Advertisement

الصهيونية في مائة عام

الصهيونية في مائة عام
د. عبد الوهاب المسيري(*)
في المنهج
قبل أن ندخل في موضوعنا "الصهيونية في مائة عا م"، دعونا نطرد بعض
الأوهام التي قد تعوق بحثنا عن قدر من الحقيق ة. وأول هذه الأوهام ما أسميه
وه?م التفسيرية ووهم المعرفة (في مقابل التفسيرية والمعرفة ذاتيه ما). ولكي
نطرد هذا الوهم لا بد من التمييز بين الخطاب التحليلي التفسيري من جهة،
وكل أنواع الخطاب الأخرى التي تهدف إلى "كشف الصهاين ة" أو "فضحه م"
أو "التشهير به م"، أو حشد الجماهير وتجنيدها ضده م. فالخطاب التحليلي
التفسيري لا يهدف إلى أي من الأهداف السابقة، وإن ما يهدف إلى تعميق
رؤيتنا للعدو حتى نعرفه في كل تركيبيته، وبالتالي تزداد قدرتنا على تفسير
الظواهر اليهودية والصهيونية والتنبؤ بها، ومن ثم مقدرتنا على التصدي
للعدو.
وثمة مستويات وأشكال مختلفة من الخطاب غير التفسيري، لعل من
أكثرها شيوعا الخطاب التآمري، وهو تص ور أن اليهود هم أصل الشر عبر
التاريخ، وأنهم لا يكفون عن التآمر ضد كل البشر في كل زمان ومكا ن.
وينطلق الخطاب شبه الديني من نفس منطلقات الخطاب التآمري الذي يذهب
إلى أن الشر مسألة متأصلة وراثية في "الطبيعة اليهودي ة"، وأنه يجري في
عروق اليهود، وبالتالي فحربنا ض دهم ستستمر حتى يوم القيام ة. وهناك أيضا
الخطاب النفسي الذي يطالب أصحابه بضرورة تعميق كراهيتنا لليهود
(*) ساهم فى جمع المادة العلمية أ. جلال عز الدين
- ??? -
والصهاينة أو الذين يمدون لهم يد العون، إن مشكلتنا مع إسرائيل مشكلة في
جوهرها نفسي ة. أما الخطاب الحقوقي القانوني فيهدف إلى توضيح أن العرب
أصحاب حق، وأن قرارا ت هيئة الأمم المتحدة تساند هذا الح ق. ويهدف
الخطاب الأخلاقي إلى توضيح أن القضية العربية قضية عادلة، وأن
الصهاينة مستعمرون طغاة اغتصبوا الأر ض. وهناك الخطاب النصوصي
الذي يذهب إلى أنه كي نفهم سلوك اليهود علينا قراءة التوراة والتلمود؛ لأن
المستوطنين الصهاينة - حسب التصور النصوصي - يسلكون حسبما جاء
في كتبهم المقدسة وغير المقدس ة. وأخيرا هناك الخطاب الإعلامي التعبوي
الذي يدعو إلى استخدام الإعلام بشكل مكثف في تعبئة الجماهير العربية وفي
تغيير اتجاهات الرأي العام "العالمي".
ومعظم أنواع الخطاب السابقة تنطلق من بعض ثواب ت موقفنا من
الاستعمار الاستيطاني الصهيون ي: رفض عميق له - تعاطف مع الفلسطينيين
- الإحساس بضرورة مساعدة الفلسطينيي ن... إلخ، كما أنها تتحرك في إطار
هذه الثوابت، وهو أمر ولا شك محمود، ولكنها مع هذا لا تلقي بأي ضوء
جديد أو قديم على بنية الكيان الصهيوني ولا تحاو ل التنبؤ بخصوص سلوك ه.
ورغم أهمية بعض أنواع الخطاب غير التفسيري في تجنيد الجماهير وفي
مخاطبة الرأي العام العالمي فإننا يجب أن ندرك أنها لا تفسر شيئا، فهي
"دعوة إلى" اتخاذ خطوات معينة، ولا تهدف إلى "تفسير" الظاهرة الصهيونية.
ويمكنني القول بأننا في وقع الأمر لا يمكن أن نقوم بالتعبئة إلا بعد التحليل
والفهم، فالتعبئة لا تتم في فراغ وإنما تعبأ استنادا إلى وقائع محددة، كما أنها
تتحرك نحو اتجاه معين وإلا تحولت إلى تهييج غوغائي وطنين إعلامي،
ولكن الخطاب الإعلامي التعبوي وأنواع الخطاب الأخرى تنطلق من بعض
- ??? -
القوالب اللف ظية الجاهزة والأطروحات الشائعة (دون اختبارها) فتخلق وهم
المعرفة.
إن المطلوب هو التوصل إلى معرفة حقيقية تستند إلى رصد دقيق ومركب
للواقع. ونحن نذهب إلى أن هناك نوعين من الرصد : الرصد المباشر أو
الرصد الموضوعي المتلقى من ناحية، ومن ناحية أخرى الرصد من خلال
أنماط متواترة (نماذج تحليلية)، وهذا ما نطلق عليه التفسيرية.
ويفترض الرصد الموضوعي أن عقل الإنسان سلبي متلق، وأن ثمة قانونا
عاما واحدا ينطبق على كل الظواهر الإنسانية والطبيعية، وأن الواقع بسيط،
وأن الهدف من المعرفة هو نقل الواقع كما هو، ورفض الخصوصية،
والتجرد من الذاتية، ومراكمة المعلومات.
أما التفسيرية فترى الواقع بأسره باعتباره مجرد مادة خام تحتاج إلى
تفسير. هذا لا يعني رفض الواقع الموضوعي، وإنما يعني فقط عدم تلقيه كما
هو بشكل مباشر (موضوعي متل ق) وإدراكه بطريقة إبداعية من خلال عملية
مركبة من التفكيك والتجريد وإعادة التركي ب. فالحقائق - حسب تصور
المنهج التفسيري - توجد جاهزة في الواقع، أما الحقيقة فهي أمر يجرده
الإنسان من الحقائق والمعلومات والإحصاءات، ليضعه داخل إطار ينتظم
الظواهر المتشابه ة. وتتميز التفسيرية بأنها تجمع بين الموضوعية والذاتية؛ إذ
يمكننا تجريد ما نراه من أطروحات من الواقع الموضوعي ثم نختبرها على
محك الواقع الموضوعي، فإن فسرت هذه الأطروحات الواقع بشكل معقول
فهي "أكثر تفسيري ة" من تلك الأطروحات التي لا تفسر إلا جوانب محدودة
من هذا الواق ع. وعملية التفكيك والتجريد وإعادة التركيب يجب أن تهدف إلى
الوصول إلى أنماط متكررة يمكن من خلالها إدراك المعلومات، لا كذرات
متناثرة وإنما كشبكة علاقات ذات دلال ة. ونحن سنستخدم في بحثنا هذا المنهج
- ??? -
التفسيري الذي لا يراكم المعلومات وحسب، وإنما يضعها في سياق تاريخي
عام وداخل إطار من الأنماط المتكررة، بحيث تصبح المعلومة جز ? ءا م ن
إطار متشابك من العلاقات والأنماط.
أما الوهم الثاني الذي ينبغي طرده فهو وهم قوة الصهيونية ومقدرتها على
التنبؤ والتحكم بل وأحيانا تحريك العالم بأسر ه. وحملة الخطاب التآمري
يفضلون دائما الترويج لهذه المقولة وإن كان يتبناها عدد كبير من المحللين
الذين يسمون ب الموضوعيين. وعادة ما يشير هؤلاء إلى نبوءة هرتزل أن
الدولة الصهيونية ستتحقق بعد خمسين عاما، ثم يهزون رأسهم في حكمة
بالغة ويقولون إنها قد تحققت بالفعل في ذلك التاريخ، ثم يشفعون ذلك
بالإشارة إلى دقة التخطيط الصهيوني ومقدرات الصهاينة العجائبي ة. وهم
عادة ما يقو لون إن الرؤية الصهيونية مبنية على تحليل موضوعي علمي
دقيق صلب للواقع، وبالتالي فالنبوءة الصهيونية هي نبوءات علماء دارسين
للواقع، عارفين ب ه. بل إن بعض العرب يعتقد أن كل النبوءات الصهيونية
بخصوص الشرق الأوسط تحققت، أو على الأقل آخذة في التحقق.
ولكن لعل كثيرا ممن يسمون بالموضوعيين هم في واقع الأمر مهزومون
مغرمون بجمع المعلومات والنبوءات التي تبين مدى قوة العدو وبطشه ودقته
وسيطرته وتحكمه؛ ولذا نجدهم يرصدون نوعا واحدا من القرائن، دون غيره
– أي أنهم ليسوا موضوعيين بما فيه الكفاية، ولذا فهم لا يذكرون النبوءات
الصهيونية الكثيرة التي لم تتحق ق. فعلى سبيل المثال، ماذا عن نبوءة هرتزل
بأن ألمانيا العظيمة القوية هي التي ستقوم برعاية المشروع الصهيوني
وحماية اليهود "ووضعهم تحت جناحيه ا"، كما قال بالحرف الواحد في
يومياته، كلنا يعرف أن ألمانيا العظيمة هذه وضعتهم في أفران الغاز وفتكت
بهم وبغيرهم، بعد مرور حوالي ثلاثين عاما من نبوءته لا أكثر ولا أقل!
- ??? -
وماذا عن نبوءة بن جوريون الذي قا ل: "إن عقب أخيل [أي نقطة
الضعف] في الائتلاف العربي هو سيادة المسلمين في لبنان، وهي سيادة
زائفة يمكن بسهولة قهره ا. ويجب قيام دولة مسيحية هناك، بحيث تكون
حدودها الجنوبية على نهر الليطاني، وسنكون على استعداد لتوقيع معاهدة مع
هذه الدول ة. وبعد أن نكسر الفيلق العربي ونضرب عمان بالقنابل، فسوف
يكون بإمكاننا إزالة دولة الأردن، وبعد ذلك سوف تسقط سوريا، وإذا اجترأت
مصر على محاربتنا فسوف نقصف بورسعيد والإسكندرية وال قاهرة، وهكذا
ننهي الحرب ونقضي قضاء مبرما على مصر".
ومن الواضح أن الزعيم الصهيوني قد اكتسحته رؤاه الذاتية بل وأسكرته،
فلبنان لم تقم فيها دولة مسيحية أو إسلامية وإنما دولة عربية، وهذه الدولة
العربية هي إحدى مراكز المقاومة والنضال العربي، وحيث إن هذه الدولة
"العربية العميل ة" التي كان يحلم بها الزعيم الصهيوني لم تقم فهو بالتالي لم
يوقع معها معاهدة، بل طردت إسرائيل منها بعد أن قامت المقاومة اللبنانية،
بمسلميها ومسيحييها، بالتصدي لها وإحداث نزيف مستمر له ا. أما ضرب
عمان بالقنابل (بهدف تحطيم إرادة إمارة شرق الأرد ن) فمسار التاريخ كان
من العناد بحيث لم يتحقق، وسوريا لا تزال شامخة أبية، ومصر العربية قد
تحملت ضربات القنابل إلى أن انتفضت في أكتوبر ???? وردت الغاصب
على عقبيه.
وقد تنبأ الصهاينة أنهم يمكنهم شراء فلسطي ن. وقد قدر هرتزل ثمنها
بمليوني جنيه فقط لا غي ر!. وكان الز عيم الصهيوني موشيه ليلينبلوم يرى أنه
يمكن حل المسألة اليهودية عن طريق شراء فلسطين، وأنه "لا توجد قوة
أوربية تفكر في منع اليهود من شراء أرض أجدادهم مرة أخر ى". وكان
يوقن تماما أن تركيا سترد لهم وطنهم نظير حفنة من الذه ب. وهي نبوءة لم
- ??? -
تتحقق، فالقوى الأوربية لم تمنعه حقا من "شراء" فلسطين، ولكن الدولة
العثماينة رفضت، كما أن انتفاضات الفلسطينيين المستمرة أثبتت أن فلسطين
ليست للبيع أو الإيجار!
وقد تنبأ "الرواد" الصهاينة بأنه سيتم تطبيع اليهود بحيث يصبحون شعبا
واحدا متحدا مثل كل الشعو ب. ولكن أثبتت الأيام أن التجمع ا لصهيوني قد
فشل في إنجاز ما يسميه الصهاينة "ميزوج جاليو ت" أي مزج يهود المنفى،
وما حدث هو أنه وصلت جماعات يهودية مختلفة ظلت محتفظة بعقائدها
الدينية وعاداتها الشعبية؛ ولذا لا يمكن القول بأن إسرائيل تضم شعبا
إسرائيليا، وإنما تضم تجمعات إثنية ودينية مختلف ة. فيه ود الفلاشاه الذين
يتحدثون الأمهرية وينتمون إلى الحضارة الإفريقية يختلفون بشكل جوهري
عن المهاجرين اليهود من الولايات المتحدة، وكلا الفريقين يختلف عن
المستوطنين المرتزقة الوافدين من الاتحاد السوفيتي الذين يضمون عددا كبيرا
من اليهود غير اليهود (أي اليهود الذي ن فقدوا هويتهم الدينية والإثني ة) بل
ومن الأغيار من غير اليهو د. وإلى جانب كل هؤلاء توجد الكتلة البشرية
الوافدة من المغرب، والتي تشعر بكيانها المستقل كما وكيفا، وتحاول أن
?يسمع صوتها داخل النظام السياسي الإسرائيلي، بل يقال إنها بسبب يهوديتها
الواضحة، تفكر جد يا في قيادته لتحل محل القيادة العمالية العلمانية المهترئ ة.
ولم يفشل الصهاينة في مزج المنفيين وحسب، ولا في تخليق شعب واحد، بل
فشلوا تماما في تعريف اليهودي.
كما تنبأ الصهاينة بأن الدولة الصهيونية ستكون بمنزلة مركز روحي يمنع
يهود العالم من الاندماج في مجتمعات هم، وبالتالي يحافظ على هويته م. ولكن
الشباب من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي يتجه نحو الحضارة
السائدة، وهي حضارة لا تساعدهم البتة على تطوير جوهرهم اليهودي
- ??? -
المزعوم؛ لأنها حضارة عملية علماني ة. كما أن أعدادا كبيرة من الشباب
اليهودي المتمرد ينخرط في سلك الحركات اليسارية، وهي حركات دولية
معادية للمفاهيم الصهيونية الضيقة، خاصة أن الصهيونية الآن غير قادرة
على أن تبرز واجهة يسارية (كما كانت تفعل في الماض ي)؛ ولذا فهي تقدم
إسرائيل باعتبارها بلد المشاريع الرأسمالية الخاص ة. ولهذا يكون قد فشل
الصهاينة أيضا في تحرير اليهود من منفى الروح، ولم تنجح الصهيونية في
منع الشباب اليهودي من الانضمام للحركات الاشتراكية اليسارية (كما كانت
تزعم).
بل يلاحظ داخل المستوطن الإسرائيلي أن نموذج الصابرا الجديد (أي
الشباب الإسرائيلي الذي ? ولد على أرض فلسطين المحتل ة) يكن الاحتقار
الشديد لنموذج يهودي الدياسبورا (أي يهود العالم خارج فلسطين) الذي تتسم
حياته بالسلبية وبالتقبل لحكم الجوييم (الأغيار). وقد ظهر هذا الاحتقار
بصورة خاصة أثناء محاكمات أيخمان في تل أبيب، حيث تبين الجيل الجديد
الإسرائيلي كيف أن اليهود ذبحوا ذبح الشاه (كما كانت تدع ي الدعاية
الصهيونية حينذا ك) دون مقاومة أو كفا ح. وبينما يتهم الصهاينة يهود المنفى
بأنهم لا يشتغلون إلا بالأمور الكتابية والفكرية، نجد أن الصابرا معاد للعقل
(أي أنه صهيوني حتى النخا ع)، كما أنه معاد للفكر الإنساني عامة، وهو في
هذا نتاج حقيقي للفكر الصهيوني أي ضا، خاصة الصهيونية السياسية العملية،
التي تعادي الأخلاق والفكر والتنظير، مفضلة اللجوء إلى الفعل، والفعل
السريع الذي يخلق "حقائق جديد ة" على حد تعبير موشي ديا ن. وجيل الصابرا
هو جيل حضارة التكنولوجيا الذي لا يكترث بالتراث، كما أنه جيل تسيطر
عليه الثقافة الشعب ية ذات الصبغة الأمريكية؛ ولذا تنتشر في إسرائيل أفلام
رعاة البقر وأفلام الجريمة والإثارة الجنسية.
- ??? -
ومؤخرا تنبأ بعض الخبراء الصهاينة بأن يهود الأرجنتين الذين يبلغ
عددهم حوالي ??? ألف (وبالتالي هم أكبر تجمع يهودي في أمريكا اللاتيني ة)
سيهاجرون إلى إسرائي ل. وأمريكا اللاتينية تعتبر إحدى مناطق النزوح، أي
أنها بلد طاردة لليهود وليست جاذبة له م. وهذا يعود لعدة أسباب من بينها
رفض الحضارة اللاتينية لليهود ومقدرتها في الوقت نفسه على هضمهم، ومن
بينها أيضا تقاليد معاداة اليهود الراسخة، وعدم الاستقرار السياسي أو
الاقتصادي ل بلاد القار ة. وقد جاء انتخاب منعم رئيسا للأرجنتين، بخلفيته
الإثنية العربية، فزاد من مخاوف أعضاء الجماعة اليهودية فيها، وبخاصة أن
منافسه ألفونسين كان متعاطفا مع أعضاء الجماع ة. لكل هذا أطلق الصهاينة
النبوءات بأن هجرة جماعية ستبدأ لا محالة من الأرجنتين إلى إسرائيل.
ولكن الذي حدث بالفعل خيب أمل الصهاينة؛ إذ لم يهاجر سوى بضع
مئات، عادوا بعدها إلى بلادهم، وتوجه بعضهم إلى الولايات المتحدة، البلد
الذي يشكل نقطة الجذب الأساسية بالنسبة للغالبية الساحقة من يهود العالم،
وصرح دوف شيكلانسكي، المتحدث باسم الكنيست وأحد زعما ء الليكود أن
يهود الأرجنتين لم يستمعوا إلى نصائحه (نبوءاته) الصهيونية (ميامي جويش
.( تلغراف ? أغسطس ????
وفي عام ???? صرح متيتياهو دروبلس (رئيس قسم الاستيطان السابق
في الوكالة اليهودي ة) بأن عدد المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية
سيصل إلى ??? ألف عام ???? وأنه بحلول عام ???? ستضم الضفة
الغربية ?,???,??? يهود ي! ونشرت النبوءات بحذافيرها في كثير من
الصحف العربية، وزينت المعلومة صفحاتها وعناوينها الرئيسي ة. ولكن
?? ألفا، أي أن - بحلول عام ???? لم يكن عدد المستوطنين قد تجاوز ??
نبوءة دروبلس أو مخططه فشل تمام ا! ومع هذا صرح هذا المسئول
- ??? -
الصهيوني نفسه بأن هناك خطة مدروسة لزيادة عدد المستوطنين اليهود في
الضفة الغربية وغزة لتبلغ نسبتهم ?? % من مجموع عدد السكان العرب في
نهاية القرن الحالي، أي ??? ألف مستوط ن. ثم أشار إلى أن هذه الخطة
تفترض هجرة مليون ونصف مليون يهودي من الاتحاد السوفيتي.
وقد نشرت النبوءة بحذافيرها مرة أخرى في كثير من الصحف العربية،
كما زينت المعلومة الجديدة صفحاتها وعناوينها الرئيسية، ولكن لم يكلف أحد
خاطره بأن يذكر كذبة دروبلس السابقة حتى نتحفظ تجاه تصريحاته (نبوءاته)
الجديدة، ولم يطرح أحد احتمال أنه قد يكو ن مثل سائر البشر يخلط الحقائق
بالأماني والحقيقة بالوهم، وأنه قد لا يختلف كثيرا عن المخابرات الإسرائيلية
التي استمرت في إنكار وجود الانتفاضة بعد شهر من اندلاعها، والتي أعلنت
أنه تم إخمادها بشكل نهائي - عشر مرات قبل أن يتحققوا أنها ظاهرة
مستمرة.
ولكن من أهم أوجه فشل الصهاينة في التنبوء هو سقوط الأيديولوجية
الصهيونية ذاتها كإطار يدرك المستوطنون الواقع من خلاله، وكرؤية توجه
سلوكهم وتحدد أولوياته م. فلم يعد يهود العالم يرون أن الصهيونية أيديولوجية
لها أي مغزى بالنسبة لحياتهم في أوطانهم، ولم يعد المستوطنون يجدون أ ن
لها علاقة بواقعهم، وهذا الجانب من الفشل الصهيوني من الأهمية بمكان،
حتى إننا سنتناوله فيما بعد بالتفصيل (مع بعض جوانب الأزمة الصهيونية
الأخرى) في نهاية هذا البحث.
مصطلح الصهيونية واختلاط الدلالة
بعد أن طردنا هذين الوهمين أو الشبحين اللذين سيطرا على العقل العربي
يمكننا أن نتوجه للظاهرة الصهيونية، وأن نحاول تعريفه ا. ولا بد أن نقرر
ابتداء أن المصطلحات في العلوم الإنسانية تتسم بإبهامها إلى درجة أنه
- ??? -
يصعب على العاملين في نفس الحقل المعرفي أن يتفقوا على تعريف واحد
لنفس المصطلح؛ ولذا نجد أن مصطلحا محوريا مثل الطبي عة له عدة معان
مختلفة، متضاربة أحيانا إلى درجة أن البعض ينادي بالابتعاد تماما عن
التعريف الثابت (الجامع المان ع) والاكتفاء بالتعريفات الإجرائية المتغيرة (أي
أن يقوم كل باحث بتعريف المصطلحات التي يستخدمها في بحثه، وعليه أن
يكون متسقا مع نفسه بأن يلتزم بهذه ا لتعاريف، وعلى قرائه ونقاده ألا
يحاسبوه إلا في إطاره ا). ويزداد الأمر إبهاما واختلاطا حين يكون المصطلح
المطلوب تعريفه له مضمون أيديولوجي، إذ إن من يقوم بعملية التعريف
تتحكم فيه تحيزاته وأهواؤه وولاءاته الأيديولوجية.
الصهيونية مصطلح أقل ما يمكن أن يوصف به أنه مصطلح مختلط الدلالة
ذو مضمون أيديولوجي فاق ع. وتشير كلمة صهيون في التراث الديني اليهودي
إلى جبل صهيون والقدس، بل إلى الأرض المقدسة ككل، كما تستخدم الكلمة
للإشارة إلى اليهود باعتبارهم جماعة دينية.
وتشير عبارة بنت صهيون إلى اليهود أنفسهم، والعودة إلى صهيون فك رة
محورية في النسق الديني اليهودي، إن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بأن الماشيح
(المسيح المخلص اليهود ي) سيأتي في آخر الأيام حينما يشاء الإله ليقود شعبه
إلى صهيون (الأرض - العاصم ة) ويحكم العالم، فيسود العدل والرخاء، وقد
وردت إشارات شتى في الكتاب المقدس إلى هذا الارتباط بصهيون الذي
يطلق علية عادة حب صهيون، وهو حب يعبر عن نفسه من خلال الصلاة
والطقوس الدينية المختلفة، وفي أحيان نادرة على شكل الذهاب إلى فلسطين
للعيش فيها بغرض التعبد وحسب؛ ولذا كان المهاجرون اليهود الذي يستقرون
هناك لا يعملون، ويعيشون على الصدقات الت ي يرسلها أعضاء الجماعات
اليهودية في العال م. وكان العيش في فلسطين يعد عملا من أعمال التقوى لا
- ??? -
عملا من أهمال الدنيا، جزاؤه في الآخرة أو في آخر الأيا م. بل إن اليهودية
الحاخامية (الأرثوذكسية) كانت تحرم محاولة العودة الجماعية الفعلية إلى
فلسطين وتعتبرها تجديفا وهرطقة ومن قبيل دوحيكات هاكتس، أي التعجيل
بالنهاية، ورفض مشيئة الإل ه. فاليهودية تؤمن بأن العودة إلى أرض الميعاد
ستتم في الوقت الذي يحدده الرب وبطريقته، وأنها ليست فعلا بشريا يتم على
يد البشر وبمشيئتهم وحسب هواهم وبإرادته م. كل هذا يعني أن ثمة فرقا
شاسعا بين مفهوم العودة في سياقه الديني، وفكرة العودة الاستيطانية
الصهيونية.
والشيء نفسه ينطبق على مفهوم الشعب اليهود ي. فاليهودية الحاخامية (أو
المعيارية - أي اليهودية منذ القرن الخامس الميلادي حتى نهاية القرن التاسع
عشر) تذهب إلى أن اليهود ليسوا شعبا بالمعنى العرقي أو البيولوجي أو
العلماني للكلمة، وإنما هم جماعة دينية يؤمن أعضاؤها بعقيدة دينية ويلتزمون
بمعاييرها الأخلاقية.
وغني عن القول أن هذا التعريف للشعب اليهودي يختلف بشكل جوهري
عن تعريف المفكر اليهودي النمساوي نيثان بيرنباوم الذي قام بنحت مصطلح
صهيونية من كلمة ص هيون. وقد بين بيرنباوم بما لا يقبل الشك أن الصهيونية
حركة علمانية، معادية لليهودية، ترفض المعتقدات المشيحانية والعناصر
العجائبية الأخروية (أي العودة في آخر الأيام بعد مقدم الماشي ح) وتحاول أن
تصل إلى أهدافها من خلال العمل السياسي المنظم لا من خلال الصدقات،
ومن خلال إرادة البشر لا إرادة الإل ه. في هذا الإطار لم يعد اليهود جماعة
دينية يؤمن أعضاؤها بعقيدة دينية، وإنما أصبحوا جماعة عرقية يربطهم
رباط العرق والدم والانتماء الإثني، وأصبحت الصهيونية هي الدعوة القومية
اليهودية التي جعلت من السمات العرقية اليهودية (ثم السمات الإثنية في
- ??? -
مرحلة لاحق ة) قيمة نهائية مطلقة تحل محل الدين اليهودي مصدرا للوحدة
والتضامن بين اليهود.
وتعريف بيرنباوم للصهيونية (الذي نشره في مجلة الانعتاق الذاتي في
إبريل ???? ، وشرح معناه في خطاب له بتاريخ ? فبراير ???? ) هو في
واقع الأمر تعريف للآمال ا لصهيونية قبل أن تتحول إلى واقع، وهو لا يستند
إلى دراسة تحليلية مركبة لتاريخ الفكر الصهيوني أو لواقع الجماعات
اليهودية في العال م. ويبدو أن بيرنباوم لم يكن مدركا لتضمينات تعريفه
الاجتماعية والتاريخية، فإذا كان اليهود حقا شعبا وليسوا جماعة دينية فهم من
ثم لا ينتمون إلى أوطانهم وإنما إلى "وطنهم القوم ي"، أي فلسطين (التي
تسمى في العبرية إرتس يسرائي ل). وهذا يعني بطبيعة الحال افتراض
ضرورة نقل اليهود إلى فلسطين، وبالتالي حتمية إخلاء هذا الوطن القومي
من السكان الذين قد "يتصادف" وجودهم فيه (وقد اكتشف بيرنباوم ذلك فيما
بعد؛ فتمرد على الحركة الصهيونية ورفضها وانضم إلى تنظيمات مختلفة
للتصدي لها).
ولا تختلف التعريفات التي ترد في المعاجم الغربية كثيرا عن تعريف
بيرنباوم، فمعظمها يستخدم ديباجات معسولة، تتجاهل الواقع فتصف
الصهيونية بأنها "الحركة السياسية الرامية إلى عودة اليهو د إلى وطن أجدادهم
(إرتس يسرائي ل) حسبما جاء في الوعد الإلهي والآمال المشيحانية لليهود !"
أي أن ثمة ديباجات دينية تم إدخالها حتى يتم تخبئة المضمون العنصري
والإرهابي للصهيونية.
وتزداد الديباجات كثافة على مر الأيام، فهناك من يذهب إلى أن
الصهيونية هي حركة تهدف إلى إنقاذ اليهود من هجمات المعادين لليهود في
أوربا. ويذهب آخرون إلى أن إنشاء الدولة الصهيونية يرجع إلى الإحساس
- ??? -
بالذنب والندم الذي يشعر به العالم الغربي تجاه اليهود بعد أن اضطهدهم
وسامهم صنوف العذاب عبر التاريخ الغربي كل ه. وطبعا هناك الشعار
الصهيوني المعرو ف: "شعب بلا أرض، لأرض بلا شع ب"، الذي يعني أن
الصهيونية هي الحركة التي ترمي إلى إعادة شعب هائم على وجهه في بقاع
الأرض، إلى فلسطين التي لا يقطنها أحد.
إن القيمة التفسيرية لمثل هذه التعريفات ضعيفة، بل وتكاد تكون منعدم ة.
فهي تعريفات ينحصر نطاقها داخل إطار الداف ع الديني أو الإثني الذي حدا
بقلة قليلة من أعضاء الجماعات اليهودية إلى الهجرة والاستيطان في فلسطين
وأغفل دوافع الغالبية الساحقة منهم (تحقيق الحراك الاجتماعي داخل إطار
التشكيل الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الغرب ي). كما أن هذه التعريفات لا
تتوجه البتة لقضية البنية التي تشكلت في الواقع بعيدا عن الدوافع، دينية كانت
أم إيماني ة. ولهذا نجد أنها لا تفسر مقاومة السكان الأصليين للمستوطنين
الصهاينة ولا الحروب المستعرة المستمرة بين الدولة الصهيونية وجيرانها،
ولا تتوجه من قريب أو بعيد لقضية اللاجئين الذين يملئون المخيما ت
ويطالبون بالعودة لوطنهم (الذي يدعي الصهاينة أنه وطن أسلافه م)، ولا إلى
حقيقة أن غالبية الشعب اليهودي لا تحب الإقامة في وطنها القومي المزعو م!
ولذا نجد أنه بعد إنشاء الدولة الصهيونية بخمسين عاما لا يزال الوطن
القومي اليهودي هو وطن الأقلية، فالأغلبية الساحقة ليهود العالم على ما يبدو
تفضل حالة المنفى والشتات!
ومما زاد الأمر إبهاما واختلاطا التطور اللاحق للحقل الدلالي لكلمة
صهيونية؛ إذ أصبح المصطلح يشير إلى حركات ومنظمات سياسية غير
متجانسة (بل متناقضة أحيان ا) في مصالحها وأهدافها ورؤيتها للتاريخ، أو في
أصولها ا لإثنية أو الدينية أو الطبقي ة. ولعله لهذا السبب كثيرا ما يستخدم
- ??? -
مصطلح صهيونية مع صفة تحد من حقله الدلالي أو توسعه كأن يقا ل:
الصهيونية العامة، والصهيونية العمالية، والصهيونية الثقافية، والصهيونية
الروحية، والصهيونية العلمانية، والصهيونية الدينية، والصهيونية ا لإقليمية
(التي يطلق عليها أحيانا اصطلاح صهيونية بدون صهيون، أي إنشاء الدولة
الصهيونية في أي بقعة خارج فلسطين، مما يشير إلى الطبيعة الاستعمارية
الاستيطانية المجردة للمشروع الصهيوني إن أسقطت ديباجاته اليهودية، وقد
ظهر ردا على هذا مصطلح صهيونية صهيون)... إلخ.
