و 01 من مكة ، و 01 من بخارى ، و 01 من كرمان215 .
فبخصوص إقليم العراق فإن عدد 94 كذابا موزع على بعض مدنه كالآتي : 42 من الكوفة ، و 27 من البصرة ، و 19 من بغداد ، و 02 من الرقة ، و 02 من الموصل ، و 01 من حرّان ،و 01 من واسط .
و واضح مما ذكرناه عن هؤلاء الكذابين حسب بلدانهم ، أنهم كانوا من مختلف أمصار و مدن المشرق الإسلامي ، لكن معظمهم كانوا من العراق عامة ، و من جنوبه خاصة ،و من الكوفة و البصرة تحديدا ؛ فالكوفة لوحدها ينتسب إليها 42 كذابا ، ثم البصرة ب: 27 كذابا ، و السبب في ذلك معروف و واضح ، هو أن منطقة جنوب العراق عامة ،و الكوفة و ما جاورها خاصة يسكنها الشيعة ، وقد سبق و أن بيّنا أن عددا كبيرا من الكذابين الذين ذكرناهم سابقا216 ، هم من الشيعة . وأن العلماء قد وصفوهم بأنهم من أكذب الطوائف ، يضعون الحديث و يتخذونه دينا .و أنهم قد كذبوا على علي بن أبي طالب و أهل بيته نحو 300 ألف حديث .
و من أشهر هؤلاء الكذابين ، طائفة من الكوفة ، وهم : محمد بن الكلبي ، و ابنه هشام ، و المغيرة بن سعيد ،و جابر الجعفي، و أبو داود نفيع بن الحارث،و معلى بن هلال الطائي ،و لوط بن يحيى ،و أبو مريم عبد الغفار بن القاسم ،و عمر بن شمر ، و الأصبغ بن نباتة و غيرهم كثير217 .
و من كذابي البصرة : عثمان بن البري، و محمد بن يونس الكديمي، و عمرو بن عبيد المعتزلي ، و سلمى بن عبد الله الهذلي ،و إبراهيم بن هدبة، و حرب بن ميمون ،و الحسن بن علي العدوي218 .
و أما الكذابون من باقي المدن فسأقتصر على بعضهم ، فمن بغداد : محمد بن عمر الواقدي، و نصر بن مزاحم ، و غلام خليل ،و محمد بن زياد اليشكري ، و حسن بن علوان بن قدامة .و من مصر : أبو يحيى زكريا بن يحيى الوقار ،و احمد بن طاهر بن حرملة التجيبي ،و احمد بن عيسى التنيسي ،و أبو الفضل جعفر بن احمد بن سيابة المعروف بابن أبي العلاء ، و الحسن بن عفير العطار219 .

و قبل إنهاء كلامنا عن كبار الكذابين ، أشير هنا إلى فائدتين ،أولهما إن هناك طائفة من الكذابين قد توارثت الكذب على مستوى الأب و ابنه ، أذكرهم أزواجا أزواجا ، منهم : محمد بن السائب الكلبي و ابنه هشام . و احمد بن عامر و ابنه عبد الله ،و أيوب بن أبي علاج الموصلي و ابنه عبد الله ، وهو أكذب من والده ،و عبد القدوس بن حبيب الكلاعي له ابن كذاب مثله و شر منه ، و محمد بن قراد الخزاعي و ابنه عبد الله ، و علي بن المثنى الاسترابادي و ابنه إسماعيل ، قيل عنه : كذاب بن كذاب220 . و الفائدة الثانية هي أن هناك ثلاثة كذابين لهم لقب أبو بكر ، و هم : أبو بكر بن احمد بن أبي يحيى ،و أبو بكر بن أبي داود السجستاني ،و أبو بكر بن الباغندي221 .

و ختاما لهذا الفصل يَستنتج منه أن الكذابين الذين أحصيتهم ينتمون إلى مختلف التخصصات العلمية ،و الطوائف المذهبية و الاجتماعية ، جمعهم الكذب في الحديث النبوي ، و الأخبار التاريخية ، مكونين بذلك مدرسة عَرفت بهم ، على اختلاف مذاهبهم و بلدانهم ، على أن الكثير منهم من الطائفة الشيعية ،و أن معظمهم يقطنون جنوب العراق عامة و الكوفة و ما جاورها خاصة .


