Advertisement

قواعد السطوة- روبرت جرين

قواعد السطوة

تأليف: روبرت جرين
ترجمة وتقديم: د. هشام الحناوي
الناشر:
إيلاف معات
لعلوم النفس والشخصية



اسم الكتاب: قواعد السطوة
التصنيف: مترجم
اسم الكتاب الأصلي:LAWS OF POWER 48
تأليف: روبرت جرين.
المترجم: د. هشام الحناوي
الناشر: إيلاف معات لعلوم النفس والشخصية.
تنسيق الكتاب: خالد شلبي. ت: 0105441368
تصميم الغلاف: دار أفست. كفر الشيخ- تصمم/ عمرو الحناوي
ت: 0162030814
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1432هـ- 2011


قواعد السطوة
تأليف: روبرت جرين
ترجمة وتقديم: د. هشام الحناوي





قالوا عن هذا الكتاب
إنه الكتاب الذي لا غنى لك عنه إن كانت السطوة هي غايتك
مجلة التايمز
هذا الكتاب يستخلص ببراعة تاريخ طويل من السطوة في ثمان وأربعين قاعدة ويعرضها بجرأة ووضوح ونقاء، ويمزج أفكار مفكرين كبار من أمثال ميكافيللي وصن تسو وكارل فون كلوشفيتز.. وسواء أعجبتك هذه الأفكار أو كرهتها فستجد لها تطبيقات في الحياة الواقعية.. وهي قواعد تسحر كل قارئ يهتم باكتساب أو فهم أو مقاومة السيطرة والسيادة.
دار بروفايل التي نشرت الكتاب
كتاب يناقض النظرة التقليدية للأخلاق التي لا ترى في أفعال الناس إلا الأبيض والأسود.. لكن معظم القواعد التي يعرضها الكتاب يمكن أن تستخدم للخير أو الشر حسب رغبة كل قارئ.
من مراجعات القراء
الطريقة التي ستتلقى بها هذا الكتاب هي التي تكشف حقيقة موقفك الأخلاقي.
من مراجعات القراء
إنه [كتاب] يعلمنا كيف ومتى وأين يجب استخدام هذه القواعد، وهو سهل ويحوي لحظات من الكشف تبهرك وتبين لك سرًا جديدًا عن البشر.
من مراجعات القراء


معظم المراجعات التي كتبت عن هذا الكتاب تتركز على اعتباره لا أخلاقيًا –ولكن ذلك مضلل لأن هذا الرأي يرى أن من يستفيدون من هذه القواعد هم فقط من يرغبون في خداع الناس والتلاعب بهم... إلا أن الطريقة التي سوف يختارها الشخص لاستخدام هذه القواعد هي التي تحدد أخلاقه. فحتى القواعد التي تبدو نفاقًا خالصًا قد تكون في الواقع بريئة تمامًا في تطبيقاتها... وذلك حقًا هو أحد أفضل الجوانب في هذا الكتاب لأن جرين لا يحاول أن يعلم القارئ الخطأ والصواب... ولكن فقط يدله على الوسيلة التي تحقق له ما يريد.
وبغض النظر عن المحتوى فإن الكتاب سهل، يعرض كل قاعدة في فصل مستقل يتكون من مقدمة مختصرة تشرح القاعدة تليها أمثلة من التاريخ تبين نتائج مراعاة القاعدة وانتهاكها وفي النهاية تختتم بتعليق جرين الشخصي عليها وهي جميعًا تشرح القاعدة بوضوح وتبصر.. والكتاب في الأساس دليل لفهم أنفس الناس... وحتى إن لم تطبق قواعده فإنه يمنحك رؤية عميقة لفهم العلاقات الإنسانية.
من مراجعات القراء


القاعدة 4- 80
اقتصد دائمًا في كلامك
كثرة الكلام تضيع هيبتك وتظهرك أقل عزمًا، وحتى الكلام التافه سيبدو أكثر وقارًا وتأثيرًا إن كان مقتضبًا وغير محدد ومفتوحًا على كل التفسيرات. وأصحاب السطوة يؤثرون في الناس ويرهبونهم بإيجاز كلامهم. وكلما تكلمت أكثر يزيد احتمال أن تقول شيئًا تافهًا أو غبيًا.
القاعدة 5- 88
السمعة عماد السطوة- دافع عنها باستماتة
السمعة وحدها يمكنها ان ترهب وتنتصر، وسقوطها يعرضك للهجوم والضربات من كل جانب. حافظ على سمعتك وتنبه لأي هجمات تحاك ضدها واحبطها قبل أن تمسّك. وتعلم أن تدمر خصومك بإحداث خروق في سمعتهم ثم ارتكهم للجماهير ينصبون لهم المشانق.
القاعدة 6- 98
الفت إليك الأنظار بأي ثمن
تقدر الأشياء بمظهرها ولا أحد يهتم بما لا يراه. لا تكن نكرة وسط الجموع حتى لا يتجاهلك الناس. أبرز نفسك واختلف عن الآخرين والفت إليك الأنظار بإظهار المكانة أو الحيوية أو الغموض حتى لا تضيع وسط الجموع المائعة والخجولة.
القاعدة 7- 115
استفد من جهود الآخرين: لكن احتفظ لنفسك بالتقدير
استخدم حكمة الآخرين ومعارفهم وسعيهم لتقصي الحقائق لتحقيق مأربك، فذلك لن يوفر وقتك وجهدك الثمينين فحسب ولكن سيضفي عليك هالة إعجازية من الكفاءة والسرعة، وسرعان ما يتم نسيان من ساعدوك وتبقى أنت وحدك في الذاكرة. لا تفعل بنفسك ما يمكن أن يفعله لك الآخرون.


القاعدة 8- 123
استدرج الآخرين لفعل ما تريد
حين تجعل الآخرين يفعلون ما تريد تكون لك السيطرة عليهم، والأفضل أن تغري خصومك ليأتوا إليك متخلين عن خططهم الخاصة. استدرجهم إليك بالمكاسب لتكون أوراق اللعبة في يدك ثم هاجمهم وافرض عليهم شروطك.
القاعدة 9- 132
انتصر بأفعالك وليس بكلامك
الانتصارات اللحظية التي تظن أنك أحرزتها بالجدل هي في الحقيقة انتصارات سفيهة: فالامتعاض والضغينة التي تتركها تفوق في قوتها وبقاءها أي تغيرات لحظية في آراء الآخرين. القوة الأكبر تأتي من اتفاق الآخرين معك من خلال أفعالك دون أن تتفوه بكلمة. اعرض ولا تشرح.
القاعدة 10- 14
احذر من البائسين حتى لا تنتقل إليك عدواهم
بؤس الآخرين قد يقتلك –فالمشاعر معدية كالأمراض. قد تظن أنهم غرقى وأنك تساعدهم بينما أنت بذلك لا تفعل سوى أن تدفع بنفسك إلى الكارثة. البائسون أحيانًا يجلبون العسر لأنفسهم وقد يجلبونه لك أيضًت. دعك منهم وخالط السعداء والمحظوظين حتى ينتقل إليك حظهم.
القاعدة 11- 150
تعلم أن تحتفظ باعتماد الآخرين عليك
لكي تحافظ على حريتك واستقلالك بين الناس عليك أن تجعلهم محتاجين إليك ومعتمدين عليك لتحقيق سعادتهم وازدهارهم، لكن لا تعلمهم أبدًا ما يكفيهم للاستغناء عنك.


القاعدة 12- 160
ادفع بالتي هي أحسن: اكسب ولاء من يهمك أو ارفع عنك عداءه
بالسخاء والتلطف
قيامك بفعل واحد ينم عن الطيبة والإخلاص يكفّر عنك لدى الآخرين ويلهيهم عن العشرات من أفعالك الغادرة؛ والإظهار الصادق للتلطف والكرم يفتح قلوب حتى أكثر الناس ارتيابًا. وبمجرد أن ينفتح لك قلب من يهمك يمكنك أن تحرمه وتتلاعب به كما تشاء. والهدية التي تقدمها في وقتها المناسب تعمل كالحصان الذي مكّن الإغريق من فتح طروادة.
القاعدة 13- 169
لا تناشد في الناس العطف أو رد الجميل لكن استدرجهم
بمصالحهم
إن احتجت من أحد المساعدة لا تذّكره بما قدمت له من هبات أو مساعدات لان ذلك سيجعله يخلق الأعذار للتهرب منك. اظهر له شئيًا يعود عليه بالفائدة من تحقيق طلبك ومن تعاونه معك، وركز كلامك على هذه الفوائد. إن أقنعته ستجده يلبي مطالبك بحماس.
القاعدة 14- 177
تودد كصديق لتراقب كجاسوس
من الأمور المصيرية أن تكتشف أسرار منافسيك، وعليك أن تخصص لهم جواسيس يأتونك بأخبارهم حتى تكون لك الأسبقية عليهم. والأفضل أن تتجسس أنت لنفسك. في المناسبات الاجتماعية تصرف كمحقق سري واطرح الأسئلة بطرق لبقة وخفية حتى يكشف لك الناس عن نواياهم ونقاط ضعفهم. انتهز كل فرصة لتكتشف أسرار من حولك.
القاعدة 15- 185
اسحق أعداءك دون رحمة
تعلم القادة جميعًا منذ فجر التاريخ أن عليهم أن يسحقوا من يخشونهم من الأعداء، وبعضهم تعلم هذا الدرس بالتجارب المريرة. الجمرة التي تظل متقدة مهما كانت خافتة سوف تشعل النار في النهاية، والخسائر التي تأتيك من الضربات التي ترحم عدوك أكبر بكثير من خسائر الضربات التي تسحقه لأنك لو لم تنه عليه سيتعافى ويعود للانتقام منك. امحق أعداءك ليس ماديًا فحسب بل معنويًا أيضًا.


القاعدة 16- 196
اتقن فن الغياب لتزيد وقارك ومكانتك
السلعة التي تروج بين الناس يقل سعرها، وكلما زاد حضورك وكلامك تبتذل مكانتك وتقل هيبتك. بمجرد أن يتكون لدى جماعة رأي حسن عنك يكون عليك الانسحاب حتى يزيد حديثهم عنك وإعجابهم بك. عليك أن تتعلم متى تغيب حتى ترتفع قيمتك بندرة حضورك.
القاعدة 17- 206
ارهب الآخرين بالمفاجأة وكسر التوقع
الناس تحكمهم العادة ويحبون أن يألفوا أفعال من حولهم لأن ذلك يعطيهم الإحساس بالسيطرة والتحكم. بلبلهم وشوش عنهم نواياك بتصرفات مباغتة وغير مفهومة، لأن ذلك سوف يجهدهم في تفسير تحركاتك ويبث فيهم الخوف والرهبة.
القاعدة 18- 215
لا تصنع حصنًا يفصلك عن الآخرين؛ فالعزلة خطر يهددك
ولا يحميك
العالم مكان خطر ملئ بالأعداء وعلى الجميع أن يحمي نفسه. وقد تظن أن التحصن يؤمنك لكن العزلة تضيف إلى المخاطر أكثر مما تحمي منها؛ فهي تصعب عليك الحصول على المعلومات الثمينة وتبرزك كهدف سهل للهجمات. الأفضل أن تتجول بين الناس وتختلط بهم وتصنع من بينهم حلفاء. فلجموع هي الدرع الحقيقي الذي تحتمي به من الأعداء.
القاعدة 19- 225
تبيّن جيدًا مع من تتعامل حتى لا تصيب أحدًا بجهالة
العالم ملئ بأنواع مختلفة من البشر ولا تظن أن الجميع سيردون على استراتيجياتك بنفس الطريقة. هناك أشخاص إن خدعتهم أو تلاعبت بهم سوف يقضون ما تبقى من حياتهم يسعون للانتقام منك فهم ذئاب في جلود حملان. أحسن اختيار فرائسك وخصومك حتى لا تضع يدك في جحر ثعبان.


القاعدة 20- 236
لا تلزم نفسك بالولاء لأحد
الأغبياء وحدهم هممن يتسرعون في الانحياز لأحد أطراف الصراع. اجعل ولاءك لنفسك فقط ولا تلزم نفسك بمناصرة أحد. حفاظك على استقلالك يجعلك تتسيد الآخرين، فتأليبك للصراع بينهم يجعلهم جميعًا يطلبون دعمك وتأييدك.
القاعدة 21- 252
استدرج فرائسك بالتظاهر بأنك أقل منهم دهاءً
لا أحد يحب أن يظهر غبيًا أو أقل ذكاءً ممن يتعامل معهم، لكن الدهاء الحقيقي هو أن تشعر من تستدرجه أنه ليس ذكيًا فحسب بل أنه يتفوق عليك ذكاءً. وبمجرد أن يقتنع بذلك لن يشك أو يتوقع أبدًا ما تدبره له في الخفاء.
القاعدة 22- 261
استخدم تكتيك الإذعان لتحوّل ضعفك إلى قوة
حين تكون الأضعف لا تقاوم أو تقاتل بدافع الكرامة، واختر بدلًا من ذلك الإذعان. الإذعان يمنحك الوقت للتعافي وتقويض راحة عدوك في الخفاء والانتظار إلى أن تزول عنه قوته. لا تمنح المتجبرين متعة هزيمتك وسحقك. اجعل الإذعان ضمن ترسانة حيلك للحصول على السطوة.
القاعدة 23- 271
ركز ضرباتك
حافظ على قواك وطاقاتك بتركيزها في ضربات مؤثرة، فصيد واحد ثمين أفضل من الكثير من جني الفتات. القوة دائمًا تتغلب على الكثرة، وإن كنت تبحث عن جهة ترعاك فابحث عن من يستطيع أن يفيدك بالكثير ولفترات طويلة ولا تشتت نفسك على الكثيرين من الرعاة الصغار.


القاعدة 24- 280
اتقن دور التابع: تحلى بخصال رجل الحاشية البارع
خصال رجل الحاشية تجعله يزدهر في عالم الواقع الذي تحدد فيه السطوة والبراعة السياسية مكانة كل الأشخاص وكل الأمور. هذه الخصال تجعل رجل الصفوة يبرع في المكر والتملق وإظهار الخضوع لرؤسائه وتمكنه من فرض سطوته على الآخرين بأكثر الطرق دهاء ورشاقة. اتقن قواعد مجتمع الصفوة ولن تقف حدود دون ما يمكنك أن تحققه من مناصب في بلاط القادة وأصحاب النفوذ.
القاعدة 25- 299
اصنع لنفسك الهوية التي تكسبك السطوة
لا تقبل بالأدوار التي يفرضها عليك مجتمعك، بل حقق لنفسك كيانًا جديدًا بابتكار هوية تجذب إليك إعجاب الناس واهتمامهم. واحرص على أن لا تجعل جمهورك يمل منك أبدًا. تحكم بصورتك لدى الآخرين ولا تترك للآخرين أن يحددوا لك تصورك عن نفسك. استخدم الأساليب المسرحية في الحديث والحركة سوف يزيد من سطوتك ولن يراك الناس بعدها بشرًا عاديًا بل أقرب للأساطير.
القاعدة 26- 311
احرص على إخفاء أخطائك
عليك أن تظهر دائمًا مثالًا للتحضر والكفاءة: احرص على أن تخلو سيرتك بين الناس من الأخطاء والأفعال المشينة، وتعلم أن تخفي تورطك باتخاذ الآخرين كباش فداء ومخالب قط.
القاعدة 27- 322
ابتدع صيحة أو مذهبًا ليتبعك الناس ويمجدونك
لدى البشر رغبة لا تقاوم في الإيمان بشيء –بأي شيء، وعليك أن تجعل من نفسك رمزًا لآمالهم واعتزازهم بأنفسهم؛ بأن تقدم لهم سببًا أو قضية يبذلون أنفسهم من أجلها.. قدم لهم أفكارًا تستثير حماستهم بكلمات توحي ولا تحدد؛ تبشر ولا تنفر. اجعل شغفهم وشاعريتهم يتفوقان على المنطق والواقعية. اصنع لهم طقوسًا يؤدونها واطلب منهم أن يبذوا التضحيات باسمك، فحين تضعف عقيدة الناس وإيمانهم سيمنحك مذهبك سطوة عليهم لا تحدها حدود.


القاعدة 28- 349
نفذ مخططاتك بجرأة ودون تردد
لا تبدأ مسارًا معينًا من التحركات دون أن تكون واثقًا من نتائجه. الشك والتردد يضعف أداءك والاستسلام للخوف يدمرّك. الأفضل لك أن تتقدم بجرأة لأن الأخطاء التي يصنعها الإقدام يمكنك أن تحلها بالمزيد من الإقدام، كما أن الناس جميعًا يحترمون الشجعان والواثقين من أنفسهم ولا أحد يوّقر الجبناء.
القاعدة 29- 361
خطط مسبقًا لكل شيء من البداية حتى الخاتمة
تؤخذ الأمور بخواتيمها، وعليك أن تخطط بوضوح للطريق الذي يوصلك للخاتمة التي تريدها آخذًا في الاعتبار كل العقبات والعوائق ونكبات القدر التي قد تبعد عنك المجد وتمنحه لغيرك. التخطيط للأمور حتى نهايتها يحميك من إنهاك التفكير الدائم فيما يواجهك من الأحداث ويحدد لك متى تتوقف لجني المكاسب، ويجعلك توجه الدفة باستمرار في الاتجاه الذي يحقق لك أكبر السطوة والمجد.
القاعدة 30- 373
تصرف برشاقة ولا تُظهر أبدًا معاناتك في إنجاز الأمور
عليك أن تظهر إنجازاتك وكأنها تلقائية ووليدة موهبة طبيعية وأن تخفي كل ما بذلت من الكدح والتدريب والتحايل لتحقيق ما تريد. اجعل الآخرين يرون أنك تذلل الصعاب بيسر وكأن في مقدورك أن تفعل أكثر من ذلك بكثير. قاوم إغراء أن تحكي للناس عن تعبك وتفنيك لان ذلك يجعلهم يتشككون في مقدرتك، ولا تكشف لهم عن حيلك وأساليبك لأن ذلك قد يمكّنهم من استخدامها ضدك.

القاعدة 31- 385
تحكم بأوراق اللعب: اجعل الآخرين يختارون من البدائل التي تحددها
لهم
أفضل الطرق لاستدراج الناس والتحكم بإرادتهم هي التي تمنحهم ظاهريًا حرية الاختيار بينما تجعلهم في الحقيقة لعبة في يدك، وذلك بأن تحدد خياراتهم في البدائل التي تصب جميعًا في صالحهم أو أن تضعهم بين قرني معضلة بحيث يختارون بين شرين أحلاهم مُر. وسوف تعجب من أن إحساسهم بأن لهم حرية الاختيار يجعلهم يتقبلون أمورًا كانوا ليرفضونها بشدة لو فرضتها عليهم.
القاعدة 32- 397
خاطب في الناس آمالهم وأحلامهم وليس واقعهم
أغلب الناس يحبون تجاهل الحقائق والوقائع لأنها مؤلمة وقبيحة، وينظرون لمن يصنع لهم الشاعرية والخيال كأنه واحة وسط صحراء يتدافعون إليه أفواجًا. تعلم أن تحرك في الناس آمالهم وأحلامهم وسوف تجني سطوة كبيرة.
القاعدة 33- 408
اكتشف نقاط الضعف لدى كل من تتعامل معهم
لكل إنسان نقطة ضعف وخرق في الدرع التي يحمي بها نفسه. غالبًا ما يكون هذا الضعف على شكل خور أو هوى أو رغبة جامحة أو متعة دفينة. بمجرد أن تكتشف نقطة الضعف لدى الشخص يمكنك أن تستغلها لصالحك.
القاعدة 34- 424
لا تتدنى أبدًا في تصرفاتك: تصرف كملك تُعامَل كملك
المكانة التي تضعها لنفسك هي غالبًا التي يضعها لك الناس. فالتعامل بسوقية وتدني يجلب عليك في النهاية ازدراء من حولك. تصرف كالملوك الذي يلزمون أنفسهم بالعزة والوقار فيجبرون الناس على النظر إليهم برهبة وإكبار. ارتقِ في تصرفاتك ليراك الناس كأنك وُلدت لتكون ملكًا.


القاعدة 39- 486
حرّك الماء الراكد لتدخل الأسماك في شباكك
الغضب والانفعال من الأخطاء الاستراتيجية الخطيرة التي تفقدك مكانتك. عليك أن تلتزم دائمًا بالرزانة والموضوعية. لكن عليك إن استطعت أن تغضب عدوك وتفقده أعصابه بينما تحتفظ أنت بهدوئك ووقارك لأن ذلك سيمنحك تفوقًا كبيرًا عليه. واجه عدوك بكل ما ترى أنه يهدد كبرياءه حتى يفقد أعصابه وحينها يمكنك أن تحرّكه كالدمية.
القاعدة 40- 497
ازهد في كل ما قد يُعطى لك مجانًا

احذر مما قد يعطى لك مجانًا لأن ذلك قد يكون وسيلة لخداعك أو لإحراجك وإلزامك أخلاقيًا. تحرر من هذا العبء وادفع بسخاء ثمن كل ما ترى له قيمة، ولا تبخل لأن البخلاء لا يحققون السطوة أبدًا. كن سخيًا وأنفق من مالك بحرية لأن السخاء هو سر السطوة وقلبها النابض.
القاعدة 41- 517
تجنب أن تحل محل رجل عظيم
يحترم الناس الأصل ويحتقرون التقليد. إن كنت خلفًا أو ابنًا لشخص عظيم سيكون عليك أن تبذل أضعاف جهده حتى لا تضيع صورتك في ظلاله. لا تلتزم أبدًا بماض ليس من صنعك. أسس لهويتك الخاصة بتغيير مسار من سبقك. احتقر تراثه وادفنه معه حتى يمكنك أن تصنع ألقك المميز.
القاعدة 42- 532
اضرب الراعي لتشتت الخراف
ستجد دائمًا وراء الاضطرابات الكبيرة شخصًا واحدًا حاقدًا ومتغطرسًا يستطيع أن يعدي الآخرين بأحقاده. إن تركت هؤلاء أحرارًا سينشرون سواد قلوبهم بين الناس. لا تنتظر حتى تتفاقم المشكلات التي يسببونها ولا تحاول أن تسمليهم أو تسترضيهم لأنك لن تستطيع. ابعد تأثيرهم بالتخلص منهم أو بعزلهم عن الناس. اضرب الراعي الذي سبب المشكلة وسوف يتشتت ما تجمّع حوله من الخراف.


القاعدة 43- 544
لا تأخذ الناس بالقهر بل بالتودد والإقناع
الطغيان وقهر الناس يُسقط حتمًا في النهاية. تعلم استدراج الآخرين لفعل ما تريد. من تستدرجه بالإغواء يظل تابعًا مخلصًا لك. يتطلب الإغواء أن تفهم نفسية ونقاط ضعف من تتعامل معهم. ليّن مقاومتهم بالتلاعب بمشاعرهم وبكل ما يرغبّهم ويرهبّهم. تجاهلك لمشاعر أتباعك ينمي داخلهم الحقد والكراهية ضدك.
القاعدة 44- 556
جرّد عدوك وأفقده اتزانه باستراتيجية المرآة
المرايا تعكس الواقع ولكنها أيضًا تشوهه ولذلك فهي أدوات بارعة للمكر والخداع. استراتيجية المرآة هي أن تحاكي أفعال الآخرين لتشوشهم وترهبهم وتفقدهم تفكيرهم المتزن أو لتفتنهم وتشعرهم بأنك تفهم ما في أعماق نفوسهم أو لتلقنهم درسًا بجعلهم يتذوقون مما جنت أيديهم. استراتيجية المرآة من الاستراتيجيات الفعّالة للغاية والتي لا يفلت من سطوتها إلا القليلون.
القاعدة 45- 578
ادع الناس للتغيير ولكن لا تغير كثيرًا في خطوة واحدة
كلنا نفهم نظريًا ضرورة التجديد، لكن في الواقع وفي تعاملاتنا اليومية نتمسك بشدة بكل ما اعتدنا عليه. فرض التجديد يصدم الناس ويدفعهم للثورة. حين تكون حديث عهد بالسطوة أو غريبًا عن مجتمعها يتوجب عليك أن تكّون لنفسك قاعدة تدعمك، ويلزمك لذلك أن تحترم تقاليد رعاياك وبدون ذلك لن يتبعوك. إن رأيت أن التجديد لازمًا أظهره وكأنه تطور نابع من الماضي والتراث.

القاعدة 46- 590
لا تبالغ في إظهار تفوقك ونعماءك
من الخطر أن يراك من حولك متميزًا عليهم، والأخطر هو أن تظهر لهم خاليًا من العيوب ونقاط الضعف. الحقد يولّد في قلوبهم العداوة ومن الدهاء أن تظهر من آن لآخر عيبًا لا يضرك في شخصيتك أو إمكاناتك حتى تدفع عنك الحسد وتجعل الآخرين يرونك واحدًا منهم أي إنسانًا له نقائص، فالله والموتى وحدهم هم من لا يخطئون.
القاعدة 47- 604
لا تتجاوز ما خططت له- تعلم أن تكبح حماسك عند الانتصار
لحظات الانتصار غالبًا ما تكون أخطر اللحظات، فحماسة النصر قد تدفعك للغرور والقة الزائدة تجعلك تتجاوز الهدف الذي طالما سعيت لتحقيقه. هذا الشطط يخلق لك أعداء كثيرين لا تستطيع أن تهزمهم. لا تجعل النصر يفقدك عقلانيتك لأنك لن تجد بديلًا أفضل من التخطيط الاستراتيجي العاقل والمتأني. حدد الأهداف لنفسك وحين تحققها لا تشتط أو تترك نفسك للغرور.
القاعدة 48- 616
ساير الأحداث دائمًا ولا تتجمد في قالب محدد

جمودك على أسلوب محدد يمّكن عدوك من رؤية تحركاتك وقراءة ما تخطط له ويسّهل هجومه عليك. خطط لكل شيء مسبقًا حتى ترى الأمور بوضوح لكن لا تسمح لأعدائك بفهم ما تفعله بالحفاظ على حراكيتك ومسايرتك للأحداث. ولتعلم أن الواقع لا يكون دائمًا يقينيًا وأن القوانين تتخذ دائمًا أشكالًا جديدة. أفضل الطرق لحماية نفسك هي أن تبقى دائمًا كالماء متدفقًا ولا تتخذ شكلًا محدد. لا تراهن أبدًا على الاستقرار أو على دوام الأحوال لأن كل شيء يتغير.


إيلاف الحكمة:
ائتلاف السطوة والتراحم
مقدمة المترجم
أغلب الناس يرغبون في السطوة والمجد، لكن تصور الكثيرين منهم عن السطوة التي يريدونها ووسائل تحقيقها تكون حالمة ومشوشة وغير واقعية، لأنهم يستمدونها من انطباعاتهم الخيالية عن حياة العظماء من القادة والنجوم ومن ظنهم أن النبل والتألق والاقتدار التي يظهرها القادة جميعًا في ذروة مجدهم هي سمات مميزة لهم من بداياتهم وأنها السبب فيما يحققونه من مكانة وتقدير بين الناس. وتتأكد هذه الصورة الخيالية من كتب المساعدة الذاتية التي تصمع من هذه الانطباعات أساطير تستمد منها ما تعتبره «سر النجاح»: أي أنك إن اكتشفت هذا القائد النبيل والمتألق الذي يكمن في داخلك ورعيته وأظهرته وجادلت الناس به بجرأة ووضوح يقدرونك ويلتفون حولك. لكن غالبًا ما يصطدم أولئك الحالمون بالواقع الذي يبين لهم بقسوة ما قاله الرئيس الأمريكي الراحل كالفن كولدج بأنه «لا يوجد في العالم أكثر من الموهوبين الذين يفشلون». الحالمون الذين يتألقون بنبلهم أي بصدقهم وعزمهم وإصرارهم خاصة إن كانت لديهم عبقرية بارزة لا يُشعرون الناس بالثقة والألفة والإكبار كما تقول كتب المساعدة الذاتية بل بالدونية والتهديد والحسد، وفي أحسن الأحوال إن لم يصبهم الأذى والاضطهاد يشعرون بأنهم غرباء عن واقعهم وعصرهم، وهذا هو جوهر الفشل لأن السطوة تكمن في أن تكون مثالًا شفافًا ومعبرًا لتطلعات عصرك وأن تكون كالمرآة التي تعكس أعمق تمنيات الناس من حولك، وأن لا تنطوي أبدًا على أفكارك الخاصة: فالأفكار البارعة كالأزياء البارعة تُصنع لتناسب عصرها وجمهورها وليس لتناسب ذوق صانعيها.


