Advertisement

نظريات التعليم بين الأمس واليوم





جميل حمداوي


نظريات التعلم
بين الأمس واليوم




الإهداء
أهدي هذا الكتاب إلى الباحث المتميز الدكتور محمد الدريج الذي أثرى الساحة الثقافية المغربية بدراسات وأبحاث ومقالات نقدية متميزة وجادة.
























المقدمة
من المعلوم أن علم النفس(Psychologie/psycology) هو الذي يدرس الروح البشرية، أو النفس الإنسانية، أو هو ذلك العلم الذي يهتم بتحليل السلوك الإنساني ومختلف آثاره في الذات والمجتمع معا، أو يدرس تصرفات الفرد الشعورية واللاشعورية فهما وتفسيرا وتأويلا، أو هو ذلك العلم الذي يعنى بدراسة النفس الإنسانية الواعية واللاواعية.
وأكثر من هذا يدرس علم النفس الفرد من عدة جوانب تتمثل في: الجوانب الذهنية والفكرية والعقلية، والجوانب العاطفية والوجدانية والانفعالية، والجوانب الحسية الحركية. ويعني هذا أن الإنسان وحدة نفسية وعضوية كلية ومترابطة، يتكون من العقل، والعاطفة، والجسد. ومن ثم، لابد لعلم النفس أن يحيط بهذه الجوانب الثلاثة إما بطريقة كلية، وإما بطريقة جزئية. كما يدرس علم النفس الأشخاص العاديين الأسوياء، يدرس كذلك المرضى، والشواذ، والمعوقين.
ومن جهة أخرى، فعلم النفس عبارة عن خطاب وأسئلة جوهرية وعميقة حول النفس الإنسانية ومشاعرها الروحية وانفعالاتها الوجدانية. أضف إلى ذلك أن علم النفس هو الذي يدرس الحالات الذهنية والعمليات الفكرية عند الفرد، مثل: التذكر، والنسيان، والانتباه، والتعلم، والذكاء، والحفظ، واكتساب اللغة. . . إلى جانب دراسة دوافع الإنسان وغرائزه وانفعالاته وحاجياته وميوله النفسية. . .
ويلاحظ كذلك أن الظاهرة النفسية غنية ومتشعبة ومعقدة، قد تكون حادثة سلوكية، أو حادثة شعورية، أو حادثة لاشعورية، أو حادثة ذهنية أو عقلية أو عصبية أو معرفية، أو حادثة مرضية. . . ويعني هذا أن مواضيع علم النفس متعددة ومختلفة ومتباينة؛ مما يترتب عن ذلك تعريف علم النفس تعريفا متعددا باختلاف الموضوع والمجال والمنهج والهدف. ومن ثم، فعلم النفس هو علم السلوك الخارجي، أو دراسة اللاشعور النفسي، أو دراسة مختلف المراحل التي يمر بها الاكتساب المعرفي أو اللغوي. . .
وثمة تعاريف أخرى لعلم النفس؛ إذ يرى عبد العزيز القوصي أن علم النفس هو الذي" يبحث في السلوك بوجه عام، من حيث الناحية العقلية، شعورية كانت أولاشعورية، ويترتب على نتائج هذه البحوث إمكان التحكم في السلوك وسهولة توجيهه لصالح الإنسان. "1
ويندرج علم النفس ضمن العلوم الإنسانية التي استقلت عن الفلسفة منذ القرن التاسع عشر الميلادي. وقد مر علم النفس بمراحل عدة هي: مرحلة النفس أو الروح أو الشعور، ومرحلة السلوك، ومرحلة اللاشعور، ومرحلة العقل أو المعلومة أو معالجة المعرفة. . . ومن هنا، يدرس علم النفس الحالات النفسية الشعورية واللاشعورية. ويدرس أيضا سلوك الفرد وتصرفاته السوية والشاذة والمرضية، أو يهتم بمعالجة المعلومات، وكيفية اكتساب المعرفة وتخزينها ومعالجتها ذهنيا وعقليا، ويبحث أيضا في آليات التعلم. . .
وقد تفرع علم النفس إلى تخصصات ومجالات عدة ومتنوعة ومختلفة. وله صلة وثيقة وتامة بعلوم مكملة عدة. وتتمثل أهمية علم النفس في كونه يساعدنا على فهم الظاهرة النفسية وتفسيرها وتأويلها. وقد اتبع علماء النفس، في دراسة الظواهر النفسية، مجموعة من المناهج إما كمية وإما كيفية، وطبقوا مجموعة من الأدوات والآليات الإجرائية في ذلك.
وثمة مجموعة من التيارات والمدارس والاتجاهات النفسية التي اهتمت بالتعلم فهما وتفسيرا وتأويلا. ويمكن تحديدها في المدرسة السلوكية، والمدرسة الجشطلتية، والمدرسة التكوينية، والمدرسة البنائية الاجتماعية، ونظرية الذكاءات المتعددة، ونظرية الملكات، والبيداغوجيا الإبداعية. . .



إذاً، ما التعلم؟ وما شروطه؟ وما أهميته؟ وما أهم النظريات والتصورات التي تناولت التعلم ؟
هذا ما سوف نبحثه، بشكل مختصر وموجز ومقتضب، في كتابنا المتواضع هذا.







المدخل:
معطيات حول التعلم

قبل الخوض في هذا الموضوع الصعب والشائك والواسع الأطراف، لابد من التوقف عند مفهوم التعلم وشروطه وأهميته على النحو التالي:
المبحث الأول: مفهوم التعلم
يقصد بالتعلم إدراك الأشياء واستبصارها وتنظيمها، وتملك المعارف واكتسابها إما وراثيا، وإما تجريبيا عبر المران والتدريب والصقل والدراسة والتجربة.
ويعني هذا أن التعلم يتحقق بالعقل والتجربة معا. ومن هنا، فالتعلم هو ذلك النشاط الذي يقوم به الإنسان للتزود بالأفكار، والمعارف، والمعلومات، والمواقف، والمهارات، والقيم. . . ولا يتحقق ذلك بشكل عفوي أو فجائي، بل بالنضج البيولوجي، والتطور النمائي والارتقائي لجسم الإنساني وذكائه وعقله. ويتحقق ذلك أيضا بالتدريب، والتعليم، والمران، والصقل المستمر.
ويرتبط التعلم كذلك بالدافعية التي تتجلى في مجموعة من الدوافع والحاجيات والحوافز التي تدفع الإنسان إلى التعلم، كإشباع رغباته المعرفية والوجدانية والحسية الحركية، أو إشباع حاجياته البيولوجية والنفسية والعقلية، أو من أجل تحقيق طموحه، أو من أجل إثبات ذاته، أو من أجل تحقيق التوازن أو التكيف مع البيئة، أو المحيط.
ومن ثم، ينصب العلم على اكتساب الأفكار، والتشبع بالقيم، وتعلم المهارات، وحل الوضعيات-المشكلات، وإبداع النصوص والأشكال والنظريات، واكتشاف المجهول. . .
ولا يتحقق التعلم كذلك إلا بوضع المتعلم أو الإنسان أمام وضعية مشكلة معقدة أو صعبة أو مركبة من أجل إيجاد جواب أو حل لها.
إذاً، فالتعلم، في مفهومه الواسع، عبارة عن خبرات يكتسبها الكائن الحي، بتفاعله واحتكاكه المستمر ببيئته ومحيطه وواقعه المجالي والموضوعي.
والتعلم كذلك هو البحث عن مختلف الطرائق والأساليب والمناهج والتقنيات التي يستطيع بها الإنسان أن يلبي حاجياته النامية والمستجدة باستمرار. وبذلك، يعد الإنسان الكائن الأكثر حاجة إلى التعلم لتحقيق تلاؤم أفضل مع المحيط الذي يعيش فيه، وأيضا من أجل إشباع حاجياته المتعددة والمستجدة والملحة والمتكررة والمستمرة.
و ليس التعلم فعلا فطريا طبيعيا عاديا، بل هو فعل اكتسابي قائم على المران والتدريب والتجريب والتكرار، ويكون استجابة لدافع أو حاجية من حاجيات الإنسان البيولوجية، أو النفسية، أو الفكرية، أو الثقافية. . .
ويحتاج التعلم كذلك إلى بذل المجهود من أجل اكتساب خبرات جديدة، واكتشاف المجهول، وبناء المعارف والعادات الجديدة. ويتحقق التعلم باكتساب المهارات، والتزود بالمعلومات والأفكار والبيانات، ومجابهة المواقف والوضعيات، وحل المشاكل التي يستلزمها الواقع والأحداث.
ومن ثم، فهناك فرق كبير بين العادة والتعلم. فالعادة عملية سهلة بدون مشقة، قد تساعد المتعلم على إدراك بعض الأشياء، لكن التعلم يحتاج إلى جهد وصبر مشقة ومران من أجل التزود بالأفكار، وتمثل القيم وتشربها، وامتلاك التقنيات، والتعرف إلى المناهج والنظريات والمعارف. . .
أضف إلى ذلك أن التعلم عبارة عن عملية نفسية بامتياز، تخضع لآليات وقوانين وشروط محددة، تنشأ عنها عادات مختلفة قد تكون صالحة أو طالحة، والتربية هي وحدها الكفيلة بالتمييز بين الصالح والطالح. ومن هنا، فالتعلم هو اكتساب لمجموعة من العادات العقلية والذهنية والفكرية، والعادات الوجدانية والانفعالية، والعادات الحسية - الحركية.
أما الفرق بين الذكاء والتعلم، فالذكاء هو القدرة على التعلم والاكتساب وإدراك الأشياء وفهمها وتفسيرها وتأويلها. أما التعلم، فوظيفة من الوظائف الأساسية للذكاء، وبه تنكشف الفوارق البيداغوجية والديدكتيكية بين المتعلمين، وبه يتميز الذكاء البشري عن الذكاء الحيواني. ومن هنا، ترتبط سرعة التعلم وبطؤه بطبيعة الذكاء ونوعه ودرجته ومعدله.
المبحث الثاني: شروط التعلم وأهميته
ينبني التعلم على مجموعة من الشروط الأساسية. ويمكن حصرها فيما يلي:
(النضج البيولوجي: لايمكن أن يتحقق التعلم لدى الإنسان إلا بنمو جسمه، وتصلب عضلاته، وامتلاك اللغة، واكتساب الجهاز الصوتي، ونضج بنيته الجسدية جزئيا أو كليا.
ومن هنا، يرتبط تعلم الكتابة بقوة اليدين. ويرتبط تعلم الرياضة بقوة الجسد. ويرتبط تعلم السباحة بتصلب العضلات، واكتساب بعض المهارات، ونضج الأعضاء والساقين، والتدريب على التنفس الصحيح، والتوفر على قوة الأعصاب والعظام. . .
( النضج العقلي: ويعني هذا أن التعلم مرتبط ارتباطا شديدا بالنمو العقلي والذكائي. فلايمكن أن نطالب الطفل، في السنوات الأولى، بكتابة إنشاء فلسفي قائم على التجريد، بينما الطفل لم يتجاوز مرحلة الإدراك الحسي.
ويعني هذا ضرورة مراعاة النمو العقلي لدى الطفل، وتحديد الفترة العمرية ونوع الذكاء المناسب لتلك الفترة المرصودة. ومن ثم، لايكتفي التعلم بماهو بيولوجي ووراثي فقط، بل لابد من امتلاك خصائص عقلية منطقية ورياضية لفهم العلاقات بين العناصر تماثلا، وتقابلا، واستنتاجا.
( الدافعية:يرتبط الدافع إلى التعلم بمجموعة من الحاجيات. فالحيوان يتعلم من أجل إشباع رغبات بيولوجية كالأكل، وإرواء العطش، وتحقيق الرغبة الجنسية. في حين، يسعى الإنسان إلى تحقيق رغبات أخرى، مثل: تحقيق الذات، والسعي من أجل الامتلاك، وإشباع الرغبات الفكرية والثقافية والعلمية، والبحث عن التوازن النفسي والديني والروحي. . .
( موضوع التعلم:يرتبط التعلم باكتساب المهارات المتنوعة والمختلفة، وتعلم التقنيات والطرائق، والتمكن من استخدام المناهج والأساليب، واكتساب الأفكار والمعارف القديمة والجديدة، والتشبع بالقيم والمواقف والتمثلات، وتعلم الحركات، واكتشاف المعلوم، والتحكم في المجهول، وحل الوضعيات والمشاكل، وإيجاد الأجوبة للمسائل العويصة والمعقدة. . .
( سياق التعلم: يتأسس التعلم على حل مجموعة من الوضعيات الصعبة والمعقدة التي ترتبط بسياق ما. وتحمل تلك الوضعيات والمواقف عوائق ومشاكل تتطلب حلولا ناجعة من المتعلم.
وترد الوضعية التعليمية السياقية في شكل مسألة معقدة وصعبة، تستلزم حلولا مناسبة وملائمة. وكلما وجد المتعلم حلولا لهذه الوضعيات المركبة والصعبة والمعقدة، كان المتعلم كفئا ومؤهلا وذكيا. وبالتالي، استحق التنويه والإشادة به.
وللتعلم أهمية كبرى في حياة الإنسان. فهي عملية أساسية في نماء الإنسان وارتقائه، بالتكيف مع الطبيعة واستغلالها وتغييرها. وبالتالي، يتميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى بخاصية التعلم القائم على المران، والاكتساب، والتجريب، والتدريب.
وبهذا التعلم، يستطيع الإنسان بناء مدنيته وحضارته وكتابة تاريخه. وهذا ما جعل الباحثين يهتمون بدراسة التعلم، والبحث عن قوانينه وآلياته المتنوعة والمختلفة. لذا، انقسموا إلى تيارات سيكولوجية متنوعة، وإلى مدارس نفسية مختلفة، واتجاهات منهجية متضاربة.
















الفصل الأول:
التعلم في منظور المدرسة السلوكية
ظهرت المدرسة السلوكية ضمن النطاق الأنجلوسكسوني بغية فهم مجموعة من الظواهر النفسية والسلوكية، ولاسيما ما يتعلق بالتربية، والتعليم، والتكوين، والتعلم. وقد لقيت هذه المدرسة انتشارا كبيرا في منتصف القرن العشرين، ومازالت تمارس تأثيرها في الساحة التعليمية والتربوية إلى يومنا هذا، على أساس أنها أكبر مدرسة سيكولوجية تعنى بمجال التعلم لدى المتمدرس بطريقة علمية موضوعية وتجريبية.
يمثل المدرسة السلوكية مجموعة من الباحثين كالأمريكيين واطسون (Watson)(1878-1958م)، وسكينر (Skinner) (1904-1990م)، وثورندايك (Thorndike)(1874-1949م). . . ، والطبيب الفيزيولوجي الروسي بافلوف (Pavlov)(1849-1963)، . . .
وقد تأثرت هذه المدرسة بالوضعية العلمية وفلسفة الولايات المتحدة الأمريكية في بداية القرن العشرين. وقد ركزت على فكرتين أساسيتين هما: السلوك الملاحظ والبيئة، مع إقصاء الذات والعواطف الشعورية والعمليات الذهنية والعقلية والفكرية الداخلية.
الغرض من هذه المدرسة هو دراسة السلوك الخارجي للإنسان السوي، بربطه بالمثير(Stimilus) والاستجابة (Réponse). ويعني هذا أن السلوك الإنساني هو نتاج للتعلم، أو هو رد فعل على مجموعة من المنبهات التي تأتينا من العالم الخارجي.
ومن هنا، فقد ظهرت السلوكية سنة 1913م في الولايات المتحدة الأمريكية مع واطسون الذي أوجد مصطلح السلوكية سنة 1913م (Behavior) لدراسة مجمل السلوكيات الموجودة عند مختلف الكائنات الحية، في ارتباط تام بالبيئة، أو المحيط الخارجي.
ومن ثم، فقد استبعدت هذه المدرسة كل ماهو داخلي، سواء أكان شعورا أم لاشعورا. ويعني هذا أن السلوكية مدرسة سيكولوجية تجريبية وعلمية بامتياز، هدفها دراسة السلوك الخارجي الملاحظ في علاقة بالمثير والاستجابة. لذا، فقد أجريت تجاربها الأولى على الحيوانات، من كلاب، وفئران، وقطط، وحمام، بغية تطبيقها على الإنسان. وبتعبير آخر، لاتكتفي السلوكية بدراسة السلوك عند المتعلم فحسب، بل تدرس، عبر الملاحظة الواصفة، الكيفية التي بها يتحكم المتعلم في المعرفة، بعد أن يحقق الهدف الإجرائي المطلوب.

وقد ارتبطت النظرية السلوكية بالتشريط التعلمي (Conditionnement) عند بافلوف انطلاقا من ثنائية المثير والاستجابة [S(R].
ولم تقتصر السلوكية على نظرية المثير والاستجابة البسيطة كما عند بافلوف فحسب، بل تطورت مع بيداغوجيا الأهداف التي اهتمت بتسطير مجموعة من الأهداف السلوكية المعرفية والوجدانية والحسية الحركية. علاوة على التعليم المبرمج (Enseignement programmé) الذي استفاد من تقنيات المدرسة السلوكية، والتعليم الحاسوبي الذي امتح إوالياته النظرية والتطبيقية من المدرسة السلوكية. دون أن ننسى استفادة بيداغوجيا الكفايات من هذه النظرية مع تطويرها.
وللتوضيح أكثر، فالإنسان يصدر سلوكه الخارجي الملاحظ والمرصود، حينما يرتبط ذلك بمحفز واستجابة. مثلا، حينما يحس الإنسان بالعطش، يسمى هذا حافزا، فإنه يتجه نحو المكان الذي يوجد فيه الماء، يسمى هذا بالسلوك الخارجي، فيشرب، ويسمى هذا استجابة. وينطبق هذا على حافز الجوع وحافز التعلم وحافز الخوف وغيرها من المثيرات الخارجية المدركة.
وإذا كانت المدرسة الشعورية تدرس الشعور الداخلي، فإن السلوكية لاتعنى إلا بملاحظة السلوك الخارجي القابل للدراسة والرصد والتجريب والتوصيف.
ومن هنا، فكلما كان هناك مثير أو حافز أو منبه خارجي، كانت هناك استجابة سلوكية بمثابة رد فعل على هذا المنبه البيئي أو المحيطي. وقد كان هذا القانون السيكولوجي نتيجة مجموعة من التجارب التي أجريت على الحيوانات في ظروف ووضعيات تجريبية مختلفة بغية معرفة علاقة الارتباط الموجودة بين المثير المدروس والاستجابة المتوقعة.



وأكثر من هذا، تهتم السلوكية بدراسة الوقائع الذهنية والوجدانية الملاحظة (الصراخ، الضحك. . . )، ولا تعنى بدراسة الحالات غير الملاحظة أو المدركة (الفرح، والحزن، والغضب. . . ). كما تدرس عناصر البيئة الحسية، مثل: الحرارة، وعدد الأفراد. . . ومن هنا، فالوضعيات البيئية هي التي تخلق حوافر الفرد، وتستدعي ردود أفعاله واستجاباته.
وإذا كان بافلوف قد اهتم بدراسة الانعكاس المشروط، بدراسة ردود الفعل لدى الحيوان في علاقته بالمحيط الذي يوجد فيه، فإن واطسون " أراد أن يبني نظرية السلوك الإنساني على وحدة بسيطة هي الفعل المنعكس، ودرس الفعل المنعكس في الحيوانات الدنيئة البسيطة والراقية، واعتبر سلوك الإنسان مجموعة من الأفعال المنعكسة الشرطية المعقدة. 2"
وعليه، فقد كانت السلوكية تنظر إلى التعلم وفق منظور إشراطي، بربط التعلم بثنائية المثير والاستجابة
هذا، ويعد إدوارد ثورندايك(Edward Thorndike) (1874-1949م)من العلماء الأمريكيين الذين يحسبون على التيار السلوكي، وكان سباقا إلى وضع معادلة المثير والاستجابة إطارا مرجعيا للتعلم وسيكولوجية السلوك، مع طرح تصور ترابطي للتعلم. وقد عرف بنظرية التعلم بالمحاولة والخطأ. علاوة على قانون الأثر الذي ارتبط باسمه. ويُطلق أيضا على نظرية ثورندايك اسم الترابطية (Connexionnisme )، على أساس أن عملية التعلم هي نتاج الربط بين المثير والاستجابة. ومن ثم، تتقوى عملية التعلم أو تضعف حسب قوة الترابط وضعفه.
وتعني نظرية المحاولة والخطأ أن الإنسان يتعلم بالخطأ، ونتيجة تكرار المحاولات الكثيرة بغية الوصول إلى الهدف المطلوب. وتقوم هذه النظرية التعلمية على مجموعة من المفاهيم الأساسية هي:
(التكرار: يساعد المتعلم على تجنب الخطأ بعد القيام بمجموعة من المحاولات في مرات زمنية متعددة، مع تصحيح الاستجابات الخاطئة بالاستجابات الصحيحة.
( التدعيم أو التعزيز: يعني التقويم الإيجابي بالمكافأة لتشجيع المتعلم على الاستجابة.
( الانطفاء: إذا لم يتحقق التدعيم، يقع الانطفاء، أو تراجع المتعلم عن الاستجابة الفورية.
(الاسترجاع التلقائي: بعد عملية الانطفاء، يمكن للمتعلم أن يسترجع قواه بطريقة تلقائية.
(التعميم: ما يتعلمه المتعلم من موارد يمكن أن يوظفها ويدمجها في أثناء مواجهته لوضعيات متشابهة.
(التمييز: يعني هذا المبدأ أن المتعلم إذا فشل في حل المشكلة الوضعية الجديدة بناء على وضعيات سابقة مشابهة، فلابد من الالتجاء إلى مبدأ التمييز للتفريق بين الموقف السابق والموقف الجديد.
(العلاقات الزمانية: يقوم الزمان بدور هام في تقويم التعلمات، فكلما كانت الاستجابة فورية وفي مدة قصيرة كان التعلم ناجحا، وكلما طالت الفترة الزمنية ضعف التعلم والاكتساب.
وقد أحضر ثورندايك صندوقا للقطط، ووضع الطعام خارج الباب ليحفز القطط ويطوعها على فتح الباب الحديدي للظفر بذلك الطعام. وبطبيعة الحال، لن يتحقق له ذلك بسهولة ومرونة ويسر إلا بالضغط على أداة حديدية مساعدة، تسنده في فتح باب القفص لإشباع رغبته البيولوجية.
ويلاحظ أن القط يكرر محاولاته الخاطئة في فتح الباب مرات عدة حتى يحصل له المرام والمبتغى والغاية، فيخرج من قفصه الحديدي.
وقد رسم ثورندايك مبيانا إحصائيا تكراريا للتثبت من عدد المحاولات التي تسمح للقط بالخروج من القفص بسرعة. وقد تحسن أداء القط بعد( 117) محاولة خاطئة لمدة أسبوع. وتضاءلت المدة الزمنية التي استغرقها التعلم لدى القط عن طريق المحاولة والخطإ.



وعليه، تعني نظرية المحاولة والخطأ أن الإنسان يتعلم بالخطأ، ونتيجة تكرار المحاولات الكثيرة بغية الوصول إلى الهدف المطلوب. وتقوم هذه النظرية التعلمية على مجموعة من المفاهيم الأساسية هي:
(التكرار: يساعد المتعلم على تجنب الخطأ بعد القيام بمجموعة من المحاولات في مرات زمنية متعددة، مع تصحيح الاستجابات الخاطئة بالاستجابات الصحيحة.
( التدعيم أو التعزيز: يعني التقويم الإيجابي بالمكافأة لتشجيع المتعلم على الاستجابة.
( الانطفاء: إذا لم يتحقق التدعيم، يقع الانطفاء، أو تراجع المتعلم عن الاستجابة الفورية.
(الاسترجاع التلقائي: بعد عملية الانطفاء، يمكن للمتعلم أن يسترجع قواه بطريقة تلقائية.
(التعميم: ما يتعلمه المتعلم من موارد يمكن أن يوظفها ويدمجها في أثناء مواجهته لوضعيات متشابهة.
(التمييز: يعني هذا المبدأ أن المتعلم إذا فشل في حل المشكلة الوضعية الجديدة بناء على وضعيات سابقة مشابهة، فلابد من الالتجاء إلى مبدأ التمييز للتفريق بين الموقف السابق والموقف الجديد.
(العلاقات الزمانية: يقوم الزمان بدور هام في تقويم التعلمات، فكلما كانت الاستجابة فورية وفي مدة قصيرة كان التعلم ناجحا، وكلما طالت الفترة الزمنية ضعف التعلم والاكتساب.
ومن خصائص هذه النظرية ارتباط المثير بالاستجابة على مستوى التعلم، ووجود دافع أساسي للتعلم، ثم تكرار المحاولات التعلمية بغية الوصول إلى الهدف، ثم إيجاد حل عن طريق الصدفة، ثم تعميم أثر الحل الصحيح على باقي الوضعيات السياقية الأخرى.
ويعني هذا كله أن نظرية ثورندايك قائمة على ثلاثة قوانين كبرى هي:
(قانون الاستعداد الذي يتمثل في رغبة الإنسان أو الحيوان في التعلم، بالاستعداد والتحضير والتهيؤ وتوفير جميع الإمكانات النفسية والعضوية لإنجاز المهمة عن طريق التشجيع والتحفيز والتطويع، أو ما يسمى أيضا بقانون الدافعية؛
( قانون الأثر: ويعني أن يكون للعمل أو الإنجاز المشروط أثرا إيجابيا في المنجز، كأن يشبع رغباته، ويحقق متمنياته، ويرضي طموحاته، ويكون ذلك بالثواب والتشجيع والتقويم والمكافأة؛
( قانون الممارسة: لا يتحقق التعلم الترابطي إلا بالتدريب المستمر، والتمارين المتكررة، والمحاولات الخاطئة من أجل الظفر بالمبتغى. ولابد أن يكون التمرين هادفا وناجحا وبناء بامتياز، يساعد المتعلم على التعلم وحل الوضعيات المشكلات.
وقد توصل ثورندايك إلى مجموعة من القوانين المتعلقة بنظرية المحاولة والخطأ، وهذه القوانين هي:
( قانون التكرار الذي يقوي الروابط بين المثير والاستجابة؛
(قانون الأثر القائم على الثواب، وقد قال به واطسون3؛
(قانون التهيؤ والاستعداد المرتبط بالشعور بالرضا والانزعاج؛ (قانون التمرين الذي يقوي الارتباطات التعلمية؛
(قانون الانتماء الذي يقوي الرابطة بين المثير والاستجابة، عندما تكون الاستجابة الصحيحة أكثر انتماء إلى الموقف؛
(قانون الاستقطاب الذي يعني أن التعلم يتحقق بطريقة الترابط الميسر بدل الترابط المنعكس الصعب، كأن نتعلم معاني مفردات اللغة الفرنسية بالعربية أسهل من تعلمها بالفرنسية، كأن نذكر المفردة الفرنسية ثم نذكر معناها بالعربية. وهذا أفضل إذا طلب منا أن نذكر معنى المفردة العربية بالفرنسية.
علاوة على وجود مجموعة من القوانين الثانوية، مثل:
(قانون الاستجابة المتعددة التي تستلزم استجابات عدة ومتنوعة؛ (قانون الاتجاه أو المنظومة الذي يعني مدى تأثر التعلم باتجاهات المتعلم وميوله ودوافعه ورغباته وقناعاته؛
(قانون الاستجابة بالمماثلة، ويعني التعلم انطلاقا من المواقف السابقة المشابهة؛
(قانون الانتقال الترابطي الذي يعني تعلم المواقف في ارتباطها بالمواقف التعلمية الأخرى4. . .
ويمكن تطبيق النظرية السلوكية على الحيوانات، والأفراد الأسوياء، وفي مجال سيكولوجيا الطفولة، والسيكولوجيا الاجتماعية. . .
ومن جهة أخرى، تستند هذه المدرسة، على المستوى الإبستمولوجي، على الفكر العلمي الوضعي والموضوعي والتجريبي متأثرة، في ذلك، بالعلوم الفيزيائية والفيزيولوجية والرياضية والطبيعية، مع تطبيق المنهج التجريبي القائم على الملاحظة، والفرضية، والتجريب، والتكرار، والمقارنة، والقانون، والنظرية. دون أن ننسى أن هذه النظرية تقوم على مبدإ الحتمية العلمية، وربط الأسباب بالنتائج، وتمثل الموضوعية العلمية في البحث التطبيقي.
وفي الأخير، فلقد ساهمت المدرسة السلوكية في إغناء مجال التعليم والتعلم والتكوين. ومن ثم، فالتعلم، في منظور المدرسة السلوكية، هو أن يكون المتعلم قادرا على تقديم الجواب المناسب، أو يكون قادرا على حل الوضعيات المعقدة والمركبة، أو يكون قادرا على تقديم الحلول الملائمة والمناسبة لمختلف المشاكل التي تواجهه في المدرسة من جهة، والحياة من جهة أخرى. ومن ثم، يتحقق التعلم الحقيقي عند المتعلم بالجمع بين المثير والاستجابة وتكراره عبر الوحدات الدراسية والتعلمية.
أضف إلى ذلك يتحقق التعليم السلوكي بتحديد الأهداف الإجرائية، وتقديم الوضعيات المتدرجة في السهولة والصعوبة لكي يجيب عنها المتعلم، وخلق السياقات الظرفية والبيئية التعليمية المختلفة للتثبت من مكتسبات المتعلم، رصد مختلف استجاباته المعرفية، وتحديد مجمل المثيرات الدافعة نحو التعلم، وتبيان نوع طبيعة السلوك التعلمي لدى التلميذ بشكل علمي، وموضوعي، وتجريبي.
وعليه، فقد رفضت المدرسة السلوكية البنيات العقلية المتحكمة في التعلم كما لدى السيكولوجيا المعرفية، بل اعتبرت السلوك الملاحظ والمرصود هو أساس المعرفة النظرية والتطبيقية. بمعنى أن هدف المدرسة السلوكية هو تحليل السلوك المعرفي والتعلمي الملاحظ لدى المتعلم ووصفه بدقة علمية وقياسية، في شكل أهداف سلوكية وإجرائية في آخر حصة تعليمية- تعلمية. فما يهم السلوكية هو وصف الأفعال السلوكية من قبيل:
- أن يكون التلميذ قادرا على رسم لوحة تشكيلية في وصف الطبيعة؛
- أن يكون المتعلم قادرا على قفز حاجز من خمسة أمتار؛
- أن يكون التلميذ قادرا على العد إلى المائة.
ومن هنا، ينبني الفعل السلوكي على القدرة زائد فعل الحركة. ولا تبني السلوكية أهدافها الإجرائية والكفائية على الأفعال العقلية والمعرفية، مثل: يتذكر، ويفهم، ويفكر، . . .
وعلى الرغم من إيجابيات المدرسة السلوكية، فإنها تهمل جوانب سيكولوجية أخرى تتعلق بماهو شعوري، ولاشعوري، ومعرفي. كما تسقط في الآلية الميكانيكية التكرارية. ثم، إن التعلم ليس مرتبطا بثنائية المثير والاستجابة بالضرورة، بل قد يكون التعلم نتاج الرغبة في التعبير عن المشاعر والأحاسيس الداخلية التي لاعلاقة لها بالمحيط الخارجي. كما تملك الذات مؤهلات وراثية وعقلية وذكائية تسمح لها بالتعلم والاكتساب أكثر مما يتيحها المحيط الخارجي.












الفصل الثاني:
نظريات التعلم بعد المرحلة السلوكية
يمكن الحديث عن مجموعة من النظريات والتصورات التي اقترنت بالتعلم في مرحلة ما بعد المدرسة السلوكية الإشراطية، ويمكن حصرها في المدرسة الجشطلتية الألمانية، والإبستمولوجيا التكوينية لجان بياجي، والسوسيوبنائية.
المبحث الأول: الجشطلتية والتعلم بالاستبصار
تعني الجشطلتية، في اللغة الألمانية، الشكل، أو الصيغة، أو الهيئة، أو الصورة، أو البنية، أو النسق الكلي. . .
ومن ثم، تعني الجشطلتية العلم بالكليات الذي يدل على الجزئيات. بمعنى أن الجشطلت عبارة عن نسق بنيوي كلي، يتكون من مجموعة من البنيات الجزئية التي لها دور أو وظيفة داخل هذا النسق الذي يتسم بالاتساق والانسجام. وأي تغيير يحدث في أي جزء أو بنية داخل النسق، يؤثر ذلك، بدوره، في تغيير النسق الكلي، سواء أكان ذلك التغيير جزئيا أو كليا. ويعني هذا كله أن المرء يتعلم الأشياء بنيويا ونسقيا، ويدركها في كلياتها التي تتضمن جزئياتها الصغرى.
وقد ظهرت سيكولوجيا الشكل(Psychologie de la forme)، أو النظرية الجشطلتية (Gestaltthéorie) في برلين، ما بين 1910-1920م. وترتبط بمجموعة من الأسماء هي: فيرتيمير(Wertheimer)، وكوهلر(K?hler)، وكوفكا(Koffka). . .
وتدرس النظرية الجشطلتية الظواهر السيكولوجيا باعتبارها وحدات منظمة ضمن شكل معين. ويعني الجشطالت الكل المتكامل الأجزاء، أو الصيغة الإجمالية الكلية التي تتضمن، في طياتها، عناصرها وأجزاءها المكونة.
وتهتم الجشطلتية برصد الأشكال في تمايزها وتنظيمها وتناسقها وانتقالها من وضعية إلى أخرى. وتركز كثيرا على الإدراك والذكاء عند الحيوان. وقد تشكلت هذه المدرسة السيكولوجية " في وقت أسرف فيه كثير من علماء النفس في تحليل الظواهر النفسية إلى عناصر جزئية. كانوا يحللون الإدراك إلى إحساسات جزئية، وعملية التعلم إلى روابط عصبية، والشخصية إلى سمات مختلفة، فكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى رد فعل شديد. وقد كان ذلك على يد هذه المدرسة التي ترى أن الظواهر النفسية وحدات كلية منظمة، وليست مجموعات من عناصر وأجزاء متراصة. فالإدراك أو التعلم أو بناء الشخصية ليس كل منها كالحائط المكون من قوالب ملتصقة، بل كالمركب الكيميائي اندمجت عناصره بعضها في بعض. ولو حللنا المركب إلى عناصره تلاشى المركب نفسه. "5
فمثلا، لو تأملنا شكل المربع، فإننا نراه جملة، ولا نراه على أنه مجموعة أضلاع، وزوايا، ورؤوس، بل نرى تلك العناصر كلها على أنها كل، الضلع ضلع مربع، والزاوية زاوية مربع، والرأس رأس مربع. وهكذا، دواليك. أي: إن صفات الجزء تكون مشتقة من صفة الكل الذي ينتمي إليه هذا الجزء. 6

- إدراك الجزئيات في طابعها الكلي-
ولايمكن فهم القصيدة وتحليلها نقديا إلا باستيعاب النسق الكلي. فكثير من المعاني الجزئية لايمكن فهمها إلا بوضعها داخل سياقها الدلالي الكلي. وينطبق هذا أيضا على الصورة، فنحن لاندرك منها إلا طابعها الكلي، وتتضح أجزاؤها وعناصرها ضمن إطارها الهندسي الكلي.
وبناء على ماسبق، ترتكز النظرية الجشطلتية على المجال الإدراكي الكلي للأجزاء. بمعنى أننا ندرك الكل فالأجزاء. وهذا يقرب النظرية من التيار البنيوي الذي يدرس النسق في كليته وشموليته. بمعنى أنه يتضمن مجموعة من العناصر الجزئية التي تنتمي إلى هذا الكل عبر علاقات بنيوية وظيفية قائمة على الاختلاف. وبالتالي، يتولد المعنى من خلال هذا المختلف من الأجزاء والعناصر والعلاقات. ومن ثم، يعني الجشطلت الشكل، أو الصيغة، أو المجال، أو النسق الكلي الذي يتمثل في مجموعة من الأشكال والصيغ والأنساق المدركة. وبالتالي، فللجشطلتية أبعاد ثقافية مختلفة متنوعة. فهي تهتم بالآليات الإدراكية ومعالجة المعلومات التي يقوم بها الذهن أو العقل، مع إعطاء نوع من الاتساق للظواهر المدركة. ومن ثم، يتحقق التعلم لدى الأفراد بإدراك ماهو كلي، ثم يعقبه ماهو جزئي. أي: يتضمن العلم الكليات التي تتضمن بدورها الجزئيات.
وقد استفادت هذه النظرية من فلسفات الوعي في القرن السابع عشر الميلادي، بتمثل منهج الملاحظة والتجريب العلمي في القرن التاسع عشر. ومن ثم، تركز النظرية على الشكل الذي يسمح لنا بإدراك الأشياء الجزئية الأخرى. فالوعي يقوم بإدراك الكل ثم الأجزاء. ومن ثم الكل أسمى من الجزء.
وإذا كانت السلوكية تعنى بخلق وضعيات بيئية تحفيزية أمام الفرد للتفاعل معها، فإن الجشطلتية تركز على كيفية معالجة الوعي للمعلومات. ومن هنا، تؤمن الجشطلتية أن الإنسان أو الحيوان يتعلم بالاستبطار والإدراك معا. ويعني الاستبصار إدراك المجال الإدراكي بسهولة، وتبين مختلف الحلول لمعالجة الموقف. بمعنى أن الاستبصار هو نوع من النشاط الذكائي الذهني المتوقد الذي يدفع المتعلم إلى فهم عناصر الوضعية وتفهمها بشكل جيد. وبعد تأمل عميق لمختلف عناصر الموقف أو الوضعية، يتوصل المتعلم، بشكل فجائي وسريع، إلى الحل المناسب.
وللتمثيل، إذا أعطيت للإنسان مجموعة من المفاتيح لفتح باب مغلق، فإنه لن يفتح الباب بشكل عشوائي إلا إذا كان مغمض العينين، أما إذا حررنا حواسه من كل عائق، فإنه سيلاحظ القفل، وينظم مجاله الإدراكي، ثم يتثبت من شكل القفل وصورته وهيئته، ثم يبحث عن طبيعة المفتاح الذي يتشابه مع القفل، ثم يدخل المفتاح المنتقى في ذلك القفل. آنذاك، تتحقق النتيجة اليقينية بفتح الباب على مصراعيه. ويعني هذا أن الاستبصار هو تعلم ناتج عن عملية ذكائية محكمة للمجال الإدراكي الكلي، بتنظيم عناصره، وإدراك جزئياته. وفي هذا الصدد، أجرى كوهلر تجارب عدة على الحيوان، ولاسيما فئة القردة من الشامبانزي، لبناء نظريته الجشطلتية، فقد تصل إلى أن الحيوان يتعلم بالاستبصار والإدراك كالإنسان.

أما الإدراك، فهو عبارة عن عملية تأويل لمختلف بنيات النسق الكلي، أو هو انتقال من مرحلة المحسوس إلى مرحلة التجريد والتعميم وبناء القوانين والنظريات، واستنتاج القواعد الكلية. ويعتمد الإدراك على مجموعة من آليات التعلم، مثل: قانون التماثل7، وقانون التشابه8، وقانون التقارب9، وقانون الإغلاق10، وقانون الحجم النسبي11، وقانون الاستمرار12.

تلكم، إذاً، نظرة مقتضبة ومختصرة إلى مفهوم التعلم لدى المدرسة الجشطلتية التي تحصره في إدراك المجال الكلي الذي يتضمن، بدوره، إدراك الجزئيات.
ومن ثم، فالجشطلتية نظرية بنيوية مجالية وإدراكية بامتياز، ترى أن التعلم يتحقق لدى الحيوان والإنسان معا بإدراك النسق أو المجال الكلي. وبذلك، تتجاوز المدرسة السلوكية التي اهمت بربط السلوك الخارجي بثنائية المثير والاستجابة نحو سيكولوجيا معرفية وذهنية وإدراكية ومجالية، تهتم بماهو معرفي وعقلي وذكائي داخلي.
المبحث الثاني:السيكولوجيا التكوينية
ظهرت السيكولوجيا التكوينية(Epistémologie génétique)، أو المقاربة البنائية (Constructivisme)، في منتصف القرن العشرين، متأثرة في ذلك بالبنيوية اللسانية، والبنيوية التكوينية التي تمثلها بيير بورديو (P. Bourdieu) ولوسيان كولدمان (Lucien Goldmann) في سنوات الستين من القرن الماضي.
ويعرف جان بياجيه (Jean Piaget)13 (1896-1980م) بنظرياته المشهورة في التعليم والتعلم التي تندرج ضمن السيكولوجيا البنائية، مادام يتحدث عن تفاعل تماثلي وثيق بين البنية والمحيط. وقد اهتم كثيرا بتطور الطفل النمائي المعرفي والذكائي حتى مرحلة المراهقة. وبالتالي، يحسب أيضا على السيكولوجيا المعرفية(Psychologie cognitive).
ومن ثم، فقد قسم جان بياجيه التطور المعرفي والذهني والذكائي لدى الإنسان إلى أربع مراحل أساسية، تبدأ من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة، وقد حددها في: المرحلة الحسية - الحركية (من فترة الميلاد إلى السنتين)، ومرحلة ماقبل العمليات الحسية (من السنتين إلى سبع سنوات)، ومرحلة العمليات المشخصة (من سبع إلى اثنتي عشرة سنة)، ومرحلة العمليات الصورية (من اثنتي عشرة سنة إلى مافوق).

وقد تمثل جان بياجيه، في دراساته السيكولوجية المعرفية، الملاحظة العلمية المنظمة في تجاربه المخبرية الواصفة، في أثناء رصد مختلف المراحل التي كان يمر بها طفله إلى أن وصل إلى فترة المراهقة.
كما استرشد أيضا بتعاليم فلسفة كانط الألماني حينما بين أن الطفل، في تعلمه، لا يعتمد فقط على حواسه، بل يشغل أيضا قدراته العقلية والفطرية والمنطقية في اكتساب المعرفة. وبالتالي، يعرف مجموعة من العمليات المنطقية البديهية؛ مثل: السببية، والزمان، والمكان، وديمومة الأشياء. . .
ومن ثم، يرى بياجيه أن الذكاء ناتج عن الترابط البنيوي بين الخبرة والنضج. ومن ثم، فالذكاء عبارة عن عمليات عقلية ناضجة، تساعد الطفل على التكيف والتأقلم إيجابيا مع بيئته. ويعني هذا أن الطفل الذكي هو الذي يستعمل مجموعة من الإستراتيجيات العقلية والمنطقية للتعامل مع بيئته تكيفا عبر طريقين هما: التمثيل (الاستيعاب) من جهة، والملاءمة (المشابهة) من جهة أخرى.
ويقصد بالتمثيل استيعاب خبرات البيئة، بالتحكم فيها أو تغييرها جزئيا أو كليا لتحقيق نوع من التوازن مع الواقع الخارجي، وهو بمثابة تعلم جديد. علاوة على ملاءمة الخبرات القديمة والمتشابهة مع الوقائع الجديدة في أثناء التعامل مع البيئة. ويعني التوازن عند بياجيه انسجام الطفل عقليا وجسديا مع متطلبات المحيط وبيئته.
ويضاف إلى هذا أن جان بياجيه حدد أربع مراحل نفسية وتربوية، هي: المرحلة الحسية الحركية، وتمتد من لحظة الميلاد حتى السنة الثانية؛ ومرحلة ما قبل العمليات، وتبتدئ من السنة الثانية حتى السنة السابعة؛ ومرحلة العمليات المادية أو الحسية، وتبتدئ من السنة السابعة حتى السنة الحادية عشرة؛ ومرحلة التفكير المجرد، وتبتدئ من السنة الثانية عشرة إلى بداية فترة المراهقة. ويعني هذا أن الطفل، في تعلمه ونموه العقلي والجسدي، ينتقل من المستوى المحسوس إلى المستوى المجرد.
وإذا كان الطفل ميالا، في تعلمه، إلى ماهو حسي وحركي ومشخص ومجسد، فإن الفرد، في فترة المراهقة، يميل إلى التجريد والخيال والإبداع والابتكار. ويعني هذا كله أن جان بياجي قد ركز، في مختلف دراساته، على تبيان الكيفية التي بها يتطور التفكير عند الطفل، من خلال مروره بمجموعة من المراحل العمرية المختلفة، وكيف يحقق نوعا من التوازن مع الخارج، عبر التفاعل البنيوي التكويني بين الذات والموضوع، أو بين الذكاء والبيئة.

