Advertisement

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين 001



الكتاب: نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين
المؤلف: آمال صادق - فؤاد أبو حطب
الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية
الطبعة: الرابعة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] مقدمة
...
تقديم الطبعة الرابعة:
تصدر الطبعة الرابعة من كتاب "نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين" بعد أن استقبلت طبعاته السابقة بحمد الله وتوفيقه استقبالًا كريمًا طيبًا من الأروقة الأكاديمية في مصر والعالم العربي, وهو ما يحمل من معاني المسئولية أكبر مما يحمل من الشعور بالفخر والاعتزاز.
وهذا الكتاب هو كتابنا المشترك الثاني بعد كتابنا الأول: "علم النفس التربوي", وإذا كان موضوع هذا الكتاب هو "نمو الإنسان", فإنه بذلك يعد امتدادًا وتوسيعًا لآفاق كتابنا الأول، فعلم نفس النمو لم يستقل أبدًا عن ميدان علم النفس التربوي مجاله الرحب وأفقه الواسع، فكل بحث في النمو الإنساني وكل دراسة حوله إنما تتم وعين الكاتب وقلب الباحث على طرق تويجه هذا النمو؛ بحيث يتحقق للإنسان في كل مراحل حياته هذا التآلف السعيد بين عالمه الشخصي وعالمه الاجتماعي، وعلماء النفس التربويون هم كتيبة من فيلقٍ عظيم من المتخصصين في العلوم الإنسانية, يسعون جاهدين ليحققوا للإنسان حلمه المنشود.
والكتاب الذي بين يديك هو وصف لأبدع رحلات الإنسان، هذه الرحلة المعجزة التي تبدأ به خلية أحاديث التكوين, ويتحول خلالها إلى جنين, فطفل, فمراهق, فشاب, فراشد, فكهل, ثم إلى شيخ, فهرم فانٍ. هذه الرحلة التي وصفها القرآن الكريم في مواضع كثيرة، والتي تتضمن الكثير من آيات الله -سبحانه وتعالى- وسنته في خلقه.
وقد وجَّه تصنيف مراحل النمو في هذا الكتاب تقسيم القرآن الكريم لها.
يقول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} . [الروم: 54] .
وقد عبَّر الكتاب عن هذه المراحل الثلاث الكبرى بما نسميه: "المراحل الكبرى" في حياة الإنسان, أو "الأعمال الثلاثة" للإنسان, ومعنى ذلك أن هذا الكتاب لم يلتزم بالتقسيم الشهير لنمو الإنسان, وإنما سار على نحو يتفق مع التقسيم
(1/5)

القرآني إلى مرحلتين للضعف, بينهما مرحلة قوة, هي مرحلة الرشد, والضعف الأول "ضعف الطفولة والصبا والشباب" هو ضعف التحول إلى الرشد، أما الضعف الثاني: "ضعف الشيخوخة والهرم" فهو ضعف التحول عن الرشد.
وقد جاءت الطبعة الرابعة من الكتاب في ستة أبواب. تناول الباب الأول الأسس العامة التي تقوم عليها دراسة النمو الإنساني, ويتألف من خمسة فصول. تناول الفصل الأول طبيعة النمو الإنساني وقضاياه الأساسية, وفي الفصل الثاني: عرض لأصول علم النفس في الغرب، وفي الفصل الثالث: محاولة لتحديد الوجهة الإسلامية لعلم نفس النمو, وتطلَّبَ ذلك السعي البحثَ في النمو الإنساني كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ثم عند فقهاء المسلمين ومفكريهم وفلاسفتهم, ثم بناء نموذج النمو الإسلامي في هذا الإطار الإسلامي الشامل.
وفي الفصل الرابع: عرض لمناهج البحث في النمو الإنساني؛ بدأناه بتوصيف مركز للصلة الوثيقة بين المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة، ثم تناولنا بشيء من التفصيل والتقويم الطرق المنوعة التي يستخدمها الباحثون المحدثون في هذا الميدان. أما الفصل الخامس: فقد خصصناه للنماذج النظرية للنمو الإنساني, مع التركيز خاصةً على نموذج بياجيه في النمو المعرفي، ونموذ إريكسون في النمو الانفعالي والوجداني، ونموذج كولبرج في النمون الخلقي والاجتماعي.
أما الباب الثاني: فيتناول مرحلة الجنين, والتي تعد جزءًا من العمر الأول للإنسان, والعمر الأول للإنسان هو تلك المرحلة الكبرى التي تبدأ بتكوين الجنين في الرحم, وتنتهي بدخول الإنسان عالم الراشدين, هي مرحلة تتسم بالضعف حسب الوصف القرآني لها، إلّا أنه ضعف التحول إلى القوة "أي: الرشد". ولهذا نلاحظ على هذه المرحلة الكبرى تحسنًا مستمرًّا مضطردًا يومًا بعد يوم, وعامًا بعد عام, تحقيقًا لهذه الغاية. وقد جاء الباب الثاني حول أطوار مرحلة الجنين في ثلاثة فصول, التزمنا فيها بالتقسيم القرآني لها؛ ففي الفصل السادس تناولنا تكوين النطفة, وفي الفصل السابع عرضنا لأطوار نمو الجنين ابتداءً من طور النطفة الأمشاج, فطور العلقة, فطور المضغة, فطور تكوين العظام والعضلات "اللحم", فطور التسوية، ثم خصَّصّنا الفصل الثامن لرعاية الجنين والأم الحامل.
ويمتد العمر الأول للإنسان إلى الباب الثالث الذي خصصناه لمرحلة الطفولة.
ومرة أخرى التزمنا في تصنيف أطوار هذه المرحلة بالتقسيم الإسلامي لها, وقد
(1/6)

جاء هذا الباب في أربعة فصول, فتناول الفصل التاسع طور الوليد، والفصل العاشر طور الرضيع، والفصل الحادي عشر طور الحضانة، والفصل الثاني عشر طور التمييز.
ومع تقدم الإنسان في النمو في عمر ضعفه الأول تزداد قوته توجهًا نحو الرشد، ولهذا خصصنا الباب الرابع للمرحلة الأخيرة من مراحل هذا العمر الأول, وهي مرحلة المراهقة والشباب, وقد جاء تناولها في فصلين موجهين مرةً أخرى بالمنظور الإسلام؛ ففي الفصل الثالث عشر تناول لطور بلوغ الحلم "أو المراهقة"، وفي الفصل الرابع عشر معالجة لطور بلوغ السعي "أو الشباب".
ويتناول الباب الخامس "العمر الثاني للإنسان" وهو الرشد الإنساني والقوة البشرية, والذي يمتد إلى أن يصل بالإنسان إلى ضعفه الجديد مع الشيخوخة, وقد جاء عرضنا لهذه الفترة الكبرى في أربعة فصول، فيعرض الفصل الخامس عشر لحدود الرشد, وكان موجهًا في هذا التحديد بالمحك الإسلامي، وفي تقيسم هذا العمر إلى مراحله وأطواره, وكان التزامنا -كالشأن في المراحل والأطوار السابقة- بالتوجيه الإسلامي، ولهذا تناول الفصل السادس عشر طور بلوغ الرشد "أو ما يسمى الرشد المبكر"، والفصل السابع عشر طور بلوع الأشد "أو ما يسمى وسط العمر", ثم خصصنا الفصل الثامن عشر لموضوعٍ هو الشغل للمربين المعاصرين, وهو التعلم مدى الحياة للإجابة على السؤال الهام: كيف يتعلم الراشدون؟
وفي الباب السادس والأخير: يتناول الكتاب "العمر الثالث للإنسان" أي: مرحلة ضعف المسنين, وقد جاء عرضنا لهذه المرحلة في أربعة فصول موجهة كلها بالمنظور الإسلامي؛ ففي الفصل التاسع عشر عرضنا لحدود الضعف الثاني, وهي حدود الشيخوخة والهرم، وقد تطلَّب ذلك مناقشة مفصلة للمحكّات الشائعة في الوقت الحاضر, ومناقشتها في ضوء المحك الإسلامي، وقد خصصنا لهذا الموضوع الفصل التاسع عشر، أما الفصل العشرون: فقد تناول التغيرات التي تطرأ على الإنسان في طور الشيخوخة، وهو الذي يسميه القرآن الكريم أرذل العمر. وكان لابد أن ينتهي هذا الباب كما ينتهي الكتاب بفصلٍ عن رعاية المسنين, وهو الفصل الثاني والعشرون.
وهكذا نجد بإزاء تصور للنمو على أنه "دورة حياة", وليس مراحل منفصلة متقطعة, وإذا كان هذا التصور لم يشع في كتابات علم نفس النمو إلّا منذ سنوات
(1/7)

قليلة، فإن القرآن الكريم بإعجازه العلميّ الرفيع, عبَّر عنه بأبلغ تعبير منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا.
يقول الله تعالى في سورة الحج:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ... } .
وهذا الكتاب ما هو إلّا محاولة علمية لخدمة هذه الآيات البينات، ونحن نفضل أن يكون "العلم في خدمة القرآن الكريم", وقد حاولنا ما استطنا أن نعيد تنظيم المعرفة السيكولوجية المتاحة في هذا الإطار القرآني العظيم، سعيًا لتحديد وجهة إسلامية لعلم نفس النمو، ونرجو من الله -سبحانه وتعالى- أن نكون قد وفقنا في تحقيق هذه الغاية النبيلة.
ولم يبق لنا أن نقول إلّا ما قلناه عند تقديم كتابنا الأول "علم النفس التربوي" وأيضًا في الطبعات السابقة من هذا الكتاب, من أننا نعتبر الجهد الذي بذلناه فيه رسالة ولاء لوطن أحببناه, وعلم كرسّنا حياتنا له، وهو ثمرة أخرى من ثمار عمرنا المشترك الذي قضيناه زوجين ووالدين وجدين ومعلمين وباحثين في علم النفس، والله نسأل أن ينفع به قارئه ودارسه, إنه سبحانه وتعالى هو الموفق إلى سواء السبيل.
أ. د فؤاد عبد اللطيف أبو حطب
أستاذ علم النفس التربوي
كلية التربية جامعة عين شمس
ومدير المركز القومي للإمتحانات والتقويم التربوي
أ. د آمال أحمد مختار صادق
أستاذ علم النفس التربوي
كلية التربية جامعة حلوان
نائب رئيس جامعة حلوان
لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة
القاهرة
صفر 1419 هـ
يونية 1998 م
(1/8)

الباب الأول: الأسس العامة
الفصل الأول: طبيعة النمو الإنساني
مدخل
...
الباب الأول: الأسس العامة
الفصل الأول: طبيعة النمو الإنساني
إن الذين يبحثون عن إجاباتٍ سهلة لأسئلتهم, وحلول جاهزة لمشكلاتهم, سوف يجدون النمو الإنساني موضوعًا محبطًا لتوقعاتهم، أما الذين يتسامحون مع الغموض, ويحبون التعامل مع الأسئلة التي لم يجب عنها بعد, بل الذين يفضلون الموضوعات التي تطرح المزيد من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات, فسوف يجدون فيه موضوعًا للتحدي والاستثارة، بل والإبداع العلمي.
والسؤال الذي نبدأ به هذا الكتاب هو: ما النمو؟ إن معظم دارسي هذا الموضوع -كغيرهم من دارسي الفروع الأخرى من علم النفس- يختلفون عن دارسي العلوم الطبيعية والبيولوجية, في أنهم يشعرون بأن موضوعهم مألوفٌ لديهم قبل البدء في أي دراسة منظمة له، فنحن جميعًا نعرف شيئًا عن أنفسنا في مراحل عمرنا المختلفة, وكلٌّ منا لاحظ عن قرب شخصًا آخر ينمو، طفلًا أو شابًا أو راشدًا أو كهلًا أو شيخًا، وكثيرون منا ساهموا في هذه العملية من خلال أدوار الوالدية, أو عمليات التنشئة والتطبيع، ومعظمنا سمع البرامج, وشاهد الأفلام, وقرأ ما هو شائع عن تقدم الإنسان وتدهوره في مختلف مراحل حياته، ولهذا السبب ربما يكون موضوع النمو هو الموضوع الوحيد من بين موضوعات مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية الذي يجعل قارئه مشاركًا مع كاتبه في حوار دائم، يتفق معه ويختلف، بل قد يشعر في كثير من الأحيان أن خبرته الشخصية لا تدعم النتائج التي تَمَّ التوصل إليها.
إلَّا أن الألفة الشديدة بموضوع البحث قد تكون عائقًا أكثر منها ميزة؛ فهناك خطر حقيقيٌّ على الفهم العلمي عندما يقترب المرء من موضوع البحث مزودًا بأفكار مسبقة راسخة عنه، وخاصة إذا كانت هذه الأفكار هي من نوع المعتقدات الشائعة في الحكمة الشعبية أو الفهم العام, وبالطبع فإن الفهم العام قد يتفق أحيانًا مع الملاحظة العلمية, إلّا أنه في كثير من الأحيان لا يتفق, خذه بعض الأمثلة على ذلك: يذكر الفولكلور التربوي أن الأطفال الذين يحظون بالاهتمام الوالديّ المباشر عند كل صيحة تصدر عنهم, سوف يصبحون مدلَّلِين معتمدين. كما يذكر أيضًا
(1/3)

إنه إذا غابت العصا "أي: العقاب" يفسد الطفل. ويذكر ثالثًا أن الأطفال الذين ينشأون وسط عائلات كبيرة يكون محصولهم اللغوي أكبر من أطفال الأسر الصغيرة, ناهيك أنه قد ظهرت على مدى التاريخ الإنساني وجهات نظر متباينة حول طبيعة الطفل، ومن ذلك مثلًا: هل يولد الطفل وشخصيته الأساسية كاملة التكوين؟ أم أن هذه الشخصية تحددها أساليب التنشئة الاجتماعية وخاصة التنشئة الوالدية؟ هل الأطفال متوحشون صغار؟ ودور المجتمع أن يعلمهم السلوك المدني؟ أم أنهم يولدون كائنات أخلاقية ويعلمهم المجتمع الجشع والأنانية؟ هذه بعض أفكار الفهم العام التي لا يوجد دليل علمي يدعمها، بل إن بعضها توجد حوله ثروة من الأدلة التي تدحضه.
ولم يتطور العلم إلّا عندما أنشأ مناهجه في البحث وطرقه في الدراسة, والتي بها نزداد فهما للقضايا الخلافية، فالخبرة الشخصية والفهم العام قد يكون نقطة البداية في دراسة النمو، إلّا أن اللجوء إلى الملاحظة العلمية المنظمة يساعد على ترشيد فهمنا لنمو السلوك الإنساني على أساس أدلة الواقع وشواهده، بالإضافة إلى أنها تعيننا على تغيير نظرتنا, وتوسيع آفاق وعينا، وكلما ازددنا تعلمًا بالأسلوب العلمي, يمكننا أن نرى أبعادًا جديدة في التفاصيل الكثيرة المألوفة في دورة الحياة الإنسانية.
(1/4)

موضوع علم نفس النمو:
النمو الإنساني أرض مشتركة لعدد من العلوم الإنسانية الاجتماعية والبيولوجية الفيزيائية، وتشمل علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم الأجنة وعلم الوراثة وعلم الطب، إلّا أن علم النفس يقف بين هذه العلوم بتميزه الواضح يتناول هذه الظاهرة, وأنشأ فرعًا منه يختص بدراستها, هو علم نفس النمو "أو علم النفس الارتقائي, كما يسمى أحيانًا" Developmental psychology, ومع ذلك فإن تنوع المعارف التي زودتنا بها العلوم الأخرى، ووفرة هذه المعلومات تدعونا إلى وصف هذا المجال بأنه من نوع المجالات العلمية المشتركة Interdisciplinary, التي يحتاج أصحابها إلى كل ما توفر مصادر المعرفة الأخرى الوثيقة الصلة به.
وعلم نفس النمو هو فرع علم النفس الذي يهتم بدراسة التغيرات التي تطرأ على سلوك الإنسان من المهد -بل وقبله- إلى اللحد, ويحدد بجنر "Bigner, 1983: 5" الاهتمامات التي تشغل العلماء في هذا الميدان بالأسئلة العشرة الآتية:
(1/4)

"1" ما نمط التغير الذي يطرأ على الإنسان مع نموه؟
"2" ما التنظيم الذي تتخذه حياة الإنسان في دورتها الكلية أو مداها الكامل؟
"3" ما الخصائص المميزة للنمو في كل مرحلة من مراحل دورة الحياة؟
"4" ما الذي نتوقعه من الفرد في كل مرحلة من مراحل حياته؟
"5" ما درجة الاتساق في التغير من مرحلة إلى أخرى في حياة الإنسان؟
"6" ما درجة العمومية والتفرد في الشخصية الإنسانية في مراحل حياة الإنسان المختلفة؟
"7" ما الذي يمكن أن نقدمه للإنسان حتى يفهم مسيرة حياته تجنبًا لمشاعر القلق أو الخوف من المستقبل؟
"8" ما الذي يمكن أن تقدمه دراستنا لنمو سلوك الآخرين في فهم نمونا الذتي؟
"9" ما العوامل والقوى والمتغيرات التي تؤثر في النمو الإنساني عبر مدى الحياة؟
"10" ما الذي يمكن أن تقدمه دراسة النمو في مواجهة متطللبات الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل؟
وقد حاول علماء النفس الإجابة على بعض هذه الأسئلة طوال أكثر من مائة عام انقضت حتى الآن "عام 1998" منذ النشأة العلمية المنظمة لعلم نفس النمو.
وفي كل مرحلة من مراحل نمو هذا العلم سادت بعض الاهتمامات وتضاءلت أخرى.
فعندما ظهر هذا العلم في أواخر القرن التاسع عشر, كان تركيزه على فترات عمرية خاصة, وظلَّ على هذا النحو لعقود طويلة متتابعة, وكانت الاهتمامات المبكرة مقتصرة على أطفال المدارس، ثم امتدَّ الاهتمام إلى سنوات ما قبل المدرسة، وبعد ذلك إلى سن المهد "الوليد والرضيع"، فإلى مرحلة الجنين "مرحلة ما قبل الولادة".
وبعد الحرب العلامية الأولى بقليل, بدأت البحوث حول المراهقة في الظهور والذيوع, وخلال فترة ما بين الحربين ظهرت بعض الدراسات حول الرشد المبكر، إلّا أنها لم تتناول النمو في هذه المرحلة بالمعنى المعتاد، بل ركزت على قضايا معينة مثل ذكاء الراشدين وسمات شخصياتهم, ويذكر مايلز miles, 1933" أنه حتى عام 1933 لم تتجاوز بحوث سيكولوجية النمو السنوات الخمس والعشرين الأولى من حياة الإنسان، بينما تركت السنوات الخمسون أو الستون التالية "والتي
(1/5)

تشمل مراحل الرشد والشيخوخة" للتراث القصصي والفولكلور النفسي والاجتماعي والانطباعات الشخصية.
ومنذ الحرب العالمية الثانية ازداد الاهتمام التدريجي بالرشد، وخاصةً مع زيادة الاهتمام بحركة تعليم الكبار, أما الاهتمام بالمسنين فلم يظهر بشكلٍ واضحٍ إلّا منذ مطلع الستيات من هذا القرن، وكان السبب الجوهري في ذلك الزيادة السريعة في عددهم, ونسبتهم في الإحصاءات السكانية العامة، وما تتطلب ذلك من دراسة لمشكلاتهم, وتحديد أنواع الخدمات التي يجب أن توجه إليهم.
وتذكر هيرلوك "Hurlock, 1980" سببين جوهرين لهذا الاهتمام غير المتكافئ بمراحل العمر المختلفة في مجال علم نفس النمو هما:
1- الحاجة إلى حل المشكلات العملية التطبيقية:
من الدوافع الهامة التي وجَّهَت البحث في مجال علم نفس النمو الضروروات العملية, والرغبة في حلِّ المشكلات التي يعاني منها الأفراد في مرحلة عمرية معينة, ومن ذلك أن بحوث الطفولة بدأت في أصلها للتغلب على الصعوبات التربوية والتعليمية لتلاميذ المدرسة الابتدائية، ثم توجهت إلى المشكلات المرتبطة بطرق تنشئة الأطفال على وجه العموم، ووجّه البحث في محلة المهد الرغبة في معرفة ما يتوافر لدى الوليد من استعدادات يولد مزودًا بها، أما البحث في مرحلة الرشد فقد وجهه الدافع إلى دراسة المشكلات العملية المتصلة بالتوافق الزواجي, وأثر تهدم الأسرة على الطفل, وقد أشرنا فيما سبق إلى العوامل التي وجهت البحث في مجال الشيخوخة.
2- الصعوبات المنهجية في دراسة بعض مراحل العمر:
على الرغم من الاهتمام بدراسة المراحل المختلفة لدورة الحياة لدى العامة المتخصصين على حدٍّ سواء، إلّا أن البحث في بعض هذه المراحل عاقته بعض الصعوبات المنهجية، فالحصول على عينات البحث مثلًا أسهل في حالة تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، وتؤثر بعض الاتجاهات الوالدية في تعويق البحث في بعض المراحل، كأن ترفض الأمهات والآباء تعرض أطفالهم الرضع للبحث العلمي خوفًا عليهم من الأذى، وبالإضافة إلى ذلك, فإن الحصول على المعلومات من الراشدين سواء بتطبيق الاختبارات عليهم, أو إجراء المقابلات الشخصية معهم دونه خرط القتاد، وتزداد هذه الصعوبة مع تقدم الإنسان في السن، ولعل هذا يفسر لنا تركيز بحوث المسنين الحديثة على المودعين بمؤسسات الرعاية، وهم عادةً لا يمثلون الأصل الإحصائي العام في المجتمع.
(1/6)

أهداف البحث في علم نفس النمو:
يمكن القول أن لسيكولوجية النمو هدفين أساسيين: أولهما الوصف الكامل والدقيق قدر الإمكان للعمليات النفسية عند الناس في مختلف أعمارهم, واكتشاف خصائص التغير الذي يطرأ على هذه العمليات في كل عمر. وثانيهما تفسير التغيرات العمرية "الزمنية" في السلوك, أي: اكتشاف العوامل والقوى والمتغيرات التي تحدد هذه التغيرات، والهدف الثاني حديث نسبيًّا، فمن الوجهة التاريخية يمكن القول أن البحث في هذا الميدان منذ نشأته حتى وقتنا الحاضر, تركز على دراسة طبيعة التغير ومعدلاته في الجوانب المختلفة للسلوك؛ مثل: القدرة الحسية والحركية، ووظائف الإدراك والذكاء, والاستجابات الاجتماعية والانفاعالية وغيرها, وهي جميعًا تدخل في باب الوصف, وقد ازداد الاهتمام في السنوات الأخيرة بهدف التفسير, ثم أضيفت أهداف أخرى تتصل بالرعاية والمعاونة والتحكم والتنبؤ، أو باختصار التدخل في التغيرات السلوكية.
1- وصف التغيرات السلوكية:
على الرغم من أن هدف الوصف هو أبسط أهداف العلم إلّا أن أكثرها أساسية، فبدونه يعجز العلم عن التقدم إلى أهدافه الأخرى، والوصف مهمته الجوهرية أن يحقق للباحث "فهمًا" أفضل للظاهرة موضع البحث. ولذلك, فالباحث في علم نفس النمو عليه أن يجيب أولًا على أسئلة هامة مثل: متى تبدأ عملية نفسية معينة في الظهور؟ وما هي الخطوات التي تسير فيها, سواءً نحو التحسن أو التدهور؟ وكيف تؤلف مع غيرها من العمليات النفسية الأخرى أنماطًا معينة من النمو؟
خذ مثلًا على ذلك: إننا جميعًا نلاحظ تعلق الرضيع بأمه، وأن الأم تبادل طفلها هذا الشعور، والسؤال هنا: متى يبدأ شعور التعلق attachment في الظهور؟ وما هي مراحل تطوره؟ وهل الطفل المتعلق بأمه تعلقًا آمنًا يكون أكثر قدرة على الاتصال بالغرباء, أم أن هذه القدرة تكون أكبر لدى الطفل الأقل تعلقًا بأمه؟ هذه وغيرها أسئلة من النوع الوصفي.
ويجاب عن هذه الأسئلة بالبحث العلمي الذي يعتمد على الملاحظة، أي: من خلال مشاهدة الأطفال والاستماع إليهم، وتسجيل ملاحظتنا بدقة وموضوعية.
وكانت أقدم الملاحظات المنظمة المسجلة التي تتعلق بنمو الأطفال ما يسمى: "سير الأطفال", والتي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر, وخلال القرن التاسع
(1/7)

عشر، وتتلخص في وصف نمو طفل واحد "هو في العادة ابن الباحث أو قريبه" في محاولة لتتبع التغيرات في النواحي الحسية والحركة واللغوية والقدرة العقلية.
وعلى الرغم من أن هذه الأعمال لا تعد من نوع الملاحظات العلمية؛ لأنها تتسم بالتحيز والانتقائية, إلّا أنها أثارت اهتمامًا كبيرًا بدراسة الأطفال, وبالمشكلات الجوهرية في سيكولوجية النمو.
وفي نهاية القرن التاسع عشر, أجرى عالم النفس الأمريكي ج. ستانلي هول, أول بحث منظم حول ما أسماه: "محتويات عقول الأطفال"، وقد استخدم لأول مرة مجموعة من الأسئلة يمكن أن يجيب عنها كتابة مجموعات كبيرة من الأطفال. وأعدت هذه "الاستخبارات" لجمع معلومات عن سلوك الأطفال والمرهقين، واتجاهاتهم وميولهم, وقد كان غرض هول -مثل غرض كتاب سير الأطفال- وصف طبيعة "محتويات العقول" وصفًا دقيقًا، ويشمل ذلك الأفكار والمشاعر والانفعالات.
وبزيادة الاهتمام بميدان سيكولوجية النمو ابتكر علماء النفس طرقًا أفضل, وجمعوا بيانات أدق تصف لنا الجوانب المختلفة للنمو, وقد زودتنا نتائج هذه البحوث الوصفية بثروة هائلة من الحقائق الجزئية التفصيلية إلى حد يدفعنا إلى القول بأنه: لا يوجد فرع آخر من فروع علم النفس توافر له ما توافر لعلم نفس النمو من تفاصيل ودقائق المعرفة.
والغرض الذي يسعى إليه الوصف في العلم هو تحقيق درجة عالية من الفهم، ولا شك أن ما يعيننا على مزيد من الفهم, أن ملاحظتنا الوصفية في مجال علم نفس النمو لا تكون عادة منفصلة، وإنما تتخذ في الأغلب صورة النمط أو المتوالية، وحالما يستطيع الباحث أن يصف اتجاهات نمائية معينة, ويحدد موضع الطفل أو المراهق أو الراشد فيها, فإنه يمكنه الوصول إلى الأحكام الصحيحة حول معدل نموه، وهكذا نجد أن هدف الوصف في علم نفس النمو يمر بمرحلتين أساسيتين؛ أولاهما: الوصف المفصل للحقائق النمائية، وثانيتهما: ترتيب هذه الحقائق في اتجاهات أو "أنماط" وصفية كما يسميها فشبن "Fishbein, 1984: 7", وهذه الأنماط قد تكون متآنية في مرحلة معينة، أو متتابعة عبر المراحل العمرية المختلفة.
2- تفسير التغيرات السلوكية:
الهدف الثاني لعلم نفس النمو هو التعمق فيما وراء الأنماط السلوكية التي تقبل الملاحظة، والبحث عن أسباب حدوثها, أي: هدف التفسير, والتفسير يعين الباحث على تعليل الظواهر موضع البحث من خلال الإجابة على سؤال: لماذا؟ بينما
(1/8)

الوصف يجب على السؤال: ماذا؟ وكيف؟
وقد ظلَّ وصف اتجاهات النمو هدفًَا سائدًا في هذا الميدان لسنوات طويلة، ولم تتحول البحوث إلّا في الربع الأخير من القرن العشرين إلى الهدف الثاني, وهو تفسير التغيرات السلوكية التي نلاحظها مع تقدم الإنسان في العمر. ومن الأسئلة التفسيرية: لماذا يتخلف الطفل في المشي, أو يكون أكثر طلاقة في الكلام، أو أكثر قدرة على حل المشكلات المعقدة بتقدمه في العمر؟ وإلى أيّ حدٍّ ترجع هذه التغيرات إلى "الفطرة" التي تشمل فيما تشمل الخصائص البيولوجية والعوامل الوراثية ونضج الجهاز العصبي، أو إلى "الخبرة" أي: التعلم واستثارة البيئة؟
والإجابة على مثل هذه الأسئلة تتطلب من الباحث أن يسير في اتجاهين؛ أحدهما: يجيب على السؤال: لماذا تبدأ متوالية سلوكية معينة في الظهور؟ وثانيهما: لماذا تستمر هذه المتوالية السلوكية في النمو؟ وعادة ما تبدأ الإجابة بتقصي الدور النسبي للفطرة "الوراثة", والخبرة "البيئة".
فمثلًا إذا كان الأطفال المتقدمون في الكلام في عمر معين يختلفون وراثيًّا عن المتخلفين نسبيًّا فيه, نستنتج من هذا أن معدل التغير في اليسر اللغوي يعتمد ولو جزئيًّا على الوراثة, أما إذا كشفت البحوث عن أن الأطفال المتقدمين في الكلام يلقون تشجيعًا أكثر على إنجازهم اللغوي, ويمارسون الكلام أكثر من غيرهم, فإننا نستنتج أن التحسن في القدرة اللغوية الحادث مع التقدم في العمر يمكن أن يعزى -جزئيًّا على الأقل- إلى الزيادة في الاستثارة البيئية.
وفي الأغلب نجد أن من الواجب علينا لتفسير ظواهر النمو أن نستخدم المعارف المتراكمة في ميادين كثيرة أخرى من علم النفس وغيره من العلوم؛ مثل: نتائج البحوث في مجالات التعلم والإدراك والدافعية, وعلم النفس الاجتماعي, وسيكولوجية الشخصية, والوراثة, وعلم وظائف الأعضاء "الفسيولوجيا", والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع.
وإليك بعض الأمثلة على العلاقات بين هذه الموضوعات المتعددة؛ فبعض الخصائص مثل المظهر الجسمي ومعدلات النمو الجسمي والذكاء, وبعض صور الضعف العقلي والمرض العقلي, تتحدد جزئيًّا بالوراثة، ولكي نفهم هذه النواحي فهمًا كاملًا, فإن الأخصائي في سيكولوجية النمو يحتاج إلى بعض المعلومات من علم الوراثة, كما أن التغيرات الجسمية والسلوكية السريعة التي تحدث في فترة المراهقة تتحدد كثيرًا بعمليات فسيولوجية أساسية, منها نشاط الغدد الصماء, والكيمياء الحيوية لجهاز الدم في الجسم، ولبحث هذه الظواهر يجب على علم
(1/9)

النفس أن يحصل على نتائج علم الفسيولوجيا وعلم الغدد الصماء، ومن البحوث التي تجرى في ميدان طب الأطفال تحصل على معلومات هامة عن تأثيرات المرض وسوء التغذية والعقاقير في النمو الجسمي والنفسي.
وكثير من دوافع الشخص ومشاعره واتجاهاته وميوله, تتحدد إلى حدٍّ كبير بالجماعة التي ينتمي إليها, سواء كانت طبقة اجتماعية, أو جماعة دينية, أو جغرافية, أو عنصرية، وقد قدَّم لنا علم الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع حقائق هامة عن أثر البيئة الاجتماعية والثقافة في نمو الشخصية, وفي النمو الاجتماعي للإنسان.
ومن الواضع من هذا كله أن الفهم الشامل لسيكولوجية النمو, والتغيرات النمائية والميكانيزمات والعمليات المحددة له, يتطلب تكامل أنواع عديدة من المعارف التي نحصل عليها من مصادر متعددة للعلم.
وحتى يمكننا الحكم على نتائج البحوث التي أجريت في ميدان النمو, يجب أن نميِّز دائمًا بين الوصف والتفسير؛ فالظواهر يجب أن توصف قبل أن تفسير، ولكن الوصف في حدِّ ذاته لا يعطينا تعليلًا يوضح لماذا تحدث الظاهرة, أو يشرح العوامل أو المحددات التي تؤثر فيها. خذ مثلًا على ذلك إذا وجد الباحث أن الطفل من سن 3 سنوات يميل إلى أن يصبح أكثر ميلًَا إلى السلوك السلبي والمعارضة والعناد من طفل سن الثالثة, هذه النتيجة هي مجرد وصف، ولا تعطي أي معلومات عن الأسباب التي تؤدي بالطفل إلى هذا السلوك, وأخطر ما في الأمر أن يميل المرء إلى تفسير سلوك هذا الطفل في ضوء العمر الزمني وحده، وكأنه بذلك يقول: إن الطفل يميل إلى المعارضة لأن عمره ثلاث سنوات, إن هذه العبارة ليست دقيقة علميًّا, كما أنها ليست مقنعة منطقيًّا.
3- التدخل في التغيرات السلوكية:
الهدف الثالث من أهداف الدراسة العلمية لنمو السلوك الإنساني هو التدخل في التغيرات السلوكية سعيًا للتحكم فيها, حتى يمكن ضبطها وتوجيهها والتنبؤ بها.
ولا يمكن أن يصل العلم إلى تحقيق هذا الهدف إلّا بعد وصف جيد لظواهره وتفسيرٍ دقيق صحيح لها من خلال تحديد العوامل المؤثرة فيها, لنفرض أن البحث العلمي أكد لنا أن التاريخ التربوي الخاطيء للطفل يؤدي به إلى أن يصبح بطيئًَا في عمله المدرسي، ثائرًا متمردًا في علاقاته مع الأفراد، إن هذا التفسير يفيد في أغراض العلاج؛ من خلال تصحيح نتائج الخبرات الخاطئة، والتدريب على مهارات التعامل الاجتماعي مع الآخرين، وقد يتخذ ذلك صورًا عديدة لعل أهمها
(1/10)

التربية التعويضية Compensatory education, والتعلم العلاجي Rmedial Learning.
ولعل هذا الهدف يقودنا إلى مهمة عاجلة لسيكولوجية النمو، وهي مهمة الرعاية والمساعدة, والمتخصص في علم نفس النمو لا يستطيع ذلك إلّا إذا توافر له من الفهم من خلال الوصف والقدرة على التعليل من خلال التفسير ما يمكِّنُه من اقتراح نوع الرعاية المناسبة, وبالطبع فإن الرغبة في المساعدة والرعاية يشترك فيها الأخصائي النفسي مع آخرين غيره؛ منهم الآباء والأمهات والمعلمون والأطباء والممرضون والأخصائيون الاجتماعيون والدعاة والوعاظ والإعلاميون, ومهمة علم نفس النمو أن يقدم لهؤلاء وغيرهم الفهم الواضح, والتعليل الدقيق لظواهر النمو الإنساني.
(1/11)

خصائص النمو الإنساني
النمو عملية تغير
...
خصائص النمو الإنساني:
حتى يتوجه فهمنا لطبيعة النمو الإنساني وجهةً صحيحةً نعرض فيما يلي الخصائص الجوهرية لهذه العملية الهامة.
1- النمو عملية تغير:
كل نمو في جوهره تغير، ولكن ليس كل تغير يعد نموًّا حقيقيًّا, وتستخدم كلمة نمو في التراث السيكولوجي العربي المعاصر ترجمة لكلمة Development، ولو أنها ليست الترجمة الدقيقة، فالأصح أن تترجم هذه الكلمة الإنجليزية بكلمة "تنمية", وهناك ترجمة محدودة للكلمة بمعنى: "ارتقاء", حين يستخدم مصطلح "علم النفس الارتقائي"، ترجمة لعبارة Developmental Psychology كما أشرنا. وفي هذا الصدد قد يقتصر استخدام كلمة نمو على أن تكون ترجمة لكلمة Growth, والتي يقصر البعض استخدامها على الزيادة الإضافية في مقدار الخاصية أو الصفة السلوكية.
وعمومًا يمكن القول أن علم نفس النمو يهتم بالتغيرات السلوكية التي ترتبط ارتباطًا منتظمًا بالعمر الزمني, فإذا كانت هذه التغيرات تطرأ على النواحي البيولوجية والفسيولوجية والنيرولوجية, وتحدث في بنية الجسم الإنساني ووظائف أعضائه نتيجة للعوامل الوراثية "الفطرة" في أغلب الأحيان، فإن هذه التغيرت تسمى نضجًا Maturation, أما إذا كانت هذه التغيرات ترجع في جوهرها إلى آثار الظروف البيئية "الخبرة", تسمى تعلمًا Learing.
(1/11)

وفي كلتا الحالتين: النضج والتعلم, قد تدل التغيرات على تحسن أو تدهور, وعادة ما يكون التدهور في الحالتين في المراحل المتأخرة من العمر "فؤاد أبو حطب 1972، 1975".
وهكذا يمكن القول أن المعنى السابق لكلمتي "تنمية" و"ارتقاء", متضمن في استخدام كلمة "نمو", الأكثر شيوعًا واستخدامًا في اللغة السيكولوجية العربية، ولهذا فإن موقفنا في هذا الكتاب هو اسخدام كلمة "نمو" لتدل على التغيرات الارتقائية أو التنموية التي أشرنا إليها, ولعل مما يفيد أغراض هذا الاستخدام أن من معاني كلمة Development الإنجليزية, كلمات مثل: نمو Growth, وتطور Evolution, وفيهما لا تتبع حالة معينة حالة أخرى فحسب، وإنما لا بد أيضًا أن تنبثق الحالة الراهنة من حالة سابقة, وقد يكون النمو أو التنمية في هذه الحالة تدريجيًّا "أي: تطور", أو تحوليًّا "أي: ثورة" Revolution.
أما التغيرات غير النمائية, فإنها على العكس تعد نوعًا من حالة الانتقال التي لا تتطلب ثورة, أو تطورًا, أو تنمية بالمعنى السابق؛ فالشخص قد يغير ملابسه إلّا أن ذلك لا يعني نموًّا, فتتابع الأحداث في هذا المثال لا يتضمن وجود علاقة بين الحالة الراهنة للشخص وحالته السابقة, ومن السخف، بل من العبث، أن نفترض مثلًا أن ملابس الشخص التي كان يرتديها في العام الماضي نمت بالتطور أو الثورة إلى ما يرتديه الآن.
وهناك خاصية أخيرة في التغيرات النمائية أنها شبه دائمة باعتبارها نتاج كلٍّ من التعلم والنضج، وفي هذا تختلف عن التغيرات المؤقتة أو العارضة أو الطارئة؛ مثل: حالات التعب أو النوم أو الوقوع تحت تأثير مخدر، فكلها ألوان من التغير المؤقت في السلوك, ولكنها ليست نموًّا؛ لأن هذه التغيرات جميعًا تزول بزوال العوامل المؤثرة فيها, وتعود الأحوال إلى ما كانت عليه من قبل.
(1/12)

2- النمو عملية منتظمة:
توجد أدلة تجريبية على أن تغيرات النمو تحدث بطريقة منتظمة، على الأقل في الظروف البيئية العادية, ومن هذه الأدلة ما يتوافر من دراسة الأطفال المبتسرين "الذين يولدون بعد فترة حمل تقل عن 38 أسبوعًا", والذين يوضع الواحد منهم في محضن يتشابه مع بيئة الرحم لاكتمال نموه كجنين، فقد لوحظ أنهم ينمون بيولوجيًّا وفسيولوجيًّا وعصبيًّا بنفس معدل نمو الأجنة الذين يبقون في الرحم نفس الفترة الزمنية.
وتحدث تغيرات منتظمة مماثلة بعد الولادة, واشهر الأدلة على ذلك جاء من بحوث جيزل وزملائه الذين درسوا النمو الحركي للأطفال في السنوات الأولى من حياتهم, فقد لاحظوا الأطفال في فترات منتظمة, وفي ظروف مقننة, ووصفوا سلوكهم وصفًا دقيقًا, ووجدوا نمطًا تتابعيًّا للنمو الحركي، حتى أن جيزل اقترح لوصف هذ التتابع المنتظم الثابت تسمية خاصة هي "المورفولوجيا النفسية". ومن أمثلة ذلك "الاتجاه من أعلى إلى أسفل" الذي أشار إليه كوجهل وغيره، و"الاتجاه من الوسط إلى الأطراف", كما تظهر خصائص الانتظام في سلوك الحبو والوقوف والمشي واستخدام الأيدي والأصابع والكلام, هذه الألوان من السلوك تظهر في معظم الأطفال بترتيبٍ وتتابعٍ يكاد يكون واحدًا؛ ففي نضج المهارات الحركية عند الأطفال نجد أن الجلوس يسبق الحبو، والحبو يسبق الوقوف، والوقوف يسبق المشي, وهكذا. فكل مرحلة تمهد الطريق للمرحلة التالية، وتتابع المراحل على نحو موحد.
وقد تثير هذه الخاصية مرةً أخرى مسألة العلاقة بين النمو والعمر الزمني التي أشرنا إليها في وصفنا للتغيرات النمائية, لقد أدَّى ذلك بكثير من الباحثين إلى الاهتمام بوضع قوائم بالأحداث التي تطرأ على حياة الإنسان مع تقدمه في العمر.
ومع ذلك لم يقدم ذلك الجهد إسهامًا يذكر في فهمنا لطبيعة عملية النمو, والأجدى بالطبع هو وصف الأنماط السلوكية التي تنتج عن التكامل بين الذخيرة السلوكية المتوافرة لدى الفرد في وقت ما, والخبرات الجديدة التي يتعرض لها, ولهذا نجد كيسن "Kessen, 1960" يقول: إن العمر في حد ذاته ليس هو المعادل الموضوعي للنمو, والعمر -في رأينا- ليس "زمنًا أجوف"، كما أن النمو لا يمكن أن يحدث في "فراغ زمني" وإنما يحدث فيه دائمًا هذا التفاعل والتكامل بين الخبرة الراهنة والبنى السلوكية التي تكونت من قبل لدى الفرد، وهو التفاعل والتكامل الذي يؤدي إلى تغيير طريقة الفرد في التفاعل مع البيئة, وعلى نحوٍ يؤدي به إلى مستويات أعلى من هذا التفاعل والتكامل "في حالة التحسن", أو إلى مشتويات أدنى منهما "في حالة التدهور"، وهما وجها النمو. والخلاصة هنا أن النمو الإنساني يحدث في فترة محددة من الزمن، إلّا أن الزمن وحده ليس شرطًا كافيًا لحدوث النمو, وباختصار نقول: إن التغيرات النمائية هي المحتوى السلوكي للزمن.
(1/13)

3- النمو عملية كلية:
يلجأ بعض مؤلفي كتب النمو إلى تناول الموضوع حسب مظاهر النمو ومجالاته، فيخصصون فصولًا أو كتبًا كاملة حول النمو الجسمي أو النمو العقلي أو النمو الوجداني أو النمو الاجتماعي عبر عدة مراحل لحياة الإنسان, وهذا أسلوب له حدوده، فقد يوحي بأن المكونات الجسمية والعقلية والاجتماعية والوجدانية الانفعالية من النشاط الإنساني, أو الشخصية الإنسانية, يمكن الفصل بينها, وتداول كل منها على أنه مظهر مستقل بالفعل, وهذا بالطبع مستحيل؛ فالنمو عملية كلية Holistic تحدث مظاهرها كلها متآنية وبينها علاقات متداخلة. والتركيز على تحليل المكونات قد يوقع القارئ في خطأ تجاهل ما يجب أن تكون عليه كل مرحلة من مراحل الحياة من تكامل واتساق.
وأيّ مبتدئ في علم النفس يعلم أن تحليل النمو إلى مكوناته هو أمر اصطناعي، على الرغم من أهميته. فالباحثون الذين يعملون في أي مجال من مجالات النمو, يلاحظون أن التغير في أحد مظاهر النمو له تضميناته وآثاره في المظاهر الأخرى؛ فالنمو اللغوي لا يعتمد فقط على المهارات اللغوية والنمو العقلي, وإنما يعتمد في كثير من جوانبه على النمو الاجتماعي والوجداني للطفل, وعلى ذلك فمن الواجب على المهتم بعلم نفس النمو أن يتبع منهجه التحليلي بنظرة تركيبية, وإلّا افتقد "وحدة" الشخصية، "وتكامل" السلوك. وقد وصف أحد مؤلفي هذا الكتاب دور كل من التحليل والتركيب في دراسة السلوك الإنساني في موضع آخر "فؤاد أبو حطب، 1996", وفي جميع الأحوال يجب أن نكون على وعيٍ بأن الكائن الإنساني هو مخلوق جسمي ومعرفي ووجداني واجتماعي في آنٍ واحد، وكل مكون من هذه المكونات يعتمد -جزئيًّا على الأقل- على التغيرات التي تحدث في المكونات الأخرى.
وعلى الرغم من أن المنحى الكليّ في النظر إلى النمو يعود بأصوله إلى سمتس عام 1962. "Smuts, 1926", حين نحت مصطلح Holism, إلّا أن توظيفه في علم نفس النمو لم يظهر بشكل جادٍّ إلّا على يد شوستر وآشبورن "Schuster & Ashburn 1992", والذي ظهر في الطبعة الأولى من كتابهما عام 1980, وعندهما أن المنظور الكلي يجب أن يتسع ليشمل المنحى التكاملي Inregrated في دراسة النمو الإنساني, والذي يتطلب دراسة أسرة الفرد وتاريخه وبيئته وأهدافه وأدواره, ولعل هذا يذكرنا بالمنظور التكاملي للنمو الذي قدمه عالم النفس المصري الرائد يوسف مراد, منذ أواخر الأربعينيات, وهو ما تناوله أحد مؤلفي هذا الكتاب في دراسة مستقلة "فؤاد أبو حطب 1996".
(1/14)

4- النمو عملية فردية:
يتسم النمو الإنساني بأنَّ كل فرد ينمو بطريقته وبمعدله، ومع ذلك فإن الموضوع يخضع للدراسة العلمية المنظمة، فمن المعروف أن البحث العلمي يتناول حالات فردية من أي ظاهرة فيزيائية أو نفسية، ثم يعمم من هذه الحالات إلى الظواهر المماثلة، إلّا أن شرط التعميم العلمي الصحيح أن يكون عدد هذه الحالات عينة ممثلة للأصل الإحصائي الذي تنتسب إليه, وبالطبع فإن هذا التعميم في العلوم الإنسانية يتم بدرجة من الثقة أقل منه في العلوم الطبيعية, وذلك بسبب طبيعة السلوك الإنساني, الذي هو موضوع البحث في الفئة الأولى من هذه العلوم.
والنمو الإنساني -على وجه الخصوص- خبرة فريدة، ولهذا فإن ما يسمى القوانين السلوكية قد لا تطبق على كل فرد بسبب تعقد سلوك الإنسان، وتعقد البيئة التي يعيش فيها، وتعقد التفاعل بينهما, ومن المعلوم في فلسفة العلم أن التعميم لا يقدِّم المعنى الكلي للقانون إذا لم يتضمن معالجة مفصلة لكل حالة من الحالات التي يصدق عليها, ومعنى هذا أن علم نفس النمو له الحق في الوصول إلى قوانينه وتعميماته، إلّا أننا يبقى معنا الحق دائمًا في التعامل مع الإنسان موضع البحث فيه على أنه كائن فريد, ولعلنا بذلك نحقق التوازن بين المنحى الناموسي العام Nomothtic, والمنحى الفردي الخاص Ldiographic، وهو ما لا يكاد يحققه أي فرع آخر من فروع علم النفس.
(1/15)

5- النمو عملية فارقة:
على الرغم من أن كثيرًا من العلومات التي تتناولها بحوث النمو تشتق مما يسمى المعاير السلوكية، إلّا أننا يجب أن نحذر دائمًا من تحويل هذه المعايير إلى قيود, وهذا ما نبَّه إليه نيوجارتن وزملاؤه "Neugartten et al 1965" منذ عام 1965. وهذا التحفظ ضروري وإلّا وقع الناس في خطأ فادحٍ يتمثل في إجبار أنفسهم وإجبار الآخرين على الالتزام بما تحدده هذه المعايير، ويدركونه بالطبع على أنه النمط "المثالي" للنمو, ومعنى ذلك أن ما يؤديه الناس على أنه السلوك المعتاد أو المتوسط، أو ما يؤدى بالفعل، "وهو جوهر المفهوم الأساسي للمعاير" يتحول في هذه الحالة ليصبح ما يجب أن يؤدى, ولعل هذا هو سبب ما يشيع بين الناس من الاعتقاد في وجود أوقات ومواعيد "ملائمة" لكل سلوك.
وهكذا يصبح المعيار العملي البسيط تقليدًا اجتماعيًّا، ويقع الناس أسرى لما يسميه هيوز ونوب "Hughes & Noppe, 1985" بالساعة الاجتماعية؛ بها يحكمون على كل نشاط من الأنشطة العظمى في حياتهم بأنه في "وقته تمامًا" أو أنه "مبكر" أو "متأخر" عنه, يصدق هذا على دخوله المدرسة أو إنهاء الدراسة أو الالتحاق بالعمل أو الزواج أو التقاعد, ما دام لكل ذلك معاييره, فحينما ينتهي الفرد من تعليمه الجامعيّ مثلًا في سن الثلاثين, فإنه يوصف "بالتأخير" حسب الساعة الاجتماعية، بينما إنجازه في سن السابعة عشرة يجعله "مبكرًا".
(1/15)

وتوجد بالطبع أسباب صحيحة لكثير من قيود العمر, فمن المنطقي مثلًا أن ينصح طبيب الولادة سيدة في منتصف العمر بعدم الحمل, كما أن من العبث أن نتوقع من طفل في العاشرة من عمره أن يقود السيارة, إلّا أن هناك الكثير من قيود العمر التي ليس لها معنى على الإطلاق فيما عدا أنها تمثل ما تعود الناس عليه، كأن تعتبر العشرينات أنسب عمر للزواج في المعيار الأمريكي "Neugarten et al, 1965", وهذه المجموعة الأخيرة من القيود هي التي نحذّر منها, حتى لا يقع النمو الإنساني في شرك "القولية" والجمود, بينما هو في جوهره مرن على أساس مسلمة الفروق الفردية التي تؤكد التنوع والاختلاف بين البشر.
(1/16)

6- النمو عملية مستمرة:
الخاصية السادسة والأكثر أهمية من خصائص النمو تتصل في جوهرها بمفهوم مدى الحياة Life-span, والذي يؤكده المنظور الإسلامي للنمو كما سنبين فيما بعد, ومعنى ذلك أن التغيرات السلوكية التي تعتمد في جوهرها على النضج والتعلم تحدث باستمرار في جميع مراحل العمر, ويمكن التدليل على ذلك من شواهد كثيرة من مختلف مراحل العمر, ابتداءً من مرحلة الجنين, وحتى الشيخوخة.
وهكذا يصبح النمو تيارًا متصلًا لا نقاطًا متقطعة, ويمكن أن نشبه دراستنا لأجزاء منفصلة من مدى الحياة الإنسانية بدراسة أجزاء مقتطفة من فيلم أو رواية أو مسرحية, ولك أن تتصور مدى الصعوبة التي تنتابك في الفهم أو في تتبع شخصيات الرواية أو أحداثها, إذا لم تشاهد منها إلّا الفصل الثاني من بين فصولها الثلاثة. وبالمثل كيف يمكننا فهم نمو الفرد الإنساني إذا لاحظناه فقط في مرحلة الطفولة أو المراهقة أو الشيخوخة؟ فكما أن الفصل الثاني في المسرحية يتطور من الفصل الأول, ويعتمد عليه, وفي نفس الوقت يؤلف الأساس الذي يبنى عليه الفصل الثالث، فإن مراهقة الإنسان تتطور من خبرات طفولته, وتعتمد عليها وتؤلف أساس خبرات الرشد التالية.
ولأغراض الفهم العلمي تنقسم دورة الحياة في العادة إلى مراحل متعددة, وقد أطلق عليها ليفنسون "Levinson, 1978" مصطلح "مواسم" الحياة, بل إن معظم كتب علم نفس النمو تركز على بعض المراحل دون سواها, ولعل المرحلتين الأكثر شيوعًا هما الطفولة والمراهقة، وهو الطابع الغالب على معظم ما صدر في هذ الميدان من كتب باللغة العربية إذا استثنينا كتاب الرائد الراحل فؤاد البهي السيد "الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة" "فؤاد أبو حطب، 1997"، بل إن معظم الكليات والمعاهد الجامعية تقدم مقررات حول نمو الطفل ونمو المراهق ونمو الراشد وهكذا.
(1/16)

وعلى الرغم من ملائمة مفهوم المرحلة النمائية للأغراض الأكاديمية إلّا أنه قد يؤدي إلى نوعين من سوء الفهم: أولهما: الشعور بأن مراحل الحياة منفصلة منعزلة, بينما هي ليست كذلك بحكم أنها جزء من تيار الحياة المتدفق، والواقع أن هذه المراحل يتطور بعضها من بعض بشكل مستمر, وثانيهما: الحصول على انطباع زائف عن أن مراحل الحياة ثابتة, بينما هي في الواقع تتضمن تغيرت وتحولات دائمة في داخلها, ومن ذلك مثلًا أن الفرد لا يبقى معطلًا في مرحلة المراهقة, حتى يصبح مستعدًا للقفز إلى الأمام في مرحلة الرشد المبكر. وما يحدث بالفعل أنه يوجد نمو دائم داخل المراهقة, كما هو الحال في جميع مراحل الحياة.
والرشد المبكر لا يتبع المراهقة فحسب, ولكنه يتطور تدريجيًّا منها, ومعظم ما نحن عليه في مرحلة معينة من مراحل حياتنا هو نتاج لما كنا عليه في المراحل السابقة.
ولعل هذا هو ما دفعنا إلى أن يتمركز كتابنا هذا حول مفهوم "النمو مدى الحياة" Life - Span Edvelopment، حتى يتجنب القارئ سوء الفم الذي ينشأ حتميًّا على التركيز المستمر على مراحل الحياة مع الفشل في إدراك الاستمرار والتواصل في أنماط النمو لدى الفرد, ونحن حين نركز على مفهوم "مدى الحياة" في دراسة النمو, فإننا بذلك ندمج الماضي في المستقبل على نحوٍ يقودنا إلى وعي "حاضر" باتصال الحياة, فالماضي والمستقبل هما المحوران الرئيسيان للزمن السيكولوجي "فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1985".
ولعل مفهوم "مدى الحياة" الذي شاع كثيرًا في دراسات سيكولوجية النمو ابتداء من الربع الأخير من القرن العشرين "على الرغم من جذوره الأصيلة في الثقافة العربية الإسلامية كما سنتبين فيما بعد" هو الذي دفع مارجريت ميد "mead, 1972" إلى المطالبة بتوظيف هذا المفهوم في فهم طبيعة العلاقة بين الأجيال "وخاصة جيل الأحفاد وجيل الأجداد", فكل منهما يتعلم من الآخر معنى اتصال الحياة؛ فالجد يقدِّمُ لحفيده آصرة الماضي، والحفيد يقدم لجده الإحساس بالمستقبل, ومن خلال تفاعلهما يتشكل الماضي والمستقبل في بوتقة الحاضر.
ومفهوم مدى الحياة يقودنا إلى مسألة هامة أخرى، وهي أن النمو لا يعني التحسن المستمر في مختلف مراحل العمر, وقد اقترح أحد مؤلفي هذا الكتاب "فؤاد أبو حطب، 1983، 1985" نسقًا ارتقائيًّا تطوريًّا لدورة الحياة, وجوهر هذا النسق أن مسار الحياة Life -Path, أو مدى الحياة يتضمن متوالية معقدة حتى الأحداث والظواهر التي يشهدها الإنسان من لحظة الإخصاب في رحم الأم حتى
(1/17)

لحظة الاستلقاء على فراش الموت, إلّا أن هذه المتوالية لا تتضمن تصورًا خطيًّا لحدوثها، وإنما هي في معناها الحقيقي دورة، أو إذا شئت الدقة: منحنى يصوره الإعجاز الإلهي في قول القرآن الكريم:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] .
منحنى يمثل قوة بين ضعفين، ووسطًا بين طرفين، ويعد الصبا young-hood بكل ما فيه من نمو في الطفولة والمراهقة طرف الضعف الأول، أما الشيخوخة ageing بكل ما فيها من تدهور, فهي طرف الضف الثاني، وبينهما قوة الرشد Adulthood, وهذ التصور القرآني للنمو مدى الحياة هو الموجه العام لبناء هذا الكتاب.
(1/18)

الفصل الثاني: أصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب
أولاً: المنظور اليوناني للنمو الإنساني
...
الفصل الثاني: أصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب
لمفاهيم النمو الإنساني ماضٍ طويل يمتد بأصوله إلى التصور الديني والتأمل الفلسفي والخبرة الشخصية للإنسان. أما الدراسة المنظمة لهذا الموضوع, والتي تعتمد في جوهرها على الأسلوب العلمي في البحث القائم على الملاحظة, فلها تاريخ قصير لا يتجاوز المائة عام. ونعرض فيما يلي هذا الماضي الطويل والتاريخ القصير بشيء من الاختصار يتسع له المقام, وهذا العرض ليس هدفه مجرد الاستطراد التاريخي, وإنما الإشارة إلى الأصول النظرية والفلسفية التي استندت إليها الدراسات العلمية الحديثة, سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أو بشكل مضمر أو صريح، وبهذا قد تتحدد أوجه الاتفاق والخلاف التي تبدو لنا غير مفهومة إذا نظرنا إليها من السطح، بينما التعمق فيها وسبر أغوارها يكشف لنا الكثير من الفهم والحكمة والتبصر.
ونتناول هذا العرض من خلال منظورين للنمو, هما: المنظور الغربي والمنظور الإسلامي, ونخصص هذا الفصل للمنظور الأول من خلال الفكر اليوناني ودوره في تطور مفاهيم الحضارة الغربية عن الطبيعة البشرية ونمو الإنسان، ثم نخص الفصل التالي للمنظور الإسلامي, مع إشارة خاصة إلى كيفية توجيه بحوث النمو في العالمين العربي والإسلامي, على نحوٍ جديد.
أولًا: المنظور اليوناني للنمو الإنساني
على الرغم من أن الحضارة اليونانية هي أحدث الحضارات القديمة نشأت، إلّا أن هناك إشارات متكررة لدى الحضارات القديمة الأخرى السابقة عليها إلى مسائل تتصل بطبيعة الإنسان، وعلى وجه الخصوص في الحضارة المصرية القديمة التي أظهرت رعايةً واهتمامًا كبيرين بالطفل, باعتباره كائنًا عاجزًا وضعيفًا, وفي حاجة إلى إشباع متطلباته الجسمية؛ من تغذية وحركة، بالإضافة إلى حاجته الاجتماعية للعب. "فؤاد أبو حطب، تحت الطبع". كما أن قوانين حمواربي
(1/19)

في حضارة بابل تضمنت ضرورة المحافظة على الطفل "Borstelmanm 1983" ونجد استبصارات لا تقل أهميةً في حضارات فارس والهند والصين، إلّا أن هذا التراث العظيم لم يعرض بالتنظيم والتفصيل الكافيين الذين عرض بهما تراث اليونانيين لأسباب تعود في جوهرها إلى تحيز مؤرخي العلم لدى الغرب, الذين يبدأون عادة باليونان, ثم يقفزون إلى عصر النهضة الأوربية، وهي قضية تناولها بالتفصيل فؤاد أبو حطب في عدد من دراساته "فؤاد أبو حطب، تحت الطبع 197، 1993"، Abou-hatab, 1996, 1997", ولا يتسع المقام لتناول هذه المسألة بالتفصيل, وحسبنا أن نحيل القارئ للدراسات التي أشرنا إليها.
وما دام هذا الفصل قد خصصناه لأصول علم نفس النمو في ثقافة الغرب، فسوف نعرض لهذه الأصول ابتداءً من اليونان, على النحو الذي عرفته كتابات مؤرخي الغرب للعلم والثقافة، ثم نتولى تصحيح هذا الموقف في الفصل التالي من خلال عرض النمو الإنساني من المنظور الإسلامي.
وبالطبع, لا يتسع المقام لعرض تفاصيل الفكر الفلسفي اليوناني حول الموضوع منذ عصر ما قبل سقراط، وحسبنا أن نشير إلى الاتجاهين الأساسين الذين مثلهما أفلاطون وأرسطو على وجه الخصوص, وهما الاتجاه المثالي من ناحية, والاتجاه الواقعي من ناحية أخرى.
1- مثالية أفلاطون:
يرى أفلاطون "427-347ق. م" في تصوره للطبيعة البشرية, أن النفس "وهي مفهوم فلسفي يقابل ما يسمى في علم النفس الحديث الشخصية" تتألف من الشهوة والإرادة والعقل, وتظهر الشهوات "وهي الرغبات والانفعالات" في الإنسان عند ميلاده, وتسيطر على حياة الوليد, وسنوات طفولته المبكرة، وتبدو على وجه الخصوص في الحاجات الجسيمة والانفعالية للفرد, وتنمو الإرادة خلال الطفولة المتأخرة والمراهقة, وتمثل نزوع الشخص وشجاعته وخلقه واعتقاده, ومع النضج يسيطر المكون العقلي للنفس.
ويصور لنا أفلاطون في محاورة فيداروس العلاقةَ بين هذه المكونات الثلاثة في أسطورة العربة التي يشبه فيها النفس بعربة يجرها جوادان ويقودها سائق.
وأحد الجوادين عريق الأصل, سلس القيادة "الإرادة"، أما الآخر فرديء الطبع, جامح غضوب عصي "الرغة أو الشهوة", وسائق العربة هو العقل؛ فالعقل هو الذي يقود سلوك الإنسان, والمكونان الآخران يزودانه بالقوة والطاقة.
وفي الفلسفة المثالية لأفلاطون, أن القدرة على الاستدلال والتفكير والتعقل هي
(1/20)

التي تميز جوهريًّا بين الإنسان والحيوان, وعلى الرغم من أنه لم ينكر الجانب اللاعقلاني في الطبيعة البشرية إلّا أنه يرى أن التدريب على التفكير قد يعين الإنسان على تخطي الشهوة والنزوع, ومع ذلك فإنه يرى أنه نتيجة للتكوين الفطري للإنسان, فقد يكون لأحد هذه المكونات الثلاثة الغلبة والسيطر على "نفس" معينة, ولهذا يرى أفلاطون في "الجمهورية" أن تحدد المهام التي يسمح للطفل أن يقوم بها لمصلحة الدولة في ضوء إمكاناته الفطرية، ثم تربيته تبعًا لذلك, فمعظم الناس عند أفلاطون تحكمهم الشهوات والعواطف, وبالتالي يجب تدريبهم على أن يصبحوا عمّالًا، وبعضهم تسيطر عليه الإرادة والنزوع, ولهذا يجب عليهم خدمة الأمة كجنود، أما الأقلية التي يسيطر عليها العقل, فهم ساسة المجتمع وفلاسفته.
وهكذا, فإن الطبيعة البشرية عند أفلاطون تحكمها الفطرة، ومهمة البيئة أو الخبرة, أن تنشط هذه الفطرة وتصل إلى أقصى حدودها الممكنة، وهي ما يسميه أفلاطون "المثل" الموجودة بالفعل داخل العقل, أما الخبرة أو التعلم فهما محض خداع.
وكذا كان أفلاطون أول فيلسوف يصوغ الاتجاه الذي عرف في تاريخ الفكر الإنساني بالمثالية أو العقلانية, والتي تتميز بثنائي الجسم والعقل, وهو الاتجاه الذي أثَّر في علم النفس الغربي الحديث بمعالمه الأربعة: الفطرة، ولكلية، والحدس، والحيوية، وهي المعالم التي عرضها هولس وزميلاه "ترجمة فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1982".
2- واقعية أرسطو:
في مقابل مثالية وفطرية أفلاطون, كان أرسطو "384-323 ق. م" يرى أن جوهر الطبيعة البشرية ليس "مثلًا" محددة مقدمًا بالفطرة، وإنما هي طبيعة محددة أساسًا بالخبرة, وهكذا ظهر أول صراع في التاريخ بين أنصار الفطرة وأنصار الخبرة؛ فالعقل عند أرسطو يتألف من الإحساسات الأساسية التي تترابط معًا بقوانين التداعي, ولعله بذلك كان أول من عَبَّر عن الفكرة التي شاعت بعد ذلك في الفلسفة الغربية وفي علم النفس الغربي الحديث, وهي أن الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء, وفي هذا الصدد يوحد أرسطو بين العقل والجسم. وخبرات الإنسان عنده "وخاصة ملاحظاته الدقيقة" تعين على توضيح الحقيقة, وليس تشويهها, أو سوء عرضها "ما يرى أفلاطون".
وبيما كان أفلاطون يشك في الدليل الذي تقدمه الانطباعات الحسية, فإن أرسطو كان أكثر شكًّا في قدرة العقل وحده على إدراك الحقيقة دون خطأ, وعنده أن الحقيقة لا يتم البرهان عليها إلّا بالاتفاق المتبادل على الملاحظات. وأي
(1/21)

ملاحظات يتفق عليها على أنها تمثل الحقيقة, يجب التعبير عنها منطقيًّا، وهي وحدها التي تقودنا إلى تفسير الأحداث أو السلوك، أي: بالبحث عن أسبابها، وعللها، ومرة أخرى نقول: إن أرسطو كان أول من صاغ معالم هذا الاتجاه المضاد الذي يُسَمَّى الواقعية أو المادية, والذي تتحدد معالمه الأربعة في الطرفية والاختزالية والترابطية والأمبريقية، وهي المعالم التي لعبت دورًا خطيرًا في تطور علم النفس الحديث "هولس وآخران، ترجمة فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1982".
3- طفل إسبرطة:
كانت إسبرطة هي المقابل الحضاري لأثينا, وإذا كانت أثينا "الديمقراطية" قد أنتجت عمالقة للفكر الإنساني؛ مثل: أفلاطون وأرسطو، فإن إسبرطة "الديكتاتورية" لم تنتج فكرًا, وإنما أفرزت ممارسة عملية في تنشئة الطفل يكمن وراءها تصور معين للطبيعة البشرية, وتتلخص هذه الممارسة في أن الطفل عقب ولادته مباشرة يعرض على "مجلس الحكماء", الذي يتولى فحصه لتحديد مدى قوته وصحته وصلاحيته للبقاء في المدينة, فإذا كان الطفل ضعيفًا أو معوقًا يؤخذ إلى البرية ويتترك فيها ليموت "أليس في هذا بذور فكرة البقاء للأصلح التي أشاعتها نظرية التطور في القرن التاسع عشر؟! ", أما الطفل السعيد: فهو الذي يعلن المجلس أنه صحيح. وعندئذ يتعرض لبرنامج من التدريب القاسي لتقويته وتدريبه للمهنة الشاقة, وهي خدمة الدولة العسكرية, وفي هذا التدريب "الذي يشمل حمامات الماء البارد في عز الشتاء الأوروبي" لا يسمح للطفل بالصراخ؛ لأنه علامة على ضعف الخلق, وفي سن السابعة يؤخذ الطفل من منزل أسرته ويعيش في معسكرات عامة, ويتعرض في حياته الجديدة لنظام أكثر مشقة وقسوة.
وحتى يكتسب الطفل صفات النظام والصلابة العقلية, كان قادة هذه المعسكرات يستخدمون أساليب العقاب البدني العنيف والحرمان من الطعام لعدة أيام, وطوال حياة الأطفال في هذه المعسكرات, والتي تستمر لأكثر من عشر سنوات, يغلب على تربيتهم الاهتمام بالجانب الجسمي على حساب النواحي العقلية والوجدانية.
وفي سن الثامنة عشرة وحتى سن العشرين, يتدرب الشاب تدريبًا مباشرًا على العمل العسكري وفنون القتال، ثم يلتحق بصفوف الجيش ويظل فيه لمدة عشر سنوات أخرى, في حياة أكثر خشونة وقسوة, وفي سن الثلاثين يتم الاعتراف للفرد بحقوق المواطنة الكاملة, وعندئذ يمكنه أن يتزوج وأن يسهم في إدارة المدينة.
ولم يعترف الإسبرطيون بالفروق بين الجنسين, إلّا أن تدريب البنات على المهام لم يتطلب التحاقهم بمعسكرت، وإنما كان يتم في ساحات المدينة العامة بإشراف الأمهات, أما الهدف في الالتين فكان واحدًا: إعداد الذكور الأقوياء جسميًّا للدفاع عن الدولة، وإعداد الإناث القويات جسميًّا لإنجاب الأطفال الأقوياء للقيام بنفس المهام.
(1/22)

ثانيًا: النمو الإنساني في العصور ر الوسطى في أوربا
...
ثانيًا: النمو الإنساني في العصور الوسطى في أوربا
من الملفت للنظر حقًّا أنه في الوقت الذي كان الطفل يتمتع بحقوقه التي نظمتها الشريعة في المجتمعات الإسلامية، كان يعامل في أوروبا العصور الوسطى على أنه من "ممتلكات" الأسرة, أو من مواردها التي تعطي لللآباء حق استخدامها على النحو الذي يشاءون, وظل الأمر كذلك حتى القرن الثاني عشر الميلادي, حينما صدر تشريع مدني جعل قتل الأطفال جريمة قتل كاملة, وقبل ذلك كان الطفل يلقى الرعاية حتى سن السادسة حين يستطيع الاعتماد على نفسه, وعند السادسة يلبس ملابس الكبار, ويبدأ العمل معهم في المنزل أو المتجر أو الحقل "وعادة ما يكون هؤلاء الكبار هم الآباء أو الأقارب", ولم تكن القوانين حينئذ تميز بين الأطفال والراشدين في الممارسات الاجتماعية السوية أو غير السوية؛ فمثلًا حين كان طفل العاشرة يسرق يعامل كلص, وتطبق عليه العقوبة الواجبة على الكبار, ويستنتج آريس "Aries, 1962" من ذلك "أنه حتى مطلع القرن السابع عشر الميلادي, لم يكن في أوروبا مفهوم واضح "للطفولة"، وإنما كان الطفل يعامل كما لو كان "راشدًا مصغرًا".
وهكذا يمكن أن تعتبر فترة العصور الوسطى في أوربا فترة تجاهل كامل للمسائل الخاصة بالنمو الإنساني، وزاد من هذا التجاهل طبيعة النظام السياسي الاجتماعي الاقتصادي السائد "وهو النظام الإقطاعي"، وسيطرة الأمية الكاملة، وعدم الاعتراف بوجود أيّ حاجات خاصة بالأطفال والمراهقين، والاهتمام الضئيل بفضل العقل على النحو الذي كان موجودًا في الفلسفة اليونانية من ناحية, وعند علماء المسلمين من ناحية أخرى.
ولم يحدث تغير في البنية المعرفية للعصور الوسطى في أوروبا إلّا بعد أن انتقلت أفكار علماء المسلمين إلى أوروبا, "ومعها بالطبع أفكار أفلاطون وأرسطو التي حافظت عليها الحضارة الإسلامية من الزوال بفضل الترجمة", وعندئذ حاول بعض الفلاسفة المسيحيين في العصور الوسطى المواءمة بين الفلسفة اليونانية والديانة المسيحية, وظهر لديهم اهتمام غير مباشر بالنمو الإنساني. ومن ذلك مثلًا: أن توماس الأكويني وأغسطين كانا يريان أن هذا النمو يجب أن يسير في طريق محدد, وهو طريق التربية الدينية الصارمة للتغلب على "الخطيئة الأصلية".
(1/23)

الذي وقع فيها آدم, وفي هذا لا يوجد أي اعتراف بالفروق الفردية, وقد ارتبط ذلك بخرافة سيطرت على الفكر السيكولوجي في ذلك الوقت، وخاصة ما يتصل بالنمو، ترى أنه يوجد في الحيوان المنوي قبل الإخصاب شخص صغير مكون تكوينًا كاملًا يسمى الراشد الصغير A homunculus, ومعنى ذلك: أنه لا يوجد موضع للفردية في التعلم والنمو، وتوضح الرسوم التي عبَّرت عن الأطفال في هذه العصور أنهم كانوا أشبه بالأقزام, وظل الأمر كذلك حتى تغيرت هذه الاتجاهات تمامًا في أوروبا مع بداية عصر النهضة.
(1/24)

ثالثًا: إحياء النزعة الإنسانية
شهدت أوروبا في الفترة بين نهاية العصور الوسطى في القرن الخامس عشر, وعصر التنوير في القرن الثامن عشر, إحياء للنزعة الإنسانية، وشمل ذلك ما سمي بعصر النهضة Renaissance, خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
لقد شهر عصر النهضة ازدهارًا للأدب والثقافة في معظم الأقطار الأوروبية "في الوقت الذي بدأ يخيم على العالم الإسلامي ظلام التخلف والتدهور", وظهر اهتمام واضح بالفروق الفردية والنمو الإنساني, ولعل أوضح الأمثلة أفكار جون آموس كومنيوس Comenius في آخر القرن السادس عشر, التي لخَّص فيها النمو الإنساني في أربع مراحل تتوافق مع المتطلبات التربوية في كل مرحلة, وهي: مرحلة الإدراك "من الولادة حتى 6 سنوات"، مرحلة الخيال "من 6-12 سنة"، مرحلة التعقل والاستدلال "من12-18 سنة 9، مرحلة الطموح "من 18-24 سنة".
وفي القرن السابع عشر طرح جون لوك في إنجلترا أفكاره الفلسفية حول الأمبريقية، وهو الاتجاه الفلسفي الذي يرى أن الحواس -وليس العقل- هي مصدر المعرفة الوحيد، وكان بذلك يضاد الموقف الفلسفي الذي طرحه رينيه ديكارت في فرنسا، وهو المذهب العقلي الذي يرى أن العقل -وليس الحواس- هو مصدر المعرفة, إلّا أن ما حدث بعد ذلك أن السيطرة والسيادة كانت للاتجاه الأمبريقي الذي تطورت في إطاره جميع العلوم الإنسانية، ومنها علم النفس.
وأصبح المفهوم الأرسطي القديم "العقل كصفحة بيضاء" tabule rasa نموذجًا للعقل الإنسان, واعتبر النمو عملية تدريجية تراكمية ناتجة عن التعلم المكتسب من الخبرات المختلفة, ولم يعد الطفل "راشدًا مصغرًا", وإنما أبرزت الفروق الجوهرية بين الطفل والراشد, وهكذا سيطرت الخبرة على الفطرة في الفكر الفلسفي والسيكولوجي في أوروبا خلال تلك الفترة.
(1/24)

رابعًا: النمو الإنساني في عصر التنوير في أوربا
...
رابعًا: النمو الإنساني في عصر التنوير في أوروبا
يوصف القرنان السابع عشر والثامن عشر في أوروبا بأنهما عصر التنوير، ويتسم هذا العصر بسيادة روح الحرية والاعتراف بقدرات الإنسان, وظهرت كتابات دينية تهتم بطرق معاملة الأطفال والشباب في الأعمار المختلفة، وعلى الرغم من أن هذه الكتابات لم تقدِّم وصفًا جيدًا كاملًا لمستويات النمو, إلّا أن توماس "Thomas. 1979", يقترح وجود أربع مراحل, معتمدًا على تحليل المهام المتوقعة من كل مرحلة كما ظهرت في هذه الكتابات، وهي:
1- الرضاعة: "من الولادة حتى سن عام ونصف أو عامين" وتتسم هذه المرحلة بالاعتماد الكامل على الكبار في إشباع الحاجات الجسمية.
2- الطفولة المبكرة: "من عامين وحتى سن 5 إلى 7", وتتسم بظهور نشاط الحركة والكلام ويسيطر عليها نشاط اللعب.
3- الطفولة المتأخرة: "من سن 5 إلى 7 سنوات وحتى سن 11 إلى 14 سنة", وتتسم بالاندماج في الأعمال المفيدة بالمنزل, ودخول المدرسة إذا كان ذلك ممكنًا, والمهارة الأساسية هي القراءة, وبعدها تأتي مهارة الحساب والكتابة, ويمكن للبنات في هذه المرحلة تعلم الأعمال المنزلية، أما الذكور فيمكنهم تحت إشراف الآباء أو الأخوة الكبار, القيام بأعمال الرجال في الحقل أو المتجر أو المنزل.
4- الشباب: "من سن 11 إلى 14 سنة وحتى 18 إلى 21", وتتسم بالاستقلال الاقتصادي.
وهكذا تغيرت الاتجاهات نحو الأطفال والمراهقين في أوروبا تغيرًا جذريًّا خلال هذه الفترة, ويمكن أن نرجع ذلك إلى كتابات كبار الفلاسفة الاجتماعيين في ذلك الوقت، والتي أدت إلى تكوين نظرية جديدة نحو الطفل ورعايته, وتركزت خلافات هؤلاء الفلاسفة حول ثلاث مسائل رئيسية هي:
1- هل الطفل خيِّر أم شرير بالفطرة؟
2- هل تحرك الطفل دوافعه وغرائزه الفطرية, أم إنه نتاج البيئة؟
3- هل الطفل مخلوق سلبي تشكله الأسر والمدرسة وغيرهما من المؤسسات الاجتماعية, أم أنه يشارك إيجابيًّا في عملية تشكيل شخصيته؟
ولعل أشهر مظاهر الاختلاف حول هذه القضايا الثلاثة تمثل في هذا العصر في كتابات توماس هوبز, الذي تحيز لاتجاه الفطرة الشريرة, نتيجةً للمفهوم الديني
(1/25)

"الخطيئة الأصلية" وركز على تأثير البيئة، وكتابات جان جاك روسو التي وقفت في الاتجاه المضاد, ونتيجة فلسفة روسو في الطبيعة البشرية زاد الاتجاه نحو ما يسميه الطبيعة؛ فالأطفال عنده أخيار بطبيعتهم ما لم تفسده شرور المجتمع والبيئة, وتعد روايته "إميل" التي نشرت عام 1762 أوضح تعبير عن موقفه الفلسفي والسيكولوجي, ولم يكن "إميل" مصدره الوحيد, فقد اعتمد أيضًا على ذكريات طفولته هو, والتي وصفها بصراحة في اعترافاته، وخبرته في الإشراف على أطفال الأسر الأرستقراطية في عصره، وقراءاته في الفلسفة وحول الشعوب البدائية التي أوحت إليه بفكرة الهمجيّ النبيل، وملاحظاته العارضة لأطفال الفلاحين الأوربيين, وتمتد فترة الطفولة عنده من الميلاد حتى سن 25 سنة.
وتنقسم إلى أربع مراحل فرعية هي:
1- الرضاعة: "من الميلاد وحتى سنتين من العمر", وفيها يعتمد الطفل على الرضاعة الطبيعية من الأم, وتمثل مرحلة حرجة لنمو الصحة الجسمية والحواس, وتسيطر على هذه المرحلة المشاعر الحيوانية باللذة والألم.
2- الطفولة: "من 2-12سنة", وتتطلب تعلم القراءة والكتابة, وهي مرحلة حرجة لتنمية القوة الجسمية والنشاط الحركي وتخزين المعلومات, وتسيطر على السنوات الأولى من هذه المرحلة المشاعر الحيوانية باللذة والألم المسيطرة على المرحلة السابقة إلّا أنه بعد ذلك يتحول إلى ما يسميه روسو: "الوحشي النبيل" Noble Savage.
3- البلوغ: "من 12-15 سنة", وتمثل المرحلة الحرجة للسلوك الاجتماعي وتنمية الحس الأخلاقي الحقيقي، ونمو الوظائف لجنسية.
أما مرحلة الرشد, والتي تمثل النضج الروحي عنده, فلم يحددها تحديدًا دقيقًا, ولعل مما يستحق الإشارة هنا لتنبيه روسو إلى ما يسميه المراحل الحرجة في النمو, ومعناه أن الطفل لكي يفيد من البيئة وآثارها, يجب أن يحرز درجة ملائمة من النضج الداخلي, ويتم التعلم عنده عن طريق استكشاف الطفل للمبادئ التي تحكم العالم المادي والاجتماعي، وعنده أن التدريس غير المباشر أفضل وأكثر فعالية من التدريس المباشر, وفي جميع الحالات علينا أن ندرك أن الطفل خير بطبيعته
(1/26)

ويمكنه أن ينمو ويصل إلى نموذج الحكمة والمعرفة والفضيلة إذا سمح له باتباع طريقته الطبيعية, وليس بالتطفل على مجتمع فاسد, وقد أسيء فهم رأي روسو حول هذه المسألة حين رأى البعض أن ذلك يعني ترك الأطفال يفعلون ما يشاءون.
إلّا أن هذا لم يقصده روسو، فمسئولية الراشد الناضج أن يحلل الطريقة الطبيعية في التعلم, كما فعل "إميل"، وعلى أساس هذا التحليل يعامل خبرات الطفل حتى تتواءم مع مسار المراحل الحرجة التي صورها على أنها تتضمن جوانب النمو المطلوب في كل منها, ومعنى ذلك أن النمو الطبيعي للطفل يحتاج إلى نوع من التنظيم من جانب الراشد.
ومع اقتراب القرن الثامن عشر من نهايته, ظهر عدد من الفلاسفة والمربين والعلماء وجهوا انتباههم إلى وصف مسار النمو الإنساني نذكر منهم:
1- جوهان نيكولاس تيتنس: Tetens 1736-1807, وكان أستاذًا للفلسفة في عدد من الجامعات التي أنشئت في عصر النهضة، وقدَّم نظرية مبدئية حول النمو الإنساني تهتم بالفروق الفردية في النواحي الجسمية والنفسية طوال مدى الحياة.
2- ديتريش تيدمان Tiedman "1748-1803", وقد نشر كتابًا تناول فيه بالتفصيل سيرة طفله؛ حيث وصف مهاراته الحركية ولغته وإمكاناته العقلية وسلوكه الاجتماعي والانفعالي، فكان أول كتاب في علم نفس النمو بالمعنى المباشر.
3- جون هنري بستالوتزي pestalozzi "1827-1746", والذي يعتبر أعظم مصدر للأفكار حول تربية الأطفال, وكان له أثر كبير فيمن جاء بعده من فلاسفة في هذا المضمار, وقد لخصت "أميمة أمين، آمال صادق، 1985" أفكاره, وقد اعتمد في معظم ما كتب على ما جمعه من معلومات عن تعلم طفله البالغ من العمر 4 سنوات.
4- فردريك أوجست كاروس carus 1808-1770, وهو عالم ألماني, سجل بعض انطباعاته حول مراحل النمو مدى الحياة, مستقلة عن العمر الزمني, واهتم على وجه الخصوص بالفروق بين الجنسين, والاختلافات بين الثقافات في النمو الإنساني.
ولعلنا نلاحظ أن معظم الكتابات التي ظهرت في عصر التنوير تعتمد على الخبرة الشخصية لمفكري هذا العصر، إلّا أن ما يلفت النظر هو توجه بعضهم إلى جمع معلومات عن نمو أطفال حقيقيين قاموا بملاحظتهم، وهم في العادة أبناء الباحثين أنفسهم، وهذا الاتجاه خاصة بشَّرَ بالاتجاه العلمي الحديث في دراسته النمو, والذي نعرض أصوله وبداياته في الأقسام التالية من هذا الفصل.
(1/27)

خامسًا: المقدمات الاجتماعية والثقافية لدراسة النمو الإنساني
لآراء الفلاسفة حول الطفل وتنشئته طرافتها بالطبع، ولكن وجه القصور فيها أنها لا تتخذ لنا الطريقة التي نحكم بها على صحتها، كما لا تتوافر عنها بيانات موضوعية تدعمها، والملاحظات القليلة التي توافرت من الخبرة الشخصية, أن الدراسة غير المنظمة للطفل لا تكفي؛ لأنها لا تصف لنا المنهج المستخدم في جمع هذه البيانات, وطرق التحقق من صحتها، وهذا هو جوهر العلم الحديث.
ومع ذلك, فإنه حالما أصبح الطفل موضوعًا للتأمل الفلسفي, أدّى ذلك في ذاته إلى تطور كبير, وقد شهد القرن التاسع عشر بالفعل اهتمامات عملية بالطفولة, تمثلت في إنشاء جماعات لحماية الطفل من القسوة في إنجلترا، وفرضت قيودًا على العمر الذي يسمح فيه للطفل بالعمل ونوع العمل وساعات عمله، كما انتشر التعليم في عدد من الأقطار الأوروبية، وجعل المرحلة الابتدائية إلزامية في بعضها "مثل فرنسا"، وتطوير أساليب تعليم الصغار, والاعتماد في ذلك على اللعب خاصة، والاعتراف بطب الأطفال, واعتباره تخصصًا طبيًّا جديرًا بالاحترام, وهذه الاهتمامات بالطفل لم تكن مجرد انعكاس لاهتمام الفلاسفة والمفكرين بالطفولة فحسب, وإنما كان مظهرًا من مظاهر التغير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي شهدته الحضارة الغربية في القرن التاسع عشر, ومن ذلك ما شهدته تلك الفترة من تقدم طبي أدى إلى خفض نسب وفيات الرضع والأطفال, والزيادة النسبية في متوسطات الأعمار, وأدى ذلك بدوره إلى ضررة الاهتمام بطرفي دورة الحياة: الأطفال والمسنين.
وأدى التقدم العلمي إلى ثورات صناعية وتكنولوجية غيَّرت من الآراء السائدة حول الطفولة, وأدت إلى اكتشافات جديدة, وتهيئة فرص جديدة للعمل, وأثرت في بنية الأسر ودور المرأة، وساعدت على سيادة المشاعر القومية لدى الشعوب المرتبطة ثقافيًّا وجغرافيًّا, وبالطبع لم تكن جميع التغيرات التي شهدها القرن التاسع عشر موجبة, فقد ظهر الاستغلال للعمال الصناعيين، ونشأت حروب إقليمية عديدة، وبدأ عصر تلوث البيئة واستنزاف مواردها، وزادت ضراوة الغزو الاستعماري لإفريقيا وآسيا, مما أدى إلى وقوع معظم أقطار العالم العربي والإسلامي تحت وطأته, ومع ذلك, فإن كشف حساب القرن التاسع عشر كان لصالح قيمة الحياة الإنسانية والاعتراف بكرامة الإنسان, وكان لهذا أثره البالغ في الاهتمام بدراسة النمو الإنساني بطرق علمية عند نهاية القرن التاسع عشر, ونعرض فيما يلي بعض مقدمات هذا الاهتمام العلمي الذي تجاوز الكثير من كتابات الفلاسفة.
(1/28)

سادسًا: المقدمات العلمية لدراسة النمو الإنساني
يمكن القول أن كتابات ثلاثة من العلماء على وجه الخصوص, تعد المقدمة العلمية لدراسة النمو الإنساني, وهم كيتيليه وداروين وجالتون، وفيما يلي نعرض إسهاماتهم في هذا الصدد.
1- كيتيليه والبحث الإحصائي للنمو:
يعد عالم الفلك والرياضيات البلجيكي أدولف كيتيليه Quetelet 1874-1796 أول من أحيا دراسة النمو الإنساني على أسس علمية, وتناولها على نطاق مدى الحياة؛ فقد أجرى ما يمكن أن يعد أول بحث مستعرض في التاريخ, تناول فيه النمو من الطفولة إلى الشيخوخة مستخدمًا الإجراءات المنهجية والإحصائية التي كانت وليدة حينئذ, وشملت دراسته موضوعات مثل: الانتحار والجريمة والجناح والمرض العقلي والابتكار, إلى جانب بعض الخصائص الجسمية مثل: ضربات القلب والقوة العضلية والطول والوزن, ولعل إسهاماته أنه نبه إلى بعض مشكلات هذا النوع من البحوث, وأشار إلى الحاجة إلى البحوث الطولية التتبعية "وسوف نناقش في هذا الفصل الرابع طبيعة كلّ من نوعي البحوث المستعرضة والطولية"، واقترح ضرورة مراعاة الاختلافات في الجنس والثقافة والبيئة الجغرافية، وهذه جميعًا تشغل اهتمامات الباحثين في علم نفس النمو منذ نشأته, وحتى الوقت الحاضر.
2- تشارلز داروين: النمو الإنساني في الإطار البيولوجي, ومنهج كتابة سير الأطفال:
جاءت المقدمة الثانية لدراسة النمو الإنساني دراسة علمية من مجال علم الأحياء, وكان هذا العلم قد شهد تطورًا هامًّا عندما أصدر دارون darwin 1882-1809 كتابه الشهير أصل الأنواع 1859, والذي صاغ فيه نظريته في التطور التي أثرت تاثيرًا كبيرًا في الفكر الغربي الحديث.
ولا يتسع المقام لعرض معالم النظرية، وحسبنا أن نشير إلى أنها أثرت في
(1/29)

مفهوم النمو الإنساني, وخاصة حين اعتبر الإنسان فيها جزءًا من الطبيعة الحيوانية, وأنه الصورة الأرقى من صور الحياة, ابتداء من الكائنات أحادية الخلية، وعلى الرغم من أن داروين اعتبر الإنسان أكثر الكائنات الحية تعقيدًا في سلم التطور, إلّا أن أفكاره الأساسية تعارضت جوهريًّا مع التعاليم الدينية، ومع المفاهيم الراسخة في الفكر الإنساني -منذ عهد أرسطو- التي تميز تمييزًا كيفيًّا بين الإنسان والحيوان1.
وقد أدت هذه الأفكار بداروين إلى إجراء المقارنات بين الإنسان والأنواع الحيوانية, وكان يعتقد أن الأطفال الصغار يشتركون مع الحيوانات الأدنى في خصائص كثيرة، بالإضافة إلى أنهم "أي الأطفال" يلخصون التاريخ التطوري.
بالإضافة إلى أن فكرتيه عن الانتقاء الطبيعي، والبقاء للأصلح, أثرتا تأثيرًا كبيرًا في فهمه لطبيعة عملية النمو الإنساني منه والحيواني، حيث لا يستمر في البقاء عن طريق التناسل إلّا تلك الأنواع "والأفراد داخل النوع الواحد" التي يتوافر لها أفضل وسائل التكيف للبيئة المتغيرة, وقد أثرت هذه الأفكار من ناحية أخرى في شيوع مفاهيم التكيف والتوافق في العلوم الإنسانية الناشئة حينئذ، ومنها علم النفس، وفي ظهور الاهتمام بالفروق الفردية والسلالية بين البشر.
وتوجد فكرة أخرى لداروين أثرت تأثيرًا كبيرًا في بحوث النمو التالية, وهي وجود علاقة بين تطور النوع ونمو الطفل داخل النوع، وظهر أثرها في الاهتمام بالبحث عن أصول سلوك الراشد وخصائصه في خبرات الطفولة المبكرة، وهي فكرة شاعت على وجه الخصوص في مدرسة التحليل النفسي "عند فرويد".
وقد لجأ داروين في دراسته للنمو الإنساني إلى المنهج الذي ظهرت بدايته في القرن الثامن عشر، وشاع في القرن التاسع عشر, وهو كتابة سير الأطفال وتراجم حياتهم, ويتلخص هذا الأسلوب في قيام الآباء بتسجيل يوميات عن نمو أبنائهم, وبعض هذه التسجيلات صدر عن أدباء وفلاسفة, كما صدر بعضه عن علماء.
وهذا الأسلوب كان من الشيوع في القرن التاسع عشر حتى أن بعض المؤرخين يذكرون أنه كان من الممارسات العادية للآباء من الطبقات المتوسطة والعليا.
__________
1 تعرضت نظرية التطور منذ ظهورها للنقد الشديد من مختلف الأورقة الدينية والعلمية, وتتوافر في الوقت الحاضر أدلة علمية كافية لدحض النظرية في صورتها الأصلية، ولعل أكثر هذه الأدلة وضوحًا ما تأكد من وجود الخصائص المميزة للنوع, والتي أدت إلى تأكيد فكرة استقلال الأنواع، وقد بينت دراسات علم النفس المعرفي المقارن في السنوات الأخيرة أن بحوث اكتساب اللغة, وتعلم أنماط التفكير, تؤكد أن الفروق بين الإنسان والحيوان فروق كيفية, تجعل الإنسان فئة بيولوجية وسلوكية متميزة عن الحيوان "راجع هلوس وآخرين. ترجمة فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1982, وكذلك فؤاد أبو حطب، 1995".
(1/30)

