Advertisement

نظرية الألعاب


نظرية الألعاب




نظرية الألعاب

مقدمة قصيرة جدًّا

تأليف
كين بينمور

ترجمة
د. نجوى عبد المطلب
مراجعة
هبة عبد المولى



نظرية الألعاب

Game Theory

كين بينمور

Ken Binmore

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ??????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
بينمور، كين.
نظرية الألعاب: مقدمة قصيرة جدًّا/تأليف كين بينمور.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ??
?
     ?- الألعاب – علم الاجتماع

???????

تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
نُشر كتاب نظرية الألعاب أولًا باللغة الإنجليزية عام ????. نُشرت هذه الترجمة بالاتفاق مع الناشر الأصلي.
Arabic Language Translation Copyright © 2016 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Game Theory
Copyright © Ken Binmore 2007.
Game Theory was originally published in English in 2007. This translation is published by arrangement with Oxford University Press.
All rights reserved.



إلى بيتر ونينا.

الفصل الأول
اسم اللعبة


(?) عمَّ تدور نظرية الألعاب؟

عندما كانت زوجتي غائبةً طوال النهار في مؤتمر صغير شائق في إقليم توسكانا، دعَتْني ثلاث شابَّات لأشاركهنَّ الغداء. وبينما كنت جالسًا، قالت إحداهن بصوتٍ جذَّاب: «علِّمنا كيف نلعب لعبة الحب.» لكنْ تبيَّن أن كلَّ ما أردْنَه هو نصيحة حول كيفية التعامل مع العُشَّاق الإيطاليين. ولا أزال أعتقد أنهنَّ أخطأْنَ عندما رفضْنَ توصياتي المهمة، لكنهنَّ أصبنَ في التسليم بأن المغازلة هي واحدة من الألعاب العديدة المختلفة التي نلعبها في الحياة الواقعية.
فالسائقون وهم يناورون وسط الزحام المروري يلعبون لعبة قيادة، وتُجَّار الصفقات وهم يقدِّمون العروض على موقع «إيباي» يلعبون لعبة مزادات، وعندما تتفاوض شركةٌ مع إحدى النقابات العُمالية على أجور العام المقبل فإنهما تلعبان لعبة تفاوُض، وعندما يختار المرشحون المتنافسون برنامجهم في أحد الانتخابات فإنهم يلعبون لعبةً سياسية، وصاحب محل البقالة الذي يحدد سعر رقائق الذرة اليوم يلعب لعبةً اقتصادية. بإيجاز، متى تفاعل البشر فإنهم يكونون بصدد ممارسة لعبةٍ ما.
وقد لعب أنطونيو وكليوباترا لعبة المغازلة على نطاقٍ واسع، وحقَّق بيل جيتس ثراءً هائلًا عندما لعب لعبة برامج الكمبيوتر، ولعب كلٌّ من أدولف هتلر وجوزيف ستالين لعبةً أبادت نسبةً ليست هيِّنة من سكان العالم، وأثناء أزمة الصواريخ الكوبية لعب خروشوف وكينيدي لعبةً كان من الممكن أن تُبيد البشرية جمعاء.
مع هذا التطبيق الواسع النطاق، تكون نظرية الألعاب علاجًا شاملًا إذا ما استطاعت دائمًا أن تتنبَّأ بالكيفية التي سيلعب بها الأفرادُ الألعابَ المتعددة التي تتكوَّن منها الحياة الاجتماعية في العموم. ولكنَّ نظرية الألعاب لا تستطيع أن تحل كل مشكلات العالم؛ لأنها لا تنجح إلا عندما يلعب البشر الألعاب «بعقلانية»؛ لذا فهي لا تستطيع أن تتنبَّأ بسلوك المراهقين الوَلْهانين أمثال روميو وجولييت، أو المجانين أمثال هتلر أو ستالين. غير أن سلوك البشر لا يكون دائمًا غير عقلاني؛ ومن ثَمَّ فليس مضيعةً للوقت أن نَدْرس ما سيحدث عندما يفكر البشر بعقلانية؛ فمعظمنا على الأقل يحاولون التحليَ بالحكمة عند إنفاق أموالهم، ولا يتسم سلوكنا الإنفاقي في معظم الوقت بالسَّفَهِ والإسراف المبالَغ فيهما، وإلا فما كانت النظرية الاقتصادية لِتنجحَ على الإطلاق.
حتى عندما لا يَدْرس الأفراد كل شيءٍ سابقًا، فلا يستتبع ذلك أنهم يتصرَّفون بالضرورة على نحوٍ غير عقلاني. لقد كان لنظرية الألعاب إنجازاتٌ واضحةٌ في تفسير سلوك العناكب والأسماك، على الرغم من أنه لا يمكن الزعم بأن أيًّا من النوعَيْن يفكر مطلقًا. فمثل هذه الحيوانات غير العاقلة تنتهي بها الحال إلى التصرف كما لو أنها عاقلة؛ لأن منافسيها من الحيوانات الأخرى، التي برمجَتْها جيناتها على أن تسلك سلوكيات غير عقلانية، صارت منقرضةً في الوقت الحالي. وبالمثل، لا يدير الشركاتِ دائمًا نابغون عظامٌ، لكن السوق كثيرًا ما تكون قاسيةً كالطبيعة؛ فتُطيح بمن هم دون المستوى إلى خارج المشهد.
(?) هل تُجدي نظرية الألعاب؟

رغم النتائج الإيجابية لنظرية الألعاب على الصعيد النظري، فإن رجال الأعمال العمليين عادةً ما يَصرفون النظر عنها باعتبار أنها ليست سوى فرعٍ عقيمٍ آخَرَ من العلوم الاجتماعية، لكن يبدو أنهم غيَّروا آراءهم بين ليلةٍ وضحاها بعد أن قرَّرَت الحكومة الأمريكية أن تطرح حقَّ استخدام تردُّدات الراديو المتنوعة للبيع في مزادٍ علنيٍّ؛ لاستخدامه مع التليفونات المحمولة.
ولأنه لا يوجد خبراء في هذا المجال، صارت نصيحة خبراء نظرية الألعاب هي الأساس الذي حدَّد شكل القواعد المُتَّبَعة في ألعاب المُزايدة. وكانت نتيجة ذلك أن حقَّق دافعو الضرائب الأمريكيون أرباحًا بلغتْ قيمتُها ?? مليار دولار أمريكي، وهو ما كان يزيد عن ضِعف الأرباح التقليدية المتوقَّعة. وتحقَّقت أرباحٌ أكثر من ذلك في مزادٍ لاحق، كنتُ أنا المسئولَ عنه، لمصلحة شركة اتصالاتٍ بريطانية؛ حيث بلغ إجمالي الأرباح التي حقَّقناها في مزادٍ واحدٍ فقط ?? مليار دولار أمريكي. ونتيجةً لذلك، وصفتْني مجلة «نيوزويك» بالاقتصادي القاسي لاعب البوكر الذي دمَّر صناعة الاتصالات!
وحسبما اتَّضح في نهاية الأمر، فإن صناعة الاتصالات لم تُدمَّر. ولم يكن من القسوة إطلاقًا أن نجعل أثرياءَ رجالِ الأعمال في صناعة الاتصالات يدفعون القيمة التي يعتقدون أنها تُضاهي قيمة التراخيص التي يحصلون عليها، لا سيَّما عندما يُنفَق هذا المال على المستشفيات لعلاج غير القادرين الذين يعجزون عن تحمُّل نفقات الرعاية الطبية الخاصة. أما بالنسبة إلى البوكر، فقد مضى عشرون عامًا على الأقل منذ أن لعبتُ بمبالغَ تستحق الذكر. والشيءُ الوحيد الذي أصابت فيه «نيوزويك» هو أن نظرية الألعاب تنجح حقًّا عندما يُطبقها أناسٌ يُدركون ما يفعلون. ولا يقتصر النجاح على مجال الاقتصاد فحسب، لكنه يمتد أيضًا إلى مجالَي علم الأحياء التطوُّري والعلوم السياسية. بل إنني، في كتابي الأخير «العدالة الطبيعية»، أثَرت حنق فلاسفة الأخلاق التقليديين حين استخدمت نظرية الألعاب في التحدُّث عن علم الأخلاق.
(?) نماذج المحاكاة

يجب أن يُراعَى في تصميم كل مزادٍ جديدٍ وعملاقٍ في مجال الاتصالات أن يكون مناسِبًا للظروف التي سَيُدار فيها؛ فلا يمكن أن يضع المرءُ تصميمًا جاهزًا مثلما فَعلَت الحكومة الأمريكية عندما استأجرَت دارَ مزادات «سوذبيز» لبيع مجموعة من أجهزة الإرسال/الاستقبال الملحقة بالأقمار الصناعية. لكنْ، ليس في وسع أحد أن يجمع في نموذجٍ رياضيٍّ واحدٍ كلَّ التفاصيل المعقدة لسوق اتصالاتٍ جديدة؛ لذلك، يُعدُّ تصميم مزاد اتصالاتٍ فنًّا بقدر ما هو علم. ويَستنتج المرء من نماذجَ بسيطةٍ مختارةٍ بغرض محاكاتها ما يبدو أنه الخصائص الاستراتيجية الأساسية لمسألةٍ ما.
إنني أحاول تطبيق المفهوم نفسه في هذا الكتاب، الذي لا يحتوي لهذا السبب على أيِّ مسائلَ تتعلق بالجبر والرياضيات، وإنما على بعض المصطلحات التقنية القليلة؛ فهو يبحث فقط في نماذج المحاكاة التي يجري من خلالها شرح ألعابٍ فعلية، مستبعِدًا كل السمات الإضافية التي تُضفي تعقيدًا على هذه الألعاب في الحياة الواقعية. ومع ذلك، يرى معظم الناس أنه حتى نماذج المحاكاة هذه تمنحهم الكثير لكي يُعمِلوا فيها فكرهم.
(?-?) نزاعٌ وتعاون

تشتمل معظم الألعاب في هذا الكتاب على لاعبَيْن اثنين فقط، نُطلِق عليهما أليس وبوب. واللعبة الأولى التي سيلعبانِها هي لعبة مطابقة العملات المعدنية.
لَعبَ شرلوك هولمز والبروفيسور موريارتي الشرير لُعبةَ مطابقة العملات المعدنية في الطريق إلى مواجهتهما الأخيرة عند شلالات رايشنباخ؛ إذ كان على هولمز أن يقرر عند أي محطة عليه النزول، في حين كان على موريارتي أن يقرر عند أي محطة عليه الانتظار. ومن أمثلة هذه اللعبة في الحياة الواقعية ما يحدث بين المُحاسبين غير الشرفاء ومدققي الحسابات الذين يُشْرِفون عليهم؛ فالطرف الأول يقرر متى يغش، والطرف الثاني يقرر متى يفحص الدفاتر.
شكل ?-?: مسألة اتخاذ القرار بين أليس وبوب في لعبة مطابقة العملات المعدنية.
في نسختنا المصغَّرة، يعرض كلٌّ من أليس وبوب عُملته، فتكسب أليس عندما يتطابق وجهَا العملتين (عملتها وعملة بوب)، ويكسب بوب عندما يختلف وجها العملتين. وبناءً عليه، يكون لدى كلٍّ مِن أليس وبوب خطَّتان، «صورة» و«كتابة». ويُبيِّن شكل ?-? الفائزَ والخاسرَ وفقًا لجميع الاستراتيجيات الممكنة لكلا الطرفين. وهذه النتائج هي «عوائد» اللاعبَيْن في اللعبة. واستُخدِم رمزَا رفع الإبهام وخفضه للتأكيد على أن العوائد في أيِّ لعبة لا يُشترط أن تُقاس بالمال. يوضح شكل ?-? كيف أن كلَّ المعلومات في شكل ?-? يمكن جمْعُها في جدول العوائد؛ حيث تكون عوائد أليس في الركن الأيسر السفلي من كل خلية، وتكون عوائد بوب في الركن الأيمن العلوي. كما أنه يوضح كذلك نسخةً مكوَّنة من لاعبَيْن من لعبة القيادة المختلفة تمامًا التي نلعبها عندما نستقلُّ سياراتنا كلَّ صباح للذهاب إلى العمل. ومرةً أخرى، يصبح لدى أليس وبوب خطَّتان محددتان: «شمال» و«يمين»، لكن في هذه الحالة تكون مكاسب اللاعبَيْن متوازيةً كليةً بدلًا من أن تكون متعارضةً تمامًا. وعندما يتحدث الصحفيون عن موقفٍ تَرْبح فيه جميع الأطراف، فإنهم يقصدون شيئًا مثل لعبة القيادة. شكل ?-?: جدول العوائد. تختار أليس التحركَ أفقيًّا ويختار بوب التحركَ رأسيًّا.
(?-?) فون نيومان

تتمثل أُولى نتائج نظرية الألعاب في نظرية أدنى الأقصى لجون فون نيومان، التي تُطبَّق فقط في ألعابٍ مثل مطابقة العملات المعدنية، ويُصوَّر فيها اللاعبون على أنهم أعداءٌ ألِدَّاء. وما زال المرء يقرأ أحيانًا تعليقاتٍ ازدرائيةً رافضةً لنظرية الألعاب، يُصوَّر فيها فون نيومان على نحوٍ كاريكاتوريٍّ ساخرٍ على أنه النموذج الأصلي «للمحارِب البارد» (وهو الشخص الذي كان يُنفِّذ السياسة الأمريكية السوفييتية ويُشكِّلها أثناء الحرب الباردة)، وكأنه الشخصية الأصلية لدكتور سترينجلوف في الفيلم المعروف الذي يحمل اسمه. لكننا نعلم بعد ذلك أنه ما من أحدٍ يفكر في تطبيق نظرية الألعاب في الحياة الواقعية سوى خبيرٍ استراتيجيٍّ مجنون؛ لأن الوحيد الذي يقع في خطأِ افتراضِ أنَّ العالَم لعبة نزاع خالص هو شخص مجنون أو نصفُ آليٍّ.
كان فون نيومان عبقريًّا في مجالاتٍ متعددة، وكان اختراع نظرية الألعاب مجردَ عملٍ جانبيٍّ بالنسبة إليه. وصحيحٌ أنه كان سياسيًّا يفضِّل استخدام القوى الحربية بدلًا من الوسائل السلمية في الحرب الباردة، لكنه أبعدُ ما يكون عن شخصٍ نصفِ آليٍّ مجنون؛ فقد كانت له روح ودودة ومرحة، وكان يحب الاستمتاع بوقته وإقامة الحفلات، وكان يفضِّل التعاون عن النزاع، تمامًا مثلي ومثلك، لكنه كان يفهم أيضًا أن الطريق إلى تحقيق التعاون لا يكون بالتظاهر بأن الأفراد لا يستطيعون أحيانًا الاستفادةَ من إثارة المشكلات.??????????????????????????????????????????????
إنَّ التعاون والنزاع وجهان لعملةٍ واحدة؛ فلا يمكن فهْم أيٍّ منهما كما ينبغي دون أخْذ الآخر في الاعتبار؛ فالتفكير في لعبة تُمثِّل نزاعًا خالصًا، مثل لعبة مطابقة العملات المعدنية، لا يمكن أن يجعلنا نزعم أن كل التفاعلات البشرية تنافسية، كما أننا عندما نتدبر لعبةً تُمثل تعاونًا تامًّا، مثل لعبة القيادة، لا يجعلنا هذا نظن أن كل التفاعلات البشرية تعاونية؛ فالمرء يُميِّز ببساطةٍ بين جانبين مختلفين من السلوك الإنساني حتى يمكنه دراسة كلٍّ منهما على حدة.
(?) نظرية التفضيل الموضَّح

للتعامل مع التعاون والنزاع على حدٍّ سواءٍ، نحتاج إلى طريقةٍ أفضل نَصِف بها دافع اللاعبين بدلًا من أن نقول ببساطةٍ إنهم يحبون الفوز ويكرهون الخسارة.? لهذا الغرض، ابتكر الاقتصاديون فكرة «المنفعة»، التي تسمح لكل لاعبٍ أن يعيِّن قيمة عددية لكل نتيجةٍ ممكنةٍ في لعبةٍ ما.??????????????????????????????????????????????
في مجال الأعمال، يكون الهدف عمومًا هو الربح، لكنَّ الاقتصاديين يعلمون أن البشر غالبًا ما تكون لديهم أهدافٌ أكثر تعقيدًا من مجردِ كسبِ أكبرِ قدرٍ ممكنٍ من المال؛ لذلك، لا يمكن قياس المنفعة بالمال؛ ومن ثَمَّ، يكون ردُّ الفعلِ البديهيُّ هو إحلالَ السعادة محل المال. لكن، ما السعادة؟ وكيف نقيسها؟
من المؤسف أن كلمة «منفعة» ترتبط تاريخيًّا بدُعاة المذهب النفعي في العصر الفيكتوري، أمثال جِريمي بنثام وجون ستيوارت ميل؛ لأن الاقتصاديين المعاصرين لا يَحْذُون حذوهم في قياس المنفعة بمدى السعادة والبهجة أو المعاناة والألم التي ربما يشعر بها المرء؛ فالنظرية الحديثة لا تتطرَّق مطلقًا إلى أي محاولة لتفسير الكيفية التي يتصرَّف بها البشر حسبما يدور في أذهانهم، بل على العكس من ذلك؛ فإنها تنظر إلى عدم وضع أيِّ افتراضاتٍ سيكولوجية على الإطلاق بوصفه ميزة.
إننا لا نحاول تفسير «السبب» الذي دفع أليس أو بوب إلى التصرُّف على النحو الذي تصرَّفَا به؛ فبدلًا من أن نطبِّق وجهة نظر تفسيرية، علينا أن نرتضيَ وجهة نظر وصفية جُلُّ ما تُقدمه هو قراءة الحاضر واستقراء المستقبل، فتقول لو أن أليس أو بوب قد فعلا كذا أو كذا في الماضي لَوُصِفا إذن بأنهما يتصرفان على نحوٍ يتعارض مع نفسيهما، لكنهما يخططان الآن لفعل كذا وكذا في المستقبل. فالهدف في نظرية الألعاب أن نلاحظ القرارات التي تأخذها أليس وبوب (أو من المحتمَل أن يأخذاها) عندما لا يتفاعلان معًا أو مع أيِّ شخصٍ آخر، وأن نستنتج كيف يتصرفان عند التفاعل في لعبةٍ ما.
لذلك، فإننا لا نرى أن بعض التفضيلات أكثر عقلانيةً من غيرها؛ فنحن نسير على نهج الفيلسوف العظيم ديفيد هيوم في نظرته إلى العقل على أنه «عبدٌ للانفعالات». ووفقًا لآرائه المبالَغ فيها، فإن حقيقة أنه يفضِّل خراب العالم بأَسْره على أن تُخدش إصبعه ليست بالأمر «اللاعقلاني» في شيء. ومن ناحيةٍ أخرى، فإننا نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال النظر إلى العقل باعتباره أداةً لتجنُّب السلوك المفتقر إلى الاتساق المنطقي؛ ومن ثَمَّ، فإنه يُنظر إلى أيِّ سلوكٍ يتسم بالاتساق المنطقي على أنه عقلاني.
مع بعض الفرضيات المعتدلة، يمكن إثبات أن السلوك المتسق منطقيًّا لا يختلف عن السلوك الذي يُقصَد منه تعظيم قيمة شيءٍ ما. وأيًّا كانت ماهية هذا الشيء المجرَّد في سياقه الخاص، فإن الاقتصاديين يُطلِقون عليه المنفعة. وليس بالضرورة أن تَقترن المنفعة بالمال، لكنها — مع الأسف — غالبًا ما تكون كذلك.
(?-?) الإقدام على المخاطر

قد لا تَعِي أليس وهي تتصرف على نحوٍ متسقٍ منطقيًّا أنها تتصرف كما لو أنها تُعْلي من شأن شيءٍ نرى أن نُطْلق عليه اسم «منفعتها الخاصة». لكنْ إذا كنَّا نريد أن نتنبَّأ بسلوكها، فلا بدَّ أن نتمكَّن من قياس منفعتها باستخدام مقياس المنفعة، كما تقاس درجة الحرارة بمقياس الحرارة (الترمومتر). ومثلما تُسمَّى الوحداتُ في الترمومتر درجاتٍ، يمكن أن نقول إن «يوتل» هو اسم الوحدة على مقياس المنفعة الخاص بأليس.
يَنظر مؤيدو النظرة التقليدية في الاقتصاد إلى هذه المقاييس العددية للنفعية على أنها تافهة في حد ذاتها، لكنْ مِن حُسن الحظ أن فون نيومان لم يكن يعلم ذلك عندما جاء أوسكار مورجنستيرن إلى منزله ذات يوم يشكو عدم وجود أساسٍ صحيحٍ لديهما للمكاسب العددية في الكتاب الذي كانا يؤلِّفانه معًا حول نظرية الألعاب؛ لذلك، اختلق فون نيومان في الحال نظريةً تَقيس مدى رغبة أليس في الحصول على شيءٍ ما بقياس حجم المخاطرة التي هي على استعدادٍ للإقدام عليها من أجل الحصول على هذا الشيء. ونستطيع عندئذٍ معرفة الاختيار الذي ستُقدِم عليه في مواقفَ محفوفةٍ بالمخاطر عن طريق معرفة الخيار الذي سَيُتيح لها أعلى منفعة في المتوسط.???????????????????????????????????????????????
من السهل استخدام نظرية فون نيومان لمعرفة مدى المنفعة التي تعيِّنها أليس لأي شيءٍ قد تحتاج إلى تقييمه. على سبيل المثال، كم وحدةً من اليوتل يجب أن تعيِّن أليس لمسألة المواعدة مع بوب؟
علينا أولًا أن نقرر مقياس المنفعة الذي سنستخدمه. ولكي نقرر ذلك، اخترْ نتيجتين تمثِّلان أفضل وأسوأ نتيجة على التوالي مقارنةً بأي نتيجة أخرى من المحتمَل أن تواجهها أليس. تُقابِل هاتان النتيجتان نقطتَي غليان الماء وتَجمُّده المستخدَمتين في معايرة الترمومتر المئوي، ولكن في هذه الحالة يحدِّد مقياسُ المنفعة الذي سنضعه صفر يوتل لأسوأ نتيجة ومائة يوتل لأفضل نتيجة. ولْتأخذ مثالًا آخر على ذلك؛ مجموعة من تذاكر اليانصيب (المجانية) التي تكون الجوائزُ الوحيدة فيها إما أفضل نتيجة أو أسوأ نتيجة.
عندما نمنح أليس تذاكر اليانصيب التي ترتفع فيها احتمالات الحصول على أفضل نتيجة كبديل للمواعدة مع بوب، فإنها ستغيِّر رأيها في نهاية المطاف وتوافق بدلًا من أن ترفض. وإذا كان من المحتمَل بنسبة ??? أن تحقِّق ورقةُ اليانصيب أفضل نتيجة من شأنها أن تدفع أليس إلى تغيير رأيها، فإن نظرية فون نيومان تقول إن قيمة المواعدة مع بوب تقدَّر ? ?? يوتل بالنسبة إليها. وكل نقطة مئوية زائدة تُضاف إلى احتمال عدم اهتمامها بهذه المواعدة تُقابلها وحدة يوتل إضافية واحدة.
عندما يقدِّر بعض الأشخاص المَبالغ المالية باستخدام هذه الطريقة، فإنهم يعيِّنون دائمًا نفس عدد وحدات اليوتل لكل دولار إضافي. ونحن نَصِف هؤلاء الأشخاص بأنهم أشخاص لا يعبَئُون بالمخاطر. أما هؤلاء الذين يعيِّنون عددًا أقل من وحدات اليوتل لكلِّ دولار زائد يُضاف إلى ما قبله، فيُطلَق عليهم أشخاصٌ مُحْجِمون عن المخاطر.
(?-?) التأمين

تُفكر أليس في أن تقبل عرضًا من بوب لتأمين منزلها في بيفرلي هيلز ضد الحريق. وإذا رفضتْ عرضه فإنها تُواجه مسألة احتمالية أشبه باليانصيب؛ حيث تنتهي بها الحال إلى أحد أمرين: إما أن تحتفظ بمنزلها بالإضافة إلى قسط التأمين إذا لم يحترق منزلها، أو أن تحتفظ بالقسط فقط إذا احترق المنزل. ويجب أن يُقارَن هذا بالاحتمال الثالث وهو أن تحتفظ بقيمة المنزل مطروحًا منها مبلغ القسط في حال قبولها عرض بوب.
إذا كان من العقلاني أن يقدِّم بوب عرضه وأن تَقبل أليس، فإنه يرى بالضرورة أن هذه الأرجحية في قبول العرض أو رفضه أفضل بالتأكيد من نقطة التعادل التي لا يُبَتُّ فيها بقبول العرض أو رفضه، وأن أليس ستأخذ بالضرورة بالتفضيل المضاد؛ أي إن كليهما يفضِّل التأمين. وبناءً على ذلك، فإن وجود صناعة التأمين لا يؤكِّد فقط على أن المقامرة يمكن أن تكون سلوكًا عقلانيًّا — شريطة أن تكون المَخاطر التي نُقْدِم عليها مدروسة — لكنه يؤكِّد أيضًا على أن الأشخاص العقلانيين يمكن أن تكون لديهم طرقٌ مختلفة للإقدام على المخاطر؛ ففي صناعة التأمين، تكون شركات التأمين أقرب إلى النمطِ غير العابئ بالمخاطر، في حين ينتهج المؤَمَّن عليهم سياسة الإحجام عن المخاطر بدرجاتٍ متفاوتة.
لاحِظْ أن الاقتصاديين ينظرون إلى درجة إحجام الشخص عن المخاطرة على أنها مسألة تفضيل شخصي؛ وبناءً عليه، فقد تفضِّل أليس أن تنفق ???? دولار أمريكي على منزلها أو لا، تمامًا مثلما قد تفضِّل الآيس كريم بالشوكولاتة والفانيليا أو لا تفضِّله. ويصرُّ بعض الفلاسفة — خصوصًا جون رولس — أنه من «العقلاني» أن يكون اللاعبون محجِمين عن المخاطرة عند الدفاع عن أيِّ بديل لزيادة متوسط المنفعة للبديل الذي يفضِّلونه، لكنَّ هذه الآراء لم تنتبه إلى أن طرق اللاعبين في الإقدام على المخاطرة مأخوذة في الاعتبار بالفعل عند استخدام طريقة فون نيومان لتحديد المنافع لكل نتيجة.
يقع الاقتصاديون في خطأٍ مختلفٍ عندما يُرجِعون الإحجام عن المخاطرة إلى بُغض المقامرة؛ فنظرية فون نيومان لا تكون عقلانية إلا عندما يتحلَّى اللاعبون بالحيادية التامة تجاه الفعل الأصلي للمقامرة، مثل القسِّ المشيخي الذي يُؤَمِّن على منزله؛ فهو لا يقامر لأنه يستمتع بالمقامرة، وإنما يقامر فقط عندما يبدو له أن احتمالات النجاح في مصلحته.
(?-?) الحياة ليست لعبة مجموعٍ صفري

إننا نتمتع بمطلق الحرية في اختيار الصفر والوحدة المستخدَمة في مقياس المنفعة الخاص بأليس كما يحلو لنا، تمامًا كما يحدث عند قياس درجة الحرارة؛ فقد نعيِّن، على سبيل المثال، ?? يوتل لأسوأ نتيجة و??? يوتل لأفضل نتيجة. ويمكن تحويل عدد وحدات اليوتل التي تعبِّر عن قيمة المواعدة مع بوب على هذا المقياس الجديد بنفس الطريقة التي يحوِّل بها الشخصُ الدرجاتِ المئويةَ إلى درجات فهرنهايت في مقياس الحرارة؛ ومن ثَمَّ، فإن المواعدة مع بوب — التي كانت قيمتها ?? يوتل في المقياس القديم — صارت قيمتها ??? يوتل في المقياس الجديد.
في نماذج المحاكاة التي تناولناها حتى الآن، لم يكن أمام أليس وبوب سوى نتيجتين لتقييمهما، وهما «الفوز» أو «الخسارة». ويمكننا بحُريةٍ أن نعيِّن لهاتين النتيجتين أيَّ عددٍ نختاره من وحدات اليوتل، ما دام عدد وحدات اليوتل الذي عيَّنَّاه للفوز يَزيد عن العدد الذي عيَّنَّاه للخسارة. إذا عيَّنَّا العدد +? يوتل للفوز والعدد ?? يوتل للخسارة، فإننا نحصل على جدولَي عوائد كالموضحَيْن في شكل ?-?. يبلغ مجموع العوائد في كلِّ خلية في لعبة مطابقة العملات المعدنية في شكل ?-? صفرًا دائمًا. ونستطيع دائمًا ضبط الأمور بحيث يمْكننا تطبيق ذلك في لعبة نزاعٍ خالص. تُعرف هذه الألعاب بألعاب المجموع الصفري، ويُطلق عليها أيضًا ألعاب الحالة المتعادلة أو ألعاب اللامكسب واللاخسارة. وعندما يخبرنا الخبراء أن الحياة ليست لعبة مجموعٍ صفري، فإنهم لا يقصدون بذلك المجموع الكلي للسعادة في العالم من قريبٍ أو بعيد، بل يُذكِّروننا فقط بأن الألعاب التي نلعبها في الحياة الواقعية نادرًا ما تكون ألعاب نزاعٍ خالص. شكل ?-?: المكاسب العددية.
(?) توازن ناش

ما زال الفيلم القديم «متمرد بلا قضية» يُعْرَض من حينٍ لآخر، ويحقِّق نسبة مشاهدة بسبب بطله الذي لا يُنسَى — جيمس دين — الذي لعب دور المراهق المتمرد الجذَّاب. وصُمِّمت لعبة ضبط الأعصاب لإحياء ذكرى مشهدٍ في الفيلم يقود فيه جيمس دين وصبيٌّ آخر سيارتَيهما باتجاهِ حافَة منحدَرٍ صخري لِيَرَوا مَن سيفقد أعصابه أولًا. وقد استخدم برتراند راسل هذا الحدث ووظَّفه توظيفًا مشهورًا كنايةً عن الحرب الباردة.
ومن جانبِي، فإنني أفضِّل شرح لعبة ضبط الأعصاب باستخدام روايةٍ رتيبةٍ يكون فيها أليس وبوب شخصَين في متوسط العمر، يقترب أحدهما من الآخر فيما يقودان سيارتَيهما في شارع ضيِّق لا يستطيعان أن يعبُراه بأمان إلا بأن يبطئ أحدهما عن الآخر. ويترتب على ذلك اتخاذ الاستراتيجيَّتَين الموضَّحتين في شكل ?-?؛ «إبطاء» و«إسراع». يقلل المشهد الجديد من قيمة عنصر المنافسة في الرواية الأصلية؛ فلعبة ضبط الأعصاب تختلف عن ألعاب المجموع الصفري التي من أمثلتها لعبة مطابقة العملات المعدنية؛ لأن اللاعبين لديهم أيضًا اهتمام مشترك في تفادي كارثة متبادلة.
إنَّ التنميط المُتَضمَّن في لعبة الصراع بين الجنسين يسبق حركة تحرير المرأة. أليس وبوب زوجان حديثَا الزواج، يقضيان شهر العسل في نيويورك. وبينما هما يتناولان طعام الإفطار، يناقشان إنْ كانا سيَحضران في المساء مباراةً للملاكمة أم حفلًا للباليه، لكنهما يفشلان في الوصول إلى قرار، ثم يفصلهما الزحام في وقتٍ لاحق، ويتعيَّن على كلٍّ منهما في هذه اللحظة أن يقرِّر، مستقلًّا عن الآخر، أين يذهب في المساء.
شكل ?-?: ألعاب ذات دوافع مختلطة.
تؤكِّد الرواية المصاحِبة لِلُعبة الصراع بين الجنسين على الخصائص التعاونية في مسألتهما، لكن يوجد أيضًا عنصر نزاعي غائب عن لعبة القيادة؛ لأن كل لاعب يفضِّل التنسيق مع نظيره للوصول إلى نتيجةٍ مختلفة؛ فأليس تفضِّل حفل الباليه وبوب يفضِّل مباراة الملاكمة.
شكل : جيمس دين.
(?-?) جون ناش

لقد صار جون ناش معروفًا للجميع بعد تقديم قصة حياته في فيلم «عقلٌ جميل». إنَّ تقلُّبات حياته، كما وثَّقها الفيلم، تقع خارج نطاق خبرة معظم البشر. كان ناش طالبًا جامعيًّا عندما وضع النظرية الحديثة للتفاوض العقلاني. وصاغت رسالتُه للدكتوراه مفهومَ توازن ناش، الذي يُعتبر الآن الركيزة الأساسية في نظرية الألعاب. واستمر ناش في حل مسائل رياضية أساسية في الرياضيات البحتة، باستخدام طرق جديدة مُبتكرة، حتى ذاع صيته كعالم رياضياتٍ عبقريٍّ من الطراز الأول. لكنه وقع فريسةَ مرضِ انفصام الشخصية الذي حطم حياته العملية، وفي نهاية الأمر أصابه بالوهن وجعله يعيش في عزلةٍ لمدةٍ تزيد عن أربعين عامًا؛ حيث أصبح مثار تهكُّمٍ بين الحين والآخر في حرم جامعة برينستون. وعندما نتذكَّر تَعافِيَه المؤقت في الوقت الذي حصل فيه على جائزة نوبل عام ????، فإن الأمر يبدو كما لو أننا بصدد معجزة. لكن كما علَّق ناش، فمِن دون «جنونه» كان من الممكن أن يكون مجرد شخصٍ آخرَ من جموع البشر الذين عاشوا على هذا الكوكب ورحلوا عنه دون أن يُخلِّفوا وراءهم أي أثرٍ لوجودهم.
شكل : جون ناش.
على الرغم من ذلك، لا يحتاج المرء إلى أن يكون عبقريًّا متقلِّبَ المزاج لفهم توازن ناش. لقد رأينا أن العوائد في أي لعبة إنما تُختار بحيث تؤكِّد مرارًا وتكرارًا على أن اللاعبين — بافتراض عقلانيتهم — سيسعَون إلى زيادة متوسط عوائدهم. وسيكون هذا سهلًا إذا عَرف اللاعبون الاستراتيجيات التي سيختارها خصومهم. على سبيل المثال، إذا عرفتْ أليس أن بوب سيختار «الباليه» في لعبة الصراع بين الجنسين، فإنها ستعمل أيضًا على تعظيم عائدها باختيار «الباليه». وهذا يعني أن «الباليه» هو الرد الأمثل لأليس على اختيار بوب ? «الباليه»، وهذه الحقيقة موضَّحة في شكل ?-? بالدائرة المرسومة حول عائد أليس في الخلية الناتجة في حال اختيار اللاعبَيْن لخيار «الباليه». إنَّ توازن ناش عبارة عن زوجٍ من الاستراتيجيات تَنتج عن استخدامه خلية يكون فيها كلا «العائدين» محاطًا بدائرة. وعلى نحوٍ أكثر تعميمًا، يتحقَّق توازن ناش عندما يختار اللاعبون كلُّهم في آنٍ واحدٍ ردًّا أمثل على الاستراتيجيات المختارة من قِبل الآخرين.
لذلك، يمثِّل كلٌّ مِن الزوج المرتَّب («ملاكمة»، «ملاكمة») و(«باليه»، «باليه») توازُن ناش في لعبة الصراع بين الجنسين. وبالمثل، يمثِّل الزوج المرتَّب («إبطاء»، «إسراع») و(«إسراع»، «إبطاء») توازُن ناش في لعبة ضبط الأعصاب.
لماذا ينبغي علينا الاهتمام بتوازنات ناش؟ ثَمَّةَ سببان أساسيان؛ يفترض السبب الأول أن اللاعبين العقلانيين — في الوضع المثالي — يستنتجون حل أي لعبةٍ بطريقةٍ عقلانية. ويفترض السبب الثاني أن الناس يتوصَّلون إلى حلٍّ ما باستخدام أسلوبٍ تطوُّريٍّ معيَّنٍ يقوم على المحاولة والخطأ. وتنشأ معظم القوة التنبُّئية لنظرية الألعاب من احتمال التنقُّل بين هذين التفسيرين التبادليين. ومع أننا لا نعرف سوى القليل عن تفاصيل الأساليب التطوُّرية، نستطيع أحيانًا أن نمضيَ قدمًا للتنبؤ بما ستؤدي إليه هذه الأساليب التطوُّرية في نهاية المطاف بالسؤال عما سيفعله اللاعبون العقلانيون في الموقف محل الدراسة.
(?-?) التفسير العقلاني

افترضْ أن شخصًا ما يفوق مهارة ناش أو فون نيومان بكثيرٍ، ألَّفَ كتابًا يسرد فيه كل الألعاب الممكنة، وأَوْرَدَ توصياتٍ موثوقًا بها عن الكيفية التي يجب أن يلعب بها اللاعبون المنطقيون كل لعبة. مثل هذا الكتاب الرائع سيَختار حتمًا توازُن ناش كحلٍّ لكلِّ لعبة. وإلا فسيكون من المنطقي أن يَحيد لاعبٌ واحد على الأقل عن توصية الكتاب؛ مما يجعله كتابًا غير جديرٍ بالثقة.
افترض، مثلًا، أن الكتاب أوصى أن يختار كلا الولدين المراهقَيْن في لعبة ضبط الأعصاب «إبطاء» كما تتمنى والدتاهما. إذا كان الكتاب موثوقًا به، فمِن المفترَض أن كلًّا مِن اللاعبَيْن سيعلم أن الآخر سوف يختار «إبطاء». لكنْ بافتراض عقلانية اللاعبَيْن، فإن اللاعب العقلاني في لعبة ضبط الأعصاب الذي يعلم أن خصمه سيختار «إبطاء» سوف يختار حتمًا «إسراع»؛ مما يدحض الادِّعاء بأن الكتاب موثوقٌ به.
لاحظ أن المنطق الذي يقوم عليه هذا الدفاع عن توازنات ناش منطق دائري. لماذا تلعب أليس بهذه الطريقة؟ لأن بوب يلعب بتلك الطريقة. ولماذا يلعب بوب بهذه الطريقة؟ لأن أليس تلعب بتلك الطريقة.
يوجد العديد من التسميات اللاتينية لِمَن لا يروق لهم مصطلح المنطق الدائري. عندما اتُّهِمتُ في البداية باقتراف مغالطة «الاستدلال الدائري» (باللاتينية: circulus in probando) عند الحديث عن التوازنات، كان عليَّ أن أكشف عن معنى هذا المصطلح اللاتيني؛ فتبيَّن أنني كنت محظوظًا أنْ لم أُتَّهَم بما هو أكثر ضررًا بالسُّمعة؛ وهو المغالطة المنطقية المعروفة باسم «المصادرة على المطلوب»، التي تَفترض المعطياتُ فيها أن الاستنتاجَ صحيحٌ بالفعل وتَعْمِد إلى إثباته. لكنَّ جميع الحجج لا بد أن تكون حتمًا دائريةً أو أن تُختَزل إلى سلسلةِ ارتدادٍ لا نهائيٍّ لو لم يكفَّ الشخص مطلقًا عن السؤال عن «السبب». وأكثر الأمثلة المألوفة لسلسلة الارتداد اللانهائي هي مثال التعريفات الواردة في القواميس. في الألعاب، يمكننا إما أن نتوقع سلسلة ارتدادٍ لا نهائي تستمر للأبد، وتبدأ ?: أليس تعتقد أن بوب يعتقد أن أليس تعتقد أن بوب يعتقد …
وإما أن نلجأ إلى المفهوم الدائري المضمَّن في فكرة توازن ناش. ويعمل هذا على تفادي الارتداد اللانهائي بملاحظة أن أيَّ استراتيجيةٍ أخرى موضوعةٍ سوف تفقد توازنها عندما يبدأ اللاعبون في التفكير فيما يفكر فيه اللاعبون الآخرون. أو دعونا نَصُغْها بعبارةٍ أخرى: إذا كانت اعتقادات كل لاعب عن استراتيجيات اللاعب الآخر متسقةً منطقيًّا، يجب أن يكونا إذن في حالة توازن. (?-?) التفسير التطوري

كان للتفسير العقلاني لتوازن ناش تأثيرٌ كبيرٌ على واضعي نظرية الألعاب الأوائل، لدرجة أن التفسير التطوُّري كاد يُهمل تمامًا. وحتى المحرِّرون في الدورية التي نشر فيها ناش أبحاثه عن التوازنات ضربوا بملاحظاته في هذا الموضوع عُرض الحائط وكأنها بلا فائدة! لكن نظرية الألعاب لم تكن تستطيع أبدًا أن تتنبَّأ بسلوك الأشخاص العاديين لو أن التفسير التطوُّري غير سليم. فعلى سبيل المثال، فكَّر الرياضي المشهور إيميل بوريل في نظرية الألعاب قبل فون نيومان، لكنه توصَّل إلى استنتاج أن نظرية أدنى الأقصى يُحتمَل أن تكون خطأً. فأيُّ أمل سيبقى لنا إذا كان شخصٌ في مهارة بوريل لم يستطِعْ أن يستنتج حلًّا عقلانيًّا لأبسط فئةٍ من الألعاب؟!
توجد الكثير من التفسيرات التطوُّرية الممكنة لتوازنات ناش، وجميعها يختلف في عملية التوافق التي يمكن للاعبين من خلالها التوصُّل إلى توازن. في عملية التوافق الأبسط، تتحدد العوائد في لعبةٍ ما بمدى صلاحية اللاعبين؛ وبناءً عليه، فإن العمليات التي تُحابي الاستراتيجيات الأكثر صلاحية على حساب الاستراتيجيات الأقل نجاحًا لا يمكن أن تصبح عديمة الجدوى إلا عندما نصل إلى توازن ناش؛ لأن في هذه الحالة فقط ستكون كل الاستراتيجيات المتبقية صالحةً بالقدر الذي يتناسب مع الظروف وقتها؛ لذلك، ليس بالضرورة أن يكون اللاعبون عباقرةً في الرياضيات حتى تكون توازنات ناش مناسبةً لهم؛ فهذه التوازنات غالبًا ما تتنبَّأ بسلوك الحيوانات على نحوٍ جيدٍ للغاية. كما أن المدلول التطوُّري لتوازنات ناش لا يقتصر على علم الأحياء؛ فهي تؤدي دورًا تنبُّئيًّا في كلِّ مرةٍ تَميل فيها إحدى عمليات التوافق إلى استبعاد الاستراتيجيات التي تُحقِّق عوائدَ منخفضة.
على سبيل المثال، يتعرَّض سماسرة الأوراق المالية الذين يُحقِّقون عوائدَ أقل من منافسيهم للإفلاس؛ لذلك، فإن المبدأ العام الذي يستخدمه السماسرة يخضع لنفس نمط دوافع التطوُّر، مثله مثل جينات الأسماك والحشرات؛ ومن ثَمَّ، فمِن البديهي أن نُنْعم النظر في توازنات ناش في الألعاب التي يمارسها هؤلاء السماسرة، على الرغم من علمنا جميعًا أن بعض السماسرة لن يتمكَّنوا من تحقيق هذه الغاية في ظل طبيعة السوق المكشوفة، فما بالك في وجود كتابٍ لنظرية الألعاب.
(?) معضلة السجينين

إنَّ لعبة معضلة السجينين هي اللعبة الأكثر شهرةً على الإطلاق بين نماذج المحاكاة؛ ففي الرواية التقليدية لهذه اللعبة، أليس وبوب عضوان في إحدى العصابات في شيكاجو في عشرينيات القرن العشرين. يعلم وكيل النيابة أنهما مذنبان في جريمةٍ كبرى، لكن لا يستطيع أن يَتهم أيًّا منهما إلا إذا اعترف أحدهما. فأَمَر بالقبض عليهما، وعَرَض على كلٍّ منهما على حِدَةٍ الاتفاقَ التالي: إذا اعترفتَ ولم يعترفْ شريكك في الجريمة، فسوف يُطلَق سراحك. وإذا لم تعترفْ واعترفَ شريكك، فستصبح مُدانًا ويُحكَم عليك بقضاءِ أقصى مدةٍ في السجن. وإذا اعترفتما أنتما الاثنان، فسوف تثبُت إدانتكما ولكن لن يُحكم عليكما بأقصى مدة. وإذا لم يعترف أيٌّ منكما، فستُلفَّق لكما تهمة تهرُّبٍ ضريبيٍّ تكون فيها الإدانة مؤكَّدة.
تصبح الرواية أكثرَ تأثيرًا إذا كانت أليس وبوب قد اتَّفقا على أن يَلزما الصمت إذا حدث أن تعرَّضا لموقفٍ كهذا؛ ومن ثَمَّ، يكون التزام الصمت تعاونًا، بينما يكون الاعتراف تخليًا عن العهد الذي قَطَعَاه، كما هو مبيَّن في الجدول الأيمن في شكل ?-?. والعوائد في الجدول هي السنوات المفترض قضاؤها في السجن (على افتراض أن اليوتل الواحد يمثل دائمًا الفوز بسنةٍ إضافيةٍ واحدةٍ يقضيها حرًّا طليقًا). ولنأخذ مثالًا على ذلك روايةً أقل تكلُّفًا يُمنَح فيها كلٌّ مِن أليس وبوب مبلغًا من المال. ويُسمَح لكلٍّ مِنهما على حدةٍ أن يعطيَ خصمه دولارين من هذا المبلغ، أو يَسحب دولارًا واحدًا منه ويضعه في جيبه. على افتراض أن أليس وبوب يهتمان فقط بالمال، فإننا نصل إلى جدول العوائد الأيسر في شكل ?-?؛ حيث تُمثَّل الدولارات بوحدات اليوتل. وفي هذه الحالة، يُطلَق على استراتيجية الإيثار التي يعطي فيها أحد اللاعبَيْن دولارين للآخر اسمُ «حمامة»، في حين يُطلق على استراتيجية الأثرة التي يأخذ فيها أحد اللاعبَيْن دولارًا واحدًا اسمُ «صقر».??? شكل ?-?: الروايتان المصاحِبتان لِلُعبة معضلة السجينين: في الرواية على الجانب الأيمن، تمثِّل «حمامة» استراتيجية العطاء، ويمثِّل «صقر» استراتيجية الأخذ.
يتبيَّن عن طريق وضع دائرة حول الردود المُثلى أنَّ توازُن ناش الوحيد في الرواية المعدَّلة مِن لُعبة معضلة السجينين (الأخذ أو العطاء) هو أن يلعب كلٌّ مِن أليس وبوب «صقر»، على الرغم من أنهما سيحصلان على المزيد إذا لعب كلاهما «حمامة». وتتضمن رواية رجال العصابة استراتيجيةً مماثلة؛ ففي ظل توازن ناش الفريد، سيخون كلٌّ مِنهما العهد، وسيترتب على ذلك أن كليهما سيقضي وقتًا طويلًا في السجن، بينما سيحصلان على عقوبة أخف في حال تعاونهما.
(?-?) مفارقة العقلانية

اقتنع جيلٌ كامل من الباحثين بأن لعبة معضلة السجينين تجسِّد جوهر مسألة التعاون الإنساني؛ وبذلك، يكونون قد حمَّلوا أنفسهم مهمةً يائسة تتمثل في الكشف عن الأسباب التي تبرهن على عدم صحة الحل الذي تُقدمه نظرية الألعاب ? «مفارقة العقلانية» المزعومة (راجع مغالطات معضلة السجينين، الفصل العاشر). لكنَّ خبراء نظرية الألعاب، على الجانب الآخر، يرَون أنه من الخطأ تمامًا الزعم بوجود صلة من قريبٍ أو بعيد بين لعبة معضلة السجينين والتعاون الإنساني. بل على العكس من ذلك، فهي تستعرض موقفًا تقلُّ فيه احتمالات وجود أيِّ مظهرٍ مِن مظاهر التعاون.
إذا كانت لعبة معضلة السجينين تقدِّم النموذج الأمثل لِلُعبة الحياة الكبرى التي يمارسها أفراد الجنس البشري، فما كنا لنتطور أبدًا في هيئة كائناتٍ اجتماعية؛ لذا، فإننا لا نرى سببًا يدعو إلى حل مفارقة العقلانية المُفتَعلة هذه أكثر من تفسير السبب في أن الناس يتعرَّضون للغرق إذا أُلقي بهم في بحيرة ميشيجان وأقدامُهم موضوعة في ألواحٍ خرسانية. لا وجودَ لمفارقة العقلانية؛ فاللاعبون العقلانيون لا يتعاونون في معضلة السجينين؛ لأن الشروط الواجب تَوافُرها لحدوث التعاون العقلاني غير متوافرة.
من حُسن الحظ أن مرحلة مفارقة العقلانية في تاريخ نظرية الألعاب على وشك الانتهاء. ولا يزال يُستشهد بالمغالطات العديدة — بقدرِ ما يمكن أن نَذكر منها الآن — التي اختُلقت في محاولاتٍ بائسة لبيان أنه من العقلاني حدوث تعاونٍ في معضلة السجينين، غالبًا كأمثلةٍ مُسَلِّيَةٍ لما يُطلِقُ عليه علماءُ النفس التفكيرَ السحريَّ أو الخُرافيَّ؛ حيث يُحرَّف المنطق من أجل الوصول إلى نتيجةٍ مرغوبٍ فيها بعينها. والمثال المفضَّل لديَّ هو ما ذهب إليه إيمانويل كانط في الزعم بأن العقلانية تقتضي الإذعان لما يُطلِق عليه «الأمر المطلق». ففي معضلة السجينين، سيختار كل اللاعبِين العقلانيِّين «حمامة»؛ لأن هذه هي الاستراتيجية المُثلى لو اختارها الجميع.
(?-?) الهيمنة

إنَّ فكرة الجزم بأنه من غير العقلانيِّ الإتيانُ بأفعالٍ سيئةٍ بوازعِ أنَّ الجميع يأتونها؛ هي فكرةٌ شائعة للغاية. ومن المحتمَل أن والدتك — مثل والدتي — كانت تعشق هذه الحُجة؛ لذا، فالأمر يستحق أن نشير مرارًا وتكرارًا إلى الحُجة القوية التالية في حالة معضلة السجينين.
حتى لا نستجديَ أيَّ أسئلة، سنستهلُّ حديثنا بالسؤال عن مصدر العوائد التي تمثل تفضيلات اللاعبَيْن في لعبة معضلة السجينين. وفقًا لنظرية التفضيل الموضَّح، ينبع الرد من ملاحظة الاختيارات التي تختارها (أو قد تختارها) أليس وبوب عند حل مسائل تتعلق باتخاذ قراراتٍ فردية.
لذا، فإنَّ كتابة عائد أكبر لأليس في الخلية بالركن الأيسر السفلي من جدول العوائد في لعبة معضلة السجينين بدلًا من الخلية في الركن الأيسر العلوي؛ تعني أن أليس سوف تختار «صقر» في مسألة اتخاذ القرار الفردي التي هي بصددها إذا علمت سابقًا أن بوب قد اختار «حمامة». وبالمثل، فإنَّ كتابة عائد أكبر في الخلية في الركن الأيمن السفلي تعني أن أليس كانت ستختار «صقر» عند مواجهة مسألة اتخاذ القرار الفردي حين علمتْ سابقًا أن بوب قد اختار «صقر».
بناءً على ذلك، فإن التعريف الأمثل للُّعبة ينص على أنَّ «صقر» هو الرد الأمثل لأليس عندما تَعْلم أن اختيار بوب هو «حمامة»، وكذلك عندما تعلم أن اختياره هو «صقر»؛ ومن ثَمَّ، فهي لا تحتاج إلى معرفة أي شيءٍ عن اختيار بوب الفعلي كي تعلم الاختيار الأمثل لها. ومن العقلاني بالنسبة إليها أن تختار «صقر» بصرف النظر عن الاستراتيجية التي يخطِّط لاختيارها. وفي ظل هذا الظرف الاستثنائي، نقول إنَّ الاختيار «صقر» يُهيمن على الاستراتيجية البديلة لأليس؛ لأنه يؤدي إلى نتائجَ أفضل.
(?-?) أوجُه الاعتراض على التحليل السابق

ثَمَّةَ اعتراضان متعارَف عليهما على التحليل السابق؛ الأول يرفض فكرة أن أليس كانت ستختار خيانة العهد في رواية رجال العصابة لِلُعبة معضلة السجينين إذا علمت أن بوب اختار أن يتعاون. وقُدِّمت أسبابٌ عديدة استنادًا إلى ما يظنه الشخص بشأن الظروف التي كانت تعيشها شيكاجو أيام آل كابون، لكن هذه الاعتراضات لا تدرِك الفكرة الأساسية للُّعبة. فإذا قررت أليس ألا تخونَ العهد عندما تعلم أن بوب اختار أن يتعاون، فلن تكون إذنْ بصدد لَعِب معضلة السجينين. ففي هذا الكتاب وغيره، من المهم عدم أخذ الروايات المستخدَمة لتحفيز دراسة الألعاب وإضفاء طابعٍ من التشويق عليها، على محمل الجدية الشديدة. فجداول العوائد في شكل ?-? هي التي تُحدِّد مفهوم لعبة معضلة السجينين، وليست الروايات الساذجة التي تصاحبها. أمَّا بالنسبة إلى الاعتراض الثاني، فهو دائمًا ما يُحيِّرني؛ فيُقال إنَّ الاحتكام إلى نظرية التفضيل الموضَّح يختزل الادِّعاء بأنه «من العقلاني خيانة العهد في معضلة السجينين» إلى حشوٍ أجوف. وبما أن الحشو لا ينطوي على مضمونٍ جوهري، فمِن الممكن إذن تجاهُل هذا الزعم. لكن، ثَمَّةَ مسلَّمات من قبيل ? + ? = ? لا يمكن للمرء أن يتبنَّى الموقف نفسه حيالها.
(?-?) تجارب

إنَّ الرد البديل أن تحديد ما هو عقلاني ليس بالأمر المهم في لعبة معضلة السجينين؛ لأن التجارب المعملية تؤكِّد أن الناس في الحياة الواقعية يختارون بالفعل «حمامة». ولا تُحدَّد عادةً العوائدُ في هذه التجارب باستخدام نظرية التفضيل الموضَّح. وغالبًا ما تكون هذه العوائد مجردَ أموال، ومع ذلك فالنتائج مفيدة للغاية من الناحية العلمية.
في حقيقة الأمر، يتعاون اللاعبون غير المتمرِّسين لما يزيد عن نِصف الوقت في المتوسط. وثَمَّةَ أدلة دامغة في ألعابٍ مثل معضلة السجينين على أن معدل الخيانة يزداد بدرجةٍ ثابتةٍ بازدياد مستوى الخبرة لدى اللاعبين، حتى نجد أن نحو ??? فقط من اللاعبين هم الذين يستمرُّون في التعاون بعد عشر محاولاتٍ أو نحو ذلك.
يشار أيضًا في هذا الصدد إلى عمليات المحاكاة الحاسوبية التي تفترض أنَّ تطوُّر الأحداث في لعبة معضلة السجينين سيؤدِّي في النهاية إلى حدوث تعاون، لكنَّ هذه الآراء تخلط عادةً بين لعبة معضلة السجينين والألعاب الشبيهة بها التي تتكرَّر إلى ما لا نهاية، ويتحقَّق فيها توازن ناش فعليًّا من خلال التعاون (راجع لعبة «واحدة بواحدة»، الفصل الخامس).