ولكن من أهم المصطلحات هو ما يسمى صهيونية الدياسبورا أو الشتات
(أي الجماعات اليهودية في العال م)، وهي صهيونية اليهودي الذي يزعم أنه
صهيوني متحمس لصهيونيته متمسكا بها، وأنه يدين بالولاء للوطن القومي
اليهودي، ويؤمن بأن الاستيطان الصهيوني هو الحل الوحيد لمشاكل اليهود،
ولكنه رغم كل هذا يرفض أن يهاجر إلى فلسطين ويستوطن فيها، مؤثرا
عليها وطنه الحقيقي الذي يعيش في ه. وقد نحت المفكر الصهيوني العمالي
بوروخوف مصطلح صهيونية الصالونات، ويعني صهيونية الطبقة الوسطى
التي تهتم بما تتصوره الإثنية اليهودية والتراث اليهودي وتنت قي منه ما تشاء،
حسبما يروق له ا. ورغم هذا الاهتمام الظاهر إلا أنها لا تكترث كثيرا
بالاستيطان. (ولذا فنحن نسميها صهيونية توطينية في مقابل الصهيونية
الاستيطانية).
التاريخ اليهودي ووهم الوحدة اليهودية
يجب أن نخترق السحب الكثيفة من الديباجات والاعتذاريات لنصل إل ى
المفهوم الأساسي الكامن وراء التعريفات الصهيونية المختلفة للصهيونية،
وسنكتشف على التو أن هذا المفهوم هو التاريخ اليهودي (وتنويعات مختلفة
عليه). ويرى الصهاينة أن الحركة الصهيونية بدأت مع التاريخ اليهودي
- ??? -
نفسه، وأنها لازمت اليهود عبر تاريخهم بعد تحطيم الهيك ل، وذلك لسببي ن:
واحد سلبي، والآخر إيجاب ي. أما السلبي، فهو ظاهرة العداء لليهود والمذابح
والاضطهاد اللذين تعر ض لهما اليهود في كل مكان وكل زمان، وهي
ظاهرة حتمية أزلية من المنظور الصهيون ي. وأما السبب الإيجابي، فهو
الرغبة العارمة لدى اليهودي في العودة إلى فلسط ين (أرض الوطن - أرض
الأجداد والأسلاف - الوطن القومي - أرض الميعا د) حيث إنه يشعر
بالاغتراب العميق في أرض المنفى (الأمر الذي أدى إلى إفساد الشخصية
اليهودية).
وتعود هذه الرغبة إلى أن اليهود، من منظور صهيوني، يشكلون قومية
في عبارة هرتزل) رغم أنهم لا يوجدون في مكان ein Volk (أين فولك
واحد ولا يتحدثون لغة واحدة، ولا يتسمون بسمات عرقية أو نفسية واحدة،
ولا يخضعون لظروف اقتصادية واحد ة. وقد بدأت المسألة اليهودية - حسب
تصورهم - يوم أن ترك اليهود وطنهم قسر ا. والصهيونية هي التي ستضع
نهاية لهذا الوضع، وهي ستفعل ذلك عن طر يقة آلية جديدة، فهي ترفض
سلبية اليهودية الحاخامية، وخنوع الشخصية اليهودية، وبالتالي سوف تحرض
اليهود على العودة بأنفسهم إلى فلسطين ليحققوا تطلعهم القومي، وستقوم
بتنظيمهم لتحقيق هذا الهد ف. ولكل هذا، تنظر الصهيونية إلى نفسها
باعتبارها التعبير الحقيقي والوحيد عن مسار التاريخ اليهودي.
لكن هذه الرؤية الصهيونية لتاريخ الصهيونية ليست ذات مقدرة تفسيرية
عالية؛ إذ إنها تفشل في أن تفسر لِ ?م ظهرت الصهيونية بين اليهود في أوربا
في أواخر القرن التاسع، ولِ ?م لم تظهر قبل ذلك التاريخ في مكان آخ ر. ولو
كان سبب ظهور الصهيونية هو عداء الأغيار لليهود ورغبتهم العارمة في
العودة، لكان الأولى أن تظهر الصهيونية إبان حروب الفرنجة على سبيل
- ??? -
المثال. وكيف نفسر ظهور الفكر الصهيوني في الأوساط الاستعمارية الغربية
وهم لا يدينون باليهودية ولا يوجد عندهم أي تطلع للعودة ولم يتعرضوا
لاضطهاد الأغيار؟
إن مفهو م/مصطلح التاريخ اليهودي يفترض أن ثمة تاريخا يهوديا واحدا
مستقلا عن تواريخ جميع الشعوب والأم م. وهو تاريخ يفترض فيه أنه يضم
اليهود وحدهم (الذين يشار إليهم باعتبارهم الشعب اليهود ي)، وهم يتفاعلون
داخله مع بعضهم بعضا، ومع شعوب الأرض الأخرى باعتبارهم كتل ة بشرية
واحدة متماسكة لها سماتها الثقافي ة. ومفهوم التاريخ اليهودي هذا مفهوم
محوري في العقل الغربي، ينبع من إيمان الغرب بالعهد القديم، وبأن التاريخ
الديني المقدس الذي ورد فيه هو في واقع الأمر تاريخ دنيوي، وتستند جميع
المفاهيم الخاصة بالاستقلال اليهودي والوح دة اليهودية إلى مفهوم التاريخ
اليهودي هذا.
ولكن من الثابت تاريخيا أن الجماعات اليهودية المنتشرة في أرجاء العالم
كانت توجد في مجتمعات تسودها أنماط إنتاجية وبنى حضارية ورؤى للكون
تختلف باختلاف الزمان والمكا ن. فيهود الفلاشاه يعيشون داخل مجتمع قبلي
زراعي بدائي ، ويتحدثون الأمهرية، ويتعبدون بالجعيزية، ولا يعرفون
العبرية ولا اليديشي ة. أما يهود الولايات المتحدة فيعيشون في مجتمع صناعي
يقال له متقدم ويتحدثون الإنجليزي ة. ويهود اتحاد دول الكومنولث (الاتحاد
السوفيتي سابق ا) يتحدثون لغات عديدة من بينها الروسية والأوكرانية والتركية
واليديشية. وقد اكتسب كل فريق من هؤلاء خطابه الحضاري ورؤيته للكون
من المجتمع الذي يعيش في ه. ويتأثر أعضاء كل جماعة بأحداث التاريخ الذي
يتحركون داخل أطره ويتفاعلون معه (سواء كان التاريخ الأفريقي أو
الأمريكي أو الروس ي)؛ ولهذا نجد أن رؤية اليهودي الإث يوبي للكون تختلف
- ??? -
عن رؤية اليهودي الأمريكي أو الروسي له، وأن سلوك كل منهما يختلف عن
الآخر.
ويتبدى الاختلاف في علاقة كل جماعة يهودية بالدولة الصهيونية، فقد
لوحظ أن معظم يهود الفلاشاه هاجروا ككتلة بشرية إلى إسرائيل، بينما يحجم
يهود الولايات المتحدة عن الهجرة إليها إلا بأعداد صغيرة ليست لها أية
أهمية اقتصادية، وحينما يهاجر يهود دول اتحاد الكومنولث فإن غالبيتهم تبذل
قصارى جهدها للهجرة إلى الولايات المتحدة، فإن أخفقت جهودهم فإنهم
يهاجرون إلى إسرائيل كارهين صاغرين.
إن حاولنا تفسير أنماط الهجرة هذه بالعودة إلى التو راة والتلمود والتاريخ
اليهودي (أو أية عناصر مشتركة بين هذه الجماعات اليهودي ة) لأخفقنا تماما ،
ولكننا بوسعنا أن نفهم هذه الأنماط بالعودة إلى حركيات المجتمعات التي
يعيش أعضاء الجماعات اليهودية بين ظهرانيها، وإلى آليات الطرد (في
المجتمع الأصل ي) والجذب (في الت جمع الصهيون ي). ويمكن القول بأن يهود
الفلاشاه قد هاجروا إلى إسرائيل بسبب الحركة الطاردة في مجتمعهم
(المجاعة - حالة الحرب التي دامت عدة سنوا ت) والحركة الجاذبة إلى
إسرائيل (تحقيق مستوى اقتصادي أحس ن). أما يهود الولايات المتحدة فلا
توجد حركة طاردة في مجتمعاتهم، ولا تشكل إسرائيل بالنسبة لهم قوة جذب
كبيرة. ويختلف وضع يهود دول اتحاد الكومنولث، فثمة حركة طاردة في
مجتمعاتهم، ولكن تشكل الولايات المتحدة بالنسبة لهم نقط جذب تفوق قوتها
كثيرا الدولة الصهيونية. ومن هنا نمط هجرة أعضاء كل جماعة.
ولأن المقدرة التفسيرية لمفهوم التاريخ اليهودي ضعيفة، بل تكاد تكون
منعدمة، فقد يكون من المفيد ألا نتحدث عن اليهود على وجه العموم، وإنما
عن الجماعات اليهودية، وألا نشير إلى التاريخ اليهودي بشكل مطلق وإنما
- ??? -
إلى تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية (إلا إذا تطلب السياق غير ذل ك)، ولا
نتحدث عن الش تات أو المنفى، وإنما عن انتشار أعضاء الجماعات اليهودي
في أرجاء العال م. أي أننا يجب أن ننظر إلى كل جماعة يهودية على حدة،
ونحاول تفسير سلوك أعضائها في إطار سياقها الحضاري والتاريخي
المتعين، فتاريخ كل جماعة يهودية هو جزء لا يتجزأ من تاريخ المجتمع
الذي تعيش فيه.
أسباب ظهور الصهيونية
إن التوصل لهذه الحقيقة البسيطة يجعلنا نضع الصهيونية في سياقها
الحقيقي، أي التاريخ الغربي، ونبحث عن أسباب ظهورها داخل هذا السياق
دون أن نهمل العناصر اليهودي ة. ولنبدأ بتلك العناصر الكامنة في الحضارة
الغربية التي لم تؤد إلى ظهور الصهيو نية ومع هذا خلقت التربة الخصبة
.(elective affinity لظهورها (فيما يسميه ماكس فيبر التبادل الاختياري
? - أدرك العالم الغربي أعضاء الجماعات اليهودية فيه لا باعتبارهم
أقلية دينية أو حتى إثنية، وإنما باعتبارهم شعبا عضويا منبوذا، وهو
مصطلح/مفهوم توجد عناصره دا خل الخطاب الحضاري الغرب ي. والشعب
هو شعب يرتبط أعضاؤه فيما بينهم (Volk العضوي (بالألمانية : فولك
وبأرضهم بأواصر عضوية لا يمكنهم الفكاك منه ا. ونحن نذهب إلى أن
الحضارة الغربية ترى اليهود لا باعتبارهم مجرد أقلية أو جماعة دينية، وإنما
باعتبارهم أعضاء في شعب عضو ي له صفاته الخاصة بل والفريدة،
المقصورة عليه م. وبعض هذه الصفات إيجابية، لكن معظمها - في المنظور
الغربي - سلبي ومن أهمها أن اليهود يرتبطون عضويا بفلسطين، ومن ثم
فهم لا ينتمون إلى التشكيل الحضاري الغربي، ويقفون على هامش التاريخ
- ??? -
الغربي، ويشكلون عناصر طفيلية لا جذور لها، يجب أن تنبذ، وأن تنقل
خارج التشكيل الحضاري الغربي.
? - نظر العالم الغربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم
وسيلة لا غاي ة. ففي الصياغة الدينية الكاثوليكية يعتبر اليهود شعبا شاهدا تدل
ضعته وتدنيه على عظمة الكنيسة وانتصاره ا. والصياغة البروتس تانتية تعتبر
اليهود عنصرا ضروريا في عملية الخلاص التي لا يمكن أن يتم إلا
بإرجاعهم إلى فلسطين وتنصيرهم (وهذا ما يسمى "العقيدة الاسترجاعي ة").
ولا تختلف الصياغة العلمانية اللادينية كثيرا عن ذلك؛ إذ ينظر الغرب لليهود
باعتبارهم عنصرا يمكن استخدامه في المشارع ال تجارية والاستيطانية لما لهم
من قدرات تجارية خاصة، فهم مادة بشرية يمكن توظيفها لصالح الغرب.
? - فشلت المسيحية الغربية في التوصل إلى رؤية واضحة لوضع
الأقليات على وجه العموم ورؤيتها لليهود على وجه الخصوص، الذين نظر
إليهم باعتبارهم قتلة المسي ح. وقد أدرك الغرب الجماعات اليهودية داخل
إطار العقيدة الألفية والاسترجاعية، وهي الفكرة الدينية التي تذهب إلى أنه
كيما يتحقق العصر الألفي، وكيما تبدأ الألف السعيدة التي يحكم فيها المسيح
(الملك الألف ي)، لا بد أن يتم استرجاع اليهود إلى فلسطين تمهيدا لمجيء
المسيح. ومن هنا، فإ ن العقيدة الاسترجاعية هي مركز وعصب العقيدة
الألفية. ويرى الاسترجاعيون أن عودة اليهود إلى فلسطين هي بشرى الألف
عام السعيدة، وأن الفردوس الأرضي الألفي لن يتحقق إلا بهذه العود ة. كما
يرون أن اليهود هم شعب الله المختار القديم أو الأول (باعتبار أن المسيحيين
هم ش عب الله المختار الجديد أو الثان ي). ولذا، فإن أرض فلسطين هي أرضهم
التي وعدهم الإله بها، ووعود الرب لا تسقط حتى وإن خرج الشعب القديم
عن الطريق ورفض المسيح (وصلبه). ولذا، فإن كل من يقف في وجه هذه
- ??? -
العودة يعتبر من أعداء الإله، ويقف ضد الخلاص المسيحي، فأعداء اليه ود
هم أعداء الإله.
ومن الواضح أن العقيدة الاسترجاعية، شأنها شأن العقيدة الألفية، هي
عقيدة صهيونية تفترض استمرارا كاملا ووحدة عضوية بين اليهود في
الماضي والحاضر والمستقبل، ومن ثم فهي تنكر التاريخ تمام ا. ومع هذا
يلاحظ أن هذه العقيدة معادية لليهود لأن مركزيت هم في الدراما الكونية نابعة
من كونهم تجسيدا للشر في التاريخ؛ ومن ثم فإن تنصرهم (ونهاية التاري خ)
شيء أساسي للخلاص.
الجماعة الوظيفية النافعة
من أهم العناصر التي خلقت تربة خصبة لظهور الصهيونية وضع اليهود
كجماعة وظيفية داخل المجتمع الغربي (كأقنان بلاط - يهود ب لاط - يهود
أرندا - صغار تجار ومرابي ن). والجماعات الوظيفية هي مجموعات بشرية
صغيرة يقوم المجتمع بإسناد وظائف شتى إليها يرى أعضاء هذا المجتمع
أنهم لا يمكنهم الاضطلاع بها لأسباب مختلف ة. فقد تكون هذه الوظائف مشينة
في نظر المجتمع ولا تحظى بالاحترام في سلم القيم السائد (التنجيم - البغاء
- الرب ا)، وقد تكون متميزة ومهمة (الطب، وخصوصا أطباء النخبة الحاكمة
- القتا ل)، وقد يتطلب الاضطلاع بها قدرا عاليا من الحياد والتعاقدية؛ لأن
المجتمع يريد الحفاظ على قداسته وتراحمه ومثالياته (التجارة والربا).
وقد يلجأ المجتمع إلى استخد ام العنصر البشري الوظيفي لملء فجوة أو
ثغرة تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية، ومقدرته على إشباع هذه
الرغبات والوفاء بها من ناحية أخرى (الحاجة لمستوطنين جدد لتوظيفهم في
المناطق النائية - خبرات غير متوفرة - الحاجة إلى رأس ما ل). كما أن
المجتمع يقوم بإسن اد الوظائف ذات الحساسية الخاصة وذات الطابع الأمني
- ??? -
(حرس الملك - طبيبه - السفراء والجواسي س) إلى أعضاء الجماعات
الوظيفية. ويمكن أن تكون الوظيفة التي تسند إلى أعضاء الجماعة الوظيفية
مشينة ومتميزة وحساسة في آن واحد (مثل الخصيان والوظائف الأمنية على
وجه العمو م). كما أن المهاجرين عادة ما يتحولون إلى جماعات وظيفية (في
المراحل الأولى من استقرارهم في وطنهم الجدي د)؛ لأن الوظائف الأساسية
عادة ما تكون قد شغلت من قبل أعضاء المجتمع المضي ف. ويحاول
الاستعمار دائ ? ما أن يحول أعضاء الأقليات إلى جماعات وظيفية تضطلع
بوظائف يسندها إليها وتتمتع بمزايا تقدمها لها حتى تدين له بالولاء.
ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفية الخبرات في مجال تخصصهم
الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونه ا، بل ويتوحدون معها وفي نهاية الأمر
يكتسبون هويتهم ورؤيتهم لأنفسهم منها، وهي عملية يساعد عليها مجتمع
الأغلبية؛ لأنه يعر ف عضو الجماعة الوظيفية من خلال وظيفته وحسب (لا
من خلال إنسانيته الكامل ة) وبذلك يصبح عضو الجماعة الوظيفية إنساًنا ذا
بعد واحد، يمكن اختزال إنسانيته إلى هذا البعد أو المبدأ الواحد وهو
وظيفته.
ويدخل أعضاء المجتمع المضيف مع أعضاء الجماعة الوظيفية في
علاقة تعاق دية نفعية محايدة رشيدة واضحة لا تركيب فيها ولا إبهام، ويقوم
كل طرف في العلاقة بحوسلة الطرف الآخر (تحويله إلى وسيل ة)، والنظر
إليه باعتباره وسيلة لا غاية، وباعتباره مادة نافعة يتم التعامل معها بمقدار
نفعها. ويتم عزل أعضاء الجماعة الوظيفية عن المجتمع المضيف،
فيتصورون أنهم فقدوا الصلة بالزمان والمكان اللذين يعيشون فيهم ا؛ ومن
ثم غال?با ما يرتبط أعضاء الجماعة الوظيفية عاطف?يا بوطن أصلي (صهيون
– الصين – القبيلة – العائل ة) يصبح موضع ولائهم وحبهم وعاطفتهم
- ??? -
المشبوبة، ويتصورون أنهم جزء من تاريخه وتراثه، فيتعمق شعورهم
بالغربة نحو المجتمع المضيف، ويعيشون فيه دون أن يكونوا منه، ويتطور
لديهم إحساس عميق بهويتهم المستقلة (مركب الشعب المختار المنفي أو
الشعب العضوي المنبو ذ). ولكن الجماعة الوظيفية (والوظيفة ذاته ا) هي،
في واقع الأمر، موضع الولاء الفعلي والمباشر لعضو الجماعة الوظي فية،
فهي أساس وجوده وهويت ه. إلا أن المعجم الحضاري لأعضاء الجماعة
الوظيفية لا يختلف في واقع الأمر عن معجم مجتمع الأغلبية إلا في بعض
التفاصيل الخاصة، فهم آلة لا وطن لها اس ? ما، ولكنهم يعيشون فع ً لا في
المجتمع المضيف، يؤدون وظيفتهم فيه بشكل يوم ي؛ ومن َث ? م فهوي تهم
هوية وهمية.
يؤدي هذا الوضع إلى أن أعضاء الجماعة الوظيفية يصبحون منبتي
الصلة بالجماهي ر، ويزدادون اقترا?با من النخبة الحاكمة التي تستخدمهم
كأداة لقمع جماهير المجتمع ولامتصاص ما قد يتراكم من ثروات وفوائض
لديهم. وبذلك تصبح الجماعة اليهودية في المجتمع وليست منه (وهذا هو
تما ? ما وضع الشعب العضوي المبنوذ والشعب الشاهد والجماعة التي توظف
في عملية الخلاص النهائي).
هذه الرؤية التي تحوسل اليهود (أي تحولهم إلى وسيلة وتراهم
باعتبارهم جماعة بشرية في خدمة هذا الهدف أو ذا ك) هي رؤية متأصلة
في الوجدان الغربي حتى إنه حين ب دأت مناقشة قضية عتق اليهود
وإعطائهم حقوقه م. دارت المناقشة في إطار فكرة المنفعة، أي مدى نفع
اليهود للمجتمعات الغربي ة. فحينما قام أعداء اليهود بالهجوم عليهم من
منظور ضررهم وعدم نفعهم، دافع أعضاء الجماعات اليهودية عن أنفسهم لا
من منظور حقوقهم كبشر، وإنما من م نظور نفعهم أيض ا. فكتب الحاخام
- ??? -
سيمون لوتساتو عام ???? كتابا بالإيطالية تحت عنوان مقال عن يهود
البندقية عدد فيه الفوائد الكثيرة التي يمكن أن تعود على البندقية وعلى غيرها
من الدول من وراء وجود اليهود فيها، فهم قد طوروا فروعا مختلفة من
الاقتصاد، يضطلعون بوظائف لا يمكن لغيرهم الاضطلاع بها مثل التجارة،
ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماما، ولا يبحثون
عن المشاركة فيه ا. وهم يقومون بشراء العقارات؛ ومن ثم لا ينقلون أرباحهم
خارج البلا د. إن اليهود من هذا المنظور يشبهون رأس المال الوطني (مقابل
رأس المال الأجنبي) لا بد من الحفاظ عليه والدفاع عنه.
وقد تبنى مَِن ? سى بن إسرائيل المنطق نفسه في خطابه لكرومويل حتى
يسمح لليهود بالاستيطان في إنجلتر ا. كذلك تبنى أصدقاء اليهود المنطق ذاته،
فطالب جوسيا تشايلد رئيس شركة الهند الشرقية عام ???? بإعطاء الجنسية
لليهود ا لموجودين في إنجلترا بالفع ل. وأشار إلى أن هولندا قد فعلت ذلك
وازدهر اقتصادها بالتال ي. كما كتب جون تولاند عام ???? كتيبا هاما للغاية
عنوانه "الأسباب الداعية لمنح الجنسية البريطانية لليهود الموجودين في
بريطانيا العظمى وأيرلند ا" دافع فيه عن نفع اليهود، مستخدما المنطلقات
نفسها التي استخدمها لوتساتو.
ومن أهم المدافعين عن نفع اليهود، الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، حيث
بين أهمية دورهم في العصور الوسطى، وكيف أن طرد اليهود ومصادرة
أموالهم وممتلكاتهم اضطرهم إلى اختراع خطاب التبادل لنقل أموالهم من بلد
إلى آخر، ومن ثم أصبحت ثروات التجار غير قابلة للمصادرة، وتمكنت
التجارة من تحاشي العنف، ومن أن تصبح نشاطا مستقلا، أي أنه تم
ترشيدها.
- ??? -
ولعل أدق وأطرف تعبير عن أطروحة نفع اليهود ما قاله إديسون في
مجلة سبكتاتور في ?? سبتمبر ???? حين وصف بدقة تحول اليهود إلى
أداة كاملة، فاليهود منتشر ون في كل الأماكن التجارية في العالم، حتى
أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات
شاسعة، والتي تترابط من خلالها الإنساني ة. فهم مثل الأوتاد والمسامير في
بناء شام خ. ورغم أنهم بغير قيمة في ذاتهم، غير أن أهميتهم مطلقة لاحتفاظ
هيكل البناء بتماسكه.
المسألة اليهودية وظهور الصهيونية
ذكرنا بعض العناصر الكامنة التي خلقت تربة خصبة لظهور الصهيونية،
ولعل أهمها هو العنصر الأخير، أي تحول الجماعات اليهودية إلى جماعات
وظيفية نافعة في المجتمع الغربي لها وظيفة محددة.
عادة ما يظل وضع الجماعة الوظيفية مست قرا حين يكون المجتمع في
حاجة إليها، ولكن يختلف الوضع تماما حينما تطرأ تغيرات اجتماعية
واقتصادية وسياسية تجعل المجتمع أقل احتياجا لها، أو في غنى عنها تماما،
فيتحول أعضاء الجماعة من جماعة هامشية إلى جماعة منبوذة يود المجتمع
التخلص منها بأي شك ل. وهذا ما حدث - على سبيل المثال - لجماعة
المماليك في مصر بعد ظهور محمد علي وتأسيسه لدولة مركزية لها جيش
نظامي من أبناء الشعب، مما حول المماليك من أعضاء جماعة وظيفة
عسكرية تدافع عن المجتمع (وتستغله في نفس الوق ت) إلى جماعة طفيلية
تعيش عالة عليه.
وقد حدث شيء من هذا القبيل ل لجماعات اليهودية الوظيفية في الغرب
ابتداء من القرن السابع عشر حين بدأت التجارة تتحول إلى نشاط أساسي في
المجتمع الغربي، وظهرت طبقة تجارية وبيوتات مالية كبرى بين أعضاء
- ??? -
الأغلبية، ثم ظهر جهاز مصرفي ودولة مركزية قومية قوية تعتمد على
مؤسسات حديثة، ففقد أعضاء الج ماعات اليهودية الوظيفية وظيفته م. فالبنوك
المركزية والبيوتات المالية التابعة لمجتمع الأغلبية حلت محل المرابي
اليهودي، والمصانع والمتاجر الحديثة حلت محل التاجر والحرفي اليهود ي.
ونحن نرى أن هذا هو السبب الأساسي للمسألة اليهودية، أي تحول اليهود
إلى جماعة وظيفية بلا وظيفة.
ولكن المشكلة تفاقمت لأسباب أخرى من بينها ما يلي:
? - تعثر التحديث في شرق أوربا وبخاصة روسيا (التي أصبحت تضم
في بداية القرن التاسع عشر أكبر تجمع يهودي في العالم بعد أن ضمت
أجزاء كبيرة من بولند ا. وقد تعثر التحديث لأسباب عدة من أهمها سرعة
معدلات النمو الاقتصادي في هذه المجتمعات، الأمر الذي لم يسمح لأعضاء
الجماعات اليهودية الوظيفية التي فقدت وظيفتها بالتأقلم مع النظام الجدي د. كما
أن عملية التحديث والدمج كانت تتم تحت إشراف الدولة بجهازها
البيروقراطي المتخلف والمتعصب دينيا والفاسد أخلاقي ا. وقد اصطد مت
حركة عتق أعضاء الجماعات اليهودية بحركة تحرير الأقنان، إذ أدت
الحركة الأخيرة إلى توفير عمالة رخيصة في المدن سدت سبل العيش أمام
أعضاء الجماعات اليهودية، وضيقت رقعة الأرض الزراعية المتوافرة.
? - ولكن هناك - إضافة إلى ذلك - بعض العوامل الخاصة
بالجماعات ال يهودية في شرق أوربا لعبت دورا حاسما في تعثر عملية
التحديث، ولعل أهم هذه العوامل تخلفهم الحضاري الذي ربما لم يكن له نظير
في أوربا آنذاك بعد مئات السنين من الحياة في الجيتو، الذي ظل بمعزل إلى
حد كبير عن التحولات الضخمة التي كانت تمر بها أوربا منذ عصر
النهضة؛ ولذا كانت الجماهير من أعضاء الجماعات اليهودية لا تمتلك
- ??? -
الكفاءات اللازمة للاندماج في الاقتصاد الحديث، الأمر الذي جعلها تفشل في
التكيف مع مجتمعاتها في شرق أورب ا. كما أن هذه الجماهير لم تكن مهيئة
حضاريا أو نفسيا للتعامل مع التحولات الضخمة التي كانت المجتمعا ت
الغربية تخوضه ا. وقد عمق هذا الإخفاق من إحساس هذه الجماهير بالعزلة
مما ولد ما يمكن تسميته بالعقلية الجيتوية التي هي – أساسا - حالة عقلية
تعبر عن نفسها من خلال رفض المجتمع الحديث والتمسك بأشكال الحياة
التي ألفها اليهود في الجيتو، وحققت لهم بعض الأمن والهوية.
? - حدث انفجار سكاني بين يهود شرق أوربا في منتصف القرن
التاسع عشر فتزايدت أعدادهم زيادة ملحوظة، ربما بشكل لم يسبق له مثيل
في التاري خ. ولم يتمكن اقتصاد روسيا الضعيف من استيعاب هذه الأعداد
الكبيرة، وخصوصا بعد تعثر التحديث في شرق أوربا، وهو ما دفع بمئات
الألوف من فقراء اليهود إلى أوربا الغربية، الأمر الذي ولد الفزع في قلب
حكومات غرب أوربا وأعضاء الجماعات اليهودية فيها، ممن اندمجوا في
مجتمعاتهم، وحققوا مكانة اجتماعية عالية ووضعا اقتصاديا مميزا، (ونحن
نذهب إلى أن عام ???? ، تاريخ صدور قوانين مايو في روسيا ا لتي عبرت
بشكل صريح عن تعثر التحديث في الإمبراطورية القيصرية الروسية
وكرست عزلة اليهود، هو في واقع الأمر، تاريخ ظهور الصهيونية بين
اليهود، وليس عام ???? ، تاريخ عقد المؤتمر الصهيوني الأول).
? - عاش أعضاء الجماعة اليهودية في مناطق حدودية متنازع عليها
من قبل الدول الغربية، فكانت منطقة ما تتبع بولندا بعض الوقت، ثم تتبع
روسيا أو النمسا وهكذ ا. فمنطقة الاستيطان بأسرها كانت تابعة لبولندا، ثم
? ضمت إلى روسيا مع تقسيم بولندا، وجاليشيا كانت مقسمة بين بولندا والنمسا
- ??? -
وهكذا. وقد أضعف هذا الوضع من ولاء أعضاء الجماعات اليه ودية القومي،
وجعلها غير متجذرة في أي مجتمع.
? - كانت اليهودية الحاخامية تجتاز أزمة حقيقية، فقد تكلست تماما،
وأصبح من العسير على اليهودي أن يكون يهود?يا وإنساًنا في الوقت ذاته
(على حد قول أحد المفكرين اليهو د). وقد انتهى الأمر بكثير من الشباب من
أعضاء الجم اعات اليهودية بالانصراف عن عقيدتهم والانضمام للحركات
الثورية أو العدمي ة. وقد ظهرت اليهودية الإصلاحية (والمحافظ ة)، وهي
صيغ يهودية مخففة للغاية تخلت عن كثير من أصول اليهودية وثوابتها،
وطرحت نفسها على أنها اليهودية الحقيقية.
وكان من الممكن، من الناحية النظرية على الأقل، حل مشكلة أعضاء
الجماعات اليهودية أو التخفيف من حدتها عن طريق هجرة اليهود الذين
يشكلون فائضا إلى أماكن متفرقة من العالم، وبخاصة العالم الجديد، وبالفعل
هاجرت أعداد هائلة بلغت أربعة ملايين يهودي (من ضمن ستين مليون
أوربي "فائضين")، هاجر معظمهم إلى الولايات المتحد ة. لكن - كما أسلفنا -
حدث انفجار سكاني بين يهود أوربا ويهود بولند ا/روسيا على وجه
الخصوص، فقد تضاعف عدد يهود العالم الغربي خمس مرات بين عامي
???? و ???? لتكون الزيادة أكثر مرة ونصف المرة من زيادة شعوب
أوربا، وقد حد هذا من أثر هجرة الأعداد الضخمة.