ولم تقتصر أبحاثه العلمية على دراسة سيكولوجيا الطفل فحسب، بل درس أيضا سيكولوجيا المراهقة مع شريكته إينهيلدر (Inhelder)، ضمن مقاربته النفسية التكوينية. وقد بين أن فترة المراهقة تتسم بالتجريد على الصعيد الذهني والمنطقي والذكائي والمعرفي. ويعني هذا أن السيكولوجيا التكوينية قد قاربت فترة المراهقة من منظور عقلي وذهني ومعرفي. وركزت كثيرا على السيرورة النمائية الذكائية والعقلية. وبذلك، كانت من المدارس الأولى التي مهدت للسيكولوجيا المعرفية في منتصف القرن العشرين14.
وتتميز مرحلة المراهقة - عند جان بياجي- بخاصية التجريد، والميل نحو العمليات المنطقية، والابتعاد عن الفكر الحسي الملموس العياني (Concret). ويعني هذا أن الذكاء المنطقي والرياضي - عند المراهق- ينتقل من مرحلة العمليات المشخصة نحو البناء الصوري المنطقي، أو ينتقل من الطابع الحسي نحو الطابع الرمزي المجرد. ويعود ذلك إلى السيرورة الطبيعية للنمو الذهني والمعرفي الذي يتماثل- بنيويا- مع النمو البيولوجي، وتطور المحيط والبيئة. وبتعبير آخر، يتطور الذكاء عند المراهق باستخذام لغة الرموز والذكاء المنطقي، وإيجاد الحلول المناسبة للوضعيات التي يطرحها المحيط الخارجي.
أضف إلى ذلك أن الطفل - في هذه المرحلة- يكتسب آليات الاستدلال والبرهنة والافتراض استقراء واستنباطا، ويحل الوضعيات الرياضية والمنطقية المعقدة، ويميل إلى التفكير الفلسفي والنسقي. ويجعله هذا كله في توازن تام مع الطبيعة أوالبيئة التي تحيط به، مستخدما في ذلك مجموعة من العمليات، مثل: التكيف، والتأقلم، والمماثلة، والاستيعاب، والتوافق، والمواءمة، والانسجام. . .
وفي هذا الصدد، يرى جان بياجي أن" جميع الكائنات الحية لديها قابلية فطرية لإيجاد علاقة توافق أو تكيف مع البيئة من خلال ما يسمى بالتوازن. وهذا التوازن هو القابلية الفطرية لتهيئة قدرات الفرد وخبراته لتحقيق أكبر قدر ممكن من التكيف. ويمكن تعريف التوازن بأنه نجاح الفرد في توظيف إمكاناته مع متطلبات البيئة حوله. وتسمى عملية الاستجابة للبيئة طبقا للبناء المعرفي للفرد بعملية التمثيل، والتي تعتمد على نوع التفاعل بين البنى المعرفية والبيئة الطبيعية، والبنى المعرفية الماثلة في أي لحظة إنما تشمل ما أمكن للكائن الحي استيعابه وتمثله. ومن الواضح أنه إذا كان التمثيل هو العملية المعرفية الوحيدة، فلن يكون هناك نمو عقلي، حيث إن الطفل سوف يعتمد في تمثيل خبراته على الإطار المحدد لما هو ماثل في بنيته المعرفية. لذا، فإن العملية الثانية تسمى المواءمة، والموائمة هي العملية التي بواسطتها تتكيف أو تتعدل البنى المعرفية ويحدث من خلالها النمو المعرفي. أي: إن عملية التمثيل تسمح للكائن الحي ليستجيب للموقف الراهن في ضوء المعرفة أو الخبرات السابقة لديه. وبسبب الخصائص الفريدة التي لا يمكن الاستجابة لها في ضوء المعرفة السابقة وحدها، فإنه يمكن القول بأن هذه الخبرات الجديدة للفرد تسبب اضطرابا أو عدم توازن في بنائه المعرفي في بادىء الأمر. ثم لا تلبث أن تنسجم وتتزن مع البناء المعرفي، وبما أن التوازن حاجة فطرية، فإن البنى المعرفية تتغير لكي تتوائم مع خصائص الخبرات الجديدة أو المواقف الجديدة. وبالتالي، يحدث الاتزان المعرفي. وهذا التناقض التدريجي في الاعتماد على البيئة الطبيعية والزيادة في استخدام القدرات أو البناء المعرفي هو ما يسمى بالاستدخال، ومع استدخال قدر أكبر من الخبرات، يصبح التفكير أداة للتكيف مع البيئة. 15"
وكذلك، تتميز هذه المرحلة بميل المراهق إلى الانتباه من حيث المدة والطول والعمق. كما يتبين ذلك بجلاء حين متابعته لفيلم طويل، أو مباراة في كرة القدم، أو قصة طويلة مسترسلة. علاوة على قدرته على التخيل والتخييل والتذكر والإبداع والابتكار، والميل إلى الشرود وأحلام اليقظة، والإكثار من الرحلات وحب المغامرة والاستطلاع، والتحرر من البرامج الدراسية، والميل إلى القراءة الحرة، ولاسيما قراءة الكتب العلمية والدينية، وقراءة شعر الغزل، وسماع الأغاني الشبابية لدى الذكور، أو سماع الأغاني الرومانسية عند الإناث.
ويلاحظ أن عالم الطفل يختلف عن عالم المراهق، فالعالم الأول عالم محدود وضيق، ومسيج بالحسية والتشخيص والإحيائية. في حين، يتميز العالم الثاني بخاصية التجريد والتخييل والتجاوز لما هو حسي وعقلي. وفي هذا النطاق، يقول أحمد أوزي أن " العالم العقلي للمراهق يختلف عن العالم العقلي للطفل، إذ إن عالم المراهقة أكثر تناسقا وانتظاما وأكثر معنوية وتجريدا مما يسمح للمراهق بالاستمتاع بالنشاط العقلي وقضاء أوقات طويلة في التفكير والتأمل في مسائل معنوية كالخير والفضيلة والشجاعة والعدالة ومعنى الحياة. حتى إنه يمكن القول بأن مرحلة المراهقة هي مرحلة الفلسفة المعقلنة، بعد أن كانت فترة الطفولة الأولى فترة الفلسفة الساذجة والبسيطة. فالأسئلة الفلسفية التي يلقيها طفل الرابعة أو الخامسة يجيبه عنها الآباء والمدرسون في جميع الحالات. بخلاف الأسئلة الفلسفية التي تشغل المراهق في هذه الفترة، فهي أسئلة يطرحها على نفسه، ويبحث فيها بقدرته العقلية. لأنه لم يعد ذلك الطفل المتقبل لكل شيء. إن المراهق يطرح للنقاش العقلي المبادىء الخلقية التي تلقاها من قبل، ويتساءل عن ضرورتها. كما أنه يتساءل عن علل الكون والحياة وعن الدين وقيمته الروحية والاجتماعية. وبقدر ما يناقش المراهق هذه المسائل بالمنطق والعقل، فإنه يؤكد ذاته ووجوده من خلال هذا التفكير الذي يشعره بين رفاقه بقيمته. كما يعود إلى ذاته بعد كل نقاش يخوضه وينتصر فيه ليقارن معرفته ووضعه الفكري بوضع الطفولة وسذاجتها. لهذا، يرفض من الآن فصاعدا اعتباره طفلا، فهو على استعداد لمناقشة الأب والأستاذ والصديق، بل وتحدي هؤلاء جميعا إذا لم يعترفوا له بالوجود والقيمة.
ومن خلال تفاعل المراهق مع مختلف أفراد مجتمعه واستخدامه للإمكانيات والقدرات العقلية تتكون اتجاهاته وتتبلور. فمن خلال مختلف المواقف التي يخبرها في مجتمعه تتكون اتجاهاته التي تتحكم في سلوكه وتوجهه. لهذا، نجد للمراهق في هذه الفترة وجهات نظره الخاصة التي يتحمس للدفاع عنها في مختلف المجالس والأندية. "16
وعليه، تتسم هذه المرحلة بقوة الإدراك والملاحظة عند المراهق، ونمو قدراته العقلية والمعرفية والكفائية، واتساع دماغه الذهني والعصبي والذكائي، وقدرته على التمثل والاستيعاب والحفظ والبرهنة والتجريب والتخييل والإبداع والتجريد.
وأهم ميزة يتصف بها جان بياجيه أنه نظم مراحل التعلم بشكل دقيق، وحدد بداياتها ونهاياتها الزمنية بشكل علمي مقنن؛ مما جعل كثيرا من الأنظمة التربوية المعاصرة تسترشد بآراء جان بياجيه السديدة، وتستهدي بنظرياته الوجيهة في مجال التعليم والتعلم والتكوين.
ومن هنا، فقد حدد جان بياجيه أربع مراحل نفسية وتربوية متعاقبة ومتدرجة ومتوافقة، هي:
(المرحلة الحسية الحركية: تمتد من لحظة الميلاد حتى السنة الثانية؛
(مرحلة ما قبل العمليات: تبتدئ من السنة الثانية حتى السنة السابعة؛
(مرحلة العمليات المادية أو الحسية: تبتدئ من السنة السابعة حتى السنة الحادية عشرة؛
(مرحلة التفكير المجرد: تبتدئ من السنة الثانية عشرة إلى بداية فترة المراهقة.
ويتوافق التعليم الأولي مع مرحلة ما قبل العمليات الحسية الحركية، أو ما يسمى بالتفكير الرمزي عن طريق اللغة والصور الذهنية. وإذا كانت المرحلة الأولى مرحلة فكرية حسية حركية، تمتد من الميلاد حتى نهاية السنة الثانية، ويعتمد فيها الطفل على مجموعة من السلوكيات الفطرية الغريزية؛ مثل: المص والقبض وغيرهما، ويتعلم من البيئة مجموعة من السلوكيات والمهارات والتوافقات الحسية البسيطة، ويتعامل مع الأشياء بطريقة حسية وإدراكية بسيطة غير مركزة أو واعية، فإن المرحلة الثانية من مراحل تطور الطفل تسمى بمرحلة التفكير الرمزي، أو مرحلة ما قبل العمليات العيانية أو الحسية. وتبدأ هذه المرحلة في النصف الثاني من السنة الثانية حتى سن السابعة تقريباً. وفي هذه المرحلة، يبدأ الطفل في تعلم اللغة، والميل نحو التمثيل الرمزي للأشياء، وتكوين الأفكار البسيطة والصور الذهنية، ويتحول تفكير الطفل تدريجياً من صورته الحركية إلى صورة تفكير رمزي غير مجرد.
ومن هنا، لا بد أن تراعي مؤسسات التعليم الأولي ورياض الأطفال الجوانب النفسية والاجتماعية والتربوية لدى المتعلم، بالاسترشاد بعلم النفس وعلم الاجتماع، وتمثل الطرائق البيداغوجية الحديثة والنظريات التربوية المعاصرة. وفي هذا الإطار، يقول غالي أحرشاو: "إذا كانت الأسرة هي التي تسهر على تربية الطفل خلال الفترة الممتدة من الولادة إلى سن الثالثة أو الرابعة، فإن مؤسسات التعليم الأولي هي التي تضطلع بهذه المهمة في الفترة الممتدة من الثالثة أو الرابعة إلى حدود السادسة التي تمثل سن الالتحاق بالسلك الأول من التعليم الابتدائي.
إن التربية المقصودة هنا تتحدد في جميع أشكال رعاية الطفل الاجتماعية والنفسية والتربوية والمعرفية، والتي تتوزع على هاتين الفترتين؛ بحيث تتكفل الأسرة بتنشئته ورعايته خلال الفترة الأولى، وتسهر مؤسسات التعليم الأولي على تهييئه وإعداده للتعليم الابتدائي أثناء الفترة الثانية. فهي، بالمعنى الذي يوجهها على امتداد هذه الفترة الأخيرة، عبارة عن ممارسة بيداغوجية تحكمها مجموعة من الاعتبارات الموضوعية والمستجدات العلمية، وتؤطرها جملة من الأسس النظرية والمرجعيات السيكولوجية، وتشرطها سلسلة من المرتكزات البيداغوجية والدعامات الإجرائية. وهي بهذا التحديد، حتى وإن كانت تشكل الميدان المعقد الذي يستدعي مقاربة متعددة التخصصات، تشمل بالخصوص علم النفس والتربية والاجتماع، فإنها عبارة عن ممارسة تربوية تحكمها مرجعية سيكولوجية ذات توجه معرفي، تتحدد على التوالي في سيكولوجية نمو المعارف واكتسابها، وفي سيكولوجية التدريس وتعلم الكفاءات. "17
ويعني هذا أنه لا بد من تبني بيداغوجيا تعلمية كفائية متنوعة فعالة ونشيطة، تتعامل مع أفضية لعبية متنوعة، باعتماد الأنشطة الثقافية والفنية والأدبية والرياضية والموسيقية. فضلا عن بيداغوجيا فارقية تهتم بالفوارق الفردية، وتعنى أيضا بالذكاءات المتعددة. أي: لابد من الاعتماد على" بيداغوجيا تعددية، يحكمها فضاء تربوي غني ومتنوع، من حيث وسائله البيداغوجية، وموارده البشرية، وغاياته التعليمية. بمعنى البيداغوجيا التي تؤطرها رؤية إستراتيجية للواقع وإمكاناته وآفاقه، ويجسدها خيار فكري مدرك لظروفه وأهدافه ومعوقاته. "18
وهكذا، يتبين لنا أن جان بياجيه قد أرسى نظرياته في التعلم على أسس السيكولوجيا المعرفية التي تهتم بآليات الذهن والمعرفة العقلية وتطور الذكاء الإنساني. كما تميز مشروعه العلمي بتقسيم التعلم إلى مجموعة من المراحل الذهنية: مرحلة الحسية الحركية، ومرحلة ماقبل العمليات المشخصة، ومرحلة العمليات المشخصة، ومرحلة التجريد المنطقي19.
المبحث الثالث: البنائية الاجتماعية
ظهرت المدرسة البنائية الاجتماعية (l’approche sociocognitive)20 رد فعل على المدرسة البنائية لجان بياجيه، على أساس أن هناك تفاعلا بين البنية والمجتمع. وقد تشكلت هذه المدرسة مع الروسي فيكوتسكي(Vygotski)، وبرونور (Bruner)21، ودواز وبيري كليرمون (Doise & Perret-Clermont)22، وغابرييل مونيي (Gabriel Mugny)23. . .
وترى هذه المدرسة أن التعلم لا تتحكم فيه المؤثرات البيولوجية والوراثية فقط، بل يخضع أيضا لعوامل ثقافية وتاريخية ومجتمعية. بمعنى إذا كان جان بياجيه يعطي أهمية كبرى لما هو وراثي وعقلي وذكائي في مجال التعلم، فإن فيكوتسكي يقر بأهمية المجتمع في بناء تعلمات المتعلم وتعزيزها وتطويرها. أي: يقر بأهمية التفاعل الموجود بين الذات والمجتمع، أو بأهمية التفاعل بين التلميذ والمدرس، وبأهمية التفاعل بين التلميذ والمجتمع. ومن هنا، أهمية الانصهار والاندماج في المجتمع، أو الانتماء إلى فريق تربوي ما، أو التوحد مع الآخرين في جماعة ديناميكية معينة. ويعني هذا أن السيكولوجيا الإنسانية نتاج لماهو مجتمعي في شكل رموز تفاعلية. وبتعبير خر، يتحقق التفاعل بين الذات المتعلمة والمجتمع بواسطة مجموعة من الرموز المتفقة عليها من أجل تحقيق تفاعل إيجابي بناء وهادف. ومن ثم، يقر فيكوتسكي أن الوظائف السيكولوجية العليا للإنسان لايمكن فصلها عن الوظائف الاجتماعية في أبعادها التفاعلية والرمزية.
وأكثر من هذا يرى فيكوتسكي أن التطور الثقافي لدى الطفل ليس راجعا إلى المكونات البيولوجية والجينية والوراثية والفطرية والعقلية والفردية، بل يرجع ذلك إلى اندماج الطفل في جماعات بشرية ما. وبهذا، يكون التعلم مجتمعيا وليس فرديا. وتسعفنا هذه النظرية كثيرا في فهم تطور التعلم والاكتساب لدى الطفل في مساره النمائي والارتقائي والذكائي والمعرفي.
وتتمثل نظرية فيكوتسكي في أن التعلم هو بمثابة صيرورة استيعاب لمختلف الأنظمة الثقافية ووسائلها. أي: إن التعلم فعل ثقافي ومجتمعي بامتياز. وبالتالي، لايمكن للتعلم أن يتعلم بالاعتماد على قدراته الوراثية والعقلية فقط، بل لابد من الاندماج في مجتمع من أجل اكتساب أنماطه الثقافية. ويعني هذا أن المتعلم لايمكن له الاستغناء عن المدرس من جهة، ولا عن جماعة الأصدقاء والرفقاء من جهة أخرى. ومن هنا، يتكون الذكاء لدى الطفل عبر آليات سيكولوجية يمتحها الطفل من محيطه، مثل: اللغة التي يستعملها الطفل، وهي ذات طابع مجتمعي، ويوظفها للتعبير عن منتجه الفكري والعقلي. ومن ثم، ينفي الباحث ما يسمى بالتمركز اللغوي، أو تمركز الطفل على الذات، فهذا كله نتاج المجتمع، مادام الطفل يستعمل اللغة التي وجدها في المجتمع، ثم يحولها إلى آلية نفسية داخلية. في حين، إن مصدرها مجتمعي، وليس فرديا أو داخليا. وبهذا، يكون الذكاء نتاج تعلم خارجي مجتمعي وثقافي وتاريخي، وليس نتاج ماهو وراثي أو بيولوجي. وبهذا، يتعلم الطفل بالاسترشاد بشاب بالغ، أو بمدرس كفء، يزوده بمختلف الموارد التي تسعفه في التعلم الذاتي، واكتساب المعارف24.
وهكذا، يتبين لنا أن البنائية الاجتماعية تجمع بين ماهو بنيوي ومجتمعي، أو تجمع بين الذات والمجتمع في إطار عملية التفاعل المتبادل والرمزي.








الفصل الثالث:
نظرية الذكاءات المتعددة
تعد نظرية الذكاءات المتعددة من أهم النظريات السيكولوجية والتربوية المعاصرة. وقد جاءت رد فعل على التصور البياجوي الذي يؤمن بأحادية الذكاء الرياضي المنطقي الذي يعد نموذج الفكر الإنساني، وغلو جان بياجي في النزعة العقلانية الموحدة للعقل الإنساني بالمفهوم الديكارتي:" العقل أعدل قسمة متساوية بين البشر". ناهيك عن استبعاده لعوامل الوسط والفوارق الفردية. وعلى العكس، تؤمن نظرية الذكاءات المتعددة- التي تبلورت في سنوات الثمانين من القرن الماضي مع هووارد غاردنر(Howard Gardner)- بوجود ذكاءات متعددة ومتنوعة ومستقلة لدى المتعلم، يمكن صقلها وشحذها عن طريق التشجيع والتحفيز والتعليم والتدريب، وتنمية المواهب والعبقريات والمبادرات. بمعنى أن نظرية الذكاءات المتعددة تؤمن بعبقرية المتعلم، وقدرته على العطاء والإنتاج والابتكار والإبداع، وحل المشاكل الصعبة، ومواجهة الوضعيات المعقدة.
المطلب الأول: تعريف نظرية الذكاءات المتعددة
يعني الذكاء الفطنة والحدة والتوقد والحدس وقوة التخييل والتجريد، وامتلاك قدرات ومهارات خارقة لمواجهة الصعوبات التعليمية- التعلمية. ومن ناحية أخرى، يعرف الذكاء بأنه هو التكيف السريع مع المستجد من المشكلات والوضعيات والظروف، سواء أكانت سهلة أم صعبة. والذكاء - وفق غارندر - هو "القدرة على حلِّ المشكلات أو تَشْكيل منتجات لها قيمة في نسَقِها الثقافي أو عدة أنساق ثقافية25".
ومن ثم، فالذكاءات المتعددة عبارة عن قدرات وملكات مختلفة ومتنوعة ومستقلة عن بعضها البعض، يمكن تنميتها، وصقلها، وشحذها، وتثقيفها، وتقويمها، وتعديلها، وتنميتها، وتطويرها بشكل إيجابي بغية التعلم والاكتساب. وفي هذا الإطار، يقول غاردنر:" إن العناصر الأكثر أهمية هي نتائج البحوث التي توصلت إليها مع الأطفال العاديين والموهوبين، وكذلك مع معالجين راشدين تعرضوا لتلف دماغي. ونتيجة لذلك، أدركت أن القوة أو الضعف في مجال عقلي معين لا يسمح بالتنبؤ بأن الشيء نفسه يحدث في مجال عقلي آخر. وخلصت حينئذ إلى أن التصور المعياري للذكاء (والذي وفقه لا يوجد سوى ذكاء واحد هو الذكاء العام) خاطئ. وبذلك، وضعت ثمانية معايير لتحديد مفهوم الذكاء، وقمت بفحص عدة ذكاءات "مرشحة" بهدف التأكد أي منها يمكن أن تنطبق عليه تلك الخاصية/المعيار. وفي سنة 1985 أبرزت سبعة ذكاءات، واليوم ارتفع عددها إلى ثمانية أو تسعة. 26"
وتأسيسا على ماسبق، فنظرية الذكاءات المتعددة هي أس الإبداع والإنتاج والابتكار، وآلية إجرائية ناجعة لتفتيق المواهب الظاهرة والمضمرة، بل هي دليل العبقرية والتميز والتفرد. ولايمكن الحديث اليوم عن ذكاء واحد، كما عند جان بياجي، يقاس بالدرجة أو بمعامل الذكاء، فيقال ذكاء مرتفع، وذكاء منخفض، بل هناك ذكاءات متعددة، ومواهب مختلفة، وعبقريات متميزة. وبالتالي، يختلف الذكاء من ثقافة إلى أخرى. فإذا كانت الثقافة الغربية تؤمن بالذكاء الرياضي المنطقي، فإن هناك ثقافات أخرى تؤمن بالذكاء الفلسفي، أو الذكاء الطبيعي، أوالذكاء الفني، أو الذكاء الجسمي الحركي، أو الذكاء الفضائي البصري. . . فالمتعلم قد يكون ضعيفا في تخصص علمي ما، لكنه قد يكون ناجحا وقويا في مجال علمي أو حياتي آخر.
ومن هنا، يتعلم الطفل حسب طبيعة ذكائه النمائي. وبالتالي، يختلف التعلم من ذكاء إلى آخر. وللذكاء دورهم مهم في اكتساب المعارف، وتحصيل المعلومات، وتنظيم المدارك.
المطلب الثاني: سياق ظهور نظرية الذكاءات المتعددة
إذا كان جان بياجي(Jean Piaget) يقول بأحادية الذكاء الإنساني على المستوى المعرفي. ومن ثم، يحصره في الذكاء الرياضي المنطقي باعتباره أرقى الذكاءات الإنسانية، فإن هناك من يقول بتعدد الذكاءات لدى الإنسان، وخاصة الباحث السيكولوجي الأمريكي هووارد غاردنر(Howard gardner) الذي ألف مجموعة من الدراسات حول نظرية الذكاءات المتعددة منذ 1983م، ونذكر من بين هذه الدراسات(أطر الذكاء)27، و(الذكاءات المتعددة)28. . .
ويعني هذا أن هوارد غاردنر قد تجاوز النظرية الذكائية الأحادية التي ظهرت مع بداية القرن العشرين لقياس الذكاء المعرفي الرياضي والمنطقي، عبر مجموعة من الروائز والاختبارات والفروض بغية تحديد مراتب الذكاء، وتصنيف الناس حسب مقاييس إحصائية معينة، كما يبدو ذلك واضحا عند ألفرد بينيه، وإيسنك، وجالتن، وجنسن، وسبرمان. . . . وفي هذا الصدد، يقول عبد الواحد أولاد الفقيهي:" منذ بداية القرن الماضي، تساءل العديد من الباحثين عن طبيعة الذكاء. ومن أهم المقاربات التي سادت تاريخيا مقاربة القياس النفسي والتحليل العاملي. فإذا كان الكثير من هؤلاء العلماء قد تبنوا معامل الذكاء أو دافعوا عن وجود عامل عام للذكاء. فهناك آخرون من رواد التحليل العاملي (ثورستونThurstone / وجيلفورد Guilford) لم يقبلوا ذلك، ودافعوا بالمقابل عن فكرة أن الذكاء يتضمن عددا كبيرا من العوامل والمكونات. لكن على الرغم من مساهمة التحليل العاملي في اكتشاف تعقد مكونات الذكاء وتعددها، فإنه ظل حبيس استخدام بنود الاختبارات التي تعرضت لانتقادات عدة، كما أن النتائج التي توصل إليها تعكس بشكل مباشر فرضيات رياضية تتخذ وسيلة لتحديد عوامل الذكاء وتمييزها. بمعنى آخر، إن رواد التحليل العاملي لم يتمكنوا من الحسم في النقاش الذي ظل قائما حول الطبيعة الحقيقية للذكاء. ومع تمكن العديد من الباحثين من الانزياح عن إرث القياس النفسي والتحليل العاملي. ونهجوا طريقا آخر في الكشف عن تعدد الذكاء الإنساني. إن التعدد الذي تنطوي عليه الذكاءات يعني أن هناك عددا مستقلا من القدرات المختلفة، ومجموعة متباينة من أوجه النشاط المعرفي الإنساني، يسميها غاردنر بالذكاءات الإنسانية المتعددة. "29
ويضاف إلى هذا أن نظرية الذكاءات المتعددة قد استخدمت، في البداية، في مجال السيكولوجيا، ليتم تجريبها، بعد ذلك، في مجال التربية والتعليم سعيا إلى ترقية العقل الإنساني، وتطوير بنياته المعرفية، وصقل قدراته الذهنية والعصبية والدماغية. علاوة على ذلك، لم تكتشف بعد طاقات الدماغ البشري وإمكانياته الزاخرة. وفي هذا السياق، يقول عبد الواحد أولاد الفقيهي:" خلال العقود الأخيرة، ستبرز وتتبلور توجهات- على مستوى المنظمات الدولية والأبحاث العلمية- سعت إلى نقد التصور الأحادي للذكاء وتجاوزه، وربطت تغيير الأنظمة التعليمية وإصلاحها وتجديدها باستثمار تعدد الطاقات، وغنى الإمكانات الإنسانية. ففي سنة 1972 أعلن تقرير لليونيسكو أن للدماغ الإنساني إمكانات لم يتم استعمالها بشكل واسع، وأن مهمة التربية هي تشغيل هذه الإمكانات غير المستعملة وتحقيقها. وفي سنة 1979 صدر عن نادي روما تقرير نص في مقدمته على أن الإنسان مازال يتوفر على كثير من الطاقات والموارد التي لم تكتشف، ولم تختبر بعد؛ ولذلك فهو يظل في حاجة دائمة إلى تعلم كيف يكشف عن طاقاته الكامنة، وكيف يستخدمها بصورة واعية وهادفة وذكية. "30
هذا، وقد بلور هوارد غاردنر نظريته في الذكاءات المتعددة تنظيرا وتطبيقا، بعد أن اشتغل تجريبيا على مشروع الطيف التربوي منذ 1984م. وفي هذا الصدد، يقول غاردنر:" إن مشروع الطيف هو مجهود لتقييم مختلف أصناف الذكاءات لدى الأطفال الصغار، ويمكن تكييفه ليتلاءم مع السنوات المبكرة. مبدئيا ليس لدي أي اعتراض لتقييم الذكاءات ما دام هذا التقييم يتم بطريقة عادلة ومنصفة، وليس بواسطة اختبار معياري من صنف اختبارات "الورقة والقلم". فإذا أردت – مثلا- تقييم الذكاء الفضائي لشخص ما فلا تقدم له اختبارا، بل علمه خط سير جديد، ثم لاحظ بأية سرعة سيصل إلى التحكم في اتجاه السير، وكيف سيقوم بتذكره.
هناك باحثون آخرون قاموا بتطوير اختبارات الذكاء، ولست من أنصار هذه الاختبارات، لكني أحكم عليها حسب حالة كل اختبار. وأعتقد أننا أمضينا وقتا طويلا في تقييم الأطفال وتصنيفهم، ولم نمنحهم سوى وقتا ضئيلا لمساعدتهم. لذلك، فالمبرر الوحيد، بالنسبة إلي، لتقييم الذكاءات هو مساعدة المتعلمين للتعلم بشكل جيد، وذلك بتوظيف الذكاءات الأكثر تفوقا، وتقوية الذكاءات التي هي في حاجة إلى ذلك، في الوقت نفسه. "31
ويضيف الباحث شارحا مشروعه المسمى بالطيف التربوي بقوله:" إنه برنامج تربوي يقدم للأطفال الصغار (بين 3 و6 سنوات) بيئة غنية وخصبة من شأنها أن تثير عددا كبيرا من الذكاءات، بحيث يمكن لهؤلاء الأطفال استكشاف هذا الوسط الذي يعتبر بمثابة متحف لهم أكثر مما هو حجرة فصل عادي، ومن خلال ملاحظة الطريقة التي يستثمرون بها مختلف المواد والعناصر المحيطة بهم، يمكن استنباط جانبيتهم في الذكاء. هناك طبعا "مهام الطيف" الأكثر شكلية والمخصصة لتحديد أصناف الذكاءات القوية والذكاءات الضعيفة لطفل ما، سواء في ارتباطها مع الذكاءات الأخرى لدى نفس الطفل، أم بمقارنتها مع ذكاءات الأطفال الآخرين. لقد تم تحويل نتائج هذا التقييم إلى "جانبية الطيف"، والذي يتضمن اقتراحات عملية حول الأنشطة التي يجب مباشرتها مع الطفل حسب جاذبيته الخاصة من حيث مكامن القوة والضعف.
أليس هناك خطر الإخلال بالتوازن حين يتعلق الأمر بتفضيل أو تشجيع مجال للذكاء يوجد مسبقا وبقوة لدى طفل ما؟"32
وهكذا، فقد ظهرت نظرية الذكاءات المتعددة منذ الثمانينيات من القرن الماضي بالولايات المتحدة الأمريكية مع هوارد غاردنر، بعد أن جربها صاحبها مدة عشرين سنة في مجال السيكولوجيا والبيداغوجيا إلى أن حققت نجاحا باهرا في المدرسة التربوية أكثر مما حققته في ميادين ومجالات وحقول معرفية أخرى.
المطلب الثالث: التصور النظري لنظرية الذكاءات المتعددة
يتحدث هوارد غاردنر عن مجموعة من الذكاءات المتعددة التي تتأثر بما هو وراثي فطري يولد مع الإنسان من جهة، ومما هو مكتسب من البيئة والوسط (الأسرة، والشارع، والمدرسة، والتربية، والمجتمع. . . ). ويعني هذا أن الذكاء وراثي ومكتسب معا. وبالتالي، فليس هناك ذكاء واحد، كما يقول جان بياجي وعلماء مقاييس الذكاء المعرفي. وإذا فقد الإنسان ذكاء واحدا، فإنه بلا شك، في هذه الحالة، سيستخدم باقي ذكاءاته الأخرى. ومن ثم، تختلف درجة الذكاء من شخص إلى آخر، كما يختلف مفهوم الذكاء من ثقافة إلى أخرى. وعليه، تستند نظرية الذكاءات المتعددة إلى القدرة على حل المشاكل، ومواجهة وضعياتها البسيطة والمركبة، ضمن نسق ثقافي معين، والقدرة على إيجاد مشاكل أخرى للتعلم والتدرب، وإنتاج خدمات وأفكار وقيم جديدة وأصيلة. بمعنى أن هذه النظرية تؤهل المتعلم ليتسلح بمجموعة من القدرات المهارية لحل المشكلات وإيجادها، وتملك المهارة الذكائية، مع اكتساب ملكة الإبداع لمواجهة الوضعيات والتحديات المعرفية والواقعية، وتعويده على التعلم الذاتي، واستخدام قدراته الذكائية في مواجهة الظروف والمعوقات الذاتية والموضوعية.
وينطلق غاردنر من فرضية أساسية تقول بتعدد الذكاءات، واستقلالها عن بعضها البعض، حيث يقول غاردنر:" بالنسبة لي توجد أدلة مقنعة على أن الإنسان يتوفر على كفايات ذهنية مستقلة نسبيا؛ سوف أسميها بشكل مختصر" الذكاءات الإنسانية""33. ويعتمد وصف الذكاء عند هوارد غاردنر على مجموعة من المعايير التي يحددها في مايلي:
1- التاريخ التطوري لكل ذكاء.
2- عزل الذكاء عند إصابة الدماغ.
3- وجود ذكاءات فائقة ومتميزة لدى فئات غير عادية.
4- المسار النمائي المتميز لكل ذكاء.
5- وجود عملية أساسية أو مجموعة عمليات محددة.
6- قابلية الترميز في نسق رمزي معين.
7- الدعم المستمد من علم النفس التجريبي.
8- سند نتائج القياس النفسي34.
ومن هنا، يحدد غاردنر تسعة أنواع من الذكاء، وهي: الذكاء الرياضي المنطقي، والذكاء اللغوي، والذكاء الموسيقي، والذكاء البصري والفضائي، والذكاء الجسمي الحركي، والذكاء الطبيعي، والذكاء الكوني، والذكاء التفاعلي، والذكاء الذاتي. فمن لم يكن ذكيا في مادة أو تخصص معرفي ما، فقد يكون ذكيا في مجالات أخرى. وليس من الضروري أن يكون الذكي هو الذي يعرف حل العمليات الرياضيات والمنطقية، بل قد يكون الذكي هو الذي يتقن الموسيقا، ويبدع فيها مثلا، أو له قدرة على الإبداع اللغوي، أو يملك الذكاء العاطفي أو الاجتماعي. . . ومن ثم، يختلف الذكاء من ثقافة إلى أخرى حسب اختلاف السياقات الرمزية والحضارية. وتعد نظرية الذكاءات المتعددة نظرية سيكوبيداغوجية مهمة لتطوير مجموعة من الذكاءات لدى المتعلم، والاهتمام بالأنشطة الفنية، والبصرية، والجسمية، والحركية، والطبيعية، والكونية، واللغوية. . . ومن ثم، لم يعد الذكاء مرتبطا كما في الثقافة الغربية بالرياضيات والعمليات المنطقية، فالذكاء أوسع من الذكاء الرياضي المنطقي. لذا، ينبغي تربويا تنمية الذكاء التعليمي، بمعرفة أنواع الذكاء لدى المتعلم، وتبيان مواصفات هذا الذكاء، ورصد مختلف التعثرات التي تمنع من إبراز ذكاء معين. ويعني هذا أن نظرية الذكاءات المتعددة مفيدة في فهم الإعاقات الخاصة وتفسيرها نفسيا وبيولوجيا واجتماعيا ومعرفيا. ويضاف إلى ذلك أنها تنفعنا في تأسيس بيداغوجيا فارقية جديدة، تعترف بوجود ذكاء معين لدى كل تلميذ. فليس هناك تلميذ غبي أو أبله أو كسول، فلكل متعلم ذكاؤه الخاص، ينبغي صقله، وشحذه، واستكشافه، وتنميته ذهنيا ووجدانيا وحركيا. وتشدد هذه النظرية على أهمية الفنون في بلورة الذكاء البشري. علاوة على أهمية الذكاء العاطفي والاجتماعي والذاتي في تحقيق التوازن النفسي، وخلق لحمة وجدانية إيجابية بين الأنا والآخر. . .
وللتوضيح أكثر، يرى هوارد غاردنر أن ثمة تسعة ذكاءات تشتغل، بشكل مستقل، عن باقي الذكاءات الأخرى. وترتبط مواقع هذه الذكاءات بالدماغ العصبي وفصوصه المختلفة. ومن هنا، يرتبط الذكاء اللغوي بالبلاغة والفصاحة، واستخدام اللغة استخداما جيدا على المستوى الصوتي والصرفي والتركيبي والدلالي والبلاغي والتداولي، والتحكم في هذه المستويات اللسانية بيانا وبلاغة وتصويتا وفصاحة وإبداعا، واستعمالها في كتابة النصوص الأدبية السردية والشعرية والدرامية والحكائية والفنية. ومن ثم، يتموقع الذكاء اللغوي في الفصوص الصدغية والجبهة اليسرى، كمنطقة بروكا، ومنطقة فرنيك.
أما الذكاء الرياضي المنطقي الذي يعتمد على عمليات التجريد والتخييل والاحتمال، فيستخدم في حل المشاكل المتعلقة بالرياضيات والمنطق والهندسة، ولايمكن فصل الرياضيات عن المنطق كما يقول وايتهايد نظرا للعلاقة الجدلية التي توجد بينهما. ويتموقع هذا الذكاء في الفصوص الجدارية اليسرى واليمنى، والفصوص الجبهية اليسرى. في حين، يتموقع الذكاء الموسيقي في الفص الصدغي الأيمن، ويتجسد هذا الذكاء في إبداع النوتات والألحان والأنغام والموسيقا. . .
ويرتكن الذكاء البصري الفضائي إلى استغلال المكان في علاقته بالزمان هندسيا وبصريا وتشكيليا ومعماريا. ويتموقع هذا الذكاء في المناطق الجدارية والقفوية من النصف الأيمن. أما الذكاء الجسمي الحركي، فيوجد في المخيخ والنويات القاعدية والمنطقة الحركية. ويظهر هذا الذكاء، بجلاء، في الكوريغرافيا، والرقص، والرياضة البدنية، والمسرح، والسينما، وحركات الجسد بصفة عامة. . .
في حين، يتميز الذكاء التفاعلي بأنه ذكاء اجتماعي، تتفاعل فيه الذات مع الآخر الاجتماعي شخصا كان أو مؤسسة اجتماعية. ويوجد هذا الذكاء في الفصوص الجبهية، والفص الصدغي، وخاصة في النصف الأيمن، والجهاز اللعبي. أما الذكاء الذاتي، فيوجد في الفصوص الجبهية، والفصوص الجدارية، والجهاز اللعبي. ويستخدم هذا الذكاء في مجال علم النفس، والأنساق الدينية والعرفانية، والرموز الذاتية. . .
أما الذكاء الطبيعي، فيتعلق بكل مكونات الطبيعة من حيوانات، ونباتات، وصخور، ومعادن، وما يرتبط بالطبيعة كالعلاج الطبيعي الشعبي، ومواد التجميل، والاستهلاك اليومي. ويوجد هذا الذكاء في الفص الجداري الأيسر. وهو مهم في التمييز بين الأشياء الحية وغير الحية. ويتميز الذكاء الوجودي بوجود نزعات التفلسف الكونية، وممارسة الطقوس والعقائد والرياضات الروحية والصوفية، وإنتاج النظريات الفلسفية. 35
وهكذا، يتبين لنا أن الذكاء أنواع مختلفة ومتعددة، ويرتبط بمواقع دماغية وعصبية معينة، وأن هذه الذكاءات مستقلة باستقلال مواقعها. وبالتالي، إذا أتلف ذكاء معين، فثمة ذكاء آخر يعوضه. ومن ثم، فنظرية الذكاءات المتعددة طريقة مفيدة في إصلاح المنظومة التربوية، بتنمية الذكاءات الموجودة لدى المتعلم، وصقلها بالدربة والممارسة والتمكين وفق أحدث الطرائق التربوية والسيكولوجية. ومن هنا، تعمل النظرية المتعددة الذكاءات على حل المشكلات، وإيجاد مشكلات جديدة لاكتساب معارف جديدة، وإبداع أفكار ومنتجات وقيم جديدة وأصيلة.


المطلب الرابع: كتابات حول نظرية الذكاءات المتعددة
ثمة مجموعة من الدراسات الغربية التي اهتمت بنظرية الذكاءات المتعددة تنظيرا وتطبيقا، مثل ما كتبه كل من: توماس أرمسترونغ36 (Thomas Armstrong ) حول: (الذكاءات المتعددة في القسم)، وبروس كامبل(Bruce Campbell) في كتابه (الذكاءات المتعددة: الدليل التطبيقي)37. . .
ومن جهة أخرى، فقد انتشرت هذه النظرية عربيا مع مجموعة من الباحثين المغاربة الذين كانوا سباقين إلى تمثلها سيكولوجيا وتربويا، وخاصة أحمد أوزي في كتابه (التعليم والتعلم بمقاربة الذكاءات المتعددة)38، وتلميذيه: عبد الواحد أولاد الفقيهي في مجموعة من دراساته، مثل: (نظرية الذكاءات المتعددة من التأسيس العلمي إلى التوظيف البيداغوجى)39، و(الذكاءات المتعددة: التأسيس العلمي)40، ومحمد أمزيان في كتابه (الذكاءات المتعددة وتطوير الكفايات41). . . وفي هذا السياق، يقول أحمد أوزي:" إن نظرية الذكاءات المتعددة أحدثت منذ ظهورها وتطبيقها في العديد من الأنظمة التربوية تغييرا كبيرا حبب المدرسة إلى المتعلمين، وجعلتهم يحققون ذواتهم خلال ممارسة مختلف الأنشطة التي تتفق واهتماماتهم وأساليب تعليمهم وتعلمهم، مما جعل هذه النظرية تعرف انتشارا كبيرا، وتغدو مفاهيمها مدرجة في البرامج والمناهج التعليمية المتطورة، خلال وضعها وتخطيطها لمختلف الأنشطة التعليمية في كل المستويات. والحقيقة أن المغرب كان سباقا في العالم العربي إلى التعرف على هذه المقاربة البيداغوجية المتطورة خلال قيامنا بتنشيط ورشات تطوير أساليب وتجويد أداء العمل المهني لنساء ورجال التربية والتعليم في بعض منماطق المغرب منذ التسعينيات من القرن الماضي، ومنذ ذلك الوقت سعينا إلى إدخال هذه المقاربة إلى مجال البحث العلمي الأكاديمي ليتعرف عليها طلاب الدراسات العليا بكلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس، ويستفيدون من نتائجها القيمة. "42
بيد أن هناك دراسات عربية سابقة ظهرت في الشرق في سنوات الثمانين من القرن الماضي قد تبنت نظرية الذكاءات المتعددة، مثل: دراسة (العلاقة بين الذكاءات المتعددة لدى الطلبة المعاقين سمعيا ومتغيرات درجة الإعاقة والجنس والعمر) لسالم سليمان حمد الجعافرة43. ومن الدراسات العربية الأخرى التي تنصب في هذا الاهتمام نذكر ما كتبه جابر عبد الحميد جابر في كتابه: (الذكاءات المتعددة والفهم: تنمية وتعميق)44، وما كتبه أيضا محمد عبد الهادي حسين في كثير من مؤلفاته التي طورت نظرية الذكاءات المتعددة، مثل: (مدرسة الذكاءات المتعددة) 45، و(مدخل إلى نظرية الذكاءات المتعددة) 46، و(الذكاءات المتعددة وتنمية الموهبة)47، و(الذكاءات المتعددة: أنواع العقول البشرية)48، و(ديناميكية التكيف العصبى وقوة الذكاءات المتعددة)49، و(التفكير الإبداعى فى ضوء نظرية الذكاء المتعلم50)، و(دليلك العملي الى قوة سيناريوهات دروس الذكاءات المتعددة)51، و(إيقاظ العبقرية داخل فصولنا الدراسية)52، و(الذكاءات المتعددة: مراجعات وامتحانات)53، و(الاكتشاف المبكر لقدرات الذكاءات المتعددة بمرحلة الطفولة)54، و(مباردة الذكاءات المتعددة ومجتمع التعلم الذكى)55. ونستحضر أيضا ما كتبه كل من وليد محمد أبو المعاطي في كتابه (الذكاء المعرفي والانفعالي والاجتماعي وأساليب التعلم) 56، وحمدان ممدوح إبراهيم الشامي في كتابه (أثر برنامج تعليمى قائم على نظرية الذكاءات المتعددة فى تحصيل الرياضيات لدى تلاميذ الحلقة الثانية من التعليم الأساسى المنخفضين تحصيليا)57، وبدر محمد العدل في كتابه(فعالية برنامج قائم على نظرية الذكاءات المتعددة)58، وأحمد السيد علي في كتابه (نظرية الذكاءات المتعددة وتطبيقاتها في مجالات صعوبات التعلم (رؤية مستقبلية))59. . .
المطلب الخامس: توظيف نظرية الذكاءات المتعددة في المدرسة
من المعلوم أن لنظرية الذكاءات المتعددة مجموعة من الأهداف التربوية والديدكتيكية التي يمكن تحقيقها. ويمكن حصرها في الأهداف التالية:
( تؤمن النظرية بتعدد الذكاءات لدى المتعلم؛ إذ يمكن الحديث عن الذكاء اللغوي، والذكاء الرياضي المنطقي، والذكاء الطبيعي، والذكاء التفاعلي، والذكاء الذاتي، والذكاء الوجودي، والذكاء الموسيقي، والذكاء الجسمي الحركي، والذكاء الفضائي البصري. . . ؛
( تساهم هذه النظرية في حل المشاكل المتعلقة بالفوارق الفردية؛
( تسعى إلى تنمية العبقرية والموهبة وقدرات الإنتاج والابتكار والإبداع؛
( تكشف مواطن الضعف والقوة عند المتعلم، وخاصة أنها تعالج مواطن التعثر وصعوبات التعلم. ومن ثم، إذا كانت نظريات الذكاء التقليدية تركز على مواطن الضعف لدى المتعلم، فإن نظرية الذكاءات المتعددة تهتم بماهو إيجابي لدى المتعلم، وتستكشف مالديه من قدرات ذكائية أخرى؛
( تطوير الطرائق البيداغوجية والديدكتيكية؛
( تنمية القدرات الذكائية، وتطوير المهارات الكفائية لدى المتعلم من أجل حل المشكلات، والعمل على الابتكار والإنتاج والإبداع؛
( استثمار القدرات الذكائية لدى المتعلمين في تعليمهم الأكاديمي من خلال أنشطة تعليمية في مجالات هذه الذكاءات؛
( صلاحية النظرية لتمثلها في برامج التدريس للأطفال العاديين وذوي الاحتياجات الخاصة؛
( التركيز على الأنشطة المختلفة للذكاءات المتعددة لكي يستفيد كل طفل من النشاط الذي يوافق ذكاءاته؛
( تسمح هذه النظرية لكل متعلم على حدة بتحقيق ذاته، والتميز بالجوانب التي ينفرد بها.
وعليه، فليست" نظرية الذكاءات المتعددة – حسب هوارد غاردنر- غاية في ذاتها، بل هي أداة للمدرسين المتبصرين الذين يسعون إلى تطوير قدرات معينة لدى تلامذتهم. مثلا: إذا كنا نبتغي أن يكون الأطفال متخلقين فيما بينهم، سنحتاج إلى تنمية ذكائهم الشخصي. بالإضافة إلى ذلك، طبعا، تمكن هذه النظرية من تحسين تقديم المواد الدراسية، مثلا: إذا كان على كل تلميذ أن يتلقى مادة التاريخ أو الجغرافية، فليس هناك أي مبرر كي يتعلم كل واحد هذه المواد بالطريقة نفسها أو يخضع للتقييم نفسه.
لقد مكن مشروع الطيف من تعيين جوانب التفوق المتميزة لدى العديد من الأطفال، وكان من الممكن أن تبقى مجهولة بدون ذلك؛ فأثناء القيام بإحدى التحريات مع فريقي في البحث صادفنا طفلا في السادسة من عمره، ينحدر من أسرة مفككة، ويواجه خطرا كبيرا ناتجا عن الفشل الدراسي، وبحكم أن نتائجه لم تتغير خلال حصص التحضيري، فقد قررت مدرسته إجباره على التكرار بعد شهرين من حضوره داخل فصلها. ومع ذلك، فقد كان الطفل ناجحا بشكل يفوق الآخرين في فك تركيب مواد مستعملة وإعادتها. بعد تصويره، وهو يقوم بأنشطة عرضت سلسلة اللقطات المصورة على معلمته، وكم كان ذهول هذه الأخيرة كبيرا جراء ما رأت! إلى درجة أنها لم تذق راحة النوم لمدة ثلاث ليال. منذ تلك اللحظة غيرت بشكل جذري نظرتها حول الطفل، وبدأت النتائج المدرسية لهذا الأخير تتحسن بشكل ملموس". 60
ومن هنا، فنظرية الذكاءات المتعددة طريقة إبداعية تؤمن بالتنشيط المدرسي والحياة المدرسية السعيدة، وتعترف بالفوارق الفردية بين المتعلمين، وتكشف نوع الذكاء لدى المتعلم، وتتسم طرائقها الديدكتيكية بالفاعلية والمعنى والتشويق، مادامت تسعى إلى تعزيز النمو الإدراكي لدى المتعلم، والانطلاق من فلسفة التنشيط، والاستفادة من آخر البحوث التي أجريت على الدماغ الإنساني، والعمل على تصنيف القدرات الدماغية التي تختلف من شخص إلى آخر، وهي مستقلة عن بعضها البعض. ويضاف إلى ذلك أن نظرية الذكاءات المتعددة، مادامت تعترف بموهبة المتعلمين وعبقريتهم في العطاء والإنتاج، وتراعي ميولهم، تقلل من الهدر المدرسي، وتخفف من العنف والشغب والفوضى واللامبالاة لدى المتعلم، وتساهم في خلق المتعلم المفكر، وتصنف المتعلمين حسب احتياجاتهم العلمية والمعرفية والنفسية.
وقد بلور أحمد أوزي مجموعة من الآليات الديدكتيكية والمنهجية في التعامل مع الذكاءات المتعددة على الشكل التالي: ما أهداف الدرس؟ وما الوسائل اللازمة لإبلاغه على أفضل وجه؟ وما الكفاءات الذهنية الموجودة لدى المتعلمين الذين يوجه إليهم الدرس؟ وكيف يمكن تقديم الدرس بكيفيات مختلفة مع مراعاة الذكاءات المتعددة؟ وكيف يمكن توضيح الغايات وحصيلة المتعلم في كل درس للتأكد من مساهمة كل درس بكيفية مباشرة في تحقيق الغاية المنشودة؟
وعلاوة على ذلك، يقترح أحمد أوزي مجموعة من المداخل المنهجية لتطبيق نظرية الذكاءات المتعددة في المدرسة، حيث ينبغي، عند إعداد الدرس، إدخال ما هو ممكن من الذكاءات بحسب ما يحتمل الدرس، واستحضار ذكاءات المتعلمين عند تحضير الدروس. وقبل تصميم الدرس، ينبغي التفكير في المحتوى الموجود في الدرس أو الوحدة لكي يتسنى انتقاء الذكاءات المناسبة لإدخالها ديدكتيكيا. وينبغي دوماً الأخذ بعين الاعتبار الطرائق التي يتعلم بها التلاميذ، ويرتاحون لها. وينبغي التعاون مع المعلمين في تحضير الدروس، ومناقشة الآراء. وليس مهماً إدخال كل الذكاءات في أي درس أو وحدة، فقد يتم أحياناً الاكتفاء بإدراج ثلاثة ذكاءات أو أربعة، وإذا لم يحتمل هذا الدرس يراعى ذلك في الدرس القادم61.
ومن المعلوم أن نظرية الذكاءات المتعددة ليس هدفها الرئيس هو اكتشاف العباقرة داخل الفضاء التربوي، بل هو تبيان مواطن الضعف والقوة لدى المتعلم فحسب. وفي هذا الصدد، يقول غاردنر:" ليس هناك أبدا ارتباط مباشر بين نظرية علمية وبرنامج تعليمي، فكل نظرية علمية حول الذهن الإنساني تقترح العديد من التطبيقات التربوية الممكنة، والتجربة وحدها يمكن أن تدل على نوع التطبيقات التي يكون لها معنى أو تلك التي لا معنى لها. وحتى أجيب بشكل دقيق عن السؤال، لا أعتقد أنه ينبغي تركيز الاهتمام على مجال خاص من القوة لدى الطفل. في الواقع، إن مسعاي ليس على الإطلاق تحويل الأطفال إلى عباقرة في المجال الذي يتفوقون فيه، بل ينبغي فقط اكتشاف ما هي مجالات القوة والضعف لديهم. وبعد ذلك، تبقى لكل واحد، انطلاقا من تقييمه الخاص، الحرية في أن يقرر ما إذا كان يفضل الاهتمام أكثر بجوانب القوة أو بجوانب الضعف للطفل، أو يفضل تجاهل النتائج. وبالمقابل، ليس هناك أي مبرر للاعتقاد بأن الشخص الذي يبدو ضعيف الذكاء في لحظة ما لا يمكن أن يصبح متفوقا، بل إن ملاحظة قصور في ذكاء ما من شأنه أن يدفع هذا الشخص كي يتصرف بحماس من أجل تطوير ذلك الذكاء، فهناك العديد من الأشخاص عوضوا نواقصهم الظاهرية بالعمل الجاد، بل وأحرزوا أحيانا تفوقا في تلك المجالات. وأكثر من ذلك، يمكنني أن أقدم مثالا شخصيا: فأنا دالتوني]مصاب بعمى لوني يحول دون التمييز بين الأحمر والأخضر]، ولدي رؤية مجسادية Stréoscopique ناقصة، وأحتاج إلى عدسات قوية مقومة، ومع ذلك اخترت أن أكرس أطروحتي للدكتوراه حول الفنون البصرية، وقضيت وقتا طويلا في الكتابة عن العالم البصري.
هكذا يبدو أن نظرية الذكاءات المتعددة ليست هي القائمة على الحتمية، بل، بالأحرى، أن الأفراد، الذين يلاحظون قصورا عاديا لديهم، عوض أن يقوموا بتعويض ذلك القصور، يعتبرون ذلك علامة تدفعهم إلى التنازل عن مكامن تفوقهم وإهمالها62. "
وما أحوج مدارسنا العربية اليوم إلى تطبيق نظرية الذكاءات المتعددة لإصلاح منظوماتنا التربوية القائمة على تنمية الذكاء الواحد! فقد آن الأوان للبحث عن الذكاءات الأخرى لدى المتعلم في ضوء فلسفة إبداعية تنشيطية متعددة المقاربات.
المطلب السادس: تقويم نظرية الذكاءات المتعددة
تعد نظرية الذكاءات المتعددة فلسفة سيكوبيداغوجية جديدة، تؤمن بالتنشيط الفعال، وخلق المواهب والمبادرات والعبقريات المختلفة والمتنوعة. وتساعد المتعلمين على التعلم الذاتي، واستغلال قدراتهم الذكائية في مجالات متنوعة. وتسعى هذه النظرية أيضا إلى إعادة الثقة في المتعلم في مختلف الثقافات الأخرى التي تتعارض مع الثقافة الغربية المركزية؛ لأن الذكاء الرياضي المنطقي ليس هو الذكاء الوحيد الذي يحقق النجاح في الحياة. فثمة ذكاءات أخرى مبدعة تؤمن المستقبل للمتعلم. كما تتميز نظرية الذكاءات المتعددة بأنها عبارة عن آليات ديدكتيكية وبيداغوجية فعالة، تساهم في تنشيط الدروس، وتحويلها إلى مهارات وقدرات كفائية إجرائية، تعمل على تمهير المتعلم، وجعله أمام وضعيات معقدة لمواجهتها أوالتأقلم معها. كما أنها نظرية صالحة لمعالجة التعثر الدراسي، ومحاربة العنف والشغب داخل الفضاءات التربوية التعليمية، والقضاء على التسرب والهدر والفشل الدراسي، ومعالجات الكثير من معوقات التعلم لدى المتعلمين العاديين، أو من ذوي الحاجيات الخاصة. وأهم ميزة تتسم بها النظرية أنها تنبني على فلسفة التشجيع والتحفيز وغرس الدافعية في نفسية المتعلم. ومن جهة أخرى، تستند إلى الطرائق البيداغوجية الفعالة التي تشوق المعلم والمتعلم على حد سواء، وتعمل على تقوية الطالب والمتعلم معا. . .
وقد نجحت نظرية الذكاءات المتعددة بشكل جيد في مجال التربية والديدكتيك. وفي هذا السياق، يقول غاردنر:" إن نظريتي (حول الذكاءات المتعددة) تؤثر بشكل كبير في الممارسة التربوية؛ لأنها تتفق مع الملاحظة الجماعية للمدرسين والآباء، والتي تكشف عن وجود اختلافات بين الأطفال على الصعيد المعرفي. فكلنا يتوفر على عناصر تفوق وجوانب قصور متفاوتة في مختلف المجالات العقلية، لكن معظم الجهود في مجال التربية لا تعترف بوجود تلك الفوارق، وتشجع نمط التفكير القائم على اللغة والمنطق، وتلك بالضبط هي حالة التفكير الديكارتي/المنهجي العقلاني في فرنسا. وعلى النقيض من ذلك، تنطلق مقاربتي من الجانبيات العقلية المختلفة. لذلك، أقترح أن تأخذ التربية بعين الاعتبار هذه الفوارق لإنجاز تعليم بأعلى مستوى من الفعالية. فإذا أردنا توجيه التعليم إلى كل الأطفال، وليس فقط حصره على أولئك الذين يتوفرون على استعدادات منطقية ولغوية، ينبغي الأخذ بعين الاعتبار الاكتشافات التي توصلت إليها نظرية الذكاءات المتعددة.
وأخيرا، لم يكن للباحثين في حقل التربية موقف نقدي خاص تجاه النظرية، بل إن بعضهم سعى فعلا إلى تطويرها. كان ذلك هو هدف مجموعة من طلبتي المرموقين، أمثال -Tom Hatch – Mara Krechevsky – Mindy Kornhaber – Bruce Torff، وغيرهم. . 63"
وثمة انتقادات موجهة إلى هذه النظرية؛ إذ يشير غاردنر إلى بعضها فيقول:" معظم علماء النفس، خاصة المحسوبين على القياس النفسي، عارضوا هذه النظرية. ويمكن فهم موقفهم بسهولة ما دامت نظرية الذكاءات المتعددة تهدد موارد عيشهم، بل ومبرر وجودهم. لكن مقابل ذلك هناك علماء متخصصون. كالبيولوجيين مثلا، وجدوا في النظرية ما يكفي من الأهمية. علاوة على ذلك، كانت لنظرية الذكاءات المتعددة أصداء قوية داخل الوسط التعليمي الأمريكي، فأثناء العقد الأخير لم يحتل سوى عدد محدود من الأفكار التربوية نفس قيمة هذه النظرية بالولايات المتحدة. ولكن ذلك لا يعني تأييدا لها بالضرورة، فهناك الكثير من التطبيقات تبقى سطحية، كما أن جزءا من هذا التأييد كان في الواقع مجرد تقليعة. 64"
ومن الانتقادات الأخرى لهذه النظرية انعدام الاختبارات والامتحانات الملموسة للتأكد من مدى نجاعة هذه النظرية واقعا وممارسة كما عند علماء الذكاء الكلاسيكيين. ومن ناحية أخرى، مهما دافعنا عن الذكاءات الأخرى، فيبقى الذكاء الرياضي المنطقي أس الذكاءات الموجودة. فهو مرتكز التفوق والتمدن والتحضر، مادام هذا الذكاء الحسابي آلة في خدمة الإنتاج والاقتصاد والتصنيع والابتكار، وتطوير بنيات المجتمع الغربي الحديث، فكيف يمكن مقارنته بالذكاء اللغوي أو الموسيقي أو الفلسفي؟ ويمكن الحديث أيضا عن ذكاء عاشر، يمكن تسميته اليوم بالذكاء الرقمي أو الإعلامي الذي يمتلكه متعلمونا بشكل لافت للانتباه. علاوة على ذلك، هل يمكن أن تنجح نظرية الذكاءات المتعددة في مدارسنا العربية التي تغيب فيها الموارد المادية والمالية والبشرية، وتقل فيها السياسات التعليمية الهادفة، وتهمش فيها الكفاءات الحقيقية؟!
وخلاصة القول: تعد نظرية الذكاءات المتعددة من أهم النظريات السيكوبيداغوجية التي استطاعت تحقيق قطيعة معرفية مع النظريات التربوية السابقة؛ لأنها تنبني على الإنتاج، والابتكار، والإبداعية، وتمثل فلسفة التنشيط، وخلق المواهب والمبادرات والعبقريات، واستكشاف ذكاءات المتعلمين، واستثمارها في الأنشطة والتمارين الكفائية التي تزود المتعلم بالمهارات والقدرات لحل المشاكل، وإيجاد مشكلات أخرى، وإنتاج قيم وأفكار وخدمات جديدة حداثية وأصيلة. وماتزال نظرية الذكاءات المتعددة قابلة للتطوير والتغيير والإثراء كما يقول صاحبها هوارد غاردنر:" أتمنى تطوير النظرية في اتجاهات مختلفة. لكن ما يهمني بشكل أساسي أن نفهم كيف يمكن لطفل استعمال ذكائه أو ذكاءاته بهدف التحكم الجيد في المواد الدراسية، ويجد له مكانة داخل المجتمع وتطويرها. . علاوة على ذلك أتوخى مستقبلا اكتشاف ذكاءات أخرى، وفهم الكيفية التي تشتغل بها. وأريد بطبيعة الحال أن أعرف بشكل جيد كيف يتم التعبير عن الذكاء نفسه داخل مختلف الأوساط الثقافية. وأود كذلك معرفة كيف تتمكن الذكاءات المتعددة من الاشتغال بيسر وسهولة، وكيف يمكن تنميتها منفصلة عن بعضها، وفي ارتباط بعضها البعض، وكذا استكشاف العلاقات الموجودة بين الذكاءات والابتكار والقيادة.
أما بالنسبة إلى الطرق المسدودة التي ينبغي تجنبها، أرى واحدة هي أهمها: لا ينبغي السعي من أجل المقارنة بين المجموعات بمصطلحات الذكاء (كالمقارنة بين الرجال والنساء أو بين المجموعات العرقية، إلخ. . ) نظرا إلى المخاطر المترتبة على وقائع محرفة. وكمثال على ذلك، أنه في استراليا تم وضع لائحة لكل مجموعة عرقية، من خلال جزء من الأدوات المدرسية المعتمدة من طرف إحدى الولايات. وداخل كل لائحة تم تحديد الذكاءات التي تتفوق وتضعف فيها كل مجموعة بدون أي سند علمي. اعتبرت ذلك انزلاقا، وأعلنت موقفي في برنامج بالتلفزة الأسترالية. وفي اليوم التالي، مباشرة بعد تصريحي، قام الوزير الأول بإلغاء هذا "الخلط" التربوي الذي يتأسس على الوهم العلمي. "65
تلكم-إذاً- نظرة مقتضبة إلى نظرية الذكاءات المتعددة لدى هوارد غاردنر مفهوما، وتأريخا، وتنظيرا، وتصنيفا، وتطبيقا، وتقويما.

