هناك آخرون يدركون تمامًا أن السطوة نادرًا ما تأتي من محاولات تغيير الواقع؛ بل من تغييرك لنفسك لتلائم الواقع، وأن تصبح جزءًا من نسيجه وتعرف كيف تحركه وتتحرك معه. لكن الكثيرين من أولئك الواقعيين لا يفرقون بين السطوة والقهر ويعتبرونهما شيئًا واحدًا؛ فيبرزون أنفسهم بإضعاف من حولهم وبالتقرب من مراكز السطوة بالقسوة والحيلة والتملق وبأي قناع يحقق لهم أهدافهم. ويصبحون كالمرض الذي لا ينتعش إلا بإضعاف الجسد ناسين أن للمجتمعات أيضًا مناعة وللتاريخ إيقاع يجعله يتخلص من الطفيليين والانتهازيين. سطوة الشد والقهر تشبه الإدمان تعطي لذة مؤقتة وإحساسًا زائفًا بالذات ينتهي حتمًا بعواقب وخيمة.
للجدل والقسوة أدوار محددة في عالم السطوة؛ واستخدامهما بشكل جامد لإرضاء الناس أو قهرهم يجعلك كالمثل الذي يستخدم حيل مكرورة لإضحاك الناس أو إبكائهم ولكن مع التكرار سيستهلك الجمهور وفي النهاية يلفظونك. لا بديل لمن يريد سطوة راسخة ومزدهرة عن فهم الناس والأحداث وبراعة التصرف حسب مقتضيات الموقف والمرحلة والعصر. ولتعلم أن حب الناس لك أو خوفهم منك ليس إلا مشاعر، وأن المشاعر عابرة كالزبد وتنهار بمن يؤسس عليها سطوته ولا تدوم إلا العلاقات التي تقوم على المنفعة والمصالح.. ولتذكر أنه: إن كانت البراعة لازمة لك لكي تحقق سطوتك؛ فإنها لازمة لك أكثر لكي تحافظ عليها. ولا تجعل أبدًا غرور الحالمين والمستبدين يقنعك بغير ذلك.
هناك حكاية بسيطة تجعلك تفهم كيف يؤثر البارعون فيمن حولهم دون جدل أو قهر: مر رجل أثناء ترحاله على قرية وشعر بالظمأ؛ فلجأ إلى بيت وسألهم فسقوه وارتوى وهم بالرحيل. رأى الشاب الذي قدم الماء سيما الحكمة في الرجل فطلب منه أن يساعده في حل مشكلة تؤرقه هو وإخوته. مات أبوهم وترك لهم ميراثًا سبع عشرة ناقة وأوصى أن يكون للأخ الأكبر نصفها وللأوسط ثلثها وله هو الأخ الأصغر تسعها، وتحيروا في ذلك لأنهم لم يرغبوا في ذبح أي ناقة وتقسيمها

لأنها تفيدهم أكثر وهي حية. قال لهم الرجل الحكيم أن يأخذوا ناقته كهدية ويضيفونها للتركة لتقسيمها. وهكذا يأخذ الأخ الأكبر ثمان نوق والأوسط تسع والأصغر ناقتين. فأجابه الإخوة الذين اجتمعوا لسماعه: ولكن هذا يجعل المجموع سبع عشرة ناقة وتبقى واحة. فأجابهم الرجل إذن تكرموا وردوا إلي ناقتي حتى أكمل رحلتي.
تشبه تحركات البارعين لتحقيق السطوة هذه الناقة الوهمية التي لا أُعطيت ولا أُخذت؛ والتي ليست جدلًا ولا قهرًا. الحالم كان سيعطيهم ناقة حقيقية ليؤكد نبله ومكانته أما المستبد فكان سيحتال عليهم ليأخذ أكثر ما يستطيع من نوقهم. هاتان النظرتان؛ أي الحالمة والدونية؛ قاصرتان وغافلتان عن فهم الطبيعة الحقيقية للحياة والسطوة؛ فالأولى تحسب أن المجد يكون بالتضحية والزهد والثانية تظنه يقوم على الكنز والتراكم. وإن وصفنا ذلك بالألوان وقلنا أن الأبيض يرمز لتضحية وزهد الحالمين والأسود لقسوة وخبث المستبدين فإن الرمادي هو لون البراعة والسطوة الحقيقية التي لا يزيدها تعاقب الأيام إلا ازدهارًا.
إن كان الغافلون سواء حالمين أو مستبدين يحاولون فرض أنفسهم على الواقع؛ فإن البارعين يتصرفون باقتضاء المواقف ويتسللون إلى قلب الناس والأحداث برشاقة وفجأة تجدهم في المراكز دون عنف أو جدل كأنهم ولدوا ليكونوا هناك. الكتاب الذي بين يديك يعلمك اللغة والقواعد التي تكتسب بها هذه الرشاقة والتي إن فهمتها وأتقنتها ستجد نفسك في مركز التحركات وهو الموقع الذي يرفعك حتمًا إلى تحقيق مكانتك.
كان هذا الكتاب ناقة البراعة للمؤلف. ويقول أنه ظل قبله في الجانب الضعيف دائمًا من لعبة السطوة؛ أي جانب الضحية. كان يعمل مراسلًا للأخبار الفنية في هوليوود وكان يعرض مواهبه وقدراته وتجاوز الخامسة والثلاثين دون أن تقدر جهوده، وأدرك أن هناك خطأ في طريقته ومساعيه تنفر منه أصحاب القرار. وعرف


أن حماسه الزائد في إثبات نفسه قد كان دائمًا السبب في فشله لأنه دون أن يقصد كان يُشعر أولياءه بالتهديد والنفور، وعرف أيضًا أن هذا ما يحدث دائمًا مع الحالمين الذين يبرزون تفوقهم على أوليائهم. وهكذا اكتشف القاعدة الأولى من الكتاب، واكتشف معها أن هناك بالفعل قواعد تميز تحركات البارعين من القادة، اكتسبوها من التجارب والحياة. وأنه لا أحد سواء من الناجحين أو المحبطين سيعيش بما يكفي ليتعلمها جميعًا من التجارب وحدها. وهكذا قرر أن يستخلص كافة القواعد من سير ونصائح كبار القادة ورجال السطوة عبر التاريخ، وأن يجمعها ويضمها جميعًا في هذا الكتاب.
استغرق استخلاص قواعد الكتاب عامين من العمل المضني والدؤوب، لكنه في النهاية لم ينجح فقط في تقديم معرفة عميقة وواقعية لفهم وتوقع التحركات التي تؤدي بالقادة للنجاح أو الفشل، بل أن يجعلك تفهم أن قواعد السطوة شائعة للغاية في كل التعاملات الإنسانية ولا تقتصر على مجالات محددة كالسياسة والأعمال والفكر. وأن الكثيرين من الذين كنت تظنهم أبعد الناس عن السعي للسطوة يمارسون بعض هذه القواعد وإن بطرق مرتجلة وعفوية. وأن تدرك كم كان جهلك بهذه القواعد يسبب لك من الخسائر ما يصيبك باليأس والتحسر والغضب، وأن معرفتك بها ستفتح لك لطريق لتصحيح مسارك واكتساب مكانتك في كل تعاملاتك القادمة.
لكن جمهور قراء الكتاب لم يقتصر على الطامحين الساعين للسطوة أو على الذين فشلوا عن تحقيق أحلامهم ويريدون تصحيح مسارهم، بل لا يقل عنهم إقبال رجال السطوة الناجحين على قراءته. وطالب البعض أن يكون الكتاب مرجعًا أساسيًا للدارسين في مجالات السياسة والإدارة والاقتصاد. كما أقبل رجال الأعمال على الاستعانة بمشورة الكاتب ونصائحه. ويقول الكاتب عن ذلك أنه شعر بالخوف في البداية لأنه لم تكن لديه الخبرة في مجال عملهم لكنه استعاد ثقته حين علم أن ما كان ينقصهم «هو التعامل البارع مع الطبيعة البشرية... كانوا مشوشين

وعرفت أن نصائحي ستفيدهم وأن القواعد التي استخلصها في الكتاب أكثر من هامة بالنسبة لهم».
هناك ملاحظة أخرى قبل أن تقرأ الكتاب. فلأن الكتاب كان ناقة البراعة التي أراد الكاتب منها أن يكتسب سطوته لذلك كان حريصًا أن تكون معبرة عن احتياجات قرائه بشتى توجهاتهم لا أن تعبر عن موقفه الأخلاقي من تطبيقاتها. ولذلك ستجد القواعد مكتوبة بالتنوع الذي يستخدمها الناس به في الواقع. فالبراعة هي المحراب الذي يتعبد فيه كل الساعين للسطوة لكن كل منهم يتعبد لإله مختلف، فالبعض يعبد هواه وجشعه وآخرون يرجون الخير والمكانة في هذه الدنيا والآخرة، بينما لا يرجو البعض الآخر من السطوة سوى الحياة الرغدة والكريمة. ولا تنتظر من الكاتب أي توجيهات أخلاقية لأنه يعرض القواعد كما ستراها في الواقع بحيادية وأحيانًا بقسوة. لكن عرضها بهذه الطريقة تفيدك كثيرًا لأنك وإن لم تكن ستستخدمها بطريقة تخالف أخلاقك ومبادئك فستعرف على الأقل كيف يمكن للآخرين أن يستخدموها ضدك.
من المؤكد أن لا شيء قد يعلمك مثل التجارب والحياة، لكن كما قلنا فإن لا أحد سيعيش بما يكفي ليتعلم كل هذه القواعد بنفسه. لذلك استخدم الكاتب أقرب أسلوب يشبه الواقع والتجارب وهو القصص، وذلك سيسهل عليك أن تقرأ الناس من كلامهم وتحركاتهم كأنك تشاهد مسرحية، وأن تحكي نفسك من مكائدهم، وأن تتخذ الأدوار التي تضعك في مركز الأحداث التي تشكل حياتك، وأن تتجنب الأخطاء التي قد تدمر مسارك. ولغة الكاب سهلة ومركزة وحرصت أن لا تقل الترجمة العربية عنها في السهولة والوضوح. لكن كان العيب الوحيد في النسخة الإنجليزية هو وجود هوامش واقتباسات كثيرة على حواشي الصفحات تشتت القارئ ولا تضيف أي شيء لاستيعاب القواعد؛ وإضافتها كانت ستؤدي إلى زيادة حجم الكتاب وتقليل قياس الخط بشكل غير مريح للقارئ العربي.


ولذلك حذفت هذه الهوامش وأطلعت الكثيرين من الأصدقاء على الصورتين فوجدوا أن الترجمة في صورتها الحالية أفضل كثيرًا للفهم وأعمق في الاستيعاب.
وقد استخدم الكاتب صورة لكل قاعدة، وهي صور رائعة ومعبرة، لكن هناك صورة واحدة استوقفتني في الفصل الذي يتكلم عن إبهار الناس لاكتساب السطوة، وعن قيمة الرموز في التأثير. استخدم الكاتب رمزًا هامًا للغاية في الثقافة الغربية وفي تاريخ العالم وهو تحول الإمبراطور قسطنطين للمسيحية وبعدها إيمان الإمبراطورية الرومانية كلها بها. وهو حدث هام لكل المؤمنين بدين الله وليس للمسيحيين فقط؛ لكن رمزا الصليب والشمس الذي عبر به الكاتب عن الدمج بين الثقافتين تحرج حساسيات المسلمين، كما أنه على الرغم من أن العرب جميعًا يجلون المعنى الذي يقصده المسيحيون أي التضحية والمحبة والتراحم وحياة المسيح ككلمة الله إلا أن الصليب نفسه لا يشكل عند المسلمين هذه المعاني. ولذلك آثرت أن أستخدم رمزًا عامًا قد يقبله الجميع ويعبر عن الجوهر الحقيقي للسطوة الخالدة التي تغير الحياة والتاريخ للأفضل وهو «إيلاف الحكمة».
يعبر إيلاف الحكمة عن البراعة التي تخدم الخير والإيمان والعدل وكل ما يشكل سنة الله في الأرض والسماء أي عن القوة والتراحم؛ الدنيا والآخرة، وكذلك عن الين واليانج في الثقافة الصينية، وعن تحوت ومعات في الثقافة المصرية القديمة وعن أمثالهما في كل ثقافات الأرض. رمزت للحكمة بالميزان وللإيلاف بالسيف؛ إلا أن السيف لا يرمز فقط للحرب بل للقوة والمكر والجرأة أي إلى كل ما يكسب المرء العزة والهيبة والمكانة وغير ذلك من معاني الإيلاف.
هذا الاستبدال قد يشكل نوعًا من التجاوز على الكتاب الأصلي لكنه تجاوز في الشكل وليس في المعنى، بل أنه تجاوز يخدم المعنى الأصلي ويمنحه القبول من طائفة أوسع من القراء. فأرجو أن يتقبله مني الجميع مسيحيين ومسلمين.


أخيرًا؛ عليك أن تعلم لا شيء في السطوة يتطلب منك أن تكون دنيئًا؛ بل أن البراعة تساعد حتى التافه الحقير على إخفاء ضعفه ودناءته لأنها تقدم له الوسائل للتحايل حتى لا يكشف الواقع جوهره الحقيقي؛ تمامًا كما يساعد الطلاء البراق على إخفاء حقيقة المعادن الرخيصة. لكن الزيف ينكشف بعد حين ولا تكفي كل براعة العالم في إخفاء الأنفس الدنيئة للأبد. وإن رأيت شخصًا يتبجح بدناءته حتى ولو كان في أعلى مقامات السطوة فلتتوقع سقوطه سريعًا لأن ذلك يعني أنه قد ففقد براعته وسيطرت عليه نفسه الخائرة والمغرورة. وتعّلم من نيتشه الذي قال أن الإنسان الأسمى هو من يمتلك تحّمل وعزم الجِمال وجرأة الأسود وبراءة الأطفال. فالبراعة قد تعطي السطوة لكل من يتقنها لكنها لا تخلص نفسها إلا لمن يستحقها.
في النهاية نجمل ما عرضناه بأن هذا الكتاب يعلمك البراعة في التعامل مع الناس والأحداث. ورغم أن البراعة سمة تميز القادة والقوّادين والمحتالين على السواء إلا أنه لا يصمد طويلًا للتغيرات إلا المتقون الذين وصفهم السيد المسيح بأنهم بارعون كالأفاعي أبرياء كالحمام.
د. هشام الحناوي
بركاء/ سلطنة عمان
فبراير 2010


تصدير
في عالمنا المعاصر نواجه جميعًا تحديًا مزدوجًا. من ناحية نرغب في السطوة والنفوذ ولا أحد يكتفي منهما بل يرغب الجميع في المزيد فبدونهما نشعر وكأننا ريشة في مهب الريح لا نملك تأثيرًا على الناس والأحداث التي تتحكم بنا. من الناحية الأخرى يفرض علينا المجتمع أن نكون مهذبين ومنصفين وأن لا نظهر أبدًا تعطشنا ومساعينا للحصول على الهيمنة لأن ذلك يظهرنا في أعين الناس انتهازيين ويعرض حياتنا بينهم للخطر. هذا الواقع يفرض علينا أن نكون ماكرين في تصرفاتنا بأن نظهر الود ونبطن الخداع؛ نعلن تأييدنا للعدالة والمساواة بين الناس وفي الخفاء نتحايل للهيمنة عليهم.
ظلت هذه الازدواجية الدائمة في التعامل تميز مكائد النبلاء ورجال الصفوة للحصول على السطوة في حاشية الحكام. طوال التاريخ كانت الحاشية تدور حول شخصية واحدة نافذة هي الملك أو الملكة أو القائد، وكان على رجل الصفوة أن يواجه موقفًا صعبًا لا مفر منه. كان عليه التقرب من وليّه والعمل على كسب الخطوة لديه؛ لكن لو بالغ في التملق أو تحققت له حظوة مفاجئة كان رجال الصفوة الآخرون ينتهبون ويكيدون له. لهذا كان على رجل الصفوة البارع أن يخفي تحركاته بطرق ماكرة. إلا أن حتى من كانت لديهم هذه البراعة في المكر كان عليهم دائمًا أن يحموا أنفسهم من المكائد المستمرة من النبلاء الآخرين الساعين لإبعادهم عن الحظوة.
مع هذا كان على مجتمع الصفوة أن يكون مثالًا للتحضر، وكان النبلاء يفزعون إن قام أحدهم بتحركات فجة أو عنيفة لنيل الحظوة ويكيدون في الخفاء لتدميره. تلك كانت معضلة الحياة في القصور، كان عليهم دائمًا أن يوفقوا بين التصرف


بأخلاقيات عالية وبين التحايل بمكر لسحق خصومهم. مع الوقت كان رجل الصفوة البارع يتعلم أن يجعل تحركاته مراوغة وغير مباشرة، وحين كان يريد أن يطعن خصمًا في ظهره كان يفعل ذلك برقة من يرتدي قفازًا من الحرير وعلى شفتيه أكثر الابتسامات عذوبة. كان عليه بدلًا من القهر والطغيان والتحايل المكشوف أن يتقن الاستراتيجيات الخفية مثل الاستدراج والإبهار والخداع. كان عليه أن يفكر لعدة تحركات قادمة. هكذا فإن الحياة في الحاشية كانت لعبة مستمرة تتطلب الاحتراس وإبداع التكتيكات أي أنها كانت حربًا لكن في صورة متحضرة.
يفرض علينا الواقع أن نخوض نحن أيضًا هذه الحرب المتحضرة. علينا دائمًا أن نُظهر الرقي والإنصاف والتحضر في كل تعاملاتنا لكن لو ألزمنا أنفسنا التزامًا صارمًا بهذه المبادئ في السر والعلم يسحقنا من ليسوا من السذاجة ليلتزموا بها، وكما كتب رجل الحاشية والدبلوماسي الشهير نيقولو ميكافيللي عن ذلك: «من يلتزم بالطيبة طوال الوقت يسحقه المد لهائل من الأشخاص الذين ليسوا طيبين». في الحاشية كانت تستعر تحت السطح الراقي والمهذب مراجل من المشاعر السوداء من الجشع والحسد والشهوانية والحقد. ما زالت هذه المشاعر تضطرب داخلنا كما كانت لدى من قبلنا. واللعبة ذاتها لم تتغير؛ من الخارج عليك أن تظهر التلطف لكن من الداخل عليك إلا إن كنت معتوهًا أن تتعلم الاحتراس والدهاء وأن تفعل ما نصح به نابليون: أن تضرب بقبضة من الحديد في قفاز من الحرير. الأمر هو ذاته كما كان في حاشية القدماء: إن أتقنت مهارات المراوغة والإبهار والخداع واستدراج من حولك لفعل ما تريد وتفوقت على منافسيك في المكر تنال السطوة وتجعل الناس ينحنون لإرادتك دون أن يفهموا ما فعلت لهم، وطالما لا يفهمون تحركاتك فلن يستاؤوا ولن يقاوموا سطوتك.
[السطوة أشبه بالمرأة الفاتنة سيئة السمعة؛ يطلبها الجميع ويتبرأ منها الجميع].
هناك من يصفون السعي للسطوة بأنه حكر على الأشرار والطغاة الذين يفسدون في الأرض. يتظاهر هؤلاء بأنهم «غلابة» ليس لهم في لعبة السطوة. احذر منهم ولا
تنخدع بكلامهم لأنك ستجدهم من أبرع الناس في لعبة السطوة وما ادعاءاتهم هذه إلا استراتيجية تخفي بمهارة طبيعة ما يقومون به من تلاعب؛ يُظهرون أن ضعفهم وافتقادهم للسطوة ناتج عن طيبتهم والتزامهم بالأخلاق ويفعلون ذلك لكسب احترام الناس وتعاطفهم، لكن «الغلابة» الحقيقيين لا يروجون لضعفهم ولا يتاجرون به؛ بل إن إظهار الضعف يعد من الاستراتيجيات الأكثر مهارة وفعالية لاكتساب السطوة (انظر القاعدة 22: استخدم تكتيك الإذعان لتحول ضعفك إلى قوة).
من الاستراتيجيات الأخرى التي يستخدمها من ينكرون سعيهم للسطوة الدفاع بحماس عن المساواة بين الناس في كل شئون الحياة مهما كانت إمكاناتهم وقدراتهم؛ لكن المساواة لا تحل فساد السطوة بل تزيده سوءًا لأنها تعني تجاهل حقيقة أن الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات حسب قدراتهم، وأن فرض المساواة يعني الرفع من شأن الأقل مهارة والحط من شأن المتميزين. مرة أخرى نقول أن هذا الادعاء ليس إلا استراتيجية يستخدمها هؤلاء ليخدموا مصالحهم بإعطاء مكانة خاصة لأمثالهم ومؤيديهم من «الصالحين».
لكن يمكنك بالفعل أن تتجنب السطوة بالصراحة المخلصة والصدق في التعبير عن كل ما في قلبك، فذلك يناقض الخداع والتكتم الذين لا غنى عنهما في لعبة السطوة. لكن الصراحة تجرح الكثيرين وتؤذيهم وتجعلهم يكيدون لك في الخفاء، ولن يصدقوا أبدًا أتن صراحتك ليست حيلة لتحقيق مصالحك الشخصية، وهم في ذلك لا يتجنون عليك تمامًا لأن استخدام الصراحة كاستراتيجية يعد من الحيل البارعة لرفع قدرك عند الناس وإقناعهم بنيل خصالك ونقاء قلبك وإنكارك لذاتك، كما أنه من الوسائل القوية للحط من شأن خصومك وتدمير مكانتهم لدى الآخرين.


أخيرًا قد يتظاهر من ينكرون انخراطهم في لعبة السطوة بأنهم أبرياء ساذجون لا يقدرون على الكيد والخداع. احذر مجددًا من أن التظاهر بالبراءة يعد هو الآخر من الحيل البارعة في الخداع (انظر القاعدة 21: استدرج فرائسك بالتظاهر بأنك أقل منهم دهاء). بل حتى البراءة الصادقة لا تخلو من حيل للسطوة، فحتى الأطفال وهم أكثر الناس براءة يعرفون كيف يتلاعبون بالكبار ليحققوا لهم ما يريدون كما يحقق الأبرياء الحقيقيون من الكبار سطوة كبيرة لأن براءتهم تؤثر في الناس دون حاجة لتعقيدات المكر والتدبير. لكن عليك أن تعلم أن من يبرعون في التظاهر بالبراءة غالبًا ما يكونون أقل الناس براءة.
يمكنك أن تتعرف بسهولة على من يتبرؤون من اللعب للسطوة من تباهيهم بالتقوى والورع والفضيلة، لكن لو تأملتهم جيدًا لوجدتهم مثلنا جميعًا متعطشين للسطوة بل أنهم من أمهر اللاعبين من أجلها، وما استعراضهم المسرحي للتقوى إلا وسيلة لذر الرماد في العيون حتى لا يكتشف الآخرون حيّلهم. بعض هؤلاء لا يشعرون بالفعل أنهم يتلاعبون من أجل السطوة، وإن واجهتهم بالألاعيب والحيل الواضحة التي يمارسونها طوال الوقت يفزعون ويعترضون ويتهمونك بالافتراء.
العالم حاشية عملاقة ولا يمكن لأحد أن يفر من قواعدها، ومحاولة الخروج من المنافسة لن تورثك إلا البؤس والحسرة. لا تضيّع وقتك في الجدل والتألم مما يسببه لك الواقع من مظالم، وتعلم كيف تتفوّق في اللعبة. اكتساب مهارات السطوة يمكنّك من أن تكون ما تحب أن تكون ويكسبك تقدير واحترام أصدقائك وأحبائك. وإتقانك لخصائل رجل الصفوة البارع (الواردة في القاعدة 24) يُشعر كل من يتعامل معك بمشاعر أفضل نحو أنفسهم ويجعلهم يعتمدون عليك لتحقيق السعادة والازدهار، ويجعلهم راغبين في صحبتك. تمكّنك من القواعد الثمان والأربعين الواردة في هذا الكتاب يحميك ويحمي الآخرين من خسائر التعامل بسفه مع السطوة ومن مضار اللعب بالنار دون معرفة خواصها. وطالما أن السعي للسطوة قدر فخير لك أن تتقنه عن أن تجهله أو تنكره.
لا يمكن اتقان استراتيجيات السطوة تلقائيًا ولا أحد يولد وهو يملكها؛ فهي تتطلب طريقة معينة للنظر للعالم والتدرب لسنوات لاكتساب المهارات التي تمكنك من تطبيق هذه القواعد بسهولة.
أول هذه المهارات وأهمها أن تتحكم بانفعالاتك، فالتعامل مع المواقف بانفعال هو أكبر ما يعيقك عن اكتساب السطوة. ربما يشعرك التعبير بحرية عن انفعالاتك بالراحة اللحظية لكنه يخسرك الكثير على المدى الطويل.. المشاعر تشوش العقل وتفقدك الرؤية الواضحة وهذا يمنعك من التأهب والاستجابة باقتدار لما يواجهك من تحديات.
الغضب هو أخطر الانفعالات لأنه يتصاعد كالموج ويُخرج الموقف عن سيطرتك ويزيد من عزم واستعداد أعدائك. إن اردت أن تدمر عدوًا فخير لك أن تظهر له الود حتى لا يرى ما تعده له بدلًا من الغضب الذي يجعله متأهبًا لمواجهتك.
الحب هو شعور آخر مدمر لأنه يعميك عن الألاعيب التي يقوم بها من تحب لتحقيق مصالحه. لا يمكنك أن تكبت الغضب أو الحب ومن العبث أن تحاول ذلك؛ لكن عليك أن تتعلم أن تعبر عنهما بحكمة والأهم أن لا تدعهما أبدًا يشوشان تفكيرك واستراتيجياتك.
من المهارات الهامة الأخرى مهارة ترتبط كثيرًا بالسيطرة على الانفعالات وهي قدرتك أن تحرر نفسك من أسر اللحظة الحاضرة لتنظر بموضوعية وفي آن واحد للماضي والمستقبل معًا حتى يسهل عليك أن تعرف من أين تأتيك المخاطر.
للمستقبل ارفع شعار «لن أغفل أبدًا ولن أفقد يومًا ما يقظتي» توقع دائمًا المشاكل قبل أن تحدث، وبدلًا من قضاء الوقت في تمني أن تكلل مخططاتك بالنجاح اجتهد وفكر في الهفوات والمخاطر التي قد تعيقك. كلما فكرت أكثر تزداد الخطوات التي يمكنك أن تخطط لها مسبقًا وتزداد فرصتك في تحقيق السطوة.


عليك أيضًا أن تتأمل الماضي ولكن ليس لتذكر الجروح أو لاجترار الضغائن، فنصف هذه المهارة هي أن تتخلص من التحسر على الماضي لأن ذلك يلتهمك ويشوش تفكيرك. تأمل ما مضى يعني أن تستفيد من تجاربك وتحارب الآخرين (وسوف يساعدك في ذلك الأمثلة التاريخية الكثيرة الواردة في هذا الكتاب). مع النظر للماضي عليك أيضًا أن تتأمل أفعالك وأفعال أصدقائك في الوقت الحاضر لأن هذه الخبرات الشخصية سوف تعلمك الكثير.
ابدأ بفحص الأخطاء التي أعاقتك من قبل وحللها في ضوء القواعد الثمان والأربعين واستخلص منها دروسًا، واقسم لنفسك «لن أقع أبدًا في هذه الأخطاء والشراك مرة أخرى». لو استطعت أن تقيّم نفسك بهذه الطريقة ستتمكن من التخلص من الخصال التي دفعتك لارتكاب الأخطاء وتلك مهارة هامة للغاية.
تتطلب السطوة أيضًا اتقان اللعب بالمظاهر ولكي تحقق ذلك عليك أن تتعلم التنكر في الكثير من الأقنعة واستخدام الكثير من الحيل للخداع. لا تنظر للتنكر والخداع كأفعال قبيحة أو لا أخلاقية، فالتعاملات الإنسانية المتحضرة تتطلب في كل مستوياتها ممارسة نوع من الخداع والتنكر، فإظهارك للآخرين غير ما تشعر به حقًا هو الفن الذي طورته الحضارة، وهو ما يميزنا عن الحيوانات، كما أنه من أقوى الأسلحة في لعبة السطوة.
لن تستطيع أن تتعلم التنكر ما لم تعلم نفسك أن تتحرر من شخصيتك الحقيقية وأن تكون الشخص الذي تريده في أي لحظة وأن ترتدي القناع الذي يناسب الموقف. هذا التحرر من الالتزام بمظهر محدد بما في ذلك مظهرك الحقيقي يخلصك من الأثقال التي تعيق الآخرين. درّب نفسك أن تكون كالممثل الذي يخفي بمهارة مشاعره الحقيقية ويغير تعبيرات وجهه حسب الدور الذي يقوم به. اللعب بالمظاهر واتقان فن الخداع يعدان من الجماليات الاجتماعية وهما أيضًا من الأسس التي لا غنى عنها لاكتساب السطوة.


