Advertisement

سلالة أرطغرول


Table of Contents
سلالة أرطغرول
سلالة أرطغرول
التقديم
المقدمة
القسم الأول الغازي عثمان
القسم الثاني الغازي أورهان
القسم الثالث مراد خداوندكار98
القسم الرابع السلطان يلدرم بايزيد خان
القسم الخامس السلطان جلبي محمد
نبذة عن المؤلف
Notes






سلالة أرطغرول
الغازي عثمان، الغازي أورهان، مراد الأول،
يلدرم بايزيد، السلطان محمد جلبي



يتضمن هذا الكتاب ترجمة الأصل التركي
KAYI –I OSMANLI TAR?H?      
ERTU?RUL’UN OCA?l
نشر هذا الكتاب بدعم من وزارة الثقافة والسياحة في الجمهورية التركية ضمن مشروع
Translation is sponsered by TEDA T.C. Kultur ve Turizm Bakanligi Kutuphaneler ve Yayimlar Genel Mudurlugu
Fevzi Pa?a Mahallesi Cumhuriyet Bulvar? No:4 (Eski Say??tay Binas?)
06030 Ulus/ANKARA/TURKEY e–mail: teda@kulturturizm.gov.tr – Web: www.tedaproject.com
حقوق الترجمة العربية مرخّص بها قانونيًا عبر
T?MAS Bas?m Ticaret Sanayi A?
بمقتضى الاتفاق الخطي الموقّع بينه وبين ثقافة للنشر والتوزيع، ذ.م.م.
Copyright © T?MAS Bas?m Ticaret Sanyi A?,
2015 ?stanbul Türkiye,
www.timas.com.tr
Arabic Copyright © 2015 by Thaqafa for Publishing & Distribution L.L.C.




سلالة أرطغرول
الغازي عثمان، الغازي أورهان، مراد الأول،
يلدرم بايزيد، السلطان محمد جلبي

الجزء الأول
تأليف
البروفيسور الدكتور
أحمد شيمشيرغيل

ترجمة
مهتاب محمد
مراجعة وتحرير
مركز التعريب والبرمجة













التقديم

حتى لو انحسرت مياه النهر، فآثارها في الوادي ستبقى لزمن طويل...
فالأمم والحضارات التي انسحبت من مسرح التاريخ، لا يمكن لآثارها وتأثيراتها، دلالاتها، وروحها أن تمحى بسهولة، ومن هنا تنبع أهمية علم التاريخ.
فالتاريخ هو الرواية الأبدية للإنسان، لذا فأهميته تفوق التصور.
ويعتبر الوسيلة الأنجع لحفظ ميراث السلف والاستفادة منه.
فالتاريخ يعمل على تقوية ذكاء العلماء، ويفتح بصيرة الناس، وكما قال القدماء، فهو يحفز حب الدين والدولة، والمُلك والأمة لدى الشباب،
إنه شاهد على خيانة هذه الدنيا، وعلى أنّ كل ما عليها من ملك ومال فانيان وبذا فهو دعوة للإنسان من أجل إعمال الفكر والصلاح.
ولهذا يجب أن يبقى علم التاريخ بمنأى عن الإيديولوجيات، وبعيداً عن الانحيازات لطرف ضد آخر، وأن يتم تقييمه وفق معايير العلم الدقيقة. وإلا فدعكم من عدم استخلاص العبر من أحداثه، فسيتم سَوق الفكر البشري نحو دروب لا تطابق الحقيقة في شيء، وستكون العاقبة وخيمة على الدول والحضارات المتعاقبة..
ولهذا السبب جاءت هذه السلسلة تطبيقاً عملياً لهذه الأفكار، وأحد أهم المراجع عن تاريخ السلطنة العثمانية.
ذلك لأنّ هذه الدولة شكّلت نموذجاً فريداً لانسجام العديد من الأعراق والأديان والشعوب، وقد كان لها فضل عظيم على العلم والفن والإنسانية لعصور مديدة..
لقد تعرضت للضعف والخيبة وأُهدرت دماء الكثيرين من أبنائها، وقتل الأشقاء بعضهم، وفي النهاية ماتت واندثرت. ولكنها لم تتخلَّ حتى في أحلك الظروف عن مبادئها وقيمها ولم تتنازل عن مُثلها. لقد كانت كياناً سياسياً عالمياً استطاع أن يتكشّف عن قدرة عالية على خلق مجتمع إنساني اتسم بالعدالة والحريات لكل مكوناته بما يفوق الكثير من معاصريها.
ولكن الضربة الأكثر إيلاماً، بل والتي قضت على هذه الحضارة الرائعة بالرغم من كل منجزاتها وتضحياتها، ستأتي من العنصر الأساسي المكون لها وهم الأتراك، ومن الشعوب الإسلامية التي كانت ترتمي قبلاً عند قدميها؛ من عدم تفهّمها وتقديرها لها، من الافتراءات والأكاذيب والتأويلات الخاطئة التي وسموا بها هذه الحضارة.
وهذه السلسلة ليست فقط دراسة عامة عن التاريخ العثماني، بل إنها تحوي إجابات عن كل الأسئلة التي من الممكن أن تخطر ببالكم. لتتعرفوا من خلالها إلى حقيقة العثمانيين من كافة الجوانب.
فبالإضافة إلى الموضوعية واتباع المعايير العلمية في هذه الدراسة، فهي على قدر كبير من الإمتاع بحيث لن تفكر في ترك الكتاب قبل إتمامه.
وكما يقول الشاعر الكبير باقي:
حكمة الله تقتضي فناء كل الدول
ولن تبقى سوى أسمائنا على لوحها الفاني
البروفيسور الدكتور: أحمد شيمشيرغيل





المقدمة

إنّ عظمة السلطنة العثمانية وقوتها، مكنتاها من فرض تأثيرها على العصور الوسطى والحديثة والمعاصرة، فقد سيطرت على أجزاء واسعة من ثلاث قارات، وحققت من المجد ما قلّ نظيره بين الإمبراطوريات المتعاقبة على التاريخ الإنساني.
ولا أعرف إن كانت هناك دولة قد قوبلت بالإجحاف وأسيء لتاريخها على مر العصور كما السلطنة العثمانية، لكنني موقن أنّها قد نالت الحظ الأوفر من العِداء الإيديولوجي، وأنا ألمس هذا بشكل واضح منذ خمس وعشرين عاماً في المحاضرات التي ألقيها، وفي كل المناقشات والمؤتمرات التي أشارك فيها.
ويوضح المؤرخ المعاصر خليل إينالجك هذا الوضع بصورة جلية من خلال الكلمات التالية:
«حين كتابة تاريخ أمة أو دولة ما، فمن المألوف أن يتمّ تضخيم مميزات هذه الأمة والتركيز على منجزاتها الحضارية والثقافية، أو يحدث العكس من قبل الطرف الآخر الذي يركز على جوانبها السلبية وتضخيمها، وهو أمر يكاد يكون لا مفرّ منه. أما السلطنة العثمانية، فهي الوحيدة التي تمّ تشويه تاريخها، وقُيّمت فقط من وجهة نظر سلبية غير منصفة»..
رغم أنه يكفي مشاهدة الآثار الرائعة التي تركتها، والتي تحظى بإعجاب الغريب والقريب، ليدركوا مدى عظمتها، وإلقاء نظرة على أعمال المؤرخين الأجانب والمحليين ممن يتحلون بالموضوعية، وسماع نشيدها العسكري (المهتِر)، ورؤية أعشاش الطيور التي كانت تصنع خصيصاً لإيواء الطيور في الجوامع، والاطلاع على سجلات القضاة لإدراك مدى عدالة الدولة وقوانينها، والتجول في قصر توب كابي، ومشاهدة عروش سلاطينها، لفهم مدى تواضع هؤلاء الرجال الذين حكموا العالم، فهناك تتجلى بوضوح المعادلة الصعبة التي تمكنوا من تحقيقها، في الموازنة بين التواضع والوقار وبين العظمة والأبهة. وكانوا خير من أدرك أنّ التواضع هو أفضل درب لبلوغ المجد والعظمة والرضا الإلهي.
وللوقوف على حقيقة تاريخها، يكفي سؤال أساتذة أقسام التاريخ عن المناطق التي كانت تحت نفوذ السلطنة العثمانية فيما مضى - والتي انقسمت بعد انهيارها إلى أكثر من أربعين دولة - وعن السبب الذي سمح لهم بالمحافظة على أديانهم، لغاتهم، ثقافاتهم وعاداتهم الحياتية دون مساس، بالرغم من انضوائهم تحت حكمها لأكثر من ثلاثمئة عام.
«لا إكراه في الدين» تلك كانت القاعدة التي طبقها العثمانيون في تعاملهم مع الأقوام التي كانت تحت حكمهم. ورغم ذلك تجد هناك من يتهجم عليهم على صفحات المجلدات التاريخية، والصحف وفي البرامج التلفزيونية، محاولين تلطيخ سمعتهم، وهؤلاء نصادفهم في كل عصر وزمن ودور، ولا يمكن منعهم، فالعالم قائم على صراع الأضداد.
ولكن هذه الادعاءات البعيدة عن الموضوعية، والتي لا تستند إلى المبادئ العلمية والتي تُلقى جزافاً، لا تستمر، فهي ستشغل الأنظار والأذهان لمدة وجيزة، ولكنها لن تستطيع الصمود أمام الأدلة العملية والحقائق الموثوقة وستزول على الفور. وهذه الأبيات خير ما يوضح تداعي الباطل أمام الحقيقة.
لا يحجب الغربال نور الشمس مهما كبر
فالحقيقة ستظهر حتى لو طال الأمد
وذو الجهل مهما افترى وتعنّت في غيّه
فلن يتعثر سوى بحبال مكائد الحسد
ولكن هؤلاء ليسوا هم من يثيرون استيائي، بل أحفاد العثمانيين الذين لا يبذلون أدنى جهد للتعرف على تاريخ أجدادهم، ويأخذون بكلام المغرضين دون تمحيص ويتقبلونه على أنه حقائق راسخة.
وهذا ما دفعني لإعادة سرد التاريخ العثماني، فرغم وجود الكثير من الكتب التاريخية، إلا أن القليل منها يتحدث عن العثمانيين.
والأسوأ أنّ بعضهم يستند إلى أحكام مسبقة وجاهزة، ويدمّر تاريخه وتاريخ أكثر السلطنات عظمة وعدالة بجرة قلم حاقد بعيد عن الحقيقة والموضوعية.. أما القسم الآخر فيحاول تفسير هذا التاريخ من منظور عرقي، ويشوّه الطابع الشمولي والعالمي للسلطنة العثمانية من خلال وجهة نظر ضيقة لا ترقى إلى رحابة تطلعاتها.
وأخيراً فقد انضم بعض سماسرة الدين من الخارج، والذين بدؤوا بالظهور في القرن الأخير إلى هذا الركب، وأخذوا يشوهون صورة السلاطين العثمانيين ويبثون الأفكار المسمومة عنهم.
وكنتيجة لذلك يكابد الناس مشقة كبيرة في التعرف إلى واقع التاريخ العثماني، وتضيع عنهم الحقيقة وسط جبال من التضليل والكذب.
لذا أودّ لفت الانتباه إلى نقطة في غاية الأهمية، فقد أرفقت جميع أجزاء السلسلة بأسماء المصادر التاريخية التي يمكن العودة إليها لمن يريد التبحّر أكثر في معلوماته، ليتسنى للقارئ التحقق من صحة المعلومات التي لم ترد اعتباطاً في أجزاء هذه السلسلة، وليكون هناك مساحة لتبادل الآراء والنقاش وفق أسس المنطق والعلم، بعيداً عن الإسقاطات الإيديولوجية.
وقد أوضح خاكان الترك الأعظم تيمورلنك هذا الأمر من خلال وصيته للسلاطين الذين سيتولون عرش الدولة من بعده، على الشكل التالي:
«لقد أوضحت لي التجارب، أنّ من لا يستند في حكمه على شرائع الدين والقانون، لن يستمر حكمه لمدة طويلة. لأنه أشبه برجل عارٍ يشيح الجميع بوجوههم عنه، ويفقد هيبته وقدرته. والدولة التي لا أسس حقيقية لها، ستكون أبوابها مشرعة أمام كل طامع كما البيت الذي لا أساس ولا حامي له».
فحين التطرق لتاريخ دولة ما، لا بد من ذكر الأسس التي قامت عليها، والتي وضعها الآباء والرعيل الأول كدستور لمن جاء من بعدهم. وكما يجدر بنا التحدث عن منجزات هذه الدول وما تركته لنا من إرث، يجب أيضاً توضيح مبادئ ومقاصد حكامها وما كانوا يحلمون به، ويناضلون من أجله، وطريقة تفكيرهم التي تبلورت وفقها سياساتهم على أرض الواقع. وإلا فإنّ الاكتفاء بذكر الفتوحات، الانتصارات، والهزائم وتوالي الحكام على العرش، سيجعلها مجرد دراسة جافة لا تشدّ القارئ لافتقارها للبعد الإنساني في السرد.
كما أنّ التاريخ باعتباره كنز العبر والتجارب الذي يحفظ تاريخ أمة وشعب من الضياع، هو الوسيلة الأنجع لفهم حكاية الإنسانية من خلال كل تطوراتها وتقلباتها.
وقد وصلت سلسلة تاريخ بني عثمان إلى يدي القراء بفضل منشورات (KTB)، لذا فأنا مدين بالشكر للطاقم الإداري وكل العاملين في هذه الدار الذين ساهموا في نشر هذه السلسلة وإيصالها ليد القارئ. ولكننا وللأسف لظروف تقنية لم نتمكن من تلبية الطلب الكبير على هذه السلسلة وتوزيع الكميات المطلوبة، لذا ومن أجل حلّ هذا الإشكال وتلبية لحاجة الطلب، استعنا بخدمات دار تيماش للنشر، لكي تتولى إصدار السلسلة بالشكل الملائم. حيث تعتبر هذه الدار من أهم المساهمين في نشر العلم، وأحد الجسور الأساسية في عالم المعرفة، والتي آمل أن تلبي رغبة القراء وتدعم متطلباتهم في توفير هذه السلسلة بالشكل الأمثل. لذا أتقدم بأحرّ الشكر لكل أفراد الطاقم الإداري والعاملين في دار تيماش، ولمدير قسم الدراسات التاريخية في هذه الدار السيد آدم كولاج على الجهود التي بذلوها في إصدار أجزاء السلسلة وفق تصميم جديد ورائع بالفعل..
البروفيسور الدكتور
أحمد شيمشرغيل





القسم الأول
الغازي عثمان
الدين والهدى مطلبنا والمراد
ودربنا الحق وهداية العبادِ
لا العروش تغرينا ولا الأمجاد
ولا نرفع الحسام إلا للجهادِ


أبطال كايي1 على طريق سوغُوت2

يقول المرحوم البروفيسور إرول غونغور: «إنّ مجمل حضارتنا وإرثنا الثقافي وقيمنا، قد تخمرت ومُرّرت عبر الانتصارات الكبيرة والمجد الذي بلغته السلطنة العثمانية التي وضعت اللبنة الأولى لما سنصبح عليه لاحقاً». فهذه الدولة لم تتمكن من حكم ما يناهز اثنين وخمسين شعباً وملّة لقرون طويلة وجعلتهم يرغبون في البقاء تحت حمايتها، فقط بقوة السيف والمدفع. إذاً كيف تسنى لها ذلك؟ دعونا نتتبع خطى أبطال قبيلة كايي عبر دروب سوغوت من خلال رحلة إلى بدايات التاريخ، علّنا نعثر على الإجابة.
مكث أبناء غوندوز آلب - جدّ العثمانيين - وهم سونغور، تِكين، غوندوغدو، أرطغرل3 ودوندار بعد وفاة والدهم لبعض الوقت في سهل باسين4، ومن هناك عاد كل من سونغور، تِكين وغوندوغدو إلى أرض الأجداد، فيما انطلق كل من أرطغرل ودوندار إلى عمق الأناضول. وكان برفقة أرطغرل الغازي أربعمئة من خيرة الفرسان، وحين بلغوا برفقة قائدهم قمة إحدى التلال المطلة على السهل، فوجئوا بحرب دامية تدور رحاها في الأسفل.
كانت معركة ممات أو حياة بكل ما تعنيه الكلمة، فاقتربوا أكثر ليدركوا أنّ جيش المغول منقض على أحد جيوش السلاجقة، وعلى وشك القضاء عليه دون رحمة، حيث كان السلاجقة في وضع يُرثى له، ومن الواضح أنّ نهايتهم ستكون وخيمة بالفعل. وهنا خاطب أرطغرل فرسانه قائلاً:
«أيها المحاربون! لقد قادتنا الدروب إلى ساحة الوغى. وبما أنّ سيوفنا ترقد في أغمادها، ليس من الرجولة في شيء أن نعبر دون إغاثة الملهوف. فما أنتم فاعلون؟».
حينها ردّ عليه البعض بالقول:
«من الصعب أن نورط أنفسنا في مساعدة الطرف المهزوم، دعونا لا نرمي بأنفسنا إلى التهلكة».. ولكن أرطغرل أجابهم:
«لا تليق هذه كلمات بالفرسان، وليس من الشهامة أن ندير ظهرنا لإخوة في أمسّ الحاجة إلينا. هيا فلنهب لمساعدتهم في هذا اليوم العصيب، ولتكن سيوفنا مدداً وعوناً لهم».
وعلى إثر هذه الكلمات، استل الفرسان سيوفهم، وكما ينقض النسر على سرب من الغربان انقضوا عليهم في هجمة واحدة. وكانت سيوفهم تنزل على جنود المغول، كالبروق التي تحرق كل ما تلامسه. فتحول المنتصرون إلى مهزومين، فيما انتصر من كانوا على وشك الهزيمة والهلاك. وقبل انقضاء وقت طويل كان المغول يبحثون عن سبل الفرار والنجاة.
واتضح فيما بعد أنّ الجيش الذي قام الفرسان بمساعدته هو جيش السلاجقة الذين كان يترأسهم السلطان علاء الدين كيقباد5 بنفسه. فتقدم أرطغرل الغازي ليقبل يد السلطان بكل وقار. واتخذ ذلك الشاب - الذي انقض على المغول بكل شجاعة مع فرسانه وشتت شملهم - موقعاً في مجلس السلطان الذي أخذ يرمق هذا الشاب سليل الحسب والنسب - والذي تتجلى على معالمه إمارات الشجاعة وتتبدى في حركاته الجرأة - بإعجاب واضح، وقبله على جبينه، وأشار له بيده إلى جهة الغرب قائلاً:
«لقد قررت منحك منطقة دومانيتش6 وجبال الأرمن كمصيف، ومنطقة سوغوت كمشتى. فليسدد الله العلي القدير خطاك».. وقد رافق بنفسه فرسان كايي حتى نهاية السهل. ترى هل كانت بصيرة السلطان علاء الدين تدله على أنّ هذا المسير سيصل يوماً ما حتى أبواب فيينا؟
من يدري؟ فهؤلاء الفرسان الذين هبوا لنجدة إخوانهم في الشدة، وحده الله يعلم أي ثروة ومجد سيبلغونه، وأي بلاد ستفتح أبوابها أمامهم.
سلالة كايي والعائلة العثمانية
تشير مصادر التاريخ والدراسات الإثنية أنّ العائلة العثمانية تنحدر من غوك خان المتحدر من قبيلة كايي التي تنحدر بدورها من أحد فروع قبائل الأوغوز. وبحسب القائمة التي وضعها كل من رشاد الدين ويازجي أوغلو لقبائل الأوغوز، فإن قبيلة كايي تحتل المرتبة الأولى ضمن تسلسل هذه القبائل، وفي المرتبة الثانية بحسب محمود الكاشغري. ويشير ذلك إلى أهمية موقع هذه القبيلة الاجتماعي والسياسي، وسمو مرتبتها بين قبائل الأوغوز. وتعني كلمة الكايي من يملك القوة والرسوخ والقدرة، والشاهين هو رمزها، أمّا شعارها الأساسي فهو سهمان وقوس.
ويرجح أنّ الكاييّن قد اجتازوا نهر جيحون مع السلاجقة متجهين نحو إيران في القرن التاسع، وبعد استقرارهم في خراسان على أطراف مرو الشاهجان7، هاجروا من هناك أيضاً بعد استيلاء المغول عليها، متجهين نحو أذربيجان وشرق الأناضول.
وتحت الضغط المغولي هاجر قسم من الكاييّن نحو غرب الأناضول، وهم من سيؤسسون السلطنة العثمانية فيما بعد. وبحسب المصادر التاريخية فإن هذا الفرع من قبيلة كايي قد استقر في عهد السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد الأول، في غرب أنقرة في منطقة كاراجادراغ. ويرجح أنّ ذلك حدث إما بعد معركة ياسيشيمان8 عام ألف ومئتين وثلاثين، وإما في نهايات عهد علاء الدين الأول، حيث بدأت أولى موجات الغزو المغولي تضرب تلك المناطق.
وهناك عدة روايات حول توزع الكاييّن بعد وصولهم إلى الأناضول. أما الرواية الأكثر شهرة وتداولاً فهي: بعد أن استقر الكاييّون في أهلات9، اتجهوا من هناك إلى أرضروم وأرزينجان ومن ثم إلى حلب. ولكن قائدهم سليمان شاه غرق أثناء اجتيازه لنهر الفرات في منطقة قريبة من قلعة جعبر، وعلى إثر هذه الحادثة استقر قسم منهم هناك، فيما توجه القسم الآخر نحو سهل جوكورأوفا10. وهنا أيضاً انقسموا إلى قسمين، حيث توجه قسم منهم نحو وادي سورمِلي جوار سهل باسين11 في منطقة أرضروم، حيث نشب بينهم خلاف جديد، فتوجه قسم منهم عائداً إلى أرض الأجداد، فيما بقي أرطغرل وأخوه دوندار لبعض الوقت في وادي سورمِلي برفقة أربعة مئة عائلة، ومن ثم انطلقوا متجهين نحو الغرب.
وبحسب رواية متداولة، فأثناء مرور أرطغرل مع قومه المتجهين من وادي باسين نحو كاراجاداغ غرباً، شاهدوا معركة حامية الوطيس بين السلاجقة والمغول، وقد اشتركوا في المعركة كما سبق وأن ذكرنا.
وكمكافأة على المساعدة التي قدموها قام السلطان علاء الدين بمنح منطقة سوغوت لأرطغرل الغازي وقومه كمشتى، ومنطقتي دومانيتش وجبال الأرمن كمصيف.
وبحسب المراجع العثمانية فقد كان الكاييّون الذين هم تحت إمرة أرطغرل الغازي، جزءاً من القوات السلجوقية الثلاث التي باتت تشغل منطقة كاراجاداغ.
أما من يشكك في هذه الرواية من الباحثين، فيرى أنّ الكاييّن قد رافقوا السلاجقة إلى الأناضول، وهناك تفرقوا في مناطق مختلفة. وبذلك فقرى مناطق كل من أرزينجان، أماسيا، كيماه12، جوروه13، إيلغاز14، شانكيري15، غيريدة16، بولو17، دوزجه18، موغلا19، أسكي شهير، بالك إسير، مانيسا، أفيون، قونيا، أنقرة، آيدن، كوتاهية، أرضروم، قسطموني، وسيفاس20 التي تحمل اسم كايي خير دليل على ذلك. وخلال حكم السلاجقة على الأناضول، تخبرنا المصادر التاريخية عن فعاليات قبائل الأوغوز في تلك المنطقة دون إشارة لأي وقائع أو فعاليات مرتبطة بقبيلة الكايي قبل قيام السلطنة العثمانية. ومن المرجح أنّه تمّ توطين هذه القبيلة بعد معركة ملاذ كرد21 في منطقة الأناضول، ورغم كثرة عدد أفرادها، لكنها فقدت قوتها بسبب تفرقها، وهكذا لم يقوموا بأي نشاط يذكر إلى حين ضياع قوة السلاجقة، وانهيار دولتهم.
وبذلك فالاحتمال المرجح أنّ قبيلة كايي التي قامت بتأسيس السلطنة العثمانية؛ وبحسب ما تورده المصادر العثمانية، كانت تلك القوات التي انطلقت بقيادة أرطغرل الغازي بعد الغزو المغولي، والتي لم تكن مرتبطة ببقعة معينة، ولكنها ومنذ ذلك الحين أخذت تنشط وتتحول إلى قوة ذات فاعلية وتأثير.
الاحتفال في سوغوت
شهدت سوغوت عيداً غير مسبوق حتى ذلك التاريخ، فقد ذبحت الذبائح، ووضعت القدور على المواقد، وفاحت في الجوار رائحة أطعمة شهية لا يمكننا سوى تخيل لذتها. وفُرشت البسط على المروج الخضراء، وقدمت صواني الأرز المتبل بالزعفران، وصحون الفواكه والألبان، ومختلف المشروبات، بالإضافة إلى اللحوم المشوية الموضوعة فوق الخبز الطازج. حيث نال الجميع صغاراً وكباراً، نساءً ورجالاً نصيبهم من هذه الوليمة. وأصبحت ساحة المدينة تضجّ بالحركة والنشاط، وأخذ فرسان كايي يتبارزون بالسيوف، ويتسابقون على ظهور الخيول ويصيبون أبعد الأهداف بسهامهم. فيما العجائز يراقبون المشهد بعيون دامعة، ويرددون دون توقف «ما شاء الله»، وقد تمّ توزيع الهدايا على كل من اشترك في تلك المباريات. ذلك أنّ أرطغرل بيك قد أعطى أوامر حاسمة «لا يجب أن يعود أحد إلى بيته اليوم حزيناً».
وقد كان منشرحاً أيّما انشراح، مبتهجاً ابتهاجاً عظيماً، ويشرف على الاهتمام بضيوفه ويوليهم جميعاً عناية خاصة. وكانت كل هذه الاحتفالات بسبب مولد ابنه عثمان؛ والذي سيؤسس من سوغوت سلطنة سيتردد صدى عظمتها في العالم بأسره.
وفيما رجالات أرطغرل وكبار القبيلة سعداء بولادة عثمان، كان أرطغرل يتذكر الحادثة التي جرت معه قبل ولادة عثمان بعدة أشهر، فقد رأى فيما يراه النائم، قدراً كبيراً من الماء يغلي على موقد الحطب، وكلما غلى الماء أكثر كان يزداد، ويفيض على المكان برمته دون أن يتناقص، حتى أصبح كبحر عظيم يغطي الأصقاع الأربعة.
حين استيقظ صباحاً توسم الخير من منامه، ورغم ذلك بقي يشغل تفكيره. ولكنه لم يبح بهذا الحلم لأحد، بانتظار لقاء كاتب السلطان السلجوقي - الذي كان يذهب لزيارته بين الحين والآخر - العلامة عبد العزيز المستوفي، حيث كان يجالسه لساعات طويلة، ويتبادلان النقاش في مختلف الأمور. وقد سرد عليه الحلم الذي لم يفارق ذهنه حال لقائه به، وبعد برهة من التفكير، نظر العلامة بودّ إلى هذا الفارس الذي ترتسم على وجهه إمارات الشجاعة والأصالة، واحتضنه بمحبة وهو يبشره:
«البشرى يا أرطغرل! سيكون المولود ذكراً، وستتمكن سلالته من حكم العالم برمته».
وفيما يتذكر أرطغرل الغازي، كلمات العلامة الجليل هذه في احتفاله بولادة ابنه مرة أخرى، أضاء وجهه بالرضا والبشر. ونظر إلى القدور التي تُطعم أهل سوغوت، وتخيلها لبرهة وكأنها تُطعم العالم برمته كما قال له صديقه العلامة. وحين اتجهت نظراته إلى الساحة التي يتبارز فيها فرسان قبيلته، تراءى أمام عينيه عثمان فارساً مغواراً يقودهم جميعاً. ولكن إلى أين سيقودهم يا ترى؟
ثقافة التكية
قام أرطغرل الغازي ببذل كل ما في وسعه لتربية ابنه عثمان وتنشئته تنشئة صالحة، وقد سخّر كل إمكاناته لتحقيق هذه الغاية. وكان هدفه الوحيد أن يحصل ابنه على أفضل تعليم، ويصل إلى أعلى المستويات في تحصيل الأدب وعلوم الدين والدنيا، وأن يتصدر مرتبة الفرسان من حيث القوة والجسارة. لذا كلّف مجموعة من رفاق سلاحه كآكجا كوجا، كونور آلب، عبد الرحمن غازي، وتورغوت آلب بهذه المهمة. وكرس هؤلاء المحاربون المتمرسون جلّ وقتهم لتعليم عثمان الرماية وركوب الخيل واستعمال السيف، وغيرها من الفنون الحربية، ليصبح فارساً شجاعاً ذا بأس، وجلد على تحمل المشاق والصعوبات.
ومن ثم جاء دور إده بالي. الشيخ الذي ولد في كرمان، وتلقى علومه في الشام، ومن ثم استقر في بيله جيك، حيث كان يتبع الطريقة الوفائية لصاحبها العلامة أبو الوفا البغدادي، وكان في الوقت ذاته يترأس منظمة الأخوّة22.
وكانت زاويته في بيله جيك23 كخلية نحل، لا يتوقف العمل فيها مطلقاً، فكان لديه المئات من الطلبة الذين يرومون التزود من علومه ومعارفه، خلا الفقراء والمحتاجين الذين يطرقون بابه على الدوام، ولا يردّ أياً منهم خائباً، وقد خصص قطيع الماشية الضخم الذي تعود ملكيته للتكية لهذا الغرض بالذات. وكان لديه طالبان من بين جميع الطلبة يولي تعليمهم عناية فائقة، ويتابعهم باهتمام بالغ، وكانا بالمقابل يتصفان بفطنة وذكاء غير مسبوقين، وكأن مجيئه إلى بيلجيك واستقراره فيها، كان بغية تحضير هذين الطالبين لمناصب على غاية من الأهمية والسمو.
كان أحدهما هو عثمان بن أرطغرل، والآخر هو دورسون؛ والذي سيصبح الفقيه والعلامة الشهير وسيخطب أول خطبة باسم الغازي عثمان مستقبلاً.. بل وسيغدو هذان النجيبان، نسيبين أيضاً بمصاهرتهما للعالم الجليل. كان عثمان لا يكلّ من سماع السيرة النبوية الشريفة، ويسرّ أيما سرور من سماع الشيخ وهو يسرد عليهم فتوحات الرسول الكريم وجهاده، ليتشرب كل خصلة من خصاله وأخلاقه السمحة. وهذه بعض من النصائح التي كان الشيخ الجليل إده بالي يرددها بين الحين والآخر على مسامع عثمان ومن ثم على أبنائه، والذين هم أحفاد الشيخ أيضاً:
«عليكم أن تحسنوا إلى جميع الناس، سواء كانوا مسلمين أم كفرة، وأن تتحلوا بالعفو والتسامح إزاء الجميع، وبالاحترام والتقدير إزاء الكبار والعلماء، فكبار السن هم بركة قومهم. افعلوا كل ما تفعلونه لوجه الله تعالى، ولتكن أفعالكم مطابقة لأقوالكم. لا تحيدوا عن طريق الحق والجهاد في سبيل الله. كونوا أوفياء، صادقين مع من صادقكم، ولا تهموا للقيام بأمر ما، دون أخذ المشورة من أهلها. واستعينوا بالصبر في قضاء حاجاتكم، فالوردة لا تزهر قبل أوانها».
كان العلامة الجليل يعمل على تنشئة عثمان الصغير، وكأنه كان مدركاً أنه سيؤسس دعائم أعظم الدول في المستقبل القريب، وكان موقناً أنه لو نشأ على أسس سليمة، فستكون الدولة أيضاً سليمة البنيان، قوية، وعظيمة الشأن.
الحب الأول
لقد كبر عثمان وأصبح شاباً أسمر البشرة، ذا شعر فاحم السواد وحاجبين كثين، لذا أُطلق عليه لقب «قره عثمان»24 وكان أرطغرل الغازي يصطحبه معه في أسفاره وحملاته. وقد حرص الشاب على حضور دروس الشيخ إده بالي كلما سنحت له الفرصة. ولكنه في الفترة الأخيرة بات شارد الذهن، يتجول ممتطياً حصانه لساعات طويلة، لأنّ مالهون خاتون ابنة الشيخ هي السبب في كل هذه التغيرات التي طرأت على الشاب. كانت هذه الشابة التي أسرت قلبه، تمتلك كافة مقومات حسن الخَلق والخُلق. ولم يحتمل قره عثمان العاشق الصبر أكثر من ذلك، وذهب لطلب يد الفتاة من والدها الذي كان بمثابة الأب الروحي له، والذي كان متأكداً من موافقته. لكنه لم يحصل على الجواب الذي كان يتوقعه. حيث أخبره الشيخ: «بأنه ليس الوقت المناسب»، رافضاً طلبه. وهذا ما تسبب في صدمة كبيرة للشاب وحزن عظيم، ولكنه لم يكن يملك سوى الإذعان أمام رغبة الشيخ الجليل. ورغم أنّ عثمان ابن كبير القوم، وطلباته كانت مجابة على الدوام، إذاً هل كان هذا الرفض امتحاناً عملياً من الشيخ لاختبار قدرات الشاب على التحكم بأهواء نفسه والتغلب عليها؟
في أحد الأيام تمّ التطرق إلى هذا الموضوع أثناء إحدى المسامرات مع السلطان أسكي شهير، وقد أوضح السلطان أنه سيهتم بالأمر، وسيتوسط لدى الشيخ إده بالي، الذي كان حينها يقطن قرية إيت بونرو الواقعة تحت نفوذ السلطان.
في الحقيقة كانت نوايا السلطان تعاكس ما صرح به، فقد كان ينوي أن يخطب ابنة الشيخ لنفسه بدل أن يخطبها لعثمان، ويصاهر هذا العلامة الجليل، ليزداد نفوذاً ومكانة. ولم يخطر له على الإطلاق أن يرده الشيخ خائباً، ويرفض طلبه. وقد جاء جواب الرفض كصفعة على وجه هذا السلطان المنافق.
حيث أوضح العلامة له دون أي تردد «لا، محال أن أوافق» وأخبره بألا يفكر في الأمر مرة ثانية.
غادر حاكم أسكي شهير مجلس الشيخ حانقاً غاضباً، ولكنه لم يتخلَّ عن الفكرة، وخطط لأخذ الفتاة بالقوة ما لم يوافق والدها على تزويجها له بالحسنى، لكن الشيخ خمن ما قد يدور في ذهن هذا المراوغ، لذا أوضح لعائلته مقصده قائلاً «لا تخاطر بالمرور فوق جسر يحكمه دنيء النفس، حتى لا تجتاحك أمواجه الغادرة» وانطلق مع بزوغ فجر اليوم التالي، عائداً إلى الأراضي التي تقع تحت حكم صديقه القديم أرطغرل الغازي.
حين علم حاكم أسكي شهير بمغادرة الشيخ لأراضيه، واللجوء لحماية أرطغرل، انتابه غضب عارم، وأخذت نيران الغيرة والانتقام تتأجج في صدره. وكان ينوي التخلص من عثمان في أول فرصة تلوح في الأفق. وحين سمع بأنّ عثمان وشقيقه غوندوز يقيمان مع مجموعة من أصدقائهما في حصن إينونو اصطحب جنوده، واتجهوا لمحاصرة الحصن. وأرسل رجاله للوالي مطالباً بتسليم عثمان الشاب. وفيما كان الوالي ورجاله يتناقشون حول تسليم عثمان بين رافض وموافق، أسرع الشاب مع غوندوز آلب وأصدقائه بمغادرة الحصن على وجه السرعة، وقد تفاجأ حاكم أسكي شهير وجنوده من هذا الخروج المفاجئ لعثمان ورجاله، بحيث لم يتمكنوا من صدّ هجومهم ولا إلقاء القبض عليهم، فيما اتجه الأمير نحو سوغوت.
بدأت ملاحقة حامية الوطيس بين الطرفين، وفيما كان عثمان ورفاقه يحاولون زيادة المسافة بينهم وبين مطارديهم، كانوا من جهة أخرى يحاولون الاستنجاد بدعم الموالين لهم ممن يمرون بهم على الطريق. وحين أدرك عثمان أن قوة مطارديه بدأت تتبعثر وتتشتت مع مواصلة المطاردة، عاد مع أصدقائه في هجوم مفاجئ ثانٍ، وبالكاد تمكن حاكم أسكي شهير ورجاله من الفرار والنجاة من الكمين، وذلك بعد عراك قاسٍ بين الطرفين.
ولكن كوسى ميهال والي هامانكايا لم يتمكن من النجاة، حيث تمّ إلقاء القبض عليه. وأُحضر للمثول بين يدي عثمان، الذي توسم فيه إمارات الشجاعة والنبالة، وتذكر حينها كلمات شيخه إده بالي «العفو زكاة على المنتصرين» فأعلن لأسيره أنه حرّ، يستطيع المغادرة متى شاء.
وحين رأى كوسى ميهال أنّ الرجل الذي كان يلاحقه لقتله، قد عفا عنه وأعتقه، انكبّ على يديه بسرور عظيم، وهو يقول له: «من الآن فصاعداً، سأكون أكبر عون لك، وأقرب أصدقائك إليك، وأرجو أن تصدق كلماتي هذه».. وغادر هذا الفارس الشجاع - الذي سيتزعم فيما بعد أحد ألوية الجيش الذي سيبث الرعب في نفوس الأوروبيين - وهو يلقي التحية على عثمان ورفاقه.


الإشارات الإلهية
تقدم كل من عثمان وحاكم أسكي شهير لطلب يد ابنة الشيخ إده بالي الذي قابل كلا الطالبين بالرفض، وخوفاً من انتقام الحاكم وبطشه، غادر أراضيه، متجهاً إلى ممتلكات صديقه أرطغرل، محتمياً بسلطته، ولكنه جلب على نفسه بذلك غضب الحاكم، ورغبته بالانتقام منه.
وتحت تأثير مشاعر الغيرة والحقد، انطلق الحاكم لينتقم من عثمان ويقضي عليه، ولكنه تعرض لكمين لم يكن يتوقعها مطلقاً أودى به إلى هزيمة. وفي المقابل عاد الشاب عثمان إلى توطيد عرى العلاقة بينه وبين شيخه كما في السابق، وكان يعامله بكل احترام وتقدير وكأنه لم يطلب يد ابنته، ولم يقابل الشيخ طلبه بالرفض. وفي تلك الفترة كان الفارس الشاب يرى أحلاماً غريبة، وتراوده رؤى غير مألوفة، وفي إحدى الليالي، حين كان في ضيافة صديق له، طال بهما السهر والسمر حتى ساعة متأخرة، وبعد أن جهز له الصديق الفراش، انسحب تاركاً مُضيفه لوحده بعد أن تمنى له ليلة سعيدة.
وحين استلقى عثمان في فراشه وقعت عيناه على القرآن الكريم الموضوع على ركن مرتفع، لم تطاوعه نفسه على مدّ قدميه وكلام الله المقدس في الغرفة ذاتها. فظلّ جالساً حتى الصباح بكل وقار، وقد أثنى ركبتيه دون أن يستلقي.
وحين استيقظ أهل البيت، لم يشأ الشاب أن يروه على هذه الحال، لذا وضع رأسه على المخدة واستغرق في النوم مع بقاء ركبتيه مثنيتين. وحينها سمع صوتاً من السماء يخاطبه قائلاً: «أيا عثمان! لأنك أظهرت التبجيل والاحترام لكلماتي وكتابي المقدس، فسأنعم عليك وعلى ذريتك من بعدك بالعزة والإكرام والمجد الذي لا نظير له».
وبعد هذه الرؤية، أخذ عثمان الغازي يتردد على تكية الشيخ إده بالي بصورة أكبر، وكان يجالسه حتى ساعات الليل المتأخرة، وينام معظم لياليه هناك.
وفي تلك الأيام التي كان يقضيها في التكية، راوده حلم آخر من تلك الأحلام الغريبة. فقد رأى هلالاً يخرج من حضن شيخه إده بالي فجأة، وفي لمح البصر غدا ذلك الهلال بدراً، واتجه ليستقر في حضنه هو. ومن ثم نبتت إلى جانبه شجرة وأخذت تكبر وتزداد طولاً، وكانت تبهر الأبصار بخضرتها وجمالها، وظلالها الوافرة تغطي القارات الثلاث، وتمتد حتى الأفق اللانهائي، وتحيط بكل بقعة من اليابسة أو البحار.. وكانت جبال الأطلسي وطوروس وإموس والقفقاس تحيط هذه الشجرة وأغصانها، وكأنها أربعة أركان، بينما تنبع الأنهار الأربعة النيل، دجلة والفرات والدانوب من جذعها، حيث تسير فيها السفن غادية رائحة.. السهول عامرة بالخضرة، فيما غابات عظيمة تغطي الجبال وتتمايل على وقع الرياح كأمواج بحر لا نهاية له.
وكانت ينابيع المياه الغزيرة التي تخرج من سفوح تلك الجبال وتتدفق أنهاراً، تروي الوديان والجنان، وكان الناس يتوافدون وحداناً وزرافات إلى هذه الينابيع، منهم من يملأ جرار الماء لسقاية أرضه، ومنهم من يشرب منها وكأنها مياه الخلود فلا يرتوي، وآخرون مشغولون بزراعة بساتينهم وحقولهم، والبعض يقيم للفقراء والمساكين سبُل الماء حتى يرتوي كل من يعبر من هناك، فيما قسم آخر يتنزه في المروج الخضراء، وخلف تلك المروج، وعلى امتداد خط الأفق تظهر مدن عامرة زاخرة، ترتفع فيها المآذن والقبب، وأبراج القصور وتحوطها الأسوار المنيعة.
وعلى قمة كل هذه المباني الفخمة تعلو أهلّة يشع منها النور والبريق، فيما تتردد أصوات الأذان من كلّ صوب، وتشكل جوقة إلهية ساحرة تسبح بحمد الله وفضله، وفي تلك الأثناء تهب رياح قوية، وتحمل معها ثمار تلك الأشجار وأوراقها اليانعة التي تفوح منها رائحة الجنان العطرة، لتتناثر على كافة مدن العالم، وخاصة على تلك المدينة التي ترقد كجوهرة نادرة لا مثيل لها بين بحرين، وقارتين، تحيط بها كما تحيط زمردتان بماسة ثمينة لا نظير لها في مشارق الأرض ومغاربها، وفيما كان عثمان على وشك وضع تلك الجوهرة في يده، استيقظ من نومه.
وفي الصباح روى حلمه لشيخه، فبشره الشيخ الجليل قائلاً: «إنها البشارة يا عثمان! فقد منّ الله عليك وعلى سلالتك من بعدك بالمجد والسلطنة، وسيصبح العالم برمته تحت حماية أبنائك وذريتك، وستغدو ابنتي مالهون خاتون زوجة لك».
وهكذا تزوج عثمان الغازي وهو في الثامنة عشرة من مالهون خاتون ابنة الشيخ إده بالي، وقد وصف أحد مريدي الشيخ، هذا الزواج في الأبيات التالية:
بات النصر لك حليفاً ورفيقا
والهدى مرشداً لدربك ومنيرا
عروش المجد قُدرّت لمجدك
ولاسمك بات الخلود نصيرا
أوقدوا النار في كل المواقد
وادعوا إليها الغني والفقيرا
فأنت للخيرات والمدد قبلة
يأتيك كل دانٍ وقاصٍ مستجيرا
وفي ركاب العز يسير نسلك
ليغدو اسمك في الكون هديرا
ينحني له الجن والإنس كما كانوا
ينحنون للنبي سليمان توقيرا
إده بالي
توفي أرطغرل الغازي عن عمر يناهز الثالثة والتسعين بعد صراع طويل مع المرض، وقد تمّ دفنه في سوغوت. فقرر كبار القبيلة ورجالاتها، تسليم زمام القيادة لابنه عثمان رغم أنه كان أصغرهم سناً. لكن شجاعته وحنكته التي أظهرها في العديد من المواقف، حين كان والده لا يزال حياً، والجرأة التي يتحلى بها، كانت سبباً في ذيوع شهرته بين القاصي والداني، وتقلده الزعامة.
وقد خاطبه أولئك الرجال والزعماء في اليوم الذي تقلّد فيه الزعامة قائلين:
«إنك تنحدر من صلب قبيلة كايي، والتي كانت منبت كل الزعماء والخانات من بعد الأوغوز. فبعد أن انحسرت قوة خانات الأوغوز ولم يعد أحد من نسلهم قادراً على استلام الحكم والسلطة، لا يجوز أن تنتقل السلطة إلى أحد آخر، وأفراد قبيلة الكايي هم الأحق والأجدر بها. من الآن وصاعداً، لن نجد العون والمدد من السلاجقة، فهم فقدوا السيطرة على معظم سلطنتهم، وهزمهم التتار. كما أنّ والدك كان من المقربين من المرحوم علاء الدين، لذا فأنت أحق بزمام السلطة، لأنك تمتلك المقومات اللازمة لتصبح السلطان، وهذا ما أجمعنا عليه. كونك تحوز على الصفات الضرورية للحكم، وعلى إجماع القوم. ونحن نعاهدك أن نكون رجالك الذين سيدينون لك بالولاء والطاعة، وسنقوم معاً بفتح كل ما يجاورنا بالحسنى، ونضمها إلينا».
ومن ثم تقدم إليه الجميع يهنؤونه بالسلطة، ويدعون له بالتوفيق والصلاح.
أمّا الشيخ إده بالي الذي كان يسير معه خطوة بخطوة، ويعلمه منذ البداية، وكأنه يجهزه لهذا اليوم العظيم، فقد أسدى له مجموعة من النصائح التي ستبقى ماثلة لقرون طويلة في الأذهان:
«أيا بني!
لقد بتّ الحاكم، ومن الآن فصاعداً، لنا ضيق الصدر، ولك سعته.
ولنا الامتعاض والنفور، ولك التحمل.
لنا الضعف والتعثر، ولك القوة والتحمل.
لنا الخلافات ولنا التبرم والحدة، ولك العدالة والجلد.
لنا سلاطة اللسان، والأحكام الخاطئة والتسرع، ولك العفو والمسامحة.


أيا بنيّ!
من الآن فصاعداً لنا الانقسام والاختلاف، ولك الوفاق وتوحيد الصفوف.
لنا التقاعس، ولك العزيمة والإقدام والهِمة.
أيا بنيّ! تسلح بالصبر، واعلم أنّ الورود لا تزهر قبل أوانها، ولا تنسى أنّ بناء الأوطان في بناء الإنسان.
أيا بنيّ! حملك ثقيل، وأمامك الكثير من العمل، لذا عليك أن تستجمع كل عزمك، واتكل على الله سبحانه وتعالى، فهو خير معين ونصير».
هذا الشيخ الجليل - الذي باتت نصائحه تشكل دستوراً ليس لعثمان فقط بل لكل من تبعه من سلاطين - ولد في قرمان، حيث تلقى أولى مراحل تحصيله العلمي، وتتلمذ على يد العلامة نجم الدين الزاهدي25، ومن ثم سافر إلى الشام، وهناك أخذ يستقي علوم العصر من أهم العلماء كصدر الدين سليمان بن أبي العز26، وجلال الدين الخاسيري، وسواهما، كما تلقى مبادئ التصوف على يد بابا إلياس الخراساني27، وبلغ مراتب عالية في الطريقة الصوفية.
وحين عودته إلى بيله جيك أسس زاوية يدعو فيها الناس إلى طريق الرشاد والصلاح. وكل لا يردّ فقيراً أو محتاجاً يقصده، وقد خصص قطيعه الضخم من الماشية لتلبية احتياجات الفقراء، وتقديم المساعدة لهم.
كما كان أرطغرل يستشيره في كل أموره، وقد كلفه بالإشراف على تعليم جميع أبنائه. وأوصى ابنه عثمان قائلاً: «يمكنك أن تغضبني، ولكن لا تقم بإغضاب الشيخ إده بالي يا بني»...
وقد كان عثمان مجلاًّ لشيخه الذي سيغدو حموه فيما بعد على الدوام، يقوم بأخذ مشورته في كل ما يُقدم عليه، وكان الشيخ بدوره من أخلص رجاله وأقربهم إليه.
وفي أواخر أيامه، استقر الشيخ برفقة ابنته وحفيده علاء الدين في بيله جيك، حيث خصصت له خراج قرية كوزآغاج ومدخولها من المحاصيل. وقد توفي الشيخ إده بالي الذي قضى معظم حياته في إرشاد الناس وهدايتهم إلى طريق الإيمان والصلاح، وتقديم العلم والمعرفة لطلبته، سنة ألف وثلاثمئة وستة وعشرين في بيله جيك، حيث دفن بالقرب من زاويته. وأقيمت مقبرة في أسكي شهير تحمل اسمه.
ولأنه كان عوناً كبيراً لكل من أرطغرل الغازي وابنه عثمان من بعده، فقد تقلد منصب أول قاضي ومفتي في الدولة العثمانية.
أولى الفتوحات
أشهر الغازي عثمان سيفه المسلول
لتعلو راية الدين الحنيف في كل مكان
فُتحت أبواب الجهاد في سبيل العليّ
وكان الحامي لمفاتيحها عثمان
وبعد أن خيم ظلام الكفر دهراً
أضيئت بقدومه دروب الإيمان
فيا أمة خير العباد وخاتم الأنبياء
هنيئاً لك ونُصرةً سيد الفرسان.
حين استلم عثمان زعامة القبيلة، واصل نهج والده أرطغرل، وحاول كل جهده أن يتبع سياسة مسالمة مع جيرانه من ولاة الروم البيزنطيين. وعلى جري العادة، كان حين خروجهم إلى المصايف، يسلّم كل ما بحوزته لوالي بيله جيك، وحين يعود مع قدوم الشتاء إلى سوغوت، يغدق عليه بالهدايا والعطاء. وفي الوقت الذي استطاع فيه كسب صداقة ولاة كل من بيله جيك ويارحيصار وهارمان كوي، لم يكن خافياً عليه أو على أحد عداوة آيا نيقولا والي إينيغول28 للأتراك عامة. فقد كان نيقولا يعترض طريقهم أثناء الذهاب والعودة من المصايف طلباً للمال، لذا كانت تنشأ بين الطرفين مناوشات على الدوام. ومع تزايد هذه الاعتداءات، تباحث عثمان مع رجالات والده ورفاق سلاحه؛ آكجا كوسا، وعبد الرحمن الغازي، ومع أقرانه أيضاً وهم؛ كونور وتورغوت وأيكوت، فتوصل الجميع إلى قرار فتح إينيغول.
ولكن آيا نيقولا الذي سمع بنية الغازي عثمان الهجوم عليه، قام مع قواته بنصب كمين لهم عند إحدى ممرات جبال الأرمن، وحين بلغ عثمان المكان مع فرسانه السبعين، هاجمهم نيقولا وجنوده، وجرت معركة حامية الوطيس بين الطرفين، وتمكن عثمان وفرسانه من النجاة من هذا الكمين، ولكن باي خوجا ابن سارو ياتى شقيق عثمان قد استشهد أثناء المعركة، وذلك في العام ألف ومئتين وخمسة وثمانين.
كان حزن عثمان على فقدان ابن أخيه شديداً، وقد صمم على مواجهة نيقولا والي إينيغول والأخذ بثأره في أقرب فرصة. وبغرض تعزيز موقعه، قام في السنة التي تلتها بشن هجوم ليلي مفاجئ على كولاجاحيصار القريبة جداً من إينيغول، والسيطرة عليها.
ولأنّ نيقولا كان يدرك بأنه غير قادر على التصدي لعثمان وحده، فقد اتفق مع والي كاراجاحيصار29، وشنت القوات المتحالفة هجوماً على الغازي عثمان بغرض معاقبته. حيث التقى الطرفان في مكان يدعى إيكزجة بالقرب من دومانيتش. ورغم أنه انتصر في المعركة، ولكن فقد هذه المرة شقيقه سارو ياتى. وفي المقابل فقد كان لاتوس قائد جيش التحالف وشقيق والي كاراجاحيصار من بين القتلى وذلك في العام ألف ومئتين وسبعة وثمانين، وقد أُخذ جثمان سارو ياتى إلى سوغوت ليدفن إلى جوار والده الغازي أرطغرل.
ومع هذا النصر الذي حققه الغازي عثمان على ولاة الروم في موقعة إيكزجة، زاد نفوذه في المنطقة. والذي كان ينوي أن يرد الصاع لوالي كاراجاحيصار، الذي لم يكتف بالتحالف مع نيقولا في معركته، بل كان يظهر العداء المستمر لهم في كل فرصة ممكنة. ورغم أنّ الوالي قد خمن نوايا عثمان وتحالف مع والي يارحيصار لمساعدته، ولكنه لم يحقق غايته في النجاة من العقاب، فبعد حصار طويل، تمكن عثمان من الاستيلاء على قلعته وذلك عام ألف ومئتين وثمانية وثمانين.
وبعد هذا النصر الجديد، أرسل الغازي عثمان مع ابن أخيه آك تيمور، الكثير من الغنائم والأسرى بمن فيهم الوالي نفسه إلى السلطان السلجوقي.
وقد استقبل السلطان السلجوقي غياث الدين كيخسرو الثاني30، الوفد الذي أرسله عثمان استقبالاً حافلاً، واستمع إلى أخبار الفتوحات في رضا بالغ، وقبل الهدايا التي أرسلت إليه بامتنان ورضا.
وبالمقابل أرسل مع أحد كبار رجالاته والذي يدعى بوليان شاويش فرماناً يؤكد تقليده الإمارة، برفقة علاماتها كالطبل والعلم والطغراء والفسطاط، بالإضافة لبعض الخيول الأصيلة والأسلحة.
ويصف لنا المؤرخ حديدي، الهدايا التي أرسلها السلطان السلجوقي في الأبيات التالية:


تداولت الأصقاع شهرة الغازي
ونال الحظوة وراية الإمارة والطغراء
وأرسل له السلطان من الكِنانة سيف
عثمان ابن عفّان سليل الشرفاء
وبيارق النصر وفسطاط المجد
ونادى باسمه أميراً للأمراء
حين وصل وفد السلطان المرفق بالهدايا، كان الوقت عصراً. وقد بدأت الآلات الموسيقية بالعزف، ونهض الغازي عثمان لاستقبالهم، وقد استمر هذا التقليد للمئتي عام المقبلة من قبل خلائفه من السلاطين.
ويشير عاشق باشا زاده31 إلى اثنين من أهم دلالات هذه العادة بالقول:
«الدلالة الأولى: لقد كانوا بالأصل قوماً محاربين، وحين كانت تدق هذه الآلات فهي إشارة لموعد المعركة، والاستعداد لها. وكان الجميع بمن فيهم الغازي عثمان ينهضون حين الاستماع لهذا العزف، ليبدوا جاهزيتهم للجهاد في سبيل الله.
وأما الثانية؛ فقد كانوا هم أصحاب الوليمة التي تقام، وكانوا يبقون وقوفاً حتى إطعام آخر جائع على مائدتهم، وكانوا حريصين أن ينال كل رعاياهم من النعم التي أنعم بها الله عليهم.
لقد كان كل ما يقوم به العثمانيون مبنياً على قاعدة أخلاقية».
وبعد السيطرة على كاراجاحيصار، تم تحويل الكنيسة الموجودة في قلعتها إلى جامع، وكانت تلك أولى كنيسة يتمّ تحويلها إلى معبد في التاريخ العثماني.
هذا الإنجاز ساهم في الإعلاء من شأن الغازي عثمان لدى كافة أطراف القبيلة.


من يذهب للصيد يغدو فريسة
اتجه الغازي عثمان في العام ألف ومئتين واثنين وتسعين نحو وادي صقاريا32، وذلك بدعم من صديقه كوسى ميهال حاكم هامان كايا، كما انضم لهذه القوات سامسا شاويش مع فرسان قبيلته. وبذا تضاعفت قوة عثمان، وتمكن من فتح سوكون غوينوك33، تاراكلى ينيجه.
أعقبت هذه الفتوحات، فترة سلام امتدت لسبعة أعوام متواصلة، كان خلالها رعاياه من المسلمين وغير المسلمين من كافة الأعراق، ينعمون بالعدل والأمن والرفاه تحت حكمه، وهذا ما جعل سمعته الحسنة تنتقل في كافة أرجاء المنطقة كحاكم عادل. ذلك أنه لم يكن يفرق بين المسلمين وسواهم في المعاملة، وكان منصفاً مع الجميع دون استثناء، وفياً لمن يحسن إليه، يردّ المعروف أضعافاً مضاعفة. وحين كان يواصل فتوحاته، حاول بعض من رجالاته أن يقنعه بالتوجه نحو بيله جيك وفتحها، ردّ عليهم بالقول:
«لقد كنا غرباء على هذه الديار، ولكنهم استقبلونا خير استقبال، وكانوا نعم الجيران لنا. ومن الواجب علينا أن نرعى حقوقهم، وأن نرد لهم الإحسان بالإحسان قدر الإمكان». وهذا يظهر مدى تمسكه بالحق والعدل في تعامله مع الجميع. وكان يواصل إغداق والي بيله جيك بالهدايا في كل مرة يعود فيها من المصايف، ويترك لديه ممتلكاته أمانة حين يغادر.
ولا يتردد في مساعدة حلفائه وتقديم العون لهم وقت الحاجة، ففي إحدى المرات حين شنّ والي كوبروحيصار هجوماً على والي بيله جيك، استعان الأخير بالغازي عثمان لمساعدته، والذي لم يتردد في إنقاذه من هذا الموقف الصعب.
ورغم ذلك فقد كان أعداء الإسلام لا يقيمون وزناً لكل ذلك، وبدافع من مشاعر الحسد والحقد، كان الروم يحاولون بشتى الوسائل القضاء عليهم. ولأنهم يدركون عجزهم عن هزيمتهم، فقد بدؤوا يحيكون المؤامرات والدسائس للوصول إلى غايتهم.
حيث خططوا لقتل الغازي عثمان أثناء حضوره حفلة عرس والي بيله جيك على ابنة والي يارحيصار، ولكنه اطلع على هذه الخطة بفضل صديقه كوسى ميهال الذي عفا عنه من قبل.
وهكذا بدأ هو في تدبير مكيدة للإيقاع بأعدائه. حيث أرسل لوالي بيله جيك يعلمه بقرب ذهابه إلى المصايف، وطلب منه الإسراع في التحضير للعرس، وأبلغه بأنه سيرسل إليه ممتلكاته وفق العادة المتبعة مع النساء العجائز، وسيحضر العرس مع بقية نسائه وأفراد أسرته وعشيرته ليتوجه إلى المصايف بعد ذلك على الفور.
كما عرض عليه أن يقيم الحفل وسط أحد المروج الخضراء المحيطة بدل إقامتها في المدينة التي لن تكون قادرة على استيعاب كل ذلك الحشد من المدعوين، وصخب الحفل الكبير، كما أنّ إقامة الحفل وسط الطبيعة سيسر الناظر والخاطر.
وقد ضاعفت هذه الأخبار من فرحة والي بيله جيك، فبالإضافة إلى القضاء على عثمان والتخلص منه، كان يأمل بأنه سيستولي بكل سهولة على نسائه وممتلكاته أيضاً. وعلى الفور أرسل رداً لعثمان يبلغه بأنه سيقيم الحفل في موقع قريب من المدينة يدعى جاكِربنار.
وأخيراً جاء يوم العرس، وفيما كل الغازي عثمان يتوجه مع أحمال ثقيلة من الهدايا والعطايا نحو جاكِربنار، كان أربعون شخصاً من المسنين والعجائز يتجهون إلى بيله جيك وهم يحملون متاعهم الثقيل على ظهور العربات والأحصنة.
ولم يدرك الحراس القلائل الذين بقوا في المدينة، مع بعض سكانها العجائز، أنّ الأربعين مسناً لم يكونوا سوى مجموعة من أشد فرسان الغازي، إلا بعد استيلائهم على قلعتها. ولكن الوقت كان قد أدركهم حينها، ولم يبقَ أمامهم سوى الاستسلام، فيما أرسل الفرسان رسولاً إلى جاكِربنار ليبلغوا الغازي عثمان بنجاح الخطة.
وكلما طال العرس كان عثمان يزداد قلقاً، فهو لم يكن يعلم متى ستتحرك قوات الوالي للتخلص منه. وأخيراً وفي ذروة العرس حيث الصخب على أشده، اقترب منه الرسول ليزف إليه خبر السيطرة على المدينة. وبعد أن شكر الله وحمده على هذا الظفر، امتطى جواده على الفور عائداً وتبعه جميع فرسانه. أثارت هذه الحركة المفاجئة استياء الوالي وقلقه، فتعقبه مع جنوده مخمناً أنّ ضيفه قد أدرك المكيدة المعدة له.
اتبع الغازي عثمان مقولة «إنّ الحرب خدعة» ونصب كميناً لأعدائه، بترك مجموعة من فرسانه وسط الطريق، لتبدو كلقمة سائغة يمكن النيل منها بسهولة. وقد تصنع هؤلاء الهرب فيما يلحق بهم الوالي ورجاله، لاستدراجهم للمكان المتفق عليه، حيث انضموا لبقية رفاقهم، وعادوا لشن الهجوم.
وقد نجا الغازي عثمان من الخطة المعدة للقضاء عليه، فيما غدا معظم جنود الأعداء أهدافاً لسهام فرسانه وسيوفهم. وتحولت فرحة العرس إلى مأتم لهم. وكان من بين الأسرى والي بيله جيك وعروسه الجميلة هولوفيرا، والتي أطلق عليها عثمان اسم نيلوفر وزوجها من ابنه أورهان، وقد أنجبت له هذه السيدة النبيلة كلاً من سليمان باشا، ومراد الغازي. وقد كانت نيلوفر خاتون سيدة تحب الإحسان والقيام بالأعمال الخيرية، حيث أنشأت الكثير من الأوقاف الخيرية في العديد من المناطق. وإحداها هو الجسر الذي بنته على النهر الذي يمر في سهل بورصة، وقد سمي هذا النهر فيما بعد على اسمها. كما أنّ المسجد الذي بنته في قلعة بورصة هو أحد الأعمال الخيرية الأخرى التي تستحق المديح والثناء، وقد دفنت في مقبرة أورهان الغازي حين وفاتها.


