Advertisement

مدخل إلى علم النفس





جميل حمداوي
مدخل
إلى علم النفس
سلسلة كتب علم النفس رقم:1










المؤلف: جميل حمداوي
الكتاب: مدخل إلى علم النفس
الطبعة الأولى 2017م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف





الإهداء

أهدي هذا الكتاب إلى أستاذي العزيز الدكتور أحمد أوزي رائد علم النفس بالمغرب بلا منازع.













المقدمة
يندرج علم النفس ضمن العلوم الإنسانية التي استقلت عن الفلسفة منذ القرن التاسع عشر الميلادي. وقد مر علم النفس بمراحل عدة يمكن حصرها فيما يلي:
(مرحلة النفس أو الروح أو الشعور؛
(مرحلة دراسة التصرف أو السلوك الخارجي؛
(مرحلة اللاشعور أو التحليل النفسي؛
(مرحلة العقل أو المعلومة أو معالجة المعرفة. . .
ومن هنا، يدرس علم النفس الحالات النفسية الشعورية واللاشعورية. ويدرس أيضا سلوك الفرد وتصرفاته السوية والشاذة والمرضية، أو يهتم بمعالجة المعلومات، وتبيان الطرائق الكفيلة التي تكتسب بها المعرفة من حيث إدراكها، وتذكرها، وتخزينها، ومعالجتها ذهنيا وعقليا. . .
وقد تفرع علم النفس إلى تخصصات ومجالات عدة ومتنوعة ومختلفة. وله صلة وثيقة وتامة بعلوم مكملة عدة، وخاصة العلوم الإنسانية. وتتمثل أهمية علم النفس في كونه يساعدنا على فهم الظاهرة النفسية وتفسيرها وتأويلها.
وقد اعتمد علماء النفس، في دراسة الظواهر النفسية، على مجموعة من المناهج البحثية، إما مناهج كمية، وإما مناهج كيفية، وطبقوا مجموعة من الأدوات والآليات الإجرائية في ذلك. وكان هدفهم هو فهم الظواهر النفسية وتفسيرها وتأويلها.
إذاً، ما علم النفس؟ وما موضوعاته؟ وما أهدافه؟ وما خطواته المنهجية؟ وما صلته بالعلوم الأخرى؟ وما فروعه وتخصصاته؟ وما أهم المدارس التي تندرج ضمن علم النفس؟ وما أهم عوائقه؟
هذا ما سوف نركز عليه في كتابنا هذا الذي خصصناه مدخلا ضروريا لفهم علم النفس منذ نشأته إلى يومنا هذا، متمنيا أن يلقى هذا الكتاب المتواضع بعض الرضا عند قرائنا الأعزاء في الوطن العربي بصفة عامة، وقراء المغرب بصفة خاصة. وأتمنى لنفسي النجاح والتوفيق بمشيئة الله وهدايته وعنايته الكريمة.






المبحث الأول: مفهوم علم النفس

يقصد بعلم النفس(Psychologie/psycology) ذلك العلم الحديث/القديم الذي يدرس الروح أو النفس الإنسانية، أو هو ذلك العلم الذي يهتم بتحليل السلوك الإنساني ومختلف آثاره في الذات والمجتمع معا، أو يدرس تصرفات الفرد الشعورية واللاشعورية فهما وتفسيرا وتأويلا، أو هو ذلك العلم الذي يعنى بدراسة النفس الإنسانية الواعية واللاواعية.
وأكثر من هذا يدرس علم النفس الفرد من عدة جوانب تتمثل في: الجوانب الذهنية والفكرية والعقلية، والجوانب العاطفية والوجدانية والانفعالية، والجوانب الحسية الحركية. ويعني هذا أن الإنسان وحدة نفسية وعضوية كلية ومترابطة، يتكون من العقل، والعاطفة، والجسد. ومن ثم، لابد لعلم النفس أن يحيط بهذه الجوانب الثلاثة إما بطريقة كلية، وإما بطريقة جزئية. كما يدرس علم النفس الأشخاص العاديين الأسوياء، يدرس كذلك المرضى والشواذ والمعوقين.
ومن جهة أخرى، يعد علم النفس عبارة عن خطاب يطرح أسئلة جوهرية وعميقة حول النفس الإنسانية ومشاعرها الروحية وانفعالاتها الوجدانية. أضف إلى ذلك أن علم النفس هو الذي يدرس الحالات الذهنية والعمليات الفكرية عند الفرد، مثل: التذكر، والنسيان، والانتباه، والتعلم، والذكاء، والحفظ، واكتساب اللغة. . . إلى جانب دراسة دوافع الإنسان وغرائزه وانفعالاته وحاجياته وميوله النفسية. . .
ويلاحظ كذلك أن الظاهرة النفسية غنية ومتشعبة ومعقدة، قد تكون حادثة سلوكية، أو حادثة شعورية، أو حادثة لاشعورية، أو حادثة ذهنية أو عقلية أو عصبية أو معرفية، أو حادثة مرضية. . . ويعني هذا أن مواضيع علم النفس متعددة ومختلفة ومتباينة؛ مما يترتب عن ذلك تعريف علم النفس تعريفا متعددا باختلاف الموضوع والمجال والمنهج والهدف. ومن ثم، فعلم النفس هو علم السلوك الخارجي، أو دراسة الشعور الباطني والروحي، أو تحليل اللاشعور النفسي، أو دراسة مختلف المراحل التي يمر بها الاكتساب المعرفي أو اللغوي. . .
وثمة تعاريف أخرى لعلم النفس؛ إذ يرى الباحث المصري عبد العزيز القوصي أن علم النفس هو الذي" يبحث في السلوك بوجه عام، من حيث الناحية العقلية، شعورية كانت أولاشعورية، ويترتب على نتائج هذه البحوث إمكان التحكم في السلوك وسهولة توجيهه لصالح الإنسان. "1
ويعني هذا كله أن علم النفس هو دراسة السلوك الإنساني الخارجي دراسة علمية موضوعية، مع التوقف عند خبرات الفرد النفسية الشعورية واللاشعورية، ورصد مختلف العمليات الذهنية التي يقوم بها العقل الإنساني في التعامل مع المعلومات واللغة والذكريات والمحيط بصفة عامة.
وعليه، فعلم النفس هو علم الذات الإنسانية، ودراسة خبراتها الشعورية واللاشعورية، ومعالجة الذكاء الاصطناعي على أساس أن الإنسان يشبه الحاسوب أو الكومبيوتر، ويقوم بالعمليات الذهنية والآلية نفسها.
ومن هنا، فقد حاول السلوكيون تعريف علم النفس، كما عند واطسون، وبافلوف، وسكينر، وبلومفيلد، وغيرهم، على أساس أنه علم تجريبي وموضوعي بامتياز، يدرس تصرف الإنسان وسلوكه الخارجي الظاهري في توافقه أو احتكاكه مع البيئة أو المحيط الخارجي انطلاقا من مبدأي الحافز والاستجابة. وبذلك، كان غرض السلوكيين هو التحكم في السلوك الإنساني، ومقارنته بالسلوك الحيواني بغية إخضاعه للمحكمات والمقاييس العلمية المضبوطة منذ القرن التاسع عشر الميلادي.
لكن هناك من يعرف علم النفس بأنه ذلك التخصص العلمي الذي يدرس العالم الباطني للإنسان، كما يتمثل ذلك جليا في الروح أو الشعور أو النفس الإنسانية الداخلية. وبذلك، فالشعور هو صيرورة متدفقة من تيار العواطف والأحاسيس والمشاعر التي تنساب في الزمان. وإذا كان السلوك مظهرا خارجيا، فإن الشعور مظهر داخلي لايمكن دراسته دراسة علمية، بل يكتفى في ذلك بالاستبطان الداخلي، والتأمل الذاتي، كما نجد ذلك عند هنري برغسون ووليم جيمس مثلا.
ولم يقتصر علم النفس على ماهو سلوكي وشعوري فقط، بل اكتشف فرويد منطقة أخرى طالما أهملها علماء النفس هي منطقة اللاشعور التي تقوم بأدوار نفسية مهمة في علاقة بالأنا والأنا الأعلى، وتشتغل وفق ثنائيتي الإيروس (الحياة) والتناتوس(والموت).
ثم، أصبح علم النفس، في منتصف القرن العشرين، يدرس كل ما له علاقة بالمعرفة الذهنية والعقلية والمنطقية، والاهتمام بالاكتساب اللغوي، ودراسة الذاكرة وفعل التذكر، وتشريح الدماغ الإنساني العصبي، والاهتمام بالذكاءات المتعددة، والتوقف عند تطور الذكاء ومراحله النمائية، ومعالجة المعلومات وفق آليات الآلة والحاسوب، وأصبحنا نتحدث عن الذكاء الاصطناعي أو الذكاء الآلي بمقارنة الإنسان بالآلة أو الحاسوب؛ لأنه يقوم بالعمليات الذهنية نفسها التي يقوم بها الكومبيوتر المعالج للمعلومات والبيانات والمعطيات.




