إن كان الخداع هو أقوى الأسلحة في لعبة السطوة فإن التحلي بالصبر والتأني هو أهم دروعها. الصبر يحميك من ارتكاب التصرفات السفيهة ويُظهرك للآخرين واثقًا ومقتدرًا، وسوف يأتيك خير ما في الأمور إن منحتها الوقت وخططت بعقلانية لعدة خطوات قادمة. أما التسرع فيظهرك ضعيفًا وسفيهًا ويعد عائقًا رئيسيًا يمنع عنك السطوة.
عليك أن تتخلص تمامًا من إطلاق الأحكام الأخلاقية وأن تقيّم كل الأمور حسب ملائمتها للظروف المتاحة. السطوة مباراة وفي المباريات لا تقيس أفعال الآخرين حسب نواياهم بل حسب تأثيراتها عليك؛ فما الجدوى أن يريد أحدهم لك الخير إن كانت كل أفعاله تؤدي بك إلى الدمار؟ الناس يبررون أفعالهم دائمًا بمبررات أخلاقية ويؤكدون أنهم لم يقصدوا بها إلا الخير. تعلم أن تهزأ من داخلك بهذه المبررات وأن تتجاهلها، وأن لا تترك نفسك أبدًا لإغراء الحكم على أخلاقيات الناس من أفعالهم فهم دائمًا يغلّفون سعيهم للسطوة بغلاف جذّاب من المبررات الأخلاقية.
السطوة مباراة يتعامل فيها المنافسون البارعون بتحضر رجال الصفوة ويلتزمون بقواعد اللعبة ولا يأخذون ما يحدث بحساسية شخصية. في اللعبة تعد استراتيجياتك وتراقب تحركات خصمك محتفظًا على قدر ما تستطيع بالاتزان والهدوء، وفي النهاية تشكر منافسيك على أدبهم وليس على نواياهم الحسنة. درّب نفسك على توقع ما ينتج عن أفعال الآخرين في ضوء الظروف المتاحة ولا يشغلك عن ذلك أي شيء آخر.
[إن كان تصف النجاح في لعبة السطوة يأتي من براعتك فيما تفعله] فإن النصف الآخر يأتي مما تمتنع عن فعله أي مما لا تسمح لنفسك بالاستدراج إليه، ولكي تتقن ذلك عليك أن تعوّد نفسك على الحكم على كل الأمور بكلفتها، فكما قال نيتشه «أهمية الأشياء تُقّدر أحيانًا بما تدفعه فيها وليس بما تربحه منها». قد تجد طريقًا يحقق


لك هدفك لكن عليك أن تسأل نفسك كم سيكلفك هذا. طبّق هذه المعيار في كل أمور حياتك سواء في الشراكة مع الآخرين أو الاندفاع لنجدتهم؛ فالحياة قصيرة وفرصها شحيحة وعليك أن تبذل أقصى جهدك لتحقيق ما تريد. الوقت له أهمية كبيرة مثله مثل مواردك الأخرى فلا تهدر أبدًا وقتك وراحة بالك على شئون الآخرين فذلك ثمن باهظ ليس عليك أن تدفعه.
السطوة مباراة اجتماعية تتطلب منك القدرة على قراءة الناس وفهمهم، وكما كتب رجل الصفوة الشهير في القرن السابع عشر بالتسار جراتسيان «كثيرون من الناس يقضون أوقاتًا طويلة في دراسة الحيوانات والنباتات. أهم من ذلك بكثير أن تدرس الناس وتفهمهم لأن ذلك قد يعني الفارق بين الحياة والموت». لكي تكون منافسًا جيدًا عليك أن تكون محللًا نفسيًا جيدًا تتقن قراءة الدوافع الحقيقية للناس خلف الضباب الكثيف الذي يغلّون به أفعالهم. فهم هذه الدوافع هو اهم المهارات التي تساعدك على اكتساب السطوة لأنه يفتح لك آفاقًا كبيرة للمكر والاستدراج والتلاعب.
تعقيدات الناس لا تنتهي وقد تقضي عمرك كله دون أن تفهمها تمامًا؛ لذلك عليك أن تبدأ في تدريب نفسك من الآن. لكي تنجح في فهم الناس لا تحدد لنفسك من عليك أن تدرسهم ومن تثق بهم ثقة عمياء. لا تثق بأحد ثقة مطلقة وادرس الجميع ومنهم أصدقاءك أو حتى أحباؤك.
أخيرًا؛ عليك دائمًا أن تستخدم الطرق المراوغة وغير المباشرة للوصول للسطوة. خطط لتحركاتك ونفذها بأكبر قدر من الخفاء والمراوغة مثل كرة البلياردو التي ترتد عدة مرات قبل أن تصيب هدفها. المراوغة هي التي تجعلك تزدهر في حاشية العصر الحديث لأنها تجعلك المثل الأعلى للياقة والأدب وفي نفس الوقت الأمهر في المكر والخداع.
كتاب قواعد السطوة كتاب عملي في فنون المراوغة والاستدراج، وهو مستمد من خبرات أساتذة مارسوا اللعبة واكتشفوا أسرارها في حقب تمتد لثلاثة آلاف عام

وفي حضارات متنوعة مثل الصين القديمة وإيطاليا في عصر النهضة وغيرهما. الكتاب هو الخلاصة المركزة لهذه الحكمة التي وردت في الكتابات العبقرية لمخططين استراتيجيين (صن تسو وكلوشفيتز)، ورجال دولة ماكرين (بسمارك وتاليران)، ومحترفين في الغغواء (نينو دي لينكلو وكازانافو) وأخيرًا أبرع المحتالين في العصر الحديث (الفتى الأصفر وايل). وقد تم ترتيب هذه الحكمة في قواعد يسهل فهمها واستيعابها.
الفكرة من الكتاب بسيطة للغاية وهي أن هناك أفعال إن قمت بها تتحقق لك السطوة (بمراعاة القواعد) وإن خالفتها تفقدك السطوة أو تحرمك منها (بانتهاك القواعد). وقد أوردنا الكثير من الأمثلة التاريخية للمراعاة والانتهاك وسوف تفيدك كثيرًا لأن هذه القواعد لا تتغير في جوهرها بتغير الزمن.
توجد أكثر من طريقة لقراءة هذا الكتاب. هناك القراءة الشاملة التي تعطيك فكرة عامة عن السطوة. في البداية قد تجد أن بعض القواعد لا تخصك ولكن مع الوقت سترى أن لها تطبيقات تفيدك في حياتك، فالقواعد الثمان والأربعون مترابطة معًا كنسيج متجانس. هذا النوع من القراءة يمكنك من التعرف على الأخطاء التي كنت دائمًا ترتكبها ويساعدك في إصلاح شئونك الجارية. أما النوع الثاني وهو القراءة المدققة فسوف تلهمك التفكر بشكل مختلف تمامًا في ماضيك ومستقبلك وتعمق إدراكك لأهدافك وتصرفاتك وعلاقتك بالآخرين لفترة أطول بكثير من قراءتك الشاملة للكتاب.
الكتاب مصمم بحيث يسهل عليك تصفح ومراجعة القاعدة التي قد تحتاجها في وقت ما. فلنقل مثلًا أنك تعاني من توتر في علاقتك برئيسك ولا تعرف لماذا لا تحظى جهودك بالعرفان والترقي؛ ستجد الكثير من القواعد التي تركز على علاقة المرؤوس برئيسه وستجد حتمًا أنك تنتهك إحدى هذه القواعد. بتفحصك لملخص القواعد في فهرس الكتاب ستتعرف على القاعدة التي يجب عليك أن تركز عليها.


أخيرًا فإن هناك من سيقرئون هذا الكتاب بغرض التسلية والاستمتاع بأمجاد وإخفاقات مشاهير التاريخ، لكننا نحذر هؤلاء من أن السطوة مغوية وتفتن كل من يقترب منها، وتأخذك في نشوة التفكير في حل معضلاتها التي لا تنتهي. السطوة ممتعة لمن يأخذها بجدية لكنها تعاقب من يتعامل معها باستخفاف.
من يلتزم بالطيبة طوال الوقت يسحقه المد الهائل من الأشخاص الذين ليسوا طيبين. هكذا فإن على الأمير الذي يريد أن يحافظ على سلطته أن يعرف كيف لا يكون طيبًا ثم لا يستخدم هذه المعرفة إلا حين تتطلبها منه الضرورة.
الأمير؛ نيقولو ميكافيللي 1469. 1527


القاعدة
1
لا تُظهر أبدًا تفوقك على وليّك
الحكمة:
أشعر رؤسائك بالاطمئنان لمكانتهم وتفوقهم، ولا تجع رغبتك للتأثير فيهم تدفعك لاستعراض مواهبك أمامهم لأن ذلك على عكس ما تريد سيشعرهم بالتهديد والقلق منك. أظهر أوليائك أعلى من قدرهم الحقيقي وسوف يرفعك ذلك إلى أعلى مقامات السطوة.


انتهاك القاعدة:
كان نيقولاس فوكويه وزير خزانة لويس الرابع عشر رجلًا سخيًا يحب الحفلات والنساء والشعر، كما كان يحب المال وكان ينفقه ببذخ على حياته المسرفة. كان ماهرًا في عمله ولم يكن الملك يستغني عنه، ولذلك حين مات رئيس الوزراء جول مازارين سنة 1661 توقع فوكويه أن يخلفه لكن الملك قرر إلغاء المنصب. لذلك ولأسباب أخرى اعتقد فوكويه أنه يخسر الحظوة لدى الملك فقرر أن يستعيد تقدير الملك له بإقامة حفل لم يشهد له العالم مثيلًا من قبل. كان السبب المزعوم للاحتفال هو انتهاء فوكويه من تشييد قصره الذي أسماه فو لو فيكونت؛ لكن الغرض الحقيقي كان إظهار الإجلال للملك الذي حضر كضيف شرف للحفل.
ضم الحفل أشهر النبلاء في أوربا وبعضًا من أعظم مفكريها من أمثال لا فونتين ولا روشفوكو ومدام سفينييه، وكتب موليير مسرحية لهذه المناسبة مثّل فيها بنفسه في نهاية السهرة. بدأ الحفل بعشاء من سبع أطباق متتابعة تضم أطباق من الشرق لم يتذوقها الفرنسيون من قبل إضافة لأطباق تم إبداعها خصيصًا من أجل هذه الليلة، وقد صاحب العشاء موسيقى أوصى فوكويه بتأليفها تكريمًا للملك.
بعد العشاء بدأت جولة في حدائق القصر، كانت أرضيات ونافورات القصر إلهامًا فنيًا رائعًا لقصر الفرساي الذي بُني فيما بعد.
اصطحب فوكويه الملك الشاب شخصيًا في جولة بين الشجيرات ومزاهر الورود الموزّعة في تشكيلات هندسية جميلة. عند وصولهما لقنوات الحديقة كان عرض الألعاب النارية قد بدأ ثم تلاه عرض لمسرحية موليير. انتهى الحفل في وقت متأخر من الليل وشهد الجميع بأنه أروع ما حضروه من حفلات.
في اليوم التالي قادم دارتينيان أحد فرسان الملك بالقبض على فوكويه، وبعد أشهر تمت محاكمته بتهمة السرقة من خزانة الدولة (رغم أن معظم السرقات التي اتُهم بها كانت لصالح الملك وبأمر منه). أدين فوكويه بالتهم المنسوبة إليه وأرسل إلى أكثر السجون عزلة في فرنسا في أعالي جبال بيريني حيث قضى العشرين عامًا الأخيرة من عمره في حبس انفرادي.


التعليق:
كان الملك لويس الرابع عشر «الملك شمس» مغرورًا ومتكبرًا وراغبًا في أن يكون دائمًا في بؤرة الضوء ولم يكن ليسمح بأن يفوقه شخص آخر في المجد والتألق خاصة إن كان هذا الشخص يعمل تحت إمرته. اختار لويس خلفًا لفوكويه جان بابتيست كولبير وهو رجل معروف ببخله وبأنه يقيم أسوأ الحفلات في باريس، وقد حرص كولبير على أن يذهب أي مال يخرج من الخزانة مباشرة ليد لويس. بهذه الأموال بنى لويس قصر الفرساوي وهو أعظم حتى بكثير من قصر فوكويه؛ وقد استخدم في بنائه نفس المهندسين ومصممي الزخارف والحدائق. وفي الفرساوي أقام لويس حفلات أكثر بذخًا من الحفل الذي أفقد فوكويه حريته.
دعونا نتفحص الموقف، ليلة الحفل كان فوكويه يعرض على الملك مشاهد يتفوق كل منها على سابقه ظنًا منه أن ذلك يظهر ولاءه وتقدير للملك. كان يحسب أن ذلك يعيد إليه الحظوة ويبين للملك رقي ذوقه وعلاقاته وشعبيته ليعرف كم سيكون رئيس وزراء متميز إن عيّنه في هذا المنصب. لكن على العكس كان كل مشهد يُعرض وفي كل مرة كان فوكويه يتلقى إعجاب الحاضرين كان لويس يشعر بالغيظ من أن فوكويه يأخذ منه إعجاب أصدقائه وأتباعه ومن أنه يتباهى أمامه بثروته وسطوته. كان الحفل إهانة لكبرياء الملك. لم يبح لويس لأحد بمشاعره بل انتهز عذرًا ملائمًا ليتخلص من الرجل الذي عن غير قصد أشعره بالخور والتهديد.
يتلقى ما يشبه هذا المصير كل من يربك إحساس أوليائه بذاته أو يهدد كبرياءهم أو يقلل من تألقهم.
في بداية السهرة كان فوكويه على قمة العالم
وحين انتهت كان يرقد في القاع
فولتير، 1694- 1778


مراعاة القاعدة:
في أوائل القرن السابع عشر وجد عالم الفلك والرياضي الإيطالي جاليليو نفسه في وضع حرج، فقد كان يعتمد على هبات الحكام العظام لدعم أبحاثه وكان يفعل ما يفعله كل علماء عصر النهضة بأن يهدي اختراعاته واكتشافاته للرعاة المعروفين في وقته. في إحدى المرات أهدى بوصلة عسكرية اخترعها لدوق جونزاجا ثم أهدى كتابًا يشرح عمل البوصلة إلى أسرة المديتشي، قدّر الحاكمان الإهداء وسهّلا له الحصول على المزيد من الطلاب ليعلمهم، لكن مهما كانت روعة اكتشافاته كان الرعاة يدفعون له بالهدايا وليس مالًا. كانت تلك الحياة غير مستقرة وتبقيه تحت رحمة الآخرين، ورأى أن عليه أن يجد حلًا يخلصه من هذا الوضع الخطر.
في عام 1610 فكر جاليليو أن يستخدم استراتيجية أخرى حين اكتشف أقمار المشترى، فبدلًا من تقسيم الاكتشاف بين الرعاة مثل أن يعطي التليسكوب الذي استخدمه لأحدهم وكتابًا لآخر وهي الاستراتيجية التي كان يستخدمها في السابق قرر أن يركز حصرًا على آل مديتشي. اختار المديتشي لسبب واحد وهو أنه بعد أن أسس كوزيمو الأول سلالة المديتشي الحاكمة في عام 1540 اتخذ المشترى –وهو أقوى الآلهة في الأساطير الرومانية- رمزًا لسطوته التي تتعدى السياسة والأعمال المصرفية وتربطه بمجد روما القديم.
حوّل جاليليو اكتشافه لأقمار المشترى إلى حدث كوني يمجد عظمة المديتشي. بعد اكتشافه بفترة قليلة أعلن أن «النجوم البراقة [أي أقمار المشترى]» أباحت نفسها في السماء لتلسكوبه في نفس الوقت الذي اعتلى فيه كوزيمو الثاني العرش، وقال أن عدد الأقمار وهو أربعة يتناغم مع أبناء المديتشي (فقد كان لكوزيمو الثاني ثلاثة أخوة) وأن هذه الأقمار تدور في فلك المشترى كما يدور الأخوة الأربعة حول كوزيمو الأول مؤسس السلالة، وأن ذلك يبين أن ذلك أكثر من مصادفة فالسماء ذاتها تعلن تصاعد مجد أسرة المديتشي. بعد أن أهدى جاليليو اكتشافه للمديتشي كلّف أحد الفنانين بتصميم شعار يمثل المشترى يجلس في غمام تدور حوله الأقمار الأربعة وقدم الشعار لكوزيمو الثاني كرمز يربطه بالسماء.
سنة 1610 اختار كوزيمو الثاني جاليليو فيلسوفًا ورياضيًا رسميًا لبلاطه براتب كامل؛ وبالنسبة لعالم كانت هذه فرصة العمر فلم يعد بعدها محتاجًا لاستجداء الرعاة من جديد.
التعليق:
بضربة واحدة حقق جاليليو باستراتيجيته الجديدة أكثر مما حققه في كل سنوات التسول، السبب بسيط: كل السادة يودون أن يظهروا أكثر نبوغًا عن غيرهم من الناس.
لا يرغب السادة في العلم أو الحقيقة التجريبية أو أحدث الاختراعات، ولا يهتمون سوى بأسمائهم ومجدهم. المؤكد أن جاليليو منح المديتشي من المجد بربط أسمائهم بقوى كونية أكثر مما قد يمنحه لهم رعايتهم لأي اختراع أو اكتشاف علمي.
العلماء ليسوا مستثنين من تقلبات حياة الحاشية ومحسوبيها، فهم أيضًا يخدمون أولياء لديهم حافظات نقود، وقد تسبب قدراتهم الفكرية الكبيرة بعض القلق لأوليائهم والذين قد يشعرون بأن دوره الوحيد هو دفع النفقات –وهو عمل قبيح ومهين. منتج أي عمل عظيم يرغب في أن يظهر أكثر من مجرد ممول، يريد أن يبدو خلاقًا ومبدعًا بل حتى أن يبدو أكبر من العمل الذي يُنتج باسمه. امنح وليّك الإحساس بالمجد وليس التهديد. لم يتباه جاليليو بذكائه على المديتشي ولم يشعرهم أبدًا أنهم أقل منه بأي منظور بل أدى تشبيهه لهم بالنجوم إلى تألق بريقهم ومجدهم في كل قصور إيطاليا، فهو لم يقلل من بهاء صورة أوليائه بل جعل ألقهم يعلو فوق كل السادة الآخرين.
مفاتيح للسطوة:
لا أحد يثق بنفسه ثقة تامة فلدينا جميعًا نقائص تجعلنا بالخور والتهديد، وحين تُظهر نفسك وتستعرض مواهبك تحرك لدى الآخرين الأحقاد والحسد والمشاعر الأخرى التي يوّلدها الخور. عليك أن نتوقع ذلك. ليس عليك أن تخشى إثارة هذا الشعور بالدونية لدى الجميع، لكن يختلف الأمر حين تتعامل مع رؤسائك: فأكبر الأخطاء في لعبة السطوة هو أن تظهر تفوقك على وليك.


لا تخدع نفسك بالظن بأن الحياة قد تغيرت عن عصر لويس الرابع عشر والمديتشي، فمن يحصلون على المراكز العليا في المجتمع لا يقلون في مكانتهم عن الملوك والملكات: ويرغبون جميعًا في الإحساس بالأمان في مناصبهم والشعور بأنهم يتفوقون على كل من حولهم في الذكاء والمكر والجاذبية. هناك اعتقاد خاطئ لكنه شائع بأن إظهارك وتباهيك بقدراتك ومواهبك يجعلك تنال رضا أوليائك وثقتهم. قد يتظاهر وليك بتقدير قدراتك لكن في أول فرصة سيستبدلك بأشخاص أقل ذكاء وجاذبية وتهديدًا منك كما فعل لويس الرابع عشر بإحلاله كولبير الفاتر محل فوكويه المتألق، وسوف يفعل وليك ما فعله لويس فلن يعترف بالسبب الحقيقي ولكن سيجد عذرًا للتخلص منك ومن تهديدك لمكانته.
هناك امتدادان خفيان لهذه القاعدة عليك أن تنتبه إليهما. أولًا هناك بعض الرؤساء لديهم خور شديد في ثقتهم بأنفسهم وسيشعرون بأنك تتألق عليهم طبيعيًا ودون أن تقصد بجاذبيتك ومواهبك.
لم يملك أحد في إيطاليا في عصر النهضة مت ملكه آستوري مانفريدي أمير فاينزا من مواهب طبيعية، فإضافة لكونه أكثر أمراء زمنه وسامة كان يستطيع أيضًا أن يأسر قلوب من حوله بكرمه وروحه المرحة.
في عام 1500 استطاع سيزار بورجيا حصار فاينزا، وبعد سقوط المدينة توقع الناس أسوأ تنكيل من بورجيا قاسي القلب إلا أنه قرر العفو عن المدينة: فقد اكتفى باحتلال قلاع المدينة ولم يعدم أحدًا من مواطنيها وسمح للأمير مانفريدي بالبقاء مع حاشيته يمارسون حياتهم بحرية تامة.
لكن بعد أسابيع قليلة قاد العسكر آستوري مانفريدي إلى أحد سجون روما، وبعدها بعام تم انتشال جثته من نهر تايبر وقد رُبط حول عنقه حجر. برر بورجيا هذه الميتة الرهيبة بالادعاء بأن مانفريدي كان خائنًا ومتآمرًا، لكن الحقيقة كانت في غرور بورجيا وخوره. كان الشاب الصغير يتألق عليه دون حتى أن يحاول، فقد كانت صفاته الطبيعية كافية لأن تطفئ جاذبية وهبة بورجيا بمجرد حضوره.


الدرس بسيط: إن لم تستطع أن تتحكم بظهور جاذبيتك وتفوقك تعلم كيف تتجنب هذه الوحوش خائرة النفس من أمثال سيزار بورجيا، إما هذا أو أن تجد سبيلًا لوأد خصالك الحسنة حين تكون في حضرتهم.
الامتداد الثاني، هو أن لا تظن أبدًا أن حب رئيسك لك يسمح لك بفعل كل ما تريد. هناك آلاف الأمثلة عن أناس ذلوا بعد عزة لان توهمهم أن مكانتهم ستدوم لهم جعلهم يتجرؤون على التألق على رؤسائهم. في اليابان في أواخر القرن السادس عشر كان المقرب من الإمبراطور هديوشي رجل يدعى صن نو ركيو. كان ركيو الفنان الأفضل في طقوس حفلات الشاي والتي كانت أشبه بالهوس لنبلاء هذا العصر، وكان المستشار الأول لهديوشي، وكان له جناحًا بالقصر وكان مكرّمًا في كل أنحاء اليابان. لكن في عام 1591 ألقى هديوشي القبض عليه وحكم عليه بالموت ففضل ركيو أن ينتحر. عُرف لاحقًا السبب وراء تغير حظ ركيو: كان ركيو الذي صعد من فلاح بسيط إلى عزيز الإمبراطور قد أمر بصنع تمثال من الخشب صوره يرتدي حذاءً مميزًا (وكان ذلك علامة على النبل والمكانة) ويقف بخيلاء في مكان بارز داخل بوابات القصر على مرأى واضح من الأسرة الملكية حين كانوا يعبرون الطريق. رأى هديوشي أن هذا يدل على أن ركيو لم يعد يعرف حدوده. التكريم الذي حصل عليه ركيو أنساه أن مكانته تقوم على رضا الإمبراطور عنه وأوهمه أنه نال ذلك بجهده، وكان هذا خطأ لا يغتفر في تقدير وضعه دفع ثمنه حياته. تذكر دائمًا: أن مكانتك لن تدوم لك مهما فعلت، ولا تدع نشوتك بما تنال من حظوة تسيطر عليك وتصيبك بالغرور.
معرفتك بمخاطر تباهيك وتألقك على رئيسك يمكّنك من أن تستخدم هذه القاعدة لصالحك. أولًا عليك أن تتملق وتطري على رئيسك. التملق الصريح يفيدك لكن له حدود فهو مباشر وفج ويفسد علاقتك بأندادك، أما التملق الحاذق فهو أقوى بكثير. مثلًا إن كنت أذكى من رئيسك اجعله يبدو أذكى منك، تصرف


بسذاجة واجعله يشعر أنك محتاج لخبرته، افتعل ارتكاب أخطاء لا تضرك على المدى الطويل واسأله العون، فالرؤساء يحبون هذه المطالب، والرئيس الذي لا يشعر أنه يعطيك خبرته سيعطيك بدلًا منها الحقد والضغينة.
إن كانت أفكارك أكثر إبداعًا من أفكار رئيسك انسبها إليه على الملأ، واظهر للجميع أن إبداعاتك مستمدة من توجيهاته.
إن كنت تتفوق على رئيسك في خفة الزل والحضور فلا مانع من أن تلعب دور مهرج الحفل الذي يلّطف الأجوار؛ لكن احرص على أن لا تلفت الانتباه وتجعل الناس يرون رئيسك كئيبًا ومملًا مقارنة بك. خفف دعاباتك عند الضرورة وتحرى الطرق التي تجعل الحاضرين يرونه ممتعًا وظريفًا. إن كنت أكثر لباقة واجتماعية من رئيسك احرص على أن لا تكون كالغيم الذي يحجب إشعاعه. اجعله يبدو كالشمس التي يدور حولها الآخرون مشرقًا بالسطوة والتألق ومحلًا لانتباه الجميع.
إن أظهرت له أنك تبذل كل ما تستطيع لإرضائه وبدا له أن قدراتك محدودة فسوف تنال تعاطفه وإعجابه؛ أما محاولة إبهاره بكرمك ومواهبك فقد تدمّرك. تعلم الدرس من فوكويه أو استعد لتحمل العواقب.
ليس من الضعف أن تخفي قوتك لأن ذلك يورثك السطوة في النهاية. وسماحك للآخرين بإظهار تألقهم عليك سيمنحك السيطرة ويحميك من غدر خورهم، ويساعدك على الارتفاع إن كانت أصولك متواضعة. افعل ما فعل جاليليو واجعل رئيسك يتألق في عيون الآخرين وسوف يراك هبة من السماء ويظل يقرّبك ويرّقيك باستمرار.
الصورة:
النجوم في السماء
في أي لحظة لا يمكن إلا لشمس واحدة أن تسطع. لا تحجب أبدًا نور الشمس أو تنافسها ألقًا، قف خفيًا في السماء واعمل على أن يشع نجم رئيسك باهرًا.



اقتباس من معلم: لا تظهر أبدًا تفوقك وتألقك على وليك. التعالي مكروه دائمًا ولكن تألقك على رئيسك ليس غباء فحسب لكنه قاتل. تعلم من نجوم السماء فهي لا تقل عن الشمس في جوهرها أو إشعاعها ولكنها تخفت ولا تُظهر نفسها أبدًا حين تشرق الشمس في السماء. (بالتسار جراتسيان، 1601- 1658).
عكس القاعدة:
ليس عليك أن تخشى من استياء جميع من تقابلهم لكن عليك أن تكون انتقائيًا في قسوتك، إن كان رئيسك نجمًا آفلًا فلا أن تخشى من إظهار تفوقك عليه، ولا تكن رحيمًا معه –فهو لم يتردد عن ذلك في صعوده إلى القمة. قدّر قوته وإن وجدته ضعيفًا اعمل في الخفاء على التعجيل بسقوطه: وفي اللحظة القاتلة اظهر تفوقك عليه في الكفاءة والحضور والذكاء. لكن إن وجدته ضعيفًا للغاية وعلى حافة الانهيار اتركه يسقط وحده ولا تجازف بإظهار تفوقك عليه لأن ذلك يجعلك تبدو في عيون الآخرين حاقدًا ودنيئًا. وإن وجدت رئيسك راسخًا في مركزه ورأيت أنك أكفأ منه فلا تتعجل وانتظر بصبر حتى تأتي لحظتك المواتية. سُنة الطبيعة هي أن كل سطوة تخفت وتذبل، وفي النهاية سوف يسقط رئيسك وإن أدرت اللعبة بكفاءة ستستمر بعده ويومًا ما ستفوقه ألقًا ومكانةً.


القاعدة
2
لا تثق كثيرًا في أصدقائك
وتعلم أن تستفيد من أعدائك
الحكمة:
أحذر الأصدقاء لأنهم أول من يخونك بدافع الحسد، كما أن الصداقة تفسد ولاءهم وتجعلهم يتسلطون عليك. لكن إن وظفت من كان يومًا ما عدوك فإنه سيسعى أن يثبت لك جدارته وولاءه وسيكون أوفى من الأصدقاء. الحق أن أذى الصديق دائمًا أشد وأخطر بكثير من أذى العدو، وعليك إن لم تجد لك عدوًا أن تصطنع عدوًا.


انتهاك القاعدة:
في منتصف القرن التاسع الميلادي اعتلى عرش الإمبراطورية البيزنطية شاب اسمه مايكل الثالث؛ خليفة لأمه الإمبراطورة تيودورا التي أُطيح بها وحُكم عليها بالنفي إلى أحد الأديرة بعد أن قُتل عشيقها تيوكتيتوس. كان على رأس مؤامرة عزل تيودورا وتنصيب مايكل بارداس عم مايكل وكان رجلًا داهية وطموحًا. كان مايكل شابًا عديم الخبرة محاطًا بالمتآمرين والقتلة والانتهازيين، وكان في حاجة في مثل هذه الظروف الخطرة إلى أحد يثق به ليعينه مستشارًا فاتجه بفكره إلى باسيليوس صديقه الحميم. لم تكن لدى باسيليوس أي فكرة عن الحكم أو السياسة –فلم يكن وقتها سوى المسئول عن حظائر الخيول الملكية لكنه كان قد أثبت حبه وإخلاصه لمايكل في مناسبات عديدة.
كان مايكل قد التقى باسيليوس قبل ذلك بسنوات أثناء زيارته لحظائر الخيل حينها فر أحد الخيول البرية وهاجم مايكل. تدخل باسيليوس وكان وقتها شابًا ويعمل سائسًا في الحظائر الريفية بمقدونية وأنقذ حياة مايكل. أُعجب مايكل بقوة وشجاعة هذا السائس فرفعه فورًا من حضيضه كمدرب للخيل وعيّنه رئيسًا للإسطبلات الملكية، وأرسله إلى أرقى المدارس في بيزنطة، وبسرعة أصبح هذا الريفي الخامل رجل صفوة مثقفًا ومتأنقًا.
حين اعتلى مايكل العرش لم ير أن أحدًا يمكن أن يأتمنه على مهام الحاجب والمستشار أنسب من هذا الشاب الذي يدين له بكل شيء.
تم تدريب باسيليوس على متطلبات الوظيفة وأحبه مايكل كأخ له، وتجاهل نصيحة من أشاروا عليه بتعيين بارداس الداهية الأكفأ للمهمة، فلم يكن يثق ولا يطمئن إلا لصديقه الصدوق.
تعلم باسيليوس جيدًا وأخذ ينصح الإمبراطور في كل شئون الدولة. المشكلة الوحيدة كانت المال –فلم يكن باسيليوس يشبع منه أبدًا، فمعايشته لبذخ حياة

القصور البيزنطية جعله متعطشًا لخيلاء السطوة. ضاعف مايكل راتبه مرتين ثم ثلاث وكرّمه كنبيل وتخلى له عن محظيته الخاصة يودوكسيا إنجرينا. كان مايكل يسعى لإرضاء مستشاره وصديقه الحميم بأي ثمن، لكن كل ذلك لم يشبع باسيليوس أو يرضي طموحه؛ فالمشكلات الحقيقية كانت لا تزال تختمر. كان بارداس قائدًا للجيوش، وبدأ باسيليوس يقنع مايكل أن عمه يطمح للمزيد وأن تآمره لتنصيبه إمبراطورًا لم تكن إلا لرغبة منه في التحكم بابن أخيه حتى يستطيع أن يتآمر من جديد ويتخلص من مايكل ويتوّج نفسه إمبراطورًا، وظل يحقن سمومه في أذن مايكل حتى وافق على اغتيال عمه. أثناء أحد سباقات الخيل اقترب باسيليوس من بارداس وطعنه طعنات قاتلة وسط الزحام. بعدها بقليل طلب باسيليوس أن يخلف بارداس على قيادة الجيش حتى يتمكن من فرض الاستقرار على المملكة ويردع التمرد، وقد حقق له مايكل ما طلب.
بمرور الوقت كانت ثروة وسطوة باسيليوس قد تضخمت كثيرًا. بعد بضع سنوات مر مايكل بضائقة مالية بسبب إسرافه وتبذيره وطلب أن يرد له باسيليوس بعض الأموال التي كان يقترضها منه طوال فترة صداقتهما. كانت صدمة كبيرة لمايكل أن يرفض باسيليوس طلبه بنظرة تمتلئ بالوقاحة فأدرك فجأة حجم المأزق الذي صنعه لنفسه؛ فمن كان سائسًا للحظائر أصبح يمتلك الآن مالًا وحلفاء في الجيش ومجلس الشيوخ وفي الإجمال سطوة أكبر مما يمتلكها الإمبراطور نفسه. بعدها بأسابيع استيقظ مايكل ليلًا ليجد نفسه محاطًا بالجنود بينما باسيليوس يراقبهم وهم يطعنونه حتى أردوه قتيلًا. نصّب باسيليوس نفسه إمبراطورًا وطاف بحصانه شوارع بيزنطة ممسكًا برأس الرجل الذي أحسن إليه واتخذه صديقًا حميمًا مثبتة على طرف رمح.
التعليق:
علّق مايكل الثالث مستقبله على الظن بتقدير واعتراف باسيليوس بمعروفه وإحسانه. من المؤكد أن باسيليوس كان يخدمه بإخلاص لأنه كان مدينًا له بثروته

وتعليمه ومنصبه؛ لكن بمجرد أن شعر بطعم السطوة أصابه الشره للمزيد. كان على مايكل أن يلبي كل مطالبه كي يحتفظ برضاه ومحبته، ولم يدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه إلا في اليوم المصيري الذي أيقظته فيه الابتسامة الوقحة والمهينة على وجه باسيليوس.
يومها عرف مايكل أنه قد صنع وحشًا؛ أذاق الرجل نشوة السطوة وغذّاها بتحقيق كل مطالبه. وحين ثقل على نفس باسيليوس ما ناله من إحسان فعل ما يفعله معظم الناس في مثل هذا الموقف: أنكر أن يكون ما ناله تفضلًا بل حقوقًا اكتسبها بجدارته.
لحظة أدرك مايكل الحقيقة كان لا يزال لديه القدرة على إنقاذ نفسه ولكن الصداقة والحب تعميان كل إنسان عن مصالحه. لا أحد قد يتصور صديقه خائنًا، وظل مايكل لا يتصور ذلك حتى اليوم الذي انتهى فيه ورأسه معلقًا فوق رمح.؟
اللهم ارحمني من أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم
فولتير، 1694. 1778
مراعاة القاعدة:
بعد سقوط سلالة هان (222 ميلادية) ظل التاريخ الصيني لقرون يشهد نسقًا واحدًا متكررًا من الانقلابات الدموية العنيفة واحدًا بعد الآخر: كان رجال الجيش يتآمرون لقتل الإمبراطور الضعيف ليحل محله على عرش التنين الصيني قائد عسكري قوي، بعدها يتوّج القائد نفسه إمبراطورًا ويبدأ سلالة حاكمة جديدة وليضمن نجاته يقتل أنداده من القادة العسكريين، وبعد سنوات يتكرر النمط ذاته فيصعد قادة جدد ينقلبون ضده ويغتالونه هو أو من يخلفه من أبنائه. كان عليك لتكون إمبراطورًا في الصين أن تقبل أن تظل وحدك محاطًا بحشود من الأعداء –كان وضع الإمبراطور أقل الأوضاع سطوةً وأمانًا في المملكة.


