Advertisement

الهوية والحركية الإسلامية-عبد الوهاب المسيري

الهوية والحركية الإسلامية
د. عبدالوهاب المسيري
تحرير: سوزان حرفي

مقدمة
سوزان حرفي
ثلاث سنوات كانت رحلة هذه السلسلة حتى اكتمالها، أتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية التأخير بسبب عملي خارج مصر، واقتصار اجتماعاتنا المحورية على فترات زيارتي للقاهرة. ولم يكن الدكتور عبد الوهاب المسيري متعجلًا عليها في البداية، فكعادته كان يعمل على عدد من الكتب يريد الانتهاء منها أولًا، ولكن بعد أن أخذت السلسلة شكلها النهائي اشتد إلحاحه على إصدارها، وأخذ يشير إليها في معظم لقاءاته، وحدد أيلول/ سبتمبر ألفين وثمانية موعدًا زمنيًا أقصى لصدورها، وجاء أيلول/ سبتمبر ولم تأخذ طريقها للمطبعة. وتجمد الورق بين أيدينا مع غياب صاحبه عن متابعة التفاصيل، ولكن بقي كلام الدكتور المسيري قبل رحيله فيما يتعلق بالحوارات يلح علينا لننجز ما أراد أن يراه بين دفتي سجل في وقت يقترب مما كان مخططًا له.
فالمسيري كان شغوفًا بتقديم مسيرته الحياتية والفكرية ورؤاه لأكبر عدد من الناس من غير المتخصصين أو المهتمين، وكانت إحدى أهم رسالاته توسيع قاعدة المعرفة؛ لأنها اللبنة الأساسية لتوسيع قاعدة المشاركة. وجاء أسلوب الحوارات، الذي بني على صيغة السؤال والجواب يمثل صورة مثلى لسعي الدكتور المسيري الدائم إلى تبسيط القضايا مما يساعد على سهولة انتشارها ووصولها إلى القاعدة العريضة من القراء.
وهذا العمل يبلور شخصية الدكتور عبد الوهاب المسيري الموسوعية المتعددة الاهتمامات من فكر ومعرفة إلى تاريخ وفلسفة مرورًا بالثقافة والفن والسياسة. فمع غزارة إنتاج المسيري ظل اسمه مرتبطا بموضوعات اليهود واليهودية والصهيونية والغرب وما يطرحه من إشكاليات. ويجهل غالبية الناس ما للمسيري من إسهامات فكرية وفلسفية في حقول أخرى متنوعة، يأتي على رأسها مجال تخصصه الأساس الأدب الإنجليزي، وكذا قصص الأطفال وكتابة الشعر، وهذا ما تحاول هذه السلسلة إلقاء الضوء عليه من خلال عرض الجوانب الحياتية والفكرية بشكل شامل بعد أن سبق عرضها عبر مؤلفات متخصصة تصب اهتمامها على قضايا بعينها.
كما أن هذه السلسلة فرصة لطرح آراء المسيري في قضايا لم يصدر فيها مؤلفات، وقد لا تكون محل اهتمام كبير في اللقاءات الإعلامية على أهميتها وقيمة ما يطرحه فيها المسيري من آراء، كالحب والفن والأغاني والقضايا السياسية ومشكلات الأحزاب وغيرها. وتنبع أهمية رأي المسيري في هذه القضايا من زاوية نظره وقراءته لها، حيث يضع كلًا منها في سياق خاص وآخر عام فيشكل منها نموذجًا، أو يضعها هي داخل نموذج تفسيري. فهو يسقط رؤيته الكلية على الأحداث التي قد تبدو مجرد تفاصيل عابرة أو سطحية، ولكن بعد إخضاعها للنظرة المتفحصة نجد أنها جزء من منظومة يريد من يقف خلفها ويتبناها أن تسود، ونحن بدورنا نقف أمامها إما مقلدين عن غير وعي أو ناقلين منبهرين. ويحاول المسيري بمنهجه أن يدفع كلًا منا ليفكر قليلًا قبل أن يختار، ولو البسيط من الأمور أو السلوك أو الآراء، ليعرف أولًا ما هو النموذج الكامن وراء ما يفعل، وما هو النموذج الذي يجب أن يتبناه ويستبطنه.
وتضم هذه السلسلة في ثناياها عرضًا لأهم محطات المسيري الحياتية والفكرية، وإنجازه الموسوعي اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد، والظروف التي أحاطت بالعمل، والصعوبات التي واجهها، وردود الفعل والانتقادات التي وُجّهت له، وكيف استقبل العامة والخاصة هذا العمل الذي استثمر فيه جهدًا لما يزيد على ربع قرن من عمره، وكذلك اجتهاده المميز وغير المسبوق في الاهتمام بقضيتين مصيريتين بحكم تحديات الواقع المُعاش الآن وهما المجاز والعلمانية. كما تضم عرضًا لآرائه في واقع حال مصر والأمة العربية والإسلامية، وكذا رؤيته لحال الفكر والثقافة والمثقفين العرب، إلى جانب نظرياته المتعلقة بالزواج وتجربته الشخصية التي استمرت ما يقرب من خمسين عاما ولم تفقد حيويتها. مع ذلك لا يمكن القول إن هذه السلسلة تختصر المسيري فكرًا ومسيرة، إذ لم تصل لمستوى حصاد حياته ولم يكن هذا هو الهدف منها في الأساس، ويمكن وضع هذا العمل في إطار التقديم والتعريف بتجربة ثرية كمسيرة عبد الوهاب المسيري، فهو يعرض بكثير من التفصيل الملامح العامة لهذا الموسوعي متعدد الاهتمامات.
وقد شكل هذا التنوع إحدى الصعوبات التي واجهتني في أثناء عمليات التصنيف والحذف والإضافة، فهناك ما كنت أراه تكرارًا لبعض الأفكار ضمن الإجابات عن أسئلة تحت عناوين مختلفة، وكنت أميل إلى حذفها من بعض المواضع والحفاظ عليها في أكثر العناوين ارتباطًا بها، لكن ذلك أثر بطبيعة الحال على مضمون الفكرة، وناقشت ذلك مع الدكتور المسيري فرفض الحذف ووضح ما كان معروفًا من أن وحدة الرؤية النابعة من مرجعية نهائية لا تعني هنا تكرارًا وإنما هي وضع الحدث في سياقه العام المفسر. فالرؤية التي تحكم المسيري رؤية شاملة يتم إسقاطها على العناوين المختلفة مما يدعم تأكيدها ويساعد على تفسير الحدث ليس في ذاته فقط بل وفي ارتباطه بالأحداث والقضايا بمجموعها. وهذه إحدى سمات فكر المسيري الذي يتعامل مع قطاعات المعرفة المختلفة برؤية ومرجعية حاكمة قادته للتفسير والحكم على ما يتعرض له من قضايا فلسفية معرفية فكرية.
هذا على مستوى الرؤية، أما على مستوى الأحداث والأمثلة فقد تكرر الأمر نفسه، حيث يمكن للمثال أن يكون معبرًا وشارحًا لعدد من القضايا، وهو ما دفعنا إلى استخدام حدث ما أو مثال شارح في أكثر من موضوع متعلق، مع مراعاة أن زاوية النظر تختلف من موضع إلى آخر.
وهناك مشكلة أخرى واجهتها في أثناء التحرير؛ إذ تشتمل هذه السلسلة على عديد من الموضوعات؛ بعضها جاء ليعالج قضايا عامة، ومن ثم لم تكن هناك مشكلة في التعبيرات والكلمات المستخدمة فيها، وبعضها كان متخصصا وهنا تجلت قضية المصطلحات والمفاهيم والأفكار التي تدخل في إطار التخصص والتي قد تربك غير المتخصصين. وكان أمامنا إما تجنب كل المصطلحات ذات الصبغة التخصصية أو التعبير عنها بلغة عامة تتناسب وعوام الجمهور. واخترنا طريقًا ثالثًا وهو الحفاظ على التعبيرات والآراء والمصطلحات المتخصصة على أن تأتي ضمن سياق لغة بسيطة وأفكار ورؤى واضحة، لأن حذف كل المصطلحات قد يدفع بالموضوع إلى العمومية أو التهميش. وقد ساعدنا على استخدام هذا النهج أسلوب المسيري في الكتابة والتخاطب بوجه عام والذي يتميز بسهولة وبساطة لا يخلان على الإطلاق بعمق ما يطرح، بل على العكس تماما فهما يؤكدانه ويكرسانه.
وها هي ذي السلسلة اكتملت بعد أن كانت فكرة أتت في أثناء زيارة لي للدكتور المسيري، وكنت أناقشه في كيف يمكن للإعلام أن يضيف جديدًا ليس على مستوى الحضور العام للضيف فقط وإنما على مستوى الفكر أيضًا، وكيف أن بعض اللقاءات التي أجريت معه كانت ذات قيمة عالية وبعضها الآخر – وإن كان رصينًا – جاء مفتقرًا إلى العمق، وأن بعض المحاورين نجح في أن يخرج من الدكتور عبد الوهاب المسيري ما يمثل إضافة حقيقية بعيدًا عما سبق نشره من أعمال متوافرة في المكتبات العامة أو على الشبكة الإلكترونية، ومثل هذه اللقاءات جديرة بإلقاء الضوء عليها. ووافقني الدكتور المسيري في ذلك – وإن اختلف معي في تقييم المفيد من غيره فيما أجراه من لقاءات إعلامية – حيث كان من أشد المهتمين بالإعلام والمحدثين بقيمته وأثره. وهنا سألته: لماذا لا تعطيني كل الحوارات التي أجريت معك أجمعها وأصنفها وأضعها في كتاب لترى الجمهور وحكمه إلى أي منا سيميل؟ فرحب بالفكرة ثم طوّرها لتكون تلخيصًا للمسيرة الفكرية والمعيشية عن طريق السؤال والجواب... وبدأت الرحلة.
وافاني الدكتور المسيري بما يحتفظ به من لقاءات وحوارات وما كتب عنه وعن أعماله منذ ستينيات القرن الماضي حتى تاريخ لقائنا. والمدهش، وإن كان متوقعًا، أن الأسئلة عن أهم القضايا التي طُرحت للنقاش كانت تتكرر على مدار أربعة عقود. وإن شئنا الدقة قلنا إن الأسئلة والإشكاليات موضع الجدل، والسجالات الفكرية والسياسية الدائرة في العالم العربي والإسلامي منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن الحادي والعشرين؛ هي ذاتها، حيث لم يتم حسم الموقف من هذه القضايا بعد. وجدير بالملاحظة أيضًا أن المحاولات الجادة للدكتور عبد الوهاب المسيري في تفكيك الظواهر وتفسيرها لم تتوقف على مدار العقود الأربعة ولم تتحول إلا بقدر تبلور رؤيته، مما أدى إلى تعميق نظرته ووضع الأحداث داخل سياق واضح المعالم سهّل قراءتها وتفسيرها. ولم يقف المسيري عند هذا الحد الذي يشترك فيه كثيرون وإنما حاول بناء نماذج يمكن من خلالها توليد بديل أو بدائل يمكن اتباعها للخروج من التيه وإنجاز التحقق الإنساني.
والملاحظ أن رؤى المسيري تحفظ للإنسان توازنه الذي قد يفقده تحت وطأة الأحداث والتطورات المتسارعة التي يشهدها الواقع المحيط عن طريق إخضاعها لقراءة تفسيرية. فالتفسير لدى المسيري هو أهم مراحل الفهم، ولهذا اتبع منهجًا تفسيريًا مبنيًا على التحليل والنقد الذي يجعل الفرد كائنًا أمام الآخر وليس مجهولًا أو مهملًا.
ومن هنا كان تأكيده الدائم على قيمة الهوية ودورها، ليس في حماية الأمة فقط بل وفي تقدمها. وشكّلت الهوية أهم عناصر النموذج الذي حاول المسيري صكه للبناء وللإعمار، وهو نموذج مستلهم من البيئة العربية والإسلامية غير مهزوم أمام الآخر. وفي هذا السياق أتت الانتفاضة لتستحوذ على إعجابه الشديد لا باعتبارها مجرد مشروع للمقاومة والتحرير – وهي قيمة في حد ذاتها ومدعاة للفخر – بل باعتبارها أيضًا نموذجًا خلاقًا يقف بقوة أمام النموذج الاستهلاكي الغربي الدارويني. فقد قدّم الفلسطينيون من خلال الانتفاضة مثالًا مميزًا للقدرة على التكيف مع الواقع، والاستفادة من مقومات الطبيعة الفلسطينية، والعودة للمخزون الحضاري في لاوعي الإنسان العربي، ثم إبداعها في إحياء التراث واستحضار حكمة الأجداد. ومن ثم شكلت الانتفاضة عودة للمعجم الحضاري الإسلامي واستخدامه على النحو الأمثل مع مواكبتها للعصر وتطورها مع الحدث الآني، فقدمت بهذا نموذجًا للحياة والتنمية أسماه المسيري "نموذج التكامل غير العضوي". وما كان ليتأتى للمنتفضين القيام بذلك لولا إحساسهم بقيمة ذواتهم وتحققهم أمام عدوهم، حيث عرفوا نقاط ضعفه وما أصبح عليه، واختبروا إمكاناته الحقيقية على أرض الواقع ولم يستسلموا للصور والأفكار السائدة، وإن لم يدرك كثيرون منهم ذلك بعقله الواعي، فانتصار الانتفاضة نابع من تحقق الهوية الفلسطينية.
ومن هنا كان دفاع المسيري عن الهوية – لكونها السلاح وبداية الطريق – ليس من باب الكلام المرسل أو الشعارات التي يرددها بصدق كثير من مثقفي الأمة، وإنما عن دراية بسبل تأكيد الهوية. فقد رأى المسيري أن أولى خطوات النهضة هي إعادة الثقة فيما نملك، فلدينا قيمة مطلقة من استخلافنا في الأرض إلى جانب قيم واقعية متمثلة في الموروث الحضاري والقيمي. وثانية الخطوات هي إعادة تعريف الآخر وفقًا لما يطرحه والنتائج التي يحصدها من هذا الطرح، وعدم الاكتفاء بتعريفه وفقًا لما يفرضه هو من تحيزات، ثم الوقوف والتحرك في الحاضر صوب مستقبل تسوده قيم الإنسانية المشتركة وليس الفردوس الأرضي المزعوم.
ولم يكن المسيري لينجز كل ما أنجزه على صعيد الفكر والمعرفة لولا إدراكه لقيمة الإنسان ومقدرته على الحركة والاختيار الحر. فقد كانت المسيرة دائمًا مسكونة بالأحداث والتفاصيل، وبعض هذه الأحداث فقط يمثل المحطات الرئيسية في الحياة ويحدد اتجاه الإنسان، وبعض من هذه المحطات يحدد توجهاته وتحولاته. وتكتسب التفاصيل أهميتها بقربها أو بعدها من المحطات أو التحولات الفاصلة، والتفاصيل ليست بالقليلة في حياة ابن دمنهور كما أن المحطات هي الأخرى كثيرة، إلا أن حياته لم تشهد كثيرًا من التحولات، وما حماه من التقلبات والتحولات الكثيرة أنه امتلك منظومة أخلاقية وقيمًا عامة صاحبته عبر مسيرته، كما أنه وضع لرحلته الفكرية هدفًا نهائيًا حدده منذ البداية، وهو ما أعانه أيضًا على أن يكتشف الطريق الذي منحه الإجابة عن جل تساؤلاته، فاختاره وسار فيه.
ولم يكن المسيري يستطيع العيش خارج نسق يفسر سلوكه ويحكمه، ويفسر له ما يحدث من حوله، ولذا تولدت لديه أسئلة وجودية شغلته منذ كان يافعًا وبقيت معه وتطورت بتطوره، وطرق عددًا من الأبواب الإيديولوجية بغية الرد عليها إلى أن أدرك وجود الله المتجاوز للسطح المادي، فآمن إيمان الواعي المدرك المحب، ليشكل تحوله من ضيق المادية إلى رحابة الإنسانية، والإيمان التحول الأهم في حياته. وإذا كان البعض يراه أحد التحولات، فإنني أميل إلى القول إنه التحول الوحيد على مستوى المسيرة الفكرية.
أما على مستوى تحوله من الأدب الإنجليزي إلى اليهود واليهودية والصهيونية فلا أراه إلا انتقالًا أو لنقل تغييرًا في الأولويات وليس تحولًا بالمعنى الحرفي للكلمة، فالأدب الإنجليزي كان المدخل الرئيسي لإدراك الدكتور عبد الوهاب المسيري لمضامين نهاية التاريخ ووحدة الوجود المادي في الغرب في أثناء إعداده للدكتوراه في شعر وليام ورذورث وولت ويتمان شاعر الديمقراطية الأمريكية كما يدعي الخطاب التحليلي الأدبي الأمريكي، وهذه الرؤية فسّرت له طبيعة الصهيونية ومنطلقاتها. كما أنه لم يهجر الأدب الإنجليزي أو يتهجم عليه؛ بل ظلت علاقته به قوية لكنها ثانوية في إطار اهتماماته.
ومن خلال إدراك المسيري لمعنى الله المتجاوز استطاع أن يضع نماذجه التفسيرية التي تحدد علاقة كل من الخالق والإنسان والطبيعة أحدها بالآخر، ومن ثم أصبح بالإمكان قراءة الأحداث، على تنوع مجالاتها وساحاتها بين فكر ومعرفة وسياسة وأدب وفن وثقافة، من خلال وضعها داخل نماذج فضفاضة لا تنغلق على ذاتها. وأومن أن النماذج التي وضعها المسيري تعتبر من أهم إنجازاته الفكرية. وإذا كان قد حقق إنجازًا غير مسبوق في دراسته التشريحية لليهود واليهودية والصهيونية فإن نجاعة هذا التشريح جاءت عبر قراءتهم من خلال نماذجه التي يمكن تطبيقها على معظم ما يحدث في العالم. وعليه فمن غير المستغرب أن تدخل أغنية لروبي أو نانسي عجرم ضمن إطار هذه النظرة الفلسفية لأنهما خضعتا للنموذج ولم تقفا عند حدودهما الذاتية كإحدى تجليات الفيديو كليب بل هما من تبديات التحيز للنموذج الغربي وما فيه من مضامين تحاول تطبيع الجنس وإعادة الإنسان إلى ذاته وغرائزه.
وفي هذا الجانب أقر بأن النماذج كانت بحاجة إلى مساحة وتعميق أكثر بكثير مما أتت عليه، ولكن السعي للإيجاز وتقديم الأهم داخل كل عنوان كان هو المعيار الحاكم. وتبقى مؤلفات المسيري وما فيها من شرح وافي معينًا لمن يرغب في الاستزادة.
وكانت هذه السلسلة في الأساس تجميعًا للقاءات التي أجريت مع المسيري منذ أواخر الستينيات، فقمت بتصنيفها وتبويبها طبقًا للموضوع، ثم رتبت الأسئلة تحت كل عنوان فتكوّن هيكل لبعض الموضوعات وعظام متناثرة لبعضها الآخر، في حين أخذ قليل منها شكله النهائي. وعرضت الناتج على الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي رأى أنه نواة لعمل جامع، واقترح أن نضيف إليه المحاضرات والندوات إلى جانب اللقاءات التلفازية، وساعدت الأسئلة والأجوبة المضافة في ملء بعض الفراغات، لكنها أيضًا طرقت عناوين جديدة تمت إضافتها، فأخذ كل موضوع ملامحه ولكن بقيت المعلومات الواردة تحت كل عنوان كحاملات الجسور تحتاج إلى وصل المسافات وملء المساحات فيما بينها، وتم ذلك من خلال جلسات بيني وبين الدكتور المسيري والدكتورة هدى حجازي وأخرى دعا إليها الدكتور عبد الوهاب المسيري عددًا من تلاميذه الذين ناقشوا عددًا من الموضوعات التي كانت بحاجة إلى استكمال. وجاءت أسئلة واستفسارات الحضور ووجهات نظرهم وإجابات الدكتور المسيري لتكسو العظام لحمًا فتجسدت الحوارات في شكلها قبل النهائي، وعند هذه المرحلة أصبح الموضوع هو المركز بعد أن كان التركيز في البداية ينصب على النقاط الرئيسية والأسئلة محل اهتمام الإعلام واللقاءات.
ولم يكتف الدكتور المسيري بذلك، بل قام بتوزيع الأبواب والفصول على تلاميذه وأصدقائه كل حسب اهتمامه وتخصصه ليطرحوا ملاحظاتهم ويضيفوا من الأسئلة والنقاط ما يرون أنه قد فاتنا ونحن في زخم الانفعال بالعمل. لتعود مجتمعة للمراجعة وإعادة ترتيب الأسئلة والإضافة والحذف مرة ثانية وثالثة وقبل نهائية ونهائية. ولقد استفدت أيما استفادة من أسلوب المسيري في إنجاز أعماله الفكرية على مستوى الجهد والتدقيق، وأيضًا الرحلة الماراثونية لمادة هذه المجموعة بين عدد من المعنيين والمهتمين، التي لم تقتصر على إثراء الأفكار وملء الفراغات بما أضافه كلُّ من وّضعت المادة أو جزء منها بين يديه وحسب، بل كانت رحلة عبّرت عن ذكاء المسيري التاجر بحكم الوراثة، فردود الفعل الآتية من أشخاص مختلفين كانت نموذجًا لما يمكن أن يكون عليه استقبال الجمهور عبر عينة كاشفة من الأصدقاء والأبناء والتلاميذ.
ونتيجة لذلك، كانت هذه السلسلة تجميعًا للحوارات التي أجراها صحفيون وإعلاميون ومتخصصون ومهتمون عبر محاضرات أو ندوات أو لقاءات إعلامية، مضافًا إليها ما قام به أبناء المسيري وتلامذته من استكمال الموضوعات، ولذا فهو ثمرة مجهود جماعي قمت فيه بدور المنسق والمحرر، فالشكر هنا واجب ومستحق لكل من أجرى حوارًا أخذناه كاملًا أو وزعناه على عدد من الفصول، والشكر لكل من طرح سؤالًا كان له أثر في لفت النظر إلى تعدد اهتمامات المسيري أو فتح لنا بابًا لفكرة جديدة. وفي هذا السياق أشكر الدكتور أحمد عبد الحليم عطية الذي كانت حواراته مع الدكتور المسيري خير معين لنا، والشكر كل الشكر لمن واكب هذا المشروع فكرة وجمعًا حتى نهايته بمجهود بحثي أو نقدي، وكل من منحه من وقته واهتمامه، وأخص بالذكر الأبناء الأدبيين (إن جاز التعبير) للدكتور المسيري: الدكتور محمد هشام، والدكتورة جيهان فاروق، والدكتور ياسر علوي. ولا يفوتني هنا تقديم الشكر للسيدة منى البقلي التي بدأت رحلة جمع الأحاديث الصحفية وتصنيفها وبذلت في ذلك جهدًا كبيرًا. كما أتوجه بالشكر إلى السيدة أماني عزت التي تولت كتابة المخطوطة على الحاسوب، وكذلك إلى جميع العاملين في مكتب الدكتور عبد الوهاب المسيري على ما قاموا به من متابعة ودور محمود في إتمام العمل؛ فشكرًا للأستاذ فضل عمران والأستاذة دينا رمضان.
وشكر خاص إلى الدكتورة هدى حجازي، التي كانت رفيقة الفكرة، وشريكة الجلسات، وصاحبة الفضل الأكبر في إكمال رحلة الحوارات بإشرافها على متابعة النسخة الأخيرة وطباعتها، فلها التحية والتقدير الكبيران لشخصها أولًا ولإصرارها ثانيًا على استكمال ما أوصى به الدكتور عبد الوهاب المسيري فكانت خير راع لما ترك.
وغني عن القول أنني من أشد المعجبين بأفكار المسيري ورؤيته التي تتسم بالوضوح وصفاء الرؤية. فقد كان المسيري يمتلك قوة ملاحظة استثنائية تجعله يتوقف أمام ما يمرره كثيرون باعتباره من باب الأمر الواقع أو الشيء الطبيعي ليراه هو تعبيرًا عن نسق أو تحيز أو نموذج ما. كما كانت لديه قدرة فائقة على وضع النظرية التي يمكن من خلالها قراءة الحدث العابر أو الموضوع البسيط أو القضية السطحية. وكانت هذه ميزة فكرية كبيرة ولكنها أيضًا مصدر استمتاع بما يكتب، والمصدر الأشمل للاستمتاع بكتاباته وحواراته هو أسلوبه السهل الناطق بخبايا وتلابيب الأفكار والمغلف بخفة ظل لا تفارقه في أكثر القضايا تعقيدًا وعمقًا. وهذا الاستمتاع قادر على سرقة اهتمام المتلقي رغمًا عنه أحيانًا، وهو ما حدث معي طوال تحريري لهذه السلسلة، فتحولت مرات كثيرة إلى قارئة أكثر مني محررة، وكنت أقرأ كثيرًا من الأجزاء لنهايتها ثم أعود مرة أخرى لقراءتها بعين المحرر وليس بعقل المتلقي. وأرجو أن يكون الحال نفسه مع كل قارئ وأتمنى أن يكون صدى هذا العمل في حجم ما توقعه الدكتور المسيري له.
وختامًا أدعو الله عز وجل أن يأجر صاحبه على كل ما جاء فيه من قول كان يعبر به عن سعي سعاه نحو الله، أو عن فعل ابتغى من ورائه تحقيق العدل وإعمار الأرض... والله عنده خير الجزاء.
سوزان حرفي
الدوحة
تشرين الثاني/ نوفمبر ????
الهوية والحركية الإسلامية
* الإسلام والغرب والحرب ضد الإرهاب
* الحركات الإسلامية
* مصر والعالم العربي
* الخصوصية والهوية
* الانتفاضة
الإسلام والغرب والحرب ضد الإرهاب
س: كيف ترى الصراع بين الولايات المتحدة وبعض الدول الإسلامية فيما يسمى الحرب ضد الإرهاب؟
ج: هو حلقة من حلقات صراع دائر منذ القرن الثامن عشر عندما قررت قوى الإمبريالية الغربية تقسيم العالم وتوظيفه لحسابها. وقد واجهت الدول عملية النهب الاستعماري بالمقاومة التي سميت بحركات التحرير الشعبية. لكن مع سطوة الولايات المتحدة الإعلامية السياسية والعسكرية، ومع العولمة والهيمنة الغربية شبه الكاملة على الإعلام والأسواق وحركة رأس المال، سميت حركات المقاومة إرهابًا. ومما ساعد على اتساع هذه التسمية، ضمور ثم اختفاء كتلة عدم الانحياز، وظهور الاستعمار الجديد متمثلًا في النظام العالمي الجديد الذي قبلت به كثير من النخب الحاكمة في العالم الثالث، وظهور مثقفين محليين يبشرون بالعولمة والنموذج الأمريكي. في الستينيات كان من المستحيل أن يدافع مثقف عربي عن المواقف الأمريكية، ولكن الآن أصبح بعض المثقفين يدينون بالولاء للنموذج الغربي. لكن مع هذا بدأت حروب التحرير مرة أخرى، ولا أعرف هل ستستمر أم لا، لكنها بالتأكيد حروب المظلومين الضعفاء ضد الأقوياء الظالمين. وقد لا يوافق المرء على بعض أساليبهم النضالية، لكن مشكلة المظلوم الضعيف أنه لا يملك أسلحة فيلجأ لأشكال جديدة من المقاومة، مثلما لجأ الفلسطينيون إلى الحجارة.
س: هل هذه العلاقة الصراعية مسألة حديثة أم أنها متجذرة في التشكيل الحضاري الغربي؟
ج: علاقتنا بالغرب قديمة، منذ أن حط الإسكندر الأكبر رحاله في بلادنا وأسس خلفاؤه مجتمعًا استيطانيًا حكم مصر وسورية بضع مئات من السنين، وهي علاقة كانت في الماضي علاقة أخذ وعطاء لكلا الطرفين، وفيها نصر وهزيمة لكلا الطرفين. جاء أفلاطون على سبيل المثال إلى مصر وتعلم على يد كهنتها، وترجم العرب أرسطو وأخذوا عنه، من منطقه وفلسفته الشيء الكثير. ولكن كان هناك هوية محددة، تقف على أرضية حضارية راسخة، هي التي تأخذ وتتفاعل وهي التي تهضم وتستوعب، ولذا كانت العناصر التي تأخذها الحضارة العربية عن الحضارة الغربية تُستوعب في إطار حضاري مسبق فلا تكتسحها هذه العناصر. والشيء نفسه عن الحضارة الغربية التي أخذت عن حضارتنا العربية الكثير والكثير، ولكنها ظلت محتفظة بهويتها وشخصيتها. واستمرت الأمور على هذا المنوال في لحظات السلم والحرب، وحتى في أثناء حروب الفرنجة (حين جاءت جيوش أوربة وخربت في طريقها الأخضر واليابس) ظل التفاعل قائمًا بين ذاتين حضاريتين مستقلتين. وحينما ظهرت الدولة العثمانية كان الغرب ينظر إلى الشرق الإسلامي في رهبة وخوف واحترام، فقد كانت دولة قوية لها رموزها وأسلحتها، وعندها من الحضارة والتقدم والتكنولوجيا ما يجعلها قادرة على أن تعطي بمقدار ما تأخذ.
وظل الوضع على هذا المنوال إلى أن اندلعت الثورة العلمية والتكنولوجية في الغرب وما صاحبها من تشكيل إمبريالي وانتشار "عالمي" لم يسبق له مثيل. وظهر النظام العالمي (أي الغربي الاستعماري)، والحداثة المنفصلة عن القيمة، وتمركز الغرب حول نفسه، وتحول العالم بكل ما يضم من شعوب إلى مجرد مادة استعمالية يمكن توظيفها، ومن ثم أصبحت هذه الشعوب مادة غير مقدسة يتم إبادتها. سأنقل لك معلومة مدهشة بل مخيفة. في أثناء كتابة (الموسوعة) لاحظت تكرار كلمة "مسلم" في مقال بعنوان (التراتب الاجتماعي في معسكر أوشفيتس النازي)، ثم في بعض الدراسات الأخرى. وبعد الرجوع إلى عدة مراجع من بينها الموسوعة اليهودية (الجودايكا) تبين لي أنهم كانوا يسمون اليهود وهم يقودونهم لأفران الغاز "ميزلمان" أي مسلم، أي إن العقل الغربي وهو يدمر ضحاياه كان يرى فيهم الآخر، والآخر هو المسلم.
س: هل يمكن القول بأن العداء بين الإسلام والغرب مسألة أزلية؟
ج: مع أن مسألة العداء هذه مسألة قديمة لكنها ليست أزلية. وفي تناول مثل هذه القضية الخلافية يجب أن تكون وجهة نظرنا أكثر تركيبًا. ويجب أن نشير إلى أن ثمة عناصر تؤدي إلى الصدام بين الإسلام والغرب، ولكنها في الوقت نفسه – وهنا تكمن المفارقة – يمكن أن تشكل هي نفسها أساسًا للتفاهم والتعاون والحوار. فمن بين العناصر التي تشكل أساسًا للتصالح والحوار، مسألة الجوار. يلاحظ أننا نقتسم مع الغرب حدود البحر الأبيض المتوسط لدرجة أن مفكرًا مثل طه حسين كان يتحدث لا عن حضارة عربية وإنما عن "حضارة حوض البحر الأبيض المتوسط". مع أني لا أتفق مع هذا المفكر الكبير فيما ذهب إليه، ولكن يوجد شيء من الحقيقة في موقفه، فثمة عناصر مشتركة وإيكولوجية مشتركة وحدود مشتركة أيضًا. بل ويمكن القول إن التجربة الاستعمارية الغربية نفسها (شأنها شأن حروب الفرنجة) كانت إحدى قنوات التواصل بين الشرق والغرب، فالفرنجة حينما غزوا شرقنا العربي الإسلامي عرفوا الكثير عنه، واستفادوا من تجاربهم الحياتية والمعرفية، على سبيل المثال إنجلترا وفرنسة لديهما إدراك لتنوع الشعوب نابع من تجربتهما الاستعمارية، بينما يلاحظ أن الولايات المتحدة ليس لديها مثل هذه التجربة. ولعل عزلتها الجغرافية حجبت عنها هذه الرؤية الإدراكية المركبة للعديد من مناطق العالم. إن تجربة جورج بوش الابن السياسية (على سبيل المثال) محصورة بالمعارك السياسية التي خاضها في تكساس، ولذا فهي تجربة ساذجة بسيطة للغاية. أعود فأؤكد أن مسألة الجوار إذا كانت تصلح أساسًا للتفاهم والحوار، فالعكس أيضًا صحيح، إذ يلاحظ أن درجة التوتر تتراجع بل وتتلاشى أحيانًا بين الجماعات البشرية المتباعدة جغرافيًا وحضاريًا. فدرجة التوتر بين العالم الغربي وتايلاند، على سبيل المثال، ليست عالية إذ لا توجد حدود مشتركة بينهم، ولا يوجد نزاع على الموارد أو على الأرض (على الأقل قبل ظهور الاستعمار الغربي الذي جعل العالم بأسره، شرقه وغربه، ساحته)، أما في حالة العالم الإسلامي فالنزاع بيننا وبين العالم الغربي على الموارد وعلى الأرض له امتداد تاريخي، وقد وصل هذا النزاع إلى ذروته بعد أن اقتسمت الدول الإمبريالية الغربية العالم. فعبر التاريخ كان اتساع رقعة العالم الإسلامي يتم على حساب العالم الغربي ذي التشكيل الحضاري المسيحي، والعكس صحيح، فحينما كان يتسع العالم الغربي كان ذلك يتم على حساب العالم الإسلامي. فبعد ظهور الإسلام وانتشاره خارج الجزيرة العربية، على سبيل المثال، اتسعت رقعة العالم الإسلامي على حساب الإمبراطورية البيزنطية وعلى حساب الحكم القوطي في شبه جزيرة إيبرية، كما اتسعت الدولة العثمانية بعد ذلك فاستولت على جزء كبير من العالم المسيحي وأسقطت الدولة البيزنطية، وعلى أجزاء مجاورة للأراضي الروسية. وفي المقابل اتسعت رقعة العالم الغربي على حساب العالم الإسلامي ابتداء بحروب الفرنجة واستيلائهم على فلسطين، ثم اتسع الجيب الكاثوليكي في شبه جزيرة إيبرية إلى أن تمكن في نهاية الأمر من طرد المسلمين منها، ثم استولت الدولة الروسية على الخانات التركية الواقعة على تخومها والتي كانت تفصل بينها وبين الدولة العثمانية. واستولى التشكيل الاستعماري الغربي على أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي إلى أن انتهى الأمر بتقسيم الدولة العثمانية مع معاهدة سايكس بيكو واقتسام العالم الإسلامي بأسره تقريبًا، وبذلك عرف العالم الإسلامي كل أنواع الاستعمار الغربي: الاستعمار التقليدي الإنجليزي في ماليزية والهند ومصر والسودان والعراق ونيجيرية، والفرنسي في الجزائر وتونس والمغرب وسورية ولبنان والسنغال، والإيطالي في ليبية وإريترية، والهولندي في إندونيسية، ثم كان هناك استعمار استيطاني في الجزائر واستعمار استيطاني إحلالي في فلسطين. باختصار شديد كان اتساع دار الإسلام في معظم الأحوال على حساب الغرب، وبالمقابل كان اتساع العالم الغربي في معظم الأحوال على حساب دار الإسلام.
س: وماذا عن التراث الديني المشترك بين المسلمين والمسيحيين واليهود، خاصة أن هذه الديانات الثلاث ديانات توحيدية تؤمن بالتجاوز transcendental monotheism، ألا يصلح هذا أساسًا للتفاهم؟
ج: ثمة نقاط تشابه بين العقيدتين الدينيتين الإسلامية والمسيحية في كثير من الوجوه قد تؤدي إلى التقارب والتفاعل كما قد تؤدي إلى التوتر. فالعقيدة الإسلامية تشترك مع العقيدة المسيحية في الإيمان بإله متجاوز للطبيعة والتاريخ، وهو إله العالمين ليس مقصورًا على شعب بعينه أو أرض بعينها (كما هو الحال في عقيدة الشنتو اليابانية)، ومن ثم فالرؤية الإسلامية والمسيحية تفترض المساواة بين البشر، فكلنا لآدم وآدم من تراب. والإله من منظور هذه الديانات الثلاث ليس مجرد قوة محايدة عمياء مثل الكهرباء أو الطاقة وإنما هو إله يُعنى بالبشر، وقد أرسل لنا هذا الإله كتبًا سماوية تهدينا سواء السبيل وتحوي منظومات أخلاقية متشابهة في بعض الوجوه. وهو إله غير منظور ولكنه لم يهجرنا ولم يهجر العالم (فهو لا ينام آلاف السنين كما هو الحال في الهندوكية، التي تذهب بعض مذاهبها إلى أن العالم إن هو إلا حلم الإله، ومن ثم فالعالم كله إن هو إلا وهم في وهم! الظلم وهم والعدل وهم، والزيف وهم والحقيقة وهم، أي إن الحقيقة نسبية!). وإذا كان الإله مفارقًا، فإن هذا يفترض أيضًا مفهومًا معينًا تجاه الطبيعة وتجاه الذات وتجاه الجسد، كما يفترض وجود منظومات قيمية ليست كامنة في الإنسان والطبيعة، وإنما متجاوزة لهما، وهذه رقعة مشتركة بين الديانتين يمكن أن تشكل إطارًا مرجعيًا لنا جميعًا، ويمكننا الاحتكام إليها. التاريخ في كل من الإسلام والمسيحية له هدف وغاية، ووجود الإنسان في الكون ليس أمرًا عبثيًا. وقصة الخلق في كل من الإسلام والمسيحية متشابهة، إذ نفخ الإله من روحه في المادة التي خلقها من العدم، فظهر الإنسان بكل ما يتسم به من ثنائية (ثنائية الجسد والروح، والخير والشر)، وهي ثنائية تجعله مختلفًا بشكل جوهري عن الكائنات الأخرى، منفصلًا عن عالم الطبيعة.
وكما أسلفت، نقاط التشابه هذه بين العقيدتين الإسلامية والمسيحية يمكن أن تشكل أساسًا للتعاون. بيد أنها يمكن أن تشكل مصدرًا للتوتر كذلك لأن العالم الغربي يتردد في تصنيفنا أن لنا عقيدة مستقلة لها رؤيتها المستقلة للكون ترفض التجسد والكهنوت والطقوس الكثيرة والتطرف في الغيبية واللاعقلانية. ويعود التردد إلى مواطن التشابه بين العقيدتين، فهم يصنفون الإسلام على أنه مجرد هرطقة مسيحية وانحراف عن الجوهر المسيحي، ونحن نفعل الشيء نفسه، إذ نرى الإنجيل على أنه كتاب مقدس محرف، أفسده المسيحيون أنفسهم، وأن الإسلام هو الدين الصحيح. هذا التردد والإخفاق في التصنيف لا يسم علاقة العالم الغربي بالعقائد الآسيوية، فهي مختلفة بشكل جوهري عن العقيدة المسيحية، فهي ديانات حلولية يتوحد فيها الخالق بالمخلوق، ويحل في شعب بعينه أو في أرض بعينها، وهي عقائد تتسم بتعدد الآلهة وبمنظوماتها المعرفية والأخلاقية والجمالية المختلفة جوهريًا عن المنظومات المسيحية.
كما أن الغرب يدور في إطار رؤيتين متناقضتين: واحدة مادية والأخرى مسيحية، الأولى مادية مغالية في المادية، والثانية روحية مغالية في الروحانية. ولذلك فهم غير قادرين على فهم الثنائية والوسطية الإسلامية. فتجدينهم تارة يتهمون الإسلام بأنه دين مادي عقلاني نفعي يفتقد الجانب الروحي ويركز على الحياة الدنيا، وتارة يتهمونه بأنه دين غيبي روحي يهمل الحياة الدنيا.
وبهذا تحولت الرقعة الدينية المشتركة إلى مصدر توتر ونزاع، بدلًا من أن تشكل نقطة انطلاق للحوار بيننا وبين الغرب. إذ يتوقع الغرب منا أن نكون نسخة طبق الأصل منه، فحينما نرفض بعض أوجه تصوره للإله وللمقدس يشعر بأننا نتحداه. فإن فعل ذلك أحد أتباع عقيدة الشنتو فهو لا ينكرها عليه لأنه مختلف عنه تمامًا، ولذا فهو لا يكترث برؤيته للإله أو للمقدس، ولا يشعر أن مثل هذه الرؤية تتحداه.
س: ما هو موقع الهوية في هذه العلاقة، هل تمثل مصدرًا آخر للتوتر؟
ج: نعم، فمن العوامل الأخرى التي تباعد بين العالمين الإسلامي والغربي أن الإنسان دائمًا يحدد هويته في مقابل الآخر، وهذا أمر عادي وحتمي في معظم الأحوال. ولكنه إن أخذ شكلًا متطرفًا فإنه يشكل خطرًا، إذ إنه يمكن أن يتحول من إحساس كامن إلى صراع ساخن. في الغرب تحدثوا منذ منتصف القرن التاسع عشر عن الخطر الأصفر (الصين)، وبعد ذلك الخطر الأحمر (الدول الشيوعية). والآن يتحدثون عن الخطر الأخضر (الإسلام). وقد زادت درجة التوتر بين العالمين الغربي والإسلامي مؤخرًا مع تزايد عدد المهاجرين من دول وجماعات إسلامية مجاورة لأوربة (الأتراك والمغاربة والأكراد)، ومع تراجع معدلات الإنجاب في الدول الغربية، بما في ذلك الدول الكاثوليكية التي كانت تتمتع بمعدلات تكاثر عالية، العالم الغربي الآن يتحدث عن التهديد الديموجرافي الإسلامي، وهو تهديد قديم؛ إذ يبدو أنه عبر التاريخ كانت الأمة الإسلامية تتزايد بمعدلات أكبر بكثير من معدلات الزيادة بين المسيحيين (ربما بسبب مؤسسة الرهبنة، والعذراء باعتبارها مثلًا أعلى). وقد تفاقم هذا الوضع مع التوجه الشديد في الغرب نحو اللذة، إذ عادة ما يصاحبه إحجام عن الزواج الإنجاب، كما أن الشذوذ الجنسي له دور في ذلك. في حين أن معدلات الزيادة بين المسلمين ملحوظة وتشكل تهديدًا للقيم الغربية من وجهة نظرهم، لا سيما أن المهاجر المسلم أو العربي حينما يصل إلى بلد غربية فهو يذهب بنية الاستقرار بشكل دائم، على عكس نمط الهجرة القديم، حينما كان المهاجر المسلم يقيم في بلد غربي بشكل مؤقت ليجمع بعض الأموال ويعود بها إلى وطنه.
هذه الأقليات المسلمة الكبيرة، تتسم بقدر كبير من التماسك الإثني والديني، وقد بدأ أعضاؤها، خاصة من أبناء الجيل الثاني، يعرفون حقوقهم ويدركون قواعد اللعبة السياسية داخل النظم السياسية الغربية. ومن المعروف أن الجيل الأول من أعضاء الأقليات المهاجرة عادة ما يكون مشغولًا بالبحث عن وسائل البقاء المادي وشبل الرزق، ولا يفهم آليات وحركيات المجتمع الذي يعيش فيه. ولكن مع الجيل الثاني تبدأ الأمور تتغير تدريجيًا، ثم تصبح مختلفة بشكل جوهري مع الجيل الثالث الذي يتحرك أعضاؤه بكفاءة عالية داخل المجتمع الذي هاجر إليه أجداده لأنه يمتلك ناصية الخطاب اللغوي والحضاري. ويوجد الآن في أوربة والولايات المتحدة أقليات مسلمة لا يتحدث أعضاؤها العربية مع أنهم من أصول عربية (أو آسيوية) ويتحدثون الإنجليزية بطلاقة ويفهمون المجتمع الأمريكي تمام الفهم، وهم قادرون تمامًا على الحركة في داخله.
ووجود مثل هذه الأقليات كان يمكن أن يكون جسرًا بين الغرب والعالم الإسلامي، ولكن ما حدث هو العكس. فهذه الأقليات كما أسلفت يتزايد عددها، كما أنها أقليات متماسكة يصر كثير من أعضائها على ممارسة شعائر دينهم، كما يصرون على التعبير عن هويتهم الإثنية بشكل واضح، مما يزيد من حدة التوتر، خاصة مع تزايد معدلات العلمنة في الغرب التي تقوض العقائد والهويات، الأمر الذي يجعل الإنسان الغربي غير قادر على إدراك دوافع أولئك الذين يحتفظون بعقائدهم وهوياتهم. ومن ثم جاءت أحداث ?? أيلول/ سبتمبر فزادت من التوتر ومن عمق الإحساس بالخطر داخل العالم الغربي.
س: إلى أي مدى تؤدي الصهيونية دورًا في التحريض ضد الإسلام؟
ج: هذه أطروحة شائعة، وهي تتجاهل أمورًا كثيرة:
?– فاليهودي هو قاتل المسيح في الرؤية المسيحية، وهو المرابي الذي يمتص دم الفقراء في الوجدان الشعبي. غير أن هذا العداء لليهود لم يصب بالضرورة في المربع العربي، بل يصب في نهاية الأمر في المربع الصهيوني. فمن يكره اليهود يريد أن يطردهم من بلده ويرسل بهم إلى بلادنا، فيتحولوا من مواطنين في بلادهم إلى مستوطنين استعماريين في بلادنا! فالصهيونية المسيحية، على سبيل المثال، ترى ضرورة استرجاع اليهود من فلسطين لتنصير بعضهم وإبادة بعضهم الآخر.
?– من المفروض أن الغرب علماني يفصل الدين عن الدولة، وإسرائيل دولة يهودية كما تدعي، ولذا فمن المنطقي أن يشكل هذا عنصر تباعد معها، وتقارب مع بعض الدول العربية العلمانية!
?– إذا نظرنا للقضية من منظور المصالح الاقتصادية، فإن المنطق يقول إن من مصلحة الغرب أن تفتح الأسواق العربية أمامه (أكثر من ??? مليون عربي في مقابل ? أو ? ملايين إسرائيلي)، وإن نسبة كبيرة من احتياطي البترول في العالم توجد في العالمين العربي والإسلامي، وأية حسابات اقتصادية رشيدة لابد أن تغلب العلاقة مع العرب على العلاقة مع الجيب الصهيوني. التحريض الصهيوني أو اليهودي ضد الإسلام ليس له قيمة تفسيرية كبيرة.
إن الغرب يدعم إسرائيل ويعادي العالم الإسلامي، لا بسبب التحريض الصهيوني وإنما بسبب الشراهة الإمبريالية التي حولت العالم إلى مادة استعمالية، والدولة الصهيونية هي قاعدته الأساسية في تنفيذ هذا المخطط.
س: إذا كان هنالك عناصر تؤدي للتوتر وأخرى تؤدي للتصالح، فلماذا العداء الصريح الآن، ولماذا الحرب ضد الإرهاب تستهدف الإسلام؟
ج: يمكننا القول إن الظروف الاجتماعية والسياسية هي التي غلبت العناصر السلبية على العناصر الإيجابية. فالعالم الغربي لا يعادي الإسلام بشكل مطلق وإنما يعادي الإسلام المقاوم، أما الإسلام المهادن المستسلم فالعالم الغربي على استعداد أن يوظفه لحسابه ويتعاون معه. إن العداء الغربي للإسلام له تاريخ، خذي على سبيل المثال الموقف من الدولة العثمانية عندما كانت هذه الدولة قوية ظهر العداء للإسلام واضحًا لكن كان يشوبه قدر كبير من الخوف، أما عندما ضعفت هذه الدولة وتطورت التقنية العسكرية في الغرب تحول العداء إلى عنصرية صريحة ورغبة واضحة في التهام المناطق التابعة للدولة العثمانية، وتم تشجيع القوى العربية للثورة ضد الدولة العثمانية إلى أن انتهى الأمر بتقسيمها واختفائها. ونجد النمط نفسه في علاقة الغرب بالقومية العربية. الدول الغربية غذت الشعور القومي للثورة ضد الدولة العثمانية وأعطت العرب وعودًا كثيرة. ولكن حينما ظهرت حركة المقاومة تحت ألوية القومية العربية غيّر الاستعمار الغربي اتجاهه ليتعاون مع الحركات الإسلامية ضد القومية العربية. وعندما تراجعت القومية العربية وأخذت حركة المقاومة ترفع ألوية إسلامية، بدأ العداء للإسلام يظهر بقوة. يجب ألا ننسى أن بن لادن دُرب على يد الولايات المتحدة للحرب ضد الشيوعية في أفغانستان. العداء للإسلام إذن ليس شيئًا ميتافيزيقيًا وإنما له تاريخ، ومن الطبيعي أن يزداد هذا العداء بعد أن رفعت الحركات الإسلامية ألوية المقاومة. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، وجدت الولايات المتحدة نفسها من دون آخر معاد. ولذا قامت باختلاقه حتى يظل العالم في حالة توتر وبذلك يمكن للاقتصاد الأمريكي (خاصة صناعة السلاح) أن يزدهر، وكان الإسلام هو المرشح ليكون هذا الآخر المعادي.
ولكن العنصر الحاسم الذي أجج الصراع هو الحداثة الغربية الداروينية التي ترجمت نفسها إلى شره استهلاكي وإلى تشكيل إمبريالي لا يشبع معتمدًا على الطاقة التي يستهلكها كالحيوان الجائع، ومعظم مصادر الطاقة في العالم توجد داخل العالم الإسلامي. إن منظومة الحداثة الإمبريالية الداروينية بسعارها الاستهلاكي تفسر شراسة الإمبريالية الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، وتحركها السريع في أفغانستان والعراق للتحكم في مصادر الطاقة سواء في بحر قزوين أو بلاد العرب حماية لأمنها القومي كما حددته، وحفاظًا على عملية تدفق الطاقة بأسعار معقولة (من وجهة النظر الغربية) وعلى معدلات الاستهلاك العالية في الولايات المتحدة والعالم ككل.
وانطلاقًا من الرؤية الحداثية الإمبريالية الداروينية نفسها، لا ينظر لنا الغرب باعتبارنا كيانًا مستقلًا لنا طموحاتنا المشروعة وأهدافنا المختلفة، وإنما على أننا مادة استعمالية لابد من تنميطها حتى ندخل في القفص الحديدي، قفص الإنتاج والاستهلاك، دون هدف أو غاية سوى المنفعة واللذة. فإن طرحنا أهدافًا أخرى مثل التمسك بالأرض والدفاع عن العزة والكرامة ورفض التنافس بوصفها نقطة مرجعية نهائية، فإنه يخفق في تصنيفنا وينظر لنا باعتبارنا مخلوقات متعصبة لاعقلانية. ومن ثم تصبح الهجمات الفدائية لتحرير الوطن هجمات انتحارية، وهم يتحدثون الآن في الغرب عن عبادة الموت the Cult of death، كأن الشعب الفلسطيني، الذي لم يعرف ظاهرة الانتحار عبر تاريخه، استيقظ فجأة صباح يوم ملبد بالغيوم وعلامات الشؤم في السماء، وقرر زهرة شبابه الانتحار لسبب غير مفهوم.
ومن العناصر الأخرى التي تؤجج العداء بين الإسلام والغرب في الوقت الحاضر ما يسمى "التمركز حول الغرب" (يورو سنترستي euro centricity)، فالغرب قد تمركز حول ذاته وجعل من نفسه مرجعية نهائية ومعيارًا يحكم به على كل الظواهر والحضارات الأخرى، ولذا فهو ينظر للعرب والمسلمين ولشعوب العالم الثالث كله من منظور غربي محض. ولأضرب مثلًا بسيطًا ولكنه له دلالة عميقة، عندما ذهبت إلى الغرب في الستينيات كانت ملابس النساء مركبة للغاية ومحتشمة إلى حد كبير. ولذا من النقاط التي كانت تذكر لتجريح العرب والأفارقة أن الراقصات الشرقيات يكشفن بطونهن، وأن العري بين الرجال والنساء منتشر في إفريقية، وكانت هذه الظواهر تعتبر مؤشرًا أكيدًا على التخلف. ولكن اختلف الوضع تمامًا في الآونة الأخيرة، وأصبحت ملابس النساء في الغرب تميل إلى البساطة إلى حد الاختفاء، وأصبحت تعرية البطن من علامات التقدم، ومن لا تكشف بطنها تعد محافظة متخلفة (ويلاحظ أنه في النوادي "الراقية" في العالم العربي تكشف البنات في الوقت الحاضر بطونهن بكفاءة ببغائية ليس لها نظير!) وهكذا انقلب الحال تمامًا، وبعد أن كان الرداء المحتشم هو رمز التحضر وترجمة متعينة للمعيارية الغربية المتفوقة، تغيرت هذه المعيارية وبدأت تتعرى النساء في الغرب، وأصبح العري ترجمة للمعيارية الغربية المتفوقة ومؤشرًا أكيدًا على التقدم!
وبسبب تمركزه حول ذاته يخفق الغرب تمامًا في رصد ما يحدث عندنا من تطورات. فمن الملاحظ، على سبيل المثال، أن الخطاب الإسلامي قد تغير وتحول، وأصبح أكثر وعيًا وتركيبًا، فجماعات الإسلام السياسي تقبل مفهوم التداول خلال القنوات السياسية الشرعية وآلياتها، كما أن كثيرًا مما يسمى بالجماعات الإرهابية نبذت العنف تمامًا. وتظهر تركيبية الفكر الإسلامي الحديث وشموليته في أنه طور فكرًا إسلاميًا في المعمار، وفكرًا إسلاميًا في النظرية السياسية، وفكرًا إسلاميًا في العلاقات الدولية، بمعنى أن الفكر الإسلامي يتطور، لكن الغرب بسبب تمركزه حول نفسه يظل قابعًا داخل منظومته القديمة وداخل خوفه من الإسلام والمسلمين (الخطر الأخضر).
س: ما رأيك فيما طرحه أحد المفكرين الإسلاميين من أن تفكك الاتحاد السوفييتي وانفتاحه باتجاه الغرب سيفرز جبهة غربية إمبريالية موحدة عدوها المشترك هو الإسلام؟
ج: أنا أتفق مع هذه الفرضية وأختلف معها. أولًا لأن طرحها سياسي إلى حد ما، والطرح السياسي مشكلته أنه يتعامل مع مستوى واحد من الواقع. أريد أن أستخدم بدلًا من "الإمبريالية العالمية" كلمة "الاستهلاكية العالمية"، ففي الآونة الأخيرة هيمنت على العالم في شرقه وغربه، شماله وجنوبه، هذه الاستهلاكية العالمية، وأصبح الهدف الأكبر في الحياة الاستهلاك، فكل شيء يتحول لمادة استعمالية إلى أن يستهلك الكون نفسه فيما بعد.
لم يعد هدف الإمبريالية في الوقت الحاضر متمثلًا في إرسال جنود لاحتلال أراضي الآخرين وتسخير شعوبها أو إبادتهم كما كان الحال في الماضي. الهدف الأكبر أن يحول كل البشر إلى مادة استعمالية إنتاجية استهلاكية. هذا يتم عن طريق الإعلانات، عن طريق الفيديو، عن طريق إنشاء مدن للاستهلاك واللذة، وهي رؤية في ظاهرها مركبة، حيث يمكن للإنسان المستهلك أن يقيم الصلاة في مواقيتها ويحافظ على الشعائر الدينية بالمعنى الأداتي الوظيفي، غير أن أحلامه وغاياته وسلوكه تستوعب تمامًا ضمن النظام الاستهلاكي العالمي، الذي حول العالم إلى قرية أو مصنع أو مدينة ملاه أو سيرك. هذه القرية الواحدة ستكون قرية غربية علمانية استهلاكية، نشرب فيها الكوكاكولا ونسمع موسيقا الروك ثم نقيم الصلاة. وهذه الاستهلاكية العالمية لا يهمها على الإطلاق في الواقع أن تقيم الصلاة، إنما ما يهمها أن يسعى ابنك إلى لبس الجينز وأن يسمع موسيقا الديسكو ويأكل الهمبورجر، لذا فهي رؤية أحادية اختزالية للإنسان.
س: هل لعملية مقاومة استيراد الأنماط الثقافية والسلوكيات الاستهلاكية دور في تأجيج الصراع ضد العالم الإسلامي؟
ج: يمكن القول إن العالم الإسلامي أصبح بمثابة خط الدفاع الأول ضد عمليات تشيؤ وإعادة تشكيل الإنسان والثقافات والحضارات، والتي تشنها الاستهلاكية العالمية (الإمبريالية الجديدة)، ذلك أن إطارنا العقيدي لا يزال قائمًا حيًا، خاصة بين الفقراء، وهم غالبية الشعوب الإسلامية، فهو يحركنا ويصوغ رؤيتنا وأحلامنا وتوجهاتنا في معظم الوقت، فنحن نشكل خطوط المواجهة والمقاومة ضد الاستهلاكية العالمية.
فحينما ينظر المرء من حوله يجد أن النظام العقدي في العالم الغربي قد تآكل وكذلك في آسية، نظرًا لأن الديانات الآسيوية كانت ديانات حلولية قريبة من العلمانية، كما اندرجت حملات التبشير في إفريقية ضمن محاولات إدخال الأفارقة في النظام الاستهلاكي العالمي، أكثر من كونها دعوى لدين. ولذا أعتقد أنه لم يبق في العالم من يتصدى للاستهلاكية العالمية سوى الإسلام والمسلمين، وبقايا الكنيسة الكاثوليكية، وبعض الكنائس الأخرى، مثل الكنيسة القبطية في مصر.
فالإنسان المسلم نموذج إنساني للمقاومة، فهو لا يعتبر معدلات الاستهلاك هي النقطة المرجعية التي يستخدمها في الحكم على الأمور، فمرجعيته هي مقدار تحقيقه لقيمه الإسلامية، وبذلك فإن هذا المسلم إنسان مقاوم للاستهلاكية العالمية، ومن ثم لابد من سحقه.
ولأضرب مثلًا بالبدوي أو الفلاح المسلم المؤمن بدينه. هذه شخصية نضالية لأنه لا يستهلك إلا بمقدار ما يحتاج، ويمكنه أن يجلس على الرمال ولا يلهث وراء الكماليات فهو سيد نفسه، هذا البدوي أو الفلاح – وأنا أستخدمه هنا رمزًا – لابد من تحطيمه. ونحن مع الأسف نبتعد عن هذه الحالة من الاستقلال، فيما نسميه تقدمًا. طبعًا أنا أستخدم هذا العنصر من باب الصورة المجازية، فأنا لست ضد التقدم، على أن يحدد مضمون هذا التقدم ووجهته وحدوده، حتى لا نقع في مفهوم التقدم الغربي الذي يجعل من معدلات الاستهلاك المعيار الوحيد
س: هل تتفق مع من يرى أن الحرب ضد ما يسمى الإرهاب هي حرب دينية وليست حربًا لمواجهة الإرهاب؟
ج: أرى أن الحرب الدائرة الآن هي حرب بين رؤيتين للعالم تعرّف كل منهما الإرهاب بطريقة مختلفة. فنحن نرى، على سبيل المثال، أن جهاد الشعوب الواقعة تحت الاحتلال ضد المحتل هو مقاومة شرعية من جانب شعب اغتصبت أرضه، وهي مقاومة تقرها الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية وهيئة الأمم. فحق الشعوب في مقاومة الاحتلال هو حق شرعي، بل هو واجب على كل مواطن.
