Advertisement

هتلر في الميزان


هتلر في الميزان





هتلر يوضح نفسه.

مقدمة


في هذا الكتاب ما أنا بقاض، ولا يسرني أن أكونه.
لأنني لا أحسن التسوية بين الخصمين في قضية الطغيان والحرية الإنسانية. وأحمد الله أنني خصم قديم فيها منذ نيف وثلاثين سنة؛ أي في السن التي يراع فيها بعض الناس بمظاهر السطوة والاقتحام، والتي يخيل إليهم فيها أن الشجاعة والبغي شيء واحد، وأن العزة هي إذلال الآخرين، وأن بُعد الذكر هو حسبُ الإنسان من المجد، ولو كان ذِكرًا بالفتك والشر والإيذاء.
فمنذ نيف وثلاثين سنة كان لي شرف الخصومة في هذه القضية الخالدة، وكنت أبحث في أعماق نفسي فلا أحس فيها غير المقت والازدراء لأولئك الذين سمَّوْهم عظماء التاريخ لأنهم طلبوا المجد والشهرة من طريق الغزوات والفتوح، وقاسوا عظمتهم بمقدار احتقارهم «للإنسان».
وقد صدرت في مصر كتب وعجالات أشاد أصحابها يومئذٍ بتمجيد هؤلاء العظماء وفي طليعتهم نابليون الأول، فكتبت? أقول: … يعظم مثل نابليون في عيون الهمل بقدر استهانته بأرواح الناس، وتكبر قيمة حياته بمقدار استصغاره لحياتهم، وليس هو من قبيل أولئك العظماء الذين يكبرون وزان ما لهم من المقدرة على تهذيب الناس وإصلاح شئونهم، وليس في طاقة العامي أن يتصور كيف أن رجلًا يُميت الألوف لا يكون أهلًا للإجلال والتبجيل.
… نابليون رجل من مجانين المطامع، أولئك الذين تملك عليهم الأثرة عقولهم فلا تدع فيها موضعًا لغير أطماعهم وشهواتهم. لا يدور بخلَدهم إحساس لغيرهم أو أمل غير أملهم، فلا يحسبون أن في الوجود أرواحًا تجِب صيانتها غير أرواحهم، أو أن لسواهم أملًا يحرص عليه كما أن لهم أماني وآمالًا.
… لقد جعلوا نابليون مثالًا لقوة الإرادة، ويظهر أنها أقل صفات نابليون قبولًا للمنازعة في رأي الناس، على أني لا أظن رجلًا يأتي مثل هذه الأعمال مطلق الإرادة أو مختارًا بأتمِّ معنى الاختيار.
فالإرادة عند جماعة السيكولوجيين قوتان: قوة دافعة تغري صاحبها بالإقدام وتهوِّن عليه العوائق، وتكون هذه القوة على نهايتها عند المجنون الذي لا يكاد يهم بأمر إلا فعله، ولا يتضح له نهج إلا سلكه، غير متدبر في العواقب ولا حاسب حساب العوائق.
وقوة مانعة تقعد بالنفس عن كل ما تهم به، فلا يكاد صاحبها يُقدِم على أمر لفرط توجُّسه وكثرة ما يمثل له وسواسه من أسباب الفشل والخيبة، وهي عند الممرورين الموسوسين على أشد ما تكون.
والإرادة الصادقة هي الموازنة بين هاتين القوتين، والمداورة بينهما آنًا إلى هذه وآنًا إلى تلك، كما تقضي به الحال، وأتم أشكالها حسن الترجيح بين الدواعي والموانع، وتقديم عامل الإقدام في موطن الإقدام، أو عامل الإحجام في موضع الإحجام.
وما كان نابليون قوي الإرادة بهذا المعنى، ولكنه كان رجلًا قوي طموح الأمل شديد اندفاع المطامع، حتى لقد ينسى وهو ناهض إلى أمله ما لا ينبغي أن ينساه المجرَّب الحكيم، ولولا ذلك ما صرعته مطامعه صرعات، آخرها تلك الصرعة التي أوقعته في يد هدسن لو.
ثم ختمت ذلك الفصل قائلًا: إن من طبع المرأة الضعيفة والولد الصغير أن يستكينا إلى القوة حيث كانت، وهما اللذان يُعجبان بالقوي ولا يطيقان أن ينظرا أثر قوته في نفع النوع الإنساني والإضرار به. أما الناقد الاجتماعي فيجب أن يكون أبعد من ذلك نظرًا وأصدق حكمًا.
وما أشبه أخلاق الجمهور بأخلاق المرأة والطفل؛ فإنه لينتظر من يتألَّه عليه فيعبده، وقد كان ذلك شأنه مع نابليون.
كان هذا الرجل يسبح في لُجَّةٍ من الدم والناس تنظر إليه فلا يعنيهم من أمره إلا أن يشاهدوا براعته في السباحة.
كان يهدم المدن ويدمِّر الأقاليم ويدكُّ الممالك وهم ينظرون من كل ذلك إلى خبرته بصف المربعات العسكرية، ودربته على تنظيم المواقع وإطلاق النيران.
لقد مضى زمان تلك العظمة، وحق على الكتاب في هذا العصر أن يُعوِّدوا الناس إكبار العظمة التي يجمل بهم إكبارها …
هذا، ونابليون هو نابليون.
والفرق بينه وبين طغاة الحرب الحاضرة كالفرق بين المارد والأقزام.
والخطر منه وهو في حوزة التاريخ ممتنع كل الامتناع، إلا أن يكون خطر القدوة والإيحاء.
فاليوم والخطر قريب، والعالم قد مضى عليه مائة ونيف وعشرون سنة بعد حروب نابليون، والناس يحق لهم أن يربحوا ولا يخسروا من تجارب هذه السنين، لا يطيب لي أن أقضي اليوم حيث خاصمت بالأمس، ولا أرى من واجب الكاتب أن يحكم ويقول: هذه أسباب الحكم، بل أرى واجبه الذي لا واجب له غيره أن يخاصم ويقول: هذه أسباب الخصومة. وأن يتحرى الصدق في خصومته والاستقراء الصحيح في بيانه؛ لأن الخصم الصادق في قضية الطغيان والحرية الإنسانية أعدل من القاضي الذي لا يميل هنا أو هناك في هذه القضية.
والخصومة الصادقة هي التي أَعَدَّ بها القارئ في هذه الصفحات.
? الجريدة في السابع من شهر يوليو سنة ????.
الفصل الأول
مخلوق الظروف والمصادفات


تمهيد

كثيرًا ما يكون النظر في حركة عالمية أو حرب عالمية، بمثابة النظر في حياة رجل واحد هو الرجل الذي ابتعث تلك الحرب أو اقترنت باسمه تلك الحركة، كما هي الحال في اقتران اسم هتلر بالحرب العالمية الحاضرة.
وهنا الصعوبة الأولى!
فما هو المقياس الذي نرجع إليه في تقدير رجل من رجال الحوادث أو رجال التاريخ؟
تختلف المقاييس هنا أشد اختلاف، ولكنْ ما من خلاف قط في أن المقياس الذي يعتمد عليه الذهن العامي أو يعتمد عليه جماهير الدهماء من الناس هو أبعد المقاييس قاطبة عن الصواب وعن الإنصاف.
لأنهم يُعظمون الرجل بمقدار السيطرة التي في يديه، أو بمقدار الضجة التي يثيرها من حوله.
والخطأ ظاهر في كلا المقياسين.
إذ الوصول إلى السيطرة مما يتاح — في أيام القلاقل خاصةً — لأناس لا خطر لهم في سائر الأيام، وليست لهم قيمة إنسانية رفيعة إذا وُزِنُوا بميزان الأخلاق والفضائل التي يعتز بها «بنو الإنسان».
وقد وصل «باچي سقا» وهو ابن سقاء قاطع طريق إلى كرسي الإمارة في بلاد الأفغان، ووصل قاطع طريق آخر يجهل القراءة والكتابة إلى رئاسة الدولة في بلاد المكسيك وهو فرانسيسكو بانشو (????–????) الذي اشتهر باسم فيفافيلا? وشغل العالم الجديد في أيامه عن كل بطل وكل كوكب من كواكب الشهرة السياسية أو الفنية. وعلينا أن نذكر أن الكفاءة الضرورية للوصول إلى السيطرة لا تقاس بحجم الدولة التي يسيطر عليها الرجل؛ فالروسيا — مثلًا — عدتها وعدة البلاد الخاضعة لها زهاء مائة وثمانين مليونًا من النفوس الآدمية، ولا يلزم مع هذا أن يكون ستالين أقدر من مصطفى كمال بضع عشرة مرة … لأن الترك أقل عددًا من الروس بهذا المقدار.
بل يتفق كثيرًا أن يكون الوصول إلى السيطرة في البلاد الصغيرة أصعب من الوصول إليها في الدول الضخام، كما يتفق كثيرًا أن تكون قيادة الزورق الصغير أصعب من قيادة السفن «الراسيات في البحر كالأعلام».
ومتى وصل الرجل إلى السيطرة في دولة كبيرة فما أسهل ما يشغل العالم ويثير الضجيج ويملأ الأسماع! وما أعسر التغلُّب عليه وإجلاءه عن مقعد الحكم ومرجع التصريف والتدبير!
إن الذي يحاربه يومئذٍ لَيحارب الدولة بأسرها، وإنه ليحتاج إلى ثورة جائحة لا تندفع إليها الشعوب في كل لحظة، ولا تجازف بها إلا في حالة القنوط. وربما بلغت الشعوب حَدَّ القنوط بعد أن يكون حاكمها المسيطر عليها قد فارق الحياة.
فلا ضخامة الحوادث إذن ولا ضخامة الدولة ولا اتِّساع مدى السلطان بالمقياس الصحيح لكفاءات الرجال.
وإنما المقياس الصحيح أن نفصِّل بين فعل الرجل وفعل الظروف التي لا فضل له في خلقها ولا يد له في توجيهها، وأن ننقله من ظروفه لنعرف ما هو مستطيع أن يعمل وهو بعيد عنها.
أو المقياس الصحيح هو أن نقيس ظل الرجل بعد نزوله من رأس القمة التي هو واقف عليها؛ فلعله لو وقف على الأرض ولم يقف على رأس تلك القمة لما ألقى من الظل بعض ما يلقيه سائر الناس.
وما نعرف أحدًا من الحاكِمين بأمرهم في عصرنا هذا قد أفادته «الظروف» مثلما أفادت أدولف هتلر زعيم النازيين على التخصيص.
فهو بحق مخلوق «الظروف» والمصادفات؛ لو انتقل من بيئته أو من زمانه أو من جيله لما تخيلتَ له شأنًا كهذا الشأن الذي انتهى إليه.
مخلوق الظروف والمصادفات

فلو رجعنا إلى موازين الدهماء لما كان مصطفى كمال شيئًا إلى جانب أدولف هتلر، قياسًا إلى الفارق العظيم بين ما يقدر عليه حاكم الألمان وما يقدر عليه حاكم الترك في مجال السياسة العالمية.
لكنَّ الواقع أن القياس معكوس، وأننا نُجحف أبلغ الإجحاف إذ نسوي بين الزعيم التركي والزعيم الألماني فضلًا عن ترجيح هذا على ذاك؛ لأننا في هذه الحالة نسوي بين من يعارض التيار ومن يحمله التيار، وننسى أن مصطفى كمال نجح والدنيا كلها عقبات وسدود في وجهه، وأن أدولف هتلر نجح والطرق كلها مفتوحة بين يديه.
فما من طائفة ولا حادثة وقعت في ألمانيا خلال الجيل الماضي إلا أفادت هتلر على عمد أو على غير عمد.
وما من شيء كان عائقًا له إلا كان في الوقت نفسه عائقًا لألوف من ذوي الجاه والسلطان يسعَوْن لرفعه عن الطريق، ويستفيد هو من سعيهم بغير مجهود.
كان الألمان جميعًا يطلبون تبديل الحال التي كانوا عليها بعد الحرب العظمى.
وكانوا في ذلك فريقين: فريقًا يريد تبديل الحال للعود إلى ألمانيا القديمة، ألمانيا التي تسيطر على الدنيا وتتأهب للغارة الكبرى كَرَّةً أخرى، وهم أصحاب المصانع والضِّياع والقادة والضباط، ولا سيما الصغار منهم الذين ضاعت وظائفهم بضياع الجيش الألماني كما ضاعت عليهم أحلام المجد والخُيَلَاء.
وفريقًا يريد تبديل الحال لبناء الدولة الألمانية على أساس جديد، وهم الفقراء والأوساط والعمال، ودعاة الحرية وأعداء العهد القديم.
وكلا هذين الفريقين كان يضرب بمِعوله في أساس النظام القائم، ويفتح من وراء كل ضربة يضربها ثغرة في السد الذي كان يصد النازيين ويحمي عليهم مدارج الصعود.
كان المحافظون من الأغنياء حانقين؛ لأنهم فقدوا ما كان لهم من الجاه في الدولة القديمة، وأصبحوا على خطر من الشيوعية والاشتراكية وسائر المذاهب الحمراء.
وكان الأحرار من أوساط الناس حانقين؛ لأن هبوط أسعار النقد ضيَّع ما ادَّخروه وضيع ما يكسبون من رزق ضئيل.
وكان العمال حانقين لأنهم لا يجدون عملًا وقد بلغ عاطلوهم في بعض السنوات سبعة ملايين.
وكان المظنون — أو كان الواجب — أن يحارب الشيوعيون هتلر وأشياعه كما يحاربون ألد الخصوم.
غير أنهم جَرَوْا على حماقتهم المعهودة في إيثار الديمقراطيين والاشتراكيين المعتدلين بالعداء قبل كل عداء؛ لأنهم يخشون من دعوتهم أن تنزع منهم جميع أنصارهم. ولا يخشون — كما اعتقدوا في ذلك الحين — أن يهجرهم أنصارهم ليلحقوا بالنازيين والمتشددين من أحزاب اليمين.
واتفق من غرائب المصادفات في الوقت الذي ظهر فيه هتلر أن رجحت كفة ستالين في الروسيا على كفة تروتسكي المبشِّر بتعميم الدعوة الحمراء في أنحاء العالم، فقررت حكومة «السوفييت» أن تنفض يدها من الشيوعيين في البلاد الخارجية فلا تمدهم بالمال والمعونة ولا تساعدهم بالدسائس ونشر الدعوة، فما هي إلا أسابيع معدودات حتى نفِدت أموال الشيوعيين الألمان، وعجزت صناديقهم عن إطعام العمال العاطلين، وعن بذل الأجور والمرتبات للموكَّلين بشئون الحزب والداعين إلى نشر مبادئه حيث يقدرون لها الرواج والإقناع. فتحولوا ألوفًا ألوفًا إلى معسكرات النازيين، إلى المعسكرات التي كان ملوك الصناعة في تلك الآونة يترعون صناديقها بالإتاوات والإمداد، ويهيئون لها شراء المعدات والأجساد بالأطعمة والأزواد!
وأعجب من هذا أن تجيء المعونة بعد المعونة لهتلر وأشياعه من موظفي الدواوين وهم أيدي الحكومة وعيونها، والمفروض فيهم أنهم أنصارها وأعوانها على أعدائها. ولكنهم كانوا — إلا قليلًا — جنود العهد القديم وتلاميذ الاستبداد، فبذلوا لهتلر وأشياعه قصارى ما استطاعوا أن يبذلوه، وما هو بقليل.
فلما قضى القضاء على هتلر بالسجن خمس سنوات (????) لأنه شهر السلاح في وجه الدولة وأقدم على العصيان، لم تمضِ عليه تسعة شهور في السجن حتى عفي عنه خلافًا لأحكام القانون التي تُحَرِّمُ العفو عن كل مجرم عائد سومح قبل ذلك في العقوبة ولم يتُب عن مقارفة الإجرام، وكان هتلر قد حوكم وحُكِمَ عليه قبل ذلك بالحبس ثلاثة «أشهر موقوفة التنفيذ» فلم تَحُلْ هذه السابقة دون العفو عنه مرة أخرى بعد شهور قضاها فيما يشبه معيشة القصور. بل لم يقبل المحلفون توقيع الحكم إلا بعد أن أكد لهم رئيس المحكمة أن العفو صادر لا محالة، فلا ضرورة لإظهار القضاء بمظهر المخالف لنص القانون الصريح.
هتلر وزملاؤه في السجن (تلاحظ هدية الزهر التي كانت أمامه).
ولما تبين أن «الجنسية الألمانية» لا تشمله لأنه رعية الحكومة النمسوية، احتالت وزارة برنسويك على الأمر بتعيينه في وظيفة «شرفية» تسمى وظيفة الاستشارة في تلك الحكومة Regierungsrat ليصبح ألماني الجنس بحكم التوظيف؛ وفاقًا لدستور فيمار الذي يشمل الجنسية الألمانية كل أجنبي يشغل وظيفة في حكومات الولايات، أو حكومة الريخ الكبرى. ويبدو من هذا وأشباهه مبلغ الإغضاء والإملاء الذي حف بهتلر وأشياعه وهم ينشرون دعوتهم ويهددون خصومهم ويستكثرون من أذنابهم، آمنين مطمئنين لا يجازفون ولا ييئَسون من المعونة عند الحاجة إليها؛ لأن دستور فيمار قد ألغى حكم الإعدام فلا خوف منه، ثم لا خوف من السجن الذي يعقبه العفو بعد قليل.
•••

ثم أتمت الدسائس في حاشية المارشال هندنبرج ما بدأته الحوادث والأزمات، فانتقلت بهتلر من شغب الطريق إلى ديوان الاستشارة.
جريجور شتراسر مؤسس «النازي» في ألمانيا الشمالية وأحد ضحايا هتلر في المذبحة المشهورة.
وكان المارشال الكبير قد وهن واستسلم، وثقلت عليه وطأة السنين، فأصبح أرجوحة تتردد بين رجلين من دهاة زمانه: أحدهما أمين سره القديم الجنرال فون شليخر الذي قيل فيه إنه أحق بقيادة البحر «لبراعته في إرسال القذائف تحت الماء»، وثانيهما فون پاپن الذي كان يساكن الرئيس هندبرج في قصر واحد، وقيل فيه إن قدرته على خداع المحترسين منه العارفين بخداعه أكبر من قدرته على خداع الواثقين به المطمئنين إليه!
كلا الرجلين كان يريد أن يضرب منافسه ويقضي على نفوذه وأن يستخدم النازيين في مأربه؛ لأنه لم يكن يستطيع أن يستخدم الديمقراطيين والاشتراكيين وسائر أحزاب الوسط والشمال.
وكلاهما كان يريد السوء بالنازيين ويُضمر لهم الغدر وأن يشطرهم شطرين بعد ارتقائهم مناصب الأحكام، ثم يضرب أحدهما بصاحبه متى سنحت له سانحة قريبة، وكثيرًا ما كانت تسنح في تلك الأيام.
لكنهما كانا مختلفَين في الأسلوب وإن اتفقا في نية الغدر والوقيعة، فكان فون شليخر ينوي أن يرشح نفسه للاستشارة ويندب زعيمًا من كبار زعماء النازيين لوكالة الاستشارة، ثم يتقدم إلى الريشستاج فيقسم النازيين عاجلًا أو آجلًا بين هتلر وبين الزعيم النازي الآخر (وقد وقع الاختيار على جريجور شتراسر منشئ حزب النازي في ألمانيا الشمالية)؛ فينحل الريشستاج ويعاد الانتخاب ويخرج النازيون فريقين ضعيفين يزيدهما هو ضعفًا بسلطان الحكومة الذي يقبض عليه بكلتا يديه، وهو مستشار الدولة.
وكان فون پاپن يريد أن يكرر ما حدث في إنجلترا من ترشيح المستر رمزي ماكدونالد لرئاسة الوزارة؛ رجاء أن يضعف حزب النازي كما ضعف حزب العمال في البلاد الإنجليزية، فاقترح على المارشال الهرم أن يدعو هتلر إلى تأليف الوزارة مع اثنين أو ثلاثة من أنصاره الذين يرضاهم المارشال، وقنع هو بوكالة الاستشارة معتقدًا أنه يملك زمام الأمور بسيطرته على المارشال وتألُّبه مع سائر الوزراء.
ولما طال التنافس بين الخصمين فكر فون شليخر في الانتقاض وائتمر بالمارشال مع بعض القُواد العسكريين وبعض رؤساء العمال الساخطين على النازيين وأحزاب اليمين. فاتفقوا على تدبير إضراب عام يجتمع فيه العمال وحامية بوتسدام ويزحفون على برلين فيتخذون من ذلك ذريعة للحَجر على الرئيس الشيخ وإعلان «حالة الطوارئ» والقبض على دفة الحكومة باسم الضرورة القصوى التي تقتضيها المصلحة الوطنية.
ونمى الخبر إلى فون پاپن الساهر على حركات خصمه، فأبلغه إلى المارشال وأقنعه بوجوب الإسراع إلى دعوة هتلر وإقامته على رأس الوزارة، ولم ينسَ خطته الأولى التي أراد بها أن يحتفظ بأَعِنَّة الأمور في يديه، فاشترط أن تكون له وكالة الاستشارة وأن يكتفي في مجلس الوزراء بعضوين اثنين من النازيين، وهما الدكتور ولهلم فريك والكابتن هرمان جورنج.
الماريشال هندنبرج بين هتلر وجورنج.
وقد كان له ما أراد!
إلا أن الحوادث قد خالفت ما قصد من تدبيره، فجرت الانتخابات الجديدة بإشراف المستشار هتلر على الطريقة النازية المعهودة، وصدرت المراسيم بحل جماعات الشيوعيين، واشتد المرض بالماريشال الهرم فأصبح لا يعي ما يقول ولا ما يقال بلسانه، ثم مات وتبوَّأ هتلر مكانه باسم زعيم الأمة ومستشار الدولة، وأفلتت الأَعِنَّة من يدي فون پاپن فانقاد لسائقيه.
على أن الدسائس، من شليخر أو پاپن، لم تكن هي جماع البواعث التي أكرهت هندنبرج على قبول هتلر في رئاسة الوزارة، وعلى إبقائه فيها بعد ذلك إلى أن كان منه ما كان؛ فقد أكرهه على قبوله باعثان آخران، قد يصح أن يقال إنهما باعثان شخصيان.
أهم هذين الباعثين أن هندنبرج كان يَحذَر المغالين من المحافظين أحزاب اليمين؛ لأنه كان يعلم أنهم يكيدون للنظام القائم ويسعون إلى إعادة الملك سيرته الأولى في سلالة هوهنزلرن، وكان هندنبرج — على نفوره الفطري من هدم نظام يقوم هو على رأسه — لا يحب في تلك الآونة أن يواجه العالم بالتحدي والمناجزة وما يتبعهما لا محالة من تضافُر الدول على ألمانيا وذهاب كل أمل في تخفيف قيودها وإحسان الظن بمقاصدها. فإذا لم يكن بدٌّ من الخيار بين الملكيين أو الشيوعيين أو النازيين الذين لا يرحبون برجعة آل هوهنزلرن؛ فهؤلاء النازيون أَوْلَى بالتجربة! ولا سيما إذا تكفل بكبحهم زملاؤهم في الوزارة من أصدقاء الظاهر أعداء السريرة.
والباعث الثاني هو فضيحة الضِّياع الشرقية كما كانوا يسمونها في تلك الأيام، وخلاصتها أن الحكومة خسرت أموالًا كثيرة من خزانة الدولة بُذلت جزافًا لأناس من أصحاب الضياع الواسعة في بروسيا الشرقية معظمهم أصدقاء أو أقرباء أو جيران للرئيس، وتهامس بعض النواب بهذه الفضيحة ثم لغطوا بها وطلبوا التحقيق فيها، وثارت الثوائر حولها لوفرة المأزومين والمفلوكين والمتطلِّعين إلى قليل المال يُحرَمونه وهم يسمعون بالحكومة تكيله جزافًا لكبار الزُّرَّاع وأصحاب الضِّياع.
فغضب الرئيس على شليخر لأنه لم يفلح في إسكات تلك الأصوات ومداراة تلك الفضيحة، وبدا له أن الحكم على طريقة النازيين بالقمع والإرهاب وقطع الألسنة وكمِّ الأفواه خليقٌ أن يريحه من لغط اللاغطين، وزعم من زعموا أنه قد أخذ لنفسه بعض ما قيل إنه أعطاه الجيران والأصدقاء، وهو زعم ظالمٌ تَكرَّرَ على ألسنة الشيوعيين ولم يثبت قط بالقول الوثيق.
ويرى بعض المُطَّلِعِينَ أن هندنبرج ما كان ليطلق أيدي النازيين في قمع الشيوعيين وحل أحزاب المعارضين لولا انزعاجه الدائم من فضيحة بروسيا الشرقية وأقاويل أحزاب الشمال.
فهذا وذاك وغير هذا وذاك من دسائس الحاشية وطوارئ الزمن، وقد مهدت كلها الطريق لهتلر ووضعت السُّلَّمَ تحت قدميه حيث يريد وحيث لا يريد.
فإذا قلنا إن زعيمًا كمصطفى كمال قد هجم على التيار اللجِّيِّ فشقه بالعزيمة التي تروضه والأيْد الذي لا يباليه، فماذا صنع أدولف هتلر في تياره!
لبس فيه عوَّامة النجاة، ولم يدفع موجة واحدة من أمواجه، بل ذهب مع الموج إلى مدى وَثْبَتَيْنِ من الساحل، ثم وثب إلى الساحل في أمان.
أفكاره وأفكار غيره

وكما حملت الحوادث هتلر على أثباجها إلى ذروة الحكم حملته كذلك الأفكار السياسية التي نشأت في قومه على عهده وقبل عهده بجيل أو جيلين؛ فلم يبتكر قط فكرةً واحدة من تلك الأفكار التي شاعت بين الشعوب الجرمانية وكان لها شأن في توجيه هذه الشعوب وجهتها الأخيرة، ولم ترجع إليه صيغة واحدة من الصيغ التي دارت على الألسنة وكان لها شأن في إذكاء النخوة القومية وإقناع السواد. وما أسهل ما يقنع «عقل» السواد؟! إنه لَيبحث عمَّن يقنعه، بل يبحث عمَّن يخدعه، ولا يهرب إلا ممَّن يفتحون عينيه ويرشدونه إلى الحق الصراح.
فالجامعة الجرمانية? التي تَغَنَّى بها هتلر قد ظهرت في موطنه خاصة وقبل مولده بنحو ثمانين سنة، ودعا إليها الفيلسوفان هردر Herder وفيخته Fichte أوائل القرن التاسع عشر، فأطنبا ما أطنبا في مزايا الجنس الجرماني وفضله على سائر الأجناس البشرية، وأنه هو دون غيره شعب الله المختار المهيَّأ بالفطرة لمناجاة الأرباب ومكاشفة الأسرار، وأن لغته دون غيرها هي لغة الحكمة والفلسفة والعلم بحقائق الأشياء، وأن حكومته دون غيرها هي الحكومة التي قَدَّرتها عناية الله لقيادة الأمم قهرًا أو بالإرشاد والإغراء، وما من كلمة تَغنَّى بها هتلر في هذا المعنى إلا ومرجعها إلى محاضرات فيخته الأربع عشرة التي ألقاها (سنة ????) ووضع بها — من الوجهة الفلسفية — أساس تلك الدعوى التي يَدَّعيها الجرمان. ثم ظهرت دعوة هر كلاس Her Class قبل الحرب الماضية وتجاوبت أصداؤها في صميم البلد الذي نشأ فيه هتلر ونعني به لنز Linz من الأقاليم النمسوية. واقترنت بهذه الدعوة دعوة مشابهة عُرِفَتْ باسم أوروبا الوسطى تارة? وباسم الزحف على الشرق تارة أخرى? وشُرِحت شرحًا وافيًا في كتاب فردريش نومان Friedrich Naumann الذي كان يزعم كما زعم هتلر من بعده أن التهام أوروبا الوسطى قد يتأتى بمجرد الإرهاب والاستعداد من غير حاجة إلى قتال. أما قداسة الجنس الآري فقد بَشَّر بها الكونت دي جوبينو الفرنسي في كتابه تفاوت الأجناس البشرية عند منتصف القرن التاسع عشر قبل أن يولد هتلر بنحو أربعين سنة، وتبعه الإنجليزي هوستون ستيوارت شمبرلين Houston Stewart Chamberlain الذي تجرمَنَ وبنى ببنت فاجنر الموسيقي الكبير وألَّف كتابه أساس القرن التاسع عشر مُشِيدًا فيه بالعبقرية الجرمانية رادًّا فيه كل حضارة وكل عظمة إنسانية إلى ذلك الينبوع الذي لا ينبوع غيره — في رأيه — للحضارات والعبقريات. والحركة النازية نفسها بجملتها وتفصيلها ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر على يد رجل يشبه هتلر من وجوه كثيرة وهو Vater Jahn الخطيب المتهوس الذي نظم في ألمانيا فِرَقَ القمصان الرمادية والأندية الرياضية، وبلغ من جنونه أنه أشار بإقامة السدود بين ألمانيا وفرنسا، وبغرس الآجام التي تملأها الضياغم والسباع على حدود الأمتين صيانةً للدم الجرماني الطَّهور من التلوث بأوشاب الأمم الأجنبية! وكانت الدعوة «التيوتونية» على لسانه تقابل الدعوة الآرية على لسان هتلر، فكان يوصي أتباعه الشبان أن يتجسسوا على آبائهم في البيوت وزملائهم في المدارس ليردعوهم بالبطش والقسوة إذا خالفوهم في دين العصبية الجنسية Volkstum وطالما صاح كما يصيح النازيون اليوم أن الشرف هو السلاح وأن من لا سلاح له فلا شرف له Wehrlos ehrlos، وأن العنف أساس الخلق والكرامة ومناط الحكم والسياسة. وعلى جهل هذا الرجل وفراغ عقله لم تتورع جامعات ألمانيا أن تهدي إليه ألقاب الشرف العلمية والفلسفية، ولم يتورع الأدباء والشعراء أن يهدوا إليه الدواوين والمصنفات؛ تمجيدًا له واعترافًا بسداد آرائه! مما يدل على خليقة مستقرة في دخيلة النفس الجرمانية أن تهتز لأمثال هذه الصيحة، وأن تلبي أمثال هذه الدعوة، ولا سيما بعد الهزائم والأزمات.
ويقول فيلسوفهم ترتيشكه Treitschke في تعليل ذلك: «إن هذه الحركة العامية ذات جذور متأصلة في قرارة الخليقة الجرمانية؛ فإن قومنا طالما حَنُّوا إلى معيشة الفطرة الأولى، فكلما جاش في عروقهم الدم تبيغت نفوسهم بدفعة العنف الطاغية!» كذلك عداوة اليهود لم يكن هتلر أول دعاتها والنافخين في نارها، بل كانت مذابح اليهود في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية أقدم من مولده بمئات السنين، وكثيرًا ما اقترنت تلك المذابح بأيام الضنك والمجاعة وشح الأموال؛ لأنها أيام تثور فيها الحفائظ ويضطرب فيها الحكم وتؤمن عواقب العبث والاغتيال.
كذلك الصليب المعقوف «شارة النازية» لم يخترعه هتلر بل اقتبسه من الجنود الألمان الذين عادوا به «من فنلندة» بعد أن حاربوا فيها الجيش الأحمر، ولم يتغير منه إلا لونه الأزرق فقد سوَّده النازيون.
على أن حركة القمصان في ألمانيا الحديثة إن هي إلا نسخة مستعارة من حركة القمصان في إيطاليا الحديثة بإشاراتها وشاراتها، مع فارق واحد في تحيتها، وهو أن السلام الروماني في روما معقول، أما في جرمانيا فهو حركة يد بغير مدلول.
ولم تكن الفلسفة النازية من مبتكرات العصر الحديث ولا سيما في حملتها على الديمقراطية ووصفها الحاكم الجدير بأمانة الولاية، وإنما هي حكاية أو محاكاة للحكم التيموقراطي Timocracy الذي ذكره أفلاطون وقال إنه نظام يسند الدولة إلى من لهم عزم وحماسة ولا يسندها إلى ذوي الرأي أو ذوي السيادة وإنه يقوم على «الإرادة» ولا يقوم على الرغَد الذي تتوخاه حكومات الشعب أو على الرشاد الذي تتوخاه حكومات العلية والسروات. وصفة الرجل «التيموقراطي» كما لخصها أفلاطون: «أن يكون غليظًا في معاملة العبيد خلافًا للرجل المهذَّب الذي يترفَّع عن هذا الخلق، وأن يخضع للسلطة ويحبُّ القوة والمجادة، وألا يتذرَّع إلى طلب الحكم بالفصاحة وما إليها، بل يطلبه لأنه مقاتل تفوَّق في أعمال الفروسية وإجالة السلاح، وهو كذلك محب للرياضة والطراد.»
•••

وأعجب مما تقدم أن هتلر لم ينشئ الحزب الذي أصبح رئيسًا له بعد ذلك، بل أنشأه دركسلر Drexler وبضعة من رفاقه، وأنه لم ينشئ فرقة واحدة من فرق الجيوش الأهلية التي راجت بعد الحرب الماضية لأحزاب اليمين وأحزاب اليسار، كفرقة القمصان البنِّيَّة أو فرقة الحرس السوداء أو غيرهما من جيوش اليمين، بل أنشأهما إرنست روهم Ernest Roehem وفرانز سلدت Franz Seldte وبعض الضباط القدماء. وكان اسم الحزب الذي رأسه هتلر حزب العمال الألمانيين، فندب من قبل الحكومة للتجسس عليه كما قال في كتابه، ثم اقترح على أثر انضمامه إليه أن يسمى الحزب الاشتراكي الثوري؛ محاكاة للاشتراكيين الثوريين في روسيا الحمراء؛ فنفر زملاؤه من هذه التسمية ووقع اختيارهم بعد البحث والمشاورة على اسم «الوطنيين الاشتراكيين» ليتوسلوا باسم «الوطنيين» إلى اجتذاب أنصار اليمين، وباسم الاشتراكيين إلى اجتذاب أنصار الشمال، وليصبح الحزب بهذه التسمية قابلًا لاستغراق الألمان جميعًا في يوم من الأيام.
هتلر وأصحابه قبل زهو النجاح.
فمن أي وجه نظرت إلى الرجل لم يسعك أن تحسبه زعيمًا لألمانيا لأنه خلاق حوادث أو خلَّاق أفكار، ولم يسعك أن تحسبه زعيمًا لأنه أقدر من فيها وأشرف من فيها. وغاية ما يسعك أن تقوله على التحقيق إنه تقلد زعامتها لأنه «أنسب» من غيره لظروفها، وفرقٌ عظيم بين الأقدر والأنسب؛ لأن المرء قد يناسب الظروف لنقص فيه كما يناسبها لخصلة من خصال الكمال والاقتدار.
لا يخطئ

أشاعت الدعاية النازية بعد احتلال وادي الرين والنمسا أن زعيمهم لا يخطئ ولا يتردد، فإذا حان الموعد المقدور فلا يستأخر ساعة ولا يستقدم، كل شيء في أوانٍ وكل شيء بحساب.
فلننظر الآن ما هو ذلك الحساب: هل هو حساب عويص بعيد عن التقدير أو هو داخل في تقدير من يريد؟
كل ما حسبه هتلر «أولًا» أنه يستطيع أن يهزم النمسا وأمثالها إذا أراد فتح بلادها، و«ثانيًا» أن الدول الأوروبية الكبرى لا تُقدِم على حرب عالمية في كل لحظة. فهل هذه معضلة وهل هذا حساب؟
من البديهيات أن ثمانين مليونًا يهزمون سبعة ملايين، ومن البديهيات كذلك أن دول العالم لا تهجم على الحرب العالمية في كل ليلة ونهار.
فأين هو الحساب؟ وأين هي السياسة؟
إنما الحساب الصحيح أن يمضي هتلر في سياسته دون أن يوقظ خصومه ودون أن يُلجِئَهم إلى عزيمة الحرب التي ترددوا فيها.
أما أن يضرب النمسا في سنة ???? وتقع الحرب في سنة ???? فليس بشيء يُعجِز عقول الساسة المدبِّرين، وليس هو بسياسة، وإنما هو فعل سلاح.
فإن كان قد فعل ما فعل وهو يعتقد أن الحرب لن تكون، وأن الدول لن تُقدِم عليها، فذلك نقيض الواقع، وذلك أفشل الحساب.
وما من وزير في الدنيا يدخل في تقديره أن يحارب وأن يتورط في الحرب العالمية وألا يبالي عواقب هذه الورطة ثم يعييه أن يفعل كما فعل هتلر في النمسا وبوهيميا وغيرها.
وأفشل الحاسبين يستطيع أن يفعل كما فعل هتلر إذا كان كل حسابه أن يؤخر الحرب سنة واحدة، ثم تأتي لا محالة!
من الذي يعجز عن مثل هذا النجاح؟
من الذي يعجز بثمانين مليونًا أن يهزم سبعة ملايين!
كل المسألة إذن هي: هل يؤدي هذا الهجوم إلى الحرب أو لا يؤدي إليها؟
وهاهو ذا قد أدى إلى الحرب عيانًا لا من باب الظن والترجيح، فأين هو الإعجاز في التقدير والتدبير؟
هذا هو العجز بعينه في عمل السياسة، وهذا هو سوء الحساب وليس هو بإتقان الحساب.
•••

ولننظر مرة أخرى في تقديرات هتلر وأصحابه قبل الحرب لنرى هل هي مثال السداد والإتقان، أو هي خطل ومجازفة من وجهة النظر النازية فضلًا عن وجهات النظر الأخرى؟
فلماذا لم يضرب دانزيج بدلًا من ضرب التشك قبل مؤتمر ميونيخ؟
لم يكن لبولونيا ضمان من دفاع فرنسا وبريطانيا العظمى في تلك الآونة، ولم تكن على استعداد للقتال وحدها كما ظهر بعد ذلك في الحرب الحاضرة.
فإذا ضرب دانزيج واتفقت الدول على خطة مثل خطة ميونيخ فإنه لقابض إذن على زمام بولونيا وبلاد التشك وجاراتها جميعًا في مرافق التجارة والصناعة والاقتصاد؛ فلا تقوى إحداهن على رد كلمة ولا على رفض اقتراح.
ثم لماذا لم يقبل ما اقترحه الرئيس روزفلت وارتضاه ساسة الحلفاء من عقد المؤتمر الدولي الذي يفصل في جميع مسائل الخلاف؟
ألا يجوز أن تختلف الدول في ذلك المؤتمر فيواجهها مختلِفات بدلًا من مواجهتها متفقات؟ ألا يجوز أن ينتزع من أنصار التسليح في الدول الديمقراطية حجتهم الكبرى التي أقاموها على رفضه التحكيم، فلا سبيل إلى معاملته إذن بغير التسليح؟ ألا يجوز أن يعذره الرأي العام في الدنيا بأسرها إذا لجأ إلى الحرب لأنه قد أُكْرِهَ عليها إكراهًا بعد أن جرب وسائل الإقناع فلم يبلغ بها ما أراد؟
كل أولئك كان جائزًا، وكان خيرًا مما اختار.
وكل ما هنالك من اعتراض على هذا الرأي أن إطالة الزمن في المؤتمرات ربما مكَّنت الدول الديمقراطية من زيادة الاستعداد.
فماذا صنع هو الآن؟ هل منع ذلك الاستعداد؟ وهل استفاد شيئًا من المبادرة بالحرب قبل تمامه؟
كلا، بل خسر أشياء كثيرة؛ خسر الوقت الذي كان يزداد فيه استعدادًا بالتموين والتخزين، وخسر الفرصة التي كان يوقع فيها الخلاف بين أنصار التسليح والدعاة إلى نزع السلاح، فلا يجمعون كما أجمعوا — من جراء خطته الهوجاء — على ضرورة التسليح جهد المستطاع، وخسر البلاد التي اضطر إلى تركها للروسيا في أوروبا الشرقية وشواطئ البحر البلطي، وقد كان طامعًا فيها لا مراء.
وربما قيل إنه لا يبالي عواقب ذلك لأنه على يقين من خراب الروسيا بعد موت ستالين، أو بعد الثورة الداخلية التي يتوقعها كثيرون.
فإن قيل هذا فقد كان أحرى أن ينتظر ذلك اليوم فيستريح من الحرب الحاضرة ومن سوء السمعة التي جلبها على نفسه بصداقة الشيوعيين.
•••

الحق أننا لا نعرف في الحاكِمين بأمرهم رجلًا أفشل حسابًا من هتلر في هجومه كل مرة على خطأ واحد يدفعه من ورائه إلى أخطاء.
ولقد كان ذلك دأبه قبل ولاية الحكم وبعد ولاية الحكم، ولا يزال دأبه إلى الآن.
فقبل الحكم أخطأ الحسابَ حين ظن أن الفرصة سانحة لقهر خصومه يوم عيد العمال (مايو ????) فاختلس السلاح من مخازن جيش الهجوم ليضرب به العمال المتظاهرين، ثم عاد إلى تسليمه مذعنًا لتهديد الضابط لوسو Lossow معترفًا معه بما في هذه الحماقة من العجلة والمجازفة. وأخطأ الحساب من نوفمبر في تلك السنة حين ظن أن الفرصة سانحة لقلب الحكومة، فجمع جنوده وأزمع أن يقتحم ديوان الدولة بميونيخ، وهو يعلِّل نفسه بولاء الحراس الحكوميين ويعتقد أنهم من يطلقوا النار على المقتحِمين … ثم خاب ظنه فكان أول الهاربين عند انطلاق النار، ولبث بعد هذه المجازفة الأخرى عشر سنوات يستعيد ما أضاع من ثقة ومن أنصار.
وأما بعد الحكم فقد يكون في تفاصيل عمله خطأ وصواب، لكنَّ الأساس الذي قام عليه العمل كله خطأ لا شك فيه، وهو اعتماده هنا كما اعتمد في ميونيخ على أن خصومه لا يطلقون النار؛ فقد ظن أنه يراوغ ويراوغ إلى غير انتهاء، وأن الدول الديمقراطية تقبل التخدير بعد التخدير إلى غير يقظة، فلم يصدق حسابه هنا ولا هناك.
لماذا اختاروه؟

وقبل أن نسأل: لماذا اختاروه؟ ينبغي أن نسأل: من الذي اختاره؟ وما معنى اختيارهم إياه؟
هل معناه أن ثمانين مليونًا من الألمان اجتمعوا قبل نَيِّفٍ وعشرين سنة فعجموا أعواد رجالهم فردًا فردًا فلم يجدوا بينهم أحدًا أصلح من هتلر للزعامة الألمانية؟
هل معناه أن مؤسسي حزب النازي كانوا يملكون السيطرة على الأمة الألمانية بأسرها فيختارون من يشاءون ثم لا يقدر أحد على أن يرفض لهم أمرًا ولا يسعه إلا أن يفرغ للزعامة التي ندبوه لها وهو يجهل مصيره ومصيرها؟
هل معناه أن مؤسسي حزب النازي أصحاب ميزان لا يختل ولا يخطئ في وزن الرجال، فمن اختاروه للزعامة وجب أن يكون أفضل قومه بغير جدال؟
كلا بالبداهة! لا هذا ولا هذا ولا ذاك.
فليس معنى اختياره قبل عشرين سنة أن الأمة الألمانية اختارته، أو أن المؤسسين لحزب النازي فرضوه على تلك الأمة، أو أنهم وزنوا الرجال جميعًا فلم يخطئوا الميزان.
وإنما معناه الواقع أن خمسة أو ستة من المشتغِلين بالسياسة نظروا في متناول أيديهم فوجدوا هتلر موافقًا لهم وموافقًا للشروط التي يطلبونها.
ومتى عرفنا تلك الشروط عرفنا قيمة ذلك الاختيار، وعرفنا أن معظمها «سلبي» يستلزم النفي أكثر من استلزامه الإثبات، أو يستلزم في الزعيم المطلوب تجرُّدًا من صفات معلومة، ثم يأتي بعد ذلك دور المزايا التي ينبغي أن يتحلى بها ويرجح بها على رفقائه: فالشرط الأول: ألا يكون من طبقة النبلاء والأسرياء؛ لأن نوبة السخط على هذه الطبقة قد بلغت أشُدها بعد الحرب العظمى، فهرب أمراء الولايات وقامت في دسوت الحكومة جمهرة من الصُّنَّاع والمتوسطين، وأصبحت كل حركة سياسية يتولاها زعيم من النبلاء والأسرياء متهمة بالرجعة إلى القديم المكروه.وظل هذا الشعور غالبًا على نفوس الألمان زمنًا طويلًا بين أحزاب الشمال وأحزاب اليمين على السواء، فكتب الكابتن روهم صديق هتلر يقول: «لا ارتداد إلى العهد البائد. لا رجعة. لا معونة لنا تُنتظر من أصحاب السعادات الداثرين، وإنما رجال عمل من جميع الطبقات، وشبان قبل شيء …»وهتلر كان فقيرًا من طبقة أبناء الموظفين الصغار، وكان في ذلك الحين لا يكاد يعدو الثلاثين، وكان من صف الجند فوق رتبة الجندي بقليل.
والشرط الثاني: أن يكون خاليًا من الروابط الاجتماعية والأواصر البيتية التي تقيده بنزعة من النزعات، أو تحول بينه وبين التفرُّغ لحياة المظاهرات وخطب الأرصفة والميادين.وهتلر لم يكن يخسر شيئًا بالتفرغ لهذه «الصناعة» التي هي خير من البطالة والفراغ، ولم يكن ينقطع عن واجب بيتي أو واجب أبوي أو بنوي، لغربته وجفاء أهله وعجزه عن الزواج، فهو يربح كثيرًا من صناعة السياسة ولا يفقد الكثير ولا القليل.
والشرط الثالث: أن يكون موافقًا للبيئة البافارية وهي بيئة محافظة قريبة إلى أحزاب اليمين؛ لأن البافاريين تابعون للكنيسة الكاثوليكية ونفوذ الكنيسة بينهم عظيم. وبلادهم أصلح من غيرها لنشوء الحركات المعادية لأحزاب الشمال. ثم هي بعيدة عن عاصمة الدولة الكبرى التي فيها سلطانها وهيلها وهيلمانها، فلا يسهل تهديد النظام القائم في برلين كما يسهل في ميونيخ.وهتلر كان كاثوليكيًّا في نشأته وإن لم يكن من المتعبِّدين، وكان مجنَّدًا في جيش بافاريا ورائدًا من رواد ميونيخ التي كانت تعد في حيها عاصمة المصوِّرين والموسيقيين، وقد كان هتلر كما نعلم يتعاطى حرفة التصوير.
والشرط الرابع: أن يكون «مهاودًا» لزملائه أو لا يكون من أصحاب «الشخصيات المخيفة المهيبة المرهوبة» التي يخشون اجتياحها وطغيانها.
وقد كان هذا الشرط متوافرًا كل التوافر في هتلر أيام نشأة الحركة النازية، فيجب أن ننسى هتلر الذي يصول الآن بقوة الدولة وقوة الزعامة التي لا منازع لها ولا نجاة لمن يعصيها، ثم نذكر هتلر الذي كان قبل عشرين سنة محتاجًا إلى كل شيء من مطالب المعيشة ومطالب السياسة، وكان مشهورًا بالدهان والملق لمن فوقه ولمن يملكون أسباب نجاحه.
وليس معنى هذا أن هتلر محروم من العزيمة والإرادة، فهو في الحقيقة صاحب عزيمة وصاحب إرادة، ولكنها من نوع غير ذلك النوع الكاسر الذي يروع الناس لأول نظرة. ولعل عزيمته أشبه ما تكون بعزيمة المرأة الدءوب المِلحاح التي تصل بالدأب والإلحاح والعناد إلى ما تريد، فهي لا تصدم من يراها أول مرة كما يصدمه المَرَدة القهارون من أصحاب «الشخصية» الغالبة، بل لعل الناظر يلحظ عليها التردد والجنوح إلى اللف والمراوغة، فيحسبها طوع يديه حين تحزب الأمور.
وقد أشار هتلر نفسه إلى شهرته بالتردد حين وقف في الريشستاج على أثر مذبحة روهم ورفقائه لتسويغ ما فعله، فقال إن المتآمرين قد غرهم به ما زعموه من «عجزه عن البت السريع عجزًا لا يشفيه إلا أن يضعوه أمام الأمر الواقع.»
وهذا ظن العشراء به، وقد تسنم الذروة التي يستوي عليها الآن. فكيف بما كان عليه أيام الابتداء أيام الشك والترقب والافتقار إلى الأعوان.
إن تاريخ الزعامات السياسية لحافل بأمثال هؤلاء الذين يختارهم زملاؤهم لأنهم أسلم جانبًا وآمن شرًّا وأطوع قيادًا، ثم تتبدل الأحوال دفعة واحدة يوم يستقرون فينقلبون ذئابًا على من حسبوهم نعاجًا لا تفتك ولا تخيف.
•••

