Advertisement

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين 002



الكتاب: نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين
المؤلف: آمال صادق - فؤاد أبو حطب
الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية
الطبعة: الرابعة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] النموّ الخلقي:
يُولَدُ الحسّ الخلقي لدى طفل المرحلة السابقة "الطفولة المبكرة", حين يدرك أن أنماطًا سلوكية معينة تُصَنَّفُ على أنها صواب أو جيدة وتثاب, وأخرى خطأ أو سيئة وتعاقب, ومع نمو الطفل يؤلّفُ السلوك الخلقي مجموعة معقدة من الأفكار والقيم والمعتقدات.
وفي مرحلة الطفولة المتأخرة يواجه الطفل أحد التحديات الهامة في حياته, وهو تنمية الضمير واكتساب قيم المجتمع التي يعتبرها هامَّة في ضبط السلوك, ويرى كولبرج "راجع الفصل الخامس" أن النمو الخلقي في هذه المرحلة له مستويان: أحدهما يظهر في أواخر الطفولة المبكرة ويستمر معظم مرحلة الطفولة المتأخرة, وهو الذي يسميه مستوى ما قبل العرف والتقاليد "أو ما قبل الأخلاقية", ويسود خلال الفترة من 4-10 سنوات, أما المستوى الثاني: فهو مستوى الالتزام بالعرف والتقاليد أو مستوى المسايرة.
ويتأثر النظام الأخلاقي في هذه المرحلة بمعايير الجماعة التي ينتمي إليها الطفل, وهذا لا يعني أنه يرفض معايير الأسرة لصالح الشِّلَّةِ، وإنما يعني ببساطة: أنه لو كان عليه أن يختار فإنه يقبل معايير جماعة الأقران حين يكون مع الجماعة؛ كوسيلة للحصولِ على مكانة فيها, فإذا حدث أن الجماعة ككلٍّ تحبِّذُ نمط السلوك الذي يتعارض مباشرةً مع معايير الكبار, فإن الطفل يساير الجماعة.
ولم تَعُدْ المفاهيم الأخلاقية عند الطفل ضيقة أو محدودة, كما كان الحال في المرحلة السابقة, إنه يعمِّمُ بالتدريج المفاهيم؛ بحيث تشير إلى أيِّ موقف مشابه, وليس إلى موقف بذاته, فقد يتعلم أن السرقة سلوك خاطئ بصرف النظر عَمَّا إذا كان الأمر يتصل بسرقة النقود أو ممتلكات الآخرين أو عملهم, كما هو الحال في الغش, وكذلك يعتبر الطفل الكذب سلوكًا خاطئًا, سواء كانت الكذبة تقال للوالد أو المعلم أو زميل الفصل, ونتيجةً لذلك يقلّ سلوك الكذب عنده إذا قورن بالمرحلة السابقة "معظم الكذب في المرحلة السابقة من نوع التخيل".
وبوصول الطفل إلى نهاية مرحلة الطفولة يقترب نظامه الأخلاقيّ من مستوى الرشد، ويتفق سلوكه مع معايير الكبار, ويُلاحَظُ أن الأطفال ذوي الذكاء المرتفع يكونون أكثر نضجًا في أحكامهم الخلقية وسلوكهم الخلقي من ذوي الذكاء المنخفض, وأن الإناث بصفة عامة أكثر نضجًا من الوجهة الأخلاقية من الذكور.
(1/274)

ويعتمد نظام التدريب الخلقيّ على العناصر الثلاثة المتضمنة فيه, وهي: تعليم المفاهيم الأخلاقية, وعقاب السلوك الخاطئ المتعَمَّد، وإثابة السلوك الصائب، مع شيءٍ من التعديل يلائم الحاجات النمائية لأطفال هذه المرحلة. فالتعليم يجب أن يهتم بشرح الأسباب التي تؤدي إلى الحكم على بعض صور السلوك بأنها مقبولة أو مرفوضة, وطبيعة المكافأة أو الإثابة يجب أن تتفق مع المستوى العمريّ والنمائيّ للطفل, فمكافآت المرحلة السابقة قد لا تصلح مع طفل المدرسة الابتدائية, وتكون الغلبة للمكافآت اللفظية بدلًا من المكافآت المادية التي تصلح لمرحلة الطفولة المبكرة, وينطبق هذا المبدأ على أساليب العقاب, ومع ذلك, فإن من الملاحظ أن العقاب البدنيّ أكثر شيوعًا في المستويات الاقتصادية الاجتماعية الدنيا, وهو أسلوب أقل فعالية في تكوين الضمير أو الضبط الداخلي, أما الأطفال الذين يعاقبون لفظيًّا فإنهم لا يلجأون إلى أسلوب كبش الفداء؛ كالذين يعاقبون بدنيًّا، وقد يعانون من مشاعر الذنب والعار التي تُعَدُّ بداية تكوين الضمير.
(1/275)

نموّ الشخصية:
الأزمة الجوهرية التي يواجها الطفل في طور التمييز "طور المرحلة الابتدائية" هي تلك التي يسميها إريك إريكسون: أزمة الإنجاز والكفاءة في مقابل الشعور بالنقص، ولعلنا نذكِّرُ القارئ بأن هذا الطور هو الذي يقابل ما يسميه فرويد: "مرحلة الكمون"؛ فالطفل في هذا الطور يريد أن ينشغل بأنشطة كثيرة تحظى بانتباهه واهتمامه، كما يريد أن يمارسها مع أقرانه, ويرى إريكسون أن أطفال المدرسة الابتدائية يحتاجون إلى بعض اللعب واللعب الإيهامي, كما أنهم يستمتعون بهذا النشاط، ولكنهم يشعرون بعدم الرضا إذا بُولِغَ في هذا النشاط, ويرغبون في القيام بعمل "مفيد". إنهم يودون الحصول على التقدير من خلال إنتاج شيءٍ ما، وإحراز الرضا من خلال إكمال عملٍ ما بمثابرة واضحة, ومعنى ذلك: أن الطفل يجب أن يصبح قادرًا على القيام بالأعمال وصنع الأشياء بدرجة كافية من الجودة قد تصل إلى حَدِّ الكمال كما يراه, فإذا لم يشعر بالإنجاز فإن ذلك يقوده إلى تنمية مشاعر النقص وعدم الكفاءة, ومسئولية المعلمين في هذه المرحلة هي تهيئة خبرات نجاحٍ لكل طفل، ويَتَطَلَّبُ ذلك معرفة إمكاناته والتحكم في بيئته, إلّا أنّ ما يحذر منه إريكسون أن يصبح الإنجاز غاية في ذاته، إنه حينئذ يصبح معوقًا للنمو اللاحق للفرد.
ولهذا فإنه لو استطاع الكبار أن يقدموا للطفل بعض الأعمال والمهام التي يستطيع إنجازها, والتي يعتبرها جذابة وذات قيمة، ولو استطاع الكبار أن يقدموا له
(1/275)

التوجيه اللازم لإكمال الأعمال وإتقانها, تكون لديه فرصة أفضل للخروج من مرحلة الكمون بشعور صحيٍّ بالكفاءة والمهارة, إلا أن الطفل الذي لم يحل حلًّا مناسبًا الأزمة السابقة، أو الطفل الذي لم تهيؤه أسرته جيدًا لحياة المدرسة، فإن هذه المرحلة تُحْدِثُ فيه شعورًا عكسيًّا، أي: الشعور بالعجز والنقص وعدم الكفاءة. وتنشأ مشاعر النقص أيضًا إذا كان ما تعلمه الطفل وأتقنه يعتبره المعلمون والأقران في الفصل غير ذي أهمية وقيمة.
وعلى الرغم من أن هذا التحدي يُعَدُّ الاهتمام الرئيسي للأطفال خلال هذه المرحلة, فإنه توجد مهام نمائية إضافية تتم فيها أيضًا، وهذه المهام تؤدي إلى استكمال الشعور النامي بالذات، وإنجاز هذه المهام يعين على تنمية مفهومٍ صحيحٍ للذات.
والشعور بالواجب والإنجاز والدأب الذي يتحدث عنه إريكسون, هو نتيجة للخبرات الناجحة التي يمر بها طفل هذه المرحلة, وهذا الاتجاه يمكن وصفه بطرق مختلفة منها ما يلي:
أ- اتجاه موجب نحو العمل.
ب- إتقان المهارات العقلية أو الاجتماعية التي تتوقع الثقافة من الأطفال في هذا السن أن يكتسبوها.
جـ- القدرة النامية على تحمُّل الشخص لمسئوليات أفعاله وسلوكه.
وباتساع العالم الاجتماعي للطفل بدخوله المدرسة, تبدأ عوامل لها أهميتها في التأثير على نموّ شخصيته؛ فمفهومه للذات يصبح في حاجةٍ إلى التعديل, لقد كان الطفل طوال الفترة السابقة من حياته يرى نفسه من خلال والديه فقط، ولهذا فإن مفهومه للذات قد لا يخلو من التحيز, والآن أصبح يرى نفسه من خلال معلميه وزملائه في الفصل والمدرسة وجيرانه, بل إن والديه أصبحا يستجيبان له بطريقة مختلفة أيضًا, ولأن اتجاه الطفل نحو ذاته يتأثر باتجاهات الأشخاص المهمين نحوه, فإن مفهومه لذاته يتكوَّن من تقديراتهم له, وأحكامهم عليه؛ فإذا كانت هذه التقديرات والأحكام إيجابية, يتكون لدى الطفل مفهوم إيجابي للذات لتقديرات الآخرين له مختلفًا عن تقديراتهم الحقيقية, ومع ذلك يقوم مفهومه لذاته على إدراكه هو لهذه التقديرات والأحكام, وليس على أساس حقيقتها, ولعل هذا ما يجعل الذات لها طبيعة فينومينولوجية "أي: على أساس الإدراك الشخصي أو الذاتي, وليس
(1/276)

الواقع الموضوعي", وطفل هذه المرحلة يميل إلى التفكير في نفسه كفردٍ متميزٍ ومختلف عن الآخرين, ولا تكون لديه أفكار واضحة ومحددة عن قدراته ونواحي قصوره, كما لا يكون متأكدًا من الطريقة التي يتقبله بها الآخرون, وبسبب هذه المشاعر الخاصة بانعدام الأمن يحاول الطفل أن يتَّبِعَ النمط المقبول لدى الجماعة التي ينتمي إليها, ويشكل نفسه في هذا النمط تشكيلًا كبيرًا قدر الإمكان.
وحين تقترب هذه المرحلة من نهايتها, ويبدأ الطفل في تقدير البطولة كما تتمثَّل في الشخصيات التاريخية أو نجوم المسرح أو السينما أو عالم الألعاب الرياضية أو القادة السياسيين, يبدأ في تكوين مفهوم الذات المثالية، أي: نوع الشخص الذي يجب أن يكون عليه, وفي البداية يكون هذا المثل الأعلى منمطًا على أساس ما يوجد في عالمه الواقعي من آباء ومعلمين وغيرهم ممن هم في بيئته المباشرة, ولكن مع اتساع آفاقه تمتد مثله العليا ويصبح بعض الأشخاص الذين لا يعرفهم, ولكن يسمع عنهم أو يقرأ حولهم, هم نواة هذه الذات المثالية.
ولأن الطفل في هذه المرحلة يقضي وقتًا أطول مع الأطفال الآخرين, فإنه يكون أكثر وعيًا بوجود بعض صفات الشخصية التي يقدِّرُها الأطفال الآخرون, ووجود صفات أخرى لا يحبونها. وبالطبع لكلِّ جنسٍ من الجنسين قائمة الصفات التي يقدرها, ويؤدي ذلك إلى تكوين عادات معينة ترتبط بجنس الطفل, وبذلك تلعب ضغوط الجماعة دورًا هامًّا في تشكيل شخصية الطفل، فيسعى إلى بناء شخصيته بالصورة التي تقبلها الجماعة على أمل أن يكسب الاعتراف والتقبل اللذين يسعى إليهما.
وتتغير بالطبع المثل العليا لسمات الشخصية المقبولة بالتقدم في العمر, كما توجد فروقٌ في هذه السمات حسب المستوى الاقتصادي الاجتماعي, ومع ذلك توجد بعض السمات المشتركة؛ ففي جميع الفئات الثقافية نجد أن من المستحب أن يكون الولد أكثر عدوانية من البنت, كما أن الفروق الثقافية تتضح في درجة نمو المسئولية لدى الطفل, ومع التقدُّمِ في العمر, فإن شخصية الطفل تصبح أقل مرونةً وأكثر ثبوتًا في نمط محدد. وفي بداية حياة الطفل داخل المدرسة تظهر أعراض بعض اضطراب الشخصية, وقد تتزايد هذه الأعراض وتزداد سوءًا ما لم تُقَدَّمُ خدماتٌ علاجية, والصور الشائعة لأنماط الشخصية التي تنبئ باضطرابات في المستقبل هي ما يتميز بالانسحاب والاستثارة الشديدة ورفض السلطة ومقاومتها والاكتئاب المزمن والقلق المستمر.
(1/277)

دور المدرسة في طور التمييز:
طور التمييز -في الإطار الإسلامي- هو طور التأديب والتهذيب والتعليم المنظم, صحيحٌ أن كثيرًا من الأطفال في الوقت الحاضر يتعرضون لنوعٍ من التعليم المنظَّم في طور الحضانة "السابق على التمييز", إلّا أن فلسفة تعليم الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة مختلفة ومتميزة عن تلك التي توجه المدرسة الابتدائية، وهذا يجعل خبرة الطفل مع هذه المدرسة خبرةً جديدةً حقًّا, ولعلنا نعيد الإشارة هنا إلى أن برامج دور الحضانة ورياض الأطفال يجب أن تعتمد على خبرات اللعب عند الطفل, وتركز برامجها حول حاجاته, وهذا الأسلوب من التعليم غير الرسميّ الموجَّه ذاتيًّا, يختلف عن التعليم المنظَّم الموجَّه بأهدافٍ تربويةٍ تعليميةس واضحةٍ في المدرسة الابتدائية.
والسن الذي تحدده معظم النظم التعليمية الحديثة لدخول المدرسة الابتدائية، هو سن السادسة, وقد اقتبست معظم نظم التعليم في بلادنا العربية والإسلامية هذا المحك, وقد اعتمد ذلك على نتائج البحوث المبكرة التي ظلت لفترة طويلة تؤكد على السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل باعتبارها مرحلة متميزة, تختلف عما يليها من سنوات الطفولة, إلّا أن نتائج بحوث النموّ الراهنة تؤكد لنا أن العمر الأكثر ملاءمة لتلقي التعليم المنظَّم هو سن السابعة, ويؤكد ذلك ما أوردناه في الفصل الحالي من شواهد من النموّ الجسمي والعقلي والمعرفي والاجتماعي والانفعالي وغيرها, وإذا عدنا إلى شريعتنا الإسلامية الغرَّاء سوف نجد أن سن السابعة -بإجماع الفقهاء- هو سن التمييز, وفي هذا دلالات إعجاز علمي جديد لشريعتنا السمحة, ولهذا فإن الأمر في رأينا يحتاج إلى نظر ٍجديدٍ أبسط إجراءاته الإدارية رفع سن القبول في المرحلة الابتدائية إلى سن السابعة, باعتباره أنسب الأعمار لبدء التعليم المنظم, ولعل هذا يحدث -في مصر خاصة- بعض المواءمة مع ما تقرر من خفض سن سنوات المرحلة الابتدائية إلى خمس سنوات؛ حيث ينتهي التعليم الأساسي بصورته الراهنة مع بلوغ الطفل سن 14 عامًا1, وهو عمر أصغر من حد بلوغ السعي "العمل وكسب العيش" كما سنبين فيما بعد. أما السنوات من سن الرابعة "حد الاستئذان" وسن السابعة "حد التمييز", فيمكن للطفل أن يقضيها في دار الحضانة أو روضةٍ للأطفال, بشرط أن تقوم هذه المؤسسات بدورها المناسب
__________
1 يوجد إتجاه قوي في الوقت الحاضر لمد مظلة التعليم الأساسي إلى نهاية المرحلة الثانوية, وقد يكون هذا أفضل حلّ تربوي يتجاوز ما يطالب به البعض من عودة الصف السادس إلى المرحلة الابتدائية، وهو الحل الذي يحبذه مؤلفا هذا الكتاب.
(1/278)

لسن ما قبل المدرسة, وألا تتحول إلى مرحلة جديدة لها خصائص التعليم المنظَّم، أو سنوات إعدادٍ وإجهادٍ للطفل تمهيدًا لدخوله مرحلة التعليم الأساسي، كما هو الحال الآن.
ويقضي الطفل في المدرسة الابتدائية في مصر خمس سنوات، أي: أنه ينتهي منها مع مطلع البلوغ وبداية سن المراهقة, والسؤال الآن: كيف تؤثر هذه السنوات في طفل طور التمييز؟
الإجابة المباشرة والأكثر وضوحًا, أن هذه المدرسة هي المكان الذي يكتسب فيه الطفل الكثير من المعلومات والمعارف عن العالم من حوله، والكثير من المهارات التي تفيده في التعامل مع هذه المعلومات، والكثير من القيم والاتجاهات الدينية والاجتماعية والأخلاقية, فهو يتعلم كيف يقرأ ويكتب ويتكلم بطريقة صحيحة, ويشمل ذلك التهجّي الصحيح للكلمات, وبناء الجمل والفقرات والموضوعات, ويتعلم أيضًا كيف يجمع ويطرح ويضرب ويقسم ويتعامل مع الكسور, كما يتعلَّم حقائق العلم والتاريخ والجغرافيا والأدب، ويتذوق فنون الرسم والموسيقى، ويمارس النشاط البدني بطريقة منظمة، كما يمارس بعض المهارات العملية المفيدة, ويتعرف على بعض مظاهر تكنولوجيا العصر "كالكومبيوتر", ومع إنهاء الطفل لهذه المرحلة، ببلوغه سن الحادية عشرة تقريبًا, يكون قد اكتسب معظم المهارات والمعلومات والاتجاهات التي لا بُدَّ له منها في حياته اليومية.
وعلى الرغم من أن هذه المعلومات والمهارات لها أهمية كبيرة في تحديد مستقبل نموّ الطفل, إلّا أنَّ النظام المدرسي الذي يتعرض له الطفل خلال هذا الطور قد يكون أكثر أهمية؛ فالمدرسة تزوّد الطفل بقواعد النظام والاستقلال والتقويم، كما تهيئ له التعامل مع قيم المجتمع الذي يعيش فيه, وأخصها قيم المجتمع العربي الإسلامي الذي يعيش فيه الطفل, والتي توجه سلوكه في المستقبل، وهو دور لا يزال مفقودًا في المدرسة العربية الحديثة.
(1/279)

الباب الرابع: المرحلة الأولى لنمو الإنسان أطوار المراهقة والشباب
مدخل
...
تمهيد للباب الرابع: أهمية أطوار المراهقة والشباب
يُعَدُّ تخصيص مرحلة خاصة في النموّ الإنساني تسمى مرحلة المراهقة والشباب اختراعًا اجتماعيًّا ولغويًّا حديث العهد, فمنذ عهد قريب كان التوحيد بين البلوغ الجنسي والرشد شائعًا, إلّا أنه منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وظهور تغيرات اجتماعية وثقافية عديدة في المجتمع الحديث, تَطَلَّبَ الأمر تناول مرحلة خاصة للنمو الإنساني بين هذين الحدثين، نقصد: البلوغ الجنسي والرشد, ويعود الفضل إلى ج. ستانلي هول مؤسس علم نفس النمو في اقتراح المصطلح الذي يدل على هذه المرحلة, وهو Adolescence1 في اللغة الإنجليزية. وأجرى بحوثه المبكرة في مجال النموّ في هذه المرحلة بالفعل, ونشرها في كتابٍ شهير من مجلدين عام 1891, وشاعت أفكاره حول طبيعة المراهقة, وظلت مسيطرة على الميدان لفترة طويلة من الزمن.
لقد اعتمدت أفكار ستانلي هول -كما بينا في الفصل الثاني- على نظرية التطور لداروين وخاصة مفهوم "التلخيص", والذي يعني أن الأفراد يمرون خلال مراحل النمو ما يعكس التطور الاجتماعي للجنس البشري, والنمو من الميلاد إلى النضج يتبع نمط النمو الاجتماعي من البدائية إلى التحضر, وفي هذا السياق تكون المراهقة -في رأيه- مرحلة "الضغوط والعواصف" التي تعكس خصائص مراحل الانتقال المضطربة في تطور المجتمعات البشرية, وفي رأيه أن البيئةَ لا تؤثِّرُ في الميكانيزمات ذات الطبيعة البيولوجية, والتي تتحكم في التغيرات التي تحدث في المراهقة, وهو الرأي الذي تحدّاه أصحاب وجهة النظر البيئية, وأكدت بحوثهم أن المراهقين في الثقافات المختلفة يتعرضون لخبرات مختلفة، ولعل أشهر هذه البحوث ما قامت به عالمة الأنثروبولوجيا مارجريت ميد, ففي بعض المجتمعات يعزى للأطفال بعض أدوار الراشدين, وفيها يتحدد الرشد بالبلوغ الجنسي, ولهذا يرى البعض أن مفهوم المراهقة بمعناه وخصائصه وحدوده الزمنية صنعته ظروف المجتمع الصناعي الحديث بتعقده وتركيبه, ولا ندري ماذا سيحدث في المستقبل في المجتمعات التي يطلق عليها توفلر مجتمعات "الموجة الثالثة" في عصر ما بعد
__________
1 الأصل اللغوي لهذه الكلمة هو الفعل اللاتيني Adolesscere, ومعناه: "أن ينمو" أو "يتحول إلى النضج".
(1/283)

الصناعة, وقبل ذلك لم تكن هذه الفترة الانتقالية موجودة؛ ففي المجتمعات الريفية الزراعية, ومجتمعات المدن الصغيرة التي تسودها حضارة الموجة الأولى "كما يسميها توفلر" كان الأطفال حالما يبلغون السن الذي يستطيعون فيه من الناحية الجسمية أداء الأعمال والمهن, يتم الاعتراف بهم كراشدين، وتُوكَلْ إليهم المسئوليات, ويكلفون بالواجبات, ويعطون الحقوق والامتيازات التي يحظى بها الكبار, بل إن بعض الأطفال ما بين سن 7سنوات وقبل البلوغ كانوا يمارسون النشاط المهني, ويدخلون عالم العمل على نحوٍ أذاب الحدود بين عالم الرشد وما قبله "Conger Peterson 1984".
أما في المجتمع الصناعي الحضري الحديث الذي أنتجته الموجة الثانية من الحضارة "على حَدِّ تعبير توفلر أيضًا" فقد حدثت تغيرات في حياة الأسرة, وتغيرت النظرة إلى الطفل وإلى عملية نموه تبعًا لذلك, واعتُبِرَتْ المراهقة فترة إعدادٍ لدور الرشد التالي, وتطلَّبَ ذلك ظهور النظم التعليمية الحديثة التي أدت بدورها إلى إطالة فترة الإعداد هذه، ومع إطالة هذه الفترة تزداد اعتمادية الفرد, ويؤجل بلوغه مرحلة الرشد، ويظل في هذه المرحلة الانتقالية التي لا يكون فيها طفلًا ولا راشدًا، ثم يزداد وضعه غموضًا حين يعامل كطفلٍ, ومع ذلك فعندما يتصرف كطفلٍ يُلامُ على ذلك, وعمومًا فإن المراهقة هي إعداد للرشد, وهي مرحلة تحل فيها اتجاهات الكبار وتصرفاتهم محل التصرفات الطفلية السابقة.
وهكذا تطلَّب الأمر الانتظار حتى نهاية القرن التاسع عشر ليظهر الاهتمام الحديث بالمراهقة كمرحلة هامة اجتماعيًّا وسلوكيًّا, وأسباب ذلك كما بينَّا ديموجرافية وثقافية؛ فإدراك المراهقة كمرحلةٍٍ متميِّزَةٍ في النمو الإنساني اعتمد على وجود جماعة من الأفراد في مرحلة ما قبل الرشد وبعد البلوغ الجنسي, تجمعهم خبرات مشتركة تجعل منهم نهايةً لمرحلة الطفولة.
أما من الناحية الثقافية, فقد شهدت أواخر القرن التاسع عشر زيادة الهجرة إلى المدن ونموّ التصنيع, وعلى الرغم من أن معظم المراهقين استمرّ في العمل إلّا أن طبيعة العمل بدأت تتغير, فمع نموّ الميكنة ازداد تقسيم العلم وضوحًا, وأدرك المراهقون أن الأعمال الأقل مهارة لا تحمل أملًا في رفع المستوى الاقتصادي, بينما الأعمال الأكثر تعقيدًا والتي كان يتزايد عددها تحمل أملًا أكبر، إلّا أن هذه الأعمال الجديدة تَتَطلَّبُ نضجًا أكثر وتعليمًا أرقى, وهنا ظهرت الحاجة إلى إطالة فترة التعليم وإرجاء سن دخول العمل والزواج, وتكوين الأسرة, وكانت الطبقات
(1/284)

الأكثر استفادة من التطور الجديد الطبقة العليا في المجتمع، ثم الطبقة الوسطى النامية حينئذ؛ لأن الثروة المتاحة وحجم الأسرة المحدود سمح لهم بما اعتُبِرَ "استثمارات" في التعليم من أجل المستقبل, ثم انتقل ذلك إلى الطبقات الأخرى مع شيوع التعليم الإلزامي والمجاني، إلّا أن هذا لم يحدث إلّا بعد ثمنٍ فادحٍ من تشغيل الأطفال والنساء في الأعمال الشاقة, والذي كان في ذاته أحد الثمار المرة للثورة الصناعية, وكان من نتائج ذلك الزيادة السريعة في عدد المدارس والكليات والجامعات، وسرعان ما أصبحت هذه المؤسسات أكثر تنظيمًا، كما ازدادت مطالبها وتعددت مستوياتها, وهكذا تهيأت الظروف طوال النصف الأول من القرن العشرين للتحديد الواضح لمرحلةٍ واضحةٍ في نموّ الإنسان, هي مرحلة المراهقة التي لم تَعُدْ محض نهاية للطفولة, وإنما أصبحت طليعةً لمرحلة أخرى إضافية, هي مرحلة الشباب, والذي تحددت معالمه خاصة منذ أواخر الستينات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين, فيما أطلق عليه "ثقافة الشباب"، ولو أن القرآن الكريم قد نبه منذ أربعة عشر قرنًا إلى ذلك فيما أسماه "بلوغ السعي" كما سوف نبين فيما بعد.
من العرض السابق يتبين أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحديثة أدت إلى ظهور جماعة المراهقة، ومع مزيدٍ من التعقد في ظروف المجتمع ظهرت جماعة الشباب، وهكذا ظهرت جماعتان تمثلان طورين "انتقاليين" في عمر الإنسان قبل تحوله الرشد, وهيأ ذلك كله الظروف للبحث حول الطبيعة السيكلولوجية لهاتين الفئتين العمريتين، وطرق توجيهما ووسائل التنبؤ بمستقبلهما. وكل هذه المسائل تغيرت مع مرور الزمن ومع تغير المجتمعات ذاتها، إلّا أن المهم أن نقول: إنه مع مطلع القرن العشرين بدأ "عصر المراهقة" بالمعنى الحديث للكلمة. أما الوعي الاجتماعي بمسألة الشباب فلم يظهر بشكلٍ جادٍّ إلّا بعد الحرب العالمية الثانية, ثم وصل إلى قمته في تمرد "صراع الأجيال" الذي شهدته الستينات, ثم ظهر منذ أواخر السبعينات اهتمام جديد سنتناوله بالتفصيل فيما بعد, وهو الاهتمام بالشيخوخة, وهكذا يمكننا القول أنه إذا كان القرن التاسع عشر هو "قرن الطفولة", فإن النصف الأول من القرن العشرين هو "عصر المراهقة"، وعقدي الستينات والسبعينات فيه هما "زمن الشباب". أما فترة أواخر هذا القرن فربما يسودها استشراف خصائص المرحلة الثالثة في نمو الإنسان، أي: شيخوخته.
وإذا كانت المراهقة تتحدد بدايتها بوضوح بالبلوغ الجنسي, فإن نهايتها التي تتحدد ببلوغ السعي, ثم الرشد أقل وضوحًا للأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أوضحناها, وقد نبَّه الفقه الإسلامي إلى هذه الحقيقة السيكلوجية
(1/285)

الهامة في إشارته إلى ضرورة أن يُؤْنَسَ الرشد في الإنسان حتى تكتمل له أهلية الأداء المدنية، ويرجع ذلك إلى الاختبار والتجربة، ولهذا السبب لم يحدد جمهور فقهاء المسلمين سنًّا معينة مطلقة لبلوغ كلٍّ من السعي "الشباب" والرشد، وترك الأمر للظروف الاجتماعية والنفسية المتغيرة "راجع الفصل الثالث".
وحتى نضع الظروف التي تعرَّضَ له المجتمع الإنساني الحديث في الاعتبار ونحن نتناول مرحلتي المراهقة والشباب, لا يمكن لنا القفز مباشرة الآن من البلوغ الجنسي إلى الرشد, ولهذا نقسِّمُ هذه المرحلة إلى طورين رئيسيين ملتزمين بالإطار الإسلامي:
1- طور بلوغ الحلم "المراهقة": وتشمل بداية واكتمال التغيرات الجسمية المرتبطة بالبلوغ الجنسي, وتنتهي في حوالي الخامسة عشرة, وتشمل المرحلة التعليمية التي تسمى المرحلة الإعدادية, أو المرحلة المتوسطة, أو المرحلة الثانية من التعليم الأساسي, أو المرحلة الأولى من التعليم الثانوي, حسب أحوال النظام التعليمي وطبيعته.
2- طور بلوغ السعي "الشباب": وهي تسميةٌ أفضل من التسمية الشائعة باسم المراهقة المتأخرة، وتبدأ مع اكتمال التغيرات الجسمية, وتمتد إلى سن الرشد الحقيقي "18عامًا", أو القانوني "21عامًا", وتشمل المرحلة الثانوية، وقد تمتد إلى المرحلة الجامعية حسب مؤشرات الاستقلال السيكولوجي "التي تدل على الرشد" التي يبديها الفرد, وتسمية هذا الطور بالوصف القرآني البديع "بلوغ السعي", يحمل معنى إمكان سعي الشباب في أمور دنياه كسبًا لعيشه إذا لم يشأ إكمال تعليمه, ثم إنه يحمل تضمينًا هامًّا حول توجيه طبيعة التعليم في هذا الطور؛ بحيث يحقق للشباب السعي أيضًا في أمور دنياه, وهي مسألة هامَّة سنتناولها بالتفصيل عند عرضنا لهذا الطور في النمو الإنساني, ومعنى ذلك أن هذا الطور هو في واقع الأمر في منزلة بين المراهقة والرشد.
(1/286)

الفصل الثالث عشر: طور بلوغ الحلم "المراهقة"
البلوغ الجنسي:
يعتبر بلوغ الحلم أو البلوغ الجنسي حدثًا هامًّا في حياة الإنسان حين يتغير الفرد من كائنٍ غير جنسيٍّ إلى كائن جنسي, وهي فترة قصيرة تتداخل مع نهاية الطفولة, وتمتد إلى بداية المراهقة, ويسمي بعض العلماء بداية البلوغ فترة "قبيل المراهقة", وحيث إنه من المعتاد الفصل بين الطفولة والمراهقة بوصول الطفل إلى النضج الجنسي, فإن فترة البلوغ هي فترة تداخل، وفيها لا يعتبر الطفل نفسه طفلًا بسبب ما يطرأ على جسمه من تغيرات جسمية وفسيولوجية سريعة, ومع ذلك يُنْظَرُ إليه على أنه لا يزال طفلًا, وخاصة من جانب الوالدين والمعلمين, وعادةً ما يؤدي ذلك التناقض إلى الاضطراب, وإلى الشعور بعدم الأمن, وفي كثير من الأحيان إلى سلوك غير مرغوب فيه.
ولقد كانت ولا تزال لهذا الحدث أهمية في الجماعات البدائية التي تقوم بعملية "تدشين الشباب" مع البلوغ؛ لأنه مقبل على واجبات النضج والتزاماتها, سواء أكانت رجولة أم أنوثة, وفي المجتمعات الحديثة يتوقع الناس أيضًا من الفتى أو الفتاة سلوكًا مختلفًا ببلوغه النضج الجنسي.
وتوجد محكَّات عديدة تُسْتَخْدَمُ في تحديد بداية البلوغ ومرحلة النمو التي يصل إليها الطفل عنده, ومن هذه المحكات عند البنات الطمث "الحيض" لأول مرة, إلّا أن هذا المحك لا يُعَدُّ بداية أو نهاية التغيرات الجسمية الهامة التي تحدث مع البلوغ، فقبل حدوثه تكون الأعضاء الجنسية قد بدأت في النمو، كما تكون الخصائص الجنسية الثانوية قد بدأت في الظهور، وتستمر هذه التغيرات في الحدوث لفتراتٍ مختلفة بعد ظهور الطمث الأول, ولهذا يرى بعض الباحثين اعتبار هذا المحك نقطة متوسطة في حدث البلوغ الجنسي عند البنات Hurlorck 1980".
أما محك البلوغ الجنسي عند الذكور فيتحدد بإفراز السائل المنوي لأول مرة.
(1/287)

وهو حدث يتمُّ تلقائيًّا، وأثناء نوم الطفل في معظم الحالات, وبلوغ الحلم عند البنين مثل الطمث الأول عند البنات تسبقه بعض التغيرات الجسمية الهامة، وبالتالي لا يُعَدُّ في ذاته محكًّا دقيقًا لبداية البلوغ, وإذا ظهرت هذه التغييرات على الطفل سواء كان ذكرًا أو أنثى, فإنه يكون قد بلغ مرحلة النمو التي يسميها القرآن الكريم "بلوغ الحلم".
ومن الطرق المستخدمة في تحديد البلوغ, التحليلُ الكيميائيُّ لعيناتٍ من البول عقب الاستيقاظ من النوم مباشرة, وهذا أسلوب دقيق على الرغم من صعوباته, ويحلل بول الذكور لمعرفة مدى وجود الحيوانات المنوية فيه، وتحديد مقدار ما يوجد فيه من مادة الكرياتين وهورمون الأندروجين, ومادة الكرياتين توجد عادةً في بول الذكور قبل النضج الجنسي، فإذا وجدنا أن بول الطفل أصبح خاليًا من هذه المادة, نستنتج من ذلك بلوغه الجنسي, أما هورمون الأندروجين "وهو الهورمون الجنسي عند الذكور" فهو لا يوجد عادةً في البول قبل سن 1/2 12 سنة, ويُحَلَّلُ بول الإناث لمعرفة مقدار ما فيه من هورمون الأستروجين "وهو الهورمون الجنسي الأنثوي", وعادة ما يزيد مقدار هذا الهورمون في بول البنت بعد بلوغها سن الحادية عشرة.
وتوجد طريقة أخرى في تحديد البلوغ, تتمثل في استخدام أشعة أكس في تصوير أجزاء مختلفة من الجسم, وتدل صور اليدين والركبتين على تحديد بدء البلوغ ومعدل حدوثه، كما تفيد صور اليد والرسغ في التنبؤ بالعمر الذي يحدث فيه الطمث عند البنت, وحين تستخدم هذه الطريقة مع الأطفال في المدرسة الابتدائية يمكن التنبؤ بالبلوغ الجنسي المبكر أو المتأخر, وهذه الطريقة هي أكثر الطرق دقةً، على الرغم من أنها، كطريقة التحليل الكيميائي للبول، تكتنفها صعوبات عملية تحول دون استخدامها على نطاقٍ واسع.
والشائع في الوقت الحاضر تحليل البلوغ الجنسي إلى ثلاثة أحداث متتالية: بدء ظهور الخصائص الجنسية الثانوية دون نضوج للوظيفة التناسلية، ثم استمرار نموّ الخصائص الجنسية الثانوية دون أن تكتمل مع إنتاج الخلايا الجنسية في الأعضاء التناسلية، وأخيرًا حين يكتمل نمو الخصائص الجنسية الثانوية مع ممارسة الأعضاء الجنسية لوظائفها بشكلٍ ناضجٍ تمامًا.
ويصعب أن نحدد تحديدًا دقيقًا سن البلوغ الجنسي, أو بلوغ الحلم؛ لأن النضج الجنسي يختلف من فرد لآخر, وعمومًا يمكن القول أن النبات يصلن إلى النضج
(1/288)

الجنسي مبكرين عن الذكور بعامٍ أو عامين في المتوسط, ومن العوامل المسئولة عن هذه الفروق سرعة نموّ الجهاز العصبي لدى الإناث.
وتُوجَدُ فروق بين الأفراد "داخل الجنس الواحد" في سن البلوغ الجنسي, والاختلافات التي تنشأ في ذلك ترجع إلى الاختلافات في سرعة نشاط الغدد الصماء المسئولة عن بداية التغيرات التي تحدث في هذا السن, ويتأثر ذلك بدوره بعامل الوراثة, وبالظروف الصحية العامة للفرد, وطبيعة الغذاء؛ فالتغذية التي تسودها البروتينات تؤدي إلى الإسراع بالبلوغ عند البنات, أما التغذية التي تسودها الكربوهيدرات فتؤدي إلى تأجيل النضج, كما أن البنية الجسمية للطفل تؤثر في تحديد سن نضجه الجنسي, أضف إلى ذلك أن بعض الأمراض المزمنة "كالسكر" تؤجل البلوغ الجنسي..
ويبلغ أطفال المناطق الجغرافية الحارة والمعتدلة أسرع من أطفال المناطق الباردة, كما أن الأطفال الذين يعيشون في البيئات الحضرية يبلغون أسرع من أطفال الريف, بسبب الاستثارة الثقافية.
ومن الأدلة على أن الظروف الثقافية والاجتماعية تؤثر في سن البلوغ الجنسي, ما حدث في الغرب من خفض سن بداية الطمث من 17سنة في أوربا عام 1850, إلى 14،5 سنة في الولايات المتحدة عام 1900، وذلك بسبب التحسُّن في الأحوال الصحية والغذائية للأطفال, وقد استقرَّ هذا السن في أوربا طوال السنوات الأربعين الماضية عند سن يتراوح بين 12،5، 12،8 سنة, مما يدل على وصول الأحوال الصحية والغذائية إلى حدِّها الأمثل في هذه الأقطار Schuster" "Ashburn 1992"
وتُوجَدُ أدلةٌ على ضرورة وصول وزن البنت إلى مقدارٍ يتناسب مع الطول لبدء البلوغ الجنسي، ويتمثل ذلك في التناسب بين وزن الجسم ومقدار الدهون فيه, ويفسِّر ذلك تأجيل الطمث لدى البنات اللاتي يمارسن الأنشطة البدنية العنيفة؛ مثل: رقص الباليه والسباحة والجري, إلى سن 15 سنة "Roy Benner 1986".
وتفسر نظرية "الحد الحرج من الدهون" في الجسم, السبب في تأجيل البلوغ الجنسي لدى الإناث اللاتي يعشن في ظروف الفقر، كما تفسر خفض هذا السن في المجتمعات الصناعية المتقدمة.
وعمومًا فإن ظهور الطمث لدى البنت يكون بين سن 9،5، 15،5 سنة, بمتوسط 12،5, ويُعَدُّ ذلك المدى العادي للبلوغ الجنسي لدى الإناث، ولو أن
(1/289)

ظهوره قبل سن 11سنة يُعْتَبَرُ مبكرًا, أما بالنسبة للذكور فإن سن البلوغ كما يتحدد ببدء إفراز السائل المنوي فيمتد بين 11،5، 17،5 سنة بمتوسط يبلغ 14،5سنة, ويوضح الجدول "13-1" ذلك.
"جدول "13-1" حدود البلوغ الجنسي للذكور والإناث
ويحتاج المراهق إلى فترة 3 سنوات في المتوسط حتى يكتمل لديه النضج الجنسي, وهي الفترة التي يحددها نظام التعليم الحديث بالمرحلة الإعدادية أو المتوسطة، ولهذا فإن هذا التنظيم أكثر اتفاقًا مع الحقائق السيكولوجية من أيّ نظام بديلٍ يعْتَبِرُ هذه المرحلة جزءًا من المرحلة التالية "المراهقة المتأخرة أو الشباب", بدمج المرحلة الإعدادية "المتوسطة" في المرحلة الثانوية، أو جزءًا من المرحلة السابقة "الطفولة المتأخرة", بدمج المرحلة الإعدادية في المرحلة الابتدائية، وهو البديل الذي طرأ على التعليم المصري "وبعض نظم التعليم الأخرى في العالم العربي" في السنوات الأخيرة, فيما يُسَمَّى التعليم الأساسي, وهو نظامٌ كان فيه من التسرع والغفلة عن حقائق النمو الإنساني مما يدعو إلى تعديله, والعودة إلى البديل الصحيح.
(1/290)

النمو الجسمي:
مع البلوغ تحدث طفرة كبيرة في النمو, ويُعَدُّ البلوغ ثاني فترةٍ يحدث فيها أسرع تغيرات جسمية، وأولها مرحلة ما قبل الولادة, والنصف الأول من العام الأول بعد الولادة, ولذلك شاع وصف المراهقة بأنها مرحلة "انفجار في النمو"، وهو انفجار يحدث قبل البلوغ أو يتزامن معه، ويستمر لمدة عام أو عامين "تبعًا للفروق الفردية" قبل أن يصل الفرد إلى النضج الجنسي، ثم يستَمِرُّ لفترةٍ تمتد من ستة أشهر إلى عام كامل بعد ذلك. ومعنى ذلك: أن فترة التغير السريع تمتد لحوالي ثلاث سنوات تؤلف في مجموعها مرحلة المراهقة.
ويحدث مع البلوغ أربعة تغيرات جسمية هامة, تشمل حجم الجسم، ونسب أعضاء الجسم، ونموّ الخصائص الجنسية الأولية، ونموّ الخصائص الجنسية
(1/290)

الثانوية, وبعد اكتمال هذه التغيرات يتحول جسم الطفل الذي كان عليه طوال المراحل السابقة إلى جسم الراشد الذي سيصير إليه طوال مراحل عمره التالية.
وتأتي التغيرات في حجم الجسم من التغيرات في الطول والوزن, ويحدث الانفجار في نموّ الطول قبل الوزن, وأكبر زيادةٍ في الطول تحدث قبيل بداية البلوغ, وتكون فترة النمو السريع هي العام السابق عليه.
ولا تُعَدُّ الزيادة في الدهون المصدر الوحيد لزيادة الوزن في المراهقة عند الذكور، وإنما يضاف إلى ذلك الزيادة في أنسجة العظام والعضلات؛ فعند البلوغ تنمو العظام أسرع, وتتغير في الشكل والنسب والبنية الداخلية "حيث تصير أكبر صلابة", وتؤلف العضلات 45% من وزن الجسم "وكانت في مرحلة الطفولة لا تزيد عن 25%", وأكبر زيادة في العضلات تحدث خلال الفترة من 12-15 سنة.
وتصاحب التغيرات في الطول والوزن تغيرات في نسب الحجم، فتصل الأنف والرأس واليدان والقدمان إلى حجمها الكامل أولًا, وتنمو الأذرع والسيقان أسرع من الجذع، وهو آخر ما يكتمل نموه, وتؤدي هذه الفروق في معدل نمو أجزاء الجسم إلى مشاعر مؤقتة بالصعوبة والحرج, وأحيانًا يشعر المراهق بأن يديه وقدميه أطول من اللازم, ويظل الأمر كذلك طوال فترة المراهقة, ولا يصل الجسم الإنساني إلى نسبه المعتادة التي نلاحظها في الراشدين إلّا في مرحلة بلوغ السعي أو الشباب.
وتظهر بوضوحٍ الفروق بين الجنسين في شكل الجسم, صحيحٌ أن بعض هذه الفروق تظهر في الطفولة حين تتراكم الدهون في بعض أجزاء جسم البنت أكثر من الولد, إلّا أن هذه الخاصية تزداد وضوحًا وتحديدًا مع البلوغ, وعلى العكس من ذلك, يزداد جسم الذكور كثافةً مع زيادة حجم العظام وكثرة أنسجة العضلات, كما تزداد الأكتاف لديهم عرضًا, ونتيجةً لذلك يصبح الفتى أقوى من الفتاة "وخاصة بالنسبة للجزء العلوي من جسمه", ومن الأسباب الأخرى التي تعطي للذكور قوةً جسميةً بالنسبة لحجم الجسم في هذه المرحلة الزيادة في نمو القلب والرئتين، وزيادة ضغط الدم، ونموّ القدرة على نقل الأوكسجين إلى الدم، وانخفاض معدل نشاط القلب عند الراحة, كما أنهم يكونون أكثر مقاومةً للتعب الناتج من التدريب "Mussen et al 1984".
ومع تَقَدُّمِ البلوغ يزداد عدم التشابه بين الفتى والفتاة في المظهر، والسبب
(1/291)

في ذلك هو النمو التدريجي للخصائص الجنسية الثانوية, والتي تُمثِّلُ السمات الجسمية التي تميز الذكر عن الأنثى؛ ففي الذكور يصير الصدر مسطحًا ويظهر شعر العانة، ثم شعر الإبط وشعر الوجه "الذقن والشارب"، ثم شعر الجسم "الذراع والساق والكتف والصدر", وتنشط الغدد الدهنية مع المراهقة, وقد يؤدي ذلك إلى ظهور حب الشباب, كما تطرأ تغيرات على صوت الولد, ويتحول إلى نوع الخشونة غير الكاملة, تجعله في منزلةٍ متوسطةٍ بين صوت الطفولة الناعم وصوت الرجولة الخشن.
أمَّا في الإناث فتزداد الأرداف عرضًا واستدارةً نتيجة اتساع عظام الحوض, وزيادة سمك الطبقة الدهنية تحت الجلد, وينمو الصدر ويزداد كبرًا واستدارة, كما يزداد الصوت نعومة, أما الخصائص المشتركة بين الجنسين فهي ظهور شعر العانة وشعر الإبط, ونشاط الغدد الدهنية وما تسببه من ظهور حَبِّ الشباب.
وعلى عكس التغيرات السريعة في بنية الجسم ووظائفه مع البلوغ, فإن الجهاز العصبي المركزي يكون قد وصل إلى اكتمال نموِّه تقريبًا في سن العاشرة، ولذلك لا يطرأ على هذا الجهاز أيِّ تغيُّرٍ مفاجئٍ مع المراهقة.
أما الزيادة التدريجية في نمو التحكم في المهارات الحركية الدقيقة وفي النشاط العضلي "كما سنوضح فيما بعد" فيبدو أنها ترجع إلى التعليم والتدريب والممارسة.
ومن حقائق النمو الإنساني أن المراهق قادرٌ على أداء أيِّ مهارةٍ يمارسها الراشدون، إلّا أن السياق الاجتماعي والأسري يحدد أيّ المهارات يستحق التقدير والتعزيز, فإذا علمنا أن المراهق في الأغلب يكون منخرطًا في مراحل تعليميه حاسمة, نجد أن القيم الاجتماعية السائدة المرتبطة بتقدير أو عدم تقدير ما تقدمه المدرسة يؤثر في نشاط المراهق, ومن ذلك مثلًا المبالغة في تقدير المواد الأكاديمية على حساب مواد الأنشطة والفنون والموسيقى، كما هو الحال في منظومة التعليم الحالية في مصر.
أثر التغيرات الفسيولوجية والجسمية أثناء البلوغ في السلوك:
يصاحب النموّ السريع والتغيرات الجسمية في هذه الفترة أعراضٌ غير ملائمة؛ كالتعب والكسل, وعادةً ما يقع الآباء في خطأ أن يتصوروا أنه ما دام الطفل صار كبيرًا جسميًّا على النحو الذي أصبح عليه في سن البلوغ, فإنه يمكنه القيام
(1/292)

بمسؤلياتٍ أكبر مما كان يستطيع في طفولته, وقد يحدث نفس الشيء في المدرسة, مع أنه في مرحلة نموٍّ يكون فيها أقل قدرة على القيام بهذه المسئوليات بنجاح, وقد يؤدي ذلك به إلى العصبية والتوتر والانفعالية العامة.
وعادةً ما تحدث في هذه الفترة اضطرابات في الجهاز الهضمي ينتج عنها تذبذب في سرعة التحول الغذائي, والسبب في ذلك التغيرات الغدِّيَّة والتغيرات في حجم وموضع الأعضاء الداخلية في الجسم, وهذه التغيرات قد تتداخل مع وظائف الهضم, كما أن فقر الدم "الأنيميا" شائع الحدوث في هذا السن, ليس بسبب التغيرات الملحوظة في كيمياء الدم, وإنما بسبب عادات الطعام غير المستقرة لدى المراهق, وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الشعور بالتعب والكسل.
ويعاني المراهق على فترات متقطعة من آلام الصداع وآلام الظهر والهزال، إلّا أن هذه الأعراض أكثر شيوعًا عند البنات, وخاصة في فترة الدورة الشهرية, وباستثناء ذلك لا توجد إلّا أمراض قليلة تميز هذه الفترة العمرية "قارن ذلك بالطفولة", وعمومًا إذا كانت طفولة المراهق أكثر صحةً, وخاصةً من حيث التوازن الغذائي وتكوين عادات جيدة للنوم, فإن فترة البلوغ تَمُرُّ بسلامٍ أكبر من وجهة الصحة الجسمية, ولا تظهر إلّا التغيرات النفسية المصاحبة للتغيرات الجسمية والفسيولوجية.
ولا بُدَّ أن ننبه هنا إلى أن التغيرات التي تطرأ على سلوك المراهق واتجاهاته إزاء البلوغ هي في جوهرها نتاج تغيرات اجتماعية أكثر منها نتاج التغيرات الغُدِّيَّة, ونحن في هذا لا ننكر أهمية التغيرات الفسيولوجية في التوازن الجسمي, فكلما كانت البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها المراهق أقل تعاطفًا، وكان الآباء والإخوة والمعلمون والأقران أقل تفهمًا لأحواله، وكانت التوقعات الاجتماعية منه في هذا الوقت أكبر من حدود قدرته, كانت الآثار النفسية للتغيرات الفسيولوجية والجسمية بالغة, فإذا أصَرَّ الوالد مثلًا على معاملة المراهق على أنه لا يزال طفلًا, فإن هذا قد يعوق كثيرًا من نموِّه فيما بعد.
ويعتمد مقدار وعمق هذه التأثيرات للبلوغ على سرعة النضج وتأثيره على التكوين الجسمي العام للفرد من ناحية, وعلى المعلومات السابقة المتوفرة لديه والإعداد السيكولوجي اللاحق لهذه التغيرات من ناحية أخرى؛ ففي حالة عدم وجود أيِّ تمهيدٍ, أو حينما يكون هذا الإعداد في صورة معلومات غير دقيقة أو غير كاملة, فإن ذلك يؤدي إلى تكوين اتجاهات غير صحيحة, وحينئذ تكون تأثيرات
(1/293)

البلوغ على السلوك بالغة السوء, ومن هذه التأثيرات تذكر هيرلوك،Hurlock 1980 ما يلي:
1- الرغبة في التفرد والانعزال: أشرنا إلى أن الطفل في مرحلة المدرسة الابتدائية يكون لديه ميلٌ لمصاحبة الآخرين, ويصل هذا الميل إلى قمته في نهاية فترة الطفولة المتأخرة, ثم سرعان ما يحدث مع البلوغ -وفي وقت وجيز- أن يفقد الطفل ميله لرفاق اللعب، فينسحب من الجماعة ويقضي معظم وقته وحده، وإذا كانت له حجرته الخاصة فإنه يغلقها على نفسه, وهذا الانسحاب من الجماعة يصاحبه نزاعٌ مع الأصدقاء القدامى, وبالتالي انهيار لكثير من صداقات الطفولة, كما يحدث أيضًا انعزال مفاجئ وواضح عن نشاط الأسرة.
2- النفور من العمل والنشاط: في هذه الفترة نلاحظ أيضًا على المراهق الذي كان في طفولته ممتلئًا حيويةً ونشاطًا, والذي لم يكن يبدو عليه التعب من العمل أو اللعب "كما نشاهد في فناء مدرسة ابتدائية مثلًا" يبدو عليه التعب بشكلٍ واضحٍ, ونتيجة لذلك فهو يعمل عملًا ضئيلًا ويؤدي أقل ما يمكن في المنزل, ويهمل واجبات المدرسة, ومن المؤكد أن هذا النفور ليس كسلًا إراديًّا, كما أنه ليس نتيجةً للتغير في المستوى العقلي للفرد، وإنما هو نتيجة مباشرة للنمو الجسمي السريع الذي يفوق طاقته, وكلما كانت التغيرات مفاجئة عند البلوغ كانت التغيرات في أداء الطفل في المدرسة وفي تحصيله مفاجئة أيضًا, وعادةً ما يُلَامُ التلميذ على هذا الكسل في المنزل والمدرسة, وقد يؤدي ذلك إلى مزيدٍ من النتائج غير السارة.
3- عدم التآزر: في بداية البلوغ وما يصاحبه من نموٍّ سريعٍ وغير مُنَظَّمٍ, يطرأ على المراهق تأخر مؤقت في أنماط معينة من التآزر والتوازن والرشاقة؛ فتتناقص القدرة الحركية ويختل المشي, وبعد أن يعود النمو إلى معدله البطيء, وبعد أن يتكيف الفتى أو الفتاة للتغيرات الحادثة في نسب الجسم, يعود النشاط إلى التآزر تدريجيًّا.
4- الملل: يظهر على المراهق مللٌ من اللعب بالألعاب التي كان يستمتع بها في المراحل السابقة, سواء كانت مع أقران المدرسة أو في الحياة الاجتماعية العامة, ويظهر ذلك في رفضه الاشتراك في هذه الأنشطة, ويصفها بأنها "طفلية", وحين لا يقابل سلوكه بالتقبل من الآخرين يظهر عليه اتجاه اللامبالاة, أو الإحساس بالنبذ والرفض.
(1/294)

5- عدم الاستقرار: تتغير ميول المراهق كما يتغير جسمه، إلّا أنه عند البلوغ لا يكون عادةً قد كَوَّنَ ميولًَا جديدة تمتص انتباهه كما كان يحدث في الطفولة, ولذلك نجده ينتقل من نشاطٍ لآخر, ولا يشعر بالرضا من أيٍّ من هذه الأنشطة, ويصاحب ذلك مشاعر التوتر والقلق.
6- الرفض والعناد: تتميز اتجاهات المراهق عند البلوغ بأنها اتجاهات رفض ومعاداة للأسرة والأصدقاء والمجتمع عمومًا، ولذلك كثيرًا ما نجده مهمومًا محزونًا، ولا يقتصر همه على نفسه, بل يمده إلى الغير؛ فيفسد على الآخرين سرورهم بالمخالفة والمعارضة وعدم التعاون ورفض رغباتهم, وفي المنزل يكون غيورًا من إخوته وناقدًا لهم؛ فيسبهم ويتعارك معهم دون سببٍ واضحٍ, ويعاندهم عن قصد, ويجادل مع أفراد الأسرة "الأم والأب وغيرهما"، لمجرد إثارة المتاعب وخاصةً لإخوته, ويسلك خارج المنزل بنفس الطريقة تقريبًا مع أصدقائه, وتنشأ بينه وبينهم المعارك لأتفه الأسباب.
وينتج عن ذلك انهيار الصداقات القديمة, ومع التَّقَدُّمِ في البلوغ يزداد المراهق نضجًا في سلوكه الاجتماعي, ويصبح أكثر صداقة وتعاونًا مع الآخرين.
7- مقاومة السلطة: يظهر على الطفل خلال فترة الطفولة ميلٌ لمقاومة السلطة يصاحبه رغبة في الاستقلال، إلّا أن هذا الميل يزداد حِدَّةً أثناء فترة البلوغ, ولذلك يحدث في هذه الفترة أكبر مقدار من الصراع والنزاع بين المراهقين ووالديهم "وخاصة الأم" وخاصة عند حوالي سن 13سنة, والسبب في كثرة الصراعات مع الأم أنها الأكثر اتصالًا بالمراهق داخل المنزل منذ طفولته, فإذا كانت الأم أقل تقييدًا وأكثر تسامحًا تقل هذه المنازعات معها, ويسعى المراهق إلى مقاومة كل ألوان السلطة، وحين يكتشف أن محاولاته تبوء بالفشل يزداد عنادًا. وقد يلجأ إلى الانسحاب من مثل هذه المواقف التي قد تؤدي إلى العقاب بسبب عدم الطاعة, وقد يصدر عنه ما يمكن أن يصنف بأنه "سوء سلوك"، ومعظمه من النوع البسيط, والمراهق العادي في هذه الفترة لا يصدر عنه ما يمكن أن يضعه في فئة "الأحداث الجانحين"، على الرغم من أن عدم استقراره يجعله مثيرًا لإزعاج الآخرين, وتصدر عنه أفعال مزعجة، إلّا أن هذا كله يتناقص خلال النموِّ أثناء المراهقة, وخاصةً مع اكتمال النضج الجنسي.
8- رفض الجنس الآخر: يظهر سلوك رفض الجنس الآخر في نهاية الطفولة المتأخرة, ويصل قمته في فترة البلوغ, ومن الأمور الشائعة في هذا السن
(1/295)

العداء الصريح بين الجنسين, ويكون رفض الإناث للذكور أكثر من رفض الذكور للإناث, ويظهر هذا الرفض في صورة مختلفة عن المرحلة السابقة, فلم يعد الأمر مجرد انسحاب كلٍّ من الجنسين بعيدًا عن الآخر, وإنما تظهر في البلوغ صور العداء الصريح بينهما، ويتمثل ذلك في النقد المستمر والتعليق اللاذع.
9- الانفعالية الشديدة: يؤدي التوتر والاضطراب الناتجان عن الاتجاهات والميول المتغيرة من ناحيةٍ, وعن التغيرات الجسمية والغددية من ناحيةٍ أخرى, إلى حِدَّةِ الانفعالات التي تظهر في فترة البلوغ, ويكون المراهق شديد الحساسية, ويفسِّرُ معظم ما يسمعه من الكبار أو الأقران على أنه مُوَجَّهٌ إليه، وتزداد هذه الحساسية بالنسبة للإخوة، كما تزداد في هذه الفترة المخاوف المتوهمة, فيشعر المراهق بالقلق من المشكلات التي تتعلق بكفاءاته الشخصية والاجتماعية, ويتحول من تذوق الفكاهة الذي كان عليه في المرحلة السابقة إلى الشعور بالكآبة, وقد تكون حالته الانفعالية موضع تعليق الكبار في بيئته ونقدهم, مما يزيد من شعوره بأنه لم يَعُدْ محبوبًا من أحدٍ, وأن "العالم كله ضده".
10 - نقصان الثقة بالنفس: إن الطفل الذي كانت ثقته بنفسه زائدة, وتسيطر عليه مشاعر الزهو والغرور, يصبح عند البلوغ أقل ثقة بنفسه، فيشك في قدراته, ويشعر بأنه أصبح أقل كفاءة من الناحيتين الشخصية والاجتماعية, وقد يختفي هذا الشعور وراء كثيرٍ من أنماط العناد التي يبديها؛ فرفضه للأعمال والمهام المتوقعة منه ينشأ من خوفه من العجز, كما قد يختفي وراء كثير من التباهي والتفاخر بقدراته, ثم الانسحاب عندما يطلب منه أداء المهام والأعمال موضع هذا التباهي, وهكذا يكون "مفهوم الذات" عنده غير مُسْتَقِرٍّ, وقد يقود هذا أحيانًا إلى وقوع بعض المراهقين في هذه الفترة في جناح الأحداث؛ فالقيام بالأعمال التي توقعه تحت طائلة العقاب من الوالدين أو المعلمين أو السلطة الجنائية "الشرطة والقضاء" تُعَدُّ أحيانًا من قبيل تأكيد الذات المفتقدة في هذه الفترة, وينشأ معظم الشعور بعدم الثقة لدى المراهقين في فترة البلوغ من الأسباب الآتية:
أ- نقص المقاومة الجسمية والقابلية الشديدة للتعب.
ب- الضغوط الاجتماعية المستمرة التي تطلب منه القيام بما هو أكثر مما كان يؤديه من قبل.
جـ- نقد الكبار لطريقته في أداء العمل, أو لعدم قيامه به.
11- الاهتمام بمسائل الجنس: يؤدي نمو الأعضاء الجنسية الأولية
(1/296)

والثانوية في فترة البلوغ إلى تركيز اهتمام المراهق على مسائل الجنس إلى الحدِّ الذي يشغل معظم وقته وتفكيره, فيقارن بين شكل جسمه وأجسام الآخرين من أقرانه من نفس الجنس، ويقرأ بعض الكتب على أمل الحصول على بعض المعلومات عن الجنس، ويلجأ إلى بعض المصادر غير الدقيقة؛ مثل الأصدقاء أو الخدم أو الشارع أو الكتب الرخيصة أو أفلام الجنس التي شاعت في السنوات الأخيرة, وتمثل خطرًا بالغًا على المراهقين في هذه الفترة بالذات، بالإضافة إلى خطرها على الإنسان في مختلف مراحل عمره, وقد يقود ذلك كله المراهق إلى بعض المشكلات الجنسية, وخاصة ممارسة العادة السرية, وتتناقص هذه المشكلات وتَقِلُّ حدتها مع اكتمال النضج الجنسي, وخاصة إذا توافرت ظروف تربوية مناسبة.
12- أحلام اليقظة: أحلام اليقظة هي أفضل وسائل قضاء الوقت لدى المراهق في سن البلوغ, وعادةً ما تدور أحلامه حول "بطل مظلوم مغبون الحق", والبطل بالطبع هو المراهق نفسه، وقد يكون الظلم الذي يتخيله من نوع سوء الفهم أو سوء المعاملة التي يلقاها من الأبوين أو المعلمين أو الأصدقاء أو المجتمع, وتكون أحلام اليقظة بهذه الطريقة مصدرًا هامًّا للتعبير عن الانفعالات وإشباع الدوافع, فهو يستمتع بدوره في حلم اليقظة مهما اشتدت المعاناة؛ لأنه يعلم أن نهاية الحلم ستكون دائمًا لصالحه.
ومهما كانت هذه الأحلام سارّة للمراهق, إلّا أنها تُدَعِّمُ فيه اعتقاده -الذي أشرنا إليه- وهو أنه لا أحد يحبه, وبالطبع كلما ازداد المراهق اندماجًا في هذه الأحلام يزداد بُعْدًا عن الواقع, ويزداد تكيفه الاجتماعي سوءًا.
13- شدة الحياء: يصاحب فترة البلوغ شعور المراهق بالحياء, ويصبح أكثر وعيًا بجسمه وأعضائه؛ فيشعر بالغضب إذا دخل عليه أحدٌ غرفته فجأة وهو يُغَيِّرُ ملابسه، أو يقتحم عليه الحمام وهو يغتسل، وهي أمور لم تكن تثير فيه مشاعر القلق في مرحلة الطفولة, وبالطبع فإن هذا الشعور هو نتاجٌ مباشرٌ للتغيرات الجسمية السريعة في هذه الفترة, إلّا أنه يُعَدُّ أساس الشعور الأخلاقي فيما بعد، "فالحياء شعبة من الإيمان" كما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام.
(1/297)

النمو العقلي المعرفي:
يستمر النمو العقلي في المراهقة سواءً من الوجهة الكمية أو الكيفية؛ فالتغَيُّر يكون كميًّا, بمعنى أن المراهق يصبح أكثر قدرة على إنجاز المهامِّ العقلية على نحوٍ أكثر سهولة وسرعة وكفاءة من الطفل, كما أن هذا التغيُّر يكون كيفيًّا, بمعنى أنه تحدث في المراهقة تغيرات في طبيعة العمليات المعرفية تجعلها مختلفة عنها في مرحلة الطفولة.
فمع بداية مرحلة المراهقة تنمو في الفرد القدرة على التفكير باستخدام العمليات الصورية أو الشكلية Formal opertions كما يسميه بياجيه، ويُعَدُّ ظهور هذه القدرة في رأيه المرحلة الرابعة والأخيرة في النمو العقلي والمعرفي عند الإنسان, والتي يتم الوصول إليها خلال الفترة العمرية بين 11، 15 عامًا، وهو رأيٌ تَعَرَّضَ للنقد في السنوات الأخيرة, وسوف نعرض لذلك في تناولنا لمرحلة الرشد.
إن المراهق والراشد -بعد ذلك- يستطيع باستخدام العلميات الصورية أن يفكر بدرجة كافية من المرونة حول العالم الذي يعيش فيه، ويتناول العموميات المجردة من حوله؛ كمفاهيم الحرية والعدالة, كما يستطيع أن يدرك الخصائص الداخلية للأشياء, ولا يقتصر عند حدود الخصائص الخارجية التي يحكمها الإدراك الحسي.
إلّا أن هذا لا يعني أن المراهق يفكِّرُ كما يفكر الراشد, وإنما يعني أن المراهق أصبحت تتوافر لديه القدرة على استخدام نفس المنحى الذي يستخدمه الراشد في حل المشكلات.
وكلٌّ من التفكير باستخدام العمليات الصورية, والتفكير باستخدام العمليات العيانية "في الطور السابق", يعتمد على العمليات المنطقية, والفرق الجوهريّ بينهما: أن التفكير العياني يرتبط بالموقف الراهن والخصائص المحسوسة في البيئة، أما التفكير الصوري فيتعامل مع المشكلات المجردة واللفظية, سواء أكانت حقيقية أم مفترضة، وسواء في الحاضر أو الماضي أو المستقبل؛ فالتفكير الصوري يحرر تفكير المراهق -ثم الراشد فيما بعد- من المحتوى النوعي الخاص للمشكلات.
والتفكير الصوري هو عملية "من مستوى رفيع", ويتسم بالخصائص الخمس الآتية:
1 - الاستدلال المجرد: بالطبع تنمو لدى الأطفال -قبل مرحلة المراهقة- القدرة على التعميم قبل سن 11 سنة, إلّا أنَّهم لا يكونون مستعدين لفهم الخصائص المجردة مثل التطابق والكتلة, ومع بلوغ المراهقين سن 15 سنة يمكن لمعظمهم التعامل مع معظم هذه المفاهيم، ومنها المفاهيم الفلسفية؛ مثل الديمقراطية والحق والعقيدة وغيرها, بل قد تكون لديه مشاعر واتجاهات نحو المفاهيم والأفكار, وليس مجرد الأشياء والأشخاص.
(1/298)

ويمكن للمراهق كذلك أن يبدأ في التفكير على المستوى النظري بدلًا من الاقتصار على حدود الحقائق الملاحظة والواقع الظاهريّ للموقف الذي يوجد فيه "Flavell Flavell", ومن ذلك مثلًا: أن طفل المدرسة الابتدائية "طور التمييز" إذا أُعْطِيَ المقدمتين الآتيتين:
البقرة أكبر من القطة.
القطة أكبر من الفأر.
فإنه يستطيع أن يستنتج بسهولة النتيجة الآتية:
البقرة أكبر من الفأر.
إلّا أن نفس هؤلاء الأطفال يرفضون الاستدلال الآتي على الرغم من صحته المنطقية:
الفأر أكبر من القطة.
القطة أكبر من البقرة.
إذن: الفأر أكبر من البقرة.
والصعوبة التي يواجهونها في تَقَبُّلِ منطق هذه النتيجة الأخيرة أنها تتعارض مع خبراتهم اليومية الملاحظة، ولا يستطيع الطفل في طور التمييز أن يفصل بين الشكل والمحتوى في المشكلة التي يقوم بحلها, أمَّا في المراهقة، ومع وصول الشخص إلى مستوى العمليات الصورية, فإنه يكون قادرًا على هذا الفصل, وبالتالي يستطيع أن يحلل التضمينات المنطقية لمواقف وعبارات افتراضية تمامًا.
وعلى الرغم من أن الطفل في مرحلة التفكير العياني "المرحلة السابقة" يفكر باستخدام الرموز, مما يعينه على إتقان العلميات الرياضية, إلّا أنه يستخدم هذه الرموز في الإشارة إلى مدلولاتٍ محسوسة، ولذلك يسمى الاستدلال في هذه المرحلة "التفكير الإجرائي من الدرجة الأولى".
أمَّا التفكير الإجرائي في مرحلة العمليات الصورية "المراهقة", فإنه يتَّسِمُ بالقدرة على التفكير في "الرموز التي تمثل رموزًا أخرى"، ومن أمثلة ذلك استخدام الرموز س، ص, ع, في الجبر؛ لتحل محل الرموز من الدرجة الأولى, أي الأعداد 1، 2، 3, وغيرها في الحساب, وهكذا يصبح المراهق في طور التفكير الصوري في غير حاجة إلى أمثلة محسوسة, أو رموزٍ من الدرجة الأولى حتى يفكر, وهكذا يصبح التفكير مجردًا تمامًا، أي: يصبح قدرةً على المعالجة المنطقية للقضايا والرموز المشتقة من الحقيقة العيانية والمعتمدة عليها، أي: يصبح -بلغة
(1/299)

بياجيه- "تفكيرًا إجرائيًّا من الدرجة الثانية", وبالتالي يستطيع المراهق إيجاد قيمة أكبر الثلاثة في العلاقتين "أ < ب، جـ < ب".
2- التمييز بين الواقع والمحتمل: لعلَّ القدرة على التمييز بين الحقيقي "أي: الموجود في عالم الواقع", والافتراضي "أي: الذي يحتمل وجوده, ولا يوجد بالضرورة في عالم الواقع" هي أهم خصائص التفكير الصوري الإجرائي, باعتباره أعلى صور التفكير المجرد, معنى ذلك أن المراهق -ثم الراشد فيما بعد- قادران على معالجة جميع ما يحتمل أن يُوجَدَ, وليس فقط تمثيلات "صور" الأشياء التي توجد بالفعل, ومعنى ذلك أيضًا: أن المراهق يستطيع أن يفكِّرَ على النحو التالي: أنه إذا كان أحد جوانب الواقع أو الحقيقة صحيحًا, فإن بعض النواتج يمكن أن تستنتج, ثم يمكن أن تختبر, ويصبح التفكير في هذه الحالة حول القضايا وليس حول الحقائق.
فمن الملاحظ في مرحلة التفكير العياني أن المحتمل أو الممكن يترادف مع الواقعي أو الحقيقي، بينما في التفكير الصوري يُعَدُّ الواقع أو الحقيقة أحد الاحتمالات العديدة الممكنة. إن المراهق في هذا الطور لم يَعُدْ قانعًا بالتعامل مع الخبرة المباشرة, ولكنه يفكِّرُ بشكلٍ مستمرٍّ في البدائل المختلفة, ويستثمر المراهق هذه القدرة الجديدة في التعامل مع مختلف جوانب الحياة: السياسة، الدين، التربية، المستقبل المهني، الألعاب الرياضية، العلاقات الاجتماعية, وغيرها؛ فهو يتعامل مع الأفكار والمثل العليا والأيديولوجيات, وربما لهذا السبب يوصف المراهق بأنه "غير واقعي" أو "مثالي" أو "حالم".
ومع ذلك, فإن التفكير في الإطار الاحتمالي بعين المراهق على تناول البدائل والاختيارات المختلفة للمشكلة الواحدة، فسرعان ما يتحقق من أنه لا توجد طريقة واحدة فقط لحل المشكلة أو المسألة, وهذه المرونة الجديدة في التفكير تسمح له بالتعامل مع الأفكار العيانية والمجردة من منظورات مختلفة، بل قد يفكر في المستحيل, أو في الموقف المضاد, أو بطريقة لا تتفق مع حقائق الواقع "بنظرة ابتكارية أو إبداعية".
وكذلك يمكن للمراهق أن يتوقع وجهة نظر الآخر المعارِضِ له, ويصوغ حُجَجًا مضادة لها, ويمكن استثمار هذه القدرة في أنشطة المناظرات في المدرسة الثانوية.
ومن أهم النواتج المترتبة على نموِّ القدرة على التفكير الاحتمالي ما يلي:
أ- زيادة اهتمام المراهق بمستقبله التعليمي والمهني, ويتمثَّل ذلك في الحاجة
(1/300)

إلى تحديد الأهداف وتنظيم الأنشطة لبلوغ هذه الأهداف, مع تنمية القدرة على تقويم البدائل, ومعرفة ما لكلٍّ منها وما عليه.
ب- زيادة اهتمام المراهق بالمقارنة بين الحال الذي عليه الواقع, وما يجب أن يكون عليه الحال, وهذه المقارنات تؤدي بالمراهقين إلى الانشغال بالقضايا السياسية والاجتماعية والدينية؛ مثل قضايا البيئة أو حقوق الإنسان أو المسائل الدينية والأخلاقية، وقد يقود ذلك إلى الإندماج في بعض الجماعات النشطة في المسائل، وربَّمَا يؤدي هذا النشاط إلى صراعٍ مع الوالدين والمعلمين والقيادة والسلطة, وربما يؤدي ببعض المراهقين إلى الانتساب إلى جماعات العنف والتطرف, ولحمايتهم يجب على الراشدين تقدير وجهة نظر المراهق ومعاونته على إدراك الفجوة بين الواقع والمحتمل "ومنه المستحيل"، وتعميم برامج تهيء له أهدافًا بديلة من خلال النشاط الاجتماعي المشروع، وهذه هي مسئولية المدرسة الإعدادية أو الثانوية, وبرامج رعاية الشباب على وجه الخصوص.
3- اتساع نطاق التفكير: إلى جانب التغير في طبيعة التفكير في هذا الطور تظهر زيادةٌ في المدى أو الاتساع, فيصبح المراهق أكثر قدرةً على التعامل مع المثيرات الأكثر بُعْدًا في الزمان والمكان, كما أن العمليات المعرفية تصبح أكثر ارتباطًا بمعظم أنماط السلوك؛ بحيث تصبح هذه الأنماط أيسر في التحكم فيها معرفيًّا, وهكذا لا يصبح المراهق قادرًا على التفكير في المسائل العقلية وحدها, وإنما يستطيع أن يفكر أيضًا في المشكلات الانفعالية, ومشكلات العلاقات الإنسانية, وامشكلات الأخلاقية, والمشكلات العامة "مثل مشكلات مستقبل الجنس البشري", وغيرها, ويتميِّز المراهق بحماسه في التأمل، وهو يمارس العمليات الصورية في فهم عالمه كما يفعل الطفل في مرحلة الذكاء الحسي -الحركي, حين كان يستطلع عالمه بأصابعه وفمه.
4- التفكير العلمي: تظهر العمليات الصورية في مجالاتٍ عديدةٍ من حياة الإنسان, وخاصةً ما يتصل منها بسلوك حل المشكلة؛ ففي إحدى تجارب بياجيه كان يعرض على المفحوصين شيئًا معلقًا بحبلٍ "أشبه ببندول الساعة", ويمكن لهذا البندول أن يتعدل بتغيير عدة عوامل منها: طول الحبل، وزن الشيء، الارتفاع الذي عنده يتحرك البندول، القوة التي يدفع بها، وكان على المفحوص أن يحدد أيّ هذه العوامل يحدد سرعة حركة البندول, والإجابة الصحيحة هي أن طول الحبل هي العامل الحاسم، كما أن على المفحوص أن يدرك أن اختبار أثر
(1/301)

أحد هذه المتغيرات يتطلب التحكم "أو تثبيت" العوامل الأخرى حتى يمكنه الحصول على نتائج دقيقة.
وقد لاحظ بياجيه أن الأطفال في طور العمليات المحسوسة "طور التمييز" يبدأون مثل هذه التجربة بالتعامل الماديّ مع العوامل المختلفة التي يمكن أن تؤثر في معدل سرعة البندول, وكانوا بذلك أكثر تعليلًا وانتظامًا ودقةً من أطفال طور ما قبل العلميات "طور الحضانة"، كما أنهم أكثر قدرةً على الملاحظة الموضوعية، إلّا أن استنتاجاتهم لا تكون في أحسن الحالات صحيحةً إلّا صحة جزئية؛ لأنهم لم يخططوا لأيّ تحكم أو ضبط أو تثبيت، بالإضافة إلى عجزهم عن تجاوز النتائج القابلة للملاحظة مباشرة؛ ففي إحدى التجارب قارن الطفل بين بندول مؤلف من حبل طويل وشيء ثقيل, ببندول آخر مكون من حبل قصير وشيء خفيف، واستنتج من ذلك أن كلًّا من الطول والارتفاع له أهميته, أما في مرحلة العمليات الصورية "وهي طور التفكير العلمي الصحيح" لا يغير المراهق إلّا وزن الشيء فقط, ويبقى طول الحبل وارتفاع البندول وقوة الدفع متساوية في كلٍّ من البندولين.
5- الاستدلال الترابطي: من خصائص التفكير الصوري ما يسميه إنهلدير وبياجيه: الاستدلال الترابطي Combinatorial, وقد اكتشفا هذه الخاصية من التجربة الآتية, لقد أعطيا للمفحوص 4 زجاجات متشابهة, تحتوي على سوائل لا لون لها ولا رائحة, ومتطابقة إدراكيًّا، ورمز لكلٍّ منها بالرموز الآتية 1 حامض كبريتيك مذاب, 2 ماء, 3 ماء مشبع بالأوكسيجين, 4 كبريتات مخففة, ثم أضاف زجاجة "لها قطارة" رمز لها بالرمز "ج", تحتوي على البوتاسيوم اليودي، ومن المعروف أن الماء المشبع بالأوكسجين يؤكسد البوتاسيوم اليودي في وسيط حمضي، وعلى ذلك فإن المزيج "1 × 3 × ج" يعطي لونًا أصفر, أما الماء فهو محايد، وبالتالي فإن إضافته لا تغير اللون، بينما الكبريتات المخففة "4", تحول المزيج "1 × 3 × ج" إلى اللون الأبيض, ويعرض الفاحص على المفحوص كأسين؛ أحدهما يحتوي على "1 × 3", والثاني يحتوي على "2"، ويصب أمام المفحوص قطرات عديدة من "ج" في كلٍّ من الكأسين, ويلاحظ ردود الأفعال المختلفة, وبعد ذلك يطلب من المفحوص ببساطةٍ أن يحضر اللون الأصفر باستخدام الزجاجات "1، 2، 3، 4، ج" حسبما شاء.
لقد طلب من المفحوص في هذه التجربة إنتاج السائل الملون المعروض أمامه, دون أن يعرف طريقة الحصول عليه. إن هذه التجربة لو عرضت على الطفل في طور التفكير العياني فسوف يحلّ المشكلة بالمزاوجة بين كل سائلين فقط،
(1/302)

وقد يتسم ذلك بالعشوائية وتكرار المزاوجات, أما المراهق في طور التفكير الصوري, فإنه يستطيع اختبار جميع الروابط الممكنة، ويشمل ذلك المزاوجة بين أكثر من سائلين، وهو بذلك يفكر في إطار العلل "الأسباب" الضرورية والكافية, ومن ذلك مثلًا أن المراهق قد يكتشف أن المزج بين العناصر الكيميائية الثلاثة التي تنتج السائل الأصفر قد يكون ضروريًّا لإنتاج هذا اللون، ولكنه قد لا يكون كافيًا، ولذلك قد يستمر المراهق في إجراء اختباراته للبحث عن صور أخرى للمزج تؤدي إلى نفس النتيجة, أي أن المراهق باحث عن "الأسباب المتعددة" التي تتفاعل معًا، وبالتالي فإن تفكيره لا يكون "أحاديّ الرؤية", أو "حتميّ السببية", أي لا يكون من نوع التفكير في السبب الواحد والوحيد.
6- الاستدلال متعدد الأبعاد: تعتمد هذه الخاصية على الخاصية السابقة؛ فالمراهق الذي يستطيع الربط بين عللٍ وأسبابٍ متعددةٍ للحدث الواحد, يمكنه التفكير في حلولٍ متعددة للمشكلة الواحدة, ويتطلب ذلك قدرةً على تناول البدائل متآنية "أي: في وقت واحد" من حيث الإيجابيات والسلبيات, ويؤدي ذلك بالمراهق إلى ترتيب البدائل, كما يعينه على الاختيار على تفضيل البديل الأكثر ملاءمة وفعالية في تحقيق هدف "أو أهداف" معينة بأقل قدرٍ من الآثار السلبية, وهذه إحدى القدرات الهامة في التفكير المستقبلي والتخطيطي, ويتطلب ذلك توافر مصادر كافية من المعلومات.
7- التفكير الفرضي الاستنباطي: في المثال السابق نشير إلى أن المراهقين حين تُعْرِضُ عليهم هذه المشكلة يبدأون في التفكير في جميع الارتباطات المحتملة للعناصر، أو على الأقل, الاحتمالات الضرورية للوصول إلى تحديدٍ كاملٍ للسببية "العلية", وتتوافر لديهم عادةً طريقة منظمة للوصول إلى هذه الارتباطات مثل "1 × ج" إلخ، ثم "1 × 2 × ج" إلخ, وتفصح لغة المفحوصين بوضوحٍ عن استخدام المنهج الفرضي الاستنباطي hypothetico- deductive في التعامل مع البيانات، مثل استخدام العبارات الشرطية "إذا ... إذن". ومن ذلك العبارة التي جاءت في بروتوكولات أحد المراهقين "إذا كان السائل "4" ماء, فإنك حين تضعه على المزيج "1 × 3" لن يمنع ذلك اللون الأصفر من الظهور، وعلى ذلك, فإنه ليس ماء؛ لأنه في الواقع حال دون ظهور اللون الأصفر", وبهذه الطريقة لم يعد المراهق يصوغ عبارات بسيطة حول المعطيات فحسب "السائل 4ماء"، وإنما أصبح قادرًا على صياغة "عبارة حول العبارات", أو "قضية حول القضايا"، "مثال ذلك عبارة أن السائل 4 ماء, تتضمَّنَ منطقيًّا أنه لا يمنع ظهور اللون
(1/303)

الأصفر", وهذا نوعٌ من التضمين المنطقي يدل على ما يسميه بياجيه "التفكير بين القضايا", وتعليمات من الدرجة الثانية كما سبقت الإشارة؛ فعبارة السائل 4 لا يمنع اللون الأصفر من الظهور, لا تدرك في عالم الواقع, وبالتالي تتناول بوضوح "الممكن" و"الحقيقي", وهكذا فإن من خصائص التفكير الفرضي الاستنباطي أنه يتطَلَّبُ من المراهق أن يستدل من حقائق الواقع "الأمبريقي" على المحتمل أو الممكن، ثم العودة إلى الحقيقة الأمبريقة, وهذا النمط من التفكير هو أساسٌ آخر للتفكير العلمي, ويمكن وصفه بالبدء في صياغة فروض من نوع "إذا.... إذن ... ", ويتألف الجزء بعد حرف الشرط "إذا" من فكرة نظرية "أو احتمال"، أما الجزء بعد كلمة "إذن" فيدل على ما يتوقعه المرء من نتيجةٍ إذا كانت الفكرة صحيحة, ويتضمن التفكير الفرضيّ أيضًا القدرة على الوصول إلى الخاصية المشتركة أو المحورية بين مجموعة من الأشياء أو الأحداث التي تبدو غير مرتبطة لتؤلف فئة أو تظرية جديدة, فإذا كان التصنيف أو المبدأ أو القانون صحيحًا, إذن "بالاستدلال الاستنباطي" يمكن التنبؤ بأن أشياء أو أحداث أخرى يمكن أن تنتسب إلى هذه الفئة, أو ينطبق عليها المبدأ. وهذا هو أساس بناء القانون في العلم, بل يفيد التفكير الفرضي في بناء الفرد لفلسفته في الحياة وقيمه وأهدافه.
وجميع سمات التفكير الصوري تجعله أداةً جيدةً للاستدلال العلمي, فقد أظهرت بروتوكولات المراهقين أنهم قادرون على الوصول إلى الحل الصحيح بطريقةٍ قد تُعَدُّ من قبيل الاكتشاف العلمي؛ فالاستدلال الفرضي الاستنباطي، والطريقة الترابطية، وغيرهما من خصائص التفكير الصوري, تزود المراهقين بالأدوات اللازمة لتمييز المتغيرات التي تُعَدُّ سببية، وتثبيت أحد العوامل لتحديد الأثر السببي لعامل آخر، وهكذا, والمراهق يستطيع أن يتخيل التحويلات المختلفة التي تسمح بها البيانات حتى يمكن اختبارها تجريبيًّا، كما يستطيع إعطاء تفسير منطقي صحيح لنتائج هذه الاختبارات التجريبية؛ فمثلًا إذا حدث أنه حصل على اللون الأصفر من المزيج "1 × 3 × ج" دون غيره، فإنه يستطيع أن يستنتج أن "1 × 3 × ج" هو السبب الضروري والكافي، أي أن "1 × 2 × 3 × ج" قد ينتج هذا اللون, إلّا أن "2" ليس ضروريًّا, وبهذا يعرف المفحوص أن المشكلة قد حلت.
وهكذا نجد المراهق حين يعمل بأقصى قدرته العقلية فإنه يستخدم هذا النوع من الأسلوب العلمي. إنه لا يندمج ببساطة في التجربة، كما أن تفكيره ليس مقيدًا بالنتائج المباشرة القابلة للملاحظة, إنه يبدأ أولًا بتأمل جميع الاحتمالات "أو الفروض" حول: ما الذي يساعد على سرعة البندول؟ أو كيف نحضر سائلًا
(1/304)

ذا لونٍ أصفر؟ وبهذا يكون قادرًا على تخيُّل أن هناك عاملًا أو مجموعة من العوامل تحدث النتيجة، ويستطيع أن يستنبط ما يمكن أن يحدث إذا اختبر بعض هذه الحالات "أو الفروض", وعلى هذا فإنه حتى قبل أن يبدأ التجربة يكون قادرًا على وضع خطة أو تصميمٍ لاختبار كل احتمال بديلٍ بطريقةٍ منظمةٍ.
وهذا التطور المعرفي الذي يجعل المراهق يفكر "ذهنيًّا" في المشكلة, دون أن يؤدي بالفعل جميع الخطوات, يمكن أن يلاحظ في جميع مظاهر الحياة اليومية للمراهق, ويصاحب ذلك كله نمو مفهوم الزمن وزيادة القدرة على إدراك المستقبل ووضع أهداف طويلة المدى, فعلى عكس الطفل الذي ينشغل بما هو حاضر الآن, وماثل في المكان, لا يستطيع المراهق أن يدرك الحالة الراهنة المباشرة التي عليها الأشياء فحسب، وإنما يمكنه أن يدرك أيضًا ما يمكن أن تتضمنه وتفترضه. إنه يستطيع عندئذ أن يدرك الفرق بين الواقع والممكن, ولعل هذا يفسر لنا نقد المراهقين لبعض جوانب الواقع الاجتماعي, وانشغالهم ببدائل لما هو واقع. وهذا مثال على القدرة النامية لدى المراهق على استخدام التفكير المؤسس على العلميات الصورية أو الشكلية, إلّا أن هذا قد لا يتجاوز حدود الانشغال في "لعبة الأفكار", ولعل هذا ما دعا بعض الباحثين إلى وصف الاهتمامات المعرفية للمراهقين بأنها لا تتجاوز "الأقوال إلى الأفعال" "Mussen et al 1984".
وبالإضافة إلى ذلك, فإن المراهق يكون أكثر وعيًا بالتمييز بين مجرد إدراك الأشياء واختزانها في الذاكرة, والمراهقون أكثر قدرةً على استخدام استراتيجيات أكثر تطورًا كمعينات للذاكرة, بالإضافة إلى أن منظور "زمن المستقبل" لديهم أكثر اتساعًا منه عند الأطفال.
ويشير جون فلافل إلى خاصيةٍ عامةٍ في تفكير المراهقين, وهي ما يسميه "الإحساس باللعبة", أي: وعي المراهق بأن كثيرًا من جوانب الحياة يتطلب توقع الاستراتيجيات وصياغتها وتنميتها حتى يمكنه التعامل مع المشكلات، سواء كانت هذه المشكلات تتصل بالسلوك الشخصي أو السلوك الاجتماعي.
والتغيرات العقلية والمعرفية في هذه المرحلة تلعب دورًا هامًّا في معاونة المراهق على التفاعل مع المطالب التربوية والمهنية المعقدة, فمن المستحيل على طالب المرحلة الإعدادية "أو المرحلة الثانية من التعليم الأساسي" أن يتقن المواد الأكاديمية التي يدرسها دون أن يتوافر لديه مستوى رفيع من التفكير المجرد، أو القدرة على التفكير باستخدام صيغ لفظية ورمزية لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالأشياء
(1/305)

العيانية الملموسة في عالم الواقع "من أمثلة ذلك الرياضيات واللغة".
وتعتمد جوانب أخرى كثيرة من نموِّ المراهق على التقدُّم المعرفي الذي يحرزه في هذه المرحلة؛ فالتغير في علاقات المراهق بوالديه، وفي سمات الشخصية، وفي التخطيط للمستقبل التعليمي والمهني، وفي زيادة الاهتمام بالمسائل الاجتماعية والسياسية والدينية والشخصية، بل وفي نمو الشعور بالهوية الشخصية، كلها تتأثر بالتغيرات العقلية والمعرفية في هذه المرحلة.
وانشغال المراهق بالتفكير في ذاته, وخاصة أفكار المراهق عن نفسه, من خصائص مرحلة العمليات الصورية. فمن المعتاد أن نلاحظ على المراهق تحولًا إلى التأمل الذاتي "الاستبطان", ولهذا يبدو على التفكير والسلوك في هذه المرحلة طابع التمركز حول الذات, ولا يعني هذا الوصف أن تفكير المراهقين هو عودة إلى التفكير الطفولي في مراحله المبكرة, فالفرق الجوهري هنا: أن تمركز المراهق حَوْلَ ذاته يتضمن فحص أفكاره ومشاعره وسمات شخصيته ومظهره الجسمي, ويؤدي به ذلك إلى زيادة الشعور بالذات، وهو شعور قوي في حَدِّ ذاته.
والشعور بالذات لدى المراهقين ليس غرضًا في ذاته؛ فالفتى الذي يقف أمام المرآة يتأمل عضلاته، أو الفتاة التي تقف أمام المرآة أيضًا تغيِّرُ في تسريحة شعرها, قد يتضمن ذلك الرغبة في جذب انتباه أقرانهم في زيارة أو حفلة, إلّا أن من المآسي البسيطة في حياة المراهقين أنهم حين يلتقون يكون كلٌّ منهم منشغلًًا بنفسه أكثر من انشغاله بالمراهقين الآخرين, على الرغم مما بذله كلٌّ منهم لجذب انتباه الأقران إليه.
وانصراف المراهق إلى المسائل العقلية قد يستخدمه كحيلةٍ نفسيةٍ للتعامل مع مشاعر القلق التي يعانيها, ويتمثَّل ذلك في اهتمام المراهق بالمسائل المجردة الفلسفية غير الشخصية, والتي يهتم بها اهتمامًا شخصيًّا مباشرًا, ومن ذلك مسائل الدين والحرية والمسئولية وطبيعة الصداقة, وتفيد هذه الممارسات العقلية -إلى جانب دورها في خفض قلق المراهقين- في تدريبهم على التفكير المجرد, وصَوْغِ الفروض واختبارها, وبصفة عامة فإن "العقلانية" -كحيلة دفاعية- تُسْتَخْدَمُ عادةً من قِبَلِ المراهق الذكيّ المثقف من أبناء المستويات الاقتصادية الاجتماعية المتوسطة, ويحتاج الميدان إلى بحوثٍ لمعرفة ما إذا كانت هذه الحيلة تشيع في الفئات الأخرى للمراهقين، ومعرفة محتوى "العقلانية" لديهم, وخاصة في بيئاتنا العربية والإسلامية, وعمومًا فإن النمو العقلي -كالنمو الجسمي- يسير في مرحلة المراهقة تدريجيًّا نحو الاستقرار الذي سوف نشهده عامةً مع الرشد.
(1/306)

النمو الانفعالي:
يوجد اتفاق عام على أن مرحلة المراهقة هي مرحلة "أزمة"، ولعل جورج ستانلي هول كان أوَّلَ من أطلق هذا الوصف في عبارته الشهيرة "مرحلة الضغوط والعواصف", وهو وصفٌ يتضمن المعنى التقليدي, وهو أن المراهقة مرحلة توتر انفعالي شديد, مصدره التغيرات الجسمية والسيكولوجية التي تحدث في هذه المرحلة, إلّا أننا إذا علمنا أن النموَّ يستمر طوال مرحلة المراهقة بمعدلٍ بطيءٍ، بعد البلوغ خاصة، وأن معظم النمو ليس إلّا محض تكملة للتغيرات التي حدثت بالفعل أثناء البلوغ، فإن هذا التفسير البيولوجي الحتمي للأزمة يصبح موضع شك, والأصح أن نضع في الاعتبار نتائج بحوث علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا التي أكدت أن أزمة المراهقة "تختلف في شكلها ومضمونها وحِدَّتِهَا من مجتمعٍ إلى مجتمعٍ، ومن حضارةٍ إلى حضارةٍ، وأنَّ المراهق أو الشاب يعكس في أزمته -في المحل الأول- ظروفًا اجتماعية وحضارية معينة, لا ظروفًا بيولوجية ونفسية. فالأزمة لا تكون استجابةً لتغيرات داخل الفرد نفسه، وإنما تكون نتيجة لاستجابة البيئة -أي المجتمع والحضارة- التي يعيش فيها للتغيرات التي تطرأ عليه "عزت حجازي، 1978: 53".
وهذا ما تؤكده أيضًا البحوث النفسية الحديثة, فعلى الرغم من أن كلَّ مراهقٍ يواجه بعض الظروف الضاغطة المجتهدة Strissors التي يمكن التنؤ بها, إلّا أن معظم المراهقين لا يشعرون بأن مرحلة المراهقة أكثر صعوبة من غيرها في حياة الإنسان "Simmon 1987", ويعتمد ذلك في جوهره على النواحي المزاجية للمراهق، وعلاقته بوالديه, والخبرات والفرص التي تتهيأ له في بيئته الاجتماعية, وعلى هذا فإن "زملة الضغوط والعواصف" ليست عرضًا ملازمًا للمراهقة, وتلعب الأسرة دورها الحاسم، فكلما كانت علاقة المراهق بوالديه -في أطوار ما قبل المراهقة- على درجة كافية من السواء النفسي, كانت الظروف أكثر ملاءمة لاجتياز مرحلة المراهقة، وخاصةً في طورها المبكر، بنجاح.
تفسير الأزمة إذن يجب أن نبحث عنه في الظروف الاجتماعية التي تحيط بالمراهق, ومن ذلك ضغوط وتوقعات الجماعة على الفرد الذي لا يتزود طوال سنوات الطفولة بأيّ إعداد لمواجهة الظروف المتغيرة التي يتعرض لها خلال المراهقة, وفي ضوء هذا نقول: إننا لا نتوقع لجميع المراهقين أن يمروا بخبرة
(1/307)

