Advertisement

مناهج علم النفس وعلم النفس التربوي




مناهج
علم النفس
وعلم النفس التربوي


جميل حمداوي









الإهداء

أهدي هذا الكتاب إلى أستاذي العزيز الدكتور أحمد أوزي رائد علم النفس التربوي بالمغرب بلا منازع.



المقدمة
من المعروف أن المنهج النفسي هو الذي يدرس الظواهر النفسية الشعورية واللاشعورية، باستعمال آليات السيكولوجيا الفرويدية، أو الاستعانة بمبادئ المدارس النفسية الأخرى، واستعمال تقنياتها المختلفة والمتنوعة، كأن نأخذ بتعاليم المدرسة النفسية السلوكية، أو المدرسة الجشطالتية، أو السيكولوجية البنيوية، أو السيكولوجيا الوظيفية، أو السيكولوجية المعرفاتية، أو السيكولوجيا السبيرنيتيكية...
ويمكن الاستعانة بهذه المناهج والمقاربات والمدارس كلها لإغناء الحقل التربوي والتعليمي بشكل أو بآخر، بتفهم نفسيات المتعلمين، وتبيان العلاقات الوجدانية القائمة داخل الفصل الدراسي بين المدرسين والتلاميذ، واستكشاف عقدهم النفسية فهما وتفسيرا وتأويلا. ونعلم جيدا مدى أهمية نظرية فرويد في تفسير السلوك الإنساني، بالتركيز على الأنا والهو والأنا الأعلى. فلا يمكن للأنا أن تحقق رغباتها، مادام هناك سلطتان مراقبتان: سلطة المجتمع الواقعي، وسلطة الأنا الأعلى التي تتمثل في الأخلاق والقيم والعادات والأعراف. لذلك، يكبت الإنسان مؤقتا عواطفه ومشاعره الإيروسية (مشاعر الحب)، أو يخفي انفعالاته التناتوسية (مشاعر الموت والعدوان)، ويخزن ذلك كله في منطقة اللاشعور. وبعد ذلك، يحررها مع أحلام المنام واليقظة. ومن جهة أخرى، فقد أثبت فرويد مدى تأثير الطفولة والماضي معا في الإنسان حاضرا ومستقبلا، بما يحمله ذلك الإنسان من ترسبات وعقد، تؤثر في سلوكياته وتصرفاته وحركاته اللاواعية واللاشعورية.
وقد ركز فرويد على مجموعة من العقد التي يعرفها الإنسان، كعقدة أوديب، وعقدة إلكترا، و العقدة النرجسية، وعقدة النقص، وعقدة التعويض... كما اهتم فرويد كثيرا بالتصرفات اللاواعية واللاإرادية، والسلوكيات اللاشعورية التي تتمثل في: فلتات اللسان، و زلات القلم، والأحلام، والهستيريا، والتعويض، والتسامي، والقيام ببعض العادات، مثل: مص الشفتين، وتحريك الحواجب والعينين، والشد على القضيب. وتعبر هذه التصرفات كلها عن رغبات نفسية وشبقية دفينة.
ومن ناحية أخرى، يمكن الاستفادة أيضا من المنهج العيادي أو الإكلينيكي في المجال التربوي، ويطلق هذا المنهج " على مجموعة من الطرائق أو أساليب البحث المستوحاة من التحليل النفسي.إن مفهوم العيادي أو الإكلينيكي يدل على الملاحظة المعمقة للشخص خلال فترة زمانية ممتدة. كما قد يدل على الفهم السيكولوجي لأسلوب حياته خلال الماضي والحاضر. فالملاحظة –إذاً- وسيلة أساسية في المنهج العيادي.
والواقع أن المنهج العيادي يختلف باختلاف المقاربات الموظفة من قبل هذا السيكولوجي أو ذاك. وهذا الأمر هو ما جعل النقاش حول طبيعة هذا المنهج يعرف طريقه بين الباحثين. فالبعض يتساءل: ما إذا كان المنهج العيادي يميل أكثر إلى منهج الملاحظة أم إلى المنهج التجريبي؟1"
و يعد المنهج النفسي أكثر المناهج العلمية اقترابا من عالم المدرسة والتربية؛ لأن كثيرا من القضايا التعليمية ذات مصدر نفسي أو سلوكي.
وعليه، يهتم كتابنا هذا برصد مختلف المناهج التي توظف في مجالي التربية وعلم النفس بغية دراسة الظواهر الديدكتيكية والبيداغوجية والسيكولوجية فهما وتفسيرا. لذلك، يعرف المتلقي المبتدىء أوالمتمرس بتقنيات المنهج العلمي، برصد مواصفاته الكمية والكيفية، ويعرفه أيضا بمختلف المناهج التي تستعمل في البحثين النفسي والتربوي، بالتوقف عند مختلف الآليات الإجرائية، كالملاحظة، والمعايشة، والاستمارة، والمقابلة، وتحليل المضمون، والروائز، ودراسة الحالة...
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وعلى الله توكلت، ولي التوفيق.











الباب الأول:
مناهج علم النفس وعلم النفس التربوي



الفصل الأول:
آليات البحث السيكولوجي والتربوي
من المعروف أن البحث العلمي هو ذلك البحث الذي يعتمد على مجموعة من الخطوات المنهجية المنظمة من أجل الوصول إلى حقيقة ما، برصد مشكلة معينة، ومحاولة فهمها وتفسيرها وتأويلها بغية إيجاد الحلول المناسبة لها. ويستوجب البحث العلمي اتباع طريقة منظمة في إيراد الأفكار، وتحليلها تحليلا منطقيا وحجاجيا وعلميا من أجل تحصيل النتيجة، في أثناء مواجهة الوضعيات البسيطة أو المتوسطة أو المركبة. ومن ثم، يندرج البحث السيكولوجي، بشكل من الأشكال، ضمن انشغالات البحث العلمي الجاد والرصين، مادام يعتمد على آليات منهجية معينة، ويستعين بأدوات الإحصاء الوصفي والاستنتاجي.
ويعرف البحث السيكولوجي أيضا بأنه ذلك البحث الذي يدرس الظواهر النفسية في مختلف نواحيها السلوكية والشعورية واللاشعورية والمعرفية. ويعني هذا أن الظاهرة النفسية ظاهرة مركبة ومعقدة وشاملة، وذات مستويات منهجية متعددة.
إذاً، ما آليات البحث النفسي أوالتربوي؟ وما مناهجه وتقنياته وأساليبه؟ وما طرائق التوثيق التي يمكن الاعتماد عليها في هذا النوع من البحوث؟ تلكم أهم الأسئلة التي سوف نحاول رصدها في هذا الكتاب.
المبحث الأول: تصميم البحث
ينقسم البحث السيكولوجي أو التربوي منهجيا إلى مقدمة، ومدخل، وعرض، وخاتمة، وملاحق، وفهارس. وبعد ذلك، يمكن تقسيمه بالتفصيل إلى أقسام وأجزاء وأبواب، سواء أكانت نظرية أم تطبيقية. ويتجزأ كل قسم إلى أبواب ومجموعة من الفصول، ويتكون كل فصل من مباحث ومطالب وفروع وفقرات وعناصر متسلسلة، ومرتبة ترتيبا منطقيا، ضمن وحدة منهجية عضوية متسقة...، ويأخذ كل جزء من هذه الأجزاء عنوانا محددا بدقة، سواء أكانت جملته بسيطة أم مركبة، بشرط أن يكون العنوان واضحا ودقيقا وهادفا، و ذا صياغة تركيبية سليمة من الناحية اللغوية والنحوية. ولابد أن يختم ذلك البحث بخاتمة عامة مجملة أو مفصلة، ويلحق ببليوغرافيا المصادر والمراجع والدوريات، ويذيل أيضا بملاحق وفهارس خاصة وعامة.
وغالبا، ما يتضمن البحث التربوي أو السيكولوجي الذي ينجزه طلبة الجامعات والمراكز النفسية والتربوية ملخصا مركزا بالعربية، أو الفرنسية، أو الإنجليزية...، وتعقبه مقدمة في شكل تقرير عام، وقسمان، أو بابان، أو فصلان متكاملان: أحدهما نظري، والآخر تطبيقي. وتتبعهما خاتمة، فببليوغرافيا مكتبية موثقة، ثم ملاحق أساسية وثانوية، ثم فهرس عام وشامل.
ومن جهة أخرى، قد يأخذ البحث التربوي أو السيكولوجي، على المستوى المنهجي والحجاجي، طابعا استنباطيا، ينطلق من الكل إلى الجزء، أو من العام إلى الخاص، أو يأخذ طابعا استقرائيا، ينطلق من الجزء إلى الكل، أو من الخاص إلى العام.
ولا يمكن الحديث عن بحث تربوي أو سيكولوجي علمي حقيقي إلا إذا أخضع لمجموعة من المعايير والمؤشرات والخطوات الإجرائية في التنفيذ، كالانطلاق من المشكلة، وتحويلها إلى فكرة حدسية، تصبح - فيما بعد- فرضية، ويمكن تمطيط الفرضية وتوسيعها في شكل إشكالات بارزة، وأسئلة محورية. ثم، تحدد أهداف البحث وغاياته وأهميته بدقة، مع الإشارة إلى الكتابات السابقة في الموضوع، وتحديد منهجية البحث، ومصطلحاته، ومتغيراته، وحدوده، وعينته، وأدواته، وتقنياته، وأساليبه الإحصائية.
ويخضع هذا كله لمجموعة من القراءات الرئيسة، كالقراءة الاستكشافية، والقراءة التجميعية، والقراءة الإحصائية، والقراءة التحليلية، والقراءة الاستنتاجية، والقراءة المقارنة، والقراءة التثبتية، والقراءة الاقتراحية والتوقعية...
ويعني هذا كله أن البحث السيكولوجي أوالتربوي، ولاسيما التجريبي منه، ينطلق من فكرة، وفرضية، لينتقل إلى التجريب بغية تحصيل القوانين والنظريات. ومن ناحية أخرى، يمر البحث السيكولوجي والتربوي بمجموعة من المراحل المتعاقبة، كمرحلة الاطلاع والقراءة، ومرحلة التجميع والفرز، ومرحلة الفهم والتفسير والتأويل، ومرحلة التنظيم والترتيب، ومرحلة الصياغة النهائية، ومرحلة التصحيح والتقويم، ومرحلة المناقشة، ومرحلة الطبع والنشر2.
المبحث الثاني: عناصر التصميم
يتكون تصميم البحث التربوي أو السيكولوجي من ثلاث وحدات أساسية هي: المقدمة، والعرض، والخاتمة. والآن، سوف نستعرضها بتفصيل على النحو التالي:
المطلب الأول: مقدمة البحث
تتضمن المقدمة موضوع البحث المدروس الذي يرد في شكل عنوان بارز ولافت للانتباه، قد يصاغ بطريقة مبسطة، مثل: ( الهدر المدرسي في المدرسة المغربية)، أو بصيغة مركبة ( تطبيق نظرية بيداغوجيا الإدماج في المدرسة المغربية، ومقارنتها بنظرية الأهداف السلوكية). وبعد ذلك، يحدد الباحث المصطلحات الأساسية التي يشتمل عليها العنوان الخارجي للبحث، فيدرس مكوناتها المفاهيمية، ويرصد دلالاتها الظاهرة والعميقة، ويستجلي إيحاءاتها التضمينية، ويحلل ذلك كله في ضوء علم المصطلح.
ولايمكن تحديد الموضوع منهجيا إلا بعد الإحساس بمشكلة بيداغوجية، أو ديدكتيكية، أو نفسية، أو اجتماعية، أو إدارية....إلخ. ولا يمكن العثور أيضا على مشكلة ما إلا بعد امتلاك خبرة مهنية في مجالي السيكولوجيا والتدريس، أو تدبير الإدارة التربوية، أو في أثناء التكوين في مؤسسات تربوية عليا أو جامعية، من خلال ما يلقى من دروس ومحاضرات، أو ما يقوم به الباحثون والدارسون والطلبة من عروض وندوات وورشات تكوينية. فضلا عن القراءات النقدية في مجال معين له علاقة بالسيكولوجيا والتربية والديدكتيك، والاطلاع على الصحف والدوريات والمطبوعات العامة والمتخصصة في ميدان البحث المزمع القيام به. وينضاف إلى ذلك ما يستفيده الباحث من توصيات الأبحاث والرسائل والأطروحات الجامعية التي تستوجب أن يناقشها الباحث، ويتعمق فيها مستقبلا3.
ولابد كذلك أن يحمل عنوان البحث وموضوعه مشكلة البحث الأساسية، مثل: ( حاجيات المراهقين- تخوفات الطفل- أثر سن اليأس في نفسية المرأة المتزوجة....). أي: تتضمن هذه العناوين مشكلات ووضعيات معقدة، ينبغي البحث عن الحلول الناجعة من أجل تفاديها، أو الحد منها. وبعد تحديد المشكلة، ينتقل الباحث إلى تحديد فرضية البحث. ومن المعلوم أن الفرضيات عبارة عن أفكار وتخمينات وحدوس عقلية أو تجريبية، قد تكون صحيحة أو باطلة، تخييلية أو واقعية، تحتاج إلى ترجمتها كميا وكيفيا وتجريبيا لكي تتحول إلى قوانين عامة، ونظريات مجردة كلية. ويعني هذا أن الفرضية عبارة عن حدوس تخمينية، تثبت على أنها شبه قانون، يستلزم التجريب والتكرار، إما من أجل تأكيده، وإما من أجل تفنيده. ومن هنا، لابد أن تصاغ الفرضية في شكل جملة مثبتة تقريرية موجبة أو سالبة، تبين مجمل العلاقات الموجودة بين المتغيرات، ولايمكن تأكيد صحة الفرضية أو خطئها إلا بواسطة التجريب الواقعي والميداني، مثل:
? للوراثة أثر كبير في التحصيل المدرسي (فرضية مثبتة وتقريرية موجبة)
? ليس للوراثة أدنى أثر في التحصيل المدرسي(فرضية منفية وتقريرية وسالبة)
ويمكن أن تكون فرضية البحث العلمي واحدة، أو فرضيتين، أو فرضيات متعددة.
وتتفرع عن هذه الفرضية مجموعة من الأسئلة والإشكالات التي يمكن الانطلاق منها، أو الاستهداء بها في كتابة البحث السيكولوجي والتربوي رغبة في إيجاد أجوبة كافية لها.
ولابد للباحث أن يكون مدفوعا إلى اختيار موضوع ما، وقد يكون هذا الدافع أو ذاك الحافز ذاتيا ( رغبات وأهواء وميول واستعدادات- تجارب ذاتية وشخصية- تحقيق رغبة أو ميل ما...)، أو يكون موضوعيا ( الحصول على شهادة علمية أو مهنية- البحث عن الحقيقة- استكشاف معلومات معينة- إنجاز البحث تحت الطلب- الاشتغال في مؤسسات البحث العلمي....).
وبعد ذلك، لابد من تحديد أهداف البحث العامة والوسطى والخاصة، والانطلاق مما يسمى بالأهداف الإجرائية، ورصد الغايات البعيدة والقريبة من وراء إنجازه، وإبراز قيمة البحث، وتبيان أهميته العلمية، وتحديد جدته في الساحة العلمية والسيكولوجية والتربوية، والإشارة إلى حداثته وأصالته، وذكر ما سيضيفه هذا البحث إلى الساحة الثقافية والتربوية والعلمية.
ويشير الباحث إلى مجمل الدراسات التي سبقته إلى الموضوع تعريفا، وعرضا، وترتيبا، مع تحليل مضامينها، وتلخيصها، وتقويمها بموضوعية علمية. ومن ثم، يقارن بين دراسته وتلك الدراسات السابقة على مستوى القضايا والمنهج والأدوات والنتائج والإضافات.
وبعد ذلك، ينتقل الباحث إلى تبيان التصميم الذي سيتمثله في بحثه، ويحدد المنهج الذي سيختاره، فهل سيعتمد على المنهج الوصفي، أو المنهج التجريبي، أو المنهج التاريخي، أو المنهج المقارن، أو المنهج التشاركي، أو المنهج الببليومتري، أو المنهج البنيوي، أو المنهج السيميائي؟!!...إلخ. ومن ثم، يشير الباحث إلى محددات البحث، كالمحددات البشرية التي تتعلق بالعينة، والمحددات الزمنية المرتبطة بزمان البحث، والمحددات المكانية المرتبطة بمكان البحث والتجريب، والمحددات المادية التي ترتبط بالإمكانيات المادية والمالية.
وفي الأخير، يستعرض الباحث مجمل المشاكل التي يواجهها في بحثه المزمع إنجازه وإعداده، كالإشارة إلى نقص المصادر والمراجع، وقلة الوسائل المادية والإمكانيات المالية، وصعوبة البحث في الموضوع، وبعد الباحث مسافة عن مكان البحث...
ولا ينسى أن يشكر كل من أسدى إليه معونة أو إحسانا من قريب أو من بعيد، أو قد قدم له أي مساعدة، مهما كانت صغيرة أو كبيرة. ولا ينسى كذلك أن يشكر الله الذي وفقه في هذا البحث، فيعدد فضائله ونعمه الكثيرة عليه. ثم يعتذر الباحث للقارىء عن كل هفوة أو خطأ قد ارتكبه في بحثه متعمدا أو ناسيا أو ساهيا.



المطلب الثاني: عرض البحث
عادة، ما يقسم الباحث السيكولوجي أو التربوي بحثه العلمي الأكاديمي إلى أبواب، وأجزاء، وفصول، ومباحث، ومطالب، وفروع، وعناصر، وبنود، وحروف أبجدية، وأرقام عددية...
وهنا، يحتاج الباحث إلى خطوات رئيسة، كالتقميش وتجميع المعلومات والبيانات من مصادر عامة وخاصة، والاستعانة بالكتابات الحديثة والقواميس اللغوية، والاعتماد على الدوريات والمقالات الرقمية والورقية والأقراص. وينتقل الباحث إلى مرحلة القراءة السريعة والعادية والعميقة، ثم يبدأ في الاستكشاف والتصنيف والفرز والترتيب، لتعقبها مرحلة التحليل والتفسير والتأويل والاستنتاج.
وحين العودة إلى المصادر والمراجع، والمطبوعات الورقية والرقمية، والأشرطة المسجلة، والأقراص الممغنطة، ونتائج التجارب الميدانية، بغية استجماع المعلومات والبيانات، والاستفادة من المعطيات العلمية، يستحسن منهجيا توظيف جذاذات أو بطاقات مساعدة قصد استجماع المعلومات الموثقة.
ويفضل الباحثون أن تكون الجذاذة من ورق نصف مقوى، ويكون من مقاس 12 على 20 سنتمترا4، مقسمة إلى أجزاء ثلاثة: جزء للتوثيق العلمي، وجزء للقولة المقتبسة التي ينبغي أن تكون قصيرة ومركزة ومختصرة وواضحة، وجزء للشرح والتعليق والتفسير والتأويل على النحو التالي:
التوثيق:

الدكتور أحمد أوزي
منهجية البحث وتحليل المضمون
مطبعة دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 2008م.152صفحة. مكان الوثيقة:

مكتبتي الخاصة، رقم:13، الرف الأول. القولة المقتبسة:
وفي هذا السياق، يقول أحمد أوزي:
"..............................................................................
........................................................................................
..............................................................................." شرح وتعليق وتفسير وتأويل:

يتبين لنا من هذه القولة السابقة أن أحمد أوزي يرى أن...................
...................................................................................
...................................................................................................................................................................................
وعندما يجمع الباحث مجموعة من البطاقات، يصنفها في ملف أو ظرف حسب الفصول والمباحث والمطالب والفروع والفقرات لتسهل عليه عملية القراءة والكتابة.
وحين، يرغب الباحث في تعريف المصطلح أو المفهوم، فلابد من تحديده لغة واصطلاحا وسياقا، مستعينا بأمهات القواميس المعترف بها، ك(لسان العرب) لابن منظور، أو (Larousse /Robert/Oxfordمثلا)…
وعلاوة على ذلك، يستحسن أن يعتمد الباحث، في أثناء التوثيق، على منهجية جمعية علم النفس الأمريكية (APA/American Psychological Association) التي تستلزم أن يكتب الاسم الأخير (فقط) لمؤلف أو الباحث وسنة النشر بين قوسين مثل(أوزي،1988م) أو (Gardner ,1981) داخل المتن ليس إلا.
وإذا كان عدد الباحثين من اثنين إلى خمسة، فمن اللائق أن تذكر أسماؤهم كاملة في المرة الأولى، مثل:( أوزي، الحبابي، الجابري، أومليل، حميش، 2000م). وإذا تكررت الاستعانة بالمرجع نفسه، يذكر الاسم الأخير للباحث الأول، وتستعمل كلمة (وآخرون) مثل: (أوزي وآخرون،2000م) أو (Gardner and Al /et Autres).وإذا كان هناك ستة باحثين، فيذكر الباحث الأول باسمه الأخير، مع استعمال (وآخرون).
وفي حالة الاقتباس، يذكر المقتبس المنقول أو المستشهد به بين مزدوجتين صغيرتين("....")، وتذكر أرقام الصفحات المقتبس منها، مثل: ( أوزي، 1988م:44).
أما في نهاية البحث، حينما تذكر المصادر والمراجع والمقالات الورقية والرقمية التي تمت الإشارة إليها في المتن، توضع تلك الإحالات في لائحة ببليوغرافية مستقلة، وترتب أبجديا، دون ترقيم مسلسل، حسب الاسم الأخير للمؤلف أو الباحث، وتأتي المراجع العربية أولا، فالمراجع الأجنبية ثانيا، مع احترام التوثيق التالي:
( عندما يكون المرجع كتابا:
أوزي، أحمد (1988م). الطفل والمجتمع.الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة.
( عندما يكون المرجع مقالا في مجلة أو جريدة:
الشوارب، أسيل أكرم (2012م).الخبرات العلمية في رياض الأطفال من منظور" ريجيو إيميليا"، مجلة الطفولة العربية، 55، 69-81.
( عندما يكون المرجع بحثا في كتاب:
حمداوي، جميل(2008م).التواصل اللفظي وغير اللفظي، اللغة والتواصل التربوي والثقافي،المغرب، الدار البيضاء، مطبعة دار النجاح الجديدة:52-78.5
وبعد ذلك، تثبت الملاحق الخاصة والعامة مباشرة، بعد ذكر قائمة المصادر والمراجع. وللإشارة، يفضل أن تكتب داخل متن البحث النفسي والتربوي أسماء الأعلام الأجنبية باللغة العربية أولا، وباللغة الأجنبية ثانيا، مثل: ( سيغموند فرويد/ Sigmund Freud)6.
وعليه، يرتكز الفصل النظري، في عمومه، على رصد مجموعة من المفاهيم والمصطلحات لغة واصطلاحا وسياقا، مع تبيان مقومات الظاهرة المدروسة، وتحديد أهميتها، والتركيز على الغاية من دراستها، واستعراض تاريخها، وإبراز خصائصها، واستكشاف أسبابها، واستعراض تجلياتها وتمظهراتها، والإشارة إلى آثارها ونتائجها السلبية والإيجابية، واقتراح محموعة من الحلول الأولية للحد منها.
ويتضمن الفصل التطبيقي منهجية البحث، وطريقة التناول وأسلوبه، كأن يعتمد البحث - مثلا- على المنهج التجريبي الذي يدرس العلاقات الارتباطية والسببية بين المتغيرات( أثر التدخين في نفسية المراهق)، أو يكون منهجا وصفيا؛ حيث يدرس الباحث الظاهرة التربوية بنيويا، بوصف مكوناتها الثابتة والمتغيرة بطريقة استقرائية أو استنباطية (الاضطراب النفسي بالمغرب)، أو يكون منهجا تاريخيا تعاقبيا، يتتبع الظاهرة في مسارها التاريخي، باستعمال النقدين: الداخلي والخارجي(تاريخ النظريات السيكولوجية بالمغرب)، أو يكون منهجا مقارنا يبحث في أوجه التشابه والاختلاف التي تتحكم في الظواهر النفسية ( المقارنة بين منهج ألفرد أدلر وكارل كوستاف يونغ في تحليل الظواهر النفسية).
ثم، ينتقل الباحث إلى تحديد العينة التمثيلية للمجتمع الأصل، أو مجتمع الدراسة؛ والعينة قد تكون جزءا من مجتمع، من الصعب دراسته بأكمله لاتساع قاعدته الديموغرافية (ثلاثون مليونا نسمة)، أو لاتساع رقعته الجغرافية ( كبر مساحة الوطن). والعينة أنواع: فهناك- أولا- العينة العشوائية أو الإحصائية، و" يتم الحصول عليها بإجراء قرعة لاختيار أفرادها بطريقة تضمن الحظوظ نفسها في الاختيار أو الانتقاء لجميع أفراد المجتمع.فإذا كان عدد أفراد مجتمع البحث محدودا، كتلاميذ المستوى السادس في مدرسة معينة مثلا، فإنه يمكن وضع أسمائهم على بطاقات، ثم وضعها في سلة وخلطها، وبعد ذلك، أخذ العدد المراد من البطاقات. وأما إذا كانت الأعداد ضخمة، فإنه يتم اللجوء أو الاستعانة بجداول أرقام الاختيار العشوائي التي وضعها علماء إحصائيون لهذا الغرض.7"
وثانيا، العينة المنضدة أو الطبقية، ويمكن الحديث عنها" عندما يكون مجتمع البحث موزعا توزيعا جغرافيا متنوعا، أو ينتمي أفراده إلى طبقات اجتماعية مختلفة، ومستويات تعليمية متفاوتة مثلا، لانجد بدا من أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الخصائص لنضمن حضورها في العينة بنسب حقيقية حتى تكون تمثيلية، كنسبة الفتيات بالمقارنة مع الذكور، والنسبة الحقيقية للانتماء الطبقي وغيرها من المواصفات. ويمكن أن تتوخى الدقة العالية في تحديد هذه الخصائص والصفات، وذلك بحساب ما تمثله إحصائيا في المجتمع. وبعد ذلك، تنتقي عينة مطابقة إحصائيا لنسبة تلك الخصائص، كأن تكون نسبة الفتيات مثلا 32%، منهن 10% في الحادية عشرة من عمرهن، و16% في الثانية عشرة...و21% منهن جميعا أسرهن متوسطة الدخل، وهكذا دواليك...عندئذ تسمى هذه العينة عينة طبقية مرجحة"8.
وثالثا، عينة الوضعيات مفادها أن موضوع البحث وإشكاليته يحتم في بعض الأحيان " الاهتمام بمختلف الوضعيات التي يمكن أن يتواجد بها أفراد المجتمع؛ نظرا لتأثير تلك الوضعيات على ردود أفعالهم أو آرائهم. فمثلا إذا كان البحث يهدف إلى تحديد سلوك الأطفال، فإنه سيكون من باب العبث الاقتصار على ملاحظاتهم، وهم يتواجدون بالمدرسة، لابد أيضا من تتبعهم بالشارع، والمنزل، والنوادي، وكل الأماكن التي يرتادونها عادة.9"
و من جهة أخرى، قد تكون العينة ضابطة أو تجريبية، أو مغلقة مرتبطة بفئة معينة(موقف رجال التعليم من المراهقين)، أو مفتوحة تهم جميع الناس(موقف الشعب المغربي من المراهقين). وحين دراسة العينة، لابد من تحديد العدد، والمصدر، وزمن الدراسة، والإشارة إلى مكانها. كما ينبغي أن يكون الباحث موضوعيا في اختيار العينة، فيبتعد عن الأهواء الذاتية والمواقف الإيديولوجية، ولا يرضى بالحلول السهلة في اختيار العينة، كأن يختار أقاربه بدلا من اختيار عينات بعيدة عنه، أو يستخدم بيانات أو معلومات جاهزة ومتجاوزة أو انتقائية، أو يعتمد على مدينة واحدة ضمن التشتت الجغرافي للعينة.
ومن ثم، يشير الباحث إلى ظروف إجراء البحث، ويرصد الكيفية التي تمت بها التجربة، فيذكر أجواء العمل، وحيثيات التنفيذ، وصعوبات التجريب، ثم يرصد حالات المبحوثين الذهنية والوجدانية والحركية. ثم يبين مدى استعدادهم لخوض التجربة. ثم، يستكشف نفسياتهم في أثناء التعامل معهم وصفا وفهما وتفسيرا.
وبعد ذلك، يحدد الباحث مجمل التقنيات التي اعتمد عليها في الدراسة، فيبين أدواتها، كأن يشير، مثلا، إلى أنه قد استعان بالاستمارة، أو الملاحظة، أو الرائز، أو تحليل المضمون، أو دراسة الحالة، أو المقابلة،....
ثم، ينتقل إلى المعالجة الإحصائية، بتتبع كل بند أو سؤال أو فئة بالتحليل المرتب والمتسلسل قراءة وتحليلا وفهما وتفسيرا وتأويلا، بالاستعانة بالقراءة الإحصائية الوصفية والاستنتاجية في دراسة البيانات، كأن يستعمل الباحث مقاييس النزعة المركزية، باعتبارها تلخيصا أقصى للبيانات، مثل: المتوسط، والوسيط، و المنوال، أو يشغل مقاييس التشتت، باعتبارها أداة لحساب القيم المتطرفة وقيم التغير، أو لحساب الفوارق أو الانحرافات بين القيم. وهنا، تكون الأرضية مواتية لحساب العلاقة بين معطيين أو أكثر، كما هو حال معامل الارتباط بشكليه البسيط والمتعدد. وهنا، يستعمل الباحث إحصائيا: المدى الكلي، ونصف مدى الانحراف الربيعي، والانحراف المتوسط، والانحراف المعياري، والتباين، وتحويل الدرجات، والمثينيات، والمنحنى الاعتدالي المعياري. ثم، يوظف مقاييس العلاقة كمعامل الارتباط التتابعي...ويستحسن أن يستعين الباحث كذلك بالجداول والرسوم الهندسية والمبيانات والأشكال الدائرية أو نصف الدائرية لتنظيم مادته المعرفية تحليلا ووصفا واستنتاجا10.
وعلى العموم، يستند التحليل الإحصائي إلى ست خطوات أساسية هي: جمع البيانات، والتنظيم والتبويب، والتمثيل11، التحليل، والتفسير، والخلاصة12.
وحينما ينتهي الباحث من القراءة الإحصائية، ينتقل إلى القراءة الاستنتاجية باعتماد التفسير والتأويل، والمقارنة بين نتائج بحثه ونتائج البحوث السابقة، ويبين مدى نجاعة الفرضية التي انطلق منها تصديقا وتكذيبا.
وهكذا، يعتمد الفصل التطبيقي على القراءة المنهجية، والقراءة الأداتية، وقراءة العينة، والقراءة الإحصائية، والقراءة الاستنتاجية، والقراءة التأويلية، والقراءة المقارنة، والقراءة التثبتية التي تناقش صحة الفرضية أو خطأها.
المطلب الثالث: خاتمة البحث
ينهي الباحث دراسته العلمية بإثبات النتائج التي توصل إليها في بحثه النفسي، باستعراض أهم الخلاصات الرئيسة، بتركيبها في تقرير شامل وجامع، ومستوف لكل عناصر البحث النفسي، مع تبيان علاقة كل ذلك بالفرضية التي انطلق منها، وتحديد الإجابات التي تستلزمها الأسئلة والإشكالات التي انطلق منها.
وبعد الخلاصات والنتائج، يقدم الباحث مجموعة من الاقتراحات والتوصيات الآنية والمستقبلية، وينبغي أن تكون نتائج البحث علمية وهادفة وبناءة وإجرائية قابلة لترجمتها واقعيا وميدانيا، والاستفادة منها عمليا. ولا ينبغي أن يستعرض الباحث النتائج والتوصيات في شكل نقط أو عوارض وأرقام متسلسلة أو مبعثرة، فلابد من صياغتها في تقرير تركيبي سليم، ومنظم منهجيا ومنطقيا.
ولابد من الإشارة إلى ضرورة احترام علامات الترقيم، من نقطة، وفاصلة، وفاصلة منقوطة، وعارضة، وعلامة استفهام، وعلامة تعجب، واستعمال المعقوفتين والمزدوجتين، ونقط الحذف...
ولابد من استعمال الجملة الفعلية، على مستوى التركيب والصياغة أكثر من استعمال الجملة الاسمية، مع ضرورة توظيف مجموعة من الروابط وتنويعها، مثل: (ومن هنا- ومن ثم- والآتي- وبالتالي- وعلى العموم- وينضاف- وعلاوة على- وناهيك عن-، بله عن...- وفي هذا السياق- وفي هذا الإطار- وفي هذا النطاق- وبناء على ما سبق- وعليه- وتأسيسا على ما سبق- ويتبين لنا- ونستنتج مما سبق ذكره...).
وينبغي على الباحث أن يتجنب الغموض والتعقيد والإبهام في استعراض أفكاره ومعلوماته وبياناته، ويتجلى ذلك واضحا حينما يستخدم تعابير وجملا وتراكيب غير عربية، أو يوظفها كما هي مترجمة في ذهنه. ومن الأحسن أن يقوم بعنونة فقرات بحثه بدقة واضحة وسليمة. وينبغي أن ينتقل من فقرة إلى أخرى، كلما انتهت الفكرة، باستخدام رابط معين. ويمكن تنبيه الباحث السيكولوجي أيضا إلى ضرورة تحقيق نوع من التوازن والتناسب الكمي والعددي والكيفي بين فصلي بحثه النفسي، فلا يعقل أن يكون الفصل الأول أكبر من الفصل الثاني، والعكس صحيح أيضا.
ولابد كذلك من تثبيت ملخص عام في مستهل البحث باللغة العربية (الملخص)، أو باللغة الأجنبية، سواء أكان ذلك باللغة الفرنسية (Résumé)، أم باللغة الإنجليزية (Abstract)...
وهكذا، يتبين لنا أن البحث السيكولوجي يندرج ضمن البحوث العلمية الخاضعة للمنطق الاستنباطي أو الاستقرائي. ومن ثم، يعتمد البحث النفسي على مجموعة من الخطوات المنهجية، كالإحساس بالمشكلة، وتحديد مشكلة البحث وصياغتها، ووضع فروض الدراسة، وتحديد منهجية البحث، وجمع البيانات والمعطيات المتعلقة بالموضوع، وتصنيفها إحصائيا، ومعالجتها رقميا وعدديا، وتحديد نتائج البحث في ضوء مجموعة من العمليات العلمية، كعمليات التحليل، والفهم، والتفسير، والتأويل، مع طرح مشاكل وقضايا جديدة.
ولايمكن للبحث النفسي أن يكون بحثا علميا إلا باتباع التوثيق الذي تبنته الجمعية الأمريكية لعلم النفس، واتباع خطوات المنهج العلمي ومعاييره في كتابة البحوث، باستعمال لغة عربية فصيحة وبليغة ومفهومة، مع احترام علامات الترقيم، وتمثل الصياغة العربية، وتقسيم البحث إلى فصول متناسبة حجما وكما، وتوظيف عناوين بارزة واضحة وسليمة لغة ونحوا وتركيبا.
وعلى العموم، يتضمن البحث النفسي مجموعة من المبادئ الرئيسة، كالعنوان، والمشكلة، والفروض، والدراسات ذات الصلة، والعينة، والإجراءات، والأدوات، وتحليل البيانات، واستعراض النتائج، والمناقشة، والخلاصة، وملخص البحث، والمراجع والملاحق.




الفصل الثاني:
مناهج البحث التربوي والسيكولوجي
يشترط في الباحث التربوي أو النفسي، قبل الشروع في كتابة بحثه، أن يعرف مجمل المناهج والأدوات والتقنيات والأساليب التي تستعمل في مجال البحث العلمي. ويعني هذا أن يتمكن من المناهج المستعملة ليستثمرها في جمع المعطيات وقراءتها وتحليلها ومعالجتها بغية تحصيل النتائج العلمية التي تتسم بالثبات والمصداقية والموضوعية. ومن ثم، فالمنهج هو الطريق السليم الذي يوصلنا إلى الهدف المنشود، والحقيقة اليقينية. ولابد للمنهج من أن ينطلق من مجموعة من الأهداف والغايات، أو ينطلق من فرضيات أساسية تتحول إلى أسئلة وإشكالاات جوهرية لتأتي عمليات الاستدلال الحجاجي، بتمثل آلية الاستقراء التي تنطلق من الجزء إلى الكل، أو من الخاص إلى العام، أو الأخذ بآلية الاستنباط التي تنطلق بدورها من الكل إلى الجزء، أو من العام إلى الخاص، مع اعتماد أساليب التفسير والبرهنة والحجاج، مثل: أسلوب التعريف، وأسلوب الوصف، وأسلوب السرد، وأسلوب التمثيل، وأسلوب الشرط، وأسلوب المقارنة، وأسلوب التقويم...
وعليه، يمكن الحديث عن مجموعة من المناهج التي يمكن الاستهداء بها في كتابة البحث العلمي بصفة عامة، والبحثين النفسي و التربوي بصفة خاصة، منها: المنهج التجريبي، والمنهج الوصفي، والمنهج التاريخي، والمنهج المقارن، والمنهج الاجتماعي، والمنهج النفسي، والمنهج البنيوي، والمنهج الببليوغرافي، والمنهج السيميائي، والمنهج المتعدد الاختصاصات...
المبحث الأول: مفهوم المنهج
إذا تصفحنا المعاجم والقواميس اللغوية للبحث عن مدلول المنهج، فإننا نجد شبكة من الدلالات اللغوية التي تحيل على الخطة، والطريقة، والهدف البين، والسير الواضح، والصراط المستقيم. وفي هذا، يقول ابن منظور في(لسان العرب):" نهج: طريق نهج: بين واضح وهو النهج، والجمع نهجات ونهج ونهوج... وطرق نهجة وسبيل منهج: كنهج. ومنهج الطريق: وضحه. والمنهاج: كالمنهج. وفي التنزيل:لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا . وأنهج الطريق: وضح واستبان وصار نهجا واضحا بينا...
أي تعين وتقوي. والمنهاج: الطريق الواضح. واستنهج الطريق: صار نهجا. وفي حديث العباس:لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ترككم على طريق ناهجة، أي واضحة بينة. ونهجت الطريق: أبنته وأوضحته. يقال: اعمل على ما نهجته لك. ونهجت الطريق: سلكته. وفلان يستنهج سبيل فلان أي يسلك مسلكه.والنهج: الطريق المستقيم. ونهج الأمر وأنهج، لغتان، إذا وضح.13"
ويعني هذا أن المنهج عبارة عن خطة واضحة المدخلاتوالمخرجات. وهو أيضا عبارة عن خطة واضحة الخطوات والمراقي، تنطلق من البداية نحو النهاية عبر العملية الإجرائية التطبيقية. ويعني هذا أن المنهج ينطلق من مجموعة من الفرضيات والأهداف والغايات، ويمر عبر سيرورة من الخطوات العملية والإجرائية قصد الوصول إلى نتائج ملموسة ومحددة بدقة مضبوطة.
ويقصد بالمنهج، في مجال السوسيولوجيا والقانون، تلك الطريقة الواضحة والبينة التي يتبعها الباحث في دارسة الظواهر المجتمعية والقانونية والقضائية قصد فهمها وتفسيرها وتأويلها. ومن ثم، يعتمد المنهج على التصور النظري والتحليل النصي التطبيقي. ويعني هذا أن الباحث يحدد مجموعة من النظريات الفكرية، ويستعين بمنطلقاتها الفلسفية والإبستمولوجية،ويختزلها في فرضيات ومعطيات أو مسلمات، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التأكد من تلك التصورات النظرية عن طريق التحليل والتوصيف والتطبيق الإجرائي ليستخلص مجموعة من النتائج والخلاصات التركيبية.


المبحث الثاني: مفهوم المناهج الكمية
يقصد بالمناهج الكمية (Les méthodes quantitatives) تلك المقاربات الموضوعية المستعملة في البحث العلمي، بالاعتماد على الإبستمولوجيا الوضعية أو مابعد الوضعية، أو استخدام المعطيات الرياضية والفيزيائية والكيميائية والإحصائية. والهدف من ذلك هو وصف الظواهر الاجتماعية والقانونية وقياسها وتعدادها وتفسيرها والتنبؤ بها. ويعني هذا أن المناهج الكمية هي مناهج خاضعة للقياس والتجريب والتكميم والاختبارات الموضوعية. ومن ثم، فهي تتنافى مع المناهج الكيفية الذاتية.
إذاً، تعنى المناهج الكمية بدراسة المجموعات، والمقارنة بين الوحدات ضمن منظور كلي، بالاعتماد على مجموعة من المؤشرات العددية والكمية. أي: تعتمد هذه المناهج على الإحصاء والمعطيات العددية والبيانات الرياضية.
وعلى أي حال، فالمناهج الكمية هي التي تستند إلى العد، والحساب، والقياس، والتكميم، والأرقام، وتمثل الموضوعية في الدراسة، واستعمال البيانات الهندسية والجداول والأشكال والمخططات الرياضية...
ويمكن تطبيق المناهج الكمية في العلوم الرياضية، والبيولوجية، والطبيعية، والفيزيائية، والكيميائية...لكن يصعب تطبيقها بشكل علمي وموضوعي في العلوم الإنسانية، مثل: علم النفس، وعلم الاجتماع، والأنتروبولوجيا، وغيرها...؛ ويرجع ذلك إلى تداخل الذاتي والموضوعي، وصعوبة التحكم في الوعي، وتغير الظاهرة الإنسانية من حالة إلى آخرى، وهيمنة البعد الإيديولوجي، وارتباط الباحث بالموضوع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
ومن يتأمل علم الاجتماع - مثلا-، فيجد أن هناك منهجين مهيمنين: منهجا علميا موضوعيا يتكئ على التفسير السببي والعليَ، ومنهجا ذاتيا إنشائيا تأمليا وأخلاقيا وتأويليا يقوم على الفهم. ويعني هذا أن ثنائية الذاتية والموضوعية حاضرة في مجال العلوم الإنسانية بشكل لافت للانتباه. وفي هذا الصدد، يقول إدغار موران(Edgar Morin):"هناك نمطان من السوسيولوجيا في مجال البحث الاجتماعي: سوسيولوجيا أولى يمكن نعتها بالعلمية، وسوسيولوجيا أخرى يمكن نعتها بالإنشائية.وتعتبر الأولى بمثابة طليعة السوسيولوجيا.في حين، تعتبر الثانية بمثابة المؤخرة التي لم تتحلل، بشكل مناسب، من إسار الفلسفة، ومن المقالة الأدبية، والتأمل الأخلاقي. يستعير النمط الأول من السوسيولوجيا نموذجا علميا كان بالضرورة هو نموذج الفيزياء في القرن التاسع عشر. ولهذا النموذج ملمحان، فهو آلي وحتمي في آن واحد، إذ يتعلق الأمر، في الواقع، بتحديد القوانين والقواعد التي تؤثر، تبعا لعلاقات سببية، خطية ومنتظمة، في موضوع تم عزله، وفي مثل هذا النموذج يتم استبعاد كل مايحيط بالموضوع المدروس من موضوعات أخرى. يضاف إلى ذلك أن هذا الموضوع المدروس يتم تصوره كما لو كان مستقلا استقلالا كليا عن شروط ملاحظته.ولاشك أن مثل هذا التصور يستبعد من الحقل السوسيولوجي كل إمكانية لتصور ذوات أو قوى فاعلة أو مسؤولية الذوات وحريتها.
أما في السوسيولوجيا الإنشائية، فإن ذات الباحث تحضر، بالمقابل، في موضوع الباحث، فهو ينطق، أحيانا، بضمير المتكلم، ولايواري ذاته...لقد كان مفهوم الذات غير مستساغ من قبل المعرفة العلمية؛ لأنه كان مفهوما ميتافيزيقيا ومتعاليا...في حين، إن تقدم المعرفة البيولوجية الحديثة، يسمح، اليوم، بمنح مفهوم الذات أساسا بيولوجيا. فماذا يعني أن يكون الإنسان ذاتا، اليوم؟ إنه يعني أن يضع الإنسان نفسه في قلب عالمه...فالذات هي، بالجملة، الموجود الذي يحيل على ذاته وإلى الخارج والذي يتموضع في مركز عالمه."14
وبناء على ما سبق، يتأكد لنا أن ثمة طريقتين في التعامل مع الظواهر المجتمعية، إما أن نختار الطريقة الوضعية التفسيرية الكمية في تبيان العلاقات الثابتة التي توجد بين الظواهر والمتغيرات، وإما أن نختار طريقة الفهم الكيفي لاستجلاء البعد المجتمعي،بفهم أفعال الذات وتأويلها.
وعليه، فمن الصعب تطبيق المنهج الكمي على العلوم الإنسانية بصفة مطلقة.لذا، نزاوج، في كثير من الأحيان، بين المناهج الكمية والكيفية.لكن تبقى المناهج الكمية لصيقة بالعلمية والموضوعية والواقعية والوضعية التجريبية. كما أنها أداة لتحقيق اليقين العلمي النسبي أو التقريبي.
ويرى كلود جافو (Claude Javeau) أن المناهج الكمية بعيدة كل البعد عن الملاحظة الواقعية التجريبية، فهي تطرح فرضيات تحمل في طياتها نتائج مسبقة. ويعني هذا أن نتائج المناهج الكمية معروفة مسبقا انطلاقا من الفرضيات التي يستعرضها الباحث في بداية بحثه العلمي؛ وهذا ما يجعل هذه البحوث غير خاضعة بدقة للملاحظة العلمية التجريبية15.
وبتتبعنا لمجموعة من الدراسات السوسيولوجية والسيكولوجية والتربوية نلاحظ ظاهرة الانتقاء للمناهج الكمية والكيفية في البحث الواحد. ويعني هذا أنه من الصعب تتبع منهج واحد، فلابد من المزاوجة والاستفادة من إيجابيات كل منهج على حدة.
المبحث الثالث: مفهوم المناهج الكيفية
يقصد بالمناهج الكيفية (Les méthodes qualitatives) تلك المقاربات أو الطرائق البحثية المستخدمة في العلوم الإنسانية، وخاصة في علم النفس، وعلم الاجتماع، والإثنولوجيا، والأنتروبولوجيا، وعلم التربية، والتاريخ. وغالبا، ما تستخدم في سبر الآراء واستطلاعها واستبيانها...وتتخذ طابعا كيفيا وذاتيا وإنشائيا وتأويليا. ويعني هذا أنها تتخلى عن المقاييس الإحصائية والأدوات الكمية في دراسة الموضوع الاجتماعي وتحليله ووصفه وتشخيصه.
وإذا كان المنهج الكمي قد ارتبط ارتباطا وثيقا بعلم النفس التجريبي والسوسيولوجيا الوضعية عند أوجست كونت وإميل دوركايم، فإن المنهج الكيفي قد ارتبط بدوره بالأنتروبولوجيا القائمة على الملاحظة الميدانية، والملاحظة بالمشاركة (مفهوم المعايشة).
وإذا كان المنهج الكمي خاضعا للتكميم الإحصائي والقياس والتجريب، فإن المنهج الكيفي له أهمية كبرى في توجيه البحوث السوسيولوجية نظرية وتطبيقا، بتنويع التقنيات والمفاهيم والأدوات التحليلية.
وإذا كان المنهج الكمي يتميز بالصرامة والتقنين والاستدلالين: الاستنباطي والاستقرائي، فإن المنهج الكيفي يتسم بالمرونة في البحث واختيار الأدوات المناسبة في التشخيص والتحليل والفهم والتفسير والتأويل. وفي هذا، يقول المختار الهراس:" إذا كان التوجه العام في حقل العلوم الاجتماعية يسند للمناهج الكمية مصداقية أكبر من تلك التي يسندها للمناهج الكيفية ويعتبرها أكثر دقة وعلمية منها، فإن ذلك لا يلغي مساهمة تحليل الكيفي في تحقيق فهم أعمق للظواهر المدروسة، والنفاذ إلى مجمل الحوافز والتمثلات والاتجاهات التي يتعذر الكشف عنها اعتمادا فقط على لغة الأرقام، وتحليل معاني الأشياء وخصائصها ورموزها عبر الاستعارات المعبرة عنها والأوصاف الكاشفة عن طبيعتها.
وإذا كانت المناهج الكمية أكثر اعتمادا للقياس والحساب، وأوثق ارتباطا بالتطور التكنولوجي الحديث، وأكثر قابلية للمعالجة الإعلامية، وأكثر اختصارا للوقت، وأيسر تخطيطا وتصميما، فإن المناهج الكيفية بالمقابل أكثر تأثيرا في الجهاز المفاهيمي والنظري للعلوم الاجتماعية.16"
ومن جهة أخرى، يمكن أن تستعين الدراسات الكيفية بالمناهج الكمية لتقوية البحث وتعضيده بالاختبارات الكمية والبيانات الرياضية والإحصائية والعددية...
وعليه، تطبق المناهج الكيفية على الدراسات الكيفية ذات الطابع الإنساني والذاتي، كما يبدو ذلك جليا في علم الاجتماع، والإثنولوجيا، والأنتروبولوجيا، وعلم النفس، والتاريخ... ومن ثم، تستبعد الدراسات الكيفية كل ما يتعلق بالإحصاء والقياس والتكميم. ومن ثم، فهي تقوم على الملاحظة المركزة والدقيقة والمفصلة، ووصف الوضعية، وتحليل الخطاب، والاهتمام بالتصنيف." وعموما، تستعمل المناهج الكيفية في محاولة فهم الكيفية التي ينظم بها البشر حياتهم ومجالهم الخارجي، ويضفون بها معاني ودلالات على محيطهم عبر ما يعتمدونه من رموز وطقوس ومعتقدات وإيديولوجيات وتمثلات وآراء وأدوار اجتماعية، وما إلى ذلك.17"
ويستند المنهج الكيفي إلى مجموعة من الأدوات المقابلة لماهو كمي، مثل: الملاحظة الميدانية، والملاحظة بالمشاركة، والمقابلة المباشرة، والاستبيان، والندوات، وسبر الرأي العام، والمعايشة، وتحليل المضمون، ودراسة الحالة، والملاحظة الميدانية، والمسح الاجتماعي، وتقنية المجموعة البؤرية، والسير الذاتية، وتحليل النصوص الشفوية (أمثال، وحكايات، وأشعار، وأغان، وخرافات، وأساطير، وطقوس...)، والاستعانة بالنصوص المكتوبة (وثائق، وعقود، وتقارير، وأوصاف إثنوغرافية، وكتابات صحفية، وكتب تربوية، وتقارير الرحلات، ومذكرات، ومخطوطات...)، وتحليل الصور والأيقونات والمخططات البصرية...
وإذا كان المنهج الكمي يتميز بالطابع الموضوعي والوضعي. فضلا عن تميزه باليقين العلمي، واعتماده على الإحصاء الكمي، وتمثل القياس التجريبي، فلا يعني هذا أن المنهج الكيفي دون مستوى المنهج الكمي؛ لأننا نحتاج إلى الطرائق الكيفية بشكل كبير، عندما يستلزم الموضوع السوسيولوجي ذلك، فيصبح المنهج الكمي طريقة غير مجدية مهما كانت أهميته العلمية كبيرة جدا.
وأكثر من هذا يصعب جدا، في استطلاع الرأي، الاعتماد على المقاييس الكمية والإحصائية، دون اللجوء إلى التقنيات الكيفية لتميم البحث، ودراسة الظاهرة السوسيولوجية فهما وتفسيرا. ويعني هذا أن المنهجين مفيدان ومجديان معا على مستوى التطبيق العملي، على الرغم من الاختلافات الموجودة بينهما في كثير من المنطلقات الإبستمولوجية والنظرية والإجرائية. وفي هذا الصدد، يقول المختار الهراس:" وبسبب هذه الاختلافات، يصير الجمع بين المناهج الكمية والكيفية في بعض الأبحاث مصدر إثراء، ومسلكا نحو شمولية المقاربة، وأداة لسد الثغرات وتحقيق التكامل بين زوايا نظر متباينة، بحيث تكون النتائج المحصل عليها باعتماد طرق منهجية مختلفة في دراسة الموضوع نفسه أكثر مصداقية وإقناعا.
وعليه، فلامناص من استعمال المناهج الكيفية، ولامحيد عن السعي إلى تدقيق تقنياتها، وضبط تطبيقاتها وفقا للشروط المحلية والمجتمعية العامة، وتحسين أساليب معالجة المعطيات الناتجة عن استعمالها، وصولا إلى بلورة طرق ناجعة في تحليلها وتحويلها إلى نص مكتوب تتوافر فيه الشروط المطلوبة.18"
وعلى الرغم من أهمية المنهج الكيفي، فثمة مجموعة من السلبيات التي تتعلق بتقنيات المنهج الكيفي وأدواته، مثل: نسبيتها في الوصول إلى اليقين العلمي، والعجز عن تحقيق الموضوعية المطلقة، واختلافها من مجال أو مكان إلى آخر، وتغيرها أيضا من زمان إلى زمان. ناهيك عن الأخطاء التي تنتج عن عدم التحكم في تلك التقنيات والمقاييس والاختبارات الكيفية، أو استيرادها من الغرب جاهزة دون المساهمة في إبداعها أو تطويرها أو تكييفها مع بيئة الدراسة. وفي الصدد، يقول محمد عزت حجازي:" ويشيع من أدوات جمع المعلومات الملاحظة والاستبار واستمارة الاستبار، والاستخبار، فضلا عن بعض مقاييس الاتجاهات والاختبارات.ولاغبار على كل من هذه الأدوات في حد ذاتها، ولكن الخطر في استعمالها بطريقة خاطئة (ولكل منها إمكاناتها وحدودها) أو الاعتماد عليها وحدها (وهناك أدوات قد تلائم البحث الاجتماعي أكثر منها، مثل تحليل المضمون، والتحليل التاريخي المقارن، وغيرهما).ومعروف أن تلك تخضع للنسبية الحضارية، أي ترتبط قيمتها وجدارتها بالسياق الحضاري الذي تعد وتستعمل أصلا فيه.ومن هنا يكون استيرادها من سياق حضاري إلى آخر، واستعمالها بدون تعديلات جوهرية، أمرا غير مقبول.والقول الذي يتردد كثيرا عن تطويع أدوات جمع المعلومات وتقنيتها ليتوافر فيها الصدق والثبات المطلوب توافرهما في أية أداة مقبولة علميا، لايتجاوز حدود الكلام والنوايا إلا في حالات نادرة، ويقتصر في الأغلب على بعض الإجراءات الشكلية التي لاتحقق شيئا مهما."19
علاوة على ذلك، تتضمن هذه الأدوات أبعادا إيديولوجية مباشرة وغير مباشرة، بمعنى أنها ليست محايدة على الإطلاق.
المبحث الرابع: المنهج الاستنباطي والاستقرائي
الاستدلال المنطقي هو الانتقال من المعلوم إلى المجهول، أو هو تلك العملية العقلية التي يتم من خلالها الانتقال من المعلوم إلى المجهول، أو هو الانتقال من مقدمة أو أكثر نعرفها أو نسلم بها إلى نتيجة تلزم عنها.ويعني هذا وجود مقدمة أو مقدمات، ونتيجة، وعلاقة منطقية استلزامية تربط بين المقدمة والنتيجة. وهناك من يسمي الاستدلال بالاستنباط.وإن كان الاستدلال أعم وأشمل من الاستنباط.
وقدميز أرسطو بين ثلاثة أنواع من الاستدلال:
(الاستدلال السفسطائي الذي يعتمد على مقدمات كاذبة، ويصل إلى نتائج كاذبة وزائفة وواهمة؛
(الاستدلال الجدلي الذي يقوم على مقدمات افتراضية احتمالية، ويصل إلى نتائج ظنية وتخمينية تحتمل الصدق أو الكذب؛
(الاستدلال البرهاني الذي يقوم على مقدمات برهانية يقينية صحيحة، ويصل إلى نتائج يقينية أيضا.
وبما أن الاستدلال هو استنتاج قضية من قضية أو من أكثر من قضية. فيعني أن هناك نوعين من الاستدلال: استدلال مباشر يقوم على استنتاج قضية من قضية،واستدلال غير مباشر يقوم على استنتاج قضية من أكثر من قضية.
ويتفرع الاستدلال المباشر إلى أنواع ستة هي:
( التقابل.
( العكس المستوي.
( نقض المحمول.
(نقض العكس المستوي.
(عكس النقيضة.
(النقض.
ويتكون الاستدلال غير المباشر من نوعين هما:
(الاستدلال القياسي(Le Syllogisme): هو استنتاج قضية جزئية من مقدمتين أو من قضيتين فأكثر، أو استخلاص الجزئيات من الكليات، مثال ذلك:
كل إنسان فان (مقدمة كبرى)
سقراط إنسان (مقدمة صغرى)
سقراط فان (نتيجة)
(الاستدلال الاستقرائي(L’induction): هو استنتاج قضية كلية من أكثر من قضيتين جزئيتين، أو استخلاص الكليات أو القوانين العامة من الجزئيات.
وعليه، ينقسم الاستدلال إلى استنباط (الاستدلال الصوري الذي ينطلق من الكل إلى الجزء، أو من العام إلى الخاص)، واستقراء(الاستدلال المادي الذي ينطلق من الجزء إلى الكل، أو من الخاص إلى العام).ويتفرع الاستنباط إلى الاستدلال المباشر، والاستدلال القياسي، والاستدلال الرياضي.
ومن ثم، فالمنطق هو الذي يميز بين الاستدلالات السليمة وغير السليمة. ويساعد على فهم مبادىء الاستدلال السليم وأسسه.
وقد اهتم أرسطو بالاستدلال باعتباره آلية من آليات الاستنباط واستنتاج القضايا المنطقية، وينقسم إلى قسمين هما: الاستدلال المباشر والاستدلال غير المباشر. في حين، ينقسم الاستدلال غير المباشر الذي يسمى أيضا بالقياس إلى تقابل وتكافؤ.