تلك خلاصة الشروط «السلبية» التي كانت ترشح الرجل لزعامة النازيين، وهي الشروط التي تستلزم صفات مفقودة وقَلَّما تستلزم صفات موجودة.
أما الشروط التي تدخل في باب «المزايا» الموجودة فهي الخطابة والحماسة والذكاء والاهتمام بالسياسة والإلمام بالمعارف العامة، وكانت موفورة في هتلر لأنه خطيب جهوري الصوت شديد الإيمان بالعصبية الجرمانية عظيم اللَّدَد في الخصومة الحزبية، ذكي اللب مُلِمٌّ بمبادئ الأحزاب المختلفة منذ صباه ونشأته في النمسا التي كانت كأنها «برج بابل» من الدعوات السياسية، تتعالى فيه الصيحات بين المحافظين أنصار البلاط والأسر العريقة، وبين الأحرار طلاب الاستقلال في الأقطار المختلفة التي كانت خاضعة لآل هابسبرج، وبين أشياع الكنيسة ومعارضيها، وبين الاشتراكيين على اختلاف المذاهب والألوان، وبين أعداء الساميين وأعضاء المحافل الماسونية والأندية السرية، فكان حَسْبُ الرجل الذكي أن يفتح أذنيه ويفقه ما يسمع ليجتمع له من المعارف العامة والحجج المتقابلة والدعايات المتناقضة ما يكفي لسلوك الطريق في حركات الجماهير.
وكان اجتماع هذه الشروط مع الشروط الأولى من أندر الأشياء، ولا سيما في متناوَل النازيين وهم مبتدئون مستضعفون لم يبلغوا بعدُ مبلغ الهيمنة على عقول السواد ولا مبلغ الزُّلْفَى عند العلية وذوي الجاه والمال، فلما التقى هتلر بالأفراد القلائل الذين كان يعرفهم وكانوا يعرفونه لم يكن عجبًا أن يرحبوا باختياره واجتماع ما اجتمع فيه من شروط الزعامة الحزبية، فهو طِلبتهم فيما يستطيعون بين تلك القيود.
ولم يكبر الحزب قليلًا حتى شعر رجاله أن زعيمهم في حاجة إلى كثير من التشذيب و«التنجير» كما يقول العامة، فأشار زميله فيدر Feder بتعيين مرافق له من الضباط العسكريين يدربه على تنظيم أوقاته وتقسيم ساعاته، ونصحه آخرون بالإقامة في برلين فترة من الزمن لإصلاح لهجته الريفية بالمعاشرة والتردد على معاهد فن الإلقاء، وتقدَّم شيئًا فشيئًا فوكل به شاخت معلمًا يلقنه أصول الاقتصاد وانتقى له الدكتور والتر فنك Walther Funk الذي خلف شاخت في مركزه بعد وصول هتلر إلى رئاسة الدولة. واتخذت مسألة تحضيره جانبًا فكاهيًّا يشبه تحضير الممثل لدوره المرسوم … ولم يكن هذا مجازًا أو استعارة بل كان وصفًا حرفيًّا لما تعهدوه به من التدريب والتهذيب؛ فقد كان معلمه الأكبر في بداية الحركة رجلًا مشغولًا بالإخراج المسرحي والرواية التمثيلية، وهو الكاتب الألمعي البراق ديتريش إكارت Dietrich Eckart الذي كان اسمه آخر كلمة خطها هتلر في كتابه «كفاحي» على سبيل التحية والتمجيد، والذي اشتهر بالنزعة الآرية وبُغض اليهود وإتقان الهجاء اللاذع فيما يكتب وينظم. وقد نزداد علمًا بمعنى اختيار هتلر للزعامة إذا علمنا الشروط التي كان إكارت ينشدها في زعيمه وهي: «ألا يكون ضابطًا لأن الناس أعرضوا عن الضباط، وأفضل من ذاك صانع في كسوة جندي صغير، وليس من اللازم اللازب أن يكون ذا رأس كبير؛ لأن السياسة أسخف شغل في الدنيا، وكل بائعة من نساء السوق في ميونيخ تعي مقدار ما وعاه السادة في فيمار، ولَخير من ذاك أن يكون الزعيم غبيًّا مزهوًّا يحسن الرد على الجماعة الحُمر (الشيوعيين) ولا يجري من كل رِجل كرسي ترتفع لضربه … وتمام الوصف المنشود أن يكون أعزب غير ذي أسرة فنجتذب إلينا النساء».? ويقول الذين عارضوا أسلوب هتلر في كتابه وفي خطبه بأسلوب إكارت هذا إن هتلر قد اقتبس منه عبارات بحروفها وكلمات نموذجية من ألفاظه التي طالما رددها في صحيفته ورسالاته، وإنه اقتدى به في الكتابة والخطابة، واحتذى حذوه في الرأي والطريقة.
على أن الدكتور جورج شوت Dr Georg Schott أقدم المثقَّفين معرفة بهتلر يقول في وصفه «إنه نقيض رجل الدماغ. إنما هو رجل القلب، رجل الدم، مذياع الأحلام». وللدكتور شوت هذا كان هتلر يقول: «ليس كل منَّا نحن جميعًا إلا يوحنا صغير … إنني أترقب المسيح.»
وطالما قال هتلر للقائد «لودندرف» إنه لا يريد الرئاسة، وحسبه أن يصبح نافخ البوق … لأنه أحس أن القائد الكبير أحرى أن يتبوأ مكان هندنبرج، وأنه هو حسبه أن يتبوأ معه مقعد المستشار. وقد استقال هتلر فعلًا من زعامة النازي بعد سجنه، وتولاه في تلك الآونة يأس عظيم فأزمع أن يصوم في السجن صيام ماكسويني ليسلك نفسه مع الشهداء، ولولا أن الحركة نامت في حينها نومة طويلة ولم يدعُ الأمر إلى انتخاب رئيس آخر لكان من الجائز أن تنطوي صفحة هتلر وهو مسجون.
فزعامة هتلر على النازيين هذا معناها:
معناها أنه وافق المطلوب في حدود الطاقة، وأنه لما استقر في الزعامة لم يسهل إجلاؤه عنها، ووجب أن يرأس الوزارة حين وجب أن يدعى حزبه إلى الديوان.
•••

وما لنا بعد هذا وذاك لا نختصر مسألة الزعامية الألمانية كلها بكلمات؟ لقد تأتَّى للمدعو «هاوسر» Hausser في إبان تلك الفترة أن يظفر بستين ألف صوت في انتخاب رئيس الجمهورية، وأن يطبع صحيفة تبيع مائة ألف نسخة، وأن يكون له أشياع ومريدون يعدون بالألوف. ومن هاوسر؟
هو رجل لا تدري أمجنون هو أم عاقل؟ ودجال هو أم درويش؟ فقد كان يسمي نفسه المهدي المنتظر، ورئيس الولايات المتحدة الأوروبية، وينادي بأنه هو الحق وهو السبيل وهو الحياة.
ومن يدري؟ فلعله لو اتفقت له مصادفات كمصادفات هتلر، وكان للدراويش نصيب من السياسة العصرية لفاز بلقب الفوهرر وسبق هتلر إليه؛ لأنه هو أيضًا كان يدَّعيه ويطلب من هتلر مبايعته عليه، وكم في الأيام من مضحكات!
•••

إن ورقة النصيب لا تساوي عشر مليم، ولكن كراتٍ ثلاثًا أو أربعًا تتفق في دولاب الأرقام كافية لإعطائها قيمة الألوف من الجنيهات.
وكذلك تتفق أربع صفات أو خمس صفات متفرقات فيصبح الفرد من الأفراد في قوة عشرات الملايين.
وليس حتمًا من أجل هذا أن يعد هتلر فردًا كسائر الأفراد.
وإنما الذي نقصده أن ننبه المدهوشين المستعظمين حين يسألون: أجندي لم يرتقِ إلى صفوف الضباط يرتقي آخر المطاف إلى ذلك المكان الرفيع؟
إذ ليس لهذا الاستعظام موضع صحيح؛ لأن الرتبة الصغيرة لم تكن هي العقبة التي كان عليه تذليلها، بل كانت هي المَزِيَّة التي ذللت أمامه جميع العقبات، وهي الصخرة التي قام عليها جميع ذلك البناء.
سياسة هتلر

من الأوهام الشائعة أن ألمانيا لم تنجح في ضم السار والرين والنمسا وبلاد السوديت، ولم تحطم ما حطمت من قيود معاهدة فرساي، إلا بفضل القوة القاهرة التي أضفاها عليها هتلر في مدة حكمه.
وهذا خلاف الواقع المؤيد بالأسانيد.
فإن هتلر قد احتل وادي السار بعد الاستفتاء المتفق عليه ولمَّا يمضِ على إعلانه التجنيد الإجباري غير ثلاثة أشهر، ولم يكن خط سيجفريد مبنيًّا في ذلك الحين.
ومصطفى كمال لم ينفق جزءًا من ألف من ربوات الملايين التي أنفقها هتلر على التسليح، واستطاع مع ذلك أن يفتح الآستانة فتحًا ثانيًا وفيها جيوش الحلفاء، وأن يعيد إليها الحصون التي منعت إقامتها بعد هزيمة الحزب العظمى، وأن يلغي الامتيازات الأجنبية والمعاهدات التي سبقت ألمانيا الحديثة ونشأت من أيام سليمان الكبير.
ولما أغار هتلر على النمسا كانت غارته هذه تضارب السياسة الإيطالية والسياسة الروسية كما كانت تضارب السياسة الفرنسية والسياسة الإنجليزية، ولم تكن دولة واحدة في أوروبا الشرقية أو أوروبا الوسطى تستريح إلى وقوع النمسا في قبضة السيادة النازية، فهل يقول عاقل إن هتلر قد نجح في غارته بقوة تفوق هؤلاء جميعًا في ميدان القتال؟
كلا، ليست المسألة إذن مسألة القوة والاستعداد، ولم ينجح مصطفى كمال ولا هتلر فيما صنعاه لأنهما أقوى من الدول التي كانت تأبى ما صنعاه، وإنما سر المسألة كله صعوبة الإقدام على حرب عالمية سواء كان المُقدِم عليها من الحكام الدستوريين أو من الحكام المستبدين.
فالذي صنعه هتلر إذن هو أنه غيَّر هذه الحالة بسياسته الخرقاء، وجعل الصعب سهلًا على الدول في مدى ثلاث سنوات … وما ثلاث سنوات في تواريخ الأمم وحوادث الدنيا؟
فهتلر لم يكن قويًّا يوم أحجمت الدول عن حربه، ولم يكن ضعيفًا يوم نفضت عنها الإحجام ولم تجد بين يديها مناصًا من الإقدام، بل كان أضعف ما كان وهي مُحجِمة عنه، وكان أقوى ما كان وهي مُقدِمة عليه.
فليست القوة إذن هي التي أكرهت الدول على تركه وشأنه يفعل في السار والرين والنمسا والسوديت ما يريد.
وإنما كانت هناك حالة إغضاء فغيَّرها هتلر بحالة المقاومة والعداء.
فإن كان هذا ما أراده فقد نجح.
لكنه يكون في هذه الحالة أخرق من عرفت الدنيا من ساسة الأقوام؛ لأن أحدًا من الساسة الراشدين لا يعمل بيديه ولا يبذل كل ما يملك لتأليب أعدائه عليه، ولو كان على يقين من الظَّفَر الأخير، فكيف والظفر مجهول؟ وكيف وهو بعدَ تحقيقه لا يضمن لصاحبه النجاح فضلًا عن دوام النجاح؟
كلا! ليست سياسة هتلر هي التي أتاحت له أن يفعل ما يشاء، بل سياسة هتلر هي التي جمعت الخصوم على منعه، وأقنعت الأمم — قَوِيَّهَا وضعيفها — أن كل مسلك مع هذا الرجل غير المقاومة والمصادمة لا يفيد.
•••

وليس بصحيح أن ألمانيا انتظرت مكتوفة اليدين حتى أراحها هتلر من أثقال المغارم والقيود التي فرضتها المعاهدات.
فقد أعلنت الحكومة الألمانية في سنة ???? أنها لا تدفع شيئًا من المغارم والتعويضات، ثم جاء مؤتمر لوزان فأعفاها منها كل الإعفاء.
وقد تمت في ديسمبر سنة ???? قواعد الاتفاق الخماسي على التسوية بين ألمانيا والولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا في شروط التسليح والضمان.
واستطاع المستشار هنريش بروننج Heinrich Bruning أن يتفق مع مندوبي إنجلترا والولايات المتحدة وإيطاليا على إباحة توريد السلاح وتحصين الحدود وزيادة الجيش إلى ثلاثمائة ألف في وقت السلم، وإجازة تدريب الجنود المرابطين إلى جانب الجيش القائم، ومَدِّ الخدمة العسكرية إلى خمس سنوات. ولم تبق إلا موافقة السفير الفرنسي لإبرام الاتفاق. فما الذي حال دون إبرامه قبل استقالة بروننج من استشارة الريخ؟ العجيب أن الذي عطل هذا الاتفاق هو فون پاپن وأصحابه الذين كانوا يعملون لإسقاط بروننج ودعوة هتلر إلى الوزارة! فإنهم اجتمعوا بسفير فرنسا وأبلغوه أن بروننج ذاهب لا محالة، فلا فائدة تُرجى من تضييع تلك الهبات على وزير يوشك أن يستقيل، وأن «أناسًا متطرفين» يوشك أن ينهجوا في ألمانيا سياسة العداء والتحدي، فلا يحسن التعجيل بتلك الهبات قبل جلاء الحال.? وكأنما أحس هؤلاء الساسة أن نجاح بروننج يقضي على آمالهم ويفض الشعب عنهم ويجنح بألمانيا إلى طريق غير طريقهم، فأفسدوا عليه وعلى أمتهم الأمر، وأحبطوا عمله ليقنعوا الشعب بضرورة التحدي والعداء.
وصفوة القول أن استنزاف الثروات والجهود والتسليح والتهديد لم يكن لازمًا لقضاء مطلب من المطالب النافعة، وأنه على فرض نفعه لم يكن مضمون العواقب مأمون المصير.
فليس من المحقَّق أن مصالح ألمانيا أو مصالح العالم تستلزم تلك الأعمال العنيفة التي لا يسلوها هتلر ورفقاؤه. ولكن من المحقق الذي لا شك فيه أن تلك الأعمال جميعًا توافق طبائع أناس مفطورين على العجرفة والقسوة والغدر وتمرُّد الذليل الذي يرضيه أن يهدد ويتوعد، ولو لم تكن ثمة ضرورة للتهديد والوعيد.
وكل عمل من أعمال هتلر ورفقائه نستطيع أن نفهمه إذا فهمنا الحاجة إلى العجرفة والقسوة والغدر والتمرد وسائر تلك الصفات، فليس في عمل منها إذن قليل ولا كثير من الغموض.
لكننا لا نستطيع أن نفهمه إذا قيل إنه لازم للمصالح العالمية والمطالب القومية كائنة ما كانت؛ لأن لزومها مشكوك فيه، ونجاحها كذلك مشكوك فيه.
وإذا كان التفسير الجامع المانع للأعمال المتفرقة المتعددة هو التفسير الصحيح القريب إلى المعقول، ففيما تقدم بيان لحقيقة البواعث الباطنة التي تستفز أولئك الناس إلى الجرائم التي يقترفونها ثم يزعمونها من مصالح العالم أو مصالح الألمان.
وإنك لتسأل: لماذا اعتدى هتلر على الضعفاء وقتل الخصوم والأصدقاء واختار الإرهاب والإرغام دون الإقناع والإرضاء؟ فإذا أجبت أنه فعل ذلك لأنه مجرم النفس، لم تجد عملًا من تلك الأعمال يناقض هذا السبب في بدايته أو منتهاه.
ولكنك واجدٌ مئات النقائض إذا قيل لك إنه قد فعل ما فعل لمجد ألمانيا أو لمجد الآريين، أو لأشباه هذه التَّعِلَّات، ولا ينفي هذا أن أعماله ليست كلها جرائم وفظاعات، فإن المجرمين يعملون في حياتهم أشياء كثيرة غير الإجرام، ولا يتنفسون الإجرام شهيقًا وزفيرًا في اليقظة والمنام.
هتلر يخطب.
? Francisco Pancho, Viva Villa.? Alldeutachtum.? Mittleurope.? Drag Nach Osten.? من كتاب ترجمة هتلر لمؤلفه كونراد هيدن Heiden.? كتاب فرانز فون پاپن تأليف Blood Ryan.
الفصل الثاني
مطالب ألمانيا وشكاياتها


إلا أننا نبحث مطالب ألمانيا وشكاياتها بحثًا منفردًا عن الاعتبارات السابقة لنرى مقدار ما تنطوي عليه من الحقيقة، ومقدار ما تثيره من السخط المعقول في نفوس الألمان، وأولها الشكاية الكبرى بل الشكاية الجامعة لكل الشكايات، وهي معاهدة فرساي.
لقد أكثر الألمانيون عامة والنازيون خاصة من تعديد مساوئ فرساي ومظالم فرساي وجرائر فرساي، حتى خيل إلى الناس أن هذه المعاهدة كان ينبغي أن تُكتب لمصلحة المغلوب لا مصلحة الغالب، ولسلامة ألمانيا لا سلامة خصومها.
ولم يقتصر نقد فرساي على الألمان والنازيين، بل تعداهم إلى الإنجليز والفرنسيين والأمريكيين، ومن وقفوا في الحرب الماضية موقف الحيدة بين المعسكرين، وقد كان هؤلاء الناقدون ممَّن يعتقدون حقًّا أن معاهدات السلام اشتملت على جميع تلك المساوئ التي أحالوها عليها، أو ممَّن يعارضون حكوماتهم وينصحون بسياسة غير سياستها، فيحبون أن يلقوا على عواتقها تَبِعَات الحوادث والمشكلات العالمية ويمنُّون الشعوب مستقبلًا خيرًا من الماضي الذي يسألون عنه تلك الحكومات. هذا أو يكون الناقدون لمعاهدات السلام ممَّن يُسخِّرون أقلامهم للنازيين وأشباه النازيين، ليساعدوهم على التغيير والتبديل وتحقيق المطالب والمقترحات. وليس وجود هؤلاء المأجورين بالغريب إذا ذكرنا الملايين التي كان النازيون وأمثالهم يبذِّرونها في جميع الأقطار.
ومعاهدة فرساي قد اشتملت ولا شكَّ على أخطاء كثيرة وعيوب كبيرة، أكبرها فيما نعتقد خطأ المغارم والتعويضات التي فرضتها على الألمان، فإن هذه المغارم والتعويضات خطأ من الوجهة الاقتصادية الفنية وإن كانت عدلًا من وجهة الجزاء والحساب؛ لأن الألمان إذا حاولوا أن يؤدوها نقدًا لم يجدوا المال بغير تجارة خارجية، وإذا أغرقوا الأسواق الخارجية بمصنوعاتهم وبضائعهم كانت خسارة الظافرين من جراء هذه المنافسة أعظم من خسارتهم بفقد التعويضات، وإذا أرادوا أن يؤدوها عينًا وبضاعة كسد ما عند الظافرين من عين مماثلة وبضاعة مشابهة للبضاعة الألمانية.
ومثل هذا الخطأ وشيك أن يظهر، وقد ظهر. فابتدأ الظافرون بإصلاحه على طريقة داوس Dawes ثم على طريقة يونج Young، وكلتاهما ترمي إلى التقسيط والإعفاء والتأجيل، ثم عدلوا بتة عن المطالبة بالفروع والأصول واكتفوا بما أخذوه، وهو نحو الثمن من المطلوب مما أعانهم على تعمير الخرائب وتجديد المعالم بضع سنوات، وانتهت هذه المسألة في مؤتمر لوزان (سنة ????). فمسألة التعويضات كانت خطأ ولم تكن ظلمًا ولا عنتًا من الظافرين، إذ ليس بالمعقول أن يغرم هؤلاء الظافرون ما غرموا من تكاليف الحرب ومن تخريب الأرض وتدمير المناجم ودور الصناعة، ثم يعمروا هذا الخراب بأموالهم وجهود أبنائهم، والألمان المهزومون ناجون في ديارهم لم تخرب لهم مدينة ولم يتعطل لهم مرفق أو صناعة … ولو جاز هذا لكانت الهزيمة في الحروب خيرًا من الانتصار.
•••

كذلك أخطأت معاهدات السلام في تقسيم بعض البلاد وترسيم بعض الحدود، ولكنه لم يكن بالخطأ الذي لا يُغتفر ولا بالخطأ الذي يسهل اجتنابه في مثل ذلك العمل الجسيم.
فقد كانت أمام المؤتمِرين مسائل متراكمة لا تخلص من ناحية إلا اشتبكت من نواحٍ شتى: إن خلصت من ناحية اللغة والجنس اشتبكت من الناحية الجغرافية، وإن خلصت من هذه جميعًا اشتبكت من ناحية التجارة والثروة، وإن خلصت من هذه وتلك اشتبكت من ناحية الخطط الدفاعية والمواقع العسكرية، وإن خلصت من نواحي اللغة والجنس والتجارة والدفاع اشتبكت من ناحية النزاع بين الدول الكبرى على مناطق النفوذ أو على مرامي السياسة العالمية أو على الأحقاد التاريخية أو ما شاكل ذلك من العقد المؤرَّبة التي لا تحصى. فإذا أخطأت المعاهدات فهو خطأ مفهوم ليس في وسع أحد — حتى هذه الساعة — أن يدل الدنيا على صواب في موضعه يقنع جميع الشاكين وينصف جميع المظلومين ويبطل جميع المنازعات.
وقد رأينا أمثلة مما فرضه الألمان الغالبون على روسيا في معاهدة «برست ليتوفسك» وعلى رومانيا في معاهدة بوخارست وعلى المغلوبين الآخرين الذين لم يُبرموا معهم صلحًا ولا سلامًا، فإذا الرحمة كل الرحمة فيما فرضته فرساي وأنفذه الحلفاء من الشروط، وإذا الألمان يقولون ويفعلون دائمًا كما قال غليوم الثاني في مبدأ الحرب الماضية: ويل للمغلوب!
ولو أننا نظرنا إلى فرساي من حيث الأثر الواقع في ألمانيا لوجدنا أن فرساي هذه كانت خيرًا للألمان من فرساي التي خرجوا منها منتصرين في حرب السبعين.
فقد كان قصارى ما بلغه الألمان في حرب السبعين أن خرجوا منها إمارات متفرقات على كل إمارة منها عرش وتاج وفي كل منها حكومة ودستور … فأصبحوا بعد فرساي الحديثة دولة واحدة لا فوارق فيها بين الإمارات.
وقد لبث الألمان المنتصرون أربعًا وأربعين سنة حتى استعدوا للحرب الماضية، ولم يلبث الألمان بعد فرساي الحديثة عشرين سنة حتى أصبحوا على أهبة القتال في عدة سابغة لم تكن تملكها دولة منتصرة في الحرب الماضية.
سأل «الجنرال» جورنج سفير بريطانيا العظمى السير نيفل هندرسون عند ذهابه لأول مرة إلى نورمبرج (????): مَن مِن الدول كان أعظم ربحًا في الحرب العظمى؟
فأجاب السفير: إنها هي إيطاليا لأنها ضمت إليها حدودها الجغرافية والعسكرية ثم الأمم الصقلبية بعد إيطاليا.
فقال جورنج: «كلا، بل هي ألمانيا؛ إذ هي لولا تلك الحرب ولولا الهزيمة فيها لكانت وحدتها ضربًا من المحال.»
وهذه هي الحقيقة التي لا يجهلها زعماء النازيين، ولا ينبغي أن يجهلها أحد ممن يعرضون بالنقد لمعاهدة فرساي الأخيرة.
على أننا نقارن بين فرساي الأولى وفرساي الثانية فيخطر لنا سؤالان لا فكاك منهما، وهما: لماذا انهزمت فرنسا في فرساي الأولى فانتهت من الهزيمة إلى تحطيم الاستبداد وتعزيز الحرية والحكومة الديمقراطية؟ ولماذا انهزمت ألمانيا في فرساي الثانية فانتهت إلى هدم الديمقراطية وتمكين صرح الاستبداد؟
للأمر سر غير فرساي وكل ما انطوت عليه معاهدات السلام؟
للأمر سر مكشوف: هو طبيعة الاستبداد ومطامع المستبدين في البلاد الألمانية ولا سيما البلاد البروسية.
فقبل فرساي كانت المطالب التي تطلبها ألمانيا الآن محقَّقة بأجمعها، ولم يكن لمظالم فرساي ولا لمعاهدة فرساي أثر.
كانت معها دانزيج، وكان معها مجاز دانزيج، وكانت معها المستعمرات، وكانت معها شواطئ البحر البلطي، وكانت معها الألزاس واللورين، وكانت معها عواطف الشعوب التي انقلبت إلى الشك فيها بعد قيام الحركة النازية.
فماذا أغنى عنها كل ذلك؟
لم يُغْنِ شيئًا ولم يمنعها أن تنادي بالسيطرة العالمية، وأن تعمل لبسط هذه السيطرة على الأصدقاء والأعداء.
ففي سنة ???? لم تكن هنالك مظلمة من مظالم فرساي ولا هزيمة كاذبة أو صحيحة، ولكن الجنرال فردريش فون برنهاردي Friedrich Von Bernhardi ألَّف يومئذٍ كتابًا عن «ألمانيا والحرب القادمة» أوجب فيه الحرب على قومه وعقد منه فصلًا عنوانه «السيطرة العالمية أو السقوط». وكان مكسميليان هاردن Harden كاتب صحيفة دي زكونفت Die Zukunft يقول قبل ذلك بسنة في صحيفته:? «نحن خلقنا للحرب، فلنصنع الحرب صنعًا قبل فوات الأوان.» وكان الدكتور كلاس رئيس العصبة الجرمانية يقول قبل الحرب الماضية بسنة: «إن قوة ألمانيا العسكرية تستخدم حيثما نتعرض نحن أو يتعرض جيراننا للمنافسة من ذوي النيات السيئة، وإن شعبنا الذي يُسرع في نموه يجب أن يقرر حقه في الوجود، وأن يبسط يده على أرض جديدة في أوروبا الشرقية الجنوبية على الخصوص.»
وكان كارل بيترز Karl Peters مدير الاستعمار السابق يقول حوالي ذلك التاريخ: «ماذا كان بسمارك صانعًا لو كان معنا الآن؟ لقد كان دائمًا على استعداد للمغامرة بإضرام الحرب العالمية في سبيل تحقيق مراميه، ولا مناص لألمانيا من أن تكون على استعداد لمثل ذلك في كل حين.» وكانت صحيفة الجامعة الألمانية دي بوست Die Post تنذر بريطانيا العظمى (في سنة ????) أن تترك للألمان الحرية المطلقة في السياسة الأوروبية وتقرهم على كل تضخم لقوتهم في القارة — أي أوروبا — سواء نشأ هذا التضخم من محالفات مع دول أوروبا الوسطى أو من الإغارة على فرنسا، وألَّا تعارض مطامع ألمانيا الاقتصادية في البلقان أو آسيا الصغرى.? وكانت صيحة «من برلين إلى بغداد» تملأ الآذان قبل أن يتعلم هتلر معنى التوسع والامتداد.
وكان هتلر يحلم في صباه — كما قال في كتابه — بسطوة الجرمان وسيطرة الدولة الجرمانية دون أن يكون باعثه إلى ذلك غيظه المحتدم من فرساي ومظالمها الصحيحة أو المفتراة.
وثقافة الألمان فضلًا عن صحافتهم وأقوال ساستهم في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، طافحة كلها بهذه النعرة التي لا ينكرها القوم ولا يسعهم أن ينكروها: القوة! ومعنى القوة الغطرسة! ومعنى الغطرسة السيادة والعدوان؛ فهم ظلموا معاهدة فرساي ولم تظلمهم معاهدة فرساي، ولعل الحلفاء قد بالغوا في الثقة بألمانيا ولم يبالغوا في الحذر منها والتشديد عليها، فلو رفهوا عنها بعض الترفيه لعجل ذلك بالحرب الحاضرة ولم يؤجلها، ولحسبته ألمانيا غفلة من الظافرين ولم تحسبه لهم في سجل الحسنات.
نظرة أخرى في المطالب الألمانية

ونستقصي الموضوع من جانبه الذي تمثله الدعوة النازية، فنفرض أن المطالب الألمانية لم تكن مطلوبة قبل معاهدة فرساي، وننظر إلى الذرائع التي يتذرع بها النازيون في يومنا هذا إلى تحقيق تلك المطالب، فهل هي ذرائع صادقة؟ وهل هي ممَّا يؤخذ على ظاهره؟ أوَيمكن أن يُجاب والعالم مطمئن إلى عقباه؟
أهم المطالب التي سبقت الحرب الحاضرة هي ما يسمونه فسحة العيش Le bensraume والمستعمرات القديمة، ثم دانزيج ومجازها. فسحة العيش

ويريدون بفسحة العيش أرض الزراعة «اللازمة» لمعيشة الألمانيين في القارة الأوروبية، وهي مسألة يقول هتلر في كتابه: إنها لا تُحل بالمستعمرات ولا تعالج في الكامرون! ولا محيص فيها من النظر إلى التخوم الأوروبية التي يقطنها الفلاح الألماني وقد ضاق به وطنه، وشح عليه قَطَنه، ووجب أن يتوسع أو يموت.
فهل تشكو ألمانيا كثرة السكان وازدحامهم في الحقيقة؟ وهل حالها في ذلك أسوأ من أحوال الأمم الأوروبية الأخرى؟
كل ما يصنعه النازيون يدل على أنهم يشكون قلة السكان ولا يشكون كثرتهم وازدحامهم في المدن ولا في الريف.
فهم يشجعون النسل ويبذلون معونة الزواج، ويقيدون الهجرة من بلادهم ويسعون في طلب الأيدي العاملة من إيطاليا والمجر وبوهيميا ومورافيا وبولونيا وغيرها، ويعلنون أن بروسيا الشرقية تتسع لمليونين من الألمان النازحين من الأقاليم البلطية بعد التسليم فيها للروسيين.
وقد نشر معهد العمل الألماني تقريره قبل الغارة على بوهيميا ومورافيا فقال إنه: «على الرغم من وفرة العاطلين الذين وجدوا العمل في سنة ???? بشق النفس، لا يزال نقص الأيدي العاملة شديدًا، وإننا إذا قدرنا النقص في أوائل سنة ???? بخمسمائة ألف من الصناع والمستخدمين فهو على تقدير الوزير سيروب Syrup للسنة المقبلة لا يقل عن مليون». وفي الوصية الأولى من الوصايا العشر التي نشروها في منتصف شهر ديسمبر سنة ???? وسموها وصايا غزوة الإنتاج: «أن ألمانيا فقيرة في مساحة الأرض ولكنها غنية بسكانها غنية بجميع الموارد التي تكفل لها إطعام أبنائها في هذه المساحة المحدودة، وإخراج الخامات الصناعية بمقادير عظيمة».
•••

وإذا قارنَّا بين نسبة السكان على حسب المساحة والتعداد فمساحة ألمانيا …/??? ميل مربع ونسبة السكان فيها على هذا نحو ??? في الميل.
ومساحة بلجيكا ????/??? ميل مربع ونسبة السكان فيها ??? في الميل.
ومساحة فرنسا ????/???? ميل مربع ونسبة السكان فيها ??? في الميل.
ومساحة هولندة ????/??? ميل مربع ونسبة السكان فيها ??? في الميل.
ومساحة بريطانيا العظمى …/?? ميل مربع ونسبة السكان فيها ??? في الميل.
فألمانيا إذن أوسع مساحة من بلجيكا وهولندة وبريطانيا العظمى،? ولو أضفنا إلى مساحة بلادهن مساحة مستعمراتهن لما تغير وجه المسألة بهذه الإضافة؛ لأن أبناء هذه الأمم القاطنين بالمستعمرات بضعة ألوف لا تقدم ولا تؤخر في الحساب. وقد أثبتت الإحصاءات عن سنة ???? أن القادمين إلى تلك الدول أكثر من النازحين عنها ما عدا هولندة وإيطاليا. ولم يكن المهاجرون الألمان في جميع المستعمرات الألمانية يتجاوزون عشرين ألفًا على أكبر تقدير؛ أي نحو العدد الذي كان يعيش في باريس أو لندن من الألمانيين. فالصيحة بما يسمونه «فسحة العيش» إن هي إلا صيحة مصطنعة تخفي وراءها بواطن مكتومة غير ظواهرها المكشوفة.
وحقيقة الأمر هي أن النازيين يريدون زيادة السكان ليتمكنوا من فتح الأرض وانتزاعها من أبنائها، ولا يحتاجون إلى الأرض كما يزعمون لأنهم يشكون ازدحام السكان.
أو كما قال هتلر: «إننا الآن نعد ثمانين مليونًا من الجرمان في القارة الأوروبية، ولكن صواب سياستنا الخارجية هذه لا يتقرر ولا يثبت حتى نصبح في مدى قرن واحد مائتين وخمسين مليونًا يقيمون في هذه القارة ولا يقيمون فيها معصورين كأنهم الأرقاء في خدمة العالم …»
وكأنما مشكلة «الفسحة» المزعومة هي في أدمغة هؤلاء الناس: كيف نعتدي؟ وكيف نبلغ العدد الذي يتيح لنا الاعتداء؟ وليست هي مشكلة الزحام أو التعاون بين الأمم على تذليل العقبات وفض المشكلات.
وسبب الاعتداء حاضر على كل حال … ومن الضروري أن تموت اليوم كل أمة يطمع النازيون في أرضها؛ لأنهم ينتظرون بعد مائة عام من يصلون إلى الدنيا من مواليد الغيب المجهولين! وهم بالقياس إلى ما كان عليه آباؤهم قبل مائة عام لن يزيدوا عند حلول الأجل المقدور على مائة مليون.
•••

ولو كان النازيون صادقين في شكوى الزحام لكان قبيحًا بهم أن يعتبروا قتل جيرانهم حقًّا مشروعًا لا يعارضهم فيه مُعارِض، وأن يعتبروه الحق الوحيد الذي يحق للعالم أن يلتفت إليه، أو الحل الوحيد الذي لا يفكرون ولا يفكر العالم في غيره. فكيف والصيحة كما رأينا كاذبة؟ وكيف وهم لا يشعرون بالضِّيق من كثرة السكان بل يشعرون بالضيق من قلتهم واحتياجهم إلى المزيد؟
المستعمرات

أما المستعمرات فتراد للأغراض التالية وهي: تصريف السكان، أو تصريف السلع والمصنوعات، أو جلب الخامات، أو المآرب العسكرية والخطط الحربية.
فأما تصريف السكان فقد رأينا قلة غناء المستعمرات جميعًا فيه، ولا سيما المستعمرات الألمانية القديمة التي لم يكن منها ما يصلح لسكنى البيض غير أفريقية الجنوبية الغربية.
فكل من رحل إلى المستعمرات الألمانية من أهل ألمانيا لم يتجاوزوا عشرين ألفًا يسكن مثلهم كما قدمنا في عاصمتي فرنسا وإنجلترا.
وليست الولايات المتحدة ولا الأقاليم الجنوبية من أمريكا مستعمرات نازية أو مستعمرات لدولة أوروبية، ولكنها قد اتسعت لعدة ملايين من الألمانيين يعيشون فيها على حال لا يستبدلون بها المعيشة في أحسن المستعمرات.
وأما تصريف السلع والمصنوعات فلا يعقل عاقل أن الهمج الأفريقيين يستنفذون من السلع والمصنوعات ما يساوي نفقات يوم واحد من الحروب الحديثة.
وأما الخامات فليس منها في المستعمرات التي كانت تطالب بها ألمانيا غير قليل من المطاط والنحاس ونزر من الأطعمة ومادة الغذاء. وقد دلت الإحصاءات الألمانية نفسها على أن الحد الأقصى الذي بلغته الواردات من المستعمرات إلى ألمانيا لم يتجاوز نصفًا في المائة من جملة وارداتها.
ولنضرب المثل بمستعمرة واحدة لتوضيح هذه الحقائق المحصورة بالأرقام، أو لتوضيح دخائل النيات التي يخفيها النازيون وراء دعوى المطالبة بالمستعمرات.
فمستعمرة الكامرون يسكنها مائتان وواحد وثمانون من البيض الأوروبيين: منهم مائة وستة وسبعون ألمانيًّا، وواحد وستون بريطانيًّا معظمهم موظفون، وأربعة وأربعون من أجناس أخرى معظمهم قسس ومبشرون.
وقد عرضت مزارع الكامرون للمبيع (????) فاشتراها الألمان الذين كانوا يعيشون في المستعمرة قبل الحرب الماضية، وأوشكت أن تنحصر في أيديهم تجارتها صادرة وواردة كما جاء في إحصاء سنة ????.
فأصدر الألمان ما قيمته ?????? جنيهًا إنجليزيًّا من جملة صادرات تساوي ?????? جنيهًا. ولم تزِد قيمة الصادرات إلى الجزر البريطانية عن ????? جنيه.
واستورد الألمان من بلادهم ما قيمته ?????? جنيهًا من جملة واردات تساوي ?????? جنيهًا. ولم تزد الواردات من الجزر البريطانية عن ????? جنيهات.
ولا ننس أن خامات المستعمرات جميعًا قَلَّمَا تبلغ جزءًا من ثلاثين جزءًا من خامات البلاد الحرة، وإن أممًا كثيرة أصغر من أن تكره منافسًا أو تقتحم سوقًا تتجر في العالم وليس لها مستعمرات كالسويد والنرويج وسويسرة، وإن الولايات المتحدة لا تملك كندا ولكنها مع هذا تصدر إليها ثلاثة أضعاف الصادرات الإنجليزية، وإن رءوس الأموال البريطانية في الأرجنتين أكبر من نظائرها في جميع البلاد التابعة لبريطانيا العظمى.
فالساسة المتوجسون من خفايا النيات التي يواريها النازيون في أطواء مسألة المستعمرات معذورون إذا أيقنوا أن الغرض المطلوب إذن هو العدوان العسكري والترصد للحروب والغارات.
وحَسْبُ القارئ أن يلقي نظرة على مواقع المستعمرات الألمانية القديمة ومواقع حلفائها ليعلم ما يهدد العالم من أخطارها؛ فليس أسهل من إيصاد مسالك المحيط الأطلسي والمحيط الهندي والبحر الأحمر على من يملك مكامن الغواصات والألغام في تلك المستعمرات، أو يملك مراكز الطيران على جميع الشواطئ الأفريقية، وبعض الشواطئ في المحيط الهادئ وما يليه.
وليس أسهل من تهديد القارة الأفريقية برُمَّتِها سواء في منابع النيل أو في جوف الصحراء إذا أعيدت هذه المستعمرات إلى الأيدي النازية، وثبت للقبائل الأفريقية التي تفهم المحسوسات ولا تشغل بالها بما عداها أن النازيين هم الغالبون وأنهم يأخذون كل ما يريدون.
عندئذٍ لا يأمن أحد في أفريقية أو في العالم بأسره تهديد النازيين. ومن الذي يقول إن النازيين لا يهددون وهم قادرون على التهديد! الذي يقول ذلك لا يؤتمن على مصائر شعوب.
ومن العبث أن نضيع الوقت في تفنيد ما يزعم النازيون إذ يقولون إنهم يطالبون بالمستعمرات لأنهم يأنفون أن تُعْزَى إليهم جريمة الحرب وأن تضيع مستعمراتهم عقوبة لهم على تلك الجريمة، كأن النازيين يخجلون من الحرب وهم يتعبَّدون بها ويؤلِّهونها ويقدِّسونها في جميع ما يكتبون، أو كأنما كان هتلر ينسى هذه القصة يوم كتب «كفاحه» وقال فيه إن المخاطرة في سبيل المستعمرات من أسخف الحماقات، أو كأن فتح النمسا وهي بلاد أوروبية لا يعدل في هذا المعنى سيطرة ألمانيا على المجاهل الأفريقية، أو كأنَّ استيلاء اليابان على بعض المستعمرات الألمانية لا يضيرها كما تضيرها المستعمرات التي في أيدي الأوروبيين (الآريين أو أشباه الآريين!)
فهذه تَعِلَّاتٌ تقال ولا يصدق أحد أن الساسة يقصدونها حقًّا حين يغررون بها جماهير الشعوب، أو أنهم يجازفون بخراب العالم من أجلها ويصرون على هذه المجازفة سنينًا بعد سنين، ولو صدقوا في ذلك لكانت وَصْمَتُهُم بالصدق فيه أشد وأقبح من كل وصمة يفتريها عليهم ألد الأعداء.
دانزيج

أما مسألة دانزيج — وهي سبب الحرب المباشر إذا أخذنا بأقوال اللسان — فكل ما يذكره النازيون أنها كانت ألمانيَّة ويجب أن تعود إلى حكومتها الأولى. ثم ينسون ما عدا ذلك من الدعاوى والمصالح والتواريخ القريبة والبعيدة.
ينسون مثلًا أنها لبثت من منتصف القرن الخامس عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر مدينة حرة في ظل السيادة البولونية، وأنها ضُمَّتْ إلى بروسيا بعد هزيمة نابليون الأول على خلاف مشيئة أهلهما، وأن حياة بولونيا تتوقف على دانزيج ولكن حياة ألمانيا لا تتوقف عليها ولو عُزلت عنها كل العزلة، وهي حقيقة عرفها الساسة الألمان من قديم الزمن وعبَّر عنها ملك بروسيا فردريك الثاني أحسن تعبير حين قال: «إن القابض على مَصَبِّ نهر الفستولا لهو أقوى في بولونيا من الملك البولوني الجالس على عرش فرسوفيا.»
ولم تكن سيطرة ألمانيا على دانزيج ضعيفة في نظامها الحديث الذي قررته المعاهدات بعد الحرب الماضية؛ فقد كان الأمر فيها لمجلس الشيوخ وللحكومة المسئولة أمامه ومعظم أعضائهما ألمانيون، ولم يكن لبولونيا من الأمر فيها إلا القسط الكافي لضمان صادراتها ووارداتها وبريدها، ثم لا ولاية لها عليها، بل الولاية لعصبة الأمم التي تندب حاكم المدينة وترجع إليه في العلم بأحوالها.
ولم يحدث قط أن تعرَّضت بولونيا للمواصلات الألمانية في المجاز البولوني المشهور إلا لمراقبة المهربات التي قد تحمل إلى بلادها، ولم يطلب النازيون استفتاء الشعب في ذلك المجاز لمعرفة رأيه فيمن يحكمه إلا على شريطة أن يحكموه سنة ثم يجري الاستفتاء المطلوب! ومعنى ذلك أنهم يحتاجون إلى سنة في الحكم النازي المعهود ليضمنوا جلاء من في المجاز من البولونيين واستدعاء من يُخضعهم من النازيين … ثم لا يضمنون هذه النتيجة إلا أن يكون الحكم في أيديهم ساعة الاستفتاء، وأن يكون كل مقيم في المجاز عارفًا ما سيصيبه إذا اختار بولونيا، وهو يرى بعينه أن اختياره إياها لا يفيد.
فليست «دانزيج» هي بيت القصيد.
إنما بيت القصيد هو خنق بولونيا ومن يجاورها من أمم أوروبا الوسطى، فلا تجد تلك البلاد منفذًا لتجارتها في غير الأرض الألمانية من الشمال أو الجنوب؛ ففي الشمال دانزيج وفي الجنوب النمسا، ولن يدخل إلى تلك البلاد أو يخرج منها شيء إلا بإذن النازيين!
ومتى استُعبدت أوروبا الوسطى للنازيين هذا الاستعباد فمصير أوروبا الشرقية وما وراءها معروف، ومصير الخطط النازية كذلك معروف، فهي خطط تجتمع في خطة واحدة، وهي استعباد كل من يُبتلى لهم بجوار، أو يقف لهم في طريق.
وعلى الرغم من هذا جميعه لم تكن الحرب ضرورة قاسرة ولا ضرورة غير قاسرة؛ لأن أنصار السلام من ساسة الأمم في أوروبا وأمريكا تَعِبُوا وهم يقترحون حلول المفاوضة والتوفيق، فقيل لهم إن الحل الوحيد هو قبول ما يريده النازيون ولو كان في قبوله الفناء.
ولمن شاء أن يأخذ المطالب النازية على ظاهرها، أو يأخذها على باطنها الذي قلما يستره حجاب.
فهي على ظاهرها لا تُلجئ إلى الحرب ولا يكون المقدم على الحرب من أجلها إلا مجرمًا يجازف بسلام أمته وسلام العالم لغير ضرورة.
وهي على باطنها سعي حثيث للسيطرة على العالم وتهديد من فيه من الأقوياء والضعفاء على السواء. فهل لا بد من هذه السيطرة؟
وهل الحرب طريقها التي لا محيد عنها؟
هل هي طريق السيطرة على العالم حتى لو انتهت بالانتصار؟
نفرض أن السيطرة على العالم غاية لا محيص منها فهل الحرب وسيلة لا مناص منها؟ وهل هي وسيلة مضمونة؟
وماذا لو فشلت الحرب؟ وماذا لو امتدت وطالت ولم تفشل؟ أكل هذا لا يدخل في الحساب ثم يقال إن السياسي الذي يهجم على هذا كله يحسب ولا يخطئ الحساب؟
إن الرجل الذي لا يعرف له سياسة غير هذه السياسة لا يعرف أن يسوس؛ لأن الأمم إنما تحتاج إلى السياسة لاحتياجها إلى اجتناب هذه الشرور، أما إذا كانت لا تحتاج إلى اجتنابها فما أغناها عن السياسة والسواس!
وإذا كانت سياسة هتلر قد اضطرته إلى ورود هذا المورد الوبيل فبئس ما فعل، وساء نصيبه من السياسة.
أما إذا كان مختارًا يملك الحرب والسلم ثم لا يبالي أن يخوض الحرب ويُعرض عن السلم فالمصيبة أعظم، المصيبة خطل وإجرام وهوس مجتمعات.
خلة ألمانية