الفصل الثالث
أسباب ظهور مدرسة الكذابين و آثارها السيئة على التاريخ الإسلامي

أولا: أسباب و أهداف ظهور مدرسة الكذابين:
تبين مما ذكرناه في الفصلين السابقين،أن ظاهرة الكذب في الحديث النبوي و الأخبار التاريخية كانت منتشرة بكثرة ، خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى ، على أيدي كذابين كثيرين أحصيتُ منهم أزيد من 350 كذابا . فما هي الأسباب التي دفعتهم إلى الكذب ؟ و ما هي أهدافهم منه ؟ .
يوجد تداخل كبير بين الأسباب و الأهداب التي كانت من وراء انتشار ظاهرة الكذب ، فالحادثة الواحدة قد تجمع الأمرين ، فإذا نظرنا إليها كدافع فنعدها سببا ، و إذا نظرنا إليها كنتيجة فنعدها هدفا ؛ لكن مع ذلك فإن هناك أسبابا رئيسية عميقة واضحة أدت إلى كثرة الكذب و الكذابين خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى ، أهمها : الخلافات السياسية ،و الانحرافات الفكرية المذهبية ،و الأمراض النفسية .
فالخلافات السياسية هي التي مزّقت الأمة الإسلامية و حولتها إلى طوائف متناحرة متقاتلة ، منذ الفتنة الكبرى (35-40ه) ، إلى ما بعد قيام الدولة العباسية . و الانحرافات الفكرية المذهبية خرجت من رحم الفتنة السياسية ، ثم واكبتها و عمّقتها و قعّدتها و دافعت عنها ، و أعطتها الصبغة الشرعية المقدسة ، كما هو حال كثير من الفرق الإسلامية ، من خوارج و شيعة و غيرهم .
و أما الأمراض النفسية ، من كفر و نفاق ،و حسد و حقد ، و حب للدنيا و حرص عليها ، فهي التي دفعت الكثيرين إلى الكذب و التخصص فيه . ثم ازداد تأثيرها السيئ على الكذابين عندما امتزجت أمراضهم النفسية بالخلافات السياسية و المذهبية .
تلك هي الأسباب الرئيسية العميقة التي كونت الأرضية التي انطلق منها الكذابون في إقبالهم على الكذب و تنافسهم فيه ، خدمة لمذاهبهم و شهواتهم و مصالحهم .
فمن أهدافهم التي سعوا لتحقيقها : نصرة أفكارهم و مذاهبهم ، فمن ذلك أن الكذاب احمد بن عبد الله الجويباري ، كان يضع الحديث للمتكلم محمد بن كرّام(ق:3ه) ، فكان هذا الأخير يذكرها بدوره في كتبه 222نصرة لمذهب الكرامية و دفاعا عنه . و نفس العمل قام به الكذاب إسحاق بن محمشاد (ق:3ه)، كان يضع الحديث على مذهب الكرامية ، من ذلك : (( يجيء في آخر الزمان رجل يَقال له محمد بن كرّام ، تَحيى به السنة )) ، و له أيضا كتاب في فضائل محمد بن كرّام223 .
و منهم أيضا الكذاب القاضي محمد بن عثمان النصيبي ، كان يضع الأحاديث للشيعة . و كذلك أبو الجارود بن المنذر الكوفي كان يضع الأحاديث في مثالب الصحابة . و نفس العمل قام به عبد الرحمن بن خراش الشيعي ، فقد كتب رسالتين في مثالب الشيخين أبي بكر و عمر -رضي الله عنهما -،و قدمهما لأحد أعيان الشيعة فأجازه بألفي درهم224 . هؤلاء الثلاثة هدفهم نصرة مذهبهم ، فهو لا يقوم إلا بالكذب و الطعن في الصحابة خير البشر بعد الأنبيا و الرسل ، و قد سبق و أن ذكرنا أنهم – أي الشيعة – وضعوا على علي و أهل بيته – رضي الله عنهم -قرابة 300 ألف حديث مكذوب . فكم يا تَرى قد وضعوا من حديث و خبر في ثلب الصحابة و الطعن فيهم ؟ .
و الهدف الثاني هو إفساد الدين و الطعن فيه و في علمائه ، و أشهر من قام بذلك الزنادقة ، فقد دسوا بين الناس ،و أهل العلم الأحاديث الباطلة المستبشعة و المستحيلة ، لإفساد الدين و تهجينه من جهة ،و التشنيع بها على أهل الحديث ، و إظهارهم بأنهم يؤمنون بالخرافات و يروون المستحيلات من جهة أخرى ، و قد رووا عنهم حديثا مكذوبا جاء فيه : (( إن الله لما خلق نفسه ، خلق الخيل فأجراها حتى عرقت ، ثم خلق نفسه من ذلك العرق ….)) ، هذا الخبر من أباطيلهم الخرافية الظاهرة البطلان شرعا و عقلا225 ، لكنهم رووه لعلهم يحققون به ما أرادوه . و عندما جيء بالزنديق عبد الكريم بن أبي العوجاء لقطع عنقه ، اقر أنه وضع أربعة آلاف حديث حرّم فيها الحلال و حلل فيها الحرام . و قد قدّر العلماء ما وضعه الزنادقة من الأحاديث ب: 12 ألف حديثا مكذوبا226 .
و الهدف الثالث هو ترغيب الناس في الدين و ترقيق قلوبهم ، واحتساب الأجر عند الله على حد زعمهم ، كل ذلك عن طريق الكذب ، مارس هذا الفعل القبيح جماعة من الزهاد و العَباد و الصوفية ، و قد قال عنهم الحافظ يحيى بن القطان : (( ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث ، يكتبون عن كل أحد ))227 ة. و قد كان الزاهد ميسرة بن عبد ربه الأكال البصري ، يضع الحديث ليَرغب الناس في الدين ،و يقول : إني احتسب الأجر في ذلك228 . و كان الزاهد غلام خليل يضع الأحاديث و يقول : وضعناها لنرقق بها القلوب ، كما سبق و أن تكلمنا عنه .
و نسي هؤلاء أو تناسوا أن ما يفعلونه هو كذب ،و تقوّل على الرسول – عليه الصلاة و السلام – بما لم يقله ، و الحديث المشهور يقول : (( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) أو كما قال عليه الصلاة و السلام . و هذا الصنف من الزهاد هم إما مغفلون جهال بالدين ، وإما مكارون مخادعون تظاهروا بالتدين و الصلاح لتحقيق أهوائهم و مآربهم ، و إلا فإن التدين الصحيح لا يجتمع معه الكذب ،و بالأخص الكذب على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ؛ و الله تعالى يقول : (( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ))- سورة النحل: 116- .
و الهدف الرابع هو حب التظاهر بسعة العلم و كثرة الشيوخ و المرويات ، فقد كان الكذاب أبو صالح باذام مولى أم هانئ مختصا في الكذب فيما يخص تفسير القرآن الكريم ، فما سئل عنه في شيء إلا فسّره ، و قد اعترف لتلميذه المفسر الكذاب محمد الكلبي ، أن كل شيء حدّثه به فهو كذب229 . و كان الزاهد غلام خليل ، دجالا يَحدّث في كل ما يَسأل230 . و كان الكذاب عبد المنعم بن إدريس (ت228ه) يَحدّث عن أقوام لم يسمع منهم ، وآخرين لم يلحق بهم ،و أخذ كتب والده ،و اشترى أخرى ، وحدث بها كلها عن والده و هو لم يسمع منه شيئا ، لأنه ولد بعد وفاته – أي والده -231 .
و الهدف الخامس هو استمالة العوام و تجميعهم إشباعا للرغبات و الأهواء ، و أشهر من مارس ذلك القصاص و الوعاظ ، فإن كثيرا منهم قد شحنوا عقول العوام بالأكاذيب ، من العجائب و الخرافات ، و المناكير و المستحيلات ، ليستميلوهم إليهم232 . و قد كان إبراهيم بن الفضل الأصفهاني (ت 530ه) يقف في سوق أصفهان و يقرأ على الناس أحاديث مكذوبة ، يختلقها من عنده في الحال ، و يركب لها الأسانيد الصحاح233 .
و الهدف الثامن هو الطعن في بعض الأعلام ، أو مدحهم ، لأسباب مذهبية أو شخصية أو هما معا ، فقد كان الحافظ نعيم بن حماد يضع الحكايات المزورة في ثلب الإمام أبي حنيفة النعمان234 . و في مقابله وضع الكذاب احمد الجويباري حديثا في مدح أبي حنيفة ، جاء فيه : (( سيكون في أمتي رجل يَقال له أبو حنيفة ، يجدد الله به سنتي على يده ))235 .
و الهدف التاسع يخص بعض الكذابين ، و هو الدفاع عن الحديث النبوي ، فقد وضع الحافظ نعيم ابن حماد أحاديث في تقوية السنة236 . ربما لأنه رأى بعض المنحرفين عن الشرع يطعنون في السنة النبوية و يتهجمون عليها ، فوجد في الكذب وسيلة للرد عليهم و نصرة السنة .
و الهدف العاشر هو طلب المال و الجاه باستخدام الكذب ، فقد خرج الكذاب عمرو بن زياد الباهلي من بغداد إلى الأهواز ببلاد فارس و قال لأهلها أنه هو يحيى بن معين هرب من محنة خلق القرآن ، فحدثهم و اعطوه أموالا ، ثم خرج إلى خَراسان و كذب على أهلها و قال لهم أنه من ولد عمر بن الخطاب237 .
و آخرها – أي الأهداف – هو طلب اللذة بالكذب و الاستمتاع به ، فقد روي أنه قيل لأحد الكذابين : ما الذي يحملك على الكذب ؟ قال : لو تغرغرت به مرة ما نسيت حلاوته .و قال آخر : إذا رأيتَ من هو أكذب مني ، ندمت حسدا له238 .. أي أنه ندم على قلة كذبه هو تجاه الآخر الذي تفوّق عليه في الكذب ، فحسده على ذلك .و قيل لكذاب آخر : هل صدقت مرة في حياتك ؟ قال : اكره أن أقول لا ، فأكون قد صدقتً239 . و واضح أن هذا الأمر مبالغ فيه جدا ، لكنه على كل حال يعطي لنا صورة عن نفسيات هؤلاء الكذابين المرضى المتهافتين على الكذب المتقوتين به .
و واضح أيضا أن معظم الكذابين – إن لم يكونوا كلهم – كانوا يتلذذون بالأكاذيب التي يفترونها ، فلو نفرت نفوسهم من الكذب و قاومنه ، ما تخصصوا فيه و تفرّغوا له و ما وضعوا عشرات و مئات الآلاف من الأكاذيب . و قد كان الكذاب أبو البختري وهب بن وهب ، يمضي عامة ليله في وضع الأحاديث .و كان الكذاب الهيثم بن عدي الكوفي يمضي عامة ليله في الصلاة ، فإذا أصبح جلس للكذب240 . فهذان الكذابان لو لم يجدا لذة و متعة فيما يفتريانه ما صبرا على ذلك . لكن يجب التفريق بين من يكذب من أجل الكذب ليتلذذ بالكذب ، و بين من يكذب و يتمتع بالكذب ، ليس من أجل التمتع ، و إنما خدمة لأهدافه المذهبية و الدنيوية ، لكن قد يوجد من بينهم من طلب التمتع و المكاسب الدنيوية معا .
و بذلك يتبين لنا جليا أن أسباب تعاطي الكذابين للكذب و إقبالهم عليه و تفرّغهم له ، تعود في أساسها إلى عوامل مرضية عميقة في نفوسهم ، زادتها العوامل السياسية و المذهبية و المادية عمقا و حرارة و نشاطا ، لتحقيق مكاسب مذهبية و ملذات مادية و معنوية ، باستخدام الكذب .