الطريق نحو الدولة
من المتعارف عليه أنّ سنة ألف ومئتين وتسع وتسعين، كانت التاريخ الذي أعلن فيها الغازي عثمان استقلال إمارته، وبدء الحكم دون تبعية لأي جهة. وهناك مجموعة من العوامل التي ساعدت على هذه الخطوة:
فبعد السيطرة على بيله جيك، والهزيمة التي ألحقها بقوات الوالي، أرسل عثمان الغازي قواته على وجه السرعة إلى يارحيصار، حيث تمكنت من السيطرة على القلعة بسهولة، بعد تشتت جنودها وبقائها دون حاكم، وذلك في العام ألف ومئتين وثمانية وتسعين.
وقد تحولت بيله جيك إلى أحد أهم مراكز الإمارة، حيث بنى فيها مسجد وولى الشيخ إده بالي رعاية شؤونها.
وفي العام ألف ومئتين وتسعة وتسعين، كلف تورغوت آلب بقيادة الجيش والتوجه لفتح إينيغول، وقبل مضي وقت طويل، انضم على رأس بقية قواته للمحاصِرين، فاستسلمت القلعة بعد فترة قصيرة، وتمّ إعدام الوالي الذي سبب الكثير من الخسائر للأتراك لسنوات طويلة.
وفيما كان عثمان يبني أسس دولة قوية على حدود الروم خطوة تلو الأخرى، كانت القلاقل في عاصمة السلاجقة قد بلغت حدود الخطر. فالمشاكل التي بدأت تعصف بدولة السلاجقة الأتراك منذ العام ألف ومئتين وأربعة وثمانين، لم تترك لسلاطينهم سوى السيطرة الرمزية على مناطق حكمهم التي بدأ المغول يسيطرون عليها تباعاً، ويذيقون الشعب الويلات. ولم يكن من المستغرب في ظل هذه الظروف، أن يعلن الغازي عثمان عن سلطنته. كما أنّ الخان غازان34 قام بتنحية السلطان مسعود الثاني35 وذلك في العام ألف ومئتين وستة وتسعين، إثر اتهامه بالتورط في التمرد الذي كان يهدف للإطاحة به. وبذلك بقي عرش سلاجقة الأتراك خالياً لمدة عامين. وكانت تلك الفترة الممتدة من العام ألف ومئتين وستة وتسعين وحتى ثمانية وتسعين، كفيلة بدفع الكثير من إمارات الأناضول إلى الاستقلال. ولهذا السبب وبعد سلسلة الفتوحات التي قام بها الغازي عثمان خلال العامين ألف ومئتين وثمانية وتسعين، وتسعة وتسعين، لم يعترف بسلطة علاء الدين كيقباد الثالث السلطان السلجوقي الذي عينه الخان غازان عام ألف ومئتين وثمانية وتسعين، بل أعلن بشكل واضح أنه لن يتحرك تحت تبعيته أو يتبع أوامره من الآن فصاعداً.
وقد بدأ الأمر على النحو التالي: بعد السيطرة على كارجاحيصار في العام ألف ومئتين وثمانية وثمانين، تركها قسم كبير من سكانها، وظلت الكثير من المنازل مهجورة خاوية. ولكن مع مرور الزمن أقبل إليها الناس من المناطق المجاورة ومن بلاد غرميان36، وأخذت المدينة تزدهر من جديد. ومع حلول العام ألف ومئتين وتسعة وتسعين، أصبحت عامرة بالحياة حيث بني فيها مسجد ومدارس وأسواق.
واتجه الناس نحو الفقيه دورسون، يطلبون موافقته ليؤمهم في صلاة الجمعة في المدينة، كما طالبوا بتعيين قاضٍ للمدينة من أجل حلّ الخلافات والمشاكل. والذي اتجه بدوره لعرض الأمر على الشيخ إده بالي، حيث قام الاثنان بطرح مطالب الناس أمام الغازي عثمان.
فصرح لهم عثمان «قوموا بما يجب عليكم القيام به». ولكن الفقيه دورسون استوضح منه قائلاً: «مولاي ألا يجب أخذ موافقة السلطان؟» فرد عليه:
«لقد أخذت هذه المدينة بحد سيفي، فما علاقة السلطان بها لكي أطلب موافقته؟ وكما منّ الله تعالى عليه بالسلطنة، فقد منّ علي بالفتوحات والحكم. وإن كان سيعتبر منحه لنا حكم هذه المدينة منّة وفضلاً، فقد حاربت الأعداء مثله وفتحت الكثير من المدن والإمارات بحد سيفي هذا. أما إن كان يفاخر بانتمائه لسلالة السلاجقة، فأنا أفاخر بنسبي الذي يعود إلى غوك آلب، وإن كانت حجته أنه جاء إلى هذه البلاد قبلنا، فقد سبقه جدي سليمان شاه».
وعلى إثر ذلك قام الغازي عثمان بتعيين الفقيه دورسون قاضياً وإماماً لكارجاحيصار، والذي كان يمتّ بصلة قرابة للشيخ إده بالي، وكان من أنبغ طلبته، وقد اشترك مع الغازي عثمان في جميع فتوحاته ومعاركه، حيث كان يؤم المجاهدين في الصلاة على الدوام.
وهكذا اعتلى الفقيه منبر المسجد في أول خطبة جمعة، وبعد الحمد والثناء على نعم الله والصلاة والسلام على رسوله الكريم وآله وصحبه، دعا باسم الغازي عثمان على المنبر، وبدأ بخطبة الجمعة.
ومن ثم تحول إلى رجالات القبيلة مخاطباً إياهم. وبحسب المؤرخ عاشق باشا زاده، فقد حدث الأمر في العام ألف ومئتين وتسعة وتسعين، أما المؤرخ كمال باشا زاده37 فيخبرنا بأن ذلك حدث ما بين العامين ألف ومئتين وثمانية وثمانين وتسعة وثمانين، أي بعد فتح كارجاحيصار مباشرة. وبحسب هذا الأخير فقد أوضح الفقيه دورسون للمصلين سبب عدم ذكر اسم السلطان السلجوقي أثناء الخطبة، وعدم طلب الإذن منه لإقامة الصلاة من خلال كلمات الغازي عثمان:
«لست تابعاً لعرش أحد، بل أنا سلطان نفسي وقومي. وقد فتحت هذه البلاد بحد سيفي، ولست عبداً ولا تابعاً لأي كان، فلا سيد لي ولا سلطان. ألا يكفيكم أنني أعطيت الإذن والموافقة؟ فما شأن سلطان الزمان حاكم السلاجقة الروم، بملكي ومملكتي؟ فلست أقل نبالة منه في الحسب، والكل يعلم إلى أين ينتهي بي النسب. أهناك من لا يعرف من يكون غوك آلب، وكل من يعرفه يدرك أنّ السلجوقي لا يستطيع منافستي لهذا السبب».
ويشير كمال باشا زاده إلى أنّ قيام الغازي عثمان بمنح الإذن لأهالي كارجاحيصار بإقامة صلاة الجمعة، وعدم ذكر اسم السلطان السلجوقي في الخطبة، كانت إحدى علامات الاستقلال في السلطة. ولكنه يشير إلى أنّ العام ألف ومئتين وتسعة وتسعين، كان التاريخ الفعلي الذي جاهر فيه عثمان باستقلاله التام، ويوضح ذلك على الشكل التالي:
«حين بدأت الدولة السلجوقية بالانهيار وأخذت سلطتها تتداعى، قام الغازي عثمان بتولي زمام الإدارة والفتوحات، وغدا صاحب السلطة الوحيدة في بلاده، بعد أن كان تابعاً للسلطان السلجوقي. وفي العام ستمئة وتسعة وتسعين للهجرة، اعتلى عرش السلطنة، بعد أن كان يجلس على كرسي الإمارة قبلاً. وهكذا فقد ارتدى جبة الخلافة وتمنطق بالحزام والسيف. وبعد أن كان هلالاً غدا بدراً، وبحراً عظيماً بعد أن كان نهراً، وقلعة منيعة بعد أن كان قصراً».
وهكذا فكل المصادر تشير إلى أنّ التاريخ المرجح لقيام الدولة العثمانية هو العام ألف ومئتين وتسعة وتسعين. وبحسب كل من النشري38 وعاشق باشا زاده وكمال باشا زاده، فإن «الغازي عثمان كان قد أعلن عن استقلاله بالحكم في عهد السلطان السلجوقي علاء الدين، ولكنه ظل على احترامه للسلطان، حيث واصل ذكر اسمه في خطبة الجمعة، وصكّ النقود باسمه. وبعد أن توفي السلطان ولعدم وجود ولي للعهد، فقد خلفه على العرش وزيره صحاب أته؛ حينها أعلن الغازي عثمان دورسون إماماً وقاضياً على كاراجاحيصار، وابتداء من ذلك التاريخ ذكر اسم عثمان في خطبة الجمعة لأول مرة، وتمّ الدعاء له بدلاً من السلطان».
وما يشير إليه النشري، لا يوضح تبعية إلزامية للغازي عثمان اتجاه السلطان السلجوقي، بقدر ما يظهر أنه أحد دلالات الاحترام لا أكثر. ولو كان هناك أي نوع من الإجبار والخضوع للتبعية، لَما كان الغازي عثمان سيظهر الولاء لخليفة علاء الدين، مسعود الثاني - الذي لم يكن يملك سوى السلطة الاسمية من حكمه - أيضاً؟
كما أنّ كل الإجراءات التي قام بها عثمان منذ العام ألف ومئتين وتسعة وتسعين، تشير بوضوح إلى استقلاله التام في دولته، وعدم تبعيته إلى أي جهة أو سلطة أعلى.
وبعد العام ألف ومئتين وتسعة وتسعين، وحين سيطر الغازي عثمان على كل من كوبروحيصار ومن ثم يني حيصار، فقد قام وعلى عادة خانات الأوغوز وسلاطنة السلاجقة، بتوزيع المناطق التي تمّ فتحها على أشقائه وأبنائه وقادة جيشه ورجالاته..
وهكذا فقد منح كارجاحيصار لابنه أورهان، وإسكي شهير لغوندوز آلب، ويني حيصار لحسن آلب، وإينيغول لتورغوت آلب، أمّا خراج وأموال منطقة بيله جيك وما حولها فقد خصصه لعمه وشيخه أده بالي، وزوجته مال خاتون، ولمصاريف الدراويش وطلبة الشيخ ومن يقصده من فقراء ومحتاجين. وقد ترك مال خاتون وابنها علاء الدين رفقة والدها الشيخ إده بالي في بيله جيك، فيما انتقل هو إلى يني شهير مركز حكمه الجديد. وبعد حزمة هذه الإجراءات الاستقلالية، قام بصك اسمه على النقود كخطوة فعلية أخرى على هذا الطريق.


خذ ممن يربح فقط
لقد كان النهج الذي اتبعه عثمان لتحويل عشيرته إلى دولة قوية وذات سيادة مستقلة ونفوذ حقيقي، هو العدالة. وهناك الكثير من الأحداث التي تخللت حياته، ورسخت هذا المبدأ كجزء أساسي من مسيرته في السلطة.
ففي المدن التي قام بفتحها، كانت النسوة المسلمات وغير المسلمات أيضاً يقمن بالتبضع في الأسواق من التجار، دون أن يقوم أحد بمضايقتهن أو التعرض لهن بسوء. وفي السوق الذي كان يقام بالقرب من حمّام مدينة أسكي شهير، قام أحدهم بشراء بضعة كؤوس من أحد باعة المدينة الذي ينتمي لروم بيله جيك، ولم يدفع الثمن. فقام البائع بالتوجه إلى الغازي عثمان ليشتكي على الرجل. فاستدعاه عثمان وأمره بدفع ثمن البضاعة التي أخذها، وزجره بشدة. ومن ثمّ أرسل المنادين في الأسواق والذين أعلنوا أنّ كل من يتعرض لظلم أو اعتداء سواء أكان مسلماً أم غير مسلم، فعليه أن يتوجه إلى الغازي عثمان ويتقدم بالشكوى.
وفي حادثة أخرى في مدينة كاراجاحيصار التي فتحها الغازي عثمان بحد سيفه، قدم إليه أحد رعاياه، واقترح عليه قائلاً: «أريد شراء إتاوة سوق المدينة منك».
فسأله عثمان: «وما هي الإتاوة؟».
فأوضح له الرجل: «إنها ضريبة مالية تفرض على كل من يعرض بضاعته في السوق».
فعاد عثمان يسأله: «وما شأنك بالناس الذين يسترزقون هنا لتأخذ منهم أموالاً وإتاوات؟».
فرد عليه الرجل: «إنها عادة قديمة، حيث يأخذ الحاكم حصة مالية من كل بضاعة أو سلعة في السوق».
وهنا ثار غضب عثمان وهو يخاطب الرجل قائلاً: «لم أسمع بأمر كهذا في كتاب أو نص ديني، ولا من أي من الشيوخ والعلماء الذين تتلمذت على أيديهم، وحضرت مجالسهم. فهل هو أمر من الله عز وجلّ، أم سنة رسوله الكريم؟ أم أنها عادة سنّها بعض الحكام والسلاطين من ذوي النفوس الضعيفة؟».
وحين أجابه الرجل: «إنها عادة جرى عليها الحكام منذ القِدم».
زاده غضباً وحنقاً على هذا الرجل الذي يريد تطبيق عادة لا تمتُّ للدين الحنيف، ولم ترد في كتاب أو خطاب، وزجره قائلاً: «اغرب عن وجهي، وإلا سينوبك مني ما لا تحمد عقباه، ما شأني بأموال الناس وأرزاقهم التي يكسبونها بجهدهم وعرق جبينهم؟ ولِمَ عليّ أخذ ضريبة على ما ليس لي فيه شيء يا هذا؟».
وقد اقترح عليه رجاله ممن حضروا هذا النقاش قائلين:
«حتى لو لم تأخذ إتاوة يا مولاي، فيجب دفع شيء لحراس السوق، فهؤلاء يستحقون مقابلاً لجهدهم وتعبهم».
حينها اقترح الغازي عثمان عليهم ما يلي: «حسناً، إن كان هذا رأيكم، فعلى كل من يبيع بضاعته دفع آكجتين39، أما من لم يبع شيئاً، فلا تؤخذ منه أي ضريبة. وكل من منحته أرضاً أو اقتطعت له إقطاعية، فلا يجوز لأحد أخذها منه دون سبب وجيه، حيث ستنتقل ملكيتها لأبنائه من بعده، وإن كان أبناؤه صغاراً، فتوضع تحت رعاية من يقوم على خدمتهم، حتى بلوغ الورثة سن الرشد. وكل من يخالف هذا القانون، أو يحاول تعليم نسلي ممن سيتولون الأمر من بعدي، ما هو مخالف لذلك، فليذله الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة معاً».
يحدثنا أحمدي40 وهو من أوائل المؤرخين العثمانيين في كتابه (دستان وتواريخ ملوك آل عثمان)، عن هذا السلطان العادل بالكلمات التالية:


«حين يُقنّع الظلم بقناع القانون والنظام
يُخيل لعامة الشعب أنها العدالة
وقد قرأنا وسمعنا الكثير عن حكّام الظلم والجور هؤلاء
والآن تعالوا لنقرأ ونسمع أخبار حكّام العدل؛ العثمانيّين
هؤلاء السلاطين الذين كانوا مسلمين عادلين
فلنتعرف عليهم ولنحتفي بعدلهم ومجدهم».
بيزنطة تقف عاجزة
كانت الفتوحات التي تمت في الفترة الأخيرة، كفيلة بسيطرة الأتراك على الطرق البرية وقطع تواصل البيزنطيين بين كل من بورصة وإزنيك. وقد لفت الغازي عثمان الأنظار إليه بشدة بعد قيامه بمحاصرة مدينة إزنيك التي كانت أكبر وأكثر تحصيناً من بقية المدن التي قام بفتحها حتى ذلك الوقت.
فقام حاكم بورصة بدعوة حكام كل من أترانوس وكيستِل41 وكيتة لاجتماع عاجل، وخاطبهم بالقول «هؤلاء الأتراك قدموا من أصقاع الدنيا، واستقروا هنا، واتخذوا من أرضنا موطناً لهم. فيما اكتفينا نحن بمراقبتهم، وإن بقينا نواصل المراقبة بعد التطورات الأخيرة، فلن يمر وقت طويل قبل أن نندم جميعاً. لقد حان وقت طردهم من هذه الديار».. وبعد أن تشاور الحكام فيما بينهم اتفقوا على التحرك المشترك من أجل التخلص من الخطر التركي المحدق بهم. كما أنّ الإمبراطور البيزنطي أندرونيكوس الثاني42 أيضاً وبسبب إدراكه للعواقب الوخيمة في حال سيطرة العثمانيين على إزنيك، قام بإرسال القائد جورجيوس موزالون على رأس ألفي جندي، لينضموا إلى الحكام المتحالفين في مواجهة الغازي عثمان.
وقد التقى الجيشان العثماني وجيش التحالف البيزنطي في موقع جنوب بحيرة إزنيك يقال له كويون حيصار، وإزاء الهجوم القوي الذي شنه الأتراك عليهم، لم يبدِ المتحالفون سوى مقاومة بسيطة، قبل أن يتعرضوا للهزيمة في وقت سريع. وقد فرّ الجنود البيزنطيون للنجاة بأنفسهم، وتشتت شملهم حيث اتجه معظمهم إلى إزمير للاحتماء بقلعتها. أما موزالون فبالكاد استطاع النجاة من قبضة جنود السلاف المأجورين. وقد استشهد آي دوغدو وهو ابن أخ الغازي عثمان في هذه المعركة التي وقعت في السابع والعشرين من تموز عام ألف وثلاثمئة وواحد.
وعلى إثر هذا الانتصارات والفتوحات، اكتسب الغازي عثمان شهرة منقطعة النظير بين التركمان وبقية الممالك والإمارات المتاخمة لحدوده، والمجاورة له. وتحولت شواطئ بحر مرمرة، إلى ساحة لتحركات الأتراك ونشاطهم. واعتبر كل من النشري وإدريس البدليسي وكمال باشا زاده، النصر الذي حققه الغازي عثمان في معركة كويون حيصار، هو البداية الفعلية لاستقلاله بالسلطة.
والآن باتت كل من بورصة وكيتة وأترانوس وكاستل هدفاً لفتوحات الغازي عثمان، بعد أن اشترك حكامها في التحالف المعادي له وقاموا بمحاربته. وهكذا بدأ في العام التالي بالتحرك ضد هؤلاء الحكام المتحالفين مجدّداً، حيث ألحق بهم الهزيمة للمرة الثانية في دينبوز، في السادس والعشرين من آب عام ألف وثلاثمئة واثنين، وتمكن من السيطرة على قلعة كيتة، أما حاكم كيتة الذي هرب ملتجئاً إلى قلعة أولوباد43 فقد تمّ تسليمه بعد عقد اتفاق مع حاكم القلعة، حيث أعدم ثأراً لآي دوغدو الذي استشهد في معركة كويون حيصار.
ومن ثم وضع حامية من جنده في قلعة أولوباد التي تمّ فتحها فيما بعد، وفي هذه الفترة، تمّ فتح جزيرة أيدوس التي تقع وسط بحيرة أولوباد سلماً، وذلك بجهود كارا علي بن أيكوت آلب، وكمكافأة على جهود المحارب الشاب كارا علي، فقد زوجه الغازي عثمان ابنة قسيس الجزيرة الجميلة.
ولكن حركة الفتوحات العثمانية التي اتسعت دائرتها لتشمل كل من بورصة، إزنيك وإزميت، أثارت مخاوف البيزنطيين وسببت لهم قلقاً بالغاً. ولأنهم أدركوا عجزهم عن مواجهة العثمانيين وحدهم، فقد بدؤوا بالبحث عن حلفاء لصد هذا الخطر الذي بات يتهدد حدودهم ووجودهم. فوجدوا ضالتهم في المغول الذين بدوا لهم الشريك الأمثل، حيث كان هؤلاء يسعون للقضاء على نفوذ السلاجقة الروم في منطقة الأناضول لتصبح تحت سيطرتهم دون منازع. وهكذا فقد قام الإمبراطور البيزنطي أندرونيكوس الثاني بتزويج أخته ماريا من سلطان الإلخانية محمود غازان خان، مقابل تعهد الأخير بتقديم العون له. ولكنه توفي فيما كانت الأميرة ماريا في الطريق، وذلك عام ألف وثلاثمئة وأربعة.
ورغم أنّ الأميرة قد تزوجت من الخان محمد خودابندا أولجايتو خان44، ولكن أهداف الإمبراطور البيزنطي لم تتحقق. فنتيجة الخلافات والانقسامات الداخلية في دولة الخان، ونتيجة حروبه مع مماليك مصر، لم تتح له الفرصة لمساعدة الإمبراطور البيزنطي.
وهكذا فقد كان عام ألف ومئتين وثمانية بداية لبزوغ عصر جديد في الأناضول. ففي هذا التاريخ توفي السلطان السلجوقي مسعود الثاني بن كيكاوس الذي كان يملك من السلطة اسمها فقط دون صلاحيات فعلية، وبذلك أصبح عرش الأناضول خالياً يبحث عن مرشح جديد للجلوس عليه. وهذا ما جعل معظم إمارات الأناضول تستغل هذه الظروف لتعلن استقلالها في الحكم. وبحسب بعض المصادر فإن استقلال العثمانيين أيضاً يعود إلى هذا التاريخ. وقد ترتب على استقلال إمارات الأناضول في الحكم دون التبعية للسلطنة السلجوقية، تشرذمها وهذا ما سيتطلب جهوداً حثيثة ومضنية على طريق توحيدها مجدداً فيما بعد.
كوسى ميهال يغدو الغازي ميهال
كانت الفترة الممتدة من عام ألف وثلاثمئة واثنين والأعوام الستة التي تلتها، فترة هدنة توقف خلالها الغازي عثمان عن حركة الفتوحات التوسعية التي قام بها. وذلك لأسباب عدة منها إعادة تنظيم المناطق التي باتت تحت سلطته إدارياً وعمرانياً، والأهم من ذلك هو التحضر والتحصن لاعتداءات المغول الذين أصبحوا يشكلون خطراً يحدق بكافة مناطق الأناضول.
وبعد انقضاء مدة لا بأس بها من الوقت في الفعاليات الإدارية والعمرانية، توجه المحاربون الذين باتوا تواقين لفتوحات جديدة نحو سلطانهم بالقول:
«الحمد لله والشكر له، فقد أعلى كلمة الحق وراية الدين الحنيف، بأن جعل النصر والظفر من نصيب مولانا الذي غمر البلاد بحكمه العادل، وصان الحقوق والذمم ودحر الأعداء وعلا شأنه بين الأمم. وحارب الفتنة والفساد، وجعل العدل سُنّة بين العباد. وكيف ما اتجهنا تحت ظلال سيفه كان النصر حليفنا، والمجد مآلنا. وقد اشتاقت السيوف أن تُستل من الأغماد، وتاقت النفوس أن تعتلي ظهور الجياد. وباتت عيوننا معلقة على الطرقات التي سنعبرها، والبلدان التي سنفتحها. فلا يجدر بجنود السلطان ومحاربيه الجلوس في دعة وراحة، فيما الأرجاء والممالك تنتظر أن نرفع فيها راية الدين الحق، ونعلي كلمة الله، لذا نرجو أن تمنحنا الإذن والبركة لنسير مجاهدين فاتحين».
استمع الغازي عثمان إلى محاربيه الذين كانوا يرفلون في الغنى والعز بعد الفتوحات التي قاموا بها، ولاقت كلماتهم في نفسه عظيم الأثر، وهو يراهم تواقين للجهاد، بدل الركون للراحة والدعة.
وكان العام ألف وثلاثمئة وثمانية بداية حملة فتوحات جديدة، للغازي عثمان ومحاربيه. فقد اتجهوا بداية نحو كاراحيصار التي تعدّ البوابة الحدودية لكل من إزنيك وإزميت، وسيطروا عليها. وبدؤوا بفرض الحصار على إزنيك من خلال حامية كبيرة العدد وعالية التسليح.
أما في العام ألف وثلاثمئة وثلاثة عشر فقد حدث أمر ضاعف من فرحة الفاتحين وقوتهم. فقد جاء كوسى ميهال حاكم هامان كايا، وصديق الغازي عثمان القديم، وأعلن دخوله الإسلامَ، وانضمامه إلى القوات المحاربة تحت لواء الغازي.
ففي حادثة سابقة حين تحالف حاكم أسكي شهير مع كوسى ميهال وقاما بمطاردة الغازي عثمان، تمكن الأخير من أسر كوسى ميهال، ولكنه عفا عنه لما بدا عليه من إمارات الشجاعة وسيماء النبالة، عملاً بالآية الكريمة {... وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وأطلق سراحه. فظل كوسى ميهال ذاكراً لهذا الفضل، وقد أعلمه أكثر من مرة بالمكائد التي يحوكها له الأعداء مسبقاً، كما انضم لقواته في الكثير من الحملات والحروب.
وفي العام ألف ومئتين وثلاثة عشر، توجه المحاربون إلى الغازي عثمان مبدين رغبتهم في مواصلة الجهاد والفتوحات بالقول: «الحمد لله يا مولاي، فالنصر حليف دين الإسلام، والهزيمة حليف الأعداء على الدوام، وذلك لأننا نجاهد تحت راية قائد مقتدر مثلك، ولا يجدر بنا التوقف من الآن فصاعداً، فلنواصل الجهاد، حتى تدخل كل البلاد والممالك المحيطة بنا دين الإسلام، وتعلو كلمة الله فيها».
فرد عليهم الغازي عثمان بالقول: «أنتم محقون أيها البواسل، فقد منّ الله علينا بنعمة الجهاد في سبيله، وإعلاء كلمته. لذا علينا أن نحمده على هذه النعمة، ونسعى قدر استطاعتنا لنشر دينه الحنيف في أرجاء الأرض كافة، وسيغدو كوسى ميهال العون والسبيل لنا في هذا الطريق».
«سيكون ما تراه يا مولاي».
«إذاً أرسلوا في طلبه، لندعوه إلى الدخول في دين الإسلام، والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق».
وما إن وصل الرسل حتى انطلق مع محاربيه ورجاله يلبي دعوة السلطان العثماني، وقد مثل بين يديه محملاً بمختلف الهدايا القيمة؛ من خيول أصيلة، وسيوف وأثواب فاخرة. وخاطب السلطان بهذه الأبيات الصادقة:
أنا كما تعلمون كبير قومي وأمير
ولكني كنت على طريق الضلال أسير
وقد راودني حلم منذ بضع ليال
جاءني فيها خير العباد وأصحابه الكرام
حينها رأيت طريق الهداية والإيمان
فانكببت أقبل قدميه بخشوع واحترام
وقد لقنني مبادئ الدين القويم
فتركت الكفر ودخلت دين الإسلام
وقد ناداني المصطفى يا عبد الله
فأسبغ علي شرفاً وزادني في المقام
وحين سألته من سيعلمني ويهديني
أشار إلى جانبك يا مولاي العظيم
وقال لي سيدعوك قوم ذوي عزيمة
وأصحاب نسب وأصل ومنبت كريم
فكن واحداً من هؤلاء المجاهدين
فقائدهم هو الغازي المقدام عثمان

ونسله سيحكم هذا العالم برمته
وستفتح أمامهم الأمصار والبلدان
وليقم نسلك أيضاً بالجهاد معهم
ليرفعوا راية الدين في كل مكان
سيصلون حتى روسيا وما تلاها
وحتى بلاد المجر وكل البلقان
كن له خادماً لتنال العزة والأمجاد
ويصيب نسلك من بعد الإسعاد
وحين استيقظت ألمّ بي السرور
وأدركت أنني بلغت أقصى الأماني
فلقّنّي أصول الدين يا مولاي
واجعلني أحظى بنور الإيمان
وعلى إثر هذه الكلمات، نطق الغازي عثمان أمامه بالشهادتين، ورددها وراءه كوسى ميهال وسط حشد من رجال الطرفين وقادتهم وكبار القوم الذين كان سرورهم عظيماً لانضمام هذا المحارب إلى دين الإسلام وصفوف المجاهدين.
ومنذ ذلك الوقت رافق الغازي ميهال عثمان بن أرطغرل في كافة حملاته وفتوحاته، وأظهر مع جنوده شجاعة منقطعة النظير. ولا يعرف على وجه الدقة تاريخ وفاة هذا المحارب الذي شهد فتح مدينة بورصة، حيث دفن في منطقة ميهال غازي بالقرب من قرية الأرمن.
وتشير المصادر العثمانية أنّ أبناءه وأحفاده كانوا محاربين أشداء، شاركوا بفاعلية كبيرة في تاريخ الدولة العثمانية حتى نهايات القرن السادس عشر.

دعائم الجهاد
انطلق الغازي عثمان برفقة الغازي ميهال ومحاربيهم في العام ألف وثلاثمئة وثلاثة عشر لفتح قلاع كل من ليفكة(العثمانية) ميكجة، آك حيصار، غيفة وليبليبجي. وخلال هذه الفتوحات تعرضت المناطق الجنوبية من الأراضي العثمانية لتهديدات عشيرة الجافدارلي واعتداءاتها.
وهكذا أرسل الغازي عثمان ابنه أورهان وسالتوك آلب وهو أحد رفاقه في السلاح، مع الغازي ميهال على رأس القوات التي اتجهت لمحاربة هذه العشيرة. وقد تمكن أورهان برفقة هذين المحاربَين المحنكَين من إلحاق هزيمة كبيرة بقوات عشيرة الجافدارلي- التي قامت بالإغارة على كاراجاحيصار ونهبها - بالقرب من أويناش حيصار. وحين عودته من الحملة، عرض جافدار أوغلو مع الكثير من محاربي العشيرة الذين أسرهم أمام والده الغازي عثمان والذي قرر حينها إطلاق سراحهم بعد أخذ المواثيق والوعود منهم بعدم تكرار مثل هذه الاعتداءات، وقد برر ذلك بالقول: «هؤلاء المعتدون مسلمون، لذا فقتلهم غير جائز». وهكذا تمّ إطلاق سراح الأسرى.
قام الغازي عثمان في العام ألف وثلاثمئة وخمسة عشر بتشديد الحصار على مدينة بورصة التي كان قد ضرب عليها الحصار منذ وقت طويل. ولكن بسبب أسوارها المنيعة، فقد كان من الصعب أن تسقط وتستسلم بسهولة، كما أنّ الخسائر الكبيرة والتكلفة التي كانت تتطلبها مواصلة الحصار، دفعته إلى رفع الحصار عنها، ولكنه أمر قواته ببناء قلعتين صغيرتين بالقرب من المدينة. وقد استغرق بناءهما ما يقارب العام، فعين ابن أخيه آك تيمور على رأس حامية القلعة التي إلى جوار كابليجا، فيما عيّن بلابانجيك على رأس حامية القلعة التي إلى جوار جبال أولوداغ. وقد تمكن هذان المحاربان القويان من فرض حصار مستحكم على المنطقة المحيطة ببورصة، ولم يسمحوا لأحد من أفرادها بالتحرك خارج أسوار قلعتها.
ومع حلول العام ألف وثلاثمئة وسبعة عشر، بات يعاني من أعراض مرض النقرس الذي اشتد عليه، ومنعه من الخروج على رأس قواته، لذا فقد قسمها إلى عدة ألوية ليرسلها إلى مختلف الجبهات لمواصلة الفتوحات، وكان الغازي أورهان هو القائد العسكري الذي تتحرك تحت إمرته جميع هذه القوات.
الغازي أورهان: قبل مرور الكثير من الوقت ظهر الأمير أورهان - الذي كان يتحلى بحنكة ومقدرة على أداء المهمات الصعبة بالرغم من صغر سنه - أمام أسوار كاراتكين حيصار. ولكن حاكم المدينة الذي اغتر بقوته، ورفض عروض الأمير بتسليم المدينة صلحاً، أثار غضب الغازي أورهان عليه. ومنذ المعركة الأولى غدت القلعة حصناً للمجاهدين، وقبلة للدين تمدّ كل ذي حاجة بالعون والمساعدة. وقد أصيب الحاكم بجراح ثخينة أودت به للموت، فيما أرسل الغازي أورهان ابنته مع جميع حاشيته وممتلكاته النفيسة إلى والده. أما الأمير الشاب فبعد أن سلم إدارة القلعة لسامسا شاويش، انطلق نحو فتوحات جديدة.
آكجا خوجا: كان هذا القائد الجسور الذي يقيم مع جيشه في موقع قريب من بيش كوبرو في منطقة سابنجا، يقضي جلّ وقته في الإغارة على الأعداء من حوله، وأسر معظم قادتهم وجندهم. وبفضل بطولاته هو ومحاربيه، كان الجهاد يتسارع خطوة تلو الأخرى في أرجاء المنطقة برمتها، حتى وصلوا إلى منطقة آكوفا45، وحققوا انتصارات كثيرة. ومنطقة كوجايلي التي تحمل اسمه حتى الآن، كانت قد دخلت الإسلام بفضل بطولاته والجهود العظيمة التي أبداها هذا المحارب الجسور.
الغازي عبد الرحمن: قام البيزنطيون الذين أرادوا وضع حد لهجمات سامسا شاويش التي يشنها على مدينة إزنيك وما يجاورها، بإرسال جيش ضخم يرافقه أسطول حربي نحو يالوفا46، ولكن قوات الغازي عبد الرحمن وصلت إلى الموقع على وجه السرعة، وقامت بشن هجوم مفاجئ عليهم. وقد غرق معظم الجنود البيزنطيين بعد أن ألقوا بأنفسهم في البحر للنجاة والهرب. ولم يتمكن من الوصول إلى إسطنبول سوى أعداد قليلة منهم، ممن استطاعوا بلوغ سفن الأسطول بشق الأنفس.
كونور آلب: بعد شن عدة هجمات على منطقة آكياز تمكن من السيطرة على توز بازار47، وفي العام ألف ومئتين وثلاثة وعشرين تمكن من إيقاع العدو في كمين محكم وألحق الهزيمة بهم في أوزونجابال، وعاد مجدّداً إلى توز بازار. وظلّ يواصل فتوحاته ويحقق الانتصار تلو الآخر، وتمكن من فتح قلاع كل من كيكليك48 وكويوجاك49 وكريستجي والتي غدت حصوناً منيعة للمجاهدين.
كارا علي: كان كارا علي بن أيكوت آلب من المحاربين الشباب، وقد شارك في معظم الفتوحات التي قادها الغازي عثمان، وحقق بشجاعته وجرأته انتصارات باهرة، واكتسب سمعة عظيمة. وحين تمكن من السيطرة على ميناء جزيرة كالو وفتحها سلماً، زوجه الغازي عثمان من ابنة قسّ الكنيسة الجميلة. وقد استطاع هذا المحارب الشاب الذي استلم قيادة أحد ألوية جيوش المجاهدين، فتح كل من؛ نيفجة حيصار، وغيفة50، وقره غوز حيث استقر في تلك المنطقة، وجعلها مركزاً يشن منها هجمات شديدة على الأعداء.
سامسا شاويش: بعد استقراره في قلعة كاراتكين، ظلّ يواصل غارات قوية على إزنيك، وذلك من أجل إضعافها وتسهيل مهمة فتحها.
الغازي ميهال وتورغوت آلب: كان هذان المحاربان المقتدران يترأسان القوات التي تشن هجمات قوية على مدينة بورصة، ويقضيان جلّ وقتهما في ساحات الوغى، والجهاد في سبيل الله.
ومن جهة أخرى كان الغازي أورهان يواصل القتال، حيث تمكن في العام ألف وثلاثمئة وواحد وعشرين من السيطرة على مودانيا51 وبذلك عزل بورصة عن العالم الخارجي، وأحكم عليها قبضة الحصار.
ومن ثم توجه نحو أدرنوس، وعرض على الحاكم تسليم مفاتيح القلعة دون قتال، مقابل بقائه في منصبه، ومواصلة إدارة شؤون المدينة دون مشاكل أو حروب. ولكن الحاكم الذي انسحب من القلعة، مختبئاً في الجبال القريبة، ظلّ رابضاً هناك ينتظر انسحاب أورهان، وكان يخطط للعودة لحكم القلعة كما في السابق. ولكن الأمير الشاب الذي كان مقبلاً على الجهاد بكليته، راغباً فيه بكل حماس وإيمان، تسلق الجبال حيث القلعة التي احتمى فيها الحاكم، والذي انتابه ذعر شديد، وحاول الهرب مجدّداً، ولكنه سقط من على جرف عالٍ ومات على الفور. حيث انطبقت عليه الآية الكريمة «ومن يشرك بالله، فكأنما خر من السماء، فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق» وأصبح عبرة لكل من شهد نهايته الفاجعة. وقد استسلم رجاله وتوسلوا الغازي أورهان العفو عنهم. وهكذا سيطر الأمير الشاب على مدينة أدرنوس التي أصبح اسمها منذ ذلك التاريخ؛ أورهانلي.
قم بفتح إسطنبول، واجعلها بستاناً
بعد أن استقرت قبيلة كايي في منطقة سوغوت، استطاعت وفي زمن قصير التحول إلى قوة عظمى، ولعبت دوراً كبيراً في تغيير مصير الشعب التركي، وتاريخ العالم برمته. وقد كان الغازي أرطغرل وابنه الغازي عثمان على الدوام يكنون الاحترام للسلاطين السلاجقة، ويحكمون تحت لواء التبعية لهم. وحين أرسل السلطان السلجوقي الجبة والطبل والراية وبقية علامات الإمارة للغازي عثمان، استقبلها الأخير واقفاً وقد شبك يديه على صدره احتراماً وتبجيلاً. وظلت فرقة المهتر52 تعزف في الأوقات الخمسة، واستمرت هذه العادة على يد خلفائه لمدة مئتي عام. ومن جهة أخرى كان السلاطين العثمانيون يفتخرون بأنهم ينحدرون من نسل الفاتح العظيم أوغوز خان53، وينتمون لقبيلة كايي التي كانت ذات شأن عظيم ومرتبة رفيعة بين قبائل الأوغوز. وقد أظهر المؤرخون الأوائل حرصاً بالغاً في التأكيد على نسب السلاطين العثمانيين، وعلو شأنهم.
وبحسب ما أوردوه فقد كان كوركوت آتا المنحدر من فرع البيات54، معاصراً لعهد قريب من عند الرسول الكريم، وكانت تراوده الكثير من الرؤى بحق المستقبل حيث منحه الله سبحانه وتعالى بصيرة نافذة لما سيحدث، وقد تنبأ ذات مرة قائلاً: «ستعود السلطنة لكايي في زمن ليس بالبعيد، وسيمتد نفوذهم على العالم برمته»..
وهكذا كان التاريخ المجيد والشعور القومي مرة أخرى سبيلاً لبقاء الشعب وسمو شأنه. وكانت الحملات والفتوحات تنطلق من أسس ومبادئ عسكرية وإدارية وسياسية واقتصادية. ولم يكن كل قائد أو مسؤول يحكم وفق أهوائه الشخصية، بل وفق مبادئ موحدة. ومن هذا المنطلق يجب فهم العوامل والأسس التي مهدت لجعل الأناضول وإسطنبول وطناً للأتراك.
فقد جاء في الحديث النبوي الشريف «لتفتحنّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».. حيث أثنى على القائد والجيش الذي سيفتح هذه المدينة، وبذلك كان فتحها هو غاية المسلمين وهدفهم لقرون عديدة، من أجل نيل هذا الشرف العظيم، ومن ضمنهم الأتراك الأوغوز. حتى غدت الفكرة بالنسبة لقادتهم وجنودهم كـ (التفاحة الحمراء)55. وكان كل حاكم وسلطان تركي حتى ما قبل مجيء السلطان محمد الفاتح، يتحرق شوقاً لتحقيق هذا الهدف، وقبل أن يودع هذا العالم الفاني، كان ينقل رغبته تلك إلى أبنائه من بعده.
وهكذا فقد قام الغازي عثمان أيضاً وهو لا يزال يخطو الخطوات الأولى على طريق بناء دولته، بنقل هذا الإرث التاريخي والقومي لابنه، من خلال الأبيات التالية:
عمّر مدناً وأقم حصونا
بحماس وإيمان لا ينضب
وتجنب بُنيّ الظلم والتكبر
وافعل دونهما كل ما ترغب
وكما منّ القدير علينا قبلاً
بفتح مدينة إينغيول وتعميرها
دُكَّ حصون الكفر في بورصة
وأعد من جديد تحصينها
كن ذئباً وتسلل إلى القطيع
كن أسداً لكي تحكم الجميع
حيّ على الجهاد في كل زمان
وابنِ حصونه في كل البلدان

ولا تقلل من شأن إزنيك أبدا
ولا تندفع مثل مياه صقاريا رغدا
افتح إزنيك ورسخ بُناها وعمرانها
وفي كل برج أقم حصناً لفرسانها
فأنت ابن الغازي أرطغرل العظيم
ومن نسل عشيرة الأوغوز الكريم
وحفيد سلطانٍ كان للمجد عنوانا
فافتح إسطنبول واجعلها قبلة وبستانا
نصيحة أم دستور؟
خلال حكم الغازي عثمان الذي استمر ما يقارب من نصف قرن، وُضعت أسس الدولة التي ستغدو سلطنة عظيمة تحكم العالم لما يقارب من ستة قرون متواصلة. وكانت السلطنة التي حملت اسمه، أعظم دولة إسلامية من بعد دولة الخلفاء الراشدين. حيث بسطت هذه الدولة التي تتوسط حوض المتوسط، سيطرتها على قارات العالم الثلاث؛ آسيا وأفريقيا وأوروبا، وغدت القبلة التي تحمل راية الإسلام، وتعلي كلمة الله في كافة الأصقاع. ومركزاً للحضارة والثقافة، وحققت إنجازات وانتصارات عظيمة، يتطلب تدوينها مئات المجلدات.
فما هو سرّ كل هذا النجاح والتألق؟
وما هي تلك الأسس التي بنيت عليها هذه الدولة القوية؟
سنجد السر في الوصية التي دوّنها الغازي عثمان وتركها لابنه، قبل مضيه نحو الرحلة الأبدية والحملة التي لا رجعة عنها.
كل من عليها فانٍ وراحل
ومهما طال به الأمد فهو زائل

فليتني أرى شمس مجدك عالية
لتطمئن الروح وترحل دون شاغل
ولكنك خير خلف ونعم الوريث
وإن رحلت فلستُ بخائف أو نادم
والآن دعنا من حديث الوداع
وافتح قلبك للنصح والمكارم
وصيتي لك يا فلذة كبدي
أن تتجنب الظلم والمظالم
فالعدل خير طريق وخير درب
فليكن دليلك ونهجك الصارم
وجاهد في سبيل الدين الحنيف
حتى يدين لك كل هذا العالم
وكن لأهل العلم خير معين
فهم لبقاء عرشك الدعائم
وإياك والاغترار بجند ومال
وإياك والتكبر على رجل عالِم
وليكن شرع الدين نوراً لدربك
واجتنب الذنوب كذا والمآثم
وكن لدين الهدى خير حامٍ
وخير مجاهد في سبيله وخير خادم
فليس مرادنا السلطنة ولا العروش
ولا القتل ولا قطع الجماجم
فغاية المنى نصرة الدين القويم

ومنتهى المقاصد دون أي مغانم
وكن لرعاياك خير راعٍ ومعينا
لذوي الحاجات وصاحب المكارم
وواصل الليل في خدمتهم بالنهار
وليحمك يا بنيّ العلي الجبار
وقد تحولت وصية الغازي عثمان هذه، إلى دستور لسلاطين بني عثمان من بعده. حيث تشربها الجميع دون استثناء، وعملوا كل ما في وسعهم لتطبيقها على أكمل وجه ممكن. وبذلك حظوا بسلطنة عظيمة لم يشهد العالم لها نظيراً، وقد استمرت لستمئة وثلاثة وعشرين عاماً. نالوا خلالها من المجد والجاه والسلطة والأبهة ما لم يقدر لسواهم من قبل.
شخصية الغازي عثمان
هو عثمان بن أرطغرل ووالدته هايمة خاتون. ولد في العام ألف ومئتين وثمانية وخمسين في سوغوت. وتقلد زعامة القبيلة عام ألف ومئتين وواحد وثمانين وهو في الثالثة والعشرين من العمر. وقد تمكن في وقت قصير من تحويل قبيلته إلى إمارة قوية، من خلال الفتوحات التي قام بها، واستمر حكمه لمدة خمسة وأربعين عاماً. وقد توفي أثناء فتح بورصة، ودفن هناك في مكان يدعى غومشلو كومبِت (القبة الفضية). وبالإضافة لأورهان، فقد كان له أبناء آخرون هم؛ علاء الدين، علي، بازارلو، جولان، مليك وحميد، بالإضافة لابنة اسمها فاطمة.
كان متوسط القامة، عريض المنكبين، أسمر البشرة واسع العينين، والقسم السفلي من جسده أطول من جذعه. كان قائداً ذا هيبة، جسوراً، كريماً، حلو الكلام، يرتدي عمامة من الجوخ الخراساني الأحمر على الطراز الجاغتائي56. وكان يغدق على الفقراء من ماله الخاص، ومن أموال الخزينة على حد سواء. وبحسب الكثير من المصادر، فهو لم يأخذ قرشاً واحداً من بيت مال المسلمين طوال عمره. وكان يعتاش على المردود الذي ينتجه قطيعه الخاص من الماشية.
وكان في كل يوم يقيم وليمة لكل من تواجد في مجلسه بالإضافة لكل فقير ومحتاج يطرق بابه، أو يتواجد في الجوار. وكانت حدود دولته تمتد من سواحل بحر مرمرة شمالاً حتى منبع نهر صقاريا، وتمتد جنوباً حتى حدود كوتاهية. وكانت كل من سوغوت، أسكي شهير كاراجاحيصار، هامانكايا، بيله جيك، ويارحيصار تقع ضمن نطاق هذه الحدود.
وقد تمكن من بسط سلطته على العشائر والإمارات المحيطة به من خلال؛ حسن إدراته، وبصيرته النافذة، وعدالته في الحكم، وطموحه الكبير ومثابرته، وقدرته على كسب الأصدقاء، وصبره والتخطيط السليم لكل تحركاته إزاء الأعداء، وتحليه بالعفو والتسامح.. وكما أنه ظلّ يبدي الاحترام والتوقير لسلاطين السلاجقة، ولحكّام الإلخانية، فقد كان حريصاً أيضاً على تجنب الاقتتال مع الإمارات التركية المجاورة له. بل مشغولاً على الدوام بالجهاد والفتوحات. وقد اتبع أبناؤه وخلفاؤه ذات النهج من بعده، ولم يتوجهوا نحو العالم الإسلامي أو الممالك التركية إلا إن كانوا مرغمين.
وكانت الدولة التي تركها تملك من القوة المادية والمعنوية ما جعلها تصبح خلال فترة قصيرة، في عداد أقوى الدول في المنطقة. وقد أصبحت بعد مئة وخمسين عاماً سلطنة عالمية عظيمة. ولم يكن أحد ليتصور أنّ هذه الإمارة التي كانت الأصغر بين إمارات الأناضول، ستتمكن من توحيد الأتراك، وإلحاق الهزيمة بأقوى دول قارتي آسيا وأوروبا، وتغدو دولة عالمية تمتدّ سلطتها اللامحدودة على الجميع.
وفي المقابل كان كل رجال الدين والمتصوفون، وقادة الجيش ورجالاته حتى أصغر محاربيه، مقتنعين بهذه الرؤية، ويجاهدون بكل طاقاتهم في سبيل تحقيقها.
ويورد لنا لامارتين57 ما يلي حول الغازي عثمان:
«كان الغازي عثمان ذا طباع هادئة، ولكن أكثر ما يميزه هو عدالته وصدقه. وقد استثمر ذكاءه وقدراته في سبيل إعلاء كلمة الله ومحاربة الاعتقادات الباطلة والعبادات الوثنية والقضاء عليها. كان يتقدم رويداً رويداً على هذه الطريق، ولكنه لم يتراجع على الإطلاق. وكان يتحلى بالقدرات التي تخول أصحابها تأسيس أعظم الدول، ووضع أركانها. فقد كان يمتاز بطيبة القلب، وصدق الكلام، والوفاء لعائلته، وكان رؤوفاً ومحباً لأبنائه».
أما جيبون58 فيقول عنه:
«من المؤكد أنّ عثمان لم يكن ابن أحد السلاطين. ولم يقيض له أن يحكم سوى ملكية صغيرة، ولكن هذه الملكية كانت تكبر وتتسع مع مرور السنوات. وكان وضعها الأمني المستقر، أحد العوامل الأساسية لاستقرارها وبقائها، وتوسيع رقعتها أكثر، وهذا يشير بوضوح إلى عظمة الشخص الذي كان يقف وراء تأسيسها وبنائها.
فنحن نعرف البناء من خلال بانيه، وكذلك كان عثمان الذي ينحدر من سلالة محاربين دخلوا التاريخ؛ كأتيلا59، جنكيز خان، تيمور.. ورغم أنّ هؤلاء الأجداد الذين انحدر منهم، كانوا محاربين أشداء حققوا انتصارات باهرة، لكن إمبراطورياتهم لم تحمل طابع الفتح العظيم.
أمّا السلطنة التي تمكن عثمان من وضع أسسها، فقد كانت أكثر بقاءً وبالتالي كان تأثيرها أكثر رسوخاً وشمولية بما لا يقارن. ذلك أنه كان يتقدم بهدوء وسكينة، على عكس أسلافه الذين كانوا يتقدمون على أصوات الطبول ونفخ الأبواق الحربية».
أما المؤرخ الفرنسي جرينارد فيورد عنه ما يلي:
«إنّ تأسيس هذه الإمبراطورية الجديدة واستمرارها لعدة قرون، كان من أكثر الحوادث مدعاة للحيرة ومن أعظمها في الآن ذاته».






القسم الثاني
الغازي أورهان

أيا فاكهة بحلاوة العسل يا بنيّ! لا تغرنّك السلطة والجاه. ولا تنسَ أنّ هذه الدنيا لم تدم لسيدنا سليمان. لا تنسَ أنّ عرشها زائل، ولكنها فرصة عظيمة للإنسان. فاستغل هذه الفرصة كما يجب، في طاعة الرحمن الرحيم، والسير على هَدي رسوله الكريم. وإن نظرت للدنيا بموازين الآخرة، ستدرك حينها أنّ كل مفاتنها البهية، لا تستحق أن نبدلها بما ينتظرنا من سعادة أبدية.