ومما زاد المسألة حدة وتفاقما موجات معاداة اليهود في منتصف القرن
التاسع عشر، فخطاب أوربا الحضاري وطريقة إدراكها للكون في عصر
الإمبريالية كان - كما أسلفنا - عنصريا، والعنصرية الغربية كانت موجهة
بالدرجة الأولى إلى الخارج ضد شعوب آسيا وأفريقيا (السوداء والص فراء
والملونة)، ولكنها - كما هو الحال دائما - توجهت أيضا إلى الداخل
- ??? -
(فالعنصرية رؤية متسقة مع نفسها لا يمكنها أن تميز بين داخل وخار ج)
فشملت في نطاقها الأقليات التي تعيش في أوربا مثل الإيطاليين العاملين
خارج بلادهم، والبريتون في فرنسا، والكاثوليك في دول برو تستانتية مثل
ألمانيا، والغجر في كل أرجاء أوربا، وقد نال أعضاء الجماعات اليهودية
نصيبا من هذه العنصرية باعتبارهم غير مسيحيين وأعضاء جماعة وظيفية
بلا وظيفة.
وكان يهود غرب أوربا بمعزل عن المسألة اليهودية وعن العناصر التي
دخلت في تشكيلها، فالجماعات اليهودية في هذه البلاد كانت صغيرة، ولم يكن
هناك تمايز اقتصادي أو ثقافي ملحوظ بين أعضائها وبين أعضاء الأغلبية؛
ولذا حققوا معدلات عالية من الاندماج ونالوا معظم حقوقهم الدينية والمدني ة.
ولكن وصول المهاجرين اليهود من شرق أوربا كان يهدد مواقعهم الطبقية
التي وصلوا إليها وا لمكانة الاجتماعية التي حققوها؛ ولذا أصابهم رشاش من
المسألة اليهودية الشرق أوربية، وأصبحوا يبحثون عن حل لها.
الحل الإمبريالي للمسألة اليهودية
رغم تضافر كل هذه العوامل يمكن القول إنه كان من الممكن للصهيونية
أن تبقى في عالم الإمكانية، ولا تتحقق إن لم تتوفر له ا الظروف التاريخية
والحضارية المواتي ة. ونحن نعتقد أن الصهيونية قد تحركت من عالم
الإمكانية إلى عالم التحقق بسبب عنصرين أساسيين، واحد خاص بالمجتمع
الغربي والآخر خاص بالجماعات اليهودي ة. هذان العنصران هم ا: ظاهرة
الإمبريالية والمسألة اليهودية (التي تناولنا أسبا بها فيما سب ق). وهما عنصران
منفصلان متصلان، فكلاهما هو نتاج تحديث العالم الغربي، كما أن
الإمبريالية الغربية هي التي ساهمت في نهاية الأمر في حل المسألة اليهودية
(كما سنبين فيما بعد).
- ??? -
ولنبدأ بالإمبريالية الغربية باعتبارها النموذج الذي سيطر على هذه
الحضارة وحر ك جماهيرها وحكوماتها، وأدى في نهاية الأمر إلى ظهور
المسألة اليهودية، وإلى ظهور الحركة الصهيوني ة. ونحن نذهب إلى وجود ما
نسميه "المسألة الغربي ة"، وهي الإشكالية الناجمة عن تفجر رغبات الإنسان
الغربي (الاستهلاكية المادي ة) وتصاعدها المتزايد إلى درجة تتجاوز مصادر
أوربا الطبيعية ومصادر العالم بأسر ه. وقد طرح العالم الغربي حلا إمبرياليا
لمسألته الغربية هذه يتلخص في تحويل العالم بأسره إلى مادة استعمالية
يوظفها لصالحه، وفي إطار هذا قام بتصدير كل مشاكله المادية والمعنوية
الناجمة عن تزايد استهلاكيته وشراهته، فمشكلة الرغب ة المتزايدة في
الاستهلاك وفي رفع مستوى المعيشة بقدر يتجاوز إمكانات أوربا الطبيعية
المادية تم معالجتها عن طريق الاستعمار التقليدي، أي تجييش الجيوش،
وإرسالها لغزو آسيا وأفريقيا، وقمع أهلها وتحويلهم إلى عمالة رخيصة،
وتحويل بلادهم إلى مصدر للمواد الخام الرخيصة وسوق للبضائع البائرة،
الأمر الذي ضمن تدفق فائض القيمة إلى بلاد أوربا، وحقق لشعوبها الرفاهية
ولمجتمعاتها الأمن الاجتماع ي. أما مشكلة الفائض البشري (أي العناصر
القلقة التي تهدد الأمن الاجتماعي مثل المجرمين والمنشقين دينيا وأعضاء
الأقليات غير المرغوب فيهم وال عاطلين عن العمل والعناصر الفاشلة التي لم
يمكنها تحقيق أي حراك اجتماع ي) فتمت معالجتها عن طريق تصدير هذا
الفائض وتوطينه في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية في جيوب استيطانية
إحلالية.
وحينما طرحت المسألة اليهودية نفسها على الإنسان الغربي فكر في حلها
بطبيعة الحال من خلال الإطار المعرفي المهيمن عليه، ومن خلال مقولاته
الحضارية والإدراكية التي كان من أهمها الإمبريالية وتصور اليهود
- ??? -
باعتبارهم جماعة وظيفية وشع?با عضويا منبوذا؛ ولذا طرح حلا إمبرياليا
وظيفيا يتلخص في إخراج اليهود من الغرب وتوظيفهم في خدمته (فالعالم
بأسره مادة استعمالية توظف لصالح الغرب، وعلى كل كان اليهود في
دائمة من بابل ومن Exodus الوجدان الديني الغربي في حالة خروج
مصر)، وقد تم ذلك عن طريق ربط المسألة اليهودية بالمسألة الشرقية (أي
وضع الإمبراطورية العثمانية المتردية [رجل أوربا المريض ورغبة الغرب
في أن يرثه ا])، فيقوم الغرب بنقل الفائض البشري اليهودي الذي لا وظيفة له
في الغرب إلى منطقة إستراتيجية في آسيا وأفريقيا (هي فلسطي ن) تطل على
البحرين الأبيض والأحمر وفي قلب العالم العربي والإسلامي والدولة
العثمانية، حيث يؤسس دولة استيطانية وظيفية تقوم بوظيفة حيوي ة وهي
الدفاع عن المصالح الغربية في المنطقة؛ نظير أن يقوم الغرب بالدفاع عن
سكانها وضمان رفاهيتهم وبقائهم واستمراره م. ولأن العنصر البشري
المستورد غريب فإنه سيظل في حال احتكاك مع سكان المنطقة، وسيضمن
الغرب ولاءه الدائم له، وبذلك يتم التخلص من جماعة وظيفية كان ت تعمل
بالتجارة والربا وأصبحت بلا وظيفة داخل الحضارة الغربية من خلال
تحويلها إلى جماعة وظيفية تعمل بالاستيطان والقتال في خدمة الحضارة
الغربية خارج حدودها وداخل إطار الدولة الوظيفية التي لا تختلف في
سماتها الأساسية عن الجماعة الوظيفية.
وقد أدرك بعض المثقفي ن اليهود في شرق أوربا كل هذه الحقائق
الصهيونية الكامنة في الحضارة الغربية (الفكر العنصري - وضع اليهود
داخل الحضارة الغربية كجماعة وظيفية وشعب عضوي منبوذ - الإمبريالية
باعتبارها أهم الظواهر في الحضارة الغربية الحديثة والآلية الكبرى لمن يود
تحقيق أي مشرو ع)؛ ولذا مع تعثر التحديث في شرق أوربا ومع إغلاق باب
- ??? -
الحراك الاجتماعي أمامهم بدءوا يفكرون في الحل الإمبريالي للمسألة
اليهودية، أي نقل اليهود إلى إحدى المناطق خارج أوربا في أحد الأماكن في
آسيا وأفريقيا ليوطنوا هناك، ولينشئوا وطنا قوميا لهم، وبذلك يريحون أوربا
منهم، ويستريحون هم بدورهم منها، فهي التي نبذتهم وحولتهم إلى فائض
بشري، ويحققون داخل التشكيل الإمبريالي الغربي ما فشلوا في تحقيقه داخل
التشكيل الحضاري الغربي.
ولكن هؤلاء المثقفين كانوا يعرفون أنه لا يمكن ترشيحهم لهذا الحل
مثل كل " volk الإمبريالي إلا بأن يتحولوا إلى شعب [عض وي] فولك
الشعوب" (كما جاء في الكتابات الصهيوني ة). وأن مثل هذا الشعب، من
منظور غربي، هو وحده الذي له الحق في أرض وفي وط ن. ولكنهم كانوا
عليهم الخروج من أوربا؛ ولذا كان مفهوم الشعب العضوي المنبوذ هو
المخرج، فهو يوفر لهم حق الشعوب العضوية في أرض وفي وطن، وفي
الوقت ذاته يرضي أوربا؛ لأن هذا الوطن يوجد خارجها مما يعني خروج
الشعب العضوي المنبوذ من أوربا ! ومن هنا ظهر تعريف الصهيونية بأنها
القومية اليهودية التي تتحقق "هناك" في فلسطين وليس هنا في أوربا.
ومما ساعد على هذا الاتجاه ما يسمى بمفهوم "حب صهيو ن"، وهو حب
يعبر عن نفسه -كما أسلفنا - من خلال الصلاة والتجارب والطقوس الدينية
المختلفة، وفي أحيان نادرة على شكل الذهاب إلى فلسطين للعيش فيها
بغرض التعبد وحسب؛ ولذا فإنه لا تربطه رابطة كبيرة بالاستيطان
الصهيوني، ومع هذا استفاد الصهاينة من هذا المفهوم في صياغة تعريفهم.
وثمة عنصر آخر داخل اليهودية ساعد الصهاينة كثي ? را، وهو ما نسميه
"التيار الحلولي داخل اليهودي ة". والحلولية كما نعرفها هي حلول الإله المفارق
المتجاوز للطبيعة والتاريخ في مخلوقاته داخل الزمان إلى أن يصبح جزءا
- ??? -
منها، بحيث لا يمكن التفريق بين المخلوق و الخالق ويتم "تطبي ع" الإله (أي
جعله ظاهرة طبيعية زمنية مادي ة)، ويتم تأليه المخلوقات الزمني ة. وهذا هو ما
تم في إطار التيار الحلولي اليهودي، إذ حل إله اليهود فيهم وفي أرضهم
فأصبحوا كيانا مقدسا، وأصبحت أراضيهم أرضا مقدسة، وهو ما أدى إلى
وجود علاقة مساواة بين الخالق من جهة، ومن جهة أخرى الشعب اليهودي
والأرض اليهودي ة! أو كما يقول بن جوريو ن: "لقد اختار الإله الشعب
اليهودي، واختار الشعب اليهودي الإل ه"، وهي أيضا علاقة ترادف؛ ولذا
أمكن لجابوتنسكي أن يقول إنه يتعبد لإلهه الشعب اليهودي ولموشيه ديان أن
يقول إن إلهه هو أرض إسرائي ل. والحلولية اليهودية لا تختلف كثيرا عن
الأديان الوثنية الحلولية؛ حيث يقتصر الدين والإله على شعب واحد دون
غيره من الشعوب.
واليهودية من هذا المنظور الحلولي قومية دينية مقدسة تمزج الوجود
التاريخي الزمني بالتصور الديني المثالي؛ ولذا نجد أن الملكوت ا لسماوي
وآخر الأيام يكتسبان في اليهودية الحلولية طابعا قوميا، فهما مرتبطان بمجيء
الماشِ?يح (المسيح المخلص اليهودي الذي سيأتي في آخر الأيام ليجمع شتات
شعبه اليهودي ويقوده إلى صهيون أو أرض الميعاد ليؤسس مملكته هناك).
ومما ساعد على تأكيد مفهوم القومية اليهودي ة بالمعنى الزمني العلماني أن
الشريعة اليهودية عرفت اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية، أو تهود، أي أنها
لا تعرف اليهودية على أساس الإيمان بالعقيدة وحسب (كما هو الحال بالنسبة
للإسلام والمسيحية على سبيل المثا ل) وإنما على أساس الجينات والوراثة،
وهي في هذا لا تختل ف عن تعريف القومية السائد في الغرب في نهاية القرن
التاسع عشر.
السمات الأساسية للاستعمار الصهيوني
- ??? -
بعد أن تناولنا بعض الأسباب العامة والخاصة التي أدت إلى ظهور
الصهيونية، وقبل أن نقوم بطرح تعريفنا، فلنحاول حصر بعض سماتها
الأساسية. والسمة الأساسية للصهيونية أن ها حركة استعمارية، جزء لا يتجزأ
من التشكيل الاستعماري الغرب ي. وقد عرف الصهاينة من البداية أن أي
مشروع، بما في ذلك المشروع الصهيوني، لا يمكن له أن يتحقق إلا من
خلال مساندة القوى الإمبريالي ة. وقد وصف هرتزل مشروع الصهيونية بأنه
"فكرة استعماري ة" وهو محق تماما في ذلك، فالصهيونية مدينة للإمبريالية
الغربية بفكرها وقوتها وتحولها إلى حقيقة واقعة في المنطقة العربية، والدولة
الصهيونية إن هي إلا امتداد لهذه الإمبريالية وتتسم بكل صفاتها.
وقد توجه هرتزل إلى إنجلترا لتحقيق مشروعه الاستعماري؛ لأنه أدرك
(كما جاء في خطاب ألق اه في لندن في عام ???? ) أن الإنجليز هم أول من
اعترفوا بضرورة التوسع الاستعماري في العالم الحديث؛ ولذلك فإن علم
بريطانيا العظمى يرفرف عبر البحار؛ ولذا توقع الزعيم الصهيوني أنه سيجد
كثيرا من الإعجاب لرؤيته الصهيونية؛ لأن "الفكرة الصهيوني ة" التي "تعتبر
فكرة استعمارية، لا بد أن تلقى الفهم في إنجلترا بسهولة وبسرعة".
ولكن يجب ألا نقنع بدراسة الاستعمار الصهيوني بوصفه شكلا من أشكال
الإمبريالية الغربية على وجه العموم فحسب، وإنما يجب أن ندرس أي
خصوصية يتسم بها حتى نحيط به في جوانبه العامة والخاصة:
? - لعل السمة الأ ولى الخاصة التي تميز الاستعمار الصهيوني هي أنه
استعمار استيطاني (أو سكان ي). وقد أشرنا من قبل إلى أن المجتمعات
الغربية، انطلاقا من رؤيتها الإمبريالية، كانت تحاول حل مشكلاتها عن
طريق تصديرها إلى أفريقيا وآسي ا. فعلى سبيل المثال يمكن حل مشكلة تكدس
السلع عن طري ق السوق الهندية، ويمكن أيضا حل مشكلة المواد الخام
- ??? -
اللازمة للمصانع البريطانية عن طريق تحويل مصر إلى مزرعة قط ن. كما
يمكن حل مشكلة الفائض البشري أو المسألة اليهودية بطريقة مماثلة، أي عن
طريق تصديرها إلى الشرق (فلسطين مث لا). وإذا كان الاستعمار التقليدي
يأخذ ش كل جيش يقهر الأمة المستضعفة ويحتلها ليستغل إمكاناتها الاقتصادية
والبشرية لصالح البلد الأوربي الغازي، فالاستعمار الاستيطاني يأخذ شكل
نقل مواطنين أوربيين من بلادهم إلى البلد الجديد ليعيشوا فيه وليتخذوه وطنا
جديدا لهم، كما كان الحال مع المستوطنين الفرنسيين في الجزائر
والمستوطنين البيض في روديسيا.
وسنجد نفس الشيء ينطبق على الجيب الاستعماري الاستيطاني
الصهيوني، فهو كان يقوم باستيعاب الفائض البشري اليهودي، أو الكتلة
البشرية الغربية التي نبذها العالم الغربي، وفي الوقت ذاته أصبح قاعدة
أساسية للإمبريالية الغربية يمك نها أن تنطلق معها للهيمنة على المنطق ة.
ويجب أن نشير إلى سمة خاصة بالاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وهي أنه
ليس مشروعا اقتصاديا، وإنما مشروع عسكري أسسه الغرب؛ لتحقيق
مكاسب إستراتيجية باعتباره قاعدة عسكرية تخدم مصالحه الأمنية
والاقتصادية، وهو ما ييسر له عملية الهيمنة على المنطق ة. فالمكاسب
الاقتصادية التي يحققها الراعي الإمبريالي لا تأتي مباشرة من الجيب
الصهيوني، وإنما من خلال استخدامه كأدا ة. فكأن المردود المباشر
إستراتيجي، والمردود غير المباشر اقتصاد ي. ومن هنا كم المساعدات الهائلة
التي تصب في ه. لكل هذا لا يخضع هذا الجيب لمعايير الجدوى الاقتصادية،
ولا بد أن يمول من الخارج (الخارج هو الراعي الإمبريالي بالدرجة الأولى،
وإن كانت "الدياسبورا" اليهودية الثرية [أي الأثرياء من أعضاء الجماعات
- ??? -
اليهودية في العال م] يقومون بالمساهمة في الدعم المالي للجيب الاستيطان ي.
ولكن مع تزايد مصاريف الدعم تضاءلت نسبة وأهمية دعم يهود العالم).
? - السمة الثانية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني أنه استعمار
إحلالي. والاستعمار الاستيطاني الإحلالي يتطلب أن تقوم الكتلة البشرية
الغربية الوافدة بإبادة السكان الأصليين أو طردهم أو استعبادهم، أو خليط من
كل هذه الأمور (كما حدث في أمريكا الشمالية وفي فلسطي ن). وتستند عمليات
الطرد والإبادة إلى مجموعة من الأفكار تشكل في جماعها ما نسميه أسطورة
الاستعمار الاستيطاني الغربي.
أ ) ينطلق الاستعمار الاستيطاني بشكل عام من الإنكار الكامل للتاريخ
بشكل متطرف، وإعلان نهايته. ويزداد الإنكار حدة وعنفا في حالة
المجتمعات الاستيطانية الإحلالية، وهذا الإنكار يأخذ شكلين: إنكار تاريخ
المستوطنين في بلادهم الأصلية، وإنكار تاريخ سكان البلد التي يستوطنها
أعضاء الكتلة البشرية الوافدة.
ب) تحاول أسطورة الاستيطان الغربية أن تهمش الس كان الأصليين
وتنعتهم بنعوت سلبية كثيرة، فهم قليلو العدد متخلفون يفتقرون إلى الفنون
والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأر ض.
وهم عادة مجرد رحالة لا يستقرون في مكان واحد، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ
من الطبيعة (كالثعالب والذئا ب) ومن ثم لا حقوق له م. لكل هذا فإن وجود
مثل هؤلاء الناس هو وجود عرضي ومن الضروري وضع حل جذري
ونهائي للمشكلة الديموجرافية، أي مشكلة وجود السكان الأصليين في الأرض
العذراء، وضرورة اجتثاث شأفتهم تماما.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية تنظر للوجود الفلسطيني في فلسطين
باعتباره أم ? را عرض?يا هامش?يا، والاعتذاريات الصهيونية مليئة بالحديث عن
- ??? -
فلسطين باعتبارها أر ? ضا مهجورة مهملة، وكثي ? را ما يتحدث الصهاينة عن
الفلسطينيين كما لو كانوا جزءا من الطبيعة بلا تاري خ. وكل هذا ينتهي بطبيعة
الحال بتأكيد حق اليهود المطلق في فلسطين (ومن هنا قانو ن العود ة)
وينكرون هذا الحق على الفلسطينيين (ومن هنا مخيمات اللاجئي ن). وتحاول
الحركة الصهيونية وضع حل نهائي للمشكلة الديموجرافية؛ فقامت أحيانا
بالإبادة (دير ياسين - كفر قاسم). ولكن الطرد كان الشكل الأساس ي. وبعد
اتفاقيات أوسلو أخذ الحل النهائي شكل عزل السكان الأصليين داخل مجموعة
من القرى والمدن ومحاصرتهم بالقوات العسكرية الإسرائيلية والطرق
الالتفافية.
ومن المعروف أن موقف المستوطنين البيض من السكان الأصليين يختلف
من بلد إلى آخر، ففي أمريكا اللاتينية، كان هدف الاستعمار الاستيطاني هو
استغلال الأرض وسكانها عن طري ق إنشاء المزارع الكبيرة التي يقوم السكان
الأصليون بزراعتها لتحقيق فائض القيمة من خلاله م. أما في الولايات
المتحدة فكان المستوطنون البيوريتان يبغون الحصول على الأرض فقط،
لإنشاء مجتمع جديد، فكان لا بد من طرد ثم إبادة السكان وإحلال عنصر
بشري جديد محل العنصر ال قديم. وكانت جنوب أفريقيا في السنوات الأولى
من هذا النوع الإحلالي، فنجد أن المستوطنين البيض استولوا على خير
أراضيها وطردوا السكان الأصليين منه ا. ولكن بمرور الزمن طرأت تغيرات
بنيوية على الجيب الاستيطاني، وأصبح تحقيق فائض القيمة واستغلال السكان
الأصليين أحد ا لأهداف الأساسية؛ ولذا تحول الجيب الغربي في جنوب أفريقيا
إلى استعمار استيطاني يقوم بتجميع السود في أماكن عمل ومدن مستقلة
(بانتوستان) تقع خارج حدود المناطق والمدن البيضاء، ولكنها تقع بالقرب
- ??? -
منها، حتى يتسنى للعمال السود "الهجرة" اليومية داخل المناطق البيضاء
للعمل فيها.
وكان الصهاينة يطمعون في الحصول على أرض لا يقطنها أحد (أرض
بلا شعب، لشعب بلا أرض، على حد قول الشعار الصهيون ي) حتى يتسنى
لهم تنفيذ المخطط الصهيون ي. ولكن مثل هذه الأرض لا توجد إلا في القمر
(على حد قول حنا أرن ت)، وكان يتحتم على الاستعمار الصهيوني أن يستولي
على قطعة أرض ثم يفرغها من سكانها عن طريق العنف، أي أن طرد
الفلسطينيين جزء عضوي من الرؤية والممارسة الصهيوني ة. ولا تزال هذه
هي السمة الأساسية للاستعمار الصهيوني في فلسطين، إنه استعمار استيطاني
إحلالي، وإحلاليته هي مصدر "صهيونيته". وإحلالية الصهيونية تتضح في
موقف الدولة الصهيونية من سكان الضفة الغربية، فهي على استعداد
لإعطائهم نوعا من الاستقلال الذاتي، وعلى الرغم من أنه قسط ضعيف للغاية
من الاستقلال فإنه لا يمتد بأية صورة إلى الأرض الفلسطينية، مطمع
الصهاينة وهدف المخطط الصهيون ي. والاستعمار الصهيوني بدأ يفقد طبيعته
الإحلالية بعد عام ???? ، واكتسب بدلا من ذلك شكلا مماثلا للاستعمار
الاستيطاني في جنوب أفريقيا، الذي يقوم على استغلال الأرض والسكان م ? ع ا.
ولكن تجب الإشارة إلى أن ثمة رفضا عميقا لهذا التحول بين الصهاينة؛ لأنه
يعني أن "الدولة اليهودية" ستفقد هويتها الخالصة.
? - يتسم الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني بأنه استعمار
توسعي، ويعود هذا إلى العناصر التالية:
أ ) نبتت الصهيونية في تربة إمبريالية غربية ترى أن العالم إن هو إلا
مادة يغزوها الإنسان ويوظفها لصالحه. وعملية الغزو هذه عملية تستمر إلى
- ??? -
ما لا نهاية، ذلك أن عقيدة التقدم علمت الإنسان الغربي أن التقدم لا نهائي،
وأن المادة التي سيقوم بغزوها وتوظيفها هي الأخرى لا متناهية.
ب) طرحت الصهيونية نفسها على أنها ستقيم دولة الشعب اليهودي بأسره،
وهو ما يعني أن عملية نقل الكتلة البشرية الوافدة يمكن أن تستمر إ لى أن يتم
نقل كل يهود العالم، وهو ما يعني الشره المستمر للأراضي.
ج) أحد عناصر الثالوث الحلولي الصهيوني هو الأرض، بل إن بعض
الاتجاهات الصهيونية تعطيه أولوية على كل العناصر الأخرى، ولكن حدود
هذه الأرض غير معروفة المعالم على الإطلاق، ولم يتم الاتفاق بشأنها.
د) الأرض هي المصدر الأساسي لتدفق فائض القيمة على الكيان
الاستيطاني (وبخاصة قبل عام ???? )، وهي القاعدة التي سيؤسس عليها
الجيب الاستيطاني، وكلما اتسعت هذه القاعدة ازداد تدفق فائض القيمة،
وازداد الجيب الصهيوني قوة.
ورغم أن الظروف السائدة بعد حرب ???? لم تسمح ب ترسيخ السيطرة
الصهيونية على المناطق المحتلة في غزة وسيناء، فإن حرب ???? -وما
ترتب عليها من احتلال الأراضي العربية في سيناء والجولان والضفة
الغربية وغز ة- شكلت منعطفا بارزا في تاريخ التوسع الصهيوني باعتبار أن
الكيان الصهيوني حقق أقصى اتساع له، ووصل إلى الحدود الآمنة.
ولأن الجيب الصهيوني مرتبط بيهود "الشتات" -على الأقل نظري ا- فلن
يتمكن قط من تحقيق أي نوع من أنواع الاستقرار أو التحدد، بيد أنه ينبغي
ألا نتصور أن إسرائيل تتوسع بسبب يهود الشتات فحسب، أو بسبب رؤيتها
"القومية – الديني ة"؛ لأن التوسع الصهيوني له جوانب ه الاقتصادية الواضحة؛
لأنه يحقق الكثير من المكاسب المادية للدولة الصهيونية، مثل ضم حقول
البترول في سيناء والأراضي الفلسطينية التي تساعد العدو على التنمية
- ??? -
الاقتصادية. وتشير الدراسات الأخيرة إلى أن اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي
على الضفة الغربية أصبح كبيرا لدرجة يصعب معها تخيله منفصلا عن سوق
الضفة الغربية وعمالته ا. ولكن تلك الجوانب الاقتصادية والإستراتيجية من
الاستعمار الصهيوني ليست مقصورة عليه، وإنما هي سمات يشترك فيها مع
أنماط الاستعمار الأخرى، واهتمامنا في السياق الحالي ينص ? ب على الجوانب
السياسية والاقتصادية الفريدة للتوسع الصهيوني، ويهود "الشتا ت" -مفهوما
وحقيقة- شيء فريد وخاص بالاستيطان الصهيوني يميزه عما سواه.
? - من أهم سمات الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني أنه
استعمار عميل تابع للاستعمار الغربي، وفي تصورنا أن الحل الإمبريالي
للمسألة اليهودية يتجسد ف يما نسميه "الدولة الوظيفي ة"، وهي إعادة إنتاج
لظاهرة الجماعة اليهودية الوظيفية في العصر الحديث على هيئة دولة؛ ولذا
ليس من الغريب أن نجد أن هذه الدولة الوظيفية تتسم بمعظم –إن لم يكن
كل- سمات الجماعة الوظيفية؛ فقد استورد الاستعمار الغربي سكانها من
خارج المنطق ة، وغرسهم غرسا في العالم العربي، ثم عرفها في ضوء
وظيفتها الاستيطانية والقتالية، وهي تدين بالولاء لراعيها الإمبريالي، تدافع
عن مصالحه نظير أن يدافع هو عن بقائها وأمنها، ويضمن لمستوطنيها
مستوى معيشيا مرتفعا.
وعلاقة الدولة الوظيفية بالإمبريالية علاقة نفعية؛ ف الراعي الإمبريالي
يدعمها طالما لعبت دورها الاستيطاني وأدت وظيفتها القتالية، وهي دولة
منعزلة عن وسطها العربي، غير متجذرة في المنطقة؛ فهي في الشرق
العربي وليست منه، منعزلة عن الزمان والمكا ن. وحيث إن السكان الأصليين
يقاومون وجودها -كما هو متوقع منه م- تحولت إ لى "جيتو" مسلح؛ ولذا كان
"وايزمان" يصر دائما على أن ينظر إلى مشروع الاستيطان الصهيوني في
- ??? -
ضوء المصالح الإمبريالية، وليس في ضوء الرؤى الإنجيلية أو التاريخ
اليهودي. وقد كتب في تاريخ لاحق أنه لو لم توجد فلسطين لكان من
الضروري خلقها من أجل مصلحة الإمبريالية.
وقد ظل هذا هو جوهر خطاب وايزمان؛ إذ أكد أن إنجلترا إن وافقت على
منحنا فلسطين فإنها ستحصل على سند فعال؛ أي ستصبح الدولة الصهيونية
قاعدة رخيصة للإمبراطورية البريطانية وأول خط دفاع لها، بلجيكا آسيوية
ولا سيما فيما يتعلق بقناة السويس.
وبعد صدور وعد بلفور بعدة سن وات صرح "ماكس نورد و" في خطاب له
في لندن في ?? يونيه ???? بأنه يرى أن الدولة الصهيونية ستكون "بلدا
تحت وصاية بريطانيا العظم ى" وأن اليهود "سيقفون حراسا على طول
الطريق الذي تحف به المخاطر، ويمتد عبر الشرقي?ن (الأدنى والأوس ط) حتى
حدود الهند".
وقد عرض "ناحوم جو لدمان" القضية بشكل دقيق للغاية عام ???? في
خطاب له ألقاه في مونتريال بكندا قال في ه: "كان بإمكان اليهود أن يحصلوا
على أوغندا أو مدغشقر أو غيرهما، ل?ينشئوا هناك وطنا قوميا لهم، ولكن
اليهود لا يريدون على الإطلاق سوى فلسطين، لا لاعتبارات دينية، أو بسبب
إشارة ا لتوارة إلى فلسطين، ولا لأن مياه البحر الميت تستطيع أن تعطي عن
طريق التبخر ما قيمته خمسة آلاف مليار دولار من المعادن والأملاح، ولا
لأن تربة فلسطين الجوفية -كما يقولو ن- تحتوي على كميات من البترول
تزيد على احتياطيه في الأمريكتين؛ بل لأن فلسطين هي ملتقى الطرق ب ين
أوربا وآسيا وأفريقيا، ولأنها المركز الحقيقي للقوة السياسية العليا، والمركز
العسكري الإستراتيجي للسيطرة على العالم".
- ??? -
إن الدولة الصهيونية لن يتم تأسيسها لاعتبارات دينية عاطفية ولا لأسباب
استثمارية مألوفة؛ فهي لن تنتج سلعا بعينها، ولن تقدم فرصا للاستثمار أو
سوقا لتصريف السلع أو مصدرا للمواد الخام والمحاصيل الزراعية، وإنما
سيتم تأسيسها لأنها ستقدم شيئا مختلفا ومغايرا وثمينا؛ دورا إستراتيجيا يؤ ? من
سيطرة الغرب على العالم، وهو دور سيكون له مردود اقتصادي دون شك،
ولكنه غير مباشر.
ورغم مرور عشرات السنين فإن الدو لة الوظيفية لا تزال هي الإطار
المرجعي الثابت، الذي يصدر عنه الخطاب الصهيوني؛ سواء في العالم
الغربي أم في إسرائيل أم بين المنظمات الصهيونية في العال م. ففي مقال له
بعنوان "مجتمع يتغذى على الهبات الخارجي ة" بين الصحفي الإسرائيلي ب.
سبير في عل همشمار ( ?? أبريل ???? ) أن إسرائيل قد جعلت من جيشها
"الذراع المستقبلية المحتملة للولايات المتحد ة" فهي "خدمة حربية كامنة –أي
جاهزة-" على أهبة الاستعداد لتأدية الخدمات في أي وق ت. ووصف المفكر
الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتس (في حديث له في صحيفة لوموند بتاريخ ?