ثانيا : خصائص مدرسة الكذابين :
تبين لنا من كل ما ذكرناه عن الكذابين من حيث تنوع مظاهر كذبهم ،و اتساع رقعة نشاطهم ،و كثرة أعدادهم و أهدافهم ، أن القوم كانت تجمعهم مدرسة تاريخية تأريخية ، جمعت بين رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه ؛ و قد سميتَها : مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه ، و هي مدرسة لها رجالها ،و موضوعها ،و منهاجها ،و أهدافها . فرجالها سبق ذكر الكثير منهم على اختلاف مذاهبهم و تخصصاتهم . و موضوعها تركز أساسا في الكذب على رسول الله –عليه الصلاة و السلام – و صحابته و من جاء بعدهم . و منهاجها قام على الكذب و التزوير ، و التحريف و التلفيق ،و التدليس و الوقاحة ،و قلة الحياء .وأهدافها كانت متعددة و متداخلة سبق تفصيلها آنفا .
و أما خصائصها فهي كثيرة ، أذكر منها طائفة ، أولها أن مجالها الأساسي الذي نشطت فيه هو الكذب في الحديث النبوي و الأخبار التاريخية خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى خاصة ،و ما بعدها عامة . و الخاصية الثانية هي أنها مدرسة عدد رجالها الكذابين كبير جدا ، متعددة طوائفهم المذهبية و الاجتماعية ، و متنوعة تخصصاتهم العلمية .
و ثالثها أن كل رجالها سيئة أخلاقهم ، و معظمهم سيئة للغاية ، لا حياء لهم و لا يخافون الله تعالى ، و فيهم وقاحة و جسارة على الكذب حتى أصبح جزءا أساسيا من أخلاقهم السيئة ،و شخصياتهم الدنيئة ، يفرحون بالكذب و يتلذذون به .
و رابعها أن مرويات رجالها الكذابين قد تسرّبت إلى مختلف المصنفات من شتى العلوم ، كالفقه و الحديث ، و علوم القرآن ،و التاريخ و الأدب ،و علم الكلام ، و هذا أمر خطير جدا كان له تأثير سيئ للغاية على فكرنا و تراثنا الإسلاميين .
و خاصيتها الخامسة هي أن كثيرا من رجالها قد تخصصوا في الكذب و تفرّغوا له ، برواية و اختلاق الأكاذيب و الأباطيل ، و العجائب و المستحيلات . فكان أحدهم يصلي عامة ليله ، و في الصباح يجلس للكذب . و كان آخر يشتغل في النهار قاضيا و في الليل يتفرغ للكذب . و وَجدت ببغداد جماعة متعاونة على الكذب .و كانت أخرى محترفة للكذب حتى سماها الناس جماعة الكذابين . كل ذلك يؤكد أن ظاهرة الكذابين لم تكن حالة شاذة يمثلها بعض الناس ، و إنما كانت تمثل تيارا فكريا جارفا نشطا ، يمتد في المجتمع أفقيا و عموديا ، و يحمل مختلف مظاهر التعاون و التنظيم .
و آخرها – أي الخصائص – أن رجالها الكذابين فرقتهم مذاهبهم الفكرية ،و تخصصاتهم العلمية ،و أهدافهم المرجوة ، و جمعهم الكذب على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – خاصة ، و صحابته الكرام ، و من جاء بعدهم عامة .
ثالثا : آثارها السيئة على التاريخ الإسلامي :
تركت مدرسة الكذابين آثارا سيئة للغاية على تاريخنا الإسلامي عامة ،و على القرون الثلاثة الأولى خاصة . أذكر بعضها فيما يأتي تباعا إن شاء الله تعالى .
أولها إن روايات رجالها الكذابين قد تسرّبت إلى مصنفاتنا التاريخية و الأدبية ،و الشرعية و الكلامية ، و أفسدت منها جانبا كبرا ، فأصبحت تلك المصنفات تضم في طياتها كثيرا من الأباطيل و المتناقضات و الخرافات ، التي هي ثمرة مرة خبيثة لأكاذيب رجال مدرسة الكذابين . فبخصوص المصنفات التاريخية نأخذ كتاب تاريخ الأمم و الملوك241 لابن جرير الطبري(ت310ه) ، كنموذج للإطلاع على مدى احتوائه على روايات كبار الكذابين .
أولهم محمد بن السائب الكلبي ، عثرتُ له على 12 رواية242 . و ثانيهم هشام محمد بن الكلبي ، عثرتُ له على 55 رواية243 .و ثالثهم محمد بن عمر الواقدي ، أحصيتُ له أكثر من 440 رواية ، و كثيرا ما ورد ذكره باسم : محمد بن عمر244 . و رابعهم سيف بن عمر التميمي ، أحصيتُ له أكثر من 700 رواية245 . و خامسهم أبو مخنف لوط بن يحيى ، عثرت له على أكثر من 612 رواية 246 . و سادسهم الهيثم بن عدي ، أحصيت له 16 247 . و آخرهم محمد بن إسحاق بن سيار –هو متهم بالكذب –عثرتُ له على أكثر من 164 رواية 248 .
و بذلك يكون مجموع ما رواه هؤلاء الكذابون : 1999 رواية تضمنها تاريخ الطبري ، و هو عدد كبير رواه سبعة من كبار الأخباريين الكذابين .و ليتبين الأمر أكثر نقارن ما لي هؤلاء في تاريخ الطبري ، مع ما لخمسة من كبار الأخباريين الثقات من روايات في نفس الكتاب ، و هم : الزبير بن بكار عثرتُ له على 08 روايات ، و محمد بن سعد أحصيت له 164 رواية ، و موسى بن عقبة عثرتُ له على 07 روايات ،و خليفة خياط عثرتُ له على رواية واحدة فقط ، و وهب بن منبه أحصيتُ له 46 رواية249 . و بذلك يصل مجموع ما أحصيته لهم في تاريخ الطبري : 209 روايات مقابل 1999 رواية لأولئك الكذابين السبعة .و و إذا أخذنا ما رواه خمسة من كبارهم – مقابل الخمسة الثقات – و هم : محمد الكلبي ، و هشام الكلبي ، و أبو مخنف لوط ، و محمد الواقدي ، و سيف بن عمر ، يصل المجموع إلى 1818 رواية في تاريخ الطبري ، مقابل 209 روايات للثقات ، و هذا فارق كبير جدا ، يدل بقوة على أن هذا الكتاب قسم كبير منه رواه الكذابون ، و هذا يفقده – بلا شك – كثيرا من الثقة ،و يَنقص من قيمته العلمية . مع العلم أن ابن جرير الطبري قد اعترف في مقدمة تاريخه أنه يروي عن كل الرواة على اختلاف مذاهبهم و أهوائهم ، دون نقد و لا تمحيص مع الالتزام بذكر رواياتهم مسندة إليهم . لكنني أرى أنه قدّم عملا ناقصا ،و يبقى مسؤولا عما دوّنه في تاريخه ، فتعمده الإكثار من النقل عن الكذابين و السكوت عنهم ، هو أمر في غاية الخطورة ، تسبب في إضلال أجيال كثيرة جاءت من بعده ؛ فكان عليه أن يضرب عن هؤلاء صفحا فلا يذكرهم إلا لضرورة ، أو ينقدهم و يمحص رواياتهم ، و لا يكتفي بذكر أسانيد رواياتهم و يسكت عنها ، لأن الغالبية العظمي من الذين يطالعون كتابه ليست لهم القدرات العلمية التي تؤهلهم لنقد رواياته إسنادا و متنا ،في حين كان هو في مقدوره القيام بذلك العمل لما كان يتمتع به من تبحَر في علم الحديث و التاريخ و علوم أخرى .
و مما زاد الأمر خطورة أن معظم المؤرخين – إن لم يكونوا كلهم – الذين جاؤوا من بعد الطبري قد نقلوا عنه الكثير مما رواه عن القرون الثلاثة الأولى ، وقد نقلوه –في الغالب – دون إسناد كما هو حال ابن الجوزي في منتظمه ، و ابن الأثير في كامله ، و أبو الفدا في مختصره ،و ابن كثير في بدايته . و بذلك الفعل اختلطت روايات الكذابين بروايات الثقات ،و أصبح من المستحيل-في كثير من الأحيان- التمييز بينها دون الرجوع إلي تاريخ الطبري ، الذي هو بدوره ميزها و لم يحققها كما سبق و أن بيّنا ذلك .
و أما المصنفات الأدبية ، فنذكر منها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ، و موضوعه الأساسي تراجم الشعراء و اللغويين و المغنين ،و قد اعتمد فيه مؤلفه على روايات كثير من الكذابين ، في مقدمتهم : محمد الكلبي ، له نحو 25 رواية ، و هشام الكلبي ، له قرابة 290 رواية ،و محمد بن عمر الواقدي له نحو 61 رواية ، و حماد الراوية له قرابة 65 رواية ، و ابن دأب له نحو 42 رواية ،و أبو مخنف لوط بن يحيى له نحو 23 رواية ،و أبو بكر الهذلي له قرابة 28 رواية ،و أبو بحر الجاحظ المعتزلي له أكثر من 25 رواية ،و الهيثم بن عدي له أكثر من 134 رواية ، و عبد الله بن شبيب له أزيد من 36 رواية ، و الحسين بن القاسم الكوكبي له أزيد من 24 رواية .
و آخرهم الشاعر دعبل بن علي الخزاعي له نحو 25 رواية250 . و بذلك يصل مجموع روايات ما أحصيته لهؤلاء في كتاب الأغاني إلى : 839 رواية ، وهذا دليل مادي رقمي ، يشير بقوة إلى أن قسما كبيرا من كتاب الأغاني رواه أثنى عشر كذابا معروفا ؛ فكم يا تَرى يكون لباقي الكذابين من روايات في هذا الكتاب ؟ . لكن ذلك لا يعني أن الأصفهاني اعتمد على الكذابين فقط في تدوين كتابه ، فإنه بلا شك قد اعتمد على رواة آخرين ثقات ، كوهب بن منبه ،و خليفة خياط ،و الزبير بن بكار251 . لكن مع ذلك فإن كتابه يبقى مصدرا غير موثوق فيه ، لا تقيل رواياته إلا بعد تحقيقها ، و مما يدعوا إلى ذلك أيضا ، أن مؤلفه – أي الأصفهاني – هو شخصيا متهم بالكذب و رواية الأعاجيب باستخدام حدثنا و أخبرنا252 .
و فيما يخص مصنفات الحديث النبوي ، فإن علماء الحديث قد نقدوا و حققوا محتوياتها كما في صحيحي البخاري و مسلم ، لكن مع ذلك فما تزال روايات قليلة رواها كذابون ، نجدها في المسانيد و المعاجم و غيرها من مصنفات الحديث ، و هي معروفة لدى علماء الحديث و تكلموا فيها و بينوها لكنها ما تزال في مصنفتها الأصلية ، لذا يجب التنبيه إليها و التحذير منها . و نضرب على ذلك مثالين ، أولهما كتاب فضائل الصحابة لعبد الله بن احمد بن حنبل ، تضمن روايات لبعض الكذابين ، منهم : حبة العرني أحصيتُ له 04 روايات ، و محمد بن السائب الكلبي ، و سيف بن عمر التميمي ،و محمد بن عمر الواقدي ، عثرتُ لكل منهم رواية واحدة ، لكنني أحصيت لمحمد بن إسحاق – المتهم بالكذب- على 16 رواية253 . و بذلك يبلغ مجموع ما أحصيته لهؤلاء 23 رواية في كتاب فضائل الصحابة لعبد الله بن احمد بن حنبل ، و هو عدد قليل جدا بالمقارنة لما وجدناه من روايات الكذابين في تاريخ الطبري و الأغاني .
و المثال الثاني يخص كتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ، و قد عثرت فيه على طائفة من روايات الكذابين هي كما يأتي : هشام بن محمد الكلبي له 08 روايات ، و الواقدي له 28 رواية ،و أبو مخنف لوط بن يحيى له روايتان ،و محمد بن إسحاق له أكثر من 120 رواية254 . و بذلك يبلغ مجموع رواياتهم 158 رواية ، و هو عدد قليل بالمقارنة لما وجدناه في كتابي تاريخ الطبري ،و الأغاني ؛ لكنه من جهة أخرى يعتبر كبيرا نسبيا ، و لا يصح أن يوجد في كتاب سماه مؤلفه : المستدرك على الصحيحين ، لكننا نسارع و نقول أن العلماء قد ردوا على الحاكم النيسابوري ، و لم يعطوا قيمة كبيرة لمستدركه ، فهو كناب غير معتمد عند أهل السنة بصفة عامة ، فلا هو من الصحاح ،و لا من الكتب الستة ،و لا من الكتب التسعة ، و مؤلفه مجروح ،و فيه تشيع و تعصب شديدين للشيعة ، و هو يصحح الواهيات و المناكير و الموضوعات ؛ و ما يوجد في كتابه على شرط الصحيحين فهو أقل من ثلث الكتاب ( الذهبي: السيّر،ج17ص: 174،175.) .
و أما كتب التفسير فهي الأخرى مليئة بروايات و أراء المفسرين الكذابين ، و لا يكاد يخلو منها تفسير ، مع اختلاف درجة وجودها فيها . فإذا أخذنا اثنين من أشهر المفسرين الكذابين ، وهما : محمد الكلبي و محمد الواقدي ، ثم بحثنا عن آثارهما في بعض أشهر كتب التفسير المعتمدة عند السنيين ، عثرتا على ما يأتي : لمحمد الكلبي أكثر من 34 رواية في تفسير ابن كثير .و له أزيد من 41 رواية في تفسير الطبري .و له أكثر من 330 رواية في تفسير القرطبي255 . و لمحمد الواقدي أزيد من 30 رواية في تفسير القرطبي .و عثرت له على رواية واحدة فقط في تفسر الطبري .و أحصيت له 08 روايات قي تفسير ابن كثير256 .
و بذلك يتبين لنا مما ذكرناه عن مدرسة الكذابين، أن رواياتها قد تسرّبت إلى تراثنا الفكري و تغلغلت فيه ،و استحوذت على قسم كبير منه ، فشوهته و سممته و ملأته بالأكاذيب . و تبين أيضا – و لو جزئيا – مدى جنايتها على التراث و التاريخ الإسلاميين بأرقام تقريبية مذهلة ، فقد أحصيت ما كذبه طائفة من رجالها فحصلتُ على : 547000 257 حديث و خبر ، معظمها من الأحاديث ، و هذا الكم الهائل لا يشمل كل ما رواه رجال مدرسة الكذابين ، و إنما هو يخص طائفة منهم فقط .