ولهذا نجد داروين في عام 1877 ينشر مقالًا عن النمو المبكر لطفله الرضيع Darwin, 1877, ووجهت كتابة المقال فكرته العامة حول أهمية النمو الفردي في فهم التطور الإنساني, والواقع أن أسلوب كتابة سير الأطفال وتراجم حياتهم فيه شكٌّ كبيرٌ, وخاصة فيما يتصل بموضوعية البيانات التي سجلها الآباء عن أبنائهم, وذلك للأسباب الآتية:
1- الملاحظات التي أجريت وسجلت في معظم الكتابات كانت تتم على فترات زمنية غير منتظمة، كما ركَّزت على جوانب متفاوتة من سلوك الأطفال، ولهذا كانت البيانات التي هيأتها لنا هذه الطريقة غير قابلة للمقارنة.
2- الملاحظون الذين قاموا بجمع هذه البيانات وتسجيلها, كانوا في الأغلب هم آباء الأطفال موضع الملاحظة, ولهذا غلب على تسجيلاتهم الأسلوب الانتقائي والتحيز الذاتي؛ حيث كانوا ينتبهون في معظم الأحيان إلى الأحداث السارَّة والشواهد الإيجابية، ولا ينتبهون إلى الأحداث غير السارة والشواهد السلبية.
3- الباحثون الذين قاموا بجمع هذه الشواهد والأدلة لديهم أفكار قبلية وافتراضات مسبقة حول طبيعة النمو الإنساني، وعلى الرغم من أنها أقرب إلى الفروض التي تتطلب الاختبار منها إلى البديهيات التي يتم التسليم بصحتها, ولهذا كان من الواجب وضعها موضع الاختبار للتحقق من صحتها، إلّا أن ما حدث أن هذه الأفكار والافتراضات القبلية وجهت ملاحظات وتسجيلات هؤلاء الباحثين, ولهذا يلاحظ القارئ لمعظم هذه السير والتراجم للأطفال أنها لم تجمع إلّا الملاحظات التي تتفق مع وجهة نظر الباحث، ويتضح ذلك على وجه الخصوص في السيرة التي كتبها داروين عن طفله، ولهذا لا تعد في الوقت الحاضر دليلًا عمليًّا يعتد به.
4- جميع هذه السير والتراجم أجريت على طفل واحد فقط، وبالطبع فإن المنهج العلمي يحذرنا من التعميم من حالة واحدة على حالات أخرى, ويحتاج هذا التعميم إلى أن نجري الدراسات على "عينات" ممثلة للأطفال الذين نسعى إلى وصفهم ودراستهم, وهذا المنهج لم يتقدم إلّا في القرن العشرين.
وعلى الرغم من أن أسلوب سير الأطفال وتراجم حياتهم لم يكن مفيدًا
(1/31)

كمصدر للمعرفة حول النمو الإنساني، إلّا أن هذه السير تضمنت إلى جانب ما فيها من أخطاء فادحة بعض الاستبصارات الهامة, ولعل أهم ما فيها أنها كانت خطوة في اتجاه الاهتمام بالطفل, فمجرد أن يكتب كبار الفلاسفة والمفكرين والعلم عن الطفل وجَّه الانتباه إلى نمو الإنسان ليصبح موضوعًا يستحق البحث العلمي المنتظم.
3- فرنسيس جالتون وبحوث وراثة السلوك الإنساني:
قدَّم العالم البريطاني فرنسيس جالتون Galton 1991-1822, إسهامًا هامًّا آخر في ميدان الدراسة الناشئة حينئذ للنمو الإنساني؛ فقد كان من بين اهتمامات جالتون العديدة التعرف على مصادر الفروق الفردية، وتطلَّب منه ذلك إجراء دراسات مسحية منظمة على مئات الأشخاص من مختلف الأعمار، وأدَّى ذلك إلى اقتناعه بأن الانتقال الوراثي للسمات من جيلٍ إلى آخر هو المسئول الأكبر عن تنوع السلوك الإنساني, واستخدم في سبيل البرهان على صحة أفكاره طرقًا شتَّى؛ منها المقارنة بين التوائم المتطابقة, والتوائم الأخوية، ودراسة شجرة الأنساب, وخاصَّةً لعدد كبير من العباقرة في مختلف جوانب الحياة, وبهذه الدراسات هيأ جالتون المسرح العلمي لإعادة بحث المسألة الخلافية الأساسية في تاريخ الفكر الإنساني, والتي تدور حول الفطرة والخبرة.
ولعل أهم إسهامات جالتون أنه تجاوز مرحلة التأمل النظري حول هذه المسألة وغيرها، ولجأ إلى الأسلوب العلمي الذي يعتمد في جوهره على الملاحظة المنظمة، وابتكر الوسائل التي تعين على هذه الملاحظة، ومن ذلك بناء الاختبارات العقلية Tests، والاستخبارت أو الاستبيانات النفسية Questonnaires, وابتكر الكثير من الأساليب الإحصائية, وطوَّرَ معظمها بحيث تصبح ملائمة للاستخدام في دراسة السلوك الإنساني، وهكذا كان الجو مهيأ لظهور علم نفس النمو الحديث.
(1/32)

سابعًا: ظهور علم نفس النمو الحديث
مع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته, بدأ في التشكيل مجال للدراسة العلمية جوهر اهتمامه هو النمو الإنساني, ولأول مرة نجد أشخاصًا ليسوا في الأصل من الفلاسفة أو الفسيولوجيين أو البيولوجيين يكرسون جهودهم لملاحظة الإنسان وجمع البيانات لبناء هذا العلم الجديد, وعلى الرغم من أنه من الصعب أن نختار تاريخًا بذاته يحدد نشأة النمو الإنساني كعلم, فإننا نرى أن فترة نصف القرن التي تمتد بين ثمانينات القرن التاسع عشر "1880 وما بعدها" وعشرينات القرن العشرين "1920-1952", هي الفترة التكوينية لهذا العلم، وهي في نفس الوقت فترة الخصوبة العلمية للعالِمِ الأمريكي العظيم ج. ستانلي هول "1844-1924" الذي يعد المؤسس الشرعي لهذا العلم.
لقد تنبيه ستانلي هول إلى نقائص سير الأطفال المعتمدة على دراسة طفل واحد، فاتجه إلى جمع بيانات أكثر موضوعية من عينات كبيرة من الأطفال, وتركز اهتمامه خاصة على طبيعة تفكير الطفل، واستعان على دراستها بالطريقة التي ابتكرها جالتون وهي الاستخبار "أو الاستبيان", وحاول توظيفها في مجال اكتشاف محتوى عقول الأطفال، على حد تعبيره, ونشر أول دراسة له حول الموضوع عام 1891 S. Hall, ولعل أهم ما لفت نظره أن فهم الأطفال للعالم المحيط بهم يتزايد بسرعة فائقة خلال مرحلة الطفولة المبكرة, كما اكتشف أيضًا أن طريقة الطفل في الاستدلال تبتعد كثيرًا عن القواعد التي يحددها المنطق الصوري, وكانت هذه الدراسة أول بحث علمي في التاريخ يلتزم بأصول وقواعد منهج البحث, يجري على نطاق واسع ويشمل عينة كبيرة من الأطفال النامين, وربما لهذه الزيادة العلمية يستحق ج. ستانلي هول, فضل أن يكون مؤسس علم نفس النمو الحديث.
وفي عام 1904 ثم في عام 1905 نشر له كتابه الشهير عن المراهقة في مجلدين "S. Hall, 1904, 1905", ويعود الفضل إلى ستانلي هول في ابتكار مصطلح المراهقة Adolscence للعبير عن هذه المرحلة الهامة في النمو الإنساني.
وكانت لستانلي هول إنجازاته الأخرى التي تدعم له مكانته في الريادة, لقد كان أول أمريكي يحصل على درجة الدكتوراه في علم النفس عام 1878 بعد دراسته في جامعة هارفارد على يد الفيلسوف والمربي العظيم وليم جيمس "لاحظ أنها قبل إنشاء معمل فوندت في ليبزج عام 1879", وله شهرته في إنشاء الجمعية الأمريكية لعلم النفس "أشهر الجمعيات السيكولوجية في العالم"، وفي إصدار وتحرير عدد من المجلات العلمية السيكولوجية, لعل أهمها مجلة علم النفس النشوئي journal of Genetic Psychology التي لا تزال تصدر حتى الآن, والتي اهتمت على مدى القرن العشرين ببحوث النمو الإنساني, بالإضافة إلى تدريب عدد كبير من علماء نفس النمو, ونشر الكثير حول جوانب النمو الإنساني خلال مراحل الطفولة والمراهقة والشيخوخة.
وعلى الرغم من هذه الإنجازات الكبيرة فإن أثر ستانلي هول هبط بسرعة بعد وفاته, ولعل من أسباب ذلك اتساع نطاق اهتماماته, والتي لم تسمح له بتناول أيّ موضوع على نحو أكثر عمقًا من التحليل العام السطيح. ولهذا لم يقدم
(1/33)

نموذجًا نظريًّا واضحًا للنمو الإنساني, كما يلاحظ على كتاباته أنها لم تتسم بدرجة كافية من الدقة بحيث تسمح بالتعرف على فروض قابلة للاختبار, وعلى الرغم من أنه ركَّزَ على قيمة الملاحظة غير المتحيزة والبحث التطبيقي والأسس البيولوجية للسلوك, إلّا أنه تحيز في بعض كتاباته عند تناول المسائل الخلافية, ومن ذلك: المبالغة في تأكيد دور الفطرة على حساب الخبرة؛ فالنضج عنده -وهو نتاج الوراثة- هو الأكثر مسئولية في التأثير على مسار النمو الإنساني, وربط في سبيل ذلك بين البيولوجيا التطورية عند داروين، والفلسفة الطبيعية عند روسو.
وشاعت في كتاباته العبارة الشهيرة "النمو الفردي هو تكرار ملخص للتطور البشري" وهي فكرة دحضتها البحوث الحديثة في النمو, ومن أفكاره الأخرى التي لم تعد مقبولة في علم النفس الحديث افتراضه أن المراهقة هي سلسلة حتمية في كل الأحوال من الصراعات الانفعالية, تصل إلى حدِّ وصفها بأنها مرحلة "العواصف والشداد" storm and stress، وهو افتراض أكدت الدراسات الثقافية المقارنة أنه حالة خاصة للمراهق في المجتمع الغربي الصناعي الحديث.
ومع ذلك, فإن فضل ستانلي هول أنه ارتاد الميدان، ولعله في ذلك لا يختلف عن ولهلهم فلوندت, منشيء علم النفس التجريبي الحديث, لقد كان الإنجاز العملي التطبيقي لكلٍّ منهما يفوق كثيرًا إبداعه السيكولوجي.
(1/34)

الفصل الثالث: نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو
مدخل
...
الفصل الثالث: نحو وجهة إسلامية لعلم نفس النمو
من حقائق تاريخ علم النفس, أن الدين هو أحد المصادر العظمى التي انبثق منها هذا العلم "فؤاد أبو حطب، تحت الطبع", وربما لهذا السبب لعب الدين دورًا أساسيًّا في البدايات المبكرة لعلم النفس في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, وتتوافر إسهامات كبرى لعدد من الرواد الأوائل, نذكر منهم على وجه الخصوص فوندت، ستانلي هول، وليم جيمس، كارل يونج, وغيرهم. إلّا أن هذا الاهتمام سرعان ما تناقص أو تلاشى لأسباب عديدة, لعل أهمها سيطرة السلوكية على التيار الرئيسي لعلم النفس.
وحينما شهد علم النفس بعثًا جديدًا منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين, عادت المفاهيم التي أهملت لزمن طويل, وعلى رأسها مفهوما "العقل" و"الروح" إلى بؤرة الاهتمام العلمي, وقاد هذا التحول الأساسي في الوجهة العلمية Paradigm في الثقافة الغربية كل من علماء النفس المعروفيين وأصحاب الاتجاه الإنساني، ونتج عن ذلك كله تغير كامل في مفهوم العلم وطبيعته.
لقد أقيم المفهوم الكلاسيكي للعلم والذي عاش طويلًا في ثقافة الغرب على النزعة "الوضعية", والتي تطورت في القرن العشرين إلى صورتها الأحديث وهي "الوضعية المنطقية", وكانت السلوكية في كل مراحل تطورها مرآة عاكسة للوضعية في كل أحوالها وتجلياتها "1997Abou - Hatab, 1972, 1978, 1992", وهو تصور يتسم في جوهره بالمادية والفيزيائية والميكانيكية والموضوعية.
ولهذا كان التضاد صريحًا بين العلم بهذا المعنى، والدين الذي افترض فيه أنه يتسم بالذتية والقيمية والخصوصية "Abou - Hatab, 1997".
وشهد عقد الخمسينات من القرن العشرين صعود تيار "ما بعد الوضعية" Post Positivistic وفيه يتأسس العلم على أربعة مسلمات أساسية هي:
1- معطيات العلم وخصائصه ونظرياته ذت طابع تفسيري وليست محايدة تمامًا كما افترضت الوضعية "والسلوكية".
(1/35)

2- العلم مشروع ثقافي لا يمكن اختزاله إلى مجموعة من الخطوات الإجرائية كما ادعت الوضعية.
3- التطور العلمي ليس نتاج التراكم التدريجي للمعرفة كما زعمت الوضعية, وإنما هو نتاج تطور في النظريات العلمية وفلسفات العلم وفي وجهاته Paradigms.
في هذ الإطار العام للعلم المعاصر, نعرض في هذا الفصل المنظور الإسلامي للنمو الإنساني, ونبدأ بعرض آيات القرآن الكريم المتصلة بالنمو، والتي تتضمن الكثير من جوانب الإعجاز العلمي لكتاب الإسلام الخالد، وهي الجوانب التي أشار إليها في السنوات الأخيرة علماء الأجنة وعلماء النفس "فؤاد أبو حطب، 1985".
وبعد ذلك نننتقل إلى تناول النمو في السنة النبوية الشريعة، ثم عند فقهاء المسلمين ومفكريهم وفلاسفتهم، وننتهي بعرض لنموذج للنمو الإنساني في هذا الإطار الإسلامي الشامل, ونربطه بالسياق المعاصر للعلم عامة ولعلم النفس خاصة.
(1/36)

أولًا: النمو الإنساني في القرآن الكريم:
يتناول القرآن الكريم في مواضع كثيرة خلق الإنسان ونموّه، ويمكن أن تنقسم آيات خلق الإنسان إلى قسمين: ما يتصل منها بخلق آدم -عليه السلام، وهو من باب الغيب الذي على المسلم أن يؤمن به، ثم ما يتصل منها بخلق الإنسان من سلالة آدم، والذي حدّدَ القرآن الكريم معالمه، وهو ما نتناوله هنا لاتصاله المباشر بموضوع علم نفس النمو.
1- آيات الله في تكوين الإنسان:
يحدد القرآن الكريم الطريق العادي لوجود الإنسان كنتاجٍ لاتصال الذكر بالأنثى1 وفي ذلك يقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13] 2.
وفي هذا إشارة صريحة إلى أن خلق الإنسان من جزء من الذكر "وهو الحيوان المنوي" وجزء آخر من الأنثى "وهو البويضة الأنثوية", ويفسر لنا ذلك
__________
1 يستثنى من ذلك، كما يقول المفسرون، خلق آدم -عليه السلام- من دون أب وأم، وخلق حواء من أب دون أم، وخلق عيسى -عليه السلام- من أم دون أب، فخلق هؤلاء جميعًا يدخل في باب الغيب الذي يجب على المسلم الإيمان به.
2 في ذكر الآيات القرآنية الكريمة سوف نشير دائمًا إلى اسم السورة متبوعًا برقم الآية فيها.
(1/36)

قول مريم حين بُشِّرَتْ بعيسى -عليه السلام: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي} [آل عمران: 47] .
ويحدد القرآن الكريم المادة التي يُخْلَقُ منها الإنسان نتيجةً لهذا الاتصال الجنسي في قوله تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِين} [السجدة: 7-8] .
فإذا كان خلق آدم عليه السلام -أبو البشرية- من طين، فإن خلق نسله -وهم البشر جميعًا- من ماء مهين. والماء المهين -بإجماع المفسرين- هو المني الذكري.
والمقصود بالسلالة هنا "الخلاصة"، ومعنى ذلك أن خلق نسل آدم من خلاصة المني الذكري الذي يفرزه الرجل عند الاتصال الجنسي بالمرأة, وهذه الخلاصة هي التي يشير إليها علماء الأجنة والوراثة في الوقت الحاضر بالحيوان المنوي, وفي هذا القول القرآني إعجاز علمي رائع, فلم يتوصل هؤلاء العلماء إلّا في القرن العشرين إلى الحقيقة العلمية القائلة بأن الحيوانات المنوية تؤلف فقط ما بين 0.05%، 1% من مجموع المني الذكري "الماء المهين"، وأن من بين هذه الحيوانات المنوية التي يبلغ عددها في المرة الواحدة بضع مئات الملايين لا ينجح إلّا حيوان منوي واحد -بتقدير الله تعالى- في تقليح البويضة الأنثوية، وهو بذا يصبح "خلاصة"الماء المهين على حد معنى التعبير القرآني المعجز "محمد علي البار، 1986".
ويحدد القرآن الكريم خصائص المني الذكري بأنه سائل سهل التدفق، ويصفه بأنه {مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة: 37] .
{فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 5-6] .
{ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة: 8] .
كما يحدد أيضًا الموضع الذي يخرج منه، فيقول تعالى:
{خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 6-7] .
ويذكر العلماء المحدثون "عبد الخالق همت شبانه، 1985" أن المفسرين القدامى ذهبوا إلى أن الصلب هو العمود الفقري للرجل، والترائب هي عظام صدر المرأة، وأن ماء الرجل الدافق يلتقي بماء المرأة الدافق الذين يشتركان في تكوين
(1/37)

الجنين، وهو كلام غير صحيح من منظور العلم الحديث, إلّا أن العلم الحديث ينسب كلًّا من الصلب والترائب إلى الرجل, وهو تفسير يتفق أيضًا مع السياق القرآني، كما يتفق مع العلم الحديث الذي يؤكد أن الحيوان المنوي للذكر يلعب الدور الحاسم في تكوين الجنين كما سنبين فيما بعد.
إلّا أن المني وحده لا يكفي لتكوين الإنسان جنينًا في رحم الأم, وقد أشار القرآن الكريم إلى النطفة باعتبارها المادة التي يتم منها هذا التكوين, وقد وردت كلمة "نطفة" في القرآن الكريم في اثني عشر موضعًا, ومن ذلك قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [يس: 77] .
ويرى عدنان الشريف "1987-1988" أن معنى "النطفة" هنا يجب ألّا يقتصر على المني الذكري "أي ماء الرجل" -وهو المتعارف عليه في بعض التفاسر- وإنما يجب أن يمتد ليشمل ماء المرأة.
وهذا ما يراه أيضًا محمد علي البار "1985"؛ حيث يذكر أن النطفة قد تكون مذكرة أو مؤنثة، والنطفة المذكرة هي جميط الذكر، والنطفة المؤنثة هي جميط الأنثى, ويدعم هذا الرأي أن الخطاب في هذه الآية الكريمة للرجل والمرأة وليس للرجل فقط, كما يدعمه أيضًا الحديث النبوي الشريف الذي يشير إلى نطفة الرجل ونطفة المرأة كما سنبين فيما بعد.
هذه النطفة المذكرة "الحيوان المنوي", وتلك النطفة المؤنثة "البويضة الأنثوية", يندمدجان معًا ليتكون من بعض كلٍّ منهما نطقة جديدة مخصبة من كلٍّ منهما, هي التي يسميها علم الأجنة "اللاقحة" أو "الزيجوت", وهي تمثل الطور الأول من تكوين الجنين كما سنوضح في الباب الثاني فيم بعد, ويعبر القرآن الكريم عن هذه العملية تعبيرًا معجزًا بقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان:2] .
والأمشاج هي الأخلاط الناتجةعن امتزاج ماء الرجل بماء المرأة, وفي هذا تفسير لقةوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13] .
الذي سبق الإشارة إليه, ويذكر محمد علي البار "1986" أن الإعجاز العلمي الباهر لهذه الآية الكريمة يتمثل في أن الباحثين لم يعلموا شيئًا عن النطفة الأمشاج المكونة من نطفة الرجل ونطفة المرأة إلّا عام 1875 على يد هيرتفج
(1/38)

Hertwig, وفي عام 1883 استطاع فان بندن Van Benden أن يثبت الإسهام المتساوي لكلٍّ من الحيوان المنوي والبويضة الأنثوية في تكوين النطفة الأمشاج "اللاقحة أو الزيجوت كما تسمى في علم الأجنة".
ويتضح الإعجاز العلمي للقرآن في هذ الموضوع إذا علمنا أن أرسطو الذي ظلت آراؤه مسيطرة على الفكر الإنساني لأكثر من ألفي عام, كان يعتقد أن الجنين يتكون من دم حيض المرأة النشط, ولم يقابل هذا الاعتقاد بأي معارضة علمية إلّا من علماء القرآن والحديث المسلمين في العصر الإسلامي على أساس الآيات القرآنية. كما فند القرآن الكريم أيضًا الاعتقاد اليهودي القائل بأن إتيان المرأة في فرجها من جهة ظهرها ينتج عنه طفل أحول, أضف إلى ذلك رفض الاعتقاد الذي ظلَّ سائدًا -حتى قرب نهاية القرن التاسع عشر- وخلاصته أن الجنين كامل التكوين يكون موجودًا بصورة مصغرة في المشيج الذين ينشط عن طريق الحيوان المنوي, وكان هذا كله ضد ما أثبته العلم الحديث الذي وافقت حقائقه آيات القرآن الكريم المعجزة، ابتداء من عام 1858 على يد ردي، ثم عام 1864 على يد باستير، ثم ما أثبته علم الوراثة بعد ذلك حول وجود الجينات "محمد طاهر وآخرون، 1985".
ويحدد القرآن الكريم موضع النطفة الأمشاج أو اللاقحة في رحم الأم، وهذا ما أجمع المفسرون على معنى قوله -سبحانه وتعالى "القرار المكين" {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون: 13] .
{أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المرسلات: 20-21] .
ويرى عدنان الشريف "1987-1988" أن للقرار المكين ثلاث معانٍ قرآنية تبعًا للمعاني الثلاث للنطفة.
أ- رحم المرأة: بشرط أن يفهم معنى الماء المهين أو النطفة في الآيات القرآنية السابقة بمعنى البويضة المخصبة، والتي تمثل الطور الأول في تكوين الجنين؛ ففي الرحم لا يستقر إلّا هذه البويضة الملقحة, وكل من الحيوانات المنوية والبويضة سرعان ما تموت إذا لم تتلاقح في أنبوب الرحم.
ب- مبيضا المرأة: بشرط أن يفهم الماء المهين أو النطفة بمعنى ماء المرأة في الآيات الكريمة "فمن الوجهة العلمية يستقر ماء المرأة, أي: نطفها, في المبيضين عندها منذ الشهر الرابع من حياتها, حتى تخرج النطف دوريًّا من المبيضين مرةً كل شهر بعد بلوغها سن النضج الجنسي الذي يمتد
(1/39)

عادة بين سن التاسعة وسن السادسة عشرة كحد أدنى وحد أقصى "عدنان الشريف، 1987"1.
ج- الحويصلة المنوية عند الرجل: بشرط أن يفهم معنى الماء المهين أو النطفة بمعنى ماء الرجل, فمن الوجهة العلمية يستقر ماء الرجل الذي تفرزه خصيتاه بصورة دائمة منذ بلوغه سن النضج الجنسي في الحويصلة المنوية2 ويخرج منها وقت الاستمناء.
ويؤكد علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء أن الرحم والمبيضين والحويصلة المنوية هي كلها قرار مكين "أو مكان آمنٍ" لاستقرار النطفة التي تبقى في هذه الأعضاء لوقت معلوم في كل حالة3, والرحم والمبيضان والحويصلة المنوية هي أماكن آمنة لنطف من خلال موضعها في الجسم. فالرحم والمبيضان عند المرأة والحويصلة المنوية عند الرجل تقع في الحوض, وهو عبارة عن جسم عظمى يحيط بها من جميع الجهات، كما أنها معلقة بأحزمة وأربطة متينة ومرنة في نفس الوقت, وهي تتصل بمختلف العضلات والأعضاء الموجودة في الحوض. ويزداد فهمنا للمعنى المعجز للوصف القرآني "القرار المكين" إذا علمنا التفاصيل الدقيقة التشريحية والفسيولوجية للرحم والمبيضين والحويصلة المنوية, وهو ما لا يتسع له نطاق هذا الكتاب، ويمكن للقارئ المهتم الرجوع إلى الكتب الطبية المتخصصة.
2- آيات الله في نمو الإنسان قبل الولادة:
تشير الآيات القرآنية الكريمة بشكل صريح إلى أن نمو الإنسان بعد تكوينه من المادة الأساسية التي يخلق منها، إنما يمر بمراحل يتطور بعضها من بعض ويتلو بعضها بعضًا، وفي ذلك يقول الله تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13-14] .
__________
1 يحوي مبيضا المرأة عادةً ما يقرب من مليوني بويضة عند ولادتها, ولا يبقى منها إلّا ثلاثون ألفًا تقريبًا عند بلوغها النضج الجنسي، ويخرج من المبيض أربعمائة بويضة تقريبًا خلال فترة خصوبة المرأة الممتدة من سن النضج وحتى سن انقطاع الدورة الشهرية.
2 جسيم يشكل خزان, مركزه في أسفل المثانة عند الرجل, يتجمع فيه السائل المنوي الذي تفرزه الخصيتان.
3 هذا الوقت المعلوم قد يكون تسعة أشهر للنطفة المستقرة في الرحم، أو الفترة منذ الشهر الرابع من حياة المرأة إلى سن بلوعها النضج الجنسي, ثم تخرج دوريًّا كل شهر حتى سن انقطاع الدورة الشهرية للنطفة بمعنى البويضة الأنثوية، أو الفترة منذ البلوغ الجنسي للرجل, وتخرج وقت الاستمناء للنطفة بمعنى المني الذكري.
(1/40)

ويقول تعالى أيضًا:
{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: 6] .
ويفصِّلُ القرآن الكريم المراحل التي يمر بها نمو الإنسان في مرحلة الجنين, يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الحج: 6] .
ونعرض في هذه المراحل كما وردت في القرآن الكريم، أما خصائصها العلمية كما كشف عنها العلم الحديث فسوف نتناولها بالتفصيل في الباب الثاني من هذا الكتاب.
أ- مرحلة النطفة:
ورد ذكر النطفة في القرآن الكريم في اثنى عشر موضعًا على ثلاث معانٍ -كما ذكرنا- وهي: النطفة المذكرة والنطفة المؤنثة والنطفة الأمشاج, وهي النطفة المختلطة من الحيوان المنوي والبويضة عندما يتم الإخصاب, والمعنى الثالث هو الذي يمثل المرحلة الأولى من تكوين الجنين ونموه وتطوره.
وتشير الآيات القرآنية الكريمة إلى الدور الحاسم للوراثة مع التكوين الأولي للنطفة, ويعبر القرآن الكريم عن الوراثة بتعبيره البليغ "التقدير", يقول الله تعالى: {قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} [عبس: 17-19] .
وهذه الحقيقة لم يكتشفها إلّا علم الأجنة والوراثة الحديثين, فلم يتأكد دور الجينات -وهي أجزاء صغيرة من الخلية الحية- إلّا عام 1912, حين أثبت مورجان أن هذه الجينتات تنتقل عبر الحيوان المنوي الذكر والبويضة الأنثوية.
ومن حقائق الوراثة أيضًا التي أشار إليها القرآن الكريم, أن الذكورة والأنوثة في الجنين إنما تكون تابعة لماء الرجل, قال تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} [النجم: 45-46] .
والنطفة التي تمنى هي نطفة الرجل لا ريب؛ إذ ليس للمرأة مني ولا هو من خصائصها1.
__________
1 يرى عدنان شريف "1987-1988" إطلاق لفظ المني على ماء الرجل والمرأة, وفي رأينا أن يقتصر اللفظ على معناه الأصلي وهو ماء الرجل.
(1/41)

وتوجد إشارة قرآنية أخرى إلى ذلك, يقول الله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [القيامة: 36-39] .
والضمير في كلمة "من" يرجع إلى المني, وهو للرجل وليس للمرأة, وهذا حقيقة علمية مؤكدة في علم الوراثة الحديثة, سنوضحها بالتفصيل فيما بعد "في الباب الثاني".
ب- مرحلة العلقة:
ورد ذكر العلقة في القرآن الكريم في خمسة مواضع, ويحدد علماء الأجنة المحدثون هذه المرحلة بالفترة التي تعلق فيها الكرة الجرثومية بجدار الرحم وتنتهي بظهور الكتل البدنية, والتعبير القرآني عن هذه الرحلة بكلمة "علقة" هو أفضل وأدق وصف لها, وهذا ما سنفصله فيما بعد عند تناولنا لهذه المرحلة في نمو الجنين.
ج- مرحلة المضغة:
ورد ذكر المضغة في القرآن الكريم في موضعين؛ أحدهما في سورة "الحج", والآخر في سورة "المؤمنون" والمضغة في علم الأجنة الحديث هي مرحلة يشبه فيها الجنين في مظهره لقمة ممضوغة, وتظهر فيها بالفعل ما يشبه آثر أسنان مغروزة, ومرة أخرى فإن التعبير القرآني عن هذه المرحلة بكلمة "مضغة" لا يطابق فقط الوصف العلمي لها في علم الأجنة بل يتفوق عليه, وسوف نفصل ذلك عند عرضنا لهذه المرحلة في الباب الثاني من هذا الكتاب.
ويذكر القرآن الكريم أن هذه المضغة قد تكون مخلقة أو غير مخلقة.
ويفسر بعض العلماء المعاصرين ذلك "عدنان الشريف، 1987-1988" بثلاثة معانٍ هي:
1- خلال مرحلة المضغة يكتمل تكوين الأغشية والحبل السري وجزء من المشيمة, وهي أجزاء من المضغة تحيط بالجنين وتحميه وتغذيه, إلّا أنها تسقط وتموت بعد الولادة، وهي بهذا المعنى تؤلف المضغة غير المخلقة، أما الجزيء الرئيس من المضغة الذي يكون الجنين نفسه, فهو المضغفة المخلقة.
(1/42)

2- خلال مرحلة المضغة تبدأ مختلف أعضاء الجنين في التكوين إلّا أنها لا تكتمل إلّا في المراحل التالية, ومعنى ذلك أن الجنين في هذه المرحلة هو مضغة مخلقة وغير مخلقة في وقت واحد.
3- خلال مرحلة المضغلة تصنف الخلايا إلى قسمين؛ أحدهما خلايا متخصصة تشكل مختلف أعضاء الجنين، وثانيهما خلايا غير متخصصة, أو خلايا الاحتياط التي تتحول إلى خلايا متخصصة تحل محل خلايا القسم الأول عندما تموت, والنوع الأول يؤلف القسم المخلق من المضغة، أما النوع الثاني فهو القسم غير المخلق, إلّا أن المعنى الذي يشير إليه معظم المفسرين للمضغة المخلقة أنها المضغة التي يكتمل تكوينها, وتبدأ فيها أجهزة الجسم في التكوين, أم المضغة غير المخلقة فهي التي لا يكتمل لها التكوين، ويقصد بها السقط كما جاء في تفسير القرطبي, وهو المعنى الذي نفضله هنا بدليل قوله تعالى بعد ذلك مباشرة.
{وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الحج: 5] .
د- مرحلة تكوين العظام والعضلات:
يصف القرآن الكريم عمليات التكوين النهائي للإنسان في قوله تعالى: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون: 14] .
وفي هذه المرحلة تبدأ الخلايا العظمية في التكوين, وتحل محل الخلايا الغضروفية التي كانت موجودة من قبل, كما يتم تكوين العضلات "اللحم" التي تحيط بعظام الجسم, وتساعد على حركتها.
هـ- مرحلة تكوين الطفل السوي "التسوية":
يقول الله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] .
وقد أجمع المفسرون على أن المقصود من الخلق نفخ الروح في الجنين؛ بحيث يتحرك ويصير له "سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب" "محمد علي البار: 1896".
فقبل هذه المرحلة يكون الجنين أقرب إلى النبات, ليس له حس أو حركة إرادية، وكل ما فيه فقط حركة النمو والاغتذاء, أما في هذه المرحلة فإن قوى الحس والإدراك والإرادة تتكون فيه، وتتضح هذه الصلة الوثيقة بين نفخ الروح وتكوين الحس والإدراك في قوله تعالى:
(1/43)

{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] .
وتحديد بدء هذه المرحلة له أهمية خاصة، فمتى نفخت الروح حرم الإجهاض حرمة تامة كما أجمع الفقهاء, وتمتد هذه المرحلة حتى الولادة.
ويمكن أن تسمى مرحلة التسوية، أي: إعطاء الشكل الإنساني للجنين، بعد أن كانت الأطوار السابقة من طور النفطة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى الرحم في أطوار "خلق" و"تجميع" و"تعديل في أعضاء الجنين" "عدنان الشريف، 1987-1988".
وهذه المرحلة هي التي يتميز بها المخلوق البشري عن غيره من المخلوقات؛ فقبلها لا يستطيع علم الأجنة أن يميز بين الجنين وغيره من أجنة الفقاريت الأخرى، كما وجد علم الأجنة المقارن؛ أما عندها فيأخذ الجنين عند الإنسان شكله الإنساني الذي يتميز به عن غيره من الأجنة, ولعل هذا التشابه في الشكل الخارجي بين جنين الإنسان وجنين غيره من الثدييات في مراحل ما قبل التسوية, هو الذي أوقع تشارلز دارووين في خطأه العلمي الفادح في افتراض أن الإنسان "تطور" عن الفقاريات الأخرى, وهو الفرض الذي دحضته العلوم البيولوجية والإنسانية الحديثة, ولعل أكثر هذه الأدلة أهمية ما يطرأ على الجنين الإنسان من تحول كيفي جوهري في مرحلة التسوية، وفي هذا كله إعجاز علمي جديد لكتاب الله الخالد, وصدق الله العظيم في قوله:
{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] .
والتي تعني أيضًا -والله أعلم: أنه خلق مختلف عن جميع المخلوقات الأخرى.
3- آيات الله في نمو الإنسان بعد الولادة:
يذكر القرآن الكريم المراحل التي يمر بها نمو الإنسان بعد الولادة, والملاحظة التي تدهش الباحث العلمي بإعجازها البديع, أن القرآن الكريم لا يفصل بين مرحلتي ما قبل الولادة وما بعدها، وإنما يربط بين المرحلتين برباط وثيق، يوضحه قوله -سبحانه وتعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] .
(1/44)

ثم يحدد القرآن الكريم الحد الأقصى لفترة الرضاعة حتى الفصال "الفطام" بعامين، يقول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] .
ومعنى ذلك أننا لو طرحنا فترة الرضعة هذه ومقدارها 24 شهرًا من الفترة الكلية للحمل والرضاعة "30 شهرًا", يمكن أن نستنتج أن الطفل يحتاج للبقاء داخل رحم الأم أثناء فترة الحمل إلى فترة زمنية لا تقل عن ستة أشهر حتى يولد ويبقى حيًّا بعد ولادته، وبالطبع, فإن فترة الحمل قد تمتد إلى مدة تمام الحمل "280 يومًا في المتوسط, أو حوالي 40 أسبوعًا"، وهذه المدة من تقدير الله -سبحانه وتعالى, يقول القرآن الكريم في ذلك: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} [الحج: 5] .
ثم يحدد القرآن الكريم المراحل الثلاث الكبرى للنمو بعد الولادة في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] .
وهذه هي المراحل الكبرى الثلاث لنمو الإنسان.
أ- المرحلة الأولى: الضعف الأول للإنسان:
وهي مرحلة طفولة وصبا طويلة, يصفها القرآن الكريم بأنها مرحلة ضعف، وهو ضعف يشمل أيضًا مرحلة ما قبل الولادة, كما هو واضح من التداخل بين مرحلتي ما قبل الولادة وما بعدها, والذي أوضحناه فيما سبق، ويصفها القرآن الكريم وصفًا مطلقًا بأنها مرحلة "طفولة" في قوله تعالى:
{ ... ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ... } [الحج: 5] { ... ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طفْلًا ... } [غافر: 67] .
وهذا ما تنبهت إليه التشريعات الحديثة للطفولة؛ حيث وسَّعَتْ نطاق المفهوم ليمتد إلى نهاية المراهقة.
ويميز القرآن الكريم في هذه الرحلة الكبرى بين أربعة أطوار فرعية هي:
1- الرضاعة: ومدتها القصوى عامان, كما أوضحت الآيات الكريمة التي عرضناها فيما سبق.
(1/45)

2- الطفل غير المستأذن "غير المميز للعورة": وتمتد من الفصال "الفطام" وحتى سن الاستئذان "التمييز المبكر للعورة", يقول الله تعالى: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31] .
يقول القرطبي في تفسير ذلك: "أي الأطفال الذين لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع لصغرهم".
3- الاستئذان المقيد "التميز": وهي المرحلة التي يعقل فيها الطفل معاني الكشفة والعورة ونحوها, يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ} [النور: 58] .
4- الاستئذان المطلق "بلوغ الحلم": وهي مرحلة هامة تتحدد فيها مستويات قريبة من مستويات الكبار؛ حيث الاستئذان على وجه الإطلاق وليس لفترات محددة كما هو واضح من الآية السابقة، والتي يتبعها قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59] .
ثم يطلق القرآن الكريم "الاستئذان" باعتباره محكًّا للسلوك الإنساني الناضج، فيقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 62] .
ب- المرحلة الثانية: قوة الإنسان:
وهي مرحلة التحول إلى الرشد، ويصفها القرآن الكريم بالقوة, وقسَّمَها إلى ثلاثة أطوار فرعية هي:
(1/46)

1- بلوغ السعي: يقول الله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] .
ويذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن في تفسير ذلك، فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمر دنياه معينًا له على أعماله.
قال مجاهد: أي شبَّ وأدرك سعيه سعي إبراهيم, ويضيف الحسن ومقاتل أن السعي هذا هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة.
2- بلوغ الرشد:
يقول الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] .
وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن الرشد يعني: الاهتداء إلى ضبط الأموال "باعتباره المؤشر الأساسي للنضج الاجتماعي" وحسن التصرف فيها, والصلاح وسداد الرأي، وففيه جمع بين القوتين، قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وقوة المعرفة وهو إيناس الرشد، فلو مُكِّنَ اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول قوة البدن لأذهبه في شهواه وبقي صعلوكًَا, ومن الإشارات القرآنية اللطيفة هنا طلب "إيناس" الرشد والتعرف على علاماته ومؤشراته، وهذا يعني أن الرشد ليست له حدود زمنية محددة يصل إليها الجميع في زمن واحد.
3- بلوغ الأشد1 "اكتمال الرشد":
يقول الله تعالى: { ... ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ... } [الحج: 5] { ... ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ... } [غافر: 67] .
ويذكر القرطبي في هذا الصدد أن بلوغ الأشد هو بلوغ القوة، وقد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولابد من حصول الوجهين, فإن الأشد وقعت هنا مطلقة وتعني -والله أعلم- البلوغ على إطلاقه, وهو هنا البلوغ الجنسي والجسمي والعقلي وهو معنى الرشد.
__________
1 يقال بلغ أشده, أي: قوته، وهو مفرد، أو جمع لا واحد له من لفظه، أو جمع اختلف في مفرده.
(1/47)

وقد أشار القرآن الكريم إلى الأشد بمعنى الرشد في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] .
إلّا أن القرآن الكريم يحدد تحديدًا صريحًا في موضعٍ واحدٍ معنى الأشد بمعنى اكتمال الرشد؛ حيث يصبح في هذه الحالة طور المسئوليات الكبرى، بقول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} [الأحقاف: 15] .
ولعل هذا هو ما يشير إليه القرآن الكريم -والله أعلم- بمرحلة الكهولة, يقول الله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46] .
{إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [المائدة: 110] .
ويذكر القرطبي أن الكهولة فيها مجتمع الأشد، وهي سن التكليف بالمسئوليات الكبرى، فقد كُلِّفَ الرسل بحمل الرسالة في هذا السن.
ج- المرحلة الثالثة: الضعف والشيبة:
على الرغم من أن هذه المرحلة هي مرحلة ضعف، إلّا أنه ضعف مختلف عن الضعف الأول السابق على الرشد، فالقرآن الكريم يضيف إلى هذه المرحلة وصف "الشيبة", والتي تحمل معنى الخبرة والحكمة إلى جانب التقدم في السن.
ويقسِّم القرآن الكريم هذه المرحلة الكبرى إلى طورين هما:
1- مرحلة الشيخوخة: يقول الله تعالى: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا} [غافر: 67] .
2- مرحلة أرذل العمر "الهرم" يقول الله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5] .
ويذكر القرآن الكريم شواهد كثيرة على خصائص مرحلة "الضعف والشيبة".
(1/48)

ومن ذلك قوله تعالى في تحديد المعالم الجسمية الرئيسية للمرحلة, وهي وهن العظام وشيبة الرأس: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] .
وكذلك خاصية انقطاع خصوبة المرأة والرجل، يقول تعالى: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72] .
{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [النور: 60] .
وانتكاس الخصائص النفسية والجسمية المختلفة إلى مراحل سابقة، وخاصة عند أولئك الذين يبلغون من العمر أرذله، يقول الله تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} [يس: 68] .
وفقدان القدرة على العلم "أو نقص القدرة على التعلم" وخاصة عند المعمرين الذين يبلغون مرحلة الهرم أو أرذل العمر, يقول تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5] . [النحل: 70] .
وقد نَبَّه القرآن الكريم إلى أن هذه المرحلة فيها اعتماد جديد، كما كان الحال في مرحلة الطفولة والصبا، إلّا أن الاعتماد في مرحلة الضعف الأولى كان على الوالدين، أما الاعتماد في مرحلة الضعف الثاني فلا مناص من أن يكون على الأبناء، ومعنى ذلك أن هذه المرحلة هي أقرب إلى رد دين الأبناء إلى الوالدين، وكما تحددت حقوق الأبناء على والديهم في المرحلة الأولى، يحدد القرآن الكريم حقوق الوالدين على أبنائهم في المرحلة الثانية, يقول تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] .
وقد قرن القرآن الكريم الإحسان إلى الوالدين بعبادة الله -سبحانه وتعالى, فقد ورد القول القرآني:"لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا" في المواضع الآتية [البقرة: 83، 233] ، [النساء: 36] ، [الأنعام: 151] ، [الإسراء: 23] ، [مريم: 214] ، [العنكبوت: 8] ، [لقمان: 14] ، [الأحقاف: 15، 17] ، [إبراهيم: 41] ، [نوح: 28] .
(1/49)

ثانيًا: النمو الإنساني في السنة النبوية الشريفة
السنة النبوية المطهرة, وهي ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أقوال وأفعال وتقارير, هي تفصيل لما أجملته آيات الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العزيز، وهي السلوك العملي والممارسة الفعلية لمبادئ الإسلام كما حددها القرآن الكريم, وقد ورد في الحديث الصحيح إشارات إلى تفصيل بعض ما أجمله القرآن الكريم في مجال النمو الإنساني, نتناولها فيما يلي:
1- في مرحلة ما قبل الولادة:
"أ" يوضح الحديث الشريف طبيعة النطفة الذكرية بقوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الذي أخرجه مسلم: "ما من كل الماء يكون الولد" , ومعنى ذلك أن الجنين يتكون من جزء يسير من المني, وفي هذا تفصيل لمعنى الآية القرآنية {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} والسلاسلة كما أشرنا في القسم الأول من هذا الفصل تعني الخلاصة، والماء المهين هو المني.
ب- كما يحدد الحديث النبوي طبيعة المضغة المخلقة وغير المخلقة، فقد روي عن عبد الله بن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره, وذكره ابن رجب في "جامع العلوم والحكم", وابن القيم في "طريق الهجرتين" أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "النُّطفة إذا استقرَّتْ في الرَّحم جاءها مَلَكٌ فأخذها بكفه، فقال: أي ربِّ، مخلَّقة أم غير مخلَّقة؟ فإن قيل: غير مخلَّقة، لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام، وإنْ قيل: مخلَّقة، قالَ: أي ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثرُ؟ وبأيِّ أرضٍ تموتُ؟ " وفي هذا الحديث الشريف تفصيل صريح لمعنى المضغة غير المخلقة بأنها تعني السقط.
ج- وإذا كانت النطفة المؤنثة لم ترد صريحة في القرآن الكريم, فقد أوردتها السنة المطهرة تفصيلًا لآيات الله في كتابه العزيز, فقد أخرج مسلم في مسنده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لليهودي الذي سأله من أيّ شيء يخلق الإنسان؟ "يا يهودي: من كلٍّ يخلق، من نطفة الرجل ونطفة المرأة" وفي هذا توضيح صريح لطبيعة النطفة الأمشاج, والتي أجمع المفسرون على أنها تعني نطفة الرجل ونطقة المرأة إذا اجتمعا.
ويتضح الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة المطهرة في هذا السياق إذا درسنا معتقدات الأطباء حتى زمن متأخر جدًّا بعد عصر البعثة النبوية الشريفة, والتي يرويها ابن حجر العسقلاني الذي عاش بين عامي 773
(1/50)

هـ ,520هـ "أي: بعد تسعة قرون من الرسالة المحمدية" يقول: "زعم كثير من أهل التشريح أن منيّ الرجل لا أثر له في الولد إلّا في عقدة, وأنه إنما يتكون من دم الحيض" وقد كانت هذه هي نظرية أرسطو الأساسية في تكوين الجنين, وقد فند ابن حجر هذه المزاعم في ضوء الأحاديث النبوية الشريفة؛ لأنها صريحة في الإشارة إلى أن الولد إنما يخلق من نطفة المرأة ونطفة الرجل "محمد على البار، 1986".
د- جاء في الصحيحين البخاري ومسلم عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ؟ أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ؟ أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ؟ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا قَالَ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".
وأشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي ورد في الصحيحين أيضًا عن عبد الله بن مسعود إلى الفترة الزمنية التي يقضيها الجنين في مراحل نموه المختلفة في قوله: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا, ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ, وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ" ومعنى الحديث الشريف أن الجنين ينمو في مراحل ثلاث هي: تجميع الخلق وتستمر40 يومًا، وتكون العلقة والمضغة وتستمر ما قبل 120يومًا، والجنين المكتمل التكوين يبدأ من بعد ذلك, وتستمر حتى لحظة الوضع والولادة.
كما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم: "إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا".
ومن جوانب الإعجاز العلمي في السنة النبوية المطهرة -فيما يتصل بهذين الحديثين الشرفين- ما أكده علم الأجنة من أن انقضاء أربعين يومًا يعد شرطًا جوهريا حتى تتمايز النطفة "اللاقحة" أو"الزيجوت" من خلية واحدة إلى جنين طوله سنتيمتر واحد تجتمع فيه جميع الإمكانات اللازمة للتمايز العادي وظهور جميع الأعضاء الأساسية، ومع بلوغ الجنين يومه الثاني والأربعين تبدأ العظام في التكوين، ويبدأ الجنين في النمو السريع Simpsan, et al, 1985 & Persaud, أي أن الحدود الزمنية لبداية التخليق التي جاءت في الحديثين الشريفين "40 يوما" و"42 ليلة" لم يكتشفها العلم الحديث إلّا بعد انقضاء أربعة عشر قرنًا.
(1/51)

2- مراحل النمو بعد الولادة:
أ-0 يحدد الحديث النبوي مراحل ما بعد الولادة, فقد ورد في الحديث الصحيح, عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الغلام يعق عنه -أي: تذبح عنه العقيقة- يوم السابع، ويسمى، ويماط عنه الأذى، فإذا بلغ ست سنين أدب، فإذا بلغ تسع سنين عزل فراشه، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضرب على الصلاة، فإذا بلغ ست عشرة سنة زوجه أبوه، ثم أخذ بيده وقال: "قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك، أعوذ الله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة، ويذكر الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" أن هذا الحديث أخرجه أبو الشيخ بن حيان في كتاب "الضحايا والعقيقة" إلّا أنه قال: "وأدبوه لسبع، وزوجوه لسبع عشرة".
وفي هذا الحديث الشريف تمييز واضح بين المراحل الآتية:
1- مرحلة الوليد "الأسبوع الأول من حياته".
2- مرحلة ما قبل التمييز: ما قبل سن السادسة "وفي أحاديث صحيحة أخرى ما قبل سن السابعة".
3- مرحلة التمييز: وهي التي يبدأ فيها تأديب الطفل "أو تعليمه المنظم".
4- مرحلة البلوغ الجنسي: وعندها يبدأ التكليف بالعبادات.
5- مرحلة الرشد: ومؤشرها الأساسي الزواج.
ب- وتحدد أحاديث نبوية أخرى مؤشرًا هامًّا لسن التمييز وهو الأمر بالصلاة، ومنها الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود أن الرسول -عليه السلام قال: "مروهم بالصلاة لسبع, واضربوهم عليها لعشر, وفرقوا بينهم في المضاجع" ومعنى ذلك: أن حقوق الله تعالى تصحّ عن الصبي المميز؛ كالأيمان والصلاة والصيام والحج، ولكن لا يكون ملزمًا بأداء العبادات إلّا على مهمة التأديب والتهذيب، ولا يستتبع فعله عهدة في ذمته، فلو شرع في صلاة لا يلزمه المضي فيها، ولو أفسدها لا يجب عليه قضاؤها" "وهبة الزحيلي، 1984".
ج- وتحدد أفعال الرسول -عليه السلام- وأقواله الشريفة طرق معاملة الوالدين للأبناء ومنها:
(1/52)

1- حسن أدب الطفل وحسن اختيار اسمه, يقول -عليه الصلاة والسلام: "من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه"، أخرجه البيهقي.
2- المساواة في المعاملة: يقول -صلى الله عليه وسلم: "ساووا بين أولادكم في العطية".
3- الرحمة والرأفة بالصغير: فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ, فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ" متفق عليه في البخاري ومسلم.
وكذلك رأى الأقرع بن حابس النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقبل ولده الحسين بن علي -رضي الله عنهما- فقال: "إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا, فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ" أخرجه البخاري ومسلم عن حديث لأبي هريرة.
وقال عبد الله بن شداد: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد،, فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر, فلما قضى صلاته قالوا: قد أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أنه قد حدث أمر، فقال: "إن ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته" رواه النسائي والحاكم.
د- تحدد الأحاديث النبوية الشريفة حقوق الوالدين على الولد, فقد قال -عليه السلام: "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" أخرجه مسلم.
وقال أيضًا: "بر الوالدين أفضل من الصلاة والصدقة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله".
وقال أيضًا: "بر أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك". أخرجه النسائي وأحمد والحاكم.
3- في الوراثة والبيئة:
أ- يشير الحديث الصحيح إلى أن الوراثة تتحدد مع تكوين الجنين, يقول -صلى الله عليه وسلم: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله
(1/53)

تعالى كل نسب بينها وبين أدم؟. أخرجه ابن جرير, وقد أشرنا في القسم السابق إلى أن التقدير الوراثي على مستوى الجينات لم يكتشف إلّا في مطلع القرن العشرين.
ب- من الأحاديث الصحيحة التي تؤكد أهمية الوراثة في تكوين الجنين ونموه قوله -صلى الله عليه وسلم: $"تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس" أخرجه ابن ماجه والديلمي, كما أكدت أحاديث صحيحة أخرى دور البيئة, ومنها قوله -عليه الصلاة والسلام: "إياكم وخضراء الدمن" قالوا وما خضراء الدمن؟ قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء" أخرجه الدارقطني, وقد كشفت البحوث الحديثة في ميدان وراثة السلوك الأثر التفاعلي لكل الوراثة والبيئة.
ج- سبقت الأحاديث النبوية الشريفة العلم الحديث في الإشارة إلى ظاهرة الصفات المتنحية التي لم يكشف عنها العلم الحديث أيضًا إلّا في القرن العشرين, فقد أُثِرَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رجلًا من الأنصار أقبل عليه فقال له: يا رسول الله هذه بنت عمي, وأنا فلان حتى عدَّ عشرة من آبائه, وهي ابنة فلان حتى عدَّ عشرة من آباء ها, وليس في حسبي ولا في حسبها حبشي، وإنها وضعت هذا الحبشي, فأطرق النبي -عليه السلام- ثم رفع رأسه وقال له: "إن بك تسعة وتسعين عرقًا، ولها تسعة وتسعين عرقًا, فإذا اشتملت اضطربت العروق, وسألت الله -عز وجل- كل عرق منها أن يذهب الشبه إليه, قم فإنه ولدك، ولم يأتك إلّا من عرق منك أو عرق منها".
وفي حديث آخر عن أبي هريرة قال: "جاء رجل من بني فزاره إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ولدت امرأتي غلامًا أسود, وهو يعرض بأن ينفيه, فقال رسول الله عليه السلام: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم, قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر, قال: "هل فيها من أروق -أسمر أو ما كان لونه كلون الرماد؟ " قال: إن فيها لورقًا, قال: "فأنى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعه عرق, قال: "فهذا عسى أن يكون نزعه عرق", ولم يخرص له في الانتفاء منه" متفق عليه عند البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة والدارقطني.
د- الفطرة -ومن شواهدها الوراثة- لا تعمل في فراغ بيئي، وأهم البيئات التي تؤثر في نمو الطفل الأسرة, لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ... ".
وفي هذا كشف نبوي شريف آخر لحقائق التفاعل بين البيئة والوراثة.
هـ- وجهت السنة الشريفة نظام الأسرة بحيث تصبح بيئة صالحة لنمو الأطفال, وهناك ثروة هائلة من الأحاديث النبوية الصحيحة حول نظام الأسرة الإسلامي, تفيض بها كتب الفقه الإسلامي، ويمكن للمهتم الرجوع إليها في مصادرها الأصلية.
(1/54)

ثالثًا: النمو الإنساني عند الصحابة:
من المأثور عن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم, وهم مدرس النبوة- أقوال في مجال النمو الإنساني نذكر منها ما يلي:
1- مراحل ما قبل الولادة:
يذكر ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم أن قومًا كانوا عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقالوا: إن قومًا زعموا أن العزل هو الموؤدة الصغرى، فقال علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه: "لا تكون موؤدة حتى تمر على التارات السبع، تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظامًا، ثم تكون لحمًا، ثم تكون خلقًا آخر, فلقال عمر: صدقت, أطال الله بقاءك".
2- دور الوراثة:
رُوِيَ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: "لا تنكحوا القرابة القريبة, فإن الولد يخلق ضاويًا", وقال أيضًا: "اغتربوا لا تضووا" ولا يصح رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم, وفي هذا تنبيه لخطر زواج الأقارب لأسباب وراثية لم يكشف عنها العلم الحديث إلّا في القرن العشرين أيضًا.
3- مراحل النمو بعد الولادة:
ورد في الأثر "لاعب ابنك سبعًا, وأدبه سبعًا, وصادقه سبعًا, ثم أطلق له الحبل على الغارب" ولا يصح رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم، وإنما صحَّ عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه.
وقال الإمام علي بن أبي طالب أيضًا: "علموا أولادكم على غير شاكلتكم, فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم". وفي هذا سبق تربوي رائع لم يتنبه إليه المربون إلّا في النصف الثاني من القرن العشرين, حين أكدوا مفاهيم المرونة والتعليم المستمر مدى الحياة.
(1/55)

رابعًا: النمو الإنساني في الفقه الإسلامي
يطلق مصطلح "الفقه" على مجموعة الأحكام الشرعية العملية في الإسلام, وتطلق كلمة "الفقيه" على الشخص العارف بهذه الأحكام التي تتصل في جوهرها بسلوك الناس وأفعالهم, وقد ظهرت الحاجة إليه مع إقامة الدولة الإسلامية على يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة, وكان الفقه في العهد النبوي مأخوذًا من كتاب الله وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم.
وفي عهد الخلفاء الراشدين كانت مصادر الفقه كتاب الله وسنة رسول الله -عليه السلام, وكانوا إذا سُئِلُوا عن مسألة بحثوا فيها, فإن وجدوا حكمها أفتوا به، وإن لم يجدوه اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم, واجتهدوا في إعطاء الحكم، فإن وجدوا لها نظيرًا في كتاب الله أو سنة رسوله ألحقوا حكم المسألة السابقة، وهذا هو القياس الذي مارسه بعض القضاة والولاة في عهد الرسول -عليه السلام, وإن لم يجدوا سعوا إلى الاتفاق على هذا الحكم, ويُسَمَّى ذلك إجماعًا، وإلّا ظل اجتهادًا, ولم يظهر الإجماع إلّا بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم.
وفي عهد التابعين كانت مصادر الفقه الإسلامي هي: القرآن الكريم والسنة والنبوية وإجماع المجتهدين وقياسهم، وهذه هي الأدلة الأصلية التي تستفاد منها الأحكام الشرعية العملية كما يسميها علماء أصول الفقه، وهي الأدلة التي اتفق عليها جماهير علماء المسلمين, وقد ظهرت في العصور المختلفة أدلة أخرى, يسميها علماء أصول الفقه الأدلة الفرعية للتشريع الإسلامي، وقد اختلف حولها الفقهاء، وهي ستة: العرف والاستصحاب والمصالح المرسلة "الاستصلاح" وسد الذرائع والاسحسان وقول الصحابيّ وشرع من قبلنا. وهذه الأدلة اختلف العلماء فيها، فهناك من يقصر مصادر التشريع الإسلامي على الأدلة الأصلية فقط, ولا يرى مصدرًا غير الكتاب والسنة والإجماع والقياس, ومن العلماء مَنْ رأى أن المصادر الفرعية يمكن استخدامها, وهناك خلاف حول حجية كلٍّ منها.
وقد أنجز فقهاء المسلمين طوال تاريخ الحضارة الإسلامية ثروة هائلة من المعرفة, وابتكروا وسائل للبحث والتقصي والاستدلال, وخاصة في عصور الاجتهاد الزاهرة, والسؤال الذي نطرحه هنا، لماذا أُغْلِقَ باب الاجتهاد في بعض العصور المتأخرة؟ ويجيب على السؤال محمد الخضري في كتابه الكلاسيكي "أصول الفقه" بأنه حين دخل ميدان الاجتهاد مَنْ ليس أهلًا له, خاف العلماء من أن تأتي الأحكام الشرعية نتيجة للأهواء والأغراض الشخصية, فاختاروا أهون الضررين وهو سد هذا الباب أمام هؤلاء الأدعياء, إلّا أن ما يجب التنبيه عليه أن ذلك لم يكن
(1/56)

ليعني أن الاجتهاد كان له زمن معين انتهى بانتهائه, وإنما معناه وقف التدهور مؤقتًا، لما لحق الهمم من القصور عن تحصيل ما يجب على المجتهد تحصيله.
ويجيب على هذا السؤال أيضًا بعض المحدثين "محمد عبد القادر أبو فارس وآخرون، 1985" بأن باب الاجتهاد مفتوح لكل من يملك آلته, ولا يملك إنسان أن يسده، ذلك لأنه يجد للناس من الحوادث والنوازل ما لم يفت به الفقهاء المجتهدون، وهي بحاجة إلى معرفة الحكم الشرعي فيه ليلتزم الناس به, ولا يكون هذا إلّا إذا كان باب الاجتهاد مفتوحًا".
وقد قدَّم فقهاء المسلمين الكثير في ميدان النمو الإنساني، ولا يكاد يخلو باب من أبواب الفقه الإسلامي من الإشارة إلى نمو الإنسان على نحوٍ أو آخر.
وسوف يتناول هذا القسم بعض ما توافر لنا في هذا الصدد.
1- في مرحلة ما قبل الولادة:
أجمع الفقهاء على تحريم الإجهاض حرمة تامة متى نفخت الروح, حتى ولو كان الجنين مشوهًا أو غير ذلك، ولم يسمحوا بذلك إلّا إذا كانت الأم في خطر، فقدَّموا حياتها على حياته, أما ما عدا ذلك فلا يجوز الإجهاض على وجه الإطلاق بعد نفخ الروح, وقد أجمعوا أيضًا على أن وقت نفخ الروح يتم عند إكمال الجنين 120يومًا من حياته داخل الرحم, لحديث ابن مسعود الذي أخرجه الشيخان.
ويذكر وهبة الزحيلي "1984" أن للعلماء كلام طويل في التوفيق بين هذا الحديث وحديث حذيفة بن أسيد الذي أخرجه مسلم في كتاب القدر "حديث الاثنتين والأربعين ليلة"، وخلاصة رأيهم أن التخليق يحصل في العلقة، ويتم بعد ذلك في المضغة، وأما نفخ الروح والتسوية فلا يكون إلّا بعد اكتمال المضغة.
ويتصل بهذه المرحلة أيضًا تناول الفقهاء لموضوع عدة المرأة المطلقة والأرملة, والمقصود بها مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها منعًا لاختلاط الأنساب، أو للتعبد, أو لتفجعها على زوجها الميت، أو إعطاء الفرصة الكافية للزوج بعد الطلاق ليعود إلى زوجته المطلقة, وهي مدة حددها الشارع بحيث تبقى المرأة فيها بدون زواج, ويميز الفقهاء في هذا الصدد بين ثلاثة أنواع:
أ- عدة الطلاق: يقول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] . ومعنى القروء "وهي جمع قرء" ما يشترك بين الطهر والحيض، والمقصود بذلك عند الحنفية والحنابلة الحيض،
(1/57)

ويرى المالكية والشافعية أنه الطهر, ويشترط في الزوجة هنا أن تكون ممن يحضن.
ب- عدة الوفاة: يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] . وفي ذلك يرى الفقهاء أن المقصود الأعظم من العدة هنا حفظ حق الزوج والوفاء له, إلى جانب معرفة براءة الرحم, ولهذا اعتبرت عدة الوفاة بالأشهر, وتجب حتى على المتوفى عنها زوجها حتى ولو لم يدخل بها.
ج- عدة الصغيرة واليائس والحامل: لقول الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] وهنا يحدد القرآن الكريم عدة الحامل المؤكد حملها أن تضع حملها، أما عدة الصغيرة واليائس فهو ثلاثة أشهر.
ويحدد الفقهاء لمرحلة الجنين من بدء الحمل وحتى الولادة ما يسمى "أهلية الوجوب الناقصة" وتعني: الصلاحية لثبوت الحقوق فقط, أي: أن هذه الأهلية تجعله موضوعًا لإلزام الآخرين نحوه، وليس موضعًا للالتزام من جانبه بشيء, وفي هذا تتحدد له أربعة حقوق ضرورية هي:
أ- النسب من والديه.
ب- الميراث من قريبه المورث؛ فيوقف له أكبر النصيبين على تقدير كونه ذكرًا أو أنثى.
ج- استحقاقه الوصية الموصى له بها.
د- استحقاقه حصته من غلات الوقف الموقوف عليه.
ويرى الفقهاء "وهبة الزحيلي، 1984" أن الحقوق المالية الثلاثة الأخيرة ليست للجنين فيه ملكية نافذة في الحال، بل تتوقف على ولادته حيًّا, فإن وُلِدَ حيًّا تثبت له ملكية مستندة إلى وقت وجود سببها، أي: بأثر رجعي, وإن ولد ميتًا رُدَّ نصيبه إلى أصحابه المستحقين له.
وهناك سببان لنقص الأهلية للجنين؛ أولهما: أن الجنين جزء من أمه، وثانيهما: أنه متهيأ للانفصال والاستقلال عنها بعد اكتمال تكوينه, ولهذا أثبت له الفقه الإسلامي بعض الحقوق الضرورية النافعة له، وهي التي لا تحتاج إلى قبول, أما تلك التي تحتاج إلى قبول "كالشراء والهبة" فلا تثبت له ولو مارسها عنه وليه
(1/58)

أو الوصي عليه "كالأب أو الجد" لأنها تلزمه وهو ليس أهلًا للالتزام, وخلاصة رأي الفقهاء في مرحلة الجنين أن له "ذمة ناقصة تؤهله لاكتساب بعض الحقوق فقط، وليست له ذمة كاملة صالحة لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات" "وهبة الزحيلي، 1984".
2- في مراحل ما بعد الولادة:
منذ ولادة الشخص حيًّا تثبت له -كما يقول الفقهاء- أهلية الوجوب الكاملة، أي: تصبح لديه الصلاحية لثبوت الحقوق له وتحمل الواجبات، أي: أهلية إلزام والتزام جميعًا, وأهلية الوجوب الكاملة هذه لا تفارق الإنسان مطلقًا في جميع أدوار حياته, ولا يوجد إنسان حيّ فاقد لهذه الأهلية.
إلّا أن الفقهاء يميزون بين التصرفات الواجبة قبل سن التمييز وتلك الواجبة بعده, ومن ذلك أن أهلية الوجوب ولو كانت كاملة إلّا أنها ليس لها أثر في بعض التصرفات قبل هذا السن "مثل إنشاء العقود", كما لا يجب على الطفل غير المميز شيء من العبادات الدينية, أما الحقوق الثابت له بعد الولادة فهي التي تنشأ له نتيجة التصرف الذي يمكن للولي أو الوصي أن يمارسه نيابة عنه، وأما الالتزامات الواجبة عليه فهي كل ما يستطيع أداؤه عنه من ماله؛ سواء من حقوق الله؛ كالزكاة, أو حقوق العباد؛ كالنفقات, ويطلق الفقهاء على المرحلة منذ الولادة وحتى سن التمييز اسم "الحضانة".
ومع التمييز تنشأ ما يسميه الفقهاء أهلية الأداء، وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات عنه أو لمباشرتها على وجه يُعْتَدُّ به شرعًا, وهي ترادف ما يسمى في المصطلح الحديث "المسئولية", وتشمل حقوق الله من صلاة وصوم وحج وسواها، والتصرفات القولية والفعلية الصادرة عن الشخص. وعلى هذا فمن تثبت له أهلية الأداء، بهذا المعنى، صحت عباداته الدينية؛ كالصلاة وتصرفاته الدينية؛ كالعقود, وبالطبع لا وجود لهذه الأهلية للجنين أصلًا، ولا للطفل قبل بلوغ سن التمييز، كما قلنا.
ويفرق الفقهاء بين نوعين من أهلية الأداء:
1- أهلية أداء ناقصة: وهي صلاحية الشخص لصدور بعض التصرفات عنه دون البعض الآخر, وتثبت للشخص مع بدء التمييز وحتى سن البلوغ الجنسي, ويفرق بالنسبة للصبي في هذا السن بين حقوق الله وحقوق العباد.
أما حقوق الله "العبادات" فتصح من الصبي المميز ولا يكون ملزمًا
(1/59)

بأدائها إلا على مهمة التأديب والتهذيب "التعليم المنظم", أما حقوق العباد فقد اختلف حولها الفقهاء على نحوٍ لا يتسع له المقام, ويمكن للقارئ المهتم الرجوع إلى كتب المتخصصين في الفقه الإسلامي على مختلف المذاهب.
ب- أهلية أداء كاملة: وهي صلاحية الشخص لمباشرة التصرفات على وجهٍ يُعْتَدُّ به شرعًا دون توقف على رأي غيره، وتثبت عند بلوغ الحلم عاقلًا، أي: للبالغ الرشيد، فله بموجبها ممارسة كل الأفعال والأقوال من غير توقف على إجازة أحد غيره؛ كالولي أو الوصي, كما يكون مسئولًا مسئولية كاملة عن كل ما يقترفه من مخالفات شرعية أو اعتداءات مادية أو معنوية على الآخرين.
إلّا أن الفقهاء ينبهون إلى وجود مرحلة تقع بين البلوغ الجنسي والبلوغ عاقلًا "الرشد"، وهي ما تسمى مرحلة البلوغ "أو المراهقة بالمصطلح الحديث"، وفيهما يكون الشخص مكلفًا بجميع التكاليف الشرعية, وتكتمل لديه أهلية الأداء الدينية، فتنفذ تصرفته المالية وتسلم إليه أمواله, فإذا لم يؤنس منه الرشد، فيظل تحت وصاية الولي في هذه الأمور.
وهكذا يصبح الرشد أكمل مراحل الأهلية، ومعناه عند الفقهاء: "حسن التصرف في المال من الوجهة الدنيوية"، وشرطه الأساسي البلوغ، ويضيف بعض الفقهاء الصلاح في أمور الدين والدنيا، ويتوافر بتحقق الخبرة بتدبير الأمور الدنيوية, وحتى استثمارها، وهو أمر يختلف بالطبع باختلاف الأشخاص والبيئة والثقافة، فقد يرافق البلوغ, وقد يتأخر عنه قليلًا أو كثيرًا، وقد يتقدمه, ولكن لا اعتبار له قبل البلوغ, ومرجعه إلى الاختبار والتجربة عملًا بالآية القرآنية الكريمة {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى.....} الآية. "وهبة الزحيلي، 1984". وهكذا لا يكون للرشد سن معينة عند جمهور الفقهاء، وإنما الأمر متروك لاستعداد الشخص وتربيته وتنشئته وبيئته، وليس في النصوص الشرعية تحديد صريح له, ويرى بعض علماء الفقه الإسلامي المحدثون أن رفع سن الرشد إلى 21 سنة، كما هو الحال في معظم القونين الحديثة، يتفق مع ظروف الحياة التي نعيشها اليوم وما طرأ عليها من تعقد في المعاملات تحتاج إلى مزيد من الخبرة، ولا مانع في الشريعة الإسلامية من ذلك عملًا بما تقتضيه المصلحة في حماية الناشئة, وصيانة تصرفاتهم.
(1/60)

ولعل ما يهمنا أيضًا في هذا الصدد -ونحن نتناول مراحل النمو الإنساني- أن نشير إلى ما يشير إليها الفقهاء بحالة مَنْ بلغ رشيدًا ثم صار سفيهًا, وفيها قال جمهور الفقهاء "باستثناء أبي حنفية" والصاحبان "أبو يوسف ومحمد, وبرأيهما يُفْتَى في المذهب الحنفي" أنه يجوز الحجر على السفيه "أي يمنع نفاذ تصرفاته التي تحتمل الفسخ ويبطلها الهزل؛ كالبيع والإجارة والرهن"1 رعايةً لمصلحته ومحافظةً على ماله, حتى لا يكون عالة على غيره, ويكون حكمه حينئذ حكم الصبي المميز، لقوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] .
وقوله أيضًا: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .
مما يدل على ثبوت الولاية على السفيه ولو كان قد بلغ الرشد, إلّا أن الحَجْرَ على السفيه في هذه الحالة لا يكون إلّا بحكم قضائي يتثبت فيه القاضي من السفيه أو التبذير، منعًا من إلحاق الضرر بالسفيه أو بمن يتعامل معه من غير بينة وفهم لطبيعة حاله, وهذا هو رأي أبي يوسف والشافعي وأحمد ومالك.
وهكذا يمكن أن نلخص مراحل النمو الإنساني كما تناولها الفقهاء على النحو الآتي:
أ- مرحل الجنين القابل للإجهاض: من بدء الحمل وحتى سن 120 يومًا.
ب- مرحلة الجنين ذي أهلية الوجوب الناقصة: من بدء الحمل وحتى الولادة.
ج- مرحلة الحضانة: وتبدأ من وقت الولادة حتى سن التمييز.
د- مرحلة الطفولة: وتبدأ من سن التمييز وحتى البلوغ الجنسي.
هـ- مرحلة البلوغ "أو المراهقة بالتعبير الحديث": وتبدأ من البلوغ الجنسي إلى وقت الرشد.
و مرحلة الرشد: وتبدأ بالتحقق من قدرة الشخص على التصرف في أموره الدنيوية، وسن الرشد بهذا المعنى يختلف حسب الأشخاص والبيئات والثقافات.
ز- مرحلة مَنْ بلغ رشيدًا ثم صار سفيهًا: وتتطلب الحجر بحكم قضائي، وهي حالة غير عادية عند الراشدين، وقد تكون عادية عند من يبلغون مرحلة أرذل العمر "الهرم".
__________
1 أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز الحجر على التصرفات التي لا تحتمل الفسخ ولا يبطلها الهزل؛ كالزواج والطلاق والرجعة والخلع.
(1/61)

خامسًا: النمو في تراث علماء المسلمين وفلاسفتهم
لم يكتب للأفكار اليونانية أن تبقى طويلًا في صورتها الأصلية، ولكنها أثرت تأثيرًا كبيرًا في الفلسفة الإسلامية وفي فلسفة العصور الوسطى في أوربا, وفي كل الأحوال اعتبر العقل أو الذهن الخاصية المشتركة في الإنسان, والتي تميزه عن الحيوان, ومن المعروف أن آراء أرسطو في النفس لم تنتقل إلى أوروبا إلّا عن طريق فلاسفة العرب والمسلمين؛ كالفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد وموسى بن ميمون.
إلّا أننا لا نكاد نجد إلّا إشارات متفرقة إلى موضوع النمو الإنساني, ومن ذلك مثلًا ما نلاحظه في تنظيم جماعة إخوان الصفا التي ظهرت في القرن العاشر الميلادي "الرابع من الهجرة" والذي يتكون من أربع طبقات "دي جور، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده، 1983":
1- شبان يتراوح عمرهم بين 15-30 عامًا, تنشأ نفوسهم على الفطرة، وهم في دور التلمذة وعليهم الانقياد لأساتذتهم.
2- رجال بين 30-40 سنة, تفتح لهم أبواب الحكمة الدنيوية, ويتلقون معرفة بالأشياء بطريق الرمز.
3- أفراد بين 40-50 سنة, وهم يعرفو الناموس الإلهيّ معرفةً كاملة مطابقة لدرجتهم.
4- أفراد تتجاوز أعمارهم الخمسين عامًا وهم أرقى الطبقات، ويشهدون حقائق الأشياء على ما هي عليه.
ومن الواضح من التقسيم السابق أنه لم يشر إلى مرحلة الطفولة، إلّا أنهم في بعض رسائلهم أشاروا إليها، ووصفوا نفس الطفل في أول أمرها "كصحيفة بيضاء" لم ينقش عليها شيء، وكل ما تحمله إليها الحواس الخمس تتناوله القوة المتخيلة وتحميه.. ثم تدفعه إلى القوة المفكرة.. فتميز بعضه من بعض، وتعرف الحق من الباطل، ثم تؤديه إلى الحافظة.." "دي جور، ترجمة عبد الهادي أبو ريده، 1938: 180".
ويبدو لنا في هذا القرن آثار الأمبريقية التي وضع أصولها أرسطو.
(1/62)

وقد شاعت عند فلاسفة المسلمين ابتداءً من الكندي فكرة أخرى تعود بأصولها إلى أرسطو أيضًا، وهي التمييز بين العقل الذي هو في نفس الإنسان بالقوة والعقل كعادة, وهو الذي في النفس بالفعل, وتستطيع استعماله, وهو التمييز الذي طوَّره فيما بعد ابن سينا, وشاع في علم النفس والحديث بين ما يمكن أن يسمى "الاستعداد" و"التحصيل" والذي يتصل اتصالًا وثيقًا بتنمية السلوك الإنساني. "فؤاد أبو حطب، 1996". ويشير مؤرخ علم النفس الشهير برت brett, voi. 2, 1921: 57-58. إلى إسهام ابن سينا خاصة في هذا المجال بقوله: إن الطفل يولد مثلًا مزودًا بالقدرة على الكتابة, ومع ذلك فهو لا يستطيع الكتابة، وبعد أن يتلقى نوعًا من التعلم يصبح قادرًا على الكتابة في صورة محاكاة أو تقليد، وأخيرًا يصل إلى المرحلة العليا حين يصبح قادرًا على الكتابة عن طريق الحثّ الداخلي الذي يحدثه عقله هو.
وفي هذا التطور تتمثل عملية النمو الإنساني والانتقال من محض الاستعداد إلى محض الفعل, والمرحلة الأخيرة هي مرحلة المعرفة الحدسية المباشرة، وهي أرقى صور المعرفة, وهو بهذا يضع الحدس في موضعه الصحيح كما عَبَّرَ عنه بعد ذلك عدد كبير من الفلاسفة المحدثين.
ويوجد مبدأ هام آخر، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنمو، وعَبَّر عنه بدقة الفارابي، وخلاصته أن النفس تترقى من المحسوس إلى المعقول بواسطة القوة المتخيلة، ويمثّل هذا المبدأ الوجهة الأساسية للنمو العقلي من الطفولة إلى المراهقة, كما سيتضح في الفصول التالية من هذا الكتاب.
وتتضح معالم اهتمام خاص بالنمو عند حجة الإسلام الغزالي, ويركز الغزالي خاصةً على دور التعلم الذي يسميه "الاعتياد" في النمو الإنساني, يقول في كتابه الشهير "إحياء علوم الدين": وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملًا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية والغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصةً قابلةً للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم" عن خلف الجراد، 1986: 93" وتفيدنا كتابات الغزالي على وجه الخصوص في مجال النمو الخلقي والاجتماعي, وهو في كل كتاباته "التربوية" يركز على مفهوم "الصفحة البيضاء" للعقل، وهي الفكرة التي أشار إليها غيره من فلاسفة المسلمين، وسيطرت على الفكر الأوروبي فلسفيًّا وسيكولوجيًّا بعد ذلك, إلّا أنه لا ينكر أثر الاستعدادات الفطرية، ومهمة التربية تعديل هذه الاستعدادات وتنميتها, وهو يشبه الأمر هنا بالنواة التي ليست بتفاح ولا نخل، إلا أنها خلقت على نحوٍ يجعلها يمكن أن تتحول إلى نخلة إذا تعرضت للرعاية، ولكنها لا تحول أبدًا إلى تفاح مهما
(1/63)

أعطيناها من الرعاية, وفي جميع الأحوال لا تتم هذه التنمية بطريقة واحدة, وإنما هناك دائمًا الفروق الفردية. كما ينبه إلى استخدام أساليب الثواب والعقاب على نحوٍ يتفق مع المستوى النمائي للطفل، مع تفضيلٍ واضح لأسلوب الثواب على العقاب "خلف الجراد، 1968".
ولعل أوضح ما كتبه علماء المسلمين عن النمو الإنساني بشكلٍ صريح قصة حي بن يقظان لابن طفيل، والتي يعرض فيها نمو طفل في جزيرة متوحشة, أرضعته ظبيةٌ حتى وصل إلى إشباع حاجاته المادية اعتمادًا على وسائله الخاصة، ثم استطاع بالملاحظة والتفكير أن يتوصل إلى أن معرفة الطبيعة والسماء ومعرفة الله ومعرفة نفسه, وقد بدأ حياته أشبه بحيوان، ثم غلب عليه في مراحل تالية من نموه التفكير الحسي أو العياني، ثم انتقل إلى الاهتمام بالمسائل العقلية، وبعدها يتحول إلى نمط من السلوك لا ينطبق على السلوك الإنساني المعتاد، وهو الذي يصفه ابن طفيل بأنه "عقل صرف".
مراحل النمو من المنظور الإسلامي:
من العرض الذي تناولناه في هذا الفصل حول توجيه علم نفس النمو وجهةً إسلاميةً يمكن أن نخلص إلى تخطيطٍ لمراحل النمو الإنساني في هذا الإطار، وهو المخطط الذي سيزاد تفصيلًا في فصول الكتاب التالية.
ونعرض هذ المخطط بإيجاز على النحو الآتي:
أولًا: يمكن تصنيف مراحل النمو الإنساني من المنظور الإسلامي إلى ثلاث مراحل كبرى, والمرحلة الأولى في هذا التصنيف تشمل ما يصفه القرآن الكريم بالضعف السابق على القوة، وهو ضعف التحول إلى الرشد، وتشمل هذه المرحلة طور الجنين وأطوار الطفولة والبلوغ المختلفة، وهي المرحلة التي تشهد أعظم التحولات في حياة الإنسان, والتي تبدأ منذ تكوين الجنين في الرحم من خلية واحدة مخصبة, إلى كائنٍ إنسانيٍّ بالغٍ عاقلٍ راشد، وهي فترة تستغرق من حياة الإنسان ما يقرب من عشرين عامًا.
والمرحلة الثانية في تصنيفنا تشمل ما يصفه القرآن الكريم بمرحلة "القوة", وهي مرحلة الرشد، وهي تكاد تكون أطول المراحل الثلاثة, وتبدأ من بلوغ الإنسان عاقلًا راشدًا وحتى بداية مرحلة الشيخوخة, والطول الزمني لهذه الفترة يكاد يمتد بها إلى ما يقرب من أربعين عامًا.
أما المرحلة الثالثة للإنسان في تصنييف هذا الكتاب للنمو الإنساني فهي التي
(1/64)

يصفها القرآن الكريم مرةً أخرى بالضعف، ولكنه ليس؛ كالضعف الأول -أي: ضعف التحول إلى القوة أو الرشد، وإنما هو ضعف التحول عن هذه القوة وذلك الرشد, ويضيف إليه القرآن الكريم وصفًا هامًّا وهو وصف "الشبيه", ويمثل ذلك مرحلتي الشيخوخة والهرم "أرذل العمر".
ثانيًا: تنقسم كل مرحلة من المراحل الثلاث إلى أطوارها الفرعية الكبرى والصغرى على النحو الآتي:
1- المرحلة الأولى في نمو الإنسان: وتنقسم إلى الأطوار الآتية:
أ- طور الجنين, وتعني مرحلة ما قبل الولادة, والتي تنقسم بدورها إلى الفترات الأساسية التي حددها القرآن الكريم والسنة الشريفة واجتهادات المسلمين إلى ما يلي:
1- فترة النطفة.
2- فترة العلقة.
3- فترة المضغة.
4- فترة العظام والعضلات "اللحم" أو طور التكوين.
5- فترة التسوية.
ب- طور الطفولة: وتمتد من ولادة الطفل حيًّا وحتى وصوله إلى البلوغ الجنسي، وتنقسم في المنظور الإسلامي إلى الفترات الآتية:
1- فترة الوليد: وتشمل الأسبوع اللأول والثاني من حياته بعد الولادة.
2- فترة الرضاعة: ويحدد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حدودها الزمنية القصوى بعامين لتمام الرضاعة، ويمكن أن تقلَّ عن ذلك في حالات الفصال "الفطام" المبكر.
3- فترة الاستئذان المقيد, والذي يعقل فيه الطفل معاني الكشفة والعورة ونحوها، وهو طور التمييز الجنسي، وقد حدَّدَ الأوزاعي بدايته بالسنة الرابعة من العمر, كما يذكر القرطبي في تفسيره.
4- فترة الطفولة غير المميزة "الحضانة": ويمتد هذا الطور من الولادة "شاملًا فترتي الرضاعة والاستئذان" وحتى سن التمييز, وتتسم هذه المرحلة بأن ما يسودها هو جوّ اللعب والملاعبة من الوالدين والمربين.
5- طور التميز "الطفولة المميزة": ويمتد من سن التمييز وحتى سن البلوغ الجنسي, ويوصف هذا التطور بخاصتين؛ هما: بدء التأديب والتهذيب
(1/65)

والتعليم المنظم، والفصل في المضاجع بين الأخوة من الجنسين في حوالي سن 9-10 سنوات.
ج- طور البلوغ "المراهقة" وتبدأ بالبلوغ الجنسي, أو بلوغ الحلم, مرورًا ببلوغ السعي, وتنتهي ببلوغ الرشد, على أن يتم التحقق من حدوثه "بالإيناس، والاختبار والتعرف على علاماته ومؤشراته".
2- المرحلة الثانية في نمو الإنسان: وتنقسم إلى التطورات الآتية:
أ- طور الرشد, ويبدأ بظهور العلامات الأساسية الدالة عليه, والتي يجب أن يأنسها الآخرون في الشخص.
ب- طور بلوغ الأشد "اكتمال الرشد أو الكهولة" ويبدأ من سن الأربعين وينتهي بظهور بوادر الشيخوخة.
3- المرحلة الثالثة في نمو الإنسان: وتنقسم إلى الأطوار الآتية:
أ- طور الشيخوخة.
ب- طور أرذل العمر "الهرم".
ويوضح الشكل رقم "1" النموذج الكامل للنمو الإنساني من الوجهة الإسلامية كما عرضناه.
(1/66)

الفصل الرابع: مناهج البحث في النمو الإنساني
مقدمة في طبيعة المنهج العلمي في البحث:
البحث في علم نفس النمو هو عمل علمي ينتمي إلى فئة العلم التجربي1 "الأمبريقي", والباحثون في هذا النوع من المعارف يلتزمون بنظام قيمي يسمى: الطريقة العلمية, يوجه محاولاتهم للوصف "الفهم", والتفسير "التعليل", والتحكم "التوجيه والتطبيق", وهي أهداف العلم التقليدية، والتي تناولناها بالتفصيل في الفصل الأول.
الطريقة العلمية في البحث إذن: هي لون من الاتجاه أو القيمة, وهذا الاتجاه العلميّ أو القيمة العلمية يتطلب من الباحث الاقتناع والالتزام بمجموعة من القضايا هي "فؤاد أبو حطب، آمال صادق 1995":
1- الملاحظة هي جوهر العلم التجربي "الأمبريقي"، وعلم النفس ينتمي بالطبع إلى فئة هذه العلوم، والمقصود هنا الملاحظة المنظمة لا الملاحظة العارضة أو العابرة.
2- تتمثل أهمية الملاحظة في العلم في أنها تنتج أهم عناصره, وهي مادته الخام, أي: المعطيات Data والمعلومات أو البيانات Information.
3- لا بد للمعطيات والمعلومات, أو البيانات التي يجمعها الباحث العلمي بالملاحظة أن تتسم بالموضوعية Objectivity, والموضوعية في جوهرها هي اتفاق الملاحظين في تسجيلاتهم لبياناتهم وتقديراتهم وأحكامهم اتفاقًا مستقلًّا.
__________
1 آثرنا استخدام اللفظ "تجربي" -وليس اللفظ "تجريبي", للدلالة على المقابل العربي لكلمة empirical التي تستخدم أحيانًا مقابلها المباشر "أمبريقي", والمصطلح "تجربي" منسوب مباشرة إلى "التجربة", وجوهرها الملاحظة, أما المصطلح "تجريبي" فهو نسبة "التجريب", والذي يشير إلى العملية الخاصة التي تتضمن المنهج التجريبي بمواصفاته وأصوله الخاصة.
(1/69)

4- تتطلب الموضوعية أن يقوم بعمليات التسجيل والتقدير والحكم "وهي المكونات الجوهرية للملاحظة العلمية" أكثر من ملاحظ واحد، على أن يكونوا مستقلين بعضهم عن بعض، وهذا يتضمن قابلية البحث العلمي للاستعادة والتكرار Replicability.
5- المعطيات والبيانات والمعلومات التي يجمعها الباحثون بالملاحظة العلمية هي وحدها الشواهد والأدلة التي تقرر صحة الفرض أو النظرية, وعلى الباحث أن يتخلى عن فرضه العلمي أو نظريته إذا لم تتوافر أدلة وشواهد كافية على صحتها.
وهكذا يصبح البحث العلمي في النمو مختلفًا عن الآراء ووجهات النظر التي عرضها الفلاسفة والمفكرون حول طبيعة الطفل وتنشئته. لقد عوملت هذه الآراء في الماضي على أنها حقائق, وكان الافتراض الأساسي وراء ذلك أن العقول الكبرى تصدر آراؤها عن استبصارات كبرى, إلّا أن من بديهيات الطريقة العلمية في عصرنا أن نميِّزَ دائمًا بين الرأي والحقيقة.
فإذا كانت الحقيقة هي ما يمكن أن نتفق حوله اتفاقًا مستقلًّا, وبالتالي ما يمكن أن يكون من نوع المعطيات والبيانات والمعلومات الموضوعية، بالمعنى الذي عرضناه, فإن الرأي هو ما يمكن أن نختلف فيه, وهو عادة نوع من التفسير والتأويل وإعطاء المعنى والمغزى للحقائق, ويظل الرأي له هذه الطبيعة الخلافية حتى تتوافر عليه شواهد وأدلة إيجابية كافية، وبهذا يتحول الرأي الذي يكون في بدايته نوعًا من "الفرض العلمي" إلى مستوى "القانون العلمي"، وحينئذ يقترب القانون العلمي من طبيعة الحقيقة. ومن المعروف في فلسفة العلم أن القانون العلمي ليس ثابتًا مطلقًا, فإن شاهدًا مضادًا أو دليلًا سلبيًّا واحدًا ضد الفرض أو القانون العلمي, يرجح مئات الشواهد والأدلة الإيجابية التي تؤيده، وحينئذ لا بدَّ أن يوضع هذا القانون العلمي موضع الاختبار من جديد, وتصاغ آراء وفروض جديدة, وبهذا يتطور العلم ويتقدم.
(1/70)

المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة:
لعل من الواجب أن نشير هنا إلى أن هذا المنهج العلمي في البحث يتفق مع التصور الإسلامي للمعرفة؛ ففي القرآن الكريم دعوة صريحة لتأمل الكون والنفس جميعًا، والجمع بين المجالين في الآيات القرآنية الكريمة دليل -والله أعلم- على أن طبيعة المنهج في تأملها ودراستهما واحدة.
يقول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً} [الروم: 8] .
ويقول أيضًا: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [التغابن: 3] .
والهدف الأعظم من هذه الدراسة هو التعرف على أيات الله في خلق الكون والحيوان والإنسان, وفي ذلك يقول الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] .
{وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] .
وهذا التعرف على آيات الله التي هي علامات قدرته في خلقه يكون بالكشف عن سنن الله في مخلوقاته, وسنة الله هي ما جرى به نظامه في خلقه, وفي سعي الإنسان للكشف عن سنن الله بالأسلوب العلمي يستخدم ما زوده الله به -سبحانه وتعالى- من نعمٍ, وخاصة الحواس والعقل, مع التنبيه الكامل إلى حدودها كإمكانات بشرية معرضة للوقوع في أخطاء الضعف والقصور والخداع, وهذا السعي البشري للكشف عن سنن الله في مخلوقاته هو ما يسمى قوانين العلم, والتي لا تكون في أحسن حالاتها إلّا تقريبًا تتابعيًّا لسنن الله دون أن تتطابق معها. ولعل هذا يفسر لنا التغير المستمر والتحسن التدريجي الذي يطرأ على القوانين العلمية على مَرِّ العصور في مقابل الثبات البديهي المطلق لسنن الله.
وقد عرضنا في الفصل الثالث آيات الله في تكوين الإنسان ونموه قبل الولادة أو بعدها, كما وردت في القرآن الكريم, ومهمة علم نفس النمو أن يكشف عن سنن الله في نمو مخلوقاته ومنها الإنسان, وهذا هو المنظور الحقيقي الذي يجب أن ننظر من خلاله إلى نتائج العلم, سواء أجريت بحوثه في الشرق أو الغرب, وبهذا التصور الصحيح لمغزى المنهج العلمي في بحوث النمو وغيره من مجالات المعرفة, يمكن أن تتوقف تلك الصيحات العاتية التي تطالب بالتوقف عن الاهتمام بالعلم الحديث؛ لأنه من نتاج معامل الغرب وجامعاته. وهي دعوة في رأينا إلى الجهل والتخلف, ناهيك عن أنها ضد روح الإسلام العظيم الذي دعا رسوله الكريم إلى طلب العلم وحث عليه.
(1/71)

أما التصور الذي عرضناه لطبيعة المنهج العلمي فلم يكن معروفًا في العلوم الإنسانية -ومنها علم النفس- قبل القرن التاسع عشر, ولهذا وجدنا اتجاهًا يوحِّد بين آراء الفلاسفة والمفكرين، الذين أوردنا عينة من أفكارهم في الفصلين الثاني والثالث، وبيَّنَ حقائق السلوك الإنساني، وبالطبع لم يكن متوافرًا في ذلك الوقت أسلوب يضع هذه الآراء موضع الاختيار، وكانت المواقف إزاءها إما "القبول" أو"الرفض" على أساس الجدل العقلي المحض, أو الاندماج الانفعالي الوجداني الكامل دون مراعاة لحقائق السلوك الإنساني بالفعل, كما يلاحظ عندما يصدر عن البشر؛ كأطفال ومراهقين وشباب وكهول وشيوخ ومسنين.
وعلى الرغم من هذه المبادئ الواضحة بذاتها, والتي أصبحت من بديهيات الفكر العلمي الحديث الذي لا يتضاد كما بينا مع الأصالة الإسلامية، فإننا نجد بعض من يركبون "الموجة" في كل العصور -ومنهم للأسف من ينتسبون إلى علم النفس- ينتقون نماذج من تراث علماء المسلمين، والتي كتبها أصحابها بالطبع قبل رسوخ قواعد المنهج العلمي في البحث، ويبالغون في تقديرها على نحوٍ لو أدركه أصحابها أنفسهم لأنكروه، ويصل بعضهم في عبثه بالعقل المسلم الحديث إلى حَدِّ الادعاء بأن بعض ما قرأوه قراءةً متعجلة من كتب تراث علماء المسلمين سبق نتائج البحوث الحديثة، وهو قول أقرب إلى الجهل, إذا توافر في أصحابه حسن النية، أو إلى العبث العلمي, إذا توافر لديهم سوء المقصد, وفيه من سوء الفهم للتراث الذي يشيرون إليه والعجز عن فهم طبيعة العلم الذي يدعون الانتساب إليه1.
وهذا القول لا يقلل من شأن عبقرية المفكرين المسلمين وغيرهم من مفكري الحضارة الإنسانية في مختلف العصور؛ فعلماء نفس النمو المعاصرون يدينون لهم -كما يدين أطفال اليوم ومراهقوه وشبابه وكهوله وشيوخه- بفضل النظرة التي ينظر بها المجتمع إليهم وكيف يعاملهم, وتظل أفكارهم في أحسن حالاتها "تخمينات جيدة" أو "فروضًا" تنتظر الاختبار، وبهذا وحده يمكن فرز "الجيد" من "الرديء" فيها، حتى نحمي المجتمع وأفراده من التضمينات النظرية والتطبيقات العلمية للأفكار "السيئة" -أي: التي لا يوجد دليل موضوعي يؤكد صحتها- وبهذا يصبح العلم قيمة في ذاته يحمي المجتمع العلمي -والمجتمع بصفة عامة- من الاستدلال المعيب والتفكير الملتوي, وعلينا أن نتذكر دائمًا أنه
__________
1 يستثنى من هذا الحكم بعض الجهود الطيبة التي بذلها فريق جليل من علماء النفس المسلمين المعاصرين في تناولهم لتراث مفكري الإسلام، ونذكر منهم على وجه الخصوص محمد عثمان نجاتي في دراسته عن ابن سينا، ومحمد أحمد خلف الله في دراسته عن ابن الجوزي، وسيد أحمد عثمان في دراسته عن برهان الإسلام الزرنوجي.
(1/72)