"الضغوط والعواصف" التي أشار إليها ستانلي هول. صحيحٌ أن معظمهم يعاني من عدم الاستقرار الانفعالي من وقت لآخر, وهذا طبيعيٌّ بسبب التكيفات التي يجب أن تتمَّ لأنماطٍ جديدةٍ من السلوك, ولتوقعاتٍ اجتماعيةٍ جديدة, إلّا أن هذا كله لا يؤدي بالمراهق -حتمًا- إلى سوء التوافق أو الاضطراب النفسي.
ويؤكد هذا القول النتائج الهامة التي توصَّلَ إليها رائد بحوث المراهقة في مصر صموئيل مغاريوس "1957"؛ ففي دراسته الهامة التي قام بها عام 1957 على 67 حالة من الشباب المصري الذين تجاوزوا مرحلة المراهقة, مستخدمًا طريقة تحليل الوثائق الشخصية "في صورة السير الذاتية", توصَّلَ من تحليل محتوى المذكرات التي كتبها هؤلاء المفحوصون إلى تصنيف "أشكال" المراهقة في مصر إلى أربعة أنواع هي: المراهقة التكيفية، والمراهقة الانسحابية المنطوية، والمراهقة العدوانية المتمردة، والمراهقة المنحرفة.
وعلى الرغم من أن انفعالات المراهق تكون في العادة حادةً، والتعبير عنها لا يخضع للتحكم، وبالرغم من ظهور بعض أعراض سوء التوافق نتيجةً لهذا, فإننا عادةً ما نلاحظ تحسنًا في السلوك الانفعالي عامًا بعد عامٍ, ومرةً أخرى نجد أن النموَّ الانفعالي يتجه تدريجيًّا نحو الاستقرار مع الاقتراب من مرحلة الرشد، شأنه في ذلك شأن النمو العقلي والجسمي.
وعمومًا فإن الأنماط الانفعالية لدى المراهق, تشبه إلى حَدٍّ كبيرٍ ما لدى الطفل، ولكنها تختلف عنها في نوع المثيرات التي تثير لدى المراهق انفعالاته، وفي صور التعبير عنها؛ فالغضب يستثار في المراهقة المبكرة نتيجة النقد أو السخرية, أو حين يشعر المراهق أن أصدقاءه يُعَامَلُونَ معاملةً غير ملائمة من الوالدين أو المعلمين، أو حين يُحْرَمُ من بعض الامتيازات التي يعتبرها من حقوقه، أو حين يُعَامَلُ "كطفلٍ", كما يشعر بالغضب حين لا تستقيم في نظره الأمور، أو حين يعجز عن إتمام ما أَعَدَّ نفسه لإنجازه، أو حين يُقَاطَعُ أثناء الانشغال بعمل، أو حين يقتحم الآخرون عالمه الخاص, أو يتم التعدي على ممتلكاته الشخصية.
ويشعر المراهق الصغير بكثير من مشاعر الإحباط حين يُعَاقُ إشباع حاجاته, وخاصةً حاجته إلى الاستقلال, كما تُوجَدُ مصادر كثيرة للتوتر, بعضها ينشأ عن سلوك الآخرين إزاءه "وخاصة الوالدين والمعلمين وغيرها من ممثلي السلطة الاجتماعية", وبعضها من الأشياء التي توجد في بيئته ولا يحبها، وبعضها الثالث من سلوكه هو, وقد يستخدم المراهق في هذه المرحلة الاستجابات الصريحة
(1/308)

للتعبير عن العدوان "كالعنف البدني عند الذكور, والصراخ والبكاء عند الإناث"، إلّا أنه يدرك بالتدريج أن مثل هذه الاستجابات تُعَدُّ من علامات عدم النضج، ويتعلم التحكم فيها, وتحل وسائل التعبير اللفظي محل الوسائل المباشرة في التعبير عن العدوان, ولا يكاد يصل المراهق إلى نهاية مرحلة المراهقة المبكرة إلّا ويكون تحكمه في استجابات الغضب قد وصل إلى درجة جيدة من النموّ؛ بحيث لا تظهر علامات التعبير المباشر عن العدوان إلّا في قليلٍ من الأحيان, وبالطبع تختلف صور التعبير عن العدوان تبعًا للمستوى الاقتصادي والاجتماعي وحسب الجنس.
ويتعلم المراهق أن معظم الأشياء التي كان يخاف منها أثناء الطفولة ليست مصدر خطرٍ أو أذًى كما يتوهم, ولهذا تزول معظم مخاوفه السابقة, وتحل محلها مخاوف جديدة يرتبط معظمها بالمواقف الاجتماعية التي قد يتعرض لها، كالوجود مع الغرباء, أو مع عدد كبير من الناس, أو في عزلة عن الآخرين, وتصل هذه المخاوف إلى قِمَّتِها في سن الثانية عشرة, ثم تبدأ في الزوال تدريجيًّا "M.Abou- Hatab 1994", ويصبح مع المخاوف معتدل الحدة, ومع ذلك يؤدي به إلى الشعور بالخجل أو الارتباك, ومن ذلك حين يسعى المراهق إلى السلوك على النحو الذي يسلكه الراشدون، أو حين يجهل أفضل طريقة للسلوك في موقف اجتماعي معين, وقد يشعر بالارتباك من ملابسه, وخاصة في بعض المجتمعات التي تعد الملابس نوعًا من رموز المكانة الاجتماعية, ولعل هذا يفسر لنا كثيرًا من الخلل الاجتماعي الذي طرأ على مراهقينا نتيجةً لسيطرة فكرة "المستَوْرَد" على ما يلبسون، وأصبح أقصى ما يتمناه المراهق أن يحصل على "بنطلون مستورد", والمراهقة على "بلوزة" مستوردة تحقيقًا للوجاهة الاجتماعية التي أشاعها بهذا المعنى عصر "الانفتاح" في مصر, وخاصة في مراحله العشوائية المبكرة، وقد سقط في سبيل هذا الهدف كثير من الضحايا, ولعل الدعوات التي ظهرت في السنوات الأخيرة للتركيز على شعار "صُنِعَ في مصر" تؤدي إلى تعديل هذا السلوك في الاتجاه الصحيح.
ويمثِّلُ العمل المدرسي وما يرتبط به من امتحانات مصدر كثيرٍ من القلق لدى المراهق الصغير, ومن المصادر الأخرى لقلق المراهق مظهره, ونقص التفاهم مع والديه، والعلاقة بين الجنسين، وصعوبة تكوين صداقات، ونقص وسائل الترفيه الملائمة, والاختيار التعليمي والمهني، والمسائل الدينية والصحية، والملابس والنقود، وبعض المشكلات الشخصية مثل نقص التحكم الانفعالي.
(1/309)

النمو الاجتماعي:
لعل من أهم مطالب النموّ في مرحلة المراهقة تحقيق التكيف الاجتماعي, ولا شكَّ أن المراهق الذي تَتَكَوّنُ لديه قاعدة هذا التكيف خلال أطوار الطفولة, سوف يواجه المطالب الاجتماعية الجديدة بتكيفٍ ناجح, وبعض المراهقين يفشلون في تحقيق هذه المطالب, فيتوقفون عن المحاولة, وينكصون على أعقباهم إلى صور العلاقات الاجتماعية التي كانوا يمارسونها في مرحلة الطفولة، أو تصدر عنهم صور تعويضية من السلوك تحل محل السلوك الاجتماعي المعتاد.
ولعل أكثر صور التوافق الجديد أهميةً لدى المراهق الصغير، وأكثرها صعوبةً في نفس الوقت، ما يجب عليه أن يفعله إزاء الأثر المتزايد لجماعة الأقران، بالإضافة إلى الجماعات الاجتماعية الجديدة التي تظهر الحاجة إليها في هذه المرحلة، وأنماط السلوك الاجتماعي الجديد التي لم تكن شائعة في المراحل السابقة.
فمع اقتراب الطفل من نهاية مرحلة الطفولة وبداية مرحلة المراهقة, يزداد بُعْدُ الفرد عن الأبوين والمنزل إلى حَدٍّ كبيرٍ, ومعظم الوقت الذي يقضيه خارج المنزل "وهو أكثر مما يقضيه داخل المنزل" يكون مع جماعة الأقران, وهذا يعني بالضرورة أن هذه الجماعة لها أثر بالغ في اتجاهات المراهق الصغير وميوله وقيمه وسلوكه قد يفوق أثر الأسرة, إلّا أن هذا ليس قاعدة عامة, فتحديد الأثر النسبي لكلٍّ من الأسرة وجماعة الأقران يعتمد إلى حَدٍّ كبير على نظرة المراهق إلى كفاءةٍ كلٍّ منهما في توجيه سلوكه, فحين تكون مشكلاته مرتبطة بالحياة على وجه العموم, نجد المراهق الصغير يتوجه إلى والديه، أما إذا كانت هذه المشكلات مرتبطة بالمواقف الراهنة والخاصة, يلجأ إلى جمعة الأقران, وبصفة عامة يمكن القول أن مراهقي الحضر أكثر تأثرًا بجماعة الأقران، وأن مراهقي الريف أكثر تأثرًا بالأسرة, ويزداد أثر جماعة الأقران حدَّةً مع زيادة رغبة المراهق بالنمط السلوكي الذي تحدده الجماعة؛ فحين يكتشف المراهق الصغير مثلًا أن تفوقه الدارسي يجعله "مختلفًا" عن أعضاء الجماعة, فإنه يصبح أقل شغفًا بالحصول على تقديرات عالية في الامتحانات, ويفضِّلُ أن يكون "واحدًا من القطيع", بل إن البعض يبالغ في تصرفاته التزامًا بمعيار الجماعة حتى يتخلص من الصورة التي كانت له عند الآخرين حينما كان طفلًا، أي: صورة "الطفل الطيب المؤدب".
ولعل من أخطر مصادر المشكلات للمراهق الصغير تفضيله لمعايير جماعة
(1/310)

الأقران التي قد تتعارض مع معايير الكبار "وخاصة الوالدين", وعلى ذلك فإن الأب الذي يُصِرُّ على أن يذهب ابنه المراهق إلى النوم في تمام الساعة الثامنة مساء، كما كان طفلًا، قد يجد نفسه في موقف صراعٍ مع ابنه حين تكون معايير جماعة الأقران التي ينتسب إليها هي اعتبار الساعة العاشرة أو العاشرة والنصف مثلًا وقتًا معقولًا للنوم, وفي هذه الحالة يعيش المراهق في عالمٍ يحكمه معياران؛ أحدهما يقوم على توقعات الكبار منه، والآخر يعتمد على توقعات جماعة الأقران, وينشأ لدى المراهق الذي يحب والديه, والذي يريد في نفس الوقت أن يكون مقبولًا من جماعة الأقران, مشكلة اتخاذ قرارٍ مناسبٍ حول أيّ المعيارين سوف يتحكم في سلوكه، وهو عادةً ما يختار معيار جماعة الأقران بسبب الاتجاه الخارجي للنموّ في هذه المرحلة، وهذا التعامل مع المعايير المتضادة قد يخلق لدى المراهق مشكلات عامة وخاصة لدى الذكور.
إلّا أن أهم تَغَيُّرٍ يطرأ على السلوك الاجتماعي في هذه المرحلة أن "شِلَلَ" gangs الأطفال تتلاشى بالتدريج مع البلوغ الجنسي, وفي بداية المراهقة, مع تحوّل اهتمامات الفرد من نشاط اللعب في الطفولة إلى الأنشطة الاجتماعية في المراهقة, ولهذا تحل جماعات جديدة محل الشِّلَلِ القديمة, وعادة ما تكون جماعات الذكور أكبر وأقل تحديدًا, بينما جماعات الإناث أصغر وأكثر تحديدًا.
وأشهر أنواع التجمعات الاجتماعية في مرحلة المراهقة المبكرة ما تسميه هيرلوك "Hurlock" الرفقة الحميمة, والثلة clique, والجمهرة corwd, والجماعة المنظمة, ثم العصابة, وتتألف جماعة الرفقة الحميمة من أفضل الأصدقاء؛ فمع البلوغ يختار الفتى صديقًا وثيق الصلة به, يكون موضع سره، وكذلك تفعل الفتاة. هذا الرفيق يشبع لدى المراهق الكثير من حاجاته الاجتماعية؛ فنجده يقضي معه وقتًا أطول مما يقضيه مع الأصدقاء الآخرين, وعادةً ما يكون الرفيق من نفس الجنس لديه نفس الميول والقدرات, والعلاقة بينهما تكون وثيقةً إلى الحدِّ الذي يتأثر فيه كلٌّ منهما بالآخر, وعلى الرغم مما ينشأ بينهما من اختلاف، بل وصراعٍ قد يكون مريرًا، فإن صلة الصداقة بينهما تكون من القوة بحيث تتجاوز كل ذلك, وتعود الأمور بينهما إلى طبيعتها من جديد, وهكذا فإن جماعة الرفقة الحميمة هي في جوهرها من نوع المثنى diad.
أما الثلة فهي تجمع أكبر, إنها تشكل ثلاثة أو أربعة من الأصدقاء الحميمين الذين تجمعهم ميول وقدرات مشتركة أيضًا, وقد تتألف من عدة أزواج من الرفاق
(1/311)

الحميمين, وتكون الثلل في مراحل تكوينها المبكر من نفس الجنس، وتجمع أعضاؤها روابط قوية لا تتوافر في صداقات الطفولة, ويقضي أفراد الثلة أكبر وقت مستطاع مع بعضهم, وتتركز أنشطتهم على الأنشطة الجماعية؛ كالاستذكار الجماعي، أو الذهاب إلى الأفلام السينمائية، أو مشاهدة المباريات الرياضية، أو حضور الحفلات, أو التواصل سواء بالحديث المباشر, أو باستخدام التليفون "أكبر عدد من المكالمات التليفونية التي يقوم بها المراهق الصغير تكون مع أفراد ثلته", ومن المتوقع للمراهق حين ينتمي إلى ثلةٍ معينةٍ أن يساير معايير السلوك فيها, حتى لو اختلفت أو تعارضت مع معايير أسرته.
والجمهرة هي أكبر التجمعات الاجتماعية في مرحلة المراهقة، ولهذا توجد فيها مسافات اجتماعية بين أعضائها, وعادة ما تبدأ بثلةٍ ثم يزداد حجمها بانضمام أعضاء جدد؛ كأفراد أو كرفاق حميمين أو كثلل أخرى, وفي مثل هذه الظروف لا يكون جميع أعضاء الجمهرة متجانسين, وقد تكونه الجمهرة في البداية من نفس الجنس، ومع نموّ الاهتمام بالجنس الآخر تصبح هذه الجماعات مختطلة, وعادةً ما تكون أنشطة هذه الجماعات ذات طابع اجتماعي.
أما الجماعة المنظمة فهي تلك التي تنظمها المدارس والأندية وغيرها من المؤسسات الاجتماعية لتهيئة الفرصة للمراهقين لممارسة الأنشطة الاجتماعية, ولو نظمت هذه الجماعات تنظيمًا جيدًا لأشبعت الكثير من الحاجات الاجتماعية لدى المراهقين، إلّا أنه لسوء الحظِّ لا تحقق ذلك, بسبب الفشل في إكسابهم المهارات الاجتماعية، وروح السيطرة التي يفرضها أحيانًا قادة هذه الجماعات "الذين هم في العادة من الكبار".
ويوجد بعض المراهقين الأقل توافقًا من الوجهة الاجتماعية, وليس لديهم إلّا قليل من الصداقات بين زملائهم, ولهذا نجدهم يقضون وقتهم يتسكعون في الطرقات وعلى نواصي الشوارع والميادين, مؤلفين ما يمكن أن يسمى عصابة, وعادةً ما تكون هذه العصابات من نفس الجنس, وعلى الرغم من أن أفراد هذه العصابات لا يتحولون بالضرورة إلى أحداثٍ جانحين، إلّا أننا نلاحظ أن معظم الوقت يُقْضَى في سلوكٍ مضادٍّ للمجتمع, وفي بعض أحداث العنف, ولعل هذه الفئة تؤلف الجمهور الأعظم لأحداث العنف الجماعي التي تعرضت لها مصر في السنوات الأخيرة.
ومن أهم مظاهر التغير التي تطرأ على السلوك الاجتماعي للمراهق الصغير
(1/312)

محاولة تقمص شخصية أحد الراشدين، يفعل ما يفعلون في المواقف الاجتماعية المختلفة, ويلجأ بعضهم في سبيل تحقيق ذلك إلى الميل إلى إصدار أنماطٍ سلوكيةٍ تعبر عن مكانة الراشد، وأشهر الأمثلة في هذا الصدد التدخين, وقد يظهر هذا الميل لدى مراهق الأسر القادرة في صورة رغبة قوية في قيادة السيارة, ويزداد استخدام هذين النمطين السلوكيين كرموزٍ لمكانة الرشد عند المراهقين مع تقدمهم في السن.
ومن أنواع السلوك الاجتماعي الهامة التي تطرأ على حياة المراهقين الصغار العلاقات بين الجنسين؛ فالمراهق يتحول من النفور من الجنس الآخر في مرحلة الطفولة المتأخرة والمراهقة المبكرة, إلى الشغف والاهتمام به في أطوار المراهقة المتوسطة والمتأخرة, وهذا التحوّل يرتبط بالطبع بالنمو الفسيولوجي الذي يحدث بسرعة فائقة في هذه المرحلة.
ميول المراهقين:
تنشأ في مرحلة المراهقة ميول جديدة نتيجةً للتغيرات الجسمية والاجتماعية, وما يميل إليه المراهق يتوقف على جنسه وذكائه والبيئة التي يعيش فيها, وفرص التعليم المتاحة له, وما يهتم به أقرانه, وقدراته وميوله, وأسرته, وغير ذلك من العوامل الكثيرة, ويمكن تصنيف ميول المراهقين إلى ثلاثة أنواع على النحو الذي تقترحه هيرلوك "Hurlock 1980", أي: الميول الاجتماعية، والميول الشخصية، وميول الترويج.
والميول الاجتماعية هي تلك التي تتعلق بالمواقف الاجتماعية, ويميل المراهق بإخلاصٍ شديدٍ إلى الآخرين, وخاصة أولئك الذين يشعر أنهم في حاجة إلى الرعاية، ويتمثّل هذا الميل في مشاركته النشطة في النشاط الاجتماعي المدرسي، وفي مشروعات خدمة البيئة التي تنظم عادة لمساعدة سكان المنطقة التي توجد فيها المدرسة, كما تظهر على المراهق ميول سياسية, سواء كانت تتعلق بالسياسة الداخلية أو بالسياسة الدولية, وتتمثل هذه الميول في كتاباته وفي نشاطه العملي، وقد يقوى هذا الميل عنده فيظهر في شكل جهد واضح لإصلاح الأسرة والأصدقاء والمدرسة.
(1/313)

أما عن الميول الشخصية فلها أهميةٌ خاصةٌ لدى المراهق, وخاصةً بسبب التغيرات البدنية التي تطرأ عليه خلال البلوغ, والتي تستمر ولو بمعدل بطيء بعد ذلك في مرحلة المراهقة المبكرة, وبعض هذا الاهتمام يعود جزئيًّا إلى معرفة المراهق أن كلًّا من التقبُّل الاجتماعي وتحقيق الذات يتأثر بالمظهر العام للفرد, ويرجع إلى هذا السبب معظم السلوك الذي يصدر عن المراهقين الصغار, ويبدو لنا غريبًا, وخاصةً عند محاولتهم ارتداء أزياء غير مألوفة, وتصفيف الشعر بطرقٍ غير عادية, وتكوين اتجاهات وعادات غريبة. هذه كلها جهود من قبل المراهق للحصول على التقبُّلِ الاجتماعيّ من خلال الالتزام بمعايير الجماعة من ناحية، وللوصول إلى تحقيق ذاته كشخص له حقوق وامتيازات الراشد من ناحية أخرى, وقد ينتج عن هذا ما يسميه الراشدون "البدع" أو "التقاليع"؛ لأنها تتغير تغيرًا سريعًا ومفاجئًا.
وبزيادة الاهتمام بالجنس الآخر تظهر على المراهق ميولٌ واهتماماتٌ بمظهره وملبسه وزينته, وخاصةً لدى البنات، كما يظهر عند المراهق ميلٌ ورغبةٌ في الاستقلال، والذي يظهر بصورة مخففة في نهاية الطفولة, ويتزايد مع بداية المراهقة, ويتمثل ذلك في مقاومة سلطة الكبار, سواء أكانوا آباء أم معلمين, ويؤدي ذلك إلى كثير من الصراعات والمشكلات معهم, كما تظهر على المراهق ميولًا للتمرد, وهي جميعًا أعراضٌ لرغبته في السلوك مستقلًّا عن الكبار, وحتى يحقق تلك الرغبة في الاستقلال تكون للنقود أهمية خاصة، ولا يتمثَّل ذلك في مناقشة مقدار ما يأخذ من مصروف، ولا حريته في إنفاقه فقط، وإنما يتساءل المراهق أيضًا كيف يمكنه أن يكسب نقودًا إضافية ليواجه احتياجاته، ولذلك قد يعمل بعض المراهقين في هذه المرحلة بعض الوقت, ثم يتزايد ميل المراهق نحو الامتلاك؛ كالحصول على الملابس وأدوات الرياضة، ويكون هذا الميل لدى الفتيان أقوى منه لدى الفتيات, وتتوقف حدة هذه الميول على القيم المسيطرة في المجتمع, فحين تكون القيم المادية هي السائدة تسود هذه الميول.
وطالب المدرسة الإعدادية والثانوية مشغولٌ منذ دخوله فيها بمستقبله الدارسي والمهني, والمفروض أن مستويات الطموح المهنية غير الواقعية في مرحلة الطفولة تتحول إلى الواقعية في المراهقة, وحتى تصبح هذه المستويات واقعية؛ فالمفروض أن يتعرف المراهق على قدراته وميوله وإمكاناته واستعداداته عن طريق خدمات نفسية منظمة, وقد توجهت وزراة التربية والتعليم منذ عام 1990 إلى تقديم هذه الخدمات في المرحلة الثانوية, وذلك بتعيين أخصائيين
(1/314)

نفسيين في هذه المدارس, ونحن في حاجة إلى امتداد هذه الخدمات إلى جميع مراحل التعليم "المرحلة الإعدادية والمرحلة الابتدائية".
أما عن علاقة المراهق بالمدرسة: فعادة ما نجده يشكو من قيودها وواجباتها ومقرراتها وطريقة إدارتها؛ فهو ناقدٌ لمعلميه, وناقدٌ لطريقة تدريسهم, ومع هذا فكثيرٌ من المراهقين ينجح أكاديميًّا واجتماعيًّا ويحب المدرسة، فالمدرسة الإعدادية والثانوية للمراهق طريقٌ لتحقيق أهداف مهنية وتعليمية أعلى, ولهذا نجده في أغلب الأحوال يعمل بجدٍّ, ويقرأ باتساعٍ, ويشارك في النشاط, ويتأثر ميل المراهق للدراسة بتفوقه في مواد معينة, واتجاهه نحو معلميه, والفتيان يفضلون عمومًا المواد التي يعتقدون أن لها قيمة واقعية؛ كالعلوم والرياضيات. وأغلب المراهقين يكوّنون اتجاهات عدم التقبل نحو المواد التي اشتهرت بأنها صعبة وقد يفشلون فيها. والواقع أن مشكلة الفقد التعليمي هي من أخطر مشكلات التعليم الإعدادي والثانوي على الإطلاق، والفشل في هاتين المرحلتين ليس في أغلب الأحوال لأسباب أكاديمية, وإنما قد تكون وراءه أسباب اجتماعية، كالفشل في تكوين علاقات اجتماعية ناجحة.
أما عن الميول الترويحية: فإنها تختلف في هذه المرحلة عن ميول الطفولة, فنتيجةً لضغوط العمل المدرسي, سواء أكان رسميًّا أم خلال النشاط المدرسي, لا يجد المراهق وقتًا كافيًا للترويح, ولهذا فإنه لا بُدَّ أن يختار أنواع النشاط التي يمكن أن يستمتع بها مما يحدِّدُ هذه الأنشطة, ويفضل المراهق الصغير الأعمال الرياضية التي تتطلب بذل مقدار كبير من الطاقة, ويصل هذا الميل إلى قمته في مرحلة المراهقة المبكرة, ومن بين جميع الألعاب, تحتل السباحة قائمة الهوايات الرياضية لكلٍّ من الجنسين, وتزداد نسبة الفتيات اللاتي يفضلن الاستمتاع بالرياضة كمتفرجات, بينما يفضل الفتيات القيام بدور المشارك, وخاصة في كرة القدم.
أما عن ميول القراءة الحرة: فهي أقل في مرحلة المراهقة المبكرة منها في السنوات المتأخرة من الطفولة, وقد يكون سبب ذلك ضغوط العمل المدرسي, وعمومًا فإن الفتيان في هذا السن يفضلون القراءة حول العلوم والاختراعات، وتفضل البنات القصص الأدبية, وخاصةً القصص الرومانسية, كما يفضِّل المراهقون ذكورًا وإناثًا قراءة المجلات بصفة عامة على قراءة الكتب، كما يحبون قراءة القصص الفكاهية, سواء كانت في المجلات أو الكتب.
ويفضل المراهقون من بين الأفلام السينمائية الأفلام الرومانسية "وتفضيلها
(1/315)

أعلى عند البنات", وأفلام المغامرات "وتفضيلها أعلى عند البنين", كما يحبون الأفلام الكوميدية, ولا يميلون إلى الأفلام التعليمية من أيّ نوع, ويُعَدُّ الذهاب إلى السينما أحد الأنشطة الهامة لجماعات المراهقين.
ويحب المراهقون الاستماع إلى الراديو والكاسيت السمعي ومشاهدة التليفزيون وأفلام الفيديو, وبعضهم يفضل الاستماع إلى الراديو والكاستيات السمعية أثناء الاستذكار, بحجة أن ذلك يعين على مزيدٍ من التركيز, وتتعرض برامج التليفزيون إلى نقد المراهقين, ويفضل الكثيرون أفلام الفيديو عليها، ولعل ذلك يرجع إلى أن هذه البرامج لا تكاد تشبع حاجات هذه الفئة العمرية الحرجة؛ لأنها في العادة إما أن تكون للأطفال أو الكبار, دون وعي بالمراهقة التي تقع في منزلة بين المنزلتين.
ويقضي المراهقون الصغار جزءًا من الوقت الذي يخصص لأداء العمل المدرسي وغيره من واجبات هذه المرحلة في أحلام اليقظة, والمحتوى الغالب على أحلام اليقظة في هذه المرحلة هو صورة "البطل المنتصر"، وفيه يتقمص شخصية بطل يحبه، وقد يؤدي هذا النشاط إلى تكوين مفهوم غير واقعي عن الذات، إلّا أنه مع ذلك يفيد كميكانيزم لا شعوري في حل الصراع النفسي لدى المراهق.
(1/316)

النمو الخلقي والاهتمامات الدينية:
من المهام النمائية الهامة في مرحلة المراهقة المبكرة, تعلُّم المراهق ما تتوقعه منه الجماعة, وتشكيل سلوكه ليتوافق مع هذه التوقعات, دون إشراف مستمر ودون تهديد بالعقاب على النحو الذي كان سائدًا في مرحلة الطفولة, ولهذا نجد المراهق يحل المبادئ الخلقية العامة محل المفاهيم الخلقية النوعية أو الخاصة، كما يحل الضوابط الداخلية للسلوك محل الضوابط الخارجية.
وإذا كان المراهق قد اجتاز مرحلة الطفولة ولديه أساس أخلاقي قوي, فإنه يستطيع أن يواجه ضغوط المراهقة بنجاح، وخاصة حين يصبح السلوك الخلقي مسئولية ذاتية، لقد أصبح هو مصدر الضبط، ولم يعد الأمر في يد المعلمين أو الوالدين كما كان الحال في مرحة الطفولة, ولعل من الأخطاء التي يقع فيها الوالدان والمعلمون في هذه المرحلة أنهم لا يهتمون بتدريب المراهق على إدراك العلاقة بين المبادئ الخاصة التي تعلمها في الطفولة والمبادئ العامة التي تُعَدُّ جوهريةً في ضبط السلوك في المراهقة، وبالتالي في مرحلة الرشد، ويكتفون في هذا الصدد بالقول بأنه قد تَعَلَّمَ أثناء الطفولة القواعد التي تميز بين الخطأ والصواب،
(1/316)

الحق والباطل، الفضيلة والرذيلة, وغيرها.
والواقع أن المراهق لا يكون مستعدًّا لتقبُّلِ المفاهيم الخلقية دون مناقشةٍ كما كان الحال عليه أثناء الطفولة, إنه يحاول بناء نظامه الأخلاقي معتمدًا على المبادئ الخلقية التي تكونت لديه أثناء الطفولة, والتي يجب أن تتعدَّلَ وتتغيَّرَ لتلائمَ المستوى الأكثر نضجًا من النمو في هذه المرحلة, ويقوده ذلك إلى اكتشاف أوجه التناقض في بعض المبادئ الخلقية، وخاصةً التناقض بين القول والعمل في سلوك الوالدين والمعلمين, وهذا الاكتشاف بالذات يؤدي بالمراهق إلى كثيرٍ من الخلط والاضطراب, كما قد يكتشف المراهق ما يمكن أن يسمى "المعيار المزدوج" Double Standard؛ فالكذب يمكن أن يكون أبيض, وسرقة الممتلكات الشخصية أسوأ من سرقة الملكية العامة, ويعض أنماط السلوك في العلاقة بين الجنسين تُعَدُّ خطأً إذا صدرت عن البنات, بينما هي ليست كذلك بالنسبة للبنين، والأخطر من هذا شيوع اتجاه تسامحي نحو الغش في الامتحانات، ويبرر المراهقون ذلك بأن الكثيرين يلجأون إلى هذه الوسيلة للنجاح في الامتحان من ناحية، وبأن هناك ضغوطًا على الطلاب للحصول على درجاتٍ عالية لتحقيق أهدافهم التعليمية والمهنية, وشيوع هذه المعايير المزدوجة بين المراهقين مؤشرٌ على الانهيار القيمي العام, والمراهقة في هذه الحالة ليست إلّا مرآة تنعكس عليها هذه الصورة المدمرة للمجتمع, ومن الواجب أن ننبه إلى ذلك, وخاصة بعد شيوع كثير من الظواهر الخطيرة في مجتمعنا في الوقت الحاضر, والتي تهدد بالشر المستطير.
ولعل أشدَّ مصادر الخطر ضررًا أن يعجز الضمير -وهو قوة الضبط الداخلي عند الإنسان الراشد الذي تعتبر مرحلة المراهقة المقدمة الطبيعية له- عن النموّ بالمعدل المطلوب, والضمير هو الذي يحوّل سلطة التحكم في سلوك الفرد إلى داخله, وليس إلى سلطة خارجية, والمفروض أنه مرحلة نموّ طبيعية في المراهقة, بعد أن تكون قد ظهرت بوادر مشاعر الذنب والعار في الطفولة المبكرة عند القيام بسلوك لا يتفق مع المعيار الاجتماعي، وهي المشاعر التي يُفْتَرَضُ فيها أن تسود هذه المرحلة "وخاصة الشعور بالذنب" لتنقل المراهقين من المستوى الخلقي التقليدي إلى المستوى بعد التقليدي, على حد تعبير كولبرج "راجع الفصل الخامس", ومن الواجب التمييز بين الشعور بالذنب والشعور بالعار؛ فالأول قوةُ ضبطٍ داخليةٍ, بمعنى: أنه يحدث استجابات انفعالية غير ملائمة حين يدرك الفرد أن سلوكه لا يلتزم بالمعيار القيمي، أما الشعور بالعار فينتج استجابات انفعالية فقط, حين يشعر الفرد بأن الآخرين يحكمون على سلوكه بعدم الملاءمة, وعلى هذا فإن
(1/317)

السلوك حين يوجه بالشعور بالذنب يكون موجهًا داخليًّا, بينما سيادة الشعور بالعار يعني أن السلوك لا يزال موجهًا من الخارج, وعلى أية حالٍ, فكلٌّ من الشعورين يتحكَّم في السلوك الخلقي للمراهق الصغير.
والمراهقة هي مرحلة سعي إلى الكمال, ونتيجة لذلك نجد المراهقين يصنعون لأنفسهم وللآخرين معايير أخلاقية مرتفعة يصعب أحيانًا الوصول إليها, وحين يعجز عن تحقيق نموذج "الكمال الأخلاقي" الذي حدده، يشعر المراهق بالذنب, ويعاني من اضطراب الضمير, ولهذا نجد المراهق أكثر استعدادًا من الطفل في تقبل اللوم, إلّا أنه لو زادت حدة مشاعر الذنب عنده، وتكرر حدوثها, قد يشعر المراهق بعدم الكفاءة الشخصية، ويلجأ نتيجةً لذلك إما إلى الهرب في أحلام اليقظة، أو إلى تكوين اتجاه الامبالاة, ومن المؤكَّدِ أن كثيرًا من أسباب شقاء المراهقين الصغار, هي مشاعر ذنبٍ ناجمة عن شعورٍ, بعضه حقيقيّ, ومعظمه متوهم.
وتتميز المراهقة أيضًا بأنها فترة يقظة دينية توضع فيها المعتقدات الدينية التي قد كوَّنَها الفرد في طفولته موضع الفحص والمناقشة والنقد، وتتعرض للتعديل حتى تتفق مع حاجاته الجديدة الأكثر نضجًا, وتستغرق هذه الأمور منه وقتًا طويلًا, ولذلك فإن مرحلة المراهقة يصبغها الاهتمام الديني, ويزيد من اهتمام المراهق بالمسائل الدينية أنه مطالبٌ بممارسة العبادات بشكلٍ أكثر جديةٍ مما كان عليه الحال في الطفولة, بالإضافة إلى أن مناقشاته مع أصدقائه يغلب على موضوعاتها المسائل الدينية، كما أن بعض الحوادث التي تقع له؛ كموت صديق أو قريب, أو الصعوبات التي يواجهها, تجعله يزداد تركيزًا على الدين.
والفحص الناقد لمعتقدات الطفولة قد يقود المراهق إلى الشك, وبالطبع تُوجَدُ فروق فردية وجماعية في خبرة الشكّ الديني لدى المراهقين؛ فهو أشد لدى الذكور منه لدى الإناث, كما أنه أقل حدوثًا لدى المراهقين الذين ينشأون في أسرٍ تهتم بالدين دون مبالغة, وقد يزداد هذا الشعور أو يقل مع نموِّ المراهق, ويتوقف ذلك على طبيعة الخبرات التعليمية التي يتعرض لها في المدرسة؛ فإذا كانت التربية الدينية تُقَدَّمُ للمراهق بشكل صوري، وإذا كانت مقررات العلوم الحديثة التي يدرسها في المدرسة تزيد لديه الفجوة بين العلم والدين, فإن ذلك قد يزيد حدة الشعور بالشك لديه, ويصاحب هذا الشك توتر انفعالي تزداد حدته مع عمق معتقداته الطفلية.
(1/318)

وهذا الشك هو جزءٌ من النموِّ المعرفيّ العام للمراهق الذي تناولناه فيما سبق, وإذا أمكن للمراهق تجاوز أزمة الشك بسلام من خلال برنامج جيد للرعاية النفسية, يتضمن بين مكوناته رعاية دينية مستنيرة، فإن ذلك يقوده إلى ما يسميه سترانج "Strang 1957" "حكمة الاعتقاد", وإذا نجحنا في ذلك, فإن مراهقنا لا يكاد يتجاوز المرحلة الثانوية إلّا وتكون لديه مفاهيم صحيحة عن عقيدته الدينية, ولعلنا بذلك نحمي مراهقينا من الوقوع في براثن الذين يمارسون هواية "اللعب بالدين"، وهي هواية وصلت بالمجتمع المصري إلى حافة الخطر, ثم لعلنا بذلك نفتح باب الاجتهاد البحثي في هذا الموضوع الهامِّ الذي لم يحظ من علماء النفس المصريين والعرب باهتمامٍ يُذْكَرُ منذ أجريت الدراسة الهامة حول نمو الشعور الديني لدى الطفل والمراهق, والتي قام بها في مطلع الخمسينيات أحد أعلام الجيل الثاني لعلم النفس في مصر "عبد المنعم المليجي 1955".
(1/319)

نمو الشخصية في مرحلة المراهقة المبكرة:
مع بداية المراهقة يشعر الفتيان والفتيات بما فيهم من صفات حميدة أو ذميمة، ويحكمون عليها بالمقارنة بأصدقائهم, كما يشعرون بدور سمات الشخصية في العلاقات الاجتماعية، ويعطيهم ذلك دافعًا لتحسين شخصياتهم, على أمل زيادة تقبلهم الاجتماعي, ولتحقيق ذلك لا يجب على المراهق أن يكوّنَ مفهومًا واقعيًّا عن الذات فحسب, ولكن يجب أن يكون راغبًا أيضًا في تقبُّل هذا المفهوم.
والمراهق يمكنه أن يكوّنَ صورة مثالية عن نفسه, وتحقيقها بالفعل في عالم الواقع، ويمكنه أن يقبل نفسه بمعنى أن يحب نفسه, ويشعر بأن الآخرين يجدون فيه صفات حميدة, ونتيجةً لذلك يكون أكثر تكيفًا من الناحيتين الشخصية والاجتماعية من مراهقٍ آخر تكون صورة ذاته المثالية غير واقعية, وتجعله يعجز عن تحقيقها بالفعل, وقد يؤدي به ذلك إلى عدم تقبل ذاته، وإلى أن يسلك على نحوٍ يجعل من الصعب على الآخرين تقبله.
ويؤثر في نموِّ الشخصية في هذه الفترة عوامل لم تكن لها قوة مماثلة أثناء الطفولة, ويتحدد الأثر الذي تحدثه بالأسس التي قد تكون تكوّنت لدى المراهق بالفعل خلال مراحل نموه السابقة, فإذا كان عانى كثيرًا من مشاعر النقص, والتي قد تكون قد تدعمت مع بدء المراهقة، فإن مكانته في جماعات المراهقين سوف تزيد لديه حدة هذا الشعور, ومن هذه العوامل المظهر الشخصي للمراهق وملابسه
(1/319)

واسمه وأسرته وأقرانه ومستوى طموحه وتطلعه, وهي جميعًا عوامل تحتاج إلى دراسات جادة في بيئتنا العربية والإسلامية.
وترجع بعض التغيرات التي تطرأ على شخصية المراهق إلى أثر الضغوط الاجتماعية التي يتعرض لها, ويتضح ذلك خاصةً في السمات المتصلة بجنس المراهق؛ فسمات المخاطرة والإقدام مثلًا تميز الفتيان، بينما تميز الفتيات سمات الرقة والمحافظة, وتوجد سمات أخرى تُعَدُّ مقبولةً اجتماعيًّا, وأخرى غير مقبولة اجتماعيًّا لكلٍّ من الجنسين, ويسعى المراهق لتنمية الصفات المقبولة في شخصيته, ونحن في حاجة إلى دراسات جادة تحدد لنا هذه السمات الفارقة لدى كلٍّ من الجنسين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
وهنا يجب أن نؤكد أن الوالد والمعلم يُقَدِّرُ التلاميذ المراهقين على أسسٍ تختلف عن أسس تقدير بعضهم البعض؛ فهو قد يقدر التلميذ مثلًا لأنه مؤدب أو متدين أو يستذكر دروسه ويؤدي واجباته المدرسية، بينما يُقَدِّرُ المراهقون بعضهم بعضًا على أسسٍ مختلفة، وليس معنى ذلك أن يتبنى المعلم والأب أسس تقدير المراهقين لأنفسهم عند تقديره هو لهم، ولكن معرفة المدرس والوالد بهذه الحقيقة يفيده في فهم شخصية المراهق؛ فالمعلم حين يمتدح التلميذ لأنه متفوق في المدرسة قد يؤدي ذلك به إلى نبذه من جماعة المراهقين التي ينتسب إليها, والتي قد تكون عادةً من ذوي الأداء المدرسي العادي, وقد يؤدي به ذلك إلى أن يتخلف دراسيًّا عن قصدٍ كما بينا من قبل, والمهم للمعلم وهو يتعامل مع المراهقين أن يتعرف على أسس تقدير المراهقين بعضهم لبعض حتى لا يتعارض أسلوبه في معاملة المراهق مع مواضع هذا التقدير.
وربما لا يُوجَدُ عاملٌ يلعب دورًا في مفهوم الذات لدى المراهق يفوق مستوى الطموح، فمن المعتاد أن يحدد المراهق أهدافه؛ بحيث تتجاوز قدراته بسبب ضغوط الوالدين من ناحية، وبسبب عدم قدرته على تقدير قدراته التقدير الصحيح من ناحيةٍ أخرى, وحين يفشل في تحقيق أهدافه يشعر بعدم الكفاية, ويدفعه هذا بدوره إلى الخضوع لمزيد من الضغط للقيام بمزيدٍ من العمل، ويؤدي ذلك كله به إلى القلق, أو اللجوء إلى بعض الحيل اللاشعورية, ومنها الإسقاط "أي: عزو الفشل إلى الآخرين".
وتؤكد الدراسات الكلينيكية "Hurlock 1980" أن عدد الحالات التي تعاني سوء التوافق لأول مرة في مرحلة المراهقة المبكرة قليل بصفة عامة, مالم يحدث
(1/320)

تغير جسمي أو غُدِّي ملحوظ في الفرد، أو مالم يعانِ الفرد من صدمة انفعالية عنيفة, ومعظم حالات سوء التوافق في هذه المرحلة لها تاريخٌ مع السلوك المشكَّلِ, يمتد إلى السنوات المبكرة من مرحلة الطفولة, وبالطبع تتهيأ في المراهقة لهؤلاء المراهقين سوء التوافق فرصةً لزيادة هذه المشكلات الشخصية لديهم, وذلك بسبب التغيرات الشديدة التي تحدث في هذه المرحلة, وخاصة في مطلعها, ولهذا وجدنا البحوث التي تتناول مشكلات الشباب تتخذ بدايتها في العادة مرحلة المراهقة المبكرة, وقد أُجْرِيَتْ بحوثٌ كثيرةٌ في هذا الميدان, سنتناولها بالعرض عند الحديث عن طور السعي "الشباب". ويقودنا هذا إلى الإشارة إلى التمييز العام بين الشخصية "العادية" والشخصية "السليمة" في هذه المرحلة؛ فعادةً ما يُوصَفُ المراهق المبكر بأنه "عادي", لمحض أنه يقوم بأدواره تبعًا للتوقعات الاجتماعية، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أنه سليم, من وجهة نظر الصحة المدرسية, فالشخصية "السليمة" هي التي تشتق إشباعًا شخصيًّا ورضًا ذاتيًّا من القيام بالدور الذي تحدده التوقعات الاجتماعية, ولعلنا بهذا التمييز ننبه إلى ضرورة تهيئة بيئة مدرسية ومنزلية واجتماعية على نطاق المجتمع الشامل، تهيئ للمراهق تنمية مشاعر الإشباع والرضا الشخصي فيه، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلّا إذا توافرت في هذه البيئات شروط الصحة الاجتماعية والنفسية.
أزمة الهوية:
من بين جميع أزمات النموِّ تحتل أزمة تحديد الهوية في مقابل الغموض بؤرة اهتمام إريكسون في بناء نموذجه للنمو الوجداني والانفعالي, فمع البلوغ ينمو الجسم بسرعة, وتطرأ عليه تغيرات هائلة, وهذه التغيرات تحدث قدرًا من الاضطراب لدى المراهقين من الذكور والإناث؛ فتنشأ لهم أدوارٌ اجتماعيةٌ جديدةٌ، بالإضافة إلى أن صورهم عن ذواتهم كأطفال, لم تعد ملائمة للمظهر الجديد الذي هم عليه, ولمشاعرهم الجديدة نحو الجنس الآخر, وكذلك تنشأ مطالب وتوقعات جديدة لدى الكبار والأقران, تختلف عن تلك التي كانت في الطفولة, ويؤدي ذلك كله إلى خلطٍ شديدٍ لدى المراهق المبكِّر, يسميه إريكسون أزمة الهوية identity.
ومن العوامل التي تؤثر في طور المراهقة المبكِّرَةِ نتائج الخبرات التي تعرَّضَ لها المراهق في مراحل نموه السابقة، وهي التي تضمن التكامل الناجح بين الدوافع الأساسية لدى الفرد وقدراته الجسمية والعقلية وفرص الحياة التي توفرها له البيئة الاجتماعية, ومعنى ذلك أن نموَّ الطفل السابق على البلوغ "لفترة تصل إلى
(1/321)

12 سنة أو نحوها" يتم تركيبه وتوليفه مع مطلع المراهقة ليعطي للفرد شعورًا بالهوية الشخصية أو بتحديد الذات.
وهذا الشعور بالهوية الشخصية يتضمن أن يحتفظ الفرد لنفسه بصورة لذاته, فيها التماثل والاستمرار, والتي تتطابق مع التماثل والاستمرار الذي يكوّنه الآخرون عنه, والإضافة إلى ذلك, فإن المراهق يكون في حاجةٍ إلى أن يكتسب وعيًا متزايدًا بأهدافه, وفهمًا واضحًا للعالم الواقعيّ الذي يتعامل معه بأسلوبه في الحياة.
والخطر الحقيقيّ في هذه المرحلة يسميه إريكسون "خلط الأدوار" أو "خلط الهوية"؛ فالمراهق لا يعرف أحيانًا مَنْ يكون بالنسبة لنفسه وبالنسبة للآخرين؛ فالأولاد والبنات يتحولون فيها إلى صورة مصغرة من الرجال والنساء، ويعانون نتيجةً لهذه الصورة من الخلط والاغتراب والانفصال, ويُعَدُّ الشعور بالهوية المشكلة الجوهرية في هذه الفترة؛ فالمراهق يسعى إلى معرفة مَنْ يكون؟ وما دوره في المجتمع؟ وهل هو طفلٌ أم راشدٌ؟ هل يمكنه أن يصبح زوجًا وأبًا, أو يمكنها أن تصبح زوجةً وأمًّا؟ وكيف يكسب عيشه؟ وأيّ مهنة يعمل؟ وفوق هذا كله هل ينجح أم يفشل؟ ولهذا نجد المراهق مهتمًّا بإدراك الآخرين له, ومقارنته بإدراكه لذاته, ويؤدي به عدم القدرة على فهم الذات -أو نقصان الهوية- إلى الخلط والغموض, والفشل في حل هذه الأزمة يؤدي إلى إطالة مرحلة المراهقة، وفشل تكامل الشخصية في مرحلة الرشد.
ومن نوع الميكانيزمات الدفاعية ضد خلط الهوية التي يلجأ إليها المراهقون, التَّقَمُصُ الزائد للأبطال والجماعات والجماهير والغايات, وهو ميكانيزم قد يُفْقِدُ المراهق فرديته مؤقتًا, وبه يعاون المراهقون بعضهم بعضًا على التغلب على أزمة الهوية، وذلك من خلال المجتمع معًا, ويفسر لنا ذلك ظهور الجماعات التي تصبّ المراهقين في قالبها من حيث الملبس والكلام والسلوك والمثل العليا، وهي جماعات لا تتسامح عادةً مع من هم خارجها, وقد ينجم عن ذلك صراعٌ مع الوالدين والإخوة والآخرين القريبين منهم، وقد يمتد ذلك إلى الصراع مع السلطة في المجتمع, وقد يفسر لنا ذلك ظهور الجماعات المتطرفة التي يكون معظم أعضائها من المراهقين والشباب.
أما المراهقون الذين يستطيعون حل مشكلات المراهقة بنجاحٍ, فإنهم يحرزون شعورًا قويًّا بالفردية، بالإضافة إلى اعتراف المجتمع بهم كأعضاء فيه يقبلهم ويقبلونه، وهو شعور صحيٌّ يقود إلى المواطنة الصحيحة والسلوك الاجتماعي السليم.
(1/322)

مدرسة المراهقين:
تختلف خبرات المراهق في المدرسة عن خبرات الطفل, ومع ذلك فإن النتائج تكون متشابهة بين مدرسة الأطفال ومدرسة المراهقين.
وقبل أن نبدأ في عرض أثر المدرسة, نتناول إحدى مشكلات النظام التعليمي لهذه المرحلة, فقد ساد لفترةٍ من الوقت تخصيص مرحلة تعليمية منفصلة للطور النمائي الخاص بالبلوغ والمراهقة المبكرة "اصطلح على تسميتها المرحلة الإعدادية أو المرحلة المتوسطة", إلّا أنه منذ بضع سنوات شاعت "موجة" التعليم الأساسي الذي تَرَتَّبَ عليها دمج المرحلتين الابتدائية "التي تتطابق مع طور التمييز", والإعدادية "التي تتطابق مع طور المراهقة المبكرة أو بلوغ الحلم", في مرحلة واحدة مكونة من تسع سنوات, ثم طرأ تعديل جديد فخفض المدة الكلية لهذه المرحلة إلى ثماني سنوات, وفي جميع الأحوال اعتُبِرَ الطوران النمائيان مرحلة واحدة.
والواقع أن جميع الشواهد السيكولوجية تؤكد لنا أن طور البلوغ أو المراهقة هو مرحلة وسط بين المرحلة الأعلى "الشباب ثم الرشد", والمرحلة الأدنى "الطفولة", والأصح في رأينا أن تظل بوضعها الذي ظلَّ قائمًا لسنوات طويلة، فترة انتقالية بين الطفولة والشباب أو بلوغ السعي.
ويزيد من صحة الرأي الأخير أن الخبرات المدرسية في طور المراهقة المبكرة تختلف عن كلٍّ من تلك التي تقدَّمَ في كلٍّ من طور الطفولة والشباب؛ فالمعلمون عادةً ما يكونون أقل تعاطفًا وأقل اهتمامًا بالمشكلات الفردية إذا قورنوا بمعلمي المرحلة الابتدائية, أضف إلى ذلك أن خبرة البلوغ تدع المراهقين أكثر وعيًا بذواتهم, بمقارنتهم بالمرحلتين الأخريين, بالإضافة إلى ذلك فإنهم يشعرون بأنهم ينأون تدريجيًّا عن الطفولة, إلّا أنهم في نفس الوقت أبعد ما يكونون عن الرشد "على عكس الشباب في المرحلة الثانوية", ولهذا لا يُعَدُّ التعليم بالنسبة إليهم دافعًا للتخطيط الجادِّ للمستقبل المهني أو النشاط الأكاديمي, وعلى الرغم من أن حوالي 25% من المراهقين المبكرين يهتمون بالحصول على درجات عالية في الامتحانات, إلّا أن معظمهم أكثر اهتمامًا بالجوانب الاجتماعية للمراهقة "Golhaber 1986".
(1/323)

الفصل الرابع عشر: طور بلوغ السعي"الشباب"
طبيعة طور بلوغ السعي (الشباب)
...
الفصل الرابع عشر: طور بلوغ السعي "الشباب":
يشير القرآن الكريم إلى طورٍ في النمو الإنساني هو "بلوغ السعي", في حوار إبراهيم مع ابنه, حيث يقول تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَي ... } [الصافات: 102] ويذكر القرطبي في تفسير ذلك, أن المقصود به أن الولد بلغ المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمور دنياه, معينًا له على أعماله, وقال مجاهد: أي شبَّ وأدرك سعيه سعي إبراهيم، وقال الفراء: كان إسماعيل يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة, وقال ابن عباس: هو الاحتلام، وقال قتادة: مشى مع أبيه، وقال الحسن ومقاتل: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة، وقال ابن زيد: هو السعي في العبادة, وقال ابن عباس: صام وصلى.
وهكذا نجد أن التفسيرات القديمة تختلف فيما بينها في معنى "بلوغ السعي", وتمتد بهذ الطور من مطلع البلوغ أو المراهقة "ابن ثلاث عشرة سنة، الاحتلام", وحتى بلوغ الرشد "سعي العقل الذي تقوم به الحجة", إلّا أننا نرى -والله سبحانه وتعالى أعلم- أن هذا الطور يمثل مرحلة انتقالية أخرى قبل وصول الإنسان إلى الرشد, ويمكن أن نطلق عليه طور "الشباب"، وهو طورٌ أعلى من المراهقة وأدنى من الرشد.
طبيعة طَوْرِ بلوغ السعي "الشباب":
بلوغ السعي "مثله مثل البلوغ الجنسي أو المراهقة"، مرحلة جديدة في الحياة الإنسانية, أحدثها في حياة الإنسان المجتمع الحديث الذي يتسم بالتعقد والتغير Kimmel 1980" 1" وقد قدم مصطلح الشباب "الذي يقابل المصطلح القرآني بلوغ السعي" في سيكولوجية النموِّ الحديثة ليتعامل مع فترة ما بعد اكتمال البلوغ الجنسي أو المراهقة, وقبل ظهور علامات الرشد التي يجب أن نأنسها في الإنسان, ويذكر كنيستون "Kinistan 1971" أن الأشخاص الذين يستغرقون فترة طويلة
__________
1 من مظاهر الإعجاز السيكولوجي للقرآن الكريم أنه أشار إلى هذا الطور منذ أربعة عشر قرنًا, على الرغم من أن ضروراته لم تظهر إلّا في القرن العشرين.
(1/325)

من الزمن حتى يصلوا إلى الرشد بمعناه الاقتصادي الاجتماعي التعليمي "وهو في وقتنا الحاضر يكون عند حوالي سن الخامسة والعشرين" يمكن أن يقال عنهم أنهم دخلوا مرحلة نمو اختيارية optional period هي طور الشباب.
ووصف هذا الطور بأنه "مرحلة اختيارية" وصفٌ هامٌّ؛ لأن بعض الأشخاص قد تظهر عليهم علامات الرشد دون حاجة إلى ذلك، وخاصةً أولئك الذين ينهون تعليمهم مع نهاية المرحلة الإعدادية "عند حوالي سن 15سنة" ويدخلون سوق العمل مبكرين "عند حوالي هذا السن"، وقد يتزوجون ويكوّنون أسرة حالما يسمح القانون بذلك "عند حوالي سن 18 سنة"، فهؤلاء جميعًا اختاروا -أو اختير لهم- الانتقال مباشرة من المراهقة إلى الرشد.
وهكذا يصبح الشباب كطورٍ جديدٍ في حياة الإنسان مرحلة انتقالية أخرى, تتم فيها التغيرات اللازمة للتحول إلى الرشد, وهذا التغيرات وما تتطلبه من تكيفات لمكانة الرشد ومستوياته من السلوك, تبدأ -كما بينا في الفصل السابق- أثناء البلوغ والمراهقة، إلّا أن ظروف العصر الذي نعيش فيه تطلَّبَت أن تظل مستمرة في الحدوث حتى تكتمل في مرحلة الشباب, إنها فترة وسيطة بين الحريات السابقة والمستويات والمسئوليات اللاحقة، وهي آخر مواقف التردد قبل أن يلتزم المرء بالتزامات الراشد بالعمل والأسرة؛ ولأن معظم مواقف التغيرات العظمى في الجسم والسلوك تكون قد حدثت بالفعل أثناء المراهقة, فإن طور السعي أو الشباب يكون عادةً مرحلة انتقال تدريجي أكثر بطئًا من الطور السابق, يصدق هذا على التغيرات الجسمية صدقه على التغيرات النفسية, ولعل هذا الإيقاع البطيء للنمو في هذه المرحلة, يهيئ المرء أن ينتهي من المرحلة الأولى من نموه بسلام, لينتقل إلى المرحلة الثانية من حياته؛ فالمرحلة الأولى توشك أن تنتهي بالشباب وينتهي معها "الضعف الأول", الذي أشار إليه القرآن الكريم، كما يوشك أن يولد العصر الجديد، مرحلة "القوة" و"بلوغ الأشد" حسب الوصف القرآني البليغ, وحتى يتم هذا الانتقال على نحوٍ يتضمن خصائص "الصحة" و"السلامة" أكثر من "الاضطراب" و"الخلل", كان لا بُدَّ أن يحدث هذا التدرج والبطء البديع, أليس في هذا معنى جديد للإعجاز الإلهي في نمو الإنسان؟
وإذا كان كلٌّ من المراهقة والشباب طورين جديدين في النمو الإنساني انتجتهما الثورة الصناعية التكنولوجية المعرفية الحديثة، إلّا أن بينهما اختلافٌ جوهري؛ فالمراهقة -كما بينا في الفصل السابق- يمكن تحديدها بيولوجيًّا واجتماعيًّا وسيكولوجيًّا، أما الشباب فهو ظاهرة اجتماعية سيكولوجية في جوهره، ولولا
(1/326)

الضرورات الاجتماعية السيكولوجية لأصبح هذا الطور الفصل الأول من المرحلة الثانية "قوة الرشد" في النمو, لا أن يكون الفصل الأخير من مرحلته الأولى "الضعف الأول", فمعدل التغير التكنولوجي, والزيادة المطردة في التعقد الاجتماعي, ونمو الحاجات التعليمية تطلب جميعًا أن تطول فترة إعداد هذه الشريحة من "الراشدين الصغار", حتى يمكنهم التعامل مع ظروف العصر بكفاءة واقتدار, ولعلنا نلاحظ أنه لم يحدث في التاريخ الإنساني أن أصبح التعليم الثانوي إلزاميًّا أو شبه إلزاميّ, كما حدث في القرن العشرين "وهو مرحلة من التعليم يمتد بالطالب إلى سن 18 عامًا تقريبًا"1، كما لم يحدث في التاريخ الإنساني أن تزايد عدد الراغبين في التعليم الجامعي والعالي بسبب ضرورته لكثير من المهن الحديثة, كما حدث في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وهي مرحلة من التعليم تمتد بالطالب أحيانًا إلى ما بعد سن 21 عامًا, وهو عمر الرشد القانوني في معظم المجتمعات الحديثة، بل إن سنوات الدراسة لبعض التخصصات الجامعية كالطب, تصل بالطالب إلى سن الخامسة والعشرين تقريبًا قبل أن يتخرج, وقد صاحب ذلك كله صعوبات بالغة على غير المتخصص لكي يدخل سوق العمل مبكرًا, وخاصة في المستويات المهنية العليا.
__________
1 مما يشرف مؤلفي هذا الكتاب أنهما كانا ضمن لجنة الخبراء التي شكلها مجلس الوزراء "سبتمبر 1997" لإعادة النظر في نظام التعليم في مصر، ومن أهم التوصيات التي اقترحتها اللجنة مد سن الإلزام، بحيث يصبح التعليم للجميع حتى نهاية المرحلة الثانوية "6 -17 سنة" بعدد من الصفوف الدراسية يبلغ أحد عشر صفًّا.
(1/327)

حدود طور بلوغ السعي "الشباب":
نتيجةً لذلك نجد أن كثيرًا من الأشخاص -وخاصة أولئك الذين يستمرون في التعليم- يكونون في مرحلة يمكن أن نسميها طور تأجيل الرشد moratorium, وهو طور الشباب الذي يطابق مفهومه التربوي سنوات الدراسة بالمرحلتين الثانوية والجامعية, ونحن في هذا نتفق مع ما يراه أحد علماء الاجتماع المصريين المعاصرين البارزين "عزت حجازي 1987", الذي يحدد بداية مرحلة الشباب بأنها تتمثل في "اقتراب شكل الجسم ووظائفه من آخر درجات النضج، ومن الناحية النفسية يكاد عمر الفرد العقليّ يصل إلى قمته، ويتيقظ إحساس الشخص بأنه لم يعد صغيرًا، ويطالب بتوقف معاملته على أنه صغير، ومن الناحية الاجتماعية يتأكد اعتراف الآخرين بأن الشخص لم يعد طفلًا، وإن كانوا يترددون في الاعتراف به كرجل".
(1/327)

كما يحدد عزت حجازي "1978" نهاية مرحلة الشباب بسن الخامسة والعشرين, أو ما حولها؛ لأن هذه هي السن التي تحدث عندها تحولات هامة في حياة الفرد, فعندها يترك التعليم بعد استكماله -عادةً- ويلتحق بعمل دائم، ويتزوج، أو يسعى إلى تحقيق ذلك على الأقل، فهو بعبارة أخرى يترك "فترة الاعتماد", ويبدأ حياة "الاستقلال عند الراشدين".
وترتبط مرحلة الشباب أيضًا بالمدى الواسع من الخيارات, وبالبدائل المتاحة من أساليب الحياة والأدوار الاجتماعية, ولم يتوافر للشباب في تاريخه كما يتوافر له الآن من تنوع الفرص التي يمكن أن يعيش بها حياته، بالإضافة إلى زيادة مسئوليته الشخصية عن اختياره، دون تدخل مباشر من الأسرة, أو من تقاليد المجتمع، وهذا التنوع في الفرص, ومسئولية الفرد عن قراره, أدَّيَا إلى إطالة الفترة التي تسبق هذا الاختيار, وخاصةً في مسألتي العمل والزواج، مما أدَّى مرةً أخرى إلى تأجيل الرشد كما بينا.
إلّا أن ما يجب أن نحذر منه أن تطول هذه الفترة الانتقالية أكثر مما يجب, كما يجب أن نحذِّرَ من أن تكون هذه الإطالة رغم أنف الشباب أنفسهم، بسبب الظروف الاجتماعية الاقتصادية القاهرة التي تجعل من الصعب على الشباب أن يجد عملًا مناسبًا، أو تجعل من المستحيل عليه أن يتزوج ويكوّن أسرة؛ إذ قد يظهر -حينئذ- ما يسميه كينسترون "Kinistron 1971" "رفض التطبيع"، ويتخذ ذلك في رأينا إحدى صورتين: العزلة والاغتراب, أو العنف والتطرف، وكلتاهما يعاني منه المجتمع المصري والعربي الحديث.
ولعل هذا يفسر لنا تداخل حدود صور الشباب "المراهقة المتأخرة كما تسمى أحيانًا, وهي تسمية غير موفقة" مع حدود الرشد -كما سنبين في الفصل التالي؛ فبعض الشباب يصلون إلى مستوى الأهلية الكاملة لممارسة مهام الرشد عند حوالي 18 سنة، فهم يعملون ويُجَنَّدُون ويتزوجون في هذا السن, ولعل هذا يثير المشكلة التي سنتناولها بالتفصيل في الفصل التالي, حين يوصف هؤلاء جميعًا بأنهم غير "راشدين"؛ لأنهم لم يبلغوا بعد سن الرشد الذهبي, أي 21 عامًا.
إلّا أننا يجب أن ننبه إلى مسألة هامة, وهي أن وجود مرحلة للانتقال من ضعف الصبا إلى قوة الرشد واجبة في العصر الحاضر, وهكذا فإن المراهقين الذين يُحْرَمُونَ من مراهقتهم تمامًا كمرحلة انتقال إلى الرشد، حين يجبرون على العمل في سن البلوغ أو قبله أو بعده بقليل, يعانون من عوائق الرشد، مثلهم في ذلك مثل
(1/328)

الشباب الذين يُؤَجَّلُ انتقالهم إلى الرشد بشكل غير طبيعي, وتستمر اعتماديتهم نتيجةً لإطالة مرحلة التعليم, ولهذا فلا بُدَّ أن يصبغ التعليم الثانوي بالطابع المهني؛ لأن الشاب أو المراهق المتأخر "طالب المرحلة الثانوية في الأغلب" في حاجة إلى أن تتوافر له خبرة عمل حقيقية, تهيئ له شعورًا بالاستقلال1, وحبذا لو تجاوزت خبرات العمل هذه التي يتدرب خلالها طالب المرحلة الثانوية حدود "الخدمة التعليمية" إلى مجال "الإنتاج التعليمي"؛ بحيث يحصل الطالب على عائدٍ ماديٍّ مباشر من تعليمه الإنتاجي.
ويمكن أن نحدد بداية هذه المرحلة بالتحاق المراهق بالمرحلة الثانوية أو ما يقابلها من مستوى عمري، وهو في مصر في العادة بين 14-15 سنة، وهو طور يقابل ما يُسَمَّى تقليديًّا بالمراهقة المتوسطة, على حد تصنيف قسم على علم نفس النمو في الجمعية الأمريكية لعلم النفس لمرحلة المراهقة إلى: مراهقة مبكرة "12 -14 سنة", ومراهقة متوسطة "14-16سنة"، ومراهقة متأخرة "16-21 سنة", وفي رأينا أن يقتصر مصطلح المراهقة على ما يُسَمَّى المرهقة المبكرة "أي بلوغ الحلم"، أما مرحلتا المراهقة المتوسطة والمتأخرة بالإضافة إلى الرشد "21-25", فيشملها جميعًا الطور الذي أسميناه طور السعي, أو طور الشباب.
وقد أشرنا إلى أن الحصول على مكانة عالية في المدرسة أو المنزل مفيد كدافع لدى المراهق والشاب لاكتساب أنماط السلوك الناضج، وفي نفس الوقت يعطيه نمطًا محددًا للسلوك المتوقع كهدف يسعى إليه, وسواء وصل المراهق أو الشاب إلى هدفه أم لم يحصل قبل سن 21, فإن ذلك ليس له أثر يذكر على حصوله على مكانة الراشد. إنه بوصوله إلى هذ السن يصبح أتوماتيكيًّا -من الناحية القانونية على الأقل- له كل الحقوق والاعتبارات والمسئوليات القانونية التي يتمتع بها الراشد.
وتستخدم تسميات كثيرة للفتيان والفتيات في طور السعي "الشباب أو المراهقة المتأخرة", ويشيع في الإشارة إليهم استخدام لفظ "الشباب"، ولو أن الأكثر شيوعًا في اللغة العربية أن يشار إليهم باسم الشبيبة, تمييزًا لهم عن الشباب من الراشدين "أو مرحلة الرشد المبكر", كما أن لفظ "رجل" و"امرأة" يمكن
__________
1 من أهم التوصيات التي اتخذتها لجنة الخبراء التي شكلها مجلس الوزراء سبتمبر "1997", والتي تَشَرَّفَ مؤلفا هذا الكتاب بعضويتها، سد الفجوة بين التعليم الثانوي العام, والتعليم الثانوي الفني، وجعل شهادة إتمام الدراسة الثانوية موحَّدة لكلٍّ منهما, على أن تكون شهادة منتهية لا تؤهل بذاتها للقبول بالتعليم العالي والجامعي.
(1/329)

استخدامه دون حرج في هذه المرحلة، وهو يعني اعتراف المجتمع لهم بمستوى النضج اللازم لتحمل المسئولية, وفي اللغة الإنجليزية تشيع الإشارة إليهم بعبارة "أبناء العقد الثاني من العمرTeenagers 1, ولو أن هذا الوصف لا يوافق عليه الشباب أنفسهم -ونحن نوافقهم على ذلك؛ لأنه يعبِّرُ عن طور المراهقة المبكرة أو بلوغ الحلم أكثر مما يعبِّرُ عن طور بلوغ السعي.
ويتميز طور السعي بعدد من الخصائص العامة؛ فالتقلب وعدم الاستقرار الذي كان يسود المراهقة المبكرة يحلّ محلَّه بالتدريج نوعٌ من الاستقرار والثبات, ويظهر ذلك على وجه الخصوص في استقرار الميول المهنية واللامهنية "الهوايات", وفي نوع الملابس، وفي أساليب الترويح، وفي اختيار المهنة، وفي الصداقات، وفي السلوك الانفعالي, وخاصةً نقصان التقلُّب المزاجي، وفي الاتجاهات الاجتماعية التي لم تَعُدْ تتأثر بالدعاية أو الإعلان, أو آراء الآخرين, كما كان الحال في المراهقة المبكرة.
وبسبب هذا الاستقرار المتزايد, يزداد تكيُّفُ الشاب على نحوٍ أفضل لظروف الحياة، ويتوقف على البيئة التي يعيش فيه الفرد تحديد متى يحلّ الاستقرار محل التقلُّب, وكيف سينجح الشاب في تحقيق ذلك، فإذا كان عليه أن يعيش مع أسرته طول الوقت، وإذا كان الوالدان يميلان إلى المبالغة في حمايته, فإنه سيظل غير ناضجٍ في هذه الناحية من النموّ، أما إذا أتيحت له الرص أن يعيش بعيدًا عن الحماية الزائدة للوالدين؛ في المعسكرات أو في المدارس الداخلية, أو في المدن الجامعية للكليات والمعاهد, أو في القوات المسلحة, فإن ذلك يدفعه إلى أن يتخذ قراراته بنفسه متحررًا من ضغوط الوالدين، وسوف يؤدي ذلك به إلى مزيدٍ من الاستقرار في سلوكه.
وبالإضافة إلى ذلك, فإن الآخرين خارج نطاق أسرته لا يقبلون منه السلوك المتقلب المتذبذب، فهم أقل من الوالدين تسامحًا في هذا الصدد, وهذا يهيئ للشاب دافعًا إلى مزيدٍ من الاستقرار, والشاب الذي ينمو في عائلة كبيرةٍ؛ حيث يُتَوقَعُ منه أكثر مما يتوقع من الشاب الذي يعيش في أسرة صغيرة, أن يكون أكثر استقرارًا في سلوكه؛ لأنه أقل تعرضًا للحماية الزائدة من الوالدين, ونشير هنا إلى أن مقدارًا معقولًا من عدم الاستقرار في هذه المرحلة, هو علامة نضج اجتماعي وعقلي، فقد ينشأ عن الحماية الزائدة أثر مضاد, وهو الاستقرار الزائد, وهو ما يسبب للشباب نقصانًا في الثقة في قدرته على التعامل مع مشكلات حياته بمفرده, ويؤدي به ذلك إلى أن يصبح جامدًا متصلبًا, ويُنَمَّى لديه النمط التسلطي في الشخصية, أما ظهور بعض علامات عدم الاستقرار فقد يدل على أن الشاب يواجه بعض الصعوبات والمشكلات في محاولته تخطي عادات الطفولة, وإحلال العادات الأكثر نضجًا محلها.
__________
1 تعبير في اللغة الإنجليزية يشير إلى الأشخاص الذين تمتد أعمارهم بين 12-19سنة.
(1/330)

التغيرات الجسمية في طور السعي:
إن انفجار النموِّ الجسمي الذي يبدأ مع البلوغ الجنسي, ويستمر بمعدل متناقص التسارع في المراهقة المبكرة, يقل تدريجيًّا في طور السعي, ويساعد هذا البطء على إحداث التكامل بين مختلف الوظائف العضلية لدى الشاب, ولهذا نلاحظ على الفرد في هذه المرحلة تحسنًا واضحًا يتجاوز به صور الخلل والارتباك الذي كان ملاحظًا في الطور السابق, وخاصةًَ في النشاط الحركي.
ويطرأ على النمو في الطول والوزن في هذا الطور استقرار واضح، فالزيادة في كلٍّ منهما ضئيلة جدًّا, ويعرض الجدولان "14-1" "14-2" الصورة الكاملة للنمو في الطول والوزن طوال فترة المرحلة الأولى، من حياة الإنسان
(1/331)

"مرحلة ضعف الصبا الذي يتوجه إلى الرشد".
ويتضمن الجدولان المعايير المصرية لنموِّ الطول والوزن, كما وردت في تقارير الإدارة العامة للصحة المدرسية بوزارة التربية والتعليم المصرية, ويتضح منها أن النموَّ الجسمي يسير مضطردًا حتى سن 15 سنة عند البنات، و17 سنة عند البنين، ثم تكون الزيادة بعد ذلك ضئيلة للغاية, ومعنى ذلك أن النموَّ الجسمي في المرحلة التي تُسَمَّى طور السعي أو الشباب أو المراهقة المتأخرة, يصل إلى درجة من الاستقرار والثبوت، وهو ما نلاحظه أيضًا على غيره من جوانب النمو, وخاصةً في النواحي السلوكية.
وتتزايد الفروق بين الجنسين في الوزن أكثر منها في الطول, وذلك لتأثر الوزن بظروف التغذية وغيرها من الظروف البيئية التي تفرض على الإناث قيودًا -وخاصة في طَوْرَي المراهقة المبكرة والشباب- للمحافظة على رشاقة الجسم, ولهذا تبدو البنات أخف وزنًا من البنين في هذه المرحلة النمائية.
ويلاحظ على الشاب أن عدم التناسب بين أعضاء الجسم الذي كان ملاحظًا
(1/332)

في الطور السابق يتلاشى تدريجيًّا حتى يصل إلى النسب التي تتحدد بمعايير الراشدين, ويحدث أكبر تصحيح لهذه النسب في أعضاء الوجه، ومع نهاية هذه الفترة يصبح الشكل العام لقوام الشاب له خصائص الرجل الناضج أو المرأة الناضجة, فمع اتساع الصدر واستطالة الجذع تتلاشى تدريجيًّا لدى الذكور صورة الهزال التي كان عليها قوام المراهق الصغير, ويدل قياس مختلف العظام أن الهيكل العظمي يتوقف على النمو عند حوالي سن 18سنة, أما الأنسجة الأخرى غير العظام فتستمر في النمو بعد وصول العظام إلى حجمها الكامل, ولا يظهر "ضرس العقل" عادةً إلّا مع بداية الرشد, ومع طور السعي تكتمل الخصائص الجنسية الثانوية, والوظائف الجنسية الأولية, ويزول حب الشباب وغيره من الاضطرابات الجلدية.
ويستمر أثناء طور السعي نمو الأبنية والوظائف الجسمية للأعضاء الداخلية حتى تصل إلى اكتمال النضج, وأسرع معدلات النمو هي في نموِّ القلب الذي يصل حجمه الكامل في سن 17 أو 18, كما تصل سعة الرئة عند البنات إلى مستوى النضج في سن 17، ولكنها لا تصل إلى هذا المستوى عند الذكور إلّا بعد عدة سنوات بعد ذلك, ويبطؤ معدل نمو الجهاز الهضمي بعد أن كان ينمو نموًّا سريعًا في طور بلوغ الحلم "المراهقة المبكرة".
أما من حيث الصحة الجسمية: فيمكن وصف مرحلة الشباب بصفة عامة بأنها مرحلة صحة جيدة, ومقاومة للأمراض, وتنخفض نسبة الوفيات انخفاضًا كبيرًا في هذه المرحلة، ومعظم الوفيات ترجع إلى الحوادث أكثر منها إلى المرض, إلّا أن الشباب هنا -شأنه في ذلك شأن المراهق الصغير- قد يستخدم المرض كحيلة للهرب من المسئوليات والواجبات غير المرغوبة, ويظهر ذلك خاصةً في صورة اضطرابات الجهاز الهضمي والأرق والصداع, ويشيع في البنات توهم المرض أكثر من البنين.
ومن ناحية التآزر الحركي يُلاحَظُ على الشاب أنه لم يعد يشعر بالاضطراب الحركي الذي يشيع في المراهقة المبكرة "بلوغ الحلم" نتيجة للنموِّ الحركي السريع حينئذ, لقد أصبح الفرد في طور السعي قادرًا على التحكم في أجزاء جسمه المختلفة، وتعلَّمَ أن يستخدمها بدرجةٍ واضحةٍ من الإتقان والنجاح, وبالإضافة إلى ذلك, فإن زيادة القوة الجسمية التي تصاحب نموَّ الجهاز العضلي تدفعه إلى الاستفادة من هذه القوة الجديدة المكتسبة, وذلك بتعلُّم المهارات الحركية المعقدة التي كان يعجز عن اكتسابها في الطور السابق.
(1/333)

النموّ العقلي المعرفي:
أشرنا في الفصل السابق إلى أن بياجيه يرى أن مرحلة العمليات الصورية هي آخر مراحل النموّ المعرفي، وكل ما يحدث بعد ذلك هو بلورة Consolidation, واستقرار Stabilization هذه العمليات, ومعنى ذلك أن الأفراد بعد تجاوزهم الفترة من سن 11-15 سنة تقريبًا "البلوغ والمراهقة المبكرة" يصبحون أكثر تعودًا على استخدام العلميات الصورية, وخاصةً في المجالات التي ترتبط بالتخصص المهني والأكاديمي.
إلّا أن هذا التصور التقليدي للنموِّ العقلي والمعرفي يتعرض في الوقت الحاضر للنقد من ناحيتين؛ أولاهما: أن هناك مراحل يمر بها الفرد لنموِّ العمليات الصورية ذاتها، وثانيهما: أن هناك محاولات لتجاوز مرحلة العمليات الصورية, واقتراح مراحل أخرى من النموِّ المعرفي تتلوها, وسوف نتناول المسألة الثانية بشيءٍ من التفصيل في الباب الخامس من هذا الكتاب, والذي يدور حول مرحلة الرشد الإنساني, أما المسألة الأول فنعرض لها هنا.
والمسلَّمة الأساسية التي تقوم عليها فكرة مستويات التفكير باستخدام العمليات الصورية, أن هذا النمط من التفكير لا يظهر كله مرة واحدة في بداية المراهقة، وقد كان بياجيه متنبهًا إلى ذلك, إلّا أنه لم يفصله بشكلٍ كافٍ، وكان يذكر على وجه الخصوص مستويين هما:
1- التفكير في البدائل والفروض والاحتمالات، ويظهر في طور المراهقة المبكرة, كما أوضحنا في الفصل السابق, والمراهق في هذا المستوى عندما يحاول حل مشكلة البندول, ويتوصل إلى حلٍّ لها, فإنه يتوقف، أي أنه لا يختبر جميع المتغيرات بطريقة منظمة.
2- التفكير المنظم في الاحتمالات المختلفة، ويبدأ في الظهور في المراحل المتأخرة من المراهقة, أو بلغة هذا الكتاب طور السعي, وفي هذا المستوى يبحث الشاب عَمَّا هو ضروريّ, وكذلك ما هو كافٍ لتغيير سرعة حركة البندول، وبالتالي يحاول اختبار كلِّ متغيرٍ, وجميع العلاقات الممكنة بين المتغيرات.
إلّا أن البحوث تقترح ما هو أكثر من هذين المستويين, وقد قام كثيرٌ من الباحثين باستخدام كثيرٍ من المهام التي اقترحها بياجيه, ووجدوا أن تفكير الشباب يسير في مستويات أربعة "Case 1985", ولكي نوضح هذه المستويات الجديدة نضرب مثالًا من مهمة شهيرة لبياجيه, وهي التي يطلب فيها من المفحوص الحكم
(1/334)

على ما يحدث حين تُوضَعُ أوزان مختلفة في كِفَّتَيْ ميزان, ولحلِّ مثل هذه المشكلة يجب على المفحوص أن يضع في الاعتبار كلًّا من ثقل الوزن والبعد عن نقطة الارتكاز، ولعلنا نذكر هنا أن أطفال طور التمييز "من سن 7-8سنوات" يذكرون أن الميزان يكون في حالة توازن إذا كان الثقل متساويًا في الكفتين، ولكنهم لا يدركون أن البعد عن نقطة الارتكاز له أهمية, وإدراك ذلك يمر خلال أربعة مستويات "أو مراحل فرعية" على النحو الآتي:
1- مقارنة الفروق بين الوزنين بالفروق بين المسافتين من نطقة الارتكاز, واختيار المسافة التي تحدد في أي اتجاهٍ يميل الميزان, ويظهر هذا السلوك قبل سن الحادية عشرة بقليل, ويتطور في طور بلوغ الحلم "المراهقة المبكرة"، وفيه يستخدم المراهق عملية الطرح "وهي عملية من الدرجة الثانية" بدلًا من محض جمع الأوزان الذي كان يلجأ إليه الطفل في مرحلة العمليات العيانية, إلّا أن هذه الاستراتيجية لا تزال محددة وقليلة الفعالية.
2- تكوين نسب بسيطة للمقارنة بين متغيري الوزن والمسافة, ويظهر هذا السلوك خلال الفترة من 11-13 سنة, فإذا واجه المراهق وجود وزنين إلى اليسار, ووزن واحد إلى اليمين، ووحدتي قياس للمسافة إلى اليسار, وأربع وحدات منها إلى اليمين, يدرك المراهق المبكر أن نسبة الأوزان التي توجد إلى اليمين إلى تلك التي توجد إلى اليسار هي 2: 1، وهي نفس النسبة أيضًا للمسافة, وبهذا قد يستنتج أن الكفتين سوف تتوازيان, فإذا اختلفت النسبة, فإنه قد يتنبأ بأن الميزان سوف يميل في اتجاه الطرف الأكبر من طرفي النسبة, والنسبة المستخدمة هنا هي عملية صورية أكثر تطورًا من الطرح، إلّا أن من قيود هذه الاستراتيجية أن المراهق لا يستطيع حل المشكلة إلّا إذا كانت الأوزان والمسافات تقبل القسمة بعضها على بعض.
3- استخدام القسمة في الحصول على النسبة, حتى ولو كانت الوحدات لا تقبل القسمة بعضها على بعض، ويظهر هذا السلوك المعرفي صريحًا خلال طور السعي, وخاصة في مراحله المبكرة "ما يُسَمَّى أحيانًا المراهقة المتوسطة" من سن 13- 15 سنة, فمثلًا إذا كان هناك وزنان إلى اليمين, ووزنٌ واحد إلى اليسار، وكانت المسافات عبارة عن 5 وحدات إلى اليمين, ووحدتين إلى اليسار, فإن المراهق يقسم 2 على 5, ويستخدم في ذلك طريقة القسمة المطولة, فيحصل على العدد "2.5"، يقارن ذلك بحاصل قسمة الوزنين وهو "2", وعندئذ يختار المقدار الأكبر وهو "2.5" على أنه سيحدد وجهة ميل الميزان, وفي هذا المستوى يستخدم
(1/335)

المراهق عناصر أكثرَ تَمَّ تمثيلها ذهنيًّا، كما يقوم بعمليات حسابية أكثر تقدُّمًا من المستوى السابق, إلّا أن فعالية هذه الاستراتجية لا تزال غير كافية.
4- استخدام القسمة في حسبا نسبتين؛ إحداهما للمسافة والأخرى للوزن, ثم يقارن بينهما, ولا يظهر هذا السلوك إلّا بعد سن 15سنة، أي: في طور المراهقة المتأخرة كما يُسَمَّى أحيانًا, والذي يقابل المدرسة الثانوية بالنسبة لطلاب المدارس. فمثلًا إذا كان على أحد طرفي الميزان 7 وحدات وزن، وعلى الطرف الآخر 3 وحدات، وكانت وحدات المسافة 2، 5 على التوالي، فإن المراهق يحسب نسبة الوزن لتصبح 1: 2.5، ونسبة المسافة لتصبح 1: 2.5, وحينئذٍ يستنتج أن الميزان سوف يميل في اتجاه النسبة الأكبر, وهذا المستوى هو أكثر المستويات تجريدًا؛ لأن الأعداد المستخدمة هنا ليس لها أيّ مقابل إدراكيٍّ مباشرٍ في العالم الفيزيائي, وحينئذٍ نقول: إن المراهق وصل إلى التفكير باستخدام العلميات الصورية الأكثر نضجًا وتقدُّمًا, والذي يظهر في العادة مع نهاية المرحلة الثانوية, ويستمر في المرحلة الجامعية.
وتوجد أدلة أخرى على أن دخول الطفل مرحلة المراهقة لا يُعَدُّ دليلًا على وصول النمو العقلي إلى حَدِّه الأقصى كما افترض بياجيه، وهذه الأدلة قدَّمَها الباحثون في ميدان القدرات العقلية, ولقد كان ثرستون من أوائل العلماء الذين اهتموا بدراسة نموِّ القدرات العقلية؛ فأعدَّ منحنًى لنموِّ كل قدرة من القدرات السبع التي يتألف منها هذا الاختبار, لأعمار تمتد من سن 5 حتى 17 سنة، واستخدم طريقته في القياس المطلق، فوجد أن نتائجه تتفق مع بحوثٍ سابقةٍ أجراها حول مقاييس الذكاء العام "كما يقاس باختيار ستانفرد - بينيه" وهي أن المنحنيات تتخذ صورة حرف S الأجنبي، وتبدأ بنقطةٍ تتعدَّى الصفر المطلق عند الولادة, وتصل إلى مستوى الرشد كخط مقارب Asymptote1. وكانت نقطة الصفر في مقياس القدرة أدنى من المتوسط في كل عمر، فقام ثرستون بتوفيق البيانات لكل اختبارٍ حتى تتطابق مع منحنى جومبيرتز Gompertz Curve2، واستطاع بذلك أن
__________
1 الخط المقارب هو خط مستقيم يقترب منه المنحنى, ولكنه لا يلتقي به أبدًا, أو يلتقي به في ما لا نهاية.
2 هو منحنى ظهر في الأصل باعتباره منحنًى لتوقع الحياة في الإحصاء الحيوي, وبه يتحدد عدد الأشخاص الذين يتوقع لهم الحياة في سن معين، إلّا أنه شاع استخدامه بعد ذلك في تهذيب المنحنيات التي تدل على الملاحظات الأمبريقية, ومنها بحوث النموِّ.
(1/336)

يستكمل منحنيات النموِّ إلى وقت الولادة من ناحيةٍ, وإلى سن 19سنة من ناحيةٍ أخرى.
وقد أعاد ثرستون تطبيق طرقه في القياس على المنحنيات التي تمثل القدرات السبع؛ بحيث تكون قيمة الخط المقارب الأعلى هي الواحد الصحيح عند مستوى الراشد الصغير المتوسط، وبهذه الطريقة أمكنه المقارنة بين المنحنيات السبعة على أساس العمر الذي يصل فيه الطفل المتوسط إلى ما يعادل 80% من النضج، فتوصل إلى الأعمار التقريبية التي يوضحها الجدول رقم "14-3".
(1/337)

السلوك الانفعالي والوجداني ومشكلات الشباب:
تخفُّ تدريجيًّا الحدة الانفعالية التي تشيع في طور المراهقة المبكرة بانتقال الفرد إلى طور السعي, بشرط توافر أنماط ملائمة من التكيُّف للبيئة, والتي تتناسب مع المطالب الجديدة التي تفرض على الشباب، إلّا أنه يلاحظ تعرض الشباب خلال هذا الطور للتوتر الانفعالي نتيجة المشكلات الجديدة التي يتعرض لها, والتي تنشأ عادةً من تمرده على سلطة الكبار.
ولا تختلف انفعالات الشابِّ عن انفعالات المراهق الصغير أو الطفل في النوع، وإنما الاختلاف في حدة هذه الانفعالات "حيث تزداد القدرة على التحكم فيها"، وتكرار حدوثها، وطبيعة الاستجابات التي تصدر عن المراهق عند حدوثها "وسائل التعبير عنها", والمثيرات التي تؤدي إليها, والانفعال الأكثر
(1/337)

حدوثًا بصفةٍ عامة هو انفعال الغضب, أما مشاعر الحب فعادةً ما تتوجه إلى شخصٍ من الجنس الآخر مع خلع الصفات المثالية عليه، إلّا أن هذا لا يعني التخلي عن المشاعر الوجدانية الموجهة إلى جماعة الأصدقاء من نفس الجنس, أو إلى صديقٍ حميمٍ, أو إلى الوالدين أو أحدهما.
ومن الموضوعات وثيقة الصلة بالسلوك الانفعالي والوجداني في طور السعي ما يُسَمَّى "مشكلات الشباب", وهو موضوعٌ حظي بأكبر قدرٍ من دراسات الباحثين في مصر "إبراهيم شهاب 1953، خليل ميخائيل معوض 1971، عثمان لبيب فرج 1961، محمد عثمان نجاتي 1963، سعد جلال وعماد الدين سلطان 1966، منيرة حلمي 1967، فؤاد أبو حطب 1977" وفي بعض الأقطار العربية.
والواقع أن معظم المشكلات التي تظهر في السنوات المبكرة للمراهقة التي يتمُّ حلها بنجاحٍ في ذلك الوقت, تستمر في مرحلة الشباب بالإضافة إلى ظهور مشكلات جديدة, والشاب في هذا الطور قادر على مواجهة المشكلات بطريقةٍ أكثر موضوعية، وقادر على اتخاذ القرارات دون أن يعوِّلَ كثيرًا على الوالدين أو المعلمين أو الأصدقاء, ثم إنه قادر على الدفاع عن قراراته والسعي لتحقيقها ما لم تتوفر له أدلة على خطأ هذه القرارات.
ومعنى ذلك أن مشكلات الشباب في عمومها تشبه مشكلات المراهقة المبكرة, أما كيف يُقَابِلُ الشاب هذه المشكلات, وكيف يسعى لحلها بطريقة ناضجة, فهو ما يميز بينهما, كما أن عدد المشكلات وحدتها يتحدد بنمط حياة الشاب, سواء أكان يعيش مع أسرته أم يعيش خارج منزله, وسواء أكان لا يزال طالبًا أم خرج إلى عالم العمل, ومعظم المشكلات التي تسود في هذا الطَّوْرِ تتعلق بالجاذبية الشخصية والتكيف الاجتماعي والأسري والعمل والنقود والنجاح الأكاديمي والعلاقات الجنسية.
وقد أكدت الدراسات التي أجريت على الشباب المصري أن لديهم عددًا كبيرًا من المشكلات الصحية على نحوٍ يوحي بحاجتهم إلى التربية السليمة.
وتوجد نسبة عالية من الشباب المصري من الجنسين تزداد لديهم المشكلات العاطفية، فهو يريد أن يعرف كيف يجعل أفراد الجنس الآخر يهتمون به, وغالبية الأفراد من الجنسين يودون أن يعرفوا شيئًا عن أساليب السلوك الاجتماعي الصحيح في وجود الجنس الآخر، كما أنهم يودون أن يعرفوا بعض المسائل التي تتعلق بالزواج والحياة الزوجية المقبلة، كما أنهم في حاجة إلى معلومات جنسية علمية.
(1/338)

أما عن مشكلات المستقبل الدارسي والمهني للشباب, فقد أثبتت الدراسات المصرية أن نسبةً كبيرةً من الشباب من الجنسين يشعرون بالقلق إزاء هذا المستقبل, وخاصةً عندما يواجه بانتهاء الدراسة بالمرحلة الثانوية. ولعل حدة هذه المشكلة ترجع إلى نظام القبول بالتعليم الجامعي والعالي الذي أصبح نوعًا من المسابقة1، بينما نظام التوجيه المهني أصبح نوعًا من التوزيع العشوائي, في نظام القوى العاملة المعمول به في الوقت الحاضر, ولهذا فإن معظم الشباب لا يدرون شيئًا عن ميولهم المختلفة، أي: إنهم في حالة شكٍّ في حقيقة هذه الميول.
وحين يرتب الشباب المصريون مجالات المشكلات, يرتب الفتيان مجال ما بعد المدرسة الثانوية في المقدمة, ويليه مدرستي والثقافة الجنسية, أما مجال التعامل مع الآخرين فيجيء ترتيبه الأخير, أما الفتيات فيرتبن مجال مدرستي في المقدمة, ويليه مجال التعامل مع الآخرين, وما بعد المدرسة الثانوية, أما مجال الثقافة الجنسية فيأتي في النهاية. أما من حيث الحدة: فقد لُوحِظَ أن المجالات التي أظهر فيها الشباب أعلى درجات الحدة هي: مدرستي، ما بعد المدرسة الثانوية، بيتي وعائلتي، الثقافة الجنسية، الأشياء العامة.
أما عن ميول الشباب فإن ما يحددها عاملان هامان؛ هما البيئة التي يعيش فيها الشاب وجنسه؛ فالفتيان والفتيات الذين يعيشون في المدن الكبيرة أو المدن الصغيرة أو القرى, تختلف ميولُهم بعضهم عن بعض, وتظهر أهمية الجنس هنا خاصةً إذا علمنا أن طَوْرَ السعي هو الفترة التي يتحدد فيها نهائيًّا نمط السلوك المناسب لكلٍّ من الذكر والأنثى, ولهذا تتميز ميول كلٍّ منهما في هذا الطور تميزًا واضحًا, ويظهر ذلك واضحًا في الأحاديث التلقائية لكلٍّ منهما "فؤاد البهي السيد، 1954". كما يكون أكثر وضوحًا في هوايات كلٍّ من الجنسين Hurlick 1980"، رغم أن وظيفة الهواية تختلف هنا عن المراحل السابقة، فقد أصبحت من نوع "الهوايات النافعة" أكثر منها من نوع أعمال قضاء وقت الفراغ والترويح.
وبالطبع توجد ميول مشتركة بين الجنسين، ولعل أهمها ما يتصل بالميول الشخصية, والتي تشمل على وجه الخصوص المظهر والاستقلال والمستقبل، وهذه المجالات الثلاثة على وجه الخصوص تشغل معظم وقت الشباب من الجنسين وتفكيرهم.
ويحتل المظهر أهميةً خاصةً؛ لأنه يلعب دورًا كبيرًا في التوافق الاجتماعي
__________
1 لعل من أهم التوصيبات التي اقترحتها اللجنة التي شكلها مجلس الوزراء "سبتمبر 1997" اعتبار التعليم الثانوي مرحلة منتهية, وإنشاء صف رابع جديد يؤهل الملتحقين به للتعليم العالي والجامعي.
(1/339)

للشباب، ويعينه على ذلك اقتراب نموّه الجسمي من الاكتمال, كما تصل الرغبة في الاستقلال إلى قمة حدها في هذا الطور, وكثيرًا ما يبالغ الشباب في هذا الرغبة إذا علم أن بعض أصدقائه أكثر استقلالًا منه, وقد ينشأ عن ذلك صراع مع الوالدين, ويكتشف المراهق أن اعتماديته في هذه المرحلة ذات طابع اقتصادي في جوهرها، ويحاول البعض حلّ هذا الصراع بالبحث عن مصادر خاصة للدخل "من خلال العمل أثناء وقت الفراغ" تعينه على هذا الاستقلال, وبعض حالات التسرب في التعليم الثانوي والجامعي يعود إلى هذا السبب.
أما الميول التي تتمركز حول المستقبل: فتبدأ في الظهور مع المراهقة المبكرة إلًا أنها سرعان ما تصبح مصدرًا للاهتمام الكبير في طور السعي, فمع الاقتراب من الرشد ومسئولياته يشعر الشاب بعبء المستقبل شديدًا, وخاصة إذا كان عليه أن يستقلَّ بحياته ويتزوج ويكوّن أسرة, ومع لعبة "خلط الأوراق" التي يعيشها المجتمع المصري في الوقت الحاضر, يشعر الفتى أن مَطَالِبَ هذا الاستقلال أصبحت مستحيلة التنفيذ مع سوق عملٍ محدودٍ يجبر الشباب على انتظار الوظيفة التي توفرها لها القوى العاملة, أو مسابقات التعيين "والتي غالبًا ما لا تتفق مع ميوله, بل ولا مع إعداده السابق"، والتي يحصل منها على "دخل محدود"، لا يكاد يغطي تكاليف الحياة اليومية المعتادة, ويصبح السؤال المكرر دائمًا، المعاد أبدًا, الذي يطرحه الشاب على نفسه: كيف أوفر من هذا الدخل المحدود ما يكفي الحاجات الأساسية, ويغطي تكاليف شقة متواضعة, وأثاث أقل تواضعًا لأتزوج وأكوّن أسرة؟ هذا السؤال البسيط لم يجب عليه أحد من صناع السياسة الاجتماعية والاقتصادية في مصر بعد, وواجبهم أن يجيبوا عليه؛ لأن المشكلة هنا من النوع الذي لا يقبل المعالجة السيكولوجية من خلال خدمات إرشاد نفسي مباشرة، وإنما هي نوعٌ من الكارثة الاجتماعية التي تنذر بالشر المستطير, والتي يتصل حلها بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
(1/340)