الفصل الرابع:
التعلم في ضوء نظرية الملكات
عرف المغرب مجموعة من النظريات التربوية والطرائق البيداغوجية، مثل: طرائق التعليم العتيق، والتعليم الطائفي النخبوي إبان الاستعمار الفرنسي، ونظرية البديل الوطني القائمة على المبادئ الأربعة: التعريب، والتوحيد، والتعميم، والمغربة.
علاوة على نظريات أخرى تبلورت بعد استقلال المغرب مباشرة، كالمذهب التعليمي الجديد، أو مذهب بنهيمة، ونظرية الوحدة والفروع، وطريقة يوهان فريدريش هربارت، والنظريات اللسانية، ونظرية الأهداف، ونظرية الكفايات، ونظرية الجودة، ونظرية الشراكة، ونظرية المجزوءات، ونظرية مدرسة المستقبل، ونظرية الذكاءات المتعددة، والبيداغوجيا الإبداعية.
وأخيرا، تظهر نظرية الملكات التي تعد أول نظرية تربوية عربية أصيلة في عصرنا هذا، وتقترن هذه النظرية المتميزة بالدكتور محمد الدريج الذي أثرى الساحة التربوية المغربية والعربية بمجموعة من المؤلفات القيمة في مجالي البيداغوجيا والديدكتيك.
إذاً، ما مفهوم الملكات في اللغة والاصطلاح؟ وما التصور النظري الذي يتبناه محمد الدريج فيما يتعلق بالملكات؟ وكيف يمكن تمثلها تطبيقيا في المجال التربوي والتعليمي؟ هذه أهم الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا.
المبحث الأول: مفهوم الملكات لغة واصطلاحا
يعرف ابن منظور الملكة في معجمه (لسان العرب) قائلا:" طال ملكه وملكه وملكه وملكته (عن اللحياني). أي: رقه. ويقال: إنه حسن الملكة والملك (عنه أيضا). وأقر بالملكة والملوكة. أي: الملك. وفي الحديث: "لايدخل الجنة سيء الملكة"، متحرك. أي: الذي يسيء صحبة المماليك. ويقال: فلان حسن الملكة إذا كان حسن الصنع إلى مماليكه. وفي الحديث: حسن الملكة نماء، هو من ذلك. "66
تتخذ كلمة الملكة، في هذه الشروح اللغوية، بعدا أخلاقيا، وتعني التعامل الجيد والحذق والكيس. وفي الوقت نفسه، تعني الكلمة الصنعة. وتعني الملكة، في المعجم الوسيط، " صفةٌ راسخةٌ في النفس، أو هي استعدادٌ عقليُّ خاصٌّ لتناول أَعمالٍ معيَّنة بحذقٍ ومهارة"67، مثل: الملَكة العَدَدِية، والملكة اللغوية، والملكة الموسيقية، وملكة الخطابة، والملكة الشعرية.
وقد تدل الملكة على الملك والامتلاك. أي: ما أستطيعه وأملكه، أو قد تعني حسن المعاملة مع الخدم والأصحاب. ويقال: يتمتع بملكة فنية عالية. وجمع ملكة ملكات، وهو جمع المؤنث السالم.
ومن هنا، فالملكة - لغة- نوع من الاستعداد النفسي والفطري والعقلي لتناول أعمال معينة بحصافة، وحنكة، ونضج، وإبداع، وذكاء، ودقة، ومهارة، وإتقان، وجودة، وإدراك، وصنعة. . . ومن ثم، فالإنسان يمتلك مجموعة من الملكات العقلية الفطرية الوراثية والملكات المكتسبة عن طريق التعلم والدربة والممارسة والتعلم والتجريب. ويعني هذا أن ثمة ملكات وراثية فطرية عقلية، وملكات تجريبية وحسية مكتسبة. ويعني هذا أن الإنسان تتحكم فيه الوراثة والبيئة معا. أي: إنه كائن فطري ومكتسب على حد سواء.
وتأسيسا على ماسبق، ثمة مجموعة من الملكات التي يمتلكها الإنسان، كالملكة اللغوية، والملكة الموسيقية، والملكة المنطقية، والملكة الغنائية، والملكة الطبيعية، والملكة الفنية، والملكة الشعرية، وملكة الحفظ، وملكة الخطابة، وهلم جرا. . .
وتدل الملكة، في المعاجم الحديثة، على القدرة، والطبع، والسليقة، والصفة الراسخة في النفس.
ويمكن ترجمة كلمة الملكة ب (Maturité)، ويقصد بها النضج، والحصافة، والحنكة، والإبداع، واليناعة، والإدراك، وبلوغ الرشد. . . 68 بيد أن هناك من يترجمها ب (Compétence)، بمعنى الكفاءة المضمرة التي يمكن من خلالها توليد جمل لامتناهية العدد حسب اللساني الأمريكي نوام شومسكي(N. Chomsky).
ومن حيث الاصطلاح، فالملكة هي التي نحصل عليها بالمران والدربة والتعلم والصقل والمعاناة والتكرار حتى تصبح صفة راسخة في النفس في المتكلم. ومن جهة أخرى، قد تدل على المهارة والصناعة والجودة والكفاءة. ومن المعلوم أن الملكات هي تلك القدرات التي يكتسبها الإنسان وراثيا أو تجريبيا، وينتج من خلالها تحصيل مجموعة من المعارف والمهارات والمواقف والميول بمهارة وحذق ودراية. علاوة على ذلك فالعقل مجرد ملكة من الملكات التي يستخدمها الإنسان على مستوى التفكير، إلى جانب الخيال، والذاكرة، والمنطق، والتجريد، والتخييل. . .


المبحث الثاني: مفهوم الملكات في التراث العربي القديم
تحدث علماؤنا القدامى، بشكل من الأشكال، عن الملكات تلميحا أو تفصيلا، وخاصة في مجال اللغة والنحو والبلاغة واللسان، وربطوها بالسليقة والطبع والفطرة والصناعة والمهارة والكفاءة والذوق. ويعرفها الشريف الجرجاني على النحو التالي:" الملكة هي صفة راسخة في النفس. فالنفس تحصل لها هيئة بسبب فعل من الأفعال، ويقال لتلك الهيئة كيفية نفسانية، وتسمى حالة ما دامت سريعة الزوال؛ فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها وصارت بطيئة الزوال، فتصير ملكة. وبالقياس إلى ذلك الفعل عادة وخلقا" 69.
ويعني هذا أن الملكة حالة مستمرة وبطيئة راسخة في نفس الإنسان، وتنبني على أفعال مكررة إلى أن تتحول الملكة إلى عادة وخلق وصناعة.
ويربط إخوان الصفا الملكة بالعادة والمهارة:". . . واعلم أن العادات الجارية بالمداومة عليها تقوي الأخلاق الشاكلة لها، كما أن النظر في العلوم والمداومة على البحث عنها والدرس لها، والمذاكرة فيها يقوي الحذق بها والرسوخ فيها، وهكذا المداومة على استعمال الصنائع والتدرب فيها يقوي الحذق بها والأستاذية فيها. . . "70
وتعني الملكات لدى إخوان الصفا الحذق والمهارة والرسوخ في الشيء، والمداومة والدربة والمران والتكرار. ويعني هذا أن الملكات تقترن بالجودة والإتقان والمهارة والإدراك الجيد للأشياء والصنائع. وينضاف إلى ذلك أن من أهم خطوات التعلم الحفظ، والمحاكاة، والتكرار، والتجريب، والدربة، والإكثار من التمارين. وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون:"اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب، فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع، وهذا هو معنى البلاغة، والملكات لاتحصل إلا بتكرار الأفعال؛ لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالا، ومعنى الحال أنها صفة غير اسخة ثم يزيد التكرار فتكون ملكة. أي: صفة راسخة، فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها، فيلقنها أولا، ثم يسمع التراكيب بعدها، فيلقنها كذلك، ثم لايزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة، ويكون كأحدهم. هكذا، تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل، وتعلمها العجم والأطفال، وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة العربية بالطبع. أي: بالملكة الأولى التي أخذت عنهم، ولم يأخذوها عن غيرهم، ثم إنه لما فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم، وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب أيضا، فاختلط عليه الأمر، وأخذ من هذه، فاستحدث ملكة، وكانت ناقصة عن الأولى، وهذا معنى فساد اللسان العربي. "71
وتعني الملكة عند ابن خلدون مفهوم السليقة، والسجية الفطرية، والحدس اللغوي، وإنتاج اللغة الأم. كما تدل الملكة على كونها صفة راسخة في النفس. وبالتالي، ترتبط الملكة عند ابن خلدون بالملكة البلاغية واللغوية ليس إلا. وتشبه هذه الملكة ما تحدث عنه نوام شومسكي في إطار التمييز بين الكفاءة والإنجاز، وما تحدث عنه فرديناند دوسوسير(F. DE. Saussure) حينما تحدث عن اللغة والكلام واللسان.
ويتردد مصطلح الملكة عند ابن خلدون كثيرا، فهي مدخل لكل دراسة لسانية وغير لسانية، وهي الصفة الراسخة في وجدان الكاتب أو اللغوي أو النحوي للتمييز بين الخطإ والصواب، ومعرفة الخير من الشر، والتفريق بين الحسن والقبيح.
وهي بمثابة معيار للتمييز بين الصحيح اللغوي من اللاحن والمحال الرديء، والتفريق بين الغث والسمين. ويتم تحصيل الملكة بالطبع والسليقة والجبلة الفطرية، أو يتم تحصيلها بالاكتساب التدريجي إلى أن تصبح ملكة طبيعية في نفس الإنسان، مصقولة بالدربة والحصافة والمهارة.
وقد تعني الملكة في البيان امتلاك الذوق بإدراك أسرار البلاغة البيانية نظما وبلاغة وطبعا:" اعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان، ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان، وقد مر تفسير البلاغة أنها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك، فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم، وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده. "72
ويعني هذا أن الذوق ملكة وجدانية بها ندرك أسرار الجمال في التراكيب البلاغية، ونتوصل إلى مواطن تميزها فنيا وجماليا. وهذه الملكة وجدانية تكتسب عن طريق التكرار، والدربة، والمران، وتذوق النصوص الأدبية.
ويذكر ابن خلدون، في كتابه (المقدمة)، مجموعة من الملكات الرئيسة، مثل: ملكة الحفظ، وملكة الفهم، وملكة الذوق. وتصقل هذه الملكات باللغة والبيان والبلاغة والنحو وعلوم الآداب حفظا وفهما. ومن هنا، لابد أن تترسخ الملكات في نفوس المتعلمين بالمران والدربة والمجاهدة حتى تترسخ في نفوسهم، وتصبح مطبوعة وفطرية وسليقية.
المبحث الثالث: سياق نظرية الملكات
ثمة مجموعة من العوامل التي دفعت محمد الدريج لتبني نظرية الملكات، ومن بينها فشل تطبيق النظريات التربوية الغربية بالمدرسة المغربية لأسباب ذاتية وموضوعية، لاسيما أن هذه النظريات الغربية التي يتم تمثلها بالمغرب تتسم بالارتجالية، والتسرع، والتجريب، والترقيع، واستنبات مشاكل الغير في تربة لاتتلائم مع تربة الآخر.
وينضاف إلى ذلك تأثره بنظرية الذكاءات المتعددة لدى هوار غاردنر (Howard Gardner) التي تتشابه مع نظرية الملكات بشكل من الأشكال. فهناك الملكة اللغوية، والملكة الرياضية، والملكة المنطقية، والملكة الموسيقية، والملكة الفلسفية، والملكة الذاتية، والملكة الاجتماعية، والملكة الإعلامية. . . . وهلم جرا.
كما تأثر محمد الدريج بنظرية الأهداف، أو ما يسمى بالتدريس الهادف من جهة، وتأثره بدرس الكفايات والإدماج من جهة أخرى. ولا ننسى تأثير الميثاق الوطني للتربية والتكوين في الباحث بحال من الأحوال، وانسياقة وراء التعليم المندمج. علاوة على ذلك تأثر الباحث بمجموعة من التصورات التربوية لدى علمائنا المسلمين، مثل: الإمام الغزالي، وابن خلدون، وابن سحنون، والقابسي، والسمعاني، وابن طفيل. . .
وقد تجاوز محمد الدريج جميع النظريات الغربية المستوردة، مثل: نظرية الأهداف، ونظرية الكفايات:" إننا ننتقد في هذا النموذج، الاكتفاء بالصياغات الإجرائية- السلوكية والوضعياتية، سواء للأهداف أم للكفايات أم للمعايير … كما هو سائد في بعض الأنظمة والنماذج التعليمية، التي تكتفي باستيراد هذه المقاربة أو تلك، والتوقف عند المؤشرات السلوكية - الجزئية، والغرق في الكثير من الإجراءات والتقنيات، والتي كثيرا ما تؤدي، فضلا عن السقوط في الاتكالية والارتباط، إلى الآلية والنزعة نحو التفتيت، والابتعاد عن الأهداف الحقيقية والغايات التربوية المنشودة.
كما أن التحديد الإجرائي-السلوكي والصارم للأهداف على سبيل المثال، كثيرا ما يمنع المدرسين من الاستفادة من الفرص التعليمية غير المتوقعة التي تحدث داخل الأقسام، فيستبعدون مبادرات التلاميذ، بل ومبادرات المدرسين أنفسهم، والتي تفرضها المواقف التعليمية المستجدة، ولا تتناولها الأهداف أو الكفايات أو المعايير، المحددة سلفا، وبعبارات سلوكية جامدة. "73
ولكن أهم من تأثر به محمد الدريج هو عابد الجابري في تعامله المنهجي مع التراث تأصيلا وتأسيسا. ويرى محمد عابد الجابري، في دراساته الفكرية والفلسفية المختلفة، أن التراث العربي الإسلامي يتمظهر بشكل جلي في العقيدة، والشريعة، واللغة، والأدب، وعلم الكلام، والفلسفة، والتصوف. . . ويمتد من القرن الأول حتى قبل عصر الانحطاط، بدون تحديد دقيق لبدايته نظرا لاختلاف العلماء حول بداية تراجع المسلمين وانحطاطهم. ولكن ما يهمنا - يقول الجابري-:" هو اتفاق الجميع على أن التراث هو من إنتاج فترة زمنية تقع في الماضي، وتفصلها عن الحاضر مسافة زمنية ما، تشكلت خلالها هوة حضارية فصلتنا، ومازالت تفصلنا عن الحضارة المعاصرة، الحضارة الغربية الحديثة. ومن هنا، ينظر إلى التراث على أنه شيء يقع هناك. فعلا، مايميز التراث العربي الإسلامي في نظرنا هو أنه مجموعة عقائد ومعارف وتشريعات ورؤى، بالإضافة إلى اللغة التي تحملها وتؤطرها، تجد إطارها المرجعي التاريخي والإبستمولوجي في عصر التدوين(القرن الثاني والثالث للهجرة) وامتداداته التي توقفت آخر تموجاتها مع قيام الإمبراطورية العثمانية في القرن العاشر للهجرة(السادس عشر للميلادي). أي: مع انطلاق النهضة الأوروبية الحديثة. وإذاً، فالتراث العربي الإسلامي- منظورا إليه من داخل منظومة مرجعية تتخذ الحضارة الراهنة، حضارة القرن العشرين، نقط إسناد لها-هو إنتاج فكري وقيم روحية دينية وأخلاقية وجمالية. . . إلخ، تقع هناك فعلا. أي: خارج الحضارة الحديثة، ليس فقط بوصفها منجزات مادية وصناعية، بل أيضا بوصفها نظما معرفية ومنظومات فكرية وأخلاقية وجمالية. . . إلخ. وبما أننا نعيش هذه الحضارة – على الأقل منفعلين إن لم نكن مستلبين- ونحلم بالانخراط الواعي الفاعل فيها، فإنه لابد من أن نشعر- وهذا ماهو حاصل فعلا- أننا نزداد بعدا عن تراثنا بازدياد ارتباطنا مع هذه الحضارة، وإن المسافة بين هناك وهنا تزداد اتساعا وعمقا. وهذا الشعور يغذي في فريق منا الحنين الرومانسي إليه، وفي الوقت نفسه، ينمي في فريق آخر منا الرغبة في القطيعة معه، والانفصال التام عنه. "74
علاوة على ذلك يرى محمد عابد الجابري أنه من المستحيل تحقيق نهضة عربية إسلامية معاصرة، بدون أن ننطلق من تراثنا العربي الإسلامي، أو ننتظم داخل تراث غيرنا، بل علينا أن نقرأ تراثنا بأدوات جديدة، وبعقلية معاصرة، تنطلق من تصورات بنيوية داخلية، واستقراء لحيثيات الموروث مرجعيا وتاريخيا قصد استقراء أبعاده الأيديولوجية لمحاربة التخلف، ومواجهة طغيان الاستعماري، وتقويض النزعة المركزية الأوروبية فضحا وتعرية وتفكيكا، وهذا كله من أجل تشييد ثقافة عربية أصيلة مستقبلية، تكون أرضية ممهدة لانطلاقنا حيال المستقبل.
فلابد - إذاً- من خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام، بشرط أن تكون قراءتنا موضوعية قائمة على الاستمرارية والتأويل المعقلن، في ضوء تصورات معاصرة متجددة. علاوة على ذلك، لا يمكن أن تتحقق النهضة الفكرية إلا بالتعامل مع التراث داخل الثقافة نفسها، بممارسة نقد الماضي والحاضر معا:" إنه بممارسة العقلانية النقدية في تراثنا وبالمعطيات المنهجية لعصرنا، وبهذه الممارسة وحدها، يمكن أن نزرع في ثقافتنا الراهنة روحا نقدية جديدة وعقلانية مطابقة، وهما: الشرطان الضروريان لكل نهضة. 75"
وعلى وجه العموم، يرى محمد عابد الجابري أن تعامل المفكر العربي مع التراث يطرح مشكلين متلازمين، وهما: مشكل الموضوعية. أي: كيف يمكن فصل الذات عن الموضوع في التعامل مع تراثنا العربي الإسلامي، وكيف يمكن تحقيق العلمية الحقيقية في التعامل مع الظاهرة التراثية، دون أن تكون الذات حاضرة في التعامل معها تعاطفا وتآزرا ودفاعا.
وثانيا، هناك مشكل الاستمرارية، بمعنى أن التراث مازال مستمرا وممتدا في ثقافتنا المعاصرة، ومازال يحتاج إلى تجديد وقراءات مغايرة لفهمه وتفسيره، وتمثل إيجابياته ومواقفه الإيديولوجية الهادفة والبناءة. وفي هذا الإطار، يقول الجابري:" ولكن لماذا الاستمرارية؟
أولا: لأن الأمر يتعلق بتراث هو تراثنا نحن، فهو جزء منا أخرجناه عن ذواتنا لا لنلتقي به هناك بعيدا عنا، لا لنتفرج عليه تفرج الأنتروبولوجي في منشأته الحضارية والبنيوية، ولا لنتأمله تأمل الفيلسوف لصروحه الفكرية المجردة، بل فصلناه عنا من أجل أن نعيده إلينا في صورة جديدة، وبعلاقات جديدة، من أجل أن نجعله معاصرا لنا على صعيد الفهم والمعقولية، وأيضا على صعيد التوظيف الفكري والإيديولوجي. ولم لا إذا كان هذا التوظيف سيتم بروح نقدية ومن منظور عقلاني؟"76
ومن ثم، فقراءة عابد الجابري للتراث قراءة ثلاثية الأبعاد منهجيا، ويعني هذا أن قراءة الجابري لها صورة بنيوية تكوينية، تستند إلى ثلاث خطوات منهجية أساسية هي: الطرح البنيوي الداخلي، والطرح التاريخي، والطرح الإيديولوجي. ومن ثم، تنطلق المعالجة البنيوية الداخلية من النص كألفاظ أولا، ومعان ثانيا، وقضايا وإشكاليات ثالثا. بمعنى أن نتعامل مع النص كمعطى، ولا نهتم بالأحكام الخارجية المسبقة حول التراث، أو الانسياق شعوريا أولا شعوريا وراء الرغبات الحاضرة، فلا بد من الانطلاق من النصوص فهما وتفسيرا وتأويلا. وفي هذا النطاق، يقول الجابري عن المعالجة البنيوية بأنها تعني" ضرورة وضع جميع أنواع الفهم السابقة لقضايا التراث بين قوسين، والاقتصار على التعامل مع النصوص، كمدونة، ككل تتحكم فيه ثوابت، ويغتني بالتغيرات التي تجري عليه حول محور واحد. هذا يقتضي محورة فكر صاحب النص(مؤلف، فرقة، تيار. . . ) حول إشكالية واضحة قادرة على استيعاب جميع التحولات التي يتحرك بها ومن خلالها فكر صاحب النص، بحيث تجد كل فكرة من أفكاره مكانها الطبيعي(أي المبرر أو القابل للتبرير) داخل الكل. إن القاعدة الذهبية في هذه الخطوة الأولى هي تجنب قراءة المعنى قبل قراءة الألفاظ (الألفاظ كعناصر في شبكة من العلاقات، وليس كمفردات مستقلة بمعناها). يجب التحرر من الفهم الذي تؤسسه المسبقات التراثية أو الرغبات الحاضرة. يجب وضع كل ذلك بين قوسين، والانصراف إلى مهمة واحدة هي استخلاص معنى النص من النص نفسه. أي: من خلال العلاقات القائمة بين أجزائه. "77
أما الخطوة الثانية من المنهجية في التعامل مع التراث، فتستند إلى قراءة فكر صاحب النص قراءة تاريخية، تتكئ على استقراء الظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في فهم أطروحاته وتفسيرها. إن"هذا الربط – يقول الجابري- ضروري من ناحيتين: ضروري لفهم تاريخية الفكر المدروس وجينيالوجياه، وضروري لاختبار صحة النموذج(البنيوي) الذي قدمته المعالجة السابقة. والمقصود بالصحة هنا ليس الصدق المنطقي، فذلك ما يجب الحرص عليه في المعالجة البنيوية، بل المقصود الإمكان التاريخي: الإمكان الذي يجعلنا نتعرف على ما يمكن أن يقوله النص، وما لا يمكن أن يقوله، وما كان يمكن أن يقوله، ولكن سكت عنه. "78
أما القراءة الثالثة من خطوات منهجية الجابري، فهي خطوة الطرح الإيديولوجي، بمعنى البحث عن الوظيفة أو الوظائف الأيديولوجية التي يؤديها الفكر المعني داخل سياقه الدلالي والتاريخي والمرجعي، أو داخل المنظومة المعرفية التي يشتغل فيها صاحب النص. فالكشف" عن المضمون الإيديولوجي للنص التراثي هو الوسيلة الوحيدة لجعله معاصرا لنفسه، لإعادة التاريخية إليه. 79"
ويلاحظ أن هذه الخطوات متتابعة ومتعاقبة: مرحلة التحليل البنيوي الداخلي، ومرحلة التحليل التاريخي الخارجي، ومرحلة التأويل الإيديولوجي.
ويعني هذا أن محمد عابد الجابري متأثر، بطريقة أو بأخرى، بتصورات لوسيان كولدمان (Lucien Goldmann) صاحب البنيوية التكوينية80 الذي يعتمد، في قراءته للآداب والظواهر السيوسيولوجية، على مبدأين: الفهم والتفسير. بمعنى أن لوسيان كولدمان يقرأ النص قراءة داخلية كلية لاستخلاص البنية الدالة، ثم يقوم بتفسيرها في ضوء المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أجل الوصول إلى الرؤية للعالم التي يتضمنها النص المعطى، وهي رؤية إيديولوجية ليس إلا.
كما يتأثر محمد عابد الجابري ببول ريكور(Paul Ricoeur) الذي يدعو إلى الجمع بين الطرح البنيوي الداخلي، والقراءة السياقية المرجعية التي تهتم بالذات والمقصدية والإحالة. ويعني هذا أن الجابري يجمع بين الذات والموضوع، وبين الداخل والخارج.
وتأسيسا على ما سبق، يقول محمد عابد الجابري بأن هناك" ثلاث خطوات متداخلة، ولكننا نعتقد أنها يجب أن تتعقب بهذا الترتيب حين ممارسة البحث. أما عند صياغة النتائج، فإن بيداغوجية الكتابة، تقتضي في المرحلة الراهنة على الأقل، الأخذ بيد القارئ من باب التحليل التكويني والطرح الإيديولوجي، والانتهاء إلى الصرح البنيوي. تلك هي عناصر اللحظة الأولى من المنهج الذي نقترحه ونحاول تطبيقه: لحظة الموضوعية أو تحقيق الانفصال عن الموضوع. أما اللحظة الثانية لحظة الاتصال به، والتواصل معه، فتعالج، كما أشرنا من قبل، مشكل الاستمرارية. "81
وعليه، فثمة عدة رؤى ومنظورات متفاوتة ومختلفة ومتباينة حول مفهوم التراث، وثمة أيضا تصنيفات عديدة استعرضها المثقفون العرب في أثناء تعاملهم مع التراث. وقد برز الكثير من الباحثين والدارسين الذين يهتمون بالتراث، مثل: حسين مروة، والطيب التزيني، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الكبير الخطيبي، وغالي شكري، وزكي نجيب محمود، وأدونيس، ويوسف الخال، وحسن حنفي، ومحمد عمارة. . .
وهكذا، يرى عبد الله العروي صاحب التوجه التاريخاني - مثلا - أن ثمة نوعين من المثقفين: مثقفا سلفيا ينظر نظرة تقليدية إلى التراث، ومثقفا انتقائيا يختار من التراث ما يعجبه، ويخدم رؤيته. لكن هذين الاتجاهين يغفل الجانب التاريخاني للتطور الحضاري والفكري، سواء أكان ذلك في الغرب أم عند العرب. فلا بد – إذاً- من تبني المقاربة التاريخانية لعقلنة موروثنا الثقافي والحضاري، وتحقيق التقدم الهادف والبناء. وفي هذا السياق، يقول عبد الله العروي:" الغالبية العظمى منهم بحسب المنطق التقليدي السلفي، والباقي بحسب منطق انتقائي، إلا أن الاتجاهين، يعملان على إلغاء البعد التاريخي، ولكن إذا محا المثقف التاريخ من فكره، فهل يمحوه من الحقيقة الواقعة؟ بكل تأكيد لا. إن التاريخ من حيث هو بنية ماضية- حاضرة يشكل الشرط الحالي للعرب، تماما- بمقدار ما يشكل شرط خصومهم، وذلك أن الفكر اللاتاريخي لا يؤول إلا إلى نتيجة واحدة: عدم رؤية الواقع. وإذا ترجمنا هذا بعبارات سياسية، قلنا: إنه يوطد- في جميع المستويات- التبعية". 82
ومن زاوية أخرى، يرى الباحث المصري حسن حنفي أنه من الضروري العودة إلى الماضي لفهمه جيدا، واستيعابه بشكل متأن وواع، وقراءته قراءة سياقية وظيفية لفهم حاضرنا المعاصر، وتنويره بطريقة إيجابية بناءة وهادفة قصد تحقيق أصالتنا من أجل السير به نحو التقدم والازدهار. وفي هذا النطاق، يقول الدكتور حسن حنفي:" الحديث عن القديم يمكن من رؤية العصر فيه، وكلما أوغل الباحث في القديم، وفك رموزه، وحل طلاسمه، أمكن رؤية العصر، والقضاء على المعوقات في القديم إلى الأبد، وإبراز مواطن القوة والأصالة لتأسيس نهضتنا المعاصرة، ولما كان التراث يشير إلى الماضي، والتجديد يشير إلى الحاضر، فإن قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان، وربط الماضي بالحاضر , وإيجاد وحدة التاريخ". 83
و يرى حسن حنفي أيضا أنه من الصعب الفصل بين ثنائية الأصالة والمعاصرة في أثناء حديثنا عن التراث، فبينهما اتصال بنيوي عضوي، وجدلية مترابطة حاسمة: " إنما تعني الأصالة والمعاصرة وحدة باطنية عضوية بينهما، بحيث تتحقق وحدة شخصية في حياة الفرد والمجتمعات. "84
ويذهب الدكتور عباس الجراري، ضمن منظوره التاريخي الجدلي، إلى القول بجدلية الماضي والحاضر والمستقبل، وترابط هذه الأزمنة في بوتقة واحدة لفهم ذواتنا، وفهم حقيقة الآخر، وفهم الطريقة التي نتعامل بها مع التراث. وفي هذا، يقول الباحث:"إن الارتباط وثيق بين الماضي والحاضر والمستقبل في علاقة جدلية حتمية، تجعل الماضي منعكسا على الحاضر، ومؤثرا في المستقبل، وتجعل بذلك حركة التاريخ حركة كلية لا تتجزأ. . . "85
أما الباحث علي زيعور، فينظر إلى توظيف التراث نظرة سيكولوجية باعتباره مؤشرا حقيقيا للدفء الذاتي، ومنبعا للاستقرار والتوازن النفسي، ووسيلة لتحقيق الشعور بالانتماء الحضاري والثقافي، وتوفير الراحة النفسية في أثناء التعامل مع الآخر، فيقول علي زيعور بأن" التشكيك بقيمة الموروث الحضاري عملية تزعزع الثقة بالنفس وبالنص؛ لأنها تخل بالتوازن بين الأنا وحقلها الحضاري الذي يعطي الإنسان عمقا، وقيمة، وشعورا بالانتماء. ومن ثمة، بالأمن والاطمئنان. أي: بالقدرة على الاستمرار والتكيف. "86
علاوة على ذلك، يرى أدونيس، في معظم كتاباته، ولاسيما في كتابه( الثابت والمتحول)، أن التعامل الحقيقي مع التراث العربي الإسلامي ينبغي أن يقوم على خلخلة هذا التراث، وغربلته غربلة جيدة في ضوء مناهج حديثة ومعاصرة، بقراءة واعية ومتعمقة، قائمة على التفكيك والتركيب، والبحث عن نقط التحول والتغير والمغامرة الحداثية في هذا الموروث الإنساني، مع إبعاد كل ما يمت بصلة إلى الدين والمقدس والثابت القيمي والأخلاقي. ويعني هذا أن أدونيس يدعو إلى قراءة للتراث قائمة على التثوير والتغيير والتطوير. وإن كانت هذه القراءة الحداثية غير موضوعية إلى حد ما لكونها خاضعة لمشرح التغريب والاستلاب والهدم، وتنطلق من مرجعية تفكيكية أجنبية، لا تعترف بالدين والقيم والأخلاق والأعراف87.
وفي هذا السياق نفسه المتعلق بالكتابات التراثية، يقول محمد الدريج:"يندرج هذا النموذج البيداغوجي "التدريس بالملكات"، ضمن منظور paradigme "تجديد التراث"88، بل هو اجتهاد لتطبيقه في المجال التربوي التعليمي. هذا المنظور الذي بلوره العديد من المفكرين المعاصرين، وفي مقدمتهم أستاذنا الكبير محمد عابد الجابري، في أعماله الرائدة للجواب عن الأسئلة المصيرية التالية:" كيف نستعيد مجدنا؟ كيف نحيي تراثنا ؟ كيف نعيش عصرنا؟ كيف نتعامل مع تراثنا؟ كيف نعيد بناء شخصيتنا ؟ كيف نحقق ثورتنا؟.
يدرك الجابري أن تراثنا تراث حي، لأنه ظل ساريا بيننا متغلغلا في نفوسنا، وأنه قابل للتطور، في حين بقيت ثقافتنا/ عقليتنا السائدة حالياً متخلفة، إنها " من مخلفات عصور الانحطاط، خاصة في طريقة التفكير التي تنتهجها". ولهذا، دعا إلى ضرورة تخليصها أولا من شوائبها، ثم بعد ذلك، تبني طريقة موضوعية في قراءة ما تستبطنه وتختزنه من تراث.
تستند الطريقة الموضوعية في قراءة التراث إلى إعادة النظر في ترتيب العلاقة الملتبسة بين الماضي والحاضر، أو الحداثة والتراث، آو الفهم التقليدي للتراث والفهم العلمي. على أن الجابري في قراءته العلمية ينحاز منذ البداية للحداثة، ويجعلها منطلقه ومنتهاه، ولا تتحقق تلك الحداثة إلا بالارتكاز على التراث. ولذلك، فأول مهام المفكر هي ضرورة تحريرنا من الفهم التراثي للتراث، الذي تحكم طويلا بعقليتنا، وتخليص هذا التراث من طابعه العام والمطلق والمقدس، ووضعه في إطاره الحقيقي. أي: إطار النسبية والتاريخية، ولا يتحقق ذلك إلا بتأسيس الفهم العقلاني والحداثي والديمقراطي للتراث.
و يخلص أصحاب منظور "تجديد التراث "، وفي طليعتهم مؤسسه محمد عابد الجابري، بأن للعودة إلى التراث دورا وظيفيا حاسما للنهوض بأمتنا، وانبعاث حضارتها، ويتمثل هذا الدور في الارتكاز على التراث لنقد الحاضر البائس وتأسيس المستقبل. كما أن لهذه الدعوة المجددة وظيفة دفاعية للحفاظ على هويتنا وأصالتنا ضد التبعية والاستلاب. " لقد كان التراث دائما حصنا منيعا للدفاع عن الاستقلال، وللحفاظ على الذات وخصوصيتها الثقافية، وقدرتها على التحرر والإبداع". على أن قراءة الجابري هي في الآن نفسه دعوة إلى القطيعة، لكنها ليست قطيعة مع التراث برمته، وإنما قطيعة مع نماذج معينة من التراث سادت في عصر الانحطاط، وقطيعة مع القراءات والمناهج غير الموضوعية. "إن القطيعة التي ندعو إليها ليست القطيعة مع التراث، بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، القطيعة التي تحولنا من "كائنات تراثية" إلى كائنات لها تراث. أي: إلى شخصيات يشكل التراث أحد مقوماتها، إنها دعوة إلى تجديد التراث، لا إلى إلغائه ".
إن تجديد التراث ينبغي أن يتم وفق رؤيةٍ معاصرة، فننتقي منه النماذج الإيجابية التي تساعدنا على بناء حاضرنا، واستشراف مستقبلنا، ونترك نماذجه السلبية أو نعدلها. فتجديد التراث يعني اختيار النماذج النافعة من تراثنا اختياراً قائماً على الفهم والتمييز والنقد والمفاضلة بين العناصر التراثية، وجعل الصالح منها منطلقاً إلى الإبداع والابتكار.
لقد وجد هذا المنظور الجابري، ( والجابرية عموما)، المستنير والتقدمي والحداثي للتراث، طريقه إلى إعادة تشكيل الرؤى والباراديكمات، التي يستلهمها العديد من الباحثين حاليا، منهم على سبيل المثال محمود السيد، الذي يستخلص وجود نماذج جيدة في تراثنا ينبغي الإفادة منها وتوظيفها، ومن هذه النماذج:
- النموذج العلمي التجريبي: الذي طوره عدد من علمائنا القدامى، مثل: جابر بن حيان، والبيروني، وابن الهيثم، والخوارزمي، وابن النفيس، وغيرهم كثير.
- النموذج الوظيفي أو النفعي للمعرفة، انطلاقا من الدعاء النبوي " اللهم علّمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، وزدني علماً، وكلُّ علمٍ وبال على صاحبه إلا من عمل به. "
- النموذج التربوي، الذي يجعل التعليم مدى الحياة حقّا للإنسان وواجبا عليه وعلى الدولة، ويجعل الحرية الفكرية أساسا لتنمية الشخصية الإنسانية، وتنمية المعرفة ذاتها.
كما نعثر في تراثنا على نماذج كثيرة لها راهنتيها، ويمكن استلهامها وإغناؤها وتوظيفها في حل الكثير من الإشكاليات، من مثل:
- النموذج اللغوي؛
- النموذج القانوني؛
- النموذج الاجتماعي؛
- النموذج الأخلاقي؛
- النموذج الإنساني …
و نستخلص نحن بدورنا، وعلى هدي هذا المنظور ( الباراديكم )، نموذجا أصيلا آخر من تراثنا، نغنيه ونوظفه للمساهمة في الإصلاح البيداغوجي المنشود، وهو النموذج التعليمي "التدريس بالملكات""89.
تلكم - إذاً- أهم العوامل التي كانت وراء ظهور نظرية الملكات في الساحة التربوية المغربية، وقد جاءت نظرية محمد الدريج رد فعل على فشل المنظومة التربوية المغربية، بعد النتائج الهزيلة التي أسفرت عن تطبيق نظرية الكفايات والإدماج.