فلترافقك دعوات والدنا

لقد تمكن الأتراك من بناء دول وإمبراطوريات عظيمة قبل مجيء الغازي عثمان، وظهر بينهم حكّام وقادة على قدر كبير من المقدرة والقوة.
ولكن كان هناك على الدوام عامل واحد، يزعزع كيان هذه الدول ويسدد لها ضربة أكثر قوة من هجمات كل الأعداء مجتمعين.
وهو تقسيم الحكام والسلاطين الدولة بين أبنائهم وأشقائهم، ففي بعض الأحيان كانت تُقسم بين ثلاثة أو خمسة أو حتى أحد عشر شخصاً، وخلال مدة قصيرة كانت تنهكها حروب الأشقاء الداخلية وصراعاتهم. وكانت تكفيها ضربة صغيرة من أي دولة أخرى حتى تنهار وتضمحل.
لنرَ كيف سيتمّ اقتسام الدولة التي تركها عثمان، وأي طريق سيتبعه أبناؤه من بعده.
يوضح لنا المؤرخ عاشق باشا زاده الأمر على النحو التالي:
«حين توفي الغازي عثمان اجتمع ولداه علاء الدين وأورهان، وبعد انتهائهما من دفن والدهما كما يملي عليهما الواجب. وفي تلك الأثناء كان هناك رجل تقي ومتصوف يدعى أخي حسن، له تكية يؤمها الدراويش والفقراء، وقد اجتمع في تكيته القريبة من قلعة بورصة، رجالات الدولة وقادتها، ليسألوا عما ترك الغازي عثمان من ممتلكات، وذلك من أجل تقسيمها بين الأخوين. وبعد البحث والتمحيص وجدا ممتلكات عثمان تنحصر في البلدان التي قام بفتحها، دون وجود أي نقود أو ذهب. وكان له من المتاع ثوب جديد، وجعبة معلقة إلى جوار حصانه، ووعاء ملح، وحمالة معلقة، وزوج أحذية طويلة الساق، وبعض الجياد الأصيلة، وعدة أغنام وبعض أزواج الثيران، ولم يعثروا على شيء آخر».
حينها توجه الغازي أورهان نحو أخيه قائلاً:
«تعال يا أخي، ولنقتسم كل ما في حوزتنا».
فرد عليه علاء الدين:
«وهل في حوزتنا شيء حتى نقتسمه؟.. هذه البلاد هي من حقك أنت، وهي بحاجة لراعٍ يدير شؤونها ويحميها. كما أنّ السلطان بحاجة لهذه الجياد، ولهذه الماشية لإطعام ضيوفه».
حينها أجابه الغازي عثمان:
«ولِمَ لا تكون أنت هذا الراعي؟».
ولكن علاء الدين باشا رفض هذا العرض قائلاً:
«يا أخي! لقد كانت دعوات المرحوم والدي لحمايتك، وآماله معلقة عليك. وكان يكلفك بقيادة الجنود على الدوام، لذا فمهمة الراعي ستكون من نصيبك الآن».
وقد استحسن كل من في المجلس كلام علاء الدين.
لذا فقد علق الغازي أورهان بالقول:
«لقد أوصاني المرحوم والدي - الذي أرجو أن يتغمده الله برحمته، ويسكنه فسيح جنانه - في آخر لقاء بيننا قائلاً: إن عرض عليك أحدهم أمراً يوافق ما أمرنا به الله سبحانه وتعالى، فوافق عليه. وإن كان فيه ما يخالف أوامر الله وسنة رسوله فارفض. وإن لم تعلم فاستشر أهل العلم والعرفان. وأنتم رفاق والدي وأقرب الناس إليه، وقد أبديتم الرضا، فلا يجدر بي سوى الموافقة على حمل هذا العبء».
وفي ظل عدم قبول الورثة تقسيم البلاد، وبعثرة الأملاك فيما بينهم، زادت قوة ومتانة الدولة وترسخت أسسها أكثر، وكانت هذه الحادثة خير دليل على تفضيل المصلحة العامة على الخاصة، والمنافع على المطامع.
وقد كلف الغازي أورهان أخاه علاء الدين بمنصب الوزارة فيما بعد، ولكنه رفض، وأبلغ شقيقه السلطان أنه سيكتفي بواردات قرية فوتورة، وسيقضي ما بقي من عمره في العبادة والتقرب من الله عز وجلّ، ومساعدة الفقراء والمحتاجين.
وقد طلب الغازي أورهان من أخيه وكل من في المجلس، أن يدعوا له بالصلاح والنجاح، ومن ثم جلس على عرش السلطنة.
لا العروش تدوم ولا القصور
ولا يبقى سوى صالح الأعمال
وإن أشرقت الشمس فالليل قادم
والموت آت مهما طالت الآجال
ومفتاح النعيم والجحيم في يديك
فإن أحسنت واتقيت فنعم المآل
فليكن الحق سبيلاً لك ودربا
ولا تحد عنه مهما تغير الحال
تلك نصيحتي لك ومبتغاي
أن يرافقك العز والمجد والإجلال
ودعوتي أن ينصرك العلي القدير
وأن يحمي عرشك من الزوال
فتح أيدوس
كان الغازي أورهان قد استلم قيادة الجيش في السنوات العشر الأخيرة من حكم والده. وحين آل الحكم إليه، جمع قادته ورجالات الجيش، وأرسل كلاً منهم في وجهة فتوحات جديدة.
حيث توجه كل من كونور آلب وآكجا كوجا نحو سامنديرا، وقد كان خروج حاكم القلعة مع فرسانه من أجل جنازة ابنه الذي توفي حديثاً، فرصة عظيمة للنيل منهم. حيث قام المحاربون بقطع الطريق على الحاكم وجنوده في هجوم مفاجئ، جعلهم يتشتتون في كافة الاتجاهات، وقد أخذتهم الصدمة. وحين تمكن الفاتحون من أسر الحاكم، سهلت عليهم مهمة فتح القلعة بصورة كبيرة.
أما قلعة أيدوس60، فقد غدا فتحها من قبل الغازي عبد الرحمن وكونور آلب، أمثولة تتناقلها الأجيال.
وقد تزامن الفتح مع عدة حوادث داخلية في القلعة، حيث صدق القول «إن أراد الله أمراً، فهو يهيئ له كل الأسباب الممكنة» فقد كان لحاكم القلعة ابنة فاق جمالها الأوصاف، وذاعت شهرتها في كل مكان. وقد حلمت هذه الشابة الجميلة في إحدى الليالي وأثناء حصار المحاربين للقلعة، بأنها سقطت في بئر عميق ومظلم، ولم تجد غصناً تتعلق به، أو طريق نجاة. كانت تصرخ ملء صوتها، دون أن يسمعها أحد أو يردّ عليها. حتى أدركت في النهاية أنه ما من مهرب من الموت في هذا البئر المخيف، فتوقفت عن الصراخ ومحاولة البحث عن مخرج. وفي تلك اللحظة بالذات ظهر فارس شجاع، يشع النور من محياه، فساعد الفتاة على الخروج والنجاة من موت محتوم. وقد أفاقت الفتاة من النوم قبيل بزوغ الفجر بمشاعر مضطربة، وأخذت تبحث عمن يفسر لها هذا الحلم. ولكن صورة ذلك الفارس النبيل لم تكن تفارق مخيلتها، حتى باتت هائمة متيمة به.
وفي إحدى الصباحات المشرقة التي لم يكن إشراقها قادراً على تبديد عتمة الكآبة التي تعتمل في قلبها، صعدت إلى سطح القلعة وأخذت تتسلى برمي السهام على الجنود الأتراك، وفيما هي كذلك رأت فارساً تركياً يقف قرب الأسوار ويعطي تعليماته للجنود، وسيماء الشجاعة بادية عليه، وكان ذلك الشاب هو الغازي عبد الرحمن. وحينها أدركت أنّ هذا الشاب المجاهد، هو من رأته في الحلم، وباتت تكابد في حبه الوجد والعذاب، وهكذا أدركت تفسير الحلم بنفسها، دون أن يفسره لها أحد.
فقامت بكتابة رسالة عبرت فيها عن كل مكنونات قلبها، وأوضحت بأنها تريد اعتناق الإسلام، وأضافت في نهايتها» إن كنت راغباً في السيطرة على القلعة فتعال مع فرسانك في الليلة الفلانية، وقفوا أمام السور بعد منتصف الليل، وأنا سأتكفل بتقديم العون لكم لدخولها».
وفي صبيحة اليوم التالي، قامت بلّف الرسالة على حجر، ورمته باتجاه الجنود المسلمين دون أن ينتبه أحد من جنود والدها. وكان من السهل أن يثير انتباه الجنود العثمانيين الذين أخذوا الرسالة وعرضوها على القائد عبد الرحمن، وبدوره طلب عرضها على من يعرف لغة الروم، لمعرفة ما جاء فيها. وبعد أن اطلع على معناها، تشاور مع كونور آلب والبقية، وقرروا الانسحاب. ومع حلول المساء، قاموا بإبعاد كل أسلحتهم وأدوات الحصار، وأوهموا العدو أنهم منسحبون. وقد شعر البيزنطيون بفرح عارم، واحتفلوا احتفالاً صاخباً وهم يرددون «لقد انسحب العثمانيون وزال عنا الخطر».
وبعد منتصف الليل، رمى أحدهم حبلاً ثخيناً من فوق أحد الأبراج نحو الأسفل، فيما كان الغازي عبد الرحمن وجنوده الثمانون منتظرين في المكان الذي دلتهم عليه ابنة الحاكم، فأخذ بالتسلق بمهارة وصمت مطبق كما العناكب، وبلغ قمة السور وقد تبعه بقية فرسانه. وعلى الفور توجهوا نحو حراس القلعة للقضاء عليهم، وفتح الأبواب لبقية الجيش، بعد أن وجدوا المفاتيح مع حارس البرج الذي كان يغط في نوم عميق وقد أعياه السَكر. وكان ما حصل بعدها مجرد لعبة بالنسبة إلى المجاهدين الذين سيطروا على القلعة في لمح البصر، وقد توجه كونور آلب مع جنوده وحاكم القلعة الأسير وابنته، وكل نفائسه، للمثول أمام الغازي أورهان.
وبعد أن استمع الغازي إلى قصة الفتح، وحمد الله وشكر له نعمه الكثيرة، قام بتزويج ابنة الحاكم الجميلة للغازي عبد الرحمن، وغمرها ووالدها بالهدايا والعطايا، مما أبعد عنهم الغم والهم، وأدخل السرور إلى قلوبهم.
وقد أنجبت الأميرة ولداً أطلق عليه اسم كارا عبد الرحمن الذي ذاع صيت شجاعته، وأظهر من الجسارة والجرأة ما جعل سكان إسطنبول ينسون طعم الراحة والسلام، وباتت أيامهم كابوساً متواصلاً، حتى كانت الأمهات يقمن بإخافة صغارهن بالقول «سيأتي كارا عبد الرحمن ويختطفك».
معركة بيليكانون
كانت إزميت منذ القدم مدينة كبيرة عامرة، غاية في التقدم والازدهار، لذا فقد غدت الهدف الجديد للغازي أورهان، وقد كلف القائد آكجا كوجا بهذه المهمة، كما تابع بنفسه إتمام بقية التحضيرات. وفي هذه الأثناء وصل إليه رسول يبلغه بوفاة آكجا كوجا. وبعد أن قرأ الغازي أورهان الفاتحة على روح صديق والده، والمحارب المقدام الذي حارب إلى جواره لسنوات طويلة، أبلغه الرسول بأنه يحمل رسالة من آكجا كوجا أيضاً، فأمره أورهان قائلاً: «قل ما لديك بسرعة». وحينها سرد الرسول كلمات المحارب العجوز على مسامع الغازي أورهان:
«لم أتمكن من فتح إزميت، فليجعل الله سبحانه وتعالى شرف هذا الفتح العظيم من نصيب مولانا الغازي أورهان. وإن تمكن من فتح قلعتها، فستكون أرواحنا راضية، وسترقد عظامنا بسلام في القبور».
وقبل أن يتجاوز السلطان حزنه على وفاة هذا الفارس الصنديد، وصله نبأ وفاة كونور آلب أيضاً. وهكذا فقد خسر السلطان واحداً آخر من محاربيه المحنكين، الذي قضى معظم سنيّ عمره في ساحات الوغى، حيث فتح مدينة كونورآلب61، والتي سميت على اسمه.
فولى السلطان حكم كوجاإيلي62 لابنه سليمان باشا، وحكم كونور آلب لابنه مراد، ومن ثم التفت نحو مدينة إزنيك التي بقيت صامدة أمام محاربيه رغم حصارها لسنوات طويلة، والتي كانت تحتل بالنسبة للبيزنطيين المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد إسطنبول. وبالاستيلاء عليها سيفقد هؤلاء أهم مركز حيوي على سواحل بحر مرمرة.
ولهذا السبب قام الإمبراطور أندرونيكوس الثالث63، بقيادة حملة كبيرة وذلك بغاية رفع الحصار عن المدينة، واستعادة ما يمكن من القلاع.
وفيما كان الإمبراطور متجهاً نحو إزميت، ترك السلطان أورهان حامية صغيرة أمام أسوار إزنيك، واتجه على رأس جيشه لملاقاة العدو.
التقى الجيشان في منطقة تدعى بيليكانون تقع بين داريجا وأسكي حيصار، حيث انهال محاربو السلطان بسيوفهم الماضية كسيل هادر على جيش الإمبراطور الذي كان يناهز الثمانية آلاف جندي، بينما لم يتجاوز الجيش العثماني ألفي جندي. ولم يتمكن العدو من صد هجمات الفاتحين القوية، فلاذ بالفرار بعد وقت قليل من بدء المعركة، عائداً نحو إسطنبول للاحتماء بها.
ليتهم كانوا سادتنا
بعد الهزيمة التي تعرض لها جيش الإمبراطور، انهارت معنويات حاكم إزنيك الذي كان يعقد الآمال على أن ينقذه هذا الجيش من الحصار، فطلب الأمان من العثمانيين. وانطلاقاً من مقولة «إنّ العفو هو زكاة النصر» عفا السلطان عن الجميع ومنحهم الأمان. وفيما يتجه الحاكم نحو إسطنبول، أخذ سكان إزنيك - الذين شهدوا عدالة السلطان أورهان أثناء الحصار، وسمعوا عنها من خلال الأخبار التي يتداولها سكان المناطق المجاورة - يلوذون محتمين بعدالة السلطان وعفوه، ويظهرون له الولاء والطاعة.
وأخذوا يتأسفون وهم يرددون بعد أن عايشوا عدالة السلطان وخبروا عفوه «ليتهم كانوا سادتنا منذ البداية».
وحتى في الأماكن التي لم يصلها الجيش العثماني، كان الناس والأهالي يرسلون في طلبهم، ويدلونهم على الطريق إليهم.
في إحدى الأيام التقى السلطان أورهان بمجموعة من النساء المسيحيات وهن جالسات وسط الطريق، وحين سأل عن السبب أخبروه بأنهن أرامل فقدن أزواجهن بسبب الحروب أو المرض. فأمر من حوله قائلاً:
«فليتزوج منهن المحاربون بعد أخذ موافقتهن».
وهكذا أقيمت الكثير من الأعراس في المدينة، وسكن المحاربون مع زوجاتهم في المنازل الخاوية التي غادرها أهلها، لتعود عامرة كما كانت سابقاً.
وقد اعتنق الكثير من المسيحيين الإسلام بعد أن شاهدوا اهتمام السلطان بمحاربيه، وفي هذه الأثناء أخذت مدينة إزنيك تزدهر وأُنشِئت فيها الكثير من المساجد والمدارس والأسواق والحمامات، وقد أحضر الشيخ داود القيصري64 أحد أهم علماء عصره، ليشرف على مدرسة إزنيك ويعلم الطلاب.
كما أنشأ السلطان من أجل المقيمين في المدينة، وعابري السبيل خاناً، يقدم فيه الطعام المجاني للمحتاجين. وفي يوم افتتاح الخان، قدمت مختلف أنواع الأطعمة اللذيذة، والأصناف الشهية، وقد أشرف السلطان على التحضير، وأطعم الفقراء بنفسه. وقبل مضي وقت طويل، أقام في هذه المدينة الجميلة لتصبح عرشاً لسلطنته، ومقاماً لحكمه العادل.
وبعد اتخاذ السلطان أورهان مدينة إزنيك مركزاً لدولته، زادت هجماته ومحاصرته لمدينة إزميت شدة. وفي العام ألف وثلاثمئة وثلاثة وثلاثين، تمكن من فتح غيمليك، ومن ثم سيطر على مناطق أرموتلو وأناهور، وبذلك خضع حوض بحر مرمرة برمته لسلطته خلا مدينة إزميت.
وفي العام ألف وثلاثمئة وسبعة وثلاثين خرج على رأس حملة جديدة على إزميت امتثالاً لوصية والده حين طلب منه «افتح مدينة إزميت أيضاً ولا تحرقها» وتنفيذاً لوصية صديق والده والمحارب القوي آكجا كوجا. فقام بإرسال كل من كارا علي وأيكوت آلب نحو قلعة كويون حيصار، التي كان يحكمها شقيق حاكم إزميت المعروف بقسوته، والذي كان يقدم المدد والعون لأخيه، كما كان يُغِير على المناطق العثمانية كلما سنحت له الفرصة.
وكان معتاداً على الوقوف فوق سطح القلعة وتسديد السهام على كل الجنود الذين باتوا قريبين من القلعة، وفي إحدى المرات أصابه سهم قاتل، وخرّ صريعاً نحو الأسفل. فأرسل المحاربون رأسه على الفور إلى السلطان الذي كان رابضاً مع جيشه أمام أسوار إزميت، وحين رأى بلاكونيا حاكم المدينة رأس شقيقه المقطوع، طلب الأمان على الفور، وفتح أبواب المدينة للعثمانيين، وغادر مع عائلته وحاشيته نحو إسطنبول. وما إن أصبحت المدينة تحت سيطرة السلطان حتى بدأت فيها حركة عمرانية، وأنشأت فيها على غرار باقي المدن المساجد والمدارس والحمامات، وقد كانت أجرة العاملين تدفع من حاصلات القرى المحيطة بالمدينة.
وبذلك أصبحت إسطنبول هي وجهة الفاتحين الجديدة.
وصية علاء الدين باشا
لنا الزوال والحياة الفانية ولك العز والأمجاد والسلطان
ولا خلود إلا للصالحات ولا بقاء إلا للخير والإحسان.
كان علاء الدين باشا الذي آثر الانسحاب، وترك السلطنة لشقيقه أورهان، معروفاً بسعة علمه واطلاعه، نافذ البصيرة سريع النكتة والبديهة. وحين علم بفتح إزميت توجه إلى العاصمة ليبارك لأخيه هذا النصر.
وبعد أن أبدى الاحترام الواجب للسلطان، وأظهر له الولاء والطاعة، توجه نحوه بالخطاب والنصح قائلاً:
«بفضل الله تعالى وبرحمة منه، فقد علا شأن العثمانيين، وباتت السلطة ملكهم، والمجد لهم إلى ما شاء الله. وأصبحت هذه الدولة تغذ السير بخطى واثقة وراسخة لتغدو سلطنة عظيمة تحكم العالم برمته. ولن يطول الوقت حتى تنضوي تحت لوائها المزيد من الممالك والدول والشعوب. ومن أجل استمرارها يجب سنّ المزيد من القوانين والتشريعات الناظمة.
وبما أنّ السلطنة قد استقلت عن التبعية، وغدت قائمة بذاتها، فأول ما يجب فعله- بعد أخذ اسم السلطان الغازي أورهان يردد على جميع منابر السلطنة، وفي كل بقعة من هذه الديار المباركة - يجب أن تصك النقود أيضاً باسمه، وتتبارك الدنانير الذهبية والفضية باسمه الميمون، وتزداد قيمة.
أما الأمر الثاني؛ فهو اتباع خطى السلاطين والحكام الذين امتدّ نفوذهم ليشمل العالم بأسره، ويتعين عليك بادئ ذي بدء تخصيص زي موحد لجنودك وجيشك، وبذلك تنتهي الفوضى، حين يتمّ تمييز الجندي من المدني، ولا يقع اللبس بينهما، كما سيزيد هذا التمييز من شأنهم ومرتبتهم بين العامة والخاصة على حد سواء.
والأمر الثالث يا مولاي؛ يجب أن يضم الجيش جنوداً ذوي خبرات ومهارات مختلفة، بغاية فتح المزيد من البلدان، والسيطرة على مزيد من القلاع والمدن. فالمشاة أقدر وأكثر فاعلية في محاصرة القلاع وفتحها».
وقد سرّ السلطان أورهان كثيراً من نصائح أخيه الأكبر وإرشاداته الحكيمة. وكان ممتناً له بسبب حرصه على الدولة ومستقبلها، ومساعدته في إعلاء شأنها واستمرارها بين الأمم.
وبناء على توجيهات علاء الدين باشا، قام الغازي أورهان وبعد ثلاث سنوات من جلوسه على العرش، بصك النقود الفضية (الآكجا) باسمه وذلك في بورصة، كعلامة من علائم توطيد حكمه وسلطانه. وعلى الوجه الأول للعملة نقشت بحروف كبيرة الشهادة، وأسماء الخلفاء الراشدين الأربعة، وعلى الطرف الآخر كتب اسم أورهان بن عثمان، وتاريخ صكّ العملة والدمغة التي تشير إلى انتساب العثمانيين إلى قبيلة كايي.
وحتى ذلك التاريخ كانت جميع الفتوحات التي يقوم بها العثمانيون، تعتمد على الخيالة من فرسان القبيلة. والذين كان إحرازهم النصر يتأخر حين يطول حصار قلعة ما. وكان الوقت قد حان من أجل تشكيل جيش نظامي من المشاة والخيالة، وتقسيم المهام الحربية بين الطرفين وفق قواعد عسكرية مُحكمة. حيث تمّ اختيارهم من شبان الأتراك المحاربين ممن يتمتعون باللياقة والقوة البدنية اللازمة. وكانوا يعملون في الأراضي التي خصصت لهم في أوقات السلم، كما تمّ إعفاؤهم من كافة الضرائب.
كما تحدد نمط الزي الخاص بقادة الجيش ممن يحق لهم حضور الديوان العثماني، والعمامة التي يتوجب عليهم ارتداءها في هذه المناسبات. وبذلك تميز قادة الجيش عن بقية أركان الدولة من خلال الزي الرسمي المخصص لهم.
استدعوا الدرويش بلطف
كان الغازي أورهان يهتم بشؤون الدراويش65 والمحتاجين في البلاد التي يقوم بفتحها. وتوضح الحادثة التي جرت بينه وبين غيكلي بابا66، والذي يعتبر أحد قادة الدولة المعنويين، مدى اهتمامه بالشيوخ والعلماء، والمكانة التي كان يوليها لهم:
فقد بلغه أنّ الكثير من الدراويش يقطنون في جبال كيشيش التابعة لمدينة إينيغول.
وقد أرسل شيخ دراويشهم والذي كان صديقاً لتورغوت آلب، رسالة يخبره فيها عن وضعه، ولأنّ الأخير كان قد هرم، فقد أرسل نيابة عنه، رسولاً للسلطان ليخبره على لسانه بما يلي:
«إنّ تورغوت آلب يبلغك السلام والاحترام، ويودّ أن يعلمك بأمر درويش وولي من أولياء الله، يقطن إلى جوارنا، يجول الجبال والمدن، ويخاطب الذئاب والغزلان، وقد منّ الله عليه بالكثير من البركات».
فسأل الغازي أورهان حينها:
«هلاّ سألتموه على يد مَنْ مِنَ الشيوخ تتلمذ؟».
وحين توجه إليه الرسل سائلين، أجابهم:
«أنا تلميذ الحاج إلياس، وأتبع طريقة السيد وفا».
فأمرهم الغازي أورهان:
«اذهبوا، واستدعوا الدرويش بكل لطف وحرص».
فذهبوا إلى الدرويش لدعوته، والذي رفض الدعوة وأضاف قائلاً:
«حذروا أورهان أيضاً من المجيء إلي».
«لِمَ يرفض المجيء، ولا يقبل بذهابنا للمثول في حضرته؟».
فأرسل إليه الدرويش الجواب:
«الدراويش أهل بصيرة وعرفان، وأدرى بمراتب الوقت والزمان، وحين يأتي الوقت المناسب سنبلغه بالمجيء، وستُقبل دعواته الصالحة إن شاء الله».
وقد أطاع الغازي أورهان أوامر الدرويش راضياً، وعمل بوصية والده، في معاملة الدراويش ورجال الدين بالحسنى والتبجيل، وبدأ ينتظر.
وبعد مرور وقت لا بأس به، قام الدرويش باقتلاع شجرة حور، وحملها فوق ظهره، واتجه بها نحو قلعة بورصة. وحاول أن ينصب الشجرة في حديقة القلعة، فأسرع رجال الغازي أورهان يعلمونه بالأمر، وعلى الفور توجه الغازي أورهان نحو الحديقة فرحاً، ورأى الشجرة وقد انتصبت، حيث خاطبه الدرويش بالقول:
«هذه الشجرة مباركة، وستكون دعواتنا باقية معك ما بقيت هذه الشجرة».
ومن ثم قفل راجعاً إلى الجبل الذي كان يقطنه.
فلحق به الغازي أورهان إلى الجبل، وكان يأمل التحدث إليه. وقد قال له:
«يا مولانا الدرويش، فلتكن منطقة إينيغول كلها ملكاً لك».
فردَّ عليه الدرويش:
«إنما الملك لله، وعليك أن تعطيه لأهله».
«ومن هم أهله؟».
«لقد منّ الله عز وجل بمنح مُلك الدنيا للحكام والسلاطين من أمثالك، وعليك أن تمنحه لعباد الله ممن سيعملون على إعماره، ليكون منفعة ورزقاً للجميع».
ولكن الغازي أورهان قد ترجاه كثيراً وهو يقول:
«أرجوك! إن لم يكن من أجلك فمن أجل رفاقك، اقبل ولو بجزء صغير».
وحينها رد الدرويش:
«حسناً، لا أريد الكسر بخاطرك. فلتغدو قمة من قمم الجبال هذه مقاماً للدراويش».
وقد سرّ الغازي أورهان أيما سرور من قبول الدرويش لعرضه، وبعد أن تبرك بدعواته الصالحة، غادر راضياً إلى عاصمته.
وقد بني مسجد ومزار في تلك القمة، وغدا المسجد عامراً لا تنقطع عنه الصلوات في أي وقت، وأصبح الموقع يعرف باسم غيكلي بابا.
تمكن الغازي أورهان الذي عمل وفق وصية والده، ونال رضا أخيه الأكبر ودعوات الدراويش والصالحين في بلاده، من تأسيس دولة عظيمة وحضارة راقية امتدت فروعها في ما بعد إلى كل مكان، تماماً كتلك الشجرة التي نصبها الدرويش وسط حديقته وامتدت ظلال فروعها لتغطي المكان برمته.
يفترشون سجادة على الماء
مع فتح كل من إزميت وإزنيك وهيريكة67 وغوينوك68، تاراكجي، مودورنو69، غيمليك70، أناهور71، أرموتلو72، والتي كانت تحت حكم بيزنطة، وفتح المناطق الواقعة تحت حكم إمارة كريسي وهي آيدنجيك73، مانياس74، بيرغاما75، إدرميت76 بالإضافة لمدينة بالك إسير، فقد دان قسم كبير من ساحل غرب الأناضول لسيطرة العثمانيين. وفي الكثير من هذه المواقع تظهر أراضي روميلي77 للناظرين بوضوح.
وكانت ترد للغازي أورهان الكثير من الأخبار حول تلك المناطق:
فهذه البلاد التي كانت تسمى بروميلي معروفة بجوها المعتدل، وجمالها وغناها الطبيعي، مياهها العذبة، هوائها النقي، أراضيها الواسعة، مدنها الجميلة. وهي تطل على الكثير من البحار وتملك سواحل ومضائق كثيرة، فيها من المروج والسهول الخلابة ما يذهب الهم والكدر، وتنمو فيها أنواع من الثمار لا تعد ولا تحصى، خلا ثرواتها المتنوعة التي لا تنضب. تنبع من جبالها مياه عذبة صافية، وكل زاوية من أرضها تختزن كنوزاً من الذهب والنحاس ومختلف المعادن. تطل أراضيها على كل من البحرين المتوسط والأسود، ويمرّ فيها نهر الدانوب الواسع كبحر من جهة، فيما تحوطها من الجهة الأخرى جبال منيعة تصل قممها إلى السماء، وتشكل سداً يحميها من الطامعين والأعداء. وبالمحصلة كانت بلاداً مزاياها تفوق الكلمات، وجمالها لا تحدّه العبارات.
ولكن هذه البلاد التي تماثل الجنان، كانت حتى ذلك الوقت قلعة للكفار من أعداء الإسلام. ولأنها واسعة مترامية الأطراف، محمية بحدود طبيعية تجعلها تبدو كقلعة حصينة، وتمتلك ترسانة بحرية غاية في التطور والتقدم، فقد كان سكانها يعيشون حياة غاية في الرفاه والرغد، ولسيطرتهم على كافة الطرقات والمضائق التي تطل على حدودهم، فقد تمكنوا من إلحاق الهزيمة بجيوش المسلمين في الكثير من المرات، بل وتمكنوا من محاصرتهم، واغتنموا الكثير من الكنوز والنفائس، وسخروها في تمتين تحصيناتهم وشن هجمات أكثر قوة وشراسة عليهم. وخشية من هجمات معادية، كان السكان يكنزون الذهب والمجوهرات في بيوتهم.
أما الغازي أورهان الذي كان كل هدفه إعلاء اسم الله في كل بقعة من المعمورة، ورفع راية الدين الحنيف، فقد انصبت كل جهوده من أجل السيطرة على هذه البلاد، وضمها لسلطنته، والذي لم يكن بالأمر الهين، بل كان خطوة غاية في الخطورة، تتطلب شجاعة نادرة، وثروات وإمكانات لا تنضب. ولم يجد الغازي أورهان أحداً أكثر كفاءة من ابنه سليمان باشا للقيام بهذه المهمة.
وفي إحدى المناسبات التي كان الأمراء فيها يتجهون إلى قصر السلطان على جري العادة للمثول أمامه، ومناقشة قضايا الدولة وتطورات أوضاعها. باح الغازي أورهان بسره الذي لم يطلع عليه أحدٌ حتى ذلك الوقت، وطرح عليهم فكرة العبور بحراً إلى سواحل روميلي والسيطرة عليها، لتغدو حصوناً تحمي الولايات العثمانية، ومركزاً للانطلاق والتوسع وتحقيق انتصارات أكثر شمولاً.
وبعد أن طلب الأمير سليمان الإذن لإبداء رأيه، أوضح قائلاً:
«إن منّ الله سبحانه وتعالى عليّ بعونه، وتكرم مولاي السلطان بالعطف والمساعدة، آمل أن تتحقق هذه الغاية الصعبة على يدي، وأكون الوسيلة في بلوغ هذا الهدف العظيم. وعسى أن تشفع لنا دعوات الأولياء والصالحين، ونتمكن من بلوغ مرامنا، كما شُقت البحار أمام نبي الله وتحققت المعجزة بفضل إيمانه».
وعلى إثر هذه الكلمات البليغة، نال الأمير رضا السلطان وقبل يده، وحصل على دعواته، وغادر لكي يقوم بالتحضيرات اللازمة للقيام بهذه المهمة. وعاد إلى ولاية كارسي التي كانت تحت إمرته. واتجه نحو إدينجيك78 مع خيرة قادة الجيش أمثال إيجة بيك، الغازي فاضل، وإفرنوس بيك وثمانين فارساً من أفضل المحاربين. وهناك أوضح لجنوده رغبة السلطان والوجهة التي سيتجهون نحوها، وخاطبهم قائلاً:
«أهناك من يستطيع إرشادنا إلى طريقة نعبر فيها هذا البحر الخطر، ونحقق الانتصارات في بلاد روميلي؟».
فطلب كل من إيجة بيك والغازي فاضل الإذن للقيام بأسر أحد من الطرف المقابل لهم وإحضاره ليدلهم على أفضل الطرق لبلوغ القلعة. فالشاطئ الذي قبالة قلعة تشيمبي قليل الاتساع، لذا توجهوا نحو غوريجة79 التي من الأسهل عبورها والوصول إليها، وقاموا بأسر رجل كان يعمل وسط بساتينه، وأحضروه للمثول أمام الأمير.
كان الأسير المكبل اليدين يتوقع الموت في أي لحظة، ولكنه شعر بطمأنينة وراحة عظيمة حين قدمت له مختلف أنواع الهدايا والعطايا، وقابله الأمير بوجه باش وحفاوة. وبعد أن دلهم على كافة الطرقات المؤدية لقلعة تشيمبي، وافق على أن يكون دليلهم حتى دخولها.
وعلى الفور تم صناعة طوافتين كبيرتين، وقد اعتلى متن الأولى كل من سليمان باشا، وآكسونغور، كارا تيمورتاش، كارا حسن أوغلو، بلابانجِك وسواهم من المحاربين الأشداء الذين ناهز عددهم الأربعين، فيما صعد متن الطوافة الثانية كل من حاجي إلبك، إيجة بيك، الغازي فاضل، وإفرنوس بيك وبقية المحاربين. وقد ترأس سليمان باشا هذه المجموعة الفدائية، معرّضاً نفسه مثلهم تماماً للمخاطرة حتى بلوغ الهدف المنشود أو الموت دونه، وأخذ الجنود يجدفون بهمة طوال الليل نحو الشاطئ المقابل، وقد كان إيمانهم يضيء الطريق أمامهم ويخفيهم عن عيون الأعداء في الوقت ذاته وكأنهم على سجادة بسطت على صفحة الماء.
وبسبب تزامن الأمر مع موسم جني المحاصيل في الحقول والبساتين، فقد كانت البلدة شبه خالية، حيث كان السكان مشغولون في قطف المحاصيل وجمعها.
وقد قام الدليل بأخذ المحاربين من طريق آمن ومنعزل، بحيث لم يلحظهم أحد حين بلغوا أسوار القلعة، وتسلقوها بسرعة خاطفة، ليتمكنوا من السيطرة على القلعة في لمح البصر.
وهكذا ارتفع علمهم على أرض روميلي، فيما كانت الطبول تقرع بتواصل. مما أثار دهشة الناس واستغرابهم، حيث لم يعمد العثمانيون إلى أذية أحد، بل قاموا بتوزيع العطايا على الجميع. وعلى الفور تمّ إرسال السفن الراسية بالقرب من القلعة إلى الشاطئ المقابل لنقل الجنود العثمانيين، فيما قام إيجة بيك بإحراق الأسطول الراسي في ميناء آكجا الواقع بالقرب من بوليار وكان ذلك عام ألف وثلاثمئة واثنين وخمسين.
وبدأت السفن بنقل الجنود من شاطئ الأناضول إلى شواطئ روميلي، حيث كانت القلاع تفتح الواحدة تلو الأخرى، ويعلو صوت الأذان في كل الأرجاء حتى يبلغ السماء.
وقد خلد الشعراء هذه اللحظات المباركة في التاريخ بالكثير من القصائد.
فالشيخ محمد يقول في أحد الأبيات:
ومن كرامات المجاهدين أن افترشوا سجادة على الماء
وبات كل روميلي تسمع الأذان وتراتيل الدعاء
أما القاضي فاضل فيصف الأمر على النحو التالي:
إلى روميلي كان السبيل ومنتهى المقاصد
وكل من يبغي الشهادة كان يجاهد
وباتت دروب الدنيا مفتوحة بعد الشدائد
ولتكن كل البلاد لكم بإذن الأحد الواحد
ولتعلو على أرضها قباب المساجد
ذلك أنّ تلك الفتوحات العظيمة كانت تستحق التمجيد والمديح.
فتوحات الغازي سليمان باشا
حين قرر سليمان باشا التوجه نحو روميلي، وبدء سلسلة الفتوحات على تلك البلاد، طلب دعوات الصالحين من الأولياء والأتقياء على جري العادة. وقد جاء إليه أحد خلفاء مولانا جلال الدين الرومي، الذي كان الأب الروحي لأكبر الطرق الدينية حينها، ووصل قبيل تحركهم بوقت قصير، حيث اجتمع مع الأمير وأهداه قلنسوة المولوية، بعد أن منحه دعواته المباركة لترافقه هو وجنوده.
وحين وطأت قدما سليمان باشا برّ روميلي، واستطاع فتح القلاع والحصون، قام بتوطيد الأمور وتنظيمها، كما أمر بصنع قلنسوات مزينة بخيوط ذهبية، وألبسها لكبار رجال الجيش وقادته.
وبعد أن اختار المكوث في بوليار، أرسل كل من الغازي فاضل، وإيجة بيك إلى جاليبولي80. وقد تمكن هذان القائدان من السيطرة على المناطق المحيطة بهذا المضيق، دون أن يرغموا السكان المحليين على المغادرة. وبما أنّ الفتح تمّ على يد أيجة بيك، فقد سميت المنطقة بسهل إيجه.
ولأنّ كالكونيا حاكم حصن كونورحيصار كان من أقرباء حاكم جاليبولي، فقد كان يقوم بغزوات ليلية يغير فيها على الفاتحين، ويلحق بهم الخسائر. وما إن سمع سليمان باشا بهذه الاعتداءات حتى انطلق مع مجموعة من خيرة فرسانه، وقاموا بنصب كمين محكم. وما إن خرج كالكونيا مع جنوده كالعادة ليقوم بواحدة من غاراته الليلية، وبعد أن ابتعدوا بضعة أمتار عن القلعة، حتى أحاط بهم الفاتحون وسط هتافات «الله الله»، وأغاروا عليهم كما تغير الأسود على قطيع من الضباع، وشتتوا شملهم، وقد استسلمت القلعة بسهولة بعد أن فقدت معظم حاميتها. وبعد أن تم شنق الحاكم نتيجة الخسائر التي ألحقها بالفاتحين؛ وقد قام الأمير بتوزيع أمواله ومقتنياته على جنوده.
وبعد أن سمع حاكم قلعة جاليبولي التي ظلت تحت الحصار لأيام، ما جرى للحاكم كالكونيا، كاد يفقد عقله خوفاً وهلعاً، وجمع كل أفراد أسرته وما استطاع حمله من أموال، وغادر على ظهر أحد السفن إلى إسطنبول على وجه السرعة. وقد كانت جاليبولي تعتبر المفتاح لطريق السيطرة على بلاد لا حصر لها، لكونها المضيق الذي يربط بين بلاد الفرنجة والروم، وكانت محطة تجارة مهمة على طريق القوافل التجارية بين الشرق والغرب، وميناء بحرياً لكل من السفن التجارية المتجهة نحو القرم، كيفة (فيودوسيا)81، روسيا وغيرها من بلاد الشمال.
وبعد أن استطاع الفاتحون السيطرة على قلعة جاليبولي، وبسبب أهمية هذا الانتصار ولأنه كان بداية لسلسلة جديدة من الفتوحات، فقد خلد الغازي فاضل تلك البطولات في هذه الأبيات:
أغرنا على أوكار العدو نبغي الجهاد
وكنا في ساحات الوغى أسودا
وبتنا والكافرين في كرٍّ وفرّ
فكيف للحجارة أمام السيل صمودا
توسعت فتوحات سليمان باشا، وزادت انتصاراته، لذا أرسل إلى والده السلطان رسالة يخبره فيها «لقد بدأت فتوحات روميلي، بفضل من السلطان العظيم ورعايته الكريمة. ولكن العدو كثير العدد في هذه البلاد، لذا فالفتوحات هنا تستوجب عدداً كبيراً من الجنود، وبذلاً مضاعفاً للجهود، لذا أرجو أن تتفضلوا بإرسال المزيد من الجند والعتاد».
ومع وصول قوات جديدة من الجيش قادمة من الأناضول، قام الأمير بتكليف حاجي إلبك بالسيطرة على المناطق الممتدة من مال كارا82 وحتى إيبسالا83، بينما اتجه هو نحو منطقة تكيرداغ، وقد تمكن من فتح بعض قلاع المنطقة سلماً، بينما اضطر للقتال من أجل السيطرة على بعض القلاع الأخرى. ومن ثم بدأ بشن الهجمات على كل من هايرابولو وتشورلو84. وفي هذه الأثناء تمكن حاجي إلبك من ضم مال كارا وإيبسالا إلى أملاك السلطنة العثمانية.
وخلال فترة لا تزيد عن خمسة أعوام، بلغت شهرة سليمان باشا كافة أرجاء منطقة روميلي، حتى بات كل من ملوك الأفلاق85 والصرب وإنغروس86 والبلغار يخشون على عروشهم من طموحات هذا الأمير الشاب، الذي كان يترأس جيشاً مكوناً من ألوية لا يتجاوز عدد محاربيها بضع مئات، ومع ذلك يتمكن من فتح الكثير من القلاع والحصون المنيعة. والأسوأ بالنسبة إليهم، أنه لم يكن يُعرف متى ومن أين سيظهر مرة أخرى.
وقد جاء في الرسالة التي بعث بها هؤلاء الملوك إلى إمبراطور بيزنطة ما يلي:
«لقد كانت بلاد روميلي حتى وقت قريب منيعة على الأعداء، ولكن هجمات المسلمين باتت كثيفة في السنوات الأخيرة، وازدادت قوتهم. وهم يسيطرون على قلاعنا الواحدة تلو الأخرى، وإلى جانب كل كنيسة يقومون بإنشاء مسجد. وإن تقاعسنا في مواجهتهم والتصدي لهم، ستغدو كل بلادنا وأملاكنا في أيديهم، وسيعلو شأنهم أكثر مما هو عليه، فيما سيكون الهلاك والضياع مصيرنا. لذا يجب أن تكون مهمتنا الأولى هي أن نوحد جهودنا وجيوشنا، ونتصدى لهم ونطردهم، ونقطع عليهم طريق العودة، قبل أن تقوى شوكتهم، وتترسخ أقدامهم في هذه البلاد التي ورثنا عن أجدادنا وأسلافنا».
وبذلك فقد بدأت بينهم حركة دؤوبة لتشكيل جيش صليبي ضخم، للتصدي للجيش العثماني.
ما الغاية من الحياة؟
حين علم الأمير سليمان - الذي كان مقتنعاً بأن الحياة الدنيا ما هي إلا حلم سريع الزوال، وأن ما من دولة باقية، ولا من سلطان أزلي - بأن العدو قد جمع جيشاً كبير العدد والعتاد لمحاربته، جمع إليه رجاله وكبار قادته ممن رافقوه في فتوحاته. وذلك لرفع معنوياتهم ومنحهم المزيد من البأس والجرأة، وخاطبهم قائلاً:
«إن جهودنا الجبارة وتضحياتنا العظيمة، وشجاعة جنودنا منقطعة النظير كانت السبب في فتح كل هذه البلاد، وتحقيق هذه الانتصارات. ولكن السبب الحقيقي لما حققناه من نصر، هو عون الله سبحانه وتعالى لنا، وشفاعة رسوله الكريم. وإلا فمن المحال تحقيق كل هذه الانتصارات، وفتح كل هذه البلدان، خلال هذا الوقت القصير، ومع أعدادنا القليلة. فنحن حماة الدين الحنيف، والمجاهدون الذين نذروا أنفسهم لإعلاء كلمة الله في كل مكان. لذا لا يجوز للمجاهد إلا أن يبذل الغالي والنفيس في سبيل الجهاد، وخاصة في مثل هذه الأوقات حيث جمع العدو كل قوته، وحشد كل قدرته من أجل محاربتنا.
إن الوثوق بقول الله تعالى: {... كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ...}87 هو ما يليق بالمسلمين الذين وحد الله قلوبهم. لذا علينا الوثوق بأن الله سبحانه وتعالى لن يتخلى عنا، وعلينا أن نواجه العدو بكل ما نملك من قوة ومقدرة، حتى تحقيق النصر.
فما الحياة الدنيا سوى لباس فانٍ سيُبلى في النهاية، ولحظات عابرة لا يبقى منها سوى العمل الصالح. فأنفاسنا في هذا العالم معدودة، ونهايتنا جميعاً معلومة. وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بأنّ {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} 88 ليذكرنا بمآلنا في نهاية الأمر. لذا علينا أن نتجهز للموت في كل لحظة، ونتوقع ملاقاة وجهه الكريم في أي وقت.
ولكن إن حانت ساعتي وجاء وقت الوداع، وأفل نجمي ولم يعد له في قبة السماء مكان، وشاءت الأقدار أن أفارقكم قبل الأوان، أريدكم أن تقوموا بدفني في بوليار. وإن هاجمكم العدو فتوكلوا على العلي القدير، وقاتلوهم بكل ما أوتيتم من قوة، ولا تمكنوهم النيل من جسدي الراقد تحت التراب. وإياكم أن تولوا الأدبار أمام العدو الكافر، وأن تضعفوا أمام من توعّدهم الله ببئس المصير. فراية الدين الحنيف لم تكن لتعلوا إلاّ بسواعد المجاهدين، وما كانت بلاد المسلمين لتصبح عامرة لولا تضحياتهم. فإن تخليتم عن ثقتكم بالله، وفقدتم الأمل بالنصر القادم من لدنه، فذلك هو الهلاك الأعظم. وغياب قائدكم لا يعني أبداً أنّ الهزيمة ستكون من نصيبكم. فمولانا وسلطاننا العظيم سيظل هو الحامي والراعي لكم على الدوام، وهو من سيقودكم نحو النصر وإعلاء كلمة الله كمنارة وسط الظلام. فليطل الله في عمره، وينصره على القوم الكافرين.
وآخر ما سأوصيكم به؛ هو التصدي لهؤلاء الكفرة الذين يحاولون حشد كل قواهم، وجمع كل جنودهم، فهذا الجهاد هو فرض عليكم جميعاً. ويجب أن تدركوا أن الفرار والهروب من لقاء هؤلاء الكفرة هو أكبر الكبائر، والخوف من مواجهة أعداء الدين هو أسوأ المصائر. بل عليكم أن تواجهوهم كالبنيان المرصوص، وأن تثقوا بأنّ الله تعالى سيمدكم بالعون، حتى لو كان جيش العدو كمثل البحار. فالنصر وإعلاء كلمة الله ليست منوطة بعبد من عباد الله دون الآخرين، والانتصار على الكفار ليس مشروطاً بوجودي بينكم. فتوكلوا على الله خير معين، واطلبوا شفاعة رسوله الأمين، وبإذنه تعالى سيكون النصر حليفكم والمجد نصيبكم».
كان لهذه الكلمات البليغة من الأمير الشاب، عظيم الأثر على رجاله ورفاق السلاح ممن حاربوا معه في الكثير من المعارك وخرجوا منتصرين منها، حيث رفع من معنوياتهم، كما جعل عيونهم تخضل بالدموع تأثراً.
فهل كانت تلك رسالة وداع من الأمير الشاب الذي كان لهم نِعْم القائد والصديق، والذي احتل بسبب كرم أخلاقه وتواضعه مكانة كبيرة في قلوب الجميع قادة وجنداً؟
إنما الدنيا دار فناء
كانت حركة الفتوحات في روميلي، مستمرة بوتيرة سريعة، حيث تمكن الأمير مراد وحاجي إلبك من السيطرة على بورغاس89. ومن ثم جمع الأمير كافة قواته في بورغاس وكان الهدف التالي هذه المرة هو إدرنة.
كانت رحلات الصيد في تلك الأزمنة، مناسبات يلتقي فيها السلاطين مع أبنائهم من الأمراء حيث تتم مناقشة الخطط الحربية، وتطبق فيها فنون القتال والفروسية، وطرق الهجوم الحاذقة، والانقضاض على العدو بحركات بارعة رشيقة.
وقبل أن ينطلق الأمير سليمان شاه نحو إدرنة، ذهب مع صفوة فرسانه ورجاله إلى إحدى رحلات الصيد. وقد امتطى فرساً أصيلاً بقوائم دقيقة رشيقة، وأخذ يلاحق الطرائد بسرعة يكاد الناظر إليه يظنه طائراً، ولكن قوائم الحصان علقت بجذع شجرة وسقط أرضاً مع فارسه، الذي فارق الحياة في أوج شبابه ومجده، وذهب لملاقاة وجه ربه الكريم.
وقد كان لموته المفاجئ ومصيره المفجع وقع بالغ الأثر على رجاله وحاشيته، الذين حملوا نعشه وسط الدموع وأصواتهم التي تشق عنان السماء وهي تردد {... إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. ومن ثم تمّ دفنه في حديقة المسجد الذي بناه في بوليار كما كان قد أوصاهم قبلاً. وكان من الصعب عليهم حبس دموعهم الغزيرة وهم يتذكرون كلماته ونصائحه التي رددها على مسامعهم قبل بضعة أيام وهو يخاطبهم «إنما الدنيا فناء ليس للدنيا ثبوت».
وكل ما فاح طيب ذكراك نبكي

وطيب ذكراك مع الأنفاس فائح
وكلما سمعنا وقع الحوافر نعدو
ونحبس الدمعَ والدمعُ فاضح
غدت السماء لك منزلاً ومقاما
وخلت منك المجالس والمطارح.
وقبل أن يمضي وقت طويل على هذه الفاجعة التي التاعت لها القلوب، وانفطرت لها الأفئدة، وصلت الأخبار بقرب جحافل العدو الذي بدأ بالهجوم. وقد رست ثلاثون سفينة حربية للعدو من أصل ستين في ميناء توزلا الواقع جنوب إسطنبول، حيث نزل منها خمسة عشر ألف جندي واتجهوا نحو الأجمة التي يقال لها سيدي، بينما توجهت الثلاثون سفينة الباقية نحو ميناء جاليبولي، والتي كانت تحمل بدورها خمسة عشر ألف جندي آخر. وإزاء هذه الأعداد الهائلة، أصاب الفاتحين الارتباك، فقد كان من المحال وصول المدد من الأناضول في الوقت المناسب، ولكنهم ما كانوا ليسمحوا بأن يقع قبر أميرهم الشاب، وقائدهم الفقيد بيد العدو. وكانوا يتجهون إلى قبره وسط دموعهم، وهم يرفعون أيديهم بالدعاء، ويطلبون منه أن يكون عوناً لهم وكأنه لا زال حياً لم يفارقهم.
وأثناء المعركة حدث ما لم يكن متوقعاً، فقد ظهر جيش من مخلوقات نورانية وبدأ يهجم كالسيل الهادر بسيوف تطلق الشرر، على جيش الكفار الذي كان يلاحق الفاتحين محاولاً الانقضاض عليهم. وشتت شملهم وبعثر صفوفهم، فظنوا أنهم وقعوا في كمين نُصب لهم، وأخذ من نجا منهم يلوذ بالفرار عائدين نحو سفنهم للنجاة بأرواحهم.
بينما الفاتحون يبتهلون بالدعاء ويرفعون أيديهم نحو السماء شاكرين فضل الله، الذي منّ عليهم بالنصر كما وعدهم، بعد أن كادت تتقطع بهم السبل، ويقضي عليهم اليأس والعجز.
وكانوا يسائلون جنود العدو ممن وقعوا في الأسر «كيف تعرضتم للهزيمة وبدأتم بالهرب، وأنتم على ما أنتم عليه من كثرة العدد ووفرة العتاد؟».
فيرد عليهم هؤلاء «لقد هبّ لنجدتهم جيش جرّار من الفرسان يمتطون خيولاً بيضاء، يقودهم فارس شاب يتطاير الشرر من سيفه هو ومن معه، وقد هجموا علينا كالصواعق النازلة من السماء، حتى كدنا نهلك جميعاً، لولا أن لذنا بالفرار للنجاة بأرواحنا».
وحين كانوا يسألونهم عن صفات هذا القائد الشاب، كانت أقوالهم كلها متطابقة وتشير إلى صفات أميرهم الفقيد؛ سليمان باشا.
وقد مسح المحاربون دموعهم، وارتأوا إبقاء الأمر سراً بينهم.
يا كامل الأوصاف وسيد الأمراء
سليمان أنت للكمال قرين
فسيفك كان راية وصاعقة
وسديدُ رأيك خير معين
وكنت للجهاد سبيلاً ونصرا
وقصرك للدين الحنيف عرين
ولم تترك جنودك بعد الرحيل
ولك في الجنان حصن حصين
قائد روميلي الجديد
كان الغازي أورهان مسروراً من نجاة المسلمين من محاولات العدو القضاء عليهم، وإحرازهم نصراً حاسماً أمام ذلك الجيش الجرار. ولكن وفاة الأمير الذي عُرف بشجاعته وذكائه، وحنكته السياسية، وعدله إلى جانب زهده وتقواه، كانت ضربة مؤلمة وخسارة لا يمكن تعويضها. ففقدان الولد كاقتلاع الفؤاد من مكانه، ألمٌ لا أشدّ منه ولا أدهى. وكان السلطان المفجوع يحاول الصبر على وجعه، ولكن الألم كان يعتصر قلبه المنهك العجوز.
وكان يجد بعض العزاء وهو يردد الأبيات التالية منفساً عن ألمه وكربه:
أي كرب لا يكاد منه ينجو الفؤاد
وأي نار هذي التي تحرق الأكباد
راح الذي كان مآل الرجا باكرا
حامي الحمى وفارس الجهاد.
ورغم ذلك فقد كان السلطان التقي والأب الورع مدركاً أنّ هذه الدنيا هي دار ابتلاء، وكل ما يجري فيها إلى فناء، وأنّ وراء كل ولادة موتاً، وعاقبة كل صعود هي الهبوط لا محالة. وخاتمة الأفراح تكون بالأتراح.
وكل شروق وإن طال مآله الغروب
فلا الفرح باق ولا الغادي يعود.
وعملاً بالآية الكريمة {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}90، فقد أدرك أنّ ما من أمر يحصل، ولا من نصر أو خسارة إلا بأمره تعالى، لذا اختار الانزواء والابتعاد عن شؤون الدنيا، والانصراف للعبادة، تاركاً أمور الدولة. وقام باستدعاء ابنه الغازي مراد وكلفه بإدارة شؤون الدولة وتسيير أمور الرعية، ومن ثم عينه قائداً على قوات روميلي التي حققت الانتصارات والفتوحات العظيمة.
وكان أول ما قام به الأمير الشاب هو زيارة قبر أخيه، وتوزيع الصدقات والعطايا عن روح الأمير الشاب. وإغداق الكثير من الأموال على الفقراء والمحتاجين ليدعوا له بالمغفرة والرحمة. ومن ثم انطلق على طريق الجهاد.
وبعد فتح كل من تشورلو، بورغاس، كيشان91، ذيذيموتيخو92 وبينتوز. أخذت حشود الفاتحين تتجمع كروافد نهر هادر متجهة نحو مدينة إدرنة. وقد لاقاهم أنديرينه حاكم المدينة على رأس جيش ضخم، في موقع يقال له سازلى ديريه، ولكن حين بدأت كفة الميزان تميل لصالح العثمانيين وأخذت نهاية المعركة تلوح في الأفق، لاذ بالفرار، ووصل المدينة بعد جهد جهيد. ولأنه كان يخمن عاقبته الوخيمة إن بقي في المدينة، فقد حمل كل نفائسه وأمواله في إحدى الليالي على ظهر إحدى السفن، وفرّ مع أفراد أسرته نحو إينزة93. وحين علم سكان المدينة بما جرى في صبيحة اليوم التالي، طلبوا الأمان من الأمير العثماني، وتوجهوا لملاقاته حاملين معهم مفاتيح المدينة لتسليمها إليه.
وقبل مضي وقت طويل بات الطابع الإسلامي العثماني هو الطاغي على المدينة، من خلال حركة العمران والتعليم والعادات الاجتماعية. ثم تحولت إلى عاصمة للسلاطين العثمانيين، وغدت من أكبر وأعظم الحواضر الإسلامية.
ويصف لنا المرحوم عارف نيهاد آسيا، ازدهار إدرنة في ظل الحكم العثماني، والآثار العظيمة التي غدت المدينة تتزين بها في الأبيات التالية:
يقال لها «السليمية» ديار الأولين
وإن وطأتها لفح بك الحنين
قباب منارات وسبل ماءٍ
كقاموس من حجارة وطين
وصوت الأذان عذب شجي

كهديل فرح تارة وأنين
هنا السليمية وهنا المرادية
وكلها بهية كاللؤلؤ المكنون
والجوامع في كل ركن منها
والقصور والقلاع والحصون
والطرقات تفضي أينما اتجهت
إلى الماضي المجيد والمُلك الميمون
أيا بني! لقد شارفت على نهاية الطريق
بعد أن سلّم الغازي أورهان قيادة جيوش روميلي للأمير مراد، وبعد الانتصارات التي تحققت على يده والتي تكللت بفتح مدينة إدرنة عام ألف وثلاثمئة وواحد وستين، شعر السلطان ببعض الطمأنينة.
ولكن بسبب تراكم الأعباء والهموم على مرّ السنين، كان جسده العجوز يزداد تعباً وإعياءً، وبات يشعر أنه على وشك الرحيل، لذا أراد رؤية ابنه وولي عهده الأمير مراد للمرة الأخيرة.
وقد توجه الأمير حال تلقيه رسالة والده، إلى مدينة بورصة على وجه السرعة، ليتمكن لآخر مرة من رؤية وجه والده الباش، والحصول على رضاه وبركته، والاستماع إلى حديثه المبهج، وكلماته الحكيمة.
وبعد أنّ ضمّ السلطان ابنه إلى صدره، توجه نحوه ناصحاً على جري عادة العثمانيين، وذكّره بما ردده أبوه من قبل على مسامعه، وذكّره بوجوب الالتزام على الدوام بالعدالة والحق، والصدق من خلال الكلمات التالية:
«أيا فاكهة بحلاوة العسل يا بنيّ! لا تغرنك السلطة والجاه. ولا تنسى أنّ هذه الدنيا لم تدم لسيدنا سليمان. لا تنسى أنّ عرشها زائل، ولكنها فرصة عظيمة للإنسان. فاستغل هذه الفرصة كما يجب، في طاعة الرحمن الرحيم، والسير على هَدي رسوله الكريم. وإن نظرت للدنيا بموازين الآخرة، ستدرك حينها أنّ كل مفاتنها البهية، لا تستحق أن نبدلها بما ينتظرنا من سعادة أبدية.
أيا بنيّ! فلتكن على الدوام حريصاً على عزة الدين القويم، واقتدِ بسنة رسوله الكريم، واختر رجالك ورفاقك ممن يسيرون وفق تعاليم الإسلام، ويدركون شرائعه. وابذل كل ما في وسعك على طريق الجهاد، حتى يسمع القاصي والداني بالغازي مراد، ويغدو هذا العرش حامياً للدين، وتغدو دولتك قبلة للمسلمين.
ولا تخرج عما جاء به كتاب الله العزيز، واحكم بالعدل، واحرص على رعاية شؤون محاربيك، فخدمة من يجاهدون في سبيل الله ودين الإسلام هو شرف وفخر. ولا تترك فقيراً دون أن تشبعه، ولا ظالماً دون أن تعاقبه. وتذكر أنّ أسوأ تجليات العدالة هو تأخرها، فحتى لو كان حكمك صائباً، ولكنه إن جاء متأخراً، فلن يكون سوى شكل من أشكال الظلم.
أيا بنيّ! لقد شارفت على نهاية الطريق، وأنت لا زلت في بدايته. فليبارك العلي القدير في ملكك وسلطنتك وليشملك بعونه».
شخصية الغازي أورهان
ولد الغازي أورهان في العام ألف ومئتين وواحد وثمانين، والده هو الغازي عثمان ووالدته هي مالهون خاتون، استلم العرش في العام ألف وثلاثمئة وستة وعشرين، واستمر في الحكم مدة سبعة وثلاثين عاماً. وقد دفن في بورصة، في منطقة توب خانة، في القبر الذي بناه لنفسه إلى جوار قبر والده. كان له من الأبناء سليمان، مراد، إبراهيم، خليل، وقاسم، وقد شهد موت ولديه سليمان وقاسم.
كان متوسط القامة أميل إلى الطول، وسيماً، بعينين زرقاوين وشعر أشقر، ملتحياً، باش الوجه، عريض المنكبين. ورغم تقدمه في العمر فقد ظل محافظاً على لياقته البدنية وقوته. وكان يتحلى بالصبر لا يثور أو يغضب، ولا يكسر بخاطر أحد. عادلاً، حاز على إعجاب العدو والصديق معاً. كما كان ذكياً، حذراً، منظماً، ذا همة عالية، يعرف كيفية استغلال الظروف السياسية لصالحه، يحتاط لكل الاحتمالات، وذا بصيرة نافذة، ورأي سديد.
وقد قضى حياته في خدمة الدولة، وفي ساحات الوغى مجاهداً في سبيل الله. وخلال مدة حكمه التي ناهزت السبعة والثلاثين عاماً، استطاع أن يوسع الأراضي التي ورثها عن والده إلى ستة أضعاف، وأن يحول تلك الإمارة الصغيرة إلى دولة قوية. ويضم إليها آخر قلاع البيزنطيين في جنوب مرمرة، مثل إزنيك وإزميت، غيمليك، ميهالجي، كاراجا بيك، كيرماستي، كابي داغ، مانياس، بالك إسير، أرموتلو، تشيمبي، وأنقرة وما يحيط بها، وأيضاً شبه جزيرة جاليبولي، وقلعة تشيمبي في روميلي، وقسم كبير من شرق تراقيا94. وبالإضافة إلى حركة الفتوحات الكبيرة، قام بمجموعة من الإجراءات الإدارية والعسكرية، وكان يعتبر قائد دولة من الطراز الرفيع.
كما كان الغازي أورهان مهتماً بأعمال الخير، والإحسان للفقراء. وقد عمرت المدن التي قام بفتحها بالمساجد والمدارس وغيرها من المرافق العامة. وحين فتح مدينة إزنيك قام بتحويل أكبر أديرتها إلى مدرسة، والتي عُدّت أول مدرسة عثمانية. كما بنى فيها خاناً خيرياً، ومسجداً في بورصة وخاناً ووقفاً خيرياً، وطرقات وجسوراً وحمّامات عامة. وقامت زوجته نيلوفر خاتون بإنشاء خانٍ في إزنيك، وجسر على نهر نيلوفر، وسُبل ماء والكثير من الأوقاف الخيرية.
وهذا ما قاله عنه بعض المؤرخين.
هالكونديل: «كان شخصاً يتمتع بقدر كبير من اللباقة والكرم إلى حد كبير، وخاصة مع المحاربين والفقراء، وأصحاب الحرف والصناعات، ولم يكن يردّ من يقصده خائباً، وكان متديناً، عادلاً، يولي شؤون المجاهدين أهمية كبرى، حيث كان يعمر لهم البيوت، ويؤمن لهم مصادر للعيش.. وقد أنشأ مكتبة في بورصة تعلَّم فيها معظم نشء المدينة. وكان يكنّ اهتماماً كبيراً للعلم والعلماء، حريصاً على استكشاف الخطط والاستراتيجيات الحربية الجديدة، وتطبيقها. يعامل النصارى على الدوام بكرم بالغ، وعطف كبير لكسب ودّهم، وكان أغلب الأحيان يوفق في مقصده.
نيكولاس إيورغا: «كان الغازي أورهان كوالده محارباً بطلاً، زاهداً، ذا بصيرة نافذة، وعلى قدر عالٍ من الذكاء».
دي لا كوريكس: «عرف عن الغازي أورهان شجاعته وذكاؤه، وحسن تدبيره. وكان من المتوقع أن يستغل شخص بهذه المواصفات، انحدار الإمبراطورية البيزنطية وضعفها لتقوية دولته. وبعد فتح مدينة إزنيك، حاز على محبة السكان وقبولهم بسبب معاملته الحسنة لهم. فهو لم يجبر أحداً منهم على الهجرة وترك المدينة، بل على العكس؛ وفرّ لهم كافة مقومات الأمان والرفاه. وكانت هذه المعاملة الحسنة السبب الرئيسي في فتحه كثيراً من الحصون والمدن بسهولة ويسر».
غيبوس: «حين نقارن بين العثمانيين وبين البيزنطيين وسكان شبه جزيرة البلقان، نجدهم يتفوقون على كل هؤلاء بمراحل متقدمة، فهم يتمتعون بالحيوية، والحماس، وعلينا أن نعترف أنهم شعب لم يدبّ فيهم الفساد والتفسخ كما البقية».
نيشانجي محمد باشا: «كان الناس يعيشون في عهده في بحبوحة، حيث كثرت الخيرات والصدقات، وبات الأغنياء يبحثون عمن يستحق الزكاة والإحسان من الفقراء والمحتاجين، فلا يعثرون عليهم».
شكر الله95: «كان في يوم الحرب يبدو وكأنه سام96 ونِريمان97. ينطلق من سهمه الشرر، ومن سيفه المشهر يلوح الموت مهدداً. كان رحيماً مع المؤمنين، قاسياً على الكافرين. وقد ذاعت أخبار بطولاته في ساحات الوغى في كل من بورصة وصربيا وحتى بلاد المجر أيضاً».





القسم الثالث
مراد خداوندكار98
يا إلهي!
بجاه نبيك الحبيب أكرم خلقك في العالمين، بجاه القلوب التي تتوق شوقاً للقائك، والعيون التي تبتهل بالدعاء باكية طلباً لغفرانك، بحق كل من ابتليته ببلاء، وفاض قلبه حمداً وقبولاً؛ كما جعلتني في سبيلك من المجاهدين، فارزقني الشهادة وألحقني بعبادك الأبرار الصالحين.


الفتوحات ومعركة مارتيزا99

رحل أورهان إلى جوار ربه
ونال في جنان الخلود مقاما
قضى سبعاً وثلاثين حولا
للمجاهدين قائدا وإماما
وسلم الراية للغازي مراد
ليعمر البلاد ويحمي الإسلاما
بعد أن جلس مراد خان على عرش السلطنة، كان أول ما قام به هو تسيير أمور الرعية والجنود. وفي هذه الأثناء استغل قرمان أوغلو100، وبعض الإمارات الواقعة على أطراف أرمينيا الصغرى، فرصة موت الغازي أورهان، وبدؤوا يغيرون على ممتلكات الدولة العثمانية. أمّا في أنقرة، فقد قام السكان بطرد الوالي ورجال الإدارة العثمانيين، وأخذوا يسيّرون أمور المدينة بأنفسهم.
لذا توجه مراد خان نحو أنقرة في البداية، وحين أدرك السكان أنهم غير قادرين على مواجهته، قاموا بتسليمه المدينة. ومن هناك توجه نحو بورصة، حيث منح للمرة الأولى في الدولة منصب والي الولاة لمربيه لالا101 شاهين باشا، ومن هناك توجهوا نحو روميلي، حيث قام السلطان بتحديد سناجق وولايات السلطنة في روميلي، فعيّن إفرنوس بيك والياً على كوموتيني102 والمناطق التابعة لها، كما كلّف اللالا شاهين بالسيطرة على كل من فيلبّة (بلوفديف)103، ستارا زاغورا104 والمناطق التي تقع شمالهما.
وبناء على هذا القرار السلطاني انطلق الفاتحون، وقاموا بفتح القلاع الواحدة تلو الأخرى، وضم البلدات والقرى إلى ديار الإسلام. حيث تمكن إفرنوس بيك في العام ألف ومئتين واثنين وستين من السيطرة على كل من غومولجين وفاردار105. وقد أنشأ في كلتا المدينتين الكثير من المباني العمرانية الجميلة، والأوقاف الخيرية، والخانات من أجل استضافة العابرين وأبناء السبيل.
أما لالا شاهين فقد انطلق مع فرسانه كالسيل المندفع، حيث تمكن في البداية من فتح أكثر المدن جمالاً وتقدماً وعمراناً؛ وهي مدينة ستارا زاغوار، ومن ثم حشد قواته للسيطرة على المناطق والبلدات والحصون المحيطة بها، وبعد أن تمّ له ذلك، اتخذ كافة التدابير اللازمة لحماية الأراضي التي قام بفتحها، وقد أثبت بذلك أنه قائد عسكري وإداري محنك.
وحين رأى السلطان مراد خان ما حققته جيوشه من فتوحات عظيمة في روميلي، وكيف بدأت الأمور تنتظم، ويستتب الأمان عاد إلى بورصة مسروراً راضياً، بينما أرسل لالا شاهين نحو فيلبّة. وعندما علم حاكم المدينة أنّ جيوش العثمانيين مقبلة نحوه، أدرك عجزه عن التصدي لهم، لذا طلب الأمان، وقام بتسليم المدينة صلحاً دون قتال، وأخذ عائلته وحاشيته متجهاً نحو بلاد الصرب. وقد صرف لالا شاهين الكثير من الأموال من أجل إعادة إعمار المدينة، وبناء المرافق العامة، والأوقاف الخيرية فيها. كما قام بإنشاء جسر كبير وجميل بحيث يتسع لمرور عربتين متجاورتين على نهر مارتيزا الذي يمرّ وسط المدينة.
من جهة أخرى، ما إن وصل حاكم فيلبّة السابق إلى بلاد الصرب حتى توجه نحو حاكمها وأخبره بما فعله لالا شاهين، وأوضح له أنه في حال لم يتخذ التدابير اللازمة، فلن يتأخر الخطر العثماني حتى يطالهم أيضاً. وكان الحاكم يشاركه هذا التفكير، لذا قرر أنه قد حان الوقت من أجل طرد المسلمين من بلاد روميلي قبل أن يتعاظم خطرهم أكثر. وهكذا عقد كل من ملوك البوسنة والأفلاق والمجر حلفاً مشتركاً، وقبل مضي وقت طويل قاموا بتشكيل جيش ضخم توجه نحو إدرنة في العام ألف وثلاثمئة وأربعة وستين.
وما إن سمع لالا شاهين بخبر تحرك العدو نحوه، أرسل إلى السلطان على وجه السرعة ليبلغه بالتطورات الجارية.
ولكن الجيش الصربي كان يتقدم بسرعة كبحر هادر، واستطاعت جحافله بلوغ ضفة مارتيزا على بعد يومين من إدرنة. وكانت أخبار اعتداءاتهم على المسلمين، والمظالم التي يرتكبونها بحقهم تصل إلى لالا شاهين دون تأخر. وبحسب المعلومات الواردة إليه، فقد كان جيش العدو أكبر من جيشهم بعشرة أضعاف. وقد أصابت الحيرة والارتباك الجميع، فمن المحال على مراد خان أن يجمع جيوشه في هذه المدة القصيرة، وأن يأتي لنجدتهم.
ولأنّ لالا شاهين كان مقتنعاً بأن الفرار أمام العدو هو من أكبر الكبائر، وهو عار سيلحق به طالما بقي حياً، فقد قرر البقاء، ومواجهة العدو. وتوجه نحو الله القادر على كل شيء، بقلب مكسور وعين دامعة يرجو منه النصر على العدو والمدد. وبعد التشاور مع رجاله وقادة جيشه، قرروا أن يغيروا على العدو بشكل مفاجئ وفي لحظة غفلة منه.
وإن كنت تبغي العز سترى للنصر بابا
وإن كنت ترنو للمجد فلا تخشى الصعابا
وبالمقابل كان العدو واثقاً من النصر بسبب كثرة عددهم وضخامة جيشهم مقارنة بجيش المسلمين، ومطمئناً من أنّ نهاية العثمانيين باتت قريبة، لذا بدؤوا بالاحتفال والابتهاج حتى قبل حلول المعركة، فكانوا يقضون الليالي في العربدة والسكر حتى الفجر، ويقضون النهار مترنحين لا يقوون على الحراك.
وفي إحدى الليالي، حين لم تعد تفصلهم عن إدرنة سوى مسافة قليلة، وبينما كان بعضهم يغطّ في نوم عميق، والآخرون مشغولون بشرب الخمر وشواء اللحوم، بدأت أصوات التكبير والتهليل تطغى على المكان كقصف الرعود ترافقها أصوات الطبول التي تتقدم لالا شاهين وجنوده الذين زرع ظهورهم المفاجئ الرعب في قلوب العدو، وقد أحاطوا بهم من الجهات الأربعة مستغلين الظلام وبدؤوا بشن هجمات قوية، وقبل مضي الكثير من الوقت كان جيش العدو قد تبعثر شمله وتشتتت قواه. ومن نجا منهم من ضربات سيوف المسلمين، فرّ نحو نهر مارتيزا لتبتلعه مياه النهر.
ومع بزوغ الفجر، لم يبق أثر لجيش العدو الذي كان عدد أفراده يتراوح بين الستين ألفاً، والمئة ألف بحسب ما قيل. ولم يتمكن سوى عدد قليل منهم النجاة والفرار عائدين إلى بلادهم. أما الملك لايوش106 الذي عزا سبب نجاته من الموت لصورة مريم العذراء التي يحملها معه على الدوام، فقد قام ببناء كنيسة على اسمها في أستريا107.
وقد سمي الموقع الذي جرت فيه هذه المعركة باسم صربسنداغ، وبقيت هذه التسمية لقرون طويلة. وبينما تمكن لالا شاهين من تحقيق هذا النصر الساحق بفضل شجاعته وجرأته، وتخليص المسلمين من خطر كبير، كان السلطان مراد خان يقوم بالسيطرة على بيغا108 وما يجاورها من مناطق. وقد وصلته أنباء معركة مارتيزا وهو في الطريق مما ضاعف من فرحته. وقد رفع يديه بالدعاء يحمد الله على نعمه، ومن ثم عاد إلى بورصة.
الإنكشاريون
في أحد الأيام توجه الفقيه القونيلي109 مولانا قره رستم، إلى قاضي العسكر جاندارلي خير الدين باشا، وقال له: «يا أفندي! لِمَ تقوم بهدر أموال السلطنة؟» وحين سأله القاضي: «وما المال الذي أهدرته يا مولانا؟». أجابه الشيخ الجليل: «كل ما يغتنمه هؤلاء المجاهدون أثناء فتوحاتهم، خمسه لمولانا السلطان، وذلك بأمر من العزيز الحكيم». وبدوره نقل خير الدين باشا هذا الاقتراح إلى السلطان مراد خان، والذي أصدر فرمانه قائلاً: «إن كان الله تعالى قد أمر بذلك، فخذوه من الآن وصاعداً». وابتداء من ذلك التاريخ كان الغازي إفرنوس، ولالا شاهين يقومان بأخذ خُمس الأسرى الذين يأسرونهم من الفتوحات والمعارك باسم السلطان. وقد تمّ تعيين قاضٍ خاص من المحاربين ليقوم بانتقاء الأطفال منهم، وبعد مدة حين صار عددهم كبيراً، أخذوهم للمثول بين يدي السلطان. فاقترح خير الدين باشا: «دعونا يا مولانا نجعلهم أتراكاً، وذلك بتعليمهم اللغة التركية، ودفعهم لاعتناق الدين الإسلامي، وبذلك سيغدون إنكشاريين (الجيش الجديد)».
وقد أيدّ رجال الدين هذا المقترح ورفعوا أيديهم بالدعاء «فليبارك الله فيهم وليبيض وجوههم، وليجعل عقيدتهم راسخة، وسيوفهم ماضية، وسهامهم صائبة، وليكن النصر حليفهم على الدوام، وليكونوا خير مجاهدين في سبيل دين الإسلام».
وكانت هذه بداية نشوء الإنكشاريين. وما حصل بعد ذلك كان مدهشاً، فقد تمّ تأسيس ثكنتهم في وقت قصير، وتم تنظيم أمورهم وسن الشرائع الخاصة بهم لتحديد رتبهم وامتيازاتهم.
ومن ثم قاموا بسنّ قانون الدوشرمة110. وفي المناطق التي تمّ فيها تعيين موظفي الدوشرمة، كانوا يتجولون برفقة القضاة لاختيار مرشح واحد من كل أربعين عائلة للانضمام للإنكشارية، وكانوا يحرصون على أن تتراوح أعمار الأطفال ما بين السابعة والعاشرة.
ولم يكن يتم قبول الأطفال ممن كان آباؤهم وأمهاتهم على قيد الحياة؛ ذلك لأنّ تربيتهم العسكرية ستكون ناقصة.
كما لم يكن أبناء الرعيان من المقبولين؛ لأنهم قد يتصفون بالطمع وسوء الأخلاق.
ولم يكن يؤخذ الطفل الوحيد لأهله؛ لأنه قد يكون مختالاً وقحاً.
ولم يكن يقبل الصلعان وضعاف البنية، والمُرد111، لأنهم سيغدون مادة لسخرية وتندّرِ بقية زملائهم.
ولم يكن يؤخذ أصحاب الحِرَف والمهن؛ وذلك حفاظاً على المهنة ومحترفيها.
ولم يكن يؤخذ من يعرف التركية؛ خوفاً من عصيانهم وعدم طاعتهم الأوامر.
ولم يكن يتم اختيار ذوي القامة الطويلة جداً؛ خوفاً من تسببهم في الفتن والاضطرابات.
بل كان يتمّ انتقاء الأطفال من ذوي الأصول الرفيعة، ممن يتمتعون بالصحة، والقوام الجسدي المناسب والمتين، لنظام الدوشرمة. حيث تُدون معلومات وافية عن كافة الأطفال المختارين بما فيها؛ أسماء قراهم، والأقضية والسناجق التابعة لها، وأسماء الوالدين، والفرقة العسكرية التي سينضم إليها، بالإضافة لتاريخ ولادتهم، وصفاتهم الخلقية والجسدية حتى أدق التفاصيل، ويحفظ كل ذلك في سجلات ودفاتر خاصة.
وكانت هذه السجلات التي يطلق عليها دفاتر الأشكال تحرر على نسختين، تؤخذ إحداهما إلى موظف الدوشرمة، أما الأخرى فكانت تسلم إلى الفصيل الذي يُساق إليه الأطفال.
وكان الأطفال الذين تمّت دوشرمتهم، يقسمون إلى مجموعات مكونة من مئة إلى مئة وخمسين طفلاً، حيث يؤخذون إلى العاصمة تحت إشراف الموظفين المسؤولين عنهم.
وحال وصولهم كان يتمّ ختانهم وفق الشريعة الإسلامية، وبعد نقاهة تستمر بضعة أيام، يُطلب منهم رفع السبابة وترديد الشهادتين، وبذا يصبحون مسلمين.
وبعد خضوع الأطفال لتفتيش آغا الإنكشارية112، كان يتم فرزهم حيث يرسل من يتمتع منهم بالوسامة إلى القصر، ومن يتمتع بالمتانة والصحة الجسدية فيتم فرزهم من أجل ثكنات البوستانجي113، أما البقية فكانوا يتركون في رعاية أسر من روميلي والأناضول لفترة مؤقتة. وبحسب القانون؛ من تمت دوشرمتهم من الأناضول يوضعون تحت سلطة آغا الإنكشارية في روميلي، ومن تمت دوشرمتهم من روميلي يوضعون تحت سلطة آغا الإنكشارية في الأناضول، حيث يتمّ توزيعهم على قرى وبلدات كل من المنطقتين.
وفي كل عام كان الوكيل المعتمد من قبل آغا الإنكشارية، يقوم بتفقد أحوال الأطفال المودعين لدى العائلات المسؤولة عنهم، وتدوين المعلومات الخاصة بهم. وكان هذا الإجراء يساهم من جهة في زيادة الإنتاج من خلال عمل هؤلاء الفتية الذين تمت دوشرمتهم بالأعمال الزراعية، ومن جهة أخرى كانوا يتعلمون اللغة والعادات التركية والإسلامية.
وبعد مرور مدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، وبناء على طلب آغا الإنكشارية، والديوان السلطاني، كان يتم إعادة الأطفال إلى مركز الدولة. حيث يتم إعادة فحصهم بالاستناد إلى دفتر الأشكال، ومن ثم يرسلون إلى الثكنة الأعجمية (الأوجاك الأعجمي)114.
وكانوا يتلقون التعليم لمدة سبع أو ثماني سنوات، وإلى جانب ذلك كانوا يعملون في تعمير المدارس والمساجد والجسور والمستشفيات، والسفن، حيث يتلقون التدريب البدني والتعليم الذهني في الوقت ذاته.
وعندما كان يحين الوقت المناسب، كان يتم قبولهم بين صفوف الجيش الإنكشاري وفق مراسيم خاصة تسمى بمراسيم الظهور.
وهذه بعض من أهم قوانين الإنكشارية التي كانوا يعملون وفقها:
- على الجميع مهما كانت أعمارهم، إطاعة أوامر القادة والضباط طاعة عمياء.
- يجب على الجميع أن يكونوا متفقين متحدين كالبنيان المرصوص، سواء في الثكنات أو في مقرات القيادة.
- الابتعاد عن مظاهر الأبهة والخيلاء، مما لا يليق بهيبة المحاربين وشجاعتهم.
- الالتزام المطلق بما ينص عليه الشرع الإسلامي بشكل تام، والابتعاد عما نهى عنه.
- حصر عقوبات الإعدام التي تنزل بحقهم وفق قوانين محددة.
- منح الترفيعات والرتب العسكرية في الثكنات بحسب الأقدمية.
- لا يمكن زجر أو معاقبة عناصر الإنكشارية إلا من قبل ضباطهم وقادتهم.
- إحالة المرضى والمسنين منهم إلى التقاعد.
- لا يجوز لهم إطلاق اللحى.
- لا يجوز لهم الزواج.
- لا يجوز لهم ترك ثكناتهم.
- عليهم استغلال وقتهم في التعليم والتدريب.
وكان هناك اهتمام كبير منصبٌ على تعليم الجنود الإنكشاريين وتدريبهم أثناء فترة تواجدهم في الثكنات. وكان تدريبهم في الفترة الأولى يرتكز على استعمال السيوف والمبارزة، والرماية الدقيقة، وذلك من أجل رفع لياقتهم البدنية وقواهم العضلية إلى أعلى المستويات.
ومن جهة أخرى كان يشرف على تدريبهم مجموعة من أمهر رماة السهام ممن لا تخطئ ضرباتهم أهدافها، حيث كانوا يعلمونهم الرمي وهم يسيرون دون توقف، واستعمال القوس حتى تتقنها أصابعهم بطريقة آلية، بحيث يصبح في مقدورهم رمي ثلاثمئة أو أربعمئة سهم دون توقف. خلا تدريبهم على بقية فنون القتال البدنية كالصفعة الرخامية115 العثمانية المشهورة، الجري بسرعة فائقة، منع تقدم العدو من خلال تقنيات خاصة تعتمد على القوة البدنية الكبيرة واللياقة العالية، وسواها من فنون القتال التي كانت ضرورية ومتقدمة في ذلك العصر.
ومع تقدم الوقت أضيف إلى هذه التدريبات أيضاً، استخدام البنادق وإصابة الأهداف بدقة متناهية.
وكان الأطفال الذين يتلقون تعليمهم في المدرسة الخاصة بالقصر (مدرسة إندرون)116، يحصلون على أرقى وأفضل تعليم. فإلى جانب تعلم القراء والكتابة كان يتم تلقينهم علوم الدين الإسلامي، وآداب السلوك وقواعد التشريفات في القصر. والذين يصلون المراحل المتقدمة من التعليم بنجاح، يتم تعليمهم الأدب التركي، بالإضافة لتعلم العربية والفارسية والصربية. كما كانوا يخضعون لتدريبات خاصة تزيد من عزيمتهم وقدرتهم على تحمل أقسى الظروف. بالإضافة إلى ذلك كانوا يتعلمون مختلف أنواع القتال الدفاعية والهجومية التي تزيد من لياقتهم البدنية، والعلوم الحربية والخطط العسكرية أيضاً.
ولم يكن يشغلهم شيء عن إطاعة السلطان وخدمة دين الإسلام والدفاع عنه. ويتمتعون بالقدرة الفائقة على تحمل الجوع والعطش وكافة المشاق المحتملة، وكانوا مثالاً تقتدي به الجيوش في العالم برمته من حيث القوة والنظام.
ومن بين الشخصيات الهامة التي انضمت إلى القصر السلطاني عن طريق نظام الدوشرمة؛ كوجا معمار سنان117، حيث يصف لنا الشاعر مصطفى صاي جلبي الفخر والمكانة التي ينالها المرء في حال تمّ اختياره لينضم إلى صفوف الإنكشارية، من خلال الأبيات التالية:
وخدمة آل عثمان شرف وعز
ومقام لا يناله إلا الكريم
غدوت إنكشاريا ونعم المجاهد