ذكرنا طرفًا من الأسباب التي هيَّأَت النجاح لهتلر وجماعة النازيين في الأمة الألمانية، فنضيف الآن أن هذه الأسباب على كثرتها وقوتها لا تكفي لبلوغه النجاح الذي بلغه لولا السبب الأكبر الشامل المحيط بها جميعًا، ونعني به خلة راسخة في الأمة الألمانية تفتح آذانها وأذهانها لقبول الدعوات التي من قبيل الدعوة الهتلرية.
ففي اعتقادنا أن هتلر لم يكن لينجح ذلك النجاح في تطويع أمته لو كانت هذه الأمة غير الألمانيين؛ لأن الأمة الألمانية العظيمة بمن نبغ فيها من فطاحل الأدباء والشعراء والفلاسفة والعلماء والمخترعين ليست بالأمة العظيمة في كل شيء، بل لعلها مصابة بقصور شديد سلَّمت منه أمم دونها في عدد النوابغ الأفذاذ، وهو قصورها في التربية السياسية وضعف إيمانها بالحرية.
ولا يخفى أن التربية السياسية تحتاج إلى شيء غير نبوغ الأفذاذ وإنجاب العبقريين؛ لأنها مسألة مرانة متسلسلة في بنية الشعب بجميع طبقاته وعناصره، ينتقل فيها خطوة بعد خطوة ودرجة بعد درجة، بالتدريب العملي والحوادث الفعالة في تركيبه وتأليفه؛ فلا تبلغ منه التربية السياسية مبلغ العادة إلا إذا تعودها، ولا يجيء التعوُّد بالأقوال والعظات، وإن وُجد القائلون والواعظون، فكيف وهم لا يوجدون؟
ويرجع قصور الألمان في تربيتهم السياسية إلى أصول تاريخية بعضها قديم وبعضها حديث أو قريب من العصر الحديث.
ففي العصور الغابرة كانوا قبائل غازية لا تعرف الاستقرار وآداب العمار، وإذا لجأت إلى الاستقرار فإنما تستقر بالتناوب سنة للقتال وسنة للرعي والزراعة؛ فيقاتل في هذه السنة من كانوا يزرعون ويرعون في السنة السابقة، ثم يذهب الزارعون والرعاة إلى القتال ولما يطل عهدهم بالسلم بضعة شهور. وقد وصفهم يوليوس قيصر في حالتهم تلك فقال: «إنهم قَلما يبالون الزراعة لأنهم يعيشون أكثر مما يعيشون على اللبن والجبن واللحوم، وليس لرجل منهم أرض يملكها ولا حدود تفصل ما بينه وبين غيره …» وقال: «إنهم يحسبون من شرف الدولة أن تُقفر الديار من حولها دليلًا عندهم على الشجاعة التي تقصي جيرانهم فلا يجسرون على الاقتراب منهم …» «وإن اللصوصية لا عيب فيها إذا قورفت بعيدًا عن ديارهم، بل ربما حسبوها نافعة لتدريب الناشئة ومنع الإخلاد إلى الكسل والراحة.»
ووصفهم المؤرخ تاسيتوس فقال: «إنهم إذا هدأوا واستراحوا تطوع كثير من نبلائهم للقتال في صفوف القبائل التي تشن غارة من الغارات، وإنهم لا يقدرون بغير العدوان والحرب أن يُموِّنوا أتباعهم وحاشيتهم الكثيرة، ويعتمد هؤلاء الأتباع على كرم رؤسائهم فيما يركبون من خيل أو يُشهرون من رماح، ولا ينالون أجرًا غير مآدب الطعام الغليظ وإن لم يكن بالقليل؛ فالحرب والغنيمة فخر أولئك الرؤساء، وليس من السهل أن تقنعهم بالحرث وانتظار الغلة كما تقنعهم بالهجوم والمبارزة، بل من دلائل الوهن عندهم أن تطلب بعرق الجبين ما أنت قادر على أخذه بالدم المُراق …» ووصفهم المؤرخ جان فرواسات Forissart في أواخر القرن الرابع عشر فقال: «إنهم شعب جشع يجنح أبدًا إلى العنف والتهديد والاعتداء، لا رحمة عندهم إذا غَلبوا، ومعاملتهم لأسراهم سيئة قاسية.» وهذه خَلة كانت شائعة في كثير من الأمم وهي على حالة البداوة والهمجية، بيد أن الألمان قد انتقلوا منها إلى حالة تشبهها ولم ينتقلوا إلى حالة الحكم المسئول والشورى الدستورية كما انتقل بعض الأمم الأخرى رحلة بعد رحلة، فخرجوا من همجية البداوة الأولى إلى نظام الإقطاع الذي لا يعرف علاقة بين الحاكم والمحكوم غير علاقة الآمر بالمأمور، ولا يعرف علاقة بين الولاية والولاية غير علاقة القاهر بالمقهور، أو علاقة الحرب والتربص والانتقام.
وكانت ولاياتهم تتعدَّد وتتكاثر كلما نشبت الحروب وانقطعت الوشائج والأرحام، فزادت في نهاية القرون الوسطى على ثلاثمائة ولاية لا تضع السلاح يومًا خيفة جيرانها وأبناء جنسها أو خيفة الجيوش الجارفة التي كانت تشق أوروبا من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق أو من الشمال إلى الجنوب أو من الجنوب إلى الشمال. فإن موقع الألمان في الرقعة الوسطى من قارة أوروبا تركهم عرضة لكل مُغِيرٍ وجعلهم متوثِّبين أبدًا للإغارة على من حولهم من الغافلين أو المستضعفين، فعاشوا في ساحة حرب لا رأي فيها للرعية إلا كرأي الجندي المطيع، ولا عهد فيها بين ولاية وولاية إلا كعهد المغلوب للغالب أو الغالب للمغلوب.
وظلوا على هذه الحالة إلى ما قبل حرب السبعين، فلم تنقص ولاياتهم عن مائة وسبعين في أيام الثورة الفرنسية، ثم انتظموا في علاقة تشبه الوحدة بالقياس إلى ما كانوا عليه من التفرُّق والصراع، ولكنهم لسوء حظهم وقعوا في زعامة هي شر الزعامات، فسلموا زمام الدولة لإمارة لم تكن لها مَزِيَّة على سائر الإمارات غير وفرة العدد ووفرة السلاح، وهي بروسيا آخر القبائل الجرمانية حضارة وأقلها نصيبًا من الأدب والمروءة. فسارت بهم على سُنَّتِها وباعدت ما بينهم وبين «التطور» في سبيل الشورى ومعاملات السلم والمودة، وتركتهم في سياستهم لا يعقلون إلا «وجهة نظر واحدة» هي وجهة النظر التي يأمر بها السيد المُطاع، ولا يعرفون حق المعارضة لفرد من أفراد الرعية لأن المعارضة منه عصيان، ولا لدولة من الدول الأجنبية لأن المعارضة منها عداء وقتال.
ولبثوا كذلك إلى ما بعد الحرب الماضية التي خرجوا منها دولة واحدة قليلة الفواصل والحدود. فلم تنقض عليهم عشر سنوات حتى انكفَئوا إلى نظام المعسكر وأدب الغارة والاغتيال.
وازِنْ بين تربية كهذه لا محل فيها لرأي الأمة في سياسة داخلية أو خارجية ولا أدب لمن يتربى عليها غير الطاعة أو العدوان، وبين التربية السياسية التي فرضتها على خصوم الألمان مواقع الجغرافية ووقائع التاريخ.
فالإنجليز مثلًا أبناء جزيرة مستقرة قريرة.
فهم لهذا آمنون، وهم لهذا تجار؛ ومن هنا بطل فيهم طغيان العسكرية ونشأت فيهم خلائق الشورى والتفاهم والأخذ والعطاء.
وهم أقوياء ولكنهم يبيعون ويشترون، فلا مناص لهم من السمعة ومن الثقة ومن الإرضاء؛ إذ التاجر لن تنسيه قوته أن يرضي عميله وشريكه، ولن يستغني — وإن استغنى — عن التفاهم والقبول.
وقل ما شئت عن أسرار الحرب الحاضرة وأسباب الحوادث القريبة على تناقض الروايات والتعليلات، فمما لا شك فيه أن تربية الألمان القديمة هي التي جعلتهم يأنفون من مفاوضة الأمم الصغيرة، ويستكبرون أن يجلسوا مع بولونيا أو مع غيرها إلى مائدة واحدة لفض المشكلات وتبادل الآراء؛ لأنهم ينظرون إلى المفاوضة نظرة العسكري الذي لا يعرف المفاوضة إلا لإملاء الشروط أو الخضوع لمن يمليها. ومما لا شك فيه أن تربية الإنجليز القديمة هي التي جعلتهم يفاوضون الكبير والصغير، وعوَّدتهم أن يروا لمفاوضهم حق الشاري على البائع وحق البائع على الشاري في مجال الأخذ والعطاء.
تلك الخَلة الألمانية معلومة لكبار الأدباء الألمان سواء منهم الآريون وغير الآريين، فأديبهم الكبير «جيتى» يقول: إن أمام أبناء وطننا بضعة قرون أخرى تنصرم قبل أن يترقَّوْا إلى منزلة من الحضارة تجعل الناس يقولون إنهم كانوا برابرة منذ عهد بعيد.
وشيلر زميل جيتى يقول: «أيها الجرمان، عزيز عليكم أن تصبحوا أمة، فكونوا رجالًا فذلك ميسور.»
وهيني أشعر شعرائهم الغنائيين يقول: «يوم يتبدَّد رمز المسيحية الوديع يفور مرة أخرى جنون الغزاة الأقدمين الذي يطنب في التغني به شعراء الشمال، وتهب الأرباب الصخرية من مراقدها في الآكام المهجورة نافضةً عن أهدابها غبار ألف عام، ويهب معها إله الرعد والبرق ثور يحمل مطرقته الهائلة ليهوي بها على محاريب الإله المسيحي؛ يومئذٍ تسمع جهنمُ من الضوضاء لم يسمع لها مثيل قط في تاريخ العالم كله، ويومئذٍ تعلم أن الرعد الجرماني قد تمادى إلى مداه، وأن الصيحة يومئذٍ لتسقطن النسر ميتًا في علاه، ولتسمعنها الأسود الناكصة في أقصى الآجام الأفريقية فتختبئ في كهوفها، ولتشهدن ألمانيا في ذلك الموعد مشهدًا تحسب الثورة الفرنسية عنده موقف غزل وغرام، وليتطلعن العالم كأنه على سلالم عرينة الصراع لينظر إلى مشهد هذا العراك الجنوني في ساحة ألمانيا …»
قالها هيني قبل مائة سنة فصدقته الأيام، ولو قالها اليوم لقالوا نبوءة شاعر كذاب من سلالة إسرائيل!
ونيتشه نبي القوة عندهم يقول: «الجرمان كالنساء، لا يُسبر غورهم لأنهم بلا غور … وهذا كل ما هناك، فلا يقال عنهم إنهم ضحل لهذا السبب عينه. أمَّا ما يسمى العمق في ألمانيا فهو في لبابه نقص في إخلاص المرء لنفسه، أو هو بمثابة أمة تأبى أن تقف من طبيعتها موقف الوضوح والصراحة، ألا يحسن أن نضع كلمة الجرمانية رمزًا متفقًا عليه للدلالة على هذه الآفة النفسية؟»
وطالما ألم جيتى ألمًا شديدًا للنظر في أمور هذه الأمة التي تتقن التفاصيل وتنسى الشمول والتي «يبدو فيها أفراد أجلاء وتبدو هي أمة زرية».
إلا أن الاختلاف الذي لاحظه لا يُعَدُّ من الشذوذ ولا الخروج على القياس المعقول؛ لأن البربرية وقوة العقل والطبع لا تتناقضان، فيجوز أن ينشأ الأفراد المقتدرون في غمرة البداوة كما ينشأون في أوج الحضارة، وأن تعلو الصفات الفردية وتهبط الصفات القومية. أما النقيضان المستغربان فهما أن تصمد الأمة على حكم الاستبداد، وأن تتقدم في أطوار التربية السياسية وخلائق الحرية التي تواتيها في تصريف تبعات الحكم ومشاركاته، وهذا هو جانب القصور في تربية الألمان.
•••

ومن المشاهدات التي لا تُستغرب بعدما تقدم أن الألمان على كثرة ما أفادوا العالم في أبواب العلم والفن والصناعة لم يفيدوه شيئًا في باب العلم السياسي والأصول الدستورية؛ فلا هم في أطوارهم الشعبية تقدموا وراء القيادة العسكرية وأنظمة الميدان، ولا هم في كتابات فقهائهم ودارسيهم ساهموا بقسط قَيِّمٍ من التفكير في هذا الباب، وغاية ما ساهموا به أنهم قدسوا الدولة وأقاموها على أساس «القوة الحاصلة» وجعلوا مخالفتها أشبه بالكفر والشيطنة منها بالجريمة التي يعاقبها القانون.
فالدولة عند فيلسوفهم الكبير هيجل هي مساك الحق وخلاصة التاريخ وصورة المشيئة الإلهية … وما شاكل ذلك من نعوت تلحق الدولة بعالم الغيب في عرف المتصوفة.
والقانون عند فقهائهم هو «سر العنصر» أو لُباب الروح القومي Volksgeist وليس هو بالعدل المطلق الذي يعم جميع الأقوام ولو في المبدأ والقاعدة؛ فبينما كانت الدول تعلن في الحرب الماضية أن محاكم الغنائم فيها تطبق قانون الأمم وشريعة المنطق الإنساني، كانت ألمانيا تعلن أنها لا تطبق إلا الشريعة الألمانية التي تستمدها من الدولة الألمانية، وبينما كانت الشعوب المختلفة تبني اعتزالها لعصبة الأمم على أسباب المصلحة أو على خشية الإخفاق والاصطدام بالوقائع المنظورة، كان الألمان يخلطون بذلك سببًا فلسفيًّا يقوم على فكرة العنصر والقوم، فلا عَدل في اجتماع عصبة الأمم لأنها مجموعة أجناس المشرق والمغرب وسلالات البيض والصفر والسمر والسود، وإنما العدل أن تقوم على جنس واحد أو أجناس متقاربات، وأن تعترف بالتفاوت بين السادة والمَسُودين والأقوياء والضعفاء … أي أن تبطل معنى العدل فتجعله اعترافًا بجواز الظلم لمن يقدر عليه وتحريمه على من يعجز عنه ليس إلا. وما أبعد الفرق بين قولك إن الظلم هو العدل والإنصاف وقولِك إن العدل مطلوب محبوب ولكنه متعذِّر التحقيق، ولا بد من رياضة الطباع عليه. وهذا التفاوت بين أقدار الشعوب يسري على الرعايا الألمان فينقسمون إلى آريين وغير آريين وينقسم الآريون إلى عريقين في الآرية يحملون جواز العراقة Gross Ahnenass ومُحدَثين في الآرية لا يثبتون من النسب فيها أكثر من جد واحد ولا يحملون إلا جواز المحدثين Ahnenspiegel وهو لا يسمح لهم بالانتظام في الحزب ولا في جماعاته المختارة.? وكان أناس يخالون أن حذلقة الألمان في تفضيل أنفسهم على العالمين قد بلغت قصاراها خلال الفترة التالية لعهد بسمارك وحرب السبعين، فإذا بالنازيين يدَّخرون من هذا المعنى ما لم يكن يخطر على بال.
فليس التفاوُت باديًا باقيًا بين القوم الجرمان وسائر الأقوام الآدمية وكفى … كلا، بل هناك تفاوُت بين حيوان آري وحيوان أجنبي وبين فاكهة عريقة وفاكهة هجينة، وبين بذور رفيعة تنبت في تربة الشمال وبذور خسيسة تنبت في تربة الجنوب، فمن المحقق كما يقول الجنرال لدندورف? أن الأرنب ليس بحيوان آري، وحسبك سببًا جُبنه الأليم، وحماداه أنه مهاجر يحظى بحفاوة الضيف. أما الحيوان الذي لا شبهة في ملامحه الجرمانية فهو الأسد، وهو من أجل ذلك ألماني في دار غربة. بل التفاوت بين السلالة الآرية والسلالات الأخرى تفاوتٌ في تركيب الجسد ووظائف الأعضاء وخصائص العترة البشرية.
«فغير الآريين لهم أسنان وفكوك عليا تشبه في ضيقها ومنظرها خراطيم الحيوان، وحركة الفكين بين أهل الشمال تسمح بمضغ الطعام والفم مقفل على خلاف الأجناس الأخرى التي تُسمع لمضغها أصوات كأصوات العجماوات. وللفم الشمالي عدا هذا فضائل شتى يمتاز بها كامتياز اللون الأحمر بإثارة الشعور؛ فإن لونه المتوهج القاني يُغري بالقبلات، وفم الشماليين من أجل هذا مركَّب صالح في تركيبه للتقبيل. أما غير الشماليين فهم عراض الشفاه غلاظها ينمون بذلك وبفتحات المنخرين على الشهوة وعلى التعبير الهازئ المضطغن وعلى حركة الارتشاف التي تنبئ بالانغماس في المتعة الراضية، وهم يفرطون في التحدُّث بمساعدة الأيدي والأرجل مما لا يُرى في حديث أهل الشمال الذين يتكلمون أحيانًا وأيديهم في الجيوب. ولن تبصر في غير المرأة الشمالية ذلك النهد الكاعب المكين المستدير الذي يبرز للنظر حين تلقي بذراعيها إلى الجنبين. وخلاصة القول إن غير الشماليين ينزلون في مرتبة بين طبقة الإنسان الشمالي وطبقة الحيوان من فصيلة فوق فصائل القردة العليا؛ فليسوا هم بأناسي يقابلون الصفات الحيوانية بالصفات الإنسانية، ولكنهم حلقة وسطى في الطريق أحرى بهم أن يسموا شبه بشر … وإذا سأل سائل: ما بال غير الشماليين وهم أقرب رحمًا إلى القردة يتناسلون من الشماليين ولا يتناسلون من القردة؟ فالجواب أن الدليل لم يقم بعدُ على أنهم وفصائل القردة لا يتناسلون.»? وليس المهم أن يؤمن النازيون بهذا الهراء إيمان اليقين، بل المهم أنهم يعملون به عمل المؤمنين. ولا ندري وايم الحق أيهما أقبح بالمرء: أن يصدق هراءً كهذا فهو مسلوب التمييز في شئون الأقوام ومسائل السياسة، أو أن يدَّعيه ولا يصدق به فهو خادع محتال.
•••

أمة تروج فيها هذه الدعوات حيثما ظهرت ليس بعجيب أن يعلوها أضراب هتلر وجوبلز وهيس وجورينج متى أيَّدتهم المصادفات واندفع بهم تيار الحوادث والأزمات، وليس بعجيب أن تكذب تلك الأمة على عقولها وهي تكذب على أعينها فتصدق أن هؤلاء صفوة الآريين وهم على نقيض الشمائل التي يزعمونها لأبناء الشمال. فالرجل الشمالي في زعمهم «أصهب رائع المنظر فارع الطول بَيِّنُ الرجولة رشيق وسيم …» وهتلر أنثوي جنوبي السحنة لا روعة لمَرآه، وجوبلز أعرج دميم ممسوخ الوجه والقامة، وهيس أسمر من مواليد الإسكندرية، وجورينح ضخم بدين جدته فرنسية … ولكنهم يهتفون للألمان بما يعجبهم فهم مصدَّقون ولو كذبتهم العيون!
لقد أكبر بعض الكتاب الأوروبيين من هتلر أنه «صنع المعجزة» وأعاد إلى الألمان الثقة بأنفسهم وقد شارفوا على الذِلَّة والانحلال.
هتلر مع شامبرلين ودلادييه وموسوليني.
هتلر مع شامبرلن وهندرسون السفير البريطاني.
فهل جاء هتلر قومه برسالة الثقة بالنفس أو رسالة الاستخفاف بالآخرين؟
إن الواثق بنفسه لا يلغي حقوقه في الحرية ولا يبني حياته على التسليم والإذعان ولا يصيح على الأبراج والشواهق أنه واثق وأنه يقسم إنه لواثق!
كلا، إنما يفعل ذلك من لا ثقة له بنفسه ولا قدرة له على تمييز رأيه، وليس الاعتداء على الآخرين من صفات الواثقين، ولكنه من صفات من لا يعرفون الحقوق ولا يدرون معنى الحرمات.
وهتلر قد علَّم شبان قومه خلائق معلومة لا صعوبة في تعليمها، بل الصعوبة في اقتلاعها وتبديلها لأنها من نوازع الهمجية وخلائق القطعان.
قال لهم البسوا الكساوى والشارات التي تحبونها، واخرجوا في الشوارع صفوفًا صفوفًا تزعقون وتتوعَّدون، واضربوا اليهود واضربوا الشيوعيين واضربوا الديمقراطيين واضربوا النازيين المخالفين … اضربوا اضربوا اضربوا ولكم المجد والفخار وعلى فرائسكم المسبة والعار.
ولقد عاش أبناء آدم مائة قرن يعاقبون من يضرب ويقيدون يديه ويعيبونه بالشر والرذيلة، ولا يزال الضرب مغريًا يهون فيه العقاب والتأنيب.
فإذا جاء هتلر وجعله شرفًا يبوء المعتدي بفخره ويبوء المعتدى عليه بوصمته ونكره فأين هي المعجزة وأين هي الخليقة الكريمة التي تُكتسب بالمشقة والرياضة وهداية الزعماء؟
هذا اندفاع مع التيار وليس وقوفًا في وجه التيار، وتلك هي النكسة والانحدار وليست هي الوثبة والاقتدار، وما في هذه الزعامة الرخيصة مسحة من العظمة ولا لمحة من الابتكار.
ألغوا وجودهم من ناحية وألغوا وجود الآخرين من ناحية أخرى!
كبحوا حريتهم العالية على الأحرار ثم أشبعوا نفوسهم المكبوحة بشهوة العدوان على حرية الناس. فكانوا خاسرين في الصفقتين، غادرين بحرماتهم وحرمات من يعتدون عليهم. وبئس التعليم إن كان هذا الصنيع في حاجة إلى تعليم.
إنما المعجزة أن تعلِّم المرء الكرامة فلا يهدر حقوقه ولا يهدر حقوق غيره، وإنما الرجل الكريم كما قلنا في كتابنا عن سعد زغلول من «يسوءه أن يتعرض الآخرون لغضاضة مهينة كما يسوءه أن يتعرض هو لتلك الغضاضة، ويعاف الذل حيث كان ولو لم يمسسه في كبريائه، وذلك هو الفرق بين الكرامة المحمودة والغطرسة الذميمة؛ فإن الغطرسة الذميمة هي التي تستريح إلى إذلال الآخرين ولا تغار على كرامة إنسان، وهي التي لا تميز بين الكبرياء بحق والكبرياء بباطل، ولا تلوم الناس لأنهم اعتدوا عليها مبطلين بل تلومهم لأنهم عرفوا لأنفسهم كرامة ولو كانت صادقة وعلى صواب؛ ولهذا يستخذي المتغطرس حين تصدمه القوة من سواه، ولا يزداد الكريم إلا انتصارًا لكرامته حين يمسها من يتطاول عليه».
•••

وهكذا «معجزات» هتلر في شتى مراميها لا تستمد قوتها من رفيع الصفات كما تستمدها من وضيع الغرائز والشهوات، ولا تعتمد على الاقتحام كما تعتمد على الاتباع والانسياق، ولا تروعك بالبطولة كما تروعك بالمداورة والاستغلال، ولا تروض الظروف بل تركبها وهي ريضة ذلول، ولا يرتفع بواحدة منها إلى مرتبة النوادر الأعلين بل يظل حيث كان في زمرة الأواسط وأبناء المصادفات.
? ? أكتوبر سنة ????.? تراجع هذه الشواهد وكثير من أمثالها في كتاب «وثبة ألمانيا» لمؤلفه إرنست هامبلوش Germany Rampant by Ernest Hambloch.? الحرب البتراء، تأليف إريك مور ريتشي The Unfinished War by Eric Moore Ritchie.? كتاب الحق والقوة لمؤلفه الفقيه الألماني الدكتور فردريش رويتر Firedreick Roetter.? في Am Qelle Deutscher Kraft أي من منبع القوة الجرمانية.? كتاب الأصول الحديثة لبحث الأجناس، تأليف هرمان جوش، اقتباس مجلة الناشيون في ? فبراير ????. The New Bases of Racisl Research by Hermann Gauch.
الفصل الثالث
نفس هتلر


صرفنا معظم الكلام في الفصل السابق إلى بيان «الظروف» التي هيَّأت لهتلر ما تهيأ له من النجاح في قومه؛ لنعزل بين أعماله وضجتها الخارجية، ونعلم ما هو حقه وما هو حق الحوادث، ونوازن بين ما هو من فضل الكفاءة وما هو من فضل المكان الذي ارتفع إليه، ونخلص من ثمة إلى سبر أغواره وأغوار أعماله فنسلكه في مسلكه الصحيح ونقيمه حيث ينبغي أن يقوم.
وسنصرف الكلام في هذا الفصل إلى دراسة طبائعه وأخلاقه وبواعث تفكيره وهواه، فيكون سؤالنا في هذا الفصل: لماذا اختار هذا الطريق؟ وقد كان سؤالنا في الفصل السابق: كيف تمهد له هذا الطريق؟
وفي هذا العصر الذي شاع فيه علم النفس واتَّصل فيه طب العقول وطب الأجسام يندر أن يشتهر إنسان بما يثير النفوس دون أن توضع نفسه هو موضع الفحص الطبي والدراسة العقلية، ليتبين الباحثون دلالة أعماله ويتعرفوا نصيبها من الصحة والاستقامة أو نصيبها من المرض والشذوذ.
وهتلر في رأي بعض الأطباء مصاب بآفة نفسية يسمونها «شيزوفرينيا» Schizophrenia أو ما يُعبَّر عنه في العرف الدارج بازدواج الشخصية، وهي آفة تنشأ من الوراثة القديمة والحديثة ومن فرط النشاط في الغدة الدرقية على نحو يغلب في النساء المريضات، وإليه يرجع اهتياج الشعور عندهن وطغيان الحس على أفكارهن. وقد لوحظ على هتلر كثير من عوارض هذه الأنوثة المريضة لأنه يبكي ويمرح حين يشاء، ويغضب ويصخب لأتفه الأشياء، ويثير شعور سامعيه أبدًا ثم لا يزودهم يومًا بزاد من الفكر المُقنِع والرَّوِيَّة الهادئة في غير سخط واهتياج، ويشبه المرأة في تركيب جسمه لضِيق كتفيه وضخامة ردفيه، وقلة العضل في تكوين أعضائه مع عنايته بتصفيف طُرَّتِهِ وتنميق أظافره، وندرة ما يبدو عليه من دلائل الرجولة في اتصاله بالجنس اللطيف، وكثرة ما يعهد من كيده وولعه بالإيقاع وإثارة الشحناء والغيرة بين المحيطين به على نحو ما تصنع المرأة المتبوعة بين المحيطين بها، وهذا إلى صبره الطويل على كل ألم في سبيل الظهور والزينة والمتعة بالتفاف الأنظار، كوقوفه خمس ساعات ممدود الذراع أمام المواكب التي تُحَيِّيهِ وتومئ إليه، وهو نوع من الصبر يُعهد كثيرًا في النساء ولا يعهد في الرجال.
وصاحب الشخصية المزدوجة يتناقض في تفكيره وشعوره كأنما تصدر أفكاره وأحاسيسه من مصدرين أو من شخصين مختلفين؛ فهو حينًا سديد الرأي وحينًا شديد الخطل، وهو تارة وديعٌ لينٌ وتارة شرس عنيد، وساعةً يُحجِم ويتردد وساعة أخرى يهجم ويتعسف، وقد يعالج الأمور علاج الحالم المؤمن ثم لا يلبث أن يعالجها علاج المتشكِّك الذي لا يقنع بغير الواقع الملموس.
ونشرت مجلة المبضع الطبية Lancet في أوائل السنة الحاضرة بحثًا عن الهستيريا النفسية عدَّد فيه الكاتب عوارضها وعلامات هذه العوارض في نفس هتلر وأعماله، فقال إن المريض المصاب بالهستيريا ذكي متعدد الشواغل وإن كان لا يتعمق في واحدة منها، مولَع بالأسرار لَبِقٌ في التسلُّل إلى مكامن الأهواء، قادر على تجديد الصور في خياله وحدسه وربط الشتيت من الأفكار بروابط غريبة وسطحية لا تنفذ إلى اللباب، وإنه مستعد بالفطرة للتغاضي عمَّا لا يوافقه ولا يُرضي لُباناته، وإنه جامح النفس في حبه وبغضه، متقلب في أطواره وميوله، تدور خواطره كلها على محور واحد هو نفسه وما يتقزَّز به حسه، ويفتأ من أجل هذا متشوفًا إلى الثناء متعلقًا بدواعي الغرور. منهومًا بما يلفت الأنظار ويخلب الأفكار، وتساعده على ذلك قدرة على الإيحاء إلى من حوله والإيماء الباطني إلى صحبه، فيحظى بينهم حظوة قَلَّمَا ينالها من عَرُوا من قدرة الإيحاء والإيماء، وتتعطل فيه مراكز الحس فيصاب بضرب من البلادة ويكل أحيانًا عن الإحساس بالجوع والتعب والسهاد، وهو ما يلوح للناس في هيئة الجلَد والدُّءوب والثبات. ويشفع الكاتب كل صفة من هذه الصفات بما يدل عليها من كلام هتلر أو من عاداته المعروفة وحركاته المشهورة، فيحكم عليه بالمرض الهستيري وزيغ التكوين.
أما الطبيب الذي امتحن هتلر في السجن — وهو الدكتور برنشتينر Brinsteiner — فقد نفى عنه المرض العقلي وبوادر الجنون وقال: «إن النظر في حالته النفسية وطريقة سلوكه أظهر لنا أنه لم يُصَبْ بضرر من جَرَّاءِ نشأته وتعليمه وحياته الأولى، وأن الانقلاب الذي حاوله في الثامن من شهر نوفمبر سنة ???? وطالما قيل إنه حماقة وجنون قد يسهل رَدُّهُ إلى اختلال العقل واضطراب ميزان التفكير. ولكنك إذا سمعت من هتلر نفسه بواعث الانقلاب وتعليلاته انتهيت إلى الجَزْمِ بأنه كان مالكًا زمام رأيه أثناء تلك الحركة من بدايتها إلى انتهائها، وأنه لا محل فيها لاختلال التفكير مع احتمال النقص والخطأ في الباعث والتعليل …» وعلى خلاف هذا الرأي الدكتور ماكس فون جروبر Max von Grober الأستاذ في جامعة ميونيخ؛ فإنه يقول إن تعبير وجهه لا يدل على رجل يملك زمام شعوره، بل فيه دلالة على اضطراب واهتياج. وللطب العقلي مدرسة أخرى غير مدرسة المباضع والعقاقير ومستشفى المجاذيب على طراز البيمارستان القديم، وهي مدرسة التحليل النفساني على مذهب فرويد ومذاهب تلاميذه الذين اقتبسوا منه أساس الفكرة وإن ناقشوه في أجزائها أو اختطوا لأنفسهم بعد ذلك خطة جديدة.
فلهذه المدرسة أيضًا كلمتها بل كلماتها في مزاج هتلر وتركيب عقله وسريرة أخلاقه.
فمنهم من يقول إنه رجل مكبوت الغرائز الجنسية لِعِلَّةٍ في تكوينه يدل عليها أنه لم يتزوج ولم تُعرف له صلة مألوفة بالنساء؛ فهو مِن ثَمَّةَ يرى في حب السطوة والقسوة منطَلَقًا لغرائزه المكبوتة ينفِّس به عن ذلك الكبت الأليم.
ومنهم من يقول إنه كان طفلًا مدللًا أَلِفَ التدليل من أُمِّه والشدة من أبيه، فنشأ مضطرب الأهواء، يغلب عليه التدليل حينًا فلا يطيق المعارضة ولا يزال ينتظر من الدنيا التمليق والموافقة كأنها مطالبة بإشباع نهمته من هذه العادة، ويغلب عليه الامتعاض تارة أخرى فيحب التمرد والانتقاض والثأر لنفسه مما أصابه في طفولته وصباه.
ومنهم من يقول هذا وذاك ويزيد عليه أن محنة الفقر والتشرد في الشباب الباكر قطعت ما بينه وبين الناس من رَحِمٍ ومحبة وعوَّدَته سوء الظن وضعف الثقة بالمودة والوفاء، فأصبح غير صالح لمبادلة الأفراد عطفًا بعطف وإخاء بإخاء، وانحصرت علاقاته ببني الإنسان في صورة الجماهير والجماعات؛ فإما أن يحيا في الحركات السياسية التي تقوم على الجماهير والجماعات وإلا فليست له حياة! وإما أن يستيئس في طلب الحركة السياسية وإلا فليس في بيئته الفردية متسع للعطف والشعور، وكل ما تتسع له تلك البيئة الفردية بمعزل عن السياسة فإنما هو والخيبة والنضوب.
ومنهم من يرجع إلى الوراثة من والديه، ومن جهة أبيه خاصة؛ لأنه كان رجلًا مزواجًا تموت له الزوجة فلا تنقضي أشهر حتى ينساها ويبني بغيرها. وكانت أم هتلر ثالثة زوجاته بنى بها وهي في نحو السابعة عشرة وهو في نحو الأربعين، وولدت هتلر وهي في التاسعة والعشرين وهو في الثانية والخمسين. وقد مات بضربة فالج، وقيل إنه مات وهو يتعاطى الخمر في حانة.
ويلاحظ هؤلاء النفسانيون أن هتلر — على إفاضته في بعض أخبار صباه — يقتضب الكلام اقتضابًا عن أبيه وأهله، ولا يبدو عليه الارتياح إلى هذه السيرة فيما يكتبه أو يتحدث به لتابعيه وخاصة رفقائه؛ ففي الأمر لا شك سِرٌّ مجهول غير ما هو معلوم ممَّا تقدم، وفيه الكفاية للدلالة على انحراف الصفات الموروثة.
ويربط بعضهم بين هذا السر المجهول في نشأة هتلر وبين تكرار الكلام في كتابه عن الأمراض السرية و«سوط عذابها» المُنْصَبِّ على أبناء زمانه، ويتساءلون ولا سبيل عندهم إلى اليقين: ألا يجوز أن يكون اختلال الغريزة الجنسية واهتياج الدماغ عند هتلر متَّصلين بسر من تلك الأسرار؟
•••

هذه الدراسات النفسانية والطبية كثيرة مستفيضة في جميع اللغات الأوروبية لا ضرورة لحصرها ولا للاستشهاد بأكثر من النماذج التي استشهدنا بها للإلمام بما يقال في سبيلها.
ولسنا نريد أن نُعَوِّلَ عليها وحدها دون التعويل على ما يزكيها من الوقائع الواضحة التي لا تحوجنا إلى مشرحة الطبيب أو معجم المصطلحات الفنية.
ففي اعتقادنا أن أصدق الأوصاف العلمية في دراسات النفوس هي تلك الأوصاف التي تستغني عن المصطلحات وعن لغة المعامل والمشرحات؛ لأن الأخلاق الإنسانية لم توضع في مجمع علمي ولم تتقرر بعد الكشف الطبي على من وضعوها في الأجيال الغابرة والأجيال الحاضرة. فقد كان في ملايين الملايين الذين وضعوها أناس يجوِّزون امتحان الأطباء وأناس لا يجوِّزونه ولا يحسبون من الأقوياء ولا الأصحاء. وإنما وُضعت أخلاق بني الإنسان بتجاوب الشعور وتجاوب الأحقاب والأعقاب، فملاكها ولا شك هو النفس العاطفة القادرة على مجاوبة من حولها وما حولها مجاوبةً متصلة مستقيمة فيما تؤديه وفيما تتلقاه.
فإذا امتحن الأطباء رجلًا فلم يجدوا عيبًا في وظائف جسده ولا في مجس أعصابه وعضلاته ثم ظهر أن هذا الرجل يحس بالغضب ولا يحس بالرضا، أو يشعر بما يؤلمه ولا يشعر بما يؤلم غيره، أو يقدر على إدراك عاطفة ويعجز عن إدراك عاطفة مثلها، فالوصف الصادق لهذا الرجل أنه ناقص وإن قال الأطباء إنه لا نقص فيه.
ثم هو ناقص وإن لم ينجم عن نقصه ضرر، كما نحكم بالنقص على الجهاز الكهربائي الذي يسمعنا الأحاديث في وقت ولا يسمعنا في وقت آخر، ولو لم تكن هنالك فائدةٌ من السماع أو ضرر من عدم السماع.
فملاك الأخلاق الصالحة نفس صالحة للشعور قادرة على التَّلَقِّي والأداء، وقد تنفعنا البحوث الطبية في التعليل والتفسير إذا عرض لنا ما يحوجنا إلى تعليل وتفسير. أما إذا كانت الأخلاق الماثلة أمامنا غنية عن تعليلها وتفسيرها فهي إذن مفهومة مدروسة بغير حاجة إلى معمل أو امتحان.
وسنتوخى هذه السُّنة دون غيرها في دراسة نفس هتلر وتقويم عمله وكلامه، نتوخاها لوزن الرجل لا لترجمة حياته؛ فإن وقائع التراجم تتشابه وتتكرر في ألوف السِّيَر، وتتشابه وتتكرر في سيرة الرجل الواحد، ولا تميزه إلا طائفة محدودة من وقائعه وأقواله.
التربية والنشأة

كان أبو هتلر المسمى ألواز (Alois) ثمرة «غير شرعية» من بنت فلاحة ورجل مجهول. وكان يحمل اسم أمه شيكلجروبر Schicklgruber إلى أن بلغ الأربعين من عمره، فقُيِّدَ في السادس من شهر يناير (سنة ????) باسم الرجل الذي ظُن أنه أبوه وهو جوهان جورج هيدلر، وقد صُحف هذا الاسم على الألسنة فأصبح هتلر كما ينطق الآن. وتزوج ألواز بثالثة نسائه «كلارا» أم هتلر وهو في نحو الأربعين وهي لم تتجاوز بضع عشرة سنة كما تقدم، وكانت خادمة لزوجته الأولى ثم فَرَّت إلى «فيينا» وهي صبية صغيرة، وعادت إلى موطنها بعد فترة مجهولة الأخبار، فخطبها أبوه.
وتربية هتلر من مولده إلى شبابه تربية صالحة لتفسير حياة رجل جامح النزعات متناقض الأحوال؛ لأنها لم تَجْرِ على استواء واحد بين تدليل الأم وصرامة الأب، وهي صرامة كانت تشتد وتعنُف كلما لمح من ابنه رغبة في احتراف التصوير والعيث في معيشة الإباق والتشرُّد، وهو يعده لوظائف الحكومة ويرشحه لمستقبل رتيب.
وكانت أمه أصغر كثيرًا من أبيه كما تقدم، ولكنها على صِغَرِ سنها كانت متوعِّكة شاكية كما قال هتلر في كتابه، ولم تكن قوية العزيمة لأنها كانت تضعف عن تأديب ولدها والاشتداد عليه، وقد ماتت في نحو السابعة والأربعين، وهي سِنٌّ لا تدل الوفاة فيها على صحة وافية.
أبو هتلر وأمه.
ولم يكن أبوه متين البنية ولا كان قدوة في الوفاء وضبط النفس وبراءة النشأة، بل كان عرضة لنوبات الفالج تعتريه من حين إلى حين، وكان سريع الزواج بعد وفاة زوجاته، وكانت ولادته كما تقدم في غير مهد الزفاف المشروع.
فهل ورث هتلر ما يورث من هذين المزاجين؟ لقد كانت أمه تقول له في طفولته إنه صريع القمر Mondsuchtig وهي كلمة تقارب عندنا كلمة «المجذوب».? والذين عاشروه مجمعون على نزقه وسرعة بكائه وكثرة هياجه وتقلب أطواره، ويقول روشننج Rauschning رئيس مجلس الشيوخ السابق في دانزيج إنه يتخبط ويتشنج ويستيقظ من نومه وهو صائح مذعور كأنما يهرب من أعداء، والشائع عنه الآن أنه لا ينام ليلة بغير دواء مُرقد إلا إذا كان مبيته في برختسجادن حيث يهدأ بعض الهدوء? فإذا أضيف إلى الأثر الوراثي في الجسد أنه نشأ وهو يعلم مولد أبيه في غير مهد الزواج؛ لم يكن من شأن ذلك أن يعزز فيه ضوابط الأخلاق أو يدعم فيه الثقة بنزاهة الآداب. هتلر الطفل.
ومات أبوه وهو يناهز الثانية عشرة فأصبح عالة على أمه الأرملة بضع سنوات، ينتظم في الدراسة فترة وينقطع عنها فترات، وسرعان ما أصيب في معيشة الطواف والتشرد بمرض صدري أعفاه من الدرس ومن التجنيد، فتمت له بُغيته من ترك الدراسة واجتناب الامتحان.
وحاول أن يلتحق بمدرسة الفنون في عاصمة النمسا فلم يقبله الأساتذة لأنهم لم يلمحوا في صوره مسحة من مَلكة المصور الصناع.
وكثيرًا ما ظلمت مدارس الفن نابغًا في صباه ثم أنصفته الدنيا وعُرِفَ قدره بعد حين، إلا أننا لا نعتقد أن أساتذة فيينا ظلموا هتلر حين ردوا صوره ويئسوا من فلاحه؛ إذ ليس أدل على صواب رأيهم من إعراضه الباكر عن الفن واستغراقه في السياسة، وهو ما لم يحدث قَطُّ في تاريخ فنان عظيم مفطور على الخلق والإبداع في عالم الفنون.
فلما ردته مدرسة فيينا قنع بالنقش والتخطيط وبدا له في بعض هواجسه أنه على مثال «ميكال أنجلو» بنَّاء ومثَّال وليس بمصور لوحات وناقش ألوان، وساوره من المرارة والضغن ما يلحق بالغرور المصدوم، فامتلأت جوانحه بالسخط والإنكار.
ثم ماتت أمه وهو في نحو الثامنة عشرة عاجز عن كسب رزقه بسعيه واحتياله. فأوى إلى بيوت الصدقة ومدَّ يده بالسؤال، واجتهد في جمع قوته بنسخ الصور ونقش تذاكر البريد، فلم يظفر من هذه الصناعة بطائل، ولجأ أحيانًا إلى جرف الثلج في الشتاء وحمل الحجارة في العمارات، وهو الرجل الذي كان يعتقد أنه خليفة ميكال أنجلو على هندسة البناء.
وتقضت شبيبته وليس فيها أثر من رحم القرابة أو أُنس الصداقة، فمضى عليه في الحرب العظمى أربع سنوات لم يكتب رسالة ولم ترِد إليه رسالة، ولاحظ زملاؤه أنه كان يرقب توزيع الرسائل والهدايا بشيء من الحرد والتمرمر، فيأبى أن يأكل معهم من أزوادهم حردًا وتمرمرًا في الحقيقة لا أنفة وعزة؛ لأنه لم يأنف أن يأكل خبز الصدقة وأن يبسط اليد بالسؤال.
وكانت علاقته بالنساء ولا تزال محفوفة بالغرابة والغموض، فلم يتزوج ولم يعاشر معاشرة أزواج. وقيل إنه لا يزيد على لمس زنود الحسان والجلوس إلى جانبهن، وإنه لا يتعلق بعاطفة من قبيل الألفة والمحبة.
والحادث الوحيد الذي يذكر في ترجمته من قبيل المحبة الغرامية قد يزيد الغرابة والغموض ولا يجلوهما، ونعني به حادث انتحار الآنسة جريت روبال Grete Raubal بنت أخته التي كانت تعيش معه في مسكنه. فكيفما كانت العلاقة بينهما فليس شغف الرجل ببنت أخته وانتهاء هذا الشغف بالانتحار ممَّا ينفي الزيغ والنشوز، بل هما خليقان أن يثبتاهما أيما إثبات. وجملة ما يُفهم من هذه الأحوال أنها أحوال رجل زائغ الطبيعة ناضب العاطفة، منقطع الصلة «الشخصية» بينه وبين أبناء جنسه، مستعد للبغضاء وليس بمستعد للمودة والوفاء.
موقف هتلر مع فتاة.
كتب هتلر إلى صديقه وزميله روهم في ذكرى الثورة النازية الأولى خطابًا يقول فيه: «يهز نفسي في هذه الذكرى الأولى — يا عزيزي إرنست روهم — أن أشكر لك خدماتك التي لا تفنى للحركة الوطنية الاشتراكية والأمة الجرمانية جمعاء، وأن أؤكد لك مبلغ حمدي للعناية الإلهية التي أتاحت لي أن أدعو رجلًا مثلك صديقي وزميلي.»
وبعد أشهر قليلة قتَل هتلر هذا الصديق والزميل ومئات من رجاله شر قتلة، ووصمه بكل رذيلة من الرذائل التي كان يعلمها ويعتذر عنها بين أصحابه، ولا تمنعه أن يفخر بالصداقة والزمالة للعزيز إرنست روهم. ولم يتقدم هتلر بوثيقة واحدة تُسوِّغ تلك المجزرة الجائحة فيما بين يوم وليلة، مع استيلائه على أَزِمَّة البحث والتحقيق في البلاد الألمانية بأسرها.
وكان هتلر يقول عن القائد فون بلومبرج إنه هو الصديق «الذي لو تركني لقذفت بنفسي من النافذة» ثم ترك هو فون بلومبرج لسبب يدعو إلى التساؤل الكثير، وهو أنه تزوج من فتاة قيل عنها إنها سهلة الأخلاق تعمل في خدمة هيملر رئيس الجواسيس المشهور.
وموضع التساؤل الكثير هو أن هتلر وجوربح حضرَا الزفاف بل كانا شاهديه الوحيدين. فهل يعلم هيملر بحقيقة الفتاة ولا يخبر رئيسه قبل الزفاف وهو الرجل الذي يتتبع خطواته ويتأثَّر حركاته في ذهابه وإيابه؟ وهل يغتفر هتلر هذه الزَّلَّة لرئيس الجواسيس ولا يغتفرها للزوج المخدوع؟ وهل كان القضاء على مستقبل بلومبرج هو حل المسألة الوحيد؟
أيًّا كان ذنب روهم وبلومبرج وعشرات الأصدقاء الذين انقلب عليهم هتلر مثل هذا الانقلاب فهناك أمثلة أمامنا على هوان الصداقة عند الرجل، وليس هناك مثل واحد على صداقة واحدة بينه وبين إنسان من الناس غير صداقة المتآمرين المشتركين في مكيدة واحدة.
ولم تؤثر في سيرته من طفولته إلى أيامه هذه مأثرة واحدة من مآثر اللطف والنبل وكرم السجية، وليس في كلامه ولا عمله إلا العداء و«التعاون» على الانتقام والإيذاء. ولم يُعهد فيه قط أنه غلب فظهر منه العفو والرحمة بمغلوبيه من الأفراد والأمم، وكل ما في نشأته الأولى يدل على أن خلق الغدر فيه ليس بغريب.
روى بعضهم أنه يحب الكلاب والعصافير والأطفال، ويحمل صورة أمه حيث سار.
هتلر مع كلبه.
والكلاب التي شوهدت معه أكثرها كلاب حراسة، فهي أحرى أن تدل على حبه لنفسه وحذره من أبناء جنسه.
وحبس العصافير قد يدل على كل شيء إلا العطف عليها؛ لأن ألم المخلوق الذي ركب الله له جناحين لذَرْعِ الفضاء وهو محبوس في شبرين، أمر لا يحتاج إلى خيال كبير.
على أنه لا حب الكلاب والعصافير، ولا حب الأطفال والحنين إلى ذكرى الأم، بالعلامة على العطف السليم ما لم يقترن بقرائن النبل ومكارم الخلق وفضائل السماحة.
فكثير من «الهستيريين» يألفون الحيوان ويتعهدونه بالتربية، ما نفع وما ضر وما كرُم وما خبُث، حتى الأفاعي والثعابين. ولا يُعوَّل لهم فيما وراء ذلك على مودة وشعور وثيق.
فإن لم تكن ألفة الحيوان مقرونة بشواهد الرحمة حيث وجبت الرحمة فهي دليل على فقر الشعور لا على وفرته وغناه ونبل مغزاه؛ لأنها دليل العجز عن كسب المودة بمجهود عظيم. فلماذا غابت أدلة البر كلها ولم يبقَ لها من دليل في نفس هتلر إلا البر بذكرى أمه؟ وإلا ما يقال من مودته للطفل والكلب والعصفور وهي الخلائق التي يشتري مودتها ولا تكلفه من جانبه مودة إنسانية كبيرة؟ سبب واحد يفسر ذلك أوضح تفسير وأصدق تفسير، وهو أن المودة الإنسانية في نفسه ضعيفة، وأنه لم يكسب إلا مودة الأم التي تحب ابنها لغير فضيلة فيه، ومودة الأطفال والعصافير والكلاب التي تمنح مودتها بغير جهد عظيم.
فالتعلُّق بالأم وبالطفل وبالعصفور وبالحيوان الأليف علامة نبل النفس وغزارة العاطفة إذا كانت علامة من علامات كثيرة، أي إذا عمَّت شواهدها وفاضت ينابيعها حيثما جرى مجراها. أما إذا انحصر الأمر في هذه العلامة الواحدة فهو على نقيض ذلك دليل الأنانية وشح النفس والمساومة الرخيصة على كسب العطف والولاء بأرخص الأثمان، فضلًا عمَّا يكون له من الطبيعة الهستيرية التي لا تستغرب منها أشباه هذه البدوات.
أين العدو الذي عفا عنه هتلر؟ أين الصديق الذي يدَّخر له بقية من الخير بعد انقلابه عليه؟ أين الأمة التي غلبها فأظهر لها دخيلة من دخائل نفسه غير القسوة والغطرسة والتنكيل؟ أين هو الشاهد الواحد الذي يُرِينَا أنه يقسو مضطرًّا ولا يبحث عن القسوة حيثما أتيحت له للذَّتِه وجنوحه إليها؟
إذا رأينا هذا ورأينا معه ألفته للعصافير والكلاب فهنا عاطفة سليمة وهنا شعور نبيل. أما إذا بحثنا عن العاطفة وعن الشعور فلم نَرَ لهما أثرًا في غير العصافير والكلاب فتلك هي وساوس الهستيريا وعوارض الأنانية ونقص التركيب.
شجاعته