الفصل الثاني
دراسة الاحتمالات


إنَّ تحليل الكاتب كونان دويل لرؤيته التي أوردها عن لعبة مطابقة العملات المعدنية في رواية «المسألة الأخيرة»؛ لا يعكس الكثير من البراعة الفكرية المزعومة لبطله. أما الكاتب والروائي إدجار آلان بو، فيقدِّم عملًا أفضل في روايته «الرسالة المسروقة»؛ حيث يسرق الوزير (الذي يؤدِّي شخصية الشرير في الرواية) رسالةً، وتكمن المشكلة في تحديد المكان الذي يتعيَّن البحث فيه عن هذه الرسالة.
يرى بو أنَّ السبيل إلى حل هذا اللغز هو المُضيُّ في سلاسل التفكير من قبيل «هو يعتقد أنني أعتقد أنه يعتقد أنني أعتقد …» إلى ما هو أبعد من منافسك بخطوةٍ واحدة. ودفاعًا عن هذه الفرضية، فقد اختلق بو صبيًّا يفوز باستمرارٍ في لعبة مطابقة العملات المعدنية من خلال محاكاة تعبيرات وجهِ منافسه؛ ومن ثَمَّ يتعرَّف بذلك على ما يجول بخاطره في اللحظة الراهنة. ومن المثير للدهشة بكل تأكيدٍ الطريقةُ التي يكشف بها العديد من لاعبي البوكر عن بطاقاتهم بطريقةٍ غير مقصودةٍ لعجزهم عن التحكُّم في لغة أجسادهم، لكن لا يستطيع «كلٌّ» مِن أليس وبوب استخدام حيلة بو بنجاحٍ حتى لو تعلَّم أيٌّ مِنهما التحكُّم في تعبيرات وجهه على النحو الذي لا يمكن معه للطرف الآخر أن يستشِفَّ أيَّ انفعالٍ أو انطباعٍ لديه.
تتفادى نظريةُ الألعاب سلسلةَ الارتداد اللانهائي الواضحة التي واجهتْها أليس وبوب باللجوء إلى فكرة توازن ناش. ولكن ما زالت لدينا مشكلة؛ لأنَّ وضع دائرة حول الردود المُثلى لا يُجدي مع لعبة مطابقة العملات المعدنية؛ فبعد وضع دائرة حول العوائد التي تُمثل ردودًا مُثلى في شكل ?-?، نتوصَّل في النهاية إلى حالتين من توازن ناش في لعبة القيادة، بينما لا نتوصل إلى أيِّ توازنٍ في لعبة مطابقة العملات المعدنية. ربما تبدو هذه الحقيقة غامضة لمَنْ يذكرون أن سبب فوز جون ناش بجائزة نوبل يرجع جزئيًّا إلى كونه أثبتَ أنَّ لجميع الألعاب المتناهية توازنًا واحدًا على الأقل. والرد على هذا الغموض هو أننا في حاجةٍ إلى النظر لما هو أبعد من الاستراتيجيات الخالصة التي درسناها حتى الآن، والتطرُّق أيضًا إلى دراسة الاستراتيجيات المختلطة.
(?) هل ثَمَّةَ منطق للاختيارات العشوائية؟

تقتضي الاستراتيجية المختلطة أن يختار اللاعبون استراتيجياتهم الخالصة عشوائيًّا. من الطبيعي الاعتراض على مقولة إن الأشخاص المختلين عقليًّا هم فقط مَنْ يتَّخذون قراراتٍ جديةً بطريقةٍ عشوائية، لكن الاستراتيجيات المختلطة تُستخدَم طوال الوقت دون أن يدرك أحدٌ ذلك.
إنَّ مثالي المفضَّل في هذا الصدد عندما كنتُ أقدِّم استشارة لشركة رحلاتٍ سياحيةٍ شاملةٍ بشأن مسألةٍ تنظيمية. وفقًا لتنبُّؤات نظرية الألعاب، سوف تستخدم هذه الشركة استراتيجيةً مختلطةً في لعبة تحديد الأسعار التي تلعبها عندما يتَّضح أن الطلب على الرحلات السياحية أثناء العطلات محدودٌ للغاية على نحوٍ غير متوقَّع. ولكن عندما سألتُ مسئولًا تنفيذيًّا كبيرًا إذا ما كانت شركته قد انتهجت أسلوبًا عشوائيًّا في تحديد أسعار العام السابق، بدا عليه الانزعاج الشديد من هذا الاقتراح الغريب. وعندما سألتُه عن سر التبايُن الشديد إذن في أسعار الرحلات السياحية المتشابهة، كانت إجابته تحمل دلالةً علميةً مفيدة: «يجب أن تَفرض على المنافسين الدخول في حالة من التخمين المستمر.»
يتَّضح من إجابته أنه يفهم جيدًا السبب الذي لأجله تُوصي نظرية الألعاب باستخدام الاستراتيجيات المختلطة. ولكن، ما لم يرغب في الاعتراف به هو أن طريقةَ شركته في تحديد الأسعار هي في الأساس طريقة عشوائية. فلَم يُنظِّم أحد داخل هذه الشركة سياسة التسعير، ولم يضع أحد خطةً لها. ولكن من وجهة نظرِ منافسٍ يحاول التنبُّؤ بالأسعار التي ستفرضها شركته مقابل قضاء أسبوعين في جزر الباهاما، من المحتمَل الأخذ بأداة الاختيار العشوائي.
(?) توازنات ناش المختلطة

إنَّ استخدام الاستراتيجيات المختلطة ليس بالأمر المستغرَب على الإطلاق في لعبة مطابقة العملات المعدنية؛ حيث تكمن الفكرة كلُّها في إدخال الخصم في حالةٍ من التخمين المستمر. وكما هو معلومٌ بداهةً، فإنَّ الحل هو التبديل على نحوٍ عشوائيٍّ بين الاختيارين «صورة» و«كتابة». وإذا استَخدم كلا اللاعبَيْن هذه الاستراتيجية المختلطة، فإن النتيجة هي الوصول إلى حالةٍ من توازن ناش؛ ومن ثَمَّ، يفوز كل لاعب لِنِصف الوقت، وهو أفضل ما يمكن لكلٍّ منهما فعله في ضوء الاستراتيجية التي يختارها اللاعب الآخر.
بالمثل، يصل اللاعبان في لعبة القيادة إلى توازن ناش إذا اختار كلٌّ منهما «يسار» و«يمين» بقدر متساوٍ من الاحتمالية، وهو ما يُحقِّق بدوره ثلاث حالاتٍ من توازن ناش؛ حالتين خالصتين وحالةً ثالثة مختلطة. وينطبق الأمر نفسه على لعبتَي ضبط الأعصاب والصراع بين الجنسين، إلا أن توازن ناش المختلط في لعبة الصراع بين الجنسين يتطلَّب من كلا اللاعبَيْن أكثر مما يحصل عليه ببساطةٍ كلٌّ مِنهما من استراتيجياته الخالصة التي تشترك في القدر نفسه من الاحتمالية.
شكل : رمي النَّرْد.
في لعبة الصراع بين الجنسين، يحب بوب لعبة الملاكمة ضِعف حبه للباليه؛ لذلك على أليس أن تختار «الملاكمة» نِصف عدد المرات التي يختار بوب فيها «الباليه»، حتى تضمن أن بوب يُحصِّل نفس العائد في المتوسط مِن استراتيجيَّتَيه الخالصتين. ونظرًا لأن بوب لا يهتم بتحديد أيٍّ من استراتيجيَّتيه الخالصتين سيتَّبع خلال اللعب، فجميع استراتيجِيَّاته إذن ستكون على الدرجة نفسها من الملاءمة، بما في ذلك الاستراتيجية المختلطة التي تجعل احتمالية اختيار «الباليه» نِصف احتمالية اختيار «الملاكمة». لكن استخدام هذه الاستراتيجية المختلطة يجعل أليس غير متحيِّزة لأيٍّ من استراتيجيَّتَيها الخالصتين؛ ومن ثَمَّ، تتساوى جميع استراتيجِيَّاتها في درجة الملاءمة، بما في ذلك الاستراتيجية المختلطة التي تجعل احتمالية اختيار «الملاكمة» ضِعف احتمالية اختيار «الباليه». ويتَّضح من هذه الحلقة المكتمِلة أننا توصَّلنا إلى حالةٍ من توازن ناش المختلط يتبع فيها كلٌّ مِن أليس وبوب استراتيجِيَّته المفضَّلة لثُلثي الوقت.
(?-?) إدخال الخصم في حالةٍ من عدم التحيُّز لأيٍّ من الاستراتيجيات المطروحة

إنَّ اللاعبِين العقلانيين لا يلجَئُون إلى المفاضلة على نحوٍ عشوائيٍّ بين استراتيجيَّتَين خالصتين إلا إذا كانوا يشعرون بعدم التحيُّز لأيٍّ منهما. وإذا كانت إحدى الاستراتيجيتين أفضل من الأخرى، فلا سبيل مطلقًا إلى الأخذ بالاستراتيجية الأسوأ أثناء اللعب. فما الذي يجعلك غيرَ متحيِّزٍ لأيٍّ من الاستراتيجيتين؟ يرجع السبب في لعبة الصراع بين الجنسين إلى اعتقادك أن مُنافسك سيختار استراتيجية مختلطة تُعادل متوسط العائد الذي تحصل عليه من كل استراتيجية من استراتيجيَّتَيك. وتؤدِّي هذه الخاصية لتوازن ناش المختلط أحيانًا إلى نتائج تبدو للوهلة الأولى متناقضةً.
تُلعب لعبة السامري الصالح من قِبل مجموعة من اللاعبين المتماثلين، يبحثون جميعًا عن شخصٍ يستجيب لاستغاثتهم. يحصل كل لاعب على عشر وحداتٍ من اليوتل إذا حظي بمساعدة شخصٍ ما، ولا يحصل على أي شيءٍ إذا لم يحظَ بأي مساعدة. ولكنَّ العقبة أن المساعدة تُسبِّب ضررًا للاعب الذي يعرض المساعدة؛ إذ يتعيَّن خصم يوتل واحد من عوائده.
إذا لم يعتزم أحدٌ المساعدةَ، فالحل الأمثل هو أن تَعْرض المساعدة بنفسك. أما إذا كان الجميع يعتزم المساعدة، فيمكنك زيادة مكسبك لأقصى درجة بالوقوف ساكنًا دون فعل شيء؛ لذلك، فالسيناريو الوحيد المحتمَل للوصول إلى توازن ناش في هذه الحالة هو أن يستخدم الجميع الاستراتيجية نفسها على نحوٍ مستقل، ولا بد بالضرورة أن تكون استراتيجيةً مختلطة. في توازن ناش المختلط هذا، يُفترض بالضرورة أن يوجد احتمال واحد بين كل عشرة احتمالات لعدم عرض المساعدة من أي شخص؛ لأن هذه هي الوتيرة التي تجعلك غيرَ متحيِّزٍ لفكرة تقديم المساعدة أو عدم تقديمها.
إنَّ الاحتمال الفعلي لتقديم المساعدة في حالة التوازن يكون أعلى إلى حدٍّ ما؛ نظرًا لاحتمالية تقديم المساعدة بنفسك. ولكن، يقل احتمال تقديم أي لاعب منفرد للمساعدة في حالة التوازن مع تزايد عدد اللاعبين؛ لأن احتمال عدم تقديم المساعدة من قِبل أي لاعب يظل ثابتًا عند النسبة ??/???؛ لذا، كلما زاد عدد اللاعبين يقل احتمال تقديم المساعدة من قِبل أي لاعب. فمع وجود لاعبَين اثنين فقط، يكون احتمال تقديم المساعدة من قِبل كلٍّ منهما هو ??/??? ويجري تجاهل الاستغاثة مرةً واحدةً فقط كل مائة مرة. ومع وجود مليون لاعب، يقل احتمال تقديم المساعدة من قِبل كل لاعب لدرجة تجاهُل الاستغاثة تمامًا مرةً واحدةً كل عشر مرات.
إنَّ النتائج المترتبة على هذه الاحتمالات المتوالية يمكن أن تكون مُثبِّطة، كما يتَّضح من إحدى القضايا المشهورة في نيويورك، التي تعرَّضت فيها سيدةٌ لاعتداءٍ بعد غروب الشمس، وقُتلت في نهاية المطاف على قارعة الطريق. وقد سمع الكثيرون استغاثاتها لكنْ لم يتصل أحدٌ بالشرطة. هل نؤيد ما خلصت إليه الصحف من أننا جميعًا صرنا وحوشًا بفعل حياة المدينة الجامدة؟ ربما تكون حياة المدينة قد حوَّلتنا بالفعل إلى وحوش، لكنَّ لعبة السامري الصالح تشير إلى أن الناس قد يتصرَّفون على هذا النحو حتى في البلدة الصغيرة إذا ما تعرَّضوا للموقف نفسه.
ينطبق الأمر نفسه على عملية التصويت في الانتخابات. ولْنأخذ إحدى الحالات القصوى مثالًا على ذلك؛ افترضْ أن أليس وبوب هما المرشحان الوحيدان للرئاسة. من المعروف أن بوب حالة ميئوس منها؛ فأمُّه هي الشخص الوحيد الذي يرى أنه سيكون الرئيس الأفضل، وسوف تُصوِّت لصالحه بكل تأكيد، ولكن ما الذي يمكن أن يدفع أيَّ شخص آخر إلى التصويت لبوب؟ كما في لعبة السامري الصالح، تؤدِّي زيادة عدد الناخبين إلى جعْل الوضع أسوأ؛ ففي حالة التوازن، يصل معدل انتخاب بوب إلى مستوى احتماليةٍ لا يمكن خفضه حتى مع وجود مليون ناخِب.
إنَّ ألعاب التصويت هذه لا تعدو أن تكون أكثر من مجرد ألعابٍ للتسلية؛ فنادرًا ما يُفكِّر الناس بأسلوبٍ عقلاني في احتمالية مشاركتهم في التصويت من عدمها. وحتى لو فكَّروا على هذا النحو، فقد يشعرون بأن الذهاب إلى صناديق الانتخاب هو بالأحرَى متعةٌ وليس مصدرًا لتكبُّد المشقَّة. لكن يتَّضح من المثال الحالي أن المثقفين الذين يتهمون الأقلية — البالغة نسبتُهم ??? تقريبًا — الذين يُحجمون عن التصويت في الانتخابات الرئاسية باللاعقلانية؛ يُفتون فيما لا يعلمون. فلو كنا نريد عددًا أكبر من الناخبين، فعلينا أن ننتقل إلى نظامٍ لا مركزي، يكون فيه لكل صوتٍ أهميته التي تفوق نقص الحماس الذي يشعر به الكثيرون تجاه التصويت. وإذا لم نستطع أن نُقنع هؤلاء الأشخاص بالمشاركة في التصويت ولم نكن نريد تغيير نظامنا السياسي، فعلينا إذن أن نرضى ببقائهم في منازلهم ليلة الانتخابات. ولن يُجديَ وقتَها رفعُ شعار «لكل صوتٍ أهميته».???????????????????????????????????????????????
(?) الوصول إلى التوازن

كيف يصل الناس إلى توازن ناش؟ هذا سؤالٌ لا بد من طرحه، لا سيَّما في حالة التوازن المختلط. فلماذا يتعيَّن على أليس تعديل سلوكها بحيث تجعل بوب غير متحيِّزٍ تجاه بعض استراتيجياته؟
تشير الدراسات التي أُجريت حول الألعاب الرياضية إلى أن الرياضيين يتصرَّفون أحيانًا على نحوٍ متوافقٍ إلى حدٍّ كبيرٍ مع تنبُّؤات نظرية الألعاب. ولْنأخذ مثالًا على ذلك ضربات الجزاء في كرة القدم؛ أين ينبغي تسديد الكرة؟ في أي اتجاه يجب أن يقفز حارس المرمى؟ ويُقدِّم التنس مثالًا آخر؛ هل ينبغي أن أقذف الكرة بقوةٍ أم ببطءٍ في خطٍّ أشبه بالقوس العالي؟ من غير المتوقَّع أن يقرأ المدربون أيَّ كتب في نظرية الألعاب، فكيف يعرفون إذن الوتيرة المناسبة لكل اختيار؟ إنهم يتعلمون — على ما يبدو — بأسلوب المحاولة والخطأ.
لا أحدَ يفهم كل الطرق المختلفة التي يتعلم من خلالها الناسُ في الحياة الواقعية فعلَ الأمور الجديدة، لكن ثَمَّةَ بعض الأمثلة التي توضِّح بعضًا مما يحدث بالفعل. ويقدم المثال البسيط التالي نموذجًا مدهشًا.
أليس وبوب روبوتان يلعبان نفس اللعبة مرارًا وتكرارًا. وفي كل مرة، تكون أليس مبرمَجة على تقديم الرد الأمثل على استراتيجيةٍ مختلطةٍ تُلعب فيها إحدى استراتيجيات بوب الخالصة بنفس التكرار الذي لعبها به في الماضي. ونظرًا لأن بوب مبرمَج بالطريقة نفسها، فلا أحدَ منهما يتسم بالعقلانية الكاملة؛ لأن كلًّا منهما يستطيع تحسين عوائده أحيانًا لو جَرَت برمجته ببراعةٍ أكبر. ويرى خبراء نظرية الألعاب أنَّ كلا الروبوتَين هنا عقلانيٌّ بدرجة محدودة.
بمرور الوقت، تتطوَّر تدريجيًّا التكرارات التي لعبَ بها الروبوتان ثانيَ استراتيجية خالصة لديهما كما هو مبيَّن في شكل ?-? (الذي جرى تبسيطه بالانتقال من الوقت المتقطع إلى الوقت المتواصل). فعلى سبيل المثال، الرد الأمثل لأليس في لعبة مطابقة العملات المعدنية هو «كتابة» كلما زاد معدل اختيار بوب ? «كتابة» عن النصف؛ لذلك، معدل اختيارها ? «كتابة» سيزيد إلى أن يصبح معدل اختيار بوب ? «كتابة» أقلَّ من النصف، وهو المستوى الذي يبدأ بعده في الانخفاض المفاجئ. شكل ?-?: كيفية الوصول إلى حالة توازن أثناء اللعب.
يؤدِّي دائمًا اتِّباع الأسهم في شكل ?-? إلى توازن ناش. وبصرف النظر عن البرمجة الأولية للروبوتين، سيجد الشخص الذي يُحصي كم مرة لعبَ الروبوتان كل استراتيجية من استراتيجياتهما الخالصة؛ أنه من الصعب تمييز أحد الروبوتين ذَوَي العقلانية المحدودة عن اللاعِب العقلاني تمامًا. في حالة مطابقة العملات المعدنية، التي تُعد الأقرب إلى لعبة التنس أو كرة القدم، تقترب دائمًا التكرارات التي يُلعب بها «صورة» و«كتابة» من قيم التوازن ??/??. وفي التجارب المعملية التي أُجريت على الإنسان، يكون النمط العام واحدًا تقريبًا، على الرغم من أن التكرارات لا تتطوَّر على هذا النحو المنتظم وتبدأ في الانحدار عندما تقترب بدرجةٍ كافيةٍ من حالة توازنٍ مختلط؛ لأنَّ اللاعبين لا يشعرون عندئذٍ بتحيُّزٍ تقريبًا لأيٍّ من الاستراتيجيات المتوافرة.
يكون الوضع أكثر تعقيدًا في لعبة ضبط الأعصاب؛ فلكلِّ توازنٍ خالصٍ حوضُ تجاذُب، وهو عبارة عن مجموعةٍ من النقاط أو الشروط الأولية التي يقترب عندها نظامٌ ديناميكي بطريقةٍ عفويةٍ من عامل جذبٍ معين. إذا برمجْنا الروبوتين من البداية بحيث يبدآن في حوض التجاذب الخاص بتوازنٍ معين، فسوف يلتقيان في النهاية في نقطةٍ واحدةٍ مع هذا التوازن. يقع حوض التجاذب للزوج («إبطاء»، «إسراع») أعلى الخط القطري في شكل ?-?، بينما يقع حوض التجاذب للزوج («إسراع»، «إبطاء») أسفل الخط القطري. أما حوض التجاذب للتوازن المختلط، فهو الخط القطري نفسه. من السهل تصميم ألعاب يتكرر فيها سلوك روبوتين مثل أليس وبوب على نحوٍ دائريٍّ إلى ما لا نهاية دون الوصول أبدًا إلى حالة توازن، لكنَّ الأمر يختلف في حالة البشر؛ لأنهم يستطيعون التعلُّم بطرقٍ أكثر تعقيدًا من أليس وبوب. وعلى وجه التحديد، نحن نحصل عادةً على قدرٍ أكبر من التغذية الاسترجاعية من كل أنواع المصادر المتوافرة، بينما نتعلَّم كيفية التصرف عند ممارسة لعبة جديدة.
على سبيل المثال، يتعلم سماسرة الأوراق المالية المبتدئون أصول العمل من زملائهم الأكثر خبرةً. ويقرأ العلماء الشباب بتمعُّنٍ تاريخَ الحائزين على جائزة نوبل؛ على أمل معرفة سر نجاحهم. ويجتهد الروائيون في إعادة معالجة حبكات الروايات الأكثر بيعًا. ويُخبر مختصُّو التسويق بعضُهم بعضًا بسُبل العثور على أفضل الصفقات. وتُركِّز هذه الأمثلة الخاصة بالتعلُّم الاجتماعي أو التعلُّم القائم على المحاكاة؛ على توازنات ناش بسرعةٍ وموثوقيةٍ أكبر مما في الأمثلة التي يتعلم فيها أشخاص بمفردهم بأسلوب المحاولة والخطأ.
تُعنى نظرية الألعاب التطوُّرية بدراسة هذه الأمثلة التفاعلية. ونظرًا لتطبيقاتها المهمة للغاية في علم الأحياء التطوُّري، فإنها تستحق أن نُفرد لها فصلًا كاملًا (الفصل الثامن).
(?) نظرية أدنى الأقصى

عندما قَدِمَ الشابُّ جون ناش إلى مكتب فون نيومان كي يخبره بحجته التي تثبت أن كل الألعاب المتناهية المحدودة يكون لها توازنٌ واحد على الأقل عند السماح بالاستراتيجيات المختلطة، بدا فون نيومان غير مهتم. تُرى، لماذا لم يرحب فون نيومان برأي ناش؟
في الحقيقة، لم يكن الأسلوب الذي استخدمه ناش لإثبات نظريته جديدًا على فون نيومان، الذي مهَّد الطريق لهذا الأسلوب بنفسه. كما أن النهج الذي اتَّبعه ناش في العرض لفكرته لم يكن كيِّسًا؛ وهو الذي زار ألبرت أينشتاين — كما هو معروف — في تلك الأثناء ليُخبره بكيفية البحث في مجال الفيزياء. ولكن، لم يكن فون نيومان لِيَعْبأ بأمرِ متخرِّجٍ شابٍّ ومتحمسٍ يستعرض ما لديه من معلوماتٍ في مجاله؛ لذا، أعتقد أن ثَمَّةَ سببًا أعمق لعدم اكتراث فون نيومان.
يبدو أن فون نيومان لم يفكر كثيرًا في التفسير التطوُّري لنظرية الألعاب؛ فهو يرى أن الهدف من دراسة أي لعبةٍ هو بالضرورة تقديم حلٍّ عقلانيٍّ مقنِعٍ وواضح. ولا يتحقَّق هذا الشرط في فكرة توازن ناش؛ لأن معظم الألعاب يكون لها أكثر من توازن ناش واحد، ولا يوجد في الغالب أي سببٍ عقلانيٍّ تمامًا لاختيار توازنٍ معينٍ بدلًا من غيره. وكما أشار فون نيومان لاحقًا، فإن كل ما يخبرنا به معيار الرد الأمثل هو أن الخطوط العريضة لبعض الاستراتيجيات لا يمكن أن تكون الحل العقلاني لِلُعبةٍ ما، لكننا نريد أن نعرف أيٌّ من الخطوط العريضة لهذه الاستراتيجيات يمكن أن نعتبرها حلولًا.
(?-?) أدنى الأقصى وأقصى الأدنى

حصرَ فون نيومان اهتمامه على ما يبدو في ألعاب المجموع الصفري الثنائية؛ لأنها من فئات الألعاب المعدودة التي يمكن أن تُحقِّق مفهومه عن فكرة الحل العقلاني الفريد. وسُمِّيت نظريته التي أثبتَ من خلالها هذه الحقيقة بنظرية «أدنى الأقصى»، لكنها تسميةٌ غير ملائمة؛ لأن الحل العقلاني في لعبةِ مجموعٍ صفريٍّ ثنائيةٍ يتأتَّى في الحقيقة من تطبيق كل لاعبٍ لقاعدة «أقصى الأدنى»؛ ويعني ذلك أنه يتعيَّن على اللاعب تحديد أسوأ المكاسب التي يمكن أن يحصل عليها في المتوسط من كل استراتيجية من استراتيجياته المختلطة، ثم يختار الاستراتيجية التي من شأنها زيادة مكسبه لو تحقَّق باستمرار هذا السيناريو الخاص بأسوأ الحالات.
على سبيل المثال، أسوأ سيناريو يمكن أن يحدث لأليس في لعبة مطابقة العملات المعدنية هو أن يخمِّن بوب الاستراتيجية المختلطة التي ستختارها. فإذا كانت هذه الاستراتيجية المختلطة تتطلَّب أن يختار بوب «صورة» لأكثر من نصف الوقت، فإن بوب سيختار «كتابة» دائمًا. وفي هذه الحالة، ستخسر أليس لأكثر من نصف الوقت وسيكون مكسبها من ثَمَّ سالبًا. وإذا كانت الاستراتيجية المختلطة لأليس تتطلَّب منها أن تختار «كتابة» لأكثر من نصف الوقت، فإن بوب سيختار «صورة» دائمًا، وسوف تخسر أيضًا لأكثر من نصف الوقت ويكون مكسبها أيضًا سالبًا؛ لذلك، فإن استراتيجية أقصى الأدنى لأليس أن تختار «صورة» و«كتابة» بنفس عدد المرات؛ مما يضمن لها أن يكون مجموع عوائدها في النهاية صفرًا.
لا ينجذب عمومًا إلى قاعدة أقصى الأدنى سوى الأشخاص المصابين بنزعة الارتياب؛ لأن هذه القاعدة تفترض أن العالم قد اختارك أنت على وجه التحديد لتكون خصمًا شخصيًّا له. ولكن، إذا كانت أليس تلعب أمام بوب في لعبة مجموعٍ صفري، فإن بوب هو العالم في هذه الحالة، ويكون العالم هو حقًّا خصمَها الشخصي في هذه الحالة الخاصة.
(?-?) لماذا أقصى الأدنى؟

من سخرية القدر أن تكون نظرية أدنى الأقصى لفون نيومان نتيجةً مباشرةً لحُجة ناش التي قدَّمها لإثبات أن كل الألعاب المتناهية يكون لها توازن ناش واحد على الأقل.
لتوضيح ذلك، ابدأ بتحديد حالةٍ من توازن ناش في لعبة مجموعٍ صفريٍّ ثنائية. أَطلِق على استراتيجية التوازن لأليس «أفقي»، واستراتيجية التوازن لبوب «رأسي». وستُسمَّى عوائد التوازن «قيمة أليس» و«قيمة بوب». على سبيل المثال، في لعبة مطابقة العملات المعدنية يمثل كلٌّ من الحركتين «أفقي» و«رأسي» الاستراتيجية المختلطة التي يختار فيها كلا اللاعبَين «صورة» و«كتابة» بنفس القدر من الاحتمالية؛ حيث تمثِّل «قيمة أليس» و«قيمة بوب» العائد الصفري الذي يحصل عليه كل لاعبٍ في المتوسط إذا لعب كلا اللاعبَين بهذه الطريقة.
لا يمكن لأليس أن تتأكَّد من حصولها على ما هو أكثر من «قيمة أليس»؛ لأن بوب من المحتمَل أن يتحرك دائمًا في اتجاهٍ «رأسي»، ويكون أفضل اختيار لها هو التحرك في اتجاهٍ «أفقي». وفي المقابل، تستطيع أليس أن تتأكَّد من الحصول على «قيمة أليس» على الأقل إذا تحرَّكت باتجاهٍ «أفقي»؛ لأن أفضل ما يستطيعه بوب هو أن يختار التحرُّك باتجاهٍ «رأسي»، وأفضل ما يستطيع بوب أن يقدمه لنفسه في لعبة مجموعٍ صفريٍّ كهذه سيكون مساويًا تمامًا لأسوأ ما يستطيع أن يفعله ضد أليس؛ وبناءً على ذلك، تكون «قيمة أليس» هي عائد أقصى الأدنى لأليس، والتحرُّك باتجاهٍ «أفقي» هو إحدى استراتيجياتها المُحقِّقة لقاعدة أقصى الأدنى.
بهذا المنطق نفسه، فإن «قيمة بوب» هي عائدُه المُحقِّق لقاعدة أقصى الأدنى، والتحرك باتجاهٍ «رأسي» هو إحدى استراتيجياته المُحقِّقة لهذه القاعدة. وإذا كان مجموع «قيمة أليس» و«قيمة بوب» يساوي صفرًا، فإنَّ ذلك يستتبع أيضًا أن يكون مجموع عوائد كلٍّ منهما المُحقِّقة لقاعدة أقصى الأدنى يساوي صفرًا؛ ومن ثَمَّ، لا يحصل أحد اللاعبَين على أكثر من عائده المُحقِّق لقاعدة أقصى الأدنى إلا في حال حصول اللاعب الآخر على قيمةٍ أقل من هذا العائد؛ لذلك، لا يستطيع أحدٌ تحسين قاعدة أقصى الأدنى عند لعب لعبة مجموعٍ صفريٍّ ثنائيةٍ ضد خصمٍ عقلاني.
يُسمَّى الدليل الذي قدَّمه فون نيومان لإثبات هذه الحقيقة نظرية «أدنى الأقصى»؛ لأن القول بأن مجموع عوائد أليس وبوب في حال تحقُّق قاعدة أقصى الأدنى يساوي صفرًا؛ يكافئ القول بأن عائد أليس في حال تحقُّق قاعدة أقصى الأدنى مساوٍ لعائدها في حال تحقُّق قاعدة أدنى الأقصى. لكن، يجب عدم الوقوع في الخطأ الشائع بالاعتقاد أن فون نيومان قد أوصى لهذه الأسباب باستخدام قاعدة أدنى الأقصى؛ فلا أحدَ يريد أن يحدد «أفضل» عائدٍ يمكن الحصول عليه في المتوسط من كل الاستراتيجيات المختلطة، ثم يختار الاستراتيجية التي من شأنها أن «تقلل» عائده لو تحقَّق دائمًا سيناريو أفضل الحالات.
(?) إيجاد الاستراتيجيات المُحقِّقة لقاعدة أقصى الأدنى

عندما نعيد النظر الآن إلى اهتمام علماء الرياضيات بنظرية أدنى الأقصى، نجد أنه من المؤسف أنهم سارعوا إلى الاهتمام بها؛ فدراسة ألعاب الكرِّ والفرِّ التي يسعى فيها طيَّار إلى الفرار من قذيفةٍ متقفِّيةٍ للحرارة هي بالتأكيد تمرين مفيد في نظرية التحكم، لكن هذا العمل يؤكِّد بطبيعة الحال على إجحاف النقاد الذين يركِّزون على فكرة أن خبراء نظرية الألعاب هم رجالٌ نصفُ آليين مختلين عقليًّا. ولا أساسَ كذلك للزعم الشائع بإمكانية تحسين نظرية الألعاب بالاكتشاف الغامض الذي يقضي بأن نظرية أدنى الأقصى تكون صحيحة فقط في بعض الألعاب اللامتناهية إذا كنا على استعدادٍ لرفض بديهية الاختيار؛ ومن ثَمَّ، كان من الممكن أن تَلقى نظرية الألعاب قبولًا أكثر في سنواتها الأولى لو أن المتحمِّسين لم يُضْفوا عليها هذا الكم من الصعوبة.
(?-?) لعبة الصخرة والمقص والورقة

يعرف كل الأطفال هذه اللعبة. يقوم كلٌّ من أليس وبوب بإشاراتٍ باليد تُمثل واحدةً من استراتيجياتهما الثلاث الخالصة: «صخرة»، «مقص»، «ورقة». ويُحدَّد الفائز وفقًا للقواعد التالية:
«صخرة»تُثلِّم«مقص»«مقص»يقصُّ«ورقة»«ورقة»تغطي«صخرة»
إذا قام كلا اللاعبَيْن بالإشارة نفسها، فالنتيجة إذن هي التعادل، وهو ما يعتبره اللاعبان مكافئًا لليانصيب؛ حيث يتساوى في هذه الحالة احتمال الفوز أو الخسارة؛ لذلك، فإن هذه اللعبة هي لعبة مجموعٍ صفريٍّ.
من الواضح أن الحل المنطقي هو أن يلجأ كل لاعب إلى استخدام استراتيجياته الخالصة الثلاث بنفس العدد من المرات؛ وبذلك، يضمن كل لاعب الحصول على عائدٍ مجموعُه صفر، وهو ما يحقِّق قاعدة أقصى الأدنى لكلٍّ منهما. وتكمن الفكرة الرئيسية لهذه اللعبة في أن على اللاعب أن يعمل جاهدًا لإيجاد طريقة تطوُّرية تركِّز على هذا الحل.
على سبيل المثال، تنتهي ديناميكية الرد الأمثل في شكل ?-? بالدوران بطريقة تستبعد على نحوٍ دوريٍّ تقريبًا كلَّ استراتيجيةٍ على التوالي. ويمكن للمرء أن يرفض هذه النتيجة من باب الفضول لو لم يكن لحقيقةِ أنَّ الامتزاج السكاني لثلاثة أنواع من السلمندر في أمريكا الوسطى منخرطة في لعبة تشبه لعبة «صخرة ومقص وورقة»؛ تنتهي به الحال في دورةٍ مماثلة؛ بحيث تظل مجموعةٌ واحدةٌ دائمًا مهدَّدةً بالانقراض. (?-?) لعبة البطاقات لأونيل

استخدم باري أونيل هذه اللعبة في أول تجربةٍ معمليةٍ قدَّمت دعمًا إيجابيًّا لقاعدة أقصى الأدنى. كانت التجارب السابقة مُثبِّطة، ووجَّه عالِم النفس المشهور، ويليام إستس، نقدًا لاذعًا إلى هذا المبدأ على وجه التحديد عندما قدَّم تقريرًا عن اختباره لنظرية فون نيومان: «لن تستطيع نظرية الألعاب أن تحل محل نظريةٍ سلوكيةٍ مبنيةٍ على التجربة عندما نريد أن نتنبَّأ بما سيفعله الناس فعليًّا في مواقف تنافسية.»
لكن في التجربة التي بنى إستس على أساسها تعليقاته الرافضة، كان ثَمَّةَ شخصان فقط وُصِفا بأنهما مدرَّبان جيدًا على تعزيز التجارب التعليمية التي كان إستس يستخدمها في الدفاع عن نظرية «تطابق الاحتمالات» (التي يُرفض تصديقُها الآن). ولم يكن أيٌّ من الشخصين يعلم أنه يلعب لعبة أمام الآخر. وحتى إن كانا يَعلمان أنهما يلعبان لعبة، فإن نظرية أدنى الأقصى كانت غير ذات صلةٍ بِوَرطتهما؛ حيث إنهما لم يعلما سابقًا بعوائد اللعبة؛ فقد كانا يلعبان بمعلوماتٍ ناقصة، وهو موقف لا تنطبق عليه نظرية أدنى الأقصى لفون نيومان.
عندما صمَّم أونيل تجربة خالية من هذه الأخطاء، كان يريد أن يتحكَّم في احتمال أن تكون لدى هذين الشخصين توجُّهات مختلفة حيال الإقدام على المخاطر. على سبيل المثال، لن تكون لعبة «صخرة ومقص وورقة» ذات مجموعٍ صفريٍّ لو أن أليس وبوب لم يفكِّرا في أن التعادل يعني أن احتمالات الفوز أو الخسارة متساوية؛ لذلك، أجرى أونيل تجربةً على لعبة تحتمل الفوز أو الخسارة فقط، لكن ما زال فيها حبكة كافية لجعْل الحل غير واضح.
في لعبة البطاقات، تكون لدى كلٍّ من أليس وبوب بطاقة عليها الرقم «واحد» ومجموعة من بطاقات الصور. يُظهِر كلٌّ منهما بطاقة في نفس الوقت، فتفوز أليس إذا كانت النتيجة «واحد» لكلٍّ منهما، أو في حال عدم تطابق بطاقات الصور. وفيما عدا ذلك يفوز بوب.
لإيجاد استراتيجية أليس المحقِّقة لقاعدة أقصى الأدنى، فإننا نسأل أيٌّ من استراتيجياتها المختلطة تجعل بوب غير متحيِّزٍ تجاه أيٍّ من استراتيجياته الخالصة؟ والإجابة عن هذا السؤال أن على أليس أن تلعب كل بطاقة صورة بتكرارٍ متساوٍ، و«واحد» بمعدل الضِّعف. وعلى بوب فعل الأمر نفسه؛ ومن ثَمَّ، فالنتيجة أن أليس سوف تكسب خُمسَي الوقت، وبوب سوف يكسب ثلاثة أخماس الوقت.
(?-?) المبارزة

لعبة المبارزة هي المثال الأقرب إلى تطبيقٍ عسكري. تتحرك أليس وبوب كلٌّ منهما تجاه الآخر مسلحًا بسلاحٍ به رصاصة واحدة فقط. وكلما اقتربا، تزيد احتمالية أن يصيب أحدهما الآخر. ويكون العائد لكل لاعب هو احتمال النجاة.
إلى أي مدًى يفترض أن تقترب أليس من بوب قبل إطلاق النار؟ إنَّ السؤال يتعلق حرفيًّا بمسألة الحياة والموت؛ لأنها إذا أطلقت النار ولم تصبه، فسيتمكَّن بوب من التقدُّم نحوها مباشرةً وتكون العواقب وخيمة لأليس. بما أن شخصًا ما سيموت في كل نتيجةٍ محتمَلةٍ للُّعبة، فسيكون مجموع العوائد دائمًا يساوي واحدًا.
ثَمَّةَ نتيجة واحدة واضحة يمكننا التوصُّل إليها هنا؛ وهي أنه لا يمكن أن يتحقَّق توازن ناش بأن يخطط لاعب واحد أن يطلق النار قبل الآخر؛ لأن الرد الأمثل للاعب الآخر الذي يخطط لإطلاق النار أولًا سيكون الانتظارَ فترةً أطول. لكن ما مدى قرب كلٍّ منهما من الآخر عند إطلاق النار في آنٍ واحد؟
تُقدم نظرية أدنى الأقصى إجابةً مباشرة عن هذا السؤال؛ فالمبارزة لعبة محصلتها هي مجموع الوحدات وليس المجموع الصفري، لكن نظرية أدنى الأقصى ما زالت مطبَّقة (شريطة أن يكون مجموع العوائد مساويًا لواحد عندما يطلق اللاعبان النار في آنٍ واحد). والفرق الوحيد هو أن مجموع عوائد اللاعبَيْن المحقِّقة لقاعدة أقصى الأدنى يساوي الآن واحدًا بدلًا من صفر؛ لذلك، إذا كانت أليس ستطلق دائمًا النار ضِعف عدد المرات التي سيطلق فيها بوب النار، فإنهما سيطلقان النار من المسافة التي تجعل أليس تصيب بوب ثُلثي الوقت وبوب يصيب أليس ثُلث الوقت.

الفصل الثالث
الوقت


(?) الألعاب ذات المعلومات الكاملة

يرى الناسُ أحيانًا أنَّ من العبث أن نتحدث عن المشكلات الاجتماعية للبشر كما لو أنها مجرد ألعابٍ يتسلَّون بها في غرف الجلوس. والميزة في اعتبارها ألعابًا أن الجميع تقريبًا يمكنه التفكير دون تحيُّز في القضايا الاستراتيجية التي تنشأ في ألعاب مثل الشطرنج أو البوكر، دون أن يرفض تلقائيًّا النتيجة لو تبيَّن في النهاية أنها نتيجة غير مرحَّب بها. لكن، يظل المنطق واحدًا أينما طُبِّق.
(?-?) ألعاب غرفة الجلوس

لا يبدو، للوهلة الأولى، أن لُعبتا الشطرنج والبوكر يمكن أن تُمثَّلا بجداول العوائد؛ لأن الوقت يلعب دورًا كذلك. فلم يَعُد من المهم فقط مَنْ يفعل ماذا، وإنما من المهم أيضًا متى يفعله.
إنَّ بعض أوجُه الاختلاف تكون مضلِّلة. وبصفةٍ عامة، فالاستراتيجية الخالصة هي خطة عملٍ تخبر اللاعب بما يتعيَّن فعله في ظل كل الاحتمالات الممكنة التي يمكن أن تنشأ في اللعبة. ويمكن تخيُّل اللاعبين كما لو أنهم يختارون استراتيجية مرةً واحدة فقط في بداية اللعب، ثم يفوِّضون لعب اللعبة إلى روبوت. ويكون «الشكل الاستراتيجي» الناتج للشطرنج مماثلًا تمامًا لِلُعبة ضبط الأعصاب أو لعبة الصراع بين الجنسين، باستثناء أن جدول العوائد سيكون ذا مجموعٍ صفري، وسيتضمَّن عددًا أكبر بكثيرٍ من الصفوف والأعمدة.
رأى فون نيومان أن أول شيءٍ يجب أن يفعله المرء في أي لعبة هو أن يختزلها إلى صيغتها الاستراتيجية، وهو ما أُطِلق عليه الصيغة العادية لهذا السبب. ولكن، يتَّضح من مثال لعبة الشطرنج أن هذا الأمر لا يكون دائمًا اقتراحًا عمليًّا؛ لأنه يتضمَّن عددًا هائلًا للغاية من الاستراتيجيات الخالصة. وحتى إذا لم تكن الصيغة الاستراتيجية غير عملية على هذا النحو الميئوس منه، فمن الأيسر غالبًا أن نلتزم بالصيغة الشاملة للعبة.
يشير خبراء نظرية الألعاب إلى نموذج تمثيل اللعبة بالصيغة الشاملة باسم «الشجرة»؛ حيث تُمثَّل كل خطوة بنقطةٍ يُطلق عليها «عقدة القرار» تتفرع عندها الشجرة. يمثل جذر الشجرة الخطوة الأولى في اللعبة، وتمثل الفروع عند كل عقدةٍ الاختيارات التي يمكن اتخاذها عند هذه الخطوة. وتقابل أوراق الشجرة النتائج النهائية للُّعبة؛ ومن ثَمَّ يجب أن نحدد اللاعب الفائز والعائد الذي فاز به عند كل ورقة. ويجب أيضًا أن نحدد اللاعب الذي يتحرك عند كل عقدة قرار، وما يعرفه هذا اللاعب عما حدث في اللعبة حتى الآن عندما اتخذ هذه الخطوة.
في البوكر، أول خطوة يقوم بها لاعب خيالي اسمه «تشانس»، وهو يخلط الورق ويوزعه على اللاعبين الحقيقيين. ما يعلمه اللاعبون عن هذه الخطوة مهم للغاية في لعبة البوكر؛ لأن اللعبة ستفقد متعتها لو أن الجميع علموا ما يعلمه الآخرون عن توزيع البطاقات. لكننا سنُرجئ الحديث عن هذه الألعاب ذات المعلومات الناقصة إلى الفصل القادم؛ لذا، ستكون كل الألعاب في الفصل الحالي كاملة المعلومات؛ حيث يكون اللاعبون على علمٍ بكل ما حدث في اللعبة حتى الآن عندما يتخذون خطوةً ما. ولن نتطرَّق أيضًا إلى الألعاب ذات المعلومات الكاملة مثل لعبة المبارزة التي تتضمَّن خطواتٍ جزافيةً تُتخذ بمحض المصادفة؛ لذلك، فإن لعبة الشطرنج هي المثال الأساسي في هذا الفصل.
(?) الاستنتاج العكسي

يعد الاستنتاج العكسي موضوعًا جدليًّا، لكنَّ الجميع يوافق على أننا نستطيع استخدامه دائمًا لإيجاد قيمِ أقصى الأدنى للاعبين في لعبةٍ متناهيةٍ كاملةِ المعلومات، إذا كان لدينا كمبيوتر كبير بما يكفي ووقتٌ كافٍ. وعلى نحوٍ مماثلٍ كان أرشميدس محقًّا عندما قال إنه يستطيع تحريك العالم لو أنه مُنح رافِعةً كبيرةً بالقدر الكافي ومكانًا لوضع هذه الرافعة فيه. ويوضح تطبيق الاستنتاج العكسي على لعبة الشطرنج كلًّا من ميزاته النظرية وعيوبه العملية.
(?-?) الشطرنج

اكتب عند كل ورقةٍ من شجرة اللعبة للُعبة الشطرنج الكلمات التالية: فوز أو خسارة أو تعادل، اعتمادًا على النتيجة للَّاعب الأبيض. والآن، اختر أيَّ عقدة تكون قبل الأخيرة (حيث يؤدِّي كل اختيار مباشرةً إلى ورقةٍ من الشجرة). أوجِد أفضل اختيار للَّاعب الذي يتحرك عند هذه العقدة، وضَعْ عند هذه العقدة قبل الأخيرة نفس الكلمة الموجودة عند الورقة التي تؤدِّي إلى هذا الاختيار. وفي النهاية، اقطع كل الشجرة التي تلي العقدة قبل الأخيرة هذه، لتصبح ورقة لشجرةٍ أصغر؛ حيث لا يمكن تغيير قيمِ أقصى الأدنى الخاصة باللاعب.
والآن، افعل ذلك مرةً تلو الأخرى حتى يصبح كلُّ ما لديك هو كلمةً موضوعةً على جذر الشجرة الأصلية. وهذه الكلمة هي نتيجة أقصى الأدنى للَّاعب الأبيض.
مهما ازداد حجم أجهزة الكمبيوتر التي نصمِّمها أو سرعتها، فلن تستطيع أبدًا أن تُنهي هذا البرنامج للعبة الشطرنج؛ لأن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا للغاية؛ لذا، فمن المحتمَل ألا نعرف أبدًا حل الشطرنج. لكننا على الأقل قد جَزَمْنا بوجود حل حقًّا للشطرنج، على خلاف ذي القدم الكبرى أو وحش بُحيرة لوخ نيس.
إذا كانت نتيجة أقصى الأدنى للَّاعب الأبيض هي «فوز»، فإنَّ اللاعب الأبيض لديه إذن استراتيجية خالصة تضمن له الانتصار في مواجهة أي دفاعٍ من قِبل اللاعب الأسود. وإذا كانت نتيجة أقصى الأدنى للَّاعب الأبيض هي «خسارة»، تكون لدى اللاعب الأسود استراتيجية خالصة تضمن له الانتصار في مواجهة أي دفاعٍ من قِبل اللاعب الأبيض. ومع ذلك، يخمِّن معظم الخبراء أن نتيجة أقصى الأدنى للَّاعب الأبيض هي «تعادل»؛ وهو ما يعني أن كلا اللاعبَيْن الأبيض والأسود لديهما استراتيجيات خالصة تضمن لهما التعادل في مواجهة أي دفاع.
إذا كان هؤلاء الخبراء على حق، تكون الصيغة الاستراتيجية للشطرنج إذن عبارة عن صفٍّ فيه كل النتائج «فوز» أو «تعادل»، وعمود فيه كل العوائد «خسارة» أو «تعادل» كما في شكل ?-?. ولا أظن أن هذه الحقيقة كانت ستتضح على الإطلاق من دون حُجة الاستنتاج العكسي. (?-?) لعبة هكس

اخترع بيت هاين هذه اللعبة عام ????، وأعاد ناش اختراعها عام ????. ويقال إنَّ الفكرة جاءته أثناء تأمُّله السطح المقرمد السداسي الشكل في مرحاض قسم الرياضيات بجامعة برينستون. كانت توجد بالفعل وحدات قرميد سداسية الشكل، لكنَّ ناش أبلغني أنه لم يجدها ملهمةً على الإطلاق.
تُلعب لعبة هكس بين الجانبين الأسود والأبيض على لوحةٍ من الأشكال السداسية المرتبة على هيئة متوازي أضلاع، كما في شكل ?-?. في بداية اللعبة، تحتوي ناحية كل لاعب على جانبين متقابلين من اللوحة. ويتخذ كل لاعب دوره في الحركة بالتبادل، على أن يبدأ الجانب الأبيض. وتتم الحركة من خلال وضع أحد الفيشات في حيزٍ سداسي الشكل خالٍ. ويكون الفائز هو مَن يُوصِل جانبي اللوحة أولًا؛ لذلك في شكل ?-? الأسود هو الفائز. شكل ?-?: لعبتان من ألعاب الألواح.
كما في لعبة الشطرنج، يمكن نظريًّا أن نحسب عائد أقصى الأدنى للَّاعب باستخدام الاستنتاج العكسي، لكن هذه الطريقة لا تكون عملية عندما تكون اللوحة كبيرة. مع ذلك، نعلم أن عائد أقصى الأدنى للأبيض هو «فوز»؛ أي إن أول لاعب يتحرَّك تكون لديه استراتيجية تضمن له الانتصار في مواجهة أيِّ إجراءٍ دفاعيٍّ من قِبل اللاعب الثاني. فكيف نعلم ذلك؟
لاحِظ أولًا أن لعبة هكس لا يمكن أن تنتهيَ بالتعادل. ولفهم ذلك، فكِّرْ في الفيشات السوداء كما لو كانت ماءً، والفيشات البيضاء كما لو كانت أرضًا. عندما تكون كل الأشكال السداسية مشغولة، فإما أن يتدفق الماء بين البُحيرتين اللتين يمتلكهما في الأصل الجانبُ الأسودُ وإما أن القناة بينهما ستكون سدًّا. ويفوز الأسود في الحالة الأولى، والأبيض في الحالة الثانية. إذن، توجد استراتيجية فوزٍ لدى الأسود أو الأبيض.
اخترع ناش حُجة سرقة الاستراتيجية لتوضيح أن الفائز يجب أن يكون الأبيض. ويكون إثبات الحُجة بنقيضها. إذا لعب الأسود استراتيجية فوز، فإن الأبيض يمكن أن يسرقها باستخدام القواعد التالية: (?) ضَعْ أول فيشة في أي مكان.
(?) في الخطوات اللاحقة، تَظاهرْ أولًا بأن آخر فيشة لعبتَها ليست على اللوحة. ثم تظاهرْ أن كل الفيشات البيضاء المتبقية سوداء، وكل الفيشات السوداء لونها أبيض.
(?) ?الآن قُمْ بالخطوة التي كان سيقوم بها الأسود في هذا الموقع عندما يستخدم ??استراتيجية الفوز الخاصة به. إذا كانت لديك فيشة في هذا الموقع، فكل ما عليك هو أن تتحرك في أي مكان.
تضمن لك هذه الاستراتيجيةُ الفوز؛ لأنك تفعل ببساطةٍ ما يُفترض أنه يضمن الفوز للأسود، لكن بسابق خطوة واحدة. يمكن أن يؤديَ وجود فيشة بيضاء زائدة على اللوحة إلى إحرازك الفوز قبل الأسود، لكنني أظن أنك لن تشتكيَ من هذا!
بما أن كلا اللاعبَيْن لا يمكن أن يفوزا معًا، فإنَّ افتراضنا أن الأسود لديه استراتيجية فوزٍ لا بد أن يكون خطأً. الفائز إذن هو الأبيض، على الرغم من أن معرفته بذلك لن تساعده كثيرًا عند لَعِبِ لُعبة هكس على لوحةٍ كبيرة؛ لأن إيجاد استراتيجية الفوز للأبيض مسألة غير محلولةٍ في الحالة العامة.
لاحِظ أن حُجة سرقة الاستراتيجية لا تخبرنا بأي شيء على الإطلاق عن استراتيجية الفوز «الفعلية» للأبيض. فلا يستطيع الأبيض بالتأكيد أن يضمن الفوز بعد وضع أول فيشة في أي مكان وحسب. وإذا وضع أول فيشةٍ لديه في ركنٍ حادٍّ من اللوحة، فمن المحتمَل أنك ستفهم السبب في أن للأسود استراتيجيةَ فوزٍ في بقية اللعبة.
قد يكون من المُسلي أيضًا أن تختبر مهاراتك الفكرية في نسخة لعبة هكس التي من المفترض أن علماء الرياضيات في جامعة برينستون قد استخدموها لممازحة زوَّارهم. يضاف في هذه النسخة صفٌّ من الأشكال السداسية إلى اللوحة بحيث يصبح جانبَا اللوحة للأبيض أكثر تباعدًا أحدهما عن الآخر مقارنةً بجانبي اللوحة للأسود. وفي اللعبة الجديدة، لا يتوقف الأمر فقط عند وجود استراتيجية فوزٍ للأسود، لكن يكون باستطاعتنا أيضًا كتابة استراتيجية الفوز الخاصة به. مع ذلك، عندما لعب الزائرون كأبيض ضد كمبيوتر، ظهرت اللوحة من منظور معين على الشاشة لإخفاء عدم تماثلها. ومن ثَمَّ، اعتقد الزائرون أنهم يلعبون لعبة هكس عادية، لكن لخيبة أملهم وإحباطهم، كان الكمبيوتر دائمًا ما يفوز بطريقةٍ أو بأخرى.
(?) إزالة الاستراتيجيات المُهيمنة

كل مرة تزيلُ مجموعةً من الاختيارات عند إحدى العُقَد أثناء القيام بعملية الاستنتاج العكسي، فإنك تتخلص في المقابل من مجموعةٍ مكافئةٍ من الاستراتيجيات الخالصة. ووفقًا للصيغة الاستراتيجية للُّعبة التي وصلت إليها حتى هذه المرحلة، فإنَّ أي استراتيجية تتخلص منها تكون «مُسيطَرًا عليها» من قِبل استراتيجيةٍ مماثلةٍ تمامًا، فيما عدا أنها تتطلَّب أن يتم أفضل اختيارٍ عند العقدة المعنية.
إذا استبعدنا الحالة التي تعطي فيها كلتا الاستراتيجيتين دائمًا نفس العائد، فإن إحدى الاستراتيجيتين تكون مُسيطَرًا عليها من الأخرى إذا لم تعطِ مطلقًا عائدًا أفضل، بصرف النظر عن الاستراتيجيات التي يستخدمها اللاعبون الآخرون. إذن «صقر» تسيطر على «حمامة» في لعبة معضلة السجينين (ولكن ليس في لعبة اصطياد الظبي، حسبما يتضح من شكل ?-?). نستطيع بذلك أن نحاكيَ الاستنتاج العكسي في أي لعبةٍ بإزالة الاستراتيجيات المُهيمِنة واحدةً تلو الأخرى في صيغتها الاستراتيجية. ويمكننا أحيانًا أن نختزل صيغةً استراتيجيةً إلى نتيجةٍ واحدةٍ فقط بهذه الطريقة حتى عندما لا نحاكي الاستنتاج العكسي. وسيكون الناتج دائمًا نتيجة أقصى الأدنى في لعبةٍ تتكوَّن من شخصين ومجموعها صفري. لكن ماذا عن الألعاب عمومًا؟
إنَّ أيَّ توازن ناش للُعبةٍ ما تحصل عليه بعد إزالة الاستراتيجيات المُهيمنة من لعبةٍ أكبر، يجب أيضًا أن يكون توازن ناش للُّعبة الأكبر. والسبب هو أن إضافة استراتيجية مُهيمنة إلى خياراتك في لعبةٍ ما لا يمكن أن تزيد من سوء الردود المثلى الحالية. وقد تفقد أحيانًا توازنات ناش أثناء إزالة الاستراتيجيات المُهيمنة (ما لم تكن كل الاستراتيجيات المُهيمنة دقيقة)، لكن لا يمكنك أبدًا إزالة «كل» توازنات ناش من اللعبة الأصلية.
(?-?) ألعاب التخمين

إذا كانت أليس تتعامل في البورصة، فإنها تتمنى أن تزيد قيمة الأسهم التي تشتريها. ونظرًا لأن القيمة المستقبلية تعتمد على ما يراه الآخرون وما يعتقدونه حيالها، فإنَّ مستثمرين مثل أليس يستثمرون حقيقةً على أساس اعتقاداتهم عمَّا يعتقده الآخرون. وإذا كان بوب يخطِّط لاستغلال مستثمرين مثل أليس، فسيتعيَّن عليه أن يأخذ في اعتباره اعتقاده عمَّا تعتقده أليس فيما يعتقده الناس. وإذا أردنا أن نستغل بوب، فسيتعيَّن علينا طرحُ سؤالٍ عما نعتقده حيال ما يعتقده بوب عما تعتقده أليس عن اعتقاد الآخرين.
من المعروف أنَّ جون مينارد كينز استخدم مسابقات الجمال التي تُديرها الصحف في عصره لتوضيح كيف أن هذه السلاسل من الاعتقادات عن الاعتقادات تطول وتطول كلما أنعم المرء التفكيرَ في المسألة. كان الهدف في هذه المسابقات هو اختيارَ الفتاة التي يقع عليها اختيار معظم الأشخاص الآخرين. ويفضِّل خبراء نظرية الألعاب لعبة تخمينٍ أبسط؛ حيث يكون الفائزون هم اللاعبين الذين يختارون عددًا أقرب إلى ثلثي متوسط كل الأعداد المختارة.
إذا كان اللاعبون مقيَّدين بالأعداد الصحيحة المحصورة بين ? و??، بما فيها كلا العددين، فإن إحدى الاستراتيجيات المهيمنة هي أن تختار عددًا أكبر من ?؛ لأن المتوسط يمكن أن يكون ?? على أقصى تقدير، و؛ ومن ثَمَّ، يمكنك دائمًا تحسين فرصك للفوز بلعب ? بدلًا من ? أو ? أو ??. لكن إذا علم الجميع ذلك، فلن يلعب أحد أبدًا استراتيجية مهيمنة؛ ومن ثَمَّ نكون بصدد لعبة يختار فيها اللاعبون عددًا محصورًا بين ? و?، بما فيها كلا العددين. والمتوسط في هذه اللعبة يمكن أن يكون ? على أقصى تقدير، و؛ إذن، فالاستراتيجية المهيمنة هي أن تختار عددًا أكبر من ?. من الواضح إلى أين تذهب بنا هذه الحُجة؛ فإذا كان معلومًا أن لا أحد من اللاعبين سيلجأ إلى استخدام استراتيجية مهيمنة، فسوف يتعيَّن إذن على كل اللاعبين أن يختاروا العدد ?.
(?-?) المعرفة العامة

يقال عن شيءٍ إنه معرفةٌ عامة إذا كان الجميع يعرفونه؛ أي إذا كان الجميع يعرفون أن الجميع يعرفونه، والجميع يعرفون أن الجميع يعرفون أن الجميع يعرفونه، وهكذا. وإذا لم يُقَلْ شيءٌ يناقض التحليل العقلاني لِلُعبةٍ ما، فإنه يُفترض ضمنيًّا ودائمًا أن كلًّا من اللعبة وعقلانية اللاعبين معرفةٌ عامة. وإلَّا فما كان يحق لنا أن نستخدم فكرة تقسيم توازن ناش إلى سلسلةٍ من الانحدارات اللانهائية على النحو التالي: «ألِيس تعتقد أن بوب يعتقد أن أليس تعتقد أن بوب يعتقد …»
شاهدتُ ذات مرة برنامج مسابقات اسمه «ذا برايس إز رايت» (أي: السعر صحيح)، وفيه يخمِّن ثلاثة متسابقين قيمة تحفةٍ ما. والشخص الذي يقترب من السعر الصحيح يكون هو الفائز. وإذا كان المتسابق الأخير يعتقد أن القيمة أكبر من التخمينين الآخرين، فمن الواضح أن عليه ألَّا يزيد التخمين الأعلى بأكثر من دولارٍ واحد. ولكن بما أن ذلك لا يحدث، فسيكون من السفه أن نحاول تطبيق نظرية الألعاب على برامج المسابقات على افتراض أن عقلانية المتسابقين أمرٌ معروف بداهةً؛ لذلك، من حسن الحظ أن التفسير التطوُّري لنظرية الألعاب لا يتطلب مثل هذه الفرضيات الصارمة.
(?) تمام اللعبة الفرعية