مارس ???? ) إسرائيل ب أنها "عميل للولايات المتحد ة" ووصف الإسرائيليين
بأنهم "كلاب حراسة للمصالح الأمريكية في الشرق الأوس ط"، وأضا ف:
"ويتعلق بقاؤنا بقدرتنا على القيام بهذه المهم ة". وقد طور الصحفي الإسرائيلي
"عاموس كينا ن" هذه الصورة المجازية المثيرة، وجعلها أكثر حدة وإثارة؛ إذ
وصف (إسرائيل) بأنها "كلب حراسة رأسه في واشنطن، وذيله في القدس،
وهي كلب قوي لكنه يحتاج إلى حماية".
- أما يعقوب ميريدور وزير التخطيط والتنسيق الاقتصادي ( ????
???? ) فقد قال في حديث له للإذاعة التابعة للجيش الأمريك ي: "إنه لولا
وجود إسرائيل كقاعدة ومنطقة نفوذ وحليف للولايات المتحدة لاضطرت
- ??? -
الأخيرة إلى بناء عشرات حاملات الطائرا ت". وفي المقال الذي سبقت
الإشارة إليه يشير الصحفي الإسرائيلي سبير إلى أن "الأمريكيين يدفعون لنا؛
لأنهم يريدون أن تكون لهم دولة تابعة مجهزة بأفضل الأسلحة والجنو د"
وصفها بأنها "حاملة طائرات عليها أربعة ملايين نسمة في موقع إستراتيجي
فريد من نوعه، قريب من الاتحاد السوفيتي وقريب من أوربا الشرقية وقريب
من حقول النفط".
وثمة موضوع آخر يتكرر بصفة منتظمة في كتابات المفكرين والزعماء
الصهاينة، هو أن يهودية الدولة التي ستنشأ على أرض فلسطين هي الضمان
الأكيد لو لائها وعمالتها للقوى الاستعمارية؛ فقد كان نوردو –على سبيل
المثال- يرى أن بريطانيا مهددة من الاتحاد السوفيتي، وبسبب ظهور القومية
العربية وتطلعات العرب نحو الوحدة، وب?ين أن العامل الأخير بخاصة
سيعرض سيطرة بريطانيا على قناة السويس للخطر؛ ولذا أكد نوردو أن
وجود حليف موثوق به أمر يجب أن يلقى الترحيب؛ فالصهيونية تعرض أن
تكون هذا الحليف بشرط أن تمنحها بريطانيا الفرصة لأن تك ? ون دولة يهودية
قوية في أرض الآباء.
وأكد "فلاديمير جابوتنسك ي" أهمية فلسطين من وجهة نظر المصالح
الإمبريالية البريطانية، التي عدها "حقيقة بديهي ة معروف ة". بيد أن هذه الحقيقة
تستند إلى "شرط مهم، وهو أن فلسطين يجب ألا تظل بلدا عربيا"، فمن رأيه
"أن ثمة عيبا أساسيا في كل معاقل إنجلترا في البحر المتوسط" هو أنها جميعا
"آهلة بالسكان الذين لهم مراكز جذب قومية مختلف ة" يتوجهون إليها "بشكل
عضوي لا يمكن علاجه". فكل هؤلاء السكان -إن عاجلا أو آجلا- سيسعون
للحصول على استقلالهم مبتعدين بذلك عن إنجلترا، وسينطبق هذا القانون
على عرب فلسطين الذين سيدخلون "فلك المصير العربي -اتحاد الدول
- ??? -
العربية-، وإزالة كل أثر من آثار النفوذ الأورب ي". وقد قارن جابوتنسكي بين
هذه الصورة السلبية لفلسطين العربية -التي تنتمي إلى عالم عربي موح د-
وصورة فلسطين اليهودية التي لا تنتمي إلى المنطقة والموالية بشكل دائم
لبريطانيا، وقد استخدم وايزمان الحجة نفسها حين حذر القوى الاستعمارية
الغربية من الاعتماد على "هذا الولاء العربي المشكوك في أمر ه". ثم قال: "إن
الحركة العربية تقود المرء للاعتقاد بأنها مناهضة لأوربا؛ ولذا يجب الاعتماد
على اليهود لضمان وجود عنصر موالٍ للغرب.
? - إضافة لكل السمات السابقة، هناك سمة أخيرة تهمنا كثيرا في كفاحنا
ضد الغزاة، وتنبع هذه الخصوصية من عنصرين أساسيين:
أ) فشل الجيب الاستيطاني الإحلالي الصهيوني في إبادة السكان الأصليين
الذي يعود للأسباب التالية:
* يتكون الفلسطينيون من جماعة بشرية موحدة لها تاريخ طويل وتراث
مركب، وهي جماعة في غاية التركيب والوعي، قادرة على استخدام كل
الأسلحة الممكنة بما في ذلك الإعلام، ومثل هذه الكتلة ليست سلبية، تجلس
في مكانها دون حراك، بينما يقوم عدوها بذبحها ذبح الشاه.
* منذ نهاية القرن التاسع عشر (تاريخ الاستيطان الصهيوني) أصبح العالم
أصغر في حجمه وأكثر اتصالا بسبب وسائل المواصلات ووصول الإعلام
إلى كل أرجائه، وقد تزايدت هذه العملية، وهو ما يجعل عمليات الإبادة أمرا
مستحيلا؛ فهي عادة ما تتم وراء ستار كثيف من الصمت حتى لا يحتج أحد.
* توجد فلسطين في وسط العالم القديم، ومن َث?م يصعب إبادة سكانها.
* يحيط بالفلسطينيين دول عربية تضم جماهير متعاطفة مع الفلسطينيين
وقضيتهم، وتزودهم بالعون.
ب) تزايد عدد السكان الأصليين وتصاعد كفاءتهم.
- ??? -
نجم عن فشل الجيب الصهيوني في تصفية السكان الأصليين عدة نتائج
من أهمها ما يسمى "المشكلة الديموجرافية (السكاني ة)"؛ أي تزايد عدد
الفلسطينيين بدرجة كبيرة، وهو ما يهدد الطابع اليهودي الإحلالي لهذا الجي ب.
والفلسطينيون لا يتزايدون في العدد وح سب، وإنما تزداد نسبة المتعلمين
بينهم، ويتحسن أداؤهم وتتزايد مقاومتهم يوما بعد يوم.
وقد فاقم من هذه المشكلة الديموجرافية عنصرا ن: جفاف ينابيع المادة
البشرية الاستيطانية (خاصة بعد الهجرة السوفيتية الأخيرة، واضعين في
اعتبارنا أن يهود العالم الغربي لا يهاجرون ق ط) وضم الجيب الصهيوني
للضفة الغربية وغزة عام ???? اللتين تتسمان بكثافة بشرية عربية.
كل هذا أدى إلى وضوح زيف الافتراض الصهيوني المبدئي أن فلسطين
أرض بلا شعب، وهو ما يعني أن فرض الأسطورة الصهيونية على الواقع
يحتاج إلى مزيد من العنف، ولكن العنف لا يؤدي إلى تخ فيف وطأة الهاجس
الأمني؛ فالإسرائيلي يعيش في خوف دائم من العرب، وهو ? محقٌّ في خوفه
هذا؛ فقد اغتصب أرضهم وشردهم، وهو يعلم أنهم لن يستسلموا، ولن يقبلوا
وضعهم هذ ا. ولذا نجد أن كل اتفاقيات "السلام" اتفاقيات أمنية تهدف بالدرجة
الأولى لتحقيق أمن إسرائيل (هذا الشيء المستحيل).
ولا شك أن الإسرائيليين يعرفون مصير ممالك الفرنجة، كما يعرفون أن
الجيوب الاستيطانية الإحلالية التي ُق?در لها البقاء (مثل أمريكا الشمالية
وأستراليا) نجحت لأنها أبادت السكان الأصليي ن. أما تلك التي لم تنجح في
ذلك (مثل الجزائر وأنجولا وجنوب أفريقي ا) فقد تم تصفيته ا. وهو يعرف أنه
لا يوجد أي سبب لأن يمثل الجيب الاستيطاني الصهيوني استثناء لهذه القاعدة
التاريخية العامة. ولا بد أن انتفاضة الأقصى قد رسخت هذا الإدراك.
- ??? -
تعريف الصهيونية: الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والمه ? ودة
بعد أن بينا عجز المقدرة التفس يرية للتعريف الغربي والصهيوني
للصهيونية، وبعد أن تناولنا العناصر المكونة والخلفية التاريخية والثقافية
للصهيونية، وبعد أن تناولنا أهم سماتها، وبعد أن صنفنا الصهيونية باعتبارها
شكلا من أشكال الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، أعتقد أنه من حقنا أن
نطرح تعريفنا للصهيونية، ولكن بدلا من طرح تعريف "جامع مانع" في عدة
كلمات نطرح ما نسميه "الصيغة الصهيونية الأساسية الشامل ة" و"الصيغة
الصهيونية الأساسية الشاملة المه ? ودة".
? - الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة:
الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة تحتوي على العناصر الأساسية
المكونة للصهيونية بغض النظر عن الديباجات والاعتذاريات المستخدمة،
ويمكن تلخيص هذه الصيغة فيما يلي:
أ ) تذهب الفكرة الصهيونية الغربية إلى أن اليهود شعب عضوي منبوذ
غير نافع (جماعة وظيفية بلا وظيف ة)، يجب نقله خارج أوربا ليتحول إلى
شعب عضوي نافع.
ب) يتم توسيع نطاق مفهوم الشعب العضوي المنبوذ ل?يسمى "الشعب
اليهودي ككل" الذي يضم خليطا غير متجانس دينيا أو عرقيا أو ثقافي ا من
المتدينين والعلمانيين، والشرقيين والغربيين، والصهاينة وغير الصهاينة.
ج) ?ينقل هذا الشعب إلى أي بقعة خارج أوربا (استقر الرأي -في نهاية
الأمر- على فلسطين بسبب أهميتها الإستراتيجية للحضارة الغربي ة) ليوطن
فيها، وليحل محل سكانها الأصليين، الذين لا بد أن يتم إبادتهم أو طردهم
على الأقل (كما هو الحال مع التجارب الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية
المماثلة).
- ??? -
د) يتم توظيف هذا الشعب داخل إطار دولة سُتسمى "الدول ة اليهودي ة"،
وهي في واقع الأمر دولة وظيفية تعمل لصالح العالم الغربي الذي سيقوم
بدعم هذه الدولة ماليا وسياسيا وعسكريا، ويضمن بقاءها واستمرارها.
وهذه الصيغة الشاملة لم يفصح عنها أحد بشكل مباشر، إلا بعض
المتطرفين في بعض لحظات الصدق النماذجية النادرة، ولكن عد م الإفصاح
عنها لا يعني غيابها؛ فهي تشكل هيكل المشروع الصهيوني والبنية الفكرية
التي أدرك الصهاينة الواقع من خلالها.
ولم تظهر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كاملة بين يوم وليلة، وإنما
ظهرت بالتدريج، وكان ?يضاف لكل مرحلة عنصر جديد إلى أن اكتملت مع
صدور وعد "بلفور"، وتحولت إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشامل ة.
والواضح أن الصيغة الصهيونية الأساسية تضرب بجذورها في الحضارة
الغربية، وهنا نعرض لتاريخ تشكلها واكتمالها:
أ ) تضرب الصيغة بجذورها في موقف الحضارة الغربية من الجماعات
اليهودية وفي وضعهم داخلها، وهو موقف صهيوني ومعادٍ لليهود في آنٍ
واحد -أو صهيوني لأنه معاد لليهو د-. فاليهود شعب مختار عضوي متماسك
(شعب شاهد - جماعة وظيفي ة)، ووجوده في مجتمع ما ليس له أهمية في حد
ذاته، وإنما بمقدار ما يخدم الوظيفة الموكلة إليه، وحين يفقد الشعب وظيفته،
لا بد من التخلص منه عن ط ريق نقله (أو ربما إبادت ه). ومن هنا، فإن نقطة
الانطلاق (الشعب العضوي المنبو ذ) هي الرقعة المشتركة بين معاداة اليهود
والصهيونية، وهي صيغة خروجية تصفوية؛ إذ تطالب بإخراج اليهود من
أوربا وتصفيتهم؛ فالعنصر الأول بشقي?ه هو جوهر عداء اليهود، وهو أيض ا
المقدمة الأساسية للصهيونية.
- ??? -
ب) وأضيف لهذه الصيغة العنصر الثاني (الكامن تاريخي ا وبنيوي ا في
العنصر الأو ل) وهو اكتشاف نفع اليهود، ومن َث?م إمكانية توظيفهم خارج
أوربا (وإصلاحهم). وقد اكتشف هذا الجزء أو تم تأكيده ابتدا ء من القرن
السابع عشر، عصر ظهور الرؤية المعرفية الإمبري الية، ويلاحظ أن ما يميز
الصهيونية عن معاداة اليهود هو هذا الجزء؛ فكلاهما يرى اليهود عنصر ا
غير نافع يوجد داخل الحضارة العربية، ولكنه لا ينتمي إليها، ولا حل
للمشكلة إلا بإخراج اليهو د. وبينما يلجأ أعداء اليهود إلى إخراج اليهود بشكل
عشوائي عن طريق طردهم أو إبا دتهم دون تخطيط أو ترشيد فإن الصهاينة
يرشدون العملية كلها، ويرون إمكانية إخراج اليهود بشكل منهجي وتحويلهم
إلى عنصر ناف ع. كما يلاحظ أن مكونات هذين العنصرين (المنبوذون –
النافعون الذين يمكن توظيفه م) هي ذاتها السمات الأساسية للجماعة الوظيفي ة.
ومن َث?م، فإن اكتشاف نفع اليهود كان أمرا متوقعا؛ إذ إن ذلك لصيق ببنية
الجماعة الوظيفية، وهو سر وجودها وبقائها؛ إذ إنها لا يمكن أن ?يكتب لها
البقاء في مجتمع إلا إذا كانت "نافعة"، و"تلعب دورا ضروريا".
ج) تظل الصيغة الصهيونية حتى نهاية القرن التاسع عشر مجرد فكرة،
ولكنها تتحو ل إلى حركة منظمة بعد مرحلة "هرتزل" و"بلفور"، ومضمونها
أن يتم التوظيف من خلال دولة وظيفية على أن تشرف على العملية إحدى
الدول الاستعمارية الكبرى في الغرب التي تؤمن للمستوطنين موطئ قدم،
وتضمن بقاء واستمرار الدولة الوظيفية الاستيطانية.
ومع وعد بلفور يصبح المك ان الذي سُتقام فيه الدولة الوظيفية هو
فلسطين، وتتحول الصيغة الأساسية إلى الصيغة الشاملة.
ولنا أن نلاحظ أن المفهوم الكامن وراء الصيغة الأساسية الشاملة في
الصهيونية الغربية مفهوم محوري في الحضارة الغربية؛ فلم يتم إدراك اليهود
- ??? -
وحدهم __________من خلاله، وإنما تم إدراك كل المنحرفين اجتماعيا؛ فمثلا كان يتم نقل
المساجين إلى أستراليا وتوظيفهم هناك بحيث يتحولون إلى عناصر صالحة
وأعضاء في الحضارة التي نبذتهم ونقلتهم.
? - الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المه ? ودة:
تقوم الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة بعلمنة اليهود تماما وُت ? حو?سُِلهم
إلى أقصى حد، وتجعلهم عنصرا نافعا ومادة متحوسلة ُتستخدم وتوظَّف، وهي
أيضا ُتعلمن الهدف من نقلهم والوسيلة التي س?ينقلون بها والأرض التي
سينقلون إليه ا. وليس من السهل على المرء قبول أن يتحول إلى وسيلة وأن
ينقل كما لو كان شيئا (لا قيمة له) من وطنه إلى أرض أخرى (أي أرض).
ولذا نجد أن المقدرة التعبوية للصيغة الشاملة تكاد تكون منعدمة؛ إذ إنها
تفترض أن ينظر اليهود إلى أنفسهم بشكل موضوعي نفعي، وأن يقبلوا أن
يتحركوا من أوطانهم إلى أماكن أخرى لخدمة الحضارة الغربية التي تنبذهم
وتناصبهم العداء، وهذا أمر مستحيل ب طبيعة الحا ل. ولذا تم تطوير "الصيغة
الصهيونية الأساسية الشامل ة" لتصبح "الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة
المهودة".
تتفق الصيغتان الشاملة والمه ? ودة على "الفعل" الاستعماري الاستيطاني
الإحلالي؛ أي نقل كتلة بشرية من الغرب إلى فلسطين لتحل الكتلة الوافدة
محل الس كان الأصليين، ولكن يغطي هذا الفعل سحابة كثيفة من الديباجات؛
فاليهود -حسب التصور الغرب ي- يشكلون مادة استيطانية استعمالية، وحسب
الرؤية الغربية هم "شعب عضوي منبو ذ" لا بد أن ?ينقل من أوطانه إلى
فلسطين، وهم حسب الديباجة الغربية "شعب إسرائيل الذي لا يستقر في
مكان؛ فهو إما في حالة خروج، أو في حالة انتظار الخروج".
- ??? -
تنطلق الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهودة من كل هذه العناصر،
ولكنها تقوم بإسقاط ديباجات الحلولية الكمونية (التي تلغي الحدود بين الإله
والأرض والشعب، وتخلع القداسة على كل ما هو يهود ي) على الصيغة
الشاملة بحيث يتحول اليهود من شعب عضوي منبوذ، ومن مادة نافعة إلى
كيان إنساني له هدف وغاية ووسيلة ورسالة، وتجعل عملية نقله مسألة ذات
أبعاد صوفية أو شبه صوفية نبيلة؛ فالشعب العضوي المنبوذ في الديباجة
الصهيونية يصبح "الشعب المقدس المشت ت" والوطن الأصلي هو "المنفى". أما
فلسطين فتصبح "أرض الميعاد".
ثم تتنوع الديباجات الصهيونية بتنوع التيارات الصهيونية المختلفة:
أ) الشعب العضوي المنبوذ، له حقوق مطلقة في أرض فلسطين (إرتس
يسرائيل) بسبب صلته العضوية المستمرة بهذه الأرض (الصهيونية الإثنية
العلمانية) أو لأنها مقدسة مثل الشع ب المقدس (الصهيونية الإثنية الديني ة) أو
لأنها الأرض الوحيدة التي يمكن أن يقف فيها الهرم الطبقي اليهودي المقلوب
على قاعدته (الصهيونية العمالي ة). وهي الأرض الوحيدة التي تصلح للخلاص
(المشيحاني أو الاشتراكي أو الليبرال ي)، فهي "أرض الميعا د" الإثنية الدينية أو
العلمانية، بل إن خلاص الشعب هو خلاص الأرض، وهو نفسه مشيئة الإله.
ب) لا ?ينبذ الشعب العضوي اليهودي بسبب أنه جماعة وظيفية فقدت
دورها -كما تبين بعض الدراسات السوسيولوجية التاريخي ة-، أو لأنه قاتل
المسيح -كما تدعي الحضارة الغربي ة-، وإنما لعدد من الأسباب تتغير بت غير
صاحب الديباجة؛ فالشعب اليهودي شعب مقدس مكروه من الأغيار في كل
زمان ومكان بسبب قداسته –الصهيونية الإثنية الديني ة-، أو بسبب تركيبه
الطبقي غير السوي –الصهيونية العمالي ة-، أو لأن هويته الإثنية العضوية لا
يمكن أن تتحقق إلا في أرضه –الصهيونية الإثنية العلماني ة (الثقافي ة)-، أو
- ??? -
لأنه شعب ليبرالي عادي يود أن يكون مثل كل الشعوب، خصوصا الشعوب
الغربية (الصهيونية السياس ة). ومهما اختلفت الأسباب، فإن هذا الشعب ينظر
إلى نفسه فيرى كيانا عضويا مطلقا له قيمة إيجابية ذاتية (بل يجد أنه المطلق
وموضع الحلول).
ج-) الهدف من نقل هذا الشعب -أعضاء الجماعات اليهودية في
مصطلحنا- ليس التخلص من اليهود أو تأسيس دولة وظيفية تقوم على خدمة
الغرب -كما هو الحال في التصور الغرب ي-، وإنما هو إصلاح الشخصية
اليهودية وتطبيعها وتأسيس دولة اشتراكية تحقق ? مُثل الاشتراكية (الصهيونية
العمالية) أو الاستج ابة للحلم الأزلي في العودة وتحقيق رسالة اليهود الإلهية،
وتأسيس دولة تستند إلى الشريعة اليهودية (الصهيونية الديني ة)، أو تحقيق
الهوية اليهودية وتأسيس دولة يهودية بالمعنى العلماني تكون بمنزلة مركز
روحي وثقافي ليهود العالم (الصهيونية الإثنية العلماني ة) أو تحقي ق ? مُثل
الحرية وتأسيس دولة ديموقراطية غربية (الصهيونية السياسية).
د) آليات الانتقال ليست الاستعمار الغربي أو العنف أو الإرهاب -كما هو
معروف لكل من درس تاريخ المستوطن الصهيون ي-، وإنما هي "القانون
الدولي العام" متمثلا في وعد بلفور -حسب الديباجة الصهيونية السياسية-، أو
"تنفيذا للوعد الإلهي والميثاق مع الإله" -حسب الديباجة الدينية- أو بسبب قوة
اليهود الذاتية -حسب الديباجة الصهيونية التصحيحية-.
ولكن مهما كانت الديباجات، فالنتيجة النهائية دائما واحدة، وهي تحويل
اليهود إلى مستوطنين صهاينة وطرد الفلسطينيين من وطنهم وتحويلهم إلى
لاجئين. وعلى هذا فإن عملية نقل اليهود من المنفى -أي العالم الغرب ي- إلى
فلسطين -سواء بسبب الوعد الإلهي أم بسبب وعد بلفو ر- تؤدي إلى نقل
الفلسطينيين خارج وطنهم إلى المنفى.
- ??? -
وقد اتجهت الصيغة المهودة لقضية يهود الغرب المندمجين في مجتمعاتهم
والذين لا ينوون -لعدة أسباب خاصة به م- الانتقال إلى أرض الميعاد
الاشتراكية أو الرأسمالية أو اليهودية، فقبلت قرارهم هذا نظير تلقي دعمهم
والتفافهم حولها على أن تلزم الحركة الصهيونية الصمت تجاه فضيحة
الصهاينة الذين لا يهاجرون -أي أن الصهيونية الاستيطانية الحقيقية لزمت
الصمت تجاه الصهيونية التوطينية الزائفة-.
لكل هذا أصبح من السهل التحالف بين الدينيين والعلمانيين؛ فالجميع
يتفقون على قداسة الشعب ورسالته (ومطلقيته)، ويختلفون حول مصدر
القداسة وتجلياته ا. ورغم كثافة الديباجات وإغراقها في الحلولية تظل الثوابت
كما هي، وتظل ال صيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كما ه ي. والأهم من هذا
تحولت الصيغة الصهيونية من صيغة غربية موضوعية خارجية تعرضها
الحضارة الغربية على الجماعات اليهودية إلى صيغة يهودية داخلية يستبطنها
أعضاء هذه الجماعات، ويدافعون عنها كما لو كانت صيغة يهودية خالصة،
وتحقيقا لرؤى الأنبياء والوعد الإلهي، ولا علاقة لها بموازين القوى السياسية
أو الدولية أو محاولة الهيمنة الاستعمارية على الشرق العربي.
وقد طور هرتزل الخطاب الصهيوني المراوغ الذي فتح الأبواب المغلقة
أمام كل الديباجات اليهودية المتناقضة، والتي غطت -بسبب كثافته ا- على
الصيغة الأساسية الشاملة، وأخفت إطارها المادي النفعي حتى حلت -بالنسبة
لأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب بل وبالنسبة لمعظم قطاعات العالم
الغربي- محل الصيغة الأساسية الشاملة.
ويلاحظ أن كثيرا من الأسس التي تستند إليها الصيغة الشاملة والمهودة قد
اختفى بفعل التطو رات التاريخي ة. فيهود العالم الغربي قد تناقص عددهم
واندمجوا بشكل شبه كامل في مجتمعاتهم، ولم يعد هناك مجال للحديث
- ??? -
الغربي المعادي لليهود عن "عدم نفعه م". كما أن عملية نقل اليهود ونفي
العرب اكتملت معالمها إلى حد كبير، خصوصا وأنه بعد تأسيس الدولة
أصبح "نقل" اليهود عملية "هجرة" تتم في ظلال قانون "العود ة" الصهيوني
الإسرائيلي. وبعد استقرار الدولة الصهيونية ونجاحها في التوسع والهيمنة
تراجعت الديباجات اليهودية -إلا بين المتطرفين الدينيي ن-، وحلت محلها
ديباجات برجماتية مثل "قبول الأمر الواق ع"، "الموازين الدولي ة"، "ضم
الأراضي بسبب المشكلة الأمنية -وليس الوعد الإلهي-"... إل خ. ولم يعد
معظم الصهاينة يتحدثون عن "الشعب المختا ر"، وإنما عن احتياجات
المستوطنين الصهاينة للمياه والأسواق العربية والعولمة، وعن إنجازات
إسرائيل الاقتصادية والعسكرية.
التيارات الصهيونية الأساسية
أشرنا م ن قبل إلى تنوع الديباجات والاعتذاريات والتبريرات المختلفة
المتناقضة المتضاربة، ولكنها تجمعها الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة،
وهي تصلح أساسا لتصنيف التيارات الصهيونية الأساسية بين اليهود:
? - الصهيونية السياسية (التي يقال لها دبلوماسية):
كان دعاة هذه الم درسة من اليهود المندمجين في الحضارة الغربية الذين
فقدوا علاقتهم بموروثهم الثقافي والديني، ولا ?يكنون أي احترام للموروث
الديني الثقافي للجماعات اليهودية في شرق أورب ا. ويؤمن دعاة هذا الاتجاه
بأزلية العداء لليهود واليهود، وأنه لا حل للمسألة اليهودية إلا بخروج اليهود
من أوطانهم ليؤسسوا دولة مقصورة عليهم.
ولم يهتم دعاة هذا التيار بالتوجه الديني أو الثقافي لهذه الدولة أو شكلها
الأيديولوجي -اشتراكية كانت أم رأسمالية، فاشية أم ليبرالي ة-؛ فقد كان همهم
- ??? -
الأكبر هو تخليص أوربا من يهوده ا. ومع هذا يمكن القول بأن معظم
المنتمين لهذا الاتجاه يظهرون تعاطفا نحو الاقتصاد الحر الذي اكتشف أن
الرؤية الصهيونية لا يمكن وضعها موضع التنفيذ من خلال قوة اليهود
الذاتية، وأنه لا مناص من الاعتماد على الدعم الإمبريالي الغربي، وهذا هو
الذي كان يعنيه بقول ه: "بمساعدة القانون الدولي العا م". فالقانون الدولي في
الخطاب الغربي كان يعني "القانون الغرب ي" –وكلمة "الدبلوماسي ة" التي
توصف بها الصهيونية السياسية تعني في واقع الأمر "الاستعمارية"-.
ويمكن القول بأن الصهيونية السياسية هي صهيونية ذات اتجاه توطيني
على الرغم من وجود أحزاب تمثلها داخل المستوطن الصهيوني.
? - الصهيونية الاشتراكية أو العمالية (أو ذات الديباجات الاشتراكية أو
العمالية):
الصهاينة الاستيطانيون هم هؤلاء اليهود الذين يذهبون إلى فلسطين،
فيغتصبون الأرض من أهلها، ويطردونهم منها، ويمنعونهم من العمل فيها؛
ولذا فواقع وجودهم الذي يستند إلى الاغتصاب والإرهاب والعنف، يملي
عليهم تبني أشكال من التنظيم العسكري والاجتماعي والاقتصادي يستحيل
البقاء دونها، والصهيونية التي ?يقال لها "اشتراكية" هي تعبير عن هذا الوضع؛
إذ تذهب إلى أن المستوطنين عليهم أن ينظموا أنفسهم داخل مؤسسات
مقصورة عليهم يقال لها "اشتراكية" تأخذ شكل مزارع جماعية لا تعرف
الملكية الخاصة أو تقلص نطاقها، وتشكل اتحادات عمالية تستبعد العمال من
السكان الأصليين.
وما لا تذكره أدبيات الصهيونية الاشتراكية إلا لمام ا هو أن جماعية
التنظيم مسألة لا علاقة لها بفكرة العدالة الاجتماعية، وإنما هي مسألة تنظيمية
حتمية تتطلبها المواجهة المستمرة مع السكان الأصليي ن. ومن المعروف أن
- ??? -
معظم التجارب الاستيطانية الأخرى -التي لا علاقة لها بأي فكر اشتراك ي-
لجأت إلى التنظيم على أسس جماعية؛ فالجماعية هنا تعبير عن عسكرة
مجتمع المستوطنين الذي لا بد أن يدافع عن نفسه ضد المسحوقين
والمطرودين.
وقد طرح الصهاينة الاشتراكيون مفاهيم أخرى مثل مفهوم "غزو الأر ض"
و"العمل والحراس ة" و"الإنتاج"، والذي يعني –ببساطة- أن اليهودي طالما كان
لا يزرع الأرض التي استولى عليها ولا يحرسها بنفسه فإنها ستؤول إلى
العرب مرة أخرى؛ ولذا فلا بد من اقتحام الأرض ? ع نوة واستبعاد العرب من
العمل عليها وتأسيس بَِنى اقتصادية مستقلة في عمليات الإنتاج والاستهلاك،
لا يوجد داخلها سوى المستوطنين الصهاين ة. والصهيونية ذات الديباجة
الاشتراكية هي التي قامت بوضع أسس الجيب الاستيطاني؛ فهم الذين قاموا
بتأسيس المنظمات العسكرية الصهيون ية المختلفة (الهاجاناه – البالما خ)
والمؤسسات الاقتصادية الانعزالية التي قامت باقتلاع العرب واستبعادهم من
العملية الإنتاجية (الكيبوتس، الموشاف، الهستدرو ت) وهي التي أعلنت
استقلال الدولة، وظلت تحكم الدولة الصهيونية حتى عام ???? حينما نجح
"بيجين" في الانتخابات.
? - الصهيونية الثقافية والدينية:
يذهب كل من الصهاينة الثقافيين والدينيين إلى أن اليهود شعب متماسك
مرتبط ارتباطا عضويا بفلسطين، وله حقوق مطلقة فيها. وبينما يرى الدينيون
أن وحدة هذا الشعب اليهودي وحقوقه المطلقة نابعة من الوعد الإلهي واختيار
الإله ل ه- يرى الثقافيون أنها تنبع من ذاته هو، ولذا فالتراث الديني بالنسبة
للصهاينة الثقافيين هو تعبير عن الوعي اليهودي، وشيء من قبيل الفلكلو ر.
- ??? -
ورغم الاختلاف في تحديد مصدر الاختيار والمطلقية فإن الاتجاهين يتفقان
في الأساسيات.
ويلاحظ أن الصهيونية الثقافية والدينية تغطي ما ?يسمى "منطقة الوعي
والهوية"، ولا علاقة كبيرة لهما بعالم السياسة والاستيطان، ولذا يمكن أن
يكون الصهيوني الاستيطاني أو التوطيني صهيونيا ثقافيا أو ديني ا. وانقسام
المستوطن الصهيوني لعلمانيين ومتدينين هو تعبير عن الانقسام بين دعاة
الصهيونية الثقافية ودعاة الصهيونية الدينية.