المبحث الثاني: تاريخ علم النفس

إذا كانت السيكولوجيا تعني الروح بمفهومها الفلسفي، فقد بدأت مع ظهور الإنسانية، كما يرى موريس روكلان(Maurice Reuchlin) في كتابه تاريخ علم النفس2. أما السيكولوجيا بمفهومها العلمي فلم تظهر إلا في منتصف القرن التاسع عشر مع تطور العلوم التجريبية. وقد أصبح علم النفس خاضعا للملاحظة والقياس والتجريب، والبحث عن القوانين والنظريات التي تتحكم في السلوك الإنساني والحيواني. ويعني هذا أن مورس روكلان يميز بين فترتين أساسييتن من تاريخ علم النفس: المرحلة الفلسفية أو التأملية، والمرحلة العلمية. فالأولى قديمة بقدم الإنسان، والثانية حديثة مرتبطة بظهور المنهج التجريبي الوضعي في القرن التاسع عشر الميلادي. ومن ثم، فقد انتقل علم النفس من منهج التأمل والاستبطان الشعوري إلى منهج التجريب، أو الانتقال من المنهج الذاتي نحو المنهج الموضوعي.
ويمكن القول، لقد ظل علم النفس لمدة طويلة تابعا للفلسفة التأملية إلى أن استقل بنفسه في القرن التاسع عشر مع النمساوي سيغموند فرويد (Segmund Freud)الذي اكتشف منطقة اللاشعور، وحصر هدف علم النفس في دراسة الظواهر النفسية والعقد والأمراض والأعراض اللاشعورية فهما وتفسيرا وتأويلا.
ويلاحظ أن الشعوب القديمة قد اهتمت بالسلوك الإنساني والأمراض العقلية، كما يظهر ذلك جليا في كتابات المصريين القدامى، وكذلك عند الصينيين، والهنود، والإغريق، والمسلمين، والأوروبيين، إلى أن استقل علم النفس، وأصبح علما يعتمد على الملاحظة والتجريب والفكر الوضعي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي كما قلنا سابقا.
ولقد ارتبط موضوع النفس الإنسانية بالفلسفة مند المرحلة اليونانية حينما كانت الفلسفة أم العلوم؛ إذ نجد كثيرا من الفلاسفة قد تناولوا النفس الإنسانية تناولا ميتافيزيقيا، فاختلط مفهومها بالفكر والوعي والعقل والروح، وكانت توضع في مقابل الجسد أو البدن. ويمكن القول بأن ثمة دراسات سابقة حول النفس عند المصريين القدامى، لكنها ذات طابع لاهوتي وسحري، ولاسيما فيما يتعلق بالظواهر السلوكية والعقلية والضغط النفسي، وكانت هذه الحالات تعالج بالوصف العيادي.
علاوة على ذلك، فلقد اهتمت الشعوب القديمة بالفكر والإدراك والعواطف والانفعالات والمشاعر. كما اعتنت بها الكتب المقدسة والملاحم اليونانية، كما يتجلى ذلك واضحا عند هوميروس في (الإليادة) و(الأوديسا). وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على قدم علم النفس، وارتباطه بظهور الفكر الإنساني.
وقلما نجد فيلسوفا يونانيا أو عربيا أو غربيا لم يتطرق إلى النفس الإنسانية، بشكل من الأشكال، فإن لم يتناولها بطريقة كلية ومحورية، فإنه يشير إليها بنحو جزئي أو عابر.
ومن ثم، فالنفس الإنسانية - حسب هيرقليطس- متصلة بالنار الإلهية العاقلة، وتصعد من حالة إلى أخرى، فتتحول النفس من رطوبة إلى بخار، ثم إلى نار. لذلك، تكون النفس الإنسانية عاقلة وصالحة عندما تكون جافة وحارة، وتكون فاسدة وطالحة عندما تكون ناتجة عن الرطوبة والماء. وبهذا، تكون النفس صالحة في ارتباطها الوثيق باللوغوس الناري، وتكون فاسدة في ارتباطها بالماء والشراب واللذات والمجون.
ومن هنا، فالنار عبارة عن بخار حار، والحرارة ضرورية للحي، ولاسيما الإنسان منه. هي قبس من النار الإلهية تدبر الجسم، كما تدبر النار الألم، فيجب عليها أن تعلم قانونها الذي هو القانون الكلي، وتعمل به، فلا تتشبث بالجسم ومطالبه، تضع ذاتها في التيار العام، وتقمع الشهوة؛ لأن الشهوة توكيد للشخصية، والشخصية انتقاص على القانون الطبيعي، ومعارضة للتغير. والدين الحق هو مطابقة الفكر الفردي للقانون الكلي (اللوغوس)، والفناء في النار العالمية. 3
في حين، يمثل الثبات والاستقرار الموت والعدم. وفي هذا، يقول هيرقليطس في بعض شذراته الفلسفية المتقطعة:" والشقاق أبو الأشياء وملكها: لولا المرض لما اشتهينا الصحة، ولولا العمل لما نعمنا بالراحة، ولولا الخطر لما كانت الشجاعة، ولولا الشر لما كان الخير، أليست النار تحيا موت الهواء، والهواء يحيا موت النار، والماء يحيا موت التراب، والتراب يحيا موت الماء، والحيوان يحيا موت النبات، والإنسان يحيا موت الاثنين؟ فالوجود موت يتلاشى، والموت وجود يزول؛ كذلك الخير شر يتلاشى، والشر خير يزول، فالخير والشر، والكون والفساد، أمور تتلازم وتنسجم في النظام العام، بحيث يمتنع تعيين خصائص ثابتة للأشياء:" ماء البحر أنقى وأكدر ماء، يشربه السمك ولا يستسيغه الإنسان، هو نافع للأول، ضار بالثاني. ونحن ننزل النهر ولا ننزل( من حيث إن مياهه تتجدد بلا انقطاع)، ونحن موجودون وغير موجودين (من حيث إن الفناء يدب فينا في كل لحظة)، فكل شيء هو كذا وليس كذا، موجود وغير موجود". 4
ومن خلال هذه الشذرات، يتبين لنا أن هيرقليطس يؤمن بالصراع الجدلي، ويقول بصراع الأضداد في هذا الكون، وأن الحياة في تغير مستمر أساسه الحياة والموت، أو الوجود والفناء، أو الظهور والاختفاء. ومن ثم، فالعالم أساسه النار التي تنتصر على كل الأضداد الأخرى، مثل: الماء، والهواء، والتراب، والإنسان. . .
ويعد ديمقريطس (Démocrite) (470-361ق. م) أيضا من أهم فلاسفة المذهب الذري. وقد كتب مجموعة من المؤلفات في الأخلاق، والطبيعة، والنفس، والطب، والنبات، والحيوان، والرياضيات، والفلك، والعلوم، والفنون، والموسيقا، والجغرافيا، والزراعة، والصنائع. وقد وصل عددها إلى اثنين وخمسين(52) مؤلفا، ولكنها لم تصل إلينا، ولم يبق منها سوى شذرات متفرقة هنا وهناك.
وقد عاش ديمقريطس في مدينة أبديرا(Abdère) التي توجد بإقليم تراقيا. وقد كان من الفلاسفة الموسوعيين في تاريخ الفلسفة بصفة خاصة، وتاريخ الإنسانية بصفة عامة. وهو فيلسوف مادي، قال بالذرات والفراغ في تفسيره للكون والطبيعة. وبذلك، يكون المؤسس الحقيقي للفلسفة المادية التي تتقابل مع الفلسفة المثالية لأفلاطون. وبهذا يكون هذا المذهب المادي مصدرا للفلسفات المادية الحديثة والمعاصرة، كالفلسفة الواقعية عند أرسطو، والمادية الميكانيكية عند فيورباخ، والمادية الجدلية عند ماركس5 وأنجلز. . . 6
وعليه، فقد قال ديمقريطس بالذرة على أساس أنها المبدأ الأول للوجود الكوني، وأن الكون كله ملاء من الذرات الكثيرة المتحركة. كما أن النفس مادية مؤلفة من أدق الجواهر، وأسرعها حركة، من حيث إن النفس مبدأ الحركة في الأجسام الحية7. ويعني هذا أن الكون يتألف من الذرات (الملاء) والفراغ8. أي: هناك الوجود واللاوجود، فالوجود هو الذرات، واللاوجود هو الفراغ. ومن هنا، فالذرات هي مكونات صلبة غير قابلة للتجزئة، منعزلة عن بعضها البعض بفواصل من الفراغ. أما حجمها الحقيقي، فيصعب إدراكها بحواسنا. قد تبدو لينة أو صلبة، منحنية أو دائرية، ولايمكن تحويلها أو تغييرها بسبب صلابتها وحدتها9.
وتتحرك الذرات في الكون في شكل دوامة أو زوبعة، وتكون مصدرا لكل العناصر، من الشمس حتى النفس10. وتتضمن جميع المواد الأولية كالماء، والهواء، والنار، والتراب. وتتحرك هذه الذرات في الفراغ اللامتناهي إلى الأبد11. وقد تتداخل هذه الذرات وتتآلف، دون أن تختلط أو تتشابه، ثم تنفصل عن بعضها البعض12.
وتطبع هذه الذرات مجموعة من المراحل، كمرحلة التجمع، ومرحلة التفسخ، ومرحلة الانفصال، ثم مرحلة التجمع من جديد. وتتحكم ثنائية الملاء والفراغ في تحريك الذرات في الكون اللامتناهي. وتخضع هذه الذرات لخاصيات ثلاث هي: الشكل، والنظام، والموقع. وقد تحدث أرسطو عن هذه الخاصيات الثلاث في كتابه(الميتافيزيقا). 13
وقد آمنت الفيتاغورية بالحياة، على الرغم من تعاقب الموت والحياة. وقالت أيضا بالمصدر الإلهي للنفس، وخلود النفس بعد الموت، وأن الجسد هو سجن للنفس، بعد ارتكاب الخطيئة، ولن تتخلص من ذلك إلا بالتطهير والزهد والعبادة.
ولم تقتصر فلسفة باريمندس على ماهو كينوني ولاهوتي فحسب، بل تناول كذلك النفس الإنسانية على غرار الفلاسفة اليونانيين عامة. بيد أنه أثبت أن النفس هي عين وجود الإنسان. وهي أساس فكره. وهي التي تحركه عضويا وذهنيا ووجدانيا وحركيا. وهنا، تحضر الروح بدلالة النفس والعقل والفكر. وبالتالي، فالنفس أو الروح هي التي تتحكم في الإنسان، وتحرك نبضاته المتدفقة على مستوى الوجود والتواجد الحضوري.
" وكما يوجد في كل واحد خليطا
من الأعضاء ذات الحركات المختلفة
كذلك توجد الروح حاضرة لدى الناس
لأن ما يفكر في طبيعة الناس جماعة وفرادى
لأن المسيطر هو الفكر. 14"
وانسجاما مع وحدة الوجود، يلاحظ أن باريمندس يجعل الفكر والنفس ذا طبيعة كينونية واحدة، فالفكر هو النفس، والنفس هي العقل كذلك. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على التصور المثالي لباريمندس الذي يرفض الفصل بين جوهرين عقليين وروحيين هما: الفكر والنفس.
وكان سقراط ينظر إلى الحقيقة في ذات الإنسان، وليس في العالم الخارجي، وما على الإنسان إلا أن يتأمل ذاته ليدرك الحقيقة. لذلك، قال قولته المأثورة:" أيها الإنسان أعرف نفسك بنفسك".
ويدل هذا على أن سقراط لم يهتم بالموضوعات الخارجية، أو يعنى بالطبيعة الفيزيائية أو الماورائية، بقدر ما اهتم بتحليل مدركاتنا المماثلة لهذه الأشياء. ومن هنا، يقر أنه لابد للمرء أن يبدأ بمعرفة ذاته، قبل معرفة العالم الخارجي، وقبل الخوض في العوالم الميتافيزيقية الأخرى، فالإنسان هو الأول والمنتهى. ومن هنا، فقد كانت الحقيقة عند سقراط مبنية على معرفة الذات، أو معرفة النفس البشرية. وبالتالي، فقد كانت الذات مبدأ حقيقيا للمعرفة، ولم يكن هدفه هو الهدم كما عند السوفسطائيين، بل كان مبتغاه الحقيقي هو البناء الفلسفي عن طريق الحوار والجدل والتوليد والتعريف والاستدلال15.
وقد بالغ سقراط في تقديس العقل على حساب العاطفة والوجدان، وقد اعتبر الحب نوعا من العبودية. وهذا ما جعل نيتشه يثور على عقلانية سقراط في كتابيه: (نشأة التراجيديا) و(أفول الأصنام)16.
علاوة على ذلك، فقد تبنى سقراط، في دراسة النفس الإنسانية والتصورات الأخلاقية، منهج الاستقراء العقلي، والقياس الاستدلالي الذي يبدأ بالتعاريف النظرية الكلية، ثم يعقب ذلك سرد الأمثلة والوقائع والأحداث بغية الوصول إلى النتيجة النهائية، أو تحديد الماهيات تحديدا دقيقا. لذلك، أعطى الأولية لما هو ذاتي وعقلي. وبذلك، يكون ممهدا حقيقيا للفلسفة المثالية عند أفلاطون. وبهذا، يكون سقراط معروفا بالتعريف الكلي من جهة، والاستدلال القياسي الاستقرائي من جهة أخرى.
أضف إلى ذلك أن سقراط لم يكن يعلم الشباب الفلسفة، بل كان يدفعهم إلى التفلسف الصحيح، وممارسة التفكير العقلاني في أمور الحياة والنفس والأخلاق. وهذا ما لم تقبل به الدولة الحاكمة التي حكمت على سقراط بالإعدام. ويعني هذا السلوك، في الحقيقة، إعدام للعقل اليوناني، ومنع لحرية التعبير.
وقد ظهرت المدرسة الرواقية(Le stoïcisme)17 بأثينا مابين 301و304 قبل الميلاد، مع زينون الرواقي(Zénon de Cition)، وتلميذيه قلاينتوس(Cléanthe d'Assos) وقريسيبوس(Chrysippe)18. وسميت هذه المدرسة بهذا الاسم نظرا لكون فلاسفتها كانوا يعقدون اجتماعاتهم بأروقة في مدينة أثينا، أو كانوا يقدمون دروسهم في الرواق. وكانت لزينون الرواقي مؤلفات عدة، منها: الجمهورية، حول الملكية، حول الزواج، والمقابلات، وضد قوانين أفلاطون. . . بيد أن هذه الكتب قد ضاعت.
وقد تشكلت هذه الفلسفة في المرحلة التي ظهرت فيها الأبيقورية، وكانت الفلسفتان معا متعارضتين. وقد بقيت هذه الفلسفة مدة طويلة، وقد أغناها الفلاسفة والحكماء الرومانيون، أمثال: صولون(Chrysippe de Soles)، وشيشرون(Cicéron)، وسنيكا(Sénèque)، وإيبيكتيت(?pictète)19، ومارك أوريل(Marc Aurèle). وقد تركت تأثيرا واضحا في الفلاسفة الغربيين المحدثين، ولاسيما روني ديكارت(René Descartes)20.
وتتميز هذه المدرسة بطابعها الأخلاقي والديني والروحي من جهة21، وطابعها النفسي أو السيكولوجي المتعلق بمعالجة السلوك الخارجي والمعرفي للإنسان من جهة أخرى22.
وقد ظهرت الفلسفة الرواقية بعد فلسفة أرسطو مباشرة. وكان هدفها هو إرساء فن الفضيلة، ومحاولة اصطناعها في الحياة العملية، ولم تعد الفلسفة تبحث عن الحقيقة في ذاتها، بل أصبحت معيارا خارجيا تتجه إلى ربط الفلسفة بالمقوم الأخلاقي. وقد ركز الكثيرون دراساتهم الفلسفية على خاصية الأخلاق كما فعل سينيكا الذي قال:" إن الفلسفة هي البحث عن الفضيلة نفسها، وبهذا تتحقق السعادة التي تمثلت في الزهد في اللذات، ومزاولة التقشف والحرمان. 23"
وقد تبلور هذا الاتجاه الفلسفي الأخلاقي مع تغير الظروف الاجتماعية والسياسية في اليونان؛ حيث انصرف التفكير في الوجود إلى البحث في السلوك الأخلاقي للإنسان، والعيش وفق الطبيعة.
وترى الرواقية أن الفلسفة أو الحكمة هي المعرفة العلمية بالموضوعات الإلهية والبشرية. ومن ثم، فهذه الفلسفة هي بمثابة خير للعقل الإنساني، وعشق للحكمة، تجمع بين النظرية والتطبيق.
وقد قسمت الرواقية الفلسفة إلى أقسام ثلاثة حسب معيار الفضيلة: الفضيلة الفيزيائية التي تدرس العالم والطبيعة، والفضيلة الأخلاقية التي تتعلق بالفعل أو السلوك أو العمل، والفضيلة المنطقية التي ترتبط بالجدل أو الخطاب24. وبعذ ذلك، تنقسم تلك الفضائل إلى علوم ومعارف جزئية فجزئية.
وعليه، فقد ارتبطت المدرسة الرواقية خصوصا بالفيلسوف زينون (336-264ق. م) الذي ولد بمدينة كيتيوم(Cition) بقبرص، وهو من أصل فينيقي. وقد اقترنت الفلسفة عنده بالفضيلة، واستعمال العقل من أجل الوصول إلى الحرية والسعادة الحقيقية.
وتعد الفلسفة، عند الرواقيين، مدخلا أساسيا إلى المنطق والأخلاق والطبيعة. وقد كان المنطق الرواقي مختلفا عن المنطق الأرسطي الصوري25، وقد أثر منطقهم في الكثير من الفلاسفة والعلماء المحدثين والمعاصرين26، بعد إضافتهم لمبحث القضايا الشرطية أو المركبة27. ويعني هذا " أن الرواقيين أول من تكلم في القضايا الشرطية أو المركبة، وحاولوا أن يقيموا منطقا لا يتعارض فيه التفكير النظري مع الواقع العملي. لقد اعتبر الرواقيون المنطق جزءا لايتجزأ من الفلسفة، أحد أقسام الفلسفة، وذا موضوع حقيقي خارجي يدرس الحالات الواقعية فقط، ويرمي إلى معرفة العلاقات بين الموجودات الجزئية، فرفضوا المعاني العامة "الكلية" التي لا وجود لها إلا في عالم الذهن، وكانوا من القائلين بالاسمية، وكان جدلهم الذي يشكل محور فلسفتهم، ويقوم على التحرر من التسرع في الحكم يتألف من جانبين:
الأول: وهو اللغة، والثاني: وهو المضمون العقلي الذي يعبر عنه بالألفاظ. لقد رأى الرواقيون ترابطا وثيقا بين الفكر واللغة. وكانوا يقولون أن الألفاظ يجب أن تعبر عن معان محددة. وكان شيخهم زينون الأكتيومي يدلل على وجود الآلهة بقوله: العقل والحكمة يقتضيان تمجيد الآلهة، لكن ليس من الحكمة تمجيد أشياء ليست موجودة، وإذن فالآلهة موجودة. كما دلل على أن الكون لايخلو من عقل ومن وجدان بقوله:" لا شيء مما يخلو من العقل والوجدان يستطيع أن يلد موجودات ذات عقل ووجدان، والكون يلد موجودات ذات عقل ووجدان، وإذن فالكون نفسه ذو عقل ووجدان. "28
وما يلاحظ على الرواقية أنها قريبة من فلسفة هرقليطس، وقد اهتمت بالمنطق والعلم الطبيعي وعلم الأخلاق على حد سواء. ولم يبق لنا من كتابات الفلاسفة الرواقيين سوى شذرات متفرقة هنا وهناك.
أما النفس الإنسانية، فتتكون من أجسام مادية صغيرة في غاية الدقة، منتشرة في الجسم كله، وهي أشبه بنفس حار، وهي علة الإحساس، ولكنها تنفصل عن الجسم، والجزء العاقل منها يكون في الصدر29.
أما فيما يخص العالم أو الكون الكوسمولوجي، فلا يقول أبيقور بعالم واحد كما عند أفلاطون وأرسطو، بل بتعدد العوالم والأكوان التي تخضع لعملية النمو والفناء. وبالتالي، تتكون هذه الأكوان من عدد لامتناه من الذرات التي تتحرك في الفراغ اللامتناهي. ومن هنا، فالعالم ذري من حيث الأساس الأنطولوجي والكسمولوجي، ومتعدد من حيث العوالم والأكوان التي تتشابه مع عالمنا أو قد تختلف عنه.
أما فيما يتعلق بالأخلاق، فقد دافع أبيقورعن فلسفة المتعة التي تترابط مع المعرفة المادية الحسية، وتتكامل مع البحث الدائم عن السعادة المادية الحقيقية للحد من الهموم والآلام، وخاصة الخوف والموت. ويعني هذا أن اللذة عند أبيقور تتخذ طابعا ماديا وحسيا. أي: يسعى الإنسان دائما لإزالة الألم والعناء والشقاء بتحقيق لذاته المادية والحسية. ولكن السعادة لاتتحقق إلا بالحكمة والتعقل، ومراعاة فضيلة العدالة والأمانة بالنظر إلى نوع اللذة التي قد تكون لذات ضرورية وطبيعية تزيل الألم عن الإنسان كالأكل والشرب والنوم، أو تكون لذات طبيعية، ولكن ليست ضرورية (اللذات الحسية والجنسية)، أو لذات كمالية ليست طبيعية ولا ضرورية ينبغي الزهد فيها، كالرغبة في أكل معين، أو ملبس معين30.
ويقول أبيقور بآلهة مسلوبة الإرادة، ليس لها أي دور كوسمولوجي أو أنطولوجي، أو تأثير في الإنسان. أي: أنكر القضاء والقدر. واعتبر الإنسان حرا في تصرفاته الإرادية. وليس هناك أي مصدر خارجي يحرك العالم الكوني، بل هو قديم أزلي سرمدي.
لكن ما يلاحظ على أبيقور أنه لم يهتم بالمنطق العملي كما عند أرسطو، بل اهتم بالمنطق في جانبه النقدي، على أساس نقد المعارف والعلوم، وإبراز علامات الحقيقة، والبحث عن السبل المؤداة إلى اليقين، وتحصيل السعادة. ومن هنا، فقد حصر المعرفة في أربعة أنواع هي: الانفعال، والإحساس، والمعنى الكلي، والحدس الفكري. وبالتالي، فالانفعال هو الشعور باللذة والألم، والإحساس هو إدراك الأشياء عن طريق الحواس، أو هو الإدراك الظاهري. وكلما تكررت الأحاسيس شكلت ما يسمى بالمعاني الكلية في ذهن الإنسان. في حين، يعد الحدس الكلي استدلالا للتصديق، باستخراج تفاصيل العلم من نظرة إجمالية.
وهكذا، نخلص إلى أن أبيقور يمثل الفلسفة الذرية المادية من جهة، ويؤمن بفلسفة اللذة والمتعة الحسية من جهة أخرى. ويعني هذا أن السعادة الحقيقية عند أبيقور مبنية على اللذة الحسية المادية التي تذهب الألم عن الإنسان، وتريح ضميره، وتبعده عن الوساوس والمخاوف التي تنتابه من حين لآخر، بما فيها الخوف من الموت. ومن ثم، تهدف فلسفته المادية إلى نشدان الحياة اللذيذة السعيدة.