و لا ننس أن معظم ما افتراه هؤلاء الكذابون قد تسرّب إلى تراثنا الفكري خارج مصنفات السنة النبوية ، فقد تبين من إحصاء لأحد الباحثين المعاصرين أن مجموع ما في 71 كتابا من كتب السنة النبوية المعروفة ، من الصحاح و المسانيد ،و الجوامع و غيرها ، قد بلغ نحو : 42 ألف حديث فقط258 .و هذا يشمل الصحيح و الحسن و الضعيف ،و حتى بعض الموضوع ، فأين إذن ذلك العدد الهائل من روايات الكذابين الذي أحصيته ؟ ! ، فهو إذن خارج دائرة مصنفات الحديث النبوي المعروفة . و مما يزيد الأمر وضوحا و تأكيدا ، أن الإمام البخاري دوّن في صحيحه نحو 04 آلاف حديث غير مكرر259 ، اختارها من 600 ألف حديث كما هو معروف .و نفس العمل قام به الحافظ أبو داود السجستاني ، فقد اختار 5274 حديثا دوّنها في سننه ، من مجموع 500 ألف حديث كان يحفظها260 . فأين ذهب هذا الكم الهائل من الروايات المتبقية ؟ ! ، لا شك أن معظمه قد تسرب إلى تراثنا الفكري خارج كتب السنة النبوية ، كما سبق و أن ذكرنا أمثلة منه .
و ربما قد يشكك بعض الناس فيما ذكرته من أرقام عن روايات الكذابين ،و يقول أنها أرقام مبالغ فيها ،و بعيدة عن الحقيقة ؛ و أنا أقول : إن من يقول ذلك هو أحد شخصين ، إما أنه لا اطلاع له على التراث الإسلامي ، أو أنه لا يرضيه ما أثبتناه و ما قلناه عن مدرسة الكذابين . لكنني أؤكد هنا أن ما ذكرته عن مجموع ما كذبته طائفة من الكذابين، هو قليل من كثير .و من يعد إلى كتب التواريخ و التراجم و الفرق ،و المذاهب الإسلامية ، سيجد كميات هائلة من المرويات الغريبة و المتناقضة و المستحيلة ،و هي نتاج طبيعي للانقسامات الطائفية و الصراعات المذهبية و السياسية ، التي عصفت بالمسلمين في القرون الثلاثة الأولى خاصة ،و ما بعدها عامة .
و ثانيا أن من آثار مدرسة الكذابين أيضا ، أن الفرق الإسلامية الضالة أنشأت مذاهبها على روايات رجالها –أي رجال المدرسة - ،و استبعدت القرآن الكريم كلية ، و إن رجعت إليه فستأخذ منه ما يتفق مع هواها و ضلالها ، فتأخذ متشابهه و تترك محكمه – و هو أم الكتاب - ، و تنتقي منه بعض آياته تأوّلها حسب هواها و مذهبها . و إلا فإن كل الفرق الإسلامية لو تخلّت عن أقوال شيوخها ، و أبعدت مروياتها جانبا ، ثم أقبلت على القرآن الكريم بصدق و علم و تجرّد ، فإنها لا محالة – بإذن الله تعالى – ستتفق و تتوحد و تصبح أمة واحدة موحدة ، لكنني لا أظن أنها تفعل ذلك، لأنها متعصبة و متشبثة برواياتها المكذزبة و بأقاويل شيوخها الباطلة .
و ثالثا أن من آثارها أيضا ، أنها روّجت لكثير من الأحاديث المكذوبة ، و نشرتها بين كثير من الناس ، كحديث : (( أنا مدينة العلم و علي بابها )) ،و (( و اطلبوا العلم و لو بالصين ))، و (( أصحابي كالنجوم ، أيهم اقتديتم اهتديتم )) .
و رابعا أن من أثارها ، تحوّل بعض رواياتها المكذوبة إلى حقائق يؤمن بها كثير من الناس ، و يقدسونها و يزورونها و ينذرون لها ،و يستغيثون بها و قد يموتون من أجلها ، من ذلك : الزعم بأن قبر الحسين بن علي –رضي الله عنهما – بالقاهرة ، و أن قبر علي بن أبي طالب بمدينة النجف بالعراق ، و أن قبر الصحابي أَبي بن كعب – رضي الله عنه – بدمشق ، لكن الحقيقة أن قبر الحسين لا يوجد بالقاهرة ، فقد دفن جسده بكربلاء ،و أخذ رأسه إلى الكوفة حيث أميرها عبد الله بن زياد (ت67ه) ، ثم أخذ الرأس – على الأرجح- إلى المدينة261 .و قبر علي لا يوجد بالنجف ، فإنه دَفن بقصر الإمارة بالكوفة ، و عَمي قبره لكي لا تنبشه الخوارج ، ثم بعد أكثر من 300 سنة قيل أن قبره بالنجف262 . و قبر الصحابي أَبي بن كعب لا يوجد في دمشق ، لأنه لم يقدم إليها ، فكيف إذن يقال أنه مدفون بها263 ؟ !! .
و خامسا أن من آثارها أن رواياتها المكذوبة قد شوّهت التاريخ الإسلامي ،و شوّشت نظرة الناس إليه ،و ملأته بالأكاذيب ، و ساهمت بقوة في تفريق المسلمين ،و تكريس خلافاتهم المذهبية ،و دفعهم إلى التناحر و المواجهات الدامية264 . و هي من جهة أخرى تَعتبر سلاحا فتاكا بيد المغرضين و الضالين ، يستخدمونها للطعن في الدين ، و نصرة الفرق الضالة ، و التشكيك في حقائق و متواترات التاريخ الإسلامي .
و قد يتساءل بعض الناس فيقول: ألم يكن لمدرسة الكذابين من إيجابيات ؟ ، فأسارع و أقول : نعم لم تكن لها إيجابيات في أساس تكوينها و نواياها ، فهي قامت أساسا على الكذب و الدجل لإفساد الدين ، و زرع الفتن ،و تشويه التاريخ خدمة لأغراضها ، و لم تقم على الحق لرد الباطل ، و إنما قامت على الباطل لرد الحق و معاندته . لكن مع ذلك يمكن أن يقال أن هذه المدرسة لما مارست عملها التخريبي في الواقع ، كانت من أهم أسباب ظهور مدرسة النقد و التحقيق على يد أهل الحديث للرد على تلك المدرسة . كما أن نشاطها التخريبي كشف عن وجهها القبيح ، و دورها الخطير الهدام .
و ختاما لهذا المبحث يتبين لنا جليا ، أن لمدرسة الكذابين آثارا سيئة كثيرة على تراثنا و تاريخنا الإسلاميين ، فغزت مصنفاتنا ،و شوّهت تاريخنا و شككتنا في تراثنا ، و خرّبت جانبا كبيرا من فكرنا ،و ساهمت بقوة في تفريقنا . فكيف نتعامل معها ؟ ، و ما هو السبيل لمقاومتها ؟ .