يُشتهَر دانيال إلسبرج بأنه الشخص الذي وَشَى بإدارة حكومة نيكسون للحرب في فيتنام عندما سرَّب وثائق البنتاجون إلى جريدة «نيويورك تايمز» عام ????. وفي روايةٍ سابقة، اقترح لعبة الاختطاف.
(?-?) لعبة الاختطاف

اختطفت أليسُ بوب. ودُفِعت الفدية، والسؤال الآن هو: هل يتعيَّن عليها إطلاق سراحه أم قتله؟ تُفضل أليس أن تُطلِق سراح بوب إذا استطاعت أن تتأكَّد أنه لن يكشف عن هويتها. وتعهَّد بوب أن يَلتزم الصمت، لكن هل تستطيع أليس الوثوق في وعده؟
يوضح شكل ?-? شجرة لعبة الاختطاف مع جدول عوائد مقابِل. وبوضع دائرةٍ حول الردود المُثلى، يتَّضح وجود توازن ناش واحدٍ فقط، وفيه تَقتل أليس بوب لأنها تتوقع أنه سوف يتكلم إذا أطلقت سراحه. تؤدِّي إزالة الاستراتيجيات المُهيمنة إلى نفس توازن ناش. وتتساوى دائمًا استراتيجية بوب في «البَوح» مع استراتيجية «الْتزام الصمت» من حيث درجة الملاءمة؛ لذلك، سنبدأ بإزالة استراتيجية «الْتزام الصمت». وفي الجزء المتبقِّي من اللعبة، تتساوى دائمًا استراتيجية أليس في «القتل» مع استراتيجية «إطلاق السراح» (لأن الاستراتيجية الوحيدة التي يمكن أن يلعب بها في اللعبة المختزلة هي «البوح»)؛ لذلك، لا يبقى أمامنا سوى توازن ناش («القتل»، «البوح»).
شكل ?-?: لعبة الاختطاف.
إنَّ إزالة الاستراتيجيات المُهيمنة بهذه الطريقة تعادل استخدام الاستنتاج العكسي في شجرة اللعبة. أولًا، ظلِّل في شجرة اللعبة الفرعَ الذي يمثل أفضل اختيارٍ لبوب، وهو «البوح». والآن، انْسَ وجود اختيار أدنى لدى بوب على الإطلاق، وظلِّل الفرعَ الذي يمثل أفضل اختيار لأليس، وهو «القتل». في الجزء المتبقِّي من اللعبة. يمكننا الآن أن نرى مسار التوازن الذي سيجري اتِّباعه عندما يلعب كلٌّ من أليس وبوب توازن ناش («القتل»، «البوح»). في هذه الحالة، يربط الفرع الوحيد المظلَّل جذرَ الشجرة بورقة؛ وفي لعبةٍ أكبر، سيكون مسار التوازن عبارة عن تسلسلٍ كاملٍ من الفروع المظلَّلة التي تربط الجذر بورقة.
في الألعاب ذات المعلومات الكاملة، مثل الاختطاف، يؤدِّي دائمًا الاستنتاج العكسي إلى استراتيجياتٍ لا تمثل فقط توازن ناش في اللعبة ككلٍّ، ولكن أيضًا في كل الألعاب الفرعية، سواءٌ أكانت تقع في المسار المتوازن أم لا. اقتسَم راينهارد زلتن جائزة نوبل مع جون ناش، وكان ذلك يرجع جزئيًّا إلى تقديمه هذه الفئةَ من التوازنات. وقد أَطلَق عليها في البداية توازناتٍ تامة، لكنه غيَّر رأيه عما يعنيه مفهوم التمام؛ لذلك، أصبحنا نطلق عليها حاليًّا «الألعاب الفرعية التامة».
(?-?) الأحداث المناقِضة للواقع

يحب السياسيون التظاهر بأن الأسئلة الافتراضية لا قيمة لها. وقد قال جورج بوش الأب عند الإجابة عن السؤال العقلاني تمامًا عن إعانة البطالة عام ????: «لو أن الضفدع له أجنحة، لما ارتطم ذيله بالأرض.» لكن لعبة الاختطاف توضح السبب في أن الأسئلة الافتراضية هي قوام الحياة في نظرية الألعاب؛ مثلما يجب أن تكون قوام الحياة في السياسة.
يلتزم اللاعبون العقلانيون باستراتيجياتهم المتوازنة؛ نظرًا لما يتنبَّئون بأنه «قد» يحدث لو «حدث» أن انحرفوا عن المسار المرسوم. ويرجع السبب في استخدام الصيغة الشرطية في هذه الجملة إلى أننا نتحدث عن حدثٍ مناقِضٍ للواقع، ولن يحدث؛ فهذه الأحداث المناقِضة للواقع بعيدة كلَّ البُعد عن أيِّ حدثٍ واقعي، ودائمًا ما تنشأ عند اتخاذ قرارٍ عقلاني. لماذا لا تقفز أليس أمام سيارةٍ عند عبورها الطريق؟ لأنها تتوقع أنها إذا فعلت، فسوف تدهسها السيارة. ولماذا تَقتل أليسُ بوب في لعبة الاختطاف؟ لأنها تعتقد أنه سوف يبوح بهويتها إذا لم تقتله.
من ثَمَّ، فإن المهم هو النتيجة المُفترَض حدوثها في الألعاب الفرعية التي لن تتحقَّق أبدًا. ويُعزى السبب في عدم تحقُّق هذه النتيجة مطلقًا إلى الأحداث المتوقَّع وقوعها في حال تحقُّقها!
(?-?) هل يقتضي الأمر تغيير اللعبة؟

ينصح خبراء علم النفس ضحايا الاختطاف أن يحاولوا بناء علاقةٍ إنسانيةٍ مع مختطفيهم. إذا استطاع بوب أن يقنع أليس أنه مهتم بها بالقدر الكافي، لدرجة أن عوائده لالتزام الصمت أو البوح ستصير معكوسة، نكون عندئذٍ إزاء لعبةٍ مختلفة، يمكن أن نطلق عليها «الاختطاف المريح».
يوضح شكل ?-? أن الاختطاف المريح يتضمَّن حالتين من توازن ناش في الاستراتيجيات الخالصة: («القتل»، «البوح») و(«إطلاق سراح»، «الْتزام الصمت»). لم يعد التوازن («القتل»، «البوح») لعبةً فرعيةً تامة؛ نظرًا لأنه يدفع بوب إلى الاختيار الأدنى، وهو «البوح»، في اللعبة الفرعية التي لا نصل إليها في التوازنات؛ لأن أليس فعليًّا تختار «القتل»، ولكن يمكن الوصول إليها إذا ما اختارت أليس «إطلاق السراح» كحلٍّ بديل. مع ذلك، التوازنُ الجديد («إطلاق السراح»، «الْتزام الصمت») يكون لعبةً فرعيةً تامة؛ لذلك هذا هو التوازن الذي سيلعب، على افتراض أن أليس عقلانية وتعرف أن بوب عقلاني. وإذا كانت العوائد مختارة وفقًا لنظرية التفضيل الموضَّح، فسيكون ضربًا من الحشو والتكرار أن يلعب بوب «الْتزام الصمت» بدلًا من «البوح» إذا كانت أليس ستلعب «إطلاق السراح»؛ ومن ثَمَّ، ستلعب أليس «إطلاق السراح»؛ لأنها تعلم أن ذلك سيحقِّق لها عائدًا أكبر عما لو اختارت «قتل».
الفكرة أن العقلانية تخبرنا أحيانًا بما هو أكثر من مجرد الجزم بأن أليس وبوب يجب أن يحقِّقَا توازن ناش في اللعبة.
شكل ?-?: لعبة الاختطاف المريح.
(?) لعبة الإنذار النهائي

يتمتع راينهارد زلتن بحسٍّ فكاهيٍّ مشاغب، ويبدو أنه يستمتع بالجدل الذي أثاره بمفهومه عن توازن لعبةٍ فرعيةٍ تامة. وقد زاد من احتدام الموقف عندما اقترح على تلميذه فيرنر جوت أن يُجريَ تجربة معملية حول هذا الموضوع. وكانت التجربة تهدف إلى معرفة ما إذا كان الناس في الحياة الواقعية سيلعبون توازن اللعبة الفرعية التامة في لعبة الإنذار الأخير أم لا. وتنبَّأ زلتن أنهم لن يفعلوا، وكان محقًّا فيما ذهب إليه.
إنَّ لعبة الإنذار الأخير هي لعبة تفاوضٍ بدائية، وفيها يتبرَّع فاعلُ خيرٍ وهميٌّ بمبلغٍ من المال لأليس وبوب كي يتقاسماه إذا اتفقا على كيفية تقسيمه. ووفقًا لقواعد اللعبة، فإن أليس تبدأ أولًا بتقديم عرضٍ لبوب حول كيفية تقاسُم المال. ويجوز لبوب أن يوافق أو أن يرفض. إذا وافق بوب، يُقرُّ عرض أليس ويصبح مقبولًا. وإذا لم يوافق، تنتهي اللعبة بعدم حصول أيٍّ من اللاعبَيْن على شيء.
من السهل أن نطبِّق الاستنتاج العكسي للُّعبة على افتراض أنَّ كلا اللاعبَيْن يهتم فقط بالحصول على أكبر قدر ممكن من المال. وإذا عرضت أليس على بوب مبلغًا مقنِعًا، فإنه سيقبل العرض؛ لأن أي شيء أفضل من لا شيء؛ ومن ثَمَّ، سيكون أقصى عرض لأليس قرشًا واحدًا فقط. وفي توازن اللعبة الفرعية التامة، تحصل أليس من ثَمَّ على كل المال.
على الرغم من ذلك، تشير التجارب المعملية إلى أن الناس في الحياة الواقعية يلعبون عادةً بإنصاف. وأكثر عرض محتمَل يكون فيه التقاسُم بالتساوي. وتُرفض عروض القسمة غير المنصفة من قبيل ??? مقابل ??? لأكثر من نصف الوقت، على الرغم من أن المجيب لن يحصل على شيءٍ مطلقًا في هذه الحالة. وهذه هي أكثر النتائج تكرارًا في الاقتصاد التجريبي. وقد توصلتُ إلى النتيجة نفسها بنفسي عدة مرات. ولا تغيب هذه النتيجة في المواقف التي يزداد فيها حجم المكاسب، بل نجدها حتى في البلاد التي تمثِّل فيها العوائد الدولارية جزءًا غير قليل من الدخل السنوي للأفراد. لا يمكن تعميم النتيجة بالكامل، لكن على المرء أن يتبع علماء الأنثروبولوجيا في أماكن بعيدة في العالم للعثور على استثناءات.
تَستخدم مدرسةٌ جديدة من علماء الاقتصاد السلوكي هذه النتيجة كعصًا يضربون بها منافسيهم التقليديين؛ فهُم يقولون إن البيانات تُثبِت بطلان «بديهية الأنانية» لعلم الاقتصاد التقليدي؛ ومن ثَمَّ، فإن اعتراضهم موجَّه لفرضية أن الناس يهتمون فقط بالمال، وليس لمنطق الاستنتاج العكسي.
في الواقع، من غير البديهي في الاقتصاد أن يكون الناس أنانيين باستمرار. وتُمثَّل النظرة التقليدية من خلال نظرية التفضيل الموضَّح؛ فالجميع متفقٌ على أن المال ليس كل شيءٍ، وحتى ميلتون فريدمان كان عطوفًا مع الحيوانات، وكان يتبرَّع بالمال لأعمال الخير. لكن، صحيحٌ أيضًا أن ثَمَّةَ عددًا كبيرًا من التجارب التي تشير إلى أن معظم الأشخاص تنتهي بهم الحال إلى التصرُّف كما لو أنهم مهتمون في المقام الأول بزيادة عوائدهم الدولارية في جميع الألعاب تقريبًا التي أُجريت عليها تجارب معملية؛ ومن ثَمَّ، فإن لعبة معضلة السجينين هي القاعدة وليست الاستثناء. إذن، ما هو وجه الاختلاف في لعبة الإنذار النهائي؟
أظنُّ أن الإجابة تكمن في حقيقة أنَّ الاستفسارات العقلانية والتطوُّرية للتوازن تجنح بعيدًا عند تطبيقها على توازنات اللعبة الفرعية التامة.
(?-?) لعبة الإنذار النهائي المصغَّرة

في هذه الصيغة المبسَّطة من لعبة الإنذار النهائي، يتبرَّع فاعل الخير بأربعة دولارات. وتستطيع أليس أن تقدِّم لبوب عرضًا منصفًا أو غير منصف. ويتمثل العرض المنصف في أن يتقاسما المال بينهما بالتساوي. يقبل بوب العرض مباشرة، لكنْ يكون أمامه الخيار بقبول العرض غير المنصف أو رفضه، الذي يحدد لأليس ثلاثة دولارات مقابل دولارٍ واحدٍ فقط لبوب. ويوضح شكل ?-? شجرة اللعبة وجدول العوائد للُعبة الإنذار النهائي المصغَّرة. وتحليلها هو نفسه التحليل المُقدَّم في لعبة الاختطاف المريح، على الرغم من أن منطق الحُجة هنا مثار جدلٍ؛ لأن النقَّاد لا يرضَون عن النتيجة التي يؤدِّي إليها. شكل ?-?: لعبة الإنذار النهائي المصغَّرة. تتماثل هذه اللعبة مع لعبة الاختطاف المريح، مع اختلاف تسميات الإجراءات المتاحة وبعض التغييرات غير المهمة في العوائد.
إن توازن اللعبة الفرعية التامة هو («غير منصف»، «نعم»). وعلى غرار لعبة الاختطاف المريح، فثَمَّةَ توازن ناش آخر في هذه اللعبة، وهو («منصف»، «لا»). في الحقيقة، يوجد الكثير من توازنات ناش المحتمَلة للُّعبة في حال اختيار أليس «منصف»؛ لأن بوب يعتزم استخدام استراتيجيةٍ مختلطةٍ يكون فيها احتمال رفضه للعرض غير المنصف مرتفعًا بدرجة كافية.
إنَّ ما يدفعنا إلى القلق بشأن توازنات ناش، التي لا تمثل لعبةً فرعيةً تامة، أنه لا يوجد لدينا أيُّ سببٍ لافتراض أن عمليةً تطوريةً سوف تَئُول بالضرورة إلى توازن اللعبة الفرعية التامة. إذا كان الأفراد يتعلَّمون بأسلوبِ المحاولة والخطأ تحديدَ التوازن الذي يلعبونه، ففي إمكانهم إذن أن يتعلَّموا أن يلعبوا أيًّا من توازنات ناش الخاصة بلعبة الإنذار النهائي المصغَّرة.
يوضح شكل ?-? عمليتين تطوُّريتين مختلفتين في لعبة الإنذار النهائي المصغَّرة: إحداهما هي ديناميكية الرد الأمثل التي أشرنا إليها سابقًا، والأخرى هي «ديناميكية المكرَّرات» الأكثر تعقيدًا، والتي عادةً ما يُنظر إليها على أنها نموذج محاكاةٍ أعلى لعملية تعديل (راجع «الثبات التطوُّري»، الفصل الثامن). شكل ?-?: تعديل تطوُّري في لعبة الإنذار النهائي المصغَّرة. توازُن اللعبة الفرعية التامة هو «ف»، ويكمن توازن ناش الآخر في المجموعة «ن». ويتطلب هذا التوازن الأخير استخدام الاستراتيجية المُهيمنة بدرجةٍ ضعيفةٍ «لا»، لكن لا تزال المجموعة «ن» تمتلك حوض تجاذب كبيرًا في حالة ديناميكية المكرَّرات.
تَئول ديناميكية الرد الأمثل إلى توازُن اللعبة الفرعية التامة، لكن لا ينطبق هذا بالضرورة على ديناميكية المكرَّرات؛ فمجموعة توازنات ناش التي تلعب فيها أليس «منصف» تمتلك حوض تجاذب كبيرًا في شكل ?-?. لا يهتم التطوُّر بأن اختيار بوب ? «لا» مهيمَن عليه بدرجةٍ ضعيفةٍ في كل هذه التوازنات. وصحيحٌ أن «نعم» دائمًا أحسن من «لا» شريطة أن تلعب أليس أحيانًا «غير منصف»، لكن الضغط التطوُّري ضد «غير منصف» يمكن أن يكون شديدًا لدرجة أنه يختفي تمامًا. وبمجرد أن يختفيَ، تستطيع «لا» البقاء؛ لأن بوب يكون في هذه الحالة غير متحيِّزٍ لأيٍّ من «نعم» أو «لا».
(?-?) اتفاقيات مُنصِفة

سنشرح الآن البياناتِ التجريبيةَ في لعبة الإنذار الأخير التي لا تتطلب تحديد تفضيلات مختلفة للأفراد عما يكشفون عنه عند لعب معضلة السجينين في المعمل.
في الحياة الواقعية، لن يكون بوب بالغباء الذي يجعله يُذعن عند تقديم عرض غير منصف؛ لأنه لا يستطيع أن يحتمل أن يشاع عنه أنه شخص ليِّن سهلٌ إقناعُه؛ لذلك، ثَمَّةَ قناعة بأن عرض أليس سيُرفَض غالبًا إذا كان غير منصف. يأتي الأفراد حاملين هذه القناعة إلى التجارب المعملية دون أن يُدركوا أنها تُنسِّق السلوك في لعبة الحياة وصولًا إلى حالةٍ من التوازن، أو أن اللعبة التي يُطلب منهم أن يلعبوها في المعمل مختلفة تمامًا عن ألعاب الحياة الواقعية التي عُدِّلت على أساسها هذه القناعة.
عندما يبدأ الأفراد باللعب بإنصافٍ في لعبة معضلة السجينين، فإن دوافع التطوُّر تبدأ مباشرةً في تعديل سلوكهم؛ لأن توازن ناش الوحيد في لعبة معضلة السجينين يعوق أيَّ تعاون. وتختلف لعبة الإنذار الأخير عن معضلة السجينين في وجود العديد من توازنات ناش؛ فأي تقسيم للمال المتوافر — أيًّا كانت نسبته — يقابل حالةً من توازن ناش، للسبب نفسه الذي ينطبق لأجله نفس المفهوم على لعبة الإنذار النهائي المصغَّرة. وعندما تبدأ أليس وبوب باللعب بإنصافٍ في لعبة الإنذار النهائي، لا تكون ثَمَّةَ دوافع تَطوُّر واضحة تدفعهما نحو توازن اللعبة الفرعية التامة؛ لذلك، لسنا في حاجةٍ إلى اختلاق سببٍ لكونهما لا يتحركان لما هو أبعد قليلًا عن المكان الذي بدآ منه.
يشعر خبراء نظرية الألعاب بالامتنان لخبراء الاقتصاد السلوكي لكونهم يقدِّمون الأسباب التي تنفي بديهية الأنانية. وإلا، فكيف كنا سنفسِّر مشاركة ميلتون فريدمان في الأعمال الخيرية؟ لكنهم يقعون في خطأين عندما يقولون: «نظرية الألعاب تتنبَّأ بتوازُن اللعبة الفرعية التامة في لعبة الإنذار النهائي.» الأول أن نظرية الألعاب تفترض أن اللاعبين بالضرورة يُعظِّمون المال، والثاني أن نظرية الألعاب العقلانية والتطوُّرية دائمًا ما تتنبَّآن بالأمر نفسه.
(?) تنقيحات

لا يختار التطوُّر دائمًا توازنات اللعبة الفرعية التامة، لكن يظل من العقلاني لأليس أن تحل لعبة الإنذار النهائي المصغَّرة باستخدام الاستنتاج العكسي عندما تُحدَّد العوائد عن طريق نظرية التفضيل الموضَّح. ويُعَدُّ الافتراض التقليدي بأن أليس تَعْلم أن بوب عقلاني ضروريًّا لهذا الغرض؛ لأن أليس يجب أن تتأكد من أن سلوك بوب سيكون متوافقًا مع العوائد المحدَّدة له.
هل الافتراض التقليدي بأن عقلانية اللاعبين أمرٌ معروف يعني أن يُتبَع أحد توازُنات اللعبة الفرعية التامة في أي لعبة متناهية كاملة المعلومات؟ يرى بوب أومان أن هذا الأمر صحيح، وقد يعتقد المرء أن إجابة أومان تنبع عن معرفةٍ ودرايةٍ؛ لأن من أسباب حصوله على جائزة نوبل أنه جعل المعرفة العامة أداةً تنفيذية. لكنَّ أمثلةً مثل مفارقة سلسلة المتاجر لزلتن تُبقي هذا السؤال غير محسوم ومطروحًا للنقاش.
(?-?) مفارقة سلسلة المتاجر

يمكن إعادة تفسير لعبة الإنذار النهائي المصغَّرة بوصفها لعبةً تُهدِّد فيها أليس بفتح متجرٍ في مدينةٍ يدير فيها بوب متجرًا مشابهًا. وكل ما يتعيَّن علينا فعله هو أن نعيد تسمية استراتيجيات أليس لتصبح «خروج» و«دخول»، واستراتيجيات بوب لتصبح «إذعان» و«مقاومة». وتكون المقاومة من خلال بدء حرب أسعار، وهو ما يمثل خيارًا سيئًا بالنسبة إلى كلا اللاعبَيْن. وتنشأ مفارقة زلتن عندما يدير بوب سلسلة متاجر في مائة مدينة؛ لتُواجه أليس بذلك مائة منافِسٍ محتمَلين يهددون بإنشاء متجرٍ منافِسٍ في كل مدينة.
تمامًا كما في لعبة الإنذار النهائي المصغَّرة، يشير الاستنتاج العكسي في الجولة المائة من اللعبة إلى أن المنافِس المائة سيدخل السوق، وأن بوب سيُذعن للأمر. وما يحدث في الجولة المائة يتقرَّر على نحوٍ مستقلٍّ عما يحدث في الجولات السابقة؛ ومن ثَمَّ تنطبق الحُجة نفسها على الجولة التاسعة والتسعين. وبالاستمرار على هذا النهج، نخلُص إلى النتيجة التالية: سيقرر المنافِس دائمًا دخول السوق، بينما سيذعن بوب دائمًا. لكن، هل سيكون من الأفضل لبوب مواجهة المنافسين الأوائل — وهم قلة — كي يُثبِّط هِمَّة المنافسين عن دخول المدن المتبقية؟
تُقدِّم شجرة اللعبة في شكل ?-? نموذجًا مبسَّطًا يتضمَّن مدينتين فقط، والمنافِس دائمًا هو أليس. إذا دخلت أليس المدينة الأولى، يكون أمام بوب خيار الإذعان أو المقاومة. وإذا دخلت المدينة الثانية لاحقًا، يكون أمامه مجددًا الإذعان أو المقاومة. أما إذا ظلَّت أليس خارج المدينة الأولى، فإننا نُبسِّط اللعبة بافتراض أنها ستظل أيضًا بالضرورة خارج المدينة الثانية. وبالمثل، إذا أذعن بوب في المدينة الأولى، فإن أليس تدخل بالضرورة المدينة الثانية، ويذعن بوب مرةً أخرى. شكل ?-?: نسخة مبسَّطة من مفارقة سلسلة المتاجر. باختلاف تسميات الإجراءات المتاحة، تتطابق اللعبة الفرعية المتأصِّلة في الحركة الثانية لأليس مع لعبة الإنذار النهائي المصغَّرة.
تُبيِّن الخطوط العريضة في شكل ?-? نتيجة تطبيق الاستنتاج العكسي. وفقًا لنظرية الألعاب التي ستوصي في هذه الحالة باتِّباع مسار توازن اللعبة الفرعية التامة، سيكون من الأفضل لأليس دخول كلتا المدينتين، والأفضل لبوب الإذعان في كل مرة. لكن، هل سيتَّبع كلٌّ من أليس وبوب تلك النصيحة؟ لبحث هذا السؤال، ضَعْ نفسك مكان بوب عند اتِّخاذ خطوته الأولى. دخلت أليس توًّا المدينة الأولى كما أوصينا، لكن ماذا عساها أن تفعل إذا بلغت خطوتها الثانية؟ تعتمد الإجابة على ما تتوقَّعه من بوب في حال بلوغه خطوتَه الثانية. إذا كانت أليس تعلم أن بوب عقلاني، فسوف تتوقَّع أن يذعن؛ ومن ثَمَّ، يكون عليها الأخذ بخيار الدخول، ويكون على بوب أن يذعن عند خطوته الأولى، حسبما يقتضي الاستنتاج العكسي. لكن، من المفترض أن أليس «لا تعرف» أن بوب عقلاني عند خطوتها الثانية؛ لأن بوب العقلاني لن يرغب في حدوث مقاومة عند خطوته الأولى إذا كانت نظرية الألعاب محقَّةً فيما ذهبت إليه عن مفهوم العقلانية.
بدأت أليس اللعبة معتقدةً أن بوب عقلاني، لكن إذا كان بوب يلعب بطريقةٍ غير متوافقة مع تفضيلاته من خلال أخذ القرار بالمواجهة في المدينة الأولى، فسيؤدي ذلك إلى دحض اعتقادها. ومَنْ يدري ما الذي ربما تعتقده بعد وقوع حدثٍ مناقضٍ للواقع كهذا؟ تفترض الصيغة الأصلية لمفارقة زلتن وجود مائة متجر؛ لأن الإجابة البديهية بعد أن يأخذَ بوب بخيار المواجهة في ?? متجرًا أنه على الأرجح سيَسير على النهج نفسه في المتجر الحادي والخمسين. لكن، ستنهار عندئذٍ حُجة الاستنتاج العكسي.
لا تشكِّك مفارقة زلتن في الاستنتاج العكسي بدعوى أنه وسيلة للحصول على عوائدِ أقصى الأدنى في ألعاب المجموع الصفري الثنائية. كما لا تثير إشكاليةً بشأن عقلانية الاستنتاج العكسي في ألعاب مثل الاختطاف أو الإنذار النهائي. وسيتوالى دحض الاعتقاد المبدئي لدى كلا اللاعبَيْن بأن الجميع عقلانيون إذا حادَ شخص عن مسار التوازن، لكنَّ هذه الحقيقة لا تُسبِّب مشكلةً في هذه الألعاب القصيرة. لكن كيف نستجيب لهذه المفارقة في الألعاب الأطول؟
(?-?) الأخطاء المطبعية البسيطة

يقال عن توازنات اللعبة الفرعية التامة إنها «تنقيحٌ» لمفهوم توازن ناش؛ فهي آمنة الاستخدام ما دامت الظروف تقتضي أن من الحكمة أن يواصل اللاعبون التصرُّف كما لو أنه من المعروف عمومًا أنهم جميعًا عقلانيون حتى على الرغم من اتخاذ خطوتين غير عقلانيتين أو أكثر أثناء اللعب. وصِيغَت مجموعةٌ كاملة من تنقيحات أكثر تنقيحًا بغرض استخدامها في الألعاب ذات المعلومات الناقصة. تستند هذه التنقيحات إلى عدة أفكارٍ مختلفةٍ حول الاعتقادات التي ستكون معقولة وذات معنًى حين يقع الحدث غير المتوقَّع المتمثل في تصرُّف لاعبٍ عقلاني بأسلوبٍ لا عقلاني. فلو أن جورج بوش الأب قرأ أبحاث نظرية الألعاب ودراساتها، لأُصيِب وقتها بحالةٍ من التشوش والارتباك! ولحُسن الحظ، انتهت هذه المرحلة من تاريخ نظرية الألعاب بفاعلية، على الرغم من أن علماء الاقتصاد التطبيقي ما زالوا يبحثون عن أي تنقيحٍ في المجموعة من شأنه أن يُقرِّبهم من تأكيد تحيُّزاتهم السابقة.
أما عن رأيي في هذه القضايا، فإنني أرى أن علينا أن نتبع الأسلوب المنطقي لراينهارد زلتن، الذي يستبعد ضرورة تفسير الأحداث المناقِضة للواقع. ويُوصي أن نضع خطواتٍ احتماليةً كافيةً في قواعد ألعابنا لإزالة احتمال أن يجد اللاعبون أنفسهم في موقفٍ يحاولون فيه شرح ما هو غير قابلٍ للشرح. في أبسط هذه النماذج، من المفترض أن يقع اللاعبون في أخطاءٍ من حينٍ لآخر؛ فيرتبكون حين يقتربون من القرار العقلاني ويتَّخذون قرارًا لا عقلانيًّا عن طريق الخطأ. وإذا كانت هذه الأخطاء من قبيل الأخطاء العابرة المستقلة — مثل الأخطاء المطبعية — التي ليست لها أي تبعاتٍ محتمَلةٍ على الأخطاء التي ربما تحدث في المستقبل، فإنَّ توازنات ناش في اللعبة التي تتضمَّن أخطاءً ستقارب توازنات اللعبة الفرعية التامة في اللعبة الخالية من الأخطاء؛ حيث لا نسمح بتكرار الأخطاء إلا في نطاقٍ محدودٍ للغاية.
حاوَل زلتن أن يقلِّل من أهمية توازنات اللعبة الفرعية التامة؛ لأنه قرَّر أن حدود توازنات ناش في ألعاب التوازنات المشوَّشة (أو ما يُعرف أيضًا بتوازنات الأيدي المُرتعشة) هي ما تستحق حقًّا أن يُطلق عليها صفة «تامة». لكنَّ بقية العالم تقرُّ فقط أنَّ مثل هذه التوازنات هي توازنات مشوَّشة تامة.
(?-?) أخطاء المنطق غير المدروسة

يمكن إرجاع السبب في عدم إجازة خبراء نظرية الألعاب الآخرين لتعريف زلتن الجديد إلى شكوكٍ حولَ عموميةِ روايته عن التشوُّش والارتباك. وإذا أردنا أن نأتيَ بتحليلٍ عقلانيٍّ للُعبةٍ ما يكون ذا صلةٍ بسلوك الناس في الحياة الواقعية عندما يحاولون التكيُّف بذكاءٍ مع المشكلات المعقَّدة، فعلينا أن نتصدَّى لحقيقة أن أخطاءهم ربما تكون على الأرجح «أخطاءً عقلانية» أكثر منها «أخطاءً مطبعية».
على سبيل المثال، ليس من المقبول تفسير السبب في أنْ يبدأ صاحبُ سلسلة متاجر حربَ أسعار في ?? متجرًا بالتتابع بالقول إنه كان يقصد إبلاغ مديريه أن يُذعِنوا عند دخول منافسٍ ما، بيدَ أنه كان دائمًا ما يرسل الرسالة الخطأ دون قصدٍ؛ فالتفسير الوحيد المقبول هو أنه يطبِّق سياسة مقاومة الدُّخلاء؛ ولذلك من المحتمَل أن يقاوم في المدينة رقم ?? سواءٌ كان ذلك ضربًا من الحُمق أو غيره.
عندما تُتخذ الخطوات الاحتمالية التي تسمح بوقوع أخطاء في التفكير من هذا النوع، لا تحتاج توازنات ناش للُعبةٍ ذات أخطاء أن تلتقيَ عند نقطةٍ واحدةٍ مع توازن اللعبة الفرعية التامة للُعبةٍ بدون أخطاء؛ لذا، لا يمكن دائمًا استبعاد توازن ناش للعبةٍ دون أخطاء باعتباره غيرَ ذي صلةٍ بالتحليل العقلاني. لكننا لا نريد أيضًا رفض الاستنتاج العكسي؛ فكلُّ توازنات ناش الخاصة بلعبةٍ ذات أخطاء تتحوَّل تلقائيًّا إلى توازنات لعبةٍ فرعية تامة؛ لأن الأخطاء تضمن الوصول إلى كل لعبةٍ فرعيةٍ باستخدام احتمال موجب؛ لذلك، فالاستنتاج العكسي أداةٌ مفيدة عند تعيين موضع هذه التوازنات.
(?-?) ما المغزى؟

الدرس الذي أستنتجُه من الجدل القائم حول هذا التنقيح أن خبراء نظرية الألعاب ضلُّوا طريقهم بأن نَسُوا أنَّ موضوعهم لا يستند إلى مضمونٍ قوي؛ فإذا كنا لا نملك أن نُمليَ على الناس ما يحبونه، فإننا لا نملك أيضًا أن نُمليَ عليهم ما يعتقدونه. وكل ما علينا هو أن نُرشدهم إلى أي احتمالاتٍ من شأنها أن تؤديَ إلى عدم تَوافقٍ في معتقداتهم. وإذا كنا لا نستطيع أن نحلِّل لعبةً ما استنادًا إلى مبادئ التوافق هذه وحدها، فلا بدَّ أن نضيف إلى اللعبة مزيدًا من المعلومات عن اللاعبين وبيئتهم حتى نتمكَّن من ذلك.

الفصل الرابع
الأعراف والقواعد المُتفق عليها


ليس ثَمَّةَ مسألةٌ يمكن النظر في ضوئها إلى توازنات ناش باعتبارها حلًّا منطقيًّا للُعبة مجموعٍ صفريٍّ ثنائية؛ لأن أيَّ زوجٍ من استراتيجيات أقصى الأدنى يكون دائمًا عبارةً عن توازن ناش يحصل فيه اللاعبون على عوائدهم حسب معيار أقصى الأدنى. لكن الأمور يمكن أن تختلف تمامًا في الألعاب خلاف ألعاب المجموع الصفري.
على سبيل المثال، في لعبة الصراع بين الجنسين، عائد أقصى الأدنى لكلا اللاعبَيْن هو الثُّلثان. وهذا هو العائد نفسه الذي يحصلان عليه في التوازن المختلط للُّعبة، لكن استراتيجيات أقصى الأدنى لكلٍّ منهما ليست استراتيجياتِ توازُن. بالإضافة إلى ذلك، عوائد أليس وبوب في حالتَي التوازنات الخالصة للُّعبة تكون أكبر بكثيرٍ من عوائدهما المستندة إلى معيار أقصى الأدنى. إذن، ما الذي ينبغي عليهما فعله؟
يتَّضح في لعبة القيادة أنه لا فائدة مطلقًا من البحث عن إجابةٍ عقلانيةٍ على نحوٍ صارم. فأي حُجة من المحتمَل أن تكون في مصلحة مَنْ يقود على الجانب الأيسر؛ ستكون ملائمةً بالقدر نفسه لمَنْ يقود على الجانب الأيمن. يقول الناس أحيانًا إنَّ الحل العقلاني يجب أن يكون هو التوازنَ المختلطَ الذي يقرِّر فيه كلُّ شخص بطريقةٍ عشوائيةٍ إنْ كان سيقود على الجانب الأيسر أو الأيمن، لكن هذا العرض قلَّما يحظى بكثيرٍ من الدعم.
لحل لعبة القيادة، نحتاج إلى قاعدةٍ عامةٍ مُتفَق عليها، أو «عُرْفٍ» عام، حول ما إذا كان علينا الْتزام الجانب الأيسر أم الأيمن عند القيادة. وفي الواقع، فإن هذا العُرف قد يكون اعتباطيًّا تمامًا، وهو ما يتَّضح في حقيقة أن بعض الدول تطبق قاعدة القيادة على الجانب الأيسر، وبعضها الآخر يطبق قاعدة القيادة على الجانب الأيمن.
(?) النقاط البؤرية

تختار المجتمعاتُ أحيانًا الأعرافَ والقواعدَ المُتفق عليها بتأنٍّ وعن سابق دراسة وفهم، مثلما حدث مع السويد عندما غيَّرت أسلوب القيادة من الجانب الأيسر إلى الأيمن في الساعات الأولى من يوم ? سبتمبر ????. لكن، يمكن أن نفكِّر في مسألة السويد في هذا الصدد باعتبارها نسخةً متعددةَ اللاعبين من لعبة الصراع بين الجنسين، يفضِّل فيها بعض اللاعبين التوازن التقليدي، في حين يفضِّل البعض الآخر التوازن المستخدَم من قِبل بقية دول أوروبا. لا يمكن للعقلانية وحدها أن تحل مثل هذه الاختلافات المتعلقة بكيفية حل مسائل اختيار التوازن، ولكنَّ العُرف في السويد هو اتِّباع توجيهات الحكومة المُنتخَبة ديمقراطيًّا. وعلى الجانب الآخر، من الضروري ملاحظة الفوضى في إشارات المرور في مدينة نابولي لإدراك أن توجيهات الحكومة المُنتخَبة ديمقراطيًّا ليست كافية لضمان احترام العُرف والقواعد العامة للبلاد.
(?-?) توم شيلينج

ماذا يحدث عندما لا يوجد عُرف واضح؟ أجرى توماس شيلينج عدة تجارِب في خمسينيات القرن العشرين يتَّضح منها أننا لسنا عاجزين كما قد يتصوَّر المرء للوهلة الأولى؛ فيقول إنَّ الأعراف التي يبتكرها الناس عندما يطرحون أسئلةً كالتي سَيَلِي ذكرُها هي نقاط بؤرية؛ أيْ إنها محاورُ رئيسية في الحديث. ويُفاجأ معظم الناس لنجاحهم في تحديد النقاط البؤرية، وكذلك للطبيعة الاعتباطية للإشارات السياقية ?التي يجدون أنفسهم منجذبين إليها. وأحد الدروس المهمة أنَّ السياق الذي تظهر فيه الألعاب — أيِ الطريقة التي «تُصاغ» بها لعبةٌ ما — يمكن أن يُحدِث فرقًا كبيرًا في كيفية لعب الناس لها في الحياة الواقعية.? (?) يوجد لاعبان، والمطلوب أن يقول كلٌّ منهما على حدةٍ «صورة» أو «كتابة». ويُشترط لفوزهما أن يقولا الكلمة نفسها، وهي الحالة التي يفوز فيها كلٌّ منهما بمبلغ ??? دولار. فماذا ستقول لو كنت أحد هذين اللاعبَيْن؟
(?) ستُقابل شخصًا في نيويورك، لكن لم تُتخَذ أيُّ ترتيباتٍ بشأن مكان اللقاء أو موعده. أين ستذهب؟ ومتى؟
(?) على أليس وبوب وكارول أن يكتب كلٌّ منهم على حدةٍ الأحرف «أ» و«ب» و«ك» بترتيبٍ ما. وحصولهم على أي عائدٍ مشروطٌ باختيار نفس الترتيب. وفي حال اتفاقهم جميعًا في نفس الترتيب، يحصل اللاعب الذي يأتي الحرف الأول من اسمه في الترتيب الأول على ??? دولار، واللاعب الذي يأتي الحرف الأول من اسمه في الترتيب الثاني على ??? دولار، واللاعب الذي يأتي الحرف الأول من اسمه في الترتيب الثالث على ??? دولار. ماذا تفعل لو كنت كارول؟
(?) أُعطيَتْ بطاقةٌ لكلٍّ من أليس وبوب؛ إحدى البطاقتين فارغة والأخرى عليها علامة (×). وأمام كل لاعبٍ خياران: إمَّا أن يضع علامة (×) على البطاقة الأولى وإما أن يمسح علامة (×) من البطاقة الثانية. ولا يفوز أيٌّ منهما إلا في حالة وجود علامة (×) واحدة فقط على البطاقتين عند تسليمهما. وفي هذه الحالة، يفوز اللاعب الذي يسلِّم البطاقة التي تحمل علامة (×) بمبلغ ??? دولار، في حين يفوز اللاعب الذي يسلِّم البطاقة فارغةً بمبلغ ??? دولار. ماذا تفعل لو أُعطيتَ البطاقة الفارغة؟
(?) يتبرَّع فاعل خيرٍ بمبلغ ??? دولار لأليس وبوب شريطة أن يتفقا على طريقة تقسيم المبلغ. والمطلوب هو أن يحدِّد كلُّ لاعبٍ نسبته على حدة. فإذا كان مجموع نصيبهما أكبر من ??? دولار، لا يحصل أيٌّ منهما على شيء. وفيما عدا ذلك، يحصل كلٌّ منهما على المبلغ الذي طلبه. فما المبلغ الذي كنت ستطلبه؟
(?) ضاع من أليس مبلغ ??? دولار وعَثر عليه بوب. يتَّصف بوب بالأمانة الشديدة، حتى إنه يأبى التصرُّف في المبلغ، لكنه لا يرغب في إعادته إلا بعد الحصول على مكافأةٍ مناسِبة. ما المكافأة التي تعرضها على بوب لو كنتَ مكان أليس؟ ما المكافأة التي ستعرضها إذا علمتَ أن بوب رفض مِن قَبل مبلغ ?? دولارًا؟ وما المكافأة التي ستعرضها إذا علمتَ أن أليس وبوب قد شاهدا برنامجًا تليفزيونيًّا الليلة الماضية وأعلن فيه شخصٌ مختصٌّ أن القسمة العادلة في هذه الظروف أن يحصل بوب على مكافأةٍ قيمتُها ثُلث المبلغ الكلي؟
يقول معظم الناس في السؤال الأول «صورة»؛ لأنَّ العُرف هو أن تقول «صورة» قبل «كتابة» عندما يُذكَر الاثنان. وتعتمد مدى صحة الإجابة التي يُقدِّمها الناس في السؤال الثاني على مدى معرفتهم بمدينة نيويورك. ولقد طرح شيلينج هذا السؤال على سكان نيو إنجلاند، ففضَّلوا بشدةٍ محطة جراند سنترال في وقت الظهيرة. وفي السؤال الثالث، تعلم كارول أن الترتيب الأبجدي بؤري؛ لذلك عليها أن تقول «أ، ب، ك»، على الرغم من أنها ستحصل في هذه الحالة على أقل عائد بين اللاعبين الثلاثة. وفي السؤال الرابع، «الوضع الحالي» بؤري؛ لذلك يختار معظم الناس عدم اتخاذ أي إجراء. وفي السؤال الخامس، يلجأ الناس عمومًا إلى اقتسام المبلغ بينهم بالتساوي. أما السؤال السادس، فهو الأكثر صعوبة؛ فالناس لا ينجحون عادةً في التنسيق بفاعليةٍ إلا بعد الاستماع لرأي خبير، وغالبًا ما يأخذون بنصيحته في هذه الحالة.
(?) إلى أي مدًى يتعلق الأمر بالأعراف السائدة؟

تنطوي الحياة اليومية إلى حدٍّ بعيدٍ على لعب مجموعةٍ كبيرةٍ من ألعاب التنسيق مع مَن حولنا. وعندما يتعلَّم الصغار كيف يلعبون ألعاب التنسيق هذه بمحاكاة اللاعبين الناجحين في بيئتهم المحيطة، فإنهم لا يلاحظون عادةً أنهم بصدد لَعِبِ لعبةٍ على الإطلاق؛ فهُم يتعلَّمون العُرف السائد في مجتمعهم دون أن يعبَئُوا بأن هذا العُرف لن يستمر طويلًا إلا إذا اتَّسق مع السلوك ووصلا معًا إلى حالة توازن. وبما أن العُرف قد تطوَّر منذ زمنٍ بعيدٍ حتى إن أصوله قد طَوَتها السنون، فمن الممكن أيضًا أن يصير العُرف هو أن ننكر كون العُرف عُرفًا؛ ومن ثَمَّ، يستحيل أن ندرك أن المجتمعات الأخرى ربما تكون بصدد لَعِبِ اللعبة نفسها التي نلعبها، لكنَّ تاريخهم الاجتماعي المختلف قد أدَّى إلى توازنٍ مختلفٍ للُّعبة؛ مما جعلها بؤرية.
كان ديفيد هيوم أول فيلسوف يعلن صراحةً أن الكثير من قواعد السلوك الاجتماعي لدينا لا يستند إلى أكثر مِن مجرد العُرف الذي نستخدمه في تحديد أحد التوازنات في لعبة القيادة؛ ففي كتابه «رسالة في الطبيعة البشرية» الصادر عام ????، قال عبارته المشهورة: إنَّ رجلين يجذِّفان، يؤديان هذا الفعل بالاتفاق أو بالعُرف، على الرغم من أن أحدهما لم يَعِدِ الآخر بذلك. وليست القاعدة الخاصة باستقرار الملكيات أقلَّ اشتقاقًا من الأعراف الإنسانية، التي تنشأ تدريجيًّا، وتكتسب قوةً من خلال حالةٍ من التطوُّر البطيء … وبالمثل، تترسَّخ اللغات تدريجيًّا من خلال الأعراف الإنسانية من دون أي وعود. وبالمثل، يصبح الذهب والفضة هما مقاييس التبادل العامة، ويُقدَّران بأكثر من قيمتهما الحقيقية مائة مرة.
شكل : ديفيد هيوم.
لا يجد معظم الناس صعوبةً في تقبُّل الطبيعة المتعارَف عليها للُّغة أو المال، لكن يرفضون تجاوُز النقطة التي يقترح فيها فلاسفةٌ مثل هيوم أنَّ الأمر نفسه ينطبق على موضوعاتٍ حسَّاسة مثل الأخلاق أو الدين. وأحيانًا ما يكون اعتراضهم على مذهب الأخلاق النسبية أو علم الأحياء التطوُّري قويًّا للغاية، لدرجة أنهم يشعرون أنه يتعيَّن عليهم رفض نظرية الألعاب كذلك. لكن، أيًّا كان رأيك في أفكار هيوم، فإن نظرية الألعاب تستحق أن تتبنَّاها وتؤمن بها في هذا الصدد.
لا يمكن أبدًا لنظرية الألعاب أن تمثل تهديدًا لأي نظامٍ دينيٍّ أو أخلاقيٍّ متسق؛ لأنها تنطوي على مضمونٍ جوهريٍّ أكثر من الحساب والمنطق. وكلُّ ما تذهب إليه هو أن بعض الافتراضات لا تكون متسقةً منطقيًّا مع عددٍ من الافتراضات الأخرى؛ ومن ثَمَّ، يمكن استخدامها — مثل الحساب والمنطق — لدعم أي جانبٍ من جانبَي أي حُجة.
إنَّ الكثير من خبراء نظرية الألعاب على درجةٍ كبيرةٍ من التديُّن، ونخصُّ بالذكر هنا بوب أومان الذي تقاسم جائزة نوبل مع توم شيلينج عام ????. ولقد ألَّف ستيف برامز أيضًا كتابًا عن استخدام نظرية الألعاب لإثبات نقاطٍ دينية. ويقبل كتابي «العدالة الطبيعية» بفكرة أن بعض مبادئ العدالة عامةٌ في الجنس البشري، على الرغم من أنني كثير الشك في هذا الأمر. باختصار، لا يَخشى من استخدام نظرية الألعاب سوى الأشخاص الذين لديهم معتقداتٌ تفتقر إلى الاتساق المنطقي.
(?) الأعراف السيئة

إنَّ التوازن المختلط في لعبة القيادة ليس فعَّالًا على الإطلاق؛ لأن اللاعبين الذين يستخدمونه ستنتهي بهم الحال إلى حالةِ توقُّفٍ تامٍّ لنِصف الوقت. لكنه توازنٌ على الرغم من ذلك؛ ومن ثَمَّ فإنه يتاح كأحد الأعراف الممكنة. وقد اعتدتُ أن أقول إنه عُرْف لم ينشأْ فعليًّا في أي مكانٍ في العالم، حتى صحَّحه بعض الأتراك، الذين لاحظوا أنني لم أَزُرْ تركيا قَط. لكنني زُرتها الآن، وأفهم جيدًا ما يعنون.
إنَّ لعبة سوليتير لشيلينج نموذج محاكاةٍ جيد، وهدفها هو توضيح إلى أي مدًى يمكن للتطوُّر الثقافي أن يؤديَ بسهولةٍ إلى مثل هذه الأعراف غير المرغوب فيها اجتماعيًّا من دون الحاجة إلى عبقريٍّ شريرٍ يحيك الدسائس لإسقاط المجتمع. تُلعب اللعبة على طاولة شطرنج مع فيشات بيضاء وسوداء. كل فيشةٍ تمثل ربَّ بيتٍ، والمربع الذي فيه الفيشة يمثل البيت، والمربعات المحيطة (وهي ثمانية) تمثل جيران صاحب البيت؛ لذا، تمثِّل الفيشة في أيٍّ من هذه المربعات جارًا.
تتأثر كل فيشةٍ بألوان الفيشات المجاورة؛ فيأمل اللاعب صاحب الفيشة البيضاء أن يكون نصف الفيشات المجاورة له أو أكثر بيضاء، ويأمل اللاعب صاحب الفيشة السوداء أن يكون ثُلث الفيشات المجاورة له أو أكثر سوداء. ويتمثل دورك في إدارة هذه العملية التطوُّرية وتنظيمها عن طريق تحريك الفيشات غير المتوافقة إلى مربعات تكون فيها متوافقةً حتى لا توجد أي مربعات فارغة يمكن الانتقال إليها. وينصح شيلينج بالبدء بوضع فيشاتٍ سوداء في كل المربعات السوداء على طاولة الشطرنج، وفيشاتٍ بيضاء في كل المربعات البيضاء. ويكون عليك بعد ذلك إزالة بعض هذه الفيشات عشوائيًّا ثم بدء العملية. في شكل ?-?، أُزيلت ?? فيشة من الطاولة. شكل ?-?: لعبة سوليتير لشيلينج.
إنَّ الهيئتين الموضحتين في شكل ?-? هما نتاج اللعبة في حالة التوازن، وهما مختلفتان نظرًا لوجود بعض العشوائية في الهيئة المبدئية وفي اختيارك للفيشات غير المتوافقة التي ستبدأ بتحريكها أولًا. لكنَّ التوازن الذي ينشأ غالبًا ما يجعل الفيشات السوداء تشغل أماكن متباعدة وغير متجاورة؛ ومن ثَمَّ، يُفضَّل لعب لعبة سوليتير لشيلينج بضع مراتٍ حتى تعرف مدى صعوبة عملية الفَصْل. فمن المفترض أن الجميع في هذا النموذج يرحب بالعيش في أماكنَ متجاورةٍ ومختلطة، لكن الأمر ينتهي بهم إلى عُرفٍ يقضي بفصلهم. (?) معضلات اجتماعية

توضح لعبة سوليتير لشيلينج كيف يمكن بسهولةٍ إرساء عُرفٍ ما على الرغم من عدم استحسان الناس له. وعلى نهج عالِم الاجتماع فيلفريدو باريتو، يقول علماء الاقتصاد إن النتائج لا تكون فعَّالة عندما توجد نتائج أخرى تنال قدرًا أكبر من الاستحسان لدى الناس. ولكن إذا كنا ندرك أننا بصدد إرساء عُرفٍ غير فعَّال، أفليس من غير العقلاني عمومًا عدم الانتقال إلى عُرفٍ فعَّال؟
ربما يكون أهم دورٍ لنظرية الألعاب هو الإصرار على أن أي إصلاحٍ يتطلَّب تنسيق السلوك في شكل توازنٍ ما إذا كنا نريد له الاستمرار على المدى الطويل. وإذا لم يكن ثَمَّةَ توازنٌ مُرضٍ يمكننا التحرُّك نحوه، كما في لعبة سوليتير لشيلينج، فإن ابتكار نوعٍ جديدٍ من العقلانية يؤدِّي بشكلٍ أو بآخر إلى إخفاء أوجُه التناقض والتضارب في السلوك الفردي التي يُستدَل عليها ضمنًا من اللعب خارج حالة التوازن؛ لن يزيد الأمور إلا سوءًا وتفاقمًا. وعلى المرء أن ينظر في التاريخ الطويل للمدن الفاضلة التي باءت بالفشل كي يدرك السبب.
كارل ماركس مذنِب رئيسي في هذا الصدد. عندما تعامل ماركس مع مفهوم رأس المال والعمل على أنهما لاعبان موحَّدان ومتكاملان في لعبةٍ مهمةٍ وخطيرة، لم يدرك أنَّ ترابُط أي ائتلافٍ إنما يعتمد على مدى نجاحه في تلبية طموحات أعضائه الأفراد وتطلُّعاتهم. وينطبق الأمر نفسه عندما نتعامل مع مجتمعٍ بأكمله كما لو كان فردًا. لا يعني هذا أن نُنكر أن التضامُن الجماعي يمكن أن يتغلَّب أحيانًا وبصفةٍ مؤقتةٍ على الدوافع الفردية، حتى عندما لا يوجد أي احتمال لمعاقبة مُفسِدي الإضراب من قِبل زملائهم الذين يُبلغون عنهم. ولا يعني أيضًا أن ننكر أننا سنكون أفضل حالًا — كما يُزعَم — إذا طبقنا مفهوم الصالح العام في كثيرٍ من الأحيان؛ فهذا السلوك بكل تأكيدٍ سلوكٌ غيريٌّ، أو حتى مثالي، لكننا نخدع أنفسنا إذا أصرَرْنا على أن نعتبر السلوك الأناني ضربًا من اللاعقلانية.
مثلما أوضحَ الفيلسوفُ الكثيرُ التَّشَكِّي توماس هوبز منذ زمنٍ بعيد: يعيش النحل أو النمل في جماعاتٍ جنبًا إلى جنب …؛ ولذا، ربما يرغب البعض في معرفة السبب في أن البشر لا يستطيعون فعل الشيء نفسه. وعن هذا أُجيب بأنَّ مفهوم الصالح العام بين هذه الكائنات لا يختلف عن مفهوم الخاص.
باستخدام مصطلحات نظرية الألعاب، يقول هوبز إنَّ الألعاب التي تلعبها الحشرات الاجتماعية بعضها مع بعض تعد ألعاب تنسيقٍ خالص، لكنني أخمن أن معظم الناس قد يتفقون معي أن هذا الأمر قلَّما ينطبق على البشر.
إنَّ الأخطاء التي أشيرُ إليها هنا هي بالضبط الأخطاء التي يقع فيها المفكرون اليساريون، لكنَّ مفكري اليمين ليسوا في حاجةٍ إلى التفاخُر بأنفسهم؛ فهم عادةً ما يقعون في الخطأ المكمِّل بالتغاضي عن احتمال وجود توازناتٍ أكثر فاعليةً من التوازن الذي نحن بصدد إدارته حاليًّا.
إنَّ ما يمكن أن تسهم به نظرية الألعاب في مثل هذه المناقشات هو إطار عملٍ يمكن للمرء من خلاله أن يناقش بواقعيةٍ ما هو ممكن أو غير ممكنٍ للمجتمع. فما هي التوازنات المتاحة في اللعبة التي نلعبها؟ هل يوجد توازن نفضِّله جميعًا عن التوازن الذي نلعبه الآن؟ وإذا لم يعجبنا أيٌّ من التوازنات المتاحة، فهل يمكننا تغيير قواعد اللعبة أو تغيير تفضيلات اللاعبين بطريقةٍ ما؟
(?-?) وماذا لو افترضنا حتى أن الناسَ كلَّهم يتصرفون على هذا النحو؟

يقول علماء النفس الاجتماعي إنَّ الموقف الذي يتعارض فيه تحقيق نتيجةٍ فعَّالةٍ مع دوافع الأفراد داخل الجماعة يشكِّل مأزقًا اجتماعيًّا. وتُعدُّ لعبة معضلة السجينين المثالَ النموذجيَّ على ذلك.
يمكنك عادةً أن تدرك أنك في مأزقٍ اجتماعيٍّ بالنظر إلى الموقف الذي تُسجِّل فيه والدتُك اعتراضَها على أي رغبةٍ متشددةٍ من جانبك بالقول: «وماذا لو افترضنا حتى أن الناس كلهم يتصرفون على هذا النحو؟» يشار أحيانًا إلى إيمانويل كانط باعتباره الفيلسوف الأعظم دائمًا، لكنه أيضًا كان يرى أنه من غير العقلاني الإتيان بفعلٍ ما إذا كان هذا الفعل سيكون سيئًا في حال قيام كل الناس به. ومثلما يقول في عبارته المشهورة: «على المرء أن يقوم فقط بالعمل الذي يرى أنه يمكن أن يكون قانونًا عالميًّا وقاعدةً تُطبق في كل زمانٍ ومكان.»
على سبيل المثال، عند الانتظار عند سير تسلُّم الحقائب في المطار، سيكون الأفضل لنا جميعًا أن نرجع إلى الوراء حتى نتمكَّن من رؤية الحقائب أثناء قدومها على السير. لكن إذا فعل الجميع ذلك، فسوف يرى كل فردٍ أنه من الأفضل له أن يتقدَّم إلى الأمام قليلًا، وينتهي الأمر إلى أن نشبَّ جميعًا على أقدامنا لنرى أمامنا جدارًا من الأشخاص الذين يقفون وظُهورهم تِجاهنا.
بالمثل، سنستفيد جميعًا إذا أطفأنا أجهزة التكييف عند وجود احتمالٍ لحدوث انخفاضٍ في التيار الكهربائي، أو إذا لم نستخدم رشاشات العُشب أثناء الجفاف. وينطبق الأمر نفسه عندما يقف الجمهور أثناء مشاهدة مباراةٍ لكرة القدم، أو عندما يباشر الناسُ أعمالهم ببطءٍ بعد بلوغ هدفٍ طويل المدى.
عندما تلعب أعدادٌ كبيرة من الناس غير المعروفين هذه المعضلات الاجتماعية، فإن كانط ووالدتك محقَّان إذن في التنبُّؤ بأن الأمور ستسوء إذا استجاب الجميع لدوافعهم الفردية. لكنَّ حثَّ الناس على التصرُّف بأسلوبٍ أفضل في مثل هذه المواقف نادرًا ما يكون فعَّالًا. لماذا عليك أن تخسر بالاكتراث لكلام والدتك، في حين يتجاهل الجميع نصائح أمهاتهم ولا يكترثون بها؟
(?-?) مأساة المشاع