وقد اعتنى أرسطو كثيرا بنظرية القياس التي تتفرع إلى قضايا وألفاظ (تصورات). فالقياس عبارة عن قول يتكون من مقدمات تترتب عنها نتيجة بالضرورة والاستلزام، مثل:
?كل المغاربة أفارقة (مقدمة كبرى)
?سعيد مغربي (مقدمة صغرى)
? سعيد أفريقي (نتيجة).
ومن هنا، يستكشف القياس النتيجة انطلاقا من مقدمتين: كبرى وصغرى.
وعليه، فالاستدلال غير المباشر ينقسم إلى أنواع عدة، منها: القياس والاستقراء. فالقياس هو انتقال من حكم كلي إلى حكم جزئي (الاستنباط)، أو انتقال من العام إلى الخاص، مثل:
كل المغاربة أفارقة.
أشرف مغربي
إذاً، أشرف أفريقي.
يلاحظ أن القضية الأولى(كل المغاربة أفارقة) عبارة عن مقدمة كبرى عامة وكلية، وهي بمثابة دائرة كبرى. أما العبارة الثانية(أشرف مغربي)، فهي عبارة عن دائرة وسطى، وتتكون من حد أوسط مستغرق. أما الاستنتاج الأخير من القضية، فهو عبارة عن دائرة صغرى.
وإذا كان القياس عبارة عن عملية نازلة من العام إلى الخاص، أو من الكلي نحو الجزئي، فإن الاستقراء عبارة عن عملية صاعدة من الجزئي نحو الكلي، أو من الخاص نحو العام.وينقسم الاستقراء إلى استقراء تام أوكلي أو صوري، واستقراء ناقص. فالاستقراء الأول ينسب إلى أرسطو، ويقصد به الحكم على الكلي بما يحكم به على جميع أفراده، مثل: تتمدد المعادن بالحرارة، فينطبق حكم المعدن على باقي المعادن الأخرى.وهو نوع من تحصيل الحاصل (كل إنسان فان- سقراط إنسان- سقراط فان).
أما الاستقراء الناقص، أو الاستقراء الموسع، فهو الحكم على كل بما حكم به على بعض أجزائه، وقد أشاد كل من بيكون وستيوارت ميل بقيمة هذا الاستقراء، فهو ملائم لمنهج العلوم.عندما أقول: إن المعادن تتمدد بالحرارة، فنحن لم نجرب في الواقع كل المعادن بطريقة تجريبية تطبيقية، فنحن جربنا بعض العينات فقط. لذلك، أصدرنا ذلك الحكم، فإذا أعطي لي قطعة من البلاتين، فإني بسهولة أستطيع أن أثبت أنها تتمدد بالحرارة، على الرغم من أني لم أجر عليها تجريبا من قبل.ويعني هذا أن الاستقراء الناقص هو استقراء تجريبي مثمر وخصب، يسهم في بناء المعرفة وتجديدها من لحظة إلى أخرى.
ويلاحظ أن للاسقراء والقياس علاقة منطقية متبادلة وثيقة، فكل واحد يخدم الآخر، ويكمل بعضهما الآخر.
المبحث الخامس: المنهج التجريبي
يعتمد المنهج التجريبي على مقوم أساسي ألا وهو التجريب. ويعني هذا أن التجربة عند الفلاسفة التجريبيين، كدافيد هيوم، وجون لوك، واستيوارت ميل، وكلود برنار... هي المصدر الوحيد للمعرفة الإنسانية. ومن ثم، تنطلق المعرفة التجريبية من الملاحظة العلمية المركزة، مع تحويل الأفكار التخمينية إلى فرضيات علمية. وبعد ذلك، يلتجىء الباحث إلى استعمال التجربة مرات عدة بغية تحصيل النتائج اليقينية. ومن ثم، تتحول تلك النتائج المحصل عليها إلى قوانين علمية، فنظريات علمية مجردة كلية، تصف في عمقها الظواهر التجريبية المدروسة في الواقع.
وإذا كانت العلوم التجريبية قد استفادت من المنهج التجريبي في بناء معطياتها العلمية، فإن العلوم الإنسانية، بما فيها علوم النفس والمجتمع والتربية، قد حاولت، بشكل من الأشكال، تمثل خطوات المنهج التجريبي في بناء بحوثها العلمية والأكاديمية. و" إذا كانت الظواهر الطبيعية تستجيب بسهولة لشروط الضبط التجريبي؛ لكونها مادية، وملموسة، وثابتة، وخاضعة لقوانين السببية والحتمية، فإن الظواهر الإنسانية التي تتميز بالتجريد، والتغير، وعدم الثبات، والوعي، والإرادة... يصعب إخضاعها للإجرءات التجريبية المتبعة في المختبر أو غيره. إن هذه الصعوبة لم تمنع العلماء من التفكير في طرائق مناسبة. والنتيجة هي تكييف المنهج التجريبي الفيزيائي مع خصوصيات الظواهر الإنسانية.
وهكذا، فقد أصبح المختبر هو البيئة الطبيعية لتواجد الظاهرة، كالمدرسة، والحياة الأسرية، والعلاقات الاجتماعية، وأصبحت التجربة هي عبارة عن ملاحظة مقصودة وموجهة، هدفها خلق شروط أو ظروف خاصة، تمكن من الدراسة المنظمة لتأثير متغير أو مجموعة من المتغيرات على بعضها البعض."20
وعليه، يقصد بالمنهج التجريبي دراسة العلاقات والتأثيرات السببية بين المتغيرات، وتفسير تلك العلاقات عن طريق التجريب والضبط والتحكم. بمعنى أن البحث التجريبي يعتمد على مجموعة من الأسس العامة التي تتمثل في المتغيرات، وضبط التجربة، وطرائق ضبط المتغيرات، والتصميمات التجريبية.
ومن ثم، فالمتغير عبارة عن مكون رئيس في التجربة. وهنا، يتم الحديث عن متغيرين: متغير مستقل، ومتغير تابع. فالمتغير الأول هو الذي يحدث الأثر في الثاني، ويتحكم فيه تأثيرا وتوجيها وتجريبا، مثل: (أثر التدخين في مردودية تلاميذ الثانوي). فمتغير التدخين هو الذي يؤثر في العامل الثاني، ويترك آثاره فيه.أي: يتحكم المتغير المستقل (التدخين) في العامل الثاني (مردودية التلاميذ). وتهدف التجربة إلى معرفة التأثير الحاصل في تحصيل التلاميذ.
ولا يكفي أن نعرف المتغير المستقل والمتغير التابع في العملية التجريبية، وكيفية ضبط التجربة، بل لابد من معرفة مجموعة من العوامل التي قد تؤثر سلبا أو إيجابا في المتغير التابع، دون أن تكون ناتجة عن المتغير المستقل، مثل العوامل التي تنشأ عن المجتمع الأصل للعينة التجريبية، كمستوى الذكاء، والمستوى الاجتماعي لأسر المجرب عليهم، والسن، والجنس، والحالة الجسمية والانفعالية، والخبرات التربوية والثقافية السابقة. بالإضافة إلى العوامل التي تنبع من إجراءات الاختبار التجريبي، كالمدة الزمنية المخصصة لإجراء التجربة التي قد يكون لها تأثير سلبي أو إيجابي حسب طبيعة الموضوع، والحالة النفسية المترتبة عن المشاركة في التجربة، كالاعتزاز بالنفس، وأثر الاختبارات القبلية، ومختلف الفحوص التقييمية. ناهيك عن العوامل التي ترجع إلى مثيرات خارجية، كدرجة الإضاءة، أونسبة الضجيج والضوضاء، والتوقيت غير الملائم، والاختلاف في كفاءة المدرسين المشاركين في التجربة، أو مواقفهم منها. ويعني هذا أن هناك مؤثرات خارجية، ومؤثرات تتعلق بالإجراءات التجريبية، ومؤثرات تعود إلى مجتمع العينة21.
ويمكن ضبط المتغيرات عبر ثلاث آليات إجرائية:
?التحكم الفيزيقي في متغيرات التجربة، بمعنى مراعاة جميع العوامل الفيزيائية التي قد تؤثر سلبا في مسار التجربة، والتحكم فيها، كالتحكم في الإضاءة - مثلا -،بإيجاد آلات أو أجهزة متطورة في منتهى الدقة والفعالية؛
?التحكم الانتقائي بإبعاد" بعض الصفات أو الخصائص الذاتية للمجرب عليهم، والتي قد يكون لها تأثير غير مباشر على نتائج البحث. وأحسن طريقة يقترحها العلماء هي تكوين عينة البحث بانتقاء زوجين متشابهين في كل شيء، ثم توزيعها عن طريق القرعة، بحيث يكون أحدها في المجموعة التجريبية، والآخر في المجموعة الضابطة. وهكذا، إلى أن نحصل على العدد المحدد في كل مجموعة. وبمثل هذه الطريقة يمكن ضبط عوامل، كالسن، والجنس، والميول، والاتجاهات، والمستوى الاقتصادي والاجتماعي، والمستوى التعليمي، أو الحالة الجسمية، أو الخبرات السابقة، ومستوى الذكاء... والتي قد تؤدي إلى فوارق في النتائج في حال إهمالها، وعدم ضبطها.22"
? التحكم الإحصائي، ونأخذ به عندما " لا يتيسر خضوع المتغيرات للتحكمين السابقين، ويتحقق هذا التحكم بعمليات إحصائية، وذلك بدراسة عدد من المتغيرات تباشر عملها معا، ثم يتم تطبيق الوسائل الإحصائية بعد ذلك، لعزل وتقدير أثر كل واحد من هذه المتغيرات."23
ولقد استفادت البحوث العلمية التجريبية من الإحصاء الوصفي والاستنتاجي. ومن المعلوم أن الإحصاء يؤدي وظائف جمة، كتلخيص المعلومات، وتصحيح البيانات، والمقارنة بين الظواهر والمتغيرات، وتحديد الخاصية. كما ينبني الإحصاء على مجموعة من الخطوات، مثل: جمع البيانات والمعطيات والمعلومات، والتنظيم والتبويب، والتمثيل، والتحليل، والتفسير، واستخلاص النتائج.
ومن جهة أخرى، ينبني الإحصاء على مجموعة من أساليب المعالجة القياسية التي لايمكن الاستغناء عنها، فقد وظفها العلماء لتحصيل النتائج اليقينية، مثل: سيغموند فرويد، وجان بياجيه، وإميل دوركايم... وتستعين المعالجة الإحصائية بمقاييس النزعة المركزية، ومقاييس التشتت، ومقاييس الارتباط24.
ويقصد بالنزعة المركزية" ميل أفراد المجموعة إلى التجمع عند مركزها، إذ نجد نسبة كبيرة من الأفراد يحصلون على درجات تشملها فئة معينة، وأن نسبا متناقصة منهم تحصل على درجات أقل، وأن نسبا مماثلة تحصل على درجات أعلى، وغالبا ما تتوسط الفئة ذات التكرار الأكبر التوزيع التكراري.25".
وتتضمن مقاييس النزعة المركزية كلا من: المتوسط الحسابي، والمنوال، والوسيط. فالمنوال هو" أكثر الدرجات شيوعا في التوزيع، أو هو القيمة التي تقابل أكبر تكرار في المجموعة، فإذا فرضنا وبوبنا أعمار تلاميذ فصل في السنة الرابعة الابتدائية، فإننا نجد عادة العمر المنوالي 10سنوات.أي: نسبة كبيرة من أطفال الصف الرابع أعمارهم عشر سنوات، ونسبة أقل من ذلك أكبر من عشر سنوات.وقد نجد نسبة أقل أصغر من عشر سنوات. ولحساب المنوال يعمل جدول من عمودين، تسجل قيم الدرجات في أحدهما مرتبة تنازليا، ويكتب التكرار في العمود الثاني، ثم يقارن تكرار القيم المختلفة لتحديد أكثرها، وهي المنوال26."
أما المتوسط الحسابي، فهو الذي يقسم الدرجات على عدد الحالات، و" يشيع تداول هذا المقياس من مقاييس النزعة المركزية لسهولة حسابه، وسهولة فهم معناه، وهو يصف المجموعة وصفا أفضل من المنوال؛ لأنه يستخدم جميع القيم في التوزيع، ويحسب بقسمة مجموع الدرجات على عدد الحالات."27
أما الوسيط، فيقصد به تلك النقطة التي تقع في " منتصف توزيع الدرجات، بحيث يسبقها نصف عدد الدرجات، ويعقبها النصف الآخر.والوسيط مقياس للوضع أكثر من كونه مقياسا للحجم أو المقدار، وهو مفيد على جه الخصوص في وصف توزيع تكراري، عندما يحتوي على قيم متطرفة، وهو في هذه الحالة أفضل من المتوسط الحسابي، وسهولة حسابه تجعله أسلوبا مريحا في الاستخدام، ولكن يقل استخدامه عن المتوسط الحسابي؛ لأن معظم الأساليب الإحصائية قد اشتقت لتستخدم مع المتوسط الحسابي."28
ومن جهة أخرى، تفيد مقاييس التشتت في قياس القيم المتطرفة، واختلاف قيم المتغير. بمعنى أنها تحسب الفوارق والانحرافات بين القيم، أو بين القيم وإحدى القيم المعبرة، " وتكون العمليات الإحصائية لمقاييس التشتت، أرضية أساسية لحساب العلاقة بين معطيين أو أكثر، كماهو الأمر في حساب معامل الارتباط بشكليه البسيط والمتعدد.29"
ومن أهم مقاييس التشتتالتباين، والانحراف المعياري. فالانحراف المعياري هو" تقدير مستقر لدرجة التباين أو التغاير، وهو يدخل في حسابه جميع درجات التوزيع.وفضلا عن ذلك، فهو لايهمل الإشارات، ولكي يتخلص منها لجأ إلى تربيع الأرقام كخطوة في الحساب الذي يلزم له. والانحراف المعياري أوسع مقاييس التشتت انتشارا، وأصدقها تمثيلا للواقع. وبدلا من جمع الانحرافات بدون إشارات، تجمع مربعات الانحرافات، وتقسم على عدد الحالات، ثم يستخرج الجذر التربيعي للرقم الناتج، فيكون الناتج هو الانحراف المعياري المطلوب. ويسمى مربع الانحراف المعياري بالتباين، وهو القيمة التي نحصل عليها عادة، قبل استخراج الانحراف المعياري باستخراج الجذر التربيعي.30" ويعني هذا أن الانحراف المعياري يساوي الجذر التربيعي لمجموع مربعات الانحرافات على عدد الدرجات. " وكلما كبرت قيمة الانحراف المعياري، كلما كان التشتت أو الانتشار كبيرا، وكلما صغرت هذه القيمة، كان التشتت صغيرا.31"
أما مقياس الارتباط أو التعالق، فيقصد به " درجة الارتباط بين متغيرين اثنين، أو بين نوعين من المتغيرات. وإذا كان الأمر يتعلق بارتباط متغيرين فقط، سمي بالارتباط العادي، أما إذا كان الأمر يتعلق بارتباط متغير بأكثر من متغيرين، سمي بالارتباط المتعدد الأطراف.
ويفيد الارتباط في الحالة التي يكون حجم مجتمع البحث كبيرا، أو في الحالة التي يرصد فيها الباحث عددا كبيرا من المتغيرات، وتكون الرغبة في قياس درجة العلاقة بينها؛ بحيث إن تلك العلاقة يمكن أن تكون دالة بالإيجاب أوالسلب32."
وعليه، فحينما يحاول الباحث إجراء تجارب في ميدان علم الاجتماع، أو علم النفس، أو ميدان التربية والتعليم، فعليه أن يختار العينة التمثيلية للمجتمع الأصلي، سواء أكانت تلك العينة عشوائية أم منظمة أم طبقية، أم كانت أيضا عينة الوضعيات. و" تجسد كيفيات اختيار أفراد المشتركين للبحث وأنواعهم مسألة شائكة نسبيا، يصعب ضبطها بالكامل في كثير من الأحيان لأسباب متعددة، تتعلق بمعطيات وظروف بيئات المنهج. وعلى كل حال، مهما كانت أنواع العينات المختارة، فإن أفضل طريقة متعارف عليها لاختيار أفراد أو مواضيع البحث هي العشوائية. وبينما تتوفر أساليب الاختيار العشوائي في معظم المراجع الإحصائية، فإنها تهدف في العموم إلى تزويد مجموعات البحث بعينات عضوية ممثلة لمجموع السكان أو الشرائح السكانية لعينات البحث"33.
ومن هنا، يمكن الحديث، في إطار انتقاء العينة،عن المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة، وتتم طرائق التجريب أو تصاميمه - حسب العالمين الأمريكين: كامبل(Campell) وستانلي(Stanley) – عبر ثلاثة تصاميم تجريبية، وهي:
أ- التصميم ما قبل التجريبي، أو طريقة المجموعة الواحدة.
ب- التصميم شبه التجريبي، أو طريقة المجموعتين المتساويتين.
ج- التصميم التجريبي أو طريقة تدوير المعامل.34
وعليه، يتضمن التصميم ما قبل التجريبي، أو مايسمى أيضا بطريقة المجموعة الواحدة، الأنواع التالية:
( المجموعة التجريبية الواحدة باختبار بعد التطبيق لتحديد كفاية تحصيل التلاميذ، أو تحديد أنواع ميولهم.
( المجموعة التجريبية الواحدة باختبارين، قبل التطبيق وبعده.
( المجموعة التجريبية الواحدة باختبار قبل التطبيق لمجموعة أخرى مشابهة، مع اختبار بعد التطبيق للمجموعة التجريبية المعينة.أي: نقارن المجموعات التجريبية والضابطة.
وثمة طرائق أخرى للتصميم شبه التجريبي، أو طريقة المجموعتين المتساويتين، مثل:
( مجموعتان اختبارية وضابطة بدون ضبط (بدون انتقاء منظم أو مقنن).
( مجموعتان اختبارية وضابطة بضبط جزئي، باختبارين قبل التطبيق وبعده.
( المجموعة التجريبية المختلفة بدون ضبط، باختبارين قبل التطبيق وبعده.
( المجموعة الواحدة باختبارات متعددة قبل التطبيق وبعده.
( الطريقة الانتقائية أو الطريقة المرقعة لكونها تجمع أكثر من طريقة غير تجريبية.
أما طرائق التصميم التجريبي الحقيقي، فتتمثل في الأنواع التالية:
( المجموعتان التجريبية والضابطة باختبار بعد التطبيق.
( المجموعتان التجريبية والضابطة المتطابقتان بأفرادهما، وباختبار بعد التطبيق.
( المجموعتان التجريبية والضابطة باختبارين قبل التطبيق وبعده.
( المجموعة التجريبية والمجموعتان الضابطتان باختبارات قبل التطبيق وبعده.
( المجموعة التجريبية والمجموعات الثلاث الضابطة، باختبارات قبل التطبيق وبعده.35
ويبقى المنهج التجريبي أنجع المناهج في بناء البحوث الاجتماعية والنفسية والقانونية والتربوية والعلمية، وتحصيل النتائج اليقينية، وإغناء عملية التجريب في المجال العلمي، فهو" لايختلف كثيرا عن نظيره في المجال الفيزيائي، إذ يبدأ بملاحظة الظاهرة التي تساعد على اقتراح فرضيات، يتم العمل - بعد ذلك- على التأكد من صدقها أو عدمه، باعتماد إجراءات تجريبية، كتحديد العوامل التجريبية أو المستقلة والعوامل التابعة، وتكوين المجموعات التجريبية والمجموعات الضابطة وفقا لقواعد مضبوطة.ثم، اختيار التصاميم التجريبية المناسبة للموضوع أو الإشكالية، والتي تضمن حدا أدنى في إمكانيات التحكم في العوامل والمتغيرات، وضبطها بهدف تحقيق مستوى مقبول من الموضوعية العلمية، والدقة في النتائج."36
وهكذا، فالمنهج التجريبي هو أكثر المناهج العلمية دقة وضبطا وتحكما، مادام يستعين بالإحصاء الوصفي والاستنتاجي في دراسة المتغيرات المستقلة والتابعة، وفق تصاميم تجريبية متنوعة قصد التحكم في مجموعة من العوامل التي قد تؤثر سلبا في مسار التجريب العلمي.
المبحث السادس: المنهج الوصفي
من المعلوم أن المنهج الوصفي هو ذلك المنهج الذي يهتم بوصف الظواهر المعطاة، بفهم مكوناتها الثابتة، واستجلاء سماتها الحاضرة والغائبة، واستكشاف عناصرها الظاهرة. ومن ثم، يرتكز المنهج الوصفي، في مجاليعلم الاجتماع والقانون، على الملاحظة العفوية والمنظمة، وتحديد الفرضية، والبرهنة عليها استقراء واستنباطا، بتمثل التحليلين: الكمي والكيفي.
وبعد ذلك، يقوم الباحث بتحويل الفرضية إلى إشكالات وأسئلة جوهرية، مع التأشير على محدادات البحث، كالمحددات البشرية والزمانية والمكانية والمادية والمالية، واختيار العينة التمثيلية، واستعراض الدراسات السابقة في الموضوع، ونقدها نقدا علميا موضوعيا.
ولابد للباحث أن يبين مقومات منهجه الوصفي، فيشير إلى الأداة الوصفية التي يستعملها في بحثه، هل يختار: الاستمارة، أو المقابلة، أو دراسة الحالة، أو الروائز، أو تحليل المضمون...؟؟
وتعقب هذه المرحلة معالجة المعطيات والبيانات في ضوء الإحصاء الوصفي والاستنتاجي. وبعد ذلك، ينتقل الكاتب إلى تحليل كل بند أو سؤال أو معلومة، بالاستعانة بالجداول والإحصاءات والمبيانات والدوائر والنسب المائوية بغية تفسيرها، واستخلاص النتائج وتأويلها، مع تقديم التوصيات والاقتراحات. ويشترط في البحث العلمي الوصفي الناجع الابتعاد قدر الإمكان عن الذاتية والأهواء الإيديولوجية.
ويتمير المنهج الوصفي بأنه منهج مسحي، يقوم بدراسة شاملة لموضوع دراسته، بجمع البيانات والمعلومات والمعطيات المتعلقة بظاهرة معينة، مع تحليل الوضع الراهن لها في زمان ومكان معينين. ومن أمثلة الدراسات المسحية المسح الديمغرافي.
المبحث السابع: المنهج التاريخي
يهدف المنهج التاريخي إلى دراسة ظاهرة ما في تعاقبها الزماني ومسارها المكاني، برصد خلفياتها التاريخية، ومعرفة تطورها على جميع المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية، والثقافية، والدينية. بمعنى أن المنهج التاريخي يقوم على مجموعة من المفاهيم، مثل: التحقيب، والسيرورة، والتطور، ومعرفة التمفصلات، وتحديد الظروف التاريخية الخاصة والعامة.
ويرتبط التاريخ بدراسة الماضي في علاقته بالحاضر والمستقبل. وهنا، تقوم الوثائق بدور كبير في استنطاق الأحداث والوقائع قصد فهمها وتفسيرها وتأويلها، وبناء المعطى التاريخي تشريحا وتركيبا. ومن ثم، فمن الضروري قراءة الوثائق المعطاة اعتمادا على النقد الداخلي (قراءة الوثيقة من الداخل )، والنقد الخارجي(قراءة الوثيقة من خلال ربطها بصاحبها).
ويذكرنا هذا النقد العلمي التاريخي بعلم الجرح والتعديل لدى علماء الحديث في دراسة السند والمتن. ومن هنا، يمكننا - مثلا- معرفة تطور الدولة عند المسلمين، أو التيقن من مراحل تطور المؤسسات الاجتماعية في بلد معين...
ولا ننسى أيضا أن علم التاريخ يعتمد على جمع المعلومات والبيانات لتسخيرها في كتابة التاريخ. ومن بين هذه الوثائق الأساسية الاستعانة بالآثار، والحفريات، والمعاهدات، والاتفاقيات، والخطب، والنقود، والمؤتمرات الصحفية، والوثائق المباشرة، والرسائل، والمراسيم، والصور، والتسجيلات...
وهناك وثائق ثانوية كالمصادر، والمراجع، والكتب، والمذكرات، والتراجم، والسير، والمقالات الرقمية والورقية...
وبالتالي، يستند المنهج التاريخي إلى مجموعة من المراحل العلمية، منها: تحديد فرضية البحث، واختيار الوثائق وانتقائها، وتوثيقها داخليا وخارجيا بعد جمعها وحصرها وتقييدها، والتحقق من صحتها في ضوء محكات ومعايير ومقاييس علمية. وبعد ذلك، تأتي عملية القراءة، والفهم، والتفسير، والتأويل، والاستنتاج بشكل مركب ومنظم ومنسق. ويمكن للباحث أن يقدم مجموعة من التنبؤات التفسيرية الهامة بناء على ما توصل إليه من نتائج على مستوى التركيب والاستنتاج.
المبحث الثامن: المنهج المقارن
إذا كانت العلوم التجريبية تعتمد كثيرا على التجربة في تأكيد صحة الفرضية من بطلانها من أجل استصدار قانون أو نظرية مجردة كلية، فإن العلوم الإنسانية بصفة عامة، بما فيها علم الاجتماع وعلم القانون، تتكىء على المقارنة بين الظواهر، بإيجاد عناصر الاختلاف والاشتراك، ورصد أوجه التأثير والتأثر، وتبيان مختلف المصادر التي تتحكم في تلك الظواهر المدروسة. ويصنف إميل دوركايم المنهج المقارن بأنه نوع من التجريب غير المباشر.
وعليه، فالمنهج المقارن هو الذي يعقد مقارنات بين الظواهر المعطاة بغية تبيان أوجه الائتلاف والاختلاف بينها، ولابد أن تكون تلك الظواهر متماثلة أو متشابهة في بنيتها وتركيبها ووظيفتها، كأن نقارن- مثلا -النظام القضائي المغربي بمثيله الجزائري، أو نقارن الكتب السوسيولوجية المغربية بنظيرتها المصرية أو اللبنانية. وهكذا، دواليك...
المبحث التاسع: المنهج الاجتماعي الجدلي
تعد النظرية الماركسية، أو المادية التاريخية، من أهم النظريات السوسيولوجية الكبرى إلى جانب النظرية الوضعية، والنظرية الوظيفية البنائية، والنظرية الإسلامية، والنظرية التفاعلية الرمزية، والنظرية الإثنومنهجية، والنظرية الماركسية الجديدة، ونظريات ما بعد الحداثة...إلا أن النظرية الماركسية، أو النظرية المادية التاريخية، قائمة على مبدإ الصراع الجدلي، والمادية التاريخية، وترجيح كفة ماهو مادي واقتصادي على ماهو فكري وثقافي.ومن ثم، تتخذ هذه النظرية توجها ماديا واقتصاديا محضا.
المطلب الأول: مفهوم النظرية الماركسية
ترتبط النظرية الماركسية بالمفكر الألماني كارل ماركس (1818-1883م)، وهو فيلسوف ومؤرخ واقتصادي وثوري وعالم اجتماع. وقد ساهمت أفكاره في تطوير علم الاجتماع، وانتشار الماركسية في المجالات السياسية والاقتصادية والمجتمعية. وقد عرف بالمادية التاريخية والفلسفة الجدلية، ونقده القاسي للرأسمالية والبورجوازية على حد سواء، ودفاعه عن الطبقة البروليتارية في وجه الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج. لذلك، انضم إلى الجمعية العالمية للعمال. وعرف كذلك بطابعه الثوري ضمن الطبقة العمالية. وكان يقول بتغيير العالم بدل تفسيره. وقد تركت أفكاره بصمات واضحة على مجموعة من الكتابات التي تندرج ضمن الماركسية، سواء أكانت كلاسيكية أم معاصرة.
المطلب الثاني: سياقها التاريخي
ظهرت الماركسية في سياق تاريخي تميز بالصراع النضالي والجدلي بين البورجوازية مالكة وسائل الإنتاج، والطبقة العمالية صاحبة القوة الإنتاجية، وكان ذلك في القرن التاسع عشر الميلادي، عصر الثورة الصناعية والعمالية. وكان سبب هذا الصراع هو الظلم الذي كانت تعانيه الطبقة البروليتارية من جراء عسف الطبقة البورجوازية وبطشها وتجبرها وتعنتها، إلى جانب ماكانت تمارسه من استغلال واستيلاب ومعاملة سيئة في حق هؤلاء العمال، وطردهم من أعمالهم ووظائفهم ومناصبهم.
ومن هنا، جاءت الماركسية للتعبير عن هموم الطبقة العمالية ومحنها وإحنها، وتجسيد آمالها وطموحاتها وتطلعاتها.ومن هنا، " يمكننا القول: إن الاشتراكية، نقصد العلمية منها (الشيوعية)، قد مثلت ايديولوجية الطبقة العاملة في نضالها ضد الظلم والاستغلال الطبقي الذي ميز النظام الرأسمالي، فقد رافقت ولادتها حركة الطبقة العاملة في أوروبا (ألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا، وبلجيكا،...)، وكانت تمثل التعبير السياسي والنظري عن تلك الحركة، والحاملة لأهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث شارك مؤسسا هذه الإيديولوجيا بقوة في نضالات الطبقة العاملة، سواء من خلال تأسيس الجمعية الأممية للعمال، أم من خلال عصبة الشيوعيين في ألمانيا.
لثد دخلت الاشتراكية العلمية منذ ولادتها في صراع ضد الليبرالية باعتبارها إيديولوجية النظام الرأسمالي، التي تسوغ مشروعيته، وتبرر تناقضاته واستغلاله البشع للعمال.وفي الوقت الذي اتخذت فيه الليبرالية طابعا محافظا، اتخذت الاشتراكية العلمية طابعا نقديا راديكاليا، استهدف بالدرجة الأولى الكشف عن مساوىء النظام الرأسمالي، والدعوة إلى تجاوزه عن طريق التغيير الجذري، بحيث تتحقق في الأخير العدالة الاجتماعية، وتسمو القيم الإنسانية.37"
ويمكن التمييز بين ماقبل الماركسية التي كانت عبارة عن تصورات ميتافيزيقية، وتأملات مثالية ساذجة وحالمة، ومرحلة الماركسية العلمية مع كارل ماركس وأنجلز. وقد تميزت هذه النظرية بطابعها العلمي واليقيني، بل إنها قادرة على الاستشراف والتنبؤ. وبالتالي، فقد كانت الماركسية نظرية سوسيولوجية ثورية وراديكالية لاتؤمن بتفسير العالم أو المحافظة عليه، بل كانت تدعو إلى تغييره جذريا، في إطار منظور مادي تاريخي وجدلي، يؤمن بالعمل والممارسة والبراكسيس، مع السعي الجاد إلى القضاء على الليبرالية والفكر البورجوازي الفردي. وأكثر من هذا، فقد وضعت الماركسية تطورا تاريخيا للبشرية التي قطعت أطوارا عدة هي: المرحلة المعاشية، والمرحلة العبودية، والمرحلة الإقطاعية، والمرحلة البورجوازية، والمرحلة الاشتراكية. وبعد ذلك، تنتقل الإنسانية إلى المرحلة الشيوعية بعد القضاء على الملكية الخاصة، وإزالة الدولة، والقضاء على الطبقات الاجتماعية، وإشاعة الأموال والنساء.
ومن هنا، فالماركسية فلسفة عمالية بروليتارية راديكالية وثورية بامتياز، همها الوحيد هو الصراع الجدلي المستمر، والقضاء على البورجوازية الليبرالية، وتجاوز ماهو نظري وديني وروحي إلى ماهو مادي واقتصادي ومجتمعي، والإيمان بالتغيير الجذري الجدلي.
المطلب الثالث: التصور النظري
إذا كانت الليبرالية تقوم على أسس خمسة هي: الفرد، والعقل، والحرية، والتسامح، والعدالة، فإن الاشتراكية العلمية، مع كارل ماركس وإنجلز، قد تجاوت الاشتراكية الطوباوية بأحلامها المثالية الموغلة في التجريد، كما يبدو ذلك جليا عند سان سيمون(Saint -Simon)، وشارل فورييه (Charles Fourier)، وإتيان كابيه (Etienne Cabet).
ومن ثم، ترتكز الاشتراكية العلمية على مجموعة من المبادىء والمقومات الأساسية، كنقد المجتمع القائم، والدعوة إلى مجتمع جديد أفضل، والدعوة إلى الثورة ونشرها عالميا، وإلغاء الملكية الخاصة، وتحقيق المساواة بين الأفراد، وتدخل الدولة في تنظيم الحياة الاقتصادية، وسيطرة البروليتاريا (العمال والفلاحون) على مقاليد الأمور والحكم، وتقييد حرية الأفراد في التملك والكسب والتصرف، والتوسع في الخدمات الاجتماعية والصحية38، والانتقال من مجتمع اشتراكي إلى مجتمع شيوعي بدون طبقات أو دولة، يشيع فيه المال والملكية الخاصة والنساء. وفي هذا، يقول لينين:"فما بقيت الدولة لاوجود للحرية وعندما توجد الحرية تنعدم الدولة...إن الأساس الاقتصادي لاضمحلال الدولة اضمحلالا تاما هو تطور الشيوعية تطورا كبيرا، يزول معه التضاد بين العمل الفكري والعمل الجسدي، عندئذ يمكن للدولة أن تضمحل تماما عندما يعتاد الناس تماما مراعاة القواعد الأساسية للحياة في المجتمع، وعندما يصبح عملهم لدرجة تجعلهم يعملون طوعا حسب طاقتهم.39"
ويضيف:" نحن لسنا بخياليين، ونحن لاننكر ضرورة قمع مثل هذه المخالفات، ولكن هذا لا يحتاج إلى ماكينة خاصة للقمع؛ إلى جهاز خاص للقمع؛ فالشعب المسلح نفسه يقوم به ببساطة كما تقوم جماعة من الناس المتمدنين حتى في المجتمع الراهن بتفريق متشاجرين، أو الحيلولة دون الاعتداء على امرأة. وثانيا، نحن نعلم أن السبب الاجتماعي الأساسي للمخالفات التي تتجلى في الإخلال بقواعد الحياة في المجتمع هو استثمار الجماهير وبؤسها، عندما يزول هذا السبب الرئيسي، تأخذ المخالفات لامحالة في الاضمحلال. نحن لانعلم بأية سرعة وبأي تدرج، ولكننا نعلم أنها ستضمحل حتما، ومع هذا الاضمحلال تضمحل الدولة أيضا.40"
بيد أننا في حاجة ماسة، اليوم، إلى التمسك بتلابيب الدولة وتقويتها مؤسساتيا، وخاصة مع كثرة الاضطرابات والفتن والقلاقل والحروب والصراعات بين العشائر والقبائل والطوائف والإثنيات و الدول... لذا، يعد تصور ماركس أو لينين بانتهاء الدولة مع الشيوعية مجرد خيال طوباوي حالم، لا أساس له من الصحة المنطقية أو الواقعية أو السياسية.
وعليه، ينبني التصور السوسيولوجي، عند ماركس وأنجلز معا، على المنظور المادي التاريخي والجدلي، بإقامة مجتمع اشتراكي تسيطر فيه الطبقة البروليتارية على وسائل الإنتاج ريثما يتحقق الانتقال إلى المجتمع الشيوعي الذي تنعدم فيه الدولة والطبقات، وتشيع فيه الأموال والنساء. وينبني هذا التصور الماركسي على مراحل تاريخية متعاقبة هي:
(مرحلة انتصار الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي؛
(مرحلة التكوين الاشتراكي العالمي؛
(مرحلة الشيوعية، وتحول الدول الرأسمالية إلى دول اشتراكية، ثم الانتقال إلى دول شيوعية.
بيد أن هذه المراحل والتصورات الماركسية عبارة عن أحلام يوطوبية بمفهوم كارل مانهايم(Karl Mannheim) لليوطوبيا التي تعني عدم تطابق الحالة العقلية مع الواقع. وهذا ما جعل بوتومور يقول:" إن الذي يتعذر غفرانه هو أن ماركس قد عمد إلى التضحية بالعلم الوضعي على مذبح الميتافيزيقا، وإنه لم يبد في البحث إلا ذلك الدليل الذي يؤيد الرؤية للعالم والتاريخ يبدعها خيال شعري وفلسفي لايرقى إليه شك بعدئذ.وباختصار، إنه ماركسي فج، وكان المبشر والداعي إلى عقيدته.41"
ويعني هذا أن الماركسية عبارة عن فكر ميتافيزيقي لايمت بصلة إلى الواقع العلمي والوضعي. وبالتالي، فالسوسيولوجيا الماركسية عبارة عن سوسيولوجيا ثورية راديكالية انتقادية وتقويضية، لايهما سوى خوض الصراع الجدلي لتقويض الفكر الليبرالي البورجوازي.
وهكذا، فقد " ارتدى الإسهام العلمي لماركس وأنجلز ثوبا إيديولوجيا راديكاليا، لأنه لم يقف عند حدود الكشف عن الطابع الاستغلالي للنظام الرأسمالي من خلال التفسير العلمي الموضوعي، ولكنه تجاوزه إلى الدعوة إلى إقامة مجتمع بديل يقوم على رؤية ايديولوجية اشتراكية. ومن هنا، صنفت أعمال ماركس وإنجلز ومن نحا نحوهما ضمن ما يسمى بعلم الاجتماع الراديكالي، وكان من الطبيعي أن يدخل هذا الأخير في صراع إيديولوجي مع علم الاجتماع اليبرالي، على غرار الصراع الإيديولوجي القائم بين الليبرالية والاشتراكية."42
وأكثر من هذا، يغيب الطابع العلمي في السوسيولوجيا الماركسية، وتتحول إلى عقيدة إيديولوجية ضحلة تعيق التقدم والتطور والازدهار. وفي هذا، يقول محمد محمد أمزيان:" إن هذه الدعوة العقائدية التي تميزت بها النظرية الماركسية لم تكن خاصة بها، فهي خاصية من خصائص المنهج الوضعي على العموم، وهي نفسها التي وجهت الوضعية في بحوثها.وهذه الدعوة العقائدية، نظرا لما تنطوي عليه من ضحالة فكرية تقف في وجه التفكير العلمي الصحيح، وتعرقل مسيرته نحو النمو، وتنتهي به إلى كثير من الضلال المنهجي، ويتحول العلم معها إلى الاعتقاد في العلم يتحول معه هذا الأخير إلى عقائدية ميتافيزيقية لها طابع فلسفي ينأى بالفكر العلمي عن بلوغ أهدافه، ويتيه في مثاليات يؤمن بها الباحث المتعصب لمذهبه، ويظل حبيسا للنزعات الذاتية والآراء الشخصية والافتراضات القبلية....".43
وهكذا، يمكن القول: إن سوسيولوجيا ماركس هي سوسيولوجيا ثورية راديكالية، تنقد الواقع الكائن، بتغييره نحو الأحسن، باستشراف واقع ممكن أفضل، يسود فيه الوعي الواقعي الحقيقي، وهو وعي الطبقات العمالية المبني على تغيير الظروف المستلبة، بالسيطرة على وسائل الإنتاج، وخلق أساليب إنتاجية جديدة.
المطلب الرابع: التصور المنهجي
تستند النظرية الماركسية إلى المادية الجدلية القائمة على فكرة الصراع الكمي والكيفي، والإيمان بالجدل الثلاثي: الأطروحة، ونقيض الأطروحة، والتركيب، والاعتماد على المادية التاريخية في تفسير تطور المجتمعات البشرية. وقد تأثر ماركس تأثرا كبيرا بأفكار هيجل(Hegel).إلا أن مثالية هيجل المطلقة لم تعجب كارل ماركس، مادامت تؤمن بأهمية الفكر في تغيير الواقعي بشكل ديالكتيكي. في حين، قلب ماركس هذه المعادلة الجدلية المثالية ليصبح الواقع المادي هو أساس الفكر. وبالتالي، له الأسبقية والتأسيس والتوجيه. وفي هذا، يقول ماركس في كتابه (رأس المال):"إن منهجي الديالكتيكي لايختلف عن المنهج الجدلي الهيجيلي من حيث الأساس وحسب، بل إنه الضد المقابل له مباشرة. فالبنسبة لهيجل: إن عملية تطور الفكر ونموه، هذه العملية التي يشخصها ويعتبرها مستقلة، ويطلق عليها اسم الفكرة، هي في نظره خالقة الواقع.فما الواقع في نظره إلا المظهر الخارجي للفكر. أما بالنسبة لي، فإن عالم الأفكار ليس إلا العالم المادي منقولا إلى الذهن البشري ومترجما فيه."44
ومن ثم، فالديالكتيك عند هيجل" يسير على رأسه. وتكفي إعادته على قدميه لكي نرى له هيئة معقولة تماما.45"
وكان كارل ماركس قد كتب رسالة إلى أحد أصدقائه يقول فيها:" إن منهجي في التحليل ليس هو منهج هيجل، لأنني مادي، وهيجل مثالي. إن ديالكتيك هيجل هو الشكل الأساسي لكل ديالكتيك، ولكن بعد أن يتعرى من صورته الصوفية.وهذا بعينه ما يميز منهجي.46"
ومن هنا، تتجاوز مادية كارل ماركس الجدلية الماديات السابقة كالمادية الأرسطية، والمادية الذرية مع ديمقريطيس، والمادية التجريبية الإنجليزية مع جون لوك، ودافيد هيوم، واستيوارت ميل، والمادية الميكانيكية مع فيورباخ. وهنا، تعطى الأسبقية لما هو مادي واقتصادي على ماهو فكري وإيديولوجي. كما أن البنية التحتية ذات الطبيعة المادية هي التي تتحكم في البنية الفوقية القائمة على الفكر والدين والتصوف والأدب والفن والإيديولوجيا... وفي هذا، يقول ماركس:" ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل على العكس من ذلك، إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم"47.
ويعني هذا أن ما هو اقتصادي ومادي ومجتمعي هو الذي يحدد فكر الناس ووعيهم ووجودهم. ولايعني هذا أن الفكر سلبي، لادور له في تغيير المجتمع أو التأثير فيه، بل يؤمن بفعاليته وخصوبته، وتأثيره في المجتمع المادي المحسوس. وفي هذا، يقول ماركس:" إن العيب الرئيس للمادية السابقة كلها، بما فيها مادية فيورباخ، هو أن الشيء، الواقع، العالم المحسوس، لاينظر إليه فيها إلا على شكل موضوع تأمل وليس كفاعلية إنسانية مشخصة، ليس كممارسة، وليس ذاتيا...إن المذهب المادي القائل إن الناس هم نتاج الظروف والتربية، وأن الناس الذين تغيروا هم بالتالي نتاج ظروف أخرى وتربية تغيرت، أن هذا المذهب المادي ينسى أن الناس هم بالضبط الذين يغيرون الظروف، وأن المربي نفسه هو في حاجة إلى أن يربى48."
وعليه، فثمة علاقة جدلية أو علاقة تأثر وتأثير بين الفكر والواقع، بين الوعي والمادة، بين البنى الفوقية والبنى التحتية.
أضف إلى ذلك أن المادة عند ماركس ليست ساكنة، بل متحركة وديناميكية، وفي حركة دائمة.وهذه الحركات أنواع: حركة ميكانيكية (في المكان)، وحركة فيزيائية (داخل المادة نفسها)، وحركة كيماوية (تفاعلات)، وحركة بيولوجية (حركة الأعضاء)، وحركة اجتماعية (العلاقات الاجتماعية وتطور المجتمع والتاريخ)...وتنتج هذه الحركات عن التناقضات الجدلية الداخلية والخارجية، والتناقضات الكمية والكيفية.
وعليه، فقد تبنى ماركس المادية التاريخية ذات الأساس الجدلي. وهي نظرية وفلسفة ومنهجية وممارسة علمية وعملية. ومن ثم، ترفض الماركسية الجدلية ميكانيكية فيورباخ، ومثالية هيجل، والفلسفة الوضعية التي تبوئ العلم مكانة كبرى. في حين، ترى العالم قائما على الصراع الجدلي، أساسه التناقضات الداخلية والخارجية، والتناقضات الكمية والكيفية. ويعني هذا إذا كانت الوضعية تقول بالنظام والتوازن والتكامل، فإن جدلية ماركس تقول بالصراع والتناقض الديالكتيكي. ومن ثم، فليست الحقائق مطلقة أو نهائية، بل هي تحليل ملموس لموقف ملموس. علاوة على ذلك، فالماركسية، إلى جانب كونها فلسفة ومنهجية، فهي عمل وممارسة، أو كما يقول لينين دليل للعمل.وبهذا، يكون الباركسيس أو العمل أو الممارسة أفضل بكثير من النظريات المجردة. إذاً، فالعملي أكثر أهمية من النظري. ويؤكد ماوتسي تونغ هذه الفكرة بقوله:" إن ممارسة الإنسان هي وحدها مقياس الحقيقة. لأن المعرفة الإنسانية لاتثبت صحتها إلا حين يتوصل الإنسان إلى النتائج المقدرة سلفا بواسطة عملية الممارسة، إن عملية المعرفة تبدأ بالممارسة وتبلغ المستوى النظري بواسطة الممارسة، ومن ثمة ينبغي لها أن ترجع إلى الممارسة...إن مشكلة معرفة ما إذا كانت النظرية صحيحة، متفقة مع الحقائق الموضوعية، لاتحل تماما إلا بإعادة توجيه المعرفة العقلية إلى الممارسة الاجتماعية، وتطبيق النظرية على الممارسة للتحقق مما إذا كانت تستطيع أن تحقق النتائج المرتقبة...49"
ومن جهة أخرى، أهم شيء في المادية التاريخية هو منهجها الدياليكتيكي الذي يتحكم في الممارسة بالتعديل والتصحيح والتغيير. ومن ثم، فقوانين الديالكتيك المادي - حسب فردريك أنجلز(Friedrich Engels)50- ثلاثة هي:
(قانون وحدة المتناقضات وصراعها. بمعنى أن المتناقضات الجدلية توجد داخل الشيء الواحد، وأنه لايمكن الفصل بين الشيء وتناقضه، أو الفصل بين الأطراف المتناقضة عن بعضها البعض. كما أن أشياء العالم تتكون من المواد الجامدة والحية. وعلى الرغم من تنافر الضدين وتناقضهما فهما متلازمان جدليا، وهذا التناقض أو الصراع هو أساس التطور والنمو. ويقول لينين:" إن النمو هو صراع الأضداد". ومن ثم، فهناك نوعان من التناقضات: تناقضات داخلية تقع داخل الشيء الواحد، وتناقضات خارجية بمثابة صراع الشيء مع محيطه الخارجي. لذلك، فالتناقضات الداخلية أهم من الخارجية.وفي هذا، يقول ماوتسي تونغ:"يعتبر الديالكتيك المادي أن الأسباب الخارجية هي شرط التبدل، والأسباب الداخلية هي أساس التبدل.والأسباب الخارجية إنما تفعل فعلها عن طريق الأسباب الداخلية.فالبيضة تتبدل في درجة حرارة ملائمة فتصير كتكوتا، ولكن الحرارة لاتستطيع أن تحول الحجر إلى كتكوت، لأن أساس التبدل في الأول يختلف عنه في الثاني51."
كما تميز المادية الجدلية بين التناقضات الداخلية والخارجية، تميز أيضا بين التناقض الأساسية والتناقضات الثانوية.فالتناقض الأساس هو الذي يقوم بالدور الحاسم والمؤثر في الصراع. في حين، يعد دور التناقض الثانوي مكملا وهامشيا. وفي هذا الصدد، يقول ماوتسي تونغ:" ثمة تناقضات عديدة في عملية تطور شيء معقد. ومنها تناقض هو بالضرورة التناقض الرئيسي الذي يحدد وجوده وتطوره، وجود التناقضات الأخرى أو يؤثر فيها.52"
ويعني هذا أن التناقض الرئيسي (أ) قد يكون له دور كبير في فترة زمنية معينة إلى جانب التناقضات الثانوية (ب) و(ج). لكن مع تغير الظروف التاريخية والتطورية والنمائية، قد يصبح تناقض(ب) أكثر أهمية من تناقض (أ).
ومن ناحية أخرى، قد ينتج عن التناقضات صراع من نوع صراع الأضداد، مثل: صراع البورجوازية مع العمال ينتج عنه صراع الطبقات. وقد لاينتج عن تلك التناقضات أي صراع، مثل: التناقضات داخل الطبقة العمالية نفسها التي تختفي بالممارسة الثورية، وعملية النقد الذاتي.
( قانون تحول الكم إلى كيف: ويعني هذا أن التحولات الكمية قد تنتج عنها تحولات كيفية، مثل: غليان الماء في درجة معينة على مستوى الكم، ينتج عنه تحول كيفي بالانتقال من الماء إلى البخار. وقد يحدث التحول الكيفي إما بشكل مباغت ومفاجىء، وإما بشكل طفرة أو قفزة في شكل دفعة واحدة أو دفعات متعاقبة، وإما بشكل تدريجي. ومن ثم، فدلالة قانون تحول الكم إلى الكيف يعني" أن التزايد التدريجي في التغيرات التي تخلق الكم، والتي تكون أول الأمر ضعيفة غير مشاهدة، تؤدي عندما تصل درجة معينة، إلى تغيرات كيفية جذرية تختفي معها الكيفية القديمة لتحل محلها كيفية جديدة، ينتج عنها بدورها تغيرات كمية.53"
ويعني هذا كله أن التراكم الكمي ينتج عنه تحول كيفي بصيغ متعددة ومختلفة ومتنوعة. ويقول ماركس:" إنه في مرحلة ما من مراحل التطور، يؤدي التغير البسيط في الكم الذي بلغ درجة معينة، إلى اختلافات في الكيفية.54 "
(قانون نفي النفي: يقصد بنفي النفي نقيض الأطروحة ونفيها. بمعنى أن الشيء له أطروحة (Thèse)، ونقيض(Antithèse)، وتركيبSynthèse)). فظهور الشيء الجديد من القديم يعتبر نفيا للقديم. ولكن هذا الجديد بدوره يصبح قديما، فيأتي جديد آخر ليصبح نفيا للنفي. ولابد من الاحتفاظ، في أثناء عملية نفي النفي، بالجوانب الإيجابية في المنفي، وتفادي سلبياته؛ لأن عملية نفي النفي تساعد على النمو والتقدم والازدهار، وإلا أدى ذلك إلى التكرار والوقوف عند حدود دائرة مغلقة. ومن هنا، يسير التاريخ، في المنظور الجدلي، في خط مستقيم بشكل تصاعدي من الأدنى إلى الأعلى، في إطار تطور جدلي ديالكتيكي، يتصارع فيه القديم والجديد، ويتم هذا التقدم التاريخي في شكل حركة لولبية، ولكن تظهر من حين لأخرى بعض الحوادث التي تتخذ طابعا تكراريا، فنقول: إن التاريخ يعيد نفسه: لكن هذا لايؤثر في مسار التاريخ وتقدمه وتطوره إلى الأمام.
وقد صاغ ستالين أربعة قوانين في كتابه (المادية الجدلية والمادية التاريخية) عام 1938م؛ حيث أضاف قانونا رابعا على الوجه التالي:
( قانون الترابط العام بين الظواهر؛
(قانون الحركة والتطور في الطبيعة والمجتمع؛
(قانون التحول من الكم إلى الكيف؛
(قانون صراع المتناقضات.
بيد أن المفكرين الإيديولوجيين في الاتحاد السوفياتي عادوا، بعد وفاة ستالين، إلى قوانين إنجلز الثلاثة.
وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن المنهج الجدلي مرتبط بكارل ماركس من جهة، وأنجلز من جهة أخرى. وتؤمن السوسيولوجيا الماركسية بأهمية العمل وأسبقيته على الفكر النظري. وبالتالي، فالممارسة العملية أو البراكسيسية أساس تطور المجتمعات. كما أن الأساس المادي والاقتصادي والمجتمعي أهم من البنى الفوقية. ومن ثم، تنبني السوسيولوجيا الماركسية على المنهج الجدلي القائم على القوانين الثلاثة، ووحدة صراع المتناقضات، وقانون الكم والكيف، وقانون نفي النفي.
وما يلاحظ على هذه السوسيولوجيا أنها رؤية ثورية تقويضية وراديكالية أساسها التغيير الجدلي انطلاقا من المادية التاريخية، لكن يغلب عليها الطابع الميتافيزيقي، والرؤية الشعرية الحالمة، والطوباوية الخيالية، وانفصال النظرية عن الواقع، وفشل التنبؤات الماركسية في تحقيق غاياتها ومراميها وأهدافها البعيدة. والدليل على ذلك أن تحولت الدول الاشتراكية إلى دول رأسمالية أو دول اقتصاد السوق بدلا من تحولها إلى دول شيوعية.
المبحث العاشر: المنهج النفسي
من المعروف أن المنهج النفسي هو الذي يدرس الظواهر النفسية الشعورية واللاشعورية، باستعمال آليات السيكولوجيا الفرويدية، أو الاستعانة بمبادىء المدارس النفسية الأخرى، واستعمال تقنياتها المختلفة والمتنوعة، كأن نأخذ بتعاليم المدرسة النفسية السلوكية، أو المدرسة الجشطالتية، أو السيكولوجية البنيوية، أو السيكولوجيا الوظيفية، أو السيكولوجية المعرفاتية، أو السيكولوجيا السبيرنيتيكية...
ويمكن الاستعانة بكل هذه المناهج والمقاربات والمدارس لإغناء الحقل الاجتماعي والقانوني والسياسي بشكل أو بآخر، بتفهم نفسيات الحكام والمحكومين، وتبيان العلاقات الوجدانية القائمة بين الأفراد داخل المجتمع أو المؤسسة العمومية أو الخصوصية، واستكشاف عقدهم النفسية فهما وتفسيرا وتأويلا.
ونعلم جيدا مدى أهمية نظرية فرويد في تفسير السلوك الإنساني، بالتركيز على الأنا والهو والأنا الأعلى.فلايمكن للأنا أن تحقق رغباتها، مادام هناك سلطتان مراقبتان: سلطة المجتمع أوالواقع، وسلطة الأنا الأعلى التي تتمثل في الأخلاق والقيم والعادات والأعراف. لذلك، يكبت الإنسان مؤقتا عواطفه ومشاعره الإيروسية (مشاعر الحب)، أو يخفي انفعالاته التناتوسية (مشاعر الموت والعدوان)، ويتم ذلك كله في منطقة اللاشعور. وبعد ذلك، يحررها مع أحلام المنام واليقظة. ومن جهة أخرى، فقد أثبت فرويد تأثير الطفولة والماضي معا في الإنسان في حاضره ومستقبله، بما يحمله ذلك الإنسان من ترسبات وعقد، تؤثر في سلوكياته وتصرفاته وحركاته اللاواعية واللاشعورية.
وقد ركز فرويد على مجموعة من العقد التي يعرفها الإنسان، كعقدة أوديب، وعقدة إلكترا، و العقدة النرجسية، وعقدة النقص، وعقدة التعويض...
كما اهتم فرويد كثيرا بالتصرفات اللاواعية واللاإرادية، والسلوكيات اللاشعورية التي تتمثل في: فلتات اللسان، و زلات القلم، والأحلام، والهستيريا، والتعويض، والتسامي، والقيام ببعض العادات، مثل: مص الشفتين، وتحريك الحواجب والعينين، والشد على القضيب. وتعبر هذه التصرفات كلها عن رغبات نفسية وشبقية دفينة.
ومن ناحية أخرى، يمكن الاستفادة أيضا من المنهج العيادي أو الإكلينيكي في المجالين الاجتماعي والقانوني، ويطلق هذا المنهج " على مجموعة من الطرائق أو أساليب البحث المستوحاة من التحليل النفسي.إن مفهوم العيادي أو الإكلينيكي يدل على الملاحظة المعمقة للشخص خلال فترة زمانية ممتدة. كما قد يدل على الفهم السيكولوجي لأسلوب حياته خلال الماضي والحاضر. فالملاحظة -إذاً- وسيلة أساسية في المنهج العيادي.
والواقع أن المنهج العيادي يختلف باختلاف المقاربات الموظفة من قبل هذا السيكولوجي أو ذاك. وهذا الأمر هو ما جعل النقاش حول طبيعة هذا المنهج يعرف طريقه بين الباحثين. فالبعض يتساءل: ما إذا كان المنهج العيادي يميل أكثر إلى منهج الملاحظة أم إلى المنهج التجريبي؟55"
وعليه، فالمنهج النفسي هو أكثر المناهج العلمية اقترابا من عالم السياسة والمجتمع والقانون؛ لأن كثيرا من القضايا المجتمعية ذات مصدر نفسي أو سيكولوجي.
المبحث الحادي عشر: المنهج البنيوي
يهدف المنهج البنيوي إلى مقاربة النصوص والخطابات والوثائق والظواهر لسانيا، بتقطيعها إلى متواليات وجمل وملفوظات ووحدات لسانية بغية تفكيكها وتركيبها. فحينما نريد مقاربة النص أو الخطاب كيفما كان نوعه، فلابد من التسلح باللسانيات، باستثمار مستوياتها المنهجية، كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي، والمستوى البلاغي، مستبعدين السياق الخارجي من: مؤلف، ومرجع، وكاتب، ومقصدية، ورسالة. أي: لانهتم بالمضمون، أو بصاحب النص، أو بظروف النص وحيثياته السياقية، بل ما يهمنا كيف قال الكاتب أو صاحب النص ماقاله. أي: نركز على شكل المضمون، برصد البنيات الخطابية واللغوية، وكشف الثنائيات المتآلفة والمتعارضة داخل النص أو الظاهرة.
ومن هنا، تعتمد البنيوية اللسانية على خطوتين منهجيتين متكاملتين هما: التفكيك والتركيب. وبتعبير آخر، نقوم أولا بتفكيك النص الى عناصره البنيوية الجزئية من أصوات، ومقاطع، ودلالات، وتراكيب، وحقول دلالية ومعجمية، وصور بلاغية، ثم نقوم بعملية التركيب بشكل كلي، في شكل ثنائيات متعارضة أو متآلفة، أو ضمن استنتاجات بنيوية شكلية. وتتم هذه العملية استقراء واستنباطا. وتشبه هاتان العمليتان ما يقوم به الطفل الصغيرعندما يفكك لعبته أو دميته من أجل تركيبها من جديد.
وعلى الرغم من أهمية المنهج البنيوي اللساني في كونه منهجا لغويا شكلانيا، يقارب النص أو الخطاب أو الوثيقة من الداخل تفكيكا وتركيبا، ويتعامل مع النص المعطى باعتباره بنية مغلقة في ضوء مستويات لسانية وصفية، تهدفإلى استكشاف البنيات المنطقية، وتحصيل القواعد العميقة التي تتحكم في توليد النصوص والخطابات والوثائق.
بيد أن هذا المنهج يهمل السياق الخارجي، ويقصي الكاتب من حسابه، ويغض الطرف عن العوامل النفسية والاجتماعية والتاريخية التي يكون لها دور من الأدوار في عملية الإبداع والكتابة والتأثير. ومن هنا، يتأكد لنا، بشكل جلي، أن البنيوية تقتل الإنسان، وتهمش التاريخ، وتتعالى عن الواقع.


المبحث الثاني عشر: المنهج البنيوي التكويني
يعتبر لوسيان كولدمان (Lucien Goldmann) 56 من أهم السوسيولوجيين الذين جمعوا بين الفهم والتفسير في دراسة الأثر الأدبي والثقافي، ضمن ما يسمى بسوسيولوجيا الأدب والنقد. وتسمى منهجيته السوسيولوجية بالبنيوية التكوينية (structuralisme Génétique). والهدف من هذه المقاربة هو دراسة الأعمال الأدبية والفنية والجمالية بغية تحديد رؤى العالم، بالاعتماد على خطوتين إجرائيتين متكاملتين هما: الفهم (Compréhension) والتفسير(Explication). ويعني الفهم دراسة الأثر الأدبي أوالفني في كليته، دون أن نضيف إليه شيئا. وأكثر من هذا، البحث عن البنية الدالة والخاصية الدلالية لسلوك الفاعل الجماعي. بمعنى البحث عن المعنى البنيوي المحايث الموجود داخل المتن، أو داخل النص، أو داخل العمل، وإضاءة الخاصية الدلالية للأثر الثقافي. ثم، إدماج هذه البنية الدالة ضمن بنية أوسع قصد استخلاص رؤية العالم، ولن يتم ذلك إلا بتفسير الأثر الأدبي والفني والثقافي بمعطياته السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتاريخية، والثقافية، وتحديد أنماط الوعي(الوعي الزائف، والوعي القائم، والوعي الممكن).
وهكذا، يوفق لوسيان ?ولدمان57 بين علوم الطبيعة (التفسير)، وعلوم الإنسان(الفهم)، ويوفق بين نظرية إميل دوركايم التفسيرية، ونظرية ماكس فيبر التفهمية، ضمن بوتقة منهجية واحدة سماها البنيوية التكوينية. ويعني هذا أن ليس هناك أي تعارض حقيقي بين منهج الفهم ومنهج التفسير.
وقد ركز لوسيان كولدمان على مجموعة من المفاهيم الإجرائية، مثل: التماثل، والكلية، والبطل الإشكالي، والوعي، والرؤية إلى العالم، والفهم، والتفسير، والانسجام58.
وإذا كان المنهج الاجتماعي الوضعي يعقد ربطا آليا بين مضامين الأدب والمجتمع، على أساس أن الأديب لا يعكس سوى بيئته ووسطه الاجتماعي، فإن البنيوية التكوينية تعقد تماثلا من نوع آخر، ليس بين مضمون الأدب والمجتمع، بل بين الأشكال الأدبية وتطور المجتمع بطريقة غير آلية. ويتم هذا الترابط بواسطة التناظر، أو التماثل بين البنى الجمالية أو الفنية والبنى الاجتماعية. ويمكن التمييز كذلك بين بنيوية تكوينية وظيفية يمثلها لوسيان كولدمان، وبنيوية شكلانية غير تكوينية يمثلها كل من جاكبسون، وكلود لفي شتراوش، ورولان بارت، وكريماص، وألتوسير، وفوكو، ولاكان.....
وتبدو أن البنيوية التكوينية عبارة عن تصور علمي حول الحياة الإنسانية ضمن بعدها الاجتماعي. وتمتح تصوراتها النفسية من آراء فرويد، ومفاهيمها الإبستيمولوجية من نظريات هيجل، وماركس، وماكس فيبر، وجورج زيمل، وبيير بورديو، وجان بياجي. أما على المستوى التاريخي والاجتماعي، فتعود تصوراتها النظرية إلى آراء هيجل، وماركس، وغرامشي، ولوكاتش، والماركسية ذات الطابع اللوكاتشي.
ويستهدف لوسيان كولدمان، في إطار بنيويته التكوينية، رصد رؤى العالم في الأعمال الأدبية الجيدة، والانطلاق من عمليتي الفهم والتفسير، بعد تحديد البنى الدالة في شكل مقولات ذهنية وفلسفية. ويعد المبدع، في النص الأدبي، فاعلا جماعيا بامتياز، يعبر عن وعي طبقة اجتماعية ينتمي إليها، وهي تتصارع مع طبقة اجتماعية أخرى لها تصوراتها الخاصة للعالم. أي: إن هذا الفاعل الجماعي يترجم آمال الطبقة الاجتماعية وتطلعاتها المستقبلية، ولاسيما أن المبدع قد ترعرع في أحضانها، ويصوغ منظور هذه الطبقة أورؤية العالم التي تعبر عنها بصيغة فنية وجمالية تتناظر مع معادلها الموضوعي "الواقع".
وتنبني منهجية لوسيان كولدمان السوسيولوجية على كلية العمل الأدبي أو الفني، ودراسته على أساس أنه بنية دالة كلية. و يستلزم هذا تحليل النص بطريقة شمولية، بتحليل بنياته الصغرى والكبرى، بدءا برصد عناصره الفونولوجية، والتركيبية، والدلالية، والبلاغية، والسردية، والسيميولوجية، دون أن نضيف ما لا علاقة له بالنص؛ إذ علينا أن نلتزم بمضامين النص الكلية، دون تأويله، أو التوسع فيه. وبعد ذلك، نحدد البنية الدالة، وهي مقولة ذهنية وفلسفية تستخلص من كلية العمل الأدبي بتوارد تيماته المتواترة. ويشكل هذا كله عملية الفهم(LACOMPREHENSION). وعندما نحدد البنية الدالة والرؤية للعالم المنبثقة عن الوعي الممكن، نفسر تلك الرؤية خارجيا، أوما يسمى لدى كولدمان بمصطلح (EXPLICATION )، بتحديد العوامل المؤثرة في هذه البنية، وكيف تشكلت أو تولدت من خلالها رؤية العالم. ويعني هذا أنه من الضروري الانتقال إلى خطوة أساسية، وهي تفسير النص خارجيا، بعد فهمه داخليا، بالتركيز على العوامل التاريخية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية. ويعني هذا كله أن البنية الدالة ذات الطابع الفلسفي لا يمكن أن تبقى ساكنة، بل لا بد من إدراجها ضمن بنية أكثر تطورا لمعرفة مولداتها، وأسباب تكوينها. لذلك، سميت بالبنيوية التكوينية (Structuralisme génétique).
وتعتمد البنيوية التكوينية على مصطلحات إجرائية لا بد من التسلح بها لتحليل النص الأدبي تحليلا سوسيولوجيا للأشكال الأدبية. ويمكن حصر هذه المصطلحات فيما يلي:
(الفهم والتفسير: La compréhension et l’explication
إذا كان الفهم هو التركيز على النص ككل، دون أن نضيف إليه شيئا من تأويلنا أو شرحنا، فإن التفسير هو الذي يسمح بفهم البنية بطريقة أكثر انسجاما مع مجموع النص المدروس. ويستلزم التفسير استحضار العوامل الخارجية لإضاءة البنية الدالة59. 


(الرؤية للعالم: La vision du monde
يقصد بالرؤية للعالم " مجموعة من الأفكار والمعتقدات والتطلعات والمشاعر التي تربط أعضاء جماعة إنسانية (جماعة تتضمن، في معظم الحالات، وجود طبقة اجتماعية)، وتضعهم في موقع التعارض في مجموعات إنسانية أخرى"60.
ويعني هذا أن الرؤية للعالم هي تلك الأحلام والتطلعات الممكنة والمستقبلية والأفكار المثالية التي يحلم بتحقيقها مجموعة أفراد مجموعة اجتماعية معينة.
إنها باختصار تلك الفلسفة التي تنظر بها طبقة اجتماعية إلى العالم والوجود، والإنسان، والقيم. وتكون مخالفة، بالطبع، لفلسفة أو رؤية طبقة اجتماعية أخرى. فمثلا، نجد رؤية الطبقة البرجوازية للعالم مختلفة كليا عن رؤية الطبقة البروليتارية. كما أن رؤية شعراء التيار الإسلامي مختلفة جذريا عن رؤية شعراء التيار الاشتراكي في أدبنا العربي المعاصر.
(التماثل Homologie
ليست العلاقة بين الأدب والمجتمع علاقة آلية، أوعلاقة انعكاسية، أو علاقة سببية دائما، بل على العكس، فإنها علاقة ذات تفاعل متبادل بين المجتمع والأدب.وبتعبير آخر، تتماثل الأشكال الأدبية - وليست محتويات الأدب- مع تطور البنيات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتاريخية. ويعني هذا أن هناك تناظرا بين البنية الجمالية والبنية الاجتماعية بطريقة غير مباشرة ولا شعورية، وأي قول بالانعكاس بينهما يجعل الأدب محاكاة واستنساخا وتصويرا جافا للواقع، ويعدم، في الأدب، روح الإبداع والتخييل والاستيتيقا الفنية. إذاً، " هناك تناظر دائم في كل عمل إبداعي... بين واقعه وموضوعه، بين بنية شكلية ظاهرة، وبنية موضوعية عميقة، بين اللحظة التاريخية والاجتماعية واللحظة الإبداعية، بين سياقية الجدل الروائي، وسياقية الجدل الاجتماعي ".61
إذاً، فأساس الأدب هو التماثل مع المجتمع ضمن المنظور البنيوي التكويني.
(الوعي القائم والوعي الممكن:La conscience réelle et la conscience possible
الوعي القائم هو الوعي الواقعي الموجود لدى الشخص في الحاضر. وهو الوعي الموجود تجريبيا على مستوى السلب. ويعني هذا أن الوعي القائم هو " وعي آني لحظي وفعلي، من الممكن أن يعي مشاكله التي يعيشها، لكنه لايملك لنفسه حلولا في مواجهتها، والعمل على تجاوزها".62
أي: إنه وعي ظرفي، فكل مجموعة اجتماعية تحاول فهم الواقع وتفسيره، انطلاقا من ظروفها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية، والدينية، والتربوية، دون أن يكون لها تصور مستقبلي وإيديولوجيا لاقتراح بديل إيجابي ومثالي لحياتها المعيشية. وإذا كان الوعي القائم هو وعي الحاضر والآني والمرحلي، فإن الوعي الممكن هو وعي إيديولوجي مستقبلي بامتياز، يتجاوز جدلا الوعي القائم والوعي الزائف المغلوط. وإذا كان الوعي القائم هو وعي التكيف والمحافظة على الواقع، فإن الوعي الممكن هو وعي التغيير والتطوير، ويصبح الوعي الممكن، في كلية العمل الأدبي المنسجم، رؤية للعالم، وتصورا فلسفيا وإيديولوجيا للطبقة الاجتماعية،" وإذا كان الوعي الفعلي يرتبط بالمشكلات التي تعانيها الطبقة أو المجموعة الاجتماعية، من حيث علاقاتها المتعارضة ببقية الطبقات أو المجموعات، فإن هذا الوعي الممكن يرتبط بالحلول الجذرية التي تطرحها الطبقة لتنفي مشكلاتها، وتصل إلى درجة من التوازن في العلاقات مع غيرها من الطبقات أو المجموعات "63.
وعليه، يمكن الحديث - إذاً- عن أنماط ثلاثة من الوعي لدى الشخصية الروائية - حسب كولدمان- هي: الوعي الزائف، والوعي القائم، والوعي الممكن. ويعد الوعي الممكن أفضل هذه الأنماط كلها.


(البنية الدالة أو الدلاليةStructure signifiante 
البنية الدالة هي عبارة عن مقولة ذهنية، أو تصور فلسفي يتحكم في مجموع العمل الأدبي. وتتحدد من خلال التواتر الدلالي، وتكرار بنيات ملحة على نسيج النص الإبداعي، وهي التي تشكل لحمته ومنظوره ونسقه الفكري. وتحمل بنى العالم الإبداعي دلالات وظيفية متعددة وثرة، تعبر عن انسجام هذا العالم وتماسكه دلاليا وتصوريا في التعبير عن الطموحات الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية للجماعة. ويحدد كولدمان الدور المزدوج للبنية الدالة باعتباره مفهوما إجرائيا بالأساس. فهو" من جهة الأداة الأساسية التي تمكننا من فهم طبيعة الأعمال الإبداعية ودلالاتها، ومن جهة أخرى، فهو المعيار الذي يسمح لنا بأن نحكم على قيمتها الفلسفية والأدبية أوالجمالية، فالعمل الإبداعي يكون ذا صلاحية فلسفية أو أدبية أو جمالية بمقدار ما يعبر عن رؤية منسجمة عن العالم إما على مستوى المفاهيم، وإما على مستوى الصور الكلامية أو الحسية. وإننا لنتمكن من فهم تلك الأعمال وتفسيرها تفسيرا موضوعيا بمقدار ما نستطيع أن نبرز الرؤية التي تعبر عنها "64.
 إذاً، فالبنية الدالة هي التي تسعفنا في إضاءة النص الأدبي وفهمه. كما تساعدنا فلسفيا وذهنيا على تحديد رؤية المبدع للعالم، ضمن تصور جماعي ومقولاتي.
(البطل الإشكاليLe héro problématique 
ورد هذا المفهوم عند جورج لوكاتش في نظرية الرواية، وهذا البطل ليس سلبيا ولا إيجابيا، فهو بطل متردد بين عالمي الذات والواقع، يعيش تمزقا في عالم فض؛ حيث يحمل البطل قيما أصيلة يفشل في تثبيتها في عالم منحط يطبعه التشيؤ، والاستلاب، والتبادل الكمي. لذلك، يصبح بحثه منحطا بدوره لاجدوى منه. ويصبح هذا البطل مثاليا عندما يكون الواقع أكبر من الذات كرواية (دون كيشوط) لسيرفانتيس. كما يكون البطل رومانسيا عندما تكون الذات أكبر من الواقع، وخاصة في الروايات الرومانسية؛ ويكون كذلك بطلا متصالحا مع الواقع عندما تتكيف الذات مع الواقع، ولاسيما في الروايات التعليمية. وهذا التصنيف أساس نظرية الرواية لجورج لوكاتش، وقد استفاد منه كولدمان كثيرا، وخاصة في كتابه (الإبداع الثقافي في المجتمع الحديث) الذي يقول فيه عن هذا البطل:" يتمتع هذا الشكل - رواية البطل الإشكالي بوضع خاص في تاريخ الإبداع الثقافي: إنها حكاية البحث المتدهور لبطل لا يعي القيم التي يبحث عنها داخل مجتمع يجهل القيم، ويكاد أن ينسى ذكراها تقريبا. فالرواية، ربما، كانت الأولى بين الأشكال الأدبية الكبيرة المسيطرة في نظام اجتماعي، والتي حملت، في جوهرها، طبيعة نقدية..."65.
ويضيف أيضا " من خلال بحثه المضطرب ينتهي البطل إلى وعي استحالة الوصول وإعطاء معنى للحياة ".66
إذاً، ليس البطل الإشكالي بطلا إيجابيا مثل البطل الملحمي الذي نجده في الإلياذة أوالأوديسا لدى هوميروس؛ حيث تتحقق الوحدة الكلية بين الذات والموضوع،بل هو بطل يعيش اضطرابا مأساويا، ومأزقا يجعله يتردد بين الذات والموضوع، بين الفرد والجماعة. وبالتالي، يفشل في تحقيق أهدافه وقيمه الأصيلة في مجتمع لا يعترف بالقيم الكيفية، ولا يؤمن إلا بقيم التبادل والسلع والمعايير المادية. 
وعلى العموم، ينطلق لوسيان كولدمان، على المستوى المنهجي، من المنهجية البنيوية التكوينية. ويعني هذا المصطلح وجود مفهومين أساسيين هما: البنية من جهة، والتوليد أو التكون من جهة ثانية. والمقصود بهذا أن الأدب بنية جمالية وفنية مستقلة بنفسها. بيد أن هذه البنية تخضع لصيرورة تطورية تاريخية أو دياكرونية تتماثل مع تطور المجتمع في مختلف بناه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتاريخية.
وقد وضح كولدمان منهجيته النقدية، بشكل جيد، في كتابه (من أجل سوسيولوجيا الرواية)؛ حيث بين أن الرواية عبارة عن بحث منحط عن قيم أصيلة في عالم منحط بدوره. ويعني هذا أن ثمة بطلا إشكاليا يتردد بين الذات والواقع، يحمل قيما أصيلة، لكنه يفشل في تحقيقها في الواقع المنحط. لذلك، يصبح هذا البطل مثاليا وشخصية غير منجزة، عندما ينهزم أمام شراسة الواقع؛ ويكون رومانسيا عندما يكون وعيه الذاتي أكبر من الواقع؛ ويكون بطلا متصالحا مع الواقع الموضوعي، عندما يفرض عليه الواقع الشرس منطق التكيف والتأقلم لتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي.
ومن هنا، تملك كل شخصية في الرواية وعيا معينا، فقد يكون وعيا واهما وزائفا وخادعا، أو وعيا واقعيا عاديا وطبيعيا، أو وعيا استشرافيا ممكنا. ومن ثم، لابد على الباحث السوسيولوجي أن يحلل الرواية في ضوء عملية الفهم (Compréhension)، باستيعاب دلالات النص أو العمل بشكل كلي، دون إضافة أي شيء، ثم تحديد البنية الذهنية أو المقولة الفلسفية التي تحيط بكل جوانب النص. وبعد ذلك، تفسر تلك البنية الدالة في ضوء بنية أوسع ترتبط بالتفسير (Explication)، بالانفتاح على ماهو سياسي، واقتصادي، واجتماعي، وتاريخي، وثقافي. وبعد ذلك، يحدد الدارس نوع الوعي، ويرصد طبيعة رؤية العالم المهيمنة في النص.
ومن جهة أخرى، فقد تناول كولدمان، في الكتاب نفسه، الرواية الفرنسية الجديدة كما عند آلان روب غرييه (Grillet)، وريكاردو (Ricardou)، وناتالي ساروت (Sarraute)، وميشيل بوتور (Boutour)، وكلود سيمون (C.Simon)... باحثا عن مدى تماثلها مع الواقع المادي، منطلقا من فرضية أساسية ألا وهي أن الرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا إبان الخمسينيات، عن دار منتصف الليل - Minuit- ليست مجرد رواية أشياء شكلية، بل تحمل في طياتها حمولات واقعية وسوسيولوجية.
وهكذا، يتبحر كولدمان في فضاء الرواية الجديدة منطلقا من سوسيولوجيا الأشكال؛ حيث يعد الرواية مجرد سعي زائف، يقوم به البطل لتحقيق قيم أصيلة، في مجتمع زائف ومنحط. وبالتالي، تجمع الرواية بين سمتين من سمات التراجيديا والملحمة. فالملحمة هي تلاحم كلي بين البطل والعالم الموضوعي، بينما التراجيديا هي انفصال تام بين البطل الزائف. أما الرواية، فهي تعبير عن صراع بين عالمين: عالم القيم الخفية، والعالم الزائف (الظاهر). ويسمى البطل الذي يعيش هذا الصراع التراجيدي والملحمي البطل الإشكالي، وهو بطل إيجابي وسلبي في الوقت نفسه، فهو إيجابي لأنه يحمل قيما أصيلة، وسلبي لأنه يفشل في تحقيقها في أرض الواقع.
وقد قارب كولدمان الأشكال الروائية الغربية، بعقد مماثلة بين الأشكال والبنى الأدبية والروائية والتطور المجتمعي على الشكل التالي:67
البنية الاقتصادية الرأسمالية البنية القصصية أو الروائية (مرحلة الاقتصاد الحر أو الليبرالية الاقتصادية (إلى أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20، وقد حددها العلماء في سنة 1910). (الشكل الروائي البيوغرافي (الرواية الكلاسيكية) ( المرحلة الإمبريالية، وتمتد من سنة 1912 تقريبا إلى سنة 1945 (الاقتصاد الإمبريالي)، وهي مرحلة امتازت بتطور التروستات. ( رواية ذوبان الشخصية (كافكا Kafka- سارتر Sartre – كامو Camus- جورج Joyce- فرجينبا وولف (Werginia Wolf، أو ما يسمى بالرواية المنولوجية، أو روايات تيار الوعي. (مرحلة الاقتصاد الرأسمالي المنظم (التكنوقراطية والآلية)، مع تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية. وقد نتج عن ذلك الاستهلاك، والاستلاب، والتشيؤ، والاغتراب. (الرواية الجديدة أو رواية الأشياء. أما فيما يتعلق بكتابه (الإله الخفي) 68، فقد حاول كولدمان فهم أعمال ومسرحيات كل من (Corneille) وراسين (Racine) وباسكال (Pascal)، بالتوقف عند مقولات معينة تتوارد بكثرة هي: الله، و العالم، والإنسان. وتحدد هذه المقولات علاقة الغياب الإلاهي، وضياع البشر، وانهيار القيم. وبالتالي، فرؤية هؤلاء للعالم هي الرؤية التراجيدية. ولقد ربط كولدمان هذه الرؤية المأساوية بالحركة الدينية الفرنسية الجنسينية. «ويفسر الجنسينية بوصفها نتيجة إزاحة مجموعة اجتماعية بعينها، في فرنسا، في القرن السابع عشر، هي مجموعة " نبالة الرداء " من موظفي البلاط الذين اعتمدوا اقتصاديا على الملك، والذين تضاءلت قوتهم مع تزايد الحكم المطلق له. ويتجلى التعبير عن الموقف المتناقض لهذه الجماعة، أي الحاجة إلى "التاج"، ومعارضته سياسيا في آن واحد، في رفض الجنسينية للعالم، بل رفضها لأية رغبة في التعبير التاريخي له. وينطوي هذا الموقف على دلالة "عالم تاريخي "، عند كولدمان، لأن نبلاء الرداء كانوا أعضاء جددا في الطبقة البرجوازية؛ أعضاء يمثلون إخفاق البرجوازية في كسر حدة الحكم المطلق للملكية، وتأسيس أوضاع تساعد التطور الرأسمالي »69
أما في كتابه (فكر عصر الأنوار)، فقد بحث عن الأسس الاجتماعية لفلسفة التنوير، مع دراسة للموسوعة الفلسفية. وقد ركز كولدمانعلى مبادئ الفلسفة من علم ومعرفة، وتوصل إلى رؤية العالم التي كانت تتحكم في عصر الأنوار، وهي الرؤية العقلانية التي ظهرت خلال القرن السادس عشر. أي: مع بداية قيام الرأسمالية التجارية. وفي الحقيقة، إن « ما يبحث عنه كولدمان- على هذا النحو - هو جماع من العلاقات البنيوية بين النص الأدبي ورؤية العالم والتاريخ نفسه، ليظهر الكيفية التي يتحول بها الموقف التاريخي لمجموعة أو طبقة اجتماعية إلى بنية عمل أدبي، عن طريق رؤية للعالم عند هذه المجموعة أو الطبقة، ولا يكفي البدء بالنص أو العمل لكي ننطلق منهما إلى التاريخ أو العكس، كي نحقق هذه الغاية، فما يلزمنا هو منهج جدلي يتحرك دوما بين النص ورؤية العالم والتاريخ، بحيث يكيف المنهج كل واحد منها مع الآخر، وينظر إلى كل واحد منها في ضوء الآخر.»70
وتعتمد البنيوية التكوينية على مفاهيم ومصطلحات إجرائية ذات جذور هيجيلية وماركسية ولوكاتشية وفيبيرية، كالفهم والتفسير، والبنية الدالة، والرؤية للعالم، والفاعل الاجتماعي، والبطل الإشكالي، والوعي الزائف، والوعي القائم، والوعي الممكن.
أما التصور النظري الكولدماني، فهو مبني على أطروحات لوكاتش، وماكس فيبر، وجان بياجي، وبيير بورديو، وجورج زيمل، وروني جيرار صاحب مفهوم (الوساطة) الذي استلهمه من أعمال فلوبير، وستاندال، وسيريفانتيس71.
وعليه، تتميز سوسيولوجيا الأدب والنقد عند لوسيان كولدمان بتجاوز مفهوم الانعكس المباشر، واستبداله بمفهوم التماثل القائم على الجمع بين الفاعل والمجتمع، أو الذات والموضوع، ضمن وحدة كلية تماثلية. ومن ثم، فهي تستند إلى علميتين منهجيتين محوريتين هما: الفهم والتفسير. فالفهم «عملية فكرية تتمثل في الوصف الدقيق للبناء الدلالي الصادر عن العمل الإبداعي المدروس فقط. على هذا المستوى يتسنى للباحث استخراج نموذج بنيوي دال، يكون بسيطا نوعا ما، ويتكون من عدد محصور من العناصر والعلاقات بين هذه العناصر التي تمكن من إعطاء صورة إجمالية لكل نص، بشرط أن يؤخذ النص وحدة متكاملة دون إضافة من أي نوع»72.
أما التفسير، أو ما يسمى أيضا بعملية الشرح، فهي « إدراج العمل المدروس كعنصر مكون ووظيفي في إطار بناء شامل، ولا يدرس الباحث في البناء الأخير إلا ما يساعده على كشف أصل العمل الذي يدرسه. يمكن الشرح من وضع علاقة وظيفية للشكل النموذجي المكون للعمل الأدبي مع بناء أكثر شمولية. يدخل النص كعنصر وظيفي ودال. إذاً، إذا كان (الفهم عملية محايثة للنص، فعملية (الشرح) هي وضع هذا الأخير في علاقة مع واقع خارج عنه »73.
إذاً، ثمة علاقة منهجية متكاملة ومترابطة بين الفهم والتفسير، علاقة داخل بخارج، أو علاقة دلالة بمقصدية ووظيفة. وهكذا « يتكامل المستويان أثناء التحليل، ويبقى الفرز على المستوى النظري، إما في الدراسة التطبيقية، لا يمكن الفصل فصلا محددا بين المستويين. فهما متداخلان أثناء كل بحث، لكننا نفصل في النتائج. ما يصدر عن النص يبقى على مستوى الفهم، وما يصدر خارج النص يعود إلى مستوى الشرح».74
وإذا تمعنا في هذا المنهج النقدي كثيرا، بمختلف تصوراته النظرية، ومفاهيمه النقدية المتنوعة، فهو مستوحى، بشكل أو بآخر، من جورج لوكاتش في كتابه (نظرية الرواية)75الذي نشر سنة 1916 م؛ حيث يقابل فيه بين الملحمة والرواية، بين الصراع الداخلي والصراع الخارجي، بين الصراع والتلاحم، بين الذات والموضوع، بين البطل الملحمي الإيجابي والبطل الإشكالي.
وعلى الرغم من أهمية البنيوية التكوينية في قراءة النصوص الأدبية في ضوء بناها الداخلية والخارجية فهما وتفسيرا، فإن هذا المنهج يضحي بالفهم من أجل التفسير، أو يضحي بالداخل من أجل الخارج. ويعني هذا أن كولدمان يعطي أهمية كبرى لما هو مرجعي وخارجي وإيديولوجي على حساب ما هو نصي وداخلي.
ومن جهة أخرى، فما يهم كولدمان هو البحث عن رؤى العالم الإيدولوجية، وليس دراسة النص في أبعاده اللغوية، والأسلوبية، والنصية، والسردية. لذلك، يعتبرها بعض الدارسين هيجيلية جديدة. وفي هذا، يقول الباحث المغربي عبد الجليل الأزدي:« إن مقولة الكلية تسربت إلى الخطاب السوسيولوجي الكولدماني من النسق الهيجيلي - والتسرب تم طبعا عبر لوكاتش - وظلت محتفظة بحمولتها الدلالية المرجعية، على الرغم من أنها هاجرت من نسق جدلي مثالي إلى نسق جدلي مادي. ولهذا الاعتبار، كما لاعتبارات أخرى سنعلن عنها لاحقا، ندرج سوسيولوجيا كولدمان في تلك الهيجيلية الجديدة. وضمن هذا السياق، تتموضع ردود الفعل العنيفة التي استهدفت المنهج الكولدماني، ونفذت منه، والتي اتخذ فيها بيير ماشري،تلميذ ألتوسير (Altusser)، ونظريته في الإنتاج الأدبي، موقع النصل من الرمح».76
بل أعتبرها شخصيا نوعا من اللوكاشية الجديدة؛لأنها أعاد كثيرا من المبادىء والتصورات النظرية والمنهجية التي عالجها جورج لوكاش في كتابه (نظرية الرواية)، مثل: تصنيف الرواية الغربية، واستخدام البطل الإشكالي، وتوظيف مفهوم رؤى العالم، واستثمار مصطلحي الفهم والتفسير، والاستعانة بالمادية الجدلية، وإن تم ذلك بطريقة ضمنية غير مباشرة.
وقد تعرض لوسيان كولدمان لانتقادات كثيرة، سواء من قبل البنيويين الشكلانيين أم من قبل الماركسيين أنفسهم. أما تيري إيجلتون، فقد حدد مجموعة من الاعتراضات، وبالضبط في كتابه (الماركسية والنقد الأدبي)، حيث يقول: « وبالرغم من تسليمي بأهمية الجهد النقدي الذي بذله كولدمان، فإن هناك مجموعة من النواقص تحيط بمنهجه؛ فمفهومه عن الوعي الجماعي - مثلا- مفهوم هيجيلي أكثر منه ماركسي، أعني أنه ينظر إلى الوعي الاجتماعي بوصفه تعبيرا مباشرا عن الطبقة الاجتماعية، وعلى نحو يغدو معه العمل الأدبي تعبيرا مباشرا عن الوعي. والنموذج الذي يطرحه المنهج كله نموذج بالغ السيمترية، عاجز عن التوفيق بين الصراعات الجدلية والتعقيدات، وبين التفاوت والانقطاع، أي بين كل ما يميز علاقة الأدب بالمجتمع، ولذلك ينحدر المنهج في كتاب كولدمان الأخير (نحو علم اجتماع الرواية ) (1964)، فيتحول إلى مجرد صياغة آلية لعلاقة البنية الفوقية بالبنية التحتية في الرواية»77
وينتقد بيير زيما (Zima) كولدمان في مفهوم البنية الدلالية الكلية؛ حيث يقول:» وهكذا، فإن المفهوم المركزي " للبنية الدلالية" يفسح المجال لبعض الأسئلة التي لا تحمل صفة تقنية خاصة مثل: ما هو بالتحديد معنى البنية الدلالية ؟ هل هناك نظرية للدلالة - Sémantique- تسمح بتعريف البنية الدلالية في نص أدبي أو فلسفي ؟ وكيف نختزل النص المتعدد المعنى (Polysémique) إلى بنية مفهومية واحدة (Structure conceptuelle) (أي بنية المدلولاتSignifiés). أليس من الأفضل التوصل إلى بنى دلالية متعددة مع القراءات المختلفة للنص والتي لا تكف عن التناقض والتنافس؟ وتخص جميع هذه الأسئلة البنية الدلالية للنص: خاصيته المتعددة (متعددة المعنى) وتناقضاته: لأنه ليس مؤكدا أبدا، كما يظن كولدمان أن جميع «الأعمال العظيمة يمكن اختزالها إلى أنظمة مفهومية (بنى دلالية أو عقلية) أحادية»78.
على الرغم من هذه الانتقادات السديدة والوجيهة، يبقى عمل لوسيان كولدمان عملا منهجيا سوسيولوجيا رصينا، يتكامل فيه الداخل والخارج، ويتقاطع فيه الفهم و التفسير لاستخلاص البنى الدالة ورؤى العالم.
ويمكن الاستفادةمن البنيوية التكوينية في دراسة الظواهر المجتمعية والسياسية والقانونية فهما وتفسيرا، كدراسة تطور المؤسسات السياسية والقانونية والمجتمعية في تماثل أو تفاعل مع البنى التحتية الواقعية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والسياسية والاجتماعية.
المبحث الثالث عشر: المنهج السيميائي
من المعروف أن السيميولوجيا هي ذلك العلم الذي يبحث في أنظمة العلامات، سواء أكانت لغوية أم أيقونية أم حركية. وبالتالي، فإذا كانت اللسانيات تدرس الأنظمة اللغوية، فإن السيميولوجيا تبحث في العلامات غير اللغوية التي تنشأ في حضن المجتمع. وبالتالي، فاللسانيات هي جزء من السيميولوجيا - حسب العالم السويسري فرديناند دوسوسير(F.De Saussure )-، مادامت السيميولوجيا تدرس جميع الأنظمة، كيفما كان سننها، وأنماطها التعبيرية لغوية أو غيرها.
ولقد حصر دوسوسير هذا العلم في دراسة العلامات ذات البعد الاجتماعي. ويعني هذا أن السيميولوجيا تبحث في حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية.أي: لها وظيفة اجتماعية، ولها أيضا علاقة وطيدة بعلم النفس الاجتماعي. وفي هذا الصدد، يقول دوسوسير:" اللغة نظام علامات، يعبر عن أفكار. ولذا، يمكن مقارنتها بالكتابة، بأبجدية الصم- البكم، بأشكال اللياقة، بالإشارات العسكرية، وبالطقوس الرمزية، إلخ...على أن اللغة هي أهم هذه الأنظمة على الإطلاق. وصار بإمكاننا، بالتالي، أن نرتئي علما يعنى بدراسة حياة العلامات داخل المجتمع، وسيشكل هذا العلم جزءا من علم النفس العام. وسندعو هذا العلم سيميولوجيا (Sémiologie ). وسيتحتم على هذا العلم أن يعرفنا بما تتشكل منه العلامات، وبالقوانين التي تتحكم فيها. وبما أنه لم يوجد بعد، فيستحيل التكهن بما سيكون عليه. ولهذا العلم الحق بالوجود في إطاره المحدد له مسبقا، على أن اللسانيات ليست إلا جزءا من هذا العلم، فالقوانين التي قد تستخلصها السيميولوجيا، ستكون قابلة للتطبيق في مجال اللسانيات.وستجد هذه الأخيرة نفسها مشدودة إلى مضمار أكثر تحديدا في مجموع الأحداث الإنسانية."79
وعليه، يحصر دوسوسير العلامات داخل أحضان المجتمع، ويدرج اللسانيات ضمن السيميولوجيا. بينما يرى الأمريكي شارل سندرس بيرس(CH.S.Pierce ) أن السيميوطيقا مدخل ضروري للمنطق والفلسفة في الفترة الزمنية ذاتها التي استعمل فيها دوسوسير مصطلح السيميولوجيا. وفي هذا النطاق، يقول بيرس:" إن المنطق في معناه العام هو مذهب علامات شبه ضروري وصوري، كما حاولت أن أظهره، وفي إعطائي لمذهب صفة "الضروري" و"الصوري"، كنت أرى وجوب ملاحظة خصائص هذه العمليات ما أمكننا. وانطلاقا من ملاحظاتنا الجيدة، التي نستشفها عبر معطى، لا أرفض أن أسميه التجريد، سننتهي إلى أحكام ضرورية ونسبية إزاء ما يجب أن تكون عليه خصائص العلامات التي يستعين بها الذكاء العلمي."80
ومن هنا، يرى دوسوسير أن العلامات السيميولوجية لا تؤدي إلا وظيفة اجتماعية. بينما يثبت بيرس أن وظيفة السيميوطيقا منطقية وفلسفية ليس إلا. وهكذا، أصبحنا أمام مصطلحين: السيميولوجيا لدى الأوربيين بفضل دوسوسير الذي استعمل مصطلح(Sémiologie) في كتابه:(محاضرات في اللسانيات العامة) سنة 1916م، ومصطلح السيميوطيقا (La sémiotique ) لدى الأمريكيين لكون بيرس استخدمه باسم علم الدلالة العام.
ويعتبر رولان بارت(Roland Barthes ) من المدافعين عن مصطلح السيميولوجيا، وخاصة في كتابة (عناصر السيميولوجيا)؛ حيث اعتبر السيميولوجيا جزءا من اللسانيات، برصده لبعض الثنائيات المنهجية، مثل: الدال والمدلول، والدياكرونية (التطورية) والسانكرونية (التزامنية)، والمحور الأفقي والمحور التركيبي، واللغة والكلام، والتضمين (الإيحاء) والتعيين(التقرير الحرفي).
وقد تناول فردياند دوسوسير هذه الثنائيات بإسهاب مستفيض في كتابه (المحاضراتفي اللسانيات العامة)، في لحظة التقنين لعلم لغوي جديد هو علم اللسانيات الذي أقامه على أنقاض مرحلة الفيلولوجيا (فقه اللغة)، ومرحلة فلسفة اللغة. وفي هذا الصدد، يرى رولان بارت أنه" يجب، منذ الآن، تقبل إمكانية قلب الاقتراح السوسيري، فليست اللسانيات جزءا، ولو مفصلا، من السيميولوجيا، ولكن الجزء هو السيميولوجيا، باعتبارها فرعا من اللسانيات، وبالضبط ذلك القسم الذي سيتحمل على عاتقه كبريات الوحدات الخطابية الدالة. وبهذه الكيفية، تبرز وحدة البحوث الجارية اليوم في الأنتروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والتحليل النفسي، والأسلوبية، حول مفهوم الدلالة... إن المعرفة السيميائية لا يمكن أن تكون اليوم سوى نسخة من المعرفة اللسانية،... لأن هذه المعرفة يجب أن تطبق، على الأقل كمشروع، على أشياء غير لسانية".81
وهكذا، فقد استلهم رولان بارت العناصر اللسانية للدفع بالبحث السيمائي إلى الأمام، بالاعتماد على ثنائيات منهجية لسانية، مثل: اللسان والكلام، والدال والمدلول، والمركب والنظام، والتقرير والإيحاء.
وعليه، فالسيمياء - حسب بيير غيرو(Pierre Guiraud)- ماهي إلا العلم الذي" يهتم بدراسة أنظمة العلامات: اللغات، وأنظمة الإشارات، والتعليمات، إلخ...ويجعل هذا التحديد اللغة جزءا من السيمياء. الواقع أننا نجمع على الإقرار بأن للكلام بنيته المتميزة والمستقلة، والتي تسمح بتحديد السيمياء بالدراسة التي تتناول أنظمة العلامات غير الألسنية، مما يحتم علينا تبني ذلك التحديد."82
وهكذا، فقد ظهرت نظرية العلامات العامة منذ بداية القرن العشرين، فتمسك الأنكلوسكسونيون بالسيميوطيقا. في حين، اختار الأوروبيون السيميولوجيا. ويمكن أيضا التفريق بينهما بشكل دقيق، فنقول: إن السيميولوجيا عبارة عن نظرية عامة، وفلسفة شاملة للعلامات، أو هي بمثابة القسم النظري. بينما، تعد السيميوطيقا منهجية تحليلية بامتياز، تشغل في مقاربة النصوص والخطابات والأنشطة البشرية تفكيكا وتركيبا، و تحليلا وتأويلا، أو هي كذلك بمثابة القسم التطبيقي للسيميولوجيا. و لكن، بعد افتتاح المؤسسة العالمية للدراسات السيميائية التي تصدر مجلة بعنوان: (السيميوطيقا /Semiotica )، وهي تهتم بشكل من الأشكال بالبحوث التي تسير في هذا الاتجاه، اجتمعت الآراء والتدخلات فيها على اختيار مصطلح السيميوطيقا تنظيرا وتطبيقا.
ومن ثم، فالسيميوطيقا عبارة عن لعبة التفكيك والتركيب، وتحديد البنيات العميقة الثاوية وراء البنيات السطحية المتمظهرة فونولوجيا، وصرفيا، ودلاليا، وتركيبيا. ومن ثم، تستكنه السيميوطيقا مولدات النصوص والخطابات، وتبحث في تكوناتها البنيوية الداخلية، وتبحث جادة عن أسباب التعدد، ولانهائية الخطابات والنصوص والبرامج السردية، وتسعى إلى اكتشاف البنيات العميقة الثابتة، وترصد الأسس الجوهرية المنطقية التي تكون وراء سبب اختلاف النصوص والجمل والملفوظات والخطابات. وبالتالي، فالسيميوطيقا لا يهمها ما يقوله النص، ولا من قاله، بل ما يهمها هو: كيف قال النص ماقاله؟ أي: إن السيميوطيقا لايهمها المضمون، ولا حياة الكاتب أو المبدع أو سيرته؛ بقدر ما يهمها شكل المضمون. ويمكن استخدام السيميائيات، بكل مفاهيمها المتنوعة، في مقاربة جميع الظواهر الإنسانية والبشرية، بما فيها القضايا التربوية والنفسية، والاجتماعية والقانونية بغية تفكيكها وتركيبها.
المبحث الرابع عشر: المنهجية المتعددة التخصصات
تهدف المنهجية أو المقاربة المتعددة التخصصات إلى التعامل مع النص أو الخطاب أو الظاهرة في ضوء مجموعة من التخصصات العلمية والمعرفية المتداخلة والمتقاطعة. ويعني هذا أنه من الصعب بمكان الحديث في هذا السياق عن منهجية خالصة ومستقلة، بل نجد تلك المنهجيات المستخدمة منصهرة في بعضها البعض، ومندمجة بشكل كلي، يخدم فيه المنهج الواحد المنهج الآخر.
أي: إن المقاربة المتعددة التخصصات مقاربة منهجية مفتوحة، تدرس النصوص والظواهر في مختلف تجلياتها، في ضوء مجموعة من العلوم والتخصصات المعرفية المتعددة والمتشعبة بغية الحصول على الدلالة، وبناء المعنى. وبهذا، تكون هذه المنهجية مرنة، ومنفتحة، وموسوعية، تشترك في بنائها مجموعة من المناهج والتخصصات المتعددة. فليس ثمة نظرة ضيقة أحادية، ولابعد منهجي واحد في التعامل مع القضية التربوية أو الظاهرة الثقافية فهما وتفسيرا.
وتعمل هذه المنهجية على استجلاء مختلف مستويات الدلالة النصية، وتفسيرها ضمن تعددية دلالية وتأويلية. بمعنى أن ظاهرة ما، كالظاهرة النفسية أو التربوية مثلا، تقدم معرفة إنسانية معقدة في مختلف تمظهراتها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية، والثقافية، والبيداغوجية، والديدكتيكية. بمعنى أنها ظاهرة متشعبة ومركبة، من الصعب مواجهتها بمنهج علمي واحد، محدد نظريا وتطبيقيا. فلابد من الاستعانة بجميع المناهج قصد الإحاطة بالظاهرة الاجتماعية والقانونية من جميع جوانبها سطحا وعمقا بغية الظفر بالدلالة التي قد تنتج عن مستويات مختلفة للمعنى. علاوة على ذلك، تتعامل المقاربة المتعددة التخصصات - بالضبط - مع الظواهر المركبة التي تحمل في طياتها أنساقا متعددة، ومستويات مختلفة من الدلالات. كما تتعامل هذه المنهجية مع الظواهر الغامضة والمعقدة والمركبة والمتشعبة، كالظواهر التربوية والديدكتيكية والنفسية والاجتماعية والقانونية...
وعلى أي حال، تدرس المقاربة المتعددة التخصصات موضوعا اختصاصيا ما، في ضوء تخصصات أخرى في آن معا. ويعني هذا أننا إذا أخذنا موضوع العمل مثلا، فيمكن دراسته أو معالجته من زوايا متعددة (اقتصادية، واجتماعية، ونفسية، ودينية، وأخلاقية، وسياسية، وتربوية...)؛ حيث يمكن لأي باحث، في أي ميدان أو تخصص ما، أن يدلي بوجهة نظره حول الموضوع. أي: إن العلماء في شتى التخصصات سيقدمون آراءهم حول هذا الموضوع المرصود بشكل علمي وموضوعي، بالتركيز على مجموعة من الفرضيات والأهداف والمبادىء والوسائل والقيم. ومن هنا، فالمقاربة المتعددة التخصصات، مادامت أنها منهجية تعتمد على التعددية في الآراء، وتستند إلى فلسفة التنوع، ومنطق الاختلاف في إصدار الأحكام التقويمية، فهي تتنافى مع المنهجية الأحادية النسبية التي تقصي المعارف والعلوم الآخرى، وتبعد كل وجهات النظر المقابلة والمخالفة.
وقد ظهر مصطلح تعدد التخصصات (interdisciplinarité ) بالولايات المتحدة الأمريكية في سنوات الأربعين من القرن العشرين للإشارة إلى الأبحاث التي أجريت على الذكاء الاصطناعي. وبعد ذلك، وبالضبط في سنوات الخمسين والستين من ذلك القرن، أصبح المصطلح يطلق على العلوم والتطبيقات والمعارف المتجاورة، وذات البعد المتعدد التخصصات. وكانت هذه المقاربة المنهجية تطبق، في البداية، على المشاكل المعقدة، والوضعيات الصعبة، والظواهر الثقافية المركبة. ومن أهمها: المواضيع المعرفية والبيئية والتربوية والاقتصادية مثلا.
ولقد طبقت هذه المقاربة في مجال الثقافة والتربية والتعليم والمعرفة؛ لأن الظواهر الثقافية والتربوية والمعرفية مركبة، تحتاج إلى التسلح بمجموعة من المناهج للإحاطة بهذه الظواهر المتشعبة. ومن ثم، ارتبطت المنهجية المتعددة التخصصات بالأبحاث والتطبيقات التي تحتاج إلى تعدد العلوم والمنهجيات والمعارف، مثل: التكنولوجيا، والكيمياء الإلكترونية، وسوسيولوجيا الفن، وعلم النفس الاقتصادي.
ومع سنوات السبعين والثمانين من القرن نفسه، بدأ الدارسون والباحثون يتعمقون، بشكل جيد، في المنهجية المتعددة التخصصات. وقد تعددت المصطلحات المتعلقة بهذا المفهوم، فأصبحنا نتحدث عن المنهجية المتداخلة التخصصات (interdisciplinarité hétérogène )،أو المنهجية الاستدماجية (interdisciplinarité intégratrice )، إلى جانب مصطلحات أخرى لاتخرج عن مفهوم تعدد التخصصات والاهتمامات، مثل:
(multidisciplinarité)،و(Pluridisciplinarité)،
و(interdisciplinarité)،و(transdisciplinarité ).
بيد أن الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (Edgar Morin) يدافع كثيرا عن مصطلح المقاربة المتعددة التخصصات (interdisciplinarité )، فآثر استخدامه نظريا وتطبيقيا في مجال الفلسفة والمعرفة الإنسانية، ثم استبعد المصطلحات الغامضة الأخرى.
ويعد إدغار موران و جان بول روسويبر من المدافعين، في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية، عن المقاربة المتعددة التخصصات؛ لأنها منهجية وتقنية ونظرية. وأكثر من هذا ترتبط هذه المنهجية المتعددة التخصصات (Pluridisciplinaire ) بجان بول روسويبر (Jean-Paul Resweber)، منذ سنة 1981م، مع صدور كتابه (المنهجية المتعددة التخصصات/ la méthode interdisciplinaire ).
ولاتعتبر هذه المقاربة النقدية منهجية أساسية خالصة، بل هي منهجية المنهجيات؛ حيث تتكئ نظرية وتطبيقا على باقي المناهج العلمية الأخرى. بمعنى أن هذه المنهجية المرنة تتسم بالانفتاح على تعدد الاختصاصات، فتدرس الظواهر الثقافية المركبة، في ضوء منظورات علمية ومعرفية مختلفة ومتباعدة، ومتباينة نظريا وتطبيقيا. كما تعتمد هذه المنهجية على الفلسفة، والأسلوبية، والسيميوطيقا، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والرياضيات، واللسانيات، والهيرمونيطيقا، وعلم التفكيك....
المبحث الخامس عشر: المنهج الببليوغرافي
يدل مصطلح الببيلوغرافيا(Bibliographie) على نسخ الكتب من جهة، ووصفها من جهة أخرى.ويتم الوصف- هنا- بذكر حيثيات التأليف والطبع والنشر والتوزيع والاستهلاك.أي: ذكر كل ما يتعلق بحيثيات النشر والطبع.ومن ثم، تدرس الببليوغرافيا الكتاب من الجهة المادية، دون الجهة الموضوعاتية والفنية والجمالية. وإن كانت الببليوغرافيا -اليوم- تنحو نحو أرشفة الكتب والمؤلفات انطلاقا من خلاصاتها الدلالية والموضوعاتية، أواعتمادا على مميزاتها الشكلية ومقاصدها المرجعية. وقد " أصبح من الشائع الآن أنه عندما يتحدث المكتبيون عن الببليوغرافيا، فإنهم يعنون في الغالب الأعم الببليوغرافيا النسقية الحصرية.أي: قائمة بالكتب أو الأشرطة أو التسجيلات...إلخ. والهدف من هذه القائمة هو أن تساعد المستفيد على الوصول إلى المادة أو المواد التي يريدها.أي: تحديدها وتعيينها أو معرفة مكانها أو الاختيار من بينها، إذ هي تفرض نوعا من التنظيم على هذا الحجم الكبير من الموضوعات والعناوين."83
وعليه، فلقد ظهرت الببليوغرافيا كعلم وفن مستقل في القرن التاسع عشر. أما باعتبارها ممارسة وتطبيقا، فثمة جذور لها قبل ظهور طباعة الكتب. فقد عرف العرب والمسلمون قديما وحديثا بالأرشفة، والتوثيق، والجمع، والتصنيف، والفهرسة. وتعرف الساحة العربية الحديثة والمعاصرة مجموعة من المصنفات الببليوغرافية لعلماء متميزين، مثل: ابن النديم في كتابه:(الفهرست)، وطاش كبرى زاده في كتابه: (مفتاح السعادة)، ويوسف إلياس سركيس في كتابه (معجم المطبوعات العربية والمعربة)، والشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه (الذريعة إلى تصانيف الشيعة )، والتركي فؤاد سيزكين في كتابه (تاريخ التراث العربي)...
وقد انتقلت الببليوغرافيا من الصفة المكتبية إلى صفة التوثيق والتحليل والاستقراء والاستكشاف، بوضع قوائم الكتب، وفهرستها في ضوء المعلوميات والحواسيب، إلى أن أصبح-اليوم- من الصعب ممارسة البحث، دون الرجوع إلى القوائم المكتبية أو الببليوغرافية.
وتهتم الببليوغرافيا بالتحقيق، والتوثيق، والدراسة المادية للكتاب، مع الاستعانة بالنقد التكويني في دراسة النسخ المخطوطة تحقيقا وتوثيقا، وممارسة التحليل النصي في مقارنة النسخة المطبوعة بالمسودة الأصلية. ومن هنا، تستند الببليوغرافيا إلى التحقيق، والتوثيق، والوصف، والتحليل، والتأويل، والتفسير، والمقارنة، ونقد المصادر...
ويمكن الحديث في إطار الببليوغرافيا عن التحليل المادي للكتاب، والتحليل الوصفي، والتحليل النصي، والتحليل الكمي، والتحليل الرقمي أو المعلوماتي، والتحليل النقدي، والتحليل الفهرسي، والتحليل التفسيري أو التأويلي.
ولايمكن أن تحقق الببليوغرافيا نجاعتها إلا بنشدان الكمال في البحث عن المعلومات، وتجميع المعطيات والبيانات، وإعداد القوائم الفهرسية. فضلا عن الوصول إلى أصغر وحدة جزئية من مواد الببليوغرافيا، وأرشفة جميع الأوعية والأشكال التواصلية والإعلامية. والهدف من الببليوغرافيا هو التعريف والتحقيق، وتحديد مكان الكتب لتوثيقها وأرشفتها وشرائها. كما تساعد الببليوغرافيا الباحثين على اختيار ما يناسبهم من الأوعية التخاطبية والمواد المكتبية84.
ويمكن الحديث عن أنواع من الببليوغرافيات، فهناك - من جهة- ببليوغرافيات عامة وخاصة ومتخصصة، وببليوغرافيات عالمية، وببليوغرافيات وطنية، وببليوغرافيات تجارية، وببليوغرافيات إقليمية، وببليوغرافيات جهوية، وببليوغرافيات محلية، وببليوغرافيات المجموعات اللغوية. ومن جهة ثالثة، هناك من يصنفها إلى ببليوغرافيات موضوعاتية، وببليوغرافيات شكلية، وببليوغرافيات أدبية، وببليوغرافيات فكرية...85
وعليه، تستند المنهجية الببليوغرافية إلى مجموعة من المراحل والخطوات الإجرائية في أثناء التعامل مع ظاهرة ما، كالظاهرة التربوية والاجتماعية والنفسية مثلا. ومن بين هذه الخطوات مايلي: تحديد هدف البحث، ورصد فرضياته الرئيسة، واختيار العينة الوثائقية مباشرة، بعد عملية الجمع والتحصيل.ثم، تأتي العمليات المنهجية الأخرى، مثل: التوثيق، والتحقيق، والنقد، والتحقيب، والترتيب، والفهم، والتحليل، والقياس، والتمثيل، والتفسير، والاستنتاج، والتركيب.