يلبس هتلر نوطًا واحدًا على صدره، هو نوط الصليب الحديدي «الذي يقول بعضهم إنه من الطبقة الأولى، ويقول الآخرون إنه من الطبقة الثانية».
ويروي أتباعه أنه استحقَّه بعمل من أعمال الشجاعة النادرة في الحرب العظمى، وهو أنه هبط مع زميل له على اثني عشر جنديًّا فرنسيًّا في خندق قريب من الخطوط الألمانية، فساقهم إلى الأسر جميعًا بسلاح واحد، وهو الرامية التي يحملها الجنود.
والرواية لم تثبت قط في سجل من سجلات الحرب الألمانية، ولا نخالها قابلة للإثبات، فهي أقرب إلى الهزل منها إلى الجِد الرصين.
هتلر مع زميلين.
ومما يلفت النظر في أمر هذا النوط الذي يعتز به هتلر اليوم أنه لم يذكره قط في كتابه الذي ذكر فيه ما هو أهون وأصغر من هذا الشرف البارز، وأنه لم يترقَّ قط إلى رتب الضباط مع افتقار الجيش الألماني إلى الضباط المترقِّين من صفوف الجند المتعلمين في مراحل الحرب الأخيرة.
وقد وقع الاختيار على هتلر للمراسلة في مكتب الفرقة المتطوعة فلم يكن من الذين يحضرون حرب الخنادق في جميع الملاحم. وثبت أن الإصابة التي انتقل من جَرَّائها إلى المستشفى قبيل انتهاء الحرب كانت أهون كثيرًا من الأخطار التي تعرض لها غيره؛ لأنها كانت إصابة بالغازات المُدمعة Lachrymatory gas. التي لا تستلزم الالتحام في الهجوم، ولو أنه أصيب بأقوى من هذه الغازات لما سلم نظره ولا زالت آثاره كل الزوال كما ثبت من امتحان عينيه.
وربما كان في قصص هتلر عن الحرب العظمى أكاذيب كثيرة لا أكذوبة واحدة أو أكذوبتان؛ فإنه يكذب في الأمور التي لا خطر لها، كقوله مثلًا إنهم كانوا يتغنون في الفرقة المتطوعة أثناء معركة الأيپر بنشيد «ألمانيا. ألمانيا فوق الجميع»؛ مجاراة لمن كتبوا عن الحرب من بعيد، وقد حقق الدكتور فريدولين سولدر Fridolin Solleder مؤرخ الفرقة أنها كانت تتغنَّى بنشيد آخر عنوانه الحراسة على الرين Die Wacht am Rhine. ويذكر هتلر غير ذلك من الأحاديث التي تحيط بها شكوك ولا تقل عن هذه الشكوك!
على أن الحرب العظمى شيء بعيد، والحديث عنها عرضة للنسيان والمناقضة والادِّعاء، وفي تاريخ هتلر واقعة مؤيَّدة في المحاكم والسجلات بشهادة الشهود والحاضرين، وهي واقعة ميونيخ التي حاول بها إسقاط الحكومة ثم صدمته طلقات النار من حراسها فلاذ بالفرار.
قال شهود العيان في تلك الواقعة إن لدندورف وجورنج صمدَا لطلقات النار، فأُسِرَ لدندورف وجُرِحَ جورنج ثم نجا بنفسه إلى ما وراء الحدود. أما هتلر فسرعان ما سمع الطلقة الأولى حتى طرح نفسه على الأرض فجأة بغير احتراس، فانخلعت كتفه لشدة الوقعة وتقرر ذلك في الكشف الطبي الذي أُجْرِيَ عند اعتقاله، وكأنما كان يحسب حساب الفرار قبل الهجوم فأوصى سيارة أن تلحق به وركبها وحده دون أن ينتظر فيها إنقاذ أحد من زملائه في تلك المخاطرة.
وقد كان فرار هتلر حقيقة لا تقبل الجدل ولا الاعتذار، فلما أكثر خصومه تعييره وتبكيته خطر له بعد بضع سنوات أن يرحض عنه مسبَّتها ويقطع جريرتها، فصعد يومًا على منبر الخطابة وإلى جانبه غلام ناشئ قدَّمه إلى السامعين وقص عليهم أسطورة له لا تقبل التصديق: خلاصتها أنه كان قد وجد الغلام في الطريق — وكان طفلًا يوم هجمة ميونيخ — فأشفق أن تصيبه النار وحمله مهرولًا لينقذه من الموت، ونسي هتلر أنه كان مخلوع الكتف في ذلك اليوم، وأن العظام المخلوعة لا تطيق اللمس الرقيق فضلًا عن حمل الأطفال والعدو بهم عدة أمتار، ونسي أن قصة الغلام كانت مجهولة كل الجهل لا يشير إليها أحد من المدافعين عنه في الفترة بين يوم الهجوم ويوم الخطاب!
هتلر كما كان في الحرب الماضية.
وقصارى القول أن شجاعة هتلر لم تثبت قط ثبوت اليقين، ولم تعلُ قط على مظنة الشك والإنكار، ولم نعرف لها مؤيِّدًا من مسلكه الطويل في قيادة الأمة الألمانية، وهو يحيط نفسه بالحراس والجواسيس ويوشك أن يتحصن من أقرب المُقرَّبين، مما لم يعهد له نظير في سراديب أجبن القياصرة والخواقين.
مبلغ صدقه

وللعلم بمبلغ الصدق في خلق الرجال السياسيين لا يصح أن نسأل: هل كذبوا أو لم يكذبوا؟ فإن الرجل السياسي قد يكذب وطبعه صادق، وقد يلجأ إلى الكذب حين يلجأ إليه وهو مغصوب كما يفعل الإنسان وهو يتجرَّع الدواء العلقمي، لضرورة من ضرورات الداء.
وإنما يكون السؤال: ماذا يكلفه الكذب؟ هل يكذب وهو مستريح أو يكذب وهو مكره متبرم؟ وهل يسترسل في كذبه أو يقتصد فيه اقتصادًا على قدر المصلحة الموقوتة؟ وهل يتجاوز الحد في اختلاقه أو يكتفي بكتمان الحقيقة وتلوينها بغير لونها؟
فالسياسة كالحرب خدعة، وليس كل كلام يقوله السياسيون صادقًا جِدَّ الصدق في حرفه ومعناه. فيجب ألا تحكم على السياسي بكذب كلامه، بل الواجب أن تحكم عليه بحالته وهو يكذب، فإن هذه الحالة لهي التي تبين لنا هل هو رجل صادق يشذ في كذبه أو هو رجل كاذب يطَّرد في قياس عاداته حين يختلق ما يختلق من الأكاذيب والأراجيف.
فإذا رجعنا إلى هذا القياس مع هتلر فكيف نجده في كذبه؟ إنه لم يكذب قط كما يتجرع المرء الدواء الكريه، ولم يكتفِ قط من الكذب بمقدار معقول، ولكنه يكذب كمن يكرع من شراب لذيذ يعب منه عبًّا ويخشى أن تنزع كأسه من يديه!
فانظر مثلًا إلى قوله عن الروسيا: «إن دولة واحدة فقط هي الدولة التي أشمئِزُّ من الاتصال بها أية صلة على الإطلاق. تلك الدولة هي روسيا الشيوعية.» ?? سبتمبر سنة ????.
أو قوله عنها: «سنمضي عهود المسالمة مع جميع أمم العالم ما عوملنا معاملة الإنصاف. إلا في الشرق فلن ندخل في عهود من هذا القبيل؛ إذ إن الجرمان لن ينافحوا عن البلاشفة، ولن يخطوا خطوة واحدة في مثل هذا الكفاح. ولخير لي أن أَشنُق نفسي من أن أطأ بقدمي هذا الطريق الوبيل.» مايو ????.
وانظر إلى قوله عن المعاهدات: «إن ألمانيا لن تسلك سبيلًا غير السبيل التي رسمتها المعاهدات، وستبحث الحكومة الألمانية جميع المسائل الاقتصادية والسياسية في نطاق المعاهدات وعلى حسب مقتضاها … وليس في الألمان من يفكر في غزو أمة من الأمم.» ?? مايو سنة ????.
وانظر إلى قوله: «إنَّ زَعْمَ الزاعمين أن الريخ الألماني يدبر الخطط لإكراه الحكومة النمسوية لهو زعيم سخيف لا برهان عليه … وإني لأدفع بكل قوة ذلك الادِّعَاء الذي تدعيه الحكومة النمسوية عن تدبير غارة أو شروع في غارة على بلادها. وما فتئ الريخ الألماني على استعداد لبسط يد المَوَدَّة والتفاهم الصحيح فيما يكفل حرية الألمان النمسويين، وهو على أتم استعداد — وقد انتهت مسألة السار — لرعاية ميثاق لوكارنو حرفًا ومعنى غير قانع برعايته من حيث المعنى وكفى!» ?? يناير ????.
وانظر إلى قوله: «إن عهد المفاجآت قد انتهى اليوم.» أو إلى قوله عُقَيْبَ ضم السوديت أن ألمانيا لا تطلب بعد الآن أرضًا في القارة الأوروبية!
أو انظر إلى عشرات من أمثال هذه التصريحات التي لا يقتصد فيها أقل اقتصاد ولا يعني بها إلا نقيض معناها، كعهوده لأصحابه وعهوده لجاراته من أمثال الدنمرك وبلجيكا وهولندة وغيرها، فهل هي كلام رجل يكذب مُكْرَهًا مقتصدًا أو هي كلام رجل يكذب بغير حساب ولا يبالي أن ينقض فعله أقوى توكيداته وأقسامه؟
وليس هذا شأنه في وعوده «الخارجية» وحدها، بل هو شأنه في جميع الوعود والتوكيدات.
فقد أكَّد لمدير الشرطة ووزير الداخلية في ميونيخ أنه لا يعمد إلى انقلاب ما عاش، فلم تمضِ أيام حتى عمد إلى انقلابه المشهور.
وأكد للرئيس هندنبرج أنه يؤيد الوزارة القائمة بعد الانتخاب فنقض توكيده في اليوم التالي لظهور النتيجة الانتخابية.
وأكد للأمة الألمانية أنه في غنى عن تكرير مذابح برتلماوس اكتفاءً بأحكام القضاء، ثم أدار الذبح في أنصاره وخصومه بغير تحقيق ولا محاكمة ولا إعلان أسباب.
ولا موجِب في الواقع لإحصاء أكاذيبه وتسجيل نقائضه بعد أن أعلن بلسانه شريعة الكذب في إنجيل دعوته حين قال: «إن الألماني لا يدرك على الإطلاق أن الأمة لا بد أن تُخدَع وتُضلَّل للظفر بإخلاص الدهماء …» أو حين قال: «إن من دواعي تصديق الأكذوبة مبلغ ضخامتها، فإن الدهماء في سذاجتهم ليقعون فريسةً للأكذوبة الكبيرة قبل الأكذوبة الصغيرة.»
ولقد نفى المذيعون الألمان روايات روشننج التي نقلها عن هتلر ونسوا أن الرجل لم يقل إلا بعض ما تقوله أفعال الزعيم وأحاديثه وعاداته في نقض وعوده. فمن هذا الذي نقله روشننج أن هتلر قال له بعد توكيد من توكيداته المشهورة: «إنني على استعداد لتوقيع كل اتفاق وضمان كل حَدٍّ وتأمين كل من شاء بميثاق من المواثيق؛ فإن التحرج من استغلال هذه الأمور لهو فكرة بلهاء …»
فهل كذب روشننج في الرواية؟ ليكن؛ فهو مع هذا لم يزِد مثقال ذرة على ما علم الناس من أفعال هتلر وعاداته التي يُعلِنها للملأ في بلاده وغير بلاده، ولا يُفضي بها سرًّا لصفوة الزملاء وراء الجدران.
فهو رجل يستمرئ الكذب غير مقتصد فيه وغير مبالٍ بعقباه، وليس الكذب عنده جرعة دواء مكروه، ولكنه شراب سائغ يعب فيه ظمآن.
هتلر في نوبة سوداء.
غرابة الأطوار

يراد الإنسان على بعض الأشياء.
ويريد هو بعض الأشياء.
والأشياء التي يراد عليها ويُساق إليها ليست هي التي تكشف لنا دخيلة نفسه وحقيقة أطواره؛ لأنها صادرة من غيره.
وإنما تنكشف لنا دخائله وأطواره من الأشياء التي يريدها هو حسب مشيئته ووفق مناه، وبخاصةٍ ما كان منها في معيشته البيتية التي يخلو فيها لنفسه ويتصرف فيها بوحي هواه.
وهنا تبدو غرابة هتلر في كل شيء: في مسكنه ومطعمه وفرجته وسلواه. فيبدو لنا عقل نصفه في النور ونصفه في الظلام، أو نصفه في ضحوة الواقع ونصفه في غياهب الأحلام والأوهام. إنسان يهرب! إنسان يلوذ بالفرار؛ ومن ثَمَّ يبدو لنا أيضًا أنه فيما يرتمي إليه من ضجة السياسة ودَوِيِّ الحركة ومواكب الجيوش ومظاهر السطوة إنما هو إنسان هارب، لائذٌ بالفرار.
قال السفير الفرنسي في برلين — مسيو فرانسوا بونسيه — من خطاب كتبه إلى وزير الخارجية الفرنسية بتاريخ العشرين من أكتوبر (????): لما طلب المستشار الألماني في السابع عشر من أكتوبر أن أذهب إليه بأسرع ما أستطيع، وضع رهن مشيئتي طيارة من طياراته الخصوصية، فركبتها في اليوم التالي إلى برختسجادن يصحبني الكابتن ستهلن، ووصلت إليها حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، ومنها أخذتني سيارة لم تذهب بي إلى (أوبر سالزبرج) حيث يسكن الفوهرر، بل ذهبت بي إلى مكان عجيب يحب أن يقضي فيه أيامه عندما يروق الهواء.
والمكان يلوح على البعد كأنه مرصد فلكي أو صومعة صغيرة محطوطة فوق أعلى القمم هناك على ارتفاع ستة آلاف قدم، وتلتف الطريق إليها مسافة تسعة أميال مقدودة في الصخور، تشهد الجرأة في نحتها بمهارة مهندسها طود كما تشهد بمجهود العمال الذين فرغوا من هذا العمل الضخم في مدى سنوات ثلاث.
وتنتهي الطريق أمام سرداب يفضي إلى الجبل وينغلق عليه باب مضاعف من الشبهان، ويؤدي في طرفه الآخر إلى مصعد عريض مصفح بالنحاس يرتقي رأسًا إلى ثلاثمائة وثلاثين قدمًا حيث يقيم المستشار. وهنا نبلغ من الأعجوبة غايتها القصوى! فيرى الزائر أمامه بناءً ضخمًا متينًا يشتمل على رواق عمدان رومانية، وعلى بهو مستدير تحيط به النوافذ والمطلات ويبرز فيه موقد كبير تشتعل فيه الأحطاب الضخام، وأمامه مائدة يحدق بها نحو ثلاثين كرسيًّا، وتنفتح على الجوانب أبواب حجرات شتى مؤثثة بالمقاعد المريحة الوثيرة.
ويطل الزائر من كل جانب كما يطل من الطيارة المحلقة على مشهد متلاحق من الأطواد، وتتراءى له على البعد — وراء منظر كأنه المدرج الرحيب — بلدة سالزبرج والقرى التي تَحُفُّ بها، يشرف فوقها على مد البصر أفق من القمم والشواهق والمروج والآجام كأنها تتشبث بالسفوح.
وفي الجيرة الملاصقة بالمكان حائط ينبثق أمام العين انبثاقًا مفاجئًا يخيل إليك أنه قائم في الفضاء بغير عمد ولا أساس.
وكل أولئك يبدهك وهو مغمور في شفق الخريف كأنه شيء آبدٌ مفخَّم يقرب من البحران. فيعجب الناظر ويتساءل: أفي يقظة هو أم في منام! ويود لو يدري هل ذاك حصن مونسلفات الذي يأوي إليه فرسان الآنية المقدسة؟ أو هو صومعة جديدة في جبل آثوس تخبئ ناسكًا يتهجد ويسترسل في التفكير والعبادة؟ أو هو قصر أنتينيا يرتفع في قلب الجبال الأطلسية! أو هو تجسيد لبعض تلك الرسوم الخارقة التي كان فكتور هوجو يخطط بها هوامش روايته عن حكام الجرمان؟ أو هو خيال مليوني لا يدري ما يصنع بأمواله؟ أو مباءة عصابة يركنون إليها ويجمعون فيها الذخائر والكنوز! هل هو خاطر عقل سليم أو هو خاطر إنسان معذَّب بجنون العظمة وهواجس الشوق إلى التفرُّد والسيادة؟ أوَليس هو إلا خاطر إنسان ملكته المخاوف والظنون!
على أن هناك مسألة واحدة لا يُغضَى عنها ولا تقل عن المسائل الأخريات قيمة عند من يدرسون هتلر من الوجهة النفسية، وهي أن مداخل البيت وخباياه ومنافذه كلها تحميها الجنود ومكامن المدافع الرشاشة.
قال السفير: واستقبلني المستشار بحفاوة ومودة، وكان يبدو متعبًا شاحب السحنة، ولكنه لم يكن في يوم من أيامه الهائجة، ولعله كان في فترة هدوء واسترخاء، فأخذني توًّا إلى إحدى نوافذ البهو الكبير، وأراني المنظر واستراح لما شاهده عليَّ من سمات الإعجاب التي لم أحاول إخفاءها، وتبادلنا بعض التحيات والمجاملات، ثم جيء بالشاي في إحدى الحجرات القريبة، وبدأ الحديث على أثر خروج الخدم وإغلاق الأبواب بيننا نحن الثلاثة، وأعني بالثالث هرفون روبنتروب الذي لم يشترك في الحديث إلا في مناسبات قليلة لم يكن يزيد فيها على توكيد ملاحظات الفوهرر.
وكان أدولف هتلر مستاءً من ذيول الاتفاق في ميونيخ؛ فقد كان يعتقد أن اجتماع الأربعة الذي أزال شبح الحرب وشيكٌ أن يفتتح عهدًا من عهود المسالمة والعلاقات المتحسنة بين الأمم، ولكنه لا يستطيع أن يرى شيئًا من ذلك قد حدث …
إن غيوم الأزمة لم تنقشع، ويوشك إن لم تتحسن الأمور أن تغدو شرًّا مما كانت في مدى فترة قصيرة؛ لأن بريطانيا العظمى تصلُّ صليلها بالإنذار والدعوة إلى السلاح، وتلك مناسبة انتهزها الفوهرر للانطلاق في حملة من الحملات الكلامية المعهودة في خطبة شنها على تلك الدولة وعلى أثرتها وإيمانها الصبياني بتفوقها ورجحان حقوقها على حقوق غيرها. ثم سكنت جائشة الفوهرر بعد قليل …
هذه البدوات التي وصفها السفير الفرنسي ليس فيها مبالغة ولا اختراع؛ لأن عش الفوهرر معروف مشهود مكرر الوصف في أقوال الكُتَّاب، لا خفاء به ولا مثيل له بين مساكن العقلاء. وقد بلغت تكاليف بنائه وتأثيثه وتعبيد طرقه الملايين من أرزاق شعب يشكُون باسمه الضنك والفاقة، فهو وليد التفكير المتسلسل الدائم وليس بالنزوة التي لا تلبث أن تطرأ حتى تزول.
ومثل هذا الولع بالإغراب في المسكن والاستكانة إلى المناظر المسحورة لا يُعهد في غير من أدمنوا المخدرات أو شوهدت عليهم أعراض الخبَل والانتكاس.
ففي تاريخ بافاريا الحديث ملك من هذا القبيل كان يزين الأشجار بالمصابيح المستورة ويحف الغرف والمنازه بالسراديب المسحورة. ثم طبق عليه الجنون فمات في إحدى نوباته وقيل إنهم قتلوه.
وفي تواريخ الملوك الهمجيين أو أنصاف الهمجيين «قلعة» كهذه القلعة الهتلرية بناها الملك الزنجي خريستوف الذي استقل زمنًا في أوائل القرن التاسع عشر بالسيطرة المطلقة على جانب من جزيرة «سان دومينيجو»؛ فقد عنَّ له أن ينفرد بقصر لا نظير له في قصور الملوك، فأمر ببناء قلعته المشهورة على ارتفاع ثلاثة آلاف قدم، ولبث المهندسون يعملون فيها خمس عشرة سنة ولاءً، ورفعوا جدرانها من ثمانين إلى مائة وثلاثين قدمًا وعرَّضوها من عشرين إلى ثلاثين، وأحاطوها بثلاثمائة وخمسة وستين مدفعًا من الشبهان على عداد أيام السنة: كل يوم مدفع لا يتكرر في سائر الأيام! ثم شُلَّ هذا الطاغية فأيقن بزوال ملكه واقتراب يوم هلاكه، فأعد لنفسه قذيفة من الذهب أطلقها على صدره من مسدسه يوم هجم الثوار عليه.
يا للقدر من ساخر قدير! فهذا القدوة الصالحة لزعيم الآريين وصفوة الجنس الأشقر زنجي أسود منتكس الخليقة، وليته زنجي سليم!
ولا شك أن النزعات «المسحورة» التي من قبيل نزعات هتلر لا تنشأ بين يوم وليلة؛ فهي داء قديم قد لازمه في شبابه وكمن في طويَّة نفسه وامتزج بأفكاره وآماله. وقد روى هانيش Hanisch زميله في صباه وشريكه في بيع تذاكر البريد: إن هتلر شهِد يومًا وهو في الحادية والعشرين شريطًا من شرط الصور المتحركة عنوانه «النفق» يخطب فيه رجل يلقي خطبته في نفق ويصبح بعد ذلك زعيمًا لبلاده، فالتهب هتلر شوقًا إلى محاكاة ذلك الزعيم وخطر له أنه يفتتح زعامته بفاتحة فخمة لو تسنى له أن ينشئها بخطبة يلقيها في نفق من الأنفاق. وتحدث بهذه الأمنية الساحرة إلى زملائه فضحكوا منه وأثقلوا عليه المزاح.? وهناك اليوم قصور تُبنَى ثم تُهدَم في برلين، وشوارع توسَّع جوانبها على الرغم من جِدَّة المباني التي تشرف عليها، ثم لا يكون لتوسيعها من سبب إلا أن تصبح أوسع مثيلاتها في أوروبا وأمريكا، ومكاتب يُباهون بجلب الخشب لها من ثماني عشرة مملكة، ومظاهر شتى من مظاهر السموق والروعة لا يضنون بالمال عليها، وكلها فيما نظن وليدة الطبع المنتكس وترجمة ذلك «الخطاب في النفق» الذي لا يزال يُتَرجم في عالم السياسة كما ترجم في عالم البناء.
نعم لا يزال يُترجم في عالم السياسة ليوقع العالم في مجاهيل لا حَدَّ لها من جراء هوسة غالبة.
وإلا فما هو «صرح الدولة الجرمانية التي تسود العالم بأسره» إن لم يكن نسخة في عالم السياسة من قصور ألف ليلة أو من صومعة الجبل التي وصفها السفير؟
إنه لصرحٌ يهرب به العقل المصروع من عالم الصواب والرشاد إلى عالم الجنون والبذخ والتهاويل.
إنه ناطحة سحاب أو مخبأ في سرداب، أو حجاب لا يستر ما وراءه من التبلبل والاضطراب.
وشأن هتلر في الطعام كشأنه في السكن من الولع بالغريب والجري على سُنَّةِ الإخراج المسرحي، والتعاظُم بأمثال الإشاعات التي تُشاع عن كواكب الصور المتحركة فيما يأكلون ولا يأكلون، وفيما يلبَسون ويخلعون.
تارة يقال إنه صائم عن اللحوم، وتارة يقال إنه لا يستنزل الوحي إلا بأصناف الجوز والبذور، ويومًا يقال إنه ترخَّص فأباح نفسه البَيض وحساء الدجاج، ويوم ينقضي على هذا فيقال إنه عاد فحرَّم على نفسه ما أباح. وهكذا دأبه في التبغ والجعة وسائر المرطبات.
إخراج مسرحي لا أكثر ولا أقل.
فإن كان وراء الإخراج المسرحي حقيقة فهي شيء تافه لا غرابة فيه ولا موجِب فيه لكل هذه الأقاويل.
رجل يصاب في صدره فتيًّا فيدرج على كراهة التدخين، ورجل لا ينام أحيانًا من أثر الهستيريا والإجهاد فيهجر القهوة حينًا ليستدرج النوم، ويشربها حينًا لأنها لن تضيره مع السهاد.
ورجل يرث بنية الفالج والنوبات ويقضي السنوات وهو لا يدرك الوجبة الواحدة في اليوم أو الأيام المتوالية، فيعتريه عسر الهضم ويتقلب في اختيار المأكولات، ويعيى بكأس من الشراب الشديد.
وكل هذا مألوف لا غرابة فيه، ولكن كيف يتفق هتلر والمألوف؟ وكيف يخيل إلى الناس أن هتلر يأكل كسائر الناس؟
إذن تنقلب المألوفات فإذا هي رياضة ونسك واتصال بعالم الغيب وترفُّع عن ضعف الآدميين أبناء الفناء.
وإذا أنالته البساطة ما تُنيله الفخفخة من التهويل واللغط والاستغراب فلا ضير إذن من البساطة المسرحية على شريطة أن تكون شيئًا يطاق: كسوة تُخلع ثم تُلبس بعد ساعات، وليست كوخًا يسكنه ما عاش، أو مكتبًا يشاهد فيه أيان ذهب إلى الديوان.
وإن الناس إذ يشهدون هتلر في كساء بسيط ليقولون: انظروا وانظروا واعجبوا اعجبوا … أكثر ممَّا يقولون انظروا أو اعجبوا لهتلر في الطيالس والفراء.
لهذا تأخذ البساطة نصيبها من مظاهر هتلر، ويكون فيها أجنَّ بالفخفخة والإغراب مما يكون في الحلل والحلي المسوَّمات.
ونظرة خفية إلى نقائض النفس الإنسانية تُرِينَا أن بساطة هتلر في الكساء وغرابة هتلر في البناء هما عنوانان لصفة واحدة، أو هما فرعان لجذع واحد: هو الغرور والادعاء.
فهتلر البسيط في كسائه لا يَتَشَبَّهُ بعلية النبلاء في لباسهم الفاخر لأنه يعلم أنهم يترفعون عنه ويعتزون عليه بالحسب والعراقة فيتحداهم ويأبى أن يعترف لهم بأنه نسي أصله إيثارًا لأصولهم، أو بأنه دونهم في القدر لأنه يتشبَّه بهم ويود لو نشأ على غرارهم.
ولكنه لا يصنع هذا الصنيع في بناء الصوامع والقصور، فلماذا يتفخَّم هنا ويتبسط هناك؟ ولماذا يختلف فعله في كسائه من فعله في مأواه؟
لأنه خليفة «ميكال أنجلو» في عبقرية النحت والعمارة! فالناس لا يقولون إذا رأوه في الصرح المشيد: «ذاك هو المُحدَث الذي يتشبه بالمُعرِقين!» بل يقولون: «ذاك هو الفن العبقري! وتلك هي القريحة النادرة التي تتجسم للعيان بإعجاز بارئها القدير!»
وكلاهما غرور، وكلاهما ادِّعاء!
فالرجل ناشز في تبسُّطه وإغرابه، هارب من الواقع فيما يدَّعيه ولا يدعيه، متعلق بالقصور المسحورة والأبراج الخرافية سواء بنى في عالم السياسة أو بنى في عالم المعمار.
كفاءته الذهنية

والمشهور عن زعماء السياسة أنهم لا يعلمون كل ما يُنسب إليهم، ولا يكتبون كل ما يُكتب بأسمائهم، وهتلر ليس بالاستثناء من هذه القاعدة.
ففي برلين مكتب برئاسة سبير Speer أستاذ العمارة «ينفِّذ» ما يوحي به الزعيم من الخواطر والرسوم في إقامة المعاهد وفتح الطرق والميادين. وقد يختلف المختلفون فيما هو لهتلر وما هو لمكتب التنفيذ من تلك الخواطر والرسوم. فكثيرًا ما يكون الفضل كله للمكتب في ابتداع الرسم وإنجازه ثم يقال إنه من عمل الزعيم أو الرئيس، وكثيرًا ما يُعرِب الزعيم أو الرئيس عن رغبته بكلمة واحدة ثم تأتي التفصيلات بعد ذلك على يد أعوانه، وهو لا يدري بها إلا عند إنجازها والاحتفال بإبرازها.
هذه أمور شائعة لا يجهلها المُطَّلِعُون عليها في الدواوين، إلا أن الحقيقة الراسخة من وراء كل جدل وكل مِرَاء هي أن الفنان الموهوب لن يترك فَنَّهُ ليعقد مصيره بالسياسة وغيرها من المطالب كائنًا ما كان نصيبه منها؛ لأن الهبة الفنية كالوظيفة العضوية التي لا تقبل الإهمال، ولا تزال في إلحاحها على صاحبها كالهيام القلبي في إلحاحه على العاشق الممتلئ بالحياة، فلا هو يغفُل عنها ولا هي تمهله إلى زمن طويل.
وهذه الحقيقة وحدها — بنجوة عن جميع الأوقاويل وجميع الأسانيد — هي الحكم الحاسم في كفاءة هتلر الفنية، أو فيما يَدَّعِيهِ من مواهب التصوير والبناء. فهي لن تعدو الطبقة الوسطى بحالٍ، ولن تتجاوز نصاب التذوُّق الشائع بين مصطنعي النقد والموازنة في الفنون، حتى لو أسندنا إليه جميع الرسوم التي تحمل اسمه في متحف العمارة بمدينة ميونيخ.
ومن خصائص هتلر أنك لا تجد فيه صفة واحدة «خالصة» للعظمة وصحو العقل والطبيعة؛ فكل صفاته النفسية والفنية ملتبسات بين الاضطراب والسلامة وبين الهبوط والرجحان.
مثال ذلك أنه يُعجب بالموسيقي الكبير «فاجنر».
وفاجنر هو الموسيقي الذي يُعجب به المجانين والعقلاء؛ فقد كان راعيه الأكبر الملك لدفيج البافاري مخبولًا مات في خبله، وتتفق الآراء بعد ذلك على أن فاجنر هو موسيقي المردة والغيلان «والشخصيات» المنتفخة التي تقرب من التشويه ومن المسخ الكريه، يسمعه العاقل فيعجب لحسن تمثيله هذه «الشخصيات» العجيبة وحسن تعبيره عنها بالأصداء والألحان، ويسمعه المجنون فيلمس من سريرته موضع التشويه والانحراف، ويرى نفسه مفهومًا على نحو من الأنحاء.
وهتلر ينكر «موسيقى الجاز بند» وما شابهها من فنون النحت والتصوير الحديث التي يتزعمها يعقوب إبشتين Jacob Epstien. ولكنه ينكر كل شيء حسن أو قبيح مصدره من الزنوج كتلك الموسيقى، أو كفن النحت والتصوير الذي تزعَّمه إبشتين وإخوانه في الطريقة؛ فإن أبشتين له عند هتلر سيئتان لا سيئة واحدة؛ لأنه إسرائيلي فهذه هي السيئة الأولى، ولأن تماثيله قريبة في طريقتها من طريقة الأصنام الأفريقية! فهذه هل السيئة الثانية.
وقد أبى هتلر أن يصافح الأوائل السابقين من الزنوج في الألعاب الرياضية العالمية وهم ضيوف بلاده، فإذا كانت ألعابهم لا ترضيه وهي ألعاب الرياضيين في جميع الأمم البيضاء أو السمراء فهل ترضيه موسيقاهم وهي شيء يجوز أن يختص بالزنوج دون سائر الشعوب؟
وعلى هذا النمط يصحو ذهن هتلر وصحوه مقسَّم بين العِوَج والاستقامة، وبين العلة والعافية، فلن يفهم أبدًا على وجه الصحة وحدها في حال من الأحوال.
وما يقال عن التصوير والموسيقى يُقال من باب أولى عن الكتابة والتأليف؛ فإن أحدًا من أتباع هتلر لا يدَّعي له مَلَكَة الكتابة الموهوبة، ولا يثني على أسلوبه ثناءه على أسلوب بارع أو جميل، وإن حسبوا كتابه «كفاحي» إنجيلًا للنازيين.
والشائع — حتى في أمر هذا الكتاب — أن تفكيره مستمد من الجنرال كارل هوشوفر Karl Haushofer صاحب مذهب السياسة الجغرافية أو «سياسة الجغرافية» التي تعد من مبتكراته، والتي يتولى إدارة معهدها الأعلى بمدينة ميونيخ Geopolitics. وإن هس Hess كاتب هتلر الخاص قد اشترك في تأليف كتابه وتنقيحه، وأصبحت له حصة فيه يُعطَاها كل عام، وقيل إنها لا تقل عن خمسة آلاف جنيه. لكنَّ الطابع الهتلري مع هذا موجود متكرِّر فيما يُنسَب إلى هتلر من خطب أو رسائل أو أحاديث.
فليس هو عالة على أعوانه ومساعديه، وليست اللهجة الغالبة في كتاباته لهجتهم المتفرِّقة، بل لهجته هو التي تتكرر على وتيرتها المعهودة، في كل خطبة وكل رسالة وكل حديث.
وفي اعتقادنا أن الرجل لا يخلو من عبقرية، وهبةٍ ذهنية.
لكننا خلقاء أن نحترس في فهم معنى العبقرية هنا لنفهم منها ما نريد في هذا السياق.
فعند جمهرة الناس أن العبقرية هي أعلى مراتب الذهن وأرفع طبقات التفكير.
وهذا خطأ.
فإنما العبقرية حالة تصاحب كثيرًا من المراتب الذهنية، وتشاهَد في كثير من الصناعات: فهناك الفيلسوف العبقري والنجار العبقري، وهناك القائد العبقري والخادم العبقري، وهناك عبقرية الإصلاح وعبقرية الإجرام، وهناك عبقريات لا نهاية لها في أرفع الصفات وفي أوضع الصفات، كأنما هي حالة الاتِّقاد التي تشترك فيها جميع الأجسام على درجات مختلفة من الحرارة.
ولا يلزم أن تكون الفكرة العبقرية «أحسن» فكرة من قبيلها، بل كل ما يلزم أن تكون الصبغة العبقرية باديةً عليها.
وهذه الصبغة ممَّا يصعُب تعيينه وتوضيحه، ولكننا نُقرِّبها بعض التقريب ونوضِّح ما نعنيه بها جهد المستطاع.
فالعبقرية أقرب إلى الغريزة والبداهة منها إلى التفكير المسبب والقياس المدروس.
ولها خاصة الحماسة والتوهُّج والرغبة، فلا يباشرها الإنسان وهو كارهٌ أو طامع في الجزاء، بل يباشرها كأنه مُقبِل على رياضة شائقة ومتاع محبوب.
والعبقرية تضلِّل من يراقبها أشد التضليل؛ لأنها تفاجئه بالمتناقضات وما هي في باطن الأمر بالمتناقضات، إذا نحن نظرنا إلى بواعثها ولم ننظر إلى عوارضها وأشكالها.
فالعبقرية شخصية.
والعبقرية طلاقة من القيود.
كل عمل يعمله العبقري ففيه مسحة من لوازمه الشخصية لا محالة، فهو من ثَمَّ مُطَّرِدٌ على قياس.
وكل عمل يعمله العبقري فهو خارج فيه على القيود، ثائر على القواعد والمصطلحات؛ فهو من ثَمَّ لا يطَّرد ولا يفتأ مخالِفًا للمتوقع والمألوف.
وها هنا التناقض الظاهر.
ونخطو خطوة وراء هذا التناقض الظاهر فنرى «مفتاح الشخصية» الذي يفسِّر لنا كل نقيضة ويعلل لنا كل مستعصٍ على التعليل.
مثال ذلك غريزة الهجرة في الطيور، وقد قلنا إن العبقرية أقرب إلى الغريزة منها إلى التفكير.
فالهجرة لها — ولا ريب — غاية واحدة هي طلب الغذاء والسلامة من برد الشتاء، وبوحي هذه الغاية يهتدي الطير إلى الأوقات والمسافات هدايةً لَدُنية لا تجاريها في الدقة أرصاد الملَّاحين وآلات الفلكيين.
لكنها مع هذه الدقة سبب الغرق والهلاك لألوف الألوف من أسراب الطير، التي ما تحركت إلا ابتغاء السلامة والغذاء.
ومثال آخر غريزة التناسل ودوام الاتصال بين الجنسين.
فلماذا يستأثر الرجل بالمرأة؟
طلبًا للذرية لا مراء.
وماذا يصنع الرجل الذي يرى ابنًا له يخونه في زوجه؟
إنه يقتله أو يهم بقتله!
وهنا التناقض الظاهر؛ فهو يقتل ذرية حاصلة إذ هو يطلب الذرية المجهولة المشكوك فيها.
ولكنك مع ذلك تفهم معنى هذه الغَيرة واستقامتها مع الطبيعة، وترى ما وراء التناقض الظاهر من القياس المستقيم.
وهكذا تناقض العبقرية، إنما هو تناقض في الظاهر، واستواء عند الرجوع إلى أسرار الشخصية الخفية.
وهذه هي خصائص العبقرية التي حاولنا تقريبها وتوضيحها منعًا لخطأ المخطئين إذ يفهمون أن العبقرية هي أرفع مراتب العقول، وأن الفكرة العبقرية هي «أحسن» ما تجود به الأفكار.
كلا! ليست العبقرية بأرفع مراتب العقل ولا هي بأحسن ضروب التفكير.
ولكنها «حالة» على الوصف الذي قدَّمْنَاه توجد في الذروة كما توجد في الحضيض، وتنتظر في الترياق كما تنتظر في السم الزعاف.
وعبقرية هتلر هي عبقريته في إدراك الجماهير ومراوغات السياسة، فما يفهمه في هذا الباب هو شيء بمعزِل عن الاطلاع، وعن الخبرة المألوفة، وعن الدرس والتعليم، وهو شيء أقرب إلى تفاعُل المواد وتبادُل الأثر في الأجسام؛ فمن الجماهير يعلم ما تريده الجماهير، وفي وثبة الساعة يفعل ما تدفعه إليه وثبة الساعة. وبينما هو مهتدٍ في المسافات الطويلة بهداية كهداية الطير المهاجر بلا خريطة ولا إبرة مغناطيسية ولا دليل، إذا هو يغرق كما يغرق الطير في اللُّجَّةِ التي يراها بعينيه ولا يقوى على اجتنابها.
ويدعونا إلى اعتقاد العبقرية السياسية أو العبقرية الشعبية في هتلر أن سياسته لها طابع، وأنها تتسم بحماسة الرياضة ولا تتسم بقيود الشغل وحدود النظام، وأنه يهجم هجومًا يخيل إليك أنه بالغٌ به الغاية المنشودة، ولعله هو العقبة المهلكة التي تنكل به أشأم النكول عن تلك الغاية.
وفي تفكير العبقري أبدًا حساب «حسبة مجهولة» كالحسبة التي يرمز لها الرياضيون بحرف «س» ويرمز لها جماعة التطور بالحلقة المفقودة.
هناك أبدًا حسبة تنقطع فيها سلسلة التفكير ولا تنتظم إلى النهاية، أو نهايتها القصوى هي «إن قلبي يحدثني بهذا» وكفى.
وهتلر عندما يذكر «العناية الإلهية» كأنها لا تريد إلا ما يريد ينم على غرور عظيم، ولكنه لا ينم على الغرور وحده بذلك، ولا يختار في الحقيقة ما يقول.
إذ «العناية الإلهية» في عُرفِه هي الكلمة التي يسد بها فراغ تلك الحسبة المجهولة أو الحلقة المفقودة.
يسأل نفسه: لماذا أريد هذا؟ أو لماذا سيتم ما أريد؟ ثم يعييه الجواب الصريح.
يعييه الجواب لأن هناك أسبابًا يجهلها ولا يستطيع تنظيم حلقاتها إلى نهايتها، فكلمة «العناية الإلهية» تسعفه إذن في سد هذا الفراغ.
وقد يقال إن هتلر مغرور حين يتخيل أنه سينجح في الحرب لأنه يريد ذلك والعناية الإلهية لا تريد إلا ما يريد.
ولكن هتلر يقول أيضًا في كتابه إن العناية الإلهية قيَّضت له أن يفهم في شبابه لماذا فشلت أحزاب نمسوية ونجحت أحزاب أخرى، وأنها علَّمته أن حركات الجماهير لا تتم بغير اشتراك الجماهير، وأن الانقلاب القومي لا يضطلع به العلية دون السواد … فأي لغز من الألغاز في هذه البداهة التي ظن هتلر أن العناية الإلهية تسوقها إليه؟
كل ما هنالك أنها الحلقة الناقصة في سلسلة الأفكار المسببة، يملأها بما يرضي غروره ولا يدعوه إلى اعترافٍ بالجهل أو بالضعف عن النفاذ إلى كُنْهِ حوادث اليوم، وقضايا التاريخ.
وكلمة «العناية الإلهية» هي اللحام الذي يربط به هتلر ما تَفكَّك من تفكيره ومقدماته، فمن قرأ كتابه أو تتبع خطبه فلن يرى أمامه بناءً كاملًا متناسقًا إلا إذا صدق دعواه أن العناية الإلهية تريد كل ما يريد.
أما إذا شك في هذه الدعوى فليس أمامه بناء قائم. وإنما هو ركام فوق ركام.
كفاءته الخطابية

في كل شهرة خطابية منافذ للمبالغة والإطناب لا بد منها في كل زمان، وفي زماننا الحاضر خاصةً.
ومنافذ المبالغة والإطناب هذه تأتي من مصادر متعددة، بعضها بريء وبعضها متهم، ومنها المقصود المُدَبَّر، ومنها الذي يحدث على غير قصد وتدبير.
فأول مصادر المبالغة والإطناب جمهور السامعين، وهم كدأب الجماهير يحبون أن يتأثروا وأن يخلقوا لأنفسهم دواعي الحماسة والمغالاة، وأن ينوِّموا أذهانهم تنويمًا يسهِّل لهم أن يعتقدوا ما يحبون اعتقاده، وأن ينساقوا في موجة من الشعور لا تطيق الحدود، ولا تقف دون الإعجاب الكامل؛ لأن الوقوف عند حد من الحدود المعقولة يفسد الحماسة، وليس إفساد الحماسة ممَّا تطيقه الجماهير.
وهي — أي الجماهير — طبقات في هذه الخليقة: ترتفع أو تهبط، وتعتدل أو تجمح مع الشطط، على حسب موقفها من الخطيب وموضوع الخطابة.
فإذا كان موضوع الخطابة نعرة قومية أو شهوة عدائية يشترك فيها الخطيب والسامعون، فالجمهور في هذه الحالة على استعداد للحماسة والإطناب بغير مقدرة كبيرة في الخطيب.
وإذا كان السامعون مرءوسين لذلك الخطيب أو أتباعًا متشيعين لحزبه، يكرهون الغض منه لأنهم يحسبونه غضًّا منهم، ويحبون إكباره لأن كِبَرَه منسوب إليهم؛ فهم إذن أكثر استعدادًا للحماسة والإطناب.
وإذا كانوا فوق هذا صغارًا ناشئين يفورون بحرارة السن الباكرة، فأحرى بهم وهم جماعات وجماهير أن يستسلموا لما يسمعون، وألا يجشموا الخطيب معجزة الإبداع، ليستجيش بها قلوبًا هي من قبلِ ذلك لا تهدأ من الجَيَشان.
فأدنى الجماهير إلى التسليم هو جمهور صبية ناشئين يُصغُون إلى زعيم يفخرون به فخر العصبية، ويسمعون منه صيحة الكبرياء الوطنية … وهذا هو جمهور هتلر في جميع المواقف، إلا القليل الذي لا يذكر.
وقد شهد الناس في مصر مجامع يحتشد لها السامعون زرافات زرافات من جميع الطوائف والأسنان، ليسمعوا كلامًا يعلمونه ويحفظونه، من خطيب لا يعجب السامع بصوته ولا بإيمائه؛ بغية الاجتماع في الواقع لا بغية الاستماع.
ثم تتكرر الدعوة ويتكرر الإقبال ويتكرر التصفيق الذي لا باعث له إلا الرغبة في شيء يثير الشعور ويدفع السآمة و«يبرر» للجمهور وجوده وسعيه وانتظاره، ويريحه من الحكم على «وجوده» بالفناء. والفناء كريه إلى كل موجود، جمهورًا كان أو غير جمهور!
وفي وسعنا أن نشهد كل يوم حشدًا من الناس يبذلون من مالهم ليستمعوا إلى مُمَثِّلٍ مضحك مشهور في دور من الأدوار. فما هو إلا أن يلفظ الكلمة الأولى حتى ينفجر السامعون بالضحك والقهقهة، وربما سأل أحدهم جاره: ماذا قال؟ بعد أن يكون قد ضحك مع الضاحكين!
فالمصدر الأول: للمبالغة والإطناب في شهرة الخطباء هو أبرأ المصادر وأخلاها من الغش وفساد الذمة، وهو دفاع الجمهور عن وجوده حيث انتظم له وجود.
والمصدر الثاني: وسط بين البراءة والاتهام، وبين الاندفاع والتدبير، وهو مصدر الرواة وكتاب الأخبار.
•••

فإن الصحيفة الإخبارية لَتتعمد التهويل والإغراق في وصف حادثة هَيِّنة لا تستحق الالتفات إليها؛ لأنها تريد من القراء أن يلتفتوا، وتعيش من التفاتهم إلى ما تكتب، لا من تعويدهم أن يُهملوا الأخبار التي تستحق الإهمال.
والكاتب الذي يسافر ألف ميل لينقل خطبة يلقيها أحد الزعماء في يوم مشهود مرتقب المصير من المغرب إلى المشرق قد يفقد وظيفته إذا قنع بما دون السحر والإعجاز في وصف ما سمع وما رأى، وما لبث الناس ينتظرونه ويتكهنون به متشوقين متلهفين!
وقد تتفق الرواية الأمينة في الصحيفة الرصينة فيقرأها العارف المسئول ويعرض عنها طالب المناظر والعناوين ممن ينظرون إلى مسرح السياسة كما ينظرون إلى مسرح التمثيل، وهم جمهرة القراء والنظارة في كل مكان، فيتواتر النبأ المبالغ فيه وينقطع النبأ الذي يحرص على الصدق والأناة، وينتهي الأمر برواج الكذب والتلفيق، وبالشك في الصدق والأمانة.
فمبالغة السامعين ومبالغة الرواة ملازمتان لكل شهرة سياسية في كل زمان ولا سيما زماننا الحاضر: زمان النشر والإذاعة، وزمان التشوُّف إلى الجِدَّة والغرابة ودفع الملل والسآمة.
•••