إنَّ المعضلات الاجتماعية اليومية التي أوردناها أعلاه مثيرةٌ للغضب، لكن بعض المعضلات الاجتماعية تكون مسألة حياةٍ أو موت بالنسبة إلى مَنْ يلعبونها. وثَمَّةَ مثال في هذا الصدد يُطلِق عليه خبراء العلوم السياسية «مأساة المشاع».
ثَمَّةَ مائة عائلةٍ تقريبًا ترعى أغنامًا تعيش على أكل العُشب في أرضٍ مشتركة. ويلزم ألف رأس من الأغنام إجمالًا لزيادة الإنتاج الإجمالي من اللبن. كم رأسًا من الأغنام ينبغي أن يكون لدى كل عائلةٍ لزيادة إنتاجها من اللبن؟
يبدو للوهلة الأولى أن الإجابة هي عشرة، لكنه ليس توازنًا أن ترعى كل عائلة عشرة رءوس من الأغنام؛ فلو أن كل العائلات الأخرى لديها عشرة رءوس من الأغنام، فستكون الاستراتيجية المثلى لعائلتك هي عدمَ رعْي أي أغنام على الإطلاق. لكن، الأفضل لك أن تضيف رأسًا آخر إلى قطيعك؛ لأن عائلتك ستستفيد من هذا الرأس الزائد، في حين سيتقاسم المجتمع بأكمله تكلفته من حيث كمية العُشب الأقل التي ستتغذى عليها الأغنام الأخرى؛ لذلك، ستَستمر العائلات في إضافة أغنامٍ إلى قطيعها حتى تتحوَّل الأرض المشتركة إلى صحراء. لكن هذه نتيجة غير فعَّالةٍ تمامًا في حقيقة الأمر.
تُمثِّل مأساة المشاع مجموعةً كاملةً من الكوارث البيئية التي جلبناها على أنفسنا؛ فالصحراء الكبرى تمتد بضراوةٍ نحو الجنوب، ويرجع السبب جزئيًّا إلى السكان الرعويين الذين يعيشون على حدودها ويصرُّون على تجريف الأراضي العُشبية الموجودة على حوافِّها. كما أننا نطلق ثانيَ أكسيد الكربون في الغلاف الجوي كما لو أنه لا يوجد غدٌ قادم، ونسمِّم أنهارنا، ونتسبَّب في حدوث تكدُّسٍ مروريٍّ بسياراتنا، ونزيل الغابات المطيرة، ونستنزف الثروة السمكية؛ حتى إن مخزون بعض الأسماك قد وصل إلى مستوًى خطيرٍ لا يمكن التعافي منه مرةً أخرى.
تعرَّض خبراء نظرية الألعاب لانتقادٍ غير مبرَّرٍ لرفضهم فكرة أن السلوك الفردي الذي يؤدِّي إلى مثل هذه الكوارث هو سلوك غير عقلاني. وتساءل النقَّاد كيف يكون من العقلاني أن يخطِّط مجتمع لتدمير نفسه. أليس بوسعنا أن نفهم أن الأفضل حالًا للجميع أن نُرشِّد استهلاكنا للموارد المشتركة؟ والخطأ في هذا التفكير بسيط وجوهري؛ فاللاعب في لعبة الحياة البشرية ليس كيانًا مجردًا يُطلَق عليه «الجميع»؛ فكلنا أفرادٌ مستقلُّون، ولكلٍّ منا أهدافه وأغراضه. وحتى عندما تدفعنا طاقة الحب التي داخلنا إلى تقديم تضحياتٍ للآخرين، فإن كلًّا منَّا يفعل ذلك بأسلوبه الخاص ولأسبابه الخاصة. وإذا تظاهرْنا بعكس ذلك، فلن يكون لدينا أيُّ أملٍ في فهم مأساة المشاع.
(?) لعبة اصطياد الظبي

أيَّد جان جاك روسو، مُلهِم الثورة الفرنسية، الفكرةَ القائلة بأن الألعاب السياسية نادرًا ما تكون ألعابَ تنسيقٍ خالصة. والحل الذي اقترحه أن تُحوَّل هذه الألعاب إلى ألعاب تنسيقٍ خالصةٍ بتغيير تفضيلاتنا: «لو تحقَّقتْ لديك الإرادة العامة، فاعمل على التوفيق بينها وبين جميع الإرادات الفردية.»
يتغاضى خبراء نظرية الألعاب عن عدم قابلية هذا البرنامج الراديكالي للتطبيق، ويركِّزون على حكايته الرمزية المتمثِّلة في مطاردة ظبيٍ واصطياده. اتفقت أليس وبوب على التعاون في اصطياد ظبي، لكنهما عندما ينفصلان لتنفيذ خطتهما، ربما يتعرَّض كلٌّ منهما لإغراءاتٍ تدفعه إلى التخلي عن الخطة المشتركة واصطياد أرنبٍ وحشيٍّ بدلًا من ذلك.
يلزم إجراء تغييراتٍ طفيفةٍ على عوائد نسخة الأخذ والعطاء في لعبة معضلة السجينين في شكل ?-? للحصول على لعبة اصطياد الظبي في شكل ?-?، لكن هذه التغييرات كافية لتحويل اللعبة إلى حالةٍ من توازن ناش يقرِّر فيها كلا اللاعبَيْن الأخذ بخيار «حمامة» أثناء اللعب. تبدو لعبة اصطياد الظبي من ثَمَّ كما لو كانت لعبةً لا تؤدِّي إلى حدوث مأزقٍ اجتماعي. وإذا وجدنا أننا بصدد تطبيق توازن ناش غير الفعَّال الذي فيه يلعب كلٌّ من أليس وبوب «صقر»، فإننا نستطيع أن نتحول إلى توازن ناش الفعَّال الذي فيه يلعب كلا اللاعبَيْن «حمامة». ومع ذلك، فقد اخْتِيرت العوائد في لعبة اصطياد الظبي بتأنٍّ؛ مما يجعل مثل هذا التحوُّل صعبًا.
يكون حوض التجاذب كبيرًا في حالة التوازن غير الفعَّال، وصغيرًا في حالة التوازن الفعَّال؛ لذا، من الصعب أن يُخرجنا التطوُّر من حوض التجاذب الخاص بالتوازن غير الفعَّال ويدخلنا في حوض التجاذب الخاص بالتوازن الفعَّال. صحيحٌ أننا لسنا حيواناتٍ تنتظر القوى البطيئة للتطوُّر لإرساء عُرفٍ جديد، ويمكننا التحدُّث بعضنا مع بعضٍ والاتفاق على تغيير طريقة إدارتنا للأمور. لكن، هل في وسعنا الوثوق في أن يلتزم كلٌّ منا بالاتفاق الذي ربما نُبرمه؟
شكل ?-?: لعبة اصطياد الظبي. يتضح من الرسم التخطيطي على الجانب الأيسر أن حوض التجاذب لتوازن ناش المتمثِّل في الزوج («حمامة»، «حمامة») أصغر كثيرًا عن حوض التجاذب بالنسبة إلى توازن ناش المتمثِّل في الزوج («صقر»، «صقر»). أما حوض التجاذب الخاص بتوازن ناش المختلط الذي يتقرَّر فيه الأخذ بخيار «حمامة» لثُلثي الوقت، فيمثله الخط المتقطع.
يستخدم الخبراء في مجال العلاقات الدولية أشكالًا مختلفة من لعبة اصطياد الظبي تحت اسم «مأزق الأمن» أو «لعبة الثقة»؛ لجذب الانتباه إلى المشكلات التي يمكن أن تنشأ حتى عندما يكون اللاعبون عقلانيين.
افترض أن العُرف الحالي هو لعب «صقر»، لكنَّ أليس تسعى إلى إقناع بوب بأنها تعتزم لعب «حمامة» في المستقبل؛ ومن ثَمَّ عليه أن يحذوَ حذوها. هل سيقتنع بوب؟ يعتقد خبراء نظرية الألعاب أنه لن يقتنع. والسبب أن أيًّا كان ما تعتزمه أليس، فمن مصلحتها أن تقنع بوب أن يلعب «حمامة». وإذا نجحت في إقناعه، فسوف تحصل على ? بدلًا من صفر في حال كانت تعتزم أن تلعب «حمامة»، و? بدلًا من ? في حال كانت تعتزم أن تلعب «صقر». ولا يستطيع بوب بالعقلانية وحدها أن يستنتج أي شيءٍ عن الخطة التي تعتزم أليس تنفيذَها؛ لأنها ستقنعه بالشيء نفسه أيًّا كانت خطتها الحقيقية. وربما تعتقد أليس في حقيقة الأمر أن مِن المستبعد أن يقتنع بوب بالتحويل من «صقر»؛ ومن ثَمَّ تُخطِّط هي للعب «صقر»، ومع ذلك فلا تزال تقنعه بلعب «حمامة».
(?-?) هل هي أزمة الثقة؟

توضح هذه الرواية الميكيافيللية أن نَسَبَ العقلانية إلى اللاعبين ليس كافيًا لحل مسألة اختيار التوازن، حتى في حالةٍ تتمتع فيما يبدو بالشفافية مثل لعبة اصطياد الظبي. وردُّ الفعل التقليدي هو أن نسأل عن سبب إصرار خبراء نظرية الألعاب على أنه من غير العقلاني أن يثق الناس بعضهم في بعض. أَلَيس من الأفضل لكلٍّ مِن أليس وبوب أن لو كان كلٌّ منهما يثق في أمانة الآخر؟
لا أحدَ ينكر أن أليس وبوب سيكونان أفضل حالًا إذا وثق كلٌّ منهما في الآخر. ولا يقول خبراء نظرية الألعاب إن الثقة ضربٌ من اللاعقلانية؛ فهم يقولون فقط إنه من غير العقلاني أن تثق في الناس من دون سببٍ وجيه؛ فالثقة لا تُبنى على الثقة. على سبيل المثال، لن تجد أحدًا من سكان نابولي يثق في أن رفقاءه ممن يقودون سياراتهم في نابولي سيشرعون في احترام إشارات المرور لمجرد أن شخصًا صاحب سلطةٍ أخبرهم أنه يتعيَّن عليهم ذلك.
إذن، كيف يمكننا الانتقال من توازنٍ لآخر؟ تُقدِّم واقعة انهيار الإمبراطورية السوفييتية دراسة حالةٍ رائعةً في هذا الصدد. نجحت بعض دول شرق أوروبا في أن تحذوَ حذوَ النموذج السويدي في لعبة القيادة من خلال تحوُّلها بطريقةٍ أو بأخرى من الاقتصاد الموجَّه إلى اقتصاد السوق بين ليلةٍ وضحاها؛ ومن ثَمَّ، قلَّلت من فرصة خروج الأمور عن نطاق السيطرة — كما في روسيا أثناء حكم جورباتشوف — حيث كان النظام خارج التوازن أثناء فترة تنظيم الحكومة.
لكن، سيكون من الخطأ أن نستنتج من لعبة اصطياد الظبي أن الانتقالاتِ الفرعيةَ بين الأعراف غير ممكنةٍ على الإطلاق، بقدر ما هو خطأٌ أن نستنتج من لعبة معضلة السجينين أن الأمر نفسه ينطبق على التعاون العقلاني. فلا تصلح أي لعبةٍ من اللعبتين أن تكون مثالًا لآلية عمل مجتمعاتٍ بأسرها؛ فهي مجرد ألعابٍ فقط، ابتُكِرتْ لتحقيق غاية معينة.

الفصل الخامس
المعاملة بالمثل


إذا أردنا فهم مجتمعٍ بأكمله، فلا يمكن أن نُهمل دور المعاملة بالمثل (التبادُلية)، التي عرَّفها الفلاسفة — بدءًا من كونفوشيوس إلى هيوم — بأنها الركيزة الأساسية للنشاط الاجتماعي عند الإنسان. وإذا كانوا مُحقِّين في ذلك، فإننا نؤدِّي جميعًا دورنا في الحفاظ على شبكةٍ معقدةٍ من الإجراءات التبادلية مع المحيطين بنا. لكنَّ فهْمنا لآلية عمل هذه المنظومة لا يزيد عن فهمنا لعلم الفيزياء الذي نستخدمه عند ركوب دراجة.
تُقدِّم نظرية الألعاب بعض الآراء حول التفاصيل الدقيقة لمفاهيم المراقبة الذاتية: كيف تعمل هذه المفاهيم؟ لماذا تستمر؟ ما مدى التعاون الذي يمكن أن تدعمه؟
(?) الألعاب المتكررة

في لعبةٍ من جولةٍ واحدة، لا تستطيع أليس أن تَعِدَ بوب أنها سوف تُسدي إليه خدمةً غدًا إذا هو أسدَى إليها خدمةً اليوم؛ لأننا افترضنا ضمنًا أنهما لن يلتقيَا أبدًا مرةً أخرى. وأبسط حالةٍ يمكن أن ينشأ فيها مفهوم المعاملة بالمثل تقتضي أن يلعب نفس اللاعبَيْن نفس اللعبة مرارًا وتكرارًا.
(?-?) التكرار ذو الأفق المحدود

نَخْلص في لعبة معضلة السجينين إلى حقيقة أن التعاون لا يكون عقلانيًّا بالضرورة؛ فهل يثبت خطأُ هذا الاستنتاج غير السارِّ إذا لعبت أليس وبوب اللعبة مرارًا وتكرارًا؟ إذا كان من المعروف عمومًا أن أليس وبوب سيلعبان معضلة السجينين كل يوم طوال الأسبوع القادم، فإن الاستنتاج العكسي يُحتِّم أنَّ الإجابة «لا». ولهذا السبب نفسه يوصف رجال السياسة بأنهم عاجزون عندما تُوشِك فترة ولايتهم على الانتهاء.
يوم السبت — وهو آخر يوم في الأسبوع — ستلعب أليس وبوب لعبة معضلة السجينين العادية، التي فيها تقتضي العقلانيةُ لعبَ «صقر». وفي يوم الجمعة، سيَعْلمان أنَّه ما من شيءٍ يفعلانِه اليوم من شأنه أن يؤثِّر فيما سيحدث غدًا؛ لذلك، سيلعبان «صقر» يوم الجمعة. وبالعمل بترتيبٍ عكسيٍّ خلال كل يومٍ من أيام الأسبوع، نجد أن اللاعبين العقلانيين سيلعبون دائمًا «صقر» (يوجد أيضًا بين توازنات ناش ما هو ليس لعبة فرعية تامة، لكنه يتطلَّب لعب «صقر» على مسار التوازن).
(?-?) التكرار غير المحدود

هل علينا أن نستنتج أن التعاون العقلاني مستحيل حتى عند تكرار لعبة معضلة السجينين؟ سيكون هذا استنتاجًا متسرِّعًا؛ لأنه من غير الواقعي أن نفترض أن أليس وبوب على يقينٍ من أنهما لن يتعاملا معًا مرةً أخرى بعد يوم السبت القادم. فالعلاقات في الحياة الواقعية غالبًا ما تكون ذات نهايةٍ مفتوحة؛ أيْ بلا حدودٍ زمنيةٍ ثابتة؛ لذا، ماذا يحدث في لعبة معضلة السجينين المتكررة لو أنه من غير المعروف عمومًا أنَّ أليس وبوب لن يلتقيا مجددًا؟ الإجابة هي أن التعاون العقلاني يصبح الآن ممكنًا.
في أبسط نموذج للعبة، تعتقد أليس وبوب دائمًا أن ثَمَّةَ احتمالًا أكيدًا أنهما سيلعبان معضلة السجينين مرةً أخرى على الأقل، بصرف النظر عن عدد المرات التي لعباها في الماضي. وإذا كان هذا الاحتمال كبيرًا بالقدر الكافي، واللاعبان مهتمَّين بعوائدهما المستقبلية، فإنَّ توازنات ناش للُّعبة المتكررة ستكون كثيرة. وفي بعض هذه التوازنات، يُؤخذ دائمًا بالخيار «حمامة» على مسار التوازن.
لِفهْم ذلك، يكفي النظر إلى استراتيجية «عدم التسامح»، التي تقتضي أن تلعب أليس «حمامة» دائمًا في لعبة معضلة السجينين في نموذجها المتكرر اللامتناهي إلا إذا لعب بوب «صقر» دائمًا. وإذا لعبَ «صقر»، فوفقًا لاستراتيجية «عدم التسامح»، على أليس أن تنتقم بالتحوُّل الدائم إلى «صقر» هي أيضًا. وإذا استخدم كلا اللاعبَيْن استراتيجية «عدم التسامح»، فلن يحثَّ أيٌّ منهما الآخر على لعب «صقر»؛ وبذلك سيلعب كلاهما «حمامة» طوال الوقت. لكن هل يمثل الزوجُ («عدم التسامح»، «عدم التسامح») حالةً من توازن ناش؟
في ضوء كل الردود المُثلى لاستراتيجية «عدم التسامح»، على بوب ألَّا يكون هو البادئَ بلعب «صقر». وإذا لعب «صقر»، فإن أفضل مسارٍ للعائد يمكنه الحصول عليه مستقبلًا هو ?، ?، ?، ?، …، وهو ما يُعد أسوأ من مسار العائد ?، ?، ?، … الذي يحصل عليه بلعب «حمامة» دائمًا. وبما أن استراتيجية «عدم التسامح» تحثُّ دائمًا على لعب «حمامة» عند المطابقة مع نفسها، فإن هذا يستتبع أن اختيار بوب ? «عدم التسامح» هو الرد الأمثل على اختيار أليس ? «عدم التسامح». وبما أن الشيء نفسه ينطبق على أليس، فإن الزوج («عدم التسامح»، «عدم التسامح») يمثل أحد توازنات ناش للُعبة معضلة السجينين في نموذجها المتكرر اللامتناهي.
(?-?) العقاب

إنَّ النقاد الذين يعتقدون خطأً أن نظرية الألعاب ترفض فكرة أن الناس إيثاريُّون بطبيعتهم يستاءون أحيانًا من فكرة أن التعاون ربما لا يحدث أحيانًا دون التهديد بالعقاب. ولا يرحبون باستراتيجية «عدم التسامح» على وجه التحديد؛ لأنها تُعاقب أيَّ انحرافٍ عن مسار التوازن بإصرارٍ بالغ.
هؤلاء النقاد محقُّون إلى الحد الذي يكون فيه التهديد بالعقاب جزءًا رئيسيًّا من مفهوم التعاون «المتبادل». إذا قالت أليس لبوب إنها ستُسدي إليه خدمةً لو أنه أسدى إليها خدمة، فإننا نفهم من ذلك ضمنًا أنها لن تسديَ إليه خدمةً إلا إذا أسدى إليها خدمة. والناسُ عادةً لا يُقدِّمون خدمةً إلا إذا كانوا يتوقَّعون خدمةً في المقابل؛ ومن ثَمَّ، تُسحَب الخدمة في حال عدم ردِّها. وأحيانًا يمكن أن يُقدِم الشخص على الإيذاء إن لم تُرَد إليه الخدمة التي قدَّمها من قبل. ومع ذلك، فإن العقوبات المبالَغ فيها — كالموضَّحة في استراتيجية «عدم التسامح» — لا نصادفها إلا في حالاتٍ متطرِّفة في الحياة الواقعية. وتكون العقوبات اليومية متناسبةً مع حجم الإساءة.
شكل : تنظيف الشعر المتبادل بين قرود الشمبانزي.
إننا معتادون على الاستجابة على نحوٍ لائقٍ للعقوبات الصغيرة التي تتسبَّب فيها إساءاتٌ بسيطة تَصدر عنا، لدرجة أننا نادرًا ما نلاحِظ حتى أننا نستجيب لها على الإطلاق؛ فالإشارات اللاشعورية الصادرة عمَّن حولنا تُترجَم تلقائيًّا إلى سلوكٍ دون أي تحكُّمٍ واعٍ؛ فلا يتم العقاب دائمًا، وإنما ما يحدث معظم الوقت هو سحب عنصر المكافأة (أو الثواب) قليلًا. ومن أمثلة ذلك أن ينأى الآخر بجانبه قليلًا، وتبدو التحيات جافةً على نحوٍ ملحوظ، ولا تلتقي الأعين وإنما تزوغ في مكانٍ آخر. وهذه كلُّها تحذيرات بأنك في موقف خطر؛ حيث تشير تلك التحذيرات إلى أن الأمر سوف يترتب عليه استبعادٌ اجتماعي أشد وقعًا إذا لم تصحِّح أوضاعك.
(?-?) الإيثار

إنَّ حقيقة أن خبراء نظرية الألعاب يعتقدون أن التعاون المتبادَل يوجد بمعدلٍ أكبر مما ندركه بالفعل؛ لا تشير ضمنًا إلى أنهم يرَوْن أن التعاون مستحيل من دون تطبيق مفهوم المعاملة بالمثل. إذا كانت لدى الأشخاص تفضيلات إيثارية بقدرٍ كافٍ، فإن التعاون العقلاني يمثِّل مشكلةً إذن في ألعاب الجولة الواحدة. على سبيل المثال، إذا كانت لدى أليس وبوب تفضيلات نفعية تجعلهما يرغبان في زيادة مجموع عوائدهما معًا بدلًا من عوائد كلٍّ منهما منفردًا، فسيكون توازن ناش لكليهما أن يلعبا «حمامة» في لعبة معضلة السجينين. (سوف نصادف هذه الحالة بالضبط عندما تكون أليس وبوب توءمين متماثلين في لعبة «صقر/حمامة» في الفصل الثامن).
أما عن مدى اهتمام الناس بعضهم ببعض، فهو سؤال تجريبي تقف نظرية الألعاب صامتةً أمامه بالضرورة. وفي رأيي على الرغم من أن المزيج البشري يحتوي بوضوحٍ على بعض نماذج الخير مثل دكتور جيكل في رواية «قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة»، فإنني لا أحبذ الانضمام إلى مدينةٍ فاضلةٍ ترفض وجود نماذج الشر من أمثال السيد هايد.
تصلح مثل هذه المدن الفاضلة كنقطةِ بدايةٍ ننطلق منها، لكن الإيجابيات الأصلية تزول علانيةً عندما يستجيب اللاعبون دون وعيٍ لدوافعهم الفردية؛ فهنا، على سبيل المثال، يشرح مأمور الضرائب لماذا أوضح استطلاعُ رأيٍ ارتفاع نسبة من يرَوْن أن التَّهرب الضريبي أمرٌ مقبول من ??? إلى ??? على مدار السنوات الخمس الماضية: «إنه إحساس أساسي بالعدل؛ فثَمَّةَ مَنْ يمتثلون للقانون، ويرَوْن آخرين يخالفونه، ومع مرور الوقت، يشعرون أنهم مغفلون» (مارك إفريت في «يو إس إيه توداي»، ? أبريل ????). لذلك، تُواصِل مصلحة الضرائب الأمريكية أعمال المراجعة والتدقيق على افتراض أن الجميع تقريبًا سيجد عذرًا في النهاية يبرِّر به تهرُّبه الضريبي إذا لم يُقابَلوا بضوابط ووسائل ردعٍ كافية.
(?) نظرية القطيع

هل يمكن لاستراتيجياتٍ أخرى غير «عدم التسامح» أن تدعم التعاون العقلاني في نموذج لعبة معضلة السجينين المتكرر إلى ما لا نهاية؟ ماذا عن التعاون العقلاني في الألعاب المتكررة الأخرى؟
على الرغم من أن إجابة نظرية الألعاب عن هذه الأسئلة تشكِّل ما يسمَّى ? «نظرية القطيع»، فلا وجود لمفهوم «القطيع»؛ فبعد أن نشَر ناش أفكاره عن توازن ناش، وجد بوب أومان أن جميع مَنْ لهم صلة بهذا الأمر يبدو أنهم على درايةٍ بالمعاني المتضمَّنة في الألعاب المتكررة؛ ولذلك قرَّر أن أفكاره عن الموضوع يجب أن يُنظر إليها على أنها تنتمي إلى عقلية القطيع.
أوضح ديفيد هيوم سابقًا جدوى التبادلية عام ????، لكنني لا أتوقَّع أن أومان كان يعرف أي شيءٍ عن أعمال هيوم. وبالمثل، لم يكن عالِم الأحياء روبرت تريفرز على درايةٍ بأفكار أومان عندما أعاد إنتاج هذه الأفكار تحت اسم «الإيثار المتبادَل» بعد ?? عامًا من ذلك. ولم تتوقف محاولات إعادة استكشاف هذه الفكرة إلا مع نشْر أكسلرود لعمله «تطوُّر التعاون» عام ????، تمامًا كما توقفت محاولات استكشاف أمريكا بعد رحلة كولومبوس عام ????.
(?-?) لعبة الثقة المصغَّرة

عندما كنتُ طفلًا، أذكر أنني كنتُ أتساءل: لماذا يسلِّم أصحابُ المتاجرِ البضائعَ بعد أن تُدفَع إليهم قيمتها. لماذا لا يأخذون المال فحسب؟
يطلِق علماء الاقتصاد على ذلك «مشكلة التحفُّظ». ومثالي المفضَّل هو سوق الألماس بأنتويرب؛ فالتجار يُعطُون الألماس — وهو شيءٌ ثمينٌ للغاية — من أجل فحصه ولا يطلبون إيصالًا. لماذا لا يتعرَّضون للغش والاحتيال؟ أبسط تفسيرٍ لذلك وجدتُه في العدد ?? من جريدة «نيويورك تايمز» الصادر بتاريخ أغسطس ????. فعندما سُئل تاجر عن سبب اعتماده على أمانة صاحب محل الأنتيكات الذي يبيع بضاعته مقابل عمولة، أجابَ التاجر الذي لا يعلم شيئًا عن استراتيجية «عدم التسامح» قائلًا: «من المؤكَّد أنني أثق فيه؛ فالمرء يعلم الأشخاص الذين يمكنه الوثوق بهم في هذه المهنة. والذين يخونونه يُسقطهم من حساباته ولا يتعامل معهم مرةً أخرى.»
إنَّ لعبة الثقة المصغَّرة هي نموذج من الألعاب التي تُلقي الضوء على مسألتَي الثقة والسُّمعة هاتين. عندما تُقدِّم أليس خدمةً إلى بوب، وهي واثقةٌ من أنه سيبادلها المعاملة بالمثل من خلال دفعه مقابل هذه الخدمة، فإن نوع المأزق هنا يكون هو نفسه الموجود في لعبة الاختطاف في شكل ?-?. ولمعرفة السبب، كلُّ ما عليك هو أن تعيد تسمية استراتيجية «إطلاق السراح» لأليس باستراتيجية «التقديم» واستراتيجية «الْتزام الصمت» لبوب باستراتيجية «الدفع». بما أنَّ لعبة الاختطاف تتضمَّن حالةً فريدة من توازن اللعبة الفرعية التامة، فالأمر ينطبق أيضًا على لعبة الثقة المصغَّرة. لن تُقدِّم أليس الخدمة لأنها تتوقع أن بوب لن يدفع. لكن تقول لنا نظرية القطيع إن كل زوج من العوائد في المنطقة المظلَّلة تظليلًا كثيفًا في شكل ?-? يمثل نتائج توازن ناش للُّعبة «المتكررة» اللامتناهية، بما في ذلك زوج العائد (?،??) الذي ينشأ عندما تُقدِّم أليس خدمةً دائمًا ويدفع بوب دائمًا. شكل ?-?: نظرية القطيع. توضح المناطقُ المظلَّلةُ الأماكنَ التي تمثل عوائد التعاون في لعبة معضلة السجينين ولعبة الثقة المصغَّرة. وهذه هي أزواج العوائد التي استطاع اللاعبان الاتفاق عليها في حال أصبحت المساومات السابقة للَّعب قابلة للتنفيذ. توضح المثلثات المظلَّلة على نحوٍ كثيف أزواج العوائد لكل لعبة، التي توضح نظرية القطيع أنها متوافرة كنتائج في حالة التوازن في النماذج المتكررة من اللعبتين عندما يتحلَّى كلا اللاعبَيْن بقدرٍ كافٍ من الصبر.
لفهم السبب في جدوى نظرية القطيع ونجاحها، من المفيد السؤال عن الاحتمالات التي ستُتاح لكلٍّ من أليس وبوب إذا تفاوضَا مقدمًا على الطريقة التي سيلعبان بها لعبة الثقة المصغَّرة. وأحد الاحتمالات القائمة أنهما ربما يتفقان على أيٍّ من أزواج العوائد الموضحة في شكل ?-?. وتقع هذه الأزواج من العوائد في زوايا المثلث المظلَّل في شكل ?-?، ويمكن تحقيق النقاط المتبقية في المثلث كحلول وُسطى يحصل عليها اللاعبان من خلال رمْي العملات أو لعِب الأدوار. على سبيل المثال، يقع زوج العائد الذي ينتج في حال اتفاق أليس وبوب على أن تُقدِّم أليس الخدمة دائمًا فيما يدفع بوب لنصف الوقت فقط في مكانٍ وسطٍ بين الزوجين (صفر، ?) و(?،??). ونظرًا لأن المثلث المظلَّل يتضمَّن كل الحلول الوُسطى الممكنة التي من المحتمَل أن يتفق عليها أليس وبوب، فإنه يُسمَّى منطقة العوائد التعاونية للعبة الثقة المصغَّرة. إنَّ المشكلة في رواية المساومة أنها لا تنجح إلا بوجود وكيلٍ خارجيٍّ من نوعٍ ما، يكون على استعدادٍ لتنفيذ أي عقودٍ ربما يُبرمها كلٌّ من أليس وبوب وتكون لديه القدرة على تنفيذها. ومن دون هذا الوكيل الخارجي، يكون أي اتفاقٍ بين أليس وبوب ضربًا من «المراقبة الذاتية»؛ بمعنى أنه يجب أن يكون الأفضل للَّاعب أن يحافظ على الاتفاق شريطة أن يَلقى المعاملة نفسها من اللاعب الآخر؛ وبناءً على ذلك، لا تتوافر أي اتفاقاتٍ قابلةٍ للتطبيق سوى توازنات ناش؛ ومن ثَمَّ، فالاحتمال الوحيد أمام اللاعبين العقلانيين في لعبة الثقة المصغَّرة ذات الجولة الواحدة؛ هو النتيجة غير الفعالة التي لا تُقدِّم فيها أليس الخدمةَ لأن بوب لن يدفع. ولكن ماذا يحدث في حال تكرار اللعبة لعددٍ غير محددٍ من المرات؟
إنَّ توازن ناش في اللعبة المتكررة هو دائمًا أن نظل نلعب توازن ناش للُّعبة ذات الجولة الواحدة، لكن نظرية القطيع تشير إلى وجود المزيد من التوازنات دائمًا. إذا كان اللاعبان يتحلَّيان بالقدر الكافي من الصبر وسعة الصدر، وثَمَّةَ احتمال كبير لتكرار اللعبة ولو لمرةٍ واحدةٍ على الأقل، فإن أي زوج عوائد داخل منطقة عوائد التعاون يكون بمنزلة نتيجةٍ من نتائج توازن ناش، شريطة أن يدفع لكلا اللاعبَيْن قيم أدنى الأقصى أو ما يزيد عنها.
إنَّ الحُجة الأساسية سهلةٌ للغاية، حتى إنه لم يكن مستغربًا أن يكتشفها كلُّ مَن درسوا الألعاب المتكررة بعد أن نشر ناش فكرة توازنه عام ????. اخترْ أيَّ اتفاقٍ محتمَلٍ داخل منطقة عوائد التعاون. لتحويل هذا الاتفاق إلى نتيجةٍ لتوازن ناش، نحتاج فقط إلى أن نعاقب أيَّ لاعبٍ يَحِيد عن الاستراتيجية التي يجب أن يتبعها كلا اللاعبَيْن لتنفيذ الاتفاق. وتحقيقًا لأغراض هذه الحُجة، فإن الأسهل هو استخدام العقوبة الصارمة التي تتميَّز بها استراتيجية «عدم التسامح»، والتي فيها يُعاقَب للأبد أيُّ انحرافٍ بأكثر الطرق الصارمة المتاحة.
ما أقسى عقابٍ تستطيع أليس أن تُنزِله ببوب؟ أسوأ عقاب هو ألا تدعَ أمامه خيارًا سوى الحصول على عائد أدنى الأقصى الخاص به؛ لأنه سيستجيب لمحاولتها تقليلَ عائده باختيار الإجابة التي تعظِّم عائده في ضوء اختيارها لاستراتيجية العقاب. في معضلة السجينين، عائد أدنى الأقصى لكلا اللاعبَيْن هو صفر. وفي لعبة الثقة المصغَّرة، عائد أدنى الأقصى لأليس هو واحد، وعائد أدنى الأقصى لبوب هو صفر؛ ولذلك، توضح المناطق المظلَّلة تظليلًا كثيفًا في شكل ?-? كل الاتفاقيات النابعة من المراقبة الذاتية للنماذج المتكرِّرة اللامتناهية من معضلة السجينين ولعبة الثقة المصغَّرة. ولا توجد اتفاقات أخرى يمكن دعمها كنتائج لتوازن ناش. (?-?) ما مواضع الخطأ المحتمَل؟

على الرغم من سهولة إثبات ذلك، أعتقد أن نظرية القطيع ربما تُجسِّد أهم رأيٍ في الفلسفة السياسية؛ فهي تقول إننا لا نحتاج إلى وكالة إنفاذٍ خارجية — سواءٌ صورية أو حقيقية — لإنجاح التعاون. وفي أي موقفٍ متكرر، يمكننا الاستمتاع بكل ثمار التعاون بأن نصير رُقباءَ على أنفسنا.
على الرغم من ذلك، تنطوي نظرية القطيع على قصورٍ كبير؛ فهي تفترض أن أيَّ انحرافٍ عن مسار التوازن سيُلاحَظ من قِبل اللاعبين الآخرين. ومن المحتمَل ألا يكون ذلك بالافتراض السيِّئ في حالة المجموعات الصغيرة في مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي شهدت بداية تطوُّر الثقافة البشرية. وفي القرى الصغيرة الآن، يُفترَض أن كل الناس يعرف بعضهم بعضًا. ولكن، لا ينطبق هذا بكل تأكيد على الحياة في المدن الحديثة؛ ففي المدن الكبيرة التي يجهل الناسُ فيها بعضُهم أسماء بعض، لا يمكن للمرء في أحيانٍ كثيرةٍ أن يكتشف المنحرفين ويعاقبهم على النحو الذي يمنع الاحتيال والغش؛ فنحن نبذل قصارى جهدنا، وأفضل ما لدينا هو وجود كاميرات المراقبة ورجال الشرطة والمراقبين ومفتشي الضرائب وما شابه ذلك، لكن لا أحد يمكن أن يزعم أن جهودنا في هذا الصدد تقترب بأي حالٍ من الفاعلية.
كنتُ أتمنى أن أستطيع الجزم بأن خبراء نظرية الألعاب لديهم كل الإجابات لمسألة المراقبة غير التامة، لكن هذه المسألة لا تزال موضوعًا غير مُستوفَى الدراسة على الرغم من جهود العديد من الأشخاص الماهرين. وربما يكون هذا هو جانب نظرية الألعاب الذي سيؤدي أيُّ تقدمٍ مستقبليٍّ فيه إلى تحقيق فوائد اجتماعية جمَّة.
(?) واحدة بواحدة

يعتقد معظم علماء الاجتماع أن كلَّ ما ينبغي معرفته عن المعاملة بالمثل يتلخَّص في استراتيجية «واحدة بواحدة» للُعبة معضلة السجينين في نموذجها المتكرر اللامتناهي. فوفقًا لهذه الاستراتيجية، على اللاعب أن يبدأ بلعب «حمامة» ثم يحاكي ما فعله اللاعب الآخر في المرة الماضية؛ ومن ثَمَّ، يتحقَّق توازن ناش إذا لعب كلٌّ من أليس وبوب باستراتيجية «واحدة بواحدة» كما في حالة توازن ناش إذا لعب كلاهما «عدم التسامح»، لكن لا تفرض استراتيجية «واحدة بواحدة» معاقبةَ أيِّ انحرافٍ بقسوة، وإنما تُسامِح اللاعبين التائبين بعد أن يتراجعوا عما فعلوه بأن يلعبوا «حمامة» مرةً أخرى.
ترجع شعبية استراتيجية «واحدة بواحدة» إلى أولمبياد بوب أكسلرود، التي دُعيَ إليها علماء الاجتماع لتقديم برامج كمبيوتر لمقارنتها بعضها ببعضٍ في نموذجٍ متكررٍ لا متناهٍ لمعضلة السجينين. وبعد معرفة نتيجة جولةٍ تجريبية، قدَّم المتسابقون برامج طبقت ?? استراتيجية من الاستراتيجيات المحتمَلة اللامتناهية للُّعبة.
استراتيجية «واحدة بواحدة» كانت أكثر الاستراتيجيات نجاحًا في المسابقة؛ لذلك، استمر أكسلرود في محاكاة تأثير التطوُّر على كل الاستراتيجيات المقترَحة البالغ عددها ?? استراتيجية. وحَسمت حقيقةُ أن استراتيجية «واحدة بواحدة» كانت هي الأكثر استخدامًا في جميع البرامج التي صمدت في نهاية المحاكاة التطورية؛ المسألةَ بالنسبة إلى أكسلرود، الذي اقترح بعد ذلك استراتيجية «واحدة بواحدة» كنموذجٍ مناسبٍ للتعاون الإنساني بمفهومه الشامل. وفي وصف مميزات هذه الاستراتيجية، يقول أكسلرود: إنَّ سبب النجاح الهائل لاستراتيجية «واحدة بواحدة» هو مزيجها الذي يجمع بين الكياسة والانتقام والتسامح والوضوح؛ فكياستها تمنعها من الدخول في مشكلاتٍ غير ضرورية. والانتقام يثني الجانب الآخر عن التمادي في الخيانة. والتسامح يساعد على إرساء سبل التعاون المتبادل. والوضوح يجعلها مفهومةً للاعب الآخر، ومن ثَمَّ ينشأ التعاون الطويل المدى.
إلا أن وصف استراتيجية «واحدة بواحدة» بأنها الاستراتيجية الأكثر نجاحًا في محاكاة أكسلرود فيه إساءة إلى الاستراتيجيات الأخرى؛ فقد نجحت ستٌّ من الاستراتيجيات التي دخلت الأولمبياد في العملية التطورية؛ ومن ثَمَّ فالفائز الحقيقي هو الاستراتيجية المختلطة التي تُلعَب فيها الاستراتيجيات الباقية بنفس التكرار الذي كانت موجودة به عندما استقرَّت العملية. وفي الواقع، كان معدل تكرار استراتيجية «واحدة بواحدة» في هذا المزيج المكوَّن من ست استراتيجيات أكثر بقليل من ??/??. كما أن النجاح المحدود الذي حققتْه استراتيجية «واحدة بواحدة» في المحاكاة لم يكن هائلًا عندما تنوَّعت مجموعة المشتركين الأولى. وتكون استراتيجية «عدم التسامح» جيدة تمامًا عندما لا تتحيَّز مجموعة المشتركين الأولى إلى استراتيجية «واحدة بواحدة».
عرَّف أكسلرود الاستراتيجية الجيدة بأنها الاستراتيجية التي لا تبادر بلعب «صقر» أبدًا، لكن ليس صحيحًا أننا نستطيع الاعتماد على التطوُّر لإبداء سلوكٍ جيدٍ حسبما يشير. عندما يُسمَح لنسبةٍ ضئيلةٍ من الأشخاص السريعي الانخداع، الذين يستحقون أن يتعرضوا للاستغلال بسبب سذاجتهم، أن توجد في المنظومة باستمرار، تتفوَّق الاستراتيجيات المتوسطة في أدائها على استراتيجية «واحدة بواحدة». وأبسط مثالٍ على هذه الاستراتيجيات المتوسطة هي «البدء بالهجوم»، والتي تبدأ بلعب «صقر» ولا تُحوِّل نهجها إلا في حالةٍ واحدة؛ وهي إذا لعب اللاعب الخصم «صقر» في المرة الأخيرة. وتمثل استراتيجيتا «البدء بالهجوم» توازنَ ناش في النموذج المتكرر اللامتناهي من لعبة معضلة السجينين، الذي فيه يحدث التعاون بعد الجولة الأولى فقط من اللعب.
أما بالنسبة إلى الوضوح، فمن الضروري فقط لكي يتطوَّر التعاون أن تستطيع النسخة الطافرة أن تتعرَّف على نسخةٍ من نفسها.
لا يتبقَّى إذن على قائمة أكسلرود سوى الشرط الذي يقتضي أن تكون الاستراتيجية الناجحة قائمة على الانتقام. وربما يكون هذا هو الادِّعاءَ الذي تسبَّب في الجزء الأكبر من الضرر؛ لأنه ينطبق فقط في حالة التفاعلات الثنائية. على سبيل المثال، يُزعم أن المعاملة بالمثل لا يمكن أن تفسِّر تطوُّر الصداقة. وصحيحٌ أن التحالفات الهجومية الدفاعية لقرود الشمبانزي لا يمكن تفسيرها بأيٍّ من الروايات الخاصة باستراتيجية «واحدة بواحدة». فإذا كانت أليس بحاجةٍ إلى المساعدة لأنها مُصابة أو مريضة، فلن يكون لدى حلفائها أيُّ دافع لمساعدتها؛ لأنها من غير المحتمَل الآن أن تكون مفيدةً كحليفٍ في المستقبل؛ ومن ثَمَّ، فإنَّ أيَّ تهديدٍ من جانبها بسحْب تعاونها سيكون عديم الجدوى. لكن، ليس بالضرورة أن يكون اللاعب المُصاب هو الذي يعاقِب اللاعب الغشَّاش في التفاعلات التي تتضمن أفرادًا متعددين. فسيراقب الآخرون الموقف في حال تخلَّى بوب عن أليس وتركها لتواجه مصيرها منفردةً، وسيعاقبونه على غدره من خلال رفضهم لتكوين أيِّ تحالفاتٍ معه في المستقبل؛ ففي النهاية، مَنْ يريد أن يتحالف مع شخصٍ معروفٍ عنه أنه يتخلَّى عن أصدقائه عندما يكونون في محنة؟
أعتقد أن الحماس لاستراتيجية «واحدة بواحدة» مستمرٌّ لنفس الأسباب التي يستند إليها الناس في زعم أنه من العقلاني أن يحدث تعاون في لعبة معضلة السجينين ذات الجولة الواحدة؛ فهم يريدون أن يصدِّقوا أن الجنس البشرى متمسك في جوهره بأهداب الفضيلة. لكنَّ الدرسَ الحقيقيَّ الذي علينا أن نتعلمه من أولمبياد أكسلرود والكثير من نماذج المحاكاة التطوُّرية اللاحقة مُطمئِن بدرجةٍ لا متناهية. وعلى الرغم من أن ادِّعاءات أكسلرود فيما يتعلَّق باستراتيجية «واحدة بواحدة» مبالَغ فيها للغاية، فإن استنتاجه أن التطوُّر ينشأ على الأرجح من نتيجةٍ تعاونيةٍ يبدو قويًّا حقًّا؛ لذلك، لا يلزم التظاهر أننا جميعًا دكتور جيكل حتى نفسر كيف ننجح في التعامل بعضنا مع بعضٍ بعدالةٍ وإنصافٍ معظم الوقت؛ فحتى المجتمع الذي يضم الكثير من أمثال السيد هايد يستطيع أن يتعلَّم مع مرور الوقت أن يُنسِّق بأسلوبٍ متوازنٍ وفعَّالٍ في لعبةٍ متكررةٍ لا متناهية.
(?) ظواهر طارئة

انتُقِدت أحيانًا نماذج نظرية الألعاب للعلاقات الاجتماعية بأنها اختزالية؛ لأنها لا تشير مطلقًا إلى مفاهيم مثل: السلطة واللوم والكياسة والواجب والغبطة والصداقة والشعور بالذنب والشرف والنزاهة والعدالة والوفاء والتواضع والتملُّك والفخر والشهرة والحالة الاجتماعية والثقة والفضيلة وما شابه ذلك. ويُستنتَج من ذلك أن نظرية الألعاب فرعٌ من المعرفة اللاإنسانية يتعامل مع البشر كما لو كانوا أجهزة روبوت.
صحيحٌ أن نظرية الألعاب مختزلة، شأنها شأن كل العلوم الناجحة، لكن لا يستتبع ذلك أن يعتقد خبراء نظرية الألعاب أن مفاهيم مثل السلطة أو الواجب غير ذات صلةٍ بالسلوك الإنساني، بل على العكس؛ فنحن نؤمن بأن مثل هذه المفاهيم هي ظواهر طارئة تنشأ عندما يحاول الناس أن يفهموا التوازنات التي يجدون أنفسهم يلعبونها في لعبة الحياة.
على سبيل المثال، يتمثَّل التفسير الجماعي الشائع للتوازن — الذي فيه تُقدِّم أليس الخدمة دائمًا، ويدفع بوب دائمًا في لعبة الثقة المصغَّرة — في أن بوب لن يتحمل أن يخسر الأمانة التي اشتُهر بها عندما يخدع أليس؛ لأنها سترفض أن تُقدِّم له أي خدمة في المستقبل. وعمليًّا، سيكون بوب عادةً شخصًا جديدًا، لكن ما زال يَحدث نفس التوازن؛ لأنه لا أحد غير أليس سيكون مستعدًّا للتعامل مع شخصٍ يُشتَهر بعدم الدفع.
بعيدًا عن إنكار مثل هذه الروايات، تُقدِّم نظرية الألعاب تفسيرًا دقيقًا للأسباب التي تجعلها مجديةً أحيانًا وغير مجديةٍ في أحيانٍ أخرى. على سبيل المثال، يقول نقادنا إننا مُخطِئُون بشأن لعبة الثقة المصغَّرة؛ لأن الناس ما زالوا يدفعون ما عليهم، حتى في ألعاب الجولة الواحدة التي تكون فيها شهرتهم بالأمانة غيرَ ذات صلةٍ بالموضوع. لكنني ألاحظ أن محطات الوقود تجعلك على نحوٍ متزايدٍ تَدفع مقدَّمًا نظير البنزين الذي تحصل عليه، ويرجع هذا على ما يبدو إلى أنها كثيرًا ما مرَّت بتوازُن اللعبة الفرعية التامَّة في لعبة الثقة المصغَّرة ذات الجولة الواحدة، لدرجة أنها لا ترغب في اللعب مرةً أخرى.
(?-?) السلطة

يخبرنا ديفيد هيوم أن سلطة الباباوات والرؤساء والملوك والقضاة ورجال الشرطة وغيرهم ما هي إلا مسألة عرف وعادة. تطيع أليس الملك لأن ذلك هو العُرف السائد، ويستمر العُرف لأن الملك سيأمر بوب بمعاقبة أليس إذا لم تُطِعْه. لكن لماذا يطيع بوب الأمر بمعاقبة أليس؟ باختصار: مَنْ يحرس الحرَّاس؟
تجيب نظرية الألعاب عن هذا السؤال القديم بتوضيح أن نسخة نظرية القطيع لا تؤكِّد توازنات ناش فحسب، لكن أيضًا توازنات اللعبة الفرعية التامة. عندما يكون هذا التوازن قيد الاستخدام، فمن المثالي دائمًا أن تعاقب أي سلوك شاذٍّ يؤدِّي بنا إلى لُعبة فرعية خارج مسار التوازن. ولو انحرفتَ أنت شخصيًّا بمحاولة التهرُّب من التكلفة المترتبة على معاقبة أيِّ منحرف، فستأخذنا إلى لعبة فرعية أخرى حيث يكون الحل المثالي لِلَاعب آخر أن يعاقبك. ولو أنه فشل في ذلك، فسننتقل إلى لعبة فرعية أخرى، وهكذا للأبد.
ظنَّ إيمانويل كانط بسذاجةٍ أن السبيل إلى تأمُّل سلاسل المسئولية هذه هو أن تبدأ ارتدادًا لا نهائيًّا، لكن نظرية القطيع توضِّح أن سلاسل المسئولية يمكن أن تُصمَّم بعضها على بعض. ونظرًا لوجود عدد محدَّد من اللاعبين، فإنَّ سلاسل المسئولية هذه تكون مغلقة بالضرورة على نحوٍ لم يستطِع كانط أن يدرسه. تطيع أليس الملك؛ لأنها تخشى أن يعاقبها بوب إذا لم تفعل ذلك. ومن المحتمَل أن يطيع بوب الأمر بمعاقبة أليس؛ لأنه يخشى أن تعاقبه كارول إذا لم يفعل ذلك. ومن المحتمَل أن تطيع كارول الأمر بمعاقبة بوب؛ لأنها تخشى أن تعاقبها أليس إذا لم تفعل ذلك.
للوهلة الأولى، يبدو هذا المسار الحلزوني للمعتقدات الذاتية التأكيد هشًّا للغاية، لدرجة أنه لا يشكِّل أساسًا راسخًا لأي شيء. صحيحٌ أن المعتقدات تدور في حلقة مفرغة، لكن نظرية القطيع توضِّح أن هشاشتها ما هي إلا وهم؛ لأن السلوك المتولِّد عن المعتقدات يترسَّخ في صورة توازن لعبة فرعية تامة.
(?-?) الواجب

يروي لنا علماء الأنثروبولوجيا أن مجتمعات الصيد وجمع الثمار لم يكن لديها هيكل سلطة. فالطعام يُجمَع ثم يُوزَّع وفقًا لمبدأ أن الكل يشارك حسب قدراته، ويستفيد تبعًا لاحتياجاته.
كيف يمكن لعقدٍ اجتماعي كهذا أن يبقى؟ فإذا كانت آليَّةُ «واحدة بواحدة» متوافرة، فلماذا يتشارك أيُّ شخصٍ الطعامَ مع قوم ضعفاء خارج نطاق أسرهم؟ لكن ليس بالضرورة أن يلجأ كلُّ مَن يُترك ليتضوَّر جوعًا إلى إنزال العقاب نظير عدم المشاركة. ففي الفِرق الحديثة المسئولة عن توفير الغذاء، تشترك المجموعة بأسرها في معاقبة أي منحرف.
لمعرفة الآليَّة التي يمكن من خلالها إنجاح ذلك، تخيَّل عالَمًا افتراضيًّا تعيش فيه أمٌّ وابنتها فقط في أي وقت. تعيش كلُّ لاعبة فترتين: الفترة الأولى هي شبابها، والثانية هي شيخوختها. في شبابها، تخبز اللاعبة رغيفَي عيش كبيرين. بعد ذلك تلد ابنة، وتصير فورًا طاعنةً في السن. لا تقوى اللاعبات الكبيرات في السن على العمل؛ ولذلك لا ينتجن شيئًا.
يتطلَّب أحد التوازنات من كل لاعبة أن تأكل كلا الرغيفين اللذين خبزتهما في شبابها. ومن ثَم، ستحيا كلٌّ منهما حياةً بائسة عندما تتقدَّم بها السن، لكن ستُحسِن كل لاعبة اختياراتها في ضوء اختيارات الأخريات. ومن ثم كل اللاعبات سيفضِّلن استهلاك رغيف واحد في الشباب والآخر في الشيخوخة. لكن هذه النتيجة «العادلة» لا يمكن أن تُنفَّذ إلا إذا أعطت كل ابنة أحد رغيفي الخبز لأمها؛ لأن الخبز يتلف إذا لم يُستهلَك عند خبزه.
ليس بمقدور الأم أن تنتقم من ابنتها إذا تصرَّفت الابنة بأنانية، لكن من الممكن على الرغم من ذلك أن تظلَّ النتيجة العادلة أحد التوازنات المحتمَلة. ففي هذا التوازن العادل، اللاعبة الملتزمة هي التي تعطي أمَّها رغيفًا من الخبز في حالةٍ واحدة فقط؛ وهي أن تكون أمها لاعبة ملتزمة في شبابها. لذلك، يكافئ الملتزم ملتزمين آخرين، ويعاقب غير الملتزمين.
لمعرفة السبب في أن الابنة تعطي الأم رغيفًا من الخبز، افترِضْ أن أليس وبياتريس وكارول يُمثِّلْن الأم والابنة والحفيدة. إذا أهملت بياتريس أليس، فإنها تصبح غير ملتزمة؛ ولذا، تعاقِب كارول بياتريس لتتفادى أن تصبح هي الأخرى غير ملتزمة. إذا لم تصبح ملتزمة، فإنها تعاقَب من ابنتها، وهكذا. إذا اعتُبِر أن اللاعب المولود أولًا ملتزم، فإن توازن اللعبة الفرعية التامة يقتضي أن يكون الجميع ملتزمًا. ولكن، الشخص المتضرِّر لا يكون أبدًا هو الشخص الذي يُعاقَب على الإخلال بالعقد الاجتماعي. فالشخص المتضرِّر يكون في حقيقة الأمر قد مات وقت المعاقبة على الإخلال!
في الحياة الواقعية، نقول إنه من «واجب» البنات رعاية أمهاتهنَّ الضعيفات. ويوضِّح المثال كيف أن مثل هذه الواجبات يمكن أن تكون مشرِّفة في عالم عقلاني حتى لو كانت كل البنات أنانيات قاسيات القلب.
(?) دور المشاعر

قديمًا، طُرِحَت المشاعر جانبًا بوصفها دوافع غير عقلانية متبقية من تاريخنا التطوري. ولا تزال المشاعر المستثارة اجتماعيًّا المرتبطة بالفخر والغيرة والغضب تصنَّف ضمن الخطايا السبع المُهلِكة. لكن إذا كانت هذه المشاعر مدمِّرة ذاتيًّا كما تقضي العادة، فكيف أمكَن للتطور أن يزوِّدنا بها؟ إنني متفق مع النظرة العامة السائدة حاليًّا التي ترى أننا مُخطِئُون تمامًا فيما نذهب إليه عادةً مِن زعمٍ بعدم وجود دور مفيد لردود أفعالنا الشعورية والانفعالية تجاه الأحداث الاجتماعية.
على سبيل المثال، ينشأ السيناريو المثالي للتعبير عن الغضب عندما تُعامِل أليس بوب بأسلوب غير منصف. ومن المحتمَل أن يصيبها بأذًى في ثورة غضبه على تعاملها غير العادل معه. لذلك، تتحكَّم أليس في دوافعها المكتسَبة حتى لا تثير حنقه.
بهذه الطريقة، يمكن المحافظة على توازنات فعَّالة في الألعاب المتكرِّرة دون أن يشعر اللاعبون أنهم يلعبون لعبةً متكرِّرة. وإلا، فكيف يتمكَّن الشمبانزي من المحافظة على مستوياتٍ عالية من الإيثار المتكرِّر؟ كيف يمكن للبشر أن يحذوا الحذو نفسه إذا كان علينا دائمًا أن نقضي نصف ساعة أو أكثر في حسابِ ما يتعيَّن علينا فعله قبل اتخاذ أي إجراء؟ يجب بالتأكيد أن يكون جزءٌ من تفكيرنا في هذه المواقف فطريًّا غير مكتسَب، وربما يعني الدخول في حالة شعورية ببساطةٍ هو ما نشعر به عندما تسيطر غرائزنا الفطرية وردود أفعالنا التلقائية على زمام الأمور.
(?) الانتقام

افترِضْ أن بوب يجازف بإلحاق الأذى بنفسه في حال أن صبَّ جامَ غضبه على أليس بعد تعامُلها غير العادل معه. يمكن عندئذٍ أن يُرفض سلوكه بسهولة بوصفه غير عقلاني من قِبل المراقبين الذين لا ينتبهون إلى ملاحظة أنه لا يتعيَّن عليه بالضرورة أن يتصرَّف بأسلوب جامح في لعبةٍ ذات جولة واحدة، لكنه ربما يؤدِّي دوره في أحد التوازنات في لعبة متكرِّرة لا متناهية.
تركِّز حاليًّا التجارب التي تُجرى في لُعبة الإنذار النهائي على هذا النوع من الالتباس. لماذا لا يقبل الأشخاص المشتركون في هذه التجارب أي شيءٍ يُقدَّم إليهم في لعبة الإنذار النهائي ذات الجولة الواحدة؟ إحدى الإجابات المشهورة أنهم يغضبون ويرفضون بدافع الغيظ والحنق. ويبدو أن تحليل مستويات التستوستيرون في لُعابهم يؤكِّد أن هذا التفسير صحيحٌ بقدر المعلومات المتوافرة.
لكن لماذا يغضب المشاركون في هذه التجارب؟ أعتقد أنهم يغضبون لأن هذا هو رد الفعل المعتاد منهم على عرضٍ غير منصف في المواقف الواقعية التي نواجه فيها إنذارًا نهائيًّا. يبقى هذا السلوك ويستمر في المواقف المتكرِّرة؛ لأنها تعمل كأداةِ ضبط ومراقبة للتوازن. وينشأ هذا السلوك في الألعاب التجريبية ذات الجولة الواحدة؛ لأن المشتركين لا يقدِّرون في بادئ الأمر كيف أن اللعبة التجريبية تختلف عن ألعاب الحياة التي اعتادوا عليها. لكن لا يستتبع ذلك أننا مجرد روبوتات تحكمنا عواطفنا. فالمشتركون عادةً ما يكيِّفون سلوكهم في الألعاب ذات الجولة الواحدة التي يلعبونها في المعمل كلما اكتسبوا خبرة. وفي لعبة معضلة السجينَيْن، يحتاج المشتركون إلى عشر محاولات فقط حتى يتعلَّم ??? منهم أن لعب «حمامة» غير مجدٍ في اللعبة ذات الجولة الواحدة.