وهنا نشير إلى أن أول قائد للمقاومة في التاريخ الحديث هو جورج واشنطن الذي قاد حرب التحرير الأمريكية ضد بريطانية. فهل يمكن اعتباره إرهابيًا؟ وسجل الشرف لقواد المقاومة يضم هوشي منه، ومانديلا، وبن بيلا، وغيرهم. كل هؤلاء قادوا شعوبهم في حرب مسلحة ضد عدو احتل أرضهم وصادر حقوقهم، ومن المفارقة أنه بتطبيق وجهة النظر الأمريكية فإن كل هؤلاء مجرد إرهابيين بمن فيهم جورج واشنطن!. إذا كان ثمة إرهاب فهو إرهاب إسرائيل التي ترفض تنفيذ قرارات هيئة الأمم وتخرق كل المواثيق الدولية، وما نراه يوميًا على شاشات التلفاز من قتل وتنكيل بالشعب الفلسطيني وتجريف للأرض إنما هو تعبير عملي عن هذا الإرهاب. هذا هو تعريفنا للإرهاب. لكن الولايات المتحدة والعالم الغربي بأسره يرى أن الإرهاب هو كل ما يتعارض مع مصالحه، ولذا فالحرب ضد إسرائيل ومقاومتها إرهاب، ومقاومة الظلم إرهاب. لكن أن تقوم الولايات المتحدة مثلًا بإسقاط قنبلة ذرية على هيروشيما وتؤيد نظامًا عنصريًا في فلسطين المحتلة أو جنوب إفريقية فهذا ليس بإرهاب!. وعليه يمكن القول إن الحرب التي تدور رحاها الآن في فلسطين هي استمرار للحروب الدائرة منذ نهاية القرن التاسع عشر بين التشكيل الإمبريالي الغربي وشعوب العالم الثالث. والإرهاب الإمبريالي يأخذ أشكالًا مختلفة، والمقاومة ضده تأخذ هي الأخرى أشكالًا مختلفة، ومن الطبيعي أن يؤدي الدين دورًا كبيرًا.
ففي مقابل الرؤية الداروينية المتوحشة توجد رؤى أخرى تنطلق من منطلقات مغايرة تمامًا من بينها الرؤية الإسلامية التي تنطلق من الإيمان بأن الله واحد، ولأنه واحد فنحن لا نستسلم إلا له ولا نسلم إلا له، ومن ثم فالمسلم لابد أن يرفض الظلم، فالعدل هو القيمة القطب في الإسلام، ولذا نجد أن العالم الإسلامي يبدي رفضًا عميقًا للرؤية أو العقيدة الداروينية الغربية ويتمرد عليها ويقاومها ويجاهدها. إن المنظومة الإيمانية هي السلاح الأول لفصائل المقاومة الإسلامية التي تشكل الآن القطاع الأكبر في المقاومة، وبهذا المعنى فحرب العالم الإسلامي ضد الاستعمار الغربي هي حرب ذات مرجعية دينية، فالدين هنا ليس مجرد شعائر وعقائد وإنما هو مكون أساسي للرؤية الكونية والسياسية. وأعتقد أن محاولة فصل الدين عن السياسة بشكل قاطع وكامل يجعل من العسير على الدارس أن يفسر ما يحدث في فلسطين وفي العالم. فالسياسي من صميم الديني، والديني من صميم السياسي، ذلك إن عرّفنا الديني تعريفا صحيحا باعتباره رؤية للكون وليس باعتباره مجموعة من الشعائر.
س: وما المخاطر التي يمكن أن تنتج عن التصعيد ضد الإسلام في الغرب؟
ج: التصعيد ليس ضد الإسلام وحده، وإنما هو ضد كل من يحمل لواء الإنسان والعدل، فالحداثة الداروينية المنفصلة عن القيمة تدافع عن نفسها مع مواجهة كل من ينادي بالقيم الإنسانية، لذلك نجد أن صراع هذه الحداثة يشمل مواجهات ضد الجماعات المسيحية والإنسانية، وضد الجماعات المدافعة عن البيئة، ولكن تبقى الكتلة الإسلامية هي أكثر الكتل البشرية مقاومة للاستهلاكية العالمية والحداثة الداروينية.
س: وكيف يصف المسيري عَلاقة العالم الإسلامي بالغرب الآن؟
ج: هناك ما هو قائم، وهناك ما ينبغي أن يكون. فما هو قائم هو علاقة تبعية مُذلّة، فمعظم أعضاء النخب الحاكمة في العالم الإسلامي وقطاعات كبيرة من المثقفين وعامة الشعب تنظر إلى الغرب باعتباره النموذج الذي يجب أن يُحتذى. وليس هذا فحسب، بل إن المؤسف حقًا أن الغرب، المثل الأعلى بالنسبة إليهم، هو الهامبورجر والكوكاكولا والديسكو والتحرّر من القيم، وليس موتسارت وشكسبير والقيم المستنيرة! وتحت ستار العولمة والعالمية، تسارع إيقاع عملية الغزو الثقافي بشكل لم يسبق له مثيل. إن الكَوْكَلة والمَكْدَلة (نسبة إلى الكوكاكولا والماكدونالد!) أصبحت عمليات حضارية واسعة النطاق يمارسها البعض، وتحلم بها البقية المحرومين! في المقابل، يقوم بعض السلفيين بالاحتجاج على "هذا الغزو الثقافي"، فيرفضون الحضارة الغربية رفضًا كاملًا. والمفارقة أن التبعية الكاملة والرفض الكامل وجهان لعملة واحدة! فهما يفترضان مركزية الغرب، وكلاهما مضطرب في علاقته بالغرب. وهذا يؤدي إلى توليد التوتر والصراع، في حين المفروض أن ننظر إلى الغرب باعتباره تشكيلًا حضاريًا ضمن تشكيلات حضارية إنسانية أخرى، أي أن نضفي عليه النسبية، وألا نجعله مطلقًا.
س: ألا يمكن قراءة الحرب المعلنة ضد ما يسمى بالإرهاب في إطار "صراع الحضارات"؟
ج: أولًا عبارة صراع الحضارات تعني أن ثمة صراعًا بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية على سبيل المثال، أو بين الحضارة الغربية والحضارات الشرقية، وهذا ليس حقيقيًا. فالحضارتان قد تفاعلتا عبر تاريخهما بشكل خلاق، حتى في المرحلة الاستعمارية الحديثة، فقد انفتح العالم الإسلامي على الغرب وتبنى كثيرًا من الأفكار والرؤى إلى جانب استيراد التقنيات والسلع، ولذا أذهب إلى أنه لا يوجد صراع حضارات. هذا من ناحية، ولكن من ناحية أخرى أدرك كثيرون في العالم الإسلامي والعالم الغربي أن الرأسمالية المتوحشة في الغرب ذات طابع استهلاكي دارويني، فهي ترى أن التقدم هو تصاعد معدلات الاستهلاك، وأن من حق الأقوى عسكريًا أن يستهلك وأن يستغل الآخرين. ولذا ترسل هذه الرأسمالية المتوحشة بجيوشها للاستيلاء على منابع البترول ولإقامة حكومات عميلة تفتح أسواقها له وتدخل في منظومته الاقتصادية العالمية. هذه الرأسمالية المتوحشة، لا تمثل الحضارة الغربية، وإنما تمثل تيارًا واحدًا داخلها. وهناك كثيرون في الغرب ممن يدركون أن هذا التيار الذي استولى على الحكم في الولايات المتحدة قد ألقى بالعالم في أتون الحرب، وأنه سيفاقم من الأزمة البيئية التي تهدد الوجود الإنساني على هذا الكوكب. ولعل المظاهرات المليونية التي خرجت ترفض التدخل الأمريكي في العراق هي أكبر دليل على تصاعد هذا التيار الرافض للرأسمالية المتوحشة. ينبغي علينا في العالم الإسلامي أن نتحالف مع هؤلاء للتصدي للعربدة العسكرية الأمريكية في العالم.
الصراع ليس صراعًا بين حضارات، وإنما صراع حضاري، بين من يرون أن الاستهلاك هو الهدف من الوجود وأن من حق القوي أن يستهلك على حساب الآخرين من جهة، ومن جهة أخرى هؤلاء الذين يرون أن الجنس البشري بأسره يجب أن يتكاتف ويتعاون حتى يمكننا أن نعيش في هذه الكرة الأرضية بمصادرها المحدودة، وأن نقيم مجتمعات مبنية على العدل ونحقق قدرًا من التوازن للإنسان: التوازن مع الذات والتوازن مع الطبيعة والتوازن بين الجماعات الإنسانية. هاتان رؤيتان حضاريتان مختلفتان وهما تتصارعان، وأرجو من الله أن ينتصر أصحاب الرؤية الإنسانية في (الشرق والغرب) على ممثلي الرؤية الداروينية المتوحشة.
حقيقة الأمر هي أن ثمة ثقافة إسلامية قائمة على فكرة الإله الواحد، واستخلاف الإنسان في الأرض ومن ثم فهو قادر على تجاوز السطح المادي، في هذا تلتقي الإنسانية الإسلامية مع الإنسانية الغربية ذاتها. إذن، الأمر ليس قضية الإسلام ضد الغرب، بل هي قضية حضارية قائمة على الصراع بين رؤية تنكر إمكانية التجاوز وتدعو للخضوع للعقلانية التكنولوجية (الأداتية) مقابل أي حضارة تدعو إلى التجاوز والإنسانية. وأنا أعتقد أن هذا هو ما يعنيه هنتنجتون عندما يشير إلى الإسلام والكونفوشية في حديثه عن صدام الحضارات، فكلتا العقيدتين تؤمنان بالتجاوز وترفضان الحتميات المادية. إن مصطلحات هنتنجتون شديدة الاضطراب، ولكنه يؤمن بأنه في نهاية التاريخ سيكون الانتصار النهائي للعلمانية والتغريب والتحديث (وكلها ذات معنى واحد لديه).
س: في ضوء هذه الرؤية النقدية، كيف تقرأ أحداث ?? أيلول/سبتمبر؟
ج: من المصادفات أنني كنت في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي نيويورك بالذات، في ذلك اليوم، وشاهدت الأحداث بنفسي. ولكن الأهم من ذلك هو أنني، كما هو شأني دائمًا، كنت أرصد المجتمع الأمريكي، ثقافته – رؤيته لنفسه – رؤيته للآخر. ولأخبرك بما شاهدنا على شاشات التلفاز الأمريكي يوم الاثنين ?? أيلول/ سبتمبر. كانت الأخبار تركز على تلك الأمور التي يعتبرها المجتمع الأمريكي "مهمة " و"حيوية " و"ساخنة" مثل سمك القرش الذي كان يطارد المصطافين في فلوريدا، وسقوط طائرة صغيرة تحمل مغنية اسمها عليه، ومحاولة للإجابة عن سؤال حيوي بالنسبة للمجتمع الأمريكي الغارق في الاستهلاكية: هل يُسمح للطالبات بالذهاب للمدارس الثانوية بالبلوزة القصيرة التي تظهر بطونهن أم لا؟ كما كان ثمة اهتمام جماهيري بآخر الأخبار الخاصة بشاندرا ليفي مساعدة عضو الكونجرس ليفيت، والتي اختفت في ظروف غامضة، ولم يذكر التلفاز شيئًا عن أن ليفيت هو رئيس لجنة المخابرات في الكونجرس، وحين تذكر هذه الحقيقة فهي عادةً ما تذكر دون استخلاص أية نتائج، وخاصة أن شاندرا ليفي يهودية. كما كان هناك من الأمور الإباحية، المغرقة في الإباحية إلى درجة أنني أعفي نفسي من وصفها، أما القضية الفلسطينية فلم تذكر إلا بشكل عابر.
إن الجماهير الأمريكية تعيش من يوم إلى يوم، غارقة في الحسابات الاقتصادية الصغيرة المباشرة: نسبة التضخم، أسعار الأسهم والسندات، نسبة الفائدة على القروض وعلى الودائع، حالة الطرق، مشاكل الرعاية الصحية. وهي لا تربط بين هذه الحسابات والسياسة الخارجية الأمريكية أو ميزانية الدفاع أو المعونات الخارجية التي تدفعها الولايات المتحدة لفرض هيمنتها. وبهذه الطريقة نجحت المؤسسة الحاكمة في تسيير المجتمع الأمريكي وفي فرض سياساتها وتحقيق قدر كبير من السلام الاجتماعي دون اللجوء للبطش أو القسر. لكل هذا يمكن القول: إن أول انعكاسات أحداث أيلول/ سبتمبر على المجتمع الأمريكي هو أن الشعب الأمريكي، لأول مرة في تاريخه، يرى أثر السياسة الخارجية على الجبهة الداخلية. إن أحداث أيلول/ سبتمبر كانت تشبه الصدمة الكهربائية، مما أدى إلى إفاقة بعض قطاعات الشعب الأمريكي التي بدأت تمارس إحساسًا غامضًا بأن أمنها الداخلي مرتبط بشكل ما بالسياسات الحكومية الخارجية والعسكرية في أنحاء العالم، وأن هذه السياسات لا تخدم بالضرورة مصالح أمريكة. وقد حاول الصهاينة أن يصوروا أحداث أيلول/ سبتمبر في الولايات المتحدة على أنها مجرد إرهاب يعبر عن شر متأصل في الإسلام والمسلمين، وكأن هذه الأحداث ليست لها أية أسباب اجتماعية أو تاريخية، وكأنها مُنبتة الصلة بمواقف أمريكة المتحيزة بشكل فاضح لإسرائيل. وعزل الظواهر السياسية عن أسبابها وجذورها الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية هو أحد الأساليب الأساسية التي يستخدمها الصهاينة لتشويه صورة الآخر، فالمقاومة الفلسطينية – كما يفسرونها للعالم – ليست مقاومة للاحتلال الإسرائيلي والاستيطان السرطاني في الضفة الغربية، وإنما هي تعبير عن رغبة الفلسطينيين المجنونة في الانتحار، وفي قتل الأبرياء من الإسرائيليين، أي رغبة الاستشهاديين في الذهاب إلى الجنة ليلتقوا بالحور العين. والمحصلة النهائية لمثل هذا الخط الإعلامي أن الشعب الأمريكي بدل أن يعرف الدوافع الحقيقية وراء أحداث أيلول/ سبتمبر صدق هذا الحديث العائم الغائم عن الإرهاب الإسلامي. وقد نجح الصهاينة في حملتهم هذه بعض الوقت، ولا سيما أن النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة صاحبة المشروع الإمبراطوري كانت في حاجة إلى ذريعة لتبرير عمليات الغزو الإمبريالي التي كانت قررت القيام بها.
وقد استغلت الإدارة الأمريكية الأحداث من أجل إحكام قبضتها على مصادر الثروة النفطية في الخليج العربي وفي منطقة قزوين حتى يمكنها مجابهة المارد الصيني الذي استيقظ، وفي الوقت ذاته أحكمت قبضتها على الداخل الأمريكي.
س: في اعتقادك، هل الوضع قابل للاستمرار على هذا المنوال؟
ج: لا أعتقد؛ فقد بدأت تظهر علامات الاستفهام بعد أن مرت مرحلة قرع الطبول الوطنية والعسكرية، كان النظام الأمريكي يتصور أنه سيحرز انتصارا ساحقًا ماحقًا يمكن من خلاله إعادة الطمأنينة للشعب الأمريكي، ليعود لسابق عهده من الانغماس في تفاصيل حياته اليومية العادية، ويستوعب مرة أخرى في حلقة الإنتاج والاستهلاك ثم الاستهلاك والإنتاج. والطمأنينة أساسية للنظام الاقتصادي الأمريكي، لأنه إن لم يشعر الأمريكي بالطمأنينة فإنه لن ينفق دون تفكير ولن يقترض لينفق عن سعة، فهو لن يفعل ذلك إلا إذا كان متأكدًا تمامًا من المستقبل. وفي هذا الإطار يمكن للنخبة الحاكمة وللمجتمع الصناعي العسكري وتجار السلاح أن يعودوا لسابق عهدهم من استغلال للشعب الأمريكي والشعوب الأخرى.
ولكن نتائج الحرب في أفغانستان وفي العراق لم تكن ساحقة أو ماحقة. فتصاعد المقاومة فيهما، واكتشاف أكاذيب بوش قد زاد من عدم طمأنينة الشعب الأمريكي، وزاد من الوعي بأن السياسة الخارجية على علاقة وثيقة بالوضع الداخلي، وخاصة أنه مع زيادة ميزانيات الدفاع والحرب، فإن النظام الأمريكي قد يضطر إلى وقف كثير من البرامج الاجتماعية.
س: لكن يبدو أن الغرب قد حسم أمره بربطه بين الإرهاب والجهاد في الإسلام، وإدراج حزب الله وحماس والجهاد على قائمة المنظمات الإرهابية هو تأكيد لهذه الرؤية؟
ج: القضية هنا هي قضية تعريف، فإذا بدأنا من نقطة انطلاق غربية، وهي أن الإسرائيليين ليسوا محتلين، وإنما أعضاء شعب طرد من وطنه القومي، وأنهم قرروا العودة إليه بعد أكثر من ألف سنة، وأن لهم حقًا مطلقًا في أرض فلسطين، يترتب على ذلك أن مقاومة هؤلاء العائدين هو شكل من أشكال الإرهاب. أما إن بدأنا من نقطة انطلاق إنسانية وعربية وإسلامية، وهي أن فلسطين أرض فلسطينية، وأن الكتلة البشرية التي نقلت من الغرب جاءت وطردت سكانها، فإن هؤلاء المستوطنين مغتصبون ويجب مقاومتهم، عندئذ ستصبح المقاومة واجبًا إنسانيًا وواجبًا أخلاقيًا وواجبًا دينيًا. وهنا مرة أخرى يجب عدم الفصل بين الديني والسياسي، فالديني حينما يرتبط بمقاومة الظلم يصبح قوميًا وسياسيًا وعسكريًا. وتصنيف فعل المقاومة بأنه فعل إرهابي هو محاولة لتقويض النزعة الجهادية للشعب الفلسطيني والشعب العربي والشعوب الإسلامية، ومحاولة فصل الديني عن السياسي أيضًا تصب في هذا الإطار. المهم – كما قلت – أن نؤكد على فكرة العدل في الإسلام، وأن مقاومة الظلم ليست مجرد عنف أعمى موجه للآخرين وإنما مقاومة موجهة ضد المحتل، وأن الآخر إن تعاهد معنا ولم يغتصب حقوقنا، وتعامل معنا على قدم المساواة، فعلينا أن نتمسك بالعهد وأن نتعايش معه في سلام، وبذلك لا يتحول الإيمان الديني إلى تعصب ينطلق من كره الآخر.
س: هل تريد القول إن نقطة البداية هي الاتفاق على تعريف موحد للإرهاب؟
ج: الولايات المتحدة ترفض عقد مؤتمر لتعريف الإرهاب، لأنها التقطت المصطلح وأخذت تسوقه إعلاميًا فتفرض عليه المعنى الذي تريده، وتدرج كل من يتصدى لها ضمن خانة الإرهاب، وتكتفي بالحديث عن الإرهاب الإسلامي بشكل عام ومجرد، كما لو أنه يوجد داخل الإسلام شيء ما يدفع المسلم للقيام بأعمال إرهابية، وأنه لو تم التخلص من هذا الشيء لاستقر كل شيء. لقد تجاهل العالم الغربي أن تعبير "الإرهاب" في الإسلام تعبير ردعي يؤول في معناه العميق إلى طلب السلم، لأن الردع يتوخى السلام، فقد ورد في الآية الكريمة «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ» [الأنفال: ?/??]، أي تعدون له من القوة ما يجعله يخاف من الحرب، فيرتدع عن ممارسة العنف الذي يضطر المسلمين إلى ممارسة العنف المضاد، فالمقصود هنا هو الدعوة إلى تجنب الحرب من خلال إعداد القوة حتى لا يستهين العدو بالمسلمين؛ هذا على المستوى الديني، أما على مستوى التاريخ فالإرهاب تعبير عن غضب له جذور حقيقية، وهو صرخة يأس من عدالة الغرب، ومع هذا، فإن العمليات الإرهابية لا تجدي فتيلًا ولا تحدث تغييرًا. وهذه بالمناسبة طبيعة الثورات الشعبوية (وليس الشعبية). ففي ثورات العبيد في الدولة الرومانية في العصور القديمة، وثورات الفلاحين في أوربة في العصور الوسطى، والجنوب الأمريكي في القرن التاسع عشر، كانت الجماهير الغاضبة تخرج كالعاصفة الهوجاء وكالنار الحارقة فتحطم بعض القصور وتقتل بعض الجنود وكبار ملاك العبيد والأراضي، ثم تقف حائرة، فتأتي الجيوش النظامية وتخمد الثورة ويعود كل شيء إلى سابق عهده. وهذا يعود إلى جهل هذه الجماهير بموازين القوى وبطبيعة العلاقات السائدة في المجتمع، وافتقادها للتنظيم والهدف والبرنامج. وهذا لا يعني أن أسباب غضبها وثورتها لم تكن حقيقية.
الوضع نفسه ينطبق على ما يسمى بالإرهاب في زمننا هذا، فالإرهاب في إنجلترة على يد الأيرلنديين، وفي بعض دول أمريكة اللاتينية وآسية له أسباب حقيقية، ولكنه لا يغير من الأمر شيئًا للأسباب التي أشرنا إليها. ولابد من تناول ما يسمى بالإرهاب الإسلامي بالمنهج نفسه، أي بطريقة عقلانية تحليلية تضعه في سياقه التاريخي. ولكن "الحرب ضد الإرهاب" التي يشنها الغرب هي حرب غير عقلانية غير مستنيرة، فالإرهاب لم يهبط فجأة من القمر. فمن المعروف أنه لم يكن هناك إرهاب حتى أواخر السبعينيات، والإسلام هو هو لم يتغير، وإذا كان الإرهاب له تاريخ، ألا يجدر بنا أن نبحث عن أسبابه الاجتماعية والتاريخية؟ في الستينيات لم يكن هناك إرهاب لأن الشعب العربي في ذلك الوقت كان يخوض عملية تنموية وكان مفعمًا بالأمل، وكان الموقف الغربي من إسرائيل متوازنا إلى حد ما، كان ثمة شخص مثل كيندي قادر على أن يدلي بتصريحات يفهم منها أنه يمكن أن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم، وكان هناك ديجول الذي كان يأخذ موقفًا معتدلًا. ولكن كل هذه الآمال تلاشت، وتوقفت التنمية واستشرى الفساد، وبدلًا من حصول الفلسطينيين على حقوقهم توسع الاستيطان في الضفة الغربية، وتحدث جورج بوش عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. إن المقاومة التي يسمونها إرهابًا تأتي نتيجة حتمية للاحتلال ويجب فهمها في هذا الإطار، وهذا الأمر يعود إلى طبيعة الإنسان الرافض للظلم، خاصة في العالم العربي والإسلامي، حيث لا يزال الإسلام يشكل إيديولوجية فاعلة تنمي لدى الإنسان إحساسًا بالكرامة والمقدرة على تجاوز السطح المادي، وهو الأمر الذي يترجم نفسه إلى فعل مقاوم واستشهادي.
التصدي الحقيقي للإرهاب يتطلب البحث عن أسبابه ومعالجتها. لابد من دراسة ظاهرة الإرهاب في سياقها الاجتماعي والتاريخي، وليس في سياقها الديني وحسب. ولابد من طرح بعض الأسئلة تفسر لنا ظهور الإرهاب، ومن ثم إمكانية التصدي له: هل هناك علاقة بين ما يسمى الإرهاب وإحساس المسلمين أن العالم الغربي لا ينوي أن يحل مشكلة الصراع العربي الصهيوني بطريقة عادلة، وأنه يغض الطرف عن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بشكل شبه يومي؟ هل الإرهاب له علاقة بالتوسع في الاستيطان في الضفة الغربية؟ هل تصاعد الإرهاب أم تراجع بعد احتلال القوات الأمريكية لأفغانستان والعراق؟ هل مقاومة الاحتلال الصهيوني إرهاب؟ ولماذا؟
س: لكن ذلك لا ينفي وجود بعض الحركات التي يمكن إدراجها في خانة التطرف؟
ج: أي حركة مقاومة يتفرع منها أجنحة متطرفة، ولكن حتى هذا التطرف لا بد أن يُفهم في سياقه الاجتماعي. كنت دائمًا في مؤتمراتي الصحفية في واشنطن وغيرها من المدن الأمريكية أخبرهم أنه لو قامت إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالانسحاب إلى حدود عام ????، وقبول حق العودة للفلسطينيين، وتوقيع اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، إن فعلت ذلك فسيختفي نحو ??? مما يسمى بالإرهاب.
س: لكن ثمة من يرى أن الثمن الذي دفعه المسلمون في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية بدا مرتفعًا جدًا، مع النظر إليهم على أنهم مصدر إرهاب محتمل بعد أحداث ?? أيلول/سبتمبر؟
ج: طبعًا أنا متفهم لوضع المسلمين في الولايات المتحدة، ومتعاطف معهم، لكن أعتقد أن الصدام كان حتميًا، فالنخبة الحاكمة في الولايات المتحدة تبغي الهيمنة على العالم، وتريد أن تعوض تراجعها الاقتصادي عن طريق القوة العسكرية، ولذا فهي لابد أن تصطدم مع قوى السلام والمدافعين عن البيئة والمظلومين والمستضعفين، فالصدام في الواقع ليس بين الإسلام وأمريكة، ولكن بين أمريكة وبقية قوى السلام والعدل في العالم. فمثلًا أمريكة انسحبت من اتفاقية كيوتو، وهي اتفاقية تحاول حماية الكرة الأرضية والغلاف الجوي عن طريق كبح جماح الاستهلاكية الشرهة. لقد فضلت الولايات المتحدة مصلحتها العاجلة على مصلحة الجنس البشري الآجلة. ومع وجود اتفاقية ضد الصواريخ أو حظر انتشار الصواريخ فإنهم يحاولون بناء الدرع الصاروخي لحماية الولايات المتحدة غير مهتمين بسباق التسلح، الذي يستهلك معظم موارد البشرية. وهناك أمثلة أخرى عديدة، منها: موقف أمريكة الممالئ لإسرائيل، حيث يستخدم الصهاينة الأسلحة الأمريكية لدك القرى الفلسطينية والقرى والمدن اللبنانية. فالصراع بين أمريكة وبقية دول العالم كان لابد أن ينفجر في مكان ما. وربما لسوء حظ المسلمين أن يتم الانفجار بهذا الشكل، وأن يُنسب للمسلمين. وأعتقد أن الأسلوب الأمثل للتعامل مع هذا الوضع هو أن يبدؤوا حملة إعلامية يؤكدون فيها على وطنيتهم وانتمائهم للمجتمع الأمريكي، لكنهم في الوقت نفسه عليهم أن يحاولوا إفهام الجمهور الأمريكي أن هذا الإرهاب – كما يُسمى – له تاريخ وله أسباب، وأنه لابد من معرفة الأسباب، ولِمَ ظهر في هذا الوقت وليس من قبل. كما أنهم يجب أن يوضحوا للعالم أجمع موقف الإسلام من الآخر ومن المفهوم الغربي الخاص بصراع الحضارات.
س: وما موقف الإسلام من الآخر، ومن صراع الحضارات كما يراه المسيري؟
ج: الإسلام منذ البداية اهتم بتعريف العلاقة مع الآخر والتقنين لها. فقد اعترف بحقيقة الاختلاف والتنوع الثقافي والحضاري. وقد جاء في الذكر الحكيم «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا» [يونس: ??/??]، «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ? وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» [هود: ??/???]. بل إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ» [الروم ??/??]، «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ? وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَ?كِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ? فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ» [المائدة: ?/??]، أي إن الاختلاف سنة من السنن الإلهية في الأرض. ثم يشير الله سبحانه وتعالى إلى الحكمة الإلهية من الاختلاف «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات: ??/??].
س: هذه هي نقطة الانطلاق النظرية، ولكن هناك أيضًا مجال التطبيق، أليس كذلك؟
ج: مجال التطبيق هو العلاقة العملية مع الآخر التي حددها القرآن فيما يلي: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ» [آل عمران: ?/??]. فالآخر نقبله ونتفاعل معه ونعيش معه إن كان يدور في إطار رؤية إيمانية توحيدية، حتى لو كانت رؤيته مختلفة عن رؤيتنا. فالرسالات السماوية جوهرها واحد حتى بعد ما طرأ من تحريف على بعضها. ومع ذلك تظل هذه القاعدة المشتركة وهي الإيمان بالله الواحد، ومن ثم فإن الآية الكريمة التي تقول: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» [آل عمران: ?/??]. والأخرى التي تقول: «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ» [آل عمران: ?/??]. يجب أن يفهم منها أن الدين واحد، والدعوات والرسالات السماوية متعددة، وكذلك الأنبياء. وكل ما يقال عن الاصطفاء والاختيار مشروط بالأعمال والأعباء والواجبات والفرائض التي أمر الله تعالى بها عباده، فلا اليهود شعب الله المختار ولا "المسيحيون ملح الأرض ونور العالم" ولا المسلمون "خير أمة أُخرجت للناس" بالإطلاق في كل زمان ومكان، ومع أي فعل أو وضع أو ظرف وإنما مع اتباع تعاليم الله.
س: وماذا لو حدث صراع مع الآخر؟
ج: إن ما يحكم علاقتنا بالآخر بشكل عام هو الموقف الإسلامي، وهو موقف وسطي لا يلجأ إلى العدوان دون مبرر ولا يذعن للظلم؛ فقد جاء في الذكر الحكيم «لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» [الممتحنة: ??/?]، «وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» [الأنفال: ?/??]، ولكن ثَمَّ المعتدون والظالمون، والواجب الديني والقانوني هو ضرورة التصدي لهم، «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ? وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى? نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» [الحج: ??/??].
إن الإسلام لم يترك علاقة المسلم بالآخر لمفاهيم عائمة غائمة مثل المحبة والإحسان، هو لم يغفلهما ولكنه لم يجعلهما الأساس، فالأساس هو تقنين هذه العلاقة في مفاهيم فكرية قانونية مثل أهل الكتاب وأهل الذمة والجزية، وهي قوانين تضع الحدود، إذ لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ومن آذى ذميًا فقد آذاني (كما قال صلى الله عليه وسلم). أما الجزية فسببها أن الجهاد فريضة إسلامية، الذمي غير ملزم بها بطبيعة الحال، ولذا عليه دفعها بدلًا من القتال. ومن كان غير قادر على القتال مثل النساء والأطفال والرهبان والعجزة، كان لا يدفع الجزية. بل من كان قادرًا على القتال وانضم لجيوش المسلمين فهو معفي من الجزية. وأعتقد أن عملية التقنين هذه جعلت وضع الجماعات الدينية والإثنية تستقر إلى حد كبير في العالم الإسلامي. ولذا لا نسمع عن مذابح وعمليات طرد لأعضاء هذه الجماعات. لا شك أنه كان ثمة لحظات احتكاك وتوتر، فهذه هي طبيعة الوجود الإنساني، ولكن الصورة العامة هي صورة جماعات مستقرة، تتمتع بحقوقها وتؤدي واجباتها. هذا على عكس ما حدث لليهود في أوربة حتى القرن التاسع عشر. فالمسيحية الغربية لم تقنن وضع الأقليات وتركته لمفاهيم مثل المحبة والقلب الإنساني، والقلب كما نعلم قلب. كان الخديوي عباس يكره الأقباط وقرر طردهم من مصر ونفيهم إلى السودان، (كما كانوا يفعلون مع اليهود في أوربة)، ولكن لم يكن بوسعه أن يفعل ذلك من دون استصدار فتوى. فكان جواب المفتي عليه قاطعًا وواضحًا، أنه إذا كان الإسلام لم يتغير فإنه لا يمكنه أن يقوم بهذا الفعل، فأسقط في يد الخديوي وتخلى عن مشروعه العنصري المجنون!
س: لكن أتباع كل دين يعتقدون بامتلاكهم للحقيقة المطلقة ما يستدعي تكفير الآخر والصراع معه، وهذا ما يقول به المسلمون أيضا؟
ج: القضية شائكة وخلافية، وقد وضحها د. محمود زقزوق، وزير الأوقاف بطريقة تحترم كلًا من الاتفاق والاختلاف والمطلق والنسبي، فهو يبيّن أن الإسلام – كما جاء في القرآن الكريم – دين الله، وهو دين جميع الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى البشر وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم. فالحقيقة واحدة وليست متعددة وإن كانت تتجلى في أشكال مختلفة أو صور متعددة. وكل دين من الأديان جاء تعبيرًا عن شكل من أشكال هذه الحقيقة المطلقة الواحدة. ولهذا يقال إن الإسلام هو دين جميع الأنبياء.
الإسلام بالمعنى العام يعني إسلام الوجه لله، وهذا أمر تشترك فيه كل الأديان. أما الإسلام بالمعنى التاريخي فهذا ما تختص به الرسالة المحمدية. وإذا كان الأمر كذلك فإن جميع الأديان التي أرسلها الله للبشر على يد الأنبياء والمرسلين تشترك في الحقيقة المطلقة، ولا يجوز لأي منها أن يدعي لنفسه أنه وحده الذي يمتلك الحقيقة المطلقة وأن غيره من الأديان ليس له نصيب منها.
ومن هذا المنطلق يعتبر الإسلام نفسه آخر حلقة في سلسلة الرسالات الإلهية للبشر، وهذا يعني الاعتراف بكل الرسل والأنبياء السابقين وما أنزل عليهم من كتب سماوية.
ومن هنا لا يكتمل إيمان المسلم إلا إذا آمن بالرسالات السماوية جميعها – كما يؤكد ذلك القرآن الكريم –: «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ? كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ» [البقرة: ?/???]. فنحن جميعًا ننتسب إلى الحقيقة المطلقة الواحدة. مما يفتح الباب أمام الحوار.
ويذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن أي دين يؤمن أتباعه بالله واليوم الآخر والعمل الصالح فهو دين يحظى بالقبول من الله. كما يقول القرآن الكريم: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى? وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» [البقرة: ?/??].
وعلى هذا الأساس انطلقت دعوة الإسلام إلى الحوار مع أتباع الديانات السماوية. وفي ذلك يقول القرآن الكريم: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ» [آل عمران: ?/??]. ولم يكتف القرآن بالدعوة إلى الحوار وإنما رسم أيضًا منهج الحوار قائلًا: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [العنكبوت: ??/??].
ومن التعاليم القرآنية أنه لا يجوز لنا أن نصدر أحكامًا بالكفر على هذا أو ذاك من الأفراد والجماعات، كما لا يجوز أن نتبادل السباب مع الكافرين، كما جاء في القرآن: «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ» [الأنعام: ?/???]. وينبه القرآن الكريم إلى أن الله وحده هو الذي سوف يفصل بين الناس يوم القيامة. فالحكم على الآخرين ينبغي أن يترك أمره لله وحده خالق كل البشر، الذي يعلم ما نخفي وما نعلن، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم بكل وضوح في قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى? وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» [الحج: ??/??].
س: في هذا الإطار ما تقويمكم لمؤتمرات الحوار بين الأديان وما تسفر عنه من نتائج؟
ج: حدث أن حضرت مرة مؤتمرًا عن الإسلام والغرب عُقد بالقاهرة، وكان معظم الحاضرين الغربيين من "المراجعين"، أي من يقومون بمراجعة الأطروحات الأساسية في حضارتهم، ومن ثَمَّ، لم تكن هناك مشكلة. تحدثنا مثلًا عن مؤسسة الأسرة وضرورة إيجاد طرق للحفاظ عليها وتفعيلها، وعن المؤسسات الوسيطة في المجتمع وضرورة الحفاظ عليها هي الأخرى. لكن المشكلة في التحليل النهائي أن كثيرًا من مؤتمرات الحوار هذه لا تعدو أن تكون مؤتمرات لتبادل التهاني! وهي عادةً مؤتمرات لها طابع دعائي. إن مؤتمرات الحوار الناجحة يجب أن تحدّد أولًا المشكلة، ونقاط الاحتكاك والتوتر بين أعضاء الديانات المختلفة. ثم عليها بعد ذلك أن تحدّد الرقعة المشتركة بين هذه الديانات، ودراسة مدى إمكانية توسيعها. ولكن هذا لا يحدث في معظم الأحيان. أنا مثلًا من المنادين بالحوار مع المسيحية الغربية، لأن هذا الحوار سيكون له مردود جيد على العالم العربي والإسلامي، ولكن الحوار الحق ينطلق من الاعتراف بالاختلاف.
س: يقول المؤرخ التونسي أ. محمد الطالبي، وهو ناشط في مسألة الحوار بين الأديان التوحيدية، يقول إنه لا يطالب بالتسامح لأنه يعتبر التسامح مفهومًا سلبيًا؛ ولكنه يطالب بالاحترام المتبادل على أساس أن الاحترام فيه ندية ومساواة واعتراف بخصوصية كل ديانة وكل حضارة، وعدم محاولة ألا يكون الحوار طريقًا لمحاولة التبشير أو محاولة تحويل الآخر عن مرجعيته الدينية؟
ج: هذه رؤية جيدة، وقد اقترح أحد الأخوة بدلًا من مفهوم المساواة أن نطرح دائمًا مفهوم العدل، لأن مفهوم المساواة يعني في النهاية التسوية بحيث يتساوى العدل والظلم والجميل والقبيح والخير والشر، وتسود النسبية الشاملة. أما مفهوم العدل فيعني أن كل إنسان يأخذ حقه ويعرف واجبه، وهذه كلها محاولات لتوليد رؤية إسلامية حديثة إنسانية تمكننا من التعامل مع الآخر بطريقة أكثر إنسانية.
س: وماذا على المستوى السياسي، هل هنالك مجال للحوار مع الغرب؟
ج: نعم، إمكانية الحوار والتفاهم قائمة، ولكن لابد أن نضع في الاعتبار أن الغرب برؤيته الإمبريالية الداروينية غير عقلاني. فمن يجعل القوة معيارًا واحدًا ووحيدًا ولا يقبل الاحتكام إلى منظومة قيمية خارجه، إنسان غير عقلاني. فالعقلانية تفترض وجود معايير إنسانية وأخلاقية مطلقة خارج ذات الإنسان، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نتحاور في غياب معايير أخلاقية إنسانية يمكن الاحتكام لها والإهابة بها؟
وحيث إنني أرى ضرورة ألا تترك المصطلحات الإيجابية مثل السلام والحوار في يد العدو، لذا بدلًا من أن نتحدث عن السلام بشكل عام، يجب أن نفرق بين السلام المبني على الظلم والاغتصاب والاستسلام وقبول الأمر الواقع وموازين القوى والإذعان لها من جهة، وبين السلام المبني على العدل والحق وتنفيذ مقررات الشرعية الدولية من جهة أخرى. ويجب أن نبين أن السلام الذي ينادي به الصهاينة هو في الواقع مجرد هدنة مؤقتة، أما السلام الذي ننادي به نحن فهو سلام دائم، دائم لأنه عادل. والشيء نفسه ينطبق على الحوار، فأقول إنني لا أرفض الحوار ولكن للحوار أشكالًا عدة
س: ما هذه الأشكال؟
ج: لعل أبسط أشكال الحوار وأكثرها إنسانية الحوار بين الأنداد، وهو حوار بين طرفين، يعترف كل طرف بإنسانية الآخر وبحقوقه وسيادته. والهدف من الحوار هنا هو تسوية بعض الخلافات التفصيلية الجزئية، التي لا تنصرف إلى الكليات أو المنطلقات. وهذه هي طبيعة الحوار الذي يدور بين دولة عربية وأخرى في أغلب الأحوال، وهو الحوار الذي يدور بيننا وبين بعض القطاعات في الغرب التي ترفض الرؤية الحداثية الإمبريالية الداروينية.
س: ما الشكل الآخر للحوار؟
ج: أسمي الشكل الثاني الحوار النقدي، وهو حوار يجري بين طرفين، كما هو الحال في أي حوار. ولكن ما يحدث أن أحد الأطراف لا يعترف بإنسانية الآخر وحقوقه وسيادته، كما هو الحال مع الصهاينة، فهم يصرون على أن اليهود شعب واحد وأن فلسطين هي إسرائيل وأن الفلسطينيين لا حقوق لهم. ونحن لنا رأي مخالف تمامًا. وهنا يجب أن نجري مع الصهاينة حوارًا نقديًا، فنبين أن يهود العالم ليسوا شعبًا واحدًا وإنما جماعات يهودية، لهم حقوقهم المدنية والدينية الكاملة في أوطانهم، وليس لهم أي حقوق في فلسطين. وأن تصور أن اليهود شعب بلا أرض هو تصور لا سند له في الواقع، لأنه بعد إنشاء الدولة الصهيونية بخمسين عامًا لا يزال أبناء هذا الشعب اليهودي الواحد المفترض مستقرين في أوطانهم في كندة وأمريكة وغيرها من الأقطار التي يعيشون فيها. أما أن فلسطين أرض بلا شعب فهذه أكذوبة أخرى، بمعنى أن هناك شعبًا فلسطينيًا يحارب، بل دخل في معارك كثيرة ولم تتوقف العمليات الفدائية حتى الآن. إن الحوار النقدي يعني أن أحد الأطراف يوجه النقد للطرف الآخر ويبين له خلل موقفه، ويدعم نقده بالحجج والبراهين، كما يحدث مثلًا حينما نحاور الدول الأوربية التي نختلف معها في بعض الأمور المبدئية، والتي تقبل الحوار ولا تلجأ للعنف. هم يرون أن الوجود الفلسطيني عرضي وهامشي ونحن نراه مركزيًا وجوهريًا، هم يرون مع الولايات المتحدة أن القومية العربية مجرد وهم ولذا لابد أن يظل العالم العربي مجزأً لأنه لو اتحد فلن يكون ذلك في مصلحة الغرب أو إسرائيل. في حين نرى نحن أنه لابد أن يكون هناك شكل من أشكال الوحدة بين الدول العربية حتى يمكن لهذه المنطقة أن يكون لها استقلالها وسيادتها، وحتى يمكن للشعب العربي أن يستثمر ثرواته الطبيعية بطريقة رشيدة، وأن يطور مشاريع للتنمية تتناسب مع إمكانياته وطموحاته.
س: إذن الحوار النقدي وهو مثل الحوار بين الأنداد حوار سلمي، لكن ماذا لو استمر الطرف الأول في إنكار إنسانية وحقوق وسيادة الطرف الآخر، بل وحوَّل إنكاره هذا إلى فعل باطش؟
ج: الطرف المعتدى عليه لابد أن يصده ويقاوم ظلمه وبطشه، وهنا سيجري ما أسميه "الحوار المسلح" وهي أن يرسل الطرف المعتدى عليه للظالم رسائل نقدية مسلحة ليؤكد إنسانيته وسيادته ويحصل على حقوقه المغتصبة. والحوار المسلح يمكن أن يأخذ أشكالًا مختلفة مثل المقاطعة الاقتصادية الانتقائية، وسحب الأرصدة العربية من البنوك أو حتى التلويح بذلك. كما يمكن أن يأخذ أشكالًا أكثر عنفًا مثل انتفاضة ???? شبه السلمية وانتفاضة الأقصى المسلحة، وهي رسائل تؤكد للإسرائيليين أن الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض، موجود وحي ويقاوم لاستعادة أرضه. وقد نجحت هذه الرسائل في أن تعيد للإسرائيليين بعض رشدهم، فقد بينت لهم أن فلسطين ليست أرضًا بلا شعب كما كان الادعاء الصهيوني.
س: هل يمكن أن يتم الحوار على هذه المستويات الثلاثة في آن واحد؟
ج: نعم، أذهب إلى أن الحوار مع الغرب والولايات المتحدة يجب أن يتم على جميع المستويات، نتحاور بشكل ودي عقلاني بخصوص الأمور المتفق عليها، وبشكل نقدي في الأمور التي نختلف بشأنها، وبشكل مسلح حينما يقع علينا عدوان منهم. لابد أن نتحاور على جميع المستويات، فالحوار الودي بمفرده مع من يؤمن بالقوة معيارًا يتيمًا، لا يُجدي فتيلًا، والحوار المسلح بمفرده يدخلنا في طريق دموي مسدود. وهذا ما فعله الفيتناميون، فكانوا يجلسون على مائدة المفاوضات ويقومون بحملات إعلانية يتوجهون بها إلى أنصار السلام في العالم بما في ذلك الولايات المتحدة، ويوجهون النقد للمؤسسة العسكرية الأمريكية التي بطشت بالشعب الفيتنامي دون وجه حق، ويقاتلون، في الوقت ذاته، في ميدان الحرب بعزم وإصرار، وبذلك تم تحويل المكاسب الميدانية إلى مكاسب سياسية. الشيء نفسه ينطبق على الغرب، فالحوار معه يمكن أن يأخذ أشكالًا كثيرة، فلا يمكن أن نكتفي بحملة إعلامية لتجميل صورتنا في الخارج وتوضيح مشروعية موقفنا، إذ لا بد أن نرسل رسائل نقدية إلى الغرب (من خلال حملات إعلامية وحوارات مكثفة) تبين له أن دعمه لإسرائيل وهجومه على العالم العربي لا يمكن أن يظل أمرًا مجانيًا.
يجب علينا أن ندرك تمامًا أنه في الإطار الدارويني لا يتنازل الآخر إلا بمقدار ما يمارس عليه من ضغط. ولذا لا بد أن يساند حوارنا النقدي حوار مسلح إذا استلزم الأمر من خلال عمليات المقاطعة والتهديد بسحب الاستثمارات وكل أشكال المقاومة المتاحة، أي يجب أن يدرك الآخر المعتدي أن ثمة ثمنًا لا بد أن يدفع، وهم يفهمون تمامًا مسألة الثمن هذه، يفهمونها بكفاءة عالية. بهذا الضغط ستصل لهم الرسالة فيدركون أن ثمن تطبيق الرؤية الداروينية ثمن فادح. وقد يجعلهم هذا يعيدون النظر في سياستهم الممالئة لإسرائيل المعادية لنا والتي تستنزف قوانا. وكما قال رئيس الوزراء البريطاني جلاد ستون: "ليس لنا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون وإنما لنا مصالح دائمة". وأنا أذهب إلى أن التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة هو في نهاية الأمر تحالف تعاقدي، بمعنى أن إسرائيل تعربد في شرقنا العربي بإذن من الغرب دفاعًا عن مصالحه وأمنه، وهي تقوم بما تقوم به نظير أن يحميها الغرب ويوفر لها الاستمرار والاستقرار والأمن. وقد أدت واجبها نحو الغرب بكفاءة عالية وبأقل التكاليف، فإن أصبحت إسرائيل مكلفة فستختلف الأوضاع كثيرًا، وسيعود الغرب إلى رشده، وسيكتشفا أننا كيان مستقل له طموحاته ورؤيته ومصالحه المستقلة، ساعتها سيكتشفون أن شارون، كما كل القادة الإسرائيليين، ليس رجل سلام كما ادعى جورج بوش، وإنما جزار يغتصب أرض الآخرين ويبني عليها المستوطنات ويطرد أصحابها، وأن الفلسطينيين يقومون بما ينبغي عليهم من مقاومة الظلم والعدوان. وهذه عملية ترشيد تتم خارج الإطار الدارويني وداخل إطار أخلاقي إنساني، لتحقيق أهداف دينية وأخلاقية وإنسانية، مثل التصدي للظلم وإقامة العدل في الأرض وإعطاء كل ذي حق حقه.
الحركات الإسلامية
س: يتردد مصطلح "الخطاب" في الكتابات العربية في الوقت الحاضر، فهنالك "الخطاب الإسلامي" و"الخطاب العلماني" و"الخطاب الحداثي وما بعد الحداثي"، ما مضمون هذا المصطلح؟
ج: كلمة "خطاب " العربية هي ترجمة لكلمة "ديسكورس discourse" الإنجليزية، وهي كلمة مركبة وخلافية ولها معان عديدة. وقد عُرّف الخطاب بأنه يشمل جميع أعمال الاتصال المكتوب منها والشفهي، المادي والرمزي. وهو نظام من القول له قواعده وخواصه التي تحدد شكل الجمل وتتابعها، والصور المجازية، والخواص اللفظية، ونوع الأسئلة التي تسأل، والموضوعات الأساسية الكامنة، وما يقال وما يسكت عنه. والخطاب بناء مركب يحوي داخله العديد من الأفكار والقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، ولكل مجتمع خطابه، إذ تتألف الجمل لتشكل نصًا، وتتألف النصوص لتشكل نصًا شاملًا، أي نسقًا فكريًا متكاملًا ورؤية للكون.
س: ما مدى حاجة العرب لخطاب عربي إسلامي معاصر؟
ج: إن لم نطوّر خطابًا عربيًا إسلاميًا معاصرًا يعبر عن رؤية العرب لواقعهم وللعالم بأسره، وإن لم نعبر عن هذه الرؤية بمصطلحات منفتحة مستمدة من تراثنا ومستفيدة من لغة العلم الحديث، إن لم نفعل ذلك فإن الآخر سيقوم بتطوير هذا الخطاب بالنيابة عنا وسنتبناه، بوعي أو من دون وعي. ومع الأسف الخطاب العربي المعاصر ليس في معظم الأحيان عربيًا إسلاميًا، فمنذ عصر النهضة، أي منذ دخول الغازي الأجنبي، نجد أن الخطاب العربي الليبرالي قد تبنى الخطاب الغربي كما هو تحت شعار "اللحاق بالغرب". ومما لاشك فيه أن الخطاب العربي الماركسي يرفض الخطاب الليبرالي ولكنه لا يختلف عنه في النموذج الكامن، وهو نموذج مادي متمركز حول الغرب euro–centric. ثم جاء الخطاب الإسلامي وكان الموقف مستقطبًا، فثمة من كان يتوهم أن الماضي يتضمن الحاضر والمستقبل، ومن ثم لا داعي للتوجه للأسئلة التي تطرحها الحداثة الغربية. وثمة من توجه لهذه الأسئلة فوجد أن منظومة الحداثة يمكن تبنيها بقضها وقضيضها، أي إنه سقط في منظومة اللحاق بالغرب، وإن كان قد أصر على إدخال بعض التعديلات السطحية التجميلية مثل ضرورة الفصل بين الجنسين، مع تبني صميم الرؤية الغربية الحديثة. وبذلك يمكن القول إن العنصر المشترك بين كل هذه الخطابات وطرق الرؤية والتعبير أنها تجعل الغرب نقطة مرجعية صامتة يقبلها البعض بقضها وقضيضها ويرفضها البعض الآخر بالطريقة نفسها. وهذه الرؤى ليست نتيجة تفاعل واقع العرب والمسلمين المعاصر، وإنما هي نتيجة التبعية للغرب أو للماضي التليد. انظري إلى الخطاب العربي الماركسي، على سبيل المثال، كان يتحدث عن العمال والفلاحين، ثم حين انقسم الماركسيون في الغرب إلى أتباع لينين وأتباع ماوتسي تونج ثم إلى أتباع جيفارا وجرامشي، انقسمت التيارات الماركسية بدورها وكأنها لابد أن تتلقى الأفكار والتغيرات والانقسامات من الغرب. إن ذيلية الخطاب الماركسي كانت مغلفة ولكنها لا تختلف كثيرًا عن ذيلية الخطاب الليبرالي الواضحة. أما الخطاب الإسلامي فكان ذيليًا في علاقته بالتراث، فتبنى كثير من الإسلاميين آراء القدماء دون بذل أي محاولة جادة للتطوير أو التعديل، أو ذيليًا في علاقته بالغرب، باستثناء بعض المفكرين الذين بدؤوا في الظهور في الثلاثينيات وبعدها مثل حسن البنا.
س: ولماذا استبعدت الخطاب القومي؟
ج: لأن الخطاب القومي كان مستوعبًا إما في الخطاب الليبرالي أو في الخطاب الماركسي. نعم، ظهرت بعض المحاولات في الستينيات، مع ظهور عبد الناصر، لتطوير خطاب قومي عربي مستقل، ولكن هذا الخطاب، مع الأسف، ظل على المستوى السياسي المحض وأهمل الجانب الثقافي الحضاري. كان من المفروض والمتوقع، على سبيل المثال، أن يصاحب الصحوة القومية اهتمام باللغة العربية والمعمار العربي، لكن ما حدث كان العكس، إذ تدهورت اللغة العربية، وتم تبني ما يسمى الطراز الدولي في المعمار، وهو طراز لا لون ولا طعم له ولا رائحة. كنا نتوقع أن تساهم الصحوة القومية في تطوير إطار للوحدة الاقتصادية والعسكرية بين الدول العربية ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل، وبقي الخطاب القومي خطابًا سياسيًا قاصرًا وانتهى به الأمر أن استوعب تمامًا في الخطاب الليبرالي أو الخطاب الماركسي. ونجد الآن عديدًا من دعاة القومية العلمانية والماركسية قد أصبحوا من دعاة الخصخصة والعولمة.
س: هل يمكن للخطاب الإسلامي أن يكون بديلًا في ظل انهيار الخطاب الماركسي وتصدع الخطاب القومي؟
ج: أفضل ألا نستخدم كلمة "بديل"، الخطاب الإسلامي استوعب كثيرًا من مقولات الخطاب القومي العلماني والخطاب الماركسي. فالإسلام شئنا أم أبينا هو جزء أساسي من مكونات الشخصية العربية وتاريخها، وباعتقادي أننا يمكن أن نطلق على الخطاب الإسلامي صفة الخطاب القومي – الإسلامي. كما أن العدل وهو القيمة القطب في الإسلام، هو أيضًا أهم أبعاد الماركسية.
س: لماذا فشل الخطاب العربي الإسلامي في استثمار فرص حقيقية في توجيه بوصلة العالم المعاصر بالاتجاه الذي يعيد للإنسانية إنسانيتها وكرامتها؟!
ج: الخطاب التحليلي العربي والإسلامي – في تصوري – انغمس في "السياسي" أكثر من اللازم. طبعًا لا مانع من الاهتمام بالسياسة، لكن بشرط أن يكون "السياسي" نتيجة وتتويجًا لـ "رؤية معرفية شاملة ". الإسلام بمقدوره أن يساهم في تقديم الحداثة الإنسانية على أنها بديل للحداثة المنفصلة عن القيمة التي تؤدي إلى النسبية والداروينية. وإذا ما نجح الإسلام في إنجاز هذه المهمة التاريخية فإنه سيتمكن من تجنيد كثير من الجماهير في العالم الغربي من مختلف المستويات الثقافية والسياسية والاجتماعية، ممن سئموا هذه الحياة النمطية السريعة، وممن وعوا الخطورة التي تشكلها بعض المفاهيم الغربية التي تعتبر "نصوصًا " مرجعية في الحداثة، مثل مفاهيم التقدم والاستهلاك.
س: لكم دراسة بعنوان (ملامح الخطاب الإسلامي الجديد) تمت مناقشتها في عدة مؤتمرات، فهل لك أن تلخصها لنا؟
ج: تهدف هذه الدراسة إلى تأمل الفكر الإسلامي في المرحلة الراهنة، وإلى تجريد بعض المقولات التحليلية الأساسية التي يستخدمها حَمَلةُ الخطاب الإسلامي الجديد. وقد لاحظت أنه حدث بعد عام ???? تحوّل في مجالات كثيرة. ولعل ما حدث في الغرب كان أحد الأسباب، ولكنه لم يكن السبب الوحيد الذي أدى إلى ظهور الخطاب الجديد، فقد شهد عام ????، كما أبيّن في عدة دراسات، تحولات مهمة في الحضارة الغربية. فهذه الحضارة، كما يقول دعاة ما بعد الحداثة، لم تعد logo–centric، أي إنها حضارة لم يعد لها مركز. ونحن نضيف: أنها حضارة لم تعد واثقة من نفسها، لأنها منغمسة في الاستهلاكية، وغير قادرة على المواجهة العسكرية وقمع الثورات في العالم الثالث، كما كان شأنها في الماضي، ولذا فهي تؤثر الالتفاف على المواجهة (ولعل ما يحدث في أفغانستان والعراق، هي آخر محاولة للحفاظ على وجودها حضارة ذات مركز قوي وتشكل مركز العالم). وقد ظهر كثير من الجوانب السلبية للحداثة الغربية والعلمانيتها الشاملة في الآونة الأخيرة. ولذا، لم يعد من الممكن الاستمرار في الحديث عن استيراد القيم الغربية وتكرار ما قال به بعض أسلافنا من أن مشروع الحداثة الإسلامي هو بعينه مشروع الحداثة الغربي، بعد "إضافة" بعض القيم إليه! بل أصبح من المتعين على المفكرين الإسلاميين – بعد أزمة الحداثة الغربية – أن يأتوا بمشروعهم الحداثي المتكامل الشامل، ومن هنا ضرورة الحديث عن التوليد والإبداع بدلا من التلقي والتقليد والإضافة.
س: هل تدعو لتبني خطاب إسلامي واحد يسمى "الخطاب الإسلامي الجديد"؟
ج: أحب أن أنبه إلى أنه لم يكن ثمة خطاب إسلامي واحد قط، فالإسلام ليس مقصورًا على منطقة جغرافية أو عرقية واحدة، على عكس كثير من العقائد الأخرى مثل الكونفوشية والصين، والهندوكية والهند، واليهودية وإسرائيل، حتى المسيحية تحولت إلى ظاهرة غربية بالدرجة الأولى. فالمسلمون موزعون على كل التشكيلات الثقافية والحضارية، بل إنه في البلد الواحد يمكن أن نجد خطابًا إسلاميًا منغلقًا وآخر معتدلًا وثالثًا جهاديًا ورابعًا انسحابيًا صوفيًا. وكل خطاب يتأثر بالحضارة التي يوجد فيها على احتفاظه بالثوابت الإسلامية. وفي العصر الحديث بدأ يظهر خطاب (أو خطابات) الأقليات الإسلامية في العالم الغربي.
ومع هذا يميل البعض إلى تصوير الخطاب الإسلامي باعتباره خطابًا واحديًا، أي ذو بُعد واحد. الدين الإسلامي يعبر عن أسمى درجات التوحيد، لكن التوحيد لا يعني الواحدية، فالتوحيد يعني أن الله الواحد مفارق للإنسان والكون منزه عنهما، وهو ما يعني أن الواحد هو الله وحده، وما عدا ذلك فكثير. والخطاب الإسلامي ليس كلام الله، وإنما هو اجتهادات المسلمين داخل الزمان والمكان، ومن ثم فهو – أيضًا – متعدد وكثير، وتاريخ المسلمين هو تعبير عن هذه الكثرة والتعددية. فالإسلام عقيدة وتراث، والخطاب الإسلامي الناضج يجب أن يدرك أنه ليس خطابًا للمسلمين وحسب وإنما لكل أعضاء الأمة ولكل أبناء العالم والبشرية.
س: إذن هل توجد تيارات مختلفة داخل هذا الخطاب الجديد، وما هي؟
ج: أفضل أن أستخدم مصطلح "مستويات"، وقد عبر الخطاب الجديد عن نفسه G من خلال ثلاثة مستويات، أولها ما أسميه "الإسلام الشعبوي أو الاستغاثي" وهو إسلام الجماهير التي تجد نفسها في المجتمع الحديث أمام خطر تحطم ثقافتها وأسلوب حياتها، ولم تجن أي شيء في المقابل، بل واستمر الهجوم عليها بالإعلانات التلفازية وبيع أحلام مستحيلة لها بالاستهلاك وبالرفاهية وبالسيارات الفارهة.. إلخ. والأحلام المستحيلة تتحول، بطبيعة الحال، إلى كوابيس. فعادت هذه الجماهير إلى الشيء الوحيد الذي تعرفه وهو الإسلام. وقد لاحظت أن هذا الإسلام الاستغاثي له جذور قوية خارج المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية. ففي مدينة مثل دمنهور نجد أن الأسرة الممتدة لا تزال قوية، وثمة درجة عالية وفعالة للمنظومة الأخلاقية التقليدية وللحفاظ على الشعائر الإسلامية مثل الصوم والصلاة والزكاة والحج. هذا الإسلام الاستغاثي أو الشعبوي يصدر عن فطرة سليمة ويقف في وجه تفكيكية الحداثة، وإن كان لا يستند إلى تحليل عميق لظاهرة الحداثة أو إدراك واع لأبعادها الإيجابية والسلبية، ولذا فهو لا يطرح حلًا شاملًا لمشاكلنا، وهو يعبر عن نفسه في شكلين: الأعمال الخيرية مثل التبرع للفقراء، وتأسيس مؤسسات بديلة أو موازية للمؤسسات الحكومية مثل مراكز العلاج الإسلامية، ورعاية الأرامل، بل والدروس الخصوصية في المساجد (وبالمناسبة الكنائس تفعل الشيء نفسه). لكن هذا الإسلام الشعبوي يعبر عن نفسه أيضًا من خلال الأعمال الإرهابية التي تعبر عن غضب حقيقي لا يستند إلى فهم عميق للواقع ولا يطرح برنامجًا للحل. ومن ثم أرى أن الإرهاب عرض لمرض.