لا توجد سلطة بشرية تفوق الدليل الموضوعي، وعلينا دائمًا أن نقبل الأفكار أو نرفضها في ضوء هذه الأدلة والشواهد وحدها, وليس على أساس المكانة السياسية أو الاجتماعية لصاحب الفكرة, وعلى الباحث العلمي أن يكون مستعدًّا هو نفسه للتخلي عن فكرته إذا لم يتوافر لديه دليل يؤكد صحتها.
تنوع طرق البحث العلمي في دراسة النمو الإنساني:
تتوافر للباحثين في الوقت الحاضر طرق عديدة يمكن استخدامها في اختبار فروضهم حول النمو الإنساني, وهذا التنوع في مناهج البحث أحد مظاهر قوة العلم؛ لأن معنى ذلك أن النتائج التي نتوصل إليها بأحد هذه المناهج يمكن التحقق منها باستخدام مناهج أخرى, ويوفر هذا للباحثين ما يسمى: الدليل التقاربي Converg ing evidence, وهذا الدليل إذا حصلنا عليه يؤكد أن نتائج البحث اكتشافات حقيقية وليست محض اصطناع يرجع إلى طبيعة المنهج المستخدم, وعلى القارئ لهذا الكتاب أن يفكر دائمًا بهذه الطريقة، وعليه حين يقرأ بعض نتائج البحوث أن يبحث دائمًا عن طرق أخرى يمكن أن تستخدم في دراسة نفس الموضوع؛ بحيث تتوافر لدينا أدلة تقاربية تحقق لنا أهداف العلم: الوصف والتفسير والتحكم, التي تناولناها بالتفصيل في الفصل الأول, ولعلنا بهذا نفتح للباحثين وطلاب الدراسات العليا في علم نفس النمو آفاقًا جديدة للبحث في هذا الميدان.
(1/73)

الملاحظة الطبيعية:
من طرق البحث التي يفضلها علماء النفس ما يسمى الملاحظة الطبيعية Nautralistic Observation أي: ملاحظة الإنسان في محيطه الطبيعي اليومي المعتاد, ويعني هذا بالنسبة للأطفال مثلًا ملاحظاتهم في المنزل أو المدرسة أو الحديقة العامة أو فناء الملعب، ثم تسجيل ما يحدث, ويصنف رايت wright 1960 طرق الملاحظة الطبيعية إلى نوعين: أحدهما يسميه الملاحظة المفتوحة, وهي التي يجريها الباحث دون أن يكون لديه فرض معين يسعى لاختباره، وكل ما يهدف إليه هو الحصول على فهمٍ أفضل لمجموعة من الظواهر النفسية التي تستحق مزيدًا من البحث اللاحق, أما النوع الثاني فيسميه رايت الملاحظة المقيدة, وهي تلك التي يسعى فيها الباحث إلى اختبار فرض معين، وبالتالي يقرر مقدمًا ماذا يلاحظ ومتى؟ ونعرض فيما يلي طرق الملاحظة التي تصنف إلى كلٍّ من الفئتين:
(1/73)

أولًا- طرق الملاحظة المفتوحة:
تشمل طرق الملاحظة المفتوحة Open Observation طريقتين أساسيتين؛ هما دراسة الحالة وتسجيل اليوميات من ناحية, ووصف العينة من ناحية أخرى.
أ- دراسة الفرد: وتشمل مجموعة من الطرق؛ منها المقابلة الشخصية, ودراسة الحالة, وتسجيل اليوميات, والطريقة الكلينيكية, وفي هذه الطرق يسجل الباحث المعلومات عن كل فرد من الأفراد موضوع الدراسة, بهدف إعداد وصف مفصل له دون أن تكون لديه خطة ثابتة تبين أيّ هذه المعلومات له أهمية أكثر من غيره. وقد يلجأ الفاحص إلى تسجيل هذه المعلومات في يومياته في صورة "سجلات قصصية"، وقد يطلب من المفحوص أن يروي عن فترة معينة من حياته في موقف تفاعل مباشر بينه وبين الفاحص "المقابلة الشخصية". وقد تمتد هذه الطريقة لتصبح سجلًّا للفرد أو الحالة, يستخدم فيه الباحث مصادر عديدة للمعلومات, مثل: ظروف المفحوص الأسرية, والوضع الاقتصادي والاجتماعي، ودرجة التعليم, ونوع المهنة, وسجله الصحيّ, وبعض التقارير الذاتية عن الأحداث الهامة في حياة الفرد، وأدائه في الاختبارات النفسية, وكثير من المعلومات التي تتطلبها دراسة الحالة؛ تتطلب إجراء مقابلات شخصية مع الفرد، وعادةً ما تتسم هذه المقابلات بأنها "غير مقننة", أي: تختلف الأسئلة التي تطرح فيها من فرد لآخر.
وتعد من قبيل دراسة الحالة وتسجيل اليوميات سِيَرُ الأطفال التي كتبها الآباء من الفلاسفة والأدباء والعلماء عن أبنائهم، والتراجم التي كُتِبَتْ عن بعض العباقرة والمبدعين، والسير الذاتية التي كتبوها عن أنفسهم، وكذلك أدب الاعترافات, كما يعد من قبيل الطريقة الكلينيكية أسلوب الاستجواب Questioning الذي استخدمه جان بياجيه وتلاميذه في بحوثهم الشهيرة في النمو, وعلى الرغم من أن هذه الطريقة، باعتبارها من نوع الملاحظة المفتوحة، فيها ثراء المعرفة وخصوبة المعلومات وحيوية الوصف, إلا أن فيها مجموعة من النقائص نذكر منها:
1- تعتبر هذه الطريقة من جانب الفاحص مصدرًا ذاتيًّا وغير منظم للمعلومات، أما من جانب المفحوص فإنه إلى جانب الطابع الذاتي لتقاريره, قد تعوز المعلومات التي يسجلها الدقة اللازمة، وخاصة حين يكون عليه استدعاء أحداث هامة وقعت له منذ سنوات طويلة.
2- المعلومات -أو البروتوكولات كما تسمى أحيانًا- التي نحصل عليها بهذه الطريقة من فردين أو أكثر, قد لا تكون قابلة للمقارنة مباشرة،
(1/74)

وخاصة إذا كانت الأسئلة التي توجه إلى كلٍّ منهما مختلفة. صحيح أنه في بعض الطرق الكلينيكية قد تكون الأسئلة مقننة في المراحل الأولى من المقابلة, إلا أن إجابات المفحوصين على كل سؤال قد تحدد نوع الأسئلة التي تطرح على المفحوص فيما بعد، يصدق هذا على طريقة الاستجواب عند بياجيه, وعلى بعض المقابلات المقننة.
ولهذا نجد في النهاية أن البروتوكولات التي نحصل عليها تختلف من فرد إلى آخر، وتهيئ لنا صورةً للمفحوص ككائن فريد متميز.
3- النتائج التي نستخلصها من خبرات أفراد بذواتهم تمَّت دراستهم بهذه الطريقة قد تستعصي على التعميم، أي: قد لا تصدق على معظم الناس.
4- التحيزات النظرية القبلية للباحث قد تؤثر في الأسئلة التي يطرحها والتفسيرات التي يستخلصها، ولعل هذا هو أشهر الانتقادات التي وجهت إلى فرويد.
وباختصار, فإن طريقة دراسة الحالة قد تفيد كمصدر خصب للأفكار حول النمو الإنساني، وهي بهذا قد توحي للباحثين بفروضٍ هامَّة تستحق الدراسة, والتي يجب التحقق منها باستخدام أساليب أخرى للبحث ومن الصعب -إن لم يكن من المستحيل- استخدام هذه الطريقة في اختبار الفروض.
ب- الوصف على سبيل المثال: في هذه الطريقة التي تسمى الوصف على سبيل المثال Specimen Description, يحاول الملاحظ أن يسجِّل بإسهابٍ وتفصيل كل ما يحدث في وقت معين, على نحوٍ يجعله أقرب إلى آلة التسجيل، ولعل هذا ما دفع الباحثين الذين يستخدمون هذه الطريقة إلى الاستعانة بالتكنولوجيا المتقدمة في هذا الصدد؛ فباستخدام آلات التصوير وكاميرات الفيديو، وأجهزة التسجيل السمعي, يمكن للباحث أن يصل إلى التسجيل الدقيق الكامل لما يحدث, وهذه الطريقة في الملاحظة المفتوحة أكثر دقة وموضوعية ونظامًا من الطريقة السابقة، إلّا أن المشكلة الجوهرية هنا, هي أننا بطريقة وصف العينة نحصل على معلومات كثيرة للغاية إذا استمر التسجيل لفترة طويلة, ويوضح لنا هذه الصعوبة مثال البحث الذي قام به باركب ورايت "Barker & Wright, 1951", لقد تطلَّب تسجيل كل ما يفعله ويقوله طفل عمره 8 سنوات في يومٍ واحدٍ أن يصدر في كتاب ضخم مؤلَّف في 435 صحفة.
ثانيًا- طرق الملاحظة المقيدة:
تعتمد طرق الملاحظة المقيدة Closed Ovservation على استراتيجية
(1/75)

اختيار بعض جوانب السلوك فقط لتسجيلها, وبالطبع فإن هذا التقييد يفقد الملاحظة خصوبة التفاصيل التي تتوافر بالطرق السابقة، إلّا أن ما تفقده في جانب الخصوبة تكسبه في جانب الدقة والضبط, ولعل أعظم جوانب الكسب أن الباحث يستطيع أن يختبر بسهولةٍ بعض فروضه العلمية باستخدام البيانات التي يحصل عليها بهذه الطرقة، وهو ما يعجز عنه تمامًا إذا استخدم الأوصاف القصصية التي يحصل عليها بالطرق الحرة السابقة, وتوجد ثلاث طرق من نوع الملاحظة المقيدة هي:
أ- عينة السلوك: وفي هذه الطريقة يكون على الباحث أن يسجل أنماطًا معينة من السلوك في كل مرة يصدر فيها عن المفحوص؛ كأن يسجل مرات الصراخ التي تصدر عن مجموعة أطفال سن ما قبل المدرسة، أو مرات العدوان بين أطفال المرحلة الابتدائية, وقد يسجل الباحث معلومات وصفية إضافية أيضًا؛ ففي تسجيل السلوك العدواني قد يلاحظ الباحث أيضًا عدد الأطفال المشاركين في العدوان وجنس الطفل، ومن يبدأ العدوان، ومن يستمر فيه إلى النهاية، وما إذا كانت نهاية العدوانية تلقائية أم تطلبت تدخل الكبار، وهكذا. ويحتاج هذا إلى وقت طويل بالطبع, وتزداد مشكلة الوقت حدة إذا كان على الباحث أن يلاحظ عدة مفحوصين في وقت واحد؛ فمثلًا إذا كان الباحث مهتمًّا بالسلوك العدواني الذي يصدر عن ستة أطفال خلال فترة لعب طولها 60 دقيقة, فإن عليه أن يلاحظ كل طفل منهم بكل دقة لخمس فترات طول كل منها دقيقتان طوال الزمن المخصص للملاحظة، ويسجل كل ما يصدر عن الطفل مما يكن أن ينتمي إلى السلوك العدواني, وبالطبع ييسر عليه الأمر استخدام وسائل التسجيل الكنولوجية الحديثة التي أشرنا إليها فيما سبق.
وقد يسهل عليه الأمر -إذا لجأ لى التسجيل الشخصي المباشر- أن يستخدم نوعًا من الحكم والتقدير للسلوك الذي يلاحظه، وتفيده في هذا الصدد مقاييس التقدير التي تتضمن نوعًا من الحكم على مقدار حدوث السلوك موضع البحث, ومن ذلك أن يحكم على السلوك العدواني للطفل بأنه:
يحدث دائمًا - يحدث كثيرًا - يحدث قليلًا - نادرًا ما يحدث - لا يحدث على الإطلاق.
وعليه أن يحدد بدقة معنى "دائمًا - كثيرًا - قليلًا - نادرًا - لا يحدث" حتى لا ينشأ غموض في فهم معانيها، وخاصةً إذا كان من الضروري وجود ملاحظ آخر لنفس السلوك يسجل تقديراته مستقلًّا تحقيقًا لموضوعية الملاحظة "وهو شرط واجب الحدوث كما سنبين فيما بعد".
(1/76)

ب- عينة الوقت: في هذه الطريق يتركز اهتمام الباحث بمدى حدوث أنماط معينة من السلوك في فترات معينة يخصصها للملاحظة, ويتم تحديد أوقاتها مقدمًا, والمنطق الرئيسي وراء هذه الطريقة أن الإنسان يستمر في إصدار نفس السلوك لفترات طويلة نسبيًّا من الزمن, وعلى هذا يمكننا الحصول على وصف صحيح لهذا السلوك, وحكم صحيح عليه إذا لاحظناه بشكل متقطع في بعد الزمن.
وتختلف الفترات الزمنية التي يختارها الباحثون لهذا الغرض ابتداءً من ثوانٍ قليلةٍ لملاحظة بعض أنواع السلوك، إلى دقائق أو ساعات عديدة لبعض الأنواع الأخرى, وفي جميع الأحوال يجب أن يكون المدى الزمني للملاحظة واحدًا تبعًا لخطة معدة مقدمًا. وخلال هذه الفترات يسجل الباحث عدد مرات السلوك موضع الاهتمام, ومن أمثلة ذلك: أن يختار الباحث حصة في أول النهار, وحصة في آخره, مرتين في الأسبوع على مدار العام الدراسي لبحث بعض جوانب سلوك تلميذ المدرسة الابتدائية. وإذا عدنا لمثال السلوك العدواني قد يقرر الباحث ملاحظة سلوك العدوان عند الأطفال خلال الدقائق العشر الأولى من كل ساعة, من أربع ساعات متصلة خلال مرحلة.
ومن مزايا هذه الطريقة أنها تسمح بالمقارنة المباشرة بين المفحوصين ما دام الوقت الذي تجري فيه الملاحظة والزمن الذي تستغرقه واحدًا.
ج- وحدات السلوك: في هذه الطريقة يلاحظ الباحث خلال فترة زمنية معينة وحدات معينة من السلوك behaviour units, وليس عينة سلوك أو عينة وقت, ومعنى ذلك: أن تتم ملاحظة إحدى جزئيات السلوك بدلًا من ملاحظته ككتلة مركبة غير متجانسة, وتبدأ وحدة السلوك في الحدوث في أيّ وقت يطرأ فيه أي تغير على استجابات المفحوص وما قد يصاحبه من تغير في بيئته؛ فمثلًا إذا لاحظنا أن الطفل وهو يلعب برمال الشاطيء تحول فجأة إلى وضع كمية من الرمل في شعر طفل آخر, فإننا نسجل في هذه الحالة حدوث ذلك، باعتباره وحدة سلوك تختلف عما كان يحدث من قبل حين كان الطفلان يتبادلان الابتسام مثلًا, فأصبحا يتبادلان الهجوم, ويسجل الباحث ما طرأ على بيئة الطفلين من تغير في هاتين الحالتين حين كان الطفل الأول يمسك في المرة الأولى كرة يلعب بها وحده، فجاء أبوه وأخذها منه ليعطيها للطفل الثاني الذي كان يلح في طلبها, وهكذا يكون على الباحث في كل مرة أن يسجل حدوث وحدة السلوك على أنها تَغَيُّر في استجابات الطفل وفي بيئته, وحين تنتهي فترة الملاحظة يقوم الباحث بفحص وحدات السلوك التي تَمَّ تجميعها ثم تحليلها, ويتطلب ذلك بالطبع تصنيفها في فئات.
(1/77)

تعليق عام على طريق الملاحظة الطبيعية:
إن الباحث الذي يستخدم طريقة الملاحظة الطبيعية عليه أن يكون متنبهًا إلى سلوكه هو أثناء الملاحظة حتى لا يقع في أخطاء التحيز, والذي يتمثل في ميله إلى تدعيم فكرته المسبقة عن السلوك الإنساني, وقد يؤدي به هذا إلى المبالغة في جمع بعض الملاحظات عن طريق الاهتمام الزائد، أو التهوين من بعضها عن طريق الإهمال, وهو بهذا يتجاوز مهمته كمسجل للأحداث كما تقع بالفعل, وكما تسجلها الكاميرا العادية إلى آلة تضخم بعض الأحداث عن طريق التكبير, أو تقلل من شأنها عن طريق التصغير.
ومن مشكلات طرق الملاحظة الطبيعية أن الملاحظ قد يتجاوز حدد مهمته أيضًا إذا تدخل في عملية التسجيل التي يقوم عليها الوصف الدقيق للظواهر وحوَّلها إلى مستوى التفسير، ولذلك فإن كثيرًا من تقارير الملاحظة لا يعتد بها إذا تضمنت الكثير من آراء الباحث وطرقه في فهم الأحداث بدلًا من أن يتضمن وصفًا دقيقًا للأحداث ذاتها, وإحدى طرق زيادة الدقة في هذا الصدد تحديد أنواع الأنشطة التي تعد أمثلة للسلوك موضوع الملاحظة، وتكون هذه الأنشطة تعريفًا إجرائيًّا لهذا السلوك.
وتتضمن المشكلة السابقة قضية الموضوعية في الملاحظة, فإذا لم تكن ملاحظتنا إلّا محض تفسيراتنا وتأويلاتنا وفهمنا للأحداث؛ فبالطبع لن يحدث بيننا "الاتفاق المستقلّ" في الوصف؛ لأنها سمحت بأن تلعب جوانبنا الذاتية دورًا في ملاحظاتنا, ومن الشروط التي يجب أن نتحقق منها في طريق الملاحظة شرط الثبات, وهو هنا ثبات الملاحظين, ويتطلب ذلك أن يقوم بملاحظة نفس الأفراد في نفس السلوك موضع البحث أكثر من ملاحظ واحد, على أن يكونوا مستقلين تمامًا بعضهم عن بعض، ثم تتم المقارنة بين الملاحظين, فإذا كان بينهم قدر من "الاتفاق المستقل" فيما يسجلون, أمكننا الحكم على الملاحظة بالدقة والثبات، وإلّا كانت نتائج الملاحظة موضع شك. وبالطبع فإن هذا الثبات يزداد في طرق الملاحظة المقيدة عنه في طرق الملاحظة المفتوحة.
وتحتاج طرق الملاحظة الطبيعية إلى التدريب على رؤية أو سماع ما يجب رؤيته أو سماعه وتسجيله, وتدلنا خبرة رجال القضاء أن شهادة شهود العيان في كثير من الحالات تكون غير دقيقة؛ لأنهم بالطبع غير مدربين على الملاحظة, وما لم يتدرب الملاحظ تدريبًا جيدًا على الملاحظة, فإن تقاريره لن تتجاوز حدود الوصف الذاتي المحض، وهي بهذا تكون عديمة الجدوى في أغراض البحث
(1/78)

العلمي, وفي كثير من مشروعات البحوث يتمّ تدريب الملاحظين قبل البدء في الدراسة الميدانية حتى يصلوا في دقة الملاحظة إلى درجة الاتفاق شبه الكامل بينهم "بنسة اتفاق لا تقل عن 90%".
ومن المشكلات الأخرى في طرق الملاحظة الطبيعية, أن محض وجود ملاحظ غير مألوف بين المفحوصين يؤثر في سلوكهم, ويؤدي إلى انتفاء التلقائية والطبيعة في اللعب أو العمل أو غير ذلك من المواقف موضع الملاحظة, وقد بُذِلَت جهود كثيرة للتغلب على هذه المشكلة، ومن ذلك تزويد معامل علم النفس بالغرف التي تسمح حيطانها الزجاجية بالرؤية من جانب واحد "هو في العادة الجانب الذي يوجد فيه الفاحص", وفي هذه الحالة يمكن لفاحص أن يكون خارج الموقف ويلاحظ سلوك الشخص وهو يتم بتلقائية, ومنها أيضًا استخدام آلات التصوير بالفيديو أو السينما، وآلات التسجيل السمعي, بشرط أن توضع في أماكن خفية لا ينتبه إليها المفحوصون، أو توضح في أماكن مرئية لهم على أن تظل في مكانها لفترة طويلة نسبيًّا من الزمن قبل استخدامها حتى يتعود على وجودها المفحوصون, وقد يلجأ بعض الباحثين للتغلب على هذه المشكلة إلى الاندماج مع المفحوصين في محيطهم الطبيعي قبل الإجراء الفعلي؛ بحيث يصبح وجودهم جزءًا من البيئة الاجتماعية للبحث، وهذه الطريقة تسمى الملاحظة بالمشاركة.
وبالطبع كلما أجريت الملاحظة في ظروف مقننة ومضبوطة زودتنا بمعلومات أكثر قابلية للتعميم، فمثلًا عند داسة نمو القدرة على القبض على الأشياء ومعالجتها, قد يتطلب الأمر ملاحظات دقيقة وتفصيلية للأطفال من مختلف الأعمار، كل منهم يقوم بمعالجة نفس الشيء في موقف مقنن أو موحد, وحتى نوضح ذلك فقد نختبر اختبارًا "فرديًّا" 40طفلًا, كل عشرة منهم في مجموعة عمرية معينة, ولتكن 20 أسبوعًا، 30 أسبوعًا، 40 أسبوعًا، 50 أسبوعًا, بينما هم جالسون جلسة معتدلة في مقعد مرتفع، ثم نضع مكعبًا على لوح خشبي أمام كل طفل، وفي هذه الحالة يمكننا أن نلاحظ ونسجل بالتفصيل جهود الطفل للقبض على المكعب الخشبي ومعالجته.
وبالطبع فإن التصوير السنيمائي لاستجابات الأطفال يعطي تسجيلًا موضوعيًّا وكاملًا, ويمكننا أن نحلله بدقة, ونعود إليه إذا اختلفنا في ملاحظة أساليب الطفل في القبض على الأشياء "مثلًا استخدام الذراع أو الرسغ أو اليد أو الأصابع", وتعطينا المقارنة بين سجلات الأطفال من مختلف الأعمار أساسًا لوصف اتجاهات النمو في القدرة على معالجة الأشياء.
والملاحِظ لا يستطيع أن يلاحظ كل شيء في سلوك الطفل، وإنما يحدد
(1/79)

ملاحظاته بنمطٍ معين من أنماط السلوك؛ فمثلًا عند دراسة النمو الاجتماعي قد يقتصر اهتمام الباحث على العدوان بين أطفال دار الحضانة, وفي هذه الحالة يسجل بدقة جميع الأفعال التي تصدر عنهم في هذا الصدد؛ مثل الخبط والضرب والعراك والسباب وتحطيم لعب الطفل الآخر, وحيث إنه أيضًا لا يستطيع أن يلاحظ الطفل -أو الأطفال- طول الوقت, فلا مناص من لجوئه إلى منهج عينة الوقت, كما يجب على الباحث أن يصوغ بياناتٍ عن العدوان في صورة كَمٍّ أو مقدار أو درجة قدر الإمكان.
وبالطبع فإن سلوكًا مثل معالجة الأشياء أو العدوان, يمكن ملاحظته مباشرةً، إلّا أن كثيرًا من التغيرات التي يهتم بها المتخصص في سيكولوجية النمو ليست كذلك؛ فالذكاء وسمات الشخصية والدوافع الأساسية جميعًا لا يمكن ملاحظتها مباشرة, ويجب الاستدلال عليها واستنتاجها من الأداء للظاهر؛ فالبنسبة للذكاء مثلًا, نجد أن المتخصص في علم النفس يلاحظ أداء الطفل لمهامٍّ معينة, وحلوله لمشكلات من نوع خاصٍّ يشتمل عليها اختبار جيد الصنع, يسمى اختبار الذكاء، ومن ملاحظاته هذه يستنتج مستوى القدرة العقلية العامة للطفل, ومثل هذه الاستنتاجات لا يمكن أن تكون صادقة ولها معنًى إلّا إذا كانت ملاحظات السلوك تتم في ظروف مقننة أو مضبوطة، وإلّا إذا كانت الإجراءات امستخدمة موحدة ومتطابقة بالنسبة لجميع المفحوصين, وإذا كان علينا أن نقارن بين أداء المفحوصين المختلفين, فإن الظروف التي نلاحظهم فيها يجب أن تكون موحدة للجميع قدر الإمكان, وبذلك يمكننا أن نتأكد من أن الاختلافات في أداء المفحوصين ترجع إلى الفروق في مستويات الذكاء وليس إلى غير ذلك من المتغيرات الدخيلة.
لنفرض مثلًا أن طفلًا في حجرة مليئة بالضوضاء, أو ضعيفة الإضاءة, أو أن الفاحص الذي يقوم بتطبيق الاختبار كان شخصًا غير خبير، وأن طفلًا آخر يتم اختباره بفاحص خبير, وفي مكان هادئ جيد الإضاءة، إن اداء السيء الذي يظهره الطفل الأول قد يرجع إلى هذه الظروف المحيطة به, أو إلى إجراءات الاختبار نفسها وليس إلى انخفاض مستوى الذكاء, أما إذا كانت ظروف الاختبار متطابقة للطفلين قدر الإمكان, يمكننا أن نستنتج استنتاجًا معقولًا أن الطفل الذي يؤدي في الاختبار أداء أسوأ من الآخر يكون أقل ذكاء منه.
وبالمثل يمكننا أن نستنتج مدى القوة النسبية لانفعال العدوان لدى الأطفال من ملاحظاتنا لسلوك العراك والسباب اللفظي والتحطيم, ومرة أخرى, فإن هذه الملاحظات إذا لم تتم في ظروف مضبوطة ومقننة فإن استنتاجاتنا قد لا تكون
(1/80)

صحيحة, فمقدار العدوان الذي يظهره الطفل يختلف تبعًا لطبيعة الموقف الذي يكون فيه، وبالتالي فإذا اختلفت المواقف يصعب علينا أن نعرف القوة النسبية لهذا الانفعال لدى طفلين مختلفين.
وأخيرًا فإن الملاحظة الطبيعية فيها كل خصائص التعقد والتركيب لمواقف الحياة الطبيعية التي تتحرر منها قدر الإمكان المواقف المعملية, إلّا أن هذا ليس عيبًا في الطريقة وإنما هو أحد حدودها، فالواقع أننا في حاجة إلى البحوث التي تعتمد على وصف دراسة السلوك الإنساني في سياقه الطبيعي والمعتاد, والتي قد تقودنا إلى بحوث أخرى تعتمد على طرق أخرى, تستند في جوهرها على منطق "العلية" توجهًا إلى التفسير والتنبؤ والتوجيه والتحكم في هذا السلوك.
(1/81)

المنهج التجريبي:
التجربة هي نوع من الملاحظة المقننة أو المضبوطة، إلّا أنها تتميز عن محض الملاحظة في أنها تتطلب معالجة يقوم بها الباحث أو المجرب.
فالجرب هو الذي يصطنع أحد العوامل أو المتغيرات ويتحكم فيه ويعالجه, ولهذا يسمى المتغير المستقل، ثم يلاحظ ما إذا كان عاملًا أو متغيرًا آخر "أو مجموعة أخرى من العوامل والمتغيرات" تختلف تبعًا لاختلاف المتغير المستقل, وكيف يحدث هذا الاختلاف، ويسمى هذا العامل الآخر المتغير التابع، أما باقي العوامل والمتغيرات فيجب أن تظل ثابتة, أي: لا يسمح لها بالتغير، وفي هذه الحالة توصف هذه المتغيرات الدخيلة بأنها تَمَّ التحكم فيها حتى لا تتداخل في تفسير النتائج, وقلَّ أن يقوم الباحث بتجربته عادةً ما يصوغ "فرضًا" يتطلب الاختبار، ولكي نوضح ذلك نضرب المثال التالي: نفرض أن باحثًا تجريبيًّا أراد أن يدرس آثار الدرجات المختلفة من الإحباط في سلوك العدوان لدى الأطفال, في هذه الحالة يكون الفرض هو أنه كلما زادت درجة الإحباط يؤدي ذلك إلى زيادة مقدار السلوك العدواني لدى الطفل، ويمكن للباحث أن يختبر هذا الفرض تجريبيًّا باستخدام ثلاث مجموعات من الأطفال, يتعرض كلٍّ منها لظرفٍ خاصٍّ أو معالجة خاصة؛ مجموعتان تجريبيتان ومجموعة ضابطة، بحيث تتساوى المجموعات الثلاث تقريبًا في الخصائص التي لا تهم الباحث في هذه التجربة, ولكنها قد تؤثر في التعبير عن العدوان؛ مثل: العمر الزمني, ومستوى التعليم, والجنس, والصحة, والذكاء, والمستوى الاقتصادي والاجتماعي، وبعبارة أخرى: فإن الباحث يثبت هذه العوامل، وعندئذ يمكنه أن يعالج على النحو الذي يشاء المتغير المستقل الذي يهتم به وهو مقدار الإحباط، وبعد ذلك يمكنه أن يعرض المجموعات الثلاث لدرجات
(1/81)

مختلفة من الإحباط، فمثلًا قد يعرض على المجموعة الأولى من الأطفال عددًا من المشكلات التي تستعصي على الحل, ويعطيهم تعليمات تتضمن وصف هذه المشكلات بالسهولة وقابليتها للحل, ويطلب منهم أن يعملوا على حلِّها خلال فترة زمنية محددة، وبها تتعرض هذه المجموعة لأكبر قدر من الإحباط, والمجموعة الثانية قد تعرض عليهم مشكلات صعبة, ولكنها تقبل الحل, ويطلب منهم حلها في نفس الفترة الزمنية، وبالطبع فإن هذه المجموعة تتعرض أيضًا للإحباط ولكن بمقدار أقل, أما المجموعة الثالثة الضابطة فيطلب منها أداء أعمال سهلة لا تؤدي إلى إحباط, ويضع الباحث المجموعات الثلاث في موقف اجتماعي أثناء حل المشكلات حتى يمكن ملاحظة وتسجيل سلوكهم العدواني.
في هذه الحالة يمكن للباحث أن يحدد ما إذا كانت زيادة درجة الإحباط تؤدي إلى زيادة مقدار العدوان, وهو ما يتوقعه فرض البحث, وتتحقق صحة هذا الفرض إذا وجد الباحث أن المجموعة التي تعرضت لأكبر قدر من الإحباط سلكت سلوكًا عدوانيًّا أكبر من غيرها, وأن المجموعة الضابطة سلكت سلوكًا عدوانيًّا أقل من غيرها.
والميزة الفريدة والهامة في التجربة هي أنه حين يتم التحكم في العوامل الدخيلة, فإن المتغير المستقل يؤثر تأثيرات واضحة؛ لأن التغيرات فيه تنعكس بآثارها في المتغير التابع, وهو ما يمكن البرهنة عليه مباشرة من نتائج البحث التجريبي.
وبدون الإجراءات التجريبية يكون من الصعب الحكم على مدى إسهام جميع العوامل التي تؤدي إلى نتيجة معينة أو تحدث أثرًا خاصًّا حكمًا دقيقًا؛ فمثلًا نجد أن شدة الاستجابات العدوانية لدى الأطفال تتأثر بعوامل كثيرة, مثل: الجنس والمستوى الاقتصادي والاجتماعي, وخبرات الإحباط السابقة, ووجود سلطة الكبار أو عدم وجودها, ثم الخوف من العقاب على السلوك العدواني, وبالطبع يمكن للدراسات التي تعتمد على الملاحظة المباشرة أن تعطي بيانات هامة عن أثر هذه المتغيرات, إلّا أن إجراء التجارب المضبوطة يعطينا بيانات أكثر دقة ووضوحًا, كما أن التفسير السببي لا يزودنا به بوضوح إلّا المنهج التجريبي.
وتوجد تصميمات تجريبية كثيرة لا يتسع المقام لتناولها في هذا الكتاب، إلّا أن ما يهمنا أن نشير إليه هو مسألة الضبط والتحكم التجريبي التي ترددت كثيرًا فيما سبق, وأشهر الطرق لتحقيق ذلك ما يسمى التوزيع العشوائي للمفحوصين على المعالجات التجريبية المختلفة, وهي طريقة تهيئ لكل مفحوص فرصة متساوية لأن يتعرض لأيّ معالجة أو شرط في الموقف لتجريبي دون أيّ قصد متعمد من الباحث, وبهذا يمكن للعوامل المختلفة التي قد تؤثر في المتغيرات التابع أن تتوزع
(1/82)

عشوائيًّا داخل كل شرط "أو معالجة" من الشروط أو المعالجيات التجريبية, وبين هذه الشروط والمعالجات.
وعلى الرغم من أن المنهج التجريبي هو أقوى المناهج في اختبار العلاقات السببية, والتي تقود إلى تفسيرات مقنعة, فإن فيه بعض المشكلات التي نلخصها فيما يلي:
1- مجرد وجود المفحوص ضمن إجراء تجريببي قد يؤثر في سلوكه ويجعله يفتقد التلقائية والطبيعية التي تميز طرق الملاحظة المباشرة, وإذا حدث ذلك فإن نتائج التجربة لن تصدق على أحداث الحياة الواقعية.
2- البيئة "المعملية" المضبوطة المقننة التي عادة ما تجرى فيها البحوث التجريبية هي أيضًا بيئة اصطناعية للغاية, ومن المتوقع للمفوحصين أن يسلكوا على نحوٍ مختلف في مواقف الحياة الفعلية, ولهذا يجب ألَّا تنتقل نتائج بحوث المعمل إلى الميدان انتقالًا مباشرًا، وإنما على الباحث أن يمر بخطوات عديدة في سبيل ذلك, وقد عرفنا هذه الخطوات في موضعٍ سابقٍ "فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1995".
وإحدى طرق التغلب على هذه المشكلة تصميم تجارب تبدو طبيعية للمفحوصين, ويمكن جعل الموقف التجريبي أكثر طبيعية للأطفال, مثلًا بأن تجرى التجربة في موقفٍ معتادٍ؛ كالبيت أو المدرسة, كما أن الأطفال قد يسلكون على نحوٍ أكثر طبيعية إذا قام والدوهم أو معلموهم بدور المجريين بدلًا من وجود شخص غريب لا يعرفونه, بشرط تدريب هؤلاء على شروط التجربة وإجراءاتها, كما يمكن عرض الموقف التجريبي على نحوٍ يتفق مع ميول الأطفال؛ كأن تعرض أسئلة اختبار الذكاء أو الابتكار عليهم على أنها نوع من الألعاب أو الألغاز بدلًا من القول بأنها أسئلة في اختبار، كما يمكن للباحث إجراء تجربة ميدانية في البيئة الطبيعية بالفعل على نحوٍ يجعل المفحوصين لا يشعرون بأنهم موضع "تجربة", وهذا الأسلوب يجمع بين مزايا الملاحظة الطبيعية والضبط الأكثر إحكامًا في الموقف التجريبي.
3- التوزيع العشوائي للمفحوصين على مجموعات المعالجة يحدث في بعضهم استجابات سلبية إزاء الموقف التجريبي، وخاصة إذا كان على المفحوص أن يعمل مع مجموعة لا يحب الانتساب إليها, ومعنى ذلك أن الباحث التجريبي عليه أن يتعامل مع مفحوصيه على أنها بشر، وإذا نشأت مثل هذه المشكلات عليه أن يواجهها ويحلها في الحال لا أن يتجاهلها؛ لأن مثل هذه الاتجاهات السلبية
(1/83)

لدى بعض المفحوصين قد يهدد صدق نتائج البحث.
4- الأجهزة والأدوات والمواد التي تستخدم في الموقف التجريبي وخاصة داخل المعمل, قد تؤدي بالمفحوص إلى الاعتقاد بأن عليهم أن يسلكوا على نحوٍ غير عادي, ومن ذلك مثلًا: أن يطلب منه حفظ مقاطع عديمة المعنى, وهو ما لا يفعله عادةً في حياته اليومية.
5- توقعات المجرب قد تؤثر في نتائج التجربة؛ فالباحث الذي يعتقد بشدة في صحة فرضه فإنه قد يلجأ -ولو عن غير قصد- إلى تهيئة الشروط التي تدعم هذا الفرض, ولعل هذا يفسر لنا كثرة الفروض التي "تتحقق" في بحوثنا العربية، بينما نسبة كبيرة منها لم يتحقق في البحوث التي أجريت في بيئات مختلفة, بل لعل هذا يفسر لنا ما نلاحظه على بعض الباحثين الذين يشعرون بالضيق والقلق حين لا تتحقق فروضهم, وهذا لونٌ من الخطأ الفاحش في فهم طبيعة البحث العلمي. لقد صارت الفروض عند بعض الباحثين جزءًا من نظامهم "العقيدي" لا قضايا تقبل الصحة والخطأ على أساس الأدلة والشواهد الموضوعية.
وللتغلب على هذه المشكلة يقترح علماء مناهج البحث المعاصرون استخدام أسلوب إجراء التجارب بطريقة "معماة" على الفاحصين، وفي هذه الحالة لا يعلم الفاحصون ولا المفحوصون أيّ معالجة يشاركون فيها إلّا بعد انتهاء التجربة.
وبالرغم من هذه المشكلات تبقى للمنهج التجريبي قيمته العظمى في تزويدنا بأدق فهم لعلاقات السبب -النتيجة في دراسة السلوك الإنساني.
(1/84)

المنهج شب التجريبي:
حينما يستعصي على الباحث تطبيق المنهج التجريبي بمعناه الكامل الذي تناولناه آنفًا, نجده يحاول فرض قدر من التحكم على العوامل الدخيلة التي لها بعض الآثار المحتملة في السلوك موضوع الاهتمام, وتوجد في الوقت الحاضر عدة تصميمات من هذا القبيل, تجمعها تسمية عامة هي "المنهج شبه التجريبي" Quasi -Experimenta.
لنفرض أن أحد الباحثين أراد أن يدرس أثر الحرمان من الأسرة في النمو الاجتماعي للطفل, إن تطبيق المنهج التجريبي الكامل في هذه الحالة يتطلب تقسيم المفحوصين عشوائيًّا إلى نصفين، أحدهما يظل يعيش مع أسرته, بينما يودع الآخر في إحدى دور الرعاية وذلك طوال فترة التجربة, ثم تقارن المجموعتان في النمو الاجتماعي, وبالطبع فإن معظم الأسر ترفض أن تسمح لأطفالها بالمشاركة
(1/84)

في تجربة من هذا النوع, كما أن النظام الاجتماعي لا يوافق على أن ينفصل الطفل عن والديه وأن يُودَعَ طواعيةً أو قسرًا في مؤسسة من أي نوعٍ, إلّا في بعض الاستثناءات القليلة الشاذة في التاريخ "معسكرات إسبرطة في التاريخ القديم والكيوبتزات الإسرائيلية في التاريخ الحديث"، بل إن مثل هذا الإجراء يستحيل حدوثه في المجتمع الإسلامي الذي تضع شريعته الأسرة في مكانة رفيعة من البناء الاجتماعي, ولهذا فلا مناص من أن يلجأ الباحث في هذه الحالة إلى تصميم شبه تجريبي, وفي هذه الحالة يقارن بين مجموعتين من الأطفال إحداهما تعيش مع أسرها الطبيعية, والأخرى تعيش في إحدى دور الرعاية "ملجأ أو مؤسسة اجتماعية أو مدرسة داخلية أو دار حضانة" نتيجةً لظروفها الاجتماعية.
ومعنى ذلك أن شبه التجربة: هي دراسةٌ يلاحظ فيها الباحث نتائج حدث طبيعي, أو قرار متصل بالظروف الاجتماعية للإنسان يُفْتَرَضُ فيه أن له أثر على حياته، ويشمل ذلك على سبيل المثال الالتحاق بدور الرعاية الاجتماعية أو مؤسسات الإيواء أو برامج ما قبل المدرسة؛ في دور الحضانة ورياض الأطفال, أو التعليم في المدارس الخاصة وغيرها. ويكون المتغير المستقل في هذه الحالة هو الحدث أو الظرف الذي يُفْتَرَضُ فيه أن تؤثر نواتجه على الذين يتعرضون له, والباحث هنا لا يستطيع أن يتحكم في المتغير المستقل -كما يفعل الباحث التجريبي- كما لا يستطيع أن يوزع المفحوصين على مختلف المعالجات، فالتوزيع أحدثته بالفعل ظروف الإنسان في حياته اليومية, وعلى الباحث أن يدرس آثار ذلك حينما وأينما وكيفما يحدث بالفعل.
وتتفاوت البحوث شبه التجريبية في الكيف, ولعل أفضل تصميمات هذا النوع من البحوث أن يختار الباحث لمجموعته الضابطة أفرادًا من الذين يوضعون في قوائم الانتظار للالتحاق بالبرنامج أو المعالجة موضع الاهتمام، مثل قوائم الانتظار للالتحاق بالمدارس الخاصة أو دور الحضانة، ولعل هذا يوفر قدرًا من القابلية للمقارنة بين المجموعة الضابطة والمجموعة التجريبية, على الأقل في متغير الرغبة في المشاركة في البرنامج أو المالجة إن كانت لها جاذبية، أو عدم الرغبة في ذلك إن لم تكن لها هذه الجاذبية, وهذا أفضل بالطبع من اختيار المجموعة الضابة من "غير الملتحقين بالمدارس الخاصة" أو "غير الملتحقين بدور الحضانة" مثلًا، وهم أولئك الذين لم يسع آباؤهم لالتحاقهم بالبرنامج, وفي هذه الحالة قد تكون هناك اختلافات جوهرية بين الآباء في المجموعتين، وقد تكون لمتغيرات أخرى مثل حجم الأسرة والدخل والمستوى التعليمي للوالدين, أهمية أكبر من برنامج دار الحضانة أو المدرس الخاصة في إحداث الفروق بين مجموعتي الأطفال, وهكذا تظل نتائج شبه التجربة مفتوحة لتفسيرات متعددة، ولا تؤدي إلى تحديد قوي لعلاقة السبب والأثر, كما هو الحال في المنهج التجريبي الكامل، ومع ذلك فهو المنهج الأفضل في هذه الظروف الخاصة.
(1/85)

المنهج الارتباطي:
توجد مشكلات هامة في سيكولوجية النمو لا يمكن تناولها بالبحوث التجريبية أو شبه التجريبية, ومن ذلك مثلًا إذا أراد الباحث أن يحدد العلاقة بين الاتجاهات الوالدية "كاتجاه الرفض" ونمو شخصية الطفل, فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يطلب من بعض الأمهات أن يرفضن أبناءهن حتى يجري الباحث تجربة كاملة عليهن وعلى الأبناء, كما قد يصعب عليه أن يجد في الحياة الاجتماعية العامة آباء يرفضون أطفالهم بحيث يصنفهم في مجموعة في مقابل مجموعة أخرى تقبل الأبناء, حتى يجرى عليهم بحثًا شبه تجريبي, ولهذا فإن إجراء بحوث على مثل هذه المشكلات يكون من نوع مختلف تمامًا. إن الباحث قد يستخدم بعض الاستخبارات أو الاستفتاءات, أو يجري بعض المقابلات مع الأمهات ليتقصى الاتجاهات الوالدية لديهن, وحينئذ قد يجد أن بعض الأمهات ترفضن أبناءهن سيكولوجيًّا, كما يجد مجموعة أخرى مقارنة من الأمهات تقبلن أبناءهن؛ فإذا كان أطفال مجموعتي الأمهات متكافئين تقريبًا في العمر الزمني والذكاء والمستوى الاجتماعي والاقتصادي, وغير ذلك من العوامل الدخيلة، يمكن للباحث أن يقارن بين سمات الشخصية لدى مجموعتي الأطفال, مما يعطي معلومات عن العلاقة بين الاتجاه الوالدي الرافض وشخصية الطفل, ويعد هذا البحث ارتباطيًّا؛ لأن علاقة السبب والأثر فيه غير واضحة, كما هو الحال في البحث التجريبي وشبه التجريبي. إن نتائج هذا البحث التي قد تتمثل في أنه مثلًا كلما زاد رفض الأم للطفل تزداد عدوانية الطفل، وتقل عدوانيته مع نقص رفض الأم له, لا تتضمن علاقة سببية مباشرة, فهل يؤدي رفض الأم للطفل إلى زيادة عدوانيته؟ أم أن عدوانية الطفل تؤدي بالأم إلى رفضه؟ أم أن كلًّا من رفض الأم وعدونية الطفل يتأثران بعامل ثالث غير معلوم؟ إن كل ما نحصل عليه من معنى هو وجود علاقة بين المتغيرين1.
__________
1 يعد من قبيل المنهج الارتباطي أيضًا الأسلوب الذي شاع في البحث السيكولوجي في السنوات الأخيرة, والذي يطبق فيه الباحث أحد الاختبارات على عينة من المفحوصين, ثم يختار منها عينتين فرعيتين, إحداهما ذات مستوى عالٍ, والأخرى ذات مستوى منخفض في السمة موضع القياس؛ كالذكاء أو الابتكار أو التحصيل, ثم يقارن بينهما في متغيرات أخرى.
(1/86)

وقد يتطلب المنهج الارتباطي قياس متغيرين على الأقل, ثم تحديد درجة العلاقة بينهما, وفي هذه الحالة يمكن أن يجري البحث الارتباطي على مجموعة واحدة, ومن ذلك مثلًا: أن يقيس الباحث عدد الساعات التي يخصصها الطالب ليلًا للاستذكار المنزلي, والدرجة التي يحصل عليها في الاختبارات التحصيلية، ثم يحسب العلاقة بين المتغيرين بالنسبة لمجموعة من الأطفال, والأسلوب الإحصائي الذي يستخدم في هذه الحالة يسمى معامل الارتباط، وبه يتحدد التغير الاقتراني بين المتغيرين, وهذا التغير الاقترني يمتد بين العلاقات الموجبة الكاملة والعلاقات الموجبة السالبة الكاملة، وفي منزلةٍ بينهما توجد العلاقات الجزئية موجبة أو سالبة، والعلاقات الصفرية "التي تدل على عدم وجود علاقة بين المتغيرين".
وبعبارة أخرى: فإن معامل الارتباط يتراوح بين +1، -1, وعادة ما يكون في صورة كسر عشريٍّ أعلى من الصفر "عدم العلاقة", وأقل من الواحد الصحيح "العلاقة الكاملة", وتوجد معادلات إحصائية لحساب مقدار معامل الارتباط.
وتدل العلاقة الموجبة "+1 وما هو أقل منها" على أن العلاقة طردية, بمعنى أن الزيادة في المتغير الأول تقترن معها زيادة في المتغير الثاني، والنقص في المتغير الأول تقترن معها زيادة في المتغير الثاني، ومن ذلك العلاقة بين الذكاء والتحصيل المدرسي التي تكون عادة في صورة معامل ارتباط مقداره "0.85", ومعناه أن الطفل الأعلى ذكاءً يزداد تحصيله, والطفل الأقل ذكاءً يقل تحصيله. أما العلاقة السالبة "-1 وما هو أكبر منها" فقد تدل على العلاقة العكسية, ومن ذلك العلاقة بين القلق والتحصيل المدرسي التي قد يصل معامل ارتباطهما إلى "-0.65", ومعنى ذلك أن الزيادة في القلق ترتبط بالنقص في التحصيل المدرسي، والنقص في القلق بالزيادة في التحصيل المدرسي, وقد تكون العلاقة صفرًا "أو مقدار إحصائي ليس له دلالة إحصائية"، ومن ذلك العلاقة بين الذكاء وطول القامة اللذين يبلغ معالم ارتباطهما 0.25 "وهو معامل غير دالٍّ إحصائيًّا, ويعتبر صفرًا بهذ المعنى". ومعنى ذلك أن الطفل الذكي قد يكون قصير القامة أو طويلها، وكذلك الطفل الأقل ذكاءً قد يكون أيضًا طويلًا أو قصيرًا، أي: لا توجد وجهة محددة لاتجاه العلاقة بين المتغيرين.
(1/87)

ولمعامل الارتباط جانب آخر هامّ وهو مقداره؛ فمعامل الارتباط البالغ 0.9 لا يساوي معاملًا آخر يبلغ 0.5 أو 0.2, حتى ولو كانت جميعها دالة إحصائيًّا.
فمقدار معامل الارتباط الذي يقترب من الواحد الصحيح يدل على قوة العلاقة بين المتغيرين، وكلما اقترب معامل الارتباط من الصفر دلَّ ذلك على ضعف هذه العلاقة, وفي جميع الحالات علينا أن نضع البحث الارتباطي في سياقه الصحيح، أي: أنه لا يتضمن علاقة سببية, وإنما هو محض تغير اقتراني بين متغيرين.
صحيح أنه توجد في الوقت الحاضر محاولات لتوسيع أفق معامل الارتباط؛ ليتضمن بعض المعاني السببية فيما يسمى تحليل المسار path analysis، إلّا أن المنهج الارتباطي يظل على وجه الإجمال منهج غير سببي.
(1/88)

المنهج المقارن:
يلاحظ على جميع المناهج السابقة أنها تقصر اهتماها على النظر إلى سلوك الإنسان في وقت معين, إلّا أن البحث في النمو يحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى تحديد كيف يتطور السلوك الإنساني عبر الزمن, ولهذا كان لابد من ابتكار منهجٍ يتفق مع هذه الضرورة، ومن هنا كان ظهور المنهج المقارن في هذا الميدان، وهذا المنهج يعد في جوهره منهجًا تطوريًّا نمائيًّا ارتقائيًّا.
والمنهج المقارن يتضمن في جوهره دراسة الأفراد من مختلف الأعمار، على افتراض أنه توجد أدلة على التغير في سلوك الإنسان خلال مدى الحياة, كما بينا في الفصل الأول، وفي هذا يعتبر العمر المتغير التقليدي الذي يتحدد من خلاله مسار النمو، ولابد من الاعتراف بضرورته لأي معالجة لنمو الإنسان.
فالتحسن والتدهور في الخصائص الفسيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية يرتبطان بالعمر إلى الحد الذي يدفعنا إلى القول بأنه -أي العمر- يتداخل في كل العلاقات الوظيفية المرتبطة بالسلوك, إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه ضررة التمييز بين المظهر والجوهر، فالعمر نفسه لا يزودنا بأي معلومات عن أسباب التغيرات التي تحدث مع الزمن، على الرغم من أننا يجب أن نعترف بأن هذا الأمر لم يشغل بال معظم الباحين في ميدان علم نفس النمو.
ويمكن أن نميِّزَ في هذا الصدد بين مشكلتين جوهريتين, يمثل كل منهما مرتكزًا لبحوث سيكولوجية النمو من حيث علاقتها بالعمر، وهي:
1- تحديد درجة التحسن والاستقرار والتدهور في مختلف جوانب السلوك الإنساني مع التقدم في العمر.
2- تحديد العوامل المسئولة عن التحسن أو التدهور حين يلاحظ على سلوك
(1/88)

الإنسان، وإلى أيِّ حَدٍّ ترجع هذه العوامل إلى التغيرات التي تطرأ على البناء البيولوجي للإنسان, أو إلى الظروف البيئية والثقافية والاجتماعية التي تحيط به.
وهاتان المشكلتان تستثيران الاهتمام بطبيعة الصعوبات المنهجية في ميدان بحوث النمو, وتتناول فيما يلي هذه الصعوبات مصنفةً تبعًا لطرق البحث المقارن المستخدمة في هذا المجال.
أولًا: الطريقة المستعرضة
الطريقة المستعرضة وقرينتها الطريقة الطولية -التي سنشير إليها فيما بعد- هما أكثر طرق البحث في ميدان النمو استخدامًا، بالرغم من مشكلاتهما المنهجية، وسوف نتناول هاتين الطريقتين أولًا, ثم نعرض لطريقة ثالثة أكثر ملاءمة ودقة, وهي طريقة التحليل التتابعي.
والطريقة المستعرضة Cross- Sectional تعتمد في جوهرها على انتقاء عينات مختلفة من الأفراد من مختلف الأعمار، ثم نلاحظ فيهم بعض جوانب السلوك موضع الاهتمام, أو تطبق عليهم مقاييس لهذه الجوانب من السلوك، على أن تتم الملاحظة أو القياس في نفس الوقت تقريبًا، ويفترض في هذه المقاييس التي تطبق على العينات أنها على درجة كافية من التكافؤ، ويقارن أداء العينات المختلفة في كل مقياس على حدة، وتتم هذه المقارنات في ضوء متوسطات العينات, أي: أن المقارنة بين مختلف الأعمار تتم في ضوء الفروق بين المجموعات, وتفترض هذه الطريقة أن هذه المتوسطات توضح مسار النمو العادي, وتقترب بنا إلى حَدٍّ كبير من الدرجات التي نحصل عليها لو أجرينا البحث على أفرادٍ من عمر معين, ثم أعيد اختبارهم تتبعيًّا عدة مرات حتى يصلوا إلى الحد الأقصى من العمر موضع البحث, ومن أمثلة ذلك إذا أراد الباحث دراسة النمو العقلي باستخدام هذه الطريقة, فإنه يختار عينات من الأطفال والمراهقين والشباب والكهول والمسننين يطبق عليهم خلال فترة زمنية معينة قد لا تتجاوز الأسبوع الواحد اختبارات تقيس الذكاء, يفترض فيها أنها تقيس نفس الخاصية السلوكية، ثم يقارن بين متوسطات أدائهم في هذه الاختبارات، إلّا أن لهذه الطريقة مشكلاتها المنهجية التي تتلخص فيما يلي:
1- العوامل الانتقائية في العينات المختلفة: فجماعات العمر المختلفة قد لا يكون بينها وجه للمقارنة نظرًا لآثار العوامل الانتقائية والمتتابعة، ويظهر أثر هذه العوالم خاصَّةً حين تجرى البحوث على التلاميذ والطلاب؛ فطلبة الجامعات الذين نختارهم لفئة الشباب أكثر انتقائية من طلبة المدراس الثانوية الذين نختارهم
(1/89)

لفئة المراهقين، وأولئك أكثر انتقائية من تلاميذ المدارس الابتدائية الذين نختارهم لفئة الأطفال، وذلك لأن الطلاب الأقل قدرةً يتم استبعادهم خلال مسار العمل التعليمي, وهكذا فإن المتوسط المرتفع لطلاب الجامعات قد ينتج عن عمليات التصفية هذه, ولذلك لكي تستخدم هذه الطريقة بفعالية أكثر في بحوث النمو, لابد أن تكون ممثلة للأصول الإحصائية العامة للسكان من مختلف الأعمار وأن تشتق منها. لا أن يتم اختيار مجموعة الأفراد من مؤسسات تعليمية أو مهنية, وتمثل هذه المسألة إحدى عوائق البحث الكبرى في دراسات الراشدين خاصة؛ فجميع جماعات الراشدين باستثناء الجيش, منتقاة على نحو ما: الجماعات الدينية، وجماعات أندية، وأعضاء النقابات والاتحادات، وبيوت المسنين.
2- اللاتاريخية: تفتقد هذ الطريقة المعنى التاريخي الذي هو جوهر البحث في النمو، فالطريقة كما هو ملاحظ تقتصر على دراسة الفرد الواحد في لحظة زمنية معينة, وبالتالي لا توفر لنا معلومات عن السوابق التاريخية للسلوك، أي: ما هي الخبرات المبكرة التي تؤثر في السلوك موضع البحث، كما لا تقدم لنا شيئًا من المعرفة عن مدى استقرار السلوك أو عدم استقراره في الفرد الواحد، أي: إلى أيِّ حَدٍّ يظل السلوك الملاحظ في وقت معين هو نفسه حين يلاحظ في وقت آخر.
ويرجع ذلك في جوهره إلى أن التصميم المستعرض يوفر لنا معلومات عن الفروق الجماعية, أكثر مما يقدم أية معلومات عن النمو داخل الفرد.
3- اختلاف رصيد الخبرة: قد لا يكون هناك درجة للمقارنة بين أرصدة الخبرة المختلفة عند جمعات الأعمار المختلفة التي تُدْرَس في لحظة زمنية معينة, فمن المستحيل الحصول على عينات مختلفة الأعمار في وقتٍ معين, ونفترض أنها عاشت في ظروف ثقافية موحدة عندما كانت متساوية في العمر, وواقع الأمر أن المقارنة في هذا النوع من البحوث تكون بين جماعات عمرية تفصل بينها فوارق زمنية مختلفة, قد تصل إلى حَدِّ الفروق بين الأجيال، كما هو الحال عند المقارنة في لحظة معينة بين سلوك عينات من الأطفال والمراهقين والراشدين. فمثلًا لا يستطيع أحد أن يعزي الفروق بين من هم اليوم في سن الأربعين, ومن هم الآن في سن 15 سنة أو 8 سنوات, إلى عوامل تتعلق بالعمر وحده, فعندما كان الأفراد الذين هم الآن في سن الأربعين في سن الخامسة عشرة أو الثامنة, كان التعليم أكثر تواضعًا, والفرص المتاحة للأطفال والشباب أقل تنوعًا، والاتجاهات الاجتماعية أكثر اختلافًا، ومعنى هذا أن الاختلافات بين مجموعات العمر قد ترجع في جوهرها إلى ظروف متباينة نتيجة للتغيرات الثقافية والحضارية, وبالتالي لا يمكن الجزم بأن التغير المشاهد يرجع إلى العمر وحده, ولعل هذا يدفعنا إلى أن ننبه
(1/90)

دائمًا إلى ضرورة حساسية الباحث لعينة المفحوصين في هذا النوع من البحوث, والتي تختلف في جوهرها من عمر لآخر، ومن جيل لآخر؛ فالمفحوصين في الدراسات المستعرضة لا ترجع الفروق بينهم إلى العمر الزمني وحده, ولكن أيضًا إلى الفترة الزمنية التي ولدوا ونشأوا فيها, ومعنى ذلك: أن الجماعات العمرية في هذه البحوث تؤلف أجيالًَا مختلفة, ومفهوم الجيل يعني مجموعة الأفراد الذين وُلِدُوا وعاشوا خلال نفس الفترة الزمنية, ولهذا يُفْتَرَضُ منهم أن يشتركوا في كثير من الخبرات الثقافية والاجتماعية التي قد تؤثر في جوانب من نموهم. تأمل مثلًا أثر التنشئة في عصر الكمبيوتر والفيديو ومن قبلهما التليفزيون؛ فالإنسان المعاصر يجني ثمار هذا الانفجار الاتصالي بتعرضه لمدى أكثر اتساعًا من المعلومات لم يسبق إلى مثله في الماضي, فإذا قورن أطفال اليوم بالأشخاص الذين يبلغون الآن من العمر 50 أو60 عامًا حين كانوا في طفولتهم, فإننا نتوقع أن نجد لدى شباب اليوم اتجاهًا مختلفًا نحو التكنولوجيا, ومن الصعب حينئذ أن نحدد بحسمٍ ما إذا كان هذا الاختلاف هو نتاج التغيرات التي ترجع إلى النمو, أم أنها ببساطة ترجع إلى اختلاف فرص التعرض للتكنولوجيا الحديثة.
4- المقارنة الجماعية: لا تسمح الطريقة المسعرضة -كما أشرنا- إلّا برسم منحنيات المتوسطات موضوع البحث, والسبب في هذا أن الأشخاص مختلفون في كل مستوى عمري من مستويات البحث، ويستحيل في هذه الحالة رسم المنحنيات الفردية, إلّا أنّ مثل هذا الإجراء قد يخفي اختلافات هامة بين الأفراد من ناحية, وداخل الأفراد من ناحية أخرى, وقد ينشأ عن رسم المنحنيات الجماعية "على صورة متوسطات" أن تتلاشى هذه الاختلافات أو تزول، ولهذا قد يكون منحنى المتوسطات الناجم مختلفًا اختلافًا بيّنًا عن منحنى النمو لكل فرد على حدة, ومن أشهر النتائج التي توضح لنا خطورة هذه المسألة, حالة التقدم الفجائي في النمو الذي يسبق المراهقة؛ فمنحنيات النمو الفردية بالنسبة لكثير من السمات الجسمية تكشف عن زيادة فجائية تطرأ على معدل النمو الجسمي قبيل البلوغ، ولمَّا كان الأفراد يختلفون في سن البلوغ, فإن هذه الوثبة تحدث في فترات مختلفة لكل فرد على حدة, وبالتالي يمكن أن تظهر في المنحنيات الفردية للأفراد المختلفين، فإذا رسمت المنحنيات الجماعية نجد أن هذه الاختلافات الفردية يلغي بعضها بعضًا, ونجد المنحنى الناجم عن الفروق الجماعية لا يكشف عن الزيادة الفجائية إلّا إذا اشتملت عينة الدراسة على أفراد يصلون إلى البلوغ في نفس السن، وهو احتمال صعب الحدوث.
وبالرغم من مشكلات الطريقة المستعرضة إلّا أنها الأكثر شيوعًا في بحوث
(1/91)

المقارنات بين الأعمار ربما لسهولتها النسبية, وسرعتها الظاهرة، واقتصادها الواضح في الوقت والجهد. أضف إلى ذلك أنها تهيئ للباحث في مجال النمو الإنساني نظرةً مجملة للظاهرة النمائية موضع البحث.
ثانيًا: الطريقة الطولية
الطريقة الثانية من طرق البحث المقارن هي الطريقة الطولية longitudinal, وفيها تتمُّ ملاحظة نفس العينة من الأفراد التي تكون من نفس العمر لحظة البدء في البحث, وإعادة ملاحظتهم أو اختبارهم عدة مرات على فترات زمنية مختلفة, وهذه الفترات تختلف حسب طبيعة البحث, أي أن هذه الطريقة تتطلب تكرار الملاحظة والقياس لنفس المجموعة من الأفراد لفترة زمنية معينة, وبالطبع فإن مدى الزمن المستغرق, والفواصل الزمنية بين الملاحظات والاختبارات, تختلف من بحثٍ لآخر وذلك حسب طبيعة موضوعه؛ ففي بحثٍ حول نموّ تفضيل إحدى اليدين في العمل اليدوي, يُخْتَبَرُ الأطفال ابتداءً من سن 10 شهور مرةً كل شهر, حتى يصلوا إلى العمر الذي يظهر فيه تفضيل لإحدى اليدين على الأخرى، وهو عادةً ما يكون سن 18 شهرًا. وفي بحث النمو العقلي قد نحتاج لفترات زمنية أطول؛ فالأطفال يختبرون كل شهر عندما يكون عمرهم بين شهر واحد و 15 شهرًا، ثم كل 3 شهور بعد ذلك, حتى يصلوا إلى سن 2.5 سنة، ثم كل 6 شهور حتى يصلوا إلى سن الخامسة، ثم كل سنة حتى سن المراهقة.
وبعض البحوث تتطلب نظامًا مختلفًا وفترات زمنية أطول, وخاصة حين يكون اهتمامها بالنمو عبر مدى الحياة.
والطريقة الطولية بهذا تتغلب على بعض مشكلات الطريقة المستعرضة, وتوفر للباحثين إمكانات بحث أفضل. إنها تقدم صورة جيدة عن النمو داخل الأفراد, وليس صورة مجملة عن الفروق بين الجماعات العمرية, ثم إنها تحدد لنا أيّ الظروف السابقة أو الخبرات السابقة يؤثر في النمو السلوكي موضع البحث؛ ففيها لا تتداخل الفروق بين الأجيال, والفروق داخل الجماعات من فروق العمر، كما هو الحال في الدراسات المستعرضة, ولعل من أهم مميزات التحكم في أثر اختلاف الأجيال أن الآثار فيها ترجع إلى زمن ولادة المفحوص أو الجيل الذي ينتسب إليه, ولا ترجع في الواقع إلى محض عمره؛ فالأجيال كما بينا قد تختلف في سنوات التعلم, وممارسات تنشئة الأطفال والصحة والاتجاهات نحو الموضوعات الحساسة؛ كالجنس أو الدين, وهذه الآثار التي ترجع إلى الأجيال لها أهميتها؛ لأنها تؤثِّر بقوة في المتغيرات التابعة في الدراسات التي تبدو ظاهريًّا مهتمَّة بالعمر. وآثار اختلاف الأجيال قد تبدو كما لو كانت آثار أعمار, مع أنها ليست كذلك
(1/92)

بالفعل, ومن ناحيةٍ أخرى, فإن هذه الطريقة تسمح للباحثين بتحليل الاستقرار أو الاختلاف الذي يحدث داخل الفرد بمرور الزمن "willerman, 1979". أضف إلى ذلك أن هذه الطريقة تستغرق وقتًا طويلًا في دراسة كل الفروق بين أفراد العينة حتى يكتمل البحث, ومعنى ذلك أنها أقلّ جاذبية من الطريقة المستعرضة في ضوء معيار الزمن, ومع ذلك فإننا بها وحدها نستطيع أن نحدد أيّ الشروط أو الخبرات السابقة تؤثر في نمو السلوك موضع البحث.
ومع هذه المزايا الظاهرة للطريقة الطولية, إلّا أنَّ لها مشكلاتها أيضًا تلخصها أنستازي "Anstasi, 1958" فيما يلي:
1- العوامل الانتقائية في العينة الأصلية؛ فالأفراد الذين يشاركون في بحثٍ من طبيعته أن يستمر لعدة سنوات يتم انتقاؤهم في الأغلب تبعًا لعوامل تحكمية وليست عشوائية, ومن هذه العوامل استقرار محل الإقامة، والتعاون المستمر مع الباحث, وبالطبع فإن المفحوصين الذين يتم انتقاؤهم بهذه الطريقة قد تتوافر فيهم خصائص أخرى بالمستوى الثقافي والميول والاتجاهات, بل والظروف الطبيعية والصحية تختلف عن الأصل السكاني العام على نحوٍ يجعلها منذ البداية عينة متحيزة وليست عشوائية، فقد تكون العينة أعلى نسبيًّا من المستوى العام للأصل الإحصائي السكاني.
وقد يكون العكس صحيحًا أيضًا في بعض عينات هذه البحوث, ومن ذلك الأفراد الذين يقيمون في المؤسسات "كالأطفال والمراهقين الذين يعيشون في الملاجئ, والشيوخ الذين يقيمون في بيوت المسنين". فأطفال ومراهقو الملاجئ والإصلاحيات يمثلون مستوى أدنى من الأصل الإحصائي العام, بينما شيوخ دور المسنين قد يكونون من مستويات اقتصادية واجتماعية عالية نسبيًّا إذا كانت هذه البيوت بمصروفات تديرها جمعيات خاصة، وقد يكونون من مستويات دنيا إذا كانت هذه البيوت من النوع المجاني الذي تديره هيئات حكومية للإيواء العام، وفي الحالتين يصعب تعميم نتائج مثل هذه البحوث الطولية على المجتمع الأصلي, ومع ذلك, فإن لهذه البحوث فائدتها إذا تَمَّ توصيف الأصل المشتقة منه العينات توصيفًا دقيقًا، أو تَمَّ توصيف العينة موضوع البحث توصيفًا مفصّلًا؛ بحيث يمكن تعميم النتائج التي تتوصل إليه البحوث على أيِّ أصلٍ إحصائيٍّ مشابه لها.
2- النقصان التتابعي للعينة: فلا شك في أن البحث الطولي يستغرق فترةً طويلةً نسبيًّا من الزمن، ولهذا نتوقع أن يتناقص عدد المفحوصين تدريجيًّا, ولذلك فإن المتابعات المتأخرة لنفس العينة نجدها تتمّ على أعداد قليلة إلى حَدٍّ كبير
(1/93)

لو قورنت بالحجم الأصلي لهذه العينة عند بدء البحث منذ سنوات بعيدة, وهذا التسرب في العينة لا يتم بطريقة عشوائية؛ فالمفحوصون الذين يستمرون في المشروع التتبعي حتى نهايته هم في العادة من الذين يتسمون بأنهم أكثرتعاونًا وأكثر دافعية وأكثر مثابرة وأكثر كفاءة من أولئك الذين يتسربون طوال الطريق.
وعلى هذا, فإنه عند نهاية أيّ دراسة طولية نجد أن المتبقي من عينة المفحوصين قد يكون متحيزًا على نحوٍ يجعل من الصعب مرةً أخرى الوصول إلى استنتاجات وتعميمات إلى الأصل الإحصائي العام "المجتمع الأصلي".
3- أثر إعادة الملاحظات: توجد مشكلة منهجية ثالثة في البحوث الطولية تتمثل في الأثر المحتمل الذي تحدثه المشاركة المستمرة في سلوك المفحوص.
فالممارسة المتكررة للاختبارات, وزيادة الألفة بفريق البحث، والتوحد بإحدى الجماعات لفترة طويلة نسبيًّا من الزمن، هي جماعة البحث، وغير ذلك من ظروف البحث الطولي التتبعي ذته، قد تؤثر جميعًا في أداء المفحوص في الاختبارات, وفي اتجاهاته ودوافعه، وفي توافقه الانفعالي، وغير ذلك من جوانب السلوك, ومن ذلك مثلًا أن المفحوص حين يُعْطَى نفس الاختبارات أو ما يشبهها عدة مرات, فإنه يصبح على درجة كبيرة من الخبرة بها, وفي مثل هذه الحالات سوف يؤدي المفحوصون جيدًا على الاختبارات اللاحقة لا بسبب النمو, وإنما بسبب آثار تكرار الممارسة.
وعلى الرغم من أن هذه الطريقة تستغرق وقتًا طويلًا, وتتطلب تكلفة هائلة, فإنها لها قيمتها في أنها تهيئ لنا تتبع مسار التغيرات في المفحوصين؛ كأفراد عبر الزمن. تخيل باحثًا يجري دراسة على النمو العقلي خلال مدى الحياة, إنه يواجه المهمة المستحيلة إذا صمَّمَ بحثه لجمع البيانات بنفسه؛ لأنه إذا بدأ بحثه على مفحوصين من الأطفال وعمره مثلًا 25 سنة، فإنه حين يبلغ مفحوصوه سن 65سنة مثلًا, ويدخلون في مرحلة الشيخوخة, ربما يكون قد مات هو نفسه "من أمثلة ذلك بحث ترمان الشهير حول نمو الأطفال من ذوي الذكاء الرفيع" بل إنه حتى في الحدود الزمنية الأقل تطرفًا توجد عوائق كثيرة من الوجهة العملية, ولهذا السبب نجد أن القاعدة هي وحود بحوث طولية قصيرة المدى, لا تجاوز في العادة خمس سنوات.
4- أثر وقت القياس: يمكن لبعض الآثار التي تحدث في المفحوصين من عينة البحث الطولي أن ترجع إلى وقت القياس وليس إلى النمو في ذاته, لنتأمل مثلًا دراسة فرضية فحصت التغيرت المرتبطة بالعمر في الاتجاه نحو العمل اليدوي أثناء الرشد, إن هؤلاء المفحوصين إذا كانوا قد اختبروا أو تمت ملاحظتهم
(1/94)

ومقابلتهم في أوائل الخمسينات, حين كانوا في بداية المراهقة, قد يظهرون اتجاهات محافظة نسبيًّا حول هذا الموضوع، ولكنهم عندما يختبرون اليوم بعد أكثر من ثلاثين عامًا, فإن هؤلاء المفحوصين أنفسهم قد يكونوا أكثر تحررًا وتسامحًا في اتجاهاتهم, وقد تُفَسَّر هذه النتيجة بأنها تعني أن الاتجاه نحو العمل اليدوي يصير أقل محافظة عند التحول من المراهقة إلى الرشد الأوسط, إلّا أن السبب الحقيقي أن الزمن قد تغير طوال هذه الفترة مع تغير المجتمع ككل؛ حيث أصبح أكثر تقبلًًا للعمل اليدوي؛ فالتغيرات الملاحظة في هذه الدراسة الفرضية قد تعكس بنفس القدر التغير التاريخي في المجتمع, وليس التغير الارتقائي العادي الذي يحدث خلال الرشد فحسب, ومعنى ذلك أن التصميم الطفولي في ذاته لا يساعدنا بالضرورة على الوصول إلى تعميمات جيدة حول آثار النمو, وكما هو الحال بالنسبة للبحوث المستعرضة, لابد أن تكون حذر شديد في تفسير النتائج.
ثالثًا: طريقة التحليل التتابعي
يبدو من مناقشتنا السابقة أنه حتى لم توافر لنا الوقت والإمكانات لاستخدام الطريقة الطولية في بحوث المقارنة بين الأعمار, فإن هذه الطريقة لا توفر لنا حلًّا كافيًا لمشكلات البحث في هذا الميدان، وخاصة ما يتصل منها بتفسير معنى نتائج البحث, كما أن لكلٍّ من المنهج الطولي والمستعرض نواحي الضعف والقوة التي يكمل بعضها بعضًا, ولهذا السبب اقترح بعض الباحثين نموذجًا يجمع بين مزايا المنهج الطولي والمنهج المستعرض, يمكن أن نسميه نموذج التحليل التتابعي Sequential analysis model. والفكرة الجوهرية في هذا التصميم هي الجمع في وقت واحد بين دراسة الأفراد من مختلف الأعمار "كما هو الحال في الدراسة المستعرضة" مع تتبعهم وإعادة ملاحظتهم واختبارهم بعد انقضاء فترات مختلفة من الزمن "كما هو الحال في الدراسة الطولية", والميزة الرئيسية في هذا النظام أنه يزودنا بمعلومات مباشرة عن وجود الفروق بين الأجيال، كما يسمح لنا بإجراء الدراسة بطريقة أكثر اختصارًا واقتصادًا.
ومن التصميمات المبكرة في هذا الميدان ما استخدم في بحث bell, 1953, وفيه استخدام المنهج المستعرض لمجموعات عمرية مختلفة, مع متابعات قصيرة الأمد؛ فمثلًا قد نلاحظ مجموعتين من الأفراد أولاهما في سن 18 سنة, والأخرى في سن 20 سنة, ونعيد اختبارهم مرتين خلال فترة زمنية طولها عامان, كما هو موضح في الجدول رقم "4-1".
(1/95)

جدول "4-1":
تصميم تتابعي على نسق "بل"
ان مراجعة امكانية المقارنة والاستمرار لمجموعتي العمر تتم في ضوء أداء المجموعتين في سن العشرين، وكذلك في ضوء اتجاه التغيرات عند اعادة الملاحظة والقياس في كل مرة داخل المجموعتين، فإذا أمكن أن تتم المقارنة فإن البيانات التي يحصل عليها الباحثون من المجموعتين خلال العامين يمكن معالجتها معًا للكشف عن التغيرات الحادثة بين عمري 18، 22 عامًا.
ويوجد تصميم تجريبي آخر اقتراحه "1957، Pressey & Kuhlen" وفيه يتم الربط أيضًا بين الدراسة الطولية والمسح المستعرض لمجموعات عمرية مختلفة للتمييز بين التغيرات التي ترجع إلى العمر والتغيرات التي ترجع إلى الثقافة، فمثلًا يمكن اختبار أفراد من سن 20 عامًا وسن 40 عامًا في عام 1940، ثم اختبار عينات مشابهة من نفس الأعمار عام 1960. ويوضح الجدول رقم "4-2" هذا التصميم.
جدول رقم "4-2"
تصميم تتابعي على نسق "بريسي وكولن"
ومن هذا الجدول يتضح أن أي فروق بين الأفراد من سن 20 عامًا في عام 1940، 20 عامًا في عام 1960 يمكن ارجاعها إلى التغيير الثقافي "ونفس النتيجة يمكن الحصول عليها من الأفراد من عمر 40 عامًا في المرتين". أما الفروق بين الأفراد من سن 20 عامًا، 40 عامًا الذين لوحظوا معًا "في عام 1940 أو عام 1960" فقد تعكس فروقًا في الأعمار بالإضافة إلى الاختلافات الثقافية وخاصة الظروف التي تمت فيها تنشئة المجموعتين. وأخيرًا فإن المقارنة بين الأفراد من
(1/96)

سن 20 عامًا في عام 1940، والأفراد من سن 40 عامًا في عام 1960, تدل على الاثار المتداخلة للعمر والتغيرات الثقافية التي حدثت في الفترة الوسيطة التي ربما قد تكون قد عدَّلت في سلوك المفحوصين بعد سن العشرين, أما المقارنة بين سن40 عامًا سنة 1940، 20 عامًا سنة1960, فقد تعكس الآثار الثقافية وحدها إذ كانت لصالح المجموعة الأصغر سنًّا في هذه الحالة.
وقد استطاع "Schaie, 1965" أن يصل بهذا التصميم التجريبي إلى مستوى التصميم, وأطلق عليه التصميم التتابعي Sequential design, والذي طوَّرَه بعد ذلك عام 1977, وأطلق عليه اسم "التصميم الأكثر فعالية", وفي هذه الطريقة تتم ملاحظة أو قياس جيلين أو أكثر, مرتين أو أكثر، بالإضافة إلى عينة مستقلة من مختلف الأجيال في المرة الثانية وما بعدها, وفي هذا التصميم يوجد كلٌّ من المنهج الطولي والمستعرض, فعند كل وقت للملاحظة أو القياس تختار وتلاحظ موجة جديدة من المفحوصين في كل مجموعة عمرية، كما أن المفحوصين الذين سبقت ملاحظتهم وقياسهم من قبل تتم ملاحظتهم وقياسهم مرة أخرى. وبتحليل النتائج الخاصة بالموجة الجديدة من المفحوصين, ومقارنتها بنتائج من سبق اختبارهم من قبل في سنوات سابقة نحصل على معلومات عن آثار الاختبار والملاحظة من نوعٍ ما إذا كانت الممارسة والتدريب على الاختبارات تحسن الأداء.
وعلى الرغم من أن التصميم التتابعي يقدم لنا ثروة من البيانات عن التغيرات العمرية والفروق بين الأجيال والآثار التاريخية, إلّا أننا يجب علينا أن نكون واعين بالصعوبات الفائقة في جمع هذه البيانات على مدى سنوات عديدة باستخدام جماعات كثيرة مختلفة من البشر.
والخلاصة: أننا في هذا المنهج نستخدم أفرادًا من مختلف الأعمار, تتم ملاحظتهم أو قياسهم في وقت واحد معًا, وعلى نحوٍ متكررٍ في عدد من المرات المختلفة, وفي هذه الحالة يمكن أن تعتبر فروق العمر في أي مناسبة من مناسبات الملاحظة والقياس, تنتمي في جوهرها إلى البيانات التي نحصل عليها بالطريقة المستعرضة، والتغيرات أو أنماط الدرجات التي نحصل عليها من مجموعة عمرية معينة في المناسبات المختلفة للقياس والملاحظة من نوع البيانات التي نحصل عليها بالطريقة الطولية, ويضاف إلى هذا نوع جديد من البيانات تمثله المجموعات ذات الأعمار المتساوية في المناسبات المختلفة للقياس، وذلك لمعرفة ما إذا كان لميلاد الفرد في وقت معين أو انتمائه لجيلٍ بذاته, له آثار فارقة "مثلًا أن يكون طفلًا أثناء حرب فلسطين عام 1948، في مقابل أن يكون طفلًا في خلال حرب 1967، أو خلال حرب أكتوبر 1973".
(1/97)

ولكي نوضح هذا التصميم نفرض أن لدينا ثلاث مجموعات عمرية من الأفراد, تنتمي إلى أربعة أجيال هم الذين كانوا أطفالًا عند قيام ثورة يوليو 1952؛ حيث وُلِدُوا عام 1945 أو قبله بقليل، أو كانوا في مرحلة المراهقة ومطلع الشباب؛ حيث وُلِدُوا عام 1935 أو قبله بقليل، أو كانوا في مرحلة تمام الرشد المبكر حين وُلِدُوا عام 1925 أو قبله بقليل، أو كانوا في مرحلة تمام الرشد حين وُلِدُوا عام 1915 أو قبله بقليل. ولنفرض أيضًا أنه تمت ملاحظتهم واختبارهم لأول مرة عام 1955, ثم أعدنا ملاحظتهم وقياسهم في ثلاث مناسبات ومواقيت أخرى "كل 10 سنوات" فإن الجدول رقم "4-3" يوضح التصميم الكامل لهذا البحث.
جدول رقم "4-3"
تصميم تتابعي من نوع التصميم الأكثر فعالية "لسكاي"
لأربعة مجموعات عمرية تمثل أربعة أجيال
كما يوضح الشكل رقم "4-1" هذا التصميم
(1/98)

الشكل رقم "4-1" تصميم تتابعي من نوع التصميم الأكثر فعالية لسكاي, ومن هذا التصميم يتضح أنه توجد أربع مجموعات عمرية من سن 40 عامًا؛ لأن الاختبار تكرر كل 10 سنوات، وتمثل هذه المجموعات الأربع قطر الجدول، ولكن مجموعةً منها عام ميلاد مختلف, كما توجد مجموعات عمرية أخرى متساوية في العمر مع اختلاف عام ميلادها، ومن ذلك وجود ثلاث مجموعات عمر كلٍّ منها 30 عامًا، وثلاث مجموعات أخرى عمر كلٍّ منها 50 عامًا، ومجموعتان عمر كلٍّ منهما إمَّا 20 عامًا أو 60 عامًا، ولا توجد إلّا مجموعة واحدة عمرها 10 سنوات, ومجموعة واحدة أخرى عمرها 70 عامًا.
ومن هذا الجدول يمكن أن يقارن الأفراد من نفس العمر في أيِّ وقت, بصرف النظر عن عام الميلاد، وفي هذه الحالة يمكن الحصول على بعض المعلومات عن آثار العمر مستقلة عن الفترة الزمنية التي يولد فيها الإنسان, ثم إذا تربع نفس الأفراد في السنوات المتتابعة, يكون من السهل الحصول على معلومات عن التغيرت طويلة الأمد داخل الأفراد, وخلال سنوات البحث المختلفة, وباستخدام أسلوب إحصائي ملائم من نوع تحليل التباين, يمكن الحصول على الإسهام النسبي لفروق بين الأجيال, كما يمكن تقدير معدّل التغير عبر الزمن بطريقة أفضل.
(1/99)

4- بعض المشكلات العامة في المنهج المقارن:
نتناول في هذا القسم بعض المشكلات العامة في بحوث الفروق بين الأعمار, بصرف النظر عن طبيعة المنهج المستخدم.
أ- منحنيات النمو: تمثل منحنيات النمو بالنسبة إلى الخصائص السلوكية المختلفة أفضل صورة عامة وبسيطة للتعبير عن التغير في هذه الخصائص مع العمر, ومع ذلك فإن هذه المنحنيات تتضمن خطأين أساسين أشار إليهما "Guilford, 1967", أولهما: أننا حين نستخدم الدرجات المركبة "كنسب الذكاء" نفتقد الحقيقة التي تؤكد أن السمات السلوكية المختلفة التي تتألف منها هذه الدرجات تنمو بمعدلات مختلفة في الفرد الواحد, وثانيهما: أننا حين نستخدم متوسطات درجات الأفراد المختلفين نفتقد معالم الفروق بين الأفراد في معدلات النمو في مستويات الأعمار المختلفة, سواء استخدمت درجة بسيطة أو مركبة.
ب- تكافؤ المجموعات: قد يضطر الباحث في ميدان النمو إلى استخدام تصميمات تجريبية تتطلب المجموعات التجريبية والضابطة، وفي هذه الحالة نجد أن الوضع المثالي هو أن يقوم الباحث بالحصول على المجموعات المتكافئة من أصل إحصائي سكاني واحد, إلّا أن الضرورات العملية تجبر الباحثين على القيام بهذا التكافؤ بعديًّا؛ فعند المقارنة بين المسنين الذين يقيمون في دور الرعاية, وأولئك الذين يستمرون في الإقامة مع أسرهم, يجد الباحث نفسه في موقفٍ خلاصته أن يختار عينة الراشدين المقيمين في دور الرعاية أولًا, ثم بعد ذلك يحاول انتقاء مجموعة ضابطة تتكافأ معها في الخصائص التي يجدها الباحث ضرورية, وفي هذه قد نجد مجموعتين متميزتين إذا قورنتا بالمجتمع الأصلي، فلا شك أن أولئك الذين يلتحقون بهذه الدور نتيجة لظروف اقتصادية - اجتماعية ميسرة في بعض الحالات، أو نتيجة للعجز الكامل في البعض الآخر، إنما يعكسون خصائص تميزهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا عن الأصل الإحصائي السكاني العام, والأخطر من هذا، أن الباحث في محاولته جعل المجموعتين متكافئتين قد يغفل خاصية أو أكثر، ويؤدي هذا إلى وجود فروق بين المجموعتين لا يمكن ردَّها مباشرة إلى المتغير المستقل.
ج- وحدات القياس: حتى يمكن المقارنة بين الأعمار المختلفة لابد أن تتوافر في القياس المستخدم خاصية تساوي الوحدات، وهذا يعني أن أيّ زيادة في السمة في أحد الأعمار, يجب أن تساوي نفس الزيادة فيها في المستويات العمرية الأخرى, إلّا أن ما حدث أن معظم المقاييس المستخدمة لم تتوافر فيها هذه الخاصية، وأشهرها معيار العمر العقلي، ففي هذا المعيار نجد أن الكسب الذي يبلغ مقداره عامًا واحدًا في سن الخامسة عشرة, ليس مساويًا لنفس الكسب "البالغ عام
(1/100)

واحد" في سن الخامسة. وكذلك لا تعطينا الدرجات الخام التي نحصل عليها من الاختبارات النفسية إلّا أرقامًا، وهي في هذا لا تفيد في إعطائنا حكمًا على ما إذا كنت زيادة مفردة صحيحة واحدةً في الاختبار عند مستوى الدرجة 75, يساوي نفس الزيادة لمفردة واحدة صحيحة عند مستوى 50. وتوجد مقترحات عديدة للتغلب على هذه المشكلة, تتمثل في تحويل درجات المقياس للحصول على هدف الوحدات المتساوية "أو المسافات المتساوية", ومن أشهر هذه الحلول ما قدَّمه ثرستون فيما يسميه: "القياس المطلق" Absolute scaling, والذي يقوم في جوهره على وحدات الانحراف المعياري أو أجزائه كمسافات عن المتوسط.
د- بنية المقاييس: تستحيل المقارنة بين الأعمار المختلفة إذا كان ما تقيسه الاختبارات المستخدمة يختلف من عمر لآخر، ولذلك فإن شروط هذه المقارنة أن تكون هذه الاختبارات متكافئة من حيث البنية والتركيب, ولا تتحدد هذه البنية إلّا باستخدام منهج التحليل العاملي على نتائج القياس في مراحل العمر المختلفة "سواءً استخدم الباحث المنهج الطولي أو المنهج المستعرض", وهذا المطلب يصفه "Guilford, 1967" بأنه مطلب بالغ الأهمية, ومع هذا, لم يتوافر في جميع بحوث المقارنة بين الأعمار, وعدم توافره يمثل نقصًا شديدًا في بحوث هذا الميدان؛ فالاختبار الواحد قد لا يقيس نفس المكون أو المكونات في الأعمار المختلفة، وبهذا تصبح المقارنة شبه مستحيلة.
(1/101)

اختبار منهج البحث الملائم:
كيف يختار الباحث استراتيجية معينة من البحث؟ وهل يوجد منهج في البحث أفضل من غيره؟ ولماذا يختار بعض الباحثين أساليب بحثية تختلف عن غيرهم؟ للإجابة على هذه الأسئلة نجد من المناسب في ختام هذا الفصل أن نحدد العوامل التي تحدد اختيار الباحثين لمنهج بحثهم.
1- الاتجاه النظري: كثيرًا ما يحدد التوجه النظري طريقة البحث الملائمة، فالنظرية تحدد أي نوع من المعطيات يرتبط بها, وأي نوعٍ من اجراءات البحث هو الأكثر ملاءمة للحصول عليها "Nesserlroade & Reese, 1973", وسوف نعرض في الفصل التالي الاتجاهات النظرية الأساسية, ومنها نجد أنه إذا كان الباحث من أنصار الاتجاه السلوكي في النمو, يحبذ استخدام المنهج التجريبي أو أساليب الملاحظة المقننة بدلًا من أساليب المقابلة, كما أنهم يحبذون استخدام أدوات القياس التي تساعدهم على تقدير السلوك بشكل مباشر بدلًا من الأدوات الأخرى -كالأساليب الإسقاطية- التي يفترض فيها قياس البنى السيكولوجية الداخلية, وبالتالي لا تخضع للملاحظة, بينما
(1/101)

نجد أصحاب النظريات المعرفية مثل: جان بياجيه, يستخدمون بوفرةٍ أساليب المقابلة لسبب جوهريٍّ وهو أن هذا الأسلوب يتناسب جيدًا مع دراسة البنية المحددة لعمليات التفكير لدى الفرد.
2- الهدف من البحث: يحدد هدف البحث أدواتنا ووسائلنا ومناهجنا وليس العكس, فإذا كان الباحث مهتمًّا بسلوك الإنسان في الظروف الواقعية, ومواقف الحياة اليومية, إنه سيختار منهج الملاحظة الطبيعية, أما إذا كان الضبط التجريبي هو الأكثر أهمية, فإنه سيتوجه نحو استراتيجية التجريب.
3- الاعتبارات الأخلاقية: قد يكون اختيار إحدى طرق البحث خارج نطاق تحكم الباحث؛ فالاعتبارات الأخلاقية تحول دون استخدام اجراءات معينة مع الإنسان, ومن ذلك البحث حول أثر استغلال الطفل والطلاق والرعاية البديلة وأساليب التنشئة الوالدية السيئة في نمو الطفل, وفي مثل هذه الحالات يقتصر الباحث على الحالات التي توجد تلقائيًّا في المجتمع, ومن هنا يستخدم الباحث المنهج شبه التجريبي.
4- الضرورات العملية: تحدد الضرورات العملية أيضًا منهج البحث المناسب؛ فالاختيار بين التصميم المستعرض أو الطولي مثال على ذلك, فعلى الرغم من أن معظم الباحثين يوافقون على أن التصميم الطولي أفضل لدراسة النمو, إلّا أن معظم البحوث استخدمت الطريقة المستعرضة؛ لأنها أرخص تكلفة وأقل استهلاكًا للوقت كما بينا.
5- فلسفة العلم: إن اختيار طريقة معينة في البحث يتأثر بسؤال هامٍّ حول مدى ونوع عدم اليقين التي يتسامح معه الباحث؛ فعند السلوكي المتمسك بمذهبه تكون الدراسة المعملية التي تعالج السلوك, والتي تقلل من عدم اليقين بالنسبة للتحكم في متغيرات البحث هي نموذج البحث العلمي, بينما نجد بعض الباحثين الآخرين لديهم بعض القلق حول معنى مثل هذه البحوث, ودرجة قابليتها للسلوك المعملي بدلًا من أن يكون سيكولوجية للسلوك بالمعنى الأكثر عمومية. وهؤلاء النقاد يكون لديهم عادةً اتجاه أكثر قوة نحو التسامح مع عدم اليقين الذي ياتينا من نقص الضبط التجريبي الصارم, أكثر من التسامح مع عدم اليقين الناجم عن عدم صدق موقف البحث.
والخلاصة: أن البحث العلمي في النمو هو أمر معقَّدٌ لا يتضمن فقط نواحي القوة والضعف في المنهج، ولكن يرتبط بمسائل هامة حول أخلاق البحث واقتصادياته وأهدافه, وفلسفة العلم الكامنة وراءه.
(1/102)