وهكذا، يرى أبيقور أن النفس " ليست إلا ذرات تتفرق عند الموت"31. وقد أثبت الرواقيون على غرار هرقليطس أن " نفس الإنسان جزء من النار الإلهية. 32"
ويدعو سقراط إلى تأمل النفس في قولته المشهورة:" اعرف نفسك بنفسك!". ويعني هذا أن الحقيقة كامنة في ذات الإنسان، وليس في العالم الخارجي.
ونجد الفيلسوف اليوناني أفلاطون يميز بين الروح التي هي من أصل سماوي، والجسد الذي هو من طبيعة مادية. ومن ثم، لايمكن تحصيل اليقين إلا بتحرير النفس من إسارها الجسدي، والعودة إلى عالم المثل. وفي هذا، يقول أفلاطون:" إذا أردنا أن نعرف شيئا ما معرفة مطلقة، فلابد لنا أن نتحرر من الجسد، وأن ننظر إلى الحقائق الواقعية نظرة الروح وحدها. "33
وهكذا، يلاحظ أن أفلاطون يفصل بين الجسد والنفس، ويعتبر الروح هي التي تتحكم في الجسد وتقوده.
ونجد هذه الثنائية أيضا عند ديكارت عندما يميز بين العقل والمادة، حيث يقول:" نقف أمام واقعين مطلقين تماما: العقل والمادة، وهما متنابذان تماما، متمايزان تماما، كما أنهما لايستطيعان التأثير الواحد في الآخر. 34"
ويعني هذا أن ثمة جوهرين منفصلان هما العقل والبدن، فالعقل من جوهر روحاني، والجسد من طبيعة مادية. وإذا كان الجسد يتحدد بالشكل والمكان، فإن النفس لا تتأطر في مكان، بل ترتبط بفعاليات لامادية، مثل: الشك، والإدراك، والإثبات، والنفي، والإرادة. وإذا كان من طبيعة المادة الامتداد، فإن من طبيعة النفس التأمل والتفكير.
أما أرسطو، فقد اعتبر أن ما في النفس من صور ومعان ترجع في أصلها إلى ماهو محسوس ومادي. أي: توجد الروح داخل الجسد، ويصعب الفصل والتمييز بينهما كاستحالة الفصل بين المادة وشكلها.
ومن هنا، يمكن الحديث عن تصورين مختلفين حول النفس الإنسانية، تصور يفصل بين الروح والجسد كما عند أفلاطون وديكارت، وتصور مخالف يوحد بينهما كما عند أرسطو. وفي المقابل، يرى أرسطو أن الروح توجد داخل الجسد، ويصعب الفصل والتمييز بينهما كاستحالة الفصل بين المادة وشكلها.
وفي العصر الحديث، تناول الفلاسفة ثنائية الفطري والمكتسب التي اشتغل عليها علم النفس فيما بعد، ولاسيما علم النفس المعرفي، فقد أثبت العقلانيون أن الملكات العقلية وراثية وفطرية ويقينية وصادقة، كما نجد ذلك عند ديكارت، وليبنز، وسبينوزا. . . أما التجريبيون كجون لوك، ودافيد هيوم، واستيوارت ميل. . . ، فيذهبون إلى أن العقل صفحة بيضاء. وبالتالي، تكتسب المعارف الذهنية من الواقع التجريبي الخارجي. في حين، يقول كانط بثنائية الفطري والمكتسب، وإن كان يعطي الأولوية لما هو فطري.
وقد تحضر النفس بمعنى القلب والروح كما عند بليز باسكال ( B. Pascal) (1623-1662م)، في كتابه(خواطر/Pensées)، الذي ينفي أن يكون العقل دائما مصدر المعارف والحقائق العلمية والإنسانية، فيمكن للقلب أن يكون مصدرا للمعرفة الحقيقية، مادامت هي نابعة من الذات والداخل. ومن ثم، فالقلب يعضد العقل، ويقويه لمعرفة الكثير من الحقائق الغامضة، وإدراكها بشكل جيد، ولاسيما الحقائق الروحانية والحقائق الرياضية والمعارف الفيزيائية. ومن هنا، فعلى العقل أن يؤسس خطابه المعرفي والعلمي على مبادئ القلب والغريزة. وأي سخرية تطال القلب، يمكن أن تطال كذلك العقل. لأن العقل يحتاج إلى حقائق القلب، مادام ينطلق منها بوصفها حقائق بديهية أولى. وفي هذا الصدد، يقول بليز باسكال :" نعرف الحقيقة لابواسطة العقل فقط، ولكن أيضا بواسطة القلب. فعن هذا الأخير نعرف المبادئ الأولى التي يحاول الاستدلال العقلي. . .
إن معرفة المبادئ الأولى، مثل: المكان والزمان والحركة والأعداد هي من الصلابة بحيث تتجاوز سائر المبادئ التي يقدمها لنا الاستدلال العقلي. إنما ينبغي على العقل أن يستند، لتأسيس خطابه بكامله، على المعارف الصادرة عن القلب والغريزة. فالقلب يشعر أن هناك ثلاثة أبعاد في المكان، وأن الأعداد لانهائية، وبعد ذلك، يأتي العقل ليبرهن أن لا وجود لعددين مربعين يكون أحدهما ضعف الآخر.
إننا نشعر بالمبادئ، أما القضايا فيستخلص بعضها من بعض، والكل له نفس اليقين، وإن اختلفت الطرق المؤدية إليه. ومن غير المفيد كذلك، بل من المثير للسخرية أن يطلب العقل من القلب البرهنة على مبادئه الأولى حتى يتوافق معها، ومن المثير للسخرية أيضا أن يطلب القلب من العقل أن يشعر بجميع القضايا التي يبرهن عليها حتى يتلقاها منه. "35
يذهب باسكال، في هذا المقتطف النصي، مذهبا بعيدا حينما يجعل القلب مصدرا للمعرفة الحقيقية. ومن جهة، يمكن أن نتفق معه حينما تكون المعرفة مرتبطة بالإيمان ومعرفة الخالق. آنئذ، يمكن أن نعتبر القلب مصدرا للحقيقة الصادقة. ولكن من جهة أخرى، يستحيل الحديث عن القلب على أساس أنه مصدر للحقيقة في مجال العلوم الحقة والعلوم التجريبية.
ويتبين لنا أن الحقيقة قد تنبني على الرأي الشخصي، أو الاعتقاد، أو الشك، أو فراسة القلب، أو الاحتمال، أو العقل، أو التجربة. ومن هنا، فالحقيقة - في معتقدي الشخصي- تستند إلى معطيين: معطى إيماني قائم على التسليم، وتمثل الأخلاق، واستبصار الروح، حينما يتعلق الأمر المبحوث فيه بالغيبيات أو الأخرويات التي من الصعب إدراكها بالعقل والتجربة معا. بيد أن واقعنا الفيزيائي يستلزم منا إدراكه معرفيا عن طريق العقل والتجربة. لكن ثمة خطوات أولية ضرورية لقيام العلم قد تسبق الفهم العقلاني والخبرة التجريبية، ويمكن حصرها - مثلا - في الانطلاق من فرضيات احتمالية، أوالاحتكام إلى اعتقادات حدسية، أو شخصية أو علمية، مثل تفاحة نيوتن التي أوحت له بنظرية الجاذبية. بل يمكن القول: إن فراسة المؤمن الروحية قد تساعده على استشراف الأمور قبل وقوعها. كما أن معظم النظريات الفلسفية انطلقت من فرضيات تخمينية وأفكار تأملية، البعض منها مثالي، والبعض الآخر واقعي.
ويتفق هذا التصور مع منظور أبي حامد الغزالي، في كتابه( إحياء العلوم)؛ حيث يرى أن الحقيقة المطلقة يتم تحصيلها عن طريق القلب والإلهام عند الصوفية والأولياء والأصفياء، ويتم تحصيلها عن طريق الوحي عند الأنبياء، وتكتسب عن طريق الاستدلال والاعتبار والاستبصار عند العلماء:" اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية- وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال- تختلف الحال في حصولها، فتارة تهجم على القلب كأنه ألقى فيه من حيث لايدري، وتارة تكتسب بطريقة الاستدلال والتعلم. فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل يسمى إلهاما، والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا. ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى مالايدري العبد أنه كيف حصل له ومن أين حصل؟ وإلى مايطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم، وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب. والأول: يسمى إلهاما ونفثا في الروع، والثاني: يسمى وحيا وتختص به الأنبياء. والأول يختص به الأولياء والأصفياء. والذي قبله- وهو المكتسب بطريقة الاستدلال- يختص به العلماء. وحقيقة القول فيه أن القلب مستعد لأن تنجلي فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها، وإنما حيل بينه وبينها بالأسباب الخمسة- التي سبق ذكرها- فهي كالحجاب المسدل الحائل بين مرآة القلب وبين اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة. وتجلى حقائق العلوم من مرآة اللوح في مرآة القلب يضاهي انطباع صورة من مرآة في مرآة تقابلها. "36
وقد خاض الفلاسفة المسلمون في مجال النفس الإنسانية. فهناك من يرى أن الله سيحشر النفوس دون الأجساد، كالفارابي وابن سينا وابن رشد، وهناك من يرى أن الله سيبعث النفوس مع أجسادها كما عند الغزالي.
وبهذا، يكون الغزالي قد شن حملة نقدية واسعة على الفلاسفة المسلمين، في كتابه( تهافت الفلاسفة)37، بالتوقف عند عشرين مسألة، معتمدا في ذلك على الدين والمنطق؛ حيث بدعهم في سبع عشرة مسألة، وكفرهم في ثلاث مسائل أو حقائق فلسفية، ويمكن حصر هذه الحقائق الثلاث في القضايا التالية:
1- مسألة قدم العالم وأزليته؛ حيث قال الفلاسفة باستحالة صدور حادث عن قديم أصلا.
2- قضية العلم الإلهي؛ حيث يذهب الفلاسفة إلى أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات.
3- حشر النفوس دون الأجساد؛ حيث يرى الفلاسفة المسلمون أن الله سيبعث النفوس دون الأجساد.
وهكذا، فالغزالي يخالفهم في ذلك ؛ إذ يثبت أن الله يعلم الكليات والجزئيات على حد سواء، وأن الله أيضا سيبعث النفوس والأجساد معا، ويؤكد كذلك إمكان صدور الحادث عن القديم أصلا. ومن ثم، فقد وضع الغزالي حدا نهائيا للميتافيزيقا الإسلامية، واختار منهجا آخر في المعرفة هو المنهج الصوفي ؛ حيث اعتبر الخلوة مصدرا للمعرفة، وطريقا مؤديا إلى الحقيقة الربانية السرمدية.
وبناء على ماسبق، فقد تأسس علم النفس، في مساره التاريخي والمعرفي، على تصورين مختلفين هما: التصور العقلاني والتصور التجريبي.
هذا، ولم يظهر مصطلح (السيكولوجيا) إلا في أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، وبالضبط في كتاب(Psichiologia de ratione animae humana ) للعالم الكرواتي ماركو ماريلوك (Marko Marulic). وبعد ذلك، بدأ المصطلح في الانتشار والشيوع من باحث إلى آخر.
ولم يتبوأ علم النفس مكانته العلمية إلا في منتصف القرن التاسع عشرالميلادي. أما قبل ذلك، فقد كان فرعا من فروع الفلسفة إلى غاية 1870م. وبعد ذلك، تأسست الكراسي والمختبرات العلمية التي تهتم بعلم النفس. وفي سنة 1732م، ميز وولف(Wolff) بين علم النفس العقلاني وعلم النفس التجريبي. وقد انبنى علم النفس، في ألمانيا بالخصوص، على أسس فيزيولوجية وتجريبية ورياضية ومخبرية، وقد انصبت موضوعاتهم على الإدراك الحسي، والحواس، والذاكرة، والذكاء،. . . إلخ.
وقد بدأ علم النفس التجريبي مع مجموعة من الرواد، أغلبهم ألمان، هم: فشنر(G. T. Fechner) (1801-1887م) الذي اهتم كثيرا بالفيزياء والرياضيات. وقد درس علاقة الروح بالمادة في كتابه(عناصر السيكوفيزياء) سنة 1860م. ومن العلماء الآخرين في علم النفس التجريبي فون هلمهولتز(H. Von Helmholtz) (1821-1894م)، وفيبر(Weber)، وفوندت (W. Wundt) (1832-1920م) الذي أسس أول مختبر تجريبي لعلم النفس بليبزيج بألمانيا سنة 1879م. وقد تخرج من هذا المختبر كثير من علماء النفس الأمريكيين والإنجليز والفرنسيين. وقد درس هؤلاء التجريبيون كل ماله علاقة بالحواس والإدراك.
وقد تمثل كثير من علماء النفس المنهج التجريبي في دراسة علم النفس، مثل: البريطاني جالتون (F. Galton) (1822-1911م)، وإبينهاوس(H. Ebbinghaus)(1850-1909م) الذي اهتم بدراسة الذاكرة ورؤية الألوان، والاعتناء بالسيكولوجيا الفارقية، بالتركيز على الفوارق بين المتعلمين في مجال الذكاء. أضف إلى ذلك كولب(O. Kulpe) (1862-1915م)، وألفرد بينيه (A. Binet) (1857-1911م)، وآخرين. . .
وقد عرف علم النفس تطورا كبيرا مع علم النفس التجريبي (فوندت)، والسلوكيين (واطسون، وبافلوف، وسكينر)، والتحليل النفسي مع فرويد ويونغ وأدلر، وظهور عدة مدارس نفسية يصعب تحديدها بدقة.
وعليه، فقد ارتبط علم النفس، في تاريخه الإنساني الطويل، بالفلسفة من جهة، وبالطب من جهة أخرى.









المبحث الثالث: أهداف علم النفس
من المعروف أن لعلم النفس مجموعة من الأهداف التي تتمثل فيما يلي:
(فهم السلوك الإنساني بصفة خاصة، بالتوقف عند المشكلات النفسية التي يواجهها الإنسان الفرد السوي أو المريض أو الشاذ. ثم دراسة الحالة النفسية السلوكية والشعورية واللاشعورية والذهنية والعصابية، بوصف الظاهرة وصفا دقيقا، وتحديد مكوناتها وطبيعتها.
( تفسير المشكلة النفسية بإرجاعها إلى عواملها الداخلية والعصبية والفيزيولوجية، أو تفسيرها بالعوامل اللاشعورية، وسواء اعتمدنا في ذلك على آليات التجريب، أو آليات التحليل النفسي، مثل: التنويم المغناطيسي، والتداعي الحر، أو اعتمدنا على الاستبطان، والملاحظة، ودراسة الحالة. . .
(تأويل الحالات اللاشعورية ضمن منظور التحليل النفسي، كتأويل الأحلام، واستخلاص دلالاتها العميقة، ورصد الرغبات المكبوتة المعلنة وغير المعلنة.
(ضبط السلوك والتحكم فيه بتعديله، أو توجيهه، أو تحصينه، أو العمل على إزالته. ويتم هذا انطلاقا من فهم العلاقات الارتباطية الموجودة بين الظواهر، فكلما تكررت الأسباب، قد تؤدي إلى النتائج نفسها.
ويعني هذا أن هدف علم النفس هو دراسة النفس الإنسانية في مختلف أحوالها الشعورية واللاشعورية، بالتوقف عند تطورها في التاريخ الإنساني بدءا من الإنسان البدائي الأول إلى يومنا هذا، بالتركيز على مختلف الطرائق التي تعامل بها الإنسان مع النفس الإنسانية، وفق تصورات أسطورية وميتافيزيقية ولاهوتية وعلمية وتقنية وآلية. ثم السعي الجاد لفهم الروح أو النفس الإنسانية في علاقة بالبدن أو الجسد أو الجسم ضمن ثنائية المتصل والمنفصل، أو ضمن ثنائية الفطري والمكتسب، أو ضمن ثنائية العقلي والتجريبي.
كما كان الهدف من ذلك أيضا هو معرفة بنية النفس الإنسانية، وتبيان مكوناتها، وتحديد موقعها، والفرق بينها وبين الروح والعقل والقلب والوعي. ثم، تبيان وظائف النفس وأدوارها الذهنية والوجدانية والحسية-الحركية.
وقد كان الهدف أيضا فهم السلوك الإنساني الخارجي وفق التصورات العلمية الوضعية والتجريبية لفهم التصرف الإنساني الصادر مقارنة بسلوك الحيوان بغية تحديد المتشابه والمختلف في هذين السلوكيين في أثناء التفاعل مع البيئة أو المحيط الخارجي، انطلاقا من مبدأي المثير والاستجابة. وهنا، كانت التجربة المخبرية حاضرة بشكل كبير ودقيق مرات عدة من أجل تقعيد السلوك الإنساني في معادلات فيزيائية وقوانين ونظريات كلية عامة.
وبعد ذلك، كان هدف علم النفس هو فهم الشعور النفسي الإنساني الداخلي، باللجوء إلى التأمل الذاتي والاستبطان الداخلي لاستجلاء مختلف ردات فعل اللاشعور في علاقته بالموضوع المرصود أو المعبر عنه. وهنا، التركيز على الروح، أو الشعور، أو تيار العواطف والأحاسيس المتدفقة المنسابة في الزمان والمكان، وترابط الذات مع الموضوع بالمفهوم الفينومونولوجي.
وأكثر من هذا فقد كان هدف علم النفس مع فرويد هو تأويل الأحلام والرؤى لدى الأطفال والراشدين، ومعالجة الأمراض والعوارض العصابية والذهنية وفق تحليل نفسي لاشعوري عيادي وإكلينيكي. والغرض من ذلك كله هو إيجاد علاج متوازن للمريض، بالرجوع إلى عقده النفسية في الماضي الذي هو أساس الحاضر النفسي. لذلك قال فرويد قولته المشهورة: "الطفل هو أبو الرجل".
ولقد تطور علم النفس في منتصف القرن العشرين، وأصبح الهدف منه فهم الدماغ البشري، وتبيان آلياته التفكيرية، وتشريح دماغه العصبي، وتحديد فصوصه، وتحليل الكيفية التي يكتسب بها الإنسان لغته، وكيف يخزن معلوماته، وكيف يشغل عقله وذهنه ومنطقه، وحساب مقياس نمو ذكائه.
وبهذا، يكون لعلم النفس عدة أهداف وأغراض أساسية طوال تطوره من مدرسة إلى أخرى، ولكن لا تخرج هذه الأهداف والمنافع الكبرى عن عمليات أساسية ثلاث هي:
( فهم النفس الإنسانية سلوكا وشعورا ولاشعورا ومعرفة.
( تفسير هذه النفس الإنسانية وفق تصورات علمية، أو تجريبية، أو تأملية، أو عيادية، أو تحليلية، أو آلية؛
( تأويل هذه النفس الإنسانية وفق خبرات الماضي أو الحاضر أو المستقبل، أو وفق التصورات العلمية والعيادية والاستبطانية.