سنة 959 ميلادية تم تتويج القائد شساو كوانج ين إمبراطور باسم صانج. كان يعرف المخاطر بأنه قد يتعرض للقتل خلال عام أو عامين، وأخذ يفكر كيف يكسر هذا النسق من التآمر والانقلابات، وجاء قراره سريعًا بعد تتويجه أن يعد مأدبة للاحتفال بالسلالة الجديدة دعا إليها القادة الأكثر سطوة في الجيش. بعد أن تجرعوا الكثير من الخمر أمر بصرف الحراس والجميع فيما عدا لجنرالات والذين خشوا أن ينقض عليهم الإمبراطور ويقتلهم جميعًا، إلا أنه خاطبهم قائلًا «مر اليوم بكامله مليئًا بالخوف ولا أشعر بالسعادة لا على مائدتي ولا في فراشي. فمن منكم لا يرغب في العرش؟ لا أشك في ولائكم لكن إن سنحت لأحدكم الفرصة أن ينزع عني هذا الرداء الإمبراطوري الأصفر ويأخذه لنفسه فمن المؤكد أنه لن يرفض». بدأ الجنرالات يرتعدون من الخوف والسكر معًا وأقسموا بولائهم وبرائتهم من هذه النوايا. لكن لم تكن لدى صانج نية لقتلهم بل قال لهم «ليس هناك حياة أفضل من أن يقضي الإنسان أيامه وادعًا يحظى بالغنى والتكريم. من يريد منكم أن يتخلى عن منصبه سأمنحه ممتلكات ومنزلًا راقيًا يتمتع فيه بغناء وملاطفة الجواري الحسان».
أدرك الجنرالات المذهولون أن صانج يمنحهم الغنى والأمان بدلًا من حياة القلق والكفاح. في اليوم التالي قدم الجنرالات جميعًا استقالتهم وتقاعدوا كنبلاء للتمتع بالممتلكات التي نحها لهم صانج.
بضربة واحدة استطاع صانج أن يحيل زمرة الذئاب «الصديقة» الذين يعرف أنهم قد يخونوه في أي لحظة إلى حملان وادعة بعيدة عن أي سطوة.
في السنوات التالية استمر صانج في حملته لترسيخ حكمه، وفي عام 971 ميلادية استسلم له الملك ليو من أسرة هان الجنوبية بعد سنوات من التمرد. لدهشة ليو منحه صانج لقبًا في البلاط الإمبراطوري ودعاه لقصره لشرب الأنخاب احتفالًا بصداقتهما الجديدة. حين تناول ليو الكأس التي قدمها له صانج تردد وحشي أن تكون مسمومة، وصاح قائلًا «جرائم خادمك تستحق جزاء الموت بالتأكيد، لكني أتوسل جلالتكم أن تعفو عني، وتعفيني من شرب هذه الكأس». ضحك


الإمبراطور صانج وأخذ الكأس من ليو وشربها. لم يكن هناك سم ومن يومها أصبح ليو الصديق الأكثر ثقة وولاء لصانج.
في هذه الفترة كانت الصين مفتتة إلى ممالك صغيرة، وحين انهزم شيان شو ملك إحدى هذه الممالك نصح الوزراء صانج أن يسجن هذا المتمرد، وأتوا بوثائق تثبت أنه مازال يتآمر لقتل الإمبراطور. لكن حين أتى شيان شو لزيارة صانج لم يسجنه بل أكرمه وأحسن استقباله وأعطاه صندوقًا طلب منه أن يفتحه حين يصل إلى منتصف طريق عودته. حين فتح شيان شو الصندوق وجد كل المستندات التي تثبت تآمره. علم أن صانج كان يعرف كل خطط الاغتيال ومع ذلك عفا عنه، وقد تأثر بهذا الكرم وأصبح هو أيضًا من ولاة صانج المخلصين.
التعليق:
يشبه أحد الأمثال الصينية الأصدقاء بأنياب وأسنان الحيوان المفترس: إن لم تحذرها ستجدها تنهش لحمك. كان الإمبراطور صانج يعرف أن هذه الأنياب تترصد له بعد أن استولى على العرش، فقد كان «أصدقاؤه» بالجيش على استعداد لمضغه كاللحم وإن نجا منهم سيتعشى به «أصدقاؤه» في الحكومة. أنهى صانج روابطه مع «الأصدقاء» وأبعدهم عنه برشوة الجنرالات بممتلكات رائعة، وتلك كانت طريقة أفضل كثيرًا لإضعاف تأثيرهم من قتلهم والذي كان سيحفز الجنرالات الآخرين للأخذ بالثأر منه. كذلك لم يختر له وزراء من «المتوددين» لأن ذلك سينهي حياته كما كان يحدث عادة بوضعهم السُم في شرابه.
بدلًا من الاتكال على الأصدقاء استفاد صانج من أعدائه، فبينما يظل الصديق يتوقع المزيد والمزيد من الحظوة ويضطرب قلبه بالحسد، لم يكن هؤلاء الأعداء يتوقعون منه شيئًا ومنحهم كل شيء. الرجل الذي يُعفا عنه من الموت بالمقصلة يكون على استعداد لأن يذهب إلى نهاية الأرض لصالح الرجل الذي عفا عنه ورد له حياته. مع الوقت، أصبح هؤلاء الأعداء أصدقاء صانج الموثوقين.

في النهاية استطاع صانج أن يحطم النسق القديم من الانقلابات والعنف والحرب الأهلية –واستطاعت سلالته أن تحكم الصين لثلاثمائة عامًا.
في خطاب لإبراهام لنكولن في ذروة الحرب الأهلية ورد وصفه للجنوبيين بأنهم «إخواننا من البشر أخطأوا». وبّخته عجوز لعدم وصفهم بالأعداء الذين لا يمكن الصلح معهم والذين عليه أن يمحقهم، فأجابها «لم سيدتي، أوليس جعل الأعداء أصدقاء هو محق لأعدائي؟».
مفاتيح للسطوة:
من الطبيعي أن ترغب في توظيف أصدقائك حين تكون في حاجة لمن يعينك، فالعالم مكان موحش والأصدقاء يخففون من وحشته، كما أنك تعرفهم، وقد تتساءل لماذا تستعين بغرباء حين يكون لديك أصدقاؤك؟
المشكلة أنك لا تعرف أصدقاءك بالقدر الذي تظنه، فالأصدقاء غالبًا ما يتظاهرون باتفاقهم على الأمور لتجنب الخلافات، ويخفون خصالهم البغيضة حتى لا يغضب أحدهم من الآخر، ويبالغون في الضحك على دعابات بعضهم البعض. ولأن الصراحة غالبًا ما تضعف الصداقة فليس من السهل أبدًا أن نعرف المشاعر الحقيقية لأصدقائنا، فأصدقاؤك قد يقولون أنهم يحبون شِعرك أو يعشقون موسيقاك أو ينبهرون بذوقك في انتقاء الملابس؛ وقد يعنون ذلك أحيانًا لكن في الغالب يقولونه لإرضائك.
حين تقوم بتوظيف صديق تكتشف تدريجيًا الخصال التي كان يخفيها، وستعجب حين تجد أن عطفك وأفضالك عليه هي أكثر ما تفسد الأمور بينكما، فكل إنسان يحب أن يفتخر بأنه حقق نجاحه بجدارته ولا أحد يحب من داخله أن يمن عليه صديقه بمركزه ومكانته. هناك مسحة من التعالي في توظيف صديقك تجعله يشعر في أعماقه بالتجريح والمرارة، وسيزداد بالتدريج تعبيره عن هذه المرارة في تصرفات تتسم بالصراحة الفجة أو بالاستياء أو حتى الحسد وكراهية نجاحك، وقبل أن تدرك حقيقة ما يحدث ستكون صداقتكما قد انتهت، وإن حاولت أن تستعيدها


بمنحه المزيد من الهدايا أو الأفضال فلن تجد منه إلا المزيد والمزيد من الجحود والنكران.
جحود وغدر الأصدقاء معروفان منذ زمن طويل، ونعجب أن الناس لا يزالون غافلين عن هذه المخاطر. وستكتشف أن حذرك في التعامل مع أصدقائك وعدم توقع العرفان والإخلاص منهم يمكّنك من الاحتفاظ بصداقتهم وباحترامهم وتقديرهم لك.
مشكلة توظيف الأصدقاء أنها تقلل حتمًا من سطوتك، فالأصدقاء نادرًا ما يكونون أكفأ من ينجز لك أعمالك. عليك بصفة عامة أن تقدر الكفاءة والبراعة أكثر من الصداقة (كان بين يدي مايكل الثالث وقريب منه رجل قادر على إدارة الأمور لصالحه وعلى حمايته من الموت غدرًا: ذلك الرجل هو بارداس).
كل مواقف العمل تتطلب قدرًا من الجفاء بين الناس، فالأعمال يتطلب الإنجاز وليس الود، والتودد (سواء كان صادقًا أم كاذبًا) يعكر هذا الجفاء العملي. أحد المفاتيح الهامة للسطوة هو أن تعرف من يفيد مصالحك في كل موقف، وأن تحتفظ بالأصدقاء للصداقة وأن تستعين لإنجاز أعمالك بالمهرة والأكفّاء.
من ناحية أخرى، أعداؤك منجم من الذهب عليك أن تستغله. في عام 1807 حين أردك تاليران وزير خارجية نابليون أن الإمبراطور يقود فرنسا نحو الهلاك كان عليه أن يفعل شيئًا ولكنه كان يعرف مخاطر التآمر ضد الإمبراطور وكان يحتاج شريكًا يثق به –وبالطبع لم يكن من الغباء أن يستأمن أصدقاءه على هذا السر، اختار بدلًا منهم جوزيف فوشيه رئيس الشرطة السرية عدوه اللدود الذي تآمر ذات مرة لاغتياله. كان يعرف أن عداوتهما القديمة ستجعل من ذلك فرصة للتصالح، كما أنه لا يدين بشيء لفوشيه بل كان عليه أن يثبت لتاليران حسن نواياه ومثل هذا الدافع يجعل من تتعامل معه يحرّك الجبال لكسب ودك. أخيرًا كان يعلم أن علاقته بفوشيه تقوم على المصالح المتبادلة ولا تعكرها المشاعر الشخصية. أثبت الاختيار براعته،


فعلى الرغم من أن المؤامرة لم تنجح في الإطاحة بنابليون إلا أن تآمر هذين الرجلين القويين أضعف مكانة الإمبراطور وأطلق معارضة قوية ضده، ومنذ ذلك اليوم أثمرت العلاقة بين تاليران وفوشيه عن تحالف فعّال قوّى شوكتيهما كثيرًا. في الوقت المناسب عليك أن تدع السيف الذي بينك وبين عدوك وأن تستدرجه ليعمل لصالحك.
وكما قال إبراهام لنكولن يمكنك أن تمحق عداء عدوك بأن تجعله صديقًا. في عام 1971 أثناء حرب فيتنام تعرض هنري كيسنجر لمحاولة فاشلة لاختطافه وكان من بين المتورطين رجال دين ناشطون في عداء الحرب هم الأخوة بريجان وأربعة قساوسة كاثوليك وأربع راهبات. في السر ودون إطلاع الشرطة السرية أو وزارة العدل رتّب كيسنجر اجتماعًا صباحيًا مع ثلاثة من المتهمين وقد تأثر ضيوفه كثيرًا حين أخبرهم أنه ينوي إخراج كل الجنود الأمريكيين من فيتنام بحلول منتصف سنة 1972، وفي الختام قدموا إليه الشكر والهدايا وظل أحدهم صديقًا له لسنوات يعوده فيها بالزيارة. لم تكن تلك حادثة منفردة في مسار كيسنجر: فقد كان معروفًا أن من سياسته العمل مع من يختلفون معه، وكان زملاؤه يرددون أنهم يرون أنه يتفاهم مع أعدائه بشكل أفضل من تفاهمه مع أصدقائه.
وجود الأعداء يفيدك حتى إن لم تحوّلهم إلى أصدقاء أو حلفاء، بدون الصراع [ودفع الله الناس بعضهم ببعض] تتراخى الهمم وتتكاسل الأذهان، أما وجود الأعداء فيجعلك دائمًا يقظًا ومتأهبًا.
كان ماو تسي تونج يرى في الصراع وسيلته لاكتساب السطوة. في عام 1937 حين احتل اليابانيون الصين توقفت الحرب الأهلية التي كانت تدور بين الشيوعيين بقيادة ماو وأعدائهم من القوميين.
اقترح بعض القادة الشيوعيين أن يتركوا القوميين يحاربون اليابانيين الأقوياء وأن يستفيدوا هممن الوقت في التعافي وحشد الأنصار. رفض ماو هذا الرأي لأنه كان يعرف أن اليابانيين سينهزموا في النهاية لأنهم لن يستطيعوا أن يحتلوا بلدًا متسعًا

كالصين لفترة طويلة، وإن ظل الشيوعيون خاملين بلا قتال لهذه السنوات سيصيبهم الفتور والتراخي ولن يتمكنوا من استئناف الصراع مع القوميين. كانت مواجهة عدو قوي كاليابان ستوّحد الجيش المهلهل للشيوعيين وتدّربهم على تركيز ضرباتهم. وافق القادة على خطة ماو، وحين انسحب اليابانيون لاحقًا كانت لدى الشيوعيين الخبرة القتالية الكافية لهزيمة القوميين.
في مرحلة متأخرة تقدم دبلوماسي ياباني باعتذار لماو عن غزو بلاده للصين، فقاطعه ماو «أوليس الأنسب لي أن أشكرك؟» وشرح للزائر أنه بدون عدو كفء لا يمكن لأي كيان سواء فرد أو جماعة أن يقوى ويرّسخ مكانته.
كانت استراتيجية ماو في الصراع المستمر تقوم على ثلاثة عناصر أساسية. أولًا أن لا تدخل صراعًا أو نزاعًا مع أحد إلا إن كنت واثقًا من الانتصار في النهاية كما كان ماو واثقًا من أن اليابانيين سوف ينهزمون بعد حين. ثانيًا؛ إن لم يكن لك عدو واضح ومعلم تخير عدوًا ملائمًا أو حتى اجعل من أحد أصدقائك عدوًا. وقد استخدم ماو هذه التقنية كثيرًا طوال مساره السياسي. ثالثًا؛ أن تستخدم صراعك مع أعدائك لعرض مبادئك وأهدافك على الجمهور وأن تظهره لهم على أنه صراع الخير ضد الشر. وقد شجع ماو على خصومة الصين مع الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة؛ وبدون هذه الخصومة لم يكن الشعب الصيني سيعرف تحديدًا ما تعنيه الشيوعية الصينية، فخوض الصراع مع أعداء تختارهم يعرض أهدافك ومبادئك للناس بوضوح أبلغ من أي كلمات.
لا تجعل وجود الأعداء يحبطك أو يحط من عزيمتك، فأداؤك مع وجود خصم أو اثنين تعرفهم جيدًا يكون أفضل من التعامل مع أعداء حقيقيين لا تعرف من أين يأتونك. رجل السطوة لا يخشى الصراع ويستفيد من أعدائه في نشر صورة عن نفسه كمحارب ثابت الجأش يمكن الاعتماد عليه في مواقف الحيرة والتشكك.


الصورة
أنياب الغدر والجحود
أنت تعرف بالقطع ما قد يحدث لك إن وضعت إصبعك في فم الأسد ولذلك تحذر من فعل ذلك. لكن مع أصدقائك لا يكون لديك مثل هذا الحذر وإن وظفتهم يفترسونك حيًا بالغدر والجحود.
اقتباس من معلم: تعلّم كيف تجعل أعداءك يعملون لصالحك تمامًا كما تسّخر السيف للدفاع عنك بإمساكه من مقبضه وليس من نصله الجارح. الحكيم يستفيد من أعدائه أكثر مما يستفيد الأحمق من أصدقائه (بالتسار جراتسيان، 1601- 1658).
عكس القاعدة:
على الرغم من أنه من الأفضل عامة أن لا تخلط بين الصداقة والعمل هناك أوقات يفيدك فيها توظيف الصديق أكثر من الاستعانة بالعدو. كل رجل سطوة مثلًا يضطر أحيانًا للقيام بأعمال قذرة وليحافظ على مظهره يفضل عامة أن يستعين بآخرين ليقوموا عنه بهذه الأعمال، والأصدقاء غالبًا هم خير من يقوم بهذا الدور لأن مشاعرهم نحوك تجعلهم مستعدين للمخاطرة، وإذا فشلت مخططاتك وافتضحت أساليبك لأي سبب سيسهل عليك استخدام أحد أولئك الأصدقاء ككبش فداء. كانت «التضحية بالأعزاء» من الخدع المعروفة التي يستخدمها الملوك والحكام حيث كانوا يحمّلون أصدقائهم المقربين وزر أخطائهم لأن العوام لم يكونوا ليصدقوا أن الحاكم سيدبر عمدًا التضحية بصديقه لهذا الغرض. من المؤكد أن اللعب بهذه الورقة يفقدك صديقك للأبد، لذا فمن الأفضل أن تترك هذا الدور لشخص مقرّب ولكن ليس حميمًا تمامًا.
أخيرًا، فإن مشكلة العمل مع الأصدقاء أنه يشوش الحدود والمسافات المطلوبة لإنجاز الأعمال، لكن إن كان الشريكان يدركان المخاطر فإن الصديق غالبًا ما يعمل بكفاءة كبيرة؛ لكن لا تغفل أبدًا عن أي علامة تدل على ظهور المشاعر البغيضة بينكما كالحسد والجحود، ولا تنس أن لا شيء ثابت في عالم السطوة وحتى أخلص الأصدقاء قد يصبح ألد أعدائك يومًا ما.


القاعدة
3
استعن على تحقيق أهدافك بإخفاء مقاصدك
الحكمة:
تكتّم على مقاصد أفعالك لتربك وتحير من حولك وتمنعهم من الكيد أو الاستعداد لك، شجّعهم على الخطأ في تفسير تحركاتك. اتركهم في الظلام حتى إذا أدركوا ما أنت مقدم عليه يكون الأوان قد فات على إيذائك أو تعطيلك.


الجزء الأول: ضلل الناس بعيدًا عن مقاصدك الحقيقية بالتظاهر بأنك ترغب في شيء آخر:
إن اكتشف الناس خدعك ومكائدك تخسر كل شيء؛ فلا تمنحهم أبدًا الفرصة لمعرفة ما أنت مقدم عليه. ضلل أنوفهم عن تشمم مقاصدك الحقيقية بالتظاهر بالصدق وبالتلميحات المتعارضة وبأنك تسعى لشيء آخر غير الذي تريده، فالناس بطبيعتهم لا يفرّقون بين الزائف والحقيقي وتظاهرك برغبتك في شيء آخر تعميهم عن الذي تريده حقًا.
انتهاك القاعدة:
ظلت نينو دي لنكلو أشهر محظيات البلاط الفرنسي لعدة أسابيع تصغي باهتمام للمركيز دي سفينيه يحكي لها عن مساعيه للإيقاع بكونتيسة شابة تتسم بالجمال لكن مع حدة في الطباع. كانت نينو وقتها في الثانية والستين وكانت أكثر من خبيرة في شئون العشق؛ بينما كان المركيز غرًا في الثانية والعشرين. كان وسيمًا وجريئًا لكنه كان ساذجًا وبلا حيلة في شئون الحب. في البداية كانت نينو تضحك على ما يرويه المركيز لها من الأخطاء التي يرتكبها في التقرب من الكونتيسة لكنها سأمت في النهاية لأنها لم تكن قادرة على احتمال الخيبة والفشل في أي مجال وعلى الأخص في إغواء النساء فقررت أن تحتضن هذا الشاب وتعلمه أسرار العشق والغواية. أولًا كان عليها أن تبين له أن هذه الأمور تشبه الحرب وأن هذه الكونتيسة مثل حصن عليه أن يحاصره ويستولي عليه بحرص قائد عسكري يخطط لكل خطوة وينتبه عند تنفيذها لأدق التفاصيل.
علّمت نينو المركيز أن عليه في البداية أن يتقرب من الكونتيسة بشيء من البرود والتحفظ وأن يتعامل معها في المرة القادمة التي ينفرد بها كصديق يثق بها وليس كحبيب يطلب ودها، فذلك يشتت ذهنها عن مراده الحقيقي ويمنعها من النظر إليه وكأنه أحد أسرى هواها ويجعلها تفكر أنه قد لا يريد منها بالفعل إلا الصداقة.
بمجرد أن لعبت الحيرة برأس الكونتيسة حول ما يريده المركيز من اهتمامه بها كانت
الخطوة التالية في خطة نينو هي أن يبدأ في إشعال غيرتها. أشارت عليه عند ذهابه لأحد الاحتفالات الكبرى بباريس والتي كان سيلتقي فيها بالكونتيسة أن يصطحب معه شابة جميلة لها صديقات لسن أقل منها جمالًا بحيث لا تراه الكونتيسة إلا محاطًا بأجمل نساء باريس. لم يشعل ذلك غيرة الكونتيسة فحسب بل جعلها تراه مرغوبًا من الأخريات، ولم تكن نينو قادرة على إفهام المركيز الحكمة من ذلك لكنها شرحت له بصبر أن المرأة تحب أن ترى رجلها مرغوبًا من النساء ليس فقط لأن ذلك يرفع من قيمته بل لأنه يجعلها تشعر أنها استطاعت أن تخطفه من بين براثن الأخريات.
وفي هذه المرحلة وبعد أن تملك التعلق والغيرة من قلب الكونتيسة جاء دور التلاعب بمشاعرها. حسب تعليمات نينو بدأ المركيز يغيب عن الحفلات التي تتوقع الكونتيسة حضوره إليها ويحضر فجأة المجالس التي لم يكن يرتادها ويعرف أن الكونتيسة تتردد عليها باستمرار. كان المغزى من كل ذلك هو إرباك مشاعرها وذلك شرط أساسي لنجاح الإغواء.
استغرق تنفيذ هذه الحركات عدة أسابيع، كانت نينو تراقب فيها أداء المركيز: من خلال شبكة الجواسيس عرفت أن الكونتيسة بدأت تطيل الضحك على دعاباته والإصغاء لحكاياته وتطرح الأسئلة عنه فجأة في المناسبات الاجتماعية إذا لم يحضر وترمقه مطولًا إذا حضر. تأكدت نينو أن الكونتيسة قد استسلمت للسحر وأنه ما لم يحدث مفاجآت لم يتطلب الأمر أكثر من شهر إلى شهرين حتى يسقط الحصن.
بعد أيام كان المركيز مع الكونتيسة وحدهما في بيتها. فجأة تحول المركيز إلى شخص آخر، تجاهل تعليمات نينو وأخذ يتصرف بشغف واحتضن يدي الكونتيسة بين يديه وأخبرها عن مدى حبه لها. ارتبكت الكونتيسة وهو رد الفعل الذي لم يكن يتوقعه منها المركيز وتصرفت بتحفظ وأدب وأخذت طول السهرة تتجنب نظراته إليها واستأذنت لتنصرف ولم توّدعه عند رحيله. وفي زياراته التالية أمرت الخادم أن

يخبروه أنها ليست بالمنزل. وحين التقيا أخيرًا شعر الاثنان بثقل اللقاء وعدم ارتياح أي منهما للآخر؛ فقد أفسد السحر.
التعليق:
كانت نينو دي لنكلو تعرف كل شيء عن فنون الحب، فقد كانت في شبابها عشيقة لأعظم الكتاب والمفكرين والسياسيين في عصرها، رجال من أمثال روشفوكو وموليير وروتشيلو. كان الإغواء بالنسبة لها مباراة يجب أن تتقن بالتدريب والمهارة، وحين تقدم بها العمر وذاع صيتها كانت أهم الأسر في فرنسا ترسل أبناءها إليها لتعلمهم أسرار العشق وفنونه.
عرفت نينو أن الرجال يختلفون في أشياء كثيرة عن النساء، لكن في الإغواء يجمعهم نفس الشعور: ففي أعماق سريرتهم غالبًا ما يعرفون أنهم يُساقون للإغواء ولكنهم يسلمون أنفسهم له استمتاعًا بالشعور بأنه يتم استدراجهم، ويشعرون بلذة الاستسلام وترك أنفسهم لشخص آخر يتجول بهم في مدن العشق الغريبة. لكن الإغواء يعتمد على الإيحاء ويفسده التصريح والكلام المباشر ويتطلب منك أن تضلل من تريد بعيدًا عن نواياك الحقيقية. ولكي تدفع من تريد للاستسلام لك عليك أن تربكها بالطريقة الملائمة، بأن تجعل تلميحاتك تحتمل أكثر من معنى وتظهر وكأنك معجب بامرأة أخرى ثم يوحي لمن تريدها بأنها تعجبك ثم تعاملها من جديد بتحفظ وهكذا مرارًا. هذه الطريقة لا تربك فقط وإنما تثير.
تخيّل الأمر من منظور الكونتيسة. بعد تحركات قليلة قام بها المركيز أحست أنه يتلاعب بها بطريقة ما ولكن اللعبة أعجبتها، لم تكن تعرف إلى أين سينتهي بها الأمر لكنها كانت تحب أن يطول. كانت تحركاته تأسرها وكانت كل حركة تثير شغفها انتظارًا للحركة التالية –كانت حتى تستمع بغيرتها وارتباكها لأن المشاعر تكون أحيانًا أفضل من ملل الأمان الذي تمنحه الوحدة. ربما أدركت أن هدف المركيز في النهاية هو ما يبتغيه معظم الرجال، لكنها كانت راغبة في الانتظار والترقب، ورأت أنه ربما لو انتظرت كفاية لم تكن لتستاء مما قد يفعله بها.

لكن حين باح المركيز بالكلمة القاتلة «الحب» تغير كل شيء، لم يعد الأمر مباراة لها تحركات بل أصبح مجرد بوحًا فجًا بالمشاعر. وانكشف لها بوضوح أنه كان يغويها. جعلها ذلك ترى كل ما كان يفعله في ضوء جديد، وما كان يبدو من قبل سحرًا وأخاذا أصبح الآن قبحًا وتآمرًا. شعرت الكونتيسة بالإحباط والامتهان وانغلق بينها وبينه الباب الذي لم يعد من الممكن أن ينفتح له مرة أخرى.
لا تجعل أحدًا يكتشف أنك تخادع، رغم أن لا أحد يستطيع في زماننا هذا أن يعيش دون أن يخادع، لكن اجعل أكبر مكرك هو في في أن تخفي كل ما قد يكشف للآخرين مكرك.
بالتسار جراتسيان 1601.1658
مراعاة القاعدة:
كان عام 1805 عامًا مصيريًا في حياة أوتو فون بسمارك الشاب. كان في الخامسة والثلاثين وكان نائبًا في البرلمان البروسي. كانت أهم مواضيع الساعة وقتها هي توحيد الولايات الألمانية العديدة (ومنها بروسيا) التي تفتتت إليها القومية الألمانية وكذلك الحرب ضد النمسا الجارة القوية في الجنوب والتي كانت تسعى لإبقاء الألمان ضعفاء وعاجزين بل وكانت تهدد بالتدخل لو أقدمت الولايات الألمانية على الوحدة. كان الأمير وليام ولي عرش بروسيا يؤيد الحرب وكان البرلمان يتفق معه وعلى استعداد لدعم أي حشد وتحريك للكتائب. الوحيد الذي كان يعارض الحرب هو الملك فردريك وليام الرابع ومعه وزراؤه فقد كانوا يفضلون استرضاء النمساويين الأقوياء.
طوال تاريخه السياسي كان بسمارك وفيًا ومتحمسًا لجعل بروسيا قوية وذات سطوة، وكان يحلم بتوحيد ألمانيا ضد النمسا وإهانة تلك الدولة التي أبقت على ألمانيا مفتتة، وكرجل قضي ما سبق من حياته العسكرية كان يرى في الحرب الشرف والكرامة.