الفصل السادس
المعلومات


في لعبةٍ كاملة المعلومات مثل لعبة الشطرنج، يكون اللاعبون على دراية بكل ما حدث حتى الآن في اللعبة. وعندما تكون المعلومات غير كاملة، يتعيَّن علينا أن نقتفي أثر ما يعلمه اللاعبون عندما يتسلَّقون شجرة اللعبة. وعلَّمَنَا فون نيومان أن نفعل ذلك باستخدام الفكرة البسيطة المتمثِّلة في مجموعة المعلومات.
يوضح شكل ?-? طريقتين للتعبير عن لُعبة حركةٍ متزامنة مثل لُعبة مطابَقة العملات المعدنية على صورة شجرة تتضمَّن مجموعات من المعلومات. لا يهم مَنْ يتحرَّك أولًا إذا كان اللاعب الذي يتحرَّك ثانيًا لا يعرف ما فعله اللاعب الأول؛ لذلك نستطيع أن نجعل أيًّا مِن أليس أو بوب يتحرَّك أولًا. وفي حال لو تحرَّكت أليس أولًا، نُحصِر عقدتي القرار المتعلقتين ببوب في مجموعة معلوماتٍ لبيان أنه لم يكن يعلم إن كان عند العقدة اليسرى أو اليمنى عندما تحرَّك. كلما زاد عدد مجموعات المعلومات التي نضعها في صيغةٍ شاملة، تتضاءل صيغتها الاستراتيجية. والسبب هو أن كلَّ ما تفعله الاستراتيجية الخالصة أنها تحدِّد إجراءً عند كل مجموعة معلومات خاصة باللاعبين، وليس عند كل عقدة قرار تتضمَّنها.
إذا أزلْنا مجموعة المعلومات في نسخة مطابَقة العملات المعدنية التي تتحرَّك فيها أليس أولًا، فسيكون لدى بوب ? = ? × ? استراتيجيات خالصة؛ حيث تحدِّد كل استراتيجية منها الإجراء الذي سيختار اتخاذه مقابل كل إجراءٍ من الإجراءين اللذين ستتخذهما أليس. ومع وجود مجموعة المعلومات، لا يستطيع بوب أن يجعل إجراءه مشروطًا بإجراء أليس؛ لأنه لا يعرف الإجراء الذي ستتخذه. لذلك، فلديه استراتيجيتين خالصتين فقط، بمعدل استراتيجية خالصة واحدة لكل إجراء.
شكل ?-?: مجموعات المعلومات في لعبة مطابقة العملات المعدنية. لا يستطيع اللاعب أن يميِّز عقدتي القرار المحصورتين في مجموعة المعلومات نفسها. ومن ثَم، فإن عوائد أليس تكون دائمًا في الركن الأيسر السفلي من كل مربع.
(?) البوكر

لُعبة البوكر هي المثال النموذجي للُّعبة ذات المعلومات الكاملة. وعلى عكس الشطرنج، يمكننا أن نحلَّ نسخًا بسيطة من البوكر بوضوح.
لقد صرتُ خبيرًا في نظرية الألعاب بفضل تحليل فون نيومان للُعبة البوكر؛ فقد عرفتُ أن لاعب البوكر الجيد يخادع كثيرًا، لكنني لم أصدِّق أن الخداع يمكن أن يكون على هذا القدر الكبير من المثالية كما زعم فون نيومان. وكان ينبغي أن أحسِّن مستوى معرفتي بدلًا من الشك في هذا المعلِّم. وبعد الكثير من التفكير المضني، لم أُضطرَّ فقط إلى التسليم بوجهة نظره وسلامة حجَّته، وإنما وجدتُ نفسي أيضًا متشبِّثًا بنظرية الألعاب على نحوٍ ميئوس منه منذ ذلك الحين فصاعدًا.
على الرغم من ذلك، سيُصيبك الإحباط إذا كنتَ تأمل أن تصير غنيًّا من خلال لعب استراتيجيةِ أقصى الأدنى على طاولة البوكر. يلعب اللاعبون في بطولات البوكر العالمية في لاس فيجاس بأسلوبٍ أقرب إلى نصيحة فون نيومان منه إلى الهواة مثلي ومثلك، لكنَّ لاعبين أسطوريين مثل اللاعب الكبير أماريلو سليم لا يكسبون؛ لأنهم يلعبون وفقًا لنظرية أدنى الأقصى.
شكل : توزيعة «فول هاوس» التي تتألَّف من ثلاث أوراق من نفس النوع وورقتين من نوع آخر.
إن استراتيجية أقصى الأدنى لا تؤدِّي إلى تحقيق متوسط عائد ضعيف لا يتجاوز الصفر في لعبة عادلة وحسب، وإنما ستجعل اللعبة مملة للغاية كذلك.
على سبيل المثال، إذا حصلتْ أليس على أربع ثمانيات عندما تلعب أمام بوب في لعبة بوكر، فإن استراتيجية أقصى الأدنى لديها تقول إنه يتعيَّن عليها إعادة المزايدة ? مرات، ثم الانسحاب في حال لجأ بوب إلى المزايدة مرةً أخرى. لكسب المال في لعبة البوكر الواقعية، يجب أن تكون أكثر جرأةً ومِقدامًا. يجب أن تسعى بجدية وتستغل الثغرات النفسية لدى خصومك. لكن، لو لم تكن أستاذًا في علم النفس الإنساني بالفطرة مثل أماريلو سليم، فإن محاولاتك البسيطة لاستغلال عيوب الآخرين من المحتمَل أن ينتهي بها الحال إلى استغلالك أنت.
(?-?) الخداع

لا تقلق إذا كنت لا تعرف الفرق بين توزيعة «ستريت فلاش» و«فول هاوس»، أو قواعد المراهنة في «تكساس هولدم». فالنموذج المصغَّر لفون نيومان يُزيل كل هذه التعقيدات.
يُوزَّع على أليس وبوب عددٌ ما بين الصفر والواحد. ويهدف كلاهما إلى تعظيم متوسط عوائده من الدولارات على افتراض أن كل الأعداد ستُوزَّع على الأرجح بالتساوي على خصمك، بصرف النظر عما وُزِّع عليك. فإذا وُزِّع العدد ????? على أليس، فهي تعتقد أن لديها على الأرجح بطاقةً أكبر من بوب بنسبة ??:??.
قبل بدء التوزيع، يراهن كل لاعب بمبلغ دولار واحد ويضعه في الإناء. وبعد التوزيع، تُجرى جولة مراهَنة، يحقُّ لبوب الانسحاب خلالها. إذا انسحب بوب، تفوز أليس بالمبلغ المُراهَن عليه، بصرف النظر عمَّنْ معه بطاقات أفضل. وإذا لم ينسحب بوب، يكشف كل لاعب عن بطاقاته، وبعدها يكسب اللاعب الذي لديه بطاقة أكبر. وتحدث عملية الكشف هذه عندما يراهن بوب بنفس إجمالي المبلغ الذي راهنتْ به أليس.
شكل ?-?: اللعب باستراتيجية أقصى الأدنى في نموذج فون نيومان الخاص بلعبة البوكر. يوضح الرسم البياني في الجانب الأيسر كيف أن احتمالية المراهنة المرتفعة التي يجب أن تلعب بها أليس وبوب تختلف تبعًا للتوزيعات (تُعرض استراتيجية واحدة من الاستراتيجيات المثلى العديدة المتاحة أمام بوب)، ويوضح الرسم البياني في الجانب الأيمن أنَّ اللعب الأمثل في نسختنا المبسَّطة هذه له نفس المواصفات.
يحدِّد نموذج فون نيومان احتمالات المراهنة على نحوٍ صارم. تستطيع أليس في البداية أن تمرِّر الدور إلى بوب فحسب (بإضافة صفر دولار إلى المبلغ المُراهَن عليه)، أو تزيد المراهنة (بإضافة دولار واحد إلى المبلغ المُراهَن عليه). وإذا اكتفت بالتمرير، فعلى بوب أن يطبِّق أسلوب المعادلة؛ وهو المراهنة بأقل قيمة تضمن له الاستمرار في الجولة. وإذا زادت أليس، فلدى بوب الخيار: إما أن ينسحب أو يُعادِل.
يوضِّح شكل ?-? استراتيجيات أقصى الأدنى للاعبَين في نموذج فون نيومان. كل مَن يلعب بمبالغ ضئيلة يعلم أنَّ على أليس أن تزيد أحيانًا حتى مع البطاقات الضعيفة، أو أن بوب سيتعلَّم ألا يُعادِل أبدًا عندما تزيد أليس مع وجود بطاقات قوية. ويحاول الهواة حسم الموقف بالخداع باستخدام بطاقات متوسطة، لكن استراتيجية أقصى الأدنى ليست استراتيجية جبانة. وإذا أردتَ أن تصل إلى نقطة التعادل في البوكر أمام لاعبٍ جيد، فعليك أن تخادع كثيرًا ببطاقات سيئة. والفكرة في الخداع ليست في احتمالية تحقيق الفوز ببطاقات سيئة، وإنما في تشجيع الخصم على المراهنة ببطاقات متوسطة عندما تكون لديك بطاقة جيدة. (?-?) نموذج أبسط

يشرح النموذج التالي لعبة البوكر بمزيد من التبسيط عن طريق الاستعاضة عن بطاقات فون نيومان العددية بمجموعة أوراق لعب مكوَّنة من الملك والملكة والولد ذي القلوب الحمراء. مع ذلك، يوضِّح شكل ?-? أن استراتيجيات أقصى الأدنى ما زالت تشبه مثيلتها في نموذج فون نيومان. شكل ?-?: نموذج فون نيومان. بعد زيادة سُمك الخطوط لتوضيح الإجراءات المُهيمنة، لا تتبقى سوى حالتين: تحمل أليس بطاقة الولد ويحمل بوب بطاقة الملكة.
تمثِّل الحركة الاحتمالية التي تبدأ شجرة اللعبة في شكل ?-? الموزِّعَ الذي يخلط البطاقات بتوزيعةٍ من ستة ترتيبات متساوية محتمَلة. تُوزَّع البطاقة العلوية على أليس ثم البطاقة الثانية على بوب. توضِّح بقية التفرُّعات في شجرة اللعبة قواعد المراهنة لفون نيومان أثناء تطبيقها على مجموعة البطاقات الجديدة. تبدو شجرة اللعبة معقَّدة للغاية، حتى إنك ربما تُفاجأ عندما ترى أنك على علم بكل ما تحتاج إلى معرفته لحل اللعبة. في البداية، عليك حذف الاستراتيجيات المُهيمنة بتظليل الفروع التي من الواضح أنها أفضل من منافسيها. على سبيل المثال، على أليس أن تكتفي بالتمرير عندما تحمل بطاقة الملكة؛ لأن بوب سيلجأ إلى المعادلة فقط عندما تكون لديه بطاقة أليس. وبذلك، يتبقَّى لدينا قراران محل شكٍّ. هل تخادع أليس عندما تمسك بالولد؟ هل يُعادِل بوب عندما يُمسك بالملكة؟
يوضِّح شكل ?-? كل الاستراتيجيات الخالصة للُّعبة، لكن ما يهم هو الجزء المظلَّل من الصيغة الاستراتيجية؛ لأن الاستراتيجيات التي لا تنتمي إلى الجزء المظلَّل تكون مهيمنة. ويوضِّح الشكل أيضًا لقطةً عن قرب للمنطقة المظلَّلة. ويمكننا أن نحسب توازن ناش المختلط لهذه اللعبة بإيجاد أيِّ استراتيجيات يتعيَّن على أليس وبوب أن يستخدماها لجعل خصمهما غير مكترث. ويتضح أنه يتعيَّن على أليس أن تتبع استراتيجية «مزايدة، تمرير، مزايدة» باحتمالية ??/??. ويتعيَّن على بوب أن يتبع استراتيجية «تمرير، تمرير، انسحاب» عندما يُمسك بالملكة باحتمالية ??/??. (?) الأنماط

وفقًا للفيلسوف هوبز، يتميَّز الإنسان بقوته البدنية وعواطفه وخبرته وأخيرًا بعقله. في نظرية الألعاب، تتحدَّد القوة البدنية لأليس بقواعد اللعبة، وتُترجم عواطفها إلى تفضيلاتٍ خاصة بها، وتُترجم خبرتها إلى معتقداتها. أما عقلها، فيقودها إلى التصرُّف بعقلانية.
شكل ?-?: جدول العوائد لنموذج فون نيومان الخاص بلعبة البوكر. تتطلَّب استراتيجية «مزايدة، تمرير، مزايدة» لأليس أن تلجأ إلى المزايدة عند الإمساك ببطاقة الملك، والتمرير عند الإمساك ببطاقة الملكة، والمزايدة عند الإمساك بطاقة الولد. وفي المقابل، تتطلَّب استراتيجية «معادلة، انسحاب، انسحاب» من بوب أن يلجأ إلى المعادلة عند الإمساك ببطاقة الملك، والانسحاب عند الإمساك ببطاقة الملكة، والانسحاب عند الإمساك ببطاقة الولد.
تُحدِّد هذه الخصائص الأربع نمط اللاعب. ووفقًا للتحليل العقلاني لأي لعبة، فإنه من المسلَّم به أن أنماط جميع اللاعبين تكون معروفةً عمومًا، وذلك ما لم يزعم أحدٌ خلاف ذلك. ويؤكِّد أحيانًا على أهمية هذا الافتراض بزعم أن المعلومات كاملة في اللعبة.
متي يكون من المعقول افتراض أن المعلومات كاملة؟ فلعبةٌ مثل الشطرنج لا تؤدِّي إلى أي مشكلة، لكن ماذا عن لعبة ضبط الأعصاب؟ هل من المحتمَل حقًّا أن أليس ستعرف درجة كره بوب للمخاطر بالقدر الكافي الذي يتيح لها حساب عوائده؟ ماذا سيعتقد بوب عن عوائدها؟ ماذا ستعتقد أليس عما يعتقده بوب عن عوائدها؟
(?-?) جون هارساني

لا تعرف أليس البطاقات التي في حوزة بوب في لعبة البوكر، ولا يعلم بوب ما تعتقده أليس عن بطاقاته، ولا تعرف أليس ما يعتقده بوب عما تعتقده أليس عن بطاقاته، وهكذا. ونستطيع أن نغلق هذه السلسلة اللامتناهية من المعتقدات المتعلِّقة بمعتقداتٍ أخرى وهكذا بافتراض أن الحركة الاحتمالية المتمثِّلة في خلط البطاقات وتوزيعها أمرٌ معروف وعام. ويُعلِّمنا جون هارساني كيفية استخدام حيلةٍ مماثلة عندما تكون المعلومات غير كاملة.
عاشَ هارساني حياةً مليئة بالمخاطر وحافلة بالأحداث بالنسبة إلى شخص أكاديمي. فقد استطاع أن ينجو بصعوبةٍ من الكارثة باعتباره يهوديًّا يعيش في المجر، ولم يحدث ذلك مرةً واحدة بل مرتين. فبعدما هرب من معسكرات الموت للنازيين، عبَرَ الحدود المجرية بصفة غير قانونية إلى النمسا مع زوجته؛ هربًا من الاضطهاد هذه المرة على أيدي الشيوعيين الذين حكموا البلاد بعد ذلك. وكان عليه، بعد وصوله إلى الغرب، أن يبني حياته المهنية مجدَّدًا من البداية؛ حيث بدأ بوظيفة في مصنع في أستراليا.
ومثلما يحدث مع الكثيرين من ذوي العقول العبقرية، لم تُقدَّر موهبته في البداية حقَّ قدرها. واستغرق الأمر ?? عامًا قبل أن يقدِّر علماء الاقتصاد فكرته العبقرية للتعامل مع المعلومات غير الكاملة، لكنه كان لا يزال حيًّا عندما منحوه جائزة نوبل عام ????، مناصفةً مع جون ناش وراينهارد زلتن، نظير أبحاثه على المعلومات غير الكاملة في مجال الألعاب. ومن غير المعروف بعدُ إن كانت أبحاثه في مذهب النفعية التي هي على القدر نفسه من الأهمية، ستلقى تقديرًا مماثلًا الآن بعد وفاته.
(?) المعلومات غير الكاملة

على الرغم من أن علماء الاقتصاد يتحدَّثون عن الألعاب ذات المعلومات غير الكاملة، فلا يوجد شيءٌ كهذا في الواقع. توضِّح نظرية هارساني كيف يمكن لموقفٍ ذي معلومات غير كاملة أن يتحوَّل إلى لُعبة ذات معلومات غير تامة، نحلِّلها بعد ذلك باستخدام فكرة التوازن لدى ناش.
عندما تكون المعلومات غير كاملة، تكون المشكلة عادةً أن اللاعبين ربما يكونون من أنماطٍ متنوعة ولديهم تفضيلات ومعتقدات مختلفة. اقترح هارساني التعامل مع هذا النوع من المواقف كما لو أن كل لاعب مُوزَّعٌ عليه نمط ما، كما في لعبة البوكر.
يجب أن تكون خصائص حركة تعيين النمط هذه معروفةً إذا كنا نريد لطريقة هارساني أن يحالفها النجاح. ويبدو أن علماء الاقتصاد لا يقلقهم هذا المطلب، لكنني أرى أن هذه الطريقة لا يمكن تطبيقها حقًّا إلا عندما تكون كل المعلومات التي يلزم أن تكون معروفةً وعامة متوافرة بالفعل في قاعدة بياناتٍ يعرف الجميع أن في مقدور كل شخص منهم الوصول إليها.
شكل ?-?: سيناريو المعلومات غير الكاملة في لعبة ضبط الأعصاب.
(?-?) الجهل الأُحادي الجانب في لُعبة ضبط الأعصاب

غالبًا ما يلعب رجال الأعمال متوسطو العمر لُعبة ضبط الأعصاب عندما يقودون سياراتٍ في شوارع ضيقة. في سيناريو الجهل الأُحادي الجانب المبيَّن في شكل ?-?، كل شيءٍ معروف في اللعبة ما عدا أكبر عائد لبوب، وهو العائد الذي يحصل عليه نتيجة الإسراع عندما تبطئ أليس. لتطبيق طريقة هارساني، تصوَّرْ حركة احتمالية تُوزِّع على بوب نمطه، الذي يحدِّده أعلى عائدٍ له في هذا المثال؛ لذا، يتعيَّن على بوب وفقًا لإحدى استراتيجياته الخالصة أن يتصوَّر كل نمط من المحتمَل أن يُوزَّع عليه.
تتحدَّد احتمالات الأنماط المختلفة التي تُوزَّع على بوب من اعتقادات أليس. لربط الأمور معًا، افترِضْ أن من المعروف عمومًا أنَّ أليس تعتقد أن نمط بوب يكون محصورًا على الأرجح بين ? و?. إذا كان القديس فرانسيس الأسيزي يقود سيارة بوب، فسيكون بلا شكٍّ من النمط ?، لكن لن يزيد النمط عن ? في هذا النموذج المصغَّر حتى لو كان مَن يقود السيارة هو أتيلا الهوني.
إنَّ الصيغة الشرطية الضمنية التي ينطوي عليها هذا الأسلوب القائم على بناء النماذج عادةً ما تبعث على عدم الارتياح. إذا كان بوب يعلم أنه ليس قدِّيسًا، فلماذا يتعيَّن عليه أن يتصرَّف كما لو كان يلعب لعبةً ربما يتقمَّص فيها شخصية القديس فرانسيس؟
يتعيَّن على بوب أن يدرس الكيفية التي كان من الممكن أن يتصرَّف بها في كل الأنماط المحتمَلة التي ربما يكون قد لعبها، والسبب في ذلك أنَّ أليس لا تعلم أيٌّ من هذه الأنماط قد تحقَّق. ونظرًا لأن اختيارها للاستراتيجية يعتمد على التصرف الذي كان من المحتمَل أن يسلكه بوب إذا كان نمطه مختلفًا عما هو عليه بالفعل، لا يستطيع بوب أن يقرِّر ما يفعله عندما يعرف أن نمطه أو دون أن يفكِّر في الوقت نفسه فيما كان سيفعله إذا كان نمطه أيَّ نمط من الأنماط المحتمَلة الأخرى. يعلم بوب نمطه، لكنَّ أليس تظل جاهلةً بنتيجة حركة تعيين النمط؛ لذا، تكون لديها استراتيجيتان فقط: «إبطاء» و«إسراع». ويكون لدى بوب عددٌ هائل من الاستراتيجيات، لكننا ندرس فقط الاستراتيجية التي فيها يختار «إبطاء» إذا كان نمطه أقل من عددٍ معيَّن، ويختار «إسراع» إذا كان نمطه أكبر منه.
حدَّدنا سابقًا ثلاث حالاتٍ من توازن ناش للُعبة ضبط الأعصاب: توازنَين خالصَين وتوازنًا مختلطًا. يظل التوازنان الخالصان توازنَين في اللعبة التي تنطوي على جهل أُحادي الجانب. يمثِّل التوازن الأول العُرف القائل بتقديم السيدات أولًا: تلعب أليس «إسراع» ويلعب بوب دائمًا «إبطاء» بصرف النظر عما يَئول إليه نمطه. ويمثِّل التوازن الثاني العُرف القائل بتقديم الرجال أولًا: فتلعب أليس «إبطاء» ويلعب بوب دائمًا «إسراع».
عندما لا يكون هذا العُرف متوافرًا — كما الحال عند القيادة في كثافة مرورية عالية — علينا أن ننظر إلى تشبيه قياسي للتوازن المختلط في لعبة ضبط الأعصاب التي غالبًا ما يختار فيها كل لاعب «إبطاء» و«إسراع» بنفس عدد المرات. ونبدأ بأن نجعل أليس غير متحيِّزة لأيٍّ من الخيارين «إبطاء» و«إسراع». ومن ثَم، فإن أي استراتيجية مختلطة تكون استراتيجية مُثلى بالنسبة إليها. ويستطيع بوب أن يجعل أليس غير متحيِّزة بأن يختار لعب «إبطاء» عندما يكون نمطه محصورًا بين ? و?، و«إسراع» عندما يكون نمطه محصورًا بين ? و?. وسيبدو الأمر لأليس كما لو أن بوب يلعب «إبطاء» و«إسراع» غالبًا بالقدر نفسه. لكن، يجب ألا تلعب أليس «إبطاء» و«إسراع» بنفس عدد المرات كما في التوازن المختلط المشار إليه سابقًا في الفصل الثاني؛ لأن الاستراتيجية المُثلى لبوب حاليًّا التبديل من «إبطاء» إلى «إسراع» عندما يكون نمطه ?. ولجعله غير متحيِّز لأيٍّ من الخيارين «إبطاء» و«إسراع» عندما يكون عائده ?، يتعيَّن على أليس أن تلعب «إسراع» ثلاثة أضعاف لعبها «إبطاء».
لاحِظْ كيف أن معدَّل وقوع الحوادث يزيد عندما نجعل أليس جاهلةً بنمط بوب. في التوازن المختلط في النسخة الأصلية من لعبة ضبط الأعصاب، اختار كلٌّ من أليس وبوب «إسراع» نصف الوقت؛ ومن ثَم، يصبح احتمال أخْذ كلا اللاعبَيْن بخيار الإسراع ??/??؛ مما يتسبَّب في وقوع حادث. وفي التوازن المقابل من نسخة الجهل الأُحادي الجانب، يرتفع احتمال وقوع حادث إلى ??/??.
(?-?) الجهل الثنائي الجانب في لعبة ضبط الأعصاب

إنَّ المثال الثاني في شكل ?-? أكثر إمتاعًا من المثال الأول؛ لأن كلًّا من أليس وبوب جاهلٌ الآن، لكن تشابُه المسألة مع المثال الأول يجعلها أبسط في تحليلها. نطبِّق طريقة هارساني مرةً أخرى باستحداث خطوة حظٍّ توزِّع نمطًا على كل لاعب على حِدة، بحيث يعتقد اللاعب الآخر أن النمط المحتمَل محصور بين ? و? بقدر متساوٍ. ويظهر التوازن المثير للاهتمام عندما يلعب كلٌّ من أليس وبوب «إبطاء» عندما يكون نمطهما أقل من ?، ويلعبان «إسراع» عندما يكون نمطهما أكبر من ?؛ لذا، سيبدو لكلا اللاعبَيْن أن خصمهما يلعب «إسراع» ضِعف عدد المرات التي يلعب فيها «إبطاء». ومن ثَم، سيكون اللاعب صاحب العائد ? الأعلى غير متحيِّز للعب «إبطاء» و«إسراع». ويكون خيار اللعب الأمثل لكلٍّ من أليس وبوب هو التبديل من «إبطاء» إلى «إسراع» عندما يصل نمطهما إلى ?.
إنَّ احتمال وقوع حوادث الآن هو ??/??، وهو أكبر من الاحتمال ??/?? الذي توصَّلنا إليه في حالة الجهل الأُحادي الجانب، لكننا على وشك أن نعرف أن ارتفاع مستوى الجهل يمكن أحيانًا أن يُحسِّن من وضع اللاعبين.
(?-?) هل الجهل نعمة؟

إنَّ أليس وبوب على وشك لعب توازن ناش الذي وجدناه توًّا للُعبة ضبط الأعصاب في سيناريو الجهل الثنائي الجانب. فكلٌّ منهما من النمط ?، ولذلك ينوي كلاهما أن يلعب «إبطاء». في هذه الحالة، ليس ثمة أيُّ احتمال لوقوع حوادث، وسيحصل كل لاعب على عائد ? يوتل.
باندورا فاعلة خير واسعة الاطلاع، تلاحظ أن أليس وبوب يبنيان اختيارهما للاستراتيجية على فرضية غير صحيحة. فكلٌّ منهما يتصرَّف كما لو أن خصمه لديه نمط محصور بين ? و?، لكن نمط خصمه هو في حقيقة الأمر ?؛ لذا، تتدخَّل باندورا بأن تعلن في إخطار عام أن نمط كلٍّ من أليس وبوب هو ?. ومن ثَم، يلعب كلٌّ من أليس وبوب التوازن المختلط المعروف للُعبة ضبط الأعصاب، الذي يختار فيه كل لاعب «إبطاء» و«إسراع» لنصف الوقت. وبذلك، يسهم تدخُّل باندورا في زيادة احتمال وقوع الحوادث إلى ??/??، ويقلِّل متوسط العائد لأليس وبوب إلى يوتل. إذن، يمكن أن تؤدِّي زيادة المعلومات لدى الجميع إلى تفاقم الأمور لديهم. ومن المؤكَّد أن زيادة المعرفة لا تصبُّ في مصلحة اللاعب تمامًا إلا في حال كان اكتسابُها سرًّا؛ لذا، إذا أخبرت باندورا أليس سرًّا بما عليه واقع اللعبة حقًّا، فسوف تلجأ أليس إلى التبديل من «إبطاء» إلى «إسراع»، ويتحسَّن عائدها من ? إلى ? يوتل.
إنَّ الاستنتاج القائل بأن إفشاء المعلومات يمكن أن يُلحِق ضررًا بالمجتمعات يطرح مسألةً أخلاقية مهمة. فهل يجوز للسياسيين شرعًا إخفاء الحقيقة عملًا على مصلحتنا؟ ربما يكون جون ستيوارت ميل الفيلسوف الأكثر اعتدالًا بين عدد من الفلاسفة بدءًا من أفلاطون ومَنْ خلفه الذين أجابوا ? «نعم» عن هذا السؤال، لكن الإجابة في رأيي هي «لا». إنني أَلزم الصمت عندما أعلم أن أحدهم يخون زوجته، لكنني أريد أن يعتقد الناس أن من الصواب كشف المخالفات والإبلاغ عنها في الحياة العامة. فعادةً ما يتضح أن الأكاذيب التي من المفترض أن تعزِّز المصلحة العامة تصبُّ فقط في مصلحة الكذَّابين.
(?) إعطاء إشاراتٍ عن النمط

عندما يلعب الناسُ لعبة ضبط الأعصاب في الحياة الواقعية، فإنهم يبحثون عن أدلة قد تعطيهم أي إشارة عن نمط الخصم الذي يلعب أمامهم. هل تقود أليس شاحنة صغيرة قديمة ومنبعجة؟ هل يرتدي بوب قلادة ثقيلة توحي بأنه شخص متهوِّر؟
حتى نقدِّم إشاراتٍ فعَّالة عن نمط لاعبٍ ما، يجب عادةً أن تكون الإشارة ذات فائدة تستوجب إرسالها. إذا وُزِّع على أليس زوجٌ من البطاقات فئة «اثنين» في لعبة البوكر، فلن يساعدها في شيءٍ أن تخبر بوب أنها قد وُزِّع عليها أربع بطاقاتٍ فئة «واحد». يرفض خبراء نظرية الألعاب مثل هذا الكلام المفخَّم العقيم ويعتبرونه «لغوًا فارغًا»؛ فالمهم الفعل وليس الكلام. ولن ينتبه بوب إلى إشارة أليس إلا إذا كانت صادقةً فيها، وهو ما يشكِّل حافزًا بالنسبة إليه. لكن، إذا لجأت أليس إلى الخداع بالمراهنة كما لو كانت تحمل أربع بطاقاتٍ فئة «واحد»، فإنها تخاطر بأن يلجأ بوب إلى المعادلة، وهي المراهنة بأقل قيمة يمكن المراهنة بها للاشتراك في دورة اللعب الحالية، ومن ثَم خسارة رهانها.
بالرجوع إلى لعبة ضبط الأعصاب في سيناريو الجهل الثنائي الجانب، افترِضْ أن كلًّا من أليس وبوب يمكنهما إرسال إشارةٍ مكلِّفة متزامنة، تقول: «إنني ذو نمط قوي، فلا تورِّط نفسك معي.» لو أن بعض الأنماط يرسل هذه الإشارة لتسجيل قوته، فإن التزام الصمت يصبح إشارةً على الضعف. ومن ثَم، فنحن بحاجةٍ إلى التفكير في لعبة جديدة يتمتع فيها كلا اللاعبَيْن بفرصة استراتيجية لإرسال إشارة تدل على القوة أو الضعف قبل بدء لعبة ضبط الأعصاب. ولْنفكِّرْ في توازن معين للُعبة فرعية تامة، يرسل فيه اللاعبون الذين يتجاوز نمطهم ? إشارةً تدل على القوة، ويرسل اللاعبون الذين يقل نمطهم عن ? إشارةً تدل على الضعف.
إذا كانت أليس تدَّعي القوة بإرسال الإشارة، ويسلِّم بوب ضمنيًّا بضعفه بالتزامه الصمت، فإن التوازن يقتضي أن يلعب كلاهما لعبة ضبط الأعصاب تبعًا للقاعدة: السيدات أولًا. وهذا يعني أن تُسرع أليس ويُبطئ بوب. أما إذا أرسل بوب الإشارة ولم تفعل أليس، فإنهما يلعبان تبعًا للقاعدة: الرجال أولًا. ومن ثَم، يُسرع بوب وتُبطئ أليس.
تنشأ الحالات الأكثر إثارةً للاهتمام عندما يقدِّم كلٌّ من أليس وبوب الإشارة، أو عندما لا يرسل أيٌّ منهما أي إشارة. لقد تعرَّفنا من قبل على كيفية تحليل نُسخ لُعبة ضبط الأعصاب التي تنشأ في حالة سيناريو الجهل الثنائي الجانب. إذا أرسل كلا اللاعبَيْن إشارةً، يصبح من المعروف عمومًا أن نمط الاثنين محصورٌ بين ? و?. ومن ثَم، يتحقَّق توازن ناش لو اختار اللاعبون أصحاب النمط الأقل من ? «إبطاء»، واختار اللاعبون أصحاب النمط الأكبر من ? «إسراع». وفي حالة ما لم يقدِّم أيٌّ منهما أي معلومة، يصبح من المعروف أن النمط لكلا اللاعبَيْن محصورٌ بين ? و?. ومن ثَم، يتحقَّق توازن ناش لو اختار اللاعبون أصحاب النمط الأقل من ? «إبطاء» واختار اللاعبون أصحاب النمط الأكبر من ? «إسراع».
تُثار أي اعتباراتٍ جديدة في الخطوة الأخيرة فقط من اللعبة. ويقتضي الحل المثالي أن يرسل اللاعبون أصحاب النمط الأعلى من ? الإشارةَ، ويَلزم اللاعبون أصحاب النمط الأقل من ? الصمتَ؛ وعليه، فسيكون اللاعب صاحب النمط ? غير متحيِّز تجاه إرسال الإشارة أو التزام الصمت؛ لذا، علينا أن ندرس ما يتوقَّع اللاعب صاحب النمط ? أن يحصل عليه في كلتا الحالتين. وحتى يستقيم التوازن، يجب أن تتساوى تكلفة ادعاء القسوة والحزم مع الفَرق بين هذين العائدين. ويتضح أن الفَرق هو يوتل؛ ومن ثَم يجب أن تكون تكلفة الإشارة يوتل أيضًا لكي يتحقق التوازن. (?) العروض

إنَّ الإشارة المكلفة أمرٌ شديد الأهمية في عمليات التفاوض. وكثيرًا ما تُستخدَم المماطلة تحقيقًا لهذا الغرض. على سبيل المثال، أثناء الإضرابات، تكثر الشكوى أحيانًا من افتقار مسئولي الاتحادات العُمالية إلى العقلانية؛ حيث لا يعزمون على التفكير في العرض الأخير من صاحب العمل حتى يمر أسبوع كامل. ومما لا شك فيه أن مسئولي الاتحادات يتَّسمون أحيانًا بعدم العقلانية، لكن من الممكن أن يُستخدَم نفس الأسلوب بالضبط من قِبل لاعبين عقلانيين يقدمون معلومة قيِّمة تعكس قوتهم. ومن أبسط أشكال هذه المعلومة أن يُظهر الشخص الذي يدير عمليات التفاوض بين العمال وصاحب العمل قوته بحرق رُزمة من الأوراق النقدية.
يتضمن علم الأحياء أمثلةً رائعة في هذا الصدد. يصف أفيشاج زاهافي الإشارة المكلفة بأنها مبدأ الإعاقة. لماذا تغنِّي بعض طيور القُبَّرة عندما يطاردها صقر؟ للإشارة إلى أنها سريعة بالدرجة التي تتيح لها الهروب حتى عندما تعوق نفسها بالغناء. فالصقور الصغيرة تستمر في المطاردة، لكنها سرعان ما تكف عن المطاردة وتتعلَّم عدم الإزعاج. لماذا يوجد هذا الذيل المُذهل لدى الطاووس؟ يُعزى الأمر في جزءٍ منه إلى الاصطفاء الجنسي الجامح. تُعجب أنثى الطاووس بالذيل الكبير؛ ولذلك توجد فِراخ كُثر للطاووس صاحب الذيل الكبير. لكن، من المحتمَل أن يكون الذيل الكبير قد بدأ كإشارةٍ مكلِّفة تدل على صلاحية الطاووس.

الفصل السابع
المزادات


تشغل أليس حاليًّا منصبًا إداريًّا وتريد من مرءوسيها أن يعملوا من أجل تحقيق أهدافها، لا أنْ يسعَوا وراء مصالحهم الشخصية. وبلغة الاقتصاد، فإنَّ أليس هي الرئيس، والمرءوسين هم وكلاؤها.
تستطيع أليس أن تخبر وكلاءَها بما يفعلونه في ظل كل الحالات الطارئة المحتمَلة، لكن يشتهر هذا الأسلوب — المعروف بالاقتصاد المخطَّط مركزيًّا — بأنه غير فعَّال؛ وذلك لسببين: يتمثل السبب الأول في أنه من الصعب على الرئيس أن يراقب وكلاءَه لضمان أنهم يتبعون قواعده بدلًا من اتباع نهجهم الخاص. ويتمثل السبب الثاني في أن الوكلاء غالبًا ما يكونون أكثر درايةً بعملهم من الرئيس نفسه.
تصميم الآليات

إنَّ القواعد التي يمكن لأليس مراقبتها وتطبيقها تكون بمنزلة لعبة بالنسبة إلى الوكلاء. ولإقناعهم بالسعي وراء تحقيق أهدافها بدلًا من أهدافهم الخاصة في المواقف التي لا تستطيع فيها أن تراقبهم أو لا تكون لديها الخبرة لإدارتها وتنظيمها، يتعيَّن عليها أن تبتكر حوافز مناسبة لتحفيز الوكلاء. وتُسمَّى مسألة البحث عن منظومة جيدة من القواعد والحوافز «تصميم الآليات».
إنَّ الفكرة الرئيسية في نظرية الألعاب أنه ينبغي أن نتوقع من الأفراد تغيير سلوكهم بعد طرح إصلاحٍ جديد. وسيستمر تعديل سلوكهم وتكييفه حتى يستقرُّوا على توازن ناش للُّعبة الجديدة. ومن ثَم، عندما تقيِّم أليس آليةً جديدة محتمَلة، يتعيَّن عليها أن تسأل نفسها عن مدى رضاها عما سيحدث «بعدما» تحرَّك الوكلاء إلى توازن في اللعبة الجديدة. والخطأ شبه العام الذي يقع فيه الرؤساء في الحياة الواقعية أنهم يسألون بدلًا من ذلك عن مدى رضاهم عما سيحدث «قبل» أن يتعلَّم الوكلاء قواعد العمل الجديدة.
في أحد الأمثلة الواقعية، يدافع رئيس الهيئة الرقابية لمشروع صحي بإحدى الجامعات عن إلغاء نُظم الدفع المشترك؛ أيِ النُّظم التي بموجبها تدفع الجامعة رسوم الرعاية الطبية عن موظفيها. تقتضي هذه النُّظم أن تدفع أنت مبلغ المائة جنيه الأولى أو ما شابه من أي مطالبة تقدِّمها؛ وذلك لسد أي مجال لاستخدام الخدمة على نحو عابث وغير مسئول. ولتعويض الدخل المفقود، اقترح الرئيس زيادة أقساط التأمين بالقدر الذي يكفي لتغطية إيصالات الدفع المشترك للعام الماضي. وعندما اعترض المسئول الاقتصادي في اللجنة مشيرًا إلى ضرورة زيادة الأقساط أكثر من ذلك، جرى تصويتٌ على ما إذا كان أي شخص آخر يعتقد أن «الأشخاص سيذهبون إلى الطبيب عندما لا يكونون بحاجة إلى ذلك.» وكان المسئول الاقتصادي هو الوحيد الذي أجاب ? «نعم» عن هذا السؤال الملغوم، لكن لم تكن توجد أموال كافية لسداد فواتير العام القادم.
في عام ????، وقع الكونجرس الأمريكي في خطأٍ أكبر عندما أصدر قانونًا يهدف إلى ضمان عدم تخطِّي مدفوعات الأدوية في نظام الرعاية الطبية لكبار السن ما يدفعه مقدمو الخدمات الصحية في القطاع الخاص. تنصُّ المادة الأساسية في القانون على أنه يجب بيع العقار إلى نظام الرعاية الصحية لكبار السن بما لا يزيد عن ??? من متوسط سعر البيع. وأثيرت المشكلة بسبب مادة إضافية تنص على أنه يجب أن يُعرَض أيضًا على نظام الرعاية الطبية لكبار السن سعرٌ جيد يكافئ على الأقل السعر المعروض على أي بائع بالتجزئة. لن تحقق هذه المادةُ الغايةَ المرجوة منها إلا إذا أمكن الاعتماد على أن شركات صناعة الأدوية سوف تتجاهل الحوافز التي يقدمها القانون لهم. لكن، لماذا تبيع شركات صناعة الأدوية إلى تاجر التجزئة دواءً بأقل من ??? من متوسط سعره الحالي إذا كانت النتيجة أنها ملزَمة ببيع الدواء بنفس السعر إلى عميل كبير مثل نظام الرعاية الصحية لكبار السن؟ لكن، إذا لم تُبَعْ أي أدوية بأقل من ??? من متوسط سعرها الحالي، فسوف يرتفع حتمًا متوسط السعر.
في عام ????، اقترح الديمقراطيون الليبراليون البريطانيون استحداث ضرائب بيئية قد تسمح بخفض ضريبة الدخل بإجمالي ?? مليار دولار أمريكي. لم يُخفِق هذا الاقتراح فقط في تقدير حقيقة أن الناس تغيِّر سلوكها استجابةً للضرائب الجديدة، بل أخفق أيضًا في تقدير أن الغرض الأساسي من الضريبة البيئية هو تغيير السلوك.
لن يقترح أحد أبدًا إنشاء طائرة أو جسر دون أن يفكر مليًّا في مدى صمود الآلية أمام الإجهادات والالتواءات التي ستواجهها عند بنائها، لكن فكرة أنه يتعيَّن على المرء أن يُولي القدر نفسه من الاهتمام والانتباه إلى تصميم الآليات الاجتماعية عادةً ما تُلاقَى بازدراء. وقد أثرتُ ذات مرة ضحك الحضور عندما اقترحتُ أن يُخصَّص قدر من الموارد المالية لإنفاقه على اختبار عملية إصلاحٍ كبرى في معمل للأبحاث النفسية لمعرفة إن كان سينجح قبل الشروع في تنفيذه. وما زال تصميم المزادات ذات المبالغ المالية الطائلة متروكًا غالبًا في أيدي مجموعة من الهواة لا يعلمون شيئًا عن الأفكار البسيطة التي سنشرحها في هذا الفصل.
(?) حُكم الملك سليمان

عندما جاءت إلى الملك سليمان امرأتان تتنازعان على أمومة طفل وليد، اقترح الملك سليمان على الملأ أن يُشطَر الطفل إلى نصفين؛ ومن ثَم تحصل كل مُدَّعيَة على نصف. فقبلت الأم المُزيَّفة الحُكم، لكن الأم الحقيقية خافت على طفلها، حتى إنها توسلت أن يذهب الطفل إلى غريمتها بدلًا من أن يُشطَر إلى نصفين. ومن ثَم، عرف الملك سليمان الأم الحقيقية وأعطاها طفلها.
في الواقع، لا تؤيِّد الرواية الإنجيلية الادعاء المعروف عن حكمة الملك سليمان على نحو جيد تمامًا؛ فقد كان من الممكن أن يفشل مخططه لو أن الأم المُزيَّفة فكَّرت بطريقة أكثر استراتيجيةً. فما المخطَّط الذي كان سيحقِّق نتيجةً أفضل؟
شكل ?-?: حُكم الملك سليمان. يَعرِض الرسم التخطيطي على اليمين اللعبة من وجهة نظر سليمان عندما تقدِّر ترودي قيمة الطفل ? ? شيكلات، في حين تقدِّر فاني الطفل بشيكل واحد، ويفرض سليمان غرامة بمبلغ شيكلين.
لنفترض أن الملك سليمان هو الرئيس، وأن المُدَّعِيَة والمُدَّعى عليها هما الوكلاء. تسمَّى الأم الحقيقية ترودي، وتسمَّى الأم المُزيَّفة فاني. وإمعانًا في التبسيط، سنفترض أنه من المعروف أن ترودي ستدفع كلَّ ما لديها في هذا العالم مقابل أن تسترد طفلها، لكن فاني ستدفع مبلغًا أقل بكثير.
هدف سليمان هو إعطاء الطفل إلى الأم الحقيقية، لكنه لا يعلم نمط كل وكيل. وكان في إمكانه أن يسألهما، لكنَّ فاني ليس لديها أي حافز لقول الحقيقة؛ لذا، يطبِّق سليمان طريقة هارساني عن طريق تخيُّل حركة احتمالية؛ إما أن تكون ترودي في دور المُدَّعِية وفاني في دور المُدَّعَى عليها، أو تكون ترودي في دور المُدَّعى عليها وفاني في دور المُدَّعِية.
يوضح شكل ?-? قواعد الآلية التي تحقق أول أفضل نتيجة؛ وهي إعطاء الطفل إلى الأم الحقيقية بكل تأكيد. تتحرك المُدَّعِية أولًا بالرد على ما إذا كانت هي الأم أو لا. إذا أنكرت كونها الأم، يُعطى الطفل إلى المُدَّعى عليها. وإذا ادعت أنها الأم، فعلى المُدَّعى عليها الرد بما إذا كانت هي الأم أو لا. وإذا أنكرت كونها الأم، يُعطى الطفل إلى المُدَّعِية. أما إذا ادعت كلتا المرأتين أنها الأم، فإنَّ الطفل يُعطى إلى المُدَّعى عليها، وتُفرَض غرامة على كلتا المرأتين. يجب أن يستعين سليمان بحكمته الشهيرة في وضع الحوافز لفاني وترودي. يجب أن تكون الغرامة أعلى من تقدير فاني للطفل، لكن أقل من تقدير ترودي؛ لذا، توضِّح الخطوط السميكة في شكل ?-? نتيجة تطبيق الاستنتاج العكسي. وعندما يستخدم اللاعبان توازن اللعبة الفرعية التامة هذا، تحصل ترودي «دائمًا» على الطفل، ولا تُدفَع أي غرامة. (?) تطبيقات اقتصادية

تتجلى النجاحات الكبرى لتصميم الآليات في مجال المزادات واقتصاديات التنظيم. لقد كان جمْعُ مليارات الدولارات في مزادات سوق الاتصالات محطَّ اهتمام الكثيرين، لكنَّ اقتصاديات التنظيم ربما تكون أكثر أهميةً على المدى الطويل.
يُشيد الأثرياءُ الذين يخضعون لقوانين ولوائح منظِّمة بالكثير من مزايا السوق الحرَّة، لكنهم يَعلمون أن الخصائص المُرضيَة للأسواق التنافسية الكاملة لا تتحقق إلا في وجود أعداد كبيرة من صغار المشترين والبائعين. وعندما يوجد عدد صغير فقط من البائعين، فإنَّ الأمر دائمًا ما ينتهي بهم إلى استغلال قوَّتهم في السوق في خداع المستهلك ما لم يكونوا مقيَّدين بقوانين ولوائح حكومية.
إنَّ رجال الاقتصاد الحر محقُّون في أنه لا يوجد عادةً تنظيم أفضل من التنظيم العقيم الذي ظلَّ يسوسنا ويُثقل كاهلنا في الماضي، لكن ليس بالضرورة أن يكون التنظيم عقيمًا. فثمة تنظيم أفضل يَستخدم مبادئ تصميم الآليات في طريقه بالفعل إلى التطوُّر وسط اعتراضٍ من جانب الخبراء المتنوعين الذين يرونه تكرارًا وحشوًا لا داعي له. ولكن، ليس لديَّ متسعٌ من الوقت للتحدث جديًّا عن اقتصاديات التنظيم هنا؛ ومن ثمَّ سيُخصَّص الجزء المتبقي من هذا الفصل للحديث عن المزادات.
(?-?) ويليام فيكري

إنَّ البيع بالمزاد العلني هو فرع نظرية الألعاب الذي شهدَ القدر الأكبر من التقدُّم. كما أنه من المجالات التي استُخدِمت فيها نظرية الألعاب بنجاحٍ ساحق في حل المسائل التطبيقية. ولقد جُمِعت مبالغ فلكية في مزادات الاتصالات التي صمَّمها خبراء نظرية الألعاب.
قديمًا، اعتادت الحكومات أن تنظِّم ما أصبح معروفًا حاليًّا باسم «مسابقات الجمال» عندما كانت تخصِّص أصولًا عامة قيِّمة لشركاتٍ خاصة. فكانت كل شركة تقدِّم ملفًّا قويًّا ومدروسًا يشرح السبب الذي يجعلها أجدر بالحصول على الأصل من منافسيها. وتُقرر بعد ذلك لجنةٌ من المسئولين الحكوميين الملفَّ الذي حاز القدر الأكبر من استحسانها. لكن، لم تكن غالبًا لدى المسئولين الحكوميين أي فكرة عن القيمة التجارية للأصول التي يبيعونها. كما أنَّ المتسابقات في «مسابقات الجمال» لم يكنَّ يلتزمْنَ الصدق. فلماذا تُطلِع الشركاتُ المتنافسةُ الحكومةَ بالحقيقة ما لم تكن تصبُّ في مصلحتها؟ يجب أن تُعرَض عليها حوافز مناسِبة قبل أن تكشف للحكومة عن المعلومات التي تحتاجها. وتُجبر المزاداتُ المشتركين فيها على التزام الصدق من خلال إلزامهم بدفع المبلغ المالي الذي يتعهدون بدفعه.
إنَّ ويليام فيكري هو بطل نظرية المزادات. وكان يؤيِّد استخدام مزاداتٍ مصمَّمة خصوصًا لبيع الأصول العامة الكبرى قبل ?? عامًا من رواج الفكرة وشيوعها. وتجاهلت لجنة الاتصالات الفيدرالية حُججه إلى أن وصل الخبر أخيرًا إلى الكونجرس، الذي أصرَّ أن تُباع المجموعة التالية من تردُّدات الاتصالات بالمزاد العلني. وتولَّت مجموعة من خبراء نظرية الألعاب بقيادة بول ميلجروم وضع تصميم المزاد، الذي جمع إيراداتٍ بإجمالي ?? مليار دولار أمريكي.
صمَّم الفريق الذي قدتُه بنفسي مزاداتٍ أخرى في مجال الاتصالات في بريطانيا وبلجيكا والدنمارك واليونان وهونج كونج وإسرائيل. وجَمَع مزاد بريطانيا وحده ?? مليار دولار أمريكي. وبعد انهيار مؤشر نازداك في ????، ونتيجةً لوقوع أزمة شركات التكنولوجيا المتقدمة، أُثيرَ الكثيرُ من الجلبة؛ حيث بدأ الرؤساء التنفيذيون لشركات الاتصالات يُحمِّلون مسئولية فشلهم في تقدير السوق على النحو السليم لخبراء نظرية الألعاب، الذين يُفترَض أنهم جعلوهم يدفعون أموالًا كثيرة مقابل التراخيص، أموالًا تفوق القيمة الفعلية لهذه التراخيص. لكن، أليسَ السفهاءُ فقط هم مَنْ يدفعون في شيءٍ سعرًا أعلى من قيمته التي يستحقها حسبما يرون؟????????
ومن جانبي، فإنني أرى أن كل ما ساهمتْ به هذه الضجة هو التأكيد على مدى الفاعلية التي يمكن أن يكون عليها خبراء نظرية الألعاب عندما يطبِّقون مفاهيم تصميم الآليات على نطاقٍ واسع. ويبدو أن اللجنة المختصة بجائزة نوبل كان لها نفس الرأي، وقررتْ مؤخرًا أن تمنح فيكري جائزة نوبل، لكنه تُوُفِّيَ بعد ثلاثة أيام من تلقِّيه الإعلان.
(?) أنواع المزادات

ليست المزادات بالشيء الجديد. فقد وصف هيرودوت مزادات الزوجات غير المرغوب فيهن في بلاد بابل القديمة. ولا تعَدُّ المزادات ذات الأموال الطائلة بالشيء الجديد أيضًا. ففي عام ??? بعد الميلاد، باع الحارسُ البريتوري الإمبراطوريةَ الرومانيةَ بالمزاد العلني لشخص يُدعى ديديوس جوليانوس. ومُدْرجٌ فيما يلي بعض أنواع المزادات ذات الاستخدام المعتاد.
(?-?) المزادات الإنجليزية

تَستخدم دار مزادات «سوذبيز» هذا النوع من المزادات لبيع التحف القديمة. يدعو الشخص القائم بإدارة جلسة المزاد لتقديم سعرٍ لبدء مزايدة شفوية، وتستمر المزايدة حتى لا يوجد بين الحاضرين مَنْ يريد أن يزايد بقيمة أعلى، ثم يقول بصوت عالٍ: «?، ?، ? … أُقفِل المزاد.» وإذا لم يقاطع أحدٌ بسعر جديد، فإنه يَطرُق بمطرقته على القطعة الخشبية، ويباع الشيء المعروض للبيع في المزاد إلى المشتري صاحب آخر سعر.
شكل : ?، ?، ? … أُقفِل المزاد.
(?-?) المزادات الهولندية

يبدأ القائمُ على إدارة جلسة المزاد بإعلان سعر كبير، ويُخفِّض بعد ذلك تدريجيًّا حتى يطالِب أحد المشترين بالتوقُّف، وأول مشترٍ يفعل ذلك يحظى عندئذٍ بالشيء المعروض للبيع بالسعر الرائع الذي كان المزاد قد توقَّف عنده عندما تدخَّل.
يمكن أن تكون المزادات الهولندية سريعة؛ ولذلك تُستخدَم في بيع البضائع سريعة التلف مثل الأسماك أو الزهور المقطوفة للزينة. ففي مزادات الزهور في أمستردام، يمكن لبائعٍ أن يُحضر زهورًا مقطوفة من زامبيا، ويمكن للمشتري أن يرسلها في شحنة لبيعها في شيكاجو في نفس اليوم. ومع ذلك، تُدار أحيانًا مزادات هولندية بطيئة من قِبل محالِّ الأثاث المستعمَل التي تُخفِّض سعر البضاعة غير المَبيعة بمقدار ??? كل شهر.
(?-?) مزادات السعر الأول بعطاء المظاريف المغلقة

هذا هو الشكل القياسي لعطاءات الحكومة. يكتب أي مشترٍ محتمَل منفردًا عطاءَه على ورقة ويضعها في مظروف ثم يغلقه. ويلتزم البائع ببيع الشيء المُزايد عليه إلى الجهة مقدِّمة العطاء الأعلى بالسعر الذي قدَّمته.
(?-?) مزادات فيكري

في مزاد فيكري، يباع الشيء بنظام عطاء المظاريف المغلقة إلى الجهة مقدِّمة العطاء الأعلى، لكن بأعلى سعر قدَّمه «أحد الخاسرين». سيكون هذا هو «ثاني» أعلى سعر ما لم يوجد تعادل على المركز الأول، وهي الحالة التي يُختَار فيها الفائز بعشوائيةٍ من بين الجهات المقدِّمة لأعلى العطاءات.
قاد ميلتون فريدمان حملة غير مسئولة — لكنها ناجحة — لإقناع الحكومة الأمريكية بتغيير نظام المزادات المستخدَمة في بيع سندات الخزانة إلى ما استقرَّ خبراء الشئون المالية على تسميته بمزاد السعر الثاني، لكنه أخطأ في افتراض أنه كان يؤيِّد التعميم المناسب لمزاد فيكري على الحالة التي يكون فيها العديد من الأشياء المتشابهة معروضًا للبيع. وهذا مجرد مثال واحد فقط لظاهرةٍ مُحزِنة. فحتى في هذه الحالات القليلة التي يكون فيها خبراء نظرية الألعاب على دراية بحل مسألةٍ ما، يفضِّل المسئولون الحكوميون عادةً نصيحة مُدَّعي المعرفة الذين لديهم علاقات عامة أفضل.
(?) المزادات المثالية

تريد أليس أن تبيع منزلها، ولكن المهم هو أنْ تجد مشتريًا، وإلا فلن يكون لمنزلها قيمة. والمشترُون المحتمَلون هم بوب وكارول فقط؛ فما هو تصميم المزاد الذي ينبغي أن تستخدمه أليس؟
مشكلة أليس مشابِهة لمشكلة الملك سليمان؛ فهي لا تعلم السعر الذي يضعه كلٌّ من بوب وكارول تقديرًا لمنزلها. وإذا كانت تعلم السعر المقترَح، كانت ستلجأ ببساطة إلى تقديم عرض بدون مفاوضات يكون أقل من أعلى سعر بقرشٍ واحد. ومن ثَم، سيكون من العقلاني للشخص صاحب السعر الأعلى أن يوافق؛ لأن مكسب قرش واحد أفضل من لا شيء. ويعتمد هذا التحليل بدرجة كبيرة على تمتع أليس بالسلطة التي تجعلها تقدِّم التزامًا لا رجعة فيه بقواعد لعبة الإنذار النهائي. فلا جدوى مطلقًا من تصميم الآليات إذا كان الوكلاء يعتقدون أن رئيسهم لا يلتزم بقواعد اللعبة التي يضعها لهم كي يلعبوها.
بما أن أليس لا تعلم السعر الذي يقدِّر به كلٌّ من بوب وكارول قيمة منزلها، فإنها تتبع طريقة هارساني بإعداد نموذج يعكس عدم تيقُّنها من الأسعار المقدَّمة، وتستعين في ذلك بحركة احتمالية. وفي السيناريو الأبسط، تحدد هذه الحركة الاحتمالية السعر المقترَح من بوب وكارول على نحو مستقل، بحيث لا يضيف ما تعلمه عن السعر المقدَّم من جانب أحد الوكيلين أيَّ جديد عن السعر المقدَّم من جانب الوكيل الآخر. ولضرورة التحديد، فإنني أفترض أن السعر المقترَح من جانب كل وكيل لمنزل أليس الرائع سيكون محصورًا على الأرجح بين صفر و?? مليون دولار أمريكي.
يندهش معظم الأشخاص عندما يكتشفون أن كل تصميمات المزادات التي استعرضناها في الجزء السابق تعد مثالية لأليس إذا كان الجميع يحاول تعظيم متوسط أرباحه من الدولارات. يجب أن تضع أليس سعرًا أساسيًّا قيمته ?? مليون دولار أمريكي ثم تستخدم التصميم الذي يروق لها؛ لأن كل التصميمات ستُحقق نفس متوسط الربح المتمثل في ?? مليون دولار أمريكي.
(?-?) الأسعار الأساسية