المبحث الرابع: علم النفس والعلوم الأخرى

يلاحظ أن لعلم النفس علاقات تأثيرية وتأثرية مع مجموعة من العلوم والتخصصات المعرفية، كعلاقته بالفلسفة من جهة، وعلم الاجتماع من جهة أخرى، ضمن ما يسمى كذلك بعلم النفس الاجتماعي الذي يدرس علاقات الأفراد داخل الجماعات الصغيرة، أو ما يسمى كذلك بديناميكية الجماعات.
وله أيضا صلة وطيدة بعلم التربية، فكثير من قضايا التربية والتعليم لها أصول سيكولوجية، مثل: سيكولوجية الطفل والمراهق. علاوة على نظريات النمو والتعلم.
ثم لاننسى العلاقات التي توجد بين علم النفس والفسيولوجيا، والبيولوجيا، والطب، وعلم الأخلاق، والمنطق، والرياضيات، وعلم الإحصاء، وعلم المناهج (الميتودولوجيا)، والآداب، وعلم الفن والجمال، والتاريخ. . .
ويعني هذا كله أن سلوك الفرد ظاهرة مركبة ومعقدة، تتحكم فيه مجموعة من العوامل السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والتاريخية، والدينية، والحضارية، والبيولوجية، والعرقية، والفلسفية، والأخلاقية، والتربوية. . .
وعليه، يندرج علم النفس ضمن العلوم الإنسانية على غرار علم الاجتماع، والأنتروبولوجيا، والإثنولوجيا، والتاريخ. . . بيد أن علميته نسبية لوجود مجموعة من العوائق التي تحول دون تحقيق العلمية الموضوعية الحقيقية الصارمة، مثل: مشكل الذاتية، ومشكل التجريب، ومشكل الحتمية، ومشكل القانون. ناهيك عن كون الإنسان ظاهرة مركبة ومعقدة ومتشعبة، وظاهرة حية، ومتغيرة، وإنسانية، وحرة، ومستقلة. وبالتالي، يصعب دراستها دراسة علمية موضوعية، مثل: العلوم التجريبية الوضعية. ولكن يمكن الحد من الذاتية نسبيا، باتباع المناهج الكيفية والكمية، واستخدام الإحصاء، والارتكان إلى دراسة الحالة، وتمثل التجريب الارتباطي بدل الارتباط السببي.
ويعني هذا كله أن علم النفس لم يصل إلى المرحلة التجريبية إلا مع المدرسة السلوكية التي كانت تدرس السلوك أو التصرف الإنساني وفق مقترب تجريبي علمي وموضوعي. بيد أن المدرسة الشعورية قد اعتمدت على التأمل الذاتي والاستبطان الداخلي في قراءة الشعور الوجداني. بينما اعتمد التحليل النفسي على التأويل في معالجة الأمراض والأعراض العصابية والذهنية لدى المريض. في حين، اعتمد علم النفس المعرفي مع كلارك هول(Clark Hull) وإدوار تولمان (Edward Chace Tolman) على آليات الاستبطان (L'introspection) في دراسة العلبة السوداء (العقل)، أو ما يسمى بالذهني والعقلي. أي: دراسة الذاكرة، واللغة، والاستدلال، والذكاء الإنساني والاصطناعي، والانتباه، والإدراك، والمعرفة، والمعلومة، وحل المشاكل والوضعيات المعقدة. . .
























المبحث الخامس: فروع علم النفس
يتفرع علم النفس، على غرار باقي العلوم الإنسانية، إلى تخصصات معرفية عدة يتحكم فيها علم النفس العام، مثل: علم النفس الفارقي، وعلم النفس النمائي أو الارتقائي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم نفس الشواذ، وعلم النفس التربوي، وعلم النفس المقارن، وعلم النفس الصناعي، وعلم النفس التجاري، وعلم النفس الجنائي، وعلم النفس الحربي، وعلم النفس العيادي، وعلم النفس الإرشادي..

المطلب الأول: علم النفس الفارقي
ظهرت السيكولوجيا الفارقية (la psychologie différentielle) في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي لفهم تغيرات السلوكيات والتصرفات، وموضوعها هو دراسة الفوارق الفردية بين الأفراد داخل الجماعة، أو داخل الفصل الدراسي، أو دراسة الفرد في وضعيات وظروف وسياقات ومقامات مختلفة، بالتركيز على الفوارق الجنسية، والفوارق التحصيلية، والفوارق الاجتماعية، والفوارق الطبقية، والفوارق الذهنية والذكائية. . .
وتعتمد هذه السيكولوجيا على الإحصاء الفارقي لمعرفة مختلف الفوارق التي توجد بين الأفراد، مع استثمار الروائز والاختبارات للتثبت من مستوى الذكاء، وتبيان مقدار التحصيل الدراسي.
ومن أهم رواد السيكولوجيا الفارقية البريطاني فرنسيس گالتون (Francis Galton ) (1822-1911م) الذي درس الفوارق الفردية في مجال الذكاء؛ إذ لاحظ تفاوتا نوعيا في هذا المجال. لذا، قرر الرفع من مستواه عند الآخرين، وقد توصل إلى أن المعطى الوراثي هو المسؤول عن الذكاء الإنساني.
وهناك أيضا الإنجليزي شارل سبيرمان (Charles Spearman) (1863-1945م)الذي وضع مقاييس إحصائية في دراسة الفوراق الفردية، مثل: التحيل العاملي، ودراسة معامل الارتباط، ومعامل (ج).
وهكذا، فقد ركزت السيكولوجيا الفارقية على الشخصية بالتوقف عند الفوارق التي تميز الأشخاص على مستوى الوعي، والانفتاح، والذهن، والنشاط، والتطلعات، والمشاعر. وقد اعتمدت في ذلك على القياس الرياضي والإحصائي.
ويمكن الحديث عن شخصيات علمية أخرى كألفرد بينيه (A. Binet) الذي وضع أول مقياس للذكاء، وثورستون (Thurstone) الذي أغنى علم النفس التربوي بأبحاثه العلمية الجادة.
وإذا كانت السيكولوجيا العامة (علم النفس العام) تبحث عن مظاهر التشابه والائتلاف بين الأفراد، كدراسة الإدراك والتفكير والتذكر والتعلم. . . ، فإن السيكولوجيا الفارقية (علم النفس الفارقي) تبحث عن مظاهر الاختلاف والافتراق بين البشر على مستوى الاستعدادات والميول والاتجاهات والذكاء. . . . بمعنى أن علم النفس الفارقي" يدرس ما بين الأفراد أو الجماعات أو السلالات من فوارق في الذكاء أو الخلق أو الشخصية أو الاستعدادات والمواهب الخاصة. كما يدرس أسباب هذه الفوارق ونتائجها مستندا إلى الحقائق التي يكشف عنها علم النفس العام. فإذا كان علم النفس العام يبين لنا كيف تتشابه الأفراد، فعلم النفس الفارق يبين لنا كيف يختلفون، وإلى أي حد يختلفون. 38"
وعليه، تؤمن السيكولوجيا المعرفية، أو علم النفس الفارقي، أن ثمة فوارق طبيعية ووراثية وفطرية بين الأفراد. ومن ثم، فليس هناك أفراد متشابهون في السمات والطباع والأمزجة والعادات، بل كل واحد منا ما يميزه ويفرده عن الآخر، حتى بصمة الفرد تختلف عن بصمة الفرد الآخر. علاوة على اختلاف الجينات الوراثية من شخص إلى آخر. وهذا يؤثر بطبيعة الحال إيجابا أو سلبا في مستوى الاكتساب والاستيعاب والتحصيل الدراسي. ومن ثم، فلا يوجد شخصان - حسب بيرنس- " يتقدمان بالسرعة نفسها في تعلمهما، ويستعملان تقنيات الدراسة نفسها، ويمتلكان قائمة السلوك نفسها، ويحلان المشاكل بالطريقة نفسها، ويمتلكان قائمة السلوك نفسها. فهناك- مثلا- من الأطفال من يتعلم القراءة والكتابة بوتيرة سريعة. ومنهم من يجد صعوبة في اكتساب هذه القدرات، ويحتاج إلى وقت أطول وإيقاع بطيء للتمكن من ناصيتها. لذلك، كان من العبث كما يقول فيليب ميريو أن ننتظر من جميع التلاميذ النتائج نفسها. 39"
ويمكن الحديث أيضا عن علم نفس فارقي يدرس مختلف الترابطات السيكواجتماعية التي تربط الفرد بمحيطه الموضوعي، بالتركيز على الفوارق الفردية والاجتماعية، وتبيان قوانينها التي تتحكم فيها. ومن ثم، " فالمعطيات التي يستوحيها الديدكتيك من علم النفس الفارقي، معطيات متنوعة؛ تتعلق بالفوارق المذكورة أعلاه وبالذكاء والقدرات الخاصة. وكذلك التطبيقات والاختبارات والروائز لقياس القدرات العقلية، وبالتالي جعل المدرس يعرف ما يمكن أن يبذله من مجهود في مكان معين، وفي وضعية تعليمية معينة. كما أن علم النفس الفارقي يفيد في معرفة ما يصلح لمستوى دراسي دون آخر، أو لطفل دون آخر، أو لمادة دون أخرى، وتأسيسا على معطيات هذا العلم وغيره من العلوم المنتمية لجذع السيكولوجيا أو لحقول معرفية أخرى كالسوسيولوجيا والاقتصاد والتاريخ والديمغرافيا- تأسيسا على ذلك كله- يوجه كل تلميذ إلى التخصص الذي يناسبه، ويتم بناء المناهج من منظور الاختلاف، وواجب احترام الخصوصيات المحلية، واعتماد المقاربات الماكروسكوبية. "40
وهكذا، يدرس علم النفس الفارقي مختلف الفوارق التي توجد بين الأفراد من النواحي النفسية والشعورية والذهنية والسلوكية بغية فهمها وتفسيرها وتأويلها.

المطلب الثاني: علم النفس التربوي
يرتبط علم النفس التربوي بمجال التربية والتعليم، وقد ظهر مع المربي الألماني هربارت الذي ربط التعليم بالقواعد السيكولوجية، ويندرج هذا ضمن علم النفس التطبيقي. ويعني هذا كله أن علم النفس التربوي مجال واسع وخصب ورحب، يدرس كل القضايا السيكولوجية التي لها علاقة بالتربية، مثل: سيكولوجية الطفولة، وسيكولوجية المراهقة، وسيكولوجية الراشد، وسيكولوجية التعلم، والذكاء التربوي، والفوارق الفردية، وتربية ذوي الحاجيات الخاصة، والميول والاتجاهات النفسية، واللعب، والعنف، والشغب، إلخ. . .

المطلب الثالث: علم النفس النمائي
يدرس علم النفس النمائي ما يتعلق بتطور الكائن الإنساني من مرحلة إلى أخرى عضويا، ونفسيا، واجتماعيا.
وهكذا، يمر طفل مرحلة التعليم الأولي، على سبيل التمثيل، بعدة تحولات وخصائص كمية وكيفية، على جميع الأصعدة والمستويات النمائية والعقلية واللغوية والنفسية والانفعالية والاجتماعية والدراسية، على النحو التالي:



الفرع الأول: المستوى النمائي أو البيولوجي
يمر الطفل بمجموعة من المراحل النمائية، فهناك مرحلة ماقبل الولادة، أو المرحلة الجنينية، وتمتد من الإخصاب حتى الولادة؛ ومرحلة المهد التي تبتدئ من الولادة حتى السنة الثانية، أو سنة الفطام؛ ومرحلة الحضانة، أو ماقبل المدرسة، أو ما يسمى بمرحلة التعليم الثانوي، وتمتد من السنة الثالثة حتى السنة الخامسة. وهناك مرحلة الطفولة، وتمتد من السنة السادسة حتى السنة الثانية عشرة. ثم مرحلة المراهقة التي تمتد من بداية البلوغ. وبعد هذه المرحلة، ننتقل إلى مرحلة الرشد، ومرحلة الشباب، ومرحلة الشيخوخة41.
ويعني هذا أن الطفل ينمو ارتقائيا على المستوى الذهني والانفعالي والوجداني والحسي الحركي بشكل منتظم، ضمن وحدة عضوية وبيولوجية ونفسية. ويخضع نمو الطفل لبعض المبادئ، مثل: التدرج من البسيط نحو المعقد، أو من الخاص نحو العام، أو من الخلية البسيطة إلى إنسان معقد التركيب، ومتعدد الوظائف ضمن مبدأ التغير الكمي والكيفي، وخضوع النمو للنضج والتعلم، والتأثر بالعوامل الوراثية والعوامل البيئية على حد سواء( الأسرة، والشارع، والمجتمع. . . ).
وهكذا، يكون الطفل، في هذه المرحلة النمائية، قادرا على المشي والحركة والانتصاب والتوقف، يكتسب قدرا هاما من الاستقلالية. كما يتميز الطفل، في هذه المرحلة، بنمو عضلاته وأعصابه وخلاياه العقلية والمنطقية. فضلا عن التغييرات الكمية والكيفية الملحوظة. وفي هذا الصدد، يقول أحمد أوزي:" إذا كانت المرحلة الجنينية ومرحلة المهد تعرفان نموا سريعا، فإن هذا الإيقاع السريع سيعرف نوعا من الهبوط التدريجي في هذه المرحلة: فمعدل الوزن قد لايزيد في المتوسط عن كليوغرامين في كل عام، أما الطول فقد يصل، ما بين بداية هذه المرحلة ونهايتها، إلى حدود من 110 إلى 120 سنتيمترا، كما قد يبلغ النمو الجسمي بشكل عام حوالي43 في المائة من نموه النهائي؛ هذا مع مراعاة الفوارق الفردية بين الأطفال. وبوجه عام، فإن تباطؤ النمو الجسمي في هذه المرحلة يخلي السبيل للنمو العقلي والاجتماعي، كما أن تغير نسب أجزاء الجسم، وبداية اختفاء المظهر الطفولي في الملامح، يبدأ في إعطاء الطفل شكلا جديدا. إن الذي يصارع طفل هذه المرحل يدرك صلابة عظامه وقوة عضلاته. وبسبب هبوط معدل النمو، فإن حاجة الطفل إلى الطعام ستقل عما كانت عليه في المرحلة السابقة؛ كما تقل حاجته إلى النوم، ولهذا فإن تعويد الطفل على القيلولة والاستراحة بعد الغذاء يساعده على استكمال نموه وتطوره. وفي هذه المرحلة أيضا يتمكن معظم الأطفال من ضبط المثانة أثناء الليل، ويحدث عندهم تغيير الأسنان اللبنية بالأسنان الدائمة. "42
ويعني هذا كله أن طفل التعليم الأولي يشهد مجموعة من التغيرات النمائية الكمية والكيفية التي قد تؤثر في تشكله الذهني والجسدي والنفسي والاجتماعي والقيمي إيجابا أو سلبا. . .

الفرع الثاني: المستوى اللغوي
تتميز هذه المرحلة بتحسن الطفل على المستوى اللغوي الذي يعرف إيقاعا سريعا على المستوى التداولي تعبيرا وكتابة، واستخدام المهارات اللغوية بشكل مقبول. بعد أن كان الطفل قد اكتسب، في مرحلة المهد، رصيدا لغويا يبلغ حوالي خمسين كلمة. وتتميز لغته بالاختصار الشديد في التعبير عما يريده، أو يشعر به. بيد أن لغة الطفل تزداد توسعا واطرادا مع دخوله إلى مرحلة الحضانة، أو الروض، أو التعليم الأولي. ومن ثم، تبتعد لغته عن التشوه في استخدام الحروف والكلمات لتصبح لغة واضحة ودقيقة ومفهومة، ثم تندغم في جمل مركبة ومترابطة اتساقا وانسجاما وتماسكا. " وقد يؤدي المحصول اللغوي بالطفل في هذه المرحلة إلى أن يصبح ثرثارا، فهو لاينفك عن الكلام والأسئلة؛ مما سيفسر رغبته في استطلاع كل شيء، ولم لا وهو يتخذ اللغة أداة للتعبير عن نفسه.
هناك فوارق فردية بين الذكور والإناث في مجال اللغة خلال هذه المرحلة، فالإناث يظهرن مهارة أسرع في استخدام اللغة مقارنة بالذكور.
إن مرحلة الطفولة المبكرة، مرحلة تستغرق حوالي أربع سنوات، ولهذا فإن مستوى الطفل اللغوي في بداية المرحلة مختلف جدا عن مستواه في نهايتها، خصوصا وأن الطفل في هذه المرحلة يعيش خبرات عديدة، بسبب قضائه ساعات عديدة يوميا برياض الأطفال. "43
ومع السنة الرابعة أو الخامسة، " يصبح الطفل قادرا على تصحيح الأخطاء التركيبية البسيطة في الجمل التي يستعملها، ويتمكن- بالتالي- من الكلام بسهولة باستعمال التراكيب نفسها التي يستعملها الراشد. بل ويتجاور ذلك إلى استعمال أساليب لغوية مثيرة، وسرد قصص قصيرة حول تجاربه الخاصة، أو من خلال ما سمعه وتلقاه من الآخرين. كما يتمكن من تغيير طريقة الكلام أمام مخاطبيه من الكبار أو الأطفال، واستعمال أساليب ميتالغوية بسيطة. "44
ويكون الطفل، في المرحلة التمهيدية، قد امتلك رصيدا لغويا نسبيا، يؤهله للانفتاح على المحيط الذي ينتمي إليه لغويا وتداوليا.