وفي مقابل هذا "الإسلام الاستغاثي" هناك المستوى الثاني وهو " الإسلام السياسي" متمثلًا في القوى والحركات الإسلامية التي تسعى لتطبيق برنامجها ذي المرجعية الإسلامية من خلال القنوات الشرعية، ومن أهمها بطبيعة الحال الإخوان المسلمون. وأعتقد أن إتاحة الفرصة أمام الحركات الإسلامية للتعبير عن نفسها من خلال هذه القنوات هو السبيل لوقف الإرهاب لأنه يتم بذلك استيعابها داخل المنظومة السياسية القائمة. وبالمناسبة معظم التيارات السياسية في العالم أدركت أن المجتمع مسألة مركبة للغاية وأن إدارته تتطلب خبرات متعددة وكثيرة، وأن الاستيلاء على نظام الحكم من خلال ثورة أو انقلاب عسكري لا يحل المشكلة، وأن من يستولي على نظام الحكم بهذه الطريقة يقع في قبضة المؤسسات الأمنية. من هنا نجد أن معظم الحركات السياسية (بما في ذلك الشيوعيون ودعاة الإسلام السياسي) يهتمون بمؤسسات المجتمع المدني مثل النقابات وجمعيات حقوق الإنسان بوصفها وسيلة للتغيير كما يؤمنون بالتداول.
أما المستوى الثالث فهو "الإسلام الفكري" أو "الحضاري" أو "الثقافي" مثل محاولاتي وآخرين لتطوير رؤية إسلامية تتعامل مع العصر الحديث. هذا الخطاب يتسم بأن حملته يدورون في الإطار الإسلامي، ولكنهم في الوقت ذاته مدركون لأهمية البعد الثقافي. وكما قال أحد المفكرين: «الثقافة من دون دين تتسم بالسطحية وعدم العمق لأنها تتحاشى الأسئلة الكبرى»، والدين من دون ثقافة يمكن أن يسقط في التفسيرات الحرفية والتعصب. هذا المستوى من الخطاب الإسلامي الجديد يتسم بالشمول؛ فهو يتعامل مع العمارة والتاريخ والفلسفة والقانون والفنون وأسلوب الحياة، كما أنه يتناول قضايا كبرى مثل البيئة والاستهلاك والتقدم، ولأن الموقف من الدولة قد أصبح أكثر تركيبًا فلم يعد الاستيلاء على نظام الحكم هو الهدف المرجو. ويمكن أن أضرب أمثلة كثيرة على هذا الإسلام الفكري مثل اجتهادات الدكتور سليم العوا في مجال القانون، ومحاولات الدكتور الموصلي صنع الأخشاب من سعف النخيل، فهو انطلاقًا من رؤيته الإسلامية لم ير الطبيعة باعتبارها مادة ميتة يغزوها الإنسان ويوظفها لمصلحته، بل رآها باعتبارها كيانًا استخلفه الله فيها فيحاول الحفاظ عليها والاستفادة منها في الوقت ذاته. وحديقة الحوض المرصود التي حصل من خلال تصميمها الدكتور إبراهيم عبد الحليم على جائزة آغا خان الدولية في العمارة الإسلامية نموذج تطبيقي في هذا الاتجاه، فالدكتور عبد الحليم لم يرفض مفهوم وقت الفراغ، ولكن تعامل معه بصفته مسلما. وداخل هذا المستوى يوجد تيارات كثيرة، واختلافات بعضها عميق وإن لم يكن جوهريًا.
س: ما حجم استفادة الخطاب الجديد من التراث الفقهي؟
ج: لابد أن أشير إلى أن محاولة توليد رؤى إسلامية حديثة يجب أن تنطلق من المنظومة الفقهية وتهتدي بهديها باعتبارها اجتهادًا مهمًا، قام به رجال عظام فهموا الشريعة جيدًا وحاولوا تنزيل أحكام منها على الواقع الذي كانوا يعيشونه. الخطاب الفقهي ثري لأقصى حد، ولكن مع الأسف مصطلحاته بالنسبة إلى كثير من المثقفين الإسلاميين لا تبوح بمعانيها كاملة. وعندما أتمكن، من خلال بعض الدراسات، من فهمه أجد نفسي أمام خطاب غني وعظيم بالفعل. والمطلوب هو ترجمة المصطلح الفقهي والمفاهيم الفقهية إلى مصطلحات ومفاهيم حديثة، بهذه الطريقة سيتمكن الخطاب الإسلامي الجديد من الاستفادة من التراث الفقهي استفادة كاملة. وأعتقد أن هناك محاولات جادة في هذا المضمار، ويحضرني هنا الدكتور العوا والشيخ القرضاوي والشيخ الغزالي. وأنا أتحدث عن مصر وحسب، ولا شك أن هناك إسهامات أخرى في بقية العالم الإسلامي لا أعرف عنها الكثير.
س: ألا تعتقد أن السؤال المحوري الذي طرحه رواد النهضة الأوائل في عالمنا العربي، والذي عبر عنه الأمير شكيب أرسلان بصيغة: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم، لا يزال يفرض نفسه بإلحاح شديد على مفكري المرحلة الراهنة؟
ج: أعتقد أنه كان سؤالًا خاطئًا، لأن المطلوب أن يُعرّف التقدم قبل أن يقول لماذا تقدم الآخرون. أولًا، لأن هذا التقدم له ثمن، ثانيًا، التقدم يكون دائمًا نحو هدف ما، ومن ثم ما هذا الهدف؟ كل هذه الأمور تحتاج إلى توضيح، وقد أصبحت منظومة التقدم الغربية بعد الستينيات بحاجة إلى إعادة تقييم، وعليه، أصبح هذا السؤال غير ذي موضوع الآن.
س: لكن معظم الأسئلة التي انشغل بها – ويشتغل بها – الفكر العربي والإسلامي هي أسئلة يمطرنا بها الآخر، وفرضها التطور الطبيعي للمجتمع الغربي. فهل ترى أنه من الأجدى للمفكر العربي والإسلامي تأسيس خريطة جديدة من الأسئلة تكون نابعة من دائرتنا الحضارية؟
ج: هذه الأسئلة فرضت علينا فرضًا، لأن منظومة الحداثة فرضت نفسها، بسبب نجاحها الذي أدى إلى هيمنتها علينا ماديًا ووجدانيًا. لكن كما تفضلت، آن الأوان أن نبدأ في كتابة الأجندة الفكرية والعملية الخاصة بنا، وهي مختلفة عن الأجندة الفلسفية للغرب. وكما قلت، كل شيء تغير بعد الستينيات، بعد أن دخلت منظومة الحداثة الغربية مرحلة الأزمة.
س: ما تفسيركم لأسباب انسحاب المسلمين من العالم، وفشلهم في خلق عناصر واتجاهات قادرة على التأثير في توجه العالم ومسار الإنسانية خلال القرن المنصرم؟
ج: أما لماذا انسحب المسلمون من العالم، فأعتقد أنه إلى حدود الستينيات من القرن الماضي، كانت الحداثة الغربية ناجحة. وأعتقد أن ما سمي بجيل النهضة كان جيلًا مقلدًا، حيث تحول التأليف إلى ترجمة، وأصبح الذي يجيد لغة أجنبية مؤلفًا بغض النظر عن مقدرته الإبداعية. فنحن نترجم حين نترجم ونترجم حين نؤلف أيضًا. فبعض أعمال طه حسين الأولى ذيلية للغرب، ولكنه ابتداء من أواخر الأربعينيات بدأ يبتعد عن الغرب وبدأ يدرك أهمية التراث في عملية النهضة. والشيء نفسه بالنسبة إلى الآخرين، فالعقاد تعبير واضح عن عملية رفض الذيلية للغرب.
والحركات الإسلامية كانت هي الأخرى ذيلية للغرب، تحاول اللحاق به مع جملة من التعديلات التجميلية هنا وهناك! وكما أقول مازحًا – أيضًا – إن الحداثة بالنسبة إلى الإسلاميين هي الحداثة الغربية بعد أن تكتب عليها "بسم الله الرحمن الرحيم". وكأن المسألة بالنسبة إلى هؤلاء الإسلاميين هي فقط الفصل بين الجنسين وفرض الحجاب على المرأة. وبعد ذلك لا مانع أن تدخل الحداثة الغربية بكل قوتها، غير مدركين أنها في نهاية الأمر حداثة منفصلة عن القيمة، وأنها نجحت في الغرب، أولًا بسبب هذا الانفصال، وثانيًا بسبب إخفائها لثمن التقدم عن الجميع. من جانب آخر، لم يكن من الممكن كتابة تاريخ الحداثة الغربية إلا بعد الستينيات، ففي تاريخ الحداثة العلمانية الغربية حدث ما يلي: تمت علمنة رقعة الحياة العامة لكن ظلت الحياة الخاصة منضبطة إما بالأخلاقيات المسيحية أو بأخلاقيات علمانية ذات جذور مسيحية، فكانت الحياة الأسرية متماسكة، ولم تكن ظاهرة الطلاق معروفة إلا بنسب ضئيلة، ولم يكن انتشار المخدرات أمرًا معروفًا، والحمل السفاح لم يكن معروفًا. بعد الستينيات بدأت كثير من السلبيات المصاحبة للحداثة الغربية (المادية الداروينية) تظهر، ولذا لابد من إعادة كتابة تاريخ هذه الحداثة وإعادة تقييمها في ضوء ما وضحته التطورات والإشكاليات الأخيرة.
لكن من ناحية أخرى، الأجيال الجديدة في عالمنا العربي والإسلامي بدأت تدرك أن هناك أزمة في الحضارة الغربية وأنها لا يمكنها أن تقدم لنا حلولًا. وأعتقد أن من أسباب تزايد الإبداع بين الشباب، هو بحثهم عن حل لمشاكلنا، حل نابع من تراثنا وقيمنا وهويتنا، لأن الحلول المستوردة ليست حلولًا. أما بالنسبة إلى الذين هم في سني فالأمر جد مختلف، فحينما تخرجت في الجامعة عام ???? كانت المسألة واضحة تمامًا، فإما أن تكون رأسماليًا أو اشتراكيًا، أي إننا كنا ندور في إطار الحداثة الغربية، وإذا كان المرء مبدعًا فما عليه إلا أن يخلط هذا بذاك ويأتي بصيغة ثالثة، وفي كل الأحوال كانت المرجعية الصامتة بالنسبة إلى الجميع هي دائمًا الغرب. أما الآن فإن بحث المرء عن المرجعية الاشتراكية فلن يجدها، وإن بحث عن المرجعية الرأسمالية فسيجد أنها لم تعد تخفي شراستها ووحشيتها وأنها متأزمة، مختنقة، وفي حالة احتقان. وفي هذه الحالة يكون المرء مضطرًا للتفكير والاجتهاد والبحث والإبداع.
وليس من قبيل المصادفة، أن كثيرين مثلي – نحن الذين كنا ماركسيين وعلمانيين – بدأت رحلة عودتنا إلى الإسلام في أواخر الستينيات، وهي فترة بداية اتضاح أزمة الحداثة الغربية. وبالمناسبة، رحلة عودة روجيه جارودي إلى الإسلام بدأت – أيضًا – في هذا التاريخ. فالعودة إلى الإسلام ظاهرة عالمية وجزء من محاولة البحث عر حداثة بديلة. وأزعم أنه كلما زادت الأزمة في الغرب، زاد الوعي والإبداع بين الشباب. يجب أن نفتح الأبواب أمام الأجيال الجديدة كي لا يبدؤوا من حيث بدأنا نحن وإنما من حيث انتهينا.
س: هذا الكلام يحجرنا إلى ضرورة توضيح موقف الإسلام من الحداثة والتحديث؟
ج: لابد أن أشير بداية إلى أن موقف كل من الخطاب الإسلامي القديم والجديد من الحضارة الغربية ومن الحداثة، هو الذي حدد كثيرًا من ملامح وتوجه وأطروحات كل منهما، مع التأكيد أن كلا الجيلين، القديم والجديد، لم يؤسس منظومته الفكرية انطلاقا من المنظومة الإسلامية فحسب، وإنما نتيجة تفاعله مع الحضارة الغربية في الوقت ذاته. وهذا أمر طبيعي للغاية، فهذه الحضارة فرضت سيطرتها على العالم، واكتسبت مركزية بحكم الانتصارات العلمية والعسكرية التي حققتها، وطرحت نفسها باعتبارها مستقبل البشرية جمعاء، وألقت بالتحدي الذي كان على الجميع الاستجابة له شاؤوا أم أبوا.
وباختلاف نوع التحدي وحدّته اختلفت الاستجابة. وقد وجد المصلحون الأوائل جوانب إيجابية كثيرة في هذه الحضارة الغربية، بل أكاد أقول إنهم انبهروا بها، وهذا ما عبر عنه الشيخ محمد عبده في عبارته الشهيرة: «لقد وجدت هناك مسلمين بلا إسلام، ووجدت هنا إسلامًا بلا مسلمين»، وإن كان بعض من درسوا فكره وسيرته يقولون إنه لم يتفوه بها. وعلى كل هناك كثيرون ممن يؤمنون بهذه العبارة وبالرؤية التي تعبر عنها، ولذا فلنعتبرها وصفًا لنمط متكرر بين بعض المفكرين الإسلاميين. ولذا كانت استجابة كثير من أعضاء الجيل الأول للتحدي الغربي هي: كيف يمكن أن ننقل تلك المنظومة الرائعة إلى حضارتنا مع الاحتفاظ بقيمنا وبشيء من هويتنا؟ بمعنى كيفية التصالح مع الحداثة الغربية واللحاق بها والتكيف معها، وكيفية المزاوجة بين الإسلام والحداثة، وهذا هو جوهر كثير من المشاريع الإسلامية الإصلاحية التي سادت في الساحة حتى منتصف الستينيات من هذا القرن، وهو ما نشير إليه بوصفه الخطاب الإسلامي القديم. حيث كانت المنظومة الإسلامية جزءًا من المنظومة العامة التي سادت العالم الثالث منذ بداية القرن العشرين، حين كان الجميع يبذلون قصارى جهدهم في اللحاق بالغرب والتنافس معه على أرضيته. ولعل انبهار هؤلاء المفكرين بالحداثة الغربية يعود إلى أن أزمتها ومشاكلها لم تكن قد اتضحت بعد.
ولكن لو كانت خبرة هؤلاء مع الحضارة الغربية مثل خبرتنا لترددوا كثيرًا فيما يقولون. وثمة واقعة تاريخية أكررها لأنها توضح النقطة التي أود أن أصل إليها: كان الشيخ رفاعة الطهطاوي يعيش في باريس عام ????م، ومسألة إعجابه بالحضارة الغربية مسألة معروفة لدى الجميع. ولكن في هذا العام نفسه كانت مدافع القوات الفرنسية تدلك القرى الجزائرية الآمنة دكًا. كان الشيخ رفاعة الطهطاوي يرى من حوله في باريس النور الساطع (الذي يعشي الأبصار)، ولا يسمع سوى الإيقاع المتحضر المدوي (الذي يغطي على كل الإيقاعات الأخرى)، أما الشيوخ الجزائريون الذين كانوا يجلسون في قراهم البسيطة فكانوا لا يرون إلا ألسنة النيران المندلعة، ولا يسمعون سوى قعقعة قنابل الفرنجة. وتورد إحدى كتب التاريخ أنه قيل لأحد هؤلاء الشيوخ: إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية في ربوع الجزائر. وجاء رده جافًا ومقتضبًا ودالًا، إذ قال: «ولم أحضروا كل هذا البارود إذن؟». نحن مثل هذا الشيخ الجزائري، فقد شممنا رائحة البارود، وشاهدنا ألسنة اللهب، وسمعنا قعقعة المدافع، ورأينا سنابك خيولهم وهي تدوس كل شيء، ثم رأينا البارود وهو يزداد انتشارًا، وشاهدنا مقدرته التدميرية تتطور وتتقدم بشكل مذهل إلى أن أخذت شكل قنابل عنقودية وأسلحة جرثومية وصواريخ تحمل رؤوسًا نووية، تخصص لإنتاجها نسب مئوية عالية في ميزانيات الحكومات الغربية (ثم الشرقية والجنوبية والشمالية)، حتى أصبحت صناعة أسلحة الفتك من أهم الصناعات في عالمنا الحديث. ونحن رأينا أزمة هذه الحضارة وقرأنا عن إفرازاتها الكريهة. لو كان الشيخ رفاعة قد شم رائحة البارود كما فعل الشيخ الجزائري وكما نفعل نحن، ولو كان قد عاصر مرحلة أزمة الحداثة، لأعاد النظر في كثير من آرائه.
حملة الخطاب الإسلامي الجديد لا يشعرون بالإعجاب تجاه الحداثة الغربية، بل إن خطابهم ينبع من نقد جذري لها، وهم في هذا لا يختلفون عن كثير من المفكرين والحركات السياسية في العالم الثالث والعالم الغربي في الوقت الحاضر. فالماركسية في واقع الأمر هي شكل من أشكال نقد الحداثة، وقد نبعت منها مدرسة فرانكفورت التي عمقت هذا النقد، والأدب الرومانتيكي كان احتجاجًا على الحداثة الغربية. ولكن احتجاج الأدب الحداثي كان أكثر عمقًا وجذرية، فهو الذي يصور عالم الحداثة المتشيئ، حيث يتحول الإنسان إلى شيء، وتفقد الأشياء معناها وتنكسر حلقة السببية تمامًا. ومسرح العبث هو جزء من هذا الاحتجاج الغربي على الطريق المسدود الذي أوردتنا إياه الحضارة الغربية. وقد ظهرت أخيرًا الأصولية الدينية في الغرب امتدادًا جماهيريًا شعبيًا لهذا الاتجاه الفكري. وفي العالم الثالث نجد أن الفكر القومي هو في جوهره محاولة لدخول عالم الحداثة من بوابات غير غربية ودون فقدان الخصوصية، أي ثمة إدراك ضمني مفاده أن الحداثة الغربية تنزع الخصوصية عن الإنسان وتفرغه من مضمونه الإنساني. والخطاب الإسلامي الجديد هو جزء من هذا التيار العالمي الأكبر، وليس مقصورًا علينا بأية حال، فثمة إحساس بأزمة الحداثة الغربية أخذ أشكالًا مختلفة في أرجاء العالم وأخذ شكلًا إسلاميًا في العالم الإسلامي.
ومع هذا يمكن القول بأن النقد الإسلامي للحداثة يختلف عن أشكال نقد الحداثة في بقية العالم، إذ إنه يدرك مدى ارتباط منظومة الحداثة الغربية بالإمبريالية الغربية، ويدرك صعوبة فصل الواحد عن الآخر (والإمبريالية على أية حال كانت هي أولى تجربة لنا مع الحداثة، والاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو آخرها). كما أن النقد الإسلامي للحداثة يتسم بأنه متفائل لأنه يطرح حلولًا، على عكس النقد الغربي للحداثة فهو متشائم عدمي.
س: ما أهم سمات الخطاب الإسلامي الجديد في رؤية المسيري؟
ج: الخطاب الإسلامي الجديد لا يقنع باستيراد الإجابات الغربية الجاهزة عن الأسئلة التي يطرحها عليه الواقع، ويتسم بأنه بالضرورة خطاب شامل، فهو على المستوى الجماهيري يطرح شعار "الإسلام هو الحل"، وعلى المستوى السياسي والاقتصادي يطرح شعار "الإسلام هو العدل" وعلى المستوى الفلسفي يطرح شعار(الإسلام هو رؤية للكون)، وهو يتعامل مع كل من اليومي والمباشر والسياسي والكلي والنهائي، أي إن الخطاب الإسلامي الجديد يصدر عن رؤية معرفية شاملة، فالعلمانية الشاملة تطرح رؤية تغطي كل جوانب الحياة، ولذا إن لم تتسم الرؤية الإسلامية بالشمول نفسه فإنه سيترك فراغًا، وستملأ العلمانية الشاملة هذا الفراغ. فعلى سبيل المثال إن قمنا بتحريم الصورة بعد أن أصبحت لغة الصورة أكثر اللغات شيوعًا في العصر الحديث، فإننا سنخلق فراغًا حضاريًا في العالم الإسلامي سيقوم العلمانيون الذين تملكوا ناصية هذه اللغة بملء هذا الفراغ بصور وأفلام تعبر عن رؤيتهم للكون تغزو أعماق أعماقنا. إن هذا الخطاب يغطي كل مجالات الحياة: سواء كانت أخلاقية أم سياسية أم اقتصادية أم جمالية، بمعنى أنه ليس مقتصرًا على الجانب السياسي أو الاقتصادي كما هو الحال في الخطاب الإسلامي القديم، فهو يتعامل مع القانون والتاريخ، ومع المعمار، ومع وضع المرأة ومع الطب. ويحاول أن يقدم خطابًا إسلاميًا شاملًا يصلح للتطبيق في العصر الحديث.
ومن سمات هذا الخطاب الجديد أنه يحاول الإجابة عن الأسئلة التي طرحتها الحداثة الغربية، على البشر من خلال رؤية إسلامية. وهو يدرك الطبيعة العدمية المدمرة للحداثة الغربية. فهذه الحداثة لا تبني العلم والتقنية والعقل وحسب كما يزعمون، وإنما هي تبني العلم والتقنية والعقل، المنفصلين عن القيمة Value–free، ولهذا فهي معادية للإنسان، لأن ما يميز الإنسان عن الحيوانات إمكانية تجاوزه السطح المادي وقوانين المادة من خلال القيم غير المادية التي يؤمن بها. كما يدرك هذا الخطاب أن الغرب هو "الآخر"، ولكنه يدرك الآخر بمجموعه، بنقاط ضعفه وقوته ومزاياه وعيوبه، ولذا فهو يرى أن بوسع المسلمين نقل بعض هذه المزايا لا كما يقول الليبراليون العرب أننا يجب أن نأخذ الغرب كله بحلوه ومره وخيره وشره. والخطاب الإسلامي الجديد يؤمن بالديمقراطية والتداول والتعددية، على عكس جميع أنواع الخطابات القديمة، دينية كانت أم علمانية، التي كانت تؤمن بأن الاستيلاء على الدولة المركزية هو الوسيلة الوحيدة للإصلاح وتحقيق التغيير المنشود. الخطاب الجديد يرفض مثل هذه الرؤية الاختزالية، ولذا نجد أن ثمة إيمانًا عميقًا لدى الحركات الإسلامية بأهمية العمل الأهلي أو المدني، وهو إيمان نابع من إدراك القائمين على هذه الحركات أن الإصلاح لابد أن يتم من أسفل إلى أعلى، أي من المجتمع إلى الدولة، وليس من أعلى إلى أسفل، أي من الدولة إلى المجتمع، وبالفعل ثمة عمل أهلي ومدني نشط بين الإسلاميين في مصر مثلًا.
س: أشرت إلى وضع المرأة في هذا الخطاب، فما مكانتها منه؟
ج: المرأة أصبحت محورية بالنسبة إلى الجميع. فالغرب يعتبرها محورية باعتبارها فردًا مظلومًا، وأنا أعتبرها محورية لأن الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، والمرأة هي اللبنة الأساسية في بناء الأسرة. الغرب يحاول أن يحرر المرأة أي يزيد من تشظي المجتمع وتحويله إلى أفراد، لأن الوحدة التحليلية في المجتمع الغربي هي الفرد، في حين أن الوحدة التحليلية الأساسية في الخطاب الإسلامي هي الأسرة. والمجتمع له حقوق كما أن للأفراد حقوقًا، بل إن حقوق المجتمع تسبق حقوق الأفراد، فإذا كان للأفراد حرية مطلقة ألا يجب أن يكون للمجتمع حقه أيضًا في الدفاع عن نفسه ضد بعض الأفراد الذين يحاولون هدمه؟ لنأخذ مثلًا الإباحية. يدافع البعض عنها باعتبارها حرية فكر، وباعتقادي أنها لا علاقة لها بالفكر إلا فيما ندر، وإذا تبناها البعض فمن أجل الشهرة أو من أجل المال. ومن ثم على المجتمع أن يدافع عن نفسه. والمرأة في هذا الإطار هي شخص يعبر عن هذه المنظومة ذات التوجه الاجتماعي، وليست مجرد فرد له حقوق منعزلة عن حقوق الزوج أو عن حقوق أعضاء العائلة وحقوق المجتمع، لأن حق المرأة مرتبط بحقوق الأسرة، وهويتها مرتبطة بهويتها أمًا وزوجة، ولذا يجب أن تتم عملية الإصلاح داخل هذا الإطار. هذا لا يعني أني لا أقر بظلم المرأة، فهي مظلومة في المجتمعات العربية والإسلامية، وهناك اجتهادات فقهية لرفع الظلم عنها، وأعتقد أن بلدًا مثل إيران أعادت للمرأة اعتبارها وحقوقها، فهي تشارك في الحياة العامة مشاركة فعالة إلى درجة تفوق مشاركة المرأة في بعض المجتمعات الغربية.
س: ولكن ثمة من ينظر للمرأة بالطريقة التقليدية، على أنها مجرد أنثى؟
ج: نظرة الرجل للمرأة على أنها "أنثى" نظرة حديثة، فقديمًا كانت أمهاتنا لهن أدوار ووظائف كثيرة، ودورها يتكامل مع دور الأب، وكان ثمة تقسيم واضح ومحدد للعمل، أما الآن فما حدث هو أن المرأة أصبحت أمًا وزوجة وامرأة عاملة أيضًا، ومع تعريف العمل بأنه "ما يتم في الحياة العامة ويتقاضى عنه الإنسان أجرًا"، ومن ثم الأمومة ليست عملًا، ففقدت المرأة مكانتها ولم يحدث تعويض لها بالاعتراف بأهميتها وفضلها. وحينما انتزع ذلك منها بدأ الخلل. ومما فاقم الأمر أن الإعلام من خلال الإعلانات والأفلام حوّل المرأة إلى أنثى فقط، فالحضارة الحديثة مهتمة بالجسد لدرجة غير إنسانية، ولذا على المرأة أن تكون زوجة وامرأة عاملة، وروبي ونانسي عجرم، وهذه أمور يصعب الجمع بينها. وأعتقد أن النهضة العربية الإسلامية لا يمكن أن تبدأ من دون تطوير منظومة جديدة للتعامل مع قضية المرأة والأسرة، خاصة مع زيادة الهجوم على مؤسسة الأسرة في الآونة الأخيرة من قبل النظام العالمي الجديد. فالنظم الغربية بعد أن أخفقت في المواجهة العسكرية المباشرة مع شعوب العالم الثالث قررت الالتفاف واللجوء إلى الإغواء بدلا من البطش. وعملية الإغواء هذه تتم بعدة طرائق من بينها تجنيد النخب الحاكمة في العالم الثالث وإيهامها بأنها ستشارك في عملية السلب الإمبريالي. ومن طرائق الإغواء الأخرى ما يسمى حركة " الفيمينيزم" أي "التمركز حول الأنثى"، وهي عملية إغواء الهدف منها ضرب الأسرة لأنها تمثل قلعة المقاومة الأخيرة في العالم الثالث، إنه من خلال منظومة الأسرة يتم توارث المنظومات القيمية القومية والتراثية والدينية خارج سيطرة وهيمنة النظام العالمي الجديد والدولة المركزية، وهكذا.
وكما أسلفت؛ اللبنة الأساسية في بناء الأسرة هي المرأة لا الرجل، هذا القول قد يؤذي شعور بعض الرجال لكن يجب أن ندرك هذا نحن العرب والمسلمين. إن المرأة هي اللبنة الأساسية، ومن دون المرأة لا يمكن للأسرة بصفتها مؤسسة أن تستمر، ومن دون الأسرة لا يمكن لهذا المجتمع العربي والمسلم أن يستمر، ومن ثم فإنني أحذر من تدخل النظام العالمي الجديد، هذه دعوة لننظر في قضية المرأة لنجد حلًا عربيًا وإسلاميًا لهذه القضية يضمن لها الحياة الكريمة والعدالة ويحقق لها حيزًا نسويًا خاصًا تتحرك فيه وتحقق فيه ذاتها دون أن تدمر الأسرة بالضرورة. إن ما يُطرح الآن هو أن تحقق المرأة ذاتها، لكن الذات هنا ذات منفصلة تمامًا عن المجتمع. ونقطة البدء في البرنامج الإصلاحي الذي أقترحه هو أن يعاد تعريف العمل، بحيث يتم الاعتراف بالأمومة على أنه عمل أساسي، وأن رعاية الأسرة هي الأخرى عمل، مع أن الأنثى لا تتقاضى عنه أجرًا ولا تمارسه في رقعة الحياة العامة.
وأطرح تصورًا قد يكون طريفًا بعض الشيء، وهو أنه بدلًا من طرح قضية المرأة باعتبارها رفع القيود عنها، علينا أن نطرح القضية بطريقة أخرى وهي المطالبة بتقييد حرية الرجل، بمعنى أن حرية الرجل زادت أكثر من اللازم، فلم يعد يقوم بدور أساسي في الأسرة، كما كان الحال في الماضي. وأنا أذهب إلى أنه يجب أن يعود الرجل مرة أخرى ليقوم بدور أساسي في الأسرة وألا يكون مجرد مصدر دخل، فليست القضية زيادة حرية المرأة وإنما تقييد حرية الرجل.
س: هل هذا الخطاب الإسلامي الجديد موجه للخارج، أم للخارج وللداخل؟ أم سيظل القديم قديمًا في الداخل، فيما يعاد النظر في الخطاب الإسلامي الموجه للخارج؟
ج: الخطاب الإسلامي الجديد موجه لكل من الداخل والخارج. حَمَلةُ الخطاب الجديد هم أبناء شرعيون للخطاب القديم، ولكن نظرًا لتغير المرحلة وتغيّر المعطيات (وبخاصة معطيات الآخر الذي هيمن على العالم كما أسلفنا) أصبح من المتعين تغيير ملامح المشروع الإسلامي، ليصبح مشروعا لتوليد حداثة إسلامية، تصلح للمجتمعات الإسلامية، وتدخل بها الشعوب العربية والإسلامية العالم الحديث من دون أن تفقد إنسانيتها وهويتها وقيمها. كما أن هذا الخطاب بسبب شموله هو خطاب موجه للعالم بأسره، ومن هنا هو خطاب لا يقبل الغرب ولا يرفضه، لكنه بلا شك يرفض الهيمنة الغربية مع استعداده للحوار. فكثيرون من حملة الخطاب الإسلامي الجديد قد تربوا داخل كل من الحضارة الغربية الحديثة والحضارة الإسلامية. وهم يعتقدون أن الحل لكثير من مشاكل الحداثة الغربية هو الحل الإسلامي.
س: مَن من الشخصيات أو المؤسسات في المحيط العام ترى أنها تتبنى هذا الخطاب الإسلامي الجديد؟
ج: لعل من أهم حَمَلة الخطاب الإسلامي الجديد الأستاذ فهمي هويدي، الذي يكتب مقالاته الأسبوعية في الأهرام وغيرها فيقرؤها الملايين من الإسلاميين وغير الإسلاميين، وهي مكتوبة بالعربية ولا تُنشر إلا في صحف عربية. وأعمال الأستاذ طارق البشري منشورة بالعربية فقط، أو لعلها منشورة بالعربية أساسًا. وكتابات الأستاذ عادل حسين – رحمه الله – هي الأخرى من أهم ما كتب في إطار هذا الخطاب.
ويمكن القول بأن هناك عشرات الآخرين من حملة الخطاب الإسلامي الجديد والدعاة له، من الممكن ذكر أسماء بعضهم: الشيخ راشد الغنوشي، ومنير شفيق، والمهندس المعماري الدكتور عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم، والدكتور راسم بدران، والدكتور سليم العوا، والدكتور بشير نافع، والدكتور طه عبد الرحمن، والدكتور أبو يعرب المرزوقي، وجماعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي (الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي، والدكتور طه جابر العلواني، والدكتور عبد الحميد أبو سليمان، والدكتورة منى أبو الفضل)، والدكتور سيف الدين عبد الفتاح، والدكتور نصر عارف، والدكتورة هبة رؤوف، والدكتور إبراهيم البيومي غانم، والأستاذ هشام جعفر، والأستاذ حسام تمام، والدكتور لؤي الصافي، والدكتور جمال عطية، والدكتور عزام التميمي، والدكتور رفيق بوشلاقه بالإضافة إلى مجلة المسلم المعاصر. وهؤلاء لا ينتمون إلى مدرسة واحدة بل بينهم اختلافات، بعضها عميق، لكن كلهم يشتركون في محاولة توليد خطاب إسلامي جديد ينبع من القرآن والسنة مع الاستفادة من اجتهادات السلف الصالح.
ولا شك أن ثمة عشرات آخرين داخل وخارج العالم العربي يساهمون في تشكيل الخطاب الجديد. ويلاحظ أن كثيرًا من مثقفي أعضاء الجماعات الإسلامية في الغرب بدؤوا يساهمون بشكل فعال في إثراء هذا الخطاب الجديد، وهم لا يكتبون بالعربية ولكن إسهاماتهم مبدعة لأقصى حد. ويمكن أن نذكر في هذا المضمار المفكر الباكستاني (المقيم في السويد) بارفيز منظور ومؤسسة Islamic Foundation. ولعل المطلوب الآن أن نعمق إدراكنا للأطروحات الأساسية لهذا الخطاب الجديد، وأن نقوم بعملية تكثيف معرفي من خلال حصر حملة هذا الخطاب وعناوين ما كتبوا من دراسات. وأرجو ملاحظة أنني لم أذكر هنا سوى المفكرين، ولم أذكر الناشطين السياسيين الذين يتحركون على أرض الواقع في إطار هذا الخطاب الجديد. وإن كان من الضروري أن أشير إلى أن القيادات الشابة في الإخوان المسلمين تتحرك في إطار هذا الخطاب الجديد.
س: كيف يمكن لهذا الخطاب الإسلامي الجديد إنجاز أهدافه وغاياته؟ ألا ترى أنه لابد من إصلاح الخطاب الديني؟
ج: ابتداء لابد أن أشير إلى أن عبارة "إصلاح الخطاب الديني" تستخدم أحيانًا لتعني إعادة صياغته بطريقة ترضي الغرب، مما يعني تحويل الدين إلى تجربة ذاتية روحية فيفصل الدين عن السياسة وعن الحياة، وتصبح النزعة الجهادية والرغبة في إقامة العدل في الأرض نزعات ورغبات إرهابية، أي إن الإصلاح هنا يعني إلغاء ما أسميه بالإسلام المقاوم وسيادة رؤية لإسلام براجماتي عملي مسالم مساوم يعجب الأجانب، والذي أسميه ساخرًا "الإسلام السياحي"! ما يدعو إليه الخطاب الإسلامي الجديد أمر مختلف تمامًا فهو خطاب يتسم بإنسانيته وعالميته ومن ثم لابد أن يدرك نفسه باعتباره جزءًا من تحرك إنساني عالمي يضم جماهير شتى تتحرك ضد الاستعمار واقتصاديات السوق الحر وسياسات نهب الشعوب والشركات عابرة القارات التي لا تكترث إلا بتعظيم أرباحها. وبذا سيكون هذا الخطاب أكثر تعاطفًا مع قضايا العدل الاجتماعي، وأكثر اهتمامًا بشعوب أمريكة اللاتينية وإفريقية وآسية. ومثل هذا الخطاب في تأكيده لرحابته الإنسانية سيؤكد في الوقت ذاته مرجعيته النهائية الإسلامية.
إن في هذا تفعيلًا لدور الخطاب الديني في مواجهة المشكلات التي يعاني منها المجتمع الحديث. وبما أن الخطاب الإسلامي الجديد خطاب للأمة بأسرها بل وللإنسانية جمعاء وليس للمسلمين وحسب، لابد من البحث عن الرقعة الأخلاقية المشتركة بين الأديان جميعًا، وأن نؤسس عقدًا اجتماعيًا جديدًا يستند إلى هذه الرقعة المشتركة. ويمكن تقسيم أي دين إلى المنظومة الأخلاقية وإلى الأصول (اللاهوت). وتتضمن المنظومة الأخلاقية كثيرًا من القيم التي ندير بها حياتنا اليومية ومجتمعاتنا، مثل الانتماء للوطن والمسؤولية الجماعية، ومفاهيم مثل الشرف والوعد والتعهد وحقوق الملكية وعلاقات القرابة والجيرة والأسرة، بل وبعض الطقوس الاجتماعية مثل الزواج والجنازات والاحتفال بمولد طفل. وسنجد هذه المنظومة الأخلاقية مشتركة بين غالبية أعضاء المجتمع (مسلمين كانوا أم مسيحيين أم علمانيين) ولذا يمكن تسميتها "المشترك الأخلاقي". يوجد اختلافات دون شك، مثل الموقف من المشروبات الكحولية والحجاب، ولكنها لا تمس جوهر التوافق الاجتماعي الإسلامي المسيحي والحقائق الأخلاقية الكبرى. أما الأصول (اللاهوت – علم الكلام) فهي مركبة إلى أقصى درجة، ولغتها غير مألوفة ولا يفهمها إلا المتخصصون، ويمكن أن نختلف نحن المسلمين والمسيحيين واليهود والعلمانيين بشأنها، وهي اختلافات حقيقية لا يفهمها البشر العاديون مع أن معاركهم الدائمة كانت بشأنها، وبوسعنا أن نعقد الندوات في كليات أصول الدين والشريعة ومدارس اللاهوت، وسيكون الحوار بطبيعة الحال علميًا ومن ثم هادئًا، ولا يتحول إلى مذابح لا عقلانية، لا تفيد أحدًا سوى أعداء الله والإنسان والأخلاق وكل الأديان. وتبقى بعد ذلك المنظومة الأخلاقية (أو المشترك الأخلاقي) التي تضم كل من يؤمن بالإنسان كائنًا منفصلًا عن الطبيعة وغير خاضع في كليته لقوانين المادة، وبأسبقية المجتمع على الفرد، وبرفض كل من يهدد هذا المجتمع بالدعوة للعدمية أو الشذوذ الجنسي، أو ما أسميه العلمانية الشاملة التي تفصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن العالم وعن مجمل حياة الإنسان. من هنا أرى تقديم المنظومة الأخلاقية الإسلامية لتكون الأساس المشترك لعقد اجتماعي بين كل أعضاء الأمة، ويصبح هذا العقد الاجتماعي شيئًا مُلزمًا. والوصول لذلك ليس مستحيلًا، لأن ثمة رقعة اتفاق بين الجميع كما ذكرت، وأنا أتحدث مع الأخوة الأقباط وأجد عندهم هذا التمسك بالقيم الأخلاقية والخوف على الثوابت، وأجلس مع الإسلاميين وأجد المعاني نفسها، وألمس الشيء نفسه عند كثيرين ممن يسمون أنفسهم بالعلمانيين. ومما يستحق الذكر أن هذه هي الطريقة المصرية في التعامل مع الدين، فحتى عهد قريب كانت تسود المجتمع معايير أخلاقية عامة بخصوص العيب والمباح والحشمة والتبرج و"الأصول" وما هو خارج عنها. ثمة معايير كان الجميع يتقبلها ويسلك في إطارها دون أن يتحدث قط عن العقائد. ثم جاء الانفتاح وتصاعد الاستهلاك وزادت عمليات التغريب في صفوف بعض الطبقات، فانفرط العقد.
س: بعد تعريف هذا المشترك الأخلاقي، كيف يمكن توظيفه؟
ج: هذا المشترك يمكن أن يشكل الأساس الثابت لعقد اجتماعي جديد لأبناء هذه الأمة، بمسلميها ومسيحييها وكل أبنائها. عقد اجتماعي ينطلق من بعض الثوابت الأخلاقية (الموجودة في معظم إن لم يكن كل الأديان)، ويترجم نفسه إلى برنامج شامل للعمل. ولعل حزب الوسط في مصر – الذي ما يزال يحاول الحصول على التصريح الرسمي – هو أحد تبديات هذا الخطاب، ولكنه ليس الوحيد. فالإخوان المسلمون في مصر والأردن وفي غيرهما من البلدان قبلوا مبدأ التداول، وكذلك حزب العمل في مصر الذي يحاول أن يؤسس قاعدة شعبية عريضة إسلامية في توجهها ولكنها مع هذا تضم كل أبناء الأمة.
س: أنت ترى إذن إمكانية الوصول إلى منظومة فكرية معاصرة ومتكاملة تستند إلى الفكر الإسلامي، وقادرة على حل أزمة الحضارة الغربية، وتقديم بديل يجيب عن إشكاليات التطور والنمو واحتياجات الإنسان وحرياته وحقوقه بديلًا لفكر العولمة القائم حاليًا؟
ج: ما نسعى إليه بالفعل هو الذي ذكرت، والنموذج هنا هو خطاب الرسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع التي خاطب فيها كل البشر وبدأها بقوله: "أيها الناس"، وكان خطابًا يعترف بالاختلاف بين العقائد وبين الأجناس، وطرح التقوى على أنها مرجعية نهائية لكل البشر.
أنا أعتقد أن الحاجة ماسة إلى استعادة هذه الروح، خاصة أنني لا أجد في المنظومة العلمانية أي مجال لتوليد منظومة قادرة على حل وتجاوز إشكاليات العصر. خذي مثلًا مشكلة البيئة: كيف يمكن أن ننصح الناس في المنظور المادي العلماني بأن يتوقفوا عن الاستهلاك المجنون الشره الذي سيودي بنا جميعًا؟ إذا كان الإنسان مرجعية ذاته، فإنه لا يعرف سوى المنفعة المادية واللذة الجسدية، كيف يمكن أن نطلب منه أن يكبح جماح لذته من أجل بقية الجنس البشري ومن أجل الأجيال القادمة؟
قد نجد من العلمانيين من يستجيب للدعوة لخفض الاستهلاك وحماية البيئة، لكن ذلك سيتم بدافع وجودي إنساني ولا علاقة له على الإطلاق بالمنظومة الفلسفية العلمانية، تمامًا مثل أي مستوطن "إسرائيلي" قد تتملكه الشفقة على العرب فيطالب بالسلام وبالتعايش معهم. هذا سلوك إنساني عظيم دون شك، لكن من الضروري أن ندرك أنه لا يعبر عن المنظومة الفكرية الصهيونية ولا عن حركيات التجمع الصهيوني.
س: يمكن القول إذن أنكم تسعون إلى تطوير ما تسميه "الإنسانية الإسلامية"، فكيف يمكن تلخيص الأفكار الأساسية في هذا الاتجاه الفكري؟
ج: لابد أن أبين هنا أنني انتقلت من المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان من خلال عملية عقلية تلخصت في مراقبة الطبيعة البشرية، فوجدت من خلالها أن النموذج المادي الذي يرد الإنسان إلى الأبعاد الاقتصادية والجسمانية غير كاف على الإطلاق في تفسير ظاهرة الإنسان، فثمة كثير من الظواهر والأبعاد الإنسانية ما لا يستوعبها النموذج المادي. ومن ثم توصلت إلى أن الإنسان كائن غير طبيعي تسري على بعض جوانب وجوده القوانين الطبيعية والمادية، لكن ثمة جوانب أخرى في الإنسان متحررة تمامًا من هذه القوانين، فهو يبحث دائمًا عن معنى وجوده وهو يمتلك الإرادة وعنده مقدرة على التمييز وعلى تجاوز حدود المادة والطبيعة.
كل هذا جعلني أهتدي إلى أن الإنسان لا يمكن أن يستوعب في النظام الطبيعي، وأنه يشير إلى شيء وراء الطبيعة أي إلى الله سبحانه وتعالى. ولذا أشير دائمًا إلى أن الوصول إلى الله، سبحانه وتعالى، يتم من خلال التأمل في الظاهرة الإنسانية ومدى تركيبيتها ومدى إخفاق النموذج المادي في تفسيرها. الطريق من الإنسان إلى الله وليس من الله إلى الإنسان. وهذا ما أثر في رؤيتي للإسلام وللدين بمجموعه. وقد جاء في الذكر الحكيم «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» [فصلت: ??/??]، أي إن الوصول إلى الله سبحانه وتعالى يجب أن يكون من خلال "أنفسهم". إن القرآن يربط ظاهرة الإنسان بالله، وبذا يحرره من الحدود المادية، وإن انفصل الإنسان عن الله يسقط في الحدود المادية «نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ» [الحشر: ??/??]. وفي كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب) يلجأ عليّ عزت بيجوفيتش إلى الأسلوب نفسه، فهو لا يقتبس من القرآن والسنة، وحين يفعل ذلك فإنه يضع النصوص التي اقتبسها في الهامش، أي إنه يبين أنها مرجعيته النهائية، وهو في الوقت نفسه يقدم تحليلات وتفسيرات تتسم بالعمق والجدة في الوقت ذاته، فهو يطرح قضية الإيمان (في مقابل الرؤية المادية الإلحادية) بطريقة عقلانية، عقلانية بمعنى أنها تنطلق من حقائق النفس البشرية. فيبين حاجة الإنسان إلى الميتافيزيقا، ثم يبين أن الإسلام يقف في الوسط بين الماركسية التي تؤكد الجانب المادي في الوجود الإنساني والمسيحية التي تؤكد الجانب الروحي في هذا الوجود. فكلاهما يهمل ثنائية الجسد والروح التي تسم الوجود الإنساني. وقد قال نيتشه إن آخر مسيحي مات على الصليب، أي إن المسيح كان أول المسيحيين وآخرهم، وهي عبارة متطرفة (مثل معظم أقوال نيتشه) ولكنها دالة. ويرى بيجوفيتش أنه إذا كانت الماركسية تطرح رؤية مادية مستحيلة، فالمسيحية تطرح رؤية روحانية لا تقل عنها استحالة. على عكس الإسلام، الذي يرى بيجوفيتش أن بنيته هي ذاتها بنية النفس البشرية في ثنائيتها المادية والروحية. ثم يضيف أن هذا هو سبب مشكلة الغرب مع الإسلام فهو لا يعرف إلا المادية المتطرفة والروحانية المتطرفة، ولذا فهو تارة يتهم الإسلام بالغيبية والروحانية، وتارة أخرى يتهمه بأنه مادي ويتسم بغياب الروحانية. فأنا لا أرفض المادية بوصفها نموذجًا تفسيريًا لبعض جوانب الوجود الإنساني وإنما أرفضها نموذجًا لتفسير مجمل الوجود الإنساني، إذ يوجد في الإنسان ما يستعصي على التفسيرات المادية، فالإنسان ليس محصورًا بالسقف المادي، ولذا أحتضن الرحابة الإنسانية غير المادية وأدافع عنها، باعتبارها دفاعًا عن الإنسان وشاهدًا على وجود الله تعالى.
ولذلك فإنني في تناولي لقضية العلمانية على سبيل المثال لا آتي بأمثلة من القرآن الكريم والسنة النبوية؛ وإنما آتي بأدلة من تطور الحداثة المادية العلمانية والتي دعت إلى إلغاء الإله أو على الأقل تهميشه خاصة في الحياة العامة، (ويشار إلى هذا أحيانًا بأنها أعلنت "موت الله"). وانتهى بها الأمر إلى إعلان موت الإنسان (الاغتراب – التشيؤ – التنميط – التوثن – التسلع...إلخ) ثم موت الطبيعة (الأزمة البيئية – ثقوب الأوزون – التزايد الحراري...إلخ). وحينما أدخلت المادية الإنسان تحت سقفها فرضت عليه أن يتحرك داخل هذا الإطار المادي وحسب، وهذا ما أدى إلى ظهور "الإنسان ذي البعد الواحد". وبهذه الطريقة نبين إخفاق المشروع العلماني المادي.
س: ما هي في تقديركم، أهم الصفات، التي ينبغي أن تتوافر في العناصر المسلمة ليمكنها تحقيق قفزات نوعية بالمشروع الإسلامي؟
ج: لعل من أبرز المواصفات التي ينبغي توافرها في الجيل الجديد، المقدرة على الحوار مع الذات ومع الآخر، على أن يكون البعد المعرفي قائمًا وموجودًا وبشكل راسخ، يصاحبه إدراك فلسفي للثوابت الإسلامية ومعرفة بالحداثة الغربية ومزاياها ونقائصها والأسئلة التي تطرحها علينا. ولعل هذا من أسباب انجذابي نحو المغرب، حيث نجد أن البعد المعرفي واضح جدًا في الخطاب التحليلي المغربي. وقد حاولت أن أفسر ذلك، فوجدت أن وجود المغرب على مقربة من الغرب، جعله مدركًا لأهمية الهوية ولما يتهددها، وهذا ينطبق على القطاعات من الشعوب التي تعيش في الأطراف، لكن الذين يعيشون في الوسط، مثل مصر، لا يوجد عندهم إحساس قوي بالمخاطر التي تتهدد الهوية لأنهم غير مدركين للأخطار المحدقة بها وبهم.
س: أين يقع النص القرآني والسنة ضمن الرؤية الفكرية التي تتبناها؟
ج: أرى أنه يمكننا أن نستنبط نموذجًا معرفيًا إسلاميًا من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، وهذا النموذج المعرفي يستخدم معيارًا للحكم على المنظومة الفقهية، بمعنى أن القرآن الكريم يأتي في المقام الأول، ثم تأتي السنة بعدها، وبالاستناد إليهما نتعامل مع الاجتهادات الفقهية المختلفة.
ومن خلال هذا المنهج يمكن تفسير القرآن نفسه، كما يمكن تبويب الأحاديث الشريفة حسب وظيفتها ودورها ومكانتها. وعلى سبيل المثال فإن نقطة الانطلاق هي لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله مكملة لها، وفي العبادات تأتي الصلاة في البداية، وهذا النموذج في رأيي سيساعدنا على ترتيب الأولويات في الفكر وربما يساهم في فهم أفضل للحياة والعصر.
س: المفكر الكبير د. سيد الفقير في كتابه (إسرائيل، التوراة، التاريخ، التضليل) ينتهي إلى أن العرب مسلمين ومسيحيين قد تنافسوا جميعًا في تشريف تاريخ إسرائيل وتكريمه استنادا إلى قدسية التوراة؟
ج: الإسلام دين يقبل الآخر، هذه مسألة أساسية، فإذا كان يرى الدكتور الفقير أن قبول الآخر يعني تكريمه، فأعتقد أن هذه مبالغة غير مقبولة. فالدين الإسلامي مبني على أن الديانات التي أتت من قبل قد حدث فيها شيء من التحريف، لكنها تظل ديانات حقيقية ومن الواجب علينا نحن المسلمين أن نحترمها، فأصحابها من أهل الكتاب، لهم ما لنا وعليهم ما علينا. وثمة إشارات عديدة لبني إسرائيل ولليهود في القرآن الكريم، بعضها إيجابي وبعضها سلبي. ولكن هل المعنيون هم يهود هذا العصر؟ هل ينطبق عليهم التعريف الإسلامي لليهود؟ هل كل من يدعي أنه يهودي هو يهودي بالفعل من منظور إسلامي؟ هذه قضية تحتاج إلى دراسة. كما أنني أرى أنه لا توجد استمرارية بين التوراة والقرآن، فشخصية سيدنا موسى عليه السلام في القرآن مختلفة عن موسى أو إبراهيم اللذين يرد اسماهما في التوراة، بمعنى أن السياق في القرآن مختلف عن السياق في التوراة، والربط بين هذا وذاك فيه إجحاف شديد لأن الشخصيات مختلفة تمام الاختلاف. ولذا فأنا أشير إلى كل من "سيدنا موسى، عليه السلام" وإلى "موسى التوراتي". باعتبارهما شخصيتين مختلفتين.
س: المصدر واحد والقصة واحدة والشخصية واحدة، فلماذا الاختلاف؟ هل هو بفعل التحريف؟
ج: نعم، ولكن فالأترك هذا للفقهاء، أنا بصفتي باحثًا مسلمًا أقوم بعملية الفصل بين السياق القرآني والسياق التوراتي، كما أفصل بينهما من جهة والسياق التاريخي من جهة أخرى. فالمتخصصون في التاريخ القديم يقولون إن ما يعرفونه عن التاريخ القديم أقل من القليل، فهم قد يؤسسون نظرية كاملة استنادًا إلى عملة معدنية أو مجموعة من الأحجار مرتبة بشكل معين، ثم يعثرون على مجموعة أخرى من الأحجار مرتبة بطريقة مختلفة فتتغير الرؤية تمامًا. ولذا أشير في كتاباتي إلى المرحلة السديمية، وهي المرحلة التاريخية التي يفترض أن الأنبياء ظهروا في أثنائها.
س: السدم أو السديم هو ما يستمر ولا حدود له، فهل تعني الرؤية الضبابية غير الواضحة؟
ج: بالفعل. يجب أن ندرك هذا وأن محاولة ربط القصص القرآني بالحقائق التاريخية محاولة متعسفة؛ لأن "الحقائق" التاريخية تتغير بتغير الآثار التي يعثرون عليها والاكتشافات الأثرية التي يحققونها. يجب أن نفصل بين سياق التاريخ المادي، وسياق التاريخ المقدس الذي يرد في الكتب المقدسة، من ثم ندرب العقل المسلم على عدم الربط بين التوراة والقرآن وعدم الربط بشكل حرفي مباشر بين القرآن والواقع المادي في الماضي.
س: إذا كانت مختلف مدارس العمل الإسلامي المعاصر منقسمة حول طبيعة الغرب الدينية، هل هو ديني أو لا ديني، هذا من جهة. ومن جهة ثانية إذا كانت الحداثة الغربية تشكل أهم التحديات التي تواجه العرب والمسلمين، بل والإنسانية بوجه عام، فإلى أي مدى يمكن للاختلاف حول طبيعة الغرب الدينية أن يؤثر في العمل الإسلامي في مواجهة الحداثة؟
ج: على حملة الخطاب الإسلامي المعاصر أن يدركوا أن الغرب ليس مسيحيًا، وإنما علماني ووثني. وهذه مسألة أساسية. الحداثة شيء جديد تمامًا في تاريخ البشرية؛ ففي الماضي كانت أي منظومة عقدية، حتى لو كانت كفرًا، تدور حول مطلق ما، فيكون المطلق إما صنمًا، أو إلهًا، أو شمسًا، أما الحداثة الغربية فتدعي أنها لا تدور حول أي مطلق، وأن كل الأمور نسبية، ولكن بما أن الاختلاف والتدافع هو سمة أساسية في الوجود الإنساني، فكيف يحسم هذا الاختلاف؟ هنا تظهر القوة لتكون آلية وحيدة لحسم الخلافات، فتظهر في هذه الحالة المنظومة الداروينية، وتصبح هي الميتافيزيقا والأخلاق الوحيدة التي تحسم الصراعات والاختلافات في إطارها.
يجب أن يفهم فقهاؤنا طبيعة هذه الحداثة الغربية، ويدركوا أنها تفتت الإنسان وتحوله إلى مادة استعمالية. وحينما أحاول أن أشرح هذه المنظومة لبعض الفقهاء ألجأ للمجاز لتوضيح القضية، أقول لهم: «إننا عندنا في الإسلام أنه إذا اجتمع رجل وامرأة كان الشيطان ثالثهما، لكن مشكلة الحداثة الغربية أنه إذا اجتمع رجل وامرأة فإن الشيطان لا يحضر، حيث تتحول المسألة إلى مجرد إجراءات دون أي إحساس بالذنب». وأعتقد أن حضور الشيطان مسألة مهمة؛ لأن الشيطان يستدعي الإله، فإن جاء الشيطان فهذا يعني أن هناك إلهًا، بمعنى آخر ثمة تمييز بين الخير والشر. غياب الشيطان يعني عدم وجود تمييز بين الخير والشر وعملية تحييد أخلاقية للوجود الإنساني، حيث تصبح كل الأمور متساوية وعبارة عن إجراءات، مجرد مادة استعمالية. وهذه خطورة الحداثة الغربية فهي جذابة ومحايدة، لكنها في جاذبيتها وحيادها تهدم كل ما هو إنساني.
س: إذا كانت الحداثة الغربية جديدة، وإذا كان الغرب لا دين له، ألا يمكن توليد نماذج تحليلية من النص القرآني تساعد على فهم الواقع الحالي. فعلى سبيل المثال فهم الحضارة الغربية المعاصرة انطلاقًا من نماذج فرعون وقارون؟
ج: نموذج فرعون يدور حول مطلق، فرعون هو ملك متأله، ومن ثم يعتبر نفسه الإله الذي يجب على الجميع عبادته، أما الحداثة المادية فهي تدّعي أن العالم لا مركز له ولا يوجد فيه مطلقات أو ثوابت! أقول تدعي لأنه لها ثوابتها الداروينية الكامنة والمسكوت عنها. أما النسبية الشاملة فهي شيء جديد على الإنسانية!
س: ولكنك مع هذا قمت باستخلاص بعض النماذج التفسيرية من القرآن والسنة؟
ج: في الواقع معظم نماذجي التفسيرية لها ما أسميه "مرجعية إسلامية صامتة" فمفهوم العقل التوليدي يضرب بجذوره في مفهوم الفطرة، ولا يمكن فهم نموذج الحلولية ووحدة الوجود إلا في إطار مفهوم التوحيد الإسلامي. وفي تعاملي مع إشكالية اليهود والقرآن حاولت أن أجتهد مستخدمًا منهج استخلاص النموذج المعرفي وتحويله إلى نموذج تحليلي. فأشرت إلى أن لفظ "يهودي" كما جاء في القرآن يثير بعض القضايا والأسئلة: هل لفظ "يهودي" كما جاء في القرآن يشير إلى يهود المدينة وحسب، أم إلى يهود العالم في ذلك الوقت، أم إلى يهود العالم في الماضي والحاضر والمستقبل؟ وهناك مشكلة أخرى وهي: من هو اليهودي؟ هل كل من يدعي أنه يهودي هو في الواقع كذلك، أم أنني ملزم بالتعريف الإسلامي لليهودي؟ هل أنا بوصفي مسلمًا يمكن أن أقبل الملحد الذي يقول إنه "يهودي ملحد"؟ السؤال في تصوري خطابي محض، فأنا ملزم بالتعريف الإسلامي الذي يقول: اليهود من أهل الكتاب، واليهودي من ثم هو من يؤمن بالتوراة واليوم الآخر.