ففي الدارين عزّ ونعيم
ونحن في ساحات الوغى جند
وفي السلم خدم مولانا العظيم.
ويصف لنا المؤرخ الشهير إبراهيم بيجيفي، إحدى الحملات العسكرية في المجر عام ألف وخمسمئة وثمانية وتسعين، وجلد الإنكشاريين وبأسهم بالكلمات التالية:
«في أحد الأيام بدأت أمطار غزيرة بالهطول، حتى تشكلت سيول عظيمة وأخذت تتجه نحو قيادة الجيش وهي تدفع أمامها أنهاراً من الأوحال أخذت تجتاح الخيمة تلو الأخرى، ورغم أنّ الخيم كانت مثبتة بأوتاد كل منها أطول من قامة رجل، ومربوطة بحبال محكمة، ولكنها لم تستطع مقاومة شدة الرياح واندفاع السيول، حتى أنّ الجنود لم يكونوا قادرين على الوقوف والثبات في أماكنهم حيث الرياح العاصفة تلوحهم وتكاد تطير بهم. وكما يقال فالمصائب لا تأتي فراداً. فالطريق التي كان من المفترض أن تستغرق منا ثلاثة أيام، تطلب اثني عشر يوماً، بعد اجتياز ألف مشكلة ومشكلة، حتى بلغنا الهدف المنشود».
كان زي الإنكشارية مكوناً من قلنسوة مصنوعة من اللباد الأبيض، وكانت طويلة تتدلى نحو الخلف على شكل قطعة قماشية حتى الكتفين، مهمتها حماية أعناقهم أثناء الأمطار والثلوج، والرياح الشديدة. ويرتدون ثوباً طويلاً يصل حتى كعبي القدمين، وأحذيتهم فهي من الجلد لا كعوب لها في المدينة، أما أثناء الحملات والحروب فيرتدون جزمات طويلة ذات كلاّبات نحاسية من الطرفين.
وكانت أعلامهم تحمل إشارة تدل على انتمائهم للمذهب السني، ويطلق عليها بيرق الإمام الأعظم118، وكان منسوجاً من القطن الأبيض كتب على أحد طرفيه بخيوط ذهبية {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} وعلى الطرف {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا}.
وحين كان يدخل الإنكشاريون ساحة المعركة، ما إن تدوس أقدامهم أرض العدو، حتى كانوا يدعون دعاء النصر بعد كل صلاة عصر، فيخرج المؤذن من خيمته ويجلس على كرسي، يحيط به كل من آغا الإنكشارية وبقية قادة الفرق ورجالات الجيش وقوفاً، على شكل دائرة، بينما يقف بقية الجنود أمام خيامهم. وكان كاتب الثكنة يقف بالقرب من المؤذن الذي يبدأ بتلاوة الدعوات، ومن ثم يردد الجميع معاً، «الله الله» بصوت واحد يصل صداه حتى قمم الجبال الشاهقة، ثم يبدأ الجميع بمن فيهم السلطان والوزراء وقادة الجيش والدولة بترديد دعوات النصر، ويختمونها بذكر اسم الله «هو» ومن ثم يعود الجميع إلى خيامهم.
وعندما كانت طبول الحرب تقرع، وتحين الساعة، يبدأ الآلاف منهم بترديد النشيد المحمدي فتبلغ أصواتهم عنان السماء، حيث تدخل الطمأنينة والثقة إلى قلوبهم، فيما تزلزل قلوب الأعداء خوفاً وهلعاً.
الله الله لا إله إلا الله
سيوفنا الماضية، تقتلع الرؤوس وتخترق الصدور
جماجم الأعداء في كل ركن وجيشنا المنصور
ونعم بالله، ونعم بالله
نرفع سيوفنا على العدو بحنق
ونخدم مولانا السلطان بصدق
الثلاث والسبع والأربع119
في رياض الخلد، وجوار الرسول وبإذن العلي
يجلس مولانا وشيخنا الحاج بيكتاش الولي
فلنعلي اسم الحق في كل حين: هووووووووو
وقد ظلت هذه الكلمات تتردد في ساحات الوغى لمدة ثلاثمئة وستين عاماً، حيث كانت أصوات المجاهدين الفاتحين تسبقهم في الوصول إلى مسامع العدو، فترتعد فرائصه تحسباً مما ينتظره.
وعندما كانت تنتظم الصفوف للبدء بالقتال، كانت تحيط بالسلطان تسعة صفوف من جنود الإنكشارية وحين ينوب عنه الصدر الأعظم في قيادة الجيوش، يحيط به ثلاثة صفوف منهم. وحين ينتهي الصف الأول من رمي السهام وطلقات البنادق التي أضيفت للجيش فيما بعد، كان ينهض عناصر الصف الذي يليه من أجل الرمي، ومن ثم الثالث فالرابع والخامس والسادس الخ.. وكانوا كأمواج بحر تقذف بالموت نحو الأعداء، وحين يبدؤون بالهجوم والتوجه نحو العدو، يرددون في صوت واحد «هو» فيما ينطلقون بكل قوة وعزم.
وإن تصادف أثناء سير المعركة، أن اقترب العدو من مقر السلطان، كانت هذه الصفوف تُفتح على شكل هلال، ومن ثم تنغلق، وبهذه الطريقة كان من المحال على من يقع في هذه المصيدة أن ينجو من مصيره المحتوم، ويخرج حياً.
وكانت أولى المعارك الكبرى التي انضم إليها الإنكشاريون، هي معركة كوسوفا الأولى في عهد السلطان مراد خان، وذلك عام ألف وثلاثمئة وتسعة وثمانين. حيث كان تعداد الجيش العثماني يبلغ أربعين ألف جندي، خرجوا لمواجهة مئة وخمسين ألف جندي من جنود قوات التحالف المعادية. وكان قوام فرقة الإنكشارية يبلغ خمسة عشر ألف جندي حينها. وقد انتهت المعركة حينها، بإحاطة الإنكشاريين على شكل طوق بقلب جيش العدو والذي كان تحت قيادة ملك الصرب لازار، والقضاء عليه نهائياً.
وبعد هذه المعركة بسبع سنوات، قام سيجسموند ملك المجر بتشكيل جيش صليبي جديد، وقد اشترك في هذا الجيش إلى جانب المجريين، الفرنسيون والبريطانيون، الألمان، والاسكوتلنديون، البولونيون، البوهيميون120، الإيطاليون، والنمساويون، وشكلوا جيشاً قوامه مئة وثلاثون ألف فارس مسلح مدرع.
وكانوا يتقدمون بثقة عالية، وخيلاء لا يوصفان وهم يرددون: «حتى لو سقطت السماء علينا، فسنسندها برماحنا».
وقد قاموا بارتكاب أكبر وأشهر المجازر في تاريخ فيدين121 وراهوفا122 فيما هم يتقدمون، حيث قتلوا عشرة آلاف تركي دون التفريق بين رجل وامرأة، طفل أو عجوز، بطرائق غاية في الوحشية والفظاعة، حتى بلغوا حدود نيكوبول (نيقوبوليس)123 وذلك في الثامن من أيلول عام ألف وثلاثمئة وستة وتسعين. ولأنهم كانوا واثقين من النصر ثقة لا تقهر، مكثوا أمام أسوار القلعة ما يقارب الستة عشر يوماً، وهم يعبثون ويضيعون الوقت في التسكع بلا طائل.
وكانوا يظنون بأنّ يلدرم بايزيد سيهرب ليس من روميلي فحسب، بل ومن الأناضول أيضاً، للنجاة بنفسه. لذا كانوا يتحركون ببطء شديد، ولكن ظهور جحافل الجيش العثماني وهي تقبل نحوهم في الرابع والعشرين من أيلول، كانت صدمة غير متوقعة.
ورغم ذلك فقد تجادل الفرنسيون والمجريون بشدة فيما بينهم، لنيل الأسبقية في القضاء على الجيش العثماني وأسر السلطان يلدرم بايزيد، وبعد نقاشات حامية، حصل الفرنسيون على عصا السبق.
انطلق فرسان الجيش الفرنسي المدججين بالدروع والأسلحة بسرعة البرق، وهم يخترقون صفوف الجيش العثماني، وسط أهازيج النصر. وفي الوقت الذي بدؤوا يظنون فيه أنهم كادوا ينتصرون، أدركوا أنهم محاصرون من قبل صفوف الإنكشاريين الذين أحاطوا بهم كسدٍ منيع، وبدأ الهجوم المضاد، وكان جنود الإنكشاريين يهتفون مع كل ضربة من سيوفهم ورماحهم: «فيدين، راهوفا - فيدين، راهوفا» وبذلك برهنوا للعدو أنّ قتل المسلمين الأبرياء لن يمرّ دون عقاب، وأن دماء المسلمين ليست رخيصة. وخلال نصف ساعة تمكنوا من سحق أقوى فرسان أوروبا، وأكثر جيوشها هيبة وأحرقوهم كما تذيب الحمم كل ما يعترض سبيلها. وقد وقع كل من جان الجريء، والكثير من قادتهم في الأسر، بينما بالكاد تمكن ملك المجر من النجاة، بعد أن رمى بنفسه في نهر الدانوب هارباً.
وقد أثبتت معركة نيقوبوليس لكافة الشعوب الأوروبية، أنّ الدولة العثمانية قد تمكنت من تأسيس جيش قوي، وأن لا أحد منهم سيسلم من ضرباته التي أخذت تنهال عليهم، كمطرقة حديدية قاضية.
وقد توالت بعدها انتصارات الجيش العثماني بفضل الإنكشاريين في الكثير من المعارك التي خلدها التاريخ؛ كمعركة فارنا، كوسوفو الثانية، فتح إسطنبول، أوتك بالي، جالديران، مرج دابق، الريدانية، بلغراد، موهاج، وسواها.
ورغم أنّ السلاطين العثمانيين قد شاركوا في مئات المعارك، ولكن الإنكشاريين المكلفين بحمايتهم، لم يظهروا ولو في مرة واحدة تقصيراً في هذه المهمة الشاقة. والمرة الوحيدة التي كانت استثناءً لهذه القاعدة، هي وقوع السلطان يلدرم بايزيد في الأسر أثناء معركة أنقرة التي خاضها ضد تيمورلنك. وحتى في هذه المرة لم يكن تقصيراً من الإنكشارية، بل بسبب خيانة أمراء الأناضول للسلطان أثناء المعركة وانسحابهم إلى جانب التتار، وانسحاب أبنائه الأمراء وهربهم حين رجحت الكفة لصالح العدو، حيث مكث الإنكشاريون في ساحة الوغى يحاربون إلى جانب السلطان حتى المساء. ورغم أنّ جيش تيمورلنك المدجج بكافة أنواع الأسلحة والذي يبلغ قوامه ثمانين ألف جندي، حارب لساعات طويلة هذه الفرقة الأسطورية التي لم يكن عدد أفرادها يزيد عن ثمانية عشر ألف جندي، إلا أنهم لم يتمكنوا من القضاء عليهم نهائياً.
ويصف أحد الإنكشاريين ما جرى أثناء المعركة بالقول:
«أخبرنا السلطان حينها ألا يبتعد عنا، ولكن السلطان المعروف بشجاعته وجرأته، لم يلتفت إلى تحذيرنا، وابتعد عن صفوفنا، وقبل مضي الكثير من الوقت، شاهدنا ثلة من جنود العدو وقد أحاطت بالسلطان وأسرته، وساقوه إلى تيمورلنك. ولو أنه امتثل لنصيحتنا وبقي بيننا، كنا سنعمل على تهريبه حين يحلّ المساء، ونبعده عن الخطر. وكان من المحال على جنود تيمورلنك حينها العثور علينا».
وكان الإنكشاريون يحتفظون بصفتهم كجنود في كافة الأوقات، فلم يكونوا يعودون إلى مدنهم وقراهم بعد انتهاء المعارك كجنود الفرق الأخرى من الجيش. بل يُكلف قسم منهم بالخدمة في قصر السلطان وحمايته، وحماية الديوان الملكي، والبقية بالحفاظ على أمن وحماية المدن والبلدات، والحراسة في الحصون والثغور الحدودية.
وكانوا يمثلون نواة الجيش من المشاة. وحين كانوا يسيرون في حملة ما نحو إحدى البلاد والممالك، كان سكانها مدركين أنهم سيواجهون زلزالاً مدمراً لن يبقي حجراً على حجر.
وقد شاركوا في كافة الحملات التي انطلق فيها الجيش العثماني غرباً نحو بلغراد وبودين124، تيميشفارك، أويفارا، فيينا، وشرقاً نحو بغداد ويريفان، تبريز وقره باغ125، وشمالاً نحو هوتين، بيندير126 وحتى سهول بولونيا، ومن ثم صحراء سيناء، وسهوب روسيا، ودمشق وحلب والقاهرة. وكانت حملاتهم هذه تطول
لخمسة أشهر، وأحياناً لنصف العام، ولكنهم كانوا الدعامة التي حققت كل تلك الانتصارات والفتوحات العظمى، التي زينت التاريخ العثماني كأهلّة ذهبية.
واستمر هذا الوضع حتى فقدت الثكنات النظام والانضباط.
ويصف لنا الشاعر يحيى كمال بياتلي127، في قصيدته «الإنكشاريون الذين فتحوا إسطنبول» بطولاتهم التي خلدت عبر العصور بالأبيات التالية:
اضرب بحد سيفك كما الصواعق
حتى تضيء السماء فوق البيارق
أيا حسام المجد وفاتح الحصون
قم للجهاد فهذا يوم الفتح المبين
اضرب لتغدو راية الروم والإفرنج
في أفول وتعلو راية دين المسلمين
وأسوار المدينة تنتظر شوقا
بزوغ الفجر ونصر الفاتحين
العرس
استدعى أمير عشائر الغرميان؛ سليمان شاه ابنه يعقوب بيك، وبعد أن تبادلا النقاش، وقدم لابنه مجموعة من الوصايا والنصائح، قال له:
«بني! إن هؤلاء العثمانيين، قوم أتقياء، قدموا لدين الإسلام الكثير من الخدمات والتضحيات، ومن الجلي أنّ دولتهم التي باتت قوية الأركان، ستستمر لقرون طويلة. لذا فالثقة بهم وعقد الصلات معهم سيعود بالفائدة الكبيرة علينا. وأريد منك أن تقوي صلاتك مع هذه العائلة الأصيلة عن طريق المصاهرة، وتنقل إليهم طيب نوايانا اتجاههم، قبل أن تنتقل هذه الروح إلى جوار بارئها».
كان سليمان شاه الذي فكر ملياً في الأمر، راغباً في نقل رغبته هذه إلى ابنه، بينما لا يزال حياً. وربما كان يراقب فتوحات العثمانيين وتحركاتهم منذ أعوام، وتفانيهم في الجهاد في سبيل الدين، لذا أبدى رغبته في عقد صلات القربى معهم.
وربما كان ينوي أن يغدو السّباق بين أمراء الأناضول للانضواء تحت راية قوية موحدة. ذلك أنّ هذه الإمارات العشر كانت ستفوق الدول الأوروبية قوة ومجداً فيما لو توحدت تحت راية الدولة العثمانية التي نالت بركة ودعوات كبار رجال الدين وعلمائه، وكانت تخطو خطوات سريعة لتغدو دولة قوية بكل المقاييس.
ولم يشأ الأمير المحنك تضييع المزيد من الوقت، لذا فقد أرسل وفداً حاشداً برئاسة أحد أبرز علماء الدين؛ الفقيه إسحاق من أجل طرح الأمر على السلطان مراد خان.
وفي الرسالة التي أرسلها مع الوفد، أثنى على التضحيات التي تقدمها الدولة العثمانية في سبيل الدين، وامتدح بطولاتها، ومن ثم انتقل إلى فكرة المصاهرة، حيث عرض تزويج ابنته دولت خاتون من الأمير يلدرم بايزيد. وقد كان جهاز العروس الذي ستمنحه للعريس وعائلته هو قلاع كل من كوتاهية، سيماف، أغركوز، وتافشانلي.
وقد أبدى السلطان موافقته وامتنانه من هذا العرض، وذلك في الرسالة التي أعطاها للوفد، كما منح كلاً منهم الكثير من الهدايا الثمينة التي لاقت القبول والسرور.
وبدأ السلطان بالتحضير للعرس من جهة، ومن جهة أخرى أرسل الرسل إلى كافة الأمراء والملوك المجاورين له، يدعوهم فيها إلى العرس المزمع قيامه في الربيع القادم. حيث قام بدعوة قرمان أوغلو، حميد أوغلو128، مينتيش أوغلو129، صاروخان أوغلو130، آيدن131 وتيكة أوغلو132، جاندار أوغلو133، بالإضافة لسلطان مصر. كما كان السلطان العظيم يرغب برؤية رفاق سلاحه أيضاً إلى جواره، لذا فقد أرسل يدعو ولاته، وأمراء السناجق أيضاً لحضور هذه المناسبة.
وفي ربيع العام ألف وثلاثمئة وواحد وثمانين، بدأ عرس الطبيعة الموسمي، وفاضت الألوان من جديد في الحدائق والجنان، وصفّت الموائد الشهية، ورصفت عليها لذائذ الأطعمة والأشربة، وذلك في أحد ميادين مدينة بورصة الرحبة الفسيحة. وقد خصص لرجال الدولة وأعيانها، وأقرباء السلطان الموائد بحسب رتبهم ومقاماتهم.
وكان الرسل الموفدون من قبل الأمراء وملوك المنطقة يمثلون بين يدي السلطان الواحد تلو الآخر، محملين بالنفيس من الهدايا وثمينها، ثم ينتقلون إلى الموائد حيث تنتظرهم أشهى الأطعمة والمشاريب.
وقد أرسل سلطان مصر المملوكي، وفداً يحمل رسالته التي تعبر عن تهانيه، ومشاعر المحبة التي يكنها للسلطان مراد خان، بالإضافة لرعيل من أجمل الخيول الأصيلة التي يسرّ مرآها العيون والقلوب معاً هدية من السلطان، خلا مجموعة من الهدايا النفيسة الجميلة، عربية الصنع مما يليق بمكانة السلطان ومركزه.
كما أقبل رسل أمراء كل من آل حميد، وآيدن، صاروخان، مينتيش، قسطموني، وقرمان محملين بأجمل الهدايا وأثمنها ليقدموها للسلطان، الذي أغدق بدوره عليهم بالهدايا حتى غادر الجميع مجلسه راضياً مسروراً.
وتلا ذلك الهدايا التي قدمها ولاته ورجالاته في روميلي، وجاء في مقدمتها هدايا إفرنوس بيك؛ وكانت عبارة عن مئة عبد يحمل عشرة منهم أوانٍ ذهبية مليئة بالقطع الذهبية الخالصة، يعقبهم عشرة آخرون يحملون عشر أوان فضية مليئة بقطع الآكجا الفضية، أما الثمانون الباقون فقد كانوا يصطفون خلفهم محملين بالكؤوس والأباريق والشمعدانات ومختلف أنواع الأواني المصنوعة من الفضة الخالصة، والتي تخطف زخارفها ولمعانها الأبصار. بالإضافة لمئة جارية محملات بمختلف أنواع الأقمشة والأثواب النفيسة، والمصوغات والمجوهرات الغالية.
وكان جميع الرسل يراقبون هذا المشهد الفاخر، وقد تملكتهم الدهشة والحيرة والإعجاب، فكيف لرجل واحد من رجال السلطان أن يؤتى كل هذه الثروة، ويحضر كل هذه الهدايا التي لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل؟
وكانوا يرددون فيما بينهم ذاهلين: «إن كان رجل واحد من رعايا السلطان يملك كل هذه الثروات الهائلة، فما هو مقدار ثروة السلطان إذاً، وإلى أي حد يصل غناه وسلطته؟».
وما زاد من دهشتهم وأذهب بعقولهم، هو ما فعله السلطان نفسه بهذه الهدايا، فقد استدعى سفراء مصر، ليعطيهم هدايا إفرنوس بيك كلها دون أن يمس منها شيئاً، لتكون هدية للسلطان المملوكي، أما الخيول والأسلحة التي أرسلها سلطان مصر، فقد قدمها لإفرنوس بيك من أجل أن يستخدمها في الفتوحات والجهاد في سبيل الله.
كما قام بتوزيع الكثير من الهدايا النفيسة، والعطايا الثمينة على المدعوين من أمراء وعلماء ورجال دين. خلا الأموال والصدقات التي وزعها على الفقراء والمحتاجين ممن حضروا العرس، والذين غادروه بجيوب مليئة ونفوس راضية.
وبذا فقد كان عرس الأمير يلدرم بايزيد على دولت خاتون، حفلاً قلّ مثيله، ومناسبة للتصدق على الكثير من المحتاجين. ومن جهة أخرى فقد كانت والدة دولت خاتون؛ السيدة مطهرة خاتون هي ابنة السلطان وليد ابن مولانا جلال الدين الرومي، وبذلك فقد حاز الأمير بايزيد شرف مصاهرة الشيخ والعلامة الجليل من جهة الأم، واعتباراً من ذلك التاريخ كان الأمراء العثمانيون بمن فيهم أبناء يلدرم بايزيد، يحملون لقب جلبي134 إلى جانب أسمائهم.
الحملة الكبرى
انتقلت ملكية قلاع كوتاهية والكثير من القلاع المجاورة لها إلى العثمانيين، كونها مهر ابنة سليمان شاه التي تزوجت من الأمير يلدرم بايزيد. بالإضافة لذلك فقد قام أمراء آل حميد أوغلو ببيع قسم من القلاع التي تقع تحت سلطتهم إلى الدولة العثمانية، وهذا ما أثار مخاوف أمراء قرمان أوغلو، حيث انتقلت ملكية كافة المدن التي تقع غرب إمارتهم إلى حكم العثمانيين، وبالتالي باتت كلتا الإمارتَين اللتَين تقعان على حدودهما الشمالية والغربية منضويتين تحت لواء السلطنة.
وبالمقابل فقد كان السلطان مراد خان ممتناً جداً من علاقاته الطيبة مع أمراء الأناضول، لذا فقد وجه كافة قواته نحو البلقان منتقلاً إلى روميلي، بعد أن شعر بالاطمئنان من جهة الأناضول. وكانت تلك الفرصة التي ينتظرها علاء الدين علي بيك قرمان أوغلو.
في تلك الفترة وتحديداً في العام ألف وثلاثمئة واثنين وثمانين، تمكن الجيش العثماني من السيطرة على بريليب135 ماناستير136، وبدأ بشن الهجمات على ألبانيا وشمال إبيروس137، ومع حلول العام ألف وثلاثمئة وخمسة وثمانين تمكن من السيطرة في البداية على بهري، وبعد مقاومة وحصار طويل استسلمت لهم مدينة صوفيا أيضاً.
وبينما كان السلطان مراد يتحرك مع جيوشه في روميلي دون خشية ليواصل فتوحاته، كان علاء الدين علي بيك أيضاً قد بدأ بتحركاته الخاصة، فقد دخل في تحالف مع ملك البوسنة، وقام بالاستيلاء على باي شهير وبعض المناطق الأخرى وذلك عام ألف وثلاثمئة وستة وثمانين.
وبعد أن تمكن الغازي من فتح نيش138 عاد إلى إدرنة، حيث تمّ إعلامه بأن ابن قرمان أوغلو قد أغار على الأراضي العثمانية واحتل بعضاً منها، وقد سبب له ذلك ضيقاً شديداً، فجمع رجالاته وأركان دولته على الفور وقال لهم:
«أسمعتم بما قام به هذا الأحمق الظالم؟ ففي الوقت الذي تركت فيه مملكتي، واستغنيت عن ملذات الدنيا ومسراتها، واخترت طريقاً شاقاً اقتضى مني الليالي والشهور، عاقداً العزم على الجهاد في سبيل الله ليل نهار، مفضلاً العذاب على الراحة والهلاك على الأمان، يقوم هذا المأفون بانتهاز فرصة غيابي عن مملكتي، والإغارة على أملاك المسلمين وسلبها ونهبها. أيها المحاربون ما العمل برأيكم مع هؤلاء المعتدين الذين يحولون دوني والجهاد، ويستلون سيوفهم في وجه المسلمين؟ فإن خرجت للجهاد، سيلاقي رعاياي الويلات على أيديهم، وإن تركت الجهاد والتفت نحوهم، فسأضطر أنا وجنودي لرفع سيوفنا في وجه إخواننا في الدين».
أدرك السلطان مراد أنه إن لم يقم بمعاقبة القرمانيين على ما فعلوه، فلن يجد الراحة والأمان حين توجهه إلى روميلي. لذا قام بتجهيز جيشه بينما كان في بورصة وأرسل إلى والي ولاة روميلي تيمورتاش بيك يأمره بالاستعداد للحرب. وحين سمع علاء الدين علي بيك قرمان أوغلو أنّ السلطان مراد يقوم بالتحضير للحملة، أرسل على الفور هيئة صلح للسلطان الذي قابل هذا العرض بالقول:
«في الوقت الذي لم تبدر منا أي خطوة سيئة اتجاهكم، بل خرجنا جهاداً في سبيل الله على رأس جيوشنا، قمتم باستغلال الفرصة والإغارة على أراضينا، ونهب وسلب الناس، ونقض مواثيق الصلح المبرمة بيننا؟ فهل يجوز ذلك؟ هل يجوز مقابلة الإحسان بالإساءة؟ وكيف لي أن أثق الآن بما تقوله وما تقطعه من وعود، دون الخشية من أن تقوم بنكثها من جديد؟ فالمؤمن لا يقع في جحر مرتين، كما أنّ الوقاية من لدغة الأفعى لا تتم فقط بالابتعاد عنها، ومن يعتدي على الآخرين فليتوقع أن يعتدوا عليه. لذا فقد قررنا أن نعاقبك على ما قمت به، وأن نجعلك تذوق طعم الندم، عودوا إليه وأخبروه أننا قادمون إليه على رأس جيش جرار».
وبعد أن وصل جواب الرسول إليه، أعاد قرمان أوغلو الرسول بالرد التالي:
«إن كنت تنوي الحرب فنحن لها، وإن كنت ستجنح للسلم فسنقبل به، وسنواجه السيف بالسيف، والموت بالموت».
فرد عليه السلطان الغازي مراد خان بالقول:
«ألا أيها الظالم! بينما أنا منشغل بالجهاد في سبيل الله، وأواجه سيوف الكفار تقوم أنت بالهجوم على المسلمين والإغارة على أملاكهم وأموالهم. ويشهد القاصي والداني أنك لست برجل ذا شرف وأخلاق، وها أنا أتعهد بأنني لن أخرج للجهاد، ولن أرفع سيفي في وجه كافر ما لم أقم بمعاقبتك. فمن يجنح للحرب وينقض مواثيق السلام، فالحرب عليه هي الجهاد الأكبر، لذا كن مستعداً لما ستلاقيه».
واختتمت المراسلات بين الطرفين بهذه الكلمات المتوعِدة. وأخذت الأناضول تترقب خطوات الحرب التي ستدق طبولها، وتكشف من هو الحاكم الفعلي في الأناضول وأمير أمرائها.
كان الجيش العثماني الذي اتجه لقونيا حوالي سبعين ألف جندي، وقد انضم إليه قسم من البيزنطيين والصرب أيضاً، كما قام جاندار أوغلو الذي تنضوي إمارته تحت لواء السلطنة بإرسال قواته لمساندة السلطان.
ومن جهته كان علاء الدين بيك قد أكمل استعداداته للحرب، وكان تعداد جيشه أكبر من تعداد الجيش العثماني، والذي يتألف بمعظمه من قبائل الفارساك، والتورغوت والبايبوت التركمانية، ومن قبائل المغول مثل تبرك، ساماغار، باريم باي، توس بوغا.
وبينما قوات القرمانيين تتحصن في إحدى القلاع، كان الجيش العثماني قد نظم صفوفه في تشكيلته الحربية المعتادة، حيث الأمير يعقوب جلبي يقود ميمنة الجيش المكون من قوات الأناضول، بينما الأمير بايزيد يقود الميسرة المكونة من قوات روميلي. أما السلطان فكان في قلب الجيش مع بقية الفرق والإنكشاريين. في حين كان تيمورتاش باشا والقوات التي تحت قيادته ستقوم بتقديم المساعدة للميمنة والميسرة وقت الحاجة.
وبالمقابل كان قلب الجيش القرماني تحت قيادة علاء الدين بيك، وميمنة جيشه مؤلفة من تركمان بايبوت والفارساك، والميسرة من مغول الساماغار، الجايغازان، والباريم باي.

الجياد تصطف في كل جبهة
والفرسان للنصر متشوقونا
وصليل السيوف وقعقعة الرماح
تبلغ الأصقاع فيشدو السامعون.
كان مشهد سهل قونيا في ذلك الصباح يذكر بيوم الحشر، حيث تداخلت صفوف الجيشين في عراك حامي الوطيس وأخذت السماء والأرض تصطبغ بلون الدماء، وكانت الجبال ترتج لوقع طبول الحرب وصليل السيوف وصرخات الجنود المهاجمين، وكانت ضربات سيوف الفاتحين الذين اكتسبوا خبرة قلّ نظيرها، عبر سنوات من الحروب في روميلي، تنهال كالصواعق على رؤوس جنود قرمان أوغلو ولا تمهلهم رفع أيديهم. أما الأمير بايزيد فقد كان ذلك اليوم هو يومه الموعود. حيث كان ينقض على العدو من الجهات الأربع كأسد ضارٍ، وينفث نيران غضبه عليهم كتنين، فيما ضربات سيفه تنهال عليهم كصواعق حارقة. وقد تمكن من تشتيت قوى التتار الفارساك في سرعة بالغة، وأغلق أمامهم فرص النجاة كلها. ومنذ ذلك الوقت اكتسب لقب يلدرم (الصاعقة).
وعندما شاهد كل من فيروز بيك، حاجي بيك، كوتولوجا بيك، إينة بيك، وساروجا باشا، ومستجاب سوباشي شجاعة الأمير بايزيد واندفاعه، هاجموا بقوة أكبر، وانقض تيمورتاش بيك مع كل قواته على قلب الجيش الذي يقوده علاء الدين بيك، وكانت ضربات سيوف أبطال روميلي تنهال عليهم أسرع من لمح البصر، وحين رأى قرمان أوغلو هذا المشهد أصابه الذعر، وتوجه هارباً للاحتماء بقلعة قونيا، فيما كان قادة جيشه يبحثون عن سبل النجاة بأنفسهم من خلال تسليم أنفسهم وطلب الأمان. وقد اغتنم الجيش العثماني كافة كنوز قرمان أوغلو ومقتنياته الثمينة وأسلحة جيشه.
رفع السلطان المنصور يديه نحو السماء شاكراً الله على هذا النصر المبين، حامداً نعمه الكثيرة. ومن ثم قام بتوزيع الغنائم على جنده وقادته الأبطال الذين استبسلوا في القتال، وأثنى على شجاعتهم، ورفع من رتبهم وعيّنهم في مناصب تليق بهم حتى أرضى الجميع.
أمثولة في العدل والإحسان
بعد النصر الكبير الذي حققه العثمانيون على القرمانيين، توجه السلطان نحو مدينة قونيا وقد أصدر الفرمانات اللازمة بعدم المساس بأملاك وأعراض وأرواح سكان المنطقة. وعمل على إبعاد أسباب الخوف والقلق عن الأهالي الذين يمر بهم الجيش. ورغم ذلك ارتكب بعض الجنود الصرب انتهاكات بحقهم، وحين علم السلطان مراد خان بذلك، فتح تحقيقاً في القضية للتأكد مما حصل، وقام بإنزال عقوبة الإعدام بالجنود الصربيين الذين قاموا بهذه التجاوزات، وحاول تعويض المتضررين من السكان مادياً ومعنوياً لتلافي ما حصل.
وبعد يومين من بلوغ علاء الدين علي قلعة قونيا، شاهد طلائع الجيش العثماني وهي تقبل نحوه، فانتابه ذعر عظيم، ودهشة كبيرة، وشعر بالندم لسوء تصرفه وطيشه، وانفض رجاله من حوله بسبب تهوره الذي أفضى بهم إلى الهلاك، وطمعاً في عدل السلطان وعفوه، قام بإرسال زوجته - التي هي في الوقت نفسه ابنة السلطان - مع كبار القوم ورجال الدين للمثول أمامه، وطلب العفو والأمان منه.
ولم يتحمل السلطان الذي كان رقيق القلب، واسع الرحمة سعة البحار، دموع ابنته وهي تبكي أمامه، وتغلبت عاطفة الأبوة ومروءته على مشاعر الغضب والحنق لديه. فاختار مسامحة صهره رغم اعتداءاته ورغم الضرر الذي سببه، وأعطى الإذن لكي يأتي للمثول أمامه، وليقبل يديه طالباً العفو.
وقد سرّ علاء الدين علي من هذه الأخبار سروراً عظيماً، وفي صباح اليوم التالي خرج من قلعة قونيا، وذهب للمثول بين يدي السلطان وقدم اعتذاره الشديد، وأبدى ندمه الكبير، طالباً العفو والسماح. وقد وفى السلطان الشهم بوعده، وسامحه على أخطائه، وفوق ذلك سمح له بالبقاء على كرسي إمارته.
في طريق العودة حاول بعض القادة ورجالات السلطان مراد خان تحريضه للسير في حملة نحو إمارة حميد أوغلو، متذرعين بأنّ هذا الأخير كان قد عقد اتفاقاً سرياً مع قرمان أوغلو، وبأنّ القلاع التي كان باعهم إياها سابقاً، قد تمّت السيطرة عليها باتفاق سري بينهما. وكانوا يريدون إثارة نقمته على حميد أوغلو، ولكن السلطان المعروف بسعة صدره أجابهم قائلاً:
«إنّ أفضل المناطق وأجمل المدن والقلاع وأكثرها منعة وتحصناً، أصبحت تحت إدارة ولاتنا بعد أن باعنا إياها حميد أوغلو، ولم يبق تحت سلطة هذا المسكين سوى مدينتان لإدارتهما، الأولى هي أنطاليا، والثانية هي كوركوتيلي139.. وفي هذه الحال ليس من المروءة السير في حملة نحوه، ولا يليق بالشاهين أن يطارد بعوضة».
وبذلك رفض فكرة الحملة على حميد أوغلو، بل عاد إلى بورصة سالكاً طريق كوتاهية.
فليتعلموا كيف تكون الحروب
بينما كان السلطان مراد الأول منشغلاً بتنظيم الأمور وإرساء قواعد الأمن في الأناضول، قام بتكليف تيمورتاش باشا بالاهتمام بشؤون البلقان، وفي العام ألف وثلاثمئة وسبعة وثمانين اتجه الباشا نحو البوسنة، وفي منطقة توبليجا جايي الواقعة في سهل نهر مورافا140، تعرض لكمين أعدته قوات ملك البوسنة تفراتكو، وقوات ملك الصرب لازار غيربليانوفيتش. وبلغ تعداد قوات التحالف ثلاثين ألف جندي، كانت قوات الجيش العثماني تصل إلى حوالي عشرين ألف جندي، وقد كانت المعركة شديدة الوطء بين الطرفين، استشهد فيها الكثير من الجنود العثمانيين، وكانت تلك أولى الهزائم الكبرى التي يتعرضون لها في البلقان، والتي غدت سبباً في إشهار حملة صليبية كبيرة في منطقة البلقان، وتحولت إلى نوع من الاحتفال، وغدا الإعلان عن الحملة التي كان يتم التحضير لها حتى ذلك الوقت بشكل سري، غدا أشبه بطقس احتفالي، وقد انشغلت أقوام البلقان عن الخلافات الدائرة بينهم حتى ذلك الوقت وتركوها جانباً، ووضعوا نصب أعينهم هدفاً واحداً، وهو التغلب على العثمانيين وطردهم من منطقة البلقان. وقد انضم أمراء كل من الصرب، البوسنة، البلغار، البولونيين، الألبان والكروات مع كل ما يملكونه من عدة وعتاد إلى هذا التحالف، وسخروا ثرواتهم لخدمة هذا التحالف، وقد انضم إليهم المجريين أيضاً بتقديم قسم كبير من جيشهم. وبذلك لم يعد لازار يشعر بأدنى قلق من العثمانيين، بعد أن قامت جميع إمارات البلقان بتوحيد قواها، بل استبد به الغرور والتبجح.
وقد أرسل وفداً إلى السلطان مراد خان، وجاء في الرسالة التي أرفقها معه، تفاصيل عن أعداد الجيوش الهائلة والعتاد الكبير لجيش التحالف، وذلك بلغة ملؤها الغرور والتكبر. كما كان يعلن بأنهم يرومون لقطع دابر المسلمين وطردهم من هذه المنطقة، بل تعدى ذلك بالقول بأنهم سيقضون على الدين المحمدي حتى في ديار المسلمين أيضاً.
أما الرسالة التي ردّ فيها السلطان الغازي مراد خان الأول الذي قضى جلّ عمره في الجهاد، فقد جاء فيها:
«بسم الرحمن الرحيم وبإذنه، حين يقبل فصل الصيف وتزدان المروج بالأزهار التي تصطف كجنودنا الفاتحين، وتنقشع الغيوم والعواصف والثلوج التي تهلك أوكار الكافرين، سأقبل أنا السلطان المعظم، وأبنائي الأمراء وجنودي ورجالي وقادة جيشي العظيم الفاتح، وسنكون في سهول كوسوفا وميادينها. سأقبل مع أصوات الطبول، وهزيم الرعود، وصليل السيوف، لكي أجعل ساحة الوغى مقبرة لكم، وسأنقض عليكم في هجوم لا قيامة لكم من بعده. وبجاه وعزة أكرم خلق الله وخاتم أنبيائه، سنسير نحوكم لاجتثاث الكفر من قلوبكم، بسيوفنا الطاهرة الماضية، حيث ستبدد شملكم وتزيح غمامة الكفر والحقد عن هذه الديار والعالم برمته. وإن كنت شجاعاً كما تدعي فابقَ مرابطاً في مكانك، وحينها ستعلمون كيف تكون الحروب».
في الحقيقة كان السلطان مراد خان على علم مسبق بهذا التحالف الصليبي، حتى قبل وصول رسالة الملك لازار، وذلك عن طريق جواسيسه الذين بثهم في كافة بلاد الجوار المعادية، لذلك كان قد اتخذ كافة التدابير اللازمة وبدأ بالاستعداد منذ وقت باكر، وقد أرسل فرمانات لأبنائه؛ يلدرم بايزيد ويعقوب جلبي من أجل الاستعداد لهذه المعركة الكبيرة، كما قام بدعوة أمراء الأناضول للمشاركة في هذه الحملة الجهادية.
فتحرك علي باشا جاندارلي زاده مع ثلاثين ألفاً من القوات التي تحت إمرته لمنع البلغاريين الاشتراك في هذه الحملة والانضمام إليها، فقام بالسيطرة على قلعة فيليكو ترنوفو141 التي تعتبر مركز شومن وبرافادي142، وذلك من خلال عبور مضيق نادير، متوجهاً نحو ضفاف نهر الدانوب حيث قام بالسيطرة على كل من سيليسترا143 ونيكوبول التي كانت تقع تحت نفوذ البولونيين. وقد تمكن علي باشا من خلال هذه التحركات السريعة والسيطرة على المواقع الاستراتيجية، منع ملك بلغاريا شيشمان الانضمام إلى قوات التحالف البلقاني، أو الانخراط في تحرك معاد للعثمانيين، وهذا ما حال دون تلقيهم ضربة غدر.
ومن جهة أخرى كان السلطان مراد خداوندكار - وبرفقة ابنه الأصغر يعقوب جلبي الذي كان والياً على كل من كوتاهية وحميد - انتقل في العام ألف وثلاثمئة وتسعة وثمانين إلى روميلي، حيث مكثوا في مدينة فيلبة حتى الربيع للتمكن من عبور نهر مارتيزا.
ومع سيطرة علي باشا على يامبل144 قام بإتمام فتح بلغاريا برمتها، ومن ثم توجه للانضمام لقوات السلطان.
وبالإضافة لأمير بلغاريا الذي كان خاضعاً للسلطة العثمانية وأمراء مقدونيا، كان هناك أيضاً أمراء الأناضول وهم؛ أمراء جاندار، غرميان، صاروخان، منتيش، تيكة وآيدن، الذين انضموا للجيش العثماني برفقة قواتهم. كما التحق إفرنوس بيك على رأس قوات كبيرة بالجيش العثماني، وقد كان لانضمام هذا المحارب المحنك - الذي كان من رفاق الغازي أورهان، والذي ما إن وطأت قدماه روميلي، حتى بدأ بحملة فتوحات ناجحة رسخت أقدام العثمانيين في المنطقة - بعد عودته من أداء فريضة الحج، دور كبير في رفع معنويات الجيش ومدهم بالحماس والشجاعة.
حين بلغ الجيش العثماني إهتيمان145، بلغتهم أخبار عن تجمع قوات التحالف في كوسوفا. فتحرك الجيش على الفور متجهاً نحو كرواتيا وذلك عن طريق صوفيا كوستنديل، وهنا وصل صربي جديد، كانت غايته الاطلاع على قوة الجيش العثماني، والوقوف على بعض المعلومات الحربية والعسكرية حوله، أكثر من اهتمامه بالتفاوض.
وقد نقل الوفد هذه الكلمات على لسان الملك لازار للسلطان العثماني:
«ها أنا جاهز أنتظر قدومه الذي تأخر. إن كان ينوي القدوم فأنا بالانتظار، وإن كان يماطل ويخشى المواجهة، فليستعد لأنني سأتوجه نحوه بلمح البصر».
وما إن سمع السلطان هذه الكلمات، حتى توجه نحو الرسول بغضب شديد وهو يصرخ فيه بحدة:
«لو جاز قتل الرسل، لفصلت رأسك عن جسدك على الفور. أيها الملعون! يبدو أنك لم تتجرع ضربات سيوف المسلمين، لذا تتفوه بمثل هذه الكلمات. فاعلم يا لازار بأنّ الغرور يزهر ولا يثمر، وقد تظن نفسك أسداً لأنك في أرضك وبيتك، لكننا قادمون بإذن الله لنذيقك ضربات سيوف المسلمين».
ومن ثم جعل السفراء يتفرجون على عرض عسكري بارع لجيشه، لبث الرعب في قلوبهم، وقد راقب هؤلاء تنظيم الجيش العثماني وأسلحته المتطورة بإعجاب يخالطه الخوف. ولكن رئيس الوفد توجه نحو السلطان قائلاً:
«أيها السلطان! طالما أنك عرضت أمامي مدة قوة جيشك وانضباطه، سأخبرك بأمر، فتعداد جيشنا يبلغ عشرة أضعاف جيشك، فلدينا نصف مليون فارس مدججين بالسلاح من رؤوسهم وحتى أخمص أقدامهم، وكل فارس منهم يعادل عشرة من فرسانك في الضخامة والشجاعة والقوة».
فأجابه السلطان:
«أيها الملعون! لو كانت كل جيوش العالم، فسنسفك دماءهم جميعاً، بإذن الله تعالى وجاه رسوله الحبيب، وسنشتت شملهم كسرب من الغربان، وسنلوي أعناقهم حتى نصل إلى رأس ملككم الذي سأطيح به بسيفي هذا».
ومن ثم قام بطرد الرسل.
الشورى سنة نبوية
بعد مغادرة رسل الجيش الصليبي، قام السلطان مراد خداوندكار بجمع وزرائه، ورجال وقادة الجيش لآخر مرة، للبحث في التطورات المستجدة ووضع الجيش. وفي البداية توجه بخطابه نحو المحارب المحنك، والفارس القديم، الحاج إفرنوس وهو يقول:
«كيف لنا محاربة كل هذه الجحافل المجتمعة، وما السبيل للانتصار عليهم؟».
وبعد أن رفع الحاج يديه مبتهلاً إلى الله ببقاء السلطان ودوام نصره وعزه، خاطبه قائلاً:
«أيا خداوندكار! لست سوى أحد رعاياك الضعفاء، وليس بيدي حيلة، ولا رأي يغني عن معرفتك، فكيف لنملة أن تبدي رأيها أمام النبي العظيم سليمان؟ وأن يكون لها شأن في حضوره الكريم. فالقول والقرار للسلطان، وهو الأقدر على إدارة الجيوش، وقيادة المجاهدين نحو النصر بإذن الله».
وبذا أدى تأييده للسلطان في كل ما سيقوله ويقرره.
التفت السلطان مراد نحو الجميع حينها ليخاطبهم:
«أيها الرجال! لقد خرجت مجاهداً في سبيل الله برفقة جيشي، وحققنا الكثير من الانتصارات، ولكن هذه المعركة تختلف عما سبقها، كما أنّ الشورى سنة نبوية. لذا يجب علينا أن نتفق على رأي واحد، وأن تتجمع قلوبنا وهممنا على هدف واحد».
ومن ثم عاد نحو إفرنوس بيك وهو يخاطبه:
«لقد مضى عليك وأنت تحارب هؤلاء الكفار سنين اكتسبت خلالها خبرة عالية على مختلف الجبهات، ويهمني كثيراً معرفة رأيك والاستفادة من تجربتك الغنية».
فتقدم البيك وهو يدعو الله مجدّداً بالنصر، ويظهر إمارات الاحترام والولاء للسلطان، ومن ثم أفصح عن رأيه بالقول:
«أول ما يتوجب علينا فعله، هو الوصول إلى ميدان القتال قبلهم، والتحصن في موقع منيع وملائم لجنودنا، وأما الأمر الثاني فهو تنظيم صفوف الجيش، وتجنب التسرع نحو القتال، ذلك أنّ العدو سيواجهنا كسد منيع يبلغ الأفق، ولن يسهل علينا بلوغ النصر، وكما يقال «لا قِبل لأحد على ليّ الحديد البارد» ولكن إن تمكنّا من تشتيت صفوفهم وخلق الفوضى بين أجنحة جيشهم، سيسهل علينا الانتصار عليهم إن شاء الله».
وقد استحسن السلطان والأمير بايزيد وعلي باشا الآراء التي أبداها الحاج إفرنوس، وعلى الفور بدأ التحضير للتحرك بالجيش والوصول إلى ميدان القتال واختيار مكان ملائم.
وحين بلغ الجيش العثماني المنطقة الواقعة بين بريشتينا146 وسكوبيه147، التقى بجيش العدو. فصعد السلطان وقادته أحد التلال للاطلاع على أحوال العدو ليشاهدوا بحراً من الجنود المدججين بالسلاح يجتاحون المكان برمته.
كسيل هادر أقبل الفرسان
مدججين بالحديد كحمم البركان.
وحين شاهد الكفار الجيش العثماني واطلعوا على حاله وأحواله، أدركوا أنهم أكثر عدداً وعتاداً بما لا يقاس، فأصابهم سرور عظيم. وأخذ قادتهم الواحد تلو الآخر يتبجح زاعماً بأنهم قادرون على سحق العثمانيين، ومن بينهم برانكوفيتش ابن أخ الملك لازار الذي كان يدّعي بأنه ومع القوات التي تحت إمرته فقط؛ يستطيع أن يلحق الهزيمة بجيوش المسلمين وأن يسحقهم جميعاً. أما لازار بدوره فقد وعد كل من يستطيع أسر السلطان العثماني وإحضاره للمثول بين يديه، أن يزوجه من ابنته ويمنحه عشر قلاع مع كل ما يحيط بها من أراضٍ وممتلكات.
وفي المجلس العسكري الذي تمّ عقده، اقترح بعضهم القيام بهجوم ليلي على العثمانيين، ولكن يورغي كاستريوتا اعترض قائلاً بأنّ الليل سيسهل فرار جنودهم المهزومين، وبذلك ستفوتهم فرصة سحق الجيش العثماني برمته، وقتل جميع من فيه.
وبالفعل كان الجيش الصليبي يفوق الجيش العثماني بما لا يقاس، فالمصادر التاريخية تورد أنّه في الوقت الذي لم يبلغ فيه تعداد الجيش العثماني أكثر من ستين ألف جندي، فإنّ الجيش الصليبي كان تعداده يتراوح بين مئة، ومئتي ألف جندي.
وحال وصول الجيش العثماني إلى ميدان القتال أبدى السلطان مراد خان رغبته في البدء بالمعركة، ولكن إفرنوس بيك خاطبه قائلاً:
«مولاي السلطان! الحنق على العدو يملأ قلوبنا، والتعب قد أهلك جنودنا، فيما جنود العدو هائجون ثائرون. دعنا نسترح اليوم وفي الغد نتكل على الله، ونكبر باسمه ومن ثم نصطف أمام مولاي السلطان لنفتديه بدمائنا وأرواحنا».
وقد راق هذا الكلام للسلطان الذي وافق عليه، واجتمع بمجلسه الحربي لآخر مرة، للاطلاع على التكتيكات التي سيتبعونها وعلى آراء قادته وتقسيم الجيش وفق ذلك. وقد اقترح عليه بعض القادة إطلاق عنان كافة الجِمال التي برفقة الجيش على جيش العدو، لخلق البلبلة بين صفوفهم لتسهل عملية اختراقها. فتوجه مراد خان نحو ابنه بايزيد قائلاً:
«أيا فلذة كبدي! ما الذي يجول في خاطرك، وما قولك في ما يقترحونه؟ ذلك أنني لم أكن أعرف أنّ تعداد جيشهم بهذه الضخامة حقاً. فكما رأيتم جميعاً، لقد أقبل العدو بجيش عصي على العدّ. فهل ترى من المناسب إطلاق الخيول والجمال نحوهم؟ أم نبدأ بالقتال وجهاً لوجه كما هو معتاد؟».
فأجابه الأمير:
«مولاي! الرأي رأيك، والقرار قرارك، ولكننا قضينا سنين طويلة ونحن نواجه جيش الكفار ونقاتلهم، ولم يسبق لنا أن استخدمنا الجِمال بهذه الطريقة، ولن نفعل ذلك الآن. فمهما بلغ عددهم، فالنصر لدين الحق بإذن الله. وإن شاء الله فهو قادر على جعلي أتغلب على هذا الجمع الغفير وحدي، فلا شيء يعلو فوق إرادته. كما أنّ النصر كان حليفنا في كل المعارك والفتوحات التي خضناها حتى الآن، وسيكون حليفنا هذه المرة أيضاً إن شاء العلي القدير. ولست أخشى من عاقبة هذا الأمر، فإن انتصرنا فنحن السعداء، وإن هزمنا فنحن الشهداء بإذن الله».
وبعد أن ابتهل السلطان لله سبحانه وتعالى وشكره على هذه الذرية الصالحة، التي تبذل الغالي والنفيس في سبيل الدين. التفت نحو علي باشا للاستعانة برأيه أيضاً، فأيد الباشا ما قاله الأمير بايزيد، وأثنى على شجاعته.
وقد أبدى تيمورتاش باشا والي الولاة رأيه قائلاً:
«إن قمنا بإطلاق الجِمال نحو هذا البحر الهائج من الجنود المدرعين بالحديد من الرؤوس حتى الأقدام. فمن الجائز أن يقوموا بإحداث ضجيج، فترتعب الجمال من صليل سيوفهم، وقعقعة دروعهم، فيرتدوا نحونا مذعورين، وحينها سيقع البلاء علينا، فيتشتت جنودنا وتختل صفوفنا. لذا ليس من الصواب اللجوء إلى هذا التدبير، لأنّ عاقبته قد تكون وخيمة علينا».
وبذلك اتفقت الآراء على مواجهة العدو بشجاعة كما في كل مرة، وبدأ القادة بالاستعدادات اللازمة وتنظيم صفوف فرق الجيش بحسب الخطط العسكرية.
بجاه العيون التي تبكي شوقاً ليوم لقائك
كانت الرياح التي تهب من جهة معسكر العدو على الجيش العثماني، تحمل معها الكثير من الغبار الذي خيم عليه كالسديم. وخشي السلطان من عواقب الأمر على جنده إن استمر الطقس بهذا السوء حتى صباح اليوم التالي. لذا قضى الليل كله راكعاً على سجادة الصلاة، يبتهل إلى الله سبحانه وتعالى، ويطلب منه المدد، ويرجوه السعادة وبلوغ مرتبة الشهادة في سبيل دينه الحنيف، وهو يردد:
«يا إلهي! يا سيدي! يا مولاي! بجاه شفاعة الحبيب المصطفى سيد المرسلين!
بحرمة دماء حفيده التي سُفحت في كربلاء
بحق العيون التي تبكي شوقاً ليوم لقائك
والأيادي التي ترتفع بالدعاء لفك كرب المكروب وإبعاد البلاء
يا الله!
لقد استجبت لدعوتي كلما ألم بي مصاب، فلا تردني خائباً هذه المرة يا إلهي.
أغدق علينا من لدنك وابلاً يزيل هذا الغبار، ويمكننا من رؤية العدو والتغلب عليه ودحره.
يا إلهي!
لك الحمد ولك الملك، تعطيه لمن تشاء وتأخذه ممن تشاء. وأنت أعلم بما في الصدور وما تخفي القلوب، فأنا لا غاية لي في ملك وجاه وعروش.. كل ما أبتغيه نيل رضاك.
يا رب!
اجعلني فداء لهؤلاء المسلمين
ولا تجعل الكفار يغلبونهم ويذلونهم
يا إلهي!
لا تجعلني سبباً في زهق كل هذه الأرواح
واجعل النصر من نصيبهم
واجعلني فداءً لهم يا رب
فأنا راض بتسليم روحي من أجل سلامة جنود المسلمين
ولكن لا تجعلني أشهد موتهم وأنا حي.
يا رب!
لا تجعلنا هدفاً لسهام العدو بسبب ذنوبنا.

ولا تذلني بين قومي وتطفئ جذوتي برماد الهزيمة
ولا تجعل ديار المسلمين وأرواحهم نهباً للكفار الظالمين
يا إلهي!
خذني إلى جوارك الكريم، ولتكن روحي فداء لجنودي
واجعل النصر من نصيبي، والشهادة مقاماً لي بعد ذلك.
ومع بزوغ الفجر، بدا وكأنّ أنفاساً نظيفة تهبّ على السماء لتبعد تلك الغمامة، وأخذت غيوم الرحمة تظلل السماء فوق رؤوس الجنود، لتمطر عليهم وابلاً من الأمطار التي تبشر بالنصر القريب، واغتسلت السماء فوق السهل الممتد أمامهم، وتبددت معها مخاوف السلطان وقلقه. ومع توقف المطر انتقل الجيشان إلى وضعية القتال، وبأمر من السلطان مراد خان الأول، أخذت طبول الحرب تقرع، وأخذ الجميع يردد «المهتر» ملء حناجرهم لرفع المعنويات، بينما كان القادة يتجولون بين الصفوف وهم يهتفون بحماس:
«أيها الأبطال! أيها الفاتحون! اليوم هو اليوم المنشود لنغير على وكر الكفار، ونجعل دماءهم تفيض كنهر جيحون العظيم، ورؤوسهم تتدحرج أمام أقدامنا، واستغاثاتهم تصل قبة السماء. أيها الفرسان! اليوم هو اليوم الموعود، فلتكن همتكم حديدية، وضربات سيوفكم مميتة قوية. لقد كنتم خير رفاق في السلم والحرب، وقد مررنا بالكثير من الأهوال معاً، وحققنا الكثير من الانتصارات سوية، وكل ذلك كان من أجل النصر الكبير والفوز العظيم الذي ينتظرنا اليوم بإذن الله». ومن خلال هذه الكلمات الحماسية استطاعوا شحذ همم أبطالهم، وتوحيد قلوبهم وسيوفهم على هدف واحد.
قاد السلطان مراد قلب الجيش، وترأس الأمير يلدرم بايزيد الجيش الذي ضم قوات روميلي التي كانت تحت إمرة تيمورتاش باشا والي ولاة روميلي، بالإضافة إلى إفرنوس بيك، وسواه من المحاربين والقادة المحنكين، أما ميسرة الجيش فكانت تحت قيادة الأمير يعقوب جلبي والي إمارة كارسي، وكانت تضم قوات الأناضول تحت إمرة والي ولاة الأناضول ساروجا باشا، وجيوش بقية الإمارات مثل غرميان، حميد، تيكة، مينتش، آيدن، وجاندارأغلو.. وكانت الفرقة الإنكشارية تتصدر قلب الجيش، وقد اصطفت أمامها المدافع. وعملاً بنصيحة إفرنوس بيك، فقد اصطفت أمام كل من ميمنة الجيش وميسرته فرق ألفية من رماة السهام، أما الصدر الأعظم علي باشا، فقد اتخذ مكانه إلى جانب السلطان.
قاد الملك الصربي لازار قلب الجيش، وقاد الميمنة ابن أخيه وصهره برانكوفيتش، أما الميسرة فكانت تحت قيادة ملك البوسنة تفارتكو، وكانت قوات كل من المجريين والبلغار والبولونيين، والأفلاق والألبان، والتشيك مقسمة بين كِلا جناحي الجيش.
بدأت المعركة مع ضربات مدافع جيش العدو، وبدوره أمر السلطان مراد سلاح المدافع ورماة السهام بالرد على الهجوم، وهو يردد: «وما النصر إلا من عند الله». وبعد أن انهالت ضربات المدافع العثمانية على المتحالفين، أخذ الرماة يمطرونهم بالسهام، وبالمقابل أمطر العدو ميسرة الجيش العثماني بالسهام، وهذا ما ضعفهم وأضعفهم مع مرور الوقت. وحين رأى الأمير بايزيد ما ألمّ بميسرة الجيش، انطلق مع فرسانه في هجوم صاعق - كما الأسود حين تكرّ على قطيع من الخراف، وكما الشاهين حين ينقض على فريسته - وبعثر صفوف العدو كالصاعقة. وأمام ضربات سيفه والفرسان الذين برفقته، تساقط جنود الصليبيين أرضاً، وكأنهم أوراق في مهب الريح.
وعندما رأى بقية قادة الجيش ورجالاته اندفاع الأمير بايزيد وبسالته، انطلقوا بدورهم وهجموا هجمة رجل واحد، فأغار كل من لالا شاهين، إفرنوس بيك، ياهشي بيك، عيسى بيك، ساروجا بيك، القائد إينة بيك، كارا موكبيل، بالبان بيك، شيرمرد بيك، القائد مستجاب بيك، وبقية القادة والفرسان على العدو من كافة الجبهات، وإزاء هذه الضربات القوية انهارت قوى العدو، وأخذت بيارقه تسقط الواحدة تلو الأخرى، وتسحقها حوافر خيول الفاتحين. وقد أسفر هذا القتال الدامي الذي استمر لأكثر من ثماني ساعات متواصلة، عن انتصار الجيش العثماني، بفضل البطولات التي أبداها فرسانه، جنوداً وقادة، وبفضل الخطط الحربية المحكمة التي كان يسير وفقها. حيث انسحبت في البداية القوات البوسنية من جيش التحالف، فلحق بهم الأمير يعقوب مع قواته، وأردى الكثير منهم قبل أن يتمكنوا من الفرار. ومع حلول المساء كان الجيش الصليبي قد بات شراذماً مهزومة تبحث عن طريق للنجاة من سيوف الفاتحين، وكان القسم الأعظم منهم إما جرحى أو جثثاً هامدة في ميدان المعركة.
الجهاد واجب والشهادة حق
بعد النصر المبين الذي حققه السلطان مراد خداوندكار، أخذ بالتجول في ميدان المعركة، وهو يحمد الله ويثني على نعمه وفضائله، حين طلب منه ميلوش أوبيليج، وهو أحد الفرسان الصرب من ذوي الأصول النبيلة، أن يقترب منه السلطان لأنه يريد أن يشهر إسلامه، وعندما استجاب لطلبه، طعنه الصربي بخنجر مسموم.
بنصل الغدر فاضت روح السلطان
وازدانت الحقول بدمائه الطاهرة.
فانقض الجنود العثمانيون على الصربي بسيوفهم، حتى قطعوه إرباً، ولكن السلطان الجريح أدرك أنّ إصابته قاتلة، لذا طلب من رجاله استدعاء الأمير بايزيد الذي كان يلاحق فلول الفارين. وحال وصول الرسل للأمير، عاد رفقة رجالاته وقادة الجيش على وجه السرعة، وقد فاضت عيناه بالدمع وقلبه بالقهر على مصاب والده. وحين شاهد ذلك الرجلَ القوي، والحاكم المقتدر، على فراش الموت غارقاً في دمائه، غائباً عن الوعي، أخذ يجهش بالبكاء، بقلب ملتاع وفؤاد محزون.
أما السلطان مراد:
فتح عينيه وشاهد الأمير
درّة تاجه وخير كنز لديه
والقهر يعتصر فؤاده الغض
ودموع الحزن تفيض من عينيه
فقال له لِمَ تبكي وتحزن يا بني
فهل دامت لأحد دنيا الفناء
وكل من عقد الآمال عليها
لن يحصد سوى خيبة الرجاء
إن كنت تبكي فابكِ لحال
المسلمين وهم تحت البلاء
أيا مهجة القلب وبهجة الروح
شاء العلي لنا هذا القضاء
فلا تحرمني من دعواتك بني
وخذ براية العدل دون إبطاء
وابذل كل نفيس وغال
لتنعم هذه البلاد بالأمن والرخاء
وبعد أن تمكن السلطان من استجماع البقية الباقية من قواه، وأسدى النصح لابنه، وولاه على العرش، أسلم الروح لبارئها. وبذلك نال شرف الشهادة، وهو المصير الذي كان يبتهل إلى الله عز وجل طوال الوقت من أجل بلوغه، والمكانة التي كان يرجو أن تكون من نصيبه.
وحتى بعد استشهاد السلطان، لم يتخلَّ الجيش العثماني عن ملاحقة العدو، فتمكنوا من القبض على الملك الصربي لازار وابنه، وقاموا بقتلهما على الفور.
وبعد تحنيط جسد السلطان مراد خان وفق العادات والتقاليد التركية، تمّ دفنه في مقبرة جكيرغدة في بورصة والتي كان قد بناها بنفسه قبلاً. ودُفنت أعضاؤه الداخلية في الموقع الذي مات فيه، ومن ثم أُنشئ مدفن في ذلك المكان، حيث بات مزاراً يؤمه مسلمو البلقان، وقد أطلقوا عليه اسم؛ مشهد خداوندكار.
شخصية مراد خداوندكار
ولد السلطان مراد خان الأول؛ ثالث السلاطين العثمانيين سنة ألف وثلاثمئة وستة وعشرين، وذلك في العام الذي تمّ فيه فتح بورصة، ووالدته هي نيلوفر خاتون. وقد تولى العرش عام ألف وثلاثمئة واثنين وستين، بعد وفاة والده السلطان الغازي أورهان.
حقق النصر تلو الآخر خلال سنوات حكمه التي استمرت لسبعة وعشرين عاماً، وحوَّل الإمارة التي ورثها عن والده إلى دولة قوية الأركان، وتمكن من إحراز النصر في المعارك السبعة والثلاثين التي قادها بنفسه، ولم يعرف الهزيمة في أي منها.
كان له العديد من الألقاب منها؛ خداوندكار، سلطان الغازين والمجاهدين، ملك المشايخ، غياث الدين والدنيا، السلطان الغازي، شهاب الدين، والسلطان العادل. كان متوسط القامة، ذا وجه مكتنز يتوسطه أنف نحيل محدب، مقطب الحاجبين، بلحية خفيفة، وكفين عريضين وأصابع طويلة.
كان يتحلى بالصرامة، والجرأة، والنشاط، يلتزم بوعوده، بالإضافة لكونه حاكماً رحيماً ومنصفاً، ومن صفوة السلاطين الذين جلسوا على عرش السلطنة، بارعاً في تنظيم شؤون الحكم وتعيين الأشخاص المناسبين في المناصب، وإدارياً من الطراز الرفيع.
وقد دانت لحكمه كافة مناطق شرق تراقيا، بفضل حركة الفتوحات التي قادها، كما فتح بلغاريا، وأخضع البلقان لحكم السلطنة العثمانية الذي استمر حتى القرن التاسع عشر.
كان مراد خان شغوفاً بالعلم، يهتم بالعلماء، وتشهد على ذلك المؤسسات العلمية والتعليمية التي أنشأها في كافة مدن الدولة وفي البلدان التي كان يقوم بفتحها وضمها لسلطنته. كما كان يجالس العلماء ورجال الدين، ويكنّ لهم احتراماً وتوقيراً كبيرين. وكان من عادته سواء كان في العاصمة أم في أي مدينة أخرى، أن يقوم بتوزيع المال على الفقراء والمحتاجين بعد كل صلاة جمعة. ولم يعد كل من لجأ إليه خائب الأمل والرجاء. وكان إلى ذلك تقياً، ذا عقيدة وإيمان راسخَين، لا يقدم على عمل مخالف لطاعة الله أو سنة رسوله الكريم.
ويورد لنا النشري الحادثة التالية، بين السلطان والإمام الذي يصلي وراءه منذ سنوات طويلة، على الشكل التالي:
«يا شيخنا، أيعقل أنني ولكثرة ذنوبي لا أتمكن من مشاهدة الكعبة الشريفة أمامي، إلا حين أكبّر في الصلاة ثلاث مرات وأنا أضع يدي على صدري، بينما أراك تكبّر مرة واحدة بصوت راضٍ، ويتراءى مشهد الكعبة الشريف أمامك».
ويعلق النشري قائلاً: «لقد كان الغازي مراد من عباد الله الصالحين، ويظنّ أنّ كل من يصلي يشاهد الكعبة الشريفة مثله، ولم يكن من أحد يشكك في صدق إيمانه وتدينه».
وقد أسبغ الطابع الإسلامي على مدينة إدرنة، من خلال الجوامع والمدارس والأوقاف الخيرية، والخانات والقصور والحمّامات التي أنشأها. كما بنى مسجد يشيل جامع في إزنيك، وجامع جيكيرغدة في بورصة، بالإضافة إلى المدارس ونزل للمسافرين، وأوقاف خيرية. وإلى ذلك بنى جامعين في كل من بيله جيك ويني شهير، وتكية دينية في الأخيرة.
وتعتبر آراء معاصريه والمؤرخين ممن تطرقوا إلى عهده، خير دليل على شخصيته العظيمة.
يقول غيبوس: «خلال مدة حكمه التي ناهزت الثلاثين عاماً، قام السلطان مراد بإدارة الدولة العثمانية متفوقاً على معاصريه من حكام وملوك، وتمكن من تقوية دعائم دولته وتوسيعها. ومن خلال حلوله للمشكلات التي اعترضت حكمه، والإجراءات التي اتبعها لترسيخ الاستقرار، نجده مقارنة مع خلفائه السلاطين ممن خلّد التاريخ اسمهم - وحتى إن لم يتمكن من التفوق عليهم - يقف إلى جوارهم بكل تأكيد. وكان يماثل والده في خبرته العسكرية وشجاعته، ولكنه كان ذا أفق أوسع. ولم يشهد عهده أي خلاف بينه وبين ولاته ورجال الدولة ممن يعملون تحت إمرته. أما بالنسبة إلى تعامله مع الروم، فقد عرف بفراسته القوية في الوقوف على طباع السكان بسرعة فائقة، والتصرف معهم وفق عاداتهم، ولم يصدف أن عامل أيّاً من الرهبان أو القساوسة من رجال الدين معاملة سيئة مطلقاً. لقد قام عثمان بجمع أبناء عرقه من حوله، وقام أورهان بتحويلهم إلى دولة، ولكن من جعل من هذه الدولة سلطنة هو السلطان مراد».
أما المؤرخ نيكولاس إيورغا فيحدثنا عنه بالكلمات التالية: «لقد استحق مراد الأول لقب قائد المجاهدين بجدارة، إثر استشهاده وسط جنوده ومجاهديه وذلك بعد النصر الكبير الذي حققه بقيادتهم. ورغم محاولات الغرب إحياء الحملات الصليبية من خلال الجيش الذي كونته الأنقاض الباقية لكل ممالك السلاف والروم، لكنّ مراداً الأول تمكن من تحويل الإمارة التي ورثها عن والده إلى إمبراطورية عظيمة، تنافس مثيلاتها في أوروبا. وقد كان هذا السلطان عادلاً رحيماً مع رعاياه من المسلمين، عطوفاً على النصارى، وأباً رؤوفاً لهم».
أما هالكونديل148 فيورد في وصفه ما يلي: «كان ورعاً تقياً وذا طالع حسن في الآن ذاته. وقد أنعم الله سبحانه وتعالى عليه بهاتين الخصلتين التي إن غابت عنه إحداهما، ما كان لملكه أن يقوم أو يدوم. كان حاكماً قليل الكلام، ولكنه إن تحدث استطاع أسر مستمعيه بحلو حديثه وحكمة كلماته. وكان صياداً لا
يعرف التعب، وفارساً قلّ نظيره بين الفرسان.
وكان النصر حليفه على الدوام، في معاركه التي ناهزت السبعة والثلاثين معركة في روميلي والأناضول. ولم يحدث أن ترك موقعاً للعدو، أو أدار ظهره ولاذ بالفرار، فقد كان محارباً يتحلى بشجاعة فائقة، لا يظهر التردد أو الخشية من العدو مهما تبدلت الأحوال. وحتى في أوقات السلم التي كان يمنح فيها جنوده بعض الراحة، كان يقضي وقته في رحلات الصيد، ولا يحبذ البقاء ساكناً دون حراك. وفي أوقات الحروب كان يعرف كيف يبثّ الحماسة في جنوده من خلال خطاباته الحماسية، كما كان يشدد على الالتزام بالضوابط والأنظمة، وينزل أقسى العقوبات بمن يخالفها. وبالمقابل لا يتوانى عن مكافأة رجاله حين يستحقونها، وكان من عادته أن يناديهم بأسمائهم. ويعامل الأطفال الأجانب ممن يعيشون في قصره بالإحسان والعطف والشفقة».
وقد أشار إليه المؤرخ أحمدي حين قال بأنّ العثمانيين هم من طبقوا الآية الكريمة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...}149، ومدحه بقوله: «لقد كان راسخ الإيمان، ثابت العقيدة».
أمّا شكر الله150 فيصفه قائلاً:
«كان عادلاً، متديناً، صادقاً عالي الهمة، يحب الإحسان وعمل الخير، معين الفقراء، وخير سند لمن لا سند له من المحتاجين والمساكين. لا يتوانى عن الجهاد في سبيل الله ضد الكفار. يمسك بيد الضعيف وينصره، ويساعد الفقير ويسانده. وما من أحد لجأ إلى باب عرشه العظيم، وعاد خائباً دون مراده».
كان شجاعاً عادلاً مقداما
وخير فارس وسلطاناً هماما.
وقد مدحه خوجا سعد الدين بالكثير من الأبيات التي تدل على حسن أخلاقه، وعدالة حكمه:
رفع راية الإسلام شرقاً وغربا
فارحمه يا رب وجنبه الكربا.