الإجماع الصهيوني
الاختلافات بين التيارات الصهيونية تدور في إطار الصيغة الصهيونية
الأساسية الشاملة التي ترجمت نفسها في الوقت الحاضر إلى ما نسميه
"الإجماع الصهيون ي". و"الإجماع" في عالم السياسة هو الاتفاق بين النخبة
والغالبية الساحقة من الشعب بش أن عدد من المسلَّمات الفلسفية والأخلاقية
والسياسية. و"الإجماع الصهيون ي" هو اتفاق داخل الدولة الصهيونية بين
"التيارات والاتجاهات والأحزا ب" الصهيونية التي تضم الغالبية الساحقة من
المستوطنين الصهاينة بشأن الأمن وحدود الدولة والعلاقة مع الفلسطينيين
ومع يهود ال عالم ودول العالم، وبخاصة دول العالم الغربي وفي مقدمتها
الولايات المتحدة التي ترعى الكيان الصهيون ي. وقد تظهر اختلافات بشأن
الوسائل والنهج، ولكنها لا تنصرف قطُّ إلى المسلَّمات النهائي ة. والعقد
الاجتماعي الذي يستند إليه التجمع الصهيوني هو نفسه هذا الإجماع، وه و
الذي يشكل المرجعية النهائية لكل الأحزاب والتيارات الصهيونية.
والإجماع الصهيوني يصدر عن جملة واحدة "أرض بلا شعب لشعب بلا
أرض". هذه الجملة البسيطة العنصرية الإبادية يتم تطويرها على شكل بناء
- ??? -
أيديولوجي متماسك، مع إضافة الديباجات اليهودية التي تحمل الرؤية
العنصرية الببادية بحيث تبدو كما لو كانت أمرا إنسانيا رائعا. ويمكن تلخيص
بنود الإجماع الصهيوني فيما يلي:
? - اليهود شعب واحد، طليعته هم المستوطنون الصهاينة، وفلسطين هي
أرض الميعاد أو "إرتس يسرائي ل" -وطن اليهود القوم ي-، وليست فلسطين
وطن أهلها، وعلى يهود العالم أن يهاجروا إلى "إرتس يسرائي ل"، وأن يلتفوا
حول دولتهم الصهيونية القومية، ويقوموا بدعمها ماليا وسياسيا؛ فهي المركز
وهم الهام ش. هذه الدولة يجب أن تكون دولة يهودية خالصة –دولة اليهود
ودولة يهودية في آن واح د- تجسد الرؤى اليهودية، وبإمكان اليهودي أن
يحقق فيها ذاته وهويته.
? - وجود الفلسطينيين في وطنهم فلسطين -حسب التصور الصهيون ي-
أمر عرضي زائل، ومن ثم لا بد من التخلص منهم إما بالطرق السلمية أو
الإرهابية. وانطلاقا من كل هذا يصبح من "حق" الدولة الصهيونية أن "تدافع"
عن نفسها، وعن حقوقها المطلقة بكل ضراوة من خلال "جي ش الدفاع
الإسرائيلي" ضد "إرهاب" السكان الأصليين؛ أي أن الفلسطينيين ممن
يرفضون الإذعان للرؤية الصهيوني ة. وقد تتفاوت مفاهيم السلام بين حزب
صهيوني يميني وآخر صهيوني يساري، ولكن في التحليل الأخير نجد أن
مفهوم الأمن لدى الأحزاب الصهيونية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار
يشير إلى مضمون جوهري واحد؛ فالتيار العمالي يتبنى مقولة "بن جوريو ن":
"إن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة".
وينظر الصهاينة إلى القضية الفلسطينية باعتبارها "قضية أخلاقي ة"
وحسب، ومن َث?م يجب عدم الحديث عن "عودة" الفلسطينيين إلى ديارهم -
"إعادة توطينه م" في المصطلح العرب ي-، وإنما يجب الحديث عن "منح
- ??? -
تعويضات" مالية للمتضررين منهم -وهذا استمرار للعقلية التجارية القومية
الصهيونية، التي ترى أن كل شيء ?يباع و?يشترى بما في ذلك الأوطا ن-، أما
المتبقون ف?يستو? ? عبون في أماكن وجودهم -أي في البلدان العربية المختلفة،
وبخاصة سوريا ولبنان-.
? - سياسة الأمر الواقع هي السياسة الوحيدة التي يمكن اتباعها مع
العرب؛ فالأمر الواقع هو الذي يغير الواقع [العرب ي]، ويفرض واقع ا
[صهيونيا] جديدا عليه، ويمكن تحقيق السلام بالشروط الصهيونية من خلاله.
? - لا يمكن تفكيك المستوطنات القائمة بالفع ل؛ فتفكيك المستوطنات
يضرب في صميم الشرعية الصهيونية، ولا بد من الحفاظ عليها بشكل أو
بآخر. ولكن، هل يجب أن تكون هذه المستوطنات متصلة، بطرق برية أم
بأنفاق تحت الأرض، أم تظل منفصلة؟ وهل هي مستوطنات أمنية مؤقتة
(أمنية) أم دائمة -عضوية، إن صح التعبير؟ كل هذه أم ور ثانوية يمكن
الاختلاف بشأنها بين أعضاء حزب العمل وحزب الليكود.
? - القدس هي العاصمة الموحدة والأزلية للدولة الصهيونية -وليست
موضوعا للمساومة-، وبإمكان الفلسطينيين أن يأخذوا مكانا خارج القدس،
على سبيل المثال، وهذه (مع الأس ف) (Guds وليسموه ما يشاءون (ال
ليست مجرد نكتة سياسية، وإنما حقيقة صهيونية.
? - الدولة الصهيونية تضم الضفة الغربية، وحدودها هي نهر الأرد ن.
ويختلف العماليون فيما بينهم -كما يختلفون مع أعضاء الليكو د- عما إذا كان
الوجود الإسرائيلي على نهر الأردن مستمر (عضوي دائم) أم مؤقت (أمن ي)
إذ يرى أعضاء الليكود أن حدود إسرائيل هي نهر الأردن بالفعل، وأن
الوجود الإسرائيلي هناك وجود دائم، أما العماليون مستعدون "للخروج" من
هذه الأرض من "الناحية النظرية" -على الأقل-.
- ??? -
? - الكيان الفلسطيني الذي سينشأ بعد ذلك (في الضفة والقطا ع) كيان
سياسي متقوص السيادة، منزوع الس لاح وبدون جي ش. ويشبهه الكيان
الصهيوني "ببورتوريكو" و"أندورا" (والأولى دولة حرة تابعة للولايات
المتحدة، لسكانها حق التصويت، دون أن يحملوا الجنسية الأمريكي ة. أما
الثانية، فتخضع لنظام حكم تحت سيادة فرنسا وأسقف من إسبانيا؛ فهي تقع
بين البلدين).
أما ماذا تسمى هذه الدولة؛ هل هي "حكم ذات ي" أم "دولة فلسطينية مستقل ة"؟
فهذه مسألة ثانوية يمكن الاختلاف بشأنها.
? - تنازل معظم الصهاينة عن الشعارات القديمة مثل إسرائيل الكبرى
"حدوديا" (أي إسرائيل الممتدة من النيل إلى الفرا ت)، وبدؤوا في تبني
شعارات مثل "إسرائيل العظمى اقتص اديا" المهيمنة على المنطقة الممتدة من
المحيط إلى الخليج؛ فهذا هو عصر النظام العالمي الجديد وما بعد الحداثة،
وقد أثبت الصهاينة مقدرة غير عادية على التكيف مع المعطيات الدولية،
وهذه سمة أساسية للدولة الوظيفية.
? - يذهب الإجماع الصهيوني -رغم كل ديباجات الاستقلال الصهيوني
والاعتماد على الذات ورفض الجوييم (أي غير اليهود أو الأغيا ر)- إلى أنه
دون الدعم الغربي -وبخاصة الأمريك ي- للمستوطن الصهيوني لن يق?در له
البقاء والاستمرار، وأن هذا المستوطن الصهيوني هو أساسا دولة وظيفية
أُسست للاضطلاع بوظيفة أساسية، هي الدفاع عن المصالح الغربية، وأن
الغرب قد تبنى المشروع الصهيوني وضمن له البقاء والاستمرار كي يدافع
عن مصالح الغرب في المنطقة، ودون أداء هذه الوظيفة لن يكون هناك دعم.
- ??? -
تاريخ الصهيونية
بعد أن عر فنا الصهيونية من خلال الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة
والمهودة، وبعد أن عر ضنا للتيارات الصهيونية المختلفة، يمكننا أن نقدم
تاريخا موجزا للغاية للفكر الصهيوني والحركة الصهيونية:
? - المرحلة التكوينية:
ظهرت الفكرة الصهيونية -أول ما ظهر ت- في الأوساط البروتستانتية في
إنجلترا ابتداء من أواخر القرن السادس عشر مع الثورة التجارية وحركة
الاكتشافات، و?يطلق على هذه النزعة اسم "الصهيونية المسيحية"؛ لأنها كانت
? مغلَّفة بديباجات مسيحية (وهي تمارس الآن بعثا جديدا في الولايات المتحدة،
وخصوصا في بعض الأوساط البروتستانتية "الأصولية" المتطرفة). ومع تزايد
معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية ظهرت نزعا ت ومفاهيم صهيونية في
أوساط الفلاسفة –ولا سيما الرومانسيين والمفكرين السياسيين والأدباء
العلمانيين، تنادي بإعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أنهم شعب
عضوي منبوذ-.
وكان المفهوم في بداية الأمر عائما غائما، ولم تكن أبعاده السياسية
واضحة، ولكن التطورات السيا سية أدت إلى ظهور خلفية جديدة للصهيوني ة.
و"قضية استرجاع إسرائيل التي كانت قضية أثيرة لدى العاطفيين وكتاب
المقالات والأدبا ء... وكل مؤمن بالإنجيل وكل صديق للحرية، أصبحت
قضية حقيقية مطروحة على المستوى السياسي وبشكل ج?د ي" كما قالت
التايمز (عام ???? )؛ أي أن الص هيونية لم تعد فكرة هامشية أو فلسفية أو
تطلعا عاما، وإنما أصبحت فكرة مركزية في الوجدان السياسي الغربي.
ولعل أهم القرائن على هذه الحقيقة أن المفكرين الصهاينة أصبحوا قريبين
George من صانع القرار، ويمكن أن نذكر في هذا المضمار جورج جولر
- ??? -
وزير البحرية Henry Innes حاكم جنوب أستراليا، وهنري إنس Gawler
البريطانية الذي كتب مذكرة عام ???? موجهة إلى كل دول شمال أوربا
رئيس الوزراء برفعها Palmerston وأمريكا البروتستانتية، وقام بالمرستون
إلى الملكة فيكتوريا، تدعو إلى إعادة اليهود إلى فلسطي ن. وقد نشرت التايمز
المذكرة في عام ???? ، ونشرت جريدة جلوب اللندنية القريبة من وزارة
???? تؤيد فيها مسألة تحييد سوريا / الخارجية مجموعة مقالات عام ????
(التي ناقشها مؤتمر لندن).
? - مرحلة بلورة الفكر الصهيوني:
ولكن رغم مركزية الفكرة الصهيونية فإنها ظلت مجرد فكرة سياسية
ومشروع يدرس، ولكن ظهور "محمد عل ي" المفاجئ غير الأوضاع تماما؛ إذ
قلب موازين القوى، وهدد المشروع الاستعماري الغربي الذي كان ?يفترض
أن العالم كله إن هو إلا ساحة لنشاطه وسوق لسلعه، ووضع حدا لآمال الدول
الغربية التي كانت تترقب اللحظة المؤاتية لاقتسام تركة الرجل المريض
ال ? محت ? ضر. ولذا تحالفت الدول الغربية كلها، وضمنها فرنسا حليفة "محمد
علي"، وعقدت مؤتمر لندن عام ???? ، وقررت فيه الإجهاز عليه،
فاضطرته إلى التوقيع على "معاهدة لندن لتهدئة المشرق".
وتمثل هذه النقطة، كما يقول ناحوم سوكولوف (رئيس المنظمة الصهيونية
ومؤلف كتاب تاريخ الصهيونية أ ول تاريخ للصهيوني ة) "نقطة تحول في
تاريخ فلسطي ن"، إذ تبلورت الفكرة الصهيونية بسرعة، وخرجت من نطاق
الأفكار السياسية، ودخلت حيز المشاريع السياسية، فطرحت فكرة تحييد
سوريا؛ بمعنى فصلها عن كل من "محمد عل ي" و"تركي ا"، ويضيف
سوكولوف: "في هذه اللحظة كان من الممكن أن يستعيد اليهود أرضهم
القديمة لو كان عندهم منظمة لتنفيذ الخط ة". وإن أردنا ترجمة هذا الكلام إلى
- ??? -
مصطلح سياسي أكثر دقة لقلن ا: "إن المسألة الشرقية –وهي المشاكل الناجمة
عن وضع الإمبراطورية العثمانية المتردي التي كانت فلسطين جزءا لا يتجزأ
منها، والذي كان يؤثر في ميزان القوى القائم في أورب ا- التقت بمسألة أوربا
اليهودية، فاندمجتا تمام الاندماج، وتم التوصل إلى إمكانية حل المسألة
اليهودية عن طريق توظيف اليهود في حل المسألة الشرقية، ويأخذ الحل
الشكل التالي:
أ) تتفق الدول العظمى على تسوية المسألة الشرقية على أساس استق لال
سوريا.
ب) يتم إدخال "مادة جديدة" في نسيج سوريا الاجتماعي.
ج-) هذه المادة هي اليهود الذين سيتم استرجاعهم إلى فلسطين حاملين
معهم ? ع?دة الحضارة وأجهزتها؛ بحيث يكونون نواة لخلق مؤسسات أوربية
تحت رعاية القوى الأوربية الخمس.
د) ستجد إنجلترا حليفا جديدا سيثبت أن الصداقة معه في نهاية الأمر ذات
نفع لها في التعامل مع المسألة الشرقية.
ويمكن القول بأن عملية بلورة منظومة الفكر الصهيوني بشكل كامل تمت
???? ) والسير لورانس - على يد كل من اللورد شافتسبري ( ????
???? ). وكان أولهما يرى اليهود باعتبارهم شعب ا - أوليفانت ( ????
مستقلا وجنسا عبريا يتمتع باستمرارية لم تنقطع؛ فيهود العهد القديم
(الخارجون من مصر، الصاعدون إلى كنعا ن) هم أنفسهم يهود إنجلترا
وفرنسا وبولندا (الخارجون من المنفى الصاعدون إلى فلسطين العربي ة). وقد
بين شافتسبري أن هذا الشعب يمكن توظيفه في خدمة الإمبراطورية
الإنجليزية؛ لأنهم "جنس معروف بمهارته ومثابرته الفائقة، ويستطيع أعضاؤه
العيش في غبطة وسعادة على أقل شيء، فهم قد ألفوا العذاب عبر العصور
- ??? -
الطويلة". وهم –علاوة على هذ ا- شعب مرتبط ببقعة جغرافية محددة خارج
أوربا هي فلسطين؛ فبعثهم لا يمكن أن يتم إلا هناك، كما أن وجودهم في هذه
البقعة يمثل عنصرا حيويا في الرؤية المسيحية للخلاص. وكما قا ل: "إن أي
شعب لا بد أن يكون له وط ن. الأرض القديمة للشعب القدي م". ثم طور هذا
الشعار ليصبح "وطن بلا شعب لشعب بلا وط ن". كما لاحظ شافتسبري أهمية
سوريا -وضمنها فلسطين- لإنجلترا ومدى حاجتها "لإسفين بريطاني هناك".
وعلى الرغم من أن هذه الأفكار ُ طرحت قبل عشرين سنة من ميلاد
هرتزل؛ فإن كل ملامح المشروع الصهيوني موجودة فيها، ولا سيما فكرة
توظيف وضع اليهود الشاذ داخل المجتمعات الغربية في خدمة هذه
المجتمعات عن طريق نقله م. وصاغ شافتسبري رؤية اليهود كك تلة مستوطنين
لا تخدم دولة غربية واحدة، وإنما كل دول الغرب (وهو الأمر الذي تحقق
فيما بعد).
أما الشخصية الثانية المهمة فهو "سير لورانس أوليفان ت" صديق "لورد
شافتسبري" الذي كان يرى -مثل بعض السياسيين البريطانيين في نهاية
القرن التاسع عش ر- ضرورة إنقاذ الدولة ال عثمانية من مشاكلها المستعصية؛
لتظل حاجزا صلبا ضد الزحف الروسي عن طريق إدخال عنصر اقتصادي
نشط في جسدها المتهاوي، وقد وجد أن اليهود هم هذا العنصر؛ ولذلك دعا
بريطانيا إلى تأييد مشروع توطين اليهود -لا في فلسطين وحس ب-، وإنما في
الضفة الشرقية للأردن كذل ك. وكان ا لمشروع يتلخص في إنشاء شركة
استيطانية لتوطين اليهود برعاية بريطانية وبتمويل من الخارج ويكون
مركزها إستانبو ل. وقد لاحظ "ابن هالبر ن" -وهو أحد المؤرخين المحدثين
للصهيونية ومن المؤيدين له ا- أوجه الشبه بين هذه الخطة واقتراحات هرتزل
فيما بعد.
- ??? -
? - الوعود البلفورية:
لم يكن شافتسبري وأوليفانت إلا تعبيرا عن رؤية الحضارة الغربية لليهود
باعتبارهم شعبا منبوذا. وقد عبرت هذه الرؤية عن نفسها فيما نسميه "الوعود
البلفورية" -نسبة إلى وعد بلفو ر-، وهي التصريحات التي أصدرها الساسة
الغربيون، والتي يربطون فيها بين اليهود وفلسطين، و يدعونهم إلى الاستيطان
فيها. ومن أهمها تصريح نابليون في أوائل القرن التاسع عشر حين دعا
اليهود للاستيطان في "بلاد أجداده م". وقد صدرت وعود بلفورية من ألمانيا
كان أهمها خطاب من دوق إيلونبرج باسم حكومة القيصر إلى هرتزل مؤرخ
في سبتمبر ???? ، وجاء فيه أن جلالته عل ى استعداد لأن يأخذ على عاتقه
محمية يهودية في حالة تأسيسها. كما أصدرت حكومة روسيا القيصرية وعدا
بلفوريا أخذ شكل رسالة وجهها فون بليفيه وزير داخلية روسيا إلى تيودور
هرتزل يعبر فيها عن تأييد روسيا المعنوي والمادي للحركة الصهيونية.
ويمكن النظر إلى مشروع توطين شرق أفريقيا الذي تبنته إنجلترا عام
???? باعتباره وعدا بلفوريا آخر.
ومما يجدر ملاحظته أن كل الشخصيات التي كانت وراء إصدار الوعود
البلفورية معادية لليهود تود ترحيلهم من أوطانهم إلى أي مكان آخ ر. فسلوك
نابليون تجاه أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا لا يترك مجالا للشك في
شأن كرهه لهم، أما قيصر ألمانيا فقد كان يعرف تماما أن اليهود هم "قتلة
المسيح" وأن الشعب الألماني لا ?يك ? ن لهم سوى الكر ه. وكان فون بيليفيه
متورطا في عملية قمع أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا وتدبير
مظاهرات -وأحيانا مذابح- ضدهم.
من الواضح إذن أن الدافع وراء صدور الوعود البلفورية ليس حب اليهود
وإنما الرغبة في التخلص منهم باعتبارهم شعبا عضويا منبوذا. ولكن أوربا
- ??? -
كانت حضارة نفعية مادية لا تكترث لا بالحب ولا الكره، وتلتزم بأمر واحد
وهو تحويل العالم إلى مادة استعمالية لا قداسة لها، وكما يقول بالمرستو ن:
"ليس لنا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل مصالح دائم ة". وكان معظم
الذين يصدرون الوعود البلفورية يهدفون إلى توظيف اليهود في خدمة
مشاريعهم وإلى تحويلهم إلى عملاء لهم.
ولا يختلف وعد بلفور عن كل الوعود البلفورية التي سبقته أو صدرت
بعده، وفيما يتصل بالدوافع ا لكامنة وراء صدوره يكاد يكون هناك ما يشبه
الإجماع بين المؤرخين على أن الإمبراطورية البريطانية كانت تريد توظيف
اليهود في محاولتها التخلص من البنود الخاصة بفلسطين في اتفاقية "سايكس
– بيك و" السرية المبرمة بين بريطانيا وفرنسا؛ فبعد أن تم عقد هذه الاتفاقية
شعر ا لبريطانيون بأن البنود المذكورة لا تخدم مصلحتهم كثيرا، وأنه لو
قامت سيطرة فرنسية على فلسطين فإن الدفاع عن مصر وقناة السويس
سيصبح أمرا محفوفا بالمخاطر. ولذلك اتخذت وزارة الحرب من المشروع
الصهيوني وسيلة للانسحاب بلباقة من الاتفاقية.
ومع أن تعديل اتفاقية "سايكس – بيك و" كان -بلا ش ك- هو السبب المباشر
لإصدار الوعد، إلا أن "الإطار العام لمخططات الإمبراطوري ة" كان هو
الهدف الإستراتيجي النهائي الكام ن. ويمكن التدليل على هذا بالعودة إلى
المذكرة التي تقدم بها السير هربرت صموئيل في مارس ???? ووضح فيها
الاحتمالات الخمسة لم ستقبل فلسطين بعد انهيار الدولة العثمانية. وما يهمنا
هو الاحتمالان الرابع والخامس في هذه المذكر ة. وكان الاحتمال الرابع هو
"الإقامة المبكرة لدولة يهودي ة"، وتم رفضه لأن اليهود كانوا لا يشكلون آنذاك
سوى سدس سكان فلسطين على الأرجح، "الأمر الذي سيؤدي إلى تلاشي ح لم
- ??? -
الدولة الصهيوني ة" (بسبب مقاومة السكان الأصليي ن). وتضيف المذكرة أن
"زعماء الحركة الصهيونية كانوا على إدراك تام لهذه الاعتبارات".
ولهذا كان الاحتمال الخامس (إنشاء محمية بريطانية في فلسطين لفترة من
الزمن ثم إعلان الدولة الصهيونية بعد ذل ك) هو الاحتمال الوحي د القابل
للتحقيق.
وفي مجال عرض مزايا هذا الاحتمال قالت المذكر ة: إن إعلان الحماية
البريطانية سيقابل بالترحيب من قبل السكان الحاليين (أي الفلسطينيي ن)،
وسيتم بالتالي تحاشي الصدام مع اليهو د. ولكن هذا الوضع -حسبما جاء في
المذكرة- هو مجرد غطاء مؤقت لإعطاء فسحة م ن الوقت "للمنظمات
اليهودية في ظل الحكم البريطاني لكي تقوم بابتياع الأراضي وإنشاء
المستعمرات وإقامة المؤسسات التربوية والدينية، وللتعاون في الإنماء
الاقتصادي للبلاد، وستنال مسألة الهجرة اليهودية مركز الأفضلية بحيث
يتحول السكان اليهود إلى أكثرية مستوطنة في البلا د"، أي توطيد دعائم
الاستيطان الصهيوني.
والهدف من كل هذا كما جاء في المذكرة ليس أية دوافع إنسانية أو
أخلاقية، وإنما "إنشاء محمية تشكل ضمان ا لسلامة مص ر"، أي لسلامة
المصالح الإمبراطورية البريطانية، التي كانت مصر تشكل إحدى ركائزها
الأساسية آنذا ك. ويشير صم وئيل في المذكرة -وفي أماكن أخر ى- إلى أنه
بعد أن يستقل اليهود في دولة خاصة بهم تشكل هذه الدولة جزء ا من
الحضارة الغربية، وتدافع عن مصالحه ا. كما ستؤدي هذه الخطوة إلى شعور
يهود العالم بالامتنان تجاه بريطانيا بحيث يؤلف اليهود كتلة متحيزة.
هذه هي الدوافع الحقيقي ة لصدور وعد بلفور في ? نوفمبر ???? ، والذي
جاء فيه "أن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي
- ??? -
للشعب اليهودي في فلسطين، وأنها ستبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا
الهدف".
أما الحديث عن حب الإنجليز لليهود فهو حديث لا طائل من ورائه؛
فبلفور –على سبيل المثال- لم يكن ?يضمر كثيرا من الحب والاحترام لليهود.
وقد اعترف هو نفسه لوايزمان بدوافعه المعادية لليهو د. وفي المقدمة التي
كتبها لتاريخ الصهيونية الذي ألفه سوكولوف، يتحدث عن اليهود باعتبارهم
عبئا على الحضارة الغربية لا بد أن تتخلص منه. ولم يكن لويد جورج رئيس
الوزارة البريطانية التي أصدرت الوعد يكترث باليهود، بل إنه استخدم في
أحد الانتخابات التي أجريت بعد صدور الوعد عبارات معادية لليهود ضد
أحد منافسيه.
? - الصهيونية بين أعضاء الجماعات اليهودية:
وهكذا اكتملت الصهيونية فكرا وممارسة، وخرجت من حيز الآمال الدينية
والأفكار السياسية بل والمشاريع السياسية إلى حيز التنفيذ الفعلي بصدور
وعد بلفور (أهم حدث في تاريخ الصهيوني ة). ولكن من الملاحظ أن
الشخصيات الأساسية في تاريخ الفكر والممارسة الصهيونية (حتى نهاية
القرن التاسع عش ر) هي شخصيات غير يهودية (نابليون - شافتسبري -
أوليفانت - تشامبرلين - لويد جورج - بلفو ر... إل خ). ويسمى اتجاههم
الصهيوني "صهيونية الأغيا ر" (أي غير اليهو د). وعلى عكس ما يتصور
الكثيرون كانت الحكومة البريطانية قد قررت تحويل فلسطين إلى مستعمرة
استيطانية إحلالية صهيونية قبل أن يقوم الصهاينة من اليهود بجهوده م
المكثفة "للضغط " على الحكومة البريطانية لإصدار وعد بلفو ر. بل ويلاحظ
انصراف اليهود عن تأييد الحركة الصهيونية (لمدة طويلة حتى بعد صدور
وعد بلفور) فقد اعترف وايزمان عام ???? بأن وعد بلفور "كان مبنيا على
- ??? -
الهواء"، وروى أنه في عام ???? كان يرتعد؛ خشية أن تسأله الحكومة
البريطانية عن مدى تأييد اليهود للحركة الصهيونية، فقد كانت تعلم أن "اليهود
ضدنا.. كنا وحدنا نقف على جزيرة صغيرة، مجموعة صغيرة من اليهود لهم
ماضأجنبي".
وهنا يطرح السؤال نفسه : هل الصهيونية إذن ظاهرة غير يهودية؟ وردنا
على هذا السؤال سيكون بالإيجا ب. فالصهيونية -كما أسلفن ا- هي بالدرجة
الأولى نظرية سياسية غربية ومشروع غربي استيطاني إحلالي، كان أعضاء
الجماعات اليهودية بمنأى عنه تماما لأسباب عديدة:
أ ) لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية مشاركين في عمليات صنع القرار
في الغرب، بل ولم يكونوا قريبين من صناع القرار.
ب) لم تكن جماعات الضغط اليهودية قد تكونت بعد؛ فعدد أعضاء
الجماعات اليهودية في كثير من بلدان أوربا كان صغير ا. بل إن إنجلترا
–التي شهدت تصاعد الدعوة الصهيوني ة- لم يكن فيها يهود مع بداية العصر
الحديث، وظل اليهود فيها يشكلون أقلية صغيرة للغاية لا ?يعتد بها حتى
منتصف القرن التاسع عشر.
ج) كانت اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية قد قامت بتحويل فكرة العودة
إلى أمر يتحقق في آخر الأيام؛ أي إلى ضرب من الحلم الديني الذي لا
يتحقق إلا في مجال التاريخ المقدس، لا على مستوى التاريخ الإنساني
الزمني؛ ولذا كان اليهود -وبخاصة في الغر ب- يرفضون التورط في
مشاريع العودة التي تدعي أنها مشاريع قومي ة. وقد رفض "مجلس المندوبين
- ليهود إنجلتر ا" الاقتراح الذي تقدم به الكولونيل تشارلز تشرشل ( ????
???? ) -الصهيوني غير اليهودي- لتوطين اليهود في فلسطين.
- ??? -
د) شهد منتصف القرن التاسع عشر ظهور اليهودية الإصلاحية بتأكيدها
المثل الاندماجية ورفضها فكرة العودة الفعلية إلى فلسطين رفضا تاما. وعقد
__________عام ???? مؤتمر فرانكفورت الشهير الذي حذف من كتب الصلوات جميع
التوسلات للعودة إلى أرض الآباء وإحياء دولة يهودي ة. وحينما ? عقد المؤتمر
اليهودي الأول عام ???? لبحث مشكل ة يهود رومانيا لم يتطرق إلى أي حل
عن طريق الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
ه) ظهرت في صفوف اليهود حركة "الهسكلاه" -حركة التنوير اليهودي ة-
التي دعت اليهود للاندماج في أوطانهم.
و ) شهدت كثير من بلدان أوربا حركة تحديث وتصنيع قوية أتاحت
فرص الحراك الاجتماعي أمام أعضاء الجماعات اليهودية. كما أن كثيرا من
حكومات الغرب سعت جاهدة لدمج اليهود.
وقد ظلت الصهيونية -حتى بين اليهود- ظاهرة شرق أوربية أساسا،
ولكن بالتدريج بدأ يهود الغرب يتبنونها، وهذا يعود إلى أنه مع نهاية القرن
التاسع عشر وتفاقم المسألة اليهودية الشرق أوربية بد أ تدفق مئات الآلاف من
اليهود من شرق أوربا إلى غربها؛ حيث كان التصور العام أنهم يشكلون كتلة
بشرية غريبة غير مندمجة في المجتمع، كما كان وجودهم يؤدي إلى زيادة
معدلات البطالة وانتشار الأمراض الاجتماعي ة. وكان هذا يتسبب في استجابة
المجتمعات الغربية لوجودهم استجا بة سلبية، وكانت المجتمعات الغربية
تحاول التخلص منهم (كما تفعل الآن مع وجود أقليات عربية أو إسلامية
كبيرة). ومما له دلالة أن بلفور كان رئيسا للوزراء عام ???? ، وسعى
جاهدا آنذاك لاستصدار تشريعات من البرلمان البريطاني للحد من هجرة
"الغرباء"، أي يهود شرق أوربا.
- ??? -
ولم تكن استجابة يهود أوربا الغربية المندمجين لهجرة يهود شرق أوربا
مختلفة كثيرا عن استجابة شعوب غرب أوربا لها؛ فوصول هؤلاء الغرباء
كان يهدد مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية المتميز ة. فكانوا ينظرون إلى
هؤلاء الوافدين الغرباء باعتبارهم –على أسوأ تقدير- خطرا يتهددهم، أو -
على أحسن تقدي ر- باعتبارهم إخوة في الدين سيئو الحظ يستحقون الإحسان
وحسب.
وهكذا تلاقى الطرفان الغربيان -اليهودي الغربي المندمج وغير اليهود ي-
عند نقطة واحدة، وأصبح يجمعهم هدف واحد؛ التخلص من الوافدين الغرباء
في أسرع وقت عن طريق تحويل سيل الهجر ة إلى خارج أوربا. وقد عبر
ذلك عن نفسه من خلال مشاريع صهيونية يمولها يهود الغرب لإغاثة يهود
الشرق وللتخلص منهم في الوقت نفس ه. وقد قلص يهود الغرب صهيونيتهم
إلى أقصى حد؛ فالدعوة الصهيونية -حسب تصوره م- لا تنطبق عليهم،
وإنما على يهود شرق أوربا وحدهم؛ أي أن المش روع الصهيوني أصبح لا
يهدف إلى توطين كل اليهود، وإنما إلى توطين البؤساء من يهود الشرق
وحدهم؛ ولذا أطلق المفكر الصهيوني بوروخوف على هذا النوع من
الصهيونية "صهيونية الصالونات".