المبحث الرابع: التصور النظري لبيداغوجية الملكات
تعد نظرية الملكات لمحمد الدريج نظرية تربوية معاصرة أصيلة. وقد انطلق الباحث من فرضية رئيسة ألا وهي: أن إنقاد المنظومة التربوية بالمغرب رهين باستلهام النظريات التربوية التراثية التي تنبني على الهوية والقيم والحداثة الحقيقية. وبالتالي، فلابد من استكشاف مختلف القدرات لدى المتعلم وتنميتها وتطويرها وصقلها وشحذها بحثا عن مردودية إنتاجية ناجعة، تمتاز بالجودة والحذق والمهارة. ومن ثم، يعرف الدريج الملكة قائلا: "الملكة تركيبة مندمجة من قدرات ومهارات واتجاهات، تكتسب بالمشاهدة والمعاينة ، وترسخ بالممارسة وتكرار الأفعال، في إطار حل مشكلات، ومواجهة مواقف، والملكة قابلة للتطوير والتراكم المتدرج (هيآت، حالات، صفات. . . )، ويكون لها تجليات سلوكية خارجية (حذق، كيس، ذكاء، طبع"90.
ويعني هذا أن الملكة خاصية مركبة تتكون من مجموعة من القدرات والكفايات والمهارات والصناعات والاتجاهات والميول، يتسلح بها الإنسان المتعلم من أجل مواجهة الوضعيات المعقدة، وحل مختلف المشكلات التي تعترضه في الحياة، وتعبر هذه الملكات عن حصافته وحنكته وحذقة وبراعته وذكائه. بمعنى أن الملكات معيار للجودة والمهارة والإتقان، وتكتسب عبر الممارسة والمعاينة والتجريب والتكرار حتى تترسخ صفة المهارة والحذق في نفس الإنسان. وفي هذا الصدد أيضا يقول عبد الكريم غريب بأن الملكة هي" مجموع القوى العقلية المفترضة، مثل: ملكة المعرفة وملكة الإرادة وملكة الذاكرة؛ ويهتم علم نفس الملكات بالملكات التي تنتج الأنشطة العقلية المختلفة. وهي إمكانات ومؤهلات الفرد المعرفية التي يولد الفرد مزودا بها وراثيا، وتعمل التربية والخبرة على صقلها. "91
ويعني هذا أن الملكات مرتبطة بالعقل والدماغ العصبي من جهة، ومقترنة بالمكتسب التجريبي عن طريق الملاحظة والاكتساب والتكرار وفعل العادة والدوام والاستمرار من جهة أخرى. ومن هنا، فالتكرار آلية من آليات اكتساب المعرفة لدى الإنسان المتعلم وغير المتعلم.
وعليه، فالملكات هي بمثابة قدرات وطبائع وصفات وأحوال وهيئات وقدرات واتجاهات وميول تكون وراثية من ناحية، أو مكتسبة من ناحية أخرى، وتترسخ في الذهن الإنساني بالتجريب والتكرار وفعل العادة من أجل مواجهة الوضعيات والظروف التي يوجد فيها المتعلم، "علما بأن مفهوم الملكة هذا لا يمثل بديلا عن مفاهيم البنيات الذهنية والقدرات والمهارات والكفايات. . . المتداولة اليوم في مجال علم النفس المعرفي وغيره، بل يعتمد عليها، ويغتني بها، لكنه يوظفها بشكل أصيل. أي: باعتماد معاني الملكات، وما ارتبط بها من مفاهيم، في أصل نشأتها وتطورها لدى علمائنا. إنه تصور عقلي- وظيفي لظاهرة التعلم والتملك المعرفي، ينطلق من مقترحات ابن خلدون وغيره ممن لمعوا في مجال التربية، مع اللجوء للأبحاث المعاصرة لتهذيبها وتعميقها وأجرأتها، من خلال جملة المفاهيم النفس-عرفانية المذكورة آنفا. 92"
ويتضح، مما سبق ذكره، أن نظرية الملكات تعتمد على مجموعة من المصادر، سواء أكانت تراثية عند علمائنا القدامى كابن خلدون- مثلا-، أم تستند إلى كتابات معاصرة سيكولوجية وبيداغوجية، كالاستفادة- مثلا- من نظرية الكفايات والإدماج، ونظرية الأهداف، ونظرية الذكاءات المتعددة، والبيداغوجيا الإبداعية، والنظريات اللسانية. . .
ويلاحظ أن محمد الدريج يحاول تأصيل نظريته التربوية بالاعتماد على الكتابات التراثية، كما تتجلى في آراء ابن خلدون في كتاب (المقدمة)، والاعتماد على ما كتبه محمد عابد الجابري من دراسات حول التراث. علاوة على ذلك، فجميع النظريات الغربية التي جربت في الحقل التربوي المغربي لم تؤت أكلها؛ مما جعل التعليم المغربي يعاني من أزمات متوالية ومتتابعة بسبب سياسة التجريب والترقيع والاستنبات. لذا، عاد محمد الدريج إلى التراث لبلورة نظرية تربوية أصيلة نابعة من التربة العربية المحلية، مع الاستفادة، قدر الإمكان، من تصورات غربية في السيكولوجيا والبيداغوجيا، وخاصة نظريتي الكفايات والذكاءات المتعددة.
المبحث الخامس: تصنيف الملكات عند محمد الدريج
تتنوع الملكات عند محمد الدريج، فهناك ثلاثة أنواع كبرى من الملكات: ملكات أساسية في الحياة، وملكات أكاديمية في التعليم، وملكات مهنية في الصناعة.
فالملكات الأساسية في الحياة هي التي لايمكن الاستغناء عنها، فهي آليات رئيسة في اكتساب المعرفة الجوهرية. وتنقسم - أولا - إلى ملكة اللغة والتواصل شفويا وكتابيا، وملكة الحساب والتعداد. وثانيا، الملكات المعرفية والمنطقية التي تستند إلى مجموعة من العمليات الذهنية والمنطقية، باستعمال التأمل العقلي كتابة، وتقوية العقل عن طريق الحساب العددي. وثالثا، الملكات-العملية الاجتماعية التي ترصد أوليات السلوك والممارسات في الاجتماع البشري والأخلاق، وتهتم بتدبير المنزل.
أما الملكات الأكاديمية في التعليم، فهي ملكات تربوية نوعية مرتبطة بالتعلم واكتساب المعرفة، وتتفرع هذه الملكات إلى الأنواع التالية:
( ملكات في علوم دنيوية، مثل: الرياضيات، وعلوم الطبيعة، وعلوم اللغة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والتاريخ، وعلم الكلام والجدل، والمنطق، والفلسفة. . .
( ملكات في علوم شرعية، مثل: أصول الدين، وعلم التوحيد، والفقه، والتفسير، وعلوم القرآن والحديث، والتصوف. . .
( ملكات لأجل علوم عملية، مثل: السياسة المدنية والملكات التكنولوجية. . .
(ملكات مهنية، وترتبط بالمهن والصنائع والتقنيات. . .
( ملكات الصناعة البسيطة، وتكون في الضروريات والصنائع الضرورية، مثل: الفلاحة، والبناء، والحدادة، والنجارة، والخياطة. وتعد ضرورية؛ لأنها توفر ما هو ضروري للعيش والحياة.
( ملكات الصناعة المركبة: تكون في الكماليات والصنائع الشرفية، مثل: التوليد، والكتابة، والغناء، والطب، والتعليم، وهي شرفية لأنها تعطي صاحبها شرف الترقي.
المبحث السادس: التمثل التربوي التطبيقي لبيداغوجيا الملكات
من المعلوم أن التعليم المغربي قد جرب مجموعة من النظريات والطرائق التربوية لإصلاح التعليم، وخاصة تلك النظريات الغربية التي تم استنباتها في التربة المغربية تجريبا وترقيعا، كنظرية الأهداف، ونظرية الكفايات، ونظرية الشراكة، ونظرية المجزوءات، ونظرية الجودة، وغيرها. . . ومن ثم، فقد جاءت نظرية الملكات في السياق نفسه لإصلاح التعليم، وتقديم بديل جديد، بعد أن فشل التعليم المغربي في تطبيق بيداغوجيا الكفايات والإدماج التي لاتتلاءم فلسفتها مع الواقع المغربي. لذا، بادر محمد الدريج إلى اقتراح نظرية تربوية بديلة سماها بنظرية الملكات، وقد امتحها من كتابات الجابري التراثية، واستفاد كثيرا من علمائنا القدامى في مجال التربية والتعليم كابن خلدون مثلا. ومن ثم، يتمثل الغرض من هذه النظرية في التوجهات التالية:
"-المساهمة في الإصلاح البيداغوجي لنظام التعليم، وجعله قادرا على مواجهة مختلف الصعوبات والتحديات، خاصة على المستوى المنهاجي - الديدكتيكي.
- تعميم تعليم مندمج وأصيل عالي الجودة، وتبني مبادئ ومفاهيم تربوية تراثية.
- توظيف مفاهيم وأدوات تدريسية متجددة مما يشجع، في المنظومة التربوية، التفاعل بين الموروث الثقافي والتطورات والكشوف التربوية المعاصرة، وذلك بالعمل على:
- دراسة الممارسات والتجارب التربوية في تراثنا وإغنائها وتوظيفها.
- دراسة التجارب التربوية العالمية وتقويمها والاستفادة منها.
- مد الجسور التربوية-التعليمية بين هويتنا الثقافية والمنجزات العالمية المعاصرة.
- ترسيخ لدى المتعلم الهوية التراثية-الأصيلة التي ترفض الاغتراب والاستلاب والتبعية بجميع أشكالها، وخلق الانسجام والتوازن بينها وبين الهوية المنفتحة التي تتميز بالحوار وبالتواصل المعرفي، والانخراط في مسيرة الحضارة الكونية.
-المساهمة في الانعتاق من النقل والتقليد، وتفعيل شخصيتنا الأصيلة والمبدعة، سواء كأفراد أم جماعات، والمساهمة بفعالية في تقويتها بالتربية البدنية والتربية الفكرية، وبترسيخ الاتجاهات الايجابية المقبولة والقيم الأخلاقية وقيم المواطنة. "93
ويلاحظ أن محمد الدريج يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وينفتح على المستجد من الأفكار والنظريات التربوية والسيكولوجية واللسانية المعاصرة. بمعنى أنه يمتح آراءه من النظريات التربوية التراثية. وفي الوقت نفسه، يستفيد من مستجدات النظريات البيداغوجية العالمية. كأني بمحمد الدريج يدعو إلى الاعتماد على الذات في ابتكار نظرياتنا التربوية، وعدم الانسياق وراء النظريات التربوية الغربية بغية استنباتها في التربة التربوية المغربية. وفي هذا الإطار، يقول محمد الدريج:" كما ندعو ارتباطا بذلك، وفي سياق تأصيل نشاطنا التربوي وغيره، وتحريره من مختلف أشكال التبعية والتقليد والاتكالية واستيراد النظريات الجاهزة، إلى إعادة النظر في أساليب عقد اتفاقيات الشراكة، وتفويت الصفقات مع مكاتب الدراسات، وخاصة المكاتب الأجنبية، وتقنين ومراقبة نشاط المنظمات الدولية ووكالات التعاون وكل الجهات الداعمة، والتي يكون لها بالغ الأثر في اختيار هذا النموذج أو ذاك. وبالتالي، في وضع/فرض استراتيجيات "الإصلاح"، وفحص وتقويم نشاطها بما يخدم المصلحة الوطنية قبل كل شيء، ويستجيب للحاجيات الحقيقية للأفراد والجماعات ومتطلبات الجهات والقطاعات المستفيدة من الدعم، في جميع مجالات التنمية. 94"
ويتأكد لنا، بشكل جلي، أن محمد الدريج ينطلق، في تصوراته البيداغوجية النظرية، من الرؤية الجابرية في التعامل مع التراث؛ لأن الجابري يدعو إلى قراءة التراث قراءة علمية حداثية موضوعية منفتحة من أجل بناء حداثة مستقبلية. بمعنى الاستفادة مما هو إيجابي في التراث لبناء الحاضر والمستقبل؛ إذ يمكن الاستفادة من النظام البرهاني عند ابن رشد، ويمكن الاستفادة من النموذج العلمي التجريبي عند البيروني، وابن النفيس، وجابر بن حيان، والبيروني. ويمكن الاستفادة من النموذج النفعي للعلم، والنموذج التربوي، والنموذج اللغوي، والنموذج القانوني. . . والنموذج الاجتماعي، والنموذج الإنساني. . . ومن ثم، يعد نموذج الملكات من النماذج البراديغمية التي يمكن الاسترشاد بها في مجال التربية والتعليم. 95
هذا، ويستند النموذج التدريسي عند محمد الدريج على الملكات بالمفهوم التراثي، مع تطعيمها بمفاهيم معاصرة لتحقيق الجودة التربوية والتعليمية. وإذا كان نموذج محمد الدريج يقوم على توظيف الملكات، فإنه نموذج تأصيلي وتأسيسي في ثقافتنا التربوية المعاصرة:" إن ما يبرر اقتراحنا لمدخل الملكات، هو العمل والاجتهاد لتأصيل النشاط التربوي، وإيجاد بدائل مستمدة من تراثنا التربوي، والسعي، في نفس الآن، لإغناء النماذج والمقاربات الحالية والمستجدة في الساحة التربوية – التعليمية، بهدف عقلنة التدريس، وجعله أكثر فاعلية واندماجا، وتطويره من خلال تربية غنية ومبدعة، دون التضحية، باسم العولمة، بخصوصيتنا واستقلالنا. 96"
كما تعمل هذه النظرية على خدمة حاجيات المتعلمين، وتطوير قدراتهم الإبداعية والابتكارية:" إننا ننطلق في هذا النموذج، من انتقاد التوجهات التي تريد أن تجعل من بعض المقاربات في التعليم، وباسم التجديد، أداة لتطويع البشر وترويضهم وبرمجتهم وفق أنماط غربية وغريبة، ضدا عن مصالحهم وعن احتياجاتهم الحقيقية؛ والعمل على رفض المناهج التي تسعى إلى خلق أنماط من التفكير والأداء محددة سلفاً وبكيفية آلية، والتضييق من قدرات المتعلمين الإبداعية، عوض أن نيسر لهم سبل الاختيار بما يتوافق مع خصوصياتهم وطموحاتهم، ويمكنهم من التثقيف الذاتي والتطوير الشخصي. 97 "
وتنتقد نظرية الملكات المقاربات السلوكية القائمة على نظرية الأهداف التجزيئية. وفي الوقت نفسه، ترفض نظرية الكفايات القائمة على إدماج المكتسبات لحل الوضعيات:" ننتقد الاكتفاء بالصياغات الإجرائية- السلوكية والوضعياتية، سواء للأهداف أم للكفايات أم للمعايير. . . وكما هو سائد في بعض الأنظمة التعليمية، التي تكتفي باستيراد هذه المقاربة أو تلك، والتوقف عند المؤشرات الجزئية، والتي كثيرا ما تؤدي، فضلا عن السقوط في التبعية، إلى الآلية والنزعة نحو التفتيت.
إن التحديد الإجرائي-السلوكي للأهداف على سبيل المثال، كثيرا ما يمنع المدرسين من الاستفادة من الفرص التعليمية غير المتوقعة التي تحدث داخل الأقسام، فيستبعدون مبادرات التلاميذ، بل ومبادرات المدرسين أنفسهم، والتي تفرضها المواقف التعليمية المستجدة، ولا تتناولها الأهداف أو الكفايات أو المعايير، المحددة سلفا، وبعبارات سلوكية جامدة. "98
ومن جهة أخرى، تعتمد نظرية الملكات على وضع إستراتيجيات مستقبلية وخطط استشرافية لتحقيق الجودة التربوية والنجاعة البيداغوجية. وبالتالي، ترتكز على أربع إستراتيجيات منهجية أساسية، وهي: الأصالة، والانفتاح، والاندماج، والتخطيط.
وهكذا، يقوم مرتكز الأصالة على تبني النظريات التربوية التراثية العربية القديمة، وتمثلها بيداغوجيا وديدكتيكيا، بالاستفادة من إيجابيات التعليم العتيق، وغرس القيم الأخلاقية في نفوس المتعلمين، والتشديد على الهوية من أجل الحفاظ عليها، والاشتغال على تربية القيم، واستعمال الطرائق والأساليب البيداغوجية لدى علمائنا القدامى التي كانت تجمع بين الحفظ والحوار والمناقشة والنقد، وذلك كله من أجل فهم الملكات فهما حقيقيا، وتجديد التراث التربوي، وتأصيل التعليم العربي الإسلامي، والاستجابة للحاجيات الأساسية للمتعليمن، والعمل من أجل بناء هوية إسلامية أصيلة ومبدعة.
في حين، يتمثل مرتكز الانفتاح في ترسيخ الهوية المنفتحة على الآخر، والاستفادة من معارفه ومخترعاته وابتكاراته، وتوظيف كشوفاته ونتائج بحوثه النظرية والتطبيقية. في حين، يقوم مرتكز الاندماج على اعتماد مفهوم شمولي للمنهاج، والعمل على تحقيق نوع من التكامل بين الأهداف والمضامين. بينما يعتمد مفهوم التخطيط على استشراف المستقبل، واندماج المنهاج مع خصوصيات الجهات، واندماج المراحل والشعب.
وبناء على ماسبق، يقول محمد الدريج:" يتعلق الأمر هنا بإيماننا بأن تسليط الأضواء في نموذج التدريس بالملكات، على الاحتياجات الحقيقية للتلاميذ وأسرهم كما أسلفنا، يتطلب تحديد الأولويات والاختيارات الملائمة برؤية استباقية واعية، قصد مساعدة صانعي القرارات التربوية وواضعي تشريعات تطبيقها وأساليب إنزالها، للتوجه نحو الأهداف بعيدة المدى، مع إطْلاعهم على التدابير الواجب اتخاذها في الحين، قصد الوصول إليها. إن من أبرز الأزمات التي تعاني منها العديد من الأنظمة التربوية، ومن ضمنها نظامنا، العجز عن تحديد الغايات النهائية للنشاط التربوي في أطار فلسفة واضحة المعالم، وفي إطار استشراف المستقبل.
إن استشراف المستقبل عموما، ومستقبل النشاط التربوي على وجه الخصوص، يعني استخلاص عبرة من الماضي، واعتماد سيناريوهات مختلفة معدة سلفا، لجميع الحالات الطارئة المحتملة، بالانطلاق من المسلمات والافتراضات المتفق عليها من مختلف اتجاهات البحث العلمي والفكري والعقائدي والتكنولوجي؛ وتعيين الإمكانيات والقدرات اللازمة لإنجاز أي مسار مستقبلي.
كما نعني بالاستشراف في هذا المجال، دراسة الوجهة المستقبلية للمتغيرات ومكونات المنظومة، ومتابعة مسار تطور الملكات الأساسية الضرورية للانخراط في المهن وفي التنمية عموما، والتي يجب عدم إغفالها لأنها تنبئ بالمستقبل. شريطة أن يكون استشراف المستقبل مبنيا على تخطيط استراتيجي علمي، ينطلق من حيثيات ومعطيات واقعية وتوقعات معقولة. وفي هذا الصدد، يؤكد عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة أهمية المنهج العلمي في دراسة المستقبل، فيقول: "لا يكمن دور الاستشراف في إصدار التنبؤات اعتباطياً؛ بل يتجلى هدفه في تحديد الاتجاهات، وتخيُّل مستقبلٍ مرغوبٍ فيه، واقتراح استراتيجيات تحويله إلى مستقبل ممكن99".
ولا ننسى أيضا أن نظرية الملكات تعتمد على منهاج شامل في معالجة قضايا التربية والتعليم. وفي هذا السياق، يقول محمد الدريج أيضا:" إننا نروم في هذه المقاربة الانطلاق من النظرة الشمولية للمنهاج، ونقترح أن يستهدف المنهاج التربوي في مكوناته الأساسية: الأهداف التربوية، والتي تستحضر مختلف عناصر الوظيفة التربوية، سواء المعرفية منها أم الجسمية (الحسية – الحركية والمهارية )، أم الروحية –الأخلاقية الوجدانية. كما يستهدف الاختيارات المعرفية والعلمية (المضامين)، وكذا الطرائق والأساليب والتقنيات والكتب المدرسية وأنظمة التقويم، وخصوصيات الفئات المستهدفة، وأساليب المتدخلين من مدرسين ومرشدين وإداريين (القيادة التربوية)، وتنظيم الحياة المدرسية (التنظيمات البيداغوجية، وتوزيع الزمن المدرسي، والأنشطة الموازية). . . 100"
وتقوم نظرية الملكات على مبدإ الاندماج بين النظري والتطبيقي، بين الشعب الأدبية والعلمية والتقنية، بين المستويات الدراسية، بين المحلي والجهوي والوطني والقومي. وفي هذا، يقول محمد الدريج:" من المكونات الأساسية في نموذج التدريس بالملكات، اعتماد مبدأ الاندماج بمعناه الحقيقي كما نتبناه في "المنهاج المندمج"، والذي نعتبره السياق الطبيعي لتطبيق هذه البيداغوجيا الأصيلة، يسعى المنهاج المندمج للمؤسسة (م 3) كما نتصوره، إلى التكامل، لكن ليس بمعناه الضيق والمنحرف الذي يختزله في الاندماج على مستوى الموارد المعرفية التي يكتسبها التلميذ، ويجندها لمواجهة وضعيات. بل بمعناه العميق والشامل والذي يتمثل في المبادئ الثلاثة التالية:
( الاندماج العمودي بين المراحل والشعب: بإعادة النظر في هيكلة التعليم (الابتدائي - الإعدادي - الثانوي - العالي)، مع التشبث برؤية مندمجة لتطوير مختلف أسلاك التعليمية بالعلاقة مع التكوين المهني باعتباره جزءا من المنظومة التعليمية، بموازاة مع تطوير التعليم العتيق والأصيل، وإيجاد جسور التواصل بينه وبين الأنظمة الأخرى في التعليم العام والخصوصي. كما ترغب المقاربة التربوية المندمجة في الحد من الازدواجية الفاصلة بين مناهج القسم العلمي والتقني ( الفني) ومناهج القسم الأدبى، بتزويد الطالب بخلفية متينة في اللغة والرياضيات والعلوم الطبيعية والإنسانية والتكوين الثقافي العام بشكل متوازن.
(الاندماج الأفقي أو (التناسق والتكامل المعرفي): ويبدو ذلك جليا في توزيع السنة الدراسية إلى دورات وفصول ومجزوءات، ومراجعة تنظيم الدراسة في مختلف الشعب والتخصصات، وتنظيم المواد الدراسية ووحدات التخصص، بالنظر في إمكانية إحداث مواد جديدة، ومد الجسور بين المواد المعروفة تقليديا، بتطبيق مبدأ التكامل، ومراعاة خصوصيات المواد الدراسية والتخصصات على حدة. وينبغي أن يتم تحقيق التكامل بين المواد الدراسية والبناء المتدرج لمفاهيمها، وفق آخر ما توصل إليه العلم في ميادين النمو العقلي والنفسي للمتعلم، مثل: توظيف نظرية الذكاءات المتعددة.
ومن ناحية أخرى، يشمل هذا المبدأ الإستراتيجي الاندماج بين النظري والعملي في إطار واحد، ومنه ضرورة عناية التربية بالربط بين الفكر والعمل، وإلغاء الثنائية التي نلاحظها في المدرسة الحالية السائدة في بلداننا؛ حيث يشترط في المدرسة المندمجة الأصيلة تحقيق الحد الأدنى من التكامل بين جميع الأنشطة التربوية داخل القسم وخارجه، وبين موضوعات الدراسة النظرية والدراسة العملية؛ مما يساعد على بناء إنسان سوي ذي شخصية متوازنة، يفكر بعقله، ويجرب بيديه.
( الاندماج المنهاجي( curriculaire) مع متطلبات المجتمعات المحلية، " بمراعاة العلاقة التفاعلية بين ما تقدمه المدرسة من برامج ومحتويات، وما يسعى المجتمع إلى تحقيقه من أهداف وغايات وملكات، باعتبار المدرسة محركا أساسيا للتقدم الاجتماعي، وعاملا رئيسا من عوامل التنمية. مع الحرص على مراعاة المنهاج الدراسي لخصوصيات المناطق والجهات في أفق العمل بالجهوية الموسعة.
وهكذا، يسير الاندماج المقصود في المنهاج الذي نتبناه- يقول الدريج-، والذي يأتي نموذج التدريس بالملكات تتويجا له، يسير في اتجاه متصاعد، بدءا من المستوى المحلي، ثم الجهوي، فالوطني (أي على مستوى المجتمع ككل)، لنصل في النهاية إلى تحقيق الاندماج على المستوى الإقليمي (العربي – الإسلامي). إننا نقترح أن تتميز المقاربة، والمنهاج التربوي عموما، بالسماح للعاملين في قطاع التعليم، بقدر من المرونة في صياغة الملكات المستهدفة، واختيار المضامين التعليمية الملائمة. حيث نمكن المناطق والمؤسسات والجهات التي يشتغلون بها من قدر من الحرية لتعديل المقررات الدراسية ومواءمتها مع الاحتياجات والخصوصيات الجهوية، مع احتفاظها بالأسس المشتركة في المنهاج العام، وإقامة مشاريع الشراكة التربوية. حيث تترك للمؤسسات المبادرة في عقد اتفاقيات التعاون مع القطاع الخاص وفعاليات المجتمع المحلي، وتعديل مناهجها الدراسية بشكل مندمج، بما يساير خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويلبي، في الآن نفسه، الاحتياجات الحقيقية للتلاميذ ومتطلبات أسرهم، دون الإخلال بالمنهاج العام، وبالسياسة العامة للدولة. 101"
وعليه، تبنى نظرية الملكات على التخطيط والتدبير العقلاني الجيد، والإستراتيجية الاستشرافية المعقلنة، بتحديد الملكات المستهدفة بدقة، وتسطير أهدافها العقلية والروحية والجسدية.
أما في ما يخص التوجهات في المضامين المعرفية والفكرية، فلابد من اعتماد مبدأ الاندماج والتكامل والتنسيق بين مختلف أنواع المعارف وأشكال التعبير؛ وتمثل مبدأ الاستمرارية والتدرج في عرض المعارف الأساسية عبر الأسلاك التعليمية؛ وتجاوز التراكم الكمي للمضامين المعرفية؛ واستحضار البعد المنهجي والروح العلمية-الموضوعية في تقديم محتويات المواد؛ والعمل على استثمار عطاء الفكر الإسلامي خاصة، والإنساني عامة، لخدمة التكامل بين المجالات المعرفية؛ والحرص على توفير حد أدنى من المضامين الأساسية المشتركة والملكات الأساسية لجميع المتعلمين في مختلف المراحل (خاصة الأولى منها) والشعب؛ وإحداث التوازن بين المعرفة في حد ذاتها (النظرية) والمعرفة الوظيفية – التطبيقية، واندماج محتويات المناهج خاصة في المراحل الأولى من التعليم، وارتباطها بخصوصيات الجهات واستجابتها للحاجيات الفردية والجماعية. 102"
وعليه، تنبني نظرية الملكات التربوية خصوصا على القيم الإسلامية العادلة. وفي هذا، يقول الدريج:" يروم هذا المكون الأساسي في نموذج "التدريس بالملكات"، وتعزيز دور المدرس والمدرسة في نشر قيم المواطنة والأخلاق والآداب الحميدة، وتقوية مكانة التربية الإسلامية والتربية على المساواة وحقوق الإنسان، وثقافة الإنصاف والتسامح، ونبذ الكراهية والتطرف.
كما يروم الانطلاق من القيم التي يتم إعلانها كمرتكزات ثابتة في النظام التربوي، والمستندة أساسا إلى موروثنا الثقافي (ننظر على سبيل المثال ما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين حول منظومة القيم، وكذا في "الكتاب الأبيض"، خاصة في جزئه الأول المتعلق بالاختيارات والتوجهات على مستوى القيم. . . ، والتي ينبغي العمل على توظيفها فيما يعرف (بالتربية على القيم )، وعلى أجرأتها في المقررات والكتب المدرسية وأنظمة التقويم. . . والتي تستلهم بالأساس من:
- قيم العقيدة الإسلامية؛
- قيم الهوية الحضارية لأمتنا ومبادئها الأخلاقية والثقافية؛
- قيم المواطنة وحقوق المواطن وواجباته؛
- القيم الكونية لحقوق الإنسان. . . 103"
 ويتعين بغية تيسير اكتساب الملكات، وتنميتها على الوجه اللائق عند المتعلم، مقاربتها من منظور شمولي لمكوناتها، ومراعاة التدرج البيداغوجي في برمجتها، ووضع مجموعة من الإستراتيجيات الإجرائية لاكتسابها، تستند إلى مراحل وخطوات، كما يتم تحصيل الملكات عند ابن خلدون وغيره، مع الاستفادة من التدريس بالمشكلات، والعمل بفكرة المشروع (مشروع المؤسسة والمشاريع الشخصية. . . ) للربط بين النظري والعملي، واعتماد حلول تربوية تسمح بالعمل بإيقاعات متفاوتة تناسب مستوى المتعلمين ووتيرة التعلم لديهم ونوع ذكائهم الغالب، ولذلك قيل: "كل لكل عبد بمعيار عقله، وزن له بميزان فهمه، حتى تسلم منه، وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار "104.
ويقترح الدريج لأجرأة هذه التوجهات العناية بكل ما يرتبط بأشكال تنظيم التعلم داخل الأقسام الدراسية (الطرائق البيداغوجية- الأساليب – الوسائل- المصادر والكتب المدرسية- أنظمة التقويم والاختبارات)، وتنويع الأساليب وطرائق تناول المعارف في إطار المقاربة بالملكات، مع العمل على ترشيد استعمال البنيات التحتية والتجهيزات والأدوات التعليمية، والإلحاح على تكييف بعض الطرائق والممارسات التقليدية الأصيلة، والأخذ عموما بالطرائق النشطة، وطرائق وضع المشاريع ومواجهة المواقف وحل المشكلات. . . وعلى سبيل المثال: نجد ابن خلدون يبيح استخدام الطرائق التربوية التي تناسب المعلم، إلا أنه يشجع استخدام طريقة المناقشة والحوار ويهدف التعليم، عنده، إلى حصول المتعلم على ملكة العلم لكي يصبح على درجة عالية من الفهم، وليس فقط حفظه دون فهم وتعمق. لذا، انتقد ابن خلدون الطريقة القيروانية التي كانت في زمانه تركز على الحفظ بشكل كبير، ووصف الطلاب بأنهم يلتزمون الصمت والسكون التام دون مشاركة: « كما يقدم ابن خلدون منهجا متكاملا ومتماسكا في اكتساب الملكات يتميز بالأساليب التالية:
1- الاكتساب من خلال النشأة والممارسة في بيئة معينة.
2- الاكتساب من خلال الحفظ والتكرار والتمرن.
3- التدرج والانتقال من حالة وقوع الفعل إلى الفعل، ثم الصفة، ثم الحال، فالملكة.
- من حيث تنظيم الدراسة في مختلف المراحل التعليمية، للارتقاء بجودة الفعل البيداغوجي من خلال الرفع من فعالية التدريس ومن جدوى التعلم ومواءمة الفضاءات التربوية لهما، اعتماد مبدإ التدرج.
- تنظيم الدراسة وفق معايير موضوعية تلائم المستجدات المراد إدخالها على مختلف المراحل التعليمية ما يلي:
- تنظيم كل سنة دراسية من حيث نظام الدورات والفصول. . .
- النظر في إمكانية اعتماد حلول تربوية تسمح بالعمل بإيقاعات متفاوتة تناسب مستوى المتعلمين ووتيرة التعلم لديهم؛ بما يفيد في الرفع من المردود الداخلي للمؤسسة، وفي ترشيد استعمال البنيات التحتية والتجهيزات التعليمية. وقد ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين"، أن من وظائف المعلم: "أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه مالا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله، ولا يبث إليه الحقيقة إلا إذا علم أنه يستقل بفهمها. "
- إدراج الغلاف الزمني الخاص بالتقويم بجميع أنماطه:التشخيصي(في بداية التعلم) والتكويني (الملازم للتعلم) والإجمالي (بعد الانتهاء من التعلم)، في إطار بيداغوجيا الملكات حسب مراحل اكتسابها، وبمراعاة الغلاف المخصص لكل مادة دراسية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ولكل وحدة في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي. والعمل بالدعم التربوي المنتظم الكفيل بترسيخ المكتسبات، والضامن للرفع من نسبة النجاح والتفوق وتكافؤ الفرص.
- المرونة في تنظيم الحصص الدراسية واستعمالات الزمن والعطل؛
- تخصيص مجالات زمنية للأنشطة الثقافية والفنية والجمعوية ضمن الحصة الأسبوعية.
- النظر في سبل ملاءمة المدرسة وبعض مقرراتها مع المحيط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي (المنهاج المندمج). "105



وهكذا، نستنتج أن نظرية الملكات تستفيد، بشكل من الأشكال، من الطرائق البيداغوجية الفعالة، ومن نظرية الذكاءات المتعددة، وتستند إلى فلسفة التنشيط، ونتائج السيكولوجيا المعرفية، والانفتاح على فلسفة الكفايات والتعليم المندمج، وتربية ذوي الحاجيات الخاصة. فضلا عن الدراسات المستقبلية وتقنيات علم التدبير. . .
أضف إلى ذلك أن التدريس بالملكات نظرية تراثية وأصيلة، تعتمد على فلسفة القيم الإسلامية، وتنطلق من الرؤية الدينية الواعية القائمة على التوازن، والوسطية، والاعتدال، والانفتاح، والتعايش، والتفاهم. . .


المبحث السابع: التدبير الديدكتيكي لنظرية الملكات
تنبني نظرية الملكات ديدكتيكيا على مجموعة من الخطوات التدبيرية والتخطيطة التي يمكن حصرها في المبادئ التالية:
المطلب الأول: تحديد الملكات الأساسية والنوعية
ينطلق المدرس من فلسفة الملكات كما يحددها أستاذنا الدكتور محمد الدريج، فيبين في جذاذاته طبيعة الملكات المستهدفة في الدرس، ويصنفها إلى ملكات أساسية وملكات نوعية، قد ترتبط بالدرس فقط، أو قد تكون ملكة مستعرضة أو مندمجة مع باقي المواد والوحدات والمجزوءات الأخرى. كأن يحدد المدرس طبيعة الملكة التي يريد اختبارها وصقلها وشحذها، فيختار الملكة اللغوية - مثلا- في حصة اللغة أو النحو والإنشاء والتعبير، فيحضر المدرس مجموعة من الأنشطة التي تعزز هذه الملكة وتقويها وتنميها. أضف إلى ذلك أن الملكات الكبرى ثلاث: ملكة عقلية مرتبطة بأهداف معرفية، وملكة وجدانية وذوقية مرتبطة بالقلب والوجدان، وملكة حسية حركية مرتبطة بالبدن. ويمكن أن يتحقق المدرس من نجاح درسه إذا تحققت الملكة عبر مجموعة من الأنشطة والتمارين التي تنصب على استكشاف تلك الملكة، ورصد سماتها ومواصفاتها، ولاسيما صفة الجودة والنضج والمهارة والحذق والكياسة.
ويعني هذا أن الملكة معيار لتحقيق الجودة الكمية والكيفية. ويمكن الاستفادة من نظرية الأهداف والكفايات في تسطير الملكات التي قد تعني من جهة أخرى مجموعة من القدرات الكفائية. وينبغي على الوزارة الوصية على القطاع التربوي أن تسطر مجموعة أو لائحة مفصلة من الملكات المهارية والصناعية التي ترغب فيها على المستوى المعرفي والوجداني والحركي. وفي هذا الصدد، يقدم محمد الدريج تصوره حول مدخل الملكات والأهداف والقدرات:" حتى يتمكن نظامنا التربوي من القيام بوظائفه على أكمل وجه، لابد من اعتماد مقاصد وأهداف وفق اختيارات وأولويات محددة في المنهاج التربوي ككل، تستجيب لطموحات المجتمع. ثم ترتيبها وتنظيمها في لوائح خاصة بكل مرحلة تعليمية وكل شعبة ومقرر دراسي. بما يخدم الملكات الأساسية (المواصفات أو الأهداف العامة ) المرسومة للمتعلم في نهاية كل مراحل من مراحل التحصيل الأولي والابتدائي؛ والملكات النوعية والصناعية، المرتبطة بمختلف العلوم والصناعات في المراحل المتقدمة.
كما ينبغي أن تستجيب المقاصد والأهداف لحاجيات الفرد، والعناية بمختلف جوانب شخصيته: الجسمية والعقلية والروحية. لأجل تكوين شخصية متوازنة، بحيث لا نكتفي باستهداف الجوانب العقلية -المعرفية على حساب الجوانب الأخرى من الشخصية.
 وللتذكير ينصح أبو حامد الغزالي في تنشئة الصبيان، وعموما في آرائه التربوية، باستهداف المكونات الرئيسة للنفس البشرية، وهي: العقل والروح والجسم. وينظر إليها باعتبارها كيانا واحدا متكاملا. ومن ثم، جاء تأكيده على بعض الأساليب والطرائق التربوية التي تتناول تلك المكونات بشكل متكامل ومتوازن، كالمجاهدة والرياضة لتزكية القلب والروح، والتفكر لتربية العقل، وترقية النفس الإنسانية في مجالات الإدراك، واللعب لتربية الجسم وتنشيط العقل والحواس.
كما أننا نلح بخصوص اختيار الغايات ورسم الأهداف والمواصفات والملكات، على تبني الرؤية الإستراتيجية والاهتمام بالمستقبل. وقد عنيت بالفعل الكثير من الأنظمة التعليمية المعاصرة بعملية التخطيط واستشراف المستقبل، وكان هذا أحد أسباب نجاحها في الريادة والتقدم.
على أن الرؤية الجيدة للمستقبل، يجب أن يتوفر فيها بعض الصفات، لعل أهمها ما يمكن أن يقوم به أصحاب القرار والمخططون، مركزيا وجهويا، وكذا الممارسون … من وضع الأهداف والملكات التي تسعى المنظومة لتحقيقها، ورسم للمتعلمين صورة المستقبل الذي نريد الوصول بهم إليه. فهم يبلورون، بذلك، الرؤية والأهداف السامية، ويشحنون كلا من المدرسين والتلاميذ بالرغبة في تحقيق تلك الأهداف، والوصول إلى الغايات المرجوة. ولا فرق هنا بين أن تكون هذه الرؤية لاختيار شعب وتخصصات أو مسارات مهنية أو لوضع مشاريع شخصية …أو على المستوى العام، عبر بناء مجتمع جديد تسود فيه العدالة والمساواة والحرية.
الرؤية المستقبلية الواضحة، إذاً، هي التي تحفز التلاميذ على الاستمرار في السير نحو الهدف على الرغم من الصعوبات. إن استشراف المستقبل يحتاج لنفاذ بصيرة وبعد نظر وتقدير كل الاحتمالات والاستعداد لأسوئها. 106"
وبناء على ماسبق، لابد من وضع صنافة للملكات العقلية والوجدانية والحركية ليستفيد منها المدرسون في وضع جذاذاتهم تخطيطا وتدبيرا وتقويما.
المطلب الثاني: تجديد المحتويات والمضامين في ضوء الملكات
تستوجب نظرية محمد الدريج تجديد المقررات والمضامين الدراسية لتنسجم مع فلسفة الملكات. بمعنى أن تستهدف هذه المحتويات استكشاف الملكات لدى المتعلم، سواء أكانت أساسية أم نوعية، مع تصنيف المضامين حسب الملكات المستهدفة. ولابد من التدرج في بناء هذه المضامين من السهولة والبساطة إلى المعقد والمركب. ولابد من مسايرة ما استجد من المناهج والتصورات والنظريات، والتكيف السريع مع ما استحدث من معلومات وأفكار، كالانفتاح على العوالم الرقمية، والاستفادة من القراءة الممسرحة، وفلسفة التنشيط، وتنمية الذكاءات المتعددة، وتطوير الملكات المختلفة والمتنوعة. وينضاف إلى ذلك أنه لابد من ترقية ملكات المتعلم المختلفة، كملكة الكتابة، وملكة القراءة، وملكة الحساب، وملكة النقد، وملكة التعلم الذاتي، ومكلة البحث والاستكشاف، وملكة المطالعة، وملكة التنقيب في الشبكات العنكبوتية. . .
ومن جهة أخرى، لابد من الانطلاق من الهوية العربية الإسلامية، والحفاظ على القيم الدينية، وغرس قيم المواطنة، وتنشئة المتعلم على معرفة حقوقه وواجباته. ومن ثم، تكون المضامين هادفة وممتعة ومفيدة، تنبني على التشويق والإقناع وحب البحث والاطلاع. ولا ننسى أيضا أن ملكة الحفظ ضرورية لبناء معارفنا، وقد ركزت ثقافتنا القديمة على هذه الملكة الأولية والأساسية حتى أصبحنا أمام علماء موسوعيين جهابذة وفطاحلة في ميادين شتى، كالغزالي، وابن سينا، وابن رشد، وابن خلدون، وابن رشيق القيرواني، والقاضي عياض. . . وملكة الحفظ مرحلة ضرورية لاستكشاف الملكات الأخرى لدى المتعلم.
ولكن أهم ما يميز نظرية الملكات ارتباطها بالقيم الأخلاقية من خلال الدعوة إلى التفاهم والتسامح والتعايش مع الآخر، والتشبث بالأخلاق الإسلامية الأصيلة، والدفاع عن الحق والمساواة والحرية والعدالة والديمقراطية والشورى. وفي هذا الإطار، يقول الدريج:" يروم هذا المكون الأساسي في نموذج "التدريس بالملكات" تعزيز دور المدرس والمدرسة في نشر قيم المواطنة والأخلاق والآداب الحميدة، وتقوية مكانة التربية الإسلامية والتربية على المساواة وحقوق الإنسان، وثقافة الإنصاف والتسامح، ونبذ الكراهية والتطرف.
 كما يروم الانطلاق من القيم التي يتم إعلانها كمرتكزات ثابتة في النظام التربوي، والمستندة أساسا إلى موروثنا الثقافي (ننظر على سبيل المثال ما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين حول منظومة القيم، وكذا في "الكتاب الأبيض"، خاصة في جزئه الأول المتعلق بالاختيارات والتوجهات على مستوى القيم …)، والتي ينبغي العمل على توظيفها فيما يعرف "بالتربية على القيم "، وعلى أجرأتها في المقررات والكتب المدرسية وأنظمة التقويم… والتي تستلهم بالأساس من:
- قيم العقيدة الإسلامية؛
- قيم الهوية الحضارية لأمتنا ومبادئها الأخلاقية والثقافية؛
- قيم المواطنة وحقوق المواطن وواجباته؛
– القيم الكونية لحقوق الإنسان…107"
ويعني هذا أنه لابد من اختيار المضامين والمحتويات في ضوء الرؤية الدينية الإسلامية المعتدلة، مع الانفتاح على المستجدات الغربية المعاصرة.
المطلب الثالث: اختيار الوسائل الديدكتيكية التي تنمي الملكات وتطورها
تتطلب نظرية الملكات اختيار مجموعة من الوسائل الديدكتيكية، سواء أكانت شفوية أم بصرية من أجل ترسيخ القدرات في نفس المتعلم، وصقلها بالمران والدربة والتكرار. وتقوم الخطاطات التربوية بدور كبير في تسهيل العملية التعليمية- التعلمية. ويعني هذا أن الوسائل الديدكتيكية في خدمة الملكات والقدرات الكفائية تبسيطا وتسهيلا وتيسيرا وتوضيحا وتفسيرا واستكشافا. ولايمكن الاكتفاء بالارتجال الشفوي، بل لابد من الاستعانة بالتكنولوجيا الإعلامية وحوسبة المعرفة، وتملك الملكات الإعلامية، أو ما يسمى بالذكاء الإعلامي.
المطلب الرابع: الطرائق البيداغوجية في خدمة الملكات
كان النظام التربوي الإسلامي القديم يعتمد على العقل والنقل من جهة، ويستعين بالحفظ والحوار من جهة أخرى. وما أحوجنا اليوم إلى طريقة الحفظ! لأنها ملكة أساسية لتقوية الذاكرة والإدراك، قبل الانتقال إلى الحوار والمشافهة والنقد.
ويمكن الاستفادة من مجموعة من آليات التراث في مجال التربية والتعليم، كالشرح، والتقييد، ودراسة المتون وحفظها، والاستعانة بالتقييدات والحواشي لترسيخ ملكة الحفظ والاستيعاب. علاوة على ذلك، يمكن الاستفادة من الطرائق البيداغوجية الفعالة، ولاسيما الطريقة المسرحية، وتمثل فلسفة التنشيط التربوي.


المطلب الخامس: التقويم استكشاف للملكات
يستهدف التقويم استكشاف الملكات ومعرفة مدى ترسخها في نفس المتعلم، واختبار الملكات في ضوء أنشطة خاصة بنوعية الملكة المستهدفة. وفي هذا الصدد، يمكن الحديث عن ملكات تقويمية قبلية، وملكات تقويمية تكوينية، وملكات تقومية نهائية وإجمالية، وملكات إشهادية، وملكات إدماجية، وملكات الدعم والتقوية وترسيخ ملكة الحفظ والاستقراء والاستنباط والاستنتاج والتعميم، وحل المشكلات العويصة، وإبداع أفكار وقيم جديدة. وفي هذا الصدد، يلح محمد الدريج على " إدراج الغلاف الزمني الخاص بالتقويم بجميع أنماطه:التشخيصي(في بداية التعلم)، والتكويني (الملازم للتعلم)، والإجمالي (بعد الانتهاء من التعلم)، إطار بيداغوجيا الملكات حسب مراحل اكتسابها، وبمراعاة الغلاف المخصص لكل مادة دراسية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، ولكل وحدة في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي. والعمل بالدعم التربوي المنتظم الكفيل بترسيخ المكتسبات، والضامن للرفع من نسبة النجاح والتفوق وتكافؤ الفرص. 108"
هذه هي أهم المراحل التي تنبني عليها العملية الديدكتيكية في ضوء بيداغوجية الملكات، وقد تبين لنا من هذا كله أن هذه البيداغوجيا لابد أن ترسخ مجموعة من الملكات لدى المتعلم المتدرج في مستويات الدراسة والتعلم.
وخلاصة القول: إن نظرية الملكات لدى الدكتور محمد الدريج هي - فعلا- نظرية تربوية جديدة وأصيلة بامتياز، تمتح من التراث العربي الإسلامي، وتنفتح على الحداثة الغربية والمستجدات المعاصرة، وترتكن إلى الدين والقيم والأصالة والمعاصرة، وتعتمد على التخطيط المستقبلي، والاندماج المتكامل، والتدبير المعقلن، واستشكشاف الملكات الأساسية والنوعية لدى المتعلم وفق القيم الإسلامية، والاسترشاد بمبادئ العدالة الربانية الحقيقية.
ويعني هذا كله أن نظرية الملكات آلية بيداغوجية وديدكتيكية إجرائية وواقعية لتحقيق الجودة والإبداع والابتكار والإتقان. ومن ثم، تتميز نظرية أستاذنا الدكتور محمد الدريج بتوظيف الملكات، وتأصيل الموروث التربوي، وقراءته في ضوء الحداثة والراهنية، ومستجدات الفكر والسيكولوجيا المعرفية، والاستجابة الحقيقية للمتعلمين، مادامت تقوم هذه النظرية على فلسفة التنشيط، وترسيخ الملكات المضمرة والظاهرة، وتجاوز نظرية الأهداف السلوكية، وتبني المنهاج المندمج، وتمثل سياسة التخطيط المستقبلي لتحقيق الحداثة والتقدم والازدهار. كما أن نظرية الملكات نظرية واقعية ومرنة وهادفة قابلة للتطبيق في الميدان التربوي، وصالحة لتنزيلها في أرض الواقع، ويمكن تعميقها والتفصيل فيها أكثر في المستقبل القريب.
علاوة على ذلك، ترى نظرية الملكات أن التعلم يتحقق بتفتيق مجموعة من الملكات والقدرات الذهنية والعملية لدى المتعلم. ومن ثم، تتميز هذه الملكات بكونها ذهنية وعقلية ووراثية بامتياز، تسمح للمتعلم بالتكيف والتأقلم مع الواقع الخارجي الموضوعي.





الفصل الخامس:
التعلم وفق البيداغوجيا الإبداعية
يتكون مصطلح (البيداغوجيا الإبداعيةLa pédagogie créative/) من مفهومين أساسيين هما: البيداغوجيا(La pédagogie) والإبداع(La création). ولا تكتمل حقيقة مصطلح البيداغوجيا إلا بإضافة مفهومين أساسيين يترابطان معه معرفيا ومنهجيا هما: الديدكتيك(Didactique) والتربية (Education). ومن هنا، لابد من تحديد هذه المفاهيم العامة كلها بدقة ونجاعة وروية بغية تقديم تعريف جامع مانع للبيداغوجيا الإبداعية. إذاً، ما البيداغوجيا؟ وما الديدكتيك؟ وما التربية؟ وما الإبداع؟ وما الفرق بين الإبداع الحيواني والإنساني؟ وما أنواع الإبداع؟ وما عملياته الأساسية؟ وما أهم عوامله المباشرة ؟ وما الفرق بين الإبداع والإلهام؟ هذا ما سوف نتعرف إليه في المباحث التالية:
المبحث الأول: مفهوم البيداغوجيا
تعني البيداغوجيا (La pédagogie)، في دلالاتها اللغوية، تهذيب الطفل وتأديبه وتأطيره وتكوينه وتربيته. وقد تعني الذي يرافق المتعلم إلى المدرسة. وتدل أيضا على التربية العامة، أو فن التعليم، أو فن التأديب، أو نظرية التربية التي تنصب على جميع الطرائق والتطبيقات التربوية التي تمارس داخل المؤسسة التعليمية.
وقد يكون المقصود بها أيضا ذلك العلم الذي يتناول التربية في أبعادها الفيزيائية والثقافية والأخلاقية، أو يدل على مجموعة من العلوم التربوية النظرية والتطبيقية، كعلم النفس التربوي، وعلم الاجتماع التربوي، وعلم التخطيط التربوي، وعلم الاقتصاد التربوي، وعلم الإحصاء التربوي، وعلم مناهج البحث، والسياسة التربوية، وفلسفة التربية، والديدكتيك. . .
ومن هنا، فكلمة البيداغوجيا " إغريقية الأصل، وكانت تدل على العبد الذي يرافق الطفل في تنقلاته، وبخاصة من البيت إلى المدرسة. ولقد تطور استعمال الكلمة، وأصبح يدل على المربي (Pédagogue). والبيداغوجيا هي جملة الأنشطة التعليمية- التعلمية التي تتم ممارستها من قبل المعلمين والمتعلمين109. "
وأكثر من هذا فالبيداغوجيا نظرية تربوية علمية عامة، ذات بعد نظري وتطبيقي وتوجيهي، لها علاقة وثيقة بالمدرس والمتعلم، بل تنفتح على الإدارة والأسرة والمحيط الخارجي الذي يؤثر في المدرسة. وقد تعني البيداغوجيا تلك النظرية التربوية التي تهتم بالمتعلم في مختلف جوانبه السلوكية والتعلمية والتثقيفية، وتقدم مجموعة من النظريات التي تسعف المتعلم في تعلمه وتكوينه وتأطيره. ومن ثم، فالبيداغوجيا متعددة الاختصاصات. كما تنفتح على علوم عدة، مثل: علم النفس، وعلم الاجتماع، والبيولوجيا، والديموغرافيا، والإحصاء، والاقتصاد، والفلسفة، والسياسة، وعلم التخطيط، وعلم التوجيه، واللسانيات، والسيميوطيقا، وعلم التدبير، وعلم الإدارة، وعلم الإعلام. . .
هذا، وتنبني البيداغوجيا على ثلاثة عناصر رئيسية هي: المعلم، والمتعلم، والمعرفة. أي: إن المعلم هو الذي ينقل المعرفة إلى المتعلم عبر المضامين والمحتويات، والطرائق البيداغوجية، والوسائل الديدكتيكية. . .
ويعني هذا أن ثمة مرتكزات تربوية ثلاثة: المعلم، والمتعلم، والمعرفة. فالمعلم هو الذي يقوم بمهمة تكوين المتعلم، ضمن علاقة بيداغوجية. وما يعلمه المعلم من معارف وأفكار ومحتويات ومضامين وخبرات وتجارب يدخل ذلك ضمن علاقة ديدكتيكية. أما ما يحصله المتعلم من معارف ومعلومات يدخل ضمن علاقات التعلم. والجامع بين المرتكزات الثلاثة يسمى بالفضاء البيداغوجي. ومن هنا، يتضمن هذا الفضاء التربوي ثلاث علاقات أساسية هي: العلاقة الديدكتيكية (المعلم<== التعليم<== المعرفة)، والعلاقة البيداغوجية (المعلم<== التكوين <==المتعلم)، وعلاقة التعلم(المتعلم<== التعلم <==المعرفة)