ويأتي بعد مبالغة السامعين ومبالغة الرواة مصدر آخر من مصادر التهويل في الشهرة الخطابية قائم على النية السيئة والخطة المرسومة، ونعني به مصدر الدعوة المسخَّرة والأقوال المأجورة، وهو سلاح يعتمد عليه النازيون خاصة فوق اعتمادهم على سلاح الميدان.
وجميع هذه المبالغات قد بلغت في تعظيم شهرة الزعيم النازي أقصى ما يتاح لشهرة أن تبلغ على الإطلاق؛ فاهتمام النازيين بالدعوة المسخَّرة قد جاوز كل اهتمام، وجمهورهم أقرب الجماهير إلى التسليم والاستسلام، وحمَلة الأقلام ما فتِئوا عدة أعوام يتنافسون في إشباع نهمة القراء بين جميع الأقوام.
•••

فمن الطبيعي إذن أن تكون حقيقة هتلر الخطابية أقل كثيرًا من شهرته التي أذاعها الدعاة والصحفيون والسامعون من أتباعه ومريديه، وأن يدخل في حساب شهرته كثير من المبالغة والاختراع و«الإخراج».
ونحن في عصر نسمع فيه الخطباء ونراهم على بعد، ونحكم على المتكلم في برلين أو موسكو أو واشنطون حكم راءٍ وسامع، فما على المذياع ولا على الصور المتحركة من بعيد.
وقد رأينا هتلر وسمعناه.
فهو ولا شك خطيب مبين، ولكن لا شك كذلك أنه ليس من ملوك الكلام في عصرنا الحاضر، وأنه لا يُعَدُّ من طبقة الخطباء الذين يخاطبون كل جمهور ويتكلمون في كل قضية ويروِّضون عصي الأسماع، ولا نخاله يُحسن القول بضع لحظات في موضوع غير الموضوع الذي يقلِّبه منذ عشرين سنة، أو بين أناس غير الذين يوافقونه في الجملة، ولا يخالفونه — إن خالفوه — إلا في التفصيل.
فليس هو في إفاضة بريان، ولا في بادرة لويد جورج، ولا في مهابة سعد زغلول.
ولكنه أقرب إلى الممثل الذي كرَّر دوره حتى حفظه ووعاه ووقع فريسة له فلا يقدر على تبديله.
تخيلْه مثلًا غير غاضب، أو غير متكلم في مظالم ألمانيا المزعومة، أو غير مطمئن إلى آذان سامعيه.
هتلر بين الوجوم والغضب الخطابي.
وتخيله واقفًا في لندن أو في موسكو أو في القاهرة يفاجئ السامعين على غير معرفة باسمه، ولا عهد بموضوع كلامه.
إنه إذن ضائع لا محالة.
وعيبه الأكبر أنه لا يُقنِع ولا يقيم الدليل، وأنه ما خرج قط على عادة واحدة تتردد في جميع مواقفه وموضوعاته، وهي إثارة الحفائظ وإضرام الكراهية ومواجهة السامعين من جانب الشعور المتَّفق عليه بينه وبينهم … وفيمَ اجتهاده في إقناع من هو قانع؟ وإيمان من هو مؤمن بغير برهان؟
ومرجع هذه العادة عنده إلى علل كثيرة: بعضها أصيل عالق بطبعه، وبعضها حديث طارئ عليه من حوادث حياته وعصره.
فالحديث الطارئ عليه هو هذا الذي ذكرناه، وهو أنه تعوَّد في أيامه الأخيرة على الأقل أن يخاطب أناسًا لا يحاسبونه ولا يجسرون على حسابه، ولعلهم لا يريدون أن يحاسبوه لاتفاق الشعور بينهم وبينه.
والأصيل العالق بطبعه أنه فقير في العاطفة الشخصية، غني في العاطفة الشعبية، أي العاطفة التي تربط بين الفرد والجماهير.
والعاطفة الشخصية هي التي تربي عادة المساجلة والمحادثة، ومواجهة العقل للعقل، والنفس للنفس، والإصغاء في موضع الإصغاء، والإثبات بالحجة الصادعة في موضع الإثبات.
فالرجل المفطور على عاطفة يساجل بها العواطف، وفكرة يقابل بها الأفكار، يقول ويسمع، ويستميل الفرد بالوسائل التي يستمال بها الأفراد، مرةً بالإيحاء ومرةً بالدليل ومرة بالشرح المفهوم، وفي كل مرة بتبادل الثقة والاعتراف بحق المناقشة والاعتراض.
أما الرجل الذي نضبت نفسه من جانب العاطفة الفردية، والذي ليس عنده ما يتبادل به مودة بمودة أو فهمًا بفهم أو خاطرًا بخاطر، والذي انقطعت جميع الوشائج بينه وبين إخوانه من أبناء آدم إلا الوشيجة التي تكون بين الواحد والألوف أو بين الداعية والجمهور؛ فذلك رجل محدود القدرة على التحدُّث والتفاهم وعلى الإصغاء والإقناع، محتوم عليه أن يجد جمهورًا يستمع له. ويكتفى منه بالاستماع، أو أن يتخيل نفسه قائمًا بين جمهور وإن كان في مجلسه أفراد قليلون.
لهذا اشتهر هتلر بالتدفُّق في أحاديث السياسة ساعة بعد ساعة دون أن يقف أو يتمهل أو يسأم التكرار. فإن لم يتدفق في أحاديث السياسة فهو بين حكاية نادرة أو إعادة ملحة مطروقة، أو سرد تاريخ قديم، فإن لم يكن هذا ولا ذاك فليس في مجلسه إلا السكوت والوجوم.
فهتلر الفَرْدُ «معدوم».
أما هتلر الموجود فهو البرق الذي ينفخ في الجماهير أو يردد صدى الجماهير.
وانظر إلى صوره وهو في مواقف التفاهم والتحادث ترَ أمامك صورًا فاترة باهتة تنطق بالتكلُّف ونقص الحياة وتبعث في نفس ناظرها الريبة والنفور.
أما الصور التي يحيا فيها وتلبسه الحركة والشدة فهي الصور التي ينقطع فيها التفاهم ويثور فيها الغضب وتتأجَّج فيها البغضاء.
وماذا ترى في هذه الصور؟
إن الخطباء الحماسيين جميعًا لَيغضبون، وإنهم جميعًا ليحركون الغضب في الجماهير.
إلا أن الفرق بين غضب وغضب لَفرق عظيم، وإن الاختلاف بين حماسة وحماسة ليفوق الاختلاف بين القوة والمرض، وبين الجلال والهوان.
رأينا سعد زغلول وهو غاضب في خطبه فرأينا غضبًا كأنه السيف يصول به الفارس على قِرنه، ويعرف كيف يصول.
ورأينا هتلر وهو غاضب في خطبه فماذا رأينا؟ رأينا غضبًا كأنه الدُّمَّلُ المفتوح ينفِّس عن ضغينة كامنة كأنها القيح المحبوس، فهو فرصة للألم والتذاذ الألم في وقت واحد، وهو علاج للتنفيس عن داء، وليس بالسيف في أيدي الأقوياء.
هتلر مع السفير البريطاني.
هو نوبة مصروع وليس بوثبة صارع.
وهو منظر تزوَرُّ منه العيون، وليس بمنظر تَوَدُّ العيون أن تمتلئ منه.
وهو رقصة الهمجي في حومة الدَّمِ أمام أوثان النقمة والتشفي، وليس برقصة الفارس في حومة البرجاس.
وقد جمعنا في هذه الصفحات صورًا عدة لهتلر وهو يخطب، أو وهو يغضب؛ لأنه في الحقيقة قَلَّما يخطب إلا ليغضب. فأية صورة من تلك الصور يا ترى يستطيع القارئ أن يكتب تحتها مثلًا: «هذه صورة هتلر يزأر أو يزمجر؟»
إن هذا الكلام لَيُكتب تحت صور كثيرة لمصطفى كمال أو لسعد زغلول، ولكن هتلر — على عنايته بصوره واتخاذه رسامًا خاصًّا يتبعه في جميع المحافل ويوزع في أقطار العالم ألوف الصور بل عشرات الألوف منها — لا توجد له صورة واحدة تُخيِّل إلى الناظر هيئة الأسد المزمجر أو الأسد الغاضب، وكلها بلا استثناء ممَّا يصح أن يكتب القارئ تحته: «هتلر يعوي» أو هتلر «يلطم» … ولا جناح عليه.
•••

ومن المعقول أن رجلًا كهذا يحب حلقات الخطابة التي يتزين فيها لشياطين غروره وحقده كما تتزين المرأة المجنونة لشياطين الزوار، ويستريح فيها للهياج والتهييج كما تستريح تلك المرأة لصرعة الرقص وجلَبة الطبل ورؤية الذبائح وهي تتخبط في الدماء.
ومن المعقول جدًّا أن يكره مواقف المفاوضة والتفاهم لأنها تُطلعه على عجزه وتكشف له عن خواء طبعه، وتخرجه منها وهو في رأي نفسه أقل ممن حوله … إلا أن يلجأ إلى التهديد بالحرب كما يفعل في معظم أحاديثه؛ فهو إذن في موقف الإملاء وليس في موقف المفاوضة والإقناع.
وقد سُجلت كلماته في المفاوضات التي دارت بينه وبين سفراء الدول ورؤساء الحكومات، فإذا هي عبرة العِبَر وأضحوكة الأضاحيك: لا يكون فيها إلا ممثلًا يراوغ، أو مهددًا يتوعد، أو منكِرًا لما يقال على طريقة الأطفال والنساء الجاهلات، إني أنكر هذا لأني أنكر هذا، ولا مزيد …
ناقشه مستر شامبرلن رئيس الوزارة الإنجليزية في الشروط التي فرضها على حكومة براغ وأوجب عليها فيها أن تُخلي الأرض المطلوبة وأن تبدأ الإخلاء في الساعة الثامنة من صباح السادس والعشرين من شهر سبتمبر (????) وأن تتمه عند انتهاء اليوم الثامن والعشرين.
فقال له مستر شامبرلن إن هذا إملاء «إنذار نهائي» بغير حرب، وبغير هزيمة، على أمة قبلت المطالب وقبلت الاحتلال.
واختار شامبرلن كلمة «إملاء» عمدًا لأن هتلر يذكرها كلما ذكر معاهدات الصلح ومعاهدة فرساي على الخصوص، ويعتبرها موجبًا لفسخ تلك المعاهدات.
فما زاد هتلر على أن قال: «كلا، ليس هو إملاء.» وأشار إلى رأس الورقة قائلًا: «انظر! إن الورقة مكتوب عليها كلمة مذكرة …»
وهو كلام يقال للابسي القمصان في ساحة الخطابة فيقبلونه ويسيغونه، ولكنه لا يقال في مفاوضات وزراء وسفراء.
فالخطابة هي الميدان الذي يغلب فيه هتلر بهذا الأسلوب، ولن يغلب به في ميدان آخر.
وقد حذق من الخطابة ما يُحذق بالمرانة ومساعدة السامعين المستعدِّين للإصغاء والتصديق، وأهمه تدفق الكلام وسهولة التعبير.
ولم تزوِّده الطبيعة من أدوات الخطابة الفطرية إلا بزاد واحد وهو انقطاع الصلة النفسية بينه وبين الأفراد، واضطراره من أجل ذلك إلى مواجهة الجماهير للشعور بالحياة ونشاط الإحساس. ومتى نشطت نفسه ودبَّت الحركة إلى ذهنه فلا يندر أن يلهمه الموقف بعض الخواطر البارعة التي يمثل بها أعداءه في صورة مزرية أو صورة تستفز السخط والامتعاض، وكلها من ولائد الكراهية وليس فيها صورة واحدة وليدة عطف أو عناية بالآخرين.
هتلر في حياته الهادئة.
ويختلف الناقدون في صوته اختلافًا لا يتبين الحقيقة فيه من يسمع الصوت منقولًا بالمذياع، وهو ينقل بعض الأصوات على أصلها ويعرِّض بعضها للتحريف وبعضها للتحسين.
فمن الناقدين من يعيبون على صوته خشونة تصك الآذان، ويقولون إنه أجرى العملية الجراحية في حنجرته لإصلاح هذا العيب.
ومنهم من يعجب بما في صوته من العمق ورنة التجويف، ويعده من أصلح الأصوات الخطابية لنقل الشعور الجارف والتهويل على السامعين.
وسواء كان العيب الذي يعيبه أولئك الناقدون صحيحًا أو غير صحيح فالمهم في صفات الأصوات أن تؤلف بالتكرار، وأن يكون لها طابع ولون معروف، وعندئذٍ قد يصبح العيب حلية مرغوبًا فيها مع النجاح والتوفيق.
سيماه

عصرنا هذا هو عصر الزعماء غير مدافَعٍ بين جميع عصور التاريخ.
فقد شهدنا فيه كل ضرب من ضروب الزعامة على اختلاف شروطها ومقوماتها، وشهدنا فيه كل ضرب من ضروب الحركات الشعبية وكل جماعة من الجماعات التي تدين بالطاعة لزعيم.
شهدنا زعماء من طراز سعد زغلول ومصطفى كمال يقودون الأتباع بهيبة «الشخصية» الآمرة وطلعة السيد المطاع.
وشهدنا زعماء من طراز غاندي تحف بهم هالة القداسة ويأتمُّ بهم الناس كما يأتمُّون بناسك المحراب.
وشهدنا زعماء من طراز «دي فاليرا» يعيدون عهد القديسين المقاتلين بالصبر والثقة والمفاداة.
وشهدنا زعماء من طراز موسوليني يسري منهم النشاط الحيوي إلى أتباعهم كما تسري الحرارة في الأسلاك.
وشهدنا زعماء من طراز لنين يقنعون من يقنعونهم بقوة الفكر المتعصب والمنطق المنحرف واللَّدَد العنيف.
وشهدنا زعماء من طراز شيان كاي شيك يقررون زعامتهم بصرامة العزم وحصافة الذهن ومثابرة الصبر والعناد.
وشهدنا زعماء كابن السعود يجمعون أكبر ما يجتمع في أبناء قومهم من الصفات، فيفهم الناس أن ابن السعود أكبر العرب لأنه أكبر عربي في طبائع الأمة العربية كما نعرفها الآن.
وكل هؤلاء الزعماء يراهم المتفرِّسون المتوسِّمون فلا يحارون في أسرار زعامتهم، ولا يجدون أنفسهم مضطرين أن يسألوا: لماذا كان هؤلاء زعماء؟ لأن الإيمان باستحقاق سعد زغلول ومصطفى كمال وغاندي ودي فاليرا وموسوليني ولنين وشيان كاي شيك وابن السعود لمنزلة الزعامة في أقوامهم لهو أسهل كثيرًا من الشك في ذلك الاستحقاق.
فآخر ما يخطر على البال أن يرى المتفرس المتوسم رجلًا كسعد زغلول أو غاندي على بُعد ما بينهما من التفاوت، ثم يخرج سائلًا: لا أدري واللهِ ما الذي جعل هذا من الزعماء؟ إنه لا يسأل هذا السؤال لأن حيرة الشك هنا لا تحيك له في خاطر.
أما الذين رأوا هتلر — وقد رآه أكثرنا في الصور المتحركة — فكلهم على ما نعتقد يسألون: أين سر الزعامة فيه؟ لماذا يستهوي الجماهير؟ وأي شيء يعوضه عن هيبة الزعماء؟
وعندنا نحن أن سر الزعامة في هتلر أنه هو «واحد مكبَّر» من جماهير النازيين، أو أنه هو «مكبر الصوت» الذي يعيد في الساحة الواسعة أصداء أفراد متعددين، لا يسمع الواحد منهم إلا إلى أمد قريب.
هتلر وجوبلز.
فهو رجل يستطيع كل فرد من أتباعه أن يتمثَّل فيه نفسه مجسَّمًا معظمًا بهذا التمثيل. ويقول في وعيه الخفي: انظر. انظر. هو ذا أنت. هو ذا نموذج منك في نطاق كبير.
وهتلر من أجل هذا ضائع «المعالم الشخصية» لأنه في صميمه ولبابه مجموعة من ملامح الجمهور وليس بفرد عظيم له ملامح فرد عظيم.
ولو وُضِعَ في وسط خمسة أو وسط خمسين أو وسط خمسمائة لكان حيرةَ الحائر في الانتقاء والاستخراج؛ لأنه صورة لا تتميز من سائر الصور إلا إذا انتزعتها من بينها لتكبيرها.
فكل خَصلة في رجل الشارع فهي في هتلر أضخم وأجسم، ولكنه يلبَسها كما يلبس الممثل دوره فلا يناقضك «بشخصية» مقررة تثير المقاومة والمناظرة، ولا يشعرك بالغضاضة أن تجلسه على كرسي الرئاسة؛ لأنك أنت الذي أجلسته عليه وأنت الكاسب عند الموازنة بين نصيبك ونصيبه، فإنما هو «شخصية مسرحية» وأنت الحقيقة الحية على كل حال.
وانظر الفارق مثلًا بينه وبين بسمارك، أو بينه وبين هندنبرج، أو بينه وبين مولتكة، أو بينه وبين أصحاب القيادة السياسية والحربية في أمة الألمان على الإجمال.
فليس واحد من هؤلاء «شخصية مسرحية» تقوم على الثوب الذي تلبسه لتمثل به الأمة بأسرها.
نعم إنهم ألمانيون في الصميم، وألمانيون في الخلق والسحناء، ولكنهم ألمانيون ينفردون بملامح لا تنغمر في ملامح السواد، وليسوا بالقناع الألماني الذي تتساوى فيه الوجوه.
ماذا يبقى من بسمارك إذا نزعت عنه جلباب قومه؟
يبقى كثير.
وماذا يبقى من هتلر إذا جردته من ذلك الجلباب المسرحي أو من تلك الصبغة العمومية؟ لا شيء.
ولا شيء يبقى منه أيضًا إذا عزلته عن الحركة النازية في أوانها المعلوم ودواعيها المسبوقة؛ «فهتلر غير النازي» لن يكون له وجود، وبسمارك موجود ولو لم يطرق باب الديوان.
•••

قال كارل شتيبانك Karl Stepanek الممثل الذي رأى هتلر على القرب، وكان هتلر يشهد رواياته ويخلع عليه الجنسية الآرية على الرغم من نشأته التشكية: «دخل الفوهرر فقال: هيل! … تحية النازيين. إني مغتبط بحضورك إليَّ. فأجبته: هيل! ورفعت يدي بالتحية المعهودة. ثم لفظ ببعض كلمات دارجة وسيماء التفكير بادية عليه، أما عيناه اللتان اشتهرتا بلون الحديد فكانتا تنظران خلالي ولا أقول تنظران إليَّ. وطالما سألني أناس من الإنجليز عن تينك العينين ما هما وما لونهما؟ فالحق أقول إنني ما استطعت قط أن أعطيهما لونًا من الألوان الرمادية أو الزرقاء أو الخضراء. إن في تحديقهما ولا شَكَّ شيئًا غير مقبول، فإن وصفه بعضهم بالمغناطيسي فهو فيما رأيت أقرب إلى تحديق الذين ينامون منه إلى تحديق الذين يُنيمون.»
وقال السير نيفيل هندرسون السفير البريطاني الذي كانوا يلقبونه في إنجلترا «بالنازي» لفرط رغبته في مسالمة الألمان:? «ألفت أن أسمع كثيرًا من الألمان — ولا سيما النساء — يترنمون بإشراق سيماه وعينيه خاصة، وكنت أنظر إليهما فأرى فيهما سخونة وغضبًا؛ إذ لم يكن من حظي أن أراه إلا في المناسبات الرسمية. بيد أنني على الرغم من أعماله ومساعيه التي لا يستطاع الإقلال من شأنها لست أرى مناصًا من المصارحة بما أبقاه في نفسي من الأثر عند المقابلة الأولى أو بعدها. وذاك أنه لم يشعرني قط بأية سمة من سمات العظمة. ولقد كان يسحر شعبه كما هو بيِّنٌ بغير حاجة إلى بيان، وكانت له قدرة على الخلابة إذا أجمع النية عليها، فإنها كانت إحدى بضائعه ومخزوناته، وكان لها أثر شهدتُه غير مرة. وإن لم يكن لي منه نصيب.
على أنه في حالاته المعقولة كان يربكني أحيانًا بسداده وحسن تدليله. فإذا سارت سورته، وهي الحالة التي كان لها أبلغ السلطان على قومه، فكل ما كنت أصبو إليه ساعتئذٍ أن أرجوه تهدئة نفسه.
ورأيت منه كثيرًا من اعتزاز الفطرة وتأدبًا حيثما لقيته، ولكني طالما تساءلت وما برحت أسأل: كيف صعد إلى هذه المرتبة؟ وكيف احتفظ بسلطانه على الأمة الألمانية؟ وجواب السؤال الثاني فيما أعتقد أن الألمان يحبون أن يسوقهم الحاكم المستبد، وأن حزبه ليس بقادر، وقد حصل على زعيمه أن يبدِّله الآن. فلا حيلة له في إبقائه حيث هو إذا أراد أن يتقي الهدم والدمار.»
وقال السير نيفيل في موضع آخر: «هذه القدرة على خداع النفس وإقناعها قد كانت جزءًا موصولًا بخططه وتدبيراته، وقد ساعدته على إضرام عواطفه وإقناع شعبه بما يريدهم على تصديقه. ويخيل إليَّ أنه إذا وقف غدًا بين يدي الدَّيَّان فلسوف يجادل يومئذٍ جدال المؤمن في ظاهر الأمر بأنه كان حريًّا أن يعصم أوروبا من أهوال الحرب لو قبل البولونيون شروطه المعقولة السخية!»
وزارته الرحالة المعروفة «روزيتا فوربس» Rosita Forbes فوصفت مظهره بالتفاهة في أحواله الهادئة وقالت:? «يستطيع هتلر دائمًا أن يلوح لك في مسحة البساطة والبراءة على أتمها، وأن يحس ما يقوله في ساعة قوله، وفي تلك الساعة على الأرجح لا في غيرها! وهو لا يصطنع المعرفة الغزيرة، بل يتكلم في سهولة بالغة. وعيناه — إذا لزم موقف الدفاع — تشفان عن بعض الخلو والفراغ، ولكنه يعكس لك ما يحسه متى اهتم بموضوع الحديث بكل ما يبدو لك من ملامحه وسائر كيانه …» وقال الأستاذ ستيفن روبرت:? «إن ألمانيا الجنوبية طالما أنجبت الحالمين وتبَّاع الخيالات، على مثال ملك البجع لدفيج البافاري، فلا تزال بينهم نزعة القرون الوسطى لا تفارقهم. وهم يعيشون في عالم كأنه الوهم بين جبال كأنها الخرافات التي لا ترى رأي العيان، وكأنما الحقول والبيوت التي لهم تخريج مسرح وتصوير ستار.» ثم قال: «وهتلر واحد منهم: ابن فلاح يزيد تعليمه قليلًا على تعليم كل ابن فلاح، ولكنه يستوي الآن في مكان يعلو على متناول الخيال في أعجب ما عندهم من قصص الجان.
وفي الحق إنه لا يخلو أبدًا من هيئة إنسان مدهوش بعض الدهشة، وقد نبهني زميل من كبار أطباء العقول لازمني في رحلة نورمبرج إلى هيئة هتلر وهو يشد نفسه من حين إلى حين في المحافل الكبرى ليكفَّ عن الأحلام، كأنما هي حالة من حالات الشخصية المزدوجة، فهو لا يحب أن تبرز فيه صفات الفلاح الشائعة بين جمهرة الفلاحين، ولا يفتأ مذكِّرًا نفسه بتمثيل دور الزعيم أو نصف الإله بين شعب عظيم، ونبَّهني ذلك الزميل إلى علامة أخرى من علامات هذه الخليقة، وهي إسراعه إلى تبديل ملامح الرضى والاكتفاء التي تزحف إلى وجهه أحيانًا في وسط المواكب الشعبية …»
هذه كلها ملامح رجل مطبوع على «الإيحاء الذاتي» أو مزاج الاستحضار الذي يستعين به الممثلون على تحضير الشخوص والأدوار.
فهو أبدًا شخص غير شخصه، وهو أبدًا لابس قناع من صبغة خياله، وهو أبدًا بين جمهور وعلى مسمع من هتاف وتصفيق، وإلا فهو نكرة من النكرات.
ونحن نستفيد من أوصاف الذين راقبوه ودرسوه وقيدوا حركاته وسكناته عليه … ولكنه لا يختفي عنَّا إذا اختفت أقوال هؤلاء أجمعين؛ لأننا كما قلنا في عصر الزعماء، وفي عصر المذياع يجوب الفضاء، والصور المتحركة تتردد في الأرجاء، وليس لنا محيص من المقابلة بينه وبين زعماء الأمم في زمانه، وليس في وسعنا بعد هذه المقابلة أن ننسب إليه صفة «ذاتية» كالصفات التي تتجلى في أمثال سعد زغلول ومصطفى كمال وغاندي وموسوليني، ولا أن ننسى الفارق بينه وبينهم في مقوِّمات الزعامة؛ فهو مكبر صوت في ساحة عامة، وليس منهم جميعًا من تنحصر سيماه في تكبير الأصوات.
أصحابه

وربما كان أوفى الطرق وأقربها إلى دراسة نفس إنسان أن تُلِمَّ بسيرة أصحابه وأعوانه الذين يعمل معهم ويعملون معه، ويحتاج إليهم ويحتاجون إليه.
فمن هذا الإلمام بسيرة أصحابه وأعوانه نعلم حقيقة العمل الذي يتفقون عليه: هل هو مَبَرَّةٌ يتفق عليها أناس كرام، أو هو جريمة يتفق عليها أناس مخلوقون للإجرام.
وليس في وسع أقرب المقربين إلى هتلر وأرغب الراغبين في الثناء عليه أن يطلق وصف «الأناس الكرام» على أصحابه الأخصاء: جورنج وريبنتروب وجوبلز وهيملر وإخوان هذا الطراز!
هيملر عين هتلر التي لا تغمض وإلى جانبه ضابطان نمسويان.
فكلهم من مرضى الظهور المشهورين بالنقمة والغدر وسوء الدخلة وحب الشرور.
وكلهم ممن يعرفهم العارف فيقول على الفور: ها هنا جريمة مدبَّرة! ولا يخطر له على بال أنها مأثرة من مآثر النبل والشمم والفضيلة.
ولا حاجة إلى التوسع في سيرة هيملر، فحسبه أنه رئيس الشحنة وقائد الجواسيس الذي ترجع إليه آثام الغيلة ومكائد الوقيعة ووصمة التعذيب في المعتقلات، وإفساد الأبناء على الآباء، والزوجات على الأزواج، والإخوان على الإخوان؛ سعيًا وراء الفضائح وتسقُّطًا للأخبار واختراعًا للجنايات والأكاذيب، وقيامًا «بوظيفة نازية» لا يخطر على البال أن يضطلع بها رجل صادق شريف.
ولا حاجة كذلك إلى التوسع في سيرة جوبلز، فحسبه أنه مدير الدعاية النازية التي تقوم على الدس الخبيث والكذب الصريح، والألمان أنفسهم على الرغم من قسوة الرقابة عليهم يصفونه بأنه أكذوبة تتحرك، وقف الممثل الهزلي لدفيج فنك Finkh مرة يقول معرِّضًا به: «نحن الألمان نحب صيغة الجمع لغير داعٍ.» فنقول مثلًا: إن الأكاذيب قصيرة الأرجل … لماذا لا نختصر فنقول: إن الأكذوبة لها رجل قصيرة! جوبلز «الآري» يحرسه رجال الشحنة.
ولكننا نذكر الحقائق المقررة عن الرجلين اللذين يقبضان مع هتلر على زمام السطوة كلها في البلاد الألمانية، وهما ريبنتروب المسئول عن السياسة الخارجية، وجورنج المسئول عن الجيش والطيران، وفيهما ينحصر كل ما في ألمانيا من قوة السياسة وقوة السلاح.
فالأول من صرعى الظهور وأمثلة «الانتهاز» الذين عُرِفُوا في الاصطلاح الحديث بنعت «الوصوليين».
لم يكن من أصحاب الألقاب ولكنه سعى عند عَمِّهِ حتى تبنَّاه، ثم سعى عند المراجع الرسمية حتى قبلت وراثة اللقب بالتبني كما يورث بالبنوة الصحيحة.
ولم يكن الأغنياء ولكنه وصل إلى الثروة من طريق الزواج، فأصهر إلى أوتو هنكل Otto Hinckel صاحب الملايين من تجار الأنبذة المعدودين. وكان في نشأته، وبعد الحرب، يتجر بالنبيذ في ألمانيا الغربية حيث يعسكر الفرنسيون وجنود الحلفاء، وهي تجارة كانت تقوم على التهريب برعاية «الأعداء» المحتلين للبلاد!
وكان سبب التعارف بينه وبين هتلر من «أليق» الأسباب بأخلاق النازيين وطبيعة الحركة النازية.
فقد كان ريبنتروب منوطًا بالتجسس على الأحزاب البافارية في أعقاب الحرب الماضية، وكان ضابطًا يساعده في هذه المهمة ضابط آخر، فكانا موضع الشبهة والارتياب بين العمال وصغار الجند لانتمائهما إلى طبقة الضباط التي كانت كما أسلفنا متهمة النيات في عرف السواد من أبناء الطبقة العاملة.
وكان من جراء ذلك أنهما بحثا عن «جندي» يؤدي عنهما هذه المهمة وينقل إليهما ما يسمع ويرى، فعثرا بالطِّلبة المنشودة، ولم تكن هذه الطلبة غير «هتلر» الذي كان مستعدًّا لكل صناعة من هذا القبيل في مقاهي ميونيخ.
وعلى هذا النحو تم التعارف بين الرئيس والمرءوس، أو بين المرءوس والرئيس.
وريبنتروب بعدُ، هو موقع الميثاق الألماني الياباني لخمس سنوات، وهو هو الساعي في إبرام المحالفة بين الألمان والروس! وإنه لعمل لا يخلو من الدلالة على الأخلاق مهما يَقُلِ القائلون في تسويغه باسم السياسة والمناورات الدولية.
أما جورينج فالثابت من الأوراق الرسمية في بلاد السويد أنه كان يتعاطى المورفين بشهادة الأطباء والصيادلة أمام قضاة الأحوال الشخصية في مدينة «ستوكهلم» سنة ????.
وفحوى القضية أن زوجته السويدية طُلقت من زوجها السابق فون كانتزو Von Kantzow ولها منه ولد قاصر، فاختلفا على الحضانة، وجاء أهل الزوج السابق إلى المحكمة يثبتون أن تربية الولد على خطر محقق بين الأم وزوجها الجديد … لأن الأم مصابة بالنوبات المزمنة، والزوج — وهو جورينج — مصاب بإدمان المخدرات وأعراض الجنون. وبعد تقديم الوثائق وسماع أقوال الخبراء والشهود قضت المحكمة بفصل الولد عن الزوجين وتسليمه إلى حضانة آخرين.
وقد ثبت في المحكمة أن جورينج دخل مستشفى أسبودن Aspudden بعاصمة السويد في منتصف سنة ???? للعلاج من آفة المخدرات وعوارض الجنون، وأنه نُقِلَ منه إلى مستشفى كاتارينا Katarina حيث كانوا يحجزونه في حجرة مبطنة لفرط هياجه بعد تحريم المورفين عليه.? وعجائب جورينج في حب الظهور ونشوز الأخلاق لا تُحصى ولا تفرغ منها فكاهات أهل برلين من نازيين وغير نازيين، حسبك منها أنه يلعب بشبل أسد وأنه يبدِّل نيفًا وعشرين كسوة رسمية، ويملأ كل واحدة منها بالأنواط والأوسمة والشارات!
والظاهر أن الآفة عامة بين زعماء النازيين على صور وأشكال؛ فكلهم جياع إلى المظهر البراق، وكلهم يعيشون في جو التمثيل والإخراج.
فالمنافس الأول لجورينج — وهو ريبنتروب — لا يكثر مثله في تبديل الكسى وحمل الأنواط والأوسمة، ولكنه لا يعيش بغير تمثيل وتهويل سواء أقام في بلاده أو تغرَّب عنها … ومن ذاك أنه تولى وزارة الخارجية فأقام فيها حرسًا من مائة وخمسين فتى يلبسون الكسوة الرمادية الخضراء، ويرسلون الأهداب من الأكتاف، ويصطفُّون كل صباح لأداء التحية في فناء الوزارة.
وروى مراسل «لايف» Life الأمريكية أنه حضر مأدبة من مآدب ريبنتروب الرسمية وهو سفير في العاصمة الإنجليزية، فلما دخل الردهة الكبيرة بصر بابنه رودلف واقفًا على الشرفة وفي يده نسخة لم تفتح من كتاب «كفاحي» لهتلر يقلِّب فيها كأنه يقرأها وينعم في قراءتها! ثم أدب ريبنتروب مأدبة أخرى في الخريف التالي تكريمًا للكونت شيانو، فحضرها المراسل مع الصحفيين المدعوين. قال: فرأيت الفتى في وقفته الأولى، وفي موضعه الأول ومعه الكتاب لم يُفتح بعد، وهو مقبل على قراءته بإنعام.
وحكاية «هيل هتلر» والوقفة النازية في بلاط لندن أعجب ما يُروى من مهازل هذا التمثيل والإخراج!
وقد تساوى ريبنتروب وجورينج في استغلال الوطنية والاستفادة من محنة الأمة عند الحاجة.
فاحتلال الحلفاء لوادي الرين لم يمنع ريبنتروب أن يقنص الفرصة ويتجر هنالك بتهريب النبيذ.
وحماسة جورينج الوطنية لم تمنعه أن يعرض سر المظلات الواقية للبيع في الأسواق الأوروبية، فأنشأ في أيام الجمهورية الألمانية المعروفة باسم الريخ الثاني مصنعًا لهذه المظلات بعاصمة السويد يعرضها لمن يشاء أن يشتريها من دول الأعداء والأصدقاء، وهي تلك المظلات التي يعتمدون عليها الآن في غارات النرويج والميادين الغربية.
وقد حفظت نسخة الإعلان في دار المحفوظات السويدية وفقًا للقانون الذي يقضي في تلك البلاد بإيداع نسخة في المكتبات الحكومية من كل ورقة مطبوعة … فكأنَّ جورينج لا يختص وطنه بمخترعاته إلا إذا كان له نصيب من حكمه، أما إذا كان يائسًا من الحكم غريبًا في بلاد أجنبية فليس لوطنه هذا الحق عليه.
وندع هنا ما أفشاه الصحفي سفتون ديلمر Sefton Delmer عن ودائع الزعماء النازيين في المصارف الأوروبية والأمريكية وتبلغ في تقديره سبعة ملايين من الجنيهات. فسواء ثبت هذا الخبر أو لم يثبت فالهدايا التي قبلها جورنج في عرسه (سنة ????) ولا يزال يقبل أمثالها تبلغ الملايين ولا شك فيها بين الألمان … والأسهم التي اشتراها جوبلز في البلاد الخارجية حقيقة لا تقبل الإنكار، ومنها مائة سهم في شركة كبيرة يعرفها المصريون وهي شركة قناة السويس حُجز عليها (أي على الأسهم) بقرار من نيابة محكمة السين في منتصف شهر مايو (????)، وقس على ما ثبت بالأوراق والشهادات ما هو مزويٌّ إلى الساعة في انتظار الإثبات.
إلا أننا لو نفينا الاختلاس وابتزاز الأموال عن هؤلاء الناس لظلوا على وصفهم الذي تنكره الأخلاق والأذواق عصابةً من مرضى الظهور ونهَّازي الفرص وأصحاب الضراوة بالشرور.
فما هي القضية الشريفة التي يخدمها أمثال هؤلاء؟ وما الذي يرحض عنهم وصمة هذه الشرور؟ أيرحضها عنهم أنهم أذكياء لبِقون في التحيل ونصب الفخاخ؟
لقد حيَّرت عصابات المهربين في الولايات المتحدة ذكاء الشرطة والمحقِّقين ورؤساء الحكومة حتى اضطروهم إلى رفع الحظر عن المسكِرات؛ فمن المجرمين أذكياء ومنظمون، ولكن ليس من رجال الخير والنجدة والقضايا الشريفة فتاكون أشرار، مجرَّدون من فضائل النبل وسجايا المروءة.
ولولا أن العمل الذي يتولاه هتلر «جريمة إنسانية» لما تولاه معه أناس بهذه الطباع.
تلخيص

وفحوى ما تقدم أننا أمام رجل أبتر مدخول الطبيعة.
لم تؤهله للخير وراثته ولا نشأته، ولا صلة الأرحام بينه وبين أهله، ولا صلة المودة بينه وبين صحبه، ولا القدرة على كسب عيشه، ولا النجاح والتوفيق في الفنون الجميلة التي ظن أنه مستعد لها بطبعه، ولا الغرائز والعواطف التي ركبها الله في تكوين كل ذكر وأنثى.
وإلى جانب هذا لم يكن لطبيعته المكبوتة مصرف من الحركة الجسدية والألعاب الرياضية التي تُلهي وتشغل عن هواجس النفس المصدومة النافرة وأشواق الجسد العاجز المحسور؛ لأن هتلر على كل إطنابه في مدح الألعاب وتنشئة الجيل عليها لم يولع قط بلعبة رياضية أو حركة جسدية، ولم يشتهر كما اشتهر غيره من الطغاة بغرام السرعة في ركوب الطيارات والسيارات، أو غرام الفروسية في الصيد وتجربة السلاح، أو ما شاكل ذلك من وسائل التنفيس والتفريج.
ولو اقتصر أمره على هذا لكانت نهايته التي لا شك فيها إما إلى الإجرام أو الجنون، وإما إلى الخمول والهزال، ولَمَا سمع به أحد ولا كُتب له اسم في سجل التاريخ.
ولكنه نشأ موهوب الذهن في فترة الزعازع الدولية والمفاجآت السياسية.
واتفق له أنه كان «مختار» خمسة أو ستة في بدء حياته الحزبية: اختاروه ولم يكن في وسعهم أن يختاروا من يشاءون كما يشاءون. ثم تكفَّل التاريخ بالبقية الباقية، وأصبحت الصعوبة بعد ذلك في إسقاطه ومحوه لا في ارتقائه وتمهيد طريقه.
كيف وصل هتلر إلى الزعامة؟
وصل إليها لأنه كان «مختار» أولئك الخمسة أو الستة من البداية، ولم يكن من السهل إسقاط زعيم بعد اختياره.
وكيف فعل بعد ذلك ما فعل في عالم السياسة الدولية؟
فعله لأنه قَبَض بفضل تلك الزعامة على موارد أمة كبيرة كالأمة الألمانية، عدتها ثمانون مليونًا وطاقتها الحربية والسياسية والصناعية لا تفوقها طاقة أمة أوروبية، وعقيدة الجيل الناشئ منها في طاعة «الزعيم» أنها مقدمة على طاعة الإله كما قال مدير المدارس الدكتور رينولد كروس Reinold Kraus حيث كتب في صحيفة دوتش تاجسيتونج: «إن المسيحية عالمية في شعورها، ولكن الواجب هو تقديم الوطن على العالم. فمن المستحيل أن تؤمن بالريخ الثالث ثم تؤمن بأن طاعة الله مقدَّمة على طاعة الإنسان.»? ورجل يقبض على زمام ثمانين مليونًا من المخلوقات الآدمية هذه عقيدتهم وهذه فطرتهم وذلك استعدادهم للطاعة العمياء ما الذي يستكثر عليه مما فعل؟ ولماذا يستكثر عليه؟ ولماذا نقف أمام فعله موقف الدهشة والإكبار.
لو أنه كان متقيدًا بدستور أو متقيدًا بقانون أو متقيدًا بعُرف مأثور أو متقيدًا بمعاهدات مرعية أو متقيدًا باجتناب الحرب أو بالسير في طريق محدود لا يتحاشاه ولا يحيد عنه، لكان العجب مفهومًا من أن يستطيع ما استطاع. لكنه لم يتقيَّد قط بشيء من الأشياء، ولم يزل يأمر ويطاع في كل ما أراد.
بل نحن نخطئ إذا فهمنا أن المسألة هنا مسألة طاعة؛ لأنها في حقيقتها أكثر جدًّا من الطاعة.
المسألة هنا مسألة تعصُّب لزعيم يراد له التقديس والتمجيد، ومسألة «ثورة شعورية» جامحة في سبيل التمكين والتأييد، أو هي «هوسة» تسبق الطاعة إلى المفاداة والمغامرة؛ لأن غريزة الجماعات قد جاشت جيشانها، فاندفعت كما يندفع القطيع من الماشية في أثر الحيوان السابق، ولو إلى الهلاك.
أيقال إن هذا مطلب صعب على من يريده؟
كلا. بل هذا أسهل المراكب وأوطؤها لمن لا يحسب حسابًا ولا يتقيد بقيد … فليس أسهل من إثارة الشر في نفوس الجماعات الغاضبة المتعطشة إلى الانتقام، المهتاجة بصيحة الحرب والعدوان.
وإنه لأسهل المراكب من الوجهة الاقتصادية والسياسية، لا من الوجهة الشعورية ولا من وجهة النظر إلى غرائز الجماعة دون غيرها.
تسلَّحوا أيها الألمان جميعًا!
هذه أسهل صيحة تصاح وأَقْمَنُها بالإجابة والقبول: يقبلها أصحاب المصانع لأنهم يروِّجون بها مناجم الفحم والحديد ومصانع السلاح.
ويقبلها الضباط والجنود لأنهم يعتزون بها ويضمنون بها العيش والكرامة.
ويقبلها العمال والصُّنَّاع لأنهم يجدون عملًا في صنع السلاح أو في حمل السلاح.
ويقبلها الشيوخ المحافظون لما فيها من تعزيز النظام القديم، ويقبلها الشبان المتطرفون لما فيها من الحماسة والضجيج، ويقبلها النساء لأنهن زوجات عمال أو جنود أو أصحاب أموال، ولأنهن معجَبات بمظاهر الفروسية ومواكب الجنود في كل زمان.
فأنت ترى أنها ليست بمعجزة.
بل هي نقيض المعجزة.
إنها أسهل شيء يخطر على بال من يريد، ولا مانع يمنعها إلا التفكير في العواقب على الأمة الألمانية، وعلى الأمم المجاورة لها وعلى العالم الإنساني بأسره … وهذا ما لم يفكر هتلر فيه؛ لأنه مجرم يركب رأسه، لا لأنه رجل مقدام.
•••

وكل ما صنع هتلر فهو ضروري لغرض واحد: ضروري لإشباع غريزة الحقد والغرور والبطش والإجرام في نفس بتراء ممسوخة.
وليس بضروري لغرض آخر كائنًا ما كان.
نعم ليس بضروري لسيطرة ألمانيا المزعومة حتى لو أمكن أن تسود ألمانيا على الدنيا، وهو مستحيل.
وغاية ما هنالك أن «سيطرة ألمانيا المزعومة» هي الستار الذي يداري به هتلر بشاعة إجرامه، أو هي المخدِّر الذي يُنيم به وسواسه قبل اقتراف الجريمة أو بعد اقترافها.
وإلا فكيف كان هتلر يطيق تلك الأشباح كلها لو صارح نفسه بالحقيقة، وأعلن نفسه أنه يهدر ما أهدر ويقتل من قتل لمحض الاستمتاع بشهوة الدماء ونهمة الأحقاد.
إن القاتل ليرتعد من الوجل والرعب أمام شبح واحد وجثة واحدة. فكيف بالمجرم الذي يقذف بالعالم كله في أتون النار؟! وكيف بالمجرم الذي تتراءى له الرءوس الطائحة من أصدقائه وأعدائه بالألوف؟ وكيف بالمجرم الذي يقضي على شعوب ويهتك كل حرمة مقدسة في الشرائع والآداب؟
الجنون السريع أيسر ما يصيب المجرم الذي تطارده كل هاتيك الأشباح، ثم يصمد لها الليل بعد الليل والنهار بعد النهار، بغير مخدِّر فعال.
وسيطرة ألمانيا المزعومة هي ذلك المخدر الفعال.
فاقتل يا هتلر إذن واضرب وغامِرْ وانتقم وأشبع ما بدا لك من ضغينة وشر وكنود، فما أنت بمجرم منهوم بالشر المستطير، بل أنت بطل مشغوف بمجد ألمانيا الموعود.
هل ضمن مجد ألمانيا الموعود؟ وهل ضمن السيطرة الألمانية على الدنيا؟
كلا! فسيطرة ألمانيا على الدنيا ولو انتصرت في الحروب كافةً مطلب لا يكون، ومصير غير مضمون، ولا هو بعد ضمانه بمأمون.
ولكنه ضمن المطلب الذي لا ريب فيه، وهو إشباع ما فيه من شر متفزِّز ومسخ متحفز، وطبع مكظوم.
وقد يقول قائلٌ الآن إنه استهان بالأرواح والحرمات وأقدم على الشر المستطير في سبيل خطة عظيمة هو واضعها وهو الكفيل بإنجازها في مكان الزعامة على الأمة الألمانية، أو في المكان الذي يستطيع فيه أن يتمنى ويحقق ما يتمناه.
لكنه مع ذلك فرح بالشر المستطير عند إعلان الحرب الماضية وتهلل له وقال في كتابه: «إن تلك الساعات كانت نجاة لي من الضيق الذي كان يرين على نفسي في أيام شبابي؛ فلا يخجلني أن أقول اليوم إنني قد أُخِذْتُ بمجيء تلك الساعة وركعت على ركبتيَّ أشكر الله من أعماق قلبي لأنه أتاح لي العيش في هذا الزمان.»
فهو يفرح بالشر المستطير وهو جندي من عشرة ملايين، ويفرح به وهو زعيم لا يشاركه أحد في الزعامة، وليس في وسع مخيِّلة أن تتوهم أنه قد فرح بالكارثة العظمى ذلك الفرح لأنه رأى أمَّته منتصرة ورأى أنه سيجلس على عرشها بديلًا من آل هوهنزلرن وهم ظافرون! أو رأى أمته منتصرة وهو يتنبَّأ للدولة النمسوية بالانهيار، أو رآها منهزمة ثم تسلسلت أمامه الحوادث إلى اليوم الذي يشن فيه هذه الحرب الحاضرة. فتلك أوهام بعيدة من تخيُّل المتخيلين، وإنما الصحيح من كل هذا أنه مجرم شرير يفرح بالشر حيث كان لأنه لا يعرف الفرح بغيره في عمل من الأعمال.
•••