السلوك الاجتماعي في طور السعي "الشباب":
تضيق في طور السعي دائرة الأصدقاء الحميمين, وتتسع دائرة الجماعات, ومعنى ذلك أن الشاب يقل عنده عدد أصدقاءه الحميمين, ويزداد عدد صداقاته العامة ومعارفه, كما يتوجه اهتمامه إلى اكتشاف عالم الجنس الآخر.
ويلاحظ على السلوك الاجتماعي في هذا الطور أنه يتحوّل تدريجيًّا من الأنانية التقليدية التي تنشأ من الشعور بعدم الأمن في المواقف الجديدة, إلى تأكيد الذات, ولهذا نجد الفرد بدلًا من أن يذيب فرديته ليصبح أحد أفراد الجماعة, تزداد
لديه الرغبة في الاعتراف به كفردٍ, والحصول على موافقة الجماعة على ذلك, ومن خلال التجريب يكتشف ما هو مرغوب اجتماعيًّا، ثم يستخدم طرقًا أكثر حذقًا في جذب الانتباه، فيرتدي أحدث موضات الأزياء, بدلًا من الانبهار بالملابس ذات الألوان والرسوم الزاهية, كما يعبر عن وجهات نظر محددة بدلًا من الزهو بما لديه من أفكار مستحدثة.
ونتيجةً لتوافر الفرص الكثيرة للمشاركة الاجتماعية ينمو لدى الشاب استبصاره الاجتماعي, فيصبح أكثر قدرةً على الحكم على الأشخاص, سواء من نفس الجنس أو الجنس الآخر, ولذلك يحقق لنفسه توافقًا اجتماعيًّا أفضل مما كان عليه الحال في الطور السابق, ومع زيادة المشاركة الاجتماعية تزيد كفاءته الاجتماعية، كما تتمثل في الحوار وممارسة الألعاب الشائعة في مثل سنه, ويعرف أكثر الطرق الصحيحة للسلوك في المواقف الاجتماعية المختلفة, وبالطبع كلما زادت مشاركته الإيجابية في المسائل الاجتماعية أثناء مراهقته المبكرة تزداد كفاءته الاجتماعية في طور السعي, ونتيجةً لذلك كله يُلاحَظُ على الشاب أنه أكثر ثقة بالنفس.
وتتوافر للشاب صداقات من مستويات مختلفة, وقد قلنا أن الصداقات الحميمة يقل عددها، وتزداد أهمية الثُّلَلِ التي تصبح أقرب إلى الجمهرة من حيث بنية العلاقات الاجتماعية فيها, ويتوافر ذلك خاصةً لأولئك الذين يلتحقون بمرحلة التعليم الجامعي والعالي, دون الذين يلتحقون بعملٍ أو مهنةٍ بعد انتهاء التعليم الثانوي, ويتوافر ذلك خاصةً أيضًا حين تكون بيئة الدراسة الجامعية أو العالية شبيهة ببيئة المدرسة الثانوية, أما إذا كانت الدراسة لا توفر إلّا القليل من الفرص للحياة الاجتماعية, ويحتل العمل فيها الاهتمام الأكبر, فإن التجمعات الاجتماعية تكون أقل تحديدًا, أما بيئة العمل لأولئك الذين لا يستكملون دراستهم, فالملاحظ فيها أن الشاب يتصل بأفرادٍ من مختلف الأعمار, ومعظمهم له صداقاته الخاصة خارج نطاق العمل, ومالم يتوافر لهذا الشاب بقيةٌ من أصدقاء الدراسة الذين يعيشون ويعملون بالقرب منه, فإنه قد يجد نفسه وحيدًا منعزلًا.
وتوضح لنا البحوث التي أُجْريَتْ على ما يُسَمَّى "تذبذب الصداقة" أن الصداقات التي تتسم بقدرٍ من الثبات والاستقرار في المراهقة المبكرة, والتي لم تكن كذلك أثناء الطفولة, تصبح مرةً أخرى أقل استقرارًا في طور السعي, والسبب في هذا لا يرجع إلى اختلاف معايير اختيار الأصدقاء في هذا الطور, بقدر ما يرجع إلى تغير نمط حياة الشاب, فبعد الانتهاء من المدرسة الثانوية يذهب البعض إلى
(1/341)

الجامعات والمعاهد العليا، والبعض الآخر إلى المعاهد الفنية المتوسطة، ويلتحق البعض بالقوات المسلحة، ويحصل البعض على عملٍ أو مهنة، وقد يتزوج البعض، وهذا كله ينأى بهم عن البيئات "الطبيعية" التي عاشوا فيها طوال حياتهم السابقة, ويؤدي ذلك إلى انهيار كثيرٍ من الصداقات القديمة وإحلال صداقات جديدة محلها.
وتتنوع الجماعات أثناء الشباب حسب طبيعة النشاط الذي يقوم به الفرد، وتشمل الجماعات الرياضية والاجتماعية والفكرية والأدبية والدينية وغيرها, ولهذا تتنوع الصفات التي يجب أن تتوافر في قائد كل جماعة منها, وهكذا تتحول القيادة في هذه المرحلة لتصبح موقفية كما هو الحال عند الراشدين, ولعل هذا يفسر لنا اختلاف السمات التي يقدرها الشباب في قادتهم, حسب طبيعة النشاط الذي يمارسونه.
ويتسم طور السعي باستقرار السلوك القيادي, فبعد أن كان القادة يظهرون ويختفون في مرحلة الطفولة والمراهقة المبكرة, أصبح الأمر مختلفًا الآن؛ إن الشخص الذي يظهر مهارات القيادة وهو في السنة الأولى الجامعية مثلًا يظل كذلك طوال سنوات دراسته الجامعية, ويعتمد استمرار القيادة بالطبع على استقرار الجماعة من ناحيةٍ, وعلى مرونة القائد من ناحيةٍ أخرى, والقائد الناجح من الشباب هو الذي يكتسب مزيدًا من الاستبصار الاجتماعي؛ من خلال مشاركته الإيجابية في الأنشطة الاجتماعية المنوعة، وهذا يجعله أكثر قدرةً على المواءمة مع مطالب الجماعة، ويعينه هذا بدوره على الاستمرار في القيادة.
ويلعب الانطباع دورًا هامًّا في التقبُّل الاجتماعي في هذا الطور, ويتأثر هذا الانطباع بعوامل كثيرة؛ منها مظهر الفرد وسلوكه, والأشخاص الذين يحتك بهم, ومستواه الاجتماعي, ودرجة التشابه بينه وبين آخرين يعرفهم الشاب من قبل, وحالما يتكون الانطباع فإنه يؤثر في سلوك الشاب واتجاهاته نحو الشخص, فإذا كان الانطباع موجبًا يزداد تقبلًا له, والعكس صحيح.
وقد أجريت دراسات مصرية عديدة حول الصداقة والقيادة لدى الشباب من طلاب المرحلة الثانوية والجامعات، إلّا أننا نحب أن ننبه إلى أن هذه الشريحة ليست وحدها هي التي تؤلف المجتمع الأصلي لشباب مصر, وهذا يعني أننا في حاجةٍ إلى مزيدٍ من البحث على جماعات العمال والفلاحين والموظفين, وغيرهم ممن لم يكن لهم نصيب من الاهتمام البحثي حتى الآن.
(1/342)

النمو الخلقي والاتجاهات الدينية في طور السعي:
حين يصل الفرد إلى سن السادسة عشرة يجد من الصعب عليه تطبيق المفاهيم الخلقية التي تعلمها على المواقف المتنوعة المتصارعة التي يواجهها خلال خبراته الاجتماعية اليومية والعديدة, ومع زيادة النمو واتساع نطاق الخبرة "وخاصة بعد الالتحاق بالجامعة أو بالعمل" تتكوّن لديه مفاهيم محددة عن الصواب والخطأ, وعن الحق والباطل, وعن الفضيلة والرذيلة، وبذلك يصبح أكثر قدرةً على التعامل مع المواقف الجديدة المتصارعة, ويسلك تبعًا لمفاهيمه الخلقية دون ضغط من الخارج، بالإضافة إلى أنه يصبح أكثر قدرةً على تعميم المفاهيم الخلقية التي تعلمها في علاقتها بأفعالٍ معينة.
إلّا أن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا الطور زيادة التسامح مع بعض صور السلوك غير الخلقي؛ فاتجاهات طلاب الجامعات نحو الغش أكثر تسامحًا, وربما تكون لهذ الاتجاه جذوره في المراحل السابقة التي تَفَشَّى فيها الغش بشكلٍ خطير, ويبررون هذا التسامح بأهمية التقديرات التي يحصل عليها الطالب في مستقبله التعليمي والمهني, ثم يزداد الطين بلة حين يكتشف الشاب من خلال ما يقرأ أو يسمع من قصص الانحراف والفساد أن بعض الأشخاص الناجحين اقتصاديًّا بل واجتماعيًّا هم من فئة "المنحرفين" هذه, وأنهم كثيرًا ما ينجون من العقاب حتى بعد اكتشاف فسادهم, ومن هنا تزداد مشكلة "المعايير المزدوجة" حدةً لدى الشاب, ويؤدي ذلك كله إلى تعويق نموِّه الخلقي لعجزه عن إدراك "المعنى المطلق" في القيم الخلقية, وبذلك يتأخر وصوله إلى المستوى الثالث للنموِّ الخلقي "مستوى ما بعد التقليدي" الذي وصفه كولبرج.
ولعل وسائل الأعلام -وخاصة الصحافة- هي المسئولة الكبرى عن هذا "الانهيار الخلقي" لدى بعض الشباب، فلا يكاد يقرأ المرء فيها إلى جانب قصص الفساد قصةً واحدة لنموذجٍ خلقيٍّ رفيع, أضف إلى ذلك ما أضافه عصر الفيديو من عوامل خلل إضافية في النسق القيمي الأساسي, وإذا لم نتدارك الأمر بالحرص الواجب من خلال تقديم نماذج سلوكية, ومُثُلٍ عليا للشباب, بأسلوب العرض المناسب والجذاب، وليس بأسلوب الوعظ والخطابة، فإن كارثةً أخرى توشك أن تحلَّ.
أما بالنسبة للاتجاهات الدينية: فلعلنا نذكر أن طور السعي ينبثق من فترة شكٍّ عاشها المراهق الصغير قبل ذلك، ولحسن الحظ فإن هذه الفترة يمكن أن تكون قصيرة ومؤقتة إذا أُحْسِنَ توجيه الشباب دينيًّا فيها, بالاعتماد على الطرق العلمية
(1/343)

التي نجح علماء النفس الاجتماعيون في استخدامها في مجال تغييرب الاتجاهات وتعديلها، وليس بالوعظ فقط، فليس بالوعظ وحده تتغير الاتجاهات.
والحاجة إلى التدين حاجة هامة جدًّا لدى الإنسان، وهي أكثر أهميةً لدى الشباب وهو يقترب من سن الرشد؛ فالدين هو مصدر "القيم المطلقة" التي تمثل أعلى مستويات النمو الخلقي، وهو العاصم للشباب, ثم للرشد بعد ذلك من الوقوع في شَرَكِ "ازدواجية المعيار" التي أشرنا إليها، وإذا أُدْرِكَ بمعناها الصحيح يصبح وسيلة للتوافق الاجتماعي؛ لأنه ينبه المراهق الشاب إلى خطر التطرف, والتدين وسيلة إلى التوافق الشخصي أيضًا؛ لأنه يسهم في تحقيق سعادة الإنسان وشعوره بالأمن وكفاءته المهنية, وهي جميعًا من مؤشرات الصحة النفسية "محمد عثمان نجاتي، 1982" ونحن في حاجة إلى دراساتٍ جادة تحدد لنا ما يمكن أن نسميه "النضج الديني" في ثقافتنا العربية الإسلامية, والذي به يمكننا الحكم على السلوك الديني بعد النضج, سواء اتخذ ذلك صورة التشدد المسرف, أو التهاون الشديد، وكلاهما ضد مبدأ التوسط والاعتدال الذي يُعَدُّ أحد المعالم الأساسية للنسق الإسلامي على وجه الخصوص "فؤاد أبو حطب، 1985".
(1/344)

نمو الشخصية في طور السعي ومسألة الهوية:
لعل أهم المسائل التي تشغل اهتمام الشباب مسألة "تحديد الهوية", ولهذا فإن الأزمة الجوهرية للنموِّ الوجداني في هذه المرحلة هي أزمة الهوية في مقابل اختلاط الأدوار, على النحو الذي يحدده إيركسون, وينبه "Mussen et al 1984" إلى أن طرق تحديد الهوية تختلف باختلاف الثقافات؛ فالثقافة الأمريكة مثلًا تركز على نموِّ الهوية من خلال الفردية الكاملة، بينما تركز ثقافات أخرى -كالثقافة الصينية واليابانية- على إحراز الهوية من خلال العلاقات الوثيقة بالآخرين, ومن خلال عضوية الفرد في نظام اجتماعي ثابت, ولعنا نضيف إلى ذلك أن جوهر الثقافة الإسلامية هو التوازن بين الفردية والجماعية؛ بحيث لا يجوز التضحية بأحد طرفي الثنائية على حساب الآخر, وفي جميع الحالات علينا أن ندرك أن جوهر نموِّ الهوية في الإنسان هو الحاجة إلى أن يدرك الفرد نفسه على أنه شخص متسق السلوك ومتميز عن الآخرين.
ويشير إريسكون إلى أن عملية البحث عن الهوية في مرحلة المراهقة والشباب قد تتخذ أحد مسارين كلاهما خطأ, والمسار الأول يتمثل في التبلور المبكر للهوية قبل الأوان, وفيه يحدث تعويق لعملية تكوين الهوية, وهنا نجد المراهق ينشد بإلحاحٍ تقدير الآخرين واعترافهم, ويبالغ في تقدير السلطة, ويميل إلى أن يكون أكثر
(1/344)

مسايرةً وأقل استقلالًا, وتتسم قيمه الدينية بالجمود, وطرقه في التفكير بالتصلب.
أما المسار الثاني فيكون مسارًا مفتوحًا بغير حدود, وفيه يسير المراهقون والشباب في عمليةٍ طويلةٍ من خلط الهوية، وقد يعجزون عن تنمية إحساس واضح قوي بالذات, وهؤلاء هم الذين يصفون أنفسهم بأنهم "يبحثون عن الذات" ولا يجدونها, ويتسم هؤلاء بضعف تقديرات الذات, ونظام خلقيٍّ غير مكتمل، ويواجهون صعوبات في تحمُّل المسئوليات الشخصية, ويتسمون بالاندفاعية وعدم تنظيم أفكارهم.
وبالطبع فإن المسار الصحيح أن يبذل الشباب بعض الوقت في السعي الإيجابي الحثيث لتكوين الهوية، والتي قد يتعرض فيها لبعض الغموض والخلط, حتى يتوصل إلى شعورٍ قويٍّ بالذات, وفي هذه الحالة يتسم الفرد بالاستقلال والإبداع والتفكير المنظم, وهي سمات لا تتوافر بنفس الدرجة لدى أولئك الذين لا يمرون بمرحلة "مؤقتة" من الخلط والغموض في تكوين الهوية, أو أولئك الذين يمرون بمرحلة "طويلة" من هذا الخلط والغموض.
وبالطبع فإن تكوين الهوية ليس عملًا شخصيًّا فرديًّا ينجح فيه الشاب أو يفشل, إنه في الواقع مهمة معقدة؛ فأنماط تكوين الهوية تختلف بين الأفراد من الشباب وبين جماعاتهم, نتيجةً لتأثيرات عوامل عديدة تشمل العلاقة بين الشاب ووالديه, وضغوط الثقافة العامة والثقافات الفرعية, ومعدل التغير الاجتماعي في المجتمع؛ ففي المجتمعات البدائية البسيطة حيث يوجد عدد محدود من أدوار الراشدين, وتغير اجتماعي محدود, يصبح تكوين الهوية مهمةٌ سهلةٌ يمكن الوصول إليها بسرعة, أما المجتمع المركب الصناعي السريع التغير, الذي يوفر للشاب بدائل كثيرة لأدوار الرشد, تكون عملية تكوين الهوية أكثر صعوبة, وتستغرق وقتًا أطول.
وداخل المجتمع الواحد قد تكون الهوية سوية أو منحرفة؛ فالشاب قد يبحث عن الأدوار الشخصية والاجتماعية والمهنية التي يتوقعها المجتمع ويوافق عليها، أو قد يبحث عن أدوارٍ على درجةٍ كبيرةٍ من الخصوصية, يوصف بعضها بأنه غير عادي, وبعض هذه الأدوار الخاصة قد يكون إيجابيًّا وبنائيًّا، كدور الفنان المنعزل، وبعضها قد يكون سلبيًّا ومدمرًا؛ كدور مدمن المخدرات أو المجرم أو المتطرف.
ويكتسب معظم الشباب بسهولة "الهوية الجنسية" مع وعي المراهق وتقبله للطبيعة البيولوجية الأساسية التي تميز الذكر عن الأنثى منذ وقت مبكر في حياته, أما أولئك الذين يرفضون دورهم الجنسي فإنهم يعانون فترة شباب عصيبةٍ تتسم
(1/345)

بالضغط والخلط، على نحوٍ يحول دون الوصول إلى هويةٍ كليةٍ متسقةٍ وواضحة.
والمظهر الآخر من مظاهر هوية الشباب ما يُسَمَّى "الهوية المهنية"؛ فحصول المرء على عمل يقدره المجتمع, واتقان هذا العمل, يرفع درجة تقدير الذات عنده, ويؤدي إلى تنمية هوية مستقرة لديه, أما حين يوصف الشاب بأنه من نوع "العمالة الزائدة" أو "فائض الخريجين" كما يُصَبُّ ليل نهار في مسمع الشباب هذه الأيام، أو حين يدرك الشاب بعد جهد كبير في الدراسة أن المهنة التي أُعِدَّ لها لم تعد تحظى بالمكانة اللازمة "كما يحدث للمهن الجامعية هذه الأيام بعد شيوع سوق الحرفيين"، أو حين يوصف التخصص الذي ينتسب إليه بأنه من تخصصات "القاع", بينما توصف تخصصات وكليات أخرى بأنها في "القمة"، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الشك في الذات, وغموض الهوية, ونقصان تقدير الذات، وقد ينتهي بتكوين هوية سلبية, ويزداد الأمر سوءًا إذا أجبرت الظروف الشاب على الالتحاق بعملٍ يفتقدُ فيه الدافعية الذاتية والرضا الداخلي عنه.
وقد ينشأ لدى الشاب أحيانًا ما يُسَمَّى صراع الأدوار الذي يؤثر تأثيرًا بالغًا على تكوين الهوية, ولعل المرأة هي الأكثر تعرضًا لهذه المشكلة، وخاصةً المرأة الشابة العاملة التي تحاول التوفيق بين أدوار العمل وأدوار الأمومة وتنشئة الطفل, وهو موقف صراعي لم تُقَدَّمُ له حلولٌ ناجحة حتى الآن.
وإذا نجح الشاب في تحديد هويته بعد سعي دءوب لتجنب الغموض والخلط, فإنه ينتقل انتقالًا "سلميًّا" نحو الرشد, إلّا أن الفشل في هذه المهمة يؤدي إلى الشعور بالاغتراب Alienation, والاغتراب هو رفضٌ عميقٌ لقيم المجتمع, وانعزال عن الآخرين, مع سيادة الشعور بالوحدة وفقدان الجذور، وعدم إدراك لمعنى الحياة وهدفها ووجهتها، والإحساس بالتشيؤ "شعور المراهق بأنه شيء, وليس إنسانًا" والشعور المختلط المضطرب بالذات "فؤاد أبو حطب، 1981". والاغتراب بهذا المعنى اضطراب نفسي قد يكون خطيرًا, وربما يقود صاحبه إلى الانحراف أو الإدمان أو الانتحار, ولعل هذا كله يشعرنا بالحاجة إلى توافر الخدمات النفسية للشباب وإتاحتها لهم في أماكن الدراسة ومواقع العمل.
(1/346)

خاتمة المرحلة الأولى من حياة الأنسان:
تناول الباب الرابع من هذا الكتاب ما أسميناه "المرحلة الأولى في نمو الإنسان", وتشمل هذه الفترة الزمنية من حياة الإنسان التي تصل إلى أكثر من عشرين عامًا؛ ابتداءً من تكوينه كجنين في رحم الأم, حتى وصوله إلى أعتاب الرشد, وهي الفترة التي ينطبق عليها الوصف القرآني الكريم بأنها مرحلة ضعف، يقول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} ولكنه ضعف التحول إلى قوة الرشد، يقول الله تعالى أيضًا: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} , ولعلنا نكون قد استوعبنا هذا التطور العظيم الذي تسلم خطواته بالتدريج إلى مستويات أرقى, حتى يكون الانتقال إلى مرحلة "القوة" الجديدة "سلميًّا" و"سليمًا" في آنٍ واحدٍ.
(1/347)

الباب الخامس: المرحلة الثانية من الأنسان"قوة الرشد"
الفصل الخامس عشر: حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الأنسان
مدخل
...
الباب الخامس المرحلة الثانية من الإنسان: "قوة الرشد"
الفصل الخامس عشر: حدود الرشد وأهمية مرحلة القوة في حياة الإنسان
سبق أن أشرنا إلى أن الخطة العامة التي يسير عليها هذا الكتاب هي الالتزام بالتقسيم الثلاثي "لمراحل نموِّ الإنسان" كما حددها القرآن الكريم، في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] .
وقد تناولنا من الباب الثاني وحتى الباب الرابع من هذا الكتاب، وعلى مدى أربعة عشر فصلًا المرحلة الأولى من حياة الإنسان، وهي مرحلة الضعف الأول على حد التعبير القرآني المعجز, والذي يمتد به جنينًا في رحم الأم حتى يصل به شابًّا فتيًّا على أعتاب الرشد.
ونتناول في الباب الخامس وما يليه "مرحلة القوة", ويقصد بها هنا قوة الرشد الإنساني, والكلمة الأجنبية المقابلة لمصطلحنا العربيّ "الرشد" هي adult hood، والراشد هو adult، وكلاهما مشتق من نفس الفعل اللاتيني الذي منه كلمة adolescence أي: مراهقة، وهو adolescere, ويعني "أن يتجه نحو النضج"، والفرق بينهما أن الكلمة التي تقابل مصطلح "مراهقة تأتي من مصدر الفعل "مضارعه أو تصريفه الأول" ولذلك فهي تعني أن الفرد لا يزال في عملية التحول إلى النضج، بينما الكلمة التي تعني الرشد تأتي من اسم المفعول "التصريف الثالث لهذا الفعل اللاتيني" وهو adultes, ولذلك فهي تعني اكتمال النضج، وبهذا يصبح الفرد جاهزًا لشغل مكانته في المجتمع مع غيره من الراشدين1.
والرشد في اللغة العربية هو نقيض الغي والسفه, والراشد هو من يصيب وجه الأمر والطريق, ولا يكون الإنسان كذلك إلّا إذا بلغ "اكتمال النضج".
__________
1 شاع في التراث التربوي والسيكولوجي العربي المعاصر استخدام مصطلح تعليم الكبار, ترجمة لعبارة adult education، وهي ترجمة غير موفقة في ضوء تحليلنا اللغوي، والأصح أن تكون تربية الراشدين أو تعليم الراشدين، وهو المصطلح الذي سنستخدمه في هذا الكتاب.
(1/351)

محكات الرشد:
ينبه القرآن الكريم إلى أن الحكم على الإنسان بالرشد أمرٌ يحتاج إلى التعرف على علاماته "وإيناس" إشاراته1، وهو أمر يحتاج أيضًا إلى خبرة العلم ونتائجه، ومنه علم النفس، يقول الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] .
وهكذا يفتح القرآن الكريم للإنسان باب الاجتهاد والبحث في المحكات التي يجب أن يعتمد عليها في الحكم على المراهق أو الشاب بأنه بلغ الرشد, ونعرض فيما يلي المحكات المختلفة التي استُخْدِمَتْ في مختلف العصور للوصول إلى هذا الحكم.
1- المحك الجنسي:
يشيع في الثقافات البدائية -ولدى عدد من الشعوب المتحضرة حتى وقتنا الحاضر- تعيين الرشد بحدود بيولوجية، فيبدأ بالبلوغ الجنسي, وينتهي بتوقف هذا النشاط "وهو يشيع بين العامة باسم سن اليأس climacteric, وهو مصطلح سوف نعارضه فيما بعد", وهذه جميعًا ترتبط بوظائف الجنس.
وهذا المحك ينطبق عليه ما يسميه المناطقة "الشرط الضروري" إلّا أنه ليس كافيًا؛ فالرشد يتطلب بالطبع أن يكون المرء قد بلغ جنسيًّا أولًا، إلّا أن البلوغ الجنسي لا يؤدي -حتميًّا- إلى الرشد, وقد أشرنا في الفصول السابقة كيف أن النمو الإنساني في المجتمعات الحديثة تَطَلَّبَ ظهور مرحلة أو أكثر من المراحل الانتقالية بين الطفولة والرشد؛ فالمراهقة هي طور البلوغ الجنسي خاصةً، وما يصاحبه من تغيرات جوهرية, وقد أطلقنا عليه طور بلوغ الحلم, وهي تسميةٌ قرآنية، أما طور الشباب فهي تلك الفترة الانتقالية بين اعتماد الضعف الأول "الطفولة والصبا" وقوة الرشد, وأطلقنا عليه تسمية قرآنية أخرى هي طور بلوغ السعي.
وقد عَبَّرَ القرآن الكريم عن ذلك بوضوح؛ ففي الآية الكريمة السابقة اعتبر
__________
1 في اللغة العربية أنس الأمر إيناسًا, أي: علمه، ومنه: آنست منه رشدًا "المعجم الوسيط".
(1/352)

بلوغ النكاح "وهو البلوغ الجنسي" شرطًا سابقًا على الرشد، ولكنه تَطَلَّبَ منا أن نتحقق من حدوث هذا الرشد بالفعل، وهذا يعني أن الرشد قد يصاحب البلوغ الجنسي, وقد يأتي بعده, إلّا أنه بالطبع لا يسبقه.
وقد كان الرشد يتطابق مع البلوغ الجنسي في الثقافات البدائية, كما يتطابقان في بعض الثقافات البسيطة الحديثة "كالثقافة الريفية أو الثقافة البدوية", إلّا أنه مع تقدُّم المدنية تَطَلَّبَ الأمر دفع العمر المعترف به للرشد بعد سبع أو ثماني سنوات من طور البلوغ الجنسي للفرد "المراهقة", وبالمثل فإن "سن اليأس" أو التغير في الحياة من الشخص الجنسي إلى الشخص اللاجنسي asexual لا يعني فقدان الرشد.
2- محك العمر:
تتفق معظم الثقافات المعاصرة، ومنها مصر والدول العربية والإسلامية، على أن الإنسان يصل إلى رشده عند بلوغ الحادية والعشرين، وهو السن الذي يتحدد قانونيًّا بأنه إذا بلغه المرء استقلَّ بتصرفاته.
والسؤال الجوهري هنا: لماذا سن الحادية والعشرين كمحدد للرشد؟ ربما يفيدنا أن نجيب على هذا السؤال أن نتناوله في ضوء تحديد ما يسمى الحدث1 juvenile من ناحيةٍ، وفي ضوء قوانين العمل، باعتبار العمل هو أهم مؤشرات الرشد "كما سنبين فيما بعد" من ناحيةٍ أخرى. إن قوانين العمل في مصر تمنع تشغيل الأحداث قبل سن 12سنة, وذلك بالنسبة إلى الأفراد الخاضعين لقانون العمل في جمهورية مصر العربية، وأجاز القانون لوزير العمل أن يمنع تشغيل من لم يبلغوا سن 15 سنة في بعض الصناعات "قرار رقم 154 لسنة 1959", كما أجاز له أن يشترط لتشغيل هؤلاء الأحداث في بعض الصناعات أن تكون له تذاكر عمل تثبت مقدرتهم الصحية على القيام بها, كما أجازت المادة 124-3 من قانون العمل المصري لوزير العمل أن يمنع تشغيل الأحداث الذين تبلُغ سنهم 17 سنة كاملة في بعض الصناعات الأخرى "قرار رقم 156 لسنة 1959".
ولكن من هو الحدث الذي تشير إليه النصوص السابقة؟ تحدد معظم التشريعات المعاصرة الحد الأدنى للحدث "وهو حد المسئولية" ما بين 7، 8 سنوات "وهو سن التمييز في الشريعة الإسلامية"، والحد الأقصى بين 16، 18
__________
1 يفضل فخر الدين الرازي في كتابه عن الفراسة أن يُطْلَقَ على الطور الذي أطلقنا عليه تسمية الشباب اسم سن الحداثة, ونحن نفضل أن نستخدم المصطلحات على النحو الذي أوردناه حتى لا تختلط علينا الأمور.
(1/353)

سنة, وهذا المحك العمري يشمل فئة من الصبية والناشئة والفتيان, وأطلقت عليهم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في ندوةٍ عقدتها بالكويت عام 1976 تسمية "فئة اليافعين", ويمثل الحد الأقصى لهذه المرحلة مظاهر استقلالٍ متعددةٍ تُمَثَّلُ في الوصول إلى الأهلية للمواطَنَةِ الكاملة، ومن مظاهر ذلك الحصول على البطاقة الشخصية, وبطاقة قيادة السيارة, والمثول أمام سلطات التجنيد الإجباري، وحق العمل بلا قيد، وحق الزواج وتكوين الأسرة للمرأة "في سن 16", وللرجل "في سن 18"، ناهيك عن المسئولية الجنائية الكاملة. والتناقض الجوهري "من الوجهة القانونية والتشريعية" أن يُوصَفَ هذا المواطن الذي يبلغ من العمر "16-18 سنة بأنه "قاصر", أو بأنه "طفل" كما هو الحال في قانون الطفل الجديد في مصر، بالرغم من هذا كله, وعليه أن ينتظر من 3-5 سنوات حتى يبلغ سن الرشد الذهبي 21 عامًا, فهل يستطيع علم النفس أن يحل هذه المعضلة؟ وهل نستطيع من خلال نتائجه ونتائج العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى أن نتوصل إلى محكات أكثر تحديدًا للرشد؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة وأمثالها على درجة كبيرة من الأهمية في هذا الصدد، وخاصةً إذا تنبهنا إلى بضعة حقائق سيكولوجية أفرزها العصر الحديث, نذكر منها:
1- تناقص الوعي بالتغيرات الفسيولوجية والسيكولوجية التي تحدث مع بلوغ الرشد والتقدم فيه، وذلك لأن الوسائل الطبية الجديدة والتغيرات في "موضات" الأزياء تساعد الرجال والنساء من مختلف الأعمار على أن يبدوا ويشعروا ويتصرفوا كما لو كانوا في غير أعمارهم, وخطوط التقسيم بين الأعمار المستخدمة في الوقت الحاضر هي معالم عامة وليست حدودًا خاصة فاصلة، وتظهر على وجه الخصوص حين يُتَوقَّعُ من المرأة أو الرجل أن يظهروا "في المتوسط" بعض التغيرات في المظهر, أو وظائف الجسم, أو جوانب السلوك، أو حين تؤدي الضغوط البيئية في ثقافة معينة إلى ظهور مشكلات تَوَافُقٍ لا يستطيع تجنبها إلّا القليل من الرجال أو النساء من عُمْرٍ معين.
2- تغير أدوار بعض المراهقين "ابتداءً من سن 16"، بل وبعض الأطفال حين يدخلون عالم العمل خاصةً مبكرين، فهم يسلكون سلوك الراشدين على نحوٍ أكثر تبكيرًا من أقرانهم الذين يواصلون تعليمهم، صحيح أنهم يحرمون من فرصة جعل هذا الانتقال من الطفولة إلى الرشد بطيئًا خلال طَوْرِيْ المراهقة والشباب, إلّا أنهم يَتَّسِمُونَ بالفعل بكثيرٍ من سمات الراشدين, على الرغم من أنهم لم يبلغوا سن
(1/354)

الحادية والعشرين, إلّا أن الأخطر من هذه حقًّا ما يحدث حين تطول فترة الاعتماد وتمتد أحيانًا إلى ما بعد سن الحادية والعشرين, على نحوٍ يشبه اعتماد الأطفال أو المراهقين الصغار، وخاصةً حين يلعب المراهق الكبير أو الشاب دور "الطالب", ويظل يحمل هذه الصفة وحدها في نظر "الكبار".
3- الفوارق في التبكير بالرشد أو تأخيره, وخاصة بين الجنسين من ناحيةٍ، وبين المستويات الاقتصادية الاجتماعية من ناحية أخرىٍ؛ فالمراهقات الكبيرات تطول فترة اعتمادهن لأسباب ثقافية, والذكور من أبناء المستويات الاقتصادية الاجتماعية المتوسطة والعليا أكثر اعتمادًا من أبناء المستويات الدنيا، ربما لأن هؤلاء يدخلون عالم العمل أكثر تبكيرًا من أولئك.
وهكذا يصبح الرشد السيكلولوجي -في ضوء مؤشر الاستقلال- مسألة نسبية, فهناك من يصلون إليه مبكرين "ابتداءً من السن التي تخرجهم من فئة اليافعين أو الأحداث وربما قبلها", وهناك من تمتد بهم فترة الاعتماد إلى أعمار تتعدَّى سن الرشد القانوني في صورته الراهنة.
3- المحك الاجتماعي:
يبدو لنا من مناقشتنا السابقة لمحكي البلوغ الجنسي والعمر أن الفيصل في الحكم على رشد الإنسان يعود في جوهره إلى العوامل الثقافية والاقتصادية والاجتماعية, وهذا ما اتفق عليه فقهاء المسلمين في تعريفهم للرشد بأنه بلوغ الصبي "صالحًا في دينه مصلحًا لماله", وحسن التصرف في المال -كعلامة من علامات الرشد- يعني أن الفرد قادرٌ على شغل مكانته في المجتمع, والقيام بمسئولياته فيه, وقد نبه القرآن الكريم إلى أهمية هذا المحك في قوله تعالى عند الإشارة إلى السفة، وهو نقيض الرشد:
{وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ... } [النساء: 5] .
كما يشير إلى هذا المحك الاجتماعي أيضًا عند الإشارة إلى ما يجب عمله عقب التحقق من بلوغ الصبي طور الرشد: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 4] .
ويُعَدُّ هذا من جوانب الإعجاز السيكولوجي للقرآن الكريم, ولعنا نشير هنا إلى أن علم النفس الحديث لم ينتبه إلّا مؤخرًا إلى أهمية محك الأدوار الاجتماعية في تحديد الرشد، باعتباره يفوق محك العمر الزمني, أو النضج البيولوجي, ولهذا فإن الشخص الذي يوصف الآن بالرشد هو ذلك الذي لم يعد طفلًا أو مراهقًا أو طالبًا
(1/355)

شابًّا، وإنما تحوَّلَ إلى أدوارٍ جديدة: الساعي لكسب العيش من خلال عمل منظم ومستمر، الزوج أو الزوجة، الوالدية, إلخ, وفي عملية التحوّل إلى الرشد يختلف الأفراد اختلافاتٍ جوهرية في توقيت هذه المهام التي يؤدونها, والأدوار التي يقومون بها, وبعبارة أخرى فإنهم يصلون إلى "مكانة الرشد" في أوقات مختلفة.
ولعلنا هنا نعيد الإشارة إلى ما سبق أن ذكرناه, من أن بعض الأشخاص قد يصلون إلى سن الخامسة والعشرين وهم لا يزالون في مرحلة التعليم، بينما يمارس غيرهم دور الزوج والوالد قبل هذه السن بسنوات، بل إن بعضهم قد يدخل سوق العمل قبل ذلك ببضع سنوات كذلك "بعد إنهاء مرحلة التعليم الأساسي في سن 15 سنة, وربما قبلها فيما اصْطُلِحَ على تسميته "عمالة الأطفال".
4- المحك السيكولوجي:
المحك الاجتماعي للرشد الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة هو محكٌّ موضوعيٌّ، إلّا أن هناك محكًّا سيكولوجيًّا يعتمد على الخبرات الذاتية للفرد، يضاف إليه ويجعله جزءًا من البنية الأساسية لشخصية الفرد, ويشير علماء النفس المعاصرون إلى بضعة مؤشرات توجه هذا المحكَّ السيكولوجي, تشمل ما يلي:
أ- العمر المدرك Perceived age: ويُقْصَدُ به العمر الذي يشعر فيه الفرد شعور ذاتيًّا أنه أصبح راشدًا, ومن الواضح أن إدراكنا لأنفسنا يعكس كثيرًا من الجوانب المختلفة "العمر الزمني، النضج البيولوجي، الأدوار الاجتماعية التي نمارسها، التوافق النفسي والاجتماعي وغيرها", ولعل ذلك يفسر لنا لماذا يشعر بعض الأشخاص ويتصرفون كأنهم راشدون وهم لا يزالون ربما في طور الطفولة1, بينما نجد آخرين في منتصف العشرينات من العمر أو أواخرها, ومع ذلك يعانون من صراعٍ بين حاجاتهم ورغباتهم التي تبدو طفولية, وبين شخصية الراشد التي يصبون إليها.
ب- الاستقلال: المؤشر السيكولوجي الرئيسي للرشد هو الاستقلال, فمع الرشد يشعر المرء أنه مسئول عن نفسه وعَمَّنْ يعول، ويتخذ قراراته بنفسه دون حاجة مستمرة إلى دعم الآخرين "وخاصة من هم أكبر منه مثل الوالدين والمعلمين", ويتجه الاستقلال على وجه الخصوص إلى تلك القرارات التي تتصل بحياة الراشد الشخصية, سواء كانت هذه القرارات تافهة أو هامة, ثم إنه لا يحب أن يتدخل الآخرون في هذه الشئون، ويتحمَّل المسئوليات والنواتج المترتبة عليها.
__________
1 تؤكد ذلك نتائج البحوث التي أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية حول "عمالة الأطفال" والتي سنشير إليها فيما بعد.
(1/356)

ومرةً أخرى, فإن هذا المؤشر جزء من العالم الشخصي للإنسان، وهو وحده الذي يحدد ما إذا كان لا يزال يشعر بالرغبة في التبعية والاعتماد على الآخرين, أم أنه تحوَّل إلى الاستقلال بقراره.
إلّا أن استقلال الرشد لا يعني التفرد والأنانية؛ فالراشد قد يطلب مشورة الآخرين ويلجأ إلى مناقشتهم ومحاجاتهم, إلّا أنه في النهاية صاحب القول الفصل فيما يتصل بحياته من قرارات.
جـ الرغبة المستمرة في التعلم: من المؤشرات السيكولوجية للرشد الرغبة المستمرة -بل والمتزايدة- في التعلم، وخاصةً التعلم الذاتي الذي يتفق في جوهره مع مؤشر الاستقلال والمعالجة والتقصي والبحث, والتي ترتبط جميعًا بهذا النوع من التعلُّم، وتدل على تنوع الاهتمامات والميول، فإذا توقف الراشد عن التعلم كان هذا علامة النهاية من الناحية السيكولوجية.
وقد أشار القرآن الكريم إشارةً صريحةً إلى أهمية التعلم في حياة الراشدين, يقول الله تعالى في وصفه لمرحلة الشيخوخة المتأخرة: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ... } [الحج: 5] .
وإذا كان فقدان القدرة على التعلُّمِ هو المحك القرآني الرئيسي للشيخوخة المتأخرة "الهرم أو أرذل العمر", فإن توافُرِ هذه القدرة واستمرارها في مراحل العمر السابقة على هذا التدهور في حياة الإنسان مؤشر على استمرار الرشد الإنساني.
وإذا كان الاستقلال الذي أشرنا إليه محكًّا لتحديد الرشد هو في جوهره نتاجٌ للتعلم الاجتماعي, يصبح التعلُّم حينئذٍ هو جوهر حياة الراشدين بدءًا وانتهاءً، صحيحٌ أن لكلٍّ من البداية والنهاية حدوده التشريحية والفسيولوجية والنيرولوجية، بل والقانونية، إلّا أن الرشد السيكولوجي لا يتحدد إلّا بشغفٍ إلى مزيدٍ من التعلُّم عند الاستقلال، ثم توقُّفٌ عن التعلم عند العجز والهرم، بل نكاد نقول: إن التوقف عن التعلم هو اللحد السيكولوجي للإنسان, حتى ولو عاش من بعده أعمارًا وأعمار.
(1/357)

الحدود العملية للرشد:
حتى يمكن تناول مرحلة الرشد لا بُدَّ من اللجوء إلى بعض الحدود العملية التي تسمح لنا بتحديد نقطة البدء, ويمكن بالطبع أن نعتبر العمر القانوني للرشد من نوع هذه الحدود, صحيح أنه ليس محكًّا صارمًا جامدًا فاصلًا، وإنما هو من المرونة بحيث يسمح باستيعاب َمْن تتوافر فيه مؤشرات الرشد قبله أو بعده.
وعلى هذا, فإن الفترة من سن الرشد القانوني "21 عامًا" وحتى سن الأربعين تقريبًا, هي ما يصفه علماء النفس الارتقائيون بطور الرشد المبكر, وسوف نشير إليه بطور "بلوغ الرشد" التزامًا بالتعبير القرآني, وهو الطور الذي تحدث فيه أكبر عمليات التوافق في حياة الإنسان، وهذا ما يجعل له خصائص مميزة عن الأطوار والمراحل التي سبقته وتلك التي تليه.
ومع بلوغ سن الأربعين يكون المرء قد وصل إلى طور "بلوغ الأشد" -حسب التعبير القرآني الكريم- وبدأ طورًا جديدًا يسميه علماء النفس الارتقائيون أيضًا طور الرشد الأوسط, أو وسط العمر، والذي يمتد حتى سن الستين أو بعده بقليل, ومن الغريب أن هذه المرحلة هي الأقل استطلاعًا وبحثًا من بين جميع مراحل العمر، لأنه حتى عهد قريب لم تكن هناك إلّا مشكلات قليلة لا تتعدى حدود المشكلات الفسيولوجية المرتبطة بما يُسَمَّى التغيرات مدى الحياة, والتي بدت هامة لدرجة جذبت انتباه علماء النفس الذين شغلتهم على التوالي: الطفولة فالمراهقة, ثم ازداد الاهتمام بالشيخوخة في السنوات الأخيرة، ثم بمرحلة الرشد المبكر. أما طور بلوغ الأشد أو وسط العمر "الرشد الأوسط" فلا زالت أقل المراحل بحثًا، فلا يتوافر حولها قدر كافٍ من البحوث والمعلومات العلمية.
ومع تخطي الستين -وهي سن التقاعد الرسمي في معظم الأحوال- يدخل المرء في مرحلة الرشد المتأخر, والتي شمل الشيخوخة والهرم، وهي مرحلة الختام, والتي تمثل المرحلة الثالثة من حياة الإنسان, والتي سنخصص لها الباب التالي من هذا الكتاب.
(1/358)

نشاة ونمو الاهتمام بسيكولوجية الراشدين:
في عرضٍ مختصرٍ لتاريخ سيكولوجية الرشد يذكر Perlmutter Hall 1985" أن هذا الميدان تزايد البحث فيه بعد الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أن الاهتمام بالنمو الإنساني -كما بينا في الفصول الأولى من هذا الكتاب- يمتد إلى جذور الفكر الإنساني، وعلى الرغم من أن علم نفس النمو -بعد ظهوره العلمي في القرن التاسع عشر- انشغل لأكثر من قرن من الزمان بسيكولوجية الطفولة, صحيح أن هناك بعض البحوث التي تركَّزَت أساسًا على الأطفال, والتي بدأت في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين, ألقت بعض الأضواء على سيكولوجية الرشد، وخاصةً تلك البحوث الطولية التي تتبعت عينات من الأطفال لعقود من الزمان, إلّا أنه لم تجر بحوث منظمة شاملة حول الموضوع حتى منتصف
(1/358)

القرن الحالي, ومن أشهر هذه البحوث التي تمت على الأطفال دراسة لويس ترمان, التي أجراها في جامعة ستانفرد بالولايات المتحدة الأمريكية على 1500 طفل متفوق عقليًّا، ظلوا موضع الدراسة التتبعية حتى بلغوا السبعينيات من عمرهم, كما أجريت ثلاث دراسات منفصلة في جامعة كاليفورنيا، استمَرَّ كلٌّ منها لأكثر من نصف قرن, وهكذا وجد هؤلاء الباحثون أنفسهم يبحثون في سيكولوجية الراشدين, على الرغم من أن اهتمامهم المبدئي والأصلي كان متمركزًا حول سيكولوجية الأطفال.
كما ظهرت دراسات متفرقة حول سيكولوجية الراشدين, وخاصة لمواجهة متطلبات الحرب العالمية الأولى، ولعل ظهور اختبار ألفا الحربي, كان فرصةً ملائمةً للاهتمام, خاصةً بذكاء الراشدين, والذي أدّى إلى ظهور أحد اختبارات الذكاء الشهيرة الملائمة لهذه الفئة العمرية, وهو اختبار وكسلر, وقد هيأ ظهور اختبارات ذكاء الراشدين الفرصة لإجراء بحوثٍ مختلفةٍ حول العلاقة بين التعليم والمستوى الاقتصادي والاجتماعي ونمو وتدهور الذكاء عبر مدى الحياة, أما المهارات الحركية للراشدين فكانت موضع اهتمام وحدة بحوثٍ خاصةٍ بجامعة ستانفرد منذ عام 1928, وذلك بهدف دراسة مشكلات العاملين الذين يعانون من مشكلات صعوبة الحصول على أعمال مناسبة في مجال الصناعة.
وفي ألمانيا بدأ الاهتمام بنموِّ الراشدين في العشرينات من القرن العشرين أيضًا, وشهد مطلع الثلاثينات ظهور شارلوت بوهلر التي بدأت اهتمامها بدراسة الأطفال والمراهقين, ثم وسَّعَتْ نطاقها إلى الراشدين, وتنبهت إلى أهمية دراسة النموِّ مدى الحياة.
وخلال الحرب العالمية الثانية اتخذت خطوات هامة في ميدان دراسة نموِّ الراشدين, لعل أهمها تكوين لجنة لدراسة النموِّ الإنساني بجامعة شيكاغو, من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس، وتركيز مركز نافيلد للبحوث بجامعة كمبردج "في بريطانيا" حول سيكولوجية العامل الراشد, وقد صدرت عن هاتين الوحدتين العلميتين بحوثٌ هامَّةٌ حول الموضوع, حوَّلَتْ اهتمام المنظرين إلى هذا الميدان الهام, ويُعَدُّ نشر إريك إريكسون في عام 1950 لنظريته الشاملة في نموِّ الشخصية على مدى حياة الإنسان علامة بارزة في هذا الميدان.
وشهدت السنوات الأربعون الماضية اهتمامًا كبيرًا بسيكولوجية الراشدين, مع زيادة الحركة التي تُسَمَّى بتربية الكبار والتربية المستمرة, ويوجد في الوقت الحاضر عددٌ كبيرٌ من مراكز البحث والتدريب في هذا الميدان الهام في عدد من
(1/359)

الجامعات والمنظمات الدولية، وبخاصةٍ اليونسكو التي أنشأت عدة مراكز إقليمية لتعليم الراشدين "الذي شاع في اللغة العربية باسم تعليم الكبار", ومنها المركز الدولي للتعليم الوظيفي للكبار, في العالم العربي بسرس الليان في جمهورية مصر العربية.
ونعرض في الباب الحالي نتائج البحوث حول النموِّ الإنساني في هذه المرحلة الهامة التي نسميها مرحلة قوة الرشد، وسوف يكون تناولنا لهذه المرحلة من خلال طورين رئيسيين هما:
1- طور بلوغ الرشد "الرشد المبكر": والذي يمتد من إيناس الرشد وحتى قبيل بلوغ الأشد في سن الأربعين.
2- طور بلوغ الأشد "الرشد الأوسط أو وسط العمر": والذي يمتد من سن الأربعين وحتى إرهاصات الشيخوخة في حوالي سن الستين أو بعدها.
(1/360)

الفصل السادس عشر: أطوار بلوغ الرشد "طور الرشد المبكر"
الخصائص العامة:
الرشد المبكر early adulthood: هو تلك الفترة التي تمتد من سن الرشد القانوني "21 عامًا" -أو قبلها أو بعدها, حسب التبكير أو التأخير في ظهور علامات الرشد كما بينا في الفصل السابق- وحتى سن الأربعين, الذي يصفه القرآن الكريم بأنه سن بلوغ الأشد, وفي هذا الطور تحدث أكبر عمليات التوافق في حياة الإنسان، وهذا ما يجعل له خصائص مميزة عن الفترات والأطوار التي تسبقه, وتلك التي ستتلوه.
وتلخص "Hurlock 1980" هذه الخصائص فيما يلي:
1- الرشد المبكر هو طور الإنجاب: فعند معظم الراشدين الصغار تمثِّلُ الوالدية أحد الأدوار الأكثر أهمية في حياتهم, ويصدق هذا على المرأة أكثر من الرجل، على الرغم من أن الرجل في عصرنا يقوم بدور في رعاية الأطفال أكثر إيجابية مما كان يفعل في الماضي, وحين يتم الزواج خلال السنوات المتأخرة من المراهقة وقبل سن الرشد القانوني "فالقانون يسمح بذلك، وهذا أعظم متناقضاته" تكون الوالدية الدور الشاغل للراشدين الصغار خلال العشرينات والثلاثينات من العمر، بل إن بعض هؤلاء قد يصيرون أجدادًا قبل نهاية الرشد المبكر, أما الراشدون الذين لا يتزوجون إلّا بعد إكمال تعليمهم, أو بعد حلِّ مشكلات الحياة التي تزداد تعقيدًا وصعوبةً "كمشكلة البحث عن عمل أو سكن", فإنهم يقضون معظم هذا الطور يلعبون دور الوالدية، بل إن بعض هؤلاء يستمرون في لعب نفس الدور في طور بلوغ الأشد أو الرشد المتوسط "وسط العمر"، وهو الطور التالي في دورة حياة الإنسان.
2- الرشد المكبر هو طور الاستقرار: فمع قيام الراشد الصغير بدور العائل، أي: كاسب الرزق للعيال، يجبره هذا الدور -إلى جانب دور الوالدية- على
(1/361)

أن يتَّبِعَ نمطًا ثابتًا من السلوك في مجالات الحياة، قد يميزه ما بقي من عمره, وأي محاولة لتغيير هذا النمط في مرحلة وسط العمر أو الرشد المتأخر تكون صعبة، بل قد تؤدي للاضطراب الانفعالي عند الفرد, وفي الظروف العادية فإن معظم الراشدين لا يحتاجون لمثل هذا التغيير. إنهم حينئذٍ حالما يصلون إلى النضج فالرشد يتزوجون وينجبون وينخرطون في عملٍ يظلون يؤدونه معظم حياتهم، بل يستقرون في حيٍّ يعيشون فيه معيشة شبه دائمة.
وهذه الحلول المبكرة لمشكلات حياة الراشدين قد تكون ملائمة أو غير ملائمة للمستقبل، وإذا كانت القرارات معتمدة على دوافع قوية وميول صحيحة وقدرات ملائمة, فإنها قد تكون قرارات رشيدة، أما إذا اتُّخِذَتْ بسرعة لإرضاء رغبات والدية عاجلة, أو رغبات خاصة, فقد يأتي عليهم وقتٌ يندمون فيه كثيرًا على ما فعلوا، ولات حين مندم.
3- الرشد المبكر هو طور الحل المستقل للمشكلات: ففيه يواجه المرء مشكلات عديدة جديدة, تختلف في جوهرها عن تلك التي كان يواجهها في المراحل السابقة من حياته، وهو مطالب بمواجهة هذه المشكلات دون إشرافٍ أو توجيهٍ أو معاونةٍ من الآباء أو المعلمين, كما كان يحدث من قبل, وبالطبع لو فُرِضَ على البعض التعامل مع مشكلات الرشد في مرحلة المراهقة أو الشباب بسبب الزواج أو العمل المبكرين, فإنهم قد يتوقعون مساعدة الوالدين؛ لأن هذه المشكلات عادةً ما تكون أقوى من قدراتهم على حلها بمفردهم, إلّا أن الشخص بعد وصوله إلى سن الرشد يتوقع له الوالدان والكبار عامةً أن يواجه المشكلات وحده، بل إن كبرياءه قد يمنعه من اللجوء إليهم طلبًا للمعونة, وتصبح المشكلة أشد تعقيدًا بالنسبة للراشد الصغير الذي يقضي مراهقته كلها, ومعظم شبابه, وجزءًا من مرحلة الرشد "حتى سن الخامسة والعشرين مثلًا" في التعليم، فذلك يجعله في حالة اعتماد "شبه دائم" على الوالدين، الذي يتمثّل في أبسط صورة في الاعتماد المالي والاقتصادي.
4- الرشد المبكر هو طور القرارات الهامة: ففيه يحاول المرء تحسس معالم الأرض الجديدة التي يجد نفسه فيها، وأيّ قرارٍ يتخذه له خطره على مسار حياته طوال السنوات الباقية من عمره، أو على مَنْ يرغب أن يشاركه حياته، ولهذا فقد يجد نفسه في موقف اللاقرار indicison, يحاول فيه اختبار الحلول المختلفة للمشكلة الواحدة حتى يصل إلى أفضل الحلول، وهذا في حَدِّ ذاته مصدر للتوتر، بل وللصراع، ولهذا نجد الفرد في هذا الطور مواجهًا بمشكلات توافق أكثر بكثيرٍ مما واجهه من قبل, بل أكثر مما يواجهه في العادة المراهقون المبكرون، إلّا أنه عند منتصف الثلاثينات يكون قد حلَّ معظم المشكلات على نحوٍ كافٍ بحيث يتناقص التوتر الانفعالي، ويحل محله الاستقرار الانفعالي مع نهاية هذه المرحلة عند حوالي سن الأربعين "Havighurst 1953".
ويتناول هذا الفصل التغيرات التي تطرأ على الجوانب المختلفة في السلوك الإنساني في هذا الطور من الحياة.
(1/362)

النمو الجسمي:
خلال طور الرشد المبكر وخاصةً من أوائل العشرينات وحتى أوائل الثلاثينات, يكون الفرد قد وصل إلى قمة نموه البيولوجي والفسيولوجي, وبالطبع لا تصل جميع أجهزة الجسم إلى قمة النموِّ في وقتٍ واحدٍ، بل لا تصل كلها إلى قمة النموِّ خلال هذا الطور من الحياة؛ فكل جهاز من أجهزة الجسم له نمطه الخاص ومعدله المميز في النموِّ, ومن الطريف أن نذكر أن طور الرشد المبكِّرِ يتسم بالنضج والتدهور البيولوجيين معًا, ومع ذلك فإننا حين نفحص الجسم ككلٍّ, يبدو لنا أن هذا الطور هو طور النشاط البيولوجي الأمثل.
فخلال الرشد المبكِّرِ يكون معظم الناس قد بلغوا أقصى طول القامة, وتصل المرأة إلى هذا الحد في سن 17 أو 18سنة, بينما تطول الفترة بعض الشيء عند الرجل لتصل إلى سن 21 سنة تقريبًا, أما الحد الأقصى للوزن فعلى العكس من ذلك لا يصل إليه الإنسان إلّا في الطور التالي "وسط العمر", والوصول إلى قمة القوة الجسمية يتلو عادةً وصول الفرد إلى الطول الأقصى, ولهذا فإن الفرد لا يصل إليها إلّا في منتصف العشرينات أو في أواخرها, أما القدرة على النشاط البدني، والتي لا تَتَطَلَّبُ القوة فحسب, وإنما تَتَطَلَّبُ أيضًا السرعة والتآزر والجَلَدَ "الاحتمال", فإنها تصل إلى حدها الأقصى خلال هذ الطور من العمر، ولهذا يقع معظم الأبطال الرياضيين عادةً في هذه المجموعة العمرية, وبخاصةٍ حتى مطلع الثلاثينات، بعدها نجد أن القوة والنشاط الجسميين يتناقصان تدريجيًّا, ليصل معدل النقص فيهما حوالي10% خلال الفترة من 30-60 سنة.
وكذلك فإن عددًا من الوظائف الحسية والعصبية تصل إلى مستوياتها القصوى خلال الرشد المبكر، فالحدة البصرية والسمعية يبلغان أقصى قوتهما في سن العشرين تقريبًا، وتظل الحدة البصرية ثابتة نسبيًّا في مرحلة وسط العمر، بينما تظهر حدة السمع تناقصًا تدريجيًّا خلال نفس الفترة, وبالإضافة إلى ذلك, فإن الوزن الكليِّ للمخ, والأنماط الناضجة للموجات الكهربائية للمخ, يَتِمُّ اكتمالهما
(1/363)

خلال الرشد المبكر.
والراشدون المبكرون هم أكثر الأفراد صحةً في المجتمع, وأسباب الوفاة لديهم ترجع إلى الحوادث أكثر منها إلى الأمراض "Brodzinsky et al 1986", ومع ذلك فإن بعض المشكلات الصحية التي قد تظهر في المراحل التالية من حياة الإنسان تبدأ بوادرها في هذا الطور العمريّ، ولذلك يطلق عليها الباحثون "الأمراض الصامتة"، وتشمل الحمَّى الروماتيزمية, وتصلُّب الشرايين, وتضخم أعضاء الجهاز التنفسي، وسرطان الرئة، وتليُّف الكبد، وأمراض الكُلَى, والتهاب المفاصل, كما أن الراشدين المبكرين يكونون أيضًا عرضةً للاضطرابات التي ترتبط بالإجهاد النفسيّ, ومن ذلك: التوتر الزائد, وإدمان الخمور والمخدرات، والاكتئاب، وقرح المعدة والسمنة, ولعل هذه الحقائق تؤكد أهمية برامج الطب الوقائي التي يجب أن تُقَدَّمَ لهؤلاء, والتي قد تمنع استفحال هذه المخاطر فيما بعد, إلّا أن الأهم من ذلك أن تكون لدى الراشدين المبكرين المنعة الناتجة عن عقيدةٍ دينيةٍ قويةٍ, والرغبة في اتباع النصائح العلمية, وهذا هو العامل الحاسم, فنحن نعلم أنه على الرغم من الانتشار الهائل في وقتنا الحاضر للمعارف العلمية التي تؤكد مخاطر التدخين, فإن الملايين لا يزالون يتشبثون بهذه العادة المدمرة لصحة الإنسان, ثم إن هناك أدلة قوية على أن للدين دوره الحاسم في التغلب على مشكلة إدمان المخدرات والمسكرات.
ووصول الراشد المبكر إلى الحَدِّ الأمثل للنشاط البيولوجي له آثاره الهامة في توافقه الشخصيّ والاجتماعيّ والمهنيّ, وبالطبع فإنه في المهن التي تتطلَّبُ القدرات الجسمية والحسية, تُعَدُّ فترة الرشد المبكر "ربيع" الحياة المهنية لها, وخاصةً خلال الفترة من 20-35 سنة، التي تكون عندها هذه القدرات في أَوُجَّهَا، ثم تتناقص تدريجيًّا بعد بلوغ الفرد سن الأربعين "بداية الرشد الأوسط", صحيح أن بعض الأفراد لا يظهرون تناقصًا في هذه القدرات مع التقدُّمِ في السن, ولعلنا نذكر في هذا الصدد بعض الموسيقيين والفنانين التشكيليين المشهورين, الذين استمرت قدراتهم الحسية على درجةٍ كافيةٍ من القوة حتى مع بلوغهم الثمانيات من العمر,
وبالنسبة للمرأة, فإن قدرتها على الإنجاب تصل أيضًا إلى قوتها خلال طور الرشد المبكر, ويمكن القول أن أفضل سن الحمل الأول من الوجهة البيولوجية هو العشرينات من العمر؛ حيث تصل الأعضاء والأجهزة الفسيولوجية عند الحمل إلى أفضل نموٍّ وتآزرٍ لها خلال هذا الطور من النموِّ دون سواه؛ فالمرأة خلال الرشد
(1/364)

المبكر لا قبله ولا بعده "أي ليس أثناء المراهقة, ولا خلال الرشد الأوسط" تكون أكثر قدرةً على إنتاج البويضات المخصبة، كما أن دورتها الهورمونية المرتبطة بالتناسل تكون أكثر انتظامًا، وتكون بيئة الرحم والحوض أكثر ملاءمة لحمل الجنين, وأكثر يسرًا في ولادته, وعلى الرغم من أن بعض النساء يحملن بدون مشكلاتٍ خلال المراهقة المتأخرة, أو مع بداية الأربعينات من العمر, إلّا أن معدَّلَ الخصوبة في هذه الحالات ليس بنفس جودة طور الرشد المبكر، كما أن الولادة تكون أكثر صعوبة، بالإضافة إلى احتمال إصابة الجنين ببعض النقائص التي تناولناها فيما سبق عند عرض خصائص مرحلة الجنين.
وهكذا فإن طور الرشد المبكر هو طور اكتمال النموِّ الجسميّ, باستثناء الحالات القليلة التي تتعرض للإصابة بالأمراض أو النموِّ غير السوي, ولا يلاحظ الراشد الصغير أيَّ علاماتٍ تدل على التدهور أو على التقدم في السن إلّا بعد الأربعين، وهي علاماتٌ تجعله حينئذٍ أكثر اهتمامًا بصحته وجسمه, إنه عندئذ يبدأ في المقارنة بين أدائه في طور الرشد الأوسط, وأدائه في طور الرشد المبكر، فيدرك مدى ما كان عليه من صحة وقوة ونشاط وفعالية وإنجاز، وبعبارة أخرى: فإن الخصائص الجسمية القصوى للرشد المبكِّر لا يدركها المرء في أوانها، وإنما يقدرها حين يعود بذكرياته إلى الوراء, بعدما يصل إلى الرشد الأوسط أو الشيخوخة، وحينئذٍ يقدر النعم التي كان قد أنعم الله عليه بها، والتي ربما لم يحافظ عليها حقَّ المحافظة، وقد يندم على ما فَرَّطَ في حق نفسه، ولات حين مندم.
(1/365)

النمو العقلي المعرفي:
كما هو الحال في النموِّ الجسميِّ, فإن بعض القدرات العقلية المعرفية تصل إلى قمتها خلال الرشد المبكر, وتؤكد البحوث أن المهام التي تتطلَّب السرعة في زمن الاستجابة أو زمن الرجع وذاكرة المدى القصير، والقدرة على إدراك العلاقات المعقدة, تُؤَدَّى بطريقة عالية الكفاءة خلال المراهقة وبداية العشرينات من العمر, كما أن بعض القدرات الابتكارية وخاصةً تلك التي تتطلَّبُ إنتاج أفكار, أو نواتج فريدة "الأصالة" أو متنوعة "المرونة", تصل إلى أعلى مستوياتها خلال الرشد المبكر أيضًا, إلّا أن معظم القدرات الأخرى تستمر في النموِّ بعد هذا الطور؛ فالقدرات العقلية المرتبطة بالنشاط اللغوي والسلوك الاجتماعي مثلًا تظل في حالة نموٍّ مستمرٍّ خلال الخمسينات من العمر, وربما بعد ذلك, وهذه هي المهارات والقدرات التي تتحسن بالتعلم والخبرة.
ويوجد سؤال هامٌّ تحيطه المشكلات المنهجية يتصل بالتحسن والتدهور في
(1/365)

القدرات العقلية للراشدين, وكما سنرى عند تناول مرحلتي وسط العمر والشيخوخة, فإن الأداء الجيد للراشدين المبكِّرين على اختبارات الذكاء, في مقابل الأداء الأقل جودة عندهم في مرحلتي وسط العمر والشيخوخة على نفس الاختبارات, قد يرجع في جوهره إلى "اصطناعٍ" ينتج عن طبيعة مناهج البحث المستخدمة، بالإضافة إلى المشكلات المتضمنة في بعض النماذج النظرية حول النموِّ العقلي.
ولعل أكثر هذه المشكلات حدَّةً ما يتصل بنموذج بياجيه في النموِّ العقلي، فمن المعروف أن هذا النموذج ينتهي بالمرحلة التي تُسَمَّى مرحلة العمليات الشكلية أو الصورية "والتي تتسم باستخدام طرق الاستدلال الفرضي الاستنباطي, والتفكير المجرد على نحوٍ عامٍّ, وفي مختلف المجالات كما بينا آنفًا", كما أن بحوث بياجيه وتلاميذه ظلَّت تؤكد لسنوات طويلة أن هذه المرحلة يتم الوصول إليها بين سن 12، 15 سنة, أي طور المراهقة, وبالفعل فإن كثيرين من المراهقين يصلون إليها في هذ السن.
إلّا أن بياجيه في بعض كتاباته المتأخرة "Peaget 1972" اقترح أن مرحلة العمليات الصورية قد لا تصل إلى النموِّ أو تصبح واضحة المعالم إلّا في الفترة بين طور السعي"الشباب" والرشد المبكر "أي 15-20سنة"، بالإضافة إلى أن كثيرًا من الراشدين لا يفكرون بالفعل بهذه الطريقة "Keating 1980"، كما أنها قد يتم التعبير عنها في نطاقٍ أكثر ضيقًا مما كان مفترضًا من قبل؛ فمثلًا يمكن للشباب أن يُظْهِرَ استدلالًا فرضيًّا في مجال تخصصه دون غيره من المجالات, كما أثبتت البحوث التجريبية الأكثر حداثة أن المراهق والشاب قد لا يستطيع استخدام التفكير الصوريّ وتعميمه من مجالٍ لآخر, ومن ذلك أن "Delisi Staudt 1980" وجد أن طلاب الجامعة يمكنهم التعبير عن المفاهيم الإجرائية الصورية بسهولة في مجال تخصصهم الرئيسي وليس في غيره؛ فطلاب الفيزياء كانوا أكثر نجاحًا في المهام التي تتعامل مع المتغيرات التي تؤثر في تذبذب بندول الساعة، بينما واجهوا صعوبات جمَّةٍ عند تطبيق هذه العمليات الصورية على المسائل السياسية أو الأدبية, وعلى العكس, فإن طلاب العلوم السياسية كانوا أكثر نجاحًا في مهام التخصص, وأقل نجاحًا في المهمتين الآخريين "العلمية والأدبية", أما طلاب الأدب الإنجليزي فكانوا بالمثل أكثر نجاحًا في تطبيق العمليات الصورية على المهام الأدبية وحدها.
ما هي العوامل التي تحدد الاختلافات في نموِّ التفكير باستخدام العمليات الصورية, وطرق التعبير عنه؟ من الواضح أن العوامل الثقافية تلعب الدور الحاسم
(1/366)

في ذلك دون شكٍّ، ومن ذلك درجة التقدُّمِ التكنولوجي في المجتمع؛ فالمجتمعات ذات المستوى التكنولوجي المتقدم تكون في حاجة إلى عدد أكبر من الأفراد ذوي القدرة العالية على التفكير المجرد، وعلى ذلك فإن مثل هذه المجتمعات أكثر تهيؤًا لتوفير مسالك وسبل لنمو هذا النمط من التفكير وطرق التعبير عنه، ومن هذه السبل التربية, وقد أيدت البحوث الحديثة وجود علاقة موجبة بين عدد سنوات الدراسة ونموّ مبادئ التفكير باستخدام العمليات الصورية, ويوجد عامل آخر يرتبط بالتفكير الصوري هو مستوى الذكاء, فمن المتوقَّع أن يكون الأشخاص الأكثر ذكاءً أكثر قدرةً على تنمية واستخدام العمليات الصورية أيضًا.
ويوجد جدل حادٌّ في أروقة علم نفس النموِّ حول ما أشرنا إليه من أن الراشدين لا يصلون جميعًا بالضرورة إلى المستوى المعرفي للعمليات الصورية, بل ربما لا يصل إلى هذه المرحلة بالفعل أكثر من 50% منهم, ويذكر "Dasen 1972" أن هذا النمط من التفكير أقل شيوعًا في الثقافات غير الغربية, وهذا القول أكده "Leskow Smock 1970" من قبل, كما يذكر آخرون "Elkind 1961" أن هذه القدرة أقل نموًّا لدى النساء, كما أنها لا تظهر إلّا لدى نسبة لا تزيد عن 17% من طلاب الجامعة "Tolmlinson- Keasey 1972", ويفسر بعض الباحثين هذه النتائج بأنها لا ترجع إلى عدم القدرة لدى هؤلاء على استخدام الاستدلال المنطقي كما يحدده مفهوم بياجيه عن العمليات الصورية, وإنما ترجع إلى أن بعض ميول الاستجابة وبعض خصائص الاختبارات المستخدمة لا تسمح لكلِّ شخصٍ بإظهار كفاءته بنفس الدرجة "Brodzinsky et al 1980", فإذا كان الشخص غير مهتم بالمهمة التي يؤديها في الموقف التجريبي أو الاختباري، أو كان على على درجة عالية من القلق نتيجة وضعه موضع التقويم، أو كانت المهارات المطلوبة لحل المشكلة قد تعرضت "للصدأ" نتيجةً لعدم الاستعمال, فإن أداء هذا الشخص حينئذٍ يكون أضعف من أدء شخصٍ آخر لديه الدافعية للعمل، ودرجة منخفضة من قلق التقويم، ويمارس بانتظام هذه المهارات اللازمة لحل المشكلة، ولعل أهم العوامل التي تؤثر في أداء الأفراد في هذه المهام اللازمة لحل المشكلة, ولعل أهم العوالم التي تؤثر في أداء الأفراد في هذه المهام الخاصة بالعمليات الصورية وغيرها من المهام التي استخدمها بياجيه, تعود في جوهرها إلى ما يُسَمَّى في الوقت الحاضر الأسلوب المعرفي Cognitive Style, والذي يدل على النمط الذي تَعَوَّدَ عليه الفرد كأسلوب في حل المشكلات؛ فالأشخاص الذين يتسمون بالأسلوب التأملي -أي: أولئك الأكثر حذرًا وحيطةً, وأكثر رويةً وأناةً, وأكثر انتظامًا, ويستخدمون التخطيط في سلوك حل المشكلة- يؤدون أداء جيدًا في هذا المهام, كما يؤدي في المهام
(1/367)

بنفس الجودة أصحاب أسلوب الاستقلال عن المجال Field- independent، وهم الأشخاص الأكثر قدرة على التمييز بين المعلومات المرتبطة وغير المرتبطة بسياق حل المشكلة, وعلى العكس فإن أولئك الأكثر اندفاعًا في الاستجابة لمواقف المشكلة، وأولئك الأكثر اعتمادًا على المجال, أو الذين يعانون من صعوبة التعرف على ما هو مرتبط بمشكلة معينة تتضمن معلومات أخرى, يؤدون أداءً سيئًا في هذه المهام.
ولعل هذه النتائج جميعًا دفعت بعض الباحثين المعاصرين إلى التشكك في مسلَّمة بياجيه, في أن المستوى الأعلى للنموِّ المعرفي يتم الوصول إليه بإحراز العمليات الصورية, وقد حاول بعضهم تحديد مستوياتٍ من النشاط المعرفي تتجاوز هذه المرحلة، ونشير فيما يلي إلى مجموعةٍ من البدائل الهامَّةِ لوصف النشاط العقلي لدى الراشدين، وأهمها وأكثرها شيوعًا ثلاثة هي:
1- إيجاد المشكلات: يرى آرلن "Arlin 1975" أن إيجاد المشكلة Problem- finding, هو المستوى الخامس من النشاط المعرفي "الأعلى من مستوى العمليات الصورية عند بياجيه", وهو الذي يتسم به سلوك الراشدين, ويتمثَّل ذلك في قدرة الراشد على توليد أسئلة جديدة ومرتبطة حول العالم الذي يحيط به, وعلى ذلك فإن الفرد هنا يطرح مشكلات جديدةً بدلًا من محض التنبه إلى المشكلات القائمة, كما أن الباحث عن المشكلات قد يكتشف طرقًا جديدةً في النظر إلى المسائل المألوفة من أجل الوصول إلى حلول جديدة ممكنة, ويرى آرلن أن هذا السلوك قد يكون هو العملية التي تربط بين البنى المعرفية عند بياجيه وعملية الابتكار. وفي رأيه أن العمليات الصورية هي شرطٌ ضروريٌّ, ولكنه غير كافٍ لحل المشكلة, وعلى أية حالٍ فإن هذه المرحلة الخامسة المقترحة لم تحظ بعد بالقبول العام لدى الباحثين، وهناك من يتشكك فيها على أسس تجريبية ومنطقية, وترى آمال صادق "1989" أن سلوك إيجاد المشكلات لا يقتصر على سلوك الراشدين، وإنما هو من خصائص التفكير الابتكاري والإبداعي بصفة عامة, سواء أكان في الطفولة أم المراهقة أم الرشد.
2- التفكير الجدلي: وهي عملية إضافية أخرى اقترحها ريجل Riegel" 1975 1973, لتفسير النشاط المعرفي لدى الراشدين, وخلاصة ذلك أنه يرى أن تفكير الراشدين يتسم بالخاصية الجدلية dialectic على طريقة الفيلسوف الألماني هيجل، أي: بالقدرة على التعرف على الصراع المعرفي, والتناقض بين الأفكار, وتقبله, بل وحتى الرغبة فيه والسعي إليه, وفي هذا ينتقد ريجل مسلَّمَة بياجيه في
(1/368)

أن التفكير باستخدام العمليات الصورية -وهو أعلى المستويات عنده- هو أكثر صور التفكير نضجًا, كما ينتقد أيضًا رأيه في أن التفكير الناضج ينشد تحقيق التوازن -أي: تحقيق حالة من عدم التوتر فيها يلائم كل شيء بعضه بعضًا "راجع الفصل الخامس من هذا الكتاب", وعلى العكس فإنه يرى أن التفكير الناضج "وهو بالطبع تفكير الراشدين" لا يسعى إلى التوازن أو خفض التوتر، وإنما هو سعيٌ مستمرٌّ نحو الأزمة المعرفية؛ فالعقل الناضج يحتاج إلى الاستثارة المستمرة، ويرحب بالتناقض الظاهري الذي يصاحب وجهتي نظر متعارضتين أو أكثر؛ لأن هذا هو "الغذاء" الذي يهيئ الفرصة لنمو العقل الإنساني.
ويرى ريجل أن التفكير الجدلي يمكن أن يحدث في أيِّ مرحلة من المراحل التي اقترحها بياجيه، على الرغم من أن محتوى العملية الجدلية يكون أقل تعقدًا بكثير في المراحل الدنيا؛ فطفل ما قبل المدرسة مثلًا يعزي صفات مطلقة للأشياء والأشخاص، فخصائص مثل كبير وصغير، ثقيل وخفيف, وغيرها، إما أن تكون أو لا تكون؛ فالشخص إما أن يكون كبيرًا أو صغيرًا, وبعد ذلك يصبح العقل أكثر وعيًا بالصراع والتناقض في هذه الخصائص؛ فالأخ الأكبر يكون أطول حين يقارن أخيه بأخيه الأصغر, ولكنه "أي: الأخ الأكبر" يكون أقصر حين يقارن بأبيه, فكيف يكون الشخص طويلًا وقصيرًا في نفس الوقت؟! إن الطفل يحل هذا التناقض الظاهري بالتعرف على أن بعض الخصائص لها خاصية نسبية، أي أنها لا تفهم إلّا في سياق خاص، أو في علاقتها بشيء آخر.
وهذا المستوى الذي يصل إليه الطفل لا يحل المشكلة المباشرة التي تواجهه، ولكنه يزوده باستراتيجية معرفية ضرورية لإدراك العالم من حوله من منظور أكثر اتساعًا وشمولًا وعمقًا.
وكما يفعل الصغار يفعل أيضًا الشباب والراشدون المبكرون، فهم يتعاملون مع العالم المحيط بهم من خلال المنظور الجدلي، والفرق بين الصغار والكبار هو المستوى الرفيع الذي تكون عليه هذه العملية في طور الرشد؛ فالتناقضات التي يوجهها الراشدون تكون أكثر حدوثًا على مستوى الأفكار المجردة, ولا تقتصر على المستوى العياني كما هو الحال عند الصغار.
وبهذا تكون حياة الراشد في جوهرها مجاهدة ومكابدة, مع تناقضات وصراعات كثيرة في حياته, تتصل بالأخلاق والسياسة والتربية والدين وفلسفة الحياة, ولعل هذا -والله أعلم- أحد ألوان الكَبَدِ الذي يعانيه الإنسان, والذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى:
(1/369)

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] .
إلّا أن الراشدين ليسوا بالضرورة في حاجةٍ إلى حل جميع التناقضات التي يواجهونها، فالإنسان الناضج -رأى ريجل- هو الذي يتقبل هذه التناقضات على أنها خاصية أساسية من خصائص الفكر والحياة الإنسانية.
3- التفكير النسبي العملي في إطار سياقات معينة: اقترحت هذا النموذج جيزيلا لابوفى -فيف عام 1982 "Lambouvie Vief 1982", في نقدها المفصَّلِ لاستخدام نموذج بياجيه أو غيره من النماذج المتمركزة حول الطفل أو المراهق, في تفسير النمو المعرفي للراشدين, وفي رأيها أن التركيز على هذا النموذج يمكن أن يعبِّرُ عن تدهورٍ أو نكوصٍ في تفكير الراشدين, وليس تقدمًا أو تطورًا, ويمكن توظيف مثل هذا النموذج عند تناول النشاط المعرفي للمسنين المعمرين الذين قد يبلغون أرذل العمر؛ حيث الانتكاس والنكوص بالفعل, أما عند تفسير سلوك الراشدين، وهم الفئة العمرية التي تدل على القوة واكتمال النموّ، في إطار أفكار بياجيه فإننا نقع -في رأيها- في خطأ بالغ.
بل إن الاعتماد على النموذج التقليدي لبياجيه في تفسير تفكير الراشدين قد يوحي لنا بحدوث عمليات سوء توافق لديهم إذا لاحظنا أن تفكيرهم المنطقي والصوري يتناقص, بينما يتزايد لديهم التركيز الأكثر برجماسية,. والموجِّه عيانيًّا نحو الواقع, إلّا أن حقيقة الأمر أن هذا ما يحدث بالفعل في تفكير الراشدين, وهو علامة على مزيدٍ من التوافق والتقدم، بل إن التفكير الصوري قد يكون اختيارًا خاطئًا في طور الرشد بسبب الطابع المثالي الغالب عليه, والذي قد يبعده عن التوجه العملي نحو عالم الواقع.
ومن الملاحظ أنه مع تقدُّمِ الشباب في دراستهم الجامعية, أو في مجال حياتهم المهنية, تتناقص في تفكيرهم خاصية "المطلق", وتتزايد خاصية "النسبي"؛ ففي إدراك الراشد توجد منظورات متعددة, وسياقات مختلفة, وحلول بديلة للمشكلات، ولعل هذا يفسر لنا النقص في استخدام التفكير الصوري خلال الانتقال من المراهقة إلى الرشد, ويدل هذا على السعي نحو إحداث تكاملٍ جديدٍ في التفكير الإنساني من خلال تَقَبُّلِ ضوابط عالم الواقع وقيوده وحدوده وشروطه، وهذا كله من سمات تفكير الراشدين. وتعني هذه الاستراتيجية التوافقية أن الراشد يعتمد اعتمادًا أقل على البحث عن اليقين المنطقي في حل المشكلات، ولهذا فإن جزءًا من هذا التغير المعرفي يظهر لدى الراشدين المبكِّرِين في صورة التخصص والنسبية والواقعية, بدلًا من التفكير المطلق والمثالي والعام لدى من هم أصغر سنًّا.
(1/370)

وعلى هذا فلا بُدَّ لنا من استخدام محكاتٍ مختلفةٍ للحكم على النضج المعرفي في مرحلة الرشد؛ لأن استخدام المحكات الخاصة بمرحلة العمليات الصورية مضلل, والبديل لذلك ما يتسم به تفكير الراشدين من خصائص الالتزام والتخصص والخبرة العملية, وتوجيه الطاقة حتى يجد الشخص لنفسه مكانًا ومكانة في النسق الاجتماعي المعقد الذي يعيش فيه, وبهذا تحل الاهتمامات العملية الناضجة للراشدين محل انبهار المراهقين بممارسة المنطق الصوري المثالي.
وهكذا يسقط التصور الذي ظلَّ شائعًا لأكثر من نصف قرن، وهو أن التفكير المنطقي الصوري هو الصورة الأكثر نضجًا ورقيًّا في تفكير الإنسان، وأنه حالما يصل إليه المرء "مع البلوغ الجنسي ومرحلة المراهقة", فإنه يصبح سمة تفكيره طوال حياته بعد ذلك, فقد تَأَكَّدَ أن النشاط المعرفي للراشدين هو في جوهره من النوع النسبي والعملي والمحسوس والعياني والموجَّه نحو سياقٍ معين, وفهم الراشد لظروف الواقع وقيوده وضوابطه علامة على مزيدٍ من النضج والنمو المعرفيين, وليس مؤشرًا على انتكاسٍ إلى مرحلة العمليات العيانية السابقة "في نموذج بياجيه".
وهكذا ترى لابوني -فيف, وجود مرحلة خامسة في النمو المعرفي للإنسان تتلو مرحلة العمليات الصورية, وتظهر في صورة التفكير النسبي العملي السياقي, وتبدأ خصائص هذه المرحلة في الظهور في السنوات التي تتلو مباشرةً المرحلة الثانوية في التعليم، أو مع دخول المراهق سوق العمل، ولهذا فإنها أكثر احتمالًا في الظهور لأول مرةٍ في الطور الذي أسميناه بطور بلوغ السعي أو الشباب, وهي بالقطع من خصائص السلوك المعرفي في الرشد، ويزداد هذا النمط من التفكير تبلورًا مع التقدُّم في العمر الثاني للإنسان "الرشد".
وتعقيبًا على هذه التصورات المختلفة للنشاط المعرفي الراشدين نقول -إنصافًا لبياجيه: إنه كان يرى أن دخول الإنسان عالم العمل قد يؤدي إلى ظهور أنماطٍ جديدة من التكيف, صحيح أنه لم يقترح مرحلة خامسة في النمو المعرفي، إلّا أنه كان على وعيٍ بأن "العمليات الصورية" ليست خاتمة المطاف, وعلى الرغم من أنه لا يوجد بين علماء نفس النمو اتفاق حول وجود وطبيعة مرحلة متميزة بعد مرحلة العمليات الصورية, إلّا أن عددًا كبيرًا من البحوث الحديثة يصف لنا التغيرات التي تطرأ على تفكير الراشدين, والتي لا يمكن تناولها مباشرةً وبسهولةٍ في إطار نموذج بياجيه, والنماذج الثلاثة التي تناولناها ليست كلّ ما في حقيبة البحث النفسي الحديث، فهناك أيضًا نماذج أقل شيوعًا؛ منها نموذج الإفراط في
(1/371)

الملاءمة overaccomdation الذي ترى فيه "Haan 1982" أن نجاح الراشدين الصغار في التكيف والتوافق مع الظروف البيئية لا يتحقق بمجرد المواءمة، أي: عملية التوافق من جانب الإنسان بحيث يتكيف أفضل مع الظروف الراهنة، وتعديل سلوكه لمواجهة هذه المطالب كما يرى بياجيه، "راجع سيد أحمد عثمان، فؤاد أبو حطب 1978", وإنما ما يحدث في الرشد المبكر هو الإفراط في هذه المواءمة, وهوسلوك ترى هان أنه لا يتناقص إلّا مع بلوغ وسط العمر "مرحلة بلوغ الرشد"؛ حيث يكون فيها الفرد قد حقق نجاحًا مؤكدًا, أو حقَّقَ نوعًا من المصالحة بين نفسه ومقدار الإنجازات التي أحرزها، وعندئذ تخف وطأة المبالغة في المواءمة التي كان عليها في طور الرشد المبكر؛ حيث يلعب السياق الاجتماعي الدور الحاسم، وفي هذا يتفق نموذج هان مع نموذج لابوني -فيف, الذي أشرنا إليه.
ويوجد نموذج آخر يؤكد أيضًا أهمية السياق الاجتماعي, يرى أن أهم خاصية معرفية في سلوك الراشدين هي "الإنجاز" achievement, وهو النموذج الذي اقترحه سكائي "1977 Schaie", وفيه يرى وجود أربعة مراحل للنمو المعرفي مدى الحياة هي: مرحلة الاكتساب, وتشير إلى طَوْرَي الطفولة والمراهقة, وفيهما ينشط الطفل والمراهق في بيئة "واقية حامية", ويكون هدفه الاكتساب المعرفي, ومع بلوغ الفرد مكانة الرشاد تصبح البيئة التي يعيش فيها أقل وقايةً وحمايةً له، وخاصة حمايته من نواتج الفشل في حل المشكلات, ولهذا فإن الهدف المعرفي في هذه الفترة "طور الرشد المبكر" ليس اكتساب المعرفة، كما كان الحال من قبل، وإنما إحراز الممكن والمحتمل، ولهذا يسمي سكائي هذا الطور بمرحلة الإنجاز, ثم يضيف إلى ذلك مرحلتين أخريين, هما مرحلة المسئولية في طور وسط العمر "بلوغ الأشد"، ثم إعادة التكامل في مرحلة الشيخوخة "العمر الثالث للإنسان", ويرى سكائي أن الإنسان في المراحل الثلاث الأخيرة "الإنجاز والمسئولية وإعادة التكامل" يكون مطالبًا بإحداث التكامل بين قدراته العقليةِ على مستويات عالية متزايدة التعقد من الأدوار الاجتماعية, ومرةً أخرى يلعب السياق الاجتماعي الدور الحاسم في النشاط العقلي للراشدين.
ويوجد نموذج ثالث -بين النماذج التي تعتمد في جوهرها على السياق الاجتماعي- قدمه كيرت فيشر "Fescher 1980", وفيه يقترح عشر مراحل من النموِّ المعرفي خلال دورة الحياة للإنسان، منها ست مراحل للطفولة، ومرحلة سابعة تميز ظهور علامات التفكير المجرد لأول مرة "مع المراهقة"، وتبقى
(1/372)

المراحل الثلاث الأخيرة أوثق اتصالًا بتفكير الراشدين, وهي: بناء الخريطة المجردة abstract mapping, أو قدرة الراشد على إدراك العلاقة بين هويته المجردة والأشخاص الآخرين، وبناء النسق المجرد abstract sysems, أو القدرة على إدراك التآزر المتبادل بين هوية الراشد وغيره من الأشخاص الهامين, وكذلك التوقعات المجتمعية منه، ثم بناء نسق الأنساق المجردة system of abstract systems, ويعني: التآزر بين مختلف جوانب هوية الراشد طوال حيانه حتى يدرك "شخصيته" ككلٍّ له معنى, وهذه المراحل تتطلَّبُ إتقان بعض "المهارت المعرفية" على حدِّ تعبير فيشر, والتي يحتاج إليها الراشدون في السياق الاجتماعي الذي يتعاملون معه على النحو الذي أوضحته لابوتي-فيف.
ويمكننا أن نخلص من العرض السابق بالقول بأنه توجد على الأقل ثلاث خصائص هامة في تفكير الراشدين تستحق الاهتمام هي:
1- تفكير الراشدين يتسم بالنسبية, وهو بذلك يختلف عن تفكير المراهقين الذي يميل إلى أن يكون مطلقًا؛ فالراشدون أكثر تقبلًا لوجود أنساق معرفية متنافسة ومتعارضة, وينشأ ذلك جزئيًّا من اتساع العالم الاجتماعي للراشد، والذي يشمل وجهات نظر مختلفة, وأدوارا اجتماعية عديدة, بل ومتنافسة.
2- يدرك الراشدون أن التناقض هو خاصية من خصائص عالم الحقيقة والواقع, ولا يحتاج الأمر إلى حل الصراعات والتناقضات المعرفية لكي يحقق الراشد توافقه وتكيفه مع البيئة المحيطة به، وإنما قد يتحقق هذا التكيف يتقبل هذه التناقضات, بل إن تفكير الراشدين لا يقبل هذه التناقضات في عالم الواقع فحسب, وإنما قد يسعى إليها, ويعتمد عليها للوصول إلى حلول جديدة للمشكلات, من خلال النشاط الإبداعي "التفكير من خلال إيجاد المشكلات".
3- يسعى الراشدون في تفكيرهم إلى إحداث التكامل, أو التركيب بين جوانب المعرفة المتناقضة للوصل إلى تكوينٍ جديدٍ أكثر شمولًا واتساعًا, يسميه بعض الباحثين "Commons et al 1982" ما بعد الأنساق. ومعنى ذلك أنه بينما نجد المراهق يقتصر في تفكيره على الوصول إلى نسقٍ من التفكير مجردٍ وواحدٍ وعام ومنظم حول مبادئ العمليات الصورية, فإن الراشد -على العكس من ذلك- يبدأ في النظر إلى المعرفة على أنها تكامل وتآزر بين أنساق متعددة متنافسة, فوجود مفاهيم مختلفة متعددة حول الدين والعلم مثلًا, والتي تبدو ظاهريًّا لدى المراهق متعارضةً في وصف وتفسير الأمور الدينية والدنيوية, فإن ذلك لا يُعَدُّ بالنسبة للراشد محيرًا, كما كان يبدو من قبل, فبدلًا من النظر إلى إجابة واحدة صحيحة فإن الراشد يدرك أن المعرفة هي دائمًا تكامل وتركيب بين وجهات النظر التي تبدو متعارضة "في مثال العلم والدين قد يتجه نحو البحث في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم مثلًا"، فكل خبرة ينظر إليها من زاوية مختلفة, أو من منظور مختلف, وتؤدي به إلى معلومات واستبصارات جديدة.
(1/373)

النمو الخلقي:
الرشد المبكر "بلوغ الرشد": هو الوقت الذي يكتسب فيه الإنسان استبصارًا قويًّا بالصواب والخطأ, اعتمادًا على الخبرة الشخصية, والنمو الخلقي، أو نموّ النسق القيمي الشخصي لديه, يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنمو المعرفي, ويبدو أن توافر القدرة المنطقية يُعَدُّ شرطًا ضروريًّا حتى يمكن للشخص أن يفكِّرَ على مستوى خلقي معين, وفي هذا الصدد يرى كولبرج "Beltes Schaie" أن الشخص يجب أن يكون قد وصل إلى مستوى العمليات الصورية في المعرفة "كما يحددها بياجيه" قبل أن ينشغل بالاستدلال الخلقي في المستوى القائم على المبادئ principled, أو المستوى المتجاوز للتقاليد Post conventional. وعلى هذا فإن المستويات العالية من النموِّ الخلقي يبدو أنها تتطلَّبُ ما هو أكثر من إحراز مستوى معين من النموِّ المعرفي، فهي تتطلَّبُ أيضًا أنواعًا معينة من الخبرات الشخصية؛ فدخول الفرد بيئة العمل مثلًا يعرضه لبدائل انفعالية, وخيارات وجدانية, وقيم متصارعة, وإدراكات جديدة للذات, وحينئذ قد يستجيب للمواقف المشكلة التي تتطلب حكمًا أخلاقيًّا بنوعٍ من التقدير النسبي, فما هو صواب ليس إلّا مسألة نسبية, ويعتمد ذلك على خصائص الشخص وحاجاته وظروفه, وهذا الوضع يعكس الوعي الجديد لدى الراشد بتنوع القيم لدى الناس, ومع تماسك الهوية وبلورتها يصل الشخص إلى مستوى أعلى من الحكم الخلقي, وينتقل إلى المرحلة الخامسة في نموذج كولبرج, أي: مستوى التعاقد الاجتماعي، وفي حالاتٍ نادرةٍ إلى مستوى الوجهة الخلقية العامة المعتمدة على المبادئ, والتي تمثِّلُ المرحلة السادسة عنده, وقد بينت بعض الدراسات التي أجريت في أمريكا أن معظم الراشدين المبكرين "الذين تجاوزوا المرحلة الانتقالية التي أسميناها بلوغ السعي أو الشباب" لا يظهرون أعلى المستويات الخلقية عند كولبرج, كما أثبت البعض الآخر أن المستوى التعليمي ليس هو العامل الحاسم، وإنما الأكثر حسمًا هو خبرات حياة الراشد. "Brodzinsky, et. al., 1986".
وقد كانت نظرية كولبرج في النموِّ الأخلاقي, وخاصة في مراحل الرشد, وعلى وجهٍ أخصٍّ المستوى الخلقي المتجاوز للتقاليد, موضع نقدٍ شديدٍ
(1/374)

"Murphy &Gilligan, 1980". فعلى الرغم من أن معظم الباحثين يقبلون المستويين الأولين في هذا النموذج، إلّا أن الاختبار الأمبريقي للنموذج أثبت أن كثيرًا من الناس عند الرشد يظهرون تراجعًا إلى مراحل مبكرة, بدلًا من التقدُّمِ نحو مراحل أعلى, وأدى هذا النقص في التطابق بين تنبؤات النموذج ونتائج البحث الفعلية إلى اقتراح بعض التعديلات في هذا النموذج, وخاصةً ما يتصل بمرحلة الرشد, وما يتصل بالقول بأن العلميات الصورية تُعَدُّ الأساس المعرفي لنموِّ أخلاق ما بعد التقاليد, ويرى مورفي وجليجان في بحثهما المشار إليه أن ما يحدد النموِّ الخلقي في مرحلة الرشد هو مستوى من التفكير أكثر تقدمًا وأكثر رفعةً من المستوى الصوري "وقد أشرنا إلى ذلك في القسم السابق"؛ فالتحول من المراهقة أو الشباب إلى الرشد المبكر يصاحبه تحول في الطريقة التي يطبق بها التفكير الصوري بطريقة قطعية ومطلقة عند التعامل مع المسائل الخلقية, بينما الأمر أكثر نسبيةً عند الراشدين بسبب خبرتهم المتزايدة بالصراع الأخلاقي والاختيار، ومعنى ذلك أنهم يعترفون ويقبلون المنظورات المتعددة للمواقع الخلقية المشابهة.
ويُوجَدُ مجالٌ خلافيٌّ آخر في النمو الأخلاقي عند الراشدين, مصدره العلاقة بين مستوى الاستدلال الأخلاقي وبين القيم والسلوك السياسيين, ولقد كانت هان وزملاؤها "Hann, et, al. 1968" أول ما أثبت أن مراحل النمو الخلقي عند كولبرج ترتبط بالأيديولوجية والنشاط السياسيين؛ فقد لاحظ هؤلاء الباحثون أن طلاب الجامعة من ذوي التفكير على مستوى المبادئ الأخلاقية, في مقابل ذوي التفكير على مستوى أخلاق التقاليد, كانوا أكثر إيجابية في المسائل الاجتماعية والسياسية, وأكثر تحررًا في وجهته، وأكثر مشاركة في الاجتماعات والأنشطة ذات الطابع السياسي, وعلى الرغم من أن الطلاب كانوا في مرحلة ما قبل التقاليد, وخاصة الذكور منهم, فإنهم أظهروا أيضًا نزعة أكثر ثورية في وجهتهم السياسية, وحين أجريت تحليلات عميقة لخصائص شخصيتهم وظروفهم الاجتماعية والأسرية, اتضح أن العوالم المؤثرة في اتجاهاتهم السياسية, وسلوكهم الاجتماعي كانت مختلفة, وتَمَثَّلَ ذلك في جوهره في أن "ثورية" الطلاب الذين هم في مستوى ما قبل التقاليد, لا تدل كثيرًا على شيء من الاعتقاد أو الالتزام السياسيين، وإنما هي أكثر دلالة على إحباطاتٍ شخصيةٍ عميقةٍ, وغضب شديد, ورفض للقيم المجتمعية التقليدية, كما يوجد باحثون آخرون ارتباطًا بين أخلاق المبادئ ورفض
(1/375)