المبحث الثاني: مفهوم الديدكتيك
إذا كانت البيداغوجيا تخصصا نظريا عاما، يتحكم في العلاقة التي تكون بين المعلم والمتعلم، فإن الديدكتيك (La didactique) هو تخصص عملي تطبيقي يتعلق بتدريس مادة معينة، إذ نقول: ديدكتيك العربية، وديدكتيك الفرنسية، وديدكتيك الرياضيات، وديدكتيك العلوم. . . . . ويعني هذا إذا كانت البيداغوجيا مرتبطة بالمتعلم ونظريات التعلم، فإن الديدكتيك لها حيز ضيق، يتعلق بمجال دراسي معين، أو ما يمكن تسميته كذلك بالتربية الخاصة.
وللتمييز بين البيداغوجيا والديدكتيك، فالأولى عبارة عن نظرية عامة تعنى بتربية الطفل. في حين، تهتم الثانية بالتدريس، وتتخذ طابعا تطبيقيا خاصا.
وإذا كان مصطلح البيداغوجيا قد ظهر قديما مع اليونان، وكان يعني تهذيب الطفل وتأديبه، فإن مصطلح الديدكتيك قد ظهر في منتصف القرن العشرين، و" استخدم بمعنى فن التدريس أو فن التعليم (Art d’enseigner). هذا هو التعريف الذي قدمه قاموس (Le Robert) سنة 1955 وقاموس(Le Littré) سنة 1960. وابتداء من هذا التاريخ، أصبح المصطلح لصيقا بميدان التدريس، دون تحديد دقيق لوظيفته. وهناك من منظري علوم التربية من اعتبر هانس إبلي (Hans Aebeli) أول من اقترح عام 1951 م إطارا عمليا لموضوع الديداكتيك، في مؤلفه (La didactique psychologie)، حيث نظر إلى الديداكتيك كمجال تطبيقي لنتائج السيكولوجيا التكوينية. "110
نعني بالديدكتيك طريقة التدريس، أو ما يسمى بالعملية التعليمية- التعلمية، وتجمع هذه العملية بين طرفين أساسين هما: المعلم والمتعلم. ومن ثم، تنبني العملية الديدكتيكية على المدخلات، والعمليات، والمخرجات، والتغذية الراجعة. وقد تكون المدخلات أهدافا أو كفايات أو ملكات أو غيرها من التصورات التربوية الجديدة المعترف بها رسميا. وتستهدف هذه المدخلات تسطير مجموعة من الكفايات المزمع تحقيقها، في شكل أهداف إجرائية سلوكية، قبل الدخول في مسار تعلمي، أو تنفيذ مجزوءة دراسية. ويتم ذلك بوضع امتحان تشخيصي قبلي في شكل وضعيات إدماجية.
ويعني هذا أن العملية التعليمية- التعلمية تنطلق من مدخل أساسي يتمثل في تحديد الأهداف الإجرائية أو الكفايات النوعية من أجل التثبت من تحقيقها. لذا، لابد أن يختار المدرس المحتويات المناسبة، والطرائق البيداغوجية الكفيلة بالتبليغ وتسهيل الاكتساب والاستيعاب. ثم هناك الوسائل الديدكتيكية التي يستعين بها المدرس لتقديم درسه وتوضيحه بشكل جيد. أما المخرجات، فتقترن بقياس الأهداف والقدرات والكفاءات لدى المتعلم على مستوى الأداء والممارسة والإنجاز. ويتحقق هذا القياس عبر محطات التقويم التشخيصي والمرحلي والنهائي.
ولايمكن الحكم على الهدف أو الكفاية إلا بالتقويم الذي قد يكون تشخيصيا أو قبليا أو تكوينيا أو إجماليا أو إشهاديا أو مستمرا أو إدماجيا. . . وبعد ذلك، نلتجئ إلى التغذية الراجعة والدعم والمعالجة الداخلية والخارجية.
ويعني هذا كله أن الديدكتيك أو التربية الخاصة تعتمد على الأهداف أو الكفايات من ناحية أولى، والمضامين والطرائق والوسائل الديدكتيكية من ناحية ثانية، والتقويم والفيدباك من ناحية ثالثة.
المبحث الثالث: مفهوم التربية
تعني التربية (Education)، في دلالاتها اللغوية، الحفظ والعناية والرعاية والتنشئة والإصلاح والتنمية وتهذيب الطفل وتأديبه وتأطيره وتكوينه وتربيته. وأكثر من هذا فالتربية لها تاريخ طويل، فهي " عبارة عن تراكمات من الخبرات، حملها الكبار، ونقلوها للصغار، وهي بالتالي سلوكات رضي عنها الجماعة، ورضيت بها أسلوبا لحياتها، وتفاعلها مع بعضها البعض، ومع ذلك فهي ليست حكرا على أحد، ولا هي مهمة إنسان دون آخر، فقد يقوم بها الأب، والأم، والمعلم، والسائق، والبائع، أو أي مخلوق قد تأهل لذلك، فعرف قيم مجتمعه، ونظمه، وتقاليده، كما عرف ما يصلح لأمته وينهض بها.
يتضح، مما تقدم، أن العملية التربوية عملية هامة لبني البشرية، وأهميتها تكمن في كونها الطريق المنظم لنقل التراث، واستمرار بقائه لكل الأمم.
إن جذور التربية قديمة، عتيقة، وفروعها مستحدثة، متجددة، وثمارها مستمرة، طيبة، وهي بالتالي شجرة باسقة الطول، جذورها في أعماق الأرض، وفروعها الخضراء الندية العطرة، صاعدة دائمة في أعالي السماء. 111"
ويعني هذا أن التربية عملية إنسانية قديمة ظهرت مع ظهور الإنسان الذي كان يربي نفسه على العمل والخلال الفاضلة وعبادة الله وحده. ومن ناحية أخرى، كان يرعى أبناءه وأفراد أسرته رعاية حسنة ومتكاملة.
علاوة على ذلك، فالتربية عملية ضرورية لتنشئة الأبناء وتعليمهم وتأهيلهم وتكوينهم من أجل أن يتكيفوا مع الواقع من جهة. ويتأقلموا مع وضعياته الصعبة والمعقدة والمركبة من جهة ثانية. وكذلك من أجل أن يواجهوا الطبيعة بتسخريها وتغييرها والتحكم فيها، وكذلك من أجل الحصول على المكانة اللائقة بهم، ونيل الفلاح في الدنيا والآخرة.
إذاً، فالتربية " عملية ضرورية لمواجهة الحياة ومتطلباتها، وتنظيم السلوكيات العامة في المجتمع من أجل العيش بين الجماعة عيشة ملائمة، وضرورتها لكل من الفرد والمجتمع معا، أما ضرورتها للفرد الإنسان، فتكون للمحافظة على جنسه، وتوجيه غرائزه، وتنظيم عواطفه، وتنمية ميوله، ونقل التراث الثقافي إليه، وأنماط السلوك التي ترضى عنها الجماعة، وكل ذلك لابد من اكتسابه على مر الأيام، لأن فترة الطفولة الإنسانية طويلة بطبيعتها، والحياة البشرية معقدة، وكثيرة التبديل والتغيير. وبنقل النمط السلوكي والتراث للأفراد يحتفظ المجتمع بثقافته من الضياع، وليس هذا فقط، بل إن التراث عند نقله لايكتفى بالمحافظة على التراث كما هو أو كما نقل من الأجداد للآباء، ومكن الآباء للأبناء، بل إن دور التربية هنا يظهر بإضافة أو حذف ما هو غير مناسب من التراث، ولهذا نقول: إن ضرورة التربية لكل من المجتمع والأفراد تظهر في نقل التراث الثقافي والاحتفاظ به وتنقيته من الشوائب وتعديله، وبالتالي استمراره وازدهاره وتطوره وبقائه. "112
وهكذا، يتضح لنا أن التربية عملية ضرورية في بناء الذات والأسرة والمجتمع والأمة والإنسانية جمعاء.
هذا، وللتربية وظائف عدة تتمثل في تهذيب الإنسان ورعايته والعناية به، وتكوينه وتأهيله مهاريا وتربويا وعمليا، وتنميته معرفيا ووجدانيا وحسيا وحركيا. ومن وظائفها الأخرى" نقل الأنماط السلوكية للفرد من المجتمع؛ ونقل التراث الثقافي من الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة؛ وتعديل التراث الثقافي، وتغيير مكوناته بإضافة ما يفيد وحذف ما لايفيد؛ واكتساب الفرد خبرات اجتماعية نابعة من قيم ومعتقدات ونظم وعادات وتقاليد وسلوك الجماعة التي يعيش بينها؛ وتنوير الفرد بالمعلومات الحديثة التي تغزو الحياة اليومية في المجتمع. "113
ويعني هذا أن التربية تهدف إلى بناء الإنسان بناء متكاملا، والسمو به معرفيا وعاطفيا ومهاريا، وتطهيره أخلاقيا، ومساعدته على الحفاظ على قيم الأجداد، ونقل قيمهم وعاداتهم وثقافتهم وتراثهم من جيل إلى آخر، في إطار ما يسمى بالتطبيع الاجتماعي. وتقوم التربية بوظيفة التنشئة الاجتماعية. علاوة على وظيفة المحافظة على المجتمع أو تغييره جزئيا أو كليا.
ومن جهة أخرى، تستند التربية إلى مجموعة من الأسس الفلسفية والتاريخية والنفسية والبيداغوجية والديدكتيكية والاقتصادية والدينية والثقافية والاجتماعية.
ومن هنا، فللتربية علاقة بالفلسفة مادامت تهدف إلى تنوير الإنسان وتكوينه عقليا وذهنيا لاستخدام عقله لتأمل الكون، وتحصيل الحقائق، وتمثل القيم الصادقة.
ويمكن الحديث عن ثلاثة اتجاهات فلسفية في مجال التربية، كالاتجاه التسلطي التقليدي الذي كان يركز على المدرس باعتباره سيد المعرفة؛ والاتجاه التقدمي الديمقراطي الذي يعترف بمكانة المتعلم في إطار مقاربة تشاركية تجمع بين المدرس والمتعلم؛ والاتجاه التحرري الطبيعي الذي يمثله روسو وكارل روجرز. وينبني هذا التصور على تحرير المتعلم، ومساعدته على التعلم من الطبيعة، ويبقى المدرس مستشارا أو موجها إذا طلب منه ذلك.
في حين، يتمثل الأساس التاريخي في ربط الماضي بالحاضر، حيث تعرفنا التربية بماضي الأجداد والآباء، واستجلاء مظاهر القوة والضعف في هذا التاريخ، ودراسته بشكل جيد من أجل الاعتبار به تمثلا واقتداء وتطبيقا.
ولايمكن الحديث عن التربية إلا إذا ربطناها بعلم النفس؛ لأن التربية تتعامل مع الأطفال والمراهقين. وهنا، لابد من معرفة مشاعرهم ورغباتهم وميولهم، وتفهم حاجياتهم ومشاكلهم، وإيجاد الحلول المناسبة لعلاجهم شعوريا ولاشعوريا.
كما للتربية علاقة بالأساس الاجتماعي؛ لأن التربية تشمل جميع مؤسسات المجتمع من الأسرة، والشارع، وروض الأطفال، والمدرسة، والإعدادية، والثانوية، والجامعة، والنقابة، والحزب. . . فالتربية حاضرة في كل هذه الحقول والمجالات والميادين. والهدف منها هو تكوين مواطن صالح لنفسه وأسرته ووطنه وأمته.
وتستند التربية أيضا إلى أسس ثقافية، إذ ينتقل الإنسان من كائن بيولوجي إلى كائن ثقافي بواسطة التربية والتعليم، باكتساب مجموعة من المهارات الكفائية، وتملك التقنيات التي تساعده على تطوير قدراته وابتكاراته ومؤهلاته، وخلق ثقافته الخاصة به. و" الصلة هنا بين الثقافة والتربية كبيرة جدا، إذ إن مادة التربية هي الثقافة والتراث الثقافي المتراكم على مر الأجيال، ومادامت التربية عملية تكيف مع المجتمع المحيط الذي يعيش بطريقة معينة نابعة من تراثه الذي أحبه، وتوارثه وأراد أن ينقله ويستمر في ممارسته وهو بالتالي ثقافته فإن ذلك يعني أن أساس التربية هو الثقافة، وموضوعها الأساسي الذي تبنى عليه كل المواضيع الأخرى هو الثقافة، ثقافة المجتمع المحيط. وأي صلة أكثر من هذا؟". 114
كما تسعفنا التربية - دينيا- في اختيار المعبود الأوحد، ونبذ عبادة الأصنام والأوثان والتماثيل، وتوحيد الله، وتمثل القيم الدينية، والتعرف إلى أوامر الله ونواهيه. لذلك، تقوم التربية بدور هام في تهذيب الأبناء قيميا، وتنشئتهم دينيا وأخلاقيا؛ إذ تعرفهم بالعقيدة الصحيحة، وتقربهم إلى خالقهم الأوحد والأكمل والأعظم والأجل، وتنورهم بدورهم الحقيقي في الحياة العاجلة بغية الظفر بالآجلة.
أما علاقة التربية بالاقتصاد، فالتربية عملية اقتصادية بامتياز. إذ يتحسن مستوى معيشة الإنسان بالتربية والتعليم. ويحصل على مكاسب وامتيازات مادية ومعنوية عن طريق التربية والتعليم، وتملك الشهادات.
إذاً، فالعلاقة بين الاقتصاد والتربية " علاقة وثيقة، فمستوى المعيشة يرتبط بالمستويات الثقافية والعلمية التي يصل إليها أفراد المجتمع، فوجود أعداد كبيرة من الأميين يؤدي إلى التخلف، وكلما ارتفع المستوى الاقتصادي وزاد الدخل القومي كلما ازداد التعليم وزاد عدد الطالبين للعلم.
وتتضح صلة التربية بالأسس الاقتصادية فيما لو نظرنا إلى التربية كقوة ضاغطة في يد طبقة اجتماعية مسيطرة تتحكم بوسائل الإنتاج وتنمية المهارات والقدرات لدى الفئات المتعلمة، فالتعليم يزيد من القدرة على الابتكار، ويسهم في تحسين السلوك، ويطور في الإنتاج.
أما عن تأثير التربية في النمو الاقتصادي، فيتضح بقوة رأس المال المادي وتأثيره وارتباطه بقدرات الأفراد ومهاراتهم، ولما كان التعليم هو السبيل إلى تكوين المهارات والقدرات عند الأفراد، فإنه يعتبر الأساس في التقدم الاجتماعي والاقتصادي وفي أحداث التنمية. . .
إن التربية عملية اقتصادية لأنها تعد كل فرد ليقوم بأداء مهنة معينة تكون مصدرا لدخله، وكلما تعلم المهارات اللازمة لمهنته وأتقنها، زاد دخله، وفي الوقت نفسه، كلما أتقن الأفراد مهنهم على اختلاف أنواعها، أدى ذلك إلى زيادة دخل الفرد. وبالتالي زاد دخل المجتمع"115.
وللتربية علاقة وطيدة بالسياسية، فكل عنصر يتأثر بالآخر. بمعنى أن المدرسة تعبير عن صراعات طبقية واجتماعية، وتعبير عن صراعات سياسية ونقابية وإيديولوجية. علاوة على ذلك، فثمة أنظمة سياسية تجعل من التربية وسيلة للحفاظ على العادات والتقاليد والقيم التي يدافع عنها النظام السياسي، كما في الدول الاشتراكية والأنظمة الديكتاتورية(النازية والفاشية). وهناك أنظمة تريد أن تجعل من التربية أداة للتغيير، ووسيلة ناجعة للقضاء على الأمية بكل أنواعها (الألفبائية، والوظيفية، والإعلامية)، مع تطوير المجتمع كما في الدول الديمقراطية.
أما فيما يخص الأسس البيداغوجية والديدكتيكية، فللتربية علاقة وثيقة بالمدرس والمتعلم، بل تنفتح على الإدارة والأسرة والمحيط الخارجي الذي يؤثر في المدرسة. وقد تعني التربية مجموعة من الطرائق والتصرفات والخبرات والتجارب التي تهدف إلى تنشئة المتعلم في مختلف جوانبه السلوكية والتعلمية والتثقيفية. . .
وبناء على ماسبق، فالتربية فعل تربوي وتهذيبي وأخلاقي ، تهدف إلى تنشئة المتعلم تنشئة اجتماعية صحيحة وسليمة. ومن جهة أخرى، تساهم التربية في الحفاظ على قيم المجتمع وعاداته وتقاليده، وتسعى جادة لتكوين المواطن الصالح. وكذلك تسعى إلى تغيير المجتمع بالتدريج، والدفع به نحو طريق التقدم والازدهار، بتحقيق الديمقراطية التشاركية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة المثلى. علاوة على ذلك، فالتربية هي التي تنشئ المجتمع نشأة أخلاقية، وترفع مكانته وشأنه ومستواه التنموي، وتوصله إلى مصاف الدول المتقدمة والمزدهرة. وتسعى التربية جادة إلى إدماج الفرد في المجتمع تكيفا وتأقلما وتصالحا وتغييرا، كما تسعى إلى" الإنماء الكامل لشخصية الإنسان، وتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية. يعني تكوين أفراد قادرين على الاستقلال الفكري والأخلاقي، ويحترمون هذا الاستقلال لدى الآخرين، طبقا لقاعدة التعامل بالمثل التي تجعل هذا الاستقلال مشروعا بالنسبة إليهم. "116
وعلى العموم، فالتربية هي وسيلة لتحقيق الإبداع والابتكار، وطريقة في الاستكشاف والتأويل والبحث ودمقرطة المجتمع، وترتكز على الحرية، والمبادرة الفردية، وسيادة النقاش الهادف، وتمثل النقد البناء والحوار السليم من أجل بناء مجتمع متقدم واع، يساهم في خلق الحداثة وبنائها، وإثراء العولمة بما لديه من طاقات منتجة، واختراعات ومكتشفات، ومستجدات نظرية وتقنية وعلمية ومعلوماتية. وفي هذا السياق، يقول محمد لبيب النجيحي:" ولما كان هدف التربية الأساسي هو تنمية التفكير واستغلال الذكاء، فمعنى هذا أن التربية تعمل من أجل الحرية الإنسانية. فالتأكيد على نمو الطفل إنما هو تأكيد على تحرير قدراته العقلية من قيودها، وإتاحة الفرصة لها للانطلاق حتى تستطيع أن تستخدم بطريقة فعالة إمكانيات البيئة التي يعيش فيها. ويصبح المجتمع الحر هو المجتمع الذي يشترك أفراده أيضا في تطويره وتوجيه التغيير الاجتماعي الحادث له.
وعندما يتمتع أفراد المجتمع بالحرية، فتكون التربية بذلك قد أسهمت في بناء مجتمع مفتوح. ونعني بالمجتمع المفتوح المجتمع الذي يسعى عن قصد وتصميم في سبيل تطوره، ولا يعمل فقط على المحافظة على الوضع الراهن. وهذا المجتمع هو مجتمع قد نظم تنظيما يدخل في اعتباره حقيقة التغيير في الأمور الإنسانية. وهو مجتمع يقبل التغير على أنه وسيلة للقضاء على الفساد والانحلال، وأن الذكاء الإنساني والمجهود التعاوني من جميع أفراد المجتمع تؤدي جميعا إلى نمو الإنسانية وتقدمها. "117
وينضاف إلى ذلك أن التربية تحقق مجموعة من الوظائف الجوهرية، كالتعليم، والتثقيف، والتطهير، والتهذيب، والتنوير، وتحرير الفكر من قيود الأسطورة والخرافة والشعوذة، والسمو بالإنسان نحو آفاق إيجابية ومثالية.
المبحث الرابع: الإبداع عند الإنسان والحيوان
من المعروف أن الإبداع غير مقتصر على الإنسان فقط، بل يتعدى ذلك إلى الحيوان الذي يبدع أيضا من أجل التكيف مع الطبيعة، ومواجهة الظروف الصعبة، فالطائر يبني عشه ليحتمي به، والنحلة تصنع خليتها لتضع فيها عسلها، والفأر يحفر جحره ليعيش فيه. ويعني هذا أن الحيوان كائن حي مبدع ومتقن (النمل مثلا)، إلا أن إبداعه طبيعي صرف، وغريزي ثابت، تنقصه الأهداف الواعية، ويحتاج إلى اللغة التواصلية الأساسية، ويفتقد الوسائل الناجعة لتحقيق ذلك بشكل مستمر ومتجدد تخطيطا وتدبيرا وتقويما.
أي: يعيش الحيوان في نطاق زماني ومكاني محدود وضيق، ويعتمد على حواسه المباشرة لالتقاط جملة من الصور المدركة ماديا وحسيا. في حين، يتميز الإنسان بقدرة فائقة وخارقة على التخييل، وتوظيف ذاكرته في استرجاع الأحداث الماضية، واستقبال أحداث استشرافية واقعية أو خيالية. ويمكن للإنسان أن يخترق واقعه المادي الحالي بتوظيف ملكة الخيال، بإعادة الصور القديمة والتليدة. وفي الوقت نفسه، ينشىء صورا جديدة. ومن هنا، يمكن الحديث عن نوعين من التخيل: تخيل تمثيلي واسترجاعي يقوم على استرجاع صور قديمة من حياة الإنسان الماضية عبر التذكر والإعادة والحفظ والتمثل. وهناك التخيل المبدع أو الإبداعي، ويقوم على خلق صور طريفة، وبناء مدركات بدلالات ووظائف جديدة. ومن هنا، فالتخيل الإبداعي هو تحرر من الواقع الحالي، وخروج عن إسار الزمان والمكان، والانزياح عن مواضعات القوانين والأعراف السائدة والكائنة في واقعنا الملموس، وتخطي الواقع نحو عوالم تخييلية ممكنة.
ومن جهة أخرى، قد يكون التخيل عاديا ومنحطا وباهتا أساسه الصور غير المنتظمة، والاسترسال العفوي والوهمي، والميل نحو الانعكاس غير الواقعي، كما في الهذيانات والهلوسات والأوهام والأمراض النفسية غير الواعية. ناهيك عن أحلام المنام واليقظة والتخيلات الطفولية والخرافية.
وقد يكون تخيلا تأمليا عاليا، يصاحبه نوع من الجهد والممارسة والإيغال في التخييل، بتجاوز الذات والواقع معا نحو العوالم التخييلية الممكنة، كما يحدث ذلك في الأدب، والعلم، والفلسفة، والتقنية. . .
في حين، يتميز الإنسان بالإبداع والخلق والابتكار والاكتشاف. فالإنسان قادر على توليد جمل ونصوص لامتناهية العدد من خلال قواعد محدودة. ومن ثم، يتميز إبداعه بالتجديد والتحول والتعدد والتنوع والتغير، ولا يبقى على حالة واحدة، بل يستمر هذا الإبداع حسب تجدد الظروف والسياقات والوضعيات والحاجيات والضرورات. ويمكن القول: إن الإبداع الإنساني مرتبط بالحاجة أو الضرورة أو الشدة أو الندرة.
وأكثر من هذا فالإنسان كائن تخييلي، يستطيع بخياله أن يبدع وينتج ويخلق الأفكار والأشياء. أي: إن التخييل أساس الإبداع والابتكار. ويستطيع بعقله وذكائه وخياله أن يحول أفكاره إلى سلوكيات إبداعية: أدبية، وفنية، وتقنية، وعلمية، وفلسفية. . .
ومن هنا، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتسم بالقدرة الإبداعية، والقدرة الخارقة الهائلة على ابتكار أفكار طريفة، وخلق صور جديدة، وإنتاج أشياء غير معروفة، أو اكتشاف أدوات وتقنيات حديثة. ويستطيع هذا الإنسان المبدع أن يخلق مجموعة من العوالم الممكنة الافتراضية الموازية لعالمنا الواقعي الحقيقي. بمعنى أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على خلق العوالم الممكنة؛ تلك العوالم الذهنية والخيالية والمجردة التي يتصورها المبدع أثناء الكتابة، وتجعله يسبح في آفاق خيالية متنوعة، بالانتقال من عالم إلى آخر، بسرد مجموعة من التجارب الذاتية والموضوعية التي عاشها - فعلا- في الواقع، أو يمكن أن تتحقق في العوالم الأخرى.
وبهذا، ينتقل المبدع من العالم الواقعي إلى عالم التخييل والفن والإبداع خرقا وانزياحا وتجاوزا. أي: يتجاوز المحاكاة إلى الخلق وتغيير العالم، وخلق نسخ جديدة مقابلة لعالمنا الحالي. كما يتضمن النص الأدبي والفني عوالمه التخييلية الممكنة الخاصة به، في شكل أحداث ووقائع وشخصيات وفضاءات ممكنة توجد في عوالم موازية. ويقوم المتلقي بدوره بخلق عوالم خاصة به أثناء عملية القراءة والتلذذ بالنص وتأويله، وفق تجاربه الخاصة به، ووفق المعايير والضوابط التي يؤمن بها. وبالتالي، لاتقتصر عملية خلق الأكوان الممكنة على مرحلة بناء النص فحسب، بل يمكن الحديث عن عوالم مرحلة ماقبل النص، ومرحلة مابعد النص.
وليس العالم الممكن- حسب نيلسون كودمان(Nelson Goodman) - إلا عالما من العوالم الممكنة المصنوعة من الكلمات والرموز التي تقدم نسخة من العالم الحالي118. ويعني هذا أن العوالم التخييلية الممكنة هي عوالم متشابهة أو متطابقة مع عالمنا الحقيقي. إنه نسخة أو ترجمة حرفية لواقعنا119. ومن ثم، يبنى العالم الممكن في ضوء ثقافة الأفراد وتاريخهم.
وعليه، فالإبداع هو ضرورة إنسانية، وخلق وتجاوز للمحاكاة والتقليد والسائد. وبالتالي، إذا كان أفلاطون وأرسطو يربطان الإبداع بمحاكاة الطبيعة، فإن كانط (Kant)( 1724-1804م) وهيجل (Hegel)(1770-1831م) يربطانه بالخلق والتجاوز. وفي هذا الصدد، يقول هيجل في كتابه (المدخل إلى علم الجمال):" قديم هو المبدأ الذي ينص على وجوب محاكاة الفن للطبيعة، ومن أقدم من قال به أرسطو، ويوم كان التفكير ما يزال في بداياته، كان من الممكن الاكتفاء بفكرة مماثلة؛ وهي ما تزال تتضمن على كل حال شيئا يمكن تبريره بأساليب وجيهة، شيئا سينكشف لنا كلحظة من لحظات الفكرة، له مكانته في تطورها، مثله مثل لحظات أخرى كثيرة. يكمن الهدف الأساسي للفن بموجب هذا التصور في المحاكاة، وبعبارة أخرى، في الاستنساخ البارع للأشياء كما هي موجودة في الطبيعة، و تكون ضرورة مثل هذا التقليد الذي يتم وفقا للطبيعة مصدرا بالتالي للذة. إن هذا التعريف يعزو إلى الفن هدفا شكليا خالصا، هدف إعادة صنع ما هو موجود في العالم الخارجي وما هو موجود فيه، مرة ثانية، وبالوسائل المتاحة للإنسان. لكن هذا التكرار قد يبدو شاغلا عديم النفع لا طائل فيه؛ إذ ما حاجتنا إلى أن نرى من جديد في لوحات أو على
خشبة المسرح حيوانات أو مناظر أو أحداثا إنسانية سبق لنا أن عرفناها على اعتبار أننا رأيناها أو نراها في حدائقنا وفي بيوتنا، أو أننا سمعنا، في أحوال معينة، أشخاصا من معارفنا يتحدثون عنها؟ بل يمكننا القول إن تلك الجهود الباطلة اللامجدية ترتد إلى لعبة باعثة على الغرور والإعجاب بالذات، لعبة تظل نتائجها على الدوام دون ما تقدمه لنا الطبيعة. ذلك أن الفن المحدود في وسائل تعبيره، لا يستطيع أن ينتج سوى أوهام أحادية الجانب، ولا يمكنه أن يقدم سوى ظاهر الواقع لواحدة فحسب من حواسنا؛ وبالفعل، حين لا يتخطى الفن المحاكاة الخالصة يعجز عن الإيحاء لنا بواقع حي أو بحياة واقعية:فكل ما في وسعه أن يعرضه علينا لا يعدو أن يكون صورة كاريكاتورية للحياة… من قبيل ذلك أن زوكسيس كان يرسم عنبا له ظاهر جد طبيعي بحيث كان الحمام يخدع به ويأتي إليه لينقره، كما رسم بركسياس ستارة خدعت إنسانا، هو الرسام عينه؛ وما أكثر القصص المتداولة عن خداع الفن، يتحدث المتحدثون، في أشباه هذه الحالات، عن ظفر للفن وانتصار…
و يمكن القول، بصورة عامة، إن الفن بتطلعه إلى منافسة الطبيعة بمحاكاتها، سيبقى أبد الدهر دون مستوى الطبيعة، وسيكون أشبه بدودة تجهد وتكد لتضاهي فيلا. ثمة أناس يعرفون كيف يحاكون زغردة العندليب، وقد قال كانط بهذا الصدد أننا ما إن ندرك أن إنسانا هو الذي يغرد على ذلك النحو، وليس العندليب، حتى نجد ذلك التغريد غثا عديم المعنى.
فنحن نرى فيه مجرد تصنع وتكلف، لا إنتاجا حرا من قبل الطبيعة أو عملا فنيا. إن تغريد العندليب يبهجنا بصورة طبيعية، لأننا نسمع حيوانا يصدر، في لاوعيه الطبيعي أصواتا تشبه التعبير عن مشاعر إنسانية.
ما يبهجنا إذاً هنا إنما هو محاكاة الطبيعة لما هو إنساني. 120"
وعليه، يساعد الإبداع الإنسان على التلاؤم مع الواقع الموضوعي، والتخلص من رتابة الحياة وجمود العادة وتكرارها، وبناء ذاته من جديد، وباستمرار دائم، والتفكير في نفسه ومصيره ومستقبله، بتجاوز الواقع الكائن نحو الواقع الممكن، بعوالمه التخييلية الرحبة.
ومن جهة أخرى، يجب أن نميز بين الإبداع الإنساني والإبداع الإلهي. فالإبداع الإنساني هو إبداع نسبي في جميع فعاليات السلوك، ومحدود بطاقات الإنسان المحدودة أيضا. أي: لايمكن للإنسان أن يتخطى بعض الحواجز على مستوى الإدراك من حيث الزمان والمكان. وبالتالي، لايمكن له أن يدرك عوالم الغيب، ويعتمد، في ذلك، على نماذج معينة يحاكيها ويقلدها أو يتجاوزها خلقا وإبداعا. في حين، يتميز الإبداع الإلهي بالكمال المطلق لأنه خلق من عدم.
وعليه، فالإبداع، في المنظور السيكولوجي، هو القدرة على إيجاد حلول جديدة لوضعيات أو مشكلات مطروحة، باختراع أشياء طريفة وحديثة، أو اكتشاف علاقات جديدة بين الأشياء. ومن هنا، تتجسد قدرة الإبداع في الاختراع والاكتشاف معا. فالاختراع هو إيجاد شيء ما لم يكن موجودا. أي: إنشاء شيء جديد. أما الاكتشاف، فهو إيجاد شيء خفي أو مجهول كان موجودا. وفي الحقيقة، كل اختراع هو اكتشاف، وكل اكتشاف هو اختراع. ومن هنا، فالإبداع هو اكتشاف أشياء خفية أو مجهولة غير معروفة لدى الناس، بإيجادها من جديد عن طريق البحث والاستكشاف والتنقيب، كالبحث عن الآثار التاريخية. والإبداع أيضا هو اختراع لأشياء وعلاقات طريفة وجديدة لم تكن معروفة لدى الإنسان سابقا.
ويمكن كذلك الحديث عن إبداع محافظ وإبداع أصيل. فالإبداع المحافظ هو إبداع قائم على المحاكاة والنقل والإعادة والتقليد والاجترار، والمحافظة على القواعد المعيارية المألوفة. ومن ثم، فهو رهين أفكار قديمة بالية، في شكل تمسك أعمى بمجموعة من القواعد المستهلكة. كما أنه خاضع لمؤثرات ماضية، وتمسك بصيغ أصولية ثابتة وساكنة وجاهزة، واستسلام لفكر تواكلي سلبي عاطل. أما الإبداع الأصيل، فهو إبداع دينامكي متحول ومتغير ومتجدد، ينزاح عن القواعد المعيارية السائدة، وهو اكتشاف واختراع، وتحرر من قيود الماضي، واستشراف للمستقبل.
المبحث الخامس: مراحل الإبداع وعوامله
ينبني الإبداع، سيكولوجيا، على الحدس، والتخيل، والإلهام، والتفكير، والتأمل، والتخييل، والذكاء، والتذكر، والاسترجاع، والإدراك الخارق. . .
وللإبداع مجموعة من المراحل والعوامل، ويتميز كذلك عن الإلهام، وسنوضح ذلك كله في هذه المطالب التالية:
المطلب الأول: مراحل العملية الإبداعية
تجتاز العملية الإبداعية أربع مراحل أساسية متداخلة ومتقاطعة من أجل إيجاد حل لمشكلة ما، ويمكن حصر هذه المراحل فيما يلي:
( مرحلة الإعداد والتحضير: يبدأ الإبداع بطرح المشكلة المعقدة، أو تحديد الوضعية الصعبة التي يواجهها المبدع بغية تقديم الحلول الممكنة. ولن يتحقق ذلك إلا بالتفكير المضني، وبذل الجهد الكبير، والتحضير الجيد، والتنقيب الجاد في المشكلة أو القضية المطروحة، وإعداد جميع الأدوات أو الخطوات اللازمة لمعالجة المشكلة؛
(مرحلة الكمون والاختمار: هي مرحلة وسطية مهمة قبل مرحلة الإبداع والإنتاج والاكتشاف والاختراع. وتعني هذه المرحلة أن المبدع قد يصاب بإرهاق نفسي أو جسدي، وقد يصيبه الإعياء أو الفتور أو تخيل لاشعوري مفاجئ يزعجه ويقلقه ويربكه فكريا وذهنيا ووجدانيا وحركيا. ومن ثم، يلتجئ هذا المبدع إلى راحة نفسية وبدنية عبارة عن لحظة للتأمل، وإعادة التفكير في المشكلة بشكل جيد، وترو في تحليل المشكلة ومعالجتها حتى تستوي على النار الهادئة، أو حتى تختمر بعد مرحلة الكمون؛
(مرحلة الإلهام: في هذه المرحلة بالذات، تنكشف الرؤيا، ويظهر الأمل، ويشرق الحل، وتنتعش النفس المبدعة، ويظهر الحل جليا ساطعا أمام عيني المبدع. ومن هنا، تبدأ مرحلة الإبداع باكتشاف المخفي أو المجهول، واختراع الجديد أو الطريف. وقد يكون ذلك الإلهام عفويا ومفاجئا، أو قد يكون نتاج تأمل طويل، أو نتيجة خلوة أو نزهة أو إشراقة أمل أو حلم أو يقظة أو صدفة سعيدة، كما حدث لنيوتن(Newton) (1643-1727م) الذي اكتشف الجاذبية بسبب سقوط التفاحة على رأسه، أو كما حدث لأرخميديس(Archimède)(287-212ق. م) الذي وجد الحل العلمي الصحيح للتمييز بين الذهب الصحيح والمزيف؛
( مرحلة التحقيق: هي مرحلة التأكد والتثبت من ذلك الحل علميا وتقنيا وإبداعيا، بإجراء التجارب والفحوص الدقيقة؛ لأن مرحلة الإلهام غير كافية في الشروع في العمل، فلابد من التحقق من الفرضيات، وتحويلها إلى أسئلة وإشكاليات، وتكرار التجربة مرات عديدة بغية الوصول إلى القوانين والنظريات المجردة بغية تعميمها كليا وكونيا121.
المطلب الثاني: عوامل الإبداع
ثمة مجموعة من العوامل التي تتحكم في العملية الإبداعية التي يمكن اختزالها في العوامل التالية:
( العامل البيولوجي: ترى مجموعة من النظريات البيولوجية أن الأعراق والسلالات الوراثية تكون السبب في رقي الأفراد والشعوب، وتكون سببا في سموهم إبداعا ومدنية حضارة وتقدما وازدهارا. وقد عد العرق الجرماني أفضل الأعراق مقارنة بالأعراق الأخرى، نظرا لمجموعة من المواصفات الفسيولوجية والإثنية والوراثية والجسدية التي تدل على العبقرية والذكاء وسرعة البديهة والفطنة. فقد أنجبت أسرة الموسيقي باخ (Bach) (1685-1750م) - مثلا- سبع وخمسين(57) موسيقيا.
بيد أن هذا التصور غير صحيح دائما، فثمة عباقرة لم يصلوا إلى مصاف المبدعين إلا عن طريق التربية ورقي الوسط الأسري والتعليم والتثقيف والاحتكاك بالمبدعين، فقد كان الرسام الفرنسي بول غوغان (Paul Gaugin) (1848-1903م) مجرد صراف بنكي، ولم يصر مبدعا متميزا إلا بعد احتكاكه بالمبدعين التشكيليين، وبالضبط في الخامسة والثلاثين من عمره؛
( العامل الاجتماعي: يعني هذا أن الإبداع مرتبط بالوسط المجتمعي، كما يثبت ذلك إميل دوركايم(Durkheim)(1858-1917م)، فلايمكن للإنسان أن يبدع إلا في ضوء تقدم المجتمع ورقيه وازدهاره. ومن ثم، فالإبداع هو نتاج الوسط الاجتماعي، يعبر عن حاجيات المجتمع ورغباته ومنافعه، ويعكس درجة نمو ذلك المجتمع وتطوره.
وأكثر من هذا فالإبداع يعكس المجتمع الذي يعيش فيه المبدع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ودينيا وحضاريا. ويرى كارل ماركس(K. Marx) (1818-1883م) أن الإبداع هو نتاج الظروف الاقتصادية والتاريخية للمجتمع البورجوازي الرأسمالي. ولايعني هذا أن العامل الاجتماعي هو الوحيد، بل لابد من التكامل مع العوامل الأخرى: النفسية، والتاريخية، والوراثية، والثقافية، والاقتصادية. . . إلخ.
( العامل السيكولوجي: يقوم العامل السيكولوجي بدور هام في تكوين المبدع، بالرجوع إلى أغوار الحياة النفسية للمبدع شعوريا ولاشعوريا. أي: تسهم الدوافع والرغبات الإرادية وغير الإرادية في تحفيز المرء على الإبداع، ومواصلة الإنتاج والخلق والاكتشاف والاختراع. ومن ثم، فالإبداع تعبير عن حاجيات الإنسان النفسية، واستكناه لرغباته المكبوتة والمقموعة لاشعوريا. بمعنى أن "الهو" يقوم بدور كبير في تكوين المبدع ونقله من الواقع إلى عوالم لاشعورية أخرى، عبر عمليات التذكر، والتخييل، والتسامي، والإسقاط، والتداعي الحر، والتعويض النفسي.
بيد أن العامل النفسي لوحده غير كاف لفهم الإبداع الإنساني وتفسيره، فلابد من استحضار باقي العوامل الوراثية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية. . .
المطلب الثالث: الإبداع والإلهام
عندما نقدم تفسيرات خارجية للإبداع، فإننا نقيده بمجموعة من المقاربات التي تجعل الإبداع معلوما ومعروفا، مادمنا قد حددناه بمجموعة من المصادر: سواء أكانت بيولوجية، أم سيكولوجية، أم اجتماعية، أم تاريخية، أم اقتصادية. في حين، يتنافى الإبداع مع التفسيرات السببية والتقنين الخارجي، فلايمكن معرفة مصدر الإبداع بطريقة واضحة وجلية، أو تفسير حيثياته بشكل دقيق.
ومن هنا، يتحدث المبدعون العباقرة عن الإلهام والحدس والإشراق، ويجهلون عملية الإبداع لديهم، فالمتصوفة يقولون بالعرفان والكشف والتجلي الرباني، ويجهلون مصدر الجذب الصوفي الذي يغمرهم في أثناء الجذبات الصوفية، والحضرات العرفانية الروحية. ويجهل الشعراء كذلك مصدر شعرهم. فهناك من يربط شعره بوادي عبقر، أو بعالم الشياطين. وكان موزارت(Mozart)(1756-1791م) لا يعرف من أين تأتيه الأفكار الموسيقية، وقد صرح هنري بوانكاري (H. Poincaré) (1845-1912م) أن بعض كشوفه الرياضية والعلمية جاءته صدفة عندما كان يتسلق الحافلة.
وخلاصة القول، يتضح لنا، مما سبق ذكره، أن الإبداع هو القدرة على الإنشاء والخلق والاختراع والاستكشاف. وهو أنواع عدة: إبداع فردي وجماعي، وإبداع استرجاعي واستشرافي، واكتشاف واختراع، وإبداع منحط وإبداع تأملي أصيل وسام.
ومن ثم، يعتمد الإبداع على أربع مراحل أساسية هي: مرحلة الإعداد والتهييء، ومرحلة الكمون والاختمار، ومرحلة الإلهام، ومرحلة التحقيق.
كما يخضع الإبداع لعدة عوامل أساسية منها: العوامل البيولوجية الوراثية، والعوالم الاجتماعية، والعوامل السيكولوجية.
ومن ثم، يفترق الإبداع عن الإلهام، فالإبداع هو المقيد بالتفسيرات الخارجية النفسية والاجتماعية والوراثية. أما الإلهام، فهو الحدس والكشف والإشراق.


المبحث السادس: وظائف المدرسة
تقوم التربية المدرسية بدور هام في عملية التغيير الاجتماعي. ومن ثم، فهناك ثلاثة أنواع من المدارس التربوية: مدرسة تغير المجتمع كما في اليابان - مثلا-، ومجتمع يغير المدرسة كما في العالم الثالث، ومدرسة تتغير في الوقت الذي يتغير فيه المجتمع، كما هو حال المدرسة في أوروبا الغربية. لذا، أصبحت المدرسة في المجتمعات الصناعية والتقنية الحديثة مؤسسة مهمة؛ لما لها من أدوار في تكوين أجيال مؤهلة ذات كفاءة، وقادرة على تسيير المقاولات والمؤسسات الصناعية. كما تعمل على تأهيل الناشئة تأهيلا جيدا، وتوفير الأطر المدربة والمحترفة لتسيير دواليب المجتمع، وتحريك عجلة الاقتصاد بشكل إيجابي. ويعني هذا أن المدرسة وليدة المجتمع الصناعي، على عكس المدرسة في العالم الثالث، فما تزال عاجزة عن تلبية حاجيات المجتمع على جميع المستويات والأصعدة لغياب الديمقراطية الحقيقية، وارتباطها بالمنظومة الاستعمارية.
وللتربية علاقة وطيدة بالسياسية، فكل عنصر يتأثر بالآخر. بمعنى أن المدرسة تعبير عن صراعات طبقية واجتماعية، وتعبير عن صراعات سياسية ونقابية وإيديولوجية. علاوة على ذلك، فثمة أنظمة سياسية تجعل من المدرسة وسيلة للحفاظ على العادات والتقاليد والقيم التي يدافع عنها النظام السياسي، كما في الدول الاشتراكية والأنظمة الديكتاتورية(النازية والفاشية). وهناك أنظمة تريد أن تحول المدرسة إلى أداة للتغيير، ووسيلة ناجعة للقضاء على الأمية بكل أنواعها (الألفبائية، والوظيفية، والإعلامية)، مع تطوير المجتمع كما في الدول الديمقراطية. وهناك من يرفض المدرسة، ويدعو إلى مجتمع بدون مدرسة؛ لأنها وليدة المجتمع الصناعي، ومرتبطة بالاستعمار الغربي، كما يذهب إلى ذلك إيفان إليتش(Ivan Illich)122 في كتابه(مجتمع بدون مدرسة).
المطلب الأول: مفهوم المدرسة
تعد المدرسة مؤسسة اجتماعية وتربوية صغرى ضمن المجتمع الأكبر، تقوم بتربية المتعلمين تربية شاملة، وتأهيلهم في المجتمع تكييفا واندماجا وتأقلما. أي: إن المدرسة - حسب إميل دوركايم- ذات وظيفة سوسيولوجية وتربوية هامة. بمعنى أنها بمثابة فضاء مؤسساتي عام، تقوم بالرعاية والتربية والتهذيب والإصلاح، والسهر على التنشئة الاجتماعية، وتكوين المواطن الصالح. ومن ثم، فالمدرسة "هي المكان أو المؤسسة المخصصة للتعليم، تنهض بدور تربوي لايقل خطورة عن دورها التعليمي، إنها أداة تواصل نشيطة تصل الماضي بالحاضر والمستقبل، فهي التي تنقل للأجيال الجديدة تجارب ومعارف الآخرين والمعايير والقيم التي تبنوها، وكذا مختلف الاختيارات التي ركزوا وحافظوا عليها، بل وأقاموا عليها مجتمعهم الحالي. . . 123" 
إذاً، فالمدرسة فضاء تربوي وتعليمي، وأداة للحفاظ على الهوية والتراث، ونقله من جيل إلى آخر، وأس من أسس التنمية والتطور وتقدم المجتمعات الإنسانية. بيد أن للمدرسة أدوارا فنية وجمالية وتنشيطية أخرى، إذ"تتحمل مسؤولية إعطاء التلاميذ فرصة ممارسة خبراتهم التخييلية وألعابهم الابتكارية التي تعتبر الأساس لحياة طبيعية يتمتعون فيها بالخبرة والحساسية الفنية". 124
وهكذا، يتبين لنا أن للمدرسة وظيفة تعليمية وتربوية وديدكتيكية وتنشيطية وتدبيرية.
وعليه، " تعتبر المؤسسات التعليمية فضاءات للتربية والتكوين، ومجالا لممارسة المتعلمين لحقوقهم، واحترامهم لواجباتهم، مما يمكنهم من اكتساب المعلومات والمهارات والكفاءات التي تؤهلهم لتحمل التزاماتهم الوطنية. لذا، يجب على المؤسسات أن تضمن احترام حقوق وواجبات التلاميذ، وممارستهم لها، واعتماد هذه المرتكزات أثناء إعدادها للنظام الداخلي للمؤسسة، والعمل على إشراك مختلف الفاعلين التربويين في صياغته بمن فيهم التلميذات والتلاميذ، وممثلي جمعيات الآباء والأولياء، ترسيخا للممارسة الديموقراطية، انطلاقا من الثوابت العامة التالية:
( مبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية إلى تكوين الفرد تكوينا يتصف بالاستقامة والصلاح، ويتسم بالاعتدال والتسامح، ويتوق إلى طلب العلم والمعرفة، ويطمح إلى المزيد من الإبداع المطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع؛
(الالتحام بكيان المملكة المغربية العريق القائم على ثوابت ومقدسات يجليها الإيمان بالله، وحب الوطن، والتمسك بالملكية الدستورية؛
( المشاركة الإيجابية في الشأن العام، والوعي بالواجبات والحقوق، والتشبع بروح الحوار، وقبول الاختلاف، وتبني الممارسة الديموقراطية في ظل دولة الحق والقانون؛
(الوفاء للأصالة والتطلع الدائم للمعاصرة، والتفاعل مع مقومات الهوية في انسجام وتكامل، وترسيخ الآليات والأنظمة التي تكرس حقوق الإنسان وتدعم كرامته.
(جعل المتعلم في قلب الاهتمام والتفكير والفعل، خلال العملية التربوية التكوينية، حتى ينهض بوظائفه كاملة تجاه وطنه، بتحديد حقوق المتعلم وواجباته في علاقاته مع مختلف المتدخلين التربويين والإداريين بالمؤسسة. 125"
ويعني هذا أن المدرسة مؤسسة تعليمية وتربوية تقوم بعملية التكوين، والتأطير، والتأهيل، والتهذيب الأخلاقي، بغية تكوين مواطن صالح نافع لأسرته ووطنه وأمته والإنسانية جمعاء.
وعليه، تستند المدرسة التربوية إلى مجموعة من الوظائف الأساسية التي يمكن حصرها في الوظائف التالية:
المطلب الثاني: وظيفة التطبيع والتنشئة الاجتماعية
تقوم المدرسة بوظائف عدة، أهمها: التنشئة الاجتماعية بتكوين مواطنين صالحين نافعين لأسرهم ووطنهم وأمتهم، يحافظون على قيم أجدادهم ومعتقداتهم وأعرافهم. إذاً، ما المقصود بالتنشئة الاجتماعية؟
يقصد بالتنشئة الاجتماعية (Socialisation) عملية التطبيع الاجتماعي القائمة على التعلم والتعليم والتربية والتهذيب، وتقوم على التفاعل الاجتماعي، وتمثل مجموعة من القيم والمعايير والمثل من أجل التوافق النسبي مع المجتمع، والاندماج في مؤسساته تكيفا وتأقلما ومسايرة. ويعني هذا أن التنشئة الاجتماعية هي التي تهدف إلى " إكساب الفرد (طفلا فمراهقا فراشدا فشيخا) سلوكا ومعايير واتجاهات مناسبة لأدوار اجتماعية معينة تمكنه من مسايرة جماعته والتوافق الاجتماعي معها، وتكسبه الطابع الاجتماعي، وتيسر له الاندماج في الحياة الاجتماعية. 126"
وبصيغة أخرى، يقول خليل ميخائيل معوض:" تهدف التنشئة الاجتماعية إلى إكساب الأفراد، في مختلف مراحل نموهم (طفولة- مراهقة- رشد- شيخوخة)، أساليب معينة تتفق مع معايير الجماعة وقيم المجتمع، حتى يتحقق لهؤلاء الأفراد التفاعل والتوافق في الحياة الاجتماعية في المجتمع الذي يعيشون فيه. "127
وقد ارتبطت التنشئة الاجتماعية، في بدايتها، بتربية الصغار فقط، وقد أصبحت - اليوم - مرتبطة بتنشئة الراشدين والكبار والشيوخ. أي: ترتبط التنشئة الاجتماعية بسيرورة الحياة بأكملها. ويسهم المجتمع وثقافته في تطبيع الفرد وإدماجه في المجتمع، وتحويله من كائن بيولوجي وعضوي إلى كائن ثقافي واجتماعي. أي: يكتسب الإنسان إنسانيته الحقيقية عبر التنشئة الاجتماعية، وبذلك يتميز عن الكائن الحيواني. ومن ثم، فالإنسان لايكتسب إنسانيته بفعل العوامل الوراثية والخصائص البيولوجية فقط، ولكن يكتسبها بفضل التنشئة الاجتماعية، في أبعادها الدينية والتربوية والحضارية والثقافية والمجتمعية.
وتختلف التنشئة الاجتماعية من بيئة إلى أخرى، فتنشئة أبناء البدو تختلف عن أبناء الحضر، وتنشئة أبناء المناطق الصناعية تختلف عن أبناء المناطق الزراعية، وهكذا دواليك. ويعني هذا أن التنشئة الاجتماعية تتباين بين مجتمعين مختلفين، أو داخل مجتمع واحد متماثل له الخصائص الاجتماعية نفسها.
وتتمثل أهمية التنشئة الاجتماعية في أنها تكسب الإنسان إنسانيته، حيث يتعلم الإنسان اللغة والعادات والقيم، ويتمثل ثقافة المجتمع، وينأى عن الصفات الحيوانية الفطرية والغريزية العدوانية. ومن ثم، يكون الفرد منوطا بمسؤوليات اجتماعية معينة، حيث يساهم في تحقيق تنمية المجتمع، كما تساعده هذه التنشئة على التوافق النسبي مع مجتمعه. و" يقوم المجتمع خلال عمليات التنشئة الاجتماعية بدور هام في تشجيع وتقوية بعض الأنماط السلوكية المرغوب فيها، والتي تتوافق مع قيم المجتمع وحضارته التي يبثها ويقويها في نفوس أفراد المجتمع. في حين، يقاوم ويحبط أنماطا أخرى من السلوك غير المرغوب فيها لتعارضها مع الاتجاهات والقيم السائدة، ويحاول المجتمع محاربتها واقتلاعها من جذورها.
وتختلف الحضارات في تزويد أفراد المجتمع باتجاهات تختلف باختلاف المجتمعات. 128"
وتأسيسا على ما سبق، يتضح لنا أن التنشئة الاجتماعية عملية نمو؛ إذ ينتقل الإنسان من كائن بيولوجي، يهتم بتحقيق غرائزه وشهواته وميوله وحاجياته، إلى كائن مجتمعي وثقافي يتحكم بالعقل في سلوكه، ويعتمد على نفسه في حل مشاكله. أضف إلى ذلك أن التنشئة الاجتماعية عملية مستمرة دينامية. وتحيل الدينامية على مختلف العلاقات التفعالية التي يجريها الفرد مع الآخرين ضمن البنية المجتمعية. وتعد هذه التنشئة سلسلة من التحولات المتتابعة والمتعاقبة تصل حتى سن الشيخوخة. ثم هي عملية تعلم اجتماعي عبر مجموعة من الأدوار والمواقف والوضعيات المتعددة، فيكتسب الفرد مجموعة من الخبرات والتجارب والاتجاهات النفسية. وغالبا، ما نقصد كل تعلم ذي طابع مجتمعي يحضر فيه الآخرون.
وثمة مجموعة من العوامل التي تتحكم في التنشئة الاجتماعية، وأثرها الكبير في نمو شخصية الفرد، مثل: العوامل الوراثية، والهرمونات التي تفرزها الغدد الصماء، والتغذية، وعوامل البيئة الاجتماعية، وعوامل أخرى ثانوية، مثل: أعمار الوالدين، والمرض والحوادث، والانفعالات الحادة، والولادة المبكرة، وعوامل المناخ والطقس والسلالة129.
بيد أن هناك عوامل أكثر نفاذا وتأثيرا في عمليات التنشئة الاجتماعية، وهي: ثقافة المجتمع، والأسرة، والمدرسة، وجماعة الأقران والرفاق، ووسائل الإعلام (الإذاعة، والسينما، والتلفزيون، والحاسوب، والكتب، والصحف)، والمؤسسات الاجتماعية، والوحدات الاجتماعية والجماعات التي ينتمي إليها الفرد، ويرتبط بها ارتباطا وثيقا، ولها تأثيرها المباشر في سلوكه130.
وقد اهتم علماء النفس الاجتماعي بأربعة مظاهر من التنشئة الاجتماعية:
(" عملية التعلم الاجتماعي مثل التقليد والتقمص وتعلم الدور.
(عن طريق التعلم الاجتماعي ترسخ الضوابط الداخلية وتدعم كالضمير ومفهوم الذات والأدوار الاجتماعية.
(نمو أنماط سلوكية متعددة مثل الاعتماد على الآخرين، والعدوان والاندماج وتكوين خطط مختلفة لتحقيق أهداف معينة والدفاع عنها.
( علاقة البناء الاجتماعي بهذه العمليات وبتأثيراتها. 131"
وقد ينبني فعل التنشئة الاجتماعية على مجموعة من آليات التعلم، مثل: التعلم المؤثر (المثير والاستجابة) أو المحفز أو المدعم؛ والتعلم المباشر؛ والتعلم العرضي؛ وآثار العقاب؛ والتعلم من النماذج؛ والتقليد والتكرار والتقمص وتعلم الدور.
وتستند التنشئة الاجتماعية إلى مجموعة من الأساسيات اللازمة، مثل: التفاعل الاجتماعي بين الفرد والمحيط، والمحرك الأول لهذا التفاعل هو حاجيات الإنسان. أما الأساس الثاني، فهو الدافعية، والأساس الثالث هو الإرشاد والتوجيه، والأساس الرابع هو مطاوعة السلوك ومرونته. 132
وثمة مجموعة من المؤسسات التي تعنى بالتنشئة الاجتماعية، مثل: الأسرة، والشارع، وروض الأطفال، والمدرسة، والجامعة، والنوادي، والرفاق، والمساجد، والكنائس، ووسائل الإعلام، والمؤسسات السجنية، والأحزاب، والنقابات، والجمعيات المدنية، والكتب والصحف. . .
(عن طريق التعلم الاجتماعي ترسخ الضوابط الداخلية وتدعم كالضمير ومفهوم الذات والأدوار الاجتماعية.
( نمو أنماط سلوكية متعددة مثل الاعتماد على الآخرين، والعدوان والاندماج وتكوين خطط مختلفة لتحقيق أهداف معينة والدفاع عنها.
( علاقة البناء الاجتماعي بهذه العمليات وبتأثيراتها. 133"
وقد ينبني فعل التنشئة الاجتماعية على مجموعة من آليات التعلم، مثل: التعلم المؤثر (المثير والاستجابة) أو المحفز أو المدعم؛ والتعلم المباشر؛ والتعلم العرضي؛ وآثار العقاب؛ والتعلم من النماذج؛ والتقليد والتكرار والتقمص وتعلم الدور.
هذا، وتستند التنشئة الاجتماعية إلى مجموعة من الأساسيات اللازمة، مثل: التفاعل الاجتماعي بين الفرد والمحيط، والمحرك الأول لهذا التفاعل هو حاجيات الإنسان. أما الأساس الثاني، فهو الدافعية، والأساس الثالث هو الإرشاد والتوجيه، والأساس الرابع هو مطاوعة السلوك ومرونته. 134
وثمة مجموعة من المؤسسات التي تعنى بالتنشئة الاجتماعية، مثل: الأسرة، والشارع، وروض الأطفال، والمدرسة، والجامعة، والنوادي، والرفاق، والمساجد، والكنائس، ووسائل الإعلام، والمؤسسات السجنية، والأحزاب، والنقابات، والجمعيات المدنية، والكتب والصحف. . .
و" قد تعاق عمليات النمو في التنشئة الاجتماعية بسبب مؤثرات تطرأ على الفرد فتعوق نمو شخصيته، ومن هذه المؤثرات التي تعوق نمو الشخصية وتعرقل التنشئة الاجتماعية: الصراع بين مكونات الجهاز النفسي للفرد- تجريد الفرد من أدواره الاجتماعية- انعزال الفرد من أفراد جماعته التي تشجع حاجاته- ظروف تتعلق بالأسرة مثل الطرق الخاطئة في معاملة الوالدين لأبنائهم- عدم الاستقرار العائلي- عدم صلاحية البيئة المدرسية- أو بيئة المجتمع.
وعندما يحدث هذا الأثر العكسي في التنشئة الاجتماعية لايكف الفرد ذاته والجماعات التي تتعامل معه على أن تعيد للفرد توازنه في التنشئة الاجتماعية " إعادة التطبيع الاجتماعي(Resocialization)""135
ومن أهم الذين دافعوا عن وظيفة التنشئة الاجماعية إميل دوركايم(?mile Durkheim) وبيير بورديو(Pierre Bourdieu) (1930-2002م)على سبيل الخصوص. . . على أساس إدماج الفرد داخل المجتمع ليتأقلم مع وضعياته المجتمعية، ويحترم عاداته وأعرافه وقوانينه وتشريعاته. فضلا عن نقل قيم الأجداد والآباء إلى الأبناء، ضمن جدلية الماضي والحاضر، وإعادة الإنتاج نفسه.
هذا، وتعد المدرسة - حسب المنظور الإصلاحي لإميل دوركايم- فضاء للإدماج الاجتماعي، ومكانا لائقا للتنشئة الاجماعية بواسطة التعليم والتربية الأخلاقية، والحفاظ على العادات والتقاليد والمعايير والقيم الموروثة. بمعنى أن المدرسة لها وظيفة التطبيع والإدماج، وتكوين أفراد مستقلين ومندمجين في المجتمع في الوقت نفسه. أي: يعتمدون على أنفسهم في تكوين أنفسهم، ويتمثلون القيم الموروثة. وفي الوقت نفسه، ينصهرون في بوتقة المجتمع تحقيقا لمبدأ الوحدة المجتمعية واتساقها. وهنا، نلاحظ البعد الإصلاحي عند دوركايم. فالمدرسة هي التي تساهم في الحفاظ على ثوابت المجتمع، وهي التي تجعل الأفراد يتمثلون معايير المجتمع، ويلتزمون بقواعده، ويتعلمون قواعد الحياة الجماعية. ومن ثم، فرؤية دوركايم إيديولوجية بامتياز؛ إذ يكرس الأوضاع نفسها التي توجد في المجتمعات الغربية العلمانية.
وعليه، "فلقد كان من الطبيعي أن يسير دوركايم في ركاب الأستاذ الذي أنشأ عالم الاجتماع(أوجست كونت)، ويتأثر بوجهة نظره في كثير من الموضوعات التي عالجها؛ فقد كان دوركايم يسلم تسليما تاما بمبدأ التوازن في المجتمع، وأن الصراع مجرد حالة طارئة ومؤقتة، بل قد يمكن اعتباره حالة مرضية لاتلبث أن تزول وتختفي ويسترد المجتمع توازنه الأصلي القديم. "136
مادام دوركايم يجعل من المدرسة فضاء للإندماج الكلي، ومجالا لتلقين قواعد الحياة الاجتماعية، باحترام المتعلم ثوابت المجتمع، وتمثل معاييره المقننة، والالتزام بأخلاقه وقيمه وعاداته وتقاليده، فإنه يريد بذلك ضرورة الحفاظ على توازن المجتمع، واستمرار سيرورته بذلك الشكل المتصل.
ويعني هذا أن المدرسة عند دوركايم تهدف إلى إدماج المتعلم في المجتمع، ثم إعطائه ثقافة كونية عقلانية وإنسانية وذكائية، ثم تكوين ذوات مستقلة داخل مجتمع عضوي، ثم تلبية حاجيات المجتمع. ويحقق هذا كله نوعا من التقدم والازدهار للمجتمع، ويكسب المتعلم هوية وطنية وقومية حقيقية. ويكتسب المتعلم هويته الحقيقية عبر دروس التاريخ والجغرافيا والدين والأخلاق، ويحتكم إلى العقل والمنطق. ولكن مدرسة دوركايم ليست مدرسة المساواة في الحظوظ، بل هي مدرسة النخب العقلانية والشرعية، وقد استمر هذا المفهوم حتى سنوات الخمسين من القرن الماضي. وقد نتج عن ذلك خلق مدرسة ليبرالية وعلمانية ديمقراطية، ولكنها ليست مدرسة شعبية.
أما السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو، فيرى أن الأفراد المجتمعيين الذين يوجدون في المدرسة هم نتاج التنشئة الإدماجية والمعيارية، ونتاج الوضعيات الاجتماعية الموجودة بالقوة والجبرية الملزمة، وهم أيضا نتاج إعادة الإنتاج ووضعيات التوريث بغية اكتساب الهوية المجتمعية.
وهناك باحثون آخرون يقولون بالتنشئة الاجتماعية أو بالتطبيع والاندماج الاجتماعي، مثل: المفكر الألماني جورج زيمل (GEORG SIMMEL) (1858-1918م).
المطلب الثالث: وظيفة الإعلام والتكوين والتأهيل
لاتقتصر المدرسة على نقل القيم الأخلاقية فحسب، بل تسعى جاهدة إلى تأهيل المتعلم معرفيا وذهنيا ووجدانيا وحسيا- حركيا. كما تسهم في توعيته وتنويره ثقافيا وأخلاقيا وتربويا وعلميا وأدبيا وفنيا وتقنيا، أو توعيته وطنيا أو قوميا.
وتعد المدرسة كذلك فضاء للتأهيل والتعليم والتكوين والتربية، ومؤسسة ديمقراطية للتنافس بين المتعلمين قصد الفوز والنجاح، والحصول على شهادات ودبلومات التي تسمح لهم بتولي منصب أو مسؤولية ما. علاوة على ذلك، فالمدرسة تصقل عقول الأفراد بالتكوين المناسب، وتهذيبها بالمعارف والقيم والحقائق العلمية.