وإيانا أن ننخدع عن كنه الإجرام فنفهم أن المجرم ينوي الجريمة ويعترف بينه وبين وجدانه باختيارها وتفضيلها ولو تسنَّى له اجتنابها.
فإن المجرمين لَيعتقدون أنهم مُكرَهُون، وأنهم لولا الأيام والصروف لما اقترفوا قَطُّ ما يقترفون، وما من نزيل من نزلاء السجون تسأله فيقول لك إنه كان يأبى أن يعيش كما عاش فلان الصالح السري وفلان العائل المكفول المؤنة بين عياله وأهله، وهتلر أيضًا لو سألته لقال لك مخلِصًا أو غير مخلص إنه كان يَوَدُّ لو تم له كل ما أراد بغير قتال.
هتلر يسمع إعلان الحرب الماضية سنة (????).
إننا لنبحث عبثًا في سجلات التاريخ ووقائع الدنيا الماثلة بين أيدينا لو بحثنا عن المجرم الذي يقول إنه خرَّب العالم وله مندوحة عن خرابه، أو ظلم من ظلم وسفح ما سفح لأنه يستريح إلى الظلم وسفك الدماء.
فإنكار الجريمة لا ينفي طبيعة الإجرام.
وكفى أن يكون الشر سهلًا يواقعه المرء لأيسر ضرورة أو لضرورة موهومة لتثبت طبيعة الإجرام أيما ثبوت.
وما ضرورة دانزيج، وما ضرورة تأجيلها أو انتظار اليأس من المفاوضة فيها؟
ليست بضرورة على الإطلاق.
لكنها مع هذا كانت أعضل على هتلر من معضلة المغامرة بسلام الدنيا ومصير بني الإنسان.
وسوَّغها المسوِّغون فقالوا إنه قد أسرع إلى الحرب لأنه عاهد الروسيين على التزام الحيدة وتقسيم الغنائم، كأنهم يَنْسَون أنهم يعنون بذلك تفسيرًا واحدًا لا تفسير غيره؛ وهو أن صاحبهم يتلهَّف على ذرائع الشر والبغي فلا يرفضها ساعة العثور عليها، وليس يتلهف على ذرائع الرفق والسلام.
•••

وبعدُ فسيطرة ألمانيا على الدنيا ليست حقيقة في حيز الوجود، وليست حقيقة في مستقبل الأيام، وليست حقيقة تساوي أهوالها وخسائرها على فرض إمكانها.
لكنها حقيقة على صورة واحدة، وهي الإعانة على طوية الشر والبغي والتمادي فيهما إلى أقصى مداهما؛ ففي هذا ولا شك هي حقيقة وافية بغاياتها، مؤدية إلى نتائجها.
وليس في تاريخ الرجل عمل واحد يستعصي على إنسان متوسِّط الذكاء غير مقيد بالعواقب ولا بوازع القانون والأخلاق.
فهو لم يصنع معجزة يوم اختاروه زعيمًا لخمسة أو لستة من الفارغين للمشاغبات السياسية في ميونيخ. ولا سيما إذا ذكرنا أن هذه الزعامة لم تكن أمنية مرغوبًا فيها، للشك في مصيرها واستلزامها أن ينقطع لها صاحبها عن الأعمال والعلاقات.
وهو لم يصنع معجزة ببقائه في زعامته؛ لأن خلع الزعيم ولو كان خصومه على هدى، أصعب جدًّا من بقائه في الزعامة ولو كان على ضلال.
وهو لم يصنع معجزة باقتداره على ما فعل وبين يديه موارد الدولة الألمانية وأمامه عالم لا يريد الحرب ولا يتفق على المقاومة.
وفضيلته الكبرى هي نقيصته الكبرى: هي أنه ركب الدولاب الجامح ولم يُبَالِ وخامة المركب؛ لأن أسوأ العواقب لا يعنيه ولا يثنيه.
فلِمَ يفكر ماذا يكون المصير وألمانيا كلها هاجمة على التسليح مشغولة بالتأهب للقتال.
فالمصانع لا تُخرج المدافع والدبابات أبد الآبدين، دورانها على السلاح سرمدًا مستحيل، ووقوفها بعد دورانها أعوامًا مستحيل؛ لما فيه من إغضاب أصحاب المال، وإغضاب الملايين من العمال، المتسكعين بين الجوع والسؤال.
والتحدث عن الحرب ليل نهار لا بد أن ينتهي إلى حرب عاجلة ولو لم تكن لازمة ولا ناجحة.
وتربية الشعب على المفاجآت المسرحية تعوِّده أن يترقبها ويتحفز لها ولا يطيق الفراغ منها، وإلا فترت الحَمِيَّةُ وخمدت نار الزعامة التي هي قوامها وعلة وجودها.
وهكذا دار الدولاب الجهنمي دورته المرهوبة، ولم يكن عند هتلر إلا لعبة أخاذة يستطيبها خيال أكتع لم يخلق للعظمة الفنية، وطبيعة جارمة خوت من الرحم الإنساني، وعقل مخبول يومض فيه الذكاء، ولكنه ذكاء في قبضة شيطان.
هتلر بين يدي هندنبرج.
? كتاب البيت الذي بناه هتلر، لمؤلفه الدكتور ستيفن روبر برتس Stephen H. Roberts.? راجع كتاب «إنني أعرف هؤلاء الديكتاتوريين»، لمؤلفه وارد پرايس Ward Price وهو أحد المعجبين به.? سنداي بكتوريال في ?? أبريل ???? Sunday Pictorial.? من كتابه إخفاق مهمة Failure of a Mission.? من كتاب هؤلاء الرجال أعرفهم These Men I Knew.? Stefhen. H. Robert صاحب كتاب البيت الذي بناه هتلر The House that Hitler Built.? كتاب «جورنج أخطر رجل في ألمانيا»، تأليف كورت سنجر Kurt Singer.? ???/???/????? من صحيفة Deutsche Tageszeitvng.
الفصل الرابع
قضية اليوم


ما هي إذن قضية اليوم؟ ما هي القضية التي يعرضها النازيون على العالم للفصل فيها؟ وأين هي مصلحة العالم من طرفَيِ القضية؟
إن هتلر يعرض على العالم قضية الطغيان والحرية الإنسانية، أو قضية الإيمان بالسلاح وحده والإيمان بشيء في الحياة وفي الحضارة غير السلاح.
وهو لا يعرض على الناس قضية الطغيان ليقول لهم: أيها الإخوان، تعالوا وكونوا طغاة مثلي … ولكنه يعرضها ليكون هو الطاغية المتحكم وهم العبيد المستسلمين.
وهو لا يؤمن بالسلاح وحده ليقضي به في خصومته مع بولونيا وإنجلترا وفرنسا وبلجيكا وغيرها وغيرها، ثم يكفر به ويلقيه جانبًا ويعترف بالحقوق والحرمات.
كلا! بل هو يعتمد عليه اليوم مرة ويعتمد عليه غدًا عشر مرات؛ لأنه إذا بلغ ما أراد زاد اعتماده عليه، وأصبح أقدر على استخدامه مما هو الآن.
فهو قد عمل للحرب فجمع لها عدتها … وغيرُه لم يعملوا للحرب فلم يجمعوا لها مثل تلك العدة.
هل أصاب أو أخطأ في اشتغاله للحرب دون غيرها؟
قل إنه أصاب أو قُلْ إنه أخطأ، فليس هذا مقطع القول الآن، وإنما مقطع القول أن الذي ينصره أو يتمنى له النصر يخطئ كل الخطأ ولا يصيب في حقه ولا في حق العالم أقل صواب.
على أن العالم لو اشتغل للحرب وحدها كما اشتغل لها هتلر لكان معنى ذلك أن الهتلرية قد ربحت المعركة قبل دخولها، وقد دان العالم بدين الطغيان وكفَر بدين الحرية. وأصبح لزامًا عليه أن ينقلب إلى معسكر ميدان لا يتربى فيه الطفل ولا يعمل فيه الرجل، ولا تفكر فيه العقول، ولا تجمع الدولة مالًا أو تنفقه، ولا تبيح الحكومة شيئًا أو تحرمه إلا في هذا السبيل.
وبئس الوقاية من الهتلرية تلك الوقاية.
•••

يقول هتلر للعالم: أعطوني حرية الإنسان. أعطوني حقوق الإنسان. أعطوني ضمان الرأي والروح. أعطوني تراث الماضي والرجاء في المستقبل. أعطوني حقوق الفرد في الدولة ألغيها، وأعطوني الدول الصغيرة أدوسها، والدول الكبيرة أمزقها … وقواعد الطمأنينة في الأرض كلها أزعزعها وألقي الفزع والفوضى والمصير المجهول في مكانها. أعطوني كل ما تعزُّون ولا تسألوني ماذا تأخذون! لأنني آخذ ولا أعطي، آخذ الحرية التي عندكم ولا أعطي القوة التي عندي، أو آخذ رجاءكم في الحرية ولا أعطي رجاءكم في القوة؛ إذ هي لي وحدي لا أعطيها أحدًا حتى بين الألمان خلاصة بني الإنسان، فكيف يُعطاها غيرهم من المخلوقين للطاعة والهوان؟
يقول هتلر للعالم: أعطوني الحرمات والحقوق لأن ألمانيا لا تعيش في الدنيا وللدنيا حرمات وحقوق.
فهل يصدق فيما يقول؟ كلا. بل هو يكذب ويلغو. فما في الأرض أمة تعيش قريرة راضية والدنيا مسلوبة الحرمات والحقوق.
وهبوه مع ذلك صادقًا فعلام يدل صدقه؟ يدل على أن مصلحة ألمانيا ومصلحة العالم نقيضان، وأن العالم لن يستريح وللألمان سطوة وشنآن.
والواقع أن العالم — كذب هتلر أو صدق — لن يستريح والسطوة الهتلرية قائمة والدولة النازية دائمة.
فقضية الإنسان اليوم هي أن تنهزم ألمانيا الهتلرية الهزيمة المبرمة التي لا قيام بعدها؛ لأن انتصارها هو انتصار لمطالبها التي تبغيها، ومبادئها التي تدين بها، ومطالبها الصريحة التي لا تكتمها هي استغلال الشعوب الأخرى وابتزازها، ومبادئها الصريحة التي تبشر بها هي سيادة القوة بينها وبين الدول، وسيادة القوة بين الحكومة والرعية. وهل لأحد أن يطمع من حكومة ألمانية في حرية أوسع من الحرية التي يؤذن بها لأبناء ألمانيا نفسها؟ كلا. فما للحرية وجود في عالم يسوده فرد مقدس معصوم يطلب من الناس ما لا يطلبه الخالق من المخلوقات.
كل ما هنالك مبادئ القوة، ومعنى مبادئ القوة إلغاء التفاهم والتعاقد في السياسة الخارجية، وإلغاء الشورى والانتقاد وضمان الحقوق والأرواح في السياسة الداخلية. فلا شيء غير طغيان السيد وإذعان الضعيف المحكوم إذعان المستسلم الصامت الذي لا ينبس بشكاية، ولا يطمع في إصغاء.
ليس يكفي أن تخرج ألمانيا من الحرب وقد فاتها النصر والاستعلاء، بل يجب أن تخرج منها مهزومة عاجزة عن التهديد.
لأنها إذا ملكت زمام التهديد بعد الحرب لم يلبث العالم أن يعود إلى ما كان فيه من الفزع الدائم والتسابق الأهوج في مضمار التسليح، وأن يسرف إسرافه المنهك في أهبة الهجوم والدفاع. فتذهب موارده في إعداد عدة التدمير ثم تضيق هذه الموارد بكل عمل مفيد من أعمال البناء والتعمير. ويعاني أبناء الأمم جميعًا ما كانوا يعانونه من الكساد وإرهاق النفقات، بغير أمل في تبديل هذه الحالة.
ولا موضع للمفاضلة بين خروج ألمانيا منصورة أو موفورة القوة وبين خروج الحلفاء منصورين قادرين على المقاومة.
فأقل ما يُرجى من انتصار الأمم الديمقراطية أن تبقى حالة الحرية كما كانت في السنوات الأخيرة، وهي حالة أكرم وأسلم من كل حالة يتوقعها العالم بعد تسليط الألمان عليه.
هذا أقل ما يُرجَى من انتصار الأمم الديمقراطية. أما أكبر ما يُرجى من انتصارها فهو اتساع آفاق التفاهم والتعاون بينها وبين الأمم الضعيفة، وهي خطة صالحة للأقوياء والضعفاء على السواء: يظفر منها الأقوياء بمَوَدَّةٍ لا يستهان بها وتخفيف في النفقات الحربية هم أحوج ما يكونون إليه، ويظفر منها الضعفاء بالعضد الذي يريحهم من أعباء الدفاع، ويتيح لهم أن يوجهوا أموالهم وأرزاقهم وجهة الإصلاح والتعمير.
وقد يخطر على بال جاهل أن خروج الدول الديمقراطية من الحرب مضعضعة خائرة أصلح للعالم وأجدى على الأمم الضعيفة.
فهذا الخاطر سخيف مأفون؛ لأن الدول المضعضعة الخائرة لا تضمن تقرير السلام وإخافة المتربِّصين المتوثِّبين للشر وهم كثيرون، منهم المستبدون الذين تجنَّبوا الحرب فصانوا قوتهم للإرهاب والنهب بغير حساب، ومنهم الشيوعيون الذين يرقبون يومًا يفرضون فيه مذاهب الهدم والكراهية على جميع الشعوب، وأي فرصة ينتهزونها لترويج مذاهبهم كالفرصة التي يجدونها وهم آمنون سطوة الدول الديمقراطية الكبرى؟ لعلهم يصيبون بين شعوب تلك الدول نفسها تربة صالحة لإلقاء بذور الفتنة والتمرُّد والانتقاض، متى وجدوها مضعضعة خائرة لا تقوى على إخافتهم ولا على علاج المشكلات المتراكمة في داخل بلادها.
وقد يخطر لأحد أن مذاهب الهدم والكراهية تشقي أناسًا وتسعد آخرين؛ فإن كان المقصود أنها تُسعد الحاكمين بأمرهم فذلك صحيح، أما إن كان المقصود أنها تسعد الأيدي العاملة فليس أفشل من هذا الخاطر بشهادة العيان.
فقد اتسع مجال التجربة للطغاة الشيوعيين جيلًا كاملًا فماذا صنعوا؟ وماذا أفاءوا على الطبقة الفقيرة من فلاحين أو صناع؟ جمعوا على رأسها من الذل والإرهاق ما لم يجتمع في أمة حاضرة، وجعلوا الدولة صاحبة رأس المال وصاحبة المرافق في داخل البلاد وخارجها، فأصبحت الطبقة العاملة من أجل ذلك محرومة حقها قِبَل رأس المال، وأصبح الاحتجاج أو الاضطراب في هذه الحالة تمردًا على الدولة وخيانة عظمى يُعاقَب عليها بالموت أو بالسجن الطويل، وأصبحت السلطة التي يشكو منها العامل هي السلطة التي يشكو إليها. بل أصبحت روسيا كلها سجنًا كبيرًا لا يُباح الخروج منه ولا الدخول إليه إلا كما يباح الدخول والخروج في السجون.
ولا يكتم الشيوعيون هذا الإخفاق الذي لا سبيل إلى كتمانه؛ فهم يعترفون به ويردونه إلى كل سبب غير سببه الصحيح، وهو سخافة المذهب الذي يجعل تاريخ الإنسان كله تاريخ «بنك» أبدي لا محل فيه لغير أطوار النقد وأسعار المصارفات، ولن يفقهوا هذا ولن يرجعوا عنه؛ لأن المسألة عندهم مسألة شهوة لا مسألة فكرة، وهي في قلوبهم حقد على المحسودين وليست رأفة بالمحرومين، وسيُمَنُّون أنفسهم ما استطاعوا أن ينهزم العالم ويتضعضع فيتاح لهم الأمل المنشود، ويدركوا يومئذٍ ما لم يدركوه بعد الحرب الماضية التي خرج منها الظافرون وهم متماسكون غير مضعضعين.
•••

ولهذا نقول إن قضية العالم هي انهزام ألمانيا وانتصار الدول الديمقراطية.
وكما نقول إن كل نتيجة دون هزيمة ألمانيا لا تكفي، نقول كذلك إن كل نتيجة دون انتصار الديمقراطية لا تكفي؛ لأن الشيوعيين والمستبدين هم المستفيدون دون غيرهم من هزيمة الديمقراطية أو من انتصارها على أعدائها انتصارًا لا تحميه.
•••

إن النازيين يتقرَّبون إلينا — نحن الشرقيين — بحجة غريبة، ويتقربون إلى الأمم الأخرى بحجة أغرب وأدعى إلى الريبة.
أما الشرقيون فيذكرون لهم الشكايات التي يشكونها من الدول الديمقراطية، والقضايا الوطنية المعلَّقة بين تلك الدول وبعض الشعوب العربية والشرقية.
ومهما يكن من شأن هذه القضايا والشكايات فممَّا لا نزاع فيه أن المرء لا يحمد جراثيم السل لأنه يشكو الزكام، ولا يرضى بصولة النازيين وطريقتهم في حكم البولونيين والتشكيين والنمسويين والهولنديين وأبناء الشمال؛ لأنه يلقى ما يسوءه من الدول الديمقراطية.
فإن الفرق لبعيد جدًّا بين من ينكر الحرية أصلًا وفصلًا وبين من يعترف بها ويماطلك فيها، أو يخالفك في مقدارها.
ولا أمل على الإطلاق في حرية أو رخاء مع النازيين، ولا يأس على الإطلاق من بلوغ الحرية والرخاء ما دامت للديمقراطية حجة قائمة.
•••

ما من شرقي يرضى للشرق بما دون الإنصاف الشامل والحقوق الوافية، وسيبلغ أبناؤه لا محالة ما يتُوقون إليه من إنصاف ومنَعة بفضل الجهود التي يقوم بها رجال كل بلد على حدة، وفضل الجهود التي يتعاون عليها رجال الأمم العربية كافة؛ فمطلب الحرية والإنصاف لأمم الشرق مطلب مفروغ منه ولا جدال فيه.
إلا أننا حين ننظر إلى النزاع الأوروبي إنما ننظر إلى المسألة من جانب الموقف الحربي والسياسة الخارجية، وهي لا يمكن أن تكون إلا على وجه من وجوه ثلاثة: أن تقف الأمم الشرقية وحدها، أو تقف إلى جانب النازيين، أو تقف إلى جانب الحلفاء.
فالوقوف وحدها في حومة هذا النزاع العالمي لا يتأتى؛ إذ ليس في أمم الشرق الأدنى أمة أقوى من فرنسا وهي لم تستغنِ عن المعونة الإنجليزية، ولا أقوى من بريطانيا العظمى وهي لم تستغنِ عن المعونة الفرنسية.
وحسبنا أن نتخيل تركيا وقد وقفت أمام الروسيا وألمانيا ونظرت إلى خلفها فلم تجد من يحمي ظهرها ويملك العُدَّة اللازمة لنصرتها. فماذا يسعها أن تصنع؟ وماذا يكون المصير إلا أن يطغى الروس والألمان ومن معهم على كل أرض في طريقهم ليقتسموها أو يقتتلوا عليها؟
بقي الوقوف إلى جانب الحلفاء أو الوقوف إلى جانب النازيين، ولا تردُّد في المفاضلة بين الموقفين: قوم يسلمون الحق ويؤجلون موعده، وقوم ينكرون كل حق لمن عداهم في خيرات الدنيا ولا ينتظرون من الساميين خاصة إلا الخضوع لسيادة الآريين، بغير أمل في الخلاص أو في تبديل الحال، إلا أن تتبدل الأجناس. وهيهات!
فالأمم الشرقية لا تعرف مصيرًا هو أولى بخشيتها واتقائها وضياع آمالها من مصيرها مع النازيين، إذا ملكوا زمامها بوسيلة من وسائل الغلب والإرهاب.
•••

أما الحجة التي يتقرب بها النازيون إلى العالم مسوِّغين بها مطامعهم وملطِّفين بها من شرور عدوانهم فهي أنهم لا يصنعون اليوم إلا ما صنعه الإنجليز والفرنسيون في الأجيال الماضية، فلماذا يجوز الفتح للإنجليز والفرنسيين ولا يجوز للنازيين؟ ولماذا تهنأ بريطانيا العظمى مثلًا بالسيطرة العالمية ولا يغلبها النازيون عليها؟
فإذا سلَّم العالم هذه الحجة وجب أن يطلِّق الأمل في التقدم والتفاهم والسلام أبد الآبدين، وأن يجعل السيطرة العالمية قِبلةً لكل دولة تشعر بالقوة وتعتزُّ بالعدد والعدة: يوم للألمان ويوم للروس ويوم للطليان ويوم لأهل اليابان أو الصين أو من شئت من البلاد، ولا راحة للدنيا في هذا الرجراج الصاعد الهابط بين قوم قد استعدوا وقوم يستعدون، أو بين عدة أقوام مستعدين في جيل واحد … وذلك هو الجحيم بعينه للظافرين والمظفور بهم أجمعين.
والحقيقة أن السيطرة على العالم خرافة أغبياء وستظل خرافة أغبياء إلى آخر الزمان.
والناس لا يملكهم واحدمهما علا في ملكه واستطال كما قلنا في توديع غليوم الثاني الذي ركِبه الغرور قبل ربُع قرن كما ركب الهتلريين في هذه الأيام.
فالدنيا لا تسودها دولة في العصور الحديثة ولن تسودها دولة في العصور المقبلة، وما سادتها بريطانيا العظمى في أيامنا هذه ولا في أيامها الماضية. وأحرى بالمستقبل أن يجري على سُنَّةٍ أقوم من هذه السنة ما دام للحضارة معنى وللمصالح المشتركة قدرة على كبح من يعدون عليها؛ طغيانًا في سبيل الفتوح، أو إيثارًا لمصلحة دولة واحدة على المصالح جمعاء.
والأمم التي تدخل في الدولة البريطانية إما مستقلة كأفريقيا الجنوبية وكندا وأستراليا وزيلاندة الجديدة، وربما كان سلطانها على لندن أكبر من سلطان لندن عليها.
وإما تابعة كالمستعمرات الأفريقية وما شابهها وليست سيادة الإنجليز لها دليلًا على سيادتهم للعالم؛ لأن البلجيكيين والإسبانيين يملكون مثلها. ولا ينفع النازيين عند هذه الأمم أن تُجلي الإنجليز عن أرضها؛ فإنها متى استطاعت إجلاءهم فلن تفعل ذلك لتركع تحت أقدام النازيين، وتقبل السيطرة ممَّن يَحسبون الأمم الأفريقية في زمرة القرود.
وبين الأمم المستقلة والأمم التابعة أمم كأهل الهند يتقدمون في طريق الاستقلال، وقد تكون للنازيين مصلحة في الحلول من أهل الهند محل الإنجليز … ولكن ما هي مصلحة أهل الهند؟ وما هي مصلحة العالم؟ وما هي مصلحة الأمم الغالبة أو الدول المغلوبة؟ وما هي مصلحة الأمم الواقعة في الطريق؟
على أننا لم نذكر الهند لتقرير هذه الحقيقة؛ فهي غنية عن التقرير، وإنما ذكرناها لنقول إن الحالة الحاضرة في الهند لا ترجع إلى العوامل الخارجية كما ترجع إلى العوامل الداخلية، وإن بريطانيا العظمى لو رفعت يدها اليوم عن تلك البلاد لما زالت جميع الحوائل بينها وبين قيام الحكومة الوطنية الشاملة، ولا قاربت الزوال.
فهناك الأمراء الحاكمون في ولاياتهم وهم لا يتفقون ولا يرضون أن يحكمهم مجلس في عاصمة بعيدة عن عواصم الإمارات.
وهناك المسلمون وهم كثرة في بعض الأقاليم وقِلَّةٌ في بعض الأقاليم الأخرى، ولو شملتهم حكومة واحدة لأصبحوا قلة ضائعة في جميع الأقاليم.
وهناك المنبوذون وهم عشرات الملايين ينظر إليهم البراهمة نظرتهم إلى الرجس الذي يَفْرَقُونَ من ظله، ولا خير لهم في حكومة تضعهم هذا الموضع وتهملهم هذا الإهمال.
وهناك اختلاف الأقاليم في الأجناس واللغات والأديان وعناصر الثروة ومعادن التربة الزراعية، مما لا يجتمع نظيره إلا في قارة من القارات الكبار.
فمسألة الهند العضال ليست مسألة السيادة الخارجية وحدها، سواء كانت عالمية أو مقصورة على بعض أجزاء العالم؛ إذ لو فرغت كل سيادة عالمية في الدنيا لما فرغت المسألة الهندية، بل لعلها تبدأ يومئذٍ من جديد.
وإنما المسألة في الهند أنها محتاجة إلى الإنجليز كاحتياج الإنجليز إليها، وأنها لا تخسر إذا حالفت الإنجليز محالفة استقلال وكرامة، كما تخسر إذا انفصل الفريقان دفعة واحدة.
فالعلاقة الوحيدة الصالحة للتوفيق بين أُمَّتَيْنِ في زماننا هذا هي علاقة المصالح المشتركة والمعونة المتبادلة، ولو كانت بريطانيا العظمى أقوى ممَّا هي اليوم أضعافًا مضاعفات لما استطاعت أن تقيم علاقاتها مع الأمم المتصلة بها على غير هذا الأساس.
أما السيطرة على العالم في زماننا هذا فأوجَزُ ما نقول فيها إنها خرافة أغبياء، وإنها قد بطلت اليوم كل البطلان، ونرجو أن يكون بطلانًا سرمديًّا لا رجعة فيه.
•••

وهنا مفترق الطريقين في قضية اليوم: طريق الإيمان بالقوة الحيوانية تبقى اليوم كما كانت بالأمس وتبقى إلى آخر الزمان كما كانت في أول الزمان، فلا تبديل لها ولا رجاء في التبديل ولا خير فيه لو كان إلى تحقيقه سبيل، وسيسود القوي العالم وينبغي أن يسوده وأنفه راغم. ولا عبرة بما يتعلل به طلاب المُثُل العليا من الآمال والأحلام.
وهذه طريق النازيين.
وطريق الإيمان بشريعة في الحياة غير شريعة القوة الحيوانية، وهي شريعة الحق والإنصاف والأمل في تقدُّم الإنسان إلى سُنَنِ في المعاملات بين الأمم والأفراد وراء سُنَّة الكهف والغابة.
وهذه طريق الديمقراطيين.
ويقول النازيون إن شريعة القوة حقيقة لا ريب فيها، وإن الإنسان لا يغالط نفسه في وجودها إلا لعلةٍ على حَدِّ قول أبي الطيب؛ فالدول الديمقراطية تنادي اليوم بشريعة القوانين والعهود وتنكر سياسة البطش والإرهاب لأنها شبِعت وامتلأت؛ فلا حاجة بها إلى مزيد من السطوة والسيادة، والأمم الضعيفة تنادي بشريعة القوانين والعهود لأنها تطمع في المساواة بينها وبين الأقوياء على أحكام هذه الشريعة.
وكل ما يقال عدا ذلك فهو أكاذيب وأوهام.
وعندنا أن هذا القول على فرض صحته لن ينفع النازيين ولن يشفع لهم بين يدي العالم. فإذا كانت المسألة كما يقولون مسألة مصلحة وليست بمسألة حق، فقد كفى خذلانًا لقضيتهم أن تكون مصلحتهم هم ومصلحة العالم نقيضين، وأن يكون نجاحهم أول خطوة في خذلان من عداهم من شعوب الدنيا، حتى شعوب الدول التي تدين بالقوة ولا تدين بالعدل والإنصاف؛ فإن نجاح النازيين يضير تلك الشعوب كما يضير الدول الديمقراطية الكبرى ويضير المستضعفين.
على أن المسألة هنا ليست مسألة مصلحة وحسبُ كما يقول النازيون؛ فشريعة القوة وشريعة الحق موجودتان لا شك فيهما، والخصومة بينهما قائمة على أمور مشهودة وليست قائمة على أوهام وأكاذيب، واحتياج الحق إلى القوة لا ينفي هذه الحقيقة؛ لأن القوة أيضًا تحتاج إلى الحق في عملها وفي دعواها.
ونحن لا ننكر شريعة القوة والإرهاب وننصر شريعة العدل والقانون لأننا أمم ضعيفة تحسب حساب مصلحتها كما يقول النازيون، بل نحن ننكر تلك وننصر هذه لأن بينهما فرقًا صحيحًا بل فوارقَ جَمَّةً في جميع الأمور، فوارق يجب أن يحرص عليها القوي كما يحرص عليها الضعيف، ويظهر أثرها في الضمائر والأخلاق والعقول كما يظهر في المرافق التي تتناولها السياسة خارجية كانت أو داخلية.
وفيما يلي تلخيص بعض هذه الفوارق التي تدعونا إلى تفضيل شريعة القانون على شريعة القوة، أو تفضيل الديمقراطية على النازية وما إليها، سواء بلغنا شأوَ القوة العسكرية أو قنعنا بما نحن فيه.
(?) بداية القضية

إن قضية الحرية الإنسانية لم تُطرح للفصل فيها اليوم في إبَّان الحرب الحاضرة أو أثناء الأزمات المتعاقبة التي تقدمتها.
ولكنها طُرِحَتْ للفصل فيها منذ بضع عشرة سنة؛ أي من اليوم الذي تصدى فيه المستبدون للحكم وهم يعلنون جهرةً أنهم يستبدون لأن الاستبداد في الحكم هو الواجب وهو الصواب، وأنه هو النظام المفضَّل على نظام الحرية في كل شعب وفي كل آونةٍ، ولم يقولوا كما كان يُقالُ من قبل إن الاستبداد ضرورة موقوتة إلى أيام معدودة، ثم تعود الحرية إلى مجراها وترجع الشعوب إلى شوراها.
يومئذٍ بدأت قضية الحرية الإنسانية في القرن العشرين، ووجب أن يتوقع الناس النهاية من تلك البداية.
وبدا لنا يومئذٍ أن نعالج الموضوع من نواحيه القريبة إلينا عسى أن ننبِّه ولو إلى بعض الخطر، وأن نجلو ولو بعض الشبهات. فكتبنا رسالتنا عن «الحكم المطلق في القرن العشرين» وصدَّرناها بفصلين نعيدهما في هذا المقام ونحن نقارن بين الاستبداد والحرية؛ لأن وجه المسألة لم يتغيَّر بين أمسه ويومه، ولم تزل الدعاوى هي الدعاوى والآراء هي الآراء، سواء من جانب الحرية الإنسانية أو من جانب الطغيان.
بدأنا الرسالة بفصل سألنا فيه: «هل فشلت الديمقراطية؟» ثم أجبنا السؤال بفصل تالٍ عنوانه: «لم تفشل الديمقراطية.» وهذان هما الفصلان ننقلهما توطئة للمقارنة التي سنعقدها بين الديمقراطية والنازية على النحو الذي تَمثَّل في النزاع الحاضر، ونرجو أن نصل بذلك بين بداية القضية قبل بضع عشرة سنة وبين أعقابها التي استطردت إليها في هذه الآونة.
هل فشلت الديمقراطية

كان الاستبداد المطلق مقدَّسًا في زعم رجال الدين الذين كانوا يستعينون به على حفظ مكانتهم وقضاء مآربهم، وكان هو يستعين بهم على تقرير نفوذه وشمول سلطانه على الضمائر والأجسام، وكان لحق الحكم مصدرٌ إلهيٌّ يتلقاه الحاكم المستبد من السماء فلا يُسأل عنه ولا يكون للشعب إلا أن يطيعه كما يطيع خالقه، ويؤمن بحكمته التي تخفى عليه كما يؤمن بأسرار حكمة القدر؛ فالحكومة رسالة سماوية معصومة على هذه الأرض الخاطئة، والشك في الحكومة كالشك في العقيدة: كلاهما كفر يُعاقَب عليه بالحرمان السرمدي من رحمة الله.
كان هذا هو مصدر الحكومة المستبدة إلى ما قبل القرن الثامن عشر، وكان الإيمان به عامًّا شائعًا لا يشك فيه إلا أفراد معدودون من أحرار الفكر يُخفُون آراءهم كما يخفي المجرم جريمته والآثم وصمة عاره. فلما انتقل سلطان الحكم من المستبدين إلى مشيئة الشعوب، انتقلت القداسة معه إلى المصدر الجديد، وأصبح حق الحكم مقدسًا — مرة أخرى — من طريق الشعب لا من طريق الصوامع والكهان. وتغيَّر النظام القديم ولم يتغير قالبه الذي صنعته العادات المتأصِّلة والمصالح المتشعبة والعقائد الموروثة.
وربما بدأت هذه القداسة الشعبية على سبيل المجاز في التعبير يلجأ إليه دعاة النظام الحديث للمقابلة بين أساس الحكومة الغابرة وأساس الحكومة الحاضرة، ثم أضيفت إلى هذا المجاز حماقة الفكرة الناشئة وروح الأمل في المستقبل، والنقمة على الماضي. فأصبحت القداسة الحديثة عقيدة في الضمير يشوبها من الإبهام كل ما يشوب العقائد التي تستعصي على متناول العقول.
أصبحت الديمقراطية عقيدة مقدَّسة في العرف الشائع، فجاءها الخطر من هذه الناحية في عصر الشك والسخرية من جميع «المقدسات»، وسمع الشاكُّون والساخرون بهذه «المقدسة» الجديدة فعلموا أن هناك شيئًا طريفًا يُظهِرون فيه براعة التفنيد وقدرة التصغير والتقييد، فأسرعوا إليه في جِدٍّ ووقار، وأعنتوا أنفسهم كثيرًا ليقولوا إن الديمقراطية شيء لم يهبط على الأرض من السماء وإن القداسة هنا مجاز لا حقيقة له في العلم والاستقراء. فكان الجاحدون لقداسة الديمقراطية والمؤمنون بتلك القداسة المنزَّهة عن الشوائب بمنزلة واحدة من الفهم والسداد؛ لأن قداسة الديمقراطية لم تكن مسألة علمية يبحثها الناقدون الممحِّصون على هذا الاعتبار من جانب القبول أو من جانب الإنكار، فالذين يضعونها هذا الموضع ينظرون إليها من أضيق حدودها التي يعرفها المجازيون والجهلاء، ولا ينظرون إليها من أوسع الحدود التي يحيط بها من يعرف حقيقتها ويقيسها بمقياسها الصحيح. وإذا كان المتكلم الذي يقول إن الماء العذب شهد حلو المذاق مخطئًا في صيغة التعبير العلمي، فأشد منه إمعانًا في الخطأ والغفلة عن الحقيقة من يحمل الماء العذب إلى المعمل الكيمي؛ ليثبت أن الماء ماء وليس بشُهْدٍ حلو المذاق، كما يقولون في لغة المجاز.
•••

في أواخر القرن التاسع عشر ظهرت «السيكولوجية» أو علم النفس، وتفرعت فروعه وكثر الاشتغال بتطبيقه على الأفراد والشعوب.
ولعل أغرب ما استغربه الناس من قضايا هذا العلم وصفه لأطوار الجماعات والأساليب التي يُجرى عليها في تكوين عقائدها وتوجيه أهوائها وتسيير حركاتها وإثارة خواطرها؛ فقد جاء هذا الوصف بعد شيوع الديمقراطية في العالم الحديث بأكثر من جيلين، فَلَاحَ لمعظم الناس كأنه غريب وكأنه مخالف للمقرر في الأذهان أو لما يجب أن يتقرر في الأذهان! ولو أنه جاء قبل ذلك بمائتي سنة أو لو أنه تقدم في عصر الإصلاح مثلًا لما وقع من الأفكار موقع الغرابة في شيء ولا أحاط به ذلك السحر الذي يحيط بكل هجمة مخالفة للمألوف، ثم لجاءت الديمقراطية حتمًا في سياقها الطبيعي دون أن يتخيل إلى أحد أن حقائق علم النفس تعارض الحكم الديمقراطي أو تعارض حكم الشعوب؛ لأن الديمقراطية كانت نتيجة لازمة لفساد حكم الاستبداد ولم تكن نتيجة لجهل الناس بالسيكولوجية وخطئهم في تفسير حركات الجماعات، فلو علم الناس في القرن الرابع عشر أو الخامس عشر أن حركات الشعوب غير مقدَّسة ولا منزَّهة عن عيوب الطبيعة البشرية، لما كان ذلك مانعًا لوقوع تلك الحركات في أوانها ولا واقيًا للأنظمة العتيقة من التداعي والسقوط. ولكن «السيكولوجية» ظهرت بعد الديمقراطية فنشأت غرابتها من ثَمَّ وكان استغراب الناس إياها وهمًا متولدًا من الوهم القديم الذي تطرَّق إليهم من تقديس الشعب بعد تقديس العواهل المستبدِّين. فلولا الخرافة الدائرة خرافة المستبدين الإلهيين لما وجدت خرافة الشعوب الإلهية ولا اتُّخذت أطوار الجماعات التي استعرضتها مباحث العلماء النفسيين دليلًا على بطلان الديمقراطية، ولا قيل إن نظامها قائم على أساس واهن لأنه قائم على مشيئة الشعوب وهي مشيئة لا توصف بالعصمة. وقديمًا عرف الناس من أطوار الأفراد أنهم يطمعون ويستأثرون وأنهم ينقادون للهوى ويخضعون للشهوات وأنهم عرضة للخطأ الكثير والضلال البعيد وأنهم غير معصومين بحال، فلم يكن هذا العلم بأطوار الأفراد هو الذي قضى على حكومة الفرد، ولم تتقوَّض النظم الأولى إلا حين تَعَذَّرَ التوفيق بينها وبين أحوال الرعايا ومطالب الأمم.
•••

لم تنقضِ على الديمقراطية سنوات حتى خيَّبت آمال الحالمين فيها وخيَّبت آمال أولئك المظلومين الذين صوَّروا زمانها المترقَّب في صورة الفردوس الأرضي أو العصر الذهبي الذي تَغَنَّى به الشعراء وتحدَّثت به الأساطير. فلا ظلم ولا إجحاف ولا تمييز بين القوي والضعيف أو القريب والبعيد، كأنما صوت الشعب المنطلق من غيابات الأَسْر نغمة ساحرة كنغمات «أورفيوس» يتجاور في سماعها الليث والحمل والضاريات والنقاد، ومتى كان كل هذا منتظرًا من الديمقراطية فلا جرم يخيب فيها الظن ويحكم عليه الحاكمون بالفشل بعد أول صدمة مع وقائع الحياة وعثرات التجربة الأولى، وهي لا تخلو من النقائص ولا تسلم من الاضطراب.
فلم يكن أقسى على الديمقراطية ولا أظلم لها من غُلَاةِ المؤمنين بها الذين كانوا يكلِّفونها ما ليس يكلَّفه نظام في هذه الدنيا. أيةً كانت قواعده من الصحة، ونيات القائمين به من الصلاح.
هذه كلها أسباب يصح أن تُسَمَّى بالأسباب المصطنعة للشك في حقيقة النظام الديمقراطي والأخذ فيه بالعَرَض دون الجوهر المقصود.
على أنها ليست بجميع الأسباب المصطنعة التي يمكن أن تُعَدَّدَ في هذا المقام؛ فهناك أسباب مثلها دعت إلى الشك في حكومة الشعب قَلَّمَا تتجاوز العرضيات إلى دخائل الأمور، فمنها أن عيوب الحكومة الشعبية مكشوفة ذائعةٌ لاستفاضة علاقاتها واشتراك المئات والألوف في دعواتها وأعمالها؛ فليس لها حجاب من الفخامة والروعة كذلك الحجاب الذي كانوا يسترون به عيوب الحكومات المستبدَّة ويتعاون فيه الكهان والمداح والبلاطيون على التمويه والتزويق، وخليق بهذا التكشُّف أن يَغُضَّ من فضائلها بعض الشيء.
وإن مجرد القول بأن الشعوب لا تصلح للديمقراطية لَدليلٌ على أنها درجة عالية يجب أن تتوجه إليها آمال المُصلِحين وطُلَّابِ الكمال، في حين أن القول بجهل الشعوب واضطرارها من أجل ذلك إلى الحكم المطلَق دليل على مصلحة الحكام المطلقين في بقاء ذلك الجهل وتخليد هذه الحالة التي بها يخلدون.
وممَّا يضعف جانب الحكام المطلَقين في دعوتهم هذه أنهم يعيبون على الجماهير أطوارها ليتخلصوا من ذلك إلى تزكية الحكم الديكتاتوري أو الحكم المطلق، مع أن التجارب الكثيرة — والتجارب الحديثة منها على الخصوص — قد أظهرت أن الديكتاتورين الصالحين هم رجال الشعوب وثمرة تلك الأطوار، وأن الجماهير لا تعوزها البديهة التي تفطن بها إلى مقدرة القادة وتُوليهم إعجابها وتخصُّهم بثقتها وإقبالها وتُسلِّمُهم زمامها حتى حين يجترئون على عاداتها التي تغار عليها وتغضب للمساس بها إذا مسها من ليست له تلك القدرة وذلك الإعجاب. فإذا احتاجت الجماهير إلى المصلح النافذ في إصلاحه فليس أقدر على هذا المطلب من زعيم شعبي تُبرزه البديهة الشعبية، ولا أسرع منه في حث غريزة الأمم ومغالبة ما فيها من العيوب، وكأنَّ هذا المُصلِح هو الزوج المحبوب الذي يطاع لأن طاعته سرور، ويقاس مقدار حبه بمقدار المشقة التي تُبذل في إطاعة أمره. وقد يكون الزوج زوجًا بالصيغة الرسمية ولكنه لا ينال هذه المكانة ولا يأمن الرياء والخيانة إذا تكفلت له الصيغة الرسمية بالطاعة الظاهرة.
وعبثٌ ولا ريب أن تُعابَ أطوار الجماهير وأن يقتصر الأمر فيها على النقد والزِّراية، وهي هي الأطوار التي لازمتها في كل ما تمخَّضت عنه الإنسانية من الثقافات، وفي كل من تمخَّضت عنهم من الدعاة والمصلحين.
فأصلَحُ الطبائع لإحياء الشعوب هي الطبائع التي بينها وبين الشعوب مجاوبة في الشعور ومساجلة في عناصر الحياة. وإذا كانت الشعوب تخطئ في عُرْفِ العلماء فليس عرف العلماء هنا هو المقياس الذي يُرجع إليه في تقدير الدوافع والنتائج؛ لأن الطبيعة لا تستشير العلماء فيما تعمل وفيما تريد. بل ليس العلماء أنفسهم بنجوة من الخطأ على حسب مقياسهم؛ لأن أخطاءهم قديمًا وحديثًا في تصوُّر الحكومات النافعة أكثر وأكبر من أخطاء الشعوب كلها مجتمِعات.
للديمقراطية عيوبها ولكنها عيوب الطبيعة الإنسانية التي لا فكاك منها. وقد يكون لهذه العيوب في مجموع الحضارات الإنسانية فضل كفضل المحاسن المصطلح عليها إن لم يزِد عليه.
ولا تقارن الديمقراطية بحكومة المثل الأعلى المنشودة في الخيال والموصوفة في الأحلام؛ إذ هذه الحكومة لا موضع لها في عالمنا ولن يكون لها موضع. ولكنها تُقارَن بالأنظمة الأخرى في جملتها ويُنظر إلى عيوبها بصدق وإخلاص وتقدير لجميع الظروف.
فلَعَلَّ هذه العيوب بعض لوازم الحسنات التي لا يُستغنى عنها، أو لعلها طارئة يزيلها المزيد من الديمقراطية؛ إذ كان من المحقَّق أن محاربة الديمقراطية لم تُزِلْهَا فيما مضى ولا يرجى أن تزيلها فيما بعد.
وكذلك لا يصح أن نقيس الديمقراطية بمقياس الأغراض التي أعلنها دعاتها والآمال التي عقدوها عليها؛ لأن هؤلاء الدعاة لم يخترعوها ولا يتأتى لهم أن يحصروها ويسيطروا عليها، وإنما تقاس مزاياها بالضرورات التي أدَّت إليها أولًا ثم بالفوائد التي نجمت عنها فعلًا ولا تزال تنجم؛ فهي بلا ريب قد أوجدت للعصبيات الحزبية مخرجًا غير الفتن الدموية، وأقنعت الشعوب بأن عليها تبعة في الحكم وأنها قادرة على تبديل الحكام، فضعُفت فيها نزعة الثورة بقدر ثقتها من الاشتراك في الحكومة والقدرة على تبديلها، وهي في مدى خمسين سنة قد صاحبت في عالم الصناعة والعلم تقدُّمًا لم تبلغه الإنسانية في خمسين ألف سنة، وكلما ازداد هذا التقدم صعُب على الناس أن يؤمنوا بتلك الخرافة التي كانت تهيئ لفرد واحد أن يملكهم له ولأبنائه من بعده ملك السيد للعبيد.
•••

يقول بعض الباحثين — ومنهم الأستاذ ساروليا الذي ألقى محاضراته في هذا الموضوع على طلبة الجامعة المصرية — إن الحكم النيابي تراثٌ إنجليزي غير قابل للتعميم في الأمم الأخرى. ويضرب «ساروليا» المثل بالأمة الفرنسية التي لا تستقرُّ فيها الوزارات طويلًا لاختلاف الأحزاب وصعوبة التوفيق بينها إلى زمن طويل، ويعتبر ذلك الاختلاف من أعراض الحكم النيابي ومن الدلائل على أنه لا يصلح لكل أمة، ولو كان الحكم النيابي هو الذي خلق العصبيات الحزبية في فرنسا لكان قول الأستاذ وأمثاله صحيحًا في هذا المعنى وكانت فيه حجة من بعض الوجوه على الحكومة النيابية، ولكن الواقع أن العصبيات الحزبية لم تفتأ تمزِّق فرنسا كل ممزَّق في عهود حكامها المطلَقين، ولم يخلُ جيل واحد في تاريخها من فتنة على وراثة العرش أو فتنة على المذاهب الدينية أو فتنة على القحط والإفلاس أو نزاع بين التاج والنبلاء أو حروب تثار لإخفاء هذه المنازعات، حتى توطدت فيها الديمقراطية فانحصرت «العصبيات» في مناوشات الأحزاب وسكنت الثورات وبطلت المجاعات، ولم يمنعها اختلاف الأحزاب أن تتماسك بعد الحرب العظمى وأن تستفيد من سمعة الديمقراطية أنصارًا لا يُنكِر إفادَتَهم لها منكِر، وأن توسع مستعمراتها وقد كانت تفقدها في عهد الملوك الشموس، وأن تكون هي وزميلاتها المنتصرات عنوانًا لانتصار الحرية الشعبية وآيةً على أن حكومات الشعوب تحتمل من الصدمات ما لم تحتمله حكومات القياصرة والطغاة. فانكسرت الروسيا والنمسا وألمانيا وكان نصيبهن من التماسك بعد الحرب على قدر نصيبهن من الحرية والمشاركة في الشئون العامة بين الشعب والحكومة، وخرجت الأمم من تلك المحنة بعبرتها التي لا تضيع.
وقد فعل تراث الحكم النيابي فعله في إنجلترا كما فعل فعله في الأمة الفرنسية، فوقاها الثورات والخصومات الدامية وكانت وشيكة أن ترتطم فيها مرَّتين في القرن التاسع عشر عند الخلاف على تقسيم الدوائر الانتخابية وتعديل شروط الانتخاب، وهو في جوهره أشد من الخلاف الذي أفضى إلى الثورة الجائحة في عهد الاستبداد.
ومن النظريات التي أذاعها بعض المؤرخين — وفي طليعتهم فلندرس بتري العالم المشهور في الأثريات المصرية — أن الحكومة الشعبية كانت هي الدور الأخير من أدوار الدول في التاريخ القديم ولا سيما تواريخ الدول المصرية: يبدأ الدور بفاتح عظيم، ثم يضعف الفاتح العظيم فينازعه الحكمَ أفراد القادة الغالبون، ثم يضعف هؤلاء القادة ويستسلم أبناؤهم للترف والصغائر، فتثور عليهم العامة وتتولى الأمر الحكومة الشعبية، ثم يسطو عليهم مُغِيرٌ جديد فيبدأ الدور الأول كَرَّةً أخرى، وهكذا دواليك عصرًا بعد عصر في سجلات الفراعنة ومن جاورهم من المشارقة والمغاربة.
فإذا صح هذا فهو مختلف مما نحن فيه اليوم؛ لأن الحكومة الشعبية كانت في التاريخ القديم فترة منفردة تقع في إحدى الدول ثم لا تكون الدول المحيطة بها مجارية لها في تلك الفترة، بل ربما كانت في بداية الدور الأول — دور الفاتح العظيم — فتحدث الغارات من ثَمَّ وتتجدد الأدوار. أما اليوم فالحكومة الشعبية حركة عامة ومبدأ مشترك وليس بالفترة المنفردة ولا بالدور المقصور على بعض الحكومات!
لم تفشل الديمقراطية