القسم الرابع
السلطان يلدرم بايزيد خان
ها أنا أحلكم من الأيمان التي حلفتموها، فاذهبوا
واجمعوا جيوشكم مجدّداً، وتعالوا لمواجهتنا.
فحينها تمنحونني فرصة إحراز النصر عليكم
مرة أخرى. ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى قد خلقني
لنشر دينه الحنيف، ونيل مرضاته.


النضال من أجل توحيد الأناضول

باتت محاولات إمارات الأناضول القيام بالتمرد للاستقلال عن الدولة العثمانية، تقليداً شبه ثابت في كل مرة يتولى فيها سلطان جديد العرش. وكان تولي يلدرم بايزيد العرش وقيامه بقتل أخيه يعقوب جلبي، ذريعة لانتفاض هذه الإمارات وتمردها، وعلى وجه الخصوص إمارة القرمانيين التي كان أمراؤها مناهضين للانضواء تحت راية السلطنة العثمانية، حيث قاموا باستغلال هذه الحادثة وتضخيمها لجعلها سبباً لإثارة بقية الإمارات.
وعلى إثر هذه التطورات توجه يلدرم بايزيد نحو الأناضول على وجه السرعة، بعد اتخاذ التدابير اللازمة لحفظ استقرار البلقان. حيث تمكن من السيطرة على إمارات صاروخان، غرميان وآيدن في مدة وجيزة، وذلك في الفترة الممتدة بين عامي ألف وثلاثمئة وتسعة وثمانين وألف وثلاثمئة وتسعين. ومع هذه الفتوحات قامت السلطنة العثمانية بوضع التدابير الإدارية لهذه المناطق، وجعلت من مدينة كوتاهية مركزاً لها، وعُين تيمورتاش باشا والياً لولاة الأناضول.
وبعد أن تمكن بايزيد من السيطرة على معظم أراضي إمارة حميد أوغلو أيضاً، أصبحت أنطاليا بدورها ولاية تابعة للسلطنة. وتشير كل هذه التحركات إلى أنّ السلطان يلدرم بايزيد كان يخطط لجعل الأناضول إحدى الولايات التابعة للسلطنة العثمانية. فبعد أن قام بالسيطرة على الإمارات الغربية للأناضول توجه على رأس حملة نحو إمارة قرمان. وحين أدرك الأمير علاء الدين علي قرمان أوغلو أنه غير قادر على مواجهة الجيش العثماني، انسحب نحو تاشلي.
وعلى إثر ذلك قام بايزيد خان بمحاصرة قونيا، وبسبب مزامنة الأمر لموسم الحصاد، كانت معظم المحاصيل لا تزال خارج المدينة، بينما أصحابها قابعون في الداخل يحتمون بقلعتها خوفاً.
وبفرمان من السلطان تقرر منع الاقتراب من هذا المحصول العائد للأهالي وقد جاء فيه:
«كل من يُقدم على السلب والنهب، أو السطو على حبة واحدة من محصول الأهالي أو إلحاق الضرر به، سيعاقب بأشد العقوبات».
ولأنّ السلطان كان معروفاً بحدة طباعه وقسوته مع من يخالف أوامره، وبأنّ عقابه سينزل عليهم كصاعقة تحرقهم، لم يتجرأ أحد على الاقتراب من حبة قمح واحدة.
ولكن الجيش في مقابل هذه التدابير، بدأ يعاني من نقص المؤونة، توجه أرباب التجارة ممن يخدمون في جيش السلطان نحو أهالي المدينة الذين فرض عليهم الحصار حظر التجول والخروج لجمع المحصول ونقله، مقترحين الفكرة التالية:
«إنّ محصولكم الراقد في السهل سيغدو عما قريب، طعاماً للطيور وديدان الأرض، فلِمَ لا تقومون ببيعه؟ وستُمنحون الثمن الذي تطلبونه دون نقصان، وبذا يكون الطرفان قد استفادا من نعمة الله عز وجلّ».
وحين بلغ هذا الحديث مسامع الأهالي في المدينة، شعروا بسرور عظيم من عدالة السلطان ونزاهته. وعلى الفور قاموا بتكليف بعض من تجارهم بعملية البيع، حيث خرجوا من القلعة لهذا الغرض، وقاموا ببيع المحصول بالثمن الذي كانوا يريدون وأكثر، وحصلوا على أموالهم فوراً.
وحين انتشرت هذه الوقائع بين سكان قونيا، وتبينوا عدالة السلطان الذي تدين له أعظم الدول، ويركع له أقوى الملوك، تجهزوا لتسليم القلعة له دون قتال، واستقباله أحسن استقبال. وقد انتشرت أخبار عدالة السلطان ومعاملته الحسنة للأهالي في المناطق المجاورة أيضاً، فأصبح الأهالي يظهرون التبعية والولاء طوعاً، ويرغبون في الانضواء تحت حكمه.
وحين رأى قرمان أوغلو أنّ الحظ قد أدار له ظهره، وأنّ أعلامه قد نُكست، انتابه الجزع واليأس، وبدأ يرسل الرسائل إلى السلطان، يرجوه فيها السماح، ويطلب أن يشمله بعطفه، وأن يعفو عما بدر منه من أخطاء وتجاوزات. كما أخذ يحلف أغلظ الأيمان، ويتعهد بالطاعة التامة للسلطان، وأنه لن يعاود مخالفة أوامره، ومحاولة التمرد عليه ما بقي حياً. وأوضح أن سيكتفي ببعض القلاع والمدن لتبقى تحت حكم إمرته لا أكثر.
وقد أسفرت توسلاته في النهاية، واستجداؤه عطف السلطان، وإظهاره كافة إمارات الطاعة، عن صفح السلطان عنه، والتغاضي عما بدر منه من عصيان وتمرد. وعاد إلى بورصة بعد أن جعل من مياه نهر جارشبما حدوداً لإمارته، حيث ترك كل من تاشلي ولاريندة تحت حكمه.
محاصرات إسطنبول
بعد أن تمكن السلطان بايزيد خان من توطيد الأمن والاستقرار في الأناضول، توجه نحو إسطنبول التي شكلت على مرّ القرون قبلة مطامح كافة المسلمين.
وقد قام بمراسلة الإمبراطور مانويل الذي لم يمض على اعتلائه العرش وقت طويل، حيث عرض عليه أن يغلق أبواب المدينة إن كان يريد مواصلة حكمه دون منغصات أو تهديدات، ويحكم فيها كما يشاء، شرط امتلاكه؛ أي بايزيد خان لكل ما هو خارج أسواره، كما طلب منه بناء جامع للأتراك الموجودين داخل مدينته، وتأسيس محكمة للنظر في شؤونهم، وإزاء رفض الإمبراطور لهذه العروض، بدأت ألوية الجيش العثماني بالتحرك لأول مرة في حملة كبيرة نحو أسوار المدينة.
وأثناء مروره في منطقة روميلي، قام بالسيطرة على كافة المدن والقلاع التابعة لبيزنطة، وذلك في العام ألف وثلاثمئة وواحد وتسعين، وخلال الحصار الذي امتد لسبعة أشهر، تمّت محاصرة المدينة براً، وقطع تواصلها مع العالم الخارجي.
ولكن الأنباء الواردة عن تحرك الجيش المجري واجتيازه نهر الدانوب، متجهاً نحو صوفيا، دفع السلطان يلدرم لرفع الحصار عن المدينة، بعد أن ترك حامية من جيشه خارج الأسوار من أجل بقائها تحت المراقبة والسيطرة.
ورغم أنّ السلطان بايزيد خان قد خاض الكثير من الحروب في الشرق والغرب، ولكنه لم يتخل أبداً عن فكرة فتح إسطنبول.
فعاد الجيش العثماني لمحاصرة المدينة للمرة الثانية عام ألف وثلاثمئة وخمسة وتسعين، بعد أن قام الإمبراطور مانويل بترميم الأسوار وتقويتها. هذا الحصار الذي كان تحت قيادة علي باشا جاندارلي زاده، استمر طوال شهور الصيف. ورغم أنّ الأسوار كانت متهالكة متداعية، فقد بدا من الواضح أنّ الحصار سيستمر طويلاً، بسبب عدم وجود مدافع لدعم المحاصِرين. ومع ربيع العام ألف وثلاثمئة وستة وتسعين، حاولوا تشديد الضربات على المدينة، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام خطر صليبي كبير هذه المرة.
وكان السلطان بايزيد خان مدركاً أنّ هذا الخطر مصدره الحقيقي هم البيزنطيون، وهم من سيتسبب في وقوع معركة نيقوبوليس فيما بعد، لذا فقد كان عازماً على التخلص من هذا الخطر المحدق بدولته، للحفاظ على استقرارها.
لذلك وحال انتصارهم في المعركة، قام بتكليف ياهشي بيك السيطرة على شيلة151، ومن ثم أنشأ حصن غوزالجة حيصار (قلعة الأناضول)152 على المضيق. وعلى إثر ذلك أرسل للإمبراطور مانويل يطلب منه تسليم المدينة، وحين جاءه الرد بالرفض، قام بحصار المدينة للمرة الثالثة.
أدت هذه التطورات إلى إرسال فرنسا لستمئة من فرسانها بغرض دعم المدينة المحاصرة، وأشيع عن قرب وصول قوات مساندة من روسيا والبندقية وجنوى أيضاً. ولكن تواتر حصار المدينة، واستمراره في كل مرة لزمن طويل، كان يضرّ باقتصادها، وهذا ما جعل سكانها يضيقون ذرعاً ويصلون حدود التمرد.
ولأنّ قوات الدعم الموعودة لم تأت رغم مرور الكثير من الوقت، فقد أرسل الإمبراطور وفداً لمقابلة السلطان وإعلامه بقبول طلباته السابقة. كما أرسل مع الوفد الكثير من الهدايا لرجالات السلطنة ووزرائها، بالإضافة إلى عشرة آلاف فلورين153.
وقد مال الوزراء إلى قبول عرض الإمبراطور، متذرعين بحركات التمرد التي تلوح بوادرها في البلقان، وباقتراب فصل الشتاء مع ما يحمله من صعوبات للمحاصرين، ولكن السلطان بايزيد خان ردّ عليهم بالقول:
«إنّ غايتنا العظمى هي جعل هذه المدينة الكبيرة دياراً للإسلام، وإن منّ الله سبحانه وتعالى علينا بفضله وجعل النصر من نصيبنا، لن يشق علينا أن نمحو آثار الكفر من هذه البلاد برمتها. ولا يجوز التخلي عن هذه الغاية السامية من أجل حفنة من المال، فهذا ما لا يليق بعظمة سلطنتي ولا برسوخ إيماننا ومعتقدنا».
وإزاء إصرار السلطان، أجابه الوزراء قائلين:
«يمكن تحقيق غاية سلطاننا العظيم دون اللجوء إلى الحرب والسلاح. وسيرضى الإمبراطور بذلك، من خلال إرسال أحد القضاة المسلمين إلى إسطنبول لبناء مسجد في الموقع الذي يختاره، كما سيرفع اسم السلطان في خطبة الجمعة للدعاء له، وستكون العملة التي صكّ عليها اسم السلطان متداولة أيضاً في المدينة. وكل ما يطلبه الإمبراطور مقابل ذلك هو أن يمنحه السلطان حق الحكم داخل المدينة».
وإزاء هذه العروض وافق السلطان على رفع الحصار. وعلى الفور تمّ نقل سكان كل من تاراكلي، وغوينوك، إلى داخل إسطنبول وأقيمت لهم منطقة واسعة هناك، كما تمّ إنشاء مسجد خاص بهم، له إمام مختار من قبلهم، بالإضافة إلى قاض للبت في شؤونهم. وبعد إرسال الجزية مرفقة بالكثير من الهدايا، صدر الفرمان السلطاني الذي سمح برفع الحصار عن المدينة وتحرك الجيش للعودة.
وكانت آخر محاصرة لمدينة إسطنبول في عهد السلطان يلدرم بايزيد في ربيع العام ألف وأربعمئة. وذلك إثر استغلال الإمبراطور تواجد السلطان بايزيد في الأناضول، وقيامه بالسيطرة على بعض القلاع المتواجدة في محيط كل من إزميت وشيلة. وبعد مدة وجيزة من عودة السلطان إلى بورصة، قام بتجهيز جيشه، وأرسله لمحاصرة إسطنبول للمرة الرابعة. وقد كان الحصار هذه المرة شديد الوطء على المدينة التي كان سكانها يعانون فقر الحال، وكانت معنويات المدافعين في غاية السوء أيضاً، وكان الإمبراطور يوحنا السابع على وشك رفع راية الاستسلام.
ولكن التهديد الذي كان السبب في إنقاذ إسطنبول هذه المرة لم يكن آتياً من الغرب كما في المرات السابقة، بل كان قادماً من الشرق. فقد تسببت الحملة التي قام بها تيمورلنك في تأخير فتح المدينة لخمسين سنة أخرى.
الفتوحات العظيمة
في نهاية القرن الرابع عشر كانت هناك إمارتان في رومانيا؛ البغدان (مولدافيا) في الشرق، والأفلاق في الجنوب. وحين توجه السلطان يلدرم بايزيد نحو الأناضول منشغلاً بالفتوحات والمعارك فيها عام ألف وثلاثمئة وواحد وتسعين، قام حاكم الأفلاق الأمير ميرجة، بمهاجمة بعض المناطق الخاضعة للحكم العثماني، وذلك في العام ألف وثلاثمئة وواحد وتسعين. وإزاء وصول قواته إلى بلدة كارنوبات154 في بلغاريا، وقيام جيشه بنهب البلدة وما يجاورها، توجه السلطان يلدرم بايزيد على الفور إلى إدرنة. وجمع جيوش كل من روميلي والأناضول فيها خلال مدة قصيرة، وتحت قيادة هذا السلطان القوي انطلقت جيوشه لتجتاز نهر الدانوب.
اتجهت الألوية التي تحت إدارة فيروز بيك صوب شمال الدانوب، حيث تمكن المحاربون من أسر أمير الأفلاق ميرجة، وقادوه مكبلاً إلى بورصة، وبذلك دانت الأفلاق للحكم العثماني.
أما ألوية الجيش التي كانت تحت قيادة كل من إفرنوس بيك، ويغيت باشا، فقد توجهت صوب البوسنة والهرسك، متوغلة في عمق مملكة المجر، ووصلت حتى النمسا.
وأثناء انشغال السلطان بايزيد بحروبه في الأفلاق، قام علاء الدين علي قرمان أوغلو كعادته باستغلال الفرصة، وأغار على أنقرة في حركة مفاجئة، ناقضاً بذلك كل المواثيق والأيمان التي قطعها، حيث قام بأسر تيمورتاش باشا، وكبله بالسلاسل، وقتل كافة أفراد حامية القلعة بصورة وحشية. وبعد أن نهب المدينة وما يحيط بها، انسحب عائداً.
وما إن سمع يلدرم بايزيد بخيانة قرمان أوغلو، حتى عاد على الفور إلى بورصة، فقام الأخير وخوفاً من غضب السلطان، بإطلاق سراح تيمورتاش باشا على الفور، وأرفقه بالكثير من الهدايا الثمينة، بعد أن طلب منه راجياً أن يتشفع له من أجل الحصول على عفو السلطان والصفح عما بدر منه مرة أخرى. كما أعطاه رسالة ليوصلها للسلطان أكد فيها على تبعيته له، وعزمه البقاءَ مخلصاً تحت طاعته طالما بقي حياً.
ولكن يلدرم بايزيد لم يعر سمعاً لتلك الكلمات بل قابل الوفد المرسل إليه بغضب عارم، وأجابهم بالقول:
«سيكون هذه السيف هو الفيصل بين الحق والباطل، وبين الإخلاص والخيانة».
وبذلك التقى الجيشان العثماني والقرماني في سهل آكجاي مرة أخرى، وتمكن العثمانيون من إلحاق هزيمة قاصمة بهم، حيث كان علاء الدين علي وابنه محمد بيك أيضاً في عداد الأسرى. وقد أرسل السلطان يلدرم بايزيد، القائد تيمورتاش باشا على رأس حملة لفتح القلاع العائدة لإمارة قرمان، حيث أمر السلطان أن يرافقهم علاء الدين علي أيضاً، من أجل تسيير الفتح. ولكن تيمورتاش باشا الذي ذاق الويلات على يد علاء الدين علي حين كان أسيراً لديه، قام بقتله على الفور.
حين بلغت السلطان هذه الأخبار ثار غاضباً، ووبخ الباشا توبيخاً شديداً، وأمر بإحضاره للمثول بين يديه.
ولكن تيمورتاش باشا الخائف من غضب يلدرم بايزيد، برر الأمر قائلاً حال مثوله أمامه بالقول:
«لقد دأب أجدادك المعروفون بعطفهم وشفقتهم على مسامحة أعدائهم والعفو عن الخونة منهم على الدوام، ومعاملتهم بالإحسان. ولكن هذا النوع من المعاملة لم يكن مجدياً معهم. فهؤلاء الجاحدون لم يظهروا ولو لمرة واحدة، آية من آيات الامتنان أو الإخلاص. وقد خشيت من هذا الأفاق الخائن الناكث بوعوده، وفكرت في أنّ سلطاننا العظيم سينحو للعفو والمسامحة بسبب غلبة الطيبة على طباعه، وسيصفح كعادته عن هذا الخائن الذي لا يتورع عن ارتكاب أكبر الفظائع مستغلاً كرم السلطان وعفوه في كل مرة، وخشيت من عواقب هذا الأمر، وهذا ما دفعني للإقدام على ما أقدمت عليه». وبذا نجا من عقاب السلطان ونال عفوه.
وقد دانت في هذه المرة كل من؛ قونيا وآك شهير، آك سراي، لارندة والكثير من القلاع والمدن التابعة للقرمانيين، لحكم السلطنة العثمانية.
وفي الفترة التي قام فيها أمير الأفلاق ميرجة، بشن هجوم على نيكوبول، انضم إليه ملك بلغاريا إيفان شيشمان أيضاً. وعلى إثر هذه الخيانة التي ارتكبها شيشمان الذي كان خاضعاً لحكم السلطنة العثمانية، قام السلطان بايزيد بإرسال ابنه سليمان جلبي على رأس حملة لمواجهتهم.
تمكن سليمان جلبي من السيطرة على فيليكو ترنوفو التي كانت تحت إدارة باتريك إيفتيم، بعد حصار دام لثلاثة أشهر. ثم توجه إلى نيكوبول على وجه السرعة، حيث تمكن من السيطرة عليها أيضاً في فترة وجيزة، ومن ثم قام بإعدام الملك إيفان شيشمان. وبذلك فقد دانت البلغار بشكل كامل للسيطرة العثمانية عام ألف وثلاثمئة وثلاثة وتسعين.
وفي هذه الأثناء كانت الفتوحات العثمانية تتوالى تباعاً في كل من شمال مقدونيا، قره داغ، وفي ألبانيا وإبيروس، ففي العام ألف وثلاثمئة واثنين وتسعين تمت استعادة سكوبيه من الصرب، لأنها كانت تابعة للعثمانيين قبلاً. وباستثناء بعض المدن التي بقيت تابعة لحكم البندقية وإمارة ألبانيا، فقد دانت كافة مناطق ألبانيا وقره داغ للسلطنة العثمانية. ومع حلول العام ألف وثلاثمئة وأربعة وتسعين، كانت رايات العثمانيين تعلو فوق سالونيك أيضاً.
ومن ثم واصل يلدرم بايزيد خان توسعه في الأناضول وتوحيد إماراته بصورة متسارعة، خاصة بعد الهزيمة التي ألحقها بالقرمانيين. ففي البداية خضعت له سامسون التي كانت تحت حكم الأمير جونيت بيك قوباد أوغلو جانيك بيك، ومن ثم دان لسيطرته أمراء عائلة تاجر الدين أوغلو.
السلطانة هوندي
أثناء قيادة السلطان بايزيد خان لحملته على المجر، رأت ابنته السلطانة هوندي رسول الله ÷ يزورها في الحلم، ويخاطبها قائلاً:
«تزوجي من ابني محمد بخاري155، وإياك أن تخالفي طلبي هذا».
ولكن السلطانة هوندي، التي كانت تتصف بحسن الخلق والحياء والأدب، لم تفصح عن حلمها هذا لأي أحد. فقد تقرر أن تتم خطبتها لسليمان باشا. وفيما كانت مشاعر القلق والحيرة تعصف بالسلطانة الشابة، عاد الرسول الكريم، ليزورها في الحلم في الليلة التالية، وهو يقول لها:
«إن كنت ترجين شفاعتي في الآخرة، فتزوجي من محمد بخاري».
وإزاء تكرر الأمر، زايلتها الشكوك، وأدركت أنّ الامتثال لوصية الرسول الكريم وأوامره هي غاية الشرف، ومنتهى الأمل. ولكن هل كان أمير سلطان على علم بالأمر؟ وكيف وعن طريق من كانت ستعلمه بما جرى معها؟ وأخيراً استقر بها القرار على إخبار إحدى جارياتها - التي كانت معروفة بأخلاقها الحسنة وتكتمها - بالحلم الذي راودها، وطلبت منها أن تذهب لإخباره. وحين أخبرت البخاري بالأمر، أجابها قائلاً: «وأنا أيضاً مطلع على الأمر، فقد عقد الله سبحانه وتعالى قراننا في السماء، وحسب ما ينص عليه الدين فعلينا أن نعقده في العلن أيضاً. وعليك أن تخبري السلطانة هوندي بذلك». وبإذن من دولت خاتون، قام الملا فناري بعقد نكاح الشابين.
أما السلطان بايزيد الذي كان في تلك الأثناء منشغلاً بمعاركه في روميلي، ولم يتمكنوا من أخذ موافقته، فقد ثار واحتد غضباً حين سمع بالأمر. ودون تفكير أو تردد قرر معاقبة السلطانة هوندي وأمير بخاري عقاباً قاسياً. فأمر بإرسال أربعين فارساً لمحاوطة بيت أمير بخاري، ورغم أنّ الكثير من أعيان بورصة ورجالاتها حاولوا ثني الفرسان عن القيام بالأمر، ولكنهم لم يوفّقوا. وحين حاول هؤلاء دخول المنزل عنوة، تسبب ذلك في حتفهم. فقد كان أمير بخاري يتلو الآية (29) من سورة ياسين في تلك الأثناء {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}. وعلى الفور تقدّدَ الأربعون فارساً بمن فيهم سليمان باشا، وفارقوا الحياة. فقام ملا فناري وأهالي بورصة بغسل أجسادهم المقددة، ودفنهم. وإثر هذه الحادثة سميت تلك المنطقة بمنطقة المقددين.
وحرصاً من الملا فناري على عدم قيام السلطان بما قد يودي لمهالك أخرى، فقد أرسل إليه الرسالة التالية:
«أبدأ الرسالة باسم الله العفو الغفور الذي يشفق على الدوام بعباده.
أدعو الله جلّ جلاله وأنا عبده الضعيف العاجز، أن يطيل عمر مولانا السلطان، حامي ديار المسلمين والأتراك، والقائد الذي يسير على هدي أبناء عثمان في الجهاد لبلوغ مراتب الحق والمجد، وراعي الدين الحنيف والمسلمين في كل مكان، وأن يمده بالذرية الصالحة والسلف الصالح، وأن يجعل المجد والسيادة من نصيبهم ما بقي الدهر.
أريد أن أطلع السلطان العظيم على أنّ النبي عيسى عليه السلام، الذي سبق رسولنا الكريم محمداً، قد أرسل ثلاثة من أتباعه إلى إحدى البلدات لدعوة أهلها إلى الحق والهداية. ولكن أهالي تلك البلدة، قاموا بتكذيبهم ومن ثم قتلهم. وعادوا إلى منازلهم بعد ارتكاب هذه الجريمة، مختالين مسرورين. ولكن الله سبحانه وتعالى لم يكن راضياً عن هذه الجريمة التي ارتكبوها. فأمر جبريل عليه السلام، أن يهبط في تلك البلدة، ويخاطب أهلها بصوت مدمر راعد، ومرعب إلى أقصى الحدود. وحين صرخ فيهم جبريل عليه السلام صرخة واحدة، فارق كل من في تلك البلدة الحياة على الفور. فأرجو أن يحمينا الله سبحانه وتعالى من كارثة مماثلة.
وأنا لي رجاء لدى مولاي العظيم، فأمير سلطان الذي أمرتم أمس بقتله، هو شاب على قدر عال من الخلق وعلاوة على ذلك، فهو من نسل الرسول الكريم. ولم يسبق من قبل لشخص ينحدر من هذا النسل العظيم، ويملك هذه الأخلاق العالية في الآن ذاته، أن وطأ أرض الأناضول. وكان من الأجدى إرسال الموفدين محملين بالهدايا النفيسة التي تليق بسمو نسبه وعلو مقامه إلى بخارى من أجل دعوته إلى ديارنا، لتنال الشرف الأبدي. ورغم أنك لم تقدم على هذه الخطوة، فقد أقبل هو من تلقاء نفسه، ومكث في ديارنا وأكسبنا هذا الشرف العظيم، وجعلنا ننال هذه الحظوة في الدنيا والآخرة.
كما أريد إعلامكم أنّ صهركم هو واحد من الذين أشار إليهم رسولنا الكريم في حديثه بالقول: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل». ولم نحظَ بهذا الفيض النوراني وهذه المعجزات منذ عهد رسولنا الكريم. وأنا واثق إن أرسلت أحداً آخر لقتله مرة أخرى، فسيكون ذلك سبباً في هلاكنا وخراب ديارنا. والرأي في الختام لمولاي العظيم».
حين وصلت الرسالة إلى السلطان بايزيد، كان يحارب المجريين، وكان جيش العدو ينزل خسائر فادحة بالعثمانيين. وفي تلك الأثناء كان هناك شاب يجول بين الجرحى ليضمد جراحهم وإصاباتهم، وفي بعض الأحيان كان يرفع يديه بالدعاء لهم. وحين رأى السلطان يلدرم بايزيد الذي أصيب في ذراعه، هذا الشاب وهو يجاهد في تقديم العون للجرحى، ويعاملهم بكل عطف وعناية، اقترب منه قائلاً: «لقد أصيبت ذراعي أيضاً، فهلاّ قمت بتضميد الجرح؟». فأجابه الشاب: «تفضل يا مولاي، لكي أضمد جرحك بهذا المنديل». وفي صبيحة اليوم التالي أعلموا السلطان بأنّ كافة الجرحى قد تماثلوا للشفاء، وباتوا قادرين على الحركة، وتحسن المصابون منهم. فانتاب السلطان الفضول، وأزال المنديل عن جرحه ليراه، فاكتشف حينها أنه نصف المنديل الذي سبق وأنه أهداه لزوجته أيام خطبتهما، وأن جرحه أيضاً قد تحسن بصورة ملحوظة. وفي المساء أمر بإحضار الشاب الذي كان يعالج الجرحى، ولكن أحداً لم يتمكن من العثور عليه.
وبعد فترة حين عودة السلطان مع جيشه إلى بورصة، كان أمير سلطان أيضاً من بين الواقفين لاستقباله. وحين ألقى التحية على السلطان، أدرك هذا الأخير أنه الشاب الذي كان يعالج جروح المصابين في ساحة الوغى بمن فيهم جرحه أيضاً. فقال له السلطان غامزاً: «ما سر قدرة تلك اليد وسرعتها؟». فأجابه أمير سلطان بالآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...}. وحينها سأله السلطان «وماذا عن ذلك المنديل المشطور؟».
فرد عليه أمير سلطان حينها «يا والدي، إن الشطر الثاني من ذلك المنديل في جيبي، فأنا صهرك محمد شمس الدين». حينها ترجل السلطان عن جواده واحتضن الشاب وأجهش كلاهما في البكاء.
ونظراً للمساعدة التي قدمها للجيش أثناء المعركة، خصص له السلطان يلدرم بايزيد حصته من غنائم المعركة. ولكن أمير سلطان ورغم الإصرار الكبير رفض أخذ شيء منها. وفي النهاية ومن أجل أن يرضي السلطان عرض عليه قائلاً: «إن أمرتم ببناء مسجد، سننال حصة من ثواب هذا العمل».
وهكذا تمّ بناء جامع أولو (الجامع العظيم) في بورصة.
التحالف الصليبي الكبير
وصلت حدود السلطنة العثمانية حتى حدود بلاد المجر، وبعد حصار البيزنطيين تمّ فتح سالونيك أيضاً، وبذا دانت بلغاريا برمتها للحكم العثماني، وكانت هذه التطورات بطبيعة الحال تهدد عرش سيجسموند ملك المجر. وحين أدرك أنه غير قادر لوحده على مواجهة الخطر العثماني، قام بدعوة دول أوروبا والبيزنطيين من أجل عقد تحالف صليبي ضخم لردع هذا التهديد. وكان البابا بونيفاس التاسع أيضاً يرسل أوامره ويلقي الخطب والعِظات تأييداً لهذه الغاية. وبذلك انتشر هياج محموم لم يقتصر على قصور الملوك، بل انتقل بسرعة الهشيم في النار إلى كافة طبقات الشعب، وزاد إلى حدوده القصوى مع الحصار الثاني لإسطنبول، وبدأت كافة الدول بحشد الجنود من أجل الحملة الصليبية.
تولى سيجسموند قيادة الجيش الصليبي الذي بلغ تعداده ستين ألف جندي. وبالإضافة للمجريين، فقد اشترك في الحملة الفرنسيون، الألمان، البريطانيون، الإسبان، مملكتا قشتالة وأراغون، الأفلاق والبولونيون، التشيكيون، النرويجيون، الإسكتلنديون، والإيطاليون، بالإضافة إلى جنود بابا الفاتيكان وهم فرسان رودوس156 وفرسان التيوتون157. حتى البنادقة ورغم خشيتهم من تعرض مصالحهم التجارية للخطر، فقد شاركوا من خلال أسطولهم. وباختصار فقد كانت أوروبا برمتها تتجهز لمحاربة العثمانيين.
كانت القوات الفرنسية - التي بلغ تعدادها عشرة آلاف محارب تحت قيادة جان الجريء كونت دي نيفر - قد اجتمعت في مدينة ديجون الفرنسية، وانقسمت إلى لواءين بدآا بالتحرك ما بين العشرين والثلاثين من نيسان العام ألف وثلاثمئة وستة وتسعين. اتجه اللواء الأصغر نحو طريق البندقية وسلسلة الألب الشرقية، أما اللواء الأكبر فقد سار على طريق بافاريا - ستراسبورغ، وأثناء الطريق انضمت إليهم القوات الألمانية أيضاً، حيث وصلوا فيينا في الرابع والعشرين من حزيران من العام ذاته. وكان النصارى الذين يتواجدون في المناطق التي تمرّ منها هذه القوات يتعرضون للقتل، ويتم نهب أموالهم وممتلكاتهم.
وبحسب الاتفاق المزمع بينهم، وصلت القوات الفرنسية، الألمانية، البريطانية، وفرسان بوهيميا وبولونيا، بالإضافة إلى جنود إيطاليا المرتزقة، إلى بودابست في تموز، لتتحد مع القوات المجرية. وقد استقبلهم الملك سيجسموند وسط مظاهر احتفالية باذخة. وهذه القوات التي بلغ تعدادها ما يقارب مئة وثلاثين ألف محارب، قسّمت إلى قسمين بحسب قرار المجلس العسكري الذي عقد في بودابست.
كان القسم الأكبر من هذه القوات تحت قيادة الملك سيجسموند، وقد سار متجهاً نحو صربيا، وبلغ وادي نهر الدانوب، وأكمل سيره بمحاذاة الضفة اليسرى من النهر حتى بلغ الأراضي العثمانية. وقد عاودوا قتل كل النصارى ممن في طريقهم، وكرروا عمليات النهب والسلب والاغتصاب. ورغم أنّ الأتراك القاطنين في أورشوفا158 قد حاولوا المقاومة، ولكن خيانة نصارى المنطقة تسببت في هزيمتهم. ومع خروجهم من القلعة انتقلت المدينة إلى سيطرة الصليبيين، حيث تمّ قتل جميع الأتراك الذين وقعوا في قبضتهم. وكانت هذه عاقبة الأتراك في كل من فيدين وراهوفا، وأخيراً وصل سيجسموند إلى نيكوبول في شهر أيلول.
ومن جهة أخرى، فقد اجتازت القوات الفرنسية التي كانت تحت قيادة جان الجريء، بودين ومن ثم ترانسيلفانيا، متجهة نحو الأفلاق، حيث التقت بحاكمها هناك مع قواته، وتوجه الجميع نحو نيكوبول للانضمام لبقية الحملة. كما جاء أسطول البندقية، ورودوس بالرسو في نهر الدانوب.
ومع تقدم الصليبيين، كان الأورثوذوكس في البلقان عرضة للقتل والسرقة والاعتداء، بدافع التعصب الديني الكاثوليكي. وفي الوقت الذي كان نصارى البلقان ينعمون بالحماية والرعاية من قبل السلطنة العثمانية، فقد غدت أموالهم وأرواحهم وأعراضهم مستباحة أمام جحافل الصليبيين.
وفي الثامن من أيلول عام ألف وثلاثمئة وستة وتسعين، بلغت قوات التحالف قلعة نيكوبول التي كانت تحت إمرة القائد العثماني دوغان بيك وقواته، وضربت الحصار عليها براً ومن جهة النهر أيضاً.
وبسبب سيطرة قوات التحالف على القلاع العثمانية التي كانت الحامية فيها قليلة العدد، فقد استبد بهم الغرور. واحتشد ذلك الجيش الجرار الذي كان تعداده يتراوح بين المئة والعشرين والمئة والثلاثين ألف محارب أمام أسوار القلعة في صخب بالغ. وكانوا يصطحبون معهم النساء وبراميل الشراب، ويقضون معظم أوقاتهم في الاحتفال واللهو. وكانوا معتدين بكثرتهم لدرجة كبيرة، حتى إنهم كانوا يرددون مختالين: «حتى لو سقطت السماء علينا، فسنسندها برماحنا».
وكان ملك المجر سيجسموند يردد متباهياً وسط الأمراء وقادة الجيش والفرسان أثناء الاحتفالات التي يقيمها: «السلطان بايزيد حر إن أراد المجيء أم لا، لأننا مع قدوم الصيف سنجتاز الأناضول ومن هناك نتوجه إلى سوريا، وسنأخذ يافا وبيروت من يد العرب، ونسيطر على العديد من المدن السورية لتعزيز قوانا، وحينها سنقوم بفتح مدينة القدس وكافة الأراضي المقدسة». وتحت تأثير هذه الأوهام ظل الجيش الصليبي يعبث لاهياً أمام أسوار نيكوبولي لستة عشر يوماً إضافياً.
من جهة أخرى حين وصلت أنباء التحضير للحملة الصليبية للسلطان بايزيد واجتيازهم الحدود العثمانية، أجّل محاصرة إسطنبول، وقام بجمع قواته في إدرنة. كما اجتازت قوات الأناضول بقيادة الأمراء وكاراتيمورتاش باشا المضيق، للالتحاق بجيش السلطان الذي اتجه على رأس جيشه نحو نهر الدانوب.
أيا دوغان!
بحسب ما أورده المؤرخ خوجا سعد الدين159، لم يتمكن إفرنوس بيك رغم محاولاته، الوقوف على أخبار عن جيش العدو، ولا عن قلعة نيكوبول التي شددوا الحصار عليها من كافة الطرق البرية ومن النهر أيضاً. وحين أبلغ السلطان يلدرم بايزيد بهذه الأنباء اغتمّ كثيراً. ومع حلول الليل امتطى السلطان جواده الأدهم في صمت وسرعة، ودون أن يخبر أحداً من حراسه، انسل وسط الحلكة، وانطلق بسرعة البرق، متوجهاً بسرعة نحو معسكر العدو، وتسلل وسط الحراس المخمورين بصمت حتى وصل أمام جدران القلعة، ووقف في مكان يعلو عما يجاوره، وأخذ ينادي بصوت يذكّر بصوت الرياح حين تهب على أرض عطشى، وهي تسبق الغيث والمدد: «أيا دوغان! أيا دوغان».
وقد سمع قائد القلعة - الذي كان يقضي جلّ وقته على أسوار القلعة يشرف على حمايتها مع جنده ويستطلع أحوال العدو - هذا الصوت، ولكنه لم يهتم به كثيراً. ورغم أنه بدا شبيهاً بصوت السلطان، لكن لم يتبادر لذهنه أنه سيتمكن من اجتياز جيش يفوق تعداد مئة ألف جندي، ويصل القلعة وسط هذا الحصار. فظن أنه يتوهم، لذا لم يعر الأمر اهتماماً. ولكن الصوت عاد هذه المرة في نبرة أكثر قوة ورسوخاً، احتار دوغان بيك فيما سيفعله. وحين توجهت نظراته نحو الأسفل، رأى السلطان يمتطي ظهر حصانه ويقف أمام جدران القلعة. وأدرك أنّ سلطاناً كهذا يستحق التضحية بكل نفيس وغالٍ في سبيل خدمته. وحين سأله السلطان عن أحوال القلعة ردّ عليه القائد بالقول:
«القلعة صامدة، وأبوابها محكمة حصينة، والمدافعون يواصلون حراستها ليل نهار دون كلل. كما أنّنا نملك ذخيرة كافية». وقد سمع بعض من حراس العدو المحادثة التي دارت بين السلطان وقائد القلعة، لكنهم لم يفهموا منها شيئاً، فتوجهوا نحو قادتهم لإبلاغهم بالأمر دون تأخير، حتى وصل خبر الحادثة إلى القائد بوبيكو والملك سيجسموند، وتمّ استجواب الحراس. وبعد أن اتضح أنهم كانوا يعاقرون الشراب، تمّ جلدهم خمسين جلدة، بتهمة الإخلال بواجبهم والشرب أثناء العمل، ونشر أخبار تثبط من عزيمة الجند وتزرع بينهم البلبلة، كما تقرر سجنهم لمدة ثلاثة أيام، دون طعام أو شراب. ورغم أنهم كانوا يصرخون قائلين أثناء الجلد بأنهم صادقون فيما قالوا، لكن قرع الطبول والمزامير كانت تغطي على صرخاتهم.
من جهة أخرى فقد التقت طلائع الجيش العثماني المتجهة إلى نيكوبول مع جنود التحالف الذين كانوا متواجدين في فيليكو ترنوفو، للحصول على مؤن للجيش، فقاموا بأسر جزء كبير منهم، وأما الذين تمكنوا من النجاة فقد أسرعوا بالعودة وهم يحملون أخبار اقتراب الجيش العثماني، الأمر الذي لم يكن متوقعاً، فلم يكن القائد بوبيكو يخمن أنّ السلطان بايزيد سيأتي قادماً من جهة فيليكو ترنوفو. حتى أنه صرخ بحنق:
«سأقطع آذان هؤلاء الذين يبثون الأخبار والشائعات الكاذبة بين الجند لإخافتهم».
ولكن الملك سيجسموند الذي كان يعلم قدرات الجيش العثماني، وإمكاناته في القتال، أرسل قوات من الكشافة لاستطلاع الأخبار والتحقق من صحة ما أشيع. فقامت طلائع الجيش العثماني التي كانت تحت قيادة إفرنوس بيك بالقضاء على هذه القوات.
وقد عسكرت القوات العثمانية على بعد عشرة كيلومترات جنوب أسوار نيكوبول، ونصب مقر قيادة الجيش صوب الشمال. ومع اقتراب الجيش من نيكوبول أخذت فرق الكشافة تنتشر في السهل، بينما اتخذ جيش التحالف وضعية القتال، وذلك بعد المجلس الحربي الذي عقده الملك سيجسموند. ولأنه كان مطلعاً بشكل جيد على التشكيلة الحربية للجيش العثماني، فقد وضع قوات الأفلاق في المقدمة، وذلك ليواجه القسم الأكبر من جيشه قلب الجيش العثماني المتمثل بالإنكشاريين. وتتبعها القوات الفرنسية التي ستواجه بقية الفرق، حتى يتمكن الجيش الصليبي من إحراز النصر بسرعة.
أما جان الجريء الذي لم يكن يعرف الكثير عن العثمانيين، وعن مقدرات جيشه، فقد صرخ معترضاً على هذه الاستراتيجية: «إنّ ملك المجر يبتغي الأسبقية في تحقيق النصر، فقد كنا نحن في مقدمة الجيش وذلك بتكليف منه، ولكنه الآن يريد أخذ هذا الموقع منا. ويريد كسب المعركة قبلنا، وهذا ما لن نرضى به». وإزاء هذا الاعتراض القوي، لم يكن أمام الملك المجري سوى الرضوخ، والقبول بما يريدونه.
معركة نيقوبولس
في صبيحة الخامس والعشرين من أيلول عام ألف وثلاثمئة وستة وتسعين، تقابل كل من الجيش الصليبي الذي تشكل من تحالف معظم الدول الأوروبية، بحيث ناهز تعداده المئة والعشرين ألف جندي، والجيش العثماني الذي لم يكن تعداده يبلغ نصف هذا الرقم، والذي كان مقسماً على الشكل التالي:
في المقدمة كانت تتموضع فرقة خفيفة من المشاة بقيادة ساروجا باشا، وفي الميسرة كانت قوات روميلي تحت قيادة الأمير سليمان جلبي، بينما كانت الميمنة المؤلفة من قوات الأناضول تحت قيادة الأمير مصطفى جلبي ووالي ولاة الأناضول كارا تيمورتاش باشا، أما قلب الجيش فكان من نصيب الإنكشاريين. وكان الخيالة من المحاربين موزعين على الميمنة والميسرة. وكل من الصدر الأعظم علي باشا، ووالي ولاة روميلي فيروز بيك، ومالكوج بيك متواجدين في ميسرة الجيش.
وبينما كان تنظيم الجيش العثماني يقوم على وضع المشاة في خطوط الهجوم الأمامية، وترك الخيالة للمراحل التالية من القتال، معتمدين عليهم في تحقيق نتيجة حاسمة، كان الجيش الصليبي قد وضع فرسانه من الجنود الفرنسيين في طليعة الجيش، أما قلب الجيش فقد كان بقيادة الملك سيجسموند، والميسرة مؤلفة من المجريين والكرواتيين، بينما الميمنة تضم البولونيين تحت قيادة ستيفان ميرجة. وكان نهر الدانوب ومدينة نيكوبول المحاصرة هي ما يحدّ الصليبيين من الجنوب.
تقابل الجيشان بعد تنظيم الصفوف، وابتدأ خيالة الفرنسيين الهجوم، لغرورهم وثقتهم
المفرطة في تحقيق النصر. وتلقى قلب الجيش الذي كان بقيادة السلطان يلدرم بايزيد هذا الهجوم، حيث قضت القوات الفرنسية على المشاة الخفيفة التي كانت في المقدمة لتلتحم بالإنكشاريين الذين يشكلون قلب الجيش، حيث لم يكن السلطان بايزيد بعيداً عن هذه الهجمات، ولكن صفوف الإنكشاريين بدأت بالتباعد والاصطفاف على شكل هلال وفق تخطيط في غاية الإتقان. وفيما كان قلب الهلال يتراجع، كان الفرنسيون يتقدمون مندفعين في هياج محموم بأوهام الانتصار، بينما كان طرفا الهلال على وشك الالتقاء والإحاطة بهم في حلقة محكمة. وفي اللحظة التي سيطر فيها الفرنسيون على التلة التي كان يشغلها مركز الجيش، ذهلوا حين أحاطت بهم القوات التي تحت إمرة السلطان بايزيد. وحين حاولوا الانسحاب أدركوا أنهم باتوا أسرى كمين طوّقهم كدائرة الموت، وبذلك سحق الإنكشاريون هذه القوات الصليبية التي كانت تحتل موقع الصدارة في جيش التحالف، وقضت عليها، فيما قامت بأسر من سلّموا أنفسهم. وقد كانت هزيمة القوات الفرنسية سبباً في تجنب بقية الفرق الانخراط في الهجوم، فقام ستيفان ميرجة بسحب قواته عائداً إلى بلاده بعد أن أدرك أنّ الهزيمة ستكون من نصيبهم. بينما قاد العثمانيون هجوماً كاسحاً على الملك سيجسموند، ورغم أنه زج بقواته الاحتياطية أيضاً في المعركة، ولكن ذلك لم يغير من النتيجة كثيراً. ولرغبة السلطان بايزيد في الوصول إلى نتيجة حاسمة لصالحه، أمر بزج كافة القوات العثمانية في القتال، وهذا ما بثّ الرعب في قلوب الصليبيين وشتت شملهم. أما الملك سيجسموند الذي كان يتبجح هو وجنوده بالقول: «حتى لو سقطت السماء علينا، فسنسندها برماحنا»، فقد لاذ بأحد سفن أسطول البندقية مجتازاً مضيق إسطنبول، ومبحراً في كل من بحر إيجه ومرمرة، للوصول إلى ميناء مودون في المورة، ومن هناك توجه نحو دالماجاي ليعود إلى بلاده. وبالنسبة إلى بقية الجيش ممن لاذوا بالفرار حتى قبل أن يشتركوا في القتال، فقد رموا بأنفسهم في نهر الدانوب وغرق قسم كبير منهم. وتمكن الجيش العثماني من أسر أعداد كبيرة من الجنود بينهم الكثير من القادة من أبناء العائلات النبيلة أيضاً.
وقد علق المؤرخ ثوروكس على فرار الملك سيجسموند بالقول: «لو لم يتمكن الملك من الفرار على سطح أحد المراكب، لما كان مات سحقاً من سقوط السماء عليه، بل بضربات سيوف العثمانيين وسهامهم».
ويصف لنا دلوغوزس خوف الجنود الصليبيين من القوات العثمانية قائلاً: «قام سوانتوس لاوس وهو أحد الفرسان البولونيين ممن رموا بأنفسهم في نهر الدانوب للنجاة، بالتعلق بحبال السفينة التي كان الملك سيجسموند على ظهرها، ولكن بسبب حمولة السفينة الكبيرة، قام البحارة بقطع يديه لمنعه من الصعود».
أُحلكم من أَيمانكم
قام العالم النصراني متمثلاً بالفاتيكان وبيزنطة وكافة الدول الأوروبية بوضع كل إمكاناته من أجل إخراج العثمانيين من القارة الأوروبية، وكان الجيش الصليبي الذي لم يتمكن حتى من مواجهة السلطان بايزيد، هو الوسيلة التي لجؤوا إليها لتحقيق هذه الغاية. وقد وقع معظم فرسان الجيش الفرنسي ذائع الصيت في أوروبا، في الأسر، بمن فيهم جان الجريء والكثير من النبلاء وأبناء العائلات العريقة، والذين أطلق سراحهم جميعاً بعد دفع الفدية المطلوبة. وفي اليوم الذي كانوا سيعودون فيه إلى بلادهم، دعاهم السلطان بايزيد إلى وليمة بهذه المناسبة، وقد تعهد جان ورفاقه أمام السلطان قائلين: «من الآن فصاعداً نقسم ونعد السلطان يلدرم بايزيد وعد شرف أننا لن نقدم على مواجهته أو رفع سلاحنا في وجهه ما بقينا».
فردّ عليهم السلطان بجملته الشهيرة:
«وأنا أقول لجان الجريء الذي نال هذا اللقب بين الأوروبيين، ولأصدقائه، ها أنا أحلكم من الأيمان التي حلفتموها، فاذهبوا واجمعوا جيوشكم مجدّداً، وتعالوا لمواجهتنا. فحينها تمنحونني فرصة إحراز النصر عليكم مرة أخرى. ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى قد خلقني لنشر دينه الحنيف، ونيل مرضاته».
وقد أرسلت (الفتح نامات)160 التي تبشر بالنصر الذي تحقق في نيقوبولس إلى كافة أنحاء السلطنة بالإضافة لإرسالها إلى سلطان مصر، وحكام وأمراء آسيا، أمراء العراق والعجم، خان التتار، قاضي بورصة. وقد خاطب الخليفة العباسي الذي كان مقيماً في مصر آنذاك، في الردّ الذي أرسله، السلطانَ بايزيد «بسلطان إقليم الروم». واعتباراً من ذلك التاريخ بات لقب السلطان لقباً رسمياً للحكام العثمانيين.
افتتاح جامع أولو
انتهى العمل في بناء جامع أولو في العام ألف وأربعمئة، وكان قد بُدئ العمل فيه في العام ألف وثلاثمئة وستة وتسعين بطلب من أمير سلطان. ويعتبر أحد أجمل الشواهد على العمارة العثمانية، بمئذنتيه وقبابه العشرين، ومن أكبر الجوامع العثمانية بمساحته الداخلية الممتدة على مساحة ثلاثة آلاف ومئة وثمانين كيلومتراً مربعاً. ويمتاز ببابه المقنطر الرائع التصميم ذو الدرفتين، بالإضافة إلى المنبر المصنوع من خشب الجوز ذي النقوش المتقنة، وجدرانه المزينة حتى السقف بلوحات للخطوط العربية البديعة.
وكانت أبوابه الثلاثة التي تشرف على جهات مختلفة، تطل على الفسقية161 مثلثة التصميم التي تتفرع منها ثماني مجارٍ يسيل منها الماء ليوزع على ست عشرة صنوبرة. بينما تحيط المقصورات بالحوض، حيث يجلس المرتادون على الأرائك بانتظار وقت الصلاة، فيما يزجون وقتهم بالدعاء وقراءة القرآن الكريم.
وفي يوم افتتاح هذا الجامع الذي يُرى من كافة أرجاء بورصة الخضراء، بقبته الزمردية اللون، التي تبدو كماسة تزين المدينة، تقاطر كافة الأهالي للمشاركة في هذه المناسبة السعيدة.
حيث كان السلطان يلدرم بايزيد خان والعالم والولي صهره أمير سلطان والملا فناري والكثير من علماء بورصة ورجال الدين فيها قد احتلوا أماكنهم في الجامع. وقد كلف يلدرم بايزيد خان، صهره أمير سلطان بإلقاء أول خطبة لصلاة الجمعة في هذا الجامع.
ونهض هذا الأخير وتوجه نحو السلطان قائلاً: «مولاي! لا يجوز لي أن ألقي الخطبة، فيما أكثر رجال الدين علماً وأعلاهم شأناً يجلس بيننا. ولا يوجد من يستحق إلقاء الخطبة في أول صلاة ليوم الجمعة تقام في هذا الجامع الشريف سواه»، ومن ثم أشار نحو رجل كان منتحياً أحد زوايا المسجد. فاتجهت الأنظار كلها نحو ذلك الشخص الذي كان يعرف حتى ذلك الوقت بصُمونجو بابا (الأب الخباز)، بسبب الخبز الشهي الذي كان يصنعه في فرنه. والذي صعد المنبر، وحين مرّ بالقرب من أمير سلطان عاتبه قائلاً: «أيا أميري، لِمَ فعلت ذلك وكشفت عن سري الحجاب؟».
فرد عليه أمير سلطان قائلاً: «ذلك أنني لم أجد من هو أعلى مقاماً منك لهذه المهمة». بينما كان الحاضرون يستمعون مندهشين إلى هذا الحوار، وينتظرون بشوق بالغ سماع خطبة صمونجو بابا.
وحين اعتلى الرجل المنبر بدأ بإلقاء خطبته قائلاً: «بعض علماء الدين لا يعرفون التفسير الحقيقي لسورة الفاتحة الكريمة. لذا سأقوم اليوم بتفسير هذه السورة على الوجه الصحيح». وقام بعد ذلك بتفسير الفاتحة بسبع تفاسير مستندة إلى عشرين كتاباً من أُمّات الكتب الإسلامية ومصادر التفسير، وكانت غزارة علمه وحكمته مثار إعجاب الجميع، حيث كانوا يستمعون إليه مشدوهين.
وبعد انتهاء الصلاة لم يشأ المصلون مغادرة الجامع، بل اصطفوا أمام أبواب الجامع الثلاث بانتظار خروجه، لتقبيل يده، والتبرك بدعواته، والكل كان يدعو الله أن يمر صمونجو بابا من الباب الذي يقف إليه.
وبحسب رواية يتداولها الناس حتى الآن، فقد مرّ صمونجو بابا من كل الأبواب بحيث تسنى للجميع تقبيل يده.
ولكن الشيخ حميدي آك سراي الذي كان يعرف حتى ذلك الوقت بين الناس بصمونجو بابا، غادر بورصة بعد تلك الحادثة التي علّق عليها بالقول: «لقد أزيح الحجاب عن سرّنا».
وبعد أداء فريضة الحج، استقر هذا الولي الكبير في آك سراي، وقام بتعليم الطلبة لسنوات طويلة، حيث توفي عام ألف وأربعمئة وثلاثة عشر. وهناك روايات متباينة تشير إلى وجود قبره إما في آك سراي أو في داريندة162.
الخطر الوشيك: تيمورلنك
هو لم يكن ابن سلطان عظيم، ولم يكن في انتظاره عرش ليرثه. فقد ولد في شهر نيسان سنة ألف وثلاثمئة وست وثلاثين في بلدة جنوب سمرقند، تدعى كيش163. والده توراغاي ينتمي إلى قبائل البرلاس الأوزبكية، أمّا والدته فهي تيغين خاتون.
كان الأب توراغاي شخصاً بسيطاً متواضعاً وتقياً، يمضي معظم وقته في صحبة رجال الدين وشيوخه، ولذلك فقد كان يجلهم ويوقرهم كثيراً، وهو أمر أورثه لابنه أيضاً منذ الطفولة.
وقد أمضى سنوات شبابه الأولى في تعلم فنون القتال - ويخضع لتدريبات قاسية - والقيام برحلات الصيد والغزوات الصغيرة. وفي تلك الفترة كان هناك صراع قائم بين حكام بلاد ما وراء النهر، وتركستان الشرقية، بسبب افتقاد كليهما لإدارة قوية تجنبهما الصراع، وتشتيت قواهما في النزاعات.
وحين تمكن تيمورلنك من إنقاذ حاكم أسرة جاغطاي الأمير حسين164، من خطر توغلوك خان، كان لا يزال في السابعة والعشرين من عمره. ومع زواجه من أولجاي تيرغِن آغا، شقيقة الأمير حسين، زادت مكانة تيمورلنك عند الأمير. ولكن وقبل مضي وقت طويل، حدث خلاف سياسي بينه وبين الأمير حسين.
ومع حلول العام ألف وثلاثمئة وستة وستين، وبعد سيطرته على بلخ، زاد نفوذه وسلطته. ومع وفاة الأمير حسين عام ألف وثلاثمئة وسبعين، أصبح الحاكم المطلق لبلاد ما وراء النهر165، وذهب إلى سمرقند من أجل تولي العرش.
وهكذا امتدت سلطته على كافة أراضي قارة آسيا الممتدة من الهند وحتى سواحل البحر المتوسط، وأخذت رايته تخفق عليها، وبدأ عصر سلطنته العظيم.
كان بالفعل حاكماً عظيماً، يتصف بكافة صفات القيادة، والقدرة على أن يحكم العالم. وكان إلى ذلك يتحلى بالجرأة والصراحة وقد كان يتمسك بالصدق في كافة أفعاله وأقواله، مقتدياً بحكمة «في الصدق منجاة».
وخلال حكمه الذي استمر لثلاثين عاماً متواصلاً، لم يظهر ما يخالف هذه الصفات التي عُرف بها، والتي رافقت مسيرته. وقد أحرز النجاح في كل خطوة قام بها، وبذلك تمكن من حكم ستة وعشرين مملكة، ووضع تاجها على رأسه بجدارة. ومن بينها؛ أسرة جاغطاي، أسرة جستان166 التي تحكم كل من تركستان
وبلاد المغول، خوارزم، خراسان، التتار، بني مظفر في العراق العجمي167، حكام العراق العربي، حكام الهند وسواهم.
وكان يحد مملكته من الشرق سور الصين العظيم، وقد توغل في عمق روسيا شمالاً، وفي الجنوب الشرقي ليصل حتى الأناضول، وإلى الجنوب تحده مصر. ولم تكن هناك قوة قادرة على الوقوف في وجه هجمات هذا الحاكم القوي. وكان جيشه مخلصاً له، ويطيعه في كافة طموحاته وخططه. ولم يكتفوا بالتضحية بأرواحهم فقط، فقد كانوا وقت الحاجة يقدمون ما يملكون من أموال وكل الغنائم التي كسبوها في سبيل تحقيق أهدافه. وبالمقابل فقد كان تيمورلنك يجالسهم على المائدة ذاتها ولا يترفع عليهم.
ولم يكن يتخلى عن أي هدف وضعه نصب عينيه، ولا يتراجع عن أي أمر أعطاه. وكل ما كان يقرره، كان يصبح في مقام العمل الواجب القيام به دون تهاون. ولم يكن يندم على الماضي مطلقاً، كما لم يكن يثق في المستقبل أيضاً. وكان يواجه كل ما يتعرض له من صعوبات أو عوائق برباطة جأش مطلقة. وكان يولي رجال الدين والمتصوفين والفقهاء توقيراً واهتماماً بالغين، وتمثل مجالستهم متعة يصبو إليها على الدوام. وقد ورد في كتاب توزوكات تيمور168:
«لقد كنت على الدوام مواظباً على صحبة أولياء الله من العلماء ورجال الدين، وكنت أستشيرهم في كل ما أقوم به. وكانت دعواتهم الصالحة تجعل النصر من نصيبي في كل خطوة». وكان لا يسمح بإلحاق الأذى برجال الدين وشيوخه في أي بلد أو مملكة يتجه نحوها.
ويعتمد على عنصر المباغتة والحيل العسكرية مع أعدائه في الكثير من الحروب والمعارك التي خاضها وذلك من أجل تحقيق النصر. وحين كان يقدم نفسه يقول عادة: «أنا ملك الطوران، أمير تركستان، أنا التركي بن التركي، أنا قائد الأتراك - أقدم الشعوب وأعظمها».
وللأسف فقد توجهت سهام هذا القائد العظيم نحو خاقان أتراك الغرب، وقائد المحاربين في ساحات الوغى والجهاد؛ السلطان يلدرم بايزيد ونحو جيشه.
يلدرم
كانت سيمة السلاطين العثمانيين هي بذل كل ما في وسعهم، من أجل الحفاظ على سلطنتهم وبلادهم، باعتبارهم مؤتمنين على ديار الإسلام، ومكلفين بحماية الدين الحنيف ونشره. وكانوا يعتمدون على قوتهم ويجاهدون من أجل تعزيزها لتبقى بلاد المسلمين عامرة، متوكلين على الله جلّ جلاله، وعلى هدي رسوله الكريم. وكان السلطان يلدرم بايزيد يتصف بشجاعته الكبيرة، والإقدام واعتماد القوة للحفاظ على عظمة سلطنته ومجدها. ولم يكن يرضى بالخضوع لأحد، وأينما قادته وجهات الحروب والسياسة كان يعود مظفراً، حاملاً المجد والنصر معه. ذلك أنّ والده السلطان مراد خداوندكار، كان قد ربّاه ليصبح فارساً مجاهداً في سبيل نشر الدين الإسلامي في كافة أنحاء المعمورة، وإعلاء شأن سلطنة العثمانيين بين كافة الأمم. حيث أمضى سنوات شبابه برفقة أكثر المحاربين شجاعة، وأوفر العلماء معرفة وعلماً. وحين بلوغه الواحد والعشرين من عمره، تولى إمارة كوتاهية. وفي أكثر اللحظات حرجاً وخطراً، أثناء حربهم مع أمراء قرمان، قبل الأرض بين يدي والده وهو يقول له:
«امنحني الإذن يا مولاي، فلم يعد بي صبر، وأريد إراقة دماء القرمانيين والفوز عليهم إن شاء الله».
وقد أظهر شجاعة نادرة وبطولة خارقة في مواجهة القرمانيين في تلك المعركة، واكتسب لقب يلدرم (الصاعقة) منذ ذلك الوقت.
وكان فائق الشجاعة، فحين طُرحت فكرة رصف الجِمال أمام الجيش العثماني في معركة كوسوفو، أجاب والده السلطان الذي أراد سماع رأيه بالقول: «لقد بقينا نواجه العدو بأسلحتنا حتى الآن، مجاهدين في سبيل الله دون احتماء أو خشية. واللجوء إلى هذه الحيل والأساليب الركيكة، سيعتبر تهاوناً عن أداء واجبنا إزاء المهمة التي أوكلنا بها الله. ومهما كانت جموع العدو غفيرة، فالشرف يقتضي من أمتنا مواجهتهم وجهاً لوجه» وفي هذه المعركة أيضاً كان الأمير الجسور يواجه الأعداء دون خشية، وينقض عليهم كالصاعقة، موقعاً في صفوفهم خسائر مدمرة.
وما إن تولى العرش عام ألف وثلاثمئة وتسعة وثمانين، حتى انطلق على رأس حملة لضم إمارات الأناضول تحت حكمه. كما تمكن من فرض سيطرته على الأفلاق من خلال حملة واحدة، حيث مكّن المجاهدين العثمانيين من التوضؤ من مياه نهر الدانوب، لإقامة صلاتهم.
ومع سيطرة جيوشه على كل من البوسنة والهرسك وبلاد المجر، استطاعوا التوغل لأول مرة في عمق النمسا وتمكنوا من فتح سالونيك وفيليكو ترنوفو، وكان يسعى لتوحيد إمارات الأناضول من خلال السيطرة على كل من إمارة قرمان، القاضي برهان الدين، سواحل البحر الأسود، حيث أخذت حدوده تجاور حدود المماليك. وفي الوقت الذي أصبح فيه سقوط إسطنبول مسألة وقت ليس إلا، بدأت سماء الشرق تتلبد.
مؤججوا نيران الحرب
بعد أن قام تيمورلنك بمعاقبة ملك جورجيا الذي تمرد عليه؛ الملك غورغين، قرر أن يتجه إلى عاصمة الخانية القديمة قره باغ، لقضاء فصل الشتاء فيها. وخلال فترة إقامته في تلك البادية تمكن أمراء الأناضول الذين قام السلطان بايزيد بزجهم في السجن بعد السيطرة على إماراتهم، من الهرب واللجوء طالبين حماية تيمورلنك، والاحتماء بسلطته، وإعلان ولائهم له. وقد قام كل من أمير غرميان ومنتيش أوغلو، وأمير آيدن وحاكم إرزينجان طاهر الدين بالإساءة للسلطان بايزيد أمام تيمورلنك، كما طلبوا منه المساعدة لاستعادة إماراتهم، وقطعوا الوعود بالولاء له إن تحقق الأمر.
فردّ عليهم تيمورلنك بالقول «أيها الأمراء! لا أعلم إن كان ما تقولونه حقيقة أم كذباً. ذلك أنه سلطان مجاهد، ولا أظنه سيقدم على ظلمكم والاعتداء عليكم دون أن يكون هناك مبرر».
ولكنهم ردّوا عليه قائلين:
«يا مولاي! أنت صاحب العز والمجد، أما ابن عثمان فهو ليس سوى شخص ظالم. فقد عمد إلى نهبنا، وسلب عروشنا التي ورثناها أباً عن جد. وأنت خير العارفين أننا تمكنا من المثول بين يديك بمشقة بالغة بسبب عوز الحال، كما لا يليق سوى بخان مثلك حكْم كل هذه البلاد». وبذا كانوا يعملون على تحريضه.
وإضافة إلى تحريض هؤلاء الأمراء، فقد أدى الخلاف الناشب بين تيمورلنك وكل من حاكم بغداد أحمد الجلائري169 وحاكم القره قويون قره يوسف170، ولجوئهما لحماية السلطان بايزيد، إلى دفع تيمورلنك لإرسال أول هيئة من السفراء برفقة رسالة منه إلى السلطان العثماني.
ومن جهة أخرى فقد كان كل من أحمد الجلائري وقره يوسف يعملان باستمرار على تحريض بايزيد ضد تيمورلنك، موحين له بأن غايته الوحيدة هي الاستيلاء على الأناضول، وكانوا يسوقون الكثير من الأدلة التي تشير إلى سعيه لتحقيق هذه الغاية بكل الوسائل المتاحة أمامه، كما كانا يرددان الكثير من القصص والروايات عن قسوة تيمورلنك وظلمه وتعطشه لإراقة الدماء.
وتحت تأثير هذه الوشايات استقبل بايزيد وفد تيمورلنك بجفاء واضح، ورفض طلباته معتبراً إياها تنقص من هيبة سلطته، ولا تتوافق مع مبادئه الأخلاقية في الشهامة والمروءة.
وعلى إثر ذلك توجه تيمورلنك نحو سيفاس برفقة حاكم الآق قوينلو قره يولوك عثمان بيك، وحاكم إمارة إرزينجان موتاهارتين171، وبعد حصار دام ثمانية عشر يوماً، استسلمت القلعة بعد طلب الأمان، وبالرغم من ذلك هناك روايات تشير إلى قيام تيمورلنك بقتل حامية القلعة.
ورغم جميع محاولات التحريض والفتنة التي بذلها أمراء الأناضول، إلا أنّ تيمورلنك غيّر وجهته نحو سوريا، وربما كان ذلك بتأثير جهود رجال الدين وعلمائه الذين حضوه على عدم قتال السلطان العثماني، أو بسبب عدم امتلاكه معلومات وافية عن تعداد جيش بايزيد وإمكاناته.
ومن المرجح أنّ يلدرم بايزيد قد خرج في تلك الأثناء نحو قيصري استعداداً للمعركة المتوقعة، ومع توجه تيمورلنك نحو سوريا، كان سيعود أدراجه لولا فتنة المغرضين ممن يحيطون به. وبتأثير من السلطان أحمد الجلائري وقره يوسف، قرر يلدرم بايزيد معاقبة موتاهارتين حاكم إرزينجان الذي ساعد تيمورلنك وكان دليله في توغله في الأناضول. وقد تمكن من السيطرة على كل من إرزينجان وكيماه منذ الهجوم الأول، وأوكل إدارتهما إلى قره يوسف. ولكنه قرر إعادة موتاهارتين إلى منصبه، حيث قام هذا الأخير بأسر كل من قره يوسف وعائلته وإرسالهم إلى بورصة، بعد العجز الذي أبداه في إدارة دفة الحكم.
ومع سيطرة السلطان على إرزينجان وكيماه التي كانت تابعة لتيمورلنك، زادت هوة الخلاف بين المملكتين.
وبعد أن تمكن تيمورلنك من إلحاق هزيمة كبيرة بجيش مماليك مصر أمام حلب، قام بالسيطرة على كل من حلب والشام وبغداد، ومن ثم توجه إلى بادية قره باغ ليجعلها مقر قيادته العسكرية. وفي هذه الأثناء أرسل إلى السلطان يلدرم بايزيد رسالة أخرى، يعيد فيها مطالبه. وقد كان حريصاً في كل رسائله التي أرسلها إلى السلطان يلدرم بايزيد خان، بعد التطرق إلى الانتصارات التي حققها في كافة المعارك التي خاضها، على التشديد بصورة خاصة على أنّ الأناضول هي ديار المسلمين، وأنه لا يرغب في التوجه إليها على رأس حملة عسكرية، وأنّ خرابها لن يصب في مصلحة أحد سوى أعداء الإسلام، ويكرر ضرورة قيام السلطان بايزيد بتنفيذ طلباته، بغية حلّ الخلاف القائم بين الطرفين، ويؤكد له أنّ كلاً من قره يوسف وأحمد الجلائري متمردان وليسا بأفضل من مجرد قاطعي طريق. كما كان يطلب منه إعادة كل من كيماه وإرزينجان وسيفاس.
وقد كان أركان السلطنة العثمانية ورجالاتها، يتطرقون إلى انتصارات تيمورلنك وجيوشه الجرارة التي تندفع كالسيول كاسحة كل ما يعترض طريقها، عن الفيلة الهائلة التي يستخدمها في معاركه، ويحاولون دفع السلطان لقبول طلباته وعقد الصلح معه، ولكن دون طائل.
لا تقدم على أمر إن لم تشاور
فالشورى سنّة شريفة ونعم السبيل
وكل ما أقدمت عليه دون شورى
مآله الخسران فهي للنصر دليل.
فقد كان السلطان الذي عُرف بشجاعته وجرأته التي تتجاوز كل وصف، يعتبر الرضوخ لكل هذه الطلبات هواناً لا يحتمله شخص بأنفته. وبحسب ما أورد مولانا حتيفي، وما نظمه الخوجا سعد الدين أفندي شعراً، فقد كان ردّ السلطان بايزيد على الشكل التالي:
أيا من حللتم بأرض الأناضول غصبا
متى جاز تسليم المجير إن استجار
هل سمعت عني في الوغى ما يشين
حتى أخذت ترسل متوعداً وتستيهن
وقد سرت بجندك كبحر هادر
وأغرت على بلادي مثل غادر
فكيف تطلب مني الوثوق والأمان
وقد أذقت شعبي الهوانا
لقد دقت طبول الحرب والقتال
ووحده الله يعلم ما هو المآل.
وكانت الرسالة التي أرسلها يلدرم بايزيد إلى تيمورلنك تشير إلى أنّ السيوف هي التي ستتحدث وتكون الفصل بين الطرفين. حيث جاء فيها:
«من احتمى بهذا القصر فلا سيف سيسلط عليه، ومن لجأ إلى حمايتنا فلن يلحقه جور. وإن كانت هذه الكلمات ستودي إلى العنف والخصام، فقد كانت رسالتك مليئة بكلمات التهديد والوعيد. وإن كنت تتوقع منا التملق والمهادنة، فنحن قوم لا ننحني سوى لله جلّ جلاله ولا نرجو سواه. وما النصر إلا من عند الله. وقد طال الحديث ولا يمكن ردع من يبحث عن ذرائع للحرب، ورده بحسن الكلام. ومن يقوم بزرع الفتنة من أي طرف كان، فعقابه عظيم ووباله وخيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل».
وكان من الواضح أنّ طبول الحرب ستدق قريباً.