المحافظة السياسية, وهذه النتائج قد تفسر لنا كثيرًا من صور "التطرف" السياسي الذي شهدته بعض مجتمعات الدول النامية "ومنها مصر" في السنوات الأخيرة؛ فالتطرف هنا قد لا يكون عن اعتقادٍ "عميق"، بقدر ما هو تعبير عن رفضٍ وغضبٍ وتنفيسٍ عن إحباط وفشل, وعلى الرغم من أن العلاقة بين الاستدلال الخلقي والتوجه السياسي, فُسِّرَتْ بوجهٍ عام في إطار النمو المعرفي، أي: على أنها تعكس أثر مستوى النضج الخلقي على الاتجاهات السياسية، إلّا أن البحوث الأمبريقية أكدت أن ذلك قد لا يكون صحيحًا, والأصح القول بأن الطريقة التي يفكر بها الشخص عند تناوله المسائل الخلقية تعكس التزامًا سياسيًّا واجتماعيًّا أساسيًّا وليس العكس, ومعنى ذلك أن التعبير عن أخلاق ما بعد التقاليد قد لا يمثل انتقالًا إلى مستوى معرفي وخلقي متميز كيفيًّا، كما قد يفهم من النموذج الأصلي لكولبرج، وإنما هو تعبير عن التزام بالأيديولوجية السياسية والاجتماعية, وخاصة التصنيف الشهير "اليسار في مقابل اليمين" أو "التحرر في مقابل المحافظة".
وقد أخضع نموذج كولبرج للاختبار الأمبريقي في دراسة مصرية, قام بها شحاتة محروس طه "1989"، أجريت على 576 فردًا من الجنسين؛ من أطفال مرحلة الحضانة, وتلاميذ الصفوف الرابع والسادس والثامن من التعليم الأساسي, وطلاب الصف الثاني الثانوي, والمرحلة الجامعية, والباحثين في الدراسات العليا, والعاملين في مهنة التدريس, وتوصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:
1- تسود المرحلة الأولى من النمو الخلقي عند كولبرج "أخلاق الخضوع" على أحكام الأطفال المصريين, وتُعَدُّ مسيطرة حتى بعد سن 9 سنوات بقليل.
2- تسيطر المرحلة الثانية من النمو الخلقي "أخلاق الفردية والأنانية" على أحكام الأطفال المصريين من سن 9 إلى قبيل 12سنة.
3- تسيطر المرحلة الثالثة من النمو الخلقي "أخلاق التوقعات المتبادلة بين الأشخاص" والتي تنتمي إلى مستوى سيادة العرف والتقاليد, على أحكام تلاميذ الحلقة الثانية من التعليم الأساسي "المرحلة الإعدادية".
4- أما المرحلة الرابعة, والتي تنتمي إلى نفس المستوى الخلقي "أخلاق النظم الاجتماعية والضمير" فتسيطر على أحكام الطلاب من سن 17 سنة أو قبلها بقليل، وتظل هي السائدة في أحكام الراشدين فيما بعد.
ومن أهم النتائج التي تخص النمو الخلقي للراشدين خاصة -والتي أظهرها هذا البحث- أن مستوى ما بعد العرف والتقاليد, أو مستوى المبادئ الخلقية يسود
(1/376)

أحكام الراشدين المصريين بعد المرحلة الرابعة مباشرة, وقد أرجع الباحث وصول نسبة كبيرة منهم لمستوى المبادئ "على عكس ما حدث لدى الراشدين في المجتمعات الغربية كما أظهرته البحوث السابقة" إلى طبيعة الأخلاق الإسلامية التي تركز تركيزًا على الضمير وتربيته, وحب الخير للناس أجمعين, بصرف النظر عن جنسهم أو مولدهم أو دينهم.
وقد وجد الباحث أيضًا أن الاعتراض على القانون والمؤسسات الرسمية والعادات, يظهر لدى أفراد العينة ابتداءً من الحلقة الثانية من التعليم الأساسي وحتى الرشد, إلّا أن هذا الاعتراض كان موجهًا بشكلٍ أقوى نحو المؤسسات الحكومية، وبشكلٍِ أقل نحو العادات والتقاليد الموروثة.
ولعل من أهم النتائج التي توصَّلَ إليها هذا البحث, أن المرحلة السادسة لدى كولبرج "أخلاق المبادئ العامة" ليست من صياغة الفرد واختياره فحسب، وإنما تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على المبادئ الإسلامية والأخلاق المستمدة منها, وهذه النتيجة تؤكد -في رأينا- وسطية الإسلام؛ حيث التآلف الابتكاري بين الأخلاق الفردية "والتي تعني في جوهرها المسئولية", والأخلاق الجماعية "التي تعني في جوهرها التكافل الاجتماعي"، وكلاهما من أسس الأخلاق في الإسلام.
(1/377)

نمو الشخصية والتوافق ومسألة الهوية:
يصف هافيجهرست "Havighurst 1972" الرشد المبكر بأنه أكثر مراحل العمر امتلاءًا وفرديةً وتوحدًا؛ فخلال هذا الطور يتعرض المرء لضغوطٍ هائلةٍ حتى يحقق لنفسه مكانًا في المجتمع, ومع ذلك فإن القوى المعينة للفرد في هذا الطور على إنجاز هذا الهدف قليلة, بالمقارنة بالمراحل السابقة التي تُوجَدُ فيها بالفعل المؤسسات التعليمية المختلفة, بالإضافة إلى الدور الكبير للوالدين, ويذكر هافيجهرست أنه -باستثناء مرحلة الشيخوخة- يلقى الراشدون عامة أقل دعم تربويٍّ لإنجاز مهامهم النمائية بالمقارنة بأي مجموعة عمرية أخرى.
ولعل من أهم ما يميز هذا الطور في حياة الإنسان, سعي الراشد للوصول إلى تحديد "معنًى" واضحٍ لحياته, فبعد أن تجاوز المشكلات الأساسية الخاصة بالهوية في طور المراهقة والشباب, فإنه يكون مع مطلع الرشد قد أحرز -ولو مؤقتًا- حلًّا لمشكلة تحديد ذاته، ثم يبدأ في الانشغال بتوسيع نطاق هذا المفهوم في المجتمع، أي: بالبحث عن وسائل جديدة يعبِّرُ بها عن ذاته, وخاصة في مواقف العلاقات الإنسانية والاجتماعية, وكثير من الأشخاص في هذ الطور يكون لديهم شغف بالتعرف على أصدقاء جدد، والالتحاق بالجماعات التطوعية والخيرية, والحصول
(1/377)

على عضوية عدد كبير من المؤسسات الاجتماعية "كالنقابات", ولهذا نلاحظ على الراشد الصغير أنه يتسم بالحركة والتغير اللذين يتم التعبير عنهما بكثير من الطرق, ويقترح وايت "White 1975" خمسة مظاهر نمائية شائعة في هذا الطور, تمثِّلُ إمكانات نموه، والتي قد لا تتحقق جميعًا بالضرورة خلال الرشد المبكر وهي:
1- استقرار هوية الأنا أو الذات: يقصد بهوية الأنا أو الذات ego identity, المشاعر التي يكونها الشخص حول نفسه, وتتسم هذه الظاهرة في هذا الطور بأنها أقل تأثرًا بالخبرات المؤقتة أو العارضة كما كان الحال في الماضي، فلا يمكن لذات الشخص أن تتفكك أو تتحلل كما كان يمكن أن يحدث لها منذ عشر سنوات خلت, حين يوصف مثلًا بالجبن أو الفشل, وخاصةً إذا كان الشخص متأكدًا أن ذلك وصف غير صحيح لذاته, ونتيجةً للالتزام الكبير بالأدوار الاجتماعية "وخاصة الدور المهنيّ", وبالآخرين من حوله "كالزوجة والأبناء", فإن الراشد يكون أكثر استقرارًا واتساقًا ووضوحًا في نمو شعوره بذاته، ولهذا يحدث ما يسميه وايت: اسقرار هوية الأنا أو الذات.
2- تحرير العلاقات الشخصية: الراشد كذلك أقل تأثرًا برغباته ونزعاته وخيالاته الخاصة في علاقاته الشخصية إذا قورن بالمراهق أو الشاب, وهذه الحرية تسمح له بتنمية علاقات مع الآخرين, تتفق مع الخصائص والحاجات التي يتسم به الآخرون, وهذا لون راقٍ من التوافق, فحالما يصل الراشد إلى نظرة مستقرة نحو ذاته يكون أقل قلقًا, وأخف اهتمامًا بذاته على نحوٍ يجعل من التيسير عليه تقبل الآخرين, وتكوين علاقات شخصية ناجحة معهم.
3- تعميق الميول والاهتمامات: خلال هذا الطور ينشغل الراشد الصغير انشغالًا أكبر بمجالات خاصة من الميول والاهتمامات, والراشدون في ذلك على عكس الأطفال والمراهقين والشباب الذين تكون اندماجاتهم في هذه المجالات قصيرة الأمد؛ فالراشد المبكر يظهر التزامًا حقيقيًّا بميوله, سواء أكانت في المجال الأكاديمي أم المهني, في مجال الهواية أم في نطاق العلاقات الشخصية, ولهذا السبب نجد أن الراشد يستفيد من أنشطته أكثر ممن هم أصغر منه سنًّا, سواء أكان ذلك في ضوء المهارات التي يتعلمها, أو الرضا والإشباع الذي يحصل عليه.
4- زيادة إنسانية القيم: يظهر الراشدون أيضًا وعيًا متزايدًا بالمعنى الإنساني للقيم, وبالوظيفة التي تؤديها في المجتمع, ولم تعد الأخلاق عنده -كما بينا- قواعد جامدة أو مطلقة كما كان الحال من قبل، وإنما أصبح ينظر
(1/378)

إليها في ضوء أكثر شخصية وإنسانية، اعتمادًا على خبرات الحياة، والنظام القيمي العام للمجتمع "النظام القيمي الإسلامي في المجتمعات الإسلامية".
5- توسيع نطاق الرعاية: إن اهتمام الراشد برفاهية الآخرين يتسع نطاقه خلال فترة الشباب والرشد المبكر, ويتزايد الاتجاه نحو التعاطف مع الآخرين, ولا يقتصر ذلك على الأشخاص الذين يعرفهم أو يتعامل معهم؛ كالزوجة والأبناء والأقارب, وإنما يمتد إلى الإنسانية عامة، ويشمل ذلك أشخاصًا قد لا يرفهم الراشد شخصيًّا، وخاصةً الذين ينتمون إلى الفئات الأقل حظًّا في المجتمع؛ كالفقراء والمرضى والمقهورين.
ومن المتغيرات التي تؤثر في تكيف الراشدين المبكرين الطريقة التي يواجهون بها الناس, ويتفاعلون بها مع ما يسميه بعض الباحثين "Brodzinskey et al 1986" أحداث الحياة, ويعرف حدث الحياة Lif-evevt على المستوى العام جدًّا بأنه أيّ خبرة لها أهميتها لدى الفرد، كما يمكن أن يعرف على نحوٍ أكثر تخصيصًا بأنه ما يؤدي أو يتطلب تغيرًا جوهريًّا في النمط الساري لحية الفرد, وتوجد أحداث حياة يتعرض لها تقريبًا جميع الراشدين؛ كخبرة الدخول في مجال العمل أو الزواج, كما توجد أحداث أخرى يتعرض لها قليل منهم؛ كخبرة السجن أو المرض المزمن, وفي جميع الأحوال تتطلب هذه الأحداث توافقًا من جانب الراشد، يصدق ذلك على الأحداث السارة والأحداث الضارة جميعًا.
ولعل أكثر هذه الأحداث شيوعًا ما يلي: الزواج للجنسين، الحمل والولادة "للإناث"، الطلاق، الدخول في سوق العمل، تغير الوضع المالي، تغير الأنشطة الاجتماعية وغيرها, بهذه الأحداث يشغل الراشد أدوارًا جديدة لم تكن له من قبل، مثل دور العامل والزوج والوالد، إلخ. وبالطبع لا يمارس الجميع هذه الأدوار في نفس الوقت، فبينما يتزوج البعض مثلًا في سن 18سنة, فإن آخرين قد لا يتزوجون إلّا في أواخر الثلاثينات، وهناك القليلون الذين لا يتزوجون أبدًا.
ولعلنا نذكر أن معظم الناس لديهم شعور بأنهم "مبكرون" أو "في الوقت المناسب " أو"متأخرون" بالنسبة للقيام بأدوار الرشد، وتؤكد البحوث أن شعور الفرد بأن "الوقت قد فاته" بالنسبة للقيام بدور معين يعد المصدر الرئيسي للقلق والتوتر لدى الراشدين.
ويختلف أيضًا ترتيبٌ القيام بأدوار الرشد, وقد كان الأمر في الماضي أكثر تحديدًا, فكان من المتوقع من المرأة أن تتزوج وتنجب أطفالًا وهي لم تتعد بعد
(1/379)

العشرين من عمرها, وكان من المتوقع من الرجل أن ينتهي أولًا من تعليمه, ثم يحصل على عملٍ, وبعد هذه الخطوات يتزوج ويكوّن أسرة, إلّا أنه حدث خلال العقود الأخيرة تغيرات في توقيت أحداث الحياة وتتابعها, وأصبح كلاهما أكثر غموضًا عَمَّا كان عليه في الماضي بالنسبة للجنسين, وزاد من ذلك الغموض صعوبة الظروف التي تحقق للإنسان رشده الذي هو في جوهره "استقلال اقتصادي واستقرار اجتماعي", ولعل أشقَّ هذه الظروف علي في مصر الآن البطالة وأزمة الإسكان "فؤاد أبو حطب 1989".
ويعود بنا ذلك مرةً أخرى إلى مسألة "هوية الأنا أو الذات" في الرشد, لقد افترض النموذج الأساسي لإريكسون أن المراهقة "وربما الشباب" هي طور أزمة الهوية, يتجاوزها الإنسان مع الرشد المبكر إلى أزمة الألفة في مقابل العزلة، والتي يرى إريكسون أن الفرد يتعرض لها في فترة العشرينات من عمره بعد أن تتكون هويته وظيفيًّا، حتى ولو لم تستقر أو تثبت, وتعني الألفة intimacy أن يستطيع المرء أن يتشارك مع الآخرين عن طريق التخلي عن بعض هويته، وحينئذ تحلّ "النحن" محل "الأنا" عند التفكير في الحاضر أو المستقبل, ويؤدي الفشل في تكوين علاقات الألفة إلى العزلة السيكولوجية, والتي هي أبعد عن المرغوبية وعن الصحة النفسية في وقت واحد. أما النجاح في تخطِّي هذه الأزمة فيقود إلى الشعور بالتكافل والتماسك والتضامن مع الآخرين, سواء في العلاقات الزوجية داخل الأسرة، أو العلاقات مع جماعات الأصدقاء، أو مع جماعات التنافس والتعاون في العمل والترويح.
إلّا أن حلّ "أزمة الهوية" -وهو مؤشر سيكولوجي إضافي على بلوغ الرشد -ليس أمرًا سهلًا, وقد أشرنا إلى بعض صعوباته عند تناول طور الشباب "الفصل 14"، وتمتد هذه الصعوبات إلى العمر الثاني للإنسان, وبخاصة طور الرشد المبكر موضع اهتمامنا الآن, وكان مارشيا على رأس مَن اعتبروا أن حلَّ أزمة الهوية في مرحلة الرشد أكثر تعقيدًا من الوصف المبسط الذي يقدمه إريكسون, وفي هذا الصدد يقترح عاملين لهما الدور الحاسم في هذا الصدد؛ أولهما: وجود أزمة شخصية لدى الرشد في مجالٍ معينٍ مثل المهنة أو الدين أو السياسة، وثانيهما: وجود درجة من الالتزام الشخصي لديه بالمسائل الخلافية المختلفة في هذه المجالات, وبالطبع بين هذين العاملين "الأزمة والالتزام" يتوصل مارشيا -من خلال سلسلة من البحوث المنظمة- إلى تصنيف طرق حل أزمة الهوية في الرشد إلى أربع فئاتٍ يسميها مكانات الهوية identity statuses يوضحها الجدول رقم
(1/380)

"16-1" وهذه الفئات الأربع هي:
جدول رقم "16-1" تصنيف مكانات الهوية "عن مارشيا Marcia 1980"
1- إحراز الهوية: "identity achievement": وأصحاب هذه المكانة من الراشدين هم أولئك الذين تعرضوا لأزماتٍ شخصية في واحد أو أكثر من مجالات الحياة الاجتماعية "المهنة، الزواج، الدين، السياسة.. إلخ" وتوصولًا إلى قرارٍ شخصيٍّ فيه التزام بموقف معين، قد يتفق أو يختلف مع رغبات الآخرين الهامين "الوالدين مثلًا" ووجهات نظرهم, وهؤلاء يتسمون بتقديرٍ عالٍ للذات, واستقلال سيكولوجي, واستدلال خلقي من مستوى رفيع، وألفة "بمعناها عند إريكسون" مع الأشخاص الآخرين، وقلق منخفض، كما يظهرون ميولًا واسعة النطاق, وهذا كله من مؤشرات الرشد.
2- رهن الهوية "identity foreclosure": وأصحاب هذه المكانة هم عكس الفئة السابقة لأنهم لا يتعرضون لأزماتٍ شخصيةٍ, ومع ذلك لديهم أسلوب حياة واضح وقرارات قيمية محددة, وهؤلاء هم في العادة الذين يستسلمون لرغبات الآخرين الهامين وآرائهم "الوالدين أو القادة أو غيرهم" إما بسبب الضغوط الانفعالية أو الاقتصادية, أو الخوف من الرفض, أو الشعور بعدم الكفاءة, أو نقص القدرة, ويتسم هؤلاء بدرجة عالية من الجمود والتصلب والخضوع للسلطة, كما أن أسلوبهم في التعامل مع الآخرين فيه درجة عالية من التسلط، وهم أكثر تقليدية في الاستدلال الخلقي, ويعوزهم الاستبصار بأنفسهم, ومن هنا جاء وصفهم بأنهم "رهنوا" هويتهم لدى الآخرين, كما يرهن المعوز بعض ما يملك لدى شخص قادر لحين قدرته على السداد, وحين يأتي ذلك الوقت قد يغير بعض "التزاماته" السابقة، فيغير عمله أو تفشل حياته الزوجية.
3- تأجيل الهوية identity moratorium: وهذه الفئة تشمل أولئك الذين لا يظهرون دليلًا واضحًا على الالتزام, ومع ذلك فهم غير قادرين على اتخاذ قراراتٍ حول حياتهم بسبب ما يتعرضون له من أزمات شخصية في عدد من
(1/381)

المجالات الاجتماعية, وهم يجاهدون للوصول إلى درجة من الإدراك الواضح لهويتهم, وهم يشبهون فئة إحراز الهوية "الفئة الأولى", إلّا أنهم بسبب عدم التزامهم بموقفٍ محدد يظهرون درجة عالية من القلق وكثيرًا من المسايرة للآخرين، كما أنهم أقل رضًا بإنجازهم, وأكثر استعدادًا لتغيير تعليمهم أو مهنتهم، وقد تنهار حياتهم الأسرية لأتفه الأسباب.
4- خلط الهوية: identity diffusion: وأصحاب هذه المكانة يتفقون مع من هم في الفئة السابقة في أنهم ليس لديهم التزامٌ برأي واضحٍ أو موقف محدد إزاء القضايا الخلافية في الحياة الاجتماعية, إلّا أنهم يختلفون عنهم في أنهم لا يعانون من أزمات شخصية في مجالات هوية الحياة، فهم فئة اللاالتزام واللاأزمة معًا, وفي وقت واحد, ولهذا فهم أقل الفئات قدرةً على الوصول إلى قرارت حاسمة ومواقف واضحة في مسائل الحياة المختلفة، وهم أقل الناس تقديرًا لأنفسهم، كما أن درجاتهم تكون منخفضة في الاستدلال الخلقي والاستقلال النفسي والألفة بالآخرين, أضف إلى ذلك أن مستوى القلق لديهم أعلى من الجميع, ولهذا فهم لا يزالون بهذه الخصائص جميعًا في طور ما قبل الرشد السيكولوجي, حتى ولو وصلوا إلى العمر القانوني له.
(1/382)

الزواج والحياة الأسرية:
يُعَدُّ الزواج وتكوين الأسرة أحد مؤشرات الرشد الرئيسية كما بينا في الفصل السابق, ومن البديهي أن خبرة الإنسان بالحياة الأسرية لا تبدأ مع الرشد، وإنما تمتد إلى لحظة ميلاده, فإذا استثنينا أطفال الملاجئ والمؤسسات يمكننا القول أن كل طفلٍ يولد ويعيش وينمو طفولته ومراهقته ومعظم شبابه في "محضن الأسرة", ومع ذلك فإننا مع بلوغ الرشد تطرأ تغيرات هامة تميز الحياة الأسرية بعد الرشد عنها قبله؛ فالإنسان -قبل الرشد- هو موضوع رعاية وتنشئة وتدريب وتربية الوالدين، ومع الرشد يصبح الإنسان مسئولًا عن ذلك كله حين يصبح والدًا لابنائه هو, ولهذا نجد معظم الراشدين عند بلوغهم هذا الطور من حياتهم يكون له في واقع الأمر أسرتان: أحداهما هي أسرة المنشأ family of origin التي وُلِدَ فيها ورُبِّىَ وعاش حياته السابقة، وثانيتهما الأسرة النواة nuclear family التي يكوّنها هو مع شريكة حياته, والتي يسعيان بجهدهما المشترك إلى حمايتها وتنميتها.
وقد بدأ منذ عقدين من الزمان اهتمام عدد متزايد من علماء النفس والاجتماع والسكان بدراسة الأسرة من منظور نمائي ارتقائي، أو منظور دورة الحياة الذي يوجه هذا الكتاب, ويتضمن هذا المنظور افتراضًا أساسيًّا هو أن الحياة
(1/382)

الأسرية يمكن تناولها في صورة سلسلة من المراحل، لكلٍّ منها مهامه النمائية الخاصة، كما تظهر في كلٍّ منها صراعاته التي يجب مواجهتها، كما أن حلول هذه الصراعات تختلف من طورٍ أسريٍّ إلى آخر "Wolman".
وتبدأ دورة الحياة الأسرية للراشدين بالزواج بالطبع، وتنتهي بالطلاق أو ترمل أحد الزوجين, وبين هاتين النقطتين توجد سلسلة من المراحل يختلف عددها باختلاف أصحاب النظريات، والتي تصف أنماطًا بنيوية مختلفة للأسرة، وتوقعات متباينة للأدوار.
ويعود الفضل إلى إيفلين دوفال "Duvall 1977" في ريادة بحوث "دورة الحياة الأسرية", وفي نموذجها تصف ثماني مراحل يختلف المدى الزمنيّ لكلٍّ منها، وخلالها تنمو "الأسرة العادية" التي لا تتعرض للتفكك أو التحليل بالطلاق أو الانفصال أو الهجر، وهذه المراحل هي:
1- زوجان فقد بدون أطفال, ومتوسط المرحلة سنتان تقريبًا.
2- أسرة ذات أطفال رضع؛ حيث أكبر الأطفال يمتد عمره من لحظة ولادته حتى سن 30 شهرًا من عمره.
3- أسرة ذات أطفال في سن ما قبل المدرسة؛ حيث يمتد عمر أكبر الأطفال من سن 30 شهرًا حتى 6سنوات.
4- أسرة ذات أطفال في سن المدرسة؛ حيث أكبر الأطفال يمتد عمره من 6 سنوات إلى 12سنة.
5- أسرة ذات أبناء مراهقين وشباب؛ حيث أكبر الأبناء يمتد عمره بين 12 سنة، 20سنة.
6- أسرة يتخرج فيها راشدون صغار؛ حيث يبدأ الأبناء في الاستقلال.
7- زوجان في منتصف العمر: من طور العش الخالي وحتى سن التقاعد من العمل.
8- زوجان مسنان: من سن التقاعد وحتى وفاة أحد الزوجين وترمل الآخر, وبالطبع فإن هذا النموذج يتأثر بعدة عوامل لعل أهمها:
1- عندما يؤجل الزوجان النسل فإن المرحلة الأولى قد تكون أطول من سنتين, كما أنها قد تقصر عن ذلك إذا تَمَّ الحمل عقب الزواج مباشرة, وبالطبع يؤثر ذلك في باقي الدورة الأسرية, ومن ذلك مثلًا أن المرحلة التي تمتد من العش الخالي إلى التقاعد تصبح أقصر أو أطول.
(1/383)

2- إذا اضطر الوالدان لأسبابٍ إرادية إلى تأجيل النسل, فإن مرحلة الرشد المبكر كلها سوف يقضيانها في المراحل الثلاث الأولى من حياة الأسرة, وخاصة حين ترسل الأسرة أصغر الأطفال إلى المدرسة وعمر الوالدين بين 35، 40 سنة.
3- يفيد هذا النموذج في وصف الحياة الأسرة المتماسكة، ولكنه يفشل في تفسير ما يطرأ عليها من خللٍ بسبب الطلاق أو الوفاة أو تعدد الزواج؛ فمعظم الراشدين في هذه الحالات يقضون بضع سنوات من رشدهم منفردين أو يربون أطفالًا ليسوا أبناءهم "زوج الأم، وزوجة الأب".
4- على الرغم من أن هذا النموذج يصوّر الأسرة على أساس تكوينٍ اجتماعيٍّ من راشدين وأطفال صغار، إلّا أن بعض هذه الأسرة قد لا تنجب أطفالًا لأسباب طبية "العقم لدى الجنسين, أو خلل الوظائف الأنثوية لدى المرأة", والأسرة المؤلفة من زوجين يعيشان عمرهما بلا أطفالٍ تستحق البحث السيكولوجي المنظم.
5- مقدار الوقت الذي يستغرق في المراحل الثلاث الأولى من حياة الأسرة قصير نسبيًّا، فيكاد يكون نصف حياة الأسرة عند الراشدين هو ما بعد استقلال الأبناء, وهذا يتطلب توسيع النظر إلى وظائف الأسرة ومهامها؛ بحيث لا تقتصر على رعاية الصغار.
6- يفشل النموذج في تناول التداخل والتفاعل في دورات حياة الأسرة عبر الأجيال؛ فمثلًا الأسرة النووية المكَوَّنة من زوجين شابين ولهما أطفال في سن ما قبل المدرسة, قد تُصَنَّفُ على أنها في المرحلة الثالثة من نموذج دوفال, إلّا أن هذه الأسرة في نفس الوقت قد تظل جزءًا من الأسرة الأكبر؛ حيث الوالدان في الأسرة النووية هم أبناء لآباءٍ وصلوا إلى منتصف العمر أو تجاوزوه إلى مرحلة الشيخوخة، وبالتالي تصنف في المرحلة السابعة أو الثامنة في النموذج السابق, وحينئذ قد ينشأ صراعٌ الأدوار لدى الراشدين الصغار، فهم يقومون بدور الوالدية لأبنائهم، ودور البنوة لوالديهم في وقت واحد, وهو الصراع الذي حلَّه الإسلام من خلال تحديد حقوق وواجبات الأبناء والوالدين مهما كانت المرحلة العمرية التي هم منها, وهو موضوع سنتناوله بالتفصيل فيما بعد.
(1/384)

مفهوم الأسرة:
والسؤال الذي يجب أن نطرحه الآن هو: ما هي الأسرة؟ وما هو الدور الذي تلعبه في حياة الوالدين والأبناء؟ وعلى الرغم من أن الإجابة على هذين السؤالين تبدو واضحة من أول وهلةٍ, إلّا أن التأمل العميق فيهما يكشف عن مدى تعقدهما.
ونبدأ بتعريف الأسرة فنقول: إن الأسرة يمكن تعريفها بنيويًّا أو وظيفيًّا, والتعريف البنيوي يركز على نمط التنظيم الذي يميز هذه الوحدة المجتمعية، وعلى تحديد أعضاء هذه الوحدة، وكيفية ارتباطهم بعضهم ببعض، وطبيعة العلاقات الاجتماعية بينهم. أما التعريف الوظيفي للأسرة فيركز على أنشطتها وعلى الدور الذي تلعبه في حياة أفرادها "Garrett 1982".
والمفهوم الوظيفي للأسرة يتضمن أنها تتألف من أبٍ وأم وطفل أو أكثر، لكلٍّ منهم أدواره ومسئولياته، وتتوزع هذه الأدوار والمسئوليات على نحوٍ محدد؛ حيث الأب هو العائل, والأم ترعى جبهة المنزل, وهذا الفصل بين الأدوار والمسئوليات داخل بنية الأسرة عميق الجذور في المجتمع الإنساني, ويرى لامب "lamb1982" أن ذلك يقوم على أربعة افتراضات أساسية حول حياة الأسرة وهي:
1- الأطفال يحتاجون إلى والدين؛ أحدهما امرأة هي الأم, وثانيهما رجل هو الأب.
2- توزيع مسئوليات الأسرة يجب أن يعكس الأدوار الجنسية السائدة في تهيؤٍ لمواجهة تحديات عالم العمل.
4- الرعاية الأولية للأطفال الصغار يجب أن يوفرها أعضاء الأسرة.
إلّا أن هذه الافتراضات تعرضت لتحدين رئيسيين نعرضهما ونناقشهما فيما يلي:
1- تعدد أنماط الأسرة: يرى البعض أنه على الرغم من أن معظم الأسر يتكوّن بالطريقة المعتادة: زواج رجل وامرأة ثم إنجاب الأطفال، فإن استقرار هذه الوحدة المجتمعية قد يهتز أو ينهار، فبعض هذه الأسرة ينهار بسبب الانفصال أو الطلاق, وزيادة معدلات الطلاق أدت إلى زيادة عدد البيوت التي يعيش فيها والد واحد منفرد أو مع الأولاد, وعلى الرغم من أن معظم الذين يطلقون يتزوجون مرة أخرى، إلّا أن الأبناء من الزواج الأول يعيشون في الأغلب مع أحد الوالدين دون الآخر، وفي بعض الحالات المتطرفة قد يودع الأطفال في الملاجئ أو مؤسسات الرعاية محرومين تمامًا من رعاية الوالدين معًا, أضف إلى ذلك أن زيادة معدلات الهجرة للخارج أثرت تأثيرًا كبيرًا على بنية الأسرة الحديثة؛ ففي مصر مثلًا توجد الآن أسر كثيرة يعيش أبناؤها بضع سنوات من عمرهم مع والد
(1/385)

واحد "الأم أو الأب فقط" حيث يعمل الوالد الآخر في الخارج, ثم إن هناك من الأزواج من يعانون من مشكلات الخصوبة التي تتمثل في العقم وعدم القدرة على الإنجاب، ويقودهم ذلك إلى أن يعيشوا حياتهم بلا أطفالٍ أو أن يتبنوا أطفالًا لآباءٍ آخرين، وعندئذ يظهر ما يسمى الأسر البديلة "وهو نظام لا يعترف به الإسلام", كما أن هناك بالطبع الراشدين الذين يقررون بإرادتهم العيش بلا أطفالٍ عن طريق تحديد النسل، أو أولئك الذين يختارون حياة العزوبية وعدم الزواج, ناهيك عن الظواهر التي أفرزها المجتمع الغربي المعاصر والذي ظهرت في صورة العلاقات غير الشرعية والعلاقات الجنسية الشاذة, وهكذا يرى أصحاب هذا الرأي أن النمط الأساسي للأسرة الذي سبق وصفه ليس هو النمط الوحيد, وإنما توجد له بدائل كبيرة؛ بعضها مشروع, وبعضها الآخر غير مشروع.
ونرد على هذا الرأي بالقول بأن معظم الحالات التي أشير إليها -باستثناء الحالة الناجمة عن العقم- هي ظواهر غير طبيعية في نظام الأسرة, وليست بدائل له, والفيصل في الحكم على سواء هذه الظواهر أو عدم سوائه هو الإسلام.
ونبدأ بظاهرة الذين يختارون العزوبية وعدم الزواج, ونميز هنا بين أولئك الذين يلجأون إلى ذلك عن عجزٍ، ومنه العجز المادي والاقتصادي؛ فهؤلاء يحضهم الإسلام على الإكثار من الصوم والعبادة حفظًا للطهر والعفة, أما أولئك الذين يمتنعون عن الزواج مع قدرتهم عليه فإنهم بذلك يجافون سنن الاجتماع الإنساني وفطرته -والإسلام في جوهره دين الفطرة- وينأون عن دعوة الإسلام لتكوين الأسرة وحضه على الزواج؛ ففي حديث شريفٍ متفق عليه يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم:
"يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباء فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأَحْصَنُ للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
ويقول الله تعالى في كتابه الكريم:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] .
ويقول أيضًا:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] .
أما الأزواج الذين يحرمون أنفسهم من نعمة الإنجاب رغم قدرتهم عليه وعلى
(1/386)

رعاية الأبناء, فهم أيضًا يجافون فطرة الإسلام, يقول الله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72] .
ويشير إلى أن هذه سنة المرسلين والأنبياء وهم ما يجب الاقتداء بهم، يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] .
فإذا تعرضت هذه العلاقة الحميمة للتدهور بسبب الطلاق، أو نشأت فيها بعض الظواهر غير الطبيعية "كالهجرة المؤقتة"، أو نشأت علاقات بين الجنسين خارج نظام الزواج، فإن ذلك كله يعد من قبيل الخلل الاجتماعيّ والفساد الأخلاقي الذي يحتاج إلى العلاج والتصحيح لا إلى الاعتراف به كبديلٍ للنظام الأساسي للأسرة المؤلفة من زوجين "رجل وامرأة" وأبنائهما.
وتقوم الأسرة بتكوينها الأساسي الذي أشرنا إليه بوظائف هامة باعتبارها وحدة اجتماعية تربط أعضاءها معًا، وتربطهم في نفس الوقت بالمجتمع الأكبر الذي يعيشون فيه, ونلخص هذه الوظائف فيما يلي:
أ- الأسرة هي السياق الطبيعيّ للعلاقات الجنسية الشرعية: فلقد خلق الله -سبحانه وتعالى- الإنسان من ذكر وأنثى، والدافع الجنسي دافع مشروع في الإسلام كغيره من دوافع السلوك, بشرط أن يتم إشباعه بالطرق التي يقرها الإسلام "الحلال", وإذا تُرِكَت العلاقة بين الجنسين لا يحكمها نظامٌ ولا تحميها شريعةٌ تحوَّلَ الإنسان إلى الحيوانية, ونظام الأسرة يحفظ للإنسان إنسانيته من خلال علاقة مشروعة بين الجنسين، وهو بذلك يحفظ لكلٍّ من الرجل والمرأة عفته وطهره.
ب- الأسرة هي السياق الطبيعيّ للإنجاب الشرعي: ومن المعروف أنه حتى في المجتمعات الغربية التي انفلتت فيها معايير العلاقات الجنسية يُعَدُّ أي إنجاب خارج نطاق الأسرة إنجابًا غير مشروع illegitimate. والشرعية تحدد موضع الطفل في البنى التنظيمية للمجتمع، وتحدد مسئوليات الوالدين في رعايته وتنشئته.
جـ- الأسرة أساس البنية الاجتماعية: الأسرة في نظر الإسلام أرقى من أن تكون مجرَّدَ وسيلة لقضاء الشهوة الجنسية, أو وسيلة لإنجاب الأولاد, ولكنها الأساس التي يقوم عليها البناء الاجتماعي, وتصل الأسرة في أهميتها إلى حَدِّ أن جعلها
(1/387)

الله -سبحانه وتعالى- من آياته التي تستحق التآمل والتدبر، يقول تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] .
د- الأسرة هي المؤسسة المسئولة عن تطبيع أعضائها: ويشمل ذلك تدريب كلٍّ من الكبار والصغار على التعامل مع الآخرين, ومن المعتاد أن يكون الأطفال هم الموضوع الأَوْلَى للتطبيع الاجتماعي داخل الأسرة، فالوالدان يربيان ويرعيان ويعلمان الأطفال المهارات وأنماط السلوك اللازمة للتعامل الاجتماعي مع العالم المحيط بهم, وخاصة خارج المنزل, وبالمثل فإن الكبار "الوالدين" يمرون بخبرة تطبيع اجتماعيٍّ على نحوٍ غير مباشر "أي غير مقصود كما هو الحال في تطبيع الصغار", وذلك حينما يتفاعل الزوجان معًا ومع أطفالهما, وذلك كله من خلال جوٍّ من "المودة والرحمة" اللذين أشار إليهما القرآن الكريم.
هـ- الأسرة تنمي دور الرفقة بين أعضائها: فالعلاقة الأسرية في جوهرها تعاون مشترك وتفاعل متبادل، ويؤدي ذلك إلى قيام كل عضوٍ فيها بواجباته وتحمل مسئولياته، وبذلك تتحقق للأسرة وحدتها، ويتزود أعضاءها بدعمٍ ماديٍّ ومعنويٍّ من خلال علاقة رفقة سليمة وألفة حميمة، ومن أمثلة ذلك القيام بأنشطة مشتركة لقضاء وقت الفراغ، والاحتفال معًا بالمناسبات المختلفة، واستماع كلٍّ منهما لمشكلات الآخر, إن أعضاء الأسرة ليسوا محض أقارب تجمعهم علاقة دم، ولكنهم أكثر من ذلك، فهم أصدقاء جيدون.
2- تغير أدوار الزوجين: هناك حجة أخرى يستخدمها نقاد النموذج الأساسي للأسرة الذي عرضناه آنفًا, خلاصتها أن هناك تغيرات جوهرية طرأت على أدوار كلٍّ من الزوجين, سواء داخل المنزل أو خارجه, وكان السبب الرئيسي في ذلك خروج المرأة للعمل, وفي ذلك يشير "Shaie Willis 1986:108" بالقول بأن عالم العمل تغيَّر جوهريًّا بالنسبة للمرأة في السنوات الأخيرة, وتمثل ذلك في عدة مظاهر؛ منها: أن نسب النساء العاملات أصبحت عالية في القوى العاملة في معظم المجتمعات الحديثة "في إحصاء حديث في الولايات المتحدة وجد أن المراة تمثل 45% من مجموع القوى العاملة فيها", كما أنه لُوحِظَ أن معظم هؤلاء النساء العاملات من المتزوجات واللاتي لهن أطفال، بينما كانت الأغلبية منهن في الماضي من غير المتزوجات, بل كانت بعض المهن تشترط عدم الزواج؛ كالتمريض والتدريس, وبالإضافة إلى ذلك فإن المرأة
(1/388)

العاملة تكاد توجد في جميع المهن والأعمال, ولم يعد الأمر مقتصرًا على مهنٍ بذاتها, كما كان الحال في الماضي.
والسؤال الجوهريّ: لماذ تعمل المرأة؟ لقد كشفت دراسة حديثة أُجْرِيَتْ في الولايات المتحدة "Schaie Willis 1986" أن الضرورات الاقتصادية هي الدافع الرئيسي لعمل المرأة، سواء كانت هذه الضرورات لدعم الدخل الاقتصادي للأسرة أو إعالة الذات, إلّا أن من الطريف أن نذكر أن نسبة كبيرة من النساء يذكرن أن المرأة تعمل حتى لا تكون قوة معطلة؛ ولأن العمل في حَدِّ ذاته يُعَدُّ مصدرًا للسعادة الشخصية, ووسيلة لتحقيق الذات، وخاصةً بالنسبة للمرأة الموهوبة أو ذات القدرة العالية, ومن الطريف أيضًا أن نشير أن بعض النساء -كما بينا- دخلن مجالات للعمل "كالهندسة" كانت في الأصل حكرًا على الرجال, وقد أكدت الدراسات النفسية التي أُجْرِيَتْ على مثل هؤلاء النساء أنهن لقين التشجيع من الوالدين أو المعلمين أو الأزواج، وكان دور التشجيع أكثر أهميةً لديهن من دوره لدى أقرانهن من الرجال العاملين في نفس المهن. كما أن بعض النساء العاملات الناجحات ذكرن أن أزواجهن كانوا يشعرون بالفخر لنجاحهن، وأن نجاح المرأة وتنافسها وإنجازها لا يعني فقدانها لطبيعتها كأنثى, بل إن العلاقة بين زوجين عاملين ناجحين عادةً ما تكون علاقة حميمة وثيقة ومليئة بالإشباع العاطفي, وهذا كله يدحض كثيرًا من الأفكار الشائعة عن المرأة العاملة وتوافقها الزواجي.
ولأن المرأة لا يمكن أن تتجاهل دورها الأصلي كأم وراعية للبيت ظهرت في مجال عمل المرأة ثلاثة أنماط رئيسية:
1- النمط التقليدي: ويعني أن المرأة تعمل حتى تتزوج أو تنجب أطفالًا، وعندئذ تتخلى عن عملها وتركز جهودها على بيتها وأولادها.
2- النمط المتقطع: وفيه تتوقف المرأة مؤقتًا عن عملها لرعاية أطفالها, ثم تعود إليه بعدما تسمح ظروفها بذلك.
3- النمط المستمر: وفيه تواصل المرأة عملها دون توقف أو تقطع لرعاية الأطفال, وهذا النمط هو الأكثر شيوعًا في الوقت الحاضر، وساعد على ذلك توفير جداول العمل المرنة في بعض المهن، والخدمات التي قد تتوفر للأمهات العاملات في صورة دور حضانة ورعاية للأطفال.
وبالطبع قد ينشأ عن عمل المرأة -وخاصة ذات النمط المستمر- صراعٌ حادٌّ
(1/389)

بين مسئولياتها الأسرية والمهنية, بل إن أزواج هؤلاء النساء عَبَّروا عن هذا الصراع بين العمل والأسرة, ولا شكَّ في أنَّ معظم العبء يقع على عاتق المرأة, وخاصةً إذا كان عليها أن تقوم بمسئولياتها المهنية كاملة, ثم يكون عليها في نفس الوقت أن تقوم بمسئولياتها إزاء البيت والزوج والأولاد كاملة أيضًا, وهذا هو المصدر الرئيسي لما يُسَمَّى في هذه الحالة صراع الأدوار لدى المرأة العاملة.
وكان لا بُدَّ للأسرة ذات الزوجين العاملين أن تُكَيِّفَ من طبيعتها للملاءمة مع هذا الظرف, وتتوافر أدلة كافية "Maret Finlay 1984 على أن بعض الأزواج يشاركون زوجاتهم العاملات في أعمال المنزل ورعاية الأطفال، إلّا أن الأغلبية يعتبرون هذه الأعمال من مهام المرأة، على الرغم من حماسهم الشديد لعملها بسبب ما توفره من دخل, وربما كان ذلك كله وراء الحجة المطروحة حول تغير الأدوار الزوجية.
إلّا أن تناولنا ومناقشتنا لهذه الحجة لا بُدَّ أن يكون -مرة أخرى- في إطار الإسلام, وفي هذا الإطار نقول: إن الإسلام لا يحرِّمُ عمل المرأة، فقد خرجت ابنتا نبي الله شعيب للعمل، وعملت المرأة المسلمة في صدر الإسلام في أوقات السلم والحرب, كما أنَّ الإسلام لا يجعل رعاية الأطفال مهمة الأم وحدها, بل إن مشاركة الأب هامة، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يداعب حفيديه الحسن والحسين ويلاطفهما ويرعاهما، بل نكاد نقول إنه لا يوجد مصدر للعار أو الخزي أن يشارك الزوج زوجته في بعض الأعمال المنزلية، وخاصةً بعض المهام الشاقة التي لا يستطيع أن يقوم بها فرد واحد، إلّا أن ذلك كله لا يعني أبدًا اختلاط الأدوار. فالطفل سيظل دائمًا في الأسرة في حاجة إلى أم تغذي -إن استطاعت- بالرضاعة الطبيعية التي تفوق قيمتها كل صور التغذية الصناعية، وتحدب عليه وتحضنه وتربيه، بل تتفرغ لهذه المهمة النبيلة لبعض الوقت على الأقل، وعندئذ تكون مسئولية الرعاية المادية للأسرة هي مسئولية الزوج, وفي الشريعة الإسلامية فإن الزوج هو المسئول وحده عن تهيئة المسكن الملائم والطعام والكسوة وغير ذلك من متطلبات الحياة المادية لأسرته, بل إن غنى الزوجة لا يؤثر مطلقًا في حقِّها على زوجها في نفقتها ونفقة أولادها منه, ولو كان أقلَّ منها مالًا، ولا يجب على المرأة أن تنفق على نفسها وعلى أولادها من مالها إلّا إذا شاءت هي.
(1/390)

الزواج:
تكوين الأسرة إذن من أسس الفطرة السليمة للإنسان والمجتمع، والزواج هو النظام الطبيعي الذي تبنى على أساسه, ويعرِّفُ الفقهاء الزواج بأنه عقدٌ يفيد حلّ استمتاع كلٍّ من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع "محمد أبو زهرة، ب، ت"؛ ولأن الزواج قرار شخصيٌّ فإنه يتطلب عملية اختيار, فما هي العوامل التي تؤثر في الاختيار الزواجي؟
أجريت بحوث كثيرة في الثقافة المصرية والثقافات الأجنبية للإجابة على هذا السؤال, وقد توصلت هذه البحوث إلى ثلاثة عوامل رئيسية في هذا الصدد يعتمد عليها الزوج في اختيار زوجته، والزوجة في اختيار زوجها وهي:
1- الجاذبية الجسمية: وقد تأكَّدَ أن هذا العامل هو أفضل المؤشرات لتكوين المحبة والعاطفة بين المتعارفين الجدد, إلّا أنه مع زيادة التعارف بين طرفي العلاقة الزوجية تكون لمسات الشخصية والخصائص المعرفية الأهمية الأكبر، وتقل أهمية الجاذبية الجسمية.
2- القرب المكاني: يميل الأفراد إلى اختيار شركائهم في الزواج من بين الذين يعيشون أو يعملون بالقرب منهم، وقد يكون السبب في ذلك سهولة التعرف عليهم, وتوافر فرص أكبر لمزيد من معرفتهم.
3- التشابه: ويُقْصَدُ به ميل الفرد في اختيار شريك زواجه إلى ما يشبهه في الخصائص الاجتماعية والشخصية، وخاصةً التشابه في الدين والمستوى الاقتصادي والاجتماعي والعمر والمستوى التعليمي, وكذلك التماثل في القيم والنظرة إلى العالم وفلسفة الحياة, وتؤكد البحوث أن بعض عوامل التشابه قد يكون أقوى من البعض الآخر؛ ففي الثقافات متعددة الأعراق والأصول العنصرية "كالولايات المتحدة الأمريكية" يلعب التماثل العرقي دورًا هامًّا, وفي الثقافات التي يلعب فيها الدين دورًا رئيسيًّا "كالمجتمعات العربية والإسلامية" لا يكاد يختار المرء إلّا من ينتمي إلى نفس دينه، ولا يزال المستوى الاقتصادي والاجتماعي يلعب دورًا هامًّا، ولو أنه مع التغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع الحديث "وخاصة في الدول النامية" حدثت تغيرات في معايير الزواج بالنسبة لهذا العامل، ولم يعد يمثِّلُ عائقًا جوهريًّا إذا توفرت لدى الفتى والفتاة والمقدمين على الزواج عوامل التشابه في الخصائص الشخصية والسلوكية وفي القيم، وفي المستوى التعليمي.
وتجب الإشارة هنا إلى أن عامل التشابه في الاختيار الزواجي من الموضوعات الخلافية بين أصحاب النظريات حول سيكولوجية الزواج, فقد تحدى مورشتاين Murstein النموذج الأساسي للتشابه بين الزوجين في الخصائص.
(1/391)

وفي رأيه أن الزوجين لا يحتاجان بالضرورة إلى أن يكونا متشابهين في الخصائص حتى تنجح العلاقة الزوجية, وإنما الأكثر أهميةً وجود عناصر "معززة" لدى كلِّ شريك في الآخر, وبعبارة أخرى: فإن كل فرد في العلاقة الزوجية لا بُدَّ أن تكون لديه القدرة على إشباع حاجات شريكه بصرف النظر عن خصائصه, وقد يحدث ذلك نتيجة تشابهها في بعض الخصائص، وقد يحدث أيضًا نتيجةً لاختلاف بعض خصائصها؛ بحيث يكمل كل منها الآخر، كما هو الحال مثلًا حين يكون أحد الزوجين متشددًا والآخر متسامحًا.
ومن الطريف أن نشير هنا إلى أن النتائج السابقة لم تشر إلى عاملٍ يفترض فيه أن يعد حاسمًا في تكوين العلاقة الزوجية وهو "الحب", والسبب أنه يُعَدُّ مسلَّمَة الحياة الزوجية خاصة, والحياة الأسرة عامة؛ فالحب هو العامل الحاسم في اختيار الزوج أو الزوجة, فأن يتزوج المرء بسبب المال أو القرابة أو الأصل العائلي قد لا يوافق عليه كثير من الشباب في المجتمع الحديث؛ لأن الزواج مسألة "شخصية", هذا على الرغم من أنه كان في الماضي، بل أنه لا يزال حتى الآن في بعض الثقافات والثقافات الفرعية في المجتمع الواحد، يعد مسألة عامة, فقد يختار "حكماء" الأسرة شركاء الزواج ربما على غير إرادتهم للربط بين العائلات، وفي هذا لا يُعَدُّ الزواج رابطة فردية بين شخصين, وقد تستخدم في هذا الاختيار أسس مادية بحتة كالمستوى الاقتصادي والاجتماعي, وقد ينشأ عن ذلك بالفعل مشكلات كثيرة للزوجين وأسرتيهما التي تنتهي كثيرًا في مثل هذه الحالة بالانفصال والطلاق.
وقد حذَّرَ الإسلام من ذلك كله، وجاءت الأسس التي وضعها لاختيار كلٍّ من الزوجين لشريكه1 تتفق مرةً أخرى مع أصول الفطرة السليمة, ولهذا جاءت صفة التدين والصلاح على رأس الخصائص التي يحبذها الإسلام في كلٍّ منهما, يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم بالنسبة للزوجة:
"تنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه.
ويقول -عليه الصلاة والسلام- أيضًا بالنسبة للزوج:
"إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلَّا تفعلوا تكن فتنة في
__________
1 نحب أن ننبه هنا إلى أن الإسلام أوجب أخذ رأي الفتاة فيمن يتقدم للزواج بها, وحَرَّمَ زواجها بمن ترفضه أو تكرهه، بل وأجاز للمرأة العاقلة القادرة أن تفسخ العقد الذي يربطها بشخصٍ لم ترضه لنفسها, وتمتلئ صفحات المؤلفات المتخصصة في الفقه الإسلامي بالأدلة على ذلك.
(1/392)

الأرض وفساد كبير" رواه الترمذي.
أما مسألة العنصر الوجداني في الزواج فيركز عليه الرسول -عليه الصلاة والسلام- في اختيار الزوجة، وفي ذلك يقول: "خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده" متفق عليه.
وعنصر الحُنُوِّ والرعاية في الزوجة ليس بالطبع من طرف واحد، وإنما هو تفاعل بين طرفين, وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] .
والخطاب في هذه الآية الكريمة للرجال والنساء على حَدٍّ سواء.
ويضيف الإسلام -بالنسبة للمرأة خاصة- عامل الجاذبية الجسمية، إلّا أن هذا العنصر ليس له الأولوية، بل يأتي بعد التقوى والصلاح والاستقامة والأخلاق الفاضلة, وفي ذلك يقول الرسول الكريم:
"ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته, وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" رواه ابن ماجة.
أما الرجل فيخصه الإسلام بخاصية القدرة على تحمُّلِ تبعات الزواج وخاصة القدرة الاقتصادية, ونشير هنا إلى حديث الرسول -عليه السلام -الذي تناولناه من قبل- وفيه يحثّ القادرين "الذين يستطيعون الباءة" على الزواج، ووجَّه الذي لا يستطيع إلى الصوم والعبادة إلى أن يستطيع, وحد الاستطاعة والقدرة هنا لا يقصد به الغنى والثراء، وإنما أن يتوافر لدى الرجل الحدِّ الأدنى الذي يمكنه من تحمُّلِ مسئولية بناء الأسرة والإنفاق عليها.
وكم نحن في حاجة إلى التوعية بهذه المبادئ النبيلة حتى يقوم الزواج في المجتمعات العربية والإسلامية على أسس سليمة، وحتى لا يتعرض للانهيار نتيجة الوقوع في أخطاء الاختيار، بل وحتى لا تنشأ المعضلات التي تعوق الشباب من اتخاذ قرار الزواج؛ مثل: غلاء المهور والغلوِّ في نفقات الزواج على نحوٍ يجعل الشباب من ذوي الحد الأدنى من القدرة عليه يحجمون عنه.
التوافق الزواجي: إن المهام التي تواجه أيَّ زوجين حديثين كثيرة وهامة, وقد ينشأ عن بعضها بعض الخلاف والصراع، ولذا فإن من المهمِّ فهم طرق الزوجين في التعامل مع هذا الصراع، أيّ كيف يتجادلان ويتحاوران
(1/393)

ويختلفان دون أن يؤدي ذلك إلى هدم الأسرة, ومن مصادر الصراع الزواجي دخل الأسرة وطرق إنفاقه، وكيفية التعامل مع والديهما وغيرهما من الأقارب، والاستعداد للوالدية، والتوافق الجنسي، وغيرها, وقد ظلت هذه الجوانب من التوافق الزواجي موضع المناقشة والبحث على المستوى العام والمهني المتخصص لفترات طويلة.
ومن أهم الموضوعات التي يتناولها الباحثون في هذا الصدد ما يتصل بالتوافق الجنسي بعد الزواج "في الغرب أجريت مسوح عديدة أكدت أن حوالي 80% من النساء بين سن 18، 24 يفقدن عذريتهن قبل الزواج، وفي هذا دلالة على الزيادة الكبيرة في ممارسة الجنس قبل الزواج، ومع ذلك, فإن بعض علماء النفس في الغرب يرون أن هناك مشكلات توافق جنسي بعد الزواج", ولعل أسوأ ما يمكن أن يحدث أن تتحول الحياة الجنسية بعد فترة الزواج إلى نوعٍ من السلوك الروتيني.
ومن العوامل الهامة التي تؤثِّر في التوافق الزواجي هو مدى إخلاص الزوجين كلّ منهما للآخر, وفي الغرب، بالرغم من أنه حدث تغير خطير في الاتجاه نحو تقبل "التسامح إزاء النشاط الجنسي قبل الزواج" إلّا أنه لم يحدث تغير مناظر نحو تقبل "السلوك الجنسي خارج نطاق العلاقات الزوجية"، أو ما يُسَمَّى على وجه العموم، الخيانة الزوجية؛ ففي مسحٍ هامٍّ أجري في الولايات المتحدة "Brodzinsky et al 1986" وجد أن ما بين 80% إلى 90% من المفحوصين الأمريكيين لا يوافقون على هذه العلاقات، على الرغم من أن الشباب منهم لا يرغبون في وصف هذا السلوك، إذا حدث، بأنه خطأ أو خطيئة تحت جميع الظروف، أو أنه لا يغتفر. ومن العجيب أن يذكر بعضهم أن هذا السلوك الجنسي يمكن أن يكون مقبولًا إذا وافق عليه الزوجان، وإذا كان جزءًا من عقد الزواج المبدئي؟! إلّا أن ما لا يقبل عندهم هو الخداع أو الخيانة؛ لأن ذلك يتضمن الكذب والسلوك غير الأمين, ومع ذلك فإن نسبة تصل إلى 50% من جميع الرجال المتزوجين في الولايات المتحدة يقررون أنهم يمارسون خطيئة الزنا، بينما يقرر ممارسة نفس الجريمة حوالي نصف هؤلاء "25%" من النساء المتزوجات, ومع ذلك فإنه في 20% فقط من هذه الحالات يعرف الزوج أو الزوجة حدوث ذلك.
ولعل القارئ يدرك من هذه الحقائق حكمة الإسلام العظيم في تركيزة في الاختيار الزواجي على عامل الصلاح والتقوى والأخلاق الكريمة الفاضلة في كلٍّ من الزوجين.
وهناك جانب آخر من أدوار التوافق الزواجي هو توافق الأدوار nole
(1/394)

adjustnent, فحين يتزوج شخصان فإن إحدى صور التوافق الهامة التي يجب أن تحدث هي تكامل أدوارهما وتعلم العيش معًا كزوجين, ويلعب الدور الحاسم هنا مقدار حب ومودة كلٍّ منهما للآخر, ومن المعروف أن الخبرة الحقيقية للمعيشة معًا والأنشطة التعاونية قد تكون متعة أو صدمة؛ فأيام الحرية التي تتسم بها حياة "العزوبية" قد ولَّتْ أو على الأقل قُيِّدَتْ بشكلٍ جادٍّ, وسرعان ما يدرك المرء أن حاجاته ورغباته يجب أن تتأثر وتتكامل مع حاجات ورغبات شريك حياته, ابتداءً من اختيار مطعمٍ للعشاء, وحتى طريقة تربية الأولاد، فهي كلها قرارات مشتركة. ويتطلب الأمر أحيانًا المناقشة بين الطرفين والوصول إلى حلول وسط. فبعد الزواج يجب على كلٍّ من الزوج والزوجة خلق دور جديد يسمح بالمشاركة في اتخاذ القرارات, كما أن عليهما تحديد المشكلات الأكثر عملية وواقعية, والوصول إلى هذا كله قد يتطلب بعض التغير في سلوك الشخص وعاداته التي اكتسبها من قبل, وقد أكدت دراسة مبكرة قام بها فنسنت "Vincent 1964" أن التوافق الزواجي يؤدي إلى إحداث تغيرات هامة لدى المتزوجين, وذلك بالنسبة لبعض سمات الشخصية؛ مثل السيطرة وتقبُّل الذات بالمقارنة بالمجموعات الضابطة من غير المتزوجين الذين لم يظهروا مثل هذه التغيرات.
وفي الماضي القريب "حتى الستينات من القرن الحالي" كان الميل لتغيير الأدوار أكثر وضوحًا لدى المرأة؛ حيث كان عليها أن تستبدل مكانة ربة البيت بمكانة الطالبة أو المرأة العاملة "Barry 1970", وهذا الانتقال كان يؤدي بها إلى رضا زواجي أقل منه عند زوجها, ولذلك كانت المرأة المتزوجة تظهر مشكلات نفسية أكثر بمقارنتها بكلٍّ من الرجل المتزوج أو المرأة غير المتزوجة, ثم إنه بالمقارنة بين الرجال المتزوجين وغيرهم من العزاب, أثبتت البحوث حينئذ أن المتزوجين يعيشون أعماراً أطول, وتكون صحتهم الجسمية أفضل, ويقررون أنهم أكثر سعادةً من غير المتزوجين, ومن ناحيةٍِ أخرى فإنه إذا أصبح الزوج غير سعيد فإن ذلك كان يؤثر في علاقته الزوجية على نحوٍ أكثر عمقًا من عدم سعادة الزوجة، فأغلب حالات الطلاق كانت ترجع في جوهرها إلى شقاء الأزواج أكثر من شقاء الزوجات.
أما الآن فإن التوقعات الاجتماعية حول الأدوار في الزواج أصبحت أكثر مرونة, ففي دراسةٍ أجراها ميسلين "Meislin 1977" وجد أن 27% فقط من الشباب "الذين تمتد أعمارهم بين 18، 29عامًا" فضلوا الأدوار "التقليدية" للزواج على الأدوار الجديدة المشتركة، وذلك بالمقارنة بنسبة 59% من جيل أبائهم.
(1/395)

وبالإضافة إلى ذلك, فإن أزواج النساء العاملات يؤدون المهام المنزلية على نحوٍ أكثر تكرارًا إذا قورنوا بأزواج النساء غير العاملات, وتشعر المرأة العاملة برضًا أكبر حين تطلب من زوجها المساعدة في "عمل البيت" ورعاية الطفل, إلّا أن المقارنة بين نشاط العمل داخل المنزل لكلٍّ من الزوجين كشفت عن أن الأزواج يقضون في هذه المهام وقتًا أقصر بكثيرٍ من الزوجات "في أمريكا بلغ المتوسط اليومي 2.5 ساعة للزوج في مقابل 5 ساعات للزوجة", ومعنى ذلك أن الزوجة هي بصفة عامة المسئولة عن معظم العمل المنزلي ورعاية الطفل، وتقوم بذلك بالفعل معظم الوقت, أمَّا الأزواج فيقضون معظم وقتهم في المهام الموجهة تقليديًّا نحو الذكورة؛ مثل: غسيل السيارة وإصلاح الأعطال داخل المنزل, وهي مهام أقل حدوثًا من المهام التي تكون المرأة مسئولة عنها داخل بيتها.
ولعلِّ من المسائل الهامة التي تشغل بال الباحثين المعاصرين هي العلاقة بين الأدوار الجنسية وأدوار العمل, فحين يعمل الزوجان في خارج المنزل، وهو أمرٌ يتزايد حدوثه في الوقت الحاضر، فإن النمط التقليدي لسيطرة الرجل داخل المنزل قد يتقلص, وربما يتلاشى, فمن المعروف أن المرأة التي تختار أن تكون ربة بيتٍ هي أقل سيطرة وأكثر سلبية, وأكثر توجهًا نحو الرعاية والتضحية الذاتية, أما المرأة العاملة المتزوجة فهي على العكس من ذلك تبدو في بعض الحالات غير تقليدية وتنافسية، ولا تظهر مشاعر التضحية الذاتية, وبالمثل فإن أزواج ربات البيوت هم أكثر سيطرة من أزواج النساء العاملات, وحين تقاس درجة الرضا الزواجي في مثل هذه الأحوال, نجد أن الزوجات أكثر رضًا ويؤدين بطريقة أكثر فعالية من الزوجات اللاتي لا يعملن خارج المنزل، على الرغم من أن النتائج حول أزواج النساء العاملات كانت متناقضة في البحوث المختلفة, فقد أكد بحث قام به "Burke Weir 1976" أنهم يكونون في العادة أقل رضًا, ويقررون وجود ضغوط عمل أكثر، كما أنهم أكثر قلقًا، ويبدون أسوأ من ناحية الصحة الجسمية والنفسية, وتتناقض هذه النتائج مع تلك التي أظهرها بحث "Both 1977" حين وجد أن هؤلاء الأزواج لا يظهرن أيّ علاماتٍ تدل على التوتر الزواجي, والخلافات العائلية أكثر من أزواج النساء غير العاملات "ربات البيوت", بل إنه يستنتج من نتائجه أن الفئة الأولى من الأزواج "أي: أزواج النساء العاملات" كانوا أسعد حالًا وأقلّ تعرضًا للإجهاد النفسي, بل وقرروا أكثر من المجموعة الأخرى أن زوجاتهم "محبات" و"أقل ممارسة للنقد"، فإذا ظهرت عليهم بعض علامات الضغط والتوتر النفسي, فإن ذلك لا يكون عادةً إلّا خلال فترة الانتقال -أي حين
(1/396)

تلتحق الزوجة بالعمل لأول مرة, أو حين تعود الزوجة العاملة إلى البيت لتقوم بمهام رعاية أطفالها.
ويظهر أزواج النساء العاملات اتفاقًا أكبر مع زوجاتهم حول المسائل الهامة "مثل الإنفاق، والعلاقات العائلية"، كما يسهل عيهم الوصول إلى حلول "وسط" للمسائل التي لا يتفقون عليها, إلّا أنه بالنسبة لبعض الأزواج ظهرت مشكلة حديثة العهد, وهي الموازنة بين أدوارهم الزواجية وأدوارهم المهنية, فلقد أصبح من الشائع مثلًا أن يعمل الرجال تحت إمرة النساء، وأن يتنافس الرجال والنساء على الترقيات والمناصب, ومع ذلك فإنه في المنزل يتطلب الأمر أدوارًا مختلفة؛ فالزوجة مثلًا قد تتجنب أن يشعر زوجها بالتهديد بسبب تسلطها في إدارة المسائل العائلية، على الرغم من أن هذه القسمة نفسها هي التي تحظى بالتقدير في العمل "إذا كانت تتولّى وظيفة قيادية", وقد تكشف المرأة العاملة أيضًا أن نجاحها في العمل, أو التزامها الشديد بمسئولياتها, قد لا يحظى بالترحيب من زوجها, ويدعم ذلك النتائج التي تؤكد أن نسبة يعتد بها من بين نساء اللاتي يشغلن وظائف عليا إما مطلقات أو عوانس "أي: لم يتزوجن أبدًا".
ويوجد مظهر هام آخر للتوافق الزواجي, هو أن يتوافق كلٌّ من الزوجين لخصائص الآخر, فمن بديهيات علم النفس أن لكلِّ فرد شخصيته الفريدة التي تؤثر في طريقته في تناول المواقف والتكيف معها, وبعض خصائص الشخصية تعين الفرد على المواءمة الجيدة مع الزواج وبناء علاقة قوية مع الشريك، بينما بعضها الآخر لا يساعد على ذلك, ومن الخصائص التي ترتبط بالرضا الزواجي ما يلي:
1- النضج الانفعالي.
2- التحكم الذاتي وضبط النفس.
3- الرغبة في إظهار الأسرار الشخصية لشريك الحياة.
4- القدرة على إظهار العاطفة والاعتبار نحو الآخرين.
5- القدرة على معالجة الإحباط والتحكم في الانفعالات.
6- التقدير العالي للذات.
7- المرونة.
8- القدرة على التواصل بشكلٍ صريحٍ وأمينٍ مع شريك الحياة.
وتؤكد بعض الدراسات أنه عند بداية الزواج تلعب سمات شخصية الزوج دورًا أكبر من سمات شخصية الزوجة في تحقيق السعاة الزوجية فيما بعد. ومن
(1/397)

أهم هذه العوامل "هويته الذكورية المستقرة"، وكذلك اليسر الاقتصادي النسبي للزوج ومستواه التعليمي,
وقد يكون العامل الأكثر أهميةً في التوافق الزواجي لدى الزوجة إدراكها لمدى نضج زوجها وكيف يتواءم مع دور الزوج والوالد والشريك المتعاون, وكلما ارتفع تقدير الزوجة لزوجها في النضج الانفعالي, وكلما اقتربت صورته عندها من تحقيق الدور التي تحدده الثقافة للزوج أكثر سعادة.
الوالدية: إن أحد الدوافع القوية لدى الكائنات الحية دافع المحافظة على بقاء النوع, ويشمل ذلك إنجاب جيل جديد ورعايته, وأثناء مسار النمو الإنساني يجد الإنسان نفسه -طوعًا أو كرها، باختياره أو مصادفة- أبًا أو أمًّا, وتؤكد الإحصائيات الحيوية في معظم المجتمعات الحديثة أن حوالي 10% من جميع الزيجات لديها على الأقل طفل واحد "Brodzinsky et al 1986".
وفي نموذج إريكسون في النمو الاجتماعي تظهر الوالدية "Parenthood" استجابةً لما يسميه أزمة "التدفق في مقابل الركود", فبعد حل أزمة العلاقة الحميمة والتآلف والمودة في مقابل العزلة, يبدأ الراشد الصغير في التعبير عن أزمة الخصوبة في صورة قرارات ومشاعر حول الوالدية, ويرى إريكسون أن الرغبة في رعاية الآخرين هي التزامٌ إنسانيٌّ عامٌّ في جميع العصور, وستبقى كذلك في المستقبل.
ومن ناحيةٍ أخرى, فإن محض الرغبة في الحصول على الأطفال لا يدل على "تدفق حقيقيّ", فبعض الناس يكونون غير قادرين على القيام بدور الوالدية نتيجةً للصعوبات التي تعرضوا لها هم أنفسهم في مراحل سابقة من حياتهم؛ فالزوجة أو الزوج الذي تعوزه القدرة على إدراك المشاعر والخبرات لدى من يتعامل معهم, والرغبة في التضحية والإيثار في علاقاته مع الآخرين, عادةً ما يكون غير مُعَدٍّ لرعاية أطفال صغار, بل تدفعه أنانيته وتمركزه حول ذاته إلى الانشغال بنفسه بدلًا من السعي إلى رعاية جيل جديد، وفي علاقته بشريك حياته لا يتجاوز في ذلك اعتبار نفسه طفلًا يحتاج لرعايته واهتمامه.
وقد أجريت بحوث حول دافع الخصوبة fertiliy motivation- أي: الأسباب التي تدفع الناس إلى الحصول أو عدم الحصول على طفل، وحددت العوامل التي تؤثر في هذا القرار, وأكدت البحوث أن هناك اختلافاتٍ حول تقدير قيمة الأطفال لدى الوالدين, كما تختلف الأسباب التي يقررها الآباء لإنجاب الأطفال.
وبالنسبة للمسألة الأولى: نجد أن أحد الاتجاهات السائدة لدى بعض الآباء والأمهات اعتبار "الوالدية" كما لو كانت مهنةً يمكن للشخص أن يمارسها أو لا
(1/398)

يمارسها, ومن ذلك تقول إحدى الزوجات: "إن بعض الناس لديهم مهارة في الوالدية, أما أنا وزوجي فنحن مهرة فقط في إدارة المصنع الذي نملكه".
ويوجد اتجاه آخر نحو الوالدية يعتمد على فكرة التكلفة والفائدة cost-benefit, وهذا الاتجاه النفعي يزن أو يقايض البهجة التي يمكن الحصول عليها من الأطفال مقابل النواتج التي يحصل عليها المرء من النجاح في مجالاتٍ أخرى كالدراسة أو العمل, وهذان الاتجاهان نحو الوالدية يفترضان أن لدى بعض الناس -وخاصة النساء- فرصًا أخرى أكثر تفضيلًا للنمو الشخصي وتحقيق الذات "كالعمل" تفوق الحصول على الأطفال, بل إن بعض الدراسات التي أجريت في الثقافات الغربية أكدت ذلك، فالمتعلمون الأمريكيون مثلًا يقررون أن مشاعر رضاهم عن أطفالهم أقل بمقارنتهم بمن هم أقل تعليمًا، ويفسر الباحثون ذلك بأن المجموعة الأولى "الأفضل تعليمًا" لديها وسائل بديلة لتحقيق الذات "Russell 1974".
ومع ذلك, فإن الرضا الذي يحققه النجاح المهنيّ لا يمنع معظم النساء الموجهات مهنيًّا من إنجاب طفل واحد على الأقل, فالاندماج في العمل قد يؤدي إلى تأجيل إنجاب الطفل, أو تحديد عدد الأطفال في الأسرة، إلّا أنه ليس بديلًا عن الحياة بدون أطفال على الإطلاق.
والسؤال الآن: ما الذي يدفع الزوجين للتحول إلى الوالدية؟ توجد قائمة طويلة من العوامل حددتها البحوث التي أجريت على الأزواج والزوجات نذكر منها:
1- الضغط الاجتماعي: وخاصة ضغوط والدي الزوجين واللذين يرغبان أنفسهما في القيام بدور الأجداد.
2- السعادة بالأطفال في ذاتهم, والشعور بأن العمل وحده ليس هو القيمة الوحيدة في الحياة كلها، فالطفل قيمة في ذاته، وهو الذي يجعل الحياة تستحق أن تعاش.
3- الرغبة في الراحة الانفعالية التي يهيؤها الأطفال لآبائهم عندما يكبرون, وخاصة عند تقدُّمِ الآباء في السن.
4- الرغبة في وجود ورثة يورثهم الشخص موارده وأفكاره وأذواقه عبر الزمن.
5- تحسين الحياة الزوجية أو حمايتها من التحطم والانهيار, أو لربط الزوج فلا يفكر في الطلاق أو الزواج بامرأة أخرى.
(1/399)

6- الهرب من الملل أو من عملٍ غير مرضٍ بالاندماج في تربية الأطفال.
7- إدراك الطفل على أنه صورة للمكانة الاجتماعية؛ ففي بعض الثقافات يُعَدُّ وجود الأطفال من أسس بناء العصبية العائلية, ناهيك عن دورهم كموارد اقتصادية "من خلال عملهم" لدى الأسر الفقيرة.
8- قد تحتاج المرأة الشقية في زواجها, أو الوحيدة, إلى طفلٍ تكون معه علاقة تعلق حقيقية تعوضها عن المودة المفقودة مع الزوج.
ويجب أن نلاحظ أنه مع شيوع وانتشار وسائل منع الحمل "في بعض المجتمعات الحديثة", فإن بعض الأطفال قد يُولَدُون على غير رغبة الوالدين نتتيجة الخطأ في استخدام هذه الوسائل, ويصل عدد الأطفال غير المخطط لهم في بلد كالولايات المتحدة إلى حوالي ثلثي الأطفال، وهذا لا يعني بالضرورة أن يكونوا غير مرغوبين بعد ولادتهم.
وعملية الوالدية هي عملية نمائية ارتقائية, فبالنسبة للمرأة تُعَدُّ عملية الحمل في ذاتها أهمية نمائية خاصة؛ حيث تسمح لها بإدراك ما يُسَمَّى "الإنتاجية الذاتية"، والتي تُعَدُّ محور الإنجاز الأنثوي من الوجهتين الرمزية والبيولوجية, وبالنسبة للوالدين فإن الحصول على طفلٍ له أهميته ودلالته في إحياء وبعث بعض الصراعات السابقة التي ربما يكونان قد تجاوزاها, ويرى بعض أصحاب التحليل النفسي -ومنهم بنيدك Benedek- أن الأم تحتفظ بآثارٍ في الذاكرة حول طفولتها، مثل كيف كانت تغذى وتحضن، وكيف كانت تخفف آلامها، وجوانب السعادة والشقاء في طفولتها, وهي قد تسترجعها عند تعاملها مع طفلها الوليد, وبالإضافة إلى ذلك فإن أسلوبها في الأمومة تشتقه من توحُّدها المبكر والأساسيّ مع أمها.
وخبرة الوالدية خبرة تكاملية، تربط كلًّا من الزوج والزوجة بالطفل, وتظل كذلك طوال الحياة, كما أنها خبرة تدل على امتداد الحياة واستمرارها, وتصف بعض الأمهات ذلك بالقول بأنها مع الأمومة تجد أن طفلها وجده "والد الأم" عبارة عن مرآتين متقابلتين لإدراك ذاتها من خلالهما, ويصدق ذلك بالطبع على الأب. فالأم والأب يدركان جزءًا من ذاتهما في والد كلٍّ منهما الذي يكون بالطبع في مرحلة الشيخوخة أو يقرب منها، كما يجد كلٌّ منهما جزءًا من هذا الوالد الجد فيه، وهذه هي المرآة الأولى, أما المرآة الثانية فهي الطفل الوليد؛ حيث يدرك فيه الراشد الصغير "والده أو والدته" جزءًا من نفسه "Neugarten".
وخلال فترة الرشد المبكر يواجه الوالدان خبرات جديدة تنشأ عن ظروف
(1/400)

الحمل والولادة "وخاصةً أول مرة"، وأساليب رعاية الطفل الوليد، ومواجهة متطلبات طفل ما قبل المدرسة وغير ذلك, ويتطلب ذلك تعلمًا جديدًا بالإضافة إلى فرصٍ جديدةٍ للتدريب على ضبط النفس, فمثلًا نوبات الغضب لدى طفل العامين, أو التمرد لدى طفل ما قبل المدرسة, قد تدفعان الأم أو الأب إلى الحيرة في مواجهتها، وقد يدفعهما ذلك إلى مزيدٍ من المعرفة عن سلوك الطفل وخصائص نموه، وهكذا قد يبدأ الراشد الصغير في قراءة الفصول الأولى من هذا الكتاب، وكأنه يحاول بذلك أن يفهم ذاته كما يفهم طفله, وهكذا تصبح عملية تطبيع الطفل فرصة لأن يعيد الوالدان تطبيع نفسيهما للمواقف الجديدة, ففي الوقت الذي يُعَلِّمَانِ فيه الطفل عادات الأكل والإخراج والسلوك المرتبط بدوره الجنسي، يتعلمان هم أشياء كثيرة؛ مثل: كيف يتكلمان مع الطفل الوليد، وكيف يحققان له الراحة، وكيف يدفعانه إلى الابتسام، وكيف يكَوّنان علاقة جديدة معه تتسم بالجد والمرح، الصراحة والحب معًا, ناهيك عَمَّا يترتب على ميلاد الطفل من "تقييد" لنشاط الوالدين خارج المنزل، وتقييد خصوصياتهما داخله, بالإضافة إلى نقص التواصل بين الوالدين، فقد وجد "Schulz 1972" أن مقدار الكلام المتبادل بين الزوجين يقل إلى النصف بعد ميلاد الطفل الأول، ويتوجه حديثهما إلى الطفل نفسه, وقد يؤدي ذلك إلى نقص الرضا الزواجي، ويزداد هذا النقص مع إضافة أطفال جدد إلى الأسرة، إلّا أنه لوحظ أنه بعد أن يكبر الأولاد تعود الحياة الزوجية إلى طبيعتها الأولى مرة أخرى, هذا النقص في الرضا الزواجي بعد الإنجاب لا يحدث مع جميع الأزواج؛ ففي حالاتٍ أخرى يؤدي وجود الأطفال إلى تدعيم العلاقة الزوجية وتقويتها وليس إضعافها Brodzinsky et al1986, وهكذا يواجه الراشدون أزمةً تَتَطَلَّبُ توافقًا يكونون في العادة مهيَّئِينَ له، ويعود بعض هذه المشكلة إلى أن المجتمع لا يبذل جهدًا يذكر في التربية الوالدية، فلا يُعَدُّ الوالدان عادةً لهذا الحدث الهام سواء قبل الإنجاب أو بعده. وهذا مطلب جوهريٌّ حبذا لو اهتمت به كليات التربية في برامج خدمتها للمجتمع الذي تعمل في نطاقه1.
ويقود دور الوالدية الزوجين إلى تكوين علاقات جديدة مع المجتمع؛ فالأمهات الجدد يبدأن في تكوين علاقات صداقة مع أندادهن من الأمهات للبحث عن الرفقة والنصحية, وتزداد صلة الآباء والأمهات من الراشدين الصغار بوالديهم "الأجداد والجدات" بحثًا عن الدعم الانفعالي وربما المادي "في صورة رعاية الطفل أثناء عمل الأم مثلًا", ثم يزداد اهتمام الوالدين من الراشدين الصغار بمؤسساتٍ اجتماعيةٍ لم تكن تحظى بالانتباه من قبل، سواء قبل الزواج أو بعده, وقبل الحصول على الأطفال مثل مؤسسات رعاية الأم والطفل، ودور الحضانة, ومع نمو الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة يبدأ الوالدان في التعرف على الحدائق والمكتبات والأندية, ثم المدارس المناسبة للطفل.
__________
1 منذ بضع سنوات اقترح أحد مؤلفي هذا الكتاب "فؤاد أبو حطب" على وزارة الشئون الاجتماعية الاهتمام ببرامج "التربية الوالدية"، إلّا أن الفكرة التي بدأت جيدة الإعداد والتنظيم، سرعان ما تحولت عن أهدافها الأساسية لتصبح مجرد تدريب على مهارات يدوية تقدم للأمهات.
(1/401)

الطلاق:
حين يتزوج رجل وامرأة؛ فالمفترض في علاقتهما الزوجية أن تسودها المودة والرحمة والمحبة وحسن المعاشرة كما تقضي الشريعة الإسلامية، وإذا حدث ذلك فإن الحياة الزوجية تستمر إلى أن تنتهي بوفاة أحد الزوجين أو كليهما.
إلّا أن بعض الزيجات قد تفتقد الشروط اللازمة لاستمرارها، أو قد يقع أحد الزوجين أو كلاهما في دائرة الضغوط والعواصف التي عادةً ما تحدث في الحياة الزوجية نتيجةً لظروف الحياة اليومية وتوتراتها، أو قد ينحرف سلوك أحدهما عن جادة الفضيلة، أو قد يسيء أحدهما للآخر إساءة بالغة، وعندئذ يقع المحظور وتنفصم عرى الزواج، ويكون الطلاق.
وتؤكد الدراسات التي أجريت على حالات الطلاق أن معظمها يقع لأزواجٍ لم يبلغوا مرحلة الرشد المبكر، وبعضها يقع خلال السنوات الأولى من الزواج، وأكبر نسبة بين المستويات الاقتصادية والاجتماعية الدنيا، والمستويات التعليمية المنخفضة، وبين الذين لا يكون بينهم تكافؤ في هذه المستويات, أو ليس بينهم تماثل ديني "Garrett 1982".
ويفسر الباحثون شيوع الطلاق بين الزيجات المبكرة "أي: قبل سن الرشد" بأن الأزواج في هذا السن لم يستقلوا سيكولوجيًّا عن الوالدين، كما أن التزام الشخص في هذا السن نحو الأسرة والمهنة ليس بقوة التزام الراشدين, ويعوزه تكوين علاقات ناضجة مع شريك حياته، ناهيك عن نقص الاستقلال الاقتصادي بسبب قلة الدخل.
ويقترح "Hunt Hunt 1977" ثلاثة سيناريوهات شائعة لحدوث الطلاق هي:
1- ضعف الزواج أو فتوره نتيجةً لانقضاء الوقت أو مرور الزمن, وما يصاحب ذلك من جهل أو تجاهل أحد الزوجين تمامًا لمشاعر الآخر، ونقص الأنشطة والقرارات المشتركة بينهما, ويشبه ذلك ما يحدث لصورة فوتوغرافية
(1/402)

قديمة، وما يطرأ عليها من ذبول, وفي هذه الحالة قد يحدث الطلاق مع أيِّ فرصةٍ تسنح مهما كانت درجة أهميتها "ابتداءً من مشاجرة عابرة, إلى قرار بتغيير مكان العمل أو السكن", وقد يحدث ذلك على الرغم من عدم وجود صراعٍ صريحٍ طويلٍ, أو وعيٍ شعوريٍّ بسببٍ واضحٍ للطلاق, وهذا السيناريو قليل الحدوث.
2- صدمة أحد الزوجين في الآخر "كأن تكتشف الزوجة علاقة بين زوجها وامرأة أخرى أو العكس", ويرى الباحثان "Hunt &Hunt 1977" أن ما يحدث في هذه الحالة أن يسترجع الزوجان تاريخ حياتهما الزوجية, ويكتشفان أنه لم يكن فيها إلّا القليل الذي يربط بينهما، ويبالغان في التركيز على الخبرات غير السعيدة التي عاشاها معًا, إلّا أنَّ ما يحدث في أقطار العالم النامي "ومنها بلادنا العربية والإسلامية" أن يصاحب هذا السيناريو بعنفٍ واضحٍ نتيجةً لتقدير قيمة العِرْضِ والشرف عند الرجال، ولمشاعر الغيرة عند النساء, وعلى الرغم من ندرة هذا السيناريو في أقطارنا العربية والإسلامية "ومنها مصر" إلّا أن العنف الزواجي الذي يشهده مجتمعنا في الفترة الأخيرة يُعَدُّ مؤشرًا على خطورته.
3- صراع زواجي طويل الأمد، ربما منذ الزواج، نتيجةً لفساد أو خطأ أسس اختيار كلٍّ من الزوجين للآخر, وفي هذا السيناريو يدرك كلٌّ من الشريكين -وبعد وقت يطول أو يقصر- أن الطلاق هو أفضل الحلول, وهذا النوع هو الأكثر شيوعًا.
ونشير هنا إلى أن الإسلام حين أباح الطلاق شرعه لمواجهة الظروف غير العادية وحلًّا للمشكلات "المستعصية" في حياة الزوجين، ولهذا جعله "أبغض الحلال"، وجعل له الضوابط التي تكفل صالح المجتمع وصالح الأسرة معًا، مع كفالة التوازن في حقوق الزوجين، وتمثل ذلك فيما يلي:
1- إضفاء طابع القدسية والمهابة والجلال والإكبار والتعظيم على عقد الزواج دون غيره من العقود التي تربط مصالح الناس, ولذلك يصفه القرآن الكريم وصفًا متميزًا عن غيره من العقود بقوله -سبحانه وتعالى- عن الزوجات: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21] .
والميثاق الغليظ هنا هو عقد الزواج.
ويقول الرسول -عليه الصلاة والسلام:
"تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن".
2- الأصل في الإسلام هو استمرار الزواج وتجنب الطلاق، ولهذا أوصى
(1/403)

بحسن معاملة كلٍّ من الزوجين للآخر، وحفظه في السر والعلن، بل ذهب القرآن الكريم إلى أبعد من ذلك, بطلب المعاشرة الحسنة بين الزوجين ولو مع الكراهية، فقد تنشأ المحبة والمودة من خلال هذه المعاشرة من ناحيةٍ وتجنبًا للطلاق من ناحيةٍ أخرى.
يقول الله تعالى:
{فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] .
وقال -عليه الصلاة والسلام:
"لا يَفْرَكْ "أي لا يبغض" مؤمنٌ مؤمنةً, إن كره منها خلقًا رضي منها آخر".
وفي الحديث النبوي الشريف بصيرة عميقة بالسلوك الإنساني, فمن قواعد هذا السلوك في مجال العلاقات بين الأشخاص "الصداقة، العمل، إلخ" أننا نقبل فيهم بعض خصائصهم, ثم نعدل من سلوكنا ليتوافق مع الخصائص التي لا نوافق عليها فيهم، وهذا شأن العلاقات الزوجية كذلك.
3- البحث عن حلولٍ للمشكلات ورأبٍ الصداع في الحياة الزوجية دون اللجوء إلى الطلاق, يقول الله تعالى:
{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] .
ويقول أيضًا:
{فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34] .
وقد حددت الشريعة الإسلامية قواعد التعامل مع النشور "للزوج والزوجة", والتحكيم بين الزوجين لحل الخلافات يمكن للقارئ المهتم الرجوع إليها في المراجع المتخصصة في الفقه الإسلامي.
4- لا يكون الطلاق إلّا بعد استنفاد كل الطرق الممكنة لحل المشكلة، وهو حلٌّ بغيض كريه رغم أنه من الحلال, وفي ذلك يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" رواه أبو داود.
وهذا الحديث الشريف حكمةٌ نبويةٌ خالدةٌ، يشعر منه المسلم أن الطلاق "ليس لعبة ولا لهوًا، وليس تصرفًا عاديًّا يمارسه الزوج، بل هو دواء مرير أو جراحة
(1/404)

خطيرة يستعمل عند اللزوم وعند الضرورة، وهي استحالة الحياة الزوجية لأسباب جوهرية" "عزت العزيزي وآخرون: 1985: 451".
5- عدم النظر إلى الرجل المطلق أو المرأة المطلقة نظرة لومٍ واحتقارٍ؛ فالطلاق -إذا اضطر إليه المسلم أو المسلمة- أمر طبيعيّ، ولا يجوز النفور من زوج المرأة أو الرجل بعد الطلاق، وقد تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مطلقة مولاه زيد بن حارثة بأمر من الله -عز وجل.
يقول الله مخاطبًا رسوله الكريم:
{.. فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37] .
وقد أجريت بضعة بحوثٍ على خبرة الطلاق، وتكشف نتائج هذه البحوث عَمَّا يأتي:
1- خبرة الطلاق من أكثر الأحداث إثارةً للضغط والإجهاد والتوتر في حياة الراشدين، وتكاد في ترتيبها تتلو مباشرة خبرة وفاة رفيق العمر "التي تُعَدُّ أكثر الأحداث إيلامًا"، وخاصةً في ضوء ما تفرضه خبرة الطلاق من متطلبات إعادة التنظيم وإعادة التكيف.
2- توافق ما بعد الطلاق يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدرجة الاستعداد له وتوقع حدوثه "Wallerstein Kelly 1986", ويوجد فريق من الناس لا يتوافق أبدًا مع الطلاق مهما كانت درجة الشقاء أثناء الزواج، وهؤلاء يستجيبون لانهيار العلاقة الزوجية باضطراباتٍ سلوكية تختلف في شدتها وحدتها التي قد تصل إلى حد الانتحار.
3- تختلف الاستجابات الانفعالية للطلاق، ويعتمد ذلك إلى حَدٍّ كبيرٍ على الظروف التي تسبقه مباشرة؛ فالزوجة السعيدة تشعر بالصدمة العنيفة نتيجةً لمفاجأة الطلاق, أما الزوجة الشقية بزواجها وتعاني صراعًا عنيفًا مع زوجها لبضعة سنواتٍ قد تشعر بالراحة بعد الطلاق, ومع ذلك فهناك أدلةٌ متوافرةٌ على أن كلًّا منهما يعاني الكثير من الألم بعد الطلاق.
4- يواجه المطلق "والمطلقة" أزمة هوية جديدة في محاولة بناء أسلوب جديد لحياته أو حياتها, ويرتبط ذلك بالمفاهيم الشائعة في الثقافة عن فئة المطلقين، واتجاهات الآخرين نحوهم، والتي تكون في كثير من الأحيان سالبة، وهو موقف لا يتفق في جوهره مع روح الإسلام -كما أشرنا- ولهذا كثيرًا ما نلاحظ على سلوك المطلقين أنه يتسم بالعزلة والتفرد والخوف من المخاطرة بتكوين علاقات اجتماعية.
5- تنشأ عن الطلاق بعض المشكلات العملية؛ فالمراة المطلقة التي كانت أثناء زواجها متفرغة لرعاية بيتها وأطفالها قد تجبرها الظروف الاقتصادية على العمل, كما قد تنشأ علاقات والدية جديدة بين الزوجين السابقين في حالة وجود أطفال تنظمها قواعد حضانتهم.
(1/405)

النمو المهني:
الأهمية السيكولوجية للعمل: دخول الإنسان إلى ميدان العمل هو أحد مؤشرين -مع الزواج- على أنه أصبح من الراشدين، بل إنه هو المؤشر الوحيد على الرشد لأولئك الذين يؤجلون زواجهم إلى ما بعد الاستقلال الاقتصادي "والحصول على مهنة هو أعظم علاماته", ولهذا يحتل العمل عند الراشدين مكانةً بالغة الأهمية في تحديد هويتهم، ويظل كذلك لفترة تمتد حوالي أربعين عامًا من العمر, ويمكن أن نلخص الأهمية السيكولوجية للعمل لدى الراشدين فيما يلي:
1- العمل تعبيرٌ عن حاجةٍ داخليةٍ لدى الإنسان تدفعه نحو الاستقلال النفسي والاقتصادي والإتقان والتعامل الفعال مع البيئة, وتسمى هذه الحاجة دافعية الإنجاز achievement motivation, وبالطبع فإن هذا الدافع يختلف بين الأفراد وداخل الفرد الواحد في مختلف مراحل نموه.
وعند الراشد تؤثر قوة دافع الإنجاز في طريقته في تفسير خبراته المهنية وتوجهها, ولهذا نجد بعض الراشدين من النساء ومن الرجال من ذوي الإنجاز العالي يصلون إلى مواقع القيادة والسلطة في مجالات عملهم بالمقارنة بأقرانهم من ذوي الإنجاز المنخفض.
ومن العوامل التي تعدل سلوك الإنجاز سيطرة دافع آخر قد يكون أحيانًا "الحاجة إلى الانتساب أو الانتماء Affiliation لدى الراشدين, وهو دافعٌ يوجه الإنسان نحو تكوين علاقات إنسانية أكثر يسرًا مع الزملاء، وقد يكون في أحيانٍ أخرى دافع تجنب النجاح, وخاصةً إذا كانت عواقب النجاح في العمل تؤدي إلى رفض شخصي واستهجان اجتماعي "كما هو الحال في نظرة بعض الثقافات إلى نجاح المرأة في العمل", وفي مثل هذه الحالة يكون اتجاه الشخص إزاء الإنجاز المهني أقرب إلى الحياد أو التناقض الوجداني, ومن ناحيةٍ أخرى فإن مثل هذا الشخص إذا لم يحرز نجاحًا لن يدفعه ذلك إلى بذلك مزيد من الجهد.
(1/406)

2- العمل مصدر لشعور الفرد بقيمته, وبالتالي فإنه وثيق الصلة بتقديره لذاته وتحديد هويته, ويكشف ذلك عن الأثر النفسي المدمِّر للبطالة على شخصية الراشدين, ويتوقف تقدير الراشدين العاملين لذواتهم على تفسير كلٍّ منهم لخبرة العمل, ومن ذلك أسلوب الشخص في عزو attribution أسباب النجاح والفشل المهنيين أو تحديد موضع الضبط locus of control لكلٍّ منهما, فإذا كان الراشد يعزو أسباب نجاحه إلى عوامل داخلية مستقرة فيه من ناحية، وأسباب فشله إلى عوامل خارجية غير مستقرة "مؤقتة أو عارضة", فإنه يكون أكثر تقديرًا لذاته، كما يكون لديه شعور قوي بالكفاءة الشخصية "Huyck Hoyer 1982", وتوجد فروق بين الجنسين في هذا الصدد؛ فالنساء أكثر احتمالًا في عزوِ النجاح إلى الحظ والمصادفة أو سهولة العمل، بينما الرجال يعزونه إلى قدرتهم العالية وجهدهم الزائد, أما في حالة الفشل فإن المرأة قد تعزوه إلى نقص قدرتها، والرجل إلى نقص جهده المبذول "Mednick et al 1975", وهكذا فإن المرأة قد تشتق تقديرًا أقل لذاتها, وشعورًا أدنى بالكفاءة من إنجازٍ قد تتساوى فيه مع الرجل.
ومن ناحيةٍ أخرى فإن العمل -على الرغم من أنّ له نفس المعاني العامة لدى الجميع- قد يحقق لبعض أصحابه شعورًا أكبر بالقيمة, وتقدير الذات بسبب الترتيب الهرميّ "الهيراركي" للمهن من ناحية, ومبالغة المجتمع في تقدير بعضها على حساب البعض من ناحية أخرى.
3- العمل له أهميته الاجتماعية للفرد إلى جانب أهميته للشخصية، فهو مصدر للمكانة الاجتماعية، وبالعمل يقدم الراشد إلى الآخرين شيئًا له قيمة، سواء كان ذلك إنتاجًا أو خدمة, ويحصل على موافقة الآخرين وتعزيزهم, كما أن العمل يهيئ للراشد فرصًا كثيرة للمشاركة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي, سواء داخل بيئة العمل "مع الزملاء والمرؤسين والرؤساء" أو خارجها، حين يكوّن الشخص علاقات صداقة جديدة مع زملاء العمل, أضف إلى ذلك أن العمل هو المصدر الرئيسي للدخل عند الكثيرين، وهو بذلك يسمح للراشد بإعالة نفسه وأسرته, وأخيرًا فإن العمل هو الوسيلة الأساسية لشغل وقت الراشدين وتنظيمه, ويحقق لهم بذلك صورة سوية للتوافق الاجتماعي, ولعلنا ندرك المغزى العميق لذلك إذا تأملنا حالات سوء التوافق الاجتماعي لدى الذين يعيشون محنة البطالة أو الذين يتقاعدون.
وبسبب هذه الأهمية البالغة للعمل كانت له مكانته الرفيعة في الإسلام؛ فهو في الإسلام من ألوان العبادة, يقول الرسول -عليه الصلاة والسلام:
(1/407)