وخلاصة القول: تلكم - إذاً- أهم المناهج العلمية التي يمكن الاستعانة بها في إنجاز البحث النفسي أو التربوي. وتتمثل هذه المناهج المقترحة في: المنهج التجريبي، والمنهج الوصفي، والمنهج المقارن، والمنهج النفسي، والمنهج السلوكي، والمنهج التاريخي، والمنهج الاجتماعي الجدلي، والمنهج البنيوي، والمنهج البنيوي التكويني، والمنهج السيميائي، والمنهج الببليوغرافي...
بيد أن هذه المناهج السابقة تبقى هي الأجدر بالاهتمام والرعاية والعناية؛ لما لها من دور كبير على مستوى تجميع الوثائق والمعطيات، واختيار العينات، ودراسة البيانات، ومعالجتها كميا وكيفيا، وتحليلها في ضوء عمليات الفهم والتفسير والتأويل بغية تحصيل النتائج الثابتة واليقينية والعلمية، بالابتعاد عن الميول الذاتية والانفعالية من جهة أولى، والأحكام الدينية والاعتقادية من جهة ثانية، والأهواء الشخصية والقناعات الإيديولوجية من جهة ثالثة.












الفصل الثالث:
قضايا لغوية وتعبيرية
يلاحظ أن كثيرا من الطلبة والباحثين، في أثناء كتابة بحوثهم العلمية بصفة عامة، وتحبير بحوثهم التربوية بصفة خاصة، يخطئون في استعمال مجموعة من الظواهر اللغوية السليمة، سواء أكانت صوتية، أم إملائية، أم صرفية، أم تركيبية، فيتهاونون في ذلك التهاون كله، ويتساهلون في ذلك إلى درجة كبيرة، معتقدين أن الأفكار أهم من الأسلوب والصياغة والشكل وسلامة التعبير والأداء، على الرغم من أن الأفكار لايمكن أن تكون ذا قيمة إلا بتوظيفها في سياق لغوي صحيح فصاحة وبلاغة. ومن جهة أخرى، يمكن لنا أن نتقبل بعض الأخطاء الشائعة لغويا، كأن نكتب- مثلا- كلمة (الموسيقى) بالألف المقصورة، وهذا خطأ من الناحية الإملائية بدلا من كتابتها بالألف الممدودة (الموسيقا)؛ لأن الكلمة أعجمية ليس إلا، وهي الأصح لغويا. ويجوز أيضا استعمال الرابط المنطقي (بالتالي) بدلا من (الآتي)، وهكذا، دواليك... بيد أن ثمة كلمات وأصواتا وتعابير وتراكيب التي ينبغي إعمالها بطريقة صحيحة وسليمة ولائقة، وإلا أصبحت أفكارنا، ومحتويات أبحاثنا ودراساتنا ومقالاتنا خاطئة وغير سليمة من حيث المعايير اللغوية. إذاً، فاللغة هي محك الأفكار، ومعيارها المنطقي، فلا أفكار بلا لغة صحيحة وسليمة.
وتقوم علامات الترقيم بدور هام في توضيح الأفكار، وتبيان دلالات النص المعطى. ومن ثم، ينبغي احترامها، ومراعاة مواقعها بالطريقة الصحيحة، وضبطها بالشكل اللائق بها حتى تؤدي الجمل والتعابير معانيها الخاصة بها، فتحقق وظيفتي الفهم والإقناع. لذا، سنحاول في هذا الحيز الضيق تقديم بعض التعليمات والنصائح والتوجيهات والتنبيهاتبغية إرشاد الباحثين إلى الطريقة السليمة التي سيكتبون بها بحوثهم العلمية الجادة والرصينة. ومن أهم مميزات البحوث الناجحة: الوضوح، والبساطة في الكتابة، واستعمال أسلوب سهل ممتنع، واحترام علامات الترقيم، وتوظيف جمل عربية سليمة من حيث التركيب والأداء. ومن ثم، فالكاتب المتميز هو الذي يكتب أفكارا مهمة وجادة، بأسلوب عربي فصيح وبليغ، يسهل على القارىء فهمه بسرعة، واستيعابه بسهولة ومرونة ويسر.
المبحث الأول: القضايا الإملائية
تتعلق القضايا الإملائية بكل ما يمت بصلة إلى الإملاء والكتابة، سواء على مستوى علامات الترقيم، أم على مستوى الهمزة، أم على مستوى بنية الكلمات...
وإليكم بعض الظواهر الإملائية التي يحسن التوقف عندها لتقديم الصحيح والأصح لكي يستعين بها الباحث في تحسين كتابته، وتجويدها أداء وتحبيرا ونطقا.
المطلب الأول: علامات الترقيم
تقوم علامات الترقيم بأدوار هامة في توضيح الدلالات، وتبيان المعاني، واستكشاف الرؤى الموضوعاتية والمقصدية، وتحسين القراءة بكل أنواعها: السريعة، والعادية، والعميقة، وتجويد التوقف تارة، والاسترسال في المتابعة البصرية تارة أخرى، وتقسيم الأفكار وتوزيعها، وتنظيم المقال أو الدراسة أو البحث فضائيا وبصريا. ومن هنا، تؤدي علامات الترقيم دلالات سيميائية عدة لغة وأيقونا ورمزا وإشارة. ومن ثم، فهي ترتبط بسياق النص ذهنيا ووجدانيا وحركيا، فحينما نتعامل - مثلا- مع علامة التأثر أو التعجب، فإننا نتفاعل مع الجملة وسياقها تعبيرا وانفعالا وحركة لنخرج كل ما لدينا من طاقة تعبيرية لأداء الجملة أداء حسنا.و"لئن أمسى الترقيم المؤسس على الاعتبارات التركيبية والنحوية، والمتسم بغزارة العلامات، أو ثق صلة بالكتابي منه بالشفوي، فإنه في حالة تراجع حاليا، خاصة، وأن مسالة الترقيم في نظر أهل الذكر اليوم تدور في المقام الأول على الفهم والإفهام.أي: إن الترقيم ليس تابعا للنحو وحده، ولا للتنفس والتنغيم على حدة، بل هو مجال مشترك بين ذلك كله، فضلا عن صلته بالمنطق صلة جعلته خليقا بتحقيق العبور[ عبور الفحوى] من الكاتب المبدع إلى جمهوره، فكأن الترقيم جسر بين عقلين، أو قل هو بمثابة سفير منتج النص لدى قرائه. لذا، يؤكد جاك دريون أن:" الترقيم ليس قضية تركيب أو تنفس، بقدر ماهو نتيجة حتمية لشكل معين من أشكال التفكير.أما القاعدة الضابطة له، فهي تلك التي تقتضيها الفكرة المعبر عنها. بل إن الغاية المرتجاة منه تنبع من صميم التفكير ذاته". ثم، إن ربط وظائف الترقيم بمطلب الفهم والإفهام يجعل الوقف في حد ذاته ظاهرة خاضة للمنطق. يقول نوفارينا في هذا الصدد:" إن الفكرة تنفس".أي: إن الوقف ليس مستقلا، وإنما هو من توابع التفكير.أي: إن السكتات المقررة بمقادير مضبوطة في مواضع معينة، ليست مجرد محطات تنفسية بالمعنى البيولوجي للتنفس، وإنما في المقام الأول وقفات معنوية، فالعبرة من الناحية اللغوية ليست بأن يستعيد القارىء نفسه، بل المهم أن يتعاطى القارىء السكت بمقادير معلومة، وفي مواضع محددة من السلسلة المنطوقة رفعا للبس، وصونا لمقصد المتكلم عن التبدل.86"
ونستحضر من بين هذه العلامات ما يلي87:
علامة الترقيم رمزها مواقعها النقطة أو الوقفة ( تدل النقطة على وقف تام. وتوضع في الحالات التالية:
- حينما تستكمل الجملة، سواء أكانت مركبة أم بسيطة، معناها التام، مثل:(السماء صافية). و (خير الكلام ماقل ودل، ولم يطل فيمل.)
- توضع النقطة أيضا عندما نكتب أسماء الأعلام الغربية باختصار، مثل: (ت.س.إليوت.). وقد أصبحت هذه الظاهرة موجودة في ثقافتنا العربية؛ حيث نستعمل النقطة فاصلا بين الأستاذ والدكتور، مثل:(ذ.د طه حسين).
- توضع بعد كلمة (إلخ. بمعنى إلى آخره).
- توضع بين حرفي (د.ت.) الدالين على جهلنا بتاريخ طبع الكتاب. الفاصلة ، تدل على وقف قصير، وتستعمل في الحالات التالية:
- بعد لفظ النداء:(يا جميل، راجع دروسك).
- بعد مجموعة من الروابط، مثل(وعليه، في حين، لهذا، وبالتالي، وبناء على ماسبق،...).
- بين الجملتين المرتبطتين في المعنى والإعراب، وخاصة في أسلوب الشرط.(إن تجتهد كثيرا، تنجح في امتحانك).
- بين المفردات والجمل المعطوفة، مثل: (رأيت أخاك، وعمك، وحماك.)
- بين الأجزاء المتسلسلة والمنقسمة:(الكلام العربي: اسم، وفعل، وحرف.)
- بعد أدوات التحسر والتأثر والتفجع، مثل: (آه، كم أنت ظالم!)
- بين القسم وجوابه: (والله، إنك لمؤمن.).
- بعد حرف الجواب:(هل أنت مسافر؟ نعم، سأسافر غدا، فلدي مشاغل كثيرة.)
- بين الكلمات المتشابهة، مثل: (الرجال، النساء، الشيوخ، الأطفال، كلهم احتشدوا أمام القنصلية الأجنبية.)
- بين ألفاظ البدل: (إن العصر الذي نعيش فيه، عصر العولمة والتكنولوجيا، يعج بالتناقضات الجدلية.)
- بين كلمات الجملة الحالية والوصفية: (قابلتها، وقلبي يخفق، لأخبرها بما يحس به وجداني)، و(دخلت علينا، ونحن نحتفل، امرأة فاتنة، خدها جميل.)
- بين عناصر حيثيات النشر.أي: بين اسم المؤلف، والكتاب، ودار النشر، وتاريخ الطبعة، مثل:(د.جميل حمداوي:السيميولوجيا بين النظرية والتطبيق، الوراق للطبع والنشر، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، سنة 2011م، ص:14.) الفاصلة المنقوطة أو القاطعة ؛ توضع في الحالات التالية:
- توضع بعد جملة، ما بعدها سبب لها، مثل:(أعطى المدير التلميذ الجائزة؛ لأنه يستحقها عن جدارة).
- بعد جواب عن سؤال بألفاظ من نوع كلا وبلى، مثل:(هل ستمطر السماء غدا؟ كلا؛ لن تمطر."
- بين الجمل الطويلة التي يتألف من مجموعها كلام تام الفائدة،مثل:(وقد فصل أرسطو في " أورغانونه" بين " الريطوريقا" و" البويطيقا"، حيث أفرد لكل منهما مؤلفا مستقلا، وليس هذا الفصل اعتباطيا، بل هو يؤكد الحدود القائمة بين كل من الشعرية والخطابة: فالأولى تدرس المحاكاة، إنها تهتم باستحضار الصورة؛ بينما تدرس الثانية السبل المؤدية إلى الإقناع، إنها تتعلق بالتواصل اليومي.88"
- بين مراجع متعددة موضوعة في الهامش بغية الفصل بينها، مثل: (د.جميل حمداوي: السيميولوجيا بين النظرية والتطبيق، الوراق للطبع والنشر، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2011م؛ وكتاب: نظريات النقد الأدبي ما بعد الحداثة، شركة الأنوار المغاربية للطبع والنشر، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى، سنة 2012م.)
- قبل الجملة الموضحة أو المؤكدة، مثل: (إن في الدستور قواعد قانونية مهمة؛ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك). العارضة أو الشرطة - توضع في الحالات التالية:
- في أول السطر، ولاسيما في الحوارات المسرحية.
- بين العدد والمعدود، مثل: " ينقسم موضوعنا إلى ثلاثة محاور:
أولا-......
ثانيا-......
ثالثا-......."
نقط الحذف أو النقط المتتابعة. ... وعددها ثلاثة على الأقل، وتستعمل في الحالات التالية:
- في بداية الكلام على أن الكلام لم يذكر من بدايته.
- في آخر النص على أن الكلام لم ينته بعد. علامة التأثر ! تسمى هذه العلامة بعلامة التأثر أو التعجب أو الاندهاش، مثل:(ما أجمل السماء!) علامة الاستفهام ؟ توضع بعد جملة الاستفهام:(من أتاك البارحة؟) العارضتان أو الشرطتان - - تستعملان في الحالات التالية:
- في جملة الاختصاص: (نحن – المحامين- ندافع عن المظلومين.)
- تضمين الدعاء بين جملتين، مثل: (أنت-أعزك الله- رجل كريم.) القوسان ( ) يستعملان في الحالات التالية:
- للشرح والتفسير.
- للدعاء القصير: (كان عمر(رضي الله عنه) مثال الخليفة العادل.)
- عند عدم الموافقة على المعلومة (المغرب بلد بترولي بامتياز (؟)) المعقوفان أو القوسان المركنان [ ] يستخدمان في الحالة التالية:
- حينما يدخل صاحب البحث كلاما شخصيا في كلام غيره.
الشرطة المائلة / توضع الشرطة المائلة للأغراض التالية:
- لفصل التاريخ الميلادي عن الهجري، أو العكس: مثال:(محمد الرازي(534-606ه/1149- 1210 م).
- الفصل بين لفظين متضادين أو أكثر في تركيبة واحدة: (المرسل/ المتلقي عنصران مهمان في عملية التواصل).
- الفصل بين مكانين مختلفين لطبع الكتاب نفسه،مثل:(الخراط (أحمد محمد): الهمزة في الإملاء العربي: المشكلة والحل، دار القلم، دمشق/دار العلوم، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1987م.) المزدوجتان أو الشولتان المزدوجتان "..." تستعملان لنقل جملة مقتبسة من الغير بنصها الحرفي.
النقطتان : تستعمل في الحالات التالية:
- بعد فعل القول: (يقول: إن السماء صافية.)
- بعد حرف أي: (أي: يقصد طفولته الأولى.)
- بين الشيء وأقسامه وأنواعه: (الكلمة: اسم، وفعل، وحرف.)
- قبل الأمثلة التي توضح قاعدة (مثل:)
- بعد العناوين الفرعية.



المطلب الثاني: همزة الوصل وهمزة القطع
يعرف الكل أن الهمزة التي توجد في أول كلمة إما همزة وصل، وإما همزة قطع. فهمزة الوصل همزة يتوصل بها إلى النطق بالحرف الساكن. أما همزة القطع، فتظهر في النطق، حين نبدأ بنطق الكلمة التي وقعت هذه الهمزة في أولها، وتظهر أيضا في النطق، حين تأتي هذه الكلمة في وسط الكلام المتصل89.
الفرع الأول: مواضع همزة الوصل
ترد همزة الوصل في مجموعة من المواضع على النحو التالي:
- تكتب همزة الوصل في هذه الأسماء، مثل: امرؤ، وامرأة، واثنان، واثنتان، وابن، وابنة، وابنم، وايمن الله...
- تكتب همزة الوصل في مصدر الفعل الخماسي والسداسي، مثل: انتصار، واستكشاف.
- تكتب في ماضي الفعل الخماسي والسداسي، مثل: اطمأن- انزوى- استكشف....
- تكتب همزة الوصل في أمر الفعل الثلاثي والخماسي والسداسي، مثل: العب، انصرف، استعد، استخرج...
- تكتب في همزة (ال)، مثل: التلميذ-الراعي- السابق- الذي- التي...
الفرع الثاني: مواضع همزة القطع
تكتب همزة القطع في الحالات التالية:
- جميع الأسماء ماعدا الأسماء الستة أو العشرة، مثل: إسلام، وإعلام،....
- مصدر الفعل الثلاثي والرباعي، مثل: إعصار، وإعراب...
- ماضي الثلاثي المهموز الفاء، والرباعي، مثل: أمر، أعرب...
- المضارع المبدوء بالهمزة، مثل: أسرع، وأكمل، وأنجد...
- كل الحروف همزتها قطع، ماعدا" ال". ومثال ذلك: همزة الاستفهام، وهمزة النداء، وهمزة التسوية، وإذا التعليلية، وأم، وأو، وأن، وألا،...
المطلب الثالث:كتابة الهمزة
تكتب الهمزة إما متوسطة، وإما متطرفة على النحو التالي:
الفرع الأول: الهمزة المتوسطة
تكتب الهمزة المتوسطة على الواو في الحالات التالية:
- إذا كانت ساكنة بعد ضم: (مؤمن).
- إذا كانت مفتوحة بعد ضم (سؤال).
-إذا كانت مضمومة بعد سكون(تفاؤل).
-إذا كانت مضمومة بعد ضم: (فؤوس).
وتكتب هذه الهمزة على الألف في الحالات التالية:
- إذا كانت ساكنة بعد فتح:(كأس)
- إذا كانت مفتوحة بعد فتح:(سأل).
إذا كانت مفتوحة بعد حرف صحيح ساكن:(فجأة).
وتكتب هذه الهمزة على الياء:
-إذا كانت مفتوحة بعد كسر(مليئة).
-إذا كانت ساكنة بعد كسر(بئر).
-إذا كانت مكسورة بعد ضم(سئل).
-إذا كانت مكسورة بعد فتح(مطمئنون)
- إذا كانت مكسورة بعد سكون (أسئلة).
الفرع الثاني:الهمزة المتطرفة
تكتب الهمزة المتطرفة في آخر الكلمة بحسب حركة الحرف الذي قبلها؛ إما على الياء، وإما على الواو، وإما على الألف، وإما على السطر.
- تكتب الهمزة المتطرفة على الياء، إذا كان ماقبلها كسر، مثل: قارىء، وشواطىء، ويبتدىء، ويهيء، وينشء، وينبىء...
- تكتب الهمزة المتطرفة على الواو، إذا كان ماقبلها ضم، مثل: يجرؤ- تهيؤ- تباطؤ- تكافؤ.....
- تكتب الهمزة المتطرفة على الألف، إذا كان قبلها فتح، مثل: قرأ- نشأ- ملأ- يبرأ- مرفأ- خطأ...
- تكتب الهمزة المتطرفة على السطر، إذا كانت مسبوقة بحرف ساكن، أو واو مضمومة مشددة، مثل: عبء، وكفء، وجزء، وبرء، وكساء، ووضوء، وتبوء،....90
ويلاحظ أن الهمزة المتطرفة إذا اتصل بها ضمير، صارت همزة متوسطة، مثل:(تواطؤ(بتواطئه). وإذا سبقت الهمزة بحرف ساكن، وكانت منونة تنوين نصب، رسمت على ياء بين ألف التنوين والحرف السابق، إذا أمكن وصلها، مثل: عبئا، كفئا، ودفئا...فإذا لم يكن بالإمكان وصلها تبقى الهمزة مفردة، وتوضع ألف التنوين بعدها، نحو: جزءا، ولجوءا، وهدوءا، وهزءا91.
المطلب الرابع:الألف اللينة
يقصد بالألف اللينة تلك الألف الممدودة الساكنة، ولاتقع إلا في وسط الكلمة أو في آخرها. فالألف المتوسطة أصلا هي التي يكون قبلها حرف أو أكثر، مثل هذه الأفعال: قال- نام- جال- استمال... و نذكر من الأسماء: فتاة- هداهم- منادى... ومن الأحرف: إلام تتطلع؟ علام تعول؟ حتام تظل تفكر؟
أما الألف المتطرفة، فإذا كانت في الأسماء الأعجمية، فترسم ألفا، مثل: طنطا، ويافا، وحيفا، وشبرا،...ما عدا أربعة أسماء، وهي: موسى، وعيسى، وبخارى، وكسرى، فتكتب ألفها مقصورة. وترسم الأسماء المبنية ألفا، مثل: أما- مهما- إذا، وحيثما... وتكتب ألفا إذا كان الاسم ثلاثيا، ومنقلبا عن واو، وكانت من الأسماء العربية المعربة، مثل: الحجا، والحفا، والذرا، والرضا،...وتكتب ألفا مقصورة في غير ذلك، كأن تكون في اسم ثلاثي، وهي منقلبة عن ياء، مثل: دمى، وفتى، وقرى، ومنى.....أو تكون في اسم أحرفه أكثر من ثلاثة، وليس قبل الألف ياء، مثل: بشرى، وبلوى، وسعدى، وصغرى...فإن كان قبل الأف ياء، رسمت الألف اللينة ألفا مثل: ثريا، وريا، ودنيا، ورعايا...وإذا كانت الكلمة علما، فترسم الألف ياء، مثل:(يحيى) للتفرقة بينها، وبين الفعل (يحيا).
أما على مستوى الأفعال، ترسم الألف اللينة ألفا، إذا كانت آخر الفعل الثلاثي، وكانت منقلبة عن واو، مثل: بدا، وحبا، وجلا، وخلا، ودنا... وترسم ألفا مقصورة، بأن كانت آخر فعل ثلاثي، وكانت منقلبة عن ياء، مثل: أبى، وأوى، وبغى، وسعى..أو كانت آخر فعل أحرفه أكثر من ثلاثة، وليس قبل الألف ياء، مثل: أتى، وأبدى، وأجلى، وأخلى، وأردى....92
المطلب الخامس:فتح همزة (ان) وكسرها
تفتح همزة (أن) في الحالات التالية:
-إذا وقعت وسط الجملة، مثل: (أعلم أن السماء صافية).
- أن تكون وما بعدها في موضع الفاعل، مثل: (بلغني أنك مجتهد.)
- تقع بعد لو، مثل: (لو أنك اجتهدت، لكان خيرا لك.)
-أن تقع بعد ما المصدرية الظرفية، مثل: (لا أكلمك ما أنك كسول.)
- أن تكون هي وما بعدها في موضع نائب الفاعل، نحو: (علم أنك منصرف.)
-أن تكون هي وما بعدها في موضع المبتدأ، نحو: (حسن أنك مجتهد.)
وتكسر همزة(إن) في الحالات التالية:
- تقع في بداية الكلام: (إن السماء صافية.)
- تقع بعد حرف تنبيه، مثل: (ألا، أما...)
- بعد القول: (يقول: إن السماء صافية.)
- بعد إذ، وحتى، وأي، وحيث...مثل: (أي: إن السماء صافية- إذ إنها يتيمة، حيث إن المكان واسع...)
- بعد القسم: (والله، إن السماء صافية)
- أن تقع صدر الجملة الواقعة صلة للموصول، نحو:(جاء الذي إنه مجتهد.)
- في جملة الحال، مثل:(جئت، وإن الشمس تغرب.)
- في جملة الصفة، نحو: (جاء رجل إنه فاضل.)
- أن تقع صدر جملة استئنافية، مثل:(يزعم فلان أني أسأت إليه، إنه لكاذب.)
- أن تقع في خبرها لام الابتداء، مثل: (علمت إنك لمجتهد.)
- أن تقع ما بعدها خبرا عن اسم عين، نحو: (خليل إنه كريم.)93
المطلب السادس: ألف (ابن)
تثبت ألف (ابن) في أول الكلام، مثل: (ابن من أنت؟ )، أو إذا كان الاسم الثاني أما، مثل: (عيسى ابن مريم، وداود ابن عائشة). وإذا وقعت بعد منون، مثل: (خالد ابن الوليد)، وإذا وقع أحدهما مفردا، مثل:(الحسن والحسين ابنا علي). ومن جهة أخرى، تحذف ألف (ابن) في أثناء النداء، مثل:(يابن علي)، وحينما تكون بين علمين: (يوسف بن تاشفين)، وبعد استفهام(ابنك هذا؟).
المطلب السابع: حذف الواو والألف
تحذف الواو في بعض الكلمات للتخفيف، مثل: (داود، وطاوس، وناوس(مقبرة النصارى)، وهاون(ما يدق فيه)...)
وتحذف الألف من وسط الكلمة، وينطق بها في: اسم الجلالة (الله)، و(إله)، و(لكن)، و(طه)، و(الرحمن)، و(سموات). كما تحذف هاء التنبيه إذا دخلت على أسماء الإشارة، مثل: (هذا، وهذه، وهذان، وهؤلاء...)
ولاتحذف في مثل: (هاهنا، وهاتان). وتحذف الألف من (ما) الاستفهامية، إذا دخل عليها أحد أحرف الجر أو حتى، مثل: (فيم، بم، علام، حتام...)
وقد تزاد الألف في بعض الكلمات العددية، مثل: (مائة، ومائتان، وتسعمائة...)
المطلب الثامن:التاء المربوطة والتاء المبسوطة
نتحدث إملائيا عن التاء المربوطة والتاء المبسوطة على النحو التالي:
الفرع الأول: التاء المبسوطة
تكتب التاء المتطرفة مبسوطة في الحالات التالية:
- إذا كانت أصلية، مثل: بيت- بات...
- في حالة اتصالها بالفعل، سواء أكانت تاء تأنيث ساكنة (أكلت- خرجت- لعبت...)، أم كانت تاء متحركة، مثل: (لعبت- خرجت- لعبت...)،
- أو حينما تكون التاء في آخر الاسم، بعد سكون قصير أو طويل، مثل(موت- بنت- توت...)،
- أو تكون تاء جمع المؤنث السالم، مثل: (بنات- معلمات- مهندسات...)،
- أو تكون في آخر الحروف، بعد ساكن صحيح أو مد، مثل:(لات- ليت).
الفرع الثاني: التاء المربوطة
تكون التاء مربوطة في الحالات التالية:
- في الاسم العلم المؤنث، مثل: نعيمة، وسميرة، وفتيحة...
- اسم العلم المذكر غير الأجنبي، مثل: معاوية، وطلحة... أما إذا كان أجنبيا، فيكتب بالتاء المبسوطة، مثل: بارت، وجونيت،...
- في الصفة المؤنثة، مثل: عالمة، مؤمنة، ونزيهة، وطويلة،...
- صيغة المبالغة، مثل: فهامة، وعلامة، ووقادة،...
- كلمةثمة الظرفية المسبوقة بالفتح(ثمة).
- الاسم المسبوق بفتحة، مثل:(صخرة،ولعبة...)،
- تاء جمع التكسير لاسم المنقوص، مثل: (الراعي/ رعاة- القاضي/ قضاة- الجابي- جباة...).
وعليه، يلاحظ أن التاء توجد في الأسماء والأفعال والحروف، وتنطق تاء في وصل الكلام. في حين، تنطق هاء في الوقف.
المبحث الثالث: القضايا النحوية والتركيبية
ثمة مجموعة من القضايا اللغوية والتركيبية التي يحتاج إليها الطالب لتجويد بحثه، وتنقيحه تنقيحا صحيحا وسليما. ومن بينها:
المطلب الأول: الروابط اللغوية
ثمة مجموعة من الروابط التي يحتاج إليها الباحث لكي يكون بحثه العلمي بحثا متسقا ومترابطا ومنسجما. ومن بين هذه الروابط ما هو لغوي يربط بين الجمل فيما بينها، وماهو سياقي يربط بين فقرات الخطاب ومتوالياته، وماهو منطقي وحجاجي؛ حيث يجعل عملية الكتابة مترابطة سببيا وعلائقيا. وتتضمن الروابط المنطقية مجموعة من المبادىء، مثل: السببية، والتضمين، والتشابه، والمطابقة، والتناقض، والتضاد، والتعريف، والسرد، والوصف، والتمثيل، والمقارنة، والتقويم...
وثمة روابط أخرى تركيبية تتم بين الجمل فيما بينها، مثل: الرابط الزمني (عندما- بينما- في حين- حينما- بعد أن- قبل أن- إثر- عقب...)، والرابط الشرطي (إذا- لو- إن- لولا- شرط- شريطة أن...)، والرابط السببي (لأن- ل- بسبب- لذلك...)، والرابط الغائي(لكي- بغاية- قصد- لأجل- بغية- بهدف...)، والرابط الموصولي(الذي- التي- من- ما...)، والرابط الإحالي(الضمائر المتصلة والمنفصلة وأسماء الإشارة).
ولايقتصر الربط على الجمل فقط، بل هناك ربط بين الفقرات والمتواليات، ويتم بمجموعة من الروابط السياقية والخطابية، مثل: الرابط التماثلي(بموازاة ذلك- بشكل مماثل- وينسحب هذا على-...)، والرابط التعارضي(خلافا لذلك- غير أن— بيد أن- في المقابل-... )، والرابط الإضافي(إلى جوار- فضلا عن ذلك- ناهيك عن- بله عن– علاوة على ذلك- وينضاف إلى ذلك-...)، والرابط الموضوعاتي(في هذا السياق- في هذا الإطار- في هذا الصدد- في هذا الشأن...)، والرابط الاستنتاجي(بناء على ذلك، وعليه، تأسيسا على ذلك- وعلى العموم- ارتباطا بما سبق، ونتيجة لهذا، ويترتب عن ذلك...)
المطلب الثاني:تركيب الجملة
ينبغي للباحث أن يوظف الجملة العربية في أثناء كتابة بحثه، ولايستعمل الجملة الاسمية إلا في الضرورة القصوى. ومثال ذلك الجملة التالية: (العلم يستلزم الصبر والجهد. والقول الصحيح هو: يستلزم العلم الصبر والجهد.) ومن جهة أخرى، على الباحث الابتعاد قدر الإمكان عن الجملة الطويلة، ومن الأحسن تقطيعها إلى جمل بسيطة، أو استعمال جمل اعتراضية بألا يؤثر ذلك في مدلول الجملة. ومثال ذلك: (تهدف البنيوية التكوينية التي أرسى دعائمها لوسيان كولدمان، بعد أن استفاد من كتابات فرويد، وماركس، وجان بياجي، وهيجل، وأنجلز، إلى خلق نوع من المماثلة بين البنى الفوقية والبنى التحتية). فهذه الجملة طويلة. لذا، فهي تحتاج إلى نوع من التفصيل والتبسيط، مثل: (تهدف البنيوية التكوينية إلى خلق نوع من المماثلة بين البنى الفوقية والبنى التحتية. وقد أرسى لوسيان كولدمان دعائمها، بعد أن استفاد من كتابات فرويد، وماركس، وجان بياجي، وهيجل، وأنجلز.)
المطلب الثالث: تمييز العدد
إذا كان المعدود مذكرا، كان العدد مؤنثا، مثل: (أربعة رجال)، وإذا كان المعدود مؤنثا، كان العدد مذكرا، مثل: (أربع نساء). ويقع التطابق في حالتي الواحد والاثنين، مثل: (أحد عشر كوكبا، وإحدى عشرة شجرة/ اثنا عشر كوكبا، واثنتا عشرة شجرة).
أما على مستوى الإعراب، يكون المعدود مجرورا ما بين الثلاثة والعشرة (خمسة كراس)، ويكون المعدود منصوبا ما بين أحد عشر وتسعة وتسعين(اشتريت عشرين مكتبا). ويكون المعدود مجرورا بعد المائة (رأيت مائة تلميذ)، والألف (مررت بألف مدينة)، والمليون (اشتريت العقد بمليون فرنك)، والمليار (اشتريت السوق بمليار فرنك).
المطلب الرابع: المثنى، وجمع المذكر السالم، والأسماء الخمسة، والأفعال الخمسة
يرفع المثنى بالألف (حضر الولدان)، وينصب ويجر بالياء، مثل: (رأيت الولدين، وسلمت على الولدين).
ويرفع الجمع المذكر السالم بالواو (حضر المؤمنون)، ويجر بالياء(سلمت على المؤمنين).
في حين، ترفع الأسماء الخمسة بالواو، مثل: (أبوك- أخوك- حموك- فو- ذو) بالواو(جاء أبوك)، وتنصب بالألف(رأيت أباك)، وتجر بالياء(سلمت على أبيك).
وترفع الأفعال الخمسة بثبوت النون، مثل: (التلاميذ يكتبون الدرس)، وتنصب وتجزم بحذف النون، مثل: (لم يكتبوا الدرس)، و(لن تكتبوا الدرس).

وخلاصة القول: تلكم نظرة مقتضبة إلى مجموعة من الظواهر الصرفية والإملائية والتركيبية التي يحتاج إلى معرفتها كل من الباحث المبتدىء والباحث المتمكن معافي أثناء كتابة بحثهما العلمي بصفة عامة، وكتابة بحثهما القانوني والاجتماعي بصفة خاصة. وتسعف هذه الظواهر المختلفة الباحث الدؤوب في تجويد عمله، وتحسين كتابته، في ضوء أسس لغوية صحيحة وسليمة.
وقد يجعل التساهل في اللغة والنحو والإملاء بحث الطالب، أو بحث الدارس، غير مقبول علميا، وغير مستساغ منهجيا وكتابة. لذا، لابد من تمثل هذه الآليات اللغوية والصرفية والإملائية والتركيبية في أثناء كتابة البحث، والالتزام بها بشكل صارم ودقيق.










الباب الثاني:
تقنيات البحث السيكولوجي أو التربوي









الفصل الأول:
تقنية الملاحظة
تعتبر الملاحظة تقنية سيكوبيداغوجية فعالة، وآلية سوسيولوجية مهمة، في رصد الظواهر التربوية والديدكتيكية والنفسية والاجتماعية والقانونية. ويعني هذا أن الباحث العلمي يمكن أن يستعمل تقنية الملاحظة في كتابة بحثه وتجميع المعلومات والبيانات والمعطيات على جميع المستويات والأصعدة الاجتماعية والقانونية.
إذاً، ما الملاحظة؟ وما مكوناتها؟ وما أهدافها وأهميتها وأغراضها؟ وما أنواعها؟ وما إيجابيات الملاحظة وسلبياتها؟
المبحث الأول: مفهوم الملاحظة
يمكنتعريف الملاحظة على أنها تقنية أو أداة سيكوبيداغوجية واجتماعية لمعاينة مجموعة من الكائنات والظواهر والوقائع، إما بطريقة عفوية مباشرة، وإما اعتمادا على مجموعة من الآليات النظرية والأدوات التطبيقية والإجرائية بغية تجميع المعلومات والبيانات والمعطيات حول شخص معين أو موضوع ما لتثبيت فكرة أو فرضية، أو إيجاد حلول علاجية أو وقائية، أو تحصيل حلول علمية أو عملية لمجموعة من التساؤلات والوضعيات التي يواجهها الإنسان، أو العالم، أو الباحث الملاحظ في العالم المرصود أو المعاين.وفي هذا الإطار، يقول عبد الكريم غريب:" الملاحظة في معناها العام، تقنية منهجية تتيح، عن طريق أدوات أو بكيفية مباشرة، الحصول على بيانات ومعلومات عن شخص معين أو موضوع، قصد تحديد شروطه أو صيرورته أو دلالاته أو بنياته...؛ فهي – إذاً- إجراء منهجي للكشف عن بعض عوامل التعثر لدى التلاميذ، عن طريق ملاحظة ما يقومون به من أعمال أو تصرفات."94
وعليه، فالملاحظة طريقة ناجعة لفهم الظواهر والوضعيات والمشاكل بغية تفسيرها، مع إيجاد الحلول المناسبة لها. ولايمكن الاستغناء عن الملاحظة، مادامت هي الخطوة المنهجية الأولى في دراسة المواضيع المادية والرمزية. وقد بني العلم، في الحقيقة،على الملاحظة العفوية الطارئة من جهة، والملاحظة العلمية المنهجية من جهة أخرى. ويعني هذا كله أن الملاحظة" مشاهدة دقيقة ومنظمة ومقصودة وموجهة لظاهرة معينة. وهي تستخدم كمنهج علمي لالتقاط الوضعيات والظواهر والسلوك في زمان ومكان حدوثه بشكل مباشر، ودون الاستعانة بواسطة، اللهم إذا كانت أداة أو آلة تتمم نقص حواس الملاحظ وتكمله.يتم اللجوء إلى الملاحظة على اعتبار أن الشخص الذي يقوم بممارسة عمل معين قد لا يكون في مستوى وصفه. بسبب صعوبة التعبير عنه أو عدم القدرة على وصفه بدقة ووضوح لاعتبارات مختلفة.فيقوم الملاحظ الباحث المتمرس بمناهج البحث العلمي بملاحظة هذا السلوك بدقة وموضوعية.
إن الملاحظة-إذاً- منهج هام وفعال جدا، يجعل الباحث على شعور ووعي بالحوادث والظواهر التي يهتم بدراستها في احتكاك مباشر معها في الميدان، ما لم يستخدم تقنية آلية، تقوم مقامه في هذه الملاحظة، كالاستعانة بآلة التصوير أو الفيديو...إلخ"95
وعليه، فالملاحظة تقنية منهجية ضرورية لفهم الظواهر والمواضيع بصفة عامة، ورصد الأنشطة السياسية والاجتماعية وتفسيرها بصفة خاصة.
المبحث الثاني: مكونات الملاحظة
ترتكز الملاحظة على مجموعة من العناصر والمكونات الضرورية التي يمكن حصرها في البنيات التالية:
(الملاحظ: هو ذلك الشخص أو الباحث أو الدارس الذي يقوم بفعل الملاحظة، سواء أكانت عفوية أم منظمة، ويشترط في الباحث أن يكون محايدا وموضوعيا في ملاحظته.
( موضوع الملاحظة: قد يكون موضوع الملاحظة عبارة عن مهارات وأداءات، كالكتابة، والقراءة، والاستماع، والرسم، والعزف الموسيقي... أو عبارة عن عادات العمل: كالتخطيط، والتدبير، وتنظيم الوقت، وتسطير الجذاذة... أو تتعلق بالاتجاهات النفسية والاجتماعية والعلمية...ويعني هذا أن الملاحظة تنصب على موضوعات مادية حسية، كالأشياء والنماذج، أو تنصب على موضوعات رمزية، كالمطبوعات والخرائط والرسوم والكتابات، أو تنصب على سلوك ما، كالحركات والتصرفات والتغيرات96. أي: توظف الملاحظة لجمع المعلومات والبيانات والمعطيات حول الأفراد والجماعات والأشخاص، من حيث السمات والطباع والسلوك والوظائف والتفاعل...97
( مجال الملاحظة: نعني بمجال الملاحظةمحدداتها الظرفية، ومجتمعهاالفضائي والشخوصي، مثل: الزمان، والمكان، والعينة المستهدفة، وموضوع الملاحظة والهدف منها.
(منهج الملاحظة: يعتمد الباحث في بناء ملاحظاته المباشرة أو المقننة على منهج معين، كأن يختار - مثلا- المنهج الوصفي، أو المنهج التجريبي، أو المنهج التاريخي، أو المنهج التشاركي...
(تقنيات وأدوات الملاحظة: يعتمد الباحث الملاحظ،في تكوين ملاحظته، على مجموعة من الآليات والأدوات والتقنيات والأساليب، مثل: استعمال المقابلة، أو الاستمارة، أو الروائز، أو شبكات الملاحظة، أو تحليل المضمون، أو دراسة الحالة، أو الاستفادة من الإحصاء الوصفي والاستنتاجي...
(أهداف الملاحظة: يشترط، في الباحث الملاحظ، أن يحدد أهداف الملاحظة، فيبين أهميتها في البحث العلمي، ثم يبرز غاياتها المباشرة وغير المباشرة.


المبحث الثالث: شروط الملاحظة
تستند الملاحظة إلى مجموعة من الشروط التي يمكن أن نحددها في النقط التالية:
( أن تكون الملاحظة هادفة وبناءة، بمعنى أن تكون لها أهداف وغايات عملية؛
( أن تكون الملاحظة موجهة ومنظمة بمجموعة من الأدوات والتقنيات العلمية؛
( أن تتأرجح الملاحظة بين العفوية الطارئة والعلمية المقننة؛
( أن ترفق الملاحظة بعمليات التسجيل والتدوين والتقنين؛
( أن تنصب الملاحظة على موضوع معين، وفي مجال محدد بدقة؛
( أن ترتبط الملاحظة بفروض وتجارب من جهة، وتقترن بإصدار القوانين والنظريات من جهة أخرى.
( أن تكون الملاحظة وصفية وتفسيرية وتنبؤية وإنتاجية؛
( أن تخضع الملاحظة لمنهجية معدة مسبقا، أو تخضع لمجموعة من الشبكات العلمية المقننة عالميا أو وطنيا أو جهويا أو محليا؛
( أن تكون الملاحظة متنوعة: وصفية أو تجريبية أو تاريخية أو استطلاعية أو استكشافية أو ميدانية...
المبحث الرابع: أهمية الملاحظة
من المؤكد أن للملاحظة، بمختلف أنواعها وأشكالها ومكوناتها، أهمية كبرى في مجال البحث العلمي بصفة عامة، والبحث الاجتماعي والقانوني بصفة خاصة؛ إذ تسعفنا الملاحظة في تجميع المعلومات، وتحصيل البيانات والمعطيات حول ظاهرة عامة أو خاصة. وبالتالي، تتم المعاينة إما لفهم الظواهر والوضعيات وسلوك الأفراد والجماعات، وإما لتفسيرها بمسبباتها، وإما للتنبؤ بوضعيات جديدة بناء على ماهو واقع. بمعنى أن الملاحظة لها قيمة استكشافية، وتحليلية، واستطلاعية، وعلاجية، وتعليمية، وتقويمية.ومن شأن الملاحظة أن توظف" لأهداف استطلاعية بغية صياغة الفروض التي يتم التحقق منها فيما بعد، باستخدام تقنيات وأساليب أخرى من البحث.كما يساعد هذا المنهج على جمع معطيات إضافية، يمكنها أن تساعد على تفسير وتأويل معطيات تم الحصول عليها بطرائق أخرى مختلفة. ومن هنا، تتضح أهميته الأساسية. ولذلك، يمكن اعتباره أهم منهج لاكتساب المعلومات في الدراسات التي تستهدف تحقيق وصف دقيق لبعض الوقائع أو الأحداث.فإذا تكررت ملاحظة ظاهرة أو واقعة معينة أو سلوك يمكن أن يؤدي إلى تحديدها بشكل دقيق، مما يمكن من التنبؤ بالسلوك بكيفية دقيقة ومحددة. وإلى مثل هذه المقاربة، تلجأ شركات التأمين - على سبيل المثال- عندما تريد دراسة احتمال وقوع حادثة السير بالنسبة إلى شخص في عمر معين.وهو أيضا المنهج الذي وظفه أرنولد جيزل (A.Gesell) ومساعدوه عام 1940م لوضع سلم معياري لقياس نمو بعض أنماط السلوك لدى الطفل الأمريكي.98"
ومن هنا، فللملاحظة أهمية كبرى في تطوير البحث العلمي من جهة، وترقية المنظومة الاجتماعية والقانونية - إن تنظيرا وإن تطبيقا- من جهة أخرى.
المبحث الخامس: أهداف الملاحظة
ترتكز الملاحظة، بمختلف أنواعها، على مجموعة من الأهداف، وتتمثل في وظيفة استكشاف البيانات والمعلومات والمعطيات الضرورية المتعلقة بالموضوع أو السلوك المرصود لدى الأفراد أو الجماعات. بالإضافة إلى وظيفة التحليل والاستقراء، بعزل العناصر الأساسية والثانوية، وتحديد مكونات الظاهرة لفهمها وتفسيرها، مع تأويل حيثياتها وسياقاتها الظرفية، وذكر مقاصدها المباشرة وغير المباشرة.
ثم، هناك الوظيفة الاستطلاعية التي تعنى بتكوين نظرة عامة حول سلوك ما، إما بشكل ميداني، وإما بطريقة ملاحظة جزئية خاصة قصد تثبيت فرضية، أو تأكيد حقيقة ما.
وهناك الوظيفة التكوينية؛ إذ يستطيع الباحثعبر الملاحظة أن يكون نفسه بنفسه، بتشغيل الملاحظة العفوية، أو تمثل الملاحظة الوصفية، أو الاستعانة بالملاحظة المنظمة، بملء القوائم واللوائح والشبكات، واللجوء إلى تقنية التعليم المصغر لملاحظة ديدكتيك الدرس بطريقة علمية مصغرة في المجال التربوي. كما تهدف الملاحظة إلى توصيف الظواهر الاجتماعية والسياسية والقانونية، وتشخيص نواقصها، وتبيان إيجابياتها في شكل تقرير مفصل أو مقتضب.
علاوة على ذلك، هناك الوظيفة التقويمية أو التقييمية التي تهدف إلى إبراز نقط القوة والضعف، وترفق وظيفة التقويم بوظيفة التعديل والتصويب وتعديل السلوك، باستثمار التغذية الراجعة، أو الفيدباك، في تجويد النشاط أو المنجز الاجتماعي والقانوني والسياسي.ويرى عبد الكريم غريب أن أهداف الملاحظة بصفة عامة تتمثل في المساعدة على جمع المعطيات والمعلومات، والمساهمة في اختبار الفرضيات، والمساعدة على الحكم والتقييم.99
المبحث السادس: أنواع الملاحظة
من المعلوم أن ثمة أنواعا عديدة من الملاحظة؛ إذ يمكن الحديث عن الملاحظة العفوية، والملاحظة العلمية، والملاحظة الاستطلاعية، والملاحظة الإكلينيكية، والملاحظة الداخلية، والملاحظة الخارجية، والملاحظة الظاهرة، والملاحظة الخفية، والملاحظة المنظمة، والملاحظة الوصفية، والملاحظة المصغرة، والملاحظة عبر القوائم والشبكات...
المطلب الأول: الملاحظة العفوية
الملاحظة العفوية هي الملاحظة العشوائية أو الطارئة التي تحدث لدى الباحث أو الفاحص أو الدارس، بمجرد أن يرى حدثا أو ظاهرة ما، فيقوم بإدراكها في حالتها الخامة. وكثير من الفرضيات التجريبية والاكتشافات العلمية أساسها ملاحظات عفوية وطارئة، كما يبدو ذلك واضحا عند نيوتن، وأرخميديس، وبافلوف، وأديسون، وباستور،... بمعنى أن الملاحظة العفوية هي الملاحظة غير المنظمة وغير المقننة، وتكون ملاحظة تلقائية،" تتم في غالب الأحيان بشكل لا إرادي واعتباطي، ولا تقودها فكرة محددة منبثقة من موضوع البحث، لتعمل على استثارتها وتوجيهها.إنها ذلك النوع من الملاحظة التي تنتبه إلى الظواهر التي تظهر أو تحدث في حقلها الإدراكي.100"
ويعني هذا أن الملاحظة العفوية أو العرضية لا تتقيد بالشروط العلمية، ولا تلتزم بالمعايير التجريبية المقننة، بل تكون ملاحظة مباشرة فطرية وساذجة. وفي هذا الإطار، يقول محمد الدريج:" لاتخضع الملاحظة العفوية لأية قاعدة، ولا تهدف إلى الكشف عن حقيقة علمية محددة.وهي تدخل في نطاق المعرفة الحسية، والتي تنحصر في بعض المواقف العملية المحدودة.كذلك التي يقوم بها أي عالم نفسي في حياته اليومية، كأن يلاحظ - مثلا - نفسه أو الآخرين أثناء ممارسته لنشاطه العملي أو المهني.
على أن هذه الملاحظة قد تتحول في بعض الأحيان إلى ملاحظة مقصودة، فيصل الباحث عن طريقها إلى تقرير حقائق علمية على جانب كبير من الأهمية، وعادة ما تتحقق بالصدفة، وعن غير عمد، ذلك لأن الباحث كان يلاحظ ظاهرة ما، أو يسعى إلى تقرير حقيقة، فيكتشف حقيقة أخرى.كما حدث – مثلا- لبافلوف عند اكتشافه للفعل المنعكس الشرطي، أثناء تجاربه حول فسيولوجية الهضم، وبملاحظاته لسيلان لعاب الكلب."101
وهكذا، فالملاحظة العفوية هي أساس الملاحظة العلمية التجريبية. فهي أساس انطلاق كل بحث ومشروع شخصي، على الرغم من كونها ملاحظة ساذجة وخامة وعفوية وتلقائية وفطرية وطبيعية.


المطلب الثاني: الملاحظة المنظمة
يقصد بالملاحظة المنظمة تلك الملاحظة الخاضعة لمعاينة مقننة ومضبوطة، وفق معايير ومقاييس وضوابط ومؤشرات معينة. وقد تكون تلك الملاحظة المنظمة ميدانية أو مختبرية، يقوم بها باحث أخصائي أو دارس ينجز بحثا علميا ما. وغالبا، ماتكون هذه الملاحظة محايدة ونزيهة، تبعد الذات عن عملية رصد الظواهر المدروسة. وفي هذا الإطار، يقول أحمد أوزي:" يستخدم منهج الملاحظة المنظمة في دراسة السلوك في شكله التلقائي الذي يظهر عليه في وسط طبيعي غير متصنع، أو في المختبر.فقد نستخدم الملاحظة المنظمة - على سبيل المثال- لدراسة ظاهرة من ظواهر سلوك الأطفال في الروض، أو خلال فترة الاستراحة المدرسية، كما قد نستخدم الملاحظة المنظمة في مختبر معين لملاحظة ظاهرة معينة وتغيراتها خلال تدخل تأثير بعض العوامل عليها.فالبحث في منهج الملاحظة يكتفي بتسجيل السلوك على الشكل الذي يظهر به، دون التدخل للتأثير فيه.إن منهج الملاحظة عند استخدامه في الميدان له ميزة تقديم صورة، أو تمثل صادق عن الوقائع اليومية، مما يجنب تصنعها في المختبر."102
وهكذا، فالملاحظة المنظمة هي ملاحظة علمية مقننة، تؤدي، بشكل من الأشكال، إلى بناء فروض تجريبية صالحة لتشييد أنساق نظرية، وتأليف براديغمات علمية. ومن ثم، فالملاحظة" المنظمة تسمح بالوصف الدقيق للسلوك، والتنبؤ به، غير أنها نادرا ما تضمن القدرة على استخلاص العلاقات السببية بين الظواهر التي تتم ملاحظتها، وهذا ما يجعل الملاحظة أداة بحثية، تستخدم في بداية دراسة ظاهرة أو مشكلة معينة، لتساعد على تزويد الباحث بالفرضية التي يتم، بعد ذلك، إخضاعها للتجريب.وعندما لا يتعلق الأمر بربط الأسباب بمسبباتها في دراسة ظاهرة معينة، وإنما جمع أكبر عدد من المعلومات حولها، فإن منهج الملاحظة المنظمة يظل أفضل منهج ملائم للاستخدام.
ولما كان استخدام التجريب في العلوم الإنسانية عملا نادرا وصعبا، فإن الملاحظة المنظمة والدقيقة تظل هي المنهج الذي يلجأ إليه العديد من الباحثين."103
ولايعني هذا أن الملاحظة المنظمة علمية بشكل صارم، تخضع لمقاييس تجريبية، مثل الملاحظة العلمية، بل تستفيد، بشكل من الأشكال، بخطوات الملاحظة العلمية لتصبح ملاحظة أكثر دقة من الملاحظة العفوية أو الارتجالية.وفي هذا الشأن، يقول محمد الدريج:" تدخل الملاحظة المنظمة في نطاق مشروع محدد المعالم، يحصر مجال الدراسة.ويمكن أن تسمى بسيطة أو طبيعية، إذا ركزت على مراقبة سلوك الفرد في حياته اليومية.أي: ملاحظته كما يحدث تلقائيا في ظروفه الطبيعية، دون إخضاعه لضبط علمي صارم، وبغير استخدام أدوات دقيقة للقياس.ففي علم النفس الارتقائي-مثلا- يقوم الباحث بملاحظة ألعاب الطفل في فترات مختلفة، ليتبين ما يعتري هذه الألعاب من تغيرات.ويستعمل علم النفس الصناعي، وكذا علم النفس الاجتماعي أساسا، هذا النوع من الملاحظة، ملاحظة سلوك الزبناء، أو سلوك العمال تجاه الآلات..."104
ويعني هذا أن الملاحظة المنظمة أفضل بكثير من الملاحظة العفوية، مادامت ترتكن إلى مقاييس واضحة ودقيقة، ومعايير علمية ممنهجة، وضوابط علمية محكمة و منظمة.
المطلب الثالث: الملاحظة العلمية
ترتبط الملاحظة العلمية بالتجربة والبرهنة والاستدلال استقراء واستنباطا. بمعنى أن الملاحظة العلمية أو التجريبية تبدأ بالفكرة التي تتحول إلى فرضية ومشكلة.وبعد ذلك، ينتقل الملاحظ إلى الاختبار، والتجريب، وتكرير عمليات التثبت والتحقق العلمي، وتنتهي تلك العمليات بإصدار قوانين استنتاجية كلية، تتحول بدورها إلى نظريات علمية.ومن ثم، يصعب الفصل بين الملاحظة العلمية والتجربة التحققية. وفي هذا الصدد، يقول كلود برنار(Claude Bernard)، في أثناء حديثه عن خطوات المنهج التجريبي، بأن الملاحظة العلمية هي أساس البحث العلمي الحقيقي:" على العالم الذي يريد الإحاطة بمجموع مبادئ المنهج التجريبي أن يستوفي نظامين من الشروط، ويتميز بخاصيتين فكريتين، تعتبر كلها ضرورية لتحقيق هدفه، والتوصل إلى الحقيقة العلمية.أولا، على العالم أن تكون لديه فكرة، يخضعها للفحص في ضوء الوقائع، لكنه، ليكون مطالبا، في الوقت نفسه، بالتأكد من أن الوقائع التي تمثل منطلقا لفحص فكرته هي وقائع صحيحة ومنظمة.لهذا السبب، عليه أن يكون ملاحظا ومجربا في الوقت نفسه.ثانيا، إن الملاحظ يعاين فقط بساطة الظاهرة الماثلة أمامه، فهمه الوحيد هو الحذر من الوقوع في أخطاء الملاحظة التي قد تؤدي به إلى إدراك غير كامل للظاهرة، أو إلى تعريفها تعريفا خاطئا.ولكي تكون معاينة الظاهرة معاينة سليمة، يستخدم الملاحظ كل الأدوات التي من شأنها جعل ملاحظته للظاهرة أكثر شمولية.
على الملاحظ أن يكون أثناء معاينته للظواهر، بمثابة آلة تصوير تنقل بالضبط ماهو موجود في الطبيعة: حيث يجب أن يلاحظ بدون فكرة مسبقة. وعليه أن يصمت، وينصت إلى الطبيعة، ويسجل ما تمليه عليه.وبعد معاينة الواقعة والملاحظة الجيدة للظاهرة، تبرز الفكرة، ويتدخل الاستدلال العقلي، فيظهر المجرب لتفسير الظاهرة.إن العالم التجريبي هو الذي يستطيع بفضل تفسير محتمل ومسبق للظواهر الملاحظة أن يؤسس التجربة، بحيث تسمح بالتحقق من الفرضية(...)
إن العالم المتكامل هو الذي يجمع بين الفكر النظري والممارسة التجريبية عبر الخطوات التالية:
1- يعاين واقعة؛
2- ميلاد فكرة في ذهنه تبعا للمعاينة؛
3- انطلاقا من هذه الفكرة يستدل عليها، ويلجأ إلى التجربة، بعد أن تصورها ذهنيا؛
4- تنتج عن التجربة ظواهر جديدة عليه أن يلاحظها، وهكذا دواليك.
يشتغل ذهن العالم، إذاً، انطلاقا من هذه الخطوات، بين ملاحظتين، تمثل الأولى منطلق الاستدلال العلمي، وتمثل الثانية خلاصة الاستدلال(أي التجربة)."105
ويعني هذا أن الملاحظة - عند كلود برنار- هي التجربة، وتعتمد على مجموعة من الأدوات العلمية والتجريبية في إدراك الظواهر الواقعية إدراكا شاملا وسليما.ومن ثم، تستند الملاحظة العلمية إلى المعاينة الدقيقة، ووصف الظواهر الواقعية كما هي. ومن هنا، تهدف الملاحظة العلمية إلى وصف الوقائع التجريبية، وتفسيرها في ضوء أسبابها وحيثياتها، مع التنبؤ بظواهر أخرى، وإنتاج ظواهر جديدة في ضوء الظواهر القديمة.
وعليه، فالملاحظة العلمية نوعان: ملاحظة وصفية وملاحظة تجريبية.تقوم الملاحظة الأولى على مجموعة من الأدوات الوصفية، مثل: الاستمارة، والمقابلة، والروائز، والاختبارات النفسية، وشبكات الملاحظة، ودراسة الحالة، وتحليل المضمون...في حين، تقوم الملاحظة الثانية على تجريب مجموعة من الفرضيات في ضوء المعطيات الرياضية والإحصائية، والاشتغال على عينات ضابطة من ناحية، وعينات تجريبية من ناحية أخرى.
المطلب الرابع: الملاحظة الذاتية والموضوعية
يعتمد علم النفس التجريبي على الملاحظة الخارجية الموضوعية، كما يتضح ذلك جليا عند علماء النفس السلوكي؛ حيث يعمد السلوكيون(واطسون Watson-بافلوفPavlov- سكينرSkinner...) إلى دراسة السلوك الخارجي، في ضوء رؤية علمية تجريبية موضوعية، بربط ذلك السلوك بالحافز والاستجابة. فحينما يحس العطشان – مثلا- بالظمأ، يقوم بسلوك خارجي كي يزيل ظمأه، كأن يتجه حيال المطبخ، فيخرج من الثلاجة ماء زلالا، فيشرب حتى يرتوي كليا.إذاً، هناك حافز العطش، وهناك أيضا الاستجابة عن طريق فعل الشرب، والسلوك(الذهاب إلى المطبخ).
أما علم النفس الشعوري، فيعتمد على الملاحظة الداخلية، أو التأمل الذاتي، أو التأمل الاستبطاني، بممارسة التداعي الحر، والاسترسال في استدعاء العواطف والمشاعر والانفعالات والأهواء.وقد استخدمت هذه الملاحظة الداخلية كثيرا في علم النفس الشعوري وعلم النفس العيادي.وفي هذا السياق، يقول أحمد أوزي:" لقد استخدم منهج الملاحظة الداخلية من قبل الاتجاه الشعوري في علم النفس لدراسة الظواهر الشعورية، التي يعيشها الفرد في اللحظة الراهنة، أو يصفها بعد مرورها.
هناك صعوبة في قدرة الإنسان على وصف مشاعره أو بالأحرى ملاحظتها.فالبعض يرى أن مجرد ملاحظة الشخص لنفسه، وهو في حالة الغضب، يؤدي إلى إزالة انفعال الغضب.كما أن بعض خصوم المنهج من أمثال: أوجست كونت(Auguste Compte)، يرى أن الإنسان لايمكنه أن يكون ملاحظا(بكسر الحاء) وملاحظا(بفتح الحاء) فيالوقت نفسه، قاضيا ومتهما. كما أن هذا المنهج إذا كان مفيدا مع الراشدين، فهو غير ذلك مع الأطفال ومع العاجزين عن التعبير ووصف مشاعرهم.
وعلى كل حال، فإن علم النفس الإكلينيكي إلى جانب الاتجاه الشعوري، يستفيد من استخدام هذا المنهج، عن طريق المقابلة الإكلينيكية مع المريض. أي: يصف مشاعره خلال حالاته النفسية.
يرفض الاتجاه السلوكي الذي يتزعمه واطسون منهج الملاحظة الداخلية، ولايعترف سوى بمنهج الملاحظة الموضوعية التي تدرس الظواهر من الخارج، كوقائع خاضعة للملاحظة الخارجية وللتجريب.106"
ويعني هذا أن هناك ملاحظة ذاتية تقوم على الاستبطان والتأمل الداخلي. وهناك ملاحظة خارجية موضوعية، تهدف إلى دراسة السلوك الخارجي بموضوعية علمية.
المطلب الخامس: الملاحظة الظاهرة والخفية
نعني بالملاحظة الخفية تلك الملاحظة الموظفة بدون علم الملاحظ المرصود، كما هو حال الكاميرا الخفية.ونستعمل تلك الملاحظة لرصد سلوكيات شخص معين، نريد معرفته بشكل عفوي وطبيعي وتلقائي، كأن نعرف حالة القسم قبل دخول المدرس إليه في عفويته وعشوائيته وتلقائيته بغية التثبت من نوع القيادة: هل هي قيادة ديمقراطية أم قيادة دكتاتورية، أم قيادة فوضوية سائبة؟ أما الملاحظة الظاهرة، فهي التي تكون في حضور الملاحظ وبعلمه.بمعنى أن يلاحظ الباحث أو الدارس الغير، فيرصد سلوكه بمراقبته مباشرة، أو معاينته في ضوء أدوات وتقنيات منهجية، يعرفها الملاحظ أو الفاحص أو المراقب.