جهود رجال الدين
بعد أن حسم تيمورلنك أمره باللجوء للحرب، أرسل أوامره لكل الممالك والبلدان الخاضعة لحكمه، مشدداً على الاستعداد وإرسال الجيوش لتجتمع في الربيع المقبل في قره باغ.
ورغم أنهم كانوا يسيرون بخطوات متسارعة نحو التجهيز لمعركة كبيرة، لكن رجال تيمورلنك وبعضاً من رجال الدين وعلمائه من الحريصين على مصلحته، كانوا يعتبرون القيام بحملة على الأناضول أمراً خاطئاً لا يصب في مصلحته. ولم يكونوا راغبين في رفع السيف بوجه سلطان عُرف بجهاده في روميلي لإعلاء راية الدين الإسلامي، ولكن وبسبب خوفهم من تيمورلنك، لم يجرؤ أحدهم على المجاهرة بهذا الرأي أمامه. وقد اجتمع رأيهم في النهاية على تكليف العلامة شمس الدين المالكي والذي يحظى بمكانة كبيرة لدى الخان، ويمتاز ببراعته في علم الكلام ومهارته في فن الإقناع بهذه المهمة، فاستغل الأخير طيب مزاج تيمورلنك في إحدى جلساته، وانتقل بالحديث إلى موضوع خلافه مع السلطان بايزيد، حيث نصحه قائلاً:
«هناك أمور تستوجب التأني وإعمال الفكر فيها مطولاً، ومنها الإقدام على خوض الحرب، وليس في ذلك ما يشير لضعف أو زلة بالنسبة إلى حاكم قوي مثلك. ومن المحتمل أنّ نيران الفتنة التي ستشعلها هذه الحرب ستكون أكبر من قدرة أحد على تلافيها، وستكون العواقب وخيمة أكثر مما قد تبدو عليه الآن.
كما أنّ يلدرم بايزيد سلطان معروف بشجاعته وبأسه، وحاكم مقتدر يقود جيشاً حقق الكثير من الانتصارات والفتوحات. وسيفه الماضي بلاء بالنسبة للفرنجة، أمّا شجاعته فهي كنز ثمين ينثر اللآلئ أينما قادته دروب الجهاد. إنه قائد نذر عمره للجهاد في سبيل الله ورفع راية الإسلام، والذود عن ديار المسلمين ضد كل من يحاول الاعتداء عليها.
والإقدام على قتال حاكم عظيم الشأن مثله، ومجاهد يسعى لإعلاء كلمة الله وتطبيق سنة رسوله الكريم أينما حلّ، لا يليق بسلطان قدير مثلك، ولا يتوافق مع ما يدور في ذهن رجالك وأتباعك المخلصين.
إن رفع سلطان المجاهدين سيفه
فلا يجوز عداءه ولا قتاله
فهو حامي راية الدين الحنيف
وواجب علينا جميعاً إكرامه.
وحتى لو قُدّر لنا النصر، وهبّت الرياح لصالحنا ورفعت راياتنا، سيكون ذلك سبيلاً لتشفي أعداء الدين، وقد يفضي الأمر في النهاية إلى تقويض أركان هذه الدولة والقضاء عليها قبل مرور وقت طويل».
وقد بدا أنّ شمس الدين المالكي استطاع من خلال نصائحه وتقديمه المسوغات المناسبة، إخمادَ غضب تيمورلنك ونقمته، وإقناعه بالعدول عن فكرة الحرب. ولكن الوفد الذي كان تيمورلنك قد أرسله قبلاً لعرض طلباته على السلطان بايزيد، عاد في تلك الفترة، ووصف الموفدون رفض السلطان القاطع وردّه القاسي على رسالة تيمورلنك، وربما بالغوا في تهويل الأمر لغاية في أنفسهم. وكانت هذه الأخبار السبب في إثارة غضبه من جديد، فقام بجمع الجيش برمته لأداء عرض عسكري حرص على أن يحضره رسل السلطان بايزيد لإظهار قوته أمامهم، ودبّ الرعب في قلوبهم في الآن ذاته. وأرفق معهم رسالة أخيرة أوضح فيها أنه كان يحاول دوماً الركون إلى السلم في حل المسائل العالقة بين الدولتين، ولكن محاولاته كانت على الدوام تقابل بالرفض، وهذا بعض مما جاء فيها:
«لو أنك قمت بإرسال أحد أبنائك الأفاضل ليبين لنا حقيقة أعذارك، وصدق نواياك ويزيل شكوك العداوة التي بيننا، لكان الأمر كفيلاً بإخماد نار هذه الفتنة، وكافياً لتلتئم الجراح التي حدثت، وكنا سنعتني بالأمير أكثر من اعتنائنا بواحد من أبنائنا. وبذلك كانت عقود الصداقة، وعهود السلام ستتجدد بيننا مرة أخرى، وتصبح دروب الصلح سالكة دون أي توجس».
وفي المقابل كان رجال الدين وعلماؤه في السلطنة العثمانية غير راضين عن خوض معركة مع تيمورلنك، ومواجهة جيشه. وعلى وجه الخصوص الولي أمير سلطان الذي كان يعدّ من أهم رجال الدين حينها، ولكونه صهر السلطان فقد بذل كل ما في وسعه من جهود لمنع وقوع هذه الحرب، وحرص على إقناع السلطان بايزيد بالجنوح إلى اللين والتأني في التعامل مع تيمورلنك ومحاولة الاستجابة قدر الممكن لطلباته، تجنباً لاشتباك الجيشين التركيين المسلمين. ولكنه لم يصل إلى أي نتيجة رغم كل هذه النصائح، فهل كان هذا العالم الجليل يخمن ما سيؤول إليه حال الأتراك في الأناضول في قادم الأيام؟
وهناك رواية تؤكد هذا الرأي، فقبيل نشوب الحرب بوقت قصير، سألته هوندي خاتون «لِمَ تترك والدي وحيداً يا أمير؟».
فرد عليها قائلاً:
«لا فائدة من المحاولة يا هوندي، فمآل هذه الحرب لن يكون في صالحنا، وقد شرحت هذا الأمر لوالدك الموقر أكثر من مرة».
كان أكثر ما يثقل كاهل السلطان بايزيد خان هو الرضوخ لأوامر تيمورلنك، والقبول بما يطلبه منه في الرسائل التي يرسلها، والتي يذيلها بالوعيد والتهديد في حال تخلفه عن الالتزام. فقد كان من المحال لشخص مثله أن يقوم بتسليم من لجأ إلى دياره، واحتمى بسلطته، لأنه اعتبره عاراً لن يقوى على تحمله. كما أنّ الرضوخ لسلطة تيمورلنك والقبول بالتبعية له، ينافي مبادئ هذا السلطان العثماني الذي يعتدّ بنفسه وبقوته، وكان من أكثر الوسائل مشروعية واعتيادية أن يلجأ حاكم عزيز النفس مثله - يأبى الخنوع ويترفع عن المهانة - للسيف من أجل الدفاع عن كرامته ومكانته.

معركة أنقرة
لم يكن للنصائح والعروض التي قدمت للطرفين، أي أثر على القرار الذي اتُخذ. ولم تكن المراسلات والأخبار المتبادلة بينهما، سوى سبيل آخر وجد فيها مروجو الفتنة، فرصة لتهويل الخلافات وإثارة المخاوف والأحقاد، وهذا ما أدى في النهاية إلى المواجهة التي حدثت بين هذين السلطانين المقتدرين، حيث اصطدم جيشاهما كبحرين متلاطمي الأمواج.
وبعد أن سمح تيمورلنك بعودة رسل السلطان بايزيد، بدأت أسراب جيشه بالتحرك على وجه السرعة نحو سيفاس تحت قيادته، برفقة بطانته وأبنائه وأحفاده، وإضافة إلى جيشه الخاص، فقد انضم إليه كل من؛ سلاطين شيرفان وغيلان، أمراء دياربكر والمناطق المجاورة لها، وخانات كل من سيستان، وبده شان وتركستان برفقة جيوشهم ومحاربيهم.
وحين وصلت أخبار وصول تيمورلنك إلى سيفاس، توجه السلطان بايزيد نحو مدينة آكداغ مادني172، حيث عسكر هناك مع جيشه. ورغم أنّ الصدر الأعظم علي باشا قد عرض عليه أن يشنوا حملة هجمات على جيش تيمورلنك من هذه المنطقة الوعرة التي يصعب الوصول إليها، ومن ثم الانتقال إلى الهجوم العام، ولكن عرضه قوبل برفض السلطان.
وحين رأى تيمورلنك أنّ الجيش العثماني قد أحكم السيطرة على الطرقات الواصلة بين كل من سيفاس وتوكات، توجه بجيشه نحو كيرشهير173. وكان يتحرك بحذر شديد حتى لا يتعرض لهجوم مفاجئ، ومن ثم غيّر وجهة الجيش نحو أنقرة، وانطلق بأقصى سرعته وذلك ليترك مسافة كبيرة بينه وبين يلدرم بايزيد ولا يسمح له الوصل إليه. وكان إلى ذلك يتوقع الطريق الذي سيسلكه بايزيد لملاقاته، لذا فقد اتخذ كافة التدابير والاستحكامات اللازمة.
وعلى عكس توقعاته، حيث كان يخمن قدوم جيش بايزيد من الشرق، فقد سلك السلطان العثماني طريق الشمال الشرقي، وعبر كالجيك رافلي، اتجه نحو جولوك أوفا ونزل في قرية مليك شاه.. وحين رأى تيمورلنك الجيش العثماني في تلك المنطقة، كان الأمر مفاجأة لم يتوقعها مطلقاً، حيث بات عرضة لهجوم مباغت.
ولكن السلطان بايزيد لم يستمع لنصيحة أبنائه وقادته وإصرارهم على استغلال الفرصة والقيام بهجوم مفاجئ، وفضّل أن يواجه العدو وجهاً لوجه بشجاعة ودون اللجوء إلى فنون الحرب وألاعيبه، مضيعاً على نفسه فرصته في تحقيق النصر.
ويوضح لنا نظام الدين الشامي تأثير هذه المفاجأة على تيمورلنك بالقول: «لقد أدى وصول يلدرم بايزيد المفاجئ، إلى دبّ الذعر في قلب تيمورلنك وجيشه، حيث قضى الليل برمته وهو يصلي ويتضرع لله عز وجلّ أن يكون النصر من نصيبه».
وبالتالي فإن تباطؤ يلدرم بايزيد في التحرك، وإضاعته الفرصة، كان سبباً لتدارك تيمورلنك عنصر المفاجأة والنجاة من هذا المأزق.
كما أنّ التفاوت كان كبيراً بين تعداد الجيشين، حيث أنّ تيمورلنك كان مدركاً بشكل جيد أنّ جيش السلطان العثماني لا يشبه بقية الجيوش التي خاض معها الحروب مسبقاً، لذا فقد استقدم خيرة محاربيه المدججين بالأسلحة من بلاد ما وراء النهر، وقد ناهز تعداد جيشه المئة وستين ألف مقاتل، في حين أنّ الجيش العثماني وبحسب أفضل التقديرات كان يتراوح بين السبعين والمئة ألف جندي. لذلك فقد شدد السلطان بايزيد على قادة الجيش بذل كافة التضحيات من أجل تحقيق النصر.
كانت قوات الأناضول من السباهية174 التي تشكل ميمنة الجيش، تحت إمرة تيمورتاش باشا، أما قوات روميلي التي كانت تحت إمرة الأمير سليمان، فقد كانت تشكل ميسرة الجيش. وكما جرت العادة فقد كان قلب الجيش العثماني تحت قيادة السلطان يلدرم بايزيد برفقة عشرة آلاف من جنود الإنكشارية، وإلى جواره الصدر الأعظم علي باشا بالإضافة إلى كل من أبنائه الأمراء؛ موسى جلبي، عيسى جلبي، ومصطفى جلبي. وكانت فرق من الحامية المشاة ومن الخيالة تحتل مقدمة مركز الجيش. بينما كان الأمير محمد جلبي يقود قوات الاحتياط، وكانت فرقة احتياط الجناح الأيمن من الجيش مكونة من القره تتاريين، أما الجناح الأيسر من قوات الاحتياط فكان يضم القوات الصربية.
أما جيش تيمورلنك فقد كانت الميمنة فيه تحت إمرة ابنه الثالث ميران شاه، والميسرة تحت إمرة ابنه الرابع شاه روح ميرزا، وكان هو يقود مركز الجيش في الوسط. وبالإضافة لذلك فقد كان جيشه مزوداً باثنين وثلاثين فيلاً، وكان أمراء الأناضول يصطفون إلى جانبه أيضاً.
وفي التاسع عشر من شهر ذي الحجة الموافق العشرين من تموز عام ألف وأربعمئة واثنين من يوم الجمعة، التحم جيشا أكبر وأقوى دولتين في ذلك العصر. ويصف المؤرخون هذه المعركة العظيمة على الشكل التالي:
«لقد وقعت حرب ضروس في ساحة الوغى هذه، حيث التحم الجيشان ونشب بينهما قتال عنيف، وعراك شرس، حتى أنّ الأقلام تعجز عن تدوين الأحداث مهما انحنت على الأوراق، وتتلعثم الألسن الفصيحة عن وصف هول الوقائع، ولن يبلغ الخيال مهما اتسع، رسم صورة لما جرى.
فقد بات معظم المحاربين عاجزين عن التنفس وسط تلك الحشود الهائلة المتلاطمة، حتى خُيّل لهم، وكأنّ السماء ستنشق أو ستنهار فوق رؤوسهم. فحوافر الجياد كانت تدك البيداء، وصرخات الجنود تدوي كالرعود في الأرجاء، حتى باتت الأرض تزلزل وترتعش.
وكانت السهام تحلق في فضاء الميدان، فيما السيوف تنزل كالبروق على الرؤوس والأبدان. وأما الغبار المتطاير من تحت حوافر الجياد، وأقدام الجنود، فقد غطى السماء، وحجب الرؤية عن الشمس ليمنعها من متابعة رحى القتال. وقد أغرقت سيول الدماء الكثير من الأبطال، وأودت بهم إلى وادي العدم. ومع هجمات الفرسان القاسية من كلا الطرفين، علت نيران الحرب حتى بلغت عنان السماء. ولم تعد الروايات التي تتحدث عن بطولات رستم في ساحات الوغى، بذات قيمة بعد تلك الحرب الضروس».
كانت ميمنة الجيش المغولي التي بقيادة الأمير ميران شاه، تكيل ضربات قوية لميسرة الجيش العثماني المكون من قوات روميلي، والتي بدورها كانت تردّ هذه الهجمات، بضربات أقوى منها، تجعل المهاجمين يندمون. وهذا ما دفع الأمير ميرزا محمد قائد ألوية قلب الجيش ليترجى تيمورلنك السماح له بمساعدة ميمنة الجيش المغولي الذي بات من الواضح أنّها في وضع خطر للغاية. حيث كانت قوات روميلي في الجيش العثماني، تظهر بطولات قلّ نظيرها وتدافع دفاعاً مستميتاً لتكون الغلبة لها، ومع انضمام القوات الصربية إليهم في القتال، أدرك تيمورلنك أنّ قواته ستهلك، لذا فقد أرسل إليهم مؤازرة من الجند برفقة الفيلة أيضاً.
ولكن ميمنة الجيش العثماني تعرضت لخيانة كانت لها نتائج فادحة على سير المعركة، حيث قام جنود إمارة آيدن بالانتقال إلى معسكر المغول، وذلك عندما رأوا أمراءهم يحاربون في المعسكر المقابل. وقد حذا حذوهم كل من جنود إمارات قرمان، ومنتيش صاروخان وغرميان، وبذلك فقد انهار الجناح الأيمن للجيش العثماني حتى قبل أن يبدأ الاشتباك في المعركة بشكل فعلي. وفي الوقت الذي كانت قوات تركستان بقيادة السلطان محمد ميرزا تتجهز لضرب ميمنة الجيش العثماني، قامت بتوجيه جنودها نحو الميسرة، بعدما رأت انفراط عقد الميمنة وانضمامهم لجيش المغول. ورغم أنّ قوات روميلي والقوات الصربية كانت تقاتل بضراوة ودفاع مستميت، ولكنّ الخيانة الثانية التي تعرضوا لها زعزعت ثباتهم وأخلت بقواهم، وذلك عندما بدأت فرقة القره تتار التي كانت تشكل القوات الاحتياطية في ميمنة الجيش العثماني - وإثر تفاهمها السري مسبقاً مع تيمورلنك - بضربهم من الخلف. وحين رأى الصرب أنّهم لا يقوون على المواصلة أكثر، قرروا الانسحاب من القتال.
وفي هذه اللحظات الحرجة، انخرط الأمير محمد جلبي - الذي لم يكن قد تجاوز الرابعة عشر من العمر، والذي كانت جرأته وشجاعته مثار إعجاب الجميع - في القتال مع القوات التي كانت تحت إمرته، وشن هجوماً على كل من السلطان ميرزا حسين، وميرزا جيهان، وبايندرلي قره عثمان، حيث انسحب هؤلاء مع جنودهم، دون أن يجرؤوا حتى على مواجهة ضربات سيف الأمير القاضية، وعلى الفور قام تيمورلنك الذي كان يراقب سير المعركة بدقة بالغة، بإرسال جزء من قواته إلى تلك الجبهة، ولكن الجنود العثمانيين كانوا ينقضون عليهم بضراوة تقوّض شملهم. وكان سيف الأمير محمد جلبي الذي بلون الزبرجد يقدح شرراً، ويحرق كل من يعترض سبيله.
حتى أنّ تيمورلنك الذي كان يتابع الشجاعة التي يبديها جنود روميلي، ومواجهتهم الضارية ودفاعهم المستميت، أثنى عليهم بالقول: «لم يبدِ هؤلاء الدراويش أي تقصير»، مبدياً إعجابه بشجاعتهم.
وقد أمر بأن تتوجه كافة فرق جيشه نحو ميسرة الجيش العثماني، حيث تقاطرت أسراب المغول عليهم، في الوقت الذي كان فيه أكثر من نصف الجيش قد انسحب من القتال، فيما النصف الباقي قد دبّ الرعب بين صفوفه، فمواجهة جيش يفوقهم في العدد بثلاث أو خمس مرات مضاعفة، لم يكن بالأمر المنطقي على الإطلاق.
وإزاء هذا الخطر، حاول رجال الدولة العثمانية ممن يشهدون سير المعركة، إنقاذ الأمراء وإبعادهم عن الخطر، من أجل الحفاظ على وريثٍ للعرش. فقام كل من علي باشا، ومراد باشا، وإينة بيك سوباشي والآغا حسن قائد الإنكشارية، بإبعاد الأمير سليمان عن نيران الحرب، والتوجه به نحو روميلي.
وبدوره انسحب الأمير عيسى جلبي مع القوات التي كانت تحت إمرته، متوجهاً نحو إمارة قرمان. أما الأمير محمد جلبي، الذي أبدى من البطولة والشجاعة ما يفوق عمره في القتال، فقد ابتعد عن ساحة الوغى بعد إصرار معلميه ومربيه، ورجالات أماسيا الذين أمسكوا بلجام حصانه يرجونه الابتعاد، حيث تمكنوا بعد جهد جهيد من إقناعه، وبذا توجهوا جميعاً نحو الشرق محتمين بالجبال هناك.
ولم يبق في ميدان القتال سوى السلطان يلدرم بايزيد برفقة عشرة آلاف من الجنود الإنكشاريين المدافعين عنه، بعد انسحاب قوات الاحتياط، وسباهية الأناضول، وبعض من وزرائه وقادة الجيش وأبنائه الأمراء، وتخليهم عنه.
وقد عرض عليه إتيين قائد القوات الصربية الانسحاب حين بات من الواضح أنّ الخسارة ستكون من نصيبهم، لكن السلطان المعروف بشجاعته وبأسه رفض هذا العرض بشدة.
وبعد استفحال الوضع، أصرّ مينّت بيك - الذي كان معروفاً بحنكته وشجاعته - أن ينسحب يلدرم بايزيد من المعركة وهو يقول له: «لقد انسحب جنودنا الذين كنا نعتمد عليهم في نجدتنا وتقديم العون لنا في هذه اللحظات، وبات من الصعب تحقيق النصر». ولكن الموت كان أهون على السلطان الشجاع من أن يدير ظهره للعدو ويلوذ بالفرار. وبذلك فقد واجه مع جنوده من الإنكشاريين الذين بالكاد يبلغ تعدادهم عشرة آلاف فارس، جيشاً يفوقهم بعشرة أضعاف أو أكثر، ليخوضوا معهم معركة حياة أو ممات. وقد أبدى الإنكشاريون شجاعة قلّ نظيرها، وهم يرفعون سيوفهم بقبضاتهم القوية، ويواجهون العدو بتوق أقرب للسعادة والغبطة، مستعدين لبذل أرواحم للذود عن السلطان، في صورة توحي بمدى إخلاصهم العظيم له. حيث ضحى الكثيرون منهم بأرواحهم من أجل حماية سلطانهم المعروف ببأسه، وقدموا في سبيله أغلى ما يملكون.

إن لم تكن سيوفنا سداً
لحماية السلطان فبئس السيوف
ولا بقاء لنا وكرامة حين
تغيب شمسنا وتؤول للكسوف.
ولكن كان من المحال التغلب على تلك الأعداد الهائلة من جحافل العدو، ومع مرور الوقت كانت مواجهتهم لضرباته تصبح أكثر صعوبة، وتنعدم فرصة التغلب عليهم والنجاة من قبضتهم، وأخذت قواهم تخور مع تناقص أعدادهم تحت وطئ الهجمات الكثيفة.
وبعد أن قاوم يلدرم بايزيد والفرسان الذي برفقته حتى ساعات المساء، ونال منهم الحر والعطش كل مأخذ، تلاشت قواهم وباتوا أقرب للهلاك، فرموا بأنفسهم وسط جموح العدو المحيط بهم برماحه وسيوفه من كل جانب، في محاولة لاختراق الصفوف والنجاة بأنفسهم، وكان يلدرم بايزيد لازال يمسك بفأسه الحربي الثقيل، ويقاتل به من يواجهه. وكان يشتت صفوف العدو، كما الذئب الجائع الذي يبعثر قطعان الماشية، وكانت ضربة واحدة من فأسه القوية قاضية، لا يحتاج معها لضربة ثانية. ولكن تقدمه على صفوف الإنكشارية وابتعاده عنهم لم يكن في صالحه على الإطلاق.
وقد تعرف عليه أحد أمراء الأناضول حال رؤيته له وهو يقاتل وصاح في جنده قائلاً:
«هذا الفارس الذي يحارب هو السلطان يلدرم بايزيد، هيا ما الذي تنتظرونه».
وعلى إثر ذلك توجهت جموع التتار نحو بايزيد خان لتحيط به وتأسره، مع الكثير من الفرسان ورجالات الدولة وأعيانها، بينما ارتقى عدد كبير منهم إلى مرتبة الشهادة. أما الإنكشاريون فلم يستسلموا إلا حين رأوا أنّ سلطانهم قد بات أسيراً. وكان من بين الأسرى والي ولاة روميلي فيروز بيك، ومينت بيك، ومصطفى بيك، وتيمورتاش باشا، وعلي بيك وسواهم الكثير.
سلطانان في مجلس واحد
والدهر ميدان للسمو والإذلال
فلا الفرح باق ولا الحزن دائم
وعروش المجد غابت بعد بقاء
وغدت القصور مقابر ومآتم.
في تلك الأمسية الغريبة ومع اقتراب موعد صلاة العشاء، انطلق المبشرون بسرعة نحو مقر قيادة الجيش، ليبشروا تيمورلنك بأسر السلطان بايزيد. ووسط فرحته الكبيرة خرج إلى باب خيمته، ليستقبل بايزيد خان واقفاً بانتظاره بكل احترام. وقد دعاه بتوقير بالغ إلى الدخول وأجلسه في صدر الخيمة، وأخذ يلاطفه في الحديث ويطمئن عليه، ممهداً بذلك سبل الصداقة بينهما. وبعد أن أوضح له، بأنه ظل على الدوام حريصاً ألا تؤول الأمور إلى ما آلت إليه في النهاية، قال له:
«لقد كنا على الدوام نحاول تقديم التنازلات، ونبذل الجهود لتمهيد سبل التقارب والوفاق، ولكنك بالمقابل كنت ترد على كل هذه المحاولات بجفاء وقسوة. وكلما حاولنا السعي إليكم بطيب الكلام، وحسن التصرف، كانت تصلنا منكم أخبار تبعث على الاستياء والنفور. يبدو أنّه كان من المقدر لنا أن نلتقي بهذه الطريقة، لكي ننهي الجفاء ونزيل الخلافات التي بيننا.
والآن لا أريد لفؤادك الذي يفوح بطيب المسك أن تثقل عليه الهموم وتذهب بضوعه. ولا أن تعصف رياح اليأس القاسية والباردة بجنان الأمل في روحك، ولا يجدر بك استنكار مقادير الدهر وصروفه حين تعاكس أمانيك.
ولا يمكن بقاء الديار العثمانية دون أن يظللها حكمك المبارك بعدالته. ولكن دوام الحال من المحال، فلا سرور يدوم للأبد. وهذا ما اقتضته المشيئة الإلهية التي لا رادّ لها، وما من أحد قادر على تغيير حسن الطالع إلى السوء سوى العلي القدير».
وبعد هذا الاستقبال اللائق، قدم سلطان المجاهدين في سبيل الدين الحنيف اعتذاره، وعلق على كلمات تيمورلنك بالقول «حين يقضي الله سبحانه وتعالى بفناء مملكة ما، ستكون العاقبة على هذا النحو».
وبعد أن تبادل السلطانان حديثاً مفعماً بالحكم والدلالات الاعتبارية، أزيحت ستائر الخلاف التي كانت تباعد بينهم، واختفت الأحقاد القديمة من قلوبهم. وناشد السلطان بايزيد تيمورلنكَ، بدافع من عاطفة الأبوة أن يسأل عن مصير أبنائه الأمراء الذين يشكلون عماد مملكته ومستقبلها، حيث كان يخشى من إصابتهم بمكروه أثناء المعركة.
وعلى الفور أرسل تيمورلنك فرقة من الكشافة للبحث عن الأمراء وإحضارهم إليه، حيث تبين أنّ الأمير مصطفى جلبي قد اختفى أثناء المعركة الضارية التي كانت أشبه بيوم القيامة، ولم يتمكن أحد من معرفة مصيره. أما الأمراء سليمان، عيسى ومحمد جلبي فلم يتمكن الكشافة من العثور عليهم إثر هروب كل منهم مع رجالاته ووزراء الدولة ممن رافقوهم في جهة. أما الأمير موسى جلبي فقد تمّ القبض عليه بعد يومين من البحث، وأحضر للمثول أمام تيمورلنك الذي عامله بشفقة وعطف بالغين، وكأنه واحد من أبنائه، واستطاع أن يخفف عنه من خلال حديثه الحلو. وقد خصصت له خيمة واسعة ولائقة إلى جانب خيمة والده الفارهة والتي كانت كبلاط ملكي، وكان طعامه وشرابه الذي يقدم له يليق بالأمراء والسلاطين من حيث الوفرة واللذة.
وكان تيمورلنك يعقد اجتماعات خاصة بين الفينة والأخرى ويدعو إليها السلطان يلدرم بايزيد أيضاً، حيث يجلسه إلى جواره ليتبادلا الحديث كصديقين، ويبذل كل ما في وسعه من أجل تبديد الضيق الذي يخيم على صدر السلطان يلدرم، وإدخال السرور إلى قلبه وإبعاده عن الهموم. ويحاول جهده ملاطفته في الحديث، للتخفيف من وطأة الأسر ومشاعر الغربة عليه.
وفي إحدى تلك المجالس التي أقيمت في كوتاهية، جلس السلطانان جنباً إلى جنب يتجاذبان أطراف الحديث، وكان كل منهما يحاول أقصى جهده بذل الود واللطف إزاء الآخر لإبعاد الضيق والكدر الناجم عن الظرف الذي جمع هذين الرجلين اللذين باتت أواصر الصداقة تجمعهما أكثر من العداوة. وبعد الكثير من عبارات الإطراء المتبادلة بين الطرفين، أعلن تيمورلنك أنه سيترك للسلطان بايزيد مملكته ليستعيد حكمها، كما أفصح عن رغبته في عقد صلات القربى مع السلالة العثمانية الأصيلة، من خلال طلب يد إحدى بنات السلطان لحفيده الأكبر أبو بكر ميرزا بن ميران شاه.
حان وقت الوداع
على الرغم من حرص تيمورلنك على التسرية عن السلطان يلدرم بايزيد من خلال طيب الحديث وحسن المعاملة، وإبعاد الهمّ عنه من خلال دعوته للرحلات والمجالس التي يعقدها، ولكن روح السلطان الأسير كانت غارقة في الألم. ولم يكن لحسن الوفادة والوعود المبشرة وطيب الكلام، أن يخرجه من الغمّ والكدر. فمع مرور كل يوم كانت الهموم تحفر طريقها الدامي بعمق أكثر في روحه المرهفة، ودموع الندم المنهمرة على خدوده الموردة تغدو أكثر غزارة.
وكيف لا يبكي؟
فهو بعيد عن عرشه منذ أيام طويلة، يقاسي في سجون الفراق والأسر.
وقد مضى ذلك العهد الذي كان فيه قوياً عزيزاً، تشمل سلطته كافة الأصقاع، كالشمس التي حجبها الخسوف وأخفى نورها. وغدت تلك المدن الجميلة المزدهرة بعمرانها وعلمها مجرد أطلال خربة، أما أبناؤه الذين كانوا مصدر سروره ودعائم عرشه المستقبلي، فليس لديه أخبار عنهم لطمأنة قلبه المتعب. وكل تلك الجهود التي بذلها، والإجراءات التي اتخذها من أجل توحيد الأناضول، باتت هباء منثوراً.
ترى كم جزءاً باتت سلطنة بني عثمان؟
هذه الأفكار القاتمة التي كانت تعصف بذهنه طوال الوقت، تمكنت في النهاية من التغلغل إلى جسده أيضاً وضعضعته، وأخذت تطبق على صدره وتضيق على أنفاسه. وبات جسده المنهك يذوب كما الشمعة الآيلة للفناء.
وفي آخر لقاء بينه وبين تيمورلنك، أوصاه السلطان بما يلي:
«أيها الأمير! فليدم ملكك للأبد، وإن كان اليوم لي، فالغد هو لك. خذ التتار من هذه البلاد، ولا تجعلهم يقدمون على دك القلاع والحصون التي كانت تحمي راية الدين الحنيف، ولا تشعل الحرب في ولاية الروم (الأناضول)».
وبعد أن وعده تيمورلنك بتنفيذ وصيته، أرسله مع الحكماء والأطبة إلى آك شهير من أجل الاستراحة والعلاج. وقد أعطى أوامره لكل من مولانا جلال الدين عربي، ومولانا عز الدين مسعود الشيرازي، وهما اثنان من أشهر أطباء العصر، للقيام بكل ما يلزم حتى يستعيد السلطان يلدرم بايزيد صحته ويتماثل للشفاء.
وخاطب السلطان قائلاً:
«أيها السلطان الشجاع بايزيد! كل ما أريده هو اصطحابك معي إلى سمرقند، ومن هناك سأعيدك إلى مملكتك».
ولكن لم تستطع هذه الكلمات المواسية، ولا كل الجهود التي بذلها الحكيمان والأساليب العلاجية التي اتبعاها، أن تشفي السلطان من مرضه، فقد بات هذا الحاكم الذي اشتهر ببأسه وشجاعته، متلهفاً لقدوم الموت من أجل تخليصه من مرارة المصيبة التي ألمت به. وأخيراً تحققت أمنيته، وغادر هذا العالم الفاني نحو العالم الباقي في الثامن من شباط عام ألف وأربعمئة وثلاثة.

كان للبطولة عرشاً، فزال العرش
وبات الأسر مقامه بعد مجد
وفارق الدنيا سلطان عظيم
فلا بقاء إلا للواحد الأحد.
وفي تلك الأثناء وبينما كان تيمورلنك في طريق العودة بعد أن قام بالسيطرة على مدينة إزمير، تلقى نبأ وفاة السلطان بايزيد، وقد أظهر من الحزن والأسى قدراً كبيراً، وهو يخاطب من حوله بالقول:
«إنّ السلاطين العثمانيين هم أحد أساطين ديننا القويم، وكنت قد تخليت عن فكرة الإغارة على سلطنتهم والقضاء عليها، بعد الجهود التي بذلوها في محاربة الكفار، وبخاصة بعد اطلاعي على الجهود الجبارة التي بذلها السلطان يلدرم بايزيد، الذي أرجو أن يسكنه الله فسيح جنانه، من أجل إلحاق الهزيمة بالكفار المجرمين والقضاء عليهم، وإعلاء راية ديننا الحنيف، وقد عقدت العزم على مساعدته، ومدّه بالقوة والدعم، وإدخال السرور لقلبه. لأنّني أدركت أنّ حماية هذه السلالة وبقاءها، هو الأساس لبقاء الدين واستمراره. وكنت أنوي السيطرة على كافة بلاد الروم، ومن ثم إعادة السلطان لعرشه، بالشكل الذي يليق بمكانته وقدرته.
وكنت راغباً في مساعدته من أجل حماية ديار المسلمين، ومواصلة الفتوحات والجهاد في سبيل الله، ليبقى ذكري مخلداً في التاريخ، مقروناً بصالح الأعمال».
وبعد وفاة السلطان يلدرم بايزيد، تم تحنيط جسده ليدفن في مقبرة حضرة الولي محمود حيراني في آك شهير. حيث قام تيمورلنك بتقديم التعازي إلى أفراد عائلة السلطان الذين كانوا برفقته، وأجزل لهم في العطاء. وحين قرر العودة إلى سمرقند، سمح لموسى جلبي بأخذ جثمان والده إلى بورصة ودفنه هناك وفق المراسم الواجبة.

تيمورلنك في الأناضول
بعد النصر الذي حققه تيمورلنك في معركة أنقرة، بدأ بإرسال جيوشه إلى كل من بورصة، قونيا، آك شهير، قره حيصار، وبقية المدن والحصون المهمة.
وقد قام ميرزا محمد سلطان بن الأمير جيهانغير على رأس جيش مكون من ثلاثين ألف جندي، بملاحقة الأمير سليمان جلبي الذي توجه نحو بورصة برفقة الصدر الأعظم وقائد الإنكشارية بالإضافة للكثير من الأمراء، حيث شدد تيمورلنك على إلقاء القبض عليه قبل أن يقوم بأخذ كنوز السلطنة من العاصمة والتوجه بها نحو روميلي. لذلك فقد سار محمد سلطان بسرعة فائقة، وتمكن من قطع تلك الطريق الطويلة في غضون خمسة أيام فقط. ولكن الأمير سليمان جلبي كان قد أخذ قسماً من الخزنة مصطحباً معه أخته الأميرة فاطمة سلطان وشقيقه الصغير الأمير قاسم، وبلغ ضفة روميلي في اللحظة الأخيرة. وتشير المصادر التاريخية إلى أنّ قوات ميرزا محمد قد عاثت خراباً وتدميراً في مدينة بورصة. كما قام بإلقاء القبض على الأمير سلطان المعروف بأنه قطب الأولياء ونور درب الهداية في بورصة، وسلطان من قرأ القرآن الكريم وقام بحفظه، وعلى الملا فناري العالم والفقيه الكبير، وعلى أحد أبرز المتبحرين في علوم الحديث الشيخ محمود الجزري. وتمّ إرسالهم إلى كوتاهية حيث يقيم تيمورلنك.
وعلى خلاف المتوقع فقد استقبل الأخير، هؤلاء الرجال الثلاثة الذين كانوا من خيرة علماء السلطنة وأهم المراجع الدينية فيها، وسط حفاوة وتكريم بالغين. وبعد تجاذب أطراف الحديث طلب منهم البقاء برفقته، والتوجه معه إلى سمرقند.
وقد وافق الشيخ الجزري على هذا الطلب ورآه مناسباً له، فيما رفض الآخران قبول هذا العرض بأدب جمّ، بسبب قناعتهم بأنّ ظلّ السلطنة العثمانية العادل سيعاود الامتداد على البلاد والعباد من جديد، وستعود إلى عهدها المجيد. وقد شعر تيمورلنك بأسى بالغ لذلك، ولكنه أعادهما إلى بورصة بعد أن أنعم عليهما بالكثير من العطايا.
بعد أن مكث تيمورلنك أسبوعاً في أنقرة، اصطحب معه السلطان بايزيد وبقية الأسرى متوجهاً نحو كوتاهية. وقد أقام فيها مدة شهر لأنه كان يحب هذه المدينة كثيراً. وبعد أن استولى على كنوز والي الولاة تيمورتاش باشا التي في القلعة، وزعها على جنوده. وقام باستدعاء هذا الأخير حيث وبخه بشدة قائلاً:
«لو أنك صرفت كل هذه الأموال والمقتنيات النفيسة على تجهيز الجنود وخدمة ولي نعمتك، بدل اكتنازها لنفسك أما كان أفضل وأجدى لك؟ فحين ينصرف وزراء الدولة ورجالاتها لجمع الأموال واكتناز الذهب، ويهملون تجهيز الجيش، يعم الخراب والفوضى أرجاء البلاد وتصبح كل التدابير اللاحقة غير ناجعة».
ولكن تيمورتاش باشا ردّ عليه بكلام شديد الوطأة:
«إنّ مولاي ليس بالسلطان الغرّ الذي تحيله الحاجة لأموال رجالاته ووزرائه من أجل تجهيز جيوشه وإعدادها. وهو لا يشبه رجال الحكم من محدثي النعمة ليطمع في ملك غيره».
ويقال أنّ تيمورلنك الذي كان ينوي العفو عنه وعن أبنائه، أمر بحبسهم جميعاً بعد تلقيه هذا الرد.
وفي الفترة التي أقام فيها بكوتاهية، أعاد إمارات كل من غرميان وآيدن ومنتش وصاروخان وحميد أوغلو إلى أمرائها، وبذلك فقد عادت هذه الإمارات إلى سابق عهدها، ولكنها دانت بالتبعية هذه المرة لتيمورلنك. كما بعث رسالة إلى الأمير سليمان جلبي بن السلطان يلدرم بايزيد، يطلب فيها منه أن يعلن تبعيته، وقد أرسل الأمير وفداً برئاسة شخص يدعى الشيخ رمضان، الذي أبدى موافقة الأمير سليمان، وبدوره أرسل تيمورلنك مع وفد الأمير العائد التاج والخلعة (القفطان) دلالة على التبعية والولاء. أما بالنسبة إلى الأميرين عيسى جلبي ومحمد جلبي، فقد أرسل كل منهما وفداً يعرض على تيمورلنك التبعية له، وقد وافق الأخير وألبس رئيسي كل من الوفدين القفطان، كما أرسل للأميرين الحزام، والقلنسوة والكثير من العطايا.
وفي تلك الفترة وصله نبأ وفاة السلطان بايزيد الذي كان قد أرسله إلى آك شهير من أجل العلاج، بسبب سوء حالته الصحية. وحال عودته من حملته على غرب الأناضول، قدم التعازي لعائلة السلطان، بالإضافة للكثير من العطايا. وقبيل عودته إلى سمرقند، أوصى موسى جلبي أن يعود بجثمان والده إلى بورصة ليدفن هناك، وأن يقيم له مراسم جنازية تليق بمكانته. كما منحه الحزام والسيف المرصع ومئة من خيرة جياده، وكلفه بإدارة ملك والده.
وهناك عدة روايات عن سبب عودة تيمورلنك المفاجئة إلى سمرقند. فهناك رواية تقول أنه وبعد وفاة السلطان بايزيد بأربعة أيام، توفي محمد سلطان، أقرب أحفاد تيمورلنك إلى قلبه وذلك في الثاني عشر من آذار عام ألف وأربعمئة وثلاث، بشكل مفاجئ. ورغم أنه لم يكن قد أتمّ الثامنة عشرة من العمر، فقد أحرز الكثير من البطولات في كافة الحملات التي اشترك فيها. وقد قابل تيمورلنك هذا النبأ المفجع بذات المقولة التي قابل فيها نبأ موت السلطان بايزيد، مردداً: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون». وارتدى كافة رجال الدولة ثياب الحداد، بينما النساء يلطمن صدورهن ألماً وتفجعاً، وقد أذهبت الصدمة بعقل الجميع.
وبعد عدة أيام قام تيمورلنك بتوزيع الصدقات على روحه، وأقام مأدبة كبيرة، حيث ظلّ الشيوخ يقرأون القرآن بأصواتهم الشجية لساعات طويلة. وبعد أن نُقل جثمانه على محفة عبر نهر جيحون، رحل تيمورلنك أيضاً مع قواته نهاية ذلك الشهر، دون معرفة إن كان قد اعتبر هذه الحادثة تحذيراً خفياً له.
أما الرواية الثانية فتقول: بسبب أعمال السلب والنهب التي ارتكبها رجال تيمورلنك وجنده في كافة أرجاء الأناضول، فقد بات الشعب تحت وطأة الفاقة والعوز، وساءت كثيراً أحوال المسلمين، نتيجة الاضطرابات والفوضى التي عمت المنطقة منذ ما يقارب العشرة أشهر. وأخيراً حين بلغ الضيق بالناس حدوده القصوى، توجهوا نحو أمير سلطان طالبين منه التدخل من أجل إنهاء هذه الفتن والقلاقل.
وقد ردّ عليهم أمير سلطان قائلاً:
«اذهبوا إلى جيش تيمورلنك، وأوصلوا سلامي إلى أحد النعّالين، الذي مواصفاته كذا وكذا، وأبلغوه رغبتنا في مغادرتهم من ديارنا نحو وجهة أخرى».
وقد ذهب البعض إلى جيش تيمورلنك وعثروا على ذلك الرجل الذي كان يرتدي أسمالاً رثة وهو غارق في العمل، وأبلغوه برسالة أمير سلطان. فردّ عليهم ذلك الولي ذو الهيئة البائسة بالقول «أمره مطاع، سنغادر اعتباراً من الغد».
وفي اليوم التالي تفاجؤوا برؤية جيش تيمورلنك يشدّ الرحال مغادراً الأناضول.
الروايات الملفقة
هناك بعض الروايات الكاذبة عن معاملة تيمورلنك للسلطان يلدرم بايزيد حين كان أسيره، وعن ظروف وفاته. ومن أكثر تلك الروايات رواجاً بين الناس حتى أنهم باتوا مقتنعين بها، رغم أنها لا تصلح سوى للحكايا والقصص الخيالية، تلك التي تقول بأنّ تيمورلنك قام بحبس السلطان بايزيد داخل قفص حديدي، وكان يجول به في المدن ليغدو عرضة للسخرية والاستهزاء. ولكن المؤرخ الشهير خوجا سعد الدين أفندي، ينفي هذه الأخبار بشكل قاطع ويؤكد أنها مجرد أكاذيب ملفقة. ذلك أنه لو صدق خضوع بايزيد لهذا النوع من الإذلال على يد تيمورلنك، لقام المؤرخ الرسمي للتيموريين شرف الدين علي يزدي - الذي يغالي في تعظيم شأنهم واعتبارهم أعلى مرتبة من العثمانيين الذين يقلل من شأنهم بالمقابل - بذكر الواقعة والتأكيد عليها. ورغم أنّ منهجه في تدوين التاريخ مبني على التعصب والتحيز، لكنه كان يتطرق للّقاءات والمحادثات التي جرت بين السلطانين أثناء فترة الأسر. باحترام بالغ وتوقير عظيم، ولا يورد أياً مما يشير إلى التقليل من شأن السلطان بايزيد أو يمسّ مكانته وقدره.
كما أنّ المؤلف الإيراني مولانا حتيفي وفي كتابه التيمورنامة لا يذكر ما يخالف أواصر الصداقة وحسن التعامل بين السلطانين.
ويورد المؤرخ هامر175 بعد مقارنة ما جاء في مؤلفات المؤرخين التتار والعثمانيين والغربيين حول مسألة القفص الحديدي، ما يلي: «ولو توخينا الموضوعية في ذكر الحقائق، سنجد أنّ هذه القصة مجرد أقاويل تحولت إلى أسطورة تمّ تداولها منذ ثلاثة قرون ليس إلا».
إذاً من أين جاءت هذه الرواية؟
لم يكن السلطان بايزيد يرغب في أن يبقى تحت أنظار الجنود المرافقين له أثناء تجواله، وفي إحدى المرات شاهد محفة خشبية نالت إعجابه، وصعد عليها، وقد اعتبرت بعض المصادر التاريخية أنّ هذه المقصورة الخشبية التي كان يتنقل فيها، قفصاً للأسر. رغم أنه وفي عهد السلطان محمد الفاتح ومن تلاه من السلاطين، كان يطلق على الحجرة التي يجلسون فيها من أجل متابعة اجتماعات الديوان السلطاني، اسم القفص، وربما جاء الخلط بين المعنيين من هنا176.
وقد ردّد بعض المؤلفين الغربيين هذه الروايات ممن حرّفوا قصة المحفة دون التطرق إليها، معتبرينها قفصاً للأسر، أو ممن لهم غايات خفية في إضفاء بُعد تراجيدي على الواقعة والإساءة للسلاطين العثمانيين، والتقليل من شأنهم في أعين الناس.
والرواية الثانية الخاطئة التي تم تداولها بشأن السلطان بايزيد، أنه لم يعد قادراً على تحمل حياة الأسر، فقام بتجرع السم الذي كان مخبأً في فصّ خاتمه، ومات منتحراً.
وقد أشار النشري في تاريخه إلى هذا الموضوع بوصف «هذه الحكاية»، حيث يوضح ذلك بالقول: «تقول الروايات أنه حين قام تيمورلنك بالسيطرة على ولاية الروم(الأناضول) ومنحها لقرمان أوغلو، اغتمّ السلطان بايزيد كثيراً بعد أن وصلته هذه الأخبار، وكان فصّ خاتمه يحوي جرعة من السم، ولكنه مات كمداً بعد أن قال متحسراً: «الموت أفضل من حالي مهاناً بيد الأعداء الذين أراهم يتقاسمون مملكتي ويتناقلون حكمها فيما بينهم».
أما عاشق باشا زاده فقد علّق على القصة كالتالي: «حين سمع أنّه سيساق إلى سمرقند، تولى زمام الأمر بنفسه».
وقد قام بعض من المؤرخين والروائيين والمؤلفين الغربيين والأتراك، باقتباس كلمات النشري وعاشق باشا زاده، وحكموا من خلالها أنّ السلطان يلدرم بايزيد مات منتحراً.
على الرغم من أنّ النشري ذاته قد ذكر قبلاً في رواية أخرى قائلاً: «لقد ألمّ بالسلطان يلدرم بايزيد كدر عظيم، وأصيب بحمى بعد وقوعه في الأسر، وأخذت صحته تعتل يوماً تلو الآخر؛ بالرغم من أنه كان شخصاً على قدر كبير من التحمل».
وذكر في رواية ثانية نُقلت عن مولانا محمد بن قطب الدين الإزنيكي قائلاً: «وصلني أنّ السلطان يلدرم بايزيد قد أصيب بحمى قوية، وكانت السبب لمغادرته هذا العالم الفاني، وانتقاله إلى دنيا الحق إلى جوار ربه».
ومن خلال هذه الكلمات يتضح أنّ هناك فرضية تشير لموت يلدرم بايزيد بعد إصابته بحمى قوية، نتيجة الضيق والكدر الذي ألمّ به بعد الأسر.
ويقول المؤرخ التيموري شرف الدين يزدي: «لقد انتقل يلدرم بايزيد البارحة مساءً من دار الفناء إلى دار البقاء، بعد إصابته بالخناق وضيق التنفس». أما نظام الدين الشامي فيورد في مؤلفه الظفر نامه: «لقد توفي نتيجة الضعف الذي ألمّ به بعد مرضه المزمن، والغمّ الذي عصف بروحه، نتيجة وقوعه في الأسر». ومن المرجح أنّ هذين المؤرخين الضليعين، قد استقيا هذه المعلومات من الأطباء الذين كانوا يشرفون على حالة السلطان بايزيد الصحية ويحاولون علاجه.
أمّا المؤرخ خوجا سعد الدين أفندي الذي جاء بعدهم، فقد أوضح أنه كان مريضاً فاقد الوعي، ألمت به حمى قوية، أصابته بالفلج، وقد أورد رئيس الحكماء أنه كان مصاباً بحمى قوية وبالخنّاق، وهذا ما أدى إلى وفاته.
ولم يتطرق ابن عرب شاه الذي عاصر السلطان بايزيد، ولا أيٌ من المؤرخين الذين كانوا قريبين من ذلك العهد أمثال؛ شكر الله، محمد باشا القرماني، والأنوري بأنه انتحر بالسم، واتفق الجميع أنه مات بعد أن اشتدت عليه وطأة الحمى والمرض.
فترك المعلومات الواردة في كل هذه المصادر التاريخية، والتمسك بما أورده النشري من رواية أقرب للحكاية منها إلى مادة تاريخية، هو بالتأكيد أمر مخالف للمنهج العلمي المتبع في دراسة التاريخ.
كما لا تشير أي من المصادر التاريخية الموثقة، إلى عادة اصطحاب السلطان يلدرم بايزيد ولا من سبقه أو من جاء بعده من السلاطين العثمانيين، خاتماً يحوي السم في فصه، أثناء خروجهم للحملات والحروب.
ومن السذاجة تصديق المزاعم التي تشير إلى أنّ سلطاناً كبايزيد خان المعروف ببأسه وشجاعته، وورعه، سيقوم بوضع السمّ في فصّ خاتمه قبل توجهه للحرب، لأنه كان يفكر في الهزيمة أو الوقوع في الأسر مثلاً.
ولكن بحسب ما تتفق عليه معظم المصادر، أنه وبعد ما تعرضت له البلاد من خراب ودمار، والأسى العميق الذي ألمّ به جراء هذه المصيبة، فقد مات السلطان العظيم كمداً. فضيق التنفس والتهاب الحلق، والحمى القوية، إضافة للفالج، كلها أمراض نجمت عن الوضع النفسي السيئ الذي كان يعانيه وأدت لوفاته.
شخصية السلطان يلدرم بايزيد خان
ولد في بورصة في العام ألف وثلاثمئة وستين. والده السلطان مراد خداوندكار، ووالدته غول جيجك خاتون. ومنذ نعومة أظفاره، تلقى العلم على يد أفضل علماء ورجال الدين في ذلك العصر مثل كوجا محمود قاضي بورصة، وجاندارلي خليل قاضي العسكر، والملا رستم القرمانلي. كما أشرف على تدريبه العسكري خيرة رجال جيش والده، ولقنوه دروساً في إدارة الجيوش وقيادتها.
وقد شارك في المعارك وهو لا يزال في سن صغيرة، وكان يمتلك كافة مقومات القيادة، واكتسب شهرة لا تضاهى بسبب جسارته وشجاعته. كان بالغ الجرأة، ذا لياقة عالية تمكنه من سرعة الحركة، وكان قادراً على نقل جيشه إلى الوجهة التي يريد على وجه السرعة، حيث يظهر أمام العدو على حين غرة. وقد استحق بجدارة لقب يلدرم (الصاعقة) الذي أطلق عليه. لكنه عصبي المزاج.
قادر على الاحتفاظ بهدوئه وتماسكه أمام الظروف الطارئة، يصل للقرار الصائب بسرعة وينفذه دون تردد.
وقد تمكن في إحدى حملاته من القضاء على إمارات الأناضول، والسيطرة على سواحل بحر إيجه والمنطقة المحيطة بسامسون، ووصل حتى ساحل البحر الأسود. وكان توحيد الأناضول تحت رايته، أحد أهم الأهداف التي حارب من أجلها.
وقد أظهر في معركة نيقوبولس، قدرة عالية في قيادة جيشه وتنظيمه، وتسامحاً قلّ نظيره مع الأعداء، مثبتاً بذلك أنه قائد عسكري لا يشق له غبار.
وظهوره فجأة أمام جيش تيمورلنك قبيل معركة أنقرة قادماً من وجهة لم يكن هذا الأخير يتوقعها مطلقاً، وخاصة أنه داهمه في وضعية تمكنه من الهجوم، إثبات آخر على قدراته العسكرية العالية. ولكن ثقته الكبيرة بنفسه وبإمكانات جيشه، منعته من استغلال الفرصة مما تسبب في خسارته لاحقاً. ولكن خيانة القره تتاريين له أثناء المعركة شكلت الضربة القاصمة التي مهدت لهزيمته.
ويتفق المؤرخون أنه كان عادلاً إلى أبعد الحدود في التعامل مع قادته ورجاله، ومع أعدائه أثناء الفتوحات على حد سواء. فأثناء حصار قونيا، والسيطرة على سيفاس، والفتوحات في روميلي أصبحت طريقة تعامله العادلة مع السكان مضرباً للمثل. فكان يقف في وقت محدد من كل يوم، وفي موقع يمكّن الجميع من رؤيته فيه، ليستمع إلى شكاوى وطلبات رعاياه القادمين من كافة الأصقاع، فيعيد الحقوق إلى كل من تعرض للغبن وينصف المظلومين منهم، ولم يكن ليتدخل مطلقاً في أحكام القضاة وقراراتهم، ولا يسمح لأحد بذلك.
وبحسب إحدى الروايات، يقال أنه أشيع في إحدى الفترات بأنّ قضاة روميلي يأخذون الرشوة، فأمر بايزيد على الفور بالتحقيق في الأمر، ومن ثم ألقى القبض على من ثبتت التهمة عليهم، وحبسهم في أحد منازل مدينة يني شهير، وأمر بردم المنزل فوق رؤوسهم.
وبعد جهد جهيد تمكن الصدر الأعظم علي باشا، ورجال الدين وعلمائه من ثنيه عن تنفيذ هذا القرار الذي اتخذه في لحظة غضب. وبعد أن أوضح له علي باشا بأنّ الأجر الزهيد الذي يحصل عليه هؤلاء القضاة قد يكون السبب الذي دفعهم لارتكاب هذا الجرم، قام السلطان بتخصيص راتب شهري للقضاة. ومنذ ذلك الحين لم يحدث أن قام أحد من موظفي الدولة بارتكاب أي تقصير أو مخالفة من هذا النوع.
وكان يحضر مجالس العلماء ورجال الدين، ويستشيرهم في أمور الدولة ومسائل الحكم. ويستجيب لكل ما يمليه عليه الشرع، وما أمر به الله سبحانه وتعالى بكل رضى وسرور.
في إحدى الأيام توجب على السلطان أن يدلي بشهادته في المحكمة، فانتظر كبقية الناس واقفاً وقد عقد يديه على صدره. وبعد أن أمعن قاضي بورصة الملا شمس الدين فناري النظر إلى وجه السلطان، خاطبه بالقول:
«شهادتك غير مقبولة. ذلك أنّك لا تصلي مع الجماعة. فمن لا يحول بينه وبين الصلاة مع الجماعة عذر، ولا يؤديها معهم، فهذا يعني أنه قد يدلي بشهادة كاذبة».
وإزاء هذه التهمة، توقع الجميع أن يثور يلدرم بايزيد ويغضب، ولكنه ترك المحكمة مذعناً لهذه التهمة، وأمر ببناء جامع إلى جوار القصر بعد هذه الحادثة، وبدأ بأداء صلاته مع الجماعة.
وكان يخصص الغنائم التي يغتنمها من حروبه مع الصليبيين لتلبية احتياجات الناس ومتطلباتهم. فبنى الكثير من الجوامع والأوقاف. ولعل أبرزها هو جامع أولو الذي بناه في بورصة. حيث أمر ببنائه عند سفوح جبال أولوداغ في بقعة خلابة. كما بنى قبالة الجامع مدرسة، ووقفاً خيرياً، ونزلاً للمسافرين بالإضافة لحمّام ودار الشفاء من أجل معالجة المرضى، والذي كلف الطبيب شمس الدين الذي جاء به من مصر بإدارته، وكان هناك طبيب مشرف وثلاثة مساعدين له، واثنان من الصيادلة، وطباخان واثنان من الشربتجية177، وخبازان، بالإضافة للممرضين والخدم الذين يعملون في المشفى.
كما قام يلدرم بايزيد بتطوير وتحسين دور الشفاء الموجودة في كل من أماسيا، سيفاس، قسطموني، توكات، وقونيا.
وأمر بحفر قنوات مغلقة وذلك لإيصال مياه نهر آكجاأوغلان - المعروف بمياهه العذبة السلسبيل، والذي تكفي قوة جريانه لتسيير ثلاثة طواحين - من جبال أولوداغ إلى المدينة. وقد بنى أقواساً وقناطر فوق هذه القنوات، وقام بتوزيعها على الجوامع والمدارس والحمّامات، أما الباقي فقد قام بتوزيعه على أحياء المدينة من خلال سُبُل المياه الجميلة في كل زاوية. كما قام ببناء زاوية لدراويش الولي أبو إسحاق كازيروني في بورصة، وجامعاً ووقفاً خيرياً في إدرنة، بالإضافة لجوامع في العديد من المدن مثل كوتاهية، فيريا178 وبالك إسير. وقد خصص الكثير من الأموال وَقْفاً على كل هذه الأعمال والمؤسسات الخيرية.
وهذا ما قاله المؤرخ أحمدي عن السلطان يلدرم بايزيد:
«كان عادلاً كامل الأوصاف مثل أجداده، يولي أهل العلم مكانة كبيرة، ويعاملهم ببالغ الاحترام، ويغدق عليهم الأموال والعطايا. ويحسن إلى الزهّاد والمتعبدين. ولم يترك بقعة في الديار العثمانية، لم يعمرها بعدله وحسن إدارته وحكمه».
أما شكر الله فيحدثنا عنه قائلاً:
«حين جلس السلطان بايزيد على عرش السلطنة، اتبع سياسة عادلة في الحكم، متفوقاً بذلك على أجداده ومن حكم قبله. فكان يشفق على المحتاجين، ويعامل رجالات الدولة وأعيانها باحترام. كما كان يجانب الذنوب والمحرمات، ويخشى الله ويطيعه في كل ما أمر به».
وبدوره فقد وصفه نيشانجي محمد باشا بالقول:
«كان السلطان بايزيد عادلاً، شجاعاً، يحب العلماء والفقراء، ويعامل الأغنياء بالإحسان والعطف».
ويقول عاشق باشا زاده عنه:
«كان من عادته توزيع الصدقات على الفقراء في كل يوم جمعة، وفي كل مدينة يتواجد فيها».
ويمتدحه خوجا سعد الدين أفندي بهذه الأبيات، مبرزاً صفات هذا الحاكم العادل المقدام:
كان سلطاناً ذا بأس وشدة
وسيفاً يعلو في كل ميدان
ترك العرش بعد دهر ومجد
لأبنائه أمراء الزمان
لم يركع لعدو أو يضعف
وكان يواجه كسيد الفرسان
وإن غلبه تيمورلنك حينها
فقد أفنى الله ملكه عقابا
وأعاد لعرش المجاهدين
العز وهيأ لهم الأسبابا
وخصهم بمحبة وعطف
وفتح في وجههم الأبوابا





القسم الخامس
السلطان جلبي محمد
لو جافاك العالم، فاطلب النصرة من
الحق ومن الأولياء الدعاء والهمة دع الماضي وشأنه، ولا
تخشى الحديد والحجارة واطلب العون من الذي
يستطيع سحق الحديد.