المطلب الرابع: وظيفة التغيير المجتمعي
لاتقف المدرسة عند وظيفة المحافظة على إرث الأجداد فقط، بل تسهم في تغيير المجتمع كليا أو جزئيا. وفي هذا النطاق، يمكن الحديث عن ثلاث مدارس: مدرسة تغير المجتمع كما في اليابان، ومدرسة يغيرها المجتمع كما في دول العالم الثالث، ومدرسة تتغير مع تغير المجتمع كما هو حال المدرسة في الدول الغربية.
المطلب الخامس: الوظيفة الإيديولوجية
تعتبر المدرسة، في منظور لوي ألتوسير (L. Althusser) (1918-1990م)، جهازا إيديولوجيا قمعيا. بمعنى أن المدرسة مؤسسة عامة تعبر عن توجهات الدولة وتطلعاتها السياسية وأهدافها الإيديولوجية، عبر مناهجها وبرامجها ومقرراتها ومحتوياتها الدراسية. ومن ثم، فهي تعبر عن مصالح الطبقة الحاكمة، وتكرس ثوابتها وأفكارها وطموحاتها. أي: يرى ألتوسير، "بخصوص التقنيات والمعارف، أنه يجري في المدرسة تعلم قواعد تحكم الروابط الاجتماعية بموجب التقسيم الاجتماعي والتقني للعمل.
كما يقول بأن النظام المدرسي وهو أحد أجهزة الدولة الإيديولوجية هو الذي يؤمن بنجاعة استنساخ روابط الإنتاج عن طريق وجود مستويات من التأهيل الدراسي تتجاوب مع تقسيم العمل، وعن طريق ممارسة الإخضاع للإيديولوجيا السائدة. إن المسالك الموجودة المدرسة هي انعكاس لتقسيم المجتمع إلى طبقات، وغايتها الإبقاء على الروابط الطبقية. "137
ويدل هذا كله على أن المدرسة تمارس عنفا رمزيا كما يقول بورديو، وتساهم في تكريس التفاوت الطبقي، وخلق الطبقات الاجتماعية نفسها، سواء أكانت مهيمنة أم خاضعة.
وعليه، فالوظيفة الإيديولوجية لها علاقة وثيقة بوظيفة التطبيع والحفاظ على ثوابت الأجداد، وربط الماضي بالحاضر. وفي هذا، يقول مبارك ربيع(1935-. . . ):" يمكن اعتبار هذه الوظيفة الإيديولوجية وجها من وجوه الوظيفة التطبيعية العامة، وذلك على الأقل لأن الوظيفة الإيديولوجية، تعتمد فيما تعتمد عليه، على المنظومة المعرفية، إلا أنها تعتمد عليها لامن حيث هي معرفة بالعالم أو الكون، بل باعتبار هذه المعرفة بمضمونها خصوصا، تعمل على تكوين اتجاه فكري خاص في الطفل، يميل إلى تركيز التحامه بمجتمعه. ومن هنا، تجد القيم السياسية والمذهبية والدينية. . الخاصة بالمجتمع طريقها لتلوين المنظومة المعرفية، ونزع طابع الحياد عنها، فمفهوم الوطن والدولة ونوعية النظام السياسي في المجتمع. . . رغم أنها تأتي أحيانا مصاغة في مواد محددة كالتربية الوطنية أو الدينية أو الأخلاقية، فإنها مع ذلك تجد طريقها أيضا ضمن المواد العلمية ذات الطابع المحايد أيضا. فالتاريخ أو الجغرافيا رغم الطابع الموضوعي، تكون فرصة لتثبيت الاعتزاز بالذات الوطنية والأمة وغيرها.
. . إن الدعوات القائمة على انتقاد الوظيفة الإيديولوجية للمدرسة، منطلقة من مبدإ الالتزام بقضايا الطبقات الاجتماعية المتواضعة والمسحوقة، وبقضايا التحرر الاجتماعي، بما فيها حقوق الطفل والمرأة، وهي بذلك تستحق التنويه، ويمكن الاستفادة منها، بما يطور الوظيفة الإيديولوجية للمدرسة دون أن يلغيها. . .
وإذا اعتبرنا الظروف الخاصة ببلدان العالم الثالث حيث لاتزال مجتمعاتها في كثير من الحالات بعيدة عن كيان الدولة بمعناها الحقيقي، وماتزال بالتالي، قائمة في تنظيمها على القبيلة والعشيرة، فإننا ندرك أن الوظيفة الإيديولوجية للمدرسة باعتبارها عامل توحيد وتنظيم ماتزال مرغوبا فيها من هذه الناحية، كما أنها ماتزال مرغوبا فيها من ناحية المنظومة المعرفية، نظرا لمستوى التخلف وتفشي الأمية. "138
وهكذا، ندرك أن للمدرسة وظيفة خطيرة تتمثل في الوظيفة الإيديولوجية التي تسهم في تكريس التفاوت الطبقي والاجتماعي والسياسي نفسه.
المبحث الثامن: سياق البيداغوجيا الإبداعية
إذا أردنا أن نعرف طبيعة المدرسة المغربية بصفة خاصة، والمدرسة العربية بصفة عامة، فهي مدرسة محافظة بلا شك، تهدف إلى تكوين مواطن صالح، بمفهوم السلطة الحاكمة، يحافظ على قيم المجتمع وأعرافه وعاداته وتقاليده. ويعني هذا أن المدرسة المغربية تقوم بالوظيفة الاجتماعية نفسها التي أشار إليها إميل دوركايم(E. Durkeim)139. وتتمثل هذه الوظيفة في التنشئة التربوية والتهذيبية، وتوريث المتعلم القيم الاجتماعية نفسها التي كانت عند آبائه وأجداده من أجل التكيف والتأقلم مع أوضاع المجتمع وقوانينه. أي: تقوم المدرسة بإدماج الفرد داخل المجتمع، وتسهر على تربيته عبر مؤسسات صغرى وكبرى من أجل الحفاظ على مكتسبات المجتمع. ومن هنا، فهذه المدرسة، بحال من الأحوال، مؤسسة محافظة بامتياز، تكرس القيم الموروثة نفسها، وتعطي المشروعية للطبقة الحاكمة لكي تستمر في السيطرة على السلطة والثروة، دون التفكير في تغيير المجتمع من أجل اللحاق بالدول المتقدمة. وبالتالي، تنعدم عند هذه المدرسة الأهداف الوطنية الحقيقية التي تعمل على زرع الوطنية الصادقة في نفوس المواطنين، وبناء الإنسان المبدع الحقيقي، والاحتكام إلى احترام حقوقه، وتمثل الديمقراطية والشورى، والأخذ بفلسفة الحريات الخاصة والعامة. وتفتقد هذه المدرسة كذلك الأهداف القومية التي تعمل على تطوير الأمة العربية والإسلامية، وتسعى إلى تغيير أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
ويعني هذا كله أن وظيفة المدرسة تقوم على وظيفتي الحفاظية والمحافظة، والتشديد على جدلية الماضي والحاضر. بمعنى أن المدرسة وسيلة للتطبيع الاجتماعي، وإعادة إدماج المتعلم داخل المجتمع. أي: تقوم المدرسة بتكييف المتعلم، وجعله قادرا على الاندماج في حضن المجتمع. إذاً، تقوم المدرسة بوظيفة المحافظة والتطبيع، ونقل القيم من جيل إلى آخر عبر المؤسسة التعليمية. ويعني هذا أيضا أن المدرسة وسيلة للمحافظة على الإرث اللغوي والديني والثقافي والحضاري، ووسيلة لتحقيق الانسجام، والتكيف مع المجتمع. أي: تحويل كائن غير اجتماعي إلى إنسان اجتماعي، يشارك في بناء العادات نفسها التي توجد لدى المجتمع. وهذا يؤدي إلى أن تكون المدرسة مؤسسة توحيد وانتقاء واختيار. ويعني هذا كذلك أن المدرسة توحد عبر التكييف الاجتماعي، ولكنها تميز بين الناس عبر الانتقاء والاصطفاء. ومن ثم، فالوظيفة الأولى للمدرسة هو زرع الانضباط المؤسساتي والمجتمعي. ويرى مارسيل بوستيك:" بأن كل نظام مدرسي يتسم بسمة المجتمع الذي أنشأه. وهو منظم حسب مفهوم التصور المعطى للحياة الاجتماعية، ولدواليب الحياة الاقتصادية، والروابط الاجتماعية التي تحرك هذا المجتمع. ولهذا، حلل علماء الاجتماع بصورة مباشرة أو غير مباشرة الصلات بين العلاقة التربوية والنظام الاجتماعي، نظرا لأنهم يعدون التربية بمثابة مؤسسة، مهمتها تكييف الشباب مع حياة الجماعة بواسطة إجراءات معقدة الاستنباط. "140
و نستخلص من هذا كله أن المدرسة المغربية مدرسة تقليدية محافظة بامتياز، تكرس التبعية، وتعمل على تكوين الورثة بمفهوم بيير بورديو( P. Bourdieu )، كما يوضح ذلك في كتابه( الورثة Les Héritiers ). كما أن الأوضاع الاقتصادية والضغوطات الاجتماعية والمؤسسات الدولية الخارجية هي التي تغير المدرسة المغربية، وتؤثر فيها سلبا.
و من جهة أخرى، يمكن القول بأن المدرسة المغربية قد قطعت أشواطا عدة، وعرفت أنماطا عدة في مسارها البيداغوجي والديدكتيكي، ويمكن حصرها في المسارات التالية:
( المدرسة الاستعمارية التي ظهرت إبان الحماية من 1912م إلى 1956م، وتهدف هذه المدرسة إلى القضاء على الكتاتيب الدينية والجوامع القرآنية، ومحو ثوابت الأمة المغربية، والتشديد على الفصل بين البرابرة وإخوانهم العرب، مع صدور الظهير البربري سنة 1930م. علاوة على محاربة كل النزعات الثورية التحررية التي تسعى إلى استقلال المغرب. وتعمل هذه المدرسة أيضا على ضرب الوحدة الوطنية، والطعن في اللغة العربية، والتشكيك في الدين والقيم الإسلامية والهوية المغربية عن طريق محاولات التنصير، وفرنسة المؤسسات التعليمية المعاصرة. ومن ثم، يعد التعليم المغربي إبان الحماية تعليما انتقائيا نخبويا تصنيفيا(التعليم الإسلامي، والتعليم الأوروبي، والتعليم الإسرائيلي، والتعليم الأمازيغي)؛
(مرحلة التأسيس وبناء المدرسة الوطنية التي ظهرت بعد الاستقلال مباشرة، بتطبيق نظرية البديل الوطني، أو ما يسمى أيضا بنظرية المبادئ الأربعة، وهي: التعميم، والتوحيد، والتعريب، والمغربة؛
(مرحلة الاستواء والعطاء والإنتاج إبان مرحلة السبعينيات من القرن العشرين؛ إذ ساهمت المدرسة المغربية في تكوين جيل من الأطر المتميزة والمنفتحة والواعية التي عرفت بالإبداع والمهارة والحذق وجودة الملكات، وتميزت بالمساهمة الكبيرة في تحريك الاقتصاد المغربي، وإغناء الثقافة العربية، وإثراء الفكر الإنساني؛
(مرحلة النكوص والتراجع التي بدأت مع سياسة التقويم الهيكلي في منتصف ثمانينيات القرن العشرين؛ إذ تراجعت المدرسة المغربية عن جودتها الكمية والكيفية بسبب الأزمات التي كان يتخبط فيها المغرب سياسيا واقتصاديا وعسكريا واجتماعيا وثقافيا، وخاصة مع حرب الصحراء. ناهيك عن الضغوطات الدولية الخارجية التي تتجلى، بكل وضوح، في قرارات المؤسسات المالية، كمؤسسة البنك العالمي، ومؤسسة صندوق النقد الدولي؛
(مرحلة الإصلاح التربوي التي بدأت في أواخر التسعينيات من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة. وقد استهدفت الدولة ضمن هذه المرحلة إنقاذ الوضع التربوي المغربي المتردي الذي أصبح لا ينسجم مع شروط ومعايير المدرسة الدولية؛ مما كان سببا في تراجع مستوى التلاميذ والطلبة، وكان مؤشرا دالا على انعدام مصداقية الشهادات المغربية، ولاسيما شهادة الباكلوريا التي تراجع مستواها العلمي الحقيقي. وهذا ما دفع المسؤولين إلى التفكير بجدية في إصلاح التعليم، بإيجاد (الميثاق الوطني للتربية والتكوين)، مع الاستفادة من بيداغوجيا المجزوءات، وبيداغوجيا الكفايات والإدماج، ورفع شعار الجودة التربوية.
وعلى الرغم من جدية مبادئ ( الميثاق الوطني للتربية والتكوين)، وأهميتها النظرية والتطبيقية، فلم تتحقق الجودة التي كانت تنادي إليها وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر في أرض الواقع؛ إذ كانت الوزارة تشتغل على تحقيق الجودة الكمية على حساب الجودة الكيفية، وهي الجودة الحقيقية، والجودة المطلوبة. ولهذا السبب، أفرزت الوزارة مؤسسات تعليمية متعثرة ماديا وماليا ومعنويا، تفتقد الجودة العلمية، والمشروعية البيداغوجية، والمصداقية الأخلاقية. وبالتالي، فقد انعدمت الثقة لدى المربين والأسر والإداريين في المدرسة المغربية التي أصبحت مدرسة لتفريخ العاطلين واليائسين من مستقبل البلاد. لذلك، فقد اختار الطلبة المتخرجون الهجرة السرية سبيلا إلى الضفة الأخرى حلا لمشاكلهم، وملاذا أخيرا لوضع نهاية لحياتهم المأساوية داخل وطنهم الذي يعج بمجموعة من المفارقات والتناقضات الجدلية على جميع الأصعدة والمستويات.
و تستلزم هذه المراحل التي تؤرخ لتطور السياسة التعليمية، وتطور الفلسفة التربوية، إعادة النظر في النظام البيداغوجي المغربي، والتفكير في فلسفات تربوية أخرى، جديرة بإنقاذ المدرسة الوطنية من أزماتها ومشاكلها التي تتخبط فيها من أجل تحصيل جودة حقيقية، وتحقيق حداثة تقدمية تؤهل المغرب للحاق بمصاف الدول النامية أولا، وبالدول المتقدمة ثانيا.
ومن النظريات التربوية التي نرى أنها كفيلة بإخراج المغرب من شرنقة التخلف والانحطاط والاستلاب، نختار لكم النظرية التربوية الإبداعية (La pédagogie de la créativité). فما مفهوم هذه النظرية؟
المبحث التاسع: مفهوم النظرية الإبداعية لغة واصطلاحا
تشتق كلمة الإبداعية من فعل بدع وأبدع. فبدع الشيء "يبدعه بدعا وابتدعه - في " لسان العرب" لابن منظور- بمعنى أنشأه وبدأه. وبدع الركية: استنبطها وأحدثها. وركي بديع: حديثة الحفر، والبدعة: الحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال. وفلان بدع في هذا الأمر أي أول ولم يسبقه أحد. وأبدع وابتدع وتبدع: أتى ببدعة. والبديع: من أسماء الله تعالى. والبديع: بمعنى السقاء والحبل. والبديع: الزق الجديد والسقاء الجديد. وأبدعت الإبل كبركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال يقال: أبدعت به راحلته إذا ظلعت. ويقال أبدع فلان بفلان إذا قطع به وخذله ولم يقم بحاجته. وأبدعت حجة فلان أي بطلت حجته أي بطلت. وبدع يبدع فهو بديع إذا سمن. وأبدعوا به: ضربوه. وأبدع بالسفر وبالحج: عزم عليه. 141"
و تدل كلمة الإبداعية ( Créativité)، في القواميس الأجنبية142، على القدرة على الإبداع والاختراع والتجديد والإنشاء والتأليف والتكوين والتأسيس والإخراج والخلق. ومن أضداد الإبداع، في هذه القواميس، التقليد، والنقل، والمحاكاة، والهدم، والتخريب، والثبات، والنفي، واللاوجود. . .
و يفهم من هذه الدلالات اللغوية الاشتقاقية أن الإبداعية تدل على الخلق والاختراع والاكتشاف والتجديد والتحديث، وتجاوز التقليد والمحاكاة، إلى ما هو أصيل وبناء وهادف. ومن هنا، فالإبداعية هو فعل الإنشاء، وخلق أشياء جديدة، وبلورة تصورات وأفكار ومشاريع أخاذة قائمة على اختراع مفاهيم جديدة، وابتكار مناهج وطرائق حديثة في التعامل مع الظواهر المادية والمعنوية.
و تأخذ كلمة الإبداعية دلالات اصطلاحية تختلف من حقل إلى آخر، فالإبداعية في التصور الديني هو خلق الله للعالم والإنسان من العدم. أي: من لاشيء. ومن ثم، فكلمة الإبداعية ترادف الخلق والإيجاد، وإنشاء الكون. بينما يعني الإبداع في المجال الفقهي البدع والمستجدات التي لم يستوجبها الشرع، فكل بدعة ضالة، وكل ضلالة في النار، وأصحاب البدع هم أصحاب المستحدثات.
وتعني الإبداعية، في المجال العلمي، الاختراع والابتكار والاكتشاف. أما المقصود بها، في مجال الأدب والفن والفلسفة، خلق نظريات وتصورات فكرية ومبادئ نسقية جديدة منسجمة وغير متناقضة، وتأليف نصوص تمتاز بالحداثة والتجديد والانزياح والغرابة والخرق.
و المقصود بالإبداعية في مجال اللسانيات التوليدية التحويلية، كما عند مؤسسها الأمريكي نوام شومسكي ( N. Chomsky )(1928-. . . )، خلق جمل لا متناهية العدد بواسطة قواعد متناهية العدد، أو تغيير القواعد النحوية وتبديلها. أي: ليس " الإنسان مالكا لدولاب اللغة فحسب، فعند التحدث لا يكتفي بإعادة الجمل، بل يخلق جملا جديدة، ربما لم يسمعها قبل. وبالتالي، فالحديث ليس إعادة لجمل سمعت، بل هو عملية إبداع، ويبدو أن هذا هو المظهر الأساسي الموجود بالقوة. وفي هذا الصدد، يقول الفرنسي نيكولا روفيت ( Nicolas Ruvet):"إنه من الاستثنائي والنادر إعادة الجمل، فالإبداع المتفق مع نحو اللغة هو القاعدة في الاستعمال العادي للتحدث يوميا. والفكرة القائلة: إن الإنسان يملك رصيدا لغويا، ذخيرة من البيانات، يأخذ منها كلما استدعت الحاجة لذلك، إنما هي خرافة لا تمت بصلة إلى استعمال اللغة كما نلاحظه. ويميز شومسكي بين نوعين من الإبداع:
أ- إبداع يبدل القواعد النحوية، وهو خاصية الموجود بالفعل.
ب- إبداع يمكننا من إيجاد عدد لا متناه من الجمل، وهو ناتج عن تطبيق القواعد النحوية. ويسمى هذا الإبداع إبداعا محكوما بالقواعد. ووجوده ممكن بطبيعة القوانين النحوية نفسها التي يمكن لها أن تتوالد إلى ما لا نهاية. وعلى هذا المنوال، يصير الموجود بالقوة كمجموعة مكونة من عدد محدود من القوانين، وقادرة على إنشاء عدد لا محدود من الجمل. "143 أضف إلى ذلك أن الإنسان يتميز لسانيا عن الحيوان بالقدرة الإبداعية. في حين، يعتمد الحيوان على ماهو فطري وغريزي تكراري.
وعليه، تدل الإبداعية على النهوض والتجديد والإتيان بالشيء الجديد، وتقديم أفكار جديدة، وإبداع طرائق حديثة في العمل، وابتكار آليات تقنية لم تكن موجودة، أو اكتشاف أشياء لم تكن معروفة في السابق، وطرح نظريات وتصورات وبرامج ومشاريع حديثة لم يسبق إليها أحد. وتعني الإبداعية كذلك التميز والسبق والتفرد. كما يعني الإبداع الإيمان بالتحول في مقابل الثبات. ويحيل كذلك على الأصالة وجدة البحث والموضوع والإنشاء، وتجاوز التقليد والمحاكاة والاجترار، وتوليد أفكار جديدة وتقويمها، وتغيير السلوك كما عند المدرسة السلوكية144. . .
ويعني هذا المفهوم عند كرافت (CRAFT) طرح أفكار وتصورات ونظريات وبراديغمات ومبادئ جديدة خلقا وتوليدا وإبداعا وتجديدا145.
وقد ارتبط الإبداع الأول بمجال الأدب والفن والتخييل. وبعد ذلك، انتقل هذا المفهوم إلى مجالات أخرى، كالعلم، والتقنية، والتربية، والفلسفة، والموسيقا، والتشكيل، والمسرح، والسينما، وعلم اللغة، والإعلام، والرياضة البدنية، وتعلم اللغات146.
المبحث العاشر: مفهوم الإبداعية في مجال البيداغوجيا
يقصد بالنظرية الإبداعية في مجال البيداغوجيا أن يكون المتعلم أو المتمدرس مبدعا قادرا على التأليف والإنتاج ومواجهة الوضعيات الصعبة المعقدة، بما اكتسبه من تعلمات وخبرات معرفية ومنهجية. ولا يفهم من البيداغوجيا الإبداعية تغيير المقررات المدرسية شكلا ومضمونا فقط، واستبدالها من حين لآخر، بل تعني تقديم التعلمات والخبرات بطريقة إبداعية نشطة، توصل المدرس أو المتعلم معا إلى تحقيق الأهداف المرجوة. ويتحقق ذلك باقتراح مجموعة من المحتويات والأنشطة والطرائق الديدكتيكية الملائمة والمناسبة لنمو المعلم وتفتقه معرفيا ووجدانيا وحسيا-حركيا147. أي: بمساعدة المتعلم على إظهار قدراته الكفائية والنمائية، وتوظيف ملكاته توظيفا جيدا، وتفتيق مواهبه الواعية واللاواعية، والسماح له بإظهار مشاعره وأهوائه ورغباته وميوله الوجدانية بكل حرية وعفوية وتلقائية، ومساعدته على تحقيق التوازن النفسي والعضوي والجسدي. وهذا كله من أجل تحقيق النجاح المدرسي148.
وتتجلى الإبداعية التربوية في الاختراع، والاكتشاف، وتركيب ما هو آلي وتقني، وتطوير ما هو موجود ومستورد من الأشياء، وإخراجها في حلة جديدة، وبطريقة أكثر إتقانا ومهارة وجودة. ولا بد أن يكون ما هو مطور قائما على البساطة والمرونة والفعالية التقنية والإلكترونية وسهولة الاستعمال. ويرى عبد الكريم غريب أن البيداغوجيا الإبداعية هي "الأنشطة والعمليات المنظمة التي يقوم بها المتعلم لأجل ابتكار أفكار أو اكتشاف أشياء تتميز بتفردها. "149
ومن هنا، فالبيداغوجيا الإبداعية ثورة أو قطيعة تربوية، أو بمثابة براديغم تربوي (un paradigme) جديد، يحدث قطيعة مع التربية الكلاسيكية، أو التربية التقليدية التي تقوم على الثبات، والتقليد، والمحاكاة، والاجترار، والمحافظة على القواعد. وبالتالي، فالإبداع هو تطوير البرديغمات العلمية، والانزياح عما هو قديم وتقليدي. وتخضع التصورات والنظريات التربوية للتطور والتغير والقطائع الإبستمولوجية والثورات على غرار النظريات العلمية المفاجئة، ضمن ما يسمى بالبراديغمات(Paradigmes) أو النماذج العلمية.
ويعني هذا أن التربية، بصفة عامة، تتغير بتغير البراديغمات والنماذج والأنساق البيداغوجية والديدكتيكية والعلمية والسيكواجتماعية نظرية وتطبيقا وممارسة ووظيفة. بمعنى أن التحول التربوي يتحقق بفعل تغير النظريات والنماذج والبرديغمات العلمية التي تظهر من حين لآخر، كما يثبت ذلك توماس كون(T. Kuhn) في كتابه (بنية الثورات العلمية)150. أي: تتغير الأنساق التربوية بتغير البراديغمات والنماذج والنظريات والمناهج والافتراضات العلمية.
ومن ثم، تستند البيداغوجيا الإبداعية إلى الذكاءات المتعددة، وامتلاك الكفاءة المهارية، والتسلح بالقدرات الذاتية التعلمية في مواجهة أسئلة الواقع الموضوعي، بتشغيل ما يدرسه المتعلم في مقطع دراسي، ويستوعبه في السنة الدراسية، أو يكتسبه عبر امتداد الأسلاك الدراسية من أجل التكيف مع الواقع، والتأقلم معه إما محافظة، وإما تغييرا.
ويمكن الاستعانة بالسكولوجيا المعرفية لمساعدة المتعلم على إيجاد أفكار جديدة، ودفعه إلى تشغيل عقله وذكائه بطريقة إيجابية بغية طرح أفكار بديلة، وتقديم تصورات وآراء ومقترحات غير مسبوقة، وتشجيعه على النقد البناء الهادف. وفي الوقت نفسه، يمكن الاستعانة أيضا بالسيكولوجيا السلوكية لتغيير سلوكيات المتعلم من الأسوإ نحو الأحسن والأفضل، أو مساعدته على تمثل السلوك الإبداعي في حياته اليومية. وهنا، يمكن الحديث عن تقويم إبداعي يرصد ملكة الإبداع لدى المتعلم على المستوى المعرفي والذهني، أو على المستوى السلوكي، أو على مستوى المواقف والميول والاتجاهات النفسية والوجدانية والانفعالية، أو على المستوى الحسي- الحركي. أي: يرصد التقويم الإبداعي كل التحولات التي تنتاب المتعلم، ويستجلي كل مظاهر التحول والتغير والتجديد والتحديث لدى المتعلم على مستوى التفكير، واللغة، والعمل، والسلوك. . .
ومن هنا، فالبيداغوجيا الإبداعية - حسب لوبار(Lubart)- هي التي تظهر قدرة المتعلم على إنتاج إنشاء جديد، وفق سياق معين، أو وضعية ما151. وبالتالي، تسهم في خلق الفوارق الفردية الإيجابية.
وتتأسس الإبداعية التربوية على أربعة عوامل أساسية هي:
( العوامل المعرفية: تتمثل في قدرة المتعلم على طرح أفكار جديدة، وتوظيف ملكته الكفائية بشكل إيجابي، والقدرة على التطبيق، والتحليل، والاستنتاج، والتقويم، والانتقاء، والمقارنة؛ أو القدرة على التفكيك والتركيب؛ أو القدرة على الفهم والتفسير والتأويل؛
( عوامل الإثارة: تتعلق بتفرد شخصية المتعلم فكريا، ووجدانيا، وحسيا-حركيا؛ وتميزه عن أقرانه الآخرين بالذكاء والموهبة والخلق، وتفرده بآرائه وميوله ورغباته واتجاهاته النفسية؛ واستعمال أساليب متميزة في المعرفة والتحفيز؛
( العوامل الوجدانية: تتعلق بالجوانب الشعورية والذاتية والانفعالية والعاطفية التي تحفز المتعلم على الإبداع والابتكار والتجديد والتميز معرفيا وعلميا وأدبيا وفنيا وتقنيا؛
( عوامل المحيط: تسهم عوامل المحيط والوسط، كالأسرة، والشارع، والمدرسة، والجامعة. . . في تكوين الفرد المبدع من جميع النواحي النفسية والمعرفية والسلوكية، ونجاحه في الحياة الدراسية أو المهنية أو الإبداعية، إما بطريقة مباشرة، وإما بطريقة غير مباشرة152.
وتسعى البيداغوجيا الإبداعية إلى خلق فضاءات صفية دراسية ملائمة، تساعد المتعلم على تحقيق توازن نفسي ووجداني وانفعالي إيجابي بغية الخلق والإنشاء والإبداع والاكتشاف والابتكار. ولا ينبغي أن تكون المدرسة حجرة عثرة أمام تقدم المتعلم، أو تضع المتاريس أمامه لمنعه من التقدم أو النمو السيكولوجي والمعرفي، أو تعيقه عن الإبداع المدرسي، أو تمنعه من إظهار قدراته النمائية العادية أو الخارقة153.
وما يمكن للمدرسة الإبداعية أن تفعله هو أن تحد من الانفعالات الزائدة أو الطائشة لدى المتعلم، فتشجعه على إظهار العواطف والمشاعر الوجدانية الإيجابية المثمرة والهادفة والبناءة.
و تعتمد البيداغوجيا الإبداعية على تحليل النصوص وفهمها وتفسيرها وتأويلها، والقدرة على استنباط معانيها السطحية والثاوية في العمق. وقد تتجاوز الإبداعية هذا المفهوم التحليلي النصي إلى تقديم تصورات فكرية نسقية جديدة حول الإنسان والمعرفة والكون والقيم، تضاف إلى الأفكار الفلسفية الموجودة في الساحة الثقافية. ويمكن أن تكون الإبداعية هي تجريب نظريات وفرضيات علمية جديدة، والإدلاء بأطروحات منهجية ومعرفية تسعف الإنسان أو الدولة في استثمارها للصالح العام.
و يمكن أن تكون الإبداعية في مجال الفن برسم لوحات تشكيلية، ونحت مشخصات تنم عن تصورات حديثة، أو إخراج فيلم أو مسلسل أو مسرحية فيها الكثير من الإضافات الفنية الجديدة. و من ثم، فالإبداعية نظرية تربوية ثورية سامية ومتطلعة، تهدف إلى تربية التلميذ تربية إبداعية ومهارية وملكاتية، وتعويده على الخلق والإنتاج والإبداع والابتكار والاختراع والتجديد والتطوير والتركيب والتأليف، بعد الابتداء بالحفظ وتقوية الذاكرة، والاستعانة بعمليات التدريب والتمرين والمحاكاة، وتمثل المعارف السابقة المخزنة في الذاكرة، وتفتيقها أثناء مواجهة الوضعيات الجديدة في الواقع الميداني والنظري والافتراضي.
ويمكن أن تكون الإبداعية التربوية فردية أو جماعية. وكلما كانت جماعية، وفي إطار فريق تربوي، كانت أحسن وأفضل؛ بسبب ما يترتب على ذلك من مردودية كمية وكيفية مثلى، وما لها من نتائج إيجابية ومثمرة ذات أثر فعال في نفسية كل عضو من أعضاء الفريق. ولكن لابد من قائد يدبر أمر هذا الفريق، ويكون أكثر كفاءة وحماسة وتحفيزا ورغبة في الإبداع والابتكار والاكتشاف والإنتاج والخلق.
وقد تكون تلك الإبداعية التربوية أيضا شفوية أو كتابية أو بصرية. وقد تكون كذلك نظرية أو عملية، أو تكون ذهنية أو وجدانية أو حسية حركية. وتختلف هذه الإبداعية التربوية من مجال إلى آخر، فتكون إبداعية لغوية ولسانية، أو إبداعية أدبية، أو إبداعية فنية، أو إبداعية فلسفية، أو إبداعية علمية، أو إبداعية تقنية. . .
ويستند التعلم، في إطار التصور الإبداعي، إلى ثلاث مراحل أساسية هي: مرحلة التقليد والمحاكاة، ومرحلة التجريب، ومرحلة الإبداع والابتكار. ومن ثم، يقترن التعلم بالإبداع في جميع الميادين والمجالات.
ويعني هذا كله أن التعلم لايقتصر على الحفظ والتقليد والتجريب فحسب، بل لابد من الابتكار والإبداع والاستكشاف والتميز. وبالتالي، يولد الطفل بقدرات وكفاءات وملكات فطرية وعقلية وراثية، تسمح له بالإبداع، والاكتشاف، والتجديد، والتطوير، والتوليد.
المبحث الحادي عشر: مرتكزات النظرية الإبداعية
تتكئ النظرية الإبداعية التربوية على مجموعة من الأسس والمرتكزات، ومن أهمها: استقلالية شخصية المتعلم، والبحث عن الأفكار والتصورات والنظريات والآراء الجديدة، والسعي الدائم وراء التحديث والتجديد، واستعمال التكنولوجيا المعاصرة والثقافة الرقمية154، وتفادي التكرار والاجترار، والابتعاد عن استنساخ ما هو موجود سلفا، واستيعاب الثورات العلمية والبرديغمات، والاستفادة من القطائع التي تحدث على جميع المستويات المعرفية والإنتاجية، وتجنب أوهام الحداثة الشكلية والزائفة بالمفهوم الأدونيسي155، واعتماد حداثة حقيقية وظيفية بناءة وهادفة، تنفع الإنسان في صيرورته التاريخية والاجتماعية. ولن تتحقق هذه الحداثة إلا بالتعلم الذاتي، وتطبيق البيداغوجيا اللاتوجيهية أو المؤسساتية أو الملكاتية، والاسترشاد بنظرية الذكاءات المتعددة، والاستعانة بالبيداغوجيا الفارقية، وتمثل تربية القيم والمواطنة وحقوق الإنسان، ودمقرطة الدولة وكل مؤسساتها التابعة لها. ويعني هذا أن البيداغوجيا الإبداعية لن تنجح في الدول التي تحتكم إلى القوة والحديد، وتسن نظاما ديكتاتوريا مستبدا؛ لأن الثقافة الإبداعية هي ثقافة تغييرية راديكالية ضد أنظمة التسلط والقهر والجور.
و لا يمكن الحديث أيضا عن النظرية الإبداعية إلا إذا كان هناك تشجيع كبير لفلسفة التخطيط والبناء والتدبير، وإعادة البناء والاختراع والاكتشاف، وتطوير البحث العلمي، وتنمية القدرات الذاتية والمادية من أجل مواجهة كل التحديات.
ومن الشروط التي تستوجبها النظرية الإبداعية الاحتكام الدائم إلى الجودة الحقيقية كما وكيفا حسب المقاييس العالمية؛ تلك التي الجودة لا يمكن الحصول عليها إلا بتخليق المتعلم والمواطن بصفة خاصة، والمجتمع بصفة عامة. ويعد الإتقان من الشروط الأساسية لما هو إبداعي؛ لأن الإسلام يحث على إتقان العمل، ويحرم الغش والإثراء غير المشروع. ولا بد من ضبط النفس أثناء التجريب والاختبار، وتنفيذ المشاريع العلمية والتقنية، مع التروي في إبداعاتنا على جميع الأصعدة والمستويات والقطاعات الإنتاجية، والاشتغال في فريق تربوي متميز كفاءة ومهارة وحذقا وكياسة، والانفتاح على المحيط العالمي قصد الاستفادة من تجارب الآخرين، والمساهمة بدورنا في خدمة الإنسان كيفما كان. علاوة على ذلك، لابد أن يكون التعليم الإبداعي منفتحا على محيطه، وفي خدمة التنمية المحلية والجهوية والوطنية والقومية والإنسانية.
هذا، وترفض النظرية الإبداعية التقليد المجاني والمحاكاة السائبة العمياء، والاتكال على الآخرين، واستيراد كل ما هو جاهز، واستبدال ذلك كله بالتخطيط العقلاني والمدبر، وإنتاج الأفكار والنظريات الناجعة والمثمرة، بالتفكير في الماضي والحاضر والمستقبل، وتمثل التوجهات البراغماتية العملية المفيدة، بشرط تخليقها لمصلحة الإنسان بصفة عامة.
وينبغي أن ينصب الإبداع كذلك على ما هو أدبي، وفني، وفكري، وعلمي، وتقني، ومهني، وصناعي، وإعلامي، في إطار نسق منسجم ومتناغم ومتكامل لتحقيق التنمية الحقيقية والتقدم والازدهار النافع لوطننا وأمتنا.
و من المعلوم، أن الدول الغربية لم تتقدم إلا بتشجيع الحريات الخاصة والعامة، وإرساء الديمقراطية الحقيقية، وتشجيع العمل الهادف، وتحفيز العاملين ماديا ومعنويا. ومن ثم، تعد فكرة التشجيع والتحفيز، وتقديم المكافآت المادية والرمزية، والاعتداد بالكفاءة الحقيقية، من أهم مقومات هذه البيداغوجيا العملية الحقيقية، ومن أهم أسس التربية المستقبلية القائمة على الاستكشاف والاختراع والابتكار.
أضف إلى ذلك أن الاقتصاد العالمي هو اقتصاد تنافسي بامتياز، يفرض على الشعوب أن تعنى بالتعليم من أجل تكوين الموارد البشرية المؤهلة، وتوفير الأطر الكفأة، وتكوين العمال وفق أحدث الأنظمة التقنية المعاصرة. ويستوجب هذا كله أن يكون التعليم إبداعيا، يركز على الكيف، والتنوع، وتنمية الملكات والقدرات الإبداعية لدى المتعلم تعلما وتكوينا وتطبيقا.
وقد سعت مجموعة من الدول الغربية، بالخصوص، منذ سنوات الألفية الثالثة، إلى تمثل المقاربة الإبداعية في مجال التربية والتعليم والديدكتيك لتجويد التعلمات لدى المتمدرس، والبحث عن الجديد، ومساعدته على الخلق والإبداع والابتكار، ومواجهة الوضعيات الصعبة والمعقدة، وتطوير الإبداع الذكائي، بجعل المتعلم أمام وضعيات سياقية خارجية شائكة للتثبت من مدى قدرته على التكيف والتأقلم والتمثل والاستيعاب والتجديد وحل المشاكل.
ويعني هذا أن البيداغوجيا الإبداعية هي بيداغوجيا المركز، والجودة، والتنافس، والهيمنة، والتميز، والمردودية، والتدبير، والتخطيط، والتسيير، وتحقيق الاكتفاء، وزيادة الإنتاج، وتصدير المنتج كما وكيفا.
المبحث الثاني عشر: المرجعيات النظرية
تستوحي البيداغوجيا الإبداعية مرتكزاتها النظرية والتطبيقية من نظرية اللسانيات التوليدية التحويلية التي تتبني كثير على الإبداعية اللغوية على مستوى الإنجاز، وتوليد الجمل اللامتناهية العدد من خلال قواعد نهائية ومحددة، واستعمالها بشكل إبداعي متجدد. كما تعتمد النظرية الإبداعية على إيجابيات بيداغوجيا الأهداف والكفايات والمجزوءات ونظرية الجودة التربوية، والتخلي عن سلبياتها المعيقة. ومن ناحية أخرى، تتبنى مبادئ التربية الحديثة والمعاصرة، مع تمثل الفلسفة البراغماتية المخلقة، وتنفيذ مقررات الحياة المدرسية، والأخذ بفلسفة التنشيط التربوي، والاستهداء بنظرية الذكاءات المتعددة، والاستفادة من مبادئ مدرسة المستقبل، ونظرية الملكات كما لدى الدكتور محمد الدريج156.
هذا، وتستلهم هذه النظرية التجارب التربوية في الدول الغربية المتقدمة التي تربط المدرسة والتعليم بالممارسة العملية، وسوق الشغل، والبحث العلمي، والاختراع الآلي والتقني. وتقرنه كذلك بالتنمية والتقدم والازدهار. وتعتمد أيضا على الطرائق البيداغوجية الفعالة، والتعليم الإقرائي المسرحي، والاستفادة من نظريات التدبير والشراكة والمشاريع، والانفتاح على النظريات المستقبلية، والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة، والتأثر بنظريات التربية لدى علمائنا القدامى التي تركز على الحفظ والعقل والنقد والحوار على حد سواء، والتشديد على فلسفة القيم والمواطنة وحقوق الإنسان.
المبحث الثالث عشر: فلسفة البيداغوجيا الإبداعية وغاياتها
تهدف البيداغوجيا الإبداعية إلى تكوين مواطن صالح يغير مجتمعه، ويسهم في تطويره، ويرفع مراتبه، ويحفظ كينونة أمته ومقوماتها الدينية، ويسعى جاهدا من أجل تنميتها بشريا وماديا، وحمايتها من المعتدين بالدفاع عنها بالنفس والنفيس، وإعداد القوة البشرية والعلمية والتقنية من أجل المجابهة والتحصين والدفاع. و يعني هذا أن البيداغوجيا الإبداعية نظرية تعمل على تكوين جيل من المتعلمين يمتلك العلم والتكنولوجيا، ويكون مؤهلا بالقدرات والملكات الكفائية في جميع التخصصات من أجل تسيير دفة المجتمع، وتوجيهه الوجهة الحسنة والسليمة، مع تحلي هذا الجيل بالأخلاق الفاضلة التي تؤهله لخدمة المجتمع والوطن والأمة على حد سواء.
و من أهداف البيداغوجيا الإبداعية العمل على خلق مدرسة عملية نشيطة، يحس فيها التلميذ بالحرية والخلق والإبداع. وبالتالي، تتحول هذه المدرسة إلى ورشات تقنية، ومقاولات صناعية، ومختبرات علمية، ومحترفات أدبية، وقاعات فنية، من أجل المساهمة في الاقتصاد الوطني والعالمي. و لا بد أن يتعود التلميذ، في هذه المدرسة، على التحكم في الآلة تفكيكا وتركيبا وتطويرا، واختراع آلات جديدة لتنمية الاقتصاد، وتحديث الصناعة الوطنية على غرار المدارس الآسيوية، كما يبدو ذلك جليا في دول التنينات أو اليابان أو المدارس الغربية.
و لا يمكن خلق تلميذ مبدع إلا إذا كانت الإدارة وهيئة التعليم والإشراف تتوخى التغيير والإبداع، وتهوى التنشيط بكل آلياته المختلفة والمتنوعة، ولها الرغبة الحقيقية في العمل الهادف المتنامي، والقدرة على المساهمة في البناء والخلق والتطوير والتجديد من أجل تحقيق الأهداف الوطنية والقومية. ولا يمكن كذلك الحصول على هذه الشرائح المبدعة الراغبة في الخلق والتطوير والتحديث إلا إذا حسنا أوضاعها المادية والمالية، وحفزناها معنويا واجتماعيا ومهنيا، ووضعنا كل شخص في مكانه المناسب اعتمادا على معايير العمل والعلم، مع إبعاد الترقية بالأقدمية والاختيار التي تسيء إلى الفلسفة الإبداعية وبيداغوجيا الخلق والتجديد.
وبناء على ما سبق، تسعى المدرسة الإبداعية إلى استكشاف الجديد، والاهتمام بالمخترعات التكنولوجية، وتجديد المفاهيم الموروثة، وتطوير آليات البحث العلمي معرفيا وتقنيا وصناعيا. ولابد من آلية التسريع في الاكتشاف والاختراع والإبداع. ومن ثم، تعطى الأولوية لتأهيل الموارد البشرية، والابتعاد عن السياسات المركزية، باستشارة الطاقات والكفاءات الجهوية والمحلية، والانتقال من التسيير المركزي إلى التسيير الجهوي والمحلي. فضلا عن الأخذ بالنظام التعليمي النظري والتطبيقي، والاستفادة من التكوين المستمر، وتطوير البيئة الصناعية والتقنية، والأخذ بسياسة التنافس والإنتاجية، وتقدير الكفاءات، وتشجيعها وتحفيزها، والبحث عن المشاريع، وتحويل المدرسة إلى ماركتينغ(Marketing) بحثا عن الممولين والمشاريع الإيجابية، واستكشاف أسواق جديدة لتصريف المنتج التربوي والعلمي، والأخد أيضا بالخوصصة التعليمية، وربط المدرسة بسوق الشغل بغية القضاء على الأمية والجهل والفقر، وأيضا عبر التحكم في الإعلاميات، وإتقان اللغات الأجنبية، وتطوير التجارة الرقمية، وتطوير المنظومة الإعلامية.
ولابد من تحويل الخدمات التعليمية إلى وسيلة للتبادل بين الأنظمة التربوية العالمية، وجعل الخدمات التعليمية آلية للتبادل الاقتصادي والتجاري. ولابد أن تكون الشهادات المقدمة من قبل المدرسة الإبداعية معترفا بها عالميا، في ضوء الاحتكام إلى مقاييس الجودة والتميز والتفرد، والانضمام إلى المقررات العالمية الموحدة.
أضف إلى ذلك أنه لابد أن تكون المدرسة التربوية الإبداعية مؤسسة اجتماعية عادلة ومتوازنة، تجمع أبناء العمال مع أبناء الأطر في فضاء تربوي سعيد، تذوب فيه الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، بتشجيع المواطنة والتضحية وخدمة الأمة، وتطبيق نظرية الذكاءات المتعددة في استكشاف الفوارق الفردية، والاهتمام بذوي الحاجيات الخاصة.
وعلى العموم، تتقادم النظريات العلمية والتربوية بتقادم المجتمع، ويتقادم الجهاز المعرفي والإبستمولوجي للنظام المتحكم في بناء المعرفة وإنتاجها. ومن ثم، لابد للإنسان من التعلم الذاتي والتكوين المهني المستمر ليكون قريبا مما هو مستجد في الساحة الثقافية والأدبية والعلمية والتقنية والفنية والمعرفية. ومن ثم، فأساس النهضة الحقيقية والتنمية المستدامة هو التكوين الحرفي والمهني المستمر القائم على البحث الشخصي، والتعلم الذاتي، والحضور ميدانيا في ورشات التكوين والتأهيل لمسايرة مستجدات المعرفة الإنسانية التي تتطور كل يوم بوتيرة سريعة، من الصعب تطويقها والتحكم فيها. ويعني هذا كله أن على الإنسان أن يتعلم طوال حياته، سواء أكان تلميذا أم طالبا أم موظفا أم حرفيا. فالمعرفة لاتتحدد بوقت معين، بل لابد من متابعة الدروس والمحاضرات مادام الإنسان حيا لمسايرة كل ماهو جديد وحديث؛ لأن المعرفة تتقادم بسرعة. لذا، فعلى وزارة التربية والتعليم - مثلا- أن تعيد تكوين التلاميذ والمدرسين ورجال الإدارة على حد سواء، بغية تأهيلهم في مختلف حقول المعرفة، سواء أكان ذلك في مادة تخصصهم، أم في مواد معرفية أخرى، قريبة أم بعيدة عن مجال اهتمامهم. وهذا كله من أجل تطوير العدة المهنية أو الحرفية، ومن أجل الحفاظ على الإنتاجية، وخلق حياة عملية نشيطة ومحفزة، وتطوير القدرات المهنية والمهارات الحرفية.
المبحث الرابع عشر: الإجراء العملي للبيداغوجيا الإبداعية
يستوجب تحقيق البيداغوجيا الإبداعية المرور بمجموعة من المراحل الأساسية حسب مسار التعلم، وتعاقب أسلاك المدرسة من المستوى الابتدائي حتى المستوى الجامعي. وتبدأ البيداغوجيا الإبداعية - منهجيا- بمرحلة الحفظ، وهي ملكة تراثية مهمة في تقوية قدرات المتعلم، وصقل ملكاته الذهنية والعقلية. ثم، تأتي مرحلة التقليد والمحاكاة والتدريب والتمرين، وتمثل ما هو جاهز سلفا في الأسلاك الدراسية الأولى بشكل مؤقت. وبعد ذلك، ننتقل إلى مرحلة التركيب، وإعادة الإنتاج والتوليد، والتجريب في الأسلاك الدراسية المتوالية، لننتهي بمرحلة الإبداع والخلق والتجديد والتحديث والانزياح، والاستقلال بتصورات ومشاريع علمية وتقنية وفنية وأدبية جديدة لها مواصفات الملكية القانونية والإبداعية. وتنتهي هذه المراحل كلها بالتطبيق، وإنجاز المشاريع الإبداعية إجرائيا وواقعيا في الميدان، وربط ما هو نظري بالممارسة والتطبيق الفوري.
وبناء على ماسبق، تعتمد البيداغوجيا الإبداعية على المراحل التالية:
( مرحلة الحفظ، وتكون بتقوية الذاكرة الذهنية لتتسع لكل المعارف المقدمة؛
(مرحلة التقليد والمحاكاة والتدريب والمران والتكرار؛
(مرحلة التجريب والتركيب وإعادة البناء؛
(مرحلة الخلق والإبداع والتجديد والتحديث؛
(مرحلة التطبيق والإنجاز والممارسة الميدانية.
هذا، وتستلزم البيداغوجيا الإبداعية، في أثناء وضع المقررات والمناهج والبرامج الدراسية، أن تحترم هذه المراحل كلها مع تحديد خطواتها البيداغوجية والديدكتيكية. ولا بد كذلك من تمثل مبادئ الحياة المدرسية، والأخذ بفلسفة التنشيط المدرسي، وتغيير استعمالات الزمن لتواكب هذه النظرية، وتأهيل الأطر التربوية والإدارية وأطر الإشراف لتكون في مستوى هذه النظرية البيداغوجية الجديدة.
هذا، وننبه المسؤولين عن قطاع التربية والتعليم إلى أن هذه النظرية لا يمكن أن تنجح إلا إذا شيدت مدارس تربوية مركبة، تضم الورشات والمختبرات والمحترفات التطبيقية والأقسام النظرية. أي: لابد أن تكون المدرسة نظرية وتطبيقية، تجمع بين ما هو نظري، وما هو مهني وعملي، وتكون بمثابة ورشة تقنية، ومختبر علمي، وقاعة للفنون والآداب، ومتحف لعرض المنتجات الفنية، ومسبح لتعلم السباحة، وقاعة للرياضة البدنية، بغية خلق أجيال رياضية متميزة، تساهم في رفع راية الوطن في أعالي السماء.
و من هنا، لابد أن يكون الإبداع شاملا ومترابطا ومتناسقا. ولابد أيضا من بناء مؤسسات تربوية خاصة بالمتفوقين والأذكياء والعباقرة، كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية وفي روسيا؛ نظرا لما لهؤلاء من قدرات خارقة، يمكن استغلالها في اختراع الأسلحة المتطورة، وإنتاج النظريات العلمية والأدبية والتقنية من أجل تحقيق التقدم والازدهار. وينبغي أن تكون المقررات الدراسية عبارة عن وضعيات إبداعية معقدة وصعبة ذات مصداقية عملية وعلمية وواقعية، وذات أهداف مفيدة ونافعة في الحاضر والمستقبل.
وعليه، فمن الأكيد أن المدرسة المغربية، بظروفها الحالية، وأوضاعها المتردية، وواقعها المحبط، لا يمكن أن تفرض نفسها في عالم اليوم الذي يتسم بالمنافسة الحادة، والصراع الشرس بين مجموعة من الأقطاب الاقتصادية الكبرى (الصين، واليابان، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والبرازيل، والتنينات الأربعة. . . )؛ تلك المنافسة الشرسة القائمة على العلم والثقافة، وإنتاج المعلومات وتسويقها، وتمثل التكنولوجيا المعاصرة في كل مستوياتها ومجالاتها المتنوعة. ومن ثم، لابد للمدرسة المغربية بصفة خاصة، والمدرسة العربية بصفة عامة، أن تنمو في محيط إبداعي متفرد، يؤمن بالحرية والديمقراطية والجودة والإنتاجية، واعتماد معايير التنافس والإتقان والحداثة والتميز والاختراع والابتكار، وإنتاج النظريات في مختلف مجالاتها المعرفية والعلمية. ويعني هذا الابتعاد عن مدرسة الثكنة المستبدة، واستبدال مدارسنا بمدارس التنشيط الثقافي والعلمي والفني، وتمثل مبادئ الحياة المدرسية، والأخذ بفلسفة الشراكة في تطبيق مشاريع المؤسسة، وتطبيق اللاتوجيهية في التدريس والتوجيه والتعليم، والأخذ ببيداغوجيا الإبداع فلسفة وطريقة ورؤية.
المبحث الخامس عشر: التدبير الديدكتيكي الإبداعي
يرتكز التدبير الديدكتيكي، في المدرسة الإبداعية، على مجموعة من المبادئ والآليات النظرية والتطبيقية على الشكل التالي:
المطلب الأول: الانطلاق من الفلسفة الإبداعية
من الضروري أن ينطلق المدرس والمتعلم معا من الفلسفة الإبداعية تصورا ومنهاجا وبرنامجا، فيختار المدرس المجال الإبداعي الذي يريد الاشتغال عليه، أو تنميته نظرية وتطبيقا وتقويما، كأن يكون المجال الإبداعي رياضيا، أو موسيقيا، أو طبيعيا، أو تقنيا، أو إعلاميا، أو أدبيا، أو فنيا، أو تشكيليا. . . فيختار الآليات والأنشطة التي تحقق هذا المجال على مستوى إعادة الإنتاج كتابة أو شفويا ومهاريا أو صناعيا أو تقنيا. ويقوم العمل الإبداعي داخل القسم على" إعداد وضعيات ديدكتيكية وتنظيمها، تتميز بالخصائص المحددة للنشاط الإبداعي، وهي:
( وضع التلاميذ في وضعية تمكنهم من إدراك المشكل، والشعور بالحاجة إلى الإبداع والابتكار.
(تمكين التلميذ من تقديم أكبر قدر من الأفكار والألفاظ. فالفعل الإبداعي يتميز بسيولته الفكرية. أي: إنتاج قدر كبير من الأفكار أو سيولة لفظية. أي: إنتاج قدر من الألفاظ والتسميات.
( مرونة النشاط، حيث يتمكن المتعلم من الانتقال من مجال إلى آخر، والتكيف مع معطيات جديدة.
( أصالة الإنتاج الذي يصدره المتعلم، مثل: الأجوبة غير المألوفة والأفكار الجديدة والخاصة.
( إعادة بناء الأشياء والأفكار في شكل جديد. 157"
علاوة على ذلك، تتميز البيداغوجيا الإبداعية بجعل التلاميذ يواجهون مشكلا يدفعهم إلى الابتكار، مع تقييم المنتجات، واختيار الأفضل منها158.
ومن جهة أخرى، " تستند هذه البيداغوجيا - حسب نموذج جيلفورد- إلى ثلاثة أنماط من التفكير، وهي:
1- التفكير المغاير أو المتشعب، وفيه تنتج أفكار وآراء متعددة ومتنوعة.
2- التفكير التقييمي الذي يمكن من الفحص والاختبار والتجريب.
3- التنفكير المماثل أو المتجمع الذي يتجه فيه التلاميذ إلى الاتفاق حول معطى واحد.
وتتطلب هذه العمليات من المدرس مجموعة من المواقف، مثل: احترام أسئلة التلاميذ، وأفكارهم الأصيلة، وإبراز قيمتها، وفسح الفرصة للعمل الحر، وتجنب إصدار الأحكام. "159
وعليه، يمكن تسويد الجذاذة المقطعية التخطيطية بمجموعة من المجالات الإبداعية، وإرفاقها بأنشطة استكشافية وإبداعية في شكل وضعيات ومشاكل، تستوجب تشغيل الذهن لحلها عبر آليات الإبداع ومناهج الابتكار والتجديد.
المطلب الثاني: تحديث المحتويات وعصرنة المضامين
تستلزم البيداغوجيا الإبداعية، أثناء وضع المقررات والمناهج والبرامج الدراسية، أن تحترم مرحلة الحفظ، ومرحلة التقليد والمحاكاة، ومرحلة التجريب والتجاوز، ومرحلة الإبداع. ومن جهة أخرى، تبنى المقررات على مبدإ القيم والهوية الإسلامية الأصيلة. ويقصد بالقيم مجموعة من الأخلاق والتمثلات السلوكية والمبادئ الثابتة أو المتغيرة التي ترتبط بشخصية الإنسان إيجابا أو سلبا. وبالتالي، تحدد كينونته، وطبيعته، وهويته، انطلاقا من مجموع تصرفاته الأدائية والوجدانية والعملية. ومن المعلوم أن كلمة القيم من الناحية الصرفية جمع قيمة. ومن ثم، تحيل كلمة القيمة على مكانة الإنسان التي يتبوأها بين الناس، وشأنه في المجتمع. كما ترتبط هذه القيمة حكما وتقييما بالأفعال البشرية والتصرفات الإنسانية بشكل ذاتي وموضوعي.
هذا، وتتخذ القيم أبعادا جمالية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، ودينية، وفلسفية. ويعلم كل منا أن الكتب السماوية قد صورت القيم في كل تجلياتها المتناقضة. وقد حثت الإنسان على التمثل بالقيم الفضلى، والالتزام بالأخلاق السامية العليا من أجل الفوز بالجنة، والابتعاد عن النار. وفي المقابل، نهته عن الإتيان بالقيم الأخلاقية المشينة المنافية لمبادئ الكتب السماوية، والمتعارضة مع شرائعها الربانية.
ويكون تجديد المضامين واستحداثها، في ضوء الفلسفة الإبداعية، يإدراج ما هو جديد وعصري، مع الحفاظ على ما هو هوياتي وأصيل من القيم والأفكار والتصورات.
المطلب الثالث: تحديث الوسائل الديدكتيكية
تستلزم البيداغوجيا الإبداعية أن نسترشد بالوسائل الديدكتيكية المعاصرة، مثل: الاستعانة بالخطاطات الشكلية والرقمية، وتنويع الملفوظ البياني شرحا وتفسيرا وتأويلا، واستخدام البرهان والحجاج العقلاني للإقناع والتأثير، مع التوسل بكل ماهو روحاني في التعامل مع ماهو ديني وشرعي إيماني، وتطبيق أدوات الإعلاميات والحوسبة، والاستفادة من الصورة الأيقونية والبصرية والأفلام والأقراص الرقمية. وفي الوقت نفسه، نسترشد بآليات الدرس التربوي عند علمائنا المسلمين القدامى، مثل: الإمام الغزالي، وابن خلدون، وابن سحنون، والقابسي، والسمعاني، وابن طفيل، وابن الهيثم. . . كأن نتمثل الحفظ الذي يقوي الذاكرة، ووينميه إدراكيا، ويعمق الذكاء الدماغي والعصبي. وبعد ذلك، ننتقل إلى آليات الحوار والنقد والمناقشة، وغربلة الأفكار بشكل علمي وموضوعي، مع الانطلاق من الشك المنهجي نحو اليقين العلمي، كما يرى كل من ابن الهيثم، والإمام الغزالي، وابن خلدون، وعلماء الجرح والتعديل. . .
المطلب الرابع: تمثل الطرائق الإبداعية
تستلزم البيداغوجيا الإبداعية تجديد الطرائق البيداغوجية والوسائل الديدكتيكية لمسايرة التطور البيداغوجي، ومتطلبات سوق الشغل، والتطور العلمي والتكنولوجي. وهنا، لابد من الاستفادة من كل الوسائل الإعلامية المتاحة راهنا في الساحة الثقافية والعلمية والتواصلية، وتتبع كل الوسائل الجديدة لتجريبها قصد تحقيق الحداثة الحقيقية، والمساهمة في إثراء المنظومة التربوية المغربية والعربية على حد سواء، كأن نستعين بالسبورة الرقمية، وتوظيف التكنولوجيا المعاصرة، واستخدام الحاسوب في التدريس والتعلم. . .
ولايمكن كذلك لهذه العملية أن تنجح إلا إذا وفرنا للأستاذ فضاء بيداغوجيا ملائما وصالحا، كمدرسة التنشيط، ومدرسة الحياة، ومجتمع الشراكة، ومؤسسة المشاريع، وإصلاح الإدارة ودمقرطتها، وإصلاح المجتمع كله، وتحسين الوضعية الاجتماعية للمدرس، وتحفيزه ماديا ومعنويا، والسهر على تكوينه بطريقة مستمرة، وتحسين وسائل التقويم والمراقبة على أسس بيداغوجيا إبداعية كفائية متنوعة المراحل، وتكوين أطر هيئة التفتيش ليقوموا بأدوارهم المنوطة بهم التي تتمثل في تأطير المدرسين المبدعين، وإرشادهم إلى ماهو أحدث وأكفى وأجود. ولايمكن أن ينجح المدرس في عمليته التعليمية - التعلمية إلا إذا سن سياسة الانفتاح والتعاون والحوار، مع العمل في إطار فريق تربوي، يهتم دائما بالبحث العلمي والإنتاج الثقافي لإغناء عدته المعرفية والمنهجية والتواصلية لصالح المتعلم والمدرسة المغربية. 160
لذا، فمن الضروري أن تخضع الطرائق البيداغوجية لتجديد جذري، يكون الهدف من وراء ذلك هو تحقيق الجودة الكمية والكيفية، وتأهيل الناشئة المغربية بطريقة كفائية لكي تتحمل بنفسها تسيير دواليب الاقتصاد المغربي تسييرا حسنا، وتدبير المقاولات تدبيرا أفضل ليتلاءم تحكمها المنهجي في آليات الإدارة والتشغيل انسياقا مع متطلبات سوق العمل، والدخول في المنافسة العالمية التي تزداد حدة مع تطور العولمة، وازدياد احتكاراتها العلمية والتكنولوجية والإعلامية والاقتصادية والثقافية.
ولابد من الانفتاح على الطرائق البيداغوجية الفعالة لتحقيق تربية إبداعية ذات مردودية ناجعة، وتعويد النشء على الديمقراطية؛ ولاسيما أن هذه الطرائق الفعالة من مقومات التربية الحديثة والمعاصرة في الغرب، كما يقول السيد بلوخ( Bloch)، حينما أثبت أن نجاح المدرسة الفعالة: " لازب من أجل بزوغ مجتمع ديمقراطي لايمكن أن يكون كذلك إلا عن طريق منطوق مؤسساته"161.
وقد ظهرت هذه الطرائق الفعالة في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع ماريا مونتيسوري( Maria Montessori )، وجون ديوي(Dewey )، وكلاباريد( Claparide )، وكرشنشتاير( Kerschensteiner)، وفرينيه( Freinet)، وكارل روجرز( Rogers)، ومكارنكو( Makarenko)، وأوليفييه ريبول( Reboul)، وفيريير( Ferrière)، وجان بياجيه( J. Piaget)، . . .
وتعتمد هذه الطرائق الفعالة الحديثة على عدة مبادئ أساسية هي: اللعب، وتعلم الحياة عن طريق الحياة، والتعلم الذاتي، والحرية، والمنفعة العملية، وتفتح الشخصية، والاعتماد على السيكولوجيا الحديثة، والاستهداء بالفكر التعاوني، والتسيير الذاتي، وتطبيق اللاتوجيهية، ودمقرطة التربية والتعليم. . .
هذا، ويؤكد أصحاب الطرائق الفعالة الحديثة، بلغة تكاد تكون واحدة، رفضهم القاطع للنزعة التسلطية والتلقينية مع ضرورة" تدعيم ولادة مجتمع ديمقراطي، مادامت المدرسة التقليدية لاتكون الكيان الشخصي، كما لاتحقق الدمج الاجتماعي، بل تؤدي على العكس في آن واحد إلى تمييع المجتمع، وإلى قيام النزعة الفردية الأنانية. ويضيف أولهم، ونعني كلاباريد أن علاج مثل هذه النقيصة لايكون بأن ندخل على هامش الأمر تربية مدنية غريبة عن أي تربية من هذا الطراز التقليدي. وجميعهم يشيد بالقيادة الذاتية لسبب وحيد هو أنهم يريدون أن يحلوا محل النظم الزجرية التي ييسر الترويض ذيوعها وانتشارها، بأخرى جديدة تشتمل على المشاركة والمسؤولية. وبالتالي، على ما ييسر انطلاق الشعور الغيري.
وأخيرا، إنهم يخشون، في حال غياب التدريب المناسب، أن تنحدر الديمقراطية فتغدو حكم التفاهة والضعة. "162
إذاً، فالطرائق الفعالة والنشيطة التي أفرزتها التربية الحديثة من أهم مقومات ديمقراطية التربية والتعليم، ومن أسس البيداغوجيا الإبداعية الحقيقية.
المطلب الخامس: تقويم إبداعي جديد
يمكن الحديث عن أنواع جديدة من التقويم في البيداغوجيا الإبداعية، ويمكن حصرها فيما يلي:
( تقويم الذاكرة: ينصب هذا التقويم الأولي على الحفظ، ولاسيما حفظ القرآن الكريم، والمتون الدينية والأشعار الأدبية والنظريات الرياضية والفيزيائية والعلمية والتقنية. فالحفظ ضروري في المدرسة الإبداعية؛ لأنه أس النجاح والإبداع والابتكار. ونحن ندافع عن تأصيل التربية والتعليم مغربيا وعربيا، وعدم الاكتفاء بالتقليد والتجريب فقط، بل لابد من التأسيس التأصيلي لنظامنا التربوي الخاص بنا.
( تقويم المحاكاة: ويتم ذلك بالتأكد من مدى نجاح المتعلم في محاكاة النماذج الأدبية أو الفنية أو العلمية أو التقنية؛ لأن المحاكاة طريقة من طرائق الابتكار استعدادا للانتقال إلى التجريب والإبداع؛
(التقويم التجريبي: يعمد هذا التقويم إلى رصد ما يتم تقديمه تجريبيا على المستويات: الأدبية، والفنية، والفلسفية، والعلمية، والإعلامية، والتقنية. . . ، وتقييمه في ضوء الأسس العلمية الموضوعية، ومقاييس المهارة والجودة والحذق والكياسة؛
( التقويم الإبداعي: يستند هذا التقويم إلى وضعيات الإبداع، ويطالب المتعلم بإبداع شخصي ذاتي في مجالات عدة: أدبية، وفنية، وعلمية، وتقنية. . .
ويرتكن هذا التقويم إلى محكات الجودة والمعايير الدولية في تقويم التعلمات البيداغوجية والديدكتيكية، ويكون التقدير كميا ونوعيا أو عدديا وحكميا.
المطلب السادس: الأخذ بفلسفة التنشيط
من المعروف أن التنشيط تقنية حركية إيجابية وديناميكية، تساهم في إخراج المتعلم من حالة السكون السلبية نحو حالة الفعل الإيجابي، بالمساهمة والإبداع والابتكار والخلق، وإنجاز التصورات النظرية، وتفعيلها في الواقع الميداني ليستفيد منها الآخرون.
فكم هي الأنشطة العديدة في مجال التربية والتعليم، لأن المؤسسة التربوية بمثابة مجتمع مصغر! فجميع القضايا والمواضيع التي تؤرق المجتمع، يمكن أن تؤرق المدرسة الإبداعية، مادامت هذه المؤسسة موجودة في حضن المجتمع المكبر. لذا، تعمل هذه المدرسة على إدماج المتعلمين في المجتمع الإبداعي ليكونوا مواطنين صالحين، ويصبحوا طاقات فاعلة نافعة للوطن والأمة على حد سواء.
ومن أهم الأنشطة التي يمكن أن يقوم بها الفضاء التربوي الإبداعي، يمكن الحديث عن النشاط التربوي، والنشاط الفني، والنشاط الأدبي، والنشاط العلمي، والنشاط الثقافي، والنشاط الإيكولوجي (البيئي)، والنشاط الاجتماعي، والنشاط الاقتصادي، والنشاط الديني، والنشاط الخيري، والنشاط السياسي، والنشاط الإعلامي، والنشاط المدني، والنشاط الرياضي، والنشاط السياحي. . . .
وعليه، فللتنشيط أهمية كبرى في مجال التربية والتعليم؛ لكونه يرفع من المردودية الثقافية والتحصيلية لدى المتمدرس، ويساهم في الحد من السلوكيات العدوانية، مع القضاء على التصرفات الشائنة لدى المتعلمين، كما يقلل من هيمنة بيداغوجيا الإلقاء والتلقين، ويعمل على خلق روح الإبداع، والميل نحو المشاركة الجماعية، والاشتغال في فريق تربوي.
ويمكن إخراج المؤسسة التعليمية، عبر عملية التنشيط الفردي والجماعي، من طابعها العسكري الجامد القاتم القائم على الانضباط والالتزام والتأديب والعقاب، إلى مؤسسة بيداغوجية إيجابية فعالة صالحة ومواطنة، يحس فيها التلاميذ والمدرسون بالسعادة والطمأنينة والمودة والمحبة، ويسهم الكل فيها بشكل جماعي في بنائها ذهنيا ووجدانيا وحركيا، بخلق الأنشطة الأدبية والفنية والعلمية والتقنية والرياضية، يندمج فيها التلاميذ والأساتذة ورجال الإدارة وجمعيات الآباء ومجلس التدبير والمجتمع المدني.
ومن الضروري أن ُتعوض طرائق الإلقاء والتلقين والتوجيه، في فلسفة التنشيط الجديد، وفي تصورات البيداغوجيا الإبداعية، بطرائق بيداغوجية حيوية معاصرة فعالة، تقوم على الفكر التعاوني، وتفعيل ديناميكية الجماعات، واعتماد التواصل الفعال المنتج، وتطبيق اللاتوجيهية، وتمثل البيداغوجيا المؤسساتية من أجل تحرير المتعلمين من شرنقة التموضع السلبي، والاستلاب المدمر، وقيود بيروقراطية القسم، وتخليصهم من أوامر المدرس المستبد، وتعويض ذلك كله بالمشاركة الديمقراطية القائمة على التنشيط والابتكار والإبداع، بتشييد الدولة للمختبرات العلمية، وإنشاء المحترفات الأدبية، وتجهيز الورشات الفنية، وإيجاد المقاولات التقنية، وخلق الأندية الرياضية داخل كل مؤسسة تعليمية على حدة. ويمكن للمؤسسة أن تقوم بذلك اعتمادا على نفقاتها ومواردها الذاتية في حالة تطبيق قانون سي?ما( Sigma) الذي ينص عليه الميثاق الوطني المغربي للتربية والتكوين في المادة( 149 )، ضمن المجال الخامس المتعلق بالتسيير والتدبير.
و من المعلوم أن للتنشيط التربوي مجموعة من الأهداف العامة والخاصة يمكن تسطيرها في النقط التالية:
? يساهم التنشيط التعليمي في تثقيف المتعلمين، وتأطيرهم معرفيا ووجدانيا وحركيا؛
? تهذيب الناشئة وتخليقها لتكون في مستوى المسؤولية وأهلية المشاركة والتدبير؛
? الانتقال من بيداغوجيا المدرس إلى بيداغوجيا المتعلم؛
? تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها؛
? إدخال الحيوية والديناميكية على الفعل التربوي والسلوك التعليمي؛
? إخضاع الإيقاع المدرسي لمتطلبات التنشيط وشروطه الإيجابية؛
? الاهتمام بميول المتعلم السيكوبيداغوجية، والحد من تصرفاته العابثة، واستيعاب تمرده النفسي والاجتماعي، بإشراكه في بناء المؤسسة التربوية عن طريق خلق مشاريع إبداعية؛
? القضاء على الروتين القاتل، والثبات المدرسي عبر عمليات التنشيط الثقافي والأدبي والفني والعلمي والرياضي؛
? تطبيق فلسفة البيداغوجية الإبداعية ومبادئها الإنتاجية في التعليم المغربي؛
? خلق مؤسسات تربوية نظرية وتطبيقية، بإيجاد مرافق تنشيطية، كالمحترف الأدبي والفني وقاعات الرياضة ومختبرات العلوم والتكنولوجيا؛
? إيجاد منشطين مؤهلين أكفاء ليقوموا بعمليات التنشيط والتكوين والتأطير داخل المؤسسات التربوية التعليمية.
هذا، وإذا تأملنا فعل التنشيط في إطار الفضاء التربوي الإبداعي، فهو يقوم على عدة مرتكزات نظرية وتطبيقية، ثم يستند إلى مجموعة من المفاهيم الإجرائية التي لابد من الاعتماد عليها، وتمثلها أثناء حصص التنشيط. وهذه المرتكزات هي على الشكل التالي:
? الإيمان بفلسفة الإبداع والاختراع والابتكار؛
? الاتصاف بالمواطنة الصالحة؛
? تمثل البعد الإقليمي والجهوي والوطني والقومي والعالمي؛
? الانطلاق من التصور الإنساني؛
? الاشتغال في فريق جماعي؛
? الأخذ بالفلسفة التشاركية؛
? الاهتداء بالفكر الديمقراطي المبني على التعاون والاستشارة والتسامح واحترام الآخر؛
? ربط النظري بالتطبيقي؛
? الارتكاز على الجوانب المعرفية والوجدانية والحركية في الشخصية الإنسانية؛
? التسلح بالمعطيات السيكواجتماعية في عمليات التنشيط؛
? خلق مؤسسات تربوية ديناميكية؛
? تفعيل بنود الحياة المدرسية وتطبيقها ميدانيا؛
? خلق أجواء التباري والتنافس والتفوق والريادة والتميز في مجال التعليم؛
? ربط المدرسة بالكفاءة والخبرة والجودة الكمية والكيفية؛
? تحويل المدرسة من ثكنة عسكرية إلزامية إلى مدرسة الالتزام والمواطنة الحقة والحياة السعيدة.