الفصل الخامس: النماذج النظرية للنمو الإنساني
الاتجاهات النظرية الوصفية
معايير النمو
...
الفصل الخامس: النماذج النظرية للنمو الإنساني
الاتجاهات النظرية الوصفية:
لقد ظلَّ علم نفس النمو منذ نشأته على يد ج. ستانلي هول "1844-1924" في أواخر القرن التاسع عشر, وحتى بدايات الأربعينيات من هذا القرن العشرين "وخاصة أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية" علمًا وصفيًّا، وتمثل ذلك خاصة في الاهتمام بمسألتين هما: معايير EDevelopmental norms, ومهام النمو Developmental tasks.
معايير النمو:
منذ نشر ستانلي هول دراسته الأولى الهامة عام 1891, أُرْسِيَتْ تقاليدُ اتجاهٍ سيطر على بحوث علم نفس النمو طوال النصف الأول من عمر هذا العلم.
ويتلخص هذا الاتجاه في قياس وملاحظة مجموعات من الأطفال، ثم تلخيص النتائج على هيئة "مستويات" عمرية مختلفة في صورة متوسطات, ومثل هذا النوع من البحوث تناول مجموعة واسعة النطاق من الخصائص؛ تبدأ بالخصائص الجسمية؛ كالطول والوزن، وتشمل القدرات الجسمية والحركية والإدراكية والعقلية، وتتناول عادات الطفل اليومية؛ كالنوم والطعام والإخراج، ونوباته الانفعالية؛ كالخوف والغضب، وعلاقاته الاجتماعية. وعلى الرغم من أن هذه البحوث سُمِّيَتْ في المؤلفات التقليدية لعلم نفس النمو بالبحوث المعيارية Normative, إلّا أنها في جوهرها بحوث وصفية؛ لأنها لم تتجاوز وصف المستوى "العادي" أو "المتوسط" لسلوك الأطفال في الخصائص موضع البحث, وعادةً ما تُسَمَّى النتائج التي تلخصها هذه البحوث معايير العمر Agy Norms.
ويعد العالم الأمريكي أرنولد جيزل Gesell "188-1961" أكبر ممثلي هذا الاتجاه، وهو اتجاه يعود بأصوله إلى عالم النفس الفرنسي ألفريد بيينيه, الذي توصَّلَ إلى معيار العمر العقلي في بحوثه عن قياس الذكاء، إلّا أن جيزل وسَّعَ
(1/103)

إطار المفهوم واستخدامه, وطبَّقَه على عدد كبير من الظواهر النفسية, وأشاع ما يُسَمَّى العمر العظمي والعمر الفسيولوجي والعمر التحصيلي, وهكذا.
ولإجراء بحوثه العديدة ابتكر جيزل وزملاؤه مجموعة من الاختبارات, ووسائل القياس, وأساليب الملاحظة التي تعين على وصف الطفل بدقةٍ في كثير من مجالات النمو, وجمع فريق البحث معلومات كثيرة عن الأطفال الذين تمت دراستهم في العيادة النفسية التي أنشأها في كلية الطب بجامعة ييل, والتي تحولت إلى معمل كامل هدفه الدراسة الشاملة لنمو الطفل, كما قام فريق البحث بإجراء مقابلات مع الآباء والأمهات لمعرفة سلوك الطفل في المنزل, وقد أفادت المعلومات في وصف الخطوات والمراحل التي يسير فيها الطفل العادي في كل مرحلة عمرية, وقد انحاز جيزل انحيازًا واضحًا في كل مراحل بحثه إلى طرف النضج, واعتبره العامل الأهم في نمو الطفل؛ فالتغيرات في بنية الطفل وسلوكه ترجع في جوهرها -عنده- إلى العوامل الوراثية، أما البيئة الاجتماعية فإن آثارها محدودة للغاية, ولعل هذا الاعتقاد هو الذي جعله يرى ان مهمهته الكبرى في مجال دراسة النمو "جدولة" الخصائص الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية في كلِّ مستوى عمري على نحوٍ أشبه "بالكتالوج" الذي يشمل الخصائص المتوسطة أو العادية. وفي رأيه أن "قوائم الخصائص" هذه تزود المربين والوالدين وأطباء الأطفال وغيرهم من المهتمين بشئون الطفل بالسمات التي يتوقع لها الظهور في كل مرحلة عمرية, ويوضح الجدول "5-1" أمثلة من جداول معاييره أثاء الطفولة, والتي شاعت لفترة طويلة, واستخدمها الكثيرون في الحكم على مدى سواء معدل النمو عند الأطفال.
(1/104)

جدول "5-1" أمثلة من جداول معايير النمو لجيزل
(1/105)

وتوجد فكرة هامة أخرى عند جيزل, وهي فكرة "دورات السلوك"؛ حيث يرى أن النمو تتناوبه أطوار من "الجودة" و"السوء", وهذه الأطوار موحدة عند الجميع, ويوصف الطور بأنه جيد إذا أظهر فيه الطفل تكيفًا طيبًا مع ذاته ومع الآخرين, أما الطور السيئ فهو الذي تسود فيه الصراعات بين الطفل وبيئته الاجتماعية والمادية, ويشعر فيه بعدم التوافق مع نفسه, ويرى أن تناوب هذه الأطوار أمر حتمي, وتحكمه مباديء النضج وحدها. ويلخص إلج وآمس & IIg ames. 1981"، وهما من تلاميذ جيزل، هذه الأطوار في الجدولين "5-2"، "5-3".
جدول "5-2" الأطوار الجديدة والسيئة في الأسابيع الأولى من حياة الطفل.
جدول "5-3" الأطوار الجيدة والسيئة في سنوات عمر الطفل المختلفة "إبتداء من عمر سنتين"
(1/106)

وخلاصة ذلك أن دورات النمو الإنساني "التي قد تمتد إلى مراحل تالية في الرشد والشيخوخة, على الرغم من أن البحوث لجيزل وتلاميذه لم تتجاوز سن السادسة عشرة" هي في جوهرها دورات من السلوك النفسي والاجتماعي تعكس الحالات الداخلية للتوافق مع البيئة, وكل دورة منها تزداد طولًا بالتدريج مع نمو الشخص, وتتآلف كل دورة من ستة أطوار, ويبدأ الطفل كل دورة بطور من التوازن الجيد, يتبعه طور من عدم التوازن الملحوظ بين الذات والبيئة, وبعد ذلك يظهر طورٌ من التوازن النسبي, يتلوه طور من الانسحاب الظاهر والاستبطان الداخلي والحساسة الفائقة للأحداث، والتشاؤم، ويتبع ذلك طور من التوافق الجيد, يتسم بالتوسع الكبير في النشاط الاجتماعي على نحوٍ قد ينجم عنه بعض المخاطر للطفل, ثم يتحول الطفل إلى طور آخر من التكيف السيئ, على هيئة عدم توازن عصابي قبل أن ينتقل إلى طور جيد من التوافق الجيد، وهكذا.
وتركزت اهمامات جيزل وتلاميذه على عشر فئات كبرى من سلوك الإنسان, مع وجود أقسام فرعية داخل كل فئة، وهذه الفئات هي:
1- الخصائص الحركية:
أ- نشاط الجسم.
ب- تآزر العين واليد.
2- الصحة الشخصية:
أ- الأكل.
ب- النوم.
ج- الإخراج.
د- الاستحمام.
هـ- الآلام والأمراض الجسمية.
3- التعبير الانفعالي:
أ- الاتجاهات الوجدانية.
ب- الصراخ والسلوك المرتبط به.
ج- العناد والعدوان والغضب.
4- المخاوف والأحلام.
5- الذات والدور الجنسي.
(1/107)

6- العلاقات الشخصية:
أ- الأم والطفل.
ب- الطفل والأطفال والآخرون.
ج- التجمعات أثناء اللعب.
7- اللعب وقضاء وقت الفراغ:
أ- الميول العامة.
ب- القراءة الحرة.
ج- الموسيقى والراديو والسينما, وغيرها من الوسائل المستحدثة بعد ذلك".
8- الحياة المدرسية "في المدرسة الابتدائية خاصة":
أ- التكيف للمدرسة.
ب- جو حجرة الدراسة.
ج- القراءة المنظمة.
د- الكتابة.
هـ- الحساب.
9- الحس الخلقي:
أ- اللوم والاعتذار.
ب- الاستجابة للتوجيه وأساليب الثواب والعقاب.
ج- التمييز بين الخير والشر.
د- التمييز بين الصواب والخطأ.
10- النظرة الفلسفية:
أ- الزمن.
ب- المكان.
ج- الحرب.
د- الموت.
هـ- الدين.
وينشأ عن هذا التصور للنمو في ضوء معايير العمر سؤالان هامان: أولهما: ما هو موضع الفروق الفردية في نسق يرى أن الأطفال في كل مرحلة عمرية متشابهون في نواحٍ كثيرة؟ يجيب جيزل على هذا السؤال بتقبل فكرة الفروق الفردية؛ فالسلوك المميز لأي عمر لا يعني عنده أن جميع الأطفال في هذا العمر
(1/108)

يسلكون على نفس النحو, والمعيار باعتباره نوعًا من المتوسطات يتضمن في جوهره وجود اختلافات حوله بالزيادة أو النقص, إلّا أنه في نفس الوقت يرى أن من الواجب مساعدة الطفل "المختلف عن المعيار" على التكيف؛ فالاختلاف عن "المعيار" عنده علامة على عدم التكيف.
والسؤال الثاني: ما هي النصيحة التي توجه للمهتمين بالنمو, حول ما يمكن أن يفعلوه لمواجهة الدورات الجيدة والسيئة للنمو من ناحيةٍ, والانحراف عن المعيار المتوسط من ناحية أخرى؟ الإجابة عند أصحاب مدرسة جيزل بإيجاز هي الصبر والانتظار حتى تمر دورة النمو السيئة الحتمية. أمّا بالنسبة لعلامات سوء التكيف فإنهم لا يوصون بأي أسلوب علاجي واضح أو صريح، وفي هذا كان الخطأ الفادح لأصحاب اتجاه معايير العمر على وجه العموم.
إلّا أن أهم أخطاء جيزل على وجه الخصوص تشبثه المتطرف بفكرة الأثر شبه الوحيد الذي تلعبه الوراثة في نمو الإنسان؛ فالنمو هو أيضًا انعكاس للبيئة التي ينشط فيها، ومما يؤكد ذلك ما تَبَيَّنَ من أنه حتى الجوانب العامة نسبيًّا في سلوك الإنسان, والتي درسها جيزل, ثبت أنها تظهر درجة كبيرة من التفاوت؛ فالأطفال من مختلف الثقافات والبيئات لا يظهرون نفس الدرجة من القدرة في عمر زمني ثابت, بالإضافة إلى أن تأكيد جيزل على فكرة "المعالم الرئيسية للنمو" أدى إلى إخفاء الحقيقة العلمية الواضحة, وهي أن المكونات المختلفة للنمو تظهر بدرجات مختلفة في فترت زمنية مختلفة من مدى حياة الإنسان. ناهيك عن أن النضج الذي يلعب دورًا هامًّا في النمو أثناء الطفولة التي كانت موضوع جيزل الرئيسي يقلّ دروه في بعض المراحل الأخرى "الرشد مثلًا"، ففي مرحلة الرشد تلعب البيئة والثقافة ومتطلبات المجتمع الدور الحاسم, ولعل هذا ما جعل ليفنسون "Levinson, 1978" في نظريته حول مراحل نمو الذكور، وفريز "Frieze" في نظريتها حول مراحل نمو الإناث يحلان ما يسميانه "الساعة الاجتماعية" في مرحلة الرشد محل "الساعة البيولوجية" التي تسود مرحلة الطفولة.
(1/109)

مهام النمو:
ظهرت فكرة مهام النمو Developmental tasks كمفهوم وصفي لنمو الإنسان خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، وذلك خلال حركة التربية التقدمية التي سيطرت على الفكر التربوي في الولايات المتحدة في ذلك الوقت, وقد صيغ المفهوم بشكل منظم ودقيق على يد العالم الأمريكي روبرت ج. هارفيجهرست "Harvighutst, 1953, 1972", وهو المفهوم الذي شاع في الكتابات المبكرة باللغة العربية باسم "مطالب النمو", وأشهر من وظَّفَه واستخدمه الرائد المصري الراحل أحمد زكي صالح.
ويشبه اتجاه مهام النمو اتجاه معايير النمو لجيزل في أنه يسعى إلى تعيين الخطوات "النموذجية" للنمو في فترات العمر المختلفة في كثير من الجوانب الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية، إلّا أنه يختلف عنه في أن أصحابه لم يقتصروا على استخدام وسائل القياس والاختبار والملاحظة لأطفالٍ يتم اختيارهم كعينات ممثلة، وإنما اعتمدوا أيضًا في وصف مراحل النمو على البيانات التي توافرت من مصادر مختلفة, بعضها أمبريقي يشبه ما توافر لجيزل، إلّا أن معظمها من نتائج البحوث الأنثروبولوجية والاجتماعية، ومن ملاحظات المعلمين للأطفال في المدرسة، ومن أفكار الفهم العام والفولكلور الثقافي السائد عن تنشئة الطفل.
وهناك وجه خلاف آخر بين مفهومي مهام النمو ومعاييره, يتمثل في أن جيزل كان مهتمًّا بوصف ما يكون عليه الأطفال في المستويات العمرية المختلفة، بينما اهتم أصحاب اتجاه مهام النمو بتأمل ما يحاول الأطفال إنجازه خلال كل مرحلة من مراحل العمر المتتابعة. وقد ابتكر المصطلح ليعكس اعتقاد أصحاب هذا الاتجاه؛ فعندهم أن النمو هو حثّ الطفل على أداء المهام التي يجب عليه أن ينجزها في كل مرحلة جديدة من العمر, وهذه المهام عبارة عن المهارات وأنماط السلوك التي تحددها الثقافة والمجتمع اللذين يعيش فيهما المرء وتعكس حاجتهما إلى الاستمرار والبقاء، والتي يتوقع لكل فرد القيام بها في كل مرحلة من عمره، وعليه أن يكتسبها حتى يتحقق له التوافق الشخصي والاجتماعي فيها، كما يتحقق له الانتقال إلى مهام جديدة في مرحلة نمو تالية, ويؤدي الفشل في إنجازها إلى سوء التوافق مع المرحلة العمرية التي هو فيها من ناحية, وإلى الصعوبة في التعامل مع المهام التالية من ناحية أخرى.
وتنشأ بعض المهام عن النضج الجسمي, مثل: تعلم المشيء، وينشأ بعضها الآخر عن الضغوط الثقافية للمجتمع, مثل: تعلم القراءة، وينشأ بعضها الثالث عن الميول والاتجاهات والقيم والمطامح والتطلعات الشخصية للفرد, مثل: اختيار مهنة والإعداد
(1/110)

لها, وفي معظم الحالات تنشأ مهام النمو عن هذه المصادر الثلاثة جميعًا، وبالطبع فإن هذا الترتيب لمصادر المهام يعكس الوعي بأهمية الأساس البيولوجي للنمو, إلّا أن هذا وحده لا يكفي, فجميع المكونات المختلفة للمجتمع؛ كالأسرة والمدرسة والإعلام والاقتصاد والحكومة, تشارك بدرجات متفاوتة في تعلم هذه المهام, وبعض هذه المؤسسات تقتصر مسوليتها على فترة زمنية محددة من مدى الحياة، بينما يمتد أثر البعض الآخر طوال حياة الإنسان "كالأسرة", وتلعب مؤسسات أخرى أدوارًا غير مباشرة "كالاقتصاد" في تحديد فرص العمل مثلًا، بينما يكون دور مؤسسات أخرى مباشرًا، ومن ذلك الحكومة حين تسن تشريعات معينة حول مهام النمو "قوانين الطفولة مثلًا".
ويوصف السن الذي تحدده ثقافة المجتمع وتتوقع فيه أن يتقن المرء مهمة معينة بأنه "سن حرج" critical لهذه المهمة؛ ولأن معظم مهام النمو "ثقافية" في طبيعتها, فإننا نتوقف لها أن تتغير تبعًا لتغير القيم الثقافية السائدة في كل مجتمع من المجتمعات, كما أنها تختلف في المجتمع الواحد من عصر إلى آخر؛ فبعض المهام النمائية التي تسود في المجتمع في عصرٍ معينٍ قد يتجاوزها عصر جديد, وتحل محلها مهام جديدة، أو قد تتغير أهميتها النسبية, ولعل أشهر الأمثلة الحديثة ما حدث في الولايات المتحدة في منتصف الخمسينيات حين أطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي في التاريخ "سبوتنيك الأول"، فقد أصبحت مهام تعلم الرياضيات والعلوم على رأس ما يجب على الطفل والمراهق أن يتعلمه في المدرسة الأمريكية.
ويرى هافيجهرست أن مهام النمو لها أهميتها من ناحيتين: فهي أولًا: تحدد التوقعات الأساسية التي يرغب المجتمع أن ينجزها كل عضو فيه, وثانيًا -وقد يكون الأهم: تحديد الخدمات التي يجب على المجتمع أن يوفرها لأعضائه في مختلف الأعمار, فإذا كان المجتمع يتوقع من أطفاله في سن السادسة أن يبدأوا في تعلم المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب, فمن واجبه أن يوفر لهم المدارس التي تحقق هذه المهمة, وإذا كان يتوقع أن الناس في مرحلة الرشد المبكر أن يبدأوا حياتهم الزوجية وتكوين الأسرة, فعليه أن يوفر لهم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية التي تيسر هذه المهمة, وهكذا يحدد لنا اتجاه مهام النمو نظامًا كاملًا للخدمات التي يجب أن تتوفر في كل رحلة عمرية من حياة الإنسان.
وقد أعد هافيجهرست أكثر قوائم النمو شمولًا، إلّا أن قائمته مشتقة بالطبع
(1/111)

من الثقافة الأمريكية التي ينتمي إليها، ونذكر أمثلة منها في الجدول "5-4" على سبيل التوضيح، وسوف نعرضها بالتفصيل في مواضعها من مراحل النمو المختلفة, والمرجو من الباحثين العرب والمسلمين في مجال علم نفس النمو أن يبذلوا بعض الجهد في دراسة مهام النمو في مختلف المراحل العمرية كما تحددها ثقافتنا, وعلى كل حالٍ سنحاول في هذا الكتاب عرض اجتهادنا في هذا الصدد, راجين أن يكون في ذلك بداية لجهد منظم في هذا الميدان الهام.
جدول "5-4" أمثلة من مهام النمو عتند هافجيهرست
ويعتبر هافيجهرست "Havighurst, 1953:26" أن قوائم المهام التي أعدها هي نتاج "القيم الديمقراطية في المجتمع الأمريكي كما تدركها الطبقة المتوسطة, مع بعض المحاولة للإشارة إلى التنوع الذي يظهر عند كلٍّ من الطبقتين الدنيا والعليا في الولايات المتحدة الأمريكية".
ولكي نحدد مهام النمو في المجتمعات العربية والإسلامية علينا أن نضع في الاعتبار المصادر الثلاثة الآتية:
1- البيئة البيولوجية للإنسان, ومن أمثلة ذلك تعلم التحكم في الإخراج، أو تعلم المشي, أو تعلم تقبل التغيرات الجسمية في المراهقة، إلخ, وهذا النوع من المهام مشترك في جميع المجتمعات الإنسانية.
(1/112)

2- بنية المجتمع والثقافة التي يعيش فيها الإنسان: ونجد المهام في هذه الحالة قد توجد بصور مختلفة في المجتمعات المختلفة، أو قد توجد في بعض الثقافات دون غيرها, ومن ذلك أن مهمة انتقاء إحدى المهن والإعداد لها, تعد مهمة معقدة في المجتمعات الصناعية التي تتسم بالتخصص الدقيق وتقسيم العمل, بينما هي مهمة أبسط في المجتمعات غير الصناعية، ويمكن إحرازها فيها في سن مبكرة إذا قورنت بالمجتمعات الصناعية. كما أن مهمة تعلم القراءة والكتابة تركز عليها المجتمعات المتعلمة، بينما قد لا تكون لها نفس القيمة في المجتمعات الأمية, بل إن مفهوم الأمية قد يختلف من مجتمعٍ لآخر, فهي أحيانًا أمية كتابية، وأحيانًا أخرى أمية وظيفية، وأحيانًا ثالثة أمية كمبيوترية, كما هو الحال في الوقت الحاضر.
3- القيم والاتجاهات الشخصية للأفراد: ومن أمثلة ذلك تنمية القيم الدينية والأخلاقية، فهذه المهمة تختلف باختلاف معتقدات الفرد بالطبع.
وفي تحديد مهمة النمو يرى هافيجهرست أن ذلك يعتمد على طريقة الباحث في تناولها, فمهمة تعلم الحركة المستقلة مثلًا, يمكن أن يدركها أحد الباحثين على أنها مهمة معقدة واحدة مؤلفة من ستة أنشطة فرعية هي الحبو والمشي والهرولة والجري والوثب والقفز, بينما قد نجد باحثًا آخر يدرك هذه الأنشطة على أنها ست مهام صغيرة منفصلة.
ويميز هافيجهرست بين مهام المدى القصير ومهام المدى الطويل، والنوع الأول هو تلك المهام التي تنشأ في وقت معين ولا تتجاوزه، أما النوع الثاني فهو تلك المهام التي تعد مستمرة, والتي تحتاج من المرء عدة سنوات لإنجازها, ومن أمثلة النوع الأول تعلم المشي والكلام والإخراج, وانتقاء الدراسة أو المهنة, ومن أمثل النوع الثاني تعلم المشاركة في المواطنة والمسئولية الاجتماعية وتعلم الدور الملائم للجنس, والنوع الأخير يتألف بالطبع من مهام فرعية يجب أن تتم في أوقات معينة من مراحل نمو الطفل والمراهق والراشد.
(1/113)

الاتجاه نحو النماذج النظرية
مدخل
...
الاتجاه نحو النماذج النظرية:
هذان هما الاتجاهان الوصفيان الرئيسيان للنمو الإنساني، وقد سيطرا على الكتابات الأكاديمية والممارسات العملية للنمو لأكثر من نصف قرن, إلّا أن الميدان تحول في السنوات الأخيرة إلى الاهتمام بالنماذج النظرية التي تحاول الإجابة على السؤال الهام: كيف يحدث النمو؟ وهي إجابة تتجاوز مجرد وصف التحول في النشاط الإنساني خلال مسار النمو؛ لأن السؤال الكامل هو: كيف ينمو السلوك الإنساني في اتجاهٍ معينٍ أو نحو غاية محددة بدلًا من التوجه إلى اتجاهات أخرى محتملة؟ ثم كيف يصبح السلوك الإنساني مع هذا التوجه جيد التوافق مع العالم الداخلي للفرد, والعالم الخارجي للبيئة التي يعد الفرد النامي جزءًا منه؟
الإجابة على هذا السؤال الكامل لا تكون إلّا بنموذج نظري, والنموذج النظري هو مجموعة من المفاهيم والقضايا ترتبط فيما بينها، وتصف وتشرح جوانب معينة من الظواهر موضع البحث "وهي هنا ظواهر النمو الإنساني".
وحتى تصبح للنموذج النظري قدرة على الوصف والشرح والفهم والتفسير, لابد أن يعتمد على الحقائق والمعطيات الأكثر ارتباطًا وأهميةً في فهمنا للنمو، وتحديد طبيعة العلاقات بين هذه الحقائق والمعطيات, والتي تكون أكثر أهميةً في الوصول إلى هذا الفهم.
ويذكر توماس "Thomas, 1979" قائمة كبيرة مما يطلق عليه "نظريات النمو", ويشمل ذلك عنده المدارس الكبرى في علم النفس: السلوكية والجشطالت والتحليل النفسي الفرويدي، كما يشمل بعض المدارس الصغرى في التعلم؛ مثل: نموذج سكنر وباندورا وغيرهما، بالإضافة إلى النظريات التي تنتمي مباشرة إلى النمو, إلّا أن تناول نظريات النمو الإنساني على هذا النحو الواسع لا يقدم، في رأينا، فائدة تذكر في فهم النمو، وهو أقرب إلى التناول السيكولوجي العام. صحيح أن ظواهر النمو هي جزء من الميدان السيكولوجي العام إلّا أننا نلاحظ أن التنظير فيه يتجه إلى بناء "نماذج نظرية" ترتبط ارتباطًا وثيقًا بموضوعٍ محددٍ، وهو في هذا أشبه بالحال الذي عليه الموضوعات الأخرى؛ كالتعلم والإدراك والشخصية وغيرها.
وفي مجال النمو نجد ثلاثة نماذج رئيسية, تمثل في رأينا الوجهات الرئيسية في هذا الميدان, هي نماذج بياجيه وإريك إريكسون ولورنس كولبرج, ومن الملفت للنظر أن كل نموذج منها ركَّزَ اهتمامه على أحد جوانب النمو، فنموذج جان بياجيه تناول بالاهتمام النمو العقلي، ونموذج إريك إريكسون ركز على النمو الوجداني والانفعالي, وانشغل نموذج لورنس كولبرج بالنمو الخلقي "الاجتماعي".
صحيح أن كل نموذج من هذه النماذج الثلاثة يقبل الانتقال والتعميم إلى الجوانب الأخرى للنمو، وهذا ما فعله بياجيه حين مَدَّ آفاق نموذجه النظري إلى الجوانب غير المعرفية، إلّا أنه يبقى لكل نموذج طمعه الخاص ولونه المميز حين نتناوله في سياقه الأصلي الذي نشأ فيه، وهذا ما نخصص له ما بقي من هذا الفصل.
(1/114)

نموذج بياجيه في النمو المعرفي:
بد عالم النفس السويسري جان بياجيه "1896-1980" نشاطه في علم النفس عام 1920, وظلَّ معمله في جامعة جنيف من أنشط معامل علم النفس في العالم, ومع ذلك فقد اعتادت المؤلفات المتخصصة في علم النفس -ومعظمها أمريكي المنشأ- لا تشير إليه إلّا لمامًا، وظلَّ الأمر كذلك حتى بداية الستينات, حين نشر مكايفر هنت كتابه المشهور "الذكاء والخبرة" عام 1961، ثم صدر كتاب مؤلف عنه كتبه جون فلافل عام 1963, فازداد الاهتمام ببحوثه ونتائجه ونظريته زيادةً منتظمة حتى وصل مقدار ما كُتِبَ عنه في السنوات الأخيرة من حياته أضعاف ما كُتِبَ عنه لأكثر من أربعين عامًا.
وقد نتج هذا التجاهل عن مصدرين من الخطأ أو سوء الفهم, أولهما جاء من علماء النفس التجريبيين الذين اعتبروا أدلته من النوع القصصي وليس من النوع الذي يعتمد على الملاحظة المنظمة, وقد يصدق هذا على بعض بحوث بياجيه المبكرة, إلّا أن بحوثه اللاحقة تتمثل فيها خصائص التجريب الدقيق, والخطأ الثاني جاء من رجال التربية الذين افترضوا أنه ما دام بياجيه قد كتب عن تفكير الأطفال, فإن نتائجه يجب أن تكون لها تطبيقات مباشرة وبسيطة في حجرة الدراسة, وقد لجأوا في ذلك إلى التبسيط المخلّ, مما أدى إلى كثير من سوم الفهم لنظرياته.
وقد تركز اهتمام بياجيه على النمو العقلي والمعرفي الذي يطرأ على الشخص خلال التحول من مرحلة الوليد الذي تصدر عنه الأفعال المنعكسة الصريحة البدائية غير المرتبطة، حتى مرحلة الرشد التي تتميز بالأفعال الماهرة. وقد أعطت نظريته -والأدلة التي تدعمها- بعض الإجابات على الأسئلة التي يثيرها المهتمون بسيكولوجية النمو حول منشأ السلوك المركب, ومما يلفت النظر في هذا النموذج النظري أن بياجيه لم يركز اهتمامه على ربط العمر الزمني بأنماط معينة من السلوك كما فعل جيزل وهافيجهرست، وإنما حدَّدَ لمدى الحياة المراحل الكبرى من النمو التي تتحدد في ضوء أنماط العمليات العقلية التي تتوافر للإنسان في هذه المراحل المختلفة, وتفيد هذه العمليات العقلية في القيام بدور المصفاة التي يفهم من خلالها الإنسان أحداث البيئة من حوله.
وكان بياجيه ملاحظًا عظيمًا لسلوك الإنسان, وقد بهرته طوال حياته تلك الحقيقة المذهلة أن نظرة الطفل للعالم ليست مجرد صيغة غير كاملة أو خاطئة من نظرة الكبار والراشدين إليه، وإنما لنظرة الطفل للعالم منطقها الخاصِّ بها, ومعنى ذلك وجود اختلافات كيفية بين الصغار والكبار في إدراك العالم, وقد كرَّسَ
(1/115)

بياجيه حياته العملية كلها لمحاولة فهم هذه الاختلافات, ومن ذلك أن الطفل من سن 3 سنوات يريد دائمًا جذب انتابه أمه, ولا يدرك أن لها أدوارًا كثيرة أخرى بالإضافة إلى دور الأمومة, كما أن الطبيعة "قبل العملياتية لبنيته المعروفة" على حَدِّ تعبير بياجيه, تمنعه من إدراك الناس والأحداث من أكثر من منظور واحد, أما الأم فهي على وعيٍ بأدوارها الكثيرة والمتعارضة أحيانًا, والطفل من سن 8 سنوات يعتمد في استدلاله على خبرته السابقة, فإذا طلب منه والده مثلًا ألَّا يسير بدراجة في عرض الطريق حتى لا تصدمه سيارة, فإنه يجيب بأنه ركب دراجته في عرض الطرق أمس ولم تقترب منه سيارة واحدة؛ فطبيعة استدلاله التي تعتمد على "العمليات العيانية" -على حد تعبير بياجيه- تمنعه من التحقق من أن الخبرة السابقة بأنه لم تصدمه سيارة بالأمس هو أحد احتمالين ممكنين، والاحتمال الثاني أنه ربما يصدم بسيارة في المستقبل إذا فعل نفس الشيء.
العمليات الأساسية:
يرى بياجيه أن التفكير والسلوك ينشآن من فئة بيولوجية معينة، وهي فئة تمتد وتتسع بسرعة تبعًا لعملية شبيهة بالنمو الحركي، وتتوازى إلى حَدٍّ ما مع النمو البيولوجي أو النضج, ومحور هذه العملية وظيفتان ثابتتان هما: التنظيم organiztion والتكيف "التوافق" Adabtation، وهما خاصيتان فطريتان تقودان النمو السلوكي الكلي للإنسان, وعلى ذلك, فإن كل ما يعرفه الإنسان ويستطيع عمله, ويريد عمله بالفعل في كل مرحلة من مراحل نموه, يميل إلى أن يكون على درجة كبيرة من التنظيم والتكامل, وهكذا يدل التنظيم على البناء المعرفي القائم لدى الفرد, ويتألف من وحدات معرفية مترابطة متكاملة, بالإضافة إلى أن ما يتعلمه الفرد "أي يصير قادرًا على عمله" يرجع في جوهره إلى التكيف مع الظروف البيئية, والتكيف هو التعبير البنائي أو الوظيفي الذي يحقق للكائن العضوي بقاؤه، وهكذا يربط بياجيه ربطًا وثيقًا بين العمليات النفسية والبيولوجية.
ويتضمن التكيف السلوكي للفرد ما يسمى التوازن الذي يعد الأساس الجوهري لنمو الفرد، ويشمل وظيفتين فرعيتين ومتكاملتين هما: التمثيل assimilation والمواءمة accomodation, والتمثيل هو عملية تلقي المعلومات عن أحداث البيئة وفهمها واستخدامها في نشاط معينٍ موجود بالفعل في ذخيرة الكائن العضوي من الأنشطة، وهذا الفهم والاستخدام لا يحدث إلّا إذا نجح المرء في إحداث التكامل بين الخبرات الجديدة والخبرات السابقة لديه, وهذه العملية ليست محض مطابقة, أو مزاوجة بين نوعي الخبرات, كما أن عملية بناء الحقيقة أو الواقع ليست نسخة
(1/116)

طبق الأصل من هذا الواقع؛ فالإنسان يتعامل مع معلومات البيئة على نحوٍ أشبه بطريقة هضم الطعام, فهذه المعلومات شأنها في ذلك شأن الطعام يجب أن تطرأ عليها تحويلات معينة قبل أن تصبح مفيدة, ومن الحقائق البيولوجية والفسيولوجية أن الطعام يتحول من خلال ما يتعرض له من عمليات في مختلف أعضاء الجهاز الهضمي, وبالمثل فإن المعلومات تتعرض لعمليت معينة, أو يتم تمثيلها في بنى معرفية قائمة, ويعكس الناتج النهائي لعملية التمثيل هذه طبيعة المعلومات والبنى المعرفية, وبالطبع فإننا لا نستطيع هضم بعض أنواع الطعام كما لا نستطيع تمثيل بعض أنواع المعلومات في المراحل المختلفة من حياتنا.
والتمثيل ليس إلّا نصف عملية التكيف، أما نصفها الآخر فهو المواءمة التي تعني إضافة أنشطة جديدة إلى ذخيرة الكائن العضوي, أو تعديل أنشطته القائمة استجابةً لظروف البيئة, فنحن نتغير نتيجة للخبرة الجديدة والنضج البيولوجي المستمر، ونتيجة لذلك نتكيف للمواقف الجديدة التي يمكن تمثيلها في بنى معرفية قائمة بالفعل, وذلك بتعديل هذه البنى فينا، أي: بالمواءمة مع هذه الخبرة الجديدة. وعلى الرغم من أن هذه العملية تدريجية في معظم الحالات، إلّا أنها تظهر أحيانًا في بعض الفترات بشكلٍ يؤدي فيها الأثر المستمر للمواءمات المتتابعة إلى إنتاج إعادة تنظيم للبنى المعرفية يتسم بالمفاجأة والجدة النسبيتين, وهذه القفزات تميز الانتقال السريع بين مراحل النمو الكبرى الأربعة في نموذجه؛ فالسلوك في هذه الفترات الانتقالية يبدو إلى حَدٍّ ما غير منظَّم ومبدئيًّا إذا قورن بالسلوك السابق.
فالطفل عند سن 5 سنوات كان في السابق متأكدًا أنه حين نصب الماء من إناءٍ قصيرٍ واسعٍ إلى إناء طويل ضيق يحصل على كمية أكبر، ويفسر ذلك بأن الإناء الثاني أطول، ولكنه يصبح في سن 5 سنوات غير متأكد من ذلك, فأحيانًا يقول أن كمية الماء لم تتغير, وفي تفسير إجاباته يذكر كلًّا من الطول والعرض للإناءين، ولكنه فيما يبدو يكون غير قادرٍ على الربط بين البعدين, وهكذا يكون مختلفًا وغير راضٍ عن إجاباته. إنه يشعر إلى حدٍّ ما أن إجاباته القديمة خاطئة, ولكنه غير متأكد لماذا؟ وبعد سنتين تاليتين "في سن 7 سنوات", حين تعرض عليه المشكلة مرة أخرى تكون إجاباته عندئذ سريعة ومؤكدة "أن الماء هو نفس الكمية؛ لأننا لم نضف إليه شيئًا ولم نأخذ منه شيئًا أيضًا" وهذه الخبرة الانتقالية التي عاناها هذا الطفل هي مثال لمعظم الفترات الانتقالية بين المراحل التي نشعر بها طوال مدى الحياة.
وبعض الأحداث أو سلاسلها تنتج اضطرابات في السلوك أكثر من غيرها, فإذا كان الانتقال يتضمن تغيرات في علاقات قوية, أو أنماط سلوك طويلة الأمد
(1/117)

ينشأ نتيجةً لذلك سلوك غير منتظم, وغالبًا ما يتسم بأنه غير فعّالٍ ومتناقضٍ؛ فأنماط السلوك القديمة لم تعد فعالة, وفي نفس الوقت لم تستقر بعد أنماط السلوك الجديدة لتحل محلها, وبالتدريج تظهر أنماط جديدة من السلوك المنظم والفعَّال والمتسق نسبيًّا.
هاتان الحالتان اللتان تكمل إحداهما الأخرى, هما: الوسيلتان اللتان بهما يتفاعل الكائن العضوي البيولوجي المتزايد النضج مع البيئة الاجتماعية المتغيرة؛ بحيث يتكون من ذلك الشخص السيكولوجي النامي, والنمو السيكولوجي يتضمن عند بياجيه ما ياتي:
1- زياد في الوعي.
2- تعلم إدراك الذت في علاقتها بالآخرين.
3- تعلم فهم الأحداث التي تقع في الأبعاد الكانية والزماينة للخبرة.
4- اكتساب القدرة على التكيف للتغير.
وخلال هذه العملية ينمو الإحسا بالإتقان mastery، أي: الإحساس بكون الإنسان مشارك فعال في مسار نموه وموجِّهٌ له, وعند بياجيه يتميز المستوى النفسي عن كلٍّ من المستوى البيولوجي والاجتماعي, فعلى الرغم من أن كليهما يسهم في النمو النفسي, إلّا أن عملية التفاعل تنتج مستوى من النشاط لا يمكن اختزاله إلى البيولوجيا أو البيئة الاجتماعية تمامًا, كما يستحيل اختزال "سيولة" أو "رطوبة" الماء إلى أحد العنصرين: الهيدروجين أو الأكسجين, وكما أن السيولة "خاصية ناتجة عن تفاعل الهيدروجين والأكسجين", فإن الوعي السيكولوجي هو خاصية ناتجة عن التفاعل بين البيولوجي والاجتماعي.
وهكذا تتمثل نواتج عمليتي التمثيل والمواءمة في صورة وحدات للبناء المعرفي, تسمى: البنى Structures أو المخططات schemas, والتي يفَضّل سيد غنيم "1970، 1973" تسميتها "الصور الإجمالية العامة", وهي عبارة عن تمثيلات داخلية لفئة من الأفعال أو أنماط الأداء المتشابهة؛ فهي تسمح للمرء أن يفعل شيئًا "داخل الذهن"، أي: تجربة عقلية، دون أن يلزم نفسه بالقيام بنشاط ظاهر أو صريح.
والمخططات أو الصور الإجمالية العامة ليست أجزاء من المعرفة جامدة التماسك والبنية، وإنما هي أنساق أو شبكات من المعلومات المنظمة المتفاعلة التي تَمَّ استيعابها, وهي ليست ثابتة, وإنما هي متكيفة دائمًا ومرنة أبدًا بسبب حدوث عمليات جديدة من التمثيل والمواءمة في المواقف البيئية المختلفة، وتدل على
(1/118)

استعداد الكائن العضوي -في أيّ وقت- للتكيف للظروف والمشكلات الجديدة, ومن أمثلة ذلك: المصّ والرضاعة؛ كمخططات حسية وحركية, ومفاهيم المكان والزمان والعدد وقوانين المنطق؛ كمخططات معرفية, وهكذا فإن المخطط أو الصورة الإجمالية العامة يكون وحدة معرفية، أو تصديقًا لهذه الوحدات المعرفية، كما قد يكون تصنيفًا ذهنيًّا للأشياء.
والمبدأ العام في نظرية بياجيه أنه لا يمكن فهم مرحلة معينة من النمو الإنساني إلّا في سياق المراحل السابقة التي نشأت منها, والنمو المعرفي عنده هو تحسن ارتقائي منظم للأشكال المعرفية التي تنشأ من تاريخ خبرات الفرد.
والسمات العامة لهذا النمو تتخذ صورة المتوالية الثابتة من المراحل، وهدفه تحقيق نوع من التوازن بين عمليتي التمثيل والمواءمة؛ بحيث يصبح الطفل أقدر على تناول الأشياء البعيدة عنه في الزمان والمكان، وعلى استخدام الطرق غير المباشرة في حَلِّ المشكلات.
وإذا كان إعداد بياجيه المبكر في ميدان البيولوجيا قد ظهرت آثاره في مفاهيمه السابقة، فإن اهتمامه بميدان الفلسفة "وخاصة علم المنطق" أثَّرَ من نواحٍ أخرى, فقد تناول العلاقة بين المنطق وعلم النفس, وفي رأيه أن هذه العلاقة مزدوجة, فمن ناحية يمكن بناء نظرية نفسية عامة في ضوء علم المنطق الحديث؛ لأن المنطق الحديث بالنسبة إلى علم النفس مثل الرياضيات إلى الفيزياء النظرية, ومن ناحيةٍ أخرى, فإن نمو النشاط المعرفي للفرد يسير سيرًا مطردًا في اتجاه المنطق الحديث, كما تفيد نتائج البحث في علم النفس في إلقاء مزيد من الضوء على علم المنطق نفسه، وهذا ما جعل بياجيه يتجه في السنوات الأخيرة إلى محاولة بناء "إيستمولوجيا تكوينية Genetic Epistemology" و "منطق نفسي Psychologic".
مراحل النمو:
لقد بذل بياجيه جهدًا علميًّا لا نظير له في تحديد خصائص المراحل المختلفة للنمو العقلي، ويمكن تحديد السمات العامة التي تميز هذا النمو فيما يلي:
1- التحسن المتزايد في استيعاب مختلف جوانب السلوك، كأن يتحول المرء إلى التفكير في الأفعال ونتائجها بدلًا من إصدار النشاط الصريح.
2- التمايز المتزايد للمخططات، وبالتالي توسيع نطاق القدرات لدى الفرد.
3- تكامل المخطات في تنظيمات هرمية أكثر تركيبًا وتعقيدًا, مما يجعل سلوك المرء أكثر استقرارًا وأكثر قابلية للتحكم والضبط.
(1/119)

4- التتابع المنتظم لمراحل النمو؛ حيث تكون إحدى الفترات سابقة لما يليها؛ وبحيث يكون ظهور أي عملية معرفية معتمدًا على المرحلة وليس على العمر الزمني في حد ذاته، وهو حين يشير إلى الأعمار في نظريته فإنه يشير إليها على سبيل الاسترشاد وليس القطع.
ويصب بياجيه النمو العقلي في ضوء فترات periods ومراحل stages, فمن حيث الفترات ينقسم هذا النمو إلى ثلاث فترات رئيسية:
1- المرحلة الحسية الحركية "من الولادة حتى نهاية العام الثاني": ومن مهاراتها المميزة التآزر بين أنماط السلوك البسيط، والتمييز البدائي بين الوسائل والغايات، والوعي بدوام وجود الأشياء واستمراراها في العالم المادي.
2- مرحلة ما قبل العمليات "من سنتين حتى سن 7 سنوات": وتتسم بظهور القدرة التمثيلية المبكرة "الاحتفاظ بالصور الذهنية للأشياء", واستخدام اللغة واللعب الإيهامي أو المتخيل, وظهور المفاهيم البدائية عن العلية والعدد والعلاقات المكانية.
3- مرحلة العمليات المحسوسة "من سن 7-12 سنة أو المراهقة": وفيها تتطور المفاهيم التقليدية للزمن والعلية والعدد والعلاقات المكانية لتصبح أكثر تحديدًا من المرحلة السابقة، بالإضافة إلى قدرة الطفل على تطبيق قواعد التفكير المنطقي على الأحداث الواقعية, وزيادة الحساسية لوجهة نظر الشخص الآخر.
4- مرحلة العمليات الشكلية أو الصورية "من سن 12 سنة وما بعدها": وتتميز باستخدام التفكير المجرد وقواعد المنطق الصوري, وتظهر وتنمو فيها القدرة على استخدام المنطق الفرضي الاستنباطي، والتحليل الاستنباطي "تأمل الذات", وتقدير المفاهيم المجردة والمجاز.
وتنقسم كل مرحلة من هذه المراحل إلى أطوار مختلفة, سوف نتناولها بشيء من التفصيل في موضعها في هذا الكتاب.
(1/120)

نموذج إريكسون في النمو الوجداني:
يعد النموذج الذي اقترحه إريك إريكسون "ولد عام 1902" من أهم النماذج في مجال نمو الشخصية أو النمو الوجداني, وهو نموذج تطور من نظرية التحليل النفسي الكلاسيكي, وقد تَقَبَّلَ إريكسون المفاهيم الأساسية عند فرويد1, وأهمها وجود اللاشعور وطبيعته، والتكوين الثلاثي للشخصية الذي يشمل الهوَ والأنا, والأنا الأعلى, ولم يضف جديدًا إلى هذه المفاهيم, ولهذا نجده بدلًا من أن يعيد الكتابة حولها يحاول أن يركز على جوانب نظرية التحليل النفسي التي كان يرى أنها في حاجة إلى التوسيع أو التطوير والتعديل, ولما كان اهتمامه الأساسي هو الطفولة، وكانت ملاحظاته العلمية المبكرة تتركز حول سلوك اللعب عند الأطفال, وجدنا أن موضوع نمو الإنسان هو موضوعه الأثير, وفي رأيه أن متوالية الإحساسات الجسمية التي حددها فرويد تنعكس أيضًا في متوالية من الخبرات الاجتماعية التي تكون لها معانٍ وجدانية وانفعالية لدى الأطفال الذين يعيشون في ثقافة معينة "Erickson, 1963". ولهذا سوف يتركز تناولنا لنموذجه النظري على إسهاماته المتميزة في هذا المجال الوجداني والانفعالي التي جعلته أشهر المنظرين فيه.
الشخصية السلمية:
يتفق إريكسون مع نقاد فرويد الذين يرون أنه كان يركز فقط على الحالات المرضية، وأنه كرَّسَ اهتمامه على نمو وعلاج السلوك العصابي على وجه الخصوص، وبالتالي لم يصرف جهدًا يُذْكَرُ في تحديد طبيعة الشخصية السليمة أو السوية، وتتبع نموها, وحاول إريكسون أن يصحح هذا الخطأ في صميم نظرية التحليل النفسي, وبدأ جهده النظري في تحديد خصائص هذه الشخصية السليمة، وفي رأيه أن هذا الخصائص يمكن أن تكون أهداف وعلامات النمو الإنساني المرغوب فيه.
يرى إريكسون أن هناك ثلاث خصائص للشخصية السليمة هي: السيطرة
__________
1 يضمن بعض المؤلفين في مجال علم نفس النمو نظرية التحليل النفسي الكلاسكية لفرويد على أنها نظرية في النمو، والواقع أننا نعتبرها نظرية متخصصة في النمو الجنسي وحده.
صحيح أن كل جانبٍ من جوانب النمو يؤثر في الجوانب النفسية الأخرى, كما بينا في الفصل الأول، إلّا أن هذا لا يعني أن نعتبر كل تصور نظري حول السلوك الإنساني "كنظريات التعلم", أو حول بعض جوانبه الضيقة النطاق "كنظرية فرويد" نظرية في النمو أيضًا. وسوف نقتصر هنا على عرض النماذج النظرية التي تنتمي إلى ميدان النمو بشكل صريحٍ, والتي استخدمت أساليب البحث فيه.
(1/121)

الفعالة والإيجابية على البيئة، وإظهار قدر من وحدة الشخصية، والقدرة على إدراك الذات والعالم إدراكًا صحيحًا "Erickson, 1950,1968, 1980". ويلاحظ على الطفل الصغير أنه لا يظهر أية خاصية من هذه الخصائص الثلاث، وأن شخصية الراشد السويّ تظهرها جميعًا، وعلى هذا, فإن النمو الانفعالي الوجداني عنده هو التحسن التدريجي لهذه الخصائص في مراحل متتابعة معقدة من التمايز المتزايد.
ويستخدم إريكسون وصفًا آخر للنمو الانفعالي والوجداني بأنه عملية إحراز الهوية الشخصية Ego Identity والتي لها مظهران: أولهما يتمركز على العالم الداخلي للفرد, ويتمثل في معرفة الشخص بوحدة ذاته, واستمراراها عبر الزمن, ويشمل ذلك معرفة الذات وتقبلها, أما المظهر الثاني فيتمركز على العالم الخارجي, ويتمثل في معرفة الشخص وتقمصه لمثل عليا وأنماط جوهرية في ثقافته التي يعيش فيها, ويعني ذلك الاشتراك مع الآخرين في بعض الخصائص الجوهرية, وهكذا يتسم الشخص الذي أحرز الهوية الشخصية بأن لديه صورة واضحة وتقبلًا كاملًا لعالمه الذاتي وثقافته الاجتماعية.
وما دام النمو الإنساني هو هذا التحول من عدم الشعور بالهوية الشخصية إلى الشعور بها, فإن ذلك يعتمد على مسلمة هامة، وهي أن النمو يحخدث من خلال مجموعة "أزمات" يهشدها هذا النمو السيكولوجي. وتتخذه هذه الأزمات صورة صراعات داخلية خارجية, وتؤدي هذه الأزمات إمّا إلى تحسين وتقدم, أو نكوص وتدهور في نمو الشخصية، وتؤدي أيضًا إما إلى تكامل الشخصية أو تفككها وانحلالها.
المراحل النفسية الاجتماعية:
يرى إريكسون أن المراحل التي تقترحها نظرية فرويد للنمو النفسي تحتاج إلى أن تضاف إليها مجموعة من العناصر الرئسية هي:
1- لم تهتم نظرية فرويد بعملية التطبيع الاجتماعي للطفل, وخاصة أنماط السلوك التي تعتبرها الثقافات المختلفة هامة ومرغوبًا فيها، وهي الأنماط السلوكية التي يجب على الطفل أن يستوعبها أو يعدل فيها إذا أراد أن يحصل على اعتراف الجماعة التي ينمو فيها به.
2- اقتصرت نظرية فرويد على مرحلة المراهقة كحد للنمو, فلم يكن يعتقد أن هناك تغييرات جنسية نفسية هامة تحدث بعد المراهقة، ويرى إريكسون أن هناك مراحل نمو أخرى فيما بعد المراهقة, تمتد بالإنسان إلى مرحلة
(1/122)

الشيخوخة، وبذلك فإن نظرية إريكسون تعد من النظريات القلائل التي امتدت لتشمل النمو خلال المدى الكلي لحياة الإنسان.
3- تنعكس كل مرحلة من مراحل النمو النفسي - الجنسي, التي اقترحها فرويد في صورة خبرات اجتماعية, ولها معانٍ وجدانية لدى الأطفال وغيرهم ممن يعيشون في ثقافة معينة, فالمرحلة الفمية "مرحلة التغذية" مثلًا هي أيضًا مرحلة ينجح فيها الرضيع أو يفشل في تكوين الشعور بالثقة في الشخص الذي يتولى تغذيته.
وفي المرحلة الشرجية "مرحلة الإخراج" يكتسب الطفل القدرة على التحكم في الدوافع الأخرى التي تعد موضوعًا للنظام الذي يفرضه الوالدان, ويرى إريكسون أن الانتقال من المرحلة الفمية إلى المرحلة الشرجية هو أيضًا تحول من العلاقة مع والدٍ مهتمه التغذية ويكون موضع الثقة أو عدم الثقة, إلى علاقة والدٍ مسئول عن النظام "التدريب على الإخراج", ومنه يشتق مشاعر الشعور بالعار والشك. وعلى عكس فرويد تركز اهتمام إريكسون على الطريقة التي تؤثر بها القوى النفسية الاجتماعية, وليس القوى النفسية الجنسية في نمو الشخص.
4- اهتمت نظرية إريكسون بوصف سلسلة من الأزمات التي تحدث استجابة للمطالب التي يفرضها المجتمع على الشخص النامي، وهي مطالب المسايرة لتوقعات الكبار والراشدين حول التعبير الذاتي والاعتماد على الذات. أي: أنها تنشأ في جوهرها من تفاعل الفرد مع البيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها، وهي الأزمات التي يجب أن يتغلب عليها حتى يحرز الهوية الشخصية والصحة النفسية, ولذلك تعد مراحل النمو عنده ذات طبيعة نفسية اجتماعية.
5- يتفق إريكسون مع فريد في أن الخبرة المبكرة تلعب دورًا مؤثرًا ومستمرًا في النمو؛ فالإنسان لا يتجاوز مثلًا المرحلة الفمية ومعه حلّ كامل لأزمة الثقة.
فبعض الأزمات لا يحل نهائيًا أثناء مرحلة النمو الخاصة بها, ولهذا فإن هذه الأزمات يشعر بها المرء مرة أخرى في جميع مراحل النمو التالية. صحيح أنها قد تكون أقل حدة وأضعف خطرًا ولكنها موجودة, وعند إريكسون، كما هو الحال عند فرويد، أن كل مرحلة من مراحل النمو النفسي والاجتماعي تتأسس على نواتج المراحل السابقة وتشملها, وهذه أشبه بمهمة التكامل الهرمي, أو الهيراركي, أو التراتبي, عند هاينز فرنر "WERNER, 1957" الذي يصف النمو الإنساني على أنه يسير من الحالة البسيطة العامة وغير المتمايزة, إلى الحالة المعقدة المتمايزة والمتكاملة "Brodzinsky, et al, 1986".
(1/123)

مصفوفة النمو ومراحله:
يرى إريكسون أن أفضل تصور لمفاهيم النمو أن ينظر إليها على هيئة مصفوفة أو شبكة توضح العلاقات بين مختلف جوانب النمو, وبالطبع لم تنتبه نظرية فرويد إلى هذا التصور, وفي هذه المصفوفة أو الشبكة تتفاعل الأزمات النفسية التي تمثل مراحل النمو، والأشخاص المهمين في حاية المرء، والأنشطة المهمة التي يركز عليها الفرد في كل مرحلة، والمراحل النفسية المقابلة لها، وفي جميع الحالات تعرض كل مرحلة من مراحل النمو مهمة ذات طبيعة نفسية اجتماعية يجب أن تحلَّ بشكل ملائم إذا كان على هذا النمو أن يستمر.
وعند إريكسون تُعَدُّ كل مرحلة أساسًا تكوينيًّا للمرحلة التالية, والحل غير الكامل للمهمة النفسية الاجتماعية في إحدى المراحل يؤثر تأثيرًا سلبيًّا في المرحلة التالية لها, وفي ذلك مثلًا أن المهمة النفسية الاجتماعية للمرحلة الأولى "من الولادة وحتى سن 24 شهرا" هي تنمية الشعور بالثقة؛ فالبيئة التي تحيط بالطفل الوليد غريبة عليه ولا يمكنه التنبؤ بها, وخلال العامين الأولين يجب على الرضيع اكتشاف أن هذه البيئة يمكن التنبؤ بها، وأن رؤية ثدي الأم أو زجاجة حليب الرضاعة ترتبط بالطعام, وخلال هذه الخبرات المبكرة مع بيئةٍ يمكن التنبؤ بها, ينمو لدى الطفل الشعور بالعواطف المتبادلة مع الأشخاص الذين يقومون برعايته أو الثقة فيهم. وخلال هذا الشعور يبدأ الرضيع في تعلم أنماط السلوك التي تتسم بالأخذ والعطاء, والتي تُعَدُّ ضرورية للتطبيع المستمر. وهذا الشعور بالثقة في الذات وفي البيئة يُعَدُّ شرطًا ضروريًّا للمرحلة التالية في النمو النفسي الاجتماعي, أي: الشعور بالاستقلال الذاتي، فالأطفال الذين لديهم ثقة ضعيفة في أنفسهم أو في بيئتهم, تقل لديهم فرص المخاطرة بالتعامل مع أي بيئة جديدة تبدو من جديد غير قابلة للتنبؤ. ويوضح الجدول رقم "5-5" مراحل النمو عند إريكسون وما يقابلها عند فرويد, وفيه نجد كلًّا من الحل الإيجابي والحل السلبي للأزمة التي يواجهها الإنسان في كل مرحلة من مراحل نموه منذ ميلاده وحتى وفاته، وكذلك السن التقريبي لكل مرحلة.
وعلى الرغم من أن التركيز الرئيسي في نظرية إريكسون على حلِّ الأزمة الخاصة بكل مرحلة, إلّا أن إريكسون يرى أن هناك مهمة أخرى ثانوية لكل مرحلة جديدة, وهي تكامل المهام السابقة مع المستوى الجديد للنشاط الإنساني "Erickson, 1980", فنمو الشعور بالثقة مثلًَا لا يقتصر على مرحلة الرضاعة فحسب, فكل مرحلة جديدة تعرضنا لعلاقات ومواقف جديدة, وحتى يمكن للمرء التعامل بنجاح مع هذه الخبرات الجديدة عليه، يجب أن يكون المرء قادرًا على أن
(1/124)

يمتد بشعوره بالثقة بالنفس وبالآخرين إلى هذه الخبرات الجديدة أيضًا, وبالمثل فإن المراهق ينمي الشعور بالهوية لأول مرة إلّا أن ذلك يجب أن يستمر؛ فإنه مع نموه يمتد ويتوسع ويتعدل هذا الشعور مع التعامل مع المهام المختلفة للرشد, وخاصة عند القيام بالأدوار الزوجية والوالدية, وهو في هذا يشبه بياجيه في افتراض أن النمط العام للنمو عبر المدى الكلي لحياة الإنسان هو المواجهة المتكرة لأحداث نمائية عند مستويات متتابعة من النشاط, تتسم بأنها بأنهم أكثر تطورًا وأعمق معنًى.
ويرى إريكسون أن تنمية الشخصية السليمة أو السوية تحقق للمرء سمات الذات المتحققة, والشخص النشط نشاطًا كاملًا كما وصفها أصحاب الاتجاه الإنساني في علم النفس الحديث, وبخاصة كارل روجرز وإبراهام ماسلو. كما يرى إريكسون أن تحقيق الهوية الشخصية لا يحدث إلّا بعد الوصول إلى حلول مقبولة للأزمات أو المشكلات النفسية الاجتماعية الأساسية المتتابعة, ويقصد إريكسون بمصطلح أزمة Crisis: الوقت الذي تتزايد فيه القابلية للوقوع في مشكلة نفسية معينة، وترتبط كل أمة بغيرها من الأزمات، ويوجد كل منها على نحوٍ أو آخر قبل الوصول إلى اللحظة الحاسمة لحلها, وحين يتوصل المرء إلى حلول إيجابية لكلٍّ منها, فإن ذلك يسهم في القوة القصوى والنشاط النهائي للشخصية النامية، ويعرض إريكسون لثماني زمات ارتقائية موضحة في الجدول رقم "5-5".
(1/125)

جدول "5-5" مراحل النمو في إطار نماذج إريكسون "عن 1979 TOHMAS بتصرف"
(1/126)

وهكذا يتضمن هذا النموذج العام للنمو الوجداني جميع احتمالات تكوين الشخصية كما تلاحظ فينا وفي الآخرين من حولنا, فكل سمات الشخصية لها جذورها في الأزمات والحلول في مراحل العمر المختلفة كما وصفها إريكسون, إلّا أننا نحب أن ننبه إلى أن إريكسون يعزي أهمية خاصة للدور الذي يقوم به المجتمع ومؤسساته في النمو, ولعل أهم دراساته التي أكدت ذلك, تلك التي تناولت موضوع اللعب والترويح "Erickson, 1977"؛ فاللعب له دور حاسم في النمو من ناحية، ثم إن له طابعه الثقافي الذي تختلف فيه المجتمعات والجماعات الفرعية في المجتمع الواحد من ناحية أخرى.
وهو أيضًا يشبه بياجيه في إدراكه للنمو على أنه عملية نسبية, فإذا كان بياجيه يرى أن الفرد يسعى لتحقيق التوازن مع البيئة, فإن إريكسون يركز على ما يسميه "الاتزان الأمثل", فعنده أن الثقة الزائدة في البيئة ضارة بالنمو مثلها في ذلك مثل نقص هذه الثقة، وبالمثل, فإن الشعور المبالغ فيه بالإنجاز والكفاءة يتداخل مع حاجة طفل المدرسة إلى اكتساب المهارات التعليمية الأساسية التي يتطلبها المجتمع من أعضائه, شأنه في ذلك شأن القدر الضئيل من هذا الشعور الذي يؤدي إلى الشعور بأن الآخرين يقدرونه فقط ما دام قادرًا على الإنتاج. ويصدق هذا على جميع المراحل الست في نظريته.
(1/127)

نموذج كولبرج في النمو الخلقلي الإجتماعي
...
نموذج كولبرج في النمو الخلقي الاجتماعي:
عادةً ما يعد النمو الخلقي أحد مظاهر التطبيع الاجتماعي, وهو العملية التي يتعلم بها الطفل مسايرة توقعات المجتمع والثقافة التي يعيش فيها, إلّا أنه في حالة النمو الخلقي لا يتعلم الطفل محض المسايرة, وإنما عليه أن يستوعب في داخله معايير الحكم الخلقي, ويقبلها على أنها صحيحة, وعلى أنها تمثل نظامه القيمي الشخصي.
وتوصف القيمة الخلقية بأنها تَمَّ استيعابها داخليًّا, وليست مفروضة من الخارج حين نلاحظ على السلوك الإنساني أنه لا يخرق "معيار الحكم الخلقي", بالرغم من وجود الإغراءات التي تدفعه إلى ذلك، وعدم وجود السلطة الخارجية التي تكشف وتعاقب على ذلك. "فؤاد أبو حطب، 1972".
ويُعَدُّ العالم الأمريكي المعاصر لورنس كولبرج "kohlberg" أشهر المنظرين المعاصرين في هذا الميدان, ولكي نوضح موقفه النظري من الاتجاهات والطرق الثلاثة التي وجهت الباحثين في ميدان السلوك الخلقي, هي على وجه الخصوص: السلوك الملاحظ, ومشاعر الذنب, وأساس الحكم الخلقي, نقول: إنه بالنسبة للسلوك
(1/127)

الملاحظ يركز الباحثون على ما إذا كان الطفل يظهر السلوك الخلقي "مثل: الأمانة أو العدل" مع التقدم في العمر, وقد وجد الباحثون أن الأطفال والمراهقين يسلكون في الالتزام بالقواعد الخلقية أو خرقها, إما سلوك التدبر والضغط الاجتماعي؛ حيث يكون السؤال ما إذا كانت الجماعة تستهجن السلوك غير الخلقي, وقد فرض كولبرج هذه الطريقة باعتبارها لا تقدم محكًّا مفيدًا للنمو الخلقي.
أما الطريقة الثانية التي اهتم بها الباحثون في هذا الميدان, فهي دراسة نمو الشعور بالذنب لدى الطفل والمراهق، ويتمثل هذا الشعور في سلوك نقد الذات وعقابها المصاحب للقلق والأسف الناجمين عن خرق قاعدة أخلاقية أو معيار اجتماعي وثقافي, والافتراض هنا أن الطفل يطيع القواعد ليتجنب الشعور بالذنب.
ويرى كولبرج أن هذا الافتراض هو أساس مفهوم الضمير لدى كلٍّ من أصحاب نظرية التحليل النفسي ونظرية التعلم, ويرى أنه بالرغم من أن البحوث التي أجريت على الأطفال باستخدام الأساليب الإسقاطية تؤكد الظهور المفاجيء لهذه المشاعر في السنوات السابقة مباشرة على المراهقة, إلّا أن هذه الأساليب لم تستطع أن تتنبأ على نحوٍ منتظمٍ بمقاومة الأطفال للإغراء، ولهذا استبعد أيضًا هذه الطريقة من نموذجه النظري.
ويركز كولبرج على الاتجاه الثالث والذي يتمثل في تتبع أحكام الأطفال على المسائل الخلقية, وفي هذا الجانب يكون السؤال هو: هل يستوعب الطفل داخليًّا المعيار الخلقي؟ وهل يستطيع تبرير هذا المعيار لنفسه وللآخرين؟ وبالطبع, فإن هذه الطريقة استخدمها لأول مرةٍ جان بياجيه في مطلع الثلاثينات، ثم عدَّلَها باحثون آخرون, إلّا أن كولبرج كان أكثرهم حماسًا واهتمامًا بها طوال الربع الأخير من القرن العشرين.
طريقة كولبرج في البحث:
ويعود اهتمام كولبرج بالحكم الخلقي moral judgment إلى رسالته للدكتوراه التي تَقَدَّمَ بها إلى جامعة شيكاغو عام 1958, وفيها حَدَّدَ محركات السلوك الخلقي التي استمدها من بياجيه وبالدوين وهير ودوركايم وميد، والتي يلخصها فيما يلي:
1- الفعل الخلقي لابد أن يكون موجهًا أو مسبوقًا بحكم قيمي.
2- الأحكام الخلقية لها أولوية على الأحكام القيمية الأخرى.
3- الأفعال والأحكام الخلقية ترتبط بالحكم على الذات.
4- الأحكام الخلقية عادةً ما تبرز, أو تؤسس على أسبابٍ لا تقتصر على نواتج الفعل في موقف معين.
(1/128)

5- الأحكام الخلقية يعتبرها من يصدرها موضوعية، أي: أنها تميل إلى أن يتفق عليها الناس بصرف النظر عن الفروق في الشخصية أو الميول.
ولكي يتمكَّنَ من دراسة الموضوع اتجه إلى نفس وجهة بالدوين وبياجيه, وهي التركيز على بُعْدٍ نمائيٍّ عامٍّ في الحكم الخلقي، وأفادته في ذلك طريقة ماكس فبر, المساماة "النمط المثالي", التي تتلخص في ملاحظة وتحليل مقدار كبير من المواد الكيفية.
وفي دراسته الأصلية للدكتوراه عام 1958 فحص كولبرج "التفكير الخلقي" لدى 72 طفلًا أعمارهم 10، 13، 16 سنة, عند التعامل مع مواقف معضلة فرضية ذات طابع خلقيٍّ تتضمن صراعًا بين الانصياع للقواعد القانونية الاجتماعية, وأوامر السلطة من ناحيةٍ, وبين الحاجة البشرية لتحقيق رفاهية الأفراد الآخرين من ناحية أخرى, وصاغ هذه المواقف المعضلة في صورة قصصية، لعل أشهرها وأكثرها شيوعًا القصة التالية.
"كانت السيدة هاينز على وشك الموت نتيجة الإصابة بنوع خاصٍّ من مرض السرطان, وكان أطباؤها يرون أن إنقاذ حياتها يتوقف على دواء معين, إلّا أن الكيميائي الذي اكتشف الدواء المطلوب كان يبيعه بسعر يفوق ثمنه الأصلي عشرة أضعاف, ولم يكن لدى الزوج المبلغ المطلوب لشراء الدواء, وحاول اقتراض المبلغ من كل من يعرف, ولكنه لم يستطع أن يجمع إلّا نصف ثمن الدواء, واضطر الزوج أن يسأل الكيميائي أن يبيع له الدواء بسعر أرخص, أو يسمح له بتقسيط ثمنه؛ لأن زوجته على وشك الموت, ولكن رفض، وقال له: إنه اكتشف الدواء وهو يسعى لتكوين ثروة من ورائه, شعر الزوج باليأس، وما كان منه إلّا أن اقتحم معمل الكيمائي ليسرق الدواء لزوجته".
واعتمد كولبرج على إجراء مقابلات مع كل مفحوصٍ استمر كل منها ساعتين حتى يتفحص التفكر الخلقي لدى مفحوصيه بطريقة أكثر مرونة, وحللت بروتوكولات الاستجابة للتوصل إلى مستويات النمو الخلقي ومراحله في ضوء 30 جانبًا من جوانب السلوك الخلقي, مصنفة إلى ثلاث فئات هي: طرق الحكم القيمي, ومبادئ هذا الحكم, ومحتواه.
جوانب السلوك الخلقي:
يرى كولبرج أن الإنسان يظهر مستوى نموه الخلقي والمرحلة السائدة لديه من هذا النمو, في كل مرة يعبر عن رأيه, وحكمه في جوانب معين من جوانب الحياة, والتي يبلغ عددها عنده حوالي 30 جانبًا, وقد توَصَّلَ إلى وجود معاملات
(1/129)

ارتباط مرتفعة بين مرحلة النمو الخلقي لدى الفرد بالنسبة لأحد هذه الجوانب, وبين مرحلة نموه الخلقي في الجونب الأخرى؛ فالشاب مثلًا يظهر لونًا من الاتساق في الحكم الخلقي إذا كان عليه أن يصدر حكمًا على الحياة أو الصدق أو الواجب أو الالتزام، فهذه الأحكام حول هذه الجوانب وغيرها من جوانب الحياة تميل إلى أن تكون عند مستوى معين ومرحلة معينة من النمو الخلقي.
ويقسِّم كولبرج -كما أشرنا- جوانب الحياة الخلقية أو السلوك الخلقي "وهي المواقف التي تسمح للحكم الخلقي بالظهور" إلى ثلاث فئات هي:
1- طريقة الحكم الخلقي:
وتشمل المحكّات التي يصدر في صورتها الحكم الخلقي وهي:
أ- الصواب.
ب- له الحق في مقابل عليه الواجب.
ج- الواجب بمعنى الالتزام.
د- المدح واللوم.
هـ- الثواب والعقاب.
و الخير والفضيلة".
ز- التبرير والشرح.
2- مبادئ الحكم الخلقي:
وتشمل عناصر الالتزام أو القيمة التي تتضمن الحكم الخلقي وهي:
أ- النظر في العواقب "نواتر مرغوبة أو غير مرغوبة للذات".
ب- الرفاهة الاجتماعية "نواتج مرغوبة أو غير مرغوبة للآخرين".
ج- الحب.
د- الاحترام.
هـ- العدالة باعتبارها حرية.
و العدالة باعتبارها مساواة.
ز- العدالة باعتبارها تبادل مصالح وتعاقد مشترك.
3- محتوى الحكم الخلقي:
ويشمل الموضوعات التي تؤلف مضمون الحكم الخلقي، وقد تكون موضوعات أو مؤسسات أو قضايا اجتماعية, وتشمل على سبيل المثال:
أ- المعايير الاجتماعية "وتشمل القوانين والقواعد".
ب- الضمير الشخصي.
ج- الأدور الشخصية والنواحي الوجدانية.
د- الأدوار والمسائل المتصلة بالسلطة والديمقراطية.
(1/130)

هـ- الحريات المدنية "حقوق العيش في حرية ومساواة كبشر أو مواطنين أو أعضاء في جماعات".
و عدالة الأفعال التي تصدر عن الإنسان بعيدًا عن الحقوق الثابتة "الثقة في الأفعال التي تصدر عن المرء, ومدى قابليتها للتبادل والتعاقد حولها".
ز- العدالة العقابية.
ح- الحياة.
ط- الملكية.
ي- الصدق.
ك- الجنس.
وقد استمرت بحوث كولبرج، وتطورت بالطبع مفاهيمه، وتنوعت مناهج البحث لديه بين البحوث الطولية والمستعرضة، بالإضافة إلى البحوث الثقافية المقارنة، ومنها توصل إلى وصفه الشهير لمستويات النمو ومراحله التي نتناولها في الفقرة التالية.
مستويات النمو الخلقي ومراحله:
تعرضت مراحل النمو الخلقي في بحوث كولبرج لتعديلات مستمرة، ولعل الصورة التي استقرت عليها حتى الآن تلك التي عرضها عام 1976 "kohlverg, 1976". وفي وصفه لهذه المراحل يتحدث عن ثلاث مستويات للنمو الخلقي، لكلٍّ منها مرحلتان, وفيما يلي عرض موجز للمستويات والمراحل.
أولًا: المستوى الأول: ما قبل العرف والتقاليد:
1- المرحلة الأولى: أخلاق الخضوع: ويتحدد الصواب فيها في صورة تجنب الخروج على القواعد التي يسندها العقاب، كما تسودها الطاعة لغرض الطاعة في حَدِّ ذاتها، وتجنب أيّ أذى مادي للأشخاص أو الممتلكات.
ويسلك الطفل في هذه المرحلة سلوكًا خلقيًّا تجنبًا للعقاب وانصياعًا للسلطة, وتتسم المرحلة من الوجهة الاجتماعية بسيادة النظرة المتمركزة حول الذات؛ فالطفل لا يضع في الاعتبار وجهة نظر الآخر، ولا يعتبره مختلفًا عنه, ولا يستطيع أن يربط بين وجهتي نظر, ويسود الطابع الجسمي على الأفعال بدلًا من أن تكون موجهة بالاهتمامات النفسية لدى الآخرين, كما يحدث في هذه المرحلة خلط بين منظور السلطة والمنظور الذاتي للطفل.
(1/131)

4- المرحلة الرابعة: أخلاق النظم الاجتماعية والضمير:
وفي هذه الرحلة يدل الصواب على تنفيذ الواجبات الحقيقة التي يوافق الفرد على القيام بها, والقوانين تكون موضع احترام إلّا في الحالات المتطرفة التي ينشأ فيها صراع مع الواجبات الاجتماعية الثابتة, ويُدْرَكُ الحق في هذه المرحلة على أنه يسهم في تكوين المجتمع أو الجماعة أو المؤسسة, ويرى الفرد في هذه المرحلة أن السبب الرئيسي لفعل السلوك الخلقي هو المحافظة على بقاء المؤسسة أو الجماعة ككل، وتجنب انهيار النظام الاجتماعي "إذا فعل كل شخص ما يشاء", وهناك سبب آخر للسلوك الخلقي في هذه المرحلة, هو إطاعة أوامر الضمير في أن يقوم الشخص بواجباته المحددة "وعادةً ما يحدث هنا خلط مع المرحلة الثالثة, والتي تتطلب الاعتقاد في القواعد والسلطة", وتتطلب هذه المرحلة من الوجهة الاجتماعية تمايز وحهة النظر "المجتمعية" عن محض الاتفاق بين الأشخاص أو الدوافع لتكوين علاقات مع الآخرين, وتضع هذه المرحة في الاعتبار وجهة نظر النظام الاجتماعي في تحديد الأدوار والقواعد، وتحدد علاقات الفرد في ضوء موضعه في هذا النظام.
ثالثًا: المستوى الثالث: ما بعد العرف والتقاليد, أو مستوى المبادئ الخلقية:
5- المرحلة الخامسة: أخلاق التعاقد الاجتماعي: ويسمي كولبرج هذه المرحلة أيضًا بأنها مرحلة تجمع بين "أخلاق المنفعة وحقوق الفرد"، وفيها يكون الفرد واعيًا بأن لدى الناس قيمًا مختلفة، وأن هذه القيم تتضمن قواعد نسبية تبعًا للجماعة التي تتواضع عليها، ومع ذلك, فإن هذه القواعد النسبية يجب احترامها حتى يوصف الفرد بالنزاهة والتجرد واللا تحيز من ناحية، ولأنها تؤلف التعاقد الاجتماعي من جهة أخرى, وفي هذه المرحلة تحترم أيضًا بعض القيم والحقوق غير النسبية "مفهوم المطلق لم يتحدد بشكل نهائي بعد"، ومن أمثلة هذه القيم: قيمة الحياة وحق الحرية، وهي قيم وحقوق يجب تقديرها في أي جماعة أو مجتمعٍ بصرف النظر عن رأي الأغلبية فيه, ومن أسباب السلوك الخلقي في هذه المرحلة الشعور بالواجب نحو القانون؛ لأن هذا مطلب التعاقد الاجتماعي من جانب الفرد, وهنا يكون الخضوع للقوانين لرفاهية ومصلحة الجميع ولحماية حقوق الجميع, ويشعر الفرد بهذا الاحترام التعاقدي نحو الأسرة والأصدقاء ومجال العمل, ويرى أن القوانين والواجبات تستند على حساب وتقدير المنفعة الكلية "أي: مبدأ تحقيق الخير لأكبر عدد من الناس", ويستند السلوك الخلقي في هذه المرحلة
(1/133)

إلى منظور "سابق على المجتمع", يتضمن فردًا يسلك سلوكًا "عقلانيًّا" ويعي القيم والحقوق قبل أي ارتباط أو تعاقد اجتماعي، ويتم التكامل بين مفاهيم الأفراد المختلفة بعمليات الاتفاق والتعاقد والنزاهة الموضوعية والواجب, وهنا توضع وجهات النظر الخلقية والقانونية معًا، مع إدراكٍ لإمكان حدوث صرعٍ بينهما، وفي هذه الحالة قد يشعر الفرد ببعض الصعوبة في إعادة التكامل بينهما.
6- المرحلة السادسة والأخيرة: أخلاق المبادئ العامة:
وفي هذه المرحلة يتوجه الفرد نحو الالتزام بمبادئ أخلاقية يختارها, وبالطبع فإن بعض ما في المجتمع من قوانين واتفاقياتٍ وعقودٍ يكون صحيحًا في العادة؛ لأنه يستند إلى مثل هذه المبادئ الأخلاقية, أما حينما تخرق هذه القوانين والاتفاقيات والعقود مثل هذه المبادئ "كأن يسود الغش في الامتحانات", فإن الشخص يسلك تبعًا للمبدأ. والمبادئ الأخلاقية هي مبادئ عامة مطلقة, ومن أمثلتها: العدالة والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، واحترام كرامة الإنسان كإنسان. وهناك سببان للسلوك الخلقيّ في هذه المرحلة الراقية: أولهما: اعتقاد الفرد في صحبة المبادئ الأخلاقية العامة، وهذا الاعتقاد ليس محض إحساس وجداني, وإنما يقوم على الاستدلال والتعقل, والسبب الثاني: هو الإحساس بالاتزام الشخصي نحو هذه المبادئ المطلقة, والمنظور الاجتماعي الذي يصدر من خلال هذا السلوك الأخلاقي يكون في إطار "وجهة نظر أخلاقية محضة", توجه جميع التنظيمات الاجتماعية, ومعنى ذلك: أن كل شخص ناضج عاقل راشد يدرك طبيعة "الأخلاق"، أو حقيقة أن للإنسان قيمة في ذاته, ويجب معاملته على هذا الأساس.
(1/134)

تعليق عام على النماذج النظرية:
أشرنا إلى أن النماذج النظرية الثلاثة التي عرضناها آنفًَا تتسم بقدرٍ من التخصص، فنموذج بياجيه ذو طبيعة معرفية، بينما يتسم نموذج إريكسون بسمة وجدانية، ويغلب على نموذج كولبرج الطابع الاجتماعي، ومع ذلك فكلٌّ من هذه النماذج الثلاثة يقبل التوسع والامتداد إلى المجالات الأخرى، ولعل أكثر من حاول ذلك كان جان بياجيه الذي أجرى دراسات كثيرة حول نمو الجوانب الوجدانية والاجتماعية للسلوك, موجهة بالإطار المعرفي العام لنموذجه.
والسؤال الآن: هل توجد نظرية أصح من غيرها؟ للإجابة على هذا السؤال نقول: إن من المستحيل عادةً أن نختبر إحدى النظريات العلمية في مقابل نظرية أخرى, حتى نحدد أيهما النظرية الصحيحة؛ لأن كل نظرية تحدد مجالات بحثها, ومناهج البحث الملائمة لها, ومعنى هذا: أن تختلف نظريات النمو الإنساني
(1/134)

بعضها عن بعض تبعًا للجوانب الأكثر أهمية من السلوك الإنساني التي يسعى كلٌّ منها لدراسته, وعلى ذلك يصعب على الباحثين الذين يتناولون هذه النظريات المختلفة أن يتفقوا على مجموعة مشتركة من المشكلات ما دام كلٌّ منهم يتناول جوانب مختلفة من النمو, ومعنى ذلك: أن كل نظرية تعد صحيحة أو خاطئة في إطار مجال البحث الذي تتناوله, ولا يمكن القول أن هذه النظريات يتنافس بعضها مع بعض, فمثل هذا القول غير صحيح طالما أن النظريات تتناول النمو بطرق مختلفة، وتركز على موضوعات مختلفة للبحث، وتستخدم مناهج بحث مختلفة, ويوضح ذلك الجدول "5-6"، وفيه تُجْرَى مقارنة بين النماذج الثلاثة التي عرضناها في ضوء مراحل النمو الرئيسية التي حددناها في الإطار الإسلامي في الفصل الثالث من هذا الكتاب.
وهناك سؤال آخر تطرحه تلقائيًّا إجابتنا على السؤال السابق, وهو: كيف يمكن لنا أن نقوّم النظرية؟ للإجابة على هذا السؤال الجديد لابد لنا من القول بأن من العبث الاعتقاد في أن بيانات البحث ومعطياته وحدها يمكن أن تثبت صحة النظرية أو خطأها, فالنظريات العلمية لا يمكن البرهنة عليها أو عدم البرهنة عليها، وإنما يكون دعمها بالبحث أو عدم دعمها, ولكي نوضح هذا التمييز يمكن أن نشبه ما يحدث في مجال البحث بما يحدث في مجال القضاء؛ فعادة ما يجري في كلٍّ من المجالين نوع من الموازنة بين شواهد وأدلة الدعم والتأييد, في مقابل أدلة وشواهد الدحض والتفنيد, ووزن نوعي أدلة يحول الميزان لصالح النظرية أو ضدها "في مجال العلم", أو مع المتهم أو ضده "في مجال القضاء". وحتى يمكن للنظرية أن يزداد قبولها على نطاق واسع, فلابد للأدلة والشواهد المتوافرة أن تكون مدعِّمَةً لها تدعيمًا واضحًا, وكذلك حتى تحظى النظرية بالدعم لابد لها أن تكون قابلة للاختبار والتحقق, ومعنى ذلك: أن يستطيع الباحثون صياغة بعض جوانب النظرية على هيئة "فروض" يمكن اختبارها والتحقق منها بمنهج البحث العلمي الملائم.
وهناك محل آخر للحكم على جودة "النظرية", وهو مدى قدرتها على خلع المعنى على الظواهر السلوكية المتعددة والمتفرقة التي تبدو غير مرتبطة، وبالتالي تهيئ للإنسان فرصة المزيد من الفهم والاستبصار بطبيعة السلوك الإنساني, وكلما زاد اتفاق "المجتمع" العلمي على ذلك, فإن النظرية تعيش وتزدهر، وتكتسب قدرًا أكبر من القبول, وبالتالي تنمو وتتطور, إلّا أنه قد يحدث ما يسميه توماس كون في كتابه الشهير "بنية الثورة العلمية" تحوُّل في "الوجهة", ونحن نتوقع لعلم نفس النمو -إذا زاد الاهتمام بين الباحثين المسلمين والعرب بتناوله من الوجهة الإسلامية كما فعلنا في هذا الكتاب- أن يحدث له هذ التحول العظيم.
(1/135)

جدول رقم "5-6" مقارنة بين نماذج بياجيه وأريكسون وكولبرج
(1/136)

الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الجنين
مدخل
...
الباب الثاني: المرحلة الأولى لنمو الإنسان "1"أطوار الجنين
أهمية طور الجنين:
تمهيد للباب الثاني:
عندما يُسْأَلُ شخصٌ عن سنه, فإن الإجابة تتحد عادةً بيوم الميلاد, إلّا أن بعض الثقافات الشرقية تحدد سن الإنسان منذ تكوينه جنينًا في رحم الأم، ولهذا تضيف إلى عمره تلك الشهور التسعة أو نحوها التي عاشها قبل أن يولد, ويبدو لنا أن هذا الموقف الصحيح؛ فهذه الفترة التي يقضيها الإنسان في طور التكوين هي أخطر مراحل عمره على الإطلاق, وليس السبب في ذلك أن تغيرات هائلة تحدث قبل الولادة فحسب، وإنما لأن هذه التغيرات تحدث في فترة قصيرة للغاية, بعضها لا يتجاوز الأسابيع الثمانية الأولى منذ الإخصاب, ولعلنا حين نتتبع التطور المعجز للاقحة "النطفة" Zygote, التي تنتج من اندماج الحيوان المنوي للذكر مع بويضة الأنثى, والتي تتخذ صورة مخلوق أحادي الخلية محدد وراثيًّا, إلى إنسانٍ مكتملٍ في أحسن تقويم -كما يصفه القرآن الكريم، فإننا نقتنع اقتناعًا كاملًا بأن أسرع وأخطر جوانب النمو الإنساني هو ما يحدث خلال تلك الفترة، أي: فترة قبل الولادة.
وإذا سأل سائل، ولكن متى تُحْدِثُ البيئة آثارها؟ إن الإجابة مرةً أخرى على هذا السؤال, هي أن الآثار البيئية تظهر أيضًا قبل الولادة؛ فنمو الجنين لا يحدث في فراغ بيئيّ، فالرحم بيئةٌ بكل معاني الكلمة، وهو بيئة تختلف من أمٍّ لأخرى، وقد يؤثر في الوليد الذي يخرج منه أثناء الولادة, وقد تعوَّدْنَا في الماضي على النظر إلى بيئة الرحم، على أنها بيئة آمنة حامية للجنين، تعينه على التكوين والنمو واكتشاف مزيد من القوة استعدادًا للولادة, وقد نتج ذلك عن أثر كتابات القرن الثاني عشر التي وصفت الرحم على أنه وعاء فارغ محكم يختزن الجنين ويحميه من جميع الآثار الخارجية, إلّا أن البحوث الحديثة تؤكد أن درجة الأمان والحماية التي يوفرها الرحم للجنين تتوقف على عوامل كثيرة؛ منها: عمر الأم، وصحتها, وحالتها الانفعالية، ونظام تغذيتها، وأنواع العقاقير "الطبية وغيرها"
(1/139)

التي تتناولها، وأنواع العناصر الكيمائية ومستويات الإشعاع التي تتعرض لها, وهي جميعًا خبرات تؤثر مباشرة على البيئة الداخلية للرحم, وتؤثر بالطبع على الجنين, وهكذا تتحدد العلاقة الوثيقة بين الأم وطفلها منذ تكوينه؛ لأنه بالفعل جزء من تكوينها، بالمعنى الماديّ وليس المجازي.
ويبلغ الطول المعتاد لطور الجنين 280 يومًا, تؤلف40 أسبوعًا أو تسعة شهور شمسية "أو ميلادية", أو عشرة شهور قمرية "هجرية"، ومع ذلك, فإن له أهميةً خاصَّةً أشرنا إلى بعضها في الفقرات السابقة، وتذكر هيرلوك "Hurlock 1980" أربعة أسباب لهذه الأهمية هي:
1- تتحدد الخصائص الوراثية للإنسان في هذا الطور، وهي المكونات التي تُعَدُّ أساس النمو اللاحق.
2- الظروف الملائمة في جسم الأم قد تساعد على تنمية الخصائص الوراثية، بينما تؤدي الظروف غير الملائمة إلى تعويق هذه التنمية على نحوٍ قد يؤدي إلى تعويق النمو اللاحق.
3- يحدث في هذا الطور أكبر نموٍّ نسبيٍّ في حياة الإنسان, لا يقارن بأي مرحلة أخرى أو طور آخر, وبمعدلات سريعة لا نجدها في أي مرحلة نمائية أخرى.
4- تتشكل في هذا الطور اتجاهات الأشخاص المهمين في حياة الطفل إزاءه.
فهذه الاتجاهات تؤثر فيه بعد الولادة من خلال تربيته وتنشئته, وخاصة خلال سنوات التكوين في الطفولة.
أطوار الجنين:
تتحدد أطوار الجنين من وجهة النظر الإسلامية "رجع الفصل الثالث" إلى خمسة أطوارٍ, هي محور التناول في هذا الباب:
1- طور النطفة.
2- طور العلقة.
3- طور المضغة.
4- طور تكوين العظام والعضلات "اللحم".
5- طور التسوية.
(1/140)

الفصل السادس: تكوين النطفة
التكوين الأساسي للخلية
...
الفصل السادس: تكوين النطفة
أشرنا في الفصل الثالث من هذا الكتاب إلى أن معاني النطفة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة تشمل الحيوان المنوي الذكري sperm والبويضة الأنثوية Ovum باعتبارهما المادة التي يتم منها تكوين الجنين, ويطلق عليها معًا في كلٍّ من علم الوراثة وعلم الأجنة الحديث تسميةً واحدةً, هي gamate, وهو لفظ استخدمه البعض في العربية بصورته الأصلية فقالوا: "الجميط" كما استخدم البعض الآخر كلمة "اللاحقة", والأصح في رأينا أن نستخدم اللفظ القرآني البديع "النطفة".
النطفة سواء أكانت مذكرة "حيوان منوي" أو مؤنثة "بويضة", فإنها خلية حية، إلّا أنها خلية ذات طبيعة خاصة وتكوينٍ مختلف عن باقي خلايا الجسم الإنسان, ولهذا يطلق عليها العلماء تسميات مميزة, ومن ذلك مثلًا: الخلية التناسلية أو الخلية الجرثومية, وحتى نوضح الفرق بين نوعي الخلايا نبدأ بوصف الخلية الحية العادية, ثم نتبع ذلك بوصف النطفة "الخلية التناسلية أو الجرثومية".
التكوين الأساسي للخلية:
الجسم الإنسان -والحيواني عامة- هو في جوهره بناء خلوي, وتؤلف الخلايا بدورها الأنسجة, ثم الأعضاء, ويبلغ عدد الخلايا في جسم الإنسان حوالي 15 تريليونًا1 عند الولادة، هي نتاج انقسام الخلية الواحدة الأصلية المخصبة "النطفة", التي بدأت بها حياة الإنسان قبل ذلك تسعة أشهر تقريبًا, والتي سوف نصف تكوينها بعد قليل في هذا الفصل.
ومن المعروف الآن أن كل خلية من خلايا الجسم -سواء أكانت من خلايا العظام أم العضلات أم الجهاز العصبي أم غيرها, لها نواة nucleus, عبارة عن كتلة داكنة تحتوي على الكروموزومات أو الصبغيات Chrmomsomes, وهي أبينة
__________
1 التريليون Trillion, هو رقم مؤلف من واحد وإلى يمينه 12 صفرًا.
(1/141)

بيولوجية على هيئة شريط أو خيط, وتسمى الوحدات الوظيفية التي تؤلف الصبغيات "الكروموزمات" الجينات أو المورثات Genes, وتعد المورثات مسئولة عن تكوين بروتين الجسم الذي يؤثر في نشاط الخلية, بالإضافة إلى أنها هي المسئولة عن توجيه التغيرات التي تطرأ على الجسم ونموه.
وتختلف الصبغيات من حيث عددها وبنائها في الخليفة الحية باختلاف الأنواع الحيوانية المختلفة, وفي الإنسان فإن جميع خلاياه الحية "ما عدا النطفة لكلٍّ منها نظيره"، منها 22 زوجًا متشابهًا في كلٍّ من الجنسين, وتسمى الصبغيات المتشابهة "الأوتوزومات" autosomes, أما الزوج الثالث والعشرين "وهو كرموزوم الجنس" فيختلف في الذكور عنه الإناث "وهو ما سنوضحه فيما بعد".
ويزداد عدد الخلايا في الجسم الإنساني عن طريق الانقسام الفتيلي Mitosis, وفيه يحدث أولًا أن يزداد عدد أزواج الصبغيات في الخلية الواحدة إلى الضعف، وينتج عن ذلك أن تنقسم هذه الخلية إلى خليتين, يستقل كلٌّ منهما بمجموعة كاملة من أزواج الصبغيات, ولهذا يطلق على هذا النوع "الانقسام غير المباشر", وهو يختلف عن انقسام النطفة أو الخلية التناسلية الذي يحدث بطريقة مختلفة, ويسمى الانقسام النصفي meiosis كما سنوضح فيما بعد.
أما المورثات "الجينات" التي تتألف منها الصبغيات "الكروموزمات", والتي تُعَدُّ من أهم الاكتشافات العلمية في القرن العشرين, ففي عام 1962, حصل ثلاثة علماء بريطانيون2 على جائزة نوبل في العلوم بسبب جهودهم في وصف بنية ووظيفة هذه المادة.
ويقدر حجم جزئي DNA بسمك لا يتجاوز 20 وحدة انجستروم3, وله بناؤه الأساسي بالإضافة إلى عدد من الجزيئات الفرعية, ويتألف البناء الأساسي
__________
1 اسمها المطول: deoxyribomucleicd.
2 هم فرنسيس كريك F. crick, وجيمس واطسون J.Watson, وموريس ولكنز M.Wilkins, وتوجد عالمة رابعة هي: روزالين فرانكلين R.Franklin, لها جهود مكافئة لهؤلاء العلماء الثلاثة, ويذكر تاريخ العلم الحديث أنه -لولا وفاتها في ريعان الشباب في سن 37 عامًا- لشاركت زملاءها الثلاثة في هذه الجائزة الرفيعة.
(1/142)

لجزيء DNA من حوالي 3000 جزيء من سكر الكربون، لكلٍّ منها أساس بروتيني, وتوجد أربعة أنواع من هذه الأسس البروتينية تؤلف الجزيئات الفرعية لهذه المادة, وتتشكل هذه العناصر على هيئة سلالم لولبية حلزونية مزدوجة double helix, يبلغ عددها بضعة مئات في المورث الواحد.
وتصنف الأسس البروتينية الأربعة التي يتكون منها DNA إلى فئتين: اثنان منها أكبر حجمًا من نوع البيورين purine "وهي مركبات بيضاء متبلورة" يسميان الأدنين adinine والجوانين guanine، والآخران أصغر حجمًا من نوع البيريميدين Pyrimidine, ويعرفان بالثيمين thymine, والسيتوزين cytosine. ويمسك اثنان من هذه الجزيئات الفرعية، أحدهما من المجموعة الكبرى والآخر من المجموعة الصغرى، معًا جزيئين من جزيئات السكر, ويقع واحد من كلٍّ منهما عند إحدى حافتي السلم الحلزوني الذي أشرنا إليه، ويقع الآخر عند الحافة الأخرى؛ بحيث تؤلف الأسس البروتينية الأربعة درجات هذا السلم.
ويرى علماء الوراثة أن الأسس البروتينية الأربعة السابقة هي المادة الخام "لأبجدية" الوراثة المعقدة, كما أن البناء الأساسي لجزيء DNA, يعطيه خصائص مميزة: منها أنه في موضع جيد للتحكم في النشاط البيوكيميائي للخلية, وخاصة إنتاج بروتينات جسم الخلية التي تؤثر في النمو مدى الحياة, ومنها أنه يكرر نفسه بشكل مذهل, فعند انقسام الخلية تنفك شرائط وخيوط DNA, وتنفصل أزواج الأسس البروتينية، وتتحول خيوط منفصلة مع وحدات DNA أخرى منفصلة أيضًا تنتجها الخلية، وتتم المزاوجة بينهما بدقة مع الأسس البروتينية، وبهذا يكون الجزيء الجديد مطابقًا تمامًا للأصل.
والسؤال الآن هو: كيف تنتقل الخصائص الوراثية إلى عظام الجنين وعضلاته وأحشائه وجهازه العصبي؟ لقد أثبتت تجارب علم الأجنة الحديث أن المادة النووية -التي هي متطابقة في جميع الخلايا- توجه نمو السيتوبلازم الذي يختلف نوعيًّا في كل خلية عن الأخرى، كما يخلتف اختلافات جوهرية في الأنسجة المختلفة للجسم.
ومن الأسرار الغامضة لحدوث ذلك ما حاول العلماء الكشف عنه في الوقت الحاضر, ومن ذلك أن حامض DNA فيه ذخيرة كبيرة من الوسائط التي يرسلها مباشرة إلى ستوبلازم الخلية، ومنها عنصر كيميائي هام يسمى اختصارًا RNA1, وتؤدي المعلومات التي ينقلها هذا العنصر الكيميائي من نواة الخلية إلى
__________
1 الاسم المطول لهذا العنصر هو ribonucleic acid
(1/143)