لم تفشل الديمقراطية ولا ظهر إلى الآن من آثارها وعلاماتها إلا ما يدل على نجاحها وثباتها، وأنها ستكون أساسًا للحكم في المستقبل تُبنَى عليه قواعد الحكومات ويرجع إليه في إصلاح كل ما يحتاج منها إلى الإصلاح.
أما تلك الأسباب المصطنعة التي ألممنا بها، فأكثر من يتعلق بها ويعمل لترويجها هم أنصار الحكم المطلق والرجعة إلى الاستبداد القديم، وهم أقل الناس حقًّا في تجريح الديمقراطية بعد ما تبين من فشل حكمهم في بلاد كثيرة وأحوال مختلفة. فإذا بطل إيمان الناس بقداسة الديمقراطية — مجازًا أو حقًّا — فمن المقرَّر المقطوع به أنهم لا يرجعون إلى الإيمان بقداسة المستبدِّين وما يزيفونه من الدعاوى والجهالات، وإذا قيل إن الجماهير تنخدع للزعماء وتؤخَذ بالمظاهر وتُستمال إلى العقائد التي تُبَثُّ فيها بالإيحاء والتكرار، فهذه الأطوار لم تكن ملغاة في العصور الماضية ولا كان شأنها ضعيفًا في تصريف الأمم وقيادة الحكومات. وماذا كان يصنع المستبدون طوال العصور الماضية إلا أن يستعينوا على خداع الجماهير تارة بالخرافات والأوهام، وتارة بالمظاهر والوجاهات والألقاب والأسماء، وتارة أخرى بالعطايا والمواعيد، إلى سائر ما هو معروف من أساليبهم في تمويه الأعمال وإخفاء الحقائق والتحيُّل على الغرائز والشهوات. ولو أُحصِيت الحروب التي أريقت فيها دماء الألوف من المحاربين والمسالمين خداعًا للشعوب وتمليقًا لها، أو لو أُحصِيت الأرواح البريئة التي أزهقها أعداء الحرية والمعرفة، أو لو أحصيت الثورات والقلاقل التي شجرت بين الحكام والرعايا من أجل المظاهر والأسماء والمنازعات الصبيانية والدعاوى الفارغة، أو لو أحصيت الدسائس والجرائم التي انغمس فيها طلاب الحظوة وأعوان الطغيان؛ لكان في بعض ذلك شاهد على حقيقة من تنفعهم غفلة الجماهير ومن يضرهم انتباهها، وأن تلك الغفلة لم تَدُمْ كما دامت في عهود المستبدين، ولم تُفِدْ أحدًا كما أفادتهم، ولم يحذروا شيئًا قط كما حذروا يقظتها ولا رغبوا في شيء قط كما رغبوا في بقائها واستطالتها. وإنما الفرق بين الاستبداد والديمقراطية أن المجال يتَّسع في هذه لأقوال شتى تنكشف الحقيقة من بينها، ولكنه لا يتَّسع في عهد الاستبداد لكل قائل ولا يصعب فيه التواطؤ على الغش والكتمان.
ومن الأسباب المصطنعة أن نقد الديمقراطية يُرضِي غرور تلك الفئة التي تحب أن تتعالى عن «الشعبيات» لما في ذلك من الامتياز والادعاء، ويرسل على الديمقراطية ألسنة الثراثرة والفضوليين ومن لا ينظرون إلى عواقب الكلام.
ومنها أن المستبدين الطامعين في رجعة الحكم القديم يسعَون سعيهم سرًّا وجهرًا لتشويه كل نظام غير نظامهم وتأليب الناقمين على الحكم الحديث، ولا بد في كل حكم من راضين وناقمين.
ومنها أننا في زمن تتوالى فيه المخترعات ويسألون فيه أبدًا عن أحدث الآراء وأغرب الأخبار. فإذا مضت خمسون سنة على الناس وهم يمدحون الديمقراطية، فالذي يفاجئهم بعد ذلك بنقدها لا يعدم له سامعين بين طلاب الزيِّ الطريف في كل مجال.
فأنت ترى أن نقد الديمقراطية يصادف من العناية أضعاف ما تستوجبه الأسباب الحقيقية التي لا دخل فيها للوهم والغرض والفضول. وأما الأسباب الصناعية فما هي وما مبلغ ما تُجيزه؟ هي أشياء لا تجيز لأحد أن يحكم بفشل الديمقراطية ولا بأنها في طريق الفشل القريب.
على أننا إذا قدرنا أن السنة القديمة تتكرر اليوم كما تكررت في دولات الفراعنة وجيرانهم، فكل ما يُستخرج من هذه النظرية أن الحكم قد تعذَّر على الطغاة والقادة لعجزهم واضمحلالهم، فصار الأمر إلى الشعوب تحكم نفسها إلى حين. ويبقى علينا أن نسأل أنفسنا متعجبين: هل يعقل اليوم أن هذه الحرية الشعبية التي وصلنا إليها إن هي إلا فترة موقوتة جاء بها وباء عام أصاب الطغاة والنبلاء في مقدرتهم على الحكم دون الكافة والأوساط؟ وهل نعود بعد زوال هذا الوباء إلى عهد يكون فيه لنا طغاة مقدسون وملوك مستبدون عصيانُهم حرمان من ملكوت الله؟ لقد كانت الديمقراطية بالأمس حكومة الشعب وكان الشعب هو العامة. أما ديمقراطيتنا فليس نصيب العامة فيها إلا جزءًا من سلطان الأمة، وهي كل شامل يدخل فيه السوقة والسراة والأمراء.
•••

انتهى الفصلان من رسالة الحكم المطلق في القرن العشرين.
ويوم كُتِبَ هذان الفصلان كان هتلر يوالي دعوته ويوحي بكتابه الذي لم يكن يقرأه أحد، وكان بينه وبين ولاية الحكم أربع سنوات، وبين إضرام الحرب الحاضرة إحدى عشرة سنة، فإذا كان قد أقنع الناس بشيء في هذه الفترة فقد أقنعهم بخطر الاستبداد على العالم، وأراهم أن المستبد حيث كان إنما يُسَخِّرُ الحضارة في خدمة الهمجية، وإنما ينكص بالخاضعين له من قومه ومن الأقوام الأخرى أحقابًا إلى الوراء.
(?) الفوارق بين الديمقراطية والنازية

في التقدم

إن النازيين يُنكرون التقدم ويدَّعون أن المضاهاة بين ماضي الإنسان وحاضره في عناصر الأخلاق تدل على الدوران في حيز واحد، ولا تدل على التقدم خطوة بعد خطوة، أو الارتقاء درجة فوق درجة.
وهذا بحث يطول ولا يُفضي بنا إلى طائل فيما نحن بصدده. فحسبنا أن التهذيب جائز مشاهَد في طبائع الحيوان، وأن تقدُّم الإنسان في علومه وصناعاته وآرائه محسوس لا يُخفي الفرق الشاسع بين حاضره وماضيه.
ولنضرب مثلًا واحدًا على إمكان التهذيب في طبائع الحيوان يغنينا عن أمثلة كثيرة، وهو مَثَل الكلب الذي كان في توحُّشه أخوف ما يُخاف على الأطفال والطير وصغار الغنم، فأصبح الآن حاميًا أمينًا لها يدفع عنها المخاوف ويرعاها وهو جائع محروم.
أما التقدم في علوم الإنسان وصناعاته وآرائه وأحواله المُلابِسة للعلوم والصناعات، فهو أظهر من أن يحتاج إلى تمثيل.
•••

ومقاييس التقدم كثيرة يقع فيها الاختلاف والاختلال، فإذا قسنا التقدم بالسعادة فقد تُتاح السعادة للحقير ويُحرَمها العظيم، وإذا قسناه بالغنى فقد يغني الجاهل ويَفتقر العالِم، وإذا قسناه بالعلم فقد تعلم الأمم المضمحلة الشائخة وتجهل الأمم الوثيقة الفتية.
إلا مقياسًا واحدًا لا يقع فيه الاختلاف والاختلال، وهو مقياس «المسئولية» واحتمال التبعة.
فإنك لا تضاهي بين رجلين أو أُمَّتَيْنِ إلا وجدت أن الأفضل منهما هو صاحب النصيب الأوفى من المسئولية، وصاحب القدرة الراجحة على النهوض بتبعاته والاضطلاع بحقوقه وواجباته.
ولا اختلاف في هذا المقياس كلما قِسْتَ به الفارق بين الطفل القاصر والرجل الرشيد، أو بين الهمجي والمدني، أو بين المجنون والعاقل، أو بين الجاهل والعالم، أو بين العبد والسيد، أو بين العاجز والقادر، أو بين كل مفضول وكل فاضل على اختلاف أوجه التفضيل.
فاحتمال التبعات هو مناط التقدم المستطاع.
والنازية تهدِم هذا الخلق من أساسه؛ لأنها تقضي على الحرية والتصرُّف والاختيار، وليس من المعقول أن تحاسب إنسانًا على التبِعات وهو مسلوب الحرية مأمور، فيما يأخذ وفيما يدع، من مطالب عيشه وواجباته نحو قومه.
وقد ركدت القرائح في ألمانيا منذ تولَّاها النازيون، فلم يظهر فيها نابغة في العلم والفن والحكمة، ولم يؤثَر عنها ابتكار مفيد في الثقافة العالية، هذا وهي الأمة التي امتلأ تاريخُها بأعلام الأدب والبحث والاختراع.
ولقد شكا هذا الركود وزراؤهم وقادتهم وكرَّروا الشكوى مرات، فكتب الدكتور سيروب Syrup رئيس مصلحة العمل في شهر مارس من سنة ???? يقول: «إن الجيل الجديد من رجال العلم ناقص في جامعاتنا. ولا شك أن بناء الدولة والثروة معًا يستلزم وشيكًا أن ينشأ المهندسون والكيميون وعلماء طبقات الأرض والطبيعيون والأطباء.» وربما خطر لبعضهم أن النازيين لا يكترثون لذلك النقص ما استطاعوا إخراج الضباط والجنود وتزويدهم بالسلاح.
ولكن الواقع غير ذلك؛ فإن التعليم لازمٌ اليوم للضباط والجنود لزومه للمهندسين والصناع. وقد كتب الماجور التوماس في صحيفة فرانكفورتر زيتنع يقول: «إن الأستاذ زيميك Zemeck مدير المتحف الجرماني في ميونيخ قد أشار في آخر اجتماع لمكتب الريخ الاقتصادي إشارةً خاصة إلى هبوط طبقة التعليم العالي بين الناشئة الألمانية، ولا مناص لي من موافقته في رأيه؛ إذ الخطر عظيم فيما أرى على قوة دفاعنا إذا انحصر نطاق التربية الذهنية وضاق أفق التفكير، من جراء فرط الاهتمام بالتربية البدنية. ومتى بلغ بالأمر أن يلحظه قادة الفرَق والألوية في جنودهم المدعوين للخدمة، فمما لا جدال فيه أنه يدل على ضعف ماثل في نظام تعليمنا الآن.»
وقد تخرَّج من المدارس العليا في سنة ???? ثمانية عشر ألف طالب، فالتحق منهم عشرة آلاف بخدمة الجيش وانقطعوا عن حياة الدرس والاستبحار في العلوم? ولم يظهر أن الآخرين وجدوا متَّسَعًا لهم في هذه الحياة. •••

وسواء شكا القادة النازيون أو لم يشكوا ذلك النقص المطَّرِد فهو نقص لا يستغرب من جيل مفتون بالمواكب والصفوف، مشغول بالثكنة والطريق عن المكتبة والمعمل، مشغوف بما يُرضي الحواس الحيوانية دون ما يرضي الفكر والروح.
ومتى نظرنا إلى المبادئ التي يقوم عليها بنيان النازية لم نجِد بينها مبدأ واحدًا يستدعي التقدم وراء آداب الحيوان.
فالطاعة العمياء هي طاعة السرب والقطيع، وحركة الصفوف هي حركة الطيور والنمال، والزعامة «الغريزية» أعرق في الحيوانية من زعامة الارتياد والاختيار، بل حتى التضحية العمياء لها مرجع إلى غريزة الحيوان، وليست هي من فضائل البصيرة والضمير.
وما من عبث ولا مصادفة كان تقدم العلوم والصناعات في العصر الحديث أعظم وأوسع من تقدمها في جميع العصور.
فمنذ نشأت الديمقراطية نشأت حرية البحث وحرية الكشف وحرية الابتداع. ولا عجب أن يخترع الناس في مائة وخمسين سنة أضعاف ما اخترعوه في مائة وخمسين ألف سنة؛ لأن الاختراع وليد التصرُّف والاختيار، وهما نبات يزكو في عهد الحرية ولا يزكو في عهود القسر والتسخير.
الأخلاق

والأخلاق «أولًا» لا تُفهم بمعزِل عن المشيئة والاختيار، فإننا لا نعرف آلة ذات خُلُق. وإنما تبدأ الأخلاق حين يبدأ الإدراك والتكليف.
وأنت تستطيع أن تقيم على ابنك حارسًا يلازمه فلا ينسى واجبًا ولا يهم برذيلة، ولكنك لا تربيه بهذه الحراسة، ولا تجعل له رُوحًا ولا تمييزًا كتمييز العقلاء بين ما ينتهي عنه وما ينتحيه.
وكذلك تُرَبَّى الأمة هذه التربية فلا تنتفع بما رُبِّيَتْ فيها من عادة التسليم والاستسلام، بل تُقْتَلُ فيها فضيلة الاستقلال وتُهَيِّئُهَا للذل والخنوع، وربما كان ذلها وهي تشكو السيد وتثلبه أشرف لها وأجدى عليها من الذل لسيد تهتف له وتحييه.
وكثيرًا ما نسمع التشهير والتجريس بالفضائح أو الرشاوى التي تنكشف في الأمم الديمقراطية ويتَّخذها المستبدُّون دليلًا على فساد أصيل في النظام الديمقراطي والحكام الديمقراطيين.
ويحق لأبواق الاستبداد أن تُطنِب في ذلك التشهير وذلك التجريس لو كانت الرشاوى والسرقات تمتنع في دولة المستبدين ولا تحدث إلا في دولة الديمقراطيين؛ بيد أن الواقع الذي لا جِدَال فيه أن سرقات الطغاة المستبدين في جيل واحد تربى على سرقات الديمقراطيين في جميع الأجيال.
وإنما يجسر الناس على اتِّهَام السارق في عهد الحرية ولا يجسُرون على اتهامه في عهود الطغاة، أو يجسُر منهم من لا يبالي بالمصير فيلقى جزاءه من حيث ينجو السارق بما سرق، وذلك أحرى أن يُحسَب للديمقراطية من المزايا ولا يحسب عليها من العيوب.
وما يزعم أحدٌ أن «النظام الديمقراطي» يقتلع الرذائل من الطبائع البشرية ويتركها وليس فيها إلا الفضائل والحسنات.
فهذا ما ليس يزعُمه زاعم في نظام من أنظمة الحكم كيفما كان، وغاية ما هنالك أن الديمقراطية تكشف رذائل الحكام ولا تحميها كما تحميها سطوة المستبدين، وهذا وحده غنيمة جديرة بالذَّبِّ عنها والحرص عليها.
على أن الأموال التي أنفقها هتلر في تشييد قصوره السحرية وتنظيم حراسته الشخصية، والأموال التي فرضها على كل قارئ ألماني ثمنًا لكتابه تارة وثمنًا لصحفه تارة أخرى، لتبلغن أضعاف ما اختلس حاكم ديمقراطي أو عدة حُكَّامٍ ديمقراطيين في عمر طويل، وهو مع ذلك معدود في عُرْفِهِم من أمثلة النزاهة والعفاف!
ولا يخفى أن الحرية ليست بأرخص من المال، وأن جميع الحكام المستبدين يسلبون الحرية، وليس جميع الحكام الديمقراطيين يسلبون الأموال.
كذلك لا يخفى أن القتل جريمة أقبح من السرقة وأوبل منها، وهو شيء يقترفه الحاكم المستبد حيث شاء.
قُتِلَ في ألمانيا ألوف من الناس ولم تحفل الحكومة بإثبات الذنب على واحد منهم ولو بعد نفاذ العقاب، مع سهولة الإثبات لمن يقبض على أَعِنَّةِ الدواوين بغير رقيب.
وإنما رخُصت الأرواح وشاعت الغفلة فأمكن هذا حيث يحسبون اختلاس الأموال من المستحيلات.
ومنذ خمس سنوات قُتِلَ المستشار النمسوي دلفوس، فكتب النازيون يومئذٍ يقولون إنه شهيد الماركسيين، وقال فون پاپن سفيرهم في فينيا: «إن حكومة الريخ تنعى الجريمة وتأسف لوقوعها.»
وما هو إلا أن سقطت النمسا في أيدي النازيين حتى احتفلوا بتكريم ذكرى القتلى وقام رودلف هس ينادي علانية: «بأننا نذكرهم في اليوم الذي سيق فيه هؤلاء الثلاثة عشر من نخبة الزملاء إلى الموت المهين على المشانق الزرية، وإن أطيافهم لتمشي في مقدمة الصفوف حيث مشت في الدنيا جموع النازيين.»
فهذا العدوان الوضيع على حياة رجل لا ذنب له عندهم إلا الأمانة لاستقلال بلاده، وهذا الرياء القبيح في إنكار الجريمة ثم الإشادة بفاعليها، وهذه الرذائل التي تتكرر في حبس شوشنيج والتنكيل بأمثاله من رؤساء الأمم المغلوبة، من الذي قال إنها دون السرقة في شناعتها ووصمة عارها؟ ومنذ متى كان للمستبدين حق الصولة على الضمير الإنساني فلا يأنف إلا ممَّا يريدونه على الأنفة منه، ولا يثني على الخلق الجميل إلا إذا أمروه بالثناء؟
إن فساد الأخلاق في حكومات الاستبداد لمِمَّا يمكن إثباته بالأرقام؛ ففي ألمانيا النازية مئات الألوف من الجواسيس والرقباء، وكل جاسوس من هؤلاء فهو رمز للرياء والجبن والخوف وإهدار الحقوق، وإلى جانب هذا الجيش من الجواسيس والرقباء جيش مثله من الدعاة والمقرِّظين عملهم في الحياة أن يكذبوا على أبناء وطنهم ويخدعوهم بالباطل والنفاق. وكل هذا … كل هذا لا يساوي فضائح ستافسكي وأمثالها من عيوب الحكومات الديمقراطية! شاهت العقول إن كان هذا حكمها على الأخلاق، فكيف وفضائح ستافسكي شائعة مع رذائل التجسس والدعوة الكاذبة لا يحجبها إلا الجبن والتهديد؟
وأبشع من هذا أنهم يمسخون الأذواق فيسوِّلون لها أن تستمرئ هذه الرذائل كأنها حسنات وطيبات. فمن الأمثلة التي ينصبونها للإعجاب مثل الابن الذي يشي بأبيه وأولياء أمره ويتجسس عليهم لرؤسائه النازيين، فيشوبون هذا المعين الطاهر — معين الحنان والإخلاص — بشائبة مسمَّمة لا تُبقي في النفس الإنسانية على موضع للأمان.
•••

ثم تسري ظلمات هذه الأخلاق المنكوسة إلى دخائل العقول فتغشِّي عليها بظلمات فوق ظلمات؛ لأن العقل الذي يتعوَّد أن يرى للمسألة وجهًا واحدًا لا وجه غيره يتعطل فيه التفكير ولا يفهم حجة الآخرين، ثم يتعود أن يتلقى الأفكار كما تصاغ له لا كما يصوغها هو بعد تقليبها على جميع الفروض والاحتمالات. ولا يقتصر هذا العيب الفادح على المحكومين، بل يسبقهم إلى الحاكمين الذين لا يسمعون اعتراضًا ولا يصبرون على اعتراض. ومن جرائر ذلك ولا شك أنهم يتعنتون فلا يديرون أسماعهم إلى حجج خصومهم، ولا يعرفون من حل المشكلات إلا أن يقمعوا المعارضين في أوطانهم ويشهروا السلاح على سائر الأوطان.
حل المشكلات

وعلى ذكر المشكلات وحلِّها نقول إن الآخذين بالظواهر يتوهمون أن النُّظُم «الديكتاتورية» أصلح النظم الحكومية لعلاج المشكلات العويصة وحل العقد المؤرَّبة في زمن وجيز.
وهذا صحيح إذا نحن أخذنا بالظواهر ولم نتعقب الحلول والعلاجات إلى جرائرها المحتومة ونهاياتها التي لا محيد عنها.
أما إذا نحن تجاوزنا الظواهر إلى ما وراءها، فالنظم الديكتاتورية في الواقع تداري المشكلات ولا تمحوها، أو هي في أكثر الأوقات تحل مشكلة واحدة وتخلق إلى جانبها مشكلات عديدة، كما فعلت في مشكلة البطالة.
قيل لكاتب إنجليزي: لا بطالة في ألمانيا!
قال: نعم. ولا في سجن دارتمور!
ومعنى ذلك أن علاج البطالة على الطريقة الألمانية النازية مستطاع في كل مكان يرضى سكانه أن يعيشوا في بلادهم عيشة السجناء في دارتمور.
وجلية الأمر أن النازيين عالجوا البطالة «بتشغيل» العاطلين جنودًا في الجيش، ورقباء في ديوان الجاسوسية، وعمالًا في مصانع السلاح والذخيرة، ونزلاء في معسكرات الاعتقال، وأُجَراء بأنصاف أجور وأرباع أجور.
وكل علاج من هذه العلاجات يؤدي إلى كارثة مطبِقة تهون إلى جانبها كارثة البطالة.
لأن استنفاد ثروة الأمة في المدافع والدبابات وما إليها يضيِّع المال بغير عوض ويؤدي إلى رخص العملة وضعف القدرة على الشراء؛ فما يُشترى في هذه الحالة بعشرة قروش لا يساوي ما يُشترى في الأحوال الطبيعية بقرشين.
ولأن إنفاق الملايين على السلاح يُلجئ الحكومة إلى إرهاق الرعية من أصحاب الأموال والموظَّفين والعمال بالضرائب الثقيلة والخصوم المتعدِّدة بأسماء شتى. فيحسَب الأجر على صاحبه خمسة قروش مثلًا وهو لا يقبض منه أكثر من ثلث ما حسبوه.
ولأن «تشغيل» المصانع بالسلاح والذخيرة لا بد أن يقف أو يدوم، فإن وقف فهناك صدمة الركود المفاجئ وكارثة البطالة من جديد، وإن دام فهناك دوام الكساد ورخص العملة وضرورة البحث عن مصرف للسلاح في القتال والتخريب.
وليس في وسع حكومة أن تخلق جو الحرب بتجييش الجيوش وتكديس السلاح وتهييج الخواطر وتجويع الناس دون أن تصطدم بالحرب طائعة أو كارهة، ومحتاجةً إليها أو زاهدة فيها، فهي أسيرة مُسخَّرة وليست بحرة قادرة على التدبير والتقدير، وهي كالدابة المسحوبة من لجامها إلى حيث تشاء أو لا تشاء، وليست كالرجل الذي يضع قدميه حيث تبصر عيناه.
•••

ومثل آخر: مشكلة التجارة.
فالنازيون يحلُّون هذه المشكلة بالترقيع والتلفيق والخداع والاحتيال، فلا يلبثون قليلًا حتى يجدوا أنفسهم بين ضرورات القوة العمياء.
يعرضون على الأمم أسعارًا أكبر من الأسعار التي تبيع بها محصولاتها الزراعية، ثم يعرضون عليها مصنوعات حربية بأرخص من أثمانها في البلاد الأخرى، مقايضةً ومبادلة؛ لأنهم لا يشترون بالنقد الحاضر.
ثم يبيعون المحصولات الزراعية بأقل من الأسعار التي اشتروها بها، ويماطلون في تسليم المصنوعات بدلًا منها، ليرفعوا أثمانها.
ولما كانت الأمم التي تعاملهم مضطرة إلى استيفاء ديونها فهي تعود فتقبل كل ثمن، كما يقبل الدائن كل ما يستطيع الوصول إليه من أمتعة المدين المماطل.
وتمضي فترة وجيزة فتعلم الأمم التي تعاملهم أنها خسرت عملاءها؛ لأن عملاءها يشترون محصولاتها من النازيين بأرخص من الأثمان التي تباع بها في أسواقها الوطنية.
وهنا يرى النازيون أنهم مستهدفون لقطع المعاملات، عاجزون عن إطالتها والاستمرار عليها بغير التهديد والإرهاب، والقتال كَرَّةً أخرى.
هذه أمثلة من «العلاجات» النازية.
وهي أشبه بعلاج الشعوذة والطلاسم منها بعلاج الطب والجراحة العلمية.
والمشعوذ قد يخدع مريضه فترة من الزمن ويقنعه أنه خير له من الطبيب وخير من الجرَّاح!
والطبيب أو الجراح قد يفشلان في بعض الأمراض، ويبدو للمريض أنه أخطأ في الركون إليهما وقلة الركون إلى السحرة والمشعوذين.
ولكن الطب طب والشعوذة شعوذة على كل حال.
ومتى عرف الطب علاجه فذلك هو العلاج الصحيح الذي يُقاس عليه ويُطْمَأَنَّ إليه.
أما إذا بقي العلاج الطبي مجهولًا فليس ذلك بحجة على صلاح الشعوذة والتدجيل، ولو نجحا إلى حين.
وهذه مشكلة البطالة مثلًا في البلاد الديمقراطية؛ فإن هذه البلاد لم تحسم داءها حتى الساعة، ولا تزال تعالجها بالإعانات تارة وإنشاء أعمال الإصلاح والتعمير تارة أخرى، إلى ما شابه ذلك من المسكِّنات والملطِّفات. ولكنها مسكنات الطب وليست بمسكنات الشعوذة، ثم هي حيرة سليمة المَغَبَّة، وليست بدواء كاذب يخلق إلى جانبه عدة أو دواء.
ومن الواضح أن مشكلة كمشكلة البطالة التي ترجع إلى أسبابها العالمية لن يتأتى أن تحلها أمة واحدة في داخل حدودها، ولن تعالَج يومًا بمعزِل عن علاج الكساد العالمي واختلال المبادلات التجارية.
فإذا شعرت الأمم بهذه الضرورة ودفعها الشعور بها إلى ابتغاء الوسيلة الناجعة بالتعاون فيما بينها، فذلك خيرٌ للعالم وخيرٌ لكل أمة على حدة من الجرعة القاتلة التي تودي بالعليل والصحيح.
ومتى رأى الطبيب من واجبه أن يترك بنية المريض تعمل عملها وتدبر مقاومتها فعليه أن يظل طبيبًا يفعل ما يوحيه إليه طبه، وليس عليه أن يلبَس للناس لبوس المشعوذ الدجال.
النظام

والنظام هو «فخر» النازيين لأنهم يعيبون على الديمقراطية اختلاف الآراء وصعوبة الاتفاق على قرار، وبطء الإنجاز بعد الاتفاق عليه.
والقول الصواب هنا أن نقارن بين أحسن الديكتاتوريات وأحسن الديمقراطيات، كما نقارن بين أسوأ الحكومات من الجانبين؛ فلا نفرض النظام الديكتاتوري كما يكون في «مثله الأعلى» ونفرض النظام الديمقراطي كما يكون في أقبح الأشكال والأوضاع.
وممَّا لا شك فيه بعد هذه المقارنة أن أفضل حكومة ديمقراطية خير من أفضل حكومة ديكتاتورية، وأن الديكتاتور الرديء شر من الديمقراطية الرديئة على أسوأ ما تكون.
والنظام بغير «انتظام» نقيضةٌ لا يقبلها العقل المستقيم؛ فما هي وسيلة انتظام الديكتاتورية حاكمًا معصومًا بعد حاكم معصوم، وخَلَفًا صالحًا بعد سلف صالح؟
لا وسيلة على الإطلاق.
ولكن الديمقراطية الصالحة تعقُبُها ديمقراطية صالحة إن لم تكن أصلح منها؛ لأن مرجع صلاحها إلى الشعب قبل حاكميه.
أما إذا كان الفساد من الشعب نفسه فهو فاسد مع الشورى وفاسد مع الاستبداد، وقد يكون المستبد غبيًّا سفاحًا كما يكون الحكام الديمقراطيون عَجَزَةً أو مختلسين.
وما الحيلة في فساد المستبدِّ الجائر، وكيف السبيل إلى تبديل حكمه؟ لا سبيل غير الثورة والفوضى.
أما الديمقراطية فباب التبديل فيها مفتوح بغير ثورات وبغير سفك دماء.
على أن الحاكم المستبِدَّ إنما يصلح من جانب ويفسد من جوانب شتى، فيعطي الأمة نظامًا إن أعطاها، ويسلب منها حرية الرأي وكرامة الاستقلال والإرادة حيثما ظهر وكيفما كان.
والديمقراطية بعدُ لا تعيى بالمواقف العصبية التي لا بد فيها من إطلاق أيدي الحاكمين؛ لأنها تطلق أيدي الحاكمين في هذه المواقف بنظام مقرَّر معروف، ليس كله استبدادًا لأن أساسه تفويض الأمة، وليس كله حرية لأن الحرية فيه محدودة حيث تقام لها الحدود، وربما تعلمت من سرعة العمل في أيام الحروب دروسًا تنفعها أيام السلام، فتأتي السرعة من طريق التعليم والتعوُّد لا من طريق الإرغام والإلزام.
ففي الديمقراطية «احتياط» لأحوال الاستبداد، وليس في الاستبداد احتياط لأحوال الديمقراطية؛ إذ هو استثناء دائم، ولن لا يجري إلا على حكم الاستثناء.
وربما كان للاستبداد — إذا صلح — بعض حسنات المستشفى الذي يضمن النازلون به نظافة الطعام وجودة الهواء وانتظام المواعيد بأعيُن الأطباء. فإذا استشرى فساده فهو حبس كحبس الحجاج لا حرية فيه ولا ظل ولا طعام.
أما الديمقراطية فهي بيتك الذي تعيش فيه وفق مرادك، إذا صلح فهو خير من المستشفى، وإذا فسد فهو خير من حبس الحجاج. والناس مخلوقون للعيش في البيوت لا في المستشفيات والسجون.
الصحة

ونحن نذكر المستشفى على سبيل المجاز والتمثيل ولا نعني أن الصحة تتوافر لرعايا الحكومات المستبدة كما تتوافر في المستشفيات.
فمن غير المعقول أن حكوماتٍ تجور على أقوات رعاياها وتعتمد على نظام الجرايات في أوقات السِّلم لتنفق على السلاح والذخيرة تستطيع أن تكفل التغذية النافعة لأولئك الرعايا المحرومين. وكل حكومة تتخذ شعارها «العدة ولا الزبدة» كما تفعل الحكومة النازية، فليس في وسعها أن توفِّق بين نقص الأرزاق وتصحيح الأجسام.
وقد تُعجب الناظر مواكب الألعاب الرياضية ومعارض الجيوش، فيخالها عنوان الصحة الحسنة والأرزاق المكفولة لسواد الأمة، ولكنه لا ينظر إلى ما وراء ذلك نظرة قريبة حتى يتبيَّن مكامن الداء ويعرف الثمن القاصم الذي اشتُريت به هذه المشاهد الجوفاء: موكب زمر وطبل واحد وراءه ألف أسرة تحرم الغذاء والكساء. ولولا هذا التمويه الفاشل لوجدت منهما الكفاية وفوق الكفاية.
ويقترن نقص الأرزاق بنقص الرعاية الطبية، لانصراف الأطباء إلى ملازمة الفرق العسكرية، أو لانصراف الشُّبَّان عن دراسة الطب والاستبحار في العلوم، فتقل الرعاية الطبية وهي أحرى ما تكون بالمزيد، لازدياد حاجة الناس إليها من جراء سوء التغذية وضعف الوقاية.
وفي كتاب الدكتور مارتن جمپرت الألماني المسمى «يحيى الجوع»? بيانات وإحصاءات مستمدة من مصادر النازي الرسمية تدل على مبلغ انتشار الأمراض والعلل بين الناشئة الألمانية من أثر المبدأ القائل: «العدة ولا الزبدة»، أو دعوا السمن واصنعوا المدفع Guns before Butter. فإصابات الحمى القرمزية في سنة ???? كانت ????? فأصبحت ?????? بعد أربع سنوات.
وإصابات الدفتيريا في سنة ???? كانت ????? فأصبحت ?????? بعد أربع سنوات.
وفي دورتمند خمسة وخمسون في المائة من الأطفال مصابون بلين العظام، ولا يزيد عدد الأطفال المُعافِين من أعراضه في ميونيخ على خمسة وثلاثين في الألف؟
وجاء في التقرير الطبي عن الجامعات سنة ????: «إن مقابلة الأحوال في السنوات الأربع الماضية تدل على هبوط في مستوى الصحة بين الشبان؛ فإن زيادة المصابين بمرض القلب في السنة الماضية مزعجة غاية الإزعاج … وعدد الطلاب الذين لا يصلحون للانتظام في سلك الفرق الرياضية قد تَضاعَف في السنتين الماضيتين، وكان عدد الطلاب الذين لا يقدرون على المشقات البدنية في سنة ???? أقل من عشرين في المائة، فأوشك أن يبلغ الخمسين في المائة الآن.»
وانتشار الأمراض بين العمال أكثر وأعضل. وقد حَرَّمت الأمم تشغيل الأطفال في بعض المعامل إلا ألمانيا النازية؛ فإنها — لحاجتها إلى الصناع بالأجر القليل — قد أوجبت على الأطفال أن يعملوا من العاشرة، وارتفعت نسبة الناشئين الذين يعملون في وادي الرور بين الرابعة عشرة والعشرين من ??? في كل عشرة آلاف (سنة ????) إلى ???? بعد ذلك بخمس سنوات.
ويشيع النازيون أنهم يروِّضون الناشئين على فرح القوة والفرح بالحياة. ولكن المقارنة بين حوادث الانتحار في ألمانيا وحوادث الانتحار في البلدان الأوروبية الأخرى لا تُنبِئُ عن فرح بالحياة بل فرح بالموت؛ فإن عدد المنتحرين في ألمانيا وحدها يكاد يساوي عددهم في أرجاء القارة الأوروبية بأجمعها.
وكذلك زاد عدد الموتى ثمانين ألفًا كل سنة في ألمانيا الجديدة، وكان معظم الزيادة في الأعمار ما بين الأولى والخامسة عشرة، وما بين العشرين والخامسة والأربعين، أي في سن الطفولة وسن الشباب، سن الفرح بالحياة.
وهذه نتيجة بَدَهِيَّةٌ لا غرابة فيها مع نقص التغذية وإرهاق الأجسام بالعمل وكبت النفوس واستفراز الأعصاب.
التربية

وتربية العقول أَضَرُّ في ظل النازيين من تربية الأجسام.
لأنهم يتعمدون تعويج الرءوس ويجرِّدونها من مَلَكة التفكير المستقيم، فلا ترى الدنيا على حقيقتها بل تراها كما تحب الحكومة أن يروها ويثابروا على رؤيتها، يصبغون التاريخ والجغرافيا للطفل بالصِّبغة التي تساعدهم على ترويضه واقتياده، ويغرسون فيه الأحقاد التي يضرمونها بالغضب والشر كلما أحبوا أن يضرموها، ويخلقون له وجودًا عجيبًا لا مجد فيه ولا حق ولا فضيلة لغير الآريين المزعومين، ويُفقدونه الملكة الصحيحة التي يختبر بها حقائق الأمم والرجال، فلا يرى الأشياء ولا يتصور المعاني إلا بعد تحريفها وتشويهها كما ترى الأشباح في المرايا المعقوفة، واطِّرادها أمامه على نسق واحد لا ينفي أنه زائغ مضلِّل وأن تفكيره وشيك أن يخونه متى لمح شعاعًا واحدًا من الضوء في عالم الرؤية القويمة والنظر السليم.
ويستولون على الطفل من السادسة فيقلِّدُونه خنجرًا صغيرًا ويطبعونه على الشر والنقمة يسمونها المجد والنخوة الآرية، ويخيل إليهم أنهم بهذا وأشباهه يقرعون الدنيا بجيل مشاكس متنمر لا حيلة لها فيه إلا أن تستكين له أو تقضي على كل قوة في يديه. وذلك في وهمهم مستحيل لشيخوخة الدنيا واضمحلالها، وآية الشيخوخة والاضمحلال عندهم أن الدنيا لا تألف الضراوة بالشر ولا تتغنى بالقتل والقتال.
فتلاميذهم على غرار تلاميذ الحسن بن الصباح الذي كان يخيل إلى أتباعه أنهم في نعيم مقيم ما داموا في طاعته ورضاه، وإنما يقود تلاميذه بتخدير الحشيش وهم يقودونهم بما يشبه الحشيش من الأوهام والأضاليل.
وهؤلاء التلاميذ هم الذين يترنمون بصيحتهم على الحرية: «أيتها الحرية! إنني أبصق على وجهك!» وكلمة «أبصق» هي ألطف تعبير لما يقولون في ذلك النشيد.
البيئة

ولعل الفاصل المبين بين الديمقراطية والنازية هو فاصل البيئة التي تعيش فيها كل منهما.
فليس أدل على سلامة الديمقراطية من أن قيامها في الأمة دليل على مزايا كثيرة في تلك الأمة، أو دليل على أن الأمة في معيشة طيبة ومعاملة حسنة، وأنها ذات أخلاق لا ضرر من إطلاق الحرية لأصحابها، وأطوار لا تعدو طوقها ولا تستعصي عليها.
وليس أدل على وخامة الديكتاتورية من أن قيامها في الأمة دليل على شذوذ في معيشتها أو على خوف من بعض الأخطار المُحدِقة بكيانها، كما يعترف الحاكمون بأمرهم كلما أعوزهم أن يُسوِّغوا قيامهم في شعب من الشعوب.
فالبيئة الديمقراطية كالأرض الآمنة القريرة، والبيئة الديكتاتورية كالمحجر الصحي أو كالمخفر الذي لا يُعاشُ فيه بغير رقابة وتضييق.
ولم يعرف التاريخ قَطُّ أن ديمقراطية حاربت ديمقراطية على مبادئها، وإنما تتحارب مثلًا حكومة اسبرطة العسكرية وحكومة أثينا الدستورية، أو تتحارب ولايات الشمال في أمريكا وولايات الجنوب؛ لأن الشمال يطلب الحرية للسود والجنوب يطلب لهم التسخير والاستعباد.
أو يتحارب نابليون بونابرت وبريطانيا العظمى، أو بسمارك ونابليون الثالث، أو اليابان وروسيا القياصرة.
وحتمٌ على النازية وما شاكلها أن تكون بيئة حرب تنفر من السلم كما تنفر البنية من السم الذي يتلفها ويقضي عليها؛ فإن «الزعيم» لا يخدع الناس عن عقولهم وحرياتهم إلا بما يزلفه لهم من بواعث الهياج وسَوْرَة الشعور وشهوة البغضاء وتعاقب الحوادث بالضجة والصليل؛ فإن لم يتعهدهم بهذه المثيرات فتر عندهم وباخ وآذن نجمه بالأفول.
وهو مع هذا يتعاظمهم بروعة التقديس والتأليه ومظهر القدرة التي تأمر فتطاع، وتريد فلا يحال بينها وبين ما تريد. فإن وقف بين جيرانه ونظرائه موقف المساوم الذي يأخذ ويُعطي ويتقدم ويتراجع، صغُر في أعينهم وضاع بينهم وأوشكوا أن ينقلبوا عليه وينتقموا لذلتهم الماضية ممَّا أسبغوا عليه من الهول والتهويل. فهو يشل يديه عن عمل الساسة كل يوم يلبس فيه هالة التقديس والتأليه؛ فإما أن يرسل الصواعق من سماء جو بيتير، وإما أن يهبط إلى الأرض مع الهابطين.
فسلام الدنيا إذا حكمتها الديمقراطية مفهومٌ لأنها تقوم على التفاهم ولا تحصر الرأي في يدي إنسان واحد. ولكنه غير مفهوم والدنيا تحكمها الديكتاتورية، بل غير مفهوم وفي الدنيا ديكتاتورية واحدة على مذهب التقديس والتأليه، تفتأ من يوم طهورها تقعقع بسلاح العدوان وتنشئ أبناءها على تمجيده واصطفائه دون سائر الخطط وسائر الحلول.
•••

ومن الملائم أن نستحضر في أخلادنا قبل ختام هذه المقارنة أن تفضيلنا الديموقراطية يؤدِّي إلى تعميمها في كل أمة، وأن تفضيلنا النازية أو الديكتاتورية لا يؤدي إلى مثل هذا التعميم؛ لأن النازيين يعتبرون مذهبهم مَزِيَّةً جنسية يستأهلها صفوة الخلق من أبناء الشمال ولا يستأهلها الجنوبيون ولا المغلوبون، وآخر ما يفكرون فيه إذا انتصروا أن يتركوا الشعوب الصغيرة للمستبدين من عشيرتها، والزعماء المقدسين من أبناء جلدتها، ولكنهم يدينونها بشريعة العسف التي لا تؤمن بتقديس ولا بحق مصون لحاكم أو محكوم من الضعفاء.
ويَحْسُنُ بنا كذلك أن نستحضر في أخلادنا أن الديمقراطية لم تنتهِ من التطوُّر ولم تتحجر على وضعها الذي هي عليه في هذه الأيام؛ فهي نظام يتقدم مع تقدم الشعوب، وتزول نقائصه كلما زالت نقائص الناس، ولا أمل من الناحية الأخرى في ارتقاء الديكتاتورية طبقة بعد طبقة وسيدًا بعد سيد؛ لأنها راجعة إلى القفزات والنوادر، منوطة بالآحاد المتفرقين، معرضة للهدم والتخريب بعد كل بناء وتعمير.
قال الإمام الشيخ محمد عبده: «لا يصلح الشرق إلا بمستبد عادل.»
نعم. ولم يفسد الشرق إلا بالمستبدين الظالمين، ولم ينهض نهضته المرجوَّةَ في القرن العشرين إلا بنفحة من الحرية الديمقراطية سَرَت إليه. وقد جرب حَظَّهُ في الاستبداد طويلًا فليجرب حظه في الحرية، وليجعلها اليوم قضيته الكبرى، فهي في الحق قضيته التي ينتصر فيها فينجو من ظلم أبنائه وظلم الغرباء.
أوتو شتراسر.
? هتلر وألمانيا، لمؤلفه هنريخ هاوزر Hitler Versus Germany.? Heil Hunger by Dr Martin Gumpert.
الفصل الخامس
قضية الغد


ولعلها كانت أحجى أن تكون قضية أمس أو أمس الأول، لو كانت «السياسة» تمشي في طليعة الشعوب ولم تكن تمشي وراءها بخطوات.
وقد قيل إن الساسة يتخلَّفون عن عصورهم ثلاثين سنة لأنهم يقتبِسون أفكارهم الحديثة في زمنٍ ويتولَّوْنَ الحكم في زمن آخر، ولأنهم يلبَثُونَ إلى أن يَمُرَّ «الصَّفُّ الأخير» من «محافظي الشعوب» ثم يمروا وراءه ليجتنبوا مشقة الابتداء والاقتحام، ويأمنوا مغبَّة «الرجة الثورية» التي تصاحب دعوات الإصلاح.
وليتها ثلاثون سنة!
فإنها على ما نرى مائة أو مائة وخمسون، وكأننا لا نزال الآن في أوائل القرن التاسع عشر من حيث سياسة العالم وفض المشكلات بين الشعوب والحكومات.
ماذا كان يحدث لو أن الدول جميعًا — كبيرها وصغيرها — أجمعت على إنذار هتلر بالحرب لو أنه رفض خطة التفاهم في المشكلة البولونية وأبى إلا خطة الإرغام؟
كان ينثني عن الحرب ولا جدال.
وكانت كل دولة من هذه الدول تخدم مصلحتها هي قبل أن تخدم مصلحة العالم؛ لأن خمس دول على الأقل كانت تأمن على حوزتها من غارة هتلر، وإن كانت بولونيا وحدها هي التي انفردت بالتهديد في بداية النزاع.
فلماذا لم تصنع الدول ذلك؟
لم تصنعه لأنها تعمل في السياسة الدولية كما كانوا يعملون قبل مائة سنة، وهم يومئذٍ على صواب.
فبعد الحروب الدينية والحروب التي نشبت بين الأسر المالكة من جرَّاء الخلاف على الوراثة، رشدت الأمم بعض الرشاد فاجتنبت الحروب «العاطفية» والنزوات الحماسية واتبعت «المصلحة» وحدها في إدارة علاقاتها الخارجية، فلا تُعادِي ولا تُصادِق من أجل مصالح الأمم الأخرى ولو كانت تجاورها أو تماثلها، ولا تظن أن حدثًا من الأحداث يعنيها ما دام يجري من وراء حدودها.
وجعلت شعارها كلمتين اثنتين: الكلمة الأولى «مصلحتي»، والكلمة الثانية «لا يعنيني!»
وصمدت على ذلك في جميع الأزمات الدولية، ولا سيما أزمات الحروب.
•••

إلا أن العالم قد تغيَّر، وقام بعد العالم في القرن التاسع عشر عالم متشابك متماسك لا تنفصل فيه أمة عن أمة، ولا تطرأ فيه المشكلة الدولية إلا سَرَتْ آثارها إلى أبعد الأمم وأقربها على السواء.
فقيام حكومة النازي في ألمانيا كان مسألة ألمانية داخلية على رأي الساسة «الحصفاء» من المدرسة العتيقة.
ولكنْ ألم يكن كذلك مسألة داخلية بولونية؟ ألم يكن مسألة داخلية بلجيكية ومسألة داخلية نرويجية وإنجليزية وفرنسية وتركية ومصرية؟ ألم يكن مسألة داخلية في جميع الأمم التي اضطُرَّتْ من جراء قيام النازيين إلى إنفاق ما لم تكن تنفق، وتدبير ما لم تكن تدبر، واتخاذ ما لم تكن تتخذ من الحيطة، وفرض ما لم تكن تفرض من الضرائب، وانتداب من لم تكن تفكر في انتدابهم من الوزراء والساسة والسفراء!
أكل هذا لا يكفي لاعتبار المسألة الداخلية في أمة مسألة داخلية في الأمم الأخرى؟
بلى. إنه لكافٍ وأكثر من كافٍ.
ولكنَّ النازيين أغاروا على بولونيا ومن ورائها أمم شتى تنتظر وتحسب أنها تسلم بالانتظار، وتبتعد وتحسب أنها تأمن بالابتعاد.
فلم تنقضِ أسابيع حتى فهمت كل واحدة منها أنها أخطأت في حقِّ نفسها وأخطأت في حق غيرها، ولم تُفِدْ أحدًا غير المعتدي عليها وعلى غيرها.
فلا هي سلكت طريق المروءة، ولا هي سلكت طريق السلامة. وبئست السياسة التي تحيد عن هذين الطريقين لتمهد بيديها طريق المعتدين عليها.
انتهى في السياسة الدولية عهد «مصلحتي» وعهد شئوني وكفى!
وأصبحت المصلحة الآن في التوحيد بين المصلحة الوطنية والمصلحة العالمية، فلا تنفرد أمة في سياستها إلا على نية من نيتين: العدوان على غيرها أو التعرض لعدوان المعتدين.
فإذا أبَت أمة من الأمم إلا أن تفرغ جهودها كلها للسطوة العسكرية وأن تشبع نفوس أبنائها كلهم بنوازع البغي والعدوان، فماذا يبقى للأمم الأخرى بإزاء هذا الخطر الذي يهددها واحدة بعد واحدة؟
لا يبقى لتلك الأمم إلا أن تعمل كلٌّ منها منفردةً فتستعد وحدها لدرء الخطر عنها، وهي الخاسرة بما يضيع عليها من الأموال والجهود وعلى أبنائها من الحقوق والحريات.
هذا أو تعمل الأمم مجتَمِعَات وتُقلع عن سياسة «مصلحتي»، «ولا يعنيني» لأنها نقيض المصلحة والمروءة والسداد.
وفي هذه الحالة يكفيها رُبُع الاستعداد الذي كانت مضطرة إليه لو أنها عملت على انفراد.
لأن دولًا عشرًا تبذل ربع مجهودها ومالها أقوى من دولة واحدة تبذل كل ما عندها من مجهود ومال.
فهذه «الخطة العالمية» أقل نفقة وأقرب إلى السلامة، وأشبه بالكرم والمروءة، ولا عائق يعوق الأمم عن المُضِيِّ فيها إلا البلادة والغباء.
ومتى ثبت لزوم الخطة وثبت إمكانها، وثبتت فوائدها فهي في انتظار «الأداة» التي تصلح لتنفيذها، أو هي في انتظار «واسطة الاتصال» بين الحكومات.
وليست هذه الواسطة المرجوة — بل الضرورية اللازمة — بالطريق المقطوع.
فالتعاون الدولي قد أخرج بعد اليوم ضرورة و«عقلًا» ولم يعُد كما كان قبل اليوم حلمًا من الأحلام أو عاطفة من عواطف المتخيلين.
وصداقات الدول لا ينبغي أن تقوم غدًا على أساس غير أساس الاشتراك في العدوان أو الاشتراك في دفع العدوان.
والاتفاق على دفع العدوان أيسر من الاتفاق على العدوان؛ لأن المعتدين يتغالبون ويتنازعون، ولا يمضون في الوفاق إلى نهاية الطريق.
وتلك قضية الغد.
وتلك هي عبرة الحرب الحاضرة، إن كانت لها عبرة على الإطلاق.
•••