"على كل مسلمة صدقة, قال: أرأيت إن لم يجد؟، قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة المهلوف، قال: أرأيت إن لم يستطع؟، قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة" رواه البخاري ومسلم.
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله دائمًا من "العجز" و"الكسل", وقد وصف القرآن الكريم العمل كثيرًا بصفة الصلاح, وورد ذكر العمل الصالح في عشرات الآيات القرآنية, وهو يلي الإيمان بالله في العديد من هذه الآيات, والعمل الصالح يشمل كلَّ ما يقوم به الإنسان نحو خالقه ونحو نفسه ونحو أسرته ونحو مجتمعه ونحو الإنسانية كلها.
الاختيار المهني: يتشابه اختيار الراشد لمهنته -إلى حَدٍّ كبير- مع اختياره لزوجته؛ ففي كلٍّ منهما قد توجد ضغوط أسرية، كما تحدد العوامل الاجتماعية إلى حَدٍّ ما الاختيار ودرجة الرضا عنه.
والاختيار المهني، كالاختيار الزواجي أيضًا، عملية متبادلة, فكما أن كلًّا من الزوج والزوجة يدرس كل منهما الآخر قبل قرار الزواج، فإن العامل وصاحب العمل "في القطاع الخاص" أو إدارة المؤسسة "في الحكومة والقطاع العام" يتبادلان الدراسة والفحص "إلّا في حالات التعيين "الإجباري" عن طريق القوى العاملة, وكذلك فكما أن الزواج قد ينتهي نهاية غير سعيدة بالطلاق, فإن العامل قد يُفْصَلُ من عمله، أو يستقيل منه.
وكالنمو الزواجي, فإن النمو المهني عملية مستمرة على مدى حياة الإنسان, فقد يبدأ التهيؤ له مع مرحلة المراهقة -وربما قبلها بقليل- ولا ينتهي بمجرد الدخول في سوق العمل.
وبالمثل نشأت في كلٍّ من الزواج والعمل ضرورات عملية لإنشاء خدمات الإرشاد والتوجيه النفسي, صحيح أن خدمات التوجيه المهني أكثر شيوعًا في وقتنا الحاضر من خدمات الإرشاد الزواجي، إلّا أن الحاجة إليهما ماسة، وهي أكثر إلحاحًا في ظروف المجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة باعتبارها تنتمي إلى العالم الثالث أو الدول النامية, والتي تعاني من البطالة وسوء الاختبار المهني من ناحية, ومن مشكلات الزواج التي تناولناها فيما سبق من ناحية أخرى.
وتحتل مسألة الاختيار المهني Vocational choice محور الاهتمام في جميع الخدمات النفسية التي يجب أن تُقَدَّمَ للراشدين الصغار "ومن قبلهم المراهقين
(1/408)

والشباب بالطبع", وقد ذكرنا فيما سبق "الفصل الرابع عشر" إلى أن مشكلات المهنة تحتل مكانة هامة بين ما يعبر عنه الشباب من مشكلاتهم.
وقد أشرنا إلى أن الأسرة تلعب دورًا كبيرًا في الاختيار المهني، ويتم ذلك من خلال عملية التطبيع الاجتماعي التي تمارسها الأسرة على أعضائها منذ طفولتهم، وبها يتعلم الصغار ويتأثرون بتوقعات الوالدين لهم بالنسبة للمستقبل، وبخاصةٍ حياتهم المهنية, وبالطبع فإن ذلك قد يؤدي إلى سوء الاختيار، وخاصةً إذا لم تتوافر لدى الشخص المتطلبات السيكولوجية للمهنة التي اختارها، وخاصة القدرات والاستعدادات وسمات الشخصية اللازمة للنجاح فيها، ولذلك حظي موضوع "الميول المهنية" بمكانةٍ هامةٍ لدى علماء النفس من أصحاب نظرية الشخصية المهتمين بالاختيار المهني، وخاصة عند الراشدين الصغار.
ومن الآراء النظرية التي ظهرت في السنوات الأخيرة مرتبطة بذلك إطار هولاند "Holland 1966 1973" وقد يقترح ستة أنماط "للشخصية" وهي:
1- النمط البحثي investigative: وهو الذي تشغله كثيرًا الأفكار في ذاتها, ولا يهتم بتنفيذها أو تطبيقها في عالم الواقع, ويشعر بالحاجة إلى الفهم ويستمتع بالعمل الذي يتطلب المهام الغامضة، ويندمج في هذه المهام على حساب النشاط الاجتماعي، وهو النمط الذي ينجح في الأعمال العلمية.
2- النمط الاجتماعي social وهو الشخص الذي يظهر اهتمامًا بالآخرين, ويحتاج إلى أن ينتبه إليه الآخرون أيضًا، ولديه مهارات لفظية واجتماعية، ويتجنب الانشغال بالمشكلات المحددة, ويفضل حل المشكلات من خلال إدراك مشاعر الآخر ومعالجة الأنشطة الاجتماعية, وهو النمط الذي ينجح في الأعمال ذات الطابع الاجتماعي؛ مثل الخدمة الاجتماعية والنشاط الديني والطب والتدريس والعلاج النفسي والسلك الدبلوماسي والنشاط الرياضي.
3- النمط الواقعي realistic: وهو الشخص الذي يهتم بالعمل مع الأشياء, وعادةً ما يكون أقل اجتماعية، وقد يتسم بالعدوانية، ولديه مهارة حركية وتآرز بدني جيد، وتعوزه المهارات اللغوية والاجتماعية، ويفضل حل المشكلات العملية المحسوسة على المشكلات المجردة, وهذا النمط عادةً ما ينجح في المهن الميكانيكية والتكنولوجية.
4- النمط الفني artistic: وأصحاب هذا النمط يركزون على العواطف والانفعالات، ويتسمون بعدم الاجتماعية, ويتجنبون المشكلات الواضحة, أو تلك التي تتطلب جهدًا بدنيًّا عنيفًا، ويظهرون الحاجة للتعبير الفردي, ويفضلون التعامل
(1/409)

مع مشكلات البيئة من خلال الحاجة التي تظهر في صورة تعبير ذاتي, وهذا النمط ينجح عادةًَ في المهن الفنية والجمالية المختلفة "الفنون التشكيلية، الموسيقى، الرقص، الباليه، المسرح، السينما، الشعر، القصة، الرواية".
5- النمط التقليدي conventional: وهو الشخص الذي يتسم بالمسايرة، وله طابع عملي محافظ ودقيق، وتعوزه التلقائية والمرونة والأصالة "قدرات الإبداع بصفة عامة", ويفضل العمل مع الأنشطة العددية واللفظية الواضحة والجيدة التكوين، ويتجنب المواقف الغامضة, والتي قد تتضمن العلاقات بين الأشخاص والمهارات الجسمية، وهو أكثر نجاحًا في الأعمال المالية والإدارية؛ كالمحاسبة والمراجعة والسكرتارية والأعمال الكتابية.
6- النمط المقدام enterprising: ويتسم أصحاب هذا النمط بالمهارات اللغوية والقدرات الإقناعية العالية، ولديهم سمات السيطرة والمغامرة والعدوانية، ويدرك الفرد منهم ذاته على أنه قوي وقائد، ويتجنب الأعمال التي تتطلب استخدام لغة محددة, أو تحتاج إلى فترات طويلة من الجهد الذهني، ويفضل المهام الاجتماعية الغامضة، ولديه شغف قوي بالسلطة والمكانة والقيادة، وهو أكثر نجاحًا في أعمال القيادة الإدارية, وقطاع الأعمال والبيع والإعلام والفندقة والسياحة والعلاقات العامة والسمسرة والإخراج السينمائي والتليفزيوني.
وقد أكدت البحوث أن كلًّا من أنماط الشخصية المهنية "كتلك التي وصفناها" والميول المهنية "كتلك التي يقيسها مقياس كيودر الشهير" تظل ثابتة لمدى زمني طويل, ومع ذلك فإن النظريات المهنية المعتمدة على الأنماط فيها بعض جوانب القصور، ولعل أهمها أنها تتسم بالتجريد والتبسيط.
إلّا أننا في جميع الأحوال يجب أن نضع في الحسبان السياق الثقافي والاجتماعي الذي يتم فيه الاختيار المهني؛ فالقرارات المهنية لا يتخذها أفراد تعيش في "فراغٍ اجتماعي"، وإنما يوجد دائمًا تفاعل ديناميي بين الشخص والبية الثقافية والاجتماعية المحيطة به "Schaie Willis 1986", وقد أشرنا إلى ضغوط الوالدين من قبل، ونشير الآن إلى ضغوط الأسرة الجديدة التي يكوّنها الراشد، فقد تحدد التزاماته إزاءها الكثير من نشاطه المهنيّ، ناهيك عن ضغوط المجتمع الكبير والثقافة العامة التي تؤثر في الاتجاهات المهنية للناس, ولعل أكثر الأمثلة وضوحًا على ذلك "الاتجاه نحو العمل اليدوي"، الذي كان حتَّى وقت قصير سالبًا عند الراشدين المصريين, ثم تحوَّلَ إلى القطب الموجب في السنوات الأخيرة مع ما يحصل عليه الحرفيون -في الوقت الحاضر- من دخول كبيرة تتجاوز
(1/410)

المهن الأخرى "وخاصة المهن الجامعية" بكثير, ومن الأمثلة الأخرى الترتيب الهرمي التراتبي للتعليم الجامعي "المرتبط -في جوهره- بعالم العمل"، فأوصاف مثل كليات القمة والسفح والقاع -بالرغم مما فيها من إيذاءٍ للمشاعر، وسوء إدراكٍ لقيمة العمل- إلّا أنها تتضمن الضغوط الثقافية الاجتماعية التي أشرنا إليها.
تطور الحياة المهنية: تتوافر -في الوقت الحاضر- نظريات كثيرة حول النموّ المهني عبر الحياة، وسوف نقتصر على نظريتين منها, هما نظرية سوبر, ونظرية ليفنسون.
وتتلخص نظرية دونالد سوبر Donald Super في النمو المهني, والتي اقترحها عام 1957, وعدَّلَهَا عام 1963, أن الناس يمرون بخمس مراحل من نموهم المهني هي:
1- أثناء المراهقة "14-18سنة" تتبلور أفكار المراهق حول العمل, وفي هذا الوقت من المحتمل أن يتعرض الشخص لمجالات مهنيةٍ معينةٍ من خلال وسائل الإعلام أو التعليم المدرسي أو الأصدقاء أو الأقارب، أو من خلال خبرة مباشرة عند القيام بأعمالٍ لبعض الوقت "أثناء الإجازة للطلاب مثلًا", وخلال ذلك يقارن المراهق بين مختلف المجالات المهنية وقدراته ومهاراته وميوله وخصائص شخصيته وغيرها.
2- أثناء المرحلة التي يسميها هذا الكتاب بلوغ السعي أو الشباب "18-21سنة", وتتضمن بعض التفضيل المهني وبداية التدريب على مهنة معينة, وغالبًا ما يشمل ذلك تربية متخصصة أو نوعية؛ كتلك التي توفرها مراكز التدريب المهني لطلاب ما بعد المرحلة الثانوية, أو برامج الكليات المهنية "كالطب والهندسة والتربية والزراعة"1.
3- مرحلة الدخول إلى عالم العمل لأول مرة "21-24سنة", وممارسة التدريب الذي تلقاه المرء عمليًّا, وتُعَدُّ هذه الخطوة تغيرًا جوهريًّا في إدراك الذات لدى بعض الناس؛ فمع القيام بدور "الشخص العامل" يبدأ كثيرون ممن في هذا السن في إدراك أنفسهم كراشدين لأول مرة.
4- مرحلة استقرار العمل "24-35" وفيها يزداد استقرار الشخص في مجال مهنته, ويبدأ في تنمية مكانته المهنية من خلال الترقي فيها.
__________
1 لعل القارئ يلاحظ أن بعض الكليات الجامعية ليست لها طبيعة مهنية واضحة, ونخص بالذكر هنا كليات الآداب والعلوم، وتمثل هذه الكليات أزمة "هوية مهنية" لطلابها.
(1/411)

5- مرحلة البلورة المهنية consolidtion والتقدم المهني "advancement 35-وما بعدها" وتمتد هذه المرحلة في أكبر مدى زمني في دورة الحياة المهنية للشخص، كما أن الشخص فيها يصل إلى قمة كفاءته, ويحرز مستوى رفيعًا من القيادة أو السلطة.
أما النموذج الذي يقترحه دانيال ليفنسون Danial Levinson فقد ظهر لأول مرة عام 1977، وهو أقل تحديدًا من نموذج سوبر, بالإضافة إلى تركيزه على وجود فترات متعددةٍ يظهر فيها ما يسميه "إعادة التقويم", وفي رأيه أن من العبث القول: إن المرء منذ نهاية مراهقته يختار مهنة معينة اختيارًا نهائيًّا, ويستقر فيها ويستمر يؤديها طوال حياته بعد ذلك.
ويتلخص نموذج ليفنسون في أنه مع الرشد المبكر يدخل المرء مرحلة يحاول فيها الاستقرار على مهنة أو على اتجاهٍ مهنيٍّ معينٍ يتفق مع ميوله وشعوره بهويته, وفي هذا يستطلع الاحتمالات المختلفة في عالم العمل، وفي ذات الوقت يحاول المقابلة بين ما يجده وبين إحساسه بإمكاناته هو, وتكون مهمته تكوين بنية لحياته تربط بين عالم العمل من ناحية, وإدراكه لذاته من ناحية أخرى, وهذه هي مرحلة الاختيارات المؤقتة.
وخلال الفترة من 28-32 سنة يمر كثير من الناس بفترة انتقالية, أي: أزمة إعادة تقويم؛ فبالنسبة لاختياره السابق قد يكتشف أنه تجاهل بعض مكونات ذاته، وهذا الجوانب من الذات تظهر على السطح حينئذ, ويكون عليه التعامل معها, كأن يكشتف الطبيب أنه أديبٌ فيتحول إلى العمل الصحفي, وبالطبع فإن بعض الناس قد يجدون أن المطابقة بين ما يقومون به من عملٍ وبين هويتهم ملائمة, وبالتالي يلتزمون بعملهم على نحوٍ أشدٍّ, ويرى ليفنسون أنه إذا لم يحدث مثل هذا الاقتناع عند حوالي سنة 34سنة، فإن الفرص تكون قليلة لأن تحقق الحياة المهنية للراشد رضًا عن عمله وعن هويته المهنية.
وفي الأغلب يستقر الراشد في مهنته مع بداية الثلاثينات من العمر, فهو عندئذ يكون على درجة من الالتزام العميق بمسئوليات العمل والأسرة، ويكون عليه تصميم الخطط والأهداف طويلة المدى لحياته وتنفيذها, وعلى الرغم من أنه يشعر بالاستقلال في عمله، إلّا أنه يكون -في الواقع- عرضة لكثيرٍ من القيود التي تفرضها قواعد العمل وأصول المهنة, وقد يدفعه ذلك إلى الانتقال إلى المرحلة التالية, وهي مرحلة تحقيق الذات المهنية.
وتحدث مرحلة تحقيق الذات المهنية ابتداءً من أواخر الثلاثينات, وحتى أوائل
(1/412)

الأربعينات من العمر, وحينئذ يظهر المرء الحاجة إلى تدعيم المجتمع له في دوره المهني، أي: حاجته لأن يصبح قائدًا أو رئيسًا أو مديرًا في عمله, وهذه المرحلة تنتهي بأزمةٍ أخرى, وهي أزمة التحول في وسط العمر عند حوالي سنة40-45سنة, وسواء أحصل المرء أم لم يحصل على الاعتراف الذي يسعى إليه, ويشعر أنه يستحقه, فإنه يمر بمرحلة إعادة تقويم, وحينئذ يكون عليه إما أن يعيش في سلامٍ مع نفسه, أو يغير بناء حياته تغييرًا جوهريًّا, وبالطبع قد ينتج عن هذا التحول نموٌّ شخصيٌّ كبيرٌ أثناء وسط العمر، أو طور بلوغ الأشد، وهو موضوع الفصل التالي.
(1/413)

عمالة الصغار وبطالة الكبار:
لعلنا يجب أن ننبه إلى أن نموذج سوبر وليفنسون في النمو المهني، لهما طابعهما الثقافي، ولا يقبلان النقل أو الانتقال إلى الثقافات الأخرى، ومنها الثقافة المصرية، فتحديد سن الثامنة عشرة مثلًا بداية للحياة المهنية الحقيقية، يتفق مع نظام اجتماعي يعتبر التعليم الأساسي شاملًا لمرحلة ما قبل التعليم الجامعي "أي: حتى نهاية المرحلة الثانوية"، وهو حال التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن ناحية أخرى، نود أن ننبه أيضًا إلى أننا أشرنا إلى أن العمل هو أهم مؤشرات الرشد، ولعل هذا هو الافتراض الأساسي وراء اعتبار سوبر سن الحادية والعشرين "وهو سن الرشد في معظم النظم القانونية المعاصرة"، هو العمر الذهبي للدخول الفعلي في عالم العمل, والسؤال الآن: ماذا عن تطور الحياة المهنية في ثقافتنا المصرية؟
وللإجابة على هذا السؤال قام فؤاد أبو حطب "1996" بدراسة تناول فيها قضيتين من أخطر قضايا المجتمع المصري المعاصر، هما: عمالة الصغار، وبطالة الكبار.
عمالة الصغار: لقد شغلت قضية عمالة الأطفال الاهتمام على المستوى الدولي، عقب إنشاء منظمة العمل الدولية عام 1919، حيث توالت -منذ ذلك الحين- الاتفاقيات الدولية، التي تنظم اشتغال صغار السن في الأنشطة المختلفة, وابتداءً من عام 1973، أصبح سن الخامسة عشرة، هو الحد الأدنى لتشغيل الأحداث في كافة الأنشطة الاقتصادية، وإن أجازت تخفيضه إلى الرابعة عشرة في الدول النامية، وحرَّمَت تشغيل الأحداث الذين لم يتجاوزوا الثامنة عشرة، في الأعمال التي تشكل خطورة على الصحة أو الأخلاق.
وقد أجازت منظمة العمل الدولية للسلطات الوطنية منح تراخيص عمل،
(1/413)

للأحداث فيما بعد 13-15عامًا، للقيام بالأعمال الخفيفة، بشرط عدم الإضرار بصحة الطفل، أو نموّه الجسمي والعقلي، أو عرقلة مواظبته على الدراسة في مرحلة التعليم الأساسي.
ومع ذلك، فإن تقارير منظمة العمل الدولية، تشير إلى التزايد المستمر في ظاهرة عِمالة الأطفال، وخاصةً في الدول النامية، ومن ذلك التقرير الصادر عام 1988، الذي يقدر عدد الأطفال العاملين تحت السن القانونية، بحوالي مائة مليون طفل، معظمهم من الدول النامية، ويرجع ذلك بالطبع إلى ما تعانيه هذه البلدان من مشكلات اجتماعية واقتصادية وتعليمية صعبة.
وقد أُجْرِيَتْ في مصر دراسة هامة، حول عِمَالة الأطفال، قام بها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، بالاشتراك مع منظمة اليونيسيف، صدرت عام 1991, وفي هذه الدراسة، قُدِّرَتْ أعداد الأطفال المصريين العاملين من سن 6-15عامًا، بحوالي مليون ونصف مليون طفل، كما تشير الإحصاءات الرسمية, ويذكر التقرير أن هذه الأعداد تتزايد بشكلٍ مُطَّرِدٍ، بلا تخطيط أو توجيه، وساعد على ذلك مجموعة من العوامل، لعل أهمها:
1- التضخم وارتفاع الأسعار.
2- هجرة العمالة المدربة إلى سوق العمل العربية.
3- التسرب من التعليم.
4- تهافت أصحاب الورش الصغيرة على تشغيل الصغار.
ويرجع تفضيل أصحاب الورش الصغيرة لتشغيل الصغار دون الكبار، إلى انخفاض أجورهم، وبساطة ما يقومون به من أعمال، تتناسب وطاقتهم المحدودة وغير المدربة "المركز القومي للبحوث الاجتماعية1991، ص10".
وقد أجريت الدراسة على عينة من صغار السن، الذين يعملون في الورش الصناعية الصغيرة، من الذكور والإناث، ومن الفئة العمرية 12-15سنة، وهي الفئة التي يمنع القانون اشتغالها بالأعمال ذات الطبيعة الشاقة, وقد اختيرت العينة من القاهرة الكبرى بمحافظاتها الثلاث: القاهرة والجيزة والقليوبية، ومن الريف والحضر. وفي صناعاتٍ تمثل استغلالًا للطفل، وخطورةً عليه في سنه المبكرة، وقورنت بعينة ضابطة.
وقد كشفت الدراسة عن أهم العوامل المؤدية لعمالة الأطفال وهو: الفشل في التعليم الأساسي "80%" أو ممن لم يلتحقوا به أصلًا "20%".
(1/414)

ولعل من أهم النتائج النفسية التي توصل إليها البحث، أن الأطفال العاملين يعانون من سوء التوافق الاجتماعي، وسوء التوافق العام، بالمقارنة بالعينة الضابطة, وفَسَّرَ الباحثون ذلك بأن هؤلاء الصغار "يلعبون أدوارًا اجتماعية، تحتاج إلى متطلباتٍ لم تخلق أساسًا لذوي الأعمار الصغيرة، كما أن إحساسهم بالمسئولية الاجتماعية والاقتصادية، عن أسرٍ تحتاج إلى دعمهم الماديّ، قد خلق نوعًا من الصراع بين رغبتهم في أن يعيشوا حياةً مناسبة لحياة الصغار، بما فيها من لعبٍ وانطلاق، وممارسة هواية محببة إلى نفوسهم من يماثلون في العمر, وصراعٌ آخر يتمثل في كونهم يتحمَّلون مهام العمل، على ما فيها من تبعاتٍ ومشاقٍ" المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، 1991، ص84.
إلّا أن الطريف حقًّا أن نشير إلى أن هؤلاء العاملين للصغار، يشعرون بالرضا عن أنفسهم لمساعدة الأهل, فقد أكد ذلك حوالي 92% من أطفال العينة، ويتفق ذلك مع ما أظهروه من توافقٍ شخصيٍّ، لا يختلف عن أطفال العينة الضابطة.
وعلى الرغم من أن هذه النتيجة قد تبدو إيجابية، إلّا أنها يجب ألّا تصرفنا عن النتائج السلبية في معظمها، التي كشف عنها هذا البحث، وأهمها -من الناحية النفسية- نقص ذكاء الأطفال الصغار العاملين، بالمقارنة بأطفال العينة الضابطة، والذي يُعَدُّ -في ذاته- مؤشرًا على سوء بيئة العمل لهؤلاء الأطفال، ونقص القدرة والدافعية لمواصلة التعليم, وانخفاض المستوى الاقتصادي والثقافي للبيئة الأسرية والمجتمعية المباشرة لهؤلاء الأطفال.
أما النتيجة التي تخص رضا الأطفال العاملين عن أدائهم وتكيفهم الشخصي، فلعلها تكشف لنا عن المردود السيكولوجي للعمل -حتى في أصعب الظروف- على الذات، ويمكن استثمار هذه النتيجة في تطوير منظومة التعليم، بحيث يصبح "للتمهين" وجود حقيقي, ولعلَّنَا لا نكون قد نسينا أن فلسفة التعليم الأساسي، هي -في جوهرها- توفير فرص "للتهيئة المهنية" للأطفال.
بطالة الكبار: لعل من أهم الظواهر التي تكشف لنا عن قيمة العمل، وموضعه في حياة الإنسان، دراسة سيكولوجية اللاعمل، ونخص بالذكر حالتيين، هما البطالة unempolyment والتقاعد retirement.
(1/415)

ونتناول في هذا القسم سيكولوجية البطالة، ثم نتناول سيكولوجية التقاعد في الباب التالي:
ومن تحصيل الحاصل، أن نقول: إن البطالة ذات أثر خطير، ليس فقط على الفرد، وإنما على المجتمع بأسره، ولم يشعر الناس بأثرها إلّا في المجتمع الصناعي الحديث، سواء أكان هذا الأثر اقتصاديًّا أم سيكولوجيًّا.
ونود أن ننبه -منذ البداية- إلى أن البطالة تحدث في ظروف الرخاء الاقتصادي، كما تحدث في ظروف الشدة الاقتصادية، إلّا أن أثرها -في ظروف العسر- أشد وأقسى؛ ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة أكدت أن البطالة لم تفارق المجتمع الأمريكي طوال القرن العشرين، ولم يقل معدلها -في جميع الأحوال- عن 50% من قوة العمل, ويشمل تعريف البطالة هنا أولئك الذين يتركون العمل لفتراتٍ قصيرةٍ عند تغيير العمل، وأولئك اللذين يجبرون على ترك العمل فترات أطول، بسبب التغيرات الموسمية، وأولئك الذين لا يدخلون سوق العمل أصلًا، بسبب الانكماش الاقتصادي.
وقد تناول علماء النفس ظاهرة البطالة بالدراسة والبحث، واقترحت نماذج نظرية لتفسير سلوك الشخص المتعطل، ومن أهم هذه النماذج نموذج بلم Blum، الذي يقترح أن سلوك البطالة يمر بثلاثة مراحل أساسية، هي:
1- شعور بالصدمة، حتى ولو كان هناك تحذير مبكر بفقدان العمل، أو عدم توافر فرصة, وفي هذه المرحلة، يسترجع المرء متوالية الأحداث التي أدت به إلى البطالة، ويبرر الحكمة في ترك العمل، أو عدم الدخول فيه أساسًا "سوء بيئة العمل، سوء التعليم، إلخ". وسرعان ما يستقر على رأي، أنه يمكنه الاستفادة من إجازة أو راحة، هو في حاجة إليها "بعد فترة عمل أو تعليم طويلة", ويتبع ذلك تقدير لقدراته، وصياغة خطط للسعي نحو الحصول على عمل.
2- البحث الجدي والنشط عن عمل، وعادةً ما يبدأ معظم المتعطلين في البحث عن عملٍ أفضل من عملهم السابق، أو البحث عن عملٍ مشابهٍ له إذا أعيتهم الحيل واستمرت البطالة, ومع مرور الوقت وضغط الحاجة إلى العمل يبدأون في البحث عن أيّ عمل, وفي هذه الفترة، يعاني المرء من مشاعر الفشل والإحباط والتعاسة، ومع ذلك فإنه لا يفقد الأمل في النجاح.
(1/416)

3- المرحلة النهائية أو مرحلة الانهيار، فمع استمرار الفشل في الحصول على عمل، بعد طول البحث عنه، يبدأ المرء في الوقوع في أسر مشاعر القلق والتشاؤم وفقدان الأمل.
وبعض الأشخاص يمرون بهذه المراحل بسرعة أو ببطء، ويتوقف ذلك على خبرات النجاح والفشل في كل مرحلة منها، كما أن المشاعر السلبية تزداد لدى أولئك اللذين لديهم خبرات نجاح في الماضي "مهنيًّا أو تعليميًّا"، أكثر من خبرات للفشل، ولعل هذا يدعم الدعوة إلى التزام الدولة بتعيين أوائل الخريجين.
ماذا عن الآثار النفسية للبطالة؟ فيما يلي، نلخص نتائج البحوث التي أجريت في هذا الصدد:
1- فقدان الشعور بالأمن اقتصاديًّا وسيكولوجيًّا.
2- التوجه أولًا نحو لوم الذات على الحال التي عليها المتعطل، ثم الانتقال إلى تكوين اتجاهٍ عدوانيٍّ نحو الظروف التي أنشأت هذه الحال.
3- المعاناة من مشكلة معالجة الوقت، فالشخص العامل تتمركز أنشطته اليومية حول العمل الذي يستغرق القسط الأكبر من وقت نشاطه، أما المتعطل فإن الوقت يُعَدُّ عبئًا ثقيلًا عليه.
4- اختلال النظام اليومي للحياة الأسرية، فتضطرب مواقيت النوم واليقظة والأكل، مع شعور بالضياع والخسران.
5- السعي نحو إخفاء حالة التعطل في البداية، فيُلَاحَظُ على المتعطل أنه يغادر منزله في موعد العمل اليومي، يعود إليه في موعد العودة المعتاد، ويستغل وقته إما في البحث عن عمل، أو التجول العشوائي, ومن الطريف أن البحوث التي أجريت على المتعطلين في بريطانيا -أثناء فترة الانكماش الاقتصادي الكبير "في أوائل الثلاثينات"- لوحظ أنهم لم يكونوا يترددون على المقاهي والبارات، وهي خالية خلال ساعات العمل، وإنما في أوقات الذروة، مع خروج العاملين من أعمالهم.
6- إنفاق العاطلين يتم بطريقة غير معقولة، ومعظم الإنفاق يكون على الكماليات، وهو نوعٌ من سلوك المجازفة أو المخاطرة تتسم به جميع الحالات الحرجة "المرضى، المستويات الاقتصادية/ الاجتماعية المنخفضة" والتي تسمى at risk cases.
(1/417)

7- اللجوء إلى الخيال وأحلام اليقظة، كحيلٍ دفاعية، أو الهرب من الموقف، من خلال الأمراض السيكوسوماتية, وقد يلجأ البعض إلى المصارف غير القانونية، وقد يتحول البعض إلى التطرف في السلوك، ونادرًا ما يلجأون إلى الانتحار أو الإدمان, ومع ذلك فإن أغلبية المتعطلين، يظلون مواطنين صالحين.
8- زيادة حِدَّةِ البطالة لدى عضو الأسرة المسئول عن الإنفاق عليها، فعادةًَ ما يشعر بالمشاعر السلبية "كالإكتئاب" إذا تغيرت اتجاهات المحيطين به من الأهل والأقارب والأصدقاء، من التعاطف والفهم، إلى النقد والرفض "باعتباره كاسب لقمة العيش".
9- تكثيف العادات اليومية للمتعطل، والتي تُعَدُّ تغيرًا سيكولوجيًّا هامًّا، فالقارئ -أثناء العمل- يزداد قراءة أثناء التعطل، والمتدين يزداد تدينًا، وهكذا.
10- انعكاس البطالة على شعور الأطفال بعدم الأمن والقلق، مما ينعكس -بدوره- على رب الأسرة المتعطل، على نحوٍ يؤدي إلى خفض معنوياته، وضعف سلطته الوالدية.
11- من أهم التغيرات في شخصية المتعطل، انخفاض الروح المعنوية، ونقص التوازن الانفعالي، وزيادة التعصب والتحامل "مع ظاهرة كبش الفداء", وزيادة مشاعر النقص.
(1/418)

الفصل السابع عشر: طور بلوغ الرشد "وسط العمر"
مدخل
...
الفصل السابع عشر: طور بلوغ الأشد:"وسط العمر"
مع دخول الفرد في سن الأربعين يبدأ طورٌ جديدٌ في النمو الإنساني يُسَمَّى في الكتابات المتخصصة باسم طور الرشد الأوسط أو وسط العمر, والذي يمتد حتى بلوغ الراشد سن التقاعد, وقد آثرنا أن نطلق على هذا الطور التسمية القرآنية البليغة "بلوغ الأشد"1.
وقد ورد لفظ "أشد" في بعض آيات القرآن الكريم دون تقييدٍ بعمر معين, يقول الله تعالى في موضعين من كتابه العزيز: {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [غافر: 67] .
{ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [الحج: 5]
ثم ورد مقيدًا بسن الأربعين مرةً واحدةً في قوله تعالى:
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] .
وقد نقل القرطبيّ عن الحسن قوله في ذلك أن بلوغ الأشد هو بلوغ الأربعين من العمر, والأشد هو بلوغ القوة التي قد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولا بُدَّ من حصول الوجهين, ولهذا نجدنا في هذا الصدد لا نوافق على ما أوردته المعاجم العربية في تعريف الأشد بأنه ما بين الثماني عشرة سنة إلى الثلاثين من العمر؛ ففي هذا يتداخل بلوغ الأشد مع بلوغ السعي وبلوغ الرشد، وهي كلها مفاهيم قرآنية لا بُدَّ أن يكون بينها فوارق واضحة.
ومفهوم بلوغ الأشد يتطابق مع مفهوم نمائي آخر هو الكهولة2، مع
__________
1 الأشد على وزن أفعل، واحد لا جمع له، وقيل مفرده شدّ كفلس وأفلس، وأصله من شد النهار, أي: ارتفع، يقال: أتيته شد النهار ومد النهار, وكان سيبويه يقول: مفرده شدة، فيقال: بلغ الكلام شدته، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل.
2 تعرف المعاجم العربية الكهل بأنه من جاوز الثلاثين إلى نحو الخمسين, وجاء في لسان العرب: الكهل هو الرجل إذا خَطَّه الشيب ورأيت له بجالة, وفي الصحاح: الكهل من الرجال الذي جاوز الثلاثين وخَطَّه الشيب، وعند ابن الأثير: الكهل من الرجال من زاد على الثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل: هو من ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين, وقال الأزهري: وقيل له كهل حينئذ لانتهاء شبابه, وكمال قوته.
(1/419)

اختلافنا مرةً أخرى مع التعريف الذي تقدمه المعاجم لهذا المصطلح, بأن الكهل من كانت سنون عمره بين الثلاثين والخمسين, والأصح في رأينا أن تكون بداية بلوغ الأشد "وهو طور الكهولة أيضًا" في سن الأربعين كما حدده القرآن الكريم, ونهايته مع مطلع الشيخوخة.
ولعل ما يؤيد التطابق بين الأشد والكهولة ما جاء في قول الشاعر سحيم بن وثيل "على الرغم من اختلافنا معه في الحد الأدنى الزمني الذي وضعه":
أخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجني مداورة السنين
ويؤيده مرة أخرى قول الطبري في تفسيره للقرآن الكريم, من أن انتهاء الكهولة فيها مجتمع الأشد، أي: قمته وذروته.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد مؤشر واحد يكفي وحده للدلالة على الانتقال من طور الرشد المبكر إلى طور بلوغ الأشد "الرشد الأوسط"، وإنما يوجد عدد من المؤشرات تتسم بأنها فردية وشخصية, وتختلف من شخص إلى آخر, ولعل أهم هذه المؤشرات ما يلاحظه المرء على جسمه من علامات تدل على التقدم في السن, ومنها ما يقع في نطاق الأسرة والعمل من أحداثٍ تنبه الشخص إلى أنه لم يعد "صغيرًا" أو "شابًّا"، كما كان من قبل, ومن ذلك شغل وظيفة "قيادية" في مجال العمل، أو وفاة والديه, فيتحول في لحظة واحدة ليصبح منتميًا إلى "جيل الكبار" في الأسرة، أو حين يصير الأبناء مراهقين أو شبابًا، ففي ذلك علامة مؤكدة على أنه لم يعد صغيرًا؛ لأنه يوجد جيل جديد أصغر منه، وقد يكون الأكثر دلالة على هذا التحوّل النمائي ميلاد حفيد، أي: ظهور الجيل الثالث في الأسرة.
(1/420)

الخصائص العامة:
تلخص هيرلوك "Hurlock 1980" الخصائص العامة لطور الرشد الأوسط, أو ما نسميه بلوغ الأشد على النحو الآتي:
1- يُعَدذُ هذا الطور -بعد مرحلة الشيخوخة أو الرشد المتأخر- أكثر الأطوار إفزاعًا للإنسان، فعادةً لا يعترف الراشد أنه بلغه إلّا إذا أجبرته "المرة" أو "تاريخ الميلاد" على هذا الاعتراف, ويرجع هذا إلى ما يشيع عن هذه المرحلة من أفكارٍ سلبيةٍ وصورٍ نمطيةٍ غير ملائمة، ومنها نقصان الحيوية الجسمية والجنسية وفقدان القدرة على الإنجاب، والتركيز على أهمية الشباب في الثقافات المعاصرة، ومن عوامل شيوع هذه المعتقدات نقصان المعلومات الصحيحة عن هذه المرحلة وعدم التهيؤ لها، فكما يخشى الأطفال والآباء البلوغ وما يصاحبه من تغيرات جسمية وسلوكية، يخشى الراشدون والراشدات مرحلة وسط العمر, وبالطبع فإن هذا الخوف يمكن اختزاله بالمعلومات المسبقة والإعداد الجيد.
2- كما أن البلوغ هو فترة انتقال من الطفولة إلى المراهقة والرشد، فإن وسط العمر هو الفترة التي يتخلّى فيها الفرد عن الخصائص الجسمية والسلوكية للرشد، ويبدأ في الدخول في عهدٍ جديدٍ تنشأ فيه خصائص جسمية وسلوكية جديدة، ومع هذا التغيرات يبدأ الراشد في تعلُّمِ أنماطٍ سلوكية جديدة، ولعب أدوار مختلفة. وهو كمثل البالغ أيضًا يتوقع منه أن يفكر ويسلك على نحوٍ مختلفٍ عَمَّا كان يفعل حين كان أصغر سنًّا, ومثل البلوغ أيضًا, فإن تغيرات الرشد الأوسط لها تضمينات انفعالية هامة لدى كلٍّ من النساء والرجال.
3- طور وسط العمر يتطلب إعادة تكيف للتغيرات الجسمية وللأدوار المتغيرة, ولو أن التكيف لبعض الأدوار الجديدة يكون شاقًّا، ومن ذلك التكيف للاقتراب من التقاعد، ويظهر هذا خاصَّةً في منتصف الخمسينات من العمر, ويكون على الفرد أن يعوّض فقدان أحد الأدوار بنشاطٍ أكبر في الأدوار الأخرى, أو بتنمية دور جديد محل الدور المفقود, وأكثر الأدوار تعرضًا للتغير خلال طور وسط العمر -ومع اقترابه من نهايته- أدوار الوالدية والزواج "بوفاة رفيق الحياة في بعض الأحيان", وتعويض هذه الأدوار أو إكمالها أو إحلال أدوار جديدة محلها يتخذ صورًا شتَّى من التكيُّف؛ مثل التقليل من أهمية بعض الأدوار؛ بحيث يتناقص تدريجيًّا ما تستغرقه من وقت الراشد واهتمامه، وزيادة الاهتمام بالأدوار التي كانت مهملة في الماضي مثل دور الوسيط في العلاقات العائلية، والمنسق لأنشطة الأصدقاء، والمنظم للأنشطة التطوعية "جمع التبرعات مثلًا" وغيرها.
وتغيير الأدوار ليس من المسائل السهلة, وخاصةً بعد أن يكون الفرد قد لعب هذه الأدوار لفترة طويلة نسبيًّا من الزمن، وتعلم أن يشتق منها الرضا والإشباع. فالتكيف لمرحلة وسط العمر يتطلب مرونة؛ بحيث يمكن للفرد أن يتحوّل إلى الأدوار الجديدة, إلّا أن ما يعوق هذا التوافق -أحيانًا- أن نجاح الفرد في أحد أدواره القديمة قد يقوده إلى التصلب والجمود، مما يجعل التوافق لدور جديد صعبًا, كما أن الشخص الذي لعب في الماضي عددًا محدودًا من الأدوار, يكون أقل مرونة من شخص آخر تعددت أدواره وتنوعت، وتعلم من الخبرة أن يشتق رضاه من أدوار مختلفة، وفي هذه الحالة يكون التحول إلى دور جديد مسألة هينة, ولتيسير عملية التوافق لدور جديد يمكن للمرء أن يفعل ما يوصي به هافيجهرست بأن "يسحب رأس ماله الانفعالي من أحد الأدوار السابقة, ويستثمره في دور جديد"
(1/421)

"Havighurst 1954".
ومع تغير الأدوار يتطلب الأمر أيضًا التوافق للتغيرات في أنماط الحياة، ومن ذلك مثلًا: أن البيت الذي كان في الماضي مزدحمًا بالأبناء حينما كانوا صغارًا، أصبح الآن كبيرًا وخاويًا نتيجة استقلال الأبناء -الذين صاروا راشدين- بحياتهم الجديدة, لقد "خلا العش"، كما تقول هيرلوك، مما قد يتطلب الانتقال إلى مسكنٍ أصغر، وربما إلى حيٍّ جديدٍ إذا سمحت الظروف بذلك.
4- طور وسط العمر هو وقت الإنجاز Achievement؛ ففيه يصل المرء إلى قمة الأداء, ويجني ثمار سنوات الإعداد الطويل, والعمل الشاق في المراحل والأطوار السابقة، وفيه يكون المرء قد حصَّلَ قدرًا كافيًا من الخبرة من خلال التعليم المستمر "إلّا في حالة الأميين", والعمل والعلاقات الإنسانية, مما يهيئ له قدرة على الحكم الصحيح أو التقويم الجيد للعلاقات الاجتماعية, كما أن مركزه المالي والاجتماعي يكون قد تدعم، ويبدأ على الأقل في إدراك المستقبل والأهداف التي يسعى إليها بوضوح, وفي ذلك يقول ورنر Werner أنه "لو صاحب هذا الاستقرار صحة جيدة فإننا نستطيع القول أن الحياة تبدأ في سن الأربعين.
وهكذا يمكن أن توصف مرحلة وسط العمر بأنها قمة منحنى حياة الإنسان، ليس فقط من الناحية المالية والاقتصادية والنجاح الاجتماعي, وإنما من حيث السلطة والمكانة أيضًا, ويتم الوصول إلى هذه القمة عادةً بين الأربعين والخمسين، إلّا أن متوسط عمر الإنجاز يختلف تبعًا لنمط الإنتاج الابتكاري، وكيف هذا الإنتاج، والعمر الذي بدأ فيه المرء حياته المهنية، وغير ذلك من العوامل, ومن الملاحظ أن معدل الإنتاجية الجيدة في المجالات المختلفة لا يتغير كثيرًا في هذه المرحلة، كما أن التدهور يكون تدريجيًّا, إلّا أن ما يلفت النظر حقًّا أن الإنتاج ذا المستوى الرفيع يتناقص في عمر مبكر، وسرعة تناقصه تكون أكثر تزايدًا من الإنتاج ذي المستوى الأقل, وتؤكد البحوث التي أجريت في الولايات المتحدة "Hurlock 1980" أن الإنتاج الابتكاري للمهندسين وغيرهم من التكنولوجيين يصل إلى قمته في حوالي سن الأربعين, ثم يتناقص بسرعة حتى سن الخامسة والستين. وفي دراسة أجريت على الأنشطة العلمية لعلماء النفس, أوضحت أن أعلى معدلات الإنتاج "كما يتمثل في النشر العلمي" يتم عندهم في الثلاثينات والأربعينات, مع هبوطٍ واضح في الخمسينات، وخلال الستينات لا يتعدَّى مقدار المنشور نصف ما ينشر في المراحل العمرية السابقة.
ومنتصف العمر في الفترة الذي تُعَدُّ فيها القيادة في العمل هي مكافأة
(1/422)

الإنجاز، فمعظم القيادات الإدارية والصناعية والمهنية تكون في العادة في الخمسينات من العمر، وهذا يعني انقضاء أكثر من عشر سنوات بين وصول الفرد إلى قمة الإنجاز "بلوغ الأشد في الأربعين" وقمة الاعتراف بهذا الإنجاز, والسبب في ذلك أن المنظمات تريد قائدًا كون مكانته من خلال إنجازاته, ويمكنه بهذا أن يحوز الاحترام من خلال العلاقات الاجتماعية، وفي ذلك يقول ليهمان "Lehman 1953":
"إن الشروط الجوهرية للابتكارية والأصالة, والتي يمكن أن تؤدي إلى الإنجاز الشخصي إنما تأتي مبكرةً بكثير عن تلك التي تتطلبها المهارات الاجتماعية التي تسهم في القيادة والنبوغ, والتي عليها أن تتأخر ليس انتظارًا لاستبصار القائد في نفسه، وإنما لاستبصار المجتمع فيه".
(1/423)

النمو الجسمي
مدخل
...
النمو الجسمي:
لعل أكثر العلامات وضوحًا على التغيرات الجسمية التي تطرأ في طور بلوغ الأشد تلك التي يدركها الآخرون، والتي تظهر على السطح الخارجي للجسم؛ فالجلد يفقد بعض مرونته مما يؤدي إلى ظهور التجاعيد فيه, بالإضافة إلى فقدان هذه المرونة في أجزاءٍ أخرى من الجسم, كما يبدأ الشعر في الخفة مع مطلع هذا الطور, ويتحول إلى اللون الرماديّ، وهو مقدمات الشيب, وتزداد نسبة وزن الجسم التي ترجع إلى الدهنيات بشكلٍ واضحٍ, سواءً لدى النساء أو الرجال، على الرغم من أن مشكلة السمنة تكون أكثر حدة لدى النساء.
وتقلّ القوة العضلية بشكلٍ مستمر، ويكون معدل الضعف بطيئًا في البداية, ثم يتزايد تدريجيًّا طوال هذا الطور, وبالطبع فإن هذا المعدل تزداد سرعته بعد ذلك في المرحلة التالية من حياة الإنسان "أي: الشيخوخة والهرم", وقد حسب بعض الباحثين "Wolman 1982" معدل التناقص في القوة العضلية بين سن 30، 80 سنة فبلغ 42%, وهذا لا يعني أن الإنسان في الطور يكون عاجزًا عن أداء الأنشطة التي تتطلب جهدًا عضليًّا؛ فالأشخاص الذين تعودوا على العمل الجسميّ سوف يستمرون في إنتاجيتهم حتى في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، إلّا أن ذلك قد يتطلب وقتًا أطول.
ومع التقدم في العمر وخاصةً مع بلوغ نهاية هذا الطور يلاحظ انخفاض ملحوظ في كفاءة التنفس, وخاصةً عند الجري أو القفز أو التسلق, ويظهر ذلك خاصة لدى الأشخاص ذوي الوزن الزائد, أو الذين يعانون من بعض أمراض الجهاز التنفسي أو الجهاز الدوري, وخاصةً أمراض القلب وتصلُّب الشرايين وكلاهما
(1/423)

شائع في أواخر طور وسط العمر.
ويلاحظ أيضًا التغير في وظائف الحس؛ فالقوة البصرية تصل إلى قمتها في الرشد المبكر, وتظل مستقرةً نسبيًّا حتى العقد الرابع من العمر، وبعد ذلك يحدث هبوط فيها يتسم بأنه بطيء ولكنه مستقر, وفي جميع الحالات تقريبًا يمكن التغلب على مشكلات الدقة البصرية وتصحيح الضعف باستخدام النظارات والعدسات اللاصقة. ويلاحظ أن حجم إنسان العين يتناقص ابتداءً من سن الخمسين, مما يؤدي إلى قلة مقدار الضوء الذي يدخل العين, وهذا يعني أن الشخص في هذا السن يكون في حاجة إلى إضاءة أنصع ليرى بوضوح, وفي هذا السن أيضًا تنشأ وتلاحظ مشكلات تتصل بإدراك العمق والتكيف للظلام.
والمشكلة السمعية الأكثر شيوعًا في هذا الطور, والتي ترتبط بالتقدم في السن هي مشكلة الفقدان المستمر للسمع Presbycusis, وخاصةً إدراك النغمات ذات التردد المرتفع، والذي يحدث لدى الرجال أكثر من حدوثه لدى النساء, وفي الظروف العادية يكون للنقص السمعيّ أثر ضئيل في نشاط الحياة اليومية للإنسان في هذا الطور, وفي المرحلة التالية, وخاصةً إذا تَمَّ تصحيحه بسماعات الأذن, ويحدث أيضًا بعض النقص في حواس الذوق والسمع والحساسية اللمسية, وخاصة في أواخر الأربعينات، ولكنها لا تلاحظ بشكلٍ واضحٍ إلّا في المراحل المتأخرة من الحياة.
وتطرأ على الجهاز العصبي بعض التغيرات التي لا يكون لها في الظروف العادية إلّا أثر محدود في السلوك والإدراك والذكاء خلال مرحلة وسط العمر, فوزن المخ يتناقص بعد سن العشرين, ويكون هذا النقص تدريجيًّا في البداية, ثم تتزايد سرعته في مراحل العمر التالية, إلّا أن الدراسات التي استخدمت الرسام الكهربائي "EEG" والتي تسجل النشاط الكهربائي للمخ أظهرت فروقًا ضئيلة بين الراشدين المبكرين والراشدين في منتصف العمر, كما أن زمن الانعكاس البسيط "الناتج عن خبط الركبة مثلًا" يظل بدون تغير تقريبًا طوال الفترة من سن العشرين وحنى سن الثمانين, إلّا أن الأوجاع التي تصدر عن الرشد الكبير للمثيرات المركبة والمعقدة وغير المألوفة تكون أبطأ, ويظهر أيضًا بعض البطء في نشاط التوصيل العصبي وخاصة في الأعصاب الطرفية مما ينتج عنه بطءٍ عامٍّ في نشاط الجسم وعملياته "Timiras 1972".
وعلى الرغم من أن مرحلة بلوغ الأشد "وسط العمر" تتسم بهبوطٍ تدريجيٍّ في النشاط الجسمي بالمقارنة بالقمة التي وصل إليها هذا النشاط في العشرينات من
(1/424)

العمر، إلّا أن الإنسان لا يشعر بالتحوّل العكسي المفاجئ من التحسن إلى التدهور, فمن المعروف أنه منذ المراحل الأولى لحياة الإنسان تحدث العمليتان معًا, ومن ذلك مثلًا أن الخلايا العصبية لا تتكاثر بعد السنة الأولى من حياة الإنسان, ومعنى ذلك أن عددها لابد أن يتناقص تدريجيًّا. إلّا أنه بسبب الوفرة الهائلة لهذه الخلايا طوال مراحل العمر السابقة فإننا لا نشعر بالفقدان, ويظل هذا الشعور سائدًا حتى نهاية الستينات على الأقل، بل وحتى السبعينات أحيانًا, كما أن أمراض القلب في منتصف العمر ليست إلّا نتاج شروط وظروف تراكمية, وليست نتاج شروط وظروف مفاجئة؛ فبالنسبة للشخص العادي يبدأ نشاط القلب "كما يقاس في حالة الراحة" في الهبوط، ليس في منتصف العمر، وإنما ابتداءً من مطلع العشرينات من العمر بمعدلٍ يبلغ حوالي 1% في السنة، إلّا أن الظاهرة لا تلاحظ بوضوح إلّا في سن الخمسين تقريبًا, وعلى ذلك فإن طور بلوغ الأشد "وسط العمر" ليس نقطة تحوّل حادّة في نموِّ الإنسان الجسمي, وإنما هو ببساطة النقطة التي عندها يبدأ الميزان في الميل تدريجيًّا وبشكلٍ حتميٍّ من التحسن إلى التدهور.
وإذا كانت التغيرات الجسمية التي تظهر في الرشد الأوسط تتوجه نحو التدهور "وهي كذلك لدى بعض الأشخاص في هذا الطور"، فإن مما يستحق الذكر أنها لا تمثل عجزًا وضعفًا في المجتمع الحديث؛ فالقوة الحسية والنشاط العضلي والصحة الجسمية لم تعد مطلوبة وحدها للبقاء في عصرنا, فقليل من المهن والأعمال تتطلب الآن الدقة الحسية أو الاستجابة الحركية السريعة التي كانت مطلوبة في عصور سابقة, بالإضافة إلى أن الخبرة والحكمة والقدرة على الحكم التي تتوافر لدى الشخص في منتصف العمر تعتبر عوامل تعويضية ملائمة تتجاوز أيّ نقص أو تدهور يحدث في الجسم الإنساني.
(1/425)

الصحة والمرض:
من الحقائق المؤكدة منذ وقت طويل، وتدعمت في السنوات الأخيرة، بأن معدل التدهور الجسمي المصاحب للتقدم في السن يتحكم فيه جزئيًّا على الأقل الوراثة, إلّا أن ذلك لا يعني أن التقدم في السن عملية بيولوجية بحتة؛ فكثير من العوامل البيئية تلعب دورها في هذا الصدد, لقد تأكد مثلًا أن وفاة أحد الزوجين، والطلاق، وتغيير العمل أو محل الإقامة, قد تكون خبرات ضاغطة تسرع بالتقدم في السن, أو تزيد القابلية للإصابة ببعض الأمراض, وتظهر الإحصاءات الحيوية دور الكثير من العوامل البيئية في ذلك؛ فالمتزوجون مثلًا وخاصةً الرجال يميلون إلى العيش أطول من أندادهم من غير المتزوجين, ربما بسبب الاستقرار الاجتماعي
(1/425)

الذي يهيؤه الزواج لهم, وفي الولايات المتحدة يعيش البيض من أبناء الطبقة المتوسطة أطول من البيض الفقراء أو أعضاء وجماعات الأقليات, بسبب الظروف البيئية الميسرة التي يعيش فيها البيض من أبناء الطبقة المتوسطة دون سواهم, وأن بعض أبناء الريف الذين يعيشون في نظامٍ اجتماعيٍّ متماسك يعيشون أطول, وتكون صحتهم الجسمية أفضل من بعض سكان الحضر والعواصم الكبرى, ويستنتج "Brodzinsky et al 1986" من هذه الحقائق أن قلة صراعات الأدوار ووجود نظم اجتماعية مدعمة "أصدقاء أو أقارب" وتوافر نمط أكثر انتظامًا للحياة قد يكون من أسباب إطالة مدى الحياة أو قصره, أو سهولة التعرض للمرض أو صعوبته -بمشيئة الله تعالى.
ومن العوامل التي تلعب دورًا هامًّا في التغلُّب على التغيرات الجسمية التي تصاحب التقدم في السن الطريقة التي يتناول بها الإنسان حياته في طور بلوغ الأشد, ويذكر "Belloc&Breslow 1972" أن هناك سبع عادات شخصية ترتبط بالصحة والمرض في مرحلة وسط العمر, وتمتد إلى المراحل التالية "الشيخوخة" أيضًا وهي:
1- التدخين.
2- تعاطي المسكرات والمخدرات.
3- النوم الأقل من سبع ساعات في الليل "وبنسب أقل لأكثر من تسع ساعات".
4- الفشل في تناول طعام الأفطار.
5- زيادة الوزن "وبنسب أقل انخفاض الوزن بشكل واضح".
6- الفشل في ممارسة الألعاب الرياضية بشكل منتظم.
7- الأكل بين الوجبات.
وقد أكدت البحوث أن معدل الوفيات بين أولئك الذين يمارسون أربع عادات أو أكثر من هذه القائمة, أعلى من أولئك الذين لا يمارسون هذه العادات بمعدلٍ يصل أربعة أضعاف, وبين النساء يكون المعدل بين اللاتي يمارسن هذه العادات ضعف المعدل السابق "أي ثمانية أمثال".
ويلعب النظام الغذائي السليم دورًا أهم من جميع العادات السابقة, فلا يكفي أن يأكل المرء الوجبات في أوقاتها، بل من الواجب اختيار عدد السعرات المناسب بعناية، مع مراعاة خفض ما يؤكل من الدهنيات والسكريات والمواد المنتجة
(1/426)

للكلسترول والأملاح, وزيادة تناول الأطعمة ذات الألياف, ولعل ما يؤكد أهمية ذلك ما كشفت عنه البحوث الطبية الحديثة, من أنَّ حوالي نصف حالات مرض السرطان في الإنسان ترتبط بالغذاء؛ فزيادة الدهنيات ترتبط بسرطان الثدي والقولون، كما قد تُحْدِثُ وتُطَوِّرُ أنواعًا أخرى من السرطان, ويمكن خفض المخاطرة بسرطان القولون بتناول الأطعمة ذات الألياف؛ ومن أمثلتها الحبوب والفاكهة والخضروات الطازجة.
ويوجد عامل آخر مرتبط بالصحة في منتصف العمر حظي باهتمامٍ كبير في السنوات الأخيرة, وهو ضغط الحياة العام؛ كما يتمثل في الأحداث المؤدية للإجهاد النفسي Stress, فقد لوحظ وجود علاقة موجبة بين مرض القلب وعدد التغيرات العظمى في حياة الإنسان ونوعها, والتي أشرنا إليها من قبل، مثل وفاة رفيق الحياة أو الطلاق أو فقد العمل أو التقاعد, ومع ذلك فإن كثيرًا من الناس يمرون بخبراتٍ ضاغطةٍ ومجهدةٍ في حياتهم دون أن يقعوا في أسر المرض, والسؤال الآن: ما الذي يميز المتوافقين مع هذه الضغوط دون سواهم؟
لقد حاول "Kobasa 1979" الإجابة على هذا السؤال بإجراء دراسة مقارنة بين مجموعتين من المديرين من المستويين المتوسط والمرتفع في سلَّمِ الإدارة, والذين يعانون من أحداث ضاغطة ومجهدة خلال السنوات الثلاث السابقة على البحث, وقسَّم المجموعة الكلية إلى مجموعتين فرعيتين؛ إحداهما عانت من الإجهاد دون أن تقع في غائلة المرض "مجموعة متوافقة"، بينما قررت المجموعة الثانية تعرضها لأمراضٍ عديدة بعد الأحداث المجهدة "مجموعة عدم توافق", وقد أظهرت النتائج أن أولئك الذين توافقوا مع ضغوط الحياة بمقارنتهم بالذين لم يتوافقوا كان لديهم إحساس أكثر وضوحًا بقيمتهم وأهدافهم في الحياة وإمكاناتهم، ولديهم ثقة أقوى بأنفسهم، كما كان لديهم اتجاه أكثر إيجابية نحو البيئة، بل اندمجوا فيها على نحوٍ أكثر إيجابية، وكانوا أقدر على تقييم التغيرات التي يتعرضون لها على نحوٍ له معنى، وتكاملها في خطة عامة لحياتهم, كما كانوا أكثر اتجاهًا نحو تقرير أن "موضع الضبط" بالنسبة لهذه الأحداث داخلي -أي: الاعتقاد في أنهم يمكنهم معالجة أحداث الحياة، ويمكنهم، إلى حَدٍّ ما، التحكم فيها, ويصف كوباسا الذين كانوا أكثر نجاحًا في التوافق مع ضغوط الحياة بأنهم ذوو شخصية جسورة ذات قدرة على الاحتمال.
وبالإضافة إلى متغيرات الشخصية يوجد عامل آخر يؤثر في الطريقة التي يتوافق بها المرء مع أحداث الحياة, يتصل بطبيعة هذه الأحداث نفسها، أي: ما إذا
(1/427)

كان الحدث يتم الشعور به منفصلًا عن الأحداث المجهدة الأخرى، أم أن المرء يشعر بضغوطٍ متعددةٍ متآنية في وقتٍ واحدٍ, أو متتابعة بشكل متلاحق. وتؤكد البحوث في هذا الصدد أن الإنسان يتوافق جيدًا مع الأحداث المنفصلة؛ مثل التقاعد أو المرض أو وفاة رفيق "أو رفيقة" الحياة, والأشق على المرء أن يتوافق مع سلسلة من هذه الأحداث تتوالى في نفس الوقت أو في أوقات متقاربة.
أما بالنسبة لأسباب الوفاة، فإنه بينما نجد أن سببه الرئيسي في الرشد المبكر يرجع إلى الحوادث أو الانتحار, فإن الأسباب الرئيسية في وسط العمر ترجع إلى المرض وخاصةً أمراض القلب والسرطان, فحوالي 40% من حالات الوفاة في هذا الطور ترجع لأمراض القلب "80% من حالات الوفاة بمرض القلب من الرجال". وبالطبع فإن لأمراض القلب صلة بالوراثة والنظام الغذائي "وخاصة تناول الأطعمة ذات الكولسترول المرتفع" والتدخين والسمنة ونقص التمرينات الرياضية, ومع ذلك فإن 50% من حالات مرض القلب لا ترتبط بأي سبب معروف, وقد حدد العلماء مؤخرًا1 نمطًا يسمونه النمط "أ" للسلوك, باعتباره الحلقة المفقودة والعامل الهام في إحداث مرض القلب المرتبط بالانسداد التاجي, وهذا النمط السلوكي ليس نمطًا في الشخصية, ولكنه لونٌ من متصل السلوك يرتبط بدرجات متفاوتة من المخاطرة بظهور مرض القلب, وفي أحد أطراف المتصل يوجد ما يسمى أنماط السلوك المرتبطة بالنمط "أ", والتي تشمل السرعة الزائدة في الكلام, وعدم الصبر على التأخير، والتنافسية الزائدة، والبحث المستمر عن الإنجاز، والشعور بعدم الراحة، الاستعداد للاستثارة حتى في المواقف التي لا تتطلَّبُ ذلك.
ويتسم النمط "أ" أيضًا بضغط الزمن وضيق الفترة الزمنية المتاحة؛ حيث يشعر الفرد أن لديه الكثير مما يجب إنجازه مع قلة الوقت المتاح, وكاستجابةٍ لضغط الزمن والميل نحو إحراز الإنجاز يجد أصحاب هذا النمط السلوكي أنفسهم في مشقة وكَبَدٍ مستمرٍّ سعيًا للتحكم في بيئتهم والسيطرة عليها, وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا النمط يتحركون ويتكلمون ويمشون, بل وحتى يأكلون بسرعة، بل قد يحاولون إنجاز مهمتين معًا وفي وقت واحد, وبسبب سعيهم الذي يكاد يكون قهريًّا نحو الإحراز, فإنهم يقدرون الذاتية بسرعة إنجاز أهداف عالية المكانة.
__________
1 يعود الفضل في ذلك إلى العالِمَيْنِ الأمريكيين فريدمان وروزنمان في كتابهما الذي صدر عام 1974 بعنوان:
Fridman, M. and Rosenman, R.H. The type "A" behavior and your heart. Now YorK: Knopf, 1974
(1/428)

كما أن لديهم استعدادًا للسلوك العدواني؛ ففي أيِّ حوارٍ بسيطٍ قد يتحوّل الأمر لدى الشخص من النمط "أ" إلى مشادة عدائية غاضبة صاخبة, ولا توجد فروق بين الجنسين في ذلك، فسواء كان الشخص من هذا النمط رجلًا أو امرأةً فإنه يكون عرضةً للإصابة بمرض القلب.
وفي الطرف الثاني للمتصل نجد الأنماط المرتبطة بالسلوك "ب", والتي هي على العكس تمامًا مما سبق وصفه؛ حيث نجد شخصًا مسترخيًا هادئًا غير متسرعٍ في نظرته للعالم، أقل عدوانية، وسعيه للإنجاز عادةً ما يكون متدرجًا وبطيئًا.
والعلاقة السببية بين النمط "أ" من السلوك ومرض القلب تعتمد على أربع فئات من النتائج التي توصلت إليها البحوث.
1- وجود النمط "أ" من السلوك في الأفراد الذين يعانون من مرض القلب من نوع الانسداد التاجي.
2- القابلية الشديدة للإصابة بالمرض لدى الأشخاص من النمط "أ"، فهذا النمط يرتبط على الأقل بضعف عدد الحالات من مرضى القلب بمقارنته بالنمط "ب".
3- وجود اضطراب بيوكيميائي مرتبط بالانسداد التاجي لدى الأشخاص من النمط "أ".
4- التجارب الناجحة التي فيها إحداث السلوك من النمط "أ" داخل المعمل, أظهرت تغيرات بيوكيميائية شبيهة بما يحدث لمن يعانون من الانسداد التاجي.
ويرى بعض الباحثين أن الأشخاص من النمط "أ" عادةً ما يكونون مشغولين إلى حَدٍّ كبير بعملهم وأسرتهم على نحوٍ يجعلهم يتجاهلون الأعراض الجسمية التي تُعَدُّ مؤشرات هامة على المرض, ويؤدي ذلك بدوره إلى الإصابة بمرض القلب, واستفحال هذه الإصابة بسبب تقاعسهم في البحث عن المشورة الطبية, أو تغيير سلوكهم لخفض التوتر.
(1/429)

النموّ الجنسي:
خلال مرحلة وسط العمر تطرأ على الإنسان تغيرات جوهرية في أعضائه الجنسية والتناسلية، وهي عملية تطلق عليها بعض الثقافات تسمية متشائمة هي "سن اليأس"1 climacteric عند النساء خاصة, وهذه التغيرات ترتبط بالنقص في إنتاجية الهورمونات الجنسية، وخاصة الإستروجين estrogene الذي يفرزه المبيضان في المرأة, والتستوستيرون testosterone الذي تفرزه الخصيتان في الرجل, فعلى الرغم من أن الغدة النخامية تستمر في التأثير على الأعضاء الجنسية، وعلى الرغم أيضًا من أن الغدد الصمَّاء الأخرى تستمر في أداء وظائفها كما كان الحال من قبل، إلّا أن الغدد الجنسية تكون أقل إنتاجية في منتصف العمر.
وفي المرأة يبدأ التناقص في مستويات الإستروجين والبروجستيرون progesterone في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات, وهذا النقص في مستويات الإستروجين خاصةً يؤدي إلى توقف الطمث, وبالتالي العجز عن الحمل بسبب توقف التبويض وضمور المبيضين والرحم, وتوقف الطمث يستغرق فترةً تمتد من سنتين إلى خمس سنوات, ومن هنا جاءت تسمية "سن اليأس" التي تشيع عند الإشارة إلى النساء، ونفضل أن يستخدم المصطلح اللغوي العربي "الطهر" للإشارة إلى هذه الحالة؛ فالطهر لغة هو نقيض الحيض، وهو يحمل معنًى أكثر إيجابية، بالإضافة إلى ارتباطه بالتطهر في السياق الإسلامي العام.
وشعور المرأة بهذه التغيرات في هذا الطور يكاد يتشابه مع ما يحدث في طور المراهقة؛ فالمرأة تشعر ببداية واضحة "للأنوثة Wonanhood" مع بدء الطمث الأول، إلّا أنه خلال العام الأول أو نحوه تكون دورة الطمث غير مخصبة، وهذا يعني أن الفتاة الصغيرة لا تكون مستعدة للحمل لفقدان الخصوبة، ويظل ذلك لبعض الوقت حتى ينتظم إفراز البويضات, وفي سن "الطهر" تشعر المرأة مرةً أخرى بعلاماتٍ واضحة نسبيًّا تدل على التغير في الطمث أيضًا, ومن ذلك حدوث توقف للطمث لمدة 12 شهرًا، متصلة في المتوسط، في سن الخمسين, على الرغم من وجود اختلافات فردية واسعة, ومثل الفتاة في بداية المراهقة تكون
__________
1 ورد في القرآن الكريم في الحديث عن عدة المطلقة قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ ... } [الطلاق: 4] . والمقصود -والله أعلم: تجاوز المرأة مرحلة المحيض بسبب التقدم في السن, وليس اليأس بمعنى فقدان الأمل وانقطاع الرجاء كما يحمل المعنى الشائع, ومن الطريف أن "المعجم الوسيط" أورد مصطلح "سن اليأس" على أنه من المصطلحات المولدة.
(1/430)

خصوبة المرأة في منتصف العمر غير منتظمة أيضًا، فقد تكون بعض دورات الطمث غير مخصبة, ولكنها قد تفاجئ بأنها حامل في دورة تالية.
ومن حقائق السلوك في هذا الطور أن توقف الخصوبة عند المرأة لا صلة له بالنشاط الجنسي, إن المتعة الجنسية بين الزوجين في هذه المرحلة قد تكون أكثر من سواها بسبب التحرر الجنسي من الخوف من الحمل, ومع ذلك, فإن لسن الطهر عدد من الأعراض غير السارّة التي ترتبط به، ومن ذلك تصبب العرق الغزير, والشعور بالدوران والغثيان، والصداع وعدم الاستقرار, والانقباض والسمنة, ولهذا نجد أن حوالي 30% من النساء يلجأن بعد انقطاع الطمث إلى الأطباء بسبب عرض أو أكثر مما سبق.
ويعزو الأطباء هذه الأعراض إلى عدم التوازن الهروموني، وكانوا يعالجونها في الماضي بطرق بيوكيميائية، وعادةً باستخدام الإستروجين, إلّا أن الدراسات الطبية الحديثة أظهرت وجود علاقة قوية بين الاستخدام طويل الأمد للإستروجين كجزءٍ من برنامج علاجي إحلالي، وبين احتمال حدوث سرطان الثدي وسرطان الرحم.
وبعض النساء يرفضون بقوة منحى النموذج الطبي لسن الطهر, والذي يصف هذه الحالة البيولوجية على أنها مرض, وعلينا أن نتذكر دائمًا أن سن الطهر يشير إلى توقف الطمث، والذي قد يصاحب أحيانًا -وليس دائمًا- بأعراضٍ جسمية من النوع الذي أسرنا إليه, وبعض هذه الأعراض يظهر عند النساء في مرحلة ما قبل توقف الطمث, بل إن الأعراض التي أشرنا إليها والتي يفترض فيها أنها تصاحب توقف الطمث ليست بالشيوع الذي يتوهمه البعض، فلا تتجاوز نسبة من يعانين منها إلّا نسبة ضئيلة, ولهذا نجد معظم النساء في هذا الطور لا يتوقفن عن القيام بمهام حياتهن اليومية, ومع ذلك فإن مثل هذا التنميط والقولبة لسن "الطهر" وخاصةً مع شيوع تسميته بسن اليأس يثير الكثير من مشكلات التوافق في طور وسط العمر أو بلوغ الأشد وخاصةً عند المرأة.
ماذا عن الرجال؟ هل يصلون أيضًا إلى سن يأس أو سن طهر؟
الإجابة على ذلك بالنفي بالقطع؛ لأنهم بالطبع لا يحيضون, ومع ذلك فتوجد تغيرات واضحة في الأعضاء التناسلية والجنسية للذكور خلال هذه المرحلة؛ فعند حوالي سن الخمسين يشعر الرجال بنقص في هرمون التستوستيرون، إلّا أن معدل نقصه يكون قليلًا عن نقص إستروجين المرأة, وهذ النقص الهرموني يؤدي إلى نقص في عد الحيوانات المنوية السليمة والنشطة, كما يحدث ضمورًا في حجم
(1/431)

الخصيتين, بالإضافة إلى تضخم غدة البروستاتا.
ومن ناحيةٍ أخرى, فإن الرجال على عكس النساء لا يؤثر فيهم إلّا قليلًا الضعف الجنسي النسبي، فأثره ضئيل في معدل خصوبة الرجل, ويوضح ذلك نتائج إعادة الزواج -إن حدث- في هذا الطور، فمعظم الرجال يصبحون آباءً خلال الرشد الأوسط؛ لأنهم يتزوجون في العادة نساء أصغر منهم لا يزلن في سنوات الخصوبة وإمكانية الحمل, ولعل هذا أحد مصادر القلق الرئيسية للزوجات عند بلوغ سن الطهر.
وعلى الرغم من أن بعض الرجال يقررون وجود بعض الأعراض المصاحبة للخلل الجنسي في طور وسط العمر؛ كالصداع والقابلية للاستثارة العصبية وغيرها، إلّا أن معظمهم لا يدركون التغيرات الجسمية التي تطرأ عليهم, ونادرًا ما يستشير الرجال الأطباء حول هذه الأمور, بل إن الرجل، على عكس المرأة عادةً، ليست له علاقة مستمرة مع طبيب متخصص في الوظائف الجنسية والتناسلية.
(1/432)

النمو العقلي المعرفي:
حتى وقت قريب كان هناك افتراض أن الذكاء، مثله في ذلك مثل القوة العضلية والطول, يصل إلى أقصى نموِّه مع نهاية المراهقة وبداية الرشد "أي: أوائل العشرينات", وهذا الافتراض يقوم على الأسس البيولوجية للذكاء, أي: المخ والوظائف العصبية المرتبطة به, إلّا أن البحوث الحديثة أكدت أنه على الرغم من أن بعض جوانب الذكاء قد لا يتجاوز نموها طور الرشد المبكر، إلّا أن النموَّ العقلي يستمر حتى وسط العمر, والنمو المستمر يحدث خاصةً لتلك القدرات العقلية والمعرفية التي تتأثر بتراكم خبرات الحياة.
وقد استخدمت نسبة الذكاء كمقياسٍ لذكاء الأطفال وتلاميذ المدارس الابتدائية والإعداية "التعليم الأساسي" وكذلك طلاب المدارس الثانوية والجامعات، وظهرت اختبارات لقياس ذكاء الأطفال والمراهقين, وأخرى لقياس الراشدين, وحين استخدمت هذه الاختبارات في قياس ذكاء مجموعات مختلفة من مختلف الأعمار أمكننا دراسة النشاط العقلي في جميع الأعمار في وقت واحد أو في أوقات مختلفة, ونعرض فيما يلي نتائج البحوث في هذ الصدد.
حد النمو العقلي: من المسائل الهامة التي طُرِحَتْ حول ذكاء الراشدين ما يُسَمَّى حَدّ النمو العقلي، أي: في عمرٍ يصل الفرد إلى قمة أدائه في الوظائف النفسية التي تقيسها اختبارات الذكاء؟ وما هو العمر العقلي للراشد المتوسط؟
(1/432)

تمثل الإجابة على هذين السؤالين تاريخًا طريفًا, لقد كانت بداية تقدير العمر العقلي للراشدين على أساس البيانات التي توافرت أثناء الحرب العالمية الأولى هو 14عامًا، إلّا أن الحد ظل يتزايد بانتظام، فأصبح 15عامًا عند نشر الطبعة الثانية من مقياس ستانفرد-بينيه عام 1937، ثم ارتفع هذا الحد إلى بدايات العشرينات كما أكدت بحوث تقنين مقياس وكسلر لذكاء الراشدين WAlS.
وأكدت البحوث الطولية التي أُجْرِيَتْ ابتداءً من بحث ثورنديك المبكر عام 1926حتى بحوث Bayley التي أجريت في الخمسينات, أن التحسن في درجات اختبارات الذكاء تستمر إلى سن العشرين وما بعده بقليل. بل أن هذا الحد وصل إلى سن 25عامًا في الدراسة التي قامت بها جامعة بيركلي "وهو أقصى عمر شملته الدراسة", بل إن بعض المسوح التي أجريت في الخمسينات وأشهرها بحث Owens الأول, الذي أجراه عام 1953 تؤكد أنه، بالنسبة إلى بعض الجماعات على الأقل، تستمر درجات اختبارات الذكاء في الزيادة طوال حياة الإنسان.
وفي رأي "Anastasi 1958" أن الاختلاف بين نتائج البحوث المبكرة والبحوث المتأخرة يعكس تغيرات ثقافية وتحسينات في أدوات القياس؛ فاختبارات الذكاء المبكرة "ومنها مقياس ستانفرد-بينيه" أعدت في الأصل للأطفال، ثم عُدِّلَ محتواها فيما بعد بحيث يلائم أغراض قياس الراشدين, أما في الوقت الحاضر فقد ظهرت وتطورت أدوات قياس ملائمة للراشدين, تستثير اهتمامهم وتهيئ سقفًا ملائمًا وكافيًا يسمح بظهور التحسن المستمر, ومن ناحية أخرى فقد لوحظ أنه حتى عندما يعاد تطبيق الاختبارات المبكرة في الدراسات الحديثة تكون المتوسطات أعلى مما كانت عليه في الماضي "Owens 1953", وهذا الكسب الإضافي يعزى في جوهره إلى العوامل التربوية والثقافية.
بداية التدهور العقلي: ترتبط بمسألة توقف النموّ العقلي التي تناولناها مسألة أخرى لا تقل أهمية عنها في بحوث الراشدين, وهي بداية التدهور العقلي, بل إن المسألتين اندمجتا مع توافر الأدلة والبيانات؛ بحيث نستطيع القول أن الأمر يعتمد على طبيعة المفحوصين، وطبيعة الوظائف العقلية التي نقيسها، بحيث نحصل على منحنيات نمو مختلفة، قد يظهر بعضها ارتفاعًا مستمرًا طوال حياة الإنسان، ويظهر البعض الآخر ثبوتًا واستقرارًا لا يتدهور مع التقدم في السن "حيث يتوازى المنحنى مع خط الأساس"، ويظهر البعض الثالث هبوطًا تدريجيًّا أو مفاجئًا.
وتتوافر في الميدان عدة بحوث واسعة النطاق, ومن البحوث المبكرة خاصة
(1/433)

توجد ثلاثة مسوح رئيسية، أولها قام به عام 1933 "Jones and Conard, 1933" وفيه طبَّقَا اختبار ألفا الحربي على 1191 مفحوصًا, تمتد أعمارهم بين 10سنوات، 60عامًا, يمثلون تقريبًا الأصل الإحصائي الكامل لهذه الأعمار بولاية نيوانجلاند الأمريكية, وفي الدراسة الثانية طبَّقَ "Milles&Milles, 1932" صورة مختصرة وموقوتة من اختبارات أوتس للقدرة العقلية على 823 مفحوصًا تمتد أعمارهم بين 7سنوات، 94عامًا. أما البحث الثالث فقام به "Wechsler 1944" عند تقنين مقياسه الشهير في صورته الأولى التي عرفت في الماضي باسم مقياس وكسلر-بلفيو، وفيه جمع بيانات عن 670طفلًا، 1081 راشدًا تصل أعمارهم إلى 69عامًا, وكان اختيار عينة الراشدين على أساس أن يكون التوزيع المهني في كل فئةٍ عمرية متشابهًا إلى حَدٍّ كبيرٍ مع توزيعه في الإحصاء القومي العام في الولايات المتحدة, وقارن "Jones&Kaplan, 1945" بين منحنيات النمو التي توصلت إليها الدراسات الثلاث على أساس الدرجات المعيارية, وذلك لجعل نتائج هذه الدراسات قابلة للمقارنة.
وقد أجريت بحوث أكثر حداثة استخدمت الاختبارات السابقة أو صورًا مشتقة منها، ومن هذه الدراسات بحث "Matarazzo, 1972" الذي استخدم اختبار وكسلر، وبحث "Schaie, 1985" الذي استخدم بطارية القدرات العقلية الأولية لترستون, وقد أظهرت هذه البحوث اختلافات واضحة في نتائجها, وذلك اعتمادًا على منهج البحث المستخدم، أي: ما إذا كان المنهج طوليًّا أو مستعرضًا.
نتائج البحوث المستعرضة: أوضحت البحوث المستعرضة أن منتجات النموِّ تظهر قمتها في بداية العشرينات من العمر, وأن الأداء في سن العشرينات أعلى من الأداء في منتصف العمر أو مطلع الشيخوخة, وقد فسّر ذلك بأن الذكاء يبدأ عملية تدهور طويلة المدى ابتداءً من سن العشرين, وفي الدراسات المستعرضة الأكثر حداثة وُجِدَ أن قمة الأداء يبدو أنها تحدث بين سن 25، 35سنة, وبصفة عامة نقول: إن الأشخاص في منتصف العمر والشيخوخة "كما سنوضح فيما بعد" يؤدون أداءً أقل في هذه الاختبارات من الراشدين الصغار، وكان معدل النقص مختلفًا في كل دراسة عن الأخرى, ويرجع هذا الاختلاف في جوهره إلى الفروق بين العينات وتنوع المقاييس المستخدمة.
ومن أهم النتائج التي لوحظت في هذه البحوث أن الفروق الفردية "التباين" داخل كل مجموعة عمرية كانت كبيرة، وأنها تميل إلى الزيادة مع التقدم في
(1/434)

العمر, ولهذا لوحظ تداخل كبير بين درجات الأعمار حتى تلك التي يفصل بينها فاصل زمني واسع، فأكثر الأفراد تفوقًا في أكثر المجموعات تقدمًا في السن, كان أداؤه أفضل بكثير من أكثر الأفراد تخلفًا في أصغر المجموعات سنًّا.
هل العمر مؤشر على مستوى القدرة؟ تؤكد النتائج السابقة أن العمر مؤشر غير ملائم على مستوى القدرة، وقد تدعمت هذه النتيجة بالبحث الذي قام به "Milles&Milles, 1932" وفيه صنف عينة الراشدين إلى أربع مجموعات في ضوء مقدار التعليم, ابتداءً من مستوى المدرسة الابتدائية حتى مستوى الدراسات العليا. وتأكد أنه على الرغم من أن المجموعات الأربع أظهرت تدهورًا في متوسط الدرجات مع العمر, إلّا أن منحنيات النموّ العقلي لهذه المجموعات كانت مستقلة، فلم يحدث بينها تقابل أو تقاطع، وكانت مجموعة المستوى التعليمي المرتفع أكثر المجموات امتيازًا في الأداء العقلي, كما لوحظ أن الأفراد الذين بلغوا سن السبعين وكانوا من الذين واصلوا تعليمهم لما بعد مستوى البكالوريوس "دراسات عليا", كانت متواسطاتهم في اختبارات الذكاء أعلى من الأشخاص من سن العشرين الذين لم يتعد تعليمهم مستوى المدرسة الابتدائية.
ومن العوامل الأخرى التي تدفعنا إلى الحذر في تفسير النتائج التي تجعل العمر مؤشر القدرة الوحيد, ما نجده في البحوث التي استنتج منها التدهور العقلي بعد عمر معين؛ فالدراسات التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة هي جميعًا من نوع البحوث المستعرضة، وبالتالي فربما تكون قد تأثرت بالتغيرات الثقافية التي أشرنا إليها في فصل سابق, فلا شكَّ أن مقدار التعليم يزداد جيلًا بعد جيل، وبالتالي فإن الجيل الذي بلغ الستين في هذه الدراسات تلقَّى مقدارًا من التعليم أقل من الجيل الذي لا يزال في سن العشرين والذي يقارن به, وعلى هذا فإن بعض التدهور الملاحظ في متوسطات الجيل الأكبر سنًّا قد يرجع إلى قلة التعليم وليس إلى التقدم في السن.
ويدعم هذا الفرض نتائج البحوث التي أجريت حول تقنين مقياس وكسلر بصورتيه الأصلية "وكسلر-بلفيو" والمعدلة في عامي 1944، 1955 على التوالي, فكلتا العينتين أظهرتا تدهورًا في درجات الذكاء خلال سنوات الرشد يتوازى مع نقصان مستوى التعليم ومقداره في الجماعات العمرية المتتابعة, إلّا أنه لوحظ على عينة التقنين الأكثر حداثة "Wechsler 1955" أن التحسن في الأداء العقلي يستمر لفترة أطول, وأن التدهور لا يظهر إلّا في عمرٍ أكثر تأخرًا إذا قورن بأداء عينة تقنين اختبار "وكسلر-بلفيو" الأقدم "Wechsler, 1944". وتتفق
(1/435)

هذه الاختلافات في النتائج مع الفروق التعليمية بين عينتي التقنين, وتعكس التغيرات التربوية في الفترة بين الدارستين "وطولها 15عامًا".
نتائج البحوث الطولية: من أهم مشكلات البحوث المستعرضة أنها -كما بينا من قبل- لا تساعدنا على افتراض أن الفروق بين المجموعات العمرية ترجع في جوهرها إلى التقدم في السن؛ فالصغار قد يحصلون على درجاتٍ أعلى من الكبار في اختبارات الذكاء, ليس بسبب أنهم أكثر ذكاءً, وإنما بسبب متغيرات أخرى؛ مثل تحسين مستوى التعليم، وارتفاع مستوى التغذية، وزيادة فرص استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة, وعلى ذلك فإن الدرجات العالية تمثل الفروق بين الأجيال كما أشرنا آنفًا في مقابل "أو بالإضافة إلى" أثار التقدم في السن, وقد تأكَّدَ أثر الأجيال من الدراسات التي استخدمت اختباريْ ستانفورد -بينيه ووكسلر. لقد أظهرت هذه الدراسات معايير في كلِّ فترة زمنية أعلى من تلك التي سبقتها, والتفسير الواضح لهذا النمط من النتائج أن العينات اللاحقة تؤدي أفضل من العينات السابقة, إلّا أن ما ليس واضحًا ما إذا كانت هذه النتيجة تعني أن صغار اليوم أكثر ذكاء من صغار الأمس، أم أن صغار اليوم أكثر خبرة في التعامل مع الاختبارات.
وللتقليل من أثر الأجيال وإعطاء صورة أوضح عن التغيرات في الذكاء عبر الزمن استخدم المنهج الطولي, ومن الدراسات التي أجريت في هذا الميدان دراسة Owens التي نشرت في تقريرين أحدهما عام 1953 وثانيهما عام 1966، وفيها درس 127 مفحوصًا من الرجال, طبَّقَ عليهم في الأصل اختبار ألفا الحربي حينما كانوا طلابًا مستجدين في جامعة ولاية إيواء عام 1919, ثم أعاد اختبارهم بنفس المقاييس بعد حوالي ثلاثين عامًا "أي عام 1950", ثم استطاع إعادة اختبار 96 منهم عام 1961, وقد أظهر التقرير الأول "Owens 1953" أن الراشدين لم يظهروا أيّ تدهور عند إعادة اختبارهم, بل إن المجموعة أظهرت تحسنًا دالًّا في متوسط الكسب بلغ مقداره نصف الانحراف المعياري للتوزيع الأصلي, كما أن الاختبارات الفرعية الثمانية التي يتألف منها مقياس ألفا لم تظهر أيّ انخفاض له دلالة، بل إن خمسة من هذه الاختبارات الفرعية أظهرت زيادة في متوسط الدرجات.
وفي التقرير الثاني "Owens, 1966" حسب الباحث معاملات الارتباط بين درجات المفحوصين الذين ظلوا موضوعًا للبحث عام 1961 "وعددهم 96 مفحوصًا كما أشرنا", ويوضح الجدول رقم "17-1" هذه المعاملات.
(1/436)

جدول رقم "17-1"
معاملات الارتباط بين درجات اختبار ألفا الحربي
في الأعوام 1919، 1950، 1961
ومن هذا الجدول يتضح وجود قدر ملحوظ من الاستقرار في الأداء العقلي خلال فترة تزيد عن أربعين عامًا هي فترة البحث، وكان الاستقرار أكثر وضوحًا في الدرجة الكلية للاختبار المستخدم, ومن المعروف أن هذا الاختبار من النوع اللفظي الجماعي, والذي يتطلب تطبيقه وإجراؤه 25 دقيقة فقط حين يقدم في الظروف المادية, وبالرغم من قصره فإنه يعطي مؤشرات ثابتة نسبيًّا للنشاط العقلي عند الراشدين.
وقد سجَّل أووينز أيضًا التغيرات التي طرأت على مستويات الأداء طوال هذه السنوات في كلِّ مكون أساسي من مكونات اختبار ألفا، فوجد أن هؤلاء المفحوصين كانوا أعلى في الدرجة الكلية من متوسط عينة التقنين حينئذ بمقدار 0.7 وحدة انحراف معياري، ثم تحسنوا بما يسواي 1.3 وحدة انحراف معياري, فوق المتوسط في الاختبار الثاني "1950"، ثم لم تظهر فروق ذات دلالة إحصائية في الاختبار الثالث "1961"، ولاحظ الباحث أن الاختبار الفرعي الوحيد الذي أظهر تدهورًا خطيرًا بين عام 1950، 1961 هو الاختبار العددي.
(1/437)

وفي رأي أووينز أن التدهور في هذا الاختبار لا يرجع إلى الطبيعة الموقوتة لهذا الاختبار الفرعي؛ حيث لوحظ أن السماح للمفحوصين بضعف الوقت المحدد له لم يؤثر تأثيرًا دالًّا في أدائهم.
وتؤكد نتائج هذه الدراسة أن درجات الذكاء عند الراشدين تظل مستقرة مع الزمن، إلّا أن هذا الاستقرار ليس مطلقًا، وإنما يوجد تغير نسبي, وقد ربط أووينز التغيرات في درجات الذكاء بعوامل كثيرة في حياة الإنسان؛ منه مثلًا النجاح الاقتصادي-الاجتماعي الذي يرتبط بالتحسن في الاختبارات اللفظية والاستدلالية.
وتوجد دراسة طولية أخرى استغرقت 38 عامًا نشرها عام 1971 العالمان الأمريكيان "Kangas Bradway 1971" وفيها اختير المفحوصون لأول مرة عام 1931، كجزء من عينة ولاية كاليفورنيا في تقنين طبعة 1937 من مقياس ستانفرد-بينيه، وكانوا جميعًا من أطفال ما قبل المدرسة في هذا العام "1931" متوسط أعمارهم 4.8 سنة, وقد أعيد اختبار كثير منهم أعوام 1941، 1956، 1969, وأثناء التطبيقين الأخيرين استخدام الباحثان أيضًا مقياس وكسلر لذكاء الراشدين WAlS. وتؤكد نتائج هذا البحث أن نسب الذكاء في سن ما قبل المدرسة تتنبأ بالنشاط العقلي اللاحق، إلّا أن قوتها التنبؤية تتناقص مع طول الفترات الزمنية بين مرات الاختبار, وعلى هذا فإن نسب ذكاء أطفال ما قبل المدرسة تتنبأ بدرجة أفضل بنسب ذكائهم في مرحلة المراهقة إذا قورنت بطور الرشد.
وقد حسب كانجاس وبرادوي في هذا البحث أيضًا التغيرات في متوسطات نسب الذكاء مع مرور الزمن، فوَجَدَا أن هناك زيادةً دالة في المتوسطات خلال هذه السنوات الثماني والثلاثين؛ فالمفحوصون الذين كان متوسط نسب ذكائهم في مقياس ستانفرد بينيه 111 عام 1930, أصبح متوسطهم 130 عام 1969, أما في مقياس وكسلر فقد كان متوسط نسب الذكاء الكلية 109 في عام 1956, وبلغ 118 في عام 1969. وهكذا لم يثبت هذا البحث -في اتفاق مع بحوث كثيرة أخرى أشرنا إلى أمثلة منها فيما سبق- وجود أي دلالة على التدهور في النشاط العقلي في هذه المقياس مع مرور الوقت, ومن الصعب بالطبع تحديد أسباب الزيادة في نسب الذكاء، فربما كان للممارسة السابقة للاختبارات دور في هذه الزيادة.
ومن البحوث الطولية الهامة أيضًا بحث "Tuddenham et al 1968" الذي أعيد فيه اختبار 164 من الذين تركوا القوات المسلحة الأمريكية بعد عشرين عامًا من الخدمة, وبعد أن مَرَّ على اختبارهم الأول 13عامًا، باستخدام اختبار
(1/438)

AGCT، وكان متوسط أعمارهم حينئذ 30عامًا، وحسب عامل الارتباط بين مرتي الاختبار فبلغ 0.79 وقد لوحظ بعض التدهور الضئيل للغاية في الأداء بعد هذه الفترة، باستثناء اختبار الاستدلال الإدراكي "أحد مكونات هذه البطارية".
ومن الدراسات التي استخدمت اختبار روكسلر تلك التي قام بها "Matarazzo, 1972" والتي توصلت إلى استقرار القدرات اللفظية على مدى زمني أطول, بينما تظهر الاختبارات الأدائية فروقًا في العمر؛ حيث الراشدين الأصغر سنًّا أفضل أداءً, وتأكدت هذه النتيجة في دراسات أخرى لاحقة "Field, Schaie& Leino, 1988, Siegler, 1983"
وخلاصة القول بالنسبة لهذه البحوث أننا حين نختبر نفس المفحوصين ونعيد اختبارهم هم أنفسهم على فترات زمنية مختلفة طوال مدى الحياة, لا تظهر بعض القدرات العقلية وخاصةً القدرات اللفظية إلّا تدهورًا قليلًا -إن وجد- في مرحلة وسط العمر, إلّا أن بعض الدراسات الرئيسية أظهرت أن الراشدين الصغار يكون أداؤهم أفضل من أداء الراشدين الكبار في قدرات أخرى, وخاصة القدرات العملية, وعلى ذلك فإن الفروق -إن وجدت- قد تعكس الذكاء كما يظهر لدى الشخص الأكثر صحة ودافعية.
وقد تأكد ذلك مرةً أخرى بالبحوث الموجهة بنظرية كاتل في الذكاء المتبلور والذكاء السائل، فقد وجد "Horn, 1982" أن القدرات السائلة أو الإيجابية active "ومعظمها غير لفظي" تتدهور في عمر أكثر تبكيرًا من القدرات المتبلورة أو السلبية Passive "ومعظمها قدرات لفظية".
نتائج بحوث التحليل التتابعي: لا يتوافر في الميدان إلّا قليل من البحوث التي تعتمد على استراتيجية التحليل التتابعي التي تناولناها في فصل سابق, وقد تكون أهم هذه الدراسات ما قام به Schaie وزملاؤه في سلسلة من البحوث نشرت في أعوام 1968، 1973، 1974, وفي هذه البحوث استخدمت عينة طولية اختبرت ثلاث مرات في أعوام 1956، 1963، 1970، منها 161 مفحوصًا اختبروا في المناسبات الثلاث جميعًا تمتد أعمارهم في المتوسط بين 25، 81 عامًا، وتوجد مجموعة أخرى تتألف من أفراد من نفس جماعة عام 1956 الأصلية, ولكنها اختبرت في مناسبة واحدة فقط من المناسبات الثلاث, وكان الاختبار الجماعي المستخدم هو اختيار ثرستون للقدرات العقلية الأولية, ويتألف من 5 اختبارات فرعية, هي: معاني الكلمات، الإدراك المكاني، الاستدلال "التفكير"، العدد، وطلاقة الكلمات، كما استخدمت اختبارات أخرى لقياس القلب
(1/439)

السلوكي والسرعة الحركية, ويوضح الجدول رقم "17-2" تصميم هذا البحث مع ملاحظة أن الأعمدة تدل على عينات مستعرضة, والسطور تدل على عينات طولية.
وقارن الباحثون بين الجماعات المختلفة في الدرجات الكلية "في صورة درجات معيارية" في اختبار القدرات العقلية الأولية, فلم يجدوا تدهورًا دالًّا في البيانات الطولية للجماعات من الأولى إلى الرابعة، وابتداءً من الجماعة التي يمثلها السطر الخامس "جماعة العمر من 53-67" ظهر تدهور منتظم مع التقدم في السن، وتتفق نتائج تحليل العينات المستقلة "الأعمدة" مع نتائج العينات الطولية "السطور", على الرغم من أن متوسطات العينات الأولى أقل قليلًا من متوسطات العينات الثانية، وهي فروق اصطناعية ترجع في جوهرها إلى أن عددًا من أفراد العينات الطولية لم يستمروا في المشاركة في البحث التتبعي, وربما يكون ذلك الانخفاض بسبب أن أولئك الذين أعيد اختبارهم هم الأكثرة قدرة, ولهذا نستطيع القول أن نتائج كل من العينات المستعرضة والعينات الطولية كما يظهرها هذا البحث متشابهة, وخاصةً فيما يتصل بتدهور النشاط العقلي، وأن هذا التدهور لا يبدأ إلّا بعد سن الخمسين.
(1/440)