المطلب السادس: الملاحظة الميدانية
ترتبط الملاحظة الميدانية بالنزول إلى الميدان أو الواقع بغية رصد مجموعة من الظواهر، سواء أكانت أنشطة أم سلوكيات أم مهارات أم أشياء أم أشخاصا أم موضوعات رمزية. والهدف من ذلك هو فهم هذه الظواهر المرصودة، وتفسيرها علميا ووصفيا، وإعادة بنائها وإنتاجها. وإذا نسي الباحث شيئا، فيمكن أن ينزل مرة أخرى إلى الميدان للتأكد والتثبت والتحقق من الظواهر الملاحظة، فيعيد معاينتها من جديد، إما بشكل عفوي، وإما بشكل علمي ممنهج. وتعد الملاحظة الميدانية الاستطلاعية أكثر نجاعة ودقة، ولاسيما إذا نزل الباحث إلى الميدان، وهو مسلح بمجموعة من الأدوات المنهجية والتقنيات العلمية الدقيقة.
المطلب السابع: الملاحظة بواسطة الشبكات
تتم هذه الملاحظة عبر مجموعة من الشبكات التي وضعها علماء النفس، أو علماء الاجتماع، أو علماء التربية. وتهدف هذه الشبكات إلى تنظيم الملاحظة، ولاسيما النفسية والاجتماعية والتربوية والديدكتيكية منها، باستعمال لوائح أو قوائم أو بنود جاهزة لضبط الظواهر المرصودة، ووصف الأنشطة والسلوكيات والمهارات المرئية.
وتتضمن تلك الشبكات مجموعة من العلامات والرموز المتفق عليها لرصد مجموعة من المعطيات والوضعيات والأفعال بشكل علمي مقنن.بمعنى أن الشبكات بمثابة لوائح تسجيلية، وبنود معطاة، وعناصر منتقاة، ومكونات واصفة، وبنيات نسقية يملؤها الملاحظ بدقة متناهية لفهم وضعية ما وتفسيرها. ومن ثم، يلتجئ الباحث إلى التقييم والقياس، في ضوء سلالم الحكم أو التقدير، وتشخيص صيرورة العمل المرصود.
المطلب الثامن: الملاحظة المهيأة
ترتكز الملاحظة المهيأة على تهييء المعاينة، وإعدادها بشكل مسبق، بتجميع البيانات حول ظاهرة أو وضعية أو سلوك ما، قبل مباشرة الملاحظة ميدانيا وواقعيا. ومن ثم، يعد الباحث الأدوات والتقنيات الكفيلة بإجراء البحث الاستطلاعي أو الاستكشافي، مع ضرورة التسلح بمجموعة من الآليات البحثية، كاستعمال الكاميرا، والهاتف المصور، والميكروفون...من أجل التثبت من الموضوع المرصود. ويعني هذا كله أن الملاحظة المهيأة يعد فيها كل شيء بشكل مسبق، بتحديد الموضوع الملاحظ، وتبيان أهدافه وغاياته، ورصد الوسائل المستخدمة في الملاحظة، وتحديد مجال الملاحظة بشكل دقيق ومضبوط.
المطلب التاسع: الملاحظة الإكلينيكية
يقصد بالملاحظة الإكلينيكية أو العيادية تلك الملاحظة التي تستخدم في العيادات الطبية أو النفسية لمعالجة المرضى، أو مداواة المفحوصين، بمراقبة سلوك المبحوث، والبحث عن الدوافع الذاتية والموضوعية التي تكون وراء هذا السلوك المرصود.ويعني هذا" أن ظروف البيئة تكون محددة من قبل الباحث.إن المقابلة الإكلينيكية –كما تمارس في بعض العيادات- هي ملاحظة من هذا النوع (الملاحظة المنظمة)، إذ لها قواعدها وأهدافها، حتى عندما تكون المقابلة غير محددة وغير موجهة.وقد يوضع المفحوصون في مكان معين، يسهل ملاحظة سلوكهم، بعلم منهم أم لا، وقد تحدد المهام التي يكون عليهم إنجازها.وفي هذه الحالة، نقترب كثيرا من شروط التجريب."107
ويعني هذا أن الملاحظة العيادية هي ملاحظة مقننة وموجهة، تمارس في العيادات والمختبرات النفسية، في ضوء شروط سياقية خاصة.
المبحث الثامن: تقويم تقنية الملاحظة
يعلم الدارسون، في مجال البحث العلمي، أن للملاحظة، وخاصة العلمية والمنظمة منها، أهمية كبرى في تجميع البيانات، وتحصيل المعطيات والمعلومات.وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الملاحظة تقنية إيجابية ناجعة في البحث، والاستقراء، والاستكشاف، والوصف، والاستبيان، والمقابلة. وفي هذه الحالة، يمكن تعضيد الملاحظة بمجموعة من آليات البحث العلمي الأخرى، كالاستمارة، والمقابلة، ودراسة الحالة، وتحليل المضمون، واختيار العينة، والاستعانة بالروائز والاختبارات النفسية والبيداغوجية. بيد أن الملاحظة لا يمكن أن تحقق نجاعتها إلا بالتزام الحياد والنزاهة والموضوعية، والابتعاد عن الذاتية والأهواء الإيديولوجية. وفي هذا الصدد، يقول أحمد أوزي: "يكتسي منهج الملاحظة أهمية كبيرة، وبخاصة خلال القيام بالدراسة الاستطلاعية حول موضوع البحث الذي تم اختياره، بهدف وضع الفروض، واختيار أدوات البحث ومنهجه.كما تفيد الملاحظة خلال إكمالها بأدوات بحثية أخرى كالاستبيان أو المقابلة أو الاختبارات النفسية أو غيرها من الأدوات البحثية التي تغنيها وتكملها.
ولكي تكون ملاحظة الباحث دقيقة وموضوعية، فإن عليه أن يتخلص من الأفكار المسبقة التي قد تشوه ملاحظاته وتحرفها، إن لم يتحرر منها.وهذا ما دعا إليه فلاسفة وعلماء المناهج العلمية، مثل: فرنسيس بيكون، وديكارت، وكلود برنار، وغيرهم، فهم جميعا يلتقون في هذا المبدأ، مهما كان الاسم الذي يطلقه كل واحد منهم عليه."108
وعلى الرغم من مزايا الملاحظة، فإنها لا يمكن أن تصل إلى يقين البحث التجريبي، وتقترب من مصداقية آلياته الإحصائية. كما تتعرض الملاحظة لمعوقات عدة، كالذاتية، والتصنع والزيف في خلق مواقف غير حقيقية من قبل الشخص الملاحظ، والتي قد تؤثر سلبا في البحث. علاوة على ذلك، فتطبيق الملاحظة لها مجالات محددة في مجال المجتمع؛ حيث لايمكن تعميمها على جميع الظواهر. ناهيك عن كون الملاحظة غير كافية، فلابد من عمليات التدوين والتسجيل والرصد والتوصيف، في شكل تقارير أو شبكات مقننة.
المبحث التاسع: الملاحظة الصفية في مجال التربية والتعليم
تتعلق الملاحظة الصفية بمجال التربية والتعليم والتدريس في أثناء التدريب العملي، و قبل مباشرة العمل الفعلي بالمدارس.بمعنى أن الملاحظة الصفية هي التي يلتجئ إليها المدرس المتدرب لإدراك حركية القسم، ووصف مكوناته البنيوية، وتفسير العملية الديدكتيكية، وتقويم سيرورة العملية التعليمية- التعلمية.أي: تعد الملاحظة الصفية" إجراء من إجراءات تكوين المدرسين، وإعدادهم قبل الخدمة أو خلالها، عن طريق ملاحظة وضعيات بيداغوجية داخل الأقسام، وذلك قصد تمكين المتدربين من الاستئناس بمناخ القسم، ومعاينة السلوكيات والمهارات والأنشطة التي تجري داخل القسم الدراسي.وتتم هذه الملاحظة حسب عدة أساليب، مثل: ملاحظة عفوية، وملاحظة موجهة تعتمد أدوات محددة.109"
والهدف من الملاحظة الصفية هو معرفة مكونات المؤسسة التربوية من جهة، ورصد مكونات الصف الدراسي من جهة أخرى. ثم تعلم تقنيات التدريس عن طريق الملاحظة العفوية، أو الملاحظة المنظمة، أو الملاحظة التي تتم عبر التعليم المصغر. أضف إلى ذلك تعويد المتعلم أو المتدرب على استخدام آليات الملاحظة والرصد، وتوظيف شبكات الملاحظة بمختلف أنواعها.
ومن ناحية أخرى، تعتبر الملاحظة تقنية رئيسية لفعل الممارسة والمهننة.ويعني هذا أن المدرس المتدرب يستعمل الملاحظة الصفية للتعليم والتعلم بغية التجريب والممارسة، بالتعرف إلى مختلف الوضعيات البيداغوجية والديدكتيكية. علاوة على كون الملاحظة أداة منهجية ضرورية لفهم أنشطة القسم، وإدراك نظامه التواصلي والبيداغوجي والديدكتيكي، وتفسير تفاعلاته اللفظية وغير اللفظية. وعليه، فالملاحظة"كنمط من أنماط معرفة، وجمع المعلومات، تعد سيرورة معقدة للتقصي والبحث، التي تجند الانتباه، وتوجهه نحو موضوع محدد، ليتم انتقاؤه وفق هدف ما؛ الأمر الذي يسمح بالبناء، وإعادة البناء لمعطيات وضعية معينة.وفي علوم التربية، فإن ملاحظة الوضعيات البيداغوجية داخل الفصل الدراسي، تكشف عن تعقد الفعل التربوي، وتحدد المتغيرات المحددة له.ذلك أن الفصل الدراسي، يشكل نسقا اجتماعيا صغيرا، تتفاعل داخله كل العناصر بشكل ديناميكي، ويؤثر على البعض الآخر(مدرس-مجموع التلاميذ- محتويات تعليمية- المحيط الدراسي.."110
وباختصار، فالملاحظة الصفية هي تلك الملاحظة التي تتعلق بالفصل الدراسي، أو القسم التربوي، سواء أكانت ملاحظة عفوية أم ملاحظة وصفية أم ملاحظة منظمة.


المطلب الأول: الملاحظة العفوية
يقصد بالملاحظة العفوية، في مجال التدريب التربوي والسيكولوجي، ما يرتسم لدى المدرس المتدرب من انطباعات حسية حول المؤسسة التعليمية والإدارة والصف الدراسي على حد سواء.ومن هنا، يدرك المتدرب بطريقة كلية عوالم المدرسة، بمرافقها، وساحتها، وتلامذتها، ومدرسيها، وإدارييها.كما يلقي نظرة بانورامية حول القسم باعتباره فضاء تعليميا بامتياز، يعج بالتلاميذ لهم مستويات دراسية مختلفة، وينحدرون من طبقات اجتماعية متفاوتة،ويجول بنظره في أرجاء القسم بطريقة عفوية، فيسلط نظره على السبورة والمقاعد والصور المعلقة على الجدران، ويمرر عينيه على مكتب المدير وخزانة القسم، ثم يرصد مختلف التفاعلات الموجودة داخل الفصل، سواء أكانت لفظية أم غير لفظية.ويستحسن في هذه الحالة أن يسجل كل ما يدركه حسيا وذهنيا في كراسته، أو مذكرته اليومية، أو سجل الملاحظات.وقد تكون هذه الملاحظة سكونية أو ديناميكية. وفي هذا الصدد، يقول محمد الدريج:" يمكننا أن نميز بين نوعين من الملاحظة: الملاحظة السكونية والملاحظة الديناميكية.تكمن الملاحظة السكونية (الستاتيكية) في قيام الملاحظ بمشاهدة الخصائص الجوهرية الأصلية في عملية التدريس، سواء الثابتة منها أم المؤقتة.
فمثلا قد ألاحظ انعدام منصة المدرس في القسم.وفي مرحلة ثانية، يمكن أن ألاحظ وجود انسجام داخلي، وتطابق بين شكل الحجرة وترتيبها، وتنظيم التلاميذ بها، وبين أسلوب التدريس المتبع.إن القول بأن القسم يشتغل في مجموعات مؤلفة من أربعة تلاميذ تأويل مبتسر، وحكم متسرع.فليس وضع المقاعد هو الذي يحدد طريقة العمل وفق مجموعات، بل إن ما يحدد ذلك هو شكل التعيينات، ونوع المهام المسندة إلى التلاميذ.
في حين، تقتضي الملاحظة الدينامكية مشاهدة خصائص موضوع ما أو ظاهرة معينة من صلب التعليم، في حالة تغيرها أو تطورها.ولاشك أن هذا النوع من المشاهدة يتطلب منا زمنا كافيا، لرصد التغير الحاصل في الظاهرة، أو في العلاقة موضوع الملاحظة.
فقد نلاحظ، مثلا، المدرس، وهو جالس وراء مكتبه يخاطب التلاميذ، وبعدها ينهض من مكانه، ويشرع في التجول بين الصفوف، دون أن يتوقف عن الخطاب.لماذا هذا التغيير في سلوك المدرس، وفي وضعه؟ إن مثل هذا السؤال الساذج قد يمكن من الكشف عن الكلمات والحركات التي تصدر عن المدرس، سواء المعيقة منها لتعلم التلاميذ، أم على العكس تلك التي تيسره."111
ومن هنا، فلملاحظة القسم التربوي، سواء أكانت عفوية أم منظمة أم وصفية، أغراض معينة، منها: الوظيفة الكشفية؛ حيث تعمد هذه الملاحظة إلى استكشاف تفاصيل القسم بجميع مكوناته البنيوية، مع رصد مختلف التفاعلات النفسية والاجتماعية والتواصلية والديدكتيكية التي تتم داخل الصف الدراسي.وقد تكون وظيفة تقييمية، حيث يزور المفتش أو رئيس المؤسسة التربوية الأستاذ المدرس، وهو يلقي درسه في حصة معينة، فيقوم الملاحظ بكتابة تقرير وصفي للعملية التعليمية-التعلمية، بوصف مسار الدرس، وتحديد إيجابياته وتعثراته، مع منح نقطة تقديرية في شكل علامة عددية أو وصفية قيمية(حسن-حسن جدا-مستحسن-لابأس به- ضعيف...).
ويرفق التقرير الوصفي بتحليل الدرس تحليلا دقيقا، مع تقويمه بشكل جزئي أو كلي، ثم يسرد هذا التقرير مجموعة من التوجيهات والنصائح التي ينبغي للمدرس تمثلها في دروسه الآنية والمستقبلية. وغالبا، ما تتخذ هذه التقريرات الصفية، سواء أكانت تفتيشية أم إدارية، طابعا آليا جامدا؛ حيث تصبح التقارير نسخا متشابهة، تكتب بصيغ وتعابير وتراكيب مكررة من تقرير إلى آخر.
وقد تكون الملاحظة ذات وظيفة تكوينية للتعلم والتدريب والتمرين.بمعنى أن المدرس المتدرب يستفيد كثيرا من هذه الملاحظة لتفادي الأخطاء التي قد يقع فيها في الحاضر والمستقبل، مع الاستفادة من الأخطاء الموجودة، وتكوين تصور جديد حول العملية التعليمية-التعلمية.أي: إن الملاحظة الصفية أداة هامة في تكوين المدرسين، وإعدادهم إعدادا بيداغوجيا وديداكتيكيا جيدا.
وعليه، فملاحظة القسم أو الصف الدراسي هو" التعرف المباشر على حياة الجماعة داخل القسم، ومشاهدة مختلف العناصر التي تؤلف العملية التعليمية بغية عزل الظواهر المشاهدة، وتحليلها للوقوف على طبيعتها وميكانيزماتها، لغرض الدراسة، أو لغرض التقييم، أو لغرض الإرشاد والتقويم.وقد تكون تلك المشاهدة سكونية أو ديناميكية.112"
ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن نترك الملاحظة العفوية هكذا سائبة، دون تنظيمها بشكل من الأشكال، في تقارير وصفية أو ملخصات تركيبية، يتم فيها وصف العملية الديدكتيكية من جميع جوانبها بغية الاستفادة منها عاجلا أو آجلا.
المطلب الثاني: الملاحظة الوصفية
تعتمد الملاحظة الوصفية على وصف جميع مكونات الدرس التعليمي-التعلمي، بكتابة تقرير مفصل أو مقتضب حول مختلف المراحل التي يمر عبرها الدرس من البداية حتى النهاية. وبالتالي، تعد هذه الملاحظة مهمة في إبراز مكونات الدرس، وتحديد مجمل المراحل والبنيات التي يعتمد عليها قبليا وتكوينيا ونهائيا.
ويمكن أن نوظف التقرير الوصفي في دراسة السلوك الملاحظ، سواء أكان ذلك عند المدرس أم التلميذ، ضمن ما يسمى باليوميات السلوكية، أو السجلات القصصية، أو التقارير الصفية و التربوية. وبالتالي، تسهم هذه التقارير الوصفية في تقديم تفصيلات واضحة حول السلوك المرصود." على أن هذا الأسلوب لا يمكن الملاحظ من تسجيل الوقائع المناسبة بطريقة موضوعية؛ مما يتصف بالتعميم، الأمر الذي يسمح بتسرب الذاتية.وأكبر نقط الضعف في هذه الطريقة أنها تتطلب وقتا طويلا لتسجيل البيانات وتحليلها، وتفسيرها. وكثيرا ما يلجأ المفتشون- في التعليم- لتسجيل ملاحظاتهم إلى هذه الطريقة المتمثلة في كتابة تقارير التفتيش113."
ويستحسن، في أثناء كتابة تقرير وصفي، التوقف عند مجموعة من عناصر العملية التعليمية-التعلمية، كالأهداف، والكفايات، والمحتويات، والوسائل الديدكتيكية، والطرائق البيداغوجية، والتقويم، والتغذية الراجعة. ومن الأفضل، أن يضم التقرير كذلك معلومات شخصية عن المدرس أو المدرس المتدرب، بذكر عنوان الدرس، وتاريخه، وأهدافه وكفاياته، وموقعه في المقرر الدراسي، وزمن الحصة، وذكر اسم الأستاذ المطبق أو المؤطر، واسم المؤسسة التربوية.وبعد ذلك، يقسم الملاحظ تقريره إلى محطات رئيسة، تتمثل في محطة الوصف، ومحطة التقييم، ومحطة التوجيه والإرشاد.وبعد ذلك، يكتب الملاحظ تقريرا عامة مختصرا ومركزا في صفحة واحدة على الأقل، يصف فيه مختلف مسارات العملية الديدكتيكية من بدايتها إلى نهايتها، بأسلوب بسيط وواضح ومباشر، مع الابتعاد عن العبارات الجاهزة المكررة في التقارير التفتيشية أو الإدارية.
وإليكم مثالا توضيحيا للملاحظة الوصفية التي يمكن أن يكتبها الأستاذ المتدرب في أثناء ملاحظته لدرس ما:
" قمت بزيارة الأستاذ (محمد الصدوقي) الذي يدرس القسم السادس في مدرسة الإمام البخاري الابتدائية بمدينة الناظور، يوم الخميس 12نوفمبر2011م، على الساعة التاسعة صباحا، وكان الدرس الذي يلقيه على تلامذته في مادة النحو، وعنوانه العريض: (التوابع).
(وصف الدرس:
استهل الأستاذ درسه بتحديد الأهداف، وتسطير الكفاية الأساسية، ومراجعة الدرس السابق. وبعد ذلك، بدأ الأستاذ في استعراض درسه الجديد باستكشاف الموضوع، وإثارة التلاميذ، وكتابة الأمثلة على السبورة، مع كتابة الشواهد بقلم مغاير. ومن ثم، شرع المدرس في شرح الدرس، بتنويع الأسئلة، وتحفيز المتعلمين، وتشجيعهم على الاستجابة، باستكشاف القواعد المتعلقة بالتوابع بشكل متدرج، إلى أن حصل المدرس على مجموعة من القواعد التي كتبها بعض التلاميذ على السبورة من جهة، ونقلوها بسرعة إلى دفاترهم من جهة أخرى. علاوة على ذلك، فقد قسم الأستاذ السبورة إلى عناصر عدة، مستعملا في ذلك الطباشير الملونة. وحين الانتهاء من كتابة القواعد، التجأ المدرس إلى التطبيق التقويمي، مع مطالبة التلاميذ بذكر الأمثلة، وكتابة فقرة إنشائية في أربعة أسطر، يوظفون فيها مختلف التوابع. وكان المدرس ينتقل داخل القسم بجدية بين الصفوف، مراقبا إنجازاتهم، فيشجعهم تحفيزا وتقديرا. ويلاحظ أن المدرس كان وفيا للمقرر الدراسي، ينوع الأسئلة من فينة إلى أخرى، ويستخدم الوسائل التعليمية المناسبة، وكان يتأرجح في شرحه بين الحوار والتلقين، ويحترم آليات التقويم المختلفة والمتنوعة، ويلتزم بالتغذية الراجعة، وبالضبط حينما يحس بعجز التلاميذ على فهم الدرس، أو يشعر بعدم قدرتهم على استيعابه.
(تقييم وتوجيه:
يلاحظ أن المدرس قد نجح في استدماج قدراته الكفائية، وتوظيف جميع خبراته البيداغوجية والديدكتيكية في تقديم درسه. وقد توفق أيضا في إشراك كل تلاميذ القسم لكي يسهموا في بناء الدرس. ولا ننسى أنه كان ينتقل من التلقين إلى الحوار، باستعمال آليات التنشيط، والتأرجح بين لغة تواصلية لفظية ولغة حركية.بيد أن ما يؤخذ على هذا الأستاذ أنه توقف كثيرا عند المراجعة القبلية، كما تجاوز الفترة المخصصة للحصة بعشر دقائق. وفيما عدا ذلك، يظل الأستاذ جديرا بالثقة والاحترام، على الرغم من حداثة تجربته التربوية، ذلك أن تفتحه، واستعداده، وكفاءته، وشهادته العليا، كلها عوامل تبشر بعطاء مثمر، وإنتاج زاهر.
النقطة العددية: 16/20، والتقدير الكيفي: حسن".
ولايمكن أن تكون الملاحظة العفوية ملاحظة ناجعة وهادفة وبناءة إلا إذا حولناها إلى ملاحظة وصفية هادفة، تنتهي بكتابة تقرير مقتضب أو مفصل حول مختلف العلميات الديدكتيكية المرصودة داخل الفصل الدراسي.


المطلب الثالث: الملاحظة المنهجية
لا يمكن الحديث عن ملاحظة منهجية إلا إذا اعتمدت على مجموعة من المعايير والمؤشرات والبنود والشبكات واللوائح والقوائم بغية رصد السلوك فهما وتفسيرا. كأن نراقب – مثلا- سلوك المتعلم إيجابا أو سلبا، أو نعاين أنشطة المدرس داخل الفصل الدراسي. وغالبا، ما تتضمن الملاحظة- المنظمة أو المحددة بالقوائم و الشبكات- مجموعة من العناصر والبنود الديدكتيكية التي يرتكز عليها الدرس.
وحين الانتهاء من الملاحظة المقننة، وملء شبكة الملاحظة، يلتجئ الملاحظ إلى تفريغ المعطيات والبيانات، في تقرير وصفي شامل للدرس، في شكل خلاصات تركيبية، واستنتاجات عامة.ويمكن أن يتوسع الملاحظ في دراسته الملاحظة ليستعين بعلم الإحصاء في قراءة الشبكة، وتحليلها، وتقويمها، بتتبع كل بند على حدة، فيستتبع ذلك كله بمجموعة من الاستنتاجات والخلاصات والتوصيات والاقتراحات الهادفة والبناءة.بمعنى ألا يتوقف الملاحظ إلى مرحلة الملاحظة الشبكية، بل ينتقل إلى الملاحظة الوصفية، بكتابة تقرير وصفي شامل وجامع.
وإليكم – مثلا- قائمة لتسجيل الملاحظات الصفية المنظمة، برصد سلوك انفعالي ونفسي لدى تلميذ معين بالمدرسة الابتدائية. ويتمثل هذا السلوك في العدوانية، وسنستعمل ثلاث خانات، خانة (نعم) لتثبيت السلوك الملاحظ، وخانة (لا ) للتأكيد على غياب السلوك، وخانة (فارغة)، نتركها بدون جواب:
- قائمة لتسجيل ملاحظات حول سلوك التلميذ-
الاسم:.................................................................................
المدرسة:..............................................................................
الجنس:.................................................................................
السن:..................................................................................
التاريخ:................................................................................ السلوك الملاحظ نعم لا بدون جواب يجلس بمفرده لايبالي بالآخرين عنيف مع أصدقائه عدواني في سلوكه يتعارك في الساحة يكثر من الشغب فوضوي عنيف متمرد عصي حقود على المجتهدين يكره الانضباط يسخر بالآخرين لايساعد الآخرين لايشارك الآخرين في آرائهم يرفض الآخرين أناني ومتعجرف
ومن ناحية أخرى، يمكن أن نستعين بمجموعة من الشبكات في شكل ملاحظات منظمة لوصف الدروس، وتقييم أنشطة التدريب. وإليكم – الآن- شبكة لرصد أنشطة المدرس المتدرب أو المطبق، مع اعتماد المقاييس المتدرجة الرقمية: (0لايعتبر-1 ضعيف جدا-2 ضعيف-3متوسط-4حسن-5 حسن جدا)

- شبكة ملاحظة دروس التدريب114-
أستاذ التطبيق:..........................................................................
الأستاذ المؤطر:........................................................................
الأستاذ المتمرن:...................................................................
المادة:..................................................................................
موضوع الدرس:.......................................................................
التاريخ:................................................................................ المراحل البنود 0 1 2 3 4 5 ملاحظات
المرحلة القبلية صياغة الأهداف تحديد الكفايات تحضير الدرس مراجعة الدرس السابق تخطيط الدرس التمهيد بكيفية مناسبة الإثارة والتشويق مرحلة التنفيذ صحة المعلومات تسلسل المحتويات تقسيم المحتوى إلى عناوين وأفكار وعناصر تنويع طرائق التدريس استخدام التلقين توظيف الحوار وضوح الشرح استعمال الوسائل التعليمية الاستعانة بالأمثلة والاستشهاد تقويم أخطاء التلاميذ تحفيز التلاميذ وتشجيعهم التوظيف المناسب للسبورة إشراك كل التلاميذ لغة الأستاذ واضحة تنويع الأسئلة التثبت من تتبع التلاميذ للدرس تنويع أساليب الدرس تنويع فضاء الدرس تلاؤم الدرس مع الحصة الزمنية الاستعمال السليم للغة توظيف الكتاب المدرسي قدرة المدرس على التكيف مع المواقف المستجدة احترام المقرر والمنهاج الدراسي استثمار التكنولوجيا المعاصرة
استعمال لغة شفوية استعمال لغة حركية قيادة ديكتاتورية قيادة فوضوية سائبة قيادة ديمقراطية الاهتمام بالتنشيط مراعاة الفوارق الفردية
مرحلة
التقويم تنويع أساليب التقويم تحقق الكفاية الأساسية تحقق الهدف المسطر التقويم الإجمالي التغذية الراجعة
هذه - إذاً- أهم مكونات الملاحظة المنظمة التي تعتمد على اللوائح والقوائم والبنود والشبكات. وهي مفيدة في تتبع العملية التعليمية- التعلمية تكوينا وتدريبا وتقويما.

المطلب الرابع: الملاحظة القائمة على التعليم المصغر
تستعين كلية علوم التربية، أو المدارس العليا، أو المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بالمغرب منذ سبعينيات القرن الماضي بالتعليم المصغر؛ لما له من أدوار هامة في عمليات التكوين والتمرين والتدريب والتقويم.وقد ظهر هذا التعليم بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1963م، وبالضبط في جامعة ستانفورد(Stanford). ويرى واصف عزيز أن ظهور هذه الطريقة لها حيثيات خاصة.وفي هذا السياق، يقول الباحث:" تعود إلى الاعتقاد الذي كان سائدا بين خريجي الجامعات في الستينيات من القرن الماضي، ونجاحهم في كليات الآداب بالولايات المتحدة، أنهم لم يستفيدوا من الدراسات التي تلقوها لإعدادهم لمهنة التدريس، وقد كان ذلك رأي ألين (Allen) أحد الرواد الأوائل للتدريس المصغر.115"
ومن ثم، فقد وجه المدرسون انتقادات لاذعة إلى الطريقة التقليدية التي كانت تعنى بماهو لفظي ومعرفي على حساب ماهو مهاري وأدائي. فانصب النقد خصوصا على" التربية العملية لعدم كفايتها، واقترن ذلك بما اعترف به بعض الباحثين التربويين أن البحوث التي جرت على مدى نصف قرن عن التدريس وعن التعلم، لم يكن لها أدنى تأثير فيما يجري...داخل الفصل من تفاعل.
كما اتجه ماكدونالد (1973)، وهو الشخص الثاني الذي كان له الفضل في إنشاء التدريس المصغر، إلى البحث في أسسه النظرية، ورأى أنه ينبغي أن ينظر إلى برامج إعداد المعلمين على أنها نظم لتعديل السلوك، جرى تصميمها لتعديل النظم المعقدة للسلوك، حتى تناسب مشكلات التعلم المتنوعة، ونظر إلى التدريس المصغر على أنه نموذج جيد للأساليب الفنية لتعديل السلوك، بل وسيلة أساسية لتسهيل التحكم في السلوك.116"
ويرى محمد الدريج أن أصحاب تجربة التعليم المصغر ابتكروا موقفا" يستلزم أربعة طلاب، يقوم كل منهم بدور الطالب النموذجي، وتطورت هذه التجربة حتى ظهرت الحاجة إلى " مختبر التدريس المصغر"، والذي سينشأ بجامعة ستانفورد عام1963م.وفي هذا المختبر، ولدت أسس هذه الطريقة: يعلم الطلاب المتدربون دروسا مدتها قصيرة لطلاب عاديين.وبعد الدرس مباشرة، تعقد جلسة مناقشة ونقد، يحاول الأستاذ المشرف خلالها أن يسترجع مع المتدربين صورة للدرس المقدم. وبعد ذلك، يستطيع هؤلاء أن يعاودوا الدرس أمام مجموعة أخرى من الطلاب، وتلي ذلك أيضا جلسة مناقشة ونقد."117
ومن هنا، فالتعليم المصغر" طريقة خاصة من طرائق تكوين الأطر وإعدادها، وخاصة أطر التعليم، يقوم على تفكيك العملية التعليمية، وتحليل أداء المدرس(أو الطالب-المدرس) إلى مجموعة من المهارات السلوكية، والعمل على تقويتها لديه، حتى يصير قادرا على تأدية عمله على أحسن وجه.
وتسمية هذه الطريقة بالتدريس المصغر يعني أنها تعتمد تحديد الموقف التعليمي، وتقليصه ليصير صغيرا، سواء في حجم الفصل(من حيث عدد الطلاب)، أو في مدة الدريس(الحصة والتي لاتتجاوز 10دقائق)، أو في موضوعه ومحتواه، أو في عدد المهارات الموظفة.
فأمام تعقيد المواقف التعليمية، ونظرا لتشابك العوامل والمتغيرات التي تتدخل في التدريس، وخاصة بالنسبة للمتدربين المتهيئين لمزاولة هذه المهنة، يقترح التدريس المصغر تبسيط هذه التعقيدات. وبالتالي، تبسيط العملية التعليمية من جميع جوانبها."118
وعلى أي حال، يقصد بالتعليم المصغر أن يقدم الأستاذ المتدرب درسه مع عينة من التلاميذ والطلبة.وبالتالي، يخضع هذا الدرس للتسجيل والتصوير، فيناقش هذا الدرس في حضور صاحبه، وفي حضور زملائه من المتدربين، أو في حضور المؤطرين وأساتذة التطبيق. وهذه الآلية مهمة في عملية التكوين والتعلم، واستكشاف مواطن القوة والضعف، وتقويم العملية الديدكتيكية، كما تساعد الأستاذ المتمرن على التقويم الذاتي.
وباختصار، يتسم التعليم المصغر بتصغير الموقف التعليمي، والاعتماد على المشاهدة والتقويم الذاتيتين، والتركيز على الفيدباك أو التغذية الراجعة. والهدف من التعليم المصغر أيضا هو تهيئة موقف التعلم، واستكشاف الكفاءة في استخدام الأسئلة لدى المدرس المتمرن، والتعرف إلى مدى انتباه الطلاب والتلاميذ، وقدرة المدرس على إثارتهم، ومدى تحكمه في المشاركة الفصلية، واستخدام الثواب والعقاب، أو ما يسمى بالتعزيز. كما يهدف التعليم المصغر إلى توصيف الطريقة الديدكتيكية، وتتبع مراحل بناء الدرس تحضيرا وتخطيطا وتدبيرا وتهييئا وتقويما، مع الانتقال من الملاحظة المصغرة إلى الإنجاز والتسجيل، والمشاهدة والمناقشة، والتقويم والفيدباك، والإعادة والتصحيح.
ويستلزم التعليم المصغر أن تكون قاعة التدريب خاصة، ومجهزة بتقنيات رقمية حديثة في هذا الشأن.أي: يكون قسم التدريب مختبرا حقيقيا، يتوفر على جدران مبلطة بمواد عازلة للصوت. وبالتالي، يتوفر على كاميرات، وميكروفونات، وآلات التسجيل، وأدوات التصوير، وآلات الفيديو، وشاشات، وغيرها...ومن الأفضل أن يشرف على تسيير المختبر تقنيون متخصصون في مجال التصوير والتسجيل والتصويت...




صورة مشخصة لفضاء التعليم المصغر119
المبحث العاشر: تقويم تقنية الملاحظة
يعلم الدارسون، في مجال البحث العلمي، أن للملاحظة، وخاصة العلمية والمنظمة منها، أهمية كبرى في تجميع البيانات، وتحصيل المعطيات والمعلومات.وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الملاحظة تقنية إيجابية ناجعة في البحث، والاستقراء، والاستكشاف، والوصف، والاستبيان، والمقابلة. وفي هذه الحالة، يمكن تعضيد الملاحظة بمجموعة من آليات البحث العلمي الأخرى، كالاستمارة، والمقابلة، ودراسة الحالة، وتحليل المضمون، واختيار العينة، والاستعانة بالروائز والاختبارات النفسية والبيداغوجية. بيد أن الملاحظة لا يمكن أن تحقق نجاعتها إلا بالتزام الحياد والنزاهة والموضوعية، والابتعاد عن الذاتية والأهواء الإيديولوجية. وفي هذا الصدد، يقول الدكتور أحمد أوزي: "يكتسي منهج الملاحظة أهمية كبيرة، وبخاصة خلال القيام بالدراسة الاستطلاعية حول موضوع البحث الذي تم اختياره، بهدف وضع الفروض، واختيار أدوات البحث ومنهجه.كما تفيد الملاحظة خلال إكمالها بأدوات بحثية أخرى كالاستبيان أو المقابلة أو الاختبارات النفسية أو غيرها من الأدوات البحثية التي تغنيها وتكملها.
ولكي تكون ملاحظة الباحث دقيقة وموضوعية، فإن عليه أن يتخلص من الأفكار المسبقة التي قد تشوه ملاحظاته وتحرفها، إن لم يتحرر منها.وهذا ما دعا إليه فلاسفة وعلماء المناهج العلمية، مثل: فرنسيس بيكون، وديكارت، وكلود برنار، وغيرهم، فهم جميعا يلتقون في هذا المبدأ، مهما كان الاسم الذي يطلقه كل واحد منهم عليه."120
وعلى الرغم من مزايا الملاحظة، فإنها لا يمكن أن تصل إلى يقين البحث التجريبي، وتقترب من مصداقية آلياته الإحصائية. كما أن الملاحظة قد تتعرض لمعوقات عدة، كالذاتية، والتصنع والزيف في خلق مواقف غير حقيقية من قبل الشخص الملاحظ، والتي قد تؤثر سلبا في البحث.
علاوة على ذلك، إن تطبيق الملاحظة لها مجالات محددة في مجال التربية والتعليم؛ حيث لايمكن تعميمها على جميع الظواهر. ناهيك عن كون الملاحظة غير كافية، فلابد من عمليات التدوين والتسجيل والرصد والتوصيف، في شكل تقارير أو شبكات مقننة.
المبحث الحادي عشر: تحضير بحث تربوي أو سيكولوجي في ضوء تقنية الملاحظة
إذا أراد الباحث أو الدارس أن يحضر بحثا تربويا، أو يعد مشروعا شخصيا، باستعمال تقنية الملاحظة، فلابد من مراعاة خطوات البحث العلمي، وتمثل أدبياته المعروفة، كأن يكتب مقدمة عامة للبحث، يحدد فيها موضوعه بدقة، ويبين أسباب الاختيار الذاتية والموضوعية، فيبرز فرضية البحث وأسئلته وإشكالاته، ثم الهدف منه، ثم أهمية البحث في هذا الموضوع، مع تحليل الدراسات والبحوث المرتبطة بموضوع البحث وتلخيصها، وتبيان أوجه الشبه والاختلاف.
وبعد ذلك، يحدد الباحث مفاهيم الدراسة ومصطلحاته الأساسية، كأن يدرس المفاهيم التالية: (الأثر- الأنشطة الإثرائية- الموهوبون- التفكير الإبداعي- قدرات التفكير الإبداعي- الطلاقة- المرونة- الأصالة- التفاصيل...). وحينما ينتهي من ذلك، يعين حدود الدراسة، كأن يقول بأن دراسته محددة بدراسة التلاميذ المغاربة في المستوى السادس، ولاسيما الذين يدرسون بمؤسسة علال الفاسي في مدينة الناظور، إبان الموسم الدراسي: 2012-2013م.
كما تقتصر الدراسة فقط على ملاحظة السلوك العدواني لهؤلاء التلاميذ؛ حيث التركيز فقط على جنس الذكور دون الإناث. وبعد ذلك، يبين الباحث تصميم الدراسة والصعوبات التي واجهته في أثناء إعداد البحث، مع شكر المشرف وتقديره.
ومن ثم، ينتقل الباحث إلى الفصل أو الباب أو القسم الأول للحديث عن الإطار النظري بدراسة الموضوع المختار بدقة، مع تقسيمه إلى عناصر ومباحث ومطالب.أما في الفصل أو الباب أو القسم الثاني المتعلق بالإطار الميداني، فيستعرض الباحث منهجية البحث وإجراءاتها، كأن يشير إلى أن منهجية البحث وصفية أو تجريبية أو تاريخية. ثم، ينتقل إلى تثبيت متغيرات الدراسة كما في هذا البحث - مثلا- (أثر التدخين في التحصيل الدراسي بالثانويات المغربية)، بالتمييز بين المتغير المستقل (التدخين) والمتغير التابع(التحصيل الدراسي)، وتبيان مجتمع الدراسة وعينتها، فهل اختارها بطريقة عشوائية أو منظمة، والإشارة إلى مجموع أفراد العينة الممثلة، مع تبيان جنسها، ومكانها. ومن ثم، يبرز الأدوات والتقنيات المستعملة في ذلك، كأن تكون معايير أو مقاييس أو مؤشرات أو شبكات أو قوائم أو لوائح أو طرائق.وبعد ذلك، يحدد الباحث الأساليب الإحصائية، مثل: أسلوب التحليل العاملي، وحساب المتوسطات الحسابية، والانحرافات المعيارية، وأسلوب تحليل التباين...، ويمكن أن يقوم الباحث بمراجعة معايير المنهجية في المراجع الأساسية للبحث العلمي. علاوة على ذلك، يستعرض الباحث الخطوات الإجرائية لتجربة الدراسة، ما قبل التطبيق، وأثناء التطبيق، وما بعد التجربة. وبعد ذلك، ينتقل إلى المعالجة الإحصائية، بتفريغ نتائج البيانات والمعطيات المحصلة، باستقراء كل بند أو فرض أو سؤال أو ملاحظة على حدة، فيعمد إلى تحليل تلك البيانات وتفسيرها، في ضوء الجداول الإحصائية، والأشكال التوضيحية. وتعقب تلك النتائج المحللة عمليتا التحليل والمناقشة.وينهي الباحث عمله بذكر مجموعة من الخلاصات والنتائج والتوصيات والمقترحات. ثم يذيل بحثه أو مشروعه الشخصي بلائحة المصادر والمراجع العربية أولا، فالأجنبية ثانيا. وبعدها مباشرة، يضع الملحقات والوثائق والفهارس.
ويشترط في عملية التوثيق الداخلي أو الخارجي التقيد بنظام جمعية علم النفس الأمريكية (APA)، والتي تعني(American Psychological association)، سواء أكانت المصادر والمراجع الموثقة إنجليزية أم عربية.مثل:
المراجع العربية:
(الدوسري، راشد حماد (2004م).القياس والتقويم التربوي: مبادئ وتطبيقات وقضايا معاصرة.عمان: دار الفكر.
( قطامي، نايفة(2002م).تعليم التفكير للطفل الخليجي، مجلة الطفولة العربية، الكويت، المجلد الثامن، 31، 14-27.

المراجع الأجنبية:
(Brown, R. (1973).A first Language: The early stage. Cambridge: Harvard University Press.

ونستنتج، مما سبق ذكره، أن الملاحظة أداة وصفية ناجعة في عمليات تكوين المدرسين، وتهيئتهم، وإعدادهم إعدادا جيدا لمزاولة عملهم المهني في المؤسسات والمعاهد التربوية والتعليمية. ويعني هذا أن الملاحظة بكل أنواعها وأهدافها ومكوناتها ضرورية في مجال تكوين أطر التعليم؛ لأنها تساعدهم على استكشاف سلوك التلميذ والمدرس، وتسهم في التكوين الذاتي، وعمليات التقويم.بمعنى أن الملاحظة الصفية بالخصوص أداة مهمة في تأطير المدرس المتمرن، وتكوينه بشكل متقن ومحكم لمزاولة مهنته في أحسن حالة، وفي أحسن الظروف الملائمة، لتحقيق الجودة والنجاعة والنجاح.
وقد بينا سابقا أن الملاحظة هي رصد للسلوك الفردي أو الجماعي. ومن ثم، فقد تكون الملاحظة داخلية أو خارجية، ملاحظة ذاتية أو موضوعية، ملاحظة عشوائية أو منظمة، ملاحظة خفية أو ظاهرة، ملاحظة علمية أو إكلينيكية. بيد أن أهم ملاحظة في هذا المجال هي الملاحظة الصفية التي تتعلق بمجال التربية والتعليم، وقد تكون هذه الملاحظة عفوية أو وصفية أو منظمة. وحينما تكون الملاحظة الصفية منظمة بشكل من الأشكال، فهي تعتمد على اللوائح، وقوائم الملاحظة، وشبكات الرصد، والتعليم المصغر.






الفصل الثاني:
تقنية المعايشة أو المشاركة

تتحقق هذه الملاحظة بوضوح عند علماء الأنتروبولوجيا، وعلماء النفس، وعلماء الاجتماع، وكذلك عند الرحالة؛ حيث يشارك هؤلاء الناس المفحوصين أو المبحوثين عن قرب، في مختلف أنشطتهم ومهاراتهم وأعمالهم، فيرصدون حياتهم النفسية والاجتماعية والثقافية والتربوية والحضارية، بتسجيل مجموعة من الملاحظات وتدوينها، بعد معايشة صادقة، وتتبع مستمر، واندماج داخل عالمهم، كأنهم أفراد من عينة هذا المجتمع الأصلي المدروس. وتقترب هذه الملاحظة من الملاحظة الاستكشافية، أو الملاحظة الميدانية، أو الملاحظة الاستطلاعية.ويعني هذا أن الملاحظة بالمشاركة أو المعايشة تقوم على حضور الباحث في مجتمع المفحوصين، ومشاركته لهم في اهتماماتهم، واستعداداتهم، ورغباتهم، وميولهم، كأنه واحد منهم، إلا أنه يتميز عنهم بممارسة الملاحظة والتدوين والتسجيل.
ومن هنا، تعتبر الملاحظة بالمشاركة أو المعايشة المباشرة من أهم أدوات المنهج الكيفي الذي يعنى بدراسة الظاهرة الاجتماعية أو الإثنوغرافية أو الأنتروبولوجية من الداخل، بتجاوز البيانات الكمية ومقاييس الإحصاء العددي. ومن ثم، لابد من التوقف عند مفهوم المعايشة أولا، وذكر آلياتها ثانيا، وتبيان إيجابياتها ثالثا، واستجلاء سلبياتها رابعا.


المبحث الأول: مفهوم المعايشة
تعد المعايشة، أو الملاحظة عن طريق المشاركة (L'observation participante) 121، من أهم التقنيات التي يلتجئ إليها الباحث الاجتماعي في مجال الأنتروبولوجيا أو الإثنولوجيا، وقد وضع أسسها النظرية والمنهجية كل من البولوني مالينوفسكي (Bronis?awKasper Malinowski) والإنجليزي جون لايارد (John Willoughby Layard)، في بدايات القرن العشرين الميلادي، بعد أن قضيا سنوات عدة في معايشة المجتمعات البدائية.
تستلزم المعايشة المباشرة أن يمكث الباحث، في مكان أو مجتمع معين، مدة محددة، اختلف حولها الدارسون السوسيولوجيون اختلافا كبيرا، قد تكون قصيرة أو متوسطة أو طويلة بغية دراسة أفعال الأفراد والجماعات فهما وتأويلا، وخاصة في المجتمعات التقليدية، أو مجتمعات الأقليات، أو المجتمعات المتميزة بعادات وأعراف وتقاليد خاصة، كدراسة المجتمعات البدائية، أو دراسة القبائل المتوحشة، أو دراسة المجتمعات الأمازيغية. أضف إلى ذلك يصف الباحث مجتمعه المختار بطريقة مباشرة، بمعايشة أفراد المجتمع لمدة محددة، وتعلم لغتهم، واكتساب عاداتهم وتقاليدهم، واحترام أعرافهم ومواضعاتهم الاجتماعية والعقدية والسلوكية. وفي هذا، يقول أنتوني غيدنز:" يشير البحث الإثنوغرافي عادة إلى دراسة الأفراد والجماعات ميدانيا عن طريق المعايشة المباشرة على مدى فترة زمنية محددة باستخدام الملاحظة التشاركية أو المقابلة الشخصية بقصد التعرف على أنماط السلوك الاجتماعي.ويهدف البحث الإثنوغرافي إلى اكتشاف المعاني الكامنة وراء الفعل الاجتماعي عن طريق انخراط الباحث المباشر بالتفاعلات التي يتكون منها الواقع الاجتماعي للجماعة المدروسة.وقد تمتد الفترة التي يعايش فيها العالم الاجتماعي جماعة أو مؤسسة أو مجتمعا محليا ما إلى عدة أشهر، وربما إلى سنوات لملاحظة الأنشطة اليومية والأحداث، وإيجاد تفسيرات لما يتخذ من قرارات أو ما يصدر عن الجماعات من أفعال وتصرفات.وربما تنطوي البحوث الإثنوغرافية على بعض المخاطر، سواء ما ينجم منها عن البيئة الطبيعية مثل المناطق الجبلية أو الصحراوية أو النائية، أو عن سياقات اجتماعية معينة مثل معايشة الفئات المنحرفة أو المشتبه بانخراطها في نشاطات جرمية."122
ومن هنا، يتمثل هدف المعايشة المباشرة في فهم الباحث للشخص الآخر، أو التعرف إلى الغير الأجنبي، بملاحظته واقعيا في الميدان، وملاحقته في مجتمعه، ومشاركته في الظروف الاجتماعية نفسها التي يعيش فيها. كما أنها بحث ميداني قائم على الملاحظة المشاركة، كما يتبين ذلك واضحا في مذكرات المسافرين وحكاياتهم وقصصهم وروايتهم، وتقارير الموظفين والباحثين والمهندسين، ومرويات الرحالة والجغرافيين المغتربين، ومشاهدات السائحين والإثنوغرافيين. ومن ثم، فالمعايشة عبارة عن وصف إثنوغرافي لأحوال المجتمع وعاداته وتقاليده وأعرافه ونظمه ومؤسساته وثقافته وفنونه وصنائعه ومعارفه وقيمه ومعتقداته وحضارته، باستخدام آليات الملاحظة الميدانية، والمشاركة المباشرة، والرحلة، والوصف، والتأريخ، والمقارنة، والوصف، والفهم الذاخلي الذاتي، وتدوين المعلومات والبيانات والمعطيات، وكتابة التقارير...
المبحث الثاني: الآليات المنهجية
تستند المعايشة المباشرة إلى آليات منهجية متنوعة، كالملاحظة الميدانية، والمسح الكلي المباشر، والمشاركة في حياة المجتمع، وجمع المعلومات وتدوينها بطريقة مستعجلة أو مؤجلة، واستعمال آليات الملاحظة، والوصف، والتأريخ، والمقارنة، والتطور، والفهم، والاستنتاج، والتعميم، والتوصيف، والمقابلة، وتوزيع الاستمارات...
ولايمكن أن يتحقق الهدف العلمي من المعايشة إلا إذا نظر إلى الظواهر نظرة علمية خارجية محايدة، دون إدخال الذات والعواطف والإيديولوجيا في البحث، ثم التجرد من التمركز الذاتي للثقافة الغربية في التعامل مع الإثنيات والشعوب المختلفة، ولاسيما البدائية منها.
وعليه، فالباحث الإثنوغرافي هو الذي يستخدم المعايشة، أو الملاحظة الميدانية المشاركة، دون اللجوء إلى وسائط كالمصادر والمراجع والباحثين الآخرين، بل لابد من النزول إلى الميدان للتنقيب وجمع المادة بغية دراستها وتحليلها توثيقها،مع التمكن نسبيا من لغة المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه، وتمثل النزاهة والحياد العلمي، والابتعاد عن النظرة العرقية أو الشوفينية أو العنصرية أو الاستعلائية، وتجنب التصورات الدينية المسبقة في دراسة المجتمعات المختلفة، والتخلص من حمولات الثقافة الخاصة، والهدف من هذا كله هو فهم عقلية الآخر فهما دقيقا.
وعليه، تنبني تقنية المعايشة على ثلاثة معايير أساسية هي:
(ملاحظة الواقع أو الميدان؛
( وضع حدود للموضوع الذي يحلله الباحث ويدرسه؛
( تقوم المعايشة على الحضور الفعلي للباحث داخل الميدان في الزمان والمكان قصد وصف المعنى الذي تحمله أفعال جماعة معينة.
وعادة، ما يشير البحث الإثنوغرافي " إلى دراسة الأفراد والجماعات ميدانيا عن طريق المعايشة المباشرة على مدى فترة زمنية محددة، باستخدام الملاحظة التشاركية أو المقابلة الشخصية بقصد التعرف على أنماط السلوك الاجتماعي. ويهدف البحث الإثنزوغرافي إلى اكتشاف المعاني الكامنة وراء الفعل الاجتماعي، عن طريق انخراط الباحث المباشر بالتفاعلات التي يتكون منها الواقع الاجتماعي للجماعة المدروسة.وقد تمتد الفترة التي يعايش فيها العالم الاجتماعي جماعة أو مؤسسة أو مجتمعا محليا ما إلى عدة أشهر، وربما إلى سنوات لملاحظة الأنشطة اليومية والأحداث، وإيجاد تفسيرات لما يتخذ من قرارات أو ما يصدر عن الجماعات من أفعال وتصرفات.وربما تنطوي البحوث الإثنوغرافية على بعض المخاطر، سواء ما ينجم منها عن البيئة الطبيعية مثل المناطق الجبلية أو الصحراوية أو النائية، أو عن سياقات اجتماعية معينة مثل معايشة الفئات المنحرفة أو المشتبه بانخراطها في نشاطات جرمية.
وتقدم الإثنوغرافيات الناجحة ثروة من المعلومات والبيانات حول الحياة الاجتماعية، وتتفوق في هذا المجال على أساليب البحث الأخرى.فهي تدرس الجماعة البشرية من الداخل، ومن ثم تستطيع تقديم نظرة ثاقبة على أنشطتها ومقاصد الأفعال والقرارات التي تتخذها. كما يمكن هذا النوع من الدراسات أن يراقب ويدون ويحلل السيرورة/ العملية الاجتماعية التي تتمفصل وتتقاطع مع الوضع الاجتماعي المدروس.ويشار إلى البحوث الإثنوغرافية عادة بوصفها واحدة من أنواع الدراسات النوعية (الكيفية)، لأنها تعنى في المقام الأول بالفهم الذاتي للظاهرة أكثر مما تهتم بالبيانات الإحصائية الرقمية.كما أن البحث الإثنوغرافي يعطي الباحث قدرا واسعا من الحرية والمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف والأوضاع الطارئة. وأخذ زمام المبادرة لتوجيه الدراسة لمتابعة البحث وفق التطورات المستجدة. غير أن للعمل الإثنوغرافي الميداني حدودا تقيده، ومخاطر منهجية قد تؤثر في ما يتوصل إليه من تحليلات ونتائج.فإن مجاله يقتصر على دراسة مجموعات صغيرة وقليلة من الجماعات.كما أن العمل نفسه يعتمد، إلى حد بعيد، على مهارة الباحث المهنية، وقدرته على كسب ثقة أفراد الجماعة.وقد يقع الباحث، من ناحية أخرى، تحت تأثير التصاقه وتعايشه ومشاركته الوجدانية للجماعة إلى حد يضيع معه منظوره المنهجي العلمي في دراسة الظاهرة باعتباره مراقبا موضوعيا محايدا."123
وتعد الإثنوميتودولوجيا، أو الإثنومنهجية (L'ethnométhodologie)، مقاربة سوسيولوجية في " دراسة الطرائق والمناهج التي ينهجها الأفراد في الواقع الفعلي لخلق أنماط سلوكية عقلانية تمكنهم من التفاعل والتعايش في معترك الحياة. هذه الطرائق مستمدة من المعرفة والفهم الشائع في المجتمع، وليس من التراث والمناهج العلمية المنظمة التي يحددها العلماء الاجتماعيون"124. ويعني هذا " أن الدراسات الإثنوميتودولوجية تحلل أنشطة الحياة اليومية تحليلا يكشف عن المعنى الكامن خلف هذه الأنشطة، وتحاول أن تسجل هذه الأنشطة، وتجعلها مرئية ومنطقية وصالحة لكل الأغراض العلمية، وتهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن الطرائق التي يسلكها أعضاء المجتمع، خلال حياتهم اليومية، لتكوين نوع من الألفة بالأحداث والوقائع".125
ومن ثم، تعد هذه النظرية السوسيولوجية من أكثر النظريات اعتمادا على المناهج الكيفية من جهة، واستعمال تقنية المعايشة بالمشاركة من جهة أخرى. وقد رفض زعيمها هارولد غارفينكل Harold Garfinkel)) وأتباعه استخدام المنهج الكمي، وكذلك استعمال الاستبيانات أو الاختبارات العلمية، أو توظيف أسلوب المقابلة المفتوحة، واستبدل ذلك كله بالملاحظة، والمنهج التوثيقي، والمنهج شبه التجريبي.
ومن ثم، فهذه النظرية عبارة عن منهجية أو ممارسة تطبيقية ظهرت في مجال الإثنوغرافيا، وتشير إلى مختلف التطبيقات التي أجريت على الجماعات الخاصة انطلاقا من أسئلة خاصة. وهناك، تخصص آخر يسمى بالإثنوطبي(l'ethnomédecine) الذي يعنى برصد مختلف الممارسات العلاجية التي استعملت في مجال الطب. ومن ثم، ليست الإثنومنهجية منهجية خاصة، بل ميدان يهتم بالمنهجيات الإثنولوجية. ويعني هذا أن الإثنومنهجية تدرس الأنشطة الجماعية ليس من الخارج، بل من الداخل. ولهذه المنهجية علاقة وطيدة بالفينومونولوجيا، مادامت تركز على التجارب المعاشة في العالم. ويعني هذا أنها تهتم بالظواهر الإنسانية المختلفة، بمعايشتها وملاحظتها والتعاطف معها من الداخل. وبالتالي، تندرج هذه المنهجية السوسيولوجية ضمن العلوم الإنسانية، ولاعلاقة لها بالتصورات الوضعية عند أوجست كونت أو دوركايم. وتستند إلى مجموعة من التصورات والمرجعيات المختلفة لهوسرل(Husserl)، وفيتجنشتاين(Wittgenstein)، وإرفين كوفمان(Erving Goffman)، وشوتز(Schütz)، وبار هيلل(Schütz)، ونوام شومسكي(Noam Chomsky)...
وعلى العموم، قد استعملت تقنية الملاحظة المباشرة المشاركة، أو تقنية المعايشة، في مجال الأنتروبولوجيا، والإثنولوجيا، والسوسيولوجيا اليومية، والإثنوغرافيا، وفي الخطاب الرحلي، والدراسات السفارية... ووظفت كذلك في فهم مجتمع المصانع والمعامل، وفهم طبيعة الحياة المجتمعية في القرى والمدن والأحياء الشعبية، وفهم النسق التربوي داخل فضاءات المدارس والجامعات. علاوة على تطبيقاتها الميدانية على فضاءات أخرى، مثل: المستشفيات، والمعسكرات، والأسواق، والنوادي، والمقاهي، والسجون، والمنافي، والواحات، والمداشر، والشوارع، والحانات، والمواخير...
المبحث الثالث: إيجابيات المعايشة
من المعلوم أن للمعايشة المباشرة إيجابيات عديدة، فهي تمدنا بمعلومات وافرة عن حياة الأفراد والمجموعات بطريقة ميدانية مباشرة؛ حيث يشارك الباحث العينة المدروسة عن كثب، ويتفهم لغتها وأوضاعها الاجتماعية. وبالتالي، يكون الباحث عارفا بقيمها ومعارفها وعاداتها وتقاليدها ونظمها وسلوكياتها؛ حيث يدون كل ما يلاحظه ويشاهده من تصرفات وأفعال، محاولا فهم دلالاتها ومقاصدها ونسقها الرمزي.
ومن ثم، فالمعايشة طريقة من طرائق البحث الكيفي المتميزة منهجيالاهتمامها بما هو داخلي وذاتي، بالابتعاد عن معطيات الإحصاء والتجريب الكمي. وفي هذا، يقول أنتوني غيدنز:"تقدم الإثنوغرافيات الناجحة ثروة من المعلومات والبيانات حول الحياة الاجتماعية، وتتفوق في هذا المجال على أساليب البحث الأخرى. فهي تدرس الجماعة البشرية من الداخل، ومن ثم تستطيع تقديم نظرة ثاقبة على أنشطتها ومقاصد الأفعال والقرارات التي تتخذها.كما يمكن هذا النوع من الدراسات أن يراقب ويدون ويحلل السيرورة/العملية الاجتماعية التي تتمفصل وتتقاطع مع الوضع الاجتماعي المدروس.ويشار إلى البحوث الإثنوغرافية عادة بوصفها واحدة من أنواع الدراسات الكيفية، لأنها تعنى في المقام الأول بالفهم الذاتي للظاهرة أكثر مما تهتم بالبيانات الإحصائية الرقمية.كما أن البحث الإثنوغرافي يعطي الباحث قدرا واسعا من الحرية والمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف والأوضاع الطارئة، وأخذ زمام المبادرة لتوجيه الدراسة لمتابعة البحث وفق التطورات المستجدة."126
ويعني هذا كله أن تقنية المعايشة إجراء علمي مهم، يتخذ طابعا كيفيا وصفيا، يروم جمع المعلومات والمعطيات حول ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو قانونية في المجتمعات البدائية، أو المجتمعات الإثنية، قصد فهم أوضاعها الاجتماعية والسياسية والقانونية والثقافية والحضارية، ومقارنتها بالمجتمعات المعاصرة أو المتحضرة أو المركزية.


المبحث الرابع: سلبيات المعايشة
على الرغم من أهمية المعايشة الصادقة في مجال البحث السوسيولوجي والأنتروبولوجي والإثنوغرافي، إلا أن هذه الطريقة قد تسقط الباحث في الذاتية، وتبعده عن الموضوعية العلمية، عندما يندمج في المجتمع بشكل كلي وعميق، ويتقمص قيمه ومعتقداته وسلوكياته. ويعني هذا أن" للعمل الإثنوغرافي الميداني حدودا تقيده، ومخاطر منهجية قد تؤثر في ما يتوصل إليه من تحليلات ونتائج. فإن مجاله يقتصر على دراسة مجموعات صغيرة وقليلة من الجماعات.كما أن العمل نفسه يعتمد، إلى حد بعيد، على مهارة الباحث المهنية وقدرته على كسب ثقة أفراد الجماعة.وقد يقع الباحث، من ناحية أخرى، تحت تأثير التصاقه وتعايشه ومشاركته الوجدانية للجماعة إلى حد يضيع معه منظوره المنهجي العلمي في دراسة الظاهرة باعتباره مراقبا موضوعيا محايدا."127
ومن سلبيات المعايشة كذلك السقوط في الذاتية، والخضوع للميول والأهواء والرغبات والاتجاهات الشخصية الضيقة، والانسياق وراء الأطماع والتصورات الإيديولوجية المغرضة، وتغليب المنافع والمصالح الذاتية، والابتعاد عن الموضوعية العلمية الحقة، وخدمة الأغراض الاستعمارية في إطار التوجه الكولونيالي أو الاستشراقي، كما يبدو ذلك جليا في البحوث الإثنوغرافية والإثنولوجية والأنتروبولوجية.
وخلاصة القول، على الرغم من سلبيات المعايشة المباشرة، فإنها تقنية علمية كيفية مهمة في مقاربة الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية، ولاسيما الإثنوغرافية منها؛ إذ تساعدنا هذه الملاحظة الميدانية على استجماع المعلومات والبيانات والمعطيات المهمة حول ظاهرة ما بغية فهمها وتفسيرها وتأويلها. وغالبا، ما توظف هذه التقنية الميدانية العملية بكثرة في المجالات العلمية التالية:الإثنولوجيا، والأنتروبولوجيا، والتاريخ، والجغرافيا، والرحلة، وعلم الاجتماع، واللسانيات.

الفصل الثالث:
تقنية الاستمارة أو الاستفتاء الاستبياني
من المعلوم أن البحث الوصفي هو الذي ينصب على دراسة مجموعة من القضايا والظواهر النفسية والاجتماعية والقانونية والتربوية والديدكتيكية، بالتركيز على مواقف الناس، واستبيان آرائهم، وتحديد تطلعاتهم، ورصد أفكارهم، إن وصفا، وإن تحليلا.
ويتميز البحث الوصفي بمجموعة من الصعوبات المنهجية، كاستحالة رصد الظاهرة بشكل علمي دقيق لاتساع مجتمع العينة (العدد الهائل من الساكنة)، وشساعة المساحة(دراسة الساكنة عبر مساحة واسعة من الوطن)، أو لعوامل أخرى. بيد أن الموضوعية العلمية تقتضي الاتصال بجميع السكان في مختلف مناطق البلاد، في مدرها ووبرها. لذا، يتطلب البحث الوصفي التسلح بمجموعة من الآليات التربوية، مثل: الاستمارة، والمقابلة، والعينة، والروائز، والاختبارات...
ويعد الاستبيان(Questionnaire)،أو الاستجواب، أو الاستفتاء، من أهم الآليات التي يستند إليها البحث الاجتماعي بصفة عامة، والبحث الوصفي بصفة خاصة. ومن ثم، فالاستبيان من التقنيات الأساسية التي تسعف الباحث الاجتماعي في جمع البيانات والمعطيات حول الظواهر والمشاكل السياسية والتربوية والقانونية والمجتمعية بغية فهمها وتفسيرها من جهة، واستقراء حمولاتها إحصائيا وإعلاميا تركيبا واستنتاجا وتقويما. ويعني هذا أن الاستمارة وسيلة من وسائل البحث التي تساعد الدارس على استكشاف المشاكل والحلول بطريقة وصفية مباشرة.
إذاً، ما الاستمارة؟ وما أهميتها المنهجية؟ وما تقنياتها ومكوناتها ومواصفاتها؟ وما أنواعها ؟ وما مراحلها؟ وما بنيتها المعتادة؟ وماإيجابياتها وسلبياتها؟


المبحث الأول: مفهوم الاستمارة أو الاستبيان
تعرف الاستمارة بمجموعة من المصطلحات والمفاهيم الأخرى التي تختلف من ترجمة إلى أخرى، أو من دولة عربية إلى أخرى، مثل: الاستبيان، والاستفتاء، والاستخبار، والاستقصاء، والاستجواب، والاستبانة128...
وعليه، فالاستبيان طريقة من طرائق البحث العلمي في استجماع المعلومات والمعطيات، وتفريغها في استنتاجات كمية وكيفية.ومن ثم، فهو عبارة عن مجموعة من الأسئلة المتنوعة في طولها وقصرها، وقد رتبت ترتيبا منطقيا عضويا من ناحية، أو ترتيبا نفسيا من ناحية أخرى، بالانتقال من موضوع إلى آخر حسب تنوع نفسية المستجوب.
علاوة على ذلك، فالاستبيان مجموعة من الاختبارات والروائز(Tests)، ترد في شكل أسئلة مغلقة أو مفتوحة، يراد بها وصف ظاهرة تربوية أو ديداكتيكية أو نفسية أو اجتماعية أو إدارية ما بغية استجماع مجموعة من المعلومات أو المعطيات تفريغا واستنتاجا وتفسيرا من أجل تبنيها في معالجة جميع المشاكل التي قد تعترض المؤسسة المجتمعية أو السياسية أو القانونية، أو تعوق التنمية المستدامة.
وغالبا، ما تتوجه هذه الاستمارة إلى عينة من المستجوبين، يقومون بملئها بشكل دقيق ومضبوط، إما في حضور المستجوب، وإما في غيابه، وإما نيابة عنه. وعادة،ما يكون الاستبيان أيضا عبارة عن أسئلة متنوعة متدرجة، تخضع لتصميم معين. وتكون تلك الأسئلة محددة ومحكمة، مرتبة بشكل منطقي لتحقيق الوحدة العضوية من جهة، والوحدة الموضوعية من جهة ثانية، والوحدة النفسية من جهة ثالثة.ومن هنا، " يدل الاستبيان على وضعية مقننة، تصلح لإدارة سلوك معين؛ ويصلح الاستبيان لجمع المعلومات السيكولوجية كالمقابلة.فهو يسعى دائما إلى الحصول على معطيات أو أحداث دقيقة وموضوعية بصورة تجعل التأكد منها مرة ثانية ممكنا. وبذلك، فهو-الاستبيان- يوفر إمكانية تكميم المعطيات الكيفية، مما يسهل تحليلها ومقارنتها وتأويلها والحكم عليها.أما محتوى الاستبيان، فإنه حسبلازارسفيلد (P.Lazarsfeld)يتحدد من خلال الهدف الذي يسعى إليه البحث.129"
وهكذا، فالاستمارة هي" لائحة من الأسئلة المحضرة تحضيرا يراعي مجموعة من القواعد المنهجية، تدون على أوراق، وتوزع على المستجوبين للإجابة عليها كتابيا أو تلقى عليهم شفويا، وذلك حسب الظروف وأهداف البحث، والغرض منها جمع المعلومات المستهدفة من طرف البحث لتحليلها ومناقشتها قصد استخلاص النتائج.130"
ويعرف ديوبولد ب.فان دالين (Deobold B.Van Dalen) الاستمارة أو الاستفتاء بقوله:" الاستفتاء أداة يستخدمها المشتغلون بالبحوث التربوية على نطاق واسع، للحصول على حقائق عن الظروف والأساليب القائمة بالفعل، وإجراء البحوث التي تتعلق بالاتجاهات والآراء.وقد يكون الاستفتاء- في بعض الدراسات أو جوانب معينة منها- الوسيلة العملية الوحيدة الميسرة، لتعريض المستفيدين لمثيرات مختارة، ومرتبة بعناية، بقصد جمع البيانات اللازمة لإثبات صدق فرض أو رفضه131."
وعليه، يعتمد الاستبيان على الملاحظة الاستطلاعية التي تهدف إلى جمع المعلومات من مجموعة من الأشخاص، يفترض فيهم أنهم يتوفرون عليها. وتختلف هذه الملاحظة عن الملاحظة الإكلينيكية التي تستهدف دراسة ظاهرة ما، بالتعمق في بناها الداخلية والخارجية، بتحديد مكوناتها وصفا وتفسيرا وتعليلا.أما الملاحظة الإحصائية، فتنبني على المعطيات الإحصائية تبويبا وتصنيفا وتقنينا.


المبحث الثاني: مواقف من الاستمارة
يلاحظ أن ثمة موقفين أساسين من الاستمارة: موقفا يرى الاستمارة أضعف تقنية ضمن تقنيات البحث العلمي بصفة عامة، وأكثر فقرا ضمن آليات البحث الاجتماعي والسياسي بصفة خاصة. كما أنها أقل موضوعية من تقنيات البحوث التجريبية العميقة ذات الطابع الميداني والإحصائي. ويعني هذا أن الاستمارة تقوم على الملاحظة الاستطلاعية النسبية. في حين، يقوم البحث التجريبي على المعطيات الإحصائية والرياضيات الكمية الدقيقة. وبالتالي، يوصلنا هذه البحث إلى نتائج يقينية وقريبة من العلمية والموضوعية.وفي هذا السياق، يقول ديوبولد.فان دالين:" يعتبر الاستفتاء أو الاستبيان طريقة مفيدة للحصول على البيانات، إلا أنه ليس بالأداة الجامعة للنفاذ إلى الحقيقة.هذا، بالإضافة إلى أنه لابد وأن يعالج بمهارة تامة لكي يحصل الباحث على بيانات يمكن الاعتماد عليها.132"
أما الموقف الثاني، فيرى الاستمارة تقنية كيفية لابأس بها في البحث العلمي، مادامت تسعفنا في استجماع المعلومات الاستطلاعية من أجل دراستها تحليلا ووصفا واستنتاجا، وتفريغها في جداول وبيانات إحصائية. ويعني هذا استحالة الاستغناء عنها بأي سبب من الأسباب لنجاعتها التحليلية والتشخيصية.
المبحث الثالث: أهمية الاستمارة أو الاستبيان
للاستمارة أهمية كبرى في دراسة الظواهر الاجتماعية والنفسية والتربوية والديدكتيكية، باعتبارها أسهل تقنية في استجماع المعلومات، وتحصيلها ضمن البحث الاستطلاعي. كما أنها تقنية غير مكلفة، ولا تحتاج إلى جهد كبير، أو وقت طويل، أو تكاليف باهضة، أو تقنيات معقدة أو صعبة في استعمالها وتشغيلها. فالاستمارة مجرد أسئلة متنوعة ومرتبة، تدون كتابيا أو شفويا فوق صفحة واحدة، أو صفحتين من الورقة، فتوزع على عينة من المستجوبين، إما بطريقة مباشرة (تسلم إلى المستجوب مباشرة من قبل الباحث أو من ينوب عنه)، وإما بطريقة غير مباشرة(عبر البريد أو عبر التواصل الرقمي والإعلامي السلكي أو اللاسلكي). ومن ثم، يمثل هؤلاء المستجوبون، باعتبارهم عينة صغرى تمثيلية، خصائص المجتمع الأصل بمواصفاته المتنوعة بدقة وإحكام بغية الإجابة عن الأسئلة المطروحة بكل صدق وصراحة وشفافية. وما يهمنا في هذه الاستمارات الاستبيانية هي النتائج المترتبة عن المعطيات والمعلومات التي يقدمها المستجوب، وهي تفيد الباحث، بشكل من الأشكال، في تحديد مجموعة من الحلول، ورصد المقترحات الكائنة والممكنة والمحتملة لفهم ظاهرة معينة وتفسيرها، في ضوء معطيات كمية وكيفية معينة.
المبحث الرابع: أنواع الاستمارة
هناك أنواع عدة من الاستمارة؛ إذ يمكن الحديث عن استمارة مكتوبة يقوم بها المستجوب نفسه، واستمارة شفوية تقوم على كتابة الباحث لإملاءات المستجوب.
ومن جهة أخرى، هناك استمارة موضوعية تتعلق بمجموعة من الأحداث والوقائع الموضوعية.وهنا، نستعين بمجموعة من المعلومات، كالسن، والجنس، والمكان، والحالة العائلية، والمداخيل، وغيرها...،واستمارة ذاتية مرتبطة بآراء المستجوب وقناعاته وميوله وأذواقه واهتماماته وانفعالاته الشخصية والذاتية...
وهناك استمارات الشخصية التي تتعلق بإبراز الصفات النفسية للمستجوب، واستمارات قياس الصفات السيكولوجية للشخصية، وتسمى أيضا بسلالم المواقف، واستمارات تهدف إلى تصنيف المستجوبين حسب معايير محددة.