رابعا : كيفية التعامل مع مدرسة الكذابين و مقاومتها :
علينا أن نتعامل مع مدرسة الكذابين و نقاومها ، وفق جملة من المواقف النظرية و الإجراءات العملية الضرورية الآتية : أولا علينا أن ننظر للتاريخ الإسلامي ، نظرة اعتدال و موضوعية ، فهو و إن كان يضم في مصنفاته كثيرا من روايات الكذابين ، كما سبق و أن بيناه ، فإنه من جهة أخرى يضم أيضا روايات كثيرة لطائفة من الرواة الثقات ، كالمؤرخ خليفة خياط ، و محمد بن سعد ،و الزبير بن بكار ،و موسى بن عقبة ، و وهب بن منبه ، و غيره كثير265 .
و ثانيا يجب أن لا يغيب علينا أن السنة النبوية التي تعرّضت لهجمة شرسة من رجال مدرسة الكذابين ، قد تمّ تمييز صحيحها من سقيمها ، و ضعيفها من موضوعها ، بفضل جهود علمائها الأفذاذ في النقد و التحقيق و التمحيص ، و الذين ما تزال أعمالهم مستمرة إلي يومنا هذا . لذا فلا خوف على الحديث النبوي من روايات مدرسة الكذابين .
و ثالثا أن ما قلناه على السنة النبوية ، لا يصدق على التاريخ الإسلامي ، فمصادره غير محققة ،و مليئة بروايات الكذابين . لذا يجب علينا أن ننقدها و نحققها وفق منهج علمي شامل كامل ، يجمع بين نقد الإسناد و المتن على حد سواء قدر المَستطاع ، و في الحالات التي تنعدم فيها الأسانيد لا بد من توسيع دائرة نقد المتون ، مع عدم نسيان أن هذه المتون تفتقد إلى الأسانيد ، التي هي شرط أساسي من شروط صحة الخبر .
و رابعا لا بد من نشر الوعي التاريخي بين أهل العلم ،و تعريفهم بمدرسة الكذابين و تحذيرهم من رواياتها و رجالها ، و اطلاعهم على آثارها السيئة على فكرنا و تاريخنا و وحدتنا ، مع التأكيد على ضرورة الاكتفاء بالأخبار الصحيحة و إن قلّت، و نبذ روايات الكذابين و إن كثَرت . ففي القليل الصحيح كفاية و غنى عن الكثير الباطل .
و خامسا يجب علينا أن نفرّق بين المؤلف الثقة ،و بين رجاله الكذابين الذين قد يكون اعتمد على أخبارهم ، كما هو حال الطبري ، فهو ثقة لكن كثيرا من رجاله كذابيون و ضعفاء ، و في هذه الحالات لا نأخذ عنه رواياته عن هؤلاء ، لأن أسانيدها غير صحيحة ؛ و الطبري في هذه الحالة هو مجرد ناقل عنهم فقط . و أما إذا كان المؤلف كذابا فلا تقبل رواياته حتى و إن كان رجاله ثقات ، لأنه – أي المؤلف – في هذه الحالة هو رجل من رجال الإسناد . لكننا نقبل روايات هؤلاء الثقات إن وصلتنا عن طريق مؤلفين آخرين ثقات .
و سادسا أن الأصل في تعاملنا مع روايات الكذابين هو عدم قبولها ، لكننا قد نقبل بعضها استثناء ، عند توفر القرائن و المرجحات و المسوغات .و الأصل في تعاملنا مع روايات الثقات هو قبولها ، لكننا قد نرفض بعضها استثناء ، إذا تخللتها العلل و الشذوذات ،و اجتمعت القرائن و المرجحات على استبعادها .

و ختاما لهذا الفصل ، يتبين لنا منه أن إقبال الكذابين على الكذب و تفرّغهم له ، أسبابه العميقة هي الانحرافات الفكرية ،و الخلافات السياسية ،و الأمراض النفسية التي تفاعلت مع أهدافهم المذهبية و شهواتهم و مصالحهم الدنيوية .
كما أنهم –أي الكذابون – بسب كثرة عددهم ،و تخصصهم في الكذب و تعاونهم عليه ، كوّنوا مدرسة عَرفت بهم ، و تميزت بخصائص ميزتها عن غيرها من مدارس رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه ؛ فكانت وبالا على تاريخنا ، تشويها و تشكيكا ، تحريفا و تضليلا . مما يوجب علينا التصدي لها و مقاومتها و كشفها .






.........................................................


الخاتمة
تبين لنا من بحثنا هذا أن الكذابين في رواية الحديث النبوي و الأخبار التاريخية ، كان عددهم كبيرا ، أحصيت منهم أثر من 350 كذابا ،و قد تجاوزت مفترياتهم 547 ألف حديث و رواية مكذوبة ؛ الأمر الذي حولهم إلى مدرسة متخصصة في الكذب و قائمة عليه ، لها رجالها و خصائصها و منهاجها و أهدافها .
و أتضح أيضا ، أنهم – أي الكذابون – ينتمون إلى مختلف الطوائف و التخصصات العلمية ، على اختلاف بلدانهم و أهوائهم ؛ لكن معظم كبارهم ينتمون إلى الطائفة الشيعية . و قد جمعهم كلهم الكذب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – و صحابته و من جاء بعدهم ، خدمة لمذاهبهم و أهوائهم و مصالحهم المادية و المعنوية ؛ فكانوا وبالا على تراثنا و تاريخنا ، مما يَحتم علينا مقاومتهم و كشفهم ، للتخلص من أكاذيبهم و سمومهم .
تم بحمد الله تعالى


فهرس المحتويات


المقدمة : 4
الفصل الأول
مظاهر الكذب في الأحاديث النبوية و الأخبار التاريخية -5
أولا : مظاهر الكذب في الحديث النبوي 5
ثانيا: مظاهر الكذب في الأخبار التاريخية 17
ثالثا: مظاهر الكذب في تأليف الكتب 23
الفصل الثاني
كبار الكذابين في رواية الأحاديث النبوية و الأخبار التاريخية -28
أولا:حسب الطوائف المذهبية و الاجتماعية :الشيعة والسنة ،و طوائف أخرى 28
ثانيا: حسب التخصص العلمي 37
ثالثا: حسب المدن البلدان 43
الفصل الثالث
أسباب ظهور مدرسة الكذابين و آثارها السيئة التاريخ الإسلامي46
أولا:أسباب و أهداف ظهور مدرسة الكذابين 46
ثانيا:خصائص مدرسة الكذابين 51
ثالثا :آثارها السيئة على تاريخنا الإسلامي 52
رابعا:كيفية التعامل معها و مقاومتها 60
الخاتمة : 62
فهرس المحتويات : 63