وقد أفاد التصميم التتابعي الباحثين في دراسة أثر الوقت الذي يتم فيه الاختبار في أداء المفحوصين، ومن ذلك مثلًا: هل أولئك الذين اختبروا عام 1956 وهم من عمرٍ معين يختلفون عن أولئك الذين اختبروا في عامي 1963 أو 1970 وهم في نفس السن؟ للإجابة على هذا السؤال وجد الباحثون أنه بالنسبة للعينات الطولية لم يلاحظ دليلٌ على تغير مقترن بعام الاختبار بالنسبة لبعض الأعمار "46عامًا"، بينما لوحظ بعض هذا التغير في عمري 53،60 عامًا، فقد وجد أن أولئك الذين اختبروا عام 1970 من هاتين الفئتين العمريتين أدوا أفضل من أقرانهم الذين اختبروا في الأعوام السابقة, كما أدت نتائج تحليل العينات المستعرضة إلى نفس النتائج, وقد يرجع هذا الاختلاف إلى عوامل ثقافية تتمثل في ارتفاع مستوى التعليم وزيادة الاهتمام بالاختبارات والتقدم الصحي وغير ذلك.
وفي مثل هذا النوع من البحوث إذا جُمِعَتْ درجات الأفراد من عمرٍ معينٍ بصرف النظر عن زمن تطبيق الاختبار, يمكننا في هذه الحالة دراسة آثار العمر في ثلاث فرص مختلفة من القياس, وقد لاحظ الباحثون "Schaie وزملاؤه في دراساتهم التي نحن بصددها" أن أكبر فرق بين البيانات المستعرضة والطولية هو في الأعمار 53، 67, وقد أظهرت البيانات الطولية تدهورًا مقداره ثلاث وحدات معيارية، بينما أظهرت البيانات المستعرضة هذا التدهور بمقدار 9 وحدات, وفي رأي "Botwinick, 1977" أن هذه الاختلاف بين نوعي البيانات قد يرجع إلى المصادفة, وفيما عدا هذين العمرين فإن البيانات الطولية والمستعرضة اتفقتا تمامًا.
ويلخص "Shaie, 1994" نتائج بحوث التحليل التتابعي التي تركز على الفروق بين الأجيال في القدرات العقلية فيما يلي:
1- يوجد نموّ خطي موجب متصل "في صورة خط مستقيم" بالنسبة للقدرة الاستدلالية، أي: أن هذه القدرة تزيد مع التقدم في العمر.
2- يوجد نمو متقطع "أي: غير متصل" ولكنه موجب أيضًا بالنسب للقدرة اللفظية والقدرة المكانية.
3- يتخذ نمو القدرة العددية والقدرة على الطاقة اللفظية صورة الخط المنحنى؛ حيث يصل إلى قمته لدى جيل العشرينات من القرن الحالي, ثم يهبط تدريجيًّا لدى الأجيال اللاحقة.
وخلاصة القول بالنسبة لبحوث التحليل التتابعي التي تفصل بين آثار العمر وآثار الجيل, أن التناقص في معظم مجالات النشاط العقلي لا تحدث قبل الوصول إلى سن الستين, وحين يظهر بعض التدهور قبل سن الستين فإنه لا يكون كبيرًا، وليست له أهمية عملية "Shaie&Hertzog 1983". وقد يكون أفضل استنتاج يمكن استخلاصه من نتائج البحوث حول نموّ الذكاء لدى الراشدين في منتصف العمر, أن النقص في الأداء -إن وجد- هو الاستثناء وليس القاعدة العامة.
(1/441)

إبداع الراشدين:
من المسائل الهامة الأخرى التي شغلت الباحثين في هذا الميدان في السنوات الأخيرات مسألة العلاقة بين العمر والابتكار, وخاصة في مجالات معينة؛ كالعلوم والفنون والموسيقى والآداب, وبالطبع يمكن البرهنة بسهولة على أن الإنجاز الابتكاري في هذه الميادين يمكن أن يقوم به أفراد من مختلف الأعمار, إلّا أن المؤكد أن الإنجاز الابتكاري المميز يميل للتبلور بصفة عامة في وسط العمر، والدليل على هذا كما تقول أنستازي "Anastasi 1958": إن الصورة الفوتوغرافية لمعظم المبتكرين تظهرهم في أعمار متقدمة، إلّا أن "1953 Lehman" يرى أن الأكثر احتمالًا أن هذه الصور التقطت لهم بعد أن صاروا كبارًا في السن وحققوا الشهرة, بينما البحث الصحيح في المسألة يؤكد لنا أن المبتكر قد يحقق إنجازاته الكبرى في عمرٍ أصغر بكثير من ذلك.
ومن أهم الدراسات في هذا الميدان ما قام به لهمان نفسه، فقد قام بتحليل مقدار كبير من البيانات المنشورة حول العمر الذي يظهر فيه الإسهام المتميز في أيّ مجالٍ من مجالات المعرفة والحياة, وتؤكد نتائجه أن قمة الإنتاج الابتكاري تقع بشكل منتظم في عقد الثلاثينات, ونعطي مثالًا على طريقته في البحث ونتائجه من مجال الكيمياء، فقد حصل على أسماء 244 من علماء الكيمياء المشهورين "ولم يكن أحد منهم على قيد الحياة" والتواريخ التي توصلوا فيها إلى إسهاماتهم العظمى, ثم حللت البيانات لتحديد عدد هذه الإسهامات التي صدرت عن الجماعة الكلية خلال فترات زمنية طول كل منها خمس سنوات, وأكدت نتائجه أن معدل الإنتاج الابتكاري في الكيمياء يزيد زيادةً واضحةً حتى يصل إلى حده الأقصى في الفترة التي مداها 30-34 عامًا, ثم يتدهور بعد ذلك تدريجيًّا وبشكلٍ مستمرٍّ مستقر, وقد رسم لهمان منحنيات العلاقة بين العمر ومعدل الإنتاج الابتكاري للعلوم الأخرى والآداب والفنون والموسيقى, وتأكد في معظم الحالات أن القمة تقع في منتصف الثلاثينات. إلّا أن هذه القمة تكون في عمر مبكر عن ذلك بالنسبة إلى المحصلة ذات الكيف الرفيع من الانتاج الابتكاري في مختلف
(1/442)

المجالات, وعنده أن كمية الإسهامات ذات المستوى الرفيع تتناقص مع التقدم في السن, ولعل هذا ما دفع أنستازي إلى القول بأن الثلاثينات هي "العصر الذهبي" للإنجاز الابتكاري.
وفي دراسة أخرى قام بها "Dennis, 1966" لإنتاجية المبدعين، ويقصد بها عدد الإسهامات بصرف النظر عن كيفها لدى مجموعة من الذكور عاشوا حتى سن الثمانين، فوجد أن الفنانين مثل الموسيقيين والشعراء يصلو إلى قمة إنتاجهم قبل العلماء من مختلف التخصصات؛ فالعلماء والباحثون الذين يتطلب عملهم الإبداعي جمع البيانات وتحليلها وتقويمها, سواء في العلوم الطبيعية أو الإنسانية, تستمر إنتاجيتهم إلى مرحلة وسط العمر وربما إلى مرحلة الشيخوخة.
والسؤال هو: ما هي العوامل التي ترتبط بتدهور الإبداعية لدى الفنانين مع التقدم في السن، وما هي تلك التي ترتبط بالإنتاجية اللاحقة لدى العلماء والباحثين؟
إن أحد التفسيرات المبكرة لهبوط الإبداعية هو النقص الواضح في النشاط العقلي المرتبط بالعمر "Bromley 1956", وهذا بالطبع يستند إلى افتراض أن الإبداع والذكاء مرتبطان معًا، بل قد يكونا متطابقين, وكما رأينا فإن بعض البحوث الحديثة أظهرت أن الذكاء المتبلور، وهو المكوّن المعتمد على التعلُّم المستند إلى التراث الثقافي للشخص لا يتدهور مع العمر، بل إنه في الواقع قد يزيد عبر مدى الحياة.
وفي دراسة قام بها "Alpaugh&Birren, 1977" حدد عاملين يرتبطان بتدهور الإسهام الإبداعي لدى المتقدمين في السن, هما التفكير التباعدي وتفضيل التعقد المعرفي, ويتضمن التفكير التباعدي القدرة على التفكير في أفكار جديدة مرتبطة بالموقف، والأصالة، والقدرة على تغيير وتحويل الأفكار من حالةٍ إلى أخرى. أما تفضيل تعقُّد الأفكار فقد ساوى بعض الباحثين بينه وبين الإبداع ذاته, وقد وجد الباحثان في دراسة لعينة مستعرضة تمتد أعمارها من 20-30 سنة، مع ضبط مستواها التعليمي، وجود هبوط منتظم في كل من المتغيرين مع زيادة العمر، بينما ظل ذكاء الأفراد ثابتًا، واستنتجا من ذلك أنه بالإضافة إلى الهبوط في عوامل مثل الطاقة والحيوية والنشاط، فإن التدور في الإنتاج الابتكاري عبر مدى الحياة يمكن تفسيره في ضوء النقص في التفكير التباعدي, وفي تفضيل التعقد, وليس في هبوط الذكاء ذاته.
(1/443)

ولم تؤكد بحوث أخرى وجود هبوط في التفكير التباعدي من الرشد المبكر وفي المراحل المتقدمة من العمر. ومن ذلك أن "Jaquish&Ripple, 1981" لاحظا أن الراشدين في منتصف العمر يؤدون أفضل من كل الراشدين المبكرين ومن الشيوخ في عدد من مهام التفكير التباعدي, كما أكدا أن القدرات الابتكارية لدى مفحوصي وسط العمر والشيخوخة ارتبطت بتقدير الذات, ومن ذلك أن الأشخاص الذين لديهم تقدير عالٍ لأنفسهم قد يكونون أكثر ابتكارية, وهكذا فإن وجود نظرة موجبة إلى الذات تُعَدُّ قوةً دافعة تحدد رغبة الشخص وإرادته للبحث عن حلول ابتكارية للمشكلات.
وبعض الباحثين يذكرون أن أنواعًا مختلفة من الابتكارية ترتبط بمختلف أطوار الرشد, ومن ذلك مثلًا الإشارة إلى الابتكارية الساخنة الثائرة hot-from-the-fire في الرشد المبكر، والابتكارية الرصينة Sculpted في وسط العمر "Jacques 1964", فخلال السنوات المبكرة من الرشد يكون العمل الإبداعي حادًّا وعنيفًا وشديدًا وتلقائيًّا، ويبدو الإنتاج عند ظهوره كاملًا ونهائيًّا وجاهزًا، وكان أينشتين أوضح الأمثلة على ذلك.
أما ابتكارية وسط العمر فهي من ناحيةٍ أخرى أبطأ وأكثر هدوءًا ورصانةً, فبدلًا من الشدة والقفز السريع يتسم المرء بالبطء والعمل المثابر، وكان شكسبير وديكنز من الأمثلة البارزة على ذلك, ويبدو لنا أن قمة الإبداعية التلقائية الساخنة تكون في الرشد المبكر، أما صور الإبداعية التي تتطلب الخبرة وإعادة النظر والمراجعة والتأمل فقد تظَلّ إما غير متغيرة أو تزيد في وسط العمر.
والسؤال الأخير هنا: لماذا يتناقص الإنجاز الابتكاري عامَّةً مع التقدم في السن؟ هذا السؤال لايزال في حاجة إلى بحوث جيدة التصميم للإجابة عليه، وعمومًا يمكن أن نوجز أسباب هذه الظاهرة في ضوء الأدلة المتاحة فيما يلي:
1- زيادة الجمود والتصلب المعرفي مما يعوق المرونة, وهي من مكونات الابتكار.
2- ضعف القوة الجسمية والحسية والصحية بصفة عامة.
3- تغير الاهتمامات والميول والدوافع, مما يحول المبتكر عن الإنجاز.
4- ضغوط الحياة اليومية "المالية والأسرية".
5- الحصول على الشهرة والاكتفاء بها.
6- الانشغال في الأنشطة الإدارية والتنفيذية.
7- العجز عن ملاحقة الانفجار المعرفي الذي يتطلب تقويمًا مستمرًا للإسهامات المبتكرة.
(1/444)

نمو الشخصية
مدخل
...
نمو الشخصية:
يبدو للبعض أن الحديث عن نموِّ الشخصية في طور بلوغ الأشد أو منتصف العمر أمر غير ممكن؛ ففي وسط العمر يصل الإنسان إلى "تحديد طريقه", كما أنه فيما يبدو يكون قد أحرز استقرارًا شبه نهائي في سمات شخصيته, وهذا ما يقرره الراشدون الكبار حول أنفسهم عندما يدركون هذا الطور, فعادةً ما يصف الشخص الذي تجاوز عمره الأربعين سنة نفسه بقوله "لقد تحددت شخصيتي"، وأنه فات الأوان الذي يفكر فيه في تغيير أساسي في سلوكه، وأن الحياة بالنسبة له لا تتغير من يومٍ لآخر, ومن عامٍ لآخر.
إلّا أن الملاحظات العارضة بالإضافة إلى نتائج البحوث العلمية السيكولوجية تذكر لنا أن طور وسط العمر لا يختلف عن غيره من أطوار ومراحل النموّ الإنساني, في أنه طور نموّ وتغير مستمرين, ولعل الحكمة القديمة التي تقول: "إن الحياة تبدأ في سن الأربعين" تدعم هذا القول، كما تدعمه عبارات كثيرة شائعة؛ بعضها له أساس علمي عن أزمة منتصف العمر, بل إن بعض الكُتَّاب يذهبون إلى أبعد من ذلك, فيقارنون بين "أزمة" الرشد الأوسط و"أزمة" المراهقة، واخترع بعضهم مصطلح middlescence ليعني وجود فترة اضطراب في وسط الحياة، بالإضافة إلى الدور الاجتماعي الجديد لها, ويرون أن في هذا الطور تتوفر للراشد فرص جديدة لحل أزمة الهوية التي تظل موضع المعاناة منذ المراهقة, فوسط العمر "فرصة ثانية لتؤدي الأعمال التي تحبها، وتغني أغانيك المفضلة، وأن تكون حقًّا وصدقًا أنت نفسك" "على حد تعبير ليشون الكاتب المعاصر ليشون Leshon".
وفي تناول موضوع نموِّ الشخصية وتغيرها في هذا الطور يركز العلماء على مسألة أثر التقدم في السن على الشخصية, فهل يظهر الأفراد تغيرات منتظمة في جوانب الشخصية؛ مثل الميول والاتجاهات والقيم, مع انتقالهم مع الرشد المبكر إلى وسط العمر وأخيرًا إلى الشيخوخة، أم أن الشخصية تستقر عبر دورة حياة الراشد؟
وعلى الرغم من أن المقاومة المباشرة بين مختلف الأعمار في إحدى سمات الشخصية, أو مجموعة من هذه السمات تبدو الطريقة الصحيحة للإجابة على هذا
(1/445)

السؤال إلّا أن الأمر في الواقع ليس بهذه البساطة؛ فالشخصية هي أكثر جوانب الفرد تعقيدًا وتركيبًا ويصعب قياسها عبر الزمن, ويميز بعض العلماء في هذا الصدد بين البنية الأساسية للشخصية أو نمط السمات فيها, وبين أنماط السلوك الظاهر أو الأدلة التي تدل على هذه السمات, وتؤكد البحوث أن البنية الأساسية للشخصية مستقرة عبر الزمن، أما ما يطرأ عليه التغيير فهو السلوك الظاهر, أو الأداء الذي يتم من خلاله التعبير عن هذه البنية؛ فالشخص قد يظل يوصف بالعدوانية سواءً في رشده المبكر أو الأوسط، إلّا أن طريقة التعبير عن هذا العدوان قد تخلف من طور لآخر؛ فقد يكون العدوان إيجابيًّا في الطور الأول؛ حيث يغلب عليه طابع الهجوم والمواجهة والتحدي، وسلبيًّا الطور الآخر؛ كنيسان دعوة الشخص موضع العدوان على الغذاء أو خداع الرئيس, وهذا لا يعني أن السمة تغيرت تغيرًا جوهريًّا في الطورين، أو أن بنية الشخصية غير مستقرة, وبالمثل فإن التشابه بين أنماط السلوك الظاهر في الطورين لا يدل على تشابه السمة فيهما أيضًا. فالأشخاص الذين يقدمون المساعدة لزملائهم، قد يفعلون ذلك بسبب ما لديهم من دافع أساسي أصيل للمساعدة, أو بسبب دافعهم للحصول على تقدير الذات, والسعي إلى تضخيم صورتها من خلال جعل الآخرين يدركون أنفسهم ضعافًا أو غير قادرين, أو لديهم نقص في مجال معين, وهذا نوعٌ من السلوك العدواني السلبي تجاه الآخرين.
وكما هو الحال في دراسة النموّ العقلي المعرفي، فإننا في دراسة نموِّ الشخصية في حاجة إلى التمييز بين الفروق الشخصية التي ترجع إلى النمو الفعلي والمنهجية, فإن معظم البحوث التي أجريت حول نموِّ الشخصية تدعم فرض استمرار بنية الشخصية في مرحلة الرشد، ويصدق هذا خاصةً على البحوث التي استخدمت الطريقة الطولية, وأكثر الخصائص استقرارًا هي القيم "الجمالية، الدينية، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية" والميول المهنية, وحين استخدمت الطريقة المستعرضة كانت النتائج أكثر تعقيدًا بالطبع؛ حيث توصلت بعض الدراسات مثل التصلب والمحافظة ومفهوم الذات والرضا عن الحياة.
ومن الدراسات التي أكدت استقرار الشخصية تلك التي قامت بها "Haan, 1981" وهي دراسة طولية لعينة من المفحوصين بدأ بعضها من مرحلة الطفولة، إلّا أن معظمها بدأ من مرحلة المراهقة واستمرت الدراسة حتى بلوغ المفحوصين طور وسط العمر, وأجريت المقارنة في ست سمات هي:
(1/446)

1- الاستثمار المعرفي: Cognitive investment وهي بُعْدٌ أحاديّ القطب, يشير إلى السهولة والمهارة في التعامل مع الأمور العقلية، والتفكير القائم على الروية والاهتمام بالإنجاز الشخصي.
2- التفريط في مقابل الإفراط في التحكم الانفعالي: وهو بعد ثنائي القطب, يمثل أحد طرفيه الاتجاه الضاغط الاندفاعي في التعامل مع الأشخاص، في مقابل الاتجاه اللين المقيد للانفعالات.
3- الذات المفتوحة في مقابل الذات المغلقة: وهو بعد ثنائي القطب أيضًا, يمثل درجة انفتاح أفكار المرء ومشاعره وخبراته على الآخرين والبيئة ويسره في التعبير عن ذاته، في مقابل عكس ذلك.
4- التعاطف في مقابل العداء: وهو بعد ثنائي القطب كذلك, ويدل في أحد طرفيه على الدفء والاستجابية للأشخاص الآخرين, ووضعهم موضع الاعتبار والرعاية، في مقابل العداء والخصومة والتوتر في التعامل معهم.
5- التفريط في مقابل الإفراط في الجنسية الغيرية: وهو بعد ثنائي القطب, يشير إلى الاختلاف في طرق المرء في التعبير عن سلوكه الجنسي.
6- الثقة بالنفس: وهي بعد أحادي القطب يدل على التوازن ورباطة الجأش والتسلط والإنتاجية والرضا عن الذات وتقديرها, وخاصةً في مواقف العلاقات بين الأشخاص.
ولقد أكدت نتائج هان أن أبعاد الشخصية الست كانت على درجة كافية من الاستقرار النسبي من المراهقة وحتى الرشد الأوسط, وبالطبع فإن طول الفترة الزمنية بين المراحل أثرت في درجة الاستقرار؛ فقد لوحظ مثلًا قدر أكبر من الاستقرار من المراهقة إلى الرشد المبكر، ومن الرشد المبكر إلى الرشد الوسط، بينما أظهرت المقارنة بين المراهقة والرشد الأوسط درجة من عدم الاستقرار بسبب طول الفترة الزمنية, كما وجدت الباحثة أيضًا أن الأبعاد الأكثر ارتباطًا فيما بينها "وخاصة الاستثمار المعرفي والذات المفتوحة في مقابل المغلقة، والثقة بالنفس" كانت أكثر استقرارًا, وبالإضافة إلى ذلك, فإن شخصيات النساء كانت بصفة عامة أكثر استقرارًا من شخصيات الرجال, ويحدث أكبر تغير في شخصيات الرجال بين المراهقة والرشد عند تولي مسئوليات هامة مثل العمل وما يترتب عليه من استقلال مالي واقتصادي, وعلى هذا فإن ما يسمى أزمة وسط العمر -إن كانت توجد على الإطلاق- فإنها تتمضن إعادة تشكيل أو إعادة تنظيم خصائص شخصية قائمة بالفعل, وليس تحويلًا كاملًا للشخص إلى "كائن إنساني جديد".
(1/447)

الميول المهنية واللامهنية:
من الدراسات المبكرة حول العلاقة بين الميول والعمر تلك التي قام بها سترونج عام 1931, وهي دراسة مستعرضة معتمدة على استجابات 2340 رجلًا تمتد أعمارهم بين 20، 60 عامًا, يعملون في 8 مجالات مهنية كبرى، استخدم فيها اختباره الشهير للميول المهنية, وفي دراسة تالية قام بها نفس الباحث عام 1943, استخدم فيها عينات عمر مماثلة واستخدم المنهج الطولي التتبعي في بعض الحالات.
وقد تكون أهم النتائج التي توصل إليها سترونج أن الميول تظل متشابهة في مختلف الجماعات العمرية، فالأشخاص في المهن المختلفة يظهرون اختلافًا في أنماط ميولهم أكبر مما يوجد بين المستويات العمرية المختلفة, وأكبر تغير يمكن إرجاعه إلى العمر يحدث بين عامي 15، 25عامًا, وأحد هذه التغيرات زيادة عدد الاستجابات التي تدل على حب المرء لعمل ما, وقد يكون سبب ذلك اتساع مدى الخبرة، أما بين عامي 25، 55 عامًا, فإن التغيرات الجوهرية تتضمن نقصًا في "حب" الأنشطة التي تطلب مهارة جسمية ومخاطرة، وكذلك الأعمال التي تتطلب الكتابة، كما ظهر نقص دالّ في حب الأنشطة التي تتمضن تغيرًا أو تداخلًا مع العادات الثابتة عند الفرد.
وتوجد فروق جوهرية بين الرجال والنساء؛ فالرجال بصفة عامةٍ يميلون إلى تركيز اهتماماتهم وميولهم في نطاق مهين محدود لمدة تمتد بين 20، 25عامًا، وخاصةً بعد ما يدركون التفاوت البيّن بين التوقعات المهنية المبكرة "خلال طور الشباب" والإنجازات الحقيقة "Levinson, et al., Nichols, 1986", إلّا أنه مع وعي الشخص بقصر الفترة المتبقية له في حياته المهنية قد يعيد حساباته؛ فالبعض يحاول تحقيق أحلامه قبل فوات الأوان، والبعض الآخر يتواضع بطموحاته المهنية ويصير أكثر اهتمامًا بالأمور الأسرية، والبعض الثالث -بعد فشل محاولاته في إحراز تقدم مهني- يقنع بما هو فيه "Schuster Ashburn 1992".
أما النساء فإنهن يمارسن عادةً أدوارًا متعددة، فالمرأة لديها فرص متعددة للدخول في العمل والخروج منه، ويؤثر ذلك على ميولها المهنية التي تتسم بأنها
(1/448)

أكثر مرونةً حتى في مرحلة وسط العمر.
ولعل الميول اللامهنية هي الأكثر أهمية في طور وسط العمر، ففيه يكتشف الراشدون أهمية أنشطة وقت الفراغ والترويح، والتي قد تحل في مراحل لاحقة محل أدوار العمل, وقد يكون بعض هذه الأنشطة متمركزًا على ما يدور داخل المنزل "كالخياطة للنساء، والنجارة للرجال"، وبعضه الآخر خارجه "كالرحلات والزيارات", وقد يمارس البعض أنشطة التعبير الذاتي؛ كالموسيقى والفن والكتابة، أو القيام بأنشطة خدمة البيئة والمجتمع المحلي.
(1/449)

التوافق:
يؤكد اتجاه نتائج بحث قام به بروزويك عام 1955, الذي عرضناه سابقًا, والذي تَمَّ فيه تحليل مفردات اختبار الشخصية المتعدد الأوجه "مينسوتا", والمقارنة بين استجابات عينة من طلاب الجامعات بأخرى من رجال الأعمال والمهنيين, تمتد أعمارهم بين 45-55 عامًا, أن عينة الراشدين الأكبر سنًّا تظهر تدهورًا في اللياقة البدنية، وميلًا متناقصًا لأنشطة العنف والمغامرة، وقلقًا أكبر حول العمل والتوافق الوجداني، إلّا أن توافقهم الاجتماعي للأسرة والأقارب كان أفضل من الراشدين الصغار.
وتؤكد البحوث التي قام بها كوهلن عام 1945, وجود فروق فردية واسعة في استجابة الراشدين للتغير في الحياة، وأهمية العوامل النفسية في تحديد التوافق الانفعالي في مثل هذه المرحلة من العمر, وفي رأيه أن محافظة الأفراد مع تقدمهم في السن على ميولهم النشطة, واستمرارهم في عمل ملائم, له أهمية مطلقة في تحقيق التوافق الجيد.
وقد ناقش كوهلن ثلاثة فروض حول العلاقة بين العمر والتوافق وهي:
1- العلاقة المنحنية، أي: تظهر زيادة في البداية, ثم تتجه نحو التناقص في الأعمار المتقدمة، وبالطبع يصل التوافق في مثل هذا النوع من العلاقات إلى حَدٍّ أمثل عند عمر معين.
2- عدم وجود تغير كلي في مستوى التوافق مع التقدم في السن, وذلك في الظروف المعتادة، وإنما قد يحدث تحوّل في بعض مجالات التوافق؛ حيث يصبح لبعض هذه المجالات أهمية أكبر أو أقل في بعض الأعمار.
3- الفروق بين الراشدين الصغار والكبار في التوافق يرجع في جوهره إلى
(1/449)

مدى القابلية للتأثر بالضغط والتهديد، وبالتالي كلما زادت عوامل التوتر في البيئة أو داخل الشخص أدت إلى نقصان التوافق بصفة عامة أو في بعض مجالاته.
ويذكر كوهلن أن الأدلة العلمية المتاحة التي تَمَّ الحصول عليها بوسائل مختلفة: المقابلات، وسائل التقرير الذاتي، الأساليب الإسقاطية، تدعم هذه الفروض الثلاثة جميعًا، إلّا أن معاملات الارتباط بين متغيرات التوافق المقيسة والعمر الزمني تميل إلى الانخفاض, ويقترح كوهلن في هذ الصدد نظرية دينامية للتقدم في السن, وفيها لا تعتبر خصائص الشخصية نتيجة لعملية التقدم في السن, وإنما هي من المتغيرات الهامة التي تؤثر في هذه العملية ذاتها.
وإذا أردنا تناول نموّ الشخصية في مرحلة وسط العمر في إطار نموذج إريكسون, فإن الأزمة التي تتطلب حلًّا في هذه المرحلة في رأيه لا تزال هي أزمة الإنتاجية أو التدفق في مقابل العقم أو الركود, والتي تمثّل المرحلة السابعة في نموذجه للنمو الوجداني، وهي بذلك استمرار لبعض ما كان عليه الحال في طور الرشد المبكر. فالإنتاجية أوالتدفق لا تزال عند الراشدين الكبار -كما كان الحال عن الراشدين الصغار- هي الاهتمام بتكوين وتوجيه الجيل القادم, وهي عند البعض يتم التعبير عنها, كما كان الحال في الرشد المبكر في سياق الأسرة من خلال الحب ورعاية العلاقة بالزوج والأبناء, إلّا أنه قد يضاف جانب هام آخر يميز الرشد الأوسط وهو إنتاجية العلم, ويتمثّل ذلك في الإشراف على العاملين الصغار المبتدئين بتوجيههم ومساعدتهم في تنمية مستقبلهم المهني؛ فالتدفق هو علاقة الشخص بالمستقبل، وهو الوسيلة التي يثبت بها المرء وجوده عبر الزمن. وعكس التدفق، في نظرية إريكسون، العقم أو الركود, وهو شعورٌ بالاستلاب الشخصي والملل واهتمام بالذت.
وقد تطورت نظرية إريسكون بالنسبة للراشدين, وخاصةً في طور منتصف العمر على يدي روبرت بك "R Peck "1968"، وعنده أنه توجد أربعة تحديات أو مهام كبرى أمام الراشدين في هذا الطور وهي:
1- تفضيل الحكمة والخبرة على القوة الجسمية: فالراشدون الكبار عليهم أن يعترفوا ويقبلوا التدهور الحتمي في النواحي الجسمية, ويعتمدوا أكثر على المعرفة والخبرة والعمليات العقلية لتحقيق الرضا عن الحياة، وإلّا يظهر ما يسميه بك "اكتئاب وسط العمر" إذا استمر الجسد هو المظهر الرئيسي للهوية, أما إذا استبدلت القيم الأعمق بالخصائص الجسمية فإن الراشد
(1/450)

يتوصل إلى الحكمة اللازمة لحل المشكلات الحياة، وإلّا يظهر ما يسميه بك "اكتئاب وسط العمر"، إذا استمر الجسد هو المظهر الرئيسي للهوية, أما إذا استبدلت القيم الأعمق بالخصائص الحسمية فإن الراشد يتوصل إلى الحكمة اللازمة لحل مشكلات الحياة.
2- إعادة تحديد العلاقات بالآخرين: فعليهم أيضًا إدراك الآخرين "ومنهم شريك الحياة" بشكلٍ متزايدٍ كأفراد ورفقاء، وتصبح العلاقات معهم "ومنها العلاقة الزوجية" بشكلٍ عامٍّ أكثر اتساعًا وأكثر اجتماعيةً.
3- المرونة الانفعالية: أي تحويل الاستثمار الانفعالي لدى الراشد من التركيز على شخصٍ واحدٍ أو نشاط واحد إلى أشخاص جدد أو أنشطة جديدة, وهذه القدرة لها أهمية خاصة في منتصف العمر بسبب التعرض المتزايد لفقدان أو تدهور بعض هذه العلاقات في هذا الطور؛ مثل: وفاة الوالدين، كبر الأبناء وتركهم البيت، طرح بعض الأنشطة جانبًا "خاصة الأنشطة الرياضية العنيفة", وحتى يمكن التكيف لهذه التغيرات يجب أن يكون الشخص في منتصف العمر قادرًا على إعادة استثمار هذه الطاقة الانفعالية مع أفراد ومواقف جديدة.
4- المرونة العقلية والتفتح على الخبرات الجديدة وطرق التعامل مع الأشياء والأشخاص: فالراشد الناضج يواجه دائمًا مشكلات تتطلَّب حلولًا مبتكرة يبدعها هو، أو تقويمًا إيجابيًّا للبدائل التي يقدمها لها الآخرون, أما الراشدون الأقل نضجًا فيستمرون في الاعتماد على الأفكار الجاهزة لديهم، والحلول المعتادة عندهم، والاتجاهات المألوفة لهم، وعندئذ يصبحون عبيدًا للماضي، وبدلًا من أن يتحكَّموا في حياتهم، تتحكم الظروف المحيطة بهم فيهم.
ويضيف هافييجهرست "Havighurst 1974" إلى ذلك, أن طور وسط العمر مرحلة فريدة في حياة الإنسان, فلا توجد فترة أخرى في حياته لها مثل ذلك الأثر في المجتمع, ثم إن المجتمع أيضًا يطلب منه أعظم المطالب في نفس الوقت, وعلى ذلك فإن راشدي منتصف العمر يجب عليهم التعامل في المنزل مع مهام مثل مساعدة الأبناء من المراهقين والشباب, على أن يكونوا راشدين مسئولين سعداء، والإبقاء على علاقة توافقية سليمة في الزواج, وهم يواجهون ضغوطًا في العمل، ومع ذلك يكون عليهم الوصول إلى مستوى رفيع من الأداء المهني والمحافظة عليه, وفي نفس الوقت يطلب منهم المجتمع أن يقبلوا وينفذوا مسئولياتهم الاجتماعية وواجباتهم في المواطنة, كما أن الشخص في هذا الطور
(1/451)

يجب عليه أن يجد منافذ جديدة لوقت الفراغ تعكس التغيرات التي طرأت على الجسم والميول والقيم والمكانة الاقتصادية وبنية الأسرة.
وأخيرًا فإن ليفنسون "Levinson, 1979" يرى أن مرحلة وسط العمر هي وقت بلورة الميول والقيم والالتزامات, فعنده أن الراشدين ابتداءً من مطلع الثلاثينات وحتى حوالي سن الأربعين يبدأون في الاستقرار، وعندئذ تكون هناك التزامات أعمق نحو الأسرة والعمل والأصدقاء وكل من يهم وما يهم الشخص, وعند حوالي سن الأربعين ولمدة حوالي خمس سنوات يمر المرء بمرحلة التحول إلى وسط العمر, وهي فترة تمثّل المعبر بين الرشد المبكر والرشد الأوسط، أو على حَدِّ تعبير ليفنسون بين المستقبل والماضي, فهي وقت مراجعة رصيد الذات, وفيها تعود أسئلة قديمة منذ أيام المراهقة إلى الظهور مثل "من أكون؟ " وإلى أين "المصير؟ " وهكذا، وتكون لها أهميتها مرةً أخرى, عندئذ يبدأ المرء في تقويم إنجازاته الشخصية في ضوء الأهداف السابقة, كما يعيد تنظيم هذه الأهداف في ضوء كلٍّ من الإنجاز الراهن والمتوقع, وتبعًا لما يراه ليفنسون فإن التخطي الناجح لهذه المرحلة الانتقالية في وسط العمر يتطلب العمل وسط التناقضات بين ما هو كائن وما يجب أن يكون, وإذا استطاع الراشد قبول حقائق حياته الجديدة فإنه يظهر مستوًى جديدًا من الاستقرار مع دخوله طور منتصف العمر, كما يظهر صفات يتطلبها هذا الطور مثل: الحكمة والحكم الجيد وحسن التمييز والتقدير والشفقة على الآخرين "وخاصة الصغار" وسعة الأفق, وإذا لم يتوافر ذلك فيه قد يظهر بينه وبين من هم أصغر منه سنًّا ما يُسَمَّى "صراع الأجيال", ومن الطريف أن نذكر هنا أن الراشدين الكبار الذين كانت علاقاتهم طيبة برؤسائهم في سنواتهم المبكرة, يصبحون هم أنفسهم رؤساء ممتازين في هذا الطور, وخاصةً من حيث إرشاد وتوجيه نموّ الصغار, ويصدق هذا أيضًا على العلاقات بالأبناء, وهكذا فإن أزمة "صراع الأجيال" التي تبدأ في الظهور في هذا الطور قد تكون جذورها وبذورها في التنشئة المبكرة للراشدين الكبار أنفسهم.
(1/452)

نمو الحياة الأسرية
مدخل
...
نمو الحياة الأسرية:
تتغير طبيعة الحياة الأسرة تغيرًا جوهريًّا خلال طور وسط العمر, فلأن معظم الأشخاص الذين هم في منتصف العمر يتزوجون عادةً في العشرينات من عمرهم, وعادة ما ينجبون عقب ذلك مباشرة, فإنهم عندما يبلغون سن الأربعين يكون أكبر أبنائهم على وشك إنهاء تعليمه, والدخول في عالم العمل, أضف إلى ذلك أن الأبناء يصبحون أقل بقاءً في البيت, وبالتالي ينشأ جوّ عائلي مختلف عما كان عليه الحال من قبل, ويدوّن بعض ما يصدر عن الأبناء المراهقين والراشدين الصغار من بعض الحركة؛ مثل: استخدام التليفون أو مشاهدة التليفزيون أو الاستماع للموسيقى, يكون المنزل هدوءًا شاملًا, وبعد بضعة سنوات قليلة يتم خروج أصغر الأبناء إلى المجتمع راشدًا صغيرًا مستقلًّا, وحينئذ يصحب الوالدان في منتصف العمر وحيدين, ولعل هذا يفسر لنا قول "Dovall, 1977" من أن الزوجين يقضيان حوالي نصف دورة حياتهما الزوجية وحدهما بعد أن يترك الأبناء المنزل.
وقد عرضنا في الفصل السابق نموذج دوفال لنموّ الحياة الأسرية, والذي حددت فيه عدد السنوات التي يقضينها الزوجان معًا ووحدهما, إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه أن هذا النموذج لا يضع في الاعتبار كثيرًا من التنوع في الفروق الفردية في وقت الزواج، وكذلك الفروق الفردية في الإنجاب وعدد الأبناء، والفروق الزمنية بين ولادة كل طفلٍ وآخر "وبالطبع يشمل ذلك تلك الشريحة التي قد لا تنجب على الإطلاق", وعلى الرغم من النمط الشائع للزوجين في وسط العمر أنهما في مطلع الأربعينات يكونان على وشك أن يخرج أكبر أبنائهما إلى عالم الرشد، فإن بعض الآباء من نفس العمر, وخاصةً الذين يتزوجوم متأخرين أو يؤجلون الإنجاب, ربما يقضون هذه الفترة في التعامل مع صراعات وضغوط مراهقة الأبناء أو حتى طفولتهم, بل إن نسبة من الأزواج "ولو أنها قليلة" قد يجدون أنفسهم آباء لأول مرة خلال طور منتصف العمر, كما أن آثار الطلاق وإعادة الزواج وتكوين أسرة ثانية, وغير ذلك مما ناقشناه في الفصل السابق، كل هذا يغير عدد السنوات وتتابع الأحداث في دورة الحياة الأسرية.
إلّا أننا يجب أن نشير إلى أن عبارة "الآباء والأبناء" المستخدمة حتى الآن, قد تصف الراشدين في منتصف العمر في تفاعلهم مع أبنائهم الذين تمتد أعمارهم بين الطفولة ونهاية المراهقة, وقليلًا ما ندرك هؤلاء الراشدين في منتصف العمر كأبناء هم أنفسهم لوالديهم المسنين.
فمع زيادة متوسطات الأعمار وتحوّل الأسرة لتصبح أسرة صغيرة ووثيقة الصلة بالأجيال الأكبر, فإن نسبةً لا بأس بها من الأسر أصبحت متعددة الأجيال في طبيعتها وبنيتها, فمن الشائع أن نجد في الأسرة الواحدة ثلاثة أجيال أو أكثر يعيشون معًا وفي وقت واحد -الأجداد "من المسنين"، والآباء "في منتصف العمر"، والأبناء الأحفاد "في الرشد المبكر"، والأسباط "في الطفولة".
(1/453)

1- العلاقات بين الأجيال:
حتى عهد قريب لم يهتم علماء النفس وغيرهم من علماء العلوم الاجتماعية بمسألة العلاقات بين الأجيال, وقد نشأ هذا الإهمال جزئيًّا من وجهة نظر ضيقة للعلاقات الأسرية الأولية, فبدلًا من إدراك العلاقات بين الآباء والأبناء كعمليةٍ طويلة المدى, ركَّزَ معظم الباحثين على الفترة الأولى من دورة الحياة "الأسرية"، أي: الفترة التي ينجب فيها الزوجان ويربيان أطفالهما الصغار, حتى اللحظة التي ينطلق فيها هؤلاء الأطفال إلى العالم الخارجي, وبالإضافة إلى ذلك شيوع صورة نمطية؛ هي أن الراشدين الصغار حالما يستقلون فإنهم لا يحتاجون ولا يريدون الاتصال بوالديهم, إلّا أن حقيقة الأمر أن الأبناء الراشدين وأباءهم يظلون على اتصالٍ فيما بينهم، وأن هذه العلاقة عادةً ما تفيد الطرفين.
وفي دراسة العلاقات بين الأجيال يوجد سؤالان شائعان هما:
1- ما مدى تأثير جيل ما في نمو الجيل الآخر؟
2- هل التأثيرات بين الأجيال التي نلاحظها هي في جوهرها أحادية الاتجاه "حيث الآباء يوجهون ويشكلون سلوك وتوافق الأبناء" أم أنها متبادلة "أي: أن الآباء والأبناء يؤثر كلٌّ منهما في نموِّ الآخر تأثيرًا متبادلًا"؟
يعود الفضل إلى "Bengston&Troll, 1987" في دراسة العلاقة بين الراشدين الصغار ووالديهم، وفي ذلك يؤكدان على أن عملية التطبيع الاجتماعي الأسري في الرشد هي عملية متراطبة تتسم بالتغذية الراجعة المتصلة ونظام من التأثيرات المتبادلة, كما أكدا على أن الانتقال بين الأجيال للقيم، والمعايير وأنماط السلوك وغيرها, لا يتأثر فقط بخصائص الفرد, وإنما بعوامل أخرى خارج نطاق الأسرة؛ مثل: الفترة التاريخية الخاصة التي يعيش فيها الناس وأصولهم الثقافية, فمثلًا إذا نشأ الشخص في بيئة ثقافية تشجع المناقشة والحوار بين الأفكار, فإن من المحتمل أن يستمرَّ على ذلك في حياة الرشد التالية، وبالتالي يظل يؤثر في الآخرين ويتأثر بهم. وقد تدعمت الطبيعة الثنائية الاتجاه للتأثيرات بين الأجيال في دراسات أخرى حديثة تناولت العلاقات الأسرية بين مجموعات من مختلف المراحل العمرية "مجموعات الوالد المسن والابن في مرحلة الرشد المبكر", وتبين أنه في المسائل التي تتصل بنظام التغذية والممارسات الصحية والاتجاهات السياسية والآراء حول تنشئة الأطفال يوجد دليل على أن تأثيرات التطبيع تتجه
(1/454)

صعودًا وهبوطًا في خطوط الأجيال المختلفة, ومعنى ذلك أن الوالدين لا يؤثرون في أبنائهم فحسب, وإنما يؤثر فيهم أبناؤهم أيضًا.
ويلخص ترول وبنجستون "في Wolman, 1972" نتائج البحوث حول الانتقال بين الأجيال, وَوَجَدَا أن معظم الباحثين ركزوا على الاتجاهات والقيم في خمسة مجالاتٍ على وجه الخصوص هي: السياسة والدين والجنس والعمل وأساليب العمل, فقد لوحظ مثلًا أن التشابه في تفضيل الأحزاب السياسية متسق عبر الأجيال, ويظهر تشابه أيضًا -ولكن ليس بنفس قوة التشابه في الانتماء الحزبي- في التوجه السياسي العام, مثل التحرر في مقابل المحافظة, كما وُجِدَ تشابه في القيم الدينية, وعلى عكس ذلك كله وجد اختلاف بين الأجيال حول الأدوار الجنسية, وأساليب الحياة, والتوجه المهني.
وفي دراسة العلاقات بين الأجيال تُعْتَبَرُ مرحلة الرشد الأوسط ذات أهمية خاصة؛ فالراشدون في هذه المرحلة هم الرابطة بين الجيلين الأكبر والأصغر, وكون هذا الجيل يقع في منتصف خط الأسرة يعني أيضًا أنه يتأثر بالاتجاهين معًا؛ فبعض التأثيرات الأسرية تأتيه من أعلى إلى أسفل "أي: تأثير الوالدين المسنين في أبنائهم في منتصف العمر", والبعض الآخر يأتي من أسفل إلى أعلى "حيث يؤثر الأبناء المراهقون أو الراشدون الصغار في الوالدين في منتصف العمر", ولهذا نجد الشخص في هذا الطور يحاول جاهدًا إحداث التكامل بين أدواره الأسرية التي تبدو متعارضة, من ذلك دور القائد والراعي المعتمد على السلطة الوالدية بالنسبة لأبنائه، ودور الخضوع والطاعة بالنسبة لوالديه المسنين, وغنيٌّ عن القول أن هذه المهمة النفسية الاجتماعية تفرض تحديًا كبيرًا على الراشد في طور بلوغ الأشد.
وهنا يجب أن نميِّزَ بين نوعين من الأسر: الأسر ذات الأبناء من المراهقين، وتلك ذات الأبناء من الراشدين الصغار, وبالنسبة للنوع الأول فقد كتب الكثير حول المشكلات الكثيرة وسوء الفهم والتفاهم، وهو ما يشار عليه عادةً بمصطلح "فجوة الأجيال", والتي تتمركز حول الصراع بين الآباء وأبنائهم المراهقين والشباب حول "منحهم" الاستقلال أو "حصولهم" عليه, ولعل هذا ما دفع كثيرًا من الباحثين إلى أن يطلقوا على هذه الظاهرة "صراع الأجيال" "السيد عبد العاطي، 1987", وعادةً ما تكون هذه المشكلة نتيجةً لمحاولة الآباء الحفاظ على سلطتهم وتحكمهم في المراهقين الذين هم بدورهم يسعون للاستقلال والحرية، إلّا أن التركيز على فجوة الأجيال أو صراع الأجيال يتجاهل حقيقةً هامةً, وهي أن المراهقين والشباب أنفسهم
(1/455)

يختلفون فيما بينهم في القيم بنفس درجة اختلافهم عن الوالدين، وإن لم يكن أكبر.
وحين يصل الأبناء إلى مرحلة الرشد يصبح لا مناص من إعطائهم فرص الاستقلال والاعتماد على النفس, وهذه المرحلة من الوالدية والتي عادةً ما تحدث للآباء -وهم في طور منتصف العمر- لم تحظَ بقدرٍ كافٍ من البحث العلمي, ومن أسباب ذلك: أن هذه الحالة عادةً ما يُشَارُ إليها على أنها طور "ما بعد الواليدة", وكأن خروج الأبناء إلى العالم الخارجي ينهي تمامًا مسئوليات الوالدين إزاء أبنائهم، وحقيقة الأمر أن الراشدين الكبار لا يتوقفون مطلقًا عن أن يظلوا آباء وأمهات لأبنائهم, حتى ولم يعودوا يعيشون معهم، فالراشدون الصغار، وبصرف النظر عن العمر, أبناءٌ لآبائهم, حتى ولو كانوا متزوجين، ولديهم هم أنفسهم أطفال، ولهم حياتهم المستقلة نسبيًّا, وهذا القول إن كان يصدق بعض الشيء على الثقافات الغربية فهو أكثر صدقًا على المجتمعات العربية والإسلامية.
2- العلاقات بالأبناء الراشدين:
العلاقة بين الآباء في منتصف العمر وأبنائهم في مرحلة الرشد المبكر تختلف عن علاقة الوالدين بالأبناء في مراحل العمر السابقة في دورة الحياة الأسرية, ومن أهم ما يميِّز تلك العلاقة في هذا الطور أن كلًّا من الآباء والأبناء من الراشدين متكافئون بطريقة أو أخرى من الناحية الاجتماعية، وخاصةً من حيث الامتيازات والمسئوليات التي تتوافر لهم نتيجة مكانتهم كراشدين؛ فالحياة المستقلة وزيادة الدخل المادي وتكوين الأسرة النووية, تؤدي كلها إلى رفع مكانة الابن الراشد الصغير، ويترتب عليها أيضًا نوعٌ من عدم التوازن في علاقة الآباء بالأبناء على نحوٍ يختلف عَمَّا كان عليه الحال في المراحل السابقة, ويوجد مظهر آخر للعلاقة بين الوالدين والأبناء في هذه المرحلة, هو أن "الاستثمار" الانفعالي الأولى الكبير, الذي كان موجَّهًا نحو الأبناء يُعَادُ توجيهه نحو أفراد آخرين, فعند الراشد الصغير يفوق الاهتمام بالزوجة والأبناء الاهتمام بالوالدين, وبالمثل فإن الزوجين في طور منتصف العمر يبدآن في تركيز اهتمام كلٍّ منهما بالآخر, ويقل الاهتمام بأبنائهم الراشدين المستقلين والمعتمدين على أنفسهم نسبيًّا على الأقل, ومع الانشغال بأمور العيش تصبح العلاقة بهم جزءًا من نشاط وقت الفراغ, وليس نوعًا من الحياة اليومية, ومع ذلك فإن البحوث تؤكد أن العلاقة بين الوالدين والأبناء في هذا الطور تظل لها أهميتها.
(1/456)

ومن مظاهر العلاقات الأسرية في هذه المرحلة ظهور دور الحموين, فمع زواج الأبناء تتداخل العلاقات الاجتماعية بين أسرتين كانتا في الأصل مستقلتين, ويبدأ الوالدان في منتصف العمر مشاركة أبنائهم في الوقت والطاقة والعاطفة التي يوجهونها نحو والدي زوج البنت أو زوجة الابن, وقد ينشأ عن ذلك بعض المشاعر السلبية نحوهما, والتي تنعكس بدورها على حياة الأسرة الصغيرة الناشئة للأبناء, ويمتلئ تراث الكوميديا والفكاهة بنماذج "نمطية" لسلوك الحما أو الحماة "ونصيب الحماة هو الأوفر", إلّا أنه توجد أمثلة كثيرة للعلاقات الطيبة بين الأسرتين الكبيرتين, وبين الزوج أو الزوجة ووالدي شريك الحياة "نادية رضوان، 1997".
ومع ذلك فإن العلاقة بين الأبناء الراشدين وآبائهم في منتصف العمر لا زالت تتسم في مصر بالقوة, فالأبناء الراشدون كثيرًا ما يعتمدون على أبائهم للحصول على الدعم الماديّ "وخاصة في الظروف الاقتصادية الراهنة في المجتمع المصري المعاصر"، ولرعاية أطفالهم الصغار "وخاصةً إذا كانت الزوجة الصغيرة تعمل"، ولتوفير السند الانفعالي في الأزمات, كما أن الآباء في منتصف العمر يحققون بهذه العلاقة توفير الإشباع الانفعالي لأنفسهم, والرغبة في الصحبة, والشعور بالإنجاز، أي: إنتاج نسلٍ مستقلٍّ مسئولٍ محبٍّ يحمل معنى الاستقرار والبقاء بعد الوفاة، أو بعبارة إريكسون يحقق لهم الإنتاجية والتدفق, أضف إلى ذلك أن الآباء في منتصف العمر يفخرون بإنجازات أبنائهم الراشدين كما لو كانت إنجازاتهم الشخصية؛ فهم يعتزون بتخرج الأبناء وترقيتهم في العمل، ويشاركونهم سعادتهم عند الزواج، وعند ولادة الأحفاد, بل إن الأمر عند بعض الآباء في منتصف العمر يصل إلى حد اعتبار أن نجاح الأبناء هو في حدِّ ذاته تعويض عن إشباع بعض حاجاتهم وتحقيق بعض أهدافهم التي لم تتحقق لهم أنفسهم, وعلى ذلك فإن العلاقة بين الآباء في منتصف العمر وأبنائهم الراشدين هي من نوع الاعتماد المتبادل، فكلٌّ منهما يعتمد على حاجات الآخر لتحقيق الأهداف وإحراز السعادة.
ومع ذلك فإن هذا الطور يوصف عادةً بالنسبة للحياة الأسرية بأنه طور "العش الخالي" empty nest. وبالطبع فإن لذلك مشكلاته؛ فبعض الوالدين يشعرون بإجهادٍ نفسيٍّ شديدٍ حين يغادر الأبناء نهائيًّا البيت, وتؤكد البحوث أن هذه الخبرة أكثر حِدَّةً لدى الأمهات منها لدى الآباء "Rupin1981", بل إن التوافق للحياة الأسرية الجديدة في هذا الطور قد يكون صعبًا للغاية على الأم التي
(1/457)

قضت معظم حياتها, وبذلت جل طاقتها في رعاية أبنائها، والتي حددت هويتها, واشتقت تقديرها للذات من دور الأمومة "Giele 1982", وهذه "الأم المثالية" كما تسمى أحيانًا، تعتبر دورها في "رعاية الأبناء" هو أكبر إنجازاتها, وحين يترك الأبناء البيت تُحْرَمُ حينئذٍ من أكثر أدوارها وأنشطتها أهميةً، فتشعر بالاكتئاب وفقدان القيمة والجدوى, وتتحسر على الحب الذي كان, ويطلق علماء النفس الكلينيكيون على ذلك "زملة أعراض العش الخالي" والتي تظهر بوضوح لدى النساء في طور منتصف العمر, وخاصة اللاتي يعانين من الاكتئاب, وقد يكون ذلك وراء توتر العلاقات بين الأسرتين الكبيرتين بعد زواج الأبناء، وسوء العلاقة بين "الحماة" -خاصة- وبين زوج ابنتها, أو زوجة ابنها.
أما الأم التي تتنوع اهتماماتها "ومن ذلك الأم العاملة", وتقسّم وقتها ومهامَّها بين العمل مثلًا ورعاية الأبناء, فإن مشاعرها السلبية مع خبرة "العش الخالي" قد تكون أقل حدة وأخف وطأة، بل إن بعضهن قد يحول إنتاجيته نحو مجالات جديدة "Cooper&Gutmann, 1987, Troll, 1985".
ولم يهتم العلماء إلّا منذ فترة قصيرة بآثار العش الخالي على الوالدين من الرجال، وتؤكد الأدلة الحديثة على أن الأمهات لسن وحدهن اللاتي يتعرضن للاضطراب نتيجة ترك الأبناء البيت؛ ففي دراسةٍ أجريت في الولايات المتحدة وُجِدَ أن حوالي 22% من الآباء يسجلون درجةً عاليةً من الشعور بالشقاء والتعاسة بسبب ترك آخر الأبناء المنزل "Brodznisky, et al., 1986" وظهرت هذه الأعراض بشكلٍ أكبر لدى الآباء الأكبر سنًّا، والذين لديهم عدد قليل من الأبناء، والذين شغلتهم رعاية أبنائهم طوال فترة حياتهم السابقة, بحيث صرفتهم عن الاهتمامات والأنشطة الاجتماعية الأخرى.
إلّا أننا يجب أن نشير إلى أن الوالدية -وخاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية- نادرًا ما تنتهي بمغادرة الأبناء بين العائلة، وكثير من "الأعشاش" لا تعاني من خواء حقيقي "Clemins & Axelson 1985". فعلى الرغم من أن الأبناء قد لا يقيمون في البيت إلّا أنهم يستمرون في التعبير عن حاجتهم للدعم الوجداني والسند الإرشادي من خلال العلاقات الوالدية الحميمة، ويظل الوالدان لهما قيمتهما وقدرهما لدى الأبناء طوال حياتهما, وحتى بعد وفاتهما، Mc Crae & Costa 1988".
3- العلاقات بالوالدين المسنين:
يوجد نمط آخر من العلاقات داخل الأسرة متعددة الأجيال هو العلاقات
(1/458)

بالوالدين المسنين, فمما يلفت النظر أنه في الوقت الذي يتحرر فيه الآباء في منتصف العمر من مسئوليات والتزامات تربية أبنائهم, نجد أن بعض أوقاتهم واهتماماتهم يتوجه بشكلٍ أكبر نحو والديهم المسنين الذين يكونون عادةً قد دخلوا في المراحل المتأخرة من الحياة, ومن الوجهة التاريخية, فإن هذا الموقف الذي يتطلب إعادة توجيه الاستثمار الانفعالي نحو الوالدين المسنين هو ظاهرة حديثة؛ لأنه حتى جيلين فقط, كان الراشدون في منتصف العمر هم عادةً أكبر الأعضاء الأحياء في الأسرة الممتدة؛ حيث لم يكن الوالدان المسنان في الأغلب في عداد الأحياء.
ومع ارتفاع معدلات الأعمار زاد عدد المسنين والمعمرين، إلّا أن المجتمعات الحديثة لم تضع عبء رعايتهم كله على الأبناء من منتصف العمر, فخدمات التأمين الاجتماعي التي توفر للمسنين دخلًا ثابتًا في الوقت الحاضر، وكذلك انتشار خدمات التأمين الصحي، ووجود بعض دور الرعاية لهم, خففت من الأعباء التي تُلْقَى على عاتق الأبناء في منتصف العمر في رعاية والديهم المسنين.
إلّا أن ذلك لا يعني أن الراشدين في منتصف العمر متحررون تمامًا من مسئولياتهم نحو الجيل الأكبر؛ فالواقع أن كثيرين من راشدي منتصف العمر لا يزال عليهم أن يقدموا الرعاية لوالديهم المسنين, ويلعبوا دورًا هامًّا في حياتهم, وعندئذ قد تعكس أدوار الوالدية والبنوة, فنجد الابن هو الراعي لوالديه, ويصدق هذا خاصةً حين يكون الوالدان في المراحل المتأخرة من الشيخوخة, وقد بينت بعض البحوث أن الوالدين المسنين قد لا يريدون أن يتحولوا إلى معتمدين على أبنائهم، وقد يظهرون جهدًا قويًّا نحو الاستقلال، إلّا أنهم قد لا يستطيعون. وبالرغم من هذا الاتجاه, فإن هناك أدلة على أن الصلة بين الأبناء الراشدين وآبائهم المسنين لها أهميتها وفائدتها للصحة النفسية للمسنين خاصة.
وتُوجَدُ قرارات هامة وصعبة يجب أن يتخذها الأبناء الراشدون بالنسبة لآبائهم المسنين, ومن ذلك مثلًا هل يُتْرَكُ المسنون يعيشون وحدهم, حين يكونون في ظروف جيدة من حيث الصحة الجسمية والنفسية؟ هل يمكن وضع الوالد المسن في بيت للرعاية؟ إن التوازن هنا قد يكون صعبًا بين شعور المسن بحاجته إلى الاستقلال وبين حاجته الفعلية للرعاية، وفي جميع الأحوال, فإن ما يجب أن يحكم علاقة الأبناء في منتصف العمر بوالديهم المسنين هو مبادئ الإسلام الحنيف, يقول الله تعالى في الإشارة إلى علاقة الأبناء بالآباء على وجه العموم
(1/459)

وفي مختلف مراحل العمر:
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] .
وفي الإشارة الخاصة إلى هذه العلاقة عند تقدُّم الوالدين في السن يقول الله تعالى:
{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] .
4- العلاقات بالأحفاد:
من الأدوار الأسرية الهامة التي تنشأ في طور منتصف العمر دور الجدِّ, ويذكر "Hagestad, 1985" أنه نظرًا لزيادة مدى الحياة لدى الإنسان في الوقت الحاضرِ أصبح معظم الأطفال الآن يعرفون ويتعاملون مع جميع أجدادهم، ربما لأول مرة في التاريخ, وعلى الرغم من أنَّ الصورة النمطية للجد أنه الشخص الأبيض الشعر، المتجعد الوجه، المتقدم في السن، الضعيف البنية، والذي يقضي وقته في الجلوس في البيت أو المقهى نتيجة لتقاعده عن العمل، فإن هذه الصورة لم تعد صحيحة اليوم, فمع التغير في معدلات الخصوبة والوفاة, والتغير في خصائص السكان طوال السنوات الأخيرة, صار الجد أقرب إلى مرحلة منتصف العمر منه إلى مرحلة الشيخوخة, فقد أصبح العمر المميز ليصير المرء جَدًّا هو حوالي 50 سنة للنساء, و53 سنة للرجال, بل إن الزواج المبكر قبل سن العشرين "وهي ظاهرة بدأت في التناقص في السنوات الأخيرة" قد يجعل المرء جدًّا في منتصف الثلاثينات, وعلى ذلك فإن الجدَّ لأول مرةٍ يمكن وصفه بأنه شخص صحيح البنية، ينشغل في منتصف العمر, يجدون من الصعب عليهم تقبل دور الجدِّ أول الأمر، ويشعرون بأن ذلك يلقي عليهم ظلال وأثقال العمر، بينما صورة الذات التي يحاولون المحافظة عليها هي صورة الشباب.
وهكذا تتفاوت صورة "الجدِّ" وتمتد ابتداءً من الشخص القادر الأقرب إلى الشباب، في طور بلوغ الأشد، وحتى الشخص العاجز المتقدم في السن في طور الشيخوخة المتأخرة, وبالطبع توجد فوارق بين الفئتين من منظور النموّ الإنساني, ومع ذلك فإن الجد -مهما كان طور النموِّ الذي هو فيه- يلعب دور النموذج التكاملي بين الوالدين من الراشدين "الأبناء" والأطفال "الأحفاد" داخل الأسرة الواحدة "Kivnick 1986", فوجودهم يحافظ على "هوية" الأسرة ويحقق معنى
(1/460)

الاتصال والتواصل فيها "Bengtson, 1985", كما أن تحول الإنسان إلى دور الجدِّ يعني أيضًا توسيع نطاق هويته هو؛ بحيث تشمل أدورًا جديدة تصلح للتعامل مع التغيرات الحادثة في العلاقات الأسرية.
وتؤكد نتائج البحوث التي قام بها ترول "Troll, 1982" أن الأجداد يلعبون دورًا هامًّا في نفس الأسرة, إنهم يقدمون للأجيال الصغيرة الدعم الانفعالي والنصيحة العملية الناجمة عن رصيد الخبرة والنضج المتراكمين, وذلك بالنسبة للقيم الأساسية وأسلوب الحياة والمهنة والتربية والوالدية وغيرها, وتقوم الجدة خاصةً بالوظيفة الهامة لرعاية طفل ابنتها العاملة.
وكما يختلف الأفراد في شخصياتهم وأسلوبهم في الوالدية, فإنهم يختلفون أيضًا في أساليبهم في القيام بدور الجد أو الجدة, ومن الدراسات الكلاسيكية في هذا الصدد تلك التي قام بها "Neugatrin, 1968 Nengatren & Weisteinm, 1964" وفيها حددا خمسة أساليب للتفاعل بين الحفيد والجد "الذي عادةً ما يكون عمره في الخمسينات والستينات, وينتمي إلى الطبقة المتوسطة"، على النحو الآتي:
1- التفاعل الشكلي: وفيه يظهر الجد اهتمامه بالحفيد، ويقدم له أحيانًا الهدايا والخدمات الخاصة؛ مثل الرعاية أثناء عدم وجود الوالدين, ولكنه لا يتدخل في تربية الطفل، ويترك الوالدية للوالدين.
2- التفاعل من خلال اللهو واللعب: وهو نمط من التفاعل غير الشكلي, ويظهر في صورة اتجاهٍ غير مقيد نحو الحفدة، وفيه يقوم الجد بدور رفيق اللعب, ويتوقع لهذا الأسلوب أن يؤدي إلى علاقة وثيقة متبادلة بين الحفيد والجدِّ.
3- التفاعل من خلال دور الرعاية: وهنا يقوم الجد أحيانًا "ودائمًا في الأغلب بالنسبة للجدة" بمسئوليات رعاية الطفل، حيث يحلان تقريبًا محل الوالدين, وخاصةً في بعض الظروف الخاصة بهما؛ كالسفر إلى الخارج أو العمل الشاق.
4- التفاعل من خلال دور السلطة: وهنا يعتبر الجد "وخاصة الجد الرجل" مستودع الحكمة الأسرية، وقد يتطرف هذا الدور حين يقوم الجد أو الجدة بدور تسلطي في الأسرة، حيث يصبح أفرادها ومنهم الآباء الراشدون تابعين له، وهو وحده الذي يوزع الموارد والمعرفة والنصيحة للآخرين.
(1/461)

5- التفاعل عن بعد: وهنا تكون علاقات الجد مع الحفيد محددة، فيزوره في العطلات والمناسبات الخاصة، ويقدم له الهدايا في هذه الزيارات القليلة, ولهذا فهو بالنسبة لحفيده "شكل بعيد" distant figure" من الناحية الوجدانية.
ويلاحظ الباحثان أيضًا أن كثيرًا من الأجداد يشعرون في علاقتهم بأحفادهم بشعور "البعث البيولوجي", أي: الشعور باستمرار خط الأسرة، بالإضافة إلى الشعور بتحقيق الذات انفعاليًّا من خلال دورهم الأسري الجديد, ومن ذلك مثلًا أن الجدة قد تعيش من جديد خبرة حملها وولادتها وأمومتها المبكرة من خلال الخبرات الجديدة لابنتها أو زوجة ابنها, كما أن الجد بدوره قد يدرك أن لديه من الوقت والاهتمام بأحفاده مالم يتوافر له أبدًا لأطفاله, ولعل هذا يفسر معنى بعض الأمثال الشعبية في هذا الصدد مثل: "أعز من الولد، ولد الولد".
وقد أجريت دراسات حول الأنشطة التي يمارسها الأجداد مع أحفادهم، ومن هذه الدراسات "Cherlin Furstenberg 1986" الذي أُجْرِيَ في إطار الثقافة الأمريكية، ونحن في حاجةٍ إلى بحوثٍ مناظرة في ثقافتنا العربية الإسلامية, ويلخص الجدول "17-3" هذه النتائج.
جدول "17-3" الأنشطة التي يمارسها الأجداد مع الأحفاد
وقد كشفت نتائج البحوث "Robertson,1979" من أن كثيرًا من الراشدين الكبار يجدون دور الجد أكثر سهولة ويفضلونه على دور الوالدية, ولهذا فليس من المستغرب أن يصف بعض الأجداد أنفسهم بأنهم أجداد جيدون, بينما لم يكونوا كذلك كوالدين.
(1/462)

التوافق الزواجي:
مع بلوغ طور العش الخالي في دورة الحياة الأسرية يدخل الزوج والزوجة مرحلة جديدة من حياتهما الزوجية؛ فابتعاد الأبناء عن البيت يسمح لهما أن يعيدَا تركيز انتباه بعضهما على بعض وعلى زواجهما, ويكون هذا هو وقت إعادة اكتشاف كلٍّ منهما للآخر، وأحيانًا التعرف على الفجوة التي ربما كانت توجد بينهما, كما أنه الوقت الذي يُعَادُ فيه إعادة تأمل نمط الحياة الزوجية, وبعض الأزواج قد يندهشون حين يكتشفون أن العلاقة بينهما لم يطرأ عليها ضعف أو فتور, بل تكاد تكون نفس قوتها السابقة على الرغم من مرور أكثر من عشرين عامًا على الزواج, بينما يجد آخرون أن حياتهم الزوجية صارت يغلب عليها الطابع الروتيني مع نقص في عمليات التواصل بين الزجين, مما يتطلَّب تغيرًا في بعض أساليب التفاعل بينهما لإحياء العلاقة من جديد.
ويُعَدُّ الجانب الأكثر تعرضًا للبحث في موضوع الحياة الزوجية في طور منتصف العمر موضوع التوافق الزواجي, وكان الاتجاه القديم أن معظم الزيجات تصبح أقل حيوية, كما أن العلاقة الزوجية تزداد جفافًا مع مسيرة الزواج, إلّا أن الدراسات الحديثة أوضحت أن هناك نقاط صعود وهبوط في الرضا الزواجي في السنوات المتأخرة من الحياة الزواجية, فلكلٍّ من الزوجين تُعَدُّ المرحلة التي يكون فيها الأبناء في سن المدرسة نقطة هبوط توافقي "توافق سلبي"، بينما مرحلة ما بعد الأطفال postchild والتقاعد يتم إدراكها إدراكًا إيجابيًّا "Huyck, 1982", وعلى الرغم من أن المرحلة التي يترك فيها الأبناء المنزل هي عادةًَ فترة ضغط وتوتر، فإن عدم الرضا يرتبط بالأبناء أو الوالدية أكثر من ارتباطه بالزواج في ذاته, أو بعلاقة أحدهما بالآخر.
ما الذي يسبب زيادة الرضا الزواجي خلال هذا الطور من الحياة؟ توحي نتائج البحوث بأن ضغوط الدور التي يشعر بها المرء خلال السنوات المبكرة من الزواج تتناقص في منتصف العمر؛ فالأم -خاصة الأم العاملة- تشعر بالحرية من ضغط وعبء الجمع بين أدوار العمل والأمومة، كما أن الاهتمام العاطفي
(1/463)

المتجدد لدى الزوجين في هذا الطور قد يزيد التقارب والمحبة والمودة بين الزوجين, ويوجد عامل آخر قد يفسِّر الاتجاهات الإيجابية نحو الزواج لدى الراشدين الكبار "وفي الشيخوخة أيضًا", هو أن الأزواج الذين كانوا في مراحل مبكرة من عمرهم أقل رضًا وسعادةً في زواجهم, انفصلوا أو طلقوا بالفعل قبل هذا الطور. أما الذين استمرَّ زواجهم طوال هذا العمر فيمثلون مجموعةً منتقاةً من الأفراد هم الأكثر سعادةً والأكثر توافقًا في زواجهم, وإذا كان هذا التفسير صحيحًا -وهو بالفعل كذلك- فإن نتائج البحوث حول الرضا الزواجي مدى الحياة لا تدل كثيرًا على تغيرات نمائية حقيقية في نوعية الحياة الزوجية، وإنما هي أقرب إلى الاصطناع المنهجي الذي يرجع إلى زيادة انتقائية المفحوصين.
وفي تحديد العوامل المحددة للرضا الزواجي, يرى كثيرون أن العامل الأكثر أهميةً هو التوافق الجنسي, وعلى الرغم من أن هذا الجانب في الزواج له أهميته في السعادة الزوجية إلّا أن البحوث أكدت أن الأهمية القصوى هي للرفقة الزواجية Marital Companionship "Garrett, 1982" وتعني الرفقة هنا: ما هو أكثر من مجرد قضاء وقت أطول مع شريك العمر, وأحد أسباب الربط بين علاقات الرفقة والرضا الزواجي أنها تهيئ للزوجين الفرصة لتخفيف أعباء الضغوط والتوازن والإحباطات التي تنشأ خلال مسيرة الحياة اليومية. وكما يذكر جاريت: فإنه في مثل هذه العلاقة يمكن لأحد الزوجين أن "يطلق البخار الحبيس" أمام شريك حياته دون خوفٍ من النقد أو الرفض, فدور شريك الحياة كمستمعٍ راغبٍ ومهتمٍّ وقادرٍ على تقديم التشجيع والنصحية, يؤدي إلى خفض التوترات, ويحدث عمقًا في العلاقات الزواجية, وينمي شعورًا بمزيد من الألفة المتبادلة بين الزوجين.
وعلى الرغم أن علاقات الرفقة الزواجية يمكن أن توجد لدى الأزواج من مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية, إلّا أن جاريت يلاحظ أنها أكثر شيوعًا بين الأزواج من الطبقتين المتوسطة والعليا أكثر منها بين من هم في الطبقة الدنيا "وخاصة طبقة ذوي الياقات الزرقاء من العمال", ويعود إلى تقسيم العمل الواضح الجامد في الأسرة من النوع الأخير؛ حيث الزوج هو "كاسب العيش", والزوجة هي "الأم وربة البيت", وهذا التقسيم الجامد للدور يؤدي إلى فقدان التواصل بين شريكي الحياة الزوجية, وبالطبع يودي إلى مشاعر منخفضة بالرضا الزواجي.
الطلاق: تؤكد الإحصاءات الحيوية في عددٍ من الثقافات, وخاصةً في أمريكا, أنّ حوالي ثلث الزيجات تنتهي بالطلاق، وحوالي ربع حالات الطلاق
(1/464)

تحدث بعد حوالي 15 عامًا من الزواج، وبالتالي قد تحدث أثناء مرحلة منتصف العمر, ومن غير الشائع حدوث طلاق بين من تزوجوا لمدة 20 أو 25عامًا.
ومن الأسباب الهامة للطلاق في أيِّ مرحلةٍ من مراحل العمر العنف الزواجي، وخاصةً عنف الزوج إزاء الزوجة، وقد يرجع أحيانًا إلى عنف الزوجة, وقد زادت حوادث عنف الزوجات في مصر في السنوات الأخيرة إلى درجةٍ تدعو للقلق والاهتمام, وقد يحدث الطلاق نتيجةً لضغوط أزمات الحياة أثناء هذه المرحلة, أو بسبب العلاقات غير المشروعة, إلّا أن كثيرًا من الباحثين يرون أن الطلاق -وخاصة في منتصف العمر- قد يحدث للاختلاف في معدَّلات النموِّ لدى شريكي الزواج, وقد اقترح "Troll, 1982" نموذجًا للتوافق بين الزوجين, يعتمد على "حسن المطابقة" بين أنماط النموّ الفردي لكلٍّ منهما, وتبعًا لهذا النموذج يكون للزواج أفضل فرصة للاستمرار إذا ظلَّ كلٌّ من الزوجين ثابتًا في شخصيته, أو نما "أو تدهور" كلٌّ منهما في نفس الوقت تقريبًا عبر زمن الزواج, وتنشأ الخلافات الزوجية الحادة إذا حدث أيّ نقص في حسن المطابقة بين نمو الزوجين, ويحدث ذلك في ثلاثة حالات على وجه الخصوص:
1- حين يظل أحد الزوجين ثابتًا في شخصيته, بينما يتعرض الآخر لنموٍّ أو تدهور فيها.
2- حين ينشأ تغيُّر في الشخصية في نفس الاتجاه لكلٍّ من الزوجين, ولكن معدل التغير يختلف اختلافًا كبيرًا لدى كلٍّ منهما.
3- حين تتغير الشخصية من الزوجين في اتجاهين مختلفين.
والطلاق في هذه الحالة -شأنه في ذلك شأن المراحل الأخرى- خبرة أليمة، تتبعه الوحدة والشك في الذات, وتقلب المزاج على نحوٍ يتطلب إعادة التوافق من جديد, وبالطبع قد يتبع الطلاق زواج جديد، إلّا أن حالاته في هذا الطور أقل حدوثًا وأكثر ندرةً، وهو أكثر حدوثًا بين الرجال منه بين النساء، ومن لم يتزوج بعد الطلاق يظل ما بقي من عمره وحيدًا.
التَّرَمُّل: ومن ظواهر الوحدة الزواجية الأخرى إلى جانب الطلاق الترمُّل Widowhood, صحيح أنه أكثر ارتباطًا بالعمر الثالث للإنسان "الشيخوخة"، إلّا أن وفاة أحد الزوجين قد تحدث في طور منتصف العمر "كما قد تحدث في أيِّ مرحلة نمائية أخرى سابقة, تبعًا لقدرة الله -سبحانه وتعالى", إلّا أن ما يلفت النظر حقًّا أن المرأة في هذا الطور قد تعتبر نفسها قد بلغت مرحلة الشيخوخة بعد أن تفقد
(1/465)

زوجها, وما يخص طوْرَ منتصف العمر من مشكلات التَّرَمُّلِ أن المرأة -أو الرجل- قد يفقد شريك الحياة، بينما الأصدقاء الآخرون يعيشون حياةً زوجيةً عادية, ولهذا قد تتغير العلاقات الاجتماعية بالأصدقاء؛ فالأرمل آخر من يدعى -وقد تُنْسَى دعوته- في المناسبات الاجتماعية، في الوقت الذي يصعب عليه في هذا السن هجر الحياة كما يحدث بالفعل لمن هو في مرحلة الشيخوخة, والسبب في ذلك أن الشخص في طور منتصف العمر لا يزال يمارس حياته المهنية والاجتماعية المعتادة, ولهذا فإن التَّرَمُّلَ في طور منتصف العمر خبرة شديدة الإيلام, وخاصة مع ما يصاحبها من شعورٍ قاسٍ بالوحدة, وشعورٍ قويٍّ بالاغتراب.
العزوبية: أما المظهر الأخير للوحدة الزواجية في هذا الطور فهو العزوبية Singlehood, فهناك نسبة من الأشخاص الذين يبلغون منتصف العمر دون أن يتزوجوا أبدًا, وللأسف فإنه لا تتوافر لدينا بحوث كافية عن هذه الفئة ومشكلات التوافق التي تعاني منها, ولعل أكثر مشكلات هذه المجموعة حِدَّةً أن عليهم تقبُّل هويتهم الاجتماعية كعزاب، والتي تحمل بعض السمات المميزة, وعليهم أن يخططوا لشيخوخة محرومة من أيِّ دعمٍ اجتماعيٍّ أو وجدانيٍّ, وهم أقل حمايةً ضد المرض والفقر, ومن ذلك مثلًا أنهم حين يتعرضون لأي اضطراب نفسيٍّ أو خلل صحي, فالأكثر شيوعًا أن يودعوا في المؤسسات على عكس المتزوجين منهم, الذين عادةً ما يلقون الرعاية في نطاق الأسرة "الزوجة والأبناء".
(1/466)

النمو المهني:
تتوافر للمرء في مرحلة منتصف العمر فرصة جديدة ليصبح منتجًا في عمله, والإنتاجية في هذا الطور تعني إنتاج السلع والأفكار والخطط السياسيات, والتي تصدر عن الراشدين الكبار بمعدلٍ أكثر ارتفاعًا مما كان عليه الحال من قبل, كما أن إنتاجيتهم قد تعني نقل ما يعرفونه للآخرين -الذين يكونون عادةً أصغر سنًّا- وخاصة وأن فرصة الراشد في منتصف العمر تكون أكبر لاحتلاله موقعًا قياديًّا في عمله, وهو يفعل في عمله -ما يفعله كوالد في أسرته- حين يوفر للأجيال الجديدة ما يرثونه عنه, فإذا لم يوفَّق الراشد في هذا الطور من عمره من تحقيق ذلك, يشعر بالعقم أو الجمود "بمعناه عند إريكسون", ويشعر بالاغتراب عن كلِّ ما أنتجه وما خلفه وراءه.
ويرى هافيجهرست "Wolman 1982" أن إحدى مهام النموِّ الهامة في هذا الطور الوصول إلى دور مهني مرن, يبدو مثيرًا ومنتجًا ومرضيًا من الوجهة المالية والاجتماعية, ويتفق معه في ذلك ليفنسون وزملاؤه الذين لاحظوا أن مرحلة
(1/466)

منتصف العمر هي فترة تقييم الذات حول النموِّ المهني؛ حيث الأهداف الماضية يُعَادُ النظر فيها في ضوء الإنجازات الراهنة, والأشخاص الذين ينجزون -أو يظنون أنهم أنجزوا- أهدافًا مهنية محددة في الماضي, يشعرون بالرضا عن أنفسهم, ويكونون صورة موجبة للذات, وعلى العكس من ذلك, فإن اعتراف الشخص بأنه لم يحرز في هذا الطور مستوًى مهنيًّا مناسبًا "رئيس قسم، رئيس عمال، مدير مصلحة، إلخ" يقوده ذلك إلى إعادة تقييم أهداف حياته، وغالبًا ما يعيد تقييم ذاته, والأشخاص الذين يجدون صعوبةً في إعادة التوافق بين أهدافهم المهنية ومطامحهم فيها, وبين حقائق مواقف الحياة الخاصة بهم, قد يشعرون بالإحباط, بالإضافة إلى الشعور بالعقم والجمود.
وعمومًا فإنه خلال الرشد الأول يحرز معظم الرجال والنساء أعلى مكانة ودخل في حياتهم المهنية, ومع ذلك فإنهم يظهرون فروقًا واضحة في التقدم في المكانة والدخل مع زيادة العمر, وترجع هذه الفروق إلى درجة الالتزام بالعمل والميل للنجاح، ومقدار دافع الإنجاز، بالإضافة إلى بعض سمات الشخصية التي تميِّز الأكثر نجاحًا, وخاصةً سمة السيطرة والقيادة, ومن الطريف أنه لا توجد فروقٌ بين المجموعتين في درجة الرضا عن الحياة, على الرغم من اختلاف مواضع كلٍّ منهما في السُّلَّمِ المهنيّ, وقد أكدت البحوث أن بعض متغيرات الشخصية في المراهقة يمكن أن تتنبأ بالنجاح المهنيّ بعد ذلك "في طور الرشد الأوسط", ويشمل ذلك الإمكانات والقدرات العقلية, والميول من ناحية، وعوامل أخرى مثل: الطموح والإنتاجية والاستقلال والموضوعية والتسامح مع المواقف الغامضة، والمرونة, وخاصةً مرونة الأدوار من ناحيةٍ أخرى.
ومع ذلك فعلينا أن ندرك الحقائق المفجعة في العالم الذي نعيش فيه، فليس بالكفاءة وحدها يتقدم الإنسان، فلا يزال للوساطة والمحسوبية والنفاق وانتهاز الفرص دورها في تحديد من يحصل على مفاتيح النجاح, وبها قد يحقق النموّ المهني أو الترقي الوظيفي, وبدونها قد يفقد كل ذلك.
ومن المتغيرات الهامة المرتبطة بالنموّ المهني في هذه المرحلة ما يتصل بطبيعة المجتمع الحديث, وما يتسم به من سرعةٍِ في التغيُّر على نحوٍ يجعل الشخص في منتصف العمر يجد أن المهارات التي تعلمها في فترة مبكرة من حياته المهنية لم تعد مفيدة أو فعَّالة, كما كان حالها من قبل؛ فالتقدم التكنولوجي غَيَّرَ تغييرًا جذريًّا عالم العمل بالنسبة للجميع "أصحاب الياقات البيضاء وأصحاب
(1/467)

الياقات الزرقاء جميعًا", ومن ذلك مثلًا أن الآلة الكاتبة اليدوية تنقرض، وحلَّت محلها بشكلٍ متزايدٍ الآلات الكاتبة الكهربائية والإلكترونية، والتي هي في سبيلها لتخلي الطريق لآلات تجهيز الكلمات بالحاسوب "الكومبيوتر", وتوجد تغيرات مناظرة تحدث تقريبًا في كل مجالٍ من مجالات الحياة المهنية, وفي مواجهة هذه المفاجآت يجد العاملون أنفسهم -وخاصة في منتصف العمر- أنهم في حاجةٍ إلى إعادة التعلُّم وإعادة التدريب, وتنفق المؤسسات الكثير سنويًّا على برامج التدريب والتنمية المهنية، وهذا الموضوع سنتناوله بالتفصيل في الفصل التالي.
ويبقى مظهر هامٌّ وأخيرٌ من مظاهر الحياة المهنية في مرحلة وسط العمر, وهو أنه مع اقتراب المرء من التقاعد وبلوغ سن المعاش يبدأ في سؤال نفسه "ماذا سوف أفعل بوقتي؟ وتظهر قيمة هذا السؤال إذا علمنا أن معظم الناس في هذا الطور لديهم فرصٌ أكبر لممارسة أنشطة وقت الفراغ, وخاصةً بعد ترك الأبناء المنزل واستقلالهم, ولهذا فإن من أهم أهداف طور الرشد الأوسط إحداث التكامل بين العمل والأسرة ووقت الفراغ, إلّا أن مما يُؤْسَفُ له أن وقت الفراغِ لا يمثِّلُ مكانةً عاليةً في سُلَّمِ القيمِ عند الإنسان في مجتمعاتنا العربية والإسلامية, بل إننا كثيرًا ما ننظر بشيء من الشك نحو أولئك الذين يبذلون بعض الوقت في الهويات أو الألعاب الرياضية أو النشاط الاجتماعي التطوعي، على الرغم من أن أنشطة وقت الفراغ قد تساعد الإنسان على تخطي صراع الأدوار في مراحل عمره المختلفة, وعلى إشباع حاجاته بطرقٍ لا توفرها لها جوانب الحياة الأخرى -وخاصة في العمل.
وتختلف طبيعة نشاط الفراغ مع دخول المرء مرحلة منتصف العمر؛ فبينما كان معظم هذا الوقت خلال الرشد المبكر ينفق مع الأسرة، نجد معظمه بعد استقلال الأبناء ينفق على الأنشطة الشخصية التعبيرية, وتزداد أهمية مسألة وقت الفراغ مع بدء التخطيط للتقاعد, وقد وجد الباحثون أن أولئك الذين لديهم أنشطة غير مهنية لا يشعرون بأزمة التقاعد، أما أولئك الذين "يعيشون للعمل" وحده, فإنهم يتعرضون لصدمة التقاعد حقًّا, ومرة أخرى تفيد أنشطة وقت الفراغ في أن يتعامل المرء مع التغير في الدور؛ من شخصٍ عاملٍ إلى شخصٍ غير عامل، وهو أحد معالم العمر الثالث للإنسان.
(1/468)

الفصل الثامن عشر: التعلم مدى الحياة تعلم الراشدين"الكبار"
تعلم الراشدين"الكبار" والمفاهيم المرتبطة
...
الفصل الثامن عشر: التعلم مدى الحياة تعلم الراشدين "الكبار"1
تتألف مشكلة تعليم الراشدين وتعلمهم التي نتناولها في الفصل من شقين؛ أولهما يتَّصِلُ بأولئك الذين لا يزالون أميين أو ارتدوا إليها لأسبابٍ تَتَّصِلُ بعجز الاستيعاب في التعليم الإلزامي، والتسرُّب من مراحل التعليم المختلفة، أو انتهاء التعليم عند مرحلة معينة، أو الفشل في التعليم العام النظامي، أما الشق الثاني فيتصل بأولئك الذين أنهوا سنوات التعليم الرسمية بالفعل ووصولوا بذلك إلى درجةٍ من المهارة والكفاية, ومع ذلك فإن ضرورات العصر تتطلَّب منهم أن يعيدوا التعليم بعد فترات زمنية معينة, وما يتصل بهذا كله من مفاهيم حول التعليم المستمر أو التعليم مدى الحياة, وبالطبع تُوجَدُ بين الفئتين جوانب مشتركة قليلة, وجوانب مختلفة كثيرة, ونبدأ الفصل بضبط المصطلحات والمفاهيم.
تعلم الراشدين "الكبار" والمفاهيم المرتبطة:
يذكر "Kidd &Titmus,1985" أن تعليم الراشدين يمتد بجذوره إلى الحضارات الإنسانية الكبرى: مصر وفارس والصين والهند، بل تكاد الأدلة تجمع على أنه سبق تعليم الصغار "الأطفال والشباب" في الصورة الرسمية له على شكل مدرسة, وكان للحضارة الإسلامية دور بارز في ذلك أيضًا إلى الحدِّ الذي يصفه المؤلفان بأن الإسلام صنع ما يُسَمَّى في الوقت الحاضر "مجتمع التعلم" Leaning Society" عبر ثقافات وشعوب مختلفة ضمتها الدولة الإسلامية في عصور ازدهارها.
وحينما أعيد الاهتمام بالموضوع ابتداءً من القرن الثامن عشر، وتزايده خلال القرن التاسع عشر، وتحوّله إلى منظومة رسمية في القرن العشرين, ظهرت بضع مشكلاتٍ يرتبط معظمها بتعدد المنظورات التي يدرك من خلالها
__________
1 شاع في التراث العربي مصطلح "تعليم الكبار" ترجمة لمصطلح Adult Education, والأصح في رأينا أن يكون تعليم الراشدين، وهو المصطلح الذي سوف نستخدمه طوال هذا الفصل.
(1/469)

الموضوع، ولعلَّ أهمها ما يلي:
1- منظور الطبقة الاجتماعية, والذي أدَّى إلى ظهور مفاهيم مثل: التعليم الشعبي والتعليم العمالي, إلخ.
2- المنظور الوظيفي, والذي أدَّى إلى ظهور مفاهيم مثل: التعليم المهني, والتعليم الاجتماعي، والتعليم للموطنة، إلخ.
3- منظور التعليم المبدئي initial, والذي أدى إلى ظهور مفاهيم مثل: التعليم المتواصل Further Education, والتعليم المستمر Continuint Education.
وقد استخدم في أحوال كثيرة محك العمر لتحديد جمهور تعليم الكبار "أو الراشدين", وقد أشرنا في مطلع هذا الباب إلى أن العمر ليس محكًّا كافيًا للحكم على وصول المرء إلى مرحلة الرشد؛ فالرشد يعتمد في جوهره على محكَّاتٍ ثقافية في المجتمع، والمسئوليات الاجتماعية والاقتصادية التي توكَّل إلى الشخص، والنظام القانوني القائم, كما يتحدد سيكولوجيًّا بقدرة المرء على معاونة الآخرين على النضج، واندماجه واستمتاعه بسلوك ومهام الراشدين كما يحددها المجتمع، والاستقلال والتوجيه الذاتيين, وهذه العمليات كلها لا تعتمد على العمر الزمني وحده.
ففي بعض المجتمعات يتحدد التعليم الإلزامي "الأساسي" بسن معينة "14 سنة في مصر", وعدد معين من سنوات التعليم "8سنوات حتى نهاية التعليم الإعدادي في مصر", بعده يصبح التعليم اختياريًّا, وعندئذ يُعَدُّ الشخص من الراشدين؛ حيث يحقّ له العمل, وفي بعض المجتمعات الأخرى يعتبر تعليم الراشدين خارج المنظومة الرسمية للتعليم ابتداءً من التعليم الابتدائي, وحتى التعليم العالي, مهما كان عمر الملتحقين به.
وقد حاول البعض تعريف تعليم الراشدين باعتباره عملية لا ترتبط بالعمر الزمني؛ حيث يحقُّ للأشخاص الذين أنهوا الحلقة المبدئية من تعليمهم المستمر أن يواصلوا بأنشطة متتابعة ومنظمة لتنمية معلوماتهم ومعارفهم ومهاراتهم واتجاهاتهم.
وظلَّ الموضوع غير محدد المعالم حتى تقرَّرَ في المؤتمر العام لليونسكو, الذي انعقد عام 1976 بحضور 142 دولة, الاتفاق على تعريفٍ لتعليم الراشدين "الكبار" يتضمن العناصر الآتية:
(1/470)

1- العمليات التربوية المنظمة التي تؤدي إلى إطالة التعليم المبدئي أو الحلول محله في المدارس والكليات والجامعات, وكذلك التلمذة الصناعية.
2- يشمل المصطلح هذه العمليات سواءً رسمية أو غير رسمية.
3- توجه هذه العمليات إلى الأشخاص الذين يعتبرون راشدين بمعايير المجتمع الذي ينتسبون إليه, وذلك بتنمية قدراتهم وإثراء معارفهم، وتجويد مؤهلاتهم الفنية والمهنية, أو تحويلهم إلى مسارات جديدة، وإحداث تغيرات في اتجاهاتهم وسلوكهم.
4- يهدف ذلك إلى تحقيق التنمية ببعديها: النمو الشخصي الكامل من ناحية, والمشاركة في التنمية المستقلة والمتوازنة اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا من ناحيةٍ أخرى.
الافتراضات الأساسية في تعليم الراشدين:
يستند تعليم الراشدين إلى مجموعة الافتراضات الأساسية هي:
1- الراشد إنسانٌ حُرٌّ مسئولٌ عن أفعاله، ومن هنا تكون له الحرية في المشاركة في أيِّ خبرةٍ تعليمية يختارها، وفي تحديد محتوى طبيعة هذه الخبرة.
2- يحتاج الفرد والمجتمع إلى استمرار التعليم طوال حياة الراشد؛ فالراشدون جميعًا يحتاجون إلى التعليم، إلّا أن هذه الحاجة تكون أشد عند أولئك الذين تلقوا من التعليم قدرًا أقلَّ في مراحل نموِّهم السابقة "الطفولة والصبا والشباب"، ولهذا تكون لهؤلاء أولوية في تقديم هذه الخدمات التربوية.
3- مع التقبُّل المتزايد لمبدأ التعلُّم مدى الحياة, سادت فكرة أن التعليم حقٌّ لكلِّ فردٍ مهمَا كان عمره.
وقد حظيت هذه الافتراضات بقبولٍ واسع النطاق على مستوى النظرية، إلّا أن الممارسة كشفت عن قدر لا بأس به من المشكلات, سواء في تفسير المبادئ, أو في الصراع فيما بينها، أو في المواءمة بين هذه المبادئ والتوجهات السياسية والفلسفية والاقتصادية السائدة في المجتمع، أو في مدى تكييفها لمواقف عملية واقعية.
ومن أمثلة هذه المشكلات الصراع بين حاجات الأفراد وحاجات المجتمع, ومسألة أن مشاركة الراشدين في التعليم اختيارية مع زيادة الطلب في بعض المهن على التعليم المهنيّ المستمرّ، وموضوع الاهتمام في تعليم الراشدين بأولئك الذين
(1/471)

لم يكن لهم حظٌّ كبيرٌ منه في مراحل حياتهم السابقة، لحساب غيرهم في الوقت الذي يتعرض الجميع فيه لتغيرات اجتماعية وثقافية متسارعة تتطلب استمرار التعليم.
بعض المفاهيم الأخرى المرتبطة:
على الرغم من الجهود التي بُذِلَتْ للوصول إلى تعريفٍ دقيقٍ لتعليم الراشدين وتعلمهم, إلّا أن ذلك لم يتحقق تمامًا، ولهذا ظهر في الميدان عدد من المفاهيم الأخرى تضاهيه أو تصوبه أو تضبطه أو تتجاوزه، إلّا أنها لم تخلُ أيضًا من قدرٍ من الاختلاف، وهذه المفاهيم هي:
1- التعليم اللارسمي: وقد استُخْدِمَ هذه المفهوم منذ أوائل الستينات كبديلٍ لمصطلحٍ أقدم منه, وهو "التعليم الاجتماعي", إلّا أن المطابقة بين هذا المفهوم وتعليم الراشدين ليس مقبولًا تمامًا؛ فالتعليم اللارسمي يمكن، بل يجب أن يستخدم مع الأطفال والشباب أيضًا.
ومن المصطلحات المرتبطة مفهوم "التعليم غير الرسمي" الذي استُخْدِمَ منذ فترةٍ مبكرةٍ أيضًا, ولكنه سرعان ما اختفى, فمن المعلوم أن قدرًا كبيرًا من تعليم الراشدين في الوقت الحاضر جزء من منظومة التعليم الرسمي.
ويسود اتجاه في الوقت الحاضر إلى التحديد الدقيق للمفاهيم الثلاثة: التعليم الرسمي واللارسمي وغير الرسمي بحيث تصلح للاستخدام مع الأطفال والشباب والراشدين جميعًا من خلال منظومةٍ كليةٍ ومتكاملة للتربية؛ فالتعليم الرسمي يستخدم في وصف المنظومة المرتبة حسب العمر، ابتداءً من المدرسة الابتدائية وحتى التعليم الجامعي والعالي، وتشتمل الدراسة الأكايمية والبرامج المتخصصة والتدريب المهني.
أما التعليم اللارسمي informal فهو عملية تعليم مدى الحياة؛ حيث يكتسب بها جميع الأفراد الاتجاهات والقيم والمهارات والمعارف من خبرات الحياة اليومية, ومن التأثيرات, والمصادر التربوية في البيئة دون تخطيط منظَّمٍ مقصودٍ لهذا التعلم.
أما التعليم غير الرسمي nonformal فيمكن تعريفه بأنه أيُّ نشاطٍ تربويٍّ منظَّمٍ خارج المنظومة الرسمية المؤسسية للتعليم "المدرسة أو المعهد أو الكلية" سواءً أكان منفصلًا أم جزءًا من نشاط تربوي أكثر اتساعًا؛ بحيث يقدَّمُ إلى جمهور تعلم محدد, ويسعى لتحقيق أهداف واضحة.
(1/472)

2- التعليم المناوب: منذ أوائل السبعينات ظهر مصطلح آخر "وخاصةً في أوربا" هو التعليم المناوب Recurrent Education، ويُعَرَّفُ بأنه استراتيجية تعليمية شاملة لجميع المواطنين بعد المرحلة الإلزامية من التعليم "التعليم الأساسي", تمتد على نطاق المدى الكليّ لحياة الإنسان بطريقة تناوبية، حيث يحل التعليم على فترات متقطعة محل أنشطةٍ أخرى؛ مثل: العمل ووقت الفراغ والتقاعد, حسب الحاجات الفردية للمتعلمين, والحاجات المتغيرة لسوق العمل.
والتعليم المناوب بهذا المعنى هو عملية تعلُّم مدى الحياة, يتضمن مشاركة متقطعة ودورية في البرامج التربوية سعيًا لإذابة الفوارق بين التعليم والأنشطة الأخرى, وخاصةً العمل, تحقيقًا لمبدأ التنمية المتواصلة مدى الحياة "Houghton & richardson, 1974".
3- التعليم المستمر: يعرف "Thomas, 1981" التعليم المستمر Continaing Education بأنه نظام في التعليم يشمل التعليم الرسمي وغير الرسمي, يتحدد مكوناته ومؤسساته في ضوء أهداف تربوية محددة, وليس في ضوء العمر الزمني أو ظروف المتعلمين.
ومعنى ذلك أن التعليم المستمر يجب أن يتاح للجميع في جميع الأعمار, سواء أكان إجباريًّا أم اختياريًّا، أو كان يتطلب التفرغ الكامل أم عدم التفرغ.
ويختلف التعليم المستمر عن غيره من الأنشطة التربوية في المجتمع بأنه يعطي الشخص اعترافًا عامًّا أو شهادةً لمن يكمل برامجه، وهو بذلك يتطابق مع ما يُسَمَّى في الوقت الحاضر التعليم المفتوح Open Education، أو ما كان يُسَمَّى حتى عهد قريب التعليم المتواصل Further Education، وفي جميع الأحوال فإن التعليم المستمر هو نوع من التعلم وإعادة التعلم، والتدريب وإعادة التدريب لمواجهة المطالب المهنية والشخصية المتزايدة والمتجددة "Houghton, Richardson, 1974".
4- التعليم مدى الحياة: لعل مفهوم التعليم مدى الحياة Lifelong Education هو أكثر المفاهيم شيوعًا في الوقت الحاضر، وهو بالطبع أكثر المفاهيم ارتباطًا بموضوع هذا الكتاب الذي يتناول النموَّ مدى الحياة Life-span Devekopment.
ويقصد بالتعلُّم مدى الحياة: العملية التي يستمرُّ بها الإنسان في تنمية معارفه ومهاراته واتجاهاته عبر مدى حياته من الطفولة حتى الشيخوخة "وسوف نشير في
(1/473)