كذلك فإن بسمارك هو الرجل الذي قال بعد ذلك بسنوات أن «قضايا العصر لا تُحل بالخطب والشعارات لكن بالحديد والنار».
على الرغم من حماسه الوطني وحبه للمجد العسكري ألقى بسمارك خطبة في البرلمان في ذروة التحمس للحرب أثارت دهشة كل من سمعوها؛ جاء فيها: «اللعنة على كل من يشعل حربًا دون سبب يبرر الخسائر التي تبقى بعد انتهائها. بعد الحرب تتغير النظرة للأمور، فهل ستجد لديك من الشجاعة ما يكفي لتبريرها لمزارع يؤلمه الخراب الذي حل بمزرعته أو لرجل أصابته الحرب وأقعدته أو لأب خسر فيها أبناءه؟». لم يكتف بسمارك بالهجوم على من يتحمسون للحرب بل الأغرب أنه أثنى على النمسا ودافع عن أفعالها. كان هذا ضد كل ما يؤيده ويؤمن به وجاءت النتائج فورية، فقد تحير النواب الآخرون حين رأوا بسمارك يناهض الحرب، وتراجع الكثيرون عن تصويتهم وفاز حزب الملك وألغى قرار الحرب.
بعد أسابيع من الخطاب الشهير وامتنانًا منه على تأييد بسمارك للسلام عيّنه الملك وزيرًا وبعد سنوات قليلة أصبح رئيسًا لوزراء بروسيا، ومن موقعه هذا قاد بلاده وملكه المحب للسلام إلى الحرب ضد النمسا وسحق هيمنتها الإمبراطورية وأسس لدولة ألمانية قوية تقودها بروسيا.
التعليق:
قام بسمارك قبل أن يلقى خطابه في عام 1805 بحسابات عديدة، فأولًا رأى أن العسكرية البروسية غير مؤهلة للحرب لأنها لم يتم تحديثها كالجيوش الأوروبية الأخرى وكان واثقًا أن النمسا ستفوز في هذه الحرب فوزًا سهلًا ومحتومًا ستكون له عواقب وخيمة في المستقبل. ثانيًا كانت خسارة الحرب ستؤدي إن دعمها بسمارك إلى تحطيم مستقبلها السياسي. كان الملك وأتباعه يؤيدون السلام وكان بسمارك يريد السطوة، وكان الحل هو أن يضلل الآخرين بدعمه لقضية يرفضها وأن يقول أشياء كان ليسخر منها لو قالها أحد غيره، أي أنه خدع بلدًا بكامله. بسبب خطابه عيّنه الملك وزيرًا وهو المنصب الذي صعد به سريعًا إلى رئاسة الوزارة وملّكه السطوة التي

مكنته من تقوية الجيش البروسي وتحقيق ما كان يرغب فيه طوال حياته العملية وهو إهانة النمسا وتوحيد ألمانيا بقيادة بروسيا.
كان بسمارك حقًا من أمهر السياسيين في كل العصور وكان بارعًا في الاستراتيجية والمكر، لم يكتشف أحد ما كان يريده حقًا في هذه القضية. لو كان قد أعلن عن نواياه الحقيقية محتجًا بتأجيل القتال لمرحلة تالية لما كان لينتصر لرأيه لأن معظم البروسيين كانوا راغبين في القتال فورًا لاعتقادهم خطأ أن جيشهم أقوى من جيش النمسا. ولو تزّلف للملك بأنه سيؤيد السلام على أن يجعله وزيرًا لم يكن ليفوز بهذا أيضًا لأن الملك كان سيشك في إخلاصه وأمانته.
حين تعامل بسمارك وتضليل شديدين استطاع خداع الجميع، أخفى أهدافه وحقق كل ما أراد، وتلك هي السطوة التي يمنحها لك كتمان نواياك عن الآخرين.
مفاتيح السطوة:
معظم الناس كتب مفتوحة يفضون بما يشعرون به ويعبرون عن آرائهم في كل مناسبة ويظهرون دائمًا خططهم ونواياهم، وهم يفعلون ذلك لأسباب عديدة. أولًا لأن من السهل دائمًا أن تنساق للرغبة في الحديث عن مشاعرك ونواياك حول المستقبل، الأصعب هو أن تراقب لسانك لتحكم ما تقول. ثانيًا لأن الكثيرين يظنون أن صراحتهم وعفويتهم تكسبهم قلوب الآخرين وتظهر لهم طبائعهم الطيبة، وهذا تضليل خطير لأن الصراحة تشبه سكينًا ثلمة تدمي أكثر مما تقطع. الصراحة تجرح الناس ومن الحكمة أن تُسمع الناس ما يحبون سماعه وليس ما تظنه أو تستشعره من حقائق فجة وقبيحة تؤذيهم. الأهم من ذلك أن الصراحة والعفوية يجعلانك واضحًا ومقروءًا للآخرين ويستحيل بعدها أن تجني منهم الاحترام والهيبة وهما شرطان لا يمكن من دونهما لأي شخص أن يكتسب السطوة.
إن كنت ترغب بالسطوة تخلي عن الصراحة وتدرب على فن كتمان نواياك. إن أتقنت

هذا الفن ستكون لك دائمًا اليد العليا. السر في نجاح الكتمان يكمن في حقيقة بسيطة عن الطبيعة البشرية: فغريزتنا تفرض علينا أن نصدق المظاهر ولا يمكن لنا أن نمضي في حياتنا إن كنا نتشكك في كل ما نراه، والارتياب المستمر من أن المظاهر تخفي أمورًا أخرى يجهدنا ويرعبنا. هذه الحقيقة تجعل إخفاء النوايا أمرًا سهلًا. اظهر للآخرين أنك تريد شيئًا معينًا وسوف يصدقون ما ترونه، وبمجرد أن يركزوا أعينهم على هذا الطعم لن يتبين لهم ما الذي تسعى إليه حقًا. في الإغواء اجعل تلميحاتك متناقضة بإظهار الرغبة واللامبالاة معًا، هذا لن يضلل من ترغبها عن غرضك الحقيقي فحسب بل سوف يشعل رغبتها في أن تمتلكك.
من تكتيكات التضليل التي غالبًا ما تنجح أن تظهر وكأنك تؤيد فكرة أو قضية تناقض ما ترغب به حقًا (فعل بسمارك ذلك بنجاح كبير في خطبة عام 1850). سوف يظن كثيرون أنك غيرت ولاءاتك لأنه من غير المعتاد أن يتنكر الشخص بهذا البرود لشيء يؤمن به في أعماقه مثل القيم والآراء. وينطبق نفس المنطق على كل الأشياء التي تستخدمها كطعم بإظهار رغبة زائفة نحوها: اظهر وكأنك ترغب شيئًا لا يعنيك في الواقع ويخفي مسارك الحقيقي وسوف تجد أعدائك يركزون عليه ويرتكبون كل أنواع الأخطاء في حساباتهم وتوقعاتهم.
أثناء الصراع على خلافة أسبانيا سنة 1711 كان الدوق مارلبورو قائد الجيش الإنجليزي يرغب بشكل ملح في تحطيم قلعة فرنسية لأنها كانت تحمي طريقًا حيويًا للتوغل داخل فرنسا ولكنه كان يعرف أنه لو دمر هذه القلعة كان الفرنسيون سيعرفون أنه يريد التوغل عبر هذا الطريق، ولذلك وبدلًا من تدميرها اكتفى الدوق بالاستيلاء عليها وترك بعض الجنود ليظن الفرنسيون أنه يريد الاحتفاظ بها لغرض في نفسه. هاجم الفرنسيون القلعة وتركها الدوق تسقط في أيديهم وبمجرد أن استعادوا قاموا بتدميرها خوفًا من أن الدوق يريدها لسبب هام. بعد أن زالت القلعة بقي الطريق دون حماية واستطاع الدوق الزحف بسهولة إلى داخل فرنسا.
استخدم هذا التكتيك بالطريقة التالية: أخف نواياك ليس بالكتمان (والذي سوف

يظهرك غامضًا ويشكك الناس بك) بل بالحديث كثيرًا عن رغباتك وأهدافك- لكن ليست الحقيقة، حينها سوف تصطاد ثلاثة عصافير بحجر واحد: سيراك الناس ودودًا ومنفتحًا وأهلًا للثقة، وتخفي نواياك الحقيقية، وتجعل أعدائك يجهدون أنفسهم في مطاردة الأوهام.
من الوسائل الأخرى الفعالة لتضليل الآخرين عن نواياك الحقيقية المصارحة الزائفة، فالناس يخلطون بين المصارحة والصدق ولتتذكر أن غريزتهم تجعلهم يثقون فيما يظهر لهم، ولأنهم يحبون الصدق ويودون أن يروا الصدق فيمن حولهم لذا يندر أن تجدهم يتشككون بك أو يتفحصون أفعالك، فإظهارك لاقتناعك بما تقول يجعل لكلماتك تأثيرًا قويًا. تلك هي الطريقة التي استطاع بها ياجو أن يدمر عطيل: اقتناع عطيل بمشاعر ياجو نحوه جعله ينخدع بمصارحته الزائفة بالشك في خيانة ديدمونة. إلا أنه علينا بالطبع أن نحذر من المبالغة في المصارحة لأنها وسيلة هشة، فظهورك مفرطًا في التعاطف يشكك الآخرين فيك. كن معتدلًا وقابلًا للتصديق وإلا سينكشف خداعك ويرتد عليك.
كي تجعل المصارحة الزائفة سلاحًا فعالًا تخفي به نواياك ناصر المصارحة والصدق ودافع عنهما كقيم اجتماعية هامة، وانشر ذلك بين الناس على قدر ما تستطيع، وأكد تحمسك لهما بأحاديث تمس القلب- على أن تكون بالطيع تافهة ولا تفشي سرك. كان تاليران وزير نابليون مشهورًا بكسب ثقة الناس بالبوح بأشياء تبدو أسرارًا، فهذه الثقة الزائفة بالآخرين تعمل كطعم يجعلهم يمنحونك ثقتهم الحقيقية.
تذكر أن أفضل الماكرين هم من يبذلون كل جهدهم لإخفاء خداعهم، فهم يزرعون الصدق في جانب ليحصدوا ما يريدون من عدم الصدق في جوانب أخرى، فالصدق مجرد سلاح إضافي في ترسانة مكرهم.

الجزء الثاني: استخدم ستائر الدخان لإخفاء مقاصدك
الخداع والمكر هما أهم استراتيجيات السطوة، لكن لكي تتقن الخداع عليك أن تستخدم ستائر الدخان التي تضلل الناس عن مقاصدك الحقيقية. من أبرع الطرق لوضع ستائر الدخان استخدام تعبيرات وجه المقامر الباردة والمحايدة والتي تصعب قراءتها. استخدامك للتعبيرات المحايدة والمألوفة يطمئن الآخرين ويستدرجهم إلى الفخ الذي أعددته لهم.
مراعاة القاعدة 1:
في عام 1910 صفّى السيد سام جيزيل أعماله وحصل على ما يقرب من المليون دولار ثمنًا لمخازنه ومقتنياتها، وبدأ يباشر إدارة ممتلكاته العديدة فيما يشبه التقاعد، لكن من داخله كان لا يزال يشعر بالحنين لأيامه الخوالي حين كان يعقد الصفقات. في أحد الأيام زاره شاب يدعى حوزيف وايل ليشتري شقة عرضها جيزيل للبيع. بيّن له جيزيل الشروط: الثمن 8000 دولار منها 2000 دولار دفعة مقدمة. وافق وايل ولكنه عاد في اليوم التالي وعرض أن يدفع المبلغ كاملًا نقدًا إن انتظره جيزيل بضعة أيام يتمم فيها صفقة يجريها. لم يكن رجل أعمال ماهر مثل جيزيل ليتجاهل حتى في تقاعده ماهية الصفقة التي تحقق مبلغًا كهذا (150000 دولار بمعايير اليوم) في مثل ذلك الوقت القصير. بدا وايل مترددًا في إخباره وحاول تغيير الموضوع لكن جيزيل أصر أن يعرف. أخيرًا وبعد أن أكد عليه وايل أن لا يخبر أحدًا آخر حكي له القصة التالية.
كان عم وايل يعمل سكرتيرًا لمجموعة من الممولين يمتلكون ملايين الدولارات، وقد اشترى هؤلاء المملون ضيعة للصيد في ميتشجان قبل عشر سنوات بسعر رخيص، ولأنهم لم يستعملوها من سنوات قرروا بيعها وطلبوا من عم وايل أن يحصل لهم على أي سعر فيها. ولأسباب معقولة شرحها وايل لجيزيل كان العم يحمل لسنوات حقدًا وضغينة ضد هؤلاء الأثرياء وكانت تلك فرصته للانتقام منهم. قرر العم أن يبيع الضيعة بسعر رخيص وليكن 35000 دولارًا لرجل ما

(كان دور وايل أن يختاره)، ولم يكن الممولون الأثرياء ليهتموا بمثل هذا السعر الرخيص، ويمكن للرجل المختار أن يبيع الضيعة بعد ذلك بسعرها الحقيقي، أي حوالي 155000 دولار على أن يقسم وايل والعم والرجل الثالث الأرباح بينهم. كان كل شيء قانوني ولسبب مقبول وهو انتقام عم وايل العادل من الأثرياء الذين أجحفوا بحقه.
أنصت جيزيل وطلب أن يكون هو المشتري المختار، بدا ويل مترددًا في أن يشركه ولكن جيزيل لم يتراجع: فكرة الربح الكبير دون مخاطرة جعلته يتمسك بالفرصة. شرح له وايل أنه سيكون عليه أن يحضر مبلغ 35000 دولار لإتمام البيع، فأخبره جيزيل المليونير أنه لن يصعب عليه توفير هذا المبلغ.
رضخ وايل ووافق على ترتيب لقاء يجمعه وجيزيل والعم والممولين في بلدة جاليسبرج بولاية إلينوي.
في القطار التقى جيزيل بالعم، وبدا له شخصًا نافذًا وتناقشا معًا في الأعمال. أحضر وايل رجلًا آخر متدلي البطن نوعًا ما اسمه جورج جروس. قال وايل لجيزيل أنه كان يعمل مدربًا للملاكمة وأن جروس كان أحد المتدربين الواعدين وإنه دعاه معهما ليعرف إن كان ما زال محتفظًا بلياقته البدنية. لم يكن لجروس مظهر الملاكم الذي يبشر بالنجاح فقد كان أشيب الشعر وأكرش البطن، لكن جيزيل كان من الحماس لإتمام الصفقة لدرجة أنه لم ينتبه للترهل في بنية الرجل.
ما أن وصلوا إلى جاليسبرج حتى ذهب وايل وعمه لإحضار الممولين بينما انتظر جيزيل في حجرة الفندق مع جروس والذي بادر بارتداء لباس الملاكمة. أخذ جيزيل يراقبه دون اهتمام لكنه لاحظ تحشرج أنفاس الملاكم بعد تدريبات قصيرة، إلا أن أداءه عامة لم يكن سيئًا تمامًا. بعد ساعة عاد وايل وعمه مع الممولين والذين بدا عليهم سيماء الهيبة والوقار وكانوا يرتدون سترات غالية الثمن. نجح الاجتماع ووافق الممولون على بيع الصفقة لجيزيل والذي توجه يدوره لبنك محلي لإبراق تحويل مبلغ 35000 دولارًا المطلوبة.

استراح الممولون بعد أن أتموا هذه الصفقة الصغيرة وبدئوا في الحديث عن الأعمال الكبرى وذكروا اسم ج. ب. مورجان وكأنهم يعرفون الرجل شخصيًا، وفجأة لاحظ أحدهم الملاكم عند أحد أركان الحجرة وشرح لهم وايل ما يفعله الرجل هناك. قال أحد الممولين أنه هو أيضًا يرعى ملاكمًا وذكر اسمه فضحك وايل وقال أن ملاكمه يستطيع أن يسحق رجله بسهولة، وتصاعدت حدة المناقشة وتحولت إلى شجار، وفي حماس اللحظة تحداه وايل لترتيب مباراة ملاكمة على رهان فوافق الممولون وغادروا لإعداد رجلهم وإحضاره للقتال في اليوم التالي.
ما أن غادر الممولون حتى صرخ العم في وايل وعنّفه بأن ليس معهم المال للرهان وأنه حين يعرف الممولون أنهم خدعوا سيفصلونه من عمله. اعتذر وايل عن تهوره وعن وضعهم في مثل هذا الموقف ولكن كانت لديه خطة؛ فقد كان يعرف الملاكم الآخر ويمكنهم بدفع رشوة صغيرة له أن يفوزوا بالقتال وبالرهان. سأل العم ومن أين يأتون بمال الرهان؟، فبدونه سينتهي أمرهم. كان جيزيل قد سمع ما يكفي، ورغبة منه في عدم إفساد الصفقة قدم المبلغ 35000 دولار نقدًا كجزء من الرهان، وفكر أنه حتى لو خسر هذا المبلغ فيمكنه الإبراق طلبًا لمبلغ جديد دون أن يكون خاسرًا بعد بيع الضيعة. شكره وايل والعم، فإضافة 15000 دولار من عندهم إلى 35000 دولار من جيزيل يغطيان مبلغ الرهان. في المساء أخذ جيزيل يراقب الملاكمين يتدربان على المباراة المفتعلة، وكان ذهنه منتشيًا بالنصر -الذي سوف يحققه من مباراة الملاكمة ومن بيع الضيعة.
تم إجراء المباراة في صالة رياضية في اليوم التالي، وتم وضع أموال الرهان في صندوق مؤمن، وكان كل شيء يتم حسب ما خططوا له في الفندق. بدا على وجوه الممولين استيائهم من السوء الذي يقاتل به ملاكمهم، بينما كان جيزيل منشغلًا بالأموال السهلة التي سوف يجنيها، لكن فجأة أصابت ضربة فك جروس وأوقعته أرضًا وسال الدم من فمه، ثم سعل مرة وسكت. قام أحد الممولين –وكان من قبل يعمل طبيبًا- بفحص نبض جروس وعرف أنه قد مات. فزع الممولون وكان على

الجميع أن يهربوا بسرعة قبل أن تأتي الشرطة وتتهمهم بالمشاركة في ارتكاب جريمة القتل.
بسرعة عاد جيزيل خائفًا إلى شيكاغو تاركًا المبلغ الذي دفعه مسرورًا بأنه لا يعدو ثمنًا صغيرًا لنجاته من العقاب على ارتكاب جناية، ولم تعد لديه أي رغبة في رؤية وايل والآخرين مرة أخرى.
بعد أن رحل جيزيل نهض جروس، كان الدم الذي تدفق من فمه يخرج من كيس يخبئه تحت أشداقه يحوي دم دجاجة مخلوطًا بماء دافئ. كان الذي دبر الأمر هو وايل والمشهور باسم «الفتى الأصفر»، وهو من أبرع المحتالين في التاريخ. اقتسم وايل مبلغ 35000 دولار مع العم والملاكمين والممولين (وكلهم شركاؤه في الاحتيال). كان مكسبًا وفيرًا مقابل أيام قليلة من العمل.
التعليق:
كان وايل قد اختار جيزيل كالمغفل الملائم لعمليتهم قبل تنفيذها بفترة طويلة، ورأى من البداية أن استخدام ملاكم من حثالة الملاكمين هو الخدعة التي يمكنه بها أخذ المال من جيزيل بسرعة وحسم، ولكنه كان يعلم أنه لو حاول إثارة اهتمامه مباشرة بمباراة الملاكمة فإنه كان سيفشل فشلًا ذريعًا. كان عليه أن يخفي نواياه تحت ستار من الدخان –وكان الستار في هذه الحالة هو صفقة بيع الضيعة.
في حجرة الفندق وأثناء كان عقل جيزيل مستغرقًا في التفكير في الصفقة الوشيكة والمال السهل وفي فرحته بالتعامل مع رجال بهذا الثراء. فوّت عليه شروده أن يلاحظ أن جروس يفتقد اللياقة البدنية وهو في أحسن الأوصاف كهل. هذا التشتيت هو ما تفعله ستائر الدخان، وقد بلغ تشتيت جيزيل ذروته حين أوهموه بموت الملاكم، وفي هذا التشوش كان مهيئًا لينسى كل شيء عن ماله.
تعلم من الفتى الأصفر أن تعبيرات الوجه المألوفة والمعتادة هي أفضل ستائر دخان. اقترب من هدفك بطرح فكرة تبدو عادية مثل صفقة عمل أو مغامرة مالية وسوف

يتشتت ذهن من تخادع وتزول عنه شكوكه، وسوف ينقاد معك إن أخذته برفق عبر المسار المنزلق الذي في نهايته سيكون فريسة سهلة لمكيدتك.
مراعاة القاعدة 2:
في منتصف 1920 –بدأ أمراء الحرب الأقوياء في إثيوبيا يدركون أن شابًا من أصول نبيلة– اسمه هيلا سيلاسي ويدعى أيضًا راس تافاري-سيتفوق عليهم جميعًا عما قريب ويعلن نفسه قائدًا عليهم ويوّحد البلد لأول مرة منذ عقود. لم يعرف غالبية منافسي سيلاسي كيف استطاع هذا الرجل الرقيق والهادئ أن تكو له هذه السطوة، لكن في عام 1927 استطاع سيلاسي بالفعل أن يسيطر على أمراء الحرب واحدًا بعد آخر وأن يدخل العاصمة أديس أبابا وينال تأييد الجماهير والقادة وتم تنصيبه حاكمًا.
أسرع بعض القادة في الإذعان وتردد آخرون لكن واحدًا فقط هو الذي تجرأ على أن يتحدى سيلاسي تحديًا كاملًا وصريحًا، هذا الرجل هو ديجارزماخ بالشا من سيدامو. كان بالشا محاربًا قويًا ورجلًا شديدًا ورأى الحاكم الجديد ضعيفًا وغير جدير بالحكم، وقرر أن يبقى مستقلًا وبعيدًا عن العاصمة. في النهاية طلب سيلاسي بطريقته الرقية والحازمة من بالشا أن يأتي إليه. قرر الباشا أن يطيع لكن كان في خلده أن يقلب الأمور على من يراه منتحلًا لعرش أثيوبيا: سيأتي إلى إدريس أبابا بتوقيته الخاص بصحبة 1000 مقاتل وهي قوة لا تكفي للدفاع عنه فحسب بل لبدء حرب أهلية. عسكر بقواته في وادي على بعد ثلاثة أميال من العاصمة وانتظر كما ينتظر الملوك وكان على سيلاسي أن يأتي إليه.
أرسل سيلاسي مبعوثين يدعون بالشا إلى مأدبة أقامها على شرف حضوره، ولكن بالشا لم يكن ساذجًا وكان يعرف أن ملوك أثيوبيا وقادتها كثيرًا ما كانوا يستخدمون المآدب ككمائن، فبمجرد أن يذهب الخمر بعقله يمكن لسيلاسي أن يقبض عليه أو يقتله. أرسل بالشا بموافقته على حضور المأدبة لكن بشرط أن يحضر معه 600 رجلًا من أفضل الجنود لديه مسلحين ومستعدين للدفاع عنه وعن

أنفسهم. تعجب بالشا أن يأتي رد سيلاسي بالموافقة وبأدب شديد بأنه سيكون من الشرف له أن يستضيف هؤلاء المحاربين.
في الطريق شدد بالشا على المحاربين أن لا يشربوا الخمر وأن يبقوا يقظين، وحين وصلوا القمر كان سيلاسي في شرف استقبالهم، وداهن بالشا وعامله كما لو كان في حاجة لتأييده وتعاونه. لكن بالشا لم يترك نفسه ينخدع بهذا الإغواء وحذّر سيلاسي من أن الجنود لديهم أوامر بمهاجمة العاصمة إن لم يعد إليهم بالشا قبل منتصف الليل. بدا سيلاسي كما لو كان مصدومًا من تشكك بالشا بنواياه. أثناء المأدبة وحين أتى وقت عزف الأناشيد التقليدية التي تمجد قادة أثيوبيا طلب سيلاسي من الفرقة أن لا تعزف إلا الأناشيد التي تمجد قائد سيدامو، فشعر بالشا أن سيلاسي خائف وعاجز عن مواجهته وأحس بأنه هو من يبدأ بالهجوم في الأيام القادمة.
قبل الغروب عاد بالشا وجنوده إلى المعسكر وسط الهتافات وإطلاق النار للتوديع. ألقى نظرة على العاصمة خلفه وأعد خطته للهجوم وتخيل جنوده يجوسون في شوارع المدينة منتصرين، وفكر في أن سيلاسي سيلقى مصيره الذي يستحقه سواء بالسجن أو الموت. لكن حين عاد سيلاسي إلى معسكره رأى شيئًا مروعًا، فلم ير خيام جنوده التي كانت تغطي الأفق. لم ير إلا دخان ورماد نيران تنطفئ، وتساءل: أي سحر شيطاني هو الذي فعل هذا؟
روى أحد الشهود لبالشا ما حدث، فأثناء توجه بالشا إلى المأدبة جاء جيش كبير يقوده أحد الموالين لسيلاسي وتسلل إلى المعسكر من طريق لا يعرفه بالشا، لكن هذا الجيش لم يقاتل: فقد كان سيلاسي يعرف أنه لو سمع بالشا بضجيج المعركة لهاجم برجاله الستمائة وعاد لقيادة قواته. بدلًا عن هذا زود سيلاسي جنوده بسلال مملوءة بالذهب والمال وحاصر جيش بالشا واشترى كل قطعة سلاح من الجنود، وكان من السهل ترهيب الذين رفضوا. في ساعات قليلة تم نزع سلاح جنود بالشا وتشتيتهم في كل اتجاه.

مدركًا كل ما يحيط به من مخاطر قرر بالشا أن يتجه جنوبًا بمن معه من الجنود لحشد قوات جديدة، لكن الجيش الذي نزع سلاح قواته قطع عليه الطريق، كان الاختيار الآخر الذي أمامه هو الاتجاه إلى العاصمة لكن سيلاسي كان قد أعد جيشًا هائلًا للدفاع عنها. لأول مرة في حياته استسلم بالشا، ومن أجل التكفير عن خطاياه من الكبر والجشع وافق على الالتحاق بالدير.
التعليق:
طوال الفترة الممتدة لحكم سيلاسي لم يستطع أحد أن يضع تصورًا لطبيعته الحقيقية. كان الإثيوبيون يحبون من قائدهم أن يكون شديدًا، لكن سيلاسي كان يرتدي دومًا قناع الرجل اللطيف المحب للسلام، ومع ذلك استمر أطول من أي من القادة الأشداء. ولأنه لم يفقد الصبر أبدًا أو يخرج عن شعوره كان يستطيع دائمًا أن يغري ضحاياه بابتسامات عذبة ويسحرهم باللطف والتذلل قبل أن يضرب ضربته. في حالة بالشا استطاع سيلاسي أن يتلاعب بحذر الرجل من أن تكون المأدبة كمينا، وكانت بالفعل كمينًا لكن ليس كما تخيله بالشا. طريقة سيلاسي في إزالة مخاوف بالشا –بأن سمح له بإحضار حرسه الخاص إلى المأدبة وبإعطائه الحظوة في التكريم وجعله يشعر بأنه المسيطر على مقاليد الأمور- عملت كستار كثيف من الدخان أخفى حقيقة ما يحدث على بعد ثلاثة أميال من العاصمة.
تذّكر: أن المرتابين والمتشككين هم أسهل من يمكن خداعهم، فكسبك لثقتهم في ناحية يمنحك ستارًا من الدخان يعميهم ويسمح لك بالتسلل وكيل الضربات المميتة لهم في نواح أخرى. وأن من آليات التضليل البارعة أن تأتي ببادرة تثبت صدقك وحسن نواياك واستعدادك للتعاون وكذلك التصرف بطريقة تشعر من تتعامل معه بتفوقه عليك.
لا تستهن بقدرة تافاري (هيلا سيلاسي) فهو يتسلل كالفأر ويضرب كالأسد كلمات بالشا الأخيرة قبل أن يلتحق بالدير.