خارجها في توجيه إنتاج البروتين, والبروتينات هي مواد مركبة تؤلف أجزاء كثيرة من الجسم الإنساني, كما تؤلف مادة الهيموجلوبين hemogloabin في الدم.
وتُعَدُّ التغيرات في إنتاج البروتين عملية أساسية في التغير النمائي الارتقائي مدى الحياة.
وتسمى المورثات التي تقوم بدور مباشر في إنتاج البروتين, المورثات البنوية structrural genes, وتتحكم في هذه المورثات البنوية مورثات أخرى تتحكم فيها بالتشغيل أو عدم التشغيل، ويسمى هذا النوع الثاني من المورثات باسم المورثات المنظمة regulator genes, وتقوم هذه المورثات المنظمة بدورها الحاسم في تحديد درجة النشاط العام للكائن العضوي, وتوقيت عمليات النمو, ولعل أشهر مثالين لهذا التوقيت في حياة الإنسان التغيرات البيولوجية في مرحلة ما قبل الولادة "الجنين", وفي مرحلة البلوغ، وكلاهما تحدده هذه المورثات المنظمة.
ويقدر عدد المورثات "الجنيات" في الصبغي "الكروموزوم" الواحد بحوالي خمسين ألف مورث في المتوسط1 ومعنى ذلك أن يبلغ عدد هذه المورثات في الخلية الحية الواحدة أكثر من ربع مليون مورث، تنقل جميعًا لغة الوراثة بأبجديتها الرباعية التي أشرنا إليها, وتحمل التعليمات الخاصة بنمو الخلية وانقسامها, ويهيئ كلّ منها الفرصة لإنتاج إنزيمه الخاص المميز له. والإنزيمات enzymes, هي مواد تؤدي إلى حدوث التغيرات الكيميائية في الخلية, ومعنى ذلك: أن المورثات تتحكم في النشاط البيوكيميائي للخلايا كما بينَّا، وتلعب هذه الإنزيمات باعتبارها مواد حفازة أو نشطة كيميائيًّا catalysts أدوارًا حاسمة في النمو الجسمي؛ لأنها تنتج في النهاية الخلايا المتخصصة التي توجد في الجسم الإنساني المكتمل النمو.
__________
1 لا يوجد حتى الآن تحديد دقيق لعدد هذه الموروثات في الكروموزوم, وتتفاوت هذه التقديرات بين عشرين ألفًا ومائة ألف.
(1/144)

النطفة
مدخل
...
النطفة:
تفرز الأنثى البالغة الصحيحة جسميًّا من المبيضين في قناة فالوب بويضة تامَّة النضج كل 28 يومًا, "أو كل أربعة أسابيع" على وجه التقريب, فإذا اتصلت بالحيوانات المنوية التي تفرزها خصيتا الرجل أثناء الاتصال الجنسي، ونجح أحد هذه الحيوانات المنوية في اختراق جدار خلية البويضة, يحدث الحمل.
وكلٌّ من البويضة "الأنثوية" والحيوان المنوي "الذكر" من نوع الخلايا, إلّا أنها خلايا من نوعٍ خاصٍّ تختلف من حيث البنية وطريقة الانقسام عن الخلايا العادية التي وصفناها في القسم السابق, ولذلك يسميها علماء الأحياء الخلايا التناسلية أو الخلايا الجرثومية، كما يسميها علماء الوراثة gamate, وسوف نستخدم في هذا الكتاب الوصف القرآني البليغ لها وهو "النطفة".
وتنشأ النطفة عند كلٍّ من الذكر والأنثى من الخلية الأولى التي تبدأ منها حياة الإنسان "والتي سوف نصف تكوينها بعد قليل"، والتي تكون مؤلفة -كأي خلية عادية- من 46 صبغيًّا "أو23 زوجًا من الصبغيات", ولكنها تنتج بطريقة مختلفة في انقسام الخلية, تختلف عن الانقسام غير المباشر "الذي وصفناه". أنها طريقة تسمى الانقسام النصفي meisosis, وهي عملية يتم بها انقسامان متتابعان في الخلية، وبها يتم اختزال عدد الصبغيات من ثنائية الصبغيات "أي: أزواج" إلى أحادية الصبغيات "أي: صبغيات منفردة", ومعنى ذلك: أن كل زوج من الصبغيات في الخلية الأصلية ينفصل, فيتوجه كل صبغي من الصبغين إلى إحدى الخليتين الجديدتين, وينتج عن ذلك أن تتألف كل خلية من 23 صبغيًّا فرديًّا فقط, وهذا هو التكوين الأساسي للنطفة، سواء كانت ذكرية "حيوان منوي", أو أنثوية "بويضة".
وهكذا, فإن ما يحدث خلال الانقسام النصفي للخلية الأصلية أن هذه الخلية تنقسم إلى أربع خلايا, كلٍّ منها يتألف من 23 صبغيًّا فرديًّا، وهو نصف العدد الذي يوجد في الخلية الأصلية "أو الخلية العادية", وبالإضافة إلى ذلك, فإنه قبل انفصال الصبغيات وتوزيعها على الخلايا الجديدة يحدث الكثير من العلميات الوراثية منها:
1- التبادل exchange في جزئيات DNA: مما يؤدي إلى حدوث شفرة وراثية جديدة، ويتكون نمط وراثي جديد داخل النطفة, يكون خليطًا من الإسهام الوراثي لكلٍّ من الوالدين، كما لا يتطابق تمامًا مع ما لدى أيٍّ منهما.
2- التقاطع cross over: وفيه تحل مورثات أحد ثنائي الصبغي محل مورثات الثنائي الآخر، وتسمى هذه الحالة أحيانًا العبور.
3- القفز jrmping: وفيه تتحرك المورثات من موضعٍ إلى آخر داخل الصبغيات, وتؤدي إلى تعديل آثار مورثات أخرى.
4- الطفرة mrtation: وفيه تمر المورثات بتغيرات تلقائية, تنتقل من جيلٍ إلى آخر بعد ذلك.
(1/145)

النطفة الأمشاج:
ذكرنا أنه حين تتصل النطفة الأنثوية "البويضة"1 بالنطف الذكرية "الحيوانات المنوية", وينجح أحدها في اختراق جدار خلية البويضة يحدث الحمل conception, وفي هذه العملية تندمج نواتا الخليتين لتصير أول خلية في حياة الإنسان, وهذا ما يسمى الإخصاب fertilization, وإخصاب البويضة بالحيوان المنوي يحدث عادةً في قناة فالوب, وبعد الإخصاب مباشرة تبدأ الخلية الجديدة رحلتها إلى الرحم.
ويسمي علماء الأجنة والوراثة الخلية المخصبة Zygote, وقد أُطْلِقَ عليها في اللغة العربية إما اسمها الأصلي "الزيجوت", أو ترجمة للفظ هي "اللاقحة", إلّا أن الأصح في رأينا أن نستخدم التعبير القرآني الكريم "النطفة الأمشاج" وسوف نشير إليها في هذا الكتاب بذلك, أو بلفظ "المشيج" "وهو مفرد أمشاج" اختصاراً.
حين تندمج نواتا النطفتين الأنثوية والذكرية عند الحمل, تؤلف الصبغيات الثلاث والعشرون داخل كل نطفة منهما أزواجًا ليصبح عددها في المشيج الناتج 23 زوجًا، ومعنى ذلك أن المشيج هو أول خلية عادية في حياة الإنسان, وبالطبع فإن نصف هذه الأزواج يأتي من كلٍّ من الوالدين، ويرتبط النصفان في الخلية الجديدة ليكونا العدد الصحيح من الصبغيات اللازم لتكوين الكائن الإنساني الحي ونموه, فإذا زاد عدد الصبغيات -أونقص- في المشيج عن 46 صبغيًّا فإنه قد يعيش, إلّا أنه سوف ينمو وفيه نقائص خطيرة, أو ربما لا يتمكن من العيش فيموت.
وبسبب العلميات الكثيرة التي تحدث أثناء الانقسام النصفي, فإن الشفرة الوراثية التي يحملها المشيج الجديد لا تتطابق تمامًا مع أيٍّ مما لدى الوالدين, ولعل هذا هو سر ما وجده علم الوراثة الحديث من أنه -باستثناء التوائم المتطابقة -لا تتوافر لدى شقيقين -من نفس الوالدين- نفس الأنماط الوراثية, والتوائم المتطابقة -أو التوائم أحادية المشيج monozygote, تتكون حين ينقسم المشيج بعملية الانقسام غير المباشر "الذي يحدث للخلية العادية"، وينشأ عن ذلك خليتان مخصبتان "مشيجان" مستقلتان, إلّا أنهما متطابقتان في مادتهما الوراثية, ما دامتا قد نتجتا عن انقسام نفس الخلية, ويستمر المشيجان المتطابقان في النمو حتى يصبح كلٌّ منهما جنينًا منفصلًا, ويكون التوأمان المتطابقان دائمًا من نفس الجنس ما دام الوراثي متطابقًا.
ويوجد نوع آخر من التوائم, هو التوائم الأخوية, أو التوائم متعددة المشيج mul- tizygote, وتتكون حين يفرز مبيضا الأم بويضتين أو أكثر, لكلٍّ منها نمطها الوراثي الخاص، ثم تخصب هذه النطف الأنثوية بحيوانات منوية "نطف ذكرية" مختلفة، فينتج عن ذلك أكثر من جنين واحد يولدون معًا. صحيح أنهم يولدون في نفس الوقت, إلّا أن لكلٍّ منهم شفرة وراثية مختلفة, وعلى ذلك فإنهم قد يكونون من نفس الجنس أو من الجنسين.
__________
1 لم تكشف البويضة عند الثدييات إلّا عام 1831.
(1/146)

ميكانيزمات الوراثة
مدخل
...
ميكانيزمات الوراثة 1:
تعود البداية الحديثة لفهمنا العلمي لميكانيزمات الوراثة إلى العالم النمسوي الشهير جوهان جريجور مندل J G Mendel "1828-1884", الذي بدأ حياته راهبًا يتسلّى بإجراء التجارب على نباتات حديقة الدير الذي يتنسك فيه, وقد نشر أول دراساته عام 1865, إلّا أنها لم تحظ باهتمام يذكر, ومع بداية القرن العشرين أُعِيدَ اكتشاف جهود مندل, وأعيد تقديره باعتباره مؤسس علم الوراثة الحديث.
ولعل أهم اكتشافات مندل أنه لاحظ أن بعض الخصائص التي توجد في الجيل الأول أو الأصلي "جيل الوالدين" تختفى في الجيل الثاني, ثم تعود للظهور في حوالي 25% من الحالات في الجيل الثالث, وقد حاول أن يفسر هذه النتائج, فافترض أنه في الجيل الأصلي يكون لدى كلٍّ من الوالدين عاملان وراثيان "أو مورثان بالتعبير الذي شاع فيما بعد" هما صورتان متضادتان لخاصية واحدة, وهذا النوع من المورثات يسمى الآن المورثات متضادة الصفات Allele, واقترح مندل أن كلًّا من الوالدين ينقل إلى النسل أحد قطبي هذه الصفة, ويتفق هذا مع ما أثبته علم الوراثة الحديث الذي يؤكد أن النطفة -باعتبارها تحمل نصف صبغيات الخلية الأصلية- تحمل في نفس الوقت أحد قطبي هذا النوع من المورثات المتضادة الصفات, فإذا انتقل إلى النسل نفس الصورة للخاصية من كلٍّ من الوالدين, تكون نطفة الأمشاج من النوع المتجانس homozygous بالنسبة للخاصية، أما إذا انتقلت إليه من أحد الوالدين إحدى صورتي الخاصية المتضادة, ومن الوالد الآخر الصورة الأخرى, تكون الأمشاج من النوع المتغاير heterozy gous, كما اقترح مندل أيضًا أن إحدى الصورتين قد تسيطر على الصورة الأخرى, وتسمى في هذه الحالة الخاصة السائدة dominant, وبسبب قوتها تظهر نفسها دائمًا في النسل التالي, وتسمى الصورة المتضادة في هذه الحالة بالخاصية المتنحية rececssive, والتي لا تظهر إلّا في حالة غياب الخاصية السائدة, وبالطبع
__________
1 يمكن الرجوع إلى تفاصيل إضافية عن ميكانيزمات الوراثة في المرجع الآتي: فؤاد أبو حطب: القدرات العقلية "الطبعة السابعة" تحت الطبع.
(1/147)

فإن الخاصية المتنحية -على الرغم من أنها قد لا تظهر- إلّا أنها تظل كامنة في جميع الأجيال اللاحقة, وهكذا ميَّزَ مندل -لأول مرة أيضًا- بين ما يسمى الآن النمط الوراثي genotype والمظهر الموروث phenotype, وهما مفهومان هامان سنتناولهما بالتفصيل فيما بعد.
وبهذه الطريقة كان مندل قادرًا على تفسير نتائجه الطريفة التي حصل عليها من بحوثه على نبات الفاصوليا, ففي تجاربه كان يجعل الجيل الأصلي من النبات "الوالدان" يحمل كل منهما مورثين لكل خاصية, إلّا أن أحدهما كان يجعل مورثات من النوع السائد فقط "ولتكن مثلًا مورثات البذور الصفراء اللون" "ويحمل الوالد الآخر مورثات متنحية فقط "مورثات البذور الخضراء اللون", وبهذا ترث نباتات الجيل الثاني جميعًا مورثات الخاصية السائدة, ومورثات الخاصية المتنحية، ومع ذلك لا تظهر إلّا الخاصية السائدة فقط "بذور صفراء", وحين تخصب هذه النباتات الجديدة ذاتيًّا, ورث 25% من النباتات الجديدة مورث الخاصية المتنحية, فإن هذه الخاصية "أي: البذور الخضراء اللون" تظهر.
وهكذا كانت بحوث مندل المبكرة, البداية العلمية الصحيحة لعلم الوراثة الحديث, وقد أفادت افتراضاته في تفسير أنماط معينة من الوراثة, لا تقتصر على النبات فحسب, وإنما تمتد إلى الأنواع الحيوانية أيضًا, إلّا أن التطورات التي شهدها هذا العلم بعد ذلك أثبتت أن ميكانيزمات الوراثة التي اقترحها مندل تقتصر على وراثة الخصائص التي تتأثر بزوج واحد من الموروثات أو عدد قليل منها, وقد أيدت هذه البحوث كثيرًا من فروضه إلّا أنه في بعض الحالات الأخرى تطلبت نتائج البحوث تفسيرات كثيرة عديدة أخرى, ومن ذلك مثلًا أن المورثات السائدة والمتنحية لا تظهر دائمًا على النحو الدقيق الذي وصفه مندل, وذلك للأسباب الآتية:
1- الأدوار العديدة التي تلعبها بعض الموروثات الأخرى, بالإضافة إلى الدور الهام الذي تقوم به البيئة.
2- توجد لبعض الصفات مورثات عديدة من النوع المتضاد الصفات alleles, وليس مورثًا واحدًا كما افترضت النظرية الأساسية لمندل.
3- المورثات التي توجد على صبغي الجنس تعمل بطريقة مختلفة عن تلك التي تعمل بها المورثات التي على الصبغيات الأخرى في الخلية الواحدة.
4- يتأثر كثير من الخصائص بأزواج عديدة من المورثات, وليس بزوج واحد فقط، وتسمى هذه الحالة بالوراثة المتعددة الأصول polygene.
(1/148)

كيف تنتقل الخصائص الوراثية:
يوجد في أزواج الصبغيات في الخلية جميع عوامل الوراثة التي تحمل التعليمات البيوكيميائية التي تؤدي إلى إنتاج فروق ملحوظة بين الأجنة, ثم بين الأفراد بعد ولادتهم, في الخصائص الجسمية وفي السلوك, ويؤكد علم الوراثة الحديث أن ما يورث بالفعل ليس سمة أو خاصية معينة؛ كالذكاء أو الشعر المجعد، وإنما التعليمات الجسمية للخلية لإنتاج أو عدم إنتاج البروتينات التي تُعَدُّ مسئولة في نهاية الأمر عن حدوث الفعل الذكي, أو ظهور الشعر المجعد في الرأس.
ووصف نشاط المورثات يفيدنا في تحديد معنى مصطلحين هامين أشرنا إليهما فيما سبق, هما النمط الوراثي genotype, والمظهر الموروث phenotype, ويشير أولها إلى التنظيم الوراثي الحقيقي والأصلي الموجود في خلايا الفرد, أما المصطلح الثاني "المظهر الموروث", فيشير إلى الخصائص التي يتم التعبير عنها وملاحظتها في الفرد, والتي تُعَدُّ نتاجًا للنمط الأول "النمط الوراثي", ونحن لا نزال لا نعرف الكثير عن النمط الوراثي الخاص للسمات أو الخصائص التي نلاحظها في الفرد؛ لأننا لا نعرف الكثير بعد عن نشاط المورثات في الخلية الإنسانية, وكثير من الخصائص المرتبطة بالسلوك الإنساني "كالذكاء والانسباط" هي تنظيمات معقدة لأنماط سلوكية عديدة، كل منها يمثل مظهرًا لموروثات كثيرة جدًّا, أما بالنسبة للسمات الأقل تعقدًا "وأغلبها من نوع الخصائص الجسمية؛ كلون الشعر وفصيلة الدم" فمن السهل نسبيًّا وصف الشفرة الوراثية لها, أو نمطها الوراثي, ونعرض فيما يلي بعض الأمثلة لانتقال الخصائص الوراثية.
1- وراثة الخصائص السائدة ذات المورث الواحد:
حين تنتقل الخاصية بواسطة مورث سائد واحد, فإنها سوف تظهر دائمًا في النسل, ومن أمثلة هذه الخصائص التي أكدت نتائج علم الوراثة الحديث أن لها مورثًا سائدًا: اللون البني للعين، وطول النظر، وغمازات الوجه، والشعر المجعد، وأصابع اليد أو القدم الزائدة، وشحمة الأذن السائبة، والشعر الأرقط "الشعر ذو الخصلة البيضاء في مقدمة الرأس، والقدرة على لف اللسان إلى الخلف، والقدرة على لف اللسان نحو المركز، ومرض هانتنجتون Huntington "هو مرض قاتل من نوع اضطرابات الجهاز العصبي ويظهر في صورة اختلاجات تشنجية, وتقلصات عضلية لا إرادية في الوجه والأطراف, بالإضافة إلى تدهور النشاط العقلي". وحين يوجد المورث السائد في النمط الوراثي, فإنه يتم التعبير عنه دائمًا في صورة مظهر موروث, وإذا تزاوج معه مورث مختلف عنه في
(1/149)

صورة متنحية, فإنه يتفوق عليه دائمًا, وأحد الأنماط الوراثية التي يرثها الجنين يكون على هيئة انتقال المورث السائد من أحد الوالدين دون الوالد الآخر على الإطلاق، وتتشكل النطفة الأمشاج حينئذ في صورة متغايرة -كما بينا, وفي هذه الحالة يكون انتقال المورث وظهوره في النسل بنسبة 50%.
2- وراثة الخصائص المتنحية ذات المورث الواحد:
يعرف علماء الوراثة المتنحي بأنه: ذلك الذي لا يتم التعبير عنه في صورة مظهر موروث إلّا إذا تمت مزاوجته مع مورث آخر مشابه له، أو إذا غاب المورث السائد في النمط الوراثي للجنين, ومن الخصائص المتنحية التي أكدتها بحوث علم الوراثة الحديث: اللون الأزرق للعين، وعمى الألوان، ونمش الجلد، والشعر السبط "المستقيم الناعم غير المجعد"، وشحمة الأذن الملتصقة بالوجه، والصملاخ الجاف الذي تفرزه الأذن، والمهق albinism "حين يكون الشخص أو الحيوان لبني البشرة أبيض الشعر قرنفلي العين"، والتليف المراري cystic fibr sis "وينتج عن سوء نشاط الغدد"، ومرض تاى -ساكس Tay-Sacks ", وهو لون من اضطرابات الجهاز العصبي"، والفدامة cretinism "وهي حالة مرضية تنشأ عن اضطرابات نشاط الغدة الدرقية, وتتسم بالتشوه الجسمي وقصر القامة والضعف العقلي"، والمرض الناتج عن الأيض غير السوي المسمى phenylketonuria, واختصار "PKU" ويتمثل في العجز عن تذوق مادة الفينيل.
ومن الأنماط الوراثية أن يكون الوالدان معًا حاملين لمورث منتج لخاصية معينة؛ مثل: مرض العجز عن تذوق مادة الفينيل PKU الذي أشرنا إليه، وينتج عن ذلك نطفة أمشاج متغايرة, وفي هذه الحالة يكون لكلٍّ من الوالدين فرصة متساوية لنقل كلٍّ من المورث المتنحي للصفة "ح", والمورث العادي لها "ع", الدال على السواء, والذي يكون سادئًا عندهما في هذه الحالة، ويكون الناتج احتمال أن يرث النسل المورث المتنحي من الوالدين معًا بنسبة 25%, وفي هذه الحالة ينتقل المرض إلى الجنين، كما ينقله هو إلى جيل آخر, أما احتمال أن ينتقل إلى النسل مورث متنجٍ واحد, ومورث عادي واحد, فيكون 50%, وفي هذه الحالة لن يظهر على الجنين المرض، ولكنه يصبح حاملًا له, والاحتمال الثالث والأخير: فهو أن يرث الجنين مورثين عاديين سائدين وحينئذ يكون الجنين عاديًّا, ونسبة هذا الاحتمال 25%.
وهكذا فإن نمط الوراثة المتنحية لزوجٍ واحدٍ من المورثات, يحدد الكثير من الاضطرابات والأمراض التي يرثها الإنسان, وهذا هو السبب الجوهري في
(1/150)

التوصية بعدم زواج الأشخاص من ذوي القرابة القريبة, وهي الحكمة التي عبَّر عنها الرسول الكريم -كما بينا في الفصل الثالث, فجميع الأسر تحمل مورثات متنحية ضارة، والزواج الداخلي -أي: داخل الأسر- يزيد من فرصة أن يحمل كل من الزوجين نفس المورثات المتنحية.
3- وراثة الخصائص ذات المورثات المتعددة:
ناقشنا فيما سبق الأنماط الوراثية البسيطة التي تعود في جوهرها إلى مورث واحد, سواء أكان سائدًا أم متنحيًا، وهي الأنماط التي تنطبق عليها القوانين الكلاسيكية للوراثة منذ أن صاغها مندل, وفي هذا النوع من الوراثة لا يوجد كما بينا إلّا زوج واحد من المورثات تنتج فئات من نوع "إما ... أو.." فعمى الألوان مثلًا إما أن يوجد أو لا يوجد, وتؤكد بحوث علم الوراثة الحديث أنه يوجد حوالي 2000 خاصية من هذا القبيل, بعضها معروف وبعضها متوقع اكتشافه, كما توجد أكثر من 150 سمة وراثية مرضية من هذا النوع ينتج عنها التخلف العقلي "Libert et al 1986".
إلّا أنه توجد خصائص أخرى لا تقع تحت حصر تتأثر بعدة مورثات, وهذه الخصائص ليست من نوع الكم المنفصل "إما ... أو ... " الذي أشرنا إليه، وإنما تظهر في صورة كَمّ متصل, ففي حالة الطول مثلًا لا يكون الأفراد إما عمالقة أو أقزام، وإنما يتوافر تنوع هائل بين الناس في هذه الخاصية, ويصدق هذا على كثير من الخصائص الجسمية؛ مثل: الوزن ولون الجلد وحرارة الجسم، كما يصدق على الخصائص النفسية؛ مثل: الذكاء. ففي هذه الأمثلة وغيرها, يسهم كل مورث من المورثات العديدة المسئولة عن الخاصية بأثر صغير يضاف إلى آثار المورثات الأخرى, ومع زيادة عدد المورثات المسئولة عن الخاصية يزداد تنوع المظاهر الموروثة إلى الحد الذي لا يمكن عنده تمييز فئات مستقلة لمظاهر موروثة منفصلة.
وفي دراسة الوراثة متعددة المورثات لا يستطيع الباحث تتبع أثر كل مورث على حدة "تذكر أنه يوجد في الصبغي الواحد حوالي 50000 مورث في المتوسط", وبدلًا من ذلك, فإن الباحثين يفحصون بعناية توزيع الخصائص في المجتمع الأصلي باستخدام بعض الطرق الإحصائية المعقدة, ومن المفترض دائمًا أن خصائص أي مجتمع أصلي هي نتائج التفاعل بين الآثار الوراثية والبيئة، ولهذا يحاول الباحثون دراسة هذين المكونين بالمقارنة بين جماعات مختلفة بينهم درجات مختلفة من القرابة, ويتعرضون لظروف بيئية متشابهة أو مختلفة. "راجع فؤاد أبو حطب 1996".
(1/151)

صبغيات (كروموزمات) الجنس
...
صبغيات "كروموزومات" الجنس:
من الخصائص الرئيسية التي تتحكم فيها الوراثة وحدها خاصية جنس الجنين, والنمط الوراثي المرتبط ببناء جسم كلٍّ من الجنسين يوجد في كروموزومات" نواة النطفة الأمشاج "الزيجوت", وعلى هذا, فإنه من بين الأزواج الثلاث والعشرين من الصبغيات التي تؤلف الخلية البشرية الأولى, يوجد 22 زوجًا تسمى الأوتوزومات autosomes, وهي المسئولة عن التغيرات المختلفة خلال النمو, أما الزوج الثالث والعشرون من هذه الصبغيات فهو وحده المسئول عن النمو الجنسي للجنين.
ويوجد نوعان من صبغيات الجنس، أحدهما يسمى "الكروموزوم "س" أو "X", والآخر أصغر كثيرًا ويسمى الكروموزم "ص" أو "Y", وحين يكون زوج هذه الصبغيات في النطفة الأمشاج من نوع "س س", فإن المظهر الموروث يكون أنثويًّا، أما إذا كان زوج صبغيات الجنس في هذه النطفة من نوع "س ص" يصبح المظهر الموروث ذكريًّا.
ومن حقائق علم الوراثة أن بويضة الأم لا تحتوي إلّا على الكروموزم "س" فقط في جميع الحالات، بينما تحتوي بعض الحيوانات المنوية للأب على الكروموزوم "س", وبعضها الآخر على الكروموزوم "ص", وعلى ذلك, فعند إخصاب البويضة وحدوث الحمل "حيث تندمج نواة البويضة ونواة أحد الحيوانات المنوية ليؤلفا النطفة الأمشاج أو الزيجوت" وتكوين أزواج الصبغيات في الخلية الأولى في حياة الإنسان، فإن النمط الوراثي لجنس الجنين يكون إما من النوع "س", أي: "أنثى" حين ينقل كروموزوم من النوع "س" من كلٍّ من الأب والأم، أو "س ص", أي: "ذكر", حين ينقل من الأم كروموزم من النوع "س" -وليس عندها سواه كما قلنا, ومن الأب كروموزوم من النوع "ص"؛ لأن عنده النوعين. والاعتماد في الحالتين يكون على تكوين الحيوان المنوي للوالد الذي نجح في الاندماج مع بويضة الأم، أي: ما إذا كان كروموزم الجنس في هذا الحيوان المنوي من النوع س أو ص, ومعنى ذلك: أن جنس الجنين يحدده الأب أساسًا، ما دامت الأم لا تسهم إلّا بنوع واحد من كروموزوم الجنس وهو النوع "س".
ولا توجد طريقة تتحكم في نظام إخصاب البويضة؛ بحيث تتحول إلى نطفة أمشاج من جنس نريده, فتوزيع الكروموزومات الجنسية تحكمه قوانين الوراثة, وهي قوانين يصفها علماء الوراثة الغربيون بأنها نتيجة المصادفة، وهو مصطلح يطلق على النظام الذي يخرج عن نطاق التحكم البشري المباشر، والأصح في
(1/152)

رأينا أن نقول أن هذه القوانين تحكمها مشيئة الله تعالى, فما يخرج عن نطاق التحكم البشري ليس محض مصادفة، وإنما هناك المشيئة الأعلى والقدرة الأسمى التي خلقت الكون والإنسان, وحددت لهما سنن وجودهما, والتي يسميها القرآن الكريم "التقدير", يقول الله تعالى: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه} "عبس: 19" راجع الفصل الثالث", وتقدير الله -جَلَّ شأنه تعالى- على أوصاف المصادفة والعشوائية وغيرها من المصطلحات الراهنة في علم الإحصاء الحديث, والتي انتقلت بدورها إلى علم الوراثة, والأصح من الوجهة الإسلامية أن نقول: إنه إذا أراد الله -سبحانه وتعالى- أن يلتقي الحيوان المنوي الحامل لكروموزوم الذكورة "ص", بالبويضة التي تحمل دائمًا كروموزوم الأنوثة "س", فإن الجنين يكون أنثى بأمر الله, وقد نَبَّه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة العلمية, يقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} [النجم: 45-46] . أي: أن الذكورة والأنوثة تابعة لماء الرجل "راجع الفصل الثالث".
وحالما يتم تكوين النطفة الأمشاج باتحاد النطفة الذكرية والنطفة الأنثوية يتحدد نهائيًّا جنس الجنين, ولا يوجد وسيلة على أيّ نحو تغير من هذا الجنس, وعلينا أن ننبه هنا الأزواج الذين يلومون زوجاتهم على ولادة "البنات"؛ لعلهم يدركون من مناقشتنا السابقة أن كروموزوماتهم هي المسئولة -بمشيئة الله- عن تحديد "الجنس" وليس كروموزومات الأم، ربما لعلهم بهذا يخففون من غلوائهم، فهم وحدهم الملومون، إن كان هناك من يلام!
ويختلف نوعا صبغيات الجنس بعضهما عن بعض في الحجم, وعدد الموروثات داخل كلٍّ منهما؛ فالكروموزوم "ص" أصغرهما -كما بينا- بالإضافة إلى أنه يحتوي على عدد من المورثات أقل من الكروموزوم "س", وهذه الحقيقة تفسر لنا حدوث الاضطرابات الوراثية المرتبطة بالجنس.
(1/153)

وراثة الخصائص المرتبطة بالجنس:
توجد خصائص وراثية معينة تسمى الخصائص المرتبطة بالجنس، والتي تتأثر بالمورثات التي توجد على صبغيات الجنس, ومن المعروف أن الكروموزوم "ص" أقل في عدد مورثاته من الكروموزوم "س" كما ذكرنا, لهذا نجد أن معظم تلك الخصائص تحملها مورثات النوع الأخير, أي: "س"، وهو في جوهره صبغي أنثوي, ومن الاضطرابات الوراثية التي يحملها هذا الكروموزوم مرض الهيموفيليا "سيولة الدم", وعمى الألوان المرتبط باللونين الأحمر والأخضر، والصلع، وبعض صور الصمم، وبعض صور خلل الجهاز العضلي.
وفي بعض حالات الوراثة المرتبطة بالجنس يكون المورث متنحيًا, خذ على سبيل المثال: الاضطراب الجسمي المعروف باسم الهيموفيليا "سيولة الدم" الذي قد يظهر في الجنين إذا كان مورثه متنحيًا, ولا يوجد في النمط الوراثي مورث سائد خاص بتجلط الدم, إلّا أنه في معظم الحالات نجد أن الأجنة الذين لديهم مورث متنحٍ لسيولة الدم يكون لديهم أيضًا مورث سائد خاص بالتجلط الصحي للدم، ولذلك لا يظهرون هذا الخلل، ويصبحون فقط حاملين وراثيين له, وبالطبع إذا كانت الأم حاملة لهذا المورث المرضي فإنها تنقله إلى نسلها، إلّا أن هذا الانتقال يختلف في الذكور عن الإناث, فإذا كان الجنين ذكرًا, فإن نسبة وراثيته لهذا الاضطراب تصبح 50%, ما دام لا يوجد مورث صحي سائد في الكروموزوم الأصغر "ص", الذي يرثه الذكر عن والده؛ بحيث يمنع ظهور الهيموفيليا, أما إذا كان الجنين أنثى لهذه الأم الحاملة للمرض في صورة مورث متنحٍ, فإن الفرصة حينئذ تصبح أكبر بألا تصاب بالمرض؛ لأنها قد ترث عن والدها مورث سائد لتجلط الدم, وقد تكون أحيانًا حاملة للمرض, والطريق الوحيد لانتقال المرض وراثيًّا إلى الجنين الأنثى في هذه الحالة, وظهوره عندها بشكل صريح في في شكل مظهر موروث, أن يكون مورث الأب من النوع المريض أيضًا، وبالتالي يسهم في الجنين الأنثى بمورث متنحٍ له, أي: أن الأنثى المصابة بالهيموفيليا -وغيره من الأمراض السابقة كعمى الألوان- تتلقى مورثة من كلٍّ من الاب والأم في صورة متنحية.
ولعل هذه الحقائق العلمية تفسر لنا ما نلاحظه من أن الخصائص المرتبطة بالجنس أكثر حدوثًا بين الذكور منها بين الإناث, ومن ذلك مثلًَا: أن عمى الألوان "بالنسبة للونين الأحمر والأخضر" ينتشر بين الذكور بمعدل يبلغ ثمانية أضعاف انتشاره بين الإناث "Mussen 1970", وبالمنطق الوراثي السابق نقول: إن جميع النساء المصابات بعمى الألوان لا بد أن يكون أباؤهن لديهم مورثه أولًا.
خلل صبغيات الجنس:
في معظم الحالات يكون نمط صبغي الجنس في الجنين من النوع "س س" للأنثى، و"س ص" للذكر على النحو الذي بيناه, إلّا أنه في بعض الحالات يحدث تنظيم مختلف يترتب عليه حدوث اضطرابات هامة يرثها الطفل، ومنها:
1- زملة1 النقص في أحد الصبغيين "س" عند الإناث، ويكون النمط
__________
1 كلمة زملة هي ترجمة المرحوم أ. د: يوسف مراد لكلمة syndrome الأجنبية، وقد شاعت في الوقت الحاضر ألفاظ أخرى مثل: متزامنة، إلّا أن هذه الترجمة الأصلية في رأينا هي الأصوب, وتدل على مجموعة أعراض مرضية خاصة بمرض واحد.
(1/154)

الوراثي عندهن من النوع "س صفر" أي: عدم وجود الكروموزوم "س" الآخر, وتسمى زملة ترنر Turner, ويظهر هذا النقص بنسبة 1: 250 حالة ولادة, والأنثى التي تولد بهذا النقص الوراثي يكون نموها محدودًا, وعلى الرغم من أنها قد لا تظهر تخلفًا عقليًّا شاملًا, إلّا أنها تظهر بعض مظاهر العجز في القدرات المكانية على وجه الخصوص "أي: القدرة على التعامل مع الأشكال في المكان".
2- زملة الزيادة في بعض صبغيات "س" عند الإناث أيضًا، وفي هذه الحالة يكون النمط الوراثي "س س س" أو أكثر, وفي هذه الحالة تظهر مظاهر العجز الجسمي والعقلي مع كل كروموزوم "س" إضافي.
3- زملة الزيادة في بعض صبغيات "س" عند الذكور, ويكون النمط الوراثي من النوع "س س ص", وتسمى زملة كلاينفلتر Klinefelret, ويحدث بنسبة 1: 500 حالة ولادة, ويؤدي ذلك الاضطراب إلى طول في القامة وإلى نمو جنسي معوق, وقد يصاحبه تخلف عقلي طفيف, وبعض الاضطراب في الشخصية.
4- زملة الزيادة في الصبغي "ص" عند الذكور أيضًا، وتسمى اضطراب الذكورة الزائدة supermale disorder, ويكون النمط الوراثي في هذه الحالة "س ص ص" أو أكثر, وهذا الخلل يصاحبه طول في القامة مع تآزر حركي ضعيف, ونقص في الذكاء وكثرة بثور الوجه, وقد افترض في الماضي -في ضوء الدراسات المبكرة التي أجريت على الذكور المسجونين بسبب جرائم العنف والاغتصاب- أن هذه الزملة تمثل أحد الأنماط "الوراثية" للجريمة, إلّا أن هذا الفرض يوضع في وقتنا الحاضر موضع التشكك بسبب نقص الضوابط المنهجية في البحوث المبكرة, وأهمها: عدم استخدام المجموعات الضابطة, ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن ارتفاع معدل الجريمة المرتبط بهذا الاضطراب الوراثي لدى الذكور, لا يتربط بزيادة مستويات العدوان بقدر ما يرتبط بنقص الذكاء لديهم.
"Brodzinsky et al 1986"
الخلل العام في الصبغيات:
يوجد نوعان من الخلل العام في الصبغيات, أحدهما: يتمثل في العدد غير العادي من الكروموزومات، وثانيهما: البنية غير العادية لها, ويحدث النوع الأول أثناء الانقسام النصفي للنطف الأصلية للأم والأب "البويضة والحيوان المنوي", وقد يحدث أيضًا أثناء مراحل النمو المبكر للنطفة الأمشاج "الزيجوت", وفي كلتا
(1/155)

الحالتين فإن زوج الصبغيات لا ينفصل كما يجب، ويترتب على ذلك زيادة أو نقص أحد صبغيات الخلية.
أما الخلل الثاني، وهو خلل بنية الصبغيات في الخلية فيتضمن أنواعًا عديدة، لعل أهمها تحطم الكروموزوم، أو إعادة بنائه بطريقة غير طبيعية, ومن أسباب ذلك التعرض للإشعاع أو العناصر الكيميائية أو الفيروسات أو حدوث طفرة وراثية, كما يزيد من احتمال خلل الكروموزومات تقدم الأم في السن.
ويعد الخلل العام في الصبغيات مسئولًا عن حوالي 50% من حالات الإجهاض التلقائي في بداية الحمل، وعن حوالي 6% من حالات الوفاة عقب الولادة, ومن المعروف أن حوالي 6. % "أي: 6 في الألف" من الأطفال الذين يولدون أحياء, يحملون بعض صور الخلل العام في الصبغيات، على الرغم من أنه ليس من الضروري أن يظهروا جميعًا نقائص من نوعٍ ما "Liebert et al" "1986، ولحسن الحظ, فإن التطورات الراهنة في ميدان الفحص الوراثي والإرشاد الوراثي, يمكن أن تعين في منع حدوث هذه الحالات من الخلل الوراثي أو في التحكم فيها، وهذا ما سنتناوله فيما بعد.
ومن صور خلل الصبغيات الشائعة ما يسمى زملة داون Downُs syndrome, وقد كشف العلماء منذ عام 1959 أن معظم حالات هذا الخلل يتسبب فيها وجود كروموزوم إضافي من النوع رقم 21, وأنه موروث, ويزيد احتمال حدوثه مع تقدم الأم في السن, وربما لهذا السب يطلب من الأم التي يتجاوز عمرها الخامسة والثلاثين أن تفحص بشكل روتيني قبل الحمل أو أثناءه, للتأكد من عدم وجود مثل هذا الخلل الوراثي الخطير.
وتظهر زملة داون في صورة تخلف عقلي متوسط أو شديد, بالإضافة إلى مظاهر جسمية خارجية واضحة: صغر حجم الجمجمة والذقن والأذنين، وقصر الرقبة والأيدي والأقدام، بالإضافة إلى غلظ الرقبة وفلطحة الأنف، وخفة الشعر، وانشقاق اللسان، ووجود ثنية فوق جفن العين, ولهذا يبدو مظهر الشخص في هذه الحالة وكأنه من المغول "سكان منغوليا"، ولهذا يطلق على هذه الحالة اسم المغولية mongolism 1 "نسبة إليهم"، وهي حالة شائعة في ميدان التخلف العقلي.
__________
1 شاعت ترجمة هذا اللفظ بالمنغولية, وهي ترجمة مباشرة للفظ الأجنبي، والأصح استخدام اللفظ الذي شاع في التراث العربي وهو "المغول" وتنسب إليهم المغولية.
(1/156)

الفصل السابع: أطوار نمو الجنين
أولًا: طور النطفة الأمشاج
يعتبر طور النطفة الذي تناولناه في الفصل السابق, المرحلة التكوينية الأولى للجنين, وهو طور حاسم, فمع تكوين النطفة الأمشاج "الزيجوت أو اللاقحة" تتحدد نهائيًّا -بتقدير العزيز الحكيم- الخصائص الوراثية للإنسان.
وإيجازًا لما عرضناه مفصلًا في الفصل السابق نقول: إن المرأة في فترة التبويض ovulaion "أي: مرحلة خروج البويضة من المبيض", تخرج البويضة أو النطفة الأنثوية إلى قناة فالوب؛ حيث تتكون النطفة الأمشاج التي هي عبارة عن خلية عادية, تتألف من 46 صبغيًّا "كروموزومًا"، بعد أن كانت قبل تكوينها عبارة عن نطفتين "خليتين تناسليتين أو جرثومتين" كل منها يتألف من 23 صبغيًّا "كروموزومًا" فقط. راجع تفاصيل ذلك في الفصل السادس.
والنطفة الأمشاج "البويضة المخصبة أو الزيجوت أو اللاقحة" Zygote لا يزيد طولها عن 10/ 1 الميللميتر، ولا يزيد وزنها عن جزء من المليون من الجرام, ويحيط بها الماء كما يكون الماء الجزء الأكبر منها, ومن هنا كانت التسمية القرآنية للنطفة بالماء المهين, وهو وصف للنطفة الأمشاج أيضًا, ويمتد هذا الطور من اللحظة الأولى للحمل وحتى اليوم السادس أو السابع من بدايته, ولا يمكن لهذا الطور أن يتحدد مجهريًّا, ولذلك يتحدد كيميائيًّا, ويطلق علماء الأجنة على اللحظة التي يتم فيها إخصاب البويضة مرحلة التلقيح fertlization. وعقب ذلك تنقسم البويضة الأمشاج -وهي خلية واحدة كما بينا- إلى خليتين، انظر الشكل رقم "7-1" ثم أربع ثم ثماني.
(1/157)

الشكل رقم "7-1" انقسام النطفة الأمشاج إلى خليتين
وخلال الآيام الثلاثة الأولى من الحمل تصبح النطفة الأمشاج مؤلفة من 16 خلية, وتأخذ عندئذ شكل ثمرات التوت، ولذلك يطلق علماء الأجنة على هذا الطور "طور التوتة" morula ويوضح الشكل رقم "7-2" ذلك.
الشكل رقم "7-2" شكل تقريبي لتحول النطفة الأمشاج إلى شكل ثمرة التوت.
وطوال الفترة السابقة تتحرك النطفة الأمشاج متنقلة من قناة فالوب في المبيض ومتوجهة إلى الرحم، وتدفعها الشعيرات الدقيقة cilia الموجودة بقناة فالوب حتى تصل إلى الرحم بالفعل, وخلال هذه المرحلة يكمل باطن الرحم استعداده لاستقبال النطفة الأمشاج، ويشمل هذا الاستعداد زيادة عدد الأوعية الدموية والنظم الغددية في جدار الرحم, حتى يصبح أملس على نحوٍ يسمح ببقاء النطفة والتصاقها بجداره -فيما بعد- بحيث تتلقى غذاءها منه, وإذا لم يتم الرحم هذه الاستعدادات تسقط النطفة الأمشاج مع أول دورة شهرية "حيض" للأم.
وحين تدخل "التوتة" الرحم يطرأ عليها تغير جوهري في الشكل، فبسبب
(1/158)

دخول السائل الموجود في تجويف الرحم إلى التوتة فإنها تبدأ في التجويف، وفي اليوم الخامس من الحمل تتحول التوتة إلى ما يسمى علميًّا الكرة الجرثومية blastula, وهو طور تصبح فيه النطفة الأمشاج كالكرة من حيث الشكل الخارجي والفراغ الداخلي الذي يملؤه جزء من السائل الدقيق في التجويف الرحمي, كما هو موضح في الشكل رقم "7-3".
الشكل رقم "7-3" شكل توضيحي للكرة الجرثومية
وتحول النطفة الأمشاج من طور التوتة إلى طور الكرة الجرثومية يتضمن ما هو أكثر من محض التغير في الشكل, إنه يتضمن أيضًا بداية التمايز أو التخصص في وظائف الخلايا, مع زيادة عددها إلى ما بين 50-60 خلية.
(1/159)

ثانيًا: طور العلقة
لم يتنبه علماء الأجنة إلى هذا الطور الهامِّ من أطوار نمو الجنين إلّا منذ بضع سنوات، على الرغم من أن القرآن الكريم أشار إليه منذ أربعة عشر قرنًا؛ كطور واضح صريح في مرحلة النمو قبل الولادة "راجع الفصل الثالث", فقد ورد ذكر العلقة في القرآن الكريم في خمسة مواضع, وفي معظمها ورد هذا الطور بعد طور النطفة "ما عدا سورة العلق", ويغلب على فهم أغلب المفسرين القدامى, وكثير من المحدثين وصف العلقة بأنها "دم غليظ متجمد"، وعلى هذا النحو تمت الترجمات التي وضعت لمعاني القرآن الكريم, وقد اختلف مع هذا الرأي قليل من الأقدمين مثل ابن الجوزي في "زاد المسير في علم التفسير"؛ حيث قال: "وسميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر فيه" وهو رأي في كثير من الصواب في ضوء العلم الحديث؛ فالأطباء المحدثون يفسرون اللفظ القرآني تفسيرًا علميًّا بالقول, بأن العلقة
(1/159)

هي الطور الذي تعلق فيه الكرة الجرثومية -والتي اكتمل تكوينها في الطور السابق- بجدار الرحم, وتتشبث به وتنشب فيه "محمد على البار، 1986".
وعلى الرغم من أن كلمة "علقة" تحمل المعنيين السابقين من الوجهة اللغوية، فهي تعني: كل ما ينشب ويعلق، كما تعني: الدم الغليظ، فلا يوجد دليل يحبذ تفضيل المفسرين للمعنى الثاني على المعنى الأول الذي يشير إلى التعلق بجدار الرحم، سوى ما يشاهد عند حدوث الإجهاض المبكر؛ حيث لا يرى إلّا دم غليظ؛ إذ أن حجم العلقة في هذا الطور لا يتجاوز 1/4 ميلليمتر، وتكون محاطة بدم غليظ, ولهذا يكون الانتباه لهذا الدم الغليظ، أما النطفة التي لا تتجاوز ربع الميلليمتر فلا ينتبه إليها أحد.
وتصف لنا الأدلة العلمية الحديثة هذا الطور؛ فبعد أن يتم الرحم استعداده لاستقبال النطفة الأمشاج وبقائها فيه، والتي تكون قد تحولت فيه بالفعل إلى كرة جرثومية، لا يمكن أن يكتب لها الاستمرار أو البقاء فيه إلّا إذا تعلقت بجداره, ويحدث ذلك في اليوم السادس أو السابع بعد الحمل, ويصف علم الأجنة ما يحدث بأنه تعلق attachment أو انزراع implantation, وتعني جميعًا -كما قلنا- تعلق الكرة الجرثومية بجدار الرحم؛ حيث تقوم خلايا الجدار الخارجي للكرة الجرثومية والتي تسمى طبقة التغذية trophobast التعلق بالطبقة الداخلية لجدار الرحم وتزرع نفسها فيه, وحينئذ تكون أشبه بالطفيليات العالقة leech-like "Sympson et al 1985" endometerirm.
وتحاط الكرة الجرثومية، بعد تحولها إلى علقة، ببرك من الدماء blood lacunae، ولذلك, فإن تعبير القدماء عن العلقة بأنها دم غليظ هوتعبير فيه شيء من الصحة، بمعنى أن العلقة تكون محاطة بالدم الغليظ، وهو ما نراه تحت الميكروسكوب, وتتغذى العلقة من هذه الدماء، ومن إفرازات الغدد الرحمية التي يبلغ عددها 15 ألف غدة، والتي يسميها علماء الأجنة لبن الرحم "محمد علي البار، 1986", وفي هذا الطور يبدأ الغشاء المشيمي chorion في التكوين، ويكون له زغب "نتوءات أشبه بنتوءات منابت ريش الطيور"، ويتفرع مثل الشجرة, وصورته تمثل التعلق أصدق تمثيل.
والتعلق الثالث يجيء بواسطة المعلاق connecting slalk، أو الساق الموصلة، الذي يعلق الكرة الجرثومية بالغشاء المشيمي، وهذا المعلاق يشبه الساق المنبارية في الطيور والحيوانات.
وحالما تلتصق العلقة بجدار الرحم تبدأ عملية التغذية، وهو مالم يكن موجودًا في الطور السابق؛ حيث كان تكاثر النطفة الأمشاج، وطوال الأيام الستة الأولى
(1/160)

من حياة الجنين عن طريق الانقسام, إلّا أن زيادة عدد الخلايا في هذا الطور "النطفة الأمشاج" لا يؤدي إلى زيادة الحجم تغيرًا محسوسًا، ولذلك تظل النطفة الأمشاج ذات حجم ثابت تقريبًا؛ لأنها لا تتلقى غذاء، اللهم إلّا القليل الذي يوفره صفار البويضة, إلّا أنها حالما تلتصق بجدار الرحم -وتصحب علقة- تبدأ عملية التغذية التي تؤدي إلى زيادة الحجم.
وإذا كانت تسمية النطفة الأمشاج -كما بينا- تسمية كيميائية، فإن تسمية الطور الثاني من تكوين الجنين "العلقة" تسمية تشريحية مجهرية "ميكروسكوبية", وكلا الطورين وتسميتهما القرآنية إعجاز علميٌّ لا يمكن أن يصدر إلّا ممن هو بكل خلق عليم؛ فالميكروسكوب لم يخترع إلّا في القرن السابع عشر الميلادي, ولم يتطور علم الأجنة إلّا بعد ذلك بقرنين.
والجنين في طور العلقة لا يتجاوز قطره أجزاء من الميلليمتر يتعلق برحم أمه لتغديه من دمها, كما تتعلق "علقة الحجام بجسد المخلوقات التي تتغذى عليها" "عدنان الشريف، 1987-1988". والجنين منذ هذا الطور من حياته وحتى ولادته, يعيش في محيطٍ مائيٍّ معلقًا برحم أمه بواسطة الحبل السري أو المعلاق, والعلق يعيش في الماء.
ويمتد طور العلقة لمدة أسبوع، وبنهايته يكون الجنين قد بلغ من العمر 15 يومًا تقريبًا, وحالما تلتصق العلقة بجدار الرحم في اليوم السابع من الحمل تقريبًا يمكن لها الاستمرار في الحياة، بسبب التغذية التي تأتيها من الرحم، ولعل أهم إنجازٍ يحدث حينئذٍ هو إفراز هورمون يمنع الأم من إفراز العادة الشهرية، وبالتالي تهيئة الرحم الذي تلتصق به العلقة "أو العلق" على نحوٍ أفضل, ويتوزع هذا الهرمون على جسم الأم كله, ويظهر في البول، وظهوره علامة إيجابية على الحمل في الاختبارات التي يجريها الأطباء, وفي بعض الحالات تستمر المرأة في الحيض حتى يملأ الجنين تجويف الرحم, وحينئذ فقط لا يمكن للعادة الشهرية أن تحدث, وهذه هي العدة كما حددها الفقه الإسلامي, والتي يمكن أن يحدث فيها الحمل مع وجود الحيض, أي: الشهور الثلاثة الأولى للحمل, وبعدها تنقطع العادة الشهرية تمامًا, ولم يكن العرب أو غيرهم من الشعوب وقت نزول القرآن الكريم يعرفون هذه الحقائق العلمية، ولكن القرآن الكريم ذكرها وأصبحت الشريعة الإسلامية تنص عليها في عدة المطلقة والأرملة "راجع الفصل الثالث".
(1/161)

ثالثًا: طور المضغة
ورد لفظ "المضغة" في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة باعتبارها طورًا تاليًا لطور العلقة "راجع الفصل الثالث", والمضغة في اللغة: هي ما يمضغ من اللحم, وهي تدل في علم الأجنة على طورٍ في النمو يشبه فيها الجنين في مظهره لقمة ممضوغة "Simpson et al chewed substance 1985"
ويبدأ هذا الطور بعد تعلق الكرة الجرثومية بالرحم؛ حيث تتكون عندئذ ككتل داخلية من الخلايا, نتيجة نشاط ما يسمى الشريط الأولى primitive steak, ويؤدي تمايز هذه الطبقات إلى ظهور ما يسمى الكتل البدنية somites التي تبدأ بالتكثف حول المحور, ثم تنمو بسرعة على جانبيه، وتلامس الميزاب أو الشق العصبي neural groove. وتبدأ هذه الكتل في الظهور من أعلى بعد انقضاء ثلاثة أسابيع تقريبًا على الحمل, وتظهر منها أولًا كتلتان: واحدة على كل جانب، ثم يتوالى ظهورها تباعًا, وبنهاية الشهر الأول من حياة الجنين تتمايز هذه الكتل إلى ثلاث طبقات هي: الطبقة الخارجية ectoderm والتي منها ينمو بعد ذلك الجلد وأعضاء الحس والجهاز العصبي، والطبقة الداخلية endoderm والتي منها تنمو فيما بعد الأجهزة الهضمية والتنفسية والغدية، والطبقة المتوسطة mesoderm التي منها تنمو فيما بعد الأجهزة الدورية والإخراجية والعضلية.
ويبدأ طور المضغة منذ أوائل الأسبوع الثالث من حياة الجنين, ويمتد إلى نهاية الأسبوع السادس من عمره, أي: أن مدته الكلية حوالي أربعة أسابيع, وخلال هذا الطور تظهر الكتل البدنية التي أشرنا إليها، والتي يبلغ عددها من 42-45 زوجًا، فتعطي للجنين شكل اللحم الممضوغ, والنظر إلى صور الجنين في هذا الطور من حياة الإنسان يكشف لنا مرةً أخرى عن إعجاز التسمية القرآنية له بأنه طور "المضغة".
وتنمو المضغة من كتل كبيرة من الخلايا خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ستة أسابيع إلى "طفل مصغر"، وهذا ما يصفه القرآن الكريم "بالمضغة المخلقة"؛ ففيها نجد جميع السمات الجوهرية للجسم الإنساني, سواء أكانت داخلية أو خارجية, ويتبع النمو في هذا الطور الاتجاه من أعلى إلى أسفل؛ فأكبر مقدار من النمو يطرأ على منطقة الرأس أولًا, بينما تكون الأطراف آخر ما ينمو, ومع مرور الوقت يمتد النمو إلى الجزء الأسفل من الجسم.
ولعل أهم تغير يطرأ على الطبقة الخارجية "وهو المسئولة عن التغذية" تكوين أربعة أغشية تهيئ للمضغة النمو. وأحد هذه الأغشية الكيس الأميني amniotic sac, وهو عبارة عن كيس ماءٍ محكمٍ يحيط بالمضغة ويمتلئ بالسوائل التي تصل إليه من أنسجة الأم, ووظيفة الكيس الأميني والسائل الأميني فيه "وهو
(1/162)

سائل ملحي يحيط بالمضغة" حماية المضغة النامية من الإصابة، ومن آثار الجاذبية، والمحافظة على درجة حرارة دافئة ثابتة, يقوم بإحداثها جسم الأم، وتهيئة بيئة عديمة الوزن تسهل حركة الكائن النامي وتساعده على تدريب أجزاء الجسم النامي, ويطفو بجانب المضغة الصغيرة كيس ممتلئٌ بصفار البويضة على شكل بالونة ينتج خلايا دموية للمضغة, ويظل يعمل حتى تستطيع المضغة إنتاج خلاياها الدموية, وهذا الكيس متصل بغشاء ثالث هو المشيمة Chorion التي تحيط بكلٍّ من الغشاء الأميني والمضغة, وأحد جوانب كيس المشيمة مغطى بأبنية أشبه بالجذور أو الزغب, تقوم بعملية جمع الغذاء للكائن من أنسجة الرحم, وهذه المنطقة تتحول بالتدريج إلى باطن المشيمة, أما الغشاء الرابع فيسمى Allantosis, ويؤلف الحبل السري والأوعية الدموية في المشيمة.
وحالما تتكون المشيمة وتنمو تتم تغذيتها من الأوعية الدموية لكلٍّ من الأم والمضغة، على الرغم من وجود غشاء يسمى الحاجز المشيمى, يمنع هذين المسارين الدمويين من الامتزاج, وهذا الحاجز شبه منفذ، أي: أنه يسمح لبعض المواد بالنفاذ من خلاله إلى المشيمة دون سواها, ومن ذلك الغازات مثل: الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون والأملاح وأغذية عديدة؛ مثل: السكر والبروتين والدهون, أما خلايا الدم فهي من الكبر في الحجم بحيث لا تستطيع اجتياز الحاجز المشيمى.
وترتبط المضغة بالمشيمة عن طريق الحبل السري "أو أنبوب الحياة", والذي يتكون من شريانين ووريد, ويحمل الوريد الأوكسجين ومواد الغذاء إلى المضغة، أما الشريانان فيحملان ثاني أوكسيد الكربون وفضلات عمليات الأيض "عمليات بناء البروتوبلازم" التي تصدر عن المضغة, وهذه الفضلات تعبر الحاجز المشيمى وتدخل المجرى الرئيسي لدم الأم, وتطرد من جسمها خلال فضلات عمليات الأيض الخاصة بها, ومن هذا الوصف يتضح لنا أن الجنين النامي هو أقرب إلى الطفيليات، فهو معتمد اعتمادًا كاملًا على أمه في الحصول على الأوكسجين والطعام, وفي علميات الإخراج أيضًا.
وخلال مرحلة المضغة يحدث النمو بمعدل فائق السرعة, فمع بداية هذا الطور، "أي: بعد أسبوعين من الإخصاب" يتحول جزء من طبقة المضغة الخارجية إلى أنبوب عصبي, سرعان ما يصبح الرأس والمخ والنخاع الشوكي, وبنهاية الأسبوع الثالث يتكون قلب بدائي وأوعية دموية, وفي الأسبوع الرابع يبدأ القلب في النبض دافعًا الدم خلال الشرايين والأوردة الصغيرة في المضغة, وتتشكل العينان والأذنان والأنف والفم, وفي الأسبوع الخامس تنشأ فجأة براعم صغيرة
(1/163)

تتحول إلى الذراعين والساقين, ثم تنمو في الاتجاه من الوسط إلى الأطراف "من الداخل إلى الخارج", ومعنى ذلك أن الذراع الأعلى ينمو أولًا, ثم الذراع الأدنى فالأيدي فالأصابع, ويتبع نمو السيقان نفس النمط بعد عدة أيام, وبعد شهرٍ من الإخصاب لا يزيد طول المضغة عن ربع بوصة, ولكن حجمها يزيد على حجم اللاقحة أو النطفة الأمشاج التي تطورت منها بمقدار عشرة ألاف مرة, ولن يتعرض الإنسان في حياته فيما بعد لأي معدل في النمو, أو يتغير بمعدل من السرعة يصل إلى هذه الدرجة بحالٍ من الأحوال "Shaffer 1985".
وخلال الشهر الثاني يتحول الجسم إلى الشكل الإنساني من حيث المظهر, فينمو بمعدل 30/ 1 من البوصة يوميًّا, ويظهر فيه ذيل بدائي, إلّا أن سرعان ما يحاط بالأنسجة الواقية, ويتحول إلى نهاية العمود الفقري "العصص", وفي منتصف الأسبوع الخامس يتكون في كلٍّ من العينين القرنية والعدسة, وينمو المخ أيضًا بسرعة مع بداية الشهر الثاني من الحمل, الذي يوجه التقلصات العضلية الأولى للمضغة عند نهاية هذه المرحلة, وبعد أقل من شهرين من الإخصاب تكون المضغة أطول قليلًا من بوصة "أي: 2,5سم" وتزن حوالي 10/ 1 أوقية "14 جرامًا", ومع ذلك فلها شكل الإنسان, على الرغم من أن طول رأسها يساوي طول باقي الجسم.
وهكذا تتخلق المضغة بإرادة الله -سبحانه وتعالى, والمضغة المخلقة هي التي تكون فيها بدايات أجهزة الجسم المختلفة, إلّا أن المضغة قد لا تتخلق كما يتحدث القرآن الكريم, وحينئذ لا تكون إلّا من خلايا فقط في هذه الحالة، وقد يقصد بذلك -والله أعلم- السقط كما جاء في تفسير القرطبي.
ويؤكد علم الأجنة أن هذه الفترة -فترة المضغة- ذات طبيعة حساسة في النمو الإنساني، فالشهران الأولان من الحمل حاسمان من نواحٍ كثيرة؛ ففيهما يقع معظم السقط, أو حالات الإجهاض التلقائي, وبالطبع هو أخطر من سقط العلقة؛ لأنه يحدث بعد أن تكون العلقة قد علقت بحائط الرحم ثم تطرد منه, وتدل الإحصاءات الطبية أن ما بين 30-50% من حالات الحمل تنتهي بالإجهاض التلقائي أو السقط, ومعظم هذه الحالات تكون من النوع الذي يوصف "بالشذوذ التكويني" أو بعبارة القرآن الكريم تكون حالات "مضغة غير مخلقة".
إلّا أننا يجب أن ننبه إلى أنه حتى المضغة السوية تكوينيًّا, والتي ترتبط بجدار رحمٍ سليمٍ قد تتعرض لبعض المخاطر خلال الشهرين الأولين من الحمل, والواقع أن الفترة من أسبوعين إلى ثمانية أسابيع بعد الإخصاب هي الفترة الحرجة في الحمل؛ فالمضغة خلالها تكون أكثر حساسية للفيروسات والعناصر الكيميائية والعقاقير والإشعاع التي قد تتداخل مع النمو وتحدث عيوب الولادة, فهي تؤثر على أعضاء الجسم وأجزائه التي تكون قد تكونت, وتلك التي في سبيلها للتكوين جميعًا.
(1/164)

رابعًا: طور تكوين العظام والعضلات "اللحم"
يشير القرآن الكريم إلى طورٍ تالٍ لطور المضغة, هو طور تحوّل المضغة إلى عظام, ثم كساء العظام باللحم "راجع الفصل الثالث". وقد لاحظ علماء الأجنة أنه بعد أن تتكون المضغة تتكثف الطبقة المتوسطة التي بجانب المحور على هيئة كتل بدنية, وتنقسم هذه الكتل إلى قسمين.
1- قسم أوسط داخلي ventro medial, والذي يتحول قرب نهاية طور المضغة إلى النسيج العظمي أو الهيكلي، ولذلك تعرف الكتل البدنية في هذا القسم باسم القطاع الهيكلي Selerotome، ولخلايا هذه الكتل القدرة على التشكيل، فمنها تتكون الخلايا المكونة للعظام osteoblasts, وتنمو خلايا هذا القسم من الجانبين أمام القناة العصبية، وبذلك تتكون هذه الكتل من مؤخرة الرأس حتى تلتحم أربع كتل بدنية معًا مكونةً جزءًا من قاع الجمجمة, ثم تأتي بعدها ثماني فقرات عنقية، تليها اثنتا عشرة فقرة صدرية, ثم خمس فقرات قطنية، وخمس أخرى عجزية، وبعدها ثماني إلى عشر فقرات عصعصية, يتلاشى معظمها مع عظم العصعص, وتبدأ هذه التحولات في الأسبوع الخامس والسادس من عمر الجنين, ثم تزداد ظهورًا بعد ذلك, ويمكن أن يسمى هذا القسم من الكتل البدنية القسم العظمى.
2- قسم جانبي خارجي dorso lateral, وهو قسم يمكن أن نسميه القسم العضلي أو اللحمي, وهذه الكتلة البدنية من الخلايا تظهر من الفقرات الأولية, وتمايزها إلى طبقتين: أولاهما: تُكَوّن الأدمة "باطن الجلد الواقع تحت البشرة"، وما تحت الأدمة، أما الطبقة الثانية فتكوّن عضلات الهيكل myotome, وتظهر هذه العضلات لتكسو عظام الجنين بعد انقضاء الأسبوع السابع أو الثامن من الحمل, بينما تظهر العظام الأولية بعد انقضاء الأسبوع السادس أو الثامن من الحمل؛ ففي الأسبوع السابع يتشكل مثلًا غضروف الأذن على نحو أفضل, ويصبح للمضغة شكل عظمي غضروفي.
ومن الحقائق التي يؤكدها علم الأجنة أن الكتل البدنية التي تكون قد بدأت في الظهور في الأسبوع الثالث من حياة الجنين "مع بداية طور المضغة" يكتمل
(1/165)

ظهورها في اليوم الثلاثين من حياته "أي: بعد انقضاء شهر على الحمل"، ولا تكاد تتكون كتل جديدة خلال طور المضغة إلّا بعد أن تكون الكتل القديمة قد تمايزت إلى قطاعٍ هيكليّ "عظمي" وقطاع عضلي "لحمي".
وتتكون فقرة العظام من قطعتين هيكليتين متجاورتين، ولهذا يؤدي هذا الالتحام إلى تحرك القطع العضلية لتغطيتها, وذلك للمساعدة في حركتها، ويعبر القرآن الكريم عن هذه العملية بالتعبير المعجز {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} .
أما بالنسبة لتكوين الأطراف, فقد أشرنا إلى أنه في الأسبوع الخامس -حيث لا يزال الجنين في طور المضغة- تظهر هذه الأطراف في صورة براعم صغيرة، ثم تتحول في طور العظام والعضلات إلى ذراعين وساقين. وحسب مبدأ النمو -الذي سبق أن أشرنا إليه- يسبق الطرف العلوي الطرف السفلي في الظهور ببضعة أيام, نتيجة تكثف خلايا من النسيج المتوسط messenchyme, تأتي من الطبقة المتوسطة للكتل البدنية التي أشرنا إليها عند حديثنا عن طور المضغة, وفي الأسبوع السادس تتحول خلايا النسيج المتوسط إلى خلايا غضروفية, وفي نفس الأسبوع أيضًا تظهر بوضوح الهياكل الغضروفية السفلية والعلوية.
وأول علامة على وجود العضلات في الأطراف تظهر في الأسبوع السابع نتيجةً لتكثف خلايا النسيج المتوسط في قاعدة برعم الطرف، ومن هنا يتضح أن العظام تتكون أولًا, ثم تليها العضلات لتكسوها, وصدق الله العظيم.
وتتكون عظام العمود الفقري والأطراف عن طريق تكوين الغضاريف أولًا، ولهذا تسمى العظام الغضروفية, أما عظام الرأس فتتكون بطريقتين: أولاهما العظام الغضروفية, والتي تشكل قاع الجمجمة وعظام الوجه، وثانيهما العظام الغشائية, وتشكل عظام قحفة الجمجمة, وفيها يتكَوّن العظم مباشرة فوق الغشاء دون أن تسبقه مرحلة غضروفية.
ومع اقتراب الجنين من بداية الشهر الثالث من عمره, تبدأ العظام في الصلابة, وتسرع العضلات في النمو، وتتحول المضغة غير المشكلة إلى الشكل الإنساني, ويطلق علماء الأجنة على هذه المرحلة مرحلة الكتلة المنتفخة, أو ما يصح أن يطلق عليه حقًّا الجنين embryo, وهكذا تؤلف الشهور الثلاث الأولى من الحمل الفصل الأول من حياة الجنين.
(1/166)

خامسًا: طور التسوية
...
طور التسوية:
بعد اكتمال نمو المضغة, وتحول المضغة غير المشكلة إلى كتلةٍ منتفخة لها الشكل الإنساني "أي: جنين" بسبب تكَوّن العظام وكسوتها بالعضلات تدخل طورًا جديدًا في حياة الإنسان, هو طور التسوية كما يسميه القرآن الكريم "راجع الفصل الثالث", ويبدأ هذا الطور مع بداية الشهر الرابع من حياة الجنين, ويمتد حتى الولادة, ويطلق علماء الأجنة على هذه المرحلة تسمية خاصة هي مرحلة الحميل fetus.
فمع نهاية الشهر الثالث يظهر جنس الجنين؛ ففي الأسبوعين السابع والثامن يبدأ النمو الجنسي مع غدة جنسية محايدة, فإذا كان الجنين ذكرًا يحدث أحد جينات الكروموزم "ص" فيه رد فعلٍ كيميائيًّا حيويًّا يوجه الغدة المحايدة إلى أن تنتج الخصيتين، أما إذا كان الجنس أنثى, لا تتلقى الغدة المحايدة مثل هذه التعليمات, وتنتج المبيضين, ومع نضج الخصيتين خلال الأسبوعين التاسع والعاشر تفرزان الهرمون الجنسي للذكور, والذي يستثير نمو الجهاز التناسلي الذكرى, وبالمثل ينمو لدى الجنين الأنثى جهاز تناسلي أنثوي.
ومع نهاية الشهر الثالث أيضًا يكون الجنين قادرًا على القيام ببعض الأنشطة الطريفة في بيئته داخل الرحم. يحرك ذراعيه, ويخبط بساقيه، ويحرك جسمه, بل يقوم ببعض الحركات البهلوانية، على الرغم من أن هذه الحركات قد لا تتنبه لها الأم في هذه المرحلة, وفي هذه الفترة يكون للجنين جفنان وأحبال صوتية وشفتان وأنف بارز, وتعمل بعض الأعضاء بحيث تسمح للجنين بالبلع والهضم والتبول, وتظهر معالم الجنس وتنشأ في الجهاز التناسلي للذكور خلايا غير ناضجة للحيوانات المنوية، وللإناث خلايا للبويضات, وكل هذه التفاصيل تظهر بعد 12 أسبوعًا من الإخصاب، مع أن طول الجنين لا يتجاوز ثلاث بوصات "أي حوالي 7،5", ووزنه يتراوح بين 1/ 2، 3/ 4 أوقية "أي ما بين 15جرامًا، 23جرامًا".
وتسمى الأشهر من الرابع إلى السادس الفصل الثاني من حياة الجنين، وهي فترة نمو سريع؛ فخلال الشهر الرابع "سن 16 أسبوعًا" تظهر أظافر أصابع اليد والقدم، وتنمو العضلات بسرعة، ويكون طول الجنين من 8-10 بوصات "بين 20-25", ووزنه يصل إلى 6 أوقيات "180جرامًا" ونشاطه الحركي يشمل أنشطة أكثر دقة؛ مثل: مص الأصابع، وحركات أكثر عنفًا, مثل: الرفس الذي تشعر به الأم, ويمكن لدقات قلبه أن تسمع بسماعة الطبيب, ويمكن التعرف على مدى صلابة الهيكل العظمى بأشعة إكس أو الأشعة فوق الصوتية, وتبدأ في هذه الفترة استجابات الجنين البصرية والسمعية, فإذا أسقط ضوء مباشر على بطن الأم في هذه الفترة فإنه قد يؤدي إلى حركة الجنين في الرحم, وكذلك فإن التغيرات في معدل نبض قلب الجنين استجابةً للأصوات المختلفة, قد تدل على تمييزه بينها.
(1/167)

وبنهاية الشهر الرابع يكون للجنين مظهر بشري متميز, ولكنه لا يستطيع العيش خارج الرحم.
وخلال الشهرين الخامس والسادس تزداد الأظافر صلابةً والجلد سمكًا، وتظهر فجأة الحواجب والرموش وشعر الرأس, وعند 20 أسبوعًا تنشط الغدة الدرقية، وتزداد دقات القلب قوةً؛ بحيث يمكن سماعها بوضع الأذن على بطن الأم, ويصل طول الجنين حينئذ إلى 12 بوصة, ويزن ما بين 12، 16أوقية, وبنهاية الأسبوع الرابع والعشرين يمكن للجنين أن يفتح ويغلق جفنيه بإرادته, على الرغم من أنه لا يستطيع أن يرى شيئًا في ظلمة الرحم "إحدى الظلمات الثلاث الواردة في القرآن الكريم", ويستطيع الجنين أن يسمع؛ فالأصوات العالية تحدث فيه استجابة جفول, وتزيد من نشاطه الحركيّ، بينما الأصوات الداخلية؛ مثل: دقات قلب الأم, لها أثر مهدئ, وبعد ستة أشهر من الإخصاب يصل طول الجنين إلى ما بين 14-15 بوصة "حوالي 35سم", ويصل وزنه إلى حوالي رطلين "أقل من كيلو جرام واحد".
وتمثل نهاية الفصل الثاني من مرحلة الجنين فترة حرجة أخرى في نمو الإنسان؛ فخلال الفترة من الأسبوع الرابع والعشرين والثامن والعشرين من الإخصاب, يكون مخ الجنين وجهازه التنفسي قد نضجا إلى الحد الذي يجعل الحياة خارج الرحم ممكنة, بشرط ألّا يقل وزنه عن 1500جرام, فإذا قَلَّ وزنه عن ذلك، وهو الأكثر حدوثًا, فإن الطفل عادةً لا يعيش حتى ولو تهيأت له أفضل خدمة طبية ممكنة, وبصفة عامة نقول: إن كل يومٍ إضافيٍّ يعيشه الطفل داخل رحم الأم, يهيئ له فرصةً أكبر للحياة بعد الولادة.
وتمثل الشهور من السابع إلى التاسع الفصل التاسع من حياة الجنين, وهي كذلك مرحلة نمو سريع, فمع نهاية الشهر السابع يكون وزن الجنين قد بلغ حوالي أربعة أرطال "أقل من كيلو جرام" وطوله ما بين 16-17 بوصة "حوالي 41سم" وفي هذه الفترة يبدأ الجنين في البحث عن مصادر الضوء وهو لا يزال داخل الرحم, وذلك بتوجيه رأسه وفتح عينيه مع اختلاف موضعه بالنسبة لجدار بطن الأم "Comparetti1981", كما تزداد الحواس الأخرى فعاليةً ومنها حاسة اللمس، على نحوٍ يؤدي إلى إمكانية التوصل بين الوالدين والجنين من خلال ملامسة بطن الأم, وبعد شهر ينمو طوله إلى 18 بوصة "حوالي 45سم", ويزداد وزنه إلى ما بين 5-6 1/2 رطلًا "ما بين 2.7- 3.4 كيلو جرامًا", ومعظم الزيادة في الوزن في هذه المرحلة تنتج عن الدهون المختزنة تحت الجلد, وعند الميلاد تحمي هذه الطبقة الدهنية الطفل من تقلبات درجة الحرارة, ويمكن للطفل المبتسر
(1/168)

"الذي يولد قبل إكمال الشهور التسعة" أن يعيش، فإذا قلَّ وزنه عن خمسة أرطال, لابد من وضعه في محضن شبيه ببيئة الرحم.
وفي هذه الفترة يستطيع الجنين التمييز بين الأصوات, كما يتمثل ذلك في زيادة حركة الجنين؛ كمؤشر على الانتباه, واتضح أن الجنين يفضل الأصوات ذات الدرجة العالية, سواء في الصوت البشري "صوت المرأة على صوت الرجل"، أو في المقطوعات الموسيقية "الموسيقى الكلاسيكية المركبة مثل أعمال فيفالدى على أعمال بيتهوفن", كما يفضل الموسيقى الإيقاعية على موسيقى الروك "Verny 1982".
وعند بلوغ الجنين النصف الثاني من الشهر التاسع من عمره, يصل طوله إلى حوالي 20 بوصة "أو50 سنتيمترًا"، ووزنه إلى حوالي 7 أرطال "أو 3،6 كيلو جرامًا", وهو وزن وطول تضيق به بيئة الرحم, ولهذا تشعر بعض الأمهات بأن يدًا أو رأسًا تضغط في اتجاه الخروج, وإذا لمس المرء بطن الأم يشعر بشكل الجنين كاملًا، وقد يتحرك الجنين استجابةً لهذا الملمس, وهكذا يصبح الطفل مستعدًّا للخروج من بيئة الرحم إلى بيئة العالم الخارجي الواسع.
(1/169)

سادسًا: تعلم الأجنة
...
تعلم الأجنة:
من النتائج الطريفة التي توصل إليها ديكاسبر وفيفر، DeCasper Fifer 1980" أنه لو تحدث رجل وامرأة في وقتٍ واحدٍ إلى الجنين، وكلٌّ منهما في جانب من جوانب الغرفة، فإن الجنين يتحول نحو الصوت الأنثوي, والسؤال هنا: هل هذه استجابة فطرية للصوت ذي الدرجة الأعلى كما بينا, أم هي ناتجة عن زيادة ألفة الجنين بصوت الأم, وبالتالي فهي نتاج التعلم؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: إن هناك أدلة على تعلم الأجنة, ومن ذلك أن البحث السابق, وبحث آخر قام به ديكاسبر أيضًا مع سبنس DeCasper Spence 1986", أظهر أن الطفل يفضل صوت أمه على غيره من أصوات النساء, إلّا أن البحوث حتى وقتنا الحاضر تبين أن الجنين لا يظهر أيّ تفضيل لصوت الأب "De Casper Prescott 1984", ومع ذلك, فإن زيادة تعود الجنين لهذا الصوت قد يؤدي به للإستجابة له "تفضيلَا له على غيره من الأصوات" حتى في غرفة الولادة, إلّا أن الأدلة لا تزال غير كاملة. وعمومًا فإن النتائج المتناثرة تقول لنا: إن أطفال الأمهات البكماوات نادرًا ما يصرخون, ويعقب "Truby Lind"1965" على ذلك بقولهما: أن أمثال هؤلاء الأطفال يفتقدون دروس الكلام أثناء وجودهم في أرحام أمهاتهم", وحيث أن الصراخ من مؤشرات القدرة على الكلام
(1/169)

عند الطفل، بالإضافة إلى أنه من وسائل التعبير عن الانفعالات، فإن مثل هؤلاء الأطفال ربما يعانون بعد ذلك من صعوبات التواصل.
وتوجد أدلة على قدرة الجنين على تذكر المثيرات الصوتية "والتذكر من علامات التعلم"؛ ففي الدراسة التي قام بها ديكاسبر وسبنس عام 1986 التي أشرنا إليها, قاما بتعريض الأجنة لثلاث قصص قصيرة, إحداها قيلت بصوت الأم مرتين يوميًّا خلال الفصل الأخير "الثالث" من طور الجنين, وأظهرت النتائج أن الأجنة أظهروا تفضيلًا للقصة الأكثر مألوفية "المقروءة عددًا أكبر من المرات وبصوت الأم"، سواء قرئت في موقف الاختبار "بعد التدريب" بصوت الأم, أو بصوت إمرأة أخرى, والسؤال هو: هل يؤدي استماع الجنين إلى صوت الأم وأنماطها في الكلام والتحدث إلى إعداد الطفل لتعلم لغة الأم؟ "ولعلنا نشير هنا إلى أن اللغة القومية؛ كاللغة العربية في مجتمعاتنا تسمى اللغة الأم "Mother rongue".
ربما يدعم الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب تلك النتيجة الطريفة التي توصل إليها "Lind Hardgrove 1978" منذ أواخر السبعينيات, وخلاصتها: أن الجنين يظهر استجابات تفضيلية للأنماط المختلفة من الأصوات, والموسيقى التي تقوم الأم أثناء الحمل بغنائها, أو بإصدارها ببعض الآلات الموسيقية، بل إن الأكثر أهميةً أن الطفل يظهر تفضيلًا لنفس الأنماط الصوتية بعد الولادة, بل إن هذه الدراسة، ودراسة أخرى قام بها جاكسون "Jackson 1978" أكدتا أن تفضيل الطفل لهذه الموسيقى قد يظهر بعد فاصل زمني, قد يمتد إلى ما بين ثلاثة وخمسة شهور بعد الولادة "حين يتعرض الطفل لنفس المثيرات الصوتية", بل إن هذا الأثر قد يمتد لبضعة سنوات.
ومن علامات تعلم الأجنة أن الجنين في الفصل الثالث من طور نموه, يتعلم الاستجابة الحركة "بالرفس مثلًا" عند لمس بطن أمه في أماكن معينة تعود الجنين عليها, كما أكدت دراسة قام بها ماديسون وزميلاه "Madison et al 1986" أن الجنين الذي يتعرض لخبرات صوتية, ويتعود عليها بسرعة قبل ولادته, يظهر قدرةً عاليةً على التوجه المكاني, والاستجابة للمثيرات البيئية عقب الولادة, وبالطبع فإن النمط الأساسي للتعلم في هذه الحالة هو التعلم بالاشتراط, وهذه مسألة تحتاج لمزيد من البحث.
ومن الدراسات الحديثة حول هذا الموضوع بحث "Wilkin 1991" التي أجرته على مجموعتين من النساء الحوامل؛ إحداهما: تجريبية, والأخرى ضابطة؛ حيث تعرضت المجموعة التجريبية لخبرة موسيقية تصل مباشرة للجنين من خلال جهاز تسجيل موصل مباشرة لبطن الأم, بينما لم تتعرض المجموعة الضابطة
(1/170)

لهذه الخبرة, وتَمَّ قياس معدل القلب والنشاط الحركي للجنين في الحالتين, ثم عرضتت نفس المثيرات الموسيقية على الأطفال من المجموعتين بعد الولادة, وسجلت نفس الاستجابات التي قيست لهؤلاء الأطفال حين كانوا أجنة, لقد أظهرت النتائج فروقًا جوهرية بين مجموعتى الأطفال, مما يدل على حدوث تعلم أثناء مرحلة الجنين.
خلاصة المرحلة المعجزة:
هكذا نأتي إلى نهاية الطور الأول من رحلة حياة الإنسان: طور الجنين, وهي مرحلة معجزة، وصفها القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنًا، ولم يكشف العالم الحديث عن بعض أسرارها إلّا منذ بضعة عقود.
وحتّى يتضح لنا المعنى الكلي لهذه المرحلة نعرض خلاصة لها في الجدول رقم "7-1", يوضح التغيرات الجوهرية التي تطرأ على كل طور منها.
(1/171)

جدول رقم "7-1" خلاصة التطورات الجوهرية التي تطرأ على الجنين في أطواره المختلفة
(1/172)

الفصل الثامن: رعاية الجنين والأم الحامل
العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ماقبل الولادة
خصائص الأم
...
الفصل الثامن: رعاية الجنين والأم الحامل
يتناول هذا الفصل الأسس العامة لرعاية الجنين والأم الحامل, ونبدأ بعرض العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ما قبل الولادة, ثم ننتقل إلى أساليب الإرشاد اللازمة للوالدين عامة والأم خاصة في هذه المرحلة.
العوامل المؤثرة في النمو خلال طور ما قبل الولادة:
يتأثر النمو في طور ما قبل الولادة بمجموعةٍ من العوامل, تؤدي إلى السواء أو الخلل في التتابع العادي الذي وصفناه في هذا الباب, ونعرض فيما يلي العوامل التي أكدتها البحوث التجريبية.
1- خصائص الأم:
من العوامل المؤثرة في نمو الطفل في طور ما قبل الولادة عمر الأم, فقد تأكد أن الحمل قبل سن العشرين قد يؤدي إلى فقدان الطفل أو نموه مشوهًا, وقد يكون سبب ذلك أن كثيرًا من النساء لا يبلغ النضج الجسمي قبل هذا السن "ربما عند سن 18", وعلى هذا, فإن الأم الصغيرة التي لا تزال في مرحلة النمو الجسمي قد يكون جهازها التناسلي أقلّ اكتمالًا, أو أنها قد تكون في حاجة أكثر إلى معظم غذائها في نموها هي، ويؤدي ذلك إلى بعض الأخطار على الجنين.
وبالمثل, فإن الأمهات بعد سن الخامسة والثلاثين يواجهن مشكلاتٍ أثناء الولادة, بالإضافة إلى احتمال وفاة الجنين وتشوهه إذا وُلِدَ حيًّا, ومعظم هذه الحالات تنشأ لدى الأم الكبيرة التي تلد في هذا السن لأول مرة, والمشكلات في هذه الحالة تفوق مشكلات الأم الصغيرة, أما بالنسبة للأمهات الكبيرات اللاتي سبق لهن الولادة, فعادةً ما يكمل الجنين مدة الأشهر التسعة ويلدن بطريقة طبيعية.
ويؤثر في نمو الجنين عدد مرات الحمل السابقة للأم؛ فالأم التي تحمل أكثر من أربع مراتٍ يتعرض جنينها في هذه الحالة إلى مشكلات نمو أكثر من الأم التي تحمل عددًا أقل من المرات, إلّا أن الملاحظ أن الولادة الثانية للأم تكون عادةً
(1/173)

أيسر من الولادة الأولى, ويرتبط عدد مرات الحمل بالطبع بسن الأم, فمن البديهي أن تكون الأم التي تلد أكثر من 4مرات أكبر سنًّا من تلك التي تلد عددًا أقل من المرات إذا تساوى سن الزواج.
ويؤثر في نمو الجنين الحالة الانفعالية للأم, إلّا أننا يجب أن نذكر أن هذا العامل لم يدرس بعد دراسة كافية على أمهات الأجنة البشرية, بسبب صعوبة تصميم مثل هذه البحوث التي تنتمي إلى دراسة التفاعل بين الأم والجنين, وتقدير أثر هذا التفاعل في نموه, وقد اقتصرت معظم البحوث على الظواهر التي يمكن أن تقاس بموضوعية, وخاصة النشاط البيولوجي والنشاط الحسي, ولهذا فإن معظم هذه البحوث أجريت على الحيوانات، ومنها اتضح بصفةٍ عامَّةٍ أن تعرض الأم الحيوانية الحامل للضغوط الانفعالية يؤدي إلى تغير سلوك النسل, ومن ذلك زيادة الانفعالية لديه "Mussen 1970", ويبدو من ذلك أن من المنطقي استنتاج: أن الحالة الانفعالية للأم تؤثر في نمو جنينها؛ فالأم غير السعيدة في حياتها الزوجية تشعر بالقلق نتيجة للحمل, وحتى الأم السعيدة تشعر أحيانًا بالقلق من عملية الولادة, وخاصة إذا كانت للمرة الأولى, وقد تأكد تأثير هذه الحالات على الجنين بالرغم من عدم وجود ارتباط مباشر بين الجهاز العصبي لكلٍّ من الأم والطفل, وقد ينشأ الأثر عن نشاط الجهاز العصبي المستقل للأم الذي يستثير الغدد الصماء لإفراز هورمونات؛ مثل: الأدرينالين الذي يصاحب الحالات الانفعالية مثل القلق, والهورمونات يمكنها أن تخترق المشيمة, وتدخل في المسمار الرئيسي لدم الجنين, وفي دراسة مبكرة قام بها سونتاج "Sontage 1987" أن الأطفال الذين يتَّسِمون بكثرة النشاط أثناء الحمل ربما نتيجة لقلق الأم، يظهرون فيما بعد الكثير من الصراخ والتلوي والإسهال ومشكلات التغذية, كما أكَّدَ باحثون آخرون "Copans 1974" بعد ذلك أعراضًا أخرى لأطفال هؤلاء الأمهات؛ مثل: القئ المتكرر, والحساسية للأصوات, وقد تؤثر الحالة الانفعالية للأم أيضًا في زيادة النشاط الحركي للجنين "Ridgway 1987"؛ فإذا استمر التوتر الانفعالي والقلق طوال فترة الحمل, فإنه قد يؤدي إلى صعوبات جمة أثناء الولادة.
وحالما يولد الطفل من أمٍّ شديدة القلق, وعلى درجةٍ من الاعتمادية على الآخرين, ولديها اتجاهات متناقضة أو سلبية إزاء الحمل, فإن طفلها يكون زائد النشاط, مفرط الحساسية, وغير منتظم في طعامه ونومه وعادات الإخراج عنده، بالإضافة إلى ما قد يعانيه من أمراضٍ خلال السنوات الثلاث الأولى من حياته "Stott 1971", وهذه الحالة المزاجية قد تكون وراثية، وقد ترجع مباشرة إلى القلق الزائد عند الأم.
إلّا أننا نحب أن ننبه إلى أن النتائج السابقة ترتبط بالحالة الانفعالية الشديدة طويلة المدى لدى الأم, ولا نتوقع أن يؤدي الضغط النفسي العادي أو القلق المتوسط أو المؤقت, إلى آثارٍ خطيرة في الجنين.
(1/174)

2- التغذية:
التغذية غير الكافية للأم تؤدي أيضًا إلى مشكلاتٍ في نمو الجنين؛ لأن الأم هي المصدر الوحيد لغذائه، ولهذا ينصح أطباء النساء والولادة الأمهات في الوقت الحاضر بأن يزيد وزنهن خلال الشهور الثلاثة الأولى من الحمل بمعدل ثلاثة أو أربعة أرطال على الأقل "ما بين 1,5-2،8 كيلو جرامًا"، ثم بمعدل رطل "حوالي نصف كيلو جرام" في الأسبوع تقريبًا بعد ذلك، بزيادة كلية مقدارها 24 -28 رطلًا "بين 12-14جرامًا". ويتوقف ذلك على التوازن الغذائي للطعام الذي تتناوله الأم؛ حيث يجب أن يشمل البروتين والدهون والكربوهيدرات والمعادن والفيتامينات.
ومعظم النتائج التي حصل عليها الباحثون عن علاقة التغذية بنمو ما قبل الولادة, جاءت من البحوث التي أُجْرِيَت على الأمهات سيئات التغذية, وتأكد أن خطر هذا العامل على الأم الحامل يكون أشد حين يحدث في الشهور الثلاثة الأولى من حياة الجنين، كما أن هذه المخاطر قد تظهر حين يحدث سوء التغذية في الفصل المتآخر من الحمل "أي: الشهور الثلاثة الأخيرة"؛ ففي هذه المرحلة يتزايد بسرعة عدد خلايا مخ الجنين كما يصل فيها الجنين إلى معظم وزنه المعتاد عند الولادة, وقد أكدت البحوث التي أجريت على الحيوانات أن الغذاء غير الملائم للأم ينتج في الجنين عدد أقل من الخلايا العصبية "Liebert et 1986", ولهذا فإن من المتوقع للأمهات سيئات التغذية في هذه الفترة, أن يلدن أطفالًا ذوي مخٍّ أقل في عدد خلاياه العصبية, وذوي وزن منخفض, وبالإضافة إلى ذلك فإن كثيرًا من الدراسات الارتباطية أكدت وجود علاقة بين النقص الغذائي لدى الأم والولادة المبتسرة, أو نقص الوزن عند الولادة, أو ولادة الجنين ميتًا, أو التخلف في النمو, بالإضافة إلى التخلف العقلي.
وتتوقف الآثار طويلة الأمد لسوء التغذية أثناء الحمل على نظام تغذية الطفل بعد ولاته, فإذا تعرض الطفل الوليد لسوء التغذية بسبب انخفاض المستوى الاقتصادي الاجتماعي؛ فالأرجح أنه سينمو بنقائص جسمية وعقلية, ومن حسن الحظ أن التعويض الغذائي الذي يُقَدَّمُ للأم خلال النصف الثاني من فترة الحمل, أو يقدَّم للأطفال عقب الولادة مباشرة, يساعد في خفض آثار سوء التغذية المبكر.
وعلى أية حالٍ, فلا يزال موضوع سوء التغذية وأثره في الجنين في حاجةٍ إلى مزيد من البحث, والسؤال هو: هل سوء التغذية لدى الأم لا يقابل ببساطة الحاجات الغذائية لدى الجنين، أم أنه أيضًا يلعب دورًا غير مباشر في زيادة تعرض الأم للأمراض وتعقيدات الولادة؟
(1/175)

3- الأمراض:
من المعلوم في الوقت الحاضر أن كثيرًا من الفيروسات تستطيع أن تخترق المشيمة, وتؤثر بشدة في الجنين, ويزداد ذلك وضوحًا إذا علمنا أن الجنين لا يتوافر له جهاز مناعة ناضج يقاوم الأمراض المختلفة.
ومن الأمراض التي تؤثر في الجنين تلك تتعرض لها الأم بالطبع، وأشهر هذه الأمراض الحصبة الألمانية التي عرفت بخطرها على الجنين منذ عام 1942؛ فإصابة الأم بهذا المرض قد يؤدي إلى فقدان الطفل بصره وسمعه, وقد يعاني من اضطراب القلب والكبد والبنكرياس والتخلف العقلي, ويزداد خطر الحصبة الألمانية خلال الشهور الأولى من الحمل؛ حين يزداد احتمال السقط أو ولادة الطفل ميتًا، أو الولادة قبل الأوان، ويقدر عدد النقائص التي تحدث نتيجة لهذا المرض خلال الشهر الأول من الحمل بحوالي 50%، كما تأكد أن خطر الحصبة الألمانية لا يكون بنفس الدرجة من الشدة على الطفل إذا أصيبت الأم بعد ثلاثة أشهر من الحمل.
ومن الأمراض المعدية الخطيرة أيضًا مرض الزهري, الذي يؤثر في الجنين، إلّا أن أثره عكس اتجاه الحمى الألمانية؛ فهو أشد خطرًا بعد أن يبلغ الجنين ثلاثة أشهر من العمر إذا أصيبت به الأم في هذه الفترة.
وتوجد أمراض أخرى لها أثار مختلفة في الجنين, يوضحها الجدول رقم "8-1".
(1/176)