ومن هنا فنحن نقسم الصهيونية إلى قسمين:
أ ) الصهيونية التوطينية: هي الصهيونية التي تدعو إلى توطين اليهود في
فلسطين، ويستبعد الداعي نفسه من عملية الاستيطان، وصهيونية نابليون
وشافتسبري وأوليفانت من هذا النوع، كما أن صهيونية يهود غرب أوربا
والولايات المتحدة تنتمي لهذا التيار.
ب) صهيونية استيطانية: وهي صهيونية اليهودي الذي يحمل متاعه
وسلاحه ليذهب إلى فلسطين، فيطرد سكانها ويحل محلهم، والصهيونية
- ??? -
الاستيطانية هي الصهيونية التي تعمل في فلسطين، فُتنشئ المؤسسات
الاستيطانية، الاقتصادية والعسكرية، وتنظم المستوطنين داخل التنظيمات
الزراعية العسكرية، وتتعاون مع الدولة الراعية، وتضع الخطط الكفيلة
بالقضاء على مقاومة السكان الأصليين وسحقها تماما، وتقوم بالمهام التي
توكلها إليها الدولة الراعي ة. ويمكن القول بأن الصهيونية الاستيطانية هي
صهيونية يهود شرق أوربا الذين يهاجرون -بكامل إرادتهم أو صاغري ن-
من بلادهم، ويستقرون في فلسطين؛ ليك ? ونوا الجيب الاستيطاني الصهيوني.
? - مرحلة ما بعد بلفور:
بعد إعلان وعد بلفور، وبعد اكتساب المنظمات الصهيونية الشرعية
الاستعمارية التي كانت تسعى إليها تغيرت الصورة تماما؛ فلم تعد القضية
قضية بعض قيادات الفائض اليهودي من شرق أوربا، ولم تعد المسألة متصلة
بإغاثة بضعة آلاف من اليهود، وإنم ا أصبحت المنظمة تابعة لأكبر قوة
استعمارية على وجه الأرض آنذاك، وأصبح لها وظيفة محددة هي نقل المادة
البشرية اليهودية إلى فلسطين لتأسيس قاعدة لهذه القو ة. ولذا فلم يعد هناك
مجال للاختلافات الصغيرة بين دعاة الاستيطان العمليين مقابل دعاة بذل
الجهود الدبلوماسية مع الدولة الراعي ة. كما لم يعد هناك أي مبرر لوجود دعاة
الصهيونية الإقليمية (أي توطين اليهود خارج فلسطي ن)، وتساقطت بالتالي
كثير من التقسيمات الفرعية، أو أصبحت غير ذات موضوع، وتم تقسيم
العمل على أساس جديد يقبله الجميع، وظهر ما يمكن تسميته "الصهيونية
التوفيقية"، كما أن الرفض اليهودي للصهيونية فقد دعامته الأساسية؛ الخوف
من ازدواج الولاء؛ إذ أصبح تأييد الصهيونية أمر ا لا يتناقض مع ولاء
الإنسان الغربي لوطنه وحضارته.
- ??? -
وتاريخ الحركة الصهيونية بعد ذلك هو تاريخ الاستيطان الصهيوني في
فلسطين تحت رعاية حكومة الانتدا ب. وقد ظهرت بعض التوترات بين القوة
الاستعمارية الراعية والمستوطنين (وهو توتر ?يسِ?م علاقة أية دولة راعية
بالمستوطنين التابعين لها، وهو لا يعود إلى تناقض المصالح، وإنما إلى
اختلاف نطاقها؛ فمصالح الدولة الراعية أكثر اتساعا وعالمية من مصالح
المستوطنين)؛ ولذا، فقد أص درت الحكومة البريطانية الراعية مجموعة من
الكتب البيضاء؛ لتوضح موقفها من المستوطنين الصهاينة ومن العر ب. وقد
انتقل دور الدولة الراعية من إنجلترا إلى الولايات المتحدة، ولكن كل هذه
العناصر لا تغير بنية الفكر الصهيوني ولا اتجاه الحركة، ولا تؤثر في
المنظمة الصهيونية.
أما بالنسبة للمنظمة الصهيونية، فبعد صدور وعد بلفور كان ضروري ا أن
يكون لها ذراعها الاستيطاني الذي يتعامل مع حقائق الموقف في فلسطي ن.
وقد أسست المنظمة الصهيونية ساعِ ?دها التنفيذي المعروف باسم "الوكالة
اليهودية" عام ???? ؛ إذ نص صك الانتداب البريطاني على فلسطين على
الاعتراف بوكالة يهودية مناسبة لإسداء المشورة إلى سلطات الانتداب في
جميع الأمور المتعلقة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
وفي عام ???? نجح وايزمان -رئيس المنظمة الصهيونية آنذا ك- في
إقناع أعضاء المؤتمر الصهيوني السادس عشر بضرورة توسيع الوكالة
اليهودية؛ بحيث يتشكل مجلسها من عدد من أعضاء المنظمة، وعدد مثله من
غير أعضائه ا. وكان الغرض من ذلك استمالة أثرياء اليهود التوطينيين
لتمويل المشروع الصهيوني، دون إلزامهم بالانخراط في صفوف المنظمة،
والإيحاء –في الوقت نفس ه- بأن الوكالة تمثل جميع يهود العالم، ولا ت قتصر
على أعضاء المنظمة.
- ??? -
وكان من شأن هذه الخطوة أن تعطي دفعة قوية للحركة الصهيونية،
وتدعم الموقف التفاوضي للمنظمة الصهيونية مع الحكومة البريطانية، التي
كان يقلقها تصاعد الأصوات الرافضة للصهيونية في أوساط يهود بريطانيا
(وقد ظلت المنظمتان ُتعرفان بالاسم نفسه على النحو التال ي: المنظمة
الصهيونية/الوكالة اليهودية حتى عام ???? حين جرت عملية مزعومة
وشكلية لإعادة التنظيم؛ بحيث أصبحت المنظمتان منفصلتين قانوني ا ولكل
منهما قيادة مختلفة).
، ولم يهدأ الصراع تماما بين التوطينيين والاستيطانيين؛ فحتى عام ????
كان الصراع يدور حول: من يتحكم في المنظمة؟ وحول تحديد أهداف
المشروع الصهيون ي. أما بعد عام ???? فإن مجال الصراع أصبح يتحدد
بتعريف اليهودي (الديني والعلمان ي) إذ حسمت قضية التحكم في المنظمة
لصالح المستوطنين تماما، ولم يعد الصهاينة التوطينيون يهتمون بها.
الجماعات اليهودية والصهيونية
على الرغم من معارضة الأغلبية الساحقة من أعضاء الجماعات اليهودية
الصهيونية؛ فإن قيادتها سقطت في يد الصهيونية في نهاية الأمر من خلال
تحالفها مع القوى الإمبريالي ة. وعلى أية حال، لقد كان اعتراض معظم
أعضاء الجماعات اليهودية على الصهيونية ذا طبيعة برجمات ية، ولا ينصرف
أبدا إلى طبيعتها وبنيتها كحركة استعمارية إحلالية؛ إذ إن خطر الصهيونية
بالنسبة إليهم كان يكمن في أنها قد تعطي مصداقية لتهمة ازدواج الولاء،
وهي تهمة لم تعد ذات بال بعد أن أصبحت الدولة الصهيونية عميل التشكيل
الاستعماري الغربي وحليفه الإستراتيجي الوحيد ثم الأساسي في المنطقة.
وأصبح الانتماء إلى الغرب يكمل الانتماء إلى الصهيونية، ولا يتعارض
معه باعتبار أن الصهيونية نفسها منتمية إلى هذه الحضارة الغربية التي تشكل
- ??? -
الإطار الأكبر لكل من الجماعات اليهودية، والدولة الصهيونية، والتشكيل
الإمبريالي الغربي في وجهيه العسكري والاستيطاني.
ومع هذا، وعلى الرغم من نجاح الصهيونية في تسلم مقاليد القيادة؛ فإن
موقف أعضاء الجماعات اليهودية من الحركة والدولة الصهيونية يتسم بكثير
من التركيب، ويمكن أن نصنف موقفهم هذا إلى قسمين أساسيي ن: تأييد
للصهيونية في مقابل مختلف أشكال عدم تقبلها.
? - تأييد الصهيونية:
لا يمكن القول: إن أعضاء الجماعات اليهودية يؤيدون الصهيونية تأييد ا
أعمى وكاملا، بل العكس هو الصحيح -في تصورنا-.
أ) الصهيونية الاستيطانية:
لعل أهم أشكال التأييد هو دعاة الصهيونية الاستيطانية الذين يطالبون يهود
العالم بالهجرة إ لى فلسطين واستيطانها، والمحافظة على الطابع الصهيوني
لدولة إسرائيل، وهؤلاء يأتون -في الدرجة الأول ى- من شرق أوربا -
المصدر الأساسي للمادة البشرية- (انظر أدناه: الصهيونية النفعية).
ب) الصهيونية التوطينية:
وهي صهيونية يهود غرب أوربا ويهود الولايات المتحدة ممن يط البون
بتهجير اليهود إلى فلسطي ن. وهؤلاء يؤيدون المشروع الصهيوني، ويدعمونه
ماليا، ويضغطون في مصلحته سياسيا، وينظمون التظاهرات من أجله، لكنهم
لا يهاجرون أبدا إلى الدولة الصهيونية، وفي الماضي، كان الباعث الأساسي
للصهيونية التوطينية الخوف من تدفق يهود شرق أورب ا، لكنه أصبح الآن
البحث عن الهوية، والرغبة في أن ينتمي اليهودي إلى شيء ضخم، وهي
رغبة مبعثها تفاهة حياة الإنسان في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة، وخلوها
من المعنى، وافتقارها إلى التعين والخصوصي ة. وهذا النوع من الصهيونية لا
- ??? -
يتناقض ألبتة مع العقد الاجتماعي ا لأمريكي الذي يسمح لمواطنيه بالتعبير عن
هويتهم الإثنية الحقيقية أو الوهمية، وعن حبهم لوطنهم الأصلي ما دام هذا لا
يتعارض مع مصلحة أمريك ا. وإسرائيل بالنسبة إلى التوطينيين هي الوطن
الأصلي. ولنا أن نلاحظ أن الوطن الأصلي هو البلد الذي يهاجر الإنسان منه
لا إليه، و بالتالي فإن الأسطورة الصهيونية التوطينية تقف على طرف النقيض
من الأسطورة الصهيونية الاستيطانية.
ج) الصهيونية النفعية أو صهيونية المرتزقة:
وهي صهيونية هؤلاء الذين ينضمون إلى الحركة الصهيونية ويدافعون
عنها بسبب ما يحققونه من مغانم من خلالها، على الرغم من ادع ائهم أنهم
يلتزمون مبادئه ا. وهذا الوصف ينطبق على بيروقراطية المنظمة الصهيونية
العالمية وعلى بعض العناصر داخل المستو َ طن الصهيوني، وينطبق أخي ? را
على يهود الفلاشا وعلى معظم المهاجرين السوفييت الذين وفدوا مع موجة
الهجرة الأخيرة.
? - رفض الصهيونية:
أ) الرفض على أسس دينية أو علمانية:
يرفض بعض اليهود الصهيونية إما من منظور ديني وإما من منظور
اندماجي علمان ي. والذين يرفضونها من منظور ديني ينقسمون إلى قسمي ن:
الأرثوذكس والإصلاحيي ن. ويعترض اليهود الأرثوذكس (جماعة ناطوري
كارتا مث ً لا) على الحركة الصهيونية باعتبارها حركة علمانية تجعل من
اليهود أمة بالمعنى العرقي العلماني للكلمة بما يتنافى مع تعاليم الدين
اليهودي، التي تجعل اليهود شعب?ا بالمعنى الديني فحسب؛ ترتبط هويته بمدى
تنفيذه للأوامر والنواه ي. ويرى هؤلاء اليهود الأرثوذكس أن الصهيونية
حركة مشيحانية زائفة تتحدى الإرادة الإلهية؛ إذ بدلا من دعوة اليهود إلى
- ??? -
الانتظار بصبر وأناة إلى أن يأذن الرب لهم في العودة، فإنها تحرضهم على
أخذ زمام الأمور في أيديهم والعودة إلى فلسطين لاستيطانها.
أما الإصلاحيون، فهم - كما أسلفنا - يسقطون الجانبين الإثني والقومي
في اليهودية، ويجدون في الصهي ونية عودة إلى القبلية وضيق الأفق وحرفية
التفسير. ويرى كثير من المتدينين أن الدولة الصهيونية حلت في الوجدان
اليهودي محل الإله، وحل الولاء لها ودعمها محل إقامة الشعائ ر. وكما قال
الحاخام الإصلاحي ألكسندر شندل ر: "يتصور اليهود الآن أن إسرائيل هي
معبدهم، وأن رئي س حكومتها هو حاخامهم الأكب ر". وقد وصفها حاخام
أرثوذكسي بأنها مثل العجل الذهبي، أي عبادة وثنية قربانية تحل محل العبادة
الحقيقية.
أما من يعارضون الصهيونية من منظور اندماجي علماني؛ فبعضهم
ليبرالي والبعض الآخر اشتراكي، وهما يشتركان في رؤية إمكان حل مشكلة
وضع ا ليهود في المجتمعات الغربية، إما من خلال زيادة الليبرالية في
المجتمع، وإما من خلال زيادة الإجراءات الاشتراكية فيه ا. وقد أصبح عدد
رافضي الصهيونية بهذا الشكل الواضح والحاد صغي ? را في المجتمعات
الغربية.
ب) عدم الاكتراث بالصهيونية:
يذهب بعض اليهود إلى أن الصهيو نية لا تعنيهم من قريب أو بعيد، وأنها
قضية تخص المستوطنين الصهاينة أو بعض قطاعات اليهود ممن يبحثون
عن وطن جديد له م. ويمكن القول بأن عدم الاكتراث هو الموقف السائد الآن
في العالم. وكثير من كبار مثقفي اليهود في العالم ينتمي إلى هذا الفريق.
ج) التملص من الصهيونية:
- ??? -
مع هيمنة الصهيونية وتسلمها قيادة الجماعات اليهودية في العالم، أصبح
من الصعب التصدي لها ورفضها علانية؛ ولذا يلجأ بعض أعضاء الجماعات
اليهودية إلى إطلاق التصريحات النارية من أجل إسرائيل، لكنهم لا يفعلون
شيئًا يخدم مصلحته ا. ولعل الصهيونية التوطينية في شكل من أشكالها هي
تعبير عن هذا التمل ص. وقد شبه أحدهم هذا النوع من الصهاينة بفرق الإنشاد
العسكرية التي تغني نشيدا عسكريا يقو ل: "إلى الأمام إلى الأما م"، لكنهم هم
أنفسهم ثابتون في أماكنهم لا يتحركون.
د) نقد الصهيونية:
يتقبل كثير من يهود العالم الدولة الصهيونية كحقيقة قائمة، لكنهم يتوجهون
بالنقد الجذري (أحيانا ) للحركة والدولة الصهيونيتي ن. فبعض المتدينين من
الأرثوذكس يوجه نقدا إلى الدولة الصهيونية باعتبارها دولة علمانية تنتشر
فيها الإباحية ولا تقام فيها الشعائر الديني ة. وبعض العلمانيين واليهود
الإصلاحيين والمحاف ظين يجدها دولة دينية غيبية جامدة، ترفض التعددية
والتنوع، وتهيمن اليهودية الأرثوذكسية عليه ا. وبعض الليبراليين يجد أنها
دولة يسيطر عليها القطاع العام وبعض المثاليات الاشتراكية الجامدة، وأنها
ذات نزعة توسعية، وتمارس التمييز العنصر ي. ويجدها بعض اليساريين
دولة عميلة للولايات المتحدة واقتصادها، تدور في فلك الاقتصاد الرأسمالي
الغربي، ومتحالفة مع النظم الفاشية في العال م. وهناك كثير من يهود العالم
يرفض المفهوم الصهيوني الخاص بمركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا،
ويطرح بدلا من ذلك مفهوم مركزية الدياسبورا في حياة اليهود.
إن الصورة الموجزة السابقة تبين أن علاقة أعضاء الجماعات اليهودية
بإسرائيل ليست علاقة حميمة، وأنها مشوبة بكثير من التوتر، لكن معظم
يهود العالم يرفع لواء الصهيونية ويؤيد دولتها من أجل رفع معنوياته
- ??? -
وتحسين صورته إلى أن تسقط الأنماط الإدراكية التقليدية التي سا دت في
الحضارة الغربية، والتي ترى اليهودي جشعا مصاصا للدماء وجبانا لا
رحمة عنده ولا شفقة، ليحل محلها اليهودي المحارب الذي يزرع الصحراء
ويبذل العطاء للشعوب المستضعف ة. ولذا، فإن سقوط الصورة الإعلامية
الجميلة للدولة الصهيونية يقلل من جاذبيتها ليهود العالم، فيب ذلون قصارى
جهدهم من أجل أن يحتفظوا بمسافة بينهم وبينها، والابتعاد عنها، وعدم
التوحد بها اس ? ما وفع ً لا.
أزمة الصهيونية
يمكننا القول بأن المرحلة الأخيرة في تاريخ الصهيونية هي مرحلة
الأزمة. ويتصور بعض المحللين أن قصة الدولة الصهيونية هي قصة نجاح
ساحق ماح ق. ومما لا شك فيه أن هذا الكيان قد حقق كثي ? را من النجاحات،
من أهمها تأسيس الدولة الصهيونية، وقمع المقاومة العربية، وإلحاق الهزيمة
بالعرب في عدة حروب نظامية، وكسب المعركة الإعلامي ة. ولكن قصة
النجاح هذه لم تستمر إلا حتى عام ???? م، وبعد ذلك بدأ منحنى النجاحات
في ا لانخفاض ابتداء بحرب أكتوبر ???? ومرورا بانتفاضة ????
والانسحاب من جنوب لبنان، وأخي ? را انتفاضة الأقصى والاستقلال.
ويجابه المجتمع الاستيطاني الصهيوني أزمة عميقة متشعبة متشابكة
جوانبها حتى أن عبارة "أزمة الصهيوني ة" أصبحت مصطلحا أساسيا في
الخطاب السياسي الإس رائيلي، ولا تخلو صحيفة إسرائيلية من عبارات، مث ل:
"هل نغلق دكان الصهيوني ة"، و"الملك [أي الصهيوني ة] يحتضر"، و"صهيونية
دون روح صهيونية"، و"انحسار الصهيونية".
- ??? -
وهذه الأزمة تتصاعد مع التراجع العسكري المستمر، وإن كانت أسبابها
تضرب بجذورها في بنية الكيان الصهيوني ذاته، وهي تعبر عن نفسها على
مستويات عدة من بينها ما يلي:
? - تساقط الإجماع الصهيوني وظهور إجماع المستوطنين:
تساقطت وتفككت كثير من بنود الإجماع الصهيوني حتى أن دارسي
الكيان الصهيوني يذهبون إلى أن الصهيونية لم تعد هي الأيديولوجية التي
تهدي المستوطنين في سلو كهم ولم تعد هي الإطار الذي يدركون العالم من
خلاله. وهذا القول - في تصوري - صحيح إلى حد كبير، ولعل أكبر دليل
على هذا هو الفتور وعدم الاكتراث تجاه المؤتمرات الصهيوني ة. انظر على
سبيل المثال ما حدث في المؤتمر الصهيوني الثالث والثلاثين الذي عقد في
القدس في دي سمبر ???? . وصل عيزرا وايزمان رئيس الدولة، وبنيامين
نتنياهو رئيس الوزراء، متأخرين عن موعدهم ا. ولم تعر الصحف الإسرائيلية
المؤتمر اهتماما كبيرا، ونشرت أخباره في مقابل صفحة الوفيات.
وفي المؤتمر الثاني والثلاثين الذي عقد في القدس في يوليو ???? أحس
الجميع بأن "المولد الصهيون ي" قد أوشك على الانفضاض، وأن المنظمة
الصهيونية أصبحت "عظاما جاف ة" و"هيكلا بدون وظيف ة" (ميزانية المنظمة
?? مليون دولار مقابل ميزانية الوكالة اليهودية التي بلغت ??? مليون
دولار). وقد تساءل مراسل الإذاعة الإسرائيلي ة: "هل ما زالت هذه المؤسسة
قائمة؟" وقد استنفد معظم الوقت في تدبير التعيينات في المناصب والصراع
على الوظائف رغم أنه كان قد ووفق على معظمها قبل المؤتمر.
وقد أثيرت في الآونة الأخيرة شكوك قوية - من جانب كثير من القيادات
والتيارات الصهيونية - حول جدوى المؤتمرات الصهيونية ومدى فاعليته ا.
إذ يرى الكثيرون أن المؤتمرات تحولت إلى منتديات كلامية وأصبحت
- ??? -
عاجزة عن مواجهة المظاهر المتفاقمة للأزمة الشاملة للحركة الصهيونية
ودولتها، التي تتمثل في مشاكل النزوح والتساقط واندماج اليهود في
مجتمعاتهم والزواج المختلط والتمايز بين اليهود الشرقيين واليهود الغربي ين،
بالإضافة إلى انفضاض يهود العالم عن حركة الصهيونية مما يكرس عزلتها.
ولعل ظهور "ما بعد الصهيوني ة" هو تعبير عن مدى عمق أزمة
الأيديولوجية الصهيوني ة. ويصاحب ظاهرة ما بعد الصهيونية ظاهرة
المؤرخين الجدد الذين جعلوا همهم تقويض الأساطير الصهيوني ة. ويمكن أن
نضم لهؤلاء المؤرخ زئيف هرتزوج الذي بين أن كثي ? را من الأساطير
التوارتية التي يستند إليها الصهاينة ليس لها سند تاريخ ي. وقد طرح عليه
السؤال التال ي: "إذا كان الأمر كذلك، فماذا تفعلون هنا في شرقنا العربي ؟"
فأجاب: "نحن هنا لأننا هنا".
وهي عبارة بسيطة لكنها تخبئ الوض ع الصهيوني الحالي، وهو أن
الديباجات اليهودية هي مجرد ديباجات وأن الجيب الاستيطاني الصهيوني
قائم في إطار الاستعمار الدارويني الذي يغير الواقع عن طريق العنف وقوة
السلاح والدعم الغرب ي. وأن المستوطنين الصهاينة لا يختلفون عن أي
مستوطنين آخرين، سلبوا الأرض وحاو لوا سحق السكا ن. وأن كل حديثهم
عن السلام هو حديث عن سلام في ضوء إجماع المستوطنين على البقاء بحد
السلاح.
? - أزمة الهوية:
حينما أسست الدولة الصهيونية كان الصهاينة يزعمون أن ثمة تاريخا
يهوديا واحدا وهوية يهودية واحدة، ولكن حينما توافد أعضاء الجماعات
اليهودية إلى فلسطين المحتلة اكتشفوا ما أشرنا إليه سالفا، وهو أن العناصر
غير المشتركة بينهم أهم بكثير من العناصر المشترك ة. فانقسمت الدولة على
- ??? -
أساس عرقي إلى بيض وسود، وعلى أساس إثني إلى سفارد وأشكناز، وعلى
أساس ديني إلى علمانيين ودينيي ن. وانقسم الدينيون بدورهم إلى أرثوذكس من
جهة ومحافظين وإصلاحيين من جهة أخرى.
أ) وقد فشلت الدولة الصهيونية حتى الآن في تعريف من هو اليهودي؟
وهو فشل له أهمية خاصة في السياق الصهيوني باعتبار أن إسرائيل تدعي
أنها دولة يهودية أو دولة اليهود، وهو إخفاق يضرب في صميم الشرعية
الصهيونية. وقد طر حت المشكلة على الكيان الصهيوني منذ نشأته، ولكنها
تفاقمت في الآونة الأخيرة.
ب) ومما يزيد مشكلة الهوية اليهودية تفاقما أن اليهودية الإصلاحية
والمحافظة بدأت تصل إلى إسرائيل وقد تزايد عدد التابعين لها، هذا في
الوقت الذي وصل فيه عدد الإصلاحيين والمحافظين المتد ينين في الولايات
المتحدة حوالي ?? % من عدد يهود الولايات المتحدة المتديني ن. ويجب أن
نذكر أن اليهود الملحدين (وكثي ? را من المتديني ن) في الولايات المتحدة يصرون
على فصل الدين عن الدولة (متبعين في ذلك مجتمعهم، منادين بذلك
باعتبارهم أعضاء أقلية يرون أن ذلك في مصل حتهم)، أما اليهود الملحدون
في إسرائيل فهم لا يكترثون أسا ? سا بالدين (وهم أعضاء أغلبي ة)؛ ولذا فهم لا
يمانعون في أن يسيطر الأرثوذكس على جميع مناحي الحياة (وخصوصا أن
مثل هذا الاستعراض الديني يزيد من شرعية الدولة وشرعية الاستيلاء على
الأراضي).
وقد أدى هذا الوضع إلى فقدان الاتزان على مستوى يهود العال م. فبينما
ترى أغلبية الدياسبورا (التي تهيمن على المنظمة الصهيوني ة) ضرورة فصل
الدين عن الدولة، تحاول المؤسسة الأرثوذكسية في إسرائيل أن يلعب الدين
دورا أساسيا في حياة الفرد الخاصة والعامة، بل أن يتحكم الدين في الحياة
- ??? -
الخاصة للمواطنين، وأن تقوم هي بتعريف من هو اليهودي والقوانين الخاصة
بالعلاقة الدينية بين الفرد والمجتمع.
ولعل تزايد النسبية الأخلاقية في الولايات المتحدة، وهو أمر يترك أثره
بشكل واضح على يهود الولايات المتحدة، وانتماءاتهم الدينية وشبه الدينية
واللادينية المخ تلفة سيزيد من تصعيد الصراع بين الأرثوذكس وغيره م. فعلى
سبيل المثال يمكن للمرء تخيل استجابة الحاخامات الأرثوذكس لقيام بعض
النساء من الولايات المتحدة بلبس الطاليت وحمل التوراة ومحاولة الصلاة
بجوار حائط المبكى والإصرار على أن يرسمن حاخامات، وهي أمور
تحرمها الي هودية الأرثوذكسي ة. ويمكن للمرء كذلك تخيل موقف المؤسسة
الأرثوذكسية من قيام أحد الحاخامات الإصلاحيين بعقد أول قران "ديني" بين
زوجين، كلاهما من الذكور، في إسرائيل!
ج) وتمتد قضية الهوية لتصل إلى هوية الدولة التي تسمي نفسها يهودية؛
إذ يطرح أعضاء الجماعات اليهو دية في العالم الكثير من الأسئلة بشأن هوية
الدولة اليهودية، ومدى عمق أو حتى حقيقة انتمائها لليهودية، سواء بالمعنى
الديني أم الإثن ي. فالمتدينون يتساءلو ن: كيف يمكن أن تصنف الدولة
الصهيونية على أنها دولة يهودية، وهي من "أكثر الدول إباحية في العال م"،
ولا يقيم سكانها الشعائر الدينية اليهودية؟
ويتساءل اليهود المهتمون بإثنيتهم وموروثهم اليهودي السؤال نفس ه: كيف
يمكن أن نسمي الدولة الصهيونية التي تتزايد فيها معدلات الأمركة والعولمة
دولة يهودية، فبدلا من أن تكون صهيون الجديدة أصبحت ماك إسرائيل
الجديدة (نسبة إلى ماكدونالد) بخطى متسارعة؟
ويتساءل اليهود من ذوي الاتجاهات الثوري ة: هل يمكن أن نسمي دولة
تقوم بالتجسس لحساب الولايات المتحدة وتزويد النظم الفاشية في أمريكا
- ??? -
اللاتينية بالأسلحة، وكانت تتعاون مع نظام الأبارتهايد (التفرقة اللوني ة) في
جنوب أفريقيا، وحاولت قمع الانتفا ضة بكل أنواع الإرهاب المتاحة، ولا تزال
تنكر على الفلسطينيين حق تقرير المصير وتستعمر أرضهم، كيف يمكن أن
نسمي مثل هذه الدولة "يهودية"؟
د) وثمة بعد آخر لقضية الهوية اليهودية وهو إشكالية الشخصية اليهودي ة.
كانت الصهيونية تزعم أنها ستشفي اليهود من أمراض المنفى (الهامشية –
عدم الاشتغال بالوظائف الإنتاجية – الاشتغال بالمضاربات – عدم الانتما ء)
بنقلهم إلى فلسطين؛ حيث سيقوم اليهودي بتخليص الأرض الفلسطينية من
أيدي العرب بأن يستولي عليها ويقوم بزراعتها بنفسه وبالعمل في الوظائف
الإنتاجية المختلفة، وهو بذلك يخلص الأرض ويش في ذاته من أمراض المنفى
في الوقت نفسه.
ولكن بعد ما يزيد عن مائة عام من الاستيطان الصهيوني وبعد أربعين
عاما من تأسيس الدولة الصهيونية يلاحظ أن الإسرائيليين لا يزالون يعانون
أمراض الدياسبورا، فهم يعشقون التجارة والمضاربات في البورصة، كما
أنهم انسحبوا من ال قطاعات الاقتصادية الإنتاجية مثل البناء (الذي يشغله
العرب الآ ن). ويلاحظ أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع يضرب الفساد في
أطنابه (المخدرات - الإباحية).
ويدرك الإسرائيليون تماما أن دولتهم دولة وظيفية تعيش على الدعم
الأمني والمالي الأمريكي السخي المستمر، وأنهم بذلك لا يختلفون كثيرا عن
يهود الجيتو الذين كانوا يعملون لصالح الملك أو النخبة الحاكمة نظير ما
يحققونه من أرباح ونظير الحماية التي يزودهم بها راعيه م. فكأن الدولة
الوظيفية هي ذاتها مصابة بأمراض المنفى من طفيلية وهامشية.
? - الصراع الديني العلماني:
- ??? -
يعد الصراع ال ديني العلماني هو أهم معالم أزمة الصهيونية، وهو يدور
حول مواضيع كثيرة ذكرنا منها إشكالية من هو اليهودي، ويمكن أن نذكر
هنا ما يسمى "الوضع الراه ن"، وهي عبارة تستخدم للإشارة للأمر الواقع
الديني بين المستوطنين الصهاينة إبان حكم الانتدا ب. فعلى سبيل المثال،
تتوقف المواصلات العامة يوم السبت، ولكن يمكن استخدام السيارات الخاصة
أو التاكسيات، وتغلق الشوارع في الأحياء التي تقطنها أغلبية متدينة وتترك
مفتوحة في الأحياء الأخرى.
أما أمور الزواج والطلاق فيسيطر عليها المتدينون (وهو استمرار لنظام
الملة العثماني الذي أبقت عليه سلطات الانتدا ب). وقد تم الاعتراف بالتعليم
الديني المستقل، وهو ما يعني أن الدولة عليها أن تموله (وقد أصبح فيما بعد
هو العمود الفقري لتطور التطرف الصهيوني، ذي الديباجات الديني ة). ولا
تعرض أفلام سينمائية ابتداء من يوم الجمعة مساء، وإن كان يصرح بلعب
كرة القدم يوم السبت (على أن تباع التذاكر في اليوم الساب ق). وقد أرسل بن
جوريون عام ???? (باعتباره رئيس الوكالة اليهودي ة) خطابا إلى زعماء
حزب أجودات إسرائيل الديني وعد فيه بالحفاظ على الوضع الراه ن. وقد تم
أيضا إعفاء طلبة المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.