س: هل نفهم من كلامك أن اليهود الذين ذكرهم اللّه تعالى في كتابه لا وجود لهم أصلًا في الواقع المعاصر؟
ج: يمكنني القول بكثير من الاطمئنان إن ?? في المئة من يهود العالم لا ينطبق عليهم التعريف الإسلامي، وأن الصهاينة لا ينطبق عليهم بأية حال التعريف الإسلامي لليهودي (بل ولا التعريف اليهودي الأرثوذكسي لليهودي). ومن ثم اقترحت ما يلي: إن لفظ "يهودي" مثل لفظ " فرعون". فلفظ " فرعون" لا يعني حاكم مصر، وإنما يشير إلى نموذج معين يتكرر في أزمنة وأمكنة مختلفة. والشيء نفسه في تصوري ينطبق على لفظ "يهودي"، فلو قمنا بدراسة الصفات التي وصف الله سبحانه وتعالى بها اليهود، سيكون بوسعنا تجريد نموذج "اليهودي"، ونطبقه على كل من يتسم بهذه الصفات سواء كان يهوديًا أم مسيحيًا أم مسلمًا أم بوذيًا، بمعنى أننا سنحول هذا اللفظ إلى نموذج تحليلي نتعامل من خلاله مع نمط بشري. وأعتقد أن في هذا حلًا لهذه الإشكالية. خذي على سبيل المثال الإشارة إلى أن اليهود لا يحاربون إلا من خلال قلاع محصنة. أن يحارب المرء من خلال قلاع محصنة مسألة طبيعية ومتوقعة من أي ظالم. فمن المعروف أن كل الجيوب الاستيطانية تلجأ للقلاع المحصنة، ولا يوجد فارق كبير بين الكيبوتزات الصهيونية، ومزارع المستوطنين البيض الأوائل في الولايات المتحدة، ومراكز تجمع المستوطنين البيض في جنوب إفريقية. وقد تبدى نموذج القلاع المحصنة في خط بارليف، ثم في مفهوم الحدود الآمنة (المحصنة)، ثم في الجدار الحاجز. كل هذا يعني أن هذا نمط ينطبق على كل من اغتصب أرض غيره وكل ظالم. وكلمة "يهودي" هنا شأنها شأن كلمة "فرعون" كلمة تشير إلى نمط. إن فعلنا ذلك فإن الخطاب الإسلامي سيتحرر من الحرفية ويتسع نطاق نماذجه التحليلية والتفسيرية. وقد عرضت هذا التصور على بعض الفقهاء فوافقوني عليه. لكني أطرح رؤيتي هذه فهي اجتهاد أولي من مفكر لم يدرس المنظومة الفقهية وقواعد الفقه بما فيه الكفاية، لكنه تساؤل يطرح، وعلى من هم أكثر مني علمًا أن يأخذوه ويختبروه، ويحكموا عليه.
س: كأنك تقول إن ما يراه البعض من ثوابت الحضارة الغربية المعاصرة مثل العنف والهيمنة والإخضاع، ليست خاصة بهذه الحضارة، وإنما ثوابت ملازمة لنموذج الشرك، وهي السمات نفسها المذكورة في القرآن في أثناء الحديث عن النماذج المعبرة عن نموذج الشرك في تاريخ البشرية. والسؤال المحوري هنا، ألا يمكن أن يكون استدعاء الخطاب القرآني مدخلًا أساسيًا في تأسيس رؤية لفهم ومواجهة المشروع الغربي الشركي/ الوثني؟
ج: أتفق معكِ فيما تقولين. وقد قمت بمحاولات شبيهة، فحينما نترجم – مثلًا – عبارة نيتشه "موت الله" والتي أقول إنها تؤدي إلى "موت الإنسان"، أجد أنها تترجم بطريقة أكثر دقة حينما يأتي في القرآن «نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ» [الحشر: ??/??]. بمعنى أن الظواهر الإنسانية مرتبطة بالله، وإنك إن نسيت الله – أو قتلت الله كما يقولون – قتلت الإنسان والطبيعة، لأن الإنسان، في نهاية الأمر، إنسان بمقدار ما يحوي داخله من مقدرات غير طبيعية وغير مادية، هذه المقدرات مصدرها غير طبيعي وغير مادي، أي مصدرها ما وراء الطبيعة، فموت الإله – كما يدعون – هو في واقع الأمر موت الإنسان والطبيعة.
س: تصنفكم أغلب الكتابات والأدبيات باعتباركم أبرز المتخصصين في الصهيونية. وهذا بسبب تأليفكم للموسوعة الفريدة، أقصد (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية)، مع أنكم في هذه الموسوعة قمتم بتطبيق منهج معين على الصهيونية منهج "دراسة الحالة"، أي إن هذا المنهج صالح لتطبيقه على "حالات" أخرى. وامتلاككم لناصية هذا المنهج هو الذي جعلكم تتميزون باجتهادات دقيقة في مجالات أخرى غير مجال الصهيونية ومشتقاتها. من هذا المنطلق ما أبرز الإضافات النوعية التي أضفتموها لـ"الاجتهاد الإسلامي"؟
ج: بشكل مركز ومختصر أرى أن من بين الإضافات التي أضفتها للفكر الإسلامي هو توضيحي لماهية "الدرس المعرفي". فكثير من الباحثين كانوا يعتقدون أن الإبستمولوجية هي طريقة الإدراك أو هي تاريخ العلوم. أنا شخصيًا ابتعدت تمامًا عن المعجم الأنجلوساكسوني أو المعجم اللاتيني – الفرنسي، وعرّفت "المعرفي" بأنه "الكلي" و"النهائي". الذي يتبدى في ثلاثة محاور أو عناصر أساسية: الله – الإنسان – الطبيعة (وهذه المحاور الثلاثة مترابطة). وقلت في كتاباتي إن أهم عنصر في هذه العناصر هو عنصر الإنسان، لأننا لو درسنا الإنسان بطريقة كلية ونهائية فسنعرف صورة الإنسان الكامنة في النص وسنعرف اتجاهه. ومن خلال دراستنا لصورة الإنسان يمكن أن نصل إلى مفهوم "الله" وإلى مفهوم "الطبيعة".
ومن بين إسهاماتي الأخرى أنني بينت أن الفلسفة المادية فلسفة معادية للإنسان، وأنها تؤدي إلى العدمية. وفي حالة نقدي للغرب أوضحت أن النزعة المادية في العالم الغربي تقود إلى تحيزات معينة، مثل التأكيد على الكم في مقابل الكيف. كما نبهت – أيضًا – إلى أن النسبية الشاملة تؤدي إلى الداروينية لأنه في غياب أي معايير خارجة عن الإنسان يصبح الإنسان معيار نفسه، ومن ثم تصبح القوة القيمة الوحيدة التي تحسم كل الخلافات.
س: في إطار حديثك عن الخطاب الإسلامي الجديد، أكدت على ضرورة التوصل لمنهج جديد للإفتاء وعلى الإفتاء الجماعي، فهل يمكن أن توضيح هذه القضية؟
ج: أنا مدرك تمامًا لصعوبة الإفتاء، ومن تخصصي في النقد الأدبي، أدرك تمامًا ضرورة أن يكون الناقد على إلمام بقواعد النقد ولغته وتراثه ونظرياته وآلياته حتى يكون مؤهلًا لأن يقدم رؤية مركبة مستندة إلى قراءة متفحصة للنص الذي يدرسه، وإلا كان نقده عبارة عن انطباعات متناثرة ذاتية. وأزعم أنني متابع جيد للحركة الفنية التشكيلية، ومعجب بأعمال كثير من الفنانين، ولكن حينما يسألني أحد الصحفيين عن رأيي في هذا الفنان أو ذاك، فإني أنبهه أنني لست متخصصًا، وأن ما أقوله هو رأي انطباعي لأنني غير مؤهل لإصدار حكم نقدي مركب. بعد كل هذه التحفظات أدلي برأيي باعتباري أحد المهتمين الهواة وحسب.
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى النقد الأدبي والنقد الفني، فلابد أن نطبق القواعد نفسها على أمر في أهمية الشؤون الدينية، أليس كذلك؟!
وإدراكي لصعوبة الإفتاء يصاحبه إدراكي لتركيبية الحياة الحديثة وتنوع المعرفة، بل ثمة حديث عن الانفجار المعلوماتي، وثمة إحصائيات تذهب إلى أن المعرفة الإنسانية تتصاعد في الآونة الأخيرة كل خمسة أعوام، بعد أن كانت في البداية تتضاعف كل ألف سنة. وأخذت الفترة تتناقص إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه. إدراكي لصعوبة الإفتاء ولتركيبية الحياة الحديثة هو الذي دعاني إلى طرح فكرة الإفتاء الجماعي، إذ كيف يمكن لشخص واحد، مهما بلغ من موسوعية الإحاطةُ بكل المعرفة الإنسانية؟
ولنأخذ مثالًا ما يقال الآن عن الـ DNA والاستنساخ، حيث بدأ بعض الفقهاء يفتون في هذا الموضوع، فهل يعرفون حقا ما هو الـ DNA وما هو الاستنساخ؟! لابد أن تقرر ذلك لجنة تضم علماء وفقهاء، العلماء يشرحون للفقهاء حقيقة المسألة، والفقهاء يبينون للعلماء الإشكاليات الأخلاقية والدينية المختلفة التي قد تترتب عليها، وفي النهاية يصلون إلى نتيجة.
س: ألا يقيد هذا حرية المفتي؟
ج: بطبيعة الحال، وهذا ليس عيبًا، فالفتوى مسألة في غاية الخطورة والجدية، ويجب ألا يترك الأمر دون ضوابط. خذي على سبيل المثال الفتوى الخاصة بتحريم مصارعة الثيران التي أصدرها أحد الفقهاء، أدهشتني قليلًا. فمع أنني ضد هذه المصارعة، ولكنني أرى أن مسألة التحريم مسألة خطيرة جدًا، وأنا أتساءل إذا حرمنا مصارعة الثيران، فما القول في المصارعة الحرة التي تثير اشمئزازي؟ وأقترح للمتصدر للفتوى أن يفعل ما يلي:
?– أن يصدر عن إدراك أنه لا اجتهاد مع النص، لا في حرفيته وحسب وإنما في مجموعه، أي أن يكون دارسًا للنص القرآني في مجموعه وترابطه وتركيبيته، أي إنه يصدر عن الرؤية القرآنية الكلية وليس مجرد آية هنا وآية هناك يقوم صاحب الفتوى باختيارها متجاهلًا النصوص الأخرى.
?– أن يستشير الخبراء الفنيين المتخصصين، فإن أراد أن يصدر فتوى بخصوص الربا فعليه أن يسأل أحد الاقتصاديين. وإن كان موضوع الفتوى هو الاستنساخ فعليه أن يسأل مجموعة من المتخصصين في علم الوراثة مثلًا.
?– وعليه قبل أن يصدر الفتوى أن يعطينا الحيثيات الفكرية والفلسفية والدينية لفتواه، ولإنجاز هذا على كل مفت أن يلزم أسلوبًا علميًا متبعًا في العلوم الإنسانية، فعليه أن يجمع كل الفتاوى السابقة (وهذه مسألة أصبحت سهلة من خلال الحاسب) ويقسمها إلى فتاوى يتفق معها وأخرى لا يتفق معها، ويخبرنا بأسباب اتفاقه واختلافه، وبذلك يصبح إصدار الفتاوى عملية ديمقراطية وتربوية في الوقت ذاته، ذات عائد معرفي وأخلاقي للمسلم وللمجتمع الإسلامي، ويصبح الإفتاء له مضمون إنساني إسلامي، فالإنسان لا يمكنه أن يطبق فتوى لا يفهمها ولا يعرف تضميناتها بالنسبة إليه أو إلى المجتمع. كما أن هذه الطريقة في الإفتاء تؤدي إلى نوع من أنواع التراكم المعرفي. في العلوم الإنسانية والطبيعة لا يمكن للعالم أن يطرح رأيًا جديدًا دون الاطلاع على الأدبيات المختلفة حول الموضوع الذي يتعرض له بالدراسة، فيناقشها، ويبين ما لها وما عليها. فما بالنا ونحن نتحدث عن مسألة في غاية الأهمية كفتوى تحدد سلوك الإنسان المسلم!؟.
وأعتقد أنه إن لم نتبع ذلك المنهج فستتحول الفتاوى إلى سلاح يوظفه الفقيه إما في خدمة مصالحه وأهوائه أو في خدمة نظام الحكم الذي يدفع راتبه. ما أقترحه هو محاولة لتحرير الإفتاء من قبضة الحاكم ومن أهواء الفقيه.
س: هل التظاهر بالتدين الآن أصبح بديلًا عن الإيمان الحقيقي؟
ج: قد تكون هناك مبالغة في هذا الكلام، فبالطبع التدين الشكلي موجود ومنذ زمن، ولكن التدين أو الإيمان الحقيقي موجود أيضًا. فلو كان التدين مجرد موضة، فالعري هو الآخر موضة، فلماذا يتبنى شخص ما التدين دون الشكل الآخر؟
س: ولكن مع أن مساحة الخطاب الديني في حياتنا قد زادت فعلًا، وأن حجم المترددين على المساجد في تزايد، وأعداد الذين يسافرون للحج تتزايد سنويًا وأجهزة الإعلام مكدسة بالمواد الدينية. ولكن في مقابل كل ذلك نجد غياب الاستنارة الفكرية الشاملة التي تغير الأفكار وتترجمها لسلوكيات، ألا يستدعي ذلك التأمل؟
ج: بالنسبة إلى أجهزة الإعلام المكدسة بالمواد الدينية – كما تقولين – بكل صراحة ما نراه هو دعاة يجلسون على مقاعد أرابيسك غير مريحة البتة، يتحدثون عن أشياء لا علاقة لها بأي شيء، ويسببون كثيرًا من الملل. ولذلك فإن ما يسمى البرامج الدينية تنتمي لنمط كتب التراث التي يشتريها بعض الناس "بركة" وليس للقراءة، وفريق آخر يشتريها للتزيين.
أما ملاحظتك بخصوص اتساع مساحة الخطاب الديني في حياتنا والذي لم يواكبه تحول في سلوكيات الناس في الحياة العامة، بل وأحيانًا في حياتهم الخاصة، فأنا أتفق معك تمامًا بهذا الشأن. ولكن كأي ظاهرة إنسانية اجتماعية علينا أن نحاول الفهم والتفسير قبل الحكم. أعتقد أن لهذه الظاهرة عدة أسباب من بينها أن الخطاب الديني لم يتطور بما فيه الكفاية بعد، فهو لا يتسم بالشمول المطلوب، ولذا فثمة مساحات كبيرة في الواقع لم يغطها، ولم يطرح تصورًا لكيفية التعامل معها من منظور إسلامي. كما أن الإعلام الذي تسيطر عليه السلطة والعلمانيون أو حتى الإسلاميون الذين هيمن عليهم النموذج المعرفي الحضاري الغربي، يهمش هذا الخطاب الشامل ولا يعطيه المساحة الإعلامية التي يستحقها.
ولكن أهم الأسباب في تصوري هو أن رقعة الحياة العامة تسيطر عليها الدولة، والدولة في العالم العربي تتحكم فيها نخب حاكمة فاسدة في معظمها، تبطش بالجماهير، وتهرول نحو إسرائيل، وتتوسل للولايات المتحدة (أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة)، وفي غياب مؤسسات حزبية وجمعيات أهلية تعبر عن رأيها وتدافع عنها، فإن هذه الجماهير تدخل في قوقعتها، وتلتزم بالإسلام في حياتها الخاصة، أما الحياة العامة فتصبح حلبة الصراع والقتال التي لا تحكمها قواعد ولا تضبطها ضوابط. أضرب مثلًا صلاة الجمعة. داخل المسجد يقف الناس صفًا واحدًا، ويفسحون المكان بعضهم لبعض. وإذا كنا في الشارع يفرشون السجاد لإخوانهم، روح عظيمة من النظام والتراحم والتعاون. وبعد أن تنتهي الصلاة، ويتوجه الناس ذاتهم لبائع البطيخ الذي يقف أمام المسجد، فإنهم يتدافعون بلا نظام ويتقاتلون ويقفزون الواحد فوق الآخر وكأننا في جبلاية [تلة] قرود. البشر أنفسهم يتصرفون بطريقتين مختلفتين تماما في غضون عدة دقائق، وحيث إنهم ليسوا مصابين بالشيزوفرانيا فالتفسير الذي أطرحه يلقي بعض الضوء على هذا التناقض.
س: هنالك قراءات كثيرة لـ "ظاهرة الصحوة" من مختلف التيارات الفكرية، كثيرون يرجعونها للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الضاغطة، وكذلك لـ"الإسلام السياسي" على أنه مصطلح بديل يحمل أهدافًا كامنة تختزل حركة الصحوة في الاستيلاء على السلطة والرغبة في الزعامة. ويرفض هذا الاتجاه أن تكون الصحوة مبنية على أسس معرفية، أو على قناعات ذاتية، على قلق كما تفضلتم. فكيف تنظرون إلى هذا "النموذج التفسيري" حسب تعبيركم؟
ج: هذا استمرار للمنظومة الماركسية في جانبها المادي غير الإنساني، حين تذهب إلى أن كل الأمور مادية اقتصادية، وأن الإنسان في نهاية الأمر كائن اقتصادي. ولكن إذا كانت المسألة اقتصادية فلماذا تأخذ شكل صحوة إسلامية، لم لا تأخذ شكل تعفن أو انحلال أو زيادة في المواخير والعهر فيما أسميه الحلول الفلبينية والتايلاندية للمسألة الاقتصادية. لا يمكن إنكار الدوافع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها وإلا سقطنا في تفاهة الماديين وواحديتهم، اعترف النظام الإسلامي بالدوافع الاقتصادية وقننها وأحيانًا بصرامة قد تذهل الإنسان المادي. لكن الفارق الأساسي يكمن في أننا نقول: نعم؛ لابد من تقنين الأمور الاقتصادية، ولكن لا يمكن رد الإنسان بمجموعه إليها. الاقتصاد، نعم، والجسد، نعم، لكن الإنسان ليس بكيان اقتصادي فحسب وهو ليس مجرد جسد وإنما هناك نفخة من روح الله، وهذا ما يميزه عن الحيوان، ومن ثم فهذا ينعكس على النموذج التفسيري. إذا أردت أن أفسر سلوك الإنسان لا يمكن أن أفسره في إطار اقتصادي أو جسدي فحسب. فالنموذج التفسيري المركب الحقيقي يأخذ هذه الأبعاد في الاعتبار لكنه لا يعطيها مركزية لا تستحقها. ولكن المنظومة المادية التي وقع في أسرها كثيرون من الشرق والغرب لا ترضى إلا بالأحادية السببية، أي تفسير الظاهرة الإنسانية من خلال سبب واحد أو سببين عادة ماديين.
أعتبر أن ما يسمى بالصحوة الإسلامية، هو امتداد أو تعبير جديد عن حالة القلق التي عاشها الإنسان العربي منذ دخول الاستعمار، الذي أدى إلى الانقطاع المعرفي والاقتصادي والإنساني مع التراث والقيم، وجعل وجود الإنسان لا معنى له سوى التقدم المادي والاستهلاك. وحيث أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا تراث، وحيث أنه لابد أن يكون لحياته هدفًا ومعنى تبدأ حالة القلق والتساؤل، ومع هذا الفراغ، يجد الإنسان العربي نفسه مدعو لتقبل التراث الغربي. لكن هذا مستحيلا، لأنه لا يمكنك أن تصبح الآخر، لأنك مهما حاولت أن تصبح الآخر ستكون باستمرار من الدرجة الثانية. في البداية، تصور البعض الحل في أن نصبح قطعة من أوربة، ولكن مع تصاعد أزمة الحداثة الغربية ابتداءً من الحرب العالمية الأولى، ثم ظهور الحركات الشمولية مثل الفاشية والنازية في الأربعينيات، ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية، ثم الظواهر السلبية الأخرى التي أشرنا إليها من قبل، بدأ كثيرون يفقدون حماسهم للنموذج الحضاري الغربي الحديث، وكلما تزايدت الأزمة في الغرب تزايدت حالة القلق عندنا والرغبة في البحث عن حل، والصحوة الإسلامية هي تعبير عن هذا البحث عن المعنى والهدف داخل المنظومة الإسلامية، ودعني أكرر أن هذا لا يعني أن العناصر الاقتصادية والسياسية لم تقم بدور في ولادة هذه الصحوة.
س: أطروحة "الإسلام السياسي" تخضع بدورها للتفسير المادي الاختزالي نفسه والنظرة الأحادية؟
ج: نعم يفهم بعضهم "الإسلام السياسي" بأنه محاولة الإسلاميين الوصول للحكم وكأن هذا رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه. حينما دخل الإسلاميون معترك السياسة لم يدخلوه على أنه هواية ولم يتصوروا قط أنه نزهة، لقد دخلوا معترك السياسة كي يغيروا المجتمع. قد تتفق معهم أو تختلف، لكن لا يمكن تصنيفهم على أنهم طائر غريب وشاذ، فهم يخضعون للقواعد نفسها التي تخضع لها كل الحركات السياسية الأخرى، ويقومون بتجنيد الجماهير، في إطار خطاب إسلامي، خطاب إسلامي يعد بالعدل لا بالاستهلاك، يعد بمجتمع فيه قيم أخلاقية ثابتة، ولا يعد مثلًا بفتاة جميلة في سيارة، فيقدم له حلمًا مستحيلًا. إن برامج الحركات الإسلامية السياسية أكثر واقعية من الدعوات التي تملأ التلفازات العربية، والتي تسبب الإحباط الشديد للجميع. الوعود التي يراها الإنسان في الإعلام التلفازي في العالم العربي ستوردنا موارد التهلكة. حينما أشاهد التلفازات العربية، هناك فتيات جميلات وسلع استهلاكية لذيذة، وسيارات فارهة، فإن لم أكن في وعيي فستزداد درجة حرارتي وسأصدق هذه الأكاذيب وسأحاول الحصول عليها، وينتهي بي الأمر إما أن أصاب بانهيار عصبي أو أتحول إلى مجرم، لأنه لا توجد موارد لتمويل هذا المعدل الاستهلاكي في العالم العربي إلا لفئة قليلة للغاية، أي إن مثل هذه الإعلانات ومثل هذا البرنامج الاستهلاكي العلماني هو دعوة للاستقطاب الطبقي، وهو دعوة للإرهاب؛ لأنك تدعو الناس إلى مستوى استهلاكي معين وأنت تعلم مسبقًا أنه لا يمكنهم الوصول إليه، أليست هذه دعوة إلى الإرهاب؟ الإسلام السياسي يرفض كل هذا ويطرح نموذجًا جديدًا، يفي باحتياجات الإنسان المادية والمعنوية والروحية. وإذا كان الوصول إلى الحكم أو الضغط عليه من أهم آليات تحقيق الهدف، فلم نستنكره عليهم. المهم أن يتم هذا من خلال قنوات سياسية شرعية تقبل بالتداول، وأعتقد أن قيادات أهم حركة سياسية إسلامية وهي حركة الإخوان المسلمين قد قبلت بهذا المبدأ منذ أمد بعيد.
س: أثيرت مؤخرًا قضية الحجاب، خاصة بعد أن وصفه أحد المسؤولين في الدولة المصرية بأنه رمز التخلف؟
ج: أعتقد أن من جعلوا الحجاب رمزًا للتخلف، قد نزعوه من سياقه الاجتماعي والتاريخي والإنساني، واستقوا مؤشرات التقدم والتخلف من النموذج الغربي. وهنا يمكنني أن أسأل هؤلاء: ما مؤشرات التقدم بالنسبة إليهم؟ السؤال هنا خطابي، فالمؤشرات واضحة وهي أن خلع الحجاب علامة على التقدم والاستنارة، أما ارتداء الحجاب فهو علامة على التخلف والردة والظلمة...إلخ. ولكن هل المسألة بهذه البساطة والسذاجة؟ فلنأخذ على سبيل المثال لا الحصر فتاة متبرجة متحررة ومستنيرة لا ترتدي الحجاب، ترتاد نادي الجزيرة أو أي ناد آخر، وتلعب التنس بالشورت، وتلبس المايوه، وترتاد قاعات الديسكو، وتجيد التحدث بلغة أعجمية أو لغة عربية معظم مفرداتها إنجليش أو فرنش، تمامًا مثل مذيعات قناة LBC التي يطلق عليها بعض المصريين قناة "إلبسي"، إشارة إلى المذيعات الجميلات اللبنانيات اللائي تحاول بعض مذيعاتنا اللحاق بهن وبركب التقدم. مثل هذه الفتاة التي تتمتع بمستويات استهلاكية عالية، ولا تعرف شيئا عن مصر الحقيقية، مصر الفقراء والكادحين والمتعبين، ولا تشترك بطبيعة الحال في أي حركة سياسية، هل هي أكثر تقدمًا من فتاة محجبة تعيش في مصر الحقيقية بين أهلها وتعرف همومهم، ولا تتمتع بمعدلات الاستهلاك الشيطانية التي أمسكت بتلابيب المجتمع المصري والتي ستقضي على كل محاولات التنمية؟ إن غالبية المحجبات يشاركن في العمل العام، السياسي والمدني. ألم يلاحظ المتحدثون عن الحجاب باعتباره علامة التخلف الوجود الملحوظ للمحجبات في المظاهرات؟ ألم يشاهدوا الصورة التاريخية لبعض المحجبات وهن يصعدن على السلم الخشبي للوصول إلى لجنة الانتخابات وصندوق الاقتراع، بعد أن تصدى لهن رجال الأمن؟ ألم يسمعوا عن هؤلاء المحجبات اللائي اضطررن لخلع الحجاب حتى يمكنهن الوصول لصندوق الاقتراع؟ حينما أذهب إلى دمنهور (المدينة التي نشأت فيها) أرى المجتمع المدني هناك في غاية الحيوية والنشاط، وكثير من القائمين على بعض جمعياته (غير الرسمية وغير المعلنة) فتيات محجبات. أعرف إحدى هذه الجمعيات وتخصصها هو توفير أجهزة غسيل الكلى لمرضى الفشل الكلوي. وتقوم تلك الفتيات المحجبات بجمع الأموال من القادرين، بل ومن بعض الأقارب المقيمين في الولايات المتحدة لتمويل مشروعهن الخيري. بالله عليكم، من هو أكثر تقدمًا، فتاة نادي الجزيرة المتحررة وأمثالها أم هؤلاء المحجبات؟
يجب أن يُنظر إلى الحجاب في سياق اجتماعي وتاريخي، وإذا كان الديني يختلط بالسياسي بالاقتصادي بالاجتماعي بالتاريخي كما أسلفت، فيجب أن ننظر للحجاب بهذه الطريقة. فمن ناحية يرى كثيرون أنه فرض ديني، ولكن يجب ألا ننسى أنه أصبح أيضًا عرفًا اجتماعيًا. ويرى علماء الاجتماع أن كل مجتمع له dress code شفرة أو لغة الملابس الخاصة به، وهي لغة، شأن أي لغة، أمر اجتماعي، فالمجتمع هو الذي يحددها لا الأفراد. وينضوي تحت هذا ما يكشف وما لا يكشف من جسد الرجل أو جسد المرأة، وما يلبس وما لا يلبس في كل مناسبة. هل كانت إحدى الفتيات تتجرأ على لبس بلوزة تكشف عن بطنها منذ ثلاثين عامًا في الشرق أو الغرب، والآن هل يجرؤ أحد أن يعترض على هذا الزي؟! ولذا فإن شكوى بعضهن من أنهن يضطررن لارتداء الحجاب بسبب الضغوط "الاجتماعية" عليهن، قد تكون على حق، وإن كان عليهن إدراك أن هذه الضغوط قد تكون دينية في الأصل، ولكنها تحولت إلى عرف اجتماعي ومن ثم أصبحت ضغوطًا اجتماعية. هل تجرؤ سيدة أن تذهب إلى مأتم مرتدية فستانًا أحمر بهيجًا، أو أن تذهب إلى عرس ترتدي فستانًا أسود حزينًا؟
س: كيف تفسر ظاهرة انتشار الحجاب؟
ج: الحجاب تعبير عن التمسك بالهوية (أعرف بعض الصديقات العلمانيات اللائي تحجبن تمسكًا بالهوية، وهو ما حدث أيضًا في إيران في أثناء الثورة الإسلامية ضد شاه إيران)، وهو كذلك تعبير عن مقاومة الاستعمار الأجنبي. وثمة كذلك الجانب الاقتصادي، فالحجاب دون شك تعبير عن رفض النموذج الاستهلاكي (نموذج الموضات وضرورة تبني الجديد ونبذ القديم، بناء على أوامر القرد الأعظم في باريس أو لندن أو إيطالية). حينما عدنا أنا وزوجتي من الولايات المتحدة عام ????، كان الانفتاح قد اكتسح مصر المحروسة، وكان راتبنا الشهري لا يتجاوز ??? جنيهًا مصريًا. وحين ذهبت زوجتي لشراء حقيبة وحذاء، وجدت أن مجموع ثمنهما هو ??? جنيهًا بالتمام والكمال (هذا أيام الرخص)، فعادت وقالت إن الفتيات في مصر أمامهن حل واحد من حلين لا ثالث لهما لمواجهة هذا التضخم: إما الحل التايلاندي (أي أن يبعن أنفسهن كما حدث في تايلاند) أو الحل الإسلامي، أي ارتداء الحجاب، وتنبأت بأن الأرجح هو انتشار الحجاب. وهي بذلك اكتشفت البعد الاقتصادي في ظاهرة الحجاب، ولكنها لم تردها إليه، فهو بعد واحد ضمن أبعاد أخرى، لأنه لو كان البعد الاقتصادي هو البعد الوحيد الحاكم، فإن الحل التايلاندي أضمن وعائده أسرع. ولكنهن اخترن الحل الإسلامي لأن الإسلام هو الإطار المرجعي لجماهير هذا المجتمع (هو عقيدة بالنسبة إلى المسلمين وحضارة بالنسبة إلى المسلمين وغير المسلمين) وهو الذي حماها من الاختراق الاستعماري والاستهلاكي. إن اختزال الحجاب في البعد الديني، ثم عزل البعد الديني عن الأبعاد الاجتماعية والإنسانية الأخرى، فيه دليل على القصور التحليلي لمن حولوه إلى مؤشر على التخلف. حينما كنت صبيا في دمنهور، ذهبت في رحلة مدرسية إلى القاهرة، وبهرت بلافتات النيون، فقررت أن أجعل من عدد لافتات النيون مؤشرًا على التقدم. وكنت أقوم بإحصائها في دمنهور كل شهر، لأنني تصورت أنه كلما ازداد عدد لافتات النيون فيها، ازدادت تقدمًا واقترابًا من نموذج القاهرة المضيئة، (أي أوربة). ولكنني نضجت واكتشفت اختزالية مؤشري الصبياني المضحك. جاء في العهد الجديد (رسالة بولص الأولى للكورنثيين) ما معناه: «حينما كنت طفلًا، كنت أتحدث كالأطفال وأفكر كالأطفال، ولكنني بعد أن أصبحت رجلًا، تركت خلف ظهري الأشياء الطفولية». فلماذا لا ننضج وننفض عن أنفسنا المؤشرات الاختزالية، وننظر لواقعنا بعيون لا تغشيها غشاوات أجنبية تعمينا عن رؤية الحقيقة الثرية المركبة بكل أبعادها المادية وغير المادية المتداخلة؟
س: ألا نعاني من أزمة أولويات؟ مواضيع مثل إمامة المرأة، وحدود العورة، وزواج المسيار، هي قمة أولويات الفكر الديني، في الوقت الذي تستباح فيه دول، وتقوّض أنظمة، ويقتل بشر، وتنتهك أعراض، وتستلب ثروات؟
ج: هذه القضايا تطرحها بعض الفضائيات الهامشية، ولكن القضايا الأخرى الأكثر أهمية كالديمقراطية والعدالة الاجتماعية تطرحها فضائيات مثل الجزيرة. فبرنامج "الشريعة والحياة" الذي يستضيف الشيخ القرضاوي يتعرض لمعظم القضايا الكبرى التي تهم المسلمين في العصر الحديث. وقد ظهر ما يسمى "فقه الأولويات" لتنبيه المسلمين إلى أن ثمة أولويات، وأن الاهتمام بالأمور الهامشية يجب ألا ينسينا القضايا الأساسية مثل مقاومة الاستعمار ورفض التطبيع مع العدو. أما ما ذكرت من موضوعات مثل "حدود العورة" و"زواج المسيار" إلخ فيأتي لها ذكر ولكنها ليست قمة أولويات الفكر الديني. وحينما أثيرت قضية الحجاب صرح فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين أنه فريضة، ولكنه ليس من ضمن أولويات الخطاب الإسلامي. لقد قرأت مقالًا لأحد كبار الأساتذة العلمانيين قال فيه إن من الأهداف الأساسية للخطاب الإسلامي إتاحة الفرصة أمام بعض كبار المفكرين ورجال الدين الإسلاميين الطاعنين في السن الزواج من فتيات صغيرات السن. طبعًا هذا أمر وارد فهو ليس حرامًا، ولابد أنه يحدث بين حملة أي خطاب، دينيًا كان أم علمانيًا، ولكنه ليس ظاهرة متكررة في الأوساط الإسلامية، ولا يمكن تحويله إلى أحد "الأهداف الأساسية" للخطاب الإسلامي!
المشكلة أن الإعلام العلماني فقد ارتباطه بالواقع، ووجد نفسه مهمشًا ولم يعد له امتداد بين الجماهير، ولذا فهو يحاول تشويه الخطاب الإسلامي، وتصويره على أنه شيء واحد متجمد لم يدخل عليه أي تطور.
س: ما قولك في ظاهرة عمرو خالد؟
ج: سمعت آراء متضاربة عليه: فهو ظاهرة سببت الحزن لبعض فرفضوها، وسببت الفرح لكثيرين فرحبوا بها وشجعوها. وأنا لا أعرف خلفيته الثقافية، ولكن أعرف أنه لم يأت من داخل المؤسسة الدينية، وهو ليس مفتيًا ولا يدعي ذلك، وليس داعية بالمعنى التقليدي ولا أعرف مدى إلمامه بالتراث الفقهي. ولكنني لاحظت أنه يتوجه لقطاع من الشعب المصري لم يتوجه له أحد من قبل، ولذا قررت أن أدرس الظاهرة بنفسي، وجلست مع عدد من الشباب الذين تأثروا بفكره، فوجدت أنه بالفعل ظاهرة جديرة بالاهتمام وبالتشجيع وجديرة أيضًا بالنقد، فنحن لا نتوجه بالنقد إلا لمن يحمل رؤية جادة، ولذا فأنا لا أتوجه بالنقد لشخص يتحدث عن عذاب القبر، لأن رؤيته (إن كان يمكن تسميتها كذلك) لا تستحق المناقشة. ولأعقد مقارنة بين خطاب عمرو خالد وخطاب المتحدثين عن عذاب القبر وما شابه من موضوعات.
عندما بدأت الحركة الرومانتيكية في الأدب الأوروبي في منتصف القرن الـ ?? في الوقت الذي سادت فيه الرؤية العقلانية المادية. وكنوع من رد الفعل التلقائي ظهرت الروايات القوطية التي يوجد فيها شخصيات نمطية ذات بعد واحد، تتحرك في عالم صبياني مظلم كله مفاجآت مخيفة. وتضم هذه القصص عادة شخصًا شريرًا (في غاية الشر) يطارد فتاة بريئة، (في غاية البراءة)، ولا ينقذها سوى شاب خير مستقيم، (في غاية الاستقامة). وقد سميت هذه الروايات "قوطية" نسبة إلى معمار الكنائس القوطية الذي ساد في العصور الوسطى في الغرب والذي يبعث الرهبة في النفوس. وهذه الروايات تركت أثرها فينا في أفلام يوسف وهبي القديمة الميلودرامية وفي بعض الأفلام الأخرى، وكان الهدف من مثل هذه الروايات أن يهرب الإنسان من العالم المادي إلى شيء مثير للخيال والعواطف التي يهمشها العقل المادي. وهذا في رأيي ما نجده في الكتب التي تتناول الحياة البرزخية وعذاب القبر والثعبان الأقرع وأهوال الجحيم التي توزع في كل مكان. فخطاب من يتحدث عن عذاب القبر يمكن أن نطلق عليه الخطاب الإسلامي القوطي (إن صح التعبير)، وهو موجه بالدرجة الأولى للناس البسطاء فيدخل على حياتهم قدرًا كبيرًا من الإثارة التي تنسيهم القهر الذي يعيشون فيه، فالحديث عن الثعبان الأقرع أمر مثير للخيال مثل أي فيلم رعب لكن مشكلته أنه يفرغ الشحنة الإيمانية دون مضمون أخلاقي وإنتاجي، ويرسخ لمبدأ الخلاص الفردي.
إن الخطاب الإسلامي القوطي يشبه في كثير من النواحي القصص البوليسية التي تنتهي بالجملة التقليدية أن الجريمة لا تفيد. ولكن هدف هذه القصص الحقيقي هو (الأكشن) والجريمة، أما الجملة الأخلاقية تلك فوظيفتها أنها تريح ضمائرنا بعد أن تمتعنا بمناظر الدم والقتل، وبعد أن هز كياننا الرعب المنفصل عن القيمة، وتمتعنا به أيما تمتع. إن مثل هذا الخطاب هو دعوة للانسحاب من الحياة الحقيقية، فرارًا إلى عالم خيالي مريح، لا علاقة له بأي واقع. وهو في هذا يشبه فصل العبادات عن المعاملات، بحيث يتفرغ الإنسان للعبادات على حساب مسؤوليته الاجتماعية، وهذا النوع من الخطاب هو الذي يمكن أن نطلق عليه "أفيون الشعوب".
س: من الواضح أنك تجد هذا الخطاب الشعبوي (أو القوطي كما تسميه) أمرًا سلبيًا؟
ج: بالفعل، إذ إنني أرى أن اللجوء إلى الغيبيات دون مضمون أخلاقي هو إحدى سمات العلمانية الشاملة، فالإنسان العلماني يريد ميتافيزيقا دون أعباء أخلاقية، تمامًا مثل الإيمان بالأطباق الطائرة أو بالعرافين أو بقراءة الكف، فالإيمان بمثل هذه الغيبيات العلمانية لا يكلف شيئًا، إذ إن المؤمن بها ليس عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والخطاب الإسلامي القوطي يدور في هذا الإطار. أنا لا أدعي أن كل الدعاة على هذه الشاكلة، فهناك كثير من الدعاة يتسم خطابهم بالعمق، ولكن معظم الدعاة الشعبويين والذين يصلون لآلاف الناس إما مباشرة أو من خلال أشرطة التسجيل وبعض القنوات الفضائية، يدورون في إطار الخطاب القوطي. لكل هذا يشكل خطاب عمرو خالد نقلة مهمة يحتاج إليها المجتمع، فهو يتحدث عن الواقع وعن النهضة وعن التغيير، وربط نهضة الأمة بكل من أمر الله وإرادة الأمة والأفراد. أي إنه يوازن بين الفرد والمجتمع، ومن هنا تأكيده على آية «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ?» [الرعد: ??/??]، فهي تبين أن الله يملك كل شيء ولكنه أعطانا حرية تغيير أنفسنا. والنهضة في تصوره نهضة في كل المجالات، تضم مخترعين وبحثًا علميًا، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى انتعاش اقتصادي، أي إن النهضة ليست اقتصادية أو سياسية وحسب بل هي نهضة شاملة، وهو يتعامل مع العام والخاص ويربط الواحد بالآخر.
فجوهر الإسلام هو هذه الثنائية التفاعلية بين الله والإنسان، بين السماء والأرض، بين الرجل والمرأة، بين العبادات والمعاملات، بين الثوابت الأزلية والحياة اليومية المتغيرة. ثمة شيء آخر مهم، وهو حديثه عن الحلم. أتذكر أن الأستاذ هيكل حين سافر إلى الاتحاد السوفييتي رجع وتنبأ بسقوطه، وحينما استفسرت منه عن الأسباب التي قد تؤدي إلى ذلك، أجاب قائلًا: "لقد فقدوا الحلم". الإنسان الذي لا يحلم لا يغير ويعيش في حالة اكتئاب، خاصة أن كل ما في حياتنا الآن يدعو للاكتئاب.
س: ما ميزات خطاب عمرو خالد؟
ج: عمرو خالد يستخدم مصطلحًا حديثًا، فبدلًا من الثعبان الأقرع وعذاب القبر يستخدم صورة الطيارة والإقلاع، وهذا له دلالة؛ فصورة الثعبان الأقرع تولد الفزع والخوف وعدم الأمن، أما صورة الطائرة فتولد الطمأنينة. والثقة في الذات والرغبة في النهوض، ويمكن أن أشير إلى شيء طريف وهو أنه يضحك ويبتسم حينما يعظ. لا أذكر أنني رأيت أيًا من الدعاة التقليديين يضحك أو يبتسم، وكأن الإسلام مرتبط بالخوف والنار والرعب من الجحيم إلخ. أعترف أنني غير متبحر في التراث الديني، لكن قرأت أكثر من مرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بانت نواجذه.
تأكيد عمرو خالد على أشياء مثل الحب الإلهي والحب النبوي والتضحية والإحسان والحب والعمل التطوعي، كلها مفردات جديدة على الخطاب الدعوي الإسلامي. إن دخول عمرو خالد شيء مهم ويدل على قدر عال من الذكاء وعلى فهم اللحظة الحضارية. ويمكن في مرحلة لاحقة تعميق خطابه الدعوي، وهذا ما يفعله، وذلك بدلًا من ترك الشباب بلا رابط وبلا هدف.
س: ألا ترى أن عمرو خالد تعدى دور الداعية التقليدي إلى الفاعلية الاجتماعية؟
ج: أحسن وصف لظاهرة عمرو خالد أنه جزء من حركة تفعيل المجتمع المدني، لقد اكتشفنا أن الديمقراطية لا تقلع إن لم يساندها مجتمع مدني قوي. عبر تاريخ المسلمين كانت الدولة المركزية قوية أيضًا، ولكن في المركز وحسب، فكانت مسؤولة بالأساس عن الأمن الداخلي والخارجي والبريد والخراج. ولكن كان العلماء والأعيان الذين كانوا يتمتعون بقدر عال من الاستقلال، كما كانت توجد مؤسسة الأوقاف. كل هؤلاء كانوا يشكلون مؤسسات وسيطة بين الفرد والدولة فيقومون بحمايته من سطوتها. ولأنهم كانوا قريبين منه، فإنهم كانوا يعرفون احتياجاته. وقد قلص هذا من سلطة الدولة المركزية، التي كان لا يمكنها الوصول للفرد مباشرة. وقد كشفت كل التجارب المهمة في الديمقراطية ضرورة أن يبقى جزء كبير من رقعة الحياة بعيدًا عن هيمنة الدولة المركزية. عمرو خالد جزء من حركة تفعيل المجتمع المدني، فهو يعي ضرورة تنشيط الحافز الفردي بهدف توظيفه في المجتمع، أي إنه يعترف بفردية الفرد في إطار اجتماعي إسلامي.
ولنلاحظ الفرق بين خطاب عمرو خالد وخطاب دعاة أشرطة التسجيل، الفرد عند عمرو خالد عنده إرادة البناء والمقدرة على تغيير ذاته والمجتمع، على عكس المتحدثين عن عذاب القبر، فهم يجعلون الفرد شخصًا متلقيًا ويحولونه إلى كائن يبحث عن الخلاص الفردي، مع أن مسألة الخلاص الفردي هذه ليست إسلامية البتة، ولكنها جزء من رؤية بعض غلاة المتصوفة. عندما جاءت لجنة حرية الأديان من الكونجرس أوصت بنشر الفكر الصوفي لأنه يسرب طاقة المجتمع الإبداعية والثورية من خلال قنوات فردية، فتجعل كل فرد مشغولًا بنفسه، وهذا من أهم سمات الرؤية العلمانية.
س: وماذا عن البعد السياسي والاقتصادي في خطابه الدعوي؟
ج: ثمة بعض الإشارات التي جعلتني التفت إلى أنه يعي البعدين السياسي والتاريخي، ولكن في الوقت نفسه قد يكون ليس بالقدر الكافي، فقد تحدث في بعض المواقف عن السد العالي وتأميم القناة، لكني استغربت حديثه عن البطالة؛ فقد وصف الإنسان العاطل بأنه كسول، وهو أمر غير حقيقي وغير منطقي حيث إن سوق العمل في مصر لا يستوعب معظم الشباب، ومعدل البطالة في مصر يعد من أعلى المعدلات، فأن يفسر عدم العمل على أنه كسل، هو تأكيد متطرف للإرادة الفردية، على حساب الظروف الاجتماعية. أما "كسل" الموظفين الحكوميين، فهناك القول الشهير: "الحكومة تتظاهر بأنها تدفع لنا رواتب، ونحن نتظاهر بأننا نعمل في مكاتبنا"، ولعله يقول ما يقول ليستنهض الهمم، فهذا جزء من خطابه النهضوي. ولكن في الوقت نفسه يمكن القول إن الرجل يفضل الابتعاد عن السياسة بالمعنى اليومي والمباشر حتى لا يصطدم مع الحكومة، هي وجهة نظر تحترم على كل حال. فأحيانًا يكون التحايل ضرورة في مواجهة أنظمة غاشمة، لكن دون التنازل عن مبادئه، وكل ما في الأمر أنه يحاول أن يبحر في أماكن ليس بها صخور سلطوية. وما حققه الرجل من مكاسب من خلال مشاريع مثل "صناع الحياة" (وهي في نهاية الأمر ذات طابع سياسي واقتصادي غير مباشر) تجعل من بعض التنازلات التفصيلية أمورًا يمكن التغاضي عنها.
س: عمرو خالد يعد أشهر داعٍ في تيار الدعاة الجدد، ولكن يرى بعضهم أنه يدعو للتدين السطحي؟
ج: لا أعتقد ذلك، لقد استطاع مخاطبة قطاع معين من الناس من خلال تطوير خطاب بسيط يؤكد قيمًا مثل النجاح والتمتع بخيرات الدنيا. لكنني أرجو منه توكيد بعض الجوانب الأخرى في المنظومة الإسلامية مثل العدل القيمة القطب في الإسلام، الذي يجب أن يترجم إلى عدل اجتماعي، ومن هنا أهمية الزكاة والصدقة. وأنا أذهب إلى أن الخطاب الإسلامي لابد أن يحذر من خطورة الاستهلاكية وضرورة الابتعاد عن الاستهلاك غير الرشيد. أنا لا أدعو للتقشف؛ فلا رهبنة في الإسلام، ولكن يجب على هؤلاء الدعاة التنبه إلى أن الاستهلاكية هي أهم شكل من أشكال الاختراق العلماني، فهي تقوض الأخلاق وتقوض كل شيء إيجابي في المجتمع، وأنها حين تصبح هي القيمة الأساسية في المجتمع فإنها ستهمش كل القيم الأخرى أو تستوعبها داخل إطارها، فهي أهم آلية من آليات العلمنة، التي يمارسها الجميع تحت مظلة أن ما يستهلك حلال. ويوجد داخل المنظومة الإسلامية تحذيرات كثيرة من الاستهلاكية. فنحن أمة وسط، والوسط هنا ليس مجرد موقف يسمى معتدلًا بين طرفين متطرفين يمينًا وشمالًا، وإنما هو موقف مبدئي من الحياة لا إفراط فيه ولا تفريط: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا» [الإسراء: ??/??]، «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» [الأعراف: ?/??]، «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَ?لِكَ قَوَامًا» [الفرقان: ??/??]. وفي السنة المطهرة: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات – أو لقيمات – يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه». وفي حديث آخر: «إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا، أطولهم جوعًا يوم القيامة» بل إنه حين سئل الرسول عليه الصلاة السلام: «أفي الوضوء إسراف؟» قال: «نعم، ولو كنت على نهر جار». بل إن المفاهيم الإسلامية الحاكمة إن فهمناها حق الفهم وجدناها ضد الإسراف. فمفهوم الاستخلاف يعني أن هذا العالم ليس ملكنا وإنما استخلفنا فيه، ومن ثم يجب ألا نبدده بإسرافنا واستهلاكيتنا، وإنما يجب أن نعمره حتى يمكن للأجيال القادمة أن تعمره وتستمتع بخيراته. وقد أمر الإسلام المسلم بالاقتصاد ومراعاة الاعتدال حتى في العبادة من صلاة وصيام. المنظومة الإسلامية يمكن أن تشكل نقطة انطلاق للوقوف ضد الاستهلاكية التي ثبت أنها ستودي بالعالم.
س: انتقد بعضهم عمرو خالد بعد زيارته للدنمارك، إثر أزمة الكاريكاتور، فما رأيك؟
ج: لا أعرف لماذا اتُخذ هذا الموقف من عمرو خالد، الهجوم على الإسلام يحدث يوميًا في الغرب، ويمكن أن نضيف أن الهجوم على المسيحية أكبر وأكبر. لذلك لابد أن نحاول إفهامهم لا أن نقاطعهم، الناس هناك لا يفكرون بطريقتنا نفسها، أما الاحتجاج والمقاطعة فيجب أن تقوم بهما الجالية المسلمة في الدنمارك وفق القانون الدنماركي الذي ينص على أن الإنسان لا يمكن أن يفعل شيئًا يؤذي شعور الآخرين. يجب أن نتعلم أن نحدث الناس بلغتهم وأسلوبهم.
وأضرب لكم مثلًا، لي صديق مسلم سويدي هو بارفيز منظور، كتب ردًا على قصة (آيات شيطانية) لسلمان رشدي ترك أثرًا إيجابيًا فيهم، قال فيه: هل يمكن أن يخرج علينا أحد برواية تاريخية عن هتلر ليس لها أساس من الصحة ويقول إن هتلر كان عظيمًا ولم يقتل ولم يدمر؟!، الشيء نفسه بالنسبة إلى آيات شيطانية التي يفترض أنها تتناول قصة محمد صلى الله عليه وسلم، فقام مؤلفها بتشويهها تشويهًا كاملًا، وليس هناك سند تاريخي لما يقول. كان بوسعه أن يؤلف شيئًا خياليًا كاملًا ولا يقول إنه يروي تاريخًا. هذا هو الأسلوب الذي يفهمونه، لكن أن تذهب إليهم لتقول إن هذا أمر مقدس فهم لن يفهموا شيئا.
ما لا يدركه كثيرون أن مفهوم القداسة في الغرب انتهى، فلا يوجد لديهم شيء مقدس على الإطلاق، المقدسات الغربية في الوقت الحاضر هي مقدسات مادية: الدولار، الحرية الفردية، حرية رأس المال، الهولوكوست، وإن كنت أتساءل هل الهولوكوست فعلًا مقدس أم سحابة دخان لتخبئة طبيعة الغرب الإبادية؟ فالغرب ليس مسيحيا كما يتصور البعض، وإنما مادي وعلماني شامل؛ تسيطر عليه مفاهيم المنفعة المادية والسعادة المادية وهكذا، ومن ثم فالهجوم على الكنيسة الكاثوليكية وعلى المسيحية كلها أقوى بكثير من الهجوم على الإسلام. وكما قال جلادستون أحد رؤساء الوزراء البريطانيين في القرن التاسع عشر: «ليس لنا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، وإنما لنا مصالح دائمة»، أي إن عقيدته "الدينية" هي المنفعة المادية وليست المسيحية.
س: هل هو موقف سلبي تجاه كل الأديان؟
ج: بالفعل؛ شاهدت على سبيل المثال معرضًا في الولايات المتحدة الأمريكية لفنان اسمه أندريه سارانو، وفيه لوحة عبارة عن زجاجة مليئة بالبول وضع فيها صورة المسيح عليه السلام، واسم هذا العمل الفني " فلنتبول على المسيح".
ومنذ عامين حاول بعض المسيحيين أن يضعوا قطعة من الحجر نقشت عليها الوصايا العشر في قاعة محكمة، اعترض العلمانيون هناك ووافق النظام القضائي على رأيهم وتم المنع. وفي بعض المدن كانوا يضعون (ماكيت) صغيرًا يسمونه "ميلاد المسيح" واعترض بعض العلمانيين، وكان السبب أنه تم بناؤها من أموال الدولة أي دافعي الضرائب، وتبرع بعض المسيحيين بدفع المبلغ، ولكنهم رفضوا لأن مثل هذه الأشياء لا يجب عرضها في مكان عام يملكه كل الناس، أي لا يُعرض في مكان لأن هذه رقعة الحياة العلمانية، وقالوا: من يحب هذه الأشياء فعليه أن يضعها في منزله، أي في الرقعة الخاصة به. ونجحوا في ذلك.
س: أهو جزء من المنظومة الغربية؟
ج: بكل تأكيد، فالمنظومة العلمانية الغربية نزعت القداسة عن كل ما هو غير مادي، وما كان مقدسًا مسيحيًا أصبح عرضة للهجوم والانتقاص، ففيلم " شيكاغو"، الذي عرض منذ سنوات في القاهرة، يدور حول محام في الثلاثينيات من القرن الماضي بارع جدًا وقادر على تبرئة أي مجرم مهما كان مقابل "? آلاف دولار"، وكان يتباهى قائلًا: لو كان المسيح هنا في شيكاغو ومعه ? آلاف دولار لما حدث له ما حدث! أقصد أنهم في العالم الغربي العلماني لا يفهمون مسألة القداسة. في أحد مؤتمرات حوار الأديان اقترحت إحدى الحاضرات بحماس ونية صادقة تغيير نصوص القرآن، حتى يتماشى مع العصر! وحاولت أن أشرح لها أن النصوص الدينية لا يجوز تغييرها مثل النصوص العلمانية فاندهشت تمامًا! إذن يجب أن ندرك أن الغرب ليس مسيحيًا ولم يعد يفهم ما هي القداسة، وانسحبت منه أية رؤى مجاوزة للسطح المادي، ومن ثم فالهجوم على الرسول صلى الله عليه وسلم هو جزء من هذه المنظومة.
س: وهل يهاجمون أيضًا اليهودية مثلما يفعلون مع المسيحية والإسلام؟
ج: إلى حد كبير.. فمثلًا المخرج والممثل الأمريكي وودي ألن يهودي ويسخر من اليهودية في معظم أفلامه.
س: معنى كلامك أن إهانة الأديان مسألة عادية في الغرب، ومن ثم لا يجب أن نحتج!
ج: لا أقصد ذلك، وما أريد قوله هنا: إن الشعوب العربية تشعر بالغضب الشديد من العالم الغربي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يدعم إسرائيل وقام بغزو العراق وأفغانستان ويحاول فرض الهيمنة علينا. وقد شعرت النظم الحاكمة أن تصاعد الغضب وتصاعد التيار الإسلامي يشكل خطرًا عليها، ومن هنا كان لابد من تحويل الاهتمام، أي بدلا من مقاطعة أمريكة وبدلًا من اتخاذ موقف ضد إسرائيل ودعم الانتفاضة، وجهت هذا الغضب الشعبي تجاه الجبنة الدانماركية، لدرجة أنني أقول ساخرًا: إنهم بدلًا من أن تكون المعركة ضد الاستعمار الغربي أصبحت ضد الجبنة الدانماركية، أي توجيه الغضب إلى شيء صغير يستطيعون التعامل معه. ولكن المسألة تضخمت الآن بعد دخول الاتحاد الأوروبي، فهل النظم العربية قادرة على مقاطعة الاتحاد الأوروبي؟ ومع هذا يجب أن نرى الجانب الإيجابي في هبّة الجماهير فهي تعبر عن إدراك واضح للعداء الغربي للعالم العربي والإسلامي، وعن إحساس بالكرامة، وهذا ولا شك يسدد ضربة للرأي الغربي القائل إنه لا يوجد شيء اسمه "الشارع العربي" أو "الشارع الإسلامي".
س: وكيف يمكن مواجهة الغرب بعيدًا عن الحكومات؟
ج: لابد من تكوين جمعيات أهلية لمقاطعة البضائع الأمريكية. الإسلام يقف ضد الظلم وضد الاستعمار، والقيمة الكبرى للإسلام هي العدل، ولا يجوز أن نترك إخواننا في العراق وفلسطين يجاهدون وحدهم ونترك المسجد الأقصى للصهاينة، يجب أن نعلم الجماهير أن هذه هي القضية التي تمثل انتهاكًا مستمرًا للحقوق والمقدس أيضًا ما يلزم استمرار الغضب والمقاومة.
س: كيف ترى مستقبل التيار الإسلامي في مصر؟
ج: لا يوجد مستقبل للحياة الديمقراطية في مصر من دون الاعتراف بالحركات الإسلامية واستيعابها في العملية السياسية الشرعية. ولحماية الديمقراطية من أي اتجاهات ديكتاتورية يجب أن نضع شروطًا وضوابط محددة للعمل السياسي، لا أن نستبعد الإسلاميين لمجرد أنهم إسلاميون، ولكن بتحديد الضوابط الكفيلة بحماية الديمقراطية من أي اتجاهات شمولية داخل هذه التيارات.
س: هل ترى أن التيار الإسلامي مؤثر في المستوى السياسي في مصر؟
ج: أعتقد أن الإخوان المسلمين هم أكبر قوة جماهيرية في مصر، وهذا باعتراف جميع أحزاب المعارضة، بل بالاعتراف الضمني من الحكومة التي ترفض الاعتراف بهم وتطاردهم. ولكن على الإخوان أن يقوموا بالكثير، فعلى سبيل المثال يجب أن يوضحوا برنامجهم السياسي والاقتصادي والثقافي، ويجب أن يتجاوز أداؤهم في المجالس النيابية مجرد الاحتجاج على رواية أو برنامج تلفازي خارج عن المألوف وعن الأخلاق وعن الدين. عليهم أن يدخلوا في العمق السياسي والاقتصادي وأن يدافعوا عن مصالح الجماهير انطلاقًا من مفاهيم إسلامية إنسانية مثل العدل، وأن يؤكدوا ضرورة التكافل الاجتماعي والابتعاد عن الاستهلاك الذي يدمر ثروة الأمة ويزيد من حدة الاستقطاب الطبقي. ولا يكفي الحديث عن التراحم الإسلامي والزكاة بشكل عام، فلابد أن تعطى إطارًا مؤسسيًا دون إهمال لعنصر الفرد. وأخيرًا عليهم أن يرشدوا جماهيرهم، فهناك أعداد غفيرة منهم ذات طابع شعبوي يدورون داخل إطار أفكار ضيقة فيها كثير من التعصب وعدم فهم طبيعة المجتمع الحديث وتركيبية الدولة الحديثة وتكوين الأمة.
ويجب على قيادات التيار الإسلامي وجماهيرها أن يدركوا أن العدو الحقيقي ليس المسيحية، وإنما الاستهلاكية والاستعمار والهيمنة الغربية، وأن المسيحيين الملتزمين بعقيدتهم هم حلفاؤنا في صراعنا مع هؤلاء، وأن مسيحيي مصر والعرب جزء أساسي من هذه الأمة لهم ما لنا وعليهم ما علينا. إن بعض المتعصبين الذين لا يعون أمور دينهم أو دنياهم يتصدون لبناء كنيسة جديدة، في حين لا تثير حفيظتهم الإعلانات التي تلطخ حوائط القاهرة وكل المدن العربية (بما في ذلك مكة المكرمة)؟ ألا يدركون أن هذه الإعلانات هي تحويل العالم إلى مادة استعمالية تجعل السقف المادي الاستهلاكي يطبق على الإنسان ويحدد رؤيته؟ وعلى كل، من المفارقات أن عدد علامات ماكدونالد المميزة، الأقواس الذهبية الصفراء، فاقت في عددها عدد الصلبان في العالم الغربي، والبقية تأتي.