المبحث الخامس: مكونات الاستمارة
تقوم الاستمارة على بنية معتادة، وطريقة مألوفة، كتبيان عنوان الاستبيان(مؤسسة الدولة- الحكامة الجيدة- الهدر المدرسي- العنف التربوي- التخطيط الديدكتيكي- صعوبة القراءة لدى تلاميذ الصف الثالث ابتدائي...)، وتقديم معلومات عن مصدر الاستمارة (كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية)، وتبيان طبيعة العينة المستجوبة(استمارة خاصة بأساتذة الجامعة)، والجهة الوصية عنها(وزارة التعليم العالي- اليونيسكو- الإسيسكو...)، والغرض منها(تحديد الأسباب الكامنة وراء تفشي البيروقراطية)، وتحديد المعطى والهدف والمطلوب بدقة محكمة(المرجو منكم ملء هذه الاستمارة بغية الوقوف على الأسباب الحقيقة التي تدفع المواطنين إلى الارتشاء...جزاكم الله خيرا). وفي هذا الصدد، يقول عبد الكريم غريب:" عادة ما يتم إعداد الاستمارة وفق بنية معتادة، كأن نحدد في الجانب العلوي من الصفحة الأولى للاستمارة مصدر الاستمارة، وذلك تجنبا للشكوك التي قد تحوم حول الأفراد الذين سيجيبون عنها، إذا ماكانت الجهة الصادرة عنها الاستمارة مجهولة: وأن يقدم للاستمارة بفقرة تمهيدية تحث المجيب على الصدق والصراحة في أجوبته مع الاختزال والتركيز، وتعرفه بالفائدة العلمية المرجوة من الأجوبة التي سيتم الإدلاء بها.
بعد ذلك، ينبغي تحديد مجموعة من المعطيات التي سوف تفيد في تحليل النتائج المتوصل إليها. ومن بين تلك المعطيات، يمكن أن نشير إلى الإقليم أو الجهة ومكان الإقامة ومستوى الحي والسكن والعمر والدخل الشهري والمهنة وعدد الأبناء...؛ إلى غير ذلك من المعطيات الضرورية التي يعتبرها الباحث مهمة بالنسبة لتحليل ومقارنة وتأويل النتائج التي سوف يحصل عليها عند عملية تفريغ الاستمارات".133
ويعني هذا أن الاستمارة تتركب من فقرة تمهيدية في شكل عتبات موازية تتعلق بمعطيات أولية ضرورية لفهم عالم المستجوب (العنوان- المصدر- المستجوب- الهوية- الهدف – المطلوب- المعطى...)، وأسئلة متنوعة يراد منها وصف الظاهرة المرصودة، سواء أكانت اجتماعية، أم قانونية.
المبحث السادس: الخصائص والمواصفات
تتسم الاستمارة بأنها عبارة عن أسئلة تهدف إلى جمع مجموعة من المعلومات والبيانات والمعطيات حول ظاهرة أو مشكلة أو قضية اجتماعية أو قانونية قصد دراستها أو تشخيصها أو معالجتها. وذلك كله من أجل الوصول إلى مجموعة من النتائج التي تكون بمثابة جواب أو أجوبة للفرضية أو الإشكال المطروح. ويشترط في الاستمارة أن تكون أسئلتها دقيقة ومضبوطة ومحكمة، وتختار عن دراية وعلم وإتقان، وبلغة فصيحة وبليغة.
وينبغي أن تكون الأجوبة واضحة وصادقة ومركزة ومختزلة ومكثفة بعيدة عن الإطناب الممل، والوصف المسترسل، والإسهاب اللامجدي.لذا، يستحسن أن يوضع في أعلى صفحة الاستمارة فقرة تمهيدية، تحث المستجوب على الصدق والصراحة، فيما يدلي به من آراء وأقوال وتصريحات، وتعقبها مجموعة من الأسئلة في شكل بنود مرتبة ومتسلسلة منطقيا ونفسيا. و"يتطلب إعداد الاستبيان تحديد موضوع البحث، ثم صياغة أسئلة الاستبيان بكيفية تغطي جميع جوانب الموضوع، ثم عرضه على المحكمين الذين لهم اطلاع واسع بالموضوع، للتأكد من مدى تغطية بنود الاستبيان لجوانب الموضوع بكيفية تامة، ومدى وضوح الأسئلة134".
ومن ثم، لابد أن تتسم الأسئلة الاستبيانية بالوضوح والدقة، ومراعاة القصر والاختصار، وتمثل الحياد والنزاهة، والابتعاد عن الأسئلة المجازية والإيحائية التي تقبل التأويلات العديدة، مع تجنب الأسئلة التي تمس كرامة الفرد، أو قد تقلقه، أو تحرجه...
ولابد أيضا من ترتيب الأسئلة ترتيبا منطقيا ونفسيا، كأن نبدأ من الأسئلة العامة نحو الأسئلة الخاصة، أو ننتقل من الأسئلة البسيطة نحو الأسئلة الصعبة والمركبة والمعقدة، أو نتحول من الأسئلة الشخصية إلى الأسئلة الموضوعية العامة. وفي المقابل، نبتعد عن الأسئلة الساذجة أو أسئلة تحصيل حاصل. علاوة على ذلك، لابد أن تترابط الأسئلة بالفرضية المعطاة ترابطا وثيقا، فتتسلسل الأسئلة تسلسلا سليما، ولابد أن يذيل الاستبيان بمجموعة من التعليمات الكاملة والواضحة من جهة، وتكون الأجوبة صادقة وواضحة من جهة أخرى.
وتستند الاستمارة إلى مجموعة من الأسئلة التي يمكن حصرها فيما يلي:
(أسئلة التعرف الشخصي: يقصد بها تلك الأسئلة التي تتعلق بشخصية المستجوب، كالتعرف على اسمه، وسنه، ووظيفته الاجتماعية، وجنسه، ومكان عمله... مثل:
السن:(
المؤسسة:(
الجنس:(
الوظيفة: (
السكن:(
(الأسئلة المغلقة أو المقيدة: هي أسئلة تتطلب جوابا معينا واحدا، مثل: الأسئلة ذات التصحيح الموضوعي، والأسئلة ذات الاختيار المتعدد.ويعني هذا أن المستجوب لايمكن أن يختار من الأجوبة إلا جوابا واحدا، فيقول: نعم، أو لا، أو صحيح، أو خطأ، أو لا أعرف... وتندرج الأسئلة المغلقة ضمن مجموعة من الأسئلة المترابطة منطقيا وسيكولوجيا، والمتنوعة في مراميها وأهدافها.
ومثال ذلك:
(هل يوجد بالمدرج طلبة يعانون من صعوبة القراءة: نعم( لا(
(الأسئلة المفتوحة أو الحرة: هي أسئلة تترك الحرية للمستجوب للتعبير عن آرائه، ومعتقداته، وسلوكياته، وتوجهاته، وميوله، وتصرفاته. وللمستجوب الحرية التامة في التعبير عن آرائه بكل صراحة وشفافية.
ومثال ذلك:
( ما انعكاسات الجفاف على حياة الفلاحين؟.............................
(الأسئلة ذات الاختيار المتعدد: يستلزم السؤال ذو الاختيار المتعدد أن يرفق السؤال بمجموعة من الأجوبة، فيختار المجيب الجواب الملائم الذي يتناسب مع السؤال المطروح، بوضع علامة معينة على ذلك الجواب.ويعني هذا أن الأسئلة ذات الاختيارات المتعددة عبارة عن" أسئلة شبه مغلقة؛ لأنها تطرح للمجيب مجموعة كبيرة من الإجابات (أربعة أو خمسة أو أكثر)، تتضمن في غالب الأحيان، جوابا صحيحا واحدا، على المجيب أن يبحث عنه ضمن أجوبة مشابهة، ولكنها خادعة."135
ومن أمثلة ذلك السؤال التالي:
( في نظرك، ما الأسباب التي تجعل الطالب الجامعي يعاني من صعوبة القراءة؟
(بيئة المتعلم (
(محتوى المقرر الدراسي ولغته(
(نفسية المتعلم(
( كفاءة الأستاذ(
(أسئلة الصواب والخطأ: تستلزم أسئلة الصواب والخطأ أن يكون الجواب مقننا ومضبوطا.وبالتالي، تكون الإجابة بالتصديق بالإثبات(صحيح)، أو النفي(لا-خطأ)...
ومثال ذلك:
( العنف الاجتماعي ظاهرة عالمية.
صحيح ( خطأ(
(أسئلة التعليل: هي أسئلة مرتبطة بتفسير الظواهر والمتغيرات والعلاقات السببية، وتعليل المسببات بغية فهم العلل والأسباب التي تكون وراء تصرف، أو سلوك، أو حدث ما... وغالبا، ما يكون السؤال بصيغة:" لماذا؟ أو ما السبب في ذلك؟ أو ما العلة في ذلك؟ أو ما الدافع ؟...
ومثال ذلك:
( لماذا تخليت عن تطبيق فلسفة الأهداف؟......
(أسئلة التكملة: يستوجب سؤال التكملة أن يكمل المستجوب جوابه بمعلومات أخرى، يتذكرها، أو يقترحها، أو يراها صحيحة ومهمة.وغالبا، ما يكون سؤال التكملة بوضع نقط الحذف التي تتطلب التعبئة والتحديد والاستبيان.
ومثال ذلك:
( في نظرك، ماهي الأسباب التي تجعل الطالب الجامعي يعاني من صعوبة القراءة؟
(بيئة المتعلم (
(محتوى المقرر الدراسي ولغته(
(نفسية المتعلم(
( كفاءة الأستاذ(
أسباب أخرى:.........................................................
(سؤال ثنائي الاختيار: يستلزم هذا السؤال أن يجيب المستجوب إما بكلمة صحيح، وإما بكلمة خطأ.ويسمى كذلك بسؤال الصواب والخطأ.
( امتحانات الجامعة صعبة في مادة الفرنسية.
صحيح ( خطأ(
(الأسئلة المزاوجة(Question couplées): تجمع الأسئلة المزاوجة بين الأسئلة المغلقة والأسئلة المفتوحة.بمعنى أن هناك توليفا بين ماهو مغلق ومفتوح من الأسئلة. ومثال ذلك:
( هل يوجد بالمدرج طلبة يعانون من صعوبة القراءة؟
نعم ( لا (
إذا كان الجواب ب" نعم"، الرجاء تحديد الصعوبات التي تعترض الطالب الجامعي في أثناء القراءة؟
........................................................................................................................................................................
(الأسئلة المصورة: ترتكن إلى تقديم الأسئلة في شكل صور ورسوم بدل العبارات المكتوبة التي يختار المستجوبون منها الإجابات." وقد يمدهم الباحث بتعليمات شفوية أيضا، بدلا من التعليمات المكتوبة. ويعتبر هذا النوع من الاستفتاءات أداة مناسبة لجمع البيانات من الأطفال ومن الراشدين محدودي القدرة على القراءة بوجه خاص. وغالبا ما تجذب الصور انتباه المستفدين أكثر من الكلمات المكتوبة، وتقلل منة مقاومة المفحوصين للاستجابة، وتثير اهتمامهم بالأسئلة.كما أنها تصور أحيانا مواقف لا تخضع بسهولة للوصف اللفظي تصويرا واضحا. وأحيانا تجعل من الممكن كشف اتجاهات أو جمع معلومات لايمكن الحصول عليها بطرائق أخرى.ومهما يكن، فللاستفتاءات المصورة عيبان على الأقل: أولا، يجب أن يقتصر استخدامها على المواقف التي تتضمن خصائص بصرية يمكن تمييزها وفهمها. ثانيا، كما أنه من العسير تقنينها، وخاصة حينما تكون الصور صور الكائنات بشرية136."
هذه أهم الأسئلة التي تستند إليها الاستمارة الاستبيانية في تجميع المعلومات، وتحصيل البيانات والمعطيات قصد فهمها وتفسيرها.
المبحث السابع: مراحل الاستمارة
تنبني الاستمارة الاستبيانية أو الاستجوابية على خمس مراحل أساسية، يمكن حصرها في الخطوات الإجرائية التالية:
(مرحلة الاختبار القبلي: تطبق الاستمارة في البداية على عينة عشوائية من المستجوبين عن طريق المقابلة للتأكد من نجاعة الاستمارة المكتوبة، مع التثبت من صحة الأسئلة المطروحة لمعرفة مدى مصداقيتها، واستكشاف سلامة لغتها، وتبيان مدى وضوحها وسهولتها، بالابتعاد عن كل ما يثير التشويش على مستوى التواصل والفهم، كالغموض، واللبس، والغرابة، والتعقيد اللفظي والمعنوي.بمعنى أن تكون أسئلة الاستمارة واضحة، لا تقبل التأويلات المتعددة؛ مما سيؤثر - فعلا - في نتائج الاستمارة بشكل سلبي.
(مرحلة الاختبار الفعلي: بعد الانتهاء من مرحلة التجريب، وتصحيح الأخطاء، وتعديل الاستمارة تصويبا وتنقيحا، يوزع الباحث استمارته على مجموعة من المستجوبين، يمثلون عينة تمثيلية تعكس المجتمع الأصل.وينبغي أن تتوفر في هذه الاستمارة شروط أساسية، كالتمهيد بفقرة تبين طبيعة المستجوب، والهدف من الاستمارة، وعنوانها الرئيس، وشروط الإجابة.وبعد ذلك، تذيل الاستمارة بمجموعة من الأسئلة المتنوعة. بشرط أن تكون هذه الاستمارة واضحة ومقتضبة ومكثفة. ولابد للباحث من دراسة ردود فعل المستجوب، وتحديد صعوبات الاستجواب، وتبيان ظروفه وعوائقه وظروفه الذاتية والموضوعية. وبعد مرحلة التجميع، تأتي مرحلة التفريغ ودراسة النتائج في ضوء معطيات كمية وكيفية.
(مرحلة الاختبار البعدي: تتعلق هذه المرحلة بالتحرير النهائي للاستمارة؛ حيث يستفتح الباحث المستجوب الاستمارة بتقديم يشرح فيه موضوع البحث وهدفه، ويشكر المستجوبين، مع تبيان طريقةالإجابة.وبعد ذلك، يكتب الاستمارة بشكل طباعي جيد، باختيار الخطوط المناسبة، مع إبراز الحروف طباعيا؛ حيث تكون الأسئلة سهلة القراءة، مع تلوين الأسئلة بألوان مغايرة ومتنوعة، وبشكل محكم وواضح.
( مرحلة التفريغ: تعمد مرحلة التفريغ إلى استخراج معطيات الأسئلة، وتفريغ معلوماتها.وبعد ذلك، يلتجئ الباحث إلى ترتيبها وتصنيفها وتبويبها وترميزها حسب البنود وعناصر التصميم. كما يستعين الباحث بالمعطيات الإحصائية لقراءة النتائج ووصفها وتلخيصها في أشكال هندسية ورسوم وجداول ومبيانات، وتحليلها فهما وتفسيرا، ومقارنتها بفرضية البحث وإشكالاته الأساسية. وفي هذا السياق، يقول عبد الكريم غريب:" قبل إقبال الباحث على توزيع الاستمارات بالشكل النهائي، فإنه، بعد عملية التجريب الأولى، مدعو إلى تفريغ النتائج المتوصل إليها، حتى يتعرف على كيفية وتبويب أجوبة أسئلة استمارته من جهة، ويضع النتائج المتوصل إليها، ليتعرف على صدق أسئلة استمارته من جهة ثانية.ولذلك، فهو- الباحث- يحتاج إلى منهجية تساعده على ترميز معطيات الأجوبة، ومعايير تمكنه من التركيب بين تلك المعطيات لتتحول إلى مقولات وأفكار عامة.
بعد هذه العملية، يستطيع الباحث تكميم نتائجه، ومعالجتها إحصائيا. أما إذا كانت أسئلة الاستبيان مغلقة، فإن الأمر يقتصر، فقط، على إحصاء مختلف أشكال الأجوبة، ليتم الانتقال، بعد ذلك، إلى المعالجة الإحصائية. والجدير بالذكر، أن مسألة التجريب القبلي للاستمارة، يساعد الباحث على تجاوز العديد من الهفوات؛ من أهمها: تعديل بعض الأسئلة التي تظهر غير ملائمة، تكوين صورة على عملية التفريغ لنتائجها."137
(مرحلة الاقتراح والتوصية: ينتهي الدارس، بعد تفريغ استمارته الاستبيانية، بتحصيل مجموعة من النتائج الكمية والكيفية، لينتقل إلى مرحلة اقتراح الحلول، واستعراض النتائج، وتقديم التوصيات في شكل نصائح وملاحظات وتوجيهات من أجل تطوير المنظومة المجتمعية والقانونية.
إذاً، تمر الاستمارة بمجموعة من المراحل المتعاقبة هي: مرحلة تصميم الاستمارة والتخطيط لها، ومرحلة المراجعة والتقويم، ومرحلة التوزيع، ومرحلة التجميع، ومرحلة التفريغ الكمي والكيفي، ومرحلة التفسير، ومرحلة الاستنتاج التي تقوم على ذكر الحلول والنتائج والتوجيهات والإرشادات، باستعمال الإحصاء والجداول والرسوم البيانية والصور والرموز الرقمية، والاستفادة من آليات الإعلام والاتصال.
المبحث الثامن: توزيع الاستمارة
توزع الاستمارة الاستجوابية بطرائق عدة، فقد توزع بطريقة مباشرة؛ حيث يقدم الباحث استمارته بيده إلى المستجوب، فتكون الملاحظة - هنا- إيجابية وفعالة لمعرفة ردود فعل المستجوب، وتحيين ظروف الاستجواب الذاتية والموضوعية. وقد توزع الاستمارة على المستجوبين في غياب الباحث. بيد أن هناك من ينوب عنه في ذلك. ومن هنا، تكون الاستمارة مباشرة، حينما يكون الباحث والمستجوب في مكان واحد، وقد يسمى هذا أيضا بأسلوب المقابلة.
بيد أن الاستمارة قد توزع بطريقة غير مباشرة، حينما يكون المكان متسعا وممتدا؛ حيث يصعب التواصل مباشرة مع المستجوب.لذا، يلتجئ الباحث إلى التواصل مع المستجوب عن طريق البريد العادي، أو عن طريق الهاتف، أو عن طريق البريد الرقمي أو الإلكتروني، ويسمى هذا بأسلوب المراسلة.
وتبقى الطريقة المباشرة الأفضل والأنجح مقارنة بالطريقة غير المباشرة في توزيع الاستمارة الاستبيانية. وقد يكون التوزيع لعينة جماعية؛ حيث تحضر إلى مكان معين، فتوزع عليها الاستمارة بشكل مباشر، ثم يجمع الباحث الاستمارة لتفريغها. وقد توزع لعينة فردية بأن يقدم لكل فرد الاستمارة لملئها. و هذه الطرائق كلها صالحة لتنفيذ الاستمارة.لكن هناك عدة عوائق تحول دون التوصل إلى استمارة حقيقية، كغياب المستجوب، والعشوائية في الملء والكتابة، حينما يحس المستجوب بالملل والروتين بسبب طول الاستمارة، وكثرة الأسئلة.
المبحث التاسع: إيجابيات الاستمارة
تتميز الاستمارة بمجموعة من المزايا الإيجابية، فهي تقدم إلى المستجوب مباشرة، أو عبر البريد، أو عبر شخص آخر، وقد تنشر على صفحات الجرائد والمجلات، أو تذاع عبر شاشة التلفزة، أوتعلن عبر المواقع الرقمية.ويعني هذا أن هناك استمارة ورقية، واستمارة رقمية. ومن ثم، فقد يكون المستجوب(بكسر الواو) حاضرا، أو غائبا، أو معوضا بشخص آخر، وقد ترسل الاستمارة إلى المرسل بواسطة البريد العادي أو الإلكتروني. كما تعد الاستمارة من الآليات السهلة في عملية الاستكشاف والاستجواب مقارنةبالمقابلة والروائز والامتحانات والاختبارات النفسية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يقول أحمد أوزي:" يمكن للاستبيان أن يخضع للتقنين أكثر من غيره من الوسائل أو التقنيات البحثية الأخرى.كما أنه يفيد في الحصول على بعض البيانات الشخصية أو الحرجة التي لايستطيع المبحوث عادة التعبير عنها في حضور الباحث، كما هو الحال في بعض التقنيات البحثية الأخرى.138"
علاوة على ذلك، يمكن الاستعانة بوسائل الإعلام والاتصال الحديثة في بناء الاستمارة الاستجوابية، وتشغيل الرموز والخانات والعلامات.
المبحث العاشر: سلبيات الاستمارة
على الرغم من الإيجابيات التي يتميز بها الاستبيان، فإنه له مجموعة من السلبيات؛ إذ يستلزم من الباحث والمستجوب معا الإلمام باللغة، ودراية بأساليبها، وامتلاك معرفة موسعة بتقنيات وضع السؤال. علاوة على معرفة تامة بطرائق البحث العلمي ومناهجه الوصفية والتجريبية والتاريخية.إضافة إلى أن كثيرا من المستجوبين لايعرفون استخدام اللغة بشكل أمثل.كما أن المستجوبين قد يتعبون في ملء الاستمارة الطويلة المحشوة بمجموعة من الاسئلة المتراكبة والمتراكمة.لذا، ينبغي أن تكون الاستمارة مركزة ومكثفة ومقتضبة ومختزلة، وبعيدة عن الحشو والإطناب والتطويل الممل.
وينبغي أيضا تنويع الأسئلة، فاستعمال نوع واحد من الأسئلة قد لا يؤدي إلى نتائج إيجابية، وحقائق مهمة. " ثم إن استمارة الاستبيان الذي يحوي على أسئلة كثيرة قد لا تتم الإجابة عنها بدقة لتسرب الملل إلى المبحوثين.ثم إن عدم حضور الباحث أحيانا مع المبحوثين يغيب بعض ردود فعل المبحوثين، تجاه بعض الاسئلة التي تثير ردود فعل خاصة لديهم، مما يجعل الباحث لا يستفيد منها في حالة إرسال أو توزيع الاستبيان على المبحوثين وانتظار جمعه، كثيرا ما لا يكون العائد من الاستمارات كافيا لتغطية بيانات البحث."139
وهناك سلبيات أخرى تتعلق بالباحث في حالة غيابه، وسلبيات تتعلق بطبيعة الأسئلة، وسلبيات تتعلق أيضا بالمستجوبين أنفسهم. وفي هذا الصدد، يقول ديوبولد ب.فان دالين:" يميل عزل بنود معينة وتحديدها تحديدا دقيقا، لأن يجعل ملاحظات المستفتين موضوعية ومركزة ومقننة. على أن هذه الخصائص المرغوبة لاتضمن أن يمدنا المفحوصون ببيانات موثوق فيها، وذلك لأن الناس لايستطيعون أو لايريدون في أغلب الأحيان أن يقدموا إجابات دقيقة. فبعض الناس يعانون من قصور في الإدراك أو الذاكرة، أو غير قادرين على التعبير اللفظي عن انطباعاتهم وأفكارهم تعبيرا دقيقا.والمستفتون الذين ليس لديهم الحرية في البوح بالمعلومات، أو غير راغبين في ذلك، أو غير المؤهلين له، قد يتجاهلون أسئلة معينة، أو يزيفون إجاباتهم.كما أن كثيرا من الناس لايعطون الاستفتاء اهتماما جديا، فيملأون استماراتهم بإهمال، أو يسجلون ما يفترضون حدوثه.وليس من النادر أن يكيف بعض المستفتين إجاباتهم لكي تتفق مع تحيزاتهم، أو لحماية مصالحهم الخاصة، أو الظهور في صورة أفضل، أو إرضاء الباحث، أو ليتفقوا مع الأنماط المقولبة اجتماعيا.140"
ومن ثم، فللاستمارة الاستبيانية مزايا إيجابية في عملية البحث والتنقيب وجمع المعطيات البيانية. وفي الوقت نفسه، لها سلبيات وهنات تؤثر فيها بشكل من الأشكال، ولاسيما حينما يتعامل المستجوب مع الاستمارة بنوع من التعب والكسل والإهمال واللامبالاة.
المبحث الحادي عشر: كيف نكتب بحثا تربويا أو نفسيا في ضوء الاستمارة
يقوم البحث التربوي أو النفسي على مجموعة من الخطوات المنهجية الضرورية، عندما يتعامل مع الاستمارة الاستبيانية، ويمكن حصرها في النقط التالية:
( تدبيج مقدمة في شكل تقرير عن البحث، بتبيان العناصر التالية:
(موضوع الدراسة.
( الدوافع الذاتية والموضوعية.
( فرضية البحث.
( أسئلة الدراسة وإشكالياتها الرئيسية والثانوية والفرعية.
( طبيعة البحث: وصفي-تاريخي- تجريبي.
( منهج الدراسة وخطواته ومعطياته الإحصائية.
( أهمية الدراسة.
( أهداف الدراسة.
( حدود الدراسة وأبعادها(تحديد مكان الدراسة وزمانها وحدودها).
( الدراسات السابقة.
( التصميم.
( الصعوبات والعوائق والمشاكل التي تعترض الباحث.
( شكر وتقدير.
( كتابة مدخل البحث لشرح مفهوم تربوي أساسي: كأن نشرح مصطلح الهدر المدرسي، أو مصطلح مسرح الطفل، أو مصطلح العنف التربوي، أو مصطلح الحكامة التربوية...إلخ، وذلك بالاعتماد على القواميس والمعاجم العربية والأجنبية لغة واصطلاحا وسياقا.
( الفصل الأولي: الإطار النظري.
ينقسم الفصل النظري إلى مجموعة من العناصر والعناوين في شكل مباحث ومطالب، كأن نخصص – مثلا- هذا الفصل لدراسة مفهوم التخطيط في المستوى الابتدائي، فيكون التصميم على الشكل التالي:
( المبحث الأول: مفهوم التخطيط.
المطلب الأول: التخطيط لغة.
المطلب الثاني: التخطيط اصطلاحا
( المبحث الثاني: أهمية التخطيط.
( المبحث الثالث: أهداف التخطيط وغاياته:
( المبحث الرابع: مكونات التخطيط البيداغوجي والديدكتيكي:
المطلب الأول: التخطيط التربوي.
المطلب الثاني: التخطيط الديدكتيكي.
( المبحث الخامس: أنواع التخطيط وفق بيداغوجيا الإدماج:
المطلب الأول: التخطيط البعيد المدى.
المطلب الثاني: التخطيط المتوسط المدى.
المطلب الثالث: التخطيط القريب المدى.
خلاصة الفصل النظري
الفصل الثاني: الإطار التطبيقي
ينقسم الفصل التطبيقي بدوره إلى مباحث ومطالب، ويغلب على هذا الفصل الاستقراء الوصفي من جهة، والاستنباط الكمي والكيفي من جهة أخرى. فيكون التصميم - مثلا- على النحو التالي:
المبحث الأول: التعريف بالطرائق والتقنيات المعتمدة، مع ذكر ظروف الاستجواب ومشاكله الذاتية والموضوعية.
المبحث الثاني:عرض النتائج: تحليلها وتفسيرها.
وتستعرض النتائج حسب كل مبحث أو عنصر، بالاستعانة بالجداول، وتحديد النسبة المائوية، واستعمال المبيان الدائري وشبه الدائري والعصوي. " ويعتبر هذا الفصل من أهم الفصول في البحث، إذ على الباحث أن يعطي فيه وصفا دقيقا ومفصلا لكل العمليات والإجراءات التي قام بها أثناء إنجاز البحث، فيصف بدقة كيف حصل على أدوات البحث، إن استخدام أدوات جاهزة كالروائز مثلا أو طرق بنائها وتجريبها بالنسبة للاستمارات، ويصف عينات البحث وصفا كاملا بالاعتماد على جداول توضح العدد الإجمالي، ونسبة الذكور والإناث، وتحدد كل الخصائص التي حرص الباحث على توفرها في عينات بحثه كالمستوى الدراسي، ونسب الذكاء، والمستوى الاجتماعي وغيره، ثم كيفية الحصول على العينات أو المجموعات.ويعرض أيضا لطرائق تنفيذ البحث، ككيفية توزيع الاستمارات وتعبئتها أو إجراء المقابلات أو التجارب، دون نسيان عرض المبررات والأسباب التي جعلته يعتمد تلك الطرائق دون غيرها.وفي التجارب، لابد من وصف طريقة إجراء التجربة، وطرائق وتقنيات التحكم في الضوابط، ونوع التصاميم التجريبية التي اعتمدت ومبررات اختيارها وحدودها."141
ويعني هذا أن يتثبت الباحث من صحة فرضياته وإشكالياته، ويقارن النتائج التي توصل إليها بالنتائج التي توصلت إليها البحوث الأخرى تشابها واختلافا، مع تحديد ظروف البحث وملابساته الذاتية والموضوعية، والاستعانة بالإحصاء في تتبع كل بند على حدة، مستثمرا في ذلك الجداول والمبيانات، بالوصف، والمناقشة، والتحليل، والتقويم، والمدارسة، والتوجيه، والمقارنة، والاستنتاج...
خلاصة الفصل الثاني: يذيل البحث بخاتمة في شكل خلاصات واستنتاجات عامة. وقد تكون الخاتمة مغلقة من جهة، حينما تهدف إلى إصدار حكم نهائي جامع ومانع، وقد تكون خاتمة مفتوحة من جهة أخرى، حينما تستند إلى اقتراح فرضيات أخرى، يمكن أن تسهم في إغناء الموضوع وإثرائه، ويعقب هذه الخلاصات اقتراح مجموعة من التوصيات والحلول لترقية المنظومة التربوية والتعليمية شكلا ومضمونا، أو كما وكيفا. وبعد ذلك، يضع الباحث ملحقا لاستمارته الاستبيانية. ويختم بحثه بلائحة المصادر والمراجع والمقالات الورقية والرقمية، مع تثبيت الفهرس العام.
وهكذا، يتبين لنا أن الاستمارة من أهم التقنيات التي تعتمد عليها الملاحظة الاستطلاعية من جهة، وتعد كذلك من أهم الأدوات البحثية التي تستعمل في المنهج الوصفي من جهة أخرى. وتهدف الاستمارة الاستبيانية إلى دراسة مجموعة من الظواهر الاجتماعية والقانونية، في ضوء مجموعة من الأسئلة والبنود المرتبة ترتيبيا منطقيا ونفسانيا وموضوعاتيا. ومن هنا، تسعى الاستمارة الاستبيانية إلى تجميع مجموعة من المعلومات والمعطيات الموجهة إلى عينات استجوابية تمثيلية لتحقيق هدف علمي وتعليمي معين، يخدم الفرضية أو الإشكال البحثي الأساس.وبعد تجميع المعلومات، يتم تفريغها وقراءتها فهما وتفسيرا، و تسطير النتائج المرجوة، مع تقديم مجموعة من النصائح والتوجيهات والتوصيات والاقتراحات.





ملحق الاستمارة:


تخوفات الأساتذة المبتدئين بمراكز التكوين

وزارة التربية الوطنية- الدولة...
المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين،.......


استمارة موجهة إلى الأساتذة المبتدئين بمراكز التكوين

معلومات شخصية
الجنس: ذكر( مؤنث(
السن: (
سلك التعليم: ابتدائي ( إعدادي ( تأهيلي(
نوع الإجازة:...............................................
مكان التكوين:...............................................

هدف الاستمارة:
الرجاء ملء الاستمارة لمعرفة تخوفات الأساتذة المتدربين بمراكز التكوين، وجزاكم الله عنا خيرا.

( هل تحسون بالخوف في مراكز التكوين؟ نعم ( لا(
( إذا كان الجواب بنعم، فما الذي يخوفكم:
-الصرامة والانضباط(
- قسوة الأساتذة(
- ضعف التكوين(
- تأخر المنحة(
- تأثير الوضعية العائلية على مسار التكوين(
أسباب أخرى:.......................................................................................................................................
..............................................................................................................................................
( ما المادة الدراسية التي تخوفكم كثيرا:
العربية( الفرنسية ( الفنون ( العلوم( الأمازيغية ( الإعلاميات ( علوم التربية ومادة البحث (
( هل تتخوفون من امتحان التخرج ؟ نعم ( لا(
لماذا؟...........................................................................................................................................................................................................................................................
( هل أنتم خائفون من التعيين: نعم ( لا(
لماذا؟...........................................................................................................................................................................................................................................................
( هل يتم القضاء على هذه التخوفات ب:
-الانضباط(
- الاجتهاد والمثابرة(
- الاستعداد الجيد(
- الزواج(
- عدم الزواج(
- الإنجاب(
- عدم الإنجاب(
- الحضور المستمر وعدم الغياب(
- ترقب التعيين الجهوي(
أسباب أخرى...........................................................................
.............................................................................................................................................










الفصل الرابع:
تقنية المقابلة
تعد المقابلة من أهم التقنيات التي تعتمد في مجال البحث العلمي بصفة عامة، ومن أهم الآليات الإجرائية التي يعتمد عليها البحث الوصفي بصفة خاصة. كما أن المقابلة أكثر تشخيصا من الاستمارة لما لها من قوة في الاستكشاف النفسي والاجتماعي والتربوي، وما تتميز به من عمق ومباشرة في تحصيل المعلومات، واستجماع البيانات التحليلية من أجل التوجيه، والتحليل، والمعالجة، والتشخيص، والتقويم. ولايمكن الاستغناء عن المقابلة التي تستوجب الجمع المباشر بين الفاحص والمفحوص؛ لأنها تقنية تطبيقية تحقق تواصلا إيجابيا فعالا،باقتراب الباحث من المبحوث بطريقة ودية مباشرة، يسهل عبرها جمع المعلومات الميدانية إعدادا وتحصيلا وترتيبا، مع تفريغها في معطيات تركيبية استنتاجية، وتكميمها في مبيانات رياضية وإحصائية.
المبحث الأول: مفهوم المقابلة
يترجم مصطلح (Interview/Entretien) بمفاهيم عربية أخرى، كالسبر، أوالاستبار الدال على الفحص والاختبار والتجريب، والتدقيق في البحث سبرا وتنقيبا واستقراء وتدقيقا، وتعميق الدراسة علما وبحثا وكشفا. مع العلم أن السبر في اللغة هو استخراج كنه الأمر، والدلالة على التجربة والاختبار.ويقول ابن سينا في ما كتبه عن السياسة:" فكذلك ينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولا طبع الصبي، ويسبر قريحته، ويختبر ذكاءه.142" وهنا، السبر بمعنى التجربة والاختبار والفحص والتقدير.
وهناك من يترجم المفهوم بالمقابلة لتقابل الباحث مع المبحوث معه استجوابا واستكشافا؛ لأن المقابلة عبارة عن استجواب يراد به الوصول إلى معلومات مهمة بغاية تثبيت فرضية معينة. ومن ثم، فالمقابلة هي"المحادثة التي تتم فيها المواجهة المباشرة وجها لوجه بين الباحث والمبحوث، لما في حضورهما من أهمية لاستكمال التعبير اللغوي بتعابير الصوت، وخصائصه، وتعابير الوجه، ونظرة العين والإيماءات والسلوك العام خلال الاستجابة للأسئلة.143"
وهناك من يرى أن المقابلة هي بمثابة" حديث أو حوار مع شخص أو مجموعة أشخاص، يرمي إلى الحصول إلى معلومات، بهدف التوصل إلى حل مشكل، أو فحص فرضية، أو تحقيق هدف معين.144"
ومن ثم، إذا أردنا أن ندرس – مثلا- ظاهرة التبول عند تلاميذ التعليم الابتدائي، يمكن، بشكل من الأشكال، إجراء مقابلة متنوعة مع مجموعة من المستجوبين الفاعلين، مثل: التلميذ، والأستاذ، والوالدين، والطبيب المختص أو المعالج للتلميذ المفحوص. ويمكن أيضا دراسة ظاهرة الأمراض المزمنة (مرض السكري مثلا)، وأثرها في تحصيل التلميذ.وهنا، نجري مقابلة مع مجموعة من الأشخاص، كالتلميذ، والأستاذ، والوالدين، والطبيب.
ومن هنا، فالمقابلة" لقاء يتم بين الأخصائي القائم بالبحث وبين الفرد موضوع البحث، أو يتم أثناء تبادل الحديث بتوجيه من الأخصائي.وتتوخى المقابلة تحقيق غرض عام، يتمثل في تقدير استعدادات الفرد أو خصائص معينة لديه، أو التعرف على ميوله واهتماماته وقدراته.145"
وعليه، فالمقابلة نتاج لعينة من المستجوبين لا يعرفون الكتابة من جهة، كما عند الأطفال الصغار والأميين، أو لايرتاحون على مستوى التعبير والتواصل إلا لماهو شفوي من جهة أخرى. وهكذا، فالمقابلة بمثابة" محادثة بين شخصين أو أكثر، يهدف من خلالها الباحث إلى الحصول على معلومات من قبل المتحدث إليهم.وقد لجأ الباحثون في العلوم الإنسانية إلى هذه الأداة، عندما اكتشفوا أن كثيرا من الناس يميلون لتقديم المعلومات شفويا أكثر من تقديمها كتابة، فهم يعطون البيانات كاملة وبسهولة أكثر في المقابلة، منها في الاستطلاع بواسطة الاستمارة، خصوصا إذا نجح الباحث في الحصول على ثقة وطمأنينة المستجوب.إن الباحث عندما يقابل المفحوصين وجها لوجه، يمكن أن يشجعهم على الاستمرار في الحديث، أو التعمق في التحليل والوصف. إضافة إلى ما يمكن أن يحصل عليه من معلومات هامة من ردود أفعال المستجوب الانفعالية والسيكوحركية، كنغمة الصوت، وتعبيرات الوجه والجسم، ونوع اللغة والأسلوب والتعابير التي يستعملها، وشعوره بالراحة أو الحرج، وهكذا...كما تعتبر هذه الطريقة ملائمة لجمع البيانات من الأطفال والأميين بصفة خاصة."146
وعليه، فالمقابلة عبارة عن تواصل لفظي وغير لفظي، إما باستعمال طريقة حوارية شفوية من جهة، وإما باستخدام طريقة حركية وإشارية سيميائية من جهة أخرى، ولاسيما إذا كان المستجوب أبكم أو أصم أو من ذوي الحاجيات الخاصة. ومن هنا، فالمقابلة تقنية سيكوبيداغوجية واجتماعية مهمة في استكشاف المعلومات وتجميعها وتفريغها لفهم المفحوص فهما حقيقيا، وتفسيره تحليلا واستكشافا واستطلاعا وتوجيها وتشخيصا وتقويما.
المبحث الثاني: مكونات المقابلة
تستند المقابلة، باعتبارها تقنية إجرائية علمية مهمة، إلى مجموعة من العناصر التقنية والمنهجية، ويمكن حصرها في العناصر التالية:
( المقابلة عبارة عن محادثة تواصلية حميمة، سواء أكانت لفظية أم غير لفظية.
( تستلزم المقابلة الحوار بين الطرفين: الباحث والمبحوث، أو المحاور والمتحاور معه، أو الأخصائي الفاحص والفرد المفحوص، أو المقابل والمستجوب...
( المقابلة هي محادثة تواصلية مباشرة وجها لوجه.
( ضرورة حضور الطرفين المتحاورين في الزمان والمكان.
( رصد السلوك اللفظي وغير اللفظي في أثناء المقابلة والتواصل والتحاور والمحادثة.
( المقابلة عبارة عن أسئلة استجوابية شفوية مباشرة، قد تكون عفوية أو منظمة.
( الغرض من المقابلة هو تحصيل معلومات وبيانات تتعلق بتوجهات الفرد، وقدراته، واهتماماته، ورغباته، واستعداداته، وميوله، وأهوائه، وأحواله، ومشاكله...بغية إيجاد حلول مناسبة وموائمة.
( توجه المقابلة إلى الأطفال الصغار والأميين من جهة، وإلى الذين يحبذون المقابلة الشفوية عن الاستبيان الكتابي من جهة أخرى.
( ضرورة الاستعانة بالكراسات الورقية، أو التسلح بالأشرطة والأقراص والمسجلات والوسائل السمعية والبصرية.
( ربط علاقة ودية حميمة مع المفحوص، قوامها المحبة والأخوة والتفاهم والتواصل.ومن ثم، فليست" المقابلة الجيدة مجرد سلسلة من الأسئلة العارضة والإجابات العامة، بل هي خبرة دينامكية بين شخصين، تخطط بعناية لتحقيق هدف معين.فخلق جو ودي متسامح، وتوجيه المناقشة في الاتجاهات المطلوبة؛ وتشجيع المستفتى على كشف المعلومات، وإثارة دوافعه لكي يستمر في تقديم حقائق مفيدة، كل ذلك يتطلب درجة عالية من المهارة والكفاءة الفنية.ولتقويم فاعلية المقابلة؛ يجب على الباحث أن يتذكر دائما كثيرا من التساؤلات التي أثيرت حول الاستفتاء."147
وعليه، تستلزم المقابلة مجموعة من الشروط والقواعد الجوهرية، كالعمل على إقامة علاقة ودية مع الفحوص، بدون تكلف أو تصنع أو تزلف. وبالتالي، لا يمكن تحقيق ذلك إلا بتمثل الحياد والنزاهة الموضوعية. علاوة على عدم إظهار أي رد فعل أو القيام بسلوك ما، قد يؤوله المستجوب على أنه رفض، أو استهجان لجوابه، مع اختيار لغة مناسبة يفهمها الفاحص والمفحوص، والحرص على أن تكون المقابلة مقننة وموجهة إلى حد كبير لكي لا تتحول المقابلة إلى استجوابات مفتوحة حرة، أشبه بالهذيان، والاسترسال المنساب، والتداعي الحر. علاوة على احترام تحفظ بعض المستجوبين على بعض الأسئلة، وتجنب السلطوية في إصدار الأوامر، وعدم الإلحاح على المستجوب، بإعادة طرح السؤال نفسه مرات عديدة، خاصة إذا لم يقتنع المبحوث بالسؤال لعدم وجاهته، أو لكونه سؤالا حرجا ومقلقا.
علاوة على ذلك، لابد من تسجيل الأجوبة على الدفاتر والكراسات من جهة، أو الاستعانة بالوسائل السمعية والبصرية كالأقراص والأشرطة من جهة أخرى.وبعد ذلك، يتم تفريغ الأجوبة من الأشرطة بتأن وترو حسب البنود والأسئلة، وحسب تقنيات محددة في ذلك. وإذا استعصى الأمر استحالة وتعقيدا وصعوبة، فعلى الباحث أن يسجل أجوبة المبحوث مباشرة، مع تدوينها باستعمال الرموز، أو تلخيصها فوريا، أو كتابة ملخص عام لكل الأجوبة. أضف إلى ذلك لابد للباحث من نقد الإجابات، وتأملها بدقة وفحصها، بالاحتكام إلى معيار الصدق والكذب.ويعني هذا أنه لابد من دراسة نقدية فاحصة لكل الأجوبة المعطاة، والتثبت من صحتها ومصداقيتها العلمية والموضوعية، ومقارنتها بالآراء المرجعية في هذا الموضوع.148
المبحث الثالث: أهمية المقابلة وأهدافها
تعد المقابلة تقنية سيكوبيداغوجية مهمة في تجميع البيانات بطريقة شفوية مباشرة.كما أنها أداة ناجعة في استجواب عينة من المستفتين، لايريدون التعبير عن آرائهم ومشاكلهم ورغباتهم وميولهم واهتماماتهم وأدوائهم عبر الكتابة، ويفضلون التعبير عنها بطريقة شفوية مباشرة وجها لوجه.لذلك، تعتبر المقابلة من الطرائق الهامة في تطوير البحث التربوي على مستوى تحصيل المعلومات بدقة وموضوعية. وفي هذا الصدد، يقول ديوبولد ب.فان دالين (Deobold B.Van Dalen):" يميل كثير من الناس لتقديم المعلومات شفويا أكثر من تقديمها كتابة؛ فهم يعطون البيانات كاملة، وبسهولة أكثر في المقابلة الشخصية منها في الاستفتاء.والواقع أن مميزات عديدة تنشأ من التفاعل الودي في المقابلة الشخصية، لايمكن الحصول عليها في الاتصال غير الشخصي المحدود عن طريق الاستفتاء أو الاستمارة.إذ يستطيع الباحث عندما يقابل المفحوصين وجها لوجه، أن يشجعهم باستمرار، ويساعدهم على التعمق في المشكلة، وخاصة في المشاكل المشحونة انفعاليا.كما يستطيع المقابل أن يصل عن طريق التعليقات العارضة للمستفتين، وتعبيرات الوجه السليم، ونغمة صوت، إلى معلومات قد لاتنقل في الإجابات المكتوبة.وتساعد هذه الدلائل السمعية والبصرية الباحث في ضبط إيقاع ونغمة المحادثة الخاصة، بحيث يستثير المعلومات الشخصية والسرية، ويحصل على معلومات عن الدوافع والعواطف والاتجاهات والمعتقدات.ويعتبر توجيه الأسئلة شفويا وسيلة ملائمة لجمع البيانات لأطفال الصغار والأميين بصفة خاصة."149
أما عن أهداف المقابلة العلمية، فتتمثل في التشخيصبوصف الظاهرة المدروسة، وتحديد تمظهراتها الجلية والمضمرة، وتعداد نتائجها، وتقديم الحلول المناسبة لها، كأن نشخص – مثلا- أسباب التخلف العقلي لدى التلاميذ، أو نشخص عوامل الهدر المدرسي، أو التكرار، أو الغياب، أو العنف، أو الشغب...
وهناك هدف استطلاعي استكشافي، كأن نبحث عن معلومات جديدة لمدارسة ظاهرة لافتة للانتباه، تستلزم منا جمع المعلومات، وتفريغها لتحصيل النتائج المرجوة. وهناك أيضا أهداف توجيهية، يراد منها استكشاف اهتمامات المفحوص، وتحديد رغباته وميوله واستعداداته وقدراته ومواهبه بغية توجيهه الوجهة الحسنة، وهذا له علاقة وثيقة بالتوجيه التربوي والإعلامي.
وهناك أهداف تفصيلية تدقيقية تتعلق باستقراء الظاهرة واستكشافها بدقة، دون أن ننسى أهدافا أخرى، كالتحليل، والمقارنة، والتقويم، والاستنتاج...150


المبحث الرابع: أسئلة المقابلة
تستند المقابلة البحثية إلى مجموعة من الأسئلة الاستجوابية أو الاستبارية. ولابد أن تتصف هذه الأسئلة بالسمات والمواصفات التالية:
( أن تكون الأسئلة هادفة وبناءة ومفيدة.
( أن تكون الأسئلة مختصرة ومختزلة ومكثفة.
( أن تكون الأسئلة متنوعة: مغلقة، ومفتوحة، ومتزاوجة، ومتعددة الاختيارات، ومعللة، ومكملة...
( أن تكون الأسئلة من جهة عفوية، ومن جهة أخرى منظمة، ويمكن أن تكون كذلك مولدة من أجوبة المبحوث.
( يمكن أن تتأرجح الأسئلة بين ماهو تربوي، ونفسي، واجتماعي، وطبي، وفيزيولوجي...
( أن ترتبط تلك الأسئلة بفرضية البحث وإشكالاته الأساسية والمحورية.
( أن تكون الأسئلة واضحة وسهلة ومباشرة، لا تقبل تأويلات عدة، ولاتحمل إيحاءات مجازية غامضة.
(أن تكون الأسئلة متسلسلة ومترابطة موضوعاتيا ونفسيا ومنطقيا.
( أن تكون الأسئلة موجهة في خدمة الموضوع.
( تتخذ أسئلة المقابلة طابعا شفويا. وإذا اتخذت طابعا كتابيا، فإنها تتحول إلى استمارة واستبيان واستفتاء.
هذه أهم مواصفات الأسئلة التي تعتمد عليها المقابلة في الاستكشاف والاستطلاع، وتتفق في معظمها مع أسئلة الاستمارة الاستبيانية.


المبحث الخامس: تركيب المقابلة
تتركب المقابلة، مثل الاستمارة، من بعض العناصر المتشابهة، كأن تتكون من بداية استهلالية، أو فقرة تمهيدية، يحدد الباحث الهدف من المقابلة، والجهة الوصية، والعينة المستهدفة، والمعلومات الشخصية، وتبيان المعطى والمطلوب، وتثبيت تحية الشكر.
وبعد ذلك، ينتقل الباحث إلى تسطير مجموعة من الأسئلة المقننة بدقة ودراية. ويذيلها بخاتمة في شكل ملاحظات أو شكر للمستجوب. وفي هذا الإطار، يقول ديوبولد ب.فان دالين:" هل استخدم المقابل استمارة أو بطاقة مقننة أو نظاما يمكنه من تسجيل الملاحظات بسرعة ودقة؟ هل سجل بوضوح كلمات المستفتى نفسه، دون أن يعيد صياغتها وقت صدورها أو بعد المقابلة مباشرة؟ هل فكر في استخدام جهاز للتسجيل، مما يجعله متفرغا أثناء المقابلة؛ ويمده بوسيلة للتحقق من الاستجابات فيما بعد؛ ويحافظ على الخواص الانفعالية والصوتية للإجابات؛ ويساعده على تجنب عمليات الحذف والتحريف والتغيير، وتجنب الأخطاء التي تحدث أحيانا في التقارير المكتوبة عن المقابلة؟ هل دون المقابل مذكرات بما لاحظه من سلوك أو حالات لا تتفق مع إجابات المستفتى؟ هل قام بتسجيل المظاهر الانفعالية ذات الدلالة، وحالات التردد واللعثمة والسكنات أو الانتقالات الفجائية، والكلمات التي تصحح بسرعة وعمليات الحذف الواضحة؟"151
وعليه، لا يمكن أن تحقق المقابلة فوائدها المرجوة في تحصيل البيانات إلا بعد أن يكون للفاحص معلومات كثيرة حول موضوع المقابلة.وبعد ذلك، يحدد بنود المقابلة، ويرتب أسئلتها بشكل متسلسل من العام نحو الخاص، والعكس صحيح أيضا.ولابد أن يتأكد الفاحص من صحة الأسئلة، ويتثبت من مصداقيتها العلمية، ويبين مدى مناسبتها للموضوع أو الفرضية أو الإشكالية المطروحة. ولا ينسى الباحث أن يستثير المفحوص بأسئلة استكشافية مركزة هادفة وودية بغية تحصيل المعلومات، مع تهييء أسئلة إضافية، تتعلق بالتعليق والتوجيه والتدخل الفوري والإنقاذ، مع تجنب معاداتهم ولومهم وعتابهم.علاوة على ذلك، تستوجب المقابلة تحديد الزمان والمكان، ومن الأفضل أن يحددهما المفحوص تفاديا للحرج والقلق والإزعاج.كما يعمد الباحث إلى توفير الراحة للمفحوص من أجل جمع أكثر المعلومات المناسبة والنافعة. وعليه قبل كل شيء أن يجري مقابلات تمهيدية" لاكتشاف نواحي الضعف في مناهجه أو طريقته أو أسئلته أو نظامه في التسجيل".152
وإذا اخترنا بحثا تربويا أو نفسيا في ضوء المقابلة، فلابد من احترام الخطوات المنهجية التالية:
( تدبيج مقدمة في شكل تقرير عن البحث، بتبيان العناصر التالية:
(موضوع الدراسة.
( الدوافع الذاتية والموضوعية.
( فرضية البحث.
( أسئلة الدراسة وإشكالياتها الرئيسة والثانوية والفرعية.
( طبيعة البحث: وصفي-تاريخي- تجريبي.
( منهج الدراسة وخطواته ومعطياته الإحصائية.
( أهمية الدراسة.
( أهداف الدراسة.
( حدود الدراسة وأبعادها(تحديد مكان الدراسة وزمانها وحدودها).
( الدراسات السابقة.
( التصميم.
( الصعوبات والعوائق والمشاكل التي تعترض الباحث.
( شكر وتقدير.


( الفصل الأولي: الإطار النظري.
ينقسم الفصل النظري إلى مجموعة من العناصر والعناوين في شكل مباحث ومطالب، تدرس مختلف عناصر الموضوع أو الظاهرة المدروسة، في ضوء تقنية المقابلة التربوية.كأن ندرس- مثلا- ظاهرة التبول في المدارس الابتدائية أو أرواض الأطفال بطريقة المقابلة، فعلينا – أولا- التعريف بهذه الظاهرة في مختلف المجالات والحقول العلمية والإنسانية.وبعد ذلك، نحدد الأسباب الذاتية والموضوعية لهذه الظاهرة. ثم، نحدد تجلياتها الظاهرة والمختفية، فنبين انعكاساتها الديدكتيكية والتربوية والنفسية والاجتماعية والطبية. ثم، نختم فصلنا باستنتاجات عامة وخاصة.
( الفصل الثاني: الإطار التطبيقي
ينقسم الفصل التطبيقي بدوره إلى مباحث ومطالب، ويغلب على هذا الفصل الاستقراء الوصفي من جهة، والاستنباط الكمي والكيفي من جهة أخرى. فنبدأ بقراءة أولية سريعة لكافة أجوبة المستجوب أو المستجوبين الذين تمت مقابلتهم مقابلة حرة أو منظمة، مع تجميع ملخص عام لهذه الأجوبة.وبعد ذلك، تحدد الأجوبة المشتركة وغير المشتركة، وترقيمها برقم محدد، أو تلوينها باللون نفسه.ثم، نبين الظروف والملابسات التي تمت فيها المقابلة. ثم، نعين نوع المقابلة، فالعينة المختارة، مع تبيان مدة المقابلة ومكانها.وبالتالي، تستخرج المقولات الذهنية والأفكار العامة التي توحد مختلف الأجوبة، بالتقريب بين معاني الأجوبة ودلالاتها على المستويين اللغوي والرمزي. وترتب هذه الأفكار والمقولات بشكل منطقي ومتسلسل حسب بنود الأسئلة، وعناصر الموضوع النظري. ثم، تخضع الأجوبة للإحصاء التصاعدي والتنازلي، مع تكميم الأفكار بالشكل الملائم إحصائيا في جداول واضحة، ونسب مائوية دقيقة، ومبيانات عصوية ودائرية أو شبه دائرية.وفي الأخير، تعالج النتائج معالجة تحليلية، وتقرأ بطريقة منهجية نقدية علمية دقيقة، مع فحص الأجوبة فحصا استباريا عميقا للتأكد من صلاحية الأجوبة، وتبيان صحتها، والتأكد من مدى علميتها ومصداقيتها153.
ويذيل البحث بخاتمة في شكل خلاصات واستنتاجات عامة، سواء أكانت الخاتمة مغلقة أم مفتوحة، ويعقبها اقتراح لمجموعة من التوصيات والحلول من أجل ترقية المنظومة التربوية والتعليمية شكلا ومضمونا، أو كما وكيفا. وبعد ذلك، يضع الباحث ملحقا لمقابلته، سواء أكانت المقابلة مكتوبة أم مسجلة في شكل قرص أو شريط ممغنط. ويختم الدارس بحثه بلائحة المصادر والمراجع والمقالات الورقية والرقمية، مع تثبيت الفهرس العام.
المبحث السادس: أنواع المقابلة
يمكن الحديث عن أنواع عدة من المقابلة أو الاستبار، حسب عدد المبحوثين، أو من حيث الهدف منها، فهناك: المقابلة الفردية التي يقوم بها مستجوب واحد مقابل مفحوص واحد أو مفحوصين متعددين، والمقابلة الجماعية التي يجريها مجموعة من الأخصائيين مع مفحوص واحد أو مفحوصين متعددين. ولكل نوع سلبيات وإيجابيات. وفي هذا السياق، يقول ديوبولد ب.فان دالين:" تجري معظم المقابلات في موقف خاص مع فرد واحد في الوقت نفسه، لكي يشعر بالحرية في التعبير عن نفسه تعبيرا كاملا وصادقا.على أن المقابلات الجماعية تؤدي أحيانا إلى بيانات أكثر فائدة.فحينما يجتمع أفراد مؤهلون ذوو خلفيات مشتركة أو مختلفة لمعالجة مشكلة أو تقويم مزايا اقتراح، فإنهم يستطيعون تقديم مدى واسع من المعلومات ووجهات النظر المتنوعة. كما يمكنهم أن يساعدوا بعضهم البعض على تذكر عناصر المعلومات أو مراجعتها أو تنقيحها.على أن بعض المفحوصين قد يمسكون عن التعبير عن بعض الأمور أمام الجماعة، بينما يمكنهم الكشف عنها في مقابلة خاصة. هذا بالإضافة إلى أن شخصا واحدا (وليس من المحتم أن يكون أكثرهم علما) قد يسيطر على المناقشة، بحيث لاتكشف وجهات النظر المشتركين الآخرين اكتشافا كاملا."154
وهناك المقابلة المقننة في مقابل المقابلة غير المقننة، ومقابلة التعمق غير الموجهة.بمعنى أن المقابلة المقننة تكون فيها الأسئلة معدة بشكل مسبق ومضبوط ومقنن تفاديا للعشوائية والفوضى والتناقض والتكرار في طرح الأسئلة. أما الأسئلة غير المقننة، فهي أسئلة مرنة، تخضع للتغيير والتبديل والزيادة والتنقيح في أثناء المقابلة؛ لأن أجوبة المفحوص تكون حرة ومنسابة بشكل تلقائي وعفوي، من الصعب ضبطها بشكل معياري مقنن. ويمكن للباحث أن يمزج بين الطريقتين: المقننة وغير المقننة من أجل استكشاف المعلومات، وتحصيل البيانات. أما مقابلة التعمق غير الموجهة، فيقول عنها ديوبولد ب.فان دالين:" تكون المقابلة غير الموجهة، والتي غالبا ما تصطبغ بخواص التحليل النفسي، أنسب الطرائق للوصول إلى استبصارات بالدوافع الخفية أو الكامنة، والاتجاهات غير المعترف بها، والآمال والمخاوف والصراعات الشخصية، والعلاقات الديناميكية بين الاستجابات.فبدلا من توجيه عدد من الأسئلة المباشرة أو المحددة سلفا، للحصول على عناصر معينة من المعلومات، يسمح الباحث للمفحوص بالتحدث بحرية، وبصورة كاملة، فيما يتعلق بقضية أو واقعة أو علاقة معينة.وبينما يحكي المفحوص قصته، يعمل الباحث كمستمع جيد، يدخل همهمة فطنة أو ينطق عبارة مثل" هذا أمر ذو بال" أو" استمر"، أو سؤالا عاما، لكي يستثير تدفق المحادثة.وحينما تقترب المقابلة من نهايتها، قد يسأل بعض الأسئلة المباشرة لكي يملأ الثغرات ويكمل المناقشة. وعن طريق وضع قيود قليلة على اتجاه المناقشة.وتشجيع مدى واسع من الاستجابات، يحصل الباحث على صورة طبيعية ممثلة لسلوك المفحوص، ويكتسب استبصارا بخصائص وأعماق اتجاهاته ودوافعه وعواطفه ومعتقداته."155
وهناك أيضا المقابلة المركزة التي تركز" الانتباه على خبرة محددة مر بها المفحوص.فإذا كان قد شاهد مسرحية أو قرأ كتابا.يبذل الباحث جهدا لمعرفة الآثار الخاصة التي أحدثتها هذه الخبرة فيه. ولكي يسبر الباحث اتجاهات المفحوص، واستجابته الانفعالية، عليه أن يحلل المسرحية أو الكتاب تحليلا كاملا قبل مقابلته؛ وبعد أسئلة تستخدم كإطار للمناقشة؛ ويقصر المحادثة أثناء المقابلة على القضايا المتعلقة بهذا الموضوع.ويسمح للمستفتى بأن يعبر عن نفسه تعبيرا كاملا، على أن يوجه الباحث خط تفكيره.156"
وثمة أنواع أخرى من المقابلة من حيث الغاية والهدف؛ إذ يمكن الحديث عن: المقابلة التشخيصية، والمقابلة العلاجية، والمقابلة لجمع البيانات.
ويرى جودة أحمد سعادة أن المقابلة أنواع، فهناك المقابلة الرسمية، والمقابلة غير الرسمية، والمقابلة الجماعية. وفي هذا الصدد، يقول الباحث:" تساعد المقابلات الرسمية وغير الرسمية في تقييم التعلم. حيث تساعد المقابلات غير الرسمية في التحدث عن المشكلات الراهنة، وتحديد الصعوبات. وتتطلب المقابلات الرسمية استخدام مجموعات الأسئلة، وقوائم التقدير، وقوائم التدقيق التي تم إعدادها من قبل. وينبغي على المدرس أثناء المقابلة أن يصغي جيدا، و يقود المقابلة نحو تحقيق الهدف المنشود.
ويقترح بعض المربين أسلوبا آخر من أساليب التقييم وهو أسلوب المقابلة الجماعية، والذي يستعمل غالبا في التدريس الجامعي؛ حيث تتم الخطوة الأولى في لقاء الطلاب بمدرس المادة، قبل إجراء المقابلة، وذلك للتعرف على المادة نفسها، واهتمامات المدرس نفسه، مع عمل الترتيبات اللازمة للمقابلة.157"
وهكذا، نصل إلى أن ثمة أنواعا من المقابلات: مقابلة فردية ومقابلة جماعية، ومقابلة منظمة ومقابلة عفوية، ومقابلة ذاتية ومقابلة موضوعية، ومقابلة سطحية ومقابلة عميقة، ومقابلة مكتوبة ومقابلة مسجلة، ومقابلة لفظية ومقابلة غير لفظية، ومقابلة رسمية ومقابلة غير رسمية...


المبحث السابع: إيجابيات المقابلة وسلبياتها
تعد المقابلة من أهم التقنيات والأدوات التي يستعين بها الباحثون في مجال البحث العلمي، وبناء المشروع الشخصي لما لها من أهمية في استكشاف البيانات، وتحصيل المعلومات، وبناء المعطيات، وتفهم الظروف النفسية والاجتماعية التي يكون عليها المبحوث.ومن ثم، لا يمكن الاستغناء إطلاقا عن هذه التقنية التربوية الإجرائية في كتابة البحوث، في مراكز التربية والمعاهد السيكولوجية والاجتماعية والإعلامية على حد سواء. ومن هنا،" تعتبر المقابلة أحد الأدوات البحثية الهامة في العديد من المجالات العلمية، فهي تستخدم من قبل السيكولوجي والسوسيولوجي والمعالج النفسي، وغيرهم ممن يسعى إلى جمع البيانات بشكل دقيق وحي لهدف علمي محدد.
تفضل المقابلة الاستبيان؛ لما تتمتع به من مرونة في البحث، فقد يوجه الباحث أسئلته وفق مستوى المبحوث، كما يمكنه تغيير أسئلته، إذا لم يتم فهمها.وتستطيع المقابلة تزويده بالمعلومات التي يرى ضرورة الحصول عليها، بما يمليه الظرف والحاجة، والتعمق في الجوانب التي تبدو للباحث أساسية في جمع البيانات.158"
علاوة على ذلك، فقد تدفع المقابلة الأخصائي أو المستجوب إلى أن يكون قريبا من المفحوص أو المبحوث أو المستجوب بغية استجماع المعطيات أو البيانات، أو من أجل تشخيص الأدواء المعطاة، أو لمعالجة المفحوص عضويا أو نفسيا أو تربويا أو اجتماعيا.وبهذا، يكون الهدف من المقابلة هو البحث عن الحلول الناجحة لمدارسة المفحوص.ومن هنا، " تشكل المقابلة وسيلة للحصول على معلومات كافية، على اعتبار أن أغلب الناس يميلون إلى تقديم المعلومات شفويا، فهم يعطون البيانات كاملة، وبسهولة أكثر في المقابلة الشخصية منها في الاستبيان، ويستطيع الباحث تشجيع المستجوبين، ومساعدتهم على التعمق في الموضوع، أو الكشف عن المشكلات ذات الشحنة الانفعالية، وذلك عن طريق التعليقات، وتعبيرات الوجه، ونغمة الصوت..."159
وعلى العموم، لا تكون المقابلة إيجابية وهادفة وبناءة ومفيدة إلا بتوفر مجموعة من الشروط المناسبة. فعلى مستوى العلاقة، " هل كان المقابل لطيفا كفؤا صريحا متزنا؟ هل تجنب الإسراف في العاطفة أو الجد أو التعاطف مع المفحوصين؟ هل تحاشى أسلوب التعالي أو الحماية أو الدهاء أو الخبث أو العنف؟ هل كانت ملابسه مناسبة؟ هل استخدم ألفاظا مناسبة ومدخلا ملائما في العمل مع مستفتى معين؟160"
وعلى مستوى استدعاء المعلومات، " هل كان المقابل مستمعا مخلا يقظا، يفطن عند الضرورة إلى إعادة سؤال أو شرحه؟ هل كان يكتشف الإجابات الغامضة أو المتناقضة أو الهروبية أو المخادعة؟ هل كان يوجه بمهارة أسئلة بديلة أو أسئلة ثاقبة، حتى يساعد المستفتين على تذكر المعلومات، أو التفصيل في عباراتهم، أو توضيح تفكيرهم، أو مراجعة الحقائق، أو تقديم دليل أكثر تحديدا وواقعية؟ هل كان يوقت الأسئلة بالسرعة التي تلائم المستفتين ؟ هل كان يوجه الأسئلة العامة أولا، ثم يجعل الأسئلة التالية أكثر تركيزا؟ هل كان يتتبع الإشارات الهامة التي أعطتها له استجابات المفحوصين، ويواصل توجيه الأسئلة في الاتجاهات المثمرة نفسها، حتى يستخلص جميع المعلومات المفيدة؟ هل كان يعقب بتعليقات لبقة، ليعيد توجيه المقابلة في الاتجاهات التي كانت أكثر ملائمة للبحث؟ هل كان يدرك متى يكون من الأفضل أن يقترب من الأمور الدقيقة، ويسبر ما في الأعماق؟ هل صاغ نصوص هذه الأسئلة بعناية؟ هل كانت نغمة صوته، أو تعبيرات وجهه أو تركيب الأسئلة وتوقيتها، تشير إلى الإجابات التي يفضلها؟ وهل تجنب لوم المستفتى أو كبته، وكف عن إظهار أن إجابة ما قد صدمته أو ضايقته أو لم ترضه ؟ هل كان يبحث عن المعلومان نفسها بطرائق مختلفة أثناء المقابلة، لكي يتحقق من صدق الاستجابات؟ هل تحقق من صحة بعض الإجابات بالرجوع إلى السجلات الرسمية؟ هل أنهى المقابلة قبل أن يصبح المفحوص متعبا؟"161
وإذا كانت المقابلة أفضل من تقنية الاستمارة الاستبيانية في تحصيل المعلومات، وتجميع البيانات، وتفريغ المعطيات، إلا أنها تعد أقل قيمة وكفاءة ونجاعة مقارنةبالبحوث العلمية التجريبية التي تعتمد على المعطيات الإحصائية وصفا واستنتاجا. ومن هنا، فإن" تحليل البيانات التي يتم الحصول عليها بطريقة المقابلة، قد لايتسم أحيانا بالموضوعية الكافية، لتعرض البيانات لتحليل وتفسير وتأويل يتأثر بشخصية الباحث.فضلا عن تداخل شخصية الباحث والمبحوث في موقف المقابلة، مما يعوق من الناحية الإبستمولوجية الحصول على بيانات دقيقة."162
وعليه، فللمقابلة مزايا إيجابية من ناحية، ولها مواطن ضعف تعوق دون استخدامها بطريقة علمية وموضوعية من ناحية أخرى.وعلى الرغم من ذلك، فإن الباحث العلمي، أو المحلل الاجتماعي، لا يمكن الاستغناء عن هذه التقنية الإجرائية في عمليتي التحليل والتقويم، ولاسيما أن ثمة مجموعة من الظواهر والمواضيع الاجتماعية والقانونية والسيكوبيداغوجية تستلزم من الباحث أو الدارس الفاحص توظيف هذه التقنية التطبيقية نظرا لنجاعتها، ومرونتها، وسهولتها، وبساطتها، ووضوحها، ومباشرتها.
وخلاصة القول: يتبين لنا أن المقابلة من أهم التقنيات الإجرائية في بناء البحث الوصفي، وهي تقنية معروفة في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع والإعلام. وتكمن أهميتها في كونها تربط تواصلا لفظيا وغير لفظي بين الباحث والمبحوث.ومما يتسم به هذا التواصل أنه مباشر وحميم يجمع بين طرفين في الزمان والمكان. كما أن هذه التقنية أعمق من الاستمارة في استكشاف الجوانب النفسية والاجتماعية والبيداغوجية.فضلا عن كونها أداة ناجعة في تجميع المعلومات وتحصيلها، وترقب الظروف الشعورية واللاشعورية التي يكون عليها المفحوص المدروس. ومن ثم، تسعف الباحث في مراقبة حركات المفحوص مراقبة دقيقة ومضبوطة ومقننة، ودراسة انفعالاته الوجدانية والحركية والصوتية واللسانية. ولايمكن للمقابلة أن تحقق أهدافها المرجوة إلا إذا كانت شخصية الباحث جذابة وذكية ومرنة وواعية ومثقفة، تهتم بهندامها وهيئتها، وتمتلك بداهة خارقة. ومن جهة أخرى، تمتلك قدرة كفائية متميزة على التحفيز، والتشجيع، والاستثارة، وخلق الانتباه والاهتمام بالموضوع المدروس.