فلهذه الحرب أغراضها التي لا مناص من تحقيقها.
ولا نعني تلك الأغراض التي يعلنها الساسة ويؤمنون — أو لا يؤمنون — أنهم يعملون لها وينتهون إليها.
ولكننا نعني الأغراض التي تتَّجه إليها الحوادث وتوجه إليها الساسة في تيارها الجارف الذي لا يسلس عِنانه لأحد؛ وإن خيل إلى كثيرين أنهم قابضون عليه، مستوون في الركاب.
وكل حادث عظيم من حوادث الدنيا فله نتائجه اللازمة اللازبة إذا شئنا أن نتجنب كلمة المقاصد.
فالحرب الماضية انتهت بزيادة الأمم المستقلة في أوروبا وأفريقيا وآسيا، وبدخول التحكيم الدولي في دور جديد من أدواره الكثيرة، وبفشل النزعات المادية في تجارب الأمم والأفراد؛ فقد فشلت تجربة الماركسية في روسيا بعد أن أتيحت لها فرصة لا نظير لها، وفشلت تجربة الخلاعة والانطلاق من ضوابط الآداب والأخلاق، فأحس كل خليع مستخفٍّ بتلك الضوابط أن النفس التي لا ضابط لها نفسٌ متفككة خاوية، وأنها من أجل ذلك خليقة أن تتهالك وتستخذي في إبان سرورها وانتشائها، كأنها تنفر من ضعفها وتتقزَّز من خوائها. فرجعت النفوس تتمرد على التمرد، وتتمثل طريقها إلى الإيمان والمثل العليا.
وإذا قصرنا القول على الجانب السياسي فقد تحقق شطر من أغراض الحرب الماضية، وهو تقرير المصير في أمم كثيرة، وبَقِيَ شطر في انتظار التحقيق وهو إنصاف الأقوام الصغيرة أو الأقليات، وإتمام التعاون «عملًا» بين الحكومات.
فما هي أغراض الحرب الحاضرة؟
أولى من سؤالنا عن أغراضها أن نسأل عن أسبابها.
فإذا سألنا عن تلك الأسباب ظهر لنا الماركسيون والماديون بأسبابهم التي لا يعرفون غيرها، وخلاصتها المضحكة أن الدول قد أنفقت ألوف الألوف من ربوات الدنانير للوصول إلى عشر معشار هذا المقدار، وهي لا تَثِقُ من هذا المكسب كما وثقت كل الثقة من ذلك الخسار.
والماركسيون أو الماديون أول من يجهل أن «الدينار» ليس بشيء في ذاته، وأنه لا يصبح شيئًا إلا حين يمثل حاجات النفوس والأجسام، ومنها الغلب والزهو وإرضاء الأوهام والخيالات.
وقد أحصيت أسباب شتى للحرب الحاضرة غير أسباب الماركسيين والماديين، وهي الخوف من الحرب واتخاذ الحيطة لها، وفقدان المثل العليا والأصول الأخلاقية التي لا استقرار للنفوس مع فقدانها، والتفاوت بين الأمم في طبقات الحضارة ونظم الاجتماع؛ فإن التفاوت يمنع التعامل بقسطاس واحد، ومتى تعددت أساليب المعاملة صعُب التوفيق ونجمت أسباب الخلاف.
إلا أن هذه الأسباب جميعًا تنطوي في السبب الأكبر الذي تتلاقى عنده، ولا قبل لنا باستيعابها في تفصيلها إلا إذا استوعبناه في جملته، ثم رددناها إليه.
ذلك السبب الأكبر هو افتراق الطريقين بين الماضي والمستقبل؛ فإن العالم اليوم حائر بين ماضيه ومصيره، فلا هو قد فرغ من الماضي بتةً ولا هو قد وصل إلى تقرير المستقبل وتوطيده والاتفاق عليه.
ماضٍ لا رجعة له، ومستقبل لم يأتِ بعد، وقد آذن في عصرنا بالظهور: في الماضي كانت السياسة تقوم على أساس العصبيات وتُكثر منها ما استطاعت لتعتز بناصرها، بين عصبية وطنٍ وعصبية جنس وعصبية لغة وعصبية دين، وعصبية موقع ومصلحة.
وفي المستقبل يضيق العالم بهذه العصبيات؛ لأنه يَتَّسِعُ ويتقارب بمواصلاته، وكلما اتسع وتقارب اشتبكت مصالحه ومشاربه وتعذَّر على الأمة أن تنعزل فيه، واستحال أن يحكمه قوي واحد وأن يتفق على تقسيمه أقوياء متحاربون، واستحال أن يُهمَل فيه شأن الضعفاء، فلا غنى فيه عن التفاهم والتعاون، وأن ينسحق فيه القوي الذي لا يأخذ خصومه الأقوياء والضعفاء بغير السلاح.
فلا مناص إذن في الغد المنظور من قيام السياسة على أساس العلاقات العالمية المشتركة، حتى في الأمور التي كانت تستأثر بها كل دولة وتأبى أشد الإباء أن تشاركها الدول الأخرى في كثير أو قليل منها، كالعملة والجيش والسياسة الخارجية، والمصطلحات الاجتماعية.
فهذه المسائل كانت معدودة في شريعة العصبيات القديمة عنوان السيادة القومية التي يستقل بها كل قوم عن سائر الأقوام.
فأصبحنا في مسألة العملة نرى كثيرًا من الأمم ترتبط بنظام واحد وترجع إلى ثقة واحدة، ولا تملك أمة واحدة أن تستقل بعملتها عن سائر الأمم.
وأصبحنا في مسألة الجيش نرى فرنسا تشير على إنجلترا بنظام التجنيد فتقبل إشارتها، ونرى أسطولًا فرنسيًّا بقيادة إنجلترا، وجيشًا إنجليزيًّا بقيادة فرنسيين، ونرى — نحن المصريين — أننا نقبل الجيوش الأجنبية في أرضنا ونعتبر إقامتها بيننا أثناء الحرب تنفيذًا لاتفاق محمود مرغوب فيه.
وأصبحنا في السياسة الخارجية نرى المذكرة الواحدة تكتب وتدرس في دواوين أمم كثيرة قبل إنفاذها، ونرى اللجان «المختلطة» تحل محل الوزراء المنفردين في كل دولة.
وبلغ من اشتراك اللجان ومجالس الحرب في جميع الشئون أنها لم تترك عملًا واحدًا تنفرد به السيادة القومية على النحو القديم.
فهذا عالم جديد، وهذه أحوال جديدة، وهذه طلائع للمستقبل لا بد أن تبلغ تمامها، ولمَّا تبلغه بعد.
ومن ثَمَّةَ هذا التقلقل، وهذه المحاولات، وهذه التجارب، تارة في ميادين السياسة وتارة في ميادين التجارة، وتارة في ميادين القتال.
وما من عبث ولا مصادفة قد انقسم المعسكران المتقاتلان اليوم هذا الانقسام: معسكر ألمانيا وأصحابها الظاهرين والمستترين، ومعسكر بريطانيا العظمى ومن معها من الحلفاء والأصدقاء.
بل هما يمثلان في انقسامهما عالم العصبيات من جهة، وعالم المشاركة العالمية من جهة أخرى.
فها هي ذي ألمانيا تحمل راية العصبية الجنسية باسم الآرية أو باسم الأقوام الشمالية، وفي صفها أو من خلفها الروسيا الشيوعية وهي التي تحمل راية التعصُّب للطبقة العاملة وتسميها سيادة الصعاليك.
وها هي ذي بريطانيا العظمى تحمل راية المشاركة العالمية وتقوم على التسانُد بين شعوب كثيرة داخل الإمبراطورية وخارجها، قد اتصلت كلها بالمحالفات والمعاهدات والدساتير التي تساعد على المعاونة ولا تمنع الاستقلال ولا تجور على الحقوق الوطنية، فليست كندا ولا أستراليا ولا أفريقيا الجنوبية أقل استقلالًا في إعلان الحرب من إنجلترا نفسها. أما خارج الإمبراطورية فهناك فرنسا وتركيا ومصر على اختلاف الأجناس واللغات والعقائد تتعاون وتتفق في الغاية اتفاق الأنداد الذين لا ينوون البغي على أحد من الأحرار باسم تعظيم جنس حاضر أو إحياء دولة غابرة.
ففي أحد المعسكرين نموذج صغير للعالم البائد، عالم العصبيات والعداوات والمشاكسات، وقوامه جماعة النازيين.
وفي المعسكر المقابل له نموذج صغير للعالم المقبل، عالم التعاون على تحقيق المشاركة الدنيوية في غير تعطيل للسيادة القومية، وقوامه جماعة الحلفاء.
وبين هذين النموذجين، أو هذين المعسكرين، سر الحرب العظيم الذي تندمج فيه الأسرار كافة، وسببها الأكبر الذي تتفرع منه الأسباب النفسية والفكرية والاجتماعية والتجارية قاطبة. وتلك هي قضية الغَدِ التي نترقب الفصل فيها بعد الحرب الحاضرة، ولا يعني الفصل فيها أحدًا من بني الإنسان كما يعني الأمم العزلاء.
•••

ومن التغرير بالآمال أن نتخيل أن المشاركة العالمية حاصلةٌ في بكرة الهدنة بعد الحرب الحاضرة، وأن الدول سترمي السلاح بيدٍ وتقيم حق العالم باليد الأخرى؛ فالعافية درجات كما يقولون في حكمة العامة، وأمثال هذه الآمال الكبار لا تسرع إلى التمام في اللحظات القصار، وحسبنا أن نعرف اتجاه آمالنا وأن نتوخَّاه في أعمالنا، فنطمئن إذن إلى كل خطوة نخطوها، وننزع عن عقولنا حيرة السالك في مفازة لا معلم في أرضها ولا قطب في سمائها. ونثوب إلى الإيمان في السياسة، فنصيب صواب المؤمنين ونخطئ خطأ المؤمنين، ولا نقذف بأنفسنا في تيار الحوادث يجرفنا إلى حيث شاء، ويمضي بنا من حيث لا ندري إلى حيث لا ندري، كأننا خشبة من حطام لا دفة لها ولا شراع.
ليست هذه الحرب نهاية الحروب، وليس المهم أن تنتهي الحرب بعد أمد قريب أو بعيد.
وإنما المهم أن نفصل بين بطولة الحرب وإجرامها بفاصل يميزه الناس كما يميزون موت الشرطي في سبيل الحق من موت اللص على مشنقة القصاص، وأن تكون للعالم شريعة يدين بها الخارجين عليه كما كانت لكل أمة شريعة تدين بها من يخرج عليها.
وقد يمضي زمن قبل أن يشنق رئيس أمة باغية جزاء له على إضرام الحرب في سبيل شهواته وخيالاته، ولكنه إذا أصبح في أعين الناس مستحقًّا للشنق فوصول الحبل إلى عنقه وتقصيره عن الوصول إليه سيان في حكم الآداب والأخلاق.
وستبقى القوة والضعف بعد الحرب الحاضرة، وتبقى بعد جميع الحروب المقبلة، سواء نشبت في سبيل الفتوح والمغامرات أو نشبت في سبيل العدل والأمان.
فلن يأتي في تاريخ العالم يوم تصبح فيه القوة هي الضعف ويصبح فيه الضعف هو القوة؛ ذلك إلغاء لمعنى الكلمات فضلًا عن إلغائه لحقائق الأشياء.
ولكن القوة ضروب.
فاللص الذي يقطع الطريق ويزهق فرائسه المنهزمين قويٌّ يعتمد على قوته.
والسيد السريُّ الذي يطمع في حق الضعيف فيبذل المال في إرضاء المحامين والشهود وتضليل القضاء ونقض الشريعة قويٌّ يعتمد على قوته.
إلا أننا لا نعرف عاقلًا على الرغم من هذا يقول: الغوا القضاء وأبيحوا قطع الطريق لأن القوي والضعيف لا يتساويان، أو ينكر أن نصوص الشريعة وأنظمة القضاء مكسب إنساني يغار عليه المظلوم وإن لم يبلغ منه ما يروم.
فمن قال إن الحرب الحاضرة تسوي بين القوي والضعيف فهو خادع أو مخدوع، ولكنها إذا استطاعت في عالم السياسة الدولية أن تفرِّق بين قوة اللص الخارج على الجماعة وقوة السري المعتز بمنزلته في أمته، فقد استطاعت الشيء الكثير، وتركت بقية للمستقبل عسى أن تتحقق في زمن يسير.
•••

كيف تتأدى الحرب الحاضرة إلى هذه الغاية؟
الرأي عندي أبدًا هو أن العقيدة سابقة للنظام كما أن الوظيفة سابقة للعضو في اصطلاح علماء الأحياء.
فهل وُجِدَ في الدنيا شيء يسمى «الحق العالمي» وشيء يسمى «الجريمة العالمية»؟
هل ينظر العالم إلى من يزعج سلامه ويستهين بتراث الآداب فيه نظرته إلى مجرم مأفون أو نظرته إلى بطل جليل؟
ذلك هو السؤال!
فإذا كان «الحق العالمي» قد وُجد بيننا، بل إذا كانت الرغبة في وجوده قد غلبت على نفوسنا، فالنظام الذي يتولَّى الإنفاذ والإجراء بالمرتبة الثانية بعد هذه المرتبة الأولى!
والذي أعتقده جازمًا لا أشك فيه أن تقرير الحق العالمي واجب، وإننا اليوم في مقام المشترع الذي يريد أن يقرِّر بالنصوص حقوقًا مرغوبًا فيها وجرائم مغضوبًا عليها. وإننا في أوانها وفي فرصتها الكبرى، فينبغي أن نضن بها على الضياع.
ويأتي بعد ذلك دور «النظام» الذي يتكفل بالإنفاذ والإجراء، فماذا عسى أن يكون هذا النظام؟
إن الفروض والمقترحات في هذا الباب لا تقتصر على المثاليين والخياليين؛ فإن أناسًا من المسئولين في السياسة كالمسيو بريان قد عرضوا على سبع وعشرين دولة أن يفكروا في تأسيس «اتحاد» كالاتحاد الأمريكي أو السويسري أو الأسترالي على نحو من الأنحاء، قبل نشوب الحرب الحاضرة بعشر سنوات.
وقد سبقه ولحق به مفكرون من الأدباء والحكماء ذهبوا إلى توحيد الوزارات وتوحيد المجالس النيابية وتقسيم الكراسي فيها بين الأعضاء على قواعد يؤثرونها ويحسبونها وافية بالقصد قابلة للإنفاذ.
ويغلب على الظن أن إنشاء هذا الاتحاد غير ميسور وغير لازم في الجيل الذي نحن فيه؛ لأن الاتفاق على أساس الانتخاب عسير. فهل نعتمد في الانتخاب على العدد؟ أو نعتمد فيه على طبقة الحضارة؟ لا هذا ولا ذاك ممَّا يسهل الاتفاق عليه.
إلا أن الاتجاه مع ذلك مرسوم.
والخطوات الأولى في هذا الاتجاه تغري بخطوات تالية لا تُخشى عاقبةُ المضي فيها.
وأسهل من إنشاء الحكومة العالمية فيما نرى توجيه الجهود إلى إنشاء سوق عالمية للخامات، وسوق عالمية للمصنوعات، وأن يكون الإصدار والإيراد بين هذه وتلك بمقدار متفق عليه، على مثال الاتفاق الذي تلاحظه الدول في زرع الحبوب والأعشاب التي تدخل في سموم المخدرات.
وليس من الضروري أن يتوحد مكان هذه السوق أو تتوحد مصادر التصدير والتوريد؛ إذ يكفي أن يتوحد مكتب التسجيل والإحصاء حيث كان الإنتاج والتوزيع، ليعرف الطالب من أين يطلب والبائع لمن يبيع. وخليقٌ بالعالم الذي تتصل فيه شرايين الأثير والكهرباء بين تليفون وتلغراف ومذياع أن يمهد ما كان عصيًّا من هذا المطلب قبل سنين.
•••

ولا يخلو من الطرافة أو من الأهمية أن نشير هنا إلى اقتراح الزعيم الألماني الذي يرشحه الكثيرون لرئاسة الحكومة الديمقراطية في ألمانيا بعد هزيمة هتلر وسقوط نظامه، ونعني به أوتو شتراسر Otto Strasser شقيق جريجور شتراسر ومساعده في إنشاء حزب النازي بأقاليم ألمانيا الشمالية، وقد كان جريجور صديقًا لهتلر وكان هتلر أبًا لولديه التوأمين في العماد. ثم انفصلا، فأرسل إليه هتلر نفرًا من أعوانه، فأخذوه من بيته وهو بين زوجه وأبنائه وقتلوه ركلًا بالأقدام. لكنَّ هتلر لم يسترح من أوتو كما استراح من جريجور، ولا يزال يخشاه ويتهمه بكل مكيدة تصيبه أو تصيب نظامه.
ورأى «أوتو شتراسر» في علاج مشكلة التجارة العالمية وما تنطوي عليه من مشكلة المستعمرات أن تؤلف لها شركة كبرى تدور فيها الأعمال على أساس المعاملات المالية التي لا تحتاج إلى مداخلة من الساسة أو الجيوش.
ورأيه الذي أبداه لمكافحة الحرب قبل بضع سنوات أن تنصف الدول ألمانيا وتقضي على سيطرة بروسيا قضاءً لا تقوم لها من بعده قائمة، وعنده أن تقويض بروسيا لا يتأتى بغير تقويض السادة البروسيين الذين يحتكرون الضياع الواسعة ويعيشون فيها عيشة الطغاة ولا يأذنون لحكومة في ألمانيا أن تستقر وتهدأ في أماكنها ما لم تقم على أركان الطغيان والعتو والعدوان.
وفي هذا الرأي هو ولا شك مصيب ومخلص لوطنه وللعالم؛ فما تأتي المصائب لألمانيا ولا للأمم المبتلاة بطغيانها إلا من قبل أولئك «السادة» البروسيين.
•••

على أن التفكير في حرب الدول لا يغني عن التفكير في حرب الطبقات؛ إذ ربما نجمت الحرب الدولية من جرائر النزاع بين طبقة وطبقة في أمة واحدة، أو أمم عديدة.
والرأي اليقين في هذا الصدد أنَّ حرب الطبقات لن تهدأ بتغليب طبقة ولا باستنزاف طبقة، سواء كانت هي طبقة الأغنياء أو طبقة الصعاليك، وإنما تهدأ بالتعاون القومي والتنافس الشريف، وتبقى الطبقات باقية، ما بقيت الحياة؛ إذ ليس السر الكامن وراءها سر «النقود» كما فهم كارل ماركس وأشياعه، ولكنه هو سر الحياة الذي يقضي بتعدد القيم وتعدد المساعي وتعدد الكفاءات والأذواق واللبانات.
وخير ما تعالج به مشكلتها أن تتوسع الأمم في نظام «الجماعات التعاونية» فلا يستفيد «رأس المال» شيئًا إلا كان مردُّه إلى المشترين، وأن تتوسع في نظام المشاركة بين العامل وأصحاب العمل، فيصبح للعامل نصيب في ربح عمله، وترجع الدولة إلى ما فاض من ربح يتجاوز المعقول فتأخذ منه حصة للضريبة التي تفيد الجماعة كلها، وتعين الفقراء منها قبل الأغنياء.
لا نقول إننا وفينا الكلام في الإصلاح السياسي أو الإصلاح الاجتماعي بما قدمناه، فليست توفية الكلام في ذلك من مطالب هذا الكتاب.
ولا نقول إن حلًّا من الحلول السياسية والاجتماعية كائنًا ما كان سيفض مشكلة الحياة بين الأمم والأفراد. فمشكلة الحياة لا تُفض، ومطالبها لا تنتهي، وقصاراها أن:
تموت مع المرء حاجاتهوتبقى له حاجة ما بقي فإن الحياة التي لا تواجه كل يوم كشفًا جديدًا وتسعى كل يوم إلى مجهول جديد لهي حياة قفراء جدباء لا تستحق أن تعاش.
ولكننا نقول إننا أشرنا إلى وجهة الهداية، وإننا إذا مضينا في هذه الوجهة على هداها فقد بلغنا شوطنا، وأبرأنا ذمة أَمْسِنَا إلى غَدِنَا، ولم نكن — نحن أبناء العصر الحاضر — سدًّا يعوق طريق العصر المقبل، أو غيهبًا ينحرف به عن مسراه.
مصر

اجتمع مجلس النواب المصري في بداية دور انعقاده بعد اتفاق ميونيخ بنحو شهرين، ودارت فيه — لمناسبة الرد على خطاب العرش — مناقشات عدة عن علاقة مصر بالحالة الدولية في أوروبا وغيرها من الأمم الأجنبية، وكنت مقررًا للجنة الرد على خطاب العرش، فأجبت على الملاحظات التي أُبْدِيَتْ في هذا الصدد بما يلي:? سمعنا كلامًا متعددًا عن مادة الطوارئ في المعاهدة وما عسى أن تجرنا إليه من مشكلات لا شأن لنا بها. فمن المتفق عليه — ولا شك — بين جميع المصريين أن مصر لا ينبغي أن تدخل حربًا يمكنها اجتنابها. ولكن ما هي هذه الحرب التي يمكننا اجتنابها؟
أخشى يا حضرات النواب المحترمين أن يُفهم من هذا أننا نقيس الأخطار من حيث قربها أو بعدها بالمقياس الجغرافي، أو بمقياس الأيام والساعات! فالفرق عظيم جدًّا بين منشأ الحادثة وبين النتائج التي تؤدي إليها، ومثال ذلك قريب إلينا من الحرب العظمى. فبلدة سيراجيفو بعيدة كل البعد من الولايات المتحدة، بعيدة كل البعد من اليابان، ولكنَّ حادثًا واحدًا وقع فيها كان كافيًا لأن يزج بكلتا الدولتين في حرب يظهر لأول وهلة أنه ليس بينها وبينهما شأن كبير. أما نحن فقد وصلت إلينا فقلبت تاريخنا وغيَّرت نظام الحكم عندنا وأنشأت لنا تاريخًا آخر غير ما كان يسير إليه مجرى الحوادث لو لم تقع هذه المأساة في سيراجيفو، وهذا مثل بسيط يمكن أن يتكرر في كل حادث.
قيل إن أعداء بريطانيا العظمى كثير، وهذا صحيح. ولكن يجب أن نذكر أن أعداء بريطانيا العظمى لا يحاربونها ليحتلوا لندن ولا لينتزعوا ليفربول، ولكنهم يحاربونها ليحتلوا مصر وأشباه مصر؛ فالخطر متجه إلينا على كل حال، وإذا انفردنا بأخطارنا فليس معنى ذلك أنها تنقص بل لعلها تزيد، ولست أعني بهذا إلا أن نعرف الحقيقة على جَلِيَّتِهَا لأن من يتوهم أن الخطر بعيد وهو قريب منه يوشك أن يقع فيه.
وبعد كلام عن ميناء إسكندرية وقناة السويس قلت في الرد على بعض حضرات الأعضاء ممن يرون الحد من الحرية الفردية: يريد … أن يفنى الفرد في المجموع أو في الدولة، ولا يجوز أن أفهم من ذلك أنه يريد إقامة حكم نازي أو فاشيستي في مصر، ولكن يجوز لي أن أقول إن فناء الفرد في الدولة شيء لا تعرفه الديمقراطية.
فالديمقراطية تعطي الفرد أقصى ما يستطاع من الحقوق، ومعلومٌ أن الغرض الأكبر من التقدم الإنساني هو حرية الفرد قبل كل شيء، وأن التفاضل بين أمة وأخرى إنما هو في الأمة التي يتمتع فيها الفرد بحقوق الأحرار، وليس في مصر من يرى فرقًا بين رجل يستعبده أحد من قومه سواء كان زعيمًا أو غير زعيم وبين رجل يستعبده حاكم أجنبي. هذا وهذا سواء عندنا على كل حال؛ لأننا نريد أن نكون أحرارًا إزاء كل حاكم سواء كان وطنيًّا أو أجنبيًّا.
ثم قلت: إن القوة العسكرية يا حضرات النواب المحترمين ليست هي مقياس الحضارة؛ لأنها قد تكون ضرورية للوصول إلى غرض معلوم أو موقوت، ولم يَقُلْ أحد من الناس إنها هي مقياس الحضارة، أو إن ترقِّي الجنس الإنساني إنما كان بمقدار كفاءة الأمة في إنشاء الجيوش. فأتيلا وهولاكو مثلًا كان لهما جيش يُعتبر من أقوى جيوش العالم. إنما مقياس الرقي والتقدم الإنساني هو شيء واحد: وهو الإنتاج العقلي ونبوغ العلماء والمفكرين والفنانين والمثقفين.
فلنرجع إلى حالة البلاد التي أخذت بالنظام الديكتاتوري لنرى حالتها من ناحية الإنتاج العقلي. أقول مع الأسف إن كل أمة أخذت بهذا النظام ضاعت فيها الحرية الفردية، فركد فيها الإنتاج العقلي ركودًا تامًّا ولم يظهر فيها في السنوات العشر الأخيرة عالِم أو نابغ أو كاتب مشهور.
لقد اعترفت صحيفة «دوتشي الجمين زيتونج» كبرى صحف ألمانيا التي تُعَدُّ من مفاخرها، أن حالة الثقافة في الوقت الحاضر حالة محزنة، وأنهم يأسفون على القرن التاسع عشر الذي لم تَخْلُ فيه سنة من أثر قيم تتجاوب به أنحاء العالم.
ووقف الهر هتلر في مؤتمر الثقافة في نورمبرج منذ سنة واحدة وأعلن أن ألمانيا لا تزال تعوزها العبقريات الفذة التي تعبِّر عن شعور المجامع. لِمَ حدث ذلك؟ يجب أن نبحث عن السبب لا أن نوازن بين تقدم الشعب في البلاد المختلفة. فالسبب أن فناء الفرد في المجموع يفني المواهب العليا، وإذ استمر هذا خافيًا سنة أو سنتين فلا بد من ظهوره في المستقبل، لا سيما عندما يتجاوز الغرض الموقوت الذي أنشئ هذا النظام من أجله.
وإذا كان مثل هذا الضغط على الحرية الفردية قد أصاب بلادًا لها سبق التقدم في العلوم والمخترعات، فماذا يصيبنا منه هنا ونحن لا نزال في أول شوطنا؟ أظن أن الكارثة ستكون عظمى، وسنيأس من مستقبلنا ولا نجني شيئًا في مقابلة ما جناه أولئك الحكام من الضغط على الحرية الفردية. ومع ذلك من مِنَّا يشك في أن ألمانيا مثلًا لو استطاعت أن تكون مثل إنجلترا في ديمقراطيتها ما كانت تلجأ إلى الحكم الديكتاتوري؟ إنها لو استطاعت أن تكون قوية كإنجلترا لما فعلت ذلك؛ فهي واقعة في حكم الضرورة القاسية، والاضطرار لا يُتَّخَذُ مقياسًا لمجرى الحياة العامة. ثم من أين لنا إذا أنشأنا ديكتاتورية أن تكون مثل ألمانيا؟ لماذا نقابل أنفسنا بألمانيا وإنجلترا ولا نقابل أنفسنا بمن هم أمثالنا؟ لماذا لا نقول إن ديكتاتوريتنا في هذه الحالة تصبح كالديكتاتورية في دول أمريكا الجنوبية؟ ولماذا لا نقول إنها تكون مجالًا للنهب والسلب وإظهار أحط الشهوات؟ إن المعروف عن معظم الديكتاتوريين أنهم لا يطمعون في مال، فمعروف عن هتلر وموسوليني وستالين أنهم يعملون بلا أجر. فمن أين لنا ألَّا يقيض الله لنا في مصر لصًّا باسم ديكتاتور.
هذا الخطاب الذي أُلقي في مجلس النواب قبل الحرب الحاضرة بتسعة شهور يلخص جملة الآراء التي وردت في هذا الكتاب.
ولم يتغيَّر الموقف بعد قيام الحرب الأوروبية الحاضرة، بل اقترب من الظهور والتوكيد كما تقترب الصورة التي كانت بعيدة ثم أخذت تتدانى وتتعرض للضياء.
فمصر لا تستهدف للطوارئ والأخطار وحدها في الحرب الحاضرة أو في الأزمات الدولية التي تليها، ولكنها تستهدف لها مع غيرها.
ولهذا كان من السداد والإنصاف ألَّا تنوء وحدها بأعباء الدفاع عن نفسها والاستعداد للطوارئ والأخطار التي قد تكتنفها وتكتنف غيرها.
وهي لو أرادت ذلك لما أطاقته ولا أطاقت بعضه.
لأنها تحتاج إلى مئات الألوف من الجند يحمون حدودها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ويحرسون مواقعها الأخرى في إبان السلم. وتحتاج إلى أضعافهم في إبان الطوارئ والحرب الواقعة، وإلى أسطول ضخم يحرس تجارتها في البحار القريبة، وإلى مصانع للسلاح مستوفاة كل الاستيفاء على اتصال دائم بينها وبين موارد المعادن والخامات.
وما دام الخطر على مصر لا يصيبها وحدها، فمن الظلم أن تنوء وحدها بدفعه في جميع الحالات.
حسبها أن تقوى على دفعه حتى توافيها قوة حلفائها، ثم تكون قادرة على المساهمة بالنصيب النافع في ترجيح الكفتين، ولا تظل عالة على كواهل الأصدقاء، مهملة في حساب الأعداء.
وليست مصر بدعًا في هذه السنة؛ لأنها السُّنَّةُ التي تجري عليها الدول كبيرها وصغيرها. فلا تنفرد واحدة منها في ميدان السياسة أو الحرب كائنًا ما كان حظها من العدد والعدة والثراء.
فلا بد لمصر من صف تقف فيه.
فأي الصفين أكرم لها وأصون لمصيرها وأدنى إلى مقدورها؟
أتدخل صفًّا يشترك داخلوه في العدوان؟
أو صفًّا يشترك داخلوه في دفع العدوان أيًّا كان السبب: للشبع أو للضرورة أو لحب الحرية والسلام؟
أما أن تدخل صفًّا تشترك فيه مع المعتدين فلا حاجة لها به ولا إمكان ولا أمان؛ لأنها لم تتطلع قط إلى بلدٍ تعتدي عليه، ولن تأمن أن يعتدي عليها من يخرجون للعدوان على الناس، وهي في طليعة المقصودين المهددين.
فليس لمصر مكان أكرم من تأييد الديمقراطية ومبادئ التفاهم بين الشعوب والإيمان بقداسة المواثيق والعهود.
ومن كرامة مصر أن تخرج الديمقراطية من الحرب الحاضرة قويةً قادرة على الثبات في ميادين السياسة العالمية؛ لأننا عائدون لا محالة إلى القلاقل والمطامع والعجز عن التعمير، وإلى إنفاق الأموال فيما يضيع ولا يفيد إذا بقيت الدول الباغية قادرة على التهديد والإرهاب، غير هَيَّابَةٍ ولا مترددة أمام بأس الخصوم.
ذلك أكرم الطريقين وأسلم الخيرتين، بل هي الخيرة الوحيدة التي يملكها العقل وهو حر طليق.
•••

أما العبرة لنا — نحن المصريين — من موضوع هذا الكتاب الأول وهو تقويم هتلر ووزن مزاياه بالميزان الوحيد الفارق بين الإنسانية والوحشية، فهي اجتناب الغلو في استعظام أعماله وأعمال أمثاله؛ لأن استعظام القدرة على مثل تلك الأعمال قد يسوق إلى الإعجاب الخاطئ، والإعجاب الخاطئ قد يسوق إلى قَبول ما يستنكر ولا يجمل بضمائر الأحرار.
وعبرة أخرى هي اليقظة للدعوات التي من قبيل الدعوة الهتلرية كلما ظهر لها مروِّجون في السياسة المصرية. فقد يخطر على البال أن الهوادة مع هؤلاء المروِّجين لن تضيرنا عاجلًا ولا آجلًا؛ لأن الخطر الكبير لن يأتي إلا من رأس كبير أو طبيعة غلابة أو رجل نادر بين عظماء الرجال. فإذا عرفنا حقيقة هتلر وعرفنا أن رجلًا متهم العقل متهم الضمير مقسَّم الرأي والهوى بين الجنون والإجرام أملت له الظروف والمصادفات فصنع ما صنع واقترف ما اقترف، لم ننتظر بمن يحملون عود الثقاب حتى يتاح لهم مخزن البارود المستور، ولم نجعل الحذر رهينًا بالحريق دون عود الثقاب، أو بكبار الرجال من ذوي المَلَكات العليا دون الأوساط ومن هم أقل من الأوساط؛ فإن الشر لعلى قدر المكان الذي يتبوأه الشرير، وإن المكان الذي يتبوأه الشرير لقد ترفعه إليه المصادفات ولا يشترط في كل حال أن ترفعه إليه عظمة واقتدار.
•••

والعبرة الكبرى فوق كل عبرة وبعد كل عبرة هي أن نصحح مقاييسنا للحوادث والرجال؛ فإن الإنسان يطلب جودة النظر لأنها جودة النظر، قبل أن يطلبها لما تجزيه من نفع أو وقاية، ولا يزال يطلبها ويحرص عليها ولو استغنى عن المنافع والوقايات.
? مضبطة الجلسة الثالثة عشرة (?? ديسمبر سنة ????).
كلمة ختام


نختم هذه الصفحات وهتلر ماضٍ في مغامرته الجديدة التي يقامر فيها بأرواح الملايين وهو لا يبالي مصير ضحاياه.
ونعني بمغامرته الجديدة هجومه العنيف على شمال فرنسا من طريق هولندة وبلجيكا وإمارة لكسمبرج؛ وفاقًا لخطة عسكرية عجيبة يعتمد فيها كما يقول جورينج على الوحي والآراء الثورية، ولا يعتمد على أصول الحرب المعهودة ولا على آراء الخبراء من العسكريين.
وكل «وحي» يدَّعيه هتلر فإنما هو في حقيقته تجربة فجائية قوامها المعارف المشتتة، والمقامرة الجامحة، والاعتماد على الخيانة والتقصير في موضع من المواضع.
وربما كانت خيانة الآخرين أقوى الدعائم التي يعتمد عليها في مغامراته؛ لأن هذا المخلوق الموكوس لم يَثِقْ قط بفضيلة من فضائل الإنسان بعض ثقته التي لا حد لها بالسفالة الإنسانية والغفلة الإنسانية. ومن هنا تلك الدعوة التي يستغفل بها الناس وتلك الأموال التي يشتري بها ضمائر الناس، بل تلك الضراوة الوحشية التي يثيرها في نفوس أتباعه بالتحريض والتلقين، ولا تعد من الشجاعة أو نبل الأخلاق لأنها انتكاس إلى غرائز السباع، إلا إذا عُدَّت ضراوة السباع ضربًا من الخلق النبيل.
أما المعارف المشتَّتة هنا فهي خطة الكونت شليفن، وخطة جورينج المعدلة لها بعض التعديل، وتقريرات الضباط الذين شهدوا الفتنة الإسبانية وغارة النرويج.
فخطة الكونت شليفن هي الخطة التي وضعها هذا القائد الكبير يوم أن قام برئاسة أركان الحرب في بروسيا من سنة ???? إلى سنة ???? وبناها على طريقة هانيبال في معركة كانيا Cannae حيث هجم هجومه العنيف بكل ما عنده من الفرسان على جناح العدو، ثم أغرى الجناح الآخر منه بالتقدم إلى حيث استهدف للتطويق السريع. وكان شليفن ينوي توجيه ثلاثة أرباع الجيش الألماني — أي توجيه ثلاث وخمسين فرقة من اثنتين وسبعين — في جناحه الأيمن إلى حدود هولندة وبلجيكا، ثم الأرض الفرنسية على الشاطئ إلى العاصمة الفرنسية، وأن يزوِّد هذا الجناح الأيمن بأكبر ما عند الألمان من المدافع الضخام التي استكثروا منها كل الاستكثار. فلا تنقضي — على تقديره — ستة أسابيع حتى تنقضَّ هذه القوة الجائحة على باريس.
وقد أوشكت خطته أن تنفذ في الحرب الماضية لولا أن القائدين مولتكه الصغير وفون كلوك خالفاها في عدة أمور، فأهملا الهجوم على هولندة وأضعفا الجناح الأيمن بما سحباه من فيالقه القوية لتعزيز الجيش الألماني في الشرق وتعزيز الجناح الأيسر في اللورين. ثم وقع الخطأ في الزحف إلى الجنوب فلم يجرِ على النحو الذي قدَّره صاحب الخطة من الإسراع والإحكام.
ولبث الألمان يتغنَّون بهذه الخطة ويعتقدون أنها صالحة للتنفيذ في تجربة أخرى؛ لأن الفشل الذي أصابها إنما عرض لها من خطأ الآخرين وليس من خطأ فيها أو في القواعد التي قامت عليها.
وقد ذكرها هتلر في كتابه فقال ما فحواه: إن فن الحرب يتلخص في مفاجأة العدو الأكبر بالعدد الأكبر، والاستبسال في الهجوم عليه.
ثم عدَّل جورينج خطة شليفن بتعديل الأسلحة لا بتعديل القواعد والطريقة، فاعتمد على الدبابات والمركبات المصفَّحة والطيارات بدلًا من الاعتماد على الأسلحة القديمة التي كان عليها المعول كله في أوائل القرن العشرين. وسميت خطة جورينج بخطة كانيا Cannae الثالثة؛ لأنه نظر فيها كما نظر شليفن من قبله إلى أساليب هانيبال.? أما التقريرات الحديثة التي كتبها الضباط والخبراء الذين شهدوا الفتنة الإسبانية والغارة على النرويج، فأكثر ما تدور على أساليب الفصائل المتفرقة في الجبال وأساليب الجنود التي تهبط بالمظلات الواقية وتعيث وراء الخطوط لتعطيل المواصلات وإقلاق السكان وإزعاج المقاتلين من وراء الصفوف.
وهذا كله لم يكن ليغني شيئًا لولا دسائس الجيوش الخامسة أو جيوش الجواسيس والدعاة المستترين الذين يكلفون الخزانة النازية ملايين الجنيهات في كل سنة وينبثُّون في البلاد المعتدى عليها لينتقضوا عليها في أحرج الأوقات. فلولا التقصير في نسف القناطر على نهر الموز مثلًا لانتهت هذه الخطط جميعًا قبل أن توغل في دور الابتداء.
وقد وقع تقصير — ولا شك — في عدة الدفاع لا نعلم الآن ما حقيقته ومن المسئولون عنه، ولعل الحكومة الفرنسية تكشف النقاب عنه قريبًا كما وعد المسيو بول رينو رئيس الوزراء.
إلا أن الأمر فيما عدا هذا التقصير ليس من السهولة والبساطة بحيث تبدو للمتعجلين والمستغربين والناصحين وأيديهم في الماء، للعاملين وأيديهم في النار!
فهم يسألون: لِمَ لَمْ يتخذ الحلفاء كل حيطتهم في الثغرة الضعيفة على حدودهم ما دامت للهجوم خطط معروفة وتقديرات لا تعزب عن البال، ولا سيما بال القواد المحنكين؟
وهو سؤال يبدو وجيهًا عَصِيّ الجواب لولا أن سائليه قد غفلوا عن كثير من الحقائق التي لا تَقِلُّ في ثبوتها وبداهتها عن خطط الهجوم في تقديرات النازيين.
فأول ما هنالك أن وجود خطة حربية في دولة من الدول لا يستلزم وقوع الاختيار عليها في اللحظة الأخيرة، ولا أن تنفذ بجملتها وتفصيلاتها عند وقوع الاختيار عليها.
فقد يلجأ أركان الحرب إلى خطة أخرى يفضِّلونها على جميع الخطط المرسومة، وقد يلجأون إلى الخطة بعينها مع التعديل في بعض أجزائها كما فعل مولتكه وكلوك في الحرب الماضية.
ولا يجب أن ننسى أن النازيين يستبيحون العدوان على حيدة البلدان المستقلة كهولندة وبلجيكا ولكسمبورج والدنمرك والنرويج، ولا يستبيحه الديمقراطيون في حربهم مع النازيين وإلا أسقطوا حجتهم وألحقوا قضيتهم بقضية المعتدين، ومهما يَقُلِ القائلون في الحجج الأدبية فهي شيء يكسب به الديمقراطيون ويخسر به النازيون، وقد يكون له النفع أكبر النفع عند النظر في شروط السلام ومغارم التعويض.
ومتى كان النازيون متروكين أحرارًا في تدبير خطط العدوان وأوقات العدوان وفرائس العدوان؛ ففي وسعهم أن يوجهوا ثلاثة أرباع جيشهم إلى حيث شاءوا حين يشاءون. وليس في وسع الحلفاء أن يضعوا ثلاثة أرباع جيشهم في كل مكان وفي كل حين. ولعلهم إذ يختارون نقطة الدفاع مصيبين أو مخطئين أن ينبهوا أعداءهم إلى تعديل ما اعتزموه في الوقت الأخير.
هذا إلى أن هتلر يستطيع أن يجازف بأرواح الألوف ومئات الألوف من جنوده وهو لا يبالي بالمصير؛ لأنه غير مسئول ولا متحرِّج كما هو دأبُ المغامرين والمقامرين. أما القادة المسئولون فهم أبعد ما يكونون عن المجازفة بالأرواح والنجاة من الحساب، وليس من أساليبهم أن يطرحوا كل ما عندهم على مائدة القمار في سبيل الغنى الكامل أو في سبيل الإفلاس.
ويضاف إلى هذا وذاك مَزِيَّةٌ أخرى لا حيلة للحلفاء فيها، وهي وحدة القيادة عند الألمان وتفرقها عند الهولنديين والبلجيكيين والفرنسيين والإنجليز؛ فطالما تعب الساسة الإنجليز والفرنسيون وهم يقترحون على الأمم الصغيرة أن تُعاونهم ويعاونوها في تحضير خطط الدفاع وهي تعتصم بالحيدة وتحسب أنها عصمة تغنيها عن الحلفاء والأعوان. فلما هجم الألمان على هولندة وبلجيكا كانوا يعرفون مواقعهم وغاياتهم جملة وتفصيلًا، وكان على الحلفاء أن يصلوا أولًا إلى الميادين ثم ينظروا في توجيه الجيوش المختلفة هنا وهنا على حسب الطوارئ من مقتضيات كل ساعة وكل حركة، ومنها أهواء رؤساء البلاد.
وتلك مزية تحسب للنازيين في ميزان الحرب، وإن كانت تحسب للحلفاء في ميزان السياسة والقانون.
ومَزِيَّةٌ أخرى لا تقل عن هذه المزية، هي ارتجال الخطط التي لا يعول عليها أصحاب الأصول والقواعد المرعية في الحروب؛ فهذه البهلوانيات من حركات المظلات الواقية وفصائل الدراجات الموغِلة من وراء الخطوط لعبٌ غير مأمون وإن بدا نجاحه بعد المفاجأة الأولى أو بعد مفاجآت كثيرة. وإذا كان جورينج قد خَشِيَ من عقباه وأسرع إلى التبرُّؤ من تبعاته في صيغة الشهادة لزعيمه، فالأحرى بقواد الحلفاء — وهم لا يستوحون الخطط العسكرية من عالم الغيب — أن يحاروا عند المباغتة كما يحار اللاعب المدرب مع اللاعب الذي يخالف جميع الأصول، وأن يتريثوا هنيهة قبل أن يتعوَّدوا طريقة هذا اللاعب في نقل الورق أو تنسيق الأحجار.
تلك هي بعض المصاعب التي يعانيها المقاتلون الديمقراطيون ولا يعانيها المقاتلون النازيون.
ولا بد للحرية من مصاعب، ولا بد لها من ثمن غالٍ.
فليس لإنسان أن يجمع المزيتين، وأن يكون مستبدًّا وحرًّا في نزعة واحدة، ولا أن يأكل حلاوة الحرية بغير نار.
•••

ونحن نكتب هذه السطور والرحى تدور ولا يعلم أحد أين يرتمي اللباب وأين ترتمي القشور.
غير أن الرجاء فيما نعتقد معلَّق برُجحان الرَّوِيَّة على المجازفات، وغلبة القدرة الصابرة على القدرة اليائسة التي تفرغ رجاءها كله في الهجمة الأولى، ثم يقعد بها الإعياء ويستعصي عليها الثبات.
وهجمة هتلر دليل على هذا الاستيئاس وعلى أنه يضيق ذرعًا بالحصار ولا يقوى على مواجهة الشتاء.
وهذا ما قدَّرناه من بداية الحرب فقلنا إن هتلر لا يصبر عليها ولا يثابر فيها شتاءين متواليتين، إلا وهو منهوك مضطر في نهاية الشوط إلى التسليم.
ولولا ذلك لما جازف بهذه الهجمة ولو كان على رجاء في نجاحها؛ فإن احتمال الفشل فيها بالغًا ما بلغ من الضعف لخليق أن يحسِّن له الانتظار لو كان يطيقه ويقوى عليه.
وتلك علامة خير.
وعلامة الخير الكبرى أن تفشل هذه الهجمة فيتاح للمدافعين عزل الفرق النازية بين الشرق والغرب وتعريض من وصلوا منها إلى الشاطئ لنيران البر والبحر والهواء. مع انقطاعهم عن المدد والتموين واتصال جيوش الحلفاء في الميادين الفرنسية، بعد تفرغهم لها وجلائهم عن الساحة البلجيكية.
وإن حبوط هذه التجربة النازية لهو أصدق نذير بحبوط الدولة النازية وإن تَطُلِ الأيام … ولعلها لا تطول.
أبَى الله لهذا العالم الذي أعيى الفاتحين من جبابرة التاريخ أن تحكمه عصابة من المغامرين والأفَّاقين، وأن يرتد إلى جاهلية جهلاء لا حرمات فيها ولا حقوق.
ذلك ما لا يكون، وهيهات أن يكون.
فلا أحلامهم مفلحة، ولا آمال الإنسانية مخفقة، ولا كلمة الحرية منسية، ولا قضيتها في موازين القدر دون قضية الهمجية.
وكل آتٍ قريب.
? كتاب هتلر على أوروبا لمؤلفه إرنست هنري Hitler over Europe by Ernest Henre.