س: وماذا عن شعار "الإسلام هو الحل"؟
ج: ابتداءً لا ضير في أن تلخص حركة ما توجهها العام في عبارة موجزة كما فعلت الحركة الشيوعية حينما طرحت شعار "يا عمال العالم اتحدوا"، ولا يمكن القول إن هذا الشعار يلخص الفلسفة الماركسية بكل تركيبيتها وتشعباتها، ولا يمكن اختزال الحركة الشيوعية والفلسفة الماركسية في هذا الشعار. فمثلما يعبر شعار "يا عمال العالم اتحدوا" عن شيء أساسي يتعلق بتصور الماركسية أن الطبقة العاملة هي التي ستقود التغيير في العالم فإن شعار "الإسلام هو الحل" يلخص رؤية بعض المفكرين الذين يقودون تيارًا سياسيًا مهمًا يؤمن بأن المرجعية الإسلامية هي المجال أو الطريق الوحيد لحل مشاكل المجتمع، ويجب ملاحظة أن هذا الشعار قد ظهر في مرحلة اهتزت فيها مرجعية الأمة وسقطت بوصفها منظمًا لمختلف جوانب حياتها، فطرح الشعار لاستعادة هذا البعد الغائب، ولذا فهو يتسم بقدر من العمومية، فهو من قبيل التأسيس. إن الشعار يؤكد أن مشروع النهضة ومقاومة الغزو الخارجي لابد أن ينبع من التمسك بالهوية الحضارية والدينية للأمة، في وقت عُرّف فيه المشروع النهضوي بأنه اللحاق بأوربة. ولعله بسبب عموميته أحدث التباسًا، فالمشروع المفروض فيه أنه موجه للأمة كلها بمختلف فئاتها وشرائحها وطوائفها، ولذا يطرح السؤال: ما المقصود؟ هل المقصود الإسلام حضارة أم الإسلام حضارة وعقيدة؟ ولذا لابد من إعطاء مضمون أكثر تحديدًا وتركيبًا للشعار عن طريق وضع برنامج مفصل يزيل الالتباس (وهذا ما نحاول أن نفعله في حزب الوسط).
وبمناسبة الشعارات والرموز أعتقد أن شعار الإخوان المسلمين (السيفان وبينهما المصحف وكلمة "وأعدوا") كان مناسبًا تمامًا لمرحلة المواجهة مع الاستعمار، وفي الثلاثينيات حينما كان من الضروري حشد الجماهير. ولكن القضية الآن أصبحت أكثر تركيبًا، وهذا يتطلب أن تتغير الرموز لتصبح هي الأخرى في تركيبة الواقع، لأنه يمكن أن تتم تعبئة الجماهير وراء شعارات بسيطة، ومن ثم تتحول إلى قوة مدمرة بدل أن تكون قوة إصلاحية بناءة. وعلى كل أنا متفائل للغاية، نظرًا لمعرفتي الشخصية بالقيادات الجديدة في الإخوان المسلمين وأعرف مدى سعة أفقهم وفهمهم للواقع المحلي والدولي وطبيعة الجماهير التي يتولون قيادتها.
س: أشرت إلى أن ثمة خطابًا إسلاميًا جديدًا، هل ترى أن حزب الوسط ينتمي لهذا الخطاب؟
ج: نعم، الحزب يرى أن الخطاب الديني السائد في مصر منذ فترة طويلة يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إصلاح أساليبه، وتجديد مضامينه، وتنحية المفاهيم السلبية واللغة الاعتذارية والمعاني الانعزالية التي يحتويها، وذلك بهدف استيعاب متغيرات الواقع، وتفعيل دور الخطاب الديني في مواجهة المشكلات التي يعاني منها المجتمع. وبخاصة فئة الشباب. كما أن هذا التجديد يجب أن ينعكس بشكل إيجابي على مكانة المؤسسة الدينية (الأزهر – الكنيسة) ودورها في جهود التنمية والإصلاح الاجتماعي العام. وتبني الحزب لهذا الموقف ليس جديدًا ولا مرتبطًا بدعوات حديثة قادمة من الخارج، ولكنها دعوة قديمة ومتأصلة تبناها المصلحون والمفكرون قديمًا وحديثًا، لأنه واجب ديني ووطني لإدراك الواقع والتفاعل معه وتطويره بما يخدم مصالح الأمة ولا يصطدم بغير مبرر مع العالم. وقد أشرت إلى أن الخطاب الإسلامي الجديد ليس موجهًا للمسلمين وحسب وإنما لكل العالمين، وهذا يتبدى في انطلاق الحزب من الإنسانية المشتركة والمرجعية النهائية الإسلامية.
س: مع حماسك للإخوان المسلمين قمت بالانضمام لحزب الوسط؛ لمَ؟
ج: السؤال نابع من تصور أن الخطاب الإسلامي كتلة واحدة مصمتة متجانسة. وأنا لا أشارك في هذا الرأي، إذ أرى أنه داخل الإطار الإسلامي هناك اختلافات، وضروري أن نتعلم كيف نقبل هذا الاختلاف داخل إطار من الاتفاق، وهذا هو جوهر الديمقراطية ذات المرجعية النهائية. فأنا أنطلق من مفهوم النسبية الإسلامية أن المؤمن الحق لا يمكن أن يكون صاحب الرأي الوحيد والمطلق، وأن الاجتهاد مسألة أساسية.
س: لماذا اختار الحزب اسم الوسط؟
ج: للإجابة عن هذا السؤال لابد أن نحاول تعريف الوسطية فنحن أمة وسط، ولكن الوسطية الإسلامية لا علاقة لها بما يسمى الوسطية والاعتدال في الخطاب الحديث، فالاعتدال والتطرف من المفاهيم النسبية التي لا يتضح المقصود منها إلا حين توضع في إطارها التصوري، فالاعتدال في هذا الخطاب هو أن يأخذ المرء موقفًا وسطًا بين موقفين متطرفين، دون وجود مرجعية، والاعتدال يعني التوصل إلى أي حل وسط بين نقطتين أو طرفين، وإذا تغير الطرفان فإن نقطة الاعتدال تتغير هي الأخرى. الوسطية الإسلامية قد تكون نقطة بين طرفين يتسمان بالتطرف، ولكنها تظل مع هذا رؤية متماسكة متكاملة لها مرجعية نهائية ثابتة. ويتبدى هذا في رفض الإسلام لتعدد الآلهة، ولكنه يرفض أيضًا وحدة الوجود بواحدانيته الصارمة. فعقيدة التوحيد لا هذا ولا ذاك، وإنما تنطلق من ثنائية أساسية؛ ثنائية الخالق والمخلوق، والله والكون وهي ثنائية تفاعلية وليست إثنينية صلبة، أي إن التوحيد يتضمن كلًا من التعددية والوحدة ويتجاوزهما.
هذه هي الوسطية، ويمكن تعريف الوسط بأنه ما هو صحيح، ويتفق مع المعايير الإسلامية، وفي الوقت ذاته مناسب لمواصفات الزمان والمكان. الشورى على سبيل المثال هي الديمقراطية ولكنها مرتبطة بسقف شرعي، أي لها مرجعية نهائية. ولعل وسطية الوسط تظهر في أن نقطة انطلاقه هي المشترك الإنساني الذي لا ينكر التعددية والخصوصية والثقافية والسياسية، ولكنه ينطلق أيضًا من المرجعية النهائية الإسلامية ويتمسك بها.
س: كررت عبارة المرجعية النهائية وقمت بتعريفها من قبل، فهل يمكن أن توضحها في سياق رؤية حزب الوسط؟
ج: يرى الحزب أن مرجعية الإسلام العامة في هذا الوطن محل احترام بنيه أجمعين، فهي بالنسبة إلى المسلمين دينهم الذي به يحيون وعليه يموتون ويبعثون، وهي بالنسبة إلى غير المسلمين مرجعية الحضارة التي تميز بلادهم، وفي ظلالها أبدع مفكروهم وعلماؤهم وقادتهم، وبلغتها نطق وعاظهم وقديسوهم، ولهم في كل إنجازاتها دور مشهود وجهد غير منكور. ولذلك فإن السعي بالوسائل الديمقراطية لتطبيق المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، سيكون عملًا أساسيًا يضعه الحزب في مركز اهتمامه.
والشريعة الإسلامية بصفتها مرجعية نهائية – كما جاء في برنامج الحزب – لا تستبعد أحدًا "فالإسلام قرر وحدة (الدين) في أصوله العامة، وأكد على أن شريعة الله تعالى للناس تقوم على قواعد ثابتة من الإيمان والعمل الصالح والإخاء، وأن الأنبياء جميعًا مبلغون من الله، وأن الكتب السماوية جميعًا من وحيه، وأن المؤمنين جميعًا في أية أمة كانوا هم عباده، وأن الفرقة في الدين والخصومة باسمه إثم يتنافى مع أصوله وقواعده ويتناقض مع غايته ومقاصده". ومن هنا يرى الحزب أن "الرقابة الروحية، والوصاية على الضمير والمعتقد الديني إهانة لكرامة الإنسان، وإهدار لحقه في الحرية، بل وتعد على إرادة الله سبحانه وتعالى".
والشريعة بوصفها مرجعية ليست مجرد نصوص تتلى أو أحكام يتم تطبيقها أمام المحاكم، فالمسألة أعمق من هذا بكثير. فالشريعة منظومة قيمية ومعايير مرجعية يهتدي الناس بهديها في سلوكهم أمام القانون، وأمام أنفسهم في حياتهم العامة والخاصة، والشريعة بوصفها مرجعية لا تعني أنها مجموعة من القيم الساكنة وإنما هي عملية متحركة حية تهدف إلى تحقيق المقاصد العامة للشريعة؛ من حرمة النفس الإنسانية وحفظ العقل، وتفعيل دوره في الحياة، وحرية الاعتقاد، وحرمة المال العام والخاص، وصيانة العرض وكرامة الإنسان.
وحينما يطرح ممثلو الحزب الشريعة على أنها مرجعية نهائية فإنهم يسعون إلى جعلها متفاعلة مع جوانب الحياة جميعًا، ووضعها موضع التطبيق عن طريق تغيير الاجتهادات التي تصيب حركة المجتمع بالشلل، وهي اجتهادات بشرية تستضيء بمقاصد الشريعة العامة وكلياتها الأساسية، ولكنها تظل اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ، وقابلة للأخذ والرد والنقد والمراجعة، كما أنها قابلة أيضًا لإعادة النظر والتغير من زمان لزمان ومن مكان لمكان.
س: حزب الوسط يقول بأنه حزب "مدني" ونحن نعرف المجتمع المدني، ولكن "الحزب المدني" مصطلح جديد، فالأحزاب إما دينية أو علمانية؟
ج: لتوضيح هذه النقطة نحتاج إلى تعريف كل مصطلح. الدولة الدينية هي دولة يحكمها علماء الدين أو رجال الدين، وتقوم على أساس ديني إقصائي، وهذا أمر ليس له رصيد فقهي أو تاريخي إسلامي. والحزب الديني ينبع من هذا التصور للدولة، ولذا نجد أن العضوية فيه تقتصر على أبناء دين معين، والمجال السياسي لا تفصله أي مسافة عن المجال الديني بحيث يتداخلان تمامًا. فإذا كانت الوسطية هي "الصحيح والمناسب"، فالحزب الديني قد يتمسك بالصحيح ولكنه يهمل تمامًا البعد الزمني والمكاني، أي المناسب، فينفصل عن الواقع وتزداد إقصائيته ويغرق في مقولات عامة.
أما الدولة العلمانية فهي دولة في تصوري ليست مجرد منفصلة عن الدين، وإنما منفصلة عن القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بحيث تصبح مرجعية نفسها وتصبح مصلحتها هي المطلق بغض النظر عن مدى قرب أو بعد هذا المفهوم للمصلحة كما حددته النخبة الحاكمة عن القيم الإنسانية والأخلاقية.
الدولة المدنية هي دولة يحكمها رجال مدنيون متخصصون في الحكم والإدارة والسياسة، وليسوا فقهاء أو مشايخ أو قساوسة، وإذ ضمت هذه الدولة أيًا من رجال الدين فإنهم يوجدون باعتبارهم ممثلين لرأي قطاع من الشعب. والدولة المدنية تقوم على أساس دستور بشري، وعلى احترام القانون، وعلى المساواة وعلى حرية الاعتقاد، والإيمان بأن الشعب هو مصدر السلطات. ولكن مع هذا ثمة مرجعية نهائية للدولة المدنية وفي حالتنا مرجعيتنا النهائية هي الإسلام.
س: كيف يمكن تطبيق هذا على حزب الوسط؟
ج: حزب الوسط حزب مدني (لا هو ديني ولا علماني) فهو ينطلق من مبدأ المواطنة باعتبارها الضابط الأساسي التي تعني المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وتولي المناصب والولايات العامة، بما في ذلك القضاء ومنصب رئيس الجمهورية، وهذا ينطبق على الذكور وعلى الإناث (ويوجد قيادات وعضوية عاملة للمرأة في كل تشكيلاته). بحيث لا يجب التمييز بينهم بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو العرق.
ويطبق حزب الوسط فكرة المواطنة في عضويته، فهي مفتوحة لكل من يقبل برنامج الحزب. ولأنه حزب مدني، فإن مجال نشاطه وحركته هو المجال السياسي، وليس الدعوة الدينية، ومع هذا كما أسلفت هو حزب مدني له مرجعية نهائية إسلامية، وهذا يعني أنه حزب يعبر عن حضارتنا، ومرجعيته هي القيم والمبادئ الحاكمة لجمهور الأمة.
وأحب أن أضيف هنا أنه لا يوجد في مبادئ الإسلام الواردة في القرآن الكريم أو السنة النبوية الصحيحة أي تحديد أو تفصيل لشكل نظام الحكم أو شكل الدولة الواجب تبني نموذجها، ولكن الوارد هو القيم الحاكمة لهذه الدولة من العدل والشورى والمساواة.
س: كيف يكثر هذا الموقف "المدني" عن نفسه؟
ج: من أهداف حزب الوسط تفعيل المجتمع المدني. فسيادة المنظومة العلمانية (الشاملة) صاحبها إيمان قوي بالدولة القومية المركزية وضرورة تحكمها في كل مجالات الحياة العامة والخاصة، فطورت أجهزتها الأمنية والتربوية والإعلامية والاستخبارية حتى هيمنت تمامًا على المجتمع وعلى الأفراد، وظهر الإنسان ذو البعد الواحد الذي يدين بالولاء شبه الديني للدولة. ولكن ثبت أن إدارة الدولة المركزية هذه مسألة مكلفة للغاية، كما أن الدولة المركزية نظرًا لضخامتها ولبعدها، فهي دائمًا توجد في العاصمة بعيدة عن الأطراف، ولذا لا يمكنها أن تتعامل مع الاحتياجات الخاصة والكيفية لكل جماعة إنسانية، وتكتفي بالتعامل مع الجوانب الكمية، فهي لا يمكنها إلا أن تتعامل مع الأرقام والكم، شأنها في هذا شأن أي بيرقراطية ضخمة بلا شخصية. والأرقام بطبيعتها نمطية لا يمكن أن تأخذ في الاعتبار تعرجات الواقع وتركيبيته، وكثيرًا ما تتحول الدولة المركزية إلى بيرقراطية حاكمة تصبح مرجعية ذاتها وتدافع عن مصالحها وليس عن مصالح الوطن أو الجماعات الإثنية والدينية والمحلية المختلفة. ولعل سقوط الاتحاد السوفييتي أكبر دليل على ذلك، فقد تحولت حكومة العمال والفلاحين إلى حكومة البيرقراطية الحاكمة. كما أننا في مصر جربنا الدولة المركزية القومية في المرحلة الناصرية، ومع كل إنجازاتها إلا أنها عجزت عن مواجهة الاستعمار الصهيوني، كما عجزت عن حماية إنجازاتها في عصر الانفتاح والرأسمال الحر.
س: ما هي رؤية حزب الوسط لعلاج هذا الموقف؟
ج: أدرك الحزب إشكاليات الدولة المركزية وأنه لا يمكن تجاوزها إلا من خلال المجتمع المدني، أو المجتمع الأهلي، والاهتمام المتزايد بالمجتمع المدني هو تعبير عن إدراك كثيرين بمدى إخفاق الدولة المركزية بالوفاء باحتياجات الجماعات المختلفة نظرًا لضخامتها ومركزيتها. هذا الاهتمام بالجماعات الأهلية له رصيد ضخم في تراثنا الإسلامي. فالدولة في التشكيل الحضاري الإسلامي لم تكن قوية في هيمنتها؛ حيث كانت قوتها رأسية محصورة في جمع الضرائب والخراج وتجييش الجيوش، وظلت حياة الجماعات خارج نطاق سلطتها لأنها على أية حال لم يكن بوسعها الوصول إليهم. ولذا ظهرت المؤسسات الوسيطة مثل الأسرة والقبيلة والجماعة المحلية التي تشكل المجتمع المدني الذي يملأ الرقعة بين العام (الدولة) والخاص (الجماعة المحلية). ولعل مؤسسة الوقف هي خير تعبير عن فكرة المجتمع المدني الذي يعبر عن إرادة الجماعات المحلية خارج سلطة الدولة، إلى جانب أنه يعبر بطبيعة الحال عن التراحم الإسلامي.
إن المجتمع المدني هو استجابة الجماهير التي ترفض هيمنة الدولة ومفهوم المصلحة العامة المجرد الذي تطرحه الحداثة المادية، التي تجعل مصلحة الدولة مطلقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وبدلًا من ذلك يحاول الحزب أن يعيد تعريف المصلحة بحيث يأتي بمفهوم يؤكد مصلحة الجماعات المختلفة لكي يمكن الوفاء باحتياجاتهم المادية العامة والروحية والثقافية الخاصة، ومن هنا يؤكد الحزب أهمية فكرة التجمع الطوعي للأفراد ليؤكدوا إنسانيتهم وخصوصيتهم. ومسألة تفعيل المجتمع هي إحدى القضايا الأساسية التي ينادي بها حزب الوسط، منطلقًا من المشترك الإنساني والمرجعية النهائية الإسلامية الحضارية.
ولعل من أهم الآليات في هذا المضمار الإصرار على أن الديمقراطية هي الإطار الوحيد السليم لإدارة المجتمع. والديمقراطية تجعل من اتخاذ القرار مسألة مركبة تتطلب مشاركة المجتمع فيها. ومن الآليات الأخرى تجديد ثقافة العطاء والعمل التطوعي، ووضع برنامج لنشر هذه الثقافة وتعميمها، وتشجيع الوقف الخيري والمؤسسات الأهلية (بما في ذلك مؤسسة أهلية لجمع الزكاة وإنفاقها) وتقديم التيسيرات والإعفاءات اللازمة لإنجاح تلك المؤسسات. كما أن تفعيل القنوات الديمقراطية الشرعية يعني تشجيع النقابات المهنية والحرفية على التحرك والتعبير عن مصالح ومطامح أعضائها الذين يشكلون غالبية الشعب. كل هذه الآليات من شأنها أن تضع حدودًا على سلطة الدولة دون أن تنفيها أو تقوضها، بل إنها تجعل الدولة قادرة على الاضطلاع بمسؤولياتها على أكمل وجه، فهي ستكون دولة منفتحة على مؤسسات المجتمع المدني التي تحس بنبض ومطالب الجماهير بشكل مباشر لا يمكن أن يتوافر للنخب أو البيرقراطيات المركزية الحاكمة.
س: جاء في حديثك عن وسطية الحزب أن برنامجه يؤكد نقطة التقاطع بين العام والخاص، فماذا تعني بهذا، وهل يمكن أن تضرب بعض الأمثلة؟
ج: إن نظرتِ إلى تفاصيل برنامج الحزب تلاحظي أنه يحاول دائمًا أن يجد النقطة التي يتلاقى ويتقاطع فيها "العام"، أي المشترك الإنساني، مع "الخاص"، أي المرجعية النهائية، وما يتفرع عنها (الهوية، الخصوصية، اللغة العربية) ويتلاقى فيها الفرد (القطاع الخاص، الإبداع، تشجيع الاستثمار) مع المجتمع (القيم الأخلاقية، حماية الضعفاء، ترتيب أولويات المجتمع). هذا هو النمط العام والمتكرر الذي يضفي وحدة فكرية على برنامج الحزب على تعدد وتنوع تفاصيله.
ولعل من أهم نقط التلاقي والتقاطع بين العام والخاص ما يشار إليه في البرنامج بأنه إدماج الأخلاق في سياسات الإصلاح. وعملية الإدماج هذه هي نتيجة منطقية للالتزام بالمرجعية النهائية الإسلامية، ورفض فصل القيم الأخلاقية والإنسانية والدينية عن رقعة الحياة العامة. والإصلاح الأخلاقي – في نظر الحزب – يجب أن يتأسس على المبادئ والقيم الإسلامية التي تحض على مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، وهو بهذا المعنى يمتد للبحث في كيفية إعادة الفاعلية إلى منظومات القيم والمعايير الفردية والجماعية السائدة في مجتمعنا المصري.
س: ما هو موقف الحزب من الغرب؟
ج: ينطلق برنامج الحزب من أن العالم تسوده في المرحلة الراهنة حضارة إنسانية واحدة، وأن مختلف الحضارات والثقافات أسهمت في بنائها، وأن الغرب ليس كيانًا واحدًا، ولكنه مثل الشرق ومثل المنطقة العربية به كثير من ألوان الطيف والتعدد السياسي والديني، وأن العالم الغربي – شأنه شأن التشكيلات الحضارية المختلفة – عنده تجارب معرفية وحضارية ثرية يجب الاستفادة منها والبناء عليها لنسهم في المسيرة الحضارية الإنسانية.
ويلاحظ مؤسسو الحزب أن ثمة اتجاهات جديدة نحو ما يمكن تسميته "المشترك الإنساني العام"، إذ بدأت تظهر قوى سياسية واجتماعية جديدة في الغرب ترى ضرورة تجاوز الانقسامات الدولية والعرقية والوطنية، ونبذ النموذج الصراعي المادي الماكيافيللي الذي أفرز العنصرية والإمبريالية، كما أن هذه القوى تساند حوار الحضارات وتدعو إلى تضافر قوى كل الشعوب في تحقيق قدر معقول من المساواة والعدل في العالم.
لكل هذا يرى مؤسسو الحزب أن موقفنا من الغرب يجب ألا يتسم بالقبول الكامل الذي يقترب من الإذعان، أو الرفض الكامل الذي يرفض إعادة التقييم والمراجعة المستمرة، فثمة مناخ جديد يسمح بإقامة علاقة مع بقية العالم – بما في ذلك الغرب – وفق معايير احترام المصالح المتبادلة والعدالة التي تعني إعطاء كل ذي حق حقه، وتجريم إلحاق الظلم بأي جماعة أو فئة أو أقلية. إن العالم من منظور مؤسسي الحزب كلٌّ متناسق، يجب أن يسوده السلام، أما الحرب فلا يسببها إلا الخروج على هذا التناسق من خلال الظلم والبغي. وكما جاء – حرفيًا – في برنامج الحزب: «إن وحدة الجنس البشري تقتضي في نظر مؤسسي الحزب المساواة التامة بين الناس جميعا، بجماعاتهم وشعوبهم، ومن حيث إتاحة فرص متساوية للحصول على الحقوق السياسية للإنسان وللتمتع به، فإذا توافرت الفرص المتساوية أمام الجميع يكون التفاوت النسبي بينهم بعد ذلك راجعًا إلى ما يبذلونه من جهد وعمل. ويفرض علينا مبدأ المساواة ألا نقبل أي وضع ينتقص من الحقوق السياسية لأي شعب من الشعوب، وأن نبادر بتقديم الأفكار واقتراح الحلول والسياسات التي تسهم في إزالة كافة أشكال التمييز العنصري أو العرقي، وألا ندخل أو نشارك في أي علاقة دولية – في صورة معاهدة أو تحالف، أو اتفاقية.. إلخ – تستهدف الإخلال بمبدأ المساواة، أو يكون من شأنها تكريس وضع ما من أوضاع التفرقة العنصرية، أو مساعدة جماعة أو دولة على ممارسة سياسة التطهير العرقي، أو الاضطهاد المذهبي أو الطائفي أو الديني، وكلها ظواهر لا يزال العالم يعاني من آثارها المدمرة، ولم تفلح دعاوى العولمة في القضاء عليها، بل ربما زادتها وعززت عوامل بقائها».
وتأكيد أهمية المشترك الإنساني لا يعني إنكار التعددية أو الخصوصية، فبرنامج الحزب يؤكد التعددية الحضارية والثقافية والسياسية والعقائدية وضرورة احترامها: «ذلك لأن التنوع والاختلاف من سنة الحياة الاجتماعية، ومحاولة طمس الاختلافات وتنميطها في قالب واحد أمر لا يتأتى إلا عن طريق الجبر والإكراه».
س: هل أسلمة المعرفة جزء من محاولة البحث عن حداثة بديلة؟
ج: نعم، وإن كنت غير سعيد بمصطلح "أسلمة المعرفة"، مع أنني مؤمن بمشروع المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي يرمي إلى تطوير معرفة ذات مرجعية إسلامية، ومن ثم أنا أقبل بالمفهوم وأرفض المصطلح، لأن المصطلح يحتوي على قدر من السطحية، أنا أقترح مصطلح "توليد معرفة إسلامية" من خلال النموذج الإسلامي. وبالفعل قيل لي إن المعهد تخلى عن مصطلح "أسلمة المعرفة" وأحل محله مصطلح "إسلامية المعرفة"، وهو مصطلح أفضل بكثير من المصطلح الأول، وقد وجدت من خلال دراستي أن جوهر المنظومة العلمانية المادية هو وحدة العلوم، التي تساوي بين الإنسان والأشياء. أما النموذج الإسلامي فهو ينطلق من فكرة التوحيد: فالله الواحد إله العالمين المتجاوز للطبيعة والتاريخ، وهو إله عادل رحيم، خلق الإنسان واستخلفه في الأرض، فأصبح الإنسان مركز الكون دون أن يكون سيده أو صاحبه. وأنا أذهب إلى أن جوهر مشروع إسلامية المعرفة أو توليد معرفة إسلامية هو أنسنة المعرفة، أي استرجاع الإنسان مرة أخرى ليكون كائنًا غير مادي أو مختلفًا بشكل جوهري عن الطبيعة والمادة. إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستجيب للمثير المادي مباشرة، وإنما يستجيب لرؤيته لهذا المثير. فالإنسان مثلًا يستهجن أكل اللحم نيئًا، مع أنه لا يوجد من الناحية البيولوجية ما يمنع ذلك، من المنظور المادي لا يمكن أن نتجاوز السطح المادي ولذا يصبح الوطن مجرد أرض، ومن منظور مادي محض من السهل بيع هذه الأرض، ولكن من سوء حظ الاستعماريين الماديين أن الفلسطيني – على سبيل المثال – أسقط معنى على أرض فلسطين؛ فهي ليست عقارًا وإنما هي وطن، ولذلك فإن عملية البيع ليست سهلة وليست مطروحة إطلاقًا. هذا على عكس الإنسان المادي "البراني" الذي أطبق عليه السقف المادي، فهو يستجيب للمثير مباشرة، الذي يظل مجرد شيء مادي، مجرد أرض، بينما الإنسان المركب "الجواني هو الذي يسقط معاني على الأشياء، وبذا تصبح الأرض هي فلسطين الغالية. هذه المقدمات تعني ضرورة استرجاع مفهوم الطبيعة البشرية، والطبيعة البشرية تسترجع مفهوم القيمة، الذي يسترجع بدوره مفهوم المرجعية النهائية، فمن دون مرجعية نهائية لا يمكن أن يكون هناك منظومة معايير وقيم، ومرجعيتنا النهائية هي الإسلام.
وعليه فإن الخطوة الأولى في إسلامية المعرفة، هي أنسنة المعرفة، بمعنى أن نفصل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وأن ندرك أن العلوم الإنسانية ليست علومًا دقيقة نظرًا لعدم انفصالها عن القيم الأخلاقية والإنسانية. وعندما نتحدث عن المجتمع، نتحدث عن كيان يدور داخل إطار رمزي، فالفاعل الإنساني لا يسلك حسبما تمليه عليه غدده وعضلاته وجهازه العصبي أو التناسلي، وإنما يدرك فعله ورد فعله وأثر فعله، ويسقط على كل ما يدور حوله معنى ورمزًا، فالإنسان ليس حيوانًا سلوكيًا كما يقول السلوكيون، فهو كائن ينطلق من مرجعية نهائية.
في هذا الإطار يمكن توليد منظومات أخلاقية ومعرفية وجمالية. ولأضرب مثلًا على ما أقول: عُرّفت الحداثة بأنها تبني العلم والتقنية والعقل سبلًا لمعرفة العالم والتحكم فيه. ولكنني حين أبحث عن البعد المعرفي، الكلي والنهائي – أي حين أبحث عن المرجعية النهائية – أجد أن ما يتحدثون عنه هو في الواقع تبني العلم والتقنية والعقل المنفصلين عن القيمة سبلًا لمعرفة العالم والتحكم فيه. وإن دققنا النظر أكثر، وجدنا أن المرجعية النهائية لهذه الحداثة المنفصلة عن القيمة هي المنظومة الداروينية. ولذا أسميها "الحداثة الداروينية"، حداثة عالم لا إله فيه ولا غرض ولا غاية له، حرب الجميع ضد الجميع. في مقابل هذا أطرح تصورًا إنسانيًا إسلاميًا للحداثة، حداثة تتبنى العقل والتقنية، ومع ذلك تدور داخل منظومة من القيم الإنسانية والأخلاقية، مرجعيتها إنسانية إسلامية، تصلح لكل البشر مع أن مصادرها إسلامية. ويمكن أن أضرب عشرات الأمثلة الأخرى.
ومع أنني أتصور أن مشروعي النظري/ التطبيقي هو جزء من مشروع "توليد معرفة إسلامية" – كما أسميه – إلا أنني أجعل من مرجعيتي الإسلامية مرجعية نهائية صامتة، تتخلل ثنايا خطابي دون أن تظهر بشكل وعظي مباشر، فما أطرحه هو مشروع للإنسان في عصر العقلانية التقنية المادية. وخطابي لا يختلف كثيرًا عن خطاب مدرسة فرانكفورت (التي لا أنكر أنني تأثرت بخطابها)، مع فارق أن خطاب مدرسة فرانكفورت مأساوي، يرى أن الظلام قد أطبق علينا، وأن القفص الحديدي قد أغلق، أما خطابي الإسلامي، فهو خطاب مفعم بالأمل.
س: ما العلاقة بين المشروع المعرفي الذي مدخله إصلاح العالم / تغيير العالم، وبين مشروع توليد المعرفة الإسلامية؟ ما الجديد الذي تقترحه على النموذج المطروح كي يدمج في مشروع أقرب للعالمية من أن يوجه للأمة المسلمة وحسب؟
ج: أعتقد أن هذا سؤال في غاية الأهمية. توليد معرفة إسلامية هو في الواقع مشروع توليد معرفة ليست منفصلة عن القيمة، فهو مشروع " أنسنة للمعرفة"، بمعنى أننا حين نسترد فكرة القيمة للمعرفة فإننا نؤنسنها، لأن القيمة لا توجد إلا في عالم الإنسان، أما عالم الطبيعة أو المادة أو الحيوان فهو لا يعرف فكرة القيمة وليس بوسعه أن يولد قيمًا. الطبيعة محايدة، وليس لها ضمير، وعندما نظر الشاعر الإنجليزي لورد تينسون في الميكرسكوب ورأى البكترية لأول مرة قال: كيف يمكننا أن نميز بين الخير والشر من خلال هذه المعرفة العلمية؟ وهذا السؤال الخطابي وضع النقاط على الحروف. ولذلك أنا أرى أن فكرة تفسير القرآن بالعلم والتاريخ الإنساني هي عملية خطيرة جدًا، لأنها تربط بين المطلق والنسبي وتحول النسبي إلى مطلق.
المطلوب هو مشروع معرفي إسلامي يدافع عن الإنسان ضد العدمية واللاأخلاقية العلمانية، وضد الترشيد التقني وتحويل الإنسان إلى مجرد أداة، مشروع لا يتوجه للمسلمين وحسب وإنما لكل العالم، وهذا هو جوهر إسلامية المعرفة أو توليد معرفة إسلامية.
س: معنى هذا وجود علم نفس إسلامي وحديقة إسلامية وتسلية إسلامية؟
ج: بطبيعة الحال يوجد علم نفس إسلامي ينطلق من رؤية إسلامية جوهرها أن الإنسان ليس بمادة. فرويد وعلم النفس السلوكي، على اختلافهما، منطلقان من رؤية علمانية مادية ترى أن الإنسان كائن طبيعي جسماني، تحركه غدده وأجهزته العصبية والهضمية والتناسلية. ولا تنسي المكون الحضاري والاجتماعي في علم النفس. قرأت مرة دراسة لعالم نفس صيني بعنوان "مركب أوديب في الصين" يقول فيه إن هذه العقدة لا أثر لها في الصين بسبب عبادة الأسلاف، بينما نجد أن ثمة مركزية لمركب أوديب في نظرية فرويد. يجب أن نتذكر أن كل منتج إنساني، له بعد حضاري ويعبر عن منظومة حضارية ورؤية للكون. والحدائق ليست استثناء للقاعدة فهناك حدائق على الطراز الفرنسي، وأخرى على الطراز الإنجليزي، وثالثة على الطراز الصيني، ورابعة على الطراز الياباني، وداخل كل نوع يوجد أنواع وأنواع، وأنا مغرم بدراسة الحدائق لأنها تعبر عن رؤية للكون. حديقة الأحجار اليابانية تعبر – على سبيل المثال – عن الرؤية البوذية على طريقة الزن، وهناك بطبيعة الحال حدائق إسلامية، فلا يوجد حديقة (هكذا بالمطلق) أو حديقة بشكل عام.
ولنأخذ مثلًا آخر، وقت الفراغ. فحتى القرن العشرين لم يكن وقت الفراغ معروفًا. أتذكر أننا كنا في دمنهور، وفي الإجازات كنت أعمل مع والدي بعض الوقت في الإجازة الصيفية. وكانت هناك أنماط محددة لاستيعاب ما تبقى من وقت الفراغ، أما الآن فقد زاد وقت الفراغ وأصبح مشكلة تواجه الإنسان الحديث. وقد توجه الدكتور عبد الحليم للتعامل مع هذه المسألة بأن أقام حديقة على الطراز الإسلامي، فأخذ وحده معمارية (الحلزون) التي استمدها من مئذنة جامع بن طولون وطبقها على الحديقة. وقد بنى حول هذه الحديقة مجموعة من الورش لها بابان، باب يفتح على الحديقة وآخر على الحي، حتى يحقق تكاملًا بين الحديقة وأهل الحي، بدلا من المفهوم العلماني الخاص بتسخير الطبيعة وتبديدها. وهذه مفاهيم في جوهرها إسلامية. أما الدكتور حامد الموصلي فقد رفض الرؤية الإمبريالية الغربية المبنية على استغلال الطبيعة وتدميرها في نهاية الأمر، وطرح بدلًا من ذلك رؤية تحاول الاستفادة من الطبيعة دون تدميرها، فوجد أن "جريد" النخل يمكن أن يُصنع ليصبح مصدرًا طبيعيًا للأخشاب، ومن ثم يمكن توظيفه بدلًا من تحويله إلى نفايات يصعب التخلص منها. وقد أنشأ مصنعًا في الوادي الجديد يطبق فيه نظريته!! إن هذه المشاريع ترجمة للمفهوم الإسلامي للاستخلاف، يحل محل المفهوم العلماني الخاص بتحويل العالم إلى مادة استعمالية، وتسخير الطبيعة بلا هوادة، مما تسبب في الأزمة البيئية.
س: بالنسبة إلى المعهد العالمي للفكر الإسلامي، باعتباركم أحد الأعضاء المساهمين في أعماله، كيف تنظرون إلى اهتمامات المعهد المعرفية ومشروع إسلامية المعرفة، وهل حقق بعضًا من أغراضه؟ وماذا عن تطلعاته المستقبلية، هذا مع وجود معاهد ومراكز متعددة انتدبت نفسها للعمل في الحقل الإسلامي برؤى وتصورات مختلفة؟
ج: المعهد ليس معهدًا بالمعنى العادي، فهو مشروع حضاري، وأن نقيّمه كما نقوم بتقييم أي معهد آخر، فيه كثير من الغبن، لأن المعاهد عادة ما تؤسس في إطار مقولات ثابتة مستقرة، أما المعهد العالمي للفكر الإسلامي فهو مشروع حضاري ينطلق من الحاجة لاجتهادات عصرية حديثة، ولأن الإنسان المسلم بآلياته الحالية غير قادر على دخول العصر الحديث، فنجده يأخذ موقفًا من اثنين؛ إما موقف الرفض الشديد أو موقف القبول الكامل، وكلاهما فيه خطر وأي خطر. والمعهد يحاول أن يوظف أطروحات معرفية جديدة يمكن عن طريقها للإنسان المسلم أن يظل داخل منظومته القيمية والمعرفية، أي المنظومة الدينية الإسلامية، وفي الوقت ذاته ينظر إلى هذا العالم، لا يستعير فحسب وإنما يبدع أيضًا من داخل منظومته. أنا أعتقد أن المعهد في السنوات الأخيرة قد نشر عددًا كبيرًا من الندوات والدراسات، تعادل كل ما نشره في الأعوام السابقة، لأن مرحلة الحضانة الأولية آتت أكلها.
فالخط الأساسي هو التركيز على البعد الحضاري والفكري للمشروع الإسلامي، لتأسيس خطاب يمكن من خلاله بناء حضارة إسلامية، لا تأسيس حضارة حديثة فقط، حاضر بلا ماض، وإن كانت بلا ماض فهي بلا مستقبل أيضًا. يجب ألا يكون الاختيار بين الماضي والمستقبل، وإنما ننظر إلى الحاضر باعتباره النقطة التي يلتقي فيها الماضي بالمستقبل. ومن هنا، فإنني أعتقد أن إسلامية المعرفة هي الاجتهاد الحديث في عصر العلمانية والنسبية والانقطاع المعرفي الذي حدث في العالم بأسره، بما في ذلك الغرب. فإسلامية المعرفة، هي المشروع الحضاري الإسلامي الحديث، أي فتح باب الاجتهاد مرة أخرى في الأطر الجديدة التي تهدف إلى تأسيس حضارة إنسانية تحتفظ بالإنسان؛ لا تقتله ولا تميته.
س: إلى أي مدى تمثل العودة للجذور الإسلامية تهديدًا للغرب؟
ج: لقد قلتُ في سياق آخر إن منظومة التحديث الغربية تقوم على ميتافيزيقا الحلول أو الكمون التي تنكر فكرة التجاوز، فهي تذهب إلى أن القوانين الكامنة في الطبيعة كافية لتكون أساسًا لتفسير كل من الإنسان والطبيعة. إن هذا هو أساس العقلية الغربية. في ضوء هذا الإطار المرجعي، لابد أن تكون مصادر دوافع الإنسان وسلوكه في داخل ذاته أو في داخل القوانين الطبيعية والمادية. وهذا معناه أن يُختزل الإنسان حتى يصير جزءًا من الطبيعة والمادة. ونتيجة لهذه العملية، أصبح تعريف الإنسان لا من خلال احتياجاته أو ما يشتاق إليه أو الرغبة في السمو والتجاوز، أي وفقًا لتركيبيته الكاملة، بل وفقًا للقوانين البسيطة للطبيعة. وهذا يفسر المركزية التي يحتلها نموذج العلم الطبيعي الذي يفترض أن الإنسان كائن طبيعي مادي، إنسان ذو بعد واحد. وعلى المستوى الاجتماعي الملموس، يتبدى هذا المفهوم المجرد في شكلين: الإنسان الاقتصادي (آدم سميث وكارل ماركس) والإنسان الجسماني (فرويد وعلم النفس السلوكي). إن العالم الذي أفرزته منظومة التحديث الغربية يتحرك وفقًا لهذه الصور. وأنا هنا لا أشير إلى كل التراث الفكري للغرب وإنما إلى ما أسميه "النموذج المعرفي الفاعل"، أي النموذج الذي تروجه أجهزة الإعلام، والكامن وراء القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية الملموسة. ومن البديهي أن الأصوات الساخطة – إنسانية كانت أم فوضوية – لا تساهم في تشكيل النموذج المعرفي الفاعل.
إن صورة الإنسان في الإسلام تقف على طرف النقيض من الصورة التي أفرزتها منظومة التحديث الغربية. ومن ثم نجد أن السعي الإسلامي إلى تحقيق منظومة تحديث لا تنتهي بالضرورة إلى تشييء وتسليع الإنسان، منظومة لا تحاول اختزال التركيبية الإنسانية إلى مجموعة من القوانين المادية؛ كل هذا يمثل تهديدًا حقيقيًا لمنظومة التحديث الغربية لأن هذه الصورة الجديدة للإنسان يصعب إسكانها داخل الموازين الصارمة للعقلية التقنية الخالية من القيمة (alue–free rationalization). لقد تنبأ عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بأن عمليات التحديث العقلانية المادية المنفصلة عن القيمة، إذا تُركت دون مراجعة، كفيلة بأن تحيل المجتمع إلى شيء يشبه الورشة، وسوف ينتهي الأمر بأن يودع الإنسان داخل قفص حديدي حيث يخضع كل شيء للسيطرة والحسابات الرياضية الضيقة. إن الشركات المتعددة الجنسيات والبنتاجون يهدفون إلى تحويل العالم بأسره إلى سوق عالمية لا تختلف في شيء عن صورة القفص الحديدي التي تنبأ بها ماكس فيبر، إنها سوق أقيمت للإنسان ذي البعد الواحد الذي يمكن تحديد سلوكه وأحلامه في ضوء النماذج المادية (الاقتصادية والجسمانية) ومن ثم يمكن التنبؤ بسلوكه.
إن منظومة التحديث التي يحاول بعض الإسلاميين تحقيقها تضع الحلم بالحرية نصب عينها، الحلم بالإنسان بوصفه كائنًا مسؤولًا لا يُختزل إلى مادة، ومن ثم لا يمكن التنبؤ ببعض أوجه سلوكه. وهذا يعني أنه إنسان يستعصي على التشييء أو التسليع أو التحويل إلى شيء أداتي. بهذا المعنى فقط، يمثل الإسلام تهديدًا لمنظومة التحديث الغربية، لكنه تهديد لا يختلف عن التهديد الذي يمثله أصحاب المذهب الهيوماني (الإنساني) الغربيون أو منتقدو منظومة التحديث الغربية نفسها أو الناشطون في مجال حماية البيئة.
س: هل يعني هذا أن الفكر الإسلامي والديمقراطية الليبرالية الغربية لا يلتقيان أو لا يتوافقان؟
ج: لو قبلنا بالقول إن الحداثة الغربية هي تبني العلم والتقنية المنفصلين عن القيمة، وبأن على الإنسان التأقلم مع مجتمع خال من القيمة ومرتبط بأفكار التغيير والنسبية، وإذا سلمنا بأخلاق يكون المطلق الوحيد فيها هو نسبة الـ ??? من أصوات الناخبين، وإذا وافقنا على أن مصير الإنسان وأنظمة القيم الخاصة به تخضع لعدد الأيدي التي ترفع بالموافقة أو بالرفض، إذا سلمنا بهذا على أنه تعريف قائم وفاعل، فإن أية رؤية دينية أو إنسانية لن تلتقي مع الديمقراطية الليبرالية. علينا أن نتذكر دائمًا أن أغلبية المستعمرين الأمريكيين لم يدينوا عمليات إبادة الهنود الحمر بل ساهموا فيها بنشاط وفاعلية. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية قامت الحكومة الأمريكية بتجميع المواطنين من أصول يابانية ووضعتهم في معسكرات الاعتقال، وقد تم ذلك بموافقة الشعب الأمريكي. لقد فعلت الحكومة الأمريكية ذلك وهي تعلم أن عددًا كبيرًا منهم ولد في الولايات المتحدة، وأنهم مواطنون أمريكيون ولا يتعاطفون مع اليابان في الحرب. وبعد ?? أيلول/ سبتمبر أخضعت الجماعات الإسلامية في الولايات المتحدة إلى كل أشكال المراقبة والضغط والتمييز العنصري. بل إن التشكيل الاستعماري الغربي الذي نهب العالم وأباد الملايين تم بموافقة الشعوب الغربية، وهي موافقة تمت بطريقة ديمقراطية! إن العالم الإسلامي ليس نسيج وحده في نقد الديمقراطية الغربية، فهذا النقد يمثل ظاهرة عالمية. ربما يأتي تفرد نقد الإسلام لمنظومة التحديث الغربية من نبرة التفاؤل التي تسود خطابه.
س: ماذا تقصد؟
ج: نحن لدينا مشروع: نؤمن بالله، ونعتقد أن بإمكاننا أن نغير العالم. نحن ما زلنا نحلم بحكومات تحاول إقامة العدل، وبإنسان اجتماعي قادر على تجاوز حدود المادة ولا يخضع بالضرورة للمتعة والمصلحة الشخصية. ونعتقد أنه بوسعنا أن نحقق بعض التقدم وأن نحافظ في الوقت ذاته على كيان الأسرة. ونرى أننا نستطيع أن نُدخل الإجراءات الديمقراطية داخل نظام يُسلّم بوجود قيم جوهرية مطلقة.
س: وكيف ترى انعكاس ?? أيلول/سبتمبر على الخطاب الإسلامي والحركات الإسلامية؟
ج: أحداث بضخامة أحداث ?? أيلول/ سبتمبر لابد أن تترك أثرها في الخطاب الإسلامي والجماعات الإسلامية، بل في العالم بأسره، خاصة أن المؤسسة الحاكمة الأمريكية استجابت للأحداث بطريقة – في تصوري – إمبريالية ماكرة. فبدلًا من محاولة فهم أسباب هذه الأحداث ودوافع من قاموا بها، عرضت المؤسسة بعض الصور السينمائية والصيغ اللفظية الاختزالية مثل: أمريكة في حالة حرب، أمريكة تستيقظ، لابد من زيادة الاحتياطات الأمنية، الحرب ضد الإرهاب، الحرب ضد محور الشر...إلخ. وهذه الاستجابة الأمنية العسكرية لقضية ذات طابع سياسي وحضاري قد تدفع بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة إلى رد فعل أمني عسكري، وهذا ما يجب الابتعاد عنه.
س: ما أسلوب العمل الذي تقترحه؟
ج: يجب على الجماعات الإسلامية أن تعيد النظر في أساليب عملها، فاللجوء إلى العنف ضد الدولة الحديثة، صاحبة الأجهزة الأمنية والعسكرية القوية، أمر غير مجد. لابد من العمل داخل القنوات الاجتماعية والسياسية القائمة. وهذا على أية حال ما أدركته معظم التيارات السياسية، إسلامية كانت أم علمانية. هذا لا يعني التعاون مع النظم العسكرية والمدنية الباطشة، وإنما يعني ضرورة التوجه للجماهير، وهي جماهير متعطشة للديمقراطية وللمشاركة في صنع القرار. في الوقت ذاته لابد من توسيع آفاق الخطاب الإسلامي، وهو خطاب يفترض فيه أنه موجه لكل الناس وليس للمسلمين وحسب. ولذا فبرنامج الإصلاح الإسلامي لابد أن يتوجه لمشكلة الأقليات العرقية والدينية التي تعيش بين ظهرانينا، ولابد من إدخال الطمأنينة على قلوب أعضائها لكي يشعروا أنهم جزء من الأمة، وأن رموز هذه الأمة لا تستبعدهم ولا تحولهم إلى الآخر. وأعتقد أن الخطاب الإسلامي قد فشل حتى الآن في إنجاز هذا (فيما عدا بعض المحاولات الجادة التي لا تزال هامشية، مثل محاولة حزب الوسط في جمهورية مصر العربية). ولعل الإصرار على الديمقراطية مطلبًا أساسيًا سيكون وسيلة هذه الجماعات لإدخال الطمأنينة، لا على قلب أعضاء الأقليات وحسب، وإنما على قلوب أعضاء الطبقات المتوسطة العلمانية (أو شبه العلمانية حيث إن معظمهم متمسك بأهداب الأخلاق الدينية). وهذا يتطلب أن توضح الجماعات الدينية موقفها من القومية العربية، وتبين أنه لا يوجد أي تناقض بين الأممية الإسلامية والقومية العربية، فالإسلام عبر تاريخه لم يقض على التجمعات القومية والعرقية والدينية المختلفة. ولا يزال العالم الإسلامي فسيفساء إنسانية رائعة من هذه التجمعات (على عكس أوربة حيث قامت الكنيسة ثم الدولة القومية العضوية بتصفية كل الجيوب الإثنية والدينية واللغوية). كما أنه يجب توضيح قضية تطبيق الشريعة وفتح باب الاجتهاد بخصوص هذه القضية، على أن يهتدي المجتهدون بالقرآن والسنة والممارسات الإسلامية السابقة، وألا يسقطوا في الحرفية (وهي مختلفة عن الأصولية)، فالحرفية في تصوري تهدد الدين. فإذا كانت الحرفية تبقى على السطح، فالاجتهاد الحقيقي يحاول الوصول إلى البنية الكامنة التي يمكن تنزيل الأحكام منها على واقعنا المعاصر. وأعتقد أنه في محاولة الاجتهاد هذه لابد من استرجاع وتأكيد القيمة القطب في الإسلام: "العدل". وهذا ما تنساه بعض الجماعات الإسلامية التي تركز على تطبيق الحدود وإقامة المناسك دون ربطها بهذه القيمة الكبرى، ذات القيمة التعبوية الهائلة لكل أبناء الأمة بما في ذلك أعضاء الأقليات وأعضاء الطبقات المتوسطة شبه العلمانية. وقيمة العدل ستكون نقطة الانطلاق في نقد الحضارة الغربية المبنية على اقتصاديات السوق. يجب أن تبعث روح المقاومة الإسلامية لا على أساس كره "الآخر، وإنما على أساس الالتزام بالعدل باعتباره قيمة أساسية في الإسلام.
س: ما مستقبل الحركات الإسلامية؟ هل ستدخل في صراع مع الحكومات؟
ج: نظرًا لتسلط كثير من الحكومات العربية وعدم فهمها لطبيعة مجتمعاتها، وفي ظل خوفها من الحركات الإسلامية خاصة بعد تصاعد نفوذها، وفي ظل تضييقها عليها وحرمانها من ممارسة نشاطها السياسي من خلال القنوات الشرعية وصناديق الاقتراع، فإن الحلول الوسط بين هذه الحكومات والحركات الإسلامية يزداد ابتعادًا، وهذا ليس في مصلحة المجتمعات العربية. ولكن مع هذا أعتقد أن الحركات الإسلامية لن تدخل في صراع مسلح مع الحكومات، لأن هذه الحركات أدركت مدى سطوة الدولة المركزية بمؤسساتها الأمنية الشرسة، وبالدعم الأمريكي لها. هذا لا يمنع أن تقوم بعض الجماعات الهامشية بأعمال عنيفة تعبر عن الغضب ولكنها – في تصوري – لا تقدم ولا تؤخر، وإن كانت الحكومات ستوظفها في مزيد من البطش بالحركات الإسلامية. وأعتقد أن ما تقوم به الحركات الإسلامية لمحاولة تفعيل المجتمع المدني ظاهرة تنم عن الذكاء.
س: ما دور المفكرين الإسلاميين في هذه المرحلة، أمام الحملة التي يتعرض لها الإسلام دينًا وفكرًا؟
ج: أعتقد أن دور المفكرين الإسلاميين الأساسي في هذه المرحلة، خاصة أمام الحملة التي يتعرض لها الإسلام، أن يسلحوا شعوبهم بالوعي ليدركوا أن دين الإسلام يطلب من المسلمين أن يقاوموا ويرفضوا الظلم، ولكنه في الوقت نفسه ينصحهم للتصالح والعيش في سلام مع من لا يغتصب أرضهم ومع من لا ينقض العهود معهم. وعلى المفكرين الإسلاميين في الوقت نفسه أن يشرحوا هذا الموقف لشعوب العالم، وأن ما يسمى الإرهاب الإسلامي ليس من الدين في شيء، وأنه مختلف عن المقاومة التي تبديها الشعوب الإسلامية للهيمنة الغربية، فهي مقاومة للظلم والاستغلال، مقاومة للتشكيل الإمبريالي الغربي الذي تلبس بلباس النظام العالمي الجديد، فهو الذي يحاول كعادته أن يسخر العالم لمصلحته والحصول على البترول بأسعار منخفضة، وفتح الأسواق.
مصر والعالم العربي
س: نتحدث كثيرًا عن أزمة فكرية في الوطن العربي، ألا تتفق معي أن العقلية العربية قد تعودت على إعادة إنتاج الأحكام البعيدة عن المنطق في بعض الأحيان، مما ساهم في تخلف هذه الأمة؟
ج: أنا أعتبر أن في هذا تعميمًا كاسحًا، أنا لا أستخدم مصطلحي "التخلف" أو "التقدم" على إطلاقهما، فهما يتضمنان تحيزات خفية. فمصطلح التقدم يعني أن ثمة شيئًا محددًا من الضروري أن أتجه نحوه، ويدعون أن التقدم غاية في حد ذاته وبلا نهاية، ولو دققنا النظر لوجدنا أن ثمة نهاية وغاية، وهي مجاراة الحضارة الغربية. كلمة "تقدم" في معجمنا أصبحت تعني هذا، وهذا من الصعب قبوله. فالغرب نفسه لم يحدد الهدف النهائي من التقدم! مما لا شك فيه أننا نحتاج إلى إعادة صياغة مجتمعاتنا ونظم حكمنا وكثير من طبائعنا، وأنه من الضروري أن نتحرك باتجاه ما غير الاتجاه الذي نحن سائرون فيه. لكن هذا الاتجاه لا يكون الغرب بالضرورة. لأقل إذن، دون أن أستخدم الغرب نقطة مرجعية، إنه من الواضح أن ثمة أزمة في العالم العربي، وأن هذه الأزمة تسببت في شكل من أشكال الجمود الإدراكي، بمعنى أن العقل العربي، أصبح بسبب الأزمة غير قادر على إدراك الواقع بكل تركيبيته، فلجأ إلى صيغ لفظية وإدراكية جاهزة ليجابه بها الواقع، ومن هذه الصيغ الحديث عن "الأخطبوط الصهيوني"، و"الأفعى اليهودية" أو عن "سلبية الشخصية العربية" أو عن "أمجاد العرب". ومثل هذه الصيغ اللفظية الجاهزة أصبحت نوعًا من أنواع المخدرات الإدراكية لأنها تفسر كل شيء دون عناء. لابد من مواجهة الواقع بكل نتوئه وتعرجاته وتركيبيته بدلًا من أن نسقط على هذا الواقع مخاوفنا وأوهامنا. على سبيل المثال هذا الحديث عن "الأخطبوط الصهيوني"، فإذا كان عدونا على هذه الدرجة من القوة والشيطانية، إذن من المفهوم أن نكون مهزومين بهذا الشكل. فتضخيم العدو ووضعه داخل الصيغة الجاهزة مسألة أصبحت ضرورة نفسية وإدراكية بالنسبة إلى بعضهم، ومن ثم حينما نقوم بعملية رصد للظاهرة الصهيونية فإننا دائمًا ما نقوم – عن وعي أو غير وعي – بتضخيمها حتى يمكن أن نفسر حالة التراجع والهزيمة التي نعيش فيها.
س: في هذا السياق، قلت إن النخب السياسية العربية لم تستفد من المعلومات التي أتيحت لها في مجال الصهيونية حتى الآن، إلى متى تستمر هذه الحالة في نظرك؟
ج: النخب الحاكمة استبعدت عقول الأمة، وتم تحويل الدول العربية إلى إقطاعيات تعمل لحساب أولي الأمر، وهذا أدى إلى شيوع اللامبالاة وعدم الاكتراث من جانب الجماهير، لأنه عندما يدرك الجميع أن الدولة تدار لحساب هذه النخبة وليس لحساب الأمة بمجموعها يصبح كل فرد غير قادر على التضحية من أجل الوطن وينصرف عن مصلحة الأمة ليبحث عن مصلحته الخاصة.
وعدم الاستفادة من عقول الأمة مسألة غير مقتصرة على مواجهة الصهيونية، فالفكر الاقتصادي والسياسي العربي يقابل بعدم الاكتراث نفسه من جانب النخب الحاكمة. بمعنى أن هذه النخب لا تزال تدور في إطار فكري ضيق، وترى أنه يمكن لشخص ولمجموعة صغيرة من المستشارين الأتباع إدارة الدولة الحديثة، وهذا غير صحيح البتة، فالدولة الحديثة لا يمكن إدارتها إلا من خلال مؤسسات تصب فيها كل عقول الأمة. لكن العالم العربي تحكمه نخب مغرورة تتصور أنها تعرف كل شيء، وأنها قادرة على حل كل المشاكل من خلال أجهزتها الأمنية، وهذا يعني استبعاد كل العقول والمواهب.
س: كثر الحديث مؤخرًا عن ضرورة مراجعة الذات، ونقد الذات، وفهم الذات.. فهل ما نعاني منه حقيقةً هو أزمة "فهم" أم أزمة "معيار"؟
ج: لا يمكن فصل الفهم عن المعيار، فالفهم يتم وفق معايير، وأعتقد أننا خلال مرحلة المد القومي في الستينيات كنا قد بدأنا ببلورة وإدراك لما هو هوية وتاريخ، وإمكان إنجاز الكثير في إطار وحدة عربية، ولكن كل ذلك كسر بموت جمال عبد الناصر، وتفتت العالم العربي، وبلغ ذروة تفتته باتفاقية كامب ديفيد، التي تعني انسلاخ مصر عن المحيط العربي، وهو عين ما كان يرمي إليه الاستعمار، علمًا بأن الاستعمار كان قد عرض على عبد الناصر أضعاف ما عرضه على السادات مقابل الانسلاخ عن عالم العروبة.
وقد عقد السادات صفقة مع الغرب وطرح شعار "مصر أولًا"، هذا الشعار يعني في واقع الأمر تحويل مصر إلى لقمة سائغة، فمصر تتميز بموقعها الاستراتيجي في وسط الدنيا؛ تطل على البحرين الأبيض والأحمر، وتربط آسية بإفريقية، وهي في مركز العالم الإسلامي، ولكن مشكلة مصر التاريخية أن مواردها المحلية لا يمكنها أن تدافع عن هذا الموقع الاستراتيجي، وهذا ما أدركه الفراعنة، وما أدركه محمد علي، وما أدركه عبد الناصر، وليس من قبيل المصادفة أن هذه التجارب كان يتم ضربها من القوى الاستعمارية في كل مرة. إلى أن دخلنا في المرحلة الحالية وظهرت دعوات قطرية انعزالية على غرار الفرعونية والبابلية والآشورية والفينيقية، بل حتى الهويات الخليجية، التي تهدف إلى عزل مصر عن العالم العربي ومن ثم تقسيمه.
س: مر على زيارة السادات للقدس ثلاثون عامًا، كيف ترى أثرها وما تبعها من اتفاقيات في مصر الدولة والشعب؟
ج: يمكن القول في الواقع إن هناك رؤيتين لمصر، رؤية تضعها في إطار محيطها العربي والإسلامي، ورؤية أخرى تعزلها عن هذا المحيط. لذا عادة ما ينحاز أصحاب الرؤية الأولى إلى الضعفاء والفقراء، ويرفعون شعارات العدل الاجتماعي، كما أنهم يقفون ضد الغزو العسكري والثقافي الغربي، والرؤية الأخرى إلى الأثرياء والإمبريالية العالمية. فانحياز عبد الناصر إلى الفقراء والضعفاء ترجم نفسه بتوجهه لمحيطه العربي والإسلامي، حيث أدرك عبد الناصر بحسه أنه لا نهضة ولا مستقبل لمصر من دون انخراطها في مشروع عربي. فمصر وحدها لا تملك كل مقومات التنمية والنهضة.