الباب التالي إلى مسألة تعليم المسنين", وهو نوع من النمو والتنمية الموجهين ذاتيًّا, ويتطلب ذلك فهم المرء لذاته وللعالم المحيط به، سواء كان ماديًّا أو اجتماعيًّا، واكتساب مهارات جديدة, أي: الاستثمار الذاتي.
وبالطبع فإن هذه العملية قد تتم في إطار ما يُسَمَّى التعليم مدى الحياة Lifelong Education، والمقصود بذلك أن يتمَّ التعلُّم Leatning من خلال إجراءات منظمة تهيئ للناس فرص تحقيق هذا التعلم "راجع تمييزنا بين التعلم والتعليم في كتابنا علم النفس التربوي", فالتعلُّم مدى الحياة، وتعلُّم الكبار, يشيران إلى نمطٍ أساسيٍّ من أنماط السلوك الإنساني، بينما تعليم الكبار، والتعليم مدى الحياة يشيران إلى الخبرات المنظمة والمتتابعة التي تُعَدُّ لمقابلة حاجات المتعلمين, وهكذا يكون التعليم مدى الحياة هو الوسيلة التي يتحقق بها التعلُّم مدى الحياة, باعتباره التغيُّر المستمر الحادث في سلوك الإنسان.
فالتعلم مدى الحياة -إذن- يشمل المدى الكليّ لحياة الإنسان "النمو مدى الحياة"، ويؤدي إلى اكتسابٍ منظَّمٍ للمعارف والمهارات والاتجاهات، أو تجديدها أو تطويرها أو استكمالها، كلما دعت الحاجة والضرورة إلى ذلك، استجابةً للظروف والأحوال المتغيرة في الحياة المعاصرة, تحقيقًا لمبدأ الوفاء بإمكانات الذات Self-Fulfimint لدى كل فرد, ويُعْتَمَدُ في تحقيق ذلك على نجاحه في تنمية قدرة الفرد ودافعيته للاندماج في أنشطة التعلم الموجهة ذاتيًّا Selef-directd "Cropey 1980", على أن تستمرَّ في ذلك جميع موارد التعلم, سواء كانت رسمية أو لا رسمية أو غير رسمية، مع إحداث التكامل الواجب بين جميع بنى التعليم ومراحله على أساس البعد الرأسي "الزمني", والبعد الأفقي "المكاني", مع توفير خاصية المرونة والتنوع عبر الزمان والمكان والمحتوى وأساليب التعليم "Dave, 1976".
(1/474)

دافع التعلم عند الراشدين
...
دوافع التعلم عند الراشدين:
لعل السؤال الجوهريّ في ميدان تعلم الراشدين وتعليمهم هو: ما الذي يدفعهم إلى ذلك, وخاصة إذا كان التعلم هنا يعتمد في جوهره على حرية الإرادة والاختيار؟
من أشهر المسوح التي أجريت حول دوافع التعلم عند الراشدين, ما قام به المعهد القومي لتربية الراشدين في بريطانيا Education National lnstiute of Adudt ونشر عام 1970, وقد كشف هذا البحث عن بعض الصعوبات المنهجية في هذا الميدان, لعل أهمها:
1- قد يشعر الراشد بالتردد في ذكر دافع واحد للتعلُّم باعتباره الأكثر أهمية من الدوافع الأخرى.
2- قد يرغب الراشد في أن يخفي الدافع الحقيقي للتعلُّم, والذي قد يشعر أن الآخرين ربما يرفضونه.
3- قد يتأثر الراشد بعامل المرغوبية الاجتماعية Social desirability حين يعتقد أن هناك دوافع لها احترام تربوي أكثر من غيرها.
4- قد لا يكون الراشد واعيًا بدوافعه الحقيقية للتعلُّم، فربما يكون دافعه الظاهريّ مهنيًّا، بينما دافعه الحقيقي اجتماعيّ.
وتوجد مجموعة من الحقائق الهامة تجب الإشارة إليها في هذا الصدد, وأول هذه الحقائق أن جميع الدوافع المعروفة في تعلُّم الأطفال والمراهقين تعتبر سطحية عند الراشدين؛ فإذا كان دافع التعلُّم الأساسي لدى الصغار هو دافع الإنجاز مثلًا "كما يتمثل في النجاح والتفوق المدرسي", فإن هذا الدافع لدى الراشدين هو تحقيق الحاجة إلى الإنفاق.
والحقيقية الثانية في موضوع دوافع الراشدين للتعلُّم, هي أن الراشدين يكونون عادةً أكثر دافعية من الصغار؛ فالكبار أكثر توجهًا نحو الاستقلال والاعتماد على الذات، وأدوارهم أكثر تعددًا، وخبراتهم أكثر تنوعًا, كما أنهم أكثر توجهًا بالمشكلات "Boshier, 1985".
والحقيقة الثالثة: أن الدور التربوي الأساسي للطفل والمراهق والشاب, هو دور المتعلِّم الذي يمكن أن يتفرغ له، أما بالنسبة إلى الراشدين فإن التفرغ لهذا الدور يكاد يكون مستحيلًا، ولهذا فإن دوافعهم للتعلُّم تشتق من أدوار الرشد المتعددة: الزوج، الوالد، العامل، المواطن، إلخ، وهي أدوار تتفاعل فيها الحاجات الشخصية مع الحاجات الاجتماعية والمجتمعية، ولهذا فإن دافع التعلُّم لدى الراشدين لا تقبل الاختزال إلى دافع واحد, وإنما هي متفاعلة متداخلة.
بنية دافعية التعلُّم لدى الراشدين:
من الدراسات المبكرة التي أُجْرِيَتْ على دوافع الراشدين للتعلُّمِ تلك التي قام بها "Houle, 1961"، وفيها ميَّزَ بين ثلاثة أنماطٍ من الدافع هي:
1- التوجه بالهدف: وفيه يستخدم الراشد التعليم كوسيلة لإحراز أهداف
(1/475)

واضحة إلى حَدٍّ ما.
2- التوجه بالنشاط: وفيه يشارك الراشد في التعليم بسبب ما في أنشطته من معنى قد لا يرتبط بالضرورة بالمحتوى أو الأغراض المعلنة.
3- التوجه بالتعلُّم: وفيه ينشد الراشد اكتساب المعرفة أو المهارة في ذاتها.
وقد استند "Boshier, 1971, 1984" إلى هذا التصور المبدئي, وصمَّمَ مقياسًا للمشاركة التربوية Educatiln Patricipation Scale, طبَّقَهُ على عيناتٍ كبيرةٍ من الراشدين في ثقافاتٍ وبيئاتٍ مختلفةٍ طوال السبعينات والثمانيات، وحلَّلَ النتائج باستخدام أسلوب التحليل العاملي, وتوصل إلى ستة عوامل تمثل الأنماط الأساسية لدوافع الراشدين للتعلُّمِ، وهذه العوامل الستة هي:
1- الاتصال الاجتماعي Social contact: حيث يشارك الراشدون في برامج التعلُّمِ بهدف تكوين وتدعيم صداقات وعلاقات اجتماعية, والبحث عن التَّقَبُّلِ من الآخرين، فالمشاركة أساسها الحاجة إلى أنشطة جماعية ملائمة.
2- الاستثارة الاجتماعية Social stimuation: فالهدف في هذه الحالة من التحاق الراشدين ببرامج التعلُّمِ هو التخفف من السأم والملل، والتغلُّب على إحباطات الحياة اليومية -والتحرر- ولو لبعض الوقت- من المسئوليات الروتينية.
3- الترقي المهني Professional Advancement: فالتعلم في هذه الحالة يعتمد على الرغبة في تحسين الأحوال المهنية للراشد, وتحقيق درجةٍ من الترقي والنمو في مجال العمل.
4- خدمة المجتمع Community Sirvici: فالرغبة في التعلُّمِ هنا تعتمد على السعي لتنشيط دور المواطنة لدى الراشد، وإنما قدرته على المشاركة في العمل المجتمعي.
5 التوقعات الخارجية External Expectations: فالراشد يلتحق ببرامج التعليم في هذه الحالة تحقيقًا لرغبات أو مطالب الآخرين "جمعية مهنية، نقابة، سلطة منح ترخيص مزاولة المهنة، أخصائي نفسي، صاحب العمل، إلخ".
6- الاهتمام المعرفي: Cognitive lnterest: حيث يهتم الراشدون بالتعلُّمِ في ذاته ولذاته؛ حيث يوجهه البحث عن المعرفة وإرضاء الحاجة إلى الاستطلاع والاستكشاف والتساؤل والتقصي.
(1/476)

تصنيف دوافع التعلم عند الراشدين
...
تصنيف دوافع التعلُّمِ لدى الراشدين:
يمكن أن تصنف دوافع التعلُّمِ لدى الراشدين إلى فئاتٍ ثلاث أساسية هي: الدوافع المهنية، ودوافع الذات، والدوافع الاجتماعية، ونعرض لهذه الفئات فيما يلي:
أولًا: الدوافع المهنية: من أهم الدوافع للتعلُّمِ عند الراشدين على الإطلاق -وخاصة عند الراشدين الصغار- الدوافع المهنية voctional, أي: ما يتصل بالالتحاق بالعمل, أو النموِّ والترقية فيه, وقد لوحظت أهمية هذا النوع من الدوافع, فقد وُجِدَ أن حوالي 10% من الدارسين في الفصول غير المهنية, ذكروا أن دافعهم الأساسي مهنيٌّ في جوهره, ومن الواضح أنه في البرامج ذات الطابع الصناعي أو المهني المباشر سوف يسود هذا الدافع إلى الحد الذي يمكن أن يستبعد جميع الدوافع الأخرى.
إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه أنه في معظم برامج تربية الراشدين أو التدريب الصناعي, نجد أن ما يبدو أنه دافع مهني مباشر قد يتغلب عليه دوافع أخرى؛ مثل: الميل إلى موضوع التعليم لذاته، أو الرغبة في البحث عن مجالٍ لتخفيف آثار الملل الناجم عن العمل الروتيني, من خلال "الترويح" أو "قضاء الفراغ"؛ حيث لا نجد العنصر المهني واضحًا.
ثانيًا: دوافع تنمية الذات: توجد فئة أخرى من دوافع التعلُّمِ عند الراشدين يمكن أن تُسَمَّى دوافع تنمية الذات self-development، أو الدوافع الشخصية, كما تتمثل في رغبة الفرد في تحسين تعليمه العام, أو الرغبة في إشباع الميل نحو موضوعٍ معينٍ أو هواية خاصة, وكثير من المسوح التي أُجْرِيَتْ أثبتت أن هذه الدوافع شائعة لدى الراشدين، وهي أكثر شيوعًا عند النساء منها عند الرجال، حتى أن النساء اعتبرنها دوافعهن الأساسية بالمقارنة بالدوافع المهنية عند الرجال.
والواقع أن التمييز بين الدوافع المهنية ودوافع تنمية الذات ليس حاسمًا، فإذا علمنا أن معظم النساء اللاتي اخترن الدوافع الشخصية؛ كدوافع للتعلم, كن من النوع التي تسميه جافرون "1968" "الزوجات الأسيرات" "captive wives"، أي: الأمهات الصغيرات والزوجات في وسط العمر, اللاتي يشعرن بالعزلة داخل أسرهن، وهؤلاء يشعرن بالحاجة إلى تحسين تعليمهن العام؛ كطريقة لإثبات أنهن لازلن
(1/477)

مستقلات وقادرات على التفكير, سواء لأنفسهن أم لأسرهن، إلّا أن هذه الحاجة قد تمتد أيضًا عندهن لتتمثل في اعتبار هذا التعليم تدريبًا أوليًّا على عمل جديد؛ فعمل ربة البيت عندهن -مهما كان صعبًا وشاقًّا- لا يعد عملًا بالمعنى الشائع في المجتمعات الموجهة بالعمل الذي يتخذ في جوهره صورة الجهد المدفوع الأجر.
وهذا النوع من النساء -الذي يزداد عدده في الوقت الحاضر في مجتمعاتنا العربية- يشعرن أحيانًا بالسعادة بأي تعليم يسمح لهنّ بالخروج من المنزل، ومعه يبدو ميلٌ متزايد لاختيار فرع التعليم الذي يقود إلى اكتساب بعض المهارات؛ لأن هذا يهيئ لهن ليس فقط هدفًا واضح المعالم يتحداهن، وإنما يعتبر أيضًا خطوة نحو عالم العمل وما يرتبط به من مزيدٍ من احترام الذات.
ثالثًا: الدوافع الاجتماعية: من الأساطير الشائعة حول تربية الراشدين أنهم يسعون إلى التعليم لأسباب اجتماعية في جوهرها, ومن المؤكد أن من السهل إدراك أن المرأة -إلى جانب الدوافع العقلية والمعرفية- للتعلُّم، كما أن كثيرًا من الدارسين الرجال قد تكون لديهم أهداف اجتماعية يسعَوْنَ إلى تحقيقها من خلال هذا التعلُّم، إلّا أن البحوث المسحية التي أُجْرِيَتْ أثبتت أن الدوافع الاجتماعية ليست شائعة الذكر عند المتعلمين الراشدين، ففي مسح المعهد القومي لتربية الراشدين لم يذكرها سوى 10% فقط من عينة البحث,
إلّا أن هذا لا يعني أن الدوافع الاجتماعية لا تلعب دورًا في تعليم الراشدين، فبعض هؤلاء يلتحقون في البرامج بحثًا عن الأصدقاء، بل إن بعض هؤلاء يذكرون ذلك صراحةً تخفيفًا من الوحدة بعد فقدان شريك العمر، وفي بعض الأحيان قد يلتحق بالدراسة مجموعة من الأصدقاء أو الجيران لا تتوحد اهتماماتهم وميولهم حول موضوع معين, وإنما لمحض أن يلتقوا, بل إن بعض هؤلاء يسعى للتعليم لأن صديقًا حميمًا لهم قرر هذا بالفعل، بل إن الباحث في هذا الميدان كثيرًا ما يسمع من الدارسين الراشدين أنهم التحقوا بالدراسة لشغل وقت الفراغ, وحين يختارون ما يدرسون -في فصول الخدمة العامة مثلًا- يكون غرضهم من الاختيار غير مادي, ومن ذلك دراسة تنسيق الحدائق، والموسيقى، والأشغال المعدنية والفنون وغيرها.
ومن ناحيةٍ أخرى يجب ألَّا نعتبر هذه الدوافع فئة مستقلة عن الدوافع الأخرى التي أشرنا إليها، فلا يوجد سبب معقول للقول أن الدارسين الراشدين الذين
(1/478)

الذين يكون دافعهم الأولى اجتماعيًّا في جوهره يرفضون عملًا يرتبط بالمعارف والمهارات التي تعلموها في هذا السن, بل إن هؤلاء قد يسعون إلى العمل بالفعل إشباعا للحاجة إلى الأمن داخل جماعة.
وقد حاول بعض المربين الربط بين الدافع للتعلم ودورة الحياة عند الإنسان, ومن ذلك مثلًا القول بأن دوافع التعلُّم في الرشد المبكر ترتبط بالحصول على المعلومات واكتساب المهارات الخاصة بتكوين الأسرة وإدارة المنزل وتربية الأطفال والتكيُّف لظروف العمل ومطالبه, وفي مرحلة وسط العمر تتمركز دوافع التعلُّم على ما يُشْبِعُ المطالب المتغيرة للعمل والنمو المهنيّ، وطرق التعامل مع الأبناء المراهقين والشباب, والتغلب على جوانب الفشل التي قد يتعرض لها المرء, وخاصةً مع إحباط بعض المطامح الشخصية والآمال الخاصة, أما في مرحلة الرشد المتأخرة "الشيخوخة" فترتبط الدوافع الهامة للتعلُّم بالتكيف للتقاعد ونقصان القوة الجسمية واستغلال وقت الفراغ استغلالًا مفيدًا, والبحث عن فلسفةٍ للحياة تعطيها معنًى ومغزًى واضحين من خلال المعرفة الدينية خاصةً.
ولا شكَّ أن في اكتشاف الدوافع الكامنة أو الأقل وضوحًا من المسائل الصعبة وتستحق الجهد الذي يبذل في ذلك؛ لأنها تحدد لنا بالفعل ما يمكن أن يدفع الإنسان الراشد للتعلم, وقد يكون من أهم الدوافع هنا رغبة المتعلِّم في اختيار نفسه, وفي هذا نميز بين دوافع الالتحاق ببرنامج الدراسة ودوافع التعلم بالفعل، فما يرغب الدارسون في تعلمه قد يكون شيئًا مختلفًا تمامًا عَمَّا يُقَدَّمُ لهم بالفعل، فليست دراسة اللغات أو ميكانيكا السيارت في ذاتهما هي التي تدفع الدارسين الراشدين للتعلُّم، وإنما قد يكون الأكثر أهميةً عندهم أن يهيئوا لأنفسهم فرصةً لمعرفة ما إذا كانوا يستطيعون تعلُّم شيءٍ يظنونه صعبًا أو مستحيلًا.
وبالطبع فإن دوافع التعلم عند الراشدين -كغيرهم من فئات المتعلمين- قابلة للتغير، وهذا التغير ذو وجهتين؛ فالدارس مثلًا الذي يأتي للتعلُّم مليئًا بالحماس والرغبة قد يفقد بسرعة أو بالتدريج هذا الحماس وتلك الدافعية العالية إذا كان موضوع التعلم سيئ العرض, أو كانت طريقة التعليم وظروفه غير مشجعة, وبالمثل فإن الدارس الذي يأتي إلى برنامج الدراسة لأن "صديقًا" مشترك له فيه دون رغبة حقيقية في التعلُّم قد يتحول إلى الحماس القوي للتعلم والرغبة الشديدة فيه إذا كان التدريس جيدًا, وفي بعض الأحيان قد يكون الجو الاجتماعي في البرنامج أحد العناصر التي تدفع الدارسين للاستمرار فيه, وعند البعض قد يكون
(1/479)

مصدرًا لدهشة الدارسين بل واستنكارهم، فهو عندهم نوع من الفوضى وضياع الوقت لمن جاءوا بمحض الحماس للتعلُّم المعرفي وحده, ومعنى هذا أن معلِّمَ الراشدين مطالَبٌ بمعرفة وتقبل وفهم الدوافع الأصلية للتعلم عند المتعلمين، واستخدامها في إعداد مواقف تعليمية على درجةٍ عاليةٍ من الملاءمة والدينامية والكفاءة, وإذا كانت هذه المسألة لها أهميتها في تعلُّمِ الراشدين المتعلمين بالفعل والباحثين عن مزيد من التعلم، تحقيقًا لمبدأ التعليم المستمر، كما هو الحال في برامج التدريب أثناء الخدمة أو برامج الخدمة العامة والثقافة العامة التي تقدمها بعض الجامعات، فإنها أكثر أهميةً وحيويةً في تعلم الراشدين الأميين, ومعظم أسباب فشل جهود محو الأمية ترجع في جوهرها إلى الفشل في التَّعَرُّفِ الواضح على دافع التعلم عند هؤلاء، وهي مسألة لم تَحْظَ بجهودٍ جادَّةٍ من الباحثين في هذا الميدان.
(1/480)

مثبطات التعلم عند الراشدين"التسرب"
...
مثبطات التعلم عن الراشدين "التسرب":
لا شكَّ في أن المتعلِّمَ الراشد يختلف عن المتعلِّمِ الصغير "الطفل أو المراهق أو الشاب" في مسألة هامة, وهي أنه أكثر حريةً في الاستمرار في التعليم أو الانقطاع عنه, وقد شغل هذا الموضوع اهتمام الباحثين في ميدان تربية الراشدين وتركز انتباههم حول التسرب Dropout والفقد Wastage في تعليمهم، بالإضافة إلى ما يمكن استنتاجه في المحتوى أو مناخ المؤسسة أو علميات التدريس.
ومن هذه الدراسات يمكن أن نستخلص صورةً عامةً لما نسميه مثبطات التعلُّم عند هذه الفئة من المتعلمين, نوجزها فيما يلي:
1- العوامل الرئيسية لانقطاع الراشدين عن التعلُّمِ لا ترجع في جوهرها إلى خصائص التدريس، وإنما يذكر هؤلاء عوامل أخرى؛ مثل: المرض أو الانتقال إلى مكان آخر، أو تغيير العمل, أو الاضطراب المنزلي والعائلي, أو عدم الاستقرار في العمل, وبالرغم من أن هذه النتائج تعطي المعلمين إحساسًا بالراحة؛ لأنهم ليسوا السبب الأساسيّ لانقطاع الراشدين عن الدراسة، إلّا أنها تستحق الاهتمام, فحتَّى لو تناولناها بقيمتها الظاهرة فهي توحي بأن الالتحاق ببرامج الدراسة عند كثير من
(1/480)

الراشدين هو نشاط ثانوي أو هامشي، بل قد يكون في ذاته مصدرًا للاضطرابات داخل الأسرة أو في محيط العمل.
2- يذكر حوالي ثلث المنقطعين عن الدراسة من الراشدين في مسح NlAE المشار إليه آنفًا, أن العوامل الأساسية لذلك هي مجموعة من مشاعر عدم الرضا عن الدراسة أو طريقة التدريس, ولذلك تأتي عوامل الإحباط المرتبطة بالدراسة تالية مباشرة للعوامل المشار إليها في الفقرة السابقة.
3- الفئة الثالثة من عوامل الانقطاع عن الدراسة عند الراشدين "والتي حددها حوالي ربع المفحوصين في البحث السابق" ترتبط في جوهرها باتجاهات الدارسين أنفسهم، كما يتمثَّل في فقدان الميل للدراسة، أو بسبب تحوّل اهتمامهم إلى موضوع جديد بديل.
4- توجد فئة رابعة من العوامل ترتبط بالجوِّ الاجتماعيِّ في برنامج الدراسة، فيذكر البعض أنهم انقطعوا عن الدراسة لأنهم لا يحبون الدارسين الآخرين زملاءهم في الفصل, وهذا العامل يثير عند الباحثين في هذا الميدان مسألة هامة تتصل بضرورة الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية بين الدارسين أنفسهم؛ فالدارس الراشد بل والدارس الصغير، يتأثر بالنجاح أو الفشل في العلاقات الاجتماعية بين أعضاء جماعة التعلُّم.
5- ذكر بعض الدارسين مستويات الدراسة كسبب للانقطاع عنها, ومن الطريف أن نشير إلى أن عددًا كبيرًا من هؤلاء المتسربين ذكروا أنهم شعروا بأن مستويات العمل أثناء التعليم بسيطة أو تافهة أكثر ما ذكروا أنها صعبة، وآخرون ينتقدون البرامج التي قُدِّمَتْ لهم بأنها قصيرة أكثر منها طويلة، وهذه المسألة تثير عند المهتمين ضرورة النظر إلى برامج تعليم الراشدين بحيث تمتدُّ في مدًى زمنيٍّ كافٍ، وتكون من النوع الذي يفرض بعض المطالب عليهم حتى يستمتعون بها.
وتثير النتائج السابقة مجموعة من التساؤلات حول دوافع ومثبطات التعلم عند الراشدين, ومن ذلك أنها لا تدلنا على ما يطرأ على سلوك أولئك الذين يستمرون في تعلمهم إذا تغيرت الظروف بحيث تلائم حاجات المتسربين، كما أن من الصعب، حتى ولو استخدمنا أفضل وسائل البحث وجمع البيانات، الكشف بدقة عن مركب الدوافع الذي يدفع الإنسان إلى التعلم أو يعوقه عن ذلك, فقد لا يعرف الدارسون جيدًا لماذا تركوا الدراسة، وقد يشعرون بالخجل لذلك، وخاصةً إذا أدركوا أن سبب ذلك هو صعوبة المهام التعليمية, ولهذا قد يلجأون إلى إخفاء
(1/481)

الدافع الحقيقي وراء سبب أكثر حيادًا من الناحية الانفعالية، وقد تلعب حينئذ الحيل الاشعورية" كالتبرير" دورها المعروف، وإلّا فكيف يمكن للمرء أن يحكم على الدافع الحقيقي لترك الدراسة حين يقول الدارس مثلًا "سأعود إلى عملي قانعًا بما حصلت":
1- فهل الدارس يخفي عن نفسه حقيقة أن البرنامج كان صعبًا عليه؟
2- هل هو يحاول حفظ ماء وجه المعلِّمِ بإعطاء سبب خارجيٍّ بدلًا من إيذاء شخص يحترمه؟
3- هل هو يتجنب عدم موافقة زملائه من الدارسين, وخاصةً حين يعلم أن انسحابه من الدراسة قد يؤدي إلى وقف البرنامج بسبب نقص عدد المسجلين فيه؟
4- أم هو السبب البسيط الذي ذكره بالفعل؟
قد يكون بعض هذا أو كله هو السبب الحقيقي لترك الدراسة، وما يذكره الدارس على أنه السبب الرئيسي قد لا يكون سوى مركب من مشاعر عديدة؛ من الأحباط والفشل وعدم الرضا عن الدارسة.
وتوجد مشكلة أخرى تثيرها بحوث دوافع ومثبطات التعلُّمِ عند الراشدين, وهي أن الراشدين قد يميلون إلى إعطاء الإجابات التي يتوقعها الفاحصون "عند استخدام طريقة المقابلة" أو التي لها مرغوبية اجتماعية "عند استخدام وسائل التقرير الذاتي", وبصفة عامة فإن من الأفضل أن يكون الفاصحون مستقلين عن برنامج تعلم الراشدين ذاته، ونضرب مثلًا على ذلك بدراسة نيوسن وزوجته التي أجرياها عام 1963, حول أنماط رعاية الطفل, وفيها اختلفت نسبة الأمهات اللاتي أجبن على أسئلة المقابلة, حين كانت الفاحصات زائرات صحيّات يعملن في برنامج رعاية الطفل من ناحية، ثم طالبات جامعيات محايدات, وعلى آية حالٍ, فإن موضوع التسرُّبِ لا يزال في حاجةٍ إلى بحوث أكثر جدية مما تَمَّ حتى الآن، وحبذا لو أمكن الكشف عن مركب العوامل التي تؤدي إليه والذي يشمل الظروف الخارجية "في البيت أو العمل" وعدم الرضا الشخصي، والفشل في العلاقة بين المعلِّمِ والدارسين، وجوانب التوتر التي تستثار في الجماعة، وظروف الدارسة العامة، وهي تحدد جميعًا معظم مثبطات التعلُّمِ عند الراشدين, وبالتالي تسربهم.
ولعل ذلك كله يفيد في التوصُّلِ إلى ما يسميه "Boshir, 1985" حسن المطابقة بين خصائص المتعلمين الراشدين وبيئة تعلمهم، أو بين السمات والمعالجات، ولعلنا نتوصل إلى تحديد الظروف التي تدفع بعض هؤلاء المتعلمين إلى الاستمرار في التعلم والمثابرة عليها، أو التوقف عنه والتسرب منه.
(1/482)

مشكلات المتعلمين الراشدين
القلق
...
مشكلات المتعلمين الراشدين:
يمكن أن نلخِّصَ مشكلات المتعلمين الراشدين على النحو الآتي:
1- القلق:
فالمتعلم الراشد يتميز بالخوف الشديد من الفشل, أو الظهور بمظهر العجز عن التعلم، سواء كانت البرامج التي يلتحق بها ترويحية أو تدريبية أو تعليمية بالفعل, ويبدو لنا أن هذه سمة تميز المتعلمين الراشدين في جميع الأحوال, وقد يؤدي القلق الناجم عن ذلك إلى ضعف الأداء ويدعم مخاوف المتعلِّم.
وبالطبع توجد استثناءات لذلك؛ فالراشدون الصغار، وخاصةً أولئك الذين أنهوا تعليمهم حديثًا, قد لا يشعرون بالقلق لأنهم يشعرون أنهم في بيئة مألوفة, وقد لا يتوقع هؤلاء الدارسون أن يجدوا العمل التعليمي صعبًا، بالإضافة إلى أنهم قد يعتبرون التربية خبرة ممتعة ومثيرة للاهتمام, ومن هؤلاء أيضًا أولئك الدارسون الراشدون الذين يستمرون في الذهاب إلى نفس الفصول لعدة سنوات "فصول تعلُّمِ الخياطة للنساء مثلًا", وكذلك الذين يذهبون إلى برنامج يلعب فيه التدريس أو التعليم وليس "التعلم" الدور الحاسم, ومن ذلك كمثالٍ متطرفٍ المحاضرات العامة التي تستغرق ساعة يتبعها عدة دقائق للمناقشة, ولا شكَّ في أن أي برنامج لا يتضمن مكوّن الاختبارات من أيِّ نوعٍ يكون دارسوه من النوع الذي لا يشعر بالقلق، إلّا أن ما يحدث بالفعل في معظم الأحوال أنه مع عدم وجود القلق لا يوجد تعلم أيضًا، ربما بسبب نقصان الدافعية عند المتعلِّم.
ومن الواضح أنه في البرامج التطوعية لتعليم الراشدين -على الأقل- لن يكون القلق هو الانفعال السائد عند المتعلِّمين، وإلّا فإنهم لن يلتحقوا بهذه البرامج على الإطلاق, وقد تكون الميول والاهتمامات هي الأقوى عند غالبية الدارسين, وهذه جميعًا تؤدي إلى قدرٍ من التوتر يعين على استمرار التعلم, إلا إذا كان هذا التوتر يجب ألا يزيد عن الحد الأمثل وإلا كان معطِّلًا للتعليم، ويرتبط هذا بقانون يركس-دودسون, الشهير في علاقة الدافعية والانفعالات بالتعلُّمِ "فؤاد أبو حطب، آمال صادق، 1996".
(1/483)

وإذا كان قليل من الانفعال يؤدي -على الأقل- إلى جعل المتعلِّم متنبهًا ويقظًا، والموقف التعليمي مثيرًا للاهتمام، فإن القدر الكبير منه قد يكون مشكلةً كبرى للدارسين بعد أسابيع قليلة من التعلُّم, وتلعب الجماعة دورًا هامًّا في خفض قلق المتعلمين, ففي جماعةٍ جيدة التكامل يكون دور المعلِّم في خفض التوتر أقل أهمية من إدراك المتعلمين أنفسهم من أن العمل يقع في نطاق قدرتهم, إلّا أن هذا لا يعني أن القلق "وما يصاحبه من توتر" لا يمثل مشكلةً عند المتعلمين الراشدين, فكثير من البحوث العلمية والملاحظات العادية تؤكد أن بعض التوتر يكاد يلازم تعلم هؤلاء، وأن هذا التوتر قد يزيد ويصبح معوقًا للتعلُّم مع زيادة عمر المتعلم وزيادة الضغط المفروض عليه, ويظهر هذا عند الرجال بشكلٍ أكثر وضوحًا منه عند النساء, وخاصةً في برامج التدريب المهني والصناعي والإداري؛ ففي هذه البرامج يزداد اهتمام الرجال بأدائهم, وخاصةً أن نتائج هذا الأداء قد تؤثر في بقائهم في العمل أو ترقيتهم فيه, ويصدق ذلك على جميع أنواع هذه البرامج، سواء كانت برامج إعادة تدريب "أو التدريب أثناء الخدمة كما تسمى الآن" عند متوسطي العمر، أو كانت من نوع برامج التدريب الأولى التي تُقَدَّمُ عادةً للمستجدين, وهم في الأغلب من الشباب أو الراشدين الصغار, وهو قلق يظهر عند أولئك الذين يلتحقون بفصول تعلم الراشدين لأول مرةٍ "فئة الأميين", والذين يعاودون الالتحاق بها "لأغراض التدريب أو إعادته", والسؤال الجوهري: لماذا القلق؟
يمكن الإجابة على هذا السؤال باقتراح مجموعة من الفروض تحتاج إلى مزيد من البحث:
1- المفهوم القبلي Prc-concipt عند معظم الراشدين عن عملية التربية أنها تهم الأطفال والمراهقين دون غيرهم, ويوجد تراث كامل من الأمثلة الشعبية حول هذا الموضوع "مثل: بعد ما شاب ذهب إلى الكتاب"، وبالطبع فإن التربية المعاصرة استطاعت أن تنشئ مفاهيم جديدة مثل "التربية مدى الحياة" life-long education والتربية المستمرة contionus education كما قلنا، وفيها تُعَدُّ التربية ذات دور أساسي طوال حياة الإنسان, إلّا أن هذين المفهومين وغيرهما لا يزالان بعيدين عن التقبُّلِ العام، فحتَّى وقتنا الحاضر لا يزال تعليم الراشد عند الكثيرين إنكارًا مقصودًا لمكانته وموضعه، وهدر لدوره كشخص ناضج مستقل.
2- المفهوم القبلي أيضًا عند معظم الراشدين من عملية التربية أنها تتضمن في جوهرها علاقة اعتماد كبير من جانب المتعلِّم على المعلِّم، وهذا الاعتماد في
(1/484)

جوهره ينكر الرشد جوهرًا وطبيعةً كما بينا فيما سبق, وإلّا فكيف يتأتَّى لراشدٍ اكتسب النضج والاستقلال في نظر نفسه وفي نظر الآخرين؛ كزوجٍ ووالدٍ وعاملٍ أن يضع نفسه موضع الاعتماد من جديد, صحيحٌ أن علم النفس التربوي المعاصر يهتم اهتمامًا فائقًا بما يُسَمَّى التعلُّم الذاتي self-learning, إلّا أن هذا المفهوم فيما يبدو لم يحظ أيضًا بالشيوع العام، ربما لأن بعض الممارسات التربوية حتى وقتنا الحاضر لا تزال تعجز عن إنجازه.
3- يرى بعض علماء النفس، وعلى رأسهم كارل روجرز Carl Rogers وإبراهام ماسلو Abraham Maslow, أن منشأة القلق عند المتعلِّمين الراشدين يرجع في جوهره إلى الصراع الكامن لديهم عندما يلتحقون بفصول التعلُّمِ، وخاصةً حين يتضمن موضوع التعلُّم بعض المسائل الخلافية أو القيمية, ويفسر هذا الصراع عند أصحاب "نظرية الذات" في أن كل متعلِّم راشدٍ لديه أفكار معينة عن نفسه, بالإضافة إلى منظومته الخاصة من القيم والمعتقدات, وحينما يعترف الراشد بأنه في حاجة إلى التعلُّمِ فإن هذا يتضمن الاعتراف بوجود خطأٍ ما في نظامه القيمي الحالي؛ فالأم الشابة مثلًا قد تشرع بالرغبة في تعلُّمِ المزيد عن نموِّ الطفل, وقد تلتحق بالفعل في أحد فصول علم نفس الطفل, إلّا أنها سرعان ما تترك الدراسة أو ترفض ما يقوله المعلِّم وباقي زملاء الفصل؛ لأنها قد لا توافق عليه؛ لأن هذه الموافقة قد تعني أن طريقتها في رعاية طفلها "خاطئة", أو أنها كانت على نحوٍ أو آخر، أمًّا "سيئة".
ويتفق مع هذا الفرض المشتق من "نظرية الذات" ما يلاحظ على المتعلمين الراشدين من أنهم قد يلجأون إلى بعض الحلول اللاشعورية لمشكلة قلق التعلُّم عندهن، كالاعتقاد بأن المقصود بما يقدَّم في هذه البرامج "وخاصة نقد الممارسات الخاطئة" أشخاص آخرون غيرهم، وهذا ما لاحظناه من خبرتنا ببرنامج إعداد المعلِّم الجامعي الذي تنظمه بعض الجامعات في مصر ابتداءً من مستوى المعيدين والمدرسين المساعدين وحتى الحلقات التعليمية التي تنظم للأساتذة؛ فالجميع يحضرون هذه البرامج والحلقات ولديهم قدر من التوتر، قد يكون كبيرًا, وعلى الرغم من أن الجميع يشهدون بأنهم يتعلمون من خلال هذه البرامج -ومن هؤلاء أساتذة التربية أنفسهم- إلّا أن الملاحظ بصفة عامة أنك قد لا تجد من يعترف بأن مثل هذه البرامج أعد خصيصًا له، وإنما يشير في الأغلب والأعمِّ إلى أن المقصود بها المعلم الجامعي "المبتدئ" أو "غير الخبير" أو "غير التربوي"، وهذه الحيلة "اللاشعورية" هي نوع من الدفاع عن الذات، فالاعتراف بأن الشخص يحتاج إلى
(1/485)

مزيد من التعلُّمِ قد يكون ضربةً عنيفةً إلى مفهومه عن ذاته كمتخصصٍ مُدَرَّبٍ خبيرٍ.
ويثير هذا الفرض مسألة هامة تتصل في جوهرها بالممارسة التعليمية مع الراشدين، ويعني هذا ضرورة تغيير الطرق التعليمية واستراتيجيات التدريس لهؤلاء؛ بحيث يصبح الموقف التعليمي فرصةً يناقشون فيها مشكلاتهم المشتركة, بدلًا من أن يكون مجالًا يتضمن أن المتعلم الراشد يعوزه شيء ما "وهو بالفعل كذلك", وأن يُعَادَ تخطيط البرامج بحيث تعين الراشد على المحافظة -ولو جزئيًّا- على صورة الذات لديه, وأن تقدر الخبرات السابقة للمتعلم الراشد تقديرًا ملائمًا، بل ويستعان بها في بناء الخبرات الجديدة من خلال ما يسمى التعلم الخبري experiential learning، وتهيئة جوّ المودة، وعلاقة الاحترام المتبادل بين المعلِّم والمتعلِّم، وتيسير ظروف المساعدة الفردية وخدمات الإرشاد النفسي للراشدين.
(1/486)

2- أوهام العمر:
إذا كان قلق الراشدين المتعلمين يمكن التغلب عليه، فإن المعلِّم الممارس في هذا الميدان قد يجد نفسه بإزاء قوى مدمرة داخل عقول هؤلاء المتعلمين, تتمثل في اعتقادهم بأن قدراتهم العقلية تتضاءل تضاءلًا خطيرًا مع التقدم في السن.
ومعظم هذه المفاهيم القبلية تدعمها مصادر عديدة، فصورة الراشد في منتصف العمر عند الأدباء والفنانين، وكما تظهر على خشبة المسرح وشاشات العرض السينمائي والتليفزيون, تكاد تجمع على حدوث هذا التدهور العقلي1.
وكثيرٌ من الشركات والهيئات والمؤسسات تعلِنُ صراحةً في سياستها للقوى العاملة أنها لا تعيِّن من يزيد عمره عن 35 عامًا مثلًا أو أقل من ذلك بكثير، هذا على الرغم من أن بعض شركات الطيران تعيد تدريب طياريها وهم في سن الخمسين على قيادة الطائرات الجديدة, ومن الأمثال الشائعة في الغرب "إنك لا تستطيع أن تعلم كلبًا عجوزًا حيلًا جديدة"، وهو مَثَلٌ مدمرٌ، بينما يقول المثل العامي المصري: "الدهن في العتاقي", وهو يتعدَّى في معناه معنى السمنة المادية إلى المهارة والمعرفة.
وربما كان أخطر المصادر أثرًا في تدعيم هذه الصورة الشائعة عن التدهور العقلي مع التقدم في العمر ما ذكره بعض الخبراء, ربما من باب الفكاهة, ومن
__________
1 من أشهر هذه الصور ما قاله دوجيري أحد أبطال مسرح شكسبير: "حين يتقدم بنا السن تضيع منا الفطنة".
(1/486)

هؤلاء السيد وليام أوسلر W. Osler الذي كان طبيبًا شهيرًا وأستاذًا للطب في جامعة جون هوبكنز, ثم تقاعد من هذا المنصب الجامعي في سن 55 عامًا, ورحل إلى إنجلترا ليشغل منصبًا آخر في جامعة أوكسفورد، قال في عام 1905 بطريقةٍ نصف جادةٍ، نصف ساخرةٍ, مداعبًا أولئك الذين تعدوا الستين، وناصحًا بشكلٍ أكثر جديةٍ بإعطاء الشباب فرص إدارة شئون الحياة:
"إن العمل الفعَّال والإيجابي والحيوي, إنما يتم بين سن الخامسة والعشرين وسن الأربعين، هذه السنوات الخمس عشرة الذهبية هي التي تؤلف الفترة المثمرة والبناءة, والتي يكون فيها التوازن جيدًا بين المصرف والائتمان العقليين.
وقد دعَّمَ هذه الصورة بعد60 عامًا عالم الأنثروبولوجيا البريطاني المعاصر أدوموند ليتش ELeach في سلسلةٍ من المحاضرات ألقاها في الإذاعة البريطانية عام 1967، وربطَ معالم التدهور العقلي مع التقدُّمِ في السن بالتغيرات التكنولوجية التي يشدها العصر, وما يصحبها من أنواعٍ جديدةٍ من المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم، مما يجعل ما لدى المسنين "الذي يتجاوزون في رأيه الخامسة والخمسين" من آراء ومهارات غير مرتبطة بالحياة في الحاضر أو المستقبل.
هذه هي أوهام المتعلم الراشد المتقدم في السن نوعًا ما عن نفسه، بعضها ينجم عن اعتقاد الراشد في نفسه, أو اعتقاد الآخرين فيه، والتي تعطي صورة متدهورة للقدرة، كما تخلق صعوباتٍ جمَّةٍ للمعلِّم المهتَّم بتعليم الراشدين، خاصةً حين تكون الفصول في معظمها من المتقدمين في السن, وقد يستخدم بعض هؤلاء المتعلمين "أوهام العمر" هذه لتجنب "مصاعب" التعلُّم الحقيقي، وكأن لسان حاله يقول: "لا تطلب مني عملًا شاقًّا، فأنا لا أستطيع بسبب كِبَرِ سنِّي". وقد يكون هذا السلوك حلًّا لا شعوريًّا لمشكلة الخوف من الفشل إذا بذل بالفعل جهودًا جادة في التعليم، إن مثل هؤلاء يكونون بالفعل قد فقدوا ثقتهم في قدرتهم على العمل.
وقد ناقشنا مسألة العلاقة بين الرشد والسلوك فيما سبق من فصول هذا الباب، ومنها يتضح أن نتائج البحوث تؤكد أن التدهور -إن حدث- لا يكون حادًّا بالصورة التي أشاعتها الأقوال الفولكلورية والكتابات الأدبية والصحفية التي أشرنا إلى أمثلة منها, وحتَّى ولو حدث بعض التدهور فهناك ما يعوضه، فمثلًا إذا كانت ذاكرة المدى القصير تتدهور "في الشيخوخة مثلًا", فإن ذاكرة المدى الطويل قد تتحسن، كما أن هناك عوامل لا تقل أثرًا في السلوك, ومنها التعليم والممارسة, وربما مع شيوع نتائج البحوث العلمية في هذا الميدان قد تتغير هذه الصورة "الكئيبة" التي رُسِمَتْ على مدى العصور للتقدُّمِ في مراحل الرشد.
(1/487)

3- المستوى الاقتصادي والاجتماعي:
يتأثر اتجاه المتعلِّم الراشد نحو ذاته بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي الذي ينتمي إليه، فأعلى نسبة تسرب في مختلف مراحل التعليم ومستوياته توجد بين أبناء الطبقات الاقتصادية الدنيا، وأسباب هذه الظاهرة مركبة، فالبيت الذي لا تتوافر فيه الكتب، بل ولا تُقَدَّرُ فيه، والآباء الذين يدركون المدرسة شيئًا بعيدًا عن اهتماماتهم أو مجالات حياتهم، أو ينظرون إليها نظرة العداء، والأسرة التي لا تستطيع الإنفاق على تعليم الأبناء, وخاصةً مع نظامٍ تعليميٍّ يفترض المجانية, ومع ذلك تستشري فيه الدروس الخصوصية, وترتفع فيه أسعار الكتب, وتستعصي فيه ظروف المعيشة، فإن المتعلمين في مثل هذه الظروف يتسربون مبكرين -ربما في سن الطفولة-ويدخلون سوق العمل "راجع ما ذكرناه عن عمالة الأطفال"، ويمارسون أعمالًا قد لا تتطلَّب منهم توظيف قدراتهم الحقيقية.
ولا شكَّ أن في أنماط الشخصية التي تتشكَّل في الطفولة, والتي تسهم في تحديدها الأوضاع التربوية المبكرة, والظروف الاقتصادية والاجتماعية تؤدي في النهاية إلى تكوين اتجاهٍ لدى أبناء الطبقات الاجتماعية الدنيا بأن التعليم ليس لهم، ويظل الواحد منهم يقاوم التعليم طوال حياته حتى بعد أن يصير راشدًا، بل يقاوم هذا التعليم حتى في صورته الأساسية "لمحو الأمية مثلًا", وحين يتعلم فيما بعد -راغبًا أو راغمًا- قد يشعر بعبث التعلُّم وخاصةً حين يكتشف أن هذا التعليم يتضمن -صراحةً أو ضمنًا- قيم واتجاهات وأهداف طبقة لا ينتمي إليها.
أما أولئك الراشدون الذين كانوا أبعد حظًّا في طفولتهم، فنشأوا في ظروف اقتصادية اجتماعية أفضل، أو حصلوا على خبرات سابقة أكثر, يستحضرون معهم في مواقف تعلمهم في الرشد توقعات معينة عن المعلمين وعن الطرق التي يستخدمونها, فهم يتوقعون أن يكون المعلم قريب الشبه -وليس صورة طبق الأصل- من معلِّم الطفولة أو المراهقة عندما كانو في المدرسة، على الرغم من توقُّع بعض التغيُّر في صورته, نتيجة صيرورتهم إلى الرشد, ولذلك قد ينشأ لديهم بعض الخلط حين يهيئ المعلم لهم جوَّ التسامح والحرية الذي لم يتعوده من قبل في مواقف التعلم، وقد يفسر لنا ذلك الفوضى ومشكلات النظام التي يواجهها معلمو الراشدين داخل فصولهم, على نحوٍ أشبه بمشكلات النظام في فصول الأطفال والمراهقين, كما يتوقعون أن تكون طرق التعليم مشابهة لما كان يُسْتَخْدَمُ معهم
(1/488)

وهم أطفال أو مراهقون، وبخاصةٍ إذا كان هؤلاء من الذين حققوا بعض النجاح في تعليمهم السابق, فقد يرجعون هذا النجاح إلى فعالية تلك الطرق التي استخدمت معهم, ولذلك قد يفاجئ هؤلاء -عندما يتعلمون في سن الرشد- بالطرق المختلفة نوعًا ما, والتي تُسْتَخْدَمُ في تعليمهم, وخاصة تلك التي تتطلَّبُ مقدارًا أكبر من الحرية والإيجابية والمشاركة في موقف التعلُّم، بل قد يقاومون محاولات المعلم استخدام هذه الطرق حتى ولو كانت أكثر فعالية, ومن الطريف أن نلاحظ أن بعض هؤلاء الراشدين الذين فشلوا في تعليمهم السابق يرجعون الفشل إلى أنفسهم أكثر منه إلى الطرق "التقليدية" التي كانت تستخدم معهم, وفي جميع الحالات توجد هذه الفجوة بين توقعات المتعلمين وما يحدث بالفعل.
(1/489)

شروط التعلم عند الراشدين:
يمكن القول أن مبادئ التعلُّم الجيد وشروطه التي تنطبق على تعلُّمِ الأطفال والمراهقين, تنطبق أيضًا على تعلُّمِ الراشدين, وأهمها شرطان: قوة الدافعية وغلبة النشاط، والفرق هو مقدار التركيز وليس في المبادئ الأساسية؛ فإذا توافرت هذه المبادئ يمكن للراشدين أن يتعلموا بكفاءة وفعالية, ومن ذلك أنه إذا اتفق موضوع التعلم مع حاجات المتعلم الراشد وميوله, فإنه يؤدي أداءً يشبه في كفاءته أداء المتعلم الصغير، إن لم يكن أفضل, وعلى الرغم من أن التقدُّمِ في السن له بعض الأثر في الأداء العقلي والحركي -كما بينا في الفصول السابقة- إلّا أن هذا يختلف اختلافاتٍ واسعة من فردٍ لآخر, والفروق الفردية بين الراشدين لا يحددها التقدم في السن, وإنما يتحكم فيها قدرات الأفراد وظروفهم ومستوياتهم المهنية والتعليمية.
وإذا وضعنا هذه المسائل العامة في الاعتبار, فإن السمات الأساسية لتعلُّمِ الراشدين يمكن أن نلخصها في أن الراشدين يتعلمون أفضل إذا كان تعلمهم لا يعتمد على محض التذكر والحفظ, وهم يتعلمون أفضل خلال النشاط باستخدام معدَّلِهم, ومع مواد ترتبط بحياتهم اليومية الجديدة وتستثمر خبراتهم, والممارسة الفعلية لها أهميتها في تدعيم اكتساب المهارات الجديدة عندهم, ومع التطبيق المناسب لمبدأ "تَعَلَّمْ كيف تَتَعَلَّمُ" يصبح تعلم الراشدين خبرة مستمرة مدى الحياة بالفعل, ويمكن أن نترجم هذه السمات إلى شروط للتعلم عند الراشدين على النحو التالي:
1- تقليل الاعتماد على ذاكرة المدى القصير:
من النتائج التجريبية الهامة التي توصلت إليها بحوث العلاقة بين التقدم في السن والنشاط العقلي ما لوحظ من نقصٍ تدريجيٍّ يطرأ على ذاكرة المدى القصير،
(1/489)

كما بينا فيما سبق, وهو ينشأ في جوهره عن التداخل بين وحدات المعلومات التي تُقَدَّمُ للمتعلِّم, وتزداد خطورة هذه المسألة إذا لجأ المعلِّم إلى ذلك في عرض موضوع التعلُّم الجديد أو المعقَّد؛ فيقدمه في صورة سلسلة من الوحدات المنفصلة المتتابعة التي تتعامل معها ذاكرة المدى القصير، وهنا ينشأ الخلط الناجم في جوهره عن "التداخل".
والتطبيق التربوي الهام لهذه النتيجة أن معلِّمَ الراشدين يجب عليه أن يختصر إلى الحد الأدنى مقدار الاعتماد على الحفظ الذي يقوم به المتعلِّم, والحفظ هنا لا يعني مجرد النظر إلى قائمة من الوحدات المنفصلة ومحاولة تعلمها، ولكنه يشمل أيضًا اللجوء إلى أنشطة أخرى؛ مثل: الاستماع إلى المحاضرات، واتباع التعليمات اللفظية التي تُقَدَّمُ جميعًا مرة واحدة، ومراقبة العروض التوضيحية التي يقوم المتعلِّمُ بمحاكاتها فيما بعد؛ فهذه جميعًا تتضمن درجات من الحفظ والاعتماد على ذاكرة المدى القصير, والبديل المناسب لتعلُّمِ الراشدين هو زيادة الاعتماد على النشاط المباشر أو غير المباشر للمتعلِّم, باستخدام وسائل الاتصال المناسبة والوسائل السمعية والبصرية "تكنولوجيا التعليم" الملائمة، بل واللجوء إلى النماذج المصغرة أو التدريب على العمل نفسه، واستخدام المعامل "كمعامل اللغات"، مع التركيز في جميع الحالات على الجوانب الهامة لموضوع التعلُّم لا تفاصيله الجزئية المنفصلة التي يصعب التعامل معها بسبب ما ينشأ بينها من تداخل.
2- تقليل الاعتماد على السرعة:
يرتبط بالنقص في ذاكرة المدى القصير مع التقدم في السن انخفاض معدل الأداء وسرعته سواء في العمل أو التعلم؛ ففي الصناعة يتحول الأفراد في سن 45 عامًا عن الاهتمام بالسرعة إلى الاهتمام بالدقة في الأداء نتيجة لوعيهم بأنهم صاروا أكثر بطأً، ولهذا يضحي هؤلاء بالسرعة تحقيقًا للدقة, ويفضلون أن يتوافر لهم وقت كافٍ لذلك.
ويمكن لمعلم الراشدين أن يستفيد من هذه النتيجة بأن يتخلَّى تمامًا عن أن يدفع متعلميه إلى العمل والتعلم تحت ضغط الوقت, والأفضل أن يهيئ لهم الوقت الكافي حتى يوفروا لأنفسهم المعلومات الإضافية التي يحتاجون إليها قبل الاستجابة, وهذا يعني أن يعمل كل متعلِّمٍ راشدٍ بمعدله الخاص مع ما يصاحب هذا من زيادة في تكلفة التعلم.
ويتطلب هذا أن يطرأ على برامج تدريب وتعليم الراشدين تغيرات جوهرية
(1/490)

نلخصها فيما يلي:
1- التحوّل من نظامِ التدريب الموقوت بفترة زمنية معينة -عدة أسابيع أو أشهر- إلى نظامٍ مفتوحٍ لا يتحدد مقدمًا بفترة زمنية معينة لانتهاء هذا التدريب، وإنما يتحدد محك الانتهاء بوصول المتعلم إلى أهداف البرنامج.
2- الانتقال من نظام الامتحانات ذات الطابع الشكلي والتي يغلب عليها طابع السرعة, إلى نظام التقويم والتقدير والحكم الذي يغلب عليه طابع الاستمرار والتغذية الراجعة وتصحيح المسار.
3- إلغاء نظام المسابقة والتنافس بين المتعلمين الراشدين؛ لأن التنافس يتضمَّن عنصر السرعة، ومن الأفضل أن يُقَاسَ تقدُّم المتعلم الراشد بنفسه، أي: بأدائه السابق لا بزملائه الآخرين، أو بالاعتماد على طرق التقويم التي تعتمد على محكات للعمل "ومستويات محددة للإتقان", وليس على الطرق التي تعتمد على المعايير "أي: المقارنة بين الأفراد بعضهم ببعض".
3- تقليل الاعتماد على المحاضرة والإلقاء:
أسلوب المحاضرة lecture أو الإلقاء هو أقل أساليب التدريس واستراتيجياته ملاءمة لتعلم الراشدين, فليس في المحاضرة مشاركة جماعية، كما أنها تحدد معدَّلًا ثابتًا, وتجبر كلَّ فردٍ على أن يكيِّف نفسه معه، وتعتمد اعتمادًا شديدًا على الحفظ اللفظي، ولا يعلم المتعلمون شيئًا عن تقدمهم أثناءها، هذا على الرغم من كل ما يبذله المعلم من جهد ومشقة فيها: الكلام المستمر لفترات لا تقل عن ساعة بل تزيد، وإعداد نقاط المحاضرة وعناصرها ومحتواها.
ومع ذلك فإن المحاضرة من أكثر طرق تدريس الراشدين شيوعًا, حتى في برامج التدريب الصناعي؛ فظاهرة المعلِّم الذي يتحدث حوالي 75% من الوقت من الأمور المألوفة, وبعض المعلمين الذين يستمتعون بالكلام ويعرفون أنهم يجيدونه, يدافعون عن أنفسهم بالقول بأن طلابهم يشجعونهم ويمتدحون أدائهم الجيد، وأن جاذبيتهم الشخصية هي التي تشد المتعلمين إليهم, وقد يكون هذا صحيحًا، إلّا أن السؤال الجوهريّ: هل يتعلَّمُ الدارسون فعلًا من هذه الطريقة؟
للإجابة على هذا السؤال قام بعض الباحثين بتقدير مقدار ما يتم الاحتفاظ به من مادة المحاضرة, فوجدوا أن المتعلِّمين لا يحتفظون إلّا بقليلٍ من معلوماتهم، قد
(1/491)

يصل إلى أقلِّ من النصف حين يكون الاستدعاء مباشرًا "أي: عقب المحاضرة مباشرة", ثم يهبط إلى ما بين 15% و20% حين يكون الاستدعاء مؤجلًا بعد أسبوع من المحاضرة.
وهذا لا يعني إلغاء أسلوب المحاضرة تمامًا من ميدان تعليم الراشدين، فقد يحتاج الأمر تقديم محاضرة جيدة التخطيط، جيدة الإلقاء, وخاصةً حين يتطلب الأمر إثارة بعض الاهتمام بالموضوع, وتحديد عناصره الكلية في البداية، أو حين تنقل التعليمات بسرعة وبطريقة ملائمة لمجموعة تتألف من أفراد أقرب إلى التجانس العقلي. ولذلك فإن من مهارات المعلِّمِ الأساسية قدرتُه على إعطاء محاضرة جيدة, ويمكن تزويد المتعلمين في هذه الحالة بمذكرات مختصرة, أو قوائم مراجعة تفيد في تتبعها والتركيز عليها.
ومن الأفضل -في حالة اللجوء للمحاضرة- أن تكون "محاضرة متقطعة" فيها فترات توقف عديدة للمناقشة، فالمناقشة تدخل على المحضارة قدرًا من إيجابية المتعلم ونشاطه، وتهيئ فرصًا للفروق الفردية, وتقلل من سأم المستعمين ومللهم، وتتيح للمعلِّم الفرصةَ أن يتأكد من أن طلابه فهموا ما يقول، وبذلك تسمح بنوعٍ من "التقويم المستمر".
4- تقليل الاعتماد على المواد الاصطناعية:
يحب المتعلمون الراشدون أن يشعروا بأن ما يتعلمونه مفيد لحياتهم اليومية ومرتبط بها, ولهذا تسعى مؤسسات ومدارس التدريب الصناعي خاصةً إلى جعل هذا التدريب أشبه بالمواقف الواقعية قدر الإمكان, كما أن هذا هو نفسه الذي حوَّلَ الاهتمام في برامج "محو الأمية" في السنوات الأخيرة إلى ما يُسَمَّى "التعليم الوظيفي".
الراشدون أقل تسامحًا من الصغار في تقبُّل مسألة التعلُّم "لغرض المعرفة" في ذاتها، أو باستخدام مواد اصطناعية للتعلم كبدائل للمواقف الطبيعية, ولهذا ليس من المقبول أو المعقول أن تكون مواد القراءة للراشدين في فصول "تعليم الكبار" قريبة الشبه بالمواد التي تُقَدَّمُ للصغار، أو تكون المسائل الحسابية التي يُطْلَبُ منهم حلها على نفس النسق الذي تكون عليه بالنسبة لمن هم أصغر سنًّا من حيث المحتوى والمشكلات, بل الواجب أن تكون المواد المعروضة والمشكلات المطروحة والطرق المستخدمة في فصول الراشدين من النوع الذي يعتبرونه مرتبطًا ومفيدًا لحياتهم اليومية, وقد تصلح لهذا الغرض طرق المماثلة والنماذج المصغرة, وحين
(1/492)

تُسْتَخْدَمُ معهم طرق الألعاب أو المشروعات أو تمثيل الأدوار, يجب أن يكون فيها نصيب كبير من الواقعية، وإلّا بدت لا معنى لها وأقرب إلى تمرينات الأطفال, وقد تأكَّدَت هذه الحقيقة منذ بحوث أدوارد لي ثورنيدك المبكرة؛ فقد وُجِدَ أن الراشدين حين يحكمون على موضوع التعلُّم بأنه مفيد لعملهم الحقيقي وحياتهم اليومية يكون أداؤهم أفضل، أما إذا حكموا على ما يتعلمون بأنه مصطنع" يكون أداؤهم أسوأ بكثير, والدرس الذي يجب أن يستفيد منه معلمو الراشدين ومعدو برامج تعليمهم من ذلك كله أن تكون موضوعات التعلُّمِ التي تُقَدَّمُ لهم شبيهةً بالمهارة النهائية التي سوف يؤدونها بالفعل في حياتهم اليومية.
5- زيادة الاعتماد على الخبرات السابقة:
من المعلوم أن العمليات المعرفية والحركية تزداد تصلبًا وجمودًا مع التقدُّمِ في السن, وتتناقص القابلية للمواءمة والتكيف, وأسباب هذا الجمود قد تكون نفسية في جوهرها عند الراشدين خاصة، بينما قد تكون فسيولوجية في العمر الثالث للإنسان "الشيخوخة والهرم" كما سنبين فيما بعد, وتتمثل أسباب جمود وتصلب سلوك الراشدين في الخوف والتوتر اللذين يصاحبان إعادة التدريب أو إعادة التعلم من ناحية، وفي أن الراشدين المتقدمين في السن يكون لديهم الكثير من الخبرات السابقة التي يحتاج بعضها إلى محو تعلم من ناحية أخرى. وعلى الرغم من أن الخبرات السابقة الخصيبة والمعقدة لدى الراشدين, قد تعوق تقدمهم في تعلم عمل جديد بذهن مفتوح، فإنها قد تجعل المتعلم الراشد في وضع أفضل من المتعلم الصغير؛ فالراشد يستطيع أن يضع المعلومات والمهارات الجديدة في موضعها من هذه الخبرات السابقة.
ولعلَّنَا نشير هنا إلى حقيقة سيكولوجية هامة نشتقها من جورج كيلي في نظريته المعرفية للشخصية؛ فالإطار الإدراكي المعرفي لدى الراشدين أكثر تعقيدًا وتركيبًا من إطار الصغار, وقد أشارت بعض التجارب إلى أن الراشدين المتقدمين في السن يستغرقون وقتًا أطول في حلِّ المشكلات واكتساب المهارات الحركية من الأشخاص الأصغر سنًّا, ويبدو أن السبب في ذلك هو أن الراشدين يدركون غموضًا أكبر وتعقيدًا أكثر في المشكلات العقلية والاجتماعية وفي المهارات الحركية, بالمقارنة بما كانوا يفعلونه حين كانوا صغارًا, لقد علمتهم خبرة الحياة أن الإجابات السهلة والسريعة قد تكون موضع خطأ أو شك.
ويمكن أن نلخص الفوارق الجوهرية بين المتعلمين الكبار والصغار في ضوء
(1/493)

طبيعة الخبرة السابقة عند كلٍّ منهما فيما يلي:
أ- أغلب المشكلات الأساسية التي يواجهها الراشدون، على عكس مشكلات الصغار، ليست لها إجابات قاطعة لا تدع مجالًا للشك أو الغموض، خاصةً حين ترتبط هذه المشكلات بالحياة اليومية في العمل أو العلاقات الأسرية أو الأفكار السياسية, بينما يجد الصغار الإجابات الصحيحة لكلِّ المسائل التي يواجهونها مثبتة عادةً في الكتاب المدرسي.
ب- كثير من الاجابات التي يعبتبرها الراشدون صحيحة، تعتمد صحتها على التقاليد والعادات الثقافية، بينما هذه الصحة تعتمد عند الصغار على الاستدلال العقلي, وبالطبع فإن بعض ما هو راسخ لدى الراشدين من أفكار سابقة, وتقاليد وعادات اجتماعية, قد يعوق تعديل سلوكهم، وتعديل السلوك هو جوهر التعلم.
جـ- الحلول التي يصل إليها الراشدون لمشكلاتهم لها أثرٌ مباشر على آخرين في مجال العمل أو الأسرة غيرها، يصدق ذلك على المشكلات الشخصية صدقه على المشكلات الاجتماعية التي يسعون إلى حلها.
د- تتوافر لدى الراشدين أفكار وآراء ومعتقدات واتجاهات قد تتفق أو تختلف مع ما لدى المعلم، بينما يتعلم الصغار قليلًا أو كثيرًا مما تقدمه المدرسة، والذي يسهم في تكوين هذه الأفكار والآراء والمعتقدات والاتجاهات لديهم, ولهذا فإن مشكلة التعلم الجوهرية لدى الراشدين هي تغيير اتجاهاتهم, بالإضافة إلى إكسابهم الاتجاهات الجديدة.
6- زيادة الاعتماد على التغذية الراجعة:
من أهم سمات التعلم الحكم على ما إذا كانت الإجابة صحيحة أم خاطئة، أو الحل المقترح للمشكلة مقبول أو مرفوض، أو المهارة التي تَمَّ اكتسابها وصلت إلى المستوى المطلوب أو لم تصل إليه, ويُسَمِّي علماء النفس التربويون هذه الخاصية "معرفة النتائج", ويسميها البعض الآخر التغذية الراجعة feedback, ويتطلب هذا أن يتوافر لدى المعلم وسائل فعالة وسريعة لتقويم المتعلمين, وقد يتخذ التقويم صورًا مختلفة منها: التقدير اللفظي المباشر وفي الحال، ثم التعليق التفصيلي فيما بعد، أو إعطاء قائمة مراجعة تتضمن عناصر العمل المؤدى ليصحِّحَ المتعلِّم عمله بنفسه. وفي معامل اللغات تُوجَد وسائل يراجع بها المعلم أداءه بنفسه مباشرة, ويفيد التعليم باستخدام الحاسب الآلي في هذا الصدد أيضًا؛ حيث تصحح الأخطاء فوريًّا وفي الحال.
(1/494)

ومن الواضح أن المتعلم الراشد يجب ألَّا يعتمد اعتمادًا كاملًا على حكم المعلم, وإنما يجب على المعلِّم أن يساعد المتعلِّم على معرفة طبيعة الأداء الصحيح, وعندئذ يمكن للمتعلِّم أن يتعرف بنفسه على ما إذا كان مصيبًا أو مخطئًا, ويجب أن نشير هنا إلى أن بعض المتعلمين الراشدين، بدون هذه الاستراتيجية، يصعب عليهم تعرف أنهم مخطئون, وحتى ولو أخبرهم المعلِّم بأن هناك خطأ فإنهم قد لا يستطيعون إدراك موضعه، كما لا يستطيعون التوقف عن إتيان أخطاء مماثلة عدة مرات بعد ذلك, إلّا أنه في كثيرٍ من الأحيان يكون المتعلمون الراشدون راغبين في تصحيح أخطائهم إذا سُمِحَ لهم بتحديدها, وإلّا فإن هذه الأخطاء سوف تعزز وتبقى وتستمر معهم لسنوات طويلة قادمة.
ومن العقيم أن يقوم معلم الراشدين بتصحيح أخطائهم بنفسه دون مشاركتهم هم أنفسهم في ذلك, إنه "أي المعلم" بالطبع يتقن أداء العمل, وهذا في ذاته لا يهم المتعلم؛ لأن الأهم عنده أن يكون هو "أي: المتعلم نفسه" قادرًا على أدائه صحيحًا, ولهذا فإن أفضل طريقة لتصحيح الخطأ أن يقوم المتعلم الراشد بأداء الاستجابة بنفسه, إن قيام المعلم وحده بهذه المهمة قد يرضي أقلية من الكسالى، أما معظم الدارسين فسوف يشعرون أنهم خُدِعُوا، وأن شخصًا آخر أكثر مهارة "هو المعلم" يؤدي الأجزاء الصعبة نيابةً عنهم, وهذا لا يغني بحالٍ عن شعورهم بالرضا, وإحساسهم بالإنجاز عند التعامل مع الأجزاء الصعبة بأنفسهم, ومحاولة أدائها على نحوٍ صحيح.
وقد لا تكون المشكلة في تعلُّم الراشدين في تصويب الأخطاء التي تحدث أثناء التعلُّم بقدر ما تكون أخطاء التعلُّم السابق وعاداته التي يحملونها معهم من الماضي، والتي تعوق تقدُّم المتعلم, ولهذا يجب الحذر دائمًا من الوقوع في أخطاء التعلم في الموقف الجديد, وعمومًا يجب أن ننبه أنه في التعلم بصفة عامة تصدق الحكمة القائلة "الوقاية خير من العلاج" فحالما يكتسب الخطأ يصعب علاجه ويصبح معوقًا للتعلم في المستقبل. والوقاية هنا تعني التأكد من أنه في المرحلة الأولى لأيّ معوقًا للتعلم في المستقبل, والوقاية هنا تعني التأكد من أنه في المرحلة الأولى لأيّ تعلم جديد يصدر الراشدون الاستجابة الصحيحة, وهذه المرحلة الأولى تبدو حاسمة بالفعل، فالأخطاء التي تصدر فيها, والتي تَمَّ اكتسابها يصعب زوالها أو محوها، وخاصةً إذا كانت هذه الاستجابة الخاطئة قد توصل إليها الراشد المتعلم بنفسه, ولا شكَّ أن من الأمور التي تتحدَّى ابتكارية معلمي الراشدين إعداد مواقف تعليمية تقلل على هؤلاء المتعلمين فرص الوقوع في أخطاء التعلم.
(1/495)

7- استخدام أفضل طرق تنظيم التعلم:
اهتمَّ علماء النفس التربويون بموضوع تنظيم التعلم من جانبين: أحدهما تحديد أفضل طول لفترات التعلم، وثانيهما تحديد أفضل طول للمهمة التي يتم تعلمها.
وقد نوقِشَتْ المسألة الأولى طويلًا تحت عنوان "توزيع التعلُّم أو تركيزه" وأكدت النتائج أن التعلم يتحقق بسهولة أكثر في حالة استخدام فترات راحة متكررة, وقُدِّرَتْ فترات العمل بين 20دقيقة،40دقيقة, بينها فترات راحة طولها 5 أو10 دقائق, والواقع أنه في فصول تعلُّم الراشدين يبدو أن هذا السؤال محض اهتمام نظري وأكاديمي؛ لأن الملاحظ عامَّة أن تكون فترات العمل معهم في العادة عبارة عن جلسة أو جلستين في اليوم, طول الجلسة ساعتان, بعدها فترة راحة لتناول الشاي مدتها 10-15 دقيقة, وبالإضافة إلى هذا فإن معظم فصول تعليم الراشدين تنظَّم في المساء؛ حيث يكون المعلمون والمتعلمون جميعًا في حالة تعب بعد عناء يوم العمل "إلّا في حالة تفرغ الراشدين للتعلم كما هو الحال أحيانًا في برنامج التدريب أثناء الخدمة", وفي مثل هذه الظروف يرحب الجميع بأيِّ نوعٍ من الراحة, حتى ولو كانت لبضع دقائق يتحرك فيها الدارسون قليلًا في أماكنهم.
وفي بعض برامج التدريب تتاح فترات أكثر مرونة، وبالتالي قد تتهيأ الفرص لمعالجة طول فترات التعلم لتلائم المتدربين, وهنا نجد أن الأدلة تؤكد أن التدريب الموزَّع أفضل, فيتعلَّم المهارات الحركية, وخاصةً في المراحل المبكرة؛ لأن التعلُّم لو أصبح أكثر تركيز, فإن المتعلم إما أنه لا يظهر أيّ تحسنٍ, أو أن أداءه يتدهور عما كان عليه من قبل, بينما بعد فترة الراحة قد يصل أداؤه اللاحق إلى مستوى أعلى مما وصل إليه أداؤه السابق.
ويعتمد طول فترة العمل وفترة الراحة في التعلُّم على المستوى النمائيّ للإنسان، فالطفل في حاجة إلى فترات عمل قصيرة، ثم تزداد هذه الفترات طولًا مع المراهقة والشباب, وفي طور الرشد المبكر يمكن للمتعلمين أن يستفيدوا من فترات عملٍ طويلة أثناء تعلمهم, إلّا أنه مع وصول الإنسان طور بلوغ الأشد "وسط العمر" ومع إيغاله فيه وصولًا إلى نهايته, وبداية العمر الثالث للإنسان "الشيخوخة", فإن فترات العمل التي يحتاجها أثناء التدريب تتجه مرة أخرى إلى القصر، حتى نجدها في المراحل المتأخرة جدًّا من العمر تكاد تقترب في طولها من فترات عمل الصغار.
(1/496)

أما بالنسبة لطول المهمة التي يتم تعلمها فهو من الموضوعات التي تناولها علماء النفس التربويون تحت اسم "الطريقة الكلية أو الجزئية" في التعلم, ويتضمَّن معنى الطريقة الكلية تعلم مهمة كاملة مرةً واحدةً دون محاولة تعلمها على مراحل متتابعة، كل مرحلة منها على حدة تؤلف جزءًا منفصلًا, وهذا هو معنى الطريقة الجزئية, ويرى دعاة الطريقة الكلية أن تقسيم العمل على أجزاءٍ هو دائمًا تقسيم اعتباطي, وما يحدث بالفعل بعد اكتساب المهارة أن الشخص الماهر يؤدي العمل كسلسلة من الحركات تبدو من انتظامها واتساقها وتتابعها كما لو كانت حركة واحدة, ولهذا وجدنا في برامج التدريب المعاصرة -وخاصة التدريب الصناعي والمهني- أن مسألة التعامل مع "الكليات" لم تَعُدْ لها أهميتها السابقة، فما يحدث بالفعل أن عدد المهام "الكلية" التي يجب تعلمها قليل، ومعظم التدريب يتم بالطريقة الجزئية التراكمية Commulative patr-method, أي أن المهمة يتم تعلمها كأجزاءٍ، إلّا أن هذه الأجزاء يُعَادُ تكاملها باستمرار "كوحدات" جديدة, وتضاف إلى ما سبق تعلمه.
8- الاعتماد على أن يتعلم الراشد كيف يتعلم:
تؤكِّدُ نتائج البحوث في ميدان التدريب أهمية الممارسة المستمرة في تعلم الراشدين؛ فالمتدربون الذين ينشغلون في أيّ خبرةٍ من خبرات التعلُّمِ المستمر منذ تَرْكِ المدرسة يؤدون في برامج التدريب أفضل من أولئك الذين لم تتوافر لهم مثل هذه الفرص، حتى ولو كانت هذه الممارسة السابقة ليس لها ارتباط مباشر بالتدريب الراهن ذاته.
ويبدو لنا أن قيمة التعلم المستمر تعتمد في جوهرها على أنها نتاج مهارةٍ تتكون لدى المتعلم الممارس لهذا النوع من التعلُّم يمكن تسميتها مهارة "تعلم طريقة التعلم"، بالإضافة إلى اتجاه هذا المتعلم نحو تحسين ذاته وتنميتها تنمية دائمة ومستمرة, ومعنى ذلك أن الراشدين الذين عليهم إحراز الثقة في التعلُّم من خلال أداء عملٍ جيد التخطيط وملائمٍ لحاجاتهم سوف يتحسنون، ليس فقط في المهارات التي يتدربون عليها، وإنما من المتوقع لهم أيضًا أن يتحسنوا في مهارات تعلم كيف يتعلمون.
ومن الممكن للراشد أن يكتسب بعض الاستبصار في طريقة حدوث عملية التعلُّم وخاصةً إذا لم يكن من أولئك الذين تلقوا قدرًا كافيًا من التعليم الرسمي "التحرس Schooling", وعادةً ما يُقَدَّم هذا في جلسة افتتاحية للمبتدئين, يطلق عليها أسماء شتّى من نوع "كيف تدرس" how to study، وتشمل نصائح بسيطة
(1/497)

وتدريبات عملية سهلة حول موضوع التعلم, ومن أشهر هذه البرامج ما يُسَمَّى برنامج مهارات الدراسة study skills, والذي يقدّم عادةً للطلاب لتحسين أدائهم الأكاديمي, ويشمل ذلك مثلًا أفضل طرق تسجيل نقاط وعناصر المحاضرة، واختيار الطرق المناسبة للاستذكار، ومهارات استخدام المكتبة والمراجع وغير ذلك.
إلّا أن بعض معلمي الراشدين يشعرون -وهم على حقٍّ- بأن هذا ليس كافيًا، ويحبون للمتعلمين أن يشاركوا بالفعل في "تجربة تعلُّم" حقيقية؛ بحيث يخبرون بأنفسهم كيف يتعلمون.
(1/498)

خاتمة حول العمر الثاني للإنسان:
بهذا نصل إلى نهاية العمر الثاني للإنسان وبداية مرحلة الختام، أي: العمر الثالث له, ومن وصف رحلة الرشد في الفصول السابقة يتضح لنا كيف أن هذه الطور الهام من حياة الإنسان بدأت أصوله ونمت وتحسنت وترقت طوال العمر الأول "الطفولة والصبا والشباب", لقد كان هذ العمر الأول هو مرحلة بناء الأسس وتكوين الدعائم، ولهذا وصفه القرآن الكريم "بالضعف" ففيه الاعتماد شبه الدائم على الوالدين والمعلمين رعايةً لهذا النموِّ وتوجيهًا له.
وحالما يصل الإنسان إلى رشده، الذي هو في جوهره استقلال اقتصاديّ بالمعاش، واستقرار اجتماعي بالزواج وتكوين الأسرة، يكون قد بلغ ما يصفه القرآن الكريم "بالقوة", ويتوجه مزودًا بدفعه الذاتي نحو بلوغ الأشد, وهكذا يمضي الرشد كالصاروخ الذي حالما ينطلق لا يتوقف حتى يبلغ غايته.
إلّا أن حياة الإنسان ليست رشد "القوة" فقط، ولكنها أيضًا رشد الضعف", فحالما يبلغ الإنسان غايته من رشده حتى يتحوّل النمو إلى العمر الثالث للإنسان، وهو ما وصفه القرآن الكريم بالضعف، إلّا أنه ليس كضعف الطفولة والصبا والشباب الذي لا تواجه المعرفة والخبرة، ولكنه ضعف مزَّوَّدٌ برصيد هائل من تجارب العمر، ولهذا يصفه القرآن الكريم بالضعف المصحوب بالشيبة, والشيبة في هذا السياق القرآني لا تعني محض بياض الشعر "وهو المعنى اللغوي"، كما لا تعني العجز فحسب، وإنما تتضمن أيضًا معنى الحكمة التي توافرت للإنسان على مدى أكثر من ستين عامًا في حياته، وهذا ما سوف نتناوله في الباب التالي من هذا الكتاب.
وصدق الله العظيم:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] .
(1/499)

الباب السادس: المرحلة الثالثة في حياة الإنسان"ضعف المسنين"
الفصل التاسع عشر: حدود المرحلة الثالثة في حياة الإنسان
الشيخوخة في اللغة والثقافة:
يُطْلَقُ مصطلح العمر الثالث للإنسان أو المرحلة الثالثة في حياة الإنسان في هذا الكتاب على مرحلة "الضعف الثاني" بعد مرحلة الرشد أو القوة، كما يحددها القرآن الكريم بقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} "الروم: 54".
وتُوجَد في تراث علم النفس المعاصر تسميات كثيرة لهذه المرحلة، فهي الرشد المتأخر late adulthood أو الإعمار aging أو التقدُّم في السن elderly أو الشيخوخة senescence أو ما بعد النضج post-maturity, أما اللغة العربية فهي حافلة بألفاظ كثيرة تدور معانيها حول هذه المرحلة وخصائصها, وقد أمكننا أن نحصر أربع عشرة كلمة تدور حول حدود هذه المرحلة وهي:
1- الكبير وهوالطاعن في السن.
2- الشيخ وهو الذي استبانت فيه السن، ويقال أنه من بلغ الخمسين حتى آخر العمر أو إلى الثمانين.
3- المخلد وهو الذي أسنّ ولم يشب.
4- المسنّ وهو الذي ارتفع عن المخلد.
5- النهشل وهو المسن, وفيه بقية ولم يذهب بعد كل شبابه.
6- الخنشل وهو المسن القوي.
7- القحم "القحوم" وهو الذي ارتفع عن السن، وقيل: هو الكبير السن جدًّا، وقيل: هو الشيخ العجوز الخرفان.
8- القحر وهو الذي أسنَّ وفيه جلد "الأنثى قحرة".
9- الهرم وهو الشيخ الفاني "والأنثى هرمة".
(1/503)

10- الهم: وهو الشيخ الفاني "الجمع أهمام والأنثى همة".
11- الهم: وهو الفاني الهرم.
12- الدردبيس: وهو الشيخ، وتستخدم الكلمة خاصةً للإشارة إلى العجوز الفانية.
13- العاتي: وهو السن الكبير, ويقال: الشيخ عتي على وزن فعول.
وتوجد طائفة أخرى من الكلمات العربية تدور حول خصائص هذه المرحلة من النواحي الجسمية والعقلية نذكر منها:
1- المقلحم: وهو الذي تضعضع لحمه.
2- الدالف: وهو الماشي مشي المقيد، وفوق الدبيب، وأدلفه الكبر, أي: جعله يدلف.
3- الرضمان: وهو من ثقل عدوه.
4- العشمة: هو الرجل الذي ضمر وانحنى.
5- المقشب: وهو اليابس من الكبر.
6- الماج: وهو الذي لا يستطيع أن يمسك ريقه من الكبر.
7- الهرشف: وهو الكبير المهزول.
8- الخرف: وهو الشيخ إذا فشل عقله لكبره.
9- المفند "بتفح النون وبتشديدها": وهو الشيخ الذي كثر كلامه من الخرف، والفند هو الخرف وإنكار العقل لهرم أو مرض.
10- النعثل: وهو الشيخ الأحمق.
11- الهبل: وهو المضطرب من الكبر.
12- المكوهد: وهو المرعش من الكبر والضعف.
13- العنجل: وهو الشيخ الذي انحسر لحمًا وبدت عظامه.
14- الدحمل: وهو الشيخ الناحل المتجعد الجلد.
15- القعضم: وهو المسن الذاهب الأسنان.
16- المقوس: وهو الشيخ المنحني الظهر.
17- الروق: وهو من طال به العمر حتى سقطت أسنانه.
ولعل المتأمل في قائمتي الألفاظ السابقة يكتشف أنها جميعًا تدل على أن هذه المرحلة من النموِّ تتسم بالتدهور والهبوط والضعف الذي يحدث في جميع جوانب
(1/504)

حياة الإنسان, وهي مرحلة يشترك فيها الإنسان مع الحيوان؛ فالتغيرات التي تطرأ على جلد الإنسان وشعره وقامته وقوة عضلاته ونشاطه وكفاءته في الاستجابة, نكاد نَجِدُ ما يناظرها عند الحيوان عندما يدخل في طور الشيخوخة, ومع ذلك فإن هذا المرحلة في حياة الإنسان تتسم بالدينامية والتفاعل كغيرها من مراحل حياته، وتمر بتحديات التكيُّف ومشكلات التوافق التي تحتاج إلى المعالجة, حتى يمكن للمرء أن يستمر في حياته.
هي هذه حقائق الحياة فعلًا وحقًّا، وكان بالطبع يمكن تقبُّلها على أنها تغيرات طبيعية, وعندئذ لا تكون لها آثار تذكر على توافق الإنسان، إلّا أن ما يحدث في الأغلب أن معظم الثقافات الإنسانية تركِّزُ على أهمية الشباب والرشد، أما ما يتردد فيها عن الشيخوخة والتقدُّمِ في السن فهي أفكار نمطية تتسم بأنها سلبية في جوهرها. ولعل أوضح الأدلة على ذلك ما يفيض به الفولكلور الثقافي من إشاراتٍ غير محبذة لهذا العمر الإنساني، وأكثر الأمثلة وضوحًا في هذا السياق الأمثال الشعبية، صحيحٌ أن فيها بعض إشارات موجبة عن الشيخوخة والشيبة وسواهما, إلّا أن الطابع الغالب عليها عامَّةً هو الطابع السلبي, ويبدو لنا أن انطباعاتنا عن الشيخوخة تعتمد على خبراتٍ تعوزها القيم الموجبة, وعلى معلومات غير دقيقة حول طبيعة الأفراد وخصائصهم في هذه الفترة من دورة الحياة.
وتوجد مجموعة من الأفكار النمطية حول هذه المرحلة: فالمسنون مرضى فقراء غير مهمين, غير أصحاء, وغير ودودين, وحزانى ومساكين, وتوجد مصادر كثيرة لهذه الاتجاهات السلبية نحو المسنين: أحدها ما أشرنا إليه من تراثٍ فولكلوري, فإذا أضفنا إليه التراث الأدبي الذي يقرأه الإنسان عادةً في مراحل الصبا والشباب, والصورة السلبية فيه عن الشيخوخة, والذي يتم به تشكيل الأفكار والمعتقدات والاتجاهات والآراء, فإن ذلك يؤدي إلى تدعيم هذه الصورة السلبية، ناهيك عن الدور الحاسم الذي تقوم به وسائل الثقافة والإعلام الحديثة "وخاصة السينما والتليفزيون"، ودور الإعلانات في عصرنا الحاضر, والتي تركز جميعًا على الشباب، بل هي موجهة في جوهرها للشباب.
وقد يكون أكثر العوامل قوةً نقص الخبرات الموجبة مع المسنين, وخاصةً في مرحلة الطفولة, وتؤكد بعض الدراسات الحديثة أنه حين يقضي الطفل بعض الوقت في تعاملٍ مباشرٍ مع المسنين, تتحول انطباعات الأطفال من السلبية إلى الإيجابية, ولعل هذا يدعونا إلى التحسُّرِ على العصر النبيل الذي انقضى حين كان الجد والحفيد يتفاعلان معًا تحت سقفٍ واحدٍ.
(1/505)

وربما لهذه الأسباب لا تفضِّلُ بعض المجتمعات الحديثة -وخاصة في الدول المتقدمة- أن تطلق على المواطن بعد تجاوزه الستين "صفة الشيخوخة", والتسمية الشائعة لديهم هي "المواطن الكبير" senior citizen، وهذه التسمية في اللغة الإنجليزية لا تحمل معنى التقدُّم في السن فحسب، وإنما تتضمن أيضًا معاني الاحترام والمكانة الرفيعة والقدر العالي, وفي رأينا أن صفة "الشيخ" في اللغة العربية تحمل هذه المعاني جميعًا؛ فالكبير لغةً -كما بينا- هو الطاعن في السن1, بينما الشيخ لغةً هو الأستاذ والعالِمُ الكبير وكبير القوم ورئيس الصناعة، وهو الكبير في أعين القوم علمًا أو فضيلةً أو مقامًا ونحو ذلك، وحين يُنَادَى المرء في العربية بأنه شيخ, فإن ذلك يحمل كل معاني التبجيل والاحترام والتقدير.
__________
1 لعل هذا التحليل اللغوي يدفع المتخصصين في التربية إلى تعديل مسمياتهم لمجال "تعليم الكبار", وإحلال مصطلح تربية الراشدين محله كما ذكرنا من قبل.
(1/506)

حدود الشيخوخة
المحك العمري
...
حدود الشيخوخة:
متى تبدأ الشيخوخة؟ على الرغم من أن الشيخوخة حالةٌ نفسيةٌ وعقليةٌ لدى الكثيرين, إلّا أنه توجد مجموعة أحداث ثقافية ترتبط بالجسم والعقل تعد معالم لبدء هذه المرحلة, ولعلَّ من المفيد أن نعرض هذه الأحداث التي يمكن الاستفادة بها كمحكاتٍ لتعيين بداية هذه المرحلة الهامة من حياة الإنسان.
المحك العمري:
لعل أهل المحكات العملية في وقتنا الحاضر هو المحك العمري, والذي يحدد بداية زمنية معينة كبدء للعمر الثالث للإنسان؛ فعادةً ما يُعْتَبَرُ السن ما بين الستين والخامسة والستن هو المحك الرئيسي الذي يحدد بداية الشيخوخة, والواقع أن هذا المحك في جوهره هو من نوع المحكات الاعتباطية, ولعل ما يجعل للفترة من 60 -65 علاقة بحدود الشيخوخة أنها تمثِّلُ سن التقاعد واعتزال أدوار العمل الرئيسية، وبداية الاستفادة من نظام المعاشات والتأمين الصحي، والإعفاء من الضرائب, وفي بعض المجتمعات يحصل المسنون على امتيازاتٍ أخرى إضافية؛ مثل: تذاكر المواصلات المخفضة، والأسعار الخاصة لبعض المشتريات.
وإذا كان الفترة من 60-65 هي بداية هذا العمر الثالث للإنسان, فماذا عن حدوده الزمنية؟ يثير هذا السؤال موضوع طول الحياة أو ديمومتها average life span، والذين يمكن النظر إليه من زوايتين: إحداهما متوسط الأعمار، ويدل على العمر الذي يقضيه الإنسان حيًّا في المتوسط, ويسمى متوسط
(1/506)

مدى الحياة longevity, وثانيهما الحد الأعلى للعمر الذي يعيشه الإنسان, ويُسَمَّى المدى الأقصى للحياة maximum life span, ويعكس المؤشر الأول الظروف البيئية من تغذيةٍ ورعايةٍ طبيةٍ وغيرهما، أما المؤشر الثاني فيدل على الخصائص البيولوجية المميزة للإنسان، وكلاهما -من قبل ومن بعد- تتحكم فيه إرادة الله ومشيئته -سبحانه وتعالى.
1- المدى الأقصى للحياة:
يبدو أن المدى الأقصى للحياة ظلَّ ثابتًا خلال بضع فترات تاريخية متعاقبةٍ وعبر الثقافات المختلفة، وخاصةً الإنسان في العصر الحديث حين توافرت للباحثين البيانات التي يمكن أن تخضع للتحليل المنظم, وفي ضوءِ ما هو متاحٌ حتى وقتنا الحاضر يمكن القول أن المدى الأقصى لحياة الإنسان في العصر الحديث هو ما بين 110، 120 سنة، وأن أقصى ما أمكن التوصل إليه بالفعل هو حوالي 115 سنة1.
والسؤال هنا: كيف تتفق هذه النتائج مع ما نقرأ ونسمع من مزاعم حول أفراد معاصرين عاشوا بيننا أعمارًا تفوق كثيرًا هذا الحد الظاهر؟ يرى الباحثون أن معظم هؤلاء "المعمرين" عاشوا في وقتٍ كان من الصعب - إن لم يكن من المستحيل- التحقق من عمر الشخص بطريقةٍ دقيقة Perlmutter "Hall, 1985:61" فحين قام بعض الباحثين ببحثٍ عَمَّا ذُكِرَ عن حوالي 600 شخص من هؤلاء, من أنهم عاشوا 120 سنة على الأقل، لم يجد هؤلاء الباحثون واحدًا منهم عاش لأكثر من 114 سنة "Fries&Crapo, 1981" وقد تأكَّد ذلك من بحوث أخرى، لعل أهمها بحث "Walford, 1983", وأحيانًا ما نقرأ أو نسمع عن أشخاصٍ يعيشون في بعض الثقافات والمجتمعات النائية، ويشار إليهم بأن متوسط مدى الحياة لديهم يتجاوز 150 عامًا، ومن أشهر هذه المجتمعات ثلاثة: بعض قرى الإكوادور، وبعض مقاطعات الدولة الروسية، وبعض المناطق في باكستان, وقد أُجْرِيَتْ دراسات علمية على هذه الحالات الثلاث على وجه الخصوص، وأكدت خطأ هذه التقديرات العمرية؛ ففي حالة معمري الإكوادور, وُجِدَ أن هناك خطأً واضحًا بين أسماء الآباء والأبناء, وبسبب شيوع الزواج الداخلي فقد تكررت بالفعل الأسماء داخل السلسلة الواحدة, كما لوحظ
__________
1 يجب على القارئ أن يتنبه إلى أننا نشير هنا إلى البيانات التي خضعت للتحليل بالنسبة للإنسان خلال القرنين الماضيين, ويخرج من هذا السياق كليةً, ما ورد في الأثر حول أعمار الأنبياء كنوحٍ -عليه السلام, فهذا من الغيب الذي يجب الإيمان به، وكذلك ما ورد حول بعض الحضارات القديمة, فهذه ليست موضوع بحثنا.
(1/507)

أن من عاداتهم أنه حين يموت الطفل يُعْطي الآباء نفس الاسم لطفلٍ جديد, وقد لوحظ أيضًا أن سكان هذه القرى الذين تمتد أعمارهم بين 60، 70 سنة, كانوا يعطون بصفة عامة أعمارهم الصحيحة، أما أولئك الذين تجاوزوا هذا السن فكانوا أقل دقة, ويزداد عدم الدقة مع مزيد من التقدُّمِ في السن, وحين صحح الباحثون هذه البيانات باختيار الوثائق وجدوا أن أحدًا منهم لم يتجاوز عمره مائة عام "Perlmutter Hall, 1985".
وقد أجريت دراسات مماثلة على المعمِّرين الروس؛ حيث لم يجد الباحثون وثائق ميلاد رسمية لهؤلاء، كما لاحظوا أن بعض هؤلاء الذين بالغوا في تقدير عمرهم فعلوا ذلك كحيلةٍ للهرب من الخدمة العسكرية، وربما لهذا السبب لم يُجَنَّدْ بعضهم أثناء الحرب العالمية الأولى حين استخدموا وثائق الوالد "المماثل له في الاسم" بدلًا من وثائقهم هم, وحين صُحِّحَتْ أعمارهم وُجِدَ أنها لم تتجاوز الثمانين عامًا, وقس على ذلك حالة معمري باكستان.
ولعل ما يلفت النظر حقًّا أن المناطق الثلاثة المشار إليها تتسم بالبعد والعزلة عن أعباء الحياة المعاصرة, فهم سكانٌ يعيشون حياةً ريفيةً تقليديةً تمامًا، وبالطبع فإن مثل هذه الثقافات يكون للمسن فيها سلطته وتقديره واحترامه، وربما لهذا السبب كانت المبالغة في تقدير العمر, ومع ذلك فإننا لا نستبعد مطلقًا أن يعيش هؤلاء السكان لما يقترب من مائة عام، بل قد يتجاوزون ذلك بعض الشيء، والسبب في ذلك أنهم يظلون على درجةٍ كافيةٍ من النشاط والحيوية والمشاركة في حياة مجتمعهم وبيئتهم حتى عُمٍرٍ متأخِّرٍ، بالإضافة إلى أن نظامهم الغذائي جيد ومتوازن إلى حدٍّ كبيرٍ، وعدم وقوعهم في أسر بعض العادات السيئة التي يعاني منها الإنسان المعاصر, وخاصةً التدخين وإدمان المخدرات وتعاطي المسكرات, إنهم بذلك يعيشون حياةً أقرب إلى تلك التي يوصي بها الباحثون المعاصرون المتخصصون في علم الإعمار Gerontology، وهو أحدث العلوم الإنسانية نشأةً وأكثرها تطورًا في وقتنا الحاضر:
2- متوسط مدى الحياة:
أما عن متوسط مدى الحياة, وهو المؤشر الثاني الذي يُسْتَخْدَمُ في دراسة العمر فإنه يختلف من ثقافة لأخرى، كما يتغير من عصرٍ لآخر.
إلّا أن الملاحظ أنه خلال القرنين الماضيين طرأت زيادة على متوسط العمر الذي يعيشه الإنسان "وخاصة الإنسان في الغرب"، ويرجع حدوث ذلك خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر إلى سبب جوهري هو زيادة موارد الغذاء
(1/508)