والعقد ا لاجتماعي الصهيوني يستند إلى قبول "الوضع الراه ن" باعتباره
الإطار المرجعي لكل العناصر التي تقبل المشروع الصهيون ي. والتفاهم
العملي يمكن أن ينصرف إلى التفاصيل والفروع ولكنه غير قادر على حل
المشاكل المبدئية؛ ولذا فالعقد الاجتماعي الذي يستند إليه المجتمع الصهيوني
عقد واه جدا مهدد بالتمزق دائما وفي أية لحظ ة. وقد أشرنا إلى أن الصيغة
الصهيونية الأساسية الشاملة تفترض أن اليهود شعب عضوي منبوذ ونافع
يمكن توظيفه خارج أوربا لصالحها داخل إطار الدولة الوظيفية.
- ??? -
وقد ولدت الصهيونية على يد صهاينة غير يهود لا يكترثون باليهود
وينظرون إليهم من الخارج باعتبارهم مادة استيطاني ة. ثم انضم إليهم صهاينة
يهود غير يهود يشاركونهم عدم الاكتراث هذ ا. ثم ظهر دعاة الصهيونية
الإثنية العلمانية الذين هودوا الصيغة عن طريق إدخال مصطلحات الحلولية
اليهودية العضوية على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، ونادوا بالقومية
اليهودية. لكن القومية، بالنسبة إليهم تستند في نهاية الأمر إلى قراءة صهيونية
لما يسمونه "التاريخ اليهودي" تثبت وجود شعب يهودي متميز مستقل.
ولا تعد كتب اليهود المقدسة من هذا المنظور سوى جزء من فلكلور هذا
الشعب وتاريخ ه. ولذا فإن القومية الي هودية قومية مقدسة، ولكنها مختلفة عن
الدين اليهودي ومستقلة عنه، بل معادية له أحيان ا. ثم كان هناك الجيب
الصغير من الصهاينة الإثنيين الدينيين، وقد افترض هؤلاء منذ البداية أن
الدين هو القومية وأن القومية هي الدين.
وقد تعايش التياران جنبا إلى جن ب: التيار الحلول ي الديني (القومية كدين
والدين كقومي ة)، والتيار الحلولي العلماني (القومية كدي ن)، وتقبلا سياسة
الوضع الراهن، وكان من الممكن أن يستمر التياران في التعايش إلى ما لا
نهاية، فالخطاب الصهيوني المراوغ كان كفيلا بذل ك. ولكن قبول الوضع
الراهن كان مجرد تفاهم عملي، ول م يكن مبدئيا بأي شكل من الأشكال تتحكم
فيه توازنات القوى بين الفريقين الديني والعلماني واللاديني.
وقد ظل الوضع الراهن قائما لمدة سنوات طويلة، ودخلت الأحزاب
الدينية كل الائتلافات الوزارية التي حكمت إسرائيل، وقنعت بدور التابع الذي
يقنع بقطعة من الكعك ة. ولكن مع تزايد علمنة المجتمع الصهيوني وعلمنة
يهود العالم وتصاعد الخطاب الديني وزيادة عدد الصهاينة من دعاة الديباجات
- ??? -
الدينية وظهور مشكلة إجراءات التهود زادت حدة الاستقطاب في المجتمع
الصهيوني بين الدينيين والعلمانيين.
ومن الأمثلة على ذلك الموقف من طلبة المعاهد الد ينية، فعند إعلان
، الدولة، وحين تم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية، كان عددهم لا يتجاوز ???
ولكن عام ???? كان عددهم يزيد عن ??,??? وهم آخذون في التزاي د.
وهذه الألوف لا تعمل؛ فهم طلبة وحسب، أي أن نسبة كبيرة من المستوطنين
أصحاب الديباجات الدينية يعيشون على نفقة دا فع الضرائب الإسرائيل ي. ولذا
أشار لهم أحد كبار العلمانيين في إسرائيل بأنهم "طفيليون"، وهي كلمة لها
مدلول خاص في المعجم الإسرائيلي؛ إذ كان يستخدمها أعداء اليهود للإشارة
لهم. وقد قال شيمون بيريز حين هزم في الانتخابا ت: "لقد هزم اليهود
الإسرائيليين"، كما لو كان هناك فريقان متصارعان في إسرائي ل: "يهود
متدينون" ضد "إسرائيليين علمانيين"، والفريق الأخير ليس "يهوديا".
واحتكار المؤسسة الدينية لعمليات الزواج والدفن يثير حفيظة العلمانيي ن.
فالمهاجرون اليهود السوفييت (وعدد كبير منهم "غير يهو د" حسب التعريف
الأرثوذكسي) لا يم كنهم أن يتزوجوا في إسرائيل أو يدفنوا حسب الشريعة
اليهودية فيها، وقد أخرج جثمان أحدهم بعد خمسة أعوام من دفنه حين شكت
المؤسسة الحاخامية في يهوديت ه. كما أن أحد المستوطنين من أصل سوفييتي
الذي لقي حتفه بعد إحدى الهجمات الاستشهادية الفلسطينية لم يتم دفنه في
مقبرة يهودية.
ومما فاقم الوضع ظهور ما يسمى "الأصولية اليهودي ة" وهي عبارة
تستخدم للإشارة إلى شكل من أشكال التطرف الديني عادة "الأرثوذكس ي"
(وتترجم كلمة "أصولي" أحيانا إلى كلمة "متزمت" أو "متشدد" أو "متطر ف"،
وهو ما يعني ترادف كل هذه المصطلحات مع لفظ "أرثوذكسي". وهذا خلل
- ??? -
ناجم عن تطبيق مصطلح ديني تم اقتراضه من نسق ديني ما ثم تطبيقه على
نسق آخر) .
وهذا التيار الديني أصبح بمقدوره التحكم في رئاسة الحكومة وإسقاط
الحكومات. ولا يمكن تشكيل أية حكومة دون مشاركت ه. وهم يستأثرون
بوزارات المستقبل (التعليم - الإسكان - الأراضي - المهاجرون - الأديا ن)
ويتحكمون في وزارة حيوية مثل وزارة التعليم، ويقال إنهم أصبح لهم نفوذ
كبير داخل الجي ش. فهناك حاخامية عسكرية تتولى مهمة التوجيه الفكري
والديني داخل القوات المسلحة، وهي تباشر كل شئون الأحوال الشخصية
المتعلقة بالعسكريين، وتشرف على المدارس العسكرية الدينية، وتخرج أجيالا
مسكونة بالكراهية المطلقة للعرب، كما تتولى الحاخامية إصدار الفتاوى التي
تضفي القداسة على الممارسات والجرائم التي يرتكبها الجنود ضد العر ب.
وقد أوصل هذا التغلغل داخل الجيش عددا غير قليل من الضباط الأرثوذكس
إلى مراتب عليا.
وفي اس تطلاع أجرته صحيفة يديعوت أحرونوت قال ?? % من
الإسرائيليين بأنهم يتوقعون حدوث حرب أهلية بين المتدينين والعلمانيين
اليهود (وقد تكون هذه مبالغة، ولكنها "مبالغة دال ة" إن صح التعبي ر). ودعاة
الأصولية اليهودية يقفون الآن بمنتهى الحزم والشراسة ضد أي انسحاب من
الضفة والجولان ومع استيطان وطرد العرب، وهم مستعدون للذهاب في
سبيل الدفاع عن موقفهم هذا إلى أبعد مد ى. ولا تنس أنهم يعتبرون باروخ
جولدشتاين منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي قديسا ومثلا أعلى يجب الاحتذاء
به.
? - الأزمة السكانية الاستيطانية:
- ??? -
ثمة أزمة سكانية عميقة تجعل من المشروع الصهيوني أكذوبة عقيمة
دخلت طريقا مسدودا . فبعد مرور ما يقرب من مائة عام على الاستيطان
الصهيوني وخمسين عاما على تأسيس الدولة لا تزال الدولة الصهيونية هي
دولة أقلي ة. فيهود العالم لم يهاجروا إليها ولم تنجح في تجميع المنفيين؛ إذ
يبدو أن المنفيين في حالة سعادة غامرة بمنفاه م. ولذا اضطرت الدولة
الصهيونية الاستيطانية لحل أزمتها السكانية أن تلجأ لتهجير الفلاشا
(ويهوديتهم – إن صح تسميتها كذلك – مختلفة عن اليهودية الحاخامي ة)، ثم
سمحت بهجرة مئات الآلاف من المهاجرين اليهود السوفييت الذي تعلم مسبقا
أنهم ليسو ا يهود أص لا. والجدول التالي يبين عدد اليهود في إسرائيل والعالم
منذ تأسيس الدولة حتى عام ???? (بالمليون):
عدد يهود السنة
العالم
النسبة إلى يهود إسرائيل
العالم
???? ?? ?,??? %?
???? ?? ?,??? %??
???? ?? ?,??? %??
???? ?? ?,??? %??
???? ?? ?,??? %??
???? ?? ?,??? %??
???? ?? ?,??? %??
???? ?? ?,??? %??
???? ?? ?,??? %??
وإذا كان من الملاحظ أن نسبة اليهود المقيمين في إسرائيل إلى يهود العالم
تتزايد باطراد (من ?% عام ???? إلى ?? % عام ???? )، فإن ذلك لا
- ??? -
يعود فقط إلى تزايد موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولكن ?يفسر في
جانب هام منه بما يسمى ظاهرة "موت الشعب اليهود ي"، أي تناقص أعداد
الجماعات اليهودية في العالم نتيجة اندماجهم، في المجتمعات الغربية خاصة،
وقلة معدل الإنجاب بينه م. كما أن نسبة كبيرة من المهاجرين "اليهو د" إلى
فلسطين – وخاصة من الاتحاد السوفيتي السابق – ليسوا يهو ?دا.
ومما يزيد المشكلة السكانية حدة، بالنسبة للكيان الصهيوني، ظاهرة
النزوح. إذ يلاحظ أن أعداد النازحين آخذة في التزايد في الآونة الأخير ة. وقد
بلغ عددهم ما يزيد على ??? ألف (أو أكثر حسب الإحصاءات غير
الرسمية). وقد أصبح قرار النزوح مقبولا اجت ماعيا، ويظهر على التليفزيون
الإسرائيلي بعض النازحين ليتحدثوا عن قصص نجاحهم في الولايات
المتحدة، كما تظهر في الصحف الإسرائيلية إعلانات عن إسرائيليين يودون
بيع شققهم استعدادا للهجرة، وهذه أمور كانت في الماضي تتم سرا.
كما يلاحظ أن نوعية النازحين نفسها قد تغ يرت، فمعدل النازحين من بين
أبناء الكيبوتسات التابعين لأكبر حركتين (الحركة الكيبوتسية الموحدة،
?? هو ?% في المتوس ط. وهذا - والكيبوتس القطر ي) في فئة العمر ??
المعدل يساوي معدل نزوح هذه الأجيال في المجتمع الإسرائيل ي. وقد نزحت
العناصر العسكرية عن المستو َ طن الصهيوني بأعداد كبيرة آخذة في التزايد.
والأزمة السكانية تثير قضية الهوية اليهودية، ولكنها تثير أيضا قضية
الاستيطان وبشكل مباش ر. فالصهاينة يصرحون كل يوم بعزمهم على إنشاء
المستوطنات، ولكن المستوطنات في الضفة الغربية قائمة وتزداد عددا
وحجما، ولكن عدد المستوطنين فيها لم يزد بعد مرور ما يزيد عن ثلاثين
??? ألف (وهو عدد أقل من الزيادة الطبيعية السنوية - عام عن ???
للفلسطينيين العرب في تلك المنطق ة). وكان الجيب الاستيطاني الصهيوني
- ??? -
حتى عام ???? إحلاليا، ولكنه تحول إلى جيب استيطاني من النوع الذي
يستند إلى التفرقة اللونية على طريقة جنوب أفريقيا؛ حيث يتم الاحتفاظ
بالأرض ومن عليها من سكان ويتم تحويلهم إلى مصدر للعمالة الرخيصة.
وقد أتاح النظام العالمي الجديد فرصا جديدة للنظام الاستيطاني
الصهيوني، بحيث أصبح بوسعه أن يتجاوز نطاق فلسطين المحتلة ليتغلغل في
البلاد العربية، وليحول السوق العربية إلى سوق شرق أوسطية يلعب هو فيها
دور الوسيط الأساسي بين العرب والغرب، بل وبين كل دولة عربية
وأخرى.
وتكمن المفارقة في أن توسع الجيب الاستيطاني يتطلب المزيد من
المستوطنين، أي المادة البشرية، للاستيطان والقتال وللأعمال التجارية، ولكن
المادة البشر ية اليهودية غير متوفرة، وإن تم استيراد مادة بشرية عربية فإن
هذا يشكل تهديدا لهوية الدول ة. وقد ظهر في إسرائيل صراع بين ما سمي
"الصهيونية الديموجرافية" أو "السكانية" و"صهيونية الأراضي".
? - ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية
ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية ظاه رة خطيرة في أي مجتمع، وتزداد
خطورتها في المجتمعات الاستيطانية، فهي مجتمعات تم غرسها في أفريقيا
وآسيا عن طريق الاستعمار الغربي لاستيعاب الفائض البشري في القارة
الأوربية؛ ولتكون قواعد للدفاع عن المصالح الغربية في آسيا وأفريقي ا.
وينتمي الجيب الاستيطاني الصهيو ني لهذا النمط، فقد أسس ليستوعب الفائض
البشري اليهودي ولوضع حل للمسألة اليهودية، وفي الوقت نفسه عليه أن
يقوم بحماية المصالح الغربية نظير الدعم العسكري والسياسي والمالي الذي
يقدمه له الغرب.
- ??? -
والجيوب الاستيطانية تفرض على سكان آسيا وأفريقيا بحد السلاح
الغربي؛ و لذا فوجودها يستند إلى القوة العسكرية التي تحاول طرد السكان
الأصليين أو قمعهم، ولتحقق الحد الأدنى من الطمأنينة لجماهير المغتصبي ن.
والقوة العسكرية الصهيونية تنتمي لهذا النمط، وقد أحرزت قدرا لا بأس به
من النجاح والشرعية أمام جماهير المستوطنين.
كانت العسكرية الصهيونية قد نجحت في أن ترسخ في وجدان
الإسرائيليين فكرة أن إسرائيل دولة صغيرة تدافع عن نفسها ضد هجمات
جيرانها العرب، بل إن الأيديولوجية الصهيونية تجعل اليهود شعبا مختارا
(بالمعنى الديني والعلمان ي)، وتخلع القداسة على كل ممتلكات الدولة،
وبخاصة حدودها، كما تخ لع القداسة على الجيش؛ حتى أنه وصف بأنه
القداسة بعينه ا. وقد وصف بن جوريون الجيش بأنه خير مفسر للتوراة،
فمفسر التوراة هو وحده القادر على تعريف حدود إسرائي ل. ومن ثم اكتسبت
الخدمة العسكرية قداسة خاصة.
إلى جانب هذا كانت الخدمة العسكرية السبيل لدخول النخبة الحاك مة، ففي
المجتمع الاستيطاني، لا بد أن يدفع الفرد ضريبة الدم ليصبح جديرا
بالاشتراك في الحكم وصنع القرا ر. ولذا كان يتم تجنيد الشباب الإسرائيلي
بنجاح شديد عن طريق التوجه إلى حسهم الأخلاقي والقومي والديني،
ورغبتهم في البقاء باعتبار أن الدفاع عن الذات رغبة إنسان ية أخلاقية
مشروعة، وباعتبار أن العرب يهددون البقاء الإسرائيلي نفس ه. ومما دعم كل
هذه الادعاءات انتصارات إسرائيل المتتالية الحاسمة التي ضمنت للمستوطنين
البقاء وتدفق المعونات من الخارج واستمرار الأساطير الصهيونية.
وحتى فترة قريبة كان التطوع في صفوف قوات النخب ة (وحدة المظليي ن)
يعتبر من الأعمال المرموق ة. حتى إن هذه القوات كانت تضطر في الماضي
- ??? -
إلى الاعتذار لعدد من الراغبين في التطوع لوجود ما يكفيها من العناص ر.
وقد سجلت حالات انتحار في الماضي، من جانب الشباب الذي كان لا
يستطيع الالتحاق بالقوات المسلحة.
غير أن الوضع قد تغير، وقد لوحظ مؤخرا انصراف الشباب من
المستوطنين الصهاينة عن الخدمة العسكرية، بل الفرار منه ا. فأشار إسحاق
مردخاي (أحد وزراء الدفاع السابقي ن) إلى أنه قد طرأ انخفاض حاد على
مستوى الاندفاع والرغبة القتالية في صفوف الشباب الإسرائيلي.
والقضية - رغم خطورتها - لم تثر في المجتمع الإسرائيلي على نطاق
واسع لأسباب عملية، منها أن الجيش الإسرائيلي يفضل أن يستبعد مثيري
المشاكل ويتركهم وشأنهم حتى لا تثار القضية وحتى لا يناقشها الرأي العا م.
وبينما كان الجيش في الماضي ينشر استطلاعات الرأي الخاصة بالرغبة في
الخدمة في الو حدات القتالية في الجيش، نجد الآن أنه توصل إلى نتيجة مفادها
أن كثرة النشر حول انخفاض الدافع له أثر سلبي واضح؛ ولذا آثروا الصمت.
وترجع ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية إلى عدة عوامل:
أ) سقوط الأيديولوجية الصهيونية:
هناك دوافع كثيرة تدفع الإنسان للقتال من أهم ها الرغبة في البقاء، وهي
رغبة قد تأخذ شكلا اجتماعيا وقد تأخذ شكلا فردي ا. فيمكن أن يعرف الفرد
نفسه بأنه عضو في جماعة وبالتالي يتماهى بقاؤه مع بقاء الجماع ة. وتصبح
شعارات مثل "الدفاع عن الوط ن"، "حفظ الكرامة القومي ة"، "حدود الأرض
المقدسة" لها معنى ومضمون.
ولإنجاز ذلك لا بد للمجتمع أن يقدم للفرد أيديولوجية تفسر له ما حوله
وترسم له ماضيه وحاضره ومستقبله بطريقة ترضيه وتقنعه أنه يمكنه أن
يحقق ذاته من خلاله ا. ولكن إن لم يقتنع الفرد بالأيديولوجية المهيمنة ،، فإن
- ??? -
كل الشعارات السابقة تصبح سخيفة طنانة، ويبدأ الفرد في تع ريف بقائه على
أنه بقاء فردي لا علاقة له بالمجتمع، وبالتالي يبحث عن منفعته الشخصية
وعن متعته الفردية، بغض النظر عن التكلفة الاجتماعية، ويجد نفسه غير
قادر على الاستمرار في الحرب (أي أن النزعة الجهادية تخفت تماما).
ب) زيف الادعاءات الأمنية:
ذكرنا من قبل أن ا لمؤسسة العسكرية الصهيونية أقنعت الشباب الإسرائيلي
أن حربهم ضد العرب هي حرب دفاع عن النفس وأنه لا خيار لهم في ذل ك.
حتى إن أحدهم قا ل: إن شعار الجندي الإسرائيلي هو "يجب أن تطلق النار
على عدوك، ثم فلتذرف الدمع ساخن ا"؛ حتى يمكن للجندي الإسرائيلي
المسكين أن يحتف ظ بنقائه الداخلي ! كما كانوا يتحدثون عن "طهر السلاح
الإسرائيلي"، فهو سلاح لا يستخدم إلا في الدفاع عن النفس وليس لقتل
الأبرياء.
كان هذا الوضع سائدا حتى عام ???? حين وصلت "الانتصارا ت"
الإسرائيلية إلى ذروتها، ولكنها لم تأت بالسلام ولا بالنصر، كما أثبتت نظرية
الأمن الإسرائيلية فشلها؛ فهي كانت قد أقنعت الإسرائيليين أن استعمال القوة
سيحقق الانتصار النهائي والأمن الدائم، وأن العمليات العسكرية السريعة
الإجهاضية ستحقق كل شي ء. ولكن بعد بضعة شهور وجد الإسرائيليون
أنفسهم في حرب استنزاف مع عدوهم المهزوم، الأمر الذي دعا المؤرخ
الإسرائيلي يعقوب تالمون للحديث عن "عقم الانتصار".
ثم جاءت حرب ???? والعبور العربي العظيم، وبعدها جاء غزو لبنان،
وهو "انتصار" إسرائيلي آخر عقيم جعل الإسرائيليين يتحدثون عن "المستنقع
اللبناني" الذي غرقوا فيه، ثم أخيرا اضطروا للانسحاب من الجنوب اللبنا ني
- ??? -
في جنح الظلا م. ثم هناك انتفاضة عام ???? ، وأخيرا انتفاضة الأقصى،
وحين استخدمت القوات العسكرية الإسرائيلية في ضرب المواطنين العزل.
وقد استنتج الشباب الإسرائيلي من كل هذا ما يلي:
* أن ذاكرة العرب حية، وأن ذراع الدولة الصهيونية الاستيطانية
العسكرية القوية لا يمكن أن تضعهم في برج حصين ولا أن تقدم لهم الحماية
طوال الوقت.
* أدرك كثير من الشباب الإسرائيلي أن الدولة الصهيونية ليست في حالة
دفاع عن النفس كما يقولون، وإنما هي دولة عدوانية.
كل هذا يقوض من النزعة الجهادية لدى الجندي الإسرائيلي.
ج) تسود إسرائيل عقلي ة استهلاكية (عقلية "روش قطا ن" أي الرأس
الصغير، وهي تشير إلى الإنسان ذي الرأس الصغير والمعدة الكبير ة). وقد
تصاعدت حدة هذا الاتجاه بعد موجة الهجرة السوفيتية الأخيرة فقد أتت
بالعديد من المهاجرين من الصهاينة المرتزقة، الذين ليس لهم أي انتماء
أيديولوجي وغير ملت زمين إلا برفع مستواهم المعيش ي. وما يهمنا في هذا
السياق أن التوجه الاستهلاكي الحاد يجعل من الفرار من الخدمة العسكرية
مسألة منطقية.
ولكن من المفارقات التي تستحق التسجيل والملاحظة، أن هذا الجيل
الجديد الذي يفر من الخدمة العسكرية ولا يكترث بها، هو جيل "أكثر
عسكرية" كما يقول أفينيري شاليط (أستاذ العلوم السياسية بالجامعة
العسكرية). وقد ولد أعضاء هذا الجيل بعد عام ???? ؛ ولذا فهم يعتقدون
تمام الاعتقاد أن الاحتلال بالقوة "مسألة طبيعي ة"، وأن الضفة الغربية ليست
وإنما أرض قومية تورا تية، ومن ،(occupied "أرضا محتل ة" ( أوكيوبايد
كما يقول المصطلح – disputed ثم فهي أرض "متنازع عليه ا" (ديسبيوتيد
- ??? -
الأمريكي)، وعلى اليهود الاحتفاظ بها، ولا يحق لهم التنازل عنها أو
التفاوض بشأنه ا. والعرب هنا هم "عرب يهودا والسامر ة"، وبالتالي "نزع
حقوقهم" لا يشكل مشكلة خلافية بالنسبة لهم.
? - التكاثر المفرط للمصطلحات الصهيونية:
من مظاهر الأزمة الصهيونية "التكاثر المفرط للمصطلحات الصهيوني ة"،
وهذا التكاثر المفرط هو سمة أساسية للفكر الصهيوني منذ ظهور ه. فهناك
"الصهيونية الدبلوماسي ة"، و"الصهيونية السياسي ة"، "الصهيونية العام ة"،
"الصهيونية العمالي ة"، "الص هيونية الاشتراكي ة"، "الصهيونية الديني ة"،
"الصهيونية العلماني ة"، "الصهيونية الثقافي ة"، "الصهيونية الروحي ة"، "الصهيونية
التصحيحية"، "الصهيونية التوفيقي ة"، "الصهيونية الإقليمي ة"، "صهيونية بدون
صهيون"، "صهيونية صهيو ن"، "الصهيونية المسيحي ة"، و"صهيونية الأغيا ر"،
وغيرها من المصطلحا ت. وقد استمرت الظاهرة بعد إنشاء الدولة وإن كان
إسهال المصطلحات قد عبر عن نفسه من خلال أسماء الأحزاب التي تتغير
بمعدل جنوني عند كل انتخابات وما بينها.
وإذا كان التكاثر المفرط للمصطلحات سمة أساسية للخطاب الصهيوني
قبل عام ???? فإن الأمور از دادت سوءا بسبب تصاعد الأزمة، فهناك
الأزمة البنيوية للصهيونية وتوتر العلاقة بين المستوطن الصهيوني ويهود
العالم. ولأن الأزمة لا حل لها والتوتر يتصاعد فإن الحلول المطروحة هي
الأخرى تتزايد بشكل مفرط، ومن ثم تتكاثر المصطلحات وتتداخل
فتضطرب.
فظهرت مصطلحات جديدة ، مثل: "صهيونية الخط الأخضر"، و"صهيونية
الحد الأدن ى" و"صهيونية الحد الأقص ى" و"الصهيونية الديموجرافي ة"
و"الصهيونية السوسيولوجي ة" و"صهيونية الأراض ي". وظهرت مصطلحات
- ??? -
ساخرة، مث ل: "صهيونية دفتر الشيكات" و"صهيونية النفقة"، وهي صهيونية
اليهودي الذي يحدث أصواتا صهي ونية صاخبة، ولكن نشاطه الصهيوني
يتلخص في دفع التبرعات للحركة الصهيونية دون أن يستوطن في فلسطين.
وقد شبه أحدهم علاقة يهود العالم بإسرائيل بعلاقة الرجل بطليقته، فهو لا
يريدها ولكنه يدفع لها نفقة، قد تكون سخية، حتى يستمر في الاستمتاع بحياته
مع عشيقته أو زوجته الجديدة (وهي في هذه الحالة وطنه الذي يعيش فيه).
وهناك أيضا "الصهيونية اللوك س"، وهي صهيونية المستوطنين في
المستوطنات التي أقيمت حديثا، وهي مستوطنات فاخرة، تتطلب إقامتها
وإدارتها تكاليف باهظة لا تخضع لمعايير الجدوى الاقتصادية، ويسكنها
شخصيات استهلاكية ليس وا مثل المستوطنين القدامى الذين كانوا يحملون
المحراث بيد والبندقية بالأخرى.
أما "الصهيونية المكوكي ة"، فهي صهيونية المستوطنين الذين يسكنون وراء
الخط الأخضر (حدود ???? ) بسبب انخفاض أسعار الشقق، ولكنهم يعملون
في فلسطين المحتلة عام ???? ، فحركتهم اليومية حركة مكوكية من الضفة
الغربية إلى تل أبيب (على سبيل المثا ل) والعكس. ثم ظهر مؤخرا مصطلح
"ما بعد الصهيوني ة" (على وزن "ما بعد الأيديولوجي ة" و"ما بعد الرأسمالي ة"
و"ما بعد الحداث ة"). وكلمة ما بعد في كل هذه المصطلحات تعني أن النموذج
المهيمن (الصهيونية في هذه الحال ة) قد تفكك وتآكل، ولم يحل محله نموذج
آخر. هذا قليل من كثير، والقائمة لم تنته بل هي آخذة في التزايد يوما بعد
يوم.
ونظ ? را لكل هذه التطورات أصبحت كلمة "صهيونية" (تسيونوت بالعبري ة)
تعني "كلام مدع أحم ق" (الجيروساليم بوست ?? إبريل ???? ) وتحمل أيضا
معنى "التباهي با لوطنية بشكل علني مبالغ في ه"، وتدل على الاتصاف بالسذاجة
- ??? -
الشديدة في حقل السياسة (الإيكونومست ?? يوليه ???? ، وكتاب برنارد
.( أفيشاي مأساة الصهيونية، ص ??
ومن الواضح أن حقل الكلمة الدلالي أو منظورها يشير إلى مجموعتين
من البش ر: صهاينة الخارج، أي الصهاينة التوطي نيون الذين يحضرون إلى
فندق صهيون ويحبون أن يسمعوا الخطب التي لا علاقة لها بالواقع؛ ولذا
فهي ساذجة، مليئة بالادعاءات الحمقاء والتباهي العلني بالوطنية.
وتشير في الوقت نفسه إلى الصهاينة الاستيطانيين الذين يعرفون أن
الخطب التي عليهم إلقاؤها إن هي إلا خطب جوفا ء ومبالغات لفظية لا معنى
لها، ولكن عليهم إلقاؤها على أية حال حتى يجزل لهم الضيوف العطا ء.
والمقصود الآن بعبارة مثل "أعطه صهيونية" هو "فلتتفوه بكلام ضخم أجوف
لا يحمل أي معنى"، فهو صوت بلا معنى وجسد بلا روح ودال بدون مدلول.
? - انهيار إسرائيل من الداخل:
والآن بعد أن تعاملنا مع أهم جوانب أزمة التجمع الاستيطاني الصهيوني
لا بد أن نطرح السؤال التال ي: هل هذا يعني أن هذا التجمع سينهار من
الداخل من تلقاء نفسه بسبب أزمته وتناقضاته الداخلية الحادة، كما يمني
البعض نفسه؟ الإجابة على هذا ستكون بالنفي القاطع للأسباب التالية:
? - مقومات حياة التجمع الصهيوني لا تنبع من داخله وإنما من خارجه،
فهو مدعوم ماليا وعسكريا وسياسيا من الولايات المتحدة والعالم الغربي
والجماعات اليهودية فيه؛ ولذا فهو لا يمكن أن ينهار من الداخل!
? - يتسم المجتمع الإسرائيلي بالشفافية، وبالتالي حينما تتض ح ظواهر
سلبية فإنه يقوم بدراستها والتصدي لها أو التكيف معها.
? - توجد مؤسسات ديموقراطية وعلمية يمكن لكل قطاعات السكان في
التجمع الصهيوني أن يقدموا الحلول من خلالها.
- ??? -
? - ثبت أن كثيرا من المجتمعات يمكنها أن تعيش في حالة أزمة
عشرات بل مئات السنين، طالما أنه لا يتحداها أحد من الخار ج. وأعتقد أن
الحاسوب (الكومبيوتر) يساهم في هذه العملية؛ إذ يمكن للإنسان المأزوم
والمتفسخ بشريا أن يستمر في العمل من خلاله، وأن يطلق الصواريخ التي
تصيب أهدافها بدقة بالغة حتى لو كان شاذا جنسيا أو تعاطى الخمور
والمخدرات في الليلة السابقة.
إن القضاء على الجيب الاستيطاني الصهيوني العنصري لا يمكن أن يتم
إلا من خلال الجهاد اليومي المستمر ضده، وما نذكره من عوامل تآكل في
التجمع الصهيوني هي عوامل يمكن توظيفها لصالحنا، كما أنها تبين لنا حدود
عدونا وأنه ليس قوة ضخمة لا تقهر، لكنها في حد ذاتها لا يمكنها أن تودي
به أو أن تؤدي إلى انهياره.