لاحِظ أن بوب لن يزايد أبدًا لنصف الوقت؛ لأن السعر الذي يقدِّمه سيكون أقل من السعر الأساسي الذي وضعتْه أليس. وبما أن الأمر نفسه ينطبق على كارول، فليس ثمة أيُّ احتمال أن تبيع أليس المنزل لربع الوقت. وإذا حدث ذلك، يجب ألا تغيِّر في القواعد التي وضعتها بنفسها بأن تبيع منزلها مرةً أخرى بالمزاد العلني بسعر أساسي أقل، إلا إذا كانت لا تهتم إنْ كان المشترون سوف يصدقونها في المستقبل عندما تؤدي دور بائع مرةً أخرى.
لقد استشارتني الكثير من الحكومات في تصميم مزادات ذات أموال طائلة، لكنني لم أنجح قطُّ في إقناع المسئولين الرسميين بوضع سعر أساسي عالٍ حسبما تمنَّيْت. ولم أكن واثقًا قطُّ أن المسئولين قد فهموا أنهم يجب ألا يعيدوا بيع الشيء الذي اشترَوه في المزاد فورًا في السوق إذا لم يكن قد وصل إلى السعر الأساسي الموضوع له. لكنَّ جهودي في هذا الشأن لم تَضِعْ هباءً؛ لأنها توفر مبررًا للنظر فقط إلى حالة السعر الأساسي الصفري فيما يلي. فكل تصميمات المزادات التي درسناها حتى الآن تُحقق نفس الإيرادات في المتوسط أيًّا كان السعر الأساسي، لكن من الأسهل توضيح السبب في ذلك في الحالة التي يمكن فيها الاعتماد على جميع المشترين المحتمَلين لتقديم عطاء.
(?-?) تكافؤ الدخل

في توازن ناش المتماثل، سيقدِّم الوكلاء ذوو التقديرات الأعلى أسعارًا أعلى في كل المزادات التي درسناها. ومن ثَم، سيفوز الوكيل صاحب التقدير الأعلى. ومن ثَم، فإنَّ احتمال الفوز بالمزاد لأي وكيل يقدم تقديرًا معينًا واحدٌ في كل التصميمات التي قدمناها.
كم المبلغ الذي من المتوقع أن يدفعه الوكيل في المتوسط؟ في كل مزاد من مزاداتنا، يتضح أن الإجابة هي «نصف» تقدير الوكيل.
يستتبع ذلك أن متوسط دخل أليس يجب أن يكون واحدًا لكل تصميم. ويصبح هذا الدخل المتوسط ?? مليون دولار فقط، لكنَّ ذلك أفضل ما تتمناه أليس إذا زايدَ كلٌّ من بوب وكارول بعقلانية وطرحت أليس سعرًا أساسيًّا قدره صفر.
لماذا من المتوقع أن يدفع الفائز نصف تقديره؟ تُقدِّم حالةُ المزاد الإنجليزي المثالَ الأوضح لشرح هذه الفكرة. من الواضح أنه يتعيَّن على كلٍّ من بوب وكارول أن يستمرَّا في المزايدة حتى يصل السعر السائد إلى تقديرهما، الذي لا تُجرى عليه أي مزايدة بعد ذلك. إذن، ستتوقف المزايدة عندما يصل السعر السائد إلى أقل تقديرات للوكلاء. وبذلك، سيدفع الفائز تقدير «الخاسِر». وبما أن تقدير الخاسِر يكون على الأرجح أقل من تقدير الفائز بصورة أو أخرى، فإن متوسط قيمته هو نصف تقدير الفائز.
يمكننا الآن أن نعرف السبب في أن مزاد فيكري بالضرورة هو نفسه في جوهره المزاد الإنجليزي. فإذا قدَّم بوب وكارول تقديراتهما الصحيحة لأليس، وباعت أليس منزلها إلى الشخص مقدِّم العطاء الأعلى بسعرٍ مساوٍ لثاني أعلى عطاء، فسيكون متوسط الربح إذن مساويًا تمامًا لمتوسط الربح في المزاد الإنجليزي. ولكن، لماذا ينبغي أن تتوقع أليس أن يزايد بوب وكارول بتقديراتهما الحقيقية؟
الإجابة هي أن هذه الاستراتيجية تهيمن على كل البدائل الأخرى لدى الوكلاء. لو أن الوكيل المنافِس زايدَ بأقل من تقديرك، فستحرص على الفوز دون التأثير على السعر الذي تدفعه بالمزايدة بنفس تقديرك. ولو أن الوكيل الآخر زايدَ بأكثر من تقديرك، فإنك لا تحتاج إلى الفوز؛ ومن ثَم فربما تُزايد أيضًا بنفس تقديرك.
ماذا عن المزاد الهولندي؟ استطاع بوب وكارول أن يكتبا السعر الذي يعتزمان إغلاق المزاد الهولندي عنده على قطعة من الورق، وتركا الأمر لأليس كي تطبِّق الاستراتيجية بالنيابة عنهما؛ لذا، إذا استطعنا معرفة السعر الذي يُفترض أن كلًّا من بوب وكارول قد وضعه في ظرفه في المزاد الأخير، فسوف نعلم أيضًا الوقت الذي ينبغي عليهما إغلاق المزاد الهولندي فيه.
(?-?) حجب العطاء

ما العطاء الذي عليك أن تضعه في المظروف في مزاد السعر الأول ذي المظاريف المغلقة؟ لا شك أنك لن تزايد بتقديرك الحقيقي؛ لأن مكسبك سيكون صفرًا لو أنك فزت. ومن ثَم، عليك حجب عطائك وإخفاؤه. لكن بفارق كَمْ؟ لقد أفشيتُ السرَّ من قبلُ عندما أوضحتُ السبب في أن كل تصميمات المزادات التي وضعناها متكافئة من حيث الدخل؛ لذا، على كلٍّ من بوب وكارول أن يزايد بنصف تقديراته فقط.
عادةً ما يتم البرهنة على صحة هذه الحقيقة باستخدام حساب التفاضل والتكامل، لكنني أنوي أن أستعين في شرح هذه المسألة بالبستنة المناظرية (أيْ فن ترتيب الأشجار والممرات). ما الشكل الذي يجب أن يكون عليه البستان إذا كنت تريد تطويق أقصى مساحة منه باستخدام سورٍ ذي طول ثابت؟ الإجابة بوضوح هي الدائرة. وإذا كان البستان يجب أن يكون مستطيل الشكل، فالإجابة هي المربع.
بالرجوع إلى مسألة إيجاد توازن ناش متماثل لمزاد السعر الأول ذي المظاريف المغلقة، تَصوَّرْ أنه من المعروف عمومًا أن كارول ستقدِّم عطاءً يتناسب مع تقديرها. وعليه، سيكون احتمال فوز بوب متناسبًا مع أي مزايدة يقوم بها. يريد بوب تعظيم متوسط مكسبه، الذي هو حاصل ضرب مكسبه إذا فاز في احتمال الفوز. ويكون حاصل الضرب هذا متناسبًا مع مساحة بستان مستطيل الشكل؛ حيث طوله هو مكسب بوب في حال فوزه وعرضه هو العطاء الذي يتقدَّم به.
بما أن مكسب بوب في حال فوزه هو الفرق بين تقديره وعطائه، فإن طول سور البستان يكون متناسبًا مع تقديره. ومن ثَم، يظل طول السور واحدًا أيًّا كان العطاء الذي يتقدَّم به. وعليه، يُختزل إيجاد أفضل إجابة لبوب في تحديد البستان المستطيل الشكل الذي تكون له أكبر مساحةٍ عند تطويقه بسور ذي طول ثابت. وبما أن الإجابة هي المربع، فلإيجاد أفضل إجابة لبوب ينبغي أن نحدد أن عطاءه مساوٍ للفرق بين تقديره وعطائه؛ الأمر الذي يجعل عطاءه المثالي مساويًا لنصف تقديره. عندها سيكون عطاؤه متناسبًا مع تقديره، وسيكون العطاء المثالي لكارول مساويًا أيضًا لنصف تقديرها.
(?-?) مزادُ «الكلُّ يدفع»

يهوى المدربون في فصول نظرية الألعاب مزايدة الدولار الواحد تبعًا للقواعد التالية: تكون المزايدة على غرار المزاد الإنجليزي؛ حيث يحصل أعلى مُزايد على الدولار، لكن يدفع «الجميع» أعلى عطاءاتهم، بما في ذلك مَنْ لم يفوزوا بالدولار. وكم تكون مسليةً مشاهدةُ تعبيرات وجه الطلبة عندما يصل المزاد إلى دولار واحد، ويدرك الخاسرون أن الأمر يستحق أن يزايدوا ? «أكثر» من دولار واحد!
إنَّ رشوة رجال السياسة أو القضاة الفاسدين هي بالأحرى ضربٌ من مزادات المظاريف المغلقة التي يدفع فيها جميع المُزايدين، بمن فيهم الخاسرون. فالكلُّ يدفع، لكن لا تنجح سوى رشوة واحدة فقط. وإذا كان للشرف وجود بين اللصوص، فإنَّ الرابح في هذه الحالة هو الرشوة الكبرى.
لم نذكر هنا مزاداتِ «الكلُّ يدفع» إلا لتوضيح أن نتيجة تكافؤ الدخل تنطبق بصورة عامة تمامًا. فمن الواضح أن مَيْل الوكلاء إلى حجب عطاءاتهم في مزادِ «الكلُّ يدفع» ذي المظاريف المغلقة، يكون أكثر بكثير مما في مزاد السعر الأول ذي المظاريف المغلقة، لكن سيظل متوسط الدخل لأليس ?? مليون دولار.
(?-?) المزادات المخصَّصة

يستشهد أحيانًا المراسِلون الاقتصاديون في الصحف والجرائد بنتائج تكافؤ الدخل عندما يعتقدون خطأً أنه من غير المهم «مطلقًا» نوع المزاد الذي يستخدمه البائع. لكن، تختفي النتيجة إذا كان بوب وكارول مقيَّدَين بميزانية محدودة أو كارهَين للمخاطرة؛ لذا، ستُحقق أليس مكسبًا أكبر في المزاد الهولندي عنه في المزاد الإنجليزي. كما أن النتيجة لا تظل موجودة لو أصبحت تقديرات بوب وكارول غير مستقلة. ومن ثَم، ستتوقع أليس مكسبًا أكبر في المزاد الإنجليزي عنه في المزاد الهولندي.
عندما نُجري مزادًا بأموال طائلة، فمن المهم للغاية تخصيص قواعد المزاد بما يتناسب مع الظروف المحيطة. على سبيل المثال، إذا كانت أليس تعلم على نحو أو آخر أن المبالغ الوحيدة التي يمكن أن يضعها بوب وكارول تقديرًا لمنزلها هي ?? مليون دولار أو ?? مليون دولار، فعليها ألا تُجري أيًّا من المزادات التي أشرنا إليها حتى الآن. وإذا كان الاحتمالان متساويين على الأرجح، فعليها أن تجري مزادًا بنظام المظاريف المغلقة، يَدفع فيه الفائز متوسط العطاءين المقدَّمَين.
(?) لعنة الفائز

يعلم الوكلاء ذوو القيم الخاصة تقديراتِهم قبل أن يبدأ المزاد، ولكنهم ربما لا تكون لديهم أي معلوماتٍ أثناء المزاد من شأنها أن تؤدي إلى تغيير تقديراتهم تلك. وتصنَّف كلُّ المزادات التي استعرضناها حتى الآن كمزادات ذات قيمة خاصة. وتوجد في المقابل المزادات ذات القيمة العامة، التي يكون معروفًا فيها أن قيمة الشيء المَبيع «واحدة» بالنسبة إلى جميع المشترِين المحتمَلين.
على سبيل المثال، عندما تباع تراخيص بالمزاد للتنقيب عن البترول في مناطق معينة في قاع البحر، فإن كمية البترول في أي منطقة تكون واحدة بالنسبة إلى الجميع، لكن تقديرات المشترين لكمية البترول المحتمَل وجودها في المنطقة ستعتمد على استطلاعات المسح الجيولوجي المختلفة التي يقومون بها. ولا تكون هذه الاستطلاعات باهظةً فحسب، لكن كما هو معروف لا يمكن الاعتماد عليها؛ لذا، سيتلقَّى بعض المشترين المحتمَلين استطلاعات تفاؤلية، بينما سيتلقى آخرون استطلاعات تشاؤمية. فمَن سيفوز بالمزاد إذن؟
إذا عالجَ بوب التقدير الذي وضعه لقيمة المنطقة في المسح الذي أجراه بوصفه قِيمةً خاصة، فسيفوز كلما كان مسحه أكثر تفاؤلًا. لكن عندما يدرك بوب أن فوزه بالمزاد يعني ضمنًا أن كل استطلاعات المسح الأخرى أكثر تشاؤمًا من استطلاعه، فسيلعن حظه السيئ في الفوز! وإذا كان يعلم مسبقًا أن كل الاستطلاعات الأخرى كانت أكثر تشاؤمًا من مسحه، فما كان ليزايد بسعرٍ عالٍ.
كما هو الحال في مزادِ «الكلُّ يدفع»، يحب مدرِّبو نظرية الألعاب أن يضعوا طلابهم في مأزق من خلال إعدادهم لسيناريو مزاد ذي قيمة عامة. وفيه يُباع إناء زجاجي مليء بعملات معدنية وأوراق نقدية مجعَّدة من فئات عملاتٍ مختلفة لأعلى مُزايد، وهو الذي يقع فريسةَ لعنةِ الفائز؛ ومن ثَم يتكبَّد خسارة فادحة.
(?-?) لعبة المحفظة

لتفادي لعنة الفائز، على المُزايدين أن يأخذوا في اعتبارهم المعلومات التي تنقلها مزايدات المنافسين عن التقدير الذي يضعونه لقيمة الشيء المعروض للبيع. ويُستشهَد بلعبة المحفظة كمثال على ذلك. تستولي أليس على محفظة كلٍّ من بوب وكارول، ثم تستخدم مزادًا إنجليزيًّا لبيع محتويات محفظتيهما إليهما مجدَّدًا.
يتحقَّق توازن ناش إذا كان كلا الوكيلين يعتزمان الاستمرار في المزايدة حتى يصل السعر الجاري إلى ضِعف المبلغ المالي الموجود في محفظتيهما. لو زايدت كارول بهذه الطريقة، فسوف يصاب بوب باللعنة لو أنه فاز عن طريق المزايدة بأكثر من ضِعف ما في محفظته من مال. ويعلم عندئذٍ أن المبلغ المالي في محفظته أقل من نصف السعر النهائي. كما أنه يعلم كذلك أن المبلغ المالي في محفظة كارول أقل من نصف السعر النهائي؛ لأنها توقفت عن المزايدة؛ لذا، من المؤكد أن إجمالي المبلغ المالي الذي فاز به بوب أقل من السعر الذي دفعه.

الفصل الثامن
علم الأحياء التطوري


يتفوق علماءُ الأحياء بميزةٍ هائلة على علماء العلوم الاجتماعية في تطبيق نظرية الألعاب؛ لأن لديهم بيانات أكثر بكثير. فقد أدَّى الانتخاب الطبيعي إلى وجود تنوع هائل من الأنواع المختلفة، بعضها غاية في الغرابة والروعة لدرجة أنها تبدو كما لو أنها تتحدى التفسير العقلاني. لكن ما الذي يمكن أن يكون أكثر إرضاءً مما عرفناه مؤخرًا من أن التركيب الوراثي غير المعتاد للحشرات «الغشائيات الأجنحة» يفسِّر نسبة الجنس غير المتساوية في بعض أنواع النحل؟ أو لماذا ينجح نوعان مختلفان من سمكة الشمس الزرقاء الزعانف في التعايش معًا في نفس البحيرة؟ إنَّ رفض التطور على الرغم من هذه الأمثلة يبدو لي كرجل الدين الذي رفض أن ينظر خلال تليسكوب جاليليو.
والأروع من ذلك أنه يكفي أحيانًا الاستعانة بأبسط نماذج المحاكاة لإعطاء أمثلةٍ على سلوك حيوان ما بنجاح. فلا أحدَ يصدق، على سبيل المثال، أن التناسل بين الطيور لا يعتمد على الجنس، أو أن العملية التطورية حتمية. لكن، كما في الفيزياء، فإن النماذج التي تنتج عن عمليات التبسيط الهائلة هذه تتلاءم مع البيانات على نحو مدهش.
(?) نظرية الألعاب التطورية

لخَّص هربرت سبنسر نظرية التطور لداروين بأنها نظرية «البقاء للأصلح». وعندما نُسأَل عن سبب السلوك الذي تسلكه حيوانات بعض الأنواع، فإننا نبحث عن إجابة تفسِّر السبب في أن السمات السلوكية البديلة لم تكن ملائمة.? لكن كيف نُعرِّف الصلاحية؟??????????????????????????????????????????????
بناءً على تعريف بيل هاملتون للصلاحية، لا مفرَّ من أن تمثيل سلوك الحيوان سيُختزَل أحيانًا إلى إيجاد توازنات ناش للألعاب. فقد اعتبر أن صلاحيةَ سمةٍ سلوكيةٍ هي متوسط عدد الأطفال الإضافيين الذين يَحملون هذه السمة إلى الجيل التالي نتيجةً للسمة المستخدمة في الجيل الحالي. وبهذا التعريف، يمكن الإشارة إلى السمات السلوكية بالاستراتيجيات، والصلاحية بالمنفعة.
عندما تتنافس الحيوانات، يمكننا أن نتصوَّر أن الصدفة أحيانًا ما تنتقي فردين أو أكثر من المجموعات ذات الصلة للعب لعبةٍ ما. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك في علم البيئة لعبة المفترس والفريسة التي يتمخَّض عنها تفاوت عدد الأرانب البرية وسنوريات الوشق الكندية في حلقة لا نهائية. مع ذلك، سيركز هذا الفصل على الألعاب التي مُورِسَت داخل النوع الواحد وحَققتْ نتائج متوازنة. على سبيل المثال، ما الذي يحدد مدة بقاء ذكر ذبابة الرَّوث في روث بقرة بعينها بانتظار أنثى ما عندما يرغب الذكر في التزاوج؟ وبما أن المسألة الاستراتيجية واحدة لكل ذباب الرَّوث، يمكننا إذن أن نركز انتباهنا على توازنات ناش المتماثلة للألعاب المتماثلة.
تبدو اللعبة المتماثلة واحدةً تمامًا لكل اللاعبين المشتركين فيها. وفي التوازن المتماثل، يستخدم كل اللاعبين الاستراتيجية نفسها. ويتضح من أحد الأشكال المختلفة لنظرية ناش أن كل الألعاب المتناهية المتماثلة تحتوي على توازن ناش متماثل واحد على الأقل.
(?-?) المكرِّرات

لسوء الحظ، شهدت المواقف الفلسفية خلافًا كبيرًا على نحو يصعب فهمه؛ نظرًا للخلاف حول مَنْ أو ما يُعامَل بوصفه لاعبًا في لعبة التطور. هل هو نوعٌ بأكمله؟ أم حيوان منفرد؟ أم حزمة من المواد الوراثية؟ أم جين منفرد؟ فيما يبدو، فإن عنوان كتاب ريتشارد دوكينز «الجين الأناني» يوضح لنا موقفه من هذه القضية، لكنه يتبنى في الواقع النظرة الأكثر تعقيدًا التي ترى أن كل شيء يستنسخ نفسه يمكن النظر إليه على أنه وحدة أساسية في لعبة تطورية.
مثلهم مثل السيدة العجوز التي انتقدت دوكينز لفشله في معرفة أن الجينات مجرد جزيئات؛ ومن ثَم لا يمكن أن تكون لها إرادة حرة، يرى الناس غالبًا أن إمكانية تطبيق نظرية الألعاب بنجاح في علم الأحياء التطوري هو أمرٌ ينطوي على مفارقة ظاهرية. فكيف يمكن لحشرةٍ أن تكون لاعبًا في لعبة ما؟ فالحشرات لا تستطيع التفكير، وسلوكها غريزي بدرجة كبيرة، وهي تفعل ما هي مبرمجةٌ على فعله.
يتمثل حل هذه المفارقة في أنه لا يشترط بالضرورة أن يكون اللاعبون في اللعبة هم الحيوانات قيد الدراسة. وإذا كان السلوك الخاضع للبحث والدراسة غريزيًّا بدرجة كبيرة، فإنه يكون مشفَّرًا في جينات الحيوان. ويمكن التفكير في الجينات كجزءٍ من المكونات المادية لجهاز كمبيوتر «طبيعي»، وهي الجزء الذي تُخزَّن فيه برامج الكمبيوتر. وتتحكم بعض البرامج في سلوك الحيوان.
من الخصائص المهمة لبرامج الكمبيوتر أنها يمكن نسخها من كمبيوتر لآخر. تَستنسخ فيروسات الكمبيوتر «نفسها» من كمبيوتر لآخر؛ ومن ثَم، فإنها «تتكرر ذاتيًّا». وبالمثل، فإن البرامج الموسومة على جينات الحيوان تكون ذاتية التكرار أيضًا، إلا أن استنساخها وتكرارها يكون أكثر تعقيدًا بالمقارنة مع استنساخ أيٍّ من فيروسات الكمبيوتر. فليس على الطبيعة فقط أن تنسخ برامج من كمبيوتر «طبيعي» لآخر، بل عليها أن تُنشئ كمبيوتر «طبيعيًّا» جديدًا ربما تُنسَخ البرامج عليه. ويعد اكتشاف كريك وواطسون للآلية التي تنفِّذ من خلالها الطبيعة هذه الحيلة باستخدام اللولب المزدوج من أعظم قصص المغامرات العلمية. لكنَّ الاستمتاع بما يطرحه موضوع اللولب المزدوج من عوامل إثارة سيحين في موضعٍ آخر. فكلُّ ما يهم هنا أن نفهم أن ثمة «شيئًا» موجودًا ويفعل شيئين: ينسخ نفسه.
يحدد السلوك الاستراتيجي في اللعبة.
ومتى عثرنا على شيء في نموذجٍ ما، يمكننا أن نطبِّق عليه هاتين الخاصيتين، فسنطلق عليه مسمَّى «مكرِّر» أو «مضاعِف».
من الممكن بالطبع أن تكون الجينات مكرِّرات. ويحتجُّ النقاد أحيانًا بأن حدوث طفرة في جين فردي قلَّما يكون له تأثير كبير، لكن يمكن لأقل تعديل في سمة سلوكية أن يكون مهمًّا عند حساب متوسط الصلاحية على مدًى زمنيٍّ كبير بما يكفي. وتعتبر أيضًا حُزم الجينات التي تميل إلى الاستنساخ معًا مكرِّرات. وفي الأنواع ذات التكاثر اللاجنسي، مثل خنفساء الماسون، تنقل الأم شفرتها الوراثية كاملةً إلى أولادها، وهي الحالة التي يمكن أن نقول فيها إن كل نوع فردي من الحيوان يكون مكرِّرًا.
تحتاج المكرِّرات — حتى يمكنها البقاء — إلى عوائل تكون موسومة على جيناتها. وبما أننا قد عرَّفنا صلاحية العائل بأنها قياس الوتيرة التي يعيد بها إنتاج جيناته، فإنه تحصيل حاصل تقريبًا أن نقول إن المكرِّرات التي تمنح عوائلها صلاحيةً كبيرة ستتحكم في نسبة أكبر من العوائل مقارنةً بالتي تمنح عوائلها صلاحيةً ضئيلة. وإذا دعمت البيئة عددًا محدودًا فقط من العوائل، فربما ينتهي الحال بالمكرِّر الذي يمنح عوائله صلاحية منخفضة إلى الانقراض تمامًا في نهاية الأمر؛ ومن ثَم، سيكون البقاء للمكرِّر الأصلح.
إذا شاهدت أليس الموقف أثناء تطوره، فربما تحاول أن تَفهم ما تراه بإسباغ هدف أو غرض على الآلية التي تولِّد المكرِّرات أيَّما تكون، ويتمثَّل هذا الهدف في تعظيم صلاحية عوائل المكرِّرات. وإذا ظلَّ الانتخاب الطبيعي يعمل لمدة طويلة بما يكفي في وسطٍ مستقرٍّ، فلن يبقى سوى المكرِّرات التي تجيد تعظيم صلاحية عوائلها. وبالنسبة إلى أليس، سيبدو الأمر «كما لو» أن شيئًا ما يختار المكرِّرات على نحو واعٍ لتعظيم الصلاحية. ونسمِّي هذا «الشيء» التصوري لاعبًا في اللعبة.
على سبيل المثال، عندما تكون المكرِّرات أشكالًا متغيرة من جين فردي، يمكن أن نتصوَّر اللاعب جالسًا في الموضع الذي يعمل فيه هذا الجين المعيَّن على الكروموسوم. يَستخدم علماء الأحياء المدقِّقون الذين يفضِّلون التفكير في الجينات نفسها بوصفها لاعبين مصطلحَ «أليل» على الأشكال المحتمَل أن يتخذها الجين. ولكن، من الشائع ألَّا نميِّز بين لاعب ومكرِّر بالطريقة نفسها التي يُطمَس فيها الفرق بين لاعب ونمط في نظرية المعلومات غير الكاملة (راجع «المعلومات غير الكاملة» في الفصل السادس).
(?) الثبات التطوُّري

حتى ينجح التطور، لا بد من وجود درجة من التنوع في مجموعةٍ ما. ويُعتبر خلط الجينات في التكاثر الجنسي أحد مصادر هذا التنوع. كما تُعتبر الهجرة الجغرافية وحدوث الطفرات مصدرًا آخر. متى يمكن أن نتوقَّع استقرارَ مجموعةٍ ما وثباتَها إزاء هذا التنوع العشوائي؟ إنَّ أحد المداخل لفهم هذا الموضوع هو أن نبحث عن جاذب مقارِب، وهو عبارة عن مجموعة من المكرِّرات التي تتسم بالثبات إزاء أي اضطراب طفيف.
يُطلَق على أبسط نموذج ممكن لعمليةٍ تطورية بيولوجية ديناميكية اسم المكرِّرات. ويوضِّح شكل ?-? كيف تُجدي عملية جلب لاعبين من مجموعتين مختلفتين، كلٌّ منهما تطوَّرت على حِدة، في لعبة معينة. وستكون الأشكال التوضيحية المعروضة في هذا الفصل أبسط بكثير؛ لأن التركيز سيكون على الألعاب المتماثلة التي ينتمي فيها اللاعبون إلى مجموعة واحدة. تفترض ديناميكية المكرِّرات أن نسبةً من المجموعة المضيفة لمكرِّر بعينه تزيد بمعدل متناسب مع عاملَيْن: نسبة المجموعة التي تستضيف المكرِّر حاليًّا.
الفرق بين الصلاحية الحالية لعائل المكرِّر ومتوسط الصلاحية لكل العوائل في المجموعة.
يُقِرُّ المطلب الأول ببساطة بأن نسبة نمو مكرِّرٍ ما تكون مقيَّدة بعدد أفراد الجيل الأول المتوافر لنقل المكرِّر إلى الجيل التالي. ويقرُّ المطلب الثاني بأن التطور لا يمكنه أخذ صلاحية المكرِّر في الاعتبار إلا «بالنسبة» إلى صلاحية المجموعة ككل.
لو أن كل المكرِّرات التي نحن بصدد دراستها موجودة عند بدء ديناميكية المكرِّرات، لأمكن النظام الالتقاء فقط على توازن ناش متماثل، هذا إذا التقى على أي شيءٍ على الإطلاق.
(?-?) الاستراتيجيات الثابتة التطور

بدأت فكرة الاستراتيجية الثابتة التطور مع جورج برايس، الذي قدَّم مقالًا من ?? صفحة عن الرياضيات التطورية إلى مجلة «نيتشر»، التي من المعلوم لأي مؤلِّف على دراية بأخبار الحياة والناس أنها متخصصة فقط في نشر المقالات القصيرة. ولحسن الحظ، كان جون مينارد سميث هو مَن أبدى رأيه فيها، وقد كتبا معًا مقالًا يلخِّص أفكار برايس الرئيسية على نحوٍ أوضح. ثم بدأ مينارد سميث يضع كتاب «التطور ونظرية الألعاب»، الذي ساهم في شهرة نظرية الألعاب التطورية وذيوع صيتها. وانتحر جورج برايس في نهاية المطاف؛ لأنه — حسبما ذكرت الروايات — وجد أن الأمر يزداد صعوبة في التوفيق بين إسهاماته الأساسية في علم الأحياء التطوري وقناعاته الدينية.
عندما نجلب اللاعبين من مجموعاتٍ مختلفة، فإن الاعتبارات التي نصبو إليها لا تؤدِّي إلى ما هو أغرب من توازن ناش الدقيق (الذي لا توجد فيه ردودٌ مُثلى بديلة عن استراتيجيات التوازن). لكن، تُطبَّق الاستراتيجيات الثابتة التطور عندما يُجلَب اللاعبون من المجموعة نفسها للعب لعبةٍ متماثلةٍ. وفيما يلي الخصائص المحدِّدة لهذه الاستراتيجيات: يجب أن تكون الاستراتيجية الثابتةُ التطورِ ردًّا أمثل في حد ذاتها.
إذا لم تكن الاستراتيجية الثابتة التطور ردًّا أمثل في حد ذاتها، يجب أن تمثِّل ردًّا أفضل على أي بديل بالمقارنة مع أفضلية البديل.
يشير المطلب الأول إلى أن أيَّ زوج من الاستراتيجيات الثابتة التطور لا بد أن يكون تنقيحًا لمفهوم توازن ناش المتماثل. لكن إذا كان هذا هو المطلب الوحيد، فما الذي يحول دون حدوث هجوم على المجموعة بأحد الردود المُثلى البديلة على نحوٍ يثير فيها حالةً من عدم الاستقرار؟ يوفِّر المطلب الثاني القيد التطوري الضروري الذي يحول دون حدوث هذا الهجوم، وذلك باشتراط أن تكون الاستراتيجية الثابتة التطور أكثر صلاحيةً من المهاجم بعد وقوع الهجوم مباشرةً.
إنَّ أيَّ استراتيجيةٍ ثابتةِ التطورِ في لعبة متماثلة هي بالضرورة جاذب مقارِب لديناميكية المكرِّرات. ويكون الجاذب المقارِب بدوره عبارة عن توازن ناش متماثل. وبذلك، يكون لدينا شرط ضروري وشرط كافٍ للثبات التطوري. ويُطبَّق كلا الشرطين على فئة من العمليات التطورية أوسع نطاقًا من ديناميكية المكرِّرات، لكن ينبغي توخِّي بعض الحذر عند تطبيق مفهوم الاستراتيجية الثابتة التطور حتى على ديناميكية المكرِّرات. على سبيل المثال، مسارات ديناميكية المكرِّرات في لعبة الصخرة والمقص والورقة تدور في دوائر، ولا تتضمَّن اللعبة أي استراتيجية ثابتة التطور على الإطلاق (راجع «إيجاد الاستراتيجيات المُحقِّقة لقاعدة أقصى الأدنى» في الفصل الثاني). والأسوأ من ذلك أنه توجد ألعاب متماثلة أخرى ? × ?، عُزِلت فيها الجاذبات المقارِبة التي لا تمثِّل استراتيجية ثابتة التطور. ولا يكون مفهوم الاستراتيجية الثابتة التطور آمنًا تمامًا إلا في الألعاب المتماثلة التي تتضمَّن استراتيجيتين خالصتين فقط.
على الرغم من ذلك، فإن انتقاد مواضع القصور في مفاهيم التمثيل التطوري نظريًّا لا يكون بالأمر المُجدي تمامًا. والسؤال الفعلي هو: ما مدى فائدة هذه المفاهيم في فهم الأمثلة البيولوجية الواقعية؟
(?) لعبة الصقر والحمامة

يتنافس أحيانًا طائران من نفس النوع على مورِدٍ ذي قيمة. ويسهم المكرِّران في هذه المجموعة في جعل عوائلهما مسالِمة أو عدوانية في هذه المواقف. إذا كان أحدُ الطائرين مسالِمًا والآخرُ عدوانيًّا، فإن الطائر المسالِم يتنازل عن المورِد برمته إلى الطائر العدواني. وإذا كان كلا الطائرين مسالِمًا، فإنهما يتشاركان في المورِد بالتساوي. وإذا كان كلا الطائرين عدوانيًّا، فإنهما يتقاتلان.
أشار مينارد سميث إلى الطيور المسالِمة ? «الحمام» والطيور العدوانية ? «الصقور»، ولهذا السبب، سُمِّيت اللعبة لعبة الصقر والحمامة. لكن، لا تنخدع بافتراض أن المقصود من هذين الطائرين أن يمثِّلا مجموعتين مختلفتين تطورت كلٌّ منهما على حدة؛ فمن المفترض أن البيئة متماثلة تمامًا.
(?-?) معضلة السجينين

إذا كان الاستحواذ على المورِد يعزِّز صلاحية طائر بمقدار ? يوتل والدخول في قتال بمقدار يوتل واحد فقط، فإنَّ لعبة الصقر والحمامة تختزل الأمر إلى نسخة معضلة السجينين الموضَّحة في شكل ?-?. تذكَّرْ أن توازن ناش الوحيد هو لجوء كلا اللاعبَيْن إلى استخدام «صقر» (راجع الفصل الأول). وبما أن هذه الاستراتيجية مُهيمنة تمامًا، فإنها أيضًا استراتيجية ثابتة التطور. تنتمي الطيور في لعبة الصقر والحمامة إلى مجموعة واحدة؛ لذا فإن ديناميكية المكرِّرات لمعضلة السجينين في شكل ?-? أحادية البعد (ليست ثنائية الأبعاد كما في الأمثلة السابقة). يوضح السهم أن ثمة جاذبًا مقارِبًا فريدًا تتألف فيه المجموعة كلُّها من الصقور. وإذا أحدثْنا بعض الاضطراب في هذه المجموعة بإضافة كسر موجب من الطافرات الشبيهة بالحمام، فسوف تفنى في نهاية المطاف ويُقضى عليها. في الواقع، يتكوَّن حوض التجاذب من كلِّ الحالات المحتمَل أن تكون عليها المجموعة باستثناء تلك التي تتكوَّن فيها المجموعة بأكملها من الحمام؛ لذا، فإن ظهور أي نسبة — ولو ضئيلة — من طافرات الصقور تؤدي بالحمام إلى الانقراض والفناء التام. (?-?) مغالطة الانتخاب الجماعي

إنَّ الاحتدامَ الذي ينكر به خبراءُ نظرية الألعاب المغالطاتِ المتعددة، التي تدَّعي أن التعاونَ عقلانيٌّ في معضلة السجينين، لا يُعدُّ شيئًا بالمقارنة بالشراسة شبه الشيطانية التي يستنكر بها اختصاصيو علم الأحياء التطوري مغالطةَ الانتخاب الجماعي.
طبقًا لمغالطة الانتخاب الجماعي، يفضِّل التطورُ الطفراتِ التي تحسِّن من صلاحية النوع لا من صلاحية الجين الطافر نفسه. ستكون المجموعة التي تلعب «حمامة» في معضلة السجينين بمنأًى عن أي هجوم من «صقر» طافر؛ لأن أيَّ نسبة من الصقور في المجموعة ستقلل من الصلاحية الكلية للمجموعة. وتكمن المغالطة في وضع المكرِّر ذي الصلة في غير موضعه على مستوى النوع. ففي النهاية، يحدث التكرار فعليًّا على المستوى الجزيئي عندما ينقسم اللولب المزدوج؛ لذا، فالأحرى بنا أن نَقْصر الاهتمام على الاستراتيجية الثابتة التطور الفريدة، وهي «صقر».
لم يعلم تشارلز داروين شيئًا عن علم الوراثة الحديث؛ ولذلك كان يقع أحيانًا في عدد من الأخطاء، التي كان من بينها مغالطة الانتخاب الجماعي. ومع ذلك، فإن عالِم الأحياء فيرو وين إدواردز هو مَن قاده حظه العثر إلى أن يكون هدفًا للنقاد المعاصرين. اقترح إدواردز، على سبيل المثال، أن طيور الزرزور تتجمع بأعدادٍ كبيرة مع حلول المساء حتى تقدِّر أعدادها بهدف التحكم في حجم مجموعتها. وكان نقد جورج ويليام لحُججه في الانتخاب الجماعي مؤثرًا للغاية؛ مما أدَّى إلى فيض من المؤلَّفات في هذا الصدد، ويُعتبر كتابُ «الجين الأناني» لدوكينز مجرد مثال واحد منها.
تُعَدُّ مسألة نسبة الجنس مثالًا جيدًا على إخفاق مغالطة الانتخاب الجماعي. ما نسبة الجنس التي تميِّز أيَّ نوع جديد؟ الإجابة هي قليل من الذكور وكثير من الإناث. لماذا لدينا إذن أعدادٌ متساوية تقريبًا من الأولاد والبنات؟ لأن ولدًا مولودًا في مجموعة معظمها من البنات سيكون أصلح من بنت، وبنتًا مولودةً في مجموعة معظمها من الأولاد ستكون أصلح من ولد. والسؤال هو كيف نصل إلى توازن في هذه المواقف؟ هذا هو موضوعنا التالي.
(?-?) لعبة ضبط الأعصاب

إنَّ قيم العائد التي تطابق لعبة الصقر والحمامة مع لعبة معضلة السجينين غير واقعية؛ لأنه يمكن لمجرد إصابة طفيفة أن تتفاقم وتصبح إعاقة خطيرة. وفي حالِ تعيين منفعة سلبية لطائرٍ يدخل في مشاجرة بطرح وحدتي يوتل من عائده، فإننا نصل بذلك إلى نسخة لعبة ضبط الأعصاب الموضحة في شكل ?-?. شكل ?-?: ديناميكية المكرِّرات في لعبة الصقر والحمامة. يمكن عرض المسارات في حالة المجموعة الواحدة باستخدام الأشكال التخطيطية الأحادية البعد. وسيوضح شكل تخطيطي مماثل للُعبة اصطياد الظبي الأسهم التي تنحرف عن التوازن المختلط للُّعبة.
تحتوي لعبة ضبط الأعصاب على ثلاثة من توازنات ناش: اثنين خالصين وواحد مختلط. يتطلَّب التوازن المختلط أن يستخدم كل لاعب «حمامة» لثُلث الوقت، و«صقر» لثُلثَي الوقت. وعلى عكس ما أوردناه في الفصل الثاني تحت عنوان «الوصول إلى التوازن»، فإننا نرفض هنا التوازنات الخالصة؛ لأنها غير متماثلة، ونكتفي فقط بالتوازن المختلط المتماثل.
هل علينا إذن أن نتخيَّل الطيور ترمي النَّرْد؟ ليس في لعبة الصقر والحمامة. ولمعرفة السبب، تخيَّلْ أن ثُلث المجموعة حمام والثُّلثين صقور. عندما تختار الصُّدفة طائرين عشوائيًّا للَعب لعبة ضبط الأعصاب من هذه المجموعة المتعددة الأشكال، سيبدو لكل لاعب من اللاعبَيْن أن خصمه يلعب استراتيجية التوازن المختلط. وبما أن اللاعبَيْن غير متحيِّزين للاستراتيجيات الخالصة التي يستخدمانها في توازن مختلط (راجع الفصل الثاني)، فسوف يتساوى كلٌّ من الصقور والحمام في صلاحيته. لذلك، لن يتعيَّن على أي طائر فردي اللجوءُ مطلقًا إلى الاختيار العشوائي من أجل الحفاظ على التوازن.
لاحَظَ مينارد سميث أن حالة المجموعة المختلطة لا تمثِّل فقط توازنَ ناش متماثلًا، لكنها تمثِّل أيضًا استراتيجية ثابتة التطور. تؤكِّد ديناميكية المكرِّرات الموضَّحة في شكل ?-? أن المجموعة التي يكون فيها عدد الصقور ضِعف عدد الحمام تُعَدُّ جاذبًا مقارِبًا. ومن الجيد أن يكون هذا الجاذب صقرًا عندما يوجد العديد من الحمام، ومن الجيد أن يكون الجاذب حمامة عندما يوجد العديد من الصقور. ويتوقَّف كلا التأثيرين في توازن ناش المختلط؛ حيث يكون اللاعب غير متحيِّز في الاختيار ما بين «حمامة» و«صقر». قديمًا، كان يُعتقَد أن بقاء نوعين مختلفين من نفس الحيوان في البيئة نفسها أمرٌ غامضٌ. ويجب بالتأكيد أن يكون أحد الأنواع أقل صلاحيةً بقليل من الآخر؛ مما يجعله عرضةً للانقراض على المدى البعيد. لكن، تختلف صلاحية أي نوع مختلف تبعًا لتكراره في هذه المواقف.
(?-?) سمكة الشمس ذات الزعانف الزرقاء

تُعتبر سمكة الشمس ذات الزعانف الزرقاء (ليوبونيس ماكروتشيريس) هدفًا شائعًا للصيَّادين في بحيرات أمريكا الشمالية. تتمتع هذه الأسماك بموسم تزاوج متزامن، وفيه تُقِيم الذكور أعشاشًا في قاع البحيرة. وتضع الإناث البيض في العش الذي يستهويها. ويلقِّح الذكر المقيم في العش البيض فورًا، ويحرس صغار السمك الناتجة بشجاعة وقوة.
تشارك هذه الذكور الحارِسة مياه البحيرة مع نوع آخر من الذكور يسمَّى عادةً بالمتسلِّل. وتصبح هذه الذكور المتسلِّلة مكتملة النمو بعد عامين، بينما تستغرق الذكور الحارِسة سبعة أعوام للوصول إلى مرحلة النضج واكتمال النمو. ولا تستطيع الذكور المتسلِّلة أن تقيم عشًّا وتحرس؛ نظرًا لأنها لا تعدو أن تكون أكثر من مجرد أعضاءِ تناسُلٍ ذاتيةِ الاندفاع. وعندما تضع أنثى بيضَها في العش، تَخرج الذكور المتسلِّلة مندفعةً من مخابئها وتحاول أن تخصِّب البيض قبل الذكر الحارِس.
كما حَبَتْنا الطبيعةُ أيضًا بأعداد وفيرة للغاية من الذكور المتسلِّلة البديلة التي تتخفَّى كإناث، وذكور حارِسة بديلة تقيم أعشاشها على مسافة من الأعشاش المتقاربة التي تقيمها الذكور الحارِسة العادية.
تنصُّ النظرية على أن تعديلًا سيطرأ على عددِ كل نوع من الذكور بما يتكافأ مع صلاحيته، وهي نتيجة متوافقة مع البيانات على نحو مطمئِن.
(?-?) اختيار شركاء عديدين للتزاوج

لا تحتاج الحيوانات إلى الاختيار العشوائي عندما تتنافس في مجموعاتٍ ثنائية، لكنها تتصرف كما لو أنها تحتاج إلى ذلك عند اختيار شركاء عديدين للتزاوج.
تتجمَّع ذكور ذبابة الرَّوث (سكاتوفاجا ستيركوراريا) في روث البقر عندما ترغب في الزواج من الإناث المنجذِبة إلى الرائحة. ولكن، كَمِ المدة التي على الذكر أن ينتظرها قبل أن يسعى إلى روث بقرةٍ رطب حديث التكوُّن (وهو ما يستغرق أربع دقائق في المتوسط)؟ تخبرنا نظرية الألعاب أن نبحث عن توازنات ناش المتماثلة. في أبسط النماذج، سيستخدم كل ذكرٍ استراتيجيةً مختلطة يُوزَّع فيها زمن انتظاره تصاعديًّا. ويعني هذا أن احتمال انصرافه في اللحظة الآنية دائمًا ما يكون ضِعف ما كان من المفترض أن يكون عليه لو أنه انتظر فترةً زمنية محددة. لكن كَمْ تبلغ هذه الفترة؟
إذا كانت نظرية الألعاب محقَّة فيما ذهبت إليه، فلا بد إذن من تعديل الفترة الزمنية حتى تصير احتمالية نجاح التزاوج لدى ذبابة الرَّوث واحدة، بصرف النظر عن المدة التي ينتظرها الذكر. ومثلما يحدث في سمكة الشمس، فإن البيانات المتوافرة تؤيِّد هذه الفترة على نحو كبير للغاية، على الرغم من أنني أظن أن ذبابة الرَّوث لن تكون أكثر تقبلًا لفكرة الاختيار العشوائي مِن تقبُّل مدير تنفيذي في إحدى الشركات لفكرة أنه كان بصدد عملية اختيار عشوائي على نحو متعمد (راجع «هل ثمة منطق للاختيارات العشوائية؟» في الفصل الثاني).
(?) انتقاء الأقارب

تزخر مملكة الحيوان بأمثلة عديدة على التعاون داخل العائلة الواحدة. فكلاب الصيد الأفريقية — على سبيل المثال — تتقيأ الطعام لإطعام رفاقها في الزمرة. كما أن «القشَّة» (وهي نوع من القردة طوله لا يزيد عن ?? سنتيمترًا) و«الطمارين» (نوع آخر من القردة بطول السناجب) تساعد في رعاية أولاد الأخ والأخت في عائلاتها الممتدة. والشيء نفسه تفعله ذكور بعض أنواع الطيور عندما تكون فرص قدرتها على التزاوج في الموسم الحالي ضئيلة. وتضحي حشرة المَنِّ (أو قملة النبات) بحياتها من أجل الدفاع عن أنسبائها إذا ما تعرَّضت لهجوم. وتكوِّن ثيران المسك حلقة دفاع حول أفراد العائلة الأضعف عند تعرُّضها لهجوم من الذئاب. لماذا إذن تحظى القرابة بأهمية كبيرة في مملكة الحيوان؟
(?-?) قاعدة هاملتون

تَسرد الأبحاثُ المُجمَّعة لبيل هاملتون المنشورة تحت عنوان «دهاليز أرض الجينات» قصة حياة وأعمال عبقريٍّ آخرَ غريبِ الأطوار، تُوفي مؤخرًا وفاةً جسورة في رحلة ميدانية إلى البرازيل. ويرجع معظم الفضل إلى هاملتون في تطبيق نظرية الألعاب في مجال علم الأحياء، على الرغم من أنني أشك أنه سمع مطلقًا بجون ناش خلال سنوات نضاله الطويلة، التي عاشها وحيدًا ومبخوسًا بقدره، لتأسيس مجالٍ بحثيٍّ جديد تمامًا. وكان من بين إنجازاته المتعددة أنه صاغ التفسير التطوري للتعاون داخل الأسرة، وهو ما يُعرف حاليًّا بانتقاء الأقارب.
توقَّع جيه بي إس هالدين وجهةَ نظر هاملتون هذه — حسبما يُذاع — في مَزْحة شبه جادة. فعندما سُئل إن كان من الممكن أن يضحِّي بحياته من أجل شخص آخر، كانت إجابته أن التضحية تكون في محلها فقط إذا أنقذَتْ أخوين أو ثمانية من أبناء العم. وليست مَزْحة هالدين مضحكة إلا إذا كنت تعلم أن درجة القرابة لأخ شقيق هي النصف، وأن درجة القرابة لابن العم أو الخال هي الثُّمن.
يُزعم أحيانًا أن درجة القرابة غير مهمة في حقيقة الأمر؛ لأن البشر يتشاركون على أي حال في جميع جيناتهم تقريبًا. لكن هذا الأمر يجعلنا نخطئ الهدف؛ لأننا لا نهتم أبدًا بالجينات الموجودة دائمًا في جسم الإنسان، وإنما نهتم فقط بجزءٍ معين من السلوك سيجري تعديله أو تجاهله على أساس وجودِ أحد الجينات التي طرأت عليها طفرةٌ مؤخَّرًا، أو غيابِها.
تعني درجة قرابتك لقريبٍ ما أن من المحتمَل أن يكون أحد الجينات الطافرة مؤخَّرًا في جسمك موجودًا أيضًا في جسم قريبك. وللاستدلال على أن درجة القرابة لابن العم أو الخال هي الثُّمن، تخيَّلْ أن هذا القريب هو ابنة أخت والدتك. يبلغ احتمال أن يكون جينٌ طافرٌ موجودًا في جسمك قد أتاك من والدتك لا من والدك؛ النصفَ. وإذا كنتَ قد ورثت هذا الجين من والدتك، فاحتمال وجوده في جسم خالتك يكون النصف. وإذا كان موجودًا في جسم خالتك، فإن احتمال توريثه لابنتها يكون النصف. وبضرب هذه الأنصاف الثلاثة، نحصل على قيمة الثُّمن.
إنَّ ما يهم في حساب صلاحية الجين هو متوسط عدد مرات استنساخ الجين وتكراره في الجيل التالي. ولكن لا يهم أيٌّ من أشكال الجين المتماثلة — سواءٌ أكانت شكلَيْن أو أكثر — قد استُنسِخ.? فالنسخة المصنوعة من الجين الموجود في جسم أختي تكون بنفس صلاحية النسخة المصنوعة من الجين المتماثل الموجود في جسمِي تمامًا. ومن ثَم، عندما نحدِّد صلاحية جينٍ ما في جسمِي، علينا ألَّا نأخذ في اعتبارنا فقط تأثيرَ سلوكي على نجاحي التناسلي، وإنما أيضًا تأثيره على النجاح التناسلي لأقاربي. ولقد أطلق هاملتون على نتيجة هذه العملية الحسابية صلاحية «شاملة?».????????????
إذا كانت أختي هي قريبتي الوحيدة، فإنَّ جينًا طافرًا في جسمي لا ينبغي أن يَحسب ببساطةٍ عددَ الأطفال الإضافيين الذين سأحظى بهم في المتوسط نتيجةً لتعديل سلوكي. وعلى هذا الجين أن يستخدم قاعدة هاملتون، التي تقتضي بأن يُضاف إلى ذلك عدد الأطفال الإضافيين الذين ستحظى بهم أختي، وهو ما يُقدَّر بالنصف؛ لأن هذه هي درجة احتمال وجود هذا الجين الطافر في جسمها هي أيضًا. على سبيل المثال، إذا كنتُ أتوقَّع أن يقلَّ عدد الأطفال الذين سأحظى بهم بمقدار طفل واحد كنتيجة لتعديل سلوكي، وكانت أختي تتوقَّع أن يزيد عدد الأطفال الذين ستحظى بهم بمقدار أربعة أطفال، فإن الصلاحية الشاملة للاستراتيجية الجديدة طبقًا لقاعدة هاملتون هي: ?? + × ? = ?؛ لذا، فإن خسارتي الشخصية تفوق مكسب أختي. إنَّ نتائج إحلال الصلاحية الشاملة بالصلاحية الفردية في لعبةٍ ما كبيرة وهائلة، كالحال في لعبة معضلة السجينين في شكل ?-?. عندما تتنافس صغار الطيور على الطعام مع أقاربها، يكون سلوكها مبرمجًا إلى حدٍّ كبير من الناحية الوراثية. وإذا كان صغار الطيور تَوائمَ متماثلةً، فيمكن لكلا اللاعبَيْن إذن أن يعتمد على كون خصمه سيختار نفس استراتيجيته تمامًا؛ ومن ثَم يُختزل الموقف برمَّته في لعبةٍ أُحادية اللاعب. شكل ?-?: أقارب يلعبون معضلة السجينين. استُخدِمت قاعدة هاملتون لتحويل الصلاحية الفردية في نموذج معضلة السجينين الموضَّح في الشكل ?-? إلى صلاحية شاملة. وسوف يتعاون الآن التوءمان المتماثلان، إلا أننا يجب أن نتوقَّع سلوكًا مختلطًا من جانب الإخوة والأخوات الأشقَّاء.
إنَّ الألعاب الثنائية في شكل ?-? أكثر ملاءمةً لتمثيل السلوك البشري في الحالات التي يكتسب فيها اللاعبون السلوك لا أن يكونوا مبرمجين وراثيًّا عليه. وعندما تكون أليس وبوب توءمين متماثلين، فإننا نكون في لعبة أُسمِّيها «بهجة السجينين»؛ لأن «حمامة» تكون في هذه الحالة استراتيجية مُهيمنة. وعندما يكونان أخًا وأختًا، فإننا نكون في نسخةٍ من لُعبة ضبط الأعصاب، نتوقَّع فيها أن يبقى كلٌّ من السلوك الشبيه بالحمامة والسلوك الشبيه بالصقر معًا (سنَحيد كثيرًا عن لُبِّ الموضوع إذا فحصنا الحالة الأكثر إثارةً للاهتمام، المتمثِّلة في الأقرباء الذين يتحدِّد سلوكهم وراثيًّا). تحظى القرابة بأهمية خاصة في المجتمعات البشرية البدائية. ففي المجتمعات التي تتسامح مع ممارسة الجنس مع أكثر من شريك، على سبيل المثال، يتولَّى خال الطفل تأدية بعض الوظائف التي يؤدِّيها الأب في مجتمعاتنا، ويُعزى السبب الرئيسي في ذلك إلى أن الجميع يعلم أن درجة قرابته للطفل هي الرُّبع، في حين لا أحد يعلم عن يقين هُوية والد الطفل الحقيقي. تُقدِّم قاعدة هاملتون تفسيرًا تطوريًّا لهذه الظاهرة بتحديد إلى أي مدًى علينا أن نتوقَّع أن يكون الدم أكثر كثافةً من الماء.
(?-?) الحشرات الاجتماعية