مفاتيح السطوة:
إن كنت تحسب أن المخادعين هم من يضللون الناس بالكلام المزخرف والحكايات المؤثرة فأنت مخطئ تمامًا. المخادعون الحقيقيون يتكلمون ويتصرفون بطريقة مألوفة ومعتادة لأنهم يعلمون أن المبالغة توّلد الشك والريبة، ولذلك يخففون ضرباتهم بواجهة بريئة لا تلفت الأنظار إلى مقاصدهم. كانت الواجهة المعتادة في استدراج وايل لجيزيل هي عقد صفقة تجارية أما في الحالة الأثيوبية فكانت الواجهة التي استخدمها سيلاسي هي إظهار التذلل وهو بالضبط ما كان يتوقعه بالشا من أمير حرب ضعيف.
بمجرد أن يطمئن خصمك للواجهة المألوفة فلن يلاحظ أي خداع تحكيه له، والسبب في ذلك حقيقة بسيطة وهي أن الناس لا يستطيعون التركيز في أكثر من شيء في وقت واحد، ويصعب عليهم أن يتخيلوا أن الشخص الوديع والمسالم الذي يتعاملون معه يمكنه أن يدبر لهم شيئًا في الخفاء. وكلما كانت ستائر الدخان أقرب للمألوف يزيد نجاحها في إخفاء مقاصدك. في الجزء الأول من القاعدة تحدثنا عن تضليل الآخرين بالافتعال المتعمد لشيء يلهيهم عن مقاصدك؛ أما في ستائر الدخان فإنك تطمئنهم حتى يدخلوا الشرك بأنفسهم. هذا التأثير المطمئن هو الذي يجعل ستائر الدخان من الطرق المثلى للخداع.
أبسط شكل من سائر الدخان يأتي من استخدام تعبيرات الوجه التي تصعب قراءتها والتي يمكنك أن تخفي بها كل أنواع التلاعب. وقد أتقن هذا السلاح أكثر الرجال سطوة في التاريخ. كان يقال أن أحدًا لم يكن يستطيع قراءة تعبيرات وجه فرانكلين د. روزفلت، وكان البارون جيمس روتشيلد يتدرب طوال حياته على إخفاء آراءه وأفكاره خلف ابتسامات باردة ونظرات فارغة من المعنى. وقال ستاندال عن تاليران أنه «لم يكن له وجه بل مقياس لتغيرات المناخ». وكان كيسنجر يأخذ قلوب خصومه في التفاوض بصوته الرتيب ونظراته المحايدة وتكراره

المستمر للتفاصيل وحين كانت أعينهم تلمع بالتأثر متخلين عن تحفظهم كان يصدمهم فجأة بقائمة مطالبه الجريئة. وقد جاء في أحد كتب تعليم المقامرة «أثناء اللعب لا يغير المقامر الجيد تعبيرات وجهه كأنه ممثل بل يتدرب ليتقن تعبيرًا يصعب على الآخرين قراءته لأن ذلك يحبط خصومه ويشوشهم ويمنحه البراح للتركيز».
ستائر الدخان مفهوم مرن ويمكن ممارسته بطرق ومستويات عديدة لكنها تقوم جميعًا على مبدأ نفسي واحد وهو تضليل الآخرين وتشتيت انتباههم عن غرضك الحقيقي. من أكثر طرق ستائر الدخان فعالية القيام بأفعال وتلميحات تدل على النبل لأن الناس يحبون أن يقنعوا أنفسهم بأن هذا النبل صادق وحقيقي لأن ذلك يمتعهم ويرضيهم ويجعلهم ينسون أن هذا النبل قد يكون مفتعلًا وخادعًا.
واجهت جوزيف دوفين تاجر المقتنيات الفنية مشكلة رهيبة ذات مرة، وهي أن أصحاب الملايين الذين كانوا يشترون منه لم تعد لديهم مساحات فارغة على الجدران يعلقون عليها اللوحات، وكذلك ارتفاع ضريبة توريث اللوحات مما جعلهم يتوقفون عن الشراء. كان الحل هو إنشاء متحف قومي للفنون في واشنطن العاصمة وقد ساعد دوفين كثيرًا في إنشائه عام 1937 بأن شجع المليونير أندرو ميلون بالتبرع بمقتنياته للمتحف. كانت الدعوة للتبرع لإنشاء المتحف القومي هي الواجهة المتقنة التي جعلت دوفين بضربة واحدة يجنّب عملاءه الضرائب ويحرر مساحات على جدرانهم تسمح لهم بشراء لوحات جديدة ويقلل من عدد اللوحات المعروضة في السوق وبذلك يستمر الارتفاع في أسعارها وأخيرًا يمّكن المانحين من الظهور بمظهر المحسنين المحبين للخير العام.
من طرق ستائر الدخان الأخرى أن تجعل لتحركاتك نسقًا محددًا بحيث يتوقع خصمك أن تستمر في التصرف على نفس المنوال في تحركاتك التالية. تعتمد هذه الحيلة على حقيقة نفسية وهي أن أفعال الناس تميل للتكرار في نسق معين أو على الأقل يتوقعون ذلك من بعضهم بعضًا.
في عام 1878 أسس جاي جولد وكان من بارونات العصابات شركة بدأت تهدد

احتكار شركة ويسترن يونيون لأعمال التلغراف. قرر المشرفون على ويسترن يونيون شراء شركة جولد بمبلغ كبير لكنهم رأوا أن ذلك خير لهم لأنه سيخلصهم من منافس مزعج. بعد بضعة أشهر عاد جولد للمنافسة من جديد شاكيًا أنهم لم يدفعوا له جيدًا وأنشأ شركة ثانية لمنافسة ويسترن يونيون، ومن جديد اشترت ويسترن يونيون الشركة وأسكتته بالمال. ثم تكرر الأمر للمرة الثالثة لكن في هذه المرة كان جولد قاصدًا النحر: بدأ صراعًا داميًا للاستيلاء على ويسترن يونيون واستطاع بالفعل أن يسيطر عليها سيطرة تامة. اتبع جولد نسقًا ضلل به مديري الشركة وجعلهم يظنون أن غرضه هو الحصول على عرضٍ مغرٍ لبيع شركاته، وبمجرد أن دفعوا له واطمأنوا لم يلاحظوا أنه يلعب لهدف أكبر. للنسق هذه القدرة على خداع الآخرين لأنه يجعلهم يتوقعون منك عكس ما تقصد إليه في الحقيقة.
من نقاط الضعف النفسية الأخرى التي يمكن أن تؤسس عليها ستائر الدخان ميل الناس للانخداع بالمظاهر، والظن بأن من يتصرف وكأنه واحد منهم يكون بالفعل مخلصًا لهم. هذه العادة تجعل الامتزاج التام بالناس من الواجهات الفعّالة للغاية، وتحقيق ذلك سهل: أن تخالط من حولك وكلما زاد امتزاجك بهم يقل شك الآخرين فيك. اكتشف في وقت متأخر أن عددًا كبيرًا من موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا كانوا يرسلون أسرارًا إلى السوفييت طوال فترة الحرب الباردة في خمسينات وستينات القرن العشرين، ولم يتم اكتشافهم طيلة هذه السنوات لأنهم كانوا ظاهريًا شبابًا لطفاء تعلموا في أفضل المدارس والجامعات. وبصفة عامة فإنه كلما أتقنت الامتزاج يزداد تمكنك من إخفاء مقاصدك.
تذكر: أن الأمر يتطلب منك صبرًا وتواضعًا لتتمكن من إخفاء صفاتك البارزة والمتألقة وارتداء قناع معتم لا يشف عن حقيقتك، ولا يحزنك أن يحرمك هذا القناع الرمادي من انبهار الناس بحيويتك ومواهبك لأن أغلب ما يُظهرك بمظهر السطوة ويجذب الناس إليك هو عدم قدرتهم على قراءتك.


الصورة
جلد الضأن.
الضأن شديد الطيبة والوداعة؛ لا يغدر ولا يخدع أبدًا. حين يرتدي الثعلب جلد الضأن يمكنه أن يتجول بحرية في حظيرة الدجاج.
اقتباس من معلم: هل سمعت أبدًا عن قائد يعلن خططه للعدو قبل أن يهاجمه؟. عليك أنت أيضًا أن تخف مقاصدك وتموّه تحركاتك، ولا تكشف مقاصدك إلا بعد أن يصبح من الصعب مقاومتها؛ أي عند نهاية المعركة. تأكد من النصر قبل أن تعلن الحرب. كن كرجال الحرب الذين لا يفهم مخططاتهم سوى البلاد التي يكونوا قد دخلوها فاتحين. (نينو دي لينكلو 1623- 1706).
عكس القاعدة:
لا يمكن لستائر الدخان أو تضليل الناس بإظهار السعي لغير ما تريد أو بإظهار الإخلاص الزائف أو أي وسيلة أخرى لتشتيت الانتباه أن تنجح في إخفاء مقاصدك إن كنت مشهورًا بالخداع، فحين يتقدم بك العمر وتُعرف حكاياتك يكون من الصعب عليك أن تخفي طبيعة خداعك، فالكل سيعرف أنك ماكر وإن ظللت تلعب دور الساذج سيعتبرونك منافقًا وسوف يحد ذلك كثيرًا من قدرتك على المناورة. الأفضل لك في هذه الحالات أن تعترف وتلعب دور المحتال الصريح وأفضل من ذلك أن تلعب دور المحتال التائب، لأن ذلك لن يكسبك الاحترام فحسب ولكنه سيسمح لك بالاستمرار في استراتيجيات المناورة.
حين تقدم العمر بأمير الخداع في القرن التاسع عشر ب. ت. بارنوم تعلم أن لا ينكر سمعته كمخادع كبير. في إحدى المرات نظّم بارنوم مسابقة لصيد الجاموس في نيوجيرسي. وذكر أن الجاموس هندي وبعضه مستورد، وجاء في الإعلان أن المسابقة والصيد حقيقيين ولكن تبين فيما بعد أن المسألة كلها خداع لدرجة جعلت الجمهور بدلًا من الغضب والمطالبة باسترداد مالهم يجدون في الأمر طرفة استمتعوا ببها استمتاعًا كبيرًا. كانوا يعلمون أن بارنوم لا يتوقف عن الخداع، وكان ذلك سر

نجاحه وهو ما جعلهم يحبونه. تعلم بارنوم من ذلك أن لا يخفي وسائله بل أنه أفشى للجميع كل ما قام به من خداع في سيرته الذاتية المنشورة. وكما كتب الفيلسوف كيرجارد «إن الناس يحبون من يخدعهم».
ختامًا نقول أنه على الرغم من أن الحكمة تقضي بتضليل الناس عن مقاصدك بواجهة محايدة لا يمكن قراءتها، فإن الواجهات الملونة والحيوية تكون أحيانًا التكتيك الأفضل للتضليل. كان المشعوذون الكبار في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر يستخدمون الترفيه والتسلية لخداع الجماهير، فكانوا يبهرونهم باستعراضات رائعة تجعلهم لا يستطيعون أن ينتبهوا للنوايا الحقيقية لهؤلاء المشعوذين. كان المشعوذ البارع يطوف المدينة في مركب حالكة السواد تجرها خيول سوداء، وكان يصحبه مهرجون يمشون على الحبال بينما محتالون آخرون بارعون في الترفيه والإثارة يستدرجون الناس إلى شراء ما معهم من ترقيات زائفة. كان المشعوذون يظهرون وكأن الترفيه عن الناس هو شاغلهم ولكن شاغلهم الحقيقي كان بيع ما معهم من ترياق وإكسيرات زائفة.
الترفيه والتسلية هما حقًا من الوسائل الممتازة لإخفاء النوايا لكن لا يمكن استخدامها للأبد. ففي النهاية يمل الجمهور ويتشكك ثم يكتشف الخدعة. وبالفعل كان على المشعوذين أن ينتقلوا من مدينة لأخرى قبل أن ينتشر بين الناس أن الترياق كذب لا يجدي وأن العروض خدعة، في حين نجد أن الأشخاص الأقوياء الذين يستخدمون واجهة رمادية محايدة مثل تاليران روتشلد وسيلاسي يستطيعون استخدام خداعهم في نفس المكان طوال حياتهم، ولا تضعف حيلهم ونادرًا ما يتشكك بهم الآخرون، لذل عليك أن تحذر من ستائر الدخان الملونة وأن لا تستخدمها إلا حين تتطلبها الظروف.

القاعدة
4
اقتصد دائمًا في كلامك
الحكمة:
كثرة الكلام تضيع هيبتك وتظهرك أقل عزمًا، وحتى الكلام التافه سيبدو أكثر وقارًا وتأثيرًا إن كان مقتضبًا وغير محدد ومفتوحًا على كل التفسيرات. وأصحاب السطوة يؤثرون في الناس ويرهبونهم بإيجاز كلامهم. وكلما تكلمت أكثر يزيد احتمال أن تقول شيئًا تافهًا أو غبيًا.

انتهاك القاعدة:
كان جنايوس ماركيوس الشهير باسم كريولانوس بطلًا عسكريًا عظيمًا في روما القديمة، استطاع في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد أن يحقق انتصارات كبيرة في معارك هامة كما أنقذ روما من الدمار مرات عديدة، ولأنه كان قد قضى الشطر الأكبر من حياته في ساحات المعارك لم يكن الكثيرون في روما يعرفونه شخصيًا مما جعل منه أسطورة حية.
في عام 554 ق. م كوريولانوس أن يستغل مكانته العسكرية في ميدان السياسة وأن يرشح نفسه للانتخاب كقنصل وكان هذا أرفع منصب ف روما. كان المرشح لهذا المنصب يلقي في بداية السباق الانتخابي خطابًا للجمهور. حين ظهر كوريولانوس أمام الجماهير بدأ بعرض عشرات الندوب التي أصابته طوال سبعة عشر عامًا من القتال من أجل روما، بعدها لم يستمع الكثيرون إلى الخطبة المطّولة التي ألقاها، كان الندوب وحدها كدليل حي على شجاعته وإخلاصه للوطن كافية لتحريك دموع الناس وأسر قلوبهم، وبدا انتخاب كوريولانوس للمنصب قد بات مؤكدًا.
لكن حين جاء يوم الاقتراع انضم كوريولانوس مباشرة إلى الموكب المكّون من مجلس الشيوخ والنبلاء. انزعج الجموع من هذه الثقة المتغطرسة بالذات في يوم الانتخاب.
خطب كوريولانوس في الناس مرة أخرى لكن هذه المرة كان كلامه موجهًا في أغلبه للنبلاء والأغنياء الذين جاء بصحبتهم. كانت كلماته متخمة بالغطرسة والخيلاء، معلنًا ثقته التامة في الفوز بالانتخابات ومتباهيًا بإنجازاته في المعارك، وألقى دعابات سمجة لا تروق إلا للسادة وكال الاتهامات الغاضبة لخصومه مبشرًا بالثراء الواسع الذي سوف يجلبه لروما. هذه المرة كان الناس يصغون: لم يدركوا من قبل أن في داخل هذا الجندي الأسطورة شخص متبجح ودنيء.

انتشرت أخبار خطبة كوريولانوس الثانية بسرعة في أرجاء روما وتحول عنه الناس وعزموا على أن لا يفوز في الانتخابات. انهزم كوريولانوس وعاد إلى أرض المعارك وفي داخله شعور بالمرارة وأقسم على الانتقام من العوام الذين خذلوه. بعدها بأسابيع وصلت إلى روما سفينة حبوب وكان الشيوخ متأهبين لتوزيعها بين جميع سكان المدينة، لكن في لحظة التنفيذ جاء كوريولانوس إلى قاعة مجلس الشيوخ وخاطبهم محتجًا بأن التوزيع سيضر بالمصالح العليا لروما، واستطاع بالفعل أن يشكك في جدوى التوزيع، ولم يقف عند هذا الحد بل شكك في مبدأ الديمقراطية ذاته، ودافع عن التخلص من نواب الشعب والمدافعين عن حقوق العوام ودعاهم إلى جعل الحكم في يد النبلاء.
حين وصلت أخبار تلك الخطبة إلى أسماع الناس فاق غضبهم كل الحدود، وتم إرسال مندوبين إلى مجلس الشيوخ يطالبون أن يعتذر كوريولانوس لكنه رفض. اندلعت المظاهرات والشغب في كل مكان بالمدينة، فصوّت الشيوخ بتوزيع الحبوب خوفًا من عقاب الشعب، رضي المندوبون لكن غضب الناس لم يهدأ وظلوا يطالبون بأن يخاطبهم كوريولانوس ويعتذر لهم، وسوف يسمحون له بالعودة إلى أرض المعركة إن أبدى ندمه واحتفظ بآرائه لنفسه.
خطب كوريولانوس مرة أخيرة في الناس فاستمعوا إليه في استغراق صامتين. بدأ كوريولانوس بطيئًا وناعمًا ولكن مع مرور الوقت كانت كلماته تزداد فظاظة وغلظة وبدأ من جديد في السب والإهانات. كان في صوته غطرسة وفي تعبيراته ازدراء وكان غضب الناس يستعر أكثر فأكثر مع كل كلمة يقولها وأخيرًا صاحوا فيه لإسكاته وأنزلوه عن المنبر.
تشاور ممثلو الشعب وحكموا على كوريولانوس بالموت، وأمروا الحكام أن يأخذوه فورًا ويلقوه من فوق صخرة تاربيان. أيدت الجموع الغاضبة هذا القرار لكت تدخل النبلاء وتم تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد. حين عرف الناس أن بطل

روما العسكري لن يعود إلى المدينة بعدها أبدًا احتفلوا في الشوارع احتفالات لم تشهدها روما من قبل حتى عند انتصارها على عدو خارجي.
التعليق:
قبل أن يدخل كوريولانوس معترك السياسة كان اسمه يستثير الرهبة والإعجاب في قلوب الناس.
كانت إنجازاته في الحروب تظهره رجلًا عظيمًا في شجاعته، ولأن الجموع لم تكن تعرف عن شخصه الكثير فقد أحاطوا اسمه بكل هالات المجد الأسطورية، لكن في اللحظة التي ظهر فيها أمام الجمهور زال عنه السحر والعظمة، كان يثرثر ويتبجح كأي جندي مبتذل. أهان الناس وهاجمهم كما لو كان يشعر من داخله بالخور والتهديد. كان الفارق بين الواقع والأسطورة صادمًا لكل من آمنوا به، وكلما تحدث أكثر كانت سطوته تقل على الناس؛ فالشخص الذي لا يستطيع أن يتحكم بكلماته لا يستطيع أن يتحكم بنفسه ولا يستحق احترام الناس.
لو كان كلام كوريولانوس أقل لم يكن الناس ليشعروا بازدرائه لهم وما كان لهم أن يعرفوا أفكاره الحقيقية، وكان سيحتفظ بهالة المجد الأسطورية. كان سينتخب كقنصل وحينها كان يمكنه العمل على تحقيق أهدافه المعادية للديمقراطية، لكن اللسان هو الفرس الجامح الذي لا يستطيع معظم الناس لجمه فهو يحرر نفسه من مقوده مرارًا وإن لم تروّضه سينطلق ويدمرك. ولتعلم أن السطوة لا تأتي لمن يهدرون كنوزهم من الكلمات.
عند اكتمال القمر يفتح المحار صدفته وعندها يسرع حيوان السرطان ويضع حجرًا ليمنعها من الانغلاق ثانية ويصبح المحار وجبة له. ذلك هو مصير كل من يفتح فمه أكثر من اللازم ويضع نفسه تحت رحمة المستمع.
ليوناردو دافنشي 151901452

مراعاة القاعدة:
في بلاط الملك لويس الرابع عشر، كان النبلاء والوزراء يقضون الأيام والليالي يناقشون شئون الدولة، يتشاورون ويجادلون ويعقدون اتفاقات ويفسخون أخرى ثم يعاودون الجدال إلى أن تأتي اللحظة المناسبة: يتم اختيار اثنين منهم لتمثيل وجهات النظر المتعارضة أمام لويس نفسه والذي سوف يقرر ماذا يختار. بعد اختيار الأشخاص يكون على الجميع المزيد من المناقشة: كيف يمكنهما صياغة كلامهما؟ ما الذي يزعج لويس وما الذي يسره؟ وما هو الموعد والمكان المناسبين في قصر الفرساي للالتقاء به؟ وما تعبيرات الوجه التي عليهما اتخاذها حين يقابلانه؟
وأخيرًا وبعد إقرار كل ذلك تأتي اللحظة الحاسمة، يقترب الرجلان من لويس- وكانت دائمًا مسألة حرجة، وحين ينولان إصغائه يكون عليهما طرح المسألة الراهنة ويشرحان له كل الخيارات المتاحة بالتفصيل. ينصب لويس صامتًا وعلى وجهه نظرة محيرة، وأخيرًا وبعد أن ينهي كل منهما كلامه ويسألان الملك عن رأيه ينظر إليهما قائلًا «سوف نرى» ويمضي عنهما.
بعد ها لا يسمع الوزراء ولا رجال البلاط كلمة أخرى من الملك حول هذا الموضوع- فقط يرون النتائج بعدها بأسابيع بعد أن يتخذ قراره وينفذه ولا يشغل نفسه باستشارتهم في الموضوع مرة أخرى.
التعليق:
كان لويس الرابع عشر شحيحًا في كلماته، ومن التعليقات التي اشتهر بها «أنا الدولة» وهو تعليق مختصر وبليغ ونادرًا ما نجد مثله. ومن أكثر تعليقاته تكرارًا «سوف نرى» وهو تعليق كان يرد به على أغلب أنواع المطالب والتساؤلات.
لم يكن لويس دائمًا على هذا الحال، فقد كان معروفًا في شبابه بكثرة الكلام وكان فرحًا ببلاغته في الحديث. فرضت قلة الكلام نفسها عليه كقناع يربك كل من هم تحت إمرته. لم يكن أحد يستطيع أن يعرف رأيه أو أي موقف سيتخذه ولا ما يريد

سماعه حتى يقوله له. كلما زاد حديث رجال الصفوة مع لويس كان يتبين له ما في داخل نفوسهم وهي معلومات كان يستخدمها ضدهم ببراعة في الوقت المناسب.
كان صمت لويس يرهب من حوله ويخضعهم له، وكان من أسس سطوته وكما كتب القديس سيمون «لم يكن أحد يقارن به في بيع كلماته وابتساماته بل وحتى نظراته. كان كل شيء لدى لويس قيمًا لأنه كان يعطيه قيمة. وكانت مهابته وجلالته تترسخ من شح كلماته».
من الأخطر على الوزير أن يتفوّه بالحماقات من أن يرتكبها
الكاردينال دي ريتز 1613. 1679
مفاتيح للسطوة:
السطوة بالأساس لعبة مظاهر، وحين تقتصد في كلامك تظهر حتمًا أقوى من حقيقتك. الصمت يجهد الآخرين، لأن الناس بطبيعتهم يميلون لتفسير وفهم من يتعاملون معه، وحين تقلل من كلامك لا يمكنهم الاختراق لمعرفة مقاصدك. إجاباتك المقتضبة وصمتك يوترهم ويجعلهم في موقف الدفاع ويبدؤون في طرح التفسيرات عنك، وكل ذلك يمنحك معلومات عنهم وعن نقاط ضعفهم. وحين ينصرفون عنك يشعرون وكأنك استلبت منهم شيئًا ويراجعون كل كلمة قلتها. هذا التركيز المفرط عليك يمنحك هالة من السطوة والاقتدار.
الاقتصاد في الكلام ليس حكرًا على السادة والملوك، بل أنه يمنحك هالة من العمق والوقار في أي مجال من مجالات الحياة. أدرك الرسام آندي وارهول في شبابه أن الناس بصفة عامة لا يفعلون ما تطلبه منهم بالكلمات بل أن ذلك قد يجعلهم يتمنعون عن تحقيق مطالبك لمجرد التعالي والعناد. قال وارهول مرة لأحد أصدقائه «لقد تعلمت أن الرجل يكون أقوى حين يصمت».
في كبره استخدم أندي وارهول هذه الاستراتيجية بنجاح كبير، وكان يدرب نفسه في المقابلات على التحدث بكلمات مبهمة. كان يقول شيئًا غامضًا ويجعل

السائل يجهد ذهنه ليفسر ما يقول ظنًا منه أن هذه العبارات الفارغة من المهني تخفي شيئًا عميقًا. وكان نادرًا ما يتحدث عن عمله بل كان يترك للآخرين التفسير، وأدلى بأنه قد تعلم هذه التقنية من سيد الغموض مارسيل دوشان وهو فنان آخر من فناني القرن العشرين الذين تعلموا أن قلة كلامهم عن أعمالهم نجعل الناس يتكلمون عنها أكثر ويرفع ذلك من قيمتها.
الاقتصاد في الكلام يمنح أفعالك وكلماتك جلالًا وسطوة ويقلل من تعرضك لقول شيء يهدد مكانتك أو حتى حياتك. في عام 1825 ومباشرة بعد أن اعتلى نيقولاس الأول عرش روسيا اندلع تمرد يقوده الليبراليون يطالبون بتحديث روسيا لتلحق مؤسساتها المدنية والصناعية بباقي أوروبا. بوحشية سحق نيقولاس التمرد (المعروف بثورة الديسمبريين) وحكم بالإعدام على أحد قادة الليبراليين هو كوندراتي ريلييف. يوم الإعدام وقف ريلييف على خشبة الإعدام والحبل ملتف حول عنقه وانفتحت خشبة الإعدام [الطبلية] وتدلى ريلييف لكن لحظتها انقطع الحبل وأسقطه على الأرض. في هذا الزمن كانت أحداث من هذا النوع تعني تدخل العناية الإلهية وكانت العادة أن يتم العفو عن الشخص الذي نجا بهذه الطريقة. حين وقف ريلييف على قدميه مجروحًا ومتسخًا لكن واثقًا من نجاته قال في الجموع «أرأيتم أن روسيا لا تقدر أن تصنع شيئًا جيدًا حتى الحبال».
وصلت الرسالة بسرعة إلى قصر الشتاء تخبر القيصر بفشل عملية الشنق، فاغتاظ من هذه المفاجأة ولكنه بدأ في توقيع العفو، لكن فجأة توقف وسأل «هل قال ريلييف شيئًا بعد المعجزة التي حدثت له؟» فأجاب الرسول «نعم سيدي، لقد قال أن في روسيا لا يعرفون أن يصنعوا شيئًا حتى الحبال».
حين سمع القيصر ذلك قال «عندئذ علينا أن نثبت له عكس ما يقول» ومزّق العفو، وفي اليوم التالي أعيد شنق ريلييف وفي هذه المرة لم ينقطع الحبل.
تعلم من هذا الدرس: الكلمات التي تخرج من فمك لا يمكنك أن تعيدها إليه لذلك أطبق عليها بإحكام وحاذر خاصة من السخرية، فما تشعر به من نشوة قصيرة من قولك كلمات لاذعة لا تساوي ما تدفعه فيها من ثمن بعد ذلك.

الصورة
متنبئات ديلفي.
حين كان الزائر يسأل متنبئة ديلفي كانت تنبس بكلمات قليلة مبهمة توحي بالأهمية والمهابة. لم يكن أحد يعصي كلمات متنبئات ديلفي لأنه كان يشعر أن لها السطوة على الحياة والموت
اقتباس من معلم: لا تحرك لسانك قبل أن يتكلم من هم أقل منك، إن أطلت الصمت يسرعون في الكلام وبهذا تقرأ نواياهم الحقيقية... إن عرف الوزراء ما تميل إليه نفس الحاكم فسوف يستغلون كل فرصة لنيل المزيد والمزيد منه. (هان فاي تسو- حكيم صيني- القرن الثالث قبل الميلاد).
عكس القاعدة:
هناك أوقات لا يكون من الحكمة فيها أن تصمت خاصة عند التعامل مع رؤسائك؛ فالصمت قد يولد لديهم الشك والخوف منهم، وأي تعليق مبهم أو غامض قد يفتح عليك تفسيرات وردود فعل لست مستعدًا لمواجهتها، ولذل عليك أن تكون حذرًا وأن لا تستخدم طريقة الصمت والاقتصاد في الكلام إلا في المواقف الملائمة. أحيانًا يكون من الحكمة أن تكون كمهرج القصر الذي يدعي الحماقة وهو يعلم أنه أذكى من الملك، فالمهرج يتكلم ويُضحك ويسلي ولا يظن فيه أحدًا شيئًا آخر غير الحماقة.
كما أن الكلمات قد تعمل أحيانًا كساتر دخان يخفي أي خدعة تقوم بها. جذبك لآذان المنصتين يشتت انتباههم ويلهيهم، وكلما تكلمت أكثر يقل في تشككهم بك، فالناس لا يرون في الثرثارين الخبث والتلاعب بل السذاجة والخرق، وهذا عكس سياسة الصمت التي يتبعها أصحاب السلطة والنفوذ: تكلم أكثر فتبدو أضعف وأقل ذكاء من حقيقتك، وحينها يسهل عليك أن تمارس ما تريد من المكر والخداع.

القاعدة
5
السمعة عماد السطوة
دافع عنها باستماتة
الحكمة:
السمعة وحدها يمكنها أن ترهب وتنتصر، وسقوطها يعرضك للهجوم والضربات من كل جانب. حافظ على سمعتك وتنبه لأي هجمات تحاك ضدها واحبطها قبل أن تمسّك. وتعلم أن تدمر خصومك بإحداث خروق في سمعتهم ثم اتركهم للجماهير ينصبون لهم المشانق.