الفرع الثالث: المستوى العقلي أو الذكائي
تتميز مرحلة التعليم الأولي التي تمتد من أربع إلى ست سنوات - على مستوى الذكاء المنطقي والرياضي- بسمة الذكاء الحسي. ويعني هذا - حسب جان بياجيه(Jean Piaget)- سيطرة الإدراك الحسي على الذكاء، مع الإشارة إلى أهمية اللغة في تكوين البنيات المنطقية والفكرية عند الطفل45.
ومن باب العلم فقد قسم جان بياجيه مراحل الذكاء عند الطفل إلى مراحل عدة هي: مرحلة الذكاء الحسي- الحركي(من الولادة إلى 26 شهرا)، ومرحلة الذكاء الحسي(4-7سنوات)، ومرحلة العمليات الحسية (7-12 سنة)، ومرحلة الذكاء المجرد (بعد 12سنة).
وعليه، يستعمل الطفل، في مرحلة التعليم الأولي، تمثلات رمزية عن طريق اللغة، ويكتشف مجموعة من المفاهيم التي لم تبلغ بعد مرحلة التجريد؛ مفاهيم متعلقة بمختلف الخبرات من مأكل، ومشرب، وملبس، وحيوانات، وشخصيات، وغيرها. . . أي: يتعرف إلى مفاهيم حسية غير عقلية أو مجردة. أي: مفاهيم ماقبل العمليات عند بياجيه، مثل: مفهوم الزمان، ومفهوم المكان، ومفهوم الاتساع، ومفهوم الاتجاه، أو ما يسمى عند كانط بأطر المعرفة. " أما من حيث الإدراك، فإن طفل هذه المرحلة يستطيع إدرك الأشياء وفهمها في كليتها، بعيدا عن تحليل عناصرها. ولذلك، فالمعلومات البسيطة والشروح والتعليلات المحسوسة قد يتتبعها، بيد أن قدرته على تركيز الانتباه مايزال محدودا. وبسبب ضعف تركيزه للانتباه، فإن تذكره يتبع ذلك، فلا يستطيع أن يقوم إلا بالتذكر المباشر. "46
كما تتسم هذه المرحلة بخصوبة التخيل، واللعب الإيهامي، ولعب الأدوار الاجتماعية، والميل نحو القصص الخيالية، إلا أنه مايزال كائنا حسيا وإحيائيا، غير قادر على التجريد، وعاجز عن إدراك المفاهيم المجردة، بعيدا عن حسيتها ومرجعها الواقعي والمادي. وفي هذا السياق، يقول أحمد أوزي:" نلاحظ أن طفل هذه المرحلة على الرغم من الخطوات الإيجابية التي قطعها تفكيره، فإنه ما يزال يفتقر إلى العقلانية، والاحتكام إلى مبادئ المنطق. ولهذا، نجد أن بعض السيكولوجيين يقارنون تفكير الطفل في هذه المرحلة بتفكير الإنسان البدائي، لاعتقاد كليهما بالمشاركة والإحيائية والسحر. . . إلخ. "47
وعليه، تتسم هذه المرحلة الذكائية بخاصية التصنيف والتمييز بين الأشياء والشخوص والحيوانات، في ضوء خصائصها المتماثلة والمختلفة ، وبسمة الاحتفاظ، ولاسيما الاحتفاظ بالكمية والوزن، ثم الحجم.
الفرع الرابع: المستوى النفسي
يمر الطفل بمجموعة من المراحل النفسية، وقد حددها سيغموند فرويد (Sigmund Freud) في المراحل التالية:
( المرحلة الفمية (من الولادة إلى السنة الأولى) التي ترتبط بالإشباع الحسي، ونمو الجشع وحب الملكية لدى الطفل. وتتناسب هذه المرحلة عند إريكسون مع مرحلة الثقة في مقابل عدم الثقة. أي: الإحساس بالعطف والحنان والعطف الحقيقي.
( المرحلة الشرجية (من سنتين إلى ثلاث سنوات) التي تعطي أهمية كبرى للمناطق الشرجية والبولية تعبيرا عن الإشباع الحسي الكبير. وتتأرجح هذه المرحلة بين القذارة والنظافة. كما تتناسب هذه المرحلة عند إريكسون مع مرحلة الإحساس بالاستقلال في مقابل الشك. ويعني هذا أن الطفل يبدأ في الاستقلال بشخصيته. لكن يفقد الثقة في قدراته، ويشك في قدرته على التكيف مع الواقع الموضوعي.
(المرحلة القضيبية (من ثلاث سنوات إلى أربع سنوات). وتتميز بالتركيز على القضيب بغية تحقيق الإشباع الحسي والجنسي.
(المرحلة الأوديبية (من أربع سنوات إلى خمس سنوات). وتتميز هذه المرحلة باتخاذ الجنس الآخر موضوعا للإشباع الجنسي. لذا، يعتبر الطفل أباه منافسا له في أمه. ومن ثم، تكون المنافسة حادة بين الابن والأب. وتتميز هذه المرحلة عند إريكسون بضرورة التحلي بالصبر للإجابة عن أسئلة الطفل المقلقة. وفي حالة الامتناع عن الجواب، يحس الطفل بوخز الضمير، والشعور بالذنب.
( مرحلة الكمون (من خمس سنوات إلى ست سنوات): تحل مشكلة أو عقدة أوديب عند الطفل بالتوحد مع الأب، والبحث عن بديل آخر للإشباع الحسي. وتتسم هذه المرحلة عند إريكسون بروح المبادرة، والإحساس بالإنجاز والإتمام والصناعة والعمل.
( مرحلة البلوغ (من إحدى عشرة سنة إلى أربع عشرة سنة). وتتميز هذه المرحلة بتأرجح الطفل بين الميول الحسية والميول الجنسية التناسلية.
( فترة المراهقة، وتتميز - حسب إريكسون(Erikson)48- بإحساس المراهق بالهوية، ونمو شخصيته. 49


مراحل النمو النفسي حسب "فرويد50" و"إريكسون"51
المراحل النفسية – الجنسية لدى فرويد السن المراحل النفسية – الاجتماعية لإريكسون المرحلة الفمية:
تعطي المرحلة الفمية أكبر إشباع حسي.
إن التجارب المؤلمة التي تترتب عن التثبيت في هذا المستوى قد تؤدي إلى الجشع وحب الملكية.
من الولادة إلى السنة الأولى الثقة في مقابل عدم الثقة:
العناية التامة والعطف الحقيقي يجعلان الطفل يدرك العالم بوصفه مكانا آمنا.
أما العناية الناقصة والرفض، فتؤديان إلى الخوف وعدم الثقة. المرحلة الشرجية:
في هذه المرحلة، تعطي المناطق الشرجية والبولية إشباعا حسيا كبيرا.
وتؤدي الخبرات المؤلمة التي تترتب عن التثبيت في هذا المستوى إلى القذارة أو النظافة المبالغ فيها أو إلى الزهد في الأكل.

من سنتين إلى ثلاث سنوات الإحساس بالاستقلال في مقابل الشك:
إن المناسبات التي تتيح للطفل فرص القيام بتجارب خاصة تتفق مع إيقاعه وأسلوب سلوكه تؤدي إلى الاستقلال، وتؤدي به الحماية الزائدة أو نقص الاعتماد إلى الشك في مهاراته، وفقدان القدرة على السيطرة على ذاته، والسيطرة على محيطه. المرحلة القضيبية:
تعطي المنطقة القضيبية إشباعا حسيا.
وتؤدي الخبرات المؤلمة التي تترتب عن التثبيت إلى أدوار جنسية شاذة.
من ثلاث سنوات إلى أربع سنوات
المرحلة الأوديبية:
يتخذ الأبناء من الجنس الآخر موضوعات للإشباع الحسي، الشيء الذي يؤدي إلى اعتبار الأب، من الجنس نفسه منافسا، وتؤدي الخبرات المؤلمة التي تسبب التثبيت في هذه المرحلة إلى تكوين فكر متميز.
من أربع سنوات إلى خمس سنوات الإحساس بالمبادأة في مقابل الشعور بالذنب:
إن منح الحرية للطفل لممارسة النشاط، والتحلي بالصبر للإجابة عن أسئلته يؤدي إلى المبادأة. أما الحد من أنشطته، واتخاذ اتجاه عدم الصبر تجاه أسئلته، فقد يؤدي إلى الشعور بالذنب. مرحلة الكمون:
تحل عقدة أوديب بالتواجد مع الأب من الجنس نفسه، والحصول على إشباع بديل للحاجات الحسية.
من خمس سنوات إلى ست سنوات الإحساس بالإنجاز والإتمام :
(الصناعة والعمل مقابل النقص)
إن الحصول على الإذن للتسلم بمختلف الإنجازات، والتشجيع على إنجازها، يؤدي إلى روح المبادرة. في حين، إن تحديد النشاط وعدم التشجيع على الإنجاز والنقد يؤدي إلى الشعور بالنقص.


مرحلة البلوغ:
إدماج النزاعات الحسية المتعلقة بالمراحل السابقة في الجنسية التناسلية الموجودة والأساسية.




فترة المراهقة الإحساس بالهوية مقابل اضطراب الهوية.
الاعتراف بالاستمرارية، وبهوية الشخصية. وبمواجهة اختلاف ردود فعل مختلف الأشخاص يؤدي إلى تكوين الهوية.
ويؤدي عدم القدرة على تكوين واستمرار الخصائص واستمرارها خلال إدراك الذات إلى اضطراب الأدوار.



الفرع الخامس: المستوى الانفعالي
تتميز هذه المرحلة بالانتقال من مبدإ اللذة إلى مبدإ الواقع ؛ إذ يبدأ الطفل في اكتشاف محيطه الاجتماعي والطبيعي، فيدرك العالم والأشياء من خلال ذاته وحاجياته. بمعنى أن هذه المرحلة تتسم بالذاتية والأنانية والتركيز على الأنا؛" مما يعوق فهم الواقع، وإدراكه بشكل سليم؛ على أن تصحيح هذا الإدراك سيظل مطمحا وعملا دائبا، يتابعه كل كائن بشري طيلة نموه وتطوره. 52"
ومن ثم، تتميز هذه المرحلة انفعاليا بضعف إدراك الزمان؛ فالطفل لا يعيش سوى حاضره، ولا يعرف شيئا عن الماضي والمستقبل، سريع البكاء، حينما لايجد استجابة لحاجياته العضوية والنفسية والاجتماعية. فضلا عن خصوبة الخيال، والامتثال للمبادئ الأخلاقية، واحترام قواعد المجتمع وأعرافه وتقاليده وعاداته، والميل نحو تمثل السلوك الموافق لماهو اجتماعي ومعياري، ومعاناته من عقدة أوديب التي تنبني على الصراع الثلاثي: الطفل، والأم، والأب. ويعتقد الطفل أن أمه خلقت من أجله وحده لتحقق له كل ما يحتاج إليه، لكنه يكتشف أن ثمة أبا ينافسه في ذلك، فيتولد عنده صراع نفسي ووجداني قوامه الحب والكراهية في الوقت نفسه. بيد أن هذه العقدة تتضاءل مع مرور الوقت ليتوحد الطفل مع أبيه ضمن فصيلة جنسية واحدة. وبعد ذلك، ينشغل الطفل بأشياء أخرى غير الجنس.

الفرع السادس: المستوى الاجتماعي

تتسم مرحلة التعليم الأولي باكتشاف العالم الخارجي، وإدراك العلاقات البينية، وإدراك الأشياء والكائنات التي تحيط به. بمعني أن هذه المرحلة هي " بداية اكتشاف الواقع المجتمعي للعالم الذي يعيش فيه الطفل؛ هذا العالم الذي تحكمه قوانين وأعراف وتقاليد، ينبغي أن يتعود على الالتزام بها. وبعبارة أخرى، فإن مبدأ اللذة الذي كان يحكم المرحلة السابقة من النمو، ويطغى عليها ينبغي أن يخلي السبيل لمبدإ الواقع. "53
ويعني هذا إذا كانت مرحلة المهد مقتصرة على أفراد الأسرة، فإن مرحلة الحضانة، أو الروض، أو التعليم الأولي، تتسم بانفتاح الطفل على العالم الخارجي، والتعرف إلى أطفال آخرين، ولقاء شخصيات اجتماعية أخرى، مثل المربية، وتعلم قانون الانضباط الاجتماعي، واحترام أقرانه، والانخراط في جماعات اللعب. " ومن البديهي أن للتنشئة الاجتماعية للطفل دورا كبيرا في علاقاته بالآخرين. وتلك العملية لاتبدأ في هذه المرحلة، وإنما تمتد جذورها إلى المرحلة السابقة، حيث كان يحتك بأفراد أسرته. ومن خلال طبيعة علاقاته الأسرية التي نشأ عليها تتأسس معظم علاقاته بالآخرين.
إن الاتجاهات المختلفة التي يتخذها الشخص في المستقبل نحو مصادر السلطة في المجتمع، ونحو القوانين والمعايير الاجتماعية، ومدى الالتزام بها، والإحساس بأهميتها في التعايش الاجتماعي، إنما يرجع إلى الخبرات التي اكتسبها في هذه المرحلة. وهذا ما يفسر إجماع علماء النفس على أهمية خبرات السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل، وأثرها في تكوين شخصيته. "54
وهكذا، تعبر مرحلة التعليم الأولي عن تحرر الطفل من سياج البيت والأسرة، والانفتاح على المجتمع الذي يحيط به، مثل: الشارع، والمؤسسة، وروض الطفل. . . ، والدخول مع أصدقائه في علاقات اجتماعية متنوعة ومختلفة، تراعي مبادئ القيم والالتزام والانضباط الجماعي. . .

الفرع السابع: المستوى التربوي التعليمي

تتميز هذه المرحلة بدخول الطفل إلى الحضانة، أو الروض، أو المدرسة ماقبل الابتدائية. لذا، لابد من مراعاة نمو الطفل ذهنيا ووجدانيا وحسيا حركيا، بمساعدة الأطفال على نموهم الارتقائي بشكل طبيعي. لذا، ينبغي أن تساعد مؤسسات التعليم الأولي الأطفال المتعلمين على الحركة البناءة والهادفة، وتعودهم على النشاط العضلي والحسي، وتشجعهم على تنمية الحواس بشكل أدق، بالتمييز بين الألوان والأشكال والروائح والأطعمة، مع مراعاة الفوارق الفردية بين المتعلمين على المستوى الذكائي، والصحي، والنفسي، والاجتماعي، والانفعالي، واللغوي.
وعلى العموم، تتسم هذه المرحلة بالانتقال من مبدإ اللذة إلى مبدإ الواقع، واكتشاف العالم الخارجي، واستخدام اللغة التي يكون قد اكتسبها الطفل في نهاية السنة الثانية، مع استعمال الذكاء الحسي في التعامل مع الأشياء والأشخاص والكائنات الأخرى. كما يكتسب بعض المفاهيم الأولية البسيطة والتمثلات العقلية والمنطقية الأولية، كتصنيف الأشياء المادية، بكيفية حسية اعتمادا على لونها، وشكلها، وعددها. . .
كما تتميز هذه المرحلة بأنها مرحلة اللعب، وبناء الشخصية شعوريا ولاشعوريا؛ لأن الطفل يبني حياته الذاتية، ويدرك الأشياء، ويتعرف إلى العناصر، ويتم ذلك كله من خلال الأنشطة والألعاب. وفي هذا السياق، يقول أحمد أوزي:" يستطيع الطفل خلال هذه المرحلة أن يتمثل الموضوعات إلا أن انتباهه يبقى مركزا على المظاهر الخارجية للأشياء أو الأشخاص، مثل: الطول، والشكل، واللون، أو اللباس. فهو مايزال يستخدم هذه المظاهر لتصنيف الأشياء. "55
لذا، ينبغي أن نقدم للطفل ألعابا حسية، وألعابا حركية، وألعاب الإيهام (faire semblant)، وألعاب الفرق. ويستمر اللعب مع الطفل حتى يكبر(لعبة الدومينو، ولعبة ورق، ولعبة الضامة، وممارسة مختلف الرياضات البدنية والروحية. . . إلخ). ويعني هذا أن الإنسان كائن لعبي بامتياز.
بيد أن واقع المدرسة الأولية مؤلم بسبب اعتماد المؤسسة التربوية على الدراسة المجهدة، واكتساب المعرفة، وتقديم المعارف كما تقدم في المرحلة الابتدائية، والتسابق مع الزمن لشحن التلميذ بأكبر عدد من المعارف المختلفة ليكون في صدارة الفصل، أو يكون تلميذا ناجحا في دراسته. ومن ثم، يلاحظ غياب تخطيط أمثل للاستراحة، وغياب للأنشطة اللعبية المفيدة داخل القسم وخارجه، وغياب للأناشيد والأهازيج، وغياب للمسرح. أي: يحتاج التلميذ، في هذه المرحلة بالذات، إلى اللعب الحركي لبناء شخصيته الذهنية والوجدانية والحسية الحركية. فاللعب هو السبيل الوحيد لإدراك الأشياء المحيطة بالطفل، وإدراك عالمه الذاتي والخارجي. . وفي هذا الصدد، تقول بريجيت الأندلسي:"غير أنه، مع الأسف، لازال تسجيل الطفل بمؤسسة التربية ماقبل المدرسية يتزامن مع نهاية حقه في اللعب. ذلك أنه بالنسبة للعديد من الأولياء، وحتى لبعض المربين، لامكان للعب داخل مؤسسة تعليمية، حتى ولو كانت مخصصة لأطفال صغار، فاللعب يعتبر مضيعة للوقت، ونشاطا يتعارض مع جدية العمل.
إن هذا الإقصاء للنشاط اللعبي ينعكس بوضوح على تنظيم مؤسسة التربية ماقبل المدرسية، وعلى الممارسات البيداغوجية بها: غياب تخطيط لفترات الاستراحة، وغياب ألعاب ولعب داخل القسم، وغياب أنشطة لعبية، وقمع كل نشاط حركي للطفل.
غير أن الطفل يتفتح ويكتشف فرح اكتساب المعارف والتعلمات من خلال اللعب. وتعتبر هذه التجارب المحفزة والإيجابية الأولى أساسية بالنسبة لمآل تمدرسه في المستقبل.
أما البعد الآخر للعب، والذي لايقل أهمية، فيتعلق ببعده المرتبط بالتنشئة الاجتماعية. فمن خلال مزاولة اللعب، يتم ترسيخ قواعد المواطنة والعيش المشترك. إن تعلم احترام القواعد، واعتبار وجهة نظر الآخر وعمله، وكذا قبول الهزيمة، والشعور بظلم الغش، كلها تجارب اجتماعية لاتعوض. وهكذا، تنبني لدى الطفل أسس التنظيم الاجتماعي: إصدار واحترام القوانين، وتدبير العلاقة مع الآخرين، والمثابرة، والانحراف، والعقاب. . . "56
وتأسيسا على ماسبق، ينبغي أن يقوم التعليم الأولي على اللعب، والتنشيط الفني الحسي، وتنمية الخيال، بسرد القصص المثيرة والمشوقة الهادفة والبناءة، ولاسيما الفانطاستيكية منها. ثم الاهتمام بالرسم والمسرح والعديات والأناشيد، والتركيز على التعليم الحسي، والاهتمام بالرياضة البدنية الحركية التي تتلاءم مع المستوى العمري والبيولوجي للتلاميذ، ومراعاة الفوارق الفردية، والاشتغال في مجموعات اللعب، وتعليم الدروس عن طريق اللعب، والصور، والمدركات الحسية. ويمنع إرغام التلاميذ على التعليم بشكل إجباري، فلابد من الحرية والمرونة في التعليم، وجعل المتعلم يتعلم عبر اللعب ليس إلا. كما ينبغي اختيار فضاءات الهواء الطلق لتكوين الأطفال ؛ لأن الطفل كله حيوية ونشاط وحركة يحتاج إلى فضاء واسع. فالمقاعد، في بعض الأحيان، تعوق تحركهم ونشاطهم واستعداداتهم الحركية، مع ضرورة الابتعاد عن التعليم التجريدي، وتعويضه بالتعليم الحسي، وتنمية القدرات الخيالية لدى الطفل، عبر اللعب الإيهامي، واستعمال تقنية الأدوار الاجتماعية، وتعلم اللغة عبر الصورة، أو المدركات الحسية، والانتقال من العالم الذاتي نحو العالم الخارجي. علاوة على تعويد التلميذ على العمل الاجتماعي، والاندماج في جماعة اللعب والعمل، والميل إلى الثواب والتحفيز المادي والمعنوي، وتقديم الحنان والعطف، وعدم استعمال العنف مع الطفل لكي لايدفع إلى الخنوع والاستسلام والجبن.
وعليه، تتميز فترة التعليم الأولي بمجموعة من السمات النمائية والبيداغوجية التي تتمثل في كونها مرحلة السؤال، ومعرفة الأشياء. وأنها بداية التعامل مع الرمز واللغة، والميل إلى التقليد، والاعتماد على الحواس، والجنوح نحو التفكير غير المنطقي، وعدم القدرة على التجريد والتركيز والانتباه، والإكثار من اللعب والتنشيط الحسي الحركي، والتمركز على الذات، والميل نحو النزعة الإحيائية، وحب الحكي والقصص، إلى جانب الرسم، والتلوين، والنشيد، والمسرح.