يُوصَف أي نوع بأنه يتسم بالاجتماعية العليا إذا كان يعيش في مستعمرات مع أجيال متداخلة يلد فيها فرد واحد أو بضعة أفراد كلَّ النسل (مجموعات تناسلية)، ويكون بقية الأفراد مجرَّد معاونين عُقماء (مجموعات لا تناسلية). وتعدُّ ظاهرة الاجتماعية العليا نادرة الوجود، اللهم إلا بين «غشائيات الأجنحة»، وهي رتبة من الحشرات تتضمَّن النمل والنحل والدبابير. ويُزعَم عادةً أن الاجتماعية العليا بمفهومها الحقيقي قد ظهرت على نحوٍ مستقل ?? مرةً على الأقل في «غشائيات الأجنحة»، مقارنةً بمرتين فقط في مواضع أخرى، مع وجود حالاتٍ استثنائية في النمل الأبيض من رتبة «متساوية الأجنحة»، وفأر الخلد العاري من رتبة القوارض. واكتشفت دراسةٌ أخيرة أنواعًا أخرى تتسم بالاجتماعية العليا، وأكثر هذه الأنواع إثارةً للاهتمام هو نوعٌ من الجمبري (عشاريات الأرجل) يستعمر الإسفنج في الشعاب المرجانية. لكن، يظل معدَّل وجود الاجتماعية العليا في «غشائيات الأجنحة» لغزًا يحتاج إلى تفسير.
لماذا أدَّى التطور إلى وجود نسل من الأفراد العاملة العقيمة؟ لماذا تعمل هذه الأفراد بلا كلل أو ملل لأجل الآخرين؟ لماذا تَشيع هذه الظاهرة بين «غشائيات الأجنحة» وتكون نادرة في الرتب الأخرى؟
من جانب، يُعتبر هذا اللغز بسيطًا؛ فالمجموعات التي تعمل معًا تكون عادةً أكثر إنتاجيةً من الأفراد التي يتصرَّف كلٌّ منها على حدة. ففي خلية النحل أو عش النمل، تختص أعدادٌ هائلة للغاية من الأفراد العاملة العقيمة بحماية الصغار ورعايتها، بينما تختص الملكة بالتناسل؛ حيث تكون بمنزلة ماكينة لوضع البيض؛ لذا، فإن إجمالي عدد الصغار الناتج في هذه الحالة يكون أكبر بكثير منه لو تولَّت أزواج من النحل أو النمل تربية كل عائلة من عائلاتها على نحو منفصل.
إنَّ الفائدة التي تعود على الملكة واضحة، لكنْ ما الفائدة التي تعود على أفراد النحل أو النمل العامل؟ كل نحلة أو نملة صغيرة خصبة تضعها الملكة تكون ذات صلة قرابةٍ بأفراد النحل العامل، فهي إخوة وأخوات النحل العامل. وبذلك، يكون للجين الطافر الذي يعبِّر عن نفسه في جسم النحلة العاملة أعدادٌ لا تحصى من الأقارب عند حساب صلاحيته الشاملة. ولا بد مِن وضع كل صغار النحل أو النمل الخصبة للملكة — التي تقاس بدرجة قرابتها إلى أحد أفراد النحل العامل — في الاعتبار عند حساب الفائدة التي تعود على أي نحلة عاملة في سعيها الدءوب والجاد لدعم الملكة. ومن ثَم، تضمن إنتاجية خلية النحل أو عشِّ النمل أن يصبَّ هذا التوازن بكل تأكيد في مصلحة الاجتماعية العليا.
كان من الممكن أن ينطبق هذا الأمر بالكيفية نفسها على أنواع البشر إذا كان لدينا نسلٌ من الأفراد العاملة العقيمة، لكننا عادةً ما نربِّي أولادنا في عائلاتٍ ممتدة لا في مصانع بيولوجية. فلماذا إذن لم يؤدِّ بنا التطور إلى نفس طريق «غشائيات الأجنحة»؟
يعتمد رد بيل هاملتون على هذا السؤال على حقيقة أن «غشائيات الأجنحة» تجمع بين كونها أُحادية المجموعة الكروموسومية وثنائية المجموعة الكروموسومية؛ حيث يصير البيض غيرُ المخصَّب ذكورًا أُحادية المجموعة الكروموسومية، ويصير البيض المخصَّب إناثًا ثنائية المجموعة الكروموسومية. في النوع الأُحادي المجموعة الكروموسومية، يستضيف كلُّ موضع على الكروموسوم جينًا واحدًا فقط. أما البشر، فثنائيُّو المجموعة الكروموسومية؛ حيث يستضيف كلُّ موضع جينين؛ جينًا من الأم والآخر من الأب؛ لذا، تكون درجة القرابة بين الأخوات في معشر البشر هي النصف؛ حيث يحصل كل طفل على جين واحد من الأب وجين واحد من الأم في كل موضع، ويكون الجينُ الذي يحصل عليه الطفل من أحد والدَيْه على الأرجح أحدَ الجينين اللذين يحملهما كلٌّ من الأب أو الأم في ذلك الموضع. وعلى النقيض من ذلك، تكون درجة القرابة بين الأخوات في «غشائيات الأجنحة» هي الثلاثة أرباع؛ لأن كلَّ موضع على كروموسوماتها يحصل على الجين نفسه من الأب، وجين يجري اختياره عشوائيًّا من الزوج الذي تحمله الأم في ذلك الموضع.
لذا، يكون لدى أفراد النحل أو النمل العاملة دافع أقوى لمساعدة أخواتها بالمقارنة مع ما نجده لدى البشر في الموقف نفسه. لكن، ليست هذه هي نهاية الحديث في هذا الشأن.
أوضحَ روبرت تريفرز أن درجة القرابة بين إناث النحل العاملة وإخوانها من ذكور النحل هي الرُّبع فقط. إذا كانت نسبة الجنس بين «غشائيات الأجنحة» هي ???:???، فإن متوسط درجة القرابة بين عامِلة عقيمة وأخٍ خصب لن تعدو بذلك ثلاثة أرباع إلى رُبع واحد في المتوسط، وهو ما تَنتج عنه قيمة النصف، وهي القيمة نفسها الموجودة في أنواعنا البشرية. ومع ذلك، فإن نسبة الجنس في بعض أنواع «غشائيات الأجنحة» تكون ??‏?:??? تقريبًا، وهو ما يأتي في مصلحة الإناث الخصبة على حساب الذكور الخصبة. كيف ذلك؟ الإجابة ليست مثيرة في حدِّ ذاتها فحسب، لكنها أيضًا تساعد في إكمال شرح هاملتون لسبب وجود ظاهرة الاجتماعية العليا بهذه الكثرة في «غشائيات الأجنحة».
في «غشائيات الأجنحة»، تتحدَّد نسبة الجنس عادةً عن طريق الجينات التي تظهر في العاملات؛ لأن العاملات هي التي تتولَّى رعاية النحل الصغير وتربيته. ومن ثَم، يجب أن تجعل نسبة الجنس العاملة غير متحيِّزة إلى تربية ذكر خصب أو أنثى خصبة. ولا يحدث هذا إلا عندما تكون نسبة الجنس ??‏?:???؛ لأن عائد أي جين طافر يظهر في جسم النحلة العاملة يكون عندئذٍ × من إنتاج ذكر و × من إنتاج أنثى. وبما أن العوائد متساوية، يمكن لحالة توازن مختلط أن تستمر، وفيه يكون احتمالُ وضع إناث هو ثلاثةَ أرباعٍ، واحتمالُ وضع ذكور هو رُبعًا. ومع نسبة الجنس هذه، تكون درجة القرابة في المتوسط في عامل عقيم لديه أخ خصب أو أخت خصبة هي × + + ، وهو ما يساوي خمسة أثمان. إذا كان العامل بشرًا، فستكون درجة القرابة هي النصف. وبذلك، يكون على العاملين من البشر أن يعملوا بجد أكبر بالنيابة عن الملكة للحصول على الفائدة نفسها التي يحصل عليها الفرد العامل في عش النمل أو خلية النحل. ينبغي التأكيد على أن تفاصيل هذه القصة المفرِطة التبسيط محلُّ جدل بين علماء الأحياء. وحتى الأنواع الأقرب إلى التوافق مع هذه القصة تتشعَّب في طرق متفرِّدة. لكنني أعتقد أن حقيقة أن نظرية الألعاب تتيح لاختصاصيِّي علم الأحياء التطوري شرْحَ نِسب الجنس في الأنواع التي تكون فيها هذه النِّسب غير متماثلة؛ هي واحدة من أكثر الأدلة إقناعًا على أننا بصدد فعل شيء صائب.
لا يزال بالطبع ثمة الكثير من الألغاز الغامضة. لماذا تُعد «غشائيات الأجنحة» أُحادية وثنائية المجموعة الكروموسومية؟ كيف يمكن لبعض الأنواع فقط في الرتبة عينها أن تتسم بالاجتماعية العليا دون غيرها؟ ماذا عن المستعمرات التي بها ملكات متعدِّدة؟ ماذا عن النوع «باكيكونديلا فيلوزا»، الذي يبدو فيه أن الملِكات التي لا تجمعها صلة قرابة به تبني مستعمرات معًا؟ ماذا عن الألغاز المتعدِّدة التي يطرحها النمل الأبيض؟ يتعلَّل أنصار نظرية الخَلْق بهذه الاعترافات بالجهل لكشف زيف العلم التطوري، لكنني أعتقد أن انتقاداتهم تنمُّ ببساطةٍ عن إخفاقٍ من جانبهم في فَهْم آلية عمل العلم.
(?) تطوُّر التعاون

عَلِمْنا من قبلُ أنه من الممكن الحفاظ على التعاون بين الحيوانات التي تجمعها صلة قرابة عن طريق الآليَّة التي أَطلق عليها بوب تريفرز الإيثارَ المتبادل. ويقدِّم الخفاش الماصُّ للدماء (ديسمودس روتونديس) مثالًا رائعًا على ذلك.
تُقيم الخفافيش الماصَّة للدماء في كهوف أثناء النهار، وتخرج ليلًا للبحث عن حيوان كي تمصَّ الدم منه. وتفشل نحو ?? منها في ذلك، وهو ما يمثِّل مشكلة كبيرة للخفافيش، التي تحتاج أن تتغذَّى كلَّ ?? ساعة أو نحو ذلك؛ لذا، فإنَّ الدافع التطوري نحو المشاركة يكون قويًّا للغاية. اكتشَف جيرالد ويلكنسون أن الخفافيش الماصَّة للدماء تتشارك الدم على أساسٍ متبادل مع الخفافيش الجاثمة معها في الكهف، التي لا تكون دائمًا أقاربَ لها. باختصار، ما يحدث على الأرجح أن الخفاش الماصَّ للدماء يتقيَّأ الدم لخفاش مرافق له في الكهف يستجديه العطاء، إذا كان هذا الخفاش المرافق له قد تشارك معه الدم في السابق.
كيف يبدأ هذا التعاون؟ لقد زاد أكسلرود الأمر تعقيدًا عندما زعم أنه قد أوضح أن استراتيجيةَ «واحدة بواحدة» هي استراتيجيةٌ ثابتة التطور في لعبة معضلة السجينين المتكرِّرة على نحوٍ لا نهائي. وعلى الرغم من أن مينارد سميث أيَّد خطأً هذا الزعمَ، فمن الواضح أنه زعمٌ غير صحيح. فيمكن للاستراتيجية التي تلعب «حمامة» دائمًا أن تكتسح مجموعة من استراتيجيات «واحدة بواحدة». لن تَحُلَّ هذه الطفرة محلَّ استراتيجيةِ «واحدة بواحدة» فحسب، لكنها أيضًا لن تتعرض للإقصاء.
شكل : الخفاش الماصُّ للدماء.
لا يمكن لاستراتيجية خالصة أن تكون استراتيجية ثابتة التطور في لُعبة معضلة السجينين المتكرِّرة على نحوٍ لا نهائي؛ فلن يكون من السهل حتى اكتشاف طفرةٍ تغيِّر الاستراتيجية في لعبة فرعية، بل لا يمكن استحداثها من الأساس. لا بد من توسيع نطاق الاستراتيجية الثابتة التطور لتكون مفيدة في هذا السيناريو، بحيث يُنظر إلى مجموعاتٍ كاملة من الاستراتيجيات التي قد تنحرف من خلالها مجموعة ما باعتبارها مجموعات من الاستراتيجيات الثابتة التطور. على سبيل المثال، المجموعة «ن» في الشكلين ?-? و?-? هي نوع من الجاذب المقارب الإجمالي، ينحرف فيه النظام بحُرية (لا داعي إلى وجود مسار بعيد عن «ن»، كما في هاتين الحالتين). (?-?) لُعبة الصقر والحمامة والمنتقِم

تتجلَّى هذه المسألة في لعبة الصقر والحمامة والمنتقِم التي استكشف من خلالها مينارد سميث وبرايس نظرية تطور التعاون. يلعب المنتقِم دور صقر أمام صقر، أو حمامة أمام حمامة. وتُعتبر استراتيجية «الانتقام» استراتيجيةً مُهيمنة على نحوٍ ضعيف؛ ومن ثَم يكون للُعبة توازن ناش متماثلٌ لا يتحقَّق عند لعب «انتقام» مطلقًا. وكما في لعبة الصقر والحمامة، يبلغ احتمال لعب «حمامة» الثُّلث، واحتمال لعب «صقر» الثُّلثين. في المثلث العلوي في شكل ?-?، يُشار إلى هذا التوازن المختلط بالحرف «م». ويوجد أيضًا عددٌ لا نهائي من توازنات ناش التي لا يُلعب فيها «صقر» مطلقًا، ويشار إليها في شكل ?-? بالحرف «ن». وتتطلَّب هذه التوازنات لعب «انتقام» باحتمال ??/?? على الأقل. شكل ?-?: لعبة الصقر والحمامة والمنتقِم. يوضِّح المثلث العلوي ديناميكية المكرِّرات في اللعبة الخالصة. ويُنظر إلى مزيج المجموعة بوصفه موزَّعًا على أركان المثلث الثلاثة. وتقع النقطة التي تمثِّل هذا المزيج في مركز جاذبية هذا التوزيع. ويوضِّح المثلث السفلي ديناميكية المكرِّرات عند يتفوَّق المنتقِمون بميزةٍ صغيرة على الحمامات، وتتفوَّق الصقور بميزةٍ صغيرة على المنتقِمين.
يوضِّح المثلث العلوي ديناميكيات المكرِّرات للُعبة الصقر والحمامة والمنتقِم. والمجموعة المظلَّلة هي حوض التجاذب للمجموعة «ن». يتجاهل مينارد سميث وبرايس هذه المجموعة؛ لأن المجموعة «م» فقط هي التي تُعَد استراتيجيةً ثابتة التطور. ومع ذلك، إذا تَمكَّن النظام من الوصول إلى المجموعة «ن»، فإن فرصته الوحيدة للهروب تتمثَّل في ظهور طفرة «صقر» جديدة أثناء وجوده بالقرب من «ط». لكن، يمكن أن يتأخَّر هذا الحدث النادر لوقت طويل للغاية. وفي الحقيقة، ثمة فترات طويلة للغاية من الثبات في تطوُّر العديد من الأنواع ربما تُعزى إلى هذا السبب.
يوضِّح المثلث السفلي في شكل ?-? ديناميكية المكرِّرات لنسخة معدَّلة من لعبة الصقر والحمامة والمنتقِم التي يُفترض فيها واقعيًّا أن المنتقِم يُبلي بلاءً أفضلَ قليلًا أمام الحمامة، وأداءً أسوأَ قليلًا أمام الصقر. وتتضمَّن هذه اللعبة ثلاثة من توازنات ناش المتماثلة. فثمة مثيل للتوازن المختلط المشار إليه بالحرف «م» في لعبة الصقر والحمامة، وتوازُن خالص يشار إليه بالحرف «خ» ويُلعب فيه «انتقام» فقط، وتوازُن «ش» الذي تُلعب فيه كل الاستراتيجيات الثلاث باحتمالية موجبة. ويشير التوازنان «م» و«خ» إلى الاستراتيجيات الثابتة التطور. يَظهر حوض التجاذب للتوازن «خ» مظلَّلًا في شكل ?-?. ونظرًا لأنه يمثِّل مجموعةً كبيرة، لدينا نموذج يقتضي فيه المنطق تطبيق مفهوم الاستراتيجية الثابتة التطور، ويقدِّم هذا النموذج بوادرَ تفسير لكيفية تطوُّر التعاون. وسَّع كلٌّ من مينارد سميث وبراس من نطاق هذا النموذج بتقديم نمطٍ مشاغبٍ يظهر كمنتقِم، لكنه يتراجع عن شغبه عند تعرُّضه للتحدي. يحلُّ المشاغبون محل الحمام، لكن لا يتغيَّر شيء بخلاف ذلك. على الرغم من ذلك، فإن أهم تطبيق للُعبة الصقر والحمامة والمنتقِم هو حالة التفاعل المحلي. ففي الحياة الواقعية، تلعب الحيوانات غالبًا ألعابًا مع الحيوانات الموجودة في المناطق الجغرافية المجاورة. ومن ثَم، ربما تعمل الصدفة على إصلاح الموقف بسهولة، بحيث تزداد أعداد المنتقمين الطافرين في منطقة مجاورة صغيرة. وتخبرنا لُعبة الصقر والحمامة والمنتقِم إذن أن الاستراتيجيات الأخرى ستندثر تدريجيًّا في تلك المنطقة المجاورة. ولكن، سيحدث الأمر نفسه في المناطق المجاورة المتداخلة حتى يستولي المنتقِمون على البيئة المحيطة بأكملها.
يبدو لي أن هذا التفسير هو أكثر التفسيرات التي طُرِحت عمومًا حول مفهوم تطور التعاون إقناعًا.
(?-?) التطور الاجتماعي أو الثقافي

يُعتقد أحيانًا أن المرء عليه ألَّا يتحدَّث عن التطور إلا إذا كان وثيق الشبه للغاية بالتطور البيولوجي. ومن الصائب تمامًا أن المكرِّرات لا تنشأ فقط في وسط بيولوجي.
فالمبادئ العامة وقواعد السلوك وصيحات الموضة وأساليب الحياة والمعتقدات والأفكار العلمية كلُّها مكرِّرات من نوعٍ ما. ويشير ريتشارد دوكينز إلى مثل هذه المكرِّرات الثقافية ? «الميمات». وهي تنتشر من عقل إنسان لآخر عن طريق المحاكاة أو التعليم.
طالما كنتُ متحمِّسًا لفكرة الميمات، لكن الآن بعد أن فهمنا أن ديناميكية المكرِّرات لا تنشأ من نماذج التكاثر البيولوجي فحسب، بل أيضًا من نماذج التعلُّم بأسلوب المحاكاة وأسلوب المثير والاستجابة، يبدو أنه من غير الضروري أن نقيِّد أنفسنا بنموذج الميم التحليلي. وفي كل مرة تقودنا الديناميكيات التكيفية — وهي عبارة عن مجموعة من الأساليب لدراسة تطور الأنماط الظاهرية — إلى توازن ناش لإحدى الألعاب، سأكون على استعدادٍ للتحدُّث عن التطور الثقافي.
يبدو أن الفرق الرئيسي بين تطبيق الأفكار التطورية في علم الأحياء والعلوم الاجتماعية هو أن علماء الأحياء عادةً ما تكون لديهم دراية جيدة جدًّا بمصادر التباين المثير للاهتمام، في حين لا يَسَع خبراء العلوم الاجتماعية سوى التخمين. على سبيل المثال، يجب أن تؤخذ في الاعتبار حقيقة ظهور تحوُّلاتٍ دائمًا في شكل نُظم كسب المال الجديدة عند دراسة أي نموذج تطوري في علم الاقتصاد، لكن لو كان في مقدور علماء الاقتصاد التنبؤ بالنظم التي ستحقِّق نجاحًا، لَصاروا جميعًا أثرياء.

الفصل التاسع
المفاوضات والائتلافات


خصَّص فون نيومان ومورجنسترن نصف كتابهما «نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي» للألعاب الثنائية ذات المجموع الصفري. سنتحدَّث لأول مرة في هذا الجزء من الكتاب عن نظرية الألعاب «اللاتعاونية» التي درسناها حتى الآن. في هذه النظرية، تُستَكشف الفرص الاستراتيجية للَّاعبين بالتفصيل، وتُوضَع تنبؤات بسلوكهم باستخدام فكرة توازن ناش. أما النصف الآخر من كتاب فون نيومان ومورجنسترن، فيتناول نظرية الألعاب «التعاونية».
يثير هذا الاستخدام للكلمتين «تعاونية» و«لا تعاونية» قدرًا لا حصر له من الالتباس؛ لأن النقَّاد يفترضون خطأً أن نظرية الألعاب اللاتعاونية تدور حصريًّا حول النزاع، وأن نظرية الألعاب التعاونية تدور حصريًّا حول التعاون، وهم محقُّون في ذلك بالقدر الذي تعكس فيه نظرية الألعاب التعاونية الكيفية التي سيتعاون من خلالها الأشخاص العقلانيون. فما هي الائتلافات التي سيجري تكوينها؟ مَنْ سيحصل على المكسب؟ وكَمْ سيكون مكسبه؟ لكنهم انحرفوا عن المسار عندما تعاملوا مع نظرية الألعاب التعاونية والألعاب اللاتعاونية بوصفهما منظورَين متضادَّين، يظهر فيهما دكتور جيكل والسيد هايد كنموذجين يتنافسان على الحالة البشرية. وعلى الرغم من ذلك كله، فإن نظرية القطيع هي جزءٌ من نظرية الألعاب اللاتعاونية، لكنَّ اهتمامها الرئيسي يتمثَّل في توضيح كيفية الحفاظ على التعاون كسلوك يقود إلى التوازن في الألعاب المتكرِّرة.
تختلف نظرية الألعاب التعاونية عن نظرية الألعاب غير التعاونية في كونها تطرح جانبًا أيَّ زعمٍ حول توضيح «سبب» بقاء التعاون واستمراره في الجنس البشري. وتفترض بدلًا من ذلك أن اللاعبين في مقدورهم الوصول إلى صندوق أسود لا يعرضه النموذج، يحتوي على حلولٍ لكل مشكلات الالتزام والثقة التي كثيرًا ما تستحوذ على أذهاننا على مدار هذا الكتاب. وفي مَعرض هذا، يجب أن يحتوي الصندوق الأسود على توضيح للكيفية التي يمكن من خلالها أن تؤدِّي المفاوضات التمهيدية حول الطريقة التي ينبغي أن تمارس بها اللعبة إلى اتفاقٍ يتعامل معه اللاعبون على أنه اتفاق مُلزم دون شرط.
في التطبيقات الاقتصادية، يمكن للمرء أحيانًا أن يزعم أن الصندوق الأسود يحتوي على كل أجهزة النظام القانوني وأدواته. ومن ثَم، فإن اللاعبين يحترمون العقود التي يُبرمونها خشيةَ أن يتعرَّضوا للملاحقة القضائية لو لم يفعلوا ذلك. وفي التطبيقات الاجتماعية، ربما يحتوي الصندوق الأسود على أسبابٍ تفسِّر اهتمام اللاعبين بما قد يكون لتصرُّفهم على نحوٍ مخادع في الوقت الحاضر من تأثيرٍ على سُمعتهم فيما بعدُ بأن سلوكهم غير جدير بالثقة. بل ويمكن للمرء أن يزعم أن الصندوق الأسود يحتوي على النتائج المترتبة على أسلوب الثواب والعقاب المتَّبَع في تقويم السلوك لدى الأطفال، أو أحد أشكال الإعراض أو النفور الفطري من السلوك غير الأخلاقي.
إنَّ المغالطة المثالية هي أن تتخيَّل أن الصندوق الأسود لنظرية الألعاب التعاونية لا يحتوي على أكثر من مجرد الأمل البعيد المنال في أن النزاع سيختفي لو أن الناس فقط تصرَّفت بطريقة عقلانية. لا ننكر أن كثيرًا من النزاع في الحياة الواقعية يكون عقيمًا وبدافع الحمق والغباء، لكننا من غير المفترض أننا سنجعل الناس أقلَّ حمقًا وغباءً عن طريق تعليمهم أن قلوبهم أكثر عقلانيةً من عقولهم.
لكي نردَّ على هذه المغالطة المثالية، علينا أن نفتح الصندوق الأسود التعاوني ونُنعِم النظر في محتوياته الداخلية. لماذا من المنطقي أن يتصرَّف اللاعبون على أساس متبادَل من الثقة في بعض المواقف بينما لا يتصرَّفون كذلك في مواقف أخرى؟ لماذا لا يسعون وراء مصالحهم بدلًا من أن ينشُدوا مصالح المجموعة التي ينتمون إليها؟
عندما نسعى إلى الرد على هذه الأسئلة، لا يكون لدينا خيار آخر سوى أن نستخدم أساليب نظرية الألعاب اللاتعاونية. ومن ثَم، فإن نظرية الألعاب اللاتعاونية هي دراسة الألعاب التي يُفسَّر فيها أي مظهر من مظاهر التعاون المحتمَلة بالكامل عن طريق الاستراتيجيات التي يختارها اللاعبون. لكن هذا التفسير قد يكون صعبًا للغاية؛ لذا، تتجاهل نظرية الألعاب التعاونية جميع الأسئلة التعليلية الصعبة التي تبحث عن الأسباب على أمل تحديد الملامح البسيطة لشكل الاتفاق الذي سيتوصل إليه اللاعبون العقلانيون في نهاية المطاف.
(?) برنامج ناش

يدعونا «برنامج ناش» أن نفتح الصندوق الأسود التعاوني لمعرفة ما إذا كانت الآلية الموجودة داخله تجدي حقًّا على النحو الذي يفترضه حلٌّ تعاوني معين.
لاحظَ ناش أن أيَّ مفاوضات هي في حد ذاتها لعبةٌ من نوعٍ ما، تمثل فيها الحركاتُ أيَّ قول أو فعل قد يَصدر عن اللاعبين أثناء التفاوض. وبذلك، إذا أردنا أن نصمِّم نموذجًا لأي تفاوض يسبق ممارسة اللعبة، فستكون النتيجة هي لعبة مطوَّلة. ففي البداية، تخبر إحدى الاستراتيجيات المحتمَلة للُعبة التفاوض هذه لاعبًا ما بكيفية عقد المفاوضات التمهيدية، ثم بكيفية لعبِ اللعبة الأصلية بناءً على النتيجة المتمخضة عن هذه المفاوضات.
لا بد من دراسة ألعاب التفاوض من دون المفاوضات التمهيدية المفترضة مسبقًا؛ لأن النشاط التمهيدي المسبق برمته يكون مضمَّنًا بالفعل في قواعد تلك الألعاب. ومن ثَم، فإن تحليلها يندرج ضمن مهامِّ نظرية الألعاب اللاتعاونية؛ لذا، فإننا نبحث عن توازنات ناش لهذه الألعاب، آملين ألا يتبيَّن أن مسألة اختيار التوازن صعبة إلى درجة الاستحالة.
عندما نتمكَّن من حل ألعاب التفاوض بنجاح، سيكون لدينا وسيلة لدراسة نظرية الألعاب التعاونية بدقة. وإذا تنبأ المفهوم الموضوع لأحد الحلول التعاونية بتأثير أيِّ اتفاق عقلاني على طريقة لعبِ لعبةٍ ما، فينبغي أن يتوصل التحليل اللاتعاوني للُعبة التفاوض المطوَّلة إلى الإجابة نفسها.
تعامل ناش من ثَم مع نظرية الألعاب التعاونية وغير التعاونية باعتبارهما طريقتين متكاملتين لتناول نفس المشكلة. تُقدِّم نظرية الألعاب التعاونية تنبؤات سهلة التطبيق للاتفاقات العقلانية. وتُقدِّم نظرية الألعاب اللاتعاونية وسيلةً لاختبار هذه التنبؤات.
(?) حل ناش لمسألة التفاوض

تبلغ قيمة منزل كبير في بيفرلي هيلز أربعة ملايين دولار بالنسبة إلى مالكه وخمسة ملايين دولار بالنسبة إلى أي مشترٍ محتمَل. وعندما يلتقيان معًا ويتفقان على صفقة البيع، يمكن أن يضع المشتري والبائع زيادةً قيمتُها دولار واحد. وتتحدَّد كيفية تقسيم هذه الزيادة بينهما عن طريق التفاوض. وثمة مثال بسيط يوضح جوهر مسألة التفاوض الأصلية هذه، يُعرف عادةً بتقسيم الدولار.
في الرواية المصاحِبة لهذا المثال، يعرض فاعل خير على أليس وبوب اقتسام دولار بينهما، شريطة أن يتمكَّنا من الاتفاق على طريقة تقسيمه بينهما. وإذا لم يستطيعا التوصل إلى اتفاق، يستعيد فاعل الخير الدولار مرةً أخرى. في هذه الرواية، يمثل الدولار الزيادة التي يتفاوض عليها وكيلان اقتصاديان. ويمثل شرط فاعل الخير بعدم توافر الدولار إلا إذا نجح كلٌّ من أليس وبوب في التوصل إلى اتفاق على كيفية تقسيمه، حقيقة أنه لن تكون ثمة أيُّ زيادة إذا لم يلتقِ الوكيلان معًا لوضعها.
عندما درس ناش هذه المسألة، رأى علماء الاقتصاد التقليديون أن العقلانية لا تمتُّ إلى المسألة بِصِلة؛ لأن النتيجة تعتمد على مدى مهارة أليس وبوب في التفاوض. ومن ثَم، نظروا إلى التفاوض باعتباره مسألة تتعلق بعلم النفس لا بعلم الاقتصاد. وقد أيَّد فون نيومان ومورجنسترن هذا الرأي في «نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي». وعندما نتحدث عن التفاوض بعد مرور ?? عامًا، أرى أن المقاطعين ما زالوا مقتنعين أن «التفاوض ليس جزءًا من الاقتصاد». وبتأمُّل الماضي، يبدو من المثير لنا أن مفهومًا غريبًا كهذا كان يحظى بهذا القبول الكبير، لكن الماضي حقًّا واقع غريب عنا.
(?-?) حُجة ناش

بدأ جون ناش التفكير في التفاوض عندما حضر دورة اقتصادية حول التجارة الدولية كجزء من دراسته الجامعية. وفي النهاية، قَلَبَتِ الأفكارُ التي توصل إليها موازينَ النظرة التقليدية التي تقضي بأن التفاوض مسألة غامضة.
تذكَّرْ أننا نستطيع تمثيل المنفعة بالمال في حالة لاعب لا يتأثَّر بالمخاطر. إذا كان أليس وبوب لا يعبآن بالمخاطر في لعبة تقسيم الدولار، فمن البديهي إذن أن تتنبَّأ أنهما سيقتسمان الدولار بينهما بالتساوي إذا كان في إمكانهما الوصول إلى الفرص الاستراتيجية نفسها في لعبة التفاوض التي يلعبانها أيًّا كانت. لكن، افترِضْ أن لكلٍّ منهما موقفَه المختلف تجاه المخاطر. إذا كان بوب أكثر تجنُّبًا للمخاطر مقارنةً بأليس، فسوف يكون أكثر تخوفًا من عدم الاتفاق؛ لذا، سينتهي به الحال إلى قيمة أقل من الدولار. لكن أقل بكَمْ؟
يوضِّح شكل ?-? طريقة ناش في التوصل إلى الإجابة. تتمثَّل الخطوة الأولى في مطابقة كل صفقة متوافرة مع زوج المنافع الذي من المفترض أن يحصل عليه كلٌّ من أليس وبوب في حال تنفيذ الصفقة. ويُطلَق على نقطة الخلاف التي تحدث في حال عدم إبرام أي صفقة على الإطلاق «الوضع الراهن». ويكون شكل مجموعة الاتفاقات الممكنة محدَّبًا عندما يكون كلٌّ من أليس وبوب متجنِّبًا للمخاطر. شكل ?-?: حل ناش لمسألة التفاوض.
افترضَ ناش أن صفقةً عقلانية ستوجد في موضعٍ ما على حدود مجموعة الاتفاقات الممكنة، وإلا فمِن المفترض أن يتمكَّن اللاعبان من التوصل إلى اتفاق أكثر فاعليةً يفضِّله كلاهما (يُطلِق الاقتصاديون على هذه الملاحظة على نحوٍ مبهم نظرية كوس، على الرغم من أنها ليست نظرية ولا ترجع في الأصل إلى رونالد كوس الحائز على جائزة نوبل.) رسم ناش بعد ذلك مماسًّا مع حدِّ مجموعة الاتفاقات عند النقطة التي تمثل الصفقة العقلانية.
تتمثَّل الخطوة التالية في نقل الأصفار على مقياسَي المنفعة لأليس وبوب عند «الوضع الراهن». وتُعدَّل بعد ذلك الوحدات على مقياسَي المنفعة لكلا اللاعبَيْن؛ بحيث تصبح زاوية ميل المماس عند الصفقة العقلانية ?? درجة. ويوضِّح الرسم البياني على الجانب الأيمن من شكل ?-? الوضع الجديد. لو اعتبرنا أن مجموعة الاتفاقات هي المثلث المظلَّل في هذا الرسم البياني، فلا بد إذن أن تكون الصفقة العقلانية هي نقطة المنتصف لوَتَر المثلث القائم (وذلك للسبب نفسه الذي اتفقنا على أساسه على أن الصفقة العقلانية ستكون بالمناصفة ???:??? في لعبة تقسيم الدولار عندما تكون أليس وبوب من النمط الذي لا يعبأ بالمخاطر). تحاول الخطوة الأخيرة أن تبرهن أن الصفقة المنطقية يجب أن تظل كما هي عند إزالة كل النقاط في المثلث المظلَّل على الجانب الأيمن في شكل ?-? الواقعة خارج المنطقة المظلَّلة بلون داكن من مجموعة الاتفاقات. وأطلق ناش على هذه النقاط «البدائل غير المناسبة»؛ لأن أليس وبوب لم يختارا أيًّا منها عندما كانت متوافرة؛ لذا لا يوجد ما يدعو إلى تغيير اتفاقهما عندما تصبح تلك البدائل غير متوافرة. بناءً على ذلك، لإيجاد حل ناش لمسألة التفاوض في الرسم البياني على الجانب الأيسر من شكل ?-?، يلزمنا فقط أن نحدِّد موضع المماس الذي يلامس حدَّ مجموعة الاتفاقات عند نقطة المنتصف. (?-?) مَن الذي ينبغي أن يؤدِّي أعمال المنزل؟ وما مقدار العمل الذي سيؤدِّيه؟

تهوى الصحف إشعال نار الحرب بين الجنسين عندما تعوزها موضوعات للنشر. وإليكم اقتباسًا مثاليًّا يُستشهَد به في هذا الصدد: «يتظاهر الرجال بتأييد المساواة في المنزل بينما يَدَعون النساء يؤدِّينَ ثلاثة أرباع الأعمال المنزلية.» وإنْ تساوت كل الأمور الأخرى، فإن حقيقة أن الزوجات يؤدِّينَ قدرًا أكبر من الأعمال المنزلية مقارنةً بالرجال من شأنها أن توضِّح بالتأكيد أن ميزان القوى في الزيجات منحاز إلى الرجال. لكن هل بقية الأمور متساوية؟
يستعد أليس وبوب للزواج، ولا يهتمَّان بأي فوائد للزواج سوى أن يتقاسما الأعمال المنزلية. وعلى الطريقة الحديثة، يتفقان على إبرام عقد زواج مُلزم يحدِّد عدد ساعات الأعمال المنزلية التي سيؤدِّيها كلٌّ منهما خلال أسبوع. ما الصفقة التي يتنبَّأ حلُّ ناش لمسألة التفاوض بتوصُّلهما إليها؟
في نسخة اللعبة الممثِّلة لهذه المسألة، ترى أليس أن على الزوجين أن يكرِّسا ساعتين يوميًّا للأعمال المنزلية، ويرى بوب أن ساعةً واحدة في اليوم تكفي. ويحصل كل لاعب منهما على فائدة مقدارها ??? يوتل في الأسبوع إذا تبيَّن أن عدد الساعات التي حدَّدها مناسِبة؛ وإلا فإنهما لا يريان أي فائدة على الإطلاق في أي عمل منزلي يؤدِّيانه.
لا يُحب أيٌّ من أليس وبوب القيام بالأعمال المنزلية. تخسر أليس ? يوتل أسبوعيًّا عن كل ساعة تؤدِّي فيها الأعمال المنزلية. ويخسر بوب ?? يوتل عن كل ساعة؛ لأنه يكره القيام بالأعمال المنزلية أكثر من أليس. في موقف «الوضع الراهن» قبل الزواج، تؤدِّي أليس الأعمال المنزلية لمدة ?? ساعة أسبوعيًّا؛ ممَّا يحقِّق لها منفعة مقدارها ?? يوتل، ويؤدِّي بوب الأعمال المنزلية لمدة ? ساعات أسبوعيًّا؛ ممَّا يحقِّق له أيضًا منفعة مقدارها ?? يوتل.
تشير نظرية كوس إلى أن نتيجة التفاوض ستكون فعَّالة؛ مما يعني أن أليس ستكون لها الغلبة في تحديد عدد الساعات التي سيقضيها الزوجان حديثَا الزواج في أداء الأعمال المنزلية. لإيجاد حل ناش لمسألة التفاوض، علينا إيجاد أقصى نتيجتين من شأنهما أن تجعلا الزواج أمرًا جديرًا بالاهتمام ومفيدًا لكلا الزوجين. تتحقَّق إحدى هاتين النتيجتين عندما تؤدِّي أليس كلَّ الأعمال المنزلية، وستحصل عندئذٍ على ?? يوتل ويحصل بوب على ??? يوتل. وتتحقَّق النتيجة الأخرى عندما يكون بوب هو الذي يحصل على ?? يوتل فقط، وسيؤدِّي عندئذٍ الأعمال المنزلية لمدة ساعة واحدة يوميًّا. وعلى أليس أن تتولَّى أداء الأعمال المنزلية خلال الساعة الأخرى؛ ليكون الإجمالي هو ساعتين يوميًّا، وهو ما تراه ضروريًّا. وبذلك، تكون قيمة المنفعة التي تحصل عليها هي ?? يوتل.
نظرًا للتعديل الذي أُجري على المثال لجعل أليس وبوب من النمط الذي لا يعبأ بالمخاطر، فإن إيجاد حل ناش لمسألة التفاوض يكون بحساب متوسط هاتين النتيجتين. وعليه، سينتهي الأمر بحصول أليس على ???? يوتل، وحصول بوب على ?? يوتل أسبوعيًّا. للوصول إلى هذه النتيجة، سيكون على أليس أن تعمل لمدة ???? ساعات أسبوعيًّا، وأن يعمل بوب لمدة ??? ساعات فقط أسبوعيًّا.
ومن ثَم، فإنه طبقًا لحل ناش لمسألة التفاوض، إذا كان كلٌّ من أليس وبوب يتفاوضان على أساسٍ متساوٍ، فسوف تفرض أليس رأيها من حيث عدد الساعات التي حدَّدتها لأداء الأعمال المنزلية أسبوعيًّا، لكن سيكون عليها أن تؤدِّي ثلاثة أرباع العمل. وإذا كانت الزوجات يؤدِّين حقًّا ثلاثة أضعاف الأعمال المنزلية التي تؤدِّيها المرأة غير المتزوجة، فإنه يتضح إذن من مثالنا الحالي أنه لا يتعيَّن بالضرورة أن يترتَّب على ذلك انحيازُ ميزان القوى داخل الزيجات لمصلحة الرجال. فمَنْ منهما سيؤدِّي الأعمال المنزلية؟ وكَمْ مقدار العمل الذي سيؤدِّيه في حال إغفال كل العوامل التي اتُّخذت في الاعتبار في هذا المثال؟ حتى إن كنتُ أعرف الإجابة، فلن أصرِّح بها!
(?) نموذج التفاوض لروبنشتاين

وفقًا لبرنامج ناش، أثبت ناش حلَّه لمسألة التفاوض باستخدام نموذج تفاوض غير تعاوني، يُلزِم فيه كلٌّ من أليس وبوب نفسيهما في آنٍ واحد بقبول المطالب أو رفضها دون نقاش. لكن، نجح شيلينج فيما بعدُ في التشكيك في واقعية التسليم بالتزام اللاعبَين في ألعاب التفاوض.
على سبيل المثال، إذا استطاع بوب أن يسبق أليس إلى إبرام التزام غير قابل للرجوع فيه في لعبة تقسيم الدولار، فسيستطيع أن يحوِّل الموقف لمصلحته بأن يطلب ?? سنتًا، تاركًا أليس أمام اختيار واحد: بنس واحد أو لا شيء. لكن كيف يقنع بوب أليس أنه ملتزم بذلك حقًّا؟ أي كيف يقنعها أنْ لا شيءَ مما يمكن أن تفعله بإمكانه أن يجعله يعيد النظر في طلبه؟ مَنْ بإمكانه أن يصدِّق شخصًا يزعم أنه يقدِّم الآن «عرضه الأخير والنهائي»؟ فحتى الأسعار الموضوعة على المواد الباهظة الثَّمن في المتاجر الفاخرة نادرًا ما تكون نهائية. سيحاول البائع أن يُشعرك أنك بخيل لاعتراضك على السعر، لكنَّ حكمة العامة مناسبة في هذا الموقف. فكلُّ شيء قابل للتفاوض، ولا تجعل الرفض أبدًا إحدى الإجابات المطروحة.
إنَّ إبرام الالتزامات أمرٌ صعب حقًّا. وفي بعض الأحيان ينجح بعض الأشخاص في بناء حياة مهنية من خلال الظهور بمظهر الشخص صعب المراس أو الغبي. ينجح أعضاء الاتحادات التجارية من حين لآخر في إلزام أنفسهم بالتصويت لمصلحة القادة المتصلبي الرأي. لكن فيما عدا هذه الظروف الخاصة، عادةً ما لا يزيد لفظ «التزام» عن كونه كلامًا مرسَلًا. لكن ما دامت كل التهديدات يجب اعتبارها جديرة بالتصديق، سنكون بحاجة إلى النظر إلى توازنات اللعبة الفرعية التامة.
ماذا يحدث إذن عندما يتعيَّن أن يكون صدق اللاعب في كل ما يقوله شرطًا سابقًا على تصديق اللاعب الآخر له؟ قاد هذا السؤال آرييل روبنشتاين إلى تقديم أهم إسهاماته على الإطلاق في برنامج ناش. ففي أقرب مثال غير تعاوني للتفاوض إلى الواقع، يتبادل كلٌّ من أليس وبوب الأدوار في تقديم العروض أحدهما للآخر حتى يتوصَّلا إلى اتفاق. وإذا افترضنا أنهما يفضِّلان إبرام أي صفقة معيَّنة الآن وليس آجلًا، فقد أوضح روبنشتاين أن نموذج العروض المتبادلة يحقِّق حالة فريدة من توازن اللعبة الفرعية التامة.
كان إسهامي في هذا الصدد هو توضيح أن نتيجة توازنِ اللعبة الفرعية التامة الفريدِ تقترب من نسخة غير متماثلة لحل ناش لمسألة التفاوض عندما يصبح الفاصل الزمني بين العروض المتتالية صغيرًا بما يكفي. في النسخة المتماثلة من حل ناش لمسألة التفاوض، تكون النسبة «ن?ب/أ?ن» تساوي واحدًا. وتساوي النسخة غير المتماثلة «ن?ب/أ?ن» نسبة معدلات تقليل الوقت لكلٍّ من أليس وبوب.
إذا جعلنا أليس تتحلَّى بقدر أكبر من الصبر وسعة الصدر عن بوب، فإن معدَّل خصمها سيقل؛ ومن ثَم تتنبَّأ النسخة غير المتماثلة من حلِّ ناش لمسألة التفاوض بأنها سوف تحصل على الجزء الأكبر من مبلغ الزيادة المتوافر لاقتسامه بينهما.
(?-?) ما الأمور المهمة عند التفاوض؟

عندما التقيتُ آرييل روبنشتاين لأول مرة، أَخبَرَني أنه كان يباشر عمله في مسألة التفاوض دون أي نجاح. ونظرًا لأن نظريته أثبتتْ أنها محوريَّة في نقض المعتقَد التقليدي بأن مسألة التفاوض غامضة، كان ذلك رأيًا متواضعًا على نحوٍ غير ملائم. لكن تظل حُجَّته في الحكم على نفسه بهذه القسوة جيدةً وسديدةً. تَفترض كلُّ الأعمال المتعلِّقة بالتفاوض التي لُخِّصت حتى الآن أن المعلومات كاملة، لكن كَمْ مرة يكون فيها الأشخاص القائمون بالتفاوض في الحياة الواقعية على درايةٍ بتفضيل أحدهما الآخر؟
عندما تحاول أليس أن تبيع منزلًا إلى بوب، فإنها سترغب في معرفة معظم المبلغ الذي سيكون على استعداد حقًّا لدفعه، لكنه لن يخبرها. كما أنها لن تخبره بدورها بأقل سعر ستقبل به. وهذه الحالة من عدم تماثل المعلومات مهمةٌ للغاية، وتُخفق نظرية كوس في هذا الصدد على وجه الخصوص. فقد أوضح روجر مايرسون أنه إذا كان من المعروف عمومًا أن كلًّا من بوب وأليس يقدِّم تقديره على نحوٍ مستقل عن الآخر، وأنه على الأرجح يكون محصورًا بين أربعة ملايين دولار وخمسة ملايين دولار، فإن نتيجة التفاوض المثالي إذن لن تكون فعَّالة في حقيقة الأمر. وحتى عندما يقع الاختيار على عملية التفاوض لتعظيم الزيادة المتوقَّعة التي يمكن أن يحقِّقها المفاوضون العقلانيون، فإن المنزل لا يباع إلا عندما يكون السعر الذي يقدِّمه بوب تقديرًا للمنزل أكبر من السعر الذي تطلبه أليس بمبلغ ??? ألف دولار!
تفُوق المعلومات في أهميتها كل الاعتبارات الأخرى، لكن لا أحدَ يعلم كيفية استخلاص تنبُّؤٍ فريدٍ من نموذج روبنشتاين للتفاوض عندما تكون المعلومات غير كاملة. ومن ثَم، فالمبادئ التالية لا تستند إلى حُجج وركائز راسخة إلا عندما يعجز المفاوضون عن حجب أي أسرار بعضُهم عن بعض.
(?-?) الالتزام

من مصلحة أليس أن تُقنع بوب أنها لا تستطيع أن تقبل أقل من السعر المطلوب حاليًّا، لكن عليها أن تنظر نظرة شكٍّ صارمة إلى أي محاولة من جانبه لزعم أنه قد أبرم التزامًا مماثلًا. ففي بعض الأحيان، يتضح في النهاية أن خصمك ضعيف. على سبيل المثال، عندما سألتُ ذات مرة موظفةً في مكتب لتأجير السيارات عن الخصومات المقدَّمة على السعر الذي ذكرته توًّا، أجابت بأن الخصم ???.
(?-?) المخاطرة

تُحدِّد مواقف اللاعبين تجاه المخاطر شكل مجموعة الاتفاقات. كلما كنتَ عازفًا عن المخاطرة، تقل العوائد التي تحصل عليها. وبذلك، يؤثِّر بائعو السيارات المستعملة في الأشخاص الذين يخشون خسارة الصفقة. لكن كما أخبرَنا الإنجيل، رغم أن المشتري يبخس السلعة التي يريد شراءها ليحصل عليها بأقل سعر فيظلم صاحبها، فإنه يبتهج حين يفعل ذلك؛ لأنه استطاع بذكائه أن يخدع صاحب السلعة.
(?-?) الوقت

يحدِّد الصبر النسبي للَّاعبين مقدار عدم التماثل الذي يجب أن يتضمَّنه حل ناش لمسألة التفاوض. كلما قلَّ صبر اللاعب، يقل مقدار ما يحصل عليه من مكاسب. في دعوى قضائية حديثة كنتُ متورِّطًا فيها، حَكَمَت الهيئة المنظِّمة لقطاع الاتصالات أن شركة الخطوط الأرضية الأساسية يجب أن تعقد صفقةً مع الشركات الجديدة يتفقون فيها على الأسعار التي تنوي أن تفرضها مقابل ربط عملاء هذه الشركات بعملائها. لكن، مع غياب اتفاق حول «الوقت» الفعلي الذي ستكون هذه الصفقة ساريةً خلاله، من المفترض أن تتمتع شركة الخطوط الأرضية بصبر لا ينتهي؛ ومن ثَم تستولي على كل مكاسب التجارة.
(?) هل تُمارَس الألعاب بعدل وإنصاف؟

إنَّ أيَّ كتاب من الكتب الأكثر مبيعًا في مجال التفاوض يغضُّ الطرف عن أي استخدام للاستراتيجية بوصفه خدعة غير شريفة. فعلى المرء حسبما يُفترَض أن يُصرَّ على ما هو عدل وإنصاف. وربما لهذا السبب وَضَعتْ دراسةٌ حول التفاوض الجماعي على الأجور في السويد ?? تعريفًا مختلفًا لما يندرج ضمن التعاملات المنصفة والعادلة.
يمكن أن يكون لشيوع التعنُّت الديني أو الأخلاقي أهمية استراتيجية بكل تأكيد عند التفاوض. على سبيل المثال، تشرح رواية «التاجر الإنجليزي الكامل» لدانيال ديفو أنه ممَّا يتنافى مع التعاليم الدينية لجمعية الأصدقاء الدينية (الكويكرز) في عصره أن «يكذبوا» بأن يبحثوا عن صفقة أفضل مما هم على استعداد للقبول بها. ومن ثَم، كان أعضاء الجمعية مفاوضين ماهرين؛ لأنه كان من المعروف أن أول عرض لهم هو آخر عرض. لكن، ماذا لو أن المعارضة حاولت تنفيذ نفس تكتيك الالتزام؟ إنَّ الحرب هي النتيجة المعتادة عندما تُقصِي دولتان العقلانيةَ جانبًا على هذا النحو.
لا شيءَ ممَّا سبق يعني ضمنًا أن العدل غيرُ عقلاني بطريقة أو أخرى. بل على العكس، يبدو لي أن العدل هو أهم الأعراف التي يستخدمها البشر لحل مسائل اختيار التوازن في ألعاب التعاون اليومية. لكن بدلًا من النظر إلى العدل باعتباره بديلًا عن التسويات التي نصل إليها عن طريق التفاوض العقلاني، يتخذ جون رولس في كتابه «نظرية العدالة» من التفاوض العقلاني ركيزةً أساسية للتعريف الذي وضعه للنتيجة العادلة. يشبِّه رولس الصفقة العادلة بالاتفاق الذي من المفترض أن يصل إليه كلٌّ من أليس وبوب إذا تفاوضا من وراء «ستار من الجهل» يخفي هُويتهما خلال التفاوض. وعندئذٍ، لن يرغب أيٌّ منهما في الإضرار بأي شخص أو خداعه؛ لأنه ربما يتضح في النهاية أنهما الطرف المتضرِّر.
لقد كرَّستُ جزءًا غير قليل من حياتي لاستخدام نظرية الألعاب في فحص الآثار المترتبة على تعريف رولس. لماذا نُصدَم بكونها معقولة؟ هل تؤدِّي إلى نتيجة نفعية كما يدَّعي هارساني، أم نتيجة قائلة بالمساواة بين البشر كما يدَّعي رولس؟ مع ذلك، فإن الحياة قصيرة جدًّا بما لا يَسَع تفسير سبب اعتقادي أن رولس قد دافعَ عن حدس سليم بحُجَّة مغلوطة.
(?) تكوين الائتلافات

كيف يمكننا تطبيق ما تعلَّمناه عن كيفية تفاوض شخصين عاقلين على المفاوضات التي تحدث عند تكوين الائتلافات؟ قدَّم فون نيومان ومورجنسترن أبسط مثال يشير إلى أهمية الائتلافات.
يلعب كلٌّ من أليس وبوب وكارول لعبة تقسيم الدولار. ويتحدَّد مقدار ما يحصل عليه كلٌّ منهم عن طريق التصويت بالأغلبية. وبذلك، يمكن لأي ائتلافٍ مكوَّن من لاعبيَن أن يتنازل عن الدولار أثناء عقد اختياراتهما. لكن ما شكل الائتلاف الذي سيجري تكوينه؟ مَن اللاعب الذي سيكون خارج الائتلاف؟ كيف سيُقسَّم الدولار؟
(?-?) الخيارات الخارجية

إنَّ الخيار الخارجي لأليس عند التفاوض مع بوب هو أكثر ما تستطيع الحصول عليه في مكان آخر إذا فشلَتِ المفاوضات بينهما كليةً. وما زال اقتصاديو طبقة العمال يقعون في خطأ مساواة عوائد «الوضع الراهن» بالخيارات الخارجية للَّاعبين عند استخدام حل ناش لمسألة التفاوض للتنبؤ بنتيجة المفاوضات الخاصة بالأجور. على سبيل المثال، إذا كان بوب سيصير عاطلًا لو فشل في الوصول إلى اتفاق مع أليس، فسوف يُتخذ عائد «وضعه الراهن» باعتباره مستوى العائد الاجتماعي.
لمعرفة السبب في أنه من الخطأ عادةً استخدام حل ناش لمسألة التفاوض بهذه الطريقة، من الضروري تعديل نموذج التفاوض لروبنشتاين، بحيث تكون لدى أليس وبوب الفرصة دائمًا للأخذ بالخيار الخارجي المتاح أمامهما عند رفض العرض. ويتضح عندئذٍ أن الخيارات الخارجية تكون مناسبة لنتيجة التفاوض فقط إلى الحد الذي ينبغي علينا به رفض جميع أزواج العوائد من مجموعة الاتفاقات المعيَّنة التي تخصَّص لشخصٍ ما أقل من خياره الخارجي. ويجب مساواة «الوضع الراهن» بالعوائد التي يحصل عليها اللاعبان أثناء التفاوض. على سبيل المثال، إذا كان أليس وبوب يسعيان إلى التفاوض بشأن إنهاء الإضراب، فإن عوائد «الوضع الراهن» لهما ستكون دخل كلٍّ منهما «أثناء» الإضراب.
لكي يكون من الصائب مساواة عوائد «الوضع الراهن» بالخيارات الخارجية للاعبين، يجب أن يكون أي توقُّف في المفاوضات إجباريًّا لا اختياريًّا. ولتمثيل هذا التوقُّف الإجباري في نموذج روبنشتاين، يمكن للمرء أن يقدِّم حركة احتمالية تُنهي المفاوضات باحتمال صغير بعض الشيء بعد كل رفض. وسوف يقابِل هذا الحالةُ التي من المحتمَل أن يؤدِّي فيها أي تأخير في الوصول إلى اتفاق إلى سرقة مبلغ الزيادة الذي يتفاوض عليه كلٌّ من أليس وبوب من قِبل شخص آخر.
(?-?) خروج اللاعب المختلف

يمكن النظر إلى نسختنا الثلاثية من لعبة تقسيم الدولار باعتبارها ثلاثًا من مسائل التفاوض الثنائية التي يمكننا أن نطبِّق عليها نظرية التفاوض التعاونية لناش. عندما يتفاوض لاعبان حول الكيفية التي سيقسِّمان بها الدولار في حال اتفاقهما على تكوين ائتلاف حول كيفية التفاوض، فإن خياراتهما الخارجية ستكون الصفقات التي سيصل إليها كلٌّ منهما في حال إذا كانا يتفاوضان بطريقة خروج اللاعب المختلف بدلًا من ذلك.
بناءً على ذلك، يجب أن تتوقَّع أليس أن تحصل في حال نجاحها في تكوين ائتلافٍ مع بوب على نفس العائد تمامًا الذي كانت ستحصل عليه عند نجاحها في تكوين ائتلافٍ مع كارول، وإلا فسيكون عليها بموجب أحد الاتفاقات المحتمَلة أن تَقبل أقل من خيارها الخارجي في ذلك الموقف. تُخضِع هذه الحقيقة، بالإضافة إلى نظرية كوس، الصفقاتِ الثلاثَ المحتمَلة لشروطٍ معينة. وفي الحالة التي يكون فيها جميع اللاعبين من النمط غير العابئ بالمخاطرة، نُساق إلى الاستنتاج غير المفاجئ بأن الائتلاف الذي يتكوَّن سيقسِّم الدولار بالتساوي، تاركًا اللاعب الموجود خارج الائتلاف دون شيءٍ.
مِن المستحيل — نظرًا لتماثل المسألة — أن نحدِّد أيًّا من الائتلافات الثلاثة الممكنة سيجري تكوينه. مع ذلك، يخلُّ النموذج اللاتعاوني التالي بهذا التماثل عن طريق اشتراط تناوب كلٍّ من أليس وبوب وكارول على تحقيق طلبات العوائد. وعندما يحين دورك في الحركة، ربما تقبل أيَّ طلب قُدِّم من قبلُ أو تقدِّم طلبًا جديدًا خاصًّا بك. ويتنبَّأ توازنُ اللعبة الفرعية التامة الفريدُ بأن الفرصة الأولى لتكوين ائتلافٍ سيستحوذ عليها كلٌّ من أليس وبوب. ولكي يقترب نصيب كلٍّ منهما في الدولار من تَنبُّئِنا التعاوني، يجب أن يكون الفاصل الزمني بين الطلبات المتعاقِبة صغيرًا للغاية.
(?-?) الجوهر

ماذا عن كيفية تكوين الائتلافات في المواقف الأكثر تعميمًا؟ يتمثَّل أحد الاقتراحات في ضرورة رفض حجم العائد كأحد نتائج الحل المحتمَلة إذا كان من الممكن الاعتراض على ائتلافٍ ما بدعوى أنه لا يستطيع فرض حجم عائد بديل يفضِّله كل أعضائه. وتُعرف مجموعة أحجام العوائد التي لا يمكن أن نجد فيها مجالًا لهذا الاعتراض ? «جوهر» اللعبة التعاونية.
يحبِّذ علماء الاقتصاد الفكرة؛ لأن جوهر أيِّ لعبةِ سوقٍ كبيرةٍ بما يكفي وتُقارِب ما سيحدث في حال تفاوُض المشترين والبائعين على أي سعر؛ يعادل العرض والطلب. ولكن تطبيق الفكرة على اللاعب الموجود خارج الائتلاف في الحالة التي يكون فيها كلُّ اللاعبين غير عابئين بالمخاطرة غيرُ مشجِّع للغاية.
لقد عرفنا أن إحدى نتائج الحل الممكنة في خروج اللاعب المختلف هي أن تكوِّن أليس وبوب ائتلافًا يستند إلى فكرة أنهما سوف يصوِّتان على تقسيم الدولار بحيث يحصل كلٌّ منهما على ?? سنتًا. لكن هذه النتيجة لا يمكن أن تمثِّل الجوهر؛ لأن بوب وأليس يمكن أن يعترضا على أنَّ في مقدورهما فَرْضَ نتيجة يُفضِّلها كلاهما عن طريق التصويت على تقسيم الدولار، بحيث يحصل بوب على ?? سنتًا وتحصل كارول على ?? سنتًا. ونظرًا لأنه من الممكن استخدام منطق مماثل لاستبعاد حجم أي عائد أيما كان، سيكون جوهر الشخص الخارج عن المجموعة فارغًا.
(?-?) مفارقة كوندورسيه

كان المركيز دو كوندورسيه ثوريًّا فرنسيًّا مثاليًّا، وقد اكتشف مسألة مشابِهة عندما كان يستكشف نُظم التصويت الممكنة. فإذا كوَّن كلٌّ من أليس وبوب ائتلافًا يؤثِّر بالسلب على كارول، فإنها ستعرض على مَنْ يستمع أكثر قليلًا مما يحصلان عليه حاليًّا. وإذا قَبِلَ بوب عرْض كارول وتخلَّى عن أليس، فسوف تصير أليس هي الطرف المتضرِّر، مع تولُّد حافز لديها لتَعرِض على كارول أكثر قليلًا مما ستحصل عليه. وإذا قَبِلتْ كارول، فإن بوب سيتقرَّب من أليس. وهكذا.
إنَّ نتائج ذلك في الحياة الواقعية يمكن أن تكون مدمِّرة. على سبيل المثال، الحدود بين إنجلترا وويلز حيث أعيش كانت ساحة قتال لقرون. فكان اللوردات الأقوياء على الجانب الإنجليزي، حسبما يُفترَض، يحرسون الحدود أو يزحفون لصدِّ غارات القبائل الويلزية، لكن كانت الحرب مستمرة في الواقع؛ حيث كان الويلزيون وملك إنجلترا ولوردات حراسة الحدود في هذه المنطقة يتناوبون التحالفات للاتحاد في وجه الطرف الأقوى حاليًّا بين ثلاثتهم أيًّا كان.
إنَّ كل ما نجحت حياة كوندورسيه أن تقدِّمه هو ضحايا النُّظم الاجتماعية غير المستقرَّة التي نجح في معرفة آليَّتها. كان يأمل أن يكوِّن مدينة فاضلة عن طريق التفكير الرياضي، بيدَ أنه حُكِمَ عليه بالإعدام بالمقصلة بدلًا من ذلك.
(?-?) المجموعات المستقرة

فَهِم فون نيومان ومورجنسترن أن بوب سيكون غير حكيم لو أنه استمع إلى كارول في نسخة خروج اللاعب المختلف عندما توضِّح أنه يمكن أن يحصل على ?? سنتًا بانضمامه إلى الائتلاف بدلًا من ا? ?? سنتًا التي وعدته بها أليس. وإذا كان التخلِّي عن أليس عندما تتقرَّب إليه كارول فكرةً جيدة، فسيكون فكرةً جيدةً أن تتركه كارول عندما تتقرَّب إليها أليس.
لفهم هذه الفكرة، ابتكرَ فون نيومان ومورجنسترن مفهومًا يُعرف حاليًّا ? «المجموعة المستقرة»، وذهبا إلى أن الاعتراضات التي ليست في حدِّ ذاتها نتائج حلٍّ ممكنة ينبغي تجاهلها. ويُستثنى مع ذلك كل ما هو خارج المجموعة المستقرة؛ نظرًا لإمكانية وجود اعتراض من داخل المجموعة المستقرة، لكن يجب أن يكون شيءٌ ما داخل المجموعة المستقرة محصَّنًا فقط ضد الاعتراضات الكائنة داخل المجموعة المستقرة.
كان المثال الأساسي الذي استندا إليه هو سيناريو خروج اللاعب المختلف عندما يكون جميع اللاعبين من النمط غير العابئ بالمخاطر. تتضمَّن إحدى المجموعات المستقرة النتائج الثلاث المحتمَلة التي يُقسَّم فيها الدولار بالتساوي بين اثنين من اللاعبين. ولكن، ثمة الكثير من المجموعات المستقرة الأخرى. على سبيل المثال، المجموعة التي تضم جميع النتائج التي تحصل فيها كارول على ?? سنتًا ويُقسَّم المبلغ المتبقي من الدولار بكل الطرق الممكنة بين أليس وبوب؛ تكون مستقرة.
ليس من السهل فَهْم هذه المجموعات المستقرة الجديدة. ولا يوافق خبراء نظرية الألعاب الآخرون عليها، لكنني أعتقد أن معرض حديثهم يوضِّح ببساطةٍ أن فكرة المجموعة المستقرة ليست دقيقة بما يكفي؛ لذا، يوجد أحيانًا العديد من المجموعات المستقرة، لكن هذه هي أقل المشكلات التي نواجهها. اكتشف ويليام لوكاس لعبة تعاونية يشترك فيها الكثير من اللاعبين، لا تحتوي على مجموعات مستقرة على الإطلاق؛ لذا توجد أيضًا في بعض الأحيان مجموعات مستقرة قليلة للغاية.
(?) قيمة شابلي

دُعيتُ ذات مرة للسفر إلى لندن بسرعة لشرح وجهة نظر الحكومة الفرنسية عندما اقترحَتْ أن تكاليف نفقٍ مقترَح أسفل القنال الإنجليزي ستُوزَّع على دول الاتحاد الأوروبي باستخدام قيمة شابلي. تُعتبر قيمة شابلي من بنات أفكار لويد شابلي، الذي كان أحد أفراد مجموعة الطلاب الخريجين البارعين الذين درسوا الرياضيات إلى جانب جون ناش في جامعة برينستون.
سار شابلي على نهج ناش باقتراح مجموعة من الافتراضات تحدِّد تنبؤًا فريدًا لنتيجة لُعبة تعاونية. لكن، على عكس ناش، لا تنطبق افتراضاته على ألعاب التفاوض الثنائية فحسب، بل أيضًا على أي لعبة تعاونية ذات «منفعة قابلة للنقل». وتتمثَّل الحالة الرئيسية موضع الاهتمام في الوضع الذي يكون فيه كل اللاعبين من النمط غير العابئ بالمخاطر وتُقاس العوائد بالدولارات. ويمكن عندئذٍ أن نقول إن كل ما له أهمية في الائتلاف هو ما أطلق عليه قيمة الائتلاف؛ أي أكبر عدد من الدولارات يمكن لهذا الائتلاف أن يضمن أن يكون متاحًا للقسمة بين أعضائه. وتشمل هذه العوائد أيَّ «دفعات جانبية» ضرورية لشراء ولاء أي عضو من أعضاء الائتلاف ربما يعتقد أن الوضع يبدو أفضل في مكان آخر.
على سبيل المثال، في نسخة خروج اللاعب المختلف، تبلغ قيمة كل ائتلافٍ مكوَّن من لاعبيَن دولارًا واحدًا، وتبلغ قيمة الائتلاف الأكبر للَّاعبين الثلاثة معًا دولارًا واحدًا أيضًا، وتبلغ قيمة الائتلاف المكوَّن من لاعب واحد فقط صفرًا. وتكون قيمة الائتلاف الفارغ الذي لا يتضمَّن أي لاعبين صِفرًا أيضًا.
يتضح من أسهل طريقة لإيجاد قيمة شابلي أن المقصود منا هو حساب «متوسط» كل الطرق الممكنة لتكوين الائتلاف. لتبدأ بالائتلاف الفارغ ثم تضيف لاعبين حتى نحصل على الائتلاف الأكبر. عندما تُضاف أليس إلى ائتلافٍ، اكتب مساهمتها الحدِّيَّة في الائتلاف، وهي المبلغ الذي تضيفه إلى قيمة الائتلاف بانضمامها إليه. وبذلك، يكون العائد المعيَّن إلى أليس بموجب قيمة شابلي متوسط جميع مساهماتها الحدِّيَّة السائدة على جميع الطرق المحتمَلة التي يمكن بها أن يضمَّ الائتلافُ الأكبر لاعبًا واحدًا في كل مرة.
يتضمَّن سيناريو خروج اللاعب المختلف ثلاثة لاعبين، وبذلك توجد ست طرق لترتيب اللاعبين: أ?ب?ج، أ?ج?ب، ب?أ?ج، ب?ج?أ، ج?أ?ب، ج?ب?أ. وتكون المساهمات الحدِّيَّة لأليس على التوالي: ?، ?، ?، ?، ?، ?؛ لذا، تعيِّن قيمة شابلي عائد ??/?? دولار لأليس، وهو ما نرى أنها كانت ستحصل عليه في المتوسط في القسم السابق من الائتلافات.
?
إلى أي مدًى تُعتبر قيمة شابلي مفيدة؟ أعتقد أنها لا شك مهمة بالنسبة إلى تمارين المشاركة في التكاليف من النوع الذي اقترحته الحكومة الفرنسية، لكنها لا يكون لها مردود جيد عند اختبارها ببرنامج ناش. وعلى غرار الكثير ممَّا في نظرية الألعاب، يظل قدرٌ كبيرٌ ممَّا يتعلَّق بتكوين الائتلاف غيرَ مفهوم لنا.