ومن هنا، يرتكز الفضاء التربوي الإبداعي على تنفيذ مجموعة من الأنشطة التربوية الهادفة والممتعة التي نذكر منها:
الفرع الأول: النشاط الثقافي
يتمثل هذا النشاط في العناية بخزانة الفصل أو مكتبة النيابة، والاهتمام أيضا بنادي الكتاب، والسهر على إنشاء المجلات الحائطية والمدرسية، وتكوين متحف على صعيد الفصل والمدرسة والنيابة، والمساهمة في البحوث العلمية والدراسية، والمشاركة في عمليات التراسل الداخلي والخارجي، والعناية بالمطبعة، واستخدامها أحسن استخدام في المجال الثقافي، والمشاركة في النوادي الرقمية، والقيام بخرجات سياحية ورحلات ترفيهية هادفة، والعمل على استمرار المسابقات الثقافية بين الفصول الدراسية، أو بين المؤسسات التعليمية فيما بينها محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا ودوليا، وتشجيع المدرسين على عرض مؤلفاتهم وكتبهم الإبداعية والنقدية والبحثية، وخلق مسابقات للمدرسين في المجال الثقافي، وتكريم المتفوقين والمتميزين منهم، وطبع مؤلفاتهم وكتبهم وأبحاثهم ودراساتهم. . .
الفرع الثاني: النشاط الاجتماعي
يعنى هذا النشاط بتأسيس التعاونيات المدرسية، والاحتفال بالأعياد الوطنية والدولية، والعمل على خلق شراكات داخلية وخارجية، وإنشاء مشاريع المؤسسة الهادفة التي تعمل على توفير الظروف الاجتماعية الحسنة للمتعلمين، وتقديم المساعدات المادية والمعنوية للتلاميذ المرضى والمعوزين، وتشجيع تبادل الزيارات بين التلاميذ، وتوفير الكتب المدرسية والبدلات والأدوات المدرسية والمحافظ والمنح ووسائل النقل والمأوى للمستفيدين من الطبقة الاجتماعية الفقيرة والمعوزة، وتزويد هؤلاء المتعلمين المحتاجين بالنظارات وغيرها من الأجهزة التقويمية. علاوة على إشراك التلاميذ في الحفلات المدرسية التي تقام حسب المناسبات التربوية والدينية والوطنية والعالمية.
الفرع الثالث: النشاط الفني
يسعى النشاط الفني إلى إكساب المتعلمين مهارات كفائية نظرية وتطبيقية في مجال الفنون الجميلة، كالأدب، والمسرح، والسينما، والرقص، والنقد الفني، والعناية بالموسيقا والأناشيد، والاهتمام بالتنشيط المسرحي عن طريق تأطير التلاميذ والمدرسين في مجال صنع الكراكيز، والتنشيط بواسطة الدمى المتحركة، وتقديم دروس نظرية وتطبيقية في مجال المسرح القرائي والمسرح المدرسي، والعناية بمعارض الرسم والتشكيل والنحت والصور الفوتوغرافية الثابتة، وجمع الطوابع البريدية، وعرض النقود في سياقاتها السيميائية والتاريخية.
الفرع الرابع: المعامل التربوية
ينبغي للمدرسة الإبداعية أن تعمل على خلق فضاءات للبستنة والتشجير، مع تقديم دروس تكوينية وتحسيسية للمحافظة على البيئة، ومساعدة المتعلمين على كيفية إنشاء جريدة أو مجلة باستغلال معطيات الكمبيوتر، والاستفادة من تقنيات الطباعة، ودفع التلاميذ للاهتمام بتسفير الكتب، وتجويد الخط، والتدريب على التجسيم بالورقيات، وصنع الدمى والكراكيز، والكتابة على الزجاج والخشب والثوب، وتحفيزهم على الأعمال اليدوية فيما يخص أعمال الجبص، وصنع الديكور، والاهتمام بالتلحيم، وإصلاح الكهرباء. . .
الفرع الخامس: النشاط الرياضي
يهدف هذا النشاط إلى مساعدة التلاميذ على ممارسة الرياضة المدرسية بكل أنواعها، ولاسيما تلك الرياضات التي تناسب أعمار التلاميذ، وخصوصياتهم العقلية والصحية والنفسية، وتراعي بيئاتهم الاجتماعية والأخلاقية والدينية، مع تنظيم المسابقات والمنافسات الرياضية بين الفصول والمدارس إقليميا وجهويا ووطنيا ودوليا.
الفرع السادس: النشاط البيئي
يسعى هذا النشاط إلى دفع المتعلمين والمعلمين معا للاهتمام بالبيئة التي تحيط بنا، سواء أكانت بيئة برية أم بحرية أم جوية، بتنظيم دورات تكوينية وتحسيسية في شكل نصائح وتوجيهات وإرشادات علمية وأخلاقية. وكذلك من خلال عمليات التشجير والتنظيف، والحفاظ على النباتات، والعناية بالأشجار والحدائق والمنتزهات، والسهر على تنقية الساحات المدرسية، والعناية بمجالها الأخضر، والقيام بزيارات إلى الشواطئ الملوثة القريبة من المدينة لتوعية التلاميذ بخطورة الموقف، وشرح أضرار التلوث، وتبيان نتائجه المستقبلية على الحياة البشرية.
الفرع السابع: النشاط الديني
تسعى المدرسة الإبداعية - جادة- لتوعية المتعلمين في المجال الديني، كتعليم ناشئتنا كيفية الصلاة، وأداء الفرائض الواجبة، وشرح طرائق المعاملة الحسنة مع الآخرين، وتحفيزهم على حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وتعليمهم مبادئ التفسير والتأويل، وتجويد القرآن الكريم، والمشاركة في المسابقات المدرسية الإقليمية والجهوية والوطنية والعالمية في مجال الشؤون الدينية. . .
الفرع الثامن: تشجيع الهوايات الفردية والجماعية
ينبغي للمدرسة الإبداعية أن تتحكم في أوقات الفراغ الموجودة عند التلاميذ، وتنظيم ما يسمى أيضا بالوقت الثالث، بتشغيل التلاميذ بالعناية بمجموعة من الهوايات المفيدة التي تعود عليهم بالنفع، كالاهتمام بجمع النقود، والحفاظ على المخطوطات، وتسفير الكتب، وجمع الأحجار الكريمة، وتنظيم سجل النباتات، واستجماع المعادن النفيسة، وعرض الطوابع البريدية، وجمع الصور الفوتوغرافية والإشهارية وعينات من الإنتاجات المحلية والوطنية، والاهتمام بالمصنوعات الدالة على كينونتهم وهويتهم الثقافية. . .
المطلب السابع: النشاطات الموسمية
يحتفل المغرب بصفة خاصة، والعالم بصفة عامة، بمجموعة من المناسبات والأيام والأعياد الدينية والوطنية والدولية. لذا، ينبغي للمدرسة الإبداعية أن تشارك بدورها في هذا الاحتفال، بإشراك المعلمين والمتعلمين في توفير جميع الظروف المناسبة لنجاح عملية الاحتفال، كالمشاركة - مثلا- في ذكرى تأسيس هيئة الأمم المتحدة، والاحتفال بعيد الأم والمرأة، والاحتفال باليوم العالمي لحقوق الطفل، والمشاركة في اليوم العالمي للبيئة، والمساهمة في اليوم العالمي للمحافظة على الثروة الغابوية، والاحتفال باليوم العالمي للامتناع عن التدخين، إلخ. . .
المطلب الثامن: تحويل المدرسة إلى مركبات تربوية
إذا كانت المقاربة الصراعية لاترى في المدرسة سوى فضاء للتطاحنات الإيديولوجية والطبقية، وفضاء للتفاوت الاجتماعي والثقافي واللغوي والاقتصادي. فقد ترتب منطقيا واستنتاجيا على هذا كله أن أدى الواقع المنهار بالمدرسة التربوية إلى الفشل والإفلاس اللازمين، حيث صارت المدرسة عند الكثير من الملاحظين مؤسسة الخيبة والمأساة والصراع الجدلي والتناقضات الصارخة. بيد أن هناك من يعارض هذا الطرح الصراعي، فيعتبر المقاربة الصراعية ذات أبعاد سياسية وحزبية ضيقة، تنطلق من تصورات ماركسية أو هيجيلية أو منطلقات ?يبيرية أو ألتوسيرية. ومن ثم، تفتقد هذه التصورات خاصية الموضوعية، والحياد، والتحليل العلمي المنطقي، ومصداقية التحليل المعقلن.
وعليه، فليس من الضروري أن تكون المدرسة فضاء للصراع والتطاحن العرقي واللغوي والثقافي وانعدام تكافؤ الفرص، بل يمكن أن تكون مدرسة ديمقراطية، وفضاء للحرية والإبداع والابتكار، ومكانا لإذابة الفوارق الاجتماعية، وتعايش الطبقات، وتوحيد الرؤى والتطلعات بين المتعلمين. ومن ثم، على المؤسسة التربوية أن تذيب كل الخلافات الموجودة بين التلاميذ على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي واللغوي، وتحرير المتعلمين المنحدرين من الفئة الدنيا من عقدهم الطبقية الشعورية واللاشعورية، وتخليصهم من مركب النقص عن طريق تنفيذ المشاريع المؤسساتية، وتقديم الأنشطة لإمتاع التلاميذ وتسليتهم وترفيههم، وتكوينهم تكوينا ذاتيا يمحي كل الفوارق التي يمكن أن توجد بين المتمدرسين داخل المدرسة الواحدة. ومن أهم الوظائف الأساسية للمدرسة" إيجاد حالة من التوازن بين عناصر البيئة الاجتماعية، وذلك بأن تمنح المدرسة لكل فرد الفرصة لتحريره من قيود طبقته الاجتماعية التي ولد فيها، وأن يكون أكثر اتصالا وتفاعلا مع بيئته الاجتماعية والمذاهب الدينية. ". 163
و لابد أن تساهم المدرسة في خلق علاقات إيجابية مثمرة بين التلاميذ فيما بينهم من جهة، وبين المتعلمين وأطر التربية والإدارة من جهة أخرى، تكون مبنية على التعاون والأخوة والتسامح والتواصل والتآلف والمشاركة الوجدانية والتكامل الإدراكي، ونبذ كل علاقة قائمة على الصراع الجدلي والعدوان والكراهية والإقصاء والتهميش والتنافر والكراهية والتغريب والجمود والتطرف والإرهاب.
ولابد للمدرسة من الاحتكام إلى منطق المساواة، وتوفير العدالة والعمل على تحقيق تكافؤ الفرص، ودمقرطة التعليم من أجل تكوين مواطن صالح ينفع وطنه وأمته، ويحافظ على ثوابت المجتمع، ويعمل جاهدا من أجل تحديث البلد، وتغييره إيجابيا، والرفع من مستواه التنموي، والسير به نحو آفاق أرحب من الازدهار والرفاهية.
ومن ناحية أخرى، ينبغي أن ترتبط البنية المعمارية للمؤسسة الإبداعية بمدرسة المستقبل، فيجب أن يراعى فيها، تصميما وإنجازا وتجهيزات، مواصفات الجودة ومقوماتها الوظيفية والتنوع، والانفتاح على خصوصيات وحاجات وأنشطة محيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. . . حيث يتجاوز النظر إلى وظائفها مجرد اعتبارها فضاء للتعليم والتعلم، وإنما فضاء مفتوحا لاحتضان أنشطة وتظاهرات اجتماعية واقتصادية وثقافية من خارجها(أنشطة مؤسسات المجتمع المدني، جمعيات، وجماعات محلية ومؤسسات ثقافية. . . إلخ)، ولن يتحقق ذلك لهذه المدرسة إلا إذا تم تأسيسها في إطار تخطيط تربوي تشاركي متكامل، وبناء على خريطة مدرسية مندمجة قائمة على معايير علمية وتربوية واجتماعية عقلانية، وعلى اختيارات سياسية واضحة الأهداف والمصالح والرهانات والتوجهات. . "164
وعليه، تعتمد المدرسة الإبداعية، في تحقيق نجاعتها ومردوديتها الإنتاجية، على المركبات التربوية المتكاملة المتميزة بفضاءاتها الجذابة، والتي تضم مجموعة من الورشات والمحترفات والمختبرات والمعامل والقاعات النظرية والتطبيقية.
المطلب التاسع: خلق شعب جديدة
تستلزم البيداغوجيا الإبداعية إضافة شعب أخرى في التعليم الثانوي، كأن تكون هناك شعبة أدبية، وشعبة فنية، وشعبة علمية، وشعبة تقنية، وشعبة اقتصادية، وشعبة التربية البدنية، وشعبة اللغات، وشعبة الفلسفة، وشعبة الإعلاميات، وشعبة الفلسفة، في إطار تعليم مندمج ومتكامل عموديا وأفقيا ومنهاجيا. علاوة على ذلك، تدرس جميع المواد ضمن شعبة معينة في ضوء المواد المندمجة، ويتم التركيز كثيرا على الإبداع والإنتاج والابتكار والتجريب والمران والاستكشاف والتعلم الذاتي.
المطلب العاشر: الإدارة المبدعة
تستوجب البيداغوجيا الإبداعية أن تكون الإدارة مبدعة بكل طاقمها التسييري، فلابد أن تتمثل الإدارة التربوية آليات التدبير والتخطيط العقلانيين، باعتماد المقاربة التشاركية، واللامركزية، والاستقلالية، والتسيير الذاتي، وتأهيل الموارد البشرية، وتدبير الموارد المالية، والانفتاح على محيطها المحلي والوطني والعالمي. . . إلخ. وينضاف إلى ذلك ضرورة تحديث الإدارة شكلا ومضمونا، وعصرنتها بالمعلوميات والحواسيب وأساليب الإدارة المعاصرة.
هذا، ويستند العمل الإداري المبدع، تدبيرا وتسييرا وتوجيها وتنظيما، إلى مجموعة من المقاربات، والتي يمكن حصرها في مايلي:
الفرع الأول: المقاربة التشاركية
تنبني المقاربة التشاركية على الحوار البناء، والديمقراطية العادلة، والجدال الهادف، وإشراك جميع المتعلمين والمؤطرين والمثقفين والمجتمع المدني في التفكير بجدية في إرساء مجتمع تربوي ناجح، يساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المثلى. كما تعمل الإدارة على تعويد جميع أطراف الفضاء التربوي على الفعل التشاركي البناء، بتنفيذ مجموعة من الأنشطة وتطبيقها بغية اكتساب مهارات معرفية وتقنية وأدائية لتحسين مستواهم التعليمي - التعلمي.
الفرع الثاني: المقاربة الإبداعية
ترتكز هذه المقاربة على الإبداع والابتكار والإنتاج، وتطوير التعليم وتجديده، وتحفيز المتعلمين على العطاء والمردودية، ومساعدتهم على التخييل والتنفيذ والاختراع والاكتشاف، وتنفيذ الإنجازات الهامة التي هي في صالح المدرسة المغربية.
الفرع الثالث: المقاربة الديمقراطية
تهدف المقاربة الديمقراطية إلى تعويد المنخرطين داخل المؤسسة الإبداعية على فعل التصويت المشروع، والانتخاب الديمقراطي القائم على الكفاءة، واحترام رأي الأغلبية، وعدم احتكار السلطة، وتمثل مبدإ الإنصات والحوار، واحترام الآخر، ونبذ التطرف والكراهية والإقصاء، وتفادي الجدال العقيم المبني على التعصب والتوتر والتشنج.
الفرع الرابع: المقاربة الحقوقية
تسعى هذه المقاربة إلى احترام المتعلمين والمعلمين لبعضهم البعض، على أساس القيم العادلة والمساواة الحقيقية، وخلق أجواء الاحترام المتبادل، ونبذ الخلاف والانشقاق، ومراعاة العمل التعاوني التشاركي، وزرع المواطنة الحقة في نفوس الناشئة، واحترام الحريات الخاصة والعامة، وصيانة حقوق الإنسان.
الفرع الخامس: المقاربة التعاقدية
تنبني هذه المقاربة على احترام العقود؛ لأن العقد شريعة المتعاقدين. ويعني هذا أن المتعلمين والمعلمين داخل مؤسسة الإبداع عليهم أن يحترموا العقود والمواثيق في تنفيذ الأنشطة، واحترام الوقت المخصص لذلك. وترتكز هذه المقاربة أيضا على تحديد مجموعة من الأهداف العامة والخاصة، واختيار وسائل العمل الناجعة، وتبيان عمليات التنفيذ والممارسة والإنجاز، وانتقاء فضاءات العمل التشاركي، والانطلاق من التقويم الإيجابي الهادف والبناء، وتوزيع المسؤوليات والمهام والأدوار بشكل ديمقراطي عادل.