جدول رقم "8-1" بعض الأمراض التي تتعرض لها الأم وأثرها في الجنين
(1/177)

4- العقاقير والمخدرات:
يتأثر الجنين بما تتعاطه الأم من العقاقير "ويشمل ذلك الأدوية"؛ فبعض الأدوية التي تشمل المهدئات أو بعض الهرمونات "وخاصة الهرمونات الجنسية" تؤثر تأثيرًا سلبيًّا على نمو الجنين، ويشمل ذلك حبوب منع الحمل إذا تعاطتها الأم دون أن تعلم أنها حامل.
ويدخل في باب العقاقير المسكرات والمخدرات, وقد تأكَّد منذ زمنٍ طويلٍ أن تعاطي الأم للخمور "حتى ولو بمقدار بسيط" يؤدي إلى ضمور رأس الجنين, وسوء نشاط قلبه وأطرافه ومفاصله ووجهه, ويتوقع لهذا الجنين أن يظهر نشاطًا زائدًا وبعض النوبات التشنجية, وقد حدد بعض الباحثين "راجع: Shaffer 1985 136" عرضًا مرضيًّا يسمى "كحولية الجنين"، ويلاحظ على الطفل الذي يولد ولديه هذا المرض أنه يكون أصغر حجمًا, وأخفّ وزنًا, بالنسبة للطفل العادي، وأن نموه الجسمي يتخلف عن أقرانه طوال الطفولة والمراهقة. كما أن معظم هؤلاء الأطفال يحصلون على درجات أقل من المتوسط في اختبارات الذكاء، وكثيرون منهم يصنفون على أنهم متخلفون عقليًّا.
وقد أجريت دراسات على تدخين الأم للحشيش, أكدت أنه يؤدي إلى حدوث شذوذ سلوكي يظهر في الطفل الوليد, كما أجريت دراسات على عقاقير الهلوسة LSD1, أكدت أن الأم التي تتعاطى هذه العقاقير قبل الحمل أو أثناءه, تتعرض للإجهاض التلقائي، أو إلى أن يولد الطفل وفيه عيوب تكوينية, ومنها شذوذ الكرموزومات, فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأمهات اللاتي يتعاطين هذه المخدرات وغيرها عادةً ما يكنّ من المريضات, أو من سيئات التغذية, أو من المدمنات على أنواعٍ من العقاقير الأخرى كالخمور, يمكننا أن ندرك المخاطر المحدقة بأطفالهن.
ولعل من أخطر النتائج التي تَمَّ التوصل إليها, هي ما يدور حول تعاطي المخدرات المهدئة مثل: الأفيون والهيروين والكودين والميثادون والمورفين, فقد تأكد أن أطفال المدمنات على هذه المواد يصبحون مدمنين وهم في الرحم, وحين يولدون يكون حجمهم أقل من الحجم المعتاد, بل لوحظ على هذا الطفل بعد ولادته "وقد توقف بالطبع عن التعاطي بسبب انفصاله الجسدي عن الأم" أنه يعاني من القيء والإسهال والتشنج, والتي قد تؤدي بحياة الطفل إذا لم تعالج, وإذا عاش الطفل فإنه يظهر أعراض التهيج وحَدَّةَ الطبع والصراخ الحاد والارتعاش الشديدة, وعدم القدرة على النوم، والنشاط الزائد، ومشكلات التنفس، والشهية الكبيرة للطعام، والإسهال، والقيء "Householder et al 1982", وهذه الاضطرابات قد تستمر لمدة شهرين أو ثلاثة, وقد يصبح بعضها طويل الأمد, ويظهر في صورة نشاط زائد, وضعف في مدى الانتباه.
__________
1 الاسم الكامل لهذا المخدر الخطير هو Lysertic acid dicthylamide
(1/178)

5- التدخين:
أكدت نتائج البحوث التي أجريت حول أثر تدخين الأمهات على نمو الجنين, أن تدخين الأم يؤثر مباشرة في الجنين بتعطيل أو تأخير معدل نموه، كما يزيد المخاطرة بحدوث الإجهاض التلقائي "السقط" أو موت الجنين. وقد تأكد أيضًا أن أطفال الأمهات المدخنات "وخاصة أولئك اللاتي يدخن بشراهة" قد يولدون بنقائص واضحة في النمو الجسمي والعقلي والانفعالي, وقد يكون السبب في ذلك إلى جانب أثر التدخين المباشر الناتج عن النيكوتين والآثار الجانبية لأول أكسيد الكربون, أن الأمهات المدخنات عادةً ما يكن سيئات التغذية, أو قد يكنَّ من اللاتي يتعاطين الخمور والمخدرات، وقد تضاف هذه الآثار السلبية إلى آثار التدخين؛ فتحدث نتائج أكثر خطرًا "Lefkowittz 1981".
ويوضح الجدول رقم "8-2" الآثار المحتملة على الجنين الناتجة عن تناول الأم العقاقير والعناصر الكيميائية والمخدرات والتدخين.
(1/179)

جدول رقم "8-2" آثار تناول الأم لبعض العقاقير والعناصر الكيميائية في الجنين
(1/180)

6- مخاطر البيئة:
توجد مجموعة عوامل تؤثر في الإنسان على وجه العموم، ويمتد أثرها إلى الجنين في رحم الأم بالطبع, تجمعها تسمية عامة هي مخاطر البيئة، ويشمل ذلك آثار الإشعاع؛ فقد تأكد أن كل امرأة حامل عاشت في نطاق نصف ميل, بعيدًا عن الانفجار الذري الذي تعرضت له اليابان في الحرب العالمية الثانية, ولدت طفلًًا ميتًا، وأن 75% من النساء الحوامل اللاتي عشن في نطاق ميل وربع من هذا الانفجار الذري ولدن أطفال مشوهين أو معوقين, ومعظمهم مات عقب الولادة, بل إنه حتى التعرض الكلينيكي لجرعة من الإشعاع، كما هو الحال في أشعة أكس، يؤدي إلى الخلل الوراثي والإجهاض التلقائي ونقائص جسمية خطيرة, أهمها الكروموزمات وسيولة الدم, وخاصة إذا تعرضت الأم لهذه الأشعة في المرحلة الأولى من الحمل, ولعل أهم الابتكارات التكنولوجية التي أفادت الإنسانية، وخاصة صحة الأم والجنين، التصوير بالموجات فوق الصوتية الذي حلَّ محل التصوير بالإشعاع.
وقد امتدَّ الاهتمام في السنوات الأخيرة إلى تلوث البيئة, وقد تأكد أن تلوث الماء الذي تشربه الأم, والطعام الذي تأكله, والهواء الذي تستنشقه, يؤذي نمو المضغة والجنين, وبالطبع, فإن معدَّل التلوث يزداد في المناطق الصناعية. إن مخلفات المصانع التي تتألف من الرصاص والزنك والزئبق والأنتيمون، والتي تصب في الهواء وفي مصادر مياه الشرب، ناهيك عن مخلفات فضلات البشر التي تلجأ بعض دول العالم الثالث إلى التخلص منها بصرفها في الأنهار والبحار، لها آثار ضارة في تعويق الصحة الجسمية للإنسان وقدراته العقلية، وتؤثر بدورها على الأجنة في الأرحام.
(1/181)

7- آثار الوراثة "عامل الريصص":
أشرنا في الفصل السابق إلى بعض الآثار التي تنتجها الوراثة في تكوين الجنين, ولابد من الرجوع إليها لتكوين صورة كاملة عن العوامل التي تؤثر في هذه المرحلة الهامة من حياة الإنسان, ونكتفي هنا بالإشارة إلى عامل وراثي هام يلعب دورًا خطيرًا في نمو الجنين, وهو ما يسمى عامل الريصص, ويشار إليه باختصار المصطلح1 "Rh" وهو بروتين وراثي يوجد في دماء حوالي 85% من الأصل العام للسكان, وتنشأ المشكلة حين يحمل الأب هذا العامل ولا تحمله الأم
__________
1 هذا العامل منسوب إلى قرد الريصص Rhesus, وهو قرد هندي صغير قصير الذيل, وقد اكتشف العلماء هذا العامل فيه أولًا.
(1/181)

فحينئذ يصبح الجنين حاملًا له, فإذا اتصل دم الجنين بدم الأم, فإن جهاز المناعة لدى الأم قد ينتج أجسامًا مضادة antibodies تحمى جسمها من بروتين Rh الغريب عليه, وتؤدي هذه الأجسام المضادة إلى القضاء على خلايا الدم الحمراء لدى الطفل, والتي تحمل الأوكسجين، وهذه الحالة تسمى الحمراوية erythroblas tosis, وتؤدي إلى وفاة الطفل قبل الولادة أو بعدها, أو إلى تخلفه العقلي إذا عاش.
وهذه الآثار لا تظهر عادةً أثناء الحمل لأول مرة؛ لأن عامل الريصص لا يستطيع أن يخترق المشيمة حينئذ، إلّا أن دم الأم قد يستقبل هذا العالم بعد ذلك عند انشقاق المشيمة لحظة الولادة، وحينئذ يبدأ جسم الأم في إنتاج الأجسام المضادة, فإذا حملت مرة أخرى تخترق هذه الأجسام المضادة المشيمة وتقضي على الجنين, ويمكن الوقاية من ذلك بتناول الأم عند ولادة طفلها الأول مادةً تمنع تكوّن الأجسام المضادة, تسمى: rho GAM.
الإرشاد الوراثي:
يعد الإرشاد الوراثي genetic couseling أحد المجالات الحديثة التي ظهرت في السنوات الأخيرة بهدف المساعدة في إعطاء المهتمين المعلومات الطبية الناجمة عن التطورات المتزايدة في ميدان الوراثة الإنسانية، وتفسير هذه المعلومات، وبخاصة للزوجين, وتشمل هذه المعلومات ما يتصل باحتمال وراثة الطفل خصائص مرضية وراثية معينة "ومنها الاضطرابات التي أشرنا إليه في الفصل السادس, وعامل الريصص الذي أشرنا إليه أنفًا". وهذه المعلومات تفيد الوالدين في اتخاذ قرارهما بالنسبة للزواج أولًا, وإنجاب الأطفال بعده.
ويهتم الإرشاد الوراثي أيضًا بالعوامل الأخرى التي تؤثر في الجنين, بالإضافة التي العوامل الوراثية، ومنها نوعية بيئة ما قبل الولادة التي قد تؤثر في حياة الطفل قبل ولادته, ومهمة المرشد الوراثي هي تزويد الوالدين بأكبر قدر من المعلومات لزيادة فرص الحصول على طفلٍ سويّ.
وتوجد عدة طرق في الوقت الحاضر لتوفير هذه المعلومات عن الوراثة للوالدين قبل الحمل, ومن ذلك الحصول على تاريخ الأسرة الطبي لملاحظة وجود أي مشكلات صحية, أو أمراض معينة في عائلتي الوالدين. وأما الطريقة الأخرى -وهي الأكثر دقة- فتتمثل في فحص الحاملات الوراثية لأمراض معينة لدى كلٍّ من الوالدين من خلال الفحص المعملى لدم كلٍّ منهما وبوله وإفرازاته العرقية.
أما في حالة الحمل, فتوجد بعض الطرق المتاحة لتشخيص اضطرابات الصبغيات "الكروموزومات" أو الأمراض, أو غير ذلك من النقائص في الجنين
(1/182)

النامي في رحم الأم, وتسمى هذه الطرق الحديثة بالتشخيص قبل الولادي natal diagnosin pre, وقد أصبحت هذه الطرق ممكنة بعد التوصل إلى إجراء علمي هام يسمى التحليل الأميني المصغر aminocentesis, وهو إجراء لا يجب استخدامه قبل انقضاء 14 أسبوعًا على الحمل، وفيه تؤخذ عينة صغيرة من السائل الأميني المحيط بالجنين, وذلك باستخدام إبرة مفرغة دقيقة طويلة تغرز في بطن الأم لتصل إلى الرحم, ومن المعروف أن هذا السائل يحتوي على خلايا الجلد التي يتلخص منها الجنين النامي, وبعد الحصول على هذه العينة يتم تنميتها في مزرعة معملية، ثم تحلل ميكروسكوبيًّا لمعرفة الخصائص الكروموزومية والوراثية والأيضية للجنين, وبهذه الطريقة يمكن تشخيص جنس الجنين, بالإضافة إلى حوالي مائة نقص وراثي.
ويوصي الأطباء بإجراء مثل هذا التشخيص للأمهات اللواتي يحتمل أن يظهرن خللًا وراثيًّا, ويشمل ذلك الأمهات اللاتي يتجاوز عمرهن 35سنة، أو اللواتي ولدن لأسر لها تاريخ من الخلل الوراثي, ومما يدعونا إلى الاطمئنان أن حوالي 97% من هذه الحالات يؤكد التحليل الأميني لأجنتهن أنهم خالون من أي خلل مشكوك فيه, أما إذا وجد الطبيب أن الجنين يعاني من خلل وراثي, فإنه يستطيع أن يقلل من خطره، بل قد يستطيع أن يصححه بإجراء مباشر عند الولادة أو بعدها مباشرة، بل أن بعض التطورات الحديثة في التكنولوجيا الطبية جعلت من الممكن تصحيح الخلل أثناء فترة الحمل ذاتيًّا باستخدام أساليب الجراحة أو التطبيب.
وهكذا يعين المرشد الوراثي الوالدين أثناء حمل الأم أو عند الولادة؛ من خلال تزويدها بالمعلومات المبكرة عن نقائص طفلها, كما يساعدهما على الوصول إلى قرارٍ حكيمٍ حول الاختبارات والمخاطر, حتى يمكنهما التعامل مع المشكلات التي يمكن أن تحدث، أو التخطيط لأسرتهما في المستقبل.
رعاية الأم الحامل:
يتضح لنا من مناقشتنا السابقة, أن الأم الحامل في حاجة إلى برنامج كامل للرعاية، يطلق على هذا البرنامج في الوقت الحاضر برنامج رعاية الأمومة والطفولة mother-child care, وتوجه هذه البرامج إلى الأمهات من مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية، إلّا أن الفئات الأولى بالرعاية تلك التي تعاني من الضغوط الاقتصادية على وجه الخصوص, ويؤكد ذلك البحوث التي أُجْرِيَتْ في السنوات الأخيرة حول ما يسميه بيرش وجاسو، Birch Gussow" 1970] دورة الفقر cycle of poverty, وهي نظرية تؤكد أن آثار انخفاض المستوى
(1/183)

الاقتصادي الاجتماعي تنتقل بالفعل من جيل إلى جيل, ويوضح ذلك الشكل رقم "8-1".
ويرى بيرش وجاستو أن آثار الفقر تبدأ منذ أمد طويل قبل الحمل؛ لأنها جزء من التاريخ النمائي للأم؛ فالأم التي تنشأ في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة, لا تصل عادةً إلى درجة كافية من النمو في مختلف النواحي، ومن ذلك النمو الطولي, وحيث أن نمو الطول يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصحة الجسمية, فإنه يعد أيضًا منبئًا جيدًّا بمدى ملاءمة رحم الأم كبيئة للطفل قبل ولادته.
ويزداد الموقف تعقيدًا في أن الأم التي تعيش في ظروف اقتصادية اجتماعية سيئة, تكون أكثر احتمالًا من الأخرى التي تعيش في ظروفٍ أفضل؛ من حيث الولادة المبكرة, وإنجاب عدد أكبر من الأطفال، والحمل حتى مرحلة أكثر تأخيرًا من عمرها, وهذه العوامل الثلاثة تتنبأ أيضًا بتعقيدات الحمل والولادة.
وتستمر الظروف الاجتماعية الاقتصادية السيئة في تجميع آثارها خلال فترة الحمل ذاتها, وتعد التغذية أحد الجوانب الأساسية من المشكلة, فعلى الرغم من أنّ الأم الحامل تحصل عادةً على احتياجاتها من السعرات الحرارية, إلّا أن نظامها الغذائي قد تنقصه بعد القيم الغذائية, وتظهر هذه المشكلة خاصة بالنسبة لنقص الألبان والخضروات والفواكة الطازجة والبروتين, وقد أكدت البحوث وجود علاقة وثيقة بين غذاء الأم وكثير من الظروف السيئة التي يتعرض لها الطفل قبل الولادة وبعدها.
ومن المكونات الهامة لبرامج رعاية الحامل، إلى جانب الاهتمام بنظام تغذيتها، ما تحصل عليه من رعاية طبية، والتي يجب أن تقوم بدورها الوقائي، بمعنى: أن الإشراف المستمر على صحة الأم الحامل يفيد في حمايتها من الاضطرابات التي قد تتعرض لها أثناء الولادة, وتقليل آثار العوامل التي لا تخضع للتحكم, ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الأمهات اللواتي يحتمل أن يتعرضن لمخاطر نتيجة نقص المناعة الطبية قبل الولادة, هن أولئك اللاتي لا يحصلن عليها، بصرف النظر عن المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأم. ويزداد هذا الخطر استفحالًا إذا كانت برامج الرعاية لا تُقَدَّمُ لهنَّ بالفعل, وخاصة اللاتي ينتمين إلى المستويات الاقتصادية الاجتماعية المنخفضة, وإذا كانت الإحصائيات في الولايات المتحدة تؤكد أن حوالي 75% من هؤلاء الأمهات لا تُقَدَّمُ لهن رعاية طبية أثناء الحمل إلّا بعد انقضاء ستة أشهر من الحمل "Goldhaber 1986", فما بال الحال في الدول النامية؟!
(1/184)

الشكل "8-1" دورة الفقرة وانتقالها من جيل إلى جيل
(1/185)

وجميع هذه الظروف السابقة على الولادة تستمر في إحداث آثارها بعد ولادة الطفل، فالتاريخ النمائي والتعليمي للوالدين يجعلهما أقلّ كفاءة في الحصول على مهن من مستوى مرتفع, كما أن عمر الأم, وعدد الأطفال في الأسرة, وقصر الفاصل الزمني بين كل ولادة لطفل وآخر, يؤدي إلى موقفٍ يجعل الرعاية الوالدية للأطفال أكثر صعوبة, وتاريخ الأطفال قبل الولادة يجعلهم أكثر تعرضًا للأمراض, وصعوبة الشفاء, وهذه الظروف جميعًا تؤدي إلى سوء الأداء في المدرسة, ونقص التعليم، وبهذا تبدأ دورة الفقر من جديد.
(1/186)

الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان - أطوار الطفولة
مدخل
...
الباب الثالث: المرحلة الأولى لنمو الإنسان"2"أطوار الطفولة
تمهيد للباب الثالث:
أهمية طور الطفولة:
إذا كان طور الجنين هو في جوهره طور التكوين البيولوجي للإنسان، فإن طور الطفولة هو في أساسه طور التكوين السيكولوجي له, إنه بالطبع امتدادٌ للطور السابق، إلّا أنه -وهذا هو الأهم- أساس للمراحل والأطوار التالية, وهذا هو جوهر النمو على أنه "دورة حياة" أو"مدى حياة"، وهو التصور الذي يلتزم به هذا الكتاب.
وإذا كان طور الجنين يمثل الفصل الأول من المرحلة الأولى في رحلة الإنسان في الحياة، فإن الطفولة هي فصلها الثاني، والمراهقة هي فصلها الثالث, والمرحلة الأولى للإنسان بفصولها الثلاثة تمثل الضعف الذي خلق عليه تمهيدًا للقوة والرشد الذي سوف يتحول إليهما فيما بعد, يقول الله -سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً.....} .
ويدور هذا الباب حول طور الطفولة, وهي فترةٌ تمتد من ميلاد الطفل حيًّا حتى بداية بلوغه الجنسي "مطلع المراهقة", وهي فترة زمنية يبلغ طولها حوالي اثنتي عشرة سنة, تطرأ فيها على الطفل تغيرات هائلة, تمثلها المقارنة البسيطة بين وليد عمره بضعة أيام, وصبي عمره بضعة أعوام؛ فالكائن العاجز الضعيف الصغير يتحول بمعدلاتٍ متفاوتة من السرعة, إلى شخص له قدرات مختلفة في المجال الحركي واللغوي والمعرفي، ناهيك عن الوعي المتزايد بالعالم المحيط به، والقدرة على معالجته بطرق مختلفة، والاستجابة له بمختلف العواطف والمشاعر والانفعالات، والتصدي لمشكلاته بالحل, وهذا هو التوجه المتدرج المستمر نحو المرحلة الثانية من نموه, وهي مرحلة الرشد، وهو توجه سوف يزداد وضوحًا في الطور التالي، أي: مرحلة المراهقة.
وهذا الباب حول طور الطفولة، وقد التزمنا في تناولها بالإطار الإسلامي الذي عرضناه في الفصل الثالث من هذا الكتاب، وتنقسم إلى الأطوار الفرعية الآتية:
1- طور الوليد.
2- طور الرضاعة.
(1/189)

3- طور الحضانة "الطفولة غير المميزة", ويشمل طور الاستئذان.
4- طور التمييز.
وقد خصصنا لكلِّ طورٍ منها فصلًا مستقلًّا.
(1/190)

الفصل التاسع: طور الوليد (من الولادة حتى نهاية الأسبوع الثاني)
ولادة الطفل
مدخل
...
الفصل التاسع: طور الوليد"من الولادة حتى نهاية الأسبوع الثاني"
ولادة الطفل:
تُعَدُّ عملية ولادة الطفل حدثًا هامًّا لجميع الأطراف؛ فخلال الأسابيع الأخيرة من الحمل يزداد اهتمام الوالدين بالولادة, وخاصة إذا كانت تحدث لأول مرة, وحالما تتم الولادة تشعر الأم "والأب إن كان حاضرًا للحدث" بالإنهاك والراحة معًا, ومع لمس الأم للمولود, تشعر حقًّا بالإعجاز الإلهي العظيم, الذي خلق من جسدها هذا الكائن الإنساني الجديد.
والسؤال التقليدي الذي يطرحه الوالدان دائمًا هو: كيف يمكن حساب الموعد التقريبي للولادة؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن أطباء النساء والتوليد كانوا يستخدمون لزمنٍ طويلٍ قاعدة مشهورة اقترحها نايجيلي Naegele, تتخلص في معرفة تاريخ بداية آخر دورة شهرية للأم، ثم يضاف إلى هذا التاريخ7 أيام، ويطرح منه 3شهور, مع تعديل السنة الشمسية إذا تطلب الأمر ذلك.
ونوضح ذلك بالمثال الآتي: نفرض أن بداية آخر دورة شهرية للأم كانت يوم 8 نوفمبر "الشهر الحادي عشر من سنة" عام 1996، فإن تقدير الموعد التقريبي للولادة حسب هذه القاعدة, يكون يوم 15 أغسطس عام 1997 على النحو التالي:
أما إذا كانت بداية آخر دورة شهرية هو 18 فبراير عام 1996 مثلًا, فإن موعد الولادة المتوقع يصبح 25 نوفمبر من نفس العام "1996".
وبالطبع فإن دقة هذه القاعدة تتوقف على التقدير الصحيح لبداية آخر دورة شهرية, والتي تقررها المرأة وحدها, وهناك عوامل قد لا تجعل تقديرها لهذا التاريخ صحيحًا، إلّا أنه مع ظهور تكنولوجيا التصوير فوق الصوتي, أمكن تصوير الأجنة؛ بحيث يمكن الوصول إلى تقديرات أكثر دقة.
(1/191)

ومن حقائق علم التوليد أن الجنين قبيل ولادته ببضعة أيام أو أسابيع, عادةً ما يتخذ وضعًا خاصًّا داخل الرحم؛ حيث تكون رأسه إلى أسفل, ورجلاه وقدماه إلى أعلى, وهو وضع الاستعداد البيولجي للولادة, ويسمى التخفف Lightening.
ومن العلامات الأساسية المميزة لاقتراب الولادة المخاض Labour "وهو ما يسمَى بالعامية الطلق"، وهو العملية التي يدفع بها الجنين خارج الرحم، وتحدث خلال فترة تمتد بين بضع ساعات وبضع أسابيع بعد عملية التخفف, وتنقسم عملية المخاض إلى ثلاث مراحل:
1- المرحلة الأولى وهي الأطول، وتستمر لفترة تمتد من 12-15 ساعة, في حالة الولادة الأولى، وما بين 6-8 ساعات للولادات التالية, وفيها يتسع عنق الرحم من خلال سلسلة من التقلصات العضلية, تتم في البداية على فترات زمنية طولها 20 دقيقة, ثم تصبح أكثر حدوثًا مع اقتراب الولادة, ومن نتائج هذه التقلصات تمزق الأغشية التي تحيط بالجنين، والذي يصاحبه تدفق السائل الأميني إلى الخارج, وبانتهاء هذه المرحلة يصل اتساع عنق الرحم إلى حوالي أربعة بوصات.
2- المرحلة الثانية أقصر من المرحلة السابقة, ولكنها أكثر حدّةً, وتبدأ مع اكتمال اتساع عنق الرحم, وتنتهي بخروج الجنين, وعند الأمهات اللاتي يلدن لأول مرةٍ تستغرق هذه المرحلة حوالي 90 دقيقة، ثم تستغرق حوالي نصف هذا الوقت في الولادات التالية, ومن الخصائص المميزة لهذه المرحلة, أن الأم تلعب دورًا إيجابيًّا في دفع الجنين خلال قناة الولادة، ويمثل جهدها حوالي 50% من المجهود المطلوب، بينما كانت تقلصات الرحم في المرحلة السابقة لا إرادية, وتلعب عضلات البطن دورًا أساسيًّا في هذه المرحلة؛ بحيث تعين على دفع الجنين إلى العالم الخارجي, ويبدأ ذلك بظهور رأس الطفل أولًا، وعادةً ما تخرج, وبعدئذٍ يتم قطع الحبل السري, الذي يكون بالطبع لا يزال متصلًا بالمشيمة حتى هذه اللحظة, وحالما تستقبل رئتا الطفل الوليد الهواء خلال القناة الأنفية تتوقف تمامًا وظيفة الحبل السري في استقبال الأوكسجين من المشيمة, ويحدث ذلك من خلال إفراز مادةٍ هلامية داخل الحبل السري, تؤدي إلى غلق أنبوبة الهواء فيه, وفي بعض المستشفيات يتم تقويم حالة الجسمية -عقب ولادته مباشرة- باستخدام مقياسٍ أعددته فيرجينيا أبسجر منذ عام 1953، ويتم ذلك بعد دقيقة واحدة من الولادة, ثم يتكرر بعد 5دقائق, ثم بعد 10 دقائق بعد الولادة, ويشمل هذا المقياس تقديرة الحالة الجسمية في ضوء خمس علامات هي: معدل القلب، الجهد التنفسي، الحساسية للأفعال المنعكسة، العضلات، لون البشرة, فإذا كانت الدرجة
(1/192)

في هذه الأبعاد منخفضة, دلَّ ذلك على أن الحالة التي عليها الطفل تستدعي رعاية خاصة.
3- المرحلة الثالثة من المخاض: تحدث بعد حوالي20 دقيقة من الوضع, وحينئذ تشعر الأم ببعض التقلصات القوية، وتدل على إخراج الأم للمشيمة والحبل السري, والأغشية الأخرى التي كانت تحيط بالطفل, وبإخراج هذه الأشياء تكون عملية الولادة قد اكتملت.
ويؤثر في الوليد يسر الولادة أو عسرها, والسرعة التي يتنفس بها عقب خروجه من الرحم, ومن الأخطار الهامة التي تنشأ عن الولادة العسرة, النزيف الذي ينتج عن الضغط على رأس الجنين, والذي قد يؤدي إلى تهتك بعض الأوعية الدموية في المخ, ومن هذه الأخطار أيضًا صعوبة أن يبدأ الطفل في التنفس عقب انفصاله مباشرةً عن المصدر الأمومي للأوكسجين, وكلٌّ من نزيف المخ, والفشل في التنفس, يؤثر في كمية الأوكسجين في الخلايا العصبية للمخ, ويؤدي إلى حالة مرضية تسمى نقص أوكسجين الأنسجة Anoxia. ومن المعروف أن الخلايا العصبية في الجهاز العصبي المركزي تحتاج إلى الأوكسجين, فإذا حُرِمَتْ منه تموت, وإذا فقد الوليد كميةً كبيرةً من خلاياه العصبية في هذه الفترة, فإنه يعاني من تلفٍ خطيرٍ في المخ, وقد يؤدي به ذلك إلى الوفاة، وإذا عاش, فإنه قد يعاني من نقائص جسمية وعقلية ونفسية خطيرة.
(1/193)

خبرة الولادة لدى الوليد:
هل خبرة الولادة تُعَدُّ من الخبرات السارة أو الأليمة لدى الوليد؟ يمتلئ الفولكلور النفسي إجابات عديدة على هذا السؤال، لعل أشهرها هذا التفسير الدرامي لصرخة الميلاد، والتي اعتبرها بعض الأدباء والفنانين صرخة احتجاج على الميلاد ورفض له، بينما هي في جوهرها ميكانيزم فيزيائي طبيعي ناتج عن دخول الهواء إلى الجهاز التنفسي للطفل لأول مرة.
من العلماء الذين أجابوا بهذه الإجابة على هذا السؤال "أي: اعتبار خبرة الميلاد خبرة أليمة" عالم التحليل النفسي أوتو رانك O. Rank, الذي استخدم عام 1929 هذا التعبير الذي شاع في التراث السيكلولوجي باسم "صدمة الميلاد" Trauma, وعنده أن الطفل الذي كان يعيش، وهو جنين، في بيئة دافئة ناعمة مشبعة للحاجات هي بيئة الرحم، تأتي عليه لحظة الميلاد فيطرد من هذه البيئة إلى عالم مختلف, وفي لحظة المواجهة الأولى لهذا العالم يعاني الطفل فجأةً البرد والألم والجوع واندفاع الأوكسجين إلى الرئتين, وتزداد صدمة الميلاد حدةً عند
(1/193)

الأطفال الذين يعانون من عسر الولادة, وفي رأي رانك, أن هذه الصدمة إذا كانت شديدةً تجعلهم على درجة عالية من القلق والعصابية طوال حياتهم.
وعلى الرغم من أن هذه الأفكار يعوزها الأساس العلمي، ورفضها الكثيرون, وعلى رأسهم أستاذ رانك نفسه وهو سيجموند فرويد، فإن طبيبًا فرنسيًّا معاصرًا, يسمى فردريك ليبويير, أعاد إحيائها في كتاب شهير ظهر له عام 1975 "Leboyer 1975", ويعترض ليبويير على بعض الممارسات الشائعة في طب التوليد؛ مثل: القطع المتسرع للحبل السري، والاستثارة المفاجئة للطفل حتى يتنفس، ووزن الطفل في ميزان معدني بارد، وترويع الوليد بوضع نترات الفضة في عينيه، وفصل الطفل عن أمه عقب ولاته مباشرة, ويصف هذه الإجراءات وغيرها بأنها أساليب لتعذيب الأطفال الأبرياء, وفي رأيه أن الولادة يمكن أن تكون أقل "صدمية" إذا استخدم الأطباء طريقته الرقيقة الحانية في التوليد, والتي يصفها في كتابه بالتفصيل.
ومن التطورات الهامة التي حدثت أيضًا في فن التوليد الحديث, إعادة الاهتمام بالجوانب المتصلة بالعلاقات الإنسانية أثناء خبرة الولادة، وزيادة مشاركة الآباء في هذه العملية, ومن ذلك السماح للأب بالوجود داخل غرفة المخاض والوضع بالمستشفيات؛ بحيث يقترب موقف الولادة من الجو العائلي الذي يعيش فيه الوالدان, مع السماح للوليد بعد ولادته بالبقاء معظم اليوم مع أمه, بالإضافة إلى تنظيم فصول خاصة "للإعداد للولادة" تنظمها بعض المستشفيات, ويشترك فيها الوالدان، وتعتمد دروس هذه الفصول على أفكار طبيبين شهيرين, أحدهما بريطاني هو جرانتلي ديك-ريد، والثاني فرنسي هو فرنادر لاميز, والهدف منها تزويد الوالدين بالمعلومات الأساسية عن عملية الولادة تمهيدًا لاستقبال الطفل.
(1/194)

الاتجاهات الوالدية إزاء الولادة:
من العوامل الهامة التي تؤثر في الوليد اتجاهات والديه نحوه, ومن أهم هذه الاتجاهات نظرة الأم نحو الحمل "تقبلها للطفل وهو جنين أو رفضها له", ومعلوماتها عن عملية الولادة, وحضور الزوج عملية الولادة، كل هذه العوامل وغيرها تؤثر في استجابات الأم نحو الولادة.
ومما يفيد في تغيير اتجاهات الأم نحو عملية الولادة, ما تلجأ إليه بعض المجتمعات الحديثة من تنظيم فصول حول ولادة الطفل ورعايته, وفي هذه الفصول تقدم للأمهات من غير ذوات الخبرة السابقة "وربما الأزواج أيضًا" معلومات حول ما يحدث أثناء الوضع، كما تتدرب أمهاتٌ على أفضل أساليب
(1/194)

التنفس والاسترخاء التي تسهل هذه العملية, وتؤكد البحوث التي أجريت على فعالية هذه الفصول, أنها تؤثر في خبرة الأم، فهي تشعر باسترخاءٍ أكثر أثناء الوضع، وتدرك العملية على أنها أكثر يسرًا وسهولة "Shaffer 1985".
ويؤدي وجود الزوج في غرفة الولادة إلى شعورٍ أخف بآلام الوضع، وقد يكون ذلك ناتجًا عن الدعم العاطفي الذي يقدمه الزوج لها في هذا الموقف الحرج, وخبرة الأب بعملية الولادة تجعله يزداد ارتباطًا بالطفل فيما بعد.
ومع ذلك, فإن الخبرات الشائعة عند معظم الأمهات أنهن يشعرن ببعض الاكتئاب والضيق والتوتر خلال فترة تمتد من 3-8 أيام بعد الولادة, ومن الغريب أن هذه المشاعر تكون أكثر حِدَّةً لدى الأمهات اللاتي يشعرن بسعادةٍ أكبر خلال الأشهر الأخيرة من الحمل، كما لا توجد فروق جوهرية في هذه المشاعر بين الأمهات اللاتي يلدن أطفالًا أصحاء, أو يلدن أطفال غير أسوياء, أو يموت أطفالهن بعد الولادة, إلّا أن هذه المشاعر عادةً ما تكون مؤقتة, وسرعان ما تزول بعد عدة أيام أو أسابيع, ويرجع بعض الباحثين هذه المشاعر إلى ما تتناوله بعض الأمهات من أدوية خلال الوضع, كما أن بعض الأمهات قد يشعرن بهذه المشاعر السلبية نتيجة إهمالهنّ عقب الولادة, والاهتمام المبالغ فيه بالوليد من جانب الأهل والأصدقاء, ويعتبر البعض الآخر من الباحثين أن هذه المشاعر نوعٌ من الاستجابة السيكلوجية للتغيرات الهورمونية التي تحدث في جسم الأم, حتى تحوله من الحالة التي كان عليها أثناء الحمل إلى الحالة العادية التي يجب أن يكون عليها, ومهما كان السبب, فإن محض وجود هذه المشاعر التي لم نتنبه إليها إلّا في السنوات الأخيرة, يدعونا إلى ضرورة العناية بالأم عقب الولادة, وأن يسعى المقربون إليها بتقديم الدعم, والانتباه لها خلال هذه الفترة الحرجة.
(1/195)

اتجاهات الإخوة إزاء الوليد:
يُعَدُّ ميلادُ طفلٍ جديد لأسرة لديها أطفال آخرون حدثًا تمتزج في اتجاهاتهم نحوه استجابات القبول باستجابات الرفض, فعادة ما يشعر الإخوة أن الأم تهجرهم بذهابها إلى مستشفى الولادة, وتهملهم عقب عودتها منها. ولهذا نجد هؤلاء الأطفال يبحثون عن الاهتمام والرعاية بإصدار بعض الأفعال الشاذة, حينما تكون الأم مشغولة بإطعام الوليد الجديد أو رعايته, ويصدرون هذه الأفعال عادةً بسبب مشاعر الغيرة.
ومعنى هذا: أن على الوالدين أن يخصصا بعض الوقت للاهتمام بأطفالهم الكبار, حتى يشعروا بأنهم لا يزالون موضع رعايتهم وحبهم، مع ضرورة الحرص على عدم المبالغة في ذلك, ولعل حكمة الأبوة والأمومة هي التي تعين الوالدين على مواجهة تحدي الشعور بالغيرة عند الإخوة الكبار, وذلك من خلال تهيئة جَوٍّ يشعرهم بأهميتهم كأعضاء في الأسرة, وقد يحل هذه المشكلة أن يتناوب الوالدان في مهمة رعاية الوليد؛ بحيث يحظى الأطفال الكبار برعاية كلٍّ منهما, كما قد يساعد في حلها أن يُطْلَبَ من الأخ الكبير أن يظهر كفاءته من خلال تقديم يد العون للوليد, سواء في إطعامه أو حمامه أو تغيير ملابسه.
(1/195)

الاتجاهات نحو جنس الطفل:
يحدد جنس الطفل نموه الكليّ منذ لحظة ميلاده, فالضغوط الثقافية من الوالدين, ثم من المعلمين وجماعات الأقران, ومن المجتمع ككل بعد ذلك, تستخدم وتمارس على الطفل منذ ولادته, وتزداد عامًا بعد عام, حتى يكوّن الطفل الاتجاهات المناسبة لجنسه, ويظهر أنماط السلوك التي تتناسب مع معايير الثقافة, والطفل الذي يتعلم أن يسلك على النحو "المطلوب" من جنسه, يحظى بالتقبل الاجتماعي, كما أن بعض خبرات التعلم التي يتعرض لها الطفل في المنزل وفي المدرسة وفي الملعب وغير ذلك من المجالات يحددها أيضًا الجنس.
ولا شكَّ أن أهم الآثار الناتجة عن جنس الطفل هو اتجاهات الوالدين نحوه؛ فقد أثبتت الدراسات التي أجريت على تفضيل الوالدين لأيّ الجنسين, أن التفضيل التقليدي للولد, وخاصة للطفل الأول, لازالت له السيادة في كثير من الثقافات، فإذا وُجِدَ طفل واحد في الأسرة، يفضل الآباء الحصول على أخٍ له لا أخت, وحينما يوجد عدد من الأطفال في الأسرة, فإن الأبوين يفضلان في العادة أسرة تتكون من أطفال من الجنسين بأعداد متساوية تقريبًا.
وبالطبع, فإن التفضيل القوي لطفل من جنس معين, له تأثيراته الواضحة على الاتجاهات الوالدية, والتي تؤثر بدورها في سلوك الوالدين نحو الطفل, وفي علاقاتهما معه؛ فالأمهات اللاتي يفضلن الأبناء الذكور يكن أكثر ميلًا للقسوة على البنات, وبالمثل, فإن الآباء يعاملون الطفل بما يتفق مع درجة تقبلهم لجنسه.
(1/196)

الاتجاهات نحو التوائم:
من الشائع أن الأم تنتج بويضة واحدة في المرة الواحدة, ويترتب على ذلك توأمان من النوع الذي يسمى توائم أخوية, والتي يعوزها التشابه في النواحي الجسمية والنفسية, وقد تكون التوائم الأخوية من نفس الجنس أو من الجنسين, ومعنى ذلك أنها تكون مختلفة في الخصائص الوراثية، بل قد تختلف في بيئة ما قبل الولادة "الرحم" من حيث موضع كل منهما في مشيمته وحبله السري.
وقد يحدث أن تنقسم البويضة الواحدة المخصبة إلى قسمين أو أكثر في المراحل الأولى من الإخصاب، وينمو كل قسم إلى شخص كامل مستقلٍّ، وينتج عن ذلك توأمان, أو أكثر, من النوع الذي يسمى التوائم المتطابقة؛ وحيث أن هذه التوائم تنتج من نفس الخلية المخصبة, فإنها تتطابق تطابقًا تامًّا في الخصائص الوراثية.
وبالطبع, فإن لعدد الأجنة في الرحم في المرة الأولى تأثيره على سير النمو, سواء قبل الولادة أو بعدها؛ فالتوائم المتطابقة مثلًا تتشابه كثيرًا في النمو الجسمي والعقلي, بسبب التشابه في العوامل الوراثية, ويؤثر ذلك في أنماط شخصياتهم تأثيرًا يختلف عن الإخوة العاديين, أو حتى التوائم الأخوية "غير المتطابقة", وفي فترة ما قبل الولادة نجد أن وجود أكثر من جنينٍ واحدٍ يجعل الطفل يشارك غيره في مكانٍ مهيأ لطفل واحد، وقد يؤثر هذا التزاحم في النمو الطبيعي لعضلات الأجنة، بل قد يؤدي إلى ولادة مبتسرة "أي: قبل الموعد"، والتي يزيد احتمال حدوثها كلما زاد عدد الأجنة في الرحم, ولذلك كثيرًا ما نجد أن احتمال استمرار حياة التوائم بعد الولادة أقل من احتمال حياة الوليد الواحد.
وفي بيئة ما بعد الولادة, نجد أن اتجاهات الوالدين وطرق تربيتهما للأطفال تختلف بالنسبة للوليد الواحد عنها للتوائم, مما يؤثر في النمو في كلِّ حالة؛ فالأمهات يرفضن أحيانًا التوائم, وكثير من الآباء يحاول أن يهيئ للتوائم بيئةً متشابهة بعد الولادة، ولذلك فعادةً ما يعاملونهم كما لو كانوا ينتمون بعضهم لبعض, ويصدق هذا على التوائم المتطابقة, وعلى التوائم الأخوية من نفس الجنس, وبالطبع يؤثر ذلك في النمو الاجتماعي للتوائم. ففي سنوات ما قبل المدرسة يظهر عليهم ميلٌ للتنافس في جذب انتباه الكبار, وفي محاكاة بعضهم بعضها، وفي اعتماد بعضهم على بعضٍ, أكثر من اعتمادهم على غيرهم, وحين يكبر التوائم يظهر بينهم سلوك التنافس المعتاد بين الأخوة، وكذلك مشاعر النقص؛ لأن كلًّا منهما يعوزه الاستقلال, ويقارن دائمًا بتوأمه في جميع صور السلوك, ولذلك قد ينتج عن ذلك كله مشاعر الإحباط, وكما هو الحال في جميع العلاقات الاجتماعية, قد يقوم أحد التوأمين بدور القيادة, ويقوم الآخر بدور التبعية، ويؤثر ذلك بالطبع في علاقاتهم الاجتماعية بالآخرين.
وقد يصعب على التوائم المتطابقة تنمية الإحساس بالذات؛ لأنه من المستحيل أحيانًا على الطفل في هذه الحالة أن يميز بين ذاته والتوأم باعتباره جزءًا من الآخرين, وهذا النقص في مفهوم الذات يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإحباط والصراع, واستجابات العدوان التي تترك أثرها على الشخصية.
(1/197)

خصائص نمو الوليد:
هذه المرحلة هي أقصر مراحل النموّ؛ فهي تبدأ مع الولادة, وتنتهي عندما يبلغ الطفل أسبوعين تقريبًا, وفي هذه المرحلة لا يحدث نموٌّ كبيرٌ, وإنما تحدث عدة صورٍ من التكيف مع الحياة الجديدة, ولذلك في العادة توصف مرحلة الوليد بأنها مرحلة هضبة في النمو, وهذا التكيف الذي أشرنا إليه يحدث عقب الولادة وقطع الحبل السري مباشرةً, ويتمثل في أربعة أنواع هي:
1- تكيف للتغيرات في درجة الحرارة بعد الانتقال من درجة حرارة ثابتة في الرحم, إلى درجة متغيرة تتراوح بين 28، 37 درجة مئوية في المستشفى أو المنزل.
2- تكيف لعملية التنفس, والذي يعني: اتساع الرئتين باعتبارهما مصدر الإمداد بالأوكسجين, بدلًا من المشيمة والحبل السريّ اللذين كان يعتمد عليهما الجنين في التنفس قبل الولادة.
3- تكيف لعملية المصِّ والبلع باعتبارهما وسيلتا الحصول على الغذاء بعد الولادة, بدلًا من التغذية التي كان يتلقاها الجنين من المشيمة والحبل السري.
4- تكيف لعملية الإخراج من خلال أجهزة التبول والتبرز, بدلًا من أن يكون ذلك خلال الحبل السري والمشيمة.
هذه الأنواع الأربعة من التكيّف عادةً ما تكون صعبة على الوليد، ويتضح ذلك من أن وزنه ينقص خلال الأسبوع الأول بعد الولادة الذي يستغرقه في هذه التكيفات, ثم يبدأ بعد ذلك في الزيادة، وقد يجد بعض الأطفال عملية التكيف هذه في غاية الصعوبة، وربما لذلك تكون أعلى نسبة وفياتٍ بين الأطفال في هذه الفترة.
وبالطبع توجد عدة عوامل تؤثر في تكيف الوليد لحياة ما بعد الولادة, هي على وجه الخصوص نوع الولادة, وصحة الأم, وحالتها الانفعالية فترة ما قبل الولادة, والظروف التي توجد في بيئة ما بعد الولادة، وهي عوامل تناولناها بالتفصيل فيما سبق.
ونعرض فيما يلي خصائص النمو خلال هذه الفترة القصيرة، وقبل ذلك, يجب أن نؤكد أن مولد الوليد لا يعني أن فترة حمله بالضرورة 280يومًا، فبعض الأطفال يولدون قبل الأوان, والبعض الآخر يولد بعده, وفي هذه الأحوال, فإن من الواضح أن نفس المستوى من النمو لن يظهر في جميع الأطفال حديثي الولادة.
(1/198)

1- النمو الجسمي: عند الميلاد يكون وزن الوليد في المتوسط 1/2 7رطلًا "حوالي 4كيلو جرامات" وطوله 1/2 19 بوصة "حوالي 39سنتيمترًا", ويكون الذكور أطول وأثقل قليلًا من الإناث, وتوجد بالطبع فروق فردية داخل الجنس الواحد في ذلك, وهذ الفروق تكون أكبر في الوزن منها في الطول, والاختلاف والتباين في الحجم لا يعتمد على الجنس بقدر اعتماده على العوامل الموجودة في بيئة ما قبل الولادة, وخاصة طعام الأم أثناء الحمل, وقد ناقشنا ذلك في الفصل السابق, ويسبب وجود علاقة بين نظام تغذية الأم أثناء الحمل وحجم الطفل عند الميلاد, نجد أن متوسط حجم أطفال المناطق المنخفضة في المستوى الاقتصادي والاجتماعي يكون أقل من أطفال المناطق المرتفعة في هذا المستوى, والطفل الأول يكون وزنه في العادة أقل من الطول والوزن من إخوته الذين يولدون بعده.
وخلال الأيام الأولى بعد الولادة ينقص وزن الطفل في العادة، ولو أن ذلك ليس قاعدة عامة, فمن الشائع أن ينقص الوزن بمقدار 6-7% من الوزن عند الميلاد, وفي اليوم العاشر بعد الميلاد تقريبًا يستعيد معظم الأطفال جزءًا كبيرًا من وزنهم المفقود, وقد سبق لنا أن فسرنا ذلك بظروف التكيف لبيئة ما بعد الولادة.
وتكون عضلات الوليد ملساء صغيرة, وصعبة التحكم فيها, ووقت الميلاد يكون النمو الحادث في عضلات الرقبة والساقين أقل من اليدين والذراعين, وتكون العظام شأنها شأن العضلات لينة ومرنة, ولذلك تكون سهلة التشوه, ويكون الجلد ناعمًا, ولونه أقرب إلى اللون القرنفلي, وكثيرًا ما نجد في الوليد شعرًا ناعمًا أزغب في الرأس والظهر، إلّا أنه سرعان ما يزول, وتكون الغدد الدمعية عند الولادة غير نشطة, إلّا أنه مع بلوغ الطفل يومه الخامس يبدأ في البكاء بدموع.
ومن حيث نسب الجسم نلاحظ أن الرأس تبلغ ربع طول الجسم تقريبًا, بمقارنتها برأس الراشد التي تبلغ حوالي 1/7 طول الجسم كله, وتكون منطقة الجمجمة أكبر بكثير من باقي الرأس، بينما تكون منطقة الذقن صغيرة جدًّا، وتكون الرقبة قصيرة جدًّا, ويبلغ حجم العينين درجة النضج تقريبًا, إلّا أن حركة العين لا تخضع للتحكم بسبب ضعف عضلاتها, وتكون الأنف صغيرة ومسطحة تقريبًا بالنسبة للوجه, ويبدو الفم كما لو كان فتحة ضيقة بسبب ضيق الشفتين. وفي الجذع تكون الأكتاف ضيقة, بينما تكون البطن كبيرة ومنتفخة, ومن حيث تناسب الأذرع والسيقان لدى أطفال هذه الفترة, نجدها أقصر من الرأس والجذع, وتكون الأيدي والأقدام صغيرة منمنمة.
(1/199)

2- النمو الفسيولوجي: مع الميلاد تبدأ وظائف الجسم في العمل حتى تقوم بمهام الاتزان البدني "الهوميوستازى", التي كان يقوم بها جسم الأم أثناء الحمل, وبالطبع فإن هذا النشاط يكون صعبًا عقب الولادة بسبب ضعف الجهاز العصبي المستقل, إلّا أن هذه الحالة سرعان ما تتغير مع النضج التدريجي لهذا الجهاز, ومن أسباب وفيات الأطفال في هذه المرحلة ضعف الاتزان البدني, ومع الولادة تبدأ وظائف التنفس في العمل. ومن الملاحظ على الوليد أن دقات قلبه تكون سريعة حتى يحافظ على ضغط الدم العادي مع قلب صغير الحجم, وتكون درجة حرارة الطفل أعلى من المعتاد, وتظهر حركات منعكس المصّ مع الميلاد، وبالطبع يتطلب الأمر بعض الوقت "عدة أسابيع" حتى ينتظم إيقاع الجوع، وبالتالي, فإن مطالب الجوع لدى الطفل حديث الولادة غير منتظمة, ليس بالنسبة للزمن فقط, وإنما بالنسبة للكمية أيضًا, كما أن وظائف الإخراج تبدأ في العمل بعد ساعات قليلة من الميلاد, ويتفاوت مقدار ما يخرجه الوليد من البول والبراز حسب الزمن والكمية أيضًا.
وينام الوليد حوالي 80% من الوقت، ولا يوقظه إلّا بعض المثيرات الداخلية؛ مثل: عدم الراحة, أو الألم, أو الجوع، ولا يؤثر فيه من المثيرات الخارجية إلّا الضوضاء الشديدة جدًّا, أو التغييرات المفاجئة في درجة الحرارة.
3- حركات الوليد: يبدأ النشاط الحركي عند الإنسان مبكرًا أثناء فترة الحمل، ويزداد قوةً, ويصبح أكثر حدوثًا مع نمو الجنين, وبعد الولادة وخروج الجنين من الرحم تظهر بوضوح حركات الوليد التي تتسم بأنها غير متآزرة, وغير موجهة, بسبب عدم النضج الفسيولوجي العصبي، ولعل هذا أحد أسباب عجز الوليد, وبالرغم من الطبيعة العشوائية في حركات اليد, فإنها يمكن أن تنقسم إلى فئتين:
أ- النشاط الكتلى: ويشمل الحركات العامة للجسم كله، ومن الملاحظ أنه لو تعرَّض أيّ جزء من أجزاء جسم الوليد لمثيرٍ حسيٍّ تكون الاستجابة هي حركة الجسم كله, فمثلًا حين تستثار اليد اليسرى لا يحرك الطفل الذراع الأيسر فقط, وإنما الذراع الأيمن أيضًا, وقد يحرّك ساقيه, ويلوي جذعه, ويحرك رأسه ذات اليمين وذات الشمال، فإذا كان المثير شديدًا يصرخ أيضًا, وبسبب هذا النشاط الكتلي غير المميز, يبذل الوليد مقدارًا هائلًا من الطاقة, يُقَدَّرُ بضعفٍ أو ثلاثة أمثال ما يبذله الشخص الراشد, إذا وضعنا نسبة وزن كلٍّ منهما في الاعتبار, فإذا أضفنا إلى ذلك الصراخ, نجد أن الطفل سرعان ما يجهد ويتعب, ويزداد النشاط في حالات الجوع والألم وعدم الراحة، وأكثر أجزاء الجسم حركةً هي الجذع والساقان
(1/200)

وأقلها الرأس, ويتحرك الوليد بالطبع أثناء اليقظة أكثر منه أثناء النوم.
ب- النشاط النوعي, والذي يشتمل على أجزاء معينة محددة من الجسم, ومن هذه الأنشطة النوعية التي توجد منذ الميلاد, الأفعال المنعكسة1؛ كمنعكس الصراخ, وطرف العين, والشفتين, واللسان, والمصّ, وانتفاض الركبة, والانثناء, والعطش, وغيرها, وأول ما يظهر من هذه الأفعال المنعكسة ماله أهمية في المحافظة على بقاء الكائن الحي, أما الأفعال المنعكسة الأخرى الأخرى, التي ليس لها نفس الأهمية في بقاء الوليد, فإنها تظهر متأخرة نسبيًّا بعد الولادة بعدة ساعات أو أيام, ثم تختفي بعد أشهر قليلة, ومن أشهر هذه الأفعال المنعكسة منعكس بابينسكي Babinski "ثنى أصابع القدم"، ومنعكس داروين Darwin "القبض", ومنعكس مورو Moro "العناق, والذي يظهر حين يستلقي الوليد على ظهره على مائدة أو حشية صلبة, فإنه يقذف ذراعيه في حركة أشبه بالعناق".
وتظهر أيضًا عند الميلاد استجابات عامة غير الأفعال المنعكسة "والتي تستخدم مجموعة من العضلات أكبر مما يستخدم في الأفعال المنعكسة" مثل: تثبيت البصر على الضوء, والحركات التلقائية للعين, وإفراز الدموع, واستجابات الأكل؛ كالمصِّ والبلع وحركات اللسان والشفتين ومصِّ الأصابع والحركات الإيقاعية للفم والفواق, بالإضافة إلى حركات تقطيب الحاجبين وتحريك الرأس وإدارة الجذع وانتفاض الجسم وحركات اليد والذراعين, وحركات الرفس وحركات الساقين والقدمين, وجميع هذه الحركات تكون غير تآزرية, وغير محددة وغير موجهة, ومع ذلك فهي مهمة؛ لأنها الأساس الذي تُبْنَى عليه الحركات الماهرة, التي تكون على أعلى درجات التآزر فيما بعد, نتيجة للتعلم.
4- أصوات الوليد: يظهر الصراخ في العادة منذ الميلاد أو بعده بقليل, وصراخ الوليد هو فعلٌ منعكسٌ تمامًا, وينتج عن اندفاع الهواء بسرعةٍ إلى الأحبال الصوتية, مما يسبب حركتها، وله وظيفة فسيولوجية مباشرة, فوظيفةُ الصرخة الأولى عقب الميلاد, هي توسيع الرئتين؛ بحيث تسمحان بالتنفس وتزويد الدم بكمية الأوكسجين.
وبعد الميلاد بقليل تظهر هذه الصرخات تغيرات في الشدة والحدة والاستمرار, وعادةً ما تصبح لها معانٍ مرتبطة بالأحوال الفسيولوجية للوليد؛ مثل: الجوع والألم وعدم الراحة والتعب, ويصاحب صراخ الوليد حركات جسمية
__________
1 الأفعال المنعكسة Refexes, هي استجابات محددة لمثيرات حسية خاصة, تظل ثابتة, وتصدر بشكل آليّ متكرر سريع, مع تكرار حدوث المثير.
(1/201)

مختلفة، وكلما زاد الصراخ حدةً زادت معه الحركات الجسمية, وهذه الحركات الجسمية التي تصاحب الصراخ تكون إشارةً إلى أن الوليد يريد الانتباه إليه, أي أنها تصبح نوعًا من الاتصال غير اللفظي, وبالإضافة إلى الصراخ, فإن الوليد قد يصدر أصواتًا انفجارية تشبه التنفس العميق, وتصدر دون أن يكون لها معنًى أو قصد, وإنما تحدث بالصدفة البحتة حينما تتصل الأحبال الصوتية بعضها ببعض، وتسمى هذه الأصوات قرقرات "وهي أشبه بصوت السائل الذي يمر فيه الهواء"، ثم تقوى هذه الأصوات وتتحول إلى ما يسمى المناغاة في المرحلة التالية, والتي تعتبر أساس الكلام.
5- النمو الحسي: تنتاب دراسة النمو الحسيّ عند الوليد صعوبات منهجية خاصة, لعجز الوليد عن استخدام أسلوب التقرير الذاتي, وهو الأسلوب الأكثر شيوعًا في بحوث سيكلوجية الحواس, والمحكّ الوحيد للحكم على وجود النشاط الحسي أو عدم وجوده عند الوليد, هو الاستجابة الحركية لمثيرٍ حسيٍّ, ويقع على عضو الحس موضع الاهتمام "وهو المحك الذي استخدم مع الجنين أيضًا كما بينا في الفصل السابق" وذلك على الرغم من أن الباحث قد يصعب عليه التمييز أحيانًا بين ما إذا كانت الاستجابة الحركية صدرت نتيجة استثارة المثير, أو هي جزء من النشاط الكتلي العام للوليد، ومن ناحيةٍ أخرى, فإن عدم صدور الاستجابة لا يعني بالضرورة عدم وجود الإحساس، فربما يكون المثير المستخدم ضعيفًا، واستخدام المثيرات الأقوى قد يؤذي أعضاء الحسّ التي لا تزال رقيقة عند الوليد, ومع ذلك يمكن القول: إننا نعرف في الوقت الحاضر أن الطفل يكون قادرًا على التمييز الحسيّ منذ ميلاده, وخاصة بالنسبة لحاستي البصر والسمع؛ فبالنسبة للبصر نجد أن الشبكية في العين, والتي تحتوي على خلايا الإحساس البصري, لا تصل إلى نموها الكامل عند الميلاد, ومعنى ذلك أن الوليد قد يكون لديه عند الميلاد عمى ألوان كلي أوجزئي, وخلال الأسبوع من الميلاد يمكن لمعظم الأطفال الاستجابة للضوء بعلامات عدم الارتياح.
أما السمع: فيكون عند الميلاد في أدنى الدرجات, إذا قارنا هذه الحاسة بالحواس الأخرى؛ فمعظم الأطفال يكونون في حالة صمم كليٍّ تقريبًا عند الميلاد, ولعدة أيام, بسبب انسداد الأذن الوسطى بالسائل الأميني. فحتى الأصوات العالية القريبة من الأذن لا تنتج إلّا استجابات ضئيلة في أحسن الحالات, وتظهر علامات الاستجابة للصوت في الفترة من اليوم الثالث إلى اليوم السابع بعد الولادة.
أما حاستا الشم والذوق, فتكونان على درجة كبيرة من النموِّ عند الميلاد
(1/202)

وكذلك توجد الحساسية الجلدية للمس والضغط والحرارة والألم, وبعض أجزاء الجسم تكون أكثر حساسية من البعض الآخر، ولعل أشدها حساسية الشفاه, أما بالنسبة للحساسية العضوية, فإن تقلصات الجوع تكون على درجة كبيرة من النمو عند الولادة, وتظهر بعدها بوقت وجيز.
وبسبب القصور النسبي في نمو عضوي الحسِّ الأساسيين, وهما العين والأذن, فلا نتوقع للوليد أن يكون على درجة من الوعي بما يحدث في البيئة المحيطة به، فقد يكون" شعوره مضطربًا مختلطًا" على النحو الذي يصفه وليم جيمس. وبسبب أن عقل الوليد يختلف عن عقل الطفل الأكبر منه, وبسبب أن خبرته ترتبط بخبرته السابقة في الرحم, فإن الوليد يشعر بالعالم شعورًا مختلفًا، يشبهه كيرت كوفكا بما يحدث عندما يستمع الشخص غير الموسيقيّ لمقطوعة موسيقية بطريقة تختلف عن استماع الخبير بالموسيقى لها.
ونتيجةً لعدم توافر الوعي بالبيئة المحيطة، وعدم نموّ المخ بدرجة كافية, فإننا نستطيع أن نصف الوليد بأنه "كائن غير قادر على التعلم" وخاصة خلال الأيام الأولى من ولادته، ويصدق هذا على أبسط صور التعلم؛ كالتعلم الشرطي والتعلم الترابطي، إذا استثينا بعض صور الاشتراط, والتي تحدث في موقف التغذية.
6- انفعالات الوليد: بسبب عدم التآزر في نشاط الوليد, فإن من غير المنطقيّ أن نتوقع أن تكون حالات الانفعالية عند الميلاد محددة تحديدًا دقيقًا في شكل انفعالات معينة, ولهذا نجد الباحثين في العادة يصنفون استجابات الوليد إلى نوعين: استجابات سارة وإيجابية, واستجابات غير سارة أو سالبة "Hurlock". ويمكن أن تظهر الاستجابات غير السارة بتغيير وضع الوليد بطريقة مفاجئة, أو بإحداث أصواتٍ مزعجةٍ عالية جدًّا أو مفاجئة, أو بتعطيل حركاته التلقائية، أو بوضعه في فراشٍ مبلل, أو وضع شيء بارد جدًّا على جلده. فقد لوحظ أنه يبكي ويصرخ استجابةً لمثل هذه المثيرات, أما الاستجابات السارة فيمكن إظهارها بالربت والهزّ والحضن والمصّ.
الواقع أن الاستجابات السارة أقلّ تحديدًا وأكثر غموضًا من الاستجابات غير السارة, وتقترب من حالات الهدوء والسكون أكثر من كونها حالات انفعالية, والخاصية المميزة للتكوين الانفعالي لدى الوليد هي عدم وجود تدرج في الاستجابات يشير إلى درجات مختلفة من الحدة، فمهما كان المثير, تكون الاستجابة الناتجة بنفس الدرجة من الحدة.
7- بداية تكوين الشخصية: توجد أدلة على وجود فروق بين الأطفال
(1/203)

منذ الولادة في بعض الخصائص المزاجية, تظهرها الفروق في معدل النشاط، وتؤلف الاستعدادات التي تنمو فيما بعد, وتتطور إلى سماتٍ للشخصية, وتظهر هذه الفروق على وجه الخصوص في استجابات الطفل للطعام, وفي سلوك البكاء, وفي النشاط الحركي, ولا شكّ أن بعض العوامل المؤثرة في الشخصية تعود إلى فترة ما قبل الولادة، فأيّ اضطراب في بيئة ما قبل الولادة نتيجةً للعمليات الانفعالية للأم, قد تحدث تغيرات في سلوك الوليد، وقد تؤدي إلى حالات النشاط الزائد, أو عدم الاستقرار في سلوكه.
ولا يوجد دليل علميّ -كما قلنا- على تأثير ما يسمى صدمة الميلاد "أي: الصدمة النفسية التي يقال أن الوليد يشعر بها نتيجة الانفصال عن الأم بالولادة" في الشخصية, وربما يكون العامل الأكثر أهمية هو اتجاه الأم نحو الوليد, كما ينعكس في سلوكها، وخاصة اتجاهات الرفض، وكذلك القلق والتوتر والاضطراب الذي تبديه الأم إزاء وليدها، وهو ما ناقشناه بالتفصيل في بداية هذا الفصل.
(1/204)

أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة لطور الوليد:
تحدد الشريعة الإسلامية مجموعة من المبادئ التي تتصل بطور الوليد, نوجزها فيما يلي1:
1- استحباب البشارة والتهنئة عند الولادة: ويشمل ذلك الذكر والأنثى دون تمييزٍ أو تفرقةٍ بين الجنسين.
2- استحباب التأذين والإقامة عند الولادة: بحيث يكون أول ما يسمعه الوليد كلمة التوحيد.
3- استحباب تحنيك الوليد عقب ولادته: وذلك لتقوية عضلات الفم بحركة اللسان مع الفم والفكين.
4- استحباب حلق رأس الوليد.
5- استحباب ذبح شاةٍ عن المولود في يومه السابع "العقيقة".
6- تسمية الوليد: وفي السنة النبوية أن تتم التسمية في اليوم السابع "يوم العقيقة" من الولادة، كما أن هناك أحاديث أخرى صحيحة تفيد أن تكون التسمية في يوم الولادة.
7- انتقاء أحسن الأسماء وأجملها للوليد.
__________
1 يمكن للقارئ المهتم الرجوع، في تفصيل ذلك إلى المرجع الآتي: عبد الله ناصح علوان: تربية الأولاد في الإسلام: بيروت: دار السلام 1981.
(1/204)

الفصل العاشر: طور الرضيع (من الولادة حتى نهاية العام الثاني)
مدخل
...
الفصل العاشر: طور الرضيع"من الولادة حتى نهاية العام الثاني"
ما إن تضع الأم وليدها بعد مشقة الحمل والمخاض والولادة حتى تبدأ في إرضاعه, ولقد أوجب القرآن إرضاع الأم لطفلها، وحدَّدَ لطور الرضاعة حده الأقصى وهو عامان, يقول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] .
وفي أثناء مدة الرضاعة أوجب الله تعالى حسن رعاية الوالدة ورقة معاملتها, وإذا كانت هناك ظروف تمنع الأم من إرضاع الطفل فيجوز الاسترضاع، قال تعالى:
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233] .
وهكذا, فإن طور الرضيع يطلق على المرحلة العمرية التي تمتد من الولادة وحتى نهاية العام الثاني من عمر الطفل، وتشمل الطور السابق "طور الوليد" بالطبع, وقد لجأنا إلى تخصيص طور الوليد لنوضح أهمية الأسبوعين الأولين من حياة الإنسان, والتي لو اجتازها بنجاحٍ يؤثر ذلك تأثيرًا إيجابيًّا على نموه التالي.
وتحديد نهاية العام الثاني بدايةً للانتقال إلى مرحلةٍ عمرية تالية بعد الرضاعة, هو في جوهره تحديدٌ قرآنيّ -كما بينا, فقد أوضحت الآيات القرآنية السابقة أن الفطام "الفصال" يمكن أن يحدث قبل ذلك، ومع ذلك تظل فترة "الحولين الكاملين" هي مرحلة رضاعة بالنسبة للنمو الإنساني؛ حيث لا يقتصر
(1/205)

المعنى على محض الإطعام والتغذية بالأسلوب المعروف بالرضاعة فحسب, وإنما يمتد ليشمل تربية الطفل وتنشئته في أحضان أمه, وفي كنف رعايتها، وعدم اللجوء إلى طرق "التربية غير الطبيعية" التي تبعد الطفل عن الأم وتفصله عنها فصلًا صناعيًّا, فهذه المرحلة كلها هي مرحلة التنشئة في حجر الأم.
إن طور الرضاعة هو الطور التي توضع فيه وتتحدد أسس السلوك الإنساني؛ ففيه تتكون الاتجاهات نحو الذات ونحو الآخرين، وأساليب التعبير الانفعالي, إلّا أننا يجب أن ننبه إلى أن هذه الأسس لا تكون ثابتةً مع نهاية هذا الطور, وبالتالي يمكن أن تتغير وتتعدل وتتحسن إذا كانت غير ملائمة, أو غير مقبولة اجتماعيًّا، وأيّ تغير فيها يعني بالطبع إعادة التعلم, وما يصاحب ذلك من توتر واضطراب, وبسبب أن التطورات اللاحقة سوف تتشكل بناء على هذه الأسس, فإن طور الرضاعة يعتبر مرحلة "حرجة أو حاسمة" في نمو الإنسان.
(1/206)

النمو الجسمي والحركي:
مرحلة الرضاعة هي إحدى مرحلتين تتميزان بالنمو الجسمي السريع في مدى الحياة، والمرحلة الأخرى هي البلوغ في بداية المراهقة, فخلال الأشهر الست الأولى من الحياة يستمر النمو بمعدل يشبه معدل النمو في فترة ما قبل الولادة, ثم يبدأ في البطء, وخلال العام الأول تكون الزيادة في الوزن أكبر من الزيادة في الطول, وفي العام الثاني يحدث العكس, ولا ينمو جسم الطفل في هذه المرحلة ككل, وفي كل الاتجاهات في وقت واحد، وإنما تحدث تغيرات في أبعاد الجسم ونسبه بسرعة، وخاصة في النصف الثاني من العام الأول، فيلاحظ بطء نمو الرأس, وزيادة نمو الجذع والأطراف، وهذا هو عكس ما يحدث في المرحلة السابقة, وبالتدريج تظهر الرأس بشكلٍ أقل ضخامة مما كانت عليه عند الولادة، ويزداد طول الذراعين واليدين خلال سنتي الرضاعة بمعدل 60-75%، كما يزداد معدل الساقين فيهما بمعدل أبطأ "40%".
ويتبع نمو العظام في هذه الفترة نفس الاتجاه العام في نمو الحجم, والذي يعني أن النمو يكون أسرع في العام الأول, وتتبعه فترة من البطء النسبي في العام الثاني, وطوال هذه الفترة تتحول الأنسجة الإسفنجية الناعمة في عظام الوليد إلى عظام صلبة بمعدلات مختلفة في أجزاء الجسم المختلفة.
وعادة ما يظهر السن الأول "وهو سن سفلى أمامي" في الشهر الرابع، وعندما يبلغ الطفل عامه الأول يكون لديه ستة أسنان, وعمومًا تتفوق البنات في نمو العظام ونمو الأسنان تفوقًا ضيئلًا على البنين, ويؤدي ظهور الأسنان إلى
(1/206)

بعض الاضطرابات الجسمية، وبعض مشاعر عدم الراحة لدى الطفل, والتي تنعكس بدورها على الأم، ويوصف الطفل حينئذ بأنه في حالة "تسنين". أما العضلات فإنها تنمو بمعدلات مختلفة, وعمومًا يمكن القول أن العضلات التي تكون قريبةً من الرأس والرقبة تنمو مبكرًا عن العضلات التي تتصل بالأطراف السفلى.
ويمثل التحكم في العضلات مجالًا هامًّا للنمو خلال مرحلة الرضاعة، وما لم تتدخل عوائق البيئة فإن الطفل يجب أن يخرج من هذه المرحلة كشخصٍ مستقلٍّ نسبيا في نشاطه الحركي, ونمو التحكم في العضلات يتبع المبدأ الذي سبق أن أشرنا إليه وهو الاتجاه من الرأس إلى القدم, وفي هذه المرحلة ينمو السلوك الحركي من جلوسٍ وحبوٍ وزحفٍ ومشيٍ بالاستناد إلى الأشياء, وفي منتصف العام الثاني يمكن للرضيع أن يمشي بدون مساعدة, ونتيجةً لهذا النمو الحركي المتزايد توصف مرحلة الرضاعة بأنها المرحلة التأسيسية لمعظم المهارات الحركية, كما يمكن للطفل في هذه المرحلة أن يتعلم بعض هذه المهارات, وخاصةً المهارات اليدوية, ومهارات استخدام الساق, ولا بُدَّ من التدريب عليها في هذه المرحلة, وعدم تأجيلها حتى لا تنشأ مشكلات خطيرة فيما بعد.
(1/207)

النمو الحسي والإدراكي:
تنمو أعضاء الحسِّ بسرعة خلال هذه المرحلة، ففي الشهر الثالث تزداد عضلات العين تآزرًا, وعندئذ يصبح الطفل قادرًا على رؤية الأشياء بوضوحٍ وتميز؛ ولأن عضلات العين تظل ضعيفة لأشهر عديدة, فإن عدم تآزر العين شائع, وخاصة في أوقات التعب والجوع والصراخ, ويزداد السمع دقةً في الرضيع، ونستدل على ذلك من استجاباته المبكرة لسماع الصوت البشري, وحين يصل الطفل إلى نهاية شهره الثاني يستجيب بنفس الجودة للأصوات من جميع الأنواع, كما أن الشمَّ والذوقَ يزدادان نموًّا خلال هذه المرحلة, وبالإضافة إلى ذلك, فإنَّ الرضيع يكون حساسًا للغاية لجميع المثيرات الجلدية؛ فيشعر بالحرارة والبرودة والألم.
إلّا أن النمو الحسي يتحول تدريجيًّا في هذا الطور ليصبح نموًّا إدراكيًّا, ويتسم الإدراك في هذا الطور بأنه ليس عملية "معرفية" كاملة, وإنما هو نوعٌ من الإدراك "الحسي - حركي" وفقًا للوصف الذي أطلقه بياجيه على هذ المرحلة, ومن النماذج المفسرة للإدراك الحسي عند الأطفال في هذا الطور النموذج الذي اقترحته آمال أحمد مختار صادق "1990", والذي يفترض أن الطفل في العامين الأولين من حياته يتعامل مع المثيرات من خلال توظيف الحواسّ جميعًا سعيًا لتبين detecrion طبيعة المثير, فجميع المثيرات مهما كانت طبيعتها يبدأ الطفل بالنظر إليها, ثم لمسها وتحريكها, "للاستماع إلى ما يمكن أن يصدر عنها من أصوات", ثم وضعها في فمه حيث يتعرف على خصائصها بحاستي التذوق والشم, وبهذه الطريقة تلعب الحواس المتعددة multi-sensory دورها في تحديد طبيعة المثير. وبنهاية هذا الطور يتحول الرضيع من الخصائص المعممة إلى تمييز الخصائص "الفارقة" للمثير, والتي تجعله مثلًا يمكن وضعه في الفم كطعام, أو التعامل معه كشيء خارجي يصدر الأصوات أو الحركة، إلخ ... وعمومًا فإن النموذج في حاجة إلى دراسات مصرية وعربية تُجْرَى في إطاره.
(1/207)

نموّ الكلام:
توجد ثلاثة صور من المواد الأولية للغة الطفل تظهر بالتتابع هي: الصراخ والمناغاة والإيماءات, والصراخ هو أكثر شيوعًا خلال الشهور الأولى من الحياة، أما المناغاة فهي الأكثر أهميةً؛ لأن منها تنمو لغة الكلام العاديّ عند الإنسان.
وفي مرحلة الرضاعة يطرأ على الصراخ تغيرات هامة، فصراخ الوليد يصبح بعد عدة أسابيع متميزًا إلى الحدِّ الذي يمكن أن نفهم من نغمة الصرخة وحِدَّتها, ومن الحركات الجسمية المصاحبة لها, ماذا يريد الطفل؛ فالألم مثلًا يتم التعبير عنه بصرخات عالية مرتعشة تقطعها تأوهات "وما يشبه الأنين" وتشنجات, وصرخات الجوع تكون عالية وتقطعها حركات المصّ، وبصفة عامة تتمايز صرخات الرضيع بِحِدَّتِهَا وليس بمعناها.
وعادةً ما يكون الجوع والشعور الزائد بالحَرِّ هما السببان الرئيسيان لمعظم صراخ الأطفال في الأسابيع الأولى من حياتهم, ومع نموّ الطفل يكون الألم هو السبب الرئيسي, "وخاصة الآم سوء الهضم", كما يسبب الصراخ أيضًا تعرض الطفل لمثيراتٍ حسية قوية، أو الاضطراب العنيف له أثناء النوم، أو الفشل في القيام باستجابة مقصودةٍ؛ مثل العجز عن الحركة بسبب إحكام الأغطية، أو فقدان اللعبة أو بعدها عنه، أو البعد عن الاتصال بالآخرين، أو الوجود في أماكن غريبة.
وحالما يصل الطفل إلى شهره الثالث يتعلم أنَّ الصراخ طريقةٌ مؤكدةٌ للحصول على انتباه الآخرين؛ ففي الشهر الرابع يصرخ الطفل عندما تتوقف الأم "أو الأب" عن اللعب معه, وفي الشهر الخامس يزيد صراخه إذا دخلت الأم الغرفة دون أن تعيره انتباهًا, ويزداد معدل صراخ الأطفال الأعلى ذكاءً عن أولئك الأقل ذكاءً. كما أن الأطفال الذين تشبع حاجاتهم بانتظامٍ يكونون أقلَّ صراخًا من أولئك الذين تشبع حاجاتهم بتقطع أو يُؤَجَّلُ إشباعها.
(1/208)

ومع نموّ الجهاز الصوتي للطفل يصبح قادرًا على إصدار عددٍ كبيرٍ من الأصوات الانفجارية, وبعض هذه الأصوات يبقى ويتحول إلى مناغاة, والتي تبدأ كنوعٍ من اللعب العشوائيّ, ويهدف منها الطفل إلى الاتصال أو التعبير، ومع مرور الوقت تتحول إلى كلامٍ حقيقيٍّ, وتبدأ المناغاة بمقطَعٍ واحد يتكرر, ثم بمقطعين وأكثر, وهذا ما يجعلها وكأنها حديثٌ أو لغةٌ يوجهها الطفل كيفما اتفق وحينما يشاء, وبعض هذه المقاطع يبقى ليكوّن أساس الكلام الفعلي, كما أن عدد الأصوات التي يحدثها الطفل في المناغاة يتزايد بالتدريج, وبالممارسة والتدريب يربط الطفل بين عددٍ من الحروف الساكنة والمتحركة مثل "ما -ما" و"داد- داد" و"نا-نا", وتبدأ المناغاة في الشهر الثاني أو الثالث, وتصل إلى قمتها في الشهر الثامن، ثم تختفي بالتدريج ليظهر الكلام العادي.
ويستخدم الطفل الصغير الإيماءات كبديلٍ للكلام, بينما يستخدمها الطفل الكبير كإضافات إلى الكلام وتأكيد له, ومن الإيماءات التي تشيع في هذه المرحلة مد الذارعين والابتسام, وهو ما ينقل فكرة أن الطفل يرغب في أن تحمله الأم, ويستطيع الطفل في هذه المرحلة أن يُفْهَمَ من تعبيرات الوجه ونغمة الأصوات وإشارات المتحدث ما يقصده، ولا يستطيع بلوغ هذا الفهم من محض أصواته فقط, والطفل يمكنه أن يفهم السرور والغضب والخوف منذ الشهر الثالث, ويحتاج الطفل حين يبلغ الشهر الثامن إلى أن يُعَزَّزَ بالإيماءات التي تصدر عن الكبار حتى يمكنه فهم المعاني, وفي سن سنتين يستطيع الطفل المتوسط أن يفهم إلى الحد الذي يمكنه الاستجابة الصحيحة لبعض التعليمات على النسق الذي نجده في بعض اختبارات ذكاء الأطفال "مثل اختبار ستانفورد -بينيه".
وتعلم الكلام في هذه المرحلة يتضمن التدريب على نطق الكلمات على النحو الذي يجعلها مفهومة للآخرين، والربط بين المعاني والكلمات التي تدل عليها، وبالتالي تتكون مفردات من الكلمات المستخدمة في أغراض الاتصال, والربط بين هذه الكلمات لتؤلف الجمل, وهذه المهام لا تتضمن فقط التحكم في الجهاز الصوتي, وإنما القدرة على فهم المعاني والربط بينها وبين الكلمات التي تقوم بدور الرموز على هذه المعاني, وتَتَكَوَّنُ المفردات اللغوية لدى الرضيع من الأسماء التي ترتبط بالأشخاص والأشياء في بيئته، والأفعال التي تدل على نشاط معين, وفي نهاية هذه المرحلة يكتسب بعض الكلمات الدالة على النعوت والظروف, ويندر استخدام الجمل الخبرية والجمل الربطية والضمائر في هذه المرحلة, وهكذا تتحدد في هذه المرحلة أسس النشاط اللغوي الذي يزداد نموًّا وتحسنًا ورقيًّا في المراحل التالية, ولابد من التنبيه إلى مخاطر تأجيل النموّ الكلامي في هذه المرحلة.
(1/209)

النمو العقلي المعرفي:
يقسم بياجيه النمو العقلي للطفل في هذا الطور -الذي يسميه الطور الحسي الحركي Sensorimotor- إلى الفترات الست الآتية:
أ- الفترة الأولى: من الميلاد حتى نهاية الشهر الأول, وفيها يمارس الطفل المخططات الوراثية "المصّ، الرضاعة، الإخراج، النشاط البدني الغليظ، ... إلخ", وقد لاحظ بياجيه في الشهر الأول من حياة الطفل تحولًا من الاستخدام السلبي إلى الاستخدام الإيجابي لهذه المخططات، كما تظهر بعض صور الاشتراط بين الاستجابات ومثيراتٍ جديدةٍ لهذه المخططات، وكذا تظهر بوادر تعديل الأفعال المنعكسة الفطرية, وتصبح أكثر فعالية بالتعلم، فإلى جانب التثبيت على الضوء يمكن للطفل أن يتابعه بعينه, ويظهر اهتمامه به, وتتميز هذه المرحلة بالتمرين على ذخيرة حسية حركية جاهزة، وفيها لا يتم التمايز بين التمثيل والمواءمة.
ب- الفترة الثانية: من شهر واحدٍ حتى 4شهور، وهي مرحلة الأرجاع "الاستجابات" الدائرية الأولية, أو التكرار الأعمى الآلي للاستجابات أو الأرجاع؛ حيث يكرر الطفل المخططات الوراثية مراتٍ عديدةٍ؛ كأن يمسك بالشيء ويتركه عدة مرات حتى تظهر تعديلات على المخططات الأصلية، وتنشأ مثيرات عديدة قادرة على إحداثها, ويظهر التآزر بين المخططات، فالأشياء التي يراها الطفل يمكنه أن يصل إليها، والأصوات التي يسمعها ينظر إلى مصدرها، والأشياء التي تلمسها اليد ينظر إليها, ويظهر التمييز مثلًا بين ما يمصه وما لا يمصه, وفي هذه المرحلة تبدأ علميتا التمثيل والمواءمة في التمايز.
جـ- الفترة الثالثة: من سن 4شهور إلى 8شهور، وهي مرحلة الأرجاع الدائرة الثانوية والتكرار, والتي يتعلم فيها الطفل إصدار استجابة معينة, وينتظر حدوث نتيجة، كأن يحرك الشخشيخة ليسمع الصوت, وفي هذه المرحلة تظهر بعض علامات الحركات المقصودة وتَوَقُّع الآثار؛ فالطفل يحاول إطالة زمن شيء يراه، ويظهر الاهتمام بأشياء أبعد من نطاق جسمه، ويحاول تحريكها، ويميِّز بين الأشياء الغريبة والمألوفة, ويبحث بحثًا قصيرًا عن الشيء الغائب، والأشياء التي تجذب انتباهه لا تكون غريبة كلية أو مألوفة تمامًا, ويتوافر لديه بعض المفهوم عن استمرار وبقاء الأشياء، فإذا سقط الشيء على الأرض ينظر إليه, كما تنمو مفاهيم المكان، فيراقب حركة يده من شيءٍ لآخر وإلى فمه, كما يحاول الوصول إلى بعض الأشياء دون البعض الآخر, مما يدل على نوعٍ من إدراك
(1/210)

العمق, ويتحقق من أنه يستطيع أن يكون سببًا في حركة الأشياء, وذلك بإصدار حركات منه, وتظهر بدايات المحاكاة, وهكذا يتحرك الطفل نحو القصد أو التوجه نحو الهدف.
د- الفترة الرابعة: من 8شهور حتى 12شهرًا، وهي مرحلة تآزر المخططات المتعلمة, كأن يقلب الزجاجة ليصل إلى الحلمة في حالة الرضاعة الصناعية، وفيها يكتسب الطفل تمييزات إضافية بين الوسائل والغايات، وإصدار حركة معينة للوصول إلى هدف معين, فإذا وضع عائق في طريق الوصول لشيء مرغوب يمكن رؤيته فإنه يتعلم الدوران حوله أو معه, أو إزالته, أو تنحيته جانبًا, كما يلاحظ أن شيئًَا خارج ذاته قد يسبب حدوث شيء ما، مما يدل على التمييز بين الذات والعالم، ويبدأ ظهور مفهوم "الواقع والحقيقة" والبعد عن التمركز الشديد حول الذات, ويتعلم أن حدثًا ما قد يتبع آخر, ويمكن أن يحاكي إحدى الاستجابات الجديدة.
هـ- الفترة الخامسة: من 12شهرًا حتى 18 شهرًا، وهي مرحلة الأرجاع الدائرية من الدرجة الثالثة، وتعني: التكرار الذي يهدف إلى التجريب, وفيها يظهر الطفل اهتمامًا بالجدة في ذاتها، كما ينوّع من حركاته, ويراقب هذه الحركات، ويظهر اتجاهاتٍ أكثر نشاطًا وقصدًا وإيجابيةً نحو التجريب، وزيادة نموِّ مفهوم الواقع والموضوع والشيء والحقيقة. إن الطفل في هذه المرحلة يستطلع الأشياء الجديدة بنوعٍ من التجريب بحثًا عن جوانب الجدة فيها، ويتعلم استخدام الوسائل لتحقيق غايةٍ؛ مثل الوصول إلى ساعةٍ موضوعةٍ على مخدة, وذلك بجذب المخدة كلها نحوه.
و الفترة السادسة: من 18 شهرًا حتى 24 شهرًا، وهي مرحلة تمثيل المخططات، ففي هذه المرحلة تنمو اللغة مما يسهّل على الطفل كثيرًا تكوين المفاهيم السيمانتية أو التمثيلات "الصور" اللفظية للأشياء, كما يظهر الطفل إتقانًا لمشكلات الاستجابات المرجأة, فإذا أعطي الطفل بعض الدلالات على موضع شيءٍ خفيٍّ فإنه يتجه إليه، ويمتد التوجه المكاني إلى إطار أكبر ومدًى أوسع، فمثلًا: حين يكون بعيدًا بعدًا مكانيًّا قليلًا عن المنزل, فإنه يستطيع أن يشير إلى اتجاهه، وترجأ بعض صور المحاكاة مما يدل على نموّ ذاكرة الأعمال والأحداث, كما يظهر الطفل ذاكرة للأشياء, وفي هذه الحالة يستطيع حلَّ مشكلات الالتفاف والانعطاف detour, وذلك بالدوران حول العائق حتى ولو أدى ذلك إلى البعد مؤقتًا عن الهدف, كما يستطيع أن يستنتج الأسباب، ويبتكر تطبيقات جديدةً لما تَمَّ تعلمه في سياق مختلف.
(1/211)

وبإيجازٍ يمكن القول أن الصورة المبكرة للنشاط العقلي للطفل تتمثل في استخدام الاستشكاف الحسي, ثم من خلال المعالجة اليدوية, وفي العام الأول يمكن للطفل أن يفسِّرَ الخبرات الجديدة في ضوء خبراتٍ قديمة, وفي العام الثاني يمكنه الوصول إلى تعميمات بسيطة تعتمد على خبرات محدودة يكتشف بينها علاقات.
وقد أكدت دراسات النموّ العقلي التي قام بها بياجيه, أن الرُّضَّعَ يظهرون السلوك العقلي قبل أن يتكلموا بكثير، ويسمي هذه المرحلةَ المرحلةُ الحسيةُ الحركيةُ, باعتبار الإدراك الحسي والنشاط هما الطابعان الغالبان على النشاط العقلي في هذه المرحلة.
وفي نموّ المفاهيم نجد أن مفاهيم المكان والزمان والوزن والحجم تتكون جميعًا في هذه المرحلة, ولو على نحوٍ غير دقيق, ويظهر مفهوم الذات قبل مفهوم الآخر, ورغم ذلك, فإن الطفل لا يستطيع أن يميز بين نفسه والبيئة في مرحلة مبكرة مثلما يميِّزُ بين الآخرين والبيئة في الجزء الأخير من العام الأول "في صورة الخجل من الآخرين".
وأبسط صورة للإدراك الجمالي توجد في تفضيل الألوان, فابتداءً من الشهر السادس حتى نهاية العام الثاني يستجيب الأطفال بطريقة مختلفة للألوان المختلفة, ويكون ترتيب التفضيل: هو الأحمر فالأصغر فالأزرق فالأخضر, ويظهر التذوق الموسيقي في ميل الطفل للموسيقى التي تشبه الأغنيات التي تهدهده بها أمه في المهد حتى ينام. "آمال صادق، 1989".
(1/212)

النمو الانفعالي:
تنمو الانفعالات في هذه المرحلة بسبب النضج والتعلم من الأشكال البسيطة غير المتمايزة تمامًا, التي تظهر عند الولادة إلى حالات انفعالية متمايزة, يمكن أن تستثيرها أنواع مختلفة من المثيرات, ومع التقدّم في العمر تكون الاستجابات الانفعالية أقلّ اختلاطًا وعشوائيةً وأكثر تحديدًا, وبدلًا من الاستثارة الانفعالية العامة عند الولادة تظهر بالتدريج انفعالات الخوف والغضب والتقزز والحزن والسرور والغرور والحب.
وتظهر تغيرات هامة على صور الاستجابات الانفعالية؛ فالصراخ والبكاء يظهران كما قلنا منذ الولادة, وحينما يصل الطفل إلى الشهر الثامن يستخدم النداء مع الصراخ والبكاء, وخلال الفترة من 16-20 شهرًا يبدأ في النطق بكلمة "لا", وتظهر استجابة إخفاء الوجه، وبين الشهر العشرين والشهر الرابع والعشرين يطلب الصحبة, أما الجري عند الخوف فلا يظهر إلّا عند نهاية هذه المرحلة "بعد بلوغ الطفل سنتين على الأقل".
وتتسم انفعالات الطفل في هذه المرحلة بأن استجاباتها أكبر كثيرًا من المثيرات التي تحدثها, وخاصة في حالتي الغضب والخوف, وهي قصيرةٌ في مدتها الزمنية, ولكنها تكون حادَّةً إذا استمرت فترة طويلة, ويتكرر حدوثها, ولكنها عادةً ما تكون مؤقتة، ويمكن للطفل أن يتحول من انفعالٍ إلى آخر إذا تشتت انتباهه.
ويحتاج الطفل في هذه المرحلة إلى أن يعبِّرَ عن انفعالاته بالطرق العادية, ومن حسن الحظِّ أن معظم الأطفال لا يتعرضون للحرمان من التعبير الانفعالي, ولا يحدث هذا إلّا للأطفال الذين يرفضهم الوالدان, ويعيشون في المؤسسات بدلًا من الأسر البديلة, وهذا الحرمان له آثاره الضارَّة على النموّ في مختلف الجوانب الأخرى: النمو الجسمي والحركي واللغوي والاجتماعي, فالتعبير الانفعالي في هذه المرحلة ليس محض تصريف طاقة, وإنما هو فرصة للتعبير الوجداني نحو الآخرين.
(1/212)

النمو الاجتماعي:
تلعب الخبرات الاجتماعية المبكرة دورًا هامًّا في تحديد اتجاهات الطفل نحو الذات والآخرين, ولأن حياة الرضيع تتمركز داخل المنزل, فإن أسس السلوك الاجتماعي والاتجاهات الاجتماعية عنده تُعَدُّ "صناعة منزلية أسرية".
ولكي يصبح الطفل كائنًا اجتماعيًّا ليس مسألة فطرية، وإنما هي من نواتج التعلم والخبرة, فبعد الميلاد يكون الطفل كائنًا غير اجتماعيٍّ يغلب عليه الطابع العضوي واتباع الحاجات البيولوجية الجسمية, ولا يميز بين من يشبع له هذه الحاجات، فالمهم بالنسبة إليه إشباعها.
وفي الأسبوع السادس من العمر تبدأ أول ابتسامة اجتماعية حقيقية, وعادةً ما تكون مصحوبةً بنشاطٍ بدنيٍّ كبير, وحين تتحسن قدرة الطفل على الإدراك البصري خلال الفترة بين الشهر الثاني والشهر الثالث يمكنه التمييز بين الأشخاص, ويكتشف أن الأشخاص وليس الأشياء هم الذين يشبعون حاجاته, ويبدأ بالتعبير عن الرضا حين يوجد مع الناس, ولا يهمه مَنْ يكون الشخص الذي يوجد معه، المهم أن يحظى باهتمام شخصٍ ما، ويدل ذلك على بداية "السلوك الاجتماعي" الذي يتخذ صورة "استجابة غير تمييزية للآخرين"، وهكذا تكون الاستجابات الاجتماعية الأولى مُوجَّهَة نحو الكبار، وفي الشهر الثالث تظهر بدايات الاهتمام بالناس فيبكي حين يتركونه، ويظهر عدم السرور حين لا ينظر إليه الشخص, أو ينصرف عنه بالحديث مع شخص آخر، كما يراقب تعبيرات
(1/213)