المسألة الفلسطينية والإدراك الصهيوني
الظاهرة الصهيونية ظاهرة استعمارية استيطانية إحلالية، ومقاومة العرب
لها لا تختلف عن مقاومة الشعوب المقهورة للمستوطنين الغزا ة. وهذه
المقاومة ليست إرهابا وإنما هي فعل من أفعال ال مقاومة، وهذا ما قاله بن
جوريون نفسه عام ???? حين قا ل: "نحن هنا لا نجابه إرهابا وإنما نجابه
حربا، وهي حرب قومية أعلنها العرب علين ا. وما الإرهاب سوى إحدى
وسائل الحرب لما يعتبرونه اغتصابا لوطنهم من قبل اليهود - ولهذا
يحاربون، ووراء الإرهابيين توجد حركة قد تكو ن بدائية ولكنها ليست خالية
من المثالية والتضحية بالذا ت. يجب ألا نبني الآمال على أن العصابات
الإرهابية سينال منها التعب، فإذا ما نال من أحدهم التعب، سيحل آخرون
محله. فالشعب الذي يحارب ضد اغتصاب أرضه لن ينال منه التعب
سريعا.... وحينما نقو ل: إن العرب هم الباد ئون بالعدوان وندافع عن أنفسنا -
- ??? -
فإننا نذكر نصف الحقيقة وحس ب. ومن الناحية السياسية نحن البادئون
بالعدوان وهم المدافعون عن أنفسه م. إن الأرض أرضهم؛ لأنهم قاطنون فيها
بينما نحن نريد أن نأتي ونستوطن، ونأخذها منهم،، حسب تصورهم" .
وإدراك الواقع في لحظة صدق لا يعن ي ألبتة التعامل معه بطريقة أخلاقية
أو واقعية، بل إن إدراك الصهاينة لحقيقة مشروعهم الصهيوني الاستيطاني
الإحلالي وأبعاد المقاومة العربية وعمقها قد يؤدي إلى مزيد من الشراسة.
ولنضرب مثلا على هذا النمط الصهيوني بفلاديمير جابوتنسكي - زعيم
الحركة الصهيوني التنقي حية - الذي أدرك منذ البداية أن الصراع بين
الصهيونية كحركة استيطانية مغتصبة للأرض والعرب أمر حتمي، فلم يختبئ
وراء السحابة الكثيفة من الاعتذاريات الصهيونية عن الحقوق اليهودية
الأزلية، ولم يختبئ وراء الحجج الليبرالية عن شراء فلسطين، أو الحجج
الاشتراكية عن رجع ية القومية العربية وخلافه من الإستراتيجيات الإدراكية،
وإنما أكد دون مواربة أن الصهيونية جزء من التشكيل الاستعماري الغربي
الذي لم يكن بمقدوره أن يحقق انتشاره إلا بحد السيف.
ولذلك، طالب منذ البداية بتسليح المستوطنين الصهاينة (تماما مثلما يتسلح
المستوطنون ا لأوربيون في كينيا وفي كل مكا ن)، أي طالب بتعديل موازين
القوى بطريقة تخدم التحيز الصهيون ي. فالعرب - حسبما صرح - لن يقبلوا
الصهيونية (وتحيزاتها ورؤيته ا) إلا إذا وجدوا أنفسهم في مواجهة حائط
حديدي.
إن نظرية الجدار الحديدي هي جزء من الإجماع الصهيوني التي طورها
شارون إلى مفهوم "الجدار الفولاذ ي"، وأكدها نتنياهو في كتابه مكان تحت
الشمس في عبارة "سلام الردع"، ووافق باراك عليها بطريقة ملتوية مراوغة.
- ??? -
ويتحدث إيان لوستيك في مقال له بعنوان "إسرائيل ومنطق الجدار
الحديدي" عن مراحل خمسة لإستراتيجية الجدار الحديدي، لتحويل الصر اع
الوجودي بين الصهاينة والعرب الفلسطينيين إلى سلام قائم على التوافق
وليس العدل على النحو التالي:
المرحلة الأولى: بناء الجدار الحديدي.
المرحلة الثانية: حماية الجدار الحديدي من محاولات تصديعه.
المرحلة الثالث ة: هزائم مكلفة تؤدي إلى تحولات لدى الخصوم، من
متطرفين عنيدين إلى معتدلين على استعداد للمساومة.
المرحلة الرابع ة: يدرك حماة الجدار الحديدي تحولات القوة من التطرف
إلى الاعتدال داخل المعسكر السياسي للخصم؛ وذلك يدفعهم إلى تحويل
سياستهم نحو التفاوض والمساومة.
المرحلة الخامس ة: تؤدي المفاوضات إلى تسوية للصراع تقو م على
جماعية متساوية.
والنتيجة نفسها توصل إليها بن جوريون؛ إذ إن إدراكه للمقاومة العربية
كان يحيده التزامه بالرؤية الصهيونية؛ ولذا توصل إلى أنه لا مناص من
فرض هذه الرؤية عن طريق القوة وحد السي ف. ولذا لم يبحث الزعيم
الصهيوني عن سلام مع العرب، فمثل هذا السلا م - على حد قوله -
مستحيل، كما لم يحاول أن يعقد اتفاقية معهم، فهذا سراب بغير شك.
إن السلام مع العرب بالنسبة لبن جوريون إن هو إلا وسيلة وحسب، أما
الغاية فهي الإقامة الكاملة للصهيونية، لهذا فقط نود أن نصل إلى اتفاق [مع
العرب]. إن الشعب اليهودي لن يوافق، بل ل ن يجسر على أن يوافق، على أية
اتفاقية لا تخدم هذا الغر ض. ولذا فالاتفاق الشامل أمر غير مطروح الآن،
[فالعرب] لن يستسلموا في إرتس يسرائيل إلا بعد أن يستولي عليهم اليأس
- ??? -
الكامل، يأس لا ينجم عن فشلهم في الاضطرابات التي يثيرونها أو التمرد
الذي يقومون به وحسب وإنما ينجم عن نمونا [نحن أصحاب الحقوق اليهودية
المطلقة في هذا البلد].
ثم استمر يقو ل: لا يوجد مثل واحد في التاريخ لأمة فتحت بوابات وطنها
[للآخرين]. إن تشخيصي للموضوع أنه سيتم التوصل إلى اتفاق [مع العر ب]
لأنني أؤمن بالقوة، قوتنا التي ستنمو، وهي إن حققت هذا النمو، فإن الاتفاق
. » سيتم إبرامه". وهكذا تم عقد اتفاقيات ؛السلام مع العرب
ولا يختلف شاريت عن هذه الرؤية التي تذهب إلى أن المثل الأعلى
الصهيوني لا بد أن تسانده القوة حتى يمكن فرضه على الواق ع. وهو أيضا
يتبنى سياسة الحائط الحديدي، شأنه في هذا شأن بن جوريون وجابوت نسك ي:
"لا أعتقد أننا سنصل إلى اتفاق مع العرب حتى تنمو قوتن ا. ولكني أعتقد أنه
ستحين اللحظة حين نصبح أكثر قوة وسنبرم اتفاقا ثابتا مع بريطانيا العظمى،
كقوة مع قوة أخرى، وسنصل إلى اتفاق مع العرب كقوة مع قوة أخر ى. لكن
الشرط الأساسي هو ألا ينظر لنا العرب باعتبار نا قوة محتملة وإنما باعتبارنا
قوة فعلية".
وقد أدرك وايزمان منذ البداية أن أي سلام مبني على العدل، أي يؤدي
إلى إعطاء الفلسطينيين حقوقهم السياسية والدينية والمدنية كافة، عواقبه
وخيمة؛ إذ سيؤدي إلى "سيطرة العرب على الأمو ر". فلو تم تأسيس حكومة
في إطار هذا الس لام العادل، فإن العرب سيمثلون فيها، وهي حكومة ستتحكم
في الهجرة والأرض والتشريع – وبذا سيحقق الصهاينة السلام – ولكنه
"سلام المقاب ر" (على حد قول ه). والصهاينة شأنهم شأن كل من في موقفهم،
كانوا لا يبحثون عن سلام المقابر لأنفسهم، وإنما للآخرين.
- ??? -
ولذا فالاتفاق الذ ي يتحدث عنه جابوتنسكي ثم بن جوريون وشاريت
ووايزمان ليس اتفاقا مع العرب باعتبارهم كيانا مستقلا له حقوقه وفضاؤه
التاريخي والجغرافي، إنما هو اتفاق مع طرف آخر تم تغييبه أو ترويضه عن
طريق القوة والحائط الحديدي؛ ولذا فهو يقنع بالبقاء حسب الشروط التي
يفرضها الآخ ر. وهذه رؤية ولا شك واقعي ة: إذ كيف يمكن أن يتوقع أحد من
العرب أن يخضعوا طواعية لرؤية تلغي وجودهم؟.
وهذا على كل ما أدركه العرب منذ البداي ة. فرغم كل محاولات الصهاينة
المعلنة عن السلام والحوار والتفاوض والأخوة العربية اليهودية والأخذ بيد
العرب، كان العرب يعرفو ن حقيقة الصهيونية وأنها تحاول أن تغيبهم أو
تهمشهم؛ لأنهم – حسب التصور الصهيوني – كائنات غائبة (أرض بلا
شعب) أو متخلفة أو هامشية لا تفهم سوى لغة القوة، وأنهم قد يكتفون في
نهاية الأمر بدولة لا سيادة لها، وأنهم سيستمرون خائفين قانعين بحياتهم
المتخلفة.
فجاءت انتفاضة ???? ، وظهر العربي الغائب وفي يده حجر يلقي به
على الصهيوني وعلى أوهامه، فيشج رأسه ويزلزل الأسطورة، ويتنبه هذا
الصهيوني فجأة إلى أنها أرض لها شع ب. وقد قال نسيم زفيلي (أحد رؤساء
قسم الاستيطان بالوكالة اليهودي ة): إن هناك حالة فزع وهلع بين المستوطنين
في الضفة الغربية (وهذه هي الحالة التي تنتاب الإنسان حينما يفقد الوهم
فيصبح عاريا أمام الحقيقة).
وقد رفض يسرائيل هاريل هذا الوصف، وأعطى تحليلا أعمق وأشمل؛ إذ
قال: "إن اليقين القديم [أي الأسطورة التي تدور في إطار الشرعية
الصهيونية] الذي شد أزر جوش إيمونيم قد اهتز لأول مر ة. فهناك قلق بشأن
الاحتمالات السياسي ة. وهو قلق لا ينصرف إلى المستوطنات نفسها وحسب،
- ??? -
وإنما ينصرف إلى [ما هو أعم ق] إرادة الأمة ومن جذورها ومن طبيعة
رؤاها".
ثم أضاف "لقد دخلنا مرحلة جديدة في النضال من أجل إرتس يسرائيل؛
فالعرب لا يريدون الضفة الغر بية وحسب بل عكا ويافا أيض ا. والحكومة
تعطي العرب إشارات إلى أن مكاننا هنا في الضفة الغربية مؤق ت". فكأن
الانتفاضة قد همشت المستوطنين ثم غيبتهم وطرحت قضية الوجود
الصهيوني نفسه.
وقد عبر الفيلسوف الإسرائيلي ديفيد هارتمان عن القضية إذ قا ل: "إن
ثورة الحجارة تقول للصهاينة: نحن لا نخاف منكم، وبطريقة أخرى يقولو ن:
أنتم لستم هن ا". فاضطرت الدولة الصهيونية للاعتراف بالوجود الفلسطيني
وسقطت مقولة "العربي الغائب".
ثم جاءت انتفاضة الأقصى والاستقلال لتقضي على بقية الأوهام
الصهيونية وتساقطت مقولتا العربي المتخلف والعربي الهام شي، ومن أحسن
المقالات التي كتبت عنها مقال الكاتب الإسرائيلي يوري أفنيري تحت عنوان
"الضربة القاضية لم تسدد بعد". يقول أفنيري في مقاله:
"يدخل ملاكمان الحلق ة: واحد منهما بطل الوزن الثقيل، والآخر وزن
الريشة. ويتوقع الجميع أن يقوم البطل بتسديد ضربة قاضية تقضي عل ى
غريمه الهزيل في الجولة الأولى.
ولكن وبأعجوبة تنتهي الجولة الأولى، والضربة القاضية لم تسدد بعد، ثم
الجولة الثانية، ويستمر نفس الوض ع. وبعد الجولتين الثالثة والرابعة لا يزال
خفيف الريشة واقفا، وهو ما يعني أنه هو الرابح الحقيقي، لا بالضربة
القاضية ولا بالنق ط، وإنما لمجرد أنه لا يزال واقفا ومستمرا في الصراع مع
غريمه القوي".
- ??? -
هذه الصورة المجازية تنطبق تمام الانطباق على المواجهة بين قوى
الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطين ي. فالجيش الإسرائيلي القوي لم ينجح
حتى الآن في تحطيم العمود الفقري للانتفاض ة. لقد جرب هذا ا لجيش كل
شيء: البنادق والطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة والتصفية الجسدية
وتحطيم أحياء بأسرها والحصار وتحطيم المنازل وقطع الأشجار، ومع هذا
في الشهر العاشر (وقت كتابة هذا البح ث) لا يزال الفلسطينيون واقفين
يصارعون غريمهم.
لكل هذا تساقطت مقولتا العربي المتخل ف والعربي الهامشي، فتفككت
الخريطة الإدراكية الصهيونية، فجن جنون الصهاينة، فلجأت المؤسسة
الصهيونية (التي طالما تحدثت عن إسرائيل باعتبارها واحة للديمقراطي ة) إلى
ضرب العسكريين والمدنيين بالطائرات والمدافع والرشاشات، وبدأ الاغتيال
المؤسسي للقيادات الفلسطينية و الاغتيال العشوائي للنساء والأطفال وكل من
يقف في طريق جيش الاحتلا ل. وانتهى الأمر بوصول شارون الذي وعد
بالقضاء على الانتفاضة في مائة يوم، وقد انقضت المهلة دون أن ينجح في
تحقيق وعده، وليس هناك في الأفق ما يبشر بأنه سيكتب له النجاح.
نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية
يتحدث الإعلام الغربي عن دائرة العنف، ونحن نتحدث عن دائرة المقاومة
والقهر. ولا يوجد مخرج من هذه الدائرة داخل الإطار الصهيوني؛ إذ لا
يمكن توقع أي سلام في إطار بنية القمع والظلم والعدوان هذه، أي في إطار
الصهيونية، بينما يمكن أن نتحرك نحو قدر معق ول من السلام من خلال نزع
الصبغة الصهيونية (الاستيطانية الإحلالي ة). ونزع الصبغة الصهيونية لا
يعني إبادة الإسرائيليين أو القضاء على هويتهم الإسرائيلية أو اليهودية (كما
- ??? -
يحلو للبعض أن يصور الأم ر)، وإنما يعني خلق الإطار القانوني والسياسي
والأخلاقي الذي يزيل أسباب التوتر والصدام.
ولعل ما حدث في جنوب أفريقيا (فك الجيب الاستيطاني بطريقة سلمية
بعد أربعة قرون من الظلم والاستغلال والعنصرية والاستعمار الاستيطاني
الشرس) يمكن أن يكون نموذجا يحتذى، ومؤش ? را على ما يمكن أن يحدث في
الجيب الاستيطاني الصهيوني.
ولعل جوهر نزع ال صبغة الصهيونية هو فصل المسألة الإسرائيلية عن
المسألة اليهودية، بحيث يرى الإسرائيليون أنفسهم باعتبارهم جزءا لا يتجزأ
من المنطقة (وليس كما يقول أبا إيبا ن: في المنطقة ولكن ليسوا منه ا).
وعملية نزع الصبغة الصهيونية لا تتم دفعة واحدة وإنما تبدأ بإعلان النوايا
واتخاذ خطوات قد تكون رمزية ولكنها ذات دلالة عميقة، مث ل: أن تلغي
الدولة الصهيونية قانون العودة، وتوقف بناء المستوطنات، وتعلن نيتها تنفيذ
قرارات هيئة الأمم المتحدة الخاصة بإعادة الفلسطينيين إلى ديارهم.
ويتبع ذلك خطوات أكثر راديكالية، مث ل: إلغاء الصندوق القومي اليهودي،
وفك المستوطنات، وتعريف الحدود الدولية للدولة الجديدة، وتشكيل لجان
للتحقيق في المذابح التي ارتكبت ضد الفلسطينيين لتعويضهم ماديا ومعنوي ا.
ثم يمكن بعد ذلك أن تبدأ الدولة الجديدة في السماح للفلسطينيين بالعودة في
إطار مقدرتها الاستيعابية، وهي ولا شك ع الية، فإسرائيل الصهيونية قد
نجحت في استيعاب أكثر من نصف مليون مهاجر يهودي سوفييتي في العشر
سنين الأخيرة، رغم أنهم ليسوا من أبناء المنطقة، كما أن مؤهلاتهم عالية
لدرجة كبيرة لم يكن التجمع الصهيوني في حاجة إليها.
على عكس الفلسطينيين فهم أبناء المنطقة يعرفونه ا أرضا وجوا وبحرا،
وأعداد كبيرة منهم تعمل بالفعل داخل الاقتصاد الإسرائيلي أو عندهم من
- ??? -
المؤهلات والكفاءات ما يسهل عملية استيعابه م. وستكون القدس عن حق هي
العاصمة الأبدية للدولة الجديدة وهي دولة متعددة الأديان؛ ولذا فهناك مجال
للهوية الدينية اليهودية أن تعبر عن نفسها في إطارها.
ويتوج كل هذا باندماج الدولة الجديدة في نظام إقليمي نابع من مصالح
سكان المنطقة أنفسهم ومن منظوماتهم الحضارية والأخلاقي ة. وعلى الجانب
الفلسطيني لا بد من إعلان أن الإسرائيليين ممن و لدوا ونشئوا في فلسطين
بل ومن استوطنوا فيها ويودون أن تكون فلسطين وطنا لهم، لهم حق
المواطنة الكاملة في هذا الكيان الجديد الذي يضم الطرفين الفلسطيني
والإسرائيلي.
وقد يقول البع ض: إن مثل هذا الاقتراح هو من قبيل الحلم المثالي، وهو
بالفعل كذل ك. ولكنه مع هذا قابل للتنفيذ وهو أفضل بكثير من الأمر الواقع،
والوضع القائم نت اج حالة الحرب الدائمة أو الراقدة والهدنة المؤقتة، الذي
يستند إلى موازين القوى الداروينية، وكل أنواع الأسلحة من السلاح النووي
والأبيض إلى الحجارة والعصيان المدني، وهو وضع لم يأت لأحد بالسلام أو
الطمأنينة.
ولعل تعودنا على منظر الدماء وإدماننا لصوت المتفجرات وتقبلنا للعنف
والقوة كسبيل وحيد لحسم الصراعات هو السبب وراء استخفافنا الكامل
بالحلول الراديكالية، ووراء هرولتنا وراء محاولات السلام الجارية التي
تهدف إلى ترجمة الوضع القائم المبني على الحرب إلى وضع سلام دائم،
وهو أمر مستحيل؛ فهو ضد طبيعة الأشياء، فمثل هذا السلام تقوضه بنية
الظلم التي تولد التوتر والصراع الدائم.
- ??? -
وقد يقول البع ض: إن نزع الصبغة الصهيونية عن الدولة الصهيونية يعني
تقويض دعائمها وبالتالي سقوطها، والرد على هذا بسيط، أن الدولة التي لا
تقوم إلا على أساس استبعادي عنصري لا تستحق البقاء.. والله أعلم.
لمزيد من الاطلاع
أو ً لا: المراجع العربية:
إبراهام ليون، المفهوم المادي للمسألة اليهودية، ترجمة وتقديم عماد
. نويهض، بيروت، دار الطليعة، ????
إبراهيم أبو لغد (إعداد وتحري ر) وأسعد رزوق (ترجمة)، تهويد فلسطين،
. بيروت، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطيني، ????
أحمد صدقي الدجاني (تحرير)، الحركة الصهيونية والصراع العربي
الإسرائيلي: دروس في مائة عام، القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية،
.????
أسعد رزوق، إسرائيل الكبرى، بيروت، مركز الأبحاث، منظمة التحرير
. الفلسطينية، ????
إسماعيل راجي الفاروقي، أصول الصهيونية في الدين اليهودي، القاهرة،
.????/ معهد البحوث والدراسات العربية، ????
ألن تايلور، تاريخ الحركة الصهيوني ة: تحليل للدبلوماسية الصهيونية
. ???? (ترجمة بسام أبو غزالة)، بيروت، دار الطليعة، ???? - ????
أمين عبد الله محمود، مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة ا لفرنسية
حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، المجلس
. الوطني للثقافة والفنون والآداب، ????
- ??? -
أنيس صايغ (إشراف)، ولطفي العابد ومرسي عنز (ترجم ة)، والدكتور
أسعد رزوق (تعريف)، وهلدا شعبان صايغ وإبراهيم العابد (مراجعة)، الفكرة
الصهيونية: النصوص الأساسية، بيروت، مركز الأبحاث، منظمة التحرير
. الفلسطينية، ????
إيمان حمدي، معسكر السلام الصهيون ي: اتجاهات الثنائية القومية والتقسيم
???? )، القاهرة، معهد البحوث - في الحياة السياسية الإسرائيلية ( ????
. والدراسات العربية، ????
جلال الدين عز الدين علي، ال صراع الداخلي في إسرائيل (دراسة
استكشافية أولي ة)، أبو ظبي، دولة الإمارات، مركز الإمارات للدراسات
. والبحوث الإستراتيجية، ????
جواد الحمد (تحرير)، المدخل إلى القضية الفلسطينية، ع ? مان، دار البشير،
.????
حبيب قهوجي (إشراف)، إستراتيجية الاستيطان الصهيوني في فلسط ين
. المحتلة، دمشق، مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية، ????
حبيب قهوجي (إشراف)، الصهيونية والعنصرية بين الفكر والممارسة،
. دمشق، مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية، ????
حبيب قهوجي (رئيس تحري ر)، الهيئات والأجهزة الصهيونية واليهودية
.????/??/ العالمية وعلاقتها بإسرائيل، نشرة الأرض، ??
حسن خضر (ترجمة وتقدي م)، قصر الأواني المهمش ة: دراسات في نقد
. الصهيونية، رام الله، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، ????
دغسان إسماعيل عبد الخالق و د. علي محافظة (تحرير)، صراع القر ن:
الصراع العربي مع الصهيونية وإسرائيل عبر مائة عام، ع ? مان، مؤسسة عبد
. الحميد شومان، ????
- ??? -
ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودي ة: جذورها في التاريخ الغربي،
ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، المجلس
. الوطني للثقافة والفنون والآداب، ????
???? )، الجزء الأول، - صبري جريس، تاريخ الصهيونية ( ????
???? )، بيروت، مركز الأبحاث، - التسلل الصهيوني إلى فلسطين ( ????
. منظمة التحرير الفلسطينية، ????
صبري جريس، السنوات الخمس السمان في تاريخ الوطن القومي
?- نمو الهجرة والاستثمارات : (???? - اليهودي في فلسطين ( ????
??? ، آذار - نيسا ن/ مارس – - والاستيطان، شئون فلسطينية، عدد ???
. إبريل، ????
صبري جريس، السنوات الخمس السمان في تاريخ الوطن القومي
?- محاولات التفاهم مع العرب، :(???? - اليهودي في فلسطين ( ????
. ??? ،، تموز - آب/ يوليو – أغسطس، ???? - شئون فلسطينية، عدد ???
صبري جريس، المؤتمر الصهيوني الثلاثو ن: تظاهرة غير ناجحة للحركة
. الصهيونية، شئون فلسطينية، عدد ??? ، كانون الثاني/ يناير، ????
صبري جريس، اليمين الصهيون ي: نشأة وعقيدة وسياسة، بيروت، مركز
. الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، ????
صبري جريس وأحمد خليفة (تحرير)، دليل إسرائيل العام، بيروت،
. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ????
عبد الوهاب محمد المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية:
. نموذج تفسيري جديد، ? مجلدات، القاهرة، دار الشروق، ????
- ??? -
عبد الوهاب محمد المسيري، نهاية التاري خ: مقدمة لدراسة بنية الفكر
الصهيوني، الطبعة الثانية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
.????
مركز دراسات الوحدة العربية، العرب ومواجهة إسرائي ل: احتمالات
المستقبل (بحوث ومناقشات أعمال الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات
. الوحدة العربية)، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ????
ثان?يا: المراجع الأجنبية:
Agus, Jacob Bernard, The Meaning of Jewish History, New
York, Rams Horn Books, 1963.
Avishai, Shlomo, The Making of Modern Zionism: The
intellectual Origins
of the Jewish State, London, Weidenfeld and Nicolson,
1981.
Avishai, Bernard, The Tragedy of Zionism: Revolution and
Democracy in the Land of lsrae, New York, Farrar Straw
Ciroux, 1985.
Baron, Salo Wittmayer, A Social and Religions History of
the Jews, Late Middle Ages and Era of European
Expansion: 1200-1650, Vol. IX, Under Church and Empire,
New York, Columbia University Press, 1965.
Ben Ezer,Ehud, (ed.),Unease in Zion, with a Foreword by
Robert Alter, New York, Quadrangle, The New Times Book
Co., 1974.
Ben-Horin, Meir, Max Nordau: Philosopher of Human
Solidarity,
New York, Conference of Jewish Social Studies, 1956.
Ben-Sasson, H.H. (ed.),A History of the Jewish People,
London, Weidenfeld and Nicolson, 1976.
- ??? -
Bober, Arie, (ed.), The Other Israel: The Radical Case
Against Zionism,
New York, Doubleday, Garden City, 1972.
Bowers, Faubian, “Only—and Lonely in America”, New
York Times Magazine, Sept. 20, 1976.
Brandeis, Louis, A Collection of Addresses and Statements
by Louis
Brandeis, with a Foreword by Mr. Justice Felix Frankfurter,
Washington, D.C., Zionist Organization of America, 1947.
Brenner, Lenni, The Iron Wall: Zionist Revisionism from
Jabotinsky to
Shamir, London, Zed Books, 1984.
---------, the Age of the Dictators: A Reappraisal, London,
Croom Helm,1983.
Elmessiri, Abdelwahab, M., The Land of Promise: A
Critique of Political
Zionism, New Brunswick, N.J., North American, 1977.
Elon, Amos, The Israelis: Founders and Sons, New York,
Halt, Rinehart and Winston, 1971.
The Encyclopedia Americana, New York, Americana
Corporation, 1960.
Encyclopedia Britannica, Chicago, Encyclopedia
Britannica, 1968.
Feuerlicht, Roberta Straus. The Fate of the Jews: A People
Torn Between Israeli Power and Jewish Ethics, New York,
Times Books, 1983.
Flapan, Simha, Zionism and the Palestinians, London,
Croom Helm, 1979.
Frankel, William, (ed.). Survey of Jewish Affairs, 1982,
Cranbury, N.J., Associated University Press, 1984.
Friedman, Thomas L, "America in the Mind of Israel'., New
York Times Magazine, Section 6, May 25, 198
- ??? -
Gillon, D.Z., “The Antecedents of the Balfour Declaration”,
Middle Eastern Studies, Vol. 5, No. 2, May, 1969.
Glick, Edward Bernard, The Triangular Connection:
America, Israel and American Jews, London, George Allen
and Univ.,1982.
Goldmann, Nahum, The Autobiography of Nahum
Goldman: Sixty Years of Jewish Life, New York, Holt,
Rinehart and Winston, 1969.
Grossman, Kurt, “Zionists and Non-zionists under Nazi
Rule In the 1930’s”, Herzl Year Book: Essays in Zionist
History and Thought, New York, Vol. IV, (ed.), Raphael
Patai. Herzl Press, 1961-1962.
Haddad, H., “Biblical Basis of Zionist Colonialism”, in:
Abu-Lughod, Ibrahim, and Abu-Laban, Bahaa, (eds.),
Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion
of Endurance, Wilmette. Ill., Medina University Press,
1974.
Halpern, Ben, The idea of the Jewish State, Cambridge,
Massachusetts, Harvard University Press, 1961.
Halverson, Marvin, A Handbook of Christian Theology,
New York,
Meridian Books, 1960.
Herzl, Theodor, The Complete Diaries of Theodor Herzl, 5
volumes,(ed.), Raphael Patai, New York, Herzl Press and
Thomas Yoseloff, 1960.
Houtsma, M., Th. et al, (eds.), Encyclopidie de l'Islam:
Dictionaire Giographique, Ethnographique et Biographique
des Peuples Musulmans, Leiden, E.J. BrilI, 1936.
Jabara, Abdeen, and Terry, Janice, (eds.), The Arab World:
From Nationalism to Revolution, Wilmette, Illinois, Medina
Univ. Press. 1971.
Jabbour, George, Settler Colonialism in Southern Africa and
the Middle East, Beirut, Palestine Research Centre, 1970.
- ??? -
Jiryis, Sabri, The Arabs in Israel, Beirut, Institute for
Palestine Studies,
1969.
Johnson, Paul, A History of the Jews, New York, Harper &
Row, 1987.
Kallen, Horace M., Utopians at Bay, New York, Theodor
Herzl Foundation,
1958.
Kapeliuk, Amnon, “Less Land for more People”,
Manchester Guardian, 20/6/1976
King, Simcha, Nachum Sokolow: Servant of His People,
New York, Herzl
Press, 1960.
Landman, Isaac, (ed.). The Universal Jewish Encyclopedia,
10 vols., New
York, Ktav, 1969.
Laqueur, Walter, A History of Zionism, New York, Holt,
Rinehart and Winston, 1972.
Lewis, Bernard, The Arabs in History, London, Hutchinson,
1975.
Lilienthal, Alfred, What Price Israel?, Chicago, Henry
Regenry, 1953.
Mahler, Raphael, A History of Modern Jewry: 1780.1815,
London,
Vallentine Mitchell, 1971.
Matovu, Benyamin, “The Zionist Wish and the Nazi Deed”,
Issues, XX, Winter 1966.67.
Meyer, Lawrence, Israel Now: Portrait of a Troubled Land,
New York,
Delacorte Press, 1962.
Michaclis, Meir, Mussolini and the Jews: German-Italian
Relations and the
- ??? -
Jewish Question in Italy, 1922-1945, Oxford, The
Clarendon Press, 1978.
Muir, Sir William, The Mamluke or Slave Dynasty of Egypt:
1260.1517 A.D., London, Smith, Elder, 1896.
Nedva, Joseph, “Herzl and Messianism”., Herzl Year Book:
Essays in
Zionist History and Thought, Vol. VII, (ed.). Raphael Patai,
New York, Herzl Press, 1971.
New Encyclopedia Britannica (19 Volumes), Chicago,
Encyclopedia Britannica, 1974.
Nordau, Max, Max Nordau to His People, New York,
Scopus Publishing
Society, 1914.
O. Brien, Lee, American Jewish Organizations and Israel,
Washington, D.C., Institute for Palestine Studies, 1986.
Orr, Akiva, The Un-Jewish State: The Politics of Jewish
Identity in Israel,
London, Ithaca Press, 1983.
Patai, Raphael, (ed.), Eneyclopedia of Zionism and Israel (2
Volumes), New York, Hcrzl Press and McGraw Hill, 1971.
Roth, Cecil, (ed.), Encyclopedia Judaica, 16 volumes,
Jerusalem, Keter House, 1972.
----------, A History of the jews: From earliest Times
through the Six Day War, New York, Schocken Books,
1971.
Rubenstein, Amnon, The Zionist Dream Revisited: From
Herzl to Gush Emunim and Back, New York, Schocken
Books, 1984.
Ruppin, Arthur The Jews of Today, London, G. Bell &
Sons, 1913.
Sachar, Howard, The Diaspora, New York, Harper and
Row, 1985.
__