الفصل الخامس:
دراسة الحالة
تعد دراسة الحالة(Etude de cas ) من أهم التقنيات والآليات التحليلية التي تستعين بها عدة علوم ومعارف، كعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، والطب، والبيداغوجيا، وعلم الإدارة...
وتسعف هذه الطريقة التحليلية الدارسين والمحللين والمتدربين وطلبة العلم على مواجهة المشاكل والوقائع،بتحليلها، ومدارستها، وتشخيص الوضعيات المعطاة، سواء أكانت بسيطة أم معقدة، من أجل معالجتها، وإيجاد الحلول الناجعة للصعوبات التي يتعرض لها الأفراد والجماعات داخل سياق زمكاني معين بغية تمثلها قصد مواجهة وضعيات متشابهة في المستقبل.
وتشكل دراسة الحالة أيضا وسيلة تقويمية لمجموع المشاكل التي يواجهها الإنسان في محيطه، بتحويلها إلى ظواهر رمزية افتراضية أو واقعية، في شكل خطابات سردية أو وصفية محبكة بشكل معقد، ومتضمنة للوضعيات المشكلات التي ينبغي معالجتها بطريقة علمية موضوعية قصد الوصول إلى الحلول المناسبة لاتخاذ القرارات الملائمة بصددها.
المبحث الأول: تعريف دراسة الحالة
يمكن تعريف دراسة الحالة لغة واصطلاحا على الشكل التالي:
المطلب الأول: الحالة لغة
تشتق كلمة الحالة من فعل حال وحول، والمصدر الاسمي حال أو الحال. ومن ثم، فالحالة في اللغة الحال، والحالة في علم النفس الهيئة النفسية أول حدوثها، قبل أن ترسخ، والحال في الطبيعة كيفية سريعة الزوال، من نحو: حرارة، وبرودة، ويبوسة، ورطوبة عارضة. أما الحال، فهو الوقت الذي أنت فيه، والكساء الذي يحتش فيه، واللبن، وحال الدهر: صروفه، وحال الشيء: صفته، وحال الإنسان: ما يختص به من أموره المتغيرة الحسية والمعنوية، والعجلة يعلم عليها الصبي المشي، وفي النحو: الزمان الحاضر، ولفظ يبين الهيئة التي عليها الشيء عند ملابسة الفعل له واقعا منه أو عليه، وفي البلاغة: الأمر الداعي إلى إيراد الكلام الفصيح على وجه مخصوص، وكيفية معينة، جمع أحوال وأحولة163.
ويتبين لنا، من هذه الاشتقاقات اللغوية، أن الحالة هي صفة الشيء وهيئته وطبيعته وأحواله المتغيرة. أما في اللغة الأجنبية، فكلمة(cas ) تعني حالة وحال وظرف وعارض، وقد يقصد بها حالة إعراب في مجال النحو واللسانيات.
المطلب الثاني: دراسة الحالة اصطلاحا
من المعروف أن دراسة الحالة عبارة عن وضعية مشكلة، قد تكون خيالية افتراضية أو واقعية،تنصب على دراسة مجموعة من الظواهر والأشياء والتصورات والنظريات والعوامل داخل سياق معين. وتعتبر دراسة الحالة من أبرز الأدوات التي تساعد الباحث على جمع معلومات شاملة، واستحصال قدر أكبر من المعطيات لدراسة الحالة قيد الدراسة، سواء في المجال النفسي أم الاجتماعي أم التربوي، من أجل اتخاذ قرارات صائبة لمعالجة ظاهرة ما. وهناك العديد من التعاريف التي حاولت رصد دراسة الحالة في مجالات مختلفة وميادين متنوعة قصد فهمها وتفسيرها.ومن هذه التعاريف أن دراسة الحالة طريقة إجرائية تحليلية لدراسة الظاهرة الاجتماعية بالتحليل المعمق للإحاطة بحالة معينة، ودراستها دراسة شاملة، وقد تكون هذه الحالة فردا، أو مجتمعا محليا، أو مجتمعا كبيرا، أو أيةوحدة أخرى في الحياة الاجتماعية.
وتعتبر دراسة الحالة أيضا عملية تحليل لممارسات إدارية واقعية أو افتراضية من أجل التعرف إلى مواطن القوةوالضعف فيها، واستقراء المشكلات الإدارية التي تتضمنها من خلال أسئلة محددة ملحقة بها بهدفالتعلم منها، والتّدرب على حل المشكلات في المواقف المشابهة.ومن ثم، تدخل دراسة الحالة في إطار ما يسمى في علم النفس التربوي، أو علم النفس العلاجي، ببحث المشكلات العملية التطبيقية.
وتعد دراسة الحالة من وسائل التقويم والمعالجة، كما هي منهجية وأداة للتعلم، تنطلق من مثال معقد يؤخذ في كليته داخل سياقه. وبالتالي، ترتكز على الفهم الكلي للمثال (الحالة )، مع تقديم وصف تفصلي له.
ومن الذين عرفوا دراسة الحالة نذكر(يانR.Yin ) فيكتابه: (بحث في دراسة الحالة/Case Study research )الذي خصصه للجانب الاجتماعي، ودراسة الحال عنده عبارةعنتحقيق تجريبي لظاهرة معاصرة مدروسة في سياقها، خاصة عندما تكون الحدود بين الظاهرة وسياقها غير عادية وطبيعية.
وتجيب دراسة الحالة عن الأسئلة التالية: ماذا؟ وكيف؟ ولماذا؟ونفهم من هذا كله أن دراسة الحالة هي عبارة عن تحليل تنظيمي لوضعية ما من أجل إيجاد الحلول الممكنة، ومعالجة المشاكل.
وتستند دراسة الحالة إلى البرهنة الحجاجية، واستخدام العقل والمنطق والتركيب والإبداعية في اقتراح التشخيص الجيد، وتبني التحليل المناسب، واتخاذ القرار السليم، وعرض الاقتراحات الملائمة للوضعية. كما تحوي دراسة الحالة السياق، ومجموعة من المفاهيم الإجرائية، والقضية المحبكة، وتفصيل الحيثيات الذاتية والموضوعية، واستعراض الوضعية - المشكلة.ومن هنا، تصف الحالة وضعية وقعت فعلا في الواقع الموضوعي، أو لم تقع إلا على الصعيد النظري والتصوري. ويتم ذلك عبر عمليات التوليد و الاختلاق والافتراض الرمزي، وتنبني على تحديد المشكل الرئيس الذي يستتبع إيجاد الحلول الملائمة له، واتخاذ القرارات المناسبة. وتتضمن الوضعية المشكلة المدروسة مجموعة من التعليمات التي يمكن أخذها بعين الاعتبار، وهي: السياق، والأحداث، والعواطف، ووجهات النظر، والمعارضون للحالة، والمعطيات الإحصائية، الخ.
ويعرف شامبرلان ولا?وا وماركيز(Chamberland, Lavoie et Marquis, ) دراسة الحالة على أنها عبارة عن مشكل افتراضي أو واقعي، يستوجب تشخيصه قصد إيجاد حلول، واستنباط قواعد ومبادئ تطبيقية لاستعمالها، وتوظيفها في حالات مشابهة164.
ويعرفها موشيلي(Mucchielli ) في سنة 1969 معلى أنها بمثابة نص مكتوب أو مختلق. وهي كذلك بمثابة شهادة شفوية أو مسجلة، متعلقة بوضعية إشكالية ملموسة وواقعية، قد تكون حادثا له دلالة، يشير إلى وضعية مثيرة أوتحليل نقدي. وباختصار، فدراسة الحالة هي بسط أو نشر وضعية داخل سياق معين. وتساهم دراسة الحالة في البحث عن المعلومات التي توصل إلى تحليل المشكل أو إلى اتخاذ القرار الناجع165.
المبحث الثاني: مصادر دراسة الحالة
نستقي معطيات دراسة الحالة ومتونها وأمثلتها ونماذجها الواقعية والافتراضية من مصادر عدة، ومراجع متنوعة؛ حيث يمكن تسخيرها في البحث والمعالجة والتشخيص والتقويم والدراسة والمعالجة قصد تمثلها نظريا وتطبيقيا. ويمكن حصرها في الأشخاص الذين يتحولون إلى مصادر للتوثيق المرجعي، والصحف، والمجلات، والكتب، والمواقع الإلكترونية والشبكات الرقمية، والتوثيق التاريخي، وأرشيف المؤسسات التربوية التعليمية، والوثائق الواقعية، والإحصاء، والببليوغرافيات، والدراسات التي تناولت ومازالت تتناول دراسة الحالة بشكل نظري وتطبيقي...166
المبحث الثالث: مواصفات دراسة الحالة وطريقة صياغتها
تصاغ دراسة الحالة الاجتماعية أو الإدارية بطريقة سردية أو وصفية أو درامية أو استجوابية توليدية، كما تصاغ في شكل سيناريو يصف مجموعة من الظروف الاجتماعية أو الإدارية التي تشخص مشكلا ما. كما ترد في شكل قصة محبكة بامتياز، تخضع لمجموعة من آليات المتن السردي، من أحداث، وعقدة، وشخوص، وفضاء، وصياغة أسلوبية، أو ترد في شكل سيرة تاريخية، تتضمن قضايا أو مشكلات تربوية أو إدارية مقصودة، يشار إليها من خلال أسئلة محددة. ويعني هذا أن دراسة الحالة عبارة عن مثال إجرائي واقعي ملموس وحسي، يصاغ بطريقة تقريرية وصفية أو سردية، أو في شكل حوار درامي قابل للتشخيص والتمثيل.
وتعد دراسة الحالة وصفا مكتوبا لظاهرة اجتماعية أو تربوية، يواجهها الفرد أو الجماعة، أو مؤسسة مجتمعية أو قانونية أو تربوية ما؛ حيث توضح الدراسة حيثيات الحالة، وكيفية بدايتها وتطورها وتعقدها، إلى أن تصبح مشكلة نهائية، تستوجب المعالجة المناسبة.
وقد تصاغ دراسة الحالة في شكل أحداث، ومواقف افتراضية خيالية أو واقعية، مستمدة من مشاكل الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات. وقد تكون مشاكل مستعصية قدمت لها معالجات فاشلة، فتحولت إلى نصوص رمزية عامة لجعل المتدربين والباحثين يفكرون في طرائق معالجتها بواسطة استعمال الفكر النقدي والغربلة الذهنية لإيجاد الأجوبة الممكنة والملائمة. وبتعبير آخر، إن دراسة الحالة عبارة عن موقف معقد، يعطي للمحلل المجال لاستخدام كفاءاته الذهنية والتحليلية والمنهجية لتحديد المشكلة المستعصية، أو استكشاف نقطة الخلاف الرئيسة في هذا الموقف المعطى، واقتراح مايراه من حلول ناجعة لمعالجة هذا الموقف.وتحضر دراسة الحالة- كما أثبتنا ذلك سالفا- في شكل نص سردي أو قصصي، أو في شكل سينوبسيس سينمائي مذيل بالأسئلة التي ينبغي ألا تتعدى ثلاثة أسئلة، في ظرف زمني لا يتعدى ساعتين.
كما تجمع دراسة الحالة، في مضامينها، ووسائلها، وآلياتها المفاهيمية والإجرائية، بين الجوانب النظرية والجوانب التطبيقية. ومن ثم، تقرب الباحثين من الواقع لمعالجة المشاكل ميدانيا وتجريبيا بدلا من الاكتفاء بالنظريات والتصورات المجردة فقط. وتساعد هذه الطريقة على التشبع بالمنهج الديمقراطي، والتعبير عن الآراء بكل حرية، والاحتكام إلى الفكر النقدي الحر.ومن عوامل نجاح أسلوب دراسة الحالة الاجتماعية قدرة كاتب الحالات على تحبيك القصة، وإبراز المشاكل والقضايا المستعصية، وصياغة الأسئلة الملحقة بالحالة، بصورة تساعد على تحيين المشكلات والوضعيات الصعبة التي تسعف الدارس بدورها على حلها، مع ربط الحالة المدروسة بقضية مجتمعية أو سياسية أو قانونية تربوية أو تعليمية أو إدارية.
وتقوم دراسة الحالات الإدارية على فلسفة مؤداها أن تحليل نماذج منالممارسات الإدارية السائدة في الواقع العملي، وتفحصها بشكل نظري، خطوة ضرورية للمتدرب من أجلالإحاطة بالعمل الإداري، وفهم عناصره، والتّدرب على اتخاذ القرار الصائب قبل التطبيقالفعلي؛ لأنه يعطي المتفحص فرصة الاجتهاد والتجريب بعيداً عن ضغوط العمل الفعلية، والعوامل المؤثرة في اتخاذ القرار.
المبحث الرابع: كيف انتقلت دراسة الحالة إلى العلوم الأخرى؟
من المعروف أن دراسة الحالة قد طبقت في بدايتها في مجال البحث العلمي، وبحوث علم النفس، وعلم الاجتماع، والطب، والاقتصاد، وعلم الإدارة، وعلم التدبير والتسيير، ولم تطبق في مجال التقويم والبيداغوجيا إلا في السنوات المتأخرة من القرن الماضي. ويعني هذا، أن دراسة الحالة لم تظهر إلا في الخمسينيات من القرن العشرين في مجال الدراسات الاجتماعية والسيكولوجية القائمة على التجريب، والتحقيق، والأرشفة، والتوثيق الإحصائي والعلمي...
وقد استعملت دراسة الحالة في عدة ميادين ومجالات متنوعة ومختلفة، منها: العلوم الاجتماعية، والعلوم السياسية، وعلم النفس، والطب، والتسيير الإداري، والعلاقات الدولية، وعلم التقويم....
المبحث الخامس: أنواع دراسة الحالة
يمكن الحديث عن أنواع عدة من الحالات حسب المجالات والميادين، وحسب مجموعة من العناصر والمكونات.
فعلى مستوى المضامين، يجوز الحديث عن الحالة الاجتماعية التي تهتم على سبيل التمثيل بالفوارق الاجتماعية، والعنف الاجتماعي، والهدر الدراسي... وهناك الحالة التواصلية التي تتعلق بدراسة أنواع التواصل، وانعدامه، وذكر معيقاته، والإشارة إلى تفاوت الخطاب التواصلي... وهناك الحالة الثقافية التي تنبني على رصد مجموعة من المواضيع ذات الصبغة الثقافية، كالاختلاف الثقافي، والصراع الثقافي، والوسط والمدرسة، والتنشئة الاجتماعية، وتعدد الثقافات داخل القسم والمدرسة، والتعرض للمتخيل الاجتماعي والمعرفة المدرسية...
بالإضافة إلى ذلك، نذكر: الحالة الاجتماعية، و الحالة النفسية، والحالة الإدارية، والحالة الصحية، والحالة الاقتصادية، والحالة السياسية، والحالة القانونية، والحالة الأخلاقية، والحالة العلمية...
وهناك تصنيف آخر للحالة المدروسة يرتكز على المنهجية والخطوات الإجرائية؛إذ نجد حالة التحليلLe cas analyse(ينصب التركيز فيها على تحليل الحالة، وإبراز مشكلها)، وحالة القرار Le cas décision(ينصب الأمر على تحديد القرار المتخذ في قضية ما)، والحدث النقدي L'incident critique (يرتكز عند موشيللي على دراسة حدث معقد، أو دراسة وضعيات متشابكة، تتداخل فيها علاقات إنسانية من خلال رؤية نقدية).
وهناك تصنيف آخر للحالة على مستوى الكمي والتقنين، فهناك الحالة المكتملة النهائية، والحالة المتتالية في التدرج، وهي الحالة التي لم تكتمل بعد، بل هي مازالت في التدرج، كما هو شأن حالة القرار، وتقنية بيگور(Technique de Pigors) التي تعتمد على تقديم معلومات قليلة عن الظاهرة. لذا، تستوجب الحالة جمع معلومات كثيرة عن الموضوع المدروس، باستخدام الحوار والاستجوابات والمقابلة، والحالة الجزئية(Cas partiel) التي تتكئ على معطيات جزئية غير كافية لدراسة الظاهرة بشكل كلي.
وهناك حالات أخرى على مستوى تجنيس الظاهرة المرصودة؛ إذ يمكن الحديث عن حالة الغير، وحالة الشهادة، والحالة المسرودة دراميا، وحالة لعب الأدوار؛ حيث يستدعى الفاعلون لتشخيص الأدوار المنيطة بهم بطريقة حيوية ديناميكية.
المبحث السادس: كيفية التعامل مع دراسة الحالة؟
تستوجب دراسة الحالة مجموعة من الخطوات الأساسية التي ينبغي أن ينطلق منها الدارس أو الباحث من أجل رصد المشكلة ومعالجتها وإيجاد الحلول الناجعة للوضعية الإشكالية، وأولى هذه الخطوات أن دراسة الحالة تطرح موضوعا أو قضية جوهرية، أو تحمل في طياتها سؤالا للمناقشة والفحص والتمحيص، وقراءة النص الوثيقة أو نص الحالة قراءة عميقة، وتحديد مفاهيمه ومصطلحاته الأساسية، ووضع تصميم للنص المقروء لاستخراج الإشكالية أوالمشكل المقترح لمعالجته. ويعني هذا، أن دراسة الحالة تستوجب قراءة النص، وملاحظته بعمق، مع طرح الإشكاليات الجوهرية، والتفكير في الأسئلة التي تذيل بها نص الحالة قصد تفكيك النص، وتركيبه في مجموعة من الفرضيات والإشكالات والوضعيات التي تستوجب الحلول الكفائية. ومن ثم، ننتقل إلى استثمار المتن الوثائقي، واستكشاف مظاهره المختلفة، ورصد مستوياته المتعددة.
وبعد ذلك، ينتقل الباحث إلى وضع تصميم منهجي، في ضوء الإشكاليات والفرضيات المقترحة التي تشمل جميع جوانب الموضوع. أضف إلى ذلك تحليل المعلومات، واختبارها في ضوء الفرضيات المطروحة، والانتهاء بخاتمة استنتاجية، يتم فيها معالجة المشكل.
وعليه، تستلزم دراسة الحالة هذه الخطوات الإجرائية الهامة:
(قراءة النص المعطى؛
(تبيان نوع الحالة؛
(تحديد موضوع الدراسة أو الحالة الخاضعة للرصد؛
(ملاحظة النص ملاحظة جيدة، بالتركيز على كل مفاهيم النص وعناصره البارزة؛
( طرح السؤال الإشكالي المحوري؛
(فهم النص واستقراء محتواه الدلالي والإشكالي؛
(الاستعانة بمعلومات النص الداخلية والمعلومات الخارجية الإضافية؛
(التحليل المنهجي للنص في ضوء تصميم محكم، يتكون من المقدمة، والعرض، والخاتمة؛
( وضع خاتمة تركيبية، تحمل جوابا للحالة المطروحة، وتتضمن القرارات المناسبة.
ويمكن دراسة الحالة من خلال مجموعة من العناصر والمكونات التي تساهم في إضاءة الموضوع، وتحليله فهما وتفسيرا؛ إذ يفضل في التمهيد أن يقدم الدارس الحالة، فيستعرض الأهداف، ثم يبين طريقة معالجة الظاهرة أو الحالة.
أما في مرحلة العرض، يلتجئ الدارس إلى قراءة الحالة، وشرح الكلمات الصعبة، وتقسيم النص /الحالة إلى مقاطعها الأساسية، وتحديد الأسئلة الإشكالية، واستعراض المعلومات الخارجية والداخلية التي يستلزمها الموضوع، والمقابلة بين وجهات النظر ومناقشتها، وتحليل المعلومات تحليلا منطقيا وحجاجيا وجدليا، والبحث عن العقدة، والاستعانة بكل المعلومات الإضافية التي تخدم الموضوع من قريب أو من بعيد. وبعد مقارنة وجهات النظر المختلفة، تنتقى القرارات المناسبة التي ستصبح بمثابة قواعد إجرائية تقويمية تحليلية لتحليل الوضعيات المتشابهة في المستقبل.
ويجب أن تنطلق دراسة الحالة الاجتماعية من المعارف والنظريات التي تلقاها الباحث ليخضعها إجرائيا للممارسة التطبيقية والميدانية، بالاحتكاك بالوضعيات الافتراضية أو الواقعية. أي: إن دراسة الحالة التي تطرح الوضعية الإشكالية ينبغي أن تعتمد على المعارف الخلفية التي درسها الباحث لأجرأتها ضمن مبدإ المشابهة. ويعني هذا أن دراسة الحالة تنقل المعارف المدروسة إلى قلب المؤسسات التكوينية بشكل تطبيقي إجرائي من أجل التأكد من مدى تحقق النظريات واستيعاب المفاهيم والكفايات.
أما دراسة الحالة في مجال السيكولوجيا والتحليل النفسي، فتخضع لمجموعة من الخطوات المنهجية يمكن حصرها في:
(مرحلة جمع المعلومات والبيانات؛
( مرحلة العلاج؛
(مرحلة التقويم والمتابعة؛
( إعداد التقرير النهائي عن الحالة المدروسة.
وتعتمد دراسة الحالة النفسية على مجموعة من الوسائل، كالملاحظة بجميع أنواعها، والمقابلة، والسجل المدرسي، والزيارات المنزلية والأسرية، والاختبارات النفسية والتحصيلية.


المبحث السابع: أهداف دراسة الحالة
تستند دراسة الحالة إلى مجموعة من الأهداف في المجال العلمي، يمكن إجمالها في الأهداف التالية:
1-التعمق في فهم المشاكل الاجتماعية والقانونية والإدارية؛
2- تطوير المجتمع وتحقيق تنميته عن طريق معالجة مشاكله؛
3- تحقيق الجودة الكمية والكيفية، بإيجاد الحلول لكل المشاكل والمعيقات التي يتخبط فيها الواقع المجتمعي؛
4- تدوين الحلول وتوثيقها وأرشفتها لتصبح - فيما بعد- تشريعات إلزامية أو إرشادية، يستهدي بها المسؤولون في حل المعضلات المجتمعية، ومعالجة المشكلات المطروحة، و مجابهة الوضعيات المستجدة في الساحة الاجتماعية؛
5-اعتماد دراسة الحالة كأداة إجرائية مهمة ومفيدة في دراسة المشاكل الفردية والجماعية، ورصد الظواهر النفسية والاجتماعية والبيداغوجية؛
6- تفسير الوضعية المشكلة انطلاقا من أسبابها الذاتية والموضوعية، وحيثياتها السياقية والإنسانية؛
7- تساعد دراسة الحالة على استجماع المعلومات والمعطيات حول حالة ما من أجل تحليلها وتشخيصها قصد معالجتها معالجة سليمة؛
8-إيجاد الحلول للمشاكل الاجتماعية العويصة الافتراضية والواقعية من أجل تفاديها في المستقبل؛
9- يساعد الجمع بين الجوانب النظرية والتطبيقية، إن فهما وإن تفسيرا، على معالجة الظواهر المجتمعية والإدارية والقانونية ميدانيا؛
10- مساعدة الباحثين وطلبة الجامعات على حل المشكلات تطبيقيا، قبل مواجهتها في الواقع المؤسساتي فعليا؛
11-الاستعانة بدراسة الحالة في مجال التقويم والمراقبة، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات في المجال الاجتماعي.



المبحث الثامن: مكونات دراسة الحالة وعناصرها الجوهرية
تتكون دراسة الحالة في المجال الاجتماعي من العناصر البارزة التالية:
(نص توثيقي للحالة الاجتماعية أو القانونية؛
(الصياغة القصصية أو السردية أو السينارية للحالة؛
( تذييل النص بالأسئلة؛
(تحميل النص للمشكلة الرئيسة؛
(تحديد الأطراف المتفاعلة داخل النص الوثيقة؛
( تبيان الفضاء السياقي الذي يتضمن المشكلة؛
(طرح مجموعة من المواقف العلاجية لاختيار الأنسب منها، أو ترك الحالة مفتوحة في حاجة إلى علاج.
(اللجوء إلى أسلوبي الفهم والتفسير لتطويق الحالة ودراستها؛
(الاسترشاد بالعوامل الذاتية والموضوعية في حل المشكلات والحالات المعقدة.


المبحث التاسع: نماذج من دراسة الحالة
لتقريب دراسة الحالة من القراء، لابد أن نقدم لهم بعض النماذج النصية التي قدمت كروائز، وفروض اختبارية، وامتحانات مهنية لرجال التعليم وأطر الإدارة التربوية من أجل فهم كيفية صياغة بعض الحالات التربوية والتعليمية:
النموذج الأول: التدريس بالكفايات
" نظمت إحدى مؤسسات التكوين ندوة بعنوان" الكفايات: مدخل لتجديد سيرورات التعليم".
تابع عبد الله، باعتباره أستاذا بالتعليم الثانوي الإعدادي، أعمال هذه الندوة، بغية تحيين وتعميق معارفه في مجال علوم التربية، خصوصا أنه تم اعتماد المدخل بالكفايات في بناء المناهج الجديدة. عند نهاية اللقاء، صرح عبد الله:" ليس هناك فرق ملموس ماقدم في اللقاء، وما نعمل به".
(وضح الإشكال الذي يتضمنه تصريح عبد الله مبينا الأسباب التي قد تكون وراءه.
(من خلال دراسة منهجية لهذه الحالة بين متانة ونجاعته موضوع الندوة، وكذا أهمية التكوين المستمر في تطوير الكفايات المهنية.
(اقترح حلولا عملية لمعالجة هذا الإشكال من جوانبه التربوية والتكوينية.
النموذج الثاني: تدبير الوقت
"جابر مدير مدرسة ثانوية مؤهل علمياً وتربوياً، نشيط يحب عمله، ويحرص على تطويره، وهو محبوب جداً من زملائه وطلابه وأولياء أمورهم؛ لأنه يحسنمعاملتهم، ويستمع إليهم دائماً، فهم لا يجدون حرجاً في مهاتفته أو مقابلته في أي وقتيشاءون. يخطط جابر لعمله، ويحضر إلى المدرسة مبكراً؛ لأنه يحرص على أن يشرف على معظمالفعاليات بنفسه، ولكنه يجد نفسه مشغولاً معظم الوقت بالرد على البريد، والهاتف، واستقبال الزوار. وعندما يفكر بزيارة المعلمين لا يجد وقتاً لذلك، ويشعر دائماً أنالوقت ضيق؛ لذلك تتراكم الأعمال والمهمات التي تحتاج إلى إنجاز. ومع أنه يواصل العملالرسمي مساء في البيت، إلا أنه لا يستطيع إنجاز كثير من المهمات في الوقت المناسبلها؛ وهذا ما جعل إدارة التعليم تعتبره من المديرين المقصرين في واجابته".

الأسئلة:
(ما أبرز الإيجابيات في إدارة المدير جابر وسلبياتها؟
(ما مضيعات الوقت عند المدير جابر، والتي تؤدي إلى عدم قدرته على إنجاز المهام فيأوقاتها المقررة ؟
(ما الإجراءات الضرورية التي يجب على المدير جابرالقيام بها لتكون إدارته فاعله ومريحة له ومقبولة من قبل إدارة التعليم ؟
(اقترح خطة يومية مناسبة لإدارة وقت دوام المدير جابر لمدة أسبوع؟
النموذج الثالث: المدرسة والفضاء الثقافي
" تقع مؤسسة تعليمية بين منطقتين مختلفتين من حيث الجوانب السوسيو ثقافية والسوسيو اقتصادية، وهي مؤسسة يدرس فيها أبناء المنطقتين معا. وقد لوحظت اختلافات وتباينات في فضاء المؤسسة وفضاء القسم؛ مما أدى إلى ظهور تمايزات وصراعات ثقافية واقتصادية ورمزية وعرقية، وفضاء لصراعات الانتماء والهوية...إلخ.
إن ظاهرة مثل هذه تحفز المدبر ومجلس المؤسسة والمدرسين على خلق أنشطة للتجديد البيداغوجي، بواسطة مشاريع تربوية، ومشاريع مؤسساتية، وتواصل بيداغوجي نوعي، لتلافي مختلف مظاهر الصراع بين المتعلمين..."
المطلوب:
ادرس هذه الحالة دراسة شاملة، مع اقتراح حلول لها.
النموذج الرابع: التدريس بالكفايات والوضعيات
" في إطار الندوات التربوية الخاصة بإرساء المناهج الجديدة، قدمت مفتشة مادة دراسية عرضا حول أهمية الوضعية- المسألة في تنمية الكفايات. أثناء المناقشة، ركز أستاذان على عدم جدوى الاستمرار في المناقشة، مادامت المقررات الدراسية كثيفة جدا، والأقسام مكتظة، إلا أن المفتشة أصرت على متابعة الحوار، معللة موقفها بضرورة استيعاب الإطار النظري، قبل المرور إلى الإجراءات العملية.
أمام إصرار المفتشة، رفض الأستاذان المشاركة في النقاش."
(استخرج الإشكال المطروح في هذه الحالة.
(ماهو رأيك في موقف كل من الطرفين؟
(اقترح حلولا للمشاكل المستخرجة.
المبحث العاشر: تحرير موضوع إنشائي حول دراسة الحالة
كل من أراد دراسة الحالة، في أي مجال من المجالات التي تطبق فيها هذه الحالة، أويرغب في كتابة تقرير أو إنشاء مقالي تركيبي، فلابد أن ينطلق من مجموعة من المعطيات المنهجية والخطوات المنطقية الاستنتاجية من أجل الإحاطة بموضوع الحالة، والإجابة عن إشكالياته المتعددة، وتبيان وضعياته المتنوعة. ويرجى أن تدرس الحالة ضمن هذا التأطير المنهجي التالي:
(مقدمة الموضوع:
نشير في المقدمة إلى نوع الحالة التي يعالجها الموضوع، وتأطيرها في سياقها، وتعيين المشكلة،بطرح الفرضيات، وتبيان الطرائق التي ستعالج بها الإشكالية، وإبراز مفتاح القراءة، والإشارة إلى طبيعة القرارات المزمع اتخاذها، مع التركيز على الأهداف المرصودة من وراء معالجة هذه الوضعية الإشكالية.
(عرض الموضوع:
نجيب في هذه الخطوة عن كل الأسئلة والإشكالات المطروحة بطريقة منطقية استقرائية واستنتاجية، متدرجين في التحليل تدريجا تعليليا ومنطقيا، بواسطة شرح المصطلحات والمفاتيح الأساسية، وإضاءة الوضعية المشكلة الرئيسة. ومن ثم، يتم عرض المشكلة داخل السياق الزمكاني أو الظرفي من أجل معرفة العوامل كلها التي تتحكم في الموضوع. ويعني هذا أن يعرف المشخص مكان الحدث، وزمانه، وحيثيات الحادث الذاتية والموضوعية قصد الوصول إلى سبل التحليل والمعالجة، بإيجاد الأجوبة للاستفهامات الموالية: هل وقع الحدث في المصنع أو في مكان آخر؟ ومتى وقع؟ ولماذا؟ وكيف تم ذلك؟ وما الحلول المقترحة للحد من الظاهرة، أو معالجتها معالجة ناجعة؟ وما القرارات المناسبة التي يجب اتخاذها؟ومن ثم، لابد لمحلل الحالة من تحديد كل المفاهيم والعناصر المفيدة التي تحيط بالموضوع أو الظاهرة أو الحالة المدروسة.
ويعني هذا كله أن نبدأ عرض الموضوع بتأطير الإشكال داخل سياقه الظرفي، وتحديد العوامل المؤثرة في الموضوع، ولاسيما المفيدة منها، والتركيز على كل الحيثيات الذاتية والموضوعية التي تتحكم في النص.
وبعد الانتقال من مرحلة التأطير السياقي، وتحديد العوامل المساهمة، أو المؤثرة في الحالة، نركز على الوضعية المشكلة، وهي الخطوة الرئيسة في العرض، وتعالج بعرض الأحداث، ووصف وقائع الحالة بطريقة متسلسلة منطقيا أوزمنيا(كرونولوجيا)، و الإشارة إلى بعض المعطيات التاريخية التي تتعلق بمجموعة من القرارات المتخذة في حل هذه الظاهرة المدروسة، وما ترتب عن ذلك من نتائج، وتبيان توقعات الأطراف الفاعلة، ورصد آفاق انتظارها، ورصد مختلف سلوكياتها، وتصرفاتها، ووجهات نظرها،والإشارةإلى كل الضغوطات والإرغامات والإكراهات النفسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والصحية التي تستلزمها الوضعية المدروسة، واستعراض كل المعلومات والأخبار المؤثرة والمفيدة في حل هذه الوضعية المشكلة.
(خاتمة الموضوع:
تذكر في خاتمة الموضوع كل الحلول والقرارات المتخذة التي توصل إليها دارس الحالة أو مشخصها. وفي الوقت نفسه، تعرض جميع الحلول المقابلة التي أدلى بها المعارضون الآخرون الذين يخالفون وجهة نظر المحلل الأول. وبعد ذلك، تستجمع النتائج المحصل عليها لتركب في قرارات علاجية، تكون بمثابة أجوبة وحلول للوضعية الإشكالية.
وسنحاول - الآن- أن نثبت كل الخطوات المذكورة في رؤوس أقلام، تبين لنا تصميم الموضوع بشكل عملي لكي يستفيد منها الدارسون لموضوع الحالة المجتمعية أو لحالة أخرى، كيفما كانت طبيعتها النوعية.


أ- تقديم الموضوع:
(تبيان نوع الحالة المدروسة(حالة تربوية- حالة نفسية- حالة اجتماعية- حالة ثقافية- حالة تواصلية...)؛
(تأطير الحالة المرصودة سياقيا؛
( طرح الإشكالات والأسئلة الجوهرية و إبراز الفرضيات التي تكون منطلق الدراسة؛
( الإشارة إلى الأهداف التي يتوخاها الموضوع.
ب-عرض الموضوع:
(إدراج الحالة المعروضة في سياقها الظرفي، وتحديد المكان أو المحيط الذي يجري فيه الحدث؛
(فهم كل العناصر والعوامل والمفاهيم والمصطلحات التي تضيء النص من قريب أو من بعيد، والتي تساهم في إضاءة الوضعية الإشكالية من جميع جوانبها؛
(ذكر الحيثيات الذاتية والموضوعية التي تتحكم في الحالة المدروسة؛
( طرح الوضعية المشكلة؛
( ذكر جميع المعطيات والمعلومات المتعلقة بالوضعية المشكلة في شكل عوامل ومسببات وحيثيات على النحو التالي:
(وصف كرونولوجي لجميع الوقائع والأحداث التي تتكون منها الحالة؛
(رصد تاريخية مجموعة القرارات المتخذة في الظاهرة المدروسة مع تعداد نتائجها؛
(الإشارة إلى توقعات الفواعل (الشخوص مثلا)، وتحديد آفاق انتظارها، ورصد ردود أفعالها؛
( ذكر إكراهات الوضعية وإرغاماتها؛
(استعراض كل المعلومات التي تخدم تحليل موضوع الحالة.


ج- خاتمة الموضوع:
(الحل الذي قدمه الدارس ومقابلته بالحلول التي قدمها المعارضون؛
( تركيب النتائج المحصل عليها.
وخلاصة القول، نستنتج، مما سبق ذكره، أن دراسة الحالة تقنية إجرائية افتراضية أو واقعية، تستخدم في معالجة المشاكل المتعلقة بالمجال المجتمعي، على الصعيد الثقافي، والتواصلي، والاجتماعي، والنفسي، والإداري، والتعلمي، من أجل إيجاد الحلول المناسبة لها قصد اتخاذ القرارات الملائمة لمجابهة وضعيات مشابهة في المستقبل.
وتتضمن دراسة الحالة المشكل الرئيس، والسياق، والعوامل الفاعلة، وتستوجب الحلول، والقرارات المتخذة في حقها. وتصاغ دراسة الحالة بطريقة سردية، أو وصفية، أو درامية، ويختار لها السياق التفاعلي، والشخوص المنجزة، والعقدة المشكلة، واختلاف وجهات النظر، ورصد الحلول والقرارات العملية.
وعليه، ستبقى دراسة الحالة أهم إجراء تقويمي لمعالجة كل المشاكل التي تعترض الباحثين والدارسين في المجال العلمي، تلك المشاكل التي تستلزم منهم التدخل والتفكير من أجل الوصول إلى حلول عملية، واستكشاف قرارات صائبة من أجل اللجوء إليها في وضعيات مشابهة في المستقبل.










الفصل السادس:
دراسة الحالة التربوية ( أنموذج تطبيقي)
قدمنا في دراسة سابقة فرشا نظريا لدراسة الحالة التربوية، ونشرناها في عدة مواقع رقمية، ريثما نتمكن من نشرها في المطبوعات والصحف الورقية167. بيد أن الجانب النظري غير كاف للإحاطة بالحالة التربوية فهما وتفسيرا، إذ لابد من نموذج تطبيقي إجرائي، يسعف رجال التعليم وأطر الإدارة التربوية على مقاربة النصوص التي تشخص الحالة التربوية. وإليكم نموذجا للتطبيق والمعالجة، يمكن الانطلاق منه لكتابة الموضوع الإنشائي التربوي في دراسة الحالة التربوية.
( النص المعطى:
" تقع مؤسسة تعليمية بين منطقتين مختلفتين من حيث الجوانب السوسيو ثقافية والسوسيو اقتصادية، وهي مؤسسة يدرس فيها أبناء المنطقتين معا. وقد لوحظت اختلافات وتباينات في فضاء المؤسسة وفضاء القسم؛ مما أدى إلى ظهور تمايزات وصراعات ثقافية واقتصادية ورمزية وعرقية، وفضاء لصراعات الانتماء والهوية... إلخ
إن ظاهرة مثل هذه تحفز المدبر ومجلس المؤسسة والمدرسين على خلق أنشطة للتجديد البيداغوجي بواسطة مشاريع تربوية، ومشاريع مؤسساتية، وتواصل بيداغوجي نوعي، لتلافي مختلف مظاهر الصراع بين المتعلمين..."


( المطلوب:

ادرس هذه الحالة دراسة شاملة مع اقتراح حلول لها.

( نموذج لإنشاء تربوي حول دراسة الحالة التربوية:
إن النص الذي نحن بصدد دراسته عبارة عن حالة تربوية، تنتمي إلى حقل سوسيولوجية التربية أو المدرسة، أو مايسمى بعلم الاجتماع التربوي. أي: إن هذه الحالة ذات أبعاد ثقافية واجتماعية وتواصلية، تشخص لنا الصراعات الموجودة داخل الفضاء المدرسي. ومن المعروف أن المؤسسة التعليمية عبارة عن مجتمع مصغر، يعكس لنا - حسب إميل دوركايم- المجتمع الخارجي بكل تناقضاته الاجتماعية، ومفارقاته الطبقية الصارخة. ومن ثم، تترجم لنا المدرسة، وخاصة في المجتمعين: الرأسمالي والمتخلف، الصراع الاجتماعي والطبقي، وتعكس لنا إيديولوجية الدولة، ومصالح الطبقة السائدة أو الحاكمة. ونفهم من هذا أن المدرسة ليست محايدة بريئة، بل هي نتاج تصورات إيديولوجية، تمارس العنف الرمزي من خلال النظام التربوي أوالتعليمي أوالصفي المفروض على المدرسين والمتمدرسين لتنفيذه وتطبيقه وتمثله، وهو مقنن بمناهج وبرامج ومقررات محددة بدقة، على مستوى الأهداف والغايات والمرامي التي لاتخدم في الحقيقة سوى مصلحة الطبقة المالكة للسلطة والثراء، أو الحائزة على الرأسمال الثقافي..
إذاً، مانوع المدرسة التي يشير إليها النص؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبار المؤسسة فضاء للصراع الاجتماعي والطبقي والإيديولوجي؟ وكيف نستطيع أن نجعل من المدرسة فضاء للتوحيد والمساواة وتلافي الصراع الجدلي والثقافي واللغوي والاقتصادي بين المتعلمين. وبالتالي، تحويل المؤسسة التعليمية إلى مؤسسة التعايش الطبقي، وفضاء للانسجام المتكامل القائم على التعاون والتواصل والتفاهم من أجل خدمة الوطن والأمة بشكل جماعي؟
يبين لنا النص أن المدرسة المرصودة هي مدرسة تقع بين منطقتين متفاوتتين اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وعمرانيا، وقد ترتب عن هذا التباين اختلاف جوهري، مس جميع مظاهر الحياة المدرسية، سواء على صعيد المؤسسة أم على صعيد القسم الصفي. ويعني هذا أن المدرسة التي تقع بين منطقتين مختلفتين سوسيواقتصاديا وثقافيا، أثرت سلبا في الفضاء المدرسي، بتجسيد التفاوت الطبقي، وبروز التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد ولد هذا الاختلال والتباين مجموعة من الصراعات الرمزية، بل والمادية أيضا، كما تتجلى في العنف، والاحتقار، والازدراء، والنظرة الدونية التي يستشعرها المتعلم الذي ينتمي إلى الطبقات الدنيا. ناهيك عن الاستلاب والتغريب الذي يحسه كذلك داخل الصف الدراسي بين زملائه التلاميذ ذوي الأصول الاجتماعية الغنية.
ويتجلى هذا الصراع أيضا على مستوى الهوية، والانتماء، والثقافة، واختلاف السنن اللغوي واللهجي. علاوة على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعرقية. ومن هنا، تتحول المدرسة إلى فضاء التطاحن، والعداوة، والكراهية، والصراع الجدلي. ناهيك عن الحقد الذي يتشربه التلاميذ الفقراء شعوريا ولاشعوريا إزاء أبناء المحظوظين. ولايتشكل هذا الصراع بهذه الخصائص النفسية والاجتماعية الصارخة إلا في المجتمع الرأسمالي، أو المجتمعات المتخلفة التي تتصارع فيها البنيات الفوقية والبنيات التحتية صراعا جدليا، يقوم على النفي والإزاحة والتركيب.
ويؤيد هذا الطرح الذي يعتبر المدرسة فضاء للصراع الجدلي ما ذهب إليه الدكتور شبل بدران الذي يعتبر المدرسة من أخطر أجهزة الدولة الإيديولوجية، إلى جانب مؤسسة الإعلام، والمؤسسة الدينية، والمؤسسة السياسية، والمؤسسة الثقافية. ومن ثم، فالمدرسة أداة للاستلاب والاغتراب؛ لأنها تجرد المتعلم من إنسانيته، وتشيئه، وتخضعه لإيديولوجية التطبيع والتكييف، والمحافظة على أعراف المجتمع، وتمثل قيمه الموروثة، والاسترشاد بمبادئه المرسومة في الدستور الذي يجسده بكل وضوح الميثاق الوطني للتربية والتكوين، و ديباجة فلسفة النظام التربوي التعليمي، وتشخصه أيضا مقدمات المقررات والبرامج والمناهج الدراسية. و في هذا السياق، يقول شبل بدران عن المدرسة بأنها" أداة للحقن الإيديولوجي للإيديولوجيا السائدة. والتي هي بطبيعتها إيديولوجيا الطبقة السائدة، وفي اعتبارها أيضا أداة لإضفاء الشرعية والعقلانية، وتبرير الأوضاع الاجتماعية السائدة، والتي هي في غالبها تحقق مصالح الطبقات المسيطرة، وتحقق المزيد من الانتشار والذيوع لإيديولوجيا، على اعتبار أنها الإيديولوجيا التي تحقق المصالح العامة في المجتمع. إلا أن التربية- المدرسة- وهي تحقق كل ذلك، تخلق حالة من الاستلاب لدى الطلاب والمعلمين، تلك الحالة التي تجرد الإنسان من إنسانيته، وتجعله كائنا مسحوقا، مشيئا، يعيش حالة من الاستلاب- الاغتراب- في المجتمع."168
وتذهب المقاربة الصراعية إلى أن المدرسة لاتنتقي من هو أكثر كفاءة وقدرة وذكاء وإنتاجا وخبرة، بل تختار من يساير مصالح الفئة الحاكمة، ويخدم منافع الطبقة الاجتماعية السائدة. أي: لاتعترف المدرسة سوى بالذي يخدم مصالح الفئة المسيطرة على الحكم، ويسيطر على زمام السلطة. وبالتالي، يملك الرأسمال المادي والرمزي.
وفي هذا الصدد، يبين كولانز( Collins ) أن المدرسة تفرض على المتعلم ثقافة الطبقة السائدة، ولغتها، ومنظومتها التصورية والإيديولوجية. أي: تكرس المدرسة ثقافة الجماعة المسيطرة على ضبط النظام التعليمي، وتقدمها له على أساس أنها ثقافة عالمية مشروعة. ومن ثم، فإن الأفراد المثقفين الذين تنتجهم المدرسة لايتم اختيارهم حسب إنتاجهم الثقافي، وكفاءتهم المعرفية، بل حسب خضوعهم للنظام المفروض تربويا وسياسيا، وإعلانهم التبعية للفئة الحاكمة، والطبقة السائدة، وولائهم لها، ولقيمها الرمزية. فمن خلال هذا الاستسلام الطبقي والاجتماعي، يمكن للمثقف أن يصل إلى امتلاك السلطة، والوصول إلى الثراء المادي والرمزي لتحقيق ذاته، وتغيير أصله الاجتماعي ومنبته الثقافي والطبقي والإيديولوجي.
ويذهب كل من بورديو( Bourdieu ) وپاسرون( Passeron )، في كتابهما:(إعادة الإنتاج/ La reproduction )، إلى أن المدرسة نتاج تقسيم العمل، وفضاء للصراع الطبقات الاجتماعية. ومن ثم، فالمدرسة تعيد إنتاج الطبقات الرمزية نفسها. أي: تعمل المدرسة على إعادة قيم الطبقة الحاكمة نفسها، بتشريب أبناء الطبقات الدنيا قيم الطبقة الحاكمة الثقافية واللغوية نفسها. ومن ثم، يجد الطفل الشعبي فوارق عدة داخل المؤسسة التربوية، تتعلق بلغته الأصلية التي قد تختلف مع لغة المدرسة، وتتنافى مع لغة الطبقة الحاكمة. كما أن الهوية الثقافية مختلفة عن هوية زملائه من الطبقة الغنية، تلك الطبقة التي قد تكون متشبعة بالهوية الفرانكفونية أو الأنگلوسكسونية مثلا. كما أن فقر التلاميذ المنحدرين من الأحياء الشعبية يجعلهم أمام ظاهرة انعدام تكافؤ الفرص على مستوى التعليم، وعدم قدرتهم على اكتساب المهارات الذكائية وقدرات التحليل والبرهنة، وقد يؤدي بهم الأمر إلى الفشل المدرسي، والرسوب، والتكرار، والانقطاع عن الدراسة، والانحراف، والتطرف. ويعني هذا أن التفاوت المادي والاقتصادي واختلاف دخل الأسر يساهم في تأجيج الصراع الاجتماعي بين المتعلمين داخل المؤسسة التربوية، وداخل الصف الدراسي. ومن هنا، لاينتج الفقراء عبر المؤسسة التعليمية سوى الطبقة البروليتارية، بينما لايكون البورجوازيون سوى ورثة السلطة والجاه.169
ويعني هذا أن طفل الفئة البرجوازية يعيش استمرارية وتكاملا بين ثقافة فئته وثقافة مدرسته؛ مما يسهل عليه عملية التوافق، إن لم يكن مسبقا متوافقا. ومن ثمة، يصبح وريثا للنظام المدرسي170. أما طفل الطبقة الدنيا، فهو يعيش قطيعة وتناقضا بين ثقافة فئته وثقافة مدرسته؛ مما يجعل هذه الأخيرة غريبة وبعيدة عنه171. ولكي يتوافق هذا الطفل معها دراسيا، عليه أن يتخلص من رواسب ثقافته، و يتعلم طرائق جديدة في اللغة والتفكير. أي: يتخلص - حسب پيرونو( Perrenoud )- من ثقافته الشعبية الدونية، عن طريق عملية الانحلال من ثقافته الأصلية Déculturation، للانتقال إلى تمثل أسلوب الانفتاح على الآخر، والتثاقف معه Acculturation 172.
ويتضح لنا - حسب أطروحة إعادة الإنتاج- أن المدرسة لاتخدم على مستوى الأهداف سوى الطبقة الحاكمة أو السائدة؛ حيث إن أبناء هذه الطبقة يتوافقون مع تطلعات هذه المؤسسة التربوية إيديولوجيا. لذا، يكون النجاح حليفهم. في حين، نجد هذه المدرسة نفسها لاتتكامل ولا تتوافق في أهدافها مع تطلعات الطبقة الشعبية الفقيرة. لذا، يتعرض أبناؤها للفشل الدراسي، والانقطاع عن المدرسة.
ومن جهة أخرى، يذهب كل من بودلو و إستابلي( Baudelot et Establet )، في كتابهما:( المدرسة الرأسمالية في فرنسا)، إلى تبني أطروحة المسلكين Thèse de deux réseaux173. ويقصد بهذه الأطروحة أن هناك مسلك التعليم الابتدائي المهني ومسلك التعليم الثانوي العالي. ومن ثم، يمتاز المسلك الأول بالتعليم القصير، ويقوم على التوجه المهني، ويربط التعليم بالشغل، ولا ينال صاحبه سوى فتات الثقافة. وبالتالي، يصبح المتعلم بروليتاريا في المستقبل. بينما يتسم المسلك الثاني بالتعليم الطويل والمستمر، والحصول على الشهادات العليا، وامتلاك ثقافة عميقة، خاصة العقلية منها، ويستفيد من هذا المسلك أبناء البورجوازية والطبقة السائدة. وهكذا، نلاحظ أن المدرسة الرأسمالية الفرنسية ليست مدرسة موحدة، بل هي متعددة القنوات والمسالك، يتصارع فيها البروليتاريون والبورجوازيون بطريقة رمزية وسيميائية واجتماعية، فلا يمكن للمدرسة – إذاً - أن توحد ماتم تفريقه سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
وتنطبق مواصفات المدرسة الرأسمالية الفرنسية على المدرسة العربية التي تعيد إنتاج القيم نفسها التي تسهر عليها الطبقة السائدة، وتتميز أيضا بخاصتين متقابلتين: التوجيه المهني والتوجيه العالي. أي: إن التعليم العربي خاضع أيضا لنظرية القناتين أو المسلكين، ومازال المغرب- على سبيل التمثيل- متشبثا على مستوى التخطيط والتوجيه التربوي بالتعليم المهني قصد الحد من ظاهرة بطالة حملة الشهادات العليا والدكتوراه. وهذا يبين لنا مدى تبعية المدرسة المغربية المتخلفة للمدرسة الفرنسية الرأسمالية في تجسيد تناقضات المجتمع الصارخة اقتصاديا واجتماعيا وطبقيا.
ويتمثل بازل برنشتاين(Basil Bernstein ) 174التصور اللساني الاجتماعي الذي يقر أن الطبقات الوسطى والعليا تملك سننا لغويا واسعا ومرنا ورصينا، يتسم بالخصوبة، واتساع معجم مفرداته، ويتميز بخاصية الاسترسال في التعبير، واستعمال الجمل الطويلة الحافلة بالنعوت والصفات. فضلا عن تشغيل الجمل البسيطة والمركبة الفاصلة والواصلة، واستعمال المصادر المؤولة، وتمثل التفكير المنطقي المتسلسل، والارتكان إلى التحليل المجرد الرمزي الذي يستوعب كل التناقضات.أما طفل الفئات الدنيا، فيشغل سننا لغويا ضيقا بسيطا وفقيرا على مستوى اللغة والتعابير والمفردات. ناهيك عن قصور في التعبير والإنشاء، وخلو الفقرات من التسلسل والتآلف التركيبي، ونقص في التقديم والاستنتاج والبرهنة، والميل بكثرة إلى المحسوس والملموس. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على فقر بيئة الطفل اللغوية التي تؤثر سلبا في مستوى التعليمي للطفل، وتواصله الشفوي والكتابي داخل المؤسسة التربوية.
وهناك من يدعو إلى إلغاء المدرسة الرأسمالية، والقضاء عليها، مادامت ذات أبعاد طبقية وإيديولوجية- كما عند إي?ان إليتش IVAN ILLICH- في كتابه:( مجتمع بدوم مدرسة)175، وذلك أن السيد إليتش" ينزع أحيانا إلى القول بأن المدرسة ملائمة للعصر الصناعي، وأنها من إرث مخلفاته، وينبغي أن تشجب فقط في البلدان المتخلفة، وخاصة بلدان أمريكا اللاتينية، حيث لاتستطيع أن توفر الانطلاقة اللازمة، وحيث يكون حذفها شرطا لازما لحذف الاستعمار، والقضاء عليه. إلى أنه في أحيان أخرى، يطلق أحكاما تنادي بالقضاء عليها قضاء جذريا، ويرى فيها مؤسسة بالية أنى كانت."176
إذا كانت المقاربة الصراعية لاترى في المدرسة سوى فضاء للتطاحنات الإيديولوجية والطبقية، وفضاء للتفاوت الاجتماعي والثقافي واللغوي والاقتصادي. وبالتالي، فقد أدت بالمدرسة إلى الفشل والإفلاس اللازمين؛ حيث صارت المدرسة عند الكثير من الملاحظين مؤسسة الخيبة والمأساة، ومجالا لمختلف الصراعات الجدلية، وفضاء للتناقضات الصارخة. فهناك من يعارض هذا الطرح الصراعي، فيحكم على المقاربة الصراعية على أساس أنها ذات أبعاد سياسية وحزبية ضيقة، تنطلق من تصورات ماركسية أو هيجيلية أو منطلقات ?يبيرية أو ألتوسيرية، ومن ثم، تفتقد هذه التصورات خاصية الموضوعية، والحياد، والتحليل العلمي المنطقي، ومصداقية التحليل المعقلن.
وعليه، فليس من الضروري أن تكون المدرسة فضاء للصراع، والتطاحن العرقي واللغوي والثقافي، ومجالا لانعدام تكافؤ الفرص، بل يمكن أن تكون فضاء لإذابة الفوارق الاجتماعية، وتعايش الطبقات، وتوحيد الرؤى والتطلعات بين المتعلمين. ومن ثم، على المؤسسة التربوية أن تذيب كل الخلافات الموجودة بين التلاميذ على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي واللغوي، وتحرير المتعلمين المنحدرين من الفئة الدنيا من عقدهم الطبقية الشعورية واللاشعورية، وتخليصهم من مركب النقص، بتنفيذ المشاريع المؤسساتية، وتقديم الأنشطة للترفيه عن التلاميذ، وتكوينهم تكوينا ذاتيا، يمحي كل الفوارق التي يمكن أن توجد بين المتمدرسين داخل المدرسة الواحدة. ومن أهم الوظائف الأساسية للمدرسة " إيجاد حالة من التوازن بين عناصر البيئة الاجتماعية، وذلك بأن تتبع المدرسة لكل فرد الفرصة لتحريره من قيود طبقته الاجتماعية التي ولد فيها، ويكون أكثر اتصالا وتفاعلا مع بيئته الاجتماعية والمذاهب الدينية.177"
و لابد أن تسهم المدرسة في خلق علاقات إيجابية مثمرة بين التلاميذ فيما بينهم، وبين المتعلمين وأطر التربية والإدارة، تكون مبنية على التعاون، والأخوة، والتسامح، والتواصل، والتآلف، والمشاركة الوجدانية، والتكامل الإدراكي، ونبذ كل علاقة قائمة على الصراع الجدلي، والعدوان، والكراهية، والإقصاء، والتهميش، والتنافر، والكراهية، والتغريب، والجمود، والتطرف، والإرهاب.
ولابد للمدرسة من الاحتكام إلى منطق المساواة، وتوفير العدالة، والعمل على تحقيق تكافؤ الفرص، ودمقرطة التعليم من أجل تكوين مواطن صالح ينفع وطنه وأمته، ويحافظ على ثوابت المجتمع، ويعمل جاهدا من أجل تحديث البلد، وتغييره إيجابيا، والرفع من مستواه التنموي، والسير به نحو آفاق أرحب من الازدهار والرفاهية. كما تعمل المدرسة على تغيير المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمتعلمين الذين ينحدرون من منطقة مدقعة. يستطيع ابن البيئة الفقيرة، عن طريق التعلم، والحصول على الشهادات والدبلومات، تغيير مستوى معيشته، والرفع من المستوى الاقتصادي لأسرته، كما هو الحال في المغرب؛ حيث تصبح الوظيفة العمومية التي يحصل عليها الطالب الناجح مسلكا للثراء، والسلطة، والترقي، والتسلق الطبقي، واكتساب قيم طبقة اجتماعية أخرى. أي: تعمل المدرسة على تحسين الظروف الاقتصادية للمتعلم، وتغيير طبقته الاجتماعية، بالتحلل من ثقافة بيئته الأصلية، بتمثل ثقافة الطبقة الجديدة. وبالتالي، يجرنا هذا التصور إلى رفض ما تذهب إليه المقاربة الصراعية التي لاترى في المدرسة سوى فضاء للصراع الطبقي، والتناحر العرقي، وحلبة للتطويع الإيديولوجي، وتبليغ قيم الطبقة الحاكمة أو السائدة. وهكذا لا يجب" أن يوقعنا هذا الطرح الصراعي في خطى الاعتقاد بتصور ميكانيكي وقدحي لدور المدرسة. أي: اعتبارها دوما الجهاز الإيديولوجي للدولة البرجوازية أو الطبقة السائدة. بمعنى أنها مؤسسة طبقية ذات وظيفة إيديولوجية. فلا بد من تجاوز هذا التصور الضيق لوظيفة المدرسة الاجتماعية، نظرا لكونها تتمتع باستقلالية نسبية عن قيود وتحديدات المحيط العام الذي تتفاعل معه وفيه، كما تتمتع بنظامها الداخلي الخاص بها، ومنطقها المتميز الذي تشتغل فيه وبه بنيانها"178.
وما نلاحظه على المدرسة المغربية من تبعية للمدرسة الفرنسية منذ الحماية إلا دليل على "الانفصامية" التي تعيشها المدرسة المغربية. ومن المؤشرات الحقيقية كذلك التناقضات الصارخة التي تبرز داخل المؤسسات التعليمية والتربوية. ومن ثم،" يجب مراعاة وظيفة المدرسة في البلدان المتخلفة، من حيث إنها تتحدد في سياق التبعية، وهذا ما يترتب عنه طبيعة الأوضاع المزرية التي يشهدها التعليم في هذه البلدان، من انعدام العقلانية لا في التفسير ولا في التوجيه ولا في التأطير. وخير دليل على هذا ما يعرفه التعليم ببلادنا من غياب منظور شامل وعام، يصوغ الأهداف المعرفية والتربوية، ويحدد الوسائل البيداغوجية، لأننا ورثنا ذلك من الاستعمار، وبقي مستمرا دون إعادة النظر الشامل في البنية التعليمية، وكذا في جميع البنيات الأساسية في المجتمع المغربي.هذا عكس ما تم بالغرب، حيث تمكنت المؤسسة من تحقيق نوع من الانسجام والتكامل مع المحيط الثقافي والمجتمعي الذي تندرج فيه. أما في المغرب، فإن " الفصامية" عندنا ما تزال قائمة بين الثقافة المدرسية ككل، وبين الإطار الاجتماعي والثقافي الذي تنخرط فيه. زيادة على هذا، تبقى المدرسة- حسب مصطفى محسن- بمثابة" صندوق أسود"، لانمسك علميا بميكانيزمات وظائفها واشتغالها، وتحركها، ولا بالبرامج والنماذج المعرفية والسلوكية السائدة فيها."179
وعلى الرغم من كون المدرسة فضاء للتعدد اللغوي والثقافي والاجتماعي والطبقي، إلا أنها تعتبر" عامل توحيد، عامل لم وجمع مختلف الطبقات الاجتماعية، وصهر أفكارها، وبلورتها بقدر الإمكان عبر خطابها التربوي."180
ومن الحلول المقترحة للحد من ظاهرة الصراع المتعدد داخل الفضاء التربوي نشير إلى ضرورة تمثل البيداغوجيا الفارقية لمحو الفوارق المعرفية، والقضاء على الفشل الدراسي، والحفاظ على مستوى الذكاء الدراسي الموحد قصد تحقيق النتائج المرجوة من بيداغوجيا الكفايات وبيداغوجيا المجزوءات. وتنطلق البيداغوجيا الفارقية من القناعة القائلة بأن" أطفال الفصل الواحد يختلفون في صفاتهم الثقافية والاجتماعية والمعرفية والوجدانية، بكيفية تجعلهم غير متكافئي الفرص أمام الدرس الموحد الذي يقدمه لهم المعلم. ويؤول تجاهل المدرس لهذا المبدإ إلى تفاوت الأطفال في تحصيلهم المدرسي. وتأتي البيداغوجيا الفارقية لتحاول التخفيف من هذا التفاوت. ويعرف لوي لوگران البيداغوجيا الفارقية كالآتي:" هي تمش تربوي، يستعمل مجموعة من الوسائل التعليمية- التعلمية، قصد إعانة الأطفال المختلفين في العمر والقدرات والسلوكيات، والمنتمين إلى فصل واحد، من الوصول بطرائق مختلفة إلى الأهداف نفسها".
لبلوغ هذا الهدف، لابد أن يتعرف المعلم على الخاصيات الفردية لتلامذة فصله: مستوى تطورهم الذهني والوجداني والاجتماعي، قيمهم ومواقفهم إزاء التعليم المدرسي، وتنصح البيداغوجيا الفارقية المربين بتقسيم تلامذة الفصل الواحد إلى فرق صغيرة متجانسة، وبمطالبة كل فريق بعمل يتلاءم مع صفاته المميزة، وذلك في إطار عقد تعليمي يربط المعلم بتلاميذه."181
ومن الحلول المقترحة لتوحيد مستوى التعليم، ومحاربة الفوارق المعرفية بين التلاميذ، اتباع سياسة الدعم البيداغوجي والتفريدي، بتقديم دروس إضافية مجانية للمتعثرين من أبناء الطبقة الفقيرة، وحتى من الطبقة العالية، لتعميم المعرفة، وخلق فرص متساوية أمام جميع الأطراف لاكتساب الذكاء، وامتلاك مهارات التحليل والمعالجة قصد تكوين تلاميذ مقتدرين أكفاء، يستطيعون مواجهة الوضعيات الصعبة والمعقدة. ومن ثم، يشكل الفصل الدراسي" مجموعة غير متجانسة من الأطفال، في استعداداتهم وقدراتهم؛ مما يدعو إلى عملية الدعم، التي تقلل من المتخلفين دراسيا عن أقرانهم. كما يمكن النظر إلى ضرورة الدعم وأهميته من ناحية ثانية، وهي اختلاف طريقة أو أسلوب تعلم كل تلميذ، ومعظم المدرسين لا يأخذون هذا الأمر بعين الاعتبار، فيدرسون بطريقة واحدة. وفي هذه الحالة، فإن عملية الدعم لاتكسب معناها الحقيقي والمفيد إلا إذا تم تعليمها بطريقة مختلفة عن الطريقة التي علمت بها المادة أول الأمر.
إن التعريف الذي تم تبنيه لبيداغوجية الدعم والتقوية، من قبل وزارة التربية والتعليم أنها:" مجموعة من الوسائل والتقنيات التربوية التي يمكن إتباعها داخل الفصل ( من إطار الوحدات الدراسية) أو خارجية ( في إطار أنشطة المدرسة ككل)، لتلافي بعض ما قد يعترض تعلم التلاميذ من صعوبات ( عدم الفهم- تعثر- تأخر...)، تحول دون إبراز القدرات الحقيقية، والتعبير عن الإمكانيات الفعلية الكامنة."182
و من ناحية أخرى، تعمل الحياة المدرسية على إذابة الصراع الشعوري واللاشعوري، والقضاء على الفوارق الطبقية، والحد من كل أسباب تأجيج الصراع، وتنامي الحقد الاجتماعي، ولاسيما أن الحياة المدرسية هي مؤسسة تربوية تعليمية نشيطة فاعلة وفعالة، تعمل على ربط المؤسسة بالمجتمع، وتوفير حياة مفعمة بالسعادة والأمل والطمأنينة والسعادة، وتحقيق الأمان والحرية الحقيقية للجميع. وتسعى أيضا إلى تكريس ثقافة المواطنة الصالحة، في إطار احترام حقوق المتعلم/ الإنسان داخل فضاء المؤسسة، وتطبيق المساواة الحقيقية، وإرساء قانون العدالة المؤسساتية، وفتح باب مبدإ تكافؤ الفرص على مصراعيه أمام الجميع، بدون تمييز عرقي أو لغوي أو طبقي أو اجتماعي، فالكل أمام قانون المؤسسة سواسية كأسنان المشط الواحد. ومن ثم، فلا قيمة للرأسمال المالي أو المادي في هذا الفضاء المؤسساتي أمام قوة الرأسمال الثقافي الذي يعد معيار التفوق والنجاح والحصول على المستقبل الزاهر.
و يقصد بالحياة المدرسية( la vie scolaire) 183، في أدبيات التشريع المغربي التربوي، تلك الفترة الزمنية التي يقضيها التلميذ داخل فضاء المدرسة، وهي جزء من الحياة العامة للتلميذ/ الإنسان. وترتبط هذه الحياة بإيقاع تعلمي وتربوي وتنشيطي متموج حسب ظروف المدرسة وتموجاتها العلائقية والمؤسساتية. وتعكس هذه الحياة المدرسية مايقع في الخارج الاجتماعي من تبادل للمعارف والقيم، وما يتحقق من تواصل سيكواجتماعي وإنساني.
وتعتبر"الحياة المدرسية جزءا من الحياة العامة المتميزة بالسرعة والتدفق، التي تستدعي التجاوب والتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية، والقيم الاجتماعية، والتطورات المعرفية والتكنولوجية التي يعرفها المجتمع، حيث تصبح المدرسة مجالا خاصا بالتنمية البشرية. والحياة المدرسية، بهذا المعنى، تعد الفرد للتكيف مع التحولات العامة والتعامل بإيجابية، وتعلمه أساليب الحياة الاجتماعية، وتعمق الوظيفة الاجتماعية للتربية؛ مما يعكس الأهمية القصوى لإعداد النشء، أطفالا وشبابا، لممارسة حياة قائمة على اكتساب مجموعة من القيم داخل فضاءات عامة مشتركة".184
ومن الحلول التي نعتبرها شكلية للحد من ظاهرة الصراع الطبقي توحيد الزي المدرسي، وفرضه إجباريا على جميع التلاميذ، ومساعدة المتعلمين المعوزين الذين يوجدون بالمؤسسة. وهنا، نستدعي دور جمعية الأنشطة الاجتماعية والتربوية والثقافية باعتبارها فاعلا مشاركا؛ لأنها تنشط في مجالات متعددة، تساعد التلاميذ الفقراء، وتلبي حاجياتهم المادية، وتقدم للتلاميذ المتعثرين دراسيا حصصا في الدعم والتقوية، وتنظم محاضرات وعروضا لهذا المجتمع المدرسي، وتمنح التلاميذ المتفوقين جوائز تشجيعية. وبالتالي، تقوم بمجموعة من الأنشطة الاجتماعية والتربوية والثقافية.
و تتوفر المؤسسة أيضا على عدة مجالس، يمكن أن تسهم في إثراء المؤسسة، وتفعيلها على جميع المستويات والأصعدة، مع لم المتعلمين في بوتقة اجتماعية واحدة، كالمجالس التعليمية والفرق التربوية التي تحتل مكانة بارزة في تنظيم الحياة المدرسية وتنشيطها. وتتمثل أدوارها الجوهرية في إبداء الملاحظات والاقتراحات حول البرامج والمناهج، وبرمجة مختلف الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية، وتحيين الإمكانيات والتدابير اللازمة لتنفيذها، وغير ذلك من الأعمال التنظيمية والتربوية، وإن "اعتماد الفرق التربوية بمختلف الأسلاك كآليات تنظيمية وتربوية لمن شأنه أن يقوي فرص نجاح التغييرات المرغوب فيها، ولضمان فعالياتها، وانتظام أنشطتها، تحدد بشكل دوري مهام هذه الفرق، وطبيعة أعمالها، ووظيفتها الاستشارية في تنشيط الحياة المدرسية...."185
ولكن أهم مجلس يقوم بدور كبير وفعال من أجل خلق فضاء مدرسي متجانس ومتعايش، نذكر: مجلس التدبير. إذاً، ما أدوار هذا المجلس واختصاصاته؟
تتمثل المهام المسندة لمجلس التدبير في اقتراح النظام الداخلي للمؤسسة التعليمية، في إطار احترام النصوص التشريعية والتنظيمية والقانونية المعمول بها، ولن يكون هذا النظام الداخلي مقبولا وفعالا حتى تتم المصادقة عليه من قبل الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين.ومن الاختصاصات الأخرى للمجلس دراسة برامج عمل كل من المجلس التربوي والمجالس التعليمية، والمصادقة على المقترحات المرفوعة من قبل هذه المجالس الموازية، وإدراجها ضمن برنامج عمل المؤسسة المقترح من قبله. فضلا عن تسطير برنامج عمل سنوي، يخص أنشطة المؤسسة، وتتبع مراحل إنجازه لتفعيل الحياة المدرسية، وتنشيطها حسب مقتضيات الميثاق الوطني من جهة، وحسب المذكرات الوزارية من جهة أخرى. تلك المذكرات التي تنص على تنفيذ الحياة المدرسية داخل المؤسسة التعليمية، في علاقة مع الفاعلين الداخليين والخارجيين.
ومن الاختصاصات الأخرى التي يتكفل بها مجلس التدبير الاطلاع على القرارات الصادرة عن المجالس الأخرى، وتمثل نتائج أعمالها، واستغلال معطياتها، وذلك كله من أجل الرفع من مستوى التدبير التربوي والإداري والمالي للمؤسسة.
ويقوم المجلس أيضا بدراسة التدابير الملائمة لضمان صيانة المؤسسة، والمحافظة على ممتلكاتها، وإبداء الرأي بشأن مشاريع اتفاقيات الشراكة التي تعتزم المؤسسة إبرامها، ودراسة حاجيات المؤسسة للسنة الدراسية الموالية، والمصادقة في الأخير على التقرير السنوي العام المتعلق بنشاط المؤسسة وسيرها، والذي يتعين أن يتضمن لزوما المعطيات المتعلقة بالتدبير الإداري والمالي والمحاسباتي للمؤسسة.
و يقوم مجلس التدبير بوظائف أساسية عدة ومهمة، كتنمية المؤسسة التربوية داخليا وخارجيا، وخلق موارد ذاتية، بشراكة مع المؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني كشركاء فاعلين أساسيين، ودعم سياسة اللامركزية واللاتمركز، وإشراك جميع الشركاء في العملية التربوية، وتحسين جودة التعليم داخل المؤسسة، بالعناية بفضائها الداخلي ومحيطها الخارجي، وإعداد برنامج عمل سنوي للأنشطة المزمع القيام بها في مختلف المجالات.
ويسهم التعليم بالكفايات والتعليم بالمجزوءات في تحقيق مدرسة مبدعة، تتميز بالجودة الكمية والكيفية التي بواسطتها يتم القضاء على اللاتجانس التربوي، ودرء الهوة المتسعة بين أبناء الطبقتين: الشعبية الفقيرة والبورجوازية الثرية. ومن ثم، فالتعليم المجزوئي تعليم قائم على بيداغوجيا الكفايات التي تستهدف البحث عن القدرات الكفائية لدى المتعلم، بمراقبة أداءات وإنجازات طوال سيرورة التعلم، ووضعه في وضعيات معقدة أو أقل تعقيدا لاختبار أدائه السلوكي، وتقويم كفاءاته وقدراته في التعامل مع مشاكل الواقع المحيطة به. ويراعي هذا التعليم الفوارق الفردية، وينكب على ظاهرة اللاتجانس، بدراسة كل حالة فردية، ودعم كل متعلم، وتحفيزه على إبراز قدراته وميوله واستعداداته، سواء أكان ذلك في حلقة واحدة أم في حلقات متعددة متواصلة؛ لأن المقياس-هنا - ليس هو الدرس الذي ينتهي داخل حصة زمنية محددة،كما في التعليم الموسوعي، بل الحلقة الديدكتيكية المتوالية التي تمتد عبر حصتين فأكثر.
ومن الحلول الأخرى لتفادي مدرسة الفوارق الطبقية، والحد من الاختلال الاجتماعي، اللجوء إلى دمقرطة التعليم، ويطلق هذا المفهوم على"العملية التي يتم بموجبها توفير الموارد البشرية والمادية والمالية الضرورية داخل الوسط المدرسي، لنقل المعارف إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص. يضاف إلى ذلك اقتناع السياسة التربوية، واعتراف بما يترتب عن هذا التوجيه."186
ويمكن تحقيق دمقرطة التعليم بتحقيق مفهوم تكافؤ الفرص الذي صار شعارا جميع الشعوب، سواء أكانت متقدمة أم نامية منذ 1948م، مع تبني هيئة الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المتضمن لمادتين أساسيتين:" لكل شخص الحق في التربية والتعليم اللذين يجب أن يكونا مجانيين على الأقل فيما يخص المرحلة الابتدائية والتربية الأساسية، و" لكل شخص الحق بالمشاركة بحرية في الحياة الثقافية للمجموعة"، فهاتان المادتان تشيران إلى الحق في التربية والتعليم للجميع.".
وإلى جانب مجموعة من الحلول المقترحة التي أجملناها في تعميم التعليم، وتوحيده، وتحقيق الجودة،ودمقرطة التعليم، نرفض أن تتحول المؤسسة التربوية إلى مؤسسة الثكنة،أو فضاء بيروقراطي،يكرس التمييز العنصري، ويؤجج الصراع الطبقي، أو يتم إصلاحها خارجيا، بل ينبغي أن يكون الإصلاح داخليا،يقوم على مبادئ البيداغوجيا المؤسساتية( PIDAGOGIE INSTITUTIONNELLE ) التي نظر لها كل من:أوري( OURY)،ولوبرو( LOBROT )،ولاباساد(LAPASSADE)...
ومن المعروف أن المدرسة المؤسساتية اتجاه تربوي ظهر بفرنسا، ويرى الإصلاح إجراء داخليا، " يمر عبر المؤسسة، بالإضافة إلى البنيات الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثمة، يجب الاهتمام بمفهوم الإدارة الذاتية والتسيير الذاتي من أجل تحقيق الاستقلال الذاتي للمتربين في إطار مؤسسي مفتوح".187
إذاً، ترفض هذه البيداغوجية الجديدة المدرسة الثكنة التي تخنق التلميذ بنظامها الانضباطي البيروقراطي الذي يحد من حرية التلميذ، فتتحول المدرسة إلى صندوق أسود، أو إلى ثكنة عسكرية، لاتؤمن إلا بالنظام والانضباط على حساب حرية التلميذ، ولعبه، وأنشطته الثقافية والفنية والرياضية والعلمية. لهذا، تقترح البيداغوجيا المؤسساتية مدرسة مرنة ومنفتحة، تنبع قوانينها من التفاعل الداخلي لأفرادها قصد الانتقال بالمدرسة من مؤسسة التلقين والتوجيه والانضباط الوحشي نحو مؤسسة إبداعية فاعلة وفعالة مبدعة ومبتكرة، تسعى إلى تحقيق التقدم والازدهار.
ولا ننسى كذلك أهمية الشراكة التربوية، وخلق مشاريع المؤسسة لتنمية المؤسسة التربوية، وإزالة تناقضاتها الاقتصادية والاجتماعية الصارخة؛ لأن المدرسة جزء من المجتمع، ومرآة صادقة تعكس سلبياته وتفاوتاته الطبقية الصارخة التي يجسدها المتعلمون داخل الساحة المدرسية أو داخل الصف الدراسي.
ومن الحلول المقترحة لتفادي الظاهرة الصراعية داخل الفضاء التربوي المطالبة الفورية بتنفيذ قانون سيگما( SIGMA ) الذي دعا إليه الميثاق الوطني للتربية والتكوين لمد المؤسسة التعليمية بميزانيتها السنوية، وذلك كله من أجل تدبير شؤونها الداخلية،وإثراء برامجها التنشيطية،دون اللجوء إلى الاستجداء والتوسل المخزي بشعار "الشراكة".
كما أن تفعيل التواصل، سواء أكان لفظيا أم غير لفظي،يمكن من إذابة جميع الصراعات الموجودة داخل المؤسسة التعليمية، باختيار كل الأنماط التواصلية الحميمة القائمة على التعاون،والأخوة،والمشاركة الجماعية،والتعاطف،والتعايش الصفي أو المؤسسي، دون نبذ أو إقصاء أو تهميش.ويمكن أن يتحقق هذا النوع من التواصل بتخفيف الأقسام من ظاهرة الاكتظاظ، و تبني طريقة التفويج لتسهيل عملية التبادل والتواصل أفقيا أو عموديا أو دائريا، وتقسيم التلاميذ إلى فرق ومجموعات وفئات متجانسة لتحقيق النتائج المثمرة من عملية التفاعل والتواصل المدرسي.

وخلاصة القول: تدرس سوسيولوجيا التربية الأنشطة التي تقام داخل المدرسة، وترصد التفاعلات الاجتماعية والنفسية التي تتم داخل النسق التربوي في المؤسسة التعليمية.كما تعكس تأثيرات المجتمع في المدرسة والتلاميذ والمدرسين ورجال الإدارة التربوية. وهناك من يعرف هذا العلم بأنه يقوم على" دراسة أشكال الأنشطة التربوية، كأنشطة المدرسين والتلاميذ والإداريين داخل المؤسسة المدرسية. كما يقوم بوصف طبيعة العلاقات والأنشطة التي تتم بينهم. كما يهتم علم الاجتماع التربوي بدراسة العلاقات التي تتم بين المدرسة وبين مؤسسات أخرى، كالأسرة، والمسجد، والنادي. كما يهتم بالشروط الاقتصادية والطبيعية التي تعيش فيها هذه المؤسسات، وتؤثر في شروط وجودها وتعاملها."188
وعليه، ترى المقاربة الصراعية المدرسة مؤسسة لا تعكس سوى الصراع الجدلي والتفاوت الاجتماعي والطبقي، كما أن العلاقات الموجودة بين تلاميذ الطبقة الشعبية الفقيرة والطبقة البورجوازية ما هي إلا انعكاس لتقسيم العمل، و استجلاء لناقضات المجتمع الرأسمالي أو المتخلف، وتجسيد لمختلف الصراعات الاجتماعية والطبقية والإيديولوجية التي تسود بين الطبقة الحاكمة أو السائدة والطبقات المغلوبة على أمرها. وبالتالي، ليست المدرسة بريئة أو محايدة، بل هي فضاء لتلاقي الأيديولوجيات واختلاف المصالح، إلا أن نظرية الانسجام والتكامل تؤمن بوحدة المؤسسة،وتعترف بتكاملها مع المجتمع في تكوين أطر قادرة ومؤهلة،سواء أكانت من الطبقة الاجتماعية السائدة أم كانت من الطبقة الفقيرة، مادام الهدف واحد هو خدمة الوطن والأمة، وتكون الوظائف متوفرة للجميع عن طريق الشهادات والدبلومات والمباريات التي تنظمها الدولة أو المؤسسات الخاصة. ولتفادي كل أنماط الصراع داخل المؤسسة التربوية، نلتجئ إلى مجموعة من الحلول الشكلية والجوهرية،كتوحيد الزي،وتطبيق الحياة المدرسية،وتفعيل المجالس الداخلية،وتنشيط المؤسسة،وتمثل بيداغوجيا الكفايات،وإثراء التواصل بكل أنواعه،وتطبيق المجزوءات، و الاسترشاد بالبيداغوجيا الفارقية، والاستهداء بسياسة الدعم التربوي،واللجوء إلى بيداغوجيا الجودة والشراكة، وخلق مشاريع المؤسسة،وتفعيل نظام التمويل الداخلي للمؤسسة على غرار الاستقلال المالي للجامعة.