المطلب الرابع: علم النفس الاجتماعي

من المعلوم أن علم النفس الاجتماعي(La psychosociologie) فرع من علم النفس العام، وهو يدرس مختلف التفاعلات التي تحدث بين الأفراد داخل الجماعات أو المجتمع. بمعنى أن علم النفس الاجتماعي لايضع حدودا فاصلة بين ماهو فردي وماهو مجتمعي، بل يجمع بينهما ضمن مقاربة ينصهر فيها البعدان: النفسي والمجتمعي.
أضف إلى ذلك يدرس هذا العلم التصرفات الإنسانية ومختلف التفاعلات الفردية والسيكولوجية داخل بنية المجتمع. ومن هنا، يكون التركيز على العلاقات والتفاعلات السيكواجتماعية. وبالتالي، يستحيل الفصل - هنا- بين ماهو نفسي وماهو اجتماعي. أي: يدرس هذا العلم التفاعلات الذهنية والوجدانية والنفسية التي تحدث بين الأفراد داخل الجماعة. ومن ثم، يصبح الفرد بمثابة ذات علائقية، أو ذات متفاعلة مع الذوات الأخرى ضمن سياق اجتماعي معين.
ويعرف خليل ميخائيل معوض علم النفس الاجتماعي بقوله:" علم النفس الاجتماعي فرع من فروع علم النفس، يتناول سلوك الأفراد والجماعات وتفاعلهم خلال المواقف الاجتماعية المختلفة، ودراسة العوامل التي تؤثر في هذا التفاعل والعمليات النفسية التي تحدث أثناء هذا التفاعل، وما يترتب على هذا التفاعل من اكتساب الفرد لاتجاهات وقيم وأساليب سلوكية معينة ترضى عنها الجماعة، وأثناء عمليات التفاعل الاجتماعي يتم تأثير متبادل بين الأفراد بعضهم مع بعض وبين الجماعات بعضها مع بعض، وبين الأفراد والجماعات. "57
إذاً، يلاحظ تداخل واضح بين علم النفس وعلم الاجتماع، فإذا كان العلم الأول يدرس الأفراد سلوكيا وشعوريا ولاشعوريا ومعرفيا، فإن الثاني يدرس الظواهر المجتمعية على أنها أشياء. كما ينصب هذا العلم على رصد مختلف الأفعال والتصرفات التي يقوم بها الأفراد والجماعات ضمن وضعية مجتمعية ما، مع استجلاء مختلف العوامل النفسية والاجتماعية التي تتحكم في مختلف العلاقات التفاعلية التي تحدث بين الأفراد والجماعات ضمن سياق اجتماعي ما، مع التركيز على التنشئة الاجتماعية، واستكشاف مختلف التأثيرات المتبادلة التي تحدث بين الأفراد والجماعات. ويدرس علم النفس الاجتماعي أيضا مجموعة من المواضيع التي لها طابع نفسي من جهة، وطابع اجتماعي من جهة أخرى. ومن بين هذه المواضيع الدراسة العلمية للسلوك الإنساني في أثناء تفاعله داخل جماعات يتأثر بها ويؤثر فيها عبر مواقف اجتماعية مختلفة؛ وتبيان مختلف مناهج البحث الكمية والكيفية التي تستعمل في مجال علم النفس الاجتماعي لدراسة الظواهر المجتمعية، ومختلف العلاقات التفاعلية التي تحدث بين الأفراد داخل الجماعات؛ ودراسة الجماعات من حيث بناؤها، وأنواعها، وأغراضها، وأنشطتها، وتماسكها، وتنافرها، وديناميكيتها، ومشكلاتها، والتأثيرات التي تمارسها على الأفراد، وما يمارسه الأفراد من تأثيرات في تلك الجماعات؛ ودراسة التنشئة الاجتماعية أو التطبيع الاجتماعي، وما يتعلمه الأفراد من قيم ومعايير واتجاهات وميول لانسجام مع المجتمع والتكيف معه والتأقلم معه انسجاما واندماجا وانصهارا؛ والتركيز كذلك على الاتجاهات والقيم، وكيفية تكوينها، وطبيعتها، ووظائفها؛ والتوقف عند دراسة التعصب- مثلا- باستجلاء مفهومه، وطبيعته، ومظاهره، وصوره، ومجالاته، وأسبابه، ونظرياته؛ ودراسة القيادة ونظرياتها، والتوقف عند القيادة الديمقراطية، والقيادة الديكتاتورية، والقيادة السائبة، وكيفية اختيار القادة، والتدريب على القيادة؛ ودراسة مختلف المشاكل والأمراض النفسية الاجتماعية التي تتعلق بالسلوك المضاد للمجتمع، مثل: الإجرام، والإرهاب، والتطرف، والتعصب، والجنوح، والسلوك العدواني، والتنافر، والبغاء، وإدمان الخمور والمخدرات، والتمييز العنصري. ولا ننسى الاتجاه التطبيقي لعلم النفس الاجتماعي المعاصر الذي يهتم بدراسة السلوك السياسي على المستويات: المحلية، والجهوية، والوطنية، والدولية58.
وعليه، يدرس علم النفس الاجتماعي السلوك الفردي والمجتمعي، وديناميكية الجماعات، وأنماط القيادة، والتنشئة الاجتماعية، والتفاعل الاجتماعي، والاتجاهات الاجتماعية، والمعرفة الاجتماعية. . .
ولقد استفاد علم النفس الاجتماعي (La psychosociologie) أيضا من تصورات علم الاجتماع كما عند إميل دوركايم(?mile Durkheim)، وماكس فيبر(Max Weber)، ونوربرت إلياس(Norbert Elias)، وكورنيليوس كاستورياديس(Cornelius Castoriadis)، وجورج زيمل(Georg Simmel). . .
وقد استفاد كذلك من الدراسات السيكواجتماعية كما تمثلها كل من: كورت لوين (Kurt Lewin)، وكابرييل تارد(Gabriel Tarde). ونهل كذلك من علم النفس الإنساني مع ابراهام ماسلو(Abraham Maslow) وكارل روجرز(Carl Rogers). وتأثر بعلم النفس الاجتماعي الثقافي مع جيروم برونر(Jérôme Bruner). دون أن ننسى الاستفادة من الدراسات النفسية العيادية والسريرية والعلاجية مع جورج ديفرو (Georges Devereux)، ومن التحليل النفسي مع سيغموند فرويد (Sigmund Freud) وويلفريد بيون (Wilfred Bion)، والاستفادة كذلك من لعبة الأدوار، أو من السيكودراما مع جاكوب ليفي مورينو (Jacob Levy Moreno).

المطلب الخامس: علم النفس المقارن
يهتم علم النفس المقارن (Comparative psychology) بدراسة الحيوانات أو الكائنات غير البشرية ابتداء من الحشرات والطيور والزواحف حتى الحيوانات الكبرى، بوصفها ومقارنتها، والبحث عن أوجه التشابه والاختلاف، ووضع لوائح وقوائم للتمييز بين المكونات والسمات، أو تحديد الخصائص العامة المشتركة والخصائص الفارقية.
ومن هنا، يهتم علم النفس المقارن بالفوارق الموجودة بين الكائنات الحيوانية على المستوى المعرفي، ومستوى تطور البنيات الذهنية عند الكائن الحيواني، بالتوقف عند مبدإ التطور، ودراسة الجينات الوراثية، ووصف السلوك فهما وتفسيرا.
علاوة على المقارنة بين السلوك الحيواني والسلوك الإنساني، كما يتضح ذلك جليا عند شارل داروين (Charles Darwin) في كتابه (التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان ) (1872م).

المطلب السادس: علم النفس الصناعي
يهتم علم النفس الصناعي بالمنظمات أو المؤسسات التقنية والصناعية. كما يهتم بظروف العمل والشغل من أجل الرفع من الإنتاجية، بتغيير أحوال العمال، وتحسين ظروفهم المادية والمعنوية، وتحفيزهم على العطاء والمردودية والإنتاج، والتعامل معهم على أساس أنهم ذوات إنسانية، وليس موضوعات وأشياء مادية. كما يهتم بدراسة علاقة الإنسان بالتقنية داخل المعامل والمصانع، وتحول الإنسان إلى رقم أو آلة منتجة.
وقد تبلورت هذه السيكولوجيا في المجال الصناعي مع بداية القرن العشرين، وكان هدفها هو رفع كفاءة العمل والإنتاج. وقد ساهمت هذه السيكولوجيا في طرح مجموعة من الأفكار التي أصبحت من صلب عمل التدبير. وبالتالي، فقد كان اهتمامها بالتنظيم العلمي للعمل، بالتركيز على زاوية إنتاجية العمل. ومن أهم ممثليها: رالف تايلور(F. Taylor)، وفرانك وليليان جلبرث (Frank et Liliane Gilberth)، وهنري جانت (Henry Gantt).


المطلب السابع: علم النفس العيادي
يهدف علم النفس العيادي أو الإكلينيكي(la psychologie clinique) إلى معالجة المرضى معالجة نفسية داخل عيادة طبية ما. وبهذا، يحاول الطبيب النفسي العيادي أن يفهم الأمراض والمخاوف والوساوس والأعراض المرضية ليجد لها تفسيرا وعلاجا.
ومن هنا، يسعى علم النفس العيادي أن يعزل المريض في عيادة سريرية. ثم محاولة فهم العلامات المرضية بشكل علمي قائم على التشخيص والاستنطاق والاستبيان والتداعي الحر، بمعرفة الأسباب والتجليات بغية إيجاد حلول علاجية لهذا المريض، سواء أكانت داخلية أم خارجية.
ويعتبر السويسري إدوار كلاباريد (Edouard Claparède) أول من أجرى تجارب سيكولوجية عيادية على المريض، أو هو أول من استخدم مصطلح علم النفس العيادي أو الإكلينيكي لدراسة السلوك أو التصرف عند المريض العصابي أو الذهني أو العقلي أو النفسي فهما وتفسيرا.

المطلب الثامن: علم النفس الشواذ
يدرس علم النفس الشواذ ذوي الاحتياجات الخاصة (Special Needs). أي: أولئك الأفراد الذين يحتاجون إلى خدمات خاصة طوال حياتهم، أو فترة من حياتهم، من أجل الارتقاء بنموهم الطبيعي، أو مساعدتهم على التعلم والاكتساب أو التدريب لكي يتوافقوا مع متطلباتهم الذاتية أو الواقعية، ويكونوا قادرين على ممارسة وظيفة مهنية أو حرفية. ومن ثم، يمكن أن يساهموا في التنمية المستمرة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا حسب قدراتهم وطاقاتهم التي يمتلكونها.
وغالبا، ما يطلق مصطلح ذوو الاحتياجات الخاصة على المعاقين عقليا وذهنيا، أو المعاقين جسديا وحسيا، أو المعاقين نفسيا واجتماعيا، أو الذين يعانون الحبسة الكلامية، أو الذين يفتقدون القدرة على القراءة. بل يطلق المصطلح أيضا على المتميزين من الأذكياء والموهوبين والعباقرة. ويطلق كذلك على تعليم أبناء الجاليات في المهجر، وتعليم أبناء الأقليات الدينية كاليهودية، والمسيحية، والبوذية. . .
ليس من السهولة التفريق بين الشخص السوي والشخص المعاق أو الشاذ، فثمة معايير مختلفة في ذلك، مثل: المعيار الإحصائي، والمعيار المثالي، والمعيار الحضاري، والمعيار الباثولوجي. فمن الناحية الإحصائية، فالسوي هو الذي لا ينحرف كثيرا عن درجة المتوسط، أو هو ذلك المتوسط الذي يمثله كثير من الناس، إذا تمثلنا المنحنى الاعتدالي. في حين، يكون الشاذ هو الذي ينحرف كثيرا عن المتوسط، ويلتوي التواء سالبا.
أما من حيث المعيار المثالي، فالسوي هو الإنسان الذي يقترب من الكمال على المستوى العقلي والشخصي والاجتماعي واللغوي والقرائي. أما الشاذ أو المعاق، فهو الذي يعرف نقصا في هذه الميزات والخصائص المثالية.
أما فيما يخص المعيار الاجتماعي والحضاري، فالسوي هو المتوافق مع المحيط والمجتمع، من حيث قيمه وعاداته وتقاليده وأعرافه وأهدافه ومعاييره وقوانينه. أما الشاذ، فهو الذي يتصرف تصرفا بدائيا، يوحي بطابع التوحش والشذوذ والانعزالية.
أما فيما يتعلق بالمعيار الباتولوجي، فالشخص المعاق أو الشاذ يتميز عن السوي أو العادي بأعراض إكلينيكية معينة، مثل: المخاوف الشاذة، والوساوس، والأفكار المتسلطة، وارتفاع مستوى القلق عند العصابيين. . .
وعليه، فالطفل السوي هو الذي يستخدم كل حواسه بطريقة سليمة وصحيحة، ويعرف نموا ارتقائيا عاديا مثل باقي الأطفال الآخرين ذهنيا وعقليا ووجدانيا وحسيا حركيا. في حين، يعد الطفل المعاق ذلك الشخص الذي لايستطيع التكيف مع الواقع الموضوعي بسبب فقدانه لقدرة ما، أو لمجموعة من القدرات النمائية التي تجعله يتأخر في نموه البيولوجي أو العقلي أو الحركي أو الاجتماعي مقارنة بالطفل السوي.
كما يفتقد المعاق القدرة على القراءة، أو الكتابة، أو النطق، أو التواصل، أو التعبير، أو الفهم، أو التعلم، أو إدراك ذاته، أو إدراك العالم الخارجي. لذا، يسمى الطفل غير السوي بالطفل المعاق، أو الطفل الشاذ، أو الطفل ذي الاحتياجات الخاصة. ومن هنا، فهما يختلفان من حيث التعلم والاكتساب.
" ففي حين، نرى الطفل السليم والسوي قابلا للاكتساب والتعلم في كل البيئات والمجتمعات، نرى أن الطفل المعاق يتطلب تمرينا ذهنيا وجسديا على الاكتساب، في معاهد وعيادات خاصة. 59"
ويرى ويتي (Witty) أن الطفل السوي " هو الذي يقوم وينتج أعمالا قيمة في بعض المجالات ومظاهر التعبير الأخرى، مسجلا إنجازات هامة في سلم التطور الإنساني60. "
ويعني هذا أن الطفل السوي هو ذلك الشخص العادي الذي يقوم بما يقوم به الأطفال الآخرون في سنه، ويمر بالمراحل نفسها التي يمر بها الأطفال الآخرون (المرحلة الحسية الحركية- مرحلة ماقبل العمليات، ومرحلة العمليات الحسية، ومرحلة التجريد)، في فترات زمنية محددة أو متقاربة. في حين، يتميز الطفل المعاق بالتأخر الكلي أو الجزئي على المستوى العقلي أو الذهني، أو يعرف بالاضطراب النفسي والجسدي والاجتماعي، أو يحدد بفقدان القدرات اللغوية والقرائية. فالسوي- مثلا- يوظف اللغة كتابة وشفاهة توظيفا تواصليا سليما وصحيحا. بينما يوظفها المعاق توظيفا مشوها بسبب الزيادة والنقص والتحوير والاستبدال والحذف. وفي هذا الصدد، يقول الألسني اللبناني جورج كلاس:" فالأفكار المتسلسلة في خبرات الأطفال وقدرة الذهن على تنظيمها وترتيبها، هي العامل الأول على إدراك للعلاقات وربطها بمعانيها. ففي مقابل ذخيرته من المفاهيم، وقدرته على فهم المعاني، هناك قدرة الطفل على الحديث. فالطفل في كلامه يعاني من عادات سيئة من حيث النطق، كحذف أو إضافة بعض العناصر للكلمة، أو التفخيم والترقيق في غير مكانهما. بينما يتمكن الطفل السوي من صياغة أفكاره في عبارات بسيطة بعيدة عن التعقيد والإبهام61. "
وعلى العموم، فالفرد السوي أو العادي هو الذي يتواصل مع محيطه بطريقة عادية سليمة وصحيحة. في حين، يجد المعاق صعوبات جزئية أو كلية في الاندماج داخل المجتمع، أو يلقى صعوبات في حل الوضعيات الإدماجية، أو في التوافق نفسيا واجتماعيا وتربويا مع تلاميذ الفصل العادي.