1 الذهبي : تذكرة الحفاظ ، ط1 الرياض ، دار الصميعي، 1415ه ج 2 ص: 619 .و ميزان الاعتدال ، ط1 بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1995 ، ج 6 ص: 378 .
2 الذهبي : سيّر أعلام النبلاء ، ط9 بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1413 ، ج 11 ص: 523 .
3 نفس المصدر ، ج 7 ص: 226 .
4 سيأتي ذكر الكثير من هؤلاء قريبا ، مع العلم أنه لا يمكن ذكر كل الذين أحصيتهم ، و عن الذين ذكرناهم أنظر : ابن حجر : لسان الميزان ، ط3 بيروت ، مؤسسة الأعلمي ، 1986 ، ج 4 ص: 356 . و الذهبي : السيّر ، ج9 ص: 463 .و الميزان ، ج2 ص: 153 ،و ج5 ص: 72 ، ج7 ص: 44 .و ابن عدي : الكامل في ضعفاء الرجال ، ط3 بيروت ، دار الفكر ، 1988 ، ج6 ص: 417 ، 435 ، 436 .و إبراهيم بن العجمي: الكشف الحثيث ،ط1 ، بيروت، عالم الكتب، 1987 ، ج1ص: 132، 244 .و العقيلي : ضعفاء العقيلي ، ط1 بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1404 ، ج3 ص: 306 . ابن الجوزي : الضعفاء ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1406 ، ج 3 ص: 188 .و ابن أبي حاتم الرازي : الجرح و التعديل ، ط1 بيروت ، دار احياء التراث العربي ، 1952، ج1ص: 178، ج3 ص: 372، ج4 ص: 134 .
5 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج 7 ص: 66 .
6 الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد بيروت ، دار الكتب العلمية د ت ، ج 10 ص: 356 .
7 ابن حجر : المصدر السابق ، ج1 ص: 422 .
8 ابن حجر : المصدر السابق ، ، ج6 ص: 275 .
9 نفس المصدر ، ج6 ص: 280 .
10 نفس المصدر ، ج 1 ص: 168 .
11 نفس المصدر ، ج 5 ص : 231 .
12 نفس المصدر ، ج 1ص: 258 .
13 نفس المصدر، ، ج3 ص: 261 .
14 نفس المصدر ، ج 5 ص: 409 .
15 العقيلي : المصدر السابق ، ج3 ص: 280 .
16 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج1 ص: 245 .
17 نفس المصدر ، ج 1 ص: 245 ، 246 .
18 ابن حجر : المصدر السابق ، ج5 ص: 34 .
19 الذهبي : المصدر السابق ، ج 2ص: 150 .
20 ضعفاء ابن الجوزي ، ج3 ص: 84 .
21 ابن حجر : المصدر السابق ، ج 3 ص: 360 .
22 الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج 13 ص: 283 .
23 ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج2 ص: 391 .و ابن حجر : لسان الميزان ، ج2 ص: 56 .
24 ابن عدي : الكامل ، ج6 ص: 352 .
25 الخطيب البغدادي : المصدر السابق ، ج11 ص: 133 .
26 ابن الجوزي : الضعفاء ، ج1 ص: 86 .
27 ابن حبان : كتاب المجروحين ، حلب ، دار الوعي ، د ت ، ج 1ص: 241 .
28 ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ط1 ، بيروت ، دار الفكر، 1984 ، ج9 ص: 477 .
29 ابن حجر : لسان الميزان ، ج4 ص: 333 .
30 نفس المصدر ، ج3 ص: 350 .
31 نفس المصد ، ج4 ص: 333 .
32 نفس المصدر ، ج5 ص: 177 .
33 ابن حجر : المصدر السابق، ، ج5 ص: 231 .
34 نفس المصدر ، ج5 ص: 396 .
35 نفس المصدر، ، ج1 ص: 89 .
36 نفسه ، ج1 ص: 89 .
37 الخطيب البغدادي : المصدر السابق ، ج3 ص: 13 .و ابن حجر :اللسان ج 1ص: 178، 235، ج 3ص: 430 ، ج4 ص: 195 .
38 ابن حجر : نفس المصدر ، ج 3 ص: 87 .
39 نفس المصدر ، ج 2 ص: 323 .
40 الحديث المرسل هو الذي سقط منه الصحابي . محمود الطحان : تيسير مصطلح الحديث ، الجزائر ، مكتبة رحاب ، ص : 70 .و عن الكذابيّن السابقين أنظر : الذهبي: تذكرة الحفاظ ،ج 2 ص: 685 .و الخطيب البغدادي: ج7 ص: 328
41 ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج3 ص: 347 .
42 ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج9ص: 163 .
43 نفس المصدر ، ج6 ص: 235 .و الخطيب البغدادي : المصدر السابق ،ج14 ص: 99 .
44 ابن حجر : نفس المصدر ، ج3 ص: 350 .
45 الذهبي : السير ، ج 11 ص: 504 .
46 نفس المصدر ، ج13 ص: 283.و ميزان الاعتدال ، ج2 ص: 168،و 169، ج5 ص: 315 .و ابن حبان : كتاب المجروحين ، ج1 ص: 373 .و ابن حجر : لسان الميزان ، ج5 ص: 271 .و إبراهين بن العجمي: الكشف الحثيث ، ج1ص: 86 .
47 ابن حجر : نفس المصدر ، ج 5 ص: 228 .
48 ابن حجر : المصدر السابق ،، ج1 ص: 89 .
49 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج4 ص: 275 .
50 ابن حجر : المصدر الصابق ، ج4 ص: 456 .
51 الذهبي : المصدر السابق ، ج1 ص: 355 .
52 ابن حجر : المصدر السابق ، ج5 ص: 235 .
53 نفس المصدر ، ج6 ص: 279-280 .
54 نفس المصد ، ج5 ص: 160 .
55 الذهبي : السير ، ج13 ص: 283 .
56 ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ج9 ص: 163 .
57 الذهبي : تذكرة الحفاظ ، ج 2 ص: 619 .
58 الذهبي : الميزان ، ج1ص: 246 .
59 ابن حبان : كتاب المجروحين ، ج 1ص: 241 .
60 نفس المصدر ، ج1 ص: 156 .
61 ابن حجر: لسان الميزان ، ج1 ص: 290 .
62 الذهبي : السير ، ج 5 ص: 83 .و ميزان الاعتدال ، ج 2ص : 104 ، 105 . و ابن عدي: الكامل ، ج 2ص: 113 .
63 ابن حجر : تهذيب ، ج9 ص: 325 .
64 الحديث الغريب هو الذي انفرد بروايته راو واحد . محمود الطحان : المرجع السابق ، ص: 27 .
65 الذهبي : السيّر ، ج 9 ص: 462 .
66 نفس المصدر ، ج 9ص: 463-464 .
67 ابن حجر : لسان الميزان ، ج5 ص: 288 .و الذهبي : السيّر ، ج11 ص: 523 .
68 الضعفاء لابن الجوزي ، ج 3 ص: 95 .
69 ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ج 9 ص: 150 .
70 الذهبي : الميزان ، ج6 ص: 159 .
71 سنذكرهم –إن شاء الله – في المبحث الثاني من الفصل الثاني .
72 انظر : ابن حجر : اللسان ، ج 1ص: 437 ، 438 .و ابن الجوزي: المصدر السابق ، ج1ص: 301 ، ج 3ص: 95 .و ابن عدي : الكامل ، ج 6ص: 495 .و الذهبي : تذكرة الحفاظ ج 2 ص: 585 .
73 سنذكرهم إن شاء الله في المبحث الأول من الفصل الثاني .
74 انظر : الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج 2 ص: 171، ج4 ص: 31 ، ج6 ص: 159 ، 161 .و ابن حجر : المصدر السابق ، ج 4 ص: 369 .و ابن عدي : المصدر السابق ، ج 6ص: 352 .
75 الذهبي : نفس المصدر ، ج6 ص: 491 .
76 ابن عدي : المصدر السابق ، ج6 ص: 352 .
77 نفسه ، ج6 ص: 352 .
78 الذهبي : المصدر السابق ، ج4 ص: 31 .
79 نفس المصدر ، ج 6 ص: 161 .
80 الذهبي: المصدر السابق ، ج2 ص: 171 .و تذكرة الحفاظ ، ج 1ص: 82 .و السير ، ج4 ص: 154-155 .
81 نقد المنقول ، ط1 ، بيروت دار القادري ، 1990 ، ص: 105 .
82 الذهبي :الميزان ، ج4 ص: 379 .و الحسيني : الاكمال ، كراتشي ، جامعة الدراسات الإسلامية ، 1989 ، ج 1ص: 272 .
83 ابن حجر : لسان الميزان ، ج2 ص: 296 .
84 نفس المصدر ، ج3 ص: 444 . و الذهبي : تذكرة الحفاظ ، ج 2ص: 684، 685 .
85 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج 1 ص: 170 .
86 عن ذلك أنظر لكاتب هذه السطور : قضية التحكيم في موقعة صفي،الجزائر، دار البلاغ ، 2002 ص: 17 و ما بعدها
87 ابن حجر : الاصابة ، ط2 ، بيروت ، دار الجيل ، 1992 ، ج 4ص: 383 ، ج6 ص: 368، 379، 388، 507، 722 .
88 العقيلي : الضعفاء ، ج3 ص: 280 .
89 ابن عدي : الكامل ، ج7 ص: 16 .
90 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج1 ص: 131، 132 .
91 ابن حجر : لسان الميزان ، ج1 ص: 270 .
92 الذهبي : السير، ج7 ص: 49 .
93 ابن حجر : المصدر السابق ، ج2 ص: 309 .
94 نفس المصدر ، ج4 ص: 220 .
95 نفس المصدر ، ج 4 ص: 408 .
96 نفس المصدر ، ج4 ص: 386 .
97 نفس المصدر ، ج6 ص: 196 .و ابو الفرج الأصفهاني : الأغاني ، ج 12 ص: 41، و ج21 ص: 26 .
98 ابن حجر : المصدر السابق ، ، ج2 ص: 62 .
99 الذهبي : المغني في الضعفاء ، حققه نور الدين عتر ، د م ، د ، ، د ت ، ج1 ص: 230 .
100 الذهبي : السير ، ج9 ص: 457، 462 .و ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج8ص: 20 .
101 الذهبي : نفس المصدر ، ج9 ص: 469 .
102 ابن أبي حاتم : المصدر السابق ، ج8 ص: 20 .
103 ابن حجر : السان ، ج3 ص: 13 .
104 الذهبي : الميزان ، ج2 ص: 431، ج6ص: 161 .و ابن أبي حتم : المصدر السابق ، ج7 ص: 270 .
105 الذهبي : نفس المصدر ، ج6 ص: 161 .
106 نفس المصدر ، ج2 ص: 431 .
107 ابن حجر : لسان الميزان ، ج3 ص: 158 .
108 نفس المصدر ، ج1 ص: 202 .
109 ابن حجر: المصدر السابق، ، ج3 ص: 252 .
110 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج5 ص: 391 .
111 ابن الجوزي: الضعفاء ، ج1 ص: 305 .
112 ابن حجر : المصدر السابق ، ج3 ص: 338 .
113 نفس المصدر ، ج 5 ص: 435 .
114 نفس المصدر ، ج5 ص: 87 .
115 نفس المصدر ، ج1 ص: 178 .
116 الذهبي : السير ، ج10ص: 101 ، 102 .و ميزان الاعتدال ،ج7 ص: 89 .و ابن حجر : اللسان ، ج6ص: 196 .
117 ابن حجر : نفس المصدر ، ج3 ص: 444 .
118 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج5 ص: 192 .
119 ذلك ما أحصيته ، وإلا فإن الكذابين في الحديث و الأخبار أكثر من ذلك بكثير ، كما واضح في كتب الجرح و التعديل ، و لا يمكنني هنا إيراد مصادر هؤلاء الكذابين الذين أحصيتهم لأن هذا الكتيب لا يسمح بذلك نظرا لكثرة المصادر .
120 عن هؤلاء و غيرهم من الكذابين الشيعة انظر : العقيلي : الضعفاء ، ج 3 ص: 114 ، ج3ص: 137، 306 .و الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج1ص: 349 ،و ج2ص: 98، 153 ، ج5 ص: 156، 324 ، ج6 ص: 293، ج7ص: 314 .و ابن حجر: اللسان ، ج3ص: 17، 117، ج4ص: 429، ج5ص: 338 .
121 سبق ذكره في المبحث الأول من الفصل الأول .
122 الذهبي : السيّر، ج10ص: 101 ، 102 , و الميزان ،ج7ص: 89 .و ابن حجر : المصدر السابق ، ج6 ص: 196 .
123 الذهبي : الميزان ، ج2ص: 171 .
124 ابن عدي : الكامل ، ج6 ص: 352 .و العقيلي : المصدر السابق ، ج4ص: 178 .
125 الذهبي : الميزان ،ج2 ص: 2090، 110 .
126 الذهبي : المصدر السابق،، ج 5ص: 391 .
127 ابن الجوزي : الضعفاء ، ج1 ص: 155 .
128 الذهبي : المصدر السابق ، ج4 ص: 379 .و الحسيني : الإكمال ، ج1 ص: 272 .
129 الذهبي : نفس المصدر ، ج5ص: 324 .
130 ابن حجر : المصدر السابق ، ج2 ص: 108 .
131 ابن الجوزي : المصدر السابق ، ج3 ص: 12-0 .
132 ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج8ص: 20 .و الذهبي : السيّر ، ج9 ص: 455، 462، 463، 464 .