مراعاة القاعدة 1:
أثناء حرب الممالك الثلاث في الصين (207- 265 ميلادية) أرسل الجنرال شيوكو ليانج- قائد جيوش مملكة شو-قواته إلى منطقة نائية بينما بقي هو في مدينة صغيرة مع قليل من الجنود، وفجأة جاءه الحراس بنبأ اقتراب قوة معادية قوامها 150000 جندي من المشاة بقيادة سيما يي. كان الوضع حرجًا ويائسًا فلم يكن مع ليانج سوى مائة جندي لحمايته، وبدا محتومًا أن يأسر العدو هذا القائد العظيم.
لم يهدر ليانج وقته في التحسر على حاله أو تأمل كيف تم أسره بل أمر مشاته بخفض راياتهم وفتح أبواب المدينة والاختباء. جلس ليانج فوق أبرز مكان بأسوار المدينة مرتديًا معطفًا طاويًا وأشعل البخور وبدأ ف العزف على العود والإنشاد. بعدها بدقائق لاح جيش العدو في الأفق كحشود لا تنتهي من الجنود. تظاهر ليانج بعد الاكتراث واستمر في الإنشاد والعزف على العود.
توقف الجيش أمام أبواب المدينة يقودهم سما يي والذي تعرف بسرعة على الرجل فوق الأسوار. رغم ذلك ورغم رغبة الجنود في دخول المدينة الخالية من الحماية تردد سيما يي وأوقفهم وتأمل ليانج الجالس على الأسوار ثم أمر جنوده بالتقهقر فورًا وبسرعة.
التعليق:
كان شيوكو ليانج معروفًا باسم «التنين النائم»، وكانت إنجازاته في حرب الممالك الثلاث أسطورية. مرة جاء إليه ضابط كبير من جيش الأعداء يدّعي تمرده على قادته عارضًا العون والمعلومات لليانج والذي فهم بسرعة أنها مكيدة وأن هذا الضابط كاذب في ادعائه التمرد ويجب قطع رأسه. في اللحظة الأخيرة وقبل أن تقع الفأس على عنق الرجل أوقف ليانج الإعدام وعرض أن يُبقي على حياة الرجل بشرط أن يصبح عميلًا مزدوجًا. وافق الضابط شاكرًا ومرتعبًا وبدأ في إعطاء معلومات كاذبة للعدو مانحًا ليانج انتصارًا بعد آخر.
في مرة أخرى سرق ليانج خاتمًا عسكريًا وزيّف وثائق تأمر كتائب العدو بالتحرك لمناطق بعيدة، وبمجرد ابتعادها أسر ثلاث مدن وتحكم بممر كامل إلى مملكة العدو. مرة ثالثة جعل أعداءه يعتقدون أن أفضل جنرال لديهم خائن مما أجبر الرجل على الهرب والالتحاق بجيش ليانج. بحرص كوّن التنين النائم سمعته كأمهر رجل في الصين، وأن في جعبته دائمًتا حيلة يخفيها، وكانت هذه السمعة وحدها سلاح بقوة أي سلاح آخر يبث الرعب في قلوب أعدائه.
حارب سيما يي ضد شيوكو ليانج مرات عديدة وعرف الرجل جيدًا، وتحيّر حين أتى فوجد المدينة الخالية بينما ليانج يتعبد وينشد على الجدار. كان رداء الطاويين والبخور والإنشاد جزءًا من مباراة للترهيب، فكان يبدو الأمر جليًا لسيما يي أن الرجل يستدرجه للتقدم نحو فخ، كان الأمر واضحًا لدرجة أنه مر بالفعل بخاطر سيما يي أن ليانج بالفعل وحده ويائس لكن خوفه منعه من التقدم لاكتشاف الأمر تلك هي قوة السمعة فهي قد تضع جيشًا بكامله في موقف دفاع بل وتجبرهم على التقهقر دون إطلاق سهم واحد.
قال شيشرون ذات مرة أن حتى من يهاجمون الشهرة ويسخرون منها تظل لديهم الرغبة في أن تظهر أسماؤهم على أغلفة الكتب التي يهاجمون بها الشهرة وأن يشتهر ب ين الناس نقدهم للشهرة. يمكن للناس اقتسام أي شيء فيما بينهم إلا الشهرة. قد نرى من يعطي لأصدقائه من خبزه ومن حياته لكننا لم نسمع أبدًا بأحد يرغب في اقتسام شهرته مع أي شخص آخر.
مونتاتي 1533. 1592
مراعاة القاعدة 2:
عام 1841 كان ب. ت. بارنوم الشاب يسعى لترسيخ سمعته كأشهر رجل عرض في أمريكا فقرر شراء المتحف الأمريكي بمنهاتن وتحويله إلى مجمع للتحف، المشكلة أنه لم يكن يملك المال. كان السعر الذي يطلبه القائمون على المتحف هو 150000 دولار لكن استطاع بارنوم أن يقدم عرضًا راق للمالكين رغم أنه استبدل بالنقد عشرات الرهونات والسندات. وافق المالكون شفويًا على عرض بارنوم لكن في اللحظة الأخيرة غيّر الشريك الرئيسي رأيه وتم بيع المتحف والمقتنيات لمتحف

بيل. غضب بارنوم لكن أجابه الشريك الرافض أن العمل عمل وأن المتحف بيع لمتحف بيل لأنه له اسمًا مشهورًا بينما بارنوم شخص غير معروف.
رأى بارنوم أنه طالما لم يكن لديه اسم يضمنه فلن يكون أمامه سوى خيار واحد هو تدمير سمعة بيل، فبدأ حملة من الكتابة للصحف واصفًا مالكي متحف بيل بأنهم عصابة من «مديري البنوك الفاسدين» لا يعرفون شيئًا عن الترفيه، وحذر الناس من شراء أسهم بيل لأن شراء بيل لمتحف آخر سوف مواردهم ويضعفها. نجحت الحملة وتهاوت أسعار الأسهم وأدى فقدان الثقة في أداء بيل إلى تراجع المالكين بالمتحف الأمريكي عن الصفقة وباعوا كل شيء لبارنوم.
تطلّب الأمر سنوات من متحف بيل لينتعش من جديد ولم ينسوا أبدًا لبارنوم ما فعله بهم، وقرر السيد بيل الانتقام من بارنوم ومهاجمته بنفسه وذلك بأن يربي سمعة لبرامجه بأنها راقية ومدهشة وبأنها أكثر علمية على عكس برامج بارنوم المبتذلة. كان التنويم المغناطيسي من الأشياء «العلمية» الجذّابة لدى بيل وقد جذب الكثيرين من المشاهدين لفترة وكان ناجحًا تمامًا. في الطرف المقابل قرر بارنوم أن يهاجم سمعة بيل مرة أخرى.
نظّم بارنوم عرضًا تنويميًا منافسًا لخصمه وقام هو نفسه بتنويم طفلة، وبمجرد أن دخلت الطفلة حالة الغشية طلب متطوعين من الجمهور لكنه كان يفشل في تنويمهم مهما حاول وضحك الجمهور، فقال لهم بارنوم أنه لكي يثبت أن تنويم الفتاة حقيقي فإنه سيقطع إصبعًا من أصابعها دون أن تشعر، ولكن حين بدأ في سن السكين فزعت الفتاة وهربت ففرح الجمهور. كرر هذه العروض لأسابيع؛ بعدها لم يعد أحد يصدق عروض بيل وانفضوا عنها وأغلق العرض بعد ذلك بأسابيع. في السنوات التالية ترسخت سمعة بارنوم بأنه رجل العروض الجريئة والبارعة وهي سمعة استمرت معه طوال حياته، بينما لم تتعاف سمعة بيل بعدها أبدًا.
التعليق:
استخدم بارنوم تكتيكين مختلفين لتدمير سمعة بيل. كان التكتيك الأول بسيطًا:

فقد زرع بذرة الشك في استقرار المتحف وقدرته على الوفاء بديونه. الشك من الأسلحة القوية، فبمجرد أن تحرك الشكوك بالشائعات المتأنيّة تضع أعداءك في موقف لا يحسدون عليه، فمن ناحية يمكنهم إنكار الشائعة وإثبات أنك حاقد لكن إن فعلوا ذلك يتوّلد التساؤل المريب: لماذا يدافعون عن أنفسهم بهذه الحدة؟ هل السبب هو أن الإشاعة فيها شيء من الحقيقة؟. من الناحية الأخرى يمكنهم الترفع عنك أو تجاهلك لكن ستستمر الشكوك إن لم يتم إنكارها. إن أتقنت إطلاق الشائعات تغضب منافسيك وتوّترهم في الدفاع عن أنفسهم وتجعلهم يرتكبون أخطاء عديدة. هذا سلاح ناجح لكل من ليس لديه سمعة يخاف عليها.
بمجرد أن اكتسب بارنوم سمعته الخاصة بدأ في استخدام التكتيك الثاني الألطف في العرض التنويمي الزائف: سخر من سمعة منافسه، وكان ذلك أيضًا ناجحًا جدًا. فبمجرد أن يكون لك أساس ثابت من الاحترام، فإن سخريتك تضع خصمك في موقف المدافع وتجذب الانتباه إليك والأمران معًا يعملان على ترسيخ سمعتك. في هذه المرحلة عليم أن لا تستخدم الكيد الشخصي والتجريح لأنهما قبيحان وقد يؤذيك أكثر مما يساعدانك، لكن الدعابات اللطيفة والتقليد الساخر يظهرانك واثقًا من نفسك لدرجة تجعلك تستمتع بالضحك من حماقة خصمك في منافسته لك. فالدعابة تُظهرك مسليًا ووديعًا وتفتح خروقًا في سمعة منافسك.
جراح الضمير أسهل في الشفاء من جراح السمعة فريدريك نيتشه 1844. 1900
مفاتيح للسطوة:
لا يفتح الناس قلوبهم تمامًا لأصدقائهم المقرّبين، فتظل بعض خصالهم سرًا لا يفشونه أبدًا، وهذا الغموض في فهم الآخرين قد يوترنا لو فكرنا فيه مليًا لأنه يجعل من المستحيل الحكم على الناس حكمًا حقيقيًا، ولذلك نحب أن نتجاهل هذه الحقيقة وأن نبني حكمنا على الآخرين من مظاهرهم ومما يبدو منهم لأعيننا

كملابسهم وإيماءاتهم وكلماتهم وأفعالهم. فالمظهر هو ميزان أحكامنا ولا تنخدع أبدًا بغير ذلك، فمجرد ذلة أو عمل أخرق أو تغير متهور في مظهرك قد يسبب لك الكوارث.
ذلك هو السبب الذي يجعل عليك أن تبذل كل جهدك لتصنع لنفسك سمعة ترضاها ثم تحافظ عليها.
هذه السمعة سوف تحميك من مخاطر لعبة الحكم بالمظاهر وتبعد عنك أعين من يتربصون ليعرفوا حقيقتك وتمنحك درجة من التحكم بحكم الناس عليك وهذا التحكم يضعك في موضع السطوة. السمعة لها سطوة السحر: فلمسة واحدة من عصاها الخارقة تضاعف قوتك وتبعد عنك حقد الحاقدين. وقد يتغير الحكم على فعل ما من رائع إلى مروّع بتغير سمعة من يقوم به.
كان في بلاط مملكة واي الصينية القديمة رجل اسمه مي تسو هسيا عُرف بالتحضر والكرم وكان مقّربًا من الحاكم. وكان من قوانين المملكة أن «أي رجل يستخدم سرًا عربة الملك سمح له بذلك. حين عرف الحاكم بهذا الأمر قال «كم يتفانى تسو هسيا في حب أمه إلى حد ارتكاب جريمة قد تعرضه لقطع قدميه».
مرة أخرى كان الرجلان يجولان معًا في البستان، أكل تسو هسيا ثمرة كمثرى ولم يكملها فأعطى النصف الآخر للحاكم ليأكله، فعلّق الحاكم «أنت تحبني لدرجة تنسيك أن طعم لعابك على الثمرة فتعطيني لآكلها».
إلا أن الحاقدين على مي تسو هسيا استطاعوا تدمير سمعته وترويج أنه في حقيقته شخص متغطرس ومراوغ، فأعاد الحاكم رؤية أفعاله في هذا الضوء الجديد. قال لحاشيته في غضب «لقد استخدم عربتي مدعيًا أني سمحت له، وفي مرة أخرى أعطاني ما تبقى من ثمرة أكلها». نفس الأفعال التي أعجبت الحاكم حين كانت لمي تسو هسيا الحظوة هي التي يُعاقب عليها الآن، وكان مصير قدميه معتمدًا فقط على قوة سمعته.
في البداية عليك أن تسعى لترسيخ سمعة تقوم على خصلة بارزة لديك كالكرم أو الأمانة أو الذكاء، وسوف تميّزك هذه الخصلة وتجعل الناس يتحدثون عنك، ثم عليك أن تعمل على نشر هذه الخصلة بين أكبر عدد من الناس (بهدوء لكن دون تباطؤ وتأكد من أن تؤسس لها قاعدة متينة من المقتنعين بها)، بعد ذلك تأملها وهي تنطلق كالنار في الهشيم.
السمعة القوية يزيد من سطوتك واقتدارك دون أن تبذل مزيدًا من الجهد، وهي تضع حولك هالة تكسبك الاحترام وحتى الهيبة. أثناء معارك شمال أفريقيا في الحرب العالمية الثانية اكتسب الجنرال الألماني إورين رومل سمعته كداهية في المناورة والخداع، وكان ذلك يبث الرعب في كل من كان يواجهه. وحتى مع استنزاف قواته وتفوق الإنجليز عليه خمس مرات في عدد من الدبابات كانت مدن عديدة يتم إخلاؤها بالكامل عند وصول الأنباء باقترابه.
وكما يقال فإن سمعتك تسبقك دومًا، وإن كانت لك سمعة تكسبك الاحترام فإن جزءًا كبيرًا من أعمالك يتحقق قبل أن تطلب بل حتى قبل أن تصل إلى المكان المنشود.
عادة ما يتحدد نجاحك في أمر ما بما حققت من نجاحات في أمور سابقة. كان الكثير من إنجازات هنري كيسنجر في دبلوماسيته المكوكية تعتمد على سمعته في تسوية الخلافات، وكان الكثيرون لا يرغبون في أن يُنظر إليهم بأنهم من جمود التفكير بحيث لا يستطيع كيسنجر أن يليّن آراءهم. كانت نتيجة المفاوضات تعتبر محتومة إن ورد اسم كيسنجر بين الوسطاء.
اجعل لنفسك سمعة بسيطة قائمة على خاصية مميزة لك، وسوف يصبح هذا التميز سواء كان في الموهبة أو المكر مثل منارات الموانئ تجذب إليك الناس وتحببهم في حضورك. اشتهارك بالأمانة مثلًا سوف يسمح لك بممارسة كل أنواع الخداع. كان كازانوفا يستخدم شهرته في غواية النساء لتمهد له الطريق لغزواته الغرامية التالية، وكانت النساء اللاتي يسمعن بقدراته يغلبهن الفضول لاكتشاف ما الذي جعله يحقق هذا النجاح في ممارسة الحب والغواية.

ربما تكون قد أفسدت سمعتك من قبل بحيث لا تستطيع أن تؤسس سمعة جديدة، حينها قد يفيدك أن تربط اسمك بشخص تتناقض سمعته مع سمعتك وسوف يسمح لك هذا الارتباط بإعلاء وتبييض اسمك. من الصعب أن تمحو اشتهارك بين الناس بالغدر لكن استعانتك بشخص يعرفه الناس بالأمانة قد يساعدك. حين أراد ب. ت. بارنوم التخلص من انتقاد الناس له بنشر الفن البذيء أحضر المغنية جيني ليند من أوروبا وكانت مشهورة برق الأداء، ونجح انتشار رعاية بارنوم لفنها إلى تكوين صورة راقية عنه، ومثل ذلك ما فعله بارونات النهب الكبار في القرن التاسع عشر للتخلص من اشتهارهم بالقسوة والعنف، وذلك برعايتهم للفنون، وهكذا أدى ربط عائلات مورجان وفريك أسماءها بأسماء مثل دافنشي ورامبران إلى نسيان الناس لماضيهم القبيح.
السمعة ثروة عليك أن تصنعها بعناية وتحافظ عليها وترد دائمًا كل الهجمات عنها. حين تترسخ سمعتك فاحذر أن تستسلم للغضب أو أن تقف موقف الدفاع في وجه افتراءات أعدائك فذلك يظهرك مهزوزًا غير واثق من نفسك، بل اسلك طريق الترفع والتعالي ولا تظهر أبدًا مدافعًا باستماتة عن نفسك. وحين تكون شهرتك أقل من شهرة شخص آخر فإن سلاحك الفعال هو الهجوم على سمعته، لأن خسائرك في هذه المعركة ستكون أقل من خسائره كما أنه لن يجد في سمعتك الضئيلة ما يجعله يرد إليك الضربة. استخدم بارنوم هذا النوع من الهجمات ببراعة في مقتبل حياته المهنية، لكن عليك أن تمارس هذا التكتيك بحذر حتى لا يظهر أن ما تفعله مجرد انتقام هزيل، لأنك إن لم تكن ماهرًا في تدمير سمعة عدوك يرتدد إليك سلاحك بتدمير سمعتك أنت.
كان توماس إديسون –والمعروف بأنه المخترع الذي روّض الكهرباء- يظن أن الاستخدام العملي للكهرباء يجب أن يعتمد على التيار المستمر، وغضب كثيرًا حين ظهر نجاح العالم الصربي نيقولا تسلا في اختراع نظام يعتمد على التيار المتردد، فعزم على تدمير سمعة تسلا بجعل الجمهور يعتقد أن التيار المتردد خطير بطبيعته، وأن من الاستهتار بالناس أن يروّج له تسلا.

لتحقيق غايته لجأ إديسون إلى صعق كافة الأنواع من الحيوانات المنزلية بتيار كهربي متردد، وحين لم يجد ذلك كافيًا أقنع سلطات سجن نيويورك في عام 1890 بتنفيذ أول حكم بالإعدام صعقًا بالكهرباء باستخدام تيار متردد، لكن فشل الإعدام لأن تجارب إديسون السابقة كانت على حيوانات صغيرة، وقد أدى التيار الكهربي المستخدم في الإعدام إلى إنهاك الرجل وليس موته، واضطرت السلطات إلى تكرار الإجراءات في واحدة من أكثر عمليات الإعدام التي سمحت بها السلطات قسوة.
على الرغم من نجاة سمعة إديسون لاحقًا إلا أنه في وقت هذه الحملة كان ما لحق بسمعته من دمار بكثير مما لحق بسمعة تسلا، فقد أُبعد عن بؤرة الضوء والاهتمام. والدرس هنا بسيط: لا تفرط أبدًا في هجمات من هذا النوع لأنه يظهرك حاقدًا ومنتقمًا أكثر مما يظهر عيوب الشخص الذي تريد تشويه سمعته. حين تستقر شهرتك عليك أن تستخدم طرقًا ألطف للهجوم مثل السخرية والاستهانة لإضعاف خصمك بينما تظهر أنت في صورة المتجبّر اللطيف، مثل الأسد الذي لا يفعل مع فأر قطع عليه الطريق إلا أن يعبث ويتلاعب به لأن أي رد فعل آخر يقلل من قوته وجبروته.
الصورة
منجم ملآن بالماس والياقوت.
تحفر لتجده وتصنع ثروتك، ثم تدافع عنه بحياتك. سوف يأتي إليك اللصوص والنهابون من كل اتجاه. لا تظن أن ثروتك خالدة. فعليك دائمًا أن تجددها؛ فالزمن يخفت من بريق الجواهر، وعليك أن تحفظها بعيدًا عن كل العيون
اقتباس من معلم: لذلك أتمنى من كل رجال الصفوة أن يؤكدوا مكانتهم الموروثة بالمهارة والحيلة، وأن يعرف كل منهم أنه مهما ارتحل غريبًا فسمعته تسبقه.... لأن الشهرة التي تصنعها آراء الناس بجدارة رجل ما تهيئ عقول الآخرين لتقبل هذه الشهرة حين يرون أي نجاح ولو بسيط يحققه هذا الرجل. (بالدسار كاستليوني، 1478- 1529).

عكس القاعدة:
ليس هناك عكسًا محتملًا لهذه القاعدة، لأن السمعة لا غنى عنها أبدًا. وعدم اكتراثك بما يظنه الناس بك يكسبك السمعة بأنك مغرور ومتغطرس، وقد تكون هذه الصورة ذاتها مفيدة –وقد استخدمها أوسكار وايلد ببراعة. نحن جميعًا نحيا داخل مجتمعات من البشر ولن ينفعنا إهمالنا لرأي الناس فينا. وعدم تحكمك بكيفية رؤية الناس لك يجعل آخرين يتحكمون بها ويقررون لك مكانتك. عليك أن تكون سيدًا لمصيرك وكذلك سيدًا لسمعتك.

القاعدة
6
الفت إليك الأنظار بأي ثمن
الحكمة:
تقدر الأشياء بمظهرها ولا أحد يهتم بما لا يراه. لا تكن نكرة وسط الجموع حتى لا يتجاهلك الناس. أبرز نفسك واختلف عن الآخرين والفت إليك الأنظار بإظهار المكانة أو الحيوية أو الغموض حتى لا تضيع وسط الجموع المائعة والخجولة.

الجزء الأول: اجعل اسمك مرتبطًا في أذهان الناس بالإثارة والفضائح:
أجذب الانتباه بصنع صورة لنفسك لا تنسى أو حتى مثيرة للجدل، افتعل فضيحة أو افعل أي شيء آخر يجعلك تبدو أسطوريًا ومختلفًا عن الأشخاص العاديين. لا تشغل بالك بطبيعة ما يجذب الناس لك لأن الشهرة مهما كان نوعها تجلب السطوة، وأفضل لك أن يشّهر الناس بك ويهاجموك عن أن يتجاهلوك.
مراعاة القاعدة:
بدأ ب. ت. بارنوم رائد الاستعراض في أمريكا في القرن العشرين حياته المهنية مساعدًا لصاحب سيرك هو آرون تيرنر. في عام 1836 توقف السيرك في أنابوليس بولاية ميرلاند للقيام بسلسلة من العروض. في صباح يوم الافتتاح تجوّل بارنوم في المدينة مرتديًا بذلة سوداء جديدة وبدأ الناس في إتباعه، صاح شخص من الجمع بأن بارنوم هو الكاهن إفرايم ك. آفري الذي اشتهر بارتكابه جريمة قتل وبرأته المحكمة لكن ظل معظم الأمريكيين مقتنعين أنه القاتل. مزّقت الجموع بذلة بارنوم وكانوا متحفّزين لقتله. بعد توسلات عديدة أقنعهم بارنوم أن يتبعوه إلى السيرك وهناك تعّرفوا على هويته الحقيقية.
بمجرد أن وصلوا إلى السيرك عرفوا أن المسألة لم تكن إلا دعابة تمثيلية وأن آرون تيرنر نفسه هو الذي روّج الإشاعة بأن بارنوم هو آفري. تفرقت الجموع لكن بارنوم الذي كان على وشك أن يُهدر دمه لم يجد في الأمر متعة، وأراد أن يعرف السبب الذي جعل رئيسة يقوم بهذه الخدعة. أجابه تيرنر «أن المسألة كانت لصالحنا جميعًا، فأنت تعلم أن كل ما نحتاجه للنجاح هو جذب الانتباه»، وبالفعل أخذ الجميع يتحدثون عن هذه الدعابة وامتلأ السيرك بالجمهور هذه الليلة وفي كل الليالي التي يقوا فيها في أنابوليس. يومها تعلّم بارنوم درسًا لم يكن لينساه أبدًا.
أول إنجازات بارنوم كان المتحف الأمريكي في نيويورك وكان عبارة عن مجموعة من التحف. في أحد الأيام استعطفه شحاذ في الطريق، لكن بدلًا من أن

يمنحه المال قرر بارنوم أن يوّظفه، فعاد به إلى المتحف وأعطاه خمسة قوالب من الطوب وأخبره أن يسير ببطء لعدة مربعات سكنية وأن يضع قالب معين على جانب الطريق بحيث يفصل بين كل منها عدد محدد من المربعات السكنية وأن يُبقى قالبًا واحدًا في يده، وكان عليه عند عودته أن يستبدل القوالب الموضوعة بدءًا بالقالب الذي في يده وفي أثناء ذلك عليه أن يتقن العد ولا يجيب على أسئلة أحد، وعند عودته إلى المتحف كان عليه أن يدخل من الباب ثم يتجول في أنحاء المتحف ثم يغادر من الباب الخلفي ثم يعيد نفس الرحلة من جديد.
في الجولة الأولى للرجل شاهد المئات من المارة تحركاته الغريبة، وبعد الجولة الرابعة تجمعت حوله الحشود متسائلين عما يفعل. وفي كل مرة كان يدخل المتحف كان يتبعه أشخاص يشترون تذاكر الدخول حتى يتمكنوا من متابعته. كان الكثيرون منهم تشغلهم مقتنيات المتحف ويبقون لرؤيتها. في نهاية اليوم الأول جذب الرجل ألف شخص إلى المتحف وبعد أيام قليلة أمرته الشرطة أن يوقف جولاته لأن الجموع كانت تعيق حركة المرور. توقف الرجل الآلاف من سكان نيويورك كانوا قد زاروا المتحف والكثيرون منهم صاروا من زبائن بارنوم.
كان بارنوم يضع فريقًا موسيقيًا على أحد الشرفات المطلة على الشارع تحت لوحة كتب عليها «موسيقى مجانية للملايين»، وتعجب سكان نيويورك من هذا الكرم وتجمعوا ليسمعوا المعزوفات المجانية، لكن حرص بارنوم على أن يستأجر أسوأ العازفين. بعد أن تبدأ الفرقة في تلقي الاعتراضات كان الناس يسرعون لشراء التذاكر لدخول المتحف هربًا من الموسيقى السيئة ومن ضجيج جمهور المعترضين.
من أول الغرائب التي عرضها بارنوم بأنحاء أمريكا جويس هيث، وهي امرأة ادعى بارنوم أن عمرها 161 عامًا وأنها كانت من العبيد وكانت مربية جورج واشنطن. بعد أشهر بدأ جمهور المشاهدين في التضاؤل، فأرسل بارنوم خطابًا من مجهول إلى الصحافة مدعيًا بأن هيث ليست سوى خدعة متقنة وكتب «جويس هيث ليست بشرًا ولكنها إنسان آلي مصنوع من عظام الحوت ومطاط وزنبركات
عديدة». أثار ذلك شغف من لم يهتموا من قبل برؤيتها وعاد من رأوها لرؤيتها ثانية للتحقق من شائعة أنها إنسان آلي.
عام 1842 اشترى بارنوم جثة ادعى البعض أنها لعروس البحر. كان للجثة جسم سمكة ورأس قرد وكانت الرأس تتصل بإتقان بباقي الجسم- كانت حقا أعجوبة. بعد التحري تبين لبارنومجثة ادعى البعض أنها لعروس البحر. كان للجثة جسم سمكة ورأس قرد وكانت الرأس تتصل بإتقان بباقي الجسم- كانت لاحقا أعجوبة. بعد التحري تبين لبارنوم أن هذا الكائن تم تجميعه بحرفية في اليابان لكن الشائعة كانت مدوية.
على أية حال، قام بارنوم بنشر مقالات في الصحف حول اصطياد عروس البحر في جزيرة فوجي باليابان وأرسل رسوما لعرائس البحر وعرض الجثة التي لديه بالمتحف. انتشر الجدل بأنحاء البلاد حول حقيقة وجود مثل هذه الكائنات. قبل هذه الحملة التي شنها بارنوم لم يكن أحد ليهتم أو حتى يعرف عن عرائس البحر لكن أصبح بعدها الجميع يتكلمون عنهن كما لو كن حقيقة. توجهت الجماهير بأعداد غفيرة إلى المتحف لرؤية عروس فوجي وللاستماع إلى الجدل الدائر حولها.
بعد ذلك بسنوات جال بارنوم بأنحاء أوروبا مصطحبا الجنرال توم ثامب وهو قزم من كونيكتيكت في الخامسة من العمر ادعى بارنوم أنه صبي إنجليزي في الحادية عشرة وكان بارنوم قد درّبه على القيام بحركات كثيرة مبهرة. جذب بارنوم الأنظار بأوروبا حتى أن الملكة فيكتوريا- وكانت رمزا للرزانة- استدعته وطلبت منه أن يقدم عرضا خاصا له مع قزمه في قصر باكنجهام. سخرت الصحافة البريطانية من بارنوم لكنه كان قد نال الشرف الملكي لتسلية فيكتوريا واحتراما ظلت تكنه له بعد ذلك.
التعليق:
فهم بارنوم حقيقة جوهرية حول جذب الانتباه: بمجرد أن تلتفت إليك أعين الناس تحظى بمكانة خاص. كان تحقيق الربح لدى بارنوم يعني جذب المزيد من الحشود، وقد كتب لاحقا أن «كل حشد له بطانة من الفضة». تميل الحشود أن


تتصرف معا ككتلة واحدة متصلة، فإن توقف شخص عن الانتباه للشحاذ الذي يضع قوالب الطوب في الشارع سيحل محله آخرون ينجذبون للحشد كما تنجذب برادة الحديد للمغناطيس، وبلمسة بسيطة يمكنك أن تدخلهم إلى متحفك أو إلى مشاهدة العرض الذي تقدمه. لكي تجذب الحشود عليك أن تفعل شيئا مختلفا أو غريبا، فالجموع تنجذب للأمور غير المعتادة والمحيّرة، وبمجرد أن تجذب إليك الانتباه لا تفلته أبدا؛ لأنه لو اتجه لغيرك فإنه يتركك. كان بارنوم حريصا دائما على شد الانتباه إليه وإبعاده عن منافسيه لأنه كان يعطي لهذه السلعة القيّمة قدرها.
في بدايات طريقك إلى القمة عليك أن تبذل كل طاقتك لجذب الانتباه، ولا يهمّك نوعية ما يجذب لك الشهرة. كان بارنوم لا يتقدم أبدا بشكاوى مهما ساء ما يكتب عن عروضه أو مهما أدى فضح خدعه إلى تشويه سمعته الشخصية. الحقيقة أن كل ما كان يحرص عليه لو تجاوزت صحيفة ما الحدود في نقده هو أن يدعو الكاتب إلى افتتاح أحد العروض ويجلسه في مقعد مميز، بل كان حتى يرسل مقالات تنتقد وتتهجم على أعماله كي يظل اسمه متداولا في الصحف. كان بارنوم يرى أن جذب الانتباه سواء إيجابيا أو سلبا هو سر نجاحه. المصير الأسوأ لأي رجل يطلب الشهرة والمجد وبالتأكيد السطوة هو أن يتجاهله الناس.
لو حدث واشترك أحد رجال الحاشية في عرض جماهيري مثل المنافق.... فعليه أن يتأكد من أناقة ملبسه ومن جمال الزركشة في سرج حصانه ومن ابتداع الشعارات والرسوم التي تضمن له جذب أعين المشاهدين كما يجذب المغناطيس الحديد بالداساركاستليوني 1478. 1529
مفاتيح السطوة:
التألق على كل من حولك هو مهارة لا يولد أحد وهو يتقنها، لذا عليك أن تتعلم كيف تتضمن جذب الانتباه إليك «كما يجذب المغناطيس الحديد». في بداية مسارك المهني عليك أن تربط سمعتك واسمك بخصلة أو مظهر يميّزك عن الآخرين. قد يكون هذا المظهر أسلوبا مميزا في الملبس أو ملمحا في الشخصية يُعجب الناس ويجعلهم يتحدثون عنك. بمجرد أن يترسخ هذا التصور يصبح لك مكان في سماء الشهرة تصنع فيه نجوميتك.