أما السادات فلم يفهم ذلك لأنه لم يقرأ التاريخ ولم يدرك ما أدركه جمال حمدان ومن سبقه من مفكرين بأنه لا نهضة لمصر دون أن تكون جزءًا من كيان سياسي أكبر، فمن أراد عزل مصر عن محيطها، عزلها عن حضارتها. السادات وكل البراجماتيين النفعيين الذين رفعوا شعار "مصر أولًا.." نظرتهم للمستقبل نظرة سطحية، فهم يعالجون أزمات ومشاكل آنية دون النظر إلى المستقبل، تلك المعالجات تخلق على المدى البعيد مشاكل ضخمة، وهذا ما صنعه السادات حين رفع شعار «مصر أولًا».. واشتبك مع الدول العربية وتصور أن الولايات المتحدة ستقدم له حلولًا لمشاكله الاقتصادية، وأن (إسرائيل) ستحل له مشاكله السياسية. وفي الوقت الذي بدأت فيه دول العالم تدخل في تكتلات اقتصادية كبرى تفككت منظومة العمل العربي المشترك، وبدلًا من حل أزماتنا الاقتصادية والسياسية أصبحت مصر بكل تاريخها تابعًا ينتظر ما يأتيه من أمريكة.
وبنظرة إلى واقع المنطقة نستطيع أن ندرك نتائج الزلزال الذي تسبب فيه السادات، السودان يتفكك شمالًا وغربًا وجنوبًا، ولبنان أصبح مسرحًا لصراع قوى مختلفة، وعادت نعرات الانفصال لتتصدر المشهد في اليمن مرة أخرى، المشهد كله صعب، فضلًا عما يحدث في فلسطين والعراق. ومع ذلك فمصر تقف موقف المتفرج السلبي، في الماضي أدرك عبد الناصر أن أمننا القومي لا يقف عند حدودنا فوصل بنا الأمر لأن يكون لنا ملحق عسكري يراقب منابع النيل في أوغندة، وتم تدريب فرقة بالجيش على حروب الغابات، لقد تراجع دور مصر الإقليمي وأصبحت تابعًا يقبل ما يُفرض عليه من إملاءات. فاعتمادنا على الولايات المتحدة أفقدنا القدرة على اتخاذ قرار سياسي منفرد.
س: حذرتم من أن تصبح النفعية هي المرجعية، وعزوتم ما يتبدى من إرادة رسمية عربية تتجاهل القضايا الحاسمة إلى أن المنفعة في الإطار القطري، منفعة النخب الحاكمة، قد أصبحت هي المرجع، فما البديل الذي تقترحونه لهذه القطرية؟ هل هو دولة واحدة على سبيل المثال؟
ج: طُرح خلال الستينيات مفهوم للوحدة العربية يرى أن الوحدة لابد أن تأخذ شكل دولة عربية واحدة تمتد من الخليج إلى المحيط، لها علم واحد ونشيد وطني واحد. هذا المفهوم العضوي له جذور رومانسية ألمانية، ولكن الحالة الألمانية (البروسية) مختلفة، فالعالم العربي يضم جماعات عرقية وإثنية ودينية مختلفة، كما أن معظم البلاد العربية لها تاريخ وتراث ثري يسبق الفتح الإسلامي، ومع أن هذا التاريخ أصبح تاريخًا متحفيًا، أي ليس له امتداد حي في واقعنا العربي الحالي، لكن يبقى له بعض التأثير في واقع تلك البلدان. لكل هذا نجد أن صيغة الوحدة الشاملة العضوية لا تصلح لعالمنا العربي، وهو ما انعكس على أرض الواقع من خلال إخفاق محاولات الوحدة.
ينبغي تطوير مفهوم جديد للوحدة، وهو ما أطلق عليه اسم "الوحدة الفضفاضة"، بحيث يكون هناك إطار كلي يسمح في الوقت نفسه بوجود أجزاء متمايزة، فالتنوع الحضاري للوطن العربي لا يسمح بذوبان هذه الأجزاء في الكل، فهناك حضارات مثل الحضارة الفرعونية والآشورية والفينيقية وجدت قبل ظهور الإسلام ولها امتدادها في الوقت الحاضر، وهذا لا يعيب، على العكس، كلما زاد التنوع زاد الثراء الحضاري، الشيء الأساسي هو ألا يؤدي هذا التنوع للخلاف والصراع والتفرقة.
س: ما هي شروط النهضة العربية، وهل هي ممكنة في ظل الكسل العقلي الشائع؟
ج: نعيش مأساة قبولنا الأشياء على علاتها، وعدم اكتراثنا بالبحث فيما وراء الأشياء أو ماهيتها، وخضوع النخب الثقافية لما أسميه "الموضوعية المتلقية". وفي الحقيقة أنا مصدوم من الحال التي أصبحنا عليها في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، كنت أتمنى حتى أن يتناقش معي المثقفون حول موسوعتي، أو آرائي حتى لو كان هذا النقاش هجوميًا؟ الغريب أنه كثير من نقاد الموسوعة لم يقرؤوها، وإن قرأها بعضهم فهم يرونها مصدرًا ممتازًا للمعلومات، مع أن الموسوعة ليست مصدرًا للمعلومات، فالمعلومات موجودة بغزارة على الإنترنت. الموسوعة كما يقول عنوانها الفرعي تقدم نموذجًا تفسيريًا جديدًا وهذه هي أهميتها. ذات مرة كتبت إحدى الصحفيات مقالًا شرسًا تتهمني فيه بالتعاطف مع اليهود وخلط الأوراق، وكان بعنوان كوميدي طريف "د. المسيري يبغبغ اللخبطان" وطالبت الكاتبة المفكرين الإسلاميين بوقف نشر الموسوعة. وقد هاجمتني هذه الكاتبة لأنني لا أستخدم كلمة "يهودي" على إطلاقها، ولأنني لا أشيطن اليهود، فجوهر فكري أنه لا يوجد إطار واحد يضم يهود العالم ولذا قسمتهم إلى جماعات يهودية، كل جماعة تستمد خطابها الحضاري من مجتمعها.
س: أين نجح العرب وأين أخفقوا في مسيرة هذا القرن؟
ج: على المستوى الثقافي هنالك إنجازات ضخمة، فقد نجح العرب في تطوير لغة عربية فصحى وحديثة، حيث إن العالم العربي هو الكتلة البشرية الوحيدة في العالم الثالث المتماسكة بهذا الشكل ولديها لغة واحدة وموحدة تتحدث بها على الامتداد الجغرافي الواسع من المحيط إلى الخليج، ومع وجود الأقليات الإثنية والعرقية في داخل الوطن العربي نتحدث جميعًا اللغة نفسها. وهناك أيضًا تفاعل في التاريخ الثقافي العربي، فالشاعر صلاح عبد الصبور والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي تفاعلا مع عبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب، وجميعهم تفاعلوا مع محمد الفيتوري ونازك الملائكة، ولا يمكن تأريخ الحركة الفكرية في مصر دون الالتفات للحركة الفكرية في المغرب وفي العراق وفي الجزائر.
وكذلك بالنسبة إلى الفنون التشكيلية، فإن قاعدة التفاعل والتأثر والتأثير قائمة، وقيسي على ذلك شتى شؤون الثقافة والحضارة. أما جامعة الدول العربية فعلى كل مآسيها، إلا أنها استطاعت أن تنجح – بوصفها تنظيمًا إقليميًا – في وضع بعض الترتيبات القانونية داخل هذه المنطقة. طبعا هناك ضربات عديدة تلقتها المنطقة العربية من أهمها إنشاء إسرائيل وفشل العرب في تطوير السوق العربية المشتركة في وقت قامت فيه تكتلات اقتصادية كبرى في معظم أنحاء العالم، كما أن سقوط معاهدة الدفاع المشترك هي ضربة في الصميم. ثمة مكسب وثمة خسارة ولعلني أعتقد أن الفشل الأكبر هو فشل العرب في تطوير منظومة تحديث عربية إسلامية مختلفة عن منظومة الحداثة الغربية (الداروينية).
س: المثقفون العرب تنوعت مداخلهم في التعامل مع الجاري الآن، فمنهم من ارتبط بالسلطة، ومنهم من فضل العزوف والانكفاء على الذات، ومنهم من ارتبط بوشائج قوية مع قوى دولية تناصب العالم العربي والإسلامي العداء. في تقديرك ما هي قدرة كل فصيل على تأسيس واقع ثقافي ونفسي في العالم العربي، ولأي منهم سيحسم الصراع في رأيكم؟
ج: هذا القول فيه ظلم كبير للمثقفين العرب، لأنهم لا يقفون جميعًا مكتوفي الأيدي أمام ما يحدث على الساحة، ودعاة التغريب والتطبيع قلة قليلة. هناك مثقفون على درجة كبيرة من الوعي يقومون بدور فعال في تحريك المياه الراكدة في المجتمعات العربية، وبالطبع في مصر. وهناك دعاة التغريب والتطبيع واللحاق بالغرب. وهؤلاء يجب أن نقسمهم إلى قسمين، أولًا مرتزقة يتكسبون من وراء ترويجهم لأفكارهم تحت عنوان حقوق الإنسان أو حرية الإبداع وهؤلاء لا حيلة لنا معهم، والقسم الآخر من يروج لهذه الأفكار عن اقتناع فعلي بأفكار العولمة والتغريب والحداثة، وهؤلاء الحوار معهم لم يعد صعبًا بعد وضوح أغراض السياسة الأمريكية في المنطقة العربية، ولم تعد الادعاءات الأمريكية مقبولة بعد فضائح الولايات المتحدة العديدة التي بدأت بمساندة إسرائيل ولم تنته بحرب العراق.
س: عاصر جيلك ضروبًا كثيرة من بينها انتكاسات وهزائم، لكن ما زال الإصرار على الحياة، أما إذا نظرت داخل كل شاب الآن فستجد مليون هزيمة ومليون نكسة لماذا؟
ج: فلسفة الحزب الواحد والنظم الحاكمة القمعية، قضت على الخيال السياسي والمقدرة على التعلم وعلى المشاركة، فثكلت الحياة السياسية في مصر بعد الثورة، فالقيادة هي التي تفعل كل شيء. والإنسان الذي لا يشارك في الحياة السياسية ينصرف عنها بعد قليل، ثم يفقد القدرة على التمييز، وهذا ما حدث للشباب. أما نحن فقد نشأنا في جو تعدد الأحزاب، وعندما كنا نتظاهر كانت تسقط حكومات. لقد ساهم الإعلام الحكومي في تفريغ الشباب تمامًا، وأعطاهم أكاذيب بدلًا من الحقيقة، أكاذيب يعرف الجميع أنها أكاذيب. إذ يجلس الشاب عاطلًا في المقهى بعد تخرجه، ويسمع نشرة الأخبار التي تؤكد له أنه يعيش أزهى العصور. ولكن مع ظهور القنوات الفضائية التي تتمتع بهامش كبير من الحرية، بدأ الأمر يختلف قليلًا.
س: ما مدى حاجة العرب لدراسة الآخر؟
ج: دراسة الآخر أصبحت مسألة حتمية نظرًا لتركيبية الواقع في القرن العشرين، ونظرًا للتداخل الشديد الآن بين الدول والشعوب من خلال وسائل الاتصال المختلفة وحجم التجارة العالمي المذهل، وأعتقد أنه توجد تغيرات جذرية تحدث في العالم منذ منتصف الستينيات سواء في بناء الأسرة أم رؤية العالم أم أسلوب الحياة وإيقاعها، الأمر الذي يتطلب ضرورة أن يعي الإنسان ذاته وأن يعي الآخر. والوعي بالذات لا ينفصل عن الوعي بالآخر، فإن كان الآخر يشاركه الرؤية فلابد من الحوار، وإن كان يتربص به فلابد من حمل السلاح ضده، ولكن سواء كان الحوار يتسم بالمودة والقبول المتبادل أم يتسم بالعنف والرفض المتبادل، فلابد من أن يفهم الطرفان الواحد منهما الآخر، ولابد أن يكون لدى كل طرف كم من المعلومات يمكنه أن يتنبأ بعض الشيء بظروف الطرف الآخر.
س: هل تؤيد دخول العرب عصر العولمة؟ وهل يملكون خيار الدخول؟
ج: لا يمكن الحديث عن تأييد دخول العرب العولمة، فهي ظاهرة كاسحة مثل الإمبريالية تفرض نفسها فرضًا من خلال الإغواء حينًا والقوة حينًا آخر. فلا يمكن أن نقاوم محطة CNN، والشيء نفسه ينطبق على الشركات عابرة القارات والدول، هذه ظواهر ضخمة تفرض نفسها ولا يمكن التصدي لها إلا من خلال وعينا بأنفسنا ومن خلال السوق العربية المشتركة، لا بالمعنى الاقتصادي وحسب وإنما بالمعنى الثقافي أيضًا، أي بالمعنى المتكامل والمنفتح. إن الوحدة العربية كانت تعني وحدة الدول. وهذا ما لا أنشده، ولا يرغب فيه أحد. نحن نرى أن وجود دولة قومية عربية واحدة أو عدة دول قومية عربية كبرى، ليس بالضرورة أمرًا إيجابيًا، كما كان التصور في الماضي. فالدولة المركزية عبء على الجميع، ومصاريف إدارتها عالية للغاية، وعادة ما تفرز طبقة من التكنوقراط والبيرقراطيين تهيمن على أجهزتها وتوجهها حسب تصوراتها. وهي في نهاية الأمر مؤسسة غير قادرة على إدارة شؤون المجتمع، لأن المجتمع الحديث مركب إلى أقصى درجة، يريد أعضاؤه التمتع بقدر من الحرية يتنافى مع وجود الدولة المركزية القوية ذات الأجهزة الأمنية والأجهزة التربوية الإعلامية المختلفة. لقد اكتشفنا أن الدولة المركزية القومية تفقد الجماعة البشرية كثيرًا من مكوناتها، ومن أهمها التنوع والتفرد والتعدد. إن الوحدة العربية في تصوري يجب أن تكون شكلًا من أشكال التكامل السياسي والاقتصادي الثقافي. وأعتقد أن هذا الشكل الفضفاض المتماسك المنفتح هو وحده القادر على التصدي للعولمة المتوحشة. كما أن ظاهرة العولمة أكثر خطورة من الدولة القومية التي تفقد الجماعات البشرية خصوصيتها، فالعولمة تفقد البشر أيضًا إنسانيتهم لأنها تدور في إطار نموذج مادي اقتصادي، نموذج البيع والشراء والعرض والطلب. وكل هذه نماذج لا تتعامل بكفاءة مع أية أبعاد بشرية مركبة وأية سمات خصوصية، فهي أبعاد وسمات لا يمكن أن تخضع لعمليات التنميط ولا يمكن التنبؤ بها ومن ثم لابد من تهميشها وربما استبعادها تماما.
س: وماذا عن نموذج حقوق الإنسان الذي يتبناه الغرب، ألا ترى أنه انتصر في عالمنا، وأن واجبنا هو الكفاح ليصبح سمة أساسية في حياتنا؟
ج: مفهوم حقوق الإنسان كما يتبناه الغرب مفهوم ضيق ويدور في إطار الفرد المطلق، فهو لا يتحدث عن حقوق المجتمع، بمعنى أنه لو جاء فرد وأراد أن ينشر مجلة إباحية، هل مثل هذا الحق حق مطلق، أم أنه مقيد بحق المجتمع بالدفاع عن نفسه؟ مفهوم حقوق الإنسان في الغرب نشأ من فكر روسو وغيره من الفلاسفة، وإعلان حقوق الإنسان لا يرى الإنسان على أنه جزء من جماعة وإنما يراه فردًا مطلقًا وحسب. والإنسان ليس جزيرة منعزلة عن الآخرين فالإنسان كائن اجتماعي.
كيف يمكن أن نتحدث عن حقوق الإنسان بشكل مطلق وهناك أشكال أخرى من الحقوق مثل حق الفرد في أن يزوده المجتمع بالمسكن والملبس والغذاء، فيما يسمى الحقوق الاجتماعية. وماذا عن حق الشعوب في الثروات التي تنهب منها وتودع في البنوك السويسرية؟ وماذا عن حق الشعوب فيما نهبته منها الدول الغربية في أثناء المرحلة الاستعمارية؟ وماذا عن حق الشعوب في تقرير المصير؟ وماذا عن حقوق الأسرة؟ وماذا عن حق الطفل في أن يكون له أب وأم؟
ألا يتنافى احتلال فلسطين وغزو العراق، مع حقوق الإنسان؟ ألا يتنافى الحمل خارج إطار الأسرة مع حقوق الأطفال؟ المسألة تحتاج إلى إعادة نظر. إن إعلان حقوق الإنسان كما طرحه الغرب مفهوم يدور في إطار برجوازي فردي، كما أن الغرب يقوم بتوظيفه لمصلحته. مرة أخرى يجب أن يتكون مفهوم عالمي لحقوق الإنسان مختلفًا عن التعريف الحالي.
س: أيما أولى بتصدر جدول أعمال العرب في القرن الحادي والعشرين، الديمقراطية السياسية أم التنمية؟
ج: من خلال تجربتنا، الحديث عن أسبقية الواحدة على الأخرى ليس ممكنًا. فمثلًا في غياب الديمقراطية، يستشري الفساد ويفت في عضد التنمية الاقتصادية، وفي غياب التنمية تصبح الديمقراطية آلية تستخدمها نخبة في استغلال الجماهير. إن الديمقراطية السياسية بحد ذاتها، من دون التنبه لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية، تؤدي في نهاية الأمر إلى أن مجموعة من البشر تقوم بمراكمة الثروة على حساب الآخرين. لا يمكن فصل جانب عن الآخر، ولذا لابد من الموازنة بين الاثنتين، أو السير على الساقين، تمامًا مثلما يجب أن ندافع عن أنفسنا تجاه إسرائيل ولكن يجب أن ننمي أنفسنا أيضًا في الوقت نفسه، فعمليتا التنمية السياسية والاقتصادية لابد أن تسيرا جنبًا إلى جنب.
س: ثمة من يرى أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تطور الأنظمة السياسية العربية وتفعيل دور المجتمع المدني بما يؤدي إلى زيادة قوة ووزن الأمة العربية بأكثر مما تعكسه الأنظمة القطرية الراهنة، ومن ثم قدرتها على ممارسة الضغط على القوى الكبرى، بينما يرى آخرون أن نتائج الصراع مرتبطة بموازين القوى بغض النظر عن طبيعة الأنظمة الحاكمة؟
ج: تكونت قناعة شاملة لدى الجماهير العربية بأن إدارة الدولة الحديثة ليست خلا مسألة سهلة ولا يمكن لأي فرد أو مجموعة صغيرة من الأفراد أن يقوموا بها وحدهم. وإن تنشيط المجتمعات الأهلية والنقابات المهنية والحرفية يعني المشاركة الفعلية من الجماهير، وهو ما يجعل الدولة قادرة على التنمية والتطور والاستمرار. أما النظم الشمولية فهي تعزل الشعب بحيث يصبح غير مكترث وغير فعال في البناء والتنمية، ومن ثم ينصرف عن "السياسة" أو يترك كل الأمر للحكومة التي لن تستطيع وحدها بناء دولة عصرية قادرة على الاستمرار في عالم اليوم. كما أنني أشير دائمًا إلى أن الإجراءات الديمقراطية وحدها، حتى لو كانت نزيهة، لا يمكن أن تؤدي إلى الديمقراطية الحقيقية، إذ لابد أن تتوافر عدة شروط أخرى مثل الفصل بين السلطات وحرية الإعلام وحرية تنظيم الأحزاب.
ولكن الأهم من ذلك قيام مؤسسات خبرة استشارية يسترشد بها رئيس الدولة والمجلس النيابي المنتخب، ويمكن تطوير آليات دستورية حتى تصبح استشارات هذه المؤسسات شبه ملزمة. إن الدولة الحديثة مسألة مركبة للغاية، وإدارتها تتطلب قدرًا كبيرًا من المعرفة والجماعية في اتخاذ القرار. لذلك فإن مطلب الديمقراطية بات حاجة ماسة لاستمرار الحياة والتقدم من جهة، وهو لم يعد مطلبًا سياسيًا وحسب، وإنما أصبح أيضًا مطلبًا اقتصاديًا، فغياب الديمقراطية هو المسؤول عن انتشار الفساد، فاللصوص يسرقون المال العام وتحميهم مجموعة من اللصوص الذين لا يمكن مساءلتهم لأنهم يكوّنون شبكة متغلغلة في الجهاز الحكومي ومسيطرة عليه. وغياب القانون والمساءلة يجعل المستثمرين يحجمون عن الحضور إلى مصر، بل إن الديمقراطية أصبحت مطلبًا أمنيًا، فالنظم الشمولية غير قادرة على مواجهة الولايات المتحدة وتدخلها في شؤون الوطن وإهدار سيادته.
انظري لشافيز وهو رئيس دولة صغيرة تقع على مقربة من الولايات المتحدة، ولكنه قادر على مواجهتها والتهديد بقطع البترول لأنه يستند إلى دعم شعبي قوي. إن انفصال النظم الشمولية العربية عن شعوبها هو سر ضعفها وهوانها وهرولتها المذلة نحو الولايات المتحدة وإسرائيل!
س: أنتم تعتقدون أن ثمة أرضية موجودة تكون أساسًا لتحقيق الديمقراطية والإصلاح في الوطن مع أن الطائفية تسود المجتمعات العربية؟
ج: نعم، وذلك إن نجحنا في نفض التبعية الإدراكية للغرب والكف عن الدوران في أطر غربية والتعامل مع معطيات واقعنا، وهي مشكلة النخب بالدرجة الأولى وأيضًا الجماهير بفعل الإعلام المستلب تمامًا.
وأعتقد أن الجمعيات الأهلية المدنية والمجتمع المدني هما العمود الفقري للديمقراطية، ويجب ملاحظة أن الدولة الإسلامية عبر تاريخها كانت أساسًا مكوّنة من جمعيات أهلية (مدنية). انظري إلى مؤسسة الأوقاف الضخمة في العصر الحديث، حتى بعد تأميم الأوقاف في مصر، طور المجتمع المصري مجتمعات مدنية في المساجد والكنائس، وهي تقوم بنشاط كبير يغطي كثيرًا من مجالات الحياة في ظل انشغال الدولة المركزية بأمور أخرى مثل أمن النظام.
حتى القبيلة والعشيرة من الممكن تحويلهما في إطار ديمقراطي إلى جماعات أهلية مدنية. إن تصور أن الشكل الوحيد للحكم هو الدولة القومية المركزية القوية قد تراجع في العالم بأسره، وتزايد الإدراك أن الدولة المركزية ليست هي أفضل أشكال الإدارة، وسقوط الاتحاد السوفييتي المدوي دليل ناصع على أن الدولة المركزية القومية مكلفة للمجتمع، وأنه لابد أن تكون الأطراف قوية كالمركز، ومن هنا تكمن أهمية المجتمعات المدنية.
س: الإصلاح المتدرج بديلًا عن الثورة وحرق المراحل، هل هو شعار صحيح يجب أن تعتنقه النخبة العربية مع مطالع القرن الحادي والعشرين؟
ج: لا أؤمن بمسألة المراحل هذه، فكل مجتمع له متتالية التطور الخاصة به. كل ما يمكنني قوله أنه لا يوجد حل لمشاكلنا إلا بالديمقراطية وبالوحدة، وكلما تعززت الديمقراطية تقدمت الوحدة التي يمكن أن تبدأ بالتضامن الشعبي وترتقي إلى شكل من أشكال الاتحاد، فالشعوب يجب أن تساهم في صنع القرار، وكلما غابت الشعوب عن صنع القرار، غاب التغيير الديمقراطي لتحل محله الانفجارات المفاجئة، والانقلابات العسكرية والهجمات الإرهابية.
س: يرى البعض أن ما تشهده المنطقة العربية من تغيرات وتطورات على صعيد التحركات الشعبية في (العراق، لبنان، سورية، مصر...) دليل على دخول هذه المنطقة عهدًا جديدًا سيمنح الإنسان العربي والمسلم حقوقه التي انتزعت منه من قبل الأنظمة السياسية العربية. ويعزى كل هذا إلى ما يبدو أنه تغير في نظرة الولايات المتحدة إلى هذه الأنظمة. ما تعليقكم؟
ج: بداية إن أي حدث يمكن توظيفه سلبًا كما يمكن توظيفه إيجابًا حسب الظروف الموضوعية وحسب استجابة من يقع عليه الحدث. وحتى الآن تم توظيف ما حدث – ويحدث – في العراق وأفغانستان بشكل ليس في مصلحتنا، فالنخب العربية الحاكمة انتابها هلع شديد مما جرى في هاتين الدولتين، واندفعت بكل ما أوتيت من قوة نحو الولايات المتحدة وإسرائيل!
ولكن هناك شق إيجابي يتمثل في كون النخب العربية الحاكمة، والتي بيدها زمام الأمر والحكم، تجري وتهرول وراء الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، الأمر الذي فضح هذه الأنظمة، أمام الجميع وبين أنها غير قادرة على الدفاع عن الوطن ومصالح الأمة!! وأعتقد أن الجماهير العربية والمسلمة في حالة غضب شديد من هذا الوضع.
س: ثمة من يرى أن مساعي الولايات المتحدة الأمريكية لـ"إصلاح" العالم والإنسان العربي هي مساع حقيقية. قد تكون الوسائل المعتمدة في الإصلاح غير "لائقة"، لكن في النهاية الهدف نبيل، وهو تحرير الشعوب العربية من أنظمتها السياسية ونظمها التربوية التي كانت وراء الوضع العربي المنهار. وكأن الولايات المتحدة – يقول أصحاب هذا الرأي – تريد أن تكفر عن دعمها السابق لهذه الأنظمة وتسامحها مع تلك النظم. ما تعليقكم؟
ج: بشكل سريع، أقول: إن مقولة "الإصلاح" في المنظور الأمريكي لا تختلف عن مقولات أخرى، مثل مقولة "حقوق الإنسان" و"المرأة" و"الديمقراطية"... ومؤخرًا مقولة "معاداة السامية"، كلها مقولات استعملتها الولايات المتحدة "آليات" للهيمنة على العالم، وعلى العالم العربي بشكل خاص! فـ"ليبية"، على سبيل المثال، كانت إلى زمن قريب تصنف على أنها جزء من "محور الشر" في العالم. ولكن حينما استسلمت لأمريكة وألقت بـ"أسلحتها" جانبًا، غضت أمريكة الطرف عنها وخرس لسانها عن مطالبتها بالإصلاح، ولم يقف الأمر عند حالة "السكوت" بل تقدمت العلاقات الليبية الأمريكية خطوات إلى الأمام في مجال التبادل الدبلوماسي والتجاري بينهما، وفي مجالات أخرى.
المسألة في رأيي ليست إصلاحًا حقيقيًا، إنما هي محاولة للهيمنة عن طريق مقولة "الإصلاح"، تمامًا مثل الطريقة الانتقائية التي كانت الولايات المتحدة تتعامل بها مع مسألة "حقوق الإنسان" في العالم. حيث كان تقديم المصالح الأمريكية الاستراتيجية الثابت الأساسي في تعاطيهم لـ"حقوق الإنسان" في العالم كله، أليست – على سبيل المثال لا الحصر – الإدارة الأمريكية هي التي أسقطت (مصدَّق) الديمقراطيَّ الليبرالي، وناصرت الشاه ممثل الاستبداد الشرقي، كما يقولون؟ ومن الذي قتل سلفادور اليندي في تشيلي في ??أيلول/ سبتمبر ????؟ هم يتحدثون دائمًا عن ??/?/???? ولا يذكرون قط ??/? الأخرى أو الأولى التي اعتلى بها الدكتاتور والجزار بينوشيه سدة الحكم بمساعدة الولايات المتحدة، وظل معتليًا عرش الإرهاب والذبح أكثر من عشر سنوات. ولننظر ماذا يفعلون الآن في العراق في أبو غريب والحديثة وغيرها من الأماكن التي تم اكتشافها والإعلان عنها. هل كان لكل هذه الحوادث الإجرامية أن تتم دون ضوء أخضر من القيادة السياسية الأمريكية الداعية للإصلاح الديمقراطي والمدافعة عن حقوق الإنسان؟
لا يوجد التزام أمريكي مبدئي وأخلاقي بالمقولات الديمقراطية أو الأخلاقية، فكل شيء يوظف في خدمة المصالح الأمريكية حتى لو كان فيها مس بكرامة الإنسان وانتهاك لحقوق الشعوب الأخرى! ولتنظري إلى جوانتنامو وأبو غريب، والأهم من هذا النظري إلى تاريخ الولايات المتحدة الإمبريالي.
س: وما الأهداف النهائية وراء المطالبات الغربية الحثيثة بتحقيق الإصلاح والديمقراطية في الوطن العربي؟
ج: تاريخ الاستعمار يبين بجلاء وقوفه في مواجهة أي محاولة لتحديث وتطوير البلاد التي يستعمرها، وقد ظهر ذلك بشكل واضح وجلي في الجيب الاستيطاني في الجزائر، إذ إنه ظهر بعد أن رحل المستعمر الفرنسي أنه لم يكن في الجزائر إلا بضعة أطباء ومهندسين.
في أثناء حرب الخليج الأولى كانت الولايات المتحدة تردد دومًا بأنها ستضرب العراق إلى أن تعود به إلى حالة ما قبل الثورة الصناعية، وثمة كثير من الأمثلة التاريخية على ذلك ومنها وقوفهم ضد محمد عليّ الذي كان يحاول تحديث مصر والدولة العثمانية. ومن أهم الأمثلة الأخرى وقوفهم ضد أحمد عرابي الذي كان يمثل الرؤية الديمقراطية الحديثة ووقفوا إلى جانب الخديوي ممثل الرؤية الشمولية. لكن يبدو أن الغرب في الوقت الحاضر وجد أن عملية التحديث والديمقراطية "المحكومة" قد تؤدي إلى بروز نخب حاكمة مرنة يمكن التفاهم معها، ويمكن أن تحول الشعب العربي إلى شعب ينسى كل القيم مثل الكرامة والعزة والقومية بحيث يطبق عليه السقف المادي، ويصبح ذا توجهات اقتصادية وجسدية ومادية تجعله أكثر استعدادًا للتعاون مع إسرائيل، وعندها تصبح القضية متعلقة بالأسواق وليست قضية قومية أو قضية أمن عربي. وقد يكون تصور القوى الغربية في سعيها للهيمنة أن الديمقراطية من شأنها أن تخلق حالة من الفوضى تسمح بتقسيم العالم العربي كما يحدث في العراق. وهي الآن، وبعد فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي، في حالة إعادة النظر لرسم سياسات جديدة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية نفسها بعيدًا عن المفهوم المتعارف عليه للديمقراطية المتمثل في الأغلبية وفي أن لكل إنسان صوتًا. فالديمقراطية في المفهوم الغربي تعطي الحقوق السياسية لمن يخدم المصالح والرؤية الأمريكية والغربية ولا يقاوم الهيمنة الأمريكية والغربية.
س: وماذا عن دور وسائل الاتصال الإلكترونية الدولية التي مع أهميتها في تحقيق الهيمنة للقوى التي تملكها، إلا أنها أصبحت محركًا لقيم الرفض والتمرد في عالمنا العربي، خاصة بعد أن تحولت إلى أنبوب أخبار وآراء طال حجبها أو تلوينها وفقًا لإرادة ومصلحة السلطات المحلية؟
ج: الولايات المتحدة والغرب حاربوا كثيرًا كي لا يظهر إعلام خاص بالعالم الثالث، لأنها تريد إخفاء كثير من الحقائق، لأن إذاعة الحقيقة يضر بمصلحتها ومخططاتها.. مثلًا ظهر في راوندة في أثناء الحرب الأهلية الإبادية هناك أن فرنسة كانت أكبر مصدر للسلاح للطرفين!. تقارير آمنستي إنترناشيونال لا تشغل حيزًا كبيرًا في الإعلام الغربي إلا إذا كانت عن العراق أو سورية، لكن ماذا يتم داخل الولايات المتحدة، أو الدور الذي تقوم به المخابرات الأمريكية في العالم، كل هذا لا مكان له في الإعلام الغربي! وهذا يضاعف من أهمية أن تنشغل الفضائيات العربية بإذاعة مثل هذه الأخبار. وقد قامت وسائل الإعلام العربية، خاصة الجزيرة، بالفعل بدور مهم في نقل صورة حقيقية لما يحدث في العراق وفلسطين، مما كشف للناس حقيقة الولايات المتحدة وإسرائيل. وأتمنى أن يمتد هذا التأثير لينقل للعالم الغربي حقيقة ما يحدث من مدعي الحضارة واحترام حقوق الإنسان. وأعتقد أن هذا سوف يحدث قريبًا؛ لأن معظم القنوات الإخبارية المهمة مثل الجزيرة والعربية وأبو ظبي قررت إطلاق قنوات إخبارية بلغات غربية مثل الإنجليزية والفرنسية حتى توصل الصورة الحقيقية للمواطن الغربي، الذي وقع فريسة سهلة للإعلام الغربي الموجه.
س: أُتيحت لك فرصة متابعة الإعلام العربي داخل الولايات المتحدة، في أثناء فترة دراستك للدكتوراه (????–????) ثم في أثناء عملك عضوًا في الوفد الداعم للجامعة العربية لدى هيئة الأمم في الفترة من (????–????)، فما تقييمك لأدائه خلال تلك الفترة؟
ج: حين عملت في مكتبة الجامعة العربية في نيويورك وجدت نفسي جزءًا من المؤسسة الإعلامية العربية في الولايات المتحدة، وفي مواجهة الآلة الإعلامية الأمريكية الصهيونية. وبطبيعة الحال كانت المواجهة غير متكافئة البتة، فالإسرائيليون كانوا يعملون من داخل النظام الأمريكي، ويساعدهم اللوبي الصهيوني، وكان عندهم اعتمادات تبلغ ملايين الدولارات. أما وفد الجامعة العربية فميزانية الإعلام فيه كانت لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، كان يتم استهلاكها من خلال عدة نشاطات محددة، كنا نجلس بعدها دون عمل. كما كان فكر المؤامرة مسيطرًا على كثير من الإعلاميين العرب في ذلك الوقت، فكانوا يثيرون الرثاء والضحك عند جمهور المستمعين. وهؤلاء الذين أفلتوا من قبضة التفكير التآمري، كانوا لا يفهمون طبيعة المجتمع الأمريكي، ولذا كان خطابهم غير مفهوم، خاصة أن مسؤولي الإعلام كانوا ملتزمين بالخط السياسي العربي، وهو في ذلك الوقت كان عبارة عن شعارات جامدة مثل "تحرير كامل تراب فلسطين" و"ضرورة القضاء على الدولة الصهيونية"، وكان على مسؤولي الإعلام التعبير عن هذه الشعارات بطريقة مباشرة فجة، بحيث تحول خطابهم إلى خطب عصماء موجهة إلى العواصم العربية، ولا علاقة لها بالمستمع الأمريكي. أنا أؤمن بضرورة تحرير كامل تراب فلسطين، ولكن هذا الشعار يمكن التعبير عنه بألف طريقة وطريقة غير مباشرة، مثل "ضرورة القضاء على الإطار العنصري للدولة الصهيونية"، أو "نزع الصبغة الصهيونية عن إسرائيل"، أو "ضرورة إقامة دولة ديمقراطية متعددة الأديان والإثنيات"، أو "ضرورة إلغاء قانون العود الصهيوني وتنفيذ قرارات هيئة الأمم بما في ذلك القرار الخاص بحق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم" وهكذا. ولا أدري ما الموقف الآن في مكتب الجامعة العربية في نيويورك، وإن كنت لاحظت أن مكاتب الجامعة في لندن وباريس وبعض العواصم الأخرى حققت نجاحات لا بأس بها، لاسيما أن القائمين عليها قد تملكوا ناصية الخطاب الحضاري الغربي، ويمكنهم التحرك داخل إطاره. كما أنهم يتعاونون مع الجاليات العربية المنتشرة في العالم الغربي والتي تزايد عدد أعضائها في الآونة الأخيرة.
س: يطالب كثيرون بلهجة جديدة للخطاب العربي حتى يكون مواكبًا للعصر. ما رؤيتك لذلك وما أهم المفردات الضرورية لهذا الخطاب؟
ج: الخطاب العربي تم تسييسه أكثر من اللازم، بمعنى أن كثيرًا من القضايا المهمة قد أسقطت على أهميتها. خذي على سبيل المثال مفهومنا للتقدم وللديمقراطية، بل ما صورة الإنسان العربي في المستقبل، وما رؤيتنا للتاريخ، كل هذه القضايا أسقطت من الحسبان وأصبحنا نتابع الأحداث اليومية دون رؤية كلية. إن الأحداث اليومية يضيع معناها الحقيقي بسبب هذا الاستغراق في البعد المباشر للحدث.
س: تحدثت عما يجب أن تفعله الأنظمة الحاكمة وأنتم النخبة المثقفة، ماذا عليكم أن تفعلوا؟
ج: المطلب الأساسي الآن هو الديمقراطية بالمعنى العريض، بحيث يصبح للنقابات المهنية استقلالها ويتم انتخاب حر لممثلي الشعب، فهم وحدهم القادرون على تجنيد الجماهير وتعبئتها. ودور المثقفين هو أن يبلوروا هذه المطالب في برنامج محدد، وأن يقوموا بتطوير أطر تنظيمية (أحزاب – جماعات ضغط) يمكن أن تمارس الضغط على الأنظمة، بدلًا من أن يتحول الغضب الشعبي والمطالب الشعبية إلى فوضى عارمة، قد تنجح في تنفيس بعض الغضب، لكنها لا تنجز شيئًا.
س: هل ترى أنه مازال في الأحزاب والهيئات من القوة ما يسمح لها بالوصول إلى ما تريد؟
ج: انكسار النظم العربية قد يعطيها القوة، لأن هذه النظم أثبتت أنها غير قادرة على الدفاع عن العالم العربي، وغير قادرة على صيانة الأمن العربي.
س: هل يمكن للنظام السياسي العربي المعاصر أن يتصدى للأطماع العسكرية الأمريكية؟
ج: الولايات المتحدة تضرب العراق في الوقت الحاضر، وتشرف على تقسيم السودان، وتتدخل في الصومال، والإسرائيليون يقومون بضرب الفلسطينيين وضرب لبنان، في وقت لا تتحرك فيه دولة عربية واحدة، وهذه هي التجزئة الحقيقية. بل إن هذا انتهاك كامل لكيان الأمة العربية. لابد أن تدرك الحكومات العربية أن الوضع سيزداد سوءًا، فالهجوم العسكري الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية، وقبولنا وصايتها علينا لن يكفيها، وستطالب بالمزيد، إنها تعطينا بمقدار ما عندنا من قوة وما نبديه من مقاومة وصلابة، وفي غياب القوة والمقاومة ستتمادى في مطالبها. ولكن مع الأسف كل نخبة حاكمة في الوطن العربي مهتمة بمصالحها الضيقة المباشرة وغير مدركة أنه حتى مصالحها التي تخاف عليها يمكن أن تتحقق بطريقة أفضل عن طريق الوحدة.
س: قرأنا قبل الغزو الأمريكي للعراق العديد من التحليلات الغربية التي ترسم ملامح لمستقبل المنطقة، وكلها تتوقع حدوث عمليات تقسيم لدولها، ما تحليلك لهذه التوقعات؟
ج: هذا ليس جديدًا، لا تنسي أن الغرب قرر منذ منتصف القرن الدخول في علاقة غير متكافئة مع العالم الإسلامي بحيث يصبح دويلات مقسمة، تصير بعدها مصدرًا للمواد الخام وسوقًا للبضائع ومصدرًا للعمالة الرخيصة. وفي هذا الإطار تم تقسيم الدولة العثمانية وتم القضاء على محمد عليّ الذي لم يكن يمتلك أية أسلحة للدمار الشامل أو يهدد أمن أحد، لكنه حاول أن يؤسس كتلة عربية حديثة (هو نفسه لم يكن عربيًا أو عروبيًا ولكن منطق الجغرافية والتاريخ فرض عليه هذه الرؤية، فحاول تحقيقها، وهذا كان يشكل تهديدًا لمصالح الغرب الاستراتيجية كما أدركها)، فتم القضاء عليه. ومن هذا المنطلق تم التعامل بعد ذلك مع كل الوطنيين أمثال أحمد عرابي وسعد زغلول وغيرهما. ثم منذ أيام المواجهة مع الرئيس جمال عبد الناصر اكتشفوا أن القومية العربية يمكن أن تشكل خطرًا عليهم أيضًا فقاموا بضربها. ولكن في كل مواجهة كان هناك رد فعل من طرفنا وهذا ما اكتشفوه أخيرًا، حيث أثبتت الأيام أنه على ضرب عبد الناصر إلا أن نبض القومية العربية مازال موجودًا في كل أنحاء العالم العربي، ثم جاء التيار الإسلامي وحمل لواء الثورة وتصالح مع التيار القومي.
س: إذن أنت ترى في التحالف بين التيارين القومي والإسلامي السبيل الوحيد للتصدي للغزو الجديد، هل بنيت رؤيتك على ما حدث في السابق من حوار بين الطرفين؟
ج: نعم، والتقارب أصبح شديدًا بين الاثنين، ولم تعد هناك نقاط احتكاك، وهما مجتمعين يشكلان غالبية الشارعين العربي والإسلامي.
س: أعود وأسأل عن الخطط الموضوعة لتقسيم المنطقة، هل تعتقد بسهولة تنفيذها؟
ج: أصبح في حكم المؤكد وجود هذه المخططات في أذهانهم، لكني لا أعتقد بسهولة تنفيذها، وأمامنا تجربة حالية في العراق، فالقوى الإمبريالية تتصور أننا مجرد أشياء تنقل كيفما تشاء، تمامًا مثل التصور الصهيوني للفلسطينيين. فلقد تحدث الإسرائيليون عن عمليات "ترانسفير" ستحدث في أثناء الحرب الأمريكية على العراق، وقالوا إنه سيتم نقل آلاف الفلسطينيين خارج أراضيهم، وبدا الأمر وكأن الفلسطينيين سيجلسون صامتين انتظارًا لعمليات نقلهم الجماعي، ولم يحدث شيء من هذا القبيل. بل حدث العكس، فالشعب الفلسطيني أصبح أكثر تنظيمًا من ذي قبل، ولم يتوقف عن النضال في أثناء غزو العراق، وإنما أوقع كثيرًا من الخسائر بالعدو الصهيوني وكانت رسالته واضحة "نحن مستمرون في النضال دفاعًا عن وطننا". وفي المقابل فإنني أعتقد أن النظم العربية الحالية إذا لم تتحرك في اتجاه قومي يدافع عن مصالحنا في المنطقة فسوف تتعرض لهزات ضخمة جدًا تفوق الهزة العنيفة التي حدثت للمنطقة في أعقاب حرب عام ????.
س: كيف؟
ج: من الصعب الحديث عن هذا الآن، لكن ربما تأخذ هذه الهزات شكل المظاهرات الشعبية المتتالية في بعض الدول، وربما يكون من نتيجتها وقوع انقلابات عسكرية في دول أخرى، وبالتأكيد سيطالب المثقفون ويضغطون على جميع الأنظمة من أجل تطبيق الديمقراطية.
س: تفترض وقوع مظاهرات شعبية، لكن الملاحظ أنه بعد سقوط نظام بغداد خفت صوت الشارع العربي إن لم يكن قد صمت؟
ج: هذا ما يحدث دائمًا مع كل الأزمات، الصدمة كانت ضخمة وهي شبيهة بما حدث في فلسطين. فمع أن النكبة وقعت عام ????، إلا أن حركة المقاومة الفدائية بدأت في الستينيات، وإن كنت لا أعتقد أن الأمر سيستغرق سنوات طويلة هذه المرة قبل أن يحدث رد الفعل؛ وذلك نتيجة للتردي الاقتصادي والاستبداد الطبقي والاستهلاك الترفي الموجود بالمنطقة.
س: ما رأيك في أحوال الأحزاب المصرية؟
ج: يمكننا تقسيم الأحزاب في مصر إلى الأحزاب المهمشة (مثل حزب الوفد والحزب الناصري وحزب التجمع)، وهناك الأحزاب المجمدة (حزب العمل وحزب الغد)، وقد قامت الحكومة بتجميدها حينما تبيّن أن لها شعبية وأنها آخذة في الاتساع. وهناك الأحزاب المرجأة (مثل حزب الوسط وحزب الكرامة) وهناك الأحزاب الورقية ويصل عددها إلى العشرين والتي لم يسمع بها أحد. كل هذا يعني أن هناك حزبًا واحدًا وهو الحزب الوطني. ولذا فمع كل الشعارات الديمقراطية ومع كل الحديث عن التعددية، فإن نظام الحكم في مصر هو نظام الحكم الواحد.
وقد قررت الحكومة التي تمثل الحزب الواحد تجاهل كل أصوات النصح والتحذير والمعارضة. وأعتقد أنه في أي بلد ديمقراطي أو شبه ديمقراطي حينما تنشر فضيحة في إحدى صحف المعارضة لابد أن يجرى تحقيق على الفور لمعرفة إذا ما كان الصحفي الذي كتب هذه الفضيحة صادقًا فيحاكم الوزير المسؤول، أو إذا ما كان الصحفي كاذبًا فتتم محاكمته. الديمقراطية في مصر هي أن تقول الجماهير ما تريد والحكومة تفعل ما تريد، وهذا تقسيم للعمل يؤدي إلى شكل من أشكال الشمولية الفريدة الظريفة.
س: هل ترى تحسنًا في وضع الأحزاب المصرية في ضوء ما يطرح من دعاوى للإصلاح؟
ج: الاحتياطات الأمنية الرهيبة والحرب المستمرة ضد الأحزاب وتزييف الانتخابات، كل هذا همّش الأحزاب وجعل من المستحيل عليها الحركة؛ حزب العمل عندما بدأ ينهض جمّدوه بكل بساطة. وهناك لجنة الأحزاب التي جعلت مهمتها رفض الترخيص لأي حزب جاد، وبدلًا من ذلك أعطت رخصًا لأحزاب هزلية لا يعرف أحد حتى اسمها، فهل هذه طريقة في تطوير الديمقراطية؟ ومع هذا لابد من القول إن قيام رئيس الدولة المصرية بتعديل المادة ?? من الدستور، أكبر دليل على أن النظام الحاكم شعر بأنه أدخل الوطن في طريق مسدود، وأنه لابد من تحريك المياه الراكدة وفتح باب الاجتهاد. لقد حاولوا بعد ذلك أن يضعوا شروطًا تعجيزية للترشيح لرئاسة الجمهورية، كما حاولوا تزييف الانتخابات، لكن كل هذه الحيل لن تجدي، لأن الشارع تحرك، وظهرت جمعيات أهلية معارضة قادرة على بلورة الغضب الشعبي وتحويله إلى برامج سياسية ومطالب شعبية محددة.
س: على ضوء الظروف والمتغيرات التي تناولتها في حديثك كيف تنظر إلى المستقبل؟
ج: أنا لست من المتشائمين، أنا من دعاة فتح باب الاجتهاد، بمعنى أنني أعتقد أن هناك إمكانات في العالم العربي، فنحن في نهاية الأمر كتلة اقتصادية وسياسية وثقافية ضخمة، قادرون على أن نتحول إلى إحدى القوى الأساسية في العالم. ونحن لا يزال عندنا إيمان بالمثل ولا يزال المواطن العربي يشعر بالانتماء لوطنه ويدافع عن شرفه وكرامته، فالنسبية الأخلاقية، التي انتشرت في الغرب والتي تقوض كل المنظومات القيمية والمعرفية، لا تزال في الأطراف عندنا، ولم تتحرك إلى المركز بعد، ولعل أحد أهم أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي هو افتقاده إلى مثل هذا الإطار. فنحن لا يزال عندنا الإسلام إطارًا حضاريًا للجميع. اللغة العربية الفصحى لا تزال حية. لدينا تراث تاريخي ثري وحي أيضًا. هذا التراث يصلح نقطة للانطلاق وإطارًا للعقيدة والهوية ومحددًا للهدف. هذه كلها إمكانات. فهل من الممكن أن تتحول تلك الإمكانات إلى واقع؟ قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» [الرعد: ??/??].
نعم، نحن نعيش في لحظات حرجة، لكن في الوقت نفسه يجب ألا ننسى إمكانيات الإنسان العربي. انظر إلى العراق على سبيل المثال، عشرة أعوام والولايات المتحدة تلقي بقنابلها، ثم قامت بغزوها ومع ذلك انظر إلى إبداع المقاومة هناك. وانظر لإبداع الانتفاضة الفلسطينية، ما يقومون به من تطوير صواريخ القسّام. أحد المحللين العسكريين الإسرائيليين قال مازحًا بأن الوسيلة الوحيدة للتغلب على الفلسطينيين هي أن يعطيهم الإسرائيليون صواريخ سكاد لأن الكيان الصهيوني لديه رادارات يمكن أن ترصد السكاد، ولكنها تخفق في رصد صواريخ "القسام" التي حصدت منهم أكثر مما حصدت صواريخ "سكاد". الإبداع العربي غير مسبوق، والقدرة على المقاومة قوية، وهو ما يعترف به الإسرائيليون والأمريكيون، ولا تعترف به النخب العربية. ولهذا يجب ألا ننسى هذه الإمكانيات.
س: سرت إشاعة قوية أنك تنوي ترشيح نفسك لرئاسة الجمهورية، فما حقيقة هذه الإشاعة؟
ج: طلبت مني إحدى المجلات التي يقال لها قومية أن أكتب برنامجي للرئاسة إن قُبل ترشيحي للرئاسة، وكما توقعت لم ينشروه فأرسلته لجريدة صوت الأمة بعد أن كتبت مقدمة قلت فيها إنني لا أنوي ترشيح نفسي في هذه الدورة؛ لأنني سأذهب إلى فنزويلا مدة خمس سنوات لآخذ دورة تدريبية في كيفية التصدي للولايات المتحدة. فنزويلا دولة صغيرة، وتقع على بعد عدة أميال من الوحش الأمريكي الكاسر، ومع هذا لها أولوياتها وتوجهاتها التي لا يوافق عليها الوحش، بينما ترتعد فرائص نخبنا العربية الحاكمة منه (انظر موقفهم من القمة العربية اللاتينية التي تغيبوا عنها بسبب الضغط الأمريكي، لأن الولايات المتحدة الأمريكية تخشى أن تفلت بلاد الجنوب من قبضتها، وانظر لموقفهم من العدوان الإسرائيلي على لبنان وتحميلهم حزب الله وحماس المسؤولية). هل هذا يعود إلى أن جماهير الشعب تقف وراء شافيز، بينما تقف نخبنا الحاكمة عارية أمام الوحش الكاسر؟ وهل هو وحش كاسر بالفعل، أم أن موقف شافيز يدل على أنه يمكن تحطيم أسنانه وتقليم أظافره؟
س: ما أهم عناصر هذا البرنامج الانتخابي؟
ج: ينطلق برنامجي الانتخابي من أن الدولة الديمقراطية الحقة لابد أن تكون دولة مؤسسات، بمعنى أنه حتى لو انتخب رئيس الدولة بطريقة صحيحة، فلا يزال من الضروري أن تكون هناك مؤسسات استشارية تحلل له الموقف وتعطيه تقديراتها بخصوص المستقبل، فالدولة الحديثة مركبة إلى أكبر حد ولا يمكن لفرد واحد (مع شلة محيطة به) أن يتخذ قرارًا سليمًا من دون مساعدة الخبراء والمختصين. ومن هنا ضرورة أن تكون صلاحيات رئيس الجمهورية محدودة، وتقيدها المؤسسات الاستشارية والمجالس النيابية المنتخبة. ولعله من المستحسن الابتعاد عن النظام الرئاسي تمامًا، ليحل محله نظام برلماني، كما يجب تحديد المرات التي يسمح بها لشخص ما أن يتولى رئاسة الجمهورية بمرتين. ولعله قد حان الوقت لانتخاب جمعية تأسيسية تعيد صياغة الدستور.
والدولة الديمقراطية الحقة في تصوري تتوافر فيها الصفات التالية:
– الفصل بين السلطات.
– سيادة القانون.
– إلغاء قانون الطوارئ وكل القوانين السالبة للحريات.
– حرية تشكيل الأحزاب.
– إطلاق حرية النقابات المهنية والعمالية والنوادي الرياضية.
– إطلاق حرية الحركة الطلابية.
– إطلاق حرية التظاهر والإضراب السلمي والاجتماع دون قيود، ما كانت سلمية وغير مسلحة.
وقد بيّنت – في برنامجي الرئاسي الخيالي – أن العدو الاستراتيجي لمصر وللعرب على وجه الخصوص، وللمسلمين على وجه العموم، هو الدولة الصهيونية التي ترعاها الولايات المتحدة. إن مصر كي تستعيد مكانتها التي فقدتها ولتحقق استقلالها واكتفاءها الذاتي لابد أن تتوجه شرقًا وجنوبًا، ابتداء بالعالم العربي ثم العالم الإسلامي وإفريقية وأمريكة اللاتينية، مع عدم استبعاد إمكانية توثيق العلاقة مع بعض الدول الأوربية، خاصة فرنسة وألمانية وإسبانية. وفي عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى (الولايات المتحدة – الاتحاد الأوربي – الصين – الهند...إلخ) يصبح شكل من أشكال الوحدة العربية أمرًا ضروريًا وحتميًا، إن أردنا الاستمرار والبقاء، وإلا أصبحنا كاليتامى على مأدبة اللئام.
أما على مستوى الداخل فبرنامجي الانتخابي يؤكد العدالة الاجتماعية ومعالجة الفجوة الهائلة بين قلة من الأغنياء والأغلبية الساحقة من الشعب. كما يجب أن تضمن الدولة حدًا أدنى من الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية لكل المواطنين. ويؤكد البرنامج أهمية القطاع العام مع الاعتراف بأهمية القطاع الخاص وما يسمى بالرأسمالية الوطنية المنتجة (في مقابل الرأسمالية)، وضرورة إصلاح الخلل في البنية الاقتصادية وإعادة معدلات التنمية إلى ما كانت عليه، ومن ثم يمكن حل مشكله البطالة. كما أرى ضرورة تفعيل المجتمع المدني من جمعيات أهلية إلى نواد ونقابات مهنية وحرفية.
من القضايا الأساسية التي سأثيرها وأحارب ضدها هي قضية النزعة الاستهلاكية الشرسة التي أمسكت بتلابيب المجتمع المصري. ويمكن الحرب ضدها داخل إطار قانوني من خلال إصدار تشريعات مثل حظر نشر الإعلانات المضللة، وضرورة أن يحتوي الإعلان على المعلومات الحقيقية. كما يمكن أن تفرض الضرائب على السلع الاستهلاكية وعلى مظاهر الاستهلاك السفيه مثل حفلات الزواج. كما يمكن للإعلام أن يوعي الناس بالعواقب الوخيمة لتصاعد معدلات الاستهلاك وربط المكانة الاجتماعية والتقدم بمعدلات الاستهلاك.
الخصوصية والهوية
س: تذهب إلى أن كلًا من الخصوصية والهوية إشكاليتان أساسيتان، ولكنهما أيضًا تشكلان الحل للعديد من القضايا، فهل لك أن توضح ذلك؟
ج: نعم، تُثير كلٌّ من الخصوصية والهوية إشكاليات في غاية الأهمية، ولنبدأ بالخصوصية. يرى البعض أن الخصوصية شيء من قبيل الزخرفة "تضاف" إلى ما نكتب من أدب ودراسات! وفي الوقت الحالي تجدي محاولات تُسمى "تأصيل المفاهيم الغربية بالعودة إلى التراث"، وهي تتلخص في محاولة اكتشاف هذا المفهوم الغربي أو ذاك في تراثنا لنبين أننا سبقنا العالم في كذا وكذا وأننا لسنا أقل منهم، وأن هذا المفهوم ليس دخيلًا علينا، وإنما هو أصيل لدينا. وهذا تعبير عن عقدة نقص عميقة، واستلاب كامل للذات، إنها عملية "تغريب بأثر رجعي" لو صح التعبير! وهذا الفهم للخصوصية سطحي وخطير، لأنه لا يغوص في طبيعة الخصوصية المكون الأساسي في رؤية الإنسان لنفسه وللكون، ولأنه يشكل غطاء براقًا خادعًا لعملية تغريب واسعة النطاق وقع العالم العربي والإسلامي في براثنها.
وفي تصوري الخصوصية سمة حضارية لها مدلولات فلسفية وسياسية عميقة. فأية ظاهرة إنسانية يمكن النظر إليها إما من منظور اتفاقها مع الظواهر الأخرى، وهو منظور القانون العام، أو من منظور اختلافها عن الظواهر الأخرى، وهو منظور الخصوصية ومنحناها الخاص. والعلوم الإنسانية في الغرب تصدر عن فكرة أن ثمة قانونًا عامًا للتاريخ وللتطور السياسي والاقتصادي ينطبق على كل الشعوب، في كل زمان ومكان، وأن السمات الخاصة للظاهرة سمات "عَرَضية"، يجب استبعادها في الدراسة العلمية الموضوعية المحايدة، ومن ثم يجب أن تنصب الدراسة على اكتشاف القوانين العامة. ولكننا لو دققنا النظر لوجدنا أن هذا القانون العام هو في واقع الأمر قانون غربي وحسب. فمعظم الصياغات النظرية للعلوم الإنسانية في الغرب تستند – كما هو طبيعي ومتوقع – إلى تجربة الإنسان الغربي ومعرفته بتاريخه ومجتمعه، فتعريفه للقومية وللثورة وللتنمية نابع من هذه التجربة. فمفكر مثل أوجست كونت يتحدث عن تطور المجتمعات من روحية – أو لاهوتية – إلى ميتافيزيقية، وأخيرًا إلى علمية أو وضعية، وهذه الأخيرة تعني في واقع الأمر "غربية".
س: وهل القول نفسه ينطبق على رؤية الماركسية لتطور المجتمعات؟
ج: نعم، فماركس، مع تركيبية فكره، يتحدث عن "قانون واحد عام" هو "قانون تطور المجتمعات الإنسانية" من شيوعية بدائية، إلى عبودية، إلى إقطاعيين، إلى رأسمالية، فاشتراكية، فشيوعية، وكأن هذا قانون علمي عام، ولذا فهو يسمي مذهبه بكل جرأة "الاشتراكية العلمية". ولكن قول ماركس بخصوص المجتمعات مكوّن في واقع الأمر من عنصرين، كلاهما ليس "علميًا" ولا "عامًا" فهو:
?– قراءة ذكية للغاية لتاريخ المجتمعات في غرب أوربة، فبولندة على سبيل المثال لا تنضوي تحت هذا النسق، فقد انتقلت من نظام الإقطاع إلى نظام الأقنان الأقرب إلى النظام العبودي، كما أنه ساد فيها نظام سياسي يسمى "جمهورية ملكية"، فهي يحكمها ملك منتخَب، أي إنها لا علاقة لها بالقانون العام الذي تحدث عنه ماركس.
?– تبشير رومانسي بالنظرية الاشتراكية، يتسم بالحماس الشديد للإنسان والإخلاص العميق لقيمة المساواة. وكلاهما لا علاقة له بالعلم أو العلماء، فهذه قيم أخلاقية تستند إلى اختيارات في جوهرها ميتافيزيقية.