على طريق أماسيا
استطاع الأمير محمد أن يثير انتباه والده وتيمورلنك في الآن ذاته، من خلال الشجاعة التي أبداها في معركة أنقرة. ولكنه انسحب من ساحة القتال تحت إصرار رجالاته وأعوانه، بعد أن أدرك هؤلاء أنّ الهزيمة تلوح في الأفق، وبذا فقد ابتعد مختفياً وسط الظلام.
وقبل مرور وقت طويل اتضح أنّ الدولة التي بدأت بالانقسام والتمزق، سيكون الطريق نحو توحيدها والصراع من أجل استعادة مجدها، صعباً، مظلماً، وسيستغرق الكثير من الوقت والمشقة. وكان الأمير محمد يضع هذا العبء الثقيل على أكتافه الغضة وهو لا يزال في الرابعة عشرة من العمر، ويحاول أن يشق درباً في هذا الطريق.
كان الحراس الذين عينهم السلطان بايزيد على حدود سلطنته، من أجل الحفاظ على الحقوق وتطبيق العدل، قد اختفوا. مما شكل فرصة لا تفوت لأمراء الأناضول الذين كانوا قد أذعنوا للتوحيد منضوين تحت راية السلطان يلدرم بايزيد، خوفاً من حدّ سيفه، وليس عن قناعة أو رضى. وبعد أن مدّهم تيمورلنك بالقوة والعون، أخذ كل منهم يرفع راية التمرد والعصيان ويطمع في السيطرة على إحدى المناطق والإمارات.
وفي تلك الفترة تعرض الأمير محمد جلبي الذي كان يدير كلاً من إمارتي توكات وأماسيا، لأول هجوم. حيث أعلن إسفنديار بيك حاكم إمارة جاندار أوغلو قائلاً: «إضاعة الفرصة مجلبة للندم والغم»، وأرسل قوات كبيرة بقيادة ابن أخته قره يحيى من أجل مباغتة محمد جلبي على الطريق والتخلص منه.
فقد كان راغباً في استغلال هذه الفرصة بسبب صغر سن الأمير وافتقاره للتجربة والحنكة من جهة، وبسبب تشتت الجيش العثماني وتشرذمه من جهة أخرى.
في البداية ألقى محمد جلبي على من حوله من الرجال الذين لا يشكلون أكثر من فرقة صغيرة، خطبة عن الشجاعة، دبّت العزيمة والبأس في نفوسهم، ومن ثم انطلق هاجماً على قاطعي طريقه، وإزاء الشجاعة التي أبداها ومن معه، بات العدو رغم عدده الكبير، في وضع يرثى له. وتشرذموا كقطيع من الخراف الجزِعة. وقد لاذ يحيى بالفرار ملتجئاً إلى قلعة توسيا، بينما تشتت بقية جنوده الناجين في كافة الاتجاهات.
وقد أطلق محمد جلبي العنان لجواده منطلقاً نحو بولو، وقرر المكوث هناك لعدة أيام، وخلال هذه الفترة أرسل جواسيسه إلى الجهات الأربع لمعرفة الوضع بعد المعركة. وكان يسأل عن «أي جهة أكثر أماناً؟ وما الوجهة التي يجب علينا أن نقصدها؟». ويتباحث مع رجاله حول هذا الأمر.
وقد طرح عليهم فكرة التوجه نحو بورصة عاصمة أجداده وحاضرتهم الأساسية في الأناضول، من أجل حمايتها من الطامعين والدفاع عنها. لكن رجاله من ذوي الخبرة والحنكة لم يوافقوا على هذه الفكرة مبررين ذلك بالقول: «جنودنا قلة ومتعبون، وليس من الحكمة أن نرمي بأنفسنا وسط العدو الذي يحيط بنا بجيوشه الجرارة. فأفضل الحلول الآن هو البقاء بعيداً، والتنقل بين أماسيا وتوكات، ومراقبة ما ستتمخض عنه الظروف. كما أنّ هناك الكثير من المواقع الحصينة للاحتماء بها في هذه المنطقة. والأنسب هو البقاء فيها ومراقبة تحركات تيمورلنك لمدة من الزمن، والتصرف على هذا الأساس».
وفيما هم يتناقشون حول هذه الأمور، عاد الجواسيس الذين كان قد أرسلهم، حاملين أخبار تفيد بأنّ تيمورلنك قرر قضاء الشتاء في آيدن، كما نقلوا إليه أخبار العصيان والتمرد اللذين عمَّا أطراف السلطنة، وأوضاع إخوته، بالإضافة لأخبار السلطان بايزيد ووضعه الصحي.
وبناء على هذه المعلومات اتضح أنّ أسلم الحلول هو التوجه إلى أماسيا والبقاء فيها حالياً، على الرغم من أنّ السلطان بايزيد لم يتمكن مؤخراً من السيطرة إلاّ على؛ أماسيا، جانيك، توكات، نيكسار وسيفاس، التي تشكل منطقة وسط الأناضول، وضمها لسلطنته. وبالتالي كان الوضع فيها لا يزال مقلقلاً، وتعاني الكثير من الاضطرابات السياسية. فقد كان الكثير من الأمراء والأعيان المحليين ممن يملكون القوة والنفوذ، يحاولون التمرد والاستقلال. ومن بينهم قره دولت شاه، كوباد أوغلو، غوزلر أوغلو، كوبك أوغلو، إينال أوغلو، ومزيد بيك صهر القاضي برهان الدين أحمد. ومن الواضح أنّ كلاً منهم سيحاول التمرد والصراع من أجل السلطة والحكم.
منتهزوا الفرص
لم يتأخر قره دولت شاه في التصرف، فبُعيد معركة أنقرة، ذهب للمثول أمام تيمورلنك ليعلن له الطاعة والولاء، حيث منحه الأخير حكم وسط الأناضول بفرمان خاص. قام بموجبه قره دولت شاه بجمع قوات التركمان من حوله، متجهاً نحو منطقة أماسيا التي عاث فيها خراباً ونهباً. وكان يظهر الفرمان الذي منحه إياه تيمورلنك أمام الجميع مدعياً أنه يقوم بأمر مشروع، لتجتمع من حوله قطعان اللصوص والنهّابين، الذين يطلقهم في كافة الاتجاهات.
وحين بلغت هذه الأخبار مسامع الأمير محمد جلبي، قام بجمع رجاله من حوله وخاطبهم قائلاً:
«في الوقت الذي نعاني فيه ما نعانيه من أسى على ما آلت إليه أوضاع السلطنة، وما لحق بنا من خراب ودمار، يظهر أسود الوجه179 المدعو قره دولت شاه هذا، ليسيطر على ما تركه لنا الآباء والأجداد من خيرة الممتلكات والأراضي، ويقوم بهدم القرى والمدن ونهبها، ويزيد همنا هماً وحزننا حزناً. وإن لم نتخذ التدابير اللازمة، ونقوم بما يمليه علينا واجب الدفاع، ستمتد نيران الفساد والدمار إلى كل مكان حتى تصل إلينا أيضاً».
وإزاء كلمات الأمير التي تنضح بالقلق، ردّ عليه رجاله ممن ينعمون بحكمه العادل قائلين:
«أرواحنا وأجسادنا، أملاكنا وبيوتنا فداء لمولانا السلطان. وستغدو سيوفنا الماضية سداً في وجه أعداء دولتنا. فنحن نعلم أنّ دحر العدو وتضييق الخناق عليه، هو علامة من علامات صدق عقيدتنا، ورسوخ إيماننا. الفرمان من مولانا السلطان، والمدد من العلي الرحمن».
وبعد التشاور والمباحثات، تقرر إرسال الجواسيس للاطلاع على وضع قره دولت شاه ومعرفة حجم قواته. وبعد مدة وجيزة وصلت المعلومات التي تفيد بأنه وقواته منهمكون في أعمال السلب والنهب والسطو على أملاك الناس في المدن والقرى، وقد تفرقوا في كافة الجهات لتحقيق هذه الغاية. وأنه مع حوالي ألفٍ من رجاله، الذين يقيمون في هاكالا180، يقضون الوقت في الاحتفال ومجالس الرقص والطرب.
وعلى إثر ذلك قام محمد جلبي بجمع قواته على الفور، وانطلق على وجه السرعة ليحاصر رأس الفتنة والفساد، ويحيط به مع فرسانه. ولم يعلم قره دولت شاه بما يجري من حوله إلا في آخر لحظة حيث خرج لملاقاة الأمير الشاب. وبدأ يسخر من الأمير لصغر سنه، ويستهزئ بمصير والده السلطان بايزيد، وهو يناديه قائلاً:
«حين تتجرأ النعاج للخروج من أحضان أمهاتها ومواجهة الأسود، فهذا يعني أن تضع مصيرك تحت براثن الأسد، وأن تسير نحو حتفك بقدميك. فإن كنت مشفقاً على عمرك الباقي من الضياع، ابحث عن طريق للنجاة من هذه المصيبة، وتخل عن فكرة مواجهتي».
ولكن الأمير الشاب الذي عاصر كل الظروف التي ألمت بهم، واكتسب تجربة كبيرة مما حصل، ردّ عليه بالقول:
«أيا من أعمى الحقد قلبه، وأفنى هباءً عمره، يا قبيح الأفعال، يا أحمَقَ الرجال! السخرية من القدر الذي جعله الله سبحانه وتعالى من نصيب السلطان، وتبدله من حال لحال، لهو تصرف في غاية السوء. ألا تعلم أنّ القدر قد لا يوافق الأهواء والمقاصد في كل مرة؟
كما أنّ عظيم الأفعال والتحلي بالفضلية، لا علاقة له بالعمر والسنين. ولكن قد يغدو اللؤلؤ الثمين بخساً لمن لا يعرف قيمته الحقيقية. فوحدهم العقلاء ومن خبروا الحياة ويملكون الذكاء والحكمة يعلمون أنّ جوهرة صغيرة تساوي آلاف الدراهم. وربّ رمح قصير، يخترق صدر غراب قبيح فيودي به إلى الردى وبئس المصير. وإن شاء الشبل، فهو قادر على طرح جملٍ عجوزٍ أرضاً، وهو يلهو به بمخالبه».
وعلى إثر هذه الكلمات أخذت السهام في التراشق بين الطرفين، وبدأت السيوف تتضارب. وقبل أن يمضي وقت طويل على القتال تمكن أحد الرماة العثمانيين من تسديد ممن اخترقت سهامهم صدور الكثير من الأعداء في ساحات الوغى - من تسديد سهم نحو قره دولت شاه، حيث أصابه في مقتل وأرداه على الفور. وحين سقط من على ظهر جواده، تجمّع حوله جنوده ممن كانوا يمتشقون سيوفهم في القتال، وكان معظمهم قد انضمّ إليه خوفاً من بطش تيمورلنك، ولكنهم حين رأوه يتمرغ في التراب غارقاً في دمائه، تحولوا على الفور إلى معسكر الأمير ذي الطالع الحسن، وبذلك وئدت هذه الفتنة قبل أن تتسع وتلتهم نيرانها المزيد.
من بين من نال فرماناً مماثلاً من تيمورلنك، هو كوبادأوغلو. وقد تمكن مقاتلو الأمير محمد جلبي - الذين توجهوا لقتال هذا الشقي وجنوده الذين كانوا يواصلون أعمالهم في السلب والنهب في نيكسار والمناطق المحيطة بها - من إلحاق الهزيمة بهم وتشتيت شملهم، وبالكاد تمكن كوبادأوغلو من النجاة بنفسه في آخر لحظة، وهرب إلى قلعة تاشان أوغلو للاحتماء بها.
أما إينال أوغلو الذي حاول استغلال الفوضى المستشرية في البلاد، للقيام بأعمال السرقة والنهب، فقد جمع حوله عشرين ألفاً من المحاربين واستطاع بلوغ كازاباد التابعة لمدينة توكات. وكان لا يخلف سوى الدماء والدموع في المناطق التي يمرّ بها ويغير عليها كل يوم. بينما يلجأ الضحايا مفجوعين للاحتماء بالأمير محمد جلبي. ومع ازدياد مناصريه أخذت الأحلام تراود إينال أوغلو بالسيطرة على أملاك السلطنة العثمانية. ومقابل ممارسات إينال أوغلو وسيطرته التي باتت تمتد حتى الشرق الأوسط تقريباً، بدأ الأمير محمد جلبي يشعر بمزيد من الضيق والأسى لمآل البلاد والعباد. لذا قام بإرسال وفد لمقابلة إينال أوغلو من أجل معرفة حقيقة نواياه والحصول على معلومات حول قواته ووضعه. وهذا ما جاء في نص الرسالة التي أرسلها إلى إينال أوغلو:
«إن سكان هذه البلاد وضعفاءها هم أمانة من الله تعالى. لذلك فحمايتهم ورعاية شؤونهم واجبٌ على السلطان ودينٌ في رقبته. وقد بلغنا أنّ بعضاً من أتباعك وممن يقومون بخدمتك، يغيرون على رعايانا الذين يقطنون في المدن والبلدات التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا السلاطين. رغم أنك تملك ما يكفي من قطعان الماشية والجياد.
وما يليق بأمثالك ألاّ يسمح بأن تنتهك مدننا وأن لا تطأها أقدام الناهبين. وأن لا تطال أيادي رجالك ممتلكات الناس. وإن كنت تظن أن هذه البلاد لا مالك لها وتريد انتهاز الفرصة بالسيطرة عليها، سترتدّ منسحباً حين تعرف أنّ حاميها أصيل النسب عظيم الشأن.
وإن لم تنسحب فعليك تحمّل عواقب فعلتك. ذلك أننا لن نتخاطب حينها ولن نلتقي إلاّ على وقع السيوف والرماح».
حين وصل وفد الأمير إلى مكان إقامة إينال أوغلو، أدركوا أن قواته أكثر عدةً وعدداً مما وصل إلى مسامعهم. وبدؤوا يبتهلون ويتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى لكي يحمي الأمير الشاب من شره وبطشه.
وبدوره فقد تأخّر إينال أوغلو في استقبال وفد الأمير وذلك للتقليل من شأنه وإظهار الاستخفاف به، وحين وافق على مثولهم أمامه لم يبد نحوهم أيّ اهتمام وأخذ يطرح عليهم أسئلةً تفتقر اللباقة كمثل» أين هو محمد الآن؟ وما الذي يفعله؟».
وبعد أن قرأ الرسالة احتدّ وأمر بقتل أفراد الوفد في ثورة غضبه، ولكن بعضاً من رجاله من ذوي الخبرة والحنكة تمكنوا من ثنيه عن هذا القرار.
وقد ردّ عليه بالرسالة التالية:
«لم يكن مرادنا خوض الحرب معك. بل كانت غايتنا الحقيقية هي السيطرة على كل ما تملكه من مدنٍ وممتلكات. وأفضل نصيحة أقدمها لك أن تختار طريق السلامة حين تصلك رسالتنا هذه وتتجه إلى أبعد مكان تصل إليه».
حين وصلت هذه الأخبار المزعجة إلى الأمير الموقّر، قرر التصرف وفق الحكمة التي تقول «يتوجب السمو على المتكبرين والمغرورين».
لذا فقد سار متوجهاً نحو إينال أوغلو برفقة ألفٍ من فرسانه المسلحين، ولأنّ قسماً كبيراً من رجال هذا الأخير كانوا مشغولين بأعمال النهب والسلب في المنطقة، فلم يكن حوله سوى عشرة آلاف جندي من رجاله.
وقد تمكن ألفٌ من بواسل العثمانيين من تشتيت سرب النهّابين واللصوص، حيث انقضوا عليهم كالصواعق بسرعةٍ تعذّر معها متابعة ضربات سيوفهم بالعين المجردة. وخلال دقائق معدودة امتلأت الساحة بجثثهم. فهؤلاء الأشقياء الذين كانت بطولاتهم تقتصر على مهاجمة القرى والبلدات وقتل الأبرياء والضعفاء، لاذوا بالفرار كقطيع من النعاج المذعورة. وفي حين لم يقتل أيّ جندي من جيش الأمير محمد جلبي، بالكاد تمكن إينال أوغلو من الفرار والنجاة بنفسه، وكان هذا النصر مدعاة فرحٍ عامرةٍ للأمير وجيشه.
ولكن سرب الطامحين إلى الانفصال لم يقتصر فقط على هذين الاثنين؛ ففي نيكسار كان غوزلر أوغلو، وفي سيفاس كان مزيد بيك، أما في كازاباد وجوارها كان كوبك أوغلو، وتحت إمرة كل منهم ثلّةٌ من قطاع الطرق واللصوص الذين يقومون بالسلب والنهب في تلك المناطق. ولكن الأمير الشاب تمكن من القضاء على غوزلر أوغلو ومن ثم كوبك أوغلو ورجاله، كما كلف بايزيد باشا بالتوجه على رأس حملة نحو مزيد بيك للقضاء عليه. والذي توجه على وجه السرعة إلى سيفاس، حيث تمكنت قواته من دحر جنود مزيد بيك وأسره وإرساله إلى الأمير مكبلاً.
وحين مثل بين يديّ الأمير، استطاع أن يحصل على إعجاب كل الحاضرين؛ من خلال مظهره وشجاعته ومواقفه وحسن تصرفه. فخاطبه الأمير محمد جلبي قائلاً:
«إن عاهدتنا على استغلال شجاعتك هذه في خدمة طريق الحق بدل صرفها عبثاً في السلب والنهب سنعفو عن خطاياك، ونجزل عليك بالعطاء حتى نرضيك».
وإزاء كرم السلطان شعر مزيد بيك - الذي كان يتوقع صدور الأمر بقتله - بالخجل وردّ عليه بالقول:
«إنّ منح شخص مثلي - غارق في بحر الخطيئة، وفناءه أجدى من بقاءه - فرصةً للتوبة، لهو أقصى ما أتمناه. سأقضي الليل بالنهار أمام بابكم خادماً مطيعاً شاكراً فضلكم، وسأغدو عبداً لأبناء عثمان ما بقيت حياً، كي أنال السعادة الأبدية».
وعلى إثر ذلك قام محمد جلبي بمنحه الخلعة وعيّنه والياً على سيفاس. وبدل أعمال السلب والنهب التي كان يرتكبها هذا الأخير في المنطقة بات يعمل على إعمار المدينة وما يجاورها، ويصرف جلّ وقته للتكفير عن خطاياه السابقة.


مخاوف تيمورلنك
استطاع الأمير محمد جلبي الابن الأصغر للسلطان بايزيد، أن يجترع البطولات مع ثُلَّة من رجال، في أحلك الأوقات التي كانت تمرّ بها السلطنة العثمانية وأكثر مناطقها اضطراباً، وكان يواصل العمل ليل نهار دون انقطاع، ويلحق الهزيمة تلو الأخرى بأعدائه حتى لو تجاوز عددهم العشرة والعشرين ألفاً، بحيث تمكن في مدة وجيزة من إحلال العدل في كل من أماسيا وسيفاس وتوكات، لتزدهر من جديد.
وكانت أخبار بطولاته وانتصاراته تنتشر في كل مكان، وبات من الواضح أنّ أفعاله وصفاته تؤهله ليصبح سلطاناً ذو شأن عظيم.
ومن جهته كان تيمورلنك - الذي يتابع عن كثب أخبار الأمير الشاب، ويراقب كل ما يقوم به - يشعر بالقلق من ازدياد قوة محمد جلبي خاصة بعد الانتصارات المتوالية التي حققها على حدود إيران، وأخذت إمارته بالاتساع واكتساب القوة والمنعة.
لذا فقد منح الأمان المطلق للسلطان بايزيد طالباً منه استدعاء ابنه الأمير، وبالإضافة لرسالة بايزيد، فقد أعطى الوفد الذي أرسله للأمير، رسالة أخرى كتبها هو، كما أرسل معهم الحاج محمد وهو أحد الذين كانوا يعملون على خدمة السلطان بايزيد.
كانت رسالة تيمورلنك تفيض بعبارات التودد لكسب ثقته، حيث أوضح له فيها بأنه يعتبره أعز من أبنائه، وأنه ينوي أن يزوجه إحدى بناته، ويحلف الأيمان أنه سيفعل كل ما يقتضي من أجل سعادته، بالإضافة للكثير من الوعود المغرية الأخرى، لإقناعه بالذهاب إليه.
استقبل الأمير وفد المرسلين باحتفاء كبير، وقبّل باحترام بالغ رسالة والده السلطان ورسالة تيمورلنك، واضعاً كليهما على رأسه احتراماً، ومن ثم قال لهم:
«لقد تلقيت الأمر، وأنا راض به».
وبعد أن اختلى به رجاله ومستشاروه، حاولوا إقناعه بالعدول عن الذهاب لملاقاة والده، وتباحثوا طويلاً حول أن تكون المسألة خطراً على حياته. وبالمقابل تناقشوا حول الخطر المحدق بهم إن حاولوا الرفض، وما يمكن أن يفعله تيمورلنك للانتقام منه.
وبعد إصرار رجاله الكبير، اكتفى الأمير بالرد عليهم من خلال الآية الكريمة ?... وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ...?. منهياً المناقشة وحاسماً الأمر.
وقد انطلق بعد مدة وجيزة محملاً بالهدايا الثمينة، من توكات نحو أماسيا. ولم يكن قد وصل بعد إلى أوصمانجيك، حين تعرض لهجوم مباغت من قره يحيى الإسفندياري. ولكن رجال الأمير المحنكين، الذين اكتسبوا خبرة عامين من محاربة قطعان اللصوص والنهّابين، والاشتباك معهم، تمكنوا بسرعة من تشتيت شملهم والقضاء عليهم، ليهرب قره يحيى مرة أخرى ويختفي عن الأنظار.
وحين وصل الأمير الشجاع إلى مرتضى أباد، وصلته أخبار عن أنّ أحد زعماء التتار والذي يدعى سافجي أوغلو مع رجاله يربضون له على الطريق من أجل مهاجمته. فانطلق بسرعة كبيرة مع رجاله، ونزل كالصاعقة على سافجي أوغلو في لحظة لم يكونوا يتوقعونها. وبعد مقاومة قصيرة من قبل هؤلاء الجُناة، لاذوا بالفرار تاركين كل أموالهم وما كان بحوزتهم من ممتلكات لفرسان الأمير.
ولكن التعرض لكل هذه الهجمات والمكائد فيما لايزالون في الأراضي التي تتبع لحكمهم قد أثار قلق الأمير وفرسانه. ذلك أنّهم لم يصلوا بعد مناطق الأناضول التي تعاني من فراغ للسلطة، والتي كان وضعها أكثر تقلقلاً وخطراً. وقبل أن يتقدم الأمير جلبي ورجاله أكثر من ذلك، قرروا العودة بعد إدراكهم للعوائق الجسيمة التي قد تعترضهم.
وبعد أن استدعى وفد تيمورلنك الذي كان برفقته، صارحهم بالقول:
«لقد تعرضنا لكل هذه الأخطار بسبب قطاع الطرق والمتمردين اللصوص، ونحن لانزال داخل إمارتنا ومناطق نفوذنا. وأدركنا أنّ جذور الفتنة والفساد تحيط بنا من كافة الجهات. ومن الجهالة والتهور مغادرة إمارتنا في ظل هذه الظروف. فليس مما يجانب الصواب المرور بالقلاع التي يتحصن فيها الأعداء، أو اجتياز المعابر التي يترصد فيها اللصوص وقطاع الطرق. رغم أنّ رغبتنا في ملاقاة الأمير تيمورلنك كانت كبيرة. ولهفتنا للقاء والدنا ولي نعمتنا تحرق الفؤاد. ولكن العوائق التي تمنع هذا اللقاء باتت معلومة من قبلكم. وما أرجوه منكم هو أن تبلغوا الأمير تيمورلنك حين تصلون، اعتذارنا العميق، بطريقة تبعد الجفا عن قلبه وتسرّ خاطره».
كما رافق صوفي بايزيد وهو أحد معلمي الأمير محمد جلبي، وفد الرسل العائد إلى تيمورلنك، مع الرسالة التي كتبها لتيمورلنك، بالإضافة للكثير من الهدايا النفيسة. بينما ارتأى الأمير البقاء في بولو لحين عودة الرسل.
الخبر المفجع
تزامن وصول وفد الرسل برفقة صوفي بايزيد، مع وفاة السلطان يلدرم بايزيد. لذا اضطر تيمورلنك لتأجيل مقابلة الوفد لعدة أيام. وقد سرّ سروراً بالغاً من موقف الأمير ورسالته، واستقبل رجاله كأنهم رسل أحد السلاطين العظماء. وبعد أن سلّم رجال الأمير رسالته، ودعهم بحفاوة كبيرة، وأرفق معهم الكثير من الهدايا والنفائس التي تليق بأعظم الملوك والسلاطين.
وما إن استقبل الأمير وفد تيمورلنك وصوفي بايزيد العائد برفقتهم، حتى أحسَّ الكدر الذي يعتمل في صدر معلمه، وخمن وقوع أمر جلل. وبعد أنّ قدم إليه هذا الأخير رسالة تيمورلنك ليقرأها الأمير، أعلمه بنبأ وفاة والده السلطان. وإثر هذا الخبر المفجع، فاضت عينا الأمير بالدموع حزناً وألماً.
تهطل الدموع من بين الرموش السوداء
كنجوم نُثرت على وجه الشمس وحجبت الضياء.
وقد ارتدى رجال الأمير وجنده السواد حزناً، وهم غارقون في الأسى واللوعة، وشاركوا في الحداد عليه، وقضوا أياماً عديدة وهم على هذه الحال من الحزن والأسى. حتى ذهب وفد من علية القوم، أصحاب الحكمة والحنكة لمقابلة الأمير، وخاطبوه بهذه الأبيات:
أيا خير الرجال وأشرف المجاهدين
هنيئاً لك عرش الخلود الباقي
ولكن رحيلك أجج النيران
وجعل الروح والقلب في احتراق
فليتك كنت قريباً قبيل الرحيل
وأطفأت حيناً جذوة الأشواق
فلترقد في جنان الخلد آمنا
ولتنتظر منا قريب اللقاء.
سنترك التاج والعرش
وبعد أن قدم رجال الأمير وأعيانه واجب العزاء له، وما يقتضيه الوضع من نصائح، اختار الأمير الصبر على قضاء الله، والتوكل عليه.
وقد أمر بقراءة القرآن الكريم على روح والده السلطان، ووزع الكثير من الصدقات والأموال على الفقراء والمحتاجين، وأقام الولائم لهم ولكل من يطرق بابه.
وفيما هو غارق في الحزن والأسى على فقدان والده، وصلته أخبار تفيد عن رحيل تيمورلنك عن الأناضول. وقد كانت هذه الأنباء كفيلة بإدخال السرور إلى قلبه ومن معه من رفاق السلاح. ذلك أنّ الأشهر العشرة الأخيرة التي مرّت على الأمير، كانت مليئة بالغمّ واللوعة التي أرهقت قلبه الشاب. ولأن مقر إمارته كان يقع على الطريق الذي سيتبعه تيمورلنك أثناء مغادرته، فقد ارتأى أن يقضي تلك الفترة في كل من غيريدى وجوارها وفي الجبال المحيطة ببولو، رغم أنّ تلك المناطق كانت من أكثر المناطق العثمانية اضطراباً. وكان الزعماء المحليون ممن تلقوا الدعم والقوة من تيمورلنك، يتجولون برفقة قواتهم التي يناهز عددها العشرة والعشرين ألف جندي أحياناً، وهم يعيثون خراباً وفساداً في كل مكان يصلونه، وقد تكلف الأمير محمد جلبي مشقة كبيرة في محاربتهم.
ومع انسحاب تيمورلنك، كانت السلطنة على موعد مع صراع أكبر وأشد ضراوة. والتي ستحدث بين أبناء بايزيد الأربعة وهم الأمراء؛ سليمان، موسى، عيسى، ومحمد جلبي.
لم يكن الأمير جلبي راغباً في سفك دماء إخوته، والدخول في صراع من هذا القبيل. لأنه كان على ثقة بأنّ الكثير من الأمراء وخيرة رجال الدولة، وأفضل فرسانه سيغدون ضحايا لهذه الصراعات، وسيلقون حتفهم فيها. وهذا ما كان يسبب له الأسى.
لذلك وبينما كان في أحد المجالس برفقة أعيانه ورجاله في أماسيا، قام باستدعاء الملا علي، وخاطبه قائلاً:
«يا ملا علي! هل اعتبرت من صروف الملمّات التي حدثت؟ وهل تعمل الفكر في سبب البلايا والمصائب التي ألمت بالمرحوم والدي السلطان يلدرم بايزيد؟ فكما ترى لقد تفرق كل منا في جهة. فسار أخي موسى جلبي على رأس حملة لقتال أخيه عيسى جلبي، وجلس على عرش بورصة، فيما جلس أخي سليمان جلبي على عرش إدرنة. وبعد أن كان الأعداء يخافون منا، أصبحوا الآن يستهزئون بنا. وأنا أخشى على وجه الخصوص من أخي سليمان جلبي، ومن الفتنة التي قد يفتعلها. ولكن صدق نيتي وتفانيّ في سبيل الدين، وخدمة مصالح السلطنة، قد جعلني أكثر حساسية إزاء هذه الحوادث. فما رأيك أن نتخلى عن هواجس التاج والعرش، ونذهب لأداء فريضة الحج؟».
كان محمد جلبي يحدث معلمه ويبكي في الآن ذاته. وفي تلك الليلة بيّت كل منهما استخارة على هذه النية. فرأى جلبي محمد جده مراد خداوندكار في الحلم، وبرفقته أمير سلطان، وبعد أن منحاه سيفاً وحصاناً مسرّجاً، خاطبه جده قائلاً:
«هيا أيها المغوار! أقم دعائم الدين». ورغم أنّ محمد جلبي لم يكن راغباً في امتطاء الحصان، لكنه اضطر لفعل ذلك ووجد نفسه ينطلق صوب جاليبولي.
أما الملا علي فقد رأى في حلمه أنه يقيم في بورصة، وأنّ الأمير محمد جلبي جالس على عرشها، بينما موسى جلبي يجلس في مرتبة أدنى منه.
وقد بدأ الأمير الشاب الذي اعتبر هذين الحلمين إشارات إلهية، بوضع الخطط، والاستعداد من أجل توحيد البلاد تحت راية العثمانيين مجدّداً.
صراع الإخوة
نال الأمير محمد جلبي تقدير الأهالي وامتنانهم، بعد الجهود الكبيرة والتضحيات الهائلة التي بذلها لتخليص كل من منطقة أماسيا، توكات وسيفاس من قطعان اللصوص والنهابين وقاطعي الطرق، وبات يتمتع بمحبتهم واحترامهم، وكانوا مستعدين لبذل الغالي والنفيس من أجله دون تردد. وعلى وجه الخصوص شجاع الدين بير إلياس خليفة الشيخ سيد يحيى شيرفان ومريدوه وطلبته، وعادت الدولة العثمانية إلى ما كانت عليه في بداية عهدها حيث الشعب والجيش متلاحمان وكأنهما جسد واحد. ومع الثقة التي منحه إياها جيش بهذه القوة والعزيمة، قرر الأمير محمد جلبي بذل كل جهده لتوحيد السلطنة العثمانية. ومن أجل هذه الغاية، أرسل إلى بقية إخوته يعرض عليهم الوحدة، تجنباً لسفك الدماء، أو تقسيم إرث السلطنة بينهم بما يرضي الجميع دون قتال أو حرب. ولكن كل من الإخوة كان يدعي أحقيته بالسلطنة والعرش، ويرنو لتوحيد إرث السلطنة تحت رايته دون سواه.
استطاع الأمير محمد من جهته، وبعد الكثير من الصراعات، أن يحل مشكلة تسليح الجيش، وذلك بالاعتماد على الثقة التي منحه إياها رعاياه، والدعم الذي قدموه له، والنابع من وحدة الانتماء القومي والديني لديهم. حيث قام الدفتردار181 جلال جلبي والذي يحظى بمحبة الناس واحترامهم، باتخاذ تدابير جديدة من أجل إصلاح الوضع المالي. كما قام بدر الدين بن إلياس المغربي بصك النقود في دار شادغالدي باشا، وبدل الذهب والفضة تم اللجوء إلى أوراق نقدية بشكل مؤقت، وقد أطلق عليها اسم جاف نسبة إلى من قام بإصدارها وهو الشيخ البخاري شمس الدين، والذي كان معروفاً بلقب الجافيكجي، وذلك بتكليف من محمد جلبي. وبعد انتهائه من حل مسألة النقود، راسل أخاه عيسى جلبي المقيم في بورصة، حيث عرض عليه تقسيم الأناضول.
وقال له «دعنا نتجنب صراع الإخوة، وليقم كل منا بإدارة المناطق الواقعة تحت إدارته بنفسه». ولكنّ عرضه قوبل بالرفض، وعلى إثر ذلك وقعت بين الطرفين معركة في موقعة ألوبان وذلك في العام ألف وأربعمئة وأربعة، والتي انتهت بانتصار محمد جلبي ودخوله إلى بورصة معلناً حكمه عليها.
أما عيسى جلبي فقد سلك طريق يالوفا، حيث هرب لاجئاً إلى الإمبراطورية البيزنطية. وتمّ إرساله إلى إدرنة بناء على طلب الأمير سليمان. والذي قام بإعادة إرساله إلى الأناضول على رأس جيش كبير العدد. فتوجه إلى بورصة ينوي استردادها، ولكنه حين قوبل برفض الأهالي، قام بإحراق المدينة. وبعد أن تعرض للهزيمة أمام الأمير محمد للمرة الثانية، توجه نحو أنقرة برفقة إسفنديار بيك الذي هرب لاجئاً إليه، واتفق الاثنان على أخذ المدينة والسيطرة عليها. ومجدّداً كانت الهزيمة من نصيبهم أمام قوات الأمير محمد جلبي، حيث انسحبا نحو قسطموني.
وبعد مدة من الزمن توجه عيسى جلبي إلى جونييت بيك آيدن أوغلو، وبعد توسط هذا الأخير، اتفق عيسى جلبي مع واليي كل من صاروخان ومنتيش، ليجرب حظه في فرصة أخرى، ولكنه هزم للمرة الثالثة. فلجأ عندها إلى قرمان أوغلو، ولكن تم إلقاء القبض عليه في النهاية، والقضاء عليه.
بعد مقتل عيسى جلبي، قام محمد جلبي بحكم الأناضول لوحده. وبدأ صراعه هذه المرة مع أخيه الأمير سليمان، الذي بات يخشى من تضخم قوة أخيه، لذا سار على رأس قواته نحو الأناضول. وقد استولى على الكثير من المناطق التي وضعها تحت حكم كل من جونيت آيدن أوغلو، وإلياس بيك مينيتش أوغلو. ومن أجل أن يخرجه محمد جلبي من الأناضول، قام بإرسال أخيه موسى جلبي على رأس قواته إلى روميلي. وما إن سمع سليمان بالأمر حتى عاد على الفور. ورغم أنه تمكن من إلحاق الهزيمة بموسى جلبي في البداية، لكنه قُتل خلال هجوم نفذه هذا الأخير فيما بعد. وفي الوقت الذي وطّد فيه محمد جلبي حكمه في بورصة، أعلن موسى جلبي نفسه حاكماً على إدرنة.
ولأنه مدرك مدى قوة أخيه محمد، لم يحاول التدخل في شؤون الأناضول، بل انشغل في الصراع مع البيزنطيين، وتمكن من الاستيلاء على بعض مناطقهم. وفي هذه الأثناء قام بتعيين الشيخ بدر الدين - والذي سيقود تمرداً كبيراً ضده فيما بعد - قاضياً للعسكر، حيث مكّنه هذا الموقع المهم من زيادة قوته. وحين قام موسى جلبي بمحاصرة مدينة إسطنبول، قام الإمبراطور باستدعاء أخيه محمد جلبي إلى روميلي، من أجل التخلص من خطره.
وقد جاء محمد جلبي إلى أوسكودار وقابل الإمبراطور، وكانت الهزيمة من نصيبه في المعركة التي وقعت بينه وبين أخيه في منطقة إينجيغيز، حيث انسحب إلى إسطنبول مُصاباً ومن هناك انتقل مع جنوده على متن السفن، ليعود إلى بورصة. وبعد عام من ذلك، كانت الخسارة من نصيبه مجدّداً في المعركة الثانية بينه وبين موسى جلبي.
ولكن تعامل الأمير موسى الفظ والقاسي مع ولاته، جعلهم يميلون إلى الأمير محمد جلبي. وبحسب الاتفاق المبرم بينهم، فقد عبر محمد جلبي إلى روميلي للمرة الثالثة، وبعد أن انضم إليه بعض الولاة وحاكم الصرب، ساروا نحو نهر الدانوب لأنّ موسى جلبي كان قد انسحب إلى هناك. وفي المعركة التي جرت في مكان يسمى جامورلو دربند (المعبر الموحل)، هزم موسى جلبي، وأراد الفرار إلى الأفلاق وهو جريح، ولكنه ما إن أطلق العنان لجواده نحو أحد الحقول القريبة حتى تمكن كل من بايزيد باشا، وميهال أوغلو وبوراك بيك الذين كانوا يتعقبونه من الإمساك به. فأرسله محمد جلبي إلى بالتاأوغلو الذي خنقه بوتر قوسه في الخامس من تموز عام ألف وأربعمئة وثلاثة عشر. وبذلك أعلن محمد جلبي من إدرنة، أنه الحاكم الأوحد لسلطنة العثمانيين.
وماذا لو أنه عاد حياً!
حين أطلق محمد جلبي عنان جواده نحو روميلي مرة أخرى، وذلك بسبب الصراع الدائر بين الأخوين من أجل السلطة، حاول محمد بيك قرمان أوغلو استغلال الفراغ الحاصل في السلطة لصالحه. ذلك أنه كان يأمل أن تكون الهزيمة من نصيب الأمير محمد جلبي، كما في المرات السابقة التي واجه فيها أخاه موسى جلبي، وبذلك سيتمكن من السيطرة على حكم الأناضول، لذا فقد جمع كل قواته وبدأ يغير على المناطق العثمانية ويهجم عليها. وأخذ يعيث فساداً ويعمل سلباً ونهباً في أرجاء البلاد التي بات وضعها مزرياً، ومن ثم توجه إلى بورصة ليغير عليها، وينهبها. وقد اتخذ والي بورصة حاجي إيفاز باشا كافة التدابير اللازمة لتحصين قلعتها. وحين أدرك قرمان أوغلو أنّ الحصار سيستغرق وقتاً طويلاً، قرر التغلب على عامل الزمن بالحيلة. لذا قام بقطع مياه نهر نبع بنارباشي الذي يرفد نهر جلميز في بورصة، لإجبار سكان المدينة على الاستسلام تحت وطأة العطش. وقد أحضر العمال وذوي الخبرة لتنفيذ هذه الخطة. وحين أدرك إيفاز باشا ما يرمي إليه قرمان أوغلو، بدأ يشن هجمات مفاجئة عليهم بين الحين والآخر بغرض إلهائهم. وكان الجنود العثمانيون الذين يغيرون على جيش قرمان أوغلو، يقومون بتعليق الأسرى على أبراج القلعة بعد كل غارة.
وإزاء هذا الوضع أمر قرمان أوغلو جنوده بإشعال النيران والمشاعل، والصعود إلى الجبال المحيطة بالمدينة عن طريق منطقة كابليجا، والوصول إلى أقرب نقطة لأسوار قلعتها.
وقد خاطب الجنود القرمانيون الذين اعتلوا السفوح المحيطة بالمدينة بالقول:
«يا من تعطشنا لدمائهم، يا أيها السفهاء الذين لا يليق بهم سوى تمزيق أجسادهم بنصال سيوفنا، لقد جاء هذا الجيش العرمرم لمدّنا بالعون، وما إن يبزغ فجر الغد حتى يبدأ الهجوم العام، وتندلع أوار الحرب. وحينها ستكون محاولة الفرار من القتال، وتسليم القلعة تصرفاً مشيناً من قبلكم. سنلتقي غداً، وحينها ستلاقون ما لا تتوقعون».
وبالرغم من أنّ إيفاز باشا لم يكن جاهلاً بألاعيب القرمانيين ومكائدهم، قام بإخراج بعض رجاله سراً من القلعة، وأمرهم بالتجول حول معسكر العدو والتقصي عن صحة ما يدعيه في جنح الظلام. وبعد أن اطلع الباشا على حقيقة الوضع، أخرج خيرة فرسانه من باب كابليجا، دون أن يضيع لحظة واحدة، حيث شنّ هؤلاء الفرسان هجوماً كاسحاً على جيش القرمانيين، قبل أن يتمكن بقية جنوده من النزول من الجبل. وعادوا إلى القلعة مع ما كسبوه من غنائم.
ولكن الحصار الذي استمر لمدة طويلة، تسبب في استياء الأهالي، بسبب قلة مواردهم، فانتشر الفقر وعم الضيق. وبسبب السهام التي كانت تنهمر عليهم فقد أصيب الكثير منهم بمن فيهم إيفاز باشا بعدة جروح. ورغم ذلك فقد أعلنَ هذا الأخير عن وصول أخبار تفيد بانتصار محمد جلبي، وأنه قادم لنجدتهم قريباً وذلك رفع معنويات الأهالي والمُحاصرين. بالرغم من أنّ هذه الأخبار لا تمت إلى الواقع بصلة.
وقد مضى أربعة وثلاثون يوماً على هذه الحال، وساءت أحوال الناس بشكل بالغ، حين لاحظوا قافلة ضخمة قادمة نحوهم من بعيد، ولم تكن سوى جنازة موسى جلبي.
وحين سمع محمد بيك قرمان أوغلو هذه الأخبار، انهارت معنوياته على الفور، ودبّ الذعر في قلبه. وأخذ يتقلب على نيران الغمّ والقلق. ووسط الندم والخوف من وصول محمد جلبي في أي لحظة، لاذ بالفرار مع جنده من حيث أتى، ولكنه أحرق كل ما مرّ به في طريق عودته.
وكان لقرمان أوغلو نديم يلقب بهارمان العجل، حيث كان بالغ البدانة قوي البنيان، يسلي كل من حوله ويبهجهم. وأثناء فرارهم، أرهقه ركوب الفرس وخاطب قرمان أوغلو وهو في حالة يرثى لها من التعب:
«إن كان مولاي يهرب مذعوراً إلى هذا الحد من جثة ابن عثمان، فما الذي كان سيفعله لو كان العائد حياً؟ ما الذي كنت ستفعله؟ وإلى أين كنت ستهرب؟».
كان لهذه السخرية المبطنة وقع عظيم على قرمان أوغلو الذي استشاط غضباً وقد تصبَّب وجهه عرقاً، وأخذ يكيل الشتائم على البدين المسكين، وأمر بشنقه على إحدى الأشجار على الفور.
ولكن الخوف الذي ألمّ به كان يزداد مع الوقت، وكان يرمي الوصول إلى قونيا بأقصى سرعة ممكنة.
تمرد وخيانة
حين خاض محمد جلبي صراع العرش مع أخيه عيسى، اصطف أمراء كل من آيدن وصاروخان، تيكة ومنتيش إلى جانب عيسى، ولكن مع الانتصار الذي حققه محمد جلبي على أخيه، وحسم الأمور لصالحه، بات هؤلاء الأمراء يبحثون عن سبل حماية إماراتهم ومناطقهم.
ومن أجل فضّ هذا الحلف المبرم ضده، قام محمد جلبي بإلقاء القبض على خضر شاه أمير صاروخان، وأعدمه. فيما أبدى كل من جونييت بيك آيدن أوغلو، يعقوب بيك غرميان أوغلو الطاعة، والانضواء تحت رايته، وقدموا الاعتذار والأسف، والوعود بعدم الوقوف مع أحد ضده مرة أخرى.
وقد استمر التزام جونييت بيك بوعوده وولائه لمدة طويلة. ولكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه، فالرياح تجري بما لا تشتهي السفن. والمرء يمرّ بأطوار الصحة والمرض، كما يمرّ القمر بأطواره، فحيناً يصغر ليغدو هلالاً بالكاد يرى، وحيناً يكبر ليصبح بدراً يتوسط كبد السماء. والحكّام أيضاً كالمد والجزر، ترتفع أمواجهم حيناً، وحيناً تنحسر حتى القاع.
وهكذا فقد تعرض محمد جلبي للهزيمة في أول مواجهة بينه وبين موسى جلبي، حيث أجبر حينها على الانسحاب. وخلال الفترة التي بدأ فيها وضع محمد جلبي بالتضعضع، كانت نجم موسى جلبي في بزوغ وتوهج. وحينها ظهر أولئك الخونة الذين ينغل الحقد والغدر في قلوبهم. ومن بينهم جونييت بيك آيدن أوغلو، الذي استغل فرصة الهزائم التي لحقت بالأمير محمد جلبي، وأخذ يسيطر على ما يحيط به من أراض وممتلكات. وقام بقتل الوالي العثماني علي آيدن، والسيطرة على سلجوق.
وما إن علم الأمير بانتهاكات جونييت بيك، حتى أرسل إلى ولاته ورجاله، من أجل الاستعداد للحملة.
وقد اعتذر يعقوب بيك بن فيروز بيك الذي كان قائد حامية قلعة أنقرة عن المجيء، متذرعاً بأنها تقع على حدود ممتلكات القرمانيين، ومن الخطورة تركها دون حماية، وطلب إعفاءه من المهمة. وكان يعقوب بيك قد دافع عن أنقرة قبلاً، وذلك حين أغارت عليها جيوش تيمورلنك، واستبسل في حمايتها، وكان من أوائل القادة الذين أعلنوا الولاء للأمير محمد، وقدموا العون له.
ربما كان عذره مقبولاً ومنطقياً، ولكن الأمير محمد كان مصمماً على السيطرة على إزمير ومعاقبة حاكمها، ولا يفكر فيما سواه. كما أنه كان يرى أهمية بالغة في جمع جيشه وتوحيده بعد الهزيمة التي تعرض لها في روميلي. لذا فقد كان لموقف يعقوب بيك الرافض، أثر بالغ عليه.
أما جونييت بيك الذي سمع بأنّ محمد جلبي يسير على رأس حملة نحوه، فقد انسحب إلى إزمير. ولكن الأمير الشاب انطلق بأقصى سرعته لمحاصرة المدينة. وكان يساعده في هذه الحملة أسطول فرسان مالطا وميديلي، وجنود إمارة منتيش. وبعد حصار دام عشرة أيام، قام جونييت بيك بتسليم القلعة، بعد أن أدرك عجزه عن المقاومة.
وبعد استسلام المدينة قام محمد جلبي بهدم أسوار المدينة في الكثير من المواقع، كما قام أثناء الليل بهدم القلعة الضخمة التي كان فرسان رودوس قد بنوها حتى منتصفها. وقد استاء السيد الأكبر للفرسان كثيراً، وذهب معترضاً إلى محمد جلبي، وهدده بالقول إن هو لم يسمح ببناء القلعة، فسيعمل على إقناع بابا الفاتيكان بتجهيز حملة صليبية يشارك فيها بأسطوله، لمهاجمة الأمير العثماني.
ولكن هذا الأخير بقي محافظاً على هدوئه وهو يسمع تهديداته، وأجابه بالقول:
«بالطبع أنا أريد الإحسان لكافة نصارى العالم ومساعدتهم ومدّهم بالعون، ولكنني مجبر على التفكير في مصلحة رعاياي وأمنهم. لقد غدت هذه القلعة مأوى للقراصنة الذين كانوا يكبدون المسلمين خسائر فادحة. وحين قام تيمورلنك بهدمها نال رضى ومديح الجميع دون استثناء، فهل تريدني الآن بإعادة بنائها أن أصبح هدفاً للعنات الناس؟ ولكني سأمنحك أرضاً على حدود جنوب أنطاليا، وموغلا، من أجل أن تبني فيها قلعة».
وحين أخبره السيد الأكبر بأنّ ملكية تلك الأراضي تعود لأمير منتيش، رد عليه السلطان الشاب:
«كل ما أمنحك إياه هو ملك لي. فوالي منتيش ليس سوى أحد رعاياي المأمورين».
وبذا قام بحل المسألة، وتمكن من وضع سدٍّ مؤقت في وجه الخطر الذي من الممكن أن يأتيه من طرفهم. وقد بنى الفرسان قلعة بودروم في المنطقة التي تدعى اليوم ببودروم.
من جهته بدأ جونييت بيك محاولاته في إقناع السلطان بالعفو عنه، حيث أرسل والدته وكل من له شأن وشفاعة في وفود متتالية، ليقدموا للسطان الاعتذار بالنيابة عنه، ويوضحوا فيها ندمه الشديد، ورغبته في أن ينال العفو عما بدر منه من تجاوز وإساءة، وأن يشمله السلطان بعفوه وكرمه الواسع. وقد تمكن الكثير من أصحاب المكانة والشفاعة بعد التدخل، أن يستجروا عطف محمد جلبي، ويقنعوه بالعفو عنه. وهكذا مثل جونييت بيك بين يدي السلطان محمد جلبي، وقبلهما باحترام، ومن ثم حلف الأيمان وقطع الوعود بولائه التام. فمنح السلطان حكم إمارة آيدن لسليمان (ألكسندر) بن شيشمان ملك بلغاريا، حيث أنّ سليمان كان مسلماً. وعيّن جونييت بيك والياً على نيكوبول في روميلي وذلك عام ألف وأربعمئة وأربعة عشر.
ومن بعد إزمير توجه محمد جلبي إلى أنقرة، وذلك ليلقن كل من تجرأ على الخروج عن طاعته، ونكث عهود الولاء درساً لا ينسى، من خلال معاقبة يعقوب بيك. وقد أدرك الأخير مرام السلطان، فخرج مع أخلص رجاله سراً من القلعة، وذهب إلى فسطاط السلطان. وحاول التهدئة من ثورة غضبه، من خلال تقديم الأدلة والبراهين المنطقية. ولكنه لم يتمكن من محو أثر إساءته من قلب السلطان. فتخلف أحد أتباعه ورجاله عن تلبية أمره ونجدته وقت الحاجة، أثار حنقه وحزنه في الآن ذاته. ورغم أنه يكنّ تقديراً بالغاً ليعقوب بيك، لكنه أمر بقتله ليكون عبرة لبقية الولاة والتابعين.
إلا أنّ بقية رجال السلطان ووزرائه، بذلوا كل ما بوسعهم لدفع السلطان للعفو عنه والإبقاء على حياته وخاطبوه بالأبيات التالية:
أيا مولاي رحماك وعفواً
لمن كان ضالاً ثم تاب
والعفو عند المقدرة فضل
ومن عفا عن مذنب فقد أصابا
فأشفق مولاي على عبد فقير
واشمله بعطفك بدل العقابا
كما أوضحوا له أن قتل رجل بكل هذه الخبرة والحنكة، وفي هذه الفترة العصيبة والمضطربة ليس بالأمر الصائب. وبعد كل هذه التدخلات، تراجع السلطان عن قراره، وعفا عن يعقوب بيك، وبدوره قدم يعقوب بيك كافة فروض الطاعة والولاء وأقسم أغلظ الأيمان على الإخلاص، وعاد ليوضح للسلطان الأسباب التي دفعته للقيام بما قام به. ورغم ذلك فلم تكن كافية لإقناعه وتبرير تقاعسه عن الالتحاق به في المعركة، ولكنه من جهة أخرى لم يكن راغباً في إغضاب رجاله، لذا أمر بحبس يعقوب بيك في سجن بيدإيفي جارداك في توكات.
نهاية من ينكث بيمينه
في الوقت الذي كان فيه السلطان محمد جلبي يحاول توحيد غرب الأناضول، وتحقيق الاستقرار فيه. كان محمد بيك قرمان أوغلو يغير على الأراضي العثمانية ويهاجمها.
وحين عاد السلطان إلى بورصة، قرر معاقبته على انتهاكاته هذه، وأرسل إلى كل من حاكم قسطموني إسفنديار بيك، وإلى يعقوب بيك وغرميان بيك يأمرهم بالانضمام مع قواتهم للجيش. ومع وصول الدعم غدا الجيش العثماني أكثر قوة ومنعة، وبدأ بالتقدم نحو وسط الأناضول. وإعادة السيطرة على آك شهير التي كانت تحت حكمهم فيما سبق، ومن ثم سيطر على كل من سيدي شهير، سيدلي، أوتلوك حيصار، وتوجه لمحاصرة قونيا بعد ذلك.
ولكن الأمطار التي كانت تنهمر بغزارة في تلك الفترة، سببت خسائر فادحة في العتاد وأدت لنفوق الحيوانات الكثيرة التي ترافق الجيش. وهذا ما صعب من مهمة السيطرة على القلعة. لذا اضطر السلطان إزاء هذا الوضع القبول بعروض الصلح التي قدمها قرمان أوغلو، مع تعهده بعدم التعرض للأراضي العثمانية مرة أخرى، ومن ثم رُفع الحصار.
وبعد أن ترك محمد جلبي قونيا، توجه نحو سامسون من أجل إخضاع منطقة جانيك182 لنفوذه. ولكن الخسائر التي تعرض لها الجيش العثماني في قونيا، واضطراره لإبرام الصلح مع قرمان أوغلو، زاد من جرأة هذا الأخير، لذا حين كان السلطان العثماني منشغلاً بحروبه في منطقة الجانيك، عاد هو للإغارة مجدّداً على الأراضي العثمانية.
وحين بلغت السلطان العثماني الذي كان مقيماً في جانيك، أخبار اعتداءات قرمان أوغلو مرة أخرى، أصابه ضيق شديد، واغتمّ غماً عظيماً، حتى اعتلت صحته. واتجه مع جيشه إلى قونيا من أجل حصارها مجدّداً، فيما تزداد صحته سوءاً.
ولم يتمكن الأطباء الذين برفقته من تحديد طبيعة المرض الذي ألمّ به، وباتوا يخشون من عدم قدرتهم على إنقاذ حياة السلطان الشاب. فأحضروا له الحكيم مولانا سنان للإشراف على علاجه، والذي كان يقيم في إمارة غرميان وكان بالإضافة إلى مهارته في الطب، يمتلك موهبة شعرية فذة.
وقد أوضح الحكيم أنّ مرض السلطان منشأه نفسي، ولا شيء أفضل للتخفيف من حدة مرضه وتحسين صحته، سوى أخبار النصر. وقد تعهد والي ولاة الأناضول الباشا بايزيد، بتطبيق هذه الوصفة الطبية، ومعالجة السلطان.
أمّا محمد بيك قرمان أوغلو، فحين وصلته أخبار اعتلال صحة السلطان، سارع على الفور لاستغلال الفرصة لصالحه، فجمع قواته على الفور، وانطلق نحو الجيش العثماني، ليغير عليهم في هجوم مفاجئ. ولكن بايزيد باشا الذي كان يراقب تحركاته يوماً بيوم، كان مطلعاً على كافة خططه.
وحين تقدم القرمانيون وسط جنح الظلام لتنفيذ الهجوم، تفاجؤوا بالجيش العثماني ينتظرهم مرصوفاً كحصن حديدي يستحيل اختراقه، وقد عرض عليهم بايزيد باشا الاستسلام إن لم يكونوا راغبين في سحقهم والقضاء عليهم جميعاً، وفي النتيجة ألقى القبض على محمد بيك قرمان أوغلو وابنه مصطفى بيك، وأخذهم للمثول بين يدي السلطان.
وإزاء هذه الأخبار المبشرة، تحسنت صحة السلطان الذي كان يزداد نحولاً يوماً بعد الآخر بسبب نوبات المرض التي تنتابه، وأخذ يتماثل للشفاء وينحو نحو شطآن العافية. وقد أنعم على الحكيم بالكثير من العطايا والهدايا النفيسة.
كما أغدق على بايزيد باشا بما يليق بالنصر الذي حققه، ومنحه إلى ذلك رتبة الوزارة، وعينه والي ولاة روميلي. وحين تحسنت صحته واستقرت، أمر بإحضار قرمان أوغلو للمثول بين يديه، حيث خاطبه معنّفاً:
«كيف لك أن تقوم بنكث وعودك والتخلف عنها على الدوام؟ كيف تعود للقتل مجدّداً، ولم تنشف الدماء بعد عن نصل سيفك؟ وفيما قلاعك وحصونك لا زالت غارقة بالدماء، كيف لك أن تثير الغبار من تحت حوافر جيادك وتعود لساحات الوغى؟ كيف لك أن تنهض من جديد وتسير على الدرب ذاته، ولم يمض على نجاتك من تقريعنا وتوبيخنا سوى وقت قصير؟
كيف لنا الآن أن نشفق عليك وننظر إليك بعين العطف والرحمة، وكيف سنعاملك من الآن فصاعداً؟ فبينما نبذل كل جهودنا لمد جسور الصداقة معك، لا تتورع أنت عن سفك الدماء وتعيث فساداً في كل مكان. وبينما نفتح أبواب التفاهم والصلح معك، تفتح أبواب الجفاء والعدوان في وجهنا. وقد أعملت الخراب والدمار في أرجاء بلادنا المعمورة. ومن الآن وصاعداً، فإنّ إطلاق سراحك ومنحك الأمان، لهو استمرار الفساد والخراب بعينه».
وقد أثارت كلمات السلطان وغضبه، رعب قرمان أوغلو، وبعد صمته لبرهة وجيزة، بدأ كلامه بالدعاء للسلطان واستعطافه وأكمل قائلاً:
«أيا سلطاناً تتوج أكاليل النصر رأسه. أيا صاحب الإحسان والإكرام. فلتُنعم بعطفك هذه المرة أيضاً على عبدك الضعيف. فنحن عبادك الذين أنعم عليهم بالحرية أجدادك الذين تغمدهم الله برحمته وأسكنهم فسيح جنانه، وسنظل رعاياك ما بقي ظلّ هذه السلالة الأبدية».
ومن ثم وضع يده على صدره وهو يقسم:
«أقسم لك بأنه ما بقيت هذه الروح في هذا الجسد، لن أطمع في مملكة مولاي السلطان. وهذا العبد الغارق في ذنوبه، سيكون خادماً أميناً على بابك. وإن امتشقت سيف العداء والفتنة من الآن فصاعداً، سيكون غمده في صدري، وليغدو هدفاً لسهم الموت الذي سينغرز فيه حينها».
تمكن قرمان أوغلو بتوسلاته واستجدائه، أن يكسب عطف السلطان وعفوه مرة أخرى. وبدل أن يعاقبه، امتثل للحكمة التي تقول: «العفو عند المقدرة من شيم الكرام» ليطلق سراحه. كما منحه الطبل والعلم وبعض الخيول، دليلاً على رضاه عنه.
وما إن غادر قرمان أوغلو مع رجاله المعسكر العثماني، أخرج الحمامة التي كانت مخبأة في صدره وأطلقها لتطير، وبذلك أعلن بأن القسم الذي أقسمه أمام السلطان كان باطلاً، فهو وضع يده على جسد الحمامة حين أقسم، لذا فهو في حل من أيمانه ووعوده. ومن ثم قام بالاستيلاء على قطعان خيول العثمانيين التي كانت ترعى في تلك السهول، واصطحبها معه.
وقد شرح الموقف لمن حوله على الشكل التالي:
«إنّ عداوتنا مع العثمانيين تبدأ في المهد وتنتهي في اللحد. فهذا نهج أجدادنا الأولين. وأساس حكمنا يقوم على الحنث بالوعود التي نقطعها للعثمانيين».
وحين وصلت أخبار قيام قرمان أوغلو بنكث وعده، وحنث يمينه، والاعتداء على ممتلكات العثمانيين، علق السلطان محمد جلبي قائلاً:
«لا بد وأن تحاسب على يمينك الذي حنثت به». موضحاً بأنه فوض أمره لله ليحاسبه. وقبل مرور وقت طويل، تحققت كلمات السلطان، واستجيبت دعوته، فقد أصيب قرمان أوغلو بضربة مدفع حين كان يحاصر قلعة أنطاليا، ليموت على إثرها.
لقد لفت انتباه المؤرخين والباحثين، قيام القرمانيين باستغلال كل فرصة، لإعلان التمرد، والاعتداء على الأراضي العثمانية، رغم عفو السلاطين العثمانيين عنهم لمرات لا تحصى، والذين لم يتراجعوا عن سخائهم في العفو، ولم يتوقفوا عن سياسة التسامح، التي اعتبرها البعض من المؤرخين مبالغة في التسامح تصل حدَّ الإضرار بالمصلحة، أو دلالة ضعف وليس قوة.
في الحقيقة لقد اتبع العثمانيون سياسة التسامح والعفو هذه إزاء كافة أمراء الأناضول. والسبب الحقيقي يعود إلى اعتبارهم سكان هذه المنطقة من رعاياهم بل إخوة لهم. وكان قيامهم بعقد صلات القرابة معهم من خلال الزواج من بنات الأسر الحاكمة في الأناضول، وتزويج بناتهم لهم، إحدى الدلالات التي تؤكد هذه النظرة. كما أنّ الحروب التي قد تنشأ نتيجة الخلافات بين الطرفين، وتؤدي إلى زجّ السلاطين لجيوشهم في الأناضول، كانت ستتسبب في إلحاق الضرر والظلم بالأتراك والمسلمين من أهالي المنطقة، وهذا ما سيدفعهم لكره العثمانيين والحقد عليهم. وكان هؤلاء مدركين أنّ نفوذاً يقوم على الحقد والدماء لن يطول بقاؤه، لذا لم يتورعوا عن العفو وإبداء التسامح لعشرات المرات، وقابلوا كل أخطاء أمراء الأناضول واعتداءاتهم بالصبر والصفح. وربما نجم عن هذه السياسة تأخر توحيد الأناضول، واستغرق ما يناهز المئتي عام، ولكن بصيرة السلاطين العثمانيين النافذة وحكمتهم، جعلت هذه الوحدة تقوم على أسس من المتانة والقوة بحيث استمرت لقرون طويلة، وما زالت كذلك.
سياسة العمران الخيرية
من المعلوم أنّ هذه الدنيا دار فناء، ومحطة مؤقتة يقيم فيها النزلاء لبرهة من الزمن، ويغادرونها دون استثناء أحد من هذه القاعدة. وليس من الحكمة في شيء أن يهدر الإنسان وقته في الكسل، وأن يغفل عن الحق، وخاصة إن كان ممن اختصه الله سبحانه وتعالى بفضله، وأنعم عليه بسخاء، وأجلسه على عرش عظيم. فإهمال هؤلاء الأشخاص لواجباتهم، وهدر الأيام عبثاً، دليل على جهل عظيم، وإغفال للحقيقة الواضحة.
وانطلاقاً من هذه النظرة، فقد قام السلاطين العثمانيون بدءاً من الغازي عثمان، ببناء الأوقاف والمؤسسات الخيرية، كخطوات أولية لتوطيد دعائم الاستقرار الاجتماعي، وذلك من خلال اتخاذ تدابير لتحسين أوضاع ذوي الحاجات، وتقديم العون المادي للفقراء. فقد أسسوا في جميع المدن جوامع كبيرة ليؤدي المسلمون فيها فروض العبادة بكل أريحية، ومساجد صغيرة في كل منطقة وحي. كما حولت المكتبات والمدارس التي تم إنشاؤها، المدن العثمانية إلى مراكز علمية وحضارية. وكان طلبة العلم يتوافدون إلى مدن السلطنة للحصول على ما يريدونه من علم ومعرفة، وبلوغ المراتب التي يريدون. وكان من بينهم الكثير من الفقراء واليتامى، وهؤلاء كانوا يستفيدون من المؤسسات الخيرية والأوقاف لتوفير حياة كريمة لهم، وفي الآن ذاته يقضون جلّ وقتهم في تحصيل العلم والدراسة.
وقد ازداد عدد هذه الأوقاف مع مرور الوقت، وأُنشئت مؤسسات مختلفة المهام لتلبية الاحتياجات المتغيرة مع اتساع رقعة السلطنة. وخلال فترة وجيزة تأسست حضارة متكاملة قوامها العمل الخيري، والتي لا زالت تُبهر العالم وتثير إعجابه حتى الآن.
وهذا بعض من تلك الأعمال:
قنوات المياه، قناطر المياه، سبُل المياه، الطرقات والأرصفة، المطابخ الخيرية، بيوت الأرامل واليتامى، دور رضاعة الأطفال ورعايتهم، المكتبات، الحوانيت، نزل المسافرين، الآبار، مغاسل الثياب، بيوت الوضوء (الخلاء)، الخانات، الحمّامات، البازارات، المقابر، المرافئ ومنارات البحر، حلبات المصارعة، وميادين رمي السهام.
كما كانوا يقومون بعتق العبيد والأسرى، تأمين الحطب للفقراء، منح أوعية وكاسات بديلة للخدم في حال كسروا تلك التي تعود ملكيتها لأسيادهم، من أجل ألا يتمّ توبيخهم، تربية الخيول من أجل المحاربين، زرع الأشجار، إيفاء ديون الذين تمّ سجنهم بسبب الديون، إقامة ممرات ومعابر في الجبال، تجهيز العرائس اليتيمات، مساعدة المحتاجين والنساء الأرامل، أخذ الأطفال في نزهات ربيعية، وتوزيع وجبات غذائية عليهم في المكتبات والمدارس، التكفل بمصاريف جنازات الفقراء ومن ليس له أهل، إدخال البهجة إلى قلوب اليتامى والفقراء في الأعياد، إطعام الطيور خلال أشهر الشتاء، الاعتناء باللقالق المريضة والصغيرة.
والكثير من الأعمال الخيرية الأخرى التي لا يمكن أن تخطر ببال الناس في هذا العصر.
وبالاعتماد على مقولة: «كل شعب يسير على خطى حكامه» فقد راح الأهالي أيضاً، مقتدين بالسلاطين العثمانيين يدعمون هذه الأوقاف والمؤسسات الخيرية بكل طاقاتهم. وكانوا يعتبرون الأموال والمساعدات التي يقدمونها، والأوقاف التي ينشئونها والتي كانت تستمر في عملها حتى بعد وفاتهم، أكبر استثمار روحي لهم.
وكان كل من يقوم ببناء المساجد والمدارس والزوايا الدينية، أو أي نوع من الأوقاف الخيرية، أو يخصص دخلاً جارياً أو ملكاً لهذه المؤسسات، يدون ما يختاره من بنود وشروط في نص الوقف نامه (العقد)، والذي يُصدق ويسجل على هذا الأساس. كمقدار الراتب الذي سيخصص للعاملين في هذا الوِقف، وكيفية بنائه، وعدد العاملين والرتب التي سيعينون وِفقها، وما الذي سيتم القيام به في الأيام والليالي المباركة (الأعياد الدينية وخلافها).
وكان محمد جلبي أحد السلاطين الذين اتبعوا هذا النهج المحمود، حيث بنى الكثير من الأوقاف والمنشآت الخيرية الجميلة المظهر، وقد استحدث عادة جديدة، ظلّ خلفاؤه مواظبين عليها دون استثناء؛ والتي أطلق عليها اسم «الصرة»، حيث كانت تقتضي إرسال الهدايا والأموال في كل عام أثناء موسم الحج إلى سكان الأراضي المقدسة ومن يتواجد فيها بشكل مؤقت من زهاد ومن يتوجه إليها لأداء هذه الفريضة، وأيضاً إلى كافة علماء الدين ممن يعيشون في مكة والحجاز، بالإضافة لتأمين طرق الحج.
وبعد نشوب الحرب العالمية الأولى، ووقوف السلطنة إلى جانب ألمانيا وبلغاريا في هذه الحرب، بات من الخطر إرسال هذه الأموال. وبسبب ثورة الشريف حسين عام ألف وتسعمئة وستة عشر، تمّ إرسال هذه الأموال إلى المدينة المنورة، وإلى دمشق في العامين التاليين. ومن ثم توقفت هذه العادة.
ومع ذلك لم يهمل السلطان وحيد الدين محمد السادس، حتى تاريخ مغادرته البلاد عام ألف وتسعمئة واثنين وعشرين، إرسال الصدقات إلى الفقراء والمحتاجين في كل من مكة والمدينة المنورة.