الفصل السابع:
تحليل المضمون
يعد تحليل المضمون تقنية وصفية في دراسة الوثائق والإرساليات الإعلامية والخطابات المختلفة بغية فهمها وتفسيرها في ضوء المعالجة الإحصائية. بمعنى أن تحليل المضمون أسلوب كيفي وكمي، يستخدم في تحليل مضامين المواد الشفوية والمكتوبة والمصورة،باستكشاف محتوياتها ومعطياتها وبياناتها، وجردها في مؤشرات دلالية وسيميائية، وتجميعها في تيمات معينة، مع تصنيفها في فئات جامعة وموحدة ومشتركة. ثم، معالجة المضامين الدلالية نوعا وقياسا لتعقبها مرحلة الفهم والتفسير، فاستخلاص النتائج التي تثبت الفرضية أو تفندها، ثم تحديد مختلف الاقتراحات والتوصيات للعمل بها آنيا ومستقبليا تنظيرا وتطبيقا.
وإذا كان تحليل المضمون قد استخدم منهجية أو تقنية أو أسلوبا في تحليل المواد والأخبار والإرساليات في علوم الإعلام والدعاية والإشهار، وكذلك في العلوم القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، فقد استعمل هذا المنهج، بشكل أو بآخر، في مجال الآداب والنقد والتربية والتعليم من أجل معرفة التيمات والمضامين والمواضيع والخطابات والقيم والمواقف والرغبات والميول والسلوكيات والتصرفات والتوجهات لدى الفرد تجاه موضوع معين، في زمان ومكان معينين.
المبحث الأول: مفهوم تحليل المضمون
يقصد بتحليل المضمون (L’analyse de contenu)، أو التحليل الكيفي(Recherches qualitatives -Qualitative research)، القيام بدراسة موضوعاتية كيفية وكمية للمحتويات أو المضامين،بتصنيف الدلالات الموضوعاتية ضمن فئات رئيسة أو فرعية، أو ضمن مقولات تصنيفية، وتجميعها تحت تيمة أو فكرة معينة. وهناك من يعرف تحليل المضمون بأنه منهج يتيح" بصفة عامة تحليل سلوك الأفراد والشخصيات، ومواقفهم من خلال المواد التي يكتبونها أو يقولونها.كما يتيح دراسة موقف وسلوك الهيئات والمؤسسات، كتحليل توجهات ومواقف حزب سياسي - مثلا - من خلال افتتاحية الجريدة التابعة له.189"
وهكذا، يعد تحليل المضمون أداة وصفية لدراسة محتويات الإرساليات والخطابات والنصوص والملفوظات الشفوية والمكتوبة، إما بطريقة كيفية، وإما بطريقة كمية رمزية. بمعنى أن تحليل المضمون يهدف إلى اختيار عيناته من المحتويات الدلالية الإعلامية أو السياسية أو الاجتماعية أو القانونية أو الأدبية أو التربوية بغية توصيفها وتصنيفها إلى تيمات رئيسة، وتفريعها إلى فئات أساسية وثانوية. ومن ثم، يأتي دور المعالجة الإحصائية،باستخدام القياس والترميز الرياضي، وتحليل المعطيات المضمونية دلالة وشكلا ومقصدية، ثم استخلاص النتائج وتأويلها، ثم تقديم التوصيات والاقتراحات.
ومن جهة أخرى، هناك من يعرف تحليل المضمون بأنه دراسة إحصائية وكمية ورمزية للمعاني والمضامين التي تتضمنها المادة الأساسية. ويمكن القول: إن تحليل المضمون هو تصنيف المحتويات والمواد الدلالية ضمن فئات وتيمات مقولاتية، بل إنه بمثابة تحليل علمي دقيق وممنهج للمادة المضمونية في مختلف الحقول والمعارف والعلوم. وقد ارتبط تحليل المضمون في البداية بعلوم الإعلام والسياسة والإشهار.
ويمكن القول أيضا: إن تحليل المضمون هو الذي يهتم بدراسة الرسائل الإعلامية والخطابات الاجتماعية، وتحويلها إلى فئات وعينات قابلة للتلخيص، والمقارنة، والتحليل، والمعالجة، والاستنتاج، والتأويل.علاوة على استخلاص العلاقات الارتباطية بين الخصائص المعبر عنها في أي مادة اتصالية.ويعمل تحليل المضمون على استكشاف المميزات التي تتميز بها المواد الإعلامية، مع تبيان خصائصها الموضوعية والشكلية والسياقية. وينضاف إلى هذا أن تحليل المضمون يدرس الإرساليات الإعلامية في سياقها الزماني والمكاني. ومن ثم، فتحليل المضمون هو وصف علمي لما يقال في موضوع معين، وفي زمان ومكان معينين. أي: تسعى هذه الأداة والتقنية إلى وصف المحتوى الظاهري للإرسالية،باستكشاف مضمرها النصي والسياقي. كما أنها أداة ناجعة وصالحة للملاحظة غير المباشرة، والوصف، والتحليل، والفهم، والتفسير، والترميز، والتأويل. علاوة على ذلك، يعمل تحليل المضمون على تحويل المادة الإعلامية أو غيرها من المواد إلى مفهوم كمي بغية فهمها، وتفسيرها، وتأويلها.
المبحث الثاني: مقومات تحليل المضمون
يرتكز تحليل المضمون، باعتباره أداة ومنهجا وتقنية وصفية، على مجموعة من المقومات والمرتكزات الإجرائية التي تتمثل في مايلي:
( يعتمد تحليل المضمون على دراسة المحتويات الدلالية للخطابات الشفوية أو المكتوبة.
( جرد الملفوظات المراد دراستها، مع تبيان تيماتها الموضوعاتية، وتصنيفها في فئات مقولاتية جامعة.
( التركيز على تكرار الكلمات أو الجمل أو المعاني أو الرموز التي يتضمنها النص أو الرسالة الاتصالية.
( رصد الجوانب الموضوعاتية والشكلية والوظيفية.
( يرتبط تحليل المضمون بشكل من الأشكال بالرسالة الإعلامية أو الاتصالية.
( يجمع تحليل المضمون في دراسته للرسائل الاتصالية والإعلامية والخطابية بين التحليلين: الكيفي والكمي.
( ينكب تحليل المضمون على استقراء المحتوى ظاهرا في بعده الاتصالي، ثم يحلل باطنه ومضمره لاكتشاف المعاني الثاوية، مع رصد المقاصد المباشرة وغير المباشرة.
( ربط مضمون الرسالة بآثارها السياقية، وبكاتبها، وبظروفها الخاصة والعامة.
وعليه، إذا كان المنهج التجريبي يعتمد على الملاحظة المباشرة في التعامل مع المعطى الميداني، فإن تحليل المضمون يستند إلى الملاحظة غير المباشرة؛ لأنه يعتمد على الوثائق والإرساليات. كما أنه يعنى بالتحليل الكمي (ترميز الفئات والمحتويات، وترقيم التيمات)، والتحليل الكيفي(رصد الصفات الحاضرة والغائبة). ويهتم أيضا باستكشاف المحتوى الظاهري والضمني للإرسالية. ومن ثم، يسعف تحليل المضمون، سواء أكان كميا أم كيفيا، في دراسة خطابات الأفراد أو الجماعات، رسمية كانت أم غير رسمية. ويسمح هذا المنهج كذلك بدراسة التطورات والتغيرات للفرد نفسه أو للمجموعة نفسها. وهكذا، يقوم تحليل المضمون على وضع الفرضيات، واختيار العينة الملائمة للبحث، وتفريع المحتويات إلى فئات وتيمات أساسية وفرعية، وإبراز المؤشرات المضمونية، وتجريد وحدات القياس، واستثمار الإحصاء، وتمثل اختبار الصدق والثبات.
المبحث الثالث: تاريخ تحليل المضمون
لاغرو إذا قلنا:لقد ارتبط تحليل المضمون زمنيا بظهور الإنسان بصفة عامة190، واقترن أيضا بالتواصل البشري بصفة خاصة. بيد أن تحليل المضمون لم يتبلور إجرائيا إلا مع علم التفسير والشرح، ولاسيما تفسير الكتب السماوية وتأويلها، وتحليل النصوص والخطابات فهما وتفسيرا، وتوثيقها في ضوء معايير ومحكات ومؤشرات نقدية داخلية وخارجية. ونعلم جيدا أن علماء الحديث في الثقافة العربية كانوا يدرسون الحديث في ضوء منهج الجرح والتعديل، بنقد السند والمتن معا استعدادا لتفسيره وشرحه وتأويله، واستخراج منطوقه ومفهومه بغية العمل بالحديث الشريف، وتمثل دلالاته وتوجيهاته ونصائحه.
ومن ثم، يمكن القول: لقد اهتمت الثقافة العربية كثيرا بتحليل المضمون، كما يتجلى ذلك واضحا في تفاسير النصوص والدواوين الشعرية، وتفسير القرآن الكريم، واستنطاق الخطابات الفلسفية والعرفانية والكلامية. وما اهتمام العرب كثيرا بعلوم الآلة إلا لتوظيفها في تحليل المضامين، وتسخيرها في تأويل المحتويات، واستنطاق بيانات الوثائق ومعطياتها إن ظاهرا، وإن باطنا.
وقد عملت الثقافة الغربية بدورها على استكشاف مضامين الكتب السماوية، وخاصة كتاب الإنجيل، بتحليل دلالات النصوص والخطابات المختلفة والمتنوعة، سواء أكان ذلك التعامل مع المضامين ذاتيا أم موضوعيا. وفي القرن التاسع عشر، " وبالضبط سنة 1888م بفرنسا، قام أحد الأساتذة الجامعيين بجامعة رين (Rennes) بفرنسا، وهو بنيامين بودون (Benyamin Boudon)؛ باتباع تحليل مضمون محتوى الإنجيل؛ وفي سبيل ذلك، اختار سورة تمثلت في سورة (الهجرة)، وشكلت بذلك عينة لتحليل المضمون.وبعد ذلك، حاول إعادة إنتاج النص وفق أسلوب تليغرافي، ولم يحافظ سوى على الكلمات الأساسية، والحاملة لمغزى. ثم بعد تصنيف وفق تيمات؛ نلاحظ بشكل واضح بروز طريقة لتحليل المضمون، التي رغب فيها الباحث أن تكون علمية وموضوعية"191.
وعلى أي حال، فلقد ارتبط تحليل المضمون في بدايته بالإعلام الاتصالي، وكان ذلك بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945م، ثم انتقل إلى مجال الدراسات الاجتماعية والنفسية، بدراسة الآراء والمواقف والسلوكيات. وقد تبلور تحليل المضمون فعليا مع لاسويل(Lasswell) وهارولد دويت(Harold Dwight) في أثناء دراستهما للإعلام الصحفي في بدايات القرن العشرين. ويعني هذا كله أن تحليل المضمون قد اقترن بتطور منظومة الاتصال الإعلامي، فقد " كان للتطور الذي عرفته وسائل الإعلام والاتصال منذ منتصف القرن الماضي، الدور الأبرز في ظهور تحليل المضمون لإجراء البحوث الاجتماعية، بالاعتماد على المضامين المختلفة، لما ينتقل عبر وسائل الإعلام مكتوبة ومرئية ومسموعة، من مواد مختلفة ومتنوعة المجالات."192
واستخدم تحليل المضمون كثيرا في الولايات المتحدة الأمريكية في مجالات شتى، بدءا بالمجال السياسي،ووصولا إلى كافة المجالات الإعلامية والاجتماعية والنفسية الأخرى." وفي هذه الفترة بالذات، كانت هيمنة المدرسة النفسية السلوكية، الأمر الذي أثر بشكل أو بآخر على إضعاف نزعة تحليل المضمون. وخلال الفترة الممتدة ما بين 1940و1950م، قامت شعبة العلوم السياسية بدور هام في تطوير تقنية تحليل المضمون، إذ خلال الحرب العالمية الأولى عمدت الحكومة الأمريكية إلى استدعاء اختصاصيين من أجل فضح الجرائد والدوريات التي تقوم بالترويج والدعاية للآراء النازية. ومن بين الباحثين الذين برزوا في تلك الآونة، نذكر: لاسويل(Lasswell)، وليتس(N.Leits)، وفوندر(R.Fonder)، وكولدسن(J.M.Goldsen)، وكروي(A.Groy)، وجونيس(I.L.Jonis)، وكولبون(A.Kolpon/ D.Kolpon)، وجاكبسون(S.Yacobson)، وسولابول(I.DC.Sola Pool)، ومينتي(A.Minty)...193" 
وعلى العموم، فلقد أصبح تحليل المضمون - اليوم- أسلوبا إجرائيا ناجعا ومفيدا، لايمكن الاستغناء عنه في دراسة الوثائق والمضامين والمحتويات المسموعة والمكتوبة والمصورة، في مختلف المجالات والميادين، سواء أكان ذلك في الثقافة الغربية أم في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة.
المبحث الرابع: دراسات في تحليل المضمون
يمكن الحديث عن العديد من الدراسات والأبحاث والكتب والرسائل والأطروحات الجامعية التي تناولت تحليل المضمون، إن نظرية، وإن تطبيقا، سواء أكان ذلك في الثقافة الغربية أم في الثقافة العربية. ونوردها بالطريقة التالية:
المطلب الأول: الدراسات الأجنبية
هناك العديد من الدراسات الغربية التي تناولت تحليل المضمون على مستوى التعريف والتصور النظري والمنهجي من جهة، أو على مستوى التطبيق الإجرائي والميداني من جهة أخرى. ومن أهم هذه الدراسات، نذكرعلى سبيل المثال، لا على سبيل الحصر: لورانس باردان (Laurence Bardin) في كتابه: (تحليل المضمون) 194، وروجير ماتشيلي(Roger Mucchielli) في: (تحليل مضمون الوثائق والرسائل الإعلامية)195، وكريماص ولاندوفسكي (Greimas et Landowski) في كتابهما: (مدخل إلى تحليل الخطاب في العلوم الاجتماعية)196، وروبرت وبيولاجي(Robert, & Bouillaguet) في كتابهما: (تحليل المضمون)197، وكيتيل في كتابه (التحليل الكيفي في التربية198)، إلى جانب كتب، ومقالات، ودراسات، وأبحاث، ورسائل وأطروحات جامعية أخرى، من الصعب تعدادها بأكملها، أوالإشارة إليها بتفصيل...
المطلب الثاني: الدراسات العربية
يمكن الحديث عن مجموعة من الدراسات العربية في تحليل المضمون، ومعظم هذه الدراسات قد ظهرت حديثا، بعد أن تأثر أصحابها بالدراسات الفرنكفونية أو الأنجلوسكسونية، منها: دراسة مختار التهامي بعنوان: (تحليل مضمون الدعاية في النظرية والتطبيق)199، و ما كتبه سمير محمد حسين في(تحليل المضمون)200.فضلا عن دراسات أخرى لنادية سالم في (إشكالية استخدام تحليل المضمون)201، وفوزية فهيم في (المادة الإخبارية في الإذاعة المصرية)202، وصفوت فرح في (المضمون بين التحليل والأبعاد: آفاق جديدة لتطوير الأسلوب)203، وأحمد أوزي في مجموعة من دراساته القيمة، مثل: (الطفل والمجتمع)204، و(سيكولوجية المراهق)205، و(منهجية البحث وتحليل المضمون)206، وميلود حابيبي في(الخطاب التربوي في الأدب الموجه للأطفال: نموذج المجلات المغربية)207، والسيد فؤاد البهي في (تحليل المضمون لصحيفة منار المغرب)208، ومصطفى سويف في (الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة)209، وهادي نعمان الهيثي في (صحافة الأطفال في العراق: نشأتها وتطورها، مع تحليل لمحتواها وتقييمها)210، وعبد الكريم غريب في كتابه (منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية)211،...إلخ.
المبحث الخامس: تحليل المضمون بين المنهجية والأداة والأسلوب
هناك اختلاف جلي بين الباحثين حول تحليل المضمون، هل هو منهجية للتحليل والتركيب؟ أم أنه أداة للملاحظة والوصف؟ أم أنه أسلوب للبحث وجمع البيانات وتحليلها؟
وتأسيسا على ما سبق، فثمة من الباحثين والدارسين الأجانب من يعد تحليل المضمون منهجية في مجال البحث العلمي، وخاصة في مجال علوم الإعلام والاتصال والعلوم الاجتماعية، ويعتبرونها مثل المنهجية الوصفية، والمنهجية التاريخية، والمنهجية التجريبية، والمنهجية المقارنة، والمنهجية البنيوية، باعتبارها تستند إلى مجموعة من الخطوات الإجرائية العامة. وبالتالي، تمتلك آليات تقنية مختلفة لمقاربة المضامين والمحتويات استقراء واستنباطا، كما ذهبت إلى ذلك دائرة المعارف الدولية للعلوم الاجتماعية، و ما ذهب إليه أيضا جوزيف دينر(J.Dunner) في كتابه (قاموس علم السياسة)...212
بيد أن هناك من يعتبرها مجرد تقنية وأداة في عملية الوصف، مثلها مثل: المقابلة، والملاحظة، والاستمارة، والروائز، والاختبارات التقويمية، ولم تصل بعد لتكون منهجية عامة في تحليل المعطيات، وتجميع البيانات، كما يذهب إلى ذلك بيرلسون(B.Berelson)...
ولكن هناك من الباحثين من يعتبر تحليل المضمون أسلوبا في التحليل والمعالجة والتفسير والتقويم والتأويل. ومن هنا، فالأسلوب هو الذي يحدد مادة الدراسة، هل هي من طبيعة نفسية أو اجتماعية أو تاريخية أو تربوية أو ديداكتيكية...؟ كما يذهب إلى ذلك لويس ديكستر (.L.Dexter)، وكارل وارجيرون (K.Wargeron)، وريتشارد باد (R.Budd) في كتابه: (تحليل المضمون في الاتصال)...213
وإذا انتقلنا إلى الثقافة العربية، فإن السيد يس وجمال زكي في كتابهما (أسس البحث الاجتماعي-1966 م)، وعبد الباسط محمد في كتابه (أصول البحث الاجتماعي-1971م) يعدون تحليل المضمون أسلوبا علميا في وصف المحتويات الاتصالية كما وكيفا.أما زيدان عبد الباقي في كتابه (وسائل الاتصال في المجالات الاجتماعية والتربوية والإدارة الإعلامية -1974م)، فيجعل من تحليل المضمون منهجية وأداة للوصف والتحليل والمعالجة والاستنتاج في آن معا214. ومن جهة أخرى، يعد أحمد أوزي تحليل المضمون أداة وتقنية وصفية للملاحظة والتحليل.وفي هذا الإطار، يقول أحمد أوزي:" يعد تحليل المضمون مجموعة من تقنيات التحليل للمادة الإعلامية، وهو ليس أداة، وإنما جملة من الأدوات. أو بتعبير أدق، إنه أداة متميزة بتنوع كبير في أشكالها، وقابلة للتكيف مع مجالات عديدة ذات طبيعة إعلامية.
إن تحليل المضمون عملية ذهنية متطورة ومتغيرة، تتلون وتتخذ شكل البحث، وتساير طبيعته. ومهما كان نوع الجهد الذهني المبذول في ممارسته، فإنه في نظرنا يظل أداة هامة من أدوات جمع البيانات، وشكلا من أشكال البحث، واستقصاء الحقائق. ولأجل ذلك كان تحليل المضمون في شكله الأولي والتلقائي قديما قدم الإنسان. فهو عمل ذهني يقوم به في كل لحظة من لحظات حياته بكيفية طبيعية. فحياة الإنسان كلها تقوم على التفاعل والتواصل مع غيره. وينعدم هذا التواصل والتفاهم، إذا عجز الطرف الآخر عن فهم سلوكنا، وتفسيره بمختلف أشكاله التعبيرية."215
ويذهب عبد الكريم غريب المذهب نفسه، حينما يعتبر تحليل المضمون تقنية أو أداة للبحث الوصفي. وفي هذا الصدد، يقول الباحث:" لابد من الإشارة في بداية هذا المجال، إلى أننا في تحليلنا نعتبر تقنية تحليل المضمون أداة، شأنها شأن مختلف أدوات البحث التي يمكن أن توظف في منهج البحث العلمي(استمارة، ومقابلة، وتحليل إحصائي، وملاحظة، وتجريب...).ولذلك، فإننا عندما نتحدث عن خطوات تقنية تحليل المضمون، فإننا نقصد بذلك، المراحل الضرورية التي يتبعها الباحث خلال إعداد هذه التقنية وتوظيفها."216
ويذهب كل من الدكتور لؤي عبد الفتاح والدكتور زين العابدين حمزاوي، في كتابهما (أساسيات في تقنيات ومناهج البحث)، إلى أن تحليل المضمون منهجية للتحليل والدراسة في العلوم القانونية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يقول الباحثان: " ويتيح منهج تحليل المضمون، بصفة عامة، تحليل سلوك الأفراد والشخصيات ومواقفهم من خلال المواد التي يكتبونها أو يقولونها. كما يتيح دراسة موقف الهيئات والمؤسسات، كتحليل توجهات ومواقف حزب سياسي، مثلا، من خلال افتتاحية الجريدة التابعة له.217"
وأرى شخصيا أن تحليل المضمون في مجال البحث العلمي بمثابة تقنية وأداة لوصف البيانات والمعطيات والوثائق والنصوص والخطابات بغية معالجتها كميا وكيفيا قصد البرهنة على صحة الفرضية أو بطلانها علميا.
البحث السادس: أهداف تحليل المضمون وأهميته
من المعلروم أن تحليل المضمون، باعتباره تقنية أو منهجية أو أسلوبا، له مجموعة من الأهداف في مجال البحث العلمي، أو في مجالات معرفية واتصالية أخرى. ويمكن تحديدها في ما يلي:
( يهدف تحليل المضمون إلى استنطاق الوثائق والنصوص المكتوبة والمسموعة والمصورة من أجل معرفة مضامينها، وتبيان دلالاتها الظاهرة والمضمرة بغية استثمارها في مجالات معينة.
( يسعى تحليل المضمون إلى إبراز المواقف والميول والسلوكيات والآراء من أجل تحليلها ومعالجتها وفهما وتأويلها، إما للانطلاق منها، وإما للتحكم فيها.
( يهدف تحليل المضمون إلى مقاربة الوثائق والنصوص والخطابات مقاربة موضوعاتية، بتحديد التيمات الأساسية والفرعية، وجرد الفئات والمؤشرات بغية قراءة المضامين والمحتويات قراءة علمية ممنهجة.
( يسعى تحليل المضمون إلى دراسة المحتويات والمضامين والتيمات المعجمية والدلالية في ضوء التحليلين الكمي والكيفي بغية تحصيل نتائج علمية صادقة وثابتة.
( فهم الإرساليات الإعلامية والسياسية والاجتماعية والتربوية قصد معالجتها وتحليلها وتقويمها وتأويلها لمعرفة ما يدور حول موضوع معين، في زمان ومكان معينين.
( قراءة الخطابات والنصوص والإرساليات في مختلف المجالات ظاهرا ومضمرا من أجل استخلاص دلالاتها المباشرة وغير المباشرة، وتحديد مقصدياتها القريبة والبعيدة، وتبيان مؤشراتها وظروفها السياقية الخاصة والعامة.
( تحليل المواد الإعلامية والاتصالية بغية تصنيفها، ومعالجتها كميا وكيفيا، وفهمها داخليا، وتفسيرها خارجيا، وتأويلها سياقيا، واستثمارها في مجالات معينة.
( تحليل المضمون هو أسلوب علمي فعال، أو تقنية وصفية ناجعة ومفيدة في التعامل مع الوثائق والنصوص والخطابات سبرا وتوثيقا واستكشافا بغية تحليل مضامينها تحليلا دقيقا على جميع المستويات انطلاقا من الكلمة إلى العبارة والفكرة والمتوالية.
( معرفة الآثار التي تتركها الرسائل الاتصالية والإعلامية والنصوص والخطابات في المتلقي أو القارىء أو المستمع أو المتقبل بغية وصفها مضمونا وشكلا، وتبيان خصائصها وتغيراتها، ورصد مميزاتها الكمية والكيفية، وتحديد تيماتها وفئاتها ومؤشراتها.
( معرفة أحوال المجتمع من خلال المضامين، بإبراز النفسيات الفردية، ومعرفة سلوكيات ومواقف وميول ورغبات واتجاهات المفحوصين بغية فهمها وتفسيرها وتقويمها واستثمارها والعمل بها، إما لمعالجتها، وإما لإصلاحها، وإما لتقويمها إيجابا وسلبا.
تلكمأهم الأهداف التي تستند إليها تقنية تحليل المضمون، في تعاطيها مع الوثائق والنصوص والخطابات والإرساليات الإعلامية والإشهارية تحليلا ومعالجة وتأويلا واستنتاجا.
المبحث السابع: مجالات تحليل المضمون
يمكن الحديث عن مجالات عدة ومتنوعة، يتم فيها تطبيق منهجية تحليل المضمون، مثل: الإعلام والاتصال، والعلوم القانونية والسياسية، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلوم التربية، والآداب...
ومن ثم، يمكن دراسة مضامين المواقف والآراء والحوارات، وتحليل مضامين الصحف والجرائد والمجلات، أو رصد مختلف مضامين ومحتويات وسائل الإعلام والاتصال، من: إذاعة، وتلفزة، وفضائيات، وكتب، ومسرح، وسينما، وإشهار...
ومن ثم، فقد عرف كابلان تحليل المضمون أنه المعنى الاتصالي للأحاديث والخطب السياسية، وقد اعتبره دافيد إيستون أنه أسلوب للوصول إلى استنتاجات دلالية ثابتة، بالتعرف الموضوعي والنسقي على صفات محددة للرسائل الاتصالية.
وعد تحليل المضمون أيضا أسلوبا بحثيا مفيدا، يستخدم في علوم الإعلام الخاصة بغية وصف المحتوى الصريح للمادة الإعلامية المراد تحليلها، باستخدام آليات مختلفة لدراسة خلفيات صاحب الرسالة والمقاصد المتوخاة منها، وملاحظة تداول الكلمات وتكرارها، ورصد نسبة تواردها وترددها، وكيفية استخدامه للرموز والصور... اعتمادا على الإحصاء والتحليل الكمي218. ويعني هذا أن تحليل المضمون قد تم استخدامه بشكل إيجابي في مجال الإعلام والاتصال.
ولم تقتصر تقنية تحليل المضمون على مجال الإعلام والاتصال فحسب، بل وظفت أيضا في العلوم السياسية، والاجتماعية، والنفسية، والاقتصادية، والثقافية.فضلا عن علوم التربية والتعليم، والنقد الأدبي... بل يمكن القول بأن تحليل المضمون قد استخدم بصفة عامة في كل ما يتعلق بمضامين ومحتويات الوثائق والنصوص والخطابات والعينات المسموعة والمكتوبة والمصورة. ويمكن استعمالها كذلك في دراسة المنتجات الفردية والجماعية والمؤسساتية بكل تجلياتها اللسانية والسيميائية.
المبحث الثامن: منهجية تحليل المضمون وآلياتها
ترتكز منهجية تحليل المضمون على دراسة الخطاب في ضوء مستويات عدة: مستوى المضامين والمحتويات (المعارف والعناصر المضمونية)، ومستوى البنية (التنظيم البنيوي للمحتوى)، ومستوى ظروف إنتاج المحتوى أو المضمون (سياق المحتوى)، ومستوى الوظيفة أو المقصدية (تبيان الرسائل التي يتضمنها المحتوى). ويعني هذا أن تحليل المضمون عبارة عن مقاربة موضوعاتية، تدرس الوحدات الدلالية والمعجمية للخطاب المتلفظ. ومن ثم، يتم تحليل المضمون بطريقتين: أولا، معالجة الأفكار الدلالية الرئيسة. وثانيا، تصنيفها إلى فئات ومقولات. بمعنى أننا نقوم بتجميع الأفكار الدلالية والموضوعاتية داخل فئات تصنيفية. وينضاف إلى هذا تحديد التيمات الأساسية التي تتحكم في المحتويات الدلالية. وبالتالي، يتم إدراجها ضمن فئات معينة. وتتضمن التيمات مجمل الأحكام والأخبار والتقويمات والمكونات الانفعالية أو الوجدانية.
وللتمثيل نورد هذا المقطع:"بالنسبة لي، يخيفني دائما تناول المخدرات، وشرب الخمور، ولايمكن الاقتراب منها. وكنت أبتعد، دائما، عن الذين يشربون الخمر، أو يتعاطون المخدرات. وكنت أتحاشى دائما إقامة علاقات معهم."
يمكن تصنيف هذا المقطع إلى ملفوظين دلالين؛ حيث يبين الملفوظ الأول الموقف الشعوري للمتكلم من تناول المخدرات وشرب الخمور. في حين، يبين الملفوظ الثاني ابتعاد المتكلم عن شاربي الخمور ومتناولي المخدرات. ومن هنا، نصف دلالات الملفوظ الأول، فنضع مؤشراتها الدلالية ضمن فئة الخوف، ونضع مؤشرات الملفوظ الثاني ضمن فئة الابتعاد. ونقوم بالعمل نفسه مع باقي الملفوظات الأخرى، ونصنف كل التكرارات داخل فئات موضوعاتية معينة، على الرغم من تعددها وتنوعها وكثرتها. ثم، نلتجىء إلى عمليات الفهم والتفسير والتأويل.
وعلاوة على ذلك، نستخدم في تحليل المضمون مجموعة من الآليات، كالتركيز على الكلمات المتكررة - مثلا - في خطابات رئيس الدولة أو وزير التربية والتعليم بغية معرفة المواقف والتوجهات السياسية والإصلاحات التربوية، أو رصد وحدة الموضوع من خلال تحديد جملة عنوانية أو تيمة موضوعاتية، ولايؤخذ بالاعتبار حرفية الجملة، بل معناها ومضمونها. أو دراسة وحدة الشخصية في دراسة النصوص القصصية والسير والتراجم، أو رصد وحدة المفردة؛ حيث تكون المفردة - هنا- كتابا أو مقالا أو قطعة إعلانية أو غير ذلك.
ويهدف تحليل المضمون إلى دراسة استقرار المواقف أو تغيرها. أوتحديد وحدة المساحة والزمان، كتقسيم نص مكتوب إلى وحدات مكونة من عدد من الأسطر، أو تقسيم برنامج إذاعي إلى وحدات زمنية متساوية لدراسة المدى الزمني المخصص في البرنامج المخصص للدعوة إلى المحافظة على البيئة، ومكافحة التلوث مثلا.
ويمكن في تحليل المضمون استخدام أكثر من وحدة واحدة، كالجمع بين وحدة الموضوع ووحدة المساحة مثلا، ولاسيما عند استشعار أهمية استخدام أكثر من وحدة واحدة بالتحليل219.
وعليه، تستلزم منهجية تحليل المضمون الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف قال المتكلم أو الكاتب مضمونه الشفوي أو المكتوب؟ ويحيلنا هذا المضمون على ماهو شكلي وكيفي وتقني، أو قد يحيلنا ماديا وموضوعاتيا على سؤال المضمون أو الموضوع: ماذا قال أو كتب؟ أو يحيلنا كذلك على سؤال الوظيفة أو المقصدية: لماذا قال ما قاله؟ويعني هذا أن هناك أسئلة الشكل والمضمون والمقصدية.
وللتوضيح أكثر، تؤدي الآليات الشكلية دلالات سيميائية هامة، كتكرار الكلمات تواردا أو ترددا، وتحديد نوع العبارات المستخدمة، وتبيان تأثيرها الذهني والوجداني والحركي، والاهتمام بالإخراج النصي أو الإذاعي والتلفزي أو السينمائي، والتركيز على العبارات من حيث شدتها صوتا وانفعالا، وتبيان طبيعة بيانها: هل هو شديد اللهجة، أو أنه بيان بلهجة دبلوماسية....ولا ننسى دراسة مساحة الملفوظ الدلالي وزمانه، خاصة إذا كان رسالة إعلامية تلفزية أو إذاعية، أو تعلق بالرسالة الإعلامية المكتوبة في الجريدة، دون أن نغض الطرف عن موقع المادة، من حيث إقبال الجماهير عليها.
أما على مستوى الجوهر أو المادة أو المحتوى، فلابد من معرفة الموقف من موضوع البحث، والتيقن من مدى أهميته وقيمته، وتبيان مختلف الظروف الخاصة والعامة التي ارتبطت بصدور المضمون، وأثر ذلك كلهفي الأسلوب من حيث الجوهر، وتبيان مؤشرات الخبر، من حيث زمانه، ومكانه، وموقعه، وظروفه المختلفة، والتثبت من موضوعية صاحب الرسالة أو من ذاتيته، وتحديد فئة الجمهور المخاطب: من هو؟ وما نوعيته؟ وماحجمه؟...
أما على مستوى الوظيفة أو المقصدية، فلابد من تبيان مختلف الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي تهدف إليها المادة الاتصالية220.
وعلى العموم، يمكن تحديد مجموعة من الخطوات المنهجية في التعامل مع تحليل المضمون؛ حيث نسمي المرحلة الأولى ماقبل التحليل التي نركز فيها على اختيار العينة، سواء أكانت شفوية أم مكتوبة أم مصورة، فنجمع الوثائق والإرساليات والنصوص والكتابات والخطابات المتنوعة والمختلفة، فنوثقها بشكل جيد، في علاقة مع صاحبها وعصرها.أي: نضعها في سياقها الخاص والعام. وبعد ذلك، نقرأ المحتويات قراءة عميقة لتبيان المشترك والمختلف، ونقسمها إلى فقرات ومتواليات معنونة، ثم نضع ملخصا عاما، ثم نقسمها إلى فئات ومؤشرات وتيمات وتحققات. ولابد من تحديد فرضية الموضوع، وتبيان أسئلتها وإشكالياتها المتنوعة. كما يستلزم الموضوع المعطى أو المدروس تسطير مجموعة من الأهداف والغايات، مع تبيان أهمية البحث وقيمته، وتعداد العناصر التي يمكن تناولها. وبعد ذلك، تأتي عمليات الجرد، والتصنيف، والمعالجة، والفهم، والتأويل، والاستنتاج.
أما المرحلة الثانية من مراحل المنهجية، فهي مرحلة الاستثمار الماديالتي تتمثل في تصنيف المحتويات المضمونية في فئات ومقولات دلالية، في شكل جداول وخانات معينة، تشمل الفئات والتيمات والمؤشرات الدلالية، بتحديد المتكلم، والمادة المضمونية، والمتلقي، والهدف، والنتيجة، والطريقة الشكلية واللغوية والأسلوبية. ويعني هذا أننا نقوم بتجميع المحتويات والمؤشرات الدلالية ضمن تيمة موضوعاتية متنوعة ومختلفة. وبعد ذلك، ندرجها ضمن فئة معينة. وهنا، نقوم بعملية القياس والإحصاء والتكميم لتصنيف المواد المتجانسة والمتكررة ضمن فئة معينة، وهكذا، دواليك.
ولابد من ترقيم المواد المضمونية، وتعدادها، وترميزها. وفي هذا السياق، لابد من الحديث عن التحليلين: الكمي والكيفي. ويسعى التحليل الكمي " إلى معرفة تكرار مفهوم معين وقياسه، فإن التحليل الكيفي يسعى إلى تحديد أهمية ظهور أو اختفاء مضمون آخر. والباحث بحاجة إلى التحليل الكيفي خلال القراءة التمهيدية للمضمون المراد معالجته، بقصد تكوين الفروض وبلورتها. في حين، إنه لايستغني عن التحليل الكمي لصياغة البيانات على شكل جداول للاطلاع عليها بسهولة، والوقوف عند النتائج العامة بشكل واضح ومبسط."221
أما المرحلة الثالثة والأخيرة، فهي مرحلة الفهم والمعالجة والاستنتاج، ويعني هذا أن تحليل المضامين يستوجب معالجة الإرساليات والمحتويات والخبرات كيفيا وكميا، بتوظيف الحساب الإحصائي لمعرفة التكرارات والترددات، ثم استعمال مختلف البيانات الإحصائية من متوسطات، وجداول، ومبيانات، ودوائر، ونسب مائوية، وصور، وأشكال، لتحصيل النتائج الثابتة واليقينية.أي: لابد من دراسة البيانات في ضوء آليات الإحصاء الوصفي والاستنتاجي. وهكذا، تعالج المحتويات بطريقة إحصائية قصد تحقيق نوع من الصدق والثبات والموضوعية العلمية. وبعد ذلك، نحاول فهم النتائج وتفسيرها من أجل التأكد من صحة الفرضية أو بطلانها. ومن ثم، نرصد مختلف النتائج المتوصل إليها في علاقة بالفرضية الرئيسة، مع تعداد مجموعة من الاقتراحات والتوصيات. وعليه، تهتم منهجية تحليل المضمون بجرد المؤشرات والمحتويات الدلالية، ثم تجميعها في تيمات، ثم تصنيفها في فئات ومقولات عامة، ثم ترتيبها بشكل متدرج ومرموز، مع الانطلاق فعلا من فرضية مسبقة لها أهمية كبرى في الاستدلال والاستقراء. وينتهي البحث دائما، في تحليل المضمون، بمعالجة البيانات والمضامين قياسا وإحصاء، لتعقبها عمليات الفهم والتفسير والتأويل بغية استخراج النتائج والاقتراحات والتوصيات.
ويرى فرانسوا ديبيلطو (François Dépelteau) أن هناك خمس خطوات إجرائية لتحليل المضمون هي: جمع البيانات تصنيفا وتقويما وتوثيقا، وإعداد روائز اختبارية من خلال تحليل محتوى ما، وفق سؤال الانطلاق أو سؤال الفرضية التخميني. وبعد ذلك، تقرأ تلك الوثائق والمعطيات قراءة أولية، مع اختيار الرموز المناسبة وتحديدها، وتتبع سيرورة ترميز الوثائق، فتحليل النتائج وتأويلها، ثم الإخبار بالنتائج222.
وعليه، تنبني منهجية تحليل المضمون على خطوات رئيسة، يمكن حصرها في مرحلة اختيار متن البحث الملائم، أو انتقاء العينة المدروسة التي تتمثل في الوثائق والإرساليات السمعية والمكتوبة والمصورة اعتمادا على معايير ومحكات ومؤشرات علمية دقيقة، مع تحديد حجمها ومجالاتها بغية استنطاقها معجميا، بتوزيعها إلى تيمات متعددة، وتصنيفها ضمن فئات أساسية وفرعية، كأن تكون تلك الوثائق رسائل إعلامية، أو جرائد، أو مجلات، أو كتبا، أو إشهارا، أو خطبا سياسية وحزبية، أو رسوما وصورا، أو تسجيلات... ويكون الاختيار فعلا نابعا من فرضية البحث وأسئلته وإشكالاته الرئيسة.
وإذا كانت العينة في البحوث التجريبية أو الوصفية تعتمد على اختيار الأفراد أوالجماعات، فإننا في تحليل المضمون نتعامل مع الوثائق والإرساليات مهما كان نوعها. ومن ثم، لابد أن تكون الوثائق المحصلة تمثيلية، ويتم تحليلها بشكل شامل لتخدم أهداف الفرضية، أو تعمل على تحقيق غايات البحث. ولابد من توثيق الوثائق، والتثبت من صحتها انطلاقا من النقد الداخلي والنقد الخارجي، ومقارنتها بالوثائق الأكثر ملاءمة للأهداف المسطرة في البحث.
وبعد ذلك، ننتقل إلى مرحلة تحليل المتن أو المحتوى، بتفريع الملفوظات إلى فئات متدرجة ومرموزة، وتجريد التيمات الأساسية، وتحديد المؤشرات الفرعية، مع التعريف بالمفاهيم والمصطلحات الإجرائية التي سيشتغل عليها الباحث الفاحص، كأن ندرس مثلا ما قيل عن لوحة (موناليزا جيوكاندا) ليوناردودافنشي لتحليل مضامينها، ومعالجتها، وتأويلها.
وبعد ذلك، تأتي مرحلة القياس والحكم، بمعنى أن نقيس الجمل والكلمات والعبارات والمؤشرات كميا ورمزيا، بإحصاء تواترها وتواردها وحضورها وغيابها، مع ترتيب الرموز بشكل تصاعدي أو تنازلي، والحكم على فئة أو تيمة أو مؤشر، في ضوء أهميته الرقمية والكمية والرمزية. ومن ثم، نبتدىء بمستوى الكلمة أو اللفظ، باعتبار أن الكلمة أصغر وحدة تسجيلية، تحتاج إلى دراسة عددية. علاوة على ذلك، نقوم بدراسة الموضوع، وتحديد الفكرة العامة، بعد تلخيص النص. ثم، ننتقل إلى عملية التأويل والحكم والاستنتاج.
وعلى العموم، يعتمد تحليل المضمون منهجيا على وحدة الكلمة، أو مايسمى بوحدة التسجيل، ووحدة الموضوع أو الفكرة أو التيمة، ووحدة الشخصية، ووضع شبكات التحليل التي تشمل الفئات والتيمات ووحدات قياس الزمان والمساحة، ووحدة السياق أو المعنى. ومن ثم، فالفئات بمثابة خانات تتكون من عناصر عدة، وهي وحدات التسجيل أو القياس، تكون من صفة واحدة أو مشتركة، وتندرج ضمن خانة معية، وهي خانة الفئة. بمعنى أن الفئة بمثابة مجموعة من البنيات، فحينما نتحدث عن النظام المدرسي، مثلا، يمكن تحديد مجموعة من الفئات البنيوية، مثل: فئة الإدارة، وفئة المدرسين، وفئة التلاميذ، وفئة البرامج الدراسية، وتحت كل هذه الفئات تندرج مجموعة من الوحدات والعناصر المدرجة التي تحتاج إلى الدراسة والمعالجة الكمية والكيفية223.
المبحث التاسع: إيجابياته وسلبياته
لا أحد يشك في أن تقنية تحليل المضمون أداة علمية ووصفية مهمة في استنطاق الوثائق واستكشافها، وقراءة محتوياتها ومضامينها معالجة وفهما وتفسيرا وتأويلا واستنتاجا، لاسيما إذا تعاملنا مع هذه الوثائق والنصوص والخطابات بطريقة علمية موضوعية، باحترام خطوات البحث العلمي في التعامل مع الوثائق، وقراءة العينة المكتوبة والمسموعة والمصورة. وراعينا في ذلك أسس التحليلين الكمي والكيفي بشكل لائق، مع التشبث بالموضوعية، وإبعاد الذاتية والأهواء الإيديولوجية، وتمثل ثبات التحليل وصدقه على مستوى البناء، والمضمون، والتوافق، والتنبؤ224.
وبناء على ما سبق، يعد تحليل المضمون تقنية وصفية ناجعة في دراسة المضامين والمحتويات، وخاصة في مجال علمي الاجتماع أو السياسية بغية معرفة المواقف والآراء والانطباعات والتوجهات والقيم والميول والرغبات لتحليلها فهما وتفسيرا وتأويلا، كأن ندرس مواقف الأحزاب السياسية من التعليم في بلد معين، أو نحلل ما تقوله الأحزاب أو الجرائد حول قضية التربية والتعليم، أو ندرس محتويات الكتب والمقررات والبرامج والمناهج الدراسية، أو ندرس ما يكتبه التلاميذ أو الطلبة أو المدرسون، مع التركيز أيضا على مواقفهم الشفوية والمكتوبة والمصورة من خلال تحليل إجاباتهم... و" تجدر الإشارة إلى أن تحليل المضمون لايغني عن الطرائق البحثية الأخرى، فهو يلجأ إليه بالأساس في حالات تعذر المقابلة المباشرة والاستبيان، وفي حالة توفر إمكانيات المقابلة، فهو قد يستعان به لتحليل مستوى الإجابات فيها، وأيضا في حالة وجود ضرورة لفحص لغة المبحوث، كما يستخدم كذلك في حالة تعدد الوثائق والرسائل، حيث يساهم في تسيير التعامل معها ودراستها."225
بيد أن ما يلاحظ على منهجية تحليل المضمون هو تأرجحها بين الذاتية والموضوعية. فمن الصعب أن يكون الباحث أو الدارس موضوعيا في هذا النوع من التحليل؛ لأنه لابد أن ينطلق من منطلقات ذاتية في تحليل كذا نوع من المحتويات، مهما حاول هذا الباحث التجرد من أهوائه العاطفية والانفعالية والإيديولوجية. وفي هذا الصدد، يقول أحمد أوزي:" من المشاكل التي تقابل الباحث الذي يستخدم أي أداة من أدوات جمع البيانات تحديد مدى ثبات، وصدق أدواته، حتى يتم الاطمئنان إلى نتائج بحثه. وتحليل المضمون لايشد عن هذه القاعدة.غير أن معياري الصدق والثبات ليسا مقصورين على مرحلة من مراحل تحليل المضمون دون أخرى، إذ من الممكن أن يتسرب الخطأ إلى البحث في أي مرحلة من مراحله، مما يقلل من صحة النتائج، ويؤدي إلى الطعن في صحتها."226
وعلى أي حال، سيبقى تحليل المضمون أداة ناجعة في تحليل الوثائق والإرساليات والخبرات، مهما كان نوعها ومجالها وطبيعتها، مادامت تعتمد على استنطاق المعطيات والبيانات في ضوء التحليلين: الكيفي والكمي. وبالتالي، تستهدي بالفرضية إن تشريحا وتركيبا، وإن استقراء واستنباطا.
يتبين لنا، من خلال ما سبق ذكره، أن تحليل المضمون، سواء أكان منهجية أم أداة أم أسلوبا، طريقة ناجعة ومفيدة في الملاحظة، والتحليل، والمعالجة، والتأويل، والاستنتاج. بمعنى أن تحليل المضمون أداة إجرائة ناجحة في دراسة المواد الإعلامية، والسياسية، والاجتماعية، والنفسية، والاقتصادية، والثقافية، والتربوية، والأدبية... بغية تحديد معطياتها الموضوعاتية تعريفا وتصنيفا وترميزا وتكميما. وبعد ذلك، تأتي مرحلة المعالجة الإحصائية، والتحليل الدلالي، والفهم الموضوعاتي الظاهري والمضمر، واستخلاص النتائج، والتثبت من مدى صحة الفرضية، مع تبيان مجمل التوصيات والاقتراحات المهمة.
وعلى الرغم من أهمية هذه الأداة في الملاحظة والوصف والمعالجة والتحليل والفهم والتفسير في مجال البحث العلمي، أو في مجالات أخرى، إلا أنها تبقى أداة غير موضوعية بشكل أو بآخر؛ إذ يغلب عليها الذاتية، وعدم مصداقية بعض النتائج التي يصل إليها الباحث الذي يستخدم تحليل المضمون، على الرغم من وجود الأدوات الإحصائية. ومن ثم، تبقى البحوث التجريبية أكثر مصداقية وعلمية وموضوعية من باقي الأدوات والآليات المنهجية الأخرى في دراسة الظواهر الاجتماعية والقانونية والسياسية.









ملحق لنموذج من نماذج تحليل المضمون

استمارة تحليل مضمون كتابات المساجين(227)

أولا:البيانات الأولية:

1- جنس صاحب النص:
ذكر أنثى
2- المؤسسة التي ينتمي اليها:
مؤسسة وقاية مؤسسة إعادة تربية مؤسسة إعادة تأهيل
3- نوع الموضوع:
نص نثري نص شعري
4- تلخيص مضمون النص:







4 -الفكرة والموضوع الرئيس للنص:
......................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................
5-الأفكار والمواضيع الفرعية والثانوية بالنص:
........................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................


ثانيا: التحليل الشكلي:
الفئة الفئة الفرعية الفئة تحت الفرعية توجد لاتوجد خصائص كتابات المسجونين
الضمائر المستخدمة في الكتابة
ضمير المتكلم ضمير المخاطب ضمير الغائب المقابلة بين الاضداد الانتقال بين زمنين متضادين. الانتقال بين مكانين متضادين. الانتقال بين حالتين نفسيتين متضادتين. النزعة اللفظية تكرار لفظي تكرار معنوي المستوى الصرفي الماضي المضارع المستقبل المستوى الدلالي
معجم السجن والوسط المغلق. معجم الحرية والوسط المفتوح معجم الغربة والعزلة والمنفى معجم الطبيعة معجم الحيوانات
معجم الأزمنة معجم الانسان مستوى التركيبي

جملة فعلية جملة اسمية الأسلوب
الأسلوب الخطابي الأسلوب الرمزي أسلوب النهي أسلوب النداء والأمر الحذف التشخيص التجسيم
ثالثا:التحليل الموضوعي: الفئة الفئة الفرعية الفئة تحت الفرعية وجود عدم وجود أثر الإيداع في السجن على البناء النفسي للمسجون


الاكتئاب




نقص الدافعية والكفاءة الذاتية.
التشاؤم و الأفكار غير العقلانية والسوداوية التفكير الاجتراري التمركز حول الذات اللامبالاة وعدم الاستمتاع بالأشياء والأحداث كما كان في الماضي. المعاناة الجسدية. اللامعنى التشيؤ العجز وفقدان الكفاءة الذاتية العزلة عدم الوعي بالذات فقدان الشعور بالفردية مفهوم الذات مفهوم ايجابي للذات مفهوم سلبي للذات












الإحباط





الشعور بالفشل لفقدان المكانة والدور الاجتماعي. التوتر الناجم عن توقع الوصم الاجتماعي والرفض. التوتر الناتج عن تخلي الأسرة والأصدقاء عليه. التوتر الناتج عن الحاجز المادي الممثل في السجن. القلق الناتج عن التفكير في مصير الاسرة. العدوانية عدوانية نحو الآخر التعبير لفظيا عن المشاعر نحو الذات. ايذاء الذات. الاندفاعية المخاطرة وقبول المواقف غير المألوفة تمثل السجين لعاملي الزمان والمكان







































ايقاع الزمن بالوسط العقابي






الزمن العقابي يتسم بالرتابة والروتين. الجمود والسكون( زمن ساكن وثابت و متوقف ودائري). الزمن العقابي سلبي
البطء والديمومة غياب المعالم الزمنية أو تشويشها. فقدان الحس والوعي الزمني. الليل مصدر صراع للسجين. الزمن العقابي زمن فارغ خال من المعنى وضائع. ايقاع الزمن بالوسط خارج السجن
الاستمرارية تكرار الاحداث لبلوغ المستقبل. قابلية تعديل وتغيير الأحداث. سرعة استنفاذ الزمن. الافق الزمني التركيز على مرحلة ما قبل السَجْن. تجسيد الحاضر تصور المستقبل ومرحلة ما بعد الافراج. الاتزان في تجسيد الأزمنة الثلاثة. يستحضر السجين الماضي والمستقبل في الحاضر. الإيقاعية المد والجزر الانتقال من الماضي الى المستقبل. المكان في الوسط العقابي

السجن يستدعي أفكارا متعلقة بالموت والمنفى. المعالم المكانية ترتبط بالضيق والانغلاق والقيود والاسوار غياب الامتداد المكاني. السجن والملكية الجماعية. السجن فضاء مفتوح على المجهول. الصمت القاتل. المكان خارج السجن


الوسط المفتوح يكرس شعور الفرد بالحرية. المكان بمثابة داعم للفرد. البيت هو أهم المعالم المكانية للمسجون. الوسط المفتوح يعكس الامتداد المكاني. أساليب المواجهة وآليات الدفاع الموظفة من طرف المسجون
الاساليب الشعورية
البحث عن المساندة الاجتماعية التجنب حل المشكلات الالتزام الديني إعادة التقييم الايجابي الأساليب اللاشعورية الاسقاط التبرير الإعلاء النكوص الإنكار اتجاهات السجناء









اتجاهات النزلاء نحو العقوبة تتناسب العقوبة وطبيعة الفعل الانحرافي المرتكب. اتجاهات النزلاء نحو المؤسسة العقابية





تلعب البرامج الاصلاحية والسياسة العقابية دورا كبيرا في
تطوير مهارات وشخصية السجناء. تعد المؤسسة العقابية السجناء لمرحلة الافراج والاندماج في الحياة الاجتماعية. المؤسسة العقابية هو مؤسسة لتعليم الجريمة. تشجع المؤسسة العقابية المجتمع المدني على المساهمة في اصلاح المساجين. يساهم المجمع مساهمة فعالة في اندماج المسجون وتوافقه بعد الافراج. وجود ومساندة أسرة المسجون يساهم بصورة كبيرة في عملية اصلاحه. اتجاهات السجناء نحو الثقافة الفرعية ضرورة الالتزام بقواعد وضوابط المؤسسة العقابية. -تبني قواعد ومعايير مناهضة

للمجتمع وللمؤسسة العقابية بهدف الحصول على الدعم والتوافق مع متطلبات مرحلة الحَبْس. -ويتجسد من خلال رفض المسجون لما يحيط به من جوانب اجتماعية وثقافية تمرد إيجابي ييتمثل في الرفض الموجه نحو رفض للثقافة الجانحة وكل أشكال الانحراف تمرد سلبي برفض المسجون لقواعد المؤسسة العقابية أو معايير المجتمع. القيم التي تعكسها كتابات السجناء و تحكم سلوكهم







































القيم الأخلاقية
بر الوالدين الغدر والخيانة االعفو والتسامح وإبداء النصيحة نبذ الظلم و الاستغلال الالتزام بالصدق الالتزام بالأمانة والوفاء احترام القانون والنظام القيم الاجتماعية



الدعوة للعمل والمثابرة نبذ الفرقة والتعصب الديني التنفير من الآفات الاجتماعية كالفوضى والفساد. تحمل المسؤولية. التعاون وتنمية الروح الجماعية. تقدير حرية الانسان وكرامته. القيم العقلية
تقدير قيمة العلم والاعتداد به. تقدير جهود العلماء ودورهم. الاحتذاء بالعلماء. تقدير أهمية الابداع والابتكار القيم الصحية





التشديد على أهمية النظافة الشخصية والبيئية. الحفاظ على الصحة والوقاية من الأمراض المعدية. الالتزام بالقواعد و التعليمات الصحية المفروضة في البيئة السجنية. القيم الروحية
والدينية





الصبر عند الابتلاء واليقين بالفرج وحسن العوض. اعطاء الضغوط و الازمات معنى الابتلاء من الله والإختبار للعبد. الايمان بالله العدل المساواة التوبة وطلب العفو. القيم الوطنية




حب الوطن والتضحية من أجله. الحث على الوحدة الوطنية . الاعتزاز بالانتماء للأمة الاسلامية احترام التراث العربي والاعتزاز به

الفصل الثامن:
تقنية الروائز
تعد الروائز من أهم التقنيات السيكوبيداغوجية التي تستعمل في مجال التربية والتعليم من أجل الاختبار والقياس والتقويم، وتطوير المنظومة التربوية على جميع المستويات والأصعدة.كما تعد هذه الروائز من أهم الآليات الإجرائية التطبيقية في بناء البحث الوصفي، وتقوية الملاحظة الاستطلاعية والميدانية. ومن ثم، فالروائز بمثابة اختبارات وفحوص وفروض متنوعة كما وكيفا، يراد بها قياس القدرات العقلية لدى الشخص المفحوص، ورصد مهاراته واستعداداته ومواقفه وميوله.دون أن ننسى أن الروائز كانت تستعمل بداية في المجال النفسي لقياس الذكاء، وضبط القوى العقلية، وتقويم الأداءات الحركية.وبعد ذلك، استثمرت في المجال الاجتماعي لقياس العلاقات الاجتماعية، ضمن ما يسمى بعلم النفس الاجتماعي، أو ديناميكية الجماعات. وقد استعملت أيضا في مجال البيداغوجيا والديدكتيك لتقويم الخبرات التعليمية- التعلمية، وتشخيص مواطن القوة والضعف لدى المتمدرس من جهة، وتبيان الإيجابيات والسلبيات داخل المنظومة التربوية من جهة أخرى، باستكشاف مكوناتها كلها بالنقد والتحليل والتوجيه.
إذا، ما الرائز؟ وما أنواعه؟ وما تاريخه؟ وما شروطه وأهدافه وأهميته؟ وما مكوناته البنيوية؟ وما إيجابياته وسلبياته؟ وكيف يبنى البحث التربوي أو السيكولوجي في ضوء الروائز؟
المبحث الأول: مفهوم الرائز
من المعلوم أن مصطلح (Test) مصطلح إنجليزي، يقصد به الرائز، أو الاختبار، أو الفرض، أو المقياس، أو المعيار، أو الاستبانة، أو القائمة... بمعنى أن الرائز تقنية سيكوبيداغوجية واجتماعية إجرائية، هدفه قياس القدرات المعرفية والنفسية والحسية الحركية.أي: إن الروائز عبارة عن اختبارات تقويمية لقياس القدرات الذهنية والاستعدادات والمواقف والميول.ويعني هذا أن الرائز (Test) بمعنى الاختبار والفحص والقياس والتقويم والسبر. وقد انتقل هذا المصطلح إلى علم النفس من قبل العالم السيكولوجي كاتل (Mc Keen Cattel)، و" هو اختبار مقنن في استعماله؛ يقوم بتقديم مؤشرات عن المفحوص، حسب نوع الاختبار، وما إذا كان يقيس الجوانب الوجدانية أو العقلية أو المعرفية أو الحسية - الحركية228."
ومن جهة أخرى، يرى عبد الكريم غريب أن الرائز هو" عنصر استمارة، أو أداة تقييم، أو شبكة ملاحظة. ففي حالة التعليم المبرمج، مثلا، يتكون الرائز من مجموع الأجزاء (اختبار+استمارة) التي تأتي بعد جواب التلميذ.وفي استمارة للتقييم الإجمالي، نرفق كل رائز بنقطة عددية أو قيمة كمية تسمح بالتنقيط."229
ويعني هذا أن الروائز بمثابة اختبارات قياسية، واستلزامات تقويمية متنوعة، يراد بها قياس الاستعدادات النفسية للشخصية، ورصد مختلف تفاعلاتها مع الأفراد والجماعات، وتقويم الخبرات والتعلمات في مختلف مكوناتها البيداغوجية والديدكتيكية، وتحديد نسب الذكاء والذاكرة، وحساب القدرات العقلية والمعرفية والثقافية...ومن ثم، يعرف دولاندشير(Delandsheere) الرائز بأنه" اختبار يتكون من مجموعة من الأسئلة الكتابية أو الشفوية، مقننة تقنينا عاليا، لضمان الموضوعية والدقة المتمثلة في الصدق والثبات، وهو من حيث الموضوع يتناول جميع جوانب الشخصية بالوصف والقياس، كما يهتم أيضا بالتقويم بمعناه الشامل.230"
ويعني هذا كله أن الرائز، سواء أكان كتابيا أم شفويا، مقياس اختباري وتقويمي مفيد، يقيس الشخصية من مختلف نواحيها: الذهنية، والعقلية، والوجدانية، والنفسية، والاجتماعية، والثقافية، والتربوية، في ضوء معايير ومقاييس مضبوطة، تتميز بالتقنين، والمعيرة، والثبات، والصدق، والدقة، والموضوعية، والعلمية، والتدرج، والملاءمة... ويعني هذا أن الروائز، على الرغم من" تعدد أنواعها ووظائفها وأصولها، أدوات تمكن من التغلغل إلى أعماق المفحوصين، للتعرف على ميولهم ومواقفهم الحقيقية، وليس المصرح بها فقط.كما تساعد على قياس بعض القدرات، كالذكاء العام، أو القدرات الخاصة كالتذكر، وبعض المهارات أو الميول المهنية والفوارق الفردية، والرائز لا يختلف في شكله كثيرا عن الاستمارة."231
وعليه، فالروائز هي مجموعة من الاختبارات والمقاييس والمعايير التقويمية للتثبت من ظاهرة ما، والتأكد منها علميا، كأن نقيس الذكاء - مثلا-، أو ندرس التفاعلات الاجتماعية التي تحدث بين الأفراد داخل جماعة معينة، أو نرصد ميول الشخصية، ومواقفها، ورغباتها، واستعداداتها، وقدراتها العقلية والذهنية والثقافية والنفسية والمهارية...
المبحث الثاني: أنواع الروائز
يمكن الحديث عن أنواع عدة من الروائز الاختبارية، كالروائز النفسية، والروائز العقلية، والروائز الاجتماعية، والروائز الثقافية، والروائز البيداغوجية والديدكتيكية...

المطلب الأول: الروائز النفسية
يهتم الرائز النفسي (psychological test )بدراسة الشخصية في مختلف جوانبها الشعورية واللاشعوية.كما يعكس هذا الرائز مختلف سلوكيات الشخصية، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، فردية أم جماعية. ويعني هذا أن الرائز النفسي يرصد محددات الشخصية النفسية، من حيث ميولها، وأهواؤها، واستعداداتها، وقدراتها الفطرية، مع تبيان دوافعها ورغباتها...أي: إن الرائز النفسي تقرير موضوعي لسلوك الشخص المفحوص، بعيداً عن تدخل العوامل الذاتية للفاحص أو لمصحح الرائز. ويعرف الرائز النفسي أيضا بأنه اختبار يسمح بأن نقيس، بطرائق علمية، مختلف أوجه العملية الذهنية والانفعالية، ولاسيما تلك المتعلقة بسمات الشخصية والسلوك والذكاء.
ويشير الرائز(test)، في مجال دراسة السلوك الإنساني، إلى طريقة منظمة وموضوعية في إعداد وتطوير مجموعة من البنود أو الأسئلة،واستخدامها في الكشف عن جانب محدد من جوانب الشخصية، وتسمح بالوقت نفسه بمقارنة الأفراد فيما بينهم في هذا الجانب حصراً. فثمة رائز للذكاء، ورائز للقدرات، وآخر للتحصيل، ورابع للشخصية... وهكذا.. فالرائز هو مقياس موضوعي يتألف من مجموعة من البنود التي تكشف سلوكاً ما، من أجل تقويمه، وتبيان نوعه ونمطه وطبيعته.
وعليه، فمن أهم الروائز النفسية رائز النمو العقلي، أو رائز الذاكرة والذكاء، وهدفه" هو تحديد مستوى ذكاء الفرد تحديدا، يمكن من تفسير التخلف الدراسي – مثلا- عند بعض التلاميذ، أو المساعدة على تكوين فصول متجانسة في المستوى العقلي، وتوجيه الطلاب وغيره.إن المساعدات التي يقدمها هذا النوع من الروائز للمدرسة والمربين لا يمكن حصرها، بل يمكن القول:إنها ساهمت في تطوير علوم مثل: البيداغوجيا والتقويم وغيرهما من مواضيع علوم التربية.ويقدم القياس النفسي للباحثين مجموعة كبيرة من هذه الروائز، ما عليهم إلا أن يختاروا ما يلائم ويستجيب لأهداف بحوثهم.232"
ويمكن الحديث أيضا عن روائز الاستعدادات والميول النفسية لدى الراغبين في مهنة أو وظيفة ما، أو رغبة في انتقاء كفاءة معينة لشغل منصب ما، وهذه الروائز " شائعة خاصة في مراكز التوجيه المهني أو عند الحاجة إلى معرفة قابليات الأشخاص، بغية توجيههم نحو المهن أو التخصصات- في التوجيه المدرسي- التي تلائم استعداداتهم وميولهم.وقد جعلتها الدول المتقدمة أداة ضرورية في الدراسة، واختيار الموظفين أو العمال؛ لأنها تقدم ما يسمى " بالسحنة النفسية/profil psycologique" لكل ميدان في هذه الميادين، مما يضمن التكيف والنجاح في التخصص الدراسي أو العمل المهني للمفحوص.233"
ويمكن الحديث كذلك عن روائز الشخصية التي تتعلق بمكونات الفرد الذهنية والعقلية والنفسية والوجدانية كلها، و" كل ما يتيحه قياس الذكاء والاستعدادات لدى شخص هو معرفة ما يستطيع عمله، ولابد لنا، إذا أردنا أن نعرف هل سيعمل ما في وسعه أن يعمله، أن نقيس شخصيته. أي: طباعه وأخلاقه وميوله وعواطفه وانفعالاته...وتتميز هذه الروائز عن سابقتها بكونها تحاول سبر مجال ينتمي إلى أعماق الإنسان، مما يجعل مسألة القياس نسبية.وبالتالي، فالتقدير هو الكلمة المناسبة لوصف ما يقوم به الباحث.ونظرا للطبيعة الخفية والعميقة للموضوع المراد دراسته أو تقديره، فقد كان لابد من إيجاد الوسائل المناسبة كالروائز التحليلية التي تقدر الأخلاق والطباع أو المزاج، والاهتمامات والميول والعواطف، ثم الروائز الإسقاطية التي تهدف إلى البحث عن الجوانب الدفينة في شخصية المفحوص، من خلال وضعه أو مواجهته بمواقف عليه أن يعبر عما يحس به تجاهها، أو التفسير والتأويل الذي يراه مناسبا لأحداث تعرض عليه كقصة، أو قصة مستوحاة من صور مبهمة، أو بقعة حبر، أو دعوته إلى لعب دور في مسرحية، وهكذا.234"
وعليه، فالرائز النفسي هو الذي يتعلق بسبر الشخصية في مختلف جوانبها وتمظهراتها الشعورية واللاشعورية والنفسية والسلوكية بغية فهمها وتفسيرها، من أجل توجيهها، وتعديل سلوكها، وتصويبها قيميا وأخلاقيا.
المطلب الثاني: الروائز العقلية
تهتم الروائز العقلية بقياس الذاكرة والتذكر والذكاء والقدرات العقلية، بوضع مجموعة من المقاييس الحسابية لذلك بغية وضع تصنيفات نوعية للشخصية الذكية والشخصية غير الذكية. وتسمى هذه الروائز العقلية أيضا بالروائز المعرفية. و" تساعد على تقويم الطلاب تقويما دقيقا وموضوعيا، وتصنيفهم حسب مستوى تحصيلهم تصنيفا دقيقا، يساعد المدرس على تكوين صورة واضحة عن طلابه، ويساعد هؤلاء على معرفة مستواهم الفعلي، وما حققوه من أهداف تعلمية، وما لم يتحقق.والدقة – هنا- تعني إبعاد الذات، وتجنب كل المؤثرات التي يمكن أن تشوه التقدير أو الحكم على الإنجاز الذي تحقق. وبالإضافة إلى ما تقدمه للعملية التعليمية-التعلمية من خدمات، فإن هذه الروائز توظف أيضا للوقوف على مدى تحقق الأهداف التعليمية العامة في البرامج والمناهج.وبالتالي، العمل على تطويرها وإصلاحها، عندما تظهر الحاجة لذلك."235
علاوة على ذلك، تعد الروائز العقلية الأقدم في مجال المعرفة النفسية، فقد ظهرت منذ بداية القرن العشرين لحساب الذكاء العام والخاص، وتقويم الذكاء الاجتماعي والعاطفي.ومن ثم، وضعت مقاييس ومعايير عالمية في هذا المجال لرصد الفوارق الفردية، وتطوير المنظومة التربوية وإصلاحها.
المطلب الثالث: الروائز الاجتماعية
ترتبط الروائز الاجتماعية برصد التفاعلات السيكواجتماعية التي تحدث بين الذوات، وتبيان الميول والأهواء والاستعدادات الاجتماعية.بمعنى أن الروائز الاجتماعية تهتم بقياس العلاقات الاجتماعية ضمن ما يسمى بالأساليب السوسيوميترية. ويمكن للأستاذ أيضا الاستعانة بهذه الطريقة التحليلية لرصد مختلف العلاقات العاطفية غير الشكلية (غير الرسمية) داخل الجماعات الصغرى، وتطبيق السوسيوغرام لمعرفة مجمل التفاعلات الوجدانية والقيمية التي تتحكم في جماعات القسم، وتحديد أدوار التلاميذ، وتبيان أوضاعهم في القسم قصد تحسين مناخ القسم، وتهذيب العلاقات التفاعلية الموجودة بين عناصر النسق الدراسي، من أجل تحقيق نتائج جيدة كما وكيفا في آخر السنة الدراسية.
ومن هنا، لابد للمدرس من إجراء اختبار أولي لمعرفة مكونات الجماعة، وفهم سيرورتها العملية، بتوزيع الاستمارة التفاعلية على تلاميذ الفصل الدراسي ليجيبوا عن أسئلتها وبنودها، متتبعين التعليمات التالية:
(عدم نشر الإجابات.
( ستمكن الإجابات من تكوين جماعات.
(مع من تريد أن تلعب أو تعمل؟
( من الذي تعتقد أنه سيختارك؟
(من الذي لاتحب اللعب والعمل معه؟
(من تعتقد أنه سيرفضك؟
وبعد دراسة الاستمارة، وغربلتها بشكل علمي وموضوعي، يضع المدرس أسماء التلاميذ على خط الدائرة، ويقوم بوضع السهم الذي يتجه من شخص إلى آخر، في شكل مبيان تمثيلي لمختلف العلاقات التفاعلية، ويسمى هذا المبيان بالسوسيوغرام(SOCIOGRAMME).
وبعد مرحلة التمثيل، وتشكيل دائرة التفاعلات السيكواجتماعية، يلتجئ المدرس إلى تصنيف التلاميذ حسب منطق التفاعلات النفسية - الوجدانية، ويرتبهم من الأكثر شعبية وتواصلا إلى الأقل شعبية وإقبالا حتى يعرف العلاقات النفسية الاجتماعية داخل فصله الدراسي. وبالتالي، يبحث عن أسباب الإقبال والنبذ على مستوى التفاعل التواصلي، ويصحح ما يمكن تصحيحه، أو يعالج ما يمكن معالجته نفسيا واجتماعيا.
وفي هذا الصدد، يقول ليوبولد فان دالين:" في العقود الأخيرة من هذا القرن، أخذ الباحثون يطورون طرائق لقياس العلاقات الاجتماعية، للحصول على بيانات تتعلق بالتفاعل الاجتماعي بين أعضاء الجماعة.وتتضمن هذه الطرائق، في أبسط صورها، أن يطلب من كل عضو في الجماعة أن يحدد أي الأعضاء الآخرين يفضل أن يرتبط به بعلاقة، أو يشترك معه في نشاط معين، كأن يكون رفيقا له في حجرة، أو زميل عمل في مشروع.وأحيانا يطلب من المفحوصين كتابة اختيارين آخرين، ثان وثالث، وكتابة الأشخاص الذين يرفضونهم.وقد تمثل الاختيارات في شكل تخطيط بياني للعلاقات الاجتماعية(سوسيوجرام)، حيث يوضع اسم كل طالب في دائرة أو مثلث، وتستخدم خطوط توصل بينهم( صماء للقبول، ومتقطعة للرفض)، وأسهم تمثل اتجاه العلاقات بين الأشخاص.وتكشف هذه الشبكة من علاقات القبول والرفض عن نجوم الجماعة والاختيارات المتبادلة. كما تكشف أيضا الأشخاص الهامشيين والمعزولين؛ وتصور التجمعات الداخلية، والانقسامات الاجتماعية، وتماسك الجماعة.وقد تسجل البيانات السوسيوميترية في مصفوفة، يسجل بها أسماء جميع التلاميذ أفقيا ورأسيا: الأول فالثاني فالثالث، وتوضع علامات لاختيارات القبول والرفض(المعطاة والمستقبلة) في المربعات أو الخلايا المناسبة، ثم يدون مجموع حالات القبول والرفض لكل تلميذ أسفل المصفوفة."236
ومن هنا، يوظف الرائز الاجتماعي بكثرة ضمن ما يسمى بعلم النفس الاجتماعي، أو ما يسمى أيضا بديناميكية الجماعات، لرصد مجمل العلاقات النفسية والاجتماعية التي تتحكم في الجماعات الصغرى والكبرى.
المطلب الرابع: الروائز الثقافية
تعنى روائز الثقافة بما يتعلق بالقدرات الثقافية، وقياس المعلومات المخزنة لدى الإنسان المثقف. وتنصب هذه الروائز على الثقافة العامة.وبالتالي، تركز على القدرات العقلية والثقافية، مع تقويم طبيعة التفكير والتركيز، وسبر حيوية العقل والمنطق.علاوة على ذلك، تهدف الروائز الثقافية إلى استكشاف الذاكرة الثقافية لدى المفحوص، والتثبت من خزان معلوماته بكل مكوناته المختلفة، واستقراء المعرفة الخلفية والتناصية، وقياس المدى الثقافي والذكائي، في ضوء معايير مقننة، تسمح بتكوين معرفة عامة أو خاصة حول شخصية المبحوث.
المطلب الخامس: الروائز البيداغوجية والديدكتيكية
الروائز في مجال البيداغوجيا والديدكتيك عبارة عن مقاييس أو اختبارات تقويمية متنوعة، تسمح للأستاذ بمعرفة مواطن القوة والضعف لدى المتعلم من أجل مساعدته على تحسين مستواه الدراسي.أي: يعمل الرائز البيداغوجي على تقويم تعلمات المتعلمين، وسبر خبرات المتمدرس بغية تشخيص تعثراته ونواقصه في مجال التعلم من أجل إيجاد الحلول المناسبة لتطوير المنظومة التربوية في جميع جوانبها، وتحسين مستوى الأداء التعليمي، إما بالدعم، وإما بتجديد الأدوات والتقنيات والمناهج. وغالبا، ما ترتبط تلك الروائز التقويمية باختبار تعلمات التلميذ في ما تلقاه من مقررات دراسية في الأمس واليوم.