وحينما نظر ماركس إلى المجتمعات غير الأوربية وجد، بذكائه الشديد وبصيرته الثاقبة، أن قانونه العام هذا لا ينطبق عليها، فأشار إلى بقية العالم "غير الغربي" على أنه يتبع "النمط الآسيوي للإنتاج". وهي عبارة أقل ما يمكن أن توصف به أنها مسلية! فهل يمكن أن يتحدث المرء عن تاريخ الصين والهند واليابان والعالم العربي – قبل وبعد الفتح الإسلامي – بأنها "نمط آسيوي للإنتاج"؟! هذه العبارة يجب أن تترجم في مصطلحنا إلى "لا أعرف"، فهذا ما كان يقوله ماركس بطريقته اللبقة الهيجلية! ومن ثم؛ يجب أن يتقلص مصطلح "قانون تطور المجتمعات"، ليصبح: "قانون تطور مجتمعات غرب ووسط أوربة".
إن كل النظريات التي يُقال لها "عالمية" التي تصدّر إلينا؛ هي في واقع الأمر نظريات غربية، تستند إلى تاريخ الإنسان الغربي وإلى تجربته وتعبر عن تحيزاته. ولذا؛ فمن الأمور غير المفهومة أن يقوم المتخصصون في العلوم الإنسانية في العالم العربي بتطبيق هذه النظريات علينا وعلى تجربتنا الحضارية والاجتماعية. ولعل هذا سبب أساسي للأزمة الحضارية التي نعيشها ولتناقص الإبداع في عالمنا العربي الإسلامي. فنحن نفكر في أنفسنا من خلال قوانين الآخر، فنغترب عن واقعنا ولا يمكننا اكتشافه ولا اكتشاف قوانينه، ولذا نعجز عن تغييره وتحريكه.
الانتفاضة الفلسطينية تقف على النقيض من هذا، فهي قد تخلت عن النماذج العامة للثورة والتمرد والاحتجاج، وتعاملت مع الواقع الفلسطيني واكتشفته، وتوصلت إلى النماذج الخاصة النابعة منه، فاندلعت حركة مقاومة لم يعرف العدو الصهيوني كيف يتعامل معها بسبب خصوصيتها (إلا بالالتفاف حولها).
إن الخصوصية التي أراها، تدعو إلى ضرورة الانفتاح على كل الحضارات الإنسانية والعالمية، لا على الحضارة الغربية وحدها، وأن ننهل من معين كل الحضارات. هذا على عكس ما يرى دعاة القانون العام (والعولمة) الذين ينكرون الخصوصية، فهم يدورون في محيط الحضارة الغربية وحدها (وهذه مفارقة جديرة بالملاحظة!). والانفتاح الحق على العالم لا يعني فقدان الخصوصية، بل إنه يدعمها؛ لأننا حينما ندرك تنوع النماذج الحضارية اللامتناهية، سنكتشف مدى تهافت خضوعنا للنموذج الغربي، وسنكتشف إمكانية أن تكون لنا لغتنا الحضارية الخاصة.
س: اهتمامك بالخصوصية جعلك تبحث في فكرة المتحف لتكون تعبيرًا عنها، فما النتائج التي توصلت إليها؟
ج: أثَرتُ، في بعض دراساتي، قضية المفهوم الغربي للمتحف الذي يعبر عن التحيزات الغربية؛ فهو يجسِّد الذات القومية المتجانسة التي تتسم بالوحدة العضوية. فمفهوم القومية في الغرب مفهوم عضوي منغلق، يرى أن المثل الأعلى هو الكائن العضوي، نباتًا كان أم حيوانًا، المكتفي بذاته، الملتف حولها، والذي لا يشير إلا إليها. وبدلًا من ذلك أطرح مفهوم الذات القومية السمحة وغير المتجانسة، أي التي تستوعب انتماءات دينية وثقافية مختلفة. وقد وجدت أن معمار متحف النيجر يجسد هذا المفهوم، فهو لا يأخذ شكل مبنى عضوي مغلق، وإنما هو "مجموعة" من الأجنحة المتناثرة على مجموعة من التلال تقع وسط العاصمة نيامي. فهناك جناح للملابس، ويضم كل أزياء القبائل والإثنيات المختلفة في النيجر، وهناك جناح آخر للأسلحة، وثالث للأثاث يتبعان النمط نفسه. كما توجد، وهي جزء من المتحف، شجرة من غابة متحجرة، وهناك "ضريح" لشجرة ذات دلالة خاصة لدى شعوب النيجر. وملحق بالمتحف قرية للحرفيين ومحال لبيع منتجاتهم، وفي وسط كل هذا توجد حديقة للحيوانات. فمعمار متحف النيجر والمفهوم الكامن وراءه مختلف تمام الاختلاف عن مفهوم المتحف في العالم الغربي، وذلك نتيجة بنية المجتمع في النيجر، فهو مجتمع متعدد اللغات والإثنيات مع أن له وحدته الدينية، فغالبية السكان من المسلمين. وأعتقد أن متحف الأمة العربية الإسلامية لابد أن ينبذ التصورات العضوية المغلقة، وأن يصدر عن تصور جريء مماثل. فالمنطقة العربية تضم العديد من الأقليات الإثنية والدينية التي ساهمت ولا تزال تساهم بإبداعاتها داخل التشكيل الحضاري الأكبر، ولابد أن يكون لها مكانها في المتحف القومي. كما أن الصحراء لها مكانة خاصة في تراثنا، وكذلك الخط العربي (الذي اختفى بصفته أحد الفنون الجميلة، لأنه لا نظير له في المعجم الفني الغربي).
ولنلاحظ أنني أرى أن ثمة تواصلًا بين الإنسان والطبيعة على انفصالهما. فمع أن الله قد علم آدم الأسماء كلها، وأن الإنسان وحده هو الذي يحمل الرسالة؛ إلا أنه استخلفه في عالم الطبيعة ليعمره، لا ليبدده. إنه عطية الله له ونعمته عليه. وهذا المفهوم مختلف بشكل جوهري عن المفهوم السائد في التشكيل الحضاري الغربي الحديث، المبني على هزيمة الطبيعة وعلى السيطرة على الكون والإنسان، فهذه رؤية في جوهرها "إمبريالية" بالمعنى الفلسفي والمعرفي للكلمة. وأعتقد أن من المهندسين المعماريين العرب من يمكنه ترجمة مثل هذه الأفكار إلى مبنى يبرز التنوع وعدم التجانس. وما أسميه "الوحدة التكاملية غير العضوية"، وحدة تؤكد التواصل بين الله والإنسان والطبيعة، ومتحف النيجر قد يكون مثالًا يحتذى.
س: وماذا عن الهوية إشكالية وحلًا؟
ج: كي نفهم هذه القضية حق الفهم لابد أن ندرك أننا لا نتلقى الواقع في سلبية، فالعقل الإنساني، كما أشرت، عقل توليدي يبقي ويستبعد ويهمش، وتتم عملية الإبقاء والاستبعاد والتهميش حسب نموذج إدراكي يشكل هوية الإنسان باعتبارها طريقة للرؤية. وهذا غاب عنا كثيرًا. والنموذج كما أسلفت هو صورة في العقل مكونة من عناصر تدخل في علاقة يرى الإنسان أنها تشكل أجزاء الواقع في علاقتها. وما حدث بالنسبة إلينا أن النماذج الغربية اقتحمتنا تمامًا فأصبحنا نرى أنفسنا بعيون غربية من دون أن ندرك ذلك. فمثلًا عرّفنا العمل بأنه ما يمارس بأجر في رقعة الحياة العامة، وهذا تعريف بورجوازي غربي، وبذلك لا يعتبر ما تمارسه الأم عملًا على أهمية الأمومة، وما تقوم به الزوجة من مهام وأعباء لا يعتبر هو الآخر عملًا، فكلاهما لا يتم في رقعة الحياة العامة ولا تتناول عنه أجرًا. هذا مثال لغزو النموذج الإدراكي الغربي الذي قد نرفضه بشكل واع، لكننا استبطناه بدون وعي.
الشيء نفسه ينطبق على قضية الهوية، فقد درسناها في إطار النموذج المادي كما يفعل الدارسون في الغرب. النموذج المادي يعني استخدام الحواس الخمس كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تدرس الظواهر الطبيعية. ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تمامًا، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها، وقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره "الإنسان الطبيعي" بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة "أضيفت" إليها الحضارة، أي إنها ليست أصيلة فيه. وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آليًا، وهكذا يصبح المشروع الإنساني من منظور الاستنارة هو العودة إلى الإنسان الطبيعي. وهذه الفكرة عبرت عن نفسها في فكر العولمة، ففكر العولمة هو في جوهره العودة إلى هذا الإنسان الطبيعي، الذي لا يعرف الحدود أو الهوية وليس عنده أي إدراك أو اكتراث بالقيم الأخلاقية والمعنوية مثل الكرامة والارتباط بالأرض والوطن والتضحية. وحيث أن الإنسان الطبيعي هو ذاته الإنسان الاقتصادي، لذا فكل مطالبه وتطلعاته تظل داخل السقف المادي، والخلافات التي تنشأ بين الدول هي خلافات اقتصادية عامة، يمكن التفاهم بشأنها وحلها داخل الإطار الاقتصادي المادي. ونتيجة لهذا الفهم نجد أن الإدراك الغربي (والإدراك الذي ساد في العالم العربي) للهوية يتأرجح بين نقطتين متناقضتين، الأولى نقطة صلبة تقوم على ثنائية قطبية حادة (أنا في مقابل الآخر) كما فعل النازيون والصهاينة في الغرب وبعض السلفيين والقوميين المتعصبين، أما الثانية فهي نقطة سائلة تذوب فيها الحدود والهويات.
وأقترح أن ننظر إلى الهوية باعتبارها صورة مجازية لا جوهرًا ثابتًا، وأطرح فكرة "الإنسانية المشتركة" بدلًا من فكرة "الإنسانية الواحدة" التي يطرحونها في الغرب، فالإنسانية المشتركة نابعة من الفكرة الإسلامية التي تقوم على أن كل البشر داخلهم إمكانيات لا تتحقق إلا داخل زمان ومكان، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يرقى فوق إنسانيته ويمكن أن يهبط دونها. أنا لا أفترض أن الهوية العربية الإسلامية تفصلنا عن الآخرين وتمنحنا حقوقًا مطلقة كما فعلوا في ألمانية النازية وفي التشكيل الاستعماري الغربي. لكني أرى أن الهوية العربية الإسلامية هي مجموعة من السمات الإنسانية المختلفة التي قد تسم جماعات إنسانية أخرى، ولكنها توجد بشكل معين وبترتيب محدد يعطي الهوية العربية فرادتها.
س: بعضهم يعتبر الهوية صديقًا مزيفًا، فهي تعكس في بادئ الأمر تطلعًا مشروعا لتتحول فجأة إلى أداة من أدوات الحرب. إن جميع المجازر التي وقعت أخيرًا مرتبطة بمشكلات معقدة وقديمة وتندرج ضمن ملف الهوية؟
ج: القول بأن جميع المجازر تمت باسم الهوية مبالغة غير مقبولة. فهل الحربان (العالميتان) تمتا باسم الهوية أم باسم المصالح الاستعمارية؟ وماذا عن فيتنام وغزو العراق وأفغانستان والحرب الباردة؟ ولذا لا داعي لهذه المبالغات التي لا تفيد كثيرًا ولنتوجه للموضوع ذاته. ظهور الهوية في القرن العشرين مسألة لها دلالة؛ فهي حماية للإنسان ضد عمليات التنميط الزاحفة، وضد العولمة التي كانت توجد بشكل جنيني في بداية القرن وأصبحت الآن مسيطرة ومهيمنة. فمن هذا المنظور الهوية مهمة. فالهوية في الواقع شكل أساسي من أشكال المقاومة شرط ألا تتحول إلى "غيتو" يدخل فيه الإنسان ويتخندق. ففي الدولة الإسلامية مثلًا كان يوجد هويات مختلفة، لكن مع ذلك كانت غير متنازعة. كان يمكن للإنسان أن يأتي من خراسان إلى مصر فيُرحّب به، وكذلك أهل المغرب الذين وجدوا في مصر وطنًا لهم من دون أي مشكلة. ولعل الفن الإسلامي هو أكبر دليل على التنوّع والاختلاف لدرجة أن بعض المؤرخين الغربيين ينفون وجود فن إسلامي بسبب تنوعه، وفي الواقع هناك فن إسلامي هندي، وإسلامي عربي ينقسم بدوره إلى إسلامي مصري (فاطمي وأيوبي ومملوكي) وإسلامي دمشقي وهكذا.
الإسلام قبل التنوّع داخل إطار شامل من الوحدة، وحدة ليست عضوية، وإنما فضفاضة، وهو تنوّع قد سمح للجماعات الدينية والإثنية المختلفة بأن تبدع من خلاله مثل إبداع الأكراد وإبداع العرب المسيحيين واليهود. وهذا النموذج للهوية مرفوض من الغرب حتى عهد قريب، لأن التعريف الغربي للهوية تعريف عضوي، أي يرى الهوية كيانًا متماسكًا تمامًا وكأنها النبات أو الحيوان أو كيان عضوي، لا يمكن أن تفصل أجزاء منه ويكتب له البقاء. أذكر أنني عندما كنت في الولايات المتحدة في الستينيات كانوا دائمًا يسألونني هل أنت عربي أم مصري أم مسلم، ويشيرون إلى هذا باعتباره اختلاطًا في الهوية، ومن ثم نقطة سلبية. فكنت أشير إلى جون ميلتون الشاعر الإنكليزي الذي عاش في عصر النهضة، وكان يكتب بالإنكليزية واللاتينية ويعدّ نفسه إنكليزيًا وأوربيًا ومسيحيًا في الوقت ذاته، وكان يتحدّث باللاتينية مثلًا مع أصدقائه حين ينتقل في أرجاء أوربة. وكانت تواريخ الأدب ترى هذا دليلًا على عظمة عصر النهضة الغربية، فكنت أقول لهم: أنا أيضًا دمنهوري عربي مسلم، وفي بداية الأمر ونهايته إنسان، فإنسانيتي العامة المشتركة لا تتناقض مع أنتماءاتي المتعددة. إن الرؤية الغربية الحديثة رؤية عضوية مصمتة، تجعل الإنسان صاحب الهوية الذي يعيش على أرضه القومية ومجاله الحيوي، موضع الحلول ومرجعية ذاته، ولذا لا يمكن استئناف أحكامه، ثم فرضوا هذه الرؤية على الواقع بالقوة. فظهرت فكرة الدولة القومية العضوية وكل هذه المفاهيم العنصرية. وقد أدى هذا إلى أن الحدود الديموجرافية والدينية والسكانية لهذه الدولة العضوية تماثلت مع الحدود الجغرافية، ومن ثم تم القضاء على معظم الأقليات. فالثورة الفرنسية قضت على كثير من الأقليات، وعلى مجموعة من اللهجات، مثل لهجة " الأوكستانيان" و"البريتون". وهذه صفة في أوربة منذ القدم.
س: لكن دعوتك لأن نتنبه للتحيز المعرفي توحي بتبني الهوية المغلقة أو الدعوة للانقطاع، فكيف ترى الهوية وعلاقتها بالانفتاح الإنساني؟
ج: نعم، الهوية حاضرة في تصوري لـ"التحيز المعرفي" بصفتها ثقافة وسياقًا إنسانيًا واجتماعيًا مختلفًا، لا أسوارًا تفصل الذوات عن الآخرين. فالهوية أمر محمود، ولا يعني حضورها انغلاقًا، ولكن يعني وعيًا وقدرة على نقد الآخرين من دون استلاب أو انبهار بهم أو انغلاق عليهم، فهذه أصولية أخرى توازي التعصب المغلق على الهوية عند الأصوليين الحرفيين المتشددين في بلادنا. ولا تكون الهوية أمرًا مذمومًا إلا حينما تصبح مرجعية ذاتها، ولا تقبل بأي معايير خارج ذاتها. فيرى عرق معين أنه فوق الآخرين أو أن القوة هي الحق. نعم لا توجد إنسانية عامة، ولكن هناك إنسانية مشتركة، من المرفوض أن يكون تحققها فقط بنفي الآخرين كما فعل المستوطنون الصهاينة بالشعب الفلسطيني، أو المستوطنون الأمريكيون البيض بالهنود الحمر.
س: هل ثمة علاقة بين الهوية والإبداع؟
ج: بطبيعة الحال، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، فالإنسان لا يبدع إلا إذا نظر للعالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين. لو نظر بمنظار الآخرين، أي لو فقد هويته، فإنه سيكرر ما يقولونه ويصبح تابعًا لهم، كل همه أن يقلدهم أو أن يلحق بهم ويبدع داخل إطارهم، بحيث يصير إبداعه في تشكيلهم الحضاري، كما يحدث لكثير من العلماء العرب الذين يهاجرون إلى الغرب. وهذا ما أدركه لورد ماكولي، السياسي والكاتب الإنجليزي. ففي خطاب له للبرلمان الإنجليزي في ? شباط/ فبراير ???? قال: «لقد سافرت في الهند طولًا وعرضًا، ولم أر شخصًا واحدًا يتسول أو يسرق. لقد وجدت هذا البلد ثريًا لدرجة كبيرة، ويتمتع أهله بقيم أخلاقية عالية، ودرجة عالية من الرقي، حتى إنني أرى أننا لن نهزم هذه الأمة، إلا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي. ولذا أقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد ليحل محل النظام القديم لأنه لو بدأ الهنود يعتقدون أن كل ما هو أجنبي وإنجليزي جيد وأحسن مما هو محلي، فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم المحلية، وسيصبحون ما نريدهم أن يكونوا، أمة تم الهيمنة عليها تمامًا».
هذه هي الخطة الشيطانية التي لا يزال الاستعمار الغربي يستخدمها ضدنا، ولذا علينا أن نحتفظ بهويتنا ونفعلها ونعبر عنها من خلال أعمال إبداعية تخرج من بيئتنا وتعود إليها. فمثلًا هل يمكن أن نطوّر مدنًا لا تسير فيها سيارات خاصة، على أن نطور نظام نقل عامًا جيدًا تسير فيه السيارات بالغاز الطبيعي، ومن ثم نقضي على التلوث بسلبياته، والذي يكلفنا كثيرًا، من الناحية الصحية والاقتصادية؟ لماذا لا نطور تقنية الطاقة الشمسية ومساقط المياه، في منطقة معروف أنها ستواجه شحًا في المياه، حتى إنهم يقولون إن حروب هذا القرن ستكون حروب المياه؟ لماذا لا نركز على تقنية تحلية المياه ونخلصها من مشاكلها؟ لماذا لا نطور مفاهيم جديدة في الإدارة، رجل متقدم في السن يحيط به مجموعة من الشباب الأذكياء، ولا يكون المدير هو الآمر الناهي، وإنما يستمع لمستشاريه، بحيث تصل المجموعة إلى شكل من أشكال الإجماع الذي لا يولد التوترات؟ المدير هنا لا يدير وإنما ينسق، والأطراف قوية مثل المركز. هذا ما فعله اليابانيون فطوروا اقتصادًا على مستويين، فهناك الاقتصاد المتقدم الذي يستفيد من كل منجزات العلم والتقنية، ولكن ثمة مستوى آخر وهو ما يمكن تسميته الاقتصاد الشعبي. فشركة مثل سوني على سبيل المثال تستخدم آخر ما توصلت له التقنية، ولكن ثمة أعمال أخرى يمكن إنجازها يدويًا، فترسل بها إلى الريف الياباني، فيقوم الفلاحون بإعدادها في منازلهم.
س: ماذا عن تفعيل هذه الهوية؟
ج: تفعيل الهوية شيء أساسي في عملية النهوض الحضاري، فهويتنا قد تشكلت عبر التاريخ حتى أصبحت منا وأصبحنا منها. فعملية التنمية لا يمكن أن تتم من خلال برنامج اقتصادي وسياسي عام، فالبشر لا يتحركون في إطار العام، وإنما يتحركون في إطار خاص يعرف احتياجاتهم ويأخذ في الاعتبار توجهاتهم وأشواقهم وأحزانهم. وأعتقد أن ظهور ما يسمى النظام العالمي الجديد والنزعة الاستهلاكية الشرسة يزيد من أهمية قضية الهوية وضرورة التمسك بها.
إن أهم تفعيل للهوية حدث في التاريخ العربي الحديث هو الانتفاضة الفلسطينية التي استدرجت "الإسرائيليين" إلى أرضية غير حديثة يصعب على الجندي "الإسرائيلي" أن يتعامل معها بكفاءة، ولم يجد الصهاينة حلًا لهذه الورطة إلا بالالتفاف حول الانتفاضة لكبح جماحها، ومن هنا كانت اتفاقية أوسلو. كما قام الدكتور حامد الموصلي بعدة مشاريع ناجحة نابعة من الهوية، مثل صنع الخشب من سعف النخيل. ويمكننا أيضًا تفعيل مؤسسات وسيطة مثل الأسرة والجيرة، بحيث يمكن إدارة مجتمعنا بطريقة إنسانية.
س: هل ترى أن ثمة استهدافًا للهوية العربية بحد ذاتها أو بشكل خاص؟
ج: الهوية العربية ليست وحدها هي المستهدفة، فهناك ما يهدد الهوية على الصعيد العالمي، حيث أفرزت الحضارة الغربية ظواهر تهدد ظاهرة الإنسان نفسه، من أهمها ما أسميه الاستهلاكية العالمية التي تضرب صميم ثوابت الإنسان وأخلاقياته. وهناك حضارة الصورة التي بدأت تحل محل الكلام، والعرب لم يتمكنوا بعد من لغة الصورة. كما أن أكبر تهديد للهوية العربية هو الدولة الصهيونية لأن مشروعها هو بعث ما يسمى "الهوية اليهودية"، وهذا يتطلب تفتيت الهوية العربية ومحوها. ومن هذا المنظور الصهيوني لابد من العودة إلى ما قبل الإسلام، حيث كانت هناك هوية آشورية وفرعونية وفينيقية، ومن هنا الدعوة للعودة إلى الحضارة الفرعونية، وإلى الحضارة الفينيقية في لبنان والحضارة الآشورية البابلية في العراق! وهذه كلها حضارات متْحفية جميلة لكن ليس لها امتداد في الحاضر. والدولة الصهيونية تريد أن يصبح الشرق الأوسط مقسمًا إلى دويلات إثنية ودينية وعرقية، ومن ثم تصبح الدولة العبرية مسألة طبيعية للغاية، لأنه داخل التشكيل الحضاري العربي الواحد فإن مثل هذه الدولة تصبح كيانًا دخيلًا شاذًا! وقد ترجم المخطط الصهيوني نفسه في الآونة الأخيرة إلى فكرة السوق الشرق أوسطية ثم مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث يتم تفتيت الهويات، لتظهر الهوية العبرية وتقوم بقيادة المنطقة وتوظفها لمصلحة الغرب.
ثمة كذلك محاولة لضرب اللغة العربية الفصحى، وعاء الذاكرة التاريخية، ومن دون هذه الذاكرة التاريخية ومن دون الفصحى نتحول إلى الإنسان ذي البعد الواحد الذي يمكن التنبؤ بسلوكه ويمكن توجيهه ليستهلك السلع التي تنتجها له الشركات عابرة القوميات والحدود والهويات. أما الإنسان الذي لا يدخل ضمن هذه المنظومة فإنه إنسان غير استهلاكي ومن ثم بوسعه مقاومة هذه المنظومة.
س: كيف نواجه الجهود المبذولة لتفتيت الهوية؟
ج: لابد أن نبين لجماهيرنا بعض الجوانب المظلمة في الحضارة الغربية، ومن هنا ضرورة قيام وكالة أنباء عربية متخصصة تعمد إلى رصد هذه الحضارة بعين موضوعية، بعيدًا عن تأثير الإعلام الغربي. كما يجب أن نطرح مفهومًا للوحدة غير العضوية فيما أسميه "الوحدة الفضفاضة" تفسح المجال أمام كل الجماعات الإثنية والدينية أن تعبر عن هويتها، مادام هذا التعبير لا يفت في عضد سيادة هذه الدولة. فالنظام التعليمي – مثلًا – ينبغي أن يقبل بالتعددية. والوحدة الفضفاضة هذه تسمح لكل دولة أن تدخل في إطار الوحدة العربية دون أن تفقد ما يميزها. فالمغرب – على سبيل المثال – بلد عربي إسلامي، يتسع لجماعات أخرى مثل الجماعات الأمازيغية. والعراق بلد عربي إسلامي يتسع للسّنة والشيعة والأكراد والتركمان.
وأعتقد أن النموذج المصري نموذج جيد، حيث إن أقباط مصر لهم عقيدتهم وهويتهم، لكنهم جزء من المجتمع المصري. إن فرض مفهوم الوحدة العضوية يؤدي إلى العنف والصراع، أما مفهوم الوحدة الفضفاضة فسيخلق لكل جماعة فضاءها الحضاري الخاص بها، وسيندرج الجميع داخل إطار التشكيل الحضاري العربي. ولعل ما حققته الدول الأوربية من خلال الاتحاد الأوربي قد يكون نموذجًا نسترشد به.
س: في هذا السياق، لماذا فشلت مشاريع النهضة العربية في العصر الحديث؟
ج: لأنه مع الأسف، لا يزال البعض يرى أن جوهر المشروع النهضوي العربي هو اللحاق بالغرب. وقد أدى هذا إلى إسكات حاستنا النقدية في علاقتنا بالغرب، ونكتفي بنقل ما يأتينا من أفكار. لننظر مثلًا لموقفنا من البنيوية والتفكيكية. لم يسأل أحد لماذا أصبح الغرب بنيويًا معاديًا للإنسان؟ لقد تعلمنا قديمًا الإنسانية الهيومانية من الغرب، فلماذا قرر الغرب فجأة في الستينيات أن يعادي الفكر الإنساني الهيوماني، ويرى أنه ملوث بالميتافيزيقا؟ ماذا حدث لتأتي التفكيكية وتعلن انتهاء المعنى وفشل اللغة، وموت المؤلف؟ لقد تحولنا إلى ناقلين، وعندما ينظر أحدنا إلى كتاب نقد أدبي فإنه ينقل ما فيه بأمانة شديدة، ولا يسأل: إلى ماذا سيؤدي هذا المفهوم، وما مغزاه، وما المفاهيم الكامنة فيه؟
س: كيف تستعيد مصر دورها الثقافي؟ وهل هذا له علاقة بقضية الهوية؟
ج: قبل أن أجيب عن هذا السؤال، لابد أن أوضح ما يلي: يجب علينا أن ندرك أن العالم العربي لم يعد كما كان في منتصف القرن الماضي. ففي الخمسينيات كان يوجد مركز قوي وكثيف للثقافة العربية هو القاهرة، وكانت الأطراف ضعيفة. أما الآن فالأطراف لم تعد ضعيفة إذ يوجد مراكز ثقافية عديدة في العالم العربي من أهمها المغرب وسورية والعراق قبل الاحتلال ولبنان والسعودية.
وثانيًا أن مصر لن يمكنها أن تستعيد دورها القيادي الثقافي داخل هذا الوضع الجديد في العالم العربي، حيث لا مركز ولا أطراف، أو أطراف قادرة على الإبداع والإسهام، إلا بعد أن تعرف هويتها، ونحن إن عرفنا هويتنا سيكون بوسعنا أن نعرّف أولوياتنا وأن نقرأ ماضينا وحاضرنا، ومن ثم يمكن أن نتحرك نحو المستقبل. كما أنه إن عرفنا الهوية فيمكن أن نجند الجماهير لتحقيق مشاريعنا نحو التطوير والتنمية والتحديث. فالإنسان لا يستجيب للقانون العام، وإنما يستجيب لما هو متعين وخاص، إذ بوسعه أن يستوعبه ويستبطنه ثم يتحرك في إطاره. إن أي مشروع للتنمية يتطلب قدرًا من الإرجاء لإشباع الرغبات حتى يتحقق قدر من التراكم. هذا الإرجاء ممكن في إطار مشروع قومي يتجاوز الفرد واحتياجاته المادية المباشرة وهمومه اليومية الخاصة. فبوسع الإنسان أن يحرم نفسه من الإشباع المباشر والفوري في إطار مثل أعلى سيحقق له، ولأولاده من بعده، قدرًا من السعادة الآجلة.
لكي تقود مصر المنطقة العربية لابد أن تحدد هويتها. وأنا أتساءل هل مصر بمكوناتها الحالية مرشحة لهذا الدور، أم أننا على مشارف تآكل هذه الهوية؟
وسوف أجيب عن كل هذه التساؤلات بصراحة فأقول: "أنا متشائم!!" لأن التوجه الآن في مصر هو توجه براجماتي، أي عملي، فنحن نحاول أن نجد حلولًا لبعض المشاكل الملحة مثل مشكلة الغلاء، أو المواصلات، أو المساكن، أو الميزان التجاري أو العطش دون أن نضع استراتيجية عامة، ولا يمكن وضع مثل هذه الاستراتيجية إلا بعد أن نعرّف هويتنا ومرجعيتنا النهائية. وأنا أزعم أن هذا المشروع الحضاري الذي يستند إلى تعريف للهوية غائب عن مصر. فالهوية المصرية على المستوى المصري أو العربي أو الإسلامي ستزداد ترهلًا وميوعة!!
س: ولكن كيف ترى السجال والاستقطاب الواسع المسيطر على الساحة المصرية منذ فترة حول طبيعة هوية مصر؟
ج: دعاة العودة إلى الفرعونية، والذين ينادون بأن "مصر أولًا"، لا يفهمون لا حقائق الجغرافية ولا التاريخ. ولعلهم لو قرؤوا جمال حمدان لفهموا بعض الشيء ولعرفوا أن هم الاستعمار الغربي هو فصل مصر عن الجسد العربي، فيتهاوى الجميع معًا. وهذا كان هدف معاهدة كامب ديفيد، فانظري ما حدث، ألا يتم تقسيم العراق والسودان ولبنان ومحاصرة فلسطين، و"مصر أولًا" جالسة تراقب، وتؤدي دورًا ذيليًا غير مؤثر غير مدركة أن كل هذا يهدد أمنها القومي؟ إن مصر و(فلسطين) من أهم البلاد في العالم من الناحية الاستراتيجية، ولكن بنيتهم التحتية السكانية والاقتصادية لم تمكنهم من الدفاع عن النفس عبر التاريخ. ولذا نجد أن صانعي الإمبراطوريات يبدؤون بالاستيلاء على فلسطين (مفتاح مصر الشرقي) ثم على مصر ذاتها. والعكس أيضًا صحيح، حين كانت تحدث نهضة في مصر كان لابد أن تدافع عن جناحها الشرقي وتوطد صلتها ببقية العالم العربي، حتى يتحدث الجميع بصوت واحد أو تتحدث مصر باسمهم. هذا ما فعله الفراعنة، وهذا ما فعله إبراهيم باشا في العصر الحديث، ثم جمال عبد الناصر. ولذا كانت مواجهته مع الاستعمار مواجهة شرسة، انتهت بضربة ????. ثم أطلت الفرعونية و"مصر أولًا" برؤوسها تعبيرًا عن هذه الهزيمة، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه.
س: من المسؤول عما وصلنا إليه؟
ج: في القرن التاسع عشر ظهرت في الولايات المتحدة حضارة جديدة تتميز بالبراجماتية بمعنى أنها تفضل السهل على الخيّر والجميل. هذه الحضارة حققت انتشارًا غير عادي وأصبح يطلق عليها اسم النظام العالمي الجديد وهو ترجمة لنظرية أن الناس هم مجموعة من البشر ليست لها هويات محددة، وما يهم هو الوفاء باحتياجاتهم المادية المباشرة، وبذلك اختفى المشروع الخاص وحلت محله حضارة "الكوكاكولا والهامبورجر"! ومع تآكل الهوية، يزداد التراخي الإنساني، وتزداد النزعات الذرية في المجتمع وتصبح الهجرة إلى الخارج، أو السطو على مصرف أو شراء ورقة يانصيب هو الحل، وأصبح من الصعب أن نطلب من الجماهير أن تستيقظ مبكرة، وأن تضحي بنفسها، وأن تؤدي عملها في غياب مثل أعلى!! فلابد أن يدرك الناس أن الهوية ليست مجرد فولكلور ولكنها الرؤية الفلسفية للإنسان. فالناس تستيقظ كل يوم لأداء عملها لتحقيق هدف ما، ولكن من دون وجود هدف تصبح عملية الاستيقاظ عملية بيولوجية خالية من المعنى. بينما أعتقد أنه في ظل وجود مشروع حضاري يصبح الاستيقاظ فعلًا إنسانيًا يسهم في بناء الوطن.
الانتفاضة
س: ما يحدث في فلسطين منذ عام ????، هل هو انتفاضة أم ثورة؟
ج: حينما اندلعت الانتفاضة، سارع المعلقون السياسيون إلى الحديث عنها باعتبارها "ثورة"، وكان هذا كما يتصورون من قبيل التمجيد إذ إن الثورة حسب تصورهم هي ذروة التمرد الإنساني، وأعتقد أن هذا ناتج عن تأثرهم بالخطاب الغربي وبالتجربة الحضارية الغربية. فالتاريخ الغربي يتسم بتكرار الانقطاع فيه، حدث انقطاع من الوثنية الرومانية إلى المسيحية الوسيطة ثم العودة إلى الوثنية أو شكل من أشكالها فيما يسمى عصر النهضة، كما أن التغيير في الغرب يأخذ عادة شكل انقطاع كما حدث في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية وهكذا. وأعتقد أن هذا يعود إلى أن التشكيل الحضاري الغربي حديث بالنسبة إلى التشكيلات الحضارية الشرقية، إذ إن التشكيل السامي في الشرق بدأ قبل بداية التاريخ ومستمر حتى الآن، وهكذا الأمر في الصين. لذلك فإني أعتقد أن هذا الامتداد التاريخي يجعل الانقطاع صعبًا إن لم يكن مستحيلًا؛ إذ إن الخطاب الحضاري يؤكد نفسه على كل شيء. ولذلك نجد أن التغيير في العالم الشرقي يأخذ دائمًا شكل الاستمرار أو العودة إلى ما مضى. ويتضح هذا مثلًا في الإسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم ومن خلال نظرة أنثروبولوجية، بصرف النظر عن الإيمان من عدمه، لم يتحدث عن الانقطاع بل عن الاستمرار على خط النبي إبراهيم عليه السلام ومن تلاه على أساس "التوحيد". ومن المصطلحات الأساسية في الإسلام كلمة "الذكر"، فالقرآن يشار إليه بأنه الذكر الحكيم، والذكر هو عبارة عن التذكير بالثوابت والدعوة إلى العودة إليها.
انطلاقًا من هذه القاعدة الفكرية تظهر "الانتفاضة"، وهو مصطلح مشتق من الفعل الثلاثي "نفض" أي نفض التراب، كما لو كان الاستعمار الاستيطاني الصهيوني مجرد غبار ينفض وليس شيئًا متجذرًا في الأرض الفلسطينية. وأعتقد أن هذا وصف دقيق للاستعمار الاستيطاني الصهيوني. وتخريجات فعل "نفض" في المعجم العربي تستحق الاهتمام؛ فنقول "انتفض" أي هب واقفًا، و"انتفض الكرم" بمعنى أينعت عناقيده، وهنا نجد فكرة الخصوبة وهو على عكس "الاحتراق" في الثورة. كذلك "المرأة النفوض، وهي المرأة كثيرة الأولاد، مما يذكرنا بقنبلة ياسر عرفات البيولوجية، أي المرأة الفلسطينية. هناك أيضًا كلمة "النفضة" من الشباب، أي مجموعة من الشباب يخرجون ويتجسسون إذا كان هناك عسكر أو شرطة، وهي أحد أساليب الانتفاضة. فالكلمة تصف واقعًا تاريخيًا كما لم تصفه كلمة من قبل. فكيف نتخلى عن هذا ونستورد كلمة "revolution" ونترجمها بدقة ببغائية.
س: الحقيقة أن حديثنا عن الثورة يعني وجود برنامج كامل للتغيير، فهل من الممكن أن تصل الانتفاضة الحالية إلى مرحلة الثورة؟
ج: هي لن تصل إلى مرحلة الثورة لأن ذلك يعني احتراقًا، والتغيير لا يحدث بالضرورة من خلال الاحتراق، وإنما يمكن أن يحدث التغيير الجوهري من خلال العودة إلى ما مضى. وهذا ينطبق على فلسطين بالذات، فهي كانت تسمى "فلسطين" ثم سمّيت "إسرائيل"، وبرنامج التغيير الفلسطيني هو العودة مرة أخرى لتصبح إسرائيل فلسطين كما كانت منذ نصف قرن. فالانتفاضة لن تصل إلى مرحلة الثورة ولا تود ذلك، ولا ينبغي لها أن تصل إليها؛ لأنها أكثر عمقًا من الثورة، إذ إنها تنبع من الإطار الحضاري العربي الإسلامي، ومن هنا قدرتها على الإبداع والتأثير.
س: تتعامل مع الانتفاضة وتطرحها على أنها نموذج، فما عناصر هذا النموذج وكيف توصلت له؟
ج: دعيني أولًا أذكر قصة مقال كتبته عام ????، أي قبل اندلاع الانتفاضة بنحو أربعة أعوام. وكان عنوانه (إلقاء الحجارة في الضفة الغربية)، أي إنني تنبأت بوقوعها من خلال عملية تحليل مركبة للغاية، بدأت بإدراكي للمنحنى الخاص للوضع في الضفة الغربية، وانتهت بوصف ما سميته "النموذج الانتفاضي". وكانت نقطة البداية هي حديث جرى في القاهرة بيني وبين إحدى طالباتي الفلسطينيات وكانت من حيفا، ولاحظت مدى ازدرائها للإسرائيليين وعدم خوفها منهم. وبدأت ألاحظ أن فلسطينيي الداخل غير منكسرين، على عكسنا نحن عرب الخارج. فالفاعل، أي الإنسان العربي هناك قوي متماسك. ثم قرأت إعلانًا في إحدى الجرائد عن إحدى المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية، فلم أجد فيه إشارة واحدة لأرض الميعاد أو لصهيون أو "للمثل العليا" الصهيونية أو العقيدة اليهودية، بل اقتصر الحديث على المزايا والإغراءات المادية والمعيشية والترفيهية. وهكذا ولدت في عقلي صورة للعرب والصهاينة مغايرة للصورة المألوفة.
نبهني الحديث مع الطالبة والإعلان في الجريدة الإسرائيلية إلى ضرورة استرجاع كل من الفاعل الإنساني العربي والصهيوني. ثم بدأت أرصدهما في تفاعلهما ومواجهاتهما اليومية ودوافعهما الداخلية، وكانت هذه هي الخطوة الأولى في صياغة نموذج تحليلي جديد. فأدركت أن الفاعل الصهيوني أصبح غير مكترث بما يسمى "المثاليات" الصهيونية، متمركزًا حول ذاته، يدرك العالم من خلال حرصه الشديد على المعدلات الاستهلاكية المادية العالية التي يتمتع بها. والمستوطنون الصهاينة، في تصوري، أساسًا مرتزقة، ولكن بينما كان القدامى منهم على استعداد لتحمل شظف العيش وإرجاء الإشباع وانتظار المكافأة المادية المؤجلة، نجد أن المستوطنين الجدد، مع تزايد معدلات العلمنة، يصرون على تحقيق مستويات معيشية وأمنية عالية عاجلة دون تأجيل. ولذا، فالمنظمة الصهيونية تدفع لهم الرشا الباهظة على هيئة منازل مريحة، وطرق معدة خصيصًا لهم، ومدارس لأطفالهم، وحراسة مشددة، حتى ينعموا بالعيش في "أرض الميعاد المكيفة الهواء".
س: كيف وظّفت هذا الإدراك في دراسة الواقع الفلسطيني والإسرائيلي؟
ج: انطلاقًا من هذا الإدراك بدأت أحلل الوهم الإسرائيلي الذي يستند إلى الرؤية المادية بأن "المقاومة قد اجتثت تمامًا من جذورها"، وأن هناك علامات وقرائن على ما سماه الجنرال بنيامين بن أليعازر (منظم الأنشطة في الضفة الغربية وحاكمها العسكري آنذاك) "الاتجاه المتردد أو الحذر نحو البراجماتية"، والذي يعني في نهاية الأمر "التكيف مع الأمر الواقع وتقبله" (الجيروساليم بوست ?? من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة ????)، أي القبول بوجود إسرائيل على أنه حقيقة نهائية. وقد رأى الجنرال إمكانية تقوية هذا الاتجاه عن طريق إنشاء عدد أكبر من المصارف والشركات الاستثمارية، أي عن طريق إشباع الحاجات الاقتصادية للعرب وإغراق هويتهم، الأمر الذي يؤدي إلى استغراقهم في أمور الدنيا والمال بدلًا من قضايا الوطن والأرض والهوية! (فالنموذج الإدراكي الكامن هنا هو نموذج الإنسان الاستهلاكي المقبل بنهم على الحياة الدنيا).
ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا الاتجاه الطبيعي البراجماتي، فقامت الولايات المتحدة (كما أذكر في المقال) بمد يد المساعدة إلى الجنرال الإسرائيلي المذكور، فدُعي إلى الولايات المتحدة ليجتمع مع وزير الخارجية الأمريكية وكبار موظفي الوزارة ليبحث معهم كيف يمكن تحسين مستوى معيشة العرب في الأرض المحتلة (أي مزيد من المصارف)، وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تساهم في التخفيف من حدة بعض جوانب الاحتلال الإسرائيلي عن طريق المساعدات الفنية والتنموية.
وبعد أن عرضت للرؤية الصهيونية (الأمريكية) المادية الاختزالية للعرب، حاولت أن أحدد الحالة العقلية والنفسية للصهاينة والأهداف المحددة التي يرمون إلى إنجازها، فوصفت الاستعمار الصهيوني بأنه استعمار استيطاني إحلالي لا يود استغلالنا أو استغلال مواردنا الطبيعية وحسب (كما كان الحال مع الاستعمار الإنجليزي في مصر) وإنما يرمي إلى ما يلي:
?– استلاب الأرض.
?– العيش فيها في هدوء وراحة بال.
?– سلب العرب أسباب الحياة والاستمرار، حتى يرحلوا عن الأرض ليحل هو محلهم فيها.
في مقابل ذلك، رصدت ما أتصور أنه النموذج الإدراكي الذي يرى الفلسطينيون أنفسهم من خلاله، فلاحظت أنهم يرفضون الانصياع للنموذج الاستهلاكي الاختزالي المادي الذي يدور في إطاره المستوطنون الصهاينة ويسقطونه عليهم، وأنهم يدركون أنفسهم بطريقة مغايرة. ثم حاولت أن أرصد إدراكهم لحالة الإسرائيليين النفسية والعقلية ولنموذجهم الإدراكي، فقلت – حرفيًا –: «إن مواطني الضفة الغربية أدركوا أن كل ما ينغص على المستوطنين (مكيفي الهواء) حياتهم هو في نهاية الأمر إحباط للمخطط الصهيوني».
س: ماذا استنتجت من ذلك؟
ج: بدأت أرصد ظاهرة إلقاء الحجارة، فقد لاحظ الجنرال بن أليعازر نفسه أن العرب يلقون بالحجارة على الإسرائيليين، وصرح لجريدة معاريف (?? من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة ????) بأنه قرر وضع حد لظاهرة إلقاء الحجارة. ثم بعد يومين اثنين، اصطحب الجنرال الإسرائيلي البراجماتي أحد مؤسسي روابط القرى لافتتاح مبنى بلدية جديد في إحدى مدن الضفة. ولكن الجماهير الفلسطينية العنيدة لم تبد أي براجماتية أو اعتدال أو تقبل للقانون الطبيعي المادي، ولم تقابل أبطال المصارف والاستثمارات بالأزهار وإنما بالحجارة (الجيرو ساليم بوست ?? من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة ????). وقد أشرت في المقال إلى وقائع كثيرة أخرى عن إلقاء الحجارة أدت إلى غضب المستوطنين الصهاينة وإلى مطالبتهم الجيش الإسرائيلي بالتدخل لوضع حد لهذه الظاهرة. بل إن رئيس وزراء الكيان الصهيوني (كما ورد في الجيرو ساليم بوست ?? من كانون الثاني/يناير سنة ????) اجتمع مع عضوي الكنيست من كتلة هتحيا وأخبرهما بأن إلقاء الحجارة من أسباب قلقه العميق، ووعد بأن يدرس القضية شخصيًا. وبينت في المقال أن إلقاء الحجارة أصبح سلاحًا أساسيًا في الضفة الغربية، وتنبأت بأن هذا السلاح، على ضعفه وبدائيته، ستزداد أهميته (ومن هنا كان عنوان المقال). ولا شك في أنني تذكرت تجربة إلقاء الحجارة على الجنود الإنجليز في دمنهور في طفولتي.
وقد أنجزت ما توصلت إليه من نتائج لا من خلال تقبل الأطروحات السائدة أو من خلال عملية رصد خارجية لأحداث لا معنى لها تتم على مساحة جغرافية صماء، وإنما من خلال مراقبتي لبشر لهم رؤية (نماذج إدراكية) محددة تحدد استجابتهم وتوقعاتهم ومن ثم سلوكهم. فالصهيوني الذي يحاول أن يرفع مستوى معيشة العرب، حتى ينسوا الوطن والهوية، هو نفسه الذي يود أن يتمتع بحمام السباحة في المستوطنة، والذي يصر على مستويات عالية من الراحة والمتعة. والعربي الذي يرفض الانصياع للرؤية البراجماتية التي تود تطبيعه وتدجينه هو نفسه القادر على أن يدرك التآكل الداخلي للمستوطنين وتحولهم إلى شخصيات شرهة مستهلكة غير منتجة. من هنا الحجر الذي قد لا يقتل ولكنه يعكر صفو المستوطنين ويقوض معنى حياتهم، ومن هنا كانت الانتفاضة.
س: لك كتاب بعنوان: (الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية: دراسة في الإدراك والكرامة) بلورت فيه نموذج الانتفاضة.
ج: نعم، وهو أحب كتبي إلى نفسي. ويتناول الكتاب ظاهرة الامتلاء الفلسطيني في مقابل أزمة المجتمع الصهيوني. وهو أول كتاب أدرك فيه بشكل واع النماذج التفسيرية على أنها أداة تحليلية، بعد أن كنت أستخدمها طوال حياتي بشكل غير واع أو من دون أن أسميها. وتناول الكتاب نموذج "الإنسان السر" (أسميه الآن " الإنسان الإنسان" أو "الإنسان الرباني" في مقابل "الإنسان الطبيعي/ المادي") الذي يعبر عن نفسه في إبداع مستمر، لا يمكن تفسيره اقتصاديًا أو ماديًا. ومقدرة هذا الإنسان على توليد الأفكار الجديدة، وعلى الإبداع الذي لا حدود له (لأنهما لا يردان إلى المستوى الاقتصادي المادي وحسب).
ومن أهم الأمثلة على الإبداع ما قرأت في إحدى الصحف عن شكل من أشكال المقاومة التي ابتدعها الفلسطينيون قبل الانتفاضة. فمن المعروف أن السلطة العسكرية الإسرائيلية كانت تحظر على الفلسطينيين رفع العلم الفلسطيني، وتقبض على أي فلسطيني تسول له نفسه ذلك، فكان الفلسطينيون في غزة، حينما تمر عليهم قافلة عسكرية إسرائيلية، يأتون ببطيخة يقطعونها ويرفعون نصفها. وألوان البطيخة هي ذاتها ألوان العلم الفلسطيني (أخضر وأحمر وأسود). ولم يكن بمقدور القوات الإسرائيلية أن تقبض على الفلسطيني بتهمة قطع البطيخ وإلا أصبحت أضحوكة العالم، مع أن عملية قطع البطيخ أكثر عمقًا في رمزيتها النضالية من مجرد رفع العلم (فالسكين الذي يقطع يذكر الجندي الإسرائيلي بما لا يحب). كما أنني لاحظت أن البطيخة المقطوعة هي أول سلاح في التاريخ يقاوم به الإنسان ثم يأكله بعد ذلك، فهو سلاح يمكن تدويره.
س: من الواضح أنك تولي الانتفاضة اهتمامًا خاصًا، الأمر الذي دفعك للتوقف عن العمل في الموسوعة لتنجز كتابك عن الانتفاضة؟
ج: من المؤكد أن هؤلاء المنتفضين قد توصلوا إلى شيء جوهري في حضارتنا، وهذا جعلهم بإمكاناتهم المتواضعة يحركون كل هذه الجماهير طوال هذه المدة. لم يحدث في تاريخ البشر أن تمت عملية انتفاضية مثل هذه، ولا أريد أن أقول ثورة لأن الثورة ترتفع درجة حرارتها ثم تنفجر، أما هنا، فثمة عملية تحريك دائم. وهذه المسألة معجزة، كيف تم هذا؟ أن تتحرك الجماهير بهذه الطريقة ولهذه المدة الطويلة؟ هذه قضية أساسية بالنسبة إلينا. نحن نريد أن نتعلم من المنتفضين ومن طريقة إدراكهم للواقع، وكيف أمكنهم تحريك الإنسان العربي.
لقد حاولت في دراستي للانتفاضة أن أركز على ما أسميه "منحناها الخاص". ولم أحاول، على سبيل المثال، أن أبين أن الانتفاضة ثورة شعبية أو بروليتارية (ناقصة أو كاملة). والتركيز على المنحنى الخاص للظاهرة جعل من الممكن الوصول إلى نتائج مغايرة عن تلك التي يصل إليها الدارس الذي يركز على القانون العام.
س: هل يمكن أن تذكر بعض جوانب هذا المنحنى الخاص؟
ج: بدأت أولد مفردات النموذج المعرفي الذي تتحرك في إطاره الانتفاضة من خلال صورة البطيخة هذه وطريقة استخدامها. وجدت أن المقاومة تستند إلى المخزون الحضاري في لاوعي الإنسان العربي، وأن إبداع الانتفاضة يكمن في أنها تعود إلى التراث (حكمة الأجداد) لتنطلق منه.
الانتفاضة هي أول عودة حقيقية للمعجم الحضاري الإسلامي. وبالطبع فإن المكون الإسلامي يعتبر عقيدة وحضارة بالنسبة إليّ أنا المسلم، وهو حضارة لغير المسلم الذي ينتمي لهذه الأمة، بمعنى أن أعضاء الجماعات الإثنية أو الدينية غير العربية أو غير المسلمة في الوطن العربي، معجمهم الحضاري هو المعجم الحضاري الإسلامي، وهو الذي يجمعنا جميعًا، وهو معجم من الاتساع بحيث يسمح بوجود قدر كبير من التنوع والاختلاف.
فمن خلال العودة إلى المعجم الحضاري العربي الإسلامي اكتشف المنتفضون وسيلة للكفاح والمقاومة أمام عدو قوي وباطش لأقصى درجة. فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية ضخمة وذكية، فاختار المنتفضون سلاح الحجارة وجعلوا منها أسلوبًا جديدا في مقاومة الظلم والاحتلال. والحجارة لها مدلول في المعجم الحضاري العربي قبل الإسلام وبعده. انظري إلى ما يقوله امرؤ القيس:
مِكرٍّ مِفَـرٍّ مـقبلٍ مـدبرٍ مَعـاً
كجلمودِ صخر حطَّهُ السّيْلُ من عَلِ
والكعبة التي تشكل مركز الوجدان العربي الإسلامي، مصنوعة من حجر ضخم يشير إلى السماء ويتوسطها الحجر الأسود. وقد جاءت في القرآن الكريم قصة الطير الأبابيل التي رمت غزاة الكعبة بحجارة من سجيل. ومن الشعائر الأساسية في الحج رجم إبليس، ويشار إلى الشيطان الرجيم. وهناك رجم الزاني والزانية. وإذا رجعت إلى شعر المقاومة الفلسطيني وحتى قبل الانتفاضة فستجدينه مليئًا "بالأحجار". وهذا أمر متوقع؛ فالمعركة مع الصهاينة هي معركة على الأرض والحجر هو خير رموزها. و"اكتشاف" الحجر كان في واقع الأمر عودة إلى هذا التراث الثري، ولم يكن مجرد استيراد أو تأصيل سطحي.
وبعد أن عاد المنتفضون إلى الحجر، اكتشفوا أنه قادر على إيذاء العدو، وعلى جعل حياته أمرًا صعبًا (وخصوصًا أن المستوطنين الصهاينة الآن مرتزقة مرفهون يعيشون في إطار ما أسميه "الاستيطان مكيف الهواء"). اكتشف المنتفضون أن الحجارة تكفي لجعل حياة هؤلاء صعبة للغاية، إن لم تكن جحيمًا كاملًا، من دون أن يعطوا في الوقت نفسه لسلطات القمع الإسرائيلية الفرصة للانغماس في عمليات الإبادة التي أدمنتها في الماضي. والمنتفضون أدركوا أيضًا دور الإعلام، ودور الموازين الدولية ومدى أهمية كاميرات التلفاز في فضح العدو.
س: ما السمات الأخرى للانتفاضة؟
واكب العودة إلى المعجم الحضاري العربي الإسلامي ما أسميه "العودة عن التحديث الاستهلاكي" فالتحديث في الغرب ارتبط بفكرة التقدم المادي، وأهم مؤشراته هو تصاعد معدلات الاستهلاك وهي رؤية قادتنا إلى الأزمة البيئية التي يعاني منها العالم، فقامت حركات الخضر ردّ فعل، وأهم جوانب هذه الثورة ما يسمى بالتدوير (Recycling). والتدوير هو أيضًا إحدى الآليات الأساسية في المجتمعات التقليدية، المبنية على المحافظة على الطاقة الطبيعية والإنسانية. فأمهاتنا كن لا يرمين شيئًا، وكن يحتفظن بكل شيء ليعاد استخدامه. وهذه مواصفات تنطبق على الحجر، فهو سلاح لا يلوث البيئة ويمكن استخدامه عدة مرات دون أن ينفد، علاوة على ذلك، الحجر سلاح محلي لا يحتاج إلى استيراده ويمكن لأي فرد الحصول عليه بسهولة. ويمكن تدويره؛ إذ تقاتل به ثم تلتقطه لتقاتل به مرة أخرى، وإن هدموا منزلك فهو يتحول إلى أحجار تقاوم بها. ولا يحتاج المرء إلى دورات تدريبية على إلقاء الحجر حتى يجيد استخدامه، كما لا يحتاج إلى درجة عالية من التسييس، فهو سلاح يمكن للمرء استخدامه بفطرته. في هذا الإطار أعتقد أن الانتفاضة كانت تعبيرًا عن أرقى أشكال الفكر البشري، فهي ثورة مبنية على التدوير، والحجر هو رمز ذلك. وكما ترين، العودة إلى المعجم الحضاري هنا هي عودة عن التحديث الاستهلاكي، ولكنها عودة لا تؤدي إلى الجمود والسكون وإنما تؤدي إلى الإبداع الحقيقي والحركة إلى الأمام.
إذا نظرنا إلى الأسرة الفلسطينية، وأنا هنا أركز على مفهوم الأسرة لا المرأة، خلافًا للعلمانيين الذين يتحدثون باستمرار عن المرأة وحقوقها بمعزل عن الأسرة، ففي إطار الأسرة الفلسطينية بدأت المرأة تؤدي دورًا مهمًا جدًا كما كان في المجتمع التقليدي، إذ إن هذا المجتمع التقليدي يتسم بدقة توزيع الأدوار بين الجنسين أو تقسيم العمل، فكانت وظيفة الأم هي إدارة المنزل وتنشئة الأطفال، وهي أمور لا يمكن للأب أن يتدخل فيها، وغيرها من المسائل الأسرية. وقد تعامل الخطاب العلماني والغربي مع ظاهرة مشاركة المرأة في الانتفاضة على أنه شكل من أشكال تحرير المرأة حسب المفهوم الأوربي، مع أن ما حدث هو إعادة بعث لدور المرأة التقليدي، فهو "تحرير" نابع من مخزوننا الحضاري. وقد بعث المنتفضون الزراعة التقليدية وبعثوا كثيرًا من الخبرات التقليدية مثل تربية الدواجن والخبز في الطابونة.
لقد أبدعت الانتفاضة نظرية نضالية جديدة فاستطاعت تجنيد الكتلة البشرية كاملة. لذلك فأنا أنظر إلى الانتفاضة باعتبارها نموذجًا معرفيًا ترجم نفسه لحركة تحرير وتم تحويله إلى نموذج في التنمية وإنشاء بنية اقتصادية، وأصبحت فلسطين مستقلة على رغم وجود الاحتلال، وهذه حقيقة أدركها الصهاينة تمامًا.
لقد علمتنا الانتفاضة أيضًا أن الطريق للتحرر الوطني هو الانسلاخ عن الاقتصاد العالمي. وهذه هي الاستراتيجية التي أطرحها الآن لتكون استراتيجية في الحرب الحضارية العربية الأمريكية القادمة. الجميع يحلمون بتأسيس مدن أمريكية والوصول بالإنسان إلى معدل الاستهلاك الأمريكي، وهذه رؤى مستحيلة. وعليه يجب أن تبدأ الحرب ضد النموذج الأمريكي بتأكيد استحالة تنفيذه في بلادنا؛ لأنه نموذج جعل الإنسان يتحرك أكثر مما يتحمل جهازه العصبي، ويستهلك أكثر مما تحتمله الموارد الطبيعية.
وقد علمتنا الانتفاضة هذا بالفعل؛ فقد انسلخت عن الاحتلال ولم تعد تابعة له، حتى إن القرى الفلسطينية الأقل تحديثًا كانت أكثر القرى صمودًا ضد الاستعمار الاستيطاني. كل هذه العناصر المشتركة تبين أن هناك نموذجًا معرفيًا جديدًا وشكلًا من أشكال التوظيف الإنساني للموارد الطبيعية، مع الاحتفاظ بدرجة حرارة إنسانية ليست هي درجة الغليان.
وحيث إنهم عادوا إلى المخزون الحضاري للإنسان العربي، فإنهم لا يضطرون إلى الدخول في مراحل إعداد طويلة وتنظير مثلما كان يحدث في كثير من الحركات الثورية من قبل لكنهم نظروا إلى الواقع وإمكانياته الحقيقية وحركوها.
إن الانتفاضة نجحت في تجنيد الكتلة البشرية الفلسطينية من خلال مخزونها الحضاري الذي أثبت مقدرته التعبوية الهائلة. فهي عملية عودة عن الحداثة المادية الغربية، المنفصلة عن القيمة، لنبدع من خلال حداثة خاصة بنا.
وقد طورت أطروحة الكتاب الأساسية فيما بعد، لتصبح النموذج الانتفاضي (الفضفاض) المنفتح في مقابل (النماذج العضوية والآلية [المنغلقة]). وهو نموذج يتسم بأن مركزه ليس بالضرورة قويًا على حساب الأطراف، بل هو نموذج مركزه في قوة أطرافه.
ولنقارن كل هذا الإبداع بالبرامج "الثورية التقدمية" التي كانت تثرثر حول "ضرورة رفع وعي الطبقة العاملة في المدن حتى يمكن تفجير ثورة العمال والفلاحين". وكانت النتيجة أن هؤلاء الثوريين ظلوا في انتظار لحظة التوهج الثورية، التي لم تأت بعد! ولكن جاءت بدلًا منها، والحمد لله، لحظة التنوير الانتفاضية.
الانتفاضة كما نرى حركة إبداع مذهل في ظل ظروف استعمارية لا نظير لها في العالم الآن. فالاستعمار الاستيطاني الصهيوني يحظى بموافقة العالم الغربي، والموافقة الصامتة للحكومات العربية!
س: ذكرت في إحدى دراساتك أن الانتفاضة ليست تعبيرًا عن اليأس وإنما هي تعبير عن أمل عربي فلسطيني، وهي ليست مجرد حركة تحرير أو تغيير وإنما هي تبدي رؤية كاملة للكون وللإنسان والطبيعة والله.