133 الذهبي : نفس المصدر ، ج9ص: 461 .
134 ابن النديم : الفهرست ، بيروت ، دار المعرفة ، 1978، ج 1ص: 144 .
135 نفسه ، ج1 ص: 144 .
136 نسبة لعبد الله بن سبأ اليهودي المتمسلم ، أظهر الإسلام و سعى إلى الكيد له ،و أخباره معروفة في كتب التواريخ و المقالات ، عند السنيين و الشيعة على حد سواء .
137 الذهبي : ميزان ، ج2 ص: 207، ج3 ص: 79 ، ج6ص: 159 .و ابن حجر : اللسان ، ج4ص: 429 .و العقيلي : الضعفاء ج1ص:129 .
138 هم لا يأخذون عن غيرهم مطلقا ، لأنه معروف في مذهبهم الإمامي تكفير كل من لم يؤمن بأئمتهم .
139 الذهبي : المصدر السابق ، ج1ص: 146 .
140 الذهبي : المصدر السابق ، ، ج1ص: 118، 119 .
141 عن قوال هؤلاء انظر : الذهبي : نفس المصدر ، ج1 ص: 146 .
142 ابن القيم : المنار المنيف ، ص: 52، 57، 152 .و الذهبي: السيّر ، ج10ص: 93 . الميزان ، ج1ص: 118، 119 .و ابن حجر : اللسان ، ج2ص: 119 .
143 ابن القيم : نقد المنقول ، ص: 105 .
144 الذهبي : السيّر ، ج7ص: 3835 ، ، 42 ، 52، 54 .
145 نفس المصدر ، ج7 ص: 39، 46 ، 50، 52 .
146 الذهبي: الميزان ، ج3ص: 353 .و المغني ، ج1ص: 292 .و ابن الجوزي: المصدر السابق ، ج2ص: 35 .
147 الذهبي : السيّر ، ج13 ص: 283 . و ابن حجر : لسان الميزان ،ج1 ص: 272 .
148 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج 7ص: 44 .
149 الكشف الحثيث ، ج1ص: 132 .و ابن حجر : المصدر السابق ، ج4 ص: 210 .
150 العقيلي : المصدر السابق ، ج 1ص: 14 .و الذهبي : السير ، ج11 ص: 37 .
151 الذهبي : نفس المصدر ، ج8 ص: 542 .
152 الذهبي : الميزان ، ج4 ص: 386 .و ابن حجر : المصدر السابق ، ج3 ص: 51 .
153 الذهبي : تذكرة الحفاظ ، ج2 ص: 185 ، 684 .و ابن حجر : المصدر السابق ،ج3 ص: 444 .
154 الذهبي : المغني ، ج2 ص: 762 .و ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج9 ص : 221 .
155 ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ج9 ص: 163 .
156 ابن حجر : لسان الميزان ، ج7 ص: 163 .
157 نفس المصدر ، ج7 ص: 77 .و الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج1 ص: 349 .
158 ابن حجر : نفس المصدر ، 4 ص: 356 .
159 العقيلي : الضعفاء ، ج3 ص: 280 .
160 ابن حجر : المصدر السابق ، ، ج 5 ص: 413 .
161 نفس المصدر ، ج1 ص: 414 و ما بعدها .
162 نفس المصدر ،ج5 ص: 72 .
163 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج 6ص: 359 . .و العقيلي : المصدر السابق ،ج1 ص: 14 .
164 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج7 ص: 11 .و ابن حجر : اللسان ، ج6 ص: 209، و ما بعدها .
165 ابن حجر : المصدر السابق ،، ج5 ص: 288 .
166 الذهبي : السيّر ، ج3 ص: 283 ، 284 .
167 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج3 ص: 305، 306، 308 .
168 ابن حجر : المصدر السابق ، ج4 ص: 220 .
169 نفس المصدر ، ج 6ص: 229 .
170 ابن حجر : المصدر السابق ، ج3 ص: 261 .
171 نفس المصدر ، ج2 ص: 305 .
172 نفس المصدر ، ج4 ص: 195 .
173 عنهم أنظر مثلا : العقيلي : الضعفاء ، ج1ص: 59 ، ج2ص: 199 .و الذهبي : الميزان ، ج1 ص: 387، ج2 ص: 190.و ابن حجر : المصدر السابق، ج3 ص: 336، ج4 ص: 164 .
174 ابن الجوزي: الضعفاء ، ج1 ص: 126 .
175 ابن حجر : المصدر السابق ، ج6ص: 231 و ما بعدها .
176 نفس المصدر ، ج 4ص: 352، 352 .
177 ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ج5 ص: 193 .
178 الحديث المنكر ، هو ما رواه الضعيف مخالف للثقة . و هناك تعري ف آخر له هو : الحديث الذي إسناده راو فحش غلطه ، أو كثرت غفلته ، أو ظهر فسقه . محمود الطحان ، تيسير مصطلح الحديث ، ص: 94-95 .
179 ابن حجر : اللسان ، ج 2 ص: 118 .
180 نفس المصدر ، ج3 ص: 430 .
181 ابن الجوزي: الضعفاء ، ج3 ص: 84 .
182 عنهم أنظر مثلا : الذهبي : ميزان اىعتدال ، ج5ص: 507 ، ج6 ص: 159، 160 ، 161، ج7 ص: 334 . و ابن حجر : المصدر السابق ، ج4 ص: 68، 386، ج5 ص: 72، 344 .
183 الذهبي : السيّر ج 9ص: 454 ،، 462 .
184 لسان الميزان ، ج3 ص: 444 .
185 الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد ، ج7 ص: 328 .
186 الذهبي : الميزان ، ج4 ص: 118 ، 119 .
187الذهبي : المصدر السابق ، ج5 ص: 508 .و السير ، ج 7 ص: 320 .
188 الذهبي : الميزان ، ج3ص: 391 .و ابن حجر : اللسان ، ج3 ص: 158 .
189 ابن حجر : نفس المصدر ، ج ج4ص: 408 .و الخطيب البغدادي : المصدر السابق ، ج11ص: 148 و ما بعدها .
190 ابن حجر :المصدر السابق ،، ج 6ص: 210-211 .و الذهبي : الميزان ، ج7 ص: 111 .و السيّر ، ج10 ص: 103، 104 .
191 الذهبي : الميزان ، ج3 ص: 353 لا. و المغني ، ج1 ص: 292 .و ابن الجوزي : الضعفاء ، ج2 ص: 35 .
192 ابن حجر : المصدر السابق ، ج 2ص: 309 .
193 عن ذلك انظر الفصل الثالث .
194 العقيلي: الضعفاء، ج4ص: 300 .و الذهبي: المصدر السابق ،ج 7ص: 24 . و ابن الجوزي: الضعفاء ، ج3 ص: 160 .
195 ابن جحر: اللسان ، ج1ص: 102 .
196 ابن حجر : المصدر السابق ، ج 4ص: 73 .
197 الذهبي : السيّر ، ج13 ص: 483، 484 .
198 ابن حجر : المصدر السابق ، ج2 ص: 305 .
199 نفس المصدر ، ج1ص: 422 .
200 الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج 4 ص: 275 .
201 أبو نَعيم الأصفهاني : حلية الأولياء، ط4 ، بيروت ، دار الكتاب العربي، 1405، ج2 ص: 287 ، و ج3 ص: 11 .و ابن حجر: اللسان ، ج1 ص: 13 .
202 انظر مثلا : الذهبي : الميزان ، ج7 ص: 46 ، 47 .و ابن حجر : نفس المصدر ، ج7 ص: 23 .و العقيلي: الضعفاء،ج6ص:136.
203 ابن حجر : المصدر السابق ،، ج1 ص: 202 .
204 الذهبي: السيّر ، ج15 ص: 417 .
205 نفس المصدر ،ج15ص: 575 .
206 ابن حجر: المصدر السابق ، ج2 ص: 331 .
207 الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد ، ج 10 ص: 356 .
208 ابن الجوزي: الضعفاء، ، ج3 ص: 166 .
209 ابن حجر: اللسان ، ج3 ص: 132 .
210 أبو نعيم الأصفهاني: الضعفاء ، ط1 ، الدار البيضاء، دار الثقافة ، 1984 ، جذ1 ص: 88 .
211 ابن حجر : المصدر السابق ، ج1 ص: 437-438 .
212 نفس المصدر ، ج2 ص: 352 .
213 الذهبي : الميزان ، ج3 ص: 44 .
214 نفس المصدر ، ج 4ص: 220 .
215 يتعذّر علي ذكر مصادر هؤلاء ، لضيق الحيّز ، لكن معظم هؤلاء الكذابين سبق ذكرهم .
216 انظر المبحث الأول من الفصل الثاني .
217 انظر : الذهبي : الميزان ، ج 2 ص/ 107 ، ج5 ص: 324، 508، ج 6ص: 159، 352 ، 371، ج 7ص: 46، 47 .و العقيلي : الضعفاء، ج 1 ص: 129 .و الحسيني : الإكمال ، ج1 ص: 272 .
218 الذهبي : نفس المصدر ج2 ص: 260، 261 ، ج5 ص: 72، ج 6 ص: 378 ، ج7 ص: 334 .و العقيلي : نفس المصدر ، ج 3 ص: 277.و ابن حجر : المصدر السابق ، ج1 ص: 119 .و البخاري : التاريخ الكبير ،ج 3 ص: 63 .
219 عن معظم هؤلاء انظر : ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ج9ص: 150 .و الخطيب البغدادي ، ج8 ص: 62 .و لسان الميزان ، ج1 ص: 189، 240، ج2 ص: 108 ، 243 .و ابن الجوزوي : الضعفاء ، ج1 ص: 196 .
220 عن هؤلاء انظر : ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج7 ص: 270 .و الذهبي : الميزان ، ج7 ص: 89 . و ابن حجر : اللسان ، ج 1 ص: 422 ، ج3 ص: 252، 261، 148 ، ج4 ص: 46 .
221 ابن عدي : الكامل ، ج 1ص: 351 .
222 الذهبي : الميزان ، ج 1 ص: 245 .
223 ابن حجر : اللسان ، ج 1 ص: 375 .
224 عن هؤلاء الثلاثة انظر : ابن الجوزي: الضعفاء ، ج 3ص: 84، ج4 ص: 365 .و ابن حجر : المصدر السابق ج3 ص: 444 .
225 ابن حجر : المصدر السابق ، ، ج 1 ص: 13 ،ج 2 ص: 239 .
226الذهبي: الميزان ، ج4ص: 386 . و العقيلي : المصدر السابق ، ج1ص: 14 .
227 الذهبي : نفس المصدر ، ج6 ص: 359 .
228 ابن حجر : المصدر السابق ،ج 6 ص: 139 .
229 الذهبي : الميزان ، ج2 ص: 431 . البخاري : التاريخ الكبير ج 1ص:101 .و ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج7ص:270 .
230 ابن حجر : المصدر السابق ، ج1 ص: 272 .
231 الخطيب البغدادي: المصدر السابق ، ج11 ص: 133 .
232 ابن حجر : المصدر السابق ، ج1 ص: 13 .
233 نفس المصدر ، ج1ص: 89 .
234 الذهبي :: المصدر السابق ، ج 7ص: 44 .
235 نفس المصدر ، ج 1ص: 245 .
236 نفس المصدر ، ج 7 صث: 44 .
237 ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج6 ص: 233 .
238 العقيلي : الضعفاء ، ج 1ص: 10 .
239 نفسه ، ج1ص: 10 .
240 ابن حجر : اللسان ، ج 6 ص : 209 ، 210 ، 211، 232 .
241 هو أهم و أوسع كتب التاريخ الإسلامي المسندة ، عن القرون الثلاثة الهجرية الأولى ، لذلك اتخذناه نموذجا للدراسة .
242 انظر مثلا : ج 1ص: 516، 566 ، ج2 ص: 41 ، 215 ، 271 ، 277 ، 514 ، 662 ، ج3ص: 631، 6739 ، 685 .
243 انظر مثلا :ج1ص: 97، 107 ، 110، 362 ، ج3 ص: 397 ، 400 ، 420 ، ج4 ص: 217 ، 212 ، 232 .
244 انظر مثلا : ج1ص : 458 ، ج2ص: 10 ، 11، ج3 ص: 178 ، 679 ، ج4 ص: 517، 552 ،672 ، 329 ، 366 .
245 انظر مثلا: ج2 ص: 264 ، 277 ، 319 ، 338، 371، 400، 466، ج3 : 50، 51، 53، 54، 55، 56، 57، 58 .
246 انظر مثلا: ج2ص: 267، ج3 ص: 76، 82، 112، 114، ج3 ص: 232، 286، 303، 312، ج4 ص: 338، 340 ، 342.
247 انظر مثلا: ج1ص: 496، ج4ص: 288، 193، 237، 248، 457 ، 458، 460 .
248 انظر مثلا: ج1ص: 523، 540، ج2 ص: 9، 25، 47، 50، 51، ج2 : 454، 512 ، ج3ص: 68 ، ج4ص: 597 .
249 عنهم انظر مثلا : ج1 ص: 325، 354، 373، 390 ، 516، 517، ج2 ص: 31، 62، 85، 269، 305، 699، 572، ج3 ص: 9، 22، 269، ج4 ص: 398، 614، ج5ص: 190
250 عنهم انظر مثلا : ج1 ص: 4، 43، 46، 74، 133، 238، ج3 ص: 137 ، 179 ، ج7 ص: 67، 79، 124، ج12 ص: 56، 229، 313، ج16ص: 285، 317، ج 17ص: 137، 142، 143، 157، ج18ص: 106، 173 .
251 انظر مثلا : ج2 ص: 125 ، ج16ص: 226، 258، 317، ج 18ص: 213 .
252 الذهبي : الميزان ، ج 5ص: 151 .
253 انظر مثلا : ج1ص: 520، 397، 543، 648، 687، 725، ج2ص: 590، 591، 679، 658، 881 .
254 انظر مثلا: ج1 ص: 71، 104، 105، 303، 309 ج2 ص: 40، 65، 202، 299، 394، 599، 603، ج3 ص: 19، 276، 283، 454، 508، 510 .