المطلب التاسع: علم نفس الحيوان
يهتم علم نفس الحيوان، أو ما يسمى بعلم النفس المقارن في الدول الأنجلوسكسونية، بسلوك الحيوان وتصرفه، وفهم ذكائه وقوة إدراكه وتعلمه، ومقارنة ذكائه بذكاء الإنسان. وفي هذا الصدد، أجريت تجارب عدة على القردة والشامبانزي بغية تحديد مقدار الذكاء عند الحيوان، واستجلاء مقاييسه الكمية والكيفية.
وقد ظهر علم نفس الحيوان في القرن التاسع عشر اعتمادا على أبحاث شارل داروين بغية فهم قانون التطور البيولوجي والذهني لدى الحيوان على مستوى النماء والتعلم والذكاء والوراثة، والمقارنة بين الإنسان والحيوان، وفهم سلوك الحيوان وتفسيره بطريقة علمية موضوعية.

المطلب العاشر: علم النفس التجاري
يهتم علم النفس التجاري بنفسية المستهلك أو المشتري بغية دفعه إلى شراء البضاعة أو المنتج التسويقي، وتبيان آليات التأثير والتواصل مع الزبون، وتحديد الطرائق المستخدمة في التعامل مع الشركاء الذين يتعاملون مع الشركة أو المؤسسة الصناعية أو التجارية.
ويعني هذا أن البائع يستعمل عدة خطوات معرفية ووجدانية وتأثيرية لدفع الزبون إلى الشراء أو الاستهلاك، مع اختيار آليات تواصلية معينة للتأثير في نفسية المشتري؛ لأن الزبون هو سيد العملية التجارية. ويعني هذا أن الزبون يشتري البضاعة وفق خصائص يتميز بها البائع من جهة، وخصائص تتميز بها البضاعة من جهة أخرى. وبناء على تلك الخصائص المرصودة، يعلن الزبون قراره النهائي.

المطلب الحادي عشر: علم النفس الجنائي
يعنى علم النفس الجنائي بتصرفات المجرم الجاني أو المتهم بجريمة قتل معينة، وتحليل تصرفاته الشعورية واللاشعورية، والاهتمام أيضا بدوافع جريمته، وتبيان حيثياتها النفسية والسلوكية، والتوقف كذلك عند مظاهر الانحراف والجنوح وارتكاب الجرائم بين الأطفال والشباب والراشدين الكبار، سواء أكانوا أسوياء أم شاذين.
ويهتم هذا التخصص كذلك بدراسة جرائم العنف والإرهاب والسرقة والقتل من جهة، ورصد دوافع جرائم الجنس من جهة أخرى. وقد انتشر هذا التخصص بشكل كبير في الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وفرنسا.
ومن هنا، يهتم علم النفس الجنائي بما يرتكبه المجرم أو الجانح من سلوكيات عنيفة ضد الأفراد الآخرين أو الجماعات الأخرى، والحكم عليه وفق مبادئ القانون ومواده الجنائية الأساسية. وبذلك، يرتبط هذا العلم بعلم القانون الجنائي؛ إذ يساعده على تحديد مواصفات المجرم، وتبيان الدوافع النفسية الداخلية التي دفعت المجرم إلى ارتكاب الجريمة، سواء أكانت دوافع ذاتية أم موضوعية، شعورية أم لاشعورية.



المطلب الثاني عشر: علم النفس الحربي
يعنى هذا العلم بتبيان الدوافع الذاتية والموضوعية التي تدفع إلى إشعال الحروب بين الأفراد والجماعات والدول والأمم، ورصد النتائج النفسية التي تنتج عنها مثل: الحقد، والكراهية، والعدوان، والانتقام، والأمراض النفسية. . .
كما يهتم بالدوافع التي تسهم في نشأة التحالفات العسكرية، وتأثير الحرب في المجتمع، بمختلف فئاته، على الصعيد العضوي والنفسي، وما يترتب عن ذلك من ترسبات نفسية شعورية ولاشعورية على مستوى الذاكرة، وانتقال ذلك إلى الأبناء والأحفاد عبر التنشئة الاجتماعية، وعبر مسار التاريخ.
ويهتم هذا العلم كذلك بدراسة سلوك المحارب فهما وتفسيرا وتأويلا قبل اندلاع الحرب، وفي أثناء التفاعل معها، وبعد الانتهاء منها، كما حدث لكثير من جنود الأمريكان بعد عودتهم من حرب الفيتنام، فقد أخضعوا لتحليلات نفسية عديدة وصارمة بغية فهم آثار تلك الحرب في نفسيات هؤلاء، وفي بناء شخصياتهم السلوكية والشعورية واللاشعورية.

المطلب الثالث عشر: علم النفس الإرشادي
يهتم علم النفس الإرشادي (Counseling psychology) بالصحة النفسية للإنسان، بتوجيهه علميا وتعليميا ونفسيا، ومساعدته على حل مشكلاته النفسية، بتبيان أسبابها ودوافعها، وتحديد مظاهرها وتجلياتها، والبحث عن الحلول المناسبة لتجاوز هذه المشاكل توجيها ونصحا وإرشادا.
ويعني هذا أن هذا العلم تخصص تطبيقي وتوجيهي وإرشادي بامتياز، يستعين بعلم النفس النظري في معالجة مشاكل الأفراد، وفق تصور توجيهي وإرشادي عملي وتطبيقي وعلاجي، يقوم على المساعدة والنصيحة والمشاورة، أو توجيه المريض إلى أخصائي نفسي بعينه بغية إيجاد علاج مناسب للمشكلة النفسية التي يعاني منها المريض.
ويعني هذا كله أن علم النفس الإرشادي يعنى بتقديم مشاورات علاجية للمرضى النفسانيين لحل مختلف المشاكل النفسية، أو الوقاية من بعض الأمراض في الحاضر والمستقبل، ومساعدتهم على تنمية قدراتهم ومهاراتهم في التعامل مع مختلف الاضطرابات والعقد والأعراض والأمراض والمشاكل النفسية.
تلكم، إذاً، أهم الفروع والتخصصات التي تندرج ضمن علم النفس العام، وهي معارف مكملة في فهم الظاهرة الإنسانية المعقدة والمركبة والمتشابكة بغية تفسيرها وتأويلها، وإيجاد الحلول العلاجية المناسبة لتجاوز عقدها ومشكلاتها واضطراباتها العادية أو المزمنة.

المبحث السادس: مواضيع علم النفس

يتناول علم النفس مختلف المشاكل النظرية والتطبيقية المتعلقة بالنفس الإنسانية، كدراسة السلوك الإنساني، والاهتمام بالجوانب الذهنية والعقلية والفكرية، والعناية بالجوانب الوجدانية والعاطفية، ودراسة الحالات الشعورية واللاشعورية. ويعني هذا أن علم النفس يجيب عن أسئلة ثلاثة هي:
(ما السلوك الذي يصدر عن الفرد؟
(كيف يحدث هذا السلوك ؟
(لماذا يحدث هذا السلوك؟
وعليه، يدرس علم النفس الأفراد العاديين، والأطفال، والمراهقين، والكبار، والشواذ، والحيوان، والجماعات، ويجمع بين الدراسات النظرية العامة والأبحاث التطبيقية.
ويعني هذا كله أن علم النفس قد ارتبط، في البداية، بعلم السلوك أو التصرف الإنساني، بدراسته دراسة علمية موضوعية. أي: دراسة السلوك الخارجي للإنسان السوي، بربطه بالمثير(Stimilus) والاستجابة (Réponse). ويعني هذا أن السلوك الإنساني هو نتاج للتعلم، أو هو رد فعل على مجموعة من المنبهات التي تأتينا من العالم الخارجي.
وقد ارتبط هذا المنظور بالمدرسة السلوكية التي ظهرت سنة 1913م في الولايات المتحدة الأمريكية مع واطسون الذي أوجد مصطلح السلوكية (Behavior) لدراسة مجمل السلوكيات الموجودة عند مختلف الكائنات الحية، في ارتباط تام بالبيئة أو المحيط الخارجي. ومن ثم، فقد استبعدت هذه المدرسة كل ماهو داخلي، سواء أكان شعورا أم لاشعورا. ويعني هذا أن السلوكية مدرسة سيكولوجية تجريبية وعلمية بامتياز، هدفها دراسة السلوك الخارجي الملاحظ في علاقة بالمثير والاستجابة. لذا، فقد أجريت تجاربها الأولى على الحيوانات، من كلاب، وفئران، وقطط، وحمام، بغية تطبيقها على الإنسان.
وبتعبير آخر، لاتكتفي السلوكية بدراسة السلوك عند المتعلم فحسب، بل تدرس، عبر الملاحظة الواصفة، الكيفية التي بها يتحكم المتعلم في المعرفة، بعد أن يحقق الهدف الإجرائي المطلوب.
وبعد دراسة السلوك، انتقل علم النفس إلى تناول الشعور والعواطف الروحية المنسابة والمتدفقة عبر الزمن. ثم دراسة اللاشعور مع فرويد ضمن نظريته المسماة بالتحليل النفسي القائمة على التداعي الحر. لينتقل علم النفس في منتصف القرن العشرين إلى دراسة الذكاء الإنساني، والمعرفة الذهنية لدى الإنسان، والتوقف عند اكتساب اللغة، وتخزين الذاكرة، ودراسة الذكاء الاصطناعي لدى الإنسان في علاقته بالذكاء الحاسوبي، مع التوقف عند الإدراك، والانتباه، والتذكر، ومعالجة المعلومات، ودراسة الذكاءات المتعددة، وتشريح الدماغ الذهني والعصبي لفهم آلياته ومكوناته البنيوية والوظيفية. . .























المبحث السابع: عوائق علم النفس

يمكن الحديث عن مجموعة من العوائق التي تقف في وجه علم النفس بصفة خاصة، والعلوم الإنسانية بصفة عامة، منها مشكل الموضوعية؛ إذ يصعب الحديث عن الجانب العلمي الموضوعي في علم النفس؛ لأن الإنسان كائن يتغير من حالة إلى أخرى، ومن ظرف إلى آخر. وبالتالي، يصعب منهجيا التحكم في الإنسان، ودراسته دراسة تفسيرية وتجريبية بشكل موضوعي مثل العلوم التجريبية. وأكثر من هذا فالمقاييس الكيفية في علم النفس تحول دون الوصول إلى نتائج علمية موضوعية مقبولة، كما يبدو ذلك في استعمال الاستمارة، والمقابلة، والملاحظة، ودراسة الحالة. . .
علاوة على تعدد مجالات علم النفس، فليس هناك موضوع واحد لهذا العلم، فهو لا يكتفي بدراسة السلوك الخارجي فقط، بل يدرس علم النفس الشعور واللاشعور والمعرفة على حد سواء. وبذلك، تتعدد المدارس النفسية. فهناك المدرسة السلوكية، والمدرسة الشعورية، والمدرسة الارتباطية، والمدرسة اللاشعورية، والمدرسة المعرفية. . .
وبالتالي، يختلف المنهج من موضوع إلى آخر، ومن مدرسة سيكولوجية إلى أخرى. فهناك التجريب الموضوعي للسلوك ضمن المدرسة النفسية السلوكية. وفي الوقت نفسه، هناك استبطان داخلي للشعور تعتمد عليه المدرسة الشعورية مع برغسون ووليام جيمس.
ومن جهة أخرى، هناك التنويم المغناطيسي والتداعي الحر بالنسبة للتحليل النفسي مع سيغموند فرويد. وفي المقابل، هناك الاستبطان الداخلي والتشريح الدماغي بالنسبة للسيكولوجيا الذهنية أو المعرفية.
ويعني هذا كله تعدد في المواضيع، وتعدد في المناهج، وجمع بين المقاييس الكمية والكيفية، واختلاف في المناهج والمقاربات التي تتأرجح بين الذاتية والموضوعية.
وأكثر من هذا فالمشاكل النفسية لدى الفرد الإنساني هي ظواهر فردية وجماعية في الوقت نفسه. وبالتالي، فلا يمكن فصل ماهو نفسي وذاتي وروحي وشعوري عما هو مجتمعي. ومن هنا، فعلم النفس الاجتماعي تركيب حكيم لفهم المشاكل النفسية المستعصية وتفسيرها فرديا ومجتمعيا.


الخاتمة

وخلاصة القول، يعد علم النفس من العلوم الإنسانية المهمة التي استفادت من مكتسبات العلوم التجريبية في دراسة السلوك أو التصرف الإنساني دراسة علمية موضوعية، إن فهما، وإن تفسيرا، وإن تأويلا. لكن يبقى مشكل الذاتية عائقا ابستمولوجيا يحول دون تحول علم النفس إلى علم تجريبي حقيقي موضوعا ومنهجا وأداة وتقنية، ولاسيما مع انفتاح علم النفس على مواضيع متعددة، كدراسة الشعور الوجداني الفياض، والبحث في آليات اللاشعور، ودراسة الذهن الإنساني.
ولعلم النفس فروع مجالية متنوعة ومختلفة، كعلم النفس الاجتماعي، وعلم نفس الشغل، وعلم النفس الشواذ، وعلم النفس الإكلينيكي، وعلم النفس المقارن، وعلم نفس الحيوان، وعلم النفس النمائي، وعلم النفس الفارقي. . .
وهدف علم النفس هو دراسة الظواهر النفسية السلوكية والشعورية واللاشعورية والذهنية بغية فهمها بنية ودلالة ووظيفة. ثم، تفسير هذه الظواهر وتأويلها وفق معطيات التجربة والاستبطان والتداعي الحر والتشريح الدماغي العصبي.
وفي الأخير، لقد مر علم النفس تاريخيا ومجاليا بعدة مراحل أساسية يمكن إجمالها فيما يلي:
(مرحلة الروح مع الفلسفة الميتافيزيقية؛
(مرحلة العقل مع المدرسة الارتباطية؛
(مرحلة السلوك مع المدرسة السلوكية والسيكولوجيا التجريبية ؛ (مرحلة الشعور مع المدرسة الشعورية والفينومينولوجيا والوجودية ؛
(مرحلة اللاشعور مع التحليل النفسي؛
(مرحلة المعرفة مع السيكولوجيا المعرفية المعاصرة.
ومن جهة أخرى، ثمة عدة مشاكل يعاني منها علم النفس، مثل: مشكل الذاتية، ومشكل تغير الإنسان من حالة إلى أخرى، ومشكل الوعي، ومشكل إقصاء ماهو مجتمعي، والتأرجح منهجيا بين العلوم الإنسانية والتجريبية، ووجود فوارق منهجية بين الفهم والتفسير والتأويل، وتعدد مواضيع علم النفس، والتأرجح بين ماهو كمي وكيفي على مستوى التقنيات والآليات التطبيقية.


ثبت المصادر والمراجع


المصادر العامة:

1- أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة.
2- الغزالي: تهافت الفلاسفة، تحقيق: سليمان دينا، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 1964م.

المراجع باللغة العربية:

3-أحمد أوزي: سيكولوجية الطفل، مطبعة دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثالثة 2012م.
4- أحمد أمين وزكي نجيب محمود: قصة الفلسفة اليونانية، دار الكتب المصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1935م.
5- أحمد عزت راجح:أصول علم النفس، دار الكاتب العربي، الطبعة السابعة، 1968م.
6- أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية، تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، طبعة 1998م.
7- باسكال: خواطر، تقديم: مارسيل غرسان، النادي الفرنسي للكتاب، طبعة 1963م.
8- بريجيت الأندلسي: ألعاب وأدوات بيداغوجية بمرحلة ماقبل التمدرس، وزارة التربية الوطنية، الرباط، المغرب، الطبعة الثانية سنة 2008م،
9- توفيق الطويل: الفلسفة في مسارها التاريخي، دار المعارف القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1977م.
10- جورج كلاس: الألسنية ولغة الطفل العربي، دار النهار للنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1981م.
11- جون لويس: مدخل إلى الفلسفة، ترجمة أنور عبد الملك، الدار المصرية للكتب، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1957م.
12- خليل ميخائيل معوض: علم النفس الاجتماعي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1982م.
13- عبد العزيز القوصي: علم النفس: أسسه وتطبيقاته التربوية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، طبعة 1978م.
14- عبد الواحد أولاد الفقيهي: الذكاءات المتعددة، منشورات علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.
15- العربي اسليماني ورشيد الخديمي: قضايا تربوية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2005م.
16- عزالدين الخطابي وإدريس كثير: في الحاجة إلى إبداع فلسفي، منشورات الزمن، المغرب، العدد48، الطبعة الأولى 2006م.
17- مراد وهبه: المذهب في فلسفة برغسون، دار وهدان لللطباعة والنشر، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1978م.
18- مهدي فضل الله: مدخل إلى علم المنطق، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1979م.
19- يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والنشر والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 1953م.