الوجه عند الآخرين, وهنا تظهر على وجه الخصوص "استجابة تمييزية" للأم مع استمرار الاستجابة للآخرين, ويستخدم الأصوات والإيماءات والمناغاة ولغته البدائية في الاتصال بالآخرين.
كما يمكنه التمييز بين "الأصدقاء والغرباء", وفي هذا الوقت يظهر الطفل تعلقًا واضحًا ومحددًا بالأم, ويظهر سلوك التعلق Attchment هذا في صورٍ عديدةٍ؛ منها: الابتسام للأم, وإصدار الأصوات لها دون غيرها من الآخرين, وبالصراخ والبكاء حين يحمله شخصٌ آخرٌ غير الأم، والصراخ والبكاء أيضًا حين تتركه أمه. وقد شغلت مسألة العلاقة بين الأم وطفلها الرضيع اهتمام الباحثين منذ زمن بعيد, ولعلَّ أفضل من عَبَّرَ عنها في العصر الحديث العالم البريطاني بولبي Bowlby, حين صَكَّ في عام 1958 مصطلحه الشهير "التعلق"، وهو سلوك يظْهَرُ في الطفل منذ شهره السادس, يهيئ له شعورًا بالأمن، كما يزوده مصدر للشعور بالقوة والهوية يتطور فيما بعد ليصبح نقطة انطلاقٍ للشعور بالتمايز والاستقلال, ويُعَدُّ هذا السلوك مهمًّا في تكوين علاقات اجتماعية وانفعالية لها مغزًى, والتي تلعب دورًا رئيسيًّا في النمو الاجتماعي في المستقبل.
وفي الشهر الثامن أو التاسع يحاول الطفل محاكاة كلام الآخرين ونشاطهم وإيماءاتهم, وعند اكتمال العام الأول يتوقف عن الفعل عندما يسمع التحذير أو النهي, وفي منتصف العام الثاني يبدو سلوك "الخُلْفَة" Negativism, في صورة سلوك العناد والمقاومة لمطالب الكبار, وتتمثل الخُلْفَةُ في المقاومة الجسمية والصمت والانسحاب, وفي نهاية العام الثاني يمكنه أن يتعاون مع الكبار في أداء بعض الأعمال الروتينية، ويكون في حالة أكثر اتزانًا تجعله أكثر اجتماعية في سلوكه.
بداية الاهتمام باللعب:
يتسم لعب الرُّضَّعِ بأنه حُرٌّ تلقائيٌّ وأنه تعوزه القواعد والتنظيمات, وأَمْيَلُ إلى اللعب الفرديّ, ويحصل الرضيع على أبسط صور المتعة حينما تتعرض حواسه للاستثارة, ومن اللعب بأطرافه, وعندما يصل الطفل إلى سن ثلاثة شهور يمكنه استخدام لعب الأطفال بعد نموّ قدرته على التحكم في يديه, وفي هذه الفترة يشتق المتعة أيضًا من تقلبه على الظهر والجنبين والرفس, والوصول إلى أصابع القدم ومراقبة حركة أصابعه, وبين الشهر الخامس والثامن يصبح اللعب أقلّ عشوائية, ويزداد انتظامًا خلال السنة الثانية من العمر، ويمكن أن يستخدم اللعب في أنشطة عديدة, ومع تعلم المشي يندمج الطفل في هذا النشاط.
وبسبب نقص التآزر العضلي في هذه المرحلة فإنه عادةً ما يكون "مخربًا" للعبه, وفي محاولاته للأشياء الموجودة في بيئته, وبالطبع هو لا يعني تحطيم الأشياء. وفي سن 18شهرًا يحاكي الكبار, فيحضن اللعب المفضلة, ويقلدهم في قراءة الصحف, وفي هذه الفترة يكون لِعْبَه فرديًّا، ويكون دوره في حالة وجود أطفال آخرين هو دور المشاهد, وفي النصف الثاني من العام الأول يكون اللعب مع الآخرين متوازيًا, وفي تعامل الطفل مع أقرانه لا يوجد تفاعل "الأخذ والعطاء" ذو الطابع الاجتماعي، وإنما الشائع هو انتزاع الأشياء من الآخرين.
(1/214)

نمو الشخصية:
يولد الطفل كما أشرنا وهو مزوّدٌ بإمكاناتٍ نموِّ الشخصية، ومنها تنمو الشخصية بالفعل، وهو النموّ الذي تتحكم فيه ثلاث فئاتٍ من العوامل هي: الوراثة, والخبرات المبكرة داخل الأسرة, وأحداث الحياة اللاحقة. وبسبب اختلاف هذه العوامل من فردٍ لآخر, فإننا لا نجد شخصين يتحولان إلى شخصيتين متطابقتين.
ولعل أشهر وصفٍ لمرحلة الرضاعة أنها "مرحلة حرجة" في نموِّ الشخصية, وقد جاء هذا الوصف من أنها مرحلة بناء الأسس التي تقوم عليها شخصية الإنسان فيما بعد, وعلى الرغم من أن الشخص الراشد قد لا يتذكر إلّا القليل مما حدث له أثناء هذه المرحلة, فإن خبرات مرحلة الرضاعة لها أهمية قصوى في تشكيل الشخصية فيما بعد.
ولأن بيئة الرضيع محدودة "ببيئة المنزل"، ولأن والديه "وبخاصة أمه" هما رفيقاه الدائمان, يرى معظم علماء نفس النمو أن شخصية الفرد تتأثر تأثرًا كبيرًا بالعلاقة بين الطفل ووالديه في هذه المرحلة.
ومن المسائل الهامة التي يجب أن ننوِّهَ بها في هذه المرحلة, أن الرضيع لا يمكن وصفه بأنه كائنٌ خلقي أو لا خلقي؛ فالضمير لا يكون قد تَكَوَّنَ عنده بعد، كما لا يتوافر له مقياس للقيمة, ويمكن وصفه بأن سلوكه لا توجهه المعايير الخلقية بعد, ومع مرور الوقت يتعلم من والديه, ثم بعد ذلك من رفاقه ومعلميه, القواعد الخلقية للجماعة وضرورة مسايرتها.
وبالطبع, فإن تعلُّمَ الطفل السلوك على نحوٍ مقبولٍ اجتماعيًّا عمليةً طويلة المدى, بطيئة السرعة, ومع ذلك نستطيع القول أن أسس هذه السلوك- كغيرها من أسس بناء الشخصية الإنسانية- توضع في هذه المرحلة، وعليها يقيم بناءه الأخلاقي الذي يوجه سلوكه مع نموِّه فيما بعد.
(1/215)

فالطفل في هذه المرحلة حين يحكم بالخطأ أو الصواب, يكون هذا الحكم في ضوء محكِّ اللذة والألم الناتجين عن الفعل, وليس في ضوء ما ينشأ عنه بالنسبة للجماعة من خيرٍ أو ضُرٍّ, وبسبب نقص النمو العقلي في هذه المرحلة لا يستطيع الرضيع الحكم على السلوك إلّا في ضوء آثاره المباشرة فيه هو, ولا يتجاوز ذلك إلى آثاره في الآخرين, وعلى هذا يحكم الطفل على الفعل بأنه "خطأ" إذا كان مكدِّرًا له هو, ولا يشعر الطفل في هذه المرحلة بالذنب على "خطأ" يقع فيه؛ لأنه تعوزه المعايير المحددة للصواب والخطأ, فمثلًا لا يشعر "بالذنب" لأنه يستولي على لعب الآخرين وأشيائهم؛ لأنه لم تتوافر لديه بعد معايير حقوق الملكية.
ومعنى ذلك أن الأخلاق في هذا الطور هي -كما يصفه كولبرج- أخلاق الفردية والأنانية مع أخلاق الخضوع؛ حيث يظل في حاجة دائمة إلى من يوجهه إلى الخطأ والصواب.
ومع ذلك, فإن واجب الوالدين -طوال مرحلة الرضاعة- تدريب الطفل على إصدار الاستجابات الصحيحة في المواقف الخاصَّة, سواء في البيت أو خارجه, والفعل الخطأ يجب أن يظل الحكم عليه كذلك, بصرف النظر عن الموقف الذي يصدر فيه، وإلّا فإن الطفل سوف يقع في الخلط وسوء التمييز إذا كان الفعل الواحد يحكم عليه مرةً بالخطأ, ومرةً أخرى بالصواب, ومرةً ثالثةً يقابل بالتجاهل أو الإهمال، إنه في هذه الحالة لن يستطيع تحديد ما هو متوقع منه.
ومع أسلوب التدريب الحازم التي يستخدم أساليب الثواب والعقاب, يمكن أن يتوجه الطفل إلى أنماط السلوك الذي تجعله أقلّ إزعاجًا لوالديه خلال العام الثاني من هذه المرحلة، وهي الفترة التي يزداد فيها السلوك الاستكشافي والاستطلاعي للطفل, ويزداد رفضه لمطالب الوالدين, إلّا أن الهدف من هذا التدريب يجب أن يكون في جميع الحالات أن يميِّزَ الطفل بين الخطأ والصواب, وهذا التعليم التمييزي جهدٌ تربويٌّ طويل الأمد, مع ملاحظة أن إثابة الطفل على السلوك الصحيح بإظهار التقبل له والعاطفة نحوه, أكثر فعالية من عقابه على السلوك الخاطئ, وفي رأينا أن العقاب في هذه المرحلة "ولا يجب أن يتضمن على أيّ نحوٍ العقاب البدني" يجب أن يقتصر على الخطأ المتعمد, وفي حالة الضرورة القصوى, حين لا يستجيب الطفل لمطالب الوالدين بشكل متكرر.
أزمة الثقة في مقابل عدم الثقة:
يرى أريكسون في نموذجه للنمو الوجداني أن هذه الأزمة أخطر الأزمات الوجدانية في هذا الطور؛ ففي طور الرضاعة تؤثِّرُ نوعية الحياة التي يعيشها الطفل
(1/216)

في مشاعره الجوهرية والبدائية نحو البيئة؛ من حيث الثقة أو عدم الثقة فيها، ويشمل ذلك علاقات الحب والانتباه واللمس والتغذية.
ويقصد بالشعور بالثقة: قدرة الطفل على التنبؤ بسلوكه وسلوك الآخرين والاعتماد عليهما, وهو يشتق أساسًا من خبرات السنة الأولى من حياة الطفل "جزء من مرحلة الرضاعة", ومعنى ذلك أن اتجاه الطفل الأساسي نحو "اعتمادية العالم بعضه على بعض" يتكون من طبيعة العلاقات التي يتعرض لها خلال تلك المرحلة التي يسميها فرويد "المرحلة الفمية", والتي تحتل فيها الأشياء المتصلة بالتغذية ونشاط الفم أهمية بالغة, وتُعَدُّ الأم "أو بديل الأم" الشخص المهم في حياة الطفل في هذ المرحلة, وتؤثر طبيعة العلاقات بين الطفل والشخص القائم بدور الأمومة خلال هذه السنة الأول في تحديد المستوى الذي يصل إليه الطفل في مقياس الثقة - عدم الثقة, فإذا كانت حاجة الطفل إلى الطعام تحبط بشكل متكرر, فإن الطفل سوف يبدأ حياته وهو أقرب إلى بعد عدم الثقة, وقد يقضي على الشعور بالثقة سوء العلاقة الانفعالية الوجدانية, ورفض الأم للطفل انفعاليًّا أثناء إشباع حاجاته الجسمية.
ويرى أريكسون أن الخلل في الثقة الذي تتعرض له العلاقة الانفعالية بين الطفل والأم خلال السنة الأولى, يمكن إصلاحه إلى حَدٍّ ما في السنوات التالية, إذا تعرَّضَ الطفل لبيئةٍ اجتماعية ملائمة, إلّا أن هذا الخلل لا يتم التغلب عليه تمامًا مهما كانت الخبرات التالية إيجابية, وبالمثل فإن الطفل الذي يكوّن اتجاه الثقة خلال السنة الأولى, قد يتعرض لبعض الخبرات السلبية في المستقبل من أشخاصٍ مهمين بالنسبة إليه, تهز فيه هذا الشعور، ومع ذلك سوف يحتفظ بقدرٍ من الإحساس بالثقة في الذات, والثقة في الآخرين, ينشأ نتيجة لنجاحه في اجتياز أزمة الثقة - عدم الثقة في مرحلة الرضاعة, وهذه الفكرة حول دوام واستمرار الثقة أو عدم استمرارها تُعَدُّ المصدر الأساسي للنمو الوجداني في هذا الطور.
دور العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة في مرحلة الرضاعة:
الأسرة هي البيئة الاجتماعية الأولى التي يعيش فيها الطفل, ولهذا تلعب العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة دورًا هامًّا في تشكيل سلوك الرضيع, فوالداه وأخوته وأقاربه الذين يتصلون به اتصالًا مباشرًا ومنتظمًا خلال هذه السنوات التكوينية الهامة, يحددون جميعًا اتجاهاته نحو الناس والأشياء والحياة, وعلى الرغم من أن هذه الاتجاهات تتغير وتتعدل بلا شكٍّ مع نموِّ الطفل ومع اتساع آفاق البيئة التي يعيش فيها، إلّا أن جوهر هذه الاتجاهات ومحورها يظلُّ ثابتًا لفترةٍ طويلةٍ من الزمن.
(1/217)

وتأتي الأدلة على أهمية العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة في حياة الرضيع من مصدرين، أحدهما: دراسة الأطفال الذين حُرِمُوا من أمهاتهم وأودعوا في المؤسسات الإيوائية "كالملاجئ وغيرها", لقد لوحظ على هؤلاء الأطفال أنهم حين يُحْرَمُون من أن يحبوا, وأن يكونوا محبوبين, تتأثر شخصايتهم بشكل خطير؛ فالطفل في هذه الحالة يصبح هادئًا ساكنًا غير مستجيبٍ لابتسامات الآخرين، ويظهر حِدَّةً انفعالية بالغة, كما لو كان بذلك يبحث عن اهتمام الآخرين، وتظهر عليه بوجهٍ عامٍّ مظاهر الشقاء والتعاسة.
أما المصدر الآخر: فهو دراسة الأمهات العاملات, فمن المعروف أن نسبةً متزايدةً من الأمهات يستوعبهن في الوقت الحاضر سوق العمل في معظم دول العالم, وقد تَرَتَّبَ على ذلك إنشاء "مراكز الرعاية النهارية" للرضَّعِ, والتي يطلق عليها أحيانًا تسمية "دور الحضانة"، وهي مؤسسات يتلقى فيها الأطفال رعاية جماعية في فترة غياب الأم في عملها، وقد تعرضت فكرة هذه المؤسسات للنقد في كثيرٍ من الأحيان, على أساس افتراض أن الطفل في هذه المرحلة في حاجةٍ إلى شخصٍ مهمٍّ واحدٍ يوجِّه إليه مشاعر التعلق, بالإضافة إلى الاعتقاد بأن الرضَّع يتلقون في هذه المؤسسات اهتمامًا ورعايةً وعاطفةً واستثارةً أقلَّ مما يتلقونه في المنزل، وهذا في حَدِّ ذاته يؤثر على النمو الاجتماعي والانفعالي والمعرفي للطفل.
ويصدق هذا القول بالطبع إذا كانت دور الحضانة هذه نوعًا من "مخازن الأطفال" كما وصفها فؤاد أبو حطب "1983"، إلّا أن نتائج البحوث تؤكد لنا أن رعايةً جماعيةً صحيحةً من الوجهة النفسية يمكن أن تهيئ ظروفًا مناسبة للنموِّ السليم، كما يحدث تمامًا في بيئة المنزل، وخاصةً إذا توافرت فيها التغذية المنظمة والتفاعل الاجتماعي المتكرر وفرص الاستطلاع والاستكشاف والاستثارة، ومع عدد مناسب من الصغار الذين ترعاهم المشرفة في دار الحضانة، وهو ما لا يجب أن يتجاوز ثلاثة أطفال بحالٍ من الأحوال, بشرط أن يقضي الطفل معظم يومه مع أمِّه بعد انتهاء فترة عملها.
والسؤال الآن: ما هو دور الأب في مرحلة الرضاعة؟ لقد أثير هذا السؤال في السنوات الأخيرة بسبب التنبه إلى الفائدة التي يجنيها الرضيع من الرعاية التي يقدمها له أبوه إلى جانب رعاية الأم, وقد أكدت البحوث أن الآباء يظهرون قدرًا كبيرًا من الحساسية والعاطفة والمهارة في التعامل مع أطفالهم الرضع، إلّا أن نمط السلوك في الحالتين مختلف؛ فالأب يمارس مع طفله أنماط النشاط التي تتطلب اللعب الجسمي "مثل قذف الطفل في الهواء" أما الأم, فإنها تمارس مع الطفل لعبًا أكثر رقَّةً "كاستخدام اللعب"، بالإضافة إلى أنها تتصل بطفلها اتصالًا فيزيائيًّا أكثر
(1/218)

"وخاصةً في حالة الرضاعة الطبيعية, وبصفة عامَّةٍ يُلَاحَظُ أن الأم أكثر قدرةً من الأب على توجيه عاطفتها واهتمامها نحو الطفل, ويدل هذا على أن الأمومة هي الدافع الأقوى في هذه المرحلة، فهي الدافع الذي يهيئ الأم للقيام برسالتها الهامة في الحياة, وهي بقاء النوع "الحمل والولادة والرضاعة"، وهذه جميعًا ترتبط بها مشاعر العناية والحُنُوِّ على الطفل حتى ينمو, وهذه الوظائف لا ترتبط بدور الأبوة، وربما لهذا السبب أننا لا نجد في الحيوانات إلّا "أمومة" فقط, وقد جاء تكريم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة للأمومة تتويجًا لهذا الدور الهامِّ في حياة الإنسان.
وتتغير علاقة الرضيع بوالديه مع تحوله من طفلٍ عاجزٍ معتمدٍ إلى طفلٍ أكثرَ استقلالًا نسبيًّا "مع النمو الحركي خاصة", ولعلَّ أهم ما يشغل الوالدين في هذه المرحلة الظروف الجسمية للطفل, ويُسَبِّبُ هذا قلقًا زائدًا لدى الأمهات "وخاصة أولئك اللاتي يمارسن دور الأمومة لأول مرة"، فهن يخشين الفشل في رعاية الطفل, وقد يؤدي هذا القلق إلى توتر الطفل الذي قد يؤثر على أكله ونومه.
ولعلَّ من أخطر المشكلات في هذه المرحلة "الحماية الزائدة" التي يخلعها الوالدان على الطفل "وخاصة الطفل الأول" بسبب شعورهما بعجزه الكامل, وقد يؤدي ذلك بالطفل إلى تنمية اتجاه الاعتمادية, ومن المؤكَّد أن في مرحلة الرضاعة فترتين حرجتين لاتجاه الحماية الزائدة؛ أولاهما: في نهاية العام الأول, حين يختبر الطفل أمه لمعرفة ما إذا كان يمكنه الاعتماد عليها, والطفل في هذه الفترة لا يزال عاجزًا ولا يزال في حاجةٍ إلى من يشبع له حاجته، إلّا أن ما يلاحظ أحيانًا أن بعض الأمهات يتجاوزن حاجات الطفل, ولا يشجعن فيه الاستقلال قدر الإمكان, أما الفترة الثانية: فهي في نهاية العام الثاني "ونهاية المرحلة ككل" حين تكون هناك مطالب اجتماعية من الطفل لتغيير أساليبه السابقة في السلوك، ومع ذلك تسبغ الأمهات عليه طابع الحماية الزائدة، ولهذا نجد بعض الأطفال يتشبثون بالوضع الذي هم فيه "الاعتماد الطفولي الزائد".
ومع نموِّ الطفل يزداد سعيه للاستقلال وضوحًا وتحديدًا، إلّا أنه بسبب عجزه عن القيام بالمهارات المطلوبة واللازمة لهذا الاستقلال نتيجةً للحماية الزائدة, يبدأ الصراع بين الطفل والوالدين في الظهور، ثم يتحول بغضبه إلى نفسه, وإلى كلِّ من يحيط به, عندما يعجز عن القيام بما يريد.
وقد يُوجَدُ الطفل في أسرةٍ لها أطفالٌ آخرون هم أخوة الرضيع, وبالطبع فإن اتجاه الرضيع نحو هؤلاء الإخوة يتوقف على طرق معاملتهم له، فإذا كانوا يلعبون معه, ويبدون العاطفة نحوه, فإنه يتوجه إلى حبهم, ويتوقف هذا على نجاح الوالدين
(1/219)

في تهيئة الإخوة لاستقبال الطفل قبل مولده, وعادةً ما تظهر الأخت هذا الاتجاه الإيجابي نحو الرضيع أكثر من الأخ؛ لأن رعاية الطفل تعتبر في معظم المجتمعات وظيفة أنثوية, ولهذا فإننا كثيرًا ما نجد الرضيع يُفَضِّلُ أخته الكبرى على أخيه الأكبر.
ويتركز اهتمام الأسرة خلال فترة الرضاعة على تدريب الطفل على الطعام "الفطام التدريجي" والنوم والإخراج, وقد لوحظ أن الوالدين الأكثر تفتحًا يميلون إلى أن يكونوا أكثر تسامحًا في هذا التدريب، إلّا أن المهم أن يكون ذلك جزءًا من برنامج واضح لرعاية الطفل في هذه المرحلة, يهدف إلى إشاعة الثقة في الطفل وتجاوزه أزمة الشك التي تشير إليها إيرك أريكسون "راجع الفصل الثالث". ويحدد محمد عماد الدين إسماعيل "1986" أربعة مبادئ عامة تحدد دور الوالدين في هذه الرعاية هي:
1- الفورية والثبات في استجابة الأم "أو من يقوم برعاية الطفل" بشكل عامٍّ لمؤشرات التوتر التي تصدر عن الطفل.
2- ضرورة التفاعل المستمر بين الطفل والأم، على ألَّا تكون محض مستجيب لحاجات الطفل, وإنما يجب أن يكون لها دور المبادأة في استثارة نموه المعرفي والانفعالي والوجداني, وهذان العاملان يؤديان إلى كسب ثقة الطفل, ويحققان له "التعلق" المستقر بها.
3- تشجيع الطفل عل استطلاع البيئة التي يعيش فيها, سواء باستخدام الحواس والحركة, أو من خلال نشاطه الاجتماعي.
4- تشكيل البيئة المادية للطفل؛ بحيث تكون ملائمة لمستوى نموه؛ وبحيث تشجعه على على الاستكشاف والاستطلاع المستمر.
(1/220)

بعض مشكلات طور الرضاعة:
1- التغذية:
تُعَدُّ تغذية الرضيع من المسائل الرئيسية في هذا الطور، بل إحدى المهام الهامة التي يجب إنجازها بنجاح, ولعل أهم ما يتصل بهذا الموضوع كيفية هذه التغذية, وخاصةً المفاضلة بين الرضاعة الطبيعية والرضاعة الصناعية. وقد فَضَّلَ القرآن الكريم الرضاعة الطبيعية منذ أربعة عشر قرنًا في قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} إلّا إذا كانت هناك ظروف قاهرة تمنع الأم من ذلك, فأجاز حينئذ "الاسترضاع"؛ فالأصل في تغذية الطفل في هذا الطور إذن, هو أن يرضع الطفل لبن أمه من صدرها, أما الاعتماد على الرضاعة الصناعية -والتي تشيع في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا "في مقابل السويد والصين التي تشبع فيهما الرضاعة الطبيعية"- فقد حسم الأمر بالنسبة إليها في ضوء نتائج البحوث التي بدأت منذ مطلع الستينات من القرن العشرين، ومنها تأكد نهائيًّا أن هذه الطريقة في تغذية الطفل لا تقبل المقارنة مطلقًا بطريقة التغذية الطبيعية، وفي هذا إعجاز علميٌّ جديدٌ لكتاب الله الخالد.
فالرضاعة الطبيعية لها مزاياها لكلٍّ من الرضيع والأم, فلبن الأم يفوق كل ما عداه من ألوان الغذاء الذي يمكن أن يُقَدَّمَ للطفل -مهما استخدم فيها من وسائل التعقيم الصحي- من حيث قدرته على وقاية الطفل من الإصابة من الأمراض المختلفة، ناهيك عن أنه غذاء صحي متكامل متوازن, لا توازيه أبدًا أية وجبة غذائية اصطناعية, أضف إلى ذلك أن الألبان الصناعية قد تحدث آثارًا ضارةً في صحة الطفل, بسبب بعض المستحضرات الكيميائية التي تؤلفها، بالإضافة إلى قابليتها السريعة للتلوث من خلال عمليات التحضير، ولهذا السبب فهي من أكثر الأسباب شيوعًا لتعرض الطفل للنزلات المعوية، وهي السبب الرئيسي لوفيات الأطفال الرضع.
والرضاعة الطبيعية لها جوانبها السيكولوجية التي تفوق طبيعتها كموقف تغذيةٍ فحسب, إنها موقف "رابطة طبيعية" و"تعلق مباشر" بين الطفل وأمه, يعين على الإسراع بالنمو الانفعالي والوجداني والاجتماعي للطفل, ولذلك يرى بعض العلماء أنه لو اضطرت الأم إلى الرضاعة الصناعية لأسبابٍ قاهرةٍ, فعليها أن تجعل موقف التغذية أقرب ما يكون إلى الرضاعة الطبيعية؛ من حيث الاتصال "الجسدي" المباشر بالطفل.
وللرضاعة الطبيعية آثارها المفيدة للأم أيضًا، فهي تساعد على سرعة
(1/221)

انكماش الرحم وعودته إلى حجمه الطبيعي بعد الولادة، بالإضافة إلى عودة نسب جسمها, وخاصة الصدر والبطن إلى حالتهما الطبيعية قبل الحمل, وتقلل من احتمالات إصابة الأم بأمراض الثدي والرحم التي شاعت في السنوات الأخيرة, ربما بسبب شيوع الرضاعة الصناعية.
وحتى تكون الرضاعة الطبيعية مفيدةً لكلٍّ من الطفل والأم, لابد لتغذية الأم نفسها أن تكون جيدة، وأن تمتنع الأم عن تناول العقاقير التي قد تؤثر في لبنها, أضف إلى ذلك أن استمرار ثدي الأم في إفراز اللبن يتوقف على قوة مصّ الطفل له, وقد تلعب الأم دورًا في امتناع الطفل عن التغذية من صدرها, فقد تأكَّدَ أن الأطفال الرضَّعَ يميلون إلى التغذية الطبيعية الهادئة والكافية, إذا كانت أمهاتهم على درجة كافية من الرضا والسعادة والاسترخاء, ومعنى ذلك أن نجاح الرضاعة الطبيعية يتوقف على أن تكون الأم راغبة، أما الأم التي ترضع طفلها أداءً للواجب دون رغبةٍ منها في ذلك, تصاب بالتوتر, وتنعكس اضطرابات الأم هنا على الطفل, فيبدي علامات الضيق "دافيدوف، 1983". ومن هنا ينشأ رفض الطفل للتغذية الطبيعية.
2- الفصال "الفطام":
يُقْصَدُ بالفطام تحول الطفل تدريجيًّا من التغذية عن طريقة الرضاعة, سواء أكانت طبيعية أم صناعية, إلى الشرب من كأسٍ أو كوبٍ, وتناول الأطعمة الأكثر صلابة, ولا يوجد مسحٌ شاملٌ يوضح لنا السن الأكثر تكرارًا في عالمنا العربيّ والإسلاميّ الذي عنده يحدث الفصال, وتتوافر مثل هذه الدراسات المسحية في المجتمعات الغربية, ومن ذلك أنه في الولايات المتحدة يحدث الفطام عادةً بين سن 6 شهور, 12 شهرًا, ويمتد إلى بلوغ الطفل عامين أو أكثر.
وقد أوضح القرآن الكريم الحد الأقصى لرضاعة الطفل بعامين، وقد بيَّنَ بحكمته البالغة أنها قد تقل عن ذلك, ويذكر العلم الحديث بعض المؤشرات التي قد تفيد المهتمين برعاية الطفل في هذه المرحلة في تحديد حاجة الطفل إلى الفطام، ومن ذلك ما أوردته الأكايمية الأمريكية لطب الأطفال منذ عام 1958 Harris" 1986 من أن الطفل يكون جاهزًا من الوجهة الفسيولوجية لتناول الأطعمة الصلبة إذا أظهر ما يلي:
أ- أن يستهلك من التغذية بالرضاعة أكثر من 32 أوقية "أي: ما يعادل960 ميللميتر" يوميًّا.
ب- أن يشعر بالجوع على الرغم من أنه يتغذى برضاعة جيدة كل ثلاث أو أربع ساعات.
(1/222)

وقد لاحظ بعض الباحثين أن كثيرًا من الأطفال يفطمون أنفسهم بالتدريج, وخاصة إن كان هناك أخٌ "أو أختٌ" أكبر منه يحاول تقليده، وكان الوالدان يشجعانه على تناول الطعام مستقلًّا، وفي جميع الحالات يجب أن يتنبه الوالدان "وخاصة الأم" إلى أن يتمَّ ذلك بالتدريج, ودون عقاب أو تعسف أو قهر، وألَّا تحوِّلَ الفطامَ إلى خبرة صدمية.
وأفضل طريقة لفطام الطفل دون تعرضه لمشكلاتٍ حادَّةٍ أن تقوم الأم بإنقاص كمية الطعام الذي يتناوله الطفل عن طريق الرضاعة, حالما أن الطفل يستطيع الحصول على طعامه من مصادر أخرى، فإذا كان من الواجب توقف الطفل عن الرضاعة الطبيعية في سنٍّ مبكرٍ "قبل سن 6 شهور مثلًا" فمن الأفضل أن يتحول إلى التغذية برضاعة صناعية "باستخدام الزجاجة" حتى تتوافر للطفل طريقة لإشباع حاجة المصِّ لديه في هذا السن, وبعدئذ تبدأ الأم بملء الزجاجة بالماء دون المواد الغذائية المرغوب فيها "كاللبن أو العصائر" وذلك لتشجيعه على التوقف عن استخدام الزجاجة في تناول طعامه.
أما إذا كان علينا وقف الطفل عن الرضاعة الطبيعية في سنٍّ متأخر, فيجب أن يتمَّ الفطام بتحويله تدريجيًّا إلى الشرب من الكوب, وإذا كان الطفل لا يزال يظهر حاجته إلى المصِّ فيمكن أن تقدم مصادر بديلة كالمصاصات وألعاب الأسنان, ومن المعروف أن الحرمان المفاجئ من المصِّ قد يؤدي إلى مصِّ الأصابع حتى بعد انتهاء فترة الفطام, وقد يتحول بعد ذلك إلى لازمة عصبية يظهرها الأطفال "والكبار أحيانًا" في مواقف التوتر والقلق.
3- التسنين:
يُعَدُّ التسنين إحدى المشكلات الهامة في طور الرضاعة، ويتمثل في ظهور الأسنان اللبنية "وعددها 20سنًّا", ويعتبر هذا الحدث مشكلة للطفولة في هذا الطور لما يصاحبه من بعض مظاهر الاضطراب التي تعتري كلًّا من الطفل والوالدين.
ويختلف الرضع اختلافات جوهرية في موعد ظهور السن اللبنية الأولى, ويذكر "Smith 1886" أنه يولد طفل واحد من بين كل ألف وخمسمائة طفل وفي فمه سن لبنية واحدة، كما أن بعض الأطفال لا يظهرون سنهم اللبنية الأولى إلّا بعد أن يبلغوا من العمر 15شهرًا، إلّا أنه عند معظم الأطفال تبدأ هذه الأسنان في الظهور في الفترة العمرية بين 6، 7شهور.
ويعاني الأطفال أثناء التسنين من بعض آلام اللثة والفم وضعف الصحة، بل
(1/223)

والمرض أحيانًا، وهي جميعًا أعراض مؤقتة تنتج عن تمزق بعض الأوعية الدموية, وإحلال بعض الأنسجة محل بعضها الآخر، ولهذا السبب قد تضعف شهية الطفل للطعام, بالإضافة إلى الضيق والتوتر، كما قد تظهر أعراض مثل ارتفاع درجة الحرارة والقيء والإسهال وآلام الأذن والنوبات التشنجية.
4- التدريب على الإخراج:
يُعَدُّ تدريب الطفل على الإخراج خبرةً هامَّة في حياته, يُطْلَبُ منه فيها التعود على المعايير الاجتماعية, ولعل مصدر المشكلة هنا هو قلق الوالدين الزائد, وخاصة حين يعتبر تحكم الطفل في المثانة والأمعاء مؤشرًا على النموّ الصحيح, ولعلنا هنا نشير إلى أن المؤشر الصحيح على الحاجة إلى التدريب على الإخراج هو معدل النموّ الجسمي للطفل, وليس رغبات الوالدين وحاجاتهما؛ لأنه حتى يتم هذا التدريب بنجاحٍ لابد أن يظهر أنماطًا سلوكية معينة, يلخصها ويلي وونج Whaley Wong 1986" فيما يلي:
أ- التحكم اللاإرادي في الأمعاء والمثانة, يجب أن يحل محله التحكم الإرادي فيهما، وهذا لا يحدث إلّا خلال الفترة العمرية من 18-24شهرًا, وقد يحتاج الطفل الذي يُولَدُ قبل الأوان, كما قد يحتاج الذكور إلى فترة أطول, بل إن بعض الأطفال من ذوي النقائص النيرولوجية قد لا يصلون إلى هذا التحكم الإرادي مطلقًا, وعلى هذا, فإن التدريب على الإخراج لا يجب أن يبدأ أبدًا قبل وصول الطفل إلى هذه المرحلة, وأيّ تدريب يحدث قبل ذلك هو تدريب للوالدين على الالتزام بمواعيد وأفعال معينة, دون أن يكون له أثر يُذْكَرُ على الطفل.
ب- القدرة العضلية على المشي إلى الحمَّاِم, وخلع الملابس, والجلوس على "القصرية", أما نظافة الطفل والمكان بعد ذلك تظل مسئولية الكبار من الوالدين أو الإخوة الكبار, فلا يمكن أن يُطَالَبَ الطفلُ بما لا يستطيع.
جـ- القدرة على الشعور بحركة البول أو البراز أو هما معًا, والحاجة إلى إخراجهما, ويمكن للوالدين أن يستعينا ببعض المنبهات غير اللفظية التي يظهرها الطفل لتوقع أنه على وشك التبول أو التبرز, ومن هذه المنبهات التعبيرات الوجهية والإيماءات ووضع قامة الطفل, وبهذا يتم التعبير عن الحاجة إلى الإخراج وإشباعها بالذهاب إلى الحمَّامِ.
د- القدرة على استخدام بعض المهارات اللغوية للتعبير عن الحاجة إلى الإخراج، كما يجب أن يكون الطفل قادرًا على فهم التعليمات اللفظية التي يقدمها له الوالدان في مثل هذا الموقف حتى يتتبعها، كما يجب أن يكون قادرًا أيضًا على
(1/224)

فهم الأساليب اللغوية التي يستخدمها الوالدان في مدحِ أو ذمِّ أنماط السلوك غير المرغوب التي تصدر عنه في مثل هذه المواقف.
وحالما يُظْهِرُ الطفل استعدادًا للتحكم في الإخراج, يمكن أن يبدأ تدريبه, والمهم في جميع الحالات أن يتسم الوالدان بالصبر أثناء هذه الفترة الحرجة من حياة الطفل, وعمومًا فإن أفضل سن التدريب على الإخراج هو بعد أن يتجاوز الطفل عامين من العمر، وعلى هذا, فإنه يصبح إحدى مسئوليات ومهام الطور التالي "Walkar Roberts 1983".
(1/225)

الفصل الحادي عشر: طور الحضانة (من سن عامين إلى سن التميز)
النمو الجسمي والفسيولوجي
...
الفصل الحادي عشر: طور الحضانة"من سن عامين حتى سن التمييز"
يبدأ هذا الطور من نهاية الرضاعة حيث يقلُّ الاعتماد ويتزايد الاستقلال تدريجيًّا, وينتهي بدخول الطفل المدرسة الابتدائية، ويطلق على هذه المرحلة عدة تسميات, أشهرها "مرحلة الحضانة ورياض الأطفال"، ومرحلة طفل ما قبل المدرسة" ومرحلة "الطفل الدارج" Toddler, وتتميز هذه المرحلة بوضوح الفروق الفردية في مختلف جوانب السلوك، ويستقر فيها كثير من خصائص الشخصية, وقد حظيت هذه المرحلة باهتمام كبير من علماء النفس، وخاصة من أصحاب نظريات الشخصية, بسبب الاعتقاد الذي كان شائعًا لزمنٍ طويلٍ من أن هذه المرحلة هي الأكثر أهمية في دورة حياة الإنسان، وهي التي تحدد مسار النمو اللاحق, إلّا أن كثيرًا من هذه الأفكار قد تغير في ضوء نتائج البحث, وأصبح الاهتمام بالنموِّ في هذه المرحلة بسبب ما يمثله في النمو الكلي للإنسان, ونعرض فيما يلي لخصائص النموِّ في هذه المرحلة.
النمو الجسمي والفسيولوجي:
يتزايد الطول والوزن في هذه المرحلة تزايدًا سريعًا, إلّا أن هذه التغيرات لا تحدث بنفس المعدل الذي كانت تحدث به في المرحلة السابقة "مرحلة الرضاعة", فالمعدل هنا أبطأ, ويزداد بطأً في المرحلة التالية, ويكون معدل الطول أكبر من الوزن في هذه المرحلة, ويكون الذكور أطول وأثقل قليلًا من الإناث, وتؤكد إحصائيات إدراة الصحة المدرسية بوزارة التربية والتعليم في مصر, أن متوسط طول الطفل في بداية العام الثالث من عمره يكون 84سم تقريبًا لكلٍّ من الذكور والإناث، وحينما يصل الطفل إلى نهاية العام الخامس من عمره يكون متوسط طول الولد 108سم, ومتوسط طول البنت 107سم, أما متوسط وزن الطفل في بداية مرحلة الطفولة المبكرة فيكون 12 كليو جرامًا تقريبًا للجنسين, وفي نهاية
(1/227)

المرحلة يكون متوسط وزن الولد حوالي 18 كيلو جرامًا, ومتوسط وزن البنت 17،5 كيلو جرامًا, وهكذا يكون طول الطفل في نهاية هذه المرحلة ضعف طوله عند الولادة, بينما يصل وزنه إلى سبعة أمثال وزنه عند الولادة.
ويشهد النموّ الجسمي في هذه المرحلة تغيرات في نسب أجزاء الجسم؛ فالعظام والعضلات تنمو بمعدل أكثر تدرجًا مع تحول مظهر الطفل من شكل الرضيع إلى شكل الطفل الصغير, وفي حوالي سن الرابعة يبدأ الطفل في التخلص من الشكل المترهل للرضيع, إلّا أن الرأس والوجه تظل نسبتهما أكبر بالمقارنة بأجزاء الجسم الأخرى، على الرغم من أن معدل نموّ الرأس يكون في هذه المرحلة أبطأ من المرحلة السابقة, ومع استمرار النموّ في منطقة الجذع والأطراف يصبح مظهر الطفل أكثر خطية وأقل استدارة, ويرجع المظهر النحيل للطفل في هذه المرحلة أيضًا إلى عمليات الأيض "الهدم والبناء" التي تتعرض لها الأنسجة الدهنية التي تراكمت على جسم الطفل في المرحلة السابقة, ويؤثر النشاط المتزايد والحركة الدائبة للطفل في هذه المرحلة في تخلص الطفل من هذه الدهون.
وحين يصل الطفل إلى العام السادس تكون نسبة أجزاء الجسم أقرب إلى نسب جسم الشخص الكبير, كما أنه في هذه المرحلة يزداد نضج الجهاز العظمي والعضلي والتي تؤثر في زيادة الوزن, فبينما يرجع معظم وزن الجسم في المرحلة السابقة إلى زيادة الدهون, فإن هذه الزيادة تعود في هذه المرحلة إلى النمو في أنسجة العضلات والعظام؛ فالعضلات تكون ضعيفة والعظام لا تزال لينة, وتكتمل الأسنان, وخاصة فيما بين العام الثاني والثالث, وتظل هذه الأسنان "اللبنية" حتى سن السادسة أو السابعة, حين تستبدل بالأسنان الدائمة، ومع ذلك, فإن أسنان الطفولة في حاجة إلى الرعاية الطبية على الرغم مما هو شائع من عدم حاجة أسنان الطفل إلى ذلك لندرة تسوسها؛ ولأنها ستتغير بعد ذلك, فالرعاية الطبية للأسنان مهمة للتأكد من أثر التغذية وغيرها من العوامل التي تؤثر في نموّ الأسنان الدائمة.
وقد يكون الجهاز العصبي هو أكثر أجهزة جسم الطفل استمرارًا في النموّ في هذه المرحلة، ويتفوق معدل نموه عليها في هذ الصدد, فمع بلوغ الطفل سن الثالثة يصل وزن مخه إلى حوالي 75% من وزن مخ الراشد، ويصل إلى 90% من وزنه الكامل في العام السادس, ويتقدم نموّ لحاء المخ خلال هذه المرحلة, وهذا الجزء من المخِّ يتألف من عدد كبير من الخلايا والألياف العصبية, وهو أكثر أجزاء المخ تطورًا، ويرتبط بالسلوك الإرادي والنشاط العقلي, ويفسِّر لنا نموَّ هذا الجزء من المخِّ في هذه المرحلة السرعة والسهولة التي يكتسب بها الطفل المعلومات والمشاركة في أنشطة التفكير وحلّ المشكلة, ومعنى هذا أن النموَّ العقلي والمعرفي في هذه المرحلة قد يكون وثيق الارتباط بنموّ لحاء المخ, ويستمر في هذه المرحلة ترسيب الأنسجة الدهنية المحيطة بنهايات الخلايا العصبية على نحوٍ يجعل التواصل العصبي في المخ أكثر يسرًا وكفاءة, وتتفاعل هذه العمليات معًا لتجعل التعليم عند أطفال هذه المرحلة أكثر سهولة من المرحلة السابقة.
(1/228)

النموّ الحسي والإدراكي:
تشهد هذه المرحلة تحسنًا واضحًا في قدرة الطفل على الإبصار والتركيز البصري، ومع بلوغ الطفل سن السادسة لا يكون جهازه البصري قد اكتمل "لا يكتمل نضج الجهاز البصري إلّا مع البلوغ"، وهذا يعني أن مزيدًا من النموِّ البصريِّ تشهده مراحل العمر التالية حتى يتحقق تركيز بصري واضح, وقد يحتاج بعض الأطفال في هذه المرحلة إلى نظارات طبية, أما المشكلات السمعية فلا تظهر إلّا لدى عدد قليل من الأطفال, ونسبة هؤلاء في المجتمع الأصلي للأطفال لا تتجاوز 2%.
ومع تقدُّمِ الطفل في العمر تزداد قدرته على التمييز بين المثيرات، ويزداد نصيب المثيرات من التمايز كلما أطلق على كلٍّ منها اسم خاص به، أي أن المثيرات المختلفة تصبح عنده مرتبطة بتسميات لغوية, والطفل في بداية هذه المرحلة "في سن الثالثة" يميل إلى الاستجابة للمثير ككلٍّ لا إلى أجزائه المنفصلة، كما ينمو لديه الإدراك المكاني، ولو أن الأطفال في هذه المرحلة من بدايتها حتى نهايتها تقريبًا يجدون صعوبة بالغة في الكشف عن الفرق بين الشكل والصورة في المرآة, ويصدق مبدأ إدراك الكلّ قبل الأجزاء على الإدراك السمعي.
(1/229)

النموّ الحركي:
يتبع النمو الحركي في الطفولة المبكرة النسق الذي بدأ في المرحلة السابقة؛ فالطفل يستطيع في هذه المرحلة أن يجري بسهولة, ويتمكن من الوقوف, ويصعد الدرج دون مساعدة، ويستطيع القفز وبناء المكعبات, ويكتسب قدرًا كافيًا من التوجه المكاني, والدقة في الحركة, وفي سن الخامسة يكون قد اكتسب القدرة على الاتزان, وتزداد حركاته الدقيقة تمايزًا واستقلالًا, ويتبع النموّ الحركي في هذه المرحلة الاتجاه من العام إلى الخاصِّ.
ويطرأ على المهارات الحركية الغليظة التي اكتسبت في مرحلة الرضاعة قدر كبير من التحسن والتعديل، ويبدأ ظهور المهارات الحركية الدقيقة, والحركات الغليظة هي تلك التي تتطلب نشاط مجموعة عديدة من العضلات مثل المشي
(1/229)

والجري وغيرهما, أما المهارات الحركية الدقيقة فإنها ترتبط أساسًا بالمهارات اليدوية ومهارات اللعب وغيرها. ويلعب التكرار دورًا هامًّا في نموِّ المهارات الحركية في الطفولة المبكرة؛ فالأطفال يستمتعون بهذا التكرار, ويعينهم ذلك على تحسن المهارات المكتسبة, والوصول بها إلى درجة عالية من الكفاءة "Binger 1983".
ويتدعم في هذه المرحلة تفضيل إحدى اليدين في الاستخدام, وبالطبع فإن الأطفال يستمرون في استطلاع استخدام إحدى اليدين أو الأخرى, أو استخدام أحد جانبي الجسم أو الآخر، كما توجد اختلافات واسعة في استخدام اليد المفضلة, واستخدام إحدى اليدين أو القدمين أو أحد جانبي الجسم أكثر من الآخر يرتبط في جوهره بسيطرة أحد النصفين الكرويين في المخِّ على النصف الآخر, ويمكن للأطفال أن يتعلموا استخدام يد معينة في أداء مهارات حركية كثيرة, وبالطبع يُعَدُّ العسر "أو سيطرة اليد اليسرى" عند معظم الكبار سمة غير مرغوب فيها في عالمٍ يسوده استخدام اليد اليمنى، وبالتالي, فإنهم يشجعون الأطفال على تفضيل هذه اليد اليمنى.
ويعتمد نوع المهارات التي يمكن للطفل تعلمها جزئيًّا على مستوى نضجه واستعداده، وعلى الفرص التي تتاح له لتعلمها, والتوجيه التي يلقاه لإتقانها بسرعة وكفاءة, ومن الملاحظ أن الأطفال الذين يعيشون في البيئات الفقيرة يكتسبون المهارات مبكرين عن أطفال البيئات الميسرة, ويبدو أن السبب في ذلك رغبة الآباء من ذوي المستوى الاقتصادي الاجتماعي المنخفض في تدريب أطفالهم على هذه المهارات إلى الحد الذي يجعلهم لا ينتظرون، ما دام الانتظار غير مطلوب "Hulock 1980".
وتوجد فروق بين الجنسين في نوع المهارات الحركية التي يتعلمها أطفال هذه المرحلة؛ فالضغوط الثقافية تركز على الذكور أن يتعلموا مهارات اللعب الملائمة ثقافيًّا لجنسهم، وتجنب المهارات التي ترتبط ثقافيًّا "بالأنوثة", ولهذا يشيع بين الذكور مثلًا تعلم ألعاب الكرة, بينما تشجع الإناث على المهارات المرتبطة بألعاب البيت, ومع ذلك يتعلم كلٌّ من الجنسين مهارات مشتركة, والتي قسَّمَتْهَا هيرلوك إلى فئتين: المهارات اليدوية ومهارات استخدام الساقين, ومن أهم المهارات اليدوية مهارات إطعام الذات, وارتداء الملابس, وهي مهارات يبدأ ظهورها في المرحلة السابقة -كما أشرنا- ويكتمل نموها في هذه المرحلة, ومن هذه المهارات أيضًا تمشيط الشعر والاستحمام, ويمكن استخدام اليد في الدَّقِّ بمطرقةٍ أو شاكوش،
(1/230)

وحين يصل الطفل إلى سن السادسة يمكنه استخدام أدوات النجار في صنع أشياء بسيطة, ويمكن لطفل دار الحضانة أو روضة الأطفال أن يستخدم المقصَّ, والتشكيل بالصلصال, واستخدام أدوات الخياطة, كما يمكنه استخدام أقلام الرصاص وأقلام التلوين والألوان المائية، وبهذا يمكنه رسم الصور وتلوينها, ويمكنه في هذا السن رسم الرجل, وبين العام الخامس والسادس يمكنه رسم بعض حروف الأبجدية، على الرغم من بطء القدرة على الكتابة في هذه المرحلة.
أما بالنسبة لمهارات الساقين: فإنه حالما يتعلم الطفل القدرة على المشي يتوجه انتباهه إلى تعلم مهارات أخرى تتطلب استخدام القدم, فيتعلم في سن الخامسة أو السادسة الحجل "القفز برجل واحدة" والطفر "وثب كل درجتين من درجات السلم في المرة الواحدة", والعدو "كالفرس"، والقفز، وألعاب الجري "دون سقوط"، ومهارات التسلق.
(1/231)

صحة الطفل ما قبل المدرسة:
يتحسَّن المستوى الصحي للطفل مع تقدمه في السن, ويحدد صحة الطفل في هذه المرحلة عوامل التغذية والمستوى الاقتصادي الاجتماعي, ولا شك أن توافر صحة جيدة لطفل ما قبل المدرسة يُعَدُّ من الأمور الجوهرية التي يتطلبها النموّ وتحتاجها طاقة الطفل, ونعرض فيما يلي بعض المسائل المتصلة بهذا الموضوع:
1- التغذية: توجد علاقة وثيقة بين تغذية الطفل ونموِّه الجسمي والنفسي, وقد أشرنا إلى أن النموَّ الاجتماعي والوجداني للطفل يتأثر تأثيرًا شديدًا بخبرات التغذية, ويبدأ ذلك منذ مرحلة الرضاعة التي تهيئ للطفل خبرة هامة في بناء الشعور بالثقة, في مقابل الشعور بالشكِّ "كما حدده أريكسون", وتتشكل عادات الطعام وتفضيل الأطعمة وأنماط التفاعل الاجتماعي في موقف الطعام في هذه المرحلة, وأي نقصٍ في التغذية أو سوء فيها, يؤدي إلى خفض مستوى الصحة ونقص المقاومة, ومن هنا يسهل تعرض الطفل للأمراض.
ولأن معدلات النموِّ تهبط قليلًا في مرحلة الطفولة المبكرة, يُلَاحَظُ على الطفل نقص شهيته للطعام, وهنا ينشأ الموقف المشكل, وهو أنه في الوقت الذي يكون فيه الطفل أقل رغبة في الطعام، نجد الوالدين يسيئان في الأغلب فهم سلوك الطعام عند الطفل, ويشجعانه على أن يبالغ في الأكل, وقد يؤدي ذلك إلى سوء التغذية من مختلف الأنواع, وقد حلَّلَ بعض الباحثين الوجبات التي يتناولها طفل ما قبل المدرسة, وتوصلوا إلى النتائج الآتية:
أ- يزيد تناول السعرات الحرارية والبروتين والكالسيوم مع زيادة دخل
(1/231)

الأسرة.
ب- معظم الأطفال لديهم نقص في الحديد وفي فيتامين أ، جـ.
جـ- تظهر نقائص التغذية في المستويات الاقتصادية الاجتماعية المنخفضة.
2- الحوادث والإصابات والجروح: يتعرض طفل ما قبل المدرسة للحوادث التي تنتج عنها إصابات وجروح, وخاصةً خلال الفترة العمرية من عام واحد وأربعة أعوام, ويبلغ عدد هذه الحوادث التي تقع للأطفال في البيوت حوالي 40%، وهذا يعني حاجة الطفل في هذه المرحلة إلى الرعاية والإشراف, وكثير من الحوادث المنزلية تنتج عن بلع الأطفال أشياء ضارة أو مؤذية؛ فالأطفال في هذه المرحلة يستمرون في إصدار السلوك الذي كان سائدًا في المرحلة السابقة, وهو وضع الأشياء في الفم ومحاولة أكلها, كما أنهم قد يحاولون تقليد الكبار في تعاطيهم للأدوية, مما يسبب لهم حوادث التسمم, وأشهر المواد الكيميائية التي تسبب وفاة الأطفال في هذا السن: الأسبرين والمبيدات الحشرية وزيوت الدهان ومشتقات البترول التي تترك عادة في المنزل دون حرص.
3- الأمراض: يمكن حماية طفل مرحلة ما قبل المدرسة من معظم الأمراض المعدية بالتطعيم، وهو إجراء يبدأ منذ المرحلة السابقة, ويستمر خلال هذه المرحلة، ومع ذلك يشيع بين أطفال هذه المرحلة بعض الأمراض المتصلة بالجهاز التنفسي "ربوَ الأطفال" والجهاز الهضمي, وآلام الأذن, والحصبة, والجديري, وتوجد فروق فردية في ذلك، فالذكور أكثر تعرضًا للمرض، وأمراضهم أكثر خطورة من الإناث, وعلى الرغم من أن وفيات الأطفال في هذه المرحلة أقلّ منها في المرحلة السابقة، إلّا أن نسبة هذه الوفيات بين الذكور أكبر منها في الإناث, ويعاني أطفال المستويات الاقتصادية الاجتماعية المنخفضة من المرض أكثر من أطفال المستويات الأعلى.
ومعظم أمراض الطفولة ذات أصل جسمي، وبعضها ذو طبيعة سيكوسوماتية، وينشأ عن توتر العلاقة بين الطفل ووالديه, وحين يستجيب الوالدان لمرض الطفل على أنه كارثة عائلية، ويظهرون مشاعر الذنب، أو يلومون الطفل على الظروف السيئة التي أحدثها مرضه, فإن اتجاه الطفل يصبح أكثر سلبيةً, ويؤدي به إلى مزيدٍ من التوتر الذي يزيد من حدة المرض وإطالة مدته، أما إذا كان سلوك الوالدين على عكس ذلك، فإن اتجاهات الطفل تكون إيجابية, ومعنى هذا أن المرض قد يكون إحدى حيل الطفل اللاشعورية للهرب من عالم الواقع.
وأشهر الأمراض السيكوسوماتية التي تنشأ عن توتر العلاقة بين الطفل ووالديه هي: الفقدان العصبي للشهية للطعام، والتهاب القولون، التبول اللاإرادي، أمراض الحساسية، والبول السكري، والوهن العام.
(1/232)

النمو اللغوي:
مع بلوغ الطفل عامه الأول تبدأ أول كلمة حقيقية في الظهور, وقد يتأخر بعض الأطفال الأسوياء عن النطق بالكلمة الأولى عدة شهور بعد ذلك، والبعض يبدأ قبل ذلك بقليل, وتنمو اللغة لدى الرضيع خلال عامه الثاني, ويكون مقدار ما يعرفه ويفهمه من الكلمات في هذه الفترة أكبر مما ينطق به بالفعل, ومعنى ذلك أن الفهم اللغويّ ينمو مبكرًا وبسرعة أكبر من إنتاج الكلمات, ويلاحظ على الطفل خلال العام الثاني من عمره أنه يستجيب للأسئلة والتعليمات بالإيماءات والأفعال قبل أن يقول كلمة, وبصفةٍ عامَّةٍ يمكن تقدير عدد الكلمات التي يفهمها الطفل بخمسة أمثال ما يمكن إنتاجه منها, ويكون معدل الزيادة في الفهم اللفظي خلال العام الثاني من العمر أكثر من 20 كلمة جديدة يفهمها الطفل كل شهر، بينما يكون معدل الزيادة في عدد الكلمات التي ينتجها الطفل هو 9 كلمات جديدة في الشهر.
ويرى بعض الباحثين أن مستوى الفهم اللفظي لا يرتبط إلّا قليلًا بنضج القدرة على إنتاج الكلمات؛ فالطفل الذي لا ينطق إلّا بقليلٍ من الكلمات, قد يفهم أكثر من طفلٍ آخر ينتج الكلمات بكثرة "Mussen et al 1984", ويصل محصول الطفل عند بلوغه سن ما بين 18 شهرًا وعامين, حوالي 50 كلمة، والتي تشير غالبًا إلى الأشياء الهامة أو البارزة في بيئة الطفل، والأفعال والأنشطة التي يقوم بها، والأشخاص الهامين في حياته، وأنواع الأطعمة، وأجزاء الجسم، وأسماء الملابس والحيوانات, وأدوات المنزل, ووسائل النقل, ولا يشير الطفل إلى الأشياء الثابتة المعتادة "كالمناضد والنوافذ" ولا يعطي لها أسماء، ويتوجه انتباهه إلى الفعل؛ فيعطي الأسماء للأشياء التي تتحرك أو تتغير, أو يمكن استخدامها في النشاط.
ويمكن للطفل حينئذٍ أن يستخدم الكلمة الواحدة مصحوبة بالإيماءة أو التنغيم لينقل الأفكار أو الملاحظات أو المطالب أو التعبيرات الانفعالية, ويكتسب الطفل الكلمات الجديدة ومعانيها من خلال عملية "تسمية" مفصلة, يتفاعل فيها الوالدان مع الطفل منذ أن ينطق الطفل بأيِّ شيءٍ له هيئة الكلمة؛ فالوالدان يشيران إلى الشيء ويسميانه, ويصححان محاولة الطفل تكرار الأسماء, ويستخدم الوالدان مع طفل الثانية والثالثة ما يسميه ميوسن وزملاؤه "Meussen et al 1984".
(1/233)

المستوى المتوسط من التعميم في "عَنْوَنَةِ" الأشياء، وهو الأسلوب الشائع لدى الطفل ابتداءً من العام الأول وحتى نهاية العام الثالث من العمر, فالطفل يُعَنْوِنُ أيَّ نوعٍ من الكلاب على أنه "كلب" لا على أنه "ولف" أو "حيوان".
وتشير الكلمة الواحدة من مفردات الطفل إلى كلٍّ من الاسم والفعل؛ فالطفل قد يستخدم كلمة "باب" للإشارة إلى أن الباب يفتح أو يغلق، بينما يستخدم طفل آخر كلمة "فتح" للإشارة إلى هذه الأفعال, وقد يعطي الأطفال للكلمات معاني تختلف عن معانيها عند الكبار, فقد يبالغون في توسيع المعنى حين يشيرون إلى القطط والخيول والأرانب وغيرها من الحيوانات ذات الأربع على أنها كلاب, وهذا النوع من تعميم المثيرات يعتمد على التشابه الإدراكي, سواء في الشكل أو الوظيفة.
وهناك أسلوب آخر يستخدمه الأطفال في هذه المرحلة وهو تضييق نطاق المعنى, فمثلًا نجد أن طفل الشهر التاسع يستخدم كلمة "سيارة" للإشارة إلى السيارات الحقيقية التي تتحرك في الشارع لا السيارات الواقفة أو المرسومة في صورة, وكلمة "قطة" لا تشير إلّا إلى هذا الحيوان الموجود في بيته فقط.
وحين تصل مفردات الطفل المنطوقة إلى 50 كلمة مع بلوغه نهاية عامه الثاني, يمكنه حينئذ أن يضع كلمتين معًا, وتزداد تدريجيًّا أنواع المجموعات الثنائية من الكلمات, ويبدو أول تجمع من كلمتين في البداية على هيئة صيغة مختصرة للجمل عند الكبار، وتتألف في جوهرها من الأسماء والأفعال وقليلٍ من الصفات أو النعوت, وهي أشبه بالتلغراف الذي لا يحتوي إلّا على الكلمات الأساسية، وعادةً ما تحذف منها حروف العطف والجر وأدوات التعريف وغيرها من الإضافات اللغوية. إنك إذا طلبت من طفلٍ عمره عامان أو ثلاثة أعوام أن يكرر الجملة الآتية "أنا أقدر أشوف قطة", يقول الطفل: "أشوف قطة", وعلى الرغم من أن بعض الكلمات الهامة قد حُذِفَتْ, إلّا أن الترتيب الصحيح للكلمات يظل موجودًا، وكأن الطفل يتبع قواعد بسيطة للنحو, وهكذا يدرك الطفل "نموذج الجملة" على أنها نوعٌ من البنية, وليس مجرد مجموعة من الكلمات.
وهذه الجمل التلغرافية تعبر عن مدى واسع من المعاني, ويمكن أن يُسْتَنْتَجَ قصد الطفل من ترتيب الكلمات, ومن الموقف الذي تصدر فيه الجملة, وقد وجد علماء النفس اللغويون تشابهًا كبيرًا في السلوك اللغوي للأطفال الذين يتحدثون لغات مختلفة, ويظهر هذا التشابه خاصةً في محتوى هذه الجمل التي تتألف من كلمتين.
ويبدأ الأطفال تدريجيًّا في استخدام أدوات التعريف والضمائر وبعض الصيغ
(1/234)

الصرفية وحروف الجر وغيرها من الإضافات اللغوية, ويتجه النموّ في هذه الحالة من البسيط إلى المركب, ويحاول الأطفال إظهار معرفتهم النامية بقواعد النحو "هناك نحو للهجات العامة كما هو للغة الفصحى"، إلّا أن الطفل أحيانًا يبالغ في الإلتزام بالقواعد بطريقة قد توقعه في "أخطاء النحو", ومن الطريف أن الطفل قبل أن يتعلم هذه القواعد يطبقها على هذه الصيغ غير العادية, فيقع في الأخطاء التي أشرنا إليها.
وقبل وصول الطفل إلى نهاية العام الثالث من العمر, يكون قد اكتسب القدرة على تكوين جمل بسيطة مؤلفة من حوالي أربع كلمات, كما تبدأ الجمل المركبة في الظهور التلقائي في كلام الطفل، وهي تتألف من جملتين بسيطتين أو أكثر, يربطهما "بالواو" كحرف عطف، أو يدمجهما معًا دون استخدام لحرف العطف, وهذا الحرف هو الأكثر شيوعًا في لغة الطفل خلال عامه الثالث، وتستخدم الحروف الأخرى بالتدريج بعد ذلك. ويزداد النمو اللغوي تحسنًا بإنتاج الجمل الاستفهامية وفهمها والإجابة عليها إذا استخدمها معه الكبار, ويجيب الأطفال في البداية على أسئلة متى وكيف ولماذا, كما لو كانت أسئلة ماذا وأين, وتتحسن قدرة الطفل على الإجابة الصحيحة على السؤال طوال الفترة من سن 3-5 سنوات.
وهكذا حين يصل الطفل إلى سن المدرسة, أو سن التمييز, تكون لديه ثروة من المحصول اللفظي الذي يفهمه -والذي قد يقلُّ بالطبع عَمَّا يستخدمه بالفعل, كما يكون قادرًا على فهم التعليمات التي تعطى له, وقادرًا على فهم معاني القصص والحكايات التي تروى له, ويتوقف هذا المحصول اللغوي بالطبع على ذكاء الطفل، والظروف البيئية المحيطة به, والتي تهيئ له ظروف الاستماع اللغوي؛ كوجود الراديو أو التليفزيون ودخول الطفل مدرسة الحضانة, وزيادة وقت الفراغ للآباء؛ بحيث يقضونه مع أطفالهم، والطبقة الاجتماعية. أما بالنسبة للفروق بين الجنسين: فإن البنات يتفوقن تفوقًا بسيطًا على الذكور في مهارات التعبير، أما الذكور فيتفرقون بمقدار بسيطٍ أيضًا في المحصول اللغوي ومعرفة معاني الكلمات, من المعاني المختلفة, وبصفة عامة تكون ثروة الطفل من الكلمات بعد نهاية العام الرابع من العمر أكثر من ألفي كلمة, ومع نهاية العام الخامس قد يصل هذا العدد إلى حوالي ثلاثة آلاف كلمة.
ويتميز السلوك اللغوي في هذه المرحلة بأنه يتمركز حول الذات تبعًا للدراسات التي أجراها بياجيه منذ عام 1926, إلّا أن هذه النتائج عليها بعد التحفظ الآن, ويمكن قصرها على بعض الحالات في بداية هذه المرحلة, ومعنى
(1/235)

التمركز حول الذات: أن الطفل لا يتحرَّى معرفة من يتحدث إليه, أو إذا كان هناك من يستمع له، يتكلم لنفسه وقد يلذ له أن يربط شخصًا تصادف وجوده بالنشاط الذي يقوم به حينئذ، وهو لا يحاول أن يضع نفسه بحيث يراه السامع, وفي هذه المرحلة يصعب على الطفل أن يضع نفسه موضع الآخر, ويكشف كلامه بصفة عامة عن قلة اهتمامه بفهم الآخرين له.
وقد يبدو على الأطفال في بداية هذه المرحلة أن أحدهم يتحدث إلى الآخر, أي: أن بينهما نوع من الاتصال، إلّا أن حديثهما في واقع الأمر لا يقوم على التفاعل. إننا إذا تأملنا ما يحدث نجدُ أن كلًّا منهما يتحدث عن شيء مختلف, ومن المعروف أن الاتصال الفعَّال يقوم على ما هو أكثر من معرفة قواعد النحو, وما هو أكثر من معرفة معاني الكلمات، وإنما هو القدرة على إدراك الكلام المناسب في الوقت والمكان المناسبين للمستمعين المناسبين, والذي يرتبط بموضوعاتٍ مناسبة, أي: إنه نوعٌ مما يسميه تشومسكي القواعد العملية للغة Pragmatics, صحيح أن بعض صور التبادل اللغوي تظهر عند طفل الثانية من العمر؛ حيث يمكن للطفل أن يتحدث مباشرةً إلى طفلٍ آخر, أو إلى بعض الكبار, في إشارته إلى الأشياء المألوفة في بيئته المباشرة.
(1/236)

النموّ العقلي المعرفي:
يصف بياجيه طور النمو من سن سنتين وحتى سن 7سنوات, بأنه طور ما قبل العمليات -Pre Operational، والذي ينقسم إلى فترتين رئيسيتين هما:
أ- فترة ما قبل المفاهيم: من سنتين حتى 4سنوات, ويعوز الطفل في بداية هذه المرحلة استخدام المفاهيم, وبخاصة مفهوم الفئة, ومفهوم علاقة الانتماء إلى فئة معينة, ولذلك يتميز التفكير في هذه المرحلة بأنه في منزلة متوسطة بين مفهوم الشيء "هذه المنضدة مثلًا" ومفهوم الفئة "المناضد ذات الأربعة أرجل", وهذا ما يسميه بياجيه "ما قبل المفهوم Per-concept, ويتميز بأنه نوعٌ من التفكير التحولي transdudctive من الخاصِّ إلى الخاصِّ، وهو نوع من التفكير يختلف عن التفكير الاستنباطي deductive من العام إلى الخاص، والتفكير الاستقرائي inductive من الخاص إلى العام, وهو نوع من التفكير باستخدام قياس التماثل analogy "أو التشابه الجزئي" من نوع "أ" يشبه "ب" في إحدى النواحي، إذن "أ" يجب أن يشبه "ب" في النواحي الأخرى, وبالطبع قد يؤدي الاستدلال التحولي إلى نتائج صحيحة في بعض الأحيان، إلّا أنه في معظم الأحوال يؤدي إلى الوقوع في الخطأ, ويبدو أن هذه المرحلة هي مرحلة تجميع وحدات المعلومات عند الطفل.
(1/236)

ومن أمثلة الاستدلال التحولي عند الطفل أن يتعامل مع كلبٍ أليف في المنزل "أ", فإذا رأى كلبًا غير أليف في الشارع "ب", فإنه قد يتعامل معه بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع كلب الأسرة, ويكون استدلاله في هذه الحالة على النحو التالي:
أ- كلب.
أ- كلب أليف.
ب- كلب.
ب- كلب أليف.
وقد يقتنع الطفل في هذا الطور بهذه الطريقة في التفكير, ويخدعه مظهرها المنطقي, وتبدو مقنعة تمامًا كما تبدو طريقة التفكير الاستقرائي والتفكير الاستنباطي عند الكبار، على الرغم من أن النتيجة التي توصَّلَ إليها غير صحيحة بالضرورة.
وهناك خاصية أخرى لمرحلة ما قبل المفاهيم, هي خاصية التمركز حول الذات، وهي خاصية تختلف عَمَّا كان سائدًا في الطور السابق, إن التمركز حول الذات في طور الرضاعة يتمثل في الخلط بين الذات والبيئة، أما في هذا الطور فيظهر في صورة عدم قدرة الطفل على تمييز منظوره الشخصيّ عن منظور الآخرين, ويسلك الطفل في هذا الطور كما لو أن الآخرين يدركون عالمه بنفس الطريقة التي يدرك بها هو هذا العالم, ولعل من الأشياء الطريفة التي يلاحظها الوالدان على أطفالهم حينئذ, أن يغمض الطفل عينيه ثم يقول لهما "إنكما لا ترياني"، وهو ما يمكن أن نسميه "سلوك النعامة"، فهو طالما لا يراهما, فإنه يفترض أنهما بالضرورة لا يريانه، فمنظوره الشخصي هو منظورهما أيضًا كآخرين, ويوجد مثال آخر يذكره الطفل كثيرًا, وهو أن الشمس أو القمر يتبعاه حيثما يكون, وهناك مثال ثالث من حياتنا الشخصية حينما رأى نجلنا خالد "وهو في الطور من النمو" من نافذة السيارة وهي واقفة في الطريق الزراعي, ومن بعد جمالًا تحمل أحمالًا من النباتات الخضراء فصاح قائلًا "شجر بيمشي", وهكذا يتسم تفكير الطفل في هذا الطور بعدم القدرة على إدراك الموضوع, وقد استنتج البعض من ذلك: أن قدرات الطفل على التقمص الوجداني للآخرين أو التعاطف معهم تكون محدودة للغاية, إلّا أن البحوث الحديثة أكدت أن الطفل الصغير الذي لا يتجاوز عمره سنتين لديه القدرة على إظهار بعض علامات التعاطف نحو طفلٍ مصابٍ أو مضطرب, بل إن البحوث أكدت أيضًا أن صغار الأطفال يعرفون أن للآخرين إدراكاتهم الخاصة "Flavel Flavel 1977", وقد تكون الصعوبة الجوهرية لديه عدم إدراك ذاته كأحد موضوعات البيئة.
(1/237)

وتغلب خاصية التمركز حول الذات على لغة الطفل في هذا الطور، فهو لا يستطيع مواءمتها مع وجود الآخرين, ولا تختلف لغته حين يكون وحده عن لغته مع وجود غيره من الأطفال أو الكبار, ولا يبذل جهدًا في نقل أفكاره لغيره, وتتناقص بالطبع نسبة الكلام المتمركز حول الذات مع زيادة التفاعل الاجتماعي للطفل, ومع بلوغ الطفل سن السابعة "نهاية هذا الطور" يكون واعيًا بالمستمع, ويعدل في لغته؛ بحيث تصبح مفهومة منه, ويفسر بياجيه هذا التحول من اللغة الذاتية إلى اللغة الاجتماعية على أنه دليل على النمو العقلي للطفل نحو وضع عدة وجهات نظرٍ موضع الاعتبار في وقت واحد.
وبالطبع, فإن تفكير الطفل في فترة ما قبل المفاهيم يعتمد على الأشياء والأحداث, ومعظم التمثيلات "الصور" الذهنية عنده تشير دائمًا إلى هذه الأشياء والأحداث كوقائع فيزيائية مادية، سواء استخدم في عمليات التمثيل الذهني الرموز أو الإشارات؛ فالعصا عند الطفل ترمز إلى البندقية, وحينما يتقدم به العمر قد يستخدم الكلمة لتدل على عملية عدوانية كاملة، ويكون السلوك المعرفي حينئذ أقرب إلى التجريد "أي: دون الإشارة إلى شيء فيزيائي".
ب- فترة التفكير الحدسي: من 4 سنوات حتى 7سنوات, وفيها يتحرر الطفل من كثير من نقائص المرحلة السابقة, ومع ذلك يظلُّ محكومًا بحدودٍ كثيرة، والسبب الرئيسي في ذلك: أن تفكير الطفل لم يتحرر تمامًا من الإدراك المباشر, ومن أهم خصائص التفكير في هذه المرحلة أنه -حسب تفسير بياجيه- من النوع الحدسي lntuitiv.
وحتى يمكن فهم معنى الحدس عنده نذكر ما لاحظه على الأطفال من سن 4 حتى 5سنوات, الذين يذهبون وحدهم إلى المدرسة ويعودون منها, ومع ذلك لا يستطيعون رسم خريطة للطريق باستخدام المكعبات, كما أن الطفل في هذا السن يستطيع أن يفهم أن لديه أخًا هو "س", ولكنه ينكر أن "س" لديه أخ؛ فالعلاقة عنده من جانب واحد, وهذه إحدى الصفات الهامة للتفكير في هذا الطور, ويسميها بياجيه اللامقلوبية irreversibility, وتعد إحدى الاكتشافات الهامة في تاريخ علم النفس.
ومن خصائص التفكير في هذا الطور أيضًا أن الميل للاستجابة لأحد جوانب الموقف لا يزال سائدًا، أي: الاستجابة تكون مقيدة بخصائص المثير، وهذه إحدى الخصائص الهامة للتفكير في هذه الفترة -أي: فترة التفكير الحدسي- ويسميها بياجيه خاصية التمركز Centering على أحد الجوانب الإدراكية الخاصة. ولهذا
(1/238)

نلاحظ على الطفل في هذا الطور أنه غير قادر على التناول الدقيق للمعلومات التي توفرها المواقف والأحداث والأشياء, ومن أشهر تجارب بياجيه التي أكدت وجود هذه الخاصية: تجربة أواني الماء، وفيها عرض على الطفل كوبين متطابقين ممتلئين بمقدارٍ متساوٍ من الماء "أي: إلى نفس المستوى", وتم تصنيف الكوبين إلى أن أحدهما يخص الطفل, والآخر يخص المجرب, وبعد أن عرف الطفل أن الكوبين يحتويان على نفس المقدار من الماء يقوم المجرب بصب السائل الموجود في كوب الطفل في كوب آخر أطول وأضيق, ثم يسأل الطفل أي الكوبين فيه كمية أكبر من السائل؟ أو هل تتساوى كمية السائل في الكوبين؟ أو أيّ الكوبين تختار لتشرب ما فيه من سائل؟ وكانت الإجابة المعتادة للطفل أن يختار الكوب الذي به ما أطول, على أساس أن فيه مقدارًا أكبر من الماء, وقد لا يختاره على أساس أنه به ماء أقل بسبب ضيقه.
إن هذا الطفل في المثال السابق يركز انتباهه على طول السائل في الكوب، أو على عرض الكوب, فيختار الإناء الأصلي، وتكون إجابته في هذه الحالة: أن الإناء الأوسع أو الأطول يكون فيه ماء أكثر, وفي كلتا الحالتين يعتمد الطفل في الحكم على بعدٍ واحدٍ وليس على البعدين معًا "الطول والاتساع", ولا يستطيع الطفل التعامل مع هذه المشكلة بكفاءةٍ إلّا إذا تحرر من هذه الخاصية, وتحول إلى سلوك التحرر من التمركز decentering, وعندئذ يمكنه أن يحوّل انتباهه من أحد جوانب المشكلة "أو خصائص المثير"، وهو في المثال السابق طول السائل، إلى جانبٍ آخرٍ وهو اتساع الكوب, وفي هذه الحالة وحدها يمكنه أن يصل إلى الاستنتاج الصحيح, وهو أن الكوبين يحتويان على مقدارين متساويين من الماء, أي: لا بُدَّ من التركيز على كلتا الخاصيتين ليصل إلى الاستنتاج الصحيح، وهو ما يفعله المراهق والراشد كما سيتضح فيما بعد.
ويطلق بياجيه على هذه الخاصية: عدم قدرة الطفل على إدراك بقاء الكم أو المقدار Conservation أو ثباتهما invariance، وهي خاصية أخرى هامّة تميز التفكير في هذا الطور, وتُعَدُّ هي وخاصية اللامقلوبية من أعظم ما قدمه بياجيه لعلم النفس في القرن العشرين.
وبسبب خبرات الطفل المحدودة بالأشخاص والأشياء, وقصور محصوله اللغوي, فإننا نجد أن مفاهيم الطفل تتسم بأنها غير دقيقة, بل وخاطئة, بالإضافة إلى خاصية مقاومة التغيير التي أشرنا إليها, ويشيع في هذه المرحلة كثير من المفاهيم التي تؤكدها الثقافة التي يعيش فيها الطفل، وبعضها يكون خاصًّا بالطفل, نتيجة الظروف التي يعيش فيها هو, وتتصف جميع المفاهيم في هذه المرحلة بخصائص
(1/239)

"التفكير قبل العملياتي" التي عرضها بياجيه، يصدق هذا على المفاهيم الاجتماعية والمفاهيم الفيزيائية على حَدٍّ سواء.
ويحتاج الأمر إلى أن نشير مرةً أخرى إلى ظاهرة التمركز حول الذات في تفكير الأطفال في هذا الطور، فمحض وجود هذه الظاهرة يفسر لنا أثر انفعالات الطفل على تفكيره، وخاصةً فيما يتصل بنمو المفاهيم عنده, فعادةً ما تصاحب المفاهيم لديه بشحنة انفعالية على نحوٍ يجعلها تقاوم التغير والتعديل إذا تطلب الأمر ذلك؛ فمفهوم شهر رمضان قد يُبْنَى عند الطفل في هذه المرحلة حول الشحنة الانفعالية المصاحبة للفوازير والمسلسلات فيه، ويصعب على الطفل بعد ذلك تغيير هذا المفهوم حين يكتشف فيما بعد المعنى الديني الصحيح لشهر الصوم.
(1/240)

النمو الانفعالي والوجداني:
تتميز هذه المرحلة بأن الانفعالات فيها أكثر شيوعًا وأكثر حِدَّةً من المعتاد, وتصفها هيرلوك "Hurlock 1980" بأنها مرحلة "عدم التوازن"؛ حيث يكون الطفل سهل الاستثارة، ويصدق هذا الوصف خاصةً على الفترة من 2.5-3.5 سنة, ومن 5.5-6.5 سنة, وتظهر علامات شدة الانفعالات خاصةً في صورة حدة المزاج وشدة المخاوف وقوة الغيرة, وترجع حدة الانفعالات في هذه المرحلة جزئيًّا إلى التعب الذي يسببه للطفل اللعب المستمر، ورفض النوم والراحة, وتناول مقدار أقل مما يحتاجه من الطعام نتيجة الثورة على النظام الثابت لوجبات الطعام، وهي مشكلة شائعة في هذا السن.
ويرجع علماء النفس معظم الانفعالية الحادة في هذه المرحلة إلى أسباب نفسية, وليس إلى أسباب فسيولوجية, فمعظم الأطفال يشعرون أنهم يستطيعون القيام بكثيرٍ مما لا يسمح لهم الآباء به, ويثورون على هذه القيود التي يفرضها عليهم الوالدان, ثم يغضبون مرةً أخرى لأنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن أداء ما يعتقدون أنهم قادرون على أدائه بسهولة ونجاح.
ومع اتساق أفق الحياة الاجتماعية للطفل بخروجه إلى النادي وزيادة الأصدقاء, والذهاب إلى دار الحضانة أو روضة الأطفال, ينشأ توتر جديد من النوع الذي يصاحب أيّ عمليات توافق أو تكيف في العادة.
ومن الأسباب التي تجعل هذه المرحلة أقلَّ جاذبية للكبار إذا قورنت بالمرحلة السابقة, تلك الانفعالية الزائدة, وتعد الانفجارات الانفعالية مصدر ضيقٍ للوالدين, كما أنها تدفع الأقارب وأصدقاء الأسرة إلى تجنب التعامل مع الطفل, وبالطبع توجد فروق فردية بين الأطفال ترجع إلى الظروف الصحية للطفل أولًا، وإلى الظروف البيئية الاجتماعية المحيطة به ثانيًا، وإلى أنماط السلوك الانفعالي التي تكونت لديه في مرحلة الرضاعة ثالثًا, بالإضافة إلى ترتيب الطفل بين إخوته؛ فالطفل الأول أكثر تعرضًا لكشف انفعالاته من باقي الإخوة.
(1/240)

النموّ الاجتماعي:
يتسم النمو الاجتماعي في مرحلة الطفولة المبكرة باتساع عالم الطفل وزيادة وعيه بالأشخاص والأشياء, وفي هذه المرحلة يزداد اندماج الأطفال في كثير من الأنشطة، فهم يتعلمون الجديد والمتنوع من الكلمات والعناوين والأفكار والمفاهيم، ويمرون بخبراتٍ جديدة مع العالمين الفيزيائيّ والاجتماعيّ, وهذا التعلم يهيئ للطفل الأرضية المناسبة للتحول إلى كائن اجتماعي.
ومع اتساع العالم الاجتماعي للطفل يَقِلُّ تعلق الطفل بالوالدين تدريجيًّا, وتحلّ محله علاقات يكونها الطفل مع أطفال آخرين خارج نطاق الأسرة, وعادةً ما تكون الخبرات الاجتماعية للطفل خارج المنزل مصدر اضطراب انفعالي له, وخاصة إذا كان أصغر من الأطفال الآخرين, ونجاح الطفل في التكيف مع العلاقات الاجتماعية الخارجية يتأثر بنوع الخبرات الاجتماعية التي يتلقاها داخل المنزل؛ فالأطفال الذين تتم تنشئتهم اجتماعيًّا بالمنزل, يحققون تكيفًا اجتماعيًّا خارجيًّا أفضل من غيرهم, كما أن طبيعة علاقات الطفل مع إخوته تؤثر في تكيفه الاجتماعي الخارجي, والطفل الذي يظلُّ معتمدًا على الوالدين تتأثر علاقاته بأقرانه, وتجعله غير مرغوب فيه، مما يدعوهم إلى رفضه كرفيق لعب.
وأهم صور السلوك الاجتماعي اللازمة للنجاح في التكيف الاجتماعي تبدأ في الظهور والنمو في هذه المرحلة، وخاصةً أن الاتجاهات الاجتماعية الأساسية وأنماط السلوك الاجتماعي يتمُّ تشكيلها في هذه المرحلة.
وإذا كان الطفل حتى سن ثلاث سنوات لا يظهر إلّا مستوًى منخفضًا من التفاعل الاجتماعي مع الأطفال الآخرين, فإنه بعد سن الثالثة يظهر زيادة ملحوظة في هذا التفاعل، وعلى هذا يمكننا القول أن الفترة من 3-6 سنوات هي العمر "الحرج" في عملية التطبيع الاجتماعي للطفل, ويتوقف إلى حَدٍّ كبيرٍ كيفُ وكمُّ السلوك الاجتماعي الذي ينمو في هذه الفترة على الظروف البيئية التي يتعرض لها الطفل وعلاقاته بها، ويشمل ذلك سلوك القيادة والسيطرة والتبعية والاعتماد والمسايرة وغيرها.
(1/241)

اللعب في مرحلة الطفولة المبكرة:
تتفق ميول اللعب عند أطفال هذه المرحلة مع النمط التي يظهره كلٌّ من الاستعداد الناتج عن النضج والبيئة التي يحدث فيها النمو, وتوجد بالطبع بعض الفروق، فالأطفال ذوو الذكاء المرتفع يفضلون اللعب الدرامي والأنشطة الابتكارية, وفي ألعابهم الإنشائية يميلون إلى التصميمات الأكثر تعقيدًا, والتي يظهرون فيها بعض خصائص الإبداع.
وتظهر أيضًا فروقٌ في اللعب تبعًا للجنس، فهناك ألعاب للذكور وأخرى للإناث, ويؤثر ذلك على أدوات اللعب التي يستخدمها كلٌّ منهما, وطرق استخدامها, كما يؤثر في نمط اللعب عند الطفل ما يتاح له من هذه الأدوات, والمساحة المخصصة للعب، وكلٌّ منهما يعتمد على المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة, ومع وجود هذه الاختلافات إلّا أنه توجد أنماط عامة بين الأطفال, لعل أهمها: استخدام اللعب، اللعب الإيهامي، اللعب الإنشائي، وتنظيم المباريات والقراءة "عند الطفل الذي تعلَّم مبكرًا هذه المهارة"، السينما، الراديو، التليفزيون, وتوجد في كل ثقافة فرعية في المجتمع أنواع من اللعب تشيع بين الأطفال فيها؛ فألعاب أطفال القرية تختلف عن ألعاب أطفال المدينة, إلّا أن ما يلفت النظر حقًّا في برامج الأطفال في محطات الإذاعة والتليفزيون أنها لا تقدِّمُ البرامج الملائمة لهذه الثقافات الفرعية, وقد حَلَّلَ أحد مؤلفي هذا الكتاب "فؤاد أبو حطب، 1986" البرامج التي تُقدَّم للأطفال في وسائل الإعلام المصرية, فوجد أن صورة الطفل الشائعة فيها هي صورة طفل المدن الكبرى, أو العواصم الكبرى من أبناء الطبقة المتوسطة أو العليا, أما أطفال الشرائح الأخرى في المجتمع المصري فليس لها نصيب, وهي صورة تصدق بدرجات متفاوتة على معظم وسائل الإعلام في العالم الثالث.
وإذا تأملت اللعب الجماعي في هذه المرحلة, نجد أن أكثر صور اللعب تبكيرًا ما يسمى "اللعب المتوازي" حيث يلعب الطفل بجوار الأطفال الآخرين وليس معهم, وبعد ذلك يظهر "اللعب الارتباطي", وفيه يلعب الطفل مع الأطفال الآخرين بأنشطة متشابهة إن لم تكن متطابقة، ثم اللعب "التعاوني"؛ حيث يصبح الطفل عضوًا في جماعة, إلّا أن الشائع أن يقوم الطفل بدور المراقب حيث يلاحظ الأطفال الآخرين أثناء اللعب, وقد يتحدث معهم, ولكنه لا يشاركهم في عضوية الجماعة, وفي سن 4 سنوات يظهر لعب الفريق, ومعه يصبح واعيًا بوجود الآخرين, ويمارس دوره المحدد معهم, ويسعى لجذب الانتباه عن طريق الاستعراض.
(1/242)

النمو الخلقي:
لا يستطيع طفل ما قبل المدرسة أن يتعلم ويستخدم المبادئ المجردة للخطأ والصواب بسبب طبيعة النمو العقلي في هذا المرحلة, ولهذا فهو يدرك السلوك الخلقي ويتعلمه خلال مواقف نوعية خاصة.
ويزداد تعلم السلوك الخلقي تعقدًا حين يطلب من الطفل أداء أعمال مختلفة في المواقف المتشابة من أفراد مختلفين " ومن نفس الأفراد أحيانًا" في أوقات مختلفة, إنه لا يستطيع أن يدرك في هذه الحالة لماذا يكون السلوك "خطأ" أحيانًا و"صوابًا" أحيانًا, وقد يقع في شرك سوء التمييز والخلط.
وفي هذه المرحلة يحكم الطفل على السلوك بأنه صواب أو خطأ في ضوء نتائجه, دون أن يعرف لماذا توصف بعض الأعمال بالصواب وأخرى بالخطأ, ومع ذلك, فإنه يصنف الأفعال إلى "صواب" و"خطأ", وعلى أساس هذا التصنيف يقيم بناءه الأخلاقيّ الذي سوف يوجِّهُ سلوكه مع النمو اللاحق, وعلى الرغم من أن الطفل قد يحاول الخروج على القواعد من طريق اللجوء إلى شخص آخر غير الوالدين "أو غير الوالد المتشدد" ليسمح له بالقيام بأعمال توصف عادة بأنها "مشاغبات"، أو أنه قد يحاول اختبار الحدود، فإن طفل هذه المرحلة لا يحاول وضع القواعد موضع التساؤل، أو اقتراح أعمال بديلة لتلك التي يرفضها الكبار، أو المساومة مع سلطة الكبار كما يفعل عادةً الأطفال الأكبر سنًّا، بل أن الطفل في هذه المرحلة لا يشعر بالذنب إذا ضبط وهو "يقترف" فعلًا من الأفعال "السيئة"، فاستجاباته في هذه الحالة قد تكون إمَّا الخوف من العقاب المتوقع, أو اللجوء إلى حيلة "التبرير" لتفسير ما حدث.
ولعلَّ من أهم خصائص النموّ الخلقي في هذه المرحلة أن الطفل قد يتعلم أنه لو صدر عنه سلوك "عدم الطاعة الإرادي" من النوع البسيط, فإن ذلك يلفت إليه الأنظار أكثر من إصداره للسلوك الذي يوصف عادة بأنه سلوك "طيب", وحين يكشف الطفل ذلك فإنه يلجأ إلى الخروج على القواعد لفتًا للانتباه عندما يتجاهله الكبار المسئولون عن رعايته "الأم أو الأب أو مشرفة الحضانة", وعندئذ لا يوازي الألم المؤقت الناجم عن العقاب الشعور الكبير بالرضا الناجم على تركيز انتباه الكبار عليه.
إلّا أن هذا ليس السبب الوحيد "لسوء سلوك" الأطفال في بعض الأحيان, فقد يكون من أسباب ذلك التغطية على الفشل في أداء واجبٍ مطلوبٍ منه, أو الخلط الناتج عن تغير القواعد التي يفرضها الكبار يومًا بعد يوم، أو الرغبة في اختبار سلطة الكبار لتحديد المدى الذي يمكن السماح به دون التعرض للعقاب.
وتوجد فروق بين الجنسين في أنواع السلوك الذي يتسم بالخروج على القواعد, فالأولاد يميلون إلى التخريب, بينما تميل البنات إلى العناد, وأكثر مشكلات السلوك ظهورًا في هذه المرحلة التبول اللاإرادي والاستعراضية والتخريب, ونوبات الغضب العصبية, ومحاولات جذب الانتباه بأي طريقة.
(1/243)

نمو الشخصية:
إن نمط شخصية الطفل التي توضح أسسه في مرحلة الرضاعة, تبدأ في التشكيل في مرحلة الطفولة المبكرة؛ ففي هذه المرحلة يتعلَّمُ الطفل أن يفكر في ذاته ويشعر بنفسه كما تتحدد بالآخرين, وتنمو صورته عن نفسه, أو مفهومه لذاته, من طريقة معاملته من جانب والديه وغيرهما من الآخرين؛ كالإخوة والأقارب، وإدراكه هو لمفهومهم عنه, وهكذا تحدد العلاقات الأسرية خاصةً طبيعة مفهوم الذات, وقد يكون لاتجاهات الأم نحو الطفل ومعاملتها له أثرٌ مميزٌ هنا, بسبب الدور الخطير الذي تلعبه في حياة الطفل, كما يلعب دورًا هامًّا أيضًا نظام التدريب الذي يُسْتَخْدَمُ مع الطفل في المنزل؛ فإذا كان النظام تسلطيًّا عقابيًّا فإنه يؤدي بالطفل إلى تنمية الشعور بالتمرد على السلطة والعدوان من ناحية، أو إلى الاستجابات الانسحابية الانطوائية من ناحيةٍ أخرى.
وتلعب المطامح والتطلعات التي يحددها الوالدان للطفل دورًا هامًّا في تكوين مفهوم الذات عنده, فإذا كانت أعلى من مستوى الطفل, فإن الفشل يسلمه إلى الإحباط والقلق, وعلى الرغم من أن بعض الأطفال يتجاهلون الفشل في هذه المرحلة إلّا أن معظمهم يستجيبون له بطلب المساعدة أو استخدام التبرير, أو الإسقاط, ومهما كانت طبيعة استجابة الطفل, فإن الفشل يترك أثرًا واضحًا في مفهوم الذات, ويضع الأساس لمشاعر النقص والدونية وعدم الكفاءة.
وعندما تقترب هذه المرحلة من نهايتها، ويصبح الطفل على أعتاب دخول المدرسة, تكون معالم شخصيته قد تحددت؛ بحيث يمكن تمييز خصائصها وسماتها, فبعض الأطفال يتسمون بالقيادة, والآخرون بالتبعية, وبعضهم يميلون إلى الظهور, والآخرون ينشدون البعد عن الأضواء, وهكذا يتوجه الطفل إلى أن تصبح معالم ذاتيته متفردة, وهذه الفردية تتأثر كثيرًا بالخبرات الاجتماعية المبكرة خارج المنزل.
ولكي تنمو شخصية الطفل في هذا الطور نموًّا سليمًا, فيجب أن يتجاوز أزمتين هامتين أشار إليهما إريك إريكسون، وهما:
(1/244)