255 انظر : تفسير ابن كثير، بيروت دار الفكر ، 1401، ص انظر مثلا: ج1ص: 39، 40، 160، 220، ج2ص: 303، 328 .و تفسير الطبري ،: جامع البيان ، بيروت دار الفكر ، 1405 ، ص انظر مثلا : ج1ص: 93، 100، ج2ص: 200، 217، ج9ص: 97، 117، 122، 184 .و تفسير القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ، ط2 ، القاهرة ، دار الشعب ،1372 ، ص انظر مثلا : ج1ص: 128، 156، 205، 207 ، 208 ، ج2ص: 2، 42، 84، ج8ص: 85، 138 .
256 انظر : تفسير القرطبي ، ص مثلا : ج2ص: 26، 125، 303، ج3ص: 198، 242، 423، ج14ص: 59، 165.و تفسير الطبري ، ج4 ص: 75 .و تفسير بن كثير ، ص مثلا : ج1ص: 10، 36، 417 ، ج2ص: 318، ج3ص: 24 .
257 المصادر سبق ذكرها فيما تقدم من المباحث .
258 عمر سليمان الأشقر : تاريخ الفقه الإسلامي ، الجزائر ، قصر الكتاب ، ص: 95 .
259 نفس المرجع ، ص: 97 .
260 نفس المرجع ، ص: 99 .
261 ابن تيمية : اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ، الجزائر ، الدار الملكية ، ص: 286 . و بدر الدين الحنبلي : مختصر فتاوى ابن تيمية ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ص: 210 .
262 ابن كثير : البداية و النهاية، بيروت ، دار المعارف ، 1985 ، ج7 ص: 330-331 . و ابن تيمية: منهاج السنة النبوية ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ج4 ص: 12 .
263 ابن تيمية : المنهاج ، ج 4ص: 12 .و اقتضاء الصراط المستقيم ، ص: 2867 .
264 عن ذلك أنظر لكاتب هذه السطور : صفحات من تاريخ أهل السنة و الجماعة في بغداد .
265 انظر مثلا : الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج5 ص: 507 .
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

1


14