بعضٌ من فتوحاته
استغل أمير الأفلاق ميرجة الذي كان تابعاً للدولة العثمانية، صراع العرش الذي خاضه السلطان مع إخوته، وتوقف عن إرسال الجزية المفروضة عليه. ولكنه بات في وضع حرج بعد أن ظهر من ينافسه على الحكم، عندما توجه منافسه دان إلى العثمانيين لطلب المساعدة. وبدوره لجأ هو إلى سيجسموند ملك المجر، من أجل أن يتوسط بينه وبين العثمانيين بغرض مساعدته. ولكن محمد جلبي رفض طلب ملك المجر لأن ميرجة كان قد وقف إلى جانب موسى جلبي أثناء فترة صراع الإخوة.
وبعد أن انضمت إليه قوات جاندار، والقرمانيين، عبَر السلطان نهر الدانوب مع قواته، ودخل أراضي رومانيا. وألحق الهزيمة بقوات الأفلاق والمجريين الذين التقى بهم. وعلى إثر ذلك عرض ميرجة الصلح، ودفع الجزية المترتبة عليه، وأرسل ابنه إلى السلطنة ليكون رهينة، وتخلى عن الحكم وذلك عام ألف وأربعمئة وستة عشر.
وقد تسببت مشكلة الأفلاق في نشوب صراع حدودي طويل الأمد بين العثمانيين والمجريين. شنت جيوش السلطنة عدة هجمات على ترانسيلفانيا183، تعرضت أثناءها بلاد المجر برمتها للدمار والخراب. كما حدثت صدامات قوية بينهم وبين المجر في كل من صربيا، البوسنة واستريا184. فخرج سيجسموند على رأس حملة، واستطاع تحقيق النصر على العثمانيين في مكان يقع بين نيش ونيكوبول. هذه الصراعات والصدامات بين العثمانيين والمجريين لم تتخذ شكل حرب كبرى، وإنما اقتصرت على مناوشات ترجح فيها كفة أحد الطرفين بين الحين والآخر.
وفيما كان محمد جلبي منشغلاً بالفتوحات في روميلي، قام إسفنديار بيك جاندار أوغلو، بانتهاز الفرصة، والإغارة على قلاع كل من قسطموني، شانكيري، كاليجيك185، توسيا186، وسفرنبولو187، والسيطرة عليها. كما استغل الصراع القائم بين حكّام منطقة جانيك عام ألف وأربعمئة وثمانية عشر، وقام بالسيطرة على سامسون وبافرا188، وبذلك زادت قوته بشكل ملحوظ.
ولكن خلافاً نشب بينه وبين ابنه قاسم، دفع هذا الأخير إلى اللجوء للسلطنة. وكان سبب الخلاف بينهما، هو منح الأب واردات كل من قسطموني، توسيا، شانكيري، كالجيك، ذات الخيرات الوافرة لابنه خضر بيك الذي يفضله على بقية إخوته.
وقد أرسل قاسم بيك للسلطان العثماني يرجوه أن يتوسط بينه وبين والده إسفنديار بيك وإقناعه، بمنحه حكم تلك المناطق، ويطلب الإذن في اللجوء إليه محتمياً. وقد وافق السلطان محمد جلبي على رجائه، وطلب من إسفنديار بيك منحه حكم تلك المناطق. وحين رفض الأخير طلبه، قامت قوات السلطان بمحاصرة سينوب. وإزاء عجز إسفنديار بيك أمام قوة الجيش العثماني، أقر بالأمر السلطاني، وترك حكم مناطق قسطموني وتوسيا وشانكيري التي طلبها ابنه للعثمانيين.
وقد التزم محمد جلبي بالاتفاق السابق، ومنح بدوره حكم هذه المناطق لقاسم بيك. ومن ثم تحرك للسيطرة على سامسون التي كانت تابعة للحكم العثماني مسبقاً. وكانت المدينة مقسمة بين المسلمين والكفّار، فقام حمزة بيك بيرجة أوغلو بمحاصرة المناطق التي لا يقطن فيها المسلمون. وحين قام أهل المدينة بإحراق القلعة والهرب منها، باتت السيطرة عليها أسهل ما يكون. أما خضر بيك الذي يحكم القسم المسلم من المدينة- والتي كان حضر محمد جلبي بنفسه لفك حصارها- لم يقم بأي مقاومة بل سلم المدينة للسلطان، وعاد إلى والده.
اليد الممدودة نحو بني عثمان
وينقل إلينا المؤرخ العثماني الشهير عاشق باشا زاده، الحادثة التالية أثناء فتح سامسون:
«حتى عهد السلطان محمد جلبي، كانت سامسون مقسمة إلى قسمين، سامسون المسلمة، وسامسون الكافرة. وكانت الحروب مستعرة الأوار بين الطرفين.
وفي أحد الأيام وصل إلى السلطان خبر يقول:
«لقد احترق القسم الكافر من سامسون أو أنه تعرض للهدم، أما الأهالي فقد ركبوا السفن وفروا هاربين».
وعلى إثر هذه الأخبار أرسل السلطان إلى والي ولاة الروم (سيفاس، توكات، أماسيا) فرماناً جاء فيه:
«عليك المجيء إلى سامسون من أجل استلامها».
وقد ردّ حمزة بيك بيرجة أوغلو بالقول:
«أمر مولاي مجاب» وسار على الفور متجهاً نحو سامسون، واستطاع السيطرة بسهولة على القسم التابع لحكم الجنويين من المدينة. واتجه بعد ذلك نحو القسم المسلم من المدينة الذي كان تحت حكم خضر بيك بن إسفنديار أوغلو، وقد رفض هذا الأخير عروض التسليم الذي أرسلها إليه حمزة بيك بشدة قائلاً:
«لن أتفق مع أي أحد ما لم يأتِ السلطان بنفسه، وأنا مستعد للقتال إن شئتم».
وعلى إثر هذا القرار، ومقاومة المدينة للحصار فترة طويلة، توجه محمد جلبي بداية نحو مرزيفون189، ومن ثم وصل سامسون.
وبعد وصوله خرج ابن إسفنديار أوغلو من القلعة، وذهب للمثول بين يدي السلطان في احترام بالغ، وخاطبه قائلاً:
«كل بلادي، ملك لمولاي السلطان». وسلمه مفاتيح المدينة.
ولم يتمالك حمزة بيك مربي الأمير مراد، ووالي ولاة الروم نفسه، فسأله:
«أيا ابن إسفنديار أوغلو!
لِمَ كلفتنا كل هذا العناء؟ وحين جاء السلطان سلمته المدينة دون أدنى مقاومة. ما الحكمة من ذلك؟».
فرد عليه خضر بيك:
«هناك سببان لما قمت به؛ الأول أنّ اليد الممدودة نحو سلاطين بني عثمان، تأمل بألا تُرد خائبة. وأما الثاني فهو أنّ مصدر رزقنا كان كفار سامسون، وطالما أنّ هذا القسم من المدينة قد انتقل إليكم، فقد أصبح مصدر رزقنا بيدكم، ومن الواجب علينا تسليم القلعة في هذه الحال».
وقد سرّ السلطان محمد جلبي من هذه الكلمات سروراً عظيماً، وأغدق على خضر بيك من العطاء والنعم الكثير، حتى أدخل السرور لقلبه ونال محبته.
الشيخ بدر الدين ابن قاضي سيمافن (اسيماونه)190
بدر الدين هو حفيد عبد العزيز الغازي، الذي كان من بين أوائل فاتحي روميلي، والذي استشهد في معركة ديمتوكا. وقد تلقى ابنه إسرائيل تعليماً عالياً، ومن ثم عيّن قاضياً على سيمافنا، وتزوج من ابنة حاكم قلعة ديمتوكا الرومي، وكان محمد بدر الدين ثمرة هذا الزواج.
وبسبب مهنة والده فقد نال لقب ابن قاضي سيمافنا. وقد نال أولى مراحل تعليمه على يد والده. ومن ثم تلقى علوم النحو والصرف على يد مولانا يوسف، وبعد ذلك أكمل دراسته على يد قاضي بورصة كوجا محمود أفندي، برفقة ابنه موسى الذي سيُعرف فيما بعد بابن القاضي الرومي. وفي هذه الأثناء عاد ليتلقى علوم الفقه على يد مولانا يوسف. وقد قام كل من موسى وبدر الدين وابن عمه مؤيد، وبناء على نصيحة من كوجا محمود أفندي، بالتوجه إلى قونيا. وهناك تلقوا علوم المنطق والفلك على يد مولانا فيض الله.
وبعد مضي عام، توجه موسى إلى سمرقند، ليعطي دروس علم الفلك لأولوغ بيك، فيما توجه كل من بدر الدين وابن عمه نحو دمشق بداية، ومن هناك إلى القدس، حيث تلقيا علوم الحديث على يد ابن العسقلاني. وكانت القاهرة هي وجهتهما التالية، حيث تلقيا رفقة العالم المشهور الشريف الجرجاني191 والطبيب علي باشا، علوم الشريعة، والمنطق والفلسفة، على يد العالم مبارك شاه المنطقي، ليكتمل تحصيله العلمي.
وبعد أن توجه إلى مكة لأداء فريضة الحج عام ألف وثلاثمئة وثمانية وثمانين، عاد إلى القاهرة، حيث تم تكليفه بتعليم فرج بن السلطان برقوق، واستمر في هذا العمل لثلاث سنوات. وكان في الوقت ذاته يتلقى دروس التصوف على يد معلم السلطان الشيخ سعيد حسين الأخلاطي.
وقد أعجب السلطان برقوق بنقاشات الشيخ بدر الدين وسعة علمه أثناء مجالس العلم التي يعقدها، فزوجه من جاريته جازبة.
وبعد مدة من الزمن توجه إلى تبريز بناء على توجيه من شيخه سعيد الأخلاطي، وانضم إلى مجالس العلم التي تعقد بحضور تيمورلنك، وحاز على إعجابه بسبب سعة علمه أثناء النقاشات التي كانت تجري. وبحسب إحدى الروايات فإن تيمورلنك كان ينوي تزويجه من ابنته، وتعيينه في منصب شيخ الإسلام، ولكنه رفض هذا العرض، مبدياً رغبته بالعودة إلى شيخه سعيد الأخلاطي.
وانتقل من هناك إلى قزوين، وقد كانت هذه الرحلة نقطة تحول في حياته. ذلك أنه حين عاد من هناك إلى القاهرة كان قد بات مقتنعاً ببعض العقائد الباطنية192.ونشب خلاف بينه وبين بعض علماء القاهرة بسبب أفكاره، وأدرك حينها أنه لن يتمكن من المكوث فيها أكثر، فقرر العودة إلى إدرنة.
وسار نحو فلسطين فالشام فحلب، حتى وصل قونيا التي قابله أهلها بحفاوة بالغة، وطلبوا منه المكوث عندهم، والقيام بمهمة تدريس أبنائهم. ولكنه رفض هذا العرض متجهاً نحو تيرة193، وهناك تعرف على بوركلوجا مصطفى الذي أطلق الناس عليه لقب السلطان الجد.
ومن هناك توجه إلى إدرنة ماراً بكل من جزيرة ساقز194 إزمير، كوتاهية، بورصة وجاليبولي. وفي كل المناطق التي مرّ، استطاع إثارة اهتمام كبير حوله. وقبل مرور وقت طويل، كان قد قام برحلة من إدرنة وحتى آيدن، مروراً بمختلف المناطق بينهما. وكان خلالها يقوم بدعوة الناس لمذهبه الباطني بشكل سري، متجنباً السنّة منهم، بل يتجه نحو التركمان العلويين، من أجل تهيئتهم لتحقيق أهدافه. وكان كل من بوركلوجا مصطفى في بورصة، وطورلاك كمال في كوتاهية من أقوى مؤيديه. وكان هذا الأخير يهودياً، يقوم بتحريض بوركلوجا مصطفى وبدر الدين من أجل السيطرة على عرش السلطنة. وكان يدعي بأن كل الممتلكات خلا النساء، هي ملك مشترك بين الجميع، وبذا كان يحاول زعزعة الأسس الاجتماعية.
ومن جهة أخرى، فقد تصادف وصول بدر الدين إلى الأناضول، مع فترة صراع أبناء يلدرم بايزيد على العرش. لذلك كان موسى جلبي الذي أعلن توليه العرش حينها في إدرنة، غافلاً عن نشاطات الشيخ بدر الدين، حيث عينه قاضي عسكر، بسبب شهرته كعالم واسع المعرفة ورجل دين فاضل. وبذلك تمكن الشيخ من اللقاء بالقادمين إلى إدرنة من كافة الجهات، ونشر أفكاره بينهم ودعوتهم إليها وتوسيع نشاطه.
ذلك أنّ التغير الذي أصاب معتقدات الشيخ الدينية، غيّر من أفكاره السياسية أيضاً.
أولى حركات التمرد الداخلي الكبرى
حين تغلب محمد جلبي على أخيه موسى جلبي، واستلم عرش السلطنة، قام بعزل الشيخ بدر الدين من منصب قاضي العسكر. واحتراماً منه لمكانة الشيخ العلمية والدينية، فقد قام بإرساله مع ولديه الاثنين وابنته إلى إزنيك، ليمكث فيها تحت الإقامة الجبرية، وقد خصص له راتباً شهرياً مقداره ألف آكجة.
ولكن الشيخ لم يذعن لهذا الوضع بسبب مطامعه السياسية. وإن كان في الظاهر يدعو إلى الدين والتصوف، فقد كان ذلك وسيلته لتحقيق أهدافه السياسية.
وفي الوقت الذي كان يؤلف فيه أحد كتبه، كان يقوم بمقابلة زواره من كافة المناطق، ويؤهلهم ليصبحوا دُعاة محترفين قبل عودتهم لمدنهم. وتمكن في وقت قصير من استقطاب الكثير من المؤيدين والمريدين من حوله.
وحين بلغ من القوة والتأييد ما يريد، ترك أبناءه في إزنيك، وتوجه إلى قسطموني، متذرعاً بالذهاب لأداء فريضة الحج. ولكنه لم يحصل على الدعم الذي يريده من إسفنديار بيك، فانطلق راكباً إحدى السفن من سينوب إلى روميلي. وتوجه نحو كيفة، ومن ثم إلى ستارا زاغورا، سيليسترا ودوبروجة195، ليقيم في منطقة ديلي أورمان196 التي يقطنها بعض الباطنية من معتنقي المذهب الشيعي. وعلى الفور قام بإرسال مريديه إلى كافة الجهات، لنشر أفكاره، واستقطاب المزيد من المعتنقين لها، حيث زاد عدد مؤيديه.
كان بدر الدين يريد اقتناص فرصة ضعف الدولة العثمانية التي كانت خارجة للتو من الصراع الداخلي على السلطة بين طرفيها روميلي والأناضول. والانتقال من مرتبة المَشيَخة إلى منصب السلطنة. لذا كان يدعو الجميع لاعتناق أفكاره واتباعها، بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم.
وقد بدأ بوركلوجا مصطفى - الذي كان مقيماً في كارابورون الواقعة جنوب خليج إزمير وقبالة جزيرة ساقز (خيوس) - أولى حركات التمرد، بعد أن جمع حوله ما يناهز العشرة آلاف من مريديه. وقد كلّف السلطان محمد جلبي إسكندر والي إزمير والذي كان مسلماً، وهو ابن شيشمان ملك بلغاريا بالقضاء على هذا العصيان، ولكن بوركلوجا مصطفى تمكن من هزيمته، والقضاء على قسم كبير من قواته.
وبدأ الأمر يتخذ أبعاداً جدّية وخطرة، لذا قام السلطان هذه المرة بتكليف والي صاروخان علي بيك تيمورتاش زاده بتولي هذه المهمة، ولكن رجال بوركلوجا كانوا مستعدين للموت من أجله، ملتزمين بقناعاتهم، وبالكاد تمكن علي بيك وبعض من رجاله النجاة من الهجوم الذي شنوه عليهم.
ومع انتصارات بوركلوجا، انخرط الشيخ بدر الدين وطورلاك كمال أيضاً في هذا النوع من التمرد المسلح، وهذا ما سبب استياءً كبيراً للسلطان محمد جلبي. ومن جهة أخرى ظهر أخوه مصطفى جلبي (مصطفى المحتال) مدعياً أحقيته بتولي العرش، وكان يقود حملته في نواحي سالونيك وتساليا197.
لذا كلف السلطان الصدر الأعظم بايزيد باشا وابنه مراد الذي لم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره بعد، بإخماد التمرد الذي يقوده بوركلوجا. وهكذا انطلق الجيش العثماني الذي قام بالقضاء على بؤر المتمردين كبيرها وصغيرها على الطريق، لكي لا يقعوا بين شقي الرحى كمن سبقهم. وأخيراً ألحقوا هزيمة ساحقة بقوات بوركلوجا عند سفوح جبال كارابورون، ولكنهم بالمقابل خسروا قسماً كبيراً من قواتهم.
وقد ساق بايزيد باشا، بوركلوجا وبقية الأسرى إلى مدينة سلجوق198. وبعد التحقيقات اتضح أنّ الشيخ بدر الدين هو المسؤول عن هذا التمرد، وفيما كان يتمّ إعدام المتمردين، كانوا يصرخون قائلين: «أنجدنا يا ديدة سلطان (السلطان الجد)» أما بوركلوجا فقد سمّرت يداه على خشبة، وطافوا به المدينة كلها قبل أن يتم إعدامه، ذلك أنّ مؤيديه كانوا مقتنعين بأنه خالد لن يموت.
وبعد أن تمكن بايزيد باشا والأمير مراد من إخماد عصيان بوركلوجا، توجهوا نحو طورلاك كمال هذه المرة، والذي كان قد جمع حوله ما يناهز ثلاثة آلاف من المريدين، ولكنه تعرض للهزيمة بسرعة كبيرة. وتم قتل كل من ألقي القبض عليه. وبذلك تمّ إخماد أول عصيان شيعي باطني بدأ في الأناضول.
أما الشيخ بدر الدين المؤسس والداعية الأكبر لهذا التمرد، فقد كان يواصل نشاطه في روميلي، ولكن الهزيمة التي لحقت برفاقه في الأناضول، جعلت معنويات مريديه في الحضيض.
وفيما كان السلطان محمد جلبي متجهاً لإخماد التمرد الذي بدأه أخوه مصطفى (المحتال) في منطقتي سالونيك وتساليا، أرسل بايزيد باشا هذه المرة على رأس حملة للقضاء على بدر الدين.
ومع اقتراب القوات العثمانية، تخلى عن الشيخ الكثير من رجاله ولاذوا بالفرار، وهذا ما مكّن بايزيد باشا من إلحاق هزيمة سريعة بهم، وأرسل بدر الدين أسيراً إلى السلطان الذي كان حينها في سيرس199.
وقد قام السلطان محمد جلبي بالتعامل مع قضية الشيخ بدر الدين، بطريقة تشير مرة أخرى إلى مدى عمق مفاهيم الحق والعدالة اللذين قامت عليهما هذه السلطنة وتعاملت بهما مع رعاياها. فرغم الأفكار الهدامة التي كان يبثها في المجتمع، ورغم أنّ التمرد قد حدث بسبب الفتنة التي أثارها، والتي أودت بحياة الآلاف من الطرفين، فقد وكّل رجال الدين وعلماءه بالحكم عليه.
حيث تشكلت هيئة من رجال الدين للبحث فيما إن كانت الأفكار التي دعا إليها الشيخ مسيئة للدين، وما هي العقوبة التي يستحقها. وبعد التحقيق أعلن مولانا حيدر من خلال الفتوى التي أصدرها بأنه مذنب، وأنه يستحق عقوبة الإعدام شنقاً. وبحسب إحدى الروايات، فإنّ الشيخ بدر الدين قد أقرّ بنفسه أنّ من يرتكب ذنباً مماثلاً، فيجب أن تكون عقوبته الإعدام.
وعلى إثر هذا القرار تمّ إعدام الشيخ في بازار سيرس عام ألف وأربعمئة وعشرين، وتمّ توزيع تركته على ورثته حصراً، وبذلك تم استئصال الفتنة التي أثارها من جذورها.
كان الشيخ بدر الدين محمد، عالماً متبحراً في أصول الدين وعلومه، وقد كانت مؤلفاته ككتاب «جميل الفصول» وكتاب «لطائف الإشارات» قد عززت مكانته وجعلت له مرتبة استثنائية بين بقية العلماء من معاصريه. ولكن كتابه «الفريضة» الذي يحوي أفكاره الباطنية، أثار استياء كبار المتصوفين الذي انتقدوه بحدة.
ومن بين الأفكار التي وردت في كتابه:
«إنّ الجنة والجحيم بشكل عام ليسا بالشكل الذي نتصورهما عليه، بل يتجسدان في الخير والشر الموجود في الأرواح، ويتجليان في الألم والفرح اللذين يصيباننا.
هذا العالم أقدم من أن يكون قد خُلق.
لن تكون هناك قيامة بعد الموت، ذلك أنه لا يمكن بعث الأجساد بعد فنائها.
الشيطان والملائكة ليسوا تجسداً حقيقياً، وإنما هما قوتان تمثلان الخير والشر».
هذه التأويلات والتفاسير التي تناقض عقيدة أهل السنة، هي التي فتحت الباب لانتقاد أفكاره.
وقد ذكره المتصوف الكبير عزيز محمود هدائي200 في مذكرته التي كتبها للسلطان أحمد الأول، على الشكل التالي: «الشيخ بدر الدين الذي تمّ إعدامه، واستحق غضب الله عليه». أما العالم والمؤرخ إدريس البدليسي في كتابه (هشت بهشت) (الجنان الثمان): «الشيخ بدر الدين، كان رجلاً تقياً يقضي أيامه في التعبد والطاعة، ولكنه حين تحول إلى طاعة إبليس، زرع فيه الغرور والأنانية، وهذا دليل أنه لم يتلقَّ الفيض من مرشد كامل».
من جهة أخرى، فقد كانت بعض الممارسات التي لم ترد في كتب الشيخ بدر الدين، ولكنها كانت تطبق من قبل مريدَيه بوركلوجا مصطفى، طورلاك كمال، مثار انتقاد الشيخ نفسه.
ومنها أن يتنازل المريدون عن أملاكهم الخاصة، حيث اعتبروا جميع الأملاك مشاعاً بين الناس، وقيامهم بطقوس دينية مختلطة يرقص فيها الرجال والنساء ويحتسون الشراب، وتشجيعهم على الإباحية بشكل عام.
وقد ادعى الشيخ بدر الدين بأنه ينحدر من نسل علاء الدين كيقباد حاكم سلاجقة الأناضول، ليبرر مطالبته بالعرش. ذلك أنّ الطامحين إلى السلطة، وعلى وجه الخصوص من يُوفق منهم، كان يعمد إلى الادعاء بأنه ينتمي لنسل أحد الحكام السابقين، ليضفي الشرعية على حكمه، بحسب ما كان سائداً في ذلك العصر. حتى أنّ الكثير منهم قد لفّق شجرة أنساب لتعزيز هذا الادعاء وتأكيده.
أرسلوا خبراً لمرادي
أمضى السلطان محمد جلبي شتاء عام ألف وأربعمئة وعشرين - وواحد وعشرين في بورصة، ومن ثم اتجه إلى جاليبولي لينتقل من هناك إلى إدرنة. وفي أثناء رحلة صيد اعتلت صحته، وسقط من على ظهر جواده. فقام على الفور رجاله ممن يرافقونه بحمله ونقله إلى القصر. وقد أثار اعتلال صحة السلطان المفاجئ خوف جنوده، فرغبوا في رؤيته والاطمئنان عليه. فتحامل السلطان محمد جلبي على نفسه، وخرج لمقابلة رجالات الدولة والجنود. وحين أدركوا أنه لا زال حياً، فرحوا كثيراً.
كان ذا لحية طويلة، وعينين سوداوين، وبشرة بيضاء، ووجه باسم، وقد استطاع أن يكتسب احترام ومحبة الأصدقاء والأعداء على حد سواء.
وحين سمع الإمبراطور البيزنطي مانويل بخبر مرضه، أرسل وفداً على الفور من أجل الاطمئنان على صحته. وقد وافق السلطان الحصيف على لقاء السفير ليونداري ديميتريوس على الفور، وأخبره بأنّ شفاءه قد يطول عدة أيام، وأنه سيقابله حينها للتحدث بصورة مطولة. وقد نقل إليه السفير بدوره تمنيات الإمبراطور بالشفاء العاجل.
وقد اغتمّ السلطان كثيراً لوصول هذا الرسول، وجمع وزراءه على الفور وخاطبهم قائلاً:
«اسمعوا أيها الأفاضل!
لقد شاء الله تعالى أن يجعل هذا المرض من نصيبي، ويبتليني به. لذا أرسلوا خبراً لابني الأكبر مراد على وجه السرعة، ليأتي لرعاية شؤون الدولة دون إبطاء. واطلبوا من الجنود أن يسامحوني، وإن كان لهم أو لكم حق في ذمتي فلتطالبوا به، ولا تهملوا إخبار مراد وإعلامه ليأتي دون تأخر».
وقد أسلم الروح في اليوم التالي في أواخر شهر حزيران من العام ألف وأربعمئة وواحد وعشرين. ووصلت الأخبار في وقت قصير إلى الأمير مراد الذي كان في أماسيا حينها. ولكنّ خبر وفاته ظل طي الكتمان، ولم يُعلن للجيش والعامة، حيث تمّ تحنيط جسده في قصر إدرنة، بانتظار وصول الأمير مراد.
ومع ذلك لم يتمكن ليونداري رغم جهوده من إيصال الخبر الذي بلغه إلى الإمبراطور. ذلك أنّ كل الطرقات كانت مغلقة، وحين وصلت الأخبار إلى إسطنبول عن طريق البحر، كان السلطان مراد قد جلس على عرش السلطنة. وكانت أكبر مخاوف محمد جلبي، هي إطلاق سراح مصطفى المحتال، الذي كان رهيناً لدى الإمبراطور. حينها كانت الفوضى ستعود لتعم أرجاء السلطنة، وقد حصل على وعد قاطع من الإمبراطور مانويل، بأنه لن يطلق سراح مصطفى طالما بقي على قيد الحياة. ولكنه كان سيطلقه بكل تأكيد ما إن يعلم بخبر وفاته.
شخصية السلطان محمد جلبي
لقد ولد محمد جلبي حين استشهد جده مراد خداوندكار، واعتلى والده يلدرم بايزيد العرش عام ألف وثلاثمئة وتسعة وثمانين. ووالدته هي دولت خاتون ابنة سليمان شاه غرميان أوغلو.
وككل الأمراء، فقد تلقى علومه على يد أفضل علماء العصر ورجال الدين. فتعلم اللغة العربية على يد العلامة أحمد بن محمد الجزري. وتلقى مبادئ بقية علوم العقل والنقل على يد العلامة عماد الدين علي جلبي المشهور بصوفي بايزيد. كما تلقى علوم وفقه المذهب الحنفي على يد كل من قاضي بورصة كوجا محمود جلبي، والملا فناري. أما صهره أمير سلطان، فقد علمه مبادئ الفيض والتصوف.
وكان ذا بشرة بيضاء، وعينين سوداوين وحاجبين أسوَدَين، لحية كثة، نظرات ثاقبة، وجبين واسع، وكان عريض المنكبين، طويل الذراعين، ويحمل شكل الأنف المعقوف ذاته الذي اتصف به أفراد السلالة العثمانية. وكان بارعاً في النشاطات البدنية، وبسبب تناسق قوامه ومتانته البدنية، فقد نال لقب جلبي المصارع.
وإلى ذلك كان صاحب عزم وإرادة، صادق الوعد، صبوراً، حسن التدبير، ورزيناً. وكان ذا بصيرة سياسية نافذة، يعلم ما قد تؤول إليه الأحداث منذ بدايتها، وكان يتصرف وفق هذه النظرة الوقائية. ولا يقدم على أمر دون تخطيط ودراسة، ويسارع إلى تنفيذ القرار الذي يتخذه.
حين شارك في معركة أنقرة كان لا يزال في الرابعة عشرة من عمره، ومع الهزيمة التي لحقت بهم، اضطر لمواجهة مشاكل وتبعات تفوق سنواته القليلة. حيث استطاع توحيد السلطنة التي تمزقت إلى أجزاء متناحرة، بعد صراع قاسٍ، وأعاد توحيد الأناضول بعد ما أصابه من تشرذم، فبعد أن أحيا تيمورلنك إمارات الأناضول، تمكن من إزالة قسم منها، وضم الباقي تحت لواء سلطنته. وبسبب ذلك أطلق عليه لقب المؤسس الثاني للدولة العثمانية.
كما عمل على تعزيز النفوذ التركي في روميلي، وقد أصيب هذا الحاكم المقدام الذي أمضى جل عمره في الحروب والفتوحات، بأربعين إصابة في المعارك الأربعة والعشرين التي شارك فيها. وتعطي هذه المقولة التي نُقلت عنه، صورة واضحة عن حياته: «إنّ معاناتي من المصائب التي ألمت بي وأنا لا أزال في عهد الطفولة، لا تقارن بمعاناة أحد». وللأسف فإنّ هذا الحاكم القوي، الذي كان يعمل ليل نهار على إعادة السلطنة إلى سابق عهدها المجيد، قد فارق الحياة وهو لا يزال في الثانية والثلاثين من عمره.
وإلى جانب نجاحاته السياسية، فإن فعالياته العمرانية والثقافية تحمل أهمية بالغة. فقد ترك العديد من المباني في كل من إدرنة وبورصة وأماسيا. ففي بورصة بنى الجامع الأزرق، والذي يعتبر من المعالم الأثرية الرائعة في المدينة سواء بسبب ندرة حجارة المرمر المستخدمة في بنائه، أو لطريقة تزيينه البديعة والفريدة. وقد بنى قبره على تلة مرتفعة قبالة هذا الجامع، أما المدرسة التي بنيت قبالة القبر، فقد تحولت إلى متحف في الوقت الحالي.
إضافة لذلك، فقد أتمّ بناء جامع أولو في إدرنة، الذي بُدِئ بناؤه بطلب من أمير سلطان، وشارك موسى جلبي أيضاً في قسم من البناء. كما بنى بازار إدرنة ليكون وقفاً لهذا الجامع. وقد دفن ابنه الأمير قاسم في حديقة هذا الجامع.
عرف باهتمامه برجال العلم والدين، ورعايته لهم. وكان يعاملهم باحترام وكرم بالغ. لذلك نجد الكثير من المؤلفات على مختلف مواضيعها، كتبت من قبل العلماء على اسمه، كابن عرب شاه201، عبد الرحمن المرزيفوني، الملا صري يعقوب، الملا قره يعقوب، كافياجي محيي الدين، القاضي فيض الله وركن الدين أحمد وسواهم.
كما كان محمد جلبي ينظم الشعر أيضاً، وتوضح هذه الأبيات مدى تقواه، وقوة اعتقاده وإيمانه بالله سبحانه وتعالى.
إن خاصمتني الدنيا كلها، فرضاك عني كاف
فكل ما أبغيه هو القرب، وما أخشاه منك التجافي
وإن كان الجهاد إليك درباً، فسيفي والروح
وجندي وعرشي فداء، ودمي المسفوح.
ما الذي قيل عنه
هالكونديل: «إنّ أهم ما يتفوق به محمد الأول هو إجماع المؤرخين العثمانيين والغربيين على قوة شخصيته ووقاره، عدله وعطفه، كرمه اللامحدود، ومساندته لأصدقائه، وكان يتبع هذه السياسة سواء مع الأتراك أو الروم من الرعايا دون تفريق».
دوكاس: «لم يقتصر حسن معاملة السلطان محمد جلبي على رعاياه الأتراك فقط، بل شمل النصارى منهم أيضاً. وكان يتصف بفكره المستنير، وطيب الأخلاق».
هامر: «بقي واحداً من أصدقاء الإمبراطورية البيزنطية المخلصين طوال حياته، عدواً مخيفاً للمتمردين التركمان. والدعامة الأعظم لعرش السلطنة العثمانية. وبحسب المؤرخين العثمانيين فهو نوح الدولة العثمانية، الذي أنقذها من طوفان التتار».
خوجا سعد الدين أفندي: «دامت فترة سلطنته ثماني سنوات إلا خمسة أيام. وقد نال شهرة عظيمة بسبب طيب أخلاقه وعطفه. وبحسب عادة أجداده، فقد كان يخصص نفقات للمحتاجين، ويوزع الصدقات في كل يوم جمعة على الفقراء، ويقدم المساعدة اللازمة لذوي الحاجات، ويغدق الهدايا والنفائس حتى يدخل السرور إلى قلوب الناس ويجبر بخاطرهم. كما كان في كل عام يرسل إلى الحرمين الشريفين، الكثير من الأموال والهدايا التي تفوق الحدّ والعدّ».
ويصف لنا خوجا سعد أفندي في هذه الأبيات حادثة مرض السلطان ورقاده في السرير، وطلبه من رجال دولته إعلام ابنه الأمير مراد لكي يحضر، والوصية التي أملاها عليهم قبيل وفاته:

وبعد تاج العرش وأثواب الملوك
اختار الرحيل إلى دنيا البقاء
فهذه الدار مجلبة الهموم
وتلك دار الرضا ودار الهناء
وقد كان خير من تولى عرشا
وحكم بالعدل وناصر الضعفاء
ورفع عرش الدولة بعد ذل
ووحد البلاد وعمّر الأرجاء
وقد أخفى الحكماء موته حينا
درءاً للفتنة وما تجر من بلاء
وأوصى ابنه مراد بالعدل والاستقامة
فالظلم من بني عثمان براء
وأوصاه بعباد الله المؤمنين
أوصاه بالمحتاجين منهم وبالفقراء
وباجتناب رفاق السوء وصحبتهم
والابتعاد عن الملذات والأهواء
وليحتكم لكتاب الله في كل أمر
وللشرع والسنّة ورأي الحكماء
وليكن للأعداء سداً منيعاً
وللشعب عوناً على كل بلاء
وليحمِ الله عرشه من كل سوء
ويشمله بعفوه الذي وَسِع السماء.





نبذة عن المؤلف

ولد في بويابات عام 1959، أتم مرحلة الدراسة المتوسطة والثانوية هناك. التحق بجامعة أتاتورك في العام 1978، كلية الآداب الإنسانية قسم التاريخ، وتخرج من الجامعة في العام 1982، وبدأ العمل في العام 1983 بصفة باحث متخصص في التاريخ المعاصر. أنهى دراسة الماجستير في العام 1985، وانتقل إلى جامعة مرمرة في العام 1989، كلية الآداب والفن، قسم التاريخ. وقد حصل على الدكتوراه في العام 1990 عن الدراسة التي قدّمها بعنوان (مدينة توكات في التنظيم الإداري العثماني بين الأعوام 1455_1574). أما في العام 1997 فقد نال مرتبة الأستاذ حول دراسته (فتح وإدارة أويفار من قبل السلطة العثمانية). وقد نال رتبة البروفيسور في العام 2003، عن مجمل أبحاثه حول تاريخ المدن في العهد العثماني، وتشكلها وإدارتها، والحياة السياسية فيها، والمقالات العلمية التي كتبها في كثير من المجلات والدوريات. ولا يزال عضواً في مجلس التعليم في الجامعة ذاتها. متزوج وله ثلاثة أبناء.
Notes
[?1]
أو قايي بالعربية تعتبر إحدى القبائل التركية التي تنتمي لشعوب الأوغوز التركية وإحدى الفروع التابعة لاتحاد بوزوزق القبلي كما أن «القاييّن» الذين هم من فروع الأوغوز بدأوا بالنزوح والهجرة كغيرها من قبائل الأوغوز التركية الأخرى من الشرق إلى الغرب في زمن السلاجقة حتى وصلوا إلى الأناضول وأقطع لهم الأمير السلجوقي آنذاك استيطان المناطق الغربية من الأناضول كما أن عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية زعيم وراثي في قبيلة القايي.
[?2]
مدينة تابعة لمحافظة بيله جيك التركية حالياً، وتعتبر عاصمة السلطنة العثمانية الأولى، والتي انتقلت إلى بورصة فيما بعد
[?3]
هو والد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، وقائد قبيلة قايي من أتراك الأوغوز عندما وصل أرطغرل بفرسانه الـ 400 لمساعدة السلاجقة الروم في حروبهم ضد البيزنطيين كان بذلك قد مهد لوضع الأساس للسلطنة العثمانية
[?4]
سهل يقع في منطقة شرق الأناضول
[?5]
وهو علاء الدين كيقباد بن كيكاوس وهو سلطان سلاجقة الروم في الفترة ما بين 1220 و1237 وقد وسّع حدود السلطنة على حساب جيرانه وخصوصاً إمارات المنكوجكيين والأيوبيين كما دعم وجود السلاجقة في البحر المتوسط
[?6]
منطقة تابعة لمحافظة كوتاهية التركية
[?7]
هي مرو العظمى، أشهر مدن خراسان، وإليها ينسب المروزي
[?8]
وقعت ما بين سبسطية وأرزينجان سنة 1230 وانتصر فيها علاء الدين كيقباد على نسيبه جلال الدين منكبرتي.
[?9]
منطقة تقع إلى الشمال الغربي من بحيرة وان في تركيا، وهي تتبع لمحافظة بيتليس حالياً.
[?10]
منطقة جغرافية تاريخية تقع جنوب الأناضول وتمتد على السواحل الجنوبية لتركيا.
[?11]
منطقة سهلية شرق الأناضول.
[?12]
منطقة تابعة لمحافظة أرزينجان التركية.
[?13]
منطقة تحيط بنهر جوروه الذي يمر في كل من تركيا وجورجيا.
[?14]
منطقة تابعة لمحافظة شانكيري التركية.
[?15]
هي عاصمة محافظة شانكيري تقع شمال شرق أنقرة وتبعد عنها 140 كم.
[?16]
منطقة تابعة لمحافظة بولو التركية.
[?17]
محافظة تقع في الجزء الغربي من منطقة البحر الأسود.
[?18]
هي إحدى محافظات تركيا عاصمتها مدينة دوزجه تقع في شمال غرب البلاد.
[?19]
محافظة موغلا هي إحدى محافظات تركيا تقع في منطقة أيجه عاصمتها مدينة موغلا تقع في جنوب غرب البلاد.
[?20]
كلها مدن ومحافظات تركية.
[?21]
هي من أهم المعارك في التاريخ الإسلامي بصفة عامة وفي تاريخ السلاجقة بصفة خاصة وقعت عام 1071م وهي من معارك المسلمين والروم البيزنطيين.
[?22]
أو الأهيليك بالتركية، وهي منظمة تأسست بتوصية من الولي حاج بيكتاش، كانت تعنى بتعليم التركمان المسلمين الحرف التجارية ومبادئ العلم والثقافة وسواها.
[?23]
هي عاصمة محافظة بيله جيك في تركيا حالياً تشتهر البلدة بالعديد من منازلها التركية التقليدية المرممة.
[?24]
قره بالتركية تعني أسود.
[?25]
أصله من خوارزم، توفي سنة 1260، له كتاب (قنية المنية لتتميم الغنية (وسواها من كتب علوم الدين.
[?26]
(731/هـ/1331-792هـ) صَدرُ الدين أبو الحسن عليُّ بن علاءِ الدين الدمشقي الصالحيِّ الحنفي ولد ونشأ في دمشق في كنف أسرة جميعُ أفرادها كانوا ينتحون مذهب أبي حنيفة، ومعظمهم قد تولى القضاء في الشام في ذي القعدة من سنة اثنتين وتسعين وسبع مئة توفي ابن أبي العز ودفن في دمشق بسفح جبل قاسيون.
[?27]
علي بن مخلص بابا بن بابا إلياس الخراساني الأصل، فيرشهري المولد، المعروف بعاشق پاشا الحنفي الصوفي توفي سنة سبعمائة وثلاث وثلاثين هجرية له معارف نامه منظومة تركية في أحوال السلوك.
[?28]
منطقة تابعة لمحافظة بورصة التركية.
[?29]
مدينة تابعة لمحافظة بالك إسير التركية.
[?30]
هو غياث الدين كيخسرو بن كيقباد وهو سلطان سلاجقة الروم في الفترة ما بين 1237 إلى وقد حكم خلال فترة الغزو المغولي للأناضول.
[?31]
هو درويش أحمد العاشقي 1400-1484 مؤرخ ومتصوف عثماني.
[?32]
إحدى المحافظات التركية تقع في شمال البلاد.
[?33]
منطقة تابعة لمحافظة بولو التركية.
[?34]
محمود غازان بن أرغون سابع سلاطين الإلخانية في إيران، حكم ما بين سنة 1295 حتى وفاته 1304 وهو ابن أرغون خان وزوجته قوتلوق خاتون، وهو من سلالة ملكية تنتهي إلى جنكيز خان.
[?35]
غياث الدين مسعود هو غياث الدين مسعود بن كيكاوس حمل لقب سلطان سلاجقة الروم خلال فترتين زمنيتين الفترة الأولى من 1284 إلى 1296 والفترة الثانية من 1302 إلى 1308 وخضع إلى سلطة الخان المغولي.
[?36]
غرميان وهي إحدى إمارات الأناضول التي نشأت في فترة انحلال دولة سلاجقة الروم، وقد اتخذت من مدينة كوتاهية عاصمة لهم تعود أصول هذه الإمارة إلى الكرد.
[?37]
أو ابن كمال هو أحمد شمس الدين أفندي ولد في إدرنة 1468 وتوفي 1536، تقلد منصب شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، بالإضافة لكونه شاعراً مؤرخاً فقيهاً وأديباً.
[?38]
محمد نشري مؤرخ عثماني توفي العام 1520.
[?39]
عملة عثمانية تصك من الفضة.
[?40]
شاعر وحكيم البلاط العُثماني زمن السُلطان بايزيد الأوَّل أحمد بن خِضر تاج الدين الشهير بِلقب "أحمدي" 1334-1413م.
[?41]
منطقة تابعة لمحافظة بورصة التركية.
[?42]
أندرونيكوس الثاني باليولوج كان إمبراطوراً بيزنطياً حكم من 1282 حتى سنة 1328.
[?43]
منطقة تابعة لمحافظة بورصة.
[?44]
ثامن ملوك الإلخانية حكم بين عامي 1304-1316م هو ابن حفيد هولاكو، وابن أرغون، وشقيق وخليفة محمود غازان على عرش الإلخانية.
[?45]
مدينة تقع في الجبل الأسود أو مونتينيغرو، وهي دولة تقع في جنوب أوروبا وكانت إحدى الدول الاثنتين المشكلتين لاتحاد صربيا والجبل الأسود.
[?46]
محافظة يالوفا هي إحدى محافظات تركيا عاصمتها مدينة يالوفا تقع في شمال غرب تركيا.
[?47]
بلدة تابعة لمحافظة بورصة.
[?48]
تتبع لمحافظة إزمير.
[?49]
تتبع لمحافظة آيدن.
[?50]
تتبع لمحافظة صقاريا التركية.
[?51]
مدينة تابعة لمحافظة بورصة.
[?52]
هي أقدم الفرق الموسيقية العسكرية، تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، للعصر السلجوقي، وكانت ترافق الجيش العثماني في معاركه وتعزف ألحان الهجوم أو الاستعداد أو الانسحاب.
[?53]
أُعطي لقب «أوغوز» (أوغوز خان (لماو - تون مؤسس الإمبراطورية هيونج نو، والتي غالباً ما يعتبر أول كيان سياسي تركي في آسيا الوسطى.
[?54]
أحد فروع قبائل الأوغوز.
[?55]
رمز في الميثولوجيا التركية، والأوغوز على وجه الخصوص، يشير إلى البلاد والأهداف التي يرومون تحقيقها، ولكنها صعبة المنال وبعيدة، وكلما زادت بعداً وصعوبة، كلما تعاظمت جاذبيتها بالنسبة إليهم.
[?56]
يرجع أصل الكلمة إلى جغتاي بن جنگيز خان، وهو الابن الثاني له، ومؤسس الخانية الجغتائية والجغتاي هي لهجة من لهجات اللغة التركية، والتي تعتبر المصدر للغتين الأوزبكية والأويغورية اليوم.
[?57]
الفونس دي لامارتين 1790-1869 كاتب وشاعر وسياسي فرنسي كان كثير السفر وأقام مدة في أزمير في تركيا.
[?58]
إدوارد جيبون (1737-1794) مؤرخ إنجليزي، صاحب كتاب اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها الذي يعد من أهم وأعظم المراجع في موضوعه.
[?59]
أتيلا الهوني ملك هوني عاش بين عامي 395-453 كان آخر حكام الهون وأقواهم وأسس في إقليم روسيا وأوروبا إمبراطورية كبيرة الاتساع، عاصمتها في ما يسمى هنغاريا اليوم امتدت إمبراطوريته من نهر الفولغا شرقاً وحتى غرب ألمانيا غرباً.
[?60]
منطقة تابعة لمدينة إسطنبول؟.
[?61]
بلدة تتبع لمحافظة دوزجى شمال غرب تركيا والتي تقع على سواحل البحر الأسود.
[?62]
إحدى المحافظات التركية، وتبعد عن إسطنبول 117 كم.
[?63]
كان إمبراطوراً بيزنطياً حكم من 1328 حتى سنة 1341 وهو ابن للإمبراطور ميخائيل التاسع باليولوج وزوجته ريتا أرمينيا وحفيد للإمبراطور أندرونيكوس الثاني باليولوج.
[?64]
شرف الدين داود بن محمود بن محمد القَيْصَري 1350 هو أديب ومتصوف من أهل قيصرية، تعلم فيها وأقام بضع سنوات في مصر، ثم عاد إلى بلده.
[?65]
الدراويش: زهاد بعض الطرق الصوفية شديدي الفقر والمتقشفين عن اقتناع وإيمان وهم يعيشون على إحسان الآخرين زهداً بامتلاك أي أملاك مادية وكان الدراويش الصوفيون معروفون بحكمتهم، ومعرفتهم بالطب والشعر والذكاء والدهاء.
[?66]
درويش ومتصوف (1275-1350) قدم من أذربيجان إلى الأناضول في فترة تأسيس السلطنة العثمانية، وكان معاصراً للسلطان أورهان، وقد أقام في قرية بابا سلطان التابعة لمدينة بورصة.
[?67]
مدينة تابعة لمحافظة كوجاإيلي.
[?68]
منطقة تابعة لمحافظة بولو.
[?69]
منطقة تابعة لمحافظة بولو.
[?70]
منطقة تابعة لمحافظة بورصة، تطل على بحر مرمرة.
[?71]
منطقة تاريخية قديمة وهي تسمى حالياً Adramytteion وهي تتبع لمحافظة بالك إسير.
[?72]
منطقة تابعة لمحافظة يالوفا.
[?73]
منطقة تابعة لمحافظة مرسين التركية.
[?74]
منطقة تابعة لمحافظة بالك إسير.
[?75]
منطقة تابعة لمحافظة إزمير.
[?76]
منطقة تابعة لمحافظة بالك إسير.
[?77]
اسم أطلقه الأتراك على أراضي الدولة العثمانية الواقعة في أوروبا.
[?78]
مدينة تتبع لمحافظة بالك إسير.
[?79]
مدينة تتبع محافظة إزمير.
[?80]
هي شبه جزيرة تقع في تراقيا الغربية في الجزء الأوروبي من جمهورية تركيا، تطل شبه جزيرة جاليبولي على بحر إيجه في جهتها الغربية وعلى مضيق الدردنيل في جهتها الشرقية.
[?81]
مدينة ساحلية وميناء في شبه جزيرة القرم بأوكرانيا على البحر الأسود.
[?82]
مدينة تتبع لمحافظة تكيرداغ الواقعة شمال غرب تركيا.
[?83]
مدينة تتبع لمحافظة إدرنة التركية.
[?84]
تتبعان لمحافظة تكيرداغ.
[?85]
هو اسم أطلقه العثمانيون على بلاد المجر.
[?86]
الأفلاق أو فالاشيا هي منطقة جغرافية وتاريخية في رومانيا، تقع في الشمال من نهر الدانوب والجنوب من جبال الكارابات، أطلق عليها اسم الأفلاق في العهد العثماني.
[?87]
سورة البقرة، الآية: 249.
[?88]
سورة العنكبوت، الآية: 57.
[?89]
هي العاصمة الإدارية لمنطقة/محافظة بورغاس وهي المنطقة الأكبر مساحة من جنوب شرق جمهورية بلغاريا والرابعة في الترتيب من حيث عدد السكان.
[?90]
سورة القصص، الآية: 68.
[?91]
منطقة تابعة لمحافظة إزمير.
[?92]
بلدة يونانية ومركز لبلدية تقع في أقصى شمال شرق البلاد وهي تتبع مقاطعة إفروس التي تتبع إدارياً لإقليم مقدونيا الشرقية وتراقيا الإداري.
[?93]
منطقة تابعة لمحافظة إسطنبول.
[?94]
هي منطقة تاريخية وجغرافية في جنوب شرق البلقان تضم شمال شرق اليونان وجنوب بلغاريا والقسم الأوروبي من تركيا تطل تراقيا على ثلاث بحار: البحر الأسود، وبحر إيجه، وبحر مرمرة.
[?95]
مؤرخ عثماني من القرن الخامس عشر.
[?96]
إحدى الشخصيات البطولية في الشاهنامة الفارسية.
[?97]
إحدى الشخصيات البطولية في الشاهامنة الفارسية وهو والد سام.
[?98]
لقب فارسي كان يطلق على الملوك والسلاطين ويعني صاحب القدرة أو الملك ذي القدرة.
[?99]
يطلق عليها الأتراك اسم معركة صربسنداغ أيضاً وماريتزا هو نهر بطول 480 كم، وهو أطول نهر في البلقان ينبع من جبال ريلا في غرب بلغاريا، ويتدفق باتجاه الجنوب الشرقي بين جبال البلقان وجبال رودوب، مُتجهاً إلى بلوفديف وبارافوماي ثم إلى إدرنة في شمال غرب تركيا.
[?100]
إمارة قرمان هي دولة إسلامية نشأت عام 1250 جنوبي الأناضول حكامها من أصول أرمنية، أسسها نوري الصوفي الأرمني الذي اعتنق الإسلام وتوالت على حكمها سلالته من بعده.
[?101]
لالا لقب كان يطلق على المعلمين والمربين، ومن هم في مرتبتهم، توقيراً واحتراماً.
[?102]
مدينة يونانية تقع في شمال شرق البلاد ضمن منطقة مقدونيا الشرقية وتراقيا الإدارية، وهي مركز مقاطعة روذوبي ضمن هذه المنطقة الإدارية.
[?103]
فِيلِبّة هي ثاني أكبر مدن بلغاريا بعد العاصمة صوفيا.
[?104]
هي مدينة في قلب جنوب بلغاريا وهي مركز رئيسي للحياة الاقتصادية والثقافية.
[?105]
هي منطقة جغرافية تقع في شمال منطقة مقدونيا، غالبها يقع حالياً ضمن جمهورية مقدونيا، يشقها نهر فاردار الذي أخذت اسمها منه.
[?106]
لايوش الأول ملك المجر.
[?107]
أستريا هي شبه جزيرة تقع في شمال شرقي البحر الأدرياتيكي بين خليجَي تريستي وكفارنير وهي مقسمة بين كرواتيا وسلوفينيا ولكنها تقع ضمن الأراضي الكرواتية، وأكبر مدنها هي بولا.
[?108]
شبه جزيرة في محافظة جاناق، قلعة في تركية.
[?109]
نسبة لمدينة قونيا.
[?110]
عملية جمع دورية تجري كل سنة أو ثلاث أو أربع أو خمس، وتجلب عناصر إنكشارية جديدة يقارب عددهم 8000 إلى 12000 فرداً.
[?111]
من الأمرد، والصبي الأمرد من خلت لحيته من الشعر.
[?112]
من اللغة التركية، معناها سيد أو رئيس وهو لقب مدني وعسكري كان مستعملاً في عهد الدولة العثمانية.
[?113]
هي الفرقة المسؤولة عن أمن وخدمة قصر السلطان والموانئ والسفن التابعة للقصر في عهد الدولة العثمانية.
[?114]
الأوجاك تسمية عثمانية تدل على المراكز أو الثكنات العسكرية التي تضم الجنود، والأوجاك الأعجمي كان ثكنة تضم الجنود الذين تمت دوشرمتهم من ذوي الأصول الأعجمية (الأجنبية).
[?115]
تقنية كان يتم تلقينها للجنود العثمانيين بحيث يستطيع الصفع بكلتا اليدين بقوة كبيرة، وكانت اليد تدهن بالزيت أثناء التدريب.
[?116]
أو إندرون مكتب كما كانت تسميته بالعثمانية أسّست مدرسة إندرون، والتي يعني اسمها بالفارسي «داخل القصر» في عهد السلطان مراد الثاني بقصر إدرنة ومن أهم خصائصها أنّها كانت أول جامع في داخل القصر حيث أنشئت بهدف إعداد الموظفين للعمل، وضباط العسكر وموظفي دوائر الدولة ويدخل إليها الأطفال عن طريق نظام الدوشرمة.
[?117]
كان أشهر معماري عثماني عاش في القرن العاشر الهجري في أوج العصر الذهبي للعمارة العثمانية، وكان رئيس المعماريين وأشهرهم خلال حكم السلاطين الأربعة: سليم الأول وسليمان الأول وسليم الثاني ومراد الثالث.
[?118]
نسبة إلى أبو حنيفة النعمان بن ثابت، أول الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة.
[?119]
على الأغلب إشارة لأرقام الفرق وأعداد الجند فيها.
[?120]
البوهيمي أساساً هو أحد مواطني منطقة بوهيميا التشيكية وهو مصطلح أُطلق على أولئك المهاجرين الغجر الذين جاؤوا من رومانيا مارين بمنطقة بوهيميا.
[?121]
فيدين هي مدينة بلغارية تقع على ضفاف نهر الدانوب في شمال غرب بلغاريا بالقرب من الحدود الرومانية الصربية.
[?122]
مدينة في بلغارية تتبع محافظة فيليكو ترنوفو.
[?123]
مدينة في بلغاريا على نهر الدانوب، وقعت فيها المعركة الشهيرة نيقوبوليس بين الجيش العثماني بقيادة السلطان بايزيد والأوروبيين.
[?124]
تسمية كانت تطلق على القسم الجنوبي من العاصمة المجرية بودابست، ولكننا سنستمر بذكر هذا بالاسم الذي اعتمده المؤلف لدلالته التاريخية.
[?125]
إقليم جبلي جزء في جنوب القوقاز استقل هذا الإقليم وأصبح يكون جمهورية مرتفعات قرة باغ.
[?126]
تقع ضمن مولدافيا.
[?127]
الشاعر التركي، والكاتب، والسياسي، والدبلوماسي يحيى كمال بياتلي 1884-1958 اسمه الأصلي أحمد اجاه يعد من أكبر ممثلي الشعر التركي في عهد الجمهورية تولى مهمة الوصل بين الشعر الحديث مع الأدب الديواني وقد تم قبوله كواحد من أربع كتاب علم العروض في تاريخ الأدب التركي.
[?128]
بنو حميد وهم من أمراء الأناضول خلال الفترة الثانية، والذين حكموا خلال القرن الرابع عشر، ظهرت هذه الإمارة بعد اضمحلال قوة سلطنة سلاجقة الروم حكموا منطقة حول إغرديد وإسبرطة في الجنوب الغربي للأناضول سلاجقة الروم.
[?129]
بنو منتشا وهم من أمراء الأناضول خلال الفترة الثانية، والذين حكموا خلال القرن الثالث عشر، ظهرت هذه الإمارة بعد اضمحلال قوة سلطنة سلاجقة الروم، وحكموا منطقة حول ميلاس لفترة تراوحت ما بين 1260-1424 تعود أصولهم إلى قبائل الترك الغزيين.
[?130]
بنو صاروخان وهم من أمراء الأناضول خلال الفترة الثانية، والذين حكموا خلال القرن الرابع عشر، ظهرت هذه الإمارة بعد اضمحلال قوة سلطنة سلاجقة الروم، وهم من قبائل الترك الغزيين، وحكموا منطقة كانت عاصمتها مدينة مانيسا.
[?131]
بنو آيدن وهم من أمراء الأناضول خلال الفترة الثانية، والذين حكموا خلال القرن الرابع عشر، ظهرت هذه الإمارة بعد اضمحلال قوة سلطنة سلاجقة الروم وحكموا منطقة عاصمتها بيرغي، مؤسس هذه الإمارة هو مبارز الدين غازي محمد.
[?132]
بنو تكة وهم من أمراء الأناضول خلال الفترة الثانية حكموا في الفترة ما بين (1321-423 ) كانت عاصمتهم أنطاليا ثم كوكوتيلي وهم من عشائر الغز الترك.
[?133]
بنو جاندار أو أولاد إسفنديار وهي إحدى إمارات الأناضول خلال الفترة الثانية، وقد حكمت منطقة شملت قسطموني وسينوب وأجزاء من زنغولداق وبارتين وكارابوك وسامسون وبولو وأنقرة وجانقري وقد امتد حكمهم من 1292 إلى 1461.
[?134]
لها عدة معانٍ بالتركية؛ النسيب، كريم الخلق، الشريف.
[?135]
مدينة تقع في مقدونيا.
[?136]
مدينة تقع في جنوب مقدونيا.
[?137]
هي منطقة جغرافية تاريخية تقع في جنوب شرق أوروبا وتمتد في المنطقة الجنوبية الغربية لشبه الجزيرة البلقانية، وهي منقسمة حالياً بين اليونان وألبانيا.
[?138]
نيش هي ثالث أكبر مدينة في صربيا، وأكبر مدن جنوب صربيا.
[?139]
بلدة تابعة لمحافظة أنطاليا.
[?140]
مورافا نهر يقع في أوروبا الوسطى يعد أهم أنهار منطقة مورافيا التاريخية التي سميت على اسمه ينبع النهر من جبل كرالتسي سنزنك في الجزء الشمالي الغربي لتشيكيا قرب الحدود مع بولندا وسلوفاكيا.
[?141]
فيليكو ترنوفو هي مدينة تقع في شمال بلغاريا، ويحيط بها كل من: روسه، تارغوفيشته، سليفن، ستارا زاغوارا، غابروفو، بلفن، وتقع على الحدود ما بين رومانيا وبلغاريا.
[?142]
منطقتان شمال شرق بلغاريا.
[?143]
مدينة تقع في شمال شرق بلغاريا وتقع على الضفة الجنوبية لنهر الدانوب، ومجاورة للحدود مع رومانيا.
[?144]
يامبل تقع مدينة يامبل جنوب شرق بلغاريا بين الحدود التركية والبلغارية.
[?145]
منطقة في بلغاريا.
[?146]
بريشتينا هي عاصمة كوسوفا وأكبر مدنها ومركزها الثقافي.
[?147]
هي عاصمة جمهورية مقدونيا وأكبر مدنها.
[?148]
أو Chalkokondylas مؤرخ من القرن الخامس عشر.
[?149]
سورة آل عمران، الآية: 110.
[?150]
شكر الله بن شهاب الدين أحمد بن زين الدين الأماسى الرومي الحنفي المتوفى سنة 894 هجرية من مؤلفاته أنيس العارفين بترجمة أخلاق العابدين، وبهجة التواريخ.
[?151]
منطقة تابعة لمحافظة إسطنبول.
[?152]
تقع في الجانب الآسيوي من إسطنبول على مضيق البوسفور.
[?153]
عملة إيطالية ضربت بين 1252-1533 مع عدم وجود تغيير كبير في تصميمها أو مستوى محتوى المعدن احتوت 54 حبة من الذهب الصافي.
[?154]
مدينة تقع في الشرق من بلغاريا.
[?155]
عاش في بورصة أثناء تأسيس الدولة العثمانية، كان معروفاً في عالم التصوف والإسلام، ولد في بخارى العام 1368، وتوفي عام 1430 في بورصة، يعود نسبه إلى الحسين بن علي، لقب بالبخاري نسبة لمكان ولادته، ولتصوفه لقب بالأمير، ولأنه كان صهر السلطان يلدرم فقد لقب بالسلطان.
[?156]
جماعة دينية صليبية محاربة ساهمت بشكل بارز في الحروب الصليبية، أقامت بجزيرة رودوس، ثم احتلت طرابلس في ليبيا ويسمون بفرسان الإسبارتية، أو فرسان القديس يوحنا أيضاً.
[?157]
طائفة عسكرية نصرانية ألمانية تأسست سنة 1190 كمنظمة تمريضية لكنها تحولت إلى نمط فرسان المعبد وفرسان الإسبتارية وشاركت في الحروب الصليبية مثلهم وكان لها مقر في عكا.
[?158]
مدينة جنوبي غربي رومانيا على نهر الدانوب.
[?159]
1536-1599 شيخ الإسلام ومؤرخ ومدرس عثماني.
[?160]
الرسائل المبشرة بالفتح والنصر وتفاصيله.
[?161]
حوض من الرخام ونحوه تمج فيه نافورة (بحسب معجم المعاني).
[?162]
تتبع محافظة ملاطية أو مَلَطَية التركية.
[?163]
وتسمى حالياً شهرسبز، وهي مدينة تقع في محافظة (قشقة داريا)، جنوب أوزبكستان وتبعد 80 كلم تقريباً جنوبي مدينة سمرقند.
[?164]
خانات جاغطاي هي سلالة حكمت في منطقة طاجكستان من 1225م - 1670م تنسب هذه الأسرة إلى جاغطاي (جاغتاي) خان.
[?165]
منطقة تاريخية وجزء من آسيا الوسطى، تشمل أراضيها أوزباكستان والجزء الجنوب الغربي من كازاخستان والجزء الجنوبي من قيرغيزستان.
[?166]
آل جَسَتان أو بنو جَسَتان سلالة حكمت في بلاد الديلم من أواخر القرن الثاني إلى القرن الخامس الهجري.
[?167]
المعلومة الواردة عن العراق العجمي هي بحسب الزمخشري، والمدن هي: قم، أصفهان، الدنيور، ونهاوند وسواها، وهي في معظمها تقع في إيران حالياً.
[?168]
وهي سيرة تيمور التي كتبت باللغة الجاغطائية، وكلمة توزوكات تعني الأنظمة.
[?169]
الجلائريون سلالة مغولية حكمت العراق وغرب إيران وأذربيجان، سنوات 1336-1432م.
[?170]
هي اتحاد قبائلي تركماني حكم أذربيجان والعراق.
[?171]
إمارة إرزينجان إمارة من إمارات الأناضول ظهرت في القرن الرابع عشر وحتى بدايات القرن الخامس عشر في شرق الأناضول خضعت مدينة إرزينجان إلى سلطة بنو آرتين، وكان الحاكم المعين على المدينة يدعى بير حسين بعد أن توفي بير حسين سيطر موتاهارتين على الحكم على الرغم من أصول موتاهارتين المجهولة، إلا أنه يرجح على أن أصوله تعود إلى الترك الغزيين.
[?172]
منطقة تابعة لمحافظة يوزغات التركية.
[?173]
محافظة تركية.
[?174]
هم جنود فرسان عثمانيون على درجات كانوا مقيمين في المزارع وفي الأراضي التي أُقطعوا عُشرها وبدل محصولها ورسوم فراغها وانتقالها بصفتهم غزاة، وكانوا يعفون من كل التكاليف.
[?175]
جوزيف فون هامر: 1774-1856 مؤرخ وسياسي نمساوي، وخبير في شؤون الشرق.
[?176]
تستخدم كلمة القفص كما هي في العثمانية، مستمدة أصلها من العربية ويورد المؤلف هنا منشأ الخلط بين القفص كقفص حقيقي وبين القفص كحجرة، كما جرى تداوله في العهد العثماني.
[?177]
صانع الشراب أو بائعه.
[?178]
مدينة تقع في شمال اليونان وهي عاصمة مقاطعة إيماثيا.
[?179]
هناك جناس في الكلام، فكلمة قره تعني الأسود بالتركية، وهو يرمي هنا من استعمال لقبه إلى ذمه بسواد الوجه.
[?180]
تتبع لمحافظة أماسيا.
[?181]
أكبر منصب للشؤون المالية في الدولة العثمانية، يقابله في يومنا وزير المالية.
[?182]
المنطقة المحيطة بمدينة سامسون وما يجاورها من وادي نهر ميرت، من سواحل البحر الأسود ونحو الداخل.
[?183]
يطلق عليها بالعثمانية إردِل.
[?184]
هي شبه جزيرة تقع في شمال شرقي البحر الأدرياتيكي بين خليجي تريستي وكفارنير، وهي مقسمة بين كرواتيا وسلوفينيا ولكنها تقع ضمن الأراضي الكرواتية.
[?185]
مدينة تقع في وسط الأناضول، تابعة لمحافظة أنقرة.
[?186]
مدينة تتبع لمدينة قسطموني.
[?187]
مدينة سياحية تابعة لمحافظة كرابوك، تبعد 90 كم عن البحر الأسود.
[?188]
منطقة تابعة لمحافظة سامسون.
[?189]
مدينة تابعة لمحافظة أماسيا.
[?190]
مدينة صغيرة تقع في اليونان حالياً، وتسمى كيبرينوس.
[?191]
هو علي بن محمد بن علي الشريف الحسني الجرجاني المعروف بسيد مير شريف، فلكي وفقيه وموسيقي وفيلسوف ولغوي عاش في أواخر القرن الثامن الهجري وأوائل القرن التاسع الهجري.
[?192]
هو وصف يطلق على الفئة التي تقول: إن النصوص الدينية لها معنيان: أحدهما ظاهر يفهمه الناس بواسطة اللغة، وبمعرفة أساليب الكلام، والثاني باطن لا يدركه إلا الذين اختصهم الله بهذه المعرفة، وهم يَصلُون إلى إدراك هذه المعاني المحجوبة عن عامة الناس بتعليم الله لهم مباشرة.
[?193]
مدينة تابعة لمحافظة إزمير.
[?194]
وهي جزيرة خيوس اليونانية.
[?195]
إقليم تاريخي يقع اليوم في جنوب شرق رومانيا.
[?196]
مدينة تقع في بلغاريا.
[?197]
أو ثساليا هي إحدى مناطق اليونان الجغرافية التقليدية ومنطقة إدارية في اليونان وأكبر مدنها فولوس ولاريسا.
[?198]
كانت تسمى قديماً آياسولوك، مدينة تاريخية تابعة لمحافظة إزمير.
[?199]
تقع مدينة سيرس في شمال اليونان ضمن منطقة مقدونيا الوسطى الإدارية، وتعتبر المدينة مركز مقاطعة تحمل اسم هذه المنطقة نفسها.
[?200]
عزيز محمود هدائي أحد الأولياء تلقى تعليمه في الأناضول ولد في شرفلي كوج حيصار في عام 948 هجرية.
[?201]
هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم، أبو محمد، شهاب الدين، وشهرته ابن عربشا رحل في عدد من البلاد الإسلامية، وعُرف ببراعته في الكتابة والنظم بالعربية والفارسية والتركية.