الفرع السادس: مقاربة الجنس
تعمل هذه المقاربة على الوقوف بصرامة وحكمة ضد كل أشكال التمييز الجنسي والعنصري واللوني، بخلق أجواء العمل التشاركي الهادف والبناء، مع إذابة كل الفوارق الاجتماعية والطبقية الموجودة في المجتمع داخل وحدة المدرسة الإبداعية، ومواجهة جميع الأحكام الهدامة والمسبقة في حق جنس معين، مع التكيف الإيجابي مع العادات والتقاليد والموروثات القيمية التي تحد من الانفتاح على مؤسسة الإبداع، وتمنع من الإقبال عليها.
الفرع السابع: مقاربة التدبير بالنتائج
تستند هذه المقاربة إلى تحديد المدخلات والأهداف والكفايات المطلوبة، مع التأشير على النتائج المرجوة، وتحديد السبل الحقيقية للوصول إليها، مع إخضاعها لعمليات التقويم والفيدباك والمعالجة والتصحيح الإبداعي.

وخلاصة القول، تلكم- إذاً- نظرة مختصرة إلى أهم آليات التنزيل الإجرائي للبيداغوجيا الإبداعية في أرض الواقع تخطيطا وتدبيرا وتقويما. ومازالت هذه البيداغوجيا في حاجة ماسة إلى تصورات ونظريات ومقترحات أخرى، على صعيد الممارسة والتطبيق، من أجل تمثلها واقعيا في مدارسنا ومؤسساتنا التربوية والتعليمية. فما أحوجنا كذلك إلى هذه المقاربة الإبداعية الجديدة للرفع من مستوى المنظومة التربوية العربية بصفة عامة، والمنظومة التعليمية المغربية بصفة خاصة، لتتبوآ معا مكانتهما اللتين تستحقانها على الصعيد العالمي !
إذاً، إن البيداغوجيا الإبداعية نظرية تهدف إلى بناء مستقبل تربوي حداثي، يقوم على الخلق والتطوير والإبداع والاكتشاف والخلق، بعد المرور الضروري من مرحلة الحفظ البناء، ومرحلة التقليد والمحاكاة والتدريب من أجل خلق مجتمع متنور كفء وقادر على مواجهة التحديات الموضوعية والواقعية والدولية على جميع الأصعدة والمستويات والقطاعات الإنتاجية. بيد أن هذه النظرية التربوية الإبداعية لا يمكن أن تحقق ثمارها المرجوة إلا في مجتمع العمل، والحريات الخاصة والعامة، والديمقراطية المتخلقة.
و لا يمكن تطبيق هذه البيداغوجيا الجديدة إلا إذا أسسنا مدارس الورشات والمختبرات والمحترفات، وعودنا المتعلم/ المتمدرس على حب الآلة والفن والتجريب العلمي، وتطبيق النظريات، ودربناه أيضا على فعل التنشيط التخيلي والرياضي، وساعدناه على تمثل فلسفة المنافسة والتسابق والاختراع، وفعلنا الفلسفة البراغماتية ذات التوجهات العملية والإنسانية والاستكشافية في الحاضر والمستقبل، وخلقناها دينيا وخلقيا من أجل بناء مجتمع إسلامي مزدهر، يساهم في التنمية العالمية، عن طريق التصنيع، وإنتاج النظريات، واختراع المركبات الآلية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتصنيع الأسلحة المتطورة الحديثة لتأمين وطننا وأمتنا، والدفاع عنها بالنفس والنفيس، ودرء العدوان الخارجي، والحفاظ على كرامتنا وأنفتنا وسيادتنا بدل الإحساس بالذل والضيم الذي نستشعره اليوم؛ بسبب تخلفنا السيئ، وانحطاطنا المتقاعس، وانبطاحنا التاريخي والسياسي والخلقي.








الخاتمة
وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن التعلم هو القدرة على الاكتساب والمران والتدريب، والقدرة على تحصيل المعارف والمعلومات والقيم والمهارات.
وللتعلم علاقة وطيدة بالذكاء، مادام التعلم هو نتاج القدرات الذكائية، ونتاج مجموعة من الملكات الفطرية التي يمتلكها الإنسان. في حين، يعد التعلم نتيجة طبيعية لذلك الذكاء.
وبناء على ما سبق، تختلف نظريات التعلم من مدرسة سيكولوجية إلى أخرى. ومن ثم، تربط المدرسة السلوكية عملية التعلم بثنائية الحافز أو الاستجابة، أو الربط بينهما في إطار ترابطي قائم على تكرار المحاولات، على الرغم من وجود عنصر الخطإ، كما يبدو ذلك جليا عند ثورندايك.
في حين، ترى النظرية الجشطالتية الألمانية أن التعلم يكون بإدراك المجال الكلي بكل جزئياته المتنوعة والمختلفة، بشكل بنيوي نسقي معرفي وذهني.
أما الإبستمولوجيا التكوينية عند جان بياجي، فترى أن التعلم نتيجة التوازن بين الذكاء الوراثي والواقع الموضوعي. أي: ينتج التعلم عن طريق التماثل بين البنيات العقلية والذهنية والذكائية من جهة، والوضعيات الموضوعية من جهة أخرى، بواسطة عمليات التكيف والتأقلم والاستيعاب والتشابه.
بينما ترى المدرسة البنائية الاجتماعية أن التعلم نتاج التحصيل المجتمعي. بمعنى أن المجتمع هو الوسط الذي يكتسب منه الفرد كل تعلماته وخبراته وتجاربه بشكل بنائي نسقي.
و تعد نظرية الملكات عند محمد الدريج نظرية تربوية جديدة وأصيلة بامتياز، تمتح من التراث العربي الإسلامي، وتنفتح على الحداثة الغربية والمستجدات المعاصرة، وترتكن إلى الدين والقيم والأصالة والمعاصرة، وتعتمد على التخطيط المستقبلي، والاندماج المتكامل، والتدبير المعقلن، واستشكشاف الملكات الأساسية والنوعية لدى المتعلم وفق القيم الإسلامية، والاسترشاد بمبادئ العدالة الربانية الحقيقية. ويعني هذا كله أن نظرية الملكات آلية بيداغوجية وديدكتيكية إجرائية وواقعية لتحقيق الجودة والإبداع والابتكار والإتقان.
ومن ثم، ترى هذه النظرية أن التعلم لدى الفرد يتحقق بتفتيق مختلف الملكات والقدرات الذهنية والصناعية لديه عن طريق الممارسة، والصقل، والمران، والتدريب، والحفظ، والاكتساب، والإبداع. . .
ويستند التعلم، في إطار التصور البيداغوجي الإبداعي، إلى ثلاث مراحل أساسية هي: مرحلة التقليد والمحاكاة، ومرحلة التجريب، ومرحلة الإبداع والابتكار. ومن ثم، يقترن التعلم بالإبداع في جميع الميادين والمجالات.
ويعني هذا كله أن التعلم لايقتصر على الحفظ والتقليد والتجريب فحسب، بل لابد من الابتكار والإبداع والاستكشاف والتميز. وبالتالي، يولد الطفل بقدرات وكفاءات وملكات فطرية وعقلية وراثية، تسمح له بالإبداع، والاكتشاف، والتجديد، والتطوير، والتوليد.
أما نظرية الذكاءات المتعددة، فتربط التعلم بتنمية الذكاء الفردي وصقله ووضعه أمام وضعيات متنوعة ومختلفة، تتدرج من السهولة نحو الصعوبة والتعقيد والتركيب. وبالتالي، ليس الذكاء التعلمي واحدا كما يقول جان بياجيه، بل هو ذكاء متعدد ومتنوع الميادين والمجالات.






ثبت المصادر والمراجع
القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
المعاجم:
1-إبراهيم مصطفى، وأحمد حسن الزيات، وحامد عبد القادر، ومحمد النجار: المعجم الوسيط، دار النشر: دار الدعوة، تحقيق: مجمع اللغة العربية.
2- ابن منظور: لسان العرب، الجزء الثالث عشر، دار صبح بيروت، لبنان، وأديسوفت، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.
3- أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.
4- جبور عبد النور وسهيل إدريس: المنهل فرنسي-عربي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة 1986م.
5- الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، الدار التونسية للنشر، تونس، 1971م.
6- عبد الكرم غريب: المنهل التربوي، الجزء الثاني، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.
7- وزارة الثقافة والتربية: معجم علم النفس التربوي، تونس، 1990م.
المصادر العامة:
8- ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الرشاد الحديثة، دار الفكر، د. ت.
9- إخوان الصفا: رسائل إخوان الصفا، دار بيروت، لبنان، 1983م.


المراجع باللغة العربية:
10- أحمد أوزي: سيكولوجية المراهقة، دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 1986م.
11-أحمد أوزي: التعليم والتعلم بمقاربة الذكاءات المتعددة، الشركة المغربية للطباعة والنشر، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة1999م.
12- أحمد أوزي: منهجية البحث وتحليل المضمون، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، سنة 2008م.
13- أحمد عزت راجح: أصول علم النفس، المكتب المصري الحديث، الإسكندرية، مصر، الطبعة الثامنة، 1970م.
14- إبراهيم ناصر: علم الاجتماع التربوي، دار الجيل، بيروت، لبنان؛ مكتبة الرائد العلمية، عمان، الأردن، د. ت.
15- أدونيس: مقدمة للشعر العربي، دار الفكر، بيروت، لبنان، طبعة 1986م.
16- أدونيس: الثابت والمتحول، الجزء الثالث، والجزء الرابع، دار الساقي، بيروت، لبنان، طبعة 2001م.
17- أمحمد عليلوش: التربية والتعليم من أجل التنمية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2007م.
18- بدر محمد العدل: فعالية برنامج قائم على نظرية الذكاءات المتعددة، جامعة المنصورة، مصر، كلية التربية2006م.
19- جان بياجي: التوجهات الجديدة للتربية، ترجمة: محمد الحبيب بلكوش، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغر ب، الطبعة الأولى سنة1998م.
20- جابر عبد الحميد جابر: علم النفس التربوي، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، طبعة 1977م.
21- جابر عبد الحميد جابر: الذكاءات المتعددة والفهم: تنمية وتعميق، دار الفكر العربى للطباعة والنشر2003م.
22- جميل حمداوي: من قضايا التربية والتعليم، سلسلة شرفات، رقم:19، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.
23- حسن حنفي: التراث والتجديد، موقف من التراث القديم، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
24- حمدان ممدوح إبراهيم الشامي: أثر برنامج تعليمي قائم على نظرية الذكاءات المتعددة في تحصيل الرياضيات لدى تلاميذ الحلقة الثانية من التعليم الأساسي المنخفضين تحصيليا، جامعة القاهرة - كلية التربية. 2007.
25- خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي، سلسلة التكوين التربوي، العدد:16، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2001م.
26- خليل ميخائيل معوض: علم النفس الاجتماعي، دار نشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1982م.
27- سالم سليمان حمد الجعافرة: العلاقة بين الذكاءات المتعددة لدى الطلبة المعاقين سمعيا ومتغيرات درجة الإعاقة والجنس والعمر، الجامعة الأردنية، الأردن، الطبعة الأولى سنة 1983م.
28- السيد علي أحمد: نظرية الذكاءات المتعددة وتطبيقاتها في مجالات صعوبات التعلم (رؤية مستقبلية)، جامعة الملك سعود، الرياض، 2005م.
29- عباس الجراري: الثقافة في معترك التغيير، دار النشر المغربية، الدار البيضاء.
30- عبد السلام المسدي: اللسانيات من خلال النصوص، الدار التونسية للنشر، تونس، الطبعة الأولى سنة 1984م.
31- عبد العزيز القوصي: علم النفس: أسسه وتطبيقاته التربوية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، طبعة 1978م.
32- عبد الكريم بلحاج: المدخل إلى علم النفس المعرفي، دار أبي رقراق، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م.
33- عبد الكريم غريب: بيداغوجيا الإدماج، نماذج وأساليب التطبيق والتقييم، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م.
34- عبد الكريم غريب: منهج البحث العلمي في علوم التربية والعلوم الإنسانية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.
35- عبد الله العروي: أزمة المثقفين العرب، تقليدية. . . أم تاريخية، ترجمة د. دوقان قرطوط.
36- عبد المجيد نشواتي، علم النفس التربوي، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، طبعة 1984م.
37- عبد الواحد أولاد الفقيهي: الذكاءات المتعددة: التأسيس العلمي، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2012م.
38- العربي اسليماني ورشيد الخديمي: قضايا تربوية، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2005م.
39- علي زيعور: التحليل النفسي للذات العربية وأنماطها السلوكية والأسطورية، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى1987م.
40- غالي أحرشاو: الطفل بين الأسرة والمدرسة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م.
41- غي آفانزيني: الجمود والتجديد في التربية المدرسية، ترجمة: الدكتور عبد الله عبد الدائم، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1981م.
42- فتحي مصطفى الزيات: الأسس المعرفية للتكوين العقلي وتجهيز المعلومات، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1995م.
43- مارسيل بوستيك: العلاقة التربوية، ترجمة: محمد البشير النحاس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1986م.
44- مبارك ربيع: مخاوف الأطفال، الهلال العربية للطباعة والنشر، طبعة 1991م.
45- مجموعة من المؤلفين: بيداغوجيا الإدماج، ترجمة: لحسن بوتكلاي، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 2009م.
46- محمد أمزيان: التربية المدرسية: من بيداغوجيا الأهداف إلى بيداغوجيا المعرفة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1999م.
47- محمد أمزيان: الذكاءات المتعددة وتطوير الكفايات، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2004م.
48- محمد خطابي: لسانيات النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1991م.
49- محمد الدريج: تحليل العملية التعليمية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1983م.
50- محمد أمزيان: التربية المدرسية: من بيداغوجيا الأهداف إلى بيداغوجيا المعرفة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1999 م.
51- محمد عبد الهادي حسين: الذكاءات المتعددة: أنواع العقول البشرية، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع، 2000م.
52- محمد عبد الهادي حسين: مدرسة الذكاءات المتعددة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع 2005 م.
53- محمد عبد الهادي حسين: الاكتشاف المبكر لقدرات الذكاءات المتعددة بمرحلة الطفولة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع2005م.
54- محمد عبد الهادي حسين: مدخل إلى نظرية الذكاءات المتعددة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزي، الطبعة الأولى 2008م.
55- محمد عبد الهادي حسين: الذكاءات المتعددة وتنمية الموهبة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع 2006م.
565- محمد عبد الهادي حسين: ديناميكية التكيف العصبي وقوة الذكاءات المتعددة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع 2008.
57- محمد عبد الهادي حسين: التفكير الإبداعي في ضوء نظرية الذكاء المتعلم، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع2008م.
58- محمد عبد الهادي حسين: دليلك العملي إلى قوة سيناريوهات دروس الذكاءات المتعددة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع. 2008.
59- محمد عبد الهادي حسين: إيقاظ العبقرية داخل فصولنا الدراسية، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع. 2008.
60- محمد عبد الهادي حسين: الذكاءات المتعددة: مراجعات وامتحانات، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع. 2008.
61- محمد عبد الهادي حسين: مبادرة الذكاءات المتعددة ومجتمع التعلم الذكى، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع، 2008م.
62- محمد لبيب النجيحي: مقدمة في فلسفة التربية، دار النهضة العربي للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة1992م.
63- محمد ياسر الخواجة وحسين الدريني: المعجم الموجز في علم الاجتماع، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 2011م.
64- مصطفى سويف: الأسس النفسية للإبداع الفني، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1951م.
65- هيجل:مدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة سنة1988م.
66- وسيلة خزار: الإيدولوجيا وعلم الاجتماع، جدلية الانفصال والاتصال، منتدى المعارف، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2013م.
67- وليد محمد أبو المعاطي:الذكاء المعرفي والانفعالي والاجتماعي وأساليب التعلم، جامعة المنصورة كلية التربية2005م.

المراجع الأجنبية:
68-A. Lieury: La mémoire, résultats et théories, Dessart et Mardeg ?diteurs, Bruxelles 1975.
69- Anderson, J. R. Language, memory, and thougt. Hillsdale, NJ: Erlbaum, 1976.
70- Astolfi, j, p: (Placer les élèves en situation – problème ?), Dans Probio revue, 16, 4, Bruxelles: Association des professeurs de biologie (ASBL),1993.
71-AZNAR G. , « Préciser le sens du mot “créativité”, Synergies Europe, n° 4, 2009.
72- Baddeley, A. Human memory: Theory and practice. Boston: Allyn and Bacon, 1990.
73-BANDURA A. , Auto-efficacité. Le sentiment d’efficacité personnelle (P. Lecomte, trad. ) (2e éd. ), Bruxelles, De Boeck, 2007 (original publié en 1997).
74- BERTRAND, Y. Théories contemporaines de l'éducation, Paris, Editions Nouvelles, Chronique Sociale. 1998.
75-Bruce Campbell, les intelligences multiples: Guide pratique, traduit par: Danièle Bellchumeur, Chenelière, Montréal, 1999.
76- BRUNER J. L'éducation, entrée dans la culture: les problèmes de l'école à la lumière de la psychologie culturelle, Paris, éd. Retz. 1996.
77- Chaudet, J. , & Pellegrin, L. Intelligence artificielle et psychologie cognitive. Paris: Dunod,1998.
78- Claude Bernard: Introduction à l’étude de la méthode expérimentale, Flammarion, 1984.
79-CRAFT A. , Creativity in schools. Tensions and dilemmas, New York, Routledge, 2005.
80-Delorme, A. Psychologie de la perception. ?tudes vivantes. 1982.
81- Denis Fisette: La phénoménologie face aux sciences cognitives, Dossier sur la phénoménologie, magazine littéraire N°403, novembre 2001.
82- Ehrlich, M. F. Mémoire et compréhension du langage. Lille: Presse Universitaire de Lille. 1994.
83- ?mile Durkheim, ?ducation et sociologie, 1922. PUF, nouv. éd. 1966.
84-?mile Durkheim, L'éducation morale, 1902-1903, PUF, nouv. éd. 1963.
85-F. J. Varela: Connaître. Les sciences cognitives, tendances et perspectives, Editions du Seuil, Paris 1989.
86-Flavell, J. H. Metacognition and cognitive monitoring. American Psychologist, 34, 906-911,1979.
87-Gaonac’h D. et Larigauderie, P. Mémoire et fonctionnement cognitif. Paris: A. Collin. 2000.
88-Gardner, H. Histoire de la révolution cognitive. Paris: Payot. 1993.
89-H. Gardner: The Mind's New Science: A History of the cognitive Revolution, New York, Basic books, 1985.
90-Howard Gardner: Les formes de l’intelligence, ED Odel Jacob, Paris, 1997.
91-Howard Gardner: Les Intelligences multiples, traduit par PH. Evans-Clark, M. Muracciole et N. Weinwurzel, Retz, Paris, 1996.
92-Isabelle Puozzo, « Pédagogie de la créativité: de l’émotion à l’apprentissage », ?ducation et socialisation [En ligne], 33 | 2013, mis en ligne le 01 septembre 2013, consulté le 12 juin 2016. URL: http://edso. revues. org/174.
93- Ivan Illich, Une société sans école, 1971, trad. , Seuil, 1972.

94-J. Mehler: "Quand la science du comportement devient psychologie de la connaissance", La Recherche N°100, mai 1979, Volume 10.
95-Jean-François Camus, « La psychologie cognitive de l'attention », Armand Colin, Paris, 1996.
96-Jean-Luc Roulin (dir. ), Psychologie cognitive, Bréal, Rosny-sous-Bois, 2006.
97-Legrand, M. Du behaviorisme au cognitivisme. L’année psychologique, 90, 2. 1990.
98-Lev Vygotski: Pensée et langage (1934) (traduction de Françoise Sève, avant-propos de Lucien Sève), suivi de « Commentaires sur les remarques critiques de Vygotski » de Jean Piaget, (Collection « Terrains», ?ditions Sociales, Paris, 1985) ; Rééditions: La Dispute, Paris, 1997.
99-LUBART T. , Psychologie de la créativité (2e éd. ), Paris, Armand Colin, 2003.
100-Lucien Goldmann: Sciences humaines et philosophie. Suivi de structuralisme génétique et création littéraire. Paris: Gonthier, 1966.
101-M. Piattelli-Palmarini: Théories du langage, théories de l'apprentissage: Le débat entre J. Piaget et Noam Chomsky, Editions Seuil, 1979.
102-N. Goodman, Faits, fictions et prédictions(1954), tr. de l’anglais (?tats-Unis) par M. Abran, Paris, ?ditions de Minuit, coll. «Propositions», 1985.
103- N. Goodman, Langages de l’art. Une approche de la théorie des symboles(1968), tr. del’anglais (?tats-Unis) et présenté par J. Morizot, Nîmes, ?d. Jacqueline Chambon, Coll. «Rayon Art», 1990.
104-N. Goodman, Manières de faire des mondes(1978), tr. de l’anglais (?tats-Unis) par M. -D. Popelard, Nîmes, ?d. Jacqueline Chambon, coll. «Rayon art», 1992.
105-N. Goodman, Of Mind and other Matters, Cambridge MA: Harvard UP, 1984.
106-Olivier Rey et Annie Feyfant: (VERS UNE ?DUCATION PLUS INNOVANTE ET CR?ATIVE). Dossier d’&ctualité. n70, janvier 2012. http://ife. ens-lyon. fr/vst/DA-Veille/70-janvier-2012. pdf.
107-Ph. Merieu: Les savoirs différents, des élèves différents. Arthaud.
108-Piaget J:La psychologie de l'enfant, Que sais-je? P. U. F, Paris, 1973.
109-Piaget, La naissance de l'intelligence chez l'enfant, Paris, Delachaux et Niestlé, 1936.
110-Piaget, La construction du réel chez l'enfant, Paris, Delachaux et Niestlé, 1937.
111-Reuchlin, « Psychologie », Paris, 1999.
112-Richard, J. -F. L’attention. Paris: PUF. 1980.
113-Schacter D. L. ; Tulving, E. Systèmes de mémoire chez l’animal et chez l’homme. Marseille, Sola. 1996.
114-Schacter, D. L. A la recherche de la mémoire. Bruxelles: De Boeck- Université. 1999.
115-Stanislas Dehaene, Le Code de la Conscience, Odile Jacob, octobre 2014.
116-T. Kuhn: La structure des révolutions scientifiques, traduit par Laure Meyer, Flammarion, Paris, 1970.
117-Thomas Armstrong: les intelligences multiples dans votre classe, traduit de l’américain par: Jean Blaquière, Chenelière, Montréal, 1999.
118-V. et G. Landsheere: Définir les objectifs de l’éducation, Liège et George Thoune 1975.
119-Willem Doise et Gabriel Mugny, Le développement social de l'intelligence, Paris, Inter?ditions, 1981.
120-Willem Doise et Gabriel Mugny, Psychologie sociale et développement cognitif, Paris, Armand Colin, « U », 1997.
121-Willem Doise et Gabriel Mugny, Le développement social de l'intelligence, Paris, Inter?ditions, 1981.


المقالات:
122- عبد الواحد أولاد الفقيهى:(نظرية الذكاءات المتعددة من التأسيس العلمي إلى التوظيف البيداغوجى) مجلة علوم التربية، المغرب، المجلد الثالث، العدد الرابع والعشرون، 2003م.
123- المختار عنقا الإدريسي:( المسرح والتنشيط)، مجلة آفاق تربوية، المغرب، العدد11، 1996م.
124- محمد الدريج: (ماذا بعد بيداغوجيا الإدماج؟ نموذج التدريس بالملكات)، جريدة الأخبار، المغرب، العدد:62، الثلاثاء 29 يناير 2013م.
125- محمد عابد الجابري: (التراث ومشكل المنهج)، المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1986م.
الروابط:
126- محمد الدريج:(التدريس بالملكات: نحو تأسيس نموذج تربوي أصيل في التعليم)، موقع الجامعة الحرة للتعليم، المغرب، http://www. fae. ma/2012-01-27-14-57-43/595-2013-02-04-15-03-08. html
103- https://le-cercle-psy. scienceshumaines. com/domaine/Psychologie_cognitive
127- هاوارد غاردنر: (حوار مع هوارد غاردنر حول الذكاءات المتعددة: من التأسيس العلمي إلى التطبيق البيداغوجي)، ترجمة وتقديم: عبد الواحد أولاد الفقيهي،
http://www. aljabriabed. net/n68_08lafkih. htm

الدلائل والوثائق والتقارير:
128- (الطريق غير المسلوك: إصلاح التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، ملخص تنفيذي، تقرير التنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، البنك الدولي، واشنطن 2007م.
129- وزارة التربية الوطنية: دليل الحياة المدرسية، الرباط، المغرب، غشت 2008م.









السيرة العلمية:

- جميل حمداوي من مواليد مدينة الناظور (المغرب).
- حاصل على دبلوم الدراسات العليا سنة 1996م.
- حاصل على دكتوراه الدولة سنة 2001م.
- حاصل على إجازتين:الأولى في الأدب العربي، والثانية في الشريعة والقانون. ويعد إجازتين في الفلسفة وعلم الاجتماع.
- أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالناظور.
- أستاذ الأدب العربي، ومناهج البحث التربوي، والإحصاء التربوي، وعلوم التربية، والتربية الفنية، والحضارة الأمازيغية، وديدكتيك التعليم الأولي، والحياة المدرسية والتشريع التربوي. . .
-أديب ومبدع وناقد وباحث، يشتغل ضمن رؤية أكاديمية موسوعية.
- حصل على جائزة مؤسسة المثقف العربي (سيدني/أستراليا) لعام 2011م في النقد والدراسات الأدبية.
- حصل على جائزة ناجي النعمان الأدبية سنة2014م.
- عضو الاتحاد العالمي للجامعات والكليات بهولندا.
- رئيس الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا.
- رئيس المهرجان العربي للقصة القصيرة جدا.
- رئيس الهيئة العربية لنقاد القصة القصيرة جدا.
- رئيس الهيئة العربية لنقاد الكتابة الشذرية ومبدعيها.
- رئيس جمعية الجسور للبحث في الثقافة والفنون.
- رئيس مختبر المسرح الأمازيغي.
- عضو الجمعية العربية لنقاد المسرح.
-عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
- عضو اتحاد كتاب العرب.
-عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب.
-عضو اتحاد كتاب المغرب.
- من منظري فن القصة القصيرة جدا وفن الكتابة الشذرية.
- مهتم بالبيداغوجيا والثقافة الأمازيغية.
- ترجمت مقالاته إلى اللغة الفرنسية واللغة الكردية.
- شارك في مهرجانات عربية عدة في كل من: الجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر، والأردن، والسعودية، والبحرين، والعراق، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان. . .
- مستشار في مجموعة من الصحف والمجلات والجرائد والدوريات الوطنية والعربية.
- نشر أكثر من ألف وثلاثين مقال علمي محكم وغير محكم، وعددا كثيرا من المقالات الإلكترونية. وله أكثر من (154) كتاب ورقي، وأكثر من مائتي وعشرين كتاب إلكتروني منشور في موقعي (المثقف) وموقع (الألوكة)، وموقع (أدب فن).
- ومن أهم كتبه: فقه النوازل، ومفهوم الحقيقة في الفكر الإسلامي، ومحطات العمل الديدكتيكي، وتدبير الحياة المدرسية، وبيداغوجيا الأخطاء، ونحو تقويم تربوي جديد، والشذرات بين النظرية والتطبيق، والقصة القصيرة جدا بين التنظير والتطبيق، والرواية التاريخية، تصورات تربوية جديدة، والإسلام بين الحداثة وما بعد الحداثة، ومجزءات التكوين، ومن سيميوطيقا الذات إلى سيميوطيقا التوتر، والتربية الفنية، ومدخل إلى الأدب السعودي، والإحصاء التربوي، ونظريات النقد الأدبي في مرحلة مابعد الحداثة، ومقومات القصة القصيرة جدا عند جمال الدين الخضيري، وأنواع الممثل في التيارات المسرحية الغربية والعربية، وفي نظرية الرواية: مقاربات جديدة، وأنطولوجيا القصة القصيرة جدا بالمغرب، والقصيدة الكونكريتية، ومن أجل تقنية جديدة لنقد القصة القصيرة جدا، والسيميولوجيا بين النظرية والتطبيق، والإخراج المسرحي، ومدخل إلى السينوغرافيا المسرحية، والمسرح الأمازيغي، ومسرح الشباب بالمغرب، والمدخل إلى الإخراج المسرحي، ومسرح الطفل بين التأليف والإخراج، ومسرح الأطفال بالمغرب، ونصوص مسرحية، ومدخل إلى السينما المغربية، ومناهج النقد العربي، والجديد في التربية والتعليم، وببليوغرافيا أدب الأطفال بالمغرب، ومدخل إلى الشعر الإسلامي، والمدارس العتيقة بالمغرب، وأدب الأطفال بالمغرب، والقصة القصيرة جدا بالمغرب، والقصة القصيرة جدا عند السعودي علي حسن البطران، وأعلام الثقافة الأمازيغية. . .
- عنوان الباحث: جميل حمداوي، صندوق البريد1799، الناظور62000، المغرب.
- جميل حمداوي، صندوق البريد10372، البريد المركزي تطوان 93000، المغرب.

- الإيميل:Hamdaouidocteur@gmail. com
Jamilhamdaoui@yahoo.
الغلاف الخارجي
هناك مجموعة من التيارات والمدارس والاتجاهات النفسية التي اهتمت بالتعلم فهما وتفسيرا وتأويلا. ويمكن تحديدها في المدرسة السلوكية، والمدرسة الجشطلتية، والمدرسة التكوينية، والمدرسة البنائية الاجتماعية، ونظرية الذكاءات المتعددة، ونظرية الملكات، والبيداغوجيا الإبداعية.
1 - عبد العزيز القوصي: علم النفس: أسسه وتطبيقاته التربوية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، طبعة 1978م، ص:21.
2 - عبد العزيز القوصي: نفسه، ص:76.
3 - أحمد عزت راجح: أصول علم النفس، المكتب المصري الحديث، الإسكندرية، مصر، الطبعة الثامنة 1970م، ص:206-207.
4 - عبد المجيد نشواتي ، علم النفس التربوي، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمان، الأردن ، طبعة 1984م، ص:327.

5 - أحمد عزت راجح: أصول علم النفس، المكتب المصري الحديث، الإسكندرية، مصر، الطبعة الثامنة، 1970، ص:44.
6 - عبد العزيز القوصي: نفسه، ص:85.
7 - قانون التماثل هو إدراك الأشياء المتقابلة على أساس أنها تتماثل وتتوحد.
8 - قانون التشابه هو الذي يتأسس على إدراك تشابه الأشياء والموضوعات في خصائص موحدة ومعينة.
9 - قانون التقارب يدل على تقارب الأشياء وتجاورها حتى يسهل إدراكها بيسر.
10 - قانون الإغلاق، ويعني أن الأشياء الناقصة وغير التامة يقوم الإنسان بإتمامها وإغلاقها حتى يتم إدراكها.
11 - قانون الحجم النسبي يتحقق بإدراك الصيغ الصغيرة كأشكال.في حين، تدرك الصيغ الكبيرة على أساس أنها أرضية لهذه الأشكال.
12 - قانون الاستمرار، ويعني أن الأشياء والعناصر التي تتجه نحو اتجاه معين تدفعنا إلى إدراكها على أنها ستستمر في ذلك الاتجاه بشكل لانهائي.
13 - جان بياجيه (1896-1980م) هو الابن الأكبر للسويسري آرثر بياجيه والفرنسية ريبيكا جاكسون. كان عالم نفس وفيلسوفا سويسريا. وقد طور نظرية التطور المعرفي عند الأطفال، فيما يعرف الآن بعلم المعرفة الوراثية.
14 - Piaget J:La psychologie de l'enfant, Que sais-je? P.U.F, Paris, 1973.
15 - فتحي مصطفى الزيات: الأسس المعرفية للتكوين العقلي وتجهيز المعلومات، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1995م، ص: 185 – 188.

16 - أحمد أوزي: سيكولوجية المراهقة، دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 1986م، ص:23.
17 - غالي أحرشاو: غالي أحرشاو: الطفل بين الأسرة والمدرسة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م، ص:40.
18 - غالي أحرشاو: الطفل بين الأسرة والمدرسة، ص:59.
19 - Piaget, La naissance de l'intelligence chez l'enfant, Paris, Delachaux et Niestlé, 1936 ; La construction du réel chez l'enfant, Paris, Delachaux et Niestlé, 1937
20 -BERTRAND, Y. Théories contemporaines de l'éducation, Paris, Editions Nouvelles, Chronique Sociale.1998.
21 BRUNER J. L'éducation, entrée dans la culture: les problèmes de l'école à la lumière de la psychologie culturelle, Paris, éd. Retz.1996.
22 - Willem Doise et Gabriel Mugny, Le développement social de l'intelligence, Paris, Inter?ditions, 1981. Willem Doise et Gabriel Mugny, Psychologie sociale et développement cognitif, Paris, Armand Colin, « U », 1997.
23 - Willem Doise et Gabriel Mugny, Le développement social de l'intelligence, Paris, Inter?ditions, 1981. Willem Doise et Gabriel Mugny, Psychologie sociale et développement cognitif, Paris, Armand Colin, « U », 1997.
24- Lev Vygotski: Pensée et langage (1934) (traduction de Françoise Sève, avant-propos de Lucien Sève), suivi de « Commentaires sur les remarques critiques de Vygotski » de Jean Piaget, (Collection « Terrains», ?ditions Sociales, Paris, 1985) ; Rééditions: La Dispute, Paris, 1997.
25- A regarder: Howard Gardner: Les formes de l’intelligence, ED Odel Jacob, Paris, 1997.
26 - هاوارد غاردنر: (حوار مع هوارد غاردنر حول الذكاءات المتعددة: من التأسيس العلمي إلى التطبيق البيداغوجي)، ترجمة وتقديم: عبد الواحد أولاد الفقيهي،
http://www.aljabriabed.net/n68_08lafkih.htm
27 - Howard Gardner: Les formes de l’intelligence,ED Odel Jacob,Paris,1997.
28 - Howard Gardner: Les Intelligences multiples, traduit par PH.Evans-Clark, M.Muracciole et N.Weinwurzel, Retz, Paris, 1996.
29 - عبد الواحد أولاد الفقيهي: الذكاءات المتعددة: التأسيس العلمي، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2012م،ص:21.
30 - عبد الواحد أولاد الفقيهي: الذكاءات المتعددة: التأسيس العلمي، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2012م.
31 - هاوارد غاردنر: (حوار مع هوارد غاردنر حول الذكاءات المتعددة: من التأسيس العلمي إلى التطبيق البيداغوجي)، ترجمة وتقديم: عبد الواحد أولاد الفقيهي،
http://www.aljabriabed.net/n68_08lafkih.htm
32 - هاوارد غاردنر: الحوار نفسه.

33 - H.Gardner: Les formes de l’intelligence, p: 18.
34 - انظر عبد الواحد أولاد الفقيهي: نفسه، ص:14-19.
35 - أنظر عبد الواحد أولاد الفقيهي: نفسه، 155.
36- Thomas Armstrong: les intelligences multiples dans votre classe, traduit de l’américain par: Jean Blaquière, Chenelière, Montréal, 1999.
37 - Bruce Campbell, les intelligences multiples: Guide pratique, traduit par: Danièle Bellchumeur, Chenelière, Montréal, 1999.
38 - أحمد أوزي: التعليم والتعلم بمقاربة الذكاءات المتعددة، الشركة المغربية للطباعة والنشر، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة1999م، 134 من الصفحات.
39 - عبد الواحد أولاد الفقيهى:(نظرية الذكاءات المتعددة من التأسيس العلمي إلى التوظيف البيداغوجى) مجلة علوم التربية، المغرب ، المجلد الثالث ، العدد الرابع والعشرون، 2003م.
40 - عبد الواحد أولاد الفقيهي: الذكاءات المتعددة: التأسيس العلمي، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2012م
41 - محمد أمزيان: الذكاءات المتعددة وتطوير الكفايات، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2004م.
42 - أحمد أوزي: (تقديم)، الذكاءات المتعددة: التأسيس العلمي، لعبد الواحد أولاد الفقيهي، منشورات مجلة علوم التربية، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:6.
43 - سالم سليمان حمد الجعافرة: العلاقة بين الذكاءات المتعددة لدى الطلبة المعاقين سمعيا ومتغيرات درجة الإعاقة والجنس والعمر، الجامعة الاردنية، الأردن، الطبعة الأولى سنة 1983م.
44 - جابر عبد الحميد جابر: الذكاءات المتعددة والفهم: تنمية وتعميق، دار الفكر العربى للطباعة والنشر2003م.
45 - محمد عبد الهادي حسين: مدرسة الذكاءات المتعددة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع, 2005 - 600 من الصفحات.
46 - محمد عبد الهادي حسين: مدخل إلى نظرية الذكاءات المتعددة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزي، الطبعة الأولى 2008م.
47 - محمد عبد الهادي حسين: الذكاءات المتعددة وتنمية الموهبة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع 2006م، 632 من الصفحات.
48 - محمد عبد الهادي حسين: الذكاءات المتعددة: أنواع العقول البشرية، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع، 2000م.
49 - محمد عبد الهادي حسين: ديناميكية التكيف العصبي وقة الذكاءات المتعددة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع 2008.
50 - محمد عبد الهادي حسين: التفكير الابداعى فى ضوء نظرية الذكاء المتعلم، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع2008م.
51 - محمد عبد الهادي حسين: دليلك العملى الى قوة سيناريوهات دروس الذكاءات المتعددة، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع. 2008.
52 - محمد عبد الهادي حسين: إيقاظ العبقرية داخل فصولنا الدراسية، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع. 2008.
53 - محمد عبد الهادي حسين: الذكاءات المتعددة: مراجعات وامتحانات، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع. 2008.
54 - محمد عبد الهادي حسين: الاكتشاف المبكر لقدرات الذكاءات المتعددة بمرحلة الطفولة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع2005م، 496 من الصفحات.
55 - محمد عبد الهادي حسين: مبادرة الذكاءات المتعددة ومجتمع التعلم الذكى،دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع،2008م.
56 - وليد محمد أبو المعاطي:الذكاء المعرفي والانفعالي والاجتماعي واساليب التعلم، جامعة المنصورة كلية التربية2005م، 236 من الصفحات.
57 - حمدان ممدوح إبراهيم الشامي: أثر برنامج تعليمى قائم على نظرية الذكاءات المتعددة فى تحصيل الرياضيات لدى تلاميذ الحلقة الثانية من التعليم الأساسى المنخفضين تحصيليا، جامعة القاهرة - كلية التربية. 2007.
58 - بدر محمد العدل: فعالية برنامج قائم على نظرية الذكاءات المتعددة، جامعة المنصورة، مصر، كلية التربية2006م، 290 من الصفحات.
59- السيد علي أحمد: نظرية الذكاءات المتعددة وتطبيقاتها في مجالات صعوبات التعلم (رؤية مستقبلية)، جامعة الملك سعود، الرياض، 2005م.

60 - هاوارد غاردنر: الحوار نفسه.
61 - أحمد أوزي: التعليم والتعلم بمقاربة الذكاءات المتعددة، ص:87-88.
62 - هاوارد غاردنر: الحوار نفسه.

63 - هاوارد غاردنر: الحوار نفسه.
64 - هاوارد غاردنر: الحوار نفسه.
65 - هاوارد غاردنر: الحوار نفسه.

66 - ابن منظور: لسان العرب، الجزء الثالث عشر، دار صبح بيروت، لبنان، وأديسوفت، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:177.
67 - انظر: إبراهيم مصطفى، وأحمد حسن الزيات، وحامد عبد القادر، ومحمد النجار: المعجم الوسيط، دار النشر: دار الدعوة، تحقيق: مجمع اللغة العربية.
68 - جبور عبد النور وسهيل إدريس: المنهل فرنسي-عربي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة 1986م، ص:652.
69 - الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، الدار التونسية للنشر، تونس،1971م.
70 - إخوان الصفا: رسائل إخوان الصفا، دار بيروت، لبنان، 1983م.
71 - ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الرشاد الحديثة، دار الفكر، د.ت، ص:554-555.
72 - ابن خلدون: نفسه، ص:562.
73 - محمد الدريج: (التدريس بالملكات: نحو تأسيس نموذج تربوي أصيل في التعليم)، موقع الجامعة الحرة للتعليم،المغرب، http://www.fae.ma/2012-01-27-14-57-43/595-2013-02-04-15-03-08.html
74 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:83-84.
75 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:87.
76 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86-87.
77 - محمد عابد الجابري:نفسه، ص:85.
78 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86.
79 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86.
80 - Lucien Goldmann: Sciences humaines et philosophie. Suivi de structuralisme génétique et création littéraire. Paris: Gonthier, 1966.
81 - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:86.
82 - عبد الله العروي: أزمة المثقفين العرب، تقليدية...أم تاريخية، ترجمة د.دوقان قرطوط، ص:1581.
83 - حسن حنفي: التراث والتجديد، موقف من التراث القديم، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ص:17.
84 - انظر تصور الباحث في مجلة: المستقبل العربي، لبنان، العدد:29يوليو 1981، السنة الرابعة، ص:133.
85 - عباس الجراري: الثقافة في معترك التغيير، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ص:56-57.
86 - علي زيعور: التحليل النفسي للذات العربية وأنماطها السلوكية والأسطورية، دار الطليعة/ بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ، ص:115.
87 - انظر: أدونيس: الثابت والمتحول، دار الساقي، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة 2006م.
88 - البراديغمات بمعنى النماذج العلمية .
89 - محمد الدريج: (ماذا بعد بيداغوجيا الإدماج؟ نموذج التدريس بالملكات)، جريدة الأخبار، المغرب، العدد:62، الثلاثاء 29 يناير 2013م، ص:8.
90 - محمد الدريج: (التدريس بالملكات: نحو تأسيس نموذج تربوي أصيل في التعليم)، نفس الموقع والرابط الرقمي.
91 - عبد الكريم غريب: المنهل التربوي، الجزء الأول، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار المغربية، المغرب، الطبعة الأولى 2006م، ص:428-429.
92 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
93 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
94 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
95 - محمد الدريج: (ماذا بعد بيداغوجيا الإدماج؟ نموذج التدريس بالملكات)، جريدة الأخبار، المغرب، العدد:62، الثلاثاء29يناير2013م، ص:8.
96 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
97 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
98 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
99 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
100 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
101 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
102 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
103 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
104 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
105 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
106 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
107 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
108 - محمد الدريج: نفس الموقع والرابط الرقمي.
109 - أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:150.
110 - أحمد أوزي: المعجم الموسوعي لعلوم التربية، ص:140.
111 - إبراهيم ناصر: علم الاجتماع التربوي، دار الجيل، بيروت، لبنان؛ مكتبة الرائد العلمية، عمان، الأردن، د.ت، ص:32.
112 - إبراهيم ناصر: نفسه، ص:36-37.
113 - إبراهيم ناصر: نفسه، ص:37.
114 - إبراهيم ناصر: نفسه، ص:44-45.
115- إبراهيم ناصر: نفسه، ص:42.
116 - جان بياجي: التوجهات الجديدة للتربية، ترجمة: محمد الحبيب بلكوش، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغر ب، الطبعة الأولى سنة1998م، ص:52.
117 - محمد لبيب النجيحي: مقدمة في فلسفة التربية، دار النهضة العربي للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة1992م، ص:240.
118 - N. Goodman, Of Mind and other Matters, Cambridge MA: Harvard UP, 1984, 224 p ; N. Goodman, Faits, fictions et prédictions(1954), tr. de l’anglais (?tats-Unis) par M. Abran, Paris, ?ditions de Minuit, coll. «Propositions», 1985, 136p ; N. Goodman, Langages de l’art. Une approche de la théorie des symboles(1968), tr. del’anglais (?tats-Unis) et présenté par J.Morizot, Nîmes, ?d. Jacqueline Chambon, Coll. «Rayon Art», 1990, 312p.
119 -N. Goodman, Manières de faire des mondes(1978), tr. de l’anglais (?tats-Unis) par M.-D. Popelard, Nîmes, ?d. Jacqueline Chambon, coll. «Rayon art», 1992, p. 135-136.

120 -هيجل:مدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة ، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة سنة1988م، صص:36-40.
121 - انظر: مصطفى سويف: الأسس النفسية للإبداع الفني، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1951م
122 - Ivan Illich, Une société sans école, 1971, trad., Seuil, 1972.
123 - انظر: وزارة الثقافة والتربية: معجم علم النفس التربوي، تونس، 1990م.
124 - نقلا عن المختار عنقا الإدريسي:( المسرح والتنشيط)، مجلة آفاق تربوية، المغرب، العدد11، 1996م، ص:92.
125 - انظر: وزارة التربية الوطنية: دليل الحياة المدرسية، الرباط، المغرب، غشت 2008م.
126 - محمد ياسر الخواجة وحسين الدريني: المعجم الموجز في علم الاجتماع، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 2011م، ص89.
127 - خليل ميخائيل معوض: علم النفس الاجتماعي، دار نشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1982م، ص:101.
128 - خليل ميخائيل معوض: علم النفس الاجتماعي، ص:104.
129 - خليل ميخائيل معوض: نفسه، ص:113.
130 - خليل ميخائيل معوض: نفسه، صص:117-143.
131 - خليل ميخائيل معوض: نفسه، ص:104.
132 - محمد ياسر الخواجة وحسين الدريني: المعجم الموجز في علم الاجتماع، ص:91-92.
133 - خليل ميخائيل معوض: نفسه، ص:104.
134 - محمد ياسر الخواجة وحسين الدريني: المعجم الموجز في علم الاجتماع، ص:91-92.
135 - خليل ميخائيل معوض: نفسه، ص:113.
- 136 وسيلة خزار: الإيدولوجيا وعلم الاجتماع، جدلية الانفصال والاتصال، منتدى المعارف، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2013م، ص: 142.
137 - مارسيل بوستيك: العلاقة التربوية ، ترجمة: محمد البشير النحاس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1986م، صص:21-24.
138 - مبارك ربيع: مخاوف الأطفال، الهلال العربية للطباعة والنشر، طبعة 1991م، صص:202-209.
139 - ?mile Durkheim, ?ducation et sociologie, 1922. PUF, nouv.éd.1966 ; L'éducation morale, 1902-1903, PUF, nouv.éd.1963.
140 - مارسيل بوستيك: العلاقة التربوية، ترجمة: محمد بشير النحاس،المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1986م، ص:19.
141 - ابن منظور: لسان العرب، دار صبح بيروت، لبنان/ وأديسوفت، الدار البيضاء، المغرب/ الطبعة الأولى سنة 2006م، صص:325-326.
142-AZNAR G., « Préciser le sens du mot “créativité”, Synergies Europe, n° 4, 2009, p. 23-37.
143 - انظر: عبد السلام المسدي: اللسانيات من خلال النصوص، الدار التونسية للنشر، تونس، الطبعة الأولى سنة 1984م.
144 - Isabelle Puozzo:Pédagogie de la créativité: de l’émotion à l’apprentissage , http://edso.revues.org/174.
145- CRAFT A., Creativity in schools. Tensions and dilemmas, New York, Routledge, 2005.p:19.
146-CRAFT A., Creativity in schools. Tensions and dilemmas, p:78-79.
147 - BANDURA A., Auto-efficacité. Le sentiment d’efficacité personnelle (P. Lecomte, trad.) (2e éd.), Bruxelles, De Boeck, 2007 (original publié en 1997).
148 - Isabelle Puozzo, « Pédagogie de la créativité: de l’émotion à l’apprentissage », ?ducation et socialisation [En ligne], 33 | 2013, mis en ligne le 01 septembre 2013, consulté le 12 juin 2016. URL: http://edso.revues.org/174.
149 - عبد الكريم غريب: المنهل التربوي، الجزء الثاني، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:722.
150 -T.Kuhn: La structure des révolutions scientifiques, traduit par Laure Meyer, Flammarion, Paris, 1970.
151 - LUBART T., Psychologie de la créativité (2e éd.), Paris, Armand Colin, 2003, p:10.
152 -LUBART T., Psychologie de la créativité, p: 31-84.
153 - BANDURA A., Auto-efficacité. Le sentiment d’efficacité personnelle (P. Lecomte, trad.) (2e éd.), Bruxelles, De Boeck, 2007 (original publié en 1997).
154- Olivier Rey et Annie Feyfant: (VERS UNE ?DUCATION PLUS INNOVANTE ET CR?ATIVE).Dossier d’&ctualité.n70, janvier 2012. http://ife.ens-lyon.fr/vst/DA-Veille/70-janvier-2012.pdf
155 - أدونيس: مقدمة للشعر العربي، دار الفكر، بيروت، لبنان، طبعة 1986م؛ والثابت والمتحول، الجزء الثالث، والجزء الرابع، دار الساقي، بيروت، لبنان، طبعة 2001م.
156 - انظر: محمد الدريج: (ماذا بعد بيداغوجيا الإدماج؟ نموذج التدريس بالملكات)، جريدة الأخبار، المغرب، العدد:62، الثلاثاء 29 يناير 2013م، ص:8.
157 - عبد الكريم غريب: نفسه، ص:722.
158 - عبد الكريم غريب: نفسه، ص:722.
159 - عبد الكريم غريب: نفسه، ص:722.
160 - جميل حمداوي: من قضايا التربية والتعليم، سلسلة شرفات، رقم:19، مطبعة النجاح الجديدة،الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م،ص:137-138.
161 - غي آفانزيني: الجمود والتجديد في التربية المدرسية، ترجمة: الدكتور عبد الله عبد الدائم، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1981م، ص:280.
162 - غي آفانزيني: الجمود والتجديد في التربية المدرسية، ص:279.
163 - أمحمد عليلوش: التربية والتعليم من أجل التنمية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2007م، ص:123.
164 - مصطفى محسن: مدرسة المسقبل، سلسلة شرفات، رقم: 26، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م، ص:55.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

1