1- أزمة الاستقلال الذاتي في مقابل الشعور بالعار والشك: تحدث هذه الأزمة خلال المرحلة التي يسميها فرويد: المرحلة الشرجية خلال السنة الثانية من العمر, وفيها يختبر الطفل والديه وبيئته, ويتعلم ما يستطيع وما لا يستطيع التحكم فيه, ويتطلب ذلك تنمية الشعور بالتحكم الذاتي دون فقدانٍ لتقدير الذات؛ حيث يشعر الطفل بحرية الإرادة, والتحكم الزائد من جانب الوالدين يغرس في الطفل شعورًا بالشكِّ في إمكاناته, وبالعار بالنسبة إلى حاجاته أو جسمه, ويبدأ شعور الطفل بالاستقلال الذاتي في النموّ منذ لحظة تحرره من الأم "بالفطام", ويعتمد ذلك على نموِّ مشاعر الثقة في المرحلة السابقة.
وتتأثر هذه المرحلة بنضج الجهاز العضلي مع زيادة قدرة الطفل على الاحتفاظ بالأشياء أو طردها وإخراجها، وخاصة فضلات الجسم؛ فإفراغ المثانة "من البول", والأمعاء "من البراز", لا يؤدي بالطفل إلى الشعور بالراحة فحسب، ولكن يؤدي به أيضًا إلى الشعور بقدرته على التحكم في نظام الإخراج لديه.
ويرى إريكسون أن هذا الشعور الجديد بالقوة لدى الطفل, هو أساس نموِّ شعوره بالاستقلال الذاتي، وإحساسه بقدرته على أن يصنع الأشياء بنفسه, وفي نفس الوقت فإنه يخاطر بالتسرع على نحوٍ يوقعه تحت طائلة رقابة المحيطين به, ومعنى ذلك أن الطفل في هذه المرحلة عليه أن يحقق التوازن بين صرامة الأب التي تجعل الطفل يدرك أنه يعيش في عالمٍ يمنعه من تجاوز الحدود من ناحية، ومرونة الأم وصبرها، واللذان يسمحان للطفل بإحراز تحكمٍ مناسبٍ وبالتدريج في المثانة والأمعاء من ناحيةٍ أخرى, فإذا كان الضبط الخارج جامدًا متصلبًا ملحًّا, فإن الطفل يحاول التحكم في المثانة والأمعاء قبل أن يكون قادرًا على ذلك، وهنا يواجه الطفل ما يسميه إريكسون "Erikson 1959" بالتمرد المزدوج والفشل المزدوج". إنه يكون عاجزًا عن التعامل مع جسمه ومع بيئته الاجتماعية "الوالدين" معًا, وهنا يجد الطفل في البحث عن الحلِّ إما بالنكوص إلى الوراء إلى أنشطة المرحلة الفمية "مثل مصّ الأصابع" أو التظاهر بالتقدم إلى الأمام عن طريقة التحول إلى العدوان والعناد؛ فقد يتظاهر بأنه أحرز التحكم, وذلك برفض مساعدة الآخرين, على الرغم من أنه عاجز في الواقع عن تحقيق هذا الاستقلال.
ويرى إريكسون أن الوالدين اللذين يفرضان على العقل قواعد تدريب صارمة على الإخراج في هذه المرحلة "أي: في سن سنتين" قد يؤثران في النموّ الوجداني والانفعالي بتحويله في المراحل التالية "ومنها مرحلة الرشد" إلى شخصٍ يشعر بالقهر والقسر والإلزام, ويتسم بالبخل في المال وبالتقتير في الوقت
(1/245)

والطاقة والبذل, وبالشح في العاطفة, ويصاحب هذا السلوك القهريّ الزائد شعورٌ مستمرٌّ بالشكِّ من ناحيةٍ والعار من ناحيةٍ أخرى, والود والحنان والشفقة يؤدي بالطفل إلى تنمية شعوره بالتحكم الذاتي دون فقدان التقدير للذات, والذي يتطور في المستقبل "عند الرشد" إلى شعور الاستقلال الذاتي الذي يقبله المجتمع.
2- أزمة المبادأة في مقابل الشعور بالذنب: تنشأ هذه الأزمة في المرحلة التي يسميها فرويد: الجنسية الطفلية من سن 3-6 سنوات, فمع زيادة مشاعر الثقة والاستقلال الذاتي, ومع اكتساب الطفل لمهارات جديدة في استخدام اللغة والحركة وتناول الأشياء ومعالجتها, وخاصة في السنتين الثالثة والرابعة من العمر, يتسع خيال الطفل؛ بحيث يحتوي على أشياء كثيرة بعضها يخفيه وبعضها يحلم بالحصول عليه، وحينئذ ينمو لدى الطفل شعور بالمبادأة، فيستطيع الذهاب إلى أماكن جديدة, ويمارس حب الاستطلاع والاستكشاف، ويبدأ في الظهور شعورٌ بتحديد الهدف, مع صور مبدئية للطموح, ويؤدي نموّ المبادأة وما يتلوها من خبرات الشعور بالذنب إلى تكوين الضمير, ويتعرض الطفل لأوامر ونواهي الوالدين, فإذا تجاوز المحظور، سواء في عالم الواقع أو الخيال، فإنه يشعر بالذنب, إلّا أنه حين يبالغ الوالدان والمعلمون في كَفِّ مبادأة الطفل, فإن ذلك يؤدي إلى أن يصبح الطفل محدود الأفق، ممتلئًا بمشاعر الذنب, أما حين لا يستخدمون هذه النواهي إلّا قليلًا, فإن الطفل لا ينمو لديه ضمير مكتمل, ولهذا لا بُدَّ من الوصول إلى حَلٍّ متوازنٍ لأزمة المبادأة والشعور بالذنب.
(1/246)

الخبرات التعليمية في طور الحضانة:
يواجه الطفل في سن ما قبل التمييز "الحضانة" عددًا أكبر من الراشدين الجدد حين يذهب إلى دار للحضانة أو روضة للأطفال, ومن الشائع أن يكون المعلمون في هذه المؤسسات التربوية لطفل ما قبل المدرسة من الإناث، إلّا أن السنوات الأخيرة شهدت عددًا من الرجال يعلمون في هذه المؤسسات أيضًا، وخاصةً في المجتمعات الغربية, ووجود كلٍّ من الذكور والإناث كمعلمين لأطفال ما قبل المدرسة, يهيئ لهؤلاء الأطفال جوًّا أقرب إلى الجوِّ الأسريّ، كما يهيئ لهم نماذج سلوكية من الجنسين، بالإضافة إلى ما يعنيه من معانٍ بالغة, وأهمها أن رعاية طفل ما قبل المدرسة هي مهمة الرجال والنساء على حَدٍّ سواء.
ونحب أن نشير هنا إلى أن برامج طفل ما قبل المدرسة وُجِدَتْ في معظم العصور "آمال صادق، أميمة أمين 1985" إلّا أن الاهتمام بها تزايد خلال السنوات التاريخية الماضية، مع زيادة مطردة في عدد الأطفال الذين يلتحقون بها
(1/246)

وقد اختلفت المبررات، ولعل أشهرها شيوعًا, استخدامَ برنامج مدرسة الحضانة في أغراض التربية التعويضية "Harris 1986", فقد لُوحِظَ في الولايات المتحدة الأمريكية أن الأطفال الذين يُولَدُون وينشأون في ظروف اجتماعية واقتصادية غير ملائمة, يلحقهم آباؤهم في مؤسساتٍ تقدِّم برامج للتدخل التعويضي سعيًا وراء إكسابهم المهارات التي تتوافر لدى الأطفال من ذوي المستويات الاجتماعية والاقتصادية الأفضل, والتي تُعَدُّ ضروريةً للنجاح في المدرسة الابتدائية في الطور النمائي التالي.
وهناك سبب آخر وراء الاهتمام الزائد في السنوات الأخيرة بإلحاق الأطفال في هذه المؤسسات التربوية، وهو الإسراع بتنميتهم المعرفية, وفي هذه الحالة يعتقد بعض الآباء والأمهات أنه لو توافرت لأطفالهم فرصة اكتساب المهارات الأكاديمية في وقتٍ مبكرٍ فإنهم سوف يتفوقون على أقرانهم حين يحين أوان الالتحاق بالمدرسة الابتدائية, ويتفق هذا الشعور مع الطبيعة التنافسية الإنجازية للمجتمع الحديث, إلّا أنه قد لا يتفق مع طبيعة الطفل "فؤاد أحمد أبو حطب، أمال صادق، 1995"؛ فنتائج هذا ضارة, وخاصةً إذا تحولت روضة الأطفال إلى "مدرسة", ثم إلى مدرسة من نوعٍ شديد المطالب, على النحو الذي نلاحظه اليوم في مجتمعنا؛ حيث تقدم للأطفال برامج "تعليم" منظمة, ثم يزداد الأمر خطرًا على الصحة النفسية والاجتماعية والثقافية للطفل حين يتعلم طفل الحضانة لغة أجنبية, أويتعلم بلغة أجنبية، إننا وحينئذ تبذر بذور "الاغتراب" الثقافي في وجدان الطفل.
ويوجد سبب ثالث لزيادة عدد الأطفال الذين يلتحقون في الوقت الحاضر بدور الحضانة ورياض الأطفال, يتصل أساسًا بالتغيرات التي طرأت على بنية الأسرة المعاصرة, وعلى رأسها خروج المرأة للعمل, ولعل المفهوم الشائع لدى هؤلاء الأمهات العاملات عن دار الحضانة أنها مجرد مكانٍ لإيواء الطفل خلال الفترة التي تنشغل فيها عنه بالعمل, وبالطبع فإن بعض المؤسسات تعمل في ضوء هذا التصور، حتى تحولَّت إلى "مخازن" للأطفال كما بينا آنفًا.
أما السبب الرابع والأخير: فهو رغبة الآباء والآمهات في أن تكون دار الحضانة أو الروضة فرصةً تهيئ للطفل أن يلتقي بغيره من الراشدين وبالأطفال الآخرين, وتعلم مهارات التفاعل الاجتماعي في مواقف أكثر اتساعًا وشمولًا، وأداء مهام جديدة لا تتوافر عادةً داخل البيت، وكل ذلك بغرض مزيد من التطبيع الاجتماعي للطفل, وهذه المجموعة من الآباء والأمهات هم الأقلية بمقارنتهم
(1/247)

بالمجموعات الثلاث السابقة، وهم الأصوب في إدراك طبيعة الخبرات التربوية في هذا الطور من النموّ.
وعلى كلٍّ, فإن وجود الطفل في دارٍ جيدةٍ للحضانة, قد يؤثر تأثيرات إيجابية في نموه في هذا الطور، وخاصة إذا كانت الأنشطة التي يقوم به الطفل في هذه الدار مصممة بحيث تستثير النموّ في مختلف مجالاته، فاللعب "والذي يجب أن يكون هو جوهر النشاط في مثل هذه المؤسسات" ينمي الطفل جسميًّا وحركيًّا ومعرفيًّا واجتماعيًّا. ومن مزايا النشاط الحر هنا أن الطفل عادةً يختار نشاطه بإرشاد معلمه أو معلمته، وبهذا تتهيأ له الفرصة للنجاح فيما يختار, وهذا النجاح ينمي في الطفل مشاعر الثقة وتقدير الذات, وبالإضافة إلى ما يتوافر للطفل من ممارسة بعض الأنشطة المعرفية؛ كالعَدِّ وتمييز الألوان, فإن الفرص تتوافر له أيضًا لتنشيط الخيال وحب الاستطلاع والإبداع, كما أنه يتعلم تقدير حاجات الآخرين مع اكتساب المهارة في التفاعل مع الأقران والكبار, وهذه الخبرات لا تتوافر كلها داخل البيت, وبها يتم انتقاله "بسلام" من طور اللعب والملاعبة -الذي يشغل حيزه الزمني السنوات السبع الأولى من حياة الطفل- إلى طور التأديب والتهذيب والتعليم الرسمي في المدرسة الابتدائية في طور التمييز. وتوجد طرق كثيرة يستخدمها المربون مع أطفال ما قبل المدرسة, تتناولها المؤلفات المتخصصة "آمال صادق، أميمة أمين، 1985، سعد مرسي أحمد، كوثر كوجك 1984".
ولتحقيق أهداف تربية الطفل في سن ما قبل المدرسة, لا بُدَّ من إعداده لذلك, وخاصة أن دخوله دار الحضانة يُعَدُّ خطوةً هامةً في حياته, ولعل أهم ما يجب الحرص على تحقيقه تكوين اتجاهات إيجابية لدى الطفل نحو التعلم ونحو المدرسة، وذلك من خلال جعل هذه المؤسسات التربوية مصدرًا للبهجة في التعلم "سيد أحمد عثمان، 1977"، ولعل هذا يبرر إشارتنا إلى أهمية أن يكون اللعب محور النشاط في هذا الطور, أما الربط بين "فكرة المدرسة"، ومظاهر التهديد والعقاب والعمل الشاق, فإنه له أضراره على مستقبل الطفل التعليمي. ولعلنا نشير هنا إلى أن تكوين "الاتجاه الموجب" نحو المدرسة منذ هذا الطور المبكر, قد ينتقل إلى جميع مراحل التعليم التالية, حتى ولو تضمنت بعد ذلك مظاهر التهديد "التقويم، والامتحانات"، والعقاب "الالتزام بقواعد ونظم المدرسة كمؤسسة اجتماعية"، والعمل الشاق باعتبار التعليم سوف يصبح أكثر تنظيمًا وتوجيهًا نحو المستقبل, وكل هذا قد ينقلب إلى ضده إذا كان الاتجاه المبكر نحو المدرسة سلبيًّا منذ إلحاق الطفل بدار الحضانة أو الروضة.
(1/248)

الفصل الثاني عشر طور التمييز
النمو الجسمي والفسيولوجي
...
الفصل الثاني عشر: طور التمييز
تمتد مرحلة سن التمييز أو "الطفولة المتأخرة كما تسمى أحيانًا في المؤلفات المتخصصة" من سن 6 أو 7 سنوات حتى بداية البلوغ الجنسي في سن 12سنة تقريبًا، أي: أنها تشمل مرحلة المدرسة الابتدائية تقريبًا, وفيها يبطؤ معدل النمو، إلّا أن الطفل يواجه فيها تحديات كثيرة تتطلب أساليب توافق جديدة؛ ففيها يُعَدِّلُ الوالدان وغيرهما من الأشخاص المهمين في حياة الطفل "ومنهم المدرسون" التوقعات من الطفل بالنسبة للسلوك الملائم, كما أنها مرحلة الجهد المركَّز لمعرفة الذات والبيئة, بطريقة تختلف عن المراحل السابقة في الحياة.
وخلال هذه المرحلة يتمُّ التركيز على اكتساب وإتقان المهارات الأساسية, وهي مهمة تقع مسئولياتها على عاتق المدرسة, إلّا أن المجتمع يتوقع لطفل هذه المرحلة أيضًا أن يتقن بعض المهارات الشخصية والاجتماعية الأخرى, وتسهم الأسرة مع المدرسة في إكساب الطفل هذ المهارات, كما ينشغل أطفال هذه المرحلة في كثيرٍ من الأنشطة التي تنمِّي فيهم الشعور بالإنجاز على حد تعبير إريكسون "راجع الفصل الثالث". ونجاح الطفل في اكتساب هذه المهارات المتوقعة يؤدي إلى تدعيم مفهومٍ صحيٍّ وسليمٍ للذات من خلال المهام المطلوبة لهذه المرحلة.
ونعرض فيما يلي خصائص النمو في هذه المرحلة.
النمو الجسمي والفسيولولجي:
مرحلة الطفولة المتأخرة هي فترة نموٍّ جسميٍّ بطيءٍ وموحَّد تقريبًا؛ فبالنسبة للطول نجد في بداية المرحلة "في سن السادسة" أن متوسط طول الطفل الولد في مصر كما تحدده إحصاءات إدارة الصحة المدرسية هو 110.7 سم, والبنت 109.8، وحين يصلا إلى سن 12 سنة, يكون متوسط طول الولد 138.5 سم, بينما يكون متوسط طول البنت 141.5 سم، ومعنى ذلك أن الفروق الفردية الطفيفة التي كانت لصالح الذكور في البداية تصبح لصالح الإناث في النهاية.
ويرجع تفوّق البنات على البنين في الطول في نهاية هذه المرحلة إلى أن الذكور يبدأون البلوغ بعد البنات بسنة تقريبًا, ولذلك فإنهم في العادة يكونون في
(1/249)

المتوسط أقصر من البنات في نفس السن, وطول مرحلة الطفولة المتأخرة يكون نموّ الجسم بطيئًا بمعدل 8سم تقريبًا في السنة, ويعطي مقياسَا عظام الرسغ واليد "بأشعة إكس في هذه المرحلة" تنبؤًا بالطول في مرحلة الرشد أكثر دقة من قياس هذه العظام في مرحلة الطفولة المبكرة, وكذلك نلاحظ أن الزيادة في الوزن بطيئة وموحدة أيضًا في هذه المرحلة؛ فيتغير الوزن من 18 كيلو جرامًا تقريبا في سن السادسة لكلٍّ من الجنسين إلى 32 كيلو جرامًا للذكور، 34 كيلو جرامًا للإناث في سن 12سنة, ويتأثر الوزن بعوامل عديدة أهمها التغذية, وخلال هذه المرحلة تعتبر الدهون مسئولة عن نسبة من الوزن الكلي للجسم تصل إلى ما بين 21% و29%. وتؤثر العوامل السيكولوجية في وزن الطفل في هذه المرحلة، فحين يفشل الطفل في تكيفه الاجتماعي فإنه يميل إلى المبالغة في تناول الطعام؛ كتعويضٍ عن عدم التقبُّل الاجتماعي, ويصدق هذا على وجه الخصوص على الأطفال الذين يعيشون في أسر صغيرة, وعادة ما تنشأ عادات المبالغة في الأكل من ضغوط الوالدين على الأطفال في السنوات السابقة, وقد ينشأ عن المبالغة في الطعام سمنةٌ ظاهرةٌ يكون من نتيجتها عدم استطاعة الطفل القيام بنشاط بدنيٍّ كبيرٍ, وتضيع منه فرصة اكتساب المهارات اللازمة للتكيف الاجتماعي.
وتتغير نسب الجسم خلال سنوات الطفولة المتأخرة, فيتناقص سوء توزيع النسب الشائع في المراحل السابقة للنموّ بالرغم من أن الرأس يظل أكبر نسبيًّا إذا قورن بباقي أجزاء الجسم، وعمومًا يمكن القول أن نسب الجسم في هذه المرحلة تشبه كثيرًا ما هي عليه في مرحلة الرشد.
وفي هذه المرحلة يفقد الطفل معظم أسنانه اللبنية, وما أن يبلغ نهاية المرحلة تكون قد نمت معظم أسنانه الثابتة, ونتيجةً لذلك يتغير شكل الفم, ويزداد حجم الجزء الأسفل من الوجه, وبالتالي تزول بعض مظاهر عدم التناسب في الوجه والتي نلاحظها في المراحل السابقة, كما تحدث تغيرات في مدى انطباق الأسنان "أو درجة التطابق بين أسنان الفكّ العلوي وأسنان الفكّ السفلي، وخاصة في المرحلة الانتقالية بين الأسنان اللبنية والأسنان الدائمة, وحين يكون الانطباق غير كاملٍ بين الفكين يتأثر الوجه تأثرًا خطيرًا, وينشأ ما يسمى بالعامية "الضب".
وخلال هذه الفترة تتسطح الجبهة وتبرز الشفاه وتكبر الأنف وتأخذ شكلًا محددًا, وهذه التغيرات تغير الصورة التي عليها مظهر الطفل في مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة.
ومع النمو يصبح الجذع أكثر نحافةً, ويزداد الصدر عرضًا واتساعًا, وتزداد
(1/250)

الرقبة طولًا، على نحوٍ يسمح بوضوح الأكتاف, كما يزداد حجم الحوض, وتصبح الأذرع والسيقان أكثر نحافةً مع بطءٍ شديدٍ في نمو الجهاز العضلي, كما يتطور نموّ الأيدي والأقدام, وهذه التغيرات تُعَدُّ مسئولةً عن تلك الصورة الكاريكاتيرية لطفل هذه المرحلة: كائن نحيل يبدو كما لو كان كله ذراعين وساقين.
أما بالنسبة لنموِّ الجهاز العصبي -وخاصة المخ- فلعلنا نذكر أن معظم نموّ المخ يحدث في مرحلة ما قبل الولادة, ويزداد نموّ المخ خلال مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة حتى يصل في نهاية المرحلة السابقة "أي في عمر السادسة" إلى حوالي 90% مع حجم مخ الراشد, ومع ذلك فهناك وظيفتان هامَّتان من وظائف المخ تستمران في النموِّ خلال مرحلة الطفولة المتأخرة، أولاهما: تكوين نخاع الألياف العصبية في المخ والنخاع الشوكي وفي الأنسجة العصبية المرتبطة، وثانيتهما: تنظيم وظائف المخ, والعملية الأولى تساعد على زيادة كفاءة الخلايا العصبية، وفيها يتم ترسيب المواد الدهنية المحيطة بهذه الخلايا؛ بحيث تسمح باستثارة توصيل النبضات الكهربائية على نحوٍ يسمح لها بالانتقال من خلية إلى أخرى, وفي العملية الثانية يتم التخصص العصبي حيث يصبح النصف الكروي الأيسر للمخ مسئولًا عن المهارات اللغوية, ويحدث التآزر بالنسبة للسلوك الحركي، أما النصف الكروي الأيمن فيصبح مسئولًا عن المعلومات الإدراكية وتفسير العلاقات المكانية.
وتحدث في هذه المرحلة فروقٌ بين الجنسين نتيجةً للمعدلات المختلفة لنموِّ كلٍّ من النصفين الكرويين؛ ففي الذكور يكون النصف الكروي الأيمن أكثر فعالية، ويساعدهم ذلك على أداء الأنشطة غير اللغوية بفعالية أكبر من البنات, أما في البنات فإن النصف الكروي الأيمن يكون أكثر نموًّا، ولهذا نلاحظ أنهن أكثر تفوقًا من الذكور في المهارة اللغوية, بينما يتفوق عليهن الذكور في مهارات التمييز المكاني.
(1/251)

النمو الحركي:
تلعب المهارات الحركية دورًا هامًّا في نجاح الطفل في مرحلة الطفولة المأخرة, سواءً في أداء نشاطه المدرسي أو في لعبه مع غيره من الأطفال، ولذلك فإن الطفل الذي يكون نموَّه الحركيّ أقل من أقرانه من الأطفال يشعر عادةً بالعجز والضعف، وقد ينسحب من الجماعة، وتتكَوَّنُ لديه اتجاهات سلبية نحو نفسه ونحو الحياة الاجتماعية, وحين تتهيأ للطفل الفرصة فإنه يشارك في النشاط الحركي بمختلف أنواعه.
وتتوقف المهارات التي يتعلمها الطفل في هذه المرحلة على البيئة التي يعيش فيها من ناحية، وعلى فرص التعلم من ناحيةٍ أخرى، وعلى ما هو شائع بين أقرانه من ناحيةٍ ثالثة.
وتظهر فروقٌ بين الجنسين ليس فقط في مهارات اللعب في هذا السن, ولكن في مستوى اكتمال هذه المهارات، فتتفوق البنات على البنين في المهارات التي تشتمل على العضلات الدقيقة مثل: الرسم والخياطة والنسيج والتريكو, بينما يتفوق البنون في المهارات التي تشتمل على العضلات الغليظة؛ مثل: لعب الكرة والجري وقفز الحواجز.
وابتداءً من سن 6 سنوات تنمو في هذه المرحلة مهارات مساعدة الذات التي ترتبط بالأكل واللبس والاستحمام؛ بحيث لا يحتاج الطفل في هذه النواحي إلّا إلى مساعدة ثانوية, إلّا أن الكبار في بيئة الطفل قد لا يقتنعون بذلك, ويستمرون في تقديم المساعدة للطفل, وباستمرار الممارسة تكتمل هذه المهارات إلى حيث يمكن للطفل أن يؤديها بنفس القدر من السرعة والامتياز مثل الكبير, وفي المدرسة تنمو لدى الطفل المهارات المطلوبة في الكتابة والقراءة والرسم والموسيقى والغناء وصنع الأشياء. أما المهارات الاجتماعية التي يتعلمها الطفل والتي تتصل بالأعمال المنزلية؛ مثل: تنظيف الأطباق, وكنس الحجرات, وتوضيب السرير, والطبخ, لا تعطي للطفل السعادة فحسب, وإنما تعطيه شعورًا بأهمية الذات.
وتتحدد مهارات الطفل باليد التي لها السيادة في مهاراته الحركية, وهل هو أيسر أو أعسر أو أن يديه يمكن استخدامها معًا بنفس السهولة, فعند بلوغ الطفل العام السادس من عمره يكون قد تكوَّنت لديه عادة سيادة إحدى اليدين؛ بحيث يصعب عليه الانتقال منها إلى اليد الأخرى, وبالطبع إذا تعلَّمَ الطفل استخدام اليد اليمنى فإن تكيفه يكون أكثر سهولة مما لو تعلَّم استخدام اليد اليسرى، ليس فقط لأن الأدوات والآلات والمواد معدة للاستخدام باليد اليمنى فحسب, ولكن لأن نماذج التدريس معدة لأولئك الذين يستخدمون اليد اليمنى أيضًا؛ فالطفل الأعسر سوف يصبح الأمر صعبًا عليه, ويشعر بالإحباط حين يحاول استخدام المواد المعدة لغيره من الناس، أو حين يحاول تَعَلُّمَ مهارة جديدة بمحاكاة نماذج معدة لمستخدمي اليد اليمنى.
والطفل الذي لا يصل إلى مستوى سيادة إحدى اليدين عند دخوله المدرسة، أي: أنه يستطيع استخدام إحدى اليدين في بعض المهارات, واليد الأخرى في مهاراتٍ أخرى, لن يجد صعوبةً في الانتقال من يدٍ إلى أخرى، ولكن قد تكون
(1/252)

مهاراته أقلّ في مستواها من طفلٍ آخر لديه سيادة إحدى اليدين, إلّا أن المشكلة في هذه الحالة أن الطفل حين يصل إلى مرحلة المراهقة يكون من المتَعَذَّرِ عليه محاولة تكوين سيادة إحدى اليدين, أو الانتقال من استخدام اليد اليسرى إلى اليد اليمنى, فعند هذه المرحلة "أي: المراهقة" تصل المهارات إلى درجة من التعلُّمِ بحيث تؤدي أيّ محاولة لتغييرها إلى الخلط بالنسبة للطفل, وسوف يقاوم التغيير الذي يجده صعبًا ومحبطًا معًا.
وعادة ما ينتج عن ذلك القلق والتوتر الذي يعبر عن نفسه في شكل اضطرابات الكلام وصعوبات القراءة واللوازم العصبية.
(1/253)

أمراض طفل المدرسة:
خلال السنوات الأولى من هذه المرحلة يتعرض معظم الأطفال للأنواع المختلفة من أمراض الأطفال الشائعة؛ كالحصبة والسعال الديكي والجديري وغيرها, وباستثناء هذه الأمراض, فإن مرحلة الطفولة المتأخرة يمكن وصفها بصفةٍ عامَّةٍ بأنها مرحلة صحة جسمية, وبالطبع قد يحدث أحيانًا أن يعاني الطفل من اضطرابات المعدة أو أمراض البرد, إلّا أنها عادةً ما تكون لفترات قصيرة, ولا تترك أثرًا في البنية الجسمية للطفل, وحتى لو كان المرض متكررًا, فإنه نادرًا ما يؤدي إلي موت الطفل في هذه المرحلة إذا قارنَّا ذلك بالمراحل السابقة.
وفي السنوات الأخيرة انخفض معدَّل وفيات الأطفال بصفة عامة, ويرجع ذلك بالطبع إلى التقدُّم في ميدان الخدمات الطبية للأطفال, وخاصة في ميدان الأمراض المعدية والتدرن الرئوي والتهاب اللوزتين وغيرها.
وتُعْتَبَرُ الآثار النفسية للأمراض في هذه المرحلة أشد من آثارها الجسمية؛ فالمرض يحدث اضطرابًا في التوازن العضوي للجسم, ويؤثِّرُ بالتَّالى على سلوك الطفل واتجاهاته؛ بحيث يجعله متوترًا لحوحًا في مطالبه, بالإضافة إلى ما يسببه له المرض من غيابٍ عن المدرسة, وحرمانه من الاشتراك مع الأقران في اللعب بعد المدرسة, مما يؤثِّرُ على اكتسابه للمهارات اللازمة للتكيف في هذه المرحلة. وقد ثبت أن من أهم أسباب التغيب عن المدرسة في هذه المرحلة الأسباب الطبية, في حين لا يزيد عدد حالات الغياب لغير هذه الأسباب عن 13% فقط, وبالإضافة إلي ذلك توجد نسبة من الأطفال ينتظمون في الدراسة, ومع ذلك يعانون من نقائص جسمية مختلفة؛ كنقص البصر وضعف السمع وسوء التغذية وتسوس الأسنان, وبالإضافة إلى ذلك يعاني بعض الأطفال من أمراضٍ متوطنةٍ متنوعةٍ, وأمراض مزمنةٍ؛ كأمراض القلب والكساح والحساسية والسكر, بالإضافة إلى البلهاريسيا والأنكلوستوما.
(1/253)

وبعض الأطفال في هذه المرحلة يمكن وصفهم بأنهم مستَهْدَفُون للمرض, بمعنى أنهم يتعرضون للمرض أكثر من غيرهم من الأطفال الذين هم في مثل سنهم, وقد يرجع ذلك إلى ضعفٍ وراثيٍّ أو ظروف بيئية سيئة، إلّا أن السبب الأهم يرجع إلى الظروف التي تكون عليها حياة الطفل في هذه المرحلة, فقد يكون أسلوب التنشئة الوالدية فيه قدر كبير من التسامح يصل إلى حَدِّ الفوضى, وفي هذه الحالة يأكل الطفل وينام ويفعل ما يشاء، وقد يكون فيما يأكل ويفعل ضرر على صحته, وقد يكون الأسلوب تسلطيًّا؛ بحيث يضع الطفل طول الوقت تحت ظروف التوتر والضغط إلى الحدِّ الذي يستثير فيه مشاعر القلق, ويجعله مستهدفًا للمرض.
وبعض خبرات المرض والاستهداف للمرض التي يعاني منها الطفل يكون حقيقيًّا, وبعضها الآخر قد يكون متوهمًا؛ فالطفل يتعلم من خبراته السابقة أنه حين يكون مريضًا فإنه لا يتوقع منه القيام بالأنشطة المعتادة، ويلقى اهتمامًا ورعايةً أكبر، ويتحرر بعض الشيء من قيود النظام المنزلي, وعلى هذا فحين تنشأ ظروف غير سارّة في حياته, أو حين يُطْلَبُ منه أداء عملٍ مدرسيٍّ أو منزليٍّ لا يحبه, أو يشعر بعدم القدرة عليه, فإنه يستخدم المرض كحيلة هروبية, وقد يتحول ذلك إلى حيلة لا شعورية من نوع الميكانيزمات النفسية.
وقد يعاني الطفل من أيّ نوعٍ من أنواع التعويق الجسمي، بعضه قد يكون فيه منذ الولادة, والبعض الآخر يحدث له في أوقات مختلفة من مراحل نموِّه بسبب المرض أو الحوادث أو الإهمال في الرعاية الصحية له, وأشهر أنواع التعويق ضعف السمع والبصر وشلل الأطفال, وهذه العوائق تؤثِّرُ في الطفل وخاصةً حين تحرمه من المشاركة مع أقرانه في النشاط المدرسي وغير المدرسي، ويتوقف هذا الأثر على معاملة الآخرين له, وخاصة أعضاء جماعة الأقران, في هذه الحالة لا نجد إلّا القليل منهم من يشارك الطفل المعوَّق وجدانيًّا ويهتم به, أما الأغلبية فغالبًا ما يتجاهلونه أو يرفضونه.
وتعتبر الحوادث من أهم أسباب وفيات الأطفال في هذه المرحلة, فعلى الرغم من أن الحوادث تكون عادةً أقل حدوثًا في هذا السن، إلّا أنها إذا وقعت تكون أخطر, ومعظم هذه الحوادث يقع خارج المنزل -على عكس حوادث المراحل السابقة, وهي بين الذكور أكثر حدوثًا من الإناث, وقد يرجع ذلك إلى أن طبيعة الدور الجنسي للذكور يتطلب قدرًا من الجسارة والإقدام, وإصابة الرأس هي الأكثر حدوثًا, بينما إصابة الساقين أقل حدوثًا, وقد يكون بعض الأطفال من النوع المستهدف للحوادث والإصابات, وهم عادةً أولئك الذين يتسمون بالنشاط الزائد وعدم الاستقرار والقلق والاندفاعية والمخاطرة ومقاومة السلطة, والأقل تقبلًا من الزملاء, وعكس هؤلاء هم الأقل استهدافًا للحوادث.
(1/254)

النموّ اللغوي:
باتساع عالم الطفل يكتشف أن الكلام أداةٌ هامةٌ في السلوك الاجتماعي, ويدفعه ذلك إلى إتقان الكلام, وكذلك يتعلم أن الصور البسيطة من الاتصال مثل الصراخ والإيماءات ليست مقبولةً اجتماعيًّا, ويعطيه هذا حافزًا إضافيًّا لتحسين قدرته على الكلام، بالإضافة إلى أن المدرسة تؤكد على النواحي اللغوية مثل حصيلة المفردات وبناء الجمل, وحين يتعلم الطفل القراءة يضيف إلى مفرداته اللغوية إضافاتٍ جديدةٍ, ويصبح أكثر ألفةً بالنمط الصحيح للكلمات والبناء الصحيح للجمل.
ويتوقف النموّ اللغوي في هذه المرحلة على عوامل كثيرةٍ؛ منها المستوى العقلي, والمركز الاجتماعي والاقتصادي والجنس, وبالنسبة للجنس يُلَاحَظُ أن الذكور في هذه المرحلة أقلّ من الإناث في المحصول اللغوي, وفي صحة بناء الجمل, وفي القدرة على التعبير عن المعاني, كما أن لديهن نقائص كلامية أكثر من البنات.
وكما هو الحال بالنسبة لكل مرحلة, فإن فهم الطفل للكلمات يتفوق على استعماله لها, فهو يعرف معاني كثيرة بطريقة غامضة, ويمكنه أن يفهمها عندما تستخدم الكلمة في ارتباطها بكلماتٍ أخرى، ولكنه لا يعرف تلك المعاني بحيث يمكنه استخدامها بنفسه, وخلال هذه المرحلة يتزايد المحصول اللغوي العام زيادةً كبيرةً, فمن دارسته في المدرسة, وقراءته, واستماعه للآخرين والراديو, ومشاهدته للتليفزيون, ينشئ الطفل المفردات التي يستخدمها في كلامه وكتابته, ويُقَدَّرُ عدد الكلمات التي يعرفها الطفل الذي ينهي الصف الأول الابتدائي بما يقع بين 20 ألف و24 ألف كلمة, أي بنسبة 5% إلى 6% من كلمات معجم عادي, وحين يصل إلى الصف السادس الابتدائي يصل محصوله اللغوي حوالي 50 ألف كلمة.
ولا يقتصر الأمر على أن الطفل يتعلم كلمات جديدة كثيرة, ولكنه بالإضافة إلى ذلك يتعلم معانٍ جديدة للكلمات القديمة, وبالتالى تزداد مفرداته ثراءً, كما يتمُّ تعلم الكلمات ذات المعاني المحدودة والخاصة, وتظهر في هذا الجانب فروقٌ بين الجنسين أيضًا؛ فمفردات الألوان عند البنات مثلًا أكثر منها عند البنين, بسبب اهتمام البنات بالألوان, كما يتفوق الذكور على الإناث في الكلمات الجافة التي قد يكون بعضها بذيئًا, وبالطبع فإن عدد الكلمات التي يعرفها الطفل بدرجة كافية بحيث يستخدمها في كلامه وكتابته، تحدد إلى حَدٍّ كبير نجاحه في المدرسة.
(1/255)

وتظهر في هذه المرحلة صورة جديدة من اللغة, هي ما يسمى باللغة السرية, والتي يستخدمها الطفل في اتصاله بأصدقائه المقربين, وتتخذ اللغة السرية شكل تشويه للكلام العادي, أو قد تكون محاكاة للغة السرية كما تستخدم عند الطفل الأكبر, وتتكون هذه اللغة في شكلها المكتوب من شفرةٍ تتألف من رموز أو رسوم للتعبير عن كلماتٍ أو أفكارٍ كاملة, كما قد تكون لغة حركية تتكون في الأغلب من استخدام الإشارات والإيماءات, ومن تكوين كلماتٍ بواسطة الأصابع, كما هو الحال في لغة الصم والبكم, وتستخدم البنات اللغة السرية أكثر من الذكور, ويقضين وقتًا أطول في تأليف رموزٍ جديدة وإشارات للكلمات, وابتداءً من سن العاشرة حتى مرحلة المراهقة المبكرة, تُعَدُّ الفترة التي يصل فيها استخدام اللغة السرية إلى قمتها، رغم أن معظم الأطفال يبدأ في استخدام هذ اللغة السرية ابتداءً من الصف الثاني من المرحلة الابتدائية, وعلى خلاف مرحلة الطفولة المبكرة, فإن الطفل هنا يستطيع أن ينطق الكلمات صحيحة بدون أخطاء، فيما عدا الأطفال الذين لديهم عيوب كلامية. والكلمة الجديدة التي يسمعها الطفل لأول مرةٍ قد ينطقها خطأً عند استخدامها، ولكن بعد الاستماع إلى النطق الصحيح مرةً أخرى, أو أكثر, يكون قادرًا على النطق الصحيح لها, والطفل في هذه المرحلة لديه ميلٌ إلى التحدث بصوتٍ عالٍ كما لو كان المستمع إليه أصم, وهذه الظاهرة لا تؤثر في المستمع إليه بعدم التقبل له, أو الرفض للاستماع إليه فحسب, ولكنها قد تؤدي إلى الخشونة في صوت الطفل أيضًا, وعادة ما يلجأ الأولاد إلى هذا لأنهم يعتقدون أن التحدث بصوتٍ هادئٍ رخيمٍ خاصية "أنثوية".
وطفل العام السادس لديه القدرة على التحكم في كل أنواع أبنية الجمل, وابتداءً من هذا العام وحتى العام التاسع أو العاشر من العمر, يتزايد بالتدرج طول الجمل التي يستخدمها, وبعد سن التاسعة يبدأ الطفل مرةً أخرى في استخدام الجمل الأقصر والأدق, وعند التحدث مع الأطفال الآخرين يستخدم أشباه الجمل بدلًا من الجمل الكاملة. ويُعَدُّ تكوين الجمل الصحيحة من الأعمال الصعبة في ثقافتنا العربية, بسبب الازدواج اللغوي الذي نعيشه بين العامية والفصحى، فإن طفل المدرسة الابتدائية يقع كثيرًا في الأخطاء النحوية حتى بعد تعلمها في الصفوف المتأخرة من المرحلة الابتدائية, وقد يرجع ذلك إلى سوء تدريس النحو لطلاب هذه المرحلة.
أما عن عيوب الكلام فليست بنفس الدرجة التي عليها في المرحلة السابقة, فالتهتهة واللجلجلة وإبدال الحروف وكل صور الحبسة التي تظهر عند الطفل في مراحل نموّه السابقة, قد تظل كما هي بمرور الزمن ما لم تبذل جهود علاجية
(1/256)

لتصحيحها, ولأن هذه الاضطرابات جميعًا تعود بأصولها إلى التوتر العصبي, فإنها قد تزداد سوءًا بدخول الطفل المدرسة الابتدائية, بسبب الارتباك الذي سوف يعانيه حين يضحك الأطفال على طريقته في الكلام, وما لم يكن هناك سبب عضويّ محدد؛ مثل وجود مسافة بين السنتين الأماميتين العلويتين، أو سوء في انطباق الفكين يمكن أن يعالجه ظهور الأسنان الدائمة للطفل, فإن العيوب الكلامية الأخرى التي تنشأ عن أسبابٍ أخرى لا بُدَّ أن تحظى بدراسة طبية ونفسية خاصة.
أمَّا عن محتوى كلام الطفل في هذه المرحلة, فإنه أقلّ تمركزًا حول الذات من الطفل في المرحلة السابقة, وانتقاله من التمركز حول الذات إلى ما يسميه بياجيه: اللغة الاجتماعية, لا يعتمد فقط على العمر, وإنما على بعض سمات شخصية الطفل التي تكون قد تحددت في هذه المرحلة، وما إذا كانت سمات من النوع المتمركز حول الذات أو من النوع الاجتماعي, كما تعتمد على الاتصالات الاجتماعية التي يقوم بها, وعلى حجم الجماعات التي يتحدث معها أو إليها, فكلما زاد حجم الجماعة تحولت لغته إلى الوجهة الاجتماعية, وحين يكون الطفل مع أقرانه تكون لغته أكثر اجتماعية مما لو كان مع الكبار والراشدين.
وعلى الرغم من أن الأطفال يمكنهم التحدث في أيِّ موضوع, فإن من الموضوعات المفضلة التي يتحدثون فيها معًا في هذا السن هي خبراتهم الخاصة, وحياة المنزل والأسرة, والألعاب الرياضية, واللعب والسينما, ونشاط الشلل والجنس, والأعضاء الجنسية والحوادث.
ويشعر الطفل بحريةٍ أكثر في مناقشة هذه الموضوعات والتعبير عن آرائه حولها حين لا يوجد الكبار, وحين يعبر طفل هذه المرحلة عن نفسه ويتباهى "بل قد يتبجح" بها, فإن مصادر مباهاته ليس ما لديه من نواحي مادية, وإنما حول مهاراته في الألعاب وقوته, وسلوك الزهو أكثر شيوعًا في الفترة بين سن 9 و12 سنة وخاصة بين الأولاد.
ويحب الطفل في هذ المرحلة أن ينتقد الآخرين ويسخر منهم, وقد يلجأ إلى ذلك صراحة أو خفية, وحين ينقد الكبار يلجأ إلى ذلك في صورة شكوى أو اقتراح, أما نقد الأطفال من أقرانه, فإنه يأخذ شكل السباب أو السخرية أو المضايقة, وبدراسة كلام الطفل في هذه المرحلة نجدُ الأسئلة أصبحت أكثر تحديدًا في صيغتها من أسئلة طفل المرحلة السابقة, وتصل أسئلة "لماذا" إلى قمتها في الصفين الثاني والثالث الابتدائي، أما الأنواع الأخرى من الأسئلة، وخاصة أسئلة "ماذا", فتكون أكثر حدوثًا من المرحلة السابقة, كما يحتوي كلام طفل هذه المرحلة على كثيرٍ من الأوامر والتعليمات.
(1/257)

النمو العقلي المعرفي:
يطلق بياجيه على هذا الطور من النموّ الإنساني اسم طور العمليات العيانية أو المحسوسة Concrete Operations، وفيه تظهر العمليات الاستدلالية التي يمكن أن تتفق مع أسس المنطق, فالتفكير المنطقي -أو ما يسميه بياجيه التفكير الإجرائي Operational- لا يظهر إلّا حين تتوافر للطفل ذخيرة من المفاهيم التي تنتظم فيما بينها في نسقٍ متماسكٍ "أي: على هيئة مبدأ". وهذه الأنساق التي تشكِّل التفكير المنطقي أو الإجرائي تسمى العلميات Operations, والعمليات في هذا الطور توصف بأنها محسوسة أو عيانية Concrete, أي: تكون على اتصالٍ وثيق بأصولها الحسية الحركية, وهي في ذلك تشبه الإدراك بصفة عامة في أنها مقيدة بالزمن, ومحددة بترتيب زمني طبيعي معين, وتتضمن قدرًا ضيئلًا من التجريد Abstraction "ومعناه أن تكون الأفكار منفصلة عن الأشياء والأحداث في العالم الواقعي", وما يعين الطفل على القيام بالعمليات المحسوسة في هذا الطور اكتساب الطفل لمبدئي ثبات الكم والمقلوبية "راجع شرحهما بالتفصيل في الفصل السابق".
وتُفْهَمُ العمليات بطريقة أفضل في إطار الأبنية المنطقية -الرياضية التي تمثل الطبيعة الجوهرية للتفكير, فالمنطق -عند بياجيه- هو مرآة الفكر، ولكنه مثل مرآة سنووايت Snow White, تعكس الحقيقة وليس المظهر. وهذا لا يعني أن سلوك التفكير يمكن اختزاله إلى صيغ المنطق أو معادلات الرياضيات، كما لا يعني أن أحدهما يُعَدُّ نموذجًا للآخر، وإنما يعني أن الأبنية المنطقية الرياضية تُعَدُّ المستوى الأكثر عمومية, وتجريدًا في تحليل عمليات التفكير.
ومن أمثلة عمليات التفكير، الجمع والطرح والضرب والقسمة والمطابقة والتصنيف والترتيب, كما توجد عمليات "دون منطقية" infra-logical تتناول علاقات الموضع والمساقة، وعلاقات الجزء بالكل, وذلك بالنسبة للأشياء الحقيقية؛ لأن العمليات محسوسة كما قلنا.
وقد اهتم بياجيه في هذه المرحلة بأبنية منطقية تظهر فيها العمليات, يسميها "التجمعات groupments", ويوجد منها 9 أنواع، ثمانية أنواع منها أولية, ونوع واحد فقط يعد ثانويًّا, ومن بين الأنواع الثمانية الأولية تظهر أربعة منها في عمليات أو قواعد يمكن تطبيقها على الفئات "التي تعتمد على التصنيف", وتظهر الأربعة الأخرى في علمياتٍ تطبق على العلاقات "التي تعتمد على الترتيب", وتوحد في كل حالة عمليات ثابتة لا تتغير هي عمليات التركيب والارتباط والذاتية والمقلوبية.
(1/258)

ولعل التغير الجوهري الذي يطرأ على الطفل في هذا الطور أنه يستطيع التفكير باستخدام المعلومات التي يدركها إدراكًا مباشرًا، كما يصبح أكثر مرونةً في استخدام هذه المعلومات, فعلى عكس طور ما قبل العمليات الذي يعتمد فيه الطفل في حَلِّ المشكلات على خاصية واحدة في الشيء المدرك, نجده يصبح الآن قادرًا على أن يحوّلَ انتباهه من خاصيةٍ إدركيةٍ في الشيء الذي يدركه إلى خاصية أخرى، بل قد يتعامل مع عدة خصائص في وقت واحد، ويترتب على ذلك قدرة الطفل على تجميع ملاحظات وعمليات عديدة في مفهوم واحد, متجاوزًا بذلك الحاجة إلى المعالجة الفيزيائية للتحول من حالة لأخرى. إن الطفل في هذه المرحلة يبدأ في الانتباه إلى ما هو مهم, وتجاهل ما هو غير مرتبط أو منبت الصلة, وبالتالي يميز السمات والخصائص الجوهرية لتجميع الشياء تجميعًا منطقيًّا في فئات فيما يسمى تكوين المفاهيم Concep Formition. ويؤدي التحرر من كلٍّ من التمركز حول الذات والمركزية في الإدراك في زيادة المرونة في التفكير، كما تزداد القدرة على بناء فئات فرعية, وكذلك الوصول إلى تصنيفات متعددة منفصلة أو متداخلة أو هرمية. ومن أهم خصائص تفكير الأطفال في هذه المرحلة, ما أشرنا إليه من التحرر من التركيز على خاصية واحدة, أو بُعْدٍ واحدٍ في الشيء أو الحدث, وهذه العملية تسمى اللا تمركز decentration, وتبدأ بالفعل قبل ظهور التفكير باستخدام العمليات المحسوسة, ثم تصبح أكثر عمومية وشيوعًا في الاستخدام مع مشكلات أكثر تعقدًا خلال طور التمييز.
أما الإنجاز العرفي الهام الآخر الذي يظهر في هذا الطور, فيتمثل في قدرة الطفل على قلب أو عكس عمليات تفكيره, ومثال ذلك: أن الطفل يستطيع أن يجري ذهنيًّا عمليات قلب أو عكس مكاني حين يحاول وضع فردة الحذاء اليمنى في القدم الأيمن لشخص آخر بالمقارنة بقدمه, وتسمى هذه العملية "المقلوبية" Reversibiliy"، وتعتمد على عملية أساسية أخرى هي عملية التعدي Transitivity, أو ما يسميه بياجيه: الاستدلال التحويلي Transformational Reasoning, فحالما يستطيع الطفل أن يبدأ تفكيره من نقطة معينة "أ", ويفهم جميع الخطوات التي تؤدي إلى نقطة أخر "ب", فإنه يستطيع أيضًا أن يمتد بهذا المسار إلى نقطة ثالثة "جـ", وهذه العملية تظهر في طفل المرحلة الابتدائية في صورة تعدي لخاصية التساوي من نوع أ=ب، ب=جـ, إذن: أ=جـ, وهي عملية أساسية في التفكير المنطقي.
ونعود إلى خاصية المقلوبية, فحالما يستطيع الطفل القيام بعملية التعدي
(1/259)

يمكنه أن يتابع هذا المسار المعرفي من نقطة إلى أخرى, أو يعكسه, أو يدور حوله, أو يغيره دون أن يفقد خصائصه الأصلية, ومن ذلك مثلًا أن يصنع الطفل طائرة ورقية, ثم يفرد الورقة ليرى خطوط الطي، كما يستطيع استخدام نفس السلم الموسيقي صعودًا وهبوطًا، وقد يفك اللعبة إلى أجزائها, ثم يعيد تركيبها, وتعد هذه أيضًا من العمليات الأساسية في فهم عمليات الجمع والطرح في الحساب.
ولكي نوضح ذلك أكثر, نذكر مثال بياجيه المشهور في تجارب ثبات الكم conservation أو المقدار، فإذا عُرِضَ على الطفل في هذا الطور إناءين متساوين مليئين بالماء, ثم صُبَّ أحدهما في إناءٍ أطول وأضيق, فإنه يحكم على مقدار الماء في هذ الحالة بأنه لم يتغير "على عكس حكمه في الطور السابق بأن المياء يزداد مقداره بعد صبه في الإناء الثاني"؛ لأن الطفل أصبح يستطيع أن يسترجع الخطوات بتتابع صب الماء من الإناء الأصلي إلى الإناء الآخر, كما أن الطفل أصبح أكثر قدرة على اللا تمركز؛ بحيث أصبح إدراكه يشمل كلًّا من طول الإناء وعرضه معًا عند الحكم على مقدار الماء في كلٍّ من الإناءين، ولهذا يحكم عليهما بأنهما متساويان.
وفي الحكم على أن مقدار السائل لم يتغير رغم تغير الأواني, يظهر الطفل ما يسميه بياجيه القدرة على إدراك ثبات الكم أو المقدار, وهكذا يدرك الطفل أن بعض جوانب الأشياء أو المواد لا تتغير, حتى ولو تعرضت لبعض التحولات, وبذلك يظهر الطفل بعض الثبات الإدراكي للعالم الخارجي, ومع اكتساب هذ المهارة يصبح قادرًا على التنبؤ بما يحدث للأشياء المادية التي يحتك بها في حياته اليومية.
وكان بياجيه وإنهلدير "Piaget & lnhelder" يريان أن جميع الأطفال يمرون بنفس المراحل في اكتساب ثبات الحكم لجميع خصائص الأشياء, إلّا أن البحوث التالية كشفت عن أن ثبات الخصائص المختلفة تظهر في أعمار مختلفة, فثبات الأعداد يظهر في حوالي السادسة من العمر, فعند هذه السن يدرك الطفل أن الأعداد متساوية بصرف النظر عن طريقة تنظيمها "في أكوام أو صفوف، إلخ", ويظهر ثبات الكتلة في سن السابعة, وحينئذ يدرك الطفل بأن كتلتين من الصلصال تكونان متساويتين من حيث كمية ما فيهما من الصلصال, بصرف النظر عن الشكل الذي تكون عليه "كرة أو خيط طويل", وفي سن التاسعة يظهر ثبات الوزن حيث يدرك أن كرتي الصلصال متساويتان في الوزن, بصرف النظر عن الشكل الذي يكون عليه كل منهما, أما ثبات الحجم volum
(1/260)

فلا يظهر إلّا في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة "مطلع المراهقة", ويقاس ثبات الحجم بإدراك الطفل لمقدار السائل المزاح "حجم الماء" نتيجة وضع إسطوانتين معدنيتين فيه على التوالي تكونان متساويتين في السعة, ومختلفتين في الوزن, ويحتاج الأمر أن يكون الطفل أكثر نضجًا لكي يدرك أن المتغير الأساسي في تغيير حجم السائل هو سعة size الشيء الذي يوضع فيه, وليس وزنه، فالأشياء ذات السعة الأكبر تزيح كمية من السائل أكبر من الأشياء الأصغر.
وكان بياجيه يعتقد أن الأطفال من جميع الثقافات يظهرون القدرة على ثبات المقدار لمختلف الخصائص بنفس الترتيب السابق، على الرغم من أن معدَّل اكتسابهم للمفاهيم المختلفة قد يختلف تبعًا لاختلاف الخبرات التي يتعرضون لها "كخبرة دخول المدرسة أو عدم دخولها". ومعنى ذلك عنده: أن ثبات العدد يسبق ثبات الكم، ويسبق هذا ثبات الوزن, ويكون ثبات الحجم هو آخر ما يكتسبه الطفل "Brainred 1978", إلّا أن بعض الدراسات التي أجريت على ثقافاتٍ غير غريبة -ومنها مصر- أظهرت أن هذا التتابع ليس بالضرورة صحيحًا "سنية جمال عبد الحميد، 1987".
ويوجد مظهر آخر لاختلاف تفكير الطفل في هذا الطور عن تفكير طفل طور ما قبل العمليات, في أن تفكير طور التمييز يتسم بالقدرة على إدراك التحويلات transformations, والتي تؤدي إلى تغيير الشيء من حالة إلى أخرى, ويمكن للطفل أن يكوِّن صورة ذهنية كلية عن سلسلة من الأحداث، كما يستطيع أن يصف هذه السلسلة التي قد تتضمن الماضي والحاضر والمستقبل, دون أن يكون في حاجة إلى أدائها مرة أخرى. وهذا على عكس طفل الطور السابق الذي لا يستطيع مثل هذا الوصف, ويحتاج إلى أداء الأحداث أداءً فعليًّا؛ لأنه متمركز في الحاضر فقط, وإحدى النتائج العملية لهذا الوعي أن الطفل يصبح أكثر قدرة على الاستفادة من قواعد التحكم في سلوكه, وخاصة حين يخبر عن نواتج أخطائه السلوكية نحو ذاته والآخرين. فالطفل في الطور السابق يركز انتباهه على حالة العقاب الراهنة، بينما هو الطوار الحالي أكثر قدرة على ربط العقاب الذي يتعرض له بسلوكه في الماضي والمستقبل.
ومن العمليات المعرفية الهامة التي تظهر في هذا الطور القدرة على التصنيف classification, التي تعتمد على القدرة على تكوين المفهوم وبناء الفئات التي أشرنا إليها, ويشمل ذلك القدرة على تحديد العناصر الراهنة التي تؤلف الفئة, أو ما يسميه بياجيه: مفهوم النطاق الداخلي للفئة class intension, والقدرة على
(1/261)

إعداد قائمة بالعناصر الجديدة التي يمكن أن تتضمنها الفئة, أو ما يسميه بياجيه: النطاق الخارجي للفئة class extension, وخلال سنوات المدرسة تزداد مهارات الطفل في التجمع وربط هذه التجمعات بعضها إلى بعض؛ ففي سن السابعة يستطيع الجمع باستخدام فئة العدد "5" أو"10" ومضاعفاتها، وفي سن الثامنة يستطيع استخدام فئة العدد "2" ومضاعفاته, وإحدى الهوايات الشائعة لدى أطفال هذا الطور "من 7-12 سنة" جمع الأشياء "طوابع البريد، الملصقات، العينات، إلخ", ثم تصنيفها تبعًا لأبعاد مختلفة عديدة: اللون، الحجم، المحتوى، النوع، إلخ.
وتوجد عملية معرفية هامة أخرى تظهر في هذا الطور, وهي عملية التسلسل seriation, ويُقْصَدُ بها: القدرة على ترتيب الأشياء تبعًا لمتصل كمي, فإذا عرضت على الطفل مجموعة من العصي ذات الأطوال المختلفة, فإنه يستطيع ترتيبها من الأقصر إلى الأطول أو العكس "piaget lnheldr 1959". ولعلنا نذكر أن طفل الطور السابق "قبل العمليات" يستخدم في مثل هذه الحالة المقارنات العشوائية بين أزواج الأشياء بدلًا من المقارنة المنظمة المنسقة التي تبدو في طور العمليات العيانية.
وهكذا فإن قدرة الطفل في طور التمييز على التفكير تكون أكبر من قدرة الطفل الأصغر سنًّا, إنه يستطيع التعامل مع عدة متغيرات في وقت واحد, ويتضح هذا على سبيل المثال من التعامل مع عدة متغيرات في وقت واحد, ويتضح هذا على سبيل المثال من التعامل مع الزمان والمكان معًا "كما هو الحال في الجغرافيا والتاريخ" أو مع السرعة والمسافة "كما هو الحال في الرياضيات"، إلّا أن ما يجب أن نؤكده أن قدرة الطفل في هذه المرحلة على التعامل مع عدة متغيرات في وقت واحد تكون في بدايتها, ولا تعني نهاية هذه المرحلة وصول هذه الخاصية إلى اكتمال النضج المعرفي, وعلى هذا, فعلى الرغم من أن طفل المدرسة الابتدائية يظهر قدرًا من الموضوعية، إلّا أنه توجد فروق بين الأطفال في بداية هذه المرحلة ونهايتها، وهي فروق تؤثر في قدرة الطفل على التفكير, ومن ذلك مثلًا: أن قدرة طفل هذه المرحلة على فهم الأفكار والمفاهيم أكبر بوضوح من قدرة الطفل في المراحل السابقة, ومع ذلك فإن طفل المدرسة الابتدائية قد يواجه صعوبة مع التجريدات التي تقع خارج نطاق خبرته, أو التي لا يدركها بالتمثيل Representaion "أو التصور الذهني".
وعمومًا نستطيع القول أنه باتساع عالم الطفل عند دخوله المدرسة تتزايد أيضًا ميوله, ومع تنوّع ميوله وألعابه يزداد فهمه للناس والأشياء التي لم يكن لها
(1/262)

معنى في المراحل السابقة, ولا يزيد فهمه للبيئة عن طريق التعليم الرسمي الذي يتلقاه في المدرسة فحسب, ولكنه يزيد أيضًا من وسائل الإعلام, وخاصة السينما والراديو والتليفزيون والفيديو, ومن تبادل الأفكار مع أقرانه، ومن قدرته على القراءة, وبالنمو السريع في تكوين مفاهيم جديدة في هذا العمر مع عدم وجود وفرة كافية من المعلومات تقوم بدور المراجعة النقدية على تكوين هذه المفاهيم, تكثر لدى الطفل الأخطاء؛ فكثيرًا ما يخطئ في تقدير الزمن، كما قد يكوّنُ مفهومًا خاطئًا عن الذات إذا قلَّلَتْ الجماعة من قدراته, أو بالغت في تقديرها, وقد يمارس حاسة الفكاهة بشكل فج، وقد يحكم على الشخصية الكلية للآخر في ضوء سمة أو سمتين فقط, وليس في ضوء نمط الشخصية ككل, وبمرور الوقت, وبزيادة الخبرة, يصبح الطفل أكثر نقدًا في تقديراته, ويصاحب ذلك نقصان تدريجي في أخطاء الإدراك.
ومن خبرات الطفل المباشرة يكتشف معنى المكان، وباستخدام المقاييس المختلفة "الأوزان والأطوال" يتعلم معنى الوزن بالجرام والكيلو جرام, والقياس بالسنتيمتر والمتر والكيلو متر, ويساعده العمل المدرسي في الحساب على تكوين أفكار أوضح عن المكان والمسافة, مما لو ترك وحده لخبراته الشخصية. كما أن الأعداد تأخذ معانٍ جديدة عندما يبدأ في استخدام النقود, وحين يبدأ في حلِّ مسائل الحساب, ودراسة التاريخ والجغرافيا, مع التأكيد على عادات وتقاليد وطرق حياة الناس في البلدان الأخرى, وفي عصور مختلفة من التاريخ تزيد من معنى مفهوم الزمن, حتى الجدول المدرسي واليوم المدرسي, وما يصاحب ذلك كالجرس والحصص على فترات منتظمة, تساعد الطفل على تقدير الزمن بدقة أفضل مما كان يفعل في المراحل السابقة.
ومن الخبرات الواسعة في المدرسة يمكن لطفل مرحلة الطفولة المتأخرة أن يكوّن مفاهيم واقعية عن الأشياء الصحيحة, فلم يعد مستساغًا أن يعزو صفات الحياة إلى جميع الأشياء غير الحية, كما كان يفعل من قبل. وبعض الأطفال في هذا السن يواجهون صعوبة التمييز بين ما هو حي, وما فيه صفات حية؛ مثل القمر والنهر. كما أنه يصبح واقعيًّا حول مفهوم الموت ويدرك معناه, إلّا أنه لا يهتم كثيرًا بما بعد الموت, ويعود هذا إلى عدم اهتمامه عمومًا في هذا السن بالدين كموضوع شخصي, ويزداد مفهوم الذات وضوحًا عندما يرى الطفل نفسه في عيون المعلمين والأقران, وليس في عيون الوالدين فقط, ويستفيد أيضًا في توضيح مفهومه عن ذاته بالمقارنة بين قدراته الآخرين من زملائه, ويصبح واعيًا بالفروق الجنسية, والأدوار الجنسية التي هي بطبيعتها جزء من مفهوم الذات.
(1/263)

النمو الاجتماعي:
يحدث في هذه المرحلة نموّ اجتماعي سريع؛ حيث ينتقل الطفل بسرعة من كائنٍ متمركزٍ حول ذاته أناني, تتميز تصرفاته الاجتماعية بالصراع الدائم, إلى كائنٍ متعاونٍ وعضوٍ متوافقٍ في جماعة اجتماعية تتكون مع أقرانه, وإذا أردنا أن تتضح لنا معالم النمو الاجتماعي في هذه المرحلة نجري مقارنة سريعة بينها وبين المرحلة السابقة, وخاصة فيما يتعلق بنمو الحاجة للارتباط بالآخرين.
إن المشاعر الجماعية لدى أطفال سن ما قبل المدرسة "الطفولة المبكرة" ليست قوية, ولذلك فإنهم لا يبذلون جهدًا للامتثال للمعايير التي يضعها الكبار لهم, والأطفال في هذا السن لا يكونون شبكة وثيقة من العلاقات تؤلف جماعات يمكن تناولها بالبحث, وحينما يوجدون معًا يكونون أقرب إلى "تجمعات من الأفراد" أكثر من كونهم "جماعات حقيقية", ومن المعروف أن العلاقات التي يكوّنها الشخص مع الآخرين تستخدم كؤشر مبدئي على مستوى النضج الانفعالي والاجتماعي الذي يصل إليه. وفي هذا الصدد نجد أن اتجاهات الرضيع أو الطفل الصغير تكون -كما أشرنا في الفصلين السابقين- متمركزة حول الذات، واهتمامه بالآخرين يقتصر على آثار اتجاهاتهم وسلوكهم في شعوره بالراحة، وعلاقته بوالديه هي علاقة شخص صغير يطلب الانتباه والحب والرعاية والحماية, وهو في الأساس يأخذ أكثر مما يعطي, وحينما يلعب مع الأطفال الآخرين يظهر تمركزه حول الذات في قاعدة "كل ما عندهم هو لي, وكل ما لي هو لي أيضًا". وبالطبع يحاول أبواه وإخوته ورفاق اللعب الأكبر والأكثر نضجًا أن يساعدوه على أن يتعلم المشاركة والقيام بدور محدد، إلّا أنه قد يتعلم هذا السلوك الذي يدل على التطبيع الاجتماعي؛ كنوع من المساومة تجنبًا للقلق الذي يعانيه حينما يعارض الوالدان سلوكه المتمركز حول الذات, وربما تعمل هذه العوامل جميعًا وغيرها في وقت واحد, ومهما كان السبب, فإن الطفل حينما يصل إلى نهاية سنوات ما قبل المدرسة "أي: في حوالي سن السادسة" يصبح أكثر اهتمامًا بحقوق ومشاعر ورفاهية الوالدين ورفاق اللعب، إلّا أن ذلك يكون في حده الأدنى؛ لأن الطفل لا يزال في موقف المتلقي أكثر من موقف المعطي, ومع ذلك فإن هذا التغير يمثل اتساعًا لمدى حياته العاطفية والاجتماعية.
أما عن علاقات الطفل بالآخرين في مرحلة الطفولة المتأخرة, فلا شك في أن المدرسة هي أهم وسيط للتطبيع الاجتماعي في هذه المرحلة؛ فالمعلمون يشجعون عن وعيٍ وقصدٍ أنواعًا كثيرة من السلوك الجماعي من خلال أمور مثل اللعب
(1/264)

الجماعي والدراسة الجماعية والنشاط الجماعي وغيرها, وتحقيق هذا الهدف يتطلب في الطفل كثيرًا من المهارات والنضج, لذلك فإن الأطفال يتقدمون في ذلك بدرجات بطيئة؛ فخلال الصفوف الأولى من المدرسة الابتدائية نجد أن أفضل تنظيم اجتماعي هو علاقة زميل اللعب, والتي قد تتكوّن بشكلٍّ فجٍّ في مرحلة مبكرة خلال مرحلة الحضانة "الطفولة المبكرة".
وهذه الظاهرة من ظواهر النمو الاجتماعي "أي: علاقة زميل اللعب" تظهر بوضوحٍ في مرحلة الطفولة المتأخرة, عندما يريد الطفل أن يشاركه في خبراته شخص آخر يمكنه أن يتواصل معه بسهولة وسرعة, فلم يصبح قانعًا أن يقضي كثيرًا من الوقت يلعب وحده, أو يراقب الأطفال أثناء اللعب, كما أنه لا يريد أن يقضي وقتًا أطول مع الكبار، وخاصةً إذا علمنا أن مرحلة الطفولة المتأخرة هي فترة استكشاف الأشياء والأشخاص والأحداث الموجودة في العالم خارج المنزل، وهنا تظهرحاجته إلى زميل اللعب.
تكوين جماعات الأطفال: مع تركيز المدرسة الابتدائية على السلوك الاجتماعي ينمو طفل هذه المرحلة نموًّا سريعًا من الوجهة الاجتماعية، ويتحول بسرعة من فردٍ أنانيٍّ متمركزٍ حول الذات, تتسم علاقاته الاجتماعية بالصراع والعراك المستمر, إلى عضوٍ متعاونٍ جيد التوافق مع جماعة اجتماعية تتألف من الأقران في نفس السن.
ويحدث في هذه المرحلة أيضًا تغير في أنماط السلوك؛ حيث يحل السلوك الأكثر نضجًا محل السلوك غير الناضج في المرحلة السابقة؛ فالخلفة "أو المعارضة المستمرة" تتناقص حدتها مع بلوغ الطفل سن السادسة، رغم أن الأطفال الذكور يصلون إلى قمة أخرى للمخالفة عند بلوغ سن العاشرة أو الحادية عشرة؛ حيث يتمردون على سلطة الكبار؛ كطريقة لتأكيد دورهم الجنسي, وهكذا يصبح طفل المدرسة الابتدائية غير قانع باللعب منفردًا، أو العمل مع أفرد أسرته وحدهم, بل إن وجود زميل واحد للعب، بل وزميلين لم يعد كافيًا. إنه يحب أن يكون وسط "شلة" من الأطفال، يؤلفون جماعة من عدد كافٍ من الأفراد, يمكنها أن تمارس الألعاب المناسبة لهذ السن, وطوال الفترة التي تمتد من دخول المدرسة الابتدائية, وحتى البلوغ الجنسي, تتزايد تدريجيًّا لدى الطفل الرغبة في الانتماء إلى جماعةٍ, والحصول على تقبلها الاجتماعي له, ويصدق هذا على كلٍّ من البنين والبنات. ومن مؤشرات هذه الرغبة المتزايدة زيادة الوقت الذي يقضيه الطفل خارج المنزل مع نموه المتزايد.
(1/265)

وشِلَلُ الأطفال في هذه المرحلة هي جماعات لعب, وتختلف عن شِلَلِ وعصابات المراهقين التي سنتناولها بالتفصيل فيما بعد، في أنها لا تتجاوز حدود اللهو "البريء", صحيحٌ أن الأطفال وهم يمارسون هذا "اللهو" البريء قد يقعون في بعض الأخطاء, إلّا أنها تكون في العادة "غير مقصودة", على عكس "أخطاء المراهقين" التي تكون في الأغلب مقصودة, وتتألف شِلَلُ الأطفال في هذه المرحلة من أفرادٍ من نفس الجنس لا يتجاوز عددهم في البداية "في الفترة من 5-8سنوات" ثلاثة أو أربعة أطفال, فمن الصعب على الطفل في هذه الفترة أن يركِّزَ على علاقات الجماعات الكبيرة طويلًا، ويشعر بالراحة أكثر إذا عمل ولعب في جماعات صغيرة, وحين يلعب أطفال هذه الجماعات الصغيرة معًا وحاول طفلٌ آخر أن ينضم إليهم, فإن الجماعة الأصلية تعترض على ذلك, إلّا أن هذا الطفل سرعان ما يؤلِّفُ مع طفلين أو ثلاثة آخرين جماعة أخرى, وهذه مرحلة طبيعية وعادية في النمو الاجتماعي, ومن العبث أن يفرض الوالد أو المعلم على جماعات الأطفال طفلًا آخر لينضمَّ إليها, وبعض هذه الجماعات يكون على درجة لا بأس بها من الاستقرار, فقد تستمر لأشهر أو سنوات، وبعضها الآخر وقتيّ, ويختلف ذلك تبعًا لتوافر الزملاء واهتمامهم, إلّا أنه مع زيادة الاهتمام بالألعاب الرياضية يتسع نطاق "الشلة"؛ بحيث يصبح عددها كافيًا لتشكيل فريق, ومن الملاحظ بصفة عامة أن جماعات الذكور تكون أكبر عددًا من جماعات الإناث, ويتأثر حجم الجماعة في كل حالة بالعدد المتاح من الأطفال, والأنشطة التي يرغب أعضاء الجماعة في ممارستها.
ومعظم شِلَلِ الذكور تقوم في بعض الأحيان بأنشطة ليست مرغوبة من الكبار، بينما يقل حدوث ذلك في شِلَلِ الإناث, وبالطبع تختلف أنشطة شِلَلِ الأطفال من الجنسين من ثقافةٍ لأخرى، ومن ثقافةٍ فرعيةٍ لأخرى داخل المجتمع الواحد, كما تختلف تبعًا للمستوى الاقتصادي والاجتماعي, ومع ذلك يوجد قدر من التشابه بين هذه الجماعات، فشِلَلُ الأولاد تنشغل عادةً بالأنشطة الرياضية العنيفة "مثل كرة القدم", بينما تنشغل شِلَلُ البنات بالأنشطة الرياضية الأقل عنفًا "مثل التنس", وبينما قد تمارس جماعات الذكور هواية "إزعاج الآخرين", تقتصر أنشطة جماعات الإناث على مجرد الجلوس معًا والتحدث بعضهن إلى بعض.
وعادةً ما يكون لشِلَّةِ الأطفال مكان محدد للالتقاء, ويكون هذا المكان عند الذكور بعيدًا كلما أمكن عن رقابة الوالدين وتدخلهم، بينما يكون عند الإناث بيت إحداهن تتوافر فيه المساحة والحرية التي تسمح لهن بالنشاط.
(1/266)

ولجماعات الأطفال أثر كبير في أفرادها؛ فالطفل يساير المعاير التي تحددها هذه الجماعة إلى درجة أننا نجد الأطفال من شِلَّةٍ معينةٍ يتشابهون في المظهر والآراء وأنماط السلوك, وكل طفل يحاول الالتزام بهذه المعايير خوفًا من رفض الجماعة له، وحين تتعارض معايير الوالدين مع معايير الجماعة, فإن الطفل يساير معايير جماعته.
ومن خلال علاقات الطفل مع أعضاء شِلَّتِِهِ يتعلم التنافس والتعاون مع الآخرين كعضوٍ في فريق، ويتحمَّل المسئوليات التي تًوَكَّلُ إليه، ويشارك الآخرين مشاعرهم حين تُسَاءُ معاملتهم, أو يُنْبَذُونَ, أو يُهْمَلُونَ، وتغلب عليه تدريجيًّا الروح الرياضية, سواء في الفشل أو النجاح, وفي هذا كله تدريب على التطبيع الاجتماعي لا يوفره للطفل إلّا وجوده وسط جماعاتٍٍ اجتماعية من أقرانه. وآثار هذا التدريب لها قيمتها في حياة الطفل اللاحقة, حتى ولو كان ذلك على حساب بعض الاضطراب الذي يحدث في علاقة الطفل بوالديه.
الصداقة في مرحلة الطفولة المتأخرة: يُفَضِّلُ الأطفال في هذه المرحلة رفقة الأقران من نفس الجنس, ويصل العداء للجنس الآخر إلى قمته قبيل البلوغ, وتكون اتجاهات الأولاد نحو البنات أكثر موضوعية وحيادًا من اتجاهات البنات نحو الأولاد, وترجع غلبة الطابع الانفعالي على اتجاهات البنات نحو الجنس الآخر إلى شعورهن بالضيق نتيجةً لمقدار الحرية الأكبر الذي يسمح به للذكور دون الإناث, بالإضافة إلى أن النضج الجنسي المبكر للبنات "سن البلوغ عند البنات يسبق هذا السن عن الأولاد" يجعلهن يشعرن بأنهن أكثر نضجًا من الناحية الاجتماعية بمقارنتهن بالأولاد من نفس السن.
وتوجد عوامل كثيرة تحدد اختيار الطفل في هذه المرحلة لأصدقائه, وكقاعدة عامة لُوحِظَ أن الطفل يختار أولئك الذين يدركهم على أنهم يشبهونه, وبسبب حدود المساحة التي يتاح للطفل فيها اختيار أصدقاءه, فإن اختياراته عادةً لا تتجاوز نطاق جيران المنزل أو المدرسة "زملاء مقعد الدراسة أو الفصل", ومن العوامل التي تحدد اختيار الأصدقاء في هذه المرحلة سمات الشخصية, وتحصل سمات المرح والألفة والتعاون والأمانة والكرم والروح الرياضية على أعلى التقديرات عند الأطفال في اختيار أصدقائهم.
وحالما يكوّن الأطفال في هذه المرحلة مجموعة من الأصدقاء يبدأون في معاملة الأخرين بقسوة؛ لأنهم ليسوا أصدقاء, ومعظم معايير الشِّلَّةِ التي يتمُّ الاتفاق عليها, تهدف إلى عدم السماح للآخرين الذين لا يعدون من الأصدقاء بالانتساب
(1/267)

إليها, ويصل هذا التحيز لجماعة الشِّلَّةِ إلى قمته في حوالي سن الحادية عشرة, وعادةً ما يجد أيّ طفل جديد في الحي أو المدرسة صعوبة بالغة في الحصول على تَقَبُّلِ شِلَّةٍ أو تكوين صداقات, وعليه أن يبادر بتكوين علاقاتٍ إذا كان يرغب في الحصول على أصدقاء، ويتمُّ ذلك على مراحل متتابعة: محاولة الكلام أو اللعب مع إحدى هذه الجماعات الموجودة بالفعل، ثم مراقبتهم وهم يلعبون, ومحاولة تقليدهم ومحاكاتهم، ثم محاولة جذب انتباههم إليه, وفي البداية تتجاهله الجماعة أو تهمله، وعليه أن يحاول عدة مرات، فإذا نجح في جذب انتباه أحد أعضاء هذه الجماعة يستطيع من خلال هذه العلاقة الثنائية أن يخترق الجماعة، وقد ينجح في أن يكون له مكان في الشِّلَّةِ.
وعلى الرغم من هذا, فإن الشِّلَّةَ تكون عبارة عن وحدة اجتماعية، يحكمها قدر من السرية يمنع الآخرين من الانضمام إليها بسرعة وسهولة, ومع ذلك يُوجَدُ مقدارٌ كبيرٌ من الصراع والعراك بين أعضائها, وقد يتخاصمون, وبعض هذه الخصومات ينتهي بسرعة وتعود الصداقة إلى مجاريها، وبعضها الآخر ينتهي بالقطيعة, ومعنى ذلك أن من النادر أن تكون صداقات الأطفال استاتيكية؛ فالطفل يتحوَّل في نظر زميله في الشِّلَّةِ من "أفضل الأصدقاء" إلى "عدو"، ومن "أحد الزملاء" إلى "أخلص الأصدقاء", يحدث هذا بسرعة ولأتفه الأسباب, ومع تَقَدُّمِ الطفل في السن تصبح صداقاته أكثر استقرارًا.
القيادة عند طفل المدرسة الابتدائية: قائد شِلَّةِ الأطفال في هذه المرحلة يجب أن تتوافر فيه الخصائص الطيبة التي تحبذها الجماعة, ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الأولاد والبنات في هذه المرحلة يتسمون ببداية نموّ الاتجاه نحو "تقدير البطل"، والذي سيبلغ ذروته في مرحلة المراهقة, ويظهرون هذا الاتجاه نحو أيّ شخص تتوافر فيه الصفات التي يعجبون بها, والطفل الذي يحظى باحترام الشِّلَّةِ, وتتأكد شعبيته بينهم, هو ذلك الذي يكون متميزًا في هذه الصفات عن باقي الأعضاء, ويذكر الأطفال من هذه الصفات خاصةً الذكاء والكياسة والثقة بالنفس والاتزان الانفعالي والقدرة على النشاط البدني والوعي برغبات الآخرين والاهتمام بها والجدارة بالثقة فيه "Hurlock 1980".
وقد يكون الأكثر أهميةً أن يُظْهِرَ القائدُ تميزه وتفوقه بالفعل؛ فالطفل الهادئ المنطوي قد يتجاهله أعضاء الجماعة مهما كان ممتازًا في صفاته, وفي جميع القادة -من الأطفال وغيرهم- لُوحِظَ أن الانبساط هو السمة الغالبة, وبالطبع كلما زاد حجم الجماعة تَطَلَّبَ ذلك في القائد أن تكون مهاراته القيادية أكبر, كما أن الطفل الذي كانت له خبرة سابقة بالقيادة في مرحلة العمر السابقة "الطفولة المبكرة" تتوافر له فرصة أكبر ليكون قائد جماعة في المدرسة الابتدائية.
ومن خصائص القيادة أن تتوافر في صاحبها بين أعضاء جماعته, وقد لُوحِظَ بصفة عامة أن الطفل الأكثر شعبية تتوافر فيه من السمات الإيجابية, ما يجعله على درجة كبيرة من التوافق الشخصي والاجتماعي.
(1/268)

اللعب في مرحلة الطفولة المتأخرة:
على الرغم من أن الطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة لا يتوافر له وقت اللعب الكبير الذي كان متاحًا في المرحلة السابقة بسبب انشغاله بالأعمال المدرسية, إلّا أنَّ اللعب يظل له أهمية في جميع الأنشطة التي يقوم بها الطفل في هذه المرحلة؛ فخصوبة اللعب واتساع نطاقه يصل إلى قمته خلال هذه السنوات, وخاصة مع سعي الطفل المستمر لاستطلاع واستكشاف مجالات وصور جديدة للعب.
وبالطبع, فإن صورة طفل "المدرسة الابتدائية" على أنه أكثر جدية وأكثر انشغالًا بالعمل, هي التي تدفع البعض إلى اعتبار اللعب في هذه المرحلة غير مفيد، بل ومضيَّعًا للوقت, إلّا أن هذا غير صحيح في ضوء النظريات والتفسيرات العديدة التي حاولت فهم قيم ووظائف اللعب في هذه المرحلة, وتشمل هذه النظريات "Bigner 1983" مفهوم اللعب كمتنَفَّسٍ مشروعٍ للطاقة الزائدة عند الطفل "هربرت سبنسر"، وكوسيلة للتعبير عن الانفعالات العميقة من خلال أنشطة مقبولة "سيجموند فرويد", وكخبرة يشعر فيها الطفل بالنمو الاجتماعي "ستانلي هول"، وكوظيفة للاستمتاع والسرور والسعادة "تشارلوت بوهلر", وكإعداد لأدوار الطفل في المستقبل، وخاصة دور الراشد "جروس"، وكعملية تعلُّمٍ تسمح للطفل بتنمية مهارات التفكير "جان بياجيه", ويضيف آخرون إلى هذه الوظائف تنمية الابتكارية وتشجيعها، والتدريب على العلاقات الاجتماعية بين الأشخاص, وغيرها من المهارات الاجتماعية، وبلورة سمات الشخصية ومفهوم الذات, واللعب أيضًا هو وسيلةٌ لخفض التوتر وتنمية الجسم الإنساني, ويزوّد موقف اللعب الأطفال بمعملٍ يمكنهم فيه اختبار قدراتهم في تفاعلها مع البيئة.
وتُظْهِرُ أنشطةُ اللعب في هذه المرحلة التتابعَ الذي بدأ في مرحلة الطفولة المبكرة؛ فأنشطة اللعب الجماعية تتوازى مع التوجه المتزايد لدى الطفل نحو الأقران, وقدرته على التفاعل الفعَّال معهم في موقف جماعيّ, وتظهر قدرة الأطفال على اللعب في جماعات بين سن 5، 8سنوات، ويساير تطور جماعات
(1/269)

اللعب الخطوات التي تناولناها في وصف النموّ الاجتماعي.
ويذكر بعض الباحثين "Bigner 1983" أن نمو اللعب يمر بالمراحل الأربعة الآتية:
أ- الأنشطة البسيطة الحسية الحركية التكرارية.
ب- اللعب الإنشائي أو الاستخدام الابتكاري للمواد.
جـ- اللعب الرمزي والدرامي.
د- الألعاب ذات القواعد.
ويقل في هذه المرحلة النوع الأول من اللعب، ويظهر اللعب الإنشائي والذي يتمثَّلُ في صنع الأشياء كهدف في ذاته دون التفكير في استخدامها الفعلي، ويشيع بين الذكور التركيب باستخدام العدد والآلات، أما البنات فيفضِّلْنَ أنشطة تركيبية أكثر دقة مثل الخياطة, ويتناقص الاهتمام في هذه المرحلة تدريجيًّا بالرسم والتشكيل بالصلصال, ويزيد الاهتمام بالموسيقى والغناء, وتشيع هوايات الجمع "طوابع البريد، العينات، إلخ". أما بالنسبة للألعاب ذات القواعد, فمن المعتاد أن يزداد اهتمام الطفل بها بعد دخوله المدرسة تخلصًا من أنماط اللعب غير المميزة التي تسود في مرحلة الطفولة المبكرة, وحينما يصل إلى سن العاشرة أو الحادية عشرة تكون ألعابه من النوع التنافسيّ، ويتركز اهتمامه على المهارة والتفوق, وليس محض المتعة والسرور.
وفي الأوقات التي لا يستطيع فيها الطفل أن يكون مع أصدقائه يقضي وقت فراغه من العمل المدرسي ومن المسئوليات المنزلية في ممارسة بعض الهوايات، وبالطبع ليس منها اللعب المنفرد, فقد يقرأ "بعد تعلم القراءة في المدرسة", أو يستمع إلى الراديو، أو يشاهد التليفزيون والفيديو، أو يذهب إلى السينما، أو يقضي وقته في أحلام اليقظة.
وما يهمنا أن نشير إليه هنا هو نموّ هواية القراءة عند الطفل, لقد أُجْرِيَتْ دراساتٌ حول ما يفضله أطفال نهاية المرحلة الابتدائية من قصص، ومنها يتَّضِحُ أن الأطفال الأعضاء في جماعات الأقران "أي: أعضاء في جماعات زملاء لعب, وأصدقاء من نفس العمر" كانوا أقلَّ اهتمامًا بقصص الحيوان, وهذه النتيجة لها أهمية خاصة حينما نتذكر أن تفضيل قصص الحيوان وصوره هو خاصية من خصائص سلوك الأطفال الصغار, وبعبارة أخرى: يمكن أن نعتبره مؤشرًا للنضج السيكولوجي, ومعنى ذلك أن الأطفال الذين كانت لديهم القدرة على الاستقلال بأنفسهم في جماعاتٍ خارج الأسرة, يميلون إلى أن يكونوا أكثر نضجًا من أولئك الذين ليست لديهم القدرة على تكوين هذه العلاقات, كما تأكَّدَ أيضًا أن الفروق كانت أوضح عند البنات منها عند الذكور, وأن عدد البنات في هذا السن اللاتي فضَّلْنَ قصص الحيوان كُنَّ أقل من البنين, وهذا يعني أن البنات عند نهاية المرحلة الابتدائية يَكُنَّ أكثر نضجًا من الذكور من نفس العمر.
(1/270)

النمو الانفعالي والوجداني:
يكتشف طفل مرحلة الطفولة المتأخرة أن التعبير العنيف عن الانفعالات, وخاصة الانفعالات غير السارة, سلوك غير مُحَبَّذٍ اجتماعيًّا لدى أقرانه؛ فهم يعتبرون الانفعالات الحادة سلوكًا "طفوليًّا", واستجابة الانسحاب عند الخوف نوعًا من الجبن, وعلى ذلك يكون لدى الطفل دوافع قوية ليتعلَّم التحكم في التعبيرات الصريحة عن الانفعالات, إلّا أن مثل هذه الدوافع لا يكون عادةً قويًّا داخل المنزل, ولهذا كثيرًا ما نجد الطفل يعبر عن انفعالاته في البيت بقوةٍ كما كان يفعل في مراحل نموه السابقة, وعادةً ما تكون التعبيرات الانفعالية في هذه المرحلة من النوع السارِّ؛ كالضحك والقهقهة والجري والقفز والارتماء على الأرض, ورغم أن هذه التعبيرات الانفعالية "ليست ناضجة" بمعايير الكبار، فإنها تدل على أن الطفل سعيد ومتوافق, إلّا أن انفعالات الطفل في هذه المرحلة ليست كلها من هذا النوع، فقد تحدث حالات تقلب المزاج، وقد يعاني الطفل من القلق أو الإحباط, وعادةً ما تلجأ البنات إلى البكاء، أما الأولاد فََيَقِلُّ في هذا السن لجوؤهم إلى البكاء, ويظهرون بدلًا منه العبوس وتقطيب الجبين, والطفل الذي يشعر بأن لا مكان له في المدرسة -إما لأنه شديد التفوق أو شديد التخلف- والذي تكون بيئته الأسرية مقيدة لنشاطه, والذي يتوقع منه الآباء أكثر مما يستطيع، أو الذي تكون مستويات طموحه غير واقعية -وبالتالي يفشل- قد يعاني من الانفعالات غير السارة, وقد يؤدي إلى توافق سيئ في المنزل والمدرسة.
والانفعالات الشائعة في هذ السن هي نفسها التي نجدها في مرحلة الطفولة المبكرة, إلّا أنها تختلف عنها في ناحيتين هما: طبيعة الموقف الذي يستثير الانفعالات, وصور التعبير عن هذه الانفعالات, وهذه التغيرات ناتجة عن اتساع خبرات الطفل, وتعلمه أكثر من أن تكون ناتجة عن زيادة النضج الفسيولوجي, فزيادة ذكاء الطفل واتساع خبراته يؤديان به إلى أن يفسِّرَ المواقف تفسيرات مختلفة عما كان يحدث في المرحلة السابقة، وبالتالي يستجيب لها استجابات مختلفة ناتجة عن اتصاله بأشخاص أكثر خارج نطاق الأسرة، مما يساعد على
(1/271)

اكتشاف كيف يشعر الناس المختلفون إزاء التعبيرات الانفعالية المختلفة, وسعيًا للحصول على التَّقَبُّلِ الاجتماعي يحاول أن يتعلَّم مسايرة هذه الأنماط الاجتماعية المقبولة للتعبير الانفعالي.
وأشهر الانفعالات في هذه المرحلة هي الخوف والغضب والغيرة والاستطلاع والسرور.
وبالنسبة لانفعال الخوف نلاحظ أنه في الوقت الذي تتناقض فيه المخاوف المستثارة من الأشياء المحسوسة, تزداد المخاوف من الأشياء المتخيلة ومن ذلك الظلام وما يرتبط به "كالجن والعفاريت"، والموت وما يرتبط به, وتظهر أنواع جديدة من المخاوف مثل: الخوف من أن يوصف الطفل بأنه "مختلف" عن أقرانه, فيتعرض للسخرية منهم, والخوف من الفشل في المهامِّ التي يقوم بها, وحتى لا تبدو عليه أعراض الخوف أمام أقرانه فيسخرون منه, يحاول الطفل في هذه المرحلة أن يتجنب قدر الإمكان أن "يُضْبَطَ متلبسًا بحالة الخوف".
وعلى الرغم من أن الخوف انفعالٌ طبيعيٌّ عند الإنسان, إلّا أنه قد يتحول إلى خوفٍ مرضيٍّ أو رهاب "فوبيا" إذا زاد عن حدِّه, أو كان غير واقعيٍّ, أو غير مسيطر عليه؛ بحيث يستدعيه أو يستثيره موضوع أو موقف بذاته. وقد أُجْرِيَتْ دراسةٌ حديثةٌ قامت بها مها فؤاد أبو حطب "M Abou Hatab 1995" للحصول على الماجستير في الطب النفسي للأطفال Child Psychiatry لتحديد المخاوف المرضية الشائعة لدى أطفال المدرسة من سن 8-14 سنة من الجنسين, ومن المستويات الاقتصادية الاجتماعية المختلفة, وكانت عينة الدراسة مؤلفة من 460 طفلًا في المدى العمرية المشار إليه، من الجنسين "206 من الذكور، 254 من الإناث" من تلاميذ المدارس الابتدائية والإعدادية بمحافظة القاهرة, وكشفت الدراسة عن أن الأطفال من مختلف الأعمار يظهرون مخاوف مرضية من أشياء كثيرة؛ منها الظلام والأحلام المفزعة والكوابيس والموت والعقاب والامتحان والمدرسة, وعلى الرغم من وجود اختلافات بين الجنسين وبين المستويات الاقتصادية والاجتماعية في نوعية المخاوف, إلّا أن الجميع اتفقوا على الخوف من المدرسة والخوف من الامتحان, وهذه نتيجةٌ تستحق أن يضعها المربون في مصر موضع الاعتبار, حتى لا تصبح المدرسة مصدرًا للاضطراب النفسي للأطفال.
وتظهر بوادر القلق في هذه المرحلة, وأهم مصادر القلق المشكلات المدرسية, والمشكلات المرتبطة بالتوافق الشخصي والاجتماعي والمشكلات الصحية, ويتغلب قلق المدرسة على غيره من مصادر القلق، وأشهر أنواعه قلق الاختبارات، والقلق
(1/272)

من التأخير عن المدرسة، والقلق من التخلف الدارسي, وبصفة عامة, فإن الأشياء التي تسبب للطفل القلق هي تلك التي لها أهميتها عند الوالدين أو عند جماعة الأقران, ويعتمد ذلك على النظام القيمي لدى كلٍّ منهما, ويزداد القلق العام لدى الطفل الأقل تقبلًا من أقرانه, وبصفة عامة يمكن القول أن القلق لدى البنات أكثر حدوثًا من البنين, ويزداد القلق مع نموِّ الطفل وزيادة الضغط عليه.
أما بالنسبة للغضب: فإنه أكثر حدوثًا في هذه المرحلة من المرحلة السابقة؛ لأن طفل المدرسة الابتدائية لديه رغبةٌ أقوى في الاستقلال, وهذه الرغبة كثيرًا ما تتعرض للإحباط, ويشعر طفل هذه المرحلة بالغضب أيضًا حين يقاطع أثناء اندماجه في أداء أحد الأنشطة، أو حين يتعرض للنقد، أو حين تُجْرَى مقارنة غير عادلة بينه وبين غيره من الأطفال, كما يشعر بالغضب حين يُعَاقَبُ أو يُلَامُ على عملٍ يفعله، وحين يرى شخصًا يغش أو يظلم الآخرين، أو حين يُتَّهَمُ بالكذب.
وبالنسبة لانفعال الغيرة: يلاحظ أن الطفل الذي يشعر بالغيرة من إخوته داخل المنزل, قد ينقل هذا الشعور إلى زملاء الفصل, وخاصة الذين يظهرون التفوق عليه, أو الشعبية دونه بين التلاميذ.
أما عن انفعال الاستطلاع: فيتسم في هذه المرحلة بأنه أقلّ قوةً من المرحلة السابقة, وقد يرجع ذلك إلى أن معظم البيئة من حوله أصبحت مألوفة له, فإذا ظهرت في هذه البيئة أشياء جديدة, أو إذا أصبحت الأشياء الممنوعة في الماضي موضع اهتمامه في هذه المرحلة "كاللعب بالكبريت أو إشعال موقد الغاز", فإنها تستثير الاستطلاع فيه من جديد, ويستخدم في الاستطلاع طرقه السابقة؛ فهو يفحص الأشياء للكشف عن غموضها، وقد يفكها ليعرف كيف تعمل, وبالإضافة إلى هذا الاسكتشاف المباشر يلجأ طفل هذه المرحلة إلى الأسئلة لمزيد من المعرفة, وحين يصل الطفل إلى الصف الثالث الابتدائي يلجأ إلى القراءة, ومنذ ذلك الحين تزداد أهمية القراءة كمصدر للمعلومات, ولا يحب الطفل في هذه المرحلة أن يُقَبِّلَهُ أحد الوالدين أو يحتضنه وخاصة في وجود الآخرين, ويرفض أن ينادى باسم "الدلع". وبدلًا من ذلك يظهر الطفل مشاعره بشكل غير مباشر عن طريق البقاء مع من يحب, وأن يؤدي الأشياء التي يطلبونها منه، وأن يساعدهم قدر الإمكان, وتكون لديه شخصايته المفضلة بين الإخوة ورفاق اللعب وبين الوالدين.
ويظهر الطفل انفعال السرور والفرح بالابتسام والضحك, ويزداد اهتمامه باللعب بالألفاظ وتذوق الفكاهة, وفي هذه المرحلة تنتاب الطفل فترات من الانفعالية العنيفة, وهي فترات عدم التوازن الناتج عن عدم الاهتمام به أو عن بعض الصعوبات التي يواجهها.
(1/273)