الفصل العاشر
الألغاز والمفارقات


إنَّ ظواهر ردِّ الفعل والحدس البشريين لا تتفق معًا عند اجتماعها. عندما لا يروق للناس النتيجة المترتبة على حُجَّة توازنٍ ما، فمِن غير المستغرب إذن أن يخترعوا حُججًا أبسط تؤدِّي إلى استنتاجاتٍ أكثر استساغةً. ومع ذلك، يتمثَّل المبدأ الأول للفكر العقلاني في عدم السماح للتفضيلات الشخصية بالتأثير في المعتقدات.
(?) مغالطات معضلة السجينين

يقال إن حقيقة أن اللاعبَيْن سيكونان في حالٍ أفضل إذا لم يلعبا استراتيجيتَي التوازن الخاصتين بهما في لعبة معضلة السجينين؛ تمثِّل مفارقةً عقلانية تتطلَّب حلًّا.
(?-?) الأمر المطلق

بلغة دارجة، ينصُّ الأمر المطلَق لإيمانويل كانط على أنه من العقلاني أن تفعل ما تتمنَّى أن يفعله كل الناس. وإذا كان ذلك صحيح، فسيكون من العقلاني أن تتعاون في لعبة معضلة السجينين. لكن التفكير القائم على التمنِّي لا يكون تفكيرًا عقلانيًّا أبدًا. ومما يثير دهشتي دائمًا أنه لم يُؤخَذ على كانط قطُّ أنه اقترح مبدأً حول العقلانية دون أن يبدي أيَّ أسباب تُوجِب علينا أن نأخذه مأخذ الجد.
(?-?) مغالطة التوءمين

إنَّ أيَّ شخصَيْن عقلانيين يواجهان نفس المشكلة سيختاران بالضرورة نفس الإجراء. لذا، فإن كلًّا من أليس وبوب سوف يختار إما «صقر» أو «حمامة» في لعبة معضلة السجينين. ونظرًا لأن أليس تفضِّل النتيجة («حمامة»، «حمامة») على («صقر»، «صقر»)، فعليها إذن أن تختار «حمامة».
إنَّ هذه المغالطة مثيرة للانتباه؛ لأنها ستكون صحيحة لو أن أليس وبوب توءمان متماثلان من الناحية الوراثية، وكنا بصدد الحديث عن السلوك المحدَّد وراثيًّا الذي يعزِّز الصلاحية البيولوجية على أفضل وجه (راجع «انتقاء الأقارب» في الفصل الثامن). لكن اللعبة المناسبة لن تكون وقتها معضلة السجينين، وإنما ستكون لعبة مكوَّنة من لاعب واحد فقط.
كما هو مألوف عند النظر إلى مغالطات معضلة السجينين، يُعرَض علينا تحليلٌ صحيحٌ للُّعبة الخطأ. فمعضلة السجينين لعبة ثنائية يختار فيها كلٌّ من أليس وبوب استراتيجيتيهما على نحو مستقل. وتفترض مغالطة التوءمين خطأً أن بوب سيُقْدِم على نفس الاختيار الذي ستُقدِم عليه أليس أيًّا كانت الاستراتيجية التي تختارها. ولا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا؛ لأن من المفترض أن بوب عقلاني، وأن أحد الاختيارين المتاحين أمامه عقلاني.
يمكن تعديل افتراضات المغالطة بحيث تتزامن استراتيجيات أليس وبوب فقط بشيء من الاحتمالية العالية بالقدر الكافي. وتثير الرواية المقدَّمة لتبرير هذا الترابط في سلوكهم قدرًا كافيًا من الغموض لحجب حقيقة وجود أي ترابط على الإطلاق يشير ضمنًا إلى أن أليس وبوب لا يقومان باختياراتهما باستقلالية. لكن إذا كان كلٌّ منهما يحدِّد اختياره باستقلالية عن الآخر، فإنهما لا يلعبان معضلة السجينين. وحتى إذا كانت معلومات أليس وبوب مترابطة، كما هو مفترض في مفهوم أومان للتوازن المترابط، فلن يلعبا «صقر»؛ لأن الخيار «صقر» يكون مُسيطَرًا عليه بقوةٍ بغض النظر عما قد يعلمه اللاعبان عن أمور أخرى.
(?-?) أسطورة الصوت الضائع

عادةً ما تُبرَّر نسخة مغالطة التوءمين في وقت الانتخابات، عندما يرى المثقَّفون أن «لكل صوتٍ أهميته» (راجع «توازنات ناش المختلطة»، الفصل الثاني). لو أن صوتًا ضائعًا واحدًا لا يؤثِّر في نتيجة الانتخابات، فإن الوقت الوحيد الذي يمكن فيه أن يكون لصوتك أهميته هو عندما يكون الفاصل بين الفائز والمرشح الآخر الذي لم يحالفه الحظ صوتًا واحدًا فقط. أما إذا كان الفاصل بينهما صوتين أو أكثر، فلن يشكِّل أيُّ تغيير في صوتك فارقًا على الإطلاق فيمن سيجري انتخابه. ومع ذلك، فالانتخاب على مقعد في جمعية وطنية لا يُحسَم أبدًا بهامش صوتٍ واحد فقط.
فيما يلي مثال افتراضي لأحد الانتخابات أقرب في سياقه إلى السباق الفعلي للانتخابات الأمريكية بين بوش وآل جور عام ????. فوفقًا لاستطلاع رأيٍ موثوق فيه، فإن عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في إحدى الولايات المحورية انقسم إلى ??? و??? لمصلحة بوش. ويُعتبر احتمال أن يذهب صوت أحد الناخبين المتأرجحين الذين لم يحسموا قرارهم بعدُ إلى بوش كافيًا لضمان فوزه على آل جور بفارق ??? صوت في المتوسط. تبدو النتيجة متقارِبة، ولهذا تقرِّر أليس التصويت. ما فرص أن يُحدِث صوتها فارقًا؟ وكيف كانت ستختلف النتيجة لو أنها مكثت في منزلها تشاهد التليفزيون؟
مع وجود مليون ناخب لم يقرِّر ?? منهم لمَنْ يدلون بأصواتهم، من المفترض أن يُحدِث صوت أليس فارقًا مرة واحدة فقط كل ???? عام، حتى لو تكرَّرت نفس الظروف المتقلِّبة كل أربعة أعوام. لكنها لن تتكرَّر. والاحتمالات ضئيلة للغاية في أن تعمل أصوات الناخبين المتأرجحين على موازنة أصوات الناخبين الذين حسموا قرارهم بالفعل وأدلوا بأصواتهم لأحد المرشحين. إذا صوَّت الناخبون المتأرجحون في مثالنا لمصلحة بوش بنفس معدل التكرار الحادث في بقية المجتمع، فسوف يُحدِث صوت أليس فارقًا مرةً واحدة فقط كل ?? مليار مليار عام. ولا عجبَ إذن في أنه ما من ولايةٍ حُسِم القرار فيها بصوت واحد في الانتخابات الرئاسية.
يَتصوَّر البسطاء من الناس أن قبول هذه الحُجَّة هو تعجيل بسقوط الديمقراطية وانهيارها؛ لذا، ستكون مخطئًا إذا حسبت أهمية صوتك وحدك، بل يجب أن تحسب إجمالي الأصوات التي يُدلي بها جميع الأشخاص الآخرين الذين يفكِّرون ويشعرون مثلك تمامًا؛ ومن ثَم فسوف يصوِّتون مثلما تصوِّت. إذا كان لديك ?? آلاف شخص يشتركون في نفس المشاعر والاتجاهات والمعتقدات أو «توائم»، فلن يُهدَر صوتك إذن؛ لأن احتمال حسم القرار في أحد الانتخابات بهامش ?? آلاف صوت أو أقل يكون غالبًا مرتفعًا للغاية. وهذه الحُجة غير صحيحة للسبب نفسه الذي يعلِّل فشل مغالطة التوءمين في معضلة السجينين. فربما توجد أعداد هائلة من الأشخاص الذين لديهم نفس الأفكار والمشاعر مثلك تمامًا، لكن قراراتهم بشأن الخروج والمشاركة في الانتخابات أو لا لن تتغيَّر إذا آثرتَ البقاء في المنزل ومشاهدة التليفزيون.
يَتهم النقَّاد أحيانًا خبراء نظرية الألعاب بافتقارهم إلى حبِّ العمل للمصلحة العامة من خلال عرضهم لهذه المغالطة، لكنهم مخطئون لو اعتقدوا أن الديمقراطية سوف تنهار إذا لم يُشجَّع الناس على التفكير في حقائق العملية الانتخابية. والتشجيع في مباراةٍ لكرة القدم يقدِّم مثالًا مفيدًا في هذا الصدد. فإذا كان ما يحاول الناس أن يفعلوه بالهتاف هو زيادة مستوى الضوضاء العام داخل الملعب، فلن تعلو إلا قلة من الأصوات. فلا يمكن لصوتٍ واحد أن يُحدِث فرقًا ملحوظًا في مقدار الضوضاء الناتجة عندما تتعالى أصوات حشد من الناس بالهتاف. لكن، لا أحدَ يهتف في مباراةٍ لكرة القدم لرغبته في زيادة مستوى الضوضاء العام. فهم يصيحون في فريقهم بكلمات النصح والحكمة حتى عندما يكونون في منازلهم أمام جهاز التليفزيون.
ينطبق الشيء نفسه على التصويت؛ فإنك تخدع نفسك إذا كنت تصوِّت وأنت تظن أن صوتك يتمتع بفرصة كبيرة في أن يكون محوريًّا وفاصلًا. لكن من المنطقي تمامًا أن تصوِّت للسبب نفسه الذي يوجِّه من أجله مشجِّعو كرة القدم النصيحة لفِرقهم. وكما أن الصياح بالنصيحة أكثر إرضاءً من الصياح بنقدٍ سيئ، فإن الكثير جدًّا من خبراء نظرية الألعاب يرون أنك تحصل على أقصى استفادة عند المشاركة في أحد الانتخابات بالتصويت «كما لو» أنك ستكون الناخب المحوري الفاصِل، على الرغم من أنك تعلم أن احتماليةَ أن يُحدِث صوتٌ واحدٌ أيَّ فرقٍ أصغرُ من أن نفكِّر فيها. وسيفترض أي شخص مؤمن بفلسفة كانط أن للجميع دورًا استراتيجيًّا على الدرجة نفسها من الأهمية، لكنني أُفضِّل استخدام استطلاعات الرأي عند تخمين الطريقة الأكثر ترجيحًا لحدوث التعادل.
على سبيل المثال، كان رالف نادر هو مرشح حزب الخُضر في الانتخابات الرئاسية عندما فاز بوش على آل جور. وعلى الرغم من اهتمامي بشئون السياسة الخضراء، فما كنت لأصوِّت لمصلحة نادر؛ لأنه لو كان قد حدث تعادلٌ، لكان بالتأكيد بين بوش وآل جور. وفي أوروبا، سيؤدِّي هذا التصويت الاستراتيجي أحيانًا إلى أن يذهب تصويتك لمصلحة أحد أحزاب الأقلية. وسيخبرك أيضًا نفس المثقفين — الذين أخبروك سابقًا أن لكل صوت أهميته — أن هذا الصوت الاستراتيجي هو صوت ضائع. لكن، لا يمكن أن يُسمَح لهم بالجمع بين الأمر ونقيضه.
(?-?) مغالطة شفافية الحالة المزاجية

تتطلَّب هذه المغالطة منا أن نؤمِن بافتراضين مشكوك في صحتهما. يتمثَّل الافتراض الأول في أن الأشخاص العقلانيين يتمتعون بقوة الإرادة التي تجعلهم يُلزِمون أنفسهم مقدَّمًا بممارسة الألعاب بطريقة معينة. ويتمثَّل الافتراض الثاني في أن الآخرين يمكنهم قراءة لغة الجسد لدينا بطريقة جيدة تجعلهم يعرفون الوقت الذي نتحدَّث فيه بصدق. وإذا ادَّعيْنا حقًّا أننا قد عقدنا التزامًا نهائيًّا لا رجعة فيه، فسوف يصدِّقنا الآخرون.
لو كانت هذه الافتراضات صحيحة، لَأصبحَ عالمُنا مختلفًا للغاية بكل تأكيد، ولَكان تشارلز داروين مخطئًا حينئذٍ فيما ذهب إليه في كتابه «التعبير عن العواطف» من إنكار أن عضلات الوجه اللاإرادية تَحُول دون إخفاء حالتنا الشعورية، ولَأصبح الممثِّلون بلا عمل، ولَأصبح رجال السياسة مثالًا للنزاهة وبمنأًى تمامًا عن الفساد، ولَأصبح من المستحيل لعب البوكر، ولَأصبحت العقلانية خط دفاع ضد إدمان المخدرات؛ ومع هذا، كان منطق نظرية الألعاب سيظل ساريًا.
لنأخذْ مثالًا على ذلك اثنتين من الحالات المزاجية العقلية المحتمَلة، يُطلَق عليهما «كلينت» و«جون»؛ الأول عبارة عن استراتيجية انتقام سُمِّيَت باسم الشخصية التي أدَّاها الممثل كلينت إيستوود في أفلام الغرب الأمريكي (راجع «تطور التعاون»، الفصل الثامن)، والثاني يحيي ذكرى فيلم كوميدي شاهدتُه ذات مرة، وفيه أدَّى جون وين دور جنكيز خان. يعني اختيارُ الحالة المزاجية «جون» الإعلانَ أنك قد ألزمتَ نفسك بلعب «صقر» في معضلة السجينين مهما يحدث. ويعني اختيار الحالة المزاجية «كلينت» إعلان أنك قد ألزمتَ نفسك بلعب «حمامة» في معضلة السجينين في حال لو أعلن خصمك نفس الالتزام، وفي هذه الحالة فقط، وإلا، فإنك تلعب «صقر».
شكل ??-?: مغالطة شفافية الحالة المزاجية.
لو كان مسموحًا لأليس وبوب أن يُلزِما نفسيهما بشفافيةٍ بإحدى الحالتين المزاجيتين، فلن يكونا بصدد لعب معضلة السجينين بعد الآن، وإنما سيكونان بصدد لعب لعبة النجم السينمائي في شكل ??-? التي يكون لدى اللاعبَيْن فيها استراتيجيتان؛ هما «كلينت» و«جون». إذا اختار كِلا اللاعبَيْن «كلينت» في لعبة النجم السينمائي، فإنهما ملتزمان إذن بأن يلعبا «حمامة» في معضلة السجينين، وإلا فإنهما يلتزمان بلعب «صقر». كما يتضح من العوائد المحدَّدة بدائرة، فإن «كلينت» هي استراتيجية مُهيمنة (على نحوٍ ضعيف) في لعبة النجم السينمائي؛ لذا، إذا اختارت أليس وبوب «كلينت»، فسيكونان بصدد لعب أحد أشكال توازن ناش الذي يترتب عليه تعاوُنهما في معضلة السجينين. ويرى مؤيدو مغالطة شفافية الحالة المزاجية أن هذا يشير إلى أن التعاون عقلاني في معضلة السجينين. وكان الأمر سيصبح جيدًا لو أنهم صائبون في أن جميع الألعاب في الحياة الواقعية هي ألعاب نجوم سينمائية من نوعٍ ما، لا سيَّما إذا استطاع المرء أن يختار آدم سميث أو تشارلز داروين بدلًا من جون وين أو كلينت إيستوود. لكن حتى في هذه الحالة، لن تكون النتيجة المترتبة على ذلك أن العقلانية تقتضي التعاون في معضلة السجينين. وتشير هذه الحُجَّة فقط أنه من العقلاني لعب «كلينت» في لعبة النجم السينمائي.
(?) مفارقة نيوكومب

ثمة صندوقان من المحتمَل أنهما يحتويان على أموال. ولأليس مطلَق الحرية في أن تأخذ الصندوق الأول أو كلا الصندوقين. إذا كانت تهتم بالمال فحسب، فماذا يتعيَّن عليها أن تفعل؟ تبدو هذه مسألة سهلة. إذا كانت «حمامة» تمثِّل أخْذ الصندوق الأول فقط، و«صقر» تمثِّل أخْذ كلا الصندوقين، فعلى أليس إذن أن تختار «صقر»؛ لأنها تحصل عندئذٍ على نفس المبلغ المالي على الأقل الذي كانت ستحصل عليه لو أنها اختارت «حمامة».
مع ذلك، فثمة خدعة في الأمر. يحتوي الصندوق الثاني بالتأكيد على دولار واحد. ويحتوي الصندوق الأول على دولارين أو لا شيء. وبوب هو مَنْ سيتخذ القرار بما إذا كان المال ينبغي أن يكون في الصندوق الأول أو الثاني. ونظرًا لأنه يعرف أليس جيدًا فإنه يستطيع دائمًا أن يتنبَّأ على نحوٍ مثالي بما ستفعله. وكما هو الحال مع أليس، فأمامه اختياران: «حمامة» و«صقر». واختياره المماثل للحمامة أن يضع دولارين في الصندوق الأول. واختياره المماثل للصقر ألَّا يضع شيئًا في الصندوق الأول. ودافِعه هو الإيقاع بأليس وكشفها؛ لذا، فإنه يلعب «حمامة» إذا تنبَّأ أن أليس ستختار «حمامة»، ويلعب «صقر» إذا تنبَّأ أن أليس ستختار «صقر».
لا يبدو اختيار «صقر» بالاختيار الجيد لأليس الآن. إذا اختارت «صقر»، فإن بوب يتنبَّأ باختيارها ولا يضع شيئًا في الصندوق الأول؛ ومن ثَم تحصل أليس على الدولار الواحد في الصندوق الثاني. لكن إذا اختارت أليس «حمامة»، فإن بوب سيتنبَّأ باختيارها ويضع دولارين في الصندوق الأول حتى تأخذهما.
ابتكر الفيلسوف روبرت نوزيك بجامعة هارفرد بدعةً في مجاله المهني (تُوصَف عن جدارة ? «بدعة نيوكومب»)، وذلك بزعم أن مفارقة نيوكومب توضِّح أنك تستطيع أحيانًا تعظيم عائدك بلعب استراتيجية مُهيمنة بقوة. كان في مقدوره أن يزعم أنها تشير إلى أن ? + ? = ?؛ لأنه يمكنك استنتاج أي شيء من التناقض. يتمثَّل التناقض في مفارقة نيوكومب في افتراض وجود لعبة فيها: (?) تتحرك أليس بعد بوب.
(?) يعلم بوب اختيار أليس.
(?) لدى أليس أكثر من اختيار واحد.
شكل ??-?: يحاول اللاعبان تحقيق متطلبات نيوكومب. تشير مجموعة المعلومات في اللعبة على الجانب الأيمن إلى أن أليس لا تعلم تنبؤ بوب. ويمثل جدولَا العوائد أسفل شجرة كل لعبةٍ النماذجَ الاستراتيجية ذات الصلة.
يعرض شكل ??-? محاولتين لابتكار لعبة كهذه دون أن نكون محددين بشأن عوائد بوب؛ تُخفق اللعبة على الجانب الأيسر في تحقيق العنصر الأول في القائمة، وتُخفق اللعبة على الجانب الأيمن في تحقيق العنصر الثاني. ويمكننا تحقيق العنصرين الأول والثاني بأن نعرض على أليس اختيارًا واحدًا فقط في اللعبة على الجانب الأيمن، ولكننا سنخفق حينئذٍ في تحقيق العنصر الثالث. عندما نرى أنَّ على أليس أن تلعب «حمامة» لتعظيم عائدها، يفترض نوزيك أن بوب سيلعب «ح‏ ص» في اللعب على الجانب الأيسر؛ أي إن بوب سيتنبَّأ ? «ح» عندما تلعب أليس «ح»، و«ص» عندما تلعب أليس «ص». ومع ذلك، فاستراتيجية «ح» لأليس ليست مهيمنة في اللعبة على الجانب الأيسر. وكي نزعم أن استراتيجية «ح» لأليس مهيمنة علينا اللجوء إلى اللعبة على الجانب الأيمن. لكن، ليس ثمة تناقض في احتمال أن تختلف استراتيجية أليس في اللعب من لعبة لأخرى.
يمكن للمرء أن يزيد الأمر تعقيدًا بالتنازل عن المطلب الذي يقتضي أن بوب يستطيع التنبؤ بسلوك أليس على نحوٍ مثالي. ويمكننا عندئذٍ تصميم لعبة تتحقَّق فيها المتطلبات الثلاثة لمفارقة نيوكومب عن طريق استحداث حركاتٍ احتماليةٍ في اللعبة على الجانب الأيمن تلغي فرصة أليس في اختيار استراتيجية مختلفة عن استراتيجية بوب لبعض الوقت. ولن يؤدِّي أي تلاعب بالمعايير إلى جعل اللعب باستراتيجية مهيمنة بقوةٍ أمرًا مثاليًّا.
(?) مفارقة الاختبار المفاجئ

ذكرنا مراتٍ عديدة مزاد شركة الاتصالات البريطانية الذي جمع ?? مليار دولار. واندهش الجميع لهذا المبلغ الهائل، فيما عدا خبراء الإعلام، الذين خمَّنوا رقمًا قريبًا بعض الشيء؛ حيث كانوا يَتنبَّئون برقم أكبر في كل مرة تدحض فيها المناقصةُ داخل المزاد تنبُّؤَهم السابق. وفي إمكان الجميع أن يرى الخداع الذي يمارسه خبراء الإعلام على العامة في هذه الرواية، لكن لا يُكتشَف الخداع بسهولة عندما يظهر في إحدى النسخ العديدة لمفارقة الاختبار النهائي، التي فيها يتعلَّم معظم الناس للمرة الأولى معنى الاستنتاج العكسي.
ألِيس معلِّمة تخبر تلاميذ فصلها أنها ستُجري لهم اختبارًا في أحد أيام الأسبوع القادم، لكن اليوم الذي سيُجرى فيه الاختبار سيكون مفاجئًا. وبوب تلميذ يحاول أن يستنتج اليوم الذي سيجرى فيه الاختبار من خلال المرور على أيام الأسبوع القادم بطريقةٍ عكسية ودراسة احتمالية أن يكون اليوم هو يوم الاختبار. إذا لم تُجرِ أليس الاختبار حتى انتهاء الوقت الدراسي يوم الخميس، فإن بوب يعتبر أنها لن يكون لديها خيار سوى أن تجري الاختبار يوم الجمعة؛ لأنه اليوم الأخير في الأسبوع الدراسي؛ لذا، إذا أُجري الاختبار يوم الجمعة، فلن يفاجأ بوب به. ويستنتج بوب بذلك أن أليس لا يمكن أن تعتزم إجراء الاختبار يوم الجمعة. لكنَّ هذا يعني أن الاختبار يجب أن يُجرى يوم الإثنين أو الثلاثاء أو الأربعاء أو الخميس. وبالوصول إلى هذا الاستنتاج، فإن بوب يطبِّق بذلك حُجَّة الاستنتاج العكسي مجدَّدًا لاستبعاد الخميس كأحد الأيام المحتمَلة لإجراء الاختبار. وبمجرد أن يُستبعَد يوم الخميس، يكون بوب في وضع يسمح له باستبعاد الأربعاء. وبمجرد أن يستبعد كل أيام الأسبوع الدراسي بهذه الطريقة، فإنه يتنفس الصعداء ولا يقوم بأي محاولة للمذاكرة خلال عطلة نهاية الأسبوع. لكنَّ أليس تفاجئه بإجراء الاختبار صباح يوم الإثنين.
في الواقع، لا يُعتبر هذا الأمر مفارَقةً على الإطلاق؛ لأن بوب لم يكن عليه أن يتنفس الصعداء بهذه السرعة. وإذا كانت حُجة الاستنتاج العكسي صحيحة، فإن جملتَي أليس غير متوافقتين، ويجب أن تكون إحداهما على الأقل خطأً. لكن لماذا ينبغي على بوب أن يفترض أن الجملة الخطأ هي أنَّ اختبارًا سيُجرى، وليس أن الاختبار سيكون مفاجئًا؟ عادةً ما تُنحَّى هذه الملاحظة جانبًا؛ لأن ما يريد الناس سماعه حقًّا هو ما إذا كانت حُجَّة الاستنتاج العكسي صحيحة أم لا. ولكن عليهم أن يسألوا عما إذا كان الاستنتاج العكسي قد طُبِّق على اللعبة الصحيحة.
في اللعبة التي يتصوَّر الناس أننا بصدد تحليلها، تختار أليس أحد أيام الأسبوع الخمسة التي تعتزم إجراء الاختبار خلالها، ويتنبَّأ بوب باليوم الذي ستختاره أليس من بين هذه الأيام الخمسة. ويتمثَّل حل هذه النسخة من لعبة مطابقة العملات المعدنية في أنَّ أليس وبوب سيختاران كل يوم باحتماليةٍ متساوية. ومن ثَم، يفاجأ بوب أربع مرات من واقع خمسٍ.
ليس هذا هو الاستنتاج الذي توصَّلنا إليه سابقًا؛ لأن مفارقة الاختبار المفاجئ تطبِّق الاستنتاج العكسي على لعبةٍ يكون مسموحًا فيها لبوب دائمًا التنبؤ بأن الاختبار سيكون اليوم، على الرغم من أنه ربما يكون قد أخطأ في تنبُّئه بأن موعد إجراء الاختبار كان أمس. وبناءً على ذلك، فإن الاستراتيجية المُثلى لبوب في هذه اللعبة الغريبة أن يتنبَّأ بالإثنين يوم الإثنين، والثلاثاء يوم الثلاثاء، والأربعاء يوم الأربعاء، والخميس يوم الخميس، والجمعة يوم الجمعة. ولا عجبَ في أن بوب لن يُفاجأ أبدًا بإجراء الاختبار في يوم لم يتنبَّأ به!
انتشرت مفارقة الاختبار المفاجئ منذ ذلك الحين حسبما أذكر. وأحيانًا ما تتناولها الصحف والمجلات من منظور جديد، كما أنها كانت موضوع المقالات العلمية في الدوريات الفلسفية. ومع ذلك، استمرَّ الالتباس لأنَّ الناس لم تطرح الأسئلة الصحيحة. ومن أعظم الميزات التي تَرتَّبت على تبنِّي الشكلية النظامية في نظرية الألعاب أنَّ طرْح الأسئلة الصحيحة يصبح تلقائيًّا. ومن ثَم، لا يُشترط بالضرورة أن تكون عبقريًّا مثل فون نيومان حتى تظل مُصيبًا في تفكيرك. فأسلوبه في التمسُّك بالشكليات يتولَّى التفكير بدلًا منك.
(?) المعرفة العامة

لماذا نُولِي الكثير من الاهتمام للتواصل البصري؟ أعتقد أن السبب هو أن الشيء لا يصبح معروفًا إلا في حال فهمه ضمنًا من خلال حدثٍ لم يكن ليقع دون أن نَعلم به جميعًا. على سبيل المثال، إذا لاحظَ كلٌّ من أليس وبوب أحدهما الآخر وهو يلاحِظ أن وجه كارول غير نظيف، فإنه يصير معروفًا بين أليس وبوب أنَّ وجه كارول غير نظيف. وبالمثل، عندما ينظر شخصان أحدهما إلى الآخر مباشرةً، فإنه يصبح معروفًا بينهما أنهما مدركان أحدهما للآخر كأفراد.
(?-?) ثلاث سيدات متقدِّمات في العمر

أليس وبياتريس وكارول ثلاث سيدات جليلات يَحضرن معرضًا في إحدى المقاطعات في وسط غرب البلاد. تبدو وجوههن جميعًا غير نظيفة، لكنْ لا تشعر أيٌّ منهنَّ بالخجل، على الرغم من أن أيَّ سيدة جليلة تُدرك أنها تظهر في الأوساط العامة ووجهُها غير نظيف كانت ستخجل بالتأكيد. وبناءً على ذلك، فلا تعلم أيُّ سيدة منهن أن وجهها غير نظيف، على الرغم من أن كلًّا منهن تستطيع أن ترى بوضوح الوجهين غير النظيفين للسيدتين الأخريين.
من المعروف أن رجال الدين يقولون الحقيقة دائمًا؛ ومن ثَم تنتبه السيدات كثيرًا عندما يشير قَسٌّ محلي إلى أن إحدى السيدات وجهها غير نظيف. وبعد تصريحه هذا، تشعر إحدى السيدات بالخجل وتعلو وجهَها الحُمرةُ. كيف ذلك؟ ألم يخبر القس السيدات بشيءٍ هنَّ على دراية به من قبل؟
لفهم ما أضافه القس إلى ما كانت تعلمه السيدات سابقًا، علينا أن ننظر إلى سلسلة التفكير التي تؤدِّي إلى استنتاج أن واحدة من هذه السيدات على الأقل يجب أن تشعر بالخجل وتعلو وجهها الحمرةُ. إذا لم تشعر بياتريس أو كارول بالخجل، فستفكر أليس كما يلي:
أليس: بفرض أن وجهِي نظيف، فستفكر بياتريس كما يلي:بياتريس: أرى أن وجه أليس نظيف. بفرض أن وجهي أيضًا نظيف، فستفكر كارول كما يلي:كارول: أرى أن وجهَي أليس وبياتريس نظيفان. إذا كان وجهي نظيفًا، فلن يكون وجه أيٍّ منهما غير نظيف. لكن ما أَعْرَبَ عنه القس يثبت عكس ذلك؛ ومن ثَم، فإن وجهِي غير نظيف، وعليَّ أن أشعر بالخجل لذلك.بياتريس: بما أن كارول لم تشعر بالخجل، فإن وجهي غير نظيف؛ لذا، يجب أن أشعر بالخجل.أليس: بما أن بياتريس لم تشعر بالخجل، فإن وجهي غير نظيف؛ لذا، يجب أن أشعر بالخجل. شكل : ثلاث سيداتٍ من وسط غرب البلاد.
إذن، ما الذي أضافه القس إلى ما كانت تعلمه هؤلاء السيدات من قبل؟ لكي تنجح الطريقة التي فكَّرت بها أليس، كان عليها أن تعلم أن بياتريس تعرف أن كارول تعرف أن أليس وبياتريس تعرفان أن إحداهما وجهُها غير نظيف. ولا تصبح هذه المعلومات ممكنة إلا بعد أن يؤدِّي تصريح القس إلى نشر خبر عدم نظافة وجه إحداهن وجعْله أمرًا معروفًا. ومن ثَم، لن يكون صحيحًا فقط أن أليس وبياتريس وكارول يعلمْنَ أن إحداهن وجهها غير نظيف، بل إنهن جميعًا يعلمن أنهن جميعًا على دراية بذلك.
(?-?) مفارقة التنسيق

هل اللحية الكبيرة ضرورية لإحراز تقدُّم في مجال المعرفة التفاعلية؟ الدليل الوحيد الذي أستطيع أن أقدِّمه هو أن الفيلسوف الملتحي ديفيد لويز من جامعة برينستون يتقاسم الفضل مع بوب أومان الملتحي في الإقرار بأهمية المعرفة العامة في نظرية الألعاب. لكنْ ما الذي علينا أن نفعله بما زعمه لويز من أن أيَّ شيءٍ متعارَف عليه لا يُؤخَذ به إلا إذا كان معلومًا للَّاعبين الذي ينوون استخدامه؟
لكي يصبح شيءٌ ما معلومًا ومعروفًا للجميع، فإننا نحتاج إلى نظيرٍ مكافئٍ لرجل الدين الذي تُعْوِزه اللباقة في رواية السيدات الثلاث المتقدِّمات في العمر. لكننا لن نعثر عادةً على رجل دين من هذا القبيل. وبناءً على ذلك، فإن جميع الأمور المتعارَف عليها التي نستخدمها في حياتنا اليومية تفشل في اختبار لويز. فكيف يمكنها إذن تحقيق نجاح جيد؟
يشرح علماء الكمبيوتر الذين يساورهم القلق حيال تداعيات النُّظم الموزعة المسألةَ بسرد رواية عن جنرالين بيزنطيين يحاولان تنسيق هجوم على جيش مُعادٍ يقبع في وادٍ يفصل بينهما، لكنني أفضِّل تقديم مثال أقل دراميةً.
يريد كلٌّ من أليس وبوب أن يتقابلا غدًا في نيويورك. تبعث أليس برسالة بريد إلكتروني إلى بوب تقترح عليه فيها أن يتقابلا وقت الظهيرة في محطة جراند سنترال. ويرسل إليها بوب رسالة تأكيد على الموعد بالبريد الإلكتروني. ستكون هذه الرسائل المتبادَلة كافية بالنسبة إلى معظمنا، لكن لويز سيعترض بأن الاتفاق غير معروف؛ لأن بوب لا يعلم أن أليس تسلَّمت الرسالة التي بعث بها إليها للتأكيد على الموعد الذي اقترحته؛ لذا، على أليس أن تبعث برسالة بريد إلكتروني إلى بوب لتأكيد استلامها لتلك الرسالة، وهكذا. وبما أنه يوجد دائمًا احتمال صغير بعدم استلام إحدى رسائل البريد الإلكتروني هذه، فإن محاولتهما للاتفاق على عُرفٍ معين لن تصبح أمرًا معلومًا لهما.
لكن لماذا ينبغي أن يكون العُرف معلومًا حتى يُطبَّق؟ درسَ آرييل روبنشتاين هذا السؤال عن طريق تحليل لعبة مراسلات بريد إلكتروني جديدة تحلُّ فيها لعبة اصطياد الظبي من الفصل الرابع محلَّ لعبةِ مقابلة أليس وبوب. ويتمثَّل الأمر المبدئي المتعارَف عليه أن على أليس وبوب أن يلعبا «حمامة» في لعبة اصطياد الظبي، لكن مسمَّيات استراتيجياتهما تُعكَس كل فترة وأخرى؛ بحيث سيؤدِّي اختيار «حمامة» إلى لعب «صقر» في واقع الأمر. وتلاحظ أليس وحدها هذا الأمر عند حدوثه. وترسل رسالة بريد إلكتروني إلى بوب تقول إن عليهما أن يلعبا «صقر» في هذه الحالة بدلًا من «حمامة». ويرسل بوب تلقائيًّا تأكيدًا على استلام الرسالة. ثم ترسل أليس تلقائيًّا تأكيدًا على استلام تأكيد بوب، وهكذا.
تشير إحدى الاستراتيجيات في لعبة مراسلات البريد الإلكتروني إلى ما إذا كان يجب أن تُلعب استراتيجية «حمامة» أو «صقر» بناءً على عدد الرسائل التي تسلَّمها كل لاعب. ويمكننا عندئذٍ أن نختصر السؤال المعلوم عمومًا بالسؤال عما إذا كان ثمة شكل من توازن ناش في لعبة مراسلات البريد الإلكتروني ينجح فيه كلٌّ من أليس وبوب دائمًا في تنسيق التوازن الذي يفضِّله كلاهما في لعبة اصطياد الظبي. ويقتضي توازن ناش الوحيد في «حمامة» عندما لا تُرسَل أي رسالة أن يلعبا دائمًا لعبة مراسلات البريد الإلكتروني التي يلعب فيها كلٌّ من أليس وبوب دائمًا «حمامة» بصرف النظر عن عدد الرسائل التي ربما يتسلَّمانها.
مع ذلك، تتغيَّر الصورة عندما نسمح لأليس وبوب بأن يختارا ما إذا كانا سيرسلان رسائل ويتسلَّمانها أم لا. وبذلك، تحتوي النسخة المعدَّلة من لعبة مراسلات البريد الإلكتروني على العديد من توازنات ناش، التي يقتضي أبرزها أن يلعب كلا اللاعبَيْن «صقر» كلما اقترحت أليس أن تختار ذلك ويوافقها بوب، كالحال عندما يتفق الأصدقاء على أن يتقابلوا في مقهًى. لكن، ثمة توازنات ناش أخرى يستقر فيها اللاعبان على «صقر» فقط بعد تبادل العديد من المراسلات لتأكيد تأكيداتٍ كثيرة. يعاني مضيفو حفلات العشاء الراقية من هذه التوازنات عندما يبدأ ضيوفهم في التحرك ببطءٍ شديدٍ نحو الباب في نهاية الحفل، متوقفين كل بوصة أو نحو ذلك حتى يستطيع المضيف والضيف أن يؤكِّد كلٌّ منهما للآخر مرارًا وتكرارًا أن مغادرة الحفل في هذا الوقت مقبولة اجتماعيًّا من الجانبين.
إنَّ الاستنتاج البديهي إذن أن الأعراف لا يلزم بالضرورة أن تكون أمرًا معلومًا حتى تُجدي نفعًا. تتأسَّس معظم الأعراف بفِعل التطور الثقافي، وتتيح اعتبارات الثبات التطوري أحيانًا الإمكانية لاستبعاد بعض توازنات ناش؛ ففي النسخة المعدَّلة من لعبة مراسلات البريد الإلكتروني، قد يأمل المرء أن تؤدِّي هذه الاعتبارات في النهاية إلى استبعاد التوازنات التي ينشأ عنها «طول فترات الوداع» بعد حفلات العشاء، لكن هذا التوقع غير جيد؛ فمن سخرية القدر أنَّ توازن روبنشتاين فقط، الذي يلعب فيه كلٌّ من أليس وبوب «حمامة» بصرف النظر عما يَحدث، يفشل في اجتياز أيٍّ من اختبارات الثبات التطوري المناسِبة.
(?) مسألة مونتي هول

ألِيس متسابقةٌ في برنامج مسابقات قديم يقدِّمه مونتي هول. ويجب أن تختار صندوقًا من ثلاثة صناديق؛ حيث يحتوي صندوق واحد منها على جائزة. يَعرف مونتي الصندوق الذي يحتوي على الجائزة، لكن أليس لا تعرف. وبعد أن تختار أليس الصندوق رقم ?، يفتح مونتي أحد الصندوقين الآخرَين الذي يعلم أنه فارغ. وتكون لدى أليس إذن الفرصة لتغيير رأيها بشأن الصندوق الذي اختارته. فماذا عليها أن تفعل؟
عادةً ما يرى الناس أنه لا فرقَ بين أن تختار أليس الصندوق رقم ? أو ?. ويعتقدون أن احتمال فوز أليس عندما اختارت الصندوق رقم ? هو ??/??؛ نظرًا لوجود احتمال متساوٍ في أن تكون الجائزة في أيٍّ من الصناديق الثلاثة. وبعدما اتضح أن أحد الصناديق فارغٌ، فإن احتمال أن يحتوي الصندوق رقم ? على الجائزة يرتفع إلى ??/??؛ لأنه يوجد الآن احتمال متساوٍ بأنْ تكون الجائزة في أحد الصندوقين اللذين لم يُفتحا بعد. وإذا بادَلَت أليس الصندوقين، فسيظل احتمال فوزها هو ??/?‏?. فلماذا إذن تزعج نفسها بالتغيير؟
من الواضح أن ماريلين فوس سافان هي صاحبة أعلى نسبة ذكاء سُجِّلت على الدوام. وعندما شرحت في مجلة «باريد» أنه على أليس أن تبدِّل الصندوقين، سخر منها من يزعمون أنهم عباقرة في الرياضيات سخريةً واستهزاءً، لكنها كانت محقَّة.
شكل ??-?: لعبة مونتي هول. يوضح الشكل عوائد أليس فقط، وتُعرَض الحركة الاحتمالية على هيئة مربع. يتضح من مجموعة معلومات أليس أنها لا تعرف أيُّ الصندوقين يحتوي على الجائزة، لكنها تعرف بالفعل الصندوق الذي سيفتحه مونتي. وتظهر مواضع تبديل اختيارها مظلَّلة. يوضح الشكل أنه أيًّا كانت الاستراتيجية التي يختارها مونتي، فإن احتمال فوز أليس يكون ??/?? إذا قررت تبديل الصندوقين.
إنَّ احتمال أن تكون الجائزة في الصندوق رقم ? أو الصندوق رقم ? هو ??/??. وبناءً على ذلك، إذا بَدَّلت أليس إلى أيٍّ من الصندوقين اللذين لم يُفتحا بعد، فسيكون احتمال فوزها هو ??/??.
إنَّ هذه الحُجة بسيطة على نحوٍ خادع. فحتى جهابذة الرياضيات لا يتوصلون أحيانًا إلى معرفة السبب الذي على أساسه يقدِّم تصرف مونتي كل هذا القدر الكبير من المعلومات إلى أليس. وعلى الرغم من ذلك كله، فما كان ليقدِّم أي معلومات مفيدة على الإطلاق لو أنه فتح صندوقًا بطريقة عشوائية وتبيَّن أنه فارغ فحسب، لكنه اختار صندوقًا بعينه عن قصد وكان يعلم أنه فارغ.
مع ذلك، فإنك لا تحتاج إلى أن تسجل أعلى نسبة ذكاء على الإطلاق للتوصل إلى الإجابة الصحيحة إذا كنت على استعداد لأن تَدَع لفون نيومان التفكير بالنيابة عنك. يوضح شكل ??-? اللعبةَ التي تضم كلًّا من أليس وبوب كلاعبَين. ليس من المهم معرفة العائد الذي يحقِّقه مونتي، لكن من الجائز أن نفترض أيضًا أنه يريد لأليس الخسارة. تُنفَّذ حركة احتمالية في البداية لوضع الجائزة في أحد الصناديق الثلاثة. ويقرِّر مونتي بعد ذلك فتح الصندوق رقم ? أو الصندوق رقم ? (ويكون لديه خيار حقيقي واحد فقط عندما تكون الجائزة بالفعل في الصندوق رقم ?)، وتختار أليس بعد ذلك أن تظل ثابتةً على اختيارها للصندوق رقم ? أو تبدِّل به الصندوق رقم ? أو الصندوق رقم ? أيَّهما كان الصندوق الذي لم يفتحه مونتي. لا داعي الآن للتفكير على الإطلاق. إذا قرَّرت أليس دائمًا مبادلة الصندوقين، فإنه يستحيل بناءً على الشكل ألا ندرك أنها ستفوز عندما تكون الجائزة في الصندوق رقم ? أو الصندوق رقم ?، وتخسر عندما تكون الجائزة في الصندوق رقم ?. ومن ثَم، يكون احتمال فوزها هو ??/??.

المراجع والقراءات الإضافية


الفصل الأول

Ken Binmore, Playing for Real (New York: Oxford University Press, 2007). This textbook on game theory is light on mathematics.
Ken Binmore, Natural Justice (New York: Oxford University Press, 2005). Why game theory matters in ethics.
Colin Camerer, Behavioral Game Theory (Princeton: Princeton University Press, 2003). Some aspects of game theory work well in the laboratory, and some don’t. This book surveys the evidence, and looks at possible psychological explanations of deviations from the theory.
John Rawls, A Theory of Justice (Oxford: Oxford University Press, 1972). Rawls is often said to be the greatest moral philosopher of the 20th century. He refers to the maximin principle as the difference principle when proposing it as a rational substitute for maximizing average utility.
John Maynard Smith, Evolution and the Theory of Games (Cambridge: Cambridge University Press, 1982). This beautiful book introduced game theory to biology.
Barry Nalebuff and Avinash Dixit, Thinking Strategically (New York: Norton, 1991). A book-club choice, it contains many examples of game theory in action, both in business and in everyday life.
Sylvia Nasar, A Beautiful Mind (New York: Simon and Schuster, 1998). A best-selling biography of John Nash.
Alvin Roth and John Kagel, Handbook of Experimental Game Theory (Princeton: Princeton University Press, 1995). The survey by John Ledyard documents the immense amount of data supporting the claim that experienced subjects seldom cooperate in the Prisoner’s Dilemma.
John Von Neumann and Oskar Morgenstern, The Theory of Games and Economic Behavior (Princeton: Princeton University Press, 1944). Not a best-seller. Their theory of utility appears in an appendix.
الفصل الثاني

Robert Aumann, Lectures on Game Theory (Boulder, CO: Westview Press Underground Classics in Economics, 1989). The classroom notes of one of the great game theorists.
Ken Binmore, Does Game Theory Work? (Cambridge, MA: MIT Press, 2007). This book includes my own experiment on zero-sum games and references to others.
Steve Heine, John von Neumann and Norbert Wiener (Cambridge, MA: MIT Press, 1982). I write ‘Von Neumann’ rather than ‘von Neumann’ because one gets into trouble in some parts of the German-speaking world for according him the title that his father bought from the Hungarian government.
J. D. Williams, The Compleat Strategyst (New York: Dover, 1954). A delightful collection of simple two-person, zero-sum games.
الفصل الثالث

Robert Aumann, ‘Interactive Epistemology’, International Journal of Game Theory, 28 (1999): 263–314.
Martin Gardner, Mathematical Diversions (Chicago: University of Chicago Press, 1966) and Hexaflexagons (Chicago: University of Chicago Press, 1988). These books gather together many delightful games and brainteasers from the author’s long-standing column in Scientific American.
Robert Gibbons, Game Theory for Applied Economists (Princeton: Princeton University Press, 1992). An unfussy introduction to game theory, with an orthodox treatment of refinements.
David Lewis, Counterfactuals (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1973).
Larry Samuelson, Evolutionary Games and Equilibrium Selection (Cambridge, MA: MIT Press, 1997). This includes our paper on the replicator dynamics in the Ultimatum Game.
الفصل الرابع

Steven Brams, Superior Beings: If They Exist, How Would We Know? Game Theoretic Implications in Omniscience, Omnipotence, Immortality and Comprehensibility (New York: Springer Verlag, 1983).
John Harsanyi and Reinhard Selten, A General Theory of Equilibrium Selection in Games (Cambridge, MA: MIT Press, 1988).
David Hume, A Treatise of Human Nature (Oxford: Clarendon Press, 1978; first published 1739). Arguably the greatest work of philosophy ever.
David Lewis, Conventions (Princeton: Princeton University Press, 1969).
Thomas Schelling, The Strategy of Conflict (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960). Schelling once bravely told a large audience of game theorists that game theory had contributed nothing whatever to the theory of focal points—except perhaps the idea of a payoff table!
Thomas Schelling, Micromotives and Macrobehavior (New York: Norton, 1978). Schelling’s Solitaire and a lot more.
Brian Skyrms, The Stag Hunt and the Evolution of the Social Structure (Cambridge: Cambridge University Press, 2003).
Peyton Young, Individual Strategy and Social Structure: An Evolutionary Theory of Institutions (Princeton: Princeton University Press, 1998).
الفصل الخامس

Bob Axelrod, Evolution of Cooperation (New York: Basic Books, 1984). This book sold the world on the idea that reciprocity matters.
‘Review of The Complexity of Cooperation by Ken Binmore’, Journal of Artificial Societies, http://jasss.soc.surrey.ac.uk/1/1/review1.html. The book is a sequel to Axelrod’s Evolution of Cooperation; the review assesses his reiterated claims for TIT-FOR-TAT. See also Karl Sigmund’s Games of Life (Chapter 8 below).
Joe Heinrich et al. (eds), Foundations of Human Sociality: Economic Experiments and Ethnographic Evidence from Fifteen Small-Scale Societies (New York: Oxford University Press, 2004). An attempt to refute the repeated-game explanation of social norms that backfired. The paper by the anthropologist Jean Ensminger is particularly instructive.
George Mailath and Larry Samuelson, Repeated Games and Reputations: Long-Term Relationships (New York: Oxford University Press, 2006). Folk theorems with imperfect monitoring for mathematicians.
Bob Trivers, Social Evolution (Menlo Park, CA: Cummings, 1985). Reciprocity and much else in animal societies.
الفصل السادس

Helena Cronin, The Ant and the Peacock (Cambridge: Cambridge University Press, 1991).
John Harsanyi, Rational Behaviour and Bargaining Equilibrium in Games and Social Situations (Cambridge: Cambridge University Press, 1977).
Roger Myerson, Game Theory: Analysis of Conflict (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1991).
الفصل السابع

Ken Binmore and Paul Klemperer, ‘The Biggest Auction Ever: The Sale of British 3G Licences’, Economic Journal, 112 (2002): C74–C96.
R. Cassady, Auctions and Auctioneering (Berkeley, CA: University of California Press, 1967). Lots of good stories.
Paul Klemperer, Auctions: Theory and Practice (Princeton: Princeton University Press, 2004).
Paul Milgrom, Putting Auction Theory to Work (Cambridge: Cambridge University Press, 2004).
الفصل الثامن

John Alcock, The Triumph of Sociobiology (Oxford: Oxford University Press, 2001). Sociobiologists aren’t the intellectual fascists they have been painted. Aside from offering wonderful examples of real sociobiology in action, this book lays bare the dishonest campaign of vilification directed at Edward Wilson and his followers by Gould, Lewontin, and other politically motivated polemicists.
Ken Binmore and Larry Samuelson, ‘Evolutionary Stability in Repeated Games Played by Finite Automata’, Journal of Economic Theory, 57 (1992): 278–305.
Richard Dawkins, The Selfish Gene (Oxford: Oxford University Press, 1976). One of the great works of popular science.
Peter Hammerstein, Genetic and Cultural Evolution of Cooperation (Cambridge, MA: MIT Press, 2003).
William Hamilton, The Narrow Roads of Geneland (Oxford: Oxford University Press, 1995). A collection of some of Bill Hamilton’s path-breaking papers in evolutionary biology. The papers themselves are not easy reading for the general reader, but the linking remarks are a fascinating social commentary on how it was to be a graduate student in the old days, doing work so original that the academic establishment was unable to appreciate its value.
John Maynard Smith, Evolution and the Theory of Games (Cambridge: Cambridge University Press, 1984). Many wonderful examples.
Karl Sigmund, Games of Life: Explorations in Ecology, Evolution and Behaviour (Harmondsworth: Penguin Books, 1993). Among other delights, this book reports on some of the author’s computer simulations with Martin Nowack. Their name for TIT-FOR-TAT is PAVLOV (see Chapter 5).
James Watson, The Double Helix: A Personal Account of the Discovery of the Structure of DNA (New York: Touchstone, 1968).
Vero Wynne-Edwards, Animal Dispersion in Relation to Social Behaviour (Edinburgh: Oliver and Boyd, 1962).
الفصل التاسع

Ken Binmore, Playing for Real (New York: Oxford University Press, 2007). Four chapters are devoted to bargaining issues.
Ken Binmore, Natural Justice (New York: Oxford University Press, 2005). This book explains why I side with Rawls rather than Harsanyi on the implications of using the original position to make fairness judgements.
Roger Fisher et al., Getting to Yes (London: Houghton Mifflin, 1992). This best-seller argues that good bargaining consists of insisting on a fair deal. Thinking strategically is dismissed as a dirty trick!
Howard Raiffa, The Art and Science of Negotiation (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1982).
الفصل العاشر

Ken Binmore, Playing Fair: Game Theory and the Social Contract I (Cambridge, MA: MIT Press, 1995). Chapter 3 discusses more fallacies of the Prisoner’s Dilemma that circulate in the philosophical literature.
Bob Frank, Passions with Reason (New York: Norton, 1988). An economist makes a case for the transparent disposition fallacy.
David Lewis, Conventions: A Philosophical Study (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1969).
J. E. Littlewood, Mathematical Miscellany (Cambridge: Cambridge University Press, 1953). I was a schoolboy when I first came across the paradox of three old ladies in this popular work by one of the great mathematicians.

مصادر الصور


(1-5) © 2004 TopFoto.
(1-6) © Robert P. Matthews/Princeton University/Getty Images.
(2-1) © iStockphoto.
(4-1) © Hulton Archive/Getty Images.
(5-1) © Peter Arnold Inc./Alamy.
(6-2) © iStockphoto.
(7-2) © Hiu Yin Leung/Fotolia.
(8-3) © Michael and Patricia Fogden/Corbis.
(10-3) © Library of Congress, Prints and Photographs Division, FSA-OW1 Collection (reproduction no. LC-USF33-012381-M5 DLC).