المبحث الثالث: خصائص الروائز
ترد الروائز بمختلف أنواعها ومجالاتها، وخاصة الروائز البيداغوجية والديدكتيكية، في شكل أسئلة وبنود متدرجة ومتسلسلة ومتنوعة على غرار أسئلة الاستمارة، وتتحول إلى وضعيات إشكالية وكفائية، تشمل جميع مكونات المقرر الدراسي: العربية، والرياضيات، والعلوم الطبيعية، واللغات الأجنبية، والعلوم الفيزيائية، والاجتماعيات، والتربية الإسلامية...إلخ. وتتحول هذه الروائز إلى وضعيات لفظية أو أيقونية (صور بصرية)، تتدرج من السهولة إلى الصعوبة.
علاوة على ذلك، تتنوع أسئلة الروائز؛ إذ يمكن الحديث عن: روائز الترتيب، وروائز الربط، وروائز التفضيل، وروائز التحصيل، وروائز التداعي، وروائز الإسقاط، وروائز الاختيار، وروائز التشكيل، وروائز الأداء، وروائز الميول، وروائز التشطيب، و روائز الصلة، وروائز التعليل، وروائز الاستكشاف، وروائز التعيين، وروائز التكملة، و روائز الاختيار المتعدد، و روائز الجداول، و الروائز المغلقة، والروائز المفتوحة، وروائز الصحة والخطأ، وروائز التجربة، والروائز المصورة، وروائز الأشكال، وروائز الذكاء والتذكر، والروائز الحركية والمهارية...
وتذيل تلك الروائز بجداول وسلالم التنقيط الكمي والكيفي، فيكون لكل جواب نقطة معينة، ورمز معين( جواب صحيح2/جواب خاطئ:0)، وتقويم كيفي( جواب صحيح-جواب خاطئ- أجوبة صحيحة على الأقل). وبعد ذلك، ننتقل إلى شبكة استثمار نتائج التقويم التشخيصي، باستعراض أرقام التلاميذ، وتحديد مجال الاختبار(العربية-العلوم الطبيعية- الفيزياء...)، وتبيان رقم السؤال، والتأشير على النقطة المعيارية، ورصد النقطة التي حصل عليها التلميذ، مع الإشارة إلى عتبة التحكم الخاص بكل مجال، مثل:13/18 أو 6/8، وعتبة التحكم العام في الرائز، مثل:19/26.
ويستوجب وضع الرائز، حينما يتحول إلى استمارة كتابية أو شفوية، التعريف باسم الباحث، والإشارة إلى الجهة الوصية، وتبيان موضوع الرائز، وتحديد المواد والمجالات المفحوصة، وتعيين السنة الدراسية، مثل: (تقويم المستلزمات الدراسية 2011-2010م-السنة الخامسة من التعليم الابتدائي- رائز مادة النشاط الطبيعي).
كما يستلزم الرائز البيداغوجي أو الديدكتيكي تحديد بطاقة تعريف التلميذ: (الاسم الكامل- اسم المؤسسة- اسم القسم- اسم المدرس أو المدرسة)، وتاريخ إجراء الرائز.
علاوة على ذلك، يتضمن الرائز البيداغوجي - مثلا- مجموعة من التوجيهات العامة، مثل:
(عزيزتي التلميذة، عزيزي التلميذ؛
ترتبط أسئلة هذا الرائز بما سبق أن درسته في المستويات الدراسية السابقة، ولها علاقة بالمقرر الذي ستدرسه السنة الحالية إن شاء الله. وليس هذا الرائز امتحانا ولا فرضا من فروض المراقبة المستمرة؛ فإنجازك خلاله سيمكن أستاذك من التعرف إلى مواطن القوة والضعف في تعلماتك ليساعدك على تحسين مستواك الدراسي.
وقبل أن تبدأ في الإجابة عن الأسئلة، اقرأ الأمثلة الآتية التي ستوضح لك كيف ستجيب عن أسئلة الرائز."
ويرفق هذا التوجيه العام بأمثلة متنوعة، توضح كيف تتم الإجابة عن أسئلة الرائز بشكل تطبيقي وإجرائي.
وعليه، يتبين لنا أن الروائز قد تكون لفظية أو غير لفظية، وقد تكون روائز معرفية ووجدانية وأدائية مهارية.بمعنى أن هذه الروائز هي التي" تتطلب جملة من المهارات لاتحتاج إلى استخدام الكلام، حيث يلجأ إلى المناولة أو حل بعض المشكلات حلا عمليا، أو السرعة في الإنجاز، مثل تكوين بعض الأشكال من قطع مشتتة، أو إدخال بعض القطع الخشبية في أماكن مناسبة، أو اكتشاف مخرج من متاهة.ويدافع بعض العلماء- وخصوصا الأمريكيين- على هذا النوع من الروائز؛ لأنهم يرونه صالحا للأطفال وللأميين، أو الذين لا يتقنون لغة البلاد، إضافة إلى قدرتها على قياس ما يدعى بالذكاء العملي."237
ويلاحظ أن أسئلة الروائز ومجالاتها كثيرة ومتنوعة، ومن الصعب حصرها. وبالتالي، فهي تختلف من مقياس إلى آخر حسب الفاحص أو الباحث. كما ترتبط هذه الروائز بالوقت المخصص لأسئلتها وبنودها.بمعنى أن مادة معينة من مواد التدريس تتطلب ما بين عشرة أسئلة إلى ثلاثين سؤالا، بل قد تتعدى بعض المقاييس مائة سؤال.
وللتنبيه، يستوجب الرائز الإجابة عن مجموعة من الأسئلة في وقت محدد(في المتوسط ساعة ونصف)، كأن يقدم الباحث (25 ) سؤالا لفظيا في( 20) دقيقة، و(15) سؤالا حول القدرات الرياضية في (20) دقيقة، و(20) سؤالا حول الاستدلال المنطقي في(25 ) دقيقة، و(4) أسئلة حول الانتباه والذاكرة في (10) دقائق.
المبحث الرابع: تاريخ الروائز
لم يكتف العلماء المعاصرون في دراستهم للظواهر النفسية والعقلية والاجتماعية والتربوية والثقافية بتحصيل المعلومات، وتجميع البيانات، وتوصيفها بشكل سطحي فقط، بل وضعوا مقاييس اختبارية أخرى، تسمى بالروائز(Tests) لاستكشاف مواقف الشخصيات بشكل دقيق، واستجلاء ردود أفعالها تجاه الواقع الموضوعي، مع التعمق في دواخلها النفسية الشعورية واللاشعورية من أجل رصد مختلف القدرات العقلية والنفسية، وتبيان الميول الاجتماعية لدى الفرد في علاقته بمحيطه وبيئته، واستقراء مختلف التفاعلات السيكواجتماعية التي تقع بين الأفراد والجماعات، وقياس القدرات الثقافية والخبرات التعلمية والتربوية.
وكانت أولى محاولة في هذا المجال مع العالم النفسي الإنجليزي گالتون (Galton)، حينما انصب اهتمامه على الفوارق الفردية. وتلت هذه المحاولة محاولات أخرى في قياس استعدادات الشخصية، وقياس القدرات النفسية، وتشخيص الفوارق الفردية." ومما يلاحظ أن هذه المحاولات ظلت تشكو من سلبيات أهمها أنها لم تكن مصحوبة بسلم متدرج أو مقياس معير، إلى أن تمكن الفرنسي بينيه (Binet) من وضع " سلم الذكاء المتري" بمشاركة سيمون (Simon) عام 1905م، وفيه وضع طرائق لتشخيص التأخر أو التقدم العقلي بالسنوات والأشهر، بحساب نسبة ذكائية بالمعادلة التالية: تساوي نسبة الذكاء السن العقلي على السن الزمني في 100. وبعد ذلك، ستظهر روائز كثيرة ومتعددة، وفي شتى المجالات.وتهتم بجوانب كثيرة من الشخصية، حيث يقدر عددها حاليا بما يربو عن عشرة آلاف رائز مقنن ومعير في العالم.238"
وعليه، فلقد بدأت الأبحاث في الروائز منذ بداية القرن العشرين، وقد استهدفت وضع مقاييس الذكاء، إما بصفة عامة، وإما بصفة خاصة، كما يبدو ذلك جليا عند ألفرد بينيه (Alfred Binet)الذي وضع مقياسا لاختبار الفوارق الفردية بين الأطفال الذين يقدرون على التعليم في المدارس العامة، وأولئك الذين لايقدرون على ذلك. وقد نقحه بينيه مرات عدة، وكان آخرها سنة 1911م. ويبدو أن الأسئلة مرتبة فيه بشكل متدرج، بحيث تبدأ من السهولة نحو الصعوبة. وقد نقح لويس ترمان مقياس بينيه عام 1916م، وسماه بمقياس ستانفورد بينيه.ويتكون المقياس من تسعين اختبارا مقسما إلى اثنتي عشرة مجموعة، تصلح كل مجموعة لسن معينة، مبتدئا من سن الرشد. وللاختبار كراسة تعليمات، وكراسة لتسجيل إجابات المفحوص. وقد قام تيرمان وميرل بتنقيحه أيضا سنة 1937م، وزادت دقة المقياس على صعيد التعليمات والمعايير. وقد نقل المقياس المنقح سنة 1937م إلى اللغة العربية من قبل الدكتور محمد عبد السلام والدكتور لويس كامل 239.
ويعني هذا كله أن كثيرا من الباحثين والدارسين العرب كانوا يعربون المقاييس النفسية الغربية، إما بالزيادة، وإما بالنقصان، وإما يحافظون عليها بشكل حرفي.
وقد وضع سبيرمان مقياسا للذكاء، ونشره عام 1904م، فكان أول تحليل إحصائي للذكاء، ثم نقحه وعدله ونشره في كتابه القيم:( قدرات الإنسان) عام 1927م.
وبعد ذلك، ظهر ثورنديك الذي انتقد نظرية الذكاء العام عند سبيرمان ليهتم بالذكاء النوعي أو الخاص. حيث قسم ثورنديك الذكاء إلى ثلاثة أقسام:الذكاء المجرد( القدرة على معالجة الألفاظ والرموز الأخرى)، والذكاء الميكانيكي( القدرة على معالجة الأشياء والمواد العيانية)، والذكاء الاجتماعي(القدرة على التعامل مع الآخرين بفاعلية)240. وقد نشر ثورنديك اختباره (CAVD) سنة 1926م. 
ومن الدارسين الآخرين الذين اهتموا بوضع روائز الذكاء واختباراته ترستون (Thurstone) الذي وضع مقاييس إحصائية للذكاء على غرار سبيرمان.
وهناك أيضا مقاييس ذكائية أخرى كمقياس دافيد وكسلر(David Wechsler) الذي وضعه صاحبه سنة 1939م، وقد راجع مقياسه الذكائي مرات عدة، ونشره مرة أخرى سنة 1955م، وقد ميز بين مستويات عدة من ذكاء الطفل( متفوق جدا- متفوق- ذكي- متوسط- غبي- بين الغباء والضعف العقلي- ضعيف العقل).
وهناك كذلك مقاييس عقلية معروفة جدا في مجال علم النفس، مثل: مقياس جيلفورد(Gilford)، ومقياس باترسون (Paterson)، واختبارات جان بياجيه (J.Piaget)، واختبار موراي(Murray)، واختبار ألفا وبيتا، والاختبارات المرتبطة بالصنافات المعرفية والوجدانية والحسية الحركية...
وبعد ذلك، تعددت الروائز بكثرة في الغرب والشرق على حد سواء.ومن " بين الاختبارات الهامة [في العالم العربي] تلك التي أعدها باحثون عرب بهدف قياس العمليات الذهنية، منها الاختبار المصور للباحث المصري أحمد زكي صالح، واختبار ترتيب الصور للباحث المغربي الغالي أحرشاو، واختبار العلاقة بين شيئين للباحث المغربي علي أفرفار241."
ويلاحظ أن مجمل الاختبارات والمقاييس النفسية والاجتماعية قد ظهرت في القرن العشرين، وقد ارتبطت بمجال التربية والتعليم لتحديد الفوارق الفردية، وتصنيف المتعلمين إلى مستويات ذكائية معينة، مع تشخيص مواطن القوة والضعف لدى المتعلم.


المبحث الخامس: مكونات الروائز
يستلزم الرائز، وخاصة في مجال التعليم والتربية، مجموعة من المكونات والعناصر الرئيسية التي يمكن حصرها في: الديباجة الموجهة إلى المفحوص على النحو التالي:
" (عزيزتي التلميذة، عزيزي التلميذ؛
ترتبط أسئلة هذا الرائز بما سبق أن درسته في المستويات الدراسية السابقة، ولها علاقة بالمقرر الذي ستدرسه السنة الحالية إن شاء الله.وليس هذا الرائز امتحانا ولا فرضا من فروض المراقبة المستمرة؛ فإنجازك خلاله سيمكن أستاذك من التعرف إلى مواطن القوة والضعف في تعلماتك ليساعدك على تحسين مستواك الدراسي.
وقبل أن تبدأ في الإجابة عن الأسئلة، اقرأ الأمثلة الآتية التي ستوضح لك كيف ستجيب عن أسئلة الرائز.)
ويتضمن الرائز أيضا مجموعة من المحددات المتعلقة بالباحث، والجهة الوصية على الرائز، والموضوع المبتغى، والهدف المقصود، والعينة المستهدفة، والتحديد الزمني والمكاني. دون أن ننسى أن نثبت في الرائز/الاستمارة بطاقة شخصية المفحوص المستهدف.وبعد ذلك، تقدم أمثلة توضيحية للمبحوث لتبيان كيفية التعامل مع الرائز.ثم، توضع الأسئلة أو البنود أو المشكلات الصغرى أو الوضعيات الإشكالية بشكل متدرج من السهولة نحو الصعوبة، تتأرجح بين الانغلاق والانفتاح، يستهدف بها الباحث الأفراد أو الجماعات.
وفي الأخير، يذيل الرائز بجدول الترميز والتقويم العددي، و إرفاقه بشبكة الاستثمار للتقدير والتقويم.وتتطلب الإجابة عن أسئلة الروائز إما استخدام الكتابة، وإما استعمال لغة شفوية أو حركية. كما تستلزم الإجابة عن أسئلة الروائز الاستعانة بأدوات معقدة، أو استعمال القلم والورق فقط.


المبحث السادس: أهمية الروائز وأهدافها
إن الهدف من الروائز هو قياس القدرات العقلية والمنطقية، ورصد القدرات اللفظية والرقمية لدى الشخصية المفحوصة؛ وذلك كله من أجل معرفة الشخصية معرفة جيدة من جميع جوانبها الذهنية والوجدانية والحسية.وقد نستعمل الروائز في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في انتقاء الكفاءات واصطفائها، ويمكن استثمارها أيضا في أثناء التوظيف لمعرفة شخصية المرشح من جميع جوانبها، واستكشاف خصائصها النفسية والعقلية والاجتماعية، والتأكد من مدى تلاؤمها مع المنصب المتبارى عليه. وقد يستعين بها علماء النفس لفهم الشخصية وتفسيرها، وتحديد توجهاتها وميولها واستعدادها. ومن ثم، فالروائز بمثابة " أداة مقننة للملاحظة، تسمح بوصف سلوك فرد معين.وعادة ما يكون هذا الوصف كميا، يسمح بمقارنة أداء الفرد بالأداءات المتوسطة لمجموعة من الأفراد الذين سبق أن اختبروا في الظروف نفسها.كما يمكن تقنين منهجية الملاحظة بواسطة الاختبارات؛ حيث تسمح بتفادي الاختلافات التي تحدث خلال عملية التقييم بين ملاحظين مختلفين؛ تلك الاختلافات التي عادة ما نلاحظها لدى بعض المدرسين عند تقييمهم لإنجازات تلامذتهم."242
ومن أهم أغراضها الإجرائية والتطبيقية ملاحظة المفحوص بدقة علمية، واستكشاف جوانبها الخفية والعميقة، مع إجراء تشخيص نفسي واجتماعي وتربوي وعقلي، والاستعانة بها في مجال التوجيه والإرشاد التربوي والمهني، والاستئناس بها في الانتقاء والتصنيف والاختيار، وتمثلها كأداة ناجعة في الإرشاد والعلاج، واستخدامها في البحث العلمي لتحصيل المعلومات، وتجميع المعطيات. ومن هنا، تعد الروائز من أهم التقنيات الوصفية في المقارنة بين المتعلمين، وتصنيفهم إلى فئات معينة حسب مستواهم الدراسي والعقلي والذكائي.


المبحث السابع: شروط الروائز
تتسم الروائز السيكولوجية والبيداغوجية بمجموعة من المواصفات التي يمكن تحديدها في ما يلي:
( الصدق: ويعني أن يرتبط الباحث بالموضوع المقصود، دون أن يخرج عن تصميمه إلى مواضيع أخرى. ولابد أن يتصف بحثه بالصدق الموضوعي. علاوة على صدق المعلومات والمعطيات والاستنتاجات، وصدق المعطى والمطلوب والاستقراء والاستكشاف، ويضم أيضا ما يسمى بالصدق التلازمي، والصدق التنبؤي، والصدق البنيوي.ويعني هذا أن " يقيس فعلا ما يريد الباحث قياسه، ويحقق القصد الذي من أجله بنى الرائز.فإن قصد من ورائه قياس مستوى الذكاء، وجب أن يقيس الذكاء فعلا، لا أن يقيس وظيفة أخرى.وإن قصد قياس مستوى تحصيل التلاميذ في مادة معينة ولمستوى محدد، وجب أن يفعل ذلك دون غيره، وإلا اعتبر غير صادق."243
ويرى ديولد فان دالين (Deold B.Van Dalen) أن الصدق مرتبط بصحة القياس وصدقه في التعاطي مع الظواهر المفحوصة.وفي هذا الصدد، يقول الباحث:" تكون وسيلة القياس صادقة، إذا كانت تقيس ما تدعي قياسه، والحاجة إلى هذه الصفة واضحة، ولما كان الصدق ذا أهمية قصوى، فإن الباحثين يقدمون من البراهين ما يدعم ادعاءاتهم، فيما يتعلق بالصفات التي تقيسها اختباراتهم، ويستخدم عدد من الأساليب لتحقيق هذا الصدق.فالباحث يحقق الصدق المنطقي أو المنهجي عن طريق تحليل القدرة أو المهارة التي يبحثها، أو محتوى المقرر الدراسي الذي ينوي قياسه، وإعداد وسيلة لقياس الجوانب المختلفة لهذا العامل."244
ويعني هذا أن الصدق هي صفة البحث العلمي بصفة عامة، وصفة الروائز بصفة خاصة، فلابد من توفر نوع من المصداقية على مستوى الأداة والمنهج والبحث والمعلومات.
(الثبات: نعني بالثبات أن تحقق الروائز النتائج نفسها، كلما تكررت التجربة نفسها.أي: ستبقى نتائج الروائز ثابتة في نتائجها ومعطياتها الاستنتاجية.ومن ثم، " يعتبر الرائز ثابتا عندما يكون على وفاق مع ذاته دوما.أي: إنه إذا طبق أكثر من مرة على الأفراد أنفسهم، أعطى النتائج نفسها.إن ثبات الاختبار يعني قدرته على أن يقيس دوما ما يقيس، كأن نحصل على النتائج نفسها، والترتيب نفسه، لأطفال تم قياس ذكائهم أكثر من مرة بالرائز نفسه.أما إذا حصلنا على نتائج تتباين من مرة لأخرى لدى الأفراد أنفسهم، فإنه في هذه الحالة يعتبر غير ثابت على حال."245
ولابد أن يراعي الباحث ثبات نتائج القياس، ولا يتحقق هذا الثبات إلا إذا تم تحصيل النتائج نفسها باستمرار، في مجموعة من الشروط المتشابهة.
( المعيرة: يقصد بالمعيرة الاحتكام إلى مجموعة من المقاييس الاختبارية، والفروض التقويمية الكمية والكيفية، مع تمثل المعايير المقننة لضبط ظاهرة ما بغية فهمها وتفسيرها بشكل جيد. ويعني هذا أنه لابد من معيرة المقاييس بتقنينها إحصائيا كما وكيفا. ولا يمكن للمقياس الاختباري أن يكون علميا أو مقننا إلا باتباع مجموعة من الخطوات العلمية بشكل دقيق وموضوعي.
(الدقة: تعني الدقة - هنا- إبعاد الذات، وتجنب كل المؤثرات التي يمكن أن تشوه التقدير أو الحكم على الإنجاز الذي تحقق. ويعني هذا أن الدقة ترتبط، بشكل من الأشكال، بالموضوعية العلمية، وتمثل الحياد والنزاهة، والابتعاد عن الذاتية والأهواء والعواطف في التعامل مع الظاهرة المدروسة.
( الموضوعية: ويقصد بها التزام الباحث بالموضوعية والنزاهة والحياد في التعامل مع المبحوث.أي: " عدم تأثر الرائز بذات المطبق له إن احترمت كل القواعد المقننة لاستخدامه، كأن يحصل التلميذ - مثلا- على العلامات نفسها، مهما تعدد أو تنوع المصححون للإنجاز نفسه.246"
( الملاءمة: حينما يختار الباحث مقياسا أو اختبارا عليه أن يتأكد هل ذلك القياس فعلا هو ملائم لهدفه. وبالتالي، مناسب لغايته التي يرومها من وراء ذلك البحث أم لا؟ وفي هذا السياق، يقول ديوبولد ب.فان دالين:"عند اختيار اختبار أو مقياس أو استخبار، يجب أن يتأكد الباحث من أنه وسيلة عملية بالنسبة لهدفه.فهل سيصل الاختبار إلى نوع البيانات التي يحتاجها؟ وهل سيؤدي إلى نتائج تكون دقيقة بدرجة كافية بالنسبة لأغراضه؟ وهل يناسب عمر المفحوصين ونوعهم. وللوقت والمكان اللذين ينوي استخدامه فيهما؟ فإذا وجد اختباران متساويان في الصدق والثبات يفضل عادة الاختبار الذي يكون أقل تكلفة.ويصحح بسهولة وسرعة، ويكون ميسرا في صور مختلفة، وله معايير. ويطبع معظم الناشرين كتيبات، تحوي معلومات مفصلة عن تكوين الاختبارات المقننة، وثباتها وصدقها، وكذلك عن طبيعة المجتمع الأصل الذي اشتقت منه المعايير.ويفحص الباحث الحكيم هذه البيانات بعناية تامة، أثناء بحثه عن وسائل القياس المناسبة.كما يتذكر دائما أثناء البحث، أن أفضل الاختبارات المتوفرة، لايمكن أن تعطي نتائج ثابتة، إذا طبقت بطريقة غير سليمة أو تحت شروط مشتتة وغير مرغوبة، أو إذا صححت بطريقة خاطئة، أو فسرت البيانات بطريقة غير دقيقة."247
( سهولة التطبيق: لايمكن الحديث عن مقياس ناجح وناجع ومفيد إلا إذا كان مقياسا علميا موضوعيا مقننا ومعيرا. وفي الوقت نفسه، لابد أن يكون سهل التطبيق، يتسم بالسهولة والمرونة واليسر في الاستعمال والاستثمار. وكلما كان المقياس معقدا وغامضا وغير واضح، فلايمكن للمبحوث أو المفحوص أن يستعمله بدقة وبشكل جيد. ويترتب عن هذا أن هذا المقياس الاختباري أو الافتراضي سيقدم لنا نتائج زائفة وغير حقيقية. وبالتالي، يصعب قراءتها، وتحليلها فهما وتفسيرا.


المبحث الثامن: بناء الروائز
يمكن أن تبنى الروائز في شكل صور، ويمكن أن تبنى في شكل أسئلة لفظية، و يمكن تحديد موضوع الرائز، والإشارة إلى الجهة الوصية عليه، وتحديد اسم الباحث، والعينة المستهدفة، وتبيان هدف الرائز، وتسحيل البطاقة الشخصية المتعلقة بالمفحوص، مع رصد فترة الرائز.
وتعقب هذه المعلومات الأولية مجموعة من الأسئلة المتنوعة التي تتأرجح بين الانفتاح والانغلاق، وتتراوح بين اللفظي والأيقوني، بعد أن يتدرب المفحوص على مجموعة من الأسئلة النموذجية والتوضيحية. وتختم هذه الأسئلة بمجموعة من الشبكات والجداول التقويمية لاختبار القدرات العقلية والنفسية والاجتماعية والتربوية لدى الفرد المستهدف. بيد" أن الواقع في بناء الروائز ليس بالأمر الهين أو المتاح لأي كان، لأنه يتطلب خبرة ومهارة فائقتين في التعامل مع مجموعة من التقنيات، إضافة إلى الوقت الطويل أو المجهود الكبير الذي يتطلبه هذا العمل.لهذا، غالبا ما يفضل الباحثون استخدام روائز جاهزة، ثبت صلاحيتها في مجال معين، كروائز الذكاء، مثلا، أو الميول المهنية، أو روائز الإسقاط وغيرها من الروائز المشهورة.
إلا أن بعض المواضيع قد تفرض على الباحث وضع أو بناء رائز خاص ببحثه، وفي هذه الحالة، لابد من مراعاة مجموعة من المراحل والشروط".248
ويمكن تحديد هذه المراحل في استجماع معلومات وافية حول الموضوع المراد دراسته من مختلف المصادر والمراجع، وتحديد أهداف البحث وغاياته وكفاياته الخاصة والمستعرضة، وتبيان أغراض القياس ووسائله ومراميه، واستشارة العلماء والباحثين المتخصصين في ما يسجله الباحث من بنود وأسئلة وروائز بغية معرفة آرائهم ومواقفهم بكل صدق وموضوعية. ثم، يقوم الباحث بتحرير بنود الروائز وتجريبها أوليا على عينة عشوائية للتثبت من صحة الرائز، والتثبت من سلامة لغته ووضوحها.وبعد ذلك، يحرر الباحث الرائز بدقة، بعد تصحيح مختلف أخطائه وهفواته ليشمل عينة كبيرة من المستهدفين، مع وضع معايير مضبوطة ومقننة علميا.وإذا كانت للرائز المجرب نتائج صادقة وناجعة، يمكن أن يتحول إلى رائز علمي عام، يمكن تمثله وتطبيقه في ظروف مماثلة ومشابهة.ومن جهة أخرى، يمكن الإشارة إلى أن لكل رائز طريقته الخاصة به.


المبحث التاسع: إيجابيات الروائز وسلبياته
للروائز مجموعة من الإيجابيات؛ إذ يساعدنا على قياس القدرات الذكائية، واختبار قدرات الذاكرة والتذكر. ومن جهة أخرى، يقوم خبرات التعلم، ويشخص مواطن الضعف والقوة لدى المبحوث. ويسهم في تحديد الفوارق الفردية، وتصنيف المتعلمين إلى فئات حسب معايير الذكاء والقدرة على التحصيل.
ومن ثم، تسعف الروائز الباحث في إصلاح المنظومة التربوية على جميع المستويات والأصعدة، وتساعد على الرقي بالعملية التعليمية- التعلمية، بتطوير وسائل التقويم، وتطوير آليات الاختبار والقياس والتقدير، وتقوية جودة الامتحانات والفروض.وبالتالي، لايمكن إصلاح التربية والتعليم إلا بعد التثبت من مجموعة من النتائج التي يتوصل إليها خبراء التربية، بعد معالجة الروائز الاستكشافية، وتفريغها في جداول مبيانية وإحصائية وقوائم شبكية تحليلا ونقدا ومقارنة واستنتاجا، بشكل علمي دقيق وموضوعي.
وكل من أراد أن يتحقق من مصداقية الرائز، ومدى علميته الموضوعية، فلابد من تحليل الرائز وتعديله وتنقيحه وتصويبه وتصحيحه مرات عدة، ليتلاءم مع الظروف المستجدة والوضعيات المعطاة، بضبط شروطه في كل مرة يستخدم فيها، سواء استخدم على المفحوص نفسه أم على مفحوصين آخرين.
ومن جهة أخرى، للروائز سلبيات أخرى، يمكن حصرها في طبيعة الرائز نفسه؛ حيث يتضمن مجموعة من الأسئلة التي يصعب على المفحوص الإجابة عنها نظرا لكثرتها (مائة سؤال مثلا)، وتشعب بنودها، واختلاف وضعياتها ومشكلاتها الصغرى، وتعدد ميادينها ومجالاتها. بالإضافة إلى قلة الوقت المخصص لتلك الروائز بأسئلتها المكثفة.
علاوة على صعوبة بناء الروائز بشكل علمي دقيق؛ إذ أصبحت الروائز عالمية، ينجزها متخصصون في علم النفس، أو علم الاجتماع، أو علم التربية، وفق مقاييس وضوابط موضوعية معينة. ولا يمكن لأي شخص أن يضع مقياسا معينا للروائز إلا إذا تمكن من شروط الرائز وضوابطه العلمية. أضف إلى ذلك لابد من إبعاد الذاتية في التعامل مع الظواهر المدروسة، وتبقى نتائج الروائز نسبية وغير حقيقية. ناهيك عن كون مجموعة من المقاييس الاختبارية يصعب تطبيقها بشكل ميسر وسهل؛ مما يؤثر سلبا في مردودية المقياس وجودته.
وللاختبارات أخلاقيات وشروط معينة. وفي هذا الصدد، يقول عبد الكريم غريب:"تتجلى أخلاقيات الاختبارات، في الاحتياط الذي يكتنف الاختبارات التقييمية التربوية، بحيث إن تسربها قبل إجرائها، من الأمور التي تقابل بنوع من السخط من قبل المدرسين والتلاميذ والآباء...؛ الأمر الذي يدعو إلى إعادتها.وتاريخ التعليم والتكوين حافل بمثل هذه الفضائح التي تخرج عن أخلاقيات الامتحانات الموضوعية؛ إذ من يستطيع التعرف عليها قبل موعد إجرائها يكون في وضعية مخالفة لمن لم يتمكن من ذلك.أي: وضعية قد تضمن له النجاح دون أدنى جهد شخصي يذكر... أما بالنسبة لأخلاقيات الاختبارات النفسية، فإن المختصين في هذا المجال، ينصحون بعدم إشاعة الاختبارات بين الناس، حتى لايتم التعرف عليها؛ الأمر الذي يجعل عامل الخبرة ذا تأثير إيجابي على درجة نتائجهم.كما ينصحون، أيضا، بعدم إفشاء النتائج المتوصل إليها خلال قياس عملية الذكاء أو الشخصية؛ لأن معرفة تلك النتائج قد يكون له أثر سلبي على المفحوصين. وبالتالي، على جهودهم في الدراسة أو العمل...؛ بحيث قد يصابون، في حالة معرفتهم بتوسط درجة الذكاء أو ضعفها، بخيبة أمل وفقدان الثقة بالنفس والدونية.ولذلك، فمن أخلاقيات الاختبارات، ألا توظف إلا في الظرف الذي تدعو الحاجة إليه، حتى لا تكون بمثابة لعبة متداولة، فتفقد وظيفتها التي وضعت من أجلها."249
وعليه، ستبقى الروائز تقنية منهجية وصفية صالحة لتحصيل المعلومات، وتجميعها في مبيانات وجداول وشبكات وبنود وأسئلة، وهي أداة ناجعة في تقويم المنظومة التربوية، وإصلاح خللها، وتصحيح أزماتها المتعددة بشكل من الأشكال.


المبحث العاشر: كيفية إعداد بحث تربوي أو نفسي في ضوء الروائز
إذا رغب الطالب، أو الأستاذ المتمرن، أن ينجز بحثا تربويا أو سيكولوجيا في ضوء الروائز البيداغوجية أو الديدكتيكية، فما عليه إلا أن يختار موضوعا تربويا معينا، مثل: الفشل الدراسي. فيبدأ في كتابة المقدمة، بتحديد الموضوع بمكوناته كلها، وتبيان الدوافع الذاتية والموضوعية، وذكر الفرضية وإشكالات البحث ومفاهيمه الاصطلاحية، وتوضيح أهمية الموضوع وأهدافه وأغراضه، والإشارة إلى الكتابات السابقة، مع توضيح تصميم الموضوع، والتشديد على محدداته، واستعراض منهجية البحث وتقنياته، والتعرض إلى الصعوبات والعراقيل التي واجهها الباحث، مع التصريح بعبارات الشكر والتقدير للمشرف، وكل من قدم له مساعدة أو معونة ما.
وبعد المقدمة، ينتقل الباحث إلى الفصل أو الباب أو القسم الأول المخصص للإطار النظري، فيشرع الباحث في التعريف بموضوعه، وتقسيمه إلى عناصر ومباحث ومطالب وفروع.وبالتالي، يتناول في الفصل أو الباب أو القسم الثاني الإطار التطبيقي، بالتركيز على منهجية البحث وتقنياته، وتبيان عينة البحث، والظروف التي تم فيها إجراء الرائز، وتحليل كل جواب على حدة باستقراء شبكة التنقيط، واستثمار نتائج التقويم في إطار جداول إحصائية ومبيانية، ثم توضيح النتائج تفسيرا ومعالجة ومقارنة واستنتاجا. وينهي الباحث عمله باستخلاص النتائج، وتقديم توصيات واقتراحات عملية.ثم، يذيل البحث بقائمة المصادر والمراجع، باحترام توثيق جمعية علم النفس الأمريكية(APA). ويلحق البحث بالروائز المستعلمة، وفهرس عام.
وهكذا، يتبين لنا أن الرائز تقنية وصفية بامتياز، هدفها استجماع المعلومات والبيانات من المفحوصين، بطرح مجموعة من البنود والأسئلة اللفظية وغير اللفظية، في ضوء معايير مقننة كما وكيفا. والغرض من هذه الروائز هو قياس القدرات النفسية والعقلية والذهنية، وتقويم الخبرات التعلمية، وحساب نسبة الذكاء، ورسم مستويات الميول والاستعدادات النفسية والوجدانية والأداءات المهارية الحسية الحركية...
والروائز أنواع متعددة: نفسية، واجتماعية، وثقافية، وتربوية، وديدكتيكية، وعقلية، وترتبط بجميع جوانب الشخصية: ذهنيا، ووجدانيا، وحركيا. ومن ثم، فالروائز مقاييس مقننة بمعايير وسلالم تقديرية، وتتسم بمجموعة من المواصفات، كالدقة، والعلمية، والثبات، والصدق، والموضوعية، والمعيارية...
وللرائز أهمية كبرى في مجال التربية والتعليم؛ لأنه يساعد الباحث على استكشاف مواطن الضعف والقوة في المنظومة التربوية بصفة عامة، واستجلاء نواقص العمليات التعليمية- التعليمة بصفة خاصة، وذلك كله من أجل إيجاد حلول ناجعة وأدوات ممكنة للحد من الآفات والسلبيات التي تعوق الوضعيات البيداغوجية والديدكتيكية على حد سواء.ويعني هذا كله أن الرائز تقنية وصفية من شأنها أن تقوم بمجموعة من الأدوار الإجرائية، مثل: الوصف، والتفسير، والتنبؤ، والاستكشاف، والاستقراء...


الخاتمة
يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن ثمة مناهج عدة يمكن توظيفها في مجال البحث العلمي بصفة عامة، والبحث التربوي والنفسي بصفة خاصة، منها: المنهج الوصفي، والمنهج التجريبي، والمنهج التاريخي، والمنهج الببليوغرافي، والمنهج النفسي، والمنهج الاجتماعي، والمنهج البنيوي، والمنهج السيميائي، والمنهج البنيوي التكويني...
وفي الحقيقة ثمة منهجان رئيسان يمكن تمثلهما في البحث التربوي أو السيكولوجي هما: المنهج الوصفي والمنهج التجريبي. فالمنهج الوصفي ينبني على مجموعة من التقنيات الإجرائية، مثل: الملاحظة، والمقابلة، والاستمارة، والروائز، ودراسة الحالة، ودراسة المضمون، والملاحظة بالمعايشة...
بينما يعتمد المنهج التجريبي على استخدام الإحصاء الوصفي والاستنتاجي، وتوزيع العينات المدروسة إلى مجموعات تجريبية وضابطة. ويبقى المنهج التجريبي أكثر مصداقية وعلمية وثباتا مقارنة بالمنهج الوصفي. كما يعد البحث الميداني التطبيقي أفضل من البحث النظري.
وعليه، فقد درسنا في هذا الكتاب مجموعة من التقنيات والمناهج العلمية التي تستعمل، بشكل من الأشكال، في البحث التربوي والنفسي، متتبعين في ذلك منهجية موحدة تقريبا، تجمع بين التنظير والتطبيق. فعلى مستوى الفرش النظري، كنا نبدأ موضوعنا بتعريف التقنية، فنذكر مقوماتها ومرتكزاتها، ثم نستعرض تاريخها، ثم نحدد أهميتها وقيمتها، ثم نقومها إيجابا وسلبا، مع الإشارة إلى كيفية كتابة البحث في ضوء تلك التقنية. ومن جهة أخرى، فقد ذيلنا كل تقنية بملحق خاص، يمثل خطواتها ومراحلها التطبيقية، وتوجد هذه الملاحق في آخر الكتاب، لتكون نماذج تمثيلية، يستهدي بها الطلبة والباحثون في دراساتهم الميدانية.
علاوة على ذلك، لم ننس عملية التوثيق، وكيفية كتابة البحث التربوي والنفسي؛ حيث وضحنا مختلف التقنيات والآليات الإجرائية في ذلك، مع تخصيص الكتاب بفصل تكميلي، يمس القضايا اللغوية، وخاصة القضايا الإملائية والتركيبية. وقد أثبتنا ضمن هذا الفصل اللغوي جدولا لمختلف علامات الترقيم: نطقا، ورسما، ودلالة، وسياقا.
وفي الأخير، يمكن القول: إن معرفة مناهج البحث ضرورة ملحة للاستهداء بها في كتابة الأبحاث والدراسات العلمية، والاستعانة بها في تحضير الرسائل والأطروحات الجامعية.













ثبت المصادر والمراجع
المعاجم:
1-ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2003م.
2-أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية،الطبعة الأولى 2006م،مطبعة النجاح الجديدة.
3-أحمد حسن الزيات وآخرون: المعجم الوسيط،الجزءالأول،المكتبة الإسلامية،إستانبول،تركيا،الطبعةالثانية، سنة 1972م.
4- عبد الكرم غريب:المنهل التربوي، الجزء الثاني، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.
5- محمد ياسر الخواجة وحسين الدريني: المعجم الموجز في علم الاجتماع،مصرالعربية للنشر والتوزيع،القاهرة،الطبعة الأولى سنة 2011م.

المراجع باللغة العربية:
6 - أبو بكر محمود الهوش: المدخل إلى علم الببليوغرافيا، منشورات الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع، طرابلس، ليبيا، الطبعة الأولى سنة 1981م.
7- أحمد أوزي: سيكولوجية المراهق، دار الفرقان، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.
8- أحمد أوزي: الطفل والمجتمع، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1988م.
9- أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية 2008م.
10- أحمد شلبي: كيف تكتب بحثا أو رسالة جامعية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثامنة عشرة، السنة 1987م.
11- أمحمد عليلوش: التربية والتعليم من أجل التنمية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2007م.
12- بيير غيرو: السيمياء، ترجمة: أنطوان أبي زيد، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، باريس، الطبعة الأولى سنة 1984م.
13- جابر عبد الحميد جابر: علم النفس التربوي، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، طبعة 1977م.
14- جميل حمداوي: من مستجدات التربية الحديثة والمعاصرة، منشورات الزمن، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2009م.
15- جودة أحمد سعادة: مناهج الدراسات الاجتماعية، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1984م.
16- خالد المير وآخرون: أهمية سوسيولوجيا المدرسة، سلسلة التكوين التربوي، العدد3،مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1995م.
17- خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي،سلسلة التكوين التربوي، العدد:16، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2001م.
18- ديوبولد ب.فان دالين: مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ترجمة: دكتور محمد نبيل نوفل، ودكتور سليمان الخضري الشيخ، ودكتور طلعت منصور غبريال، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية 1986م.
19- رولان بارت: مبادئ في علم الدلالة، ترجمة محمد البكري، عيون المقالات، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1986م.
20- سمير محمد حسين: تحليل المضمون، عالم الكتب، القاهرة، صمر، طبعة 1983م.
21- السيد فؤاد البهي: تحليل المضمون لصحيفة منار المغرب، القاهرة، مصر، سنة 1965م، نشر خاص.
22- شبل بدران: التربية والإيديولوجية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1991م.
23- الشيخ مصطفى الغلاييني: جامع الدروس العربية، الجزء الثاني، المكتبة العصرية، بيروت/صيدا، لبنان، الطبعة الثانية عشرة، 1984م.
24- صفوت فرح: المضمون بين التحليل والأبعاد: آفاق جديدة لتطوير الأسلوب، ندوة قياس الرأي العام في مصر10-12 مارس1981م.
25- عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.
26- عبد العليم إبراهيم: الإملاء والترقيم في الكتابة العربية، مكتبة غريب، فجالة، القاهرة، مصر، ب.ت.
27- عمر أوكان: دلائل الإملاء وأسرار الترقيم، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1999م.
28- فوزية فهيم: المادة الإخبارية في الإذاعة المصرية، دراسة في تحليل المضمون، القاهرة، كلية الإعلام، مصر، طبعة 1975م.
29- گي أ?انزيني: الجمود والتجديد في التربية المدرسية، ترجمة عبد الله عبد الدائم، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى 1981م.
30- مجموعة من الباحثين: مصطلحات تعليمية من التراث الإسلامي، د.خالد الصمدي، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة –إيسيسكو-، الطبعة الأولى سنة 2008م.
31- محمد زياد حمدان: تقييم المنهج، سلسلة التريبة الحديثة 25، دار التربية الحديثة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 1986م.
32- مختار التهامي: تحليل مضمون الدعاية في النظرية والتطبيق، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 1974م.
33- مصطفى سويف: الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 1959م.
34- ميلود حابيبي: الخطاب التربوي في الأدب الموجه للأطفال.نموذج المجلات المغربية، دبلوم بوست كراديا، بلجيكا، 1980م.
35- هادي نعمان الهيثي: صحافة الأطفال في العراق: نشأتها وتطورها، مع تحليل لمحتواها وتقييمها، دار الرشيد للنشر، العراق، طبعة 1979م.
36- وزارة التربية الوطنية والشباب: دليل الحياة المدرسية، شتنبر 2003م..


المراجع الأجنبية:
37-A. Greimas et E.Landowski: Introduction à l’analyse du discours en sciences sociales, Hachette université, Paris, 1979.
38-Baudelot, Establet: L'école capitaliste en France, Maspéro, Paris, 1971.
39- Bardin, L.: L’analyse de contenu. France: PUF.1977
40-Bernstein: Langage et classes sociales, ed de minuit, Paris, 1975.
41-Bourdieu, Passeron:Les héritiers; Ed.de Minuit; 1964.
42- Bourdieu, Passeron:La reproduction, éléments pour une théorie du système d'enseignement, Ed de minuit, 1970.
43- CHAMBERLAND, G., LAVOIE, L. et MARQUIS, D. 20 formules pédagogiques. Québec Presses de l'Université du Québec P.U.Q.).1995.
44-Delandsherere: Introduction à la recherche en éducation, Armand Colin, Bourrelier, 1982.
45-François Dépelteau: la démarche d’une recherche en sciences humaines, de la question de départ à la communication des résultats. ?d. De Boeck, Bruxelles 2010.
46-GUILBERT, L. et OUELLET, L.: ?tude de cas _ Apprentissage par problèmes. Québec: P.U.Q, 1997.
47-Ketele: L’analyse qualitative en éducation. Des pratiques de recherche aux critères de qualité. Bruxelles: De Boeck.2006.
48- ILLICh: Une société sans école, Seuil, Paris, 1971.
49-LIPMAN, M: ? l'école de la pensée. Traduction de Thinking in Education par Nicole Decostre. Bruxelles: De Boeck.1995.
50- MUCCHIELLI, R.: La méthode des cas. Paris: ?ditions sociales françaises.1969, 1970.
51-Mucchielli, R: L’analyse de contenu des documents et des communications. E.S.F.Paris.1977.
52-Perrenoud, PH: Stratification socio-culturelle et réussite scolaire, Dros, 1970.RICHERT, A. E.: Case methods and teacher education: using cases to teach teacher reflection. In Tabachnick, B. R. et Zeichner, K. (Eds.), pp. 130-150. Isues and practices in inquiry-oriented teacher education. New York: Falmer.1991.
53-Robert, A.D., & Bouillaguet, A.: L’analyse de contenu. Que sais-je ? Paris, France: PUF.1997.
54-SWARTZ, R. et PERKINS, D.: Teaching Thinking. Issues and Approaches. Pacific Grove, CA: Midwest Publications.1989.
55-VAN STAPPEN, Y.: L'enseignement par la méthode des cas: nature et fonctions, techniques d'application, types d'apprentissage. Joliette: Cégep Joliette-De Lanaudière.1989.
56- Vitali Christian: la vie scolaire, Hachette.Nouvelles approches, 1997.


المقالات:
57- عبد الستار بن محمد العوني: (مقاربة تاريخية لعلامات الترقيم)، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد السادس والعشرون، العدد الثاني، أكتوبر/ديسمبر1997م.
58- نادية سالم: (إشكاليات استخدام تحليل المضمون في العلوم الاجتماعية)، مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، العدد الثالث، سنة 1983م.
59- هيئة التحرير: (قواعد النشر بالمجلة)، مجلة العلوم التربوية والنفسية، مملكة البحرين، المجلد الثاني عشر، العدد الثالث، سبتمبر2011م.
60- هيئة التحرير: (قواعد النشر في مجلة الطفولة العربية)، مجلة الطفولة العربية، الكويت، المجلد الثالث عشر، العدد الثاني والخمسون، سبتمبر2012م.

المطبوعات والمخطوطات:
61- زاغر حنان: الدلالات النفسية والسوسيوثقافية للمنتوج اللغوي اللفظي وغير اللفظي لنزلاء المؤسسة العقابية- دراسة تحليلية نفسية واجتماعية لمضمون كتابات ورسوم ووشوم السجناء، رسالة ماجستير، مصر، 2012-2013م. ( توجد شبكة الرسالة عند الباحث).
62- لؤي عبد الفتاح و زين العابدين حمزاوي: أساسيات في تقنيات ومناهج البحث، مطبوع جامعي، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، المغرب، السنة الجامعية2010-2011م.






السيرة العلمية:

- جميل حمداوي من مواليد مدينة الناظور.
- حاصل على دبلوم الدراسات العليا سنة 1996م.
- حاصل على دكتوراه الدولة سنة 2001م.
- حاصل على إجازتين:الأولى في الأدب العربي، والثانية في الشريعة والقانون.
- تابع دراساته الجامعية في الفلسفة وعلم الاجتماع.
- أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالناظور.
- أستاذ الأدب الرقمي ومناهج النقد الأدبي بماستر الكتابة النسائية بكلية الآداب بتطوان.
- باحث في السوسيولوجيا، والسيكولوجيا، والبيداغوجيا، والأنتروبولوجيا، والعلوم القانونية والسياسية، والفن، والفلسفة والفكر الإسلامي، والقانون والشريعة.
- أستاذ الأدب العربي، ومناهج البحث التربوي، وعلم النفس التربوي، والإحصاء التربوي، وعلوم التربية، والتربية الفنية، والحضارة الأمازيغية، وديدكتيك التعليم الأولي، والحياة المدرسية والتشريع التربوي، والإدارة التربوية، والكتابة النسائية...
-أديب ومبدع وناقد وباحث، يشتغل ضمن رؤية أكاديمية موسوعية.
- شاعر وقصاص وكاتب مسرحي، يكتب للصغار والكبار.
- مثل دورا سينمائيا في الفيلم الأمازيغي (عسل المرارة) لمنتجه عبد الله فركوس، وإخراج علي الطاهري
- حصل مقاله (نظرية ما بعد الاستعمار) على جائزة الموقع السعودي (الألوكة ).
- حصل على جائزة مؤسسة المثقف العربي (سيدني/أستراليا) لعام 2011م في النقد والدراسات الأدبية.
- حصل على جائزة ناجي النعمان الأدبية سنة2014م.
- عضو الاتحاد العالمي للجامعات والكليات بهولندا.
- رئيس الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا.
- رئيس المهرجان العربي للقصة القصيرة جدا.
- رئيس الهيئة العربية لنقاد القصة القصيرة جدا.
- رئيس الهيئة العربية لنقاد الكتابة الشذرية ومبدعيها.
- رئيس جمعية الجسور للبحث في الثقافة والفنون.
- رئيس مختبر المسرح الأمازيغي.
- عضو الجمعية العربية لنقاد المسرح.
-عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
- عضو اتحاد كتاب العرب.
-عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب.
-عضو اتحاد كتاب المغرب.
- له إسهامات نظرية في التربية، وفن القصة القصيرة جدا، وفن الكتابة الشذرية، والأدب الرقمي، والمسرح، ومناهج النقد الأدبي، والكتابة النسوية، والبلاغة الرحبة...
- باحث في الثقافة الأمازيغية المغربية، ولاسيما الريفية منها.
- خبير في البيداغوجيا والثقافة الأمازيغية والأدب الرقمي.
- ترجمت مقالاته إلى اللغة الفرنسية و اللغة الكردية.
- نشرت كتبه بالمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، والأردن، ولبنان، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والعراق.
- شارك في مهرجانات عربية عدة في كل من: الجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر، والأردن، والسعودية، والبحرين، والعراق، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان...
- مستشار في مجموعة من الصحف والمجلات والجرائد والدوريات الوطنية والعربية.
- نشر أكثر من ألف وسبعين مقال علمي محكم وغير محكم، وعددا كثيرا من المقالات الإلكترونية. وله أكثر من (150) كتاب ورقي، وأكثر من مائتي (200) كتاب إلكتروني منشور في موقعي (المثقف) وموقع (الألوكة)، وموقع (أدب فن).
- ومن أهم كتبه: محاضرات في لسانيات النص، وسوسيولوجيا الثقافة، وميادين علم الاجتماع، وأسس علم الاجتماع، والعوالم الممكنة بين النظرية والتطبيق، والأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق، وفقه النوازل، ومفهوم الحقيقة في الفكر الإسلامي، ومحطات العمل الديدكتيكي، وتدبير الحياة المدرسية، وبيداغوجيا الأخطاء، ونحو تقويم تربوي جديد، والشذرات بين النظرية والتطبيق، والقصة القصيرة جدا بين التنظير والتطبيق، والرواية التاريخية، تصورات تربوية جديدة، والإسلام بين الحداثة وما بعد الحداثة، ومجزءات التكوين، ومن سيميوطيقا الذات إلى سيميوطيقا التوتر، والتربية الفنية، ومدخل إلى الأدب السعودي، والإحصاء التربوي، ونظريات النقد الأدبي في مرحلة مابعد الحداثة، ومقومات القصة القصيرة جدا عند جمال الدين الخضيري، وأنواع الممثل في التيارات المسرحية الغربية والعربية، وفي نظرية الرواية: مقاربات جديدة، وأنطولوجيا القصة القصيرة جدا بالمغرب، والقصيدة الكونكريتية، ومن أجل تقنية جديدة لنقد القصة القصيرة جدا، والسيميولوجيا بين النظرية والتطبيق، والإخراج المسرحي، ومدخل إلى السينوغرافيا المسرحية، والمسرح الأمازيغي، ومسرح الشباب بالمغرب، والمدخل إلى الإخراج المسرحي، ومسرح الطفل بين التأليف والإخراج، ومسرح الأطفال بالمغرب، ونصوص مسرحية، ومدخل إلى السينما المغربية، ومناهج النقد العربي، والجديد في التربية والتعليم، وببليوغرافيا أدب الأطفال بالمغرب، ومدخل إلى الشعر الإسلامي، والمدارس العتيقة بالمغرب، وأدب الأطفال بالمغرب، والقصة القصيرة جدا بالمغرب،والقصة القصيرة جدا عند السعودي علي حسن البطران، وأعلام الثقافة الأمازيغية...
- عنوان الباحث: جميل حمداوي، صندوق البريد1799، الناظور62000، المغرب.
- جميل حمداوي، صندوق البريد10372، البريد المركزي، تطوان 93000، المغرب.
- الهاتف النقال:0672354338
- الهاتف المنزلي:0536333488
- الإيميل:Hamdaouidocteur@gmail.com
Jamilhamdaoui@yahoo.

الغلاف الخارجي:
يهتم كتابنا هذا برصد مختلف المناهج التي توظف في مجالي التربية وعلم النفس بغية دراسة الظواهر الديدكتيكية والبيداغوجية والسيكولوجية فهما وتفسيرا. لذلك، يعرف المتلقي المبتدىء أوالمتمرس بتقنيات المنهج العلمي، برصد مواصفاته الكمية والكيفية، ويعرفه أيضا بمختلف المناهج التي تستعمل في البحثين النفسي والتربوي، بالتوقف عند مختلف الآليات الإجرائية، كالملاحظة، والمعايشة، والاستمارة، والمقابلة، وتحليل المضمون، والروائز، ودراسة الحالة...







المؤلف: جميل حمداوي
الكتاب: مناهج علم النفس وعلم النفس التربوي
الطبعة الأولى 2017م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف


المحتويات
الإهداء 1
المقدمة 3
الباب الأول:مناهج علم النفس وعلم النفس التربوي 5
آليات البحث السيكولوجي والتربوي 6
مناهج البحث التربوي والسيكولوجي 20
قضايا لغوية وتعبيرية 78
الباب الثاني:تقنيات البحث السيكولوجي أو التربوي 96
تقنية الملاحظة 97
تقنية المعايشة أو المشاركة 131
تقنية الاستمارة أو الاستفتاء الاستبياني 139
تقنية المقابلة 161
دراسة الحالة 177
دراسة الحالة التربوية ( أنموذج تطبيقي) 195
تحليل المضمون 213
تقنية الروائز 246
الخاتمة 269
ثبت المصادر والمراجع 271


1 - أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، مطبعة دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:248-249.
2 - لؤي عبد الفتاح و زين العابدين حمزاوي: أساسيات في تقنيات ومناهج البحث، مطبوع جامعي، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، المغرب، السنة الجامعية2010-2011م، ص:54.
3 - أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية 2008م، صص:10-14.
4 - خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي،سلسلة التكوين التربوي، العدد:16، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص:71.
5 - هيئة التحرير: (قواعد النشر بالمجلة)، مجلة العلوم التربوية والنفسية، مملكة البحرين، المجلد الثاني عشر، العدد الثالث، سبتمبر2011م، ص:3.
6 - هيئة التحرير: (قواعد النشر في مجلة الطفولة العربية)، مجلة الطفولة العربية، الكويت، المجلد الثالث عشر، العدد الثاني والخمسون، سبتمبر2012م، ص:5.
7 - خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي، ص:24-25.
8 - خالد المير وإدريس قاسمي: المرجع نفسه،ص:25.
9 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه،ص:25.
10 - ديوبولد ب.فان دالين: مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ترجمة: دكتور محمد نبيل نوفل، ودكتور سليمان الخضري الشيخ، ودكتور طلعت منصور غبريال، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية 1986م، ص: 469-574.
11 - باستعمال الصور والجداول والرسوم البيانية.
12 - عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:275-276.
13 - ابن منظور: لسان العرب، حرف النون، مادة نهج، الجزء الرابع عشر، دار صادر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2003م.
14-Edgar Morin: Sociologie, Fayard, Le Seuil, Points, Essais, 1984, pp:11-18.
15-JAVEAU Claude, L'enquête par questionnaire, Manuel à l'usage du praticien, Editions de l'université de Bruxelles, Bruxelles, 1990, p.14.
16 - المختار الهراس: (مقدمة)، المناهج الكيفية في العلوم الاجتماعية، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات رقم 100، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، لطبعة الأولى 2002م، ص:9.
17- المختار الهراس: (مقدمة)، ص:10.
18 - المختار الهراس: (مقدمة)، ص:9.
19 - محمد عزت حجازي: (الأزمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي)، نحو علم اجتماع عربي: علم الاجتماع والمشكلات العربية الراهنة، سلسلة كتب المستقبل العربي، العدد7، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1989م، ص:24-29.
20- خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي، سلسلة التكوين التربوي، رقم:16، مطبعة دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2001م، ص:47-48.
21- خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي، صص:50-51.
22- خالد المير وإدريس قاسمي:نفسه، صص:52-51.
23- خالد المير وإدريس قاسمي:نفسه، صص:52.
24- عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.صص:274-276.
25- جابر عبد الحميد جابر: علم النفس التربوي، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، طبعة 1977م، ص:498.
26- جابر عبد الحميد جابر: علم النفس التربوي، ص:499.
27- جابر عبد الحميد جابر: نفسه،ص:499.
28- جابر عبد الحميد جابر: نفسه،ص:504.
29- عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، ص:278.
30- جابر عبد الحميد جابر: نفسه،ص:609.
31- جابر عبد الحميد جابر: نفسه،ص:609.
32- عبد الكريم غريب: نفسه، ص:280.
33- محمد زياد حمدان: تقييم المنهج، سلسلة التريبة الحديثة 25، دار التربية الحديثة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 1986م، ص:338.
34- خالد المير وإدريس قاسمي:نفسه، صص:53-54.
35- محمد زياد حمدان: تقييم المنهج، صص:338-347.
36- خالد المير وإدريس قاسمي:نفسه، صص:58.
37- وسيلة خزار: الإيدولوجيا وعلم الاجتماع، جدلية الانفصال والاتصال، منتدى المعارف، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2013م، ص:89-90.
38- وسيلة خزار: نفسه، ص:88-90.
39- فتح الرحمن أحمد محمد الجعلي: الإيمان بالله والجدل الشيوعي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر؛ الدار السعودية للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية، طبعة 1984م، ص:94.
40- فتح الرحمن أحمد محمد الجعلي: الإيمان بالله والجدل الشيوعي، ص:93.
41- بوتومور: علم الاجتماع منظور اجتماعي نقدي، ترجمة: عادل مختار الهواري، نشر وتوزيع الشركة العامة للتجهيز والتوزيع، فاس، المغرب، ص:85.
42- وسيلة خزار: نفسه، ص:90.
43- محمد محمد أمزيان: منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى سنة 1991م، ص:103-104.
44 - محمد عابد الجابري: من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:91.
45 - محمد عابد الجابري: من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي، ص:91.
46 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:91.
47 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:91.
48 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:92.
49 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:94.
50- فردريك إنجلز (1820-1895م) فيلسوف ألماني ورجل صناعة، وضع أسس الماركسية مع صديقه كارل ماركس. نشر كتابه (حالة الطبقة العاملة في إنجلترا)، وأصدر مع ماركس بيانهما المعروف ببيان الحزب الشيوعي.
51- محمد عابد الجابري: نفسه، ص:95.
52- محمد عابد الجابري: نفسه، ص:95.
53- محمد عابد الجابري: نفسه، ص:96.
54- محمد عابد الجابري: نفسه، ص:96.
55- أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، مطبعة دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:248-249.
56- Lucien Goldmann : Sciences humaines et philosophie. PUF, Paris, 1951.
57 - ولد لوسيان كولدمان في رومانيا سنة 1913م، وتوفي سنة 1970م بفرنسا. وهو باحث في سوسيولوجيا الأدب.
58- Lucien Goldmann: Pour une sociologie du roman. Gallimard, Paris, 1964.

59- Lucien Goldmann : Sciences humaines et philosophie. Ed. Gonthier, 1966, Paris : 160.
60- نقلا عن ميجان الرويلي وسعد البازغي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، سنة 2000م،ص:43.
61- صالح سليمان عبد العظيم: سوسيولوجيا الرواية السياسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1998،ص:54.
62- صالح سليمان عبد العظيم: سوسيولوجيا الرواية السياسية،ص:57.
63- صالح سليمان عبد العظيم: نفسه، ص:58.
64- نقلا عن عمر محمد الطالب:مناهج الدراسات الأدبية الحديثة، دار اليسر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1988، ص:242-243.
65- نقلا عن فيصل دراج: نظرية الرواية والرواية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1999، ص:40.
66- فيصل دراج: نظرية الرواية والرواية العربية،ص:41.
67 - انظر: لوسيان كولدمان وآخرون: الرواية والواقع، ترجمة: رشيد بنحدو، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1988، ص: 36-61.
68 - Lucien Goldmann : Le dieu caché ; étude sur la vision tragique dans les Pensées de Pascal et dans le théâtre de Racine, Paris, Gallimard, 1955.
69 - تيري إيجلتون: نفسه، ص: 39.
70 - تيري إيجلتون: نفسه ص 39.
71- رينيه جيرار: الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية، ترجمة: رضوان ظاظا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2008م.
72 - محمد ساري: البحث عن النقد الأدبي الجديد، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1984م، ص: 52.
73 - محمد ساري: نفسه، ص: 53-54.
74 - محمد ساري: نفسه، ص: 54.
75- Georg Luk?cs: La Théorie du roman, trad.Fr‎ 1920 (ré-éd. Denoël, 1968 ; Gallimard, 1989).
76 - عبد الجليل الأزدي : (لوسيان كولدمان: ماركسية أم هيجيلية جديدة )، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، العددان 14-15، 1990، ص: 130.
77 - تيري إيجلتون: نفسه ص 39-40.
78 - بيير زيما: نفسه ص 89.
79 - بيير غيرو: السيمياء، ترجمة: أنطوان أبي زيد، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، باريس، الطبعة الأولى سنة 1984م، ص:6.
80- بيير غيرو: السيمياء، ص:6.
81 - رولان بارت: مبادئ في علم الدلالة، ترجمة محمد البكري، عيون المقالات، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1986م، ص:30-39.
82 - بيير غيرو: نفسه، ص:5.
83- أبو بكر محمود الهوش: المدخل إلى علم الببليوغرافيا، منشورات الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع، طرابلس، ليبيا، الطبعة الأولى سنة 1981م، ص:26.
84- أبو بكر محمود الهوش: المدخل إلى علم الببليوغرافيا، ص:28.
85- أبو بكر محمود الهوش: نفسه، ص:23-24.
86- عبد الستار بن محمد العوني: (مقاربة تاريخية لعلامات الترقيم)، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد السادس والعشرون، العدد الثاني، أكتوبر/ديسمبر1997م،ص:312.
87- أحمد شلبي: كيف تكتب بحثا أو رسالة جامعية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثامنة عشرة، السنة 1987م، صص:185-188.
88- عمر أوكان: دلائل الإملاء وأسرار الترقيم، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1999م، ص:112.
89-عبد العليم إبراهيم: الإملاء والترقيم في الكتابة العربية، مكتبة غريب، فجالة، القاهرة، مصر، ب.ت، ص:33-34.
90- انظر: عمر أوكان: دلائل الإملاء وأسرار الترقيم، ص:26-27.
91- عمر أوكان: نفسه، ص:27.
92- عبد العليم إبراهيم: نفسه، ص:61-63.
93- الشيخ مصطفى الغلاييني: جامع الدروس العربية، الجزء الثاني، المكتبة العصرية، بيروت/صيدا، لبنان، الطبعة الثانية عشرة، 1984م، ص:318-323.
94- عبد الكرم غريب: المنهل التربوي، الجزء الثاني، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:684.
95- أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، سنة 2008م، ص:36.
96- عبد الكريم غريب: نفسه، ص:684.
97- أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، ص:36.

98- أحمد أوزي: نفسه، ص:37.
99- عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:182.
100- أحمد أوزي: نفسه، ص:38.
101- محمد الدريج: تحليل العملية التعليمية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1983م، ص:92.
102 - أحمد أوزي: نفسه، ص:36.
103- أحمد أوزي: نفسه، ص:37-38.
104- محمد الدريج: تحليل العملية التعليمية، ص:92-93.
105-Claude Bernard : Introduction à l’étude de la méthode expérimentale, Flammarion, 1984, pp : 51-55.
106-أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، ص:247.
107- محمد الدريج: نفسه، ص:93.
108- أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، ص:39.
109 - عبد الكريم غريب: المنهل التربوي، ص:685.
110 - عبد الكريم غريب: نفسه، ص:685.
111 - محمد الدريج: نفسه،ص:104-105.
112 - محمد الدريج: نفسه، ص:104.
113 - محمد الدريج: نفسه، ص:102.
114 - استفدنا كثيرا من د.محمد الدريج: تحليل العملية التعليمية وتكوين المدرسين، منشورات سلسلة المعرفة للجميع، الرباط، المغرب، الطبعة الثانية، سنة 2004م، ص:204-205.
115 - انظر: واصف عزيز: التدريس المصغر وتعليم الأقران، وزارة التربية والتعليم، القاهرة، مصر، طبعة 1999م.
116 - انظر: واصف عزيز: التدريس المصغر وتعليم الأقران، وزارة التربية والتعليم، القاهرة، مصر، طبعة 1999م.
117 - محمد الدريج: تحليل العملية التعليمية وتكوين المدرسين، ص:294.
118 - محمد الدريج: نفسه،ص:295.
119 - تتكون الصورة من مجموعة من العناصر والوحدات:1- باب المختبر.2- طاولة لجلوس المتدربين.3- كاميرا أولى متجهة لتصوير الطلاب.4-السبورة.5- منضدة المدرس المتدرب أو المطبق.6- ميكروفون أول خاص بالمتدرب.7- ميكروفون ثان خاص بالطلبة.8- كاميرا مصوبة نحو المتدرب.9- طاولة بأجهزة التسجيل (فيديو-شاشة تلفزة- ساعة منبهة لضبط الوقت- أشرطة...). 10-مكان جلوس التقني.11-منضدة خاصة بالأستاذ المؤطر.12- طاولات لجلوس الطلاب. والصورة مأخوذة من كتاب محمد الدريج: تحليل العلمية التعليمية وتكوين المدرسين، ص:306.
120 - أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، ص:39.
121-Coenen-Huther, J, Observation participante et théorie sociologique, Paris : Le Harmattan, 1995.
122- أنتوني غيدنز: علم الاجتماع، ترجمة: فايز الصياغ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2005م، ص:681.
123 - أنتوني غيدنز: نفسه، ص:681.
124 - زينب شاهين: الإثنوميتودولوجيا: رؤية جديدة لدراسة المجتمع، مركز التنمية البشرية والمعلومات، القاهرة، مصر، طبعة 1987م، ص:76.
125 - إبراهيم لطفي طلعت و وكمال عبد الحميد الزيات: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، دار غريب، القاهرة، مصر، طبعة 1999م، ص:145-147.
126- أنتوني غيدنز: علم الاجتماع، ص:681.
127- أنتوني غيدنز: نفسه، ص:681.
128- أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:24.
129- عبد الكريم غريب: المنهل التربوي، ص:803.
130- خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي، سلسلة التكوين التربوي، العدد:16، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص:46.
131- ديوبولد ب.فان دالين: مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ترجمة: دكتور محمد نبيل نوفل، ودكتور سليمان الخضري الشيخ، ودكتور طلعت منصور غبريال، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية 1986م، ص: 431.
132- ديوبولد ب.فان دالين: مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ص: 432.

133- عبد الكريم غريب: نفسه، ص:803-804.
134- أحمد أوزي: نفسه، ص:25.
135- عبد الكرم غريب: المنهل التربوي، الجزء الثاني، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:800.
136- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص: 435.
137- عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:207-208.
138- عبد الكريم غريب: نفسه، ص:25.
139- أحمد أوزي: نفسه، ص:25.
140- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص: 341-342.
141 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:68.
142- مجموعة من الباحثين: مصطلحات تعليمية من التراث الإسلامي، د.خالد الصمدي، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة –إيسيسكو-، الطبعة الأولى سنة 2008م، ص:249.
143- أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:242.
144- عبد الكرم غريب: المنهل التربوي، الجزء الثاني، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:536.
145- عبد الكرم غريب: المنهل التربوي، ص:536.
146- خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي،سلسلة التكوين التربوي، العدد:16، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص:34-35.

147- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص:439.
148- Delandsherere : Introduction à la recherche en éducation, Armand Colin, Bourrelier, 1982, pp : 96-97.
149- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص: 438-439.
150- عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:209-210.
151- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه: ص:444.
152- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص:443.
153 -عبد الكريم غريب: نفسسه، ص:213.
154- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص:439.
155- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص:441.
156- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص:442.
157- انظر: جودة أحمد سعادة: مناهج الدراسات الاجتماعية، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1984م.
158- أحمد أوزي: نفسه، ص:243.
159- عبد الكريم غريب: نفسه، ص:536.
160- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص:443.
- ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص:443.161
162- أحمد أوزي: نفسه، ص:243.
163- أحمد حسن الزيات وآخرون: المعجم الوسيط، الجزء الأول، المكتبة الإسلامية، استانبول، تركيا، الطبعة الثانية، سنة 1972م، ص:209.
164-CHAMBERLAND, G., LAVOIE, L. et MARQUIS, D. 20 formules pédagogiques. Québec Presses de l'Université du Québec P.U.Q.) (1995).P.91.
165- A Regarder MUCCHIELLI, R. La méthode descas. Paris : ?ditions sociales françaises. (1969, 1979).
166-Bibliographie
GUILBERT, L. et OUELLET, L. ?tude decas _ Apprentissage par problèmes. Québec: P.U.Q, (1997). 137 p.
CHAMBERLAND, G., LAVOIE, L. et MARQUIS, D. 20 formules pédagogiques. Québec Presses de l'Université du Québec P.U.Q.). (1995).
LIPMAN, M. ? l'école de la pensée. Traduction de Thinking in Education par Nicole Decostre. Bruxelles: De Boeck. (1995).
MUCCHIELLI, R. La méthode descas. Paris : ?ditions sociales françaises. (1969, 1979)
RICHERT, A. E.. Case methods and teachereducation: using cases to teach teacherreflection. In Tabachnick, B. R. et Zeichner, K. (Eds.), pp. 130-150. Isues and practices in inquiry-oriented teacher education. New York: Falmer. (1991)
SWARTZ, R. et PERKINS, D. TeachingThinking. Issues and Approaches. Pacific Grove, CA: Midwest Publications. (1991)
VAN STAPPEN, Y. L'enseignement par laméthode des cas : nature et fonctions, techniques d'application, types d'apprentissage. Joliette : Cégep Joliette-De Lanaudière. . (1989)

167 - جميل حمداوي: من مستجدات التربية الحديثة والمعاصرة، منشورات الزمن، الرباط، الطبعة الأولى سنة 2009م، صص:127-170.
168 - شبل بدران: التربية والإيديولوجية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1991م، ص:63.
169 - Bourdieu, Passeron:La reproduction, éléments pour une théorie du système d'enseignement, Ed de minuit, 1970.
170 - Bourdieu, Passeron:Les héritiers; Ed.de Minuit; 1964.
171 - خالد المير وآخرون: أهمية سوسيولوجيا المدرسة، سلسلة التكوين التربوي، العدد3،مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1995م، ص:15.
172 - Perrenoud, PH: Stratification socio-culturelle et réussite scolaire, Dros, 1970, p:33.
173 - Baudelot, Establet: L'école capitaliste en France, Maspéro, Paris, 1971;
174- Bernstein: Langage et classes sociales, ed de minuit, Paris, 1975.
175 - ILLICh: Une société sans école, Seuil, Paris, 1971.
176 - گي أ?انزيني: الجمود والتجديد في التربية المدرسية، ترجمة عبد الله عبد الدائم، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى 1981م، صص:456-457.
177 - أمحمد عليلوش: التربية والتعليم من أجل التنمية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2007م، ص:123.
178 - أمحمد عليلوش: نفسه، ص:120.
179 - أمحمد عليلوش: نفسه، ص:120.
180 - أمحمد عليلوش: نفسه، ص:116.
181 - أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، الطبعة الأولى 2006م، مطبعة النجاح الجديدة، ص:54-55.
182 - أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، ص:138.
183 - Vitali Christian: la vie scolaire, Hachette.Nouvelles approches, 1997.
184 - وزارة التربية الوطنية والشباب: دليل الحياة المدرسية، شتنبر 2003،ص:4.
185 - وزارة التربية الوطنية والشباب: دليل الحياة المدرسية، ص:24.
186 - أحمد أوزي: نفسه،139.
187 - أحمد أوزي: نفسه،ص:103.
188 - خالد المير وآخرون: أهمية سوسيولوجيا المدرسة، سلسلة التكوين التربوي، العدد3،مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1995م، ص:33 ( الهامش).
189- لؤي عبد الفتاح وزين العابدين حمزاوي: أساسيات في تقنيات ومناهج البحث، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، المغرب، السنة الجامعية2010-1011م، مطبوع جامعي، ص:27-28.
190 - Mucchielli, R : L’analyse de contenu des documents et des communications.E.S.F.Paris.1977, p : 11.
191- عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:227.
192- لؤي عبد الفتاح وزين العابدين حمزاوي: أساسيات في تقنيات ومناهج البحث، ص:27.
193- عبد الكريم غريب: نفسه، ص:227.
194- Bardin, L. : L’analyse de contenu. France : PUF.1977
195 -Roger Mucchielli : L’analyse de contenu des documents et des communications. E.S.F.Paris.1977.
196 - A. Greimas et E.Landowski : Introduction à l’analyse du discours en sciences sociales, Hachette université, Paris, 1979.
197-Robert, A.D., & Bouillaguet, A. : L’analyse de contenu. Que sais-je ? Paris, France : PUF.1997.
198- Ketele : L’analyse qualitative en éducation. Des pratiques de recherche aux critères de qualité. Bruxelles: De Boeck.2006.
199- مختار التهامي:تحليل مضمون الدعاية في النظرية والتطبيق، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 1974م.
200- سمير محمد حسين: تحليل المضمون، عالم الكتب، القاهرة، صمر، طبعة 1983م.
201- نادية سالم: (إشكالية استخدام تحليل المضمون)، مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، العدد:الثالث، سنة 1983م، ص:59-43.
202- فوزية فهيم: المادة الإخبارية في الإذاعة المصرية، دراسة في تحليل المضمون، القاهرة، كلية الإعلام، مصر، طبعة 1975م.
203- صفوت فرح: المضمون بين التحليل والأبعاد: آفاق جديدة لتطوير الأسلوب، ندوة قياس الرأي العام في مصر10-12 مارس1981م.
204- أحمد أوزي: الطفل والمجتمع، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1988م.
205- أحمد أوزي: سيكولوجية المراهق، دار الفرقان، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.
206- أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 2008م.
207- ميلود حابيبي: الخطاب التربوي في الأدب الموجه للأطفال.نموذج المجلات المغربية، دبلوم بوست كراديا، بلجيكا، 1980م.
208- السيد فؤاد البهي: تحليل المضمون لصحيفة منار المغرب، القاهرة،مصر، سنة 1965م، نشر خاص.
209- مصطفى سويف: الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 1959م.
210- هادي نعمان الهيثي: صحافة الأطفال في العراق: نشأتها وتطورها، مع تحليل لمحتواها وتقييمها، دار الرشيد للنشر، العراق، طبعة 1979م.
211- عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.
212- أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية سنة 2008م، ص:74.
213- أحمد أوزي: نفسه، ص:74.
214- نادية سالم: (إشكاليات استخدام تحليل المضمون في العلوم الاجتماعية)، مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، العدد الثالث، سنة 1983م، ص:43-59.
215- أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية سنة 2008م، ص:74-75.
216 - عبد الكريم غريب: نفسه، ص:230.
217- لؤي عبد الفتاح وزين العابدين حمزاوي: نفسه،ص:27.
218- لؤي عبد الفتاح وزين العابدين حمزاوي: نفسه، ص:27-28.
219- لؤي عبد الفتاح وزين العابدين حمزاوي: نفسه، ص:29-30.
220- لؤي عبد الفتاح وزين العابدين حمزاوي: نفسه، ص:29-30.
221- أحمد أوزي: نفسه، ص:88.
222- François Dépelteau : la démarche d’une recherche en sciences humaines, de la question de départ à la communication des résultats.?d. De Boeck, Bruxelles 2010, p : 236.
223- أحمد أوزي: نفسه، ص:115-128.
224- أحمد أوزي: نفسه، ص:142-144.
225- لؤي عبد الفتاح وزين العابدين حمزاوي: نفسه، ص:29.
226- أحمد أوزي: نفسه، ص:141.
227 - زاغر حنان: الدلالات النفسية والسوسيوثقافية للمنتوج اللغوي اللفظي وغير اللفظي لنزلاء المؤسسة العقابية- دراسة تحليلية نفسية واجتماعية لمضمون كتابات ورسوم ووشوم السجناء،  رسالة ماجستير، مصر، 2012-2013م. ( توجد شبكة الرسالة عند الباحث).

228 -أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، ص:155.
229 - عبد الكرم غريب: المنهل التربوي، الجزء الثاني، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:540.
230 - خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي، ص:40.
231 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:46.
232 - خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي، ص:41.
233 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:41.
234 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:42.
235 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:42.

236 - ديوبولد ب.فان دالين: مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ص: 459-460.
237 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:40-41.

238 - خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي،سلسلة التكوين التربوي، العدد:16، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2001م، ص:39-40.
239 - جابر عبد الحميد جابر: علم النفس التربوي، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، طبعة 1977م، ص:564.
240 - جابر عبد الحميد جابر: علم النفس التربوي، ص:545.
241 - عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:206.
242 - عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، ص:267.

243 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:44.
244 - ديوبولد ب.فان دالين: مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ترجمة: دكتور محمد نبيل نوفل، ودكتور سليمان الخضري الشيخ، ودكتور طلعت منصور غبريال، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية 1986م، ص: 448.
245 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:44.
246 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:45.
247 - ديوبولد ب.فان دالين: نفسه، ص:450.
248 - خالد المير وإدريس قاسمي: نفسه، ص:43.

249 - عبد الكريم غريب: نفسه،ص:272.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------