وتحسين مستواه بالنسبة للغربيين، أما سبب ذلك عندهم في النصف الثاني من القرن الماضي فكان التقدم في الرعاية الطبية، وقد شهد القرن العشرين خاصة تطورات هامة في مجال الطب, وخاصةً مع الإجراءات الوقائية كالتحصين ضد الأمراض المعدية، والطرق العلاجية؛ كالتطورِ في مجال الجراحة والعقاقير "وخاصةً اكتشاف المضادات الحيوية" على نحوٍ أدى إلى خفض معدَّلِ الوفيات "وخاصةً وفيات الأطفال"، فإذا أضنفا إلى ذلك زيادة الوعي لدى الإنسان -مع نهاية القرن الحالي, واستشراف أفاق القرن الحادي والعشرين القادم- من أن فهمنا لأسلوب حياتنا وطريقة عيشنا له أثر كبير في الصحة والمرض, وبالتالي في قصر العمر وطوله "بعد مشيئة الله تعالى" فإننا نتوقع أن يزداد متوسط مدى حياة الإنسان في المستقبل.
إلّا أن هذا القول ليس متماثلًا لدى الجميع, فمن حقائق الإحصاءات الحيوية في كثير من البلدان أن المرأة تعيش بصفة عامة أطول من الرجل، كما أن نسبة وفيات الإناث عند الميلاد أقل منها للذكور، وفي مختلف الأعمار توجد لدى النساء قدرة أكبر من الرجال على مقاومة المرض, كما أنهن أقلّ تعرضًا لمرض العصر القاتل وهو مرض القلب, إلّا أن هذه الميزة للنساء ليست كذلك في جميع المجتمعات؛ ففي بعضها نجد أن عدد المعمرين من النساء يكاد يتساوى مع عددهم من الرجال, وفي البعض الآخر قد يزيد عدد المعمرين من الرجال على النساء، إلّا أن من العوامل التي أدت إلى الصورة الراهنة، والتي وصفناها فيما سبق، أن الرجال أكثر تمسكًا بعادة التدخين، كما أن إدمان المخدرات والمسكرات أكثر شيوعًا بينهم، وكذلك فهم أكثر عرضة للحوادث القاتلة. وعلى الرغم من هذه العوامل الخارجية, فإن بعض الباحثين يرون أن النساء لديهن استعداد بيولوجي للعيش أطول من الرجال, وهم يستندون في ذلك إلى الحقيقة البيولوجية التي تؤكد أن إناث معظم الحيوانات أطول عمرًا من ذكورها, إلّا أن حياة الإنسان ليست محض حقائق بيولوجية, ولكنها ذات إطار اجتماعي وثقافي وتاريخي، ولعله الأهم والأخطر.
ويتضح ذلك مما تأكَّدَ من أن التغذية والرعاية الطبية لها أثر كبير في صحة الإنسان، وبالتالي في احتمال زيادة عمره, ولهذا فمن المعقول فهم ما يُوجَدُ من فروقٍ في هذا الصدد في المستويات الاقتصادية والاجتماعية، وبين الثقافات الفرعية داخل المجتمع الواحد، وبين الدول المتقدمة والدول النامية.
وبالطبع فإن ارتفاع متوسط مدى الحياة يؤدي بدوره إلى زيادة عدد المسنين
(1/509)

وهذا ما تكشف عنه التعدادات السكانية الأخيرة, وقد أدى ذلك إلى توسيع نطاق مرحلة العمر الثالث للإنسان, ورفع حدّها الأقصى الذي أصبح ينتهي بالإنسان إلى الموت في سن مائة سنة أو أكثر, كما بينا عند الحديث عن المدى الأقصى للحياة, ويذكر "Binger, 1983" أن هذه التطورات أدت إلى أن الإنسان المعاصر يمكنه أن يعيش -إن شاء الله- في هذه المرحلة في الوقت الحاضر ما بين 20، 40 سنة.
هل العمر الزماني معك كافٍ؟ لعل أشد الأخطاء خطرًا أن يتصور المرء أن العمر الزمني في ذاته متغير تفسيري "أي: له علاقة سببية بما يحدث من تغيراتٍ في أيِّ طور من أطوار العمر"؛ فالعمر في ذاته لا يمكنه حتى أن يصف، ناهيك أن يفسِّر هذه التغيرات, وعلى هذا فبلوغ المرء سن الستين أو تجاوزه لا يفسر مباشرة ما يحدث من تغيراتٍ من النوع الذي يشيع في العصر الثالث للإنسان. وكل ما يمكن أن يكون عليه أنه مؤشر تتفاعل فيه مجموعة من العوامل التفسيرية من ناحيةٍ "كالآثار الاجتماعية والبيئية التي يعيش فيها الإنسان الراشد المسن, أو التغيرات البيولوجية التي تطرأ عليه"، ومجموعة أخرى من الخصائص المترتبة عليها من ناحية أخرى "مثل اتجاهات الراشدين المسنين أو العمليات السيكولوجية التي تصدر عنهم", ويشبه Kermis" "1984 العمر الزمني -باعتبار محض مرور الزمن- بأيّ أداة قياس أخرى "السنتيمترات في المتر مثلًا"؛ فالسنتيمترات وسيلة لقياس الطول, ولكنها لا تحدثه أو تؤثر فيه بالزيادة أو النقص, وبالمثل فإن الساعات والأيام والشهور والسنوات التي تؤلّف مقياس الزمن "وبالتالي مقياس العمر الزمني" تقيس هذا الحدث الفيزيائي، ولا تدل على أكثر من طول الزمن الذي قضاه المرء حيًّا، وكل ما نستطيع قوله: إن هناك تغيرات معينة تحدث في العمر الزمني أو تصاحبه, ولكنها لا تنتج عنه, وهذه التغيُّرات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية هي -كما سبق أن وصفناها في مطلع هذا الكتاب- هي محتوى الزمن.
(1/510)

نحو محكات أخرى للشيخوخة:
الشيخوخة بالطبع ليست محض بلوغ عمر زمني معين, بل إن بلوغ الإنسان عمرًا زمنيًّا معينًا في أيِّ طورٍ من أطوار الحياة لا يعني بالضرورة حدوث جميع التغيرات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية المصاحبة التي يفترض حدوثها في هذا الطور عند الجميع وفي وقت واحد, ولهذا كثيرًا ما نقرأ في التراث السيكولوجي المتخصص إشارات متعددة إلى العمر الاجتماعي والعمر السيكولوجي، ناهيك بالطبع عن العمر البيولوجي. وقد أكدت حقائق علم النفس النمو في مختلف أطوار الحياة أن الأفراد في نفس العمر الزمني يختلفون في هذه المحكات الأخرى، وينطبق هذا على الشيخوخة انطباقه على جميع أطوار الحياة الأخرى.
ولعل القارئ يتذكر أننا عند مناقشة مسألة "الرشد الإنساني" أشرنا إلى أن محض بلوغ المرء سن 21 عامًا لا يعني بالضرورة تحقيق الرشد، فقد يكون كلٌّ من المحك الاجتماعي والمحك السيكولوجي لديه متقدمًا أو متخلفًا, على الرغم من توافر المحك البيولوجي "وهو في حالة الرشد البلوغ الجنسي", فلماذا لا ينطبق على الشيخوخة نفس القول؟ فكما أن الرشد لا تحدده -من الوجهة السيكولوجية- حدود الزمن، ولو كان قانونيًّا، وإنما هو أكثر ارتباطًا بالاستقلال، فإن الشيخوخة لها نفس الطابع, فسن الستين ليس حدًّا فاصلًا بين القوة والضعف، العزيمة والوهن، التطور والتقهقر؛ لأن الشيخوخة السيكولوجية لا تتوازى بالضرورة مع التغيرات الجسمية التي تحدث في هذا السن ومابعده, فقد تحدث مبكرةً في الرشد المتأخر، وقد تتأخر كثيرًا فيه، ويتوقف هذا على مدى استثمار الفرد لإمكاناته السيكولوجية: معرفية ووجدانية واجتماعية، كما يتوقف أيضًا على نجاح الفرد في هذا الاستثمار طوال عمره كله: في شبابه وخلال سنوات نضجه ورشده، مما يؤدي به إلى استمرار الاستقلال، والرغبة المستمرة بل والمتزايدة في التعلُّمِ, وخاصةً التعلُّم الذاتي، واشتقاق الرضا والإشباع من الاستكشاف والاستطلاع والمعالجة والتقصي والبحث, التي ترتبط جميعًا بهذا التعلم، ثم تنوع الاهتمامات والميول, فإذا بدأ ذلك كله في التناقص والهبوط كان علامةً على بداية النهاية من الناحية السيكولوجية, ومعنى ذلك: أن المرء إذا بدأ في افتقاد استقلاله السيكولوجي, وتوجه نموه نحو الانتكاس وإلى الاعتماد من جديد، فهذا هو المؤشر على التحول السيكولوجي نحو الشيخوخة، ومع التقدُّمِ فيها "أي: الشيخوخة", يزداد الاعتماد الذي يصبح حينئذٍ علامةً بارزةً على التدهور، بل قد يظهر النكوص أو العودة إلى أنماطٍ مبكرة من السلوك, ومستوياتٍ أبسط من النشاط, ووراء ذلك كله عودة إلى الاعتماد الذي هو علامة "الضعف الثاني" الذي يشهده العمر الثالث، كما كان علامة "الضعف الأول" في مرحلة الطفولة والصبا والشباب "العمر الأول للإنسان", وصدق الله العظيم حين قال في كتابه العزيز:
{وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْق} [يس: 68] .
وهكذا نقول: إنه إذا كان الاستقلال هو المحك السيكولوجي للرشد، فإن فقدان هذا الاستقلال والعودة إلى الاعتماد هو المحك السيكولوجي للهرم والعجز senility, ويصاحب هذا الاعتماد توقف عن التعلُّم -التعلم الذاتي بالطبع- مما يؤدي بالمرء
(1/511)

إلى اتجاهات سالبة نحو الذات والآخرين والعمل والحياة عامة، وهذا في ذاته يؤدي إلى الهرم بمقدار يفوق ما تفعله التغيرات في أنسجة المخ.
ويُعَدُّ التقاعد retirement من العمل -أي: التحول من الشخص العامل المنتج الكاسب للقمة العيش بجهده وكَدِّه, إلى شخص عاطل معتمد على الآخرين في معاشه- هو أشد صور التحول من الاستقلال إلى الاعتماد, وخاصة من الوجهة الاجتماعية, وتُعَدُّ خبرة التقاعد من أشد الخبرات إحباطًا في حياة الإنسان، ومع ذلك فإن من الممكن أن تمر هذه الخبرة بسلام في حياة الراشدين إذا أُحْسِنَ التخطيط لها. ونذكر هنا أن من الاتجاهات الحديثة في علوم الإدارة والتنظيم الصناعي زيادة مسئولية المنظمات في مساعدة الأفراد الذين هم في مرحلة منتصف العمر على التوافق لمشكلات التقاعد, وأولها التركيز على أهمية الادّخار والاستثمار في صناديق التأمين والمعاشات, بما يضمن دخلًا ثابتًا بعد التقاعد, ولكن سرعان ما ظهر أن هناك مشكلات أشد تعقدًا من المشكلات المالية, يجب الاهتمام بها عند الإعداد للشيخوخة, ونتيجةً لذلك نجد المؤسسات الصناعية الكبرى في الغرب تُعِدُّ برامج للإرشاد الجماعي والفردي لأولئك الذين يقتربون من الشيخوخة, وقد أدى هذا إلى أن يتنبه الإنسان العادي إلى ما ظلّ يركز عليه علماء النفس لسنوات طويلة, وهو أن التوافق لأيّ مشكلة يتم بسرعة وبأقل قدر من التوتر الانفعالي إذا كان الفرد مُعَدًّا لها, وكلما طالت فترة الإعداد وزادت جوانب الموقف التي تتطلّب الاستكشاف والفهم وضوحًا, كان التوافق للمشكلات أفضل, حتى ولو اختلفت جوانبها الخاصة عما كان يتوقعه المرء خلال فترة الإعداد.
وبالطبع لا ينكر أحد أن أهم خصائص الشيخوخة التدهور العام الذي تتعرض له جميع الجوانب الجسمية والنفسية والاجتماعية للإنسان، إلّا أن الملاحظ أن هناك دائمًا إمكانية تعويض هذا التدهور؛ فالهبوط في القدرات العقلية والجسمية يُعَوّضُ بالاستفادة من خبرات المسنين السابقة، ونقصان القوة العضلية وبطء الاستجابة وزيادة زمن الرجع يُعَوّضُ بزيادة المهارة, وهذه المرحلة التي يمكن تعويض النقائص فيها هي المرحلة المبكرة للشيخوخة، أما في المرحلة المتأخرة، والتي يسميها القرآن الكريم "أرذل العمر"، فإن التدهور فيها يصبح كاملًا ويستحيل فيها التعويض.
إلّا أن من المهم أن ننبه إلى أن ما يمكن أن نسميه "الشيخوخة السيكولوجية"، لا يتوازى بالضرورة مع الشيخوخة الجسمية, أي: مع التغيرات الجسمية والفسيولوجية التي تحدث للمعمرين, ويتوقف هذ النوع من الشيخوخة مرة أخرى
(1/512)

على مدى استفادة الإنسان من قدراته العقلية, واستثماره لسماته النفسية.
فإذا كَوَّنَ الإنسانُ اتجاهاتٍ سلبيةً نحو ذاته والآخرين والعمل والحياة بصفة عامة, فإن ذلك يقوده إلى الشيخوخة, وربما قبل الأوان, كما يفعل تمامًا التدهورفي أنسجة المخ؛ فالذين لا يواصلون ميولهم الاجتماعية والشخصية ولا يتوافقون مع أدوارهم الجديدة بعد التقاعد، سرعان ما يتحوّلون إلى الاكتئاب والعجز, ثم يتدهورون جسميًّا وعقليًّا, وتذكر هيرلوك "Hurlock, 1980" أن حوالي نصف المرضى العقليين في سن الشيخوخة, يعانون من الاضطرابات الوظيفية لا العضوية، والتي ترجع في جوهرها إلى عوامل نفسية أكثر منها عوامل فسيولوجية ونيرولوجية, وبالطبع حين تتآزر العوامل النفسية المدمرة مع العوامل الجسمية المتدهورة يسرع ذلك بالانهيار, وتلعب الدافعية دورًا هامًّا في هذا الانهيار والتدهور، وخاصة الدافعية للتعلم؛ فحين يفقد المرء الرغبة في التعلم أو القدرة عليه, يكون هذا كما قلنا هو محك الشيخوخة الحقيقي, ولعل هذا التعلم المستمر -والله أعلم- هو مصدر الحكمة والخبرة الذي أشار إليه القرآن الكريم حين يصف العمر الثالث للإنسان بأن مرحلة "ضعف وشيبة", بمقارنته بالعمر الأول للإنسان بأنه "محض ضعف"؛ لأن ضعف الصبا صيرورة مستمرة إلى هذه الحكمة التي تتوافر للإنسان أثناء مرحلة الرشد.
يقول الله تعالى:
{ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] .
أما إذا افتقد الإنسان القدرة على التعلم فإنه يكون قد وصل إلى أرذل العمر، وهي مرحلة يصفها القرآن الكريم بأن من سماتها الرئيسية أن المرء فيها "لا يعلم من بعد علم شيئا".
يقول الله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [الروم: 54] .
وحينئذ يفتقد الحكمة والخبرة, وينتكس إلى نوعٍ من الضعف أشبه بمرحلة الضعف الأول الذي كان عليه قبل الرشد.
التعلم -إذن- هو جوهر قوة الإنسان، والعجز عنه علامة الضعف الإنساني، وفقدانه هو مؤشر الانحدار والنهاية.
وهذا التقسيم يتضمَّن بالضرورة وجود طورين في العمر الثالث للإنسان هما
(1/513)

ما سوف نتناوله في الفصلين التاليين وهما:
1- طور الشيخوخة.
2- طور أرذل العمر.
ويبقى أن نقول في هذا الصدد: إننا بدأنا هذا الفصل بسؤالٍ حول متى تبدأ شيخوخة الإنسان، فهل هناك سؤال حول متى تنتهي كما هو الحال بالنسبة للعمرين السابقين: الضعف الأول والقوة؟ بالطبع إذا كانت الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب بالنسبة للطفولة والصبا والرشد؛ حيث تحدد نهاية كل مرحلة بداية المرحلة التي تليها طالما ظلّ الإنسان حيًّا، فإن الإجابة على هذا السؤال بالنسبة للعمر الثالث للإنسان أن النهاية الحتمية هي الموت, والموت في الإطار الإسلامي لا يعني النهاية المطلقة, وإنما هو انتقال إلى الحياة الآخرة الأبقى والأخلد, بل إن الحياة التي نعيشها -طالت أو قصرت- ومراحل النمو التي نمر بها -اختصرت أو اكتملت- هي جميعها البرهان الدامغ على البعث يوم القيامة، وصدق الله العظيم في قوله الكريم:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5] .
(1/514)

تاريخ البحث في ميدان المسنين:
عندما ظهر علم الإعمار Gerontology في أواخر القرن التاسع عشر, كانت بدايته متواضعة, ونموّه بطيئًا, وبالطبع كانت البحوث الطبية هي الأسبق في الظهور حين بدأ الباحثون في دراسة العوامل المؤثرة في طول العمر longevity, ومحاولة وصف التغيرات التي تطرأ على خلايا الجسم وأنسجته, والتي تُعَدُّ مسئولة عن ظهور أعراض الشيخوخة والهرم "Riegel, 1977". أما الدراسات النفسية في هذا الميدان فقد بدأت عام 1922 بصدور كتاب هامٍّ لستانلي هول، مؤسس علم نفس النمو الحديث, عنوانه: "الشيخوخة: النصف الأخير من الحياة Senescence: The Last Half of Life، ولعلنا نتذكر أن هول هو رائد الدراسة السيكولوجية للطفل والمراهق، وهو هنا أيضًا رائد الدراسة السيكولوجية للشيخوخة والتقدم في السن, ومن الطريف أن نشير إلى أنه أعدَّ هذا الكتاب وهو في السبعينات من عمره، فجاء يجمع بين السيرة الذاتية والاستبطان والبيانات
(1/514)

الإحصائية والتأملات النظرية والتراث الأدبي, بالإضافة إلى صيغة البحث العلمي.
وقد دفع هذا الكتاب الباحثين السيكولوجيين إلى الاهتمام بهذه المرحلة الختامية في حياة الإنسان, وقد تركزت البحوث المبكرة حول نموِّ النشاط العقلي, وكان ظهور اختبار ألفا الحربي أثناء الحرب العالمية الأولى فرصة لاستطلاع التغيرات التي تطرأ على ذكاء الراشدين "والتي تناولناها في الباب السابق, الذي يدور حول الرشد", كما اهتمت بحوث أخرى بالعلاقة بين المستوى التعليمي والمستوى الاقتصادي والاجتماعي, وبين نمو وتدهور الذكاء عبر مدى الحياة, ثم امتدت الاهتمامات إلى المهارات الحركية, ثم تقدمت البحوث خلال الحرب العالمية الثانية, وأسهم فيها بدور بارز مركز بحوث نافيليد بجامعة كبردج في بريطانيا، والتي امتدت إلى مرحلة الشيخوخة بالإضافة إلى أطوار الرشد المختلفة, كما أسس المعهد القومي للصحة بالولايات المتحدة عام 1946 وحدةً لبحوث المسنين, إشراف ناثان شوك Nathan Shock, وفي نفس العام تأسست جمعية بحوث المسنين, وصدرت عنها أول مجلة متخصصة في هذا الميدان هي: Journal of Gerontology.
وقد اهتمَّت البحوث المبكرة حول الشيخوخة بالمشكلات العملية التي تدور حول رعاية هذه الفئة من الراشدين المتأخرين, وفي عام 1948 نُشِرَ كتابٌ هامٌّ حول التوافق الاجتماعي للمسنين Social Adjustment in Old Age أعده مجلس بحوث العلوم الاجتماعية بالولايات المتحدة, وبصدوره اتسع نطاق الاهتمام, وامتدت البحوث إلى جميع جوانب عملية التقدم في السن "Binstock&Shanas,1976" وأدى ذلك إلى تأسيس الاتحاد الدولي لعلم الإعمار lntetnational Association of Gerontology عام 1950, ليجمع الباحثين في هذا الميدان من مختلف التخصصات.
إلّا أنه حتى عام 1972, لم يكن هناك فرع لعلم النفس الكلينيكي يتخصص في مجال المسنين, والسبب الجوهري في ذلك أن أدوات التقويم النفسي الجوهرية لم تمتد بعينات تقنينها إلى ما بعد سن الخامسة والستين، ولعل أهم مظاهر ذلك النقص ما كان عليه عندئذ حال مقياس وكسلر كأداة لدراسة النشاط العقلي، واختبار رورشاخ, واختيار تفهم الموضوع, وكلاهما من الأساليب الإسقاطية الأساسية في دراسة الشخصية.
(1/515)

كما كان هناك مجال آخر في دراسة سيكولوجية المسنين لم يكن قد أحرز تقدمًا يذكر, وهو العلاج النفسي لهذه الفئة من الراشدين المتأخرين, فلم تكن هناك نظرية واحدة حول سيكولوجية التقدم في السن, ولعل من المهمِّ أن نشير هنا إلى أن فرويد نفسه رفض قبول المسنين كمرضى، وهو اتجاه لا يزال سائدًا لدى أصحاب التحليل النفسي حتى اليوم "Kermis, 1984", ولعل النقص في وجود أساليب علاجية خاصة للمرضى المسنين كان له جوانبه الإيجابية والسلبية حينئذ, فمن الناحية السلبية قد يتضمن افتراض المعالج أن هؤلاء المرضى حالات مستعصية على الشفاء بأساليب العلاج النفسي، وبالتالي يمكن أن تُسْتَخْدَمُ معهم أساليب أخرى؛ كالعقاقير والصدمة الكهربائية, أو أن يودعوا في المؤسسات الخاصة بهم, أما من الناحية الإيجابية فقد دفع ذلك علماء النفس إلى البحث عن طرق بديلة -ذات طبيعة سيكولوجية أيضًا- عند فشل الأساليب المعتادة، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل فيما بعد.
وهكذا شهدت عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن العشرين اهتمامًا متزايدًا بسيكولوجية المسنين, ويوجد في مصر في الوقت الحاضر عدد من الأقسام والمراكز المتخصصة في دراسة الشيخوخة في عدد كبير من الجامعات "ومن ذلك قسم طب وصحة المسنين بجامعة عين شمس, ومركز الرعاية الصحية والاجتماعية للمسنين بجامعة حلوان", كما أن البحوث تجرى حاليًا في عدد كبير من البلدان وعلى نطاق أكثر اتساعًا, ولعل من مؤشرات هذا الاهتمام الكبير أنه يوجد الآن أكثر من 30 مجلة متخصصة في هذا الميدان, كما أن أهم الأحداث المرتبطة بذلك تاسيس الاتحاد الدولي للصحة النفسية للمسنين lnternational Psychogeriatic Association عام 1982, والذي عقد مؤتمره الأول بالقاهرة خلال الفترة من 22-25 نوفمبر 1982.
(1/516)

موضوع سيكولوجية المسنين:
إذا كان علم النفس هو الدراسة العلمية للسلوك الإنساني في جميع مظاهره، فإن سيكولوجية المسنين، أو ما يُسَمَّى باللغة الإنجليزية Geriatric Psychlogy أو Gerontopsychology تركز على النمو في مرحلة ما بعد اكتمال النضج Post maturity, وهذه الدراسة تحاول الإجابة على ثلاثة أسئلة أساسية حول النمو في هذه المرحلة وهي:
1- إلى أيّ حَدٍّ يختلف المسنون عن الراشدين الأصغر سنًّا؟ وكيف يتغير الأسنان مع التقدم في السن؟
2- ما هي الآثار المترتبة على هذه الفروق أو التغيرات؟
3- كيف تفسر هذه الفروق أو التغيرات؟
ولعل القارئ يذكر أننا أشرنا منذ مطلع هذا الكتاب إلى أن التوجه الراهن لعلم نفس النمو هو منظور مدى الحياة، ويصدق هذا على مرحلة المسنين صدقه على جميع مراحل العمر الأخرى, ومعنى ذلك أننا في دراسة سلوك المسنين لا بُدَّ أن ندرك أن هذا السلوك الذي يظهر في المراحل المتأخرة من حياة الإنسان لا يتم في فراغٍ أو على نحوٍ فجائي، وإنما هو تطور طبيعي لأنماط السلوك المبكرة؛ ففي منظور مدى الحياة يكون سلوك الإنسان دائمًا دالة لأحداث الماضي والحاضر وتوقعات المستقبل, وتشمل أحداث الماضي وعوامل التكوين البيولوجي والفسيولوجي التي تلعب فيه الوراثة دورًا حاسمًا، والنشاط المعرفي والوجداني والاجتماعي المبكر, الذي تلعب فيه البيئة الدور الرئيسي, أما عوامل الحاضر فتشمل آثار العلاقات الاجتماعية داخل الجماعات المختلفة "وخاصة الأسرة", وكذلك الآثار الثقافية العامة للبيئة الراهنة للفرد, وتتضمَّن توقعات المستقبل البيئية التي سوف يتعرض لها المرء, سواء أكانت حقيقة أم متخيلة, كما يضاف إلى هذه العوامل الخرافات والأوهام التي تشيع في البيئة حول التقدم في السن، وكذلك توقعات المرء وأهدافه في الحياة يركز على أن النمو عملية مستمرة من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، وهو الجزء الرئيسي من عنوان هذا الكتاب.
والسؤال الجوهري الآن هو أنه إذا كان تركيز علم نفس النمو الحديث على منظور مدى الحياة, فلماذا يظهر بعض علماء نفس النمو اهتمامًا وتركيزًا على جزءٍ من دورة الحياة؛ كالطفولة أو المراهقة أو الشباب أو الرشد أو الشيخوخة؟ إذا قصرنا الإجابة على هذا السؤال على ما يخص سيكولوجية المسنين, يمكن أن نحدد لذلك الأسباب الآتية:
1- تلعب الاعتبارات العملية دورًا كبيرًا في هذا الاختبار، ومن ذلك مثلًا أنه قد تتوافر في بعض الأوقات بيانات كافية عن مرحلة معينة، وهذا ما حدث لسيكولوجية المسنين في السنوات الأخيرة, ولعل هذا هو ما دفع كثيرًا من الباحثين في الوقت الحاضر للاهتمام بهذه المرحلة من حياة الإنسان, باعتبارها بؤرة هامة يمكن من خلالها فهم الحياة ككل.
(1/517)

2- توجد بعض القضايا والمشكلات التي تخص المسنين دون سواهم ممن هم أصغر سنًّا، وبالطبع فإن على الباحث السيكولوجي أن يختار التخصص في هذه المسائل, ومن ذلك أن التعامل مع الوحدة والعزلة والعجز والمرض المزمن أكثر حدوثًا في مرحلة الشيخوخة دون غيرها من مراحل العمر, ولعل هذا ما دفع مجالات أخرى غير علم النفس -كالطب- إلى أن تفرد للمسنين تخصصًا منفصلًا, فكما أن هناك في الطب منذ عقود طويلة طبًّا للأطفال, ظهر في السنوات الأخيرة طب المسنين Getiatrics أيضًا.
3- ترتبط الشيخوخة بأحداثٍ وتحولاتٍ اجتماعية هامة لها آثارها السيكولوجية على الإنسان، ومن ذلك: التقاعد وتغير الأدوار وفقدان الزوج والأصدقاء، وهي جميعًا قضايا تجعل من الشيخوخة من أطوار التحول الاجتماعي الذي يدفع الباحثين في هذا الميدان للاهتمام بها.
4- زيادة عدد المسنين في التعدادات السكانية الأخيرة، وقد تطلَّب ذلك ظهور أنواع جديدة من خدمات الرعاية التي يجب أن تُقَدَّمَ لهم، وهي خدمات تحتاج لتخصصات عديدة؛ كالطب والخدمة الاجتماعية والخدمة النفسية, بالإضافة إلى ما يتطلبه ذلك من تجديدٍ في النظم التشريعية وقوانين العمل ونظم التأمين والمعاشات، وكلها تهدف إلى أن يحافظ المسن على استقلاله الاقتصادي واستقراره الاجتماعي "وهما مؤشرا الرشد الرئيسيان" أطول فترة ممكنة، بالإضافة إلى تهيئة ظروف حياة ملائمة له, سواء في طور قدرته النسبي "الشيخوخة", أو طور عجزه الكامل "أرذل العمر".
(1/518)

نظريات الشيخوخة والتقدم في السن
أولاً: النظريات البيولوجية
...
نظريات الشيخوخة والتقدم في السن:
يُوجَدُ في الوقت الحاضر عدد من النظريات حول الشيخوخة والتقدُّمِ في السن؛ بعضها بيولوجي, والبعض الآخر سيكولوجي, إلّا أن هذه النظريات المتاحة حتى الآن لا تزال غير كاملة, ولم توجد بَعْدُ النظرية العامة حول الشيخوخة التي تصف لنا كيف يتغير السلوك عبر الزمن، وكل ما هو متاح نظريات تفسر أو تتنبأ بجوانب محدودة من هذا السلوك, وبالطبع فإن هذه النظرية العامة المنشودة لا بُدَّ أن تضع في الاعتبار العوامل البيولوجية والسلوكية والاجتماعية معًا وفي وقت واحد، بالإضافة إلى التفاعل بينها.
أولًا: النظريات البيولوجية:
يرى أصحاب النظريات البيولوجية للشيخوخة, أن في هذه المرحلة -التي تُعَدُّ المرحلة البيولوجية النهائية في حياة أيِّ كائن عضويّ- تحدث عمليات هدم وتحلل تؤدي بهذا الكائن العضوي إلى التدهور على نحوٍ أسرع, وبشكلٍ لا يسمح لميكانيزمات البناء بالعمل, وهذا التدهور يؤدي إلى نقص القدرة على التكيُّف، وبالتالي يؤدي إلى ضعف القدرة على المقاومة والبقاء, وبالطبع فإن المرء لا يموت "بسبب الشيخوخة"، وإنما الموت قد يحدث في أيِّ طور من أطوار حياة الإنسان، ولكنه حتمي في الشيخوخة، وأسبابه في الحالتين عديدة، منها المرض, أو فشل عضوٍ من أعضاء الجسم, أو نظام عضوي منه في العمل، كالقلب أو المخ أو الكلي أو الجهاز الدوري أو التنفسي, وبالطبع تُوجَد فروق فردية واسعة في بدء وتوقيت واستمرار هذه التغيرات المتدهورة. كما أن الأنواع الحيوانية تظهر أنماطًا مختلفة من الشيخوخة، ولكلٍّ منها حَدَّه الأقصى لمدى الحياة, ويوضح الجدول رقم "19-1" ذلك, ويبدو من هذا الجدول أن الحد الأقصى لمدى الحياة هو بصفة عامة الحد الأعلى لإمكانية البقاء في النوع الواحد.
جدول رقم "19-1" مدى الحياة وطول فترة الحمل وسن البلوغ الجنسي لدى أنواع مختلفة من الثدييات "بتصرف عن Finch and Hoyfick 1977"
وتوجد عوامل كثيرة ترتبط بالفروق البيولوجية في مدى الحياة، بعضها وراثي وبعضها بيئي؛ فالحيوانات التي تُرَبَّى داخل المعمل تعيش أطول من
(1/519)

حيوانات البرية, بسبب عدم تعرضها لاعتداء الأعداء من ناحيةٍ, وبرامج التغذية الجيدة التي تُقَدَّمُ لها من ناحيةٍ أخرى, كما أن الإناث في جميع الأحوال تعيش أطول من الذكور، على الرغم من وجود بعض الاستثناءات، فذكور الخيول تعيش أطول من إناثها, كما يرتبط حجم الجسم بمدى الحياة، مع وجود استثناءات مرة أخرى، فالكلاب لا تعيش أطول من القطط, وبالطبع فإن الغذاء المنظم قد يؤدي إلى زيادة مدى الحياة، إلّا أن نظام التغذية يرتبط بالنشاط, وبالتالي يصعب تحديد أثره بشكل مستقلٍّ, وأخيرًا فإن نقص حرارة الجسم يرتبط بزيادة مدى الحياة لدى الزواحف على عكس الحال لدى الثدييات التي يرتبط ارتفاع درجة الحرارة لديها بزيادة مدى حياتها، ومع ذلك فإن الدببة التي تعيش البيات الشتوي وهي حيوانات ثديية, تعيش حياة أقصر مما هو متوقع من مؤشر درجة حرارة الجسم، كما أن التماسيح وغيرها من الزواحف ذات درجة الحرارة المرتفعة, يطول مدى حياتها على عكس ما هو متوقع أيضًا, وهذه النتائج توكد لنا أن طول مدى الحياة لا تحدده عوامل كافية بذاتها، وإلّا لأمكن لنا أن نتنبأ به؛ فطول العمر من المغيبات الخمس التي حجبها الله عن علمنا، وليس للمسلم إلّا أن يؤمن بها؛ لأنها جزء أساسي من عقيدته, يقول الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] .
وتوجد في فئة النظريات البيولوجية للشيخوخة ثلاث نماذج رئيسية هي: النموذج البيولوجي الوراثي, والنموذج البيولوجي غير الوراثي, والنموذج الفسيولوجي, ونعرض فيما يلي هذه النماذج الثلاثة بإيجاز:
1- النموذج البيولوجي الوراثي:
يؤكد النموذج الوراثي genetic للشيخوخة, على الخلل الذي يطرأ على مركبي RNA, DNA في الخلية, وما ينتج عنه من خللٍ أو فشلٍ في إنتاج الأنزيمات اللازمة لنشاط الخلايا, وبالتالي إلى موتها, ومعنى ذلك عند أصحاب هذا النموذج, أن الشفرة الوراثية هي التي تحدد الحد الأقصى لمدى حياة الإنسان, إلّا أن هذا النمط الوراثي قد يتأثر بالعوامل البيئية؛ كالتعرض للإشعاع وتناول العقاقير والتدخين, وهذه النظرية لا تصف لنا طبيعة الانحرافات عن البرنامج الوراثي لدى المرء، وإنما تركز على الآثار العامة للميول الوراثية في مدى الحياة، والأصول الوراثية لعملية التقدم في السن.
وفقدان الخلايا له أهمية خاصة في مناطق الجسم ذات العدد الثابت بعد
(1/520)

توقف عملية الانقسام غير المباشر, وخاصة الخلايا العصبية في المخ والجهاز العصبي المركزي؛ فنقص الخلايا في هذه الأجزاء وخاصةً في السرير التحتاني "الهيبوثا لاموس", الذي يعتبر الساعة البيولوجية للتقدم في السن، يؤدي إلى فقدان الجهاز لتكامله وتوازنه على نحوٍ قد يؤدي إلى الوفاة.
وقد تعرَّضَ هذا النموذج للنقد؛ ففيه تبسيط شديد لعملية الشيخوخة, بينما تُوجَد خطوات وسيطة عديدة بين خلل المركب DNA ونواتجه النهائية، ومع ذلك فقد تأكَّدَ وجود فروق جوهرية في هذا المركب بين المسنين ومن هم أصغر سنًّا, وعمومًا فإن الأدلة المدعمة لهذا النموذج جمعها علماء الطب, وعلى رأسهم ليونارد هايفلك "في Finch and Hoyfilck, 1977". وقد جاءت هذه الأدلة من مصدرين رئيسيين نادرين لاضطراب الخلايا: أحدهما يُسَمَّى البروجريا progeria ", ويسمى أحيانًا زملة أعراض هاتشنسون -جيلفورد" وهو اضطرابات نادر يظهر لأول مرة في الطفولة المتأخرة ومطلع المراهقة، ومن أعراضه بطء شديد في النمو, وتصلُّب عام للأوعية الدموية الرئيسية, وخاصةً الشريانين الأورطي والتاجي.
أما الاضطراب الخلوي الثاني فيُسَمَّى زملة أعراض فرنر Werner syndrome, وهو شبيه بالاضطراب السابق, ولكنه يظهر متأخرًا في العمر, ومتوسط العمر لدى المصابين به هو 47 سنة، ويظهر 10% منهم أورامًا خبيثة، وجميعهم يظهرون أعراضًا مشتركة, ومنها بياض الشعر وسقوطه، وإعتام عدسة العين "الكاتاراكت", وتصلب الأوعية الدموية وخاصةً تصلُّب الشرايين، ووهن العظام، أضف إلى ذلك أن هؤلاء المرضى يتسمون عامةً بقصر القامة, كما أنهم مستهدفون للإصابة بمرض السكر.
وبصفة عامةٍ يمكن القول أن العمليات التي تحدث في خلايا الجسم الإنساني هي الباب الوراثي الذي يدخل منه الإنسان إلى الشيخوخة, وحتى إذا لم تتعرض الخلايا لأيّ مرضٍ من النوعين السابقين, فإن الانقسام الخلوي غير المباشر متناهٍ في حدوده, ويرى هايفلك أن الخلية لا يتجاوز عدد مرات انقسامها 50 مرة قبل أن تموت، ويفترض أنها تتراكم فيها أخطاء في إنتاج الشفرة الوراثية "في المركبين RNA, DNA مع اقتراب الخلية من شيخوختها, وهكذا تصبح الشيخوخة نتاج فقدان الخلايا -وخاصة في الأجزاء الحيوية من الجسم الإنساني- يحدث على نحوٍ أسرع من عملية إحلال الخلايا محل بعضها، وبهذا يتناقص بالفعل عدد خلايا الجسم.
(1/521)

2- النموذج البيولوجي غير الوراثي:
يركز النموذج البيولوجي غير الوراثي على الوظائف الخلوية, سواء تلك التي تحدث داخل الخلية الواحدة أو بين الخلايا المختلفة, وعلى ذلك فهو نموذجٌ يهتم بالعوامل التي تؤثر في نشاط الخلايا وليس على عمليات انتقال مركب RNA, DNA داخل الخلايا, كما يهتم بأثر المواد غير الخلوية في الجسم الإنساني؛ مثل: إنتاج الفضلات والجزئيات الحرة في نشاط الخلية, وعلى ذلك فإن هذا النموذج يتعارض مع النموذج البيولوجي الوراثي السابق, الذي يركِّزُ على التغيرات الداخلية للشفرة الوراثية باعتبارها سبب الشيخوخة, وهكذا فعلى الرغم من أن كِلَا النموذجين يركِّزُ على وظائف الخلية، إلّا أنَّ لكلٍّ منهما أسبابه المختلفة في تفسير ظاهرة التقدم في السن.
ويرى بعض أصحاب هذا النموذج أن الشيخوخة ترجع في جوهرها إلى الزيادة المتراكمة لنواتج الفضلات الناجمة عن عمليات الأيض "أو عمليات الهدم والبناء Metbolism" في كل خلية, وما يحدث أن هذه الفضلات تتداخل مع الوظائف العادية للخلية, وتؤدي في النهاية إلى موتها, وتتوافر أدلة كثيرة على صحة هذا النموذج, قَدَّمَها على وجه الخصوص شوك Shock "في Finch & Hayflick, 1977".
لقد أكدت البحوث أن الخلايا تنتج الكثير من الفضلات الضارة, تتراكم مع مرور الوقت في أنسجة الجسم, ومثال ذلك مادة الليبوفوسين lipofusin التي هي في جوهرها مادة دهنية لا تقبل التحلل أوالذوبان, وبالتالي تتداخل مع نشاط الخلية وتؤدي إلى موتها, وقد لُوحِظَ أن هذه المادة تكَوّن حوالي ثلث الحجم الكلي لعضلة القلب لدى المسنين, وبالتالي تؤدي إلى خلل في وظائفه, صحيح أن البحوث على فضلات الخلية لا تزال في مراحلها المبكرة، إلّا أنَّ من المتوقع لها أن تقدِّمَ لنا نتائج هامة ومفيدة في المستقبل القريب, وحتى الآن فمن الصعب في هذا الميدان من البحث تحديد ما إذا كانت فضلات الخلية هي من أسباب الشيخوخة أم من نواتجها، كما أن من المؤكَّدِ وجود فروق فردية واسعة في معدل هذه الفضلات الخلوية، وبالطبع فإن نسبة تركيز هذه المواد في الخلايا ترتبط ارتباطًا موجبًا عاليًا بسلوك الشيخوخة كما نلاحظه بالفعل, وتوجد صعوبة أخيرة في هذا النموذج تتمثل في أن بعض الفضلات "وخاصة الليبوفوسين", يتراكم فقط في الخلايا التي لا تنقسم, وبالتالي قد لا تكون هذه الفضلات في ذاتها سببًا كافيًا للشيخوخة.
وهنا اتجاه أكثر حداثة في إطار هذا النموذج اقترحه عالم الكيمياء الحيوية الصناعية بجوركستين Bjorkstin عام 1974, وخلاصته أن هناك علاقة بين
(1/522)

علميات الانتقال التي تحدث داخل الخلية, والتغيرات في النسيج الضام مع التقدُّم في العمر، وخاصة التغيرات في الإيلاستين elastin والكولاجين1 Collagene, فقد لاحظ الباحث أن هاتين المادتين البروتينيتين تتحولان من المرونة إلى التصلب مع التقدم في العمر، كما تتغيران في التركيب الكيميائي, ومادام الكولاجين خاصة يؤلف ما بين 25% إلى 30% من مجموع بروتين الجسم, ويحيط بجميع الأوعية الدموية والخلايا, فلا بُدَّ أن يكون لذلك أثره البالغ في النشاط الفسيولوجي, وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه لم يتدعم بشكل مؤكد بعد, إلّا أنه يثير الكثير في البحوث في وقتنا الحاضر.
وهناك اتجاه حديث ثالث في إطار هذا النموذج اقترحه Rockstein & Sussman, 1979" يركز على المكونات الكيميائية الحرة في الخلية, والتي تنشأ عن نشاط الأوكسجين باعتبارها آثارًا جانبية للعمليات العادية للنشاط الخلوي، وهذه المكونات تكون على درجة من الفعالية الكيميائية, وبالتالي توجد لفترة قصيرة من الوقت، ويزداد نشاطهما خاصةً مع الدهون غير المشبعة, والتي تؤلف غشاء الخلية, إلّا أن أغشية الخلايا تؤثر في كروموزومات الخلية, وبالتالي تؤدي إلى إتلاف الخلايا السوية، أضف إلى ذلك أنها سريعة التولد الذاتي والتكاثر، فحالما يتصل أحد هذه المكونات بجزء معين تنتج عن ذلك مكونات كثيرة أخرى, والعملية الأساسية التي تؤدي إلى ذلك هي الأكسدة, وقد أكدت بحوث حديثة أن فيتامين جـ، هـ مضادان للأكسدة, وبالتالي يعوقان إنتاج المكونات الكيميائية الحرة التي أشرنا إليها, ولعل هذا هو سبب شيوع الاعتقاد السائد أن تناول الفيتامينات يطيل العمر, ومرةً أخرى نقول: إن طول العمر أو قصره هو من الغيب الإلهي الذي على المسلم الإيمان به.
3- النموذج الفسيولوجي:
يرى أصحاب هذا النموذج أن الشيخوخة تنتج عن خلل تكامل الأعضاء والأجهزة الجسمية وفشلها في وظائفها، وهو ما يحدث مع التقدم في السن, وهو نموذج يتناول أثر الشيخوخة على الجسم الإنساني كله, وليس على التغيرات التي تطرأ على الخلايا فحسب, صحيحٌ أن بعض هذه التغيرات الكلية في الجسم تؤدي إلى حدوث تغيرات صغرى فيه، إلّا أن العكس صحيح أيضًا, وبالطبع فإن النماذج التي تتعامل مع الكائن العضوي
__________
1 الإيلاستين "ويسمى أحيانًا بالعربية المرنين", هو بروتين يشكل المادة الأساسية لألياف الخلية، والكولاجين هو المادة البروتينية التي في النسيج الضام، وفي العظام, والتي تنتج المادة الهلامية عند غليها في الماء.
(1/523)

ككل أكثر فائدة وملاءمة لعلماء النفس, وخاصة عند استخدام طرق التدخل السلوكي "عند العلاج".
والاتجاه الأقدم في هذا النموذج، والأقرب إلى ما يشيع في الفولكور النفسي، اعتبار الجسم الإنساني كالآلة يتعرض للعطب والخلل نتيجة الاستعمال, فبعد مقدار معين من النشاط, وبعد انقضاء فترة معينة من الزمن لا بُدَّ للآلة أن تتوقف عن العمل، حتى مع حسن الرعاية والصيانة, وبالطبع هناك فروقٌ جوهرية بين الإنسان والآلة في هذا الصدد، لعل أهمها أن الآلات لا تجدد نفسها, بينما الجسم الإنساني يفعل ذلك، إلّا أن عملية التجديد الذاتي في الجسم تبطؤ مع التقدُّمِ في السن, ومع ذلك فهي تظل تعمل.
وهذا الاتجاه لا يوجد ما يدعمه من البحوث على الرغم من شيوعه, فمن المعروف أن آثار الضغط الجسمي والإجهاد النفسي, والتعب الناجم عن العمل, يمكن التخفف منها بتوفير فترات الراحة, صحيح أن الضغوط الكيميائية التي تنشط فيها الدفاعات الهرمونية إذا استمرت لفترات طويلة قد تؤدي إلى انهيار الجسم ثم إلى الموت، إلّا أن ذلك ليس شائعًا، وبالتالي لا يُعَدُّ هذا الاتجاه ملائمًا لتفسير شيخوخة الإنسان.
وبالطبع فإن هذا الاتجاه في النموذج الفسيولوجي امتدَّ بحكمٍ منطقه إلى جراحة زراعة الأعضاء والأنسجة, ومرة أخرى نعود إلى تشبيه الآلة، فكما أننا نستخدم "قطع الغيار" الجديدة لتحل محل ما استهلك منها في الآلة، فإن استبدال الأعضاء والأنسجة التالفة بأخرى جديدة أو صالحة قد يؤدي إلى تحسين نشاط "الآلة" البشرية.
ويوجد اتجاه آخر داخل النموذج الفسيولوجي قد يكون أكثر فائدةً للمتخصص في علم النفس, وضعه ميللر وشوك Miller & Shock عام 1953, ويُسَمَّى عدم التوازن الهوميوستازى Homeostatic imbalance, ويركز هذا الاتجاه على أن الميكانيزمات الهوميوستازية تتدهور مع التقدم في السن، وبالتالي يعاني المسنون أكثر ممن هم أصغر سنًّا من الحفاظ على التوازن الفسيولوجي داخل الجسم، ويشمل ذلك مستوى السكر في الدم، درجة حرارة الجسم، معدل نشاط القلب، ضغط الدم, وحين يصبح تحقيق التوازن في هذه الميكانيزمات مستحيلًا فإن ذلك معناه الموت.
أما الاتجاه الثالث الذي ينتمي إلى هذا النموذج فقد اقترحه ولفورد Walford عام 1969, ثم و. هـ. آدلر W. H. Adller, 1974 ويركز على فقدان مناعة
(1/524)

الجسم؛ فالخلل في جهاز مناعة الجسم، ويشمل ذلك التحكم في الإصابة بالأمراض المعدية، يُعَدُّ مسئولًا، ولو بدرجة جزئية عن الشيخوخة؛ فمع التقدم في السن يضعف جهاز المناعة العادي، ويؤدي ذلك إلى زيادة احتمال الإصابة بالأمراض التي تؤثر في أنسجة الجسم؛ فمع هذا الضعف المناعي يصبح الجسم أكثر عرضة لأثر الفيروسات والبكتريا والفطريات, كما يزداد تعرض الخلايا لظهور الأورام السرطانية الخبيثة، وقد يتحول نظام المناعة إلى جهاز يدمر خلايا الجسم نفسها, وهذا ما يُسَمَّى استجابات المناعة المستقلة autoimmune responses, بينما لا يستطيع مقاومة العناصر الدخيلة المدمرة للجسم الإنساني, إلّا أن ما يجب أن ننبه إليه أن هذا الاتجاه -كغيرة من الاتجاهات- لا يفسِّر حدوث الشيخوخة العادية بقدر ما يفسر حدوث المرض في مرحلة التقدم في السن.
(1/525)

ثانيًا: النظريات النفسية الاجتماعية:
بينما حاولت النظريات البيولوجية تناوُل الأساس المادي للشيخوخة، تحاول النظريات النفسية الاجتماعية أن تتناول الأسس السلوكية لهذه العمليات وما يترتب عليها من نتائج, ولعلنا نذكر أن الهدف من النظرية السيكولوجية في النموِّ الإنساني ليس الربط بين العمر والسلوك، بقدر ما هو الربط بين السلوك ومجموعة من الأهداف التي تحتاج لبعض الوقت لكي تحدث, وعلى ذلك فإن الشيخوخة في هذا السياق لها بعض الارتباط بالعمر, ولكنها ليست ناجمة عنه؛ فالعمر في ذاته -كما قلنا من قبل- لا يتسبب في حدوث أيّ شيء. والوظائف النمائية -كما يطلق أحيانًا على أنماط السلوك المرتبطة بالعمر- لا تتعدى مجرد وصف العلاقة بين العمر والتغيرات في أنماط معينة من السلوك -تحدث مع نمو الفرد وتوجهه نحو اكتمال النضج "الرشد" أوالتدهور "الشيخوخة"؛ والوظائف النمائية بحكم طبيعتها تشير إلى علاقات بسيطة بين الزمن وسلوك الإنسان، لا إلى علاقات مركبة. وعلى ذلك, فإن النظرية النفسية الاجتماعية للشيخوخة لها حدودها في قدرتها على وصف أنماطٍ نموذجية من السلوك المرتبط بالعمر ,مَادَامَ الأفراد الذين ندرسهم لا يتطابق سلوكهم تمام المطابقة مع الفئات السلوكية العامة التي تقترحها النظرية.
والنظرية النفسية الاجتماعية شأنها شأن النظريات البيولوجية لها وظيفة توصيفية، فهي تحاول تحديد أنماط السلوك المرتبطة بما يمكن أن نسمية "الشيخوخة الناجحة أو المتوافقة", وكذلك طول العمر أو الإعمار, وفي كثير من الحالات يشار إلى الشيخوخة الناجحة كميًّا في ضوء عدد السنوات التي يعيشها
(1/525)

المعمر, وليس كيفيًّا في ضوء نوعية الحياة التي عاشها. وفي حدود هذا التمييز الجوهري يجب علينا دائمًا أن نعيد قراءة التراث النفسي والاجتماعي للبحوث التي أجريت حول هذا الموضوع الهام, فليس كلُّ من طال عمره كميًّا عاش حياة خصيبة مجدية بالفعل.
وقد تكون الصعوبات السابقة وراء عدم وجود نظرية نفسية اجتماعية متكاملة للشيخوخة حتى الآن, وبالطبع فإن المهام الرئيسية لمثل هذه النظرية، مثلها في ذلك مثل النظرية البيولوجية هي:
1- تحديد درجة وطبيعة العوامل النفسية الاجتماعية التي ترتبط بالتغيرات التي تحدث خلال سنوات الرشد الإنساني, وتقود الإنسان إلى شيخوخته.
2- تحديد مقدار نجاح أو فشل القوى المسئولة عن هذه التغيرات في مراحل العمر المختلفة من دورة حياة الإنسان, وأثر ذلك على المستوى التوافقي للفرد, وبخاصةٍ في شيخوخته.
3- تحديد المدى الذي يحدثه إنجاز بعض المهام الخاصة بمرحلة عمرية معينة -كالشيخوخة- في تعويض الإحباط الناجم عن الفشل في إحراز مهام أخرى.
وقد اقتُرِحَتْ نماذج نفسية اجتماعية عديدة لمحاولة تحقيق هذه المهام في مرحلة الشيخوخة, وتفاوتت في درجات نجاحها، ولعل أهمها نموذجان؛ هما: نموذج التحرر من الالتزامات disengagimint, ونموذج النشاط Activity, وهما النموذجان اللذان نعرضهما فيما يلي، أما النماذج الأخرى الأكثر عمومية مثل نموذج إريكسون ولوينثال, فسوف نتناول ما يتصل بالشيخوخة فيهما في الفصول التالية.
1- نموذج التحرر من الالتزامات:
ظهر هذا النموذج لأول مرة عام 1961, على يد كامنج وهنري "Cummint & Henry, 1961" كمشروعٍ طموحٍ تعرَّضَ بعد ذلك لكثير من الخلاف والتعديل, وقد حقَّقَ وظيفة النظرية الجيدة في أنه استثار الكثير من البحوث, وفي هذا النموذج يتم التركيز على السلوك الانسحابي من التفاعل الاجتماعي الذي يحدث في مرحلة الشيخوخة باعتباره عملية طبيعية وعامة وحتمية؛ فمع التقدم في السن يبدأ الجسم أولًا عملية التحرر من الالتزام؛ فالعينان والأذنان وغيرهما من أعضاء الحس تصبح أقل قدرة على التعامل مع معلومات العالم الخارجي، وفي نفس الوقت يبدأ المجتمع في البعد عن الشخص المسن, وعلى ذلك فعملية التحرر من اللالتزمات هي عملية انسحاب طبيعي.
(1/526)

وفي هذا النموذج يُعَدُّ الانسحاب خبرة إيجابية لدى المسنين, ولهذا تؤدي الشيخوخة إلى مزيدٍ من التعامل والانشغال بالذات, ونقص في الاستثمار الانفعالي مع الأشخاص الآخرين أو مع الأحداث الخارجية. معنى ذلك أن المسنين يمارسون التحرر من الالتزامات كعمليةٍ طبيعية, وليس كعملية مفروضة عليهم من المجتمع.
2- نموذج النشاط:
ظهر هذ النموذج في عام 1970 على يد مادوكس "Madox 1970", كاحتجاج على النموذج السابق, ففي رأيه أن التحرر من الالتزام هو تغيُّر في الشخصية تتم به المراحل المبكرة وليس المراحل المتأخرة من حياة الإنسان، واقترح نموذجًا بديلًا لتفسير سلوك المسنين؛ هو نموذج النشاط؛ فمع التقاعد "وهو أحد المؤشرات الهامة للشيخوخة" يظل الشخص في حاجة إلى أن يظل منتجًا وسعيدًا؛ فالراشدون النشطون أكثر سعادة من الراشدين المنسحبين, بل إن السعادة ترتبط في جوهرها بالاندماج والتكيف, ولهذا فمن الواجب مساعدة المسنين على البحث عن بدائل للأدوار التي بلغت نهايتها إذا أرادوا أن يحققوا لأنفسهم شيخوخة ناجحة.
ويفترض نموذج النشاط على وجه الخصوص, أن على المسنين البحث عن بدائل لأدوار رئيسية أربعة كانت سائدة من قبل حتى نهاية طور الرشد الأوسط "بلوغ الأشد", وهي: فقدان العمل، ونقص الدخل، وضعف الصحة، والتغير في بنية الأسرة, وإذا أمكن للمسنِّ تعويض هذه الأدوار المفقودة, فإنه يحقق لنفسه تكيفًا ناجحًا في شيخوخته؛ فالشيخوخة هي مرحلة فرص جديدة للأدوار الاجتماعية, وليس مرحلة انسحاب كلي من الحياة الاجتماعية.
والواقع أن نموذج النشاط كنظيره نموذج التحرر من الالتزامات تبسيطٌ مخلٌّ لعملية التقدم في السن, ولا يصلح أحدهما أو كلاهما -حتى الآن- في تفسير ظاهرة التوافق الجيد مع الشيخوخة, والأصح النظر إليها على أنهما يشيران إلى أنماطٍ خاصةٍ من الشيخوخة لا نمطًا محددًا ينطبق على الجميع, ولا يزال الميدان مفتوحًا لمزيد من الاجتهاد الجاد والجهد المبدع, ولعل علماء النفس المسلمين يقتحمون الميدان مزودين بذخيرتهم العظيمة من كنزهم الثمين: كتاب الله الخالد, وسنة نبيه الكريم, وتراث السلف الصالح والتابعين.
(1/527)

الفصل العشرون: طور الشيخوخة
التغيرات الجسمية
...
الفصل العشرون: طور الشيخوخة
أشرنا في الفصل السابق إلى أن مرحلة المسنين والتي تتحدد اعتباطيًّا بتجاوز الراشد سن الستين أو بعدها بقليل, يمكن أن تنقسم إلى طورين؛ أحدهما هو طور الشيخوخة، وثانيهما طور أرذل العمر، وسوف نخصص الفصل الحالي للطور الأول، أما الطور الثاني فموضوعه الفصل القادم, ونعرض فيما يلي التغيرات التي تطرأ على الراشدين؛ بحيث تدخلهم في هذه المرحلة الختامية من حياة الإنسان.
التغيرات الجسمية:
يجب أن ننبه منذ البداية أن الفرد لا ينتقل مباشرة إلى الشيخوخة ببلوغه سن الستين أو الخامسة والستين "سن التقاعد الرسمي"؛ فالشيخوخة عملية تدريجية تحدث فيها التغيرات ببطء, ولعل أهم ما يتسم به هذا الطور بصفة عامة بدء تحول النمو الإنساني في الاتجاه العكسي، فبينما كان النمو في المراحل السابقة يتجه نحو التحسن والترقي والتنمية بمعدلات مختلفة، فإنه مع بدء الشيخوخة يبدأ التدهور بمعدلات بطيئة في البداية, ثم يتسارع هذا المعدل تدريجيًّا حتى يصل إلى أقصاه في طور أرذل العمر.
وأوضح علامات هذا التدهور تكون في مظهر الجسم ونشاطه, وقد عَبَّرَ القرآن الكريم عن ذلك بوضوح عند الإشارة إلى دعاء نبي الله زكريا لربه, وفي ذلك يقول الله -سبحانه وتعالى:
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4] .
ولعل أهم علامات الشيخوخة ما يطرأ على المظهر الجسمي الخارجي من تغيرات، فحالما يدرك الراشد تحول شعره إلى اللون الرمادي "استعدادًا للشيب", أو إلى الأبيض "الشيب الفعلي"، وظهور بعض التجاعيد في الجبهة وحول العين، والشعور بجفاف الجلد وتغضنه, يشعر أنه هذا الطور الجديد. صحيح أن
(1/529)

بعض هذه التغيرات قد يبدأ في الظهور في طور منتصف العمر، وربما قبله، إلّا أنها تكون حينئذ بطيئة، وقد يدفع النشاط والحيوية اللذان من سمات هذه المراحل الإنسان إلى عدم الاهتمام بها، إلّا أنها تتراكم تدريجيًّا بحيث تصل مع الشيخوخة إلى الحد الذي لا تخطئه عين، وتقدم "المرآة" دليلًا قاطعًا وحاسمًا على أن المرء تجاوز عمر "القوة"، وبدأ ضعف المشيب.
ولعل أكثر التغيرات وضوحًا في المظهر الجسمي والذي يزداد ظهورًا مع التقدم في سنوات الشيخوخة انحناء القامة على نحوٍ يبدو لنا كما أن هناك نقصًا في الطول, وهذه الخاصية التي تظهر في صورة تقوّس الظهر، وسقوط الرأس إلى الأمام، وانثناء الأطراف الدنيا, والأرداف ربما تعود إلى سنوات سابقة تعرض القوام فيها بالفعل للتشويه, ثم يزداد الأمر سوءًا مع طور الشيخوخة بسبب ضعف العضلات وأوتار هذه العضلات "التي تربط بين العضلة والعظم"، والتكلس المتزايد في أربطة العظام، وضمور فقرات العمود الفقري, وزيادة نحافة العظام ورقتها, وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية السابقة بوهن العظام, وقد يؤدي العامل الأخير إلى نقصٍ حقيقيٍّ في الطول, وليس مجرد نقص ظاهريٍّ نتيجة لانحناء القامة.
ويحتل موضوع العضلات والعظام موضعًا خاصًّا في تحديد العلامات الظاهرة للشيخوخة؛ فإذا كان تكوين العظام واللحم "العضلات" مرحلة جوهرية في تكوين الجنين -كما أشار القرآن الكريم وكما أوضحنا في هذا الكتاب عند تناول مرحلة ما قبل الولادة- فإن العظام واللحم "العضلات" أيضًا أول ما يتدهور من بناء الجسم الإنساني.
فمن الخصائص المميزة للعضلات أن خلاياها لا تجدد نفسها -على عكس الجلد مثلًا, ويرتبط التقدم في السن أساسًا بضمور خلايا العضلات وموتها, ويبدو أن أكبر زيادة في كثافة العضلات تكون عند مطلع طور بلوغ الأشد "39-50 سنة"، ثم تبدأ تدريجيًّا في الضمور مع نقص بطيء في ألياف العضلات, سواء من حيث العدد أو السمك, ومع زيادة الأنسجة الدهنية مع التقدم في السن, فإن نسبة أقل من وزن الجسم تصبح حينئذ من العضلات، أما النسبة الأكبر فتكون للدهون, بل إن هذه الدهون التي كانت في مراحل العمر المبكرة "حتى منتصف طور بلوغ الأشد" تقع بين الجلد والنسيج العضلي، تصير لدى الأصحاء من المسنين الذين بلغوا الستين أو السبعين من العمر، متغلغلةً داخل العضلات نفسها, وحتى لو كان
(1/530)

وزن المرء في سن الستين مساويًا لوزنه حين كان في الخامسة والعشرين, فإن جسم المسن يحتوي على كمية من الدهون أكبر من جسمه حين كان شابًّا, إلّا أن القاعدة العامة أن المرء في مرحلة الشيخوخة يفقد بعض وزنه بعد أن يكون زاد هذا الوزن زيادة كبيرة في طور بلوغ الأشد, والملاحَظ بصفة عامة أن الرجال ينقص وزنهم بمعدل أسرع من النساء.
وقد حاول الباحثون الإجابة على السؤال الهام وهو: هل يرجع ضمور العضلات في الشيخوخة إلى محض التقدم في السن؟ وقد وجد البعض أن ضمور العضلات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعدم استخدامها، ولهذا ففي رأيهم أن هذا الضمور قد يكون -ولو جزئيًّا على الأقل- نتيجةً حتميةً لنقص النشاط الجسمي عند المسنين, وهو ما يفرضه المجتمع الحديث عليهم, ولهذا تظهر على عضلات المتقدمين في السن تغيرات أخرى؛ أهمها: نقص في كلٍّ من القوة العضلية والمرونة وسرعة الحركة, ومما يدعِّم هذا الفرض أن القوة العضلية والجلد العضلي "قوة الاحتمال" لا يهبطان لدى المسنين الذين يؤدون الأعمال الحركية العنيفة، وفي هذه الأنشطة لم تكن هناك فروق بين الذين تجاوزا الستين من العمر والذين لا يزالون في طور الرشد المبكر. صحيح أن هناك بعض النقص في فعالية العضلات, إلّا أن السؤال الهام الذي لا يزال بدون إجابة حتى الآن هو: كيف -على الرغم من ذلك- تتناقص قوة العضلات لدى المسنين من الأصحاء والنشطين؟
والتغيرات التي تطرأ على العظام تتسم أيضًا بأنها تدريجية بطيئة، مثلها في ذلك مثل التغيرات التي تطرأ على العضلات "اللحم", ويبدأ نقص كالسيوم العظام ابتداءً من سن الثلاثين، ويزداد معدل النقص تدريجيًّا حتى يصل إلى أعلى درجاته في الشيخوخة, وهو أسرع لدى النساء منه لدى الرجال؛ ففي بعض الدراسات المقارنة بين الجنسين, وُجِدَ أن النساء بين سن 55، 85 يفقدون حوالي 25% من حجم العظام, بينما لا يفقد الرجال إلّا 12% فقط, وعلى الرغم من هذا التدهور فإن الخلايا العظمية تظل لديها القدرة على التئام ما تتعرض له العظام من كسور، على الرغم من أن ذلك يستغرق وقتًا أطول مما كان عليه الحال من قبل.
ومن جوانب الإعجاز النفسي للقرآن الكريم إشارته إلى "وهن العظام" كعلامة بارزة على الشيخوخة, ويتمثل وهن العظام في جانبين؛ أولهما زيادة قابلية العظام في هذه المرحلة للكسر، وهي ما يُسَمَّى طبيًّا "هشاشة العظام" Ostioporis, ولا يزال السبب الجوهري لذلك غامضًا, وهناك عدة أسباب مقترحة منها نقص مستوى هورمون الإستروجين "ربما بسبب ظهوره مبكرًا نسبيًّا لدى النساء".
(1/531)

ونقص التدريب والممارسة، ونقص أنزيم لاكتاز lactase "وهو المسئول عن هضم اللبن"، وعدم القدرة على التكيف مع الطعام ذي الكالسيوم المنخفض، ونقص الكالسيوم في الطعام بصفة عامة، وزيادة إفراز الغدد جارات الدرقية, مع نقص مستوى الكالسيوم في الدم, وتستخدم مع هذه الحالة طرق مختلفة من العلاج باستخدام هورمون الإستروجين والكالسيوم وفيتامين "د" والفلوريد وغيرها, إلّا أنها جميعًا لا تؤدي إلى تحسن.
أما الجانب الآخر لوهن العظام في الشيخوخة فيتمثل في التهاب المفاصل المعروف باسم osteoarthritis, ويبدو أن هذا المرض مرتبط بالضغط الميكانيكي على المفاصل بسبب التغير في التركيب الكيميائي للكولاجين, مما يترتب عليه زيادة الاحتكاك بين نهايات العظام، ويزداد احتمال حدوث هذا المرض مع المفاصل التي تحمل الوزن الأكبر من جسم الإنسان "الركبة مثلًا".
ويتصل بالتغيرات التي تطرأ على العظام ما يحدث للأسنان؛ فعلى الرغم من أنه مع التقدم في السن تصبح الأسنان أكثر مقاومة للتسوس, إلّا أن المسنين يفقدون أسنانهم نتيجة النقص التدريجي في عدد خلاياها الذي يصل إلى حوالي النصف عند بلوغ السبعين, ومع أن عدد الألياف في الأسنان يزداد, فإن عدد الأوعية الدموية فيها يتناقص, أضف إلى ذلك شيوع التهابات اللثة التي تُسَمَّى perio dontal disease, والتي تؤثر على الأنسجة المحيطة بالأسنان على نحوٍ يسمح باختراق البكتريا لها وإضعافها ثم سقوطها, وتوجد صلة بين هذا المرض ومرحلة قابلية العظام للكسر الذي أشرنا إليه، حتى أن الأطباء الذين يشخصون وجود أحدهما يكتشفون عادةً وجود الآخر.
وتجب الإشارة هنا إلى أن بياض الشعر هو أكثر العلامات استخدامًا للدلالة على الدخول في العمر الثالث للإنسان، وقد اعتمد عليه الإنسان منذ أقدم العصور, وقد دَعَّمَ العلم الحديث ذلك؛ ففي دراسة قام بها دامون وزملاؤه Damon et al "في Perlumetter & Hall,1985" وجدوا أن بين 50 مقياسًا جسميًّا للشيخوخة, يُعَدُّ مؤشر بياض الشعر الأكثر دقةً وثباتًا كمؤشر على هذه المرحلة, وفي هذا دليل جديد على الإعجاز السيكلولوجي للقرآن الكريم, الذي أشار إلى العمر الثالث للإنسان بأنه "ضعف وشيبة", ثم استخدم "اشتعال الرأس شيبًا" كمؤشر على هذا العمر.
وبالطبع فإن الوراثة تلعب دورًا هامًّا في معدل شيب الشعر حين يحل الشعر
(1/532)

الرمادي أو الأبيض محل اللون الطبيعي للشعر؛ فالبعض تظهر عنده بوادر ذلك في مرحلة المراهقة, والبعض لا تظهر هذه البوادر عنده إلّا عند بلوغ الستين, وربما بعد ذلك, وبصفة عامةٍ يمكن القول أن التحول في لون الشعر قد يرجع إلى نقص إنزيم معين، أو إلى نقص وسوء نشاط الخلايا المنتجة للصبغيات في حويصلات الشعر.
ومع الشيخوخة لا يتحول لون الشعر فقط, وإنما قد يسقط أحيانًا, وعلى الرغم من أن صلع الرأس قد يظهر في مراحل عمرية مبكرة، إلّا أنه أكثر شيوعًا في طور الشيخوخة. وبصفة عامة فإنَّ كثافة حويصلات شعر الرأس، عند كلٍّ من النساء والرجال، تخف ابتداءً من سن الخمسين من 615 إلى 485 حويصلة في السنتيمتر المربع الواحد, كما يسقط أيضًا -مع الشيخوخة- من أجزاء الجسم الأخرى، وخاصةً تحت الإبط, ويكون ذلك -عند المرأة الخاصة- ناتجًا عن انخفاض مستويات بعض الهرمونات في الجسم.
وتُعَدُّ شيخوخة الجلد أكثر إيلامًا -لدى المرأة الخاصة- من شيخوخة الشعر, فمن السهل صباغة الشعر، أما الجلد فمهما استُخْدِمَ معه من أنواع مستحضرات التجميل التي شاعت في وقتنا الحاضر, فإن ذلك لن يخفي تمامًا آثار الزمن "التجاعيد والغضون".
ومن الخصائص الأخرى للجلد عند التحول إلى الشيخوخة ظهور بقع سوداء عليه، وهي من أعراض الشيخوخة الثانوية، ومعها يزيد إنتاج صبغي اللون الأسود والمسمى ميلانين melanin, ويضاف إلى ذلك أن أشعة الشمس فوق البنفسجية تؤثر في إنتاج الخلايا لمركب DNA, وفي التركيب البروتيني للجلد، ويؤدي ذلك إلى عدم تجديد الجلد, ولذلك يتحول الجلد مع الشيخوخة إلى النحافة والجفاف والتجعد، وقد يزداد ذلك وضوحًا، بل قد يصاب الجلد بالسرطان، مع التعرّض الشديد للشمس، ويكون هذا الخطر أشد على البشرة البيضاء, إلّا أننا يجب أن ننبه إلى أن بعض هذه التجعيدات -وخاصة في جلد الوجه- قد تحدث عن محض استخدام عضلات الوجه، ولهذا فهي تحدث في اتجاه دفع العضلة في الجلد، وأشهرها الغضون حول العين وفي الجبهة, وغيرها مما يرتبط بتغيرات الوجه التي يتعوّدها الشخص.
وهذه الصورة التي وصفناها للعلامات الخارجية للشيخوخة كثيرًا ما عبَّر عنها بالرسم الفنانون التشكيليون، ولم يؤد الفن وحده إلى إشاعة هذه "الصور النمطية" للشيخوخة، ولكن أسهم فيها أيضًا الأدب, وتفيض ميادين الشعر
(1/533)

والقصة والرواية بأمثلة كثيرة على ضعف الشيخوخة وعجزها، ناهيك عَمَّا يمور به الفولكلور الثقافي للشعوب المختلفة من تراثٍ تتناقله الأجيال حول هذه المرحلة من حياة الإنسان, وقد أسهم ذلك كله في تكوين هذه "الصورة النمطية" التي قد تؤدي بالإنسان مع بلوغ الشيخوخة إلى الفزع والجزع, فإذا أضفنا إلى ذلك التركيز الشديد في عصرنا على ثقافة الشباب "والذي يشمل في السياق العام كل ما قبل الشيخوخة شاملًا الرشد بطوريه"، واتجاهات الآخرين نحو التقدم في السن، فإن ذلك كله يجعل من طور الشيخوخة بالنسبة للكثيرين رحلة من المشقة.
إلّا أنَّ المهم أن نشير هنا إلى هذه الخبرة "الأليمة" بالشيخوخة قد لا تكون كذلك دائمًا، وكثير من البحوث الحديثة أكدت لنا أن المسنين نادرًا ما يشعرون بأنهم تقدموا في السن "Perlmutter and Hall 1985", ومعنى ذلك أن اعتقاد الراشد واقتناعه في عجز المسنين "كما تمثله الصورة النمطية السابقة" إنما يأتيه من استجابات الآخرين إزاءه, وليس من شعور داخلي فيه, فحينما يعامل المرء على أنه أصبح في عمر "ضعف الشيخوخة", فإن ذلك يثبط الكثير من عزمه، ويفقده الكثير من قدرته، ويهبط بثقته إلى مهوًى سحيقٍ ربما يفوق إدراكه أنه بلغ السبعين من عمره, ومع ذلك فهناك من يقبلون شيخوختهم عن رضًا كامل.
ولعل من نواتج هذا الصراع ما ينفق سنويًّا على محاولات التغلب على العلامات الظاهرة للشيخوخة، وقد ظهرت صناعات متخصصة في ذلك؛ منها أصباغ الشعر والمستحضرات الخاصة بالجلد, كما تطور فرع خاص من الطب هو جراحة التجميل، بالإضافة إلى تطور أساليب العلاج الطبيعي التي تسعى إلى إزالة الدهون الزائدة في الجسم.
(1/534)

التغيرات الفسيولوجية
مدخل
...
التغيرات الفسيولوجية:
تطرأ على وظائف الجسم الإنساني تغيرات جوهرية مع الدخول في مرحلة الشيخوخة, ومنذ مئات السنين اعتقد العلماء أن شيخوخة القلب والأوعية الدموية "Cardiovasculsr system" هي أساس شيخوخة الجسم, وفي القرن الخامس عسر توصل ليوناردو دافنشي من خلال التشريح إلى أن سبب الشيخوخة هو بطء انقباض الأوعية الدموية؛ بحيث لا تساعد على تغذية الجسم, وهذه حقيقة تأكدت بعد ذلك حيث يؤدي بطء انقباض القلب إلى زيادة زمن الدورة الدموية, وركز بعض الباحثين من بعده على أهمية الشريان الأورطي. وتضيف البحوث الحديثة عاملًا هامًّا آخر, وهو تركيز الدهون "وخاصة الكلسترول" وتراكمها حول القلب
(1/534)

والشريان الأورطي, بالإضافة إلى أن خلل الأوعية الدموية يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. صحيح أن كثيرًا من هذه التغيرات قد يحدث في مراحل سابقة على الشيخوخة, إلّا أنها تكون أكثر وضوحًا في هذه المرحلة. وهناك تغير آخر في الجهاز التنفسي؛ حيث تصبح السعة الحيوية للرئتين أقل بكثير مما كان عليه الحال من قبل. ويفسر ذلك ما يشعر به المسنون من اضطرابات التنفس بعد تدريب بدني قصير "كطلوع السلّم مثلًا", وعلى الرغم من أن سبب الشيخوخة قد يعود إلى أسباب وراثية وبيولوجية "في بناء الخلية" إلّا أن صحة القلب والأوعية الدموية لها أهميتها الحاسمة.
ويذكر "Turner & Hilms, 1983" أن العامل الرئيسي الذي يؤدي إلى هذه التغيرات حدوث عمليات بيوكيميائية معقدة، ومن أهمها التغير الكيميائي الذي يطرأ على مادة الكولاجين، وهي المادة البروتينية التي توجد في جميع أجزاء الجسم؛ مثل: النسيج الضام والعظام والخلايا والألياف العضلية وجدران الأوعية الدموية؛ فهذه المادة تفقد مرونتها مع التقدم في السن، وتفقد الأعضاء نتيجة لذلك قدرتها على استعادة حجمها وشكلها, ويؤدي التغير في كيف الكولاجين إلى زيادة ترسُّب أملاح الكالسيوم في الأنسجة, وخاصة في جدران الشرايين، ويؤدي إلى تصلبها؛ بحيث تصبح في المراحل المتأخرة جدًّا من العمر أشبه بأنابيب من العظم.
ويؤدي تدهور الكولاجين الخاص بالشعيرات الدموية إلى النقص في كفاءة الكليتين وفي مرونة الرئتين، ويؤدي ذلك بدوره إلى بعض الاضطرابات فيهما, وخاصةً حالات التضخم, ويزيد الكولاجين في القلب على نحوٍ يؤدي إلى تصلب القلب وصماماته, كما يؤدي إلى تصلب الشرايين, الذي يُعَدُّ أكثر أمراض الشيخوخة شيوعُا. ونتيجةً لذلك لا يعمل القلب بكفاءته السابقة, وهناك اضطرابات أخرى تنشأ عن الخلل الكيميائي للكولاجين أشرنا إليها من قبل, ومنها اضطرابات المفاصل وتغضن الجلد.
وتوجد مادة بروتينية أخرى لها أهميتها في إحداث الشيخوخة الفسيولوجية, وهي ألياف الإيلاستين، وهي التي تؤلف حوالي 30% من جدار الشريان الأورطي؛ فمع الشيخوخة يُعَادُ توزيع هذه المادة, وينتج عن ذلك أن الألياف تصبح أكثر رقّةً وأقل تركيزًا، بل إن بعضها يدمر, ومع حدوث ذلك تزداد كمية الكالسيوم المحيطة بالإيلاستين مما يؤدي إلى زيادة تصلب جدران الشرايين, ومع نقص مقدار الإيلاستين في الشريان الأورطي يزيد مقدار الكولاجين.
(1/535)

وحينئذ تصبح المواد الدهنية الشمعية "التي لا تقبل التحلل أو الذوبان" قادرة على التراكم داخل الشريان الأورطي.
وقد اهتمَّ العلماء منذ بضع سنوات بدراسة أثر التقدم في السن على الجهاز العصبي، وكان أشهر من درس هذ الموضوع "Birren, 1974", وكانت أهم نتائجه أن المسنين هم في العادة أبطأ في الاستجابة للمثيرات إذا قورنوا بمن هم أصغر منهم سنًّا, ويعكس ذلك تغيرًا جوهريًّا في سرعة تجهيز الجهاز العصبي المركزي للمعلومات؛ فبينما يظهر الإنسان في مراحل ما قبل الشيخوخة السرعة أو البطء في الاستجابة اعتمادًا على مطالب الموقف, فإن المسنين يحتاجون إلى وقتٍ أطول لمجرد تجهيز المعلومات في الجهاز العصبي, وحين يكون المطلوب اتخاذ قرارات أو إصدار حركاتٍ سريعةٍ يبدو المسن غير قادرٍ على إصدار الاستجابة الملائمة, ولذلك نلاحظ على المسنين أنهم أكثر استهدافًا للسقوط, وغير ذلك من الحوادث التي يمكن تجنبها بالبطء في الحركة وإعادة التوافق, ويشبه بيرن ما يحدث بأنه نوع من "خفض التيار" العصبي أشبه بما يحدث للتيار الكهربائي.
ويبدو أن بطء نشاط الجهاز العصبي المركزي له أهميته في مجالات عديدة, فقد يفسر بعض الصعوبات التي يشعر بها المسنون -والتي سنشير إليها فيما بعد- عند الاسترجاع من الذاكرة وأثناء التعلم, وقد يفسر أيضًا بعض الفروق المرتبطة بالعمر في مواقف اختبارات الذكاء التي تلعب فيها السرعة دورًا هامًّا, بل إن بطء الاستجابة قد يؤثر حتى في الشخصية والتوافق، كتناقص درجة ثقة المسن في نفسه, وخاصةً فيما يتصل بقدرته على إدارة شئونه الخاصة في بيئة عصرية سريعة الإيقاع, وقد يؤدي هذا البطء إلى ظهور التصلُّب والجمود في السلوك، وخفض الميل نحو المخاطرة، وكل ذلك من خصائص السلوك في مرحلة الشيخوخة.
وعلى الرغم من أن البطء في نشاط الجهاز العصبي المركزي يؤثر عادةً في كثيرٍ من جوانب السلوك، إلّا أن هذه الحقيقة لا ترتبط بالصورة النمطية الشائعة للمسن بطيء الإيقاع الذي يَجُرُّ ساقيه جرًّا؛ فالواقع أن العجز لا يظهر إلّا إذا كان المطلوب منه تغيير اتجاه حركته, أو إصدار استجابات جديدة تمامًا "Welford 1959", فإذا كان المسن قد تعوَّدَ على الحركة السريعة المتآزرة، وكان ذلك لا يتطلّب قرارات جديدة منه، فإن حركته قد تذهل الصغير غير المدرب في سرعتها, ولعل هذا يفسِّر لنا وجود عدد من العازفين المشهورين للبيانو يؤدون بعض المؤلفات الصعبة وبسرعة كبيرة Prestissimo tempo, وهم في السبعينات أو الثمانينات, أو حتى التسعينات من العمر، ومن أشهر أمثلتهم: آرثر روبنشتين،
(1/536)

وفلاديمير هورفتز، وكلوديو آرو، ورودلف سيركين؛ فمع الممارسة السريعة المعتادة لا يفقد المسن إلّا القليل، وحتى ما يفقده من وقت أثناء الاستجابة يعوضه في الأغلب إتقان الأداء.
وعدد الخلايا العصبية في المخ يبلغ حوالي عشرة ملايين خلية عند اكتمال النضج, ومع التقدم في السن يموت عدد كبير جدًّا منها "Huyuck and Hoyes, 1982" ويفسّر هذا ما يحدث في الشيخوخة من نقصٍ في وزن المخ وحجمه, وتمدد في التجويفين الجانبين فيه, وضيق في شريط اللحاء المخي, ويقدِّرُ بعض العلماء "Rokstein & Sussman, 1979" أن النقص في وزن المخ يصل في سن التسعين إلى حوالي 30% من وزنه الكلي, ويطرأ على المخ تغيرات أخرى على المستوى المصغر "المجهري", إلّا أن ما هو أكثر أهميةً ما يحدث له من تراكمٍ تدريجيٍّ لفضلات الخلايا العصبية, وخاصةً المادة الدهنية التي تُسَمَّى lipofuscon ومادةً صلبةً أخرى تُسَمَّى orgyrophilic plaque, ويؤدي تراكم هذه المواد وغيرها إلى خلل في الجهاز العصبي المركزي, ينقل الفرد إلى الطور الأخير والخطير من حياة الإنسان، وهو طور أرذل العمر، والذي يتسم بظهور الذهان الشهير بخرف الشيخوخة senile dementia، والذي من خصائصه -كما سنوضح في الفصل التالي- هبوط الذاكرة, ونقص مدى الانتباه, وتدهور الذكاء, ومعظم خصائص الشخصية، وفقدان مهارات رعاية الذات من ناحية الأكل والإخراج وغيرهما.
وتطرأ على معظم الأعضاء تغيرات ملحوظة، فيحدث ضمور في الطحال والكبد والخصيتين والقلب والرئتين والبنكرياس والكليتين, مما يؤدي إلى نقص كفاءتها, ويعتبر نقص عدد الخلايا هو السبب الجوهري في ذلك، ويؤدي نقص كفاءة الكلى مثلًا إلى ضعف قدرتها على إخراج الفضلات والسموم من الجسم, يضاف إلى ذلك نقص مرونة أعضاء أخرى كالمثانة, وقد يؤدي ذلك إلى سلس البول "نوع من التبول اللاإرادي" وقد ينتهي بالعجز تمامًا عن التحكم فيه.
وتطرأ تغيرات أخرى على وظائف الأعضاء، فيتأثر نظام التحكم في حرارة الجسم بسبب خلل الهيبوثالاموس, ويلاحظ على المسنين أنهم لا يتحملون درجات الحرارة المتطرفة، وتزيد لديهم الحساسية للبرد أكثر منها للحر, كما يقل مقدار النوم وكيفه, ويحل نظام الفترات القصيرة من الراحة والنوم محل الفترات الأطول في المراحل السابقة, ويعاني المسنون من الأرق، وهو أكثر حدّة في النساء, وبسبب نقص فترة النوم أثناء الليل يزيد الشعور بالتعب أثناء النهار, ويرجع ذلك
(1/537)

مرةً أخرى إلى الخلل الذي يتعرض له السرير التحتاني "الهيبوثالاموس" في المخ.
ومن أكثر التغيرات حدوثًا ما يطرأ على الجهاز الهضمي؛ فصعوبات الأكل تنشأ جزئيًّا من فقدان الأسنان, وحتى أولئك الذين لم يفقدوا أسنانهم فإنهم يعانون من صعوبات المضغ، فإذا أضفنا إلى ذلك التدهور في حاستي الشم والذوق مع التقدم في السن، يؤدي ذلك إلى عدم الإحساس بطعم الأكل ولو كان جيد الطهي. إلّا أن الأخطر من ذلك ما يشعر به المسنون من مشكلات تتصل بالهضم, ومنشأ ذلك التغيرات التي تحدث في أعضاء الجهاز الهضمي, وخاصة المعدة والأمعاء، ونقص إفراز العصارات التي تساعد على الهضم.
وكقاعدة عامَّةٍ, فإن المسنين يأكلون كميات أقل من الطعام بالمقارنة بالمراحل السابقة, إلّا أنهم يأكلون هذه الكميات القليلة على فتراتٍ أكثر, ولا يستطيع المسنون الاستمرار في الجوع لفترة طويلة؛ لأن كمية السكر في الدم تقل عن الحَدِّ المعقول بسرعة كبيرة.
ومن التغيرات الأخرى التي تحدث مع الشيخوخة ضمور الغدد الصماء ونقص إفرازاتها، كما أن كمية الهورمونات التي تفرزها هذه الغدد لا تصل بكفاءة إلى الأعضاء، ويؤدي ذلك بدوره إلى خلل في وظائفها, ومن ذلك نقص إفراز الجلوكوز، ويفقد الجسم قدرته على الحفاظ على توازن ملائم في مقدار السوائل فيه, كما أن جهاز المناعة في الجسم يفقد جزئيًّا كفاءته بسبب سوء عمل الأجهزة العادية للتغذية الراجعة, بل إن جهاز المناعة قد يتحول -كما أوضحنا في الفصل السابق- ليعمل ضد الجسم نفسه من خلال استجابات المناعة المستقلة، ولهذا نلاحظ أن عدد الخلايا الخاطئة يزداد في هذا السن, والمحصلة النهائية للتغيرات في جهاز الغدد الصماء ونظام المناعة, أن المسنين يظهرون نقصًا متزايدًا في القدرة على المواءمة مع الضغوط التي يتعرضون لها من بيئتهم الداخلية "أي: داخل الجسم" أو الخارجية "مثل العدوي والتغير في درجة الحرارة والضغوط النفسية الاجتماعية".
ويرتبط بجهاز الغدد الصماء نشاط الجهاز التناسلي، ولهذا فإن التغير في نمط إفراز الهورمونات الجنسية يرتبط أيضًا بالتغيرات الفسيولوجية المصاحبة للتقدم في السن, وقد أشرنا إلى بعض هذه التغيرات عند تناول طور بلوغ الرشد، كما بينا الفروق بين الجنسين, وبالطبع فإن من المتوقع زيادة النقص في الإفراز الهرموني مع الشيخوخة, إلّا أن البحوث الحديثة تؤكد أن النقص في إفراز
(1/538)

التستوسترين في الذكور إنما يرجع إلى ما يُسَمَّى الشيخوخة الثانوية, وقد يصل الرجل إلى منتصف السبعينات ولا يطرأ نقص كبير في مستوى إفراز هذا الهرمون لديه, ويرجع ما يحدث من نقصٍ إلى بطء عمليات الأيض لإنتاج الهرمون, ثم تخلص الجسم منه، أما إنتاج الحيوانات المنوية فقد يستمر مدى الحياة عند البعض, إلّا أنه مع شيخوخة الخصيتين ينقص ما تنتجه منها حتى يصل إلى حوالي 50% في حوالي السبعينات، ثم يحدث بعد ذلك نقصان شديد آخر في حوالي الثمانينات من العمر, ليصل إلى حوالي 10%, وبالطبع فإن إفراز الحيوانات المنوية قد يتوقف تمامًا عند البعض، إلّا أن البعض الآخر قد يظل قادرًا على الإنجاب حتى التسعينات من العمر.
وهناك تغيُّر آخر في خلايا غدة البروستاتا يحدث للذكور أيضًا، وهو تغيُّر تظهر بداياته في طور بلوغ الأشد كما بينا آنفًا, وفي نفس الوقت يحل الكولاجين محل أنسجة العضلات، كما ينقص ما يرد للغدة من دم, وعند معظم الذكور تبدأ البروستاتا في التضخم بحيث يصل حجمها في الخمسينات والستينات من العمر إلى ما يفوق حجمها الطبيعي بنسبة 40%، ومع بلوغ السبعينات من العمر يكون حجمها قد تزايد إلى الضعف, ومع تضخمها الشديد تتداخل مع وظائف المثانة, وحينئذ يكون من اللازم استئصالها.
ويرتبط تغيُّر الوظائف التناسلية لدى المرأة بالتغيرات في إنتاج الهرومونات أيضًا، إلّا أن الفرق الجوهري أن المرأة -على عكس الرجل- لا تصبح قادرةً على الإنجاب بعد سن الخمسين، إلّا في حالات نادرة, ومن المعروف أن خصوبة المرأة تتناقص تدريجيًّا مع بلوغ الأشد، وحينئذ تصبح فترة الحيض أقصر وأقل انتظامًا، ويكون ذلك بداية التحول إلى سن "الطهر", كما أسميناه بديلًا لمصطلح "سن اليأس" الأكثر شيوعًا، وهو ما يحدث في مطلع الخمسينات من عمر المرأة، وعنده يتوقف الحيض تمامًا, ومع الطهر menopause يتناقص بشكلٍ حادٍّ إفراز الإستروجين والبروجستيرون، بل يكاد يختفي أثرهما تمامًا في الدم.
(1/539)

الصحة والمرض في طور الشيخوخة:
توصف مرحلة الشيخوخة بصفة عامة بأنها مرحلة "ضعف الصحة الجسمية", فحتى مع عدم الإصابة بمرض، يشعر المسنون عادةً بأنهم ليسوا على ما يرام, ويزداد هذا الشعور مع التقدُّم في الشيخوخة, وخاصةً لدى ذوي المستوى الاقتصادي والاجتماعي المنخفض، وهو أقل حدَّة لدى المتزوجين منه عند غير المتزوجين, وتوجد عدة مبادئ عامة لا بُدَّ من مراعاتها عند تناول موضوع صحة المسنين، وهذه المبادئ هي:
1- أن متوسط توقع الحياة1 يزداد بصفة عامة في الأعمار الدنيا، ولكنه بالطبع يتناقص بالنسبة لمن يبلغ الخامسة والستين أو يتجاوزها, ويفسر الباحثون ذلك أن الرعاية الطبية التي يتلقاها الأطفال في الوقت الحاضر أدت إلى زيادة متوسط توقع الحياة لهم, وخاصةً بعد التغلُّب على الأمراض التي كانت تهدد حياتهم في الماضي مثل الجدري والدفتريا والسعال الديكي وشلل الأطفال, ولم يحدث ما يناظر ذلك من تقدُّمٍ طبيٍّ في مجال التغلب على أمراض منتصف العمر والشيخوخة.
2- إن المسنين يعانون من الأمراض المزمنة chronic أكثر من الأمراض الحادة acute, صحيح أن عمل الطب طوَّرَ من أساليب علاج الأمراض الحادَّةِ خلال السنوات الماضية, من خلال استخدام وسائل التطعيم "للوقاية", وتناول المضادات الحيوية, إلّا أنه بالنسبة للأمراض المزمنة لم يتجاوز حتى الآن حدود استخدام المسكنات, وبالطبع فإن الأمراض الحادة؛ كالأنفلونزا والتهاب المثانة وغيرها, تتسم بأنها قصيرة الأجل ولها سبب معروف، ويسهل اكتشافها وتشخيصها؛ لأنها تحدِثُ تغيرات باثولوجية غير عادية في الوظائف، ويتوافر لها طريقة واضحة في العلاج, أما الأمراض المزمنة "كأمراض القلب والسرطان والجلطة وغيرها" فعلى العكس من ذلك تمامًا, إنها تنمو على نحوٍ تدريجيٍّ إلى حدٍّ يمكنها من الوصول إلى درجة خطيرة، وعادةً لا تظهر تغيرات باثولوجية غير عادية في الوظائف قبل اكتشافها وتشخيصها، ولهذا توصف بأنها أمراض قد ينجح الأطباء في التحكم فيها ووقف استشرائها, ولكنهم لا ينجحون في شفاء المريض منها، ولعل السبب الجوهري لهذا الفرق أن الأمراض المزمنة يحدثها التعرض طويل الأمد لمواد ضارة في البيئة؛ كالتلوث أو الإشعاع، بينما كثير من الأمراض الحادة تنتج عن كائنات حية دقيقة؛ كالفيروسات أو البكتريا, وقد تنشأ الأمراض المزمنة في الشيخوخة نتيجة للتفاعل بين العمليات العادية للتقدم في السن مثل نقص
__________
1 متوسط توقع الحياة "ALE أو average life expectancy" هو مفهوم إحصائي شائع في مجال علم الإحصاء الحيوي، ويقصد به إسقاط فرضي لمعدل الوفيات على أساس معدلات الوفاة الفعلية لمجموعة عمرية معينة في كل مائة ألف من السكان, وبالطبع فإن أطوال حياة الأفراد في هذه المجموعة العمرية تختلف من فردٍ لآخر, وعلى هذا فإن أطوال حياة الأفراد في هذه المجموعة العمرية تختلف من فرد لآخر, وعلى هذا فإن متوسط توقع الحياة هو محض إسقاط إحصائي لعدد السنوات الذي يحتمل للفرد من عمر معين أن يعيشه.
(1/540)

القدرة على التوازن الهوميوستازي, وتكاسل الأجهزة العضوية من ناحية, وبين العمليات المرتبطة بالمرض من ناحية أخرى, وبصرف النظر عن الأسباب, فإن الأمراض تزداد في حوالي سن الخامسة والأربعين, ثم تصل إلى قمتها في سن السبعين وما بعده, وهي بالطبع من علامات تدهور الأجهزة المختلفة؛ مثل الأوعية الدموية للقلب, والأوعية الدموية للمخ، والخلل الكلوي, والاضطرابات الحركية، وكلها فيما يبدو ترتبط بتدهور الجهاز العصبي المركزي والغدد الصماء وجهاز المناعة في الجسم.
3- المسنون، إذا قُورِنُوا بغيرهم في المراحل العمرية الأدنى، هم أكثر تعرضًا للإصابة بعدة أمراض مزمنة في وقت واحد, ولهذا لا تصلح معهم الممارسة الطبية المعتادة التي تركِّز على تشخيص مرض واحد وعلاجه، ففي مرحلة الشيخوخة تكون الإصابة بمرضٍ واحد هي الاستثناء وليس القاعدة, ومعاناة المسن من أكثر من مرض واحد تؤدي إلى أن يؤثر كلٌّ منها في الآخر، على نحوٍ يجعل التشخيص والعلاج صعبًا؛ فآلام الصدر مثلًا قد يكون سببها مرض في القلب، أو أزمة قلبية محتملة، أو اضطراب في الجهاز الهضمي المعوي، أو خلل في نشاط المريء والحجاب الحاجز, أو العصبية الزائدة, وكثيرًا ما يحدث أن بعض الأعراض الهامة لاضطراب جديد تختلط بأعراض حالة مرضية موجودة بالفعل؛ فآلام الصدر قد ترد إلى سوء الهضم، وآلام العظام قد تفسر على أنها نوع من الروماتيزم، ونزيف المستقيم الناجم عن السرطان قد يُعَدٌّ ناتجًا عن البواسير.
4- قد يظهر المرض لدى المسنين في صورة تختلف عنها لدى من هم أصغر سنًّا, ويمثل ذلك إحدى صعوبات التشخيص الطبي في مرحلة الشيخوخة؛ لأن التغيرات المرتبطة بالعمر تغيِّر الصورة الكلينيكية التقليدية المرتبطة بأمراض معينة, ومن ذلك مثلًا أن الحساسية للألم تقل، كما أن مواضع الألم تكون متغيرة في هذه المرحلة. فضيق التنفس والتهاب الزائدة الدودية مثلًا لا يصاحبها ألم لدى المسنين, وحين يحدث الألم لا يكون حادًّا، بل قد يُنْسَى عندما يصل المسن إلى طور متأخر من الشيخوخة "يقترب من طور أرذل العمر", بل إن كلًّا من الأطباء والمسنين جميعًا قد يعتبرون الألم في هذه المرحلة عبئًا يجب التعايش معه، أو شرًّا لا بُدَّ منه، على الرغم من أنه ليس أمرًا حتميًّا في الشيخوخة, وتختلف آثار العقاقير الطبية لدى المسنين عنها لدى من هم أصغر سنًّا؛ فالجرعة التي تناسب الشاب أو الراشد, قد يكون لها أثر جانبي لدى المسن,. كما لا تظهر في هذه المرحلة
(1/541)