المراجع الأجنبية:

20- Aristote, Métaphysique, A 985 b 16-17.
21-Baillot F. , Aperçus sur le stoïcisme, Revue philosophique, janv. -mars, p. 14-30, 1952.
22-Bridoux A. , Le Stoïcisme et son influence, Paris, Vrin, 1965.
23-Brun Jean, Le Stoïcisme, Paris, PUF, coll. "Que sais-je? » 1958, 2° éd. 1961.
24-Brunschwig Jacques Les Stoïciens et leur logique (Paris, Vrin 1978; deuxième édition revue 2006).
25-Charles Mugler, « Démocrite et les dangers de l'irradiation cosmique », Revue d'histoire des sciences, t. XX, 1967.
26-Charles Mugler, « Les théories de la vie et de la conscience chez Démocrite », Revue de philologie, tome XXX, 1956.
27-Duhot Jean-Joël, ?pictète et la sagesse stoïcienne, Paris, 1996, rééd. Poche, 2003.
28-Friedrich Nietzsche, Sur Démocrite, Métailié, Paris, 1990.
29-Hamelin Octave, Sur la logique des stoïciens, Année philosophique, 1902.
30-Heinz Wismann Les avatars du vide, Démocrite et les fondements de l’atomisme, Paris, Hermann, 2010.
31-Jean Salem, Démocrite. Grains de poussière dans un rayon de soleil, Vrin, 1996.
32-Karl Marx, Différence de la philosophie de la nature chez Démocrite et ?picure, 1841.
33-Maurice Reuchlin: Histoire de Psychologie, PUF. Que sais-je? 6édition, 1994.
34-Meyer H. , Le prolongement de la logique stoïcienne dans la logique contemporaine, Revue philosophique, III, p. 387-392, 1956.
35-Nietzsche, La Naissance de la tragédie (1872) ; Le Crépuscule des idoles (1888), § Le problème de Socrate.
36-Ph. Merieu : Les savoirs différents, des élèves différents. Arthaud.
37-Pichat, M. La psychologie stoïcienne. Paris: L'Harmattan 2013.
38-Pierre-Marie Morel, Démocrite et la recherche des causes, Klincksieck, 1996.
39-Rodis-Lewis G. , La Morale stoïcienne, PUF, 1970.
40-Virieux-Reymond Antoinette, La logique et l'épistémologie des stoïciens, Chambery, 1949.

1






- جميل حمداوي من مواليد مدينة الناظور سنة 1963م.
- حاصل على دبلوم الدراسات العليا سنة 1996م.
- حاصل على دكتوراه الدولة سنة 2001م.
- حاصل على إجازتين:الأولى في الأدب العربي، والثانية في الشريعة والقانون.
- تابع دراساته الجامعية في الفلسفة وعلم الاجتماع.
- أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالناظور.
- أستاذ الأدب الرقمي بماستر الكتابة النسائية بكلية الآداب تطوان.
- باحث في السوسيولوجيا، والسيكولوجيا، والبيداغوجيا، والأنتروبولوجيا، والعلوم السياسية، والفن، والفلسفة والفكر الإسلامي، والقانون والشريعة.
- أستاذ الأدب العربي، ومناهج البحث التربوي، وعلم النفس التربوي، والإحصاء التربوي، وعلوم التربية، والتربية الفنية، والحضارة الأمازيغية، وديدكتيك التعليم الأولي، والحياة المدرسية والتشريع التربوي، والإدارة التربوية، والكتابة النسائية. . .
-أديب ومبدع وناقد وباحث، يشتغل ضمن رؤية أكاديمية موسوعية.
- شاعر وقصاص وكاتب مسرحي، يكتب للصغار والكبار.
- مثل دورا سينمائيا في الفيلم الأمازيغي (عسل المرارة) لمنتجه عبد الله فركوس، وإخراج علي الطاهري
- حصل مقاله (نظرية ما بعد الاستعمار) على جائزة الموقع السعودي (الألوكة ).
- حصل على جائزة مؤسسة المثقف العربي (سيدني/أستراليا) لعام 2011م في النقد والدراسات الأدبية.
- حصل على جائزة ناجي النعمان الأدبية سنة2014م.
- عضو الاتحاد العالمي للجامعات والكليات بهولندا.
- رئيس الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا.
- رئيس المهرجان العربي للقصة القصيرة جدا.
- رئيس الهيئة العربية لنقاد القصة القصيرة جدا.
- رئيس الهيئة العربية لنقاد الكتابة الشذرية ومبدعيها.
- رئيس جمعية الجسور للبحث في الثقافة والفنون.
- رئيس مختبر المسرح الأمازيغي.
- عضو الجمعية العربية لنقاد المسرح.
-عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
- عضو اتحاد كتاب العرب.
-عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب.
-عضو اتحاد كتاب المغرب.
- له إسهامات نظرية في التربية، وفن القصة القصيرة جدا، وفن الكتابة الشذرية، والأدب الرقمي، والمسرح، ومناهج النقد الأدبي، والكتابة النسوية، والبلاغة الرحبة. . .
- باحث في الثقافة الأمازيغية المغربية، ولاسيما الريفية منها.
- مهتم بالبيداغوجيا والثقافة الأمازيغية.
- ترجمت مقالاته إلى اللغة الفرنسية واللغة الكردية.
- نشرت كتبه بالمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، والأردن، ولبنان، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والعراق.
- شارك في مهرجانات عربية عدة في كل من: الجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر، والأردن، والسعودية، والبحرين، والعراق، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان. . .
- مستشار في مجموعة من الصحف والمجلات والجرائد والدوريات الوطنية والعربية.
- نشر أكثر من ألف وخمسين مقال علمي محكم وغير محكم، وعددا كثيرا من المقالات الإلكترونية. وله أكثر من (144) كتاب ورقي، وأكثر من مائة وثمانين كتاب إلكتروني منشور في موقعي (المثقف) وموقع (الألوكة)، وموقع (أدب فن).
- ومن أهم كتبه: سوسيولوجيا الثقافة، وميادين علم الاجتماع، وأسس علم الاجتماع، والعوالم الممكنة بين النظرية والتطبيق، والأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق، وفقه النوازل، ومفهوم الحقيقة في الفكر الإسلامي، ومحطات العمل الديدكتيكي، وتدبير الحياة المدرسية، وبيداغوجيا الأخطاء، ونحو تقويم تربوي جديد، والشذرات بين النظرية والتطبيق، والقصة القصيرة جدا بين التنظير والتطبيق، والرواية التاريخية، تصورات تربوية جديدة، والإسلام بين الحداثة وما بعد الحداثة، ومجزءات التكوين، ومن سيميوطيقا الذات إلى سيميوطيقا التوتر، والتربية الفنية، ومدخل إلى الأدب السعودي، والإحصاء التربوي، ونظريات النقد الأدبي في مرحلة مابعد الحداثة، ومقومات القصة القصيرة جدا عند جمال الدين الخضيري، وأنواع الممثل في التيارات المسرحية الغربية والعربية، وفي نظرية الرواية: مقاربات جديدة، وأنطولوجيا القصة القصيرة جدا بالمغرب، والقصيدة الكونكريتية، ومن أجل تقنية جديدة لنقد القصة القصيرة جدا، والسيميولوجيا بين النظرية والتطبيق، والإخراج المسرحي، ومدخل إلى السينوغرافيا المسرحية، والمسرح الأمازيغي، ومسرح الشباب بالمغرب، والمدخل إلى الإخراج المسرحي، ومسرح الطفل بين التأليف والإخراج، ومسرح الأطفال بالمغرب، ونصوص مسرحية، ومدخل إلى السينما المغربية، ومناهج النقد العربي، والجديد في التربية والتعليم، وببليوغرافيا أدب الأطفال بالمغرب، ومدخل إلى الشعر الإسلامي، والمدارس العتيقة بالمغرب، وأدب الأطفال بالمغرب، والقصة القصيرة جدا بالمغرب، والقصة القصيرة جدا عند السعودي علي حسن البطران، وأعلام الثقافة الأمازيغية. . .
- عنوان الباحث: جميل حمداوي، صندوق البريد1799، الناظور62000، المغرب.
- جميل حمداوي، صندوق البريد10372، البريد المركزي، تطوان 93000، المغرب.
- الإيميل:Hamdaouidocteur@gmail. com
Jamilhamdaoui@yahoo.


المحتويات
الإهداء 2
المقدمة 3
المبحث الأول: مفهوم علم النفس 4
المبحث الثاني: تاريخ علم النفس 7
المبحث الثالث: أهداف علم النفس 21
المبحث الرابع: علم النفس والعلوم الأخرى 23
المبحث الخامس: فروع علم النفس 25
المطلب الأول: علم النفس الفارقي 25
المطلب الثاني: علم النفس التربوي 27
المطلب الثالث: علم النفس النمائي 27
المطلب الرابع: علم النفس الاجتماعي 39
المطلب الخامس: علم النفس المقارن 41
المطلب السادس: علم النفس الصناعي 41
المطلب السابع: علم النفس العيادي 42
المطلب الثامن: علم النفس الشواذ 42
المطلب التاسع: علم نفس الحيوان 44
المطلب العاشر: علم النفس التجاري 45
المطلب الحادي عشر: علم النفس الجنائي 45
المطلب الثاني عشر: علم النفس الحربي 46
المطلب الثالث عشر: علم النفس الإرشادي 46
المبحث السادس: مواضيع علم النفس 47
المبحث السابع: عوائق علم النفس 49
الخاتمة 50
ثبت المصادر والمراجع 51











كلمات الغلاف الخارجي:

يدرس علم النفس الحالات النفسية الشعورية واللاشعورية. ويدرس أيضا سلوك الفرد وتصرفاته السوية والشاذة والمرضية، أو يهتم بمعالجة المعلومات، وتبيان الطرائق الكفيلة التي تكتسب بها المعرفة من حيث تخزينها ومعالجتها ذهنيا وعقليا. . .
وقد تفرع علم النفس إلى تخصصات ومجالات عدة ومتنوعة ومختلفة. وله صلة وثيقة وتامة بعلوم مكملة عدة. وتتمثل أهمية علم النفس في كونه يساعدنا على فهم الظاهرة النفسية وتفسيرها وتأويلها.

1 - عبد العزيز القوصي: علم النفس: أسسه وتطبيقاته التربوية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، طبعة 1978م، ص:21.
2 - Maurice Reuchlin: Histoire de Psychologie, PUF. Que sais-je? 6édition, 1994, p:5.
3 - يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والنشر والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 1953م، ص:18-19.
4 - نقلا عن يوسف كرم: نفسه، ص:17-18.
5 -Karl Marx, Différence de la philosophie de la nature chez Démocrite et ?picure, 1841.
6 -Friedrich Nietzsche, Sur Démocrite, Métailié, Paris, 1990.
7 - يوسف كرم: نفسه، ص:39.
8-Heinz Wismann Les avatars du vide, Démocrite et les fondements de l’atomisme, Paris, Hermann, 2010, p. 28.
9 -Charles Mugler, « Les théories de la vie et de la conscience chez Démocrite », Revue de philologie, tome XXX, 1956, p. 231-241.
10 -Pierre-Marie Morel, Démocrite et la recherche des causes, Klincksieck, 1996.
11 -Jean Salem, Démocrite. Grains de poussière dans un rayon de soleil, Vrin, 1996.
12-Charles Mugler, « Démocrite et les dangers de l'irradiation cosmique », Revue d'histoire des sciences, t. XX, 1967, p. 222-223.
13 -Aristote, Métaphysique, A 985 b 16-17.
14 - نقلا عن عزالدين الخطابي وإدريس كثير: في الحاجة إلى إبداع فلسفي، منشورات الزمن، المغرب، العدد48، الطبعة الأولى 2006م، ص:50-51.
15 - مراد وهبه: المذهب في فلسفة برغسون، دار وهدان لللطباعة والنشر، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1978م. ص:15.
16 - Nietzsche, La Naissance de la tragédie (1872) ; Le Crépuscule des idoles (1888), § Le problème de Socrate.
17 - Baillot F., Aperçus sur le stoïcisme, Revue philosophique, janv.-mars, p. 14-30, 1952.
18 - Brun Jean, Le Stoïcisme, Paris, PUF, coll. "Que sais-je? » 1958, 2° éd. 1961.
19 - Duhot Jean-Joël, ?pictète et la sagesse stoïcienne, Paris, 1996, rééd. Poche, 2003.
20-Bridoux A., Le Stoïcisme et son influence, Paris, Vrin, 1965.
21 - Rodis-Lewis G., La Morale stoïcienne, PUF, 1970.
22-Pichat, M. La psychologie stoïcienne. Paris: L'Harmattan 2013.
23 - توفيق الطويل: الفلسفة في مسارها التاريخي، دار المعارف القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1977م، ص:14.
24 - Hamelin Octave, Sur la logique des stoïciens, Année philosophique, 1902.
25 - Virieux-Reymond Antoinette, La logique et l'épistémologie des stoïciens, Chambery, 1949
26-Meyer H., Le prolongement de la logique stoïcienne dans la logique contemporaine, Revue philosophique, III, p. 387-392, 1956.
27 - Brunschwig Jacques Les Stoïciens et leur logique (Paris, Vrin 1978; deuxième édition revue 2006).
28 - مهدي فضل الله: مدخل إلى علم المنطق، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1979م، ص:11(الهامش).
29 - أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية، تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، طبعة 1998م، ص:363.
30 - أميرة حلمي مطر: نفسه، ص:366.
31 - أحمد أمين وزكي نجيب محمود: قصة الفلسفة اليونانية، دار الكتب المصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1935م، ص:314-315.
32 - أحمد أمين وزكي نجيب محمود: نفسه، ص:300.
33 - جون لويس: مدخل إلى الفلسفة، ترجمة أنور عبد الملك، الدار المصرية للكتب، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1957م، ص:42.
34 - جون لويس: نفسه، ص:115.
35 - باسكال: خواطر، تقديم: مارسيل غرسان، النادي الفرنسي للكتاب، طبعة 1963م، ص:22-23.
36 - أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، الجزء الثالث، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة، صص:18-19.
37 - الغزالي: تهافت الفلاسفة، تحقيق: سليمان دينا، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 1964م.
38 - أحمد عزت راجح: أصول علم النفس، دار الكاتب العربي، الطبعة السابعة، 1968م، ص:33.
39 -Ph.Merieu : Les savoirs différents, des élèves différents.Arthaud.p :2.
40 - العربي اسليماني ورشيد الخديمي: قضايا تربوية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2005م، ص:15.
41 - أحمد أوزي: سيكولوجية الطفل، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثالثة 2013م، ص:68.
42 - أحمد أوزي: نفسه، ص:113.
43 - أحمد أوزي: نفسه، ص:114.
44 - عبد الواحد أولاد الفقيهي: الذكاءات المتعددة ، منشورات علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:29.
45 - جورج كلاس: الألسنية ولغة الطفل العربي، دار النهار للنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1981م، ص:142.
46 - أحمد أوزي: نفسه، ص:114.
47 - أحمد أوزي: نفسه، ص:116.
48 - إريك اريكسون(Erik Homburger Erikson) عالم نفس تطوري ومحلل نفسي دنماركي-ألماني-أمريكي معروف بنظريته في التطور الاجتماعي للإنسان، أصر دائما على أنه كان فرويدي، وأن أفضل وصف بأنه من الفرويديين الجدد. ولد بفرنكفورت الألمانية سنة 1902م، وتوفي سنة 1994م بالولايات المتحدة الأمريكية.
49 - أحمد أوزي: سيكولوجية الطفل، ص:42-43.
50 - سيغموند فرويد (Sigmund Freud) أو سيغيسموند شلومو فرويد . هو طبيب نمساوي من أصل يهودي، اختص بدراسة الطب العصبي. وهو مفكر حر. يعتبر مؤسس علم التحليل النفسي. وهو طبيب الأعصاب النمساوي الذي أسس مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس الحديث. ولد بالنمسا سنة 1856م، وتوفي سنة 1939م بلندن.
51 - نقلا عند.أحمد أوزي: سيكولوجية الطفل، مطبعة دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثالثة 2012م، ص:42-43.
52 - أحمد أوزي: نفسه، ص:112.
53 - أحمد أوزي: نفسه، ص:112.
54 - أحمد أوزي: نفسه، ص:117.
55 - أحمد أوزي: نفسه، ص:45.
56 - بريجيت الأندلسي: ألعاب وأدوات بيداغوجية بمرحلة ماقبل التمدرس، وزارة التربية الوطنية، الرباط، المغرب، الطبعة الثانية سنة 2008م، ص:9.
57 - خليل ميخائيل معوض: علم النفس الاجتماعي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1982م، ص:13.
58 - خليل ميخائيل معوض: علم النفس الاجتماعي، ، ص:15-16.
59 - جورج كلاس: الألسنية ولغة الطفل العربي، دار النهار للنشر، بيروت،لبنان، الطبعة الأولى سنة 1981م، ص:164.
60 - جورج كلاس: الألسنية ولغة الطفل العربي،ص:164.
61 - جورج كلاس: نفسه، ص:168.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------