ج: أشكرك على هذا السؤال. العنوان الفرعي في الدراسة المعنونة: (الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية) هو دراسة في الإدراك والكرامة. فهي ليست مجرد دراسة لحركة التحرير الفلسطينية متمثلة في الانتفاضة، وإنما هي دراسة في الفعل الإنساني وكيف يدرك العالم وكيف يتفاعل معه، دراسة في الخريطة الإدراكية، ولأن الدراسة تتطرق إلى هذا الجانب، فهي بالضرورة تتطرق إلى رؤية المنتفضين للكون. وقد تكون هذه الرؤية غير واعية، ولكنها تشكل خريطتهم الإدراكية وطريقة إدراكهم للواقع. وأعتقد أن رؤية المنتفضين للكون تنبع من الإيمان بأن الإنسان ليس كائنًا ماديًا وإنما متجاوز للمادة والطبيعة، ومن ثم فإنني أشير في الدراسة إلى ما أسميه الإنسان السر، وهو – كما أسلفت – الإنسان الإنسان أو الإنسان الرباني، أي الإنسان الذي لا يمكن رده بمجموعه إلى القوانين المادية، ولا يمكن تفسيره في إطار المنفعة المادية والدوافع الاقتصادية والجسدية. لو نظرنا إلى المستوى المعيشي للفلسطينيين في الأرض المحتلة فسنجد أنه أعلى من مستوى معيشة كثير من المصريين لكنهم مع هذا انتفضوا، أي إن التفسير الاقتصادي المجرد لا يصلح. وبالنسبة إلى الموقف من الطبيعة يرى المنتفضون أنها ليست للاستهلاك على الطريقة الغربية التي جعلت الهدف من التقدم بل من الحياة هو الاستهلاك، فهي نعمة من الله، لم يمنحنا إياها وإنما استخلفنا فيها وحسب، ولذا علينا إعمارها لا استهلاكها. ورفض الإنسان للظلم وثقته بنفسه باعتباره كائنًا مركبًا لا يخضع للحتميات المادية، كل هذا يشير إلى أنه ليس محصورًا بالسقف المادي، فهي أحاسيس لا يمكن أن تنبع من حركة المادة الصماء، وإنما من قوة متجاوزة للمادة.
س: ما هي الفروق بين الانتفاضة وحركات التحرر الأخرى؟
ج: الانتفاضة في تصوري ليست مجرد حركة لتحرير الشعب الفلسطيني، بل هي نموذج للتنمية وللحياة أسميه "نموذج التكامل غير العضوي". فالطريقة التي نظم بها الشعب الفلسطيني نفسه طريقة مبتكرة تمامًا، تقف بين حركة العصيان المدني (على طريقة غاندي) وحركة الكفاح المسلح (على طريقة فيتنام). فها هي ذي الكتلة البشرية بأسرها تتحرك وتقاوم (أخبرني اللواء حسن البدري مؤرخ الجيش المصري – رحمه الله – أن حركة العصيان المدني التي تستمر لأكثر من ستة أعوام يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية؛ لأنها تكون قد شكلت كل مؤسساتها البديلة. كما أخبرني أن القوات المسلحة التي تُستخدم لإخماد العصيان المدني لمدة تزيد على ستة أشهر تفقد مقدرتها على القتال).
س: ما هو الشكل التنظيمي في الانتفاضة؟
ج: الانتفاضة شكل من التنظيم يسمح بقوة المركز والأطراف في الوقت ذاته. فالطليعة الثورية ليست مهمة من منظورها، فهي أول حركة تمرد من نوعها في التاريخ مبنية على تجنيد الكتلة البشرية كاملة، وهي في هذا تشبه ثورات الفقراء الشعبوية، مع الفارق أن الثورات الشعبوية لم يكن لها هدف محدد، ولم تكن منظمة، ولذا كان يتم إخمادها بعد فترة وجيزة، أما الانتفاضة، فهي منظمة ولها أهداف محددة، ولها استراتيجياتها وآلياتها. فهي حركة تترك للجماعات المحلية زمام المبادرة في المواجهات اليومية، وتكتفي القيادة بالتوجيهات العامة. وقد فجر هذا الإطار الجديد الإبداع في كل هذه الجماعات، فابتدعت أشكالًا نضالية فريدة كانت تفاجئ العدو كل يوم (على عكس ما تفعله الدولة المركزية التي تجفف ينابيع الإبداع فينا، وتشلنا عن الحركة!). كما أصبح من العسير على سلطات القمع الإسرائيلية أن تضرب المركز الواحد وتقضي على الانتفاضة بضربة واحدة. وقد أبدع المنتفضون في تأسيس بنى تعليمية وصحية واجتماعية موازية للبنى الإسرائيلية الرسمية. ونجحوا في "اكتشاف" التقاليد وحوّلوها إلى أشكال نضالية، فاكتشفوا الأسرة والقرية والعشيرة، كما اكتشفوا شجرة الزيتون، وتحوّلت كل هذه "المكتشفات" إلى أدوات للنضال، وهذه مفارقة كبرى! لقد اكتشف المنتفضون أن التراجع عن التحديث (demodernisation) له إمكانيات ثورية كبرى، فإعادة اكتشاف الأسرة هو عودة إلى التقاليد التي قد يصفها بعض علماء الاجتماع بأنها مؤسسة متخلفة!
س: وصفت انتفاضة الأقصى عام ???? بأنها بداية التحرير، أما تراها كذلك؟
ج: الاستراتيجية الإسرائيلية منذ البداية، هي أن تجهد المقاومة الفلسطينية حتى يعترف الفلسطينيون بالوجود الإسرائيلي، وفي المقابل فإن الفلسطينيين يريدون أن يعترف الإسرائيليون بالشعب الفلسطيني، بحقوقه الكاملة. وأنا أعتقد في هذا الإطار أن المقاومة الفلسطينية سوف تنتصر، لأن النفس الفلسطيني أطول من النفس الإسرائيلي وانعكاسات الانتفاضة على المجتمع الإسرائيلي شيء مذهل. الصحافة العربية مع الأسف لا ترصده بما فيه الكفاية. ويجب أن نبين أن المسألة ليست عبثية، وأن الكفاح الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية ليس انتحارًا وإنما عمل بطولي نبيل يهدف إلى تحرير الأرض، والانتفاضة تعبر عن رفض الظلم، خاصة أن الظلم الإسرائيلي تزايد عبر الأيام، وأن المؤسسات الدولية تخلت عن الفلسطينيين؛ إذ توجد قرارات عديدة من هيئة الأمم المتحدة منذ عام ????، عن عودة اللاجئين وعن رفض الاحتلال، ولم ينفذ أي من هذه القرارات.
س: كيف ترى الفرق بين الانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى الثانية؟
ج: الانتفاضة الأولى، لم تأخذ شكل المواجهة المسلحة، لأن الأرض كلها كانت محتلة وكان يمكن للمحتل أن يبيد أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين ومن ثم لجؤوا للحجارة. لكن إحدى الثمار غير المقصودة لاتفاقية أوسلو، أنه أصبحت هناك مناطق محررة يتمكن الفلسطينيون فيها من تنظيم أنفسهم ومن إقامة مؤسساتهم العسكرية ومن تطوير الأسلحة. الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى، ليست مضطرة للجوء لسلاح الحجارة وإن كنت قد لاحظت أنهم يلجؤون إليه أحيانًا.
س: هل يمكن للانتفاضة، التي حركت الكتلة البشرية الفلسطينية بأسرها أن تستمر؟
ج: في تصوري أن هذا ممكن، قد تلجأ إلى التهدئة بعض الوقت، وقد تتغير الآليات، بمعنى أن الانتفاضة قد تستعمل النار بدلًا من الحجر مثلًا، بل وقد تستعمل الصواريخ المصنوعة محليًا، لكن البنية الأساسية ستظل كما هي، لأن الكتلة البشرية بأسرها، ولا النخبة، هي التي تتحرك، وهي كتلة لها عدة مراكز وعدة قيادات. وهذا غير الثورة، إذ إن الثورة في الغرب تنطلق من النخبة التي تقوم بعملية تسييس الجماهير وتوعيتها إلى أن تحين اللحظة التاريخية فيحدث الاحتراق والانفجار. الفكرة هنا هي تحريك الكتلة البشرية بأكملها بحيث تتعامل مع العدو على جميع المستويات: المرأة العجوز تصرخ، الطفل يجري، الشاب يلقي بالحجر، كل طرف يؤدي دوره، وهذا أسميه "النموذج الانتفاضي" المرن غير قابل للاشتعال والاحتراق بسهولة، وقادر على تعبئة الجماهير وعلى تحويل كثير من عيوبنا إلى مزايا. فالارتجال كان من العيوب التي نتهم بها، فإذا بالانتفاضة تقبل بالارتجال وتحوّله إلى آلية متميزة للمقاومة، تماما مثلما فعل اليابانيون مع الانتحار، فالانتحار كان وصمة عار في جبين الياباني، فالذي له مشكلة أو فضيحة يقوم بالانتحار، فجاءت القيادة العسكرية إبان الحرب العالمية الثانية وحولت الانتحار إلى أفضل آلية للنضال ضد القوات الأمريكية، وأصبح "الكاميكازي" رعبًا للأمريكيين، وصار الانتحار الذي هو جزء من التراث الياباني وسيلة للهجوم والصمود.
كل هذا الإبداع ناجم عن قبول المعجم الحضاري العربي الإسلامي. وأنا أزعم أن المعجم الحضاري العلماني قد قتل فينا الإبداع؛ إذ إن الحضارة العلمانية في العالم العربي حددت المشروع الحضاري العربي بأنه اللحاق بالغرب، وهذه العملية تستوجب قتل الإبداع، فحتى أكون "أنا" "هو" يجب أن نكون قردة، ويتحتم أن يقودنا متوسطو الذكاء القادرون على التقليد، أما هؤلاء القادرون على الإبداع فهم خطرون لأنهم قد يودون بنا إلى مسارات خاصة تبعدنا عن المسار الذي تحدد.
فالفكر العلماني في العالم العربي، على عكس مثيله في الغرب، قد قتل الإبداع، ومن هنا أملي كبير في الأجيال الإسلامية الصاعدة أو الأجيال العلمانية التي سئمت العقم الحضاري في أن تفتح باب الاجتهاد والإبداع مرة أخرى، كما فعلت الانتفاضة. واهتمام المفكرين القوميين والإسلاميين العرب بالخصوصية يمثل رفضا لفكرة القانون العام الذي طرحته الحضارة الغربية؛ لأن الخصوصية تعني أن هناك قانونًا خاصًا لكل حضارة، وأن لكل حضارة معجمها الخاص. وهذا لا يعني إنكار القانون العام أو ما أسميه "الإنسانية المشتركة"، ولكنه يعني أنه داخل هذه الإنسانية المشتركة يوجد تنوع هائل يعطي لكل حضارة فضاءها الخاص ومعجمها الحضاري الخاص إن تخلت عنه نضب الإبداع، وحتى يبدع الإنسان عليه اكتشاف القانون الخاص لحضارته ومنحناها الخاص ومعجمها الخاص، وفي هذا الإطار أعتقد أن القضية لن تصبح البحث عن آليات تحويل الانتفاضة إلى ثورة حتى نبدع، بل العمل على تطوير الانتفاضة وفق آلياتنا، ومن ثم كيف نقلد نحن العرب الانتفاضة في جميع مجالات الحياة، سواء في التعليم أم الإنتاج.
س: ولكن ما ضمانات استمرارية الانتفاضة مع إصرار رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس – بفعل ضغوط غربية وإسرائيلية حثيثة – على قمعها ونزع سلاح المقاومة، وألا يمكن تكرار ما حدث مع الانتفاضة السابقة التي أجهضت بمؤتمر مدريد (????) واتفاق أوسلو؟
ج: إن ضمانة ذلك تكمن في النفس البشرية الرافضة للظلم والقمع الإسرائيلي، الإسرائيليون مسؤولون عن توليد روح المقاومة. كما أن العدو نفسه يساعد على استمرار الانتفاضة، فالحياة بالنسبة للإنسان الفلسطيني باتت في غاية الصعوبة، والبطش والعنف الصهيوني آخذ في التصاعد. أحيانًا أتصور أن الإسرائيليين قد أصيبوا بلوثة عقلية لأنهم إذا أرادوا البقاء في هذه الأرض فعليهم ألا يفعلوا ذلك، لربما كانت هذه حكمة إلهية تجعل المحتل يسلب الأرض بطريقة تستفز أصحابها، الأمر الذي يضمن استمرارية المقاومة.
س: وما قولكم فيمن يرى ضرورة أن تعيد المقاومة النظر في خطابها حتى يتماشى مع المستجدات الراهنة؟
ج: إذا كان المقصود بذلك وقف عسكرة الانتفاضة فهو لغو كلامي لا يستند إلى فهم توازنات الواقع، وسياق الحركات التحررية، وطبيعة العدو الصهيوني الأمريكي الذي لا يدرك سوى لغة القوة المسلحة. إذ أعتقد أن ما انتشر في العالم ليس الحداثة الإنسانية وإنما الحداثة المنفصلة عن القيمة، أي الحداثة الداروينية التي ترتكز منظومتها على مفهوم القوة الذي يتيح لصاحبه التمتع بالحقوق المطلقة بما في ذلك الحق في توظيف الطبيعة والإنسان لخدمته. وهذه هي ركيزة المنظومة الإمبريالية العنصرية التي يتحرك الجانبان الصهيوني والأمريكي في إطارها. المحتل لا ينسحب إلا من خلال المقاومة العسكرية والضغوط الحثيثة الممارسة عليه، وبما أن الضغوط الخارجية العربية والغربية ليست قوية فإن العبء بكامله يقع على كاهل الشعب الفلسطيني الذي أثبت مقدرته العالية على الكفاح المسلح، ومن ثم فإن المناداة "بعدم عسكرة الانتفاضة" لا تستند إلى أي أساس. أنا لست متعطشًا للدماء ولكن ليدلني أحد على محتل انسحب من الأرض التي احتلها بسبب المفاوضات أو محاولات الإقناع، المحتل لا ينسحب إلا حينما يتكبد خسائر مادية وبشرية ومعنوية عالية تجبره على الانسحاب. إن الأسباب تؤدي إلى نتائج، والاحتلال يؤدي إلى المقاومة ومادام هناك احتلال فالانتفاضة ستستمر باعتبارها النتيجة الحتمية للاحتلال. ولذا فإن تعبير "وقف عسكرة الانتفاضة" تعبير لا معنى له.
س: لماذا؟
ج: الانتفاضة هي حرب التحرير الفلسطينية، وعليه، فإن كلمة "عسكرة"، توحي بأن الانتفاضة كانت مجرد مظاهرة سلمية وتحولت إلى ثورة مسلحة، وهذا غير صحيح، الانتفاضة منذ البداية بدأت انتفاضة مسلحة وتحولت إلى حرب تحرير فلسطينية، وفي إطار هذا فإنها تلجأ لكل السبل الخاصة بحروب التحرير، وكما قال أحد الكتاب الغربيين: كل ثورة شعبية أو عسكرية عندها delivery system أي نظام لتوصيل القذائف. إسرائيل عندها دبابات وعندها قاذفات إف ?? وطائرات الأباتشي، وأحدث الأسلحة التي زودتها بها أمريكة، والفلسطينيون لا يملكون إلا أجسادهم، فالمظلومون الضعفاء لا يملكون أسلحة الظالمين الأقوياء، ومن هنا استخدام الحجارة ثم العمليات الاستشهادية التي يسميها الظالم إرهابًا. ومن يرد إيقاف العمليات الاستشهادية فعليه أن يقترح نظامًا جديدًا، "دلفري سيستم" "منظومة توصيل القذائف" جديدة.
إن الفلسطينيين استخدموا الحجارة عدة سنوات، ولكن العالم لم يلتفت إليهم، وترك آلة الحرب الإسرائيلية تكسر عظامهم وتحطم منازلهم وتجرف أراضيهم. ثم وقعت اتفاقية أوسلو التي لم يتحقق منها إلا أقل من القليل. ومن هنا اندلعت انتفاضة الأقصى، ولم يجد الفلسطينيون طريقة لمقاومة واحد من أقوى جيوش العالم سوى هذه العمليات بكل عيوبها. وإذا كان ثمة طريقة أخرى، فأرجو إخباري بها وسأوصلها للمقاومة، وتأكدوا أنهم سيفضلونها على الهجمات الاستشهادية.
س: وهل ترى أن العمليات الاستشهادية مجدية؟
ج: عمليات الخطف والاغتيال غير إنسانية بغض النظر عن المنفذين لها، ولكن الخطف والاغتيال هما أسلحة الضعفاء الفقراء، الذين يرون الظلم ولا يملكون الأسلحة التي يمتلكها الغاصب المحتل! إنهم ينظرون حولهم فيجدون أن أكبر قوة عسكرية في العالم التي تنادي بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، تساند دولة استيطانية قامت باغتصاب أرضهم. فماذا يفعلون؟ في أحد الأفلام الأمريكية The Little Drummer Boy عن فدائي فلسطيني، سألته صحفية: «ألا تخجل من نفسك أن تضع سلة بيض تحتها متفجرات في السوق، فتنسف المدنيين الأبرياء ومن بينهم أطفال ونساء؟» فأجابها قائلًا: «أنا على أتم استعداد أن أعطيك سلة البيض في مقابل بعض الدبابات والطائرات!» ويجب أن أشير إلى أنه في جميع حركات التحرير تم توظيف عمليات السلب والنهب والاغتيال. هذه ليست دعوة لقبول مثل هذه الأفعال، وإنما دعوة لفهمها ووضعها داخل نمط، ومن ثم يمكن استيعابها داخل حركة المقاومة وضرورة فهم دوافع من يقوم بها.
س: دعنا الأن نناقش مسألة الهجمات الفدائية على المدنيين، ما رأيك في هذه القضية؟
ج: قتل المدنيين الأبرياء العزل من السلاح جريمة بأي معيار. ومع هذا يجب أن نطرح السؤال التالي: عندما تأتي أسرة من روسية بحثًا عن الحراك الاجتماعي وتحسين مستواها المعيشي، وتقوم باغتصاب قطعة أرض فلسطينية، ثم يقوم أعضاء هذه الأسرة وآخرون ببناء مستوطنة استعمارية بدعم من الدولة الصهيونية، تحيطها أسوار عالية، ومزودة بأبراج حراسة، ويتخندق داخلها المستوطنون ويحملون السلاح "دفاعًا" عن أنفسهم وعن الأرض التي سلبوها، وتُبنى لهم الطرق الالتفافية حتى يتحاشوا المقاومة العربية، ويقوم الجيش الإسرائيلي بحراستهم، هل يمكن تصنيف مثل هذه الأسرة على أنها تشكيل مدني وليس تشكيلًا استيطانيًا عسكريًا، أو أداة للاستعمار الاستيطاني والإحلالي؟ هل هم مدنيون أم قوة احتلال سكانية عسكرية؟ هل مقاومة هذا الاحتلال المدني، إن صح التعبير، يعد "إرهابًا"؟!
من هنا تأتي أهمية عقد مؤتمر تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة لتحديد مفاهيم مثل الإرهاب والعنصرية ومعاداة السامية وما المقصود بالمدنيين؟ وهل المدني الذي يعيش في وطنه يختلف عن المدني الذي يعيش في مستوطنة أسست على أرض مغتصبة في مناطق محتلة داخل ما يشبه القلعة المسلحة تحميه القوة العسكرية الصهيونية وسط أصحاب الأرض الأصليين الذين طُردوا منها؟ وكيف يمكن للفلسطيني الذي اغتصبت منه هذه الأرض وطُرد منها، كيف يمكنه أن يقاوم هذا الفعل الإجرامي العنصري؟
س: لكن هذه العمليات العسكرية، وبالذات الاستشهادية، حوّلت المجتمع الإسرائيلي إلى مزيد من التوجه إلى اليمين؟
ج: أولًا كلمة المجتمع الإسرائيلي كلمة غير دقيقة، لأنه لا يوجد في فلسطين مجتمع وإنما يوجد تجمع استيطاني أو مجتمع مهاجرين، لأن اليهودي القادم من أمريكة غير القادم من روسية أو من أوربة الشرقية، وغير القادم من المغرب أو إثيوبية، فالحقيقة أنه لا يوجد مجتمع بالمعنى المتعارف عليه لكلمة "مجتمع". أما مسألة اتجاه هذا التجمع إلى اليمين بسبب العمليات العسكرية أو الاستشهادية فهذا غير صحيح على الإطلاق، فهذا التجمع موقفه يميني من قبل الانتفاضة، وطوال الفترة السابقة بما فيها فترة أوسلو وما تلاها، وإلا لما فشلت المفاوضات، سواء التي يجريها العمل أم الليكود، فهناك حتى الآن إجماع أو ما يشبه الإجماع على رفض حق العودة للفلسطينيين وإزالة المستوطنات في الضفة الغربية واقتسام القدس.
س: أنت تتحدث عن المقاومة والانتفاضة بوصفها طريقًا وحيدًا لاستعادة الأرض وتستبعد إمكانية استعادتها عن طريق المفاوضات، لكن الظروف الدولية الحالية تصف المقاومة والانتفاضة بالإرهاب، والسلطة الفلسطينية ملزمة بمنع أي عمل عسكري ضد أي أهداف إسرائيلية.. فما هي رؤيتك للموقف في ظل هذه التناقضات؟
ج: الكفاح المسلح ومقاومة الاحتلال والاستعمار الأجنبي حق طبيعي ومشروع كفلته كل الشرائع السماوية والوضعية، فمن حقنا أن نتمسك بحق الدفاع عن شعبنا في مواجهة الاحتلال والعدوان الصهيوني المتواصل. ومن العار أن يطالبنا أي فلسطيني أو عربي أو مسلم بالتنازل عن هذا الحق مراعاة لاتفاقات صممت لحفظ أمن العدو وتثبيت احتلاله لأرضنا. نحن نقول إن الكفاح المسلح وهو وسيلة للنضال، لم يصل إلى طريق مسدود، ولم يثبت عقمه أو عدم جدواه. وانتصارات حزب الله هي خير شاهد على ذلك. وقد نجحت الانتفاضة فعلًا في إحداث نوع من توازن الرعب مع العدو. وشجعت على النزوح من إسرائيل والحد من السياحة مما أضعف الاقتصاد. ولأول مرة طرحت الانتفاضة أسئلة على العقل الصهيوني بخصوص جدوى إقامة الدولة اليهودية على أرض مغتصبة وعلى أنقاض شعب سيلاحقهم بالجهاد والمقاومة.
س: في هذا الإطار كيف تفسر الدعوة الأمريكية لنزع سلاح المقاومة؟
ج: المطالبة بنزع سلاح حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وتحويلهم إلى أحزاب سياسية دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والفساد والإرهاب المؤسسي. الولايات المتحدة تريد نزع سلاح المقاومة حتى يمكنها إملاء شروطها علينا. هل خرج الأمريكيون من فيتنام من خلال الإقناع والحوار الهادئ وبعد أن ألقت المقاومة الفيتنامية سلاحها؟ وهل انسحب الإسرائيليون من لبنان تنفيذا لقرارات هيئة الأمم التي تطالبهم بالانسحاب والتي صدرت منذ عشرات السنين ولأنهم رأوا الحقيقة فجأة، أم انسحبوا بسبب المقاومة اللبنانية؟ فلسطين أرض محتلة ومن ثم نزع سلاح المقاومة هو تكريس للاحتلال وإملاء للشروط الأمريكية والصهيونية.
س: ما هي قراءتكم للأحداث الجارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديدا في قطاع غزة مع انسحاب إسرائيل من طرف واحد وإبقاء منافذ المعابر والحدود تحت سيطرة قوات الاحتلال؟
ج: ثمة نمط يسِم المواجهة بين المؤسسة العسكرية الصهيونية والمقاومة الفلسطينية يعود إلى ثلاثينيات القرن المنصرم، مفاده أنه حينما تقترب المقاومة من إحراز انتصار ما على العدو الصهيوني، فإن مؤسسته العسكرية تعمد مضطرة إلى الالتفاف حولها باللجوء إلى قوة خارجية. وقد ظهر هذا الأمر بجلاء في مفاصل تاريخية متعددة كانتفاضة الشهيد عز الدين القسام، حيث التف العدو الصهيوني حول هذه الانتفاضة ولجأ إلى الحكومة البريطانية التي استعانت بدورها بالحكومات العربية وأصدروا كتبًا بيضاء وأطلقوا الوعود الزائفة. وتم الالتفاف حول الانتفاضة الأولى (????–????) من خلال اتفاقية أوسلو. والتي مع كونها التفافًا إلا أنها حملت نتائج غير متوقعة حيث وضعت حدودًا لإسرائيل، التي تفتقر أصلًا إلى الدستور وإلى الحدود باعتبار أن التوسعية الصهيونية لا تعرف حدودًا. فبعد أن كانوا يتحدثون عن الدولة من النهر إلى البحر جاءت أوسلو (ومن بعدها سور الفصل العنصري) ليضعا حدودًا لإسرائيل، وهي حدود لا نوافق عليها لأننا نرى أن كل فلسطين محتلة بما في ذلك الأراضي التي احتلت قبل عام ????، ومع هذا فمجرد الاعتراف بالحدود هو في حد ذاته تراجع للمشروع الصهيوني ورصيد للجهاد الفلسطيني. كما أن أوسلو وضعت فلسطين مرة أخرى على الخريطة بحيث أصبح من العسير تكرار بلاهات الصهاينة عن أن فلسطين أرض بلا شعب. الأمر نفسه من محاولة الالتفاف تكرر مع انتفاضة الأقصى (????) وذلك من خلال التلويح بخريطة الطريق، وبمسألة الدولة الفلسطينية المستقلة، ومحاولة إشعال الفتن بين المنظمات والفصائل الوطنية المختلفة كحركة المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من ناحية وبين السلطة الفلسطينية من ناحية أخرى.
ولكن من الواضح أن نمط الالتفاف هذا لم ينجح في القضاء على المقاومة الفلسطينية وهو الأمر الذي يرفض كلا الجانبين الصهيوني والأمريكي إدراكه أو الإقرار به، فاستمرارية المقاومة تأتي نتيجة لوجود أسباب على الأرض تتجسد بالاحتلال، وما دامت الأسباب قائمة فإن النتيجة ستظل شاخصة، وقد تخمد المقاومة قليلًا وقد تهدأ أحيانًا ولكنها تُجدد دومًا، وإن أخذت صورة مغايرة عن السابق، فلجوء حماس إلى التهدئة مثلًا يعبر عن وعيها التام بمستجدات الأحوال كنظرائها من الفصائل الفلسطينية الأخرى من خارج إطار السلطة الوطنية التي دخلت اللعبة السياسية بنضج سياسي واضح، خلافا لما كان عليه الحال في السابق حيث كان يسهل خداعها لافتقارها الوعي السياسي الكافي ولقلة خبرتها وإدراكها بطبيعة العلاقات الدولية.
لكن حركة الالتفاف هذه المرة متميزة نوعيًا عن كل مثيلاتها من حركات الالتفاف الأخرى، حيث نشهد حاليًا أول انسحاب لقوات الاحتلال الصهيوني مما يسمونه "أرض إسرائيل" بفعل المقاومة وبسبب ما يشكله قطاع غزة من عبء لوجستي ومادي على المؤسسة العسكرية الصهيونية التي تقدمت بمشورتها إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بالتركيز على الضفة الغربية لما تشكله من أهمية كبيرة بالنسبة إلى إسرائيل وذلك لعدم قدرتها على الاستمرار في الدفاع عن مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة في آن معًا. وهذا الأمر أسميه تساقط الإجماع حول الاستيطان.
س: هنالك رأي يذهب إلى أن المستوطنين الصهاينة معتدلون وأن المقاومة الفلسطينية هي التي تؤدي إلى تطرفهم؟
ج: هذا صحيح على مستوى سطحي للغاية، ولكن لو تعمقنا قليلًا لوجدنا أن الأمر جد مختلف. عندما ندرس تاريخ الجيوب الاستيطانية الأخرى نجد أنه مادام المواطنون الأصليون خانعين فإن المستوطن الغربي يمكنه أن يدخل معهم في علاقة، بل يعطيهم بعض الحقوق لأنه لا يخاف منهم ويظن أن الأمور استقرت تمامًا. قبل انتفاضة الأقصى أصدر المستوطنون خريطة سياحية للضفة الغربية تضم كل المستوطنات والطرق الالتفافية ولا يوجد فيها إشارة واحدة لأي قرية أو مدينة فلسطينية، وكأن فلسطين فعلًا أرض بلا شعب. هذا هو الاعتدال الصهيوني، هو ثقة المستعمر بذاته وإحساسه بأن كل القضايا حسمت لمصلحته وأن خريطته الإدراكية متطابقة مع الواقع وأن أصحاب الأرض أرهقوا وقبلوا بالأمر الواقع، فالاعتدال ليس خطوة أولى نحو السلام، وإنما هو نقطة أخيرة لتكريس الوضع القائم. ولكن حينما يهب هذا الشعب الذي يفترض فيه أنه قد قبل الأمر الواقع ويقول إنها ليست أرضًا بلا شعب، فإن الخريطة الإدراكية تهتز ومن ثم يتخلى الصهاينة عن اعتدالهم المزعوم ويلجؤون للبطش والعنف والحلول العسكرية. ولكن هذا الموقف يمر بمرحلتين المرحلة الأولى هي المرحلة الشارونية، أي التطرف الزائد فيأتون بشارون الذي أقنع الناس أن بوسعه القضاء على المقاومة. فالبطش هنا هو تعبير عن الهلع والخوف والتراجع، هو مرحلة ما قبل النهاية. ولكن محاولات شارون فشلت، ومن بعدها محاولات أولمرت التي لم تنجح في تحقيق مزاعمها، لقد جاء شارون ببرنامج المئة يوم للقضاء على الانتفاضة ولم يحقق حلمه ولم يفي بوعده، فقد مرت مئات الأيام ثم اضطر للانسحاب من غزة. إن التطرف هنا تعبير عن رغبة في فرض الأساطير والأوهام الصهيونية على الواقع ومحاولة استئصال شأفة المقاومة. ولكن حين تخفق هذه العملية تأتي المرحلة الثانية؛ وهي إدراك أن العنف لن يؤدي إلى شيء، وأن الواقع الفلسطيني يختلف عن الوهم الصهيوني، وأنه على المستوطنين قبول الأمر الواقع. وهذا أمر معروف في الجيوب الاستيطانية، ففي جنوب إفريقية على سبيل المثال قضى الرئيس نلسون مانديلا في السجن سبعة وعشرين عامًا. وقبل الإفراج عنه لجأ النظام العنصري إلى أقصى درجات العنف، وحين اكتشف عبث المحاولة أخرجه من السجن وفك النظام العنصري وقبل بإنشاء دولة ديمقراطية متعددة الإثنيات. إن طبقنا النموذج نفسه على الصراع العربي الإسرائيلي يمكننا أن نتوقع شكلًا من أشكال التطرف في البطش بداية الأمر. ولكن مع استمرار المقاومة وتصاعدها سيكتشف الصهاينة أن البطش لن يؤدي إلى شيء وأنه أدخلهم في طريق مسدود، ويبدؤون يتلمسون طريقهم إلى حلول سلمية عادلة وإنسانية. ولكن علينا ألا نتصور أن هذا سيحدث بين يوم وليلة.
س: هل تعتقد أن حماقة إسرائيل وبطشها هي التي صنعت المقاومة ومنحت القوة للفلسطينيين؟
ج: الحماقة الإسرائيلية أحيانًا تذهلني، فالحقيقة واضحة، وإمكانيات التفاوض، قائمة بل والحلول الإنسانية موجودة، والتي تتلخص في إزالة الإطار العنصري. لكنهم غير قادرين بسبب خريطتهم الإدراكية، فهم يعرفون أن وجودهم ذاته بصفتهم جماعة استيطانية استعمارية مستغلة مهدد، وأن أي انسحاب قد يكون هو بداية النهاية. وأحيانًا، وبصفتي رجلًا مسلمًا أقول إن هذا الموقف الإسرائيلي غضب من الله، فبعد أوسلو كان أمامهم فرصة لإعطاء بعض المكاسب للسلطة الفلسطينية لكنهم لم يفعلوا. انظري على سبيل المثال إلى المفاوضات بخصوص الخليل، لقد تشددوا من أجل أربع مئة مستوطن في مقابل مئة وعشرين ألف فلسطيني ويصرون على إبقاء جيب استيطاني داخل الخليل، مسألة غير منطقية. لكن ما يفسر ذلك هو اعتقاد الإسرائيليين على الدوام أن الانتصار النهائي دائمًا على الأبواب، ومن ثم لا يجب تغيير خريطة الواقع بأي شكل. وهذه هي عقلية المستعمر ولكنها أيضًا عقلية المقامر.
س: هل أعادت الانتفاضة رسم فلسطين على خريطة العالم؟
ج: نعم، ومع هذا لابد أن أضيف أن العقل الصهيوني غير قادر حتى الآن على إدراك حقيقته بأنه احتلال وإدراك أن الشعب الفلسطيني كيان إنساني له حقوق في الأرض الفلسطينية، ولذا يظل إنكار وجود الشعب الفلسطيني ضرورة وجودية بالنسبة إلى المحتل الصهيوني. فلو أدرك الاحتلال هويته محتلًا فإن كيانه سيهتز وسيصبح من الصعب عليه الاستمرار. فاستمراره يستند إلى أكاذيبه الأسطورية، وللأسف الخطاب السياسي العربي لم يهتم بما فيه الكفاية بما يسمى "الخريطة الإدراكية"، بمعنى أننا لا ندرك الواقع مباشرة وإنما عبر خريطة إدراكية معرفية قابعة في أذهاننا. فنقطة الانطلاق الصهيونية الممثلة لمقولة إن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض هي أيضًا ذاتها نقطة انطلاق الرؤية الاستعمارية التي نظرت إلى آسية وإفريقية باعتبارهما مجرد "أرض" تصلح لاستثمار الإنسان الأبيض بعدما يتم إبادة بعض سكانها الأصليين أو تسخيرهم ليكونوا عمالة رخيصة. إن الجنرال جون منتج موري بطل حرب العلمين وضع خطة لإبادة سكان إفريقية حتى تصبح أرضًا خالية من سكانها يستثمرها الإنسان الأبيض لحسابه. والرؤية الصهيونية تشكل امتدادًا للرؤية الاستعمارية ذاتها وليس لنصوص التوراة والتلمود. ومن ثم حينما انتقل الملايين من الجماعات اليهودية إلى أرض فلسطين جوبهوا بمقاومة، الأمر الذي كان لابد معه من تغيير الخريطة الإدراكية وهو أمر يتطلب وقتًا. وأعتقد أن تصاعد وتيرة الممارسات العدوانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني يعكس اهتزاز تلك الخريطة الإدراكية الصهيونية حيث إن الأرض ليست خالية كما زعموا سابقًا، وأن سكانها الأصليين لا يمكن إبادتهم أو تهميشهم فهم شعب ينمو كمًا وكيفًا! إن الخريطة الإدراكية الصهيونية تجعل من الصعب عليهم إدراك هويتهم بصفتهم محتلين، وأن هذا الاحتلال يؤدي إلى تأجيج المقاومة. وقد كانوا دومًا يحاولون تفسير المقاومة الفلسطينية بأنها تمت بإيعاز من قوى خارجية، فحينما بدأت المظاهرات في مطلع القرن المنصرم أرجعوا السبب في ذلك إلى القنصل الروسي، ومن بعد ذلك إلى المسيحيين العرب، وصولًا إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وهذا هو أسلوب الحكومات الفاشية الديكتاتورية والشمولية التي لا تريد مواجهة حقيقة أن ثمة أسبابًا موضوعية تقود إلى نشوب المقاومة.
س: ما أسباب صعود حماس السياسي إلى حد فوزها بالأغلبية في انتخابات ????؟
ج: دائمًا ما أؤكد أن تفسير أي ظاهرة إنسانية لابد أن يكون من خلال مركب من الأسباب. مركب الأسباب في حالة حماس أولها أنها جماعة استمرت في المقاومة، ففي أي بلد محتل من يقاوم هو الذي يقود أما من يستسلم ويجلس خلف المكاتب فيفقد الشرعية، خاصة إذا كان الجالس خلف المكتب وظف سلطاته في خدمة مصالحه الشخصية، مما أدى إلى استشراء الفساد. لكن إلى جانب هذا فالمقاومة الآن مستمرة تحت لواء إسلامي والجماهير الفلسطينية من الواضح أنها جماهير ذات توجه إسلامي. وإن كان من الملاحظ أنها جماهير إسلامية مستنيرة، فمن ضمن الذين أيدوا (حماس) كان كثير من المسيحيين، والإناث بعضهن غير محجبات. فأنا على الدوام أرى أن من يتبنى الإسلام رؤية للكون ويريد أن يقود هذه الأمة عليه التوجه للأمة بجميع فئاتها وأطيافها، بمرجعيته الإسلامية لابد أن يأخذ في الاعتبار الإناث والعلمانيين والمسيحيين واليهود (إن كان هناك يهود).
الجانب الآخر الذي ساهم في صعود حماس انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، فمهما ادعوا أن انسحابهم من القطاع كان من أجل السلام، وأنه انسحاب أحادي الجانب من دون مفاوضات، فمن المعروف لدى الجميع أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أخبرت شارون أنها لا يمكنها الدفاع عن المستوطنات في الضفة الغربية وفي غزة في الوقت ذاته لأنها أرهقت. ولابد من إدراك أن الحرب الدائرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لن تنتهي بنصر قاطع أو هزيمة قاطعة بالنسبة إلى أحد الطرفين. القضية هي من سيصاب بالإرهاق قبل الآخر، أو من سيصرخ قبل الآخر. كما هو الحال في حرب فيتنام، الولايات المتحدة لم تهزم وإنما أرهقت تمامًا فطلبت الانسحاب وهذه أولى العلامات. ولا تنسي أن شارون هذا الذي انسحب من غزة هو الذي جاء للحكم قائلًا إنه في مئة يوم سيقضي على الانتفاضة، وانتهى به الأمر إلى إدراك استحالة هذا واستحالة الاستمرار فيه، فاضطر للانسحاب.
س: اعتمدت بعض الحركات الإسلامية كحماس والجهاد الإسلامي مؤخرًا منهجية "التدرج المطلبي"، الأمر الذي اعتبره البعض تراجعًا عن الثوابت، فبعد المطالبة بكامل الأراضي الفلسطينية المحتلة باتوا الآن يدعون لانسحاب إسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو ????. هل تعتقدون أن ذلك يشكل تغييرًا جذريًا في الخطاب يعكس التطورات الحاصلة في آليات الصراع العربي – الإسرائيلي، أم أنه أسلوب براجماتي في نيل الحقوق باعتباره المطلوب في تلك المرحلة؟
ج: إن استخدام كلمة البراجماتية هنا جيد باعتباره مفتاح فهم تلك المسألة، حيث إن فلسطين كانت عبر التاريخ محط اهتمام القوى الدولية المختلفة، وهو الأمر الذي أدركته حركة حماس جيدًا باعتبارها ليست مجرد حركة تحرير عادية على غرار حركات التحرر الأخرى في فيتنام والجزائر وغيرها، فهي توجد في بلد له موقع استراتيجي مهم يجعل من الصعب عليها التحرك ضمن حدود قدرتها الذاتية دون أن تأخذ بالاعتبار طبيعة العلاقات الدولية. ومن هنا جاء حرصها على التعاون مع مصر من منطلق أن الشعب الفلسطيني لا يمتلك ناصية الأمور بمفرده. وأمامهم مَثل الحركة الصهيونية نفسها التي كانت دومًا تطالب بالحد الأدنى وتخفي الحد الأقصى. أعتقد أن حماس أدركت طبيعة التطورات الحاصلة فباتت تأخذ بالمنطق التدريجي مع الإصرار على مبدأ حق العودة للفلسطينيين الذي يشكل في الأساس رفضًا للصهيونية وللوضع القائم. ويلاحظ أنهم استخدموا مصطلح التهدئة وليس الهدنة، ولا يستخدمون مصطلح السلام، كما أنهم رفضوا إلقاء سلاحهم.
س: ألا يبدو في الأمر تناقض، إذ كيف تجمع حركة مثل حماس بين قمة المثالية في العمليات الاستشهادية وقمة الواقعية في المساومة السياسية؟
ج: الوضع الإنساني بطبيعته متناقض، وليس كخط سكة حديد يسير في اتجاه ثابت، ولابد أن ندرك نحن المسلمين أن المسألة مركبة ولابد من المراوغة أحيانًا. أحد السياسيين (الإسرائيليين) لخص الدبلوماسية الصهيونية والدعوة للسلام بقوله: تطرح على عدوك دعوة للسلام بشروط تعلم مسبقًا أنه لا يمكنه القبول، فإن رفض تستعدي العالم ضده قائلًا: انظروا إنهم يرفضون السلام! فلماذا لا نلجأ لمثل هذه الأساليب؟
أنا عندما أُسأل في الخارج: هل تقبل بالتطبيع مع (إسرائيل)؟ أقول: بكل سرور أُطبِّع حينما تكون هناك دولة طبيعية لمواطنيها وليس ليهود العالم، وحينما لا تكون (إسرائيل) دولة عدوانية توسعية تعتمد على الولايات المتحدة بشكل دائم، وأضع شروطًا هي في جوهرها تغيير وتفكيك للدولة الصهيونية الحالية.
س: ما آثار استمرار الانتفاضة في المجتمع الإسرائيلي؟
ج: هناك التأثير الاقتصادي؛ مثل ضرب السياحة في إسرائيل تمامًا، وهي من أهم الموارد لديهم. ولاسيما أن الانتفاضة جاءت في أعقاب أزمة اقتصادية شديدة في إسرائيل. إن الاقتصاد الإسرائيلي هش جدًا لا يوجد فيه جانب قوي سوى قطاع الـ "هاي تك" أو الحاسوب. وبالفعل وصلت رؤوس أموال أمريكية كثيرة للاستثمار في هذا المجال، حتى هذا القطاع أيضًا أصيب بأزمة قبل الانتفاضة وتساقطت أسهمه، وزادت الانتفاضة من الأزمة الاقتصادية وخاصة مع توقف العمالة العربية عن العمل في إسرائيل وهو ما أدى إلى جلب عمالة من الفلبين ومن أماكن مختلفة من العالم، وهو ما سبب أزمة اجتماعية داخل الكيان الصهيوني.
ولكن كما أبين دائمًا الكيان الإسرائيلي – خاصة في جانبه الاقتصادي – لا يستمد مقومات بقائه ونجاحه من داخله، فالمساعدات المادية والعينية الأمريكية لا تكف عن التدفق. ومن ثم تمكن الاقتصاد من النهوض من كبوته.
س: هل ثمة جوانب أخرى لأثر الانتفاضة في المجتمع الإسرائيلي؟
ج: الأثر الاقتصادي هو أقل الآثار أهمية. أما الأثر النفسي فهو الذي يشكل خطورة على الكيان الصهيوني. فالعنصر النفسي أساسي بالنسبة إلى الجيوب الاستيطانية. فالمستوطن ترك بلده الأصلي لتحقيق حراك اجتماعي وليشبع رغبته في الاستهلاك، والتمتع بخيرات البلد الجديد المحتل، وليسخر سكانه الأصليين في خدمته، وهذا يتطلب الشعور بالأمن، وهذا ما سلبته منه الانتفاضة. إن الأثر النفسي يكتسب أهميته من تأثيره في وجدان الإسرائيليين وفي رؤيتهم، ومن ثم في سلوكهم. ولعل أهم آثار الانتفاضة هو فقدان الإسرائيليين الإحساس بالأمن فهم يطالعون صحفهم التي تستخدم كثيرًا من الصور المجازية والعبارات الموجزة الدالة لتنقل لهم الحقيقة كاملة. فالانتفاضة، وفق ما جاء في الصحف الإسرائيلية، ليست مجرد هبة بل هي "حرب استنزاف" أغرقت إسرائيل في "لجة من الدماء". وأدخلتها في "دائرة دموية"، إنها "رقصة الموت" ومباراة " بينج بونج مرعبة"، تسببت في فيضان "أنهار الدم". كما أدّت إلى الغوص في مياه راكدة، وإلى الغرق في "المستنقع الذي غرقت فيه قواتنا بدءًا من الثمانينيات" (في إشارة واضحة للمستنقع اللبناني). وتشير الصحف الإسرائيلية إلى العام الأول للانتفاضة بأنه عام "مضرج بالدماء"، وأنه "الأسوأ في تاريخ إسرائيل في كل ما يتعلق بمواجهة الإرهاب". وقد وصف أحد الكتاب الموقف بهذه العبارة الدالة: «صغيرة هي المسافة بين الخوف والذعر، والجمهور الإسرائيلي يعيش بين هذا وذلك».
ولعل أصدق تعبير عن هذا الإحساس ما جاء في الرسالة المفتوحة التي كتبها جندي احتياط إسرائيلي (ونشرت على موقع صحيفة يديعوت أحرونوت ?? آب/ أغسطس ???? ونقلتها عنها الصحف الإسرائيلية الأخرى) والتي قال فيها بكل صراحة: «أخاف من الموت بلا سبب كالأبله على الرمال النتنة المسماة قطاع غزة... لا أعرف أن أطير عندما يطلقون عليّ النار... عدت من الانتفاضة الأولى، ومن حرب لبنان، ومن الانتفاضة الثانية، عدت بحالة جيدة، بمحض المصادفة... لا أؤمن بالمعجزات وبالحظوظ، ولا أعتقد أن لكل طلقة عنوانًا، لكن أنا أيضًا ليس لي عنوان... إذا ما مت فسأموت كالأبله. أبله لم ينتبه له أحد. أبله إحصاءات. أبله عائلة ثكلى...».
ولا تختلف الصورة التي يرسمها سيماكرمون في مقال له في يديعوت أحرونوت (? نيسان/أبريل ????) عن الصورة التي رسمها جندي الاحتياط بل ربما تكون أكثر قتامة: «هذه أيام عصيبة للمواطن العادي. أيام مجنونة. لم يسبق لبيت أن كان محصنًا مثل هذه الأيام. البيت هو الحصن. إنه غرفة عمليات. مع الهواتف، التلفاز، والتأكد من أن الجميع على قيد الحياة. الوسادة هي كيس رمل. الغطاء هو سور إسمنتي».
«هذه أيام مجنونة. تنهض في الصباح مع ألم اليوم التالي ولحظات الخوف قبل أن نفتح المذياع لنسمع عن اليوم السابق. ندخل في يوم جديد مع خوف بألا يعود إلينا الجميع. الأمور البسيطة اليومية، يجب أن نفكر مرتين، ثلاثًا، أربعًا قبل أن نفعلها. هل نخرج مع الكلب. أن نتوجه إلى البقالة. أن نسافر في الحافلة للعمل. أن نذهب للتسوق. أن نجلس في المقهى. أن نرسل الأولاد للمدرسة. كل شيء يُدرس بإمعان. كل سؤال بسيط بات مشكلة وجودية..».
وقد ظهر في إسرائيل ما يسمى "حضارة البقاء في المنزل"، وهي أن الناس يفضلون البقاء في المنزل ولا يذهبون إلى المطاعم إلا نادرًا، ولذلك فمعظم المطاعم فتحت خدمة تيك أواي.
وقد لخص يوئيل ماركوس في هآرتس (?? تشرين الثاني/نوفمبر ????) الموقف بقوله: «إنجاز الفلسطينيين لا يكمن في إخافة وزير في إسرائيل. إنجازهم الحقيقي يكمن في أنهم وضعوا علامة على كل المستوطنين والإسرائيليين ليكونوا أهدافًا وألحقوا الأذى باقتصاد إسرائيل وبالسياحة الوافدة إليها، وزرعوا من خلال أعمالهم الإرهابية أجواء من الخوف والجزع في الوقت الذي لم تنجح فيه إسرائيل في زرع خوف مشابه في أوساطهم».
س: ولكن إسرائيل مستمرة في البطش؟
ج: نعم، ولكن دون تصور واضح لحل نهائي، وقد كتب حيمي شاليف في خذ معاريف: «إن أخطر ما في الأمر، هو ذلك الإحساس العام بأنه لا أحد في البيت، وأن السفينة تهتز في بحر عاصف، وأنه لم تعد لدى قبطان السفينة أية أفكار أخرى. لا في الميدان السياسي، ولا في الميدان الاقتصادي الاجتماعي. وثمة تقدير سائد بأن القيادة الوطنية فقدت سيطرتها على الأحداث. وهذا وضع متطرف، يمكن أن يقود أيضًا إلى البحث عن حلول متطرفة».
وثمة إحساس عميق بفقدان الاتجاه: «المبدأ البسيط: أن نصمد، ألا تطرف لنا عين، أن نقلل الأضرار، أن نتماسك عندما تقع كارثة، أن نمضي قدمًا. إلى أين؟» (معاريف ?? أيلول/ سبتمبر ????). وقد أكد سيما كرمون المعنى نفسه في يديعوت أحرونوت (? نيسان/أبريل ????) حين قال: إن القيادة الإسرائيلية لا تعرف ماذا يجب فعله «فوراء الصمت لا توجد خطة... ونحن لا نعرف إلى أين نسير، وهم أيضًا ببساطة لا يعرفون».
جاء شارون وأعلن أنه سينهي الانتفاضة في مئة يوم، وانتهى بالانسحاب من غزة من طرف واحد وحاول أن يظهر انسحابه بأنه قرار عسكري ولا يعني الهزيمة. إن جمهور المستوطنين (???) يعتقد أن الدولة الصهيونية قد دخلت طريقًا مسدودًا، فهي لا يمكنها القضاء على الانتفاضة بالقوة، مما يعني "أن الانتفاضة لن تنتهي". وفي الوقت ذاته لا يمكن التوصل إلى اتفاقات سلام مع الفلسطينيين. فكل محاولات وقف إطلاق النار باءت بالفشل. أو كما يقول أمنون دانكنر في مقال نشرته جريدة معاريف: «أسوأ الأمور هو أن من الواضح أنه لم يعد ثمة حلول سحرية يمكن التوصل إليها بضربة واحدة. ولم يعد السلام الشامل والنهائي مُغريًا، وحتى ليس ثمة حلول عسكرية تتكلل بأناشيد المنتصرين. ومن الجهة الأخرى، لا يوجد أي إمكان للاستمرار في ظل الوضع الحالي من دون عمل شيء».
لقد وصل العقل الإسرائيلي مرة أخرى إلى حالة "إين بريرا". وهي عبارة تعني "لا خيار"، وكانت تعني في الماضي أن المستوطن الصهيوني محكوم عليه بالدخول في حروب مستمرة، الواحدة تلو الأخرى لمدة طويلة، ولكن كان الاعتقاد الصهيوني الراسخ أن ثمة مخرجًا في نهاية النفق المظلم من خلال ما يسميه الفكر الأمني الإسرائيلي "الحائط الحديدي"، أي أن يبني المستوطنون حائطًا حديديًا حول أنفسهم لا يمكن للعرب اختراقه، مما يضطرهم للرضوخ للأمر الواقع والاقتناع بأنه لا يمكن هزيمة هؤلاء الوافدين من الغرب. ولكن بدلا من الحائط الحديدي ظهرت عبارة "العجز الأمني"، فهي حالة من حالات "إين بريرا" دون أمل. أو كما قال أحد الكتاب: «إن المجتمع الإسرائيلي يشعر باليأس مثل قطيع بلا راع، محاط بذئاب مجنونة».
س: ما الأثر النفسي لهذا الإحساس بعدم الأمن؟
ج: كفانا الباحثون الإسرائيليون مؤونة البحث؛ فقد جاء في جريدة هآرتس (? تشرين الأول/أكتوبر ????) أن عدد المرتادين لعيادات الأطباء قد زاد بشكل كبير في الآونة الأخيرة مع أنهم ليسوا مرضى من الناحية العضوية، وإنما يعانون من ضغوط وتوتر على خلفية الأحداث الأخيرة [أي الانتفاضة]. وقد نشرت جريدة معاريف (? نيسان/أبريل ????) أن وزارة الصحة الإسرائيلية فتحت مراكز استعلامات هاتفية يستطيع المواطنون عبرها تلقي مساعدات نفسية. كما بينت يديعوت أحرونوت (??شباط/ فبراير ????) أن شركات الأدوية أفادت بأن هناك ارتفاعًا بنسبة ??? في استهلاك المهدئات والمسكنات.
ومن أطرف المؤشرات على حالة الذعر التي انتابت التجمع الصهيوني أنه مع تصاعد الانتفاضة بدأت حالة الذعر تنتاب الكلاب والقطط في المنازل الإسرائيلية، ولذا اقتضى الأمر تقديم المهدئات لها (الفاليم). وقال أطباء بيطريون إن الكلاب تبدأ في النباح وتصبح أكثر عدوانية وترتجف لا إراديًا أو تفقد التحكم في مثانتها عندما تصل أصداء دوي إطلاق النار في الضفة الغربية إلى مباني القدس.
س: مع تقاعس الأنظمة العربية عن دعم الانتفاضة، ماذا بوسع الجماهير العربية أن تفعل؟
ج: ابتداء لابد أن نجند جماهيرنا وراء فكرة العدل وليس وراء كره اليهود، نحن لا نحارب اليهود وإنما نحارب المستوطنين الصهاينة، لا لأنهم يهود وإنما بسبب الظلم الذي وقع علينا وعلى إخواننا. وأن نوضح لهم الفرق بين السلام المبني على العدل والسلام المبني على موازين القوى. وأن إسرائيل ليست ظاهرة توراتية يهودية وإنما ظاهرة غربية استعمارية، وأنها دولة عنصرية غير طبيعية. وهذا الخطاب لابد أن يوجه إلى الخارج أيضًا.
بعد هذا يمكن أن يأخذ الدعم أشكالًا مختلفة أبسطها هو التظاهر تأييدًا لإخوتنا في فلسطين، وإرسال المعونات العينية مهما كانت بسيطة، وتدفق قوافل الإغاثة بشكل مستمر، ومن الجائز أيضًا إرسال الزكاة لهم، وزيادة حجم التجارة معهم. كما يمكن للدول العربية الخائفة أن تمارس بعض الضغط دون الدخول في مواجهة عسكرية من خلال استدعاء السفراء وتخفيض بعثاتها الدبلوماسية، وهو ما لم يحدث مع الأسف. كذلك أن تُلمِّح الدول المنتجة للبترول إلى إمكانية تخفيض إنتاجها، أقول تلمح لا تهدد، فهي نخب مهزومة، ويمكنها أن تشير إلى جماهيرها الغاضبة على أنها مبرر لهذا التلميح! أو أن تبدأ بتسعير البترول بسلة من العملات، كما يمكنها أن تحول جزءًا من مدخراتها من المصارف الأمريكية، وهي مئات البلايين من الدولارات، إلى مصارف غير أمريكية.
ويمكن للجمعيات الأهلية أن تجعل تكاليف الدعم الغربي للجيب الصهيوني أمرًا باهظًا. فيمكن لها أن تبدأ بتفعيل المقاطعة بشكل انتقائي، بأن تقاطع عددًا من السلع الأمريكية وتستبدل بها سلعًا صينية أو تركية أو ماليزية، وأن نشجع التبادل التجاري مع مثل هذه الدول. وأقترح عقد مؤتمر لمناقشة الأشكال الأخرى لتفعيل العمل الجماهيري المدني في دعم الانتفاضة خارج النطاق الرسمي.
ويمكن لهذه الجمعيات أن تعوق عمليات التطبيع في العالم العربي وتجعلها صعبة. ويمكنها أن تضغط على الحكومات العربية التي ستضطر بدورها للضغط على الولايات المتحدة لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ويمكن أن تثار قضايا مثل ضرورة محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيلية، وقضية الأسرى من الجنود المصريين الذين قامت القوى الإسرائيلية بقتلهم!
س: مازالت وسائل الإعلام الغربي ترى في المقاومة الفلسطينية إرهابًا، وترى الفدائيين انتحاريين، وللأسف تتبعهم بعض وسائل الإعلام العربية، كيف يمكن التعامل مع هذه الإشكالية؟
ج: الصهاينة يدركون أهمية الخلط في المصطلحات وتسمية الأشياء بغير أسمائها من خلال الإعلام الغربي، ولقد استخدم الصهاينة وأصدقاؤهم في الولايات المتحدة كلمة "الإرهاب" التي تصور المقاومة باعتبارها مجرد إرهاب مجنون نتيجة شر متأصل في النفس العربية، وكره كامن فيها ليس له أساس قانوني أو أخلاقي، وهذا الكره موجه ضد اليهود الذين يودون أن يعيشوا في سلام، بل وبتمادي الصهاينة بالقول: إن الإرهاب العربي ضد المستوطنين الصهاينة إنما هو استمرار لظاهرة معاداة اليهود واليهودية أو معاداة السامية وغير ذلك، وتأتي هذه الكلمة نتيجة التصور الصهيوني والأمريكي الذي يرى أن الوجود الصهيوني في فلسطين ليس احتلالًا وإنما هو وجود شرعي لابد للعرب من قبوله وإن قاوموه يصبحوا إرهابيين، وللأسف الشديد فإن إطلاق لفظ "الإرهاب" على المقاومة في بعض الأوساط الثقافية أو وسائل الإعلام العربية لا يعني إلا شيئًا واحدًا وهو أن هؤلاء يؤيدون الصهاينة المغتصبين على حساب العرب ولكل واحد دوافعه ولن أخوض فيها.
ولكن الرد على هذه الترهات لابد من أن يكون في التأكيد على أن الفعل الفلسطيني هو فعل مقاومة، فالظاهرة الصهيونية ليست ظاهرة يهودية وإنما ظاهرة استعمارية إحلالية، ومقاومة العرب لها لا تختلف عن مقاومة الشعوب المقهورة للمستوطنين الغزاة، ولقد استفاد الصهاينة من أحداث ?? أيلول/ سبتمبر في أمريكة ليصفوا المقاومة بأنها إرهاب، والفدائي والشهيد انتحاري، ولكن هناك فرقًا كبيرًا بينه وبين المنتحر لأن المنتحر إنسان سقط في اليأس والقنوط ووصل إلى مرحلة لا يمكن معها أن يفعل شيئًا بخصوص الظروف المحيطة به، ولا يجد مخرجًا إلا أن يفجر نفسه، فالانتحار تعبير عن العدمية وعن الكفر بكل القيم، وهذا ينطبق على الجنود الإسرائيليين الذين انتحروا في جنوب لبنان بعد أن تصاعدت عمليات حزب الله ضدهم، ولقد أصبح العالم الغربي مع تصاعد معدلات العلمنة والتوجه نحو اللذة غير قادر على إدراك نبل الاستشهاد، فيراه تعبيرًا عن رغبة في إنهاء الذات نتيجة عقد نفسية، ولكن الاستشهاد، على عكس ذلك تمامًا، فالشهيد إنسان ممتلى بالإيمان بالله وبالأمل وبالمقدرة على التصدي للعدو وإنهاء الظلم وتغيير الواقع، فالاستشهاد هو تعبير عن امتلاء إنساني وعن أنبل الدوافع الإنسانية، أي استعداد الإنسان للتضحية بنفسه من أجل القيم التي يؤمن بها، وفي حالة الاستشهادي الفلسطيني فهو يضحي بنفسه، من أجل تحرير الوطن وإقامة العدل في الأرض، وخصوصًا في مواجهه عدو شرس مزود بأحدث الأسلحة الأمريكية الفتاكة، ولاشك أن هؤلاء الاستشهاديين لن يفجروا أنفسهم إذا حصل الشعب الفلسطيني على حقوقه كاملة، فالاستشهاد ليس هواية وإنما فريضة.
– النهاية –