من الأخطاء الشاعة أن تظن أن عليك أن تجعل الناس لا يختلفون حوله هذا المظهر وأن هجوم بعضهم عليك يسيء إليك. لا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الاعتقاد. لكي تتجنب أن تكون مجرد زوبعة في فنجان وكي لا يخطف أحد شهرتك عليك أن لا تفرق بين الأنواع المختلفة من جذب الانتباه فكلها تعمل في النهاية لصالحك. فكما رأينا كان بارنوم يتقبل الهجوم على شخصه ولم يشعر أبدا أن عليه أن يدافع عن نفسه، وكان ينشر بين الناس عندا فكرة أنه دجّال.
كانت حاشية لويس الرابع عشر تضم المميزينمن الكتاب والرسامين والنساء فائقات الجمال وكذلك رجال ونساء غاية في النبل والأخلاق؛ لكن أحدًا لم يبرز ويشغل حديث الجميع كما برز دوق لوزون. كان الدوق قصيرًا بل قزمًا تقريبًا وكان يتصرف بكل أشكال الغطرسة والغرور فقد ضاجع عشيقة الملك وأهان ليس أفراد الحاشية وحدهم وإنما الملك نفسه، لكن كان لويس متسليًا بغرابة أطوار الدوق لدرجة جعلته لا يتحمل البلاط دون حضوره. كان الأمر بسيطًا: كانت غرابة شخصية الدوق تجذب إليه الانتباه، وبمجرد أن افتتن الناس به كانوا يسعون بكل الوسائل إلى أ يحظوا بصحبته.
يحتاج المجتمع إلى رموز تتجاوز قصر الحياة؛ إلى أشخاص يبرزون فوق المعتاد والشائع، لذلك لا تخشى من خصالك التي تفرقك عن الآخرين وتجذب إليك الانتباه، ولا من اختلاف الناس في آرائهم حولك أو حتى من الفضائح. فالأفضل لك أن تُهاجم أ حتى تُشوه سمعتك عن أن يتجاهلك الناس. كل المهن تحكمها هذه القاعدة، فكل مهنة تحتاج إلى مسحة من الاستعراض.
كان العالم العظيم توماس إديسون يعرف أنه لكي يجني المال عليه أن يسعى بكل السبل للإبقاء على جذب انتباه الجماهير إليه، كانت طريقة عرض الاختراعات وإبرازها للجمهور على نفس القدر من الأهمية لديه كالاختراعات نفسها.
كان إديسون يعرض اكتشافاته حول الكهرباء بتجارب تخطف الأبصار، وكان يتحدث عن اختراعات مستقبلية كانت وقتها من الخيال- مثل الإنسان الآلي


والآلات التي يمكنها أن تصور الأفكار فوتوغرافيا. لم يكن يهدر وقته في مثل هذه الاختراعات بل كان يقصد بها أن تحفز الجماهير للحديث عنه، وقد فعل كل ما يستطيع ليحصل على المزيد من الانتباه عن أكبر منافسيه نيقولا تسلا والذي ربما كان أكثر عبقرية من إديسون ولكنه كان أقل منه شهرة بكثير. وفي عام 1915 انتشرت شائعة بأن إديسون وتسلا سوف يقتسمان جائزة نوبل للفيزياء في هذا العام لكنها ذهبت عنهما إلى عالمين إنجليزيين، وقد عُرف لاحقا أن اللجنة توجهت بالفعل إلى إديسون لكنه خذلهم ورفض اقتسام الجائزة مع تسلا. كانت شهرة إديسون وقتها تفوق شهرة تسلا ورأى أن الأجدى له أن يتنازل عن شرف التكريم من أن يسمح لمنافسه بالشهرة التي قد يمنحها له اقتسام الجائزة.
إ وجدت نفسك في وضع متدني لا يسمح له بجذب الانتباه إليك فالطريقة المثلى هي أن تهاجم أبرز وأشهر وأقوى شخص تجده أمامك. حين أراد بيتر آرتينو- وكان خادما شابًا في أوائل القرن السادس عشر- أن يبرز في كتابة الشعر نشر سلسلة من القصائد التي تتهكم بالبابا وبولعه بأحد الأفيال المدللة، وبسرعة التفتت إليه الجماهير. التهكم على أشخاص في موقع السلطة يكون له نفس التأثير، لكن عليك أن تقتصد في استخدام هذه الطريقة بعد أن تحظى بالشهر لأن تأثيرها يصبح هزيلاً.
بمجرد أن تُسلط عليك أضواء الشهرة عليك دائمًا أن تجددها بموائمة أسلوبك في جذب الانتباه إليك، لأنك إن لم تفعل فسوف تمل منك الجماهير وتنتقل عنك إلى نجم جديد. ويعتبر ذلك مباراة تتطلب الحذر والإبداع المستمرين. حرص بابلو بيكاسو على أن لا يختفي أبدًا في الظل فإن وجد أن اسمه أصبح مرتبطًا بأسلوب معين في الرسم كان يفاجئ الجماهير بأسلوب يخالف كل توقعاتهم، وكان يرى أن من الأفضل له أن يبتكر شيئًا قبيحًا ومزعجًا عن أن يألف المشاهدون أعماله. فعليك أن تفهم أن الناس يشعرون بالتفوق على أي شخص يمكنهم توقع تصرفاته، وإن


بينت لهم أن مقود الأمر في يدك بمخالفتك لكل توقعاتهم فسوف تنال احترامهم وتمسك إليك بزمام انتباههم المنفلت.
الصورة
دائرة الضوء في المسرح.
حين يحيط هذا البريق أحد الممثلين يمنحه حضورًا أسمى. تتجه إليه كل الأعين. ولا مكان إلا لمثل واحد في كل مرة تحت هذا الشعاع النحيل لدائرة الضوء، فافعل كل ما تستطيع كي تظل دائمًا في بؤرة الضوء. اجعل أفعالك وكلماتك بارزة وجذابة أو حتى مخزية حتى يبقى الضوء مسلطًا عليك بينما يبقى الممثلون الآخرون ساكنين في الظل
اقتباس من معلم: كن متألقًا وظاهرًا للجميع... فمن لا يحظى بالظهور كأنما لم يولد قط.... الضوء هو الذي يعطى لكل الكائنات قدرتها على إشعاع وجودها. والاستعراض يمحو الفراغات ويغطي على النقائص ويمنح شيء حياة أخرى خاصة إن كانت تدعمه جدارة حقيقية.
(بالتسار جراتسيان. 1601- 1658)
الجزء الثاني: اصطنع لنفسك هالة من الغموض والرهبة:
في عالم أصبح فيه كل شيء مبتذلاً وعاديًا تبقى للأشياء المبهمة جاذبيتها. لا تجعل أبدًا من السهل معرفة ما تفعل أو تنوي أن تفعل، ولا تظهر كل أوراق اللعب التي بين يديك. فالغموض يضفي على حضورك جلالاً ويدفع الآخرين للتخمين- فالكل سيراقبك ليعرف خطوتك التالية. استخدم الغموض للأخذ بألباب الناس وغوايتهم أو حتى ترهيبهم.
مراعاة القاعدة:
عام 1905 انتشرت الشائعات في أنحاء باريس عن فتاة شرقية ترقص في بيت خاص متسترة بحجاب تخلعه تدريجيًا أثناء الرقص. كتب صحفي محلي رأى رقصها


«أتت امرأة من الشرق الأقصى منعّمة بالعطر والحلي تعرض بعضًا من حياة الشرق النابضة والثرية وتقدمها للمجتمعات المترفة في مدن أوروبا». بعد وقت قليل أصبح الناس جميعًا يعرفون اسم هذه الراقصة: ماتا هاري.
في وقت مبكر من ذلك العام كان الناس يجتمعون في قاعة مليئة بالتماثيل والتحف الهندية بينما كانت تعزف فرقة موسيقية ألحانًا مستوحاة من التراثين الهندي والجاوي. بعد ترك الجمهور فترات من الانتظار والتلهف كانت ماتا هاري تظهر فجأة في زيها الأخاذ: كانت ترتدي صداراً [سوتيان] أبيض من القطن مطرزًا بجواهر هندية، ومعلق حول خصرها أشرطة مغطاة بالجواهر تثبت إزرارًا يكشف أكثر مما يستر يلتفت بين الأساور إلى أعلى ذراعيها. كانت ماتا هاري ترقص بطريقة لم يشهدها أحد من قبل في فرنسا، كان جسدها يتمايل في نشوة الوجد. كانت تقول لجمهورها أن رقصاتها مستوحاة من الأساطير والحكايات الشعبية في الهند وجزيرة جاوة. تنافس صفوة القوم في باريس على نيل الدعوات للحضور إلى القاعة وأتي إليها السفراء من البلاد البعيدة حيث راجت الإشاعات بأن ماتا هاري ترقص عارية رقصات صوفية.
كان الناس راغبين في معرفة المزيد من حياة ماتا هاري، وقد أخبرت الصحافة أنها هولندية الأصل تربت في جزيرة جاوة. كانت تحكي لهم عن الذكريات التي عاشتها في الهند وأنها تعلمت هناك الرقص الهندوسي وقالت لهم كيف أن النساء في الهند «يجدن الرماية والفروسية وماهرات في الرياضيات ويتحدثن في الفلسفة». في صيف عام 1905 وعلى الرغم من أن أنه لم يلتق بها إلا القليلون كان اسم ماتا هاري يتردد على كل شفاه في باريس.
كانت القصة حول نشأة ماتا هاري تتخذ تفاصيل جديدة مع كل لقاء صحفي معها: نشأت في الهند وكانت أم جدتها أميرة من جاوة وعاشت في جزيرة سومطرة حيث كانت تقضي أوقاتها «تركب الخيل والمسدس في يدها تخاطر بحياتها». لم يكن أحد متيقنا من أي شيء عنها، ولم يهتم الصحفيون بالاختلافات التي تحكيها حول

نشأتها، كانوا يقارونها بالربة الهندية التي كتب بودلير عنها- وبأي شيء يصنعه خيالهم حول هذه المرأة الغامضة الآتية من الشرق.
في أغسطس 1905 أقامت عرها الأول أمام عامة الجماهير، وأدي تدافع الجموع الراغبة في رؤيتها ليلة الافتتاح إلى الصخب والاضطراب، فقد أصبحت حينها رمزًا ثقافيًا وظهرت كثيرات يقلدنها. كتبت عنها إحدى التغطيات الصحفية «تجسد ماتا هاري كل شاعرية الهند بغموضها الساحر وعنفوانها وجمالها الفتّان». علّقت صحيفة أخرى «لو كانت الهند تملك مثل هذه الكنوز المبهرة فلسوف يهاجر كل الرجال في فرنسا إلى شواطئ نهر الجانجا [في شمال الهند]».
ذاعت شهرة ماتا هاري ورقصاتها الدينية إلى أبعد من باريس، فقد تم دعوتها في برلين، وفينا وميلانو. وقد رقصت في السنوات القليلة التالية في أنحاء أوروبا وخالطت أرقى الطبقات فيها وكان دخلها يحقق لها استقلالاً نادرًا ما كانت تتمتع به امرأة في هذا العصر، لكن في نهاية الحرب العالمية الأولى تم اعتقالها ومحاكمتها وإعدامها كجاسوسة ألمانية، ولم يتم معرفة حقيقتها إلا في المحكمة: لم تكن ماتا هاري من جاوة أو من الهند ولم تعش في الشرق بل لم يكن في دمها أي قطرة شرقية. كان اسمها الحقيقي مارجريتا زيل، وقد أتت من مقاطعة فريزلاند الشمالية الباردة والمتبلدة في هولندا.
التعليق:
لم تكن مرجريتا زيل حين أتت إلى باريس عام 1905 تملك من المال سوى نصف فرنك، وكانت مجرد واحدة من آلاف الفتيات الجميلات اللاتي يتدفقن إلى باريس كل عام ليعملن كعارضات لدى الرسامين أو راقصات في النوادي الليلة أو مؤديات في استعراضات الفولي بيرجير، ثم بعد سنوات يستبدل بهن حتما فتيات أصغر سنًا وينتهي بهن الأمر غالبًا عاهرات في الشوارع أو يعدن نادمات إلى المدن التي أتين منها.
كانت طموحات زيل أعلى من ذلك. لم تكن لديها خبرة في الرقص ولم تعمل من قبل في مسرح لكن في طفولتها كانت تسافر مع أسرتها ورأت رقصات محلية في جاوة وسومطرة. وقد تبين لمرجريتا بوضوح أن الأهم في أدائها ليس الرقص نفسه ولا حتى جمال وجهها وقوام جسدها بل في قدرتها على أن تشيع حولها جوًا من الغموض والسحر. لم يكن الغموض الذي صنعته لنفسها ينحصر في الرقص أو الملبس أو في الحكايات التي كانت تقصها أو الأكاذيب التي لا تنتهي حول نشأتها بل كان غموضًا تغلف به كل ما تفعله. فلم يكن بمقدورك التأكد من أي شيء يخصها، فقد كانت دائمة التغير، ودائما تفاجئ الجمهور بأزياء جديدة ورقصات جديدة وحكايات جديدة. كانت هذه الهالة من الغموض ترغب الجمهور في معرفة المزيد عنها وتجعله يتشوق لمعرفة خطوتها التالية. لم تكن مارتا هاري أجمل من باقي الفتيات اللاتي أتين إلى باريس ولم تكن مميزة في الرقص. كان ما مميزها عن جموع مثيلاتها وجذب إليها الجماهير ومنحها الشهرة والثروة هو غموضها. افتتن بغموضها لأنه يحفزهم لتفسيرات لا تنتهي. فلا يمكن الإمساك بأي شيء غامض، وكل ما لا يمكن اقتناصه أو استهلاكه يمنح السطوة.
مفاتيح للسطوة:
كان العالم في الماضي مليئًا بأشياء مجهولة ومروعة- كالأمراض والكوارث وتبدل الطغاة وغموض الموت نفسه. كل ما لم نفهمه كنا نتصوره كأساطير وسحر، لكن في القرن الماضي وبمعونة العلم والعقلانية استطعنا أن نضئ هذه الظلمات، فما كان من قبل غامضًا وعصيًا أصبح الآن معتادًا ومألوفًا. لكن لهذا التنوير ثمن: في عالم أصبح فيه كل شيء مبتذلاً بعد أن اعتصر كل ما فيه من غموض وأساطير أصبحنا نميل إلى أن نصنع سرًا ألغازنا المحيرة من أناس أو أشياء لا يمكننا تفسيرها أو حصرها أو استهلاكها.
تلك هي قدرة الغموض: فهو يحفزنا إلى التفسير ويستشير خيالنا ويفتننا للاعتقاد بأنه يحوي سرًا مدهشًا. أصبح عالمنا معتادًا ومبتذلاً ويمكننا توقع ما فيه ومن فيه لدرجة تجعلنا دائمًا تقريبًا نسلط الضوء على كل ما يبدو غامضًا ونندفع لتأمله.
لا تظن أنك لكي تنال هالة الغموض عليك أن تكون عظيمًا أو مدهشًا، فالغموض الخفي المضفور في تصرفاتك اليومية له قدرة أكبر على نيل افتتان الناس بك وانجذابهم إليك. لا تنس: معظم الناس تسهل قراءتهم كالكتاب المفتوح فهم لا يتحكمون بكلماتهم أو صورتهم ولا يصعب توقع تصرفاتهم، ولتعرف أنه بالتحفظ والصمت والإدلاء أحيانًا بعبارات ملتبسة وتعمد بمظهر عدم الاتساق والتصرف بغرابة بطرق لطيفة وخفية يمكنك أن تشيع حولك هالة من الغموض، وسوف يضخم الناس من حولك هذه الهالة بمحاولاتهم المستمرة لفهمك.
يعرف الفنانون والمحتالون العلاقة بين الغموض وجذب الانتباه. أجاد الكونت فيكتور لوستيج- وكان يعد أمير للمحتالين- هذه اللعبة إلى حد الإتقان، فكان دائمًا يقوم بتصرفات تبدو مختلفة أو خالية من المعنى، فكان يذهب إلى الفندق في سيارة فارهة يقودها سائق ياباني، وكان ذلك غريبًا ومختلفًا لأن أحدًا في بلاده لم ير سائقًا يابانيًا من قبل. كان لوستيج يرتدي أفهم الملابس لكنه دائمًا ما كان يحرف شيء ما- كميدالية أو زهرة أو ياقة الرسغ- عن موضعه المعتاد على الأقل لعصره. لم يكن ذلك يبدو كفقدان للذوق السليم بل غريبًا وملفتًا. وفي الفندق كان يتلقى تلغرافًا كل ساعة يرسلها له سائقه الياباني- وهي تلغرافات كان يمزقها متظاهرًا باللامبالاة (والحقيقة أنها كانت تلغرافات مزيفة وفارغة). كان يجلس في غرفة الطعام فاتحًا كتابًا كبيرًا وملفتًا ويبتسم للمارين لكي يبقى متحفظًا ومنعزلاً. خلال أيام قليلة كان جميع من في الفندق يتملكهم الفضول للتعرف على هذا الرجل الغريب.
كان هذا الاهتمام يتيح للوستيج خداع ضحاياه، فكانوا يتوسلون لنيل ثقته واهتمامه، وكانوا يرغبون في أن يراهم الناس بصحبة هذا الثري الغامض، وكانت سطوة هذا الغموض تلهيهم عن ملاحظة أنهم يُخدعون وتُسلب منهم أموالهم.


هذا الجو من الغموض يتيح لمتوسطي القدرات أن تظهر عليهم سمات الذكاء والحكمة، وهو الذي سمح لامرأة عادية في الذكاء والجمال مثل ماتا هاري أن تبدو كنجمة أسطورية ويبدو رقصتها قدسيًا. وهذا الغموض يسمح لأعمال الرسامين أن تأخذ بألباب الناس فور رؤيتها، وهي حيلة استخدمها مارسيل دوشان ببراعة، وهي حيلة يسهل تنفيذها: لا تكثر من التحدث للمشاهدين عن عملك، فقط حفزهم وأغرهم بتعليقات جذابة بل وحتى متناقضة ثم تنح عن الحوار ودع الآخرين يصيغون المعنى لعملك ولتعليقاتك.
الأشخاص الغامضون يضعون الآخرين في مرتبة أدنى نوعا ما بجعلهم ينشغلون بالتفسير، كما يبثون فيهم الخوف والرهبة التي تحيط بأي شيء مجهول أو محيّر. القادة العظام جميعًا يعرفون أن هالة الغموض تجذب إليهم الانتباه وتثير الخوف فيمن حولهم. كان ماو تسي تونج مثلاً يعطي لنفسه صورة مبهمة ولم يكن يخشى أن يبدو متناقضًا أو غير متسق- فقد كان تناقض أفعاله وكلماته يعنيان أن له السطوة دائمًا، ولم يشعر أحد- حتى زوجته- أنه يفهمه ولهذا كان يبدو أسطوريًا، وكان ذلك يستدعي إصغاء الجماهير وانتباههم المستمرين له بل وتحمسهم لمعرفة خطواته التالية.
إن كان وضعك الاجتماعي يمنعك من أن تظهر غامضًا تمامًا فاحرص على الأقل أن لا تبدو مقروءًا تمامًا، فمن آن لآخر عليك أن تخالف ما يتوقعه الناس منك، فذلك يضع من حولك في موقف دفاع ويجذب إليك الانتباه الذي يمنحك السطوة، كما أن الحيرة والألغاز إن أتقنت صنعهما يمكنهما أن يبثا الرعب في قلوب أعدائك.
في حرب قرطاجة الثانية (219- 202 ق.م) كان القائد العظيم هانيبال يدمر ما يمر به في زحفه نحو روما، وقد كان معروفًا بالمر والدهاء.
بقيادته كان جيش قرطاجة قد استطاع بالتحايل أن يتفوق دائمًا على جيش روما الأكبر عددًا، لكن في إحدى المرات ارتكب جنود الاستكشاف لديه خطأ فادحًا


وأدوا بجنوده إلى الزحف وسط المستنقعات مبتعدين عن شاطئ البحر، وحصن الرومان مسالك الجبال التي تؤدي إلى داخل البلاد، وشعر فابيوس بالنشوة من أن هانيبال قد وقع أخيرًا في هذا الفخ. خصص فابيوس أفضل حراسه لسد مسالك الجبال وأعد خطة لتدمير قوات هانيبال، لكن في منتصف الليل نظر الحراس للأسفل فرأوا مشهد محيرًا: كانت كتلة ضخمة من الضوء تتجه صعودًا إلى قمة الجبل، آلاف وآلاف من الأضواء. إن كان هذا جيس هانيبال فإن ذلك يعني أنه قد تضاعف مئة مرة.
احتد الحراس في الجدال لفهم ما يحدث: هل هذه تعزيزات أتت من البحر؟ هل هي قوات كانت متخفية في المنطقة؟ هل هي أشباح؟ لم يجدوا أي تفسير منطقيًا.
بينما كانوا يراقبون اندلعت النيران في كل أنحاء الجبل وسمعوا ضجة هائلة آتية من أسفل الجبل كما لو كانت صادرة عن النفخ في مليون بوق. اعتقد الحراس أنها الأشباح، وعلى الرغم من أنهم كانوا الأكثر شجاعة وحكمة في الجيش الروماني إلا أنهم لم يستطيعوا كبح أنفسهم عن الخوف والقرار متخلين عن مواقعهم.
في اليوم التالي هرب هانيبال من المستنقعات، لكن ما هي الحيلة التي قام بها؟ هل استعان بالأشباح؟. الحقيقة هي أنه ثبت أغصان أشجار في قرون آلاف الثيران التي كانوا يصطحبونها معهم لحمل أثقالهم، ثم أشعلوا هذه الأغصان فبدت كأنها نيران يحملها أعداد هائلة من الجنود صاعدين إلى الجبل، وعندما احترقت الأغصان ووصلت النيران إلى أجساد الثيران أخذت تتخبط هائجة في كل اتجاه مشعلة النيران في أنحاء الجبل. كان نجاح هذا الابتكار لا يكمن في الأضواء أو اشتعال الجبل أو في الضجة التي حدثت بل في أن هانيبال بلبل عقول الحراس بلغز محير بث في قلوبهم الرعب، وهو لغز لم يستطيعوا تفسيره من مكانهم في أعلى الجبل، ولو استطاعوا ذلك لكانوا قد ثبتوا في مواقعهم.
إن وجدت نفسك محاصرًا ويائسًا في الدفاع عن نفسك عليك أن تجرب شيئًا


بسيطا: قم بتصرف يصعب تفسيره أو فهمه، تخير تصرفًا بسيطًا لكن نفذه بطريقة تبلبل خصمك؛ طريقة تسمح بالعديد من التفسيرات الممكنة وتخفي نواياك الحقيقية. لا تقتصر على جعل تصرفك غير متوقع (وإن كان هذا الأسلوب قد ينجح- كما في القاعدة 17) بل افعل كما فعل هانيبال بأن تبتدع مشهدًا يصعب قراءته، فيرى الآخرون أن تهورك وجنونك ليس ممنهجًا وليس له إيقاع أو منطق أو تفسير محدد. لو فعلت هذا لاستطعت أن تثبت الخوف والرجفة لدى الحراس وتجعلهم يتخلون عن مواقعهم. يمكنك أن تسمي هذا الأسلوب «جنون هاملت المصطنع» لأن هاملت استطاع في مسرح شكسبير أن يستخدم هذا التكتيك ببراعة لترهيب كلوديوس زوج أمه بأن أحاط تصرفاته بهالة الغموض، فهذه الهالة تظهر قواك أكبر وسطوتك أخطر.
الصورة
الراقصة في الحجاب.
الحجاب يغطي الراقصة. ما يظهره يثير وما يخفيه يولد الشغف ذلك هو جوهر الغموض.
اقتباس من معلم: إن لم تبح نفسك للآخرين فإنهم سيسعون لأن يفهموك... أضف لمسة من الغموض على كل شيء، فهذا الغموض هو الذي يضفي عليك المهابة. وحين تفسر شيئًا لا تكن واضحًا تمامًا... بهذه الطريقة تقلد الحكمة الإلهية التي تجعل الناس يتساءلون ويتفكرون فيما سوف تأتي به الأقدار. (بالتسار جراتسيان- 1601- 1658).
عكس القاعدة:
في مقتبل صعودك نحو القمة عليك أن تجذب الانتباه بأي ثمن، لكن حين ترتقي مناصب أعلى كيّف نفسك حين المرحلة، لا تظهر للناس أبدًا بطريقة واحدة. الغموض يصنع الأعاجيب لمن يرغبون في إضفاء هالة من السطوة حول أنفسهم ويرغبون في أنّ يلاحظهم الآخرون لكن يجب استخدامه بعقلانية وتحكم.
بالغت ماتا هاري في أكاذيبها، فعلى الرغم من أن اتهامها بالتجسس كان باطلاً إلا أنه كان منطقيًا وقتها لأن أكاذيبها أظهرتها مريبة ومجرمة. لا تترك غموضك يجعل الناس تدريجيًا يرونك محتالاً، فلتجعل غموضك يبدو كلعبة مرحة وبريئة وحين تجد أنه قد تجاوز الحد يتوجب عليك أن تكبحه.
هناك أوقات لا يصح فيها جذب الانتباه إليك حيث يكون عليك أن تتجنب الشهرة والفضائح، فلا يجب أبدًا أن تهدد شهرتك أو تتحدى شهرة من هم أعلى منك إن كانوا راسخين في مواقعهم، فلن يظهرك ذلك دنيئًا فحسب بل تافهًا أيضًا. أتقن فمن توقيت متى تجذب الانتباه إليك ومتى تبعده عنك.
كانت لولا مونتيز بارعة في فن جذب الانتباه، وقد استطاعت أن ترتقي من نشأتها كإيرلندية من الطبقة الوسطى لتصبح حبيبة ليست [الموسيقار الشهير] وبعدها أصبحت المستشارة السياسية للملك لودفيج من بارفاريا وعشيقته. ولكن في آخر الأمر فقدت قدرتها على تقدير الأمور.
في سنة 1850 أجريت التحضيرات في لندن عرض مسرحية ماكبث لشكسبير بطولة أعظم ممثل في عصره شارلز جون كين. كان الحضور يضم كافة الشخصيات الشهيرة في المجتمع الإنجليزي، وسرت الشائعات بظهور الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت تحية للجماهير. كان العرف وقتها يفرض أن يتخذ الجميع مقاعدهم قبل وصول الملكة، فتحضر الجماهير قبلها وحين تدخل مقصورتها الملكية يقفون تحية لها. وقف الثنائي الملكي برهة ثم انحنيا تحية للجمهور، ثم جلس الجميع وأظلمت القاعة. فجأة التفت العيون لمقصرة مقابلة لمقصورة الملكة: وظهرت في الظلال امرأة متخذة مقعدها بعد الملكة. كانت لولا مونتيز تلف رأسها بعصابة مرصعة بالماس ورداء طويل من الفرو حول كتفها. اندهش الجمهور حين سقط الرداء وظهرت عباءة من المخمل القرمزي قير الرقبة، وتوجهوا بأنظارهم إلى المقصورة الملكية فتبين لهم أن الثنائي الملكي يتجنبون عامدين النظر لمقصورة لولا فحذوا
حذوهما وتجاهل الجميع لولا طوال ما تبقى من السهرة، وفيما بعد لم يعد أحد في الوسط الراقي يجرؤ أن يشاهد بصحبتها، فقد انعكس اتجاه قوى المغناطيس وأصبحت ضدها، وأخذ الناس يفرون منها وانتهى مستقبلها في بريطانيا.
لا تظهر أبدا جشعًا للفت الأنظار لأن ذلك يظهرك مهزوزًا ويبعد عنك السطوة، ولتعلم أن هناك أوقات يكون الأصلح لك أن تبتعد عن مركز الانتباه. فحين تكون في حضرة ملك أو ملكة أو من في قدرهما انحني وانسحب إلى الظلال ولا تنافسهم أبدا.

** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
7
استفد من جهود الآخرين
لكن احتفظ لنفسك بالتقدير
الحكمة
استخدم حكمة ومعرفة الآخرين وسعيهم لتقصي الحقائق لتحقيق مآربك، فذلك لن يوفر وقتك وجهدك الثمينين فحسب ولكن سيضفي عليك هالة إعجازية من الكفاءة والسرعة، وسرعان ما يتم نسيان من ساعدوك وتبقى أنت وحدك في الذاكرة. لا تفعل بنفسك ما يمكن أن يفعله لك الآخرون.


انتهاك ومراعاة القاعدة:
كان نيقولا تسلا- وهو عالم صبي- شابًا في عام 1883 وكان يعمل في الفرع الأوروبي لشركة إديسون عبر القارات، وقد أقنعه تشارلز باتشلر وكان صديقًا شخصيًا لإديسون بأن يبحث له عن مستقبل في أمريكا وأعطاه خطاب توصية لإديسون، ومن وقتها بدأ تسلا حياة من الكرب والمحن لم تنته حتى مماته.
حين تعرف إديسون على تسلا عينه فورًا، وأخذ تسلا يعمل ثمانية عشرة ساعة يوميًا لابتكار طرق لتطوير مولد كهرباء إديسون البدائي، وفي النهاية قرر أن يعيد تصميمه كليًا، وقد رأى إديسون أن ذلك عمل ضخم يمكن أن يستمر لسنوات قد تضيع دون فائدة، لكنه أخبر تسلا «سأمنحك خمسين ألف دولارًا إن نجحت في هذا الابتكار». عمل تسلا ليلاً ونهارًا وبعد عام واحد فقط استطاع تحسين المولد تحسينًا كبيرًا وجعله يعمل بتحكم آلي، فذهب إلى إديسون يزف إليه الأخبار ويطالبه بالخمسين ألف دولار. فرح إديسون بالتطوير لأن الفضل كان سيعود عليه وعلى شركته أما فيما يختص بالمال فقد قال للعالم الشاب «تسلا. أنت لم تفهم بعد الدعابة الأمريكية» ومنحه بدلاً من ذلك علاوة صغيرة.
كان تسلا متحمسًا لاستخدام التيار الكهربي المتردد بينما كان إديسون يصر على التيار المستمر، ولم يرفض دعم أبحاث تسلا فحسب بل فعل كل ما في وسعه لتدميره شخصيًا. فتوجه تسلا طالبًا دعم قطب الصناعة في بيتسبرج جورج وستنجهاوس وكان قد أقام شركته الخاصة للكهرباء، فدعم وستنجهاوس أبحاثه دعمًا كاملاً وتعاقد معه على نسبة مما يتأتى من المشروع من أرباح في المستقبل. التيار المتردد الذي طوره تسلا هو الذي مازال يستخدم إلى وقتنا هذا، لكن بعد أن سجل حق الاختراع باسمه تقدم علماء كثيرون يدعون أنهم من أعطوا تسلا أساس المشروع، وفي هذا اللغط نُسي اسم تسلا ونسبت الجماهير لاختراع إلى وستنجهاوس نفسه.
بعد عام تورط وستنجهاوس في دعوى استيلاء قدمها ج. بيبونت مورجان مما جعله
يلغي تعاقد النبة الذي منحه لتسلا، وبرر ذلك للعالم الشاب بأن الشركة سوف تفلس إن أعطاه كامل حقوقه وأقنعه أن يشتري منه حق الاختراع بمبلغ 21600 دولار وهو مبلغ كبير دون شك ولكنه أقل بكثير من 12 مليون دولار المستحقة له بمعايير ذلك الزمن. وهكذا سلب الممولون من تسلا المال وحق الاختراع والعرفان عن أهم ابتكار في حياته.
من ناحية أخرى يرتبط اسم جوجليومو ماركوني باختراع الراديو، لكن القليلين هم من يعرفون أن في بثه الأول عبر القناة الإنجليزية عام 1899 استخدم ماركوني اختراعًا مسجلاً باسم تسلا منذ عام 1897 وأن الفضل في هذا البث يعود لأبحاث تسلا. مرة أخرى لم يحصل تسلا على المال أو التقدير. اخترع تسلا محركًا يعمل بالحث الكهربي ونظام التيار المتردد وكان «الأب الحقيقي للراديو»، لكن أيا من هذه الاختراعات لم يحمل اسمه، وفي شيخوخته عانى من الفقر حتى مات.
في عام 1917 وكانت خاتمة لسنوات من الفقر والمعاناة لتسلا، أخبروه أنه سيحصل على ميدالية إديسون من الجمعية الأمريكية لمهندسي الإلكترونيات، فرفض الميدالية قائلا «تقدمون لي ميدالية أثبتها في معطفي وأتخايل بها هزلا أمام أعضاء جمعيتكم، تزينون جسدي وتتركونه يموت جوعًا لأنكم رفضتم الاعتراف بما أنتج عقلي من اختراعات شكلت أساسًا لمعظم ما تقوم عليه جمعيتك».
التعليق:
يتوهم الكثيرون أن العلماء لأنهم يتعاملون مع الحقائق بعيدون عن المنافسات الشخصية الحقيرة التي تنغص حياة بقية سكان العالم. كان تسلا من أولئك المتوهمين، كان يظن العلم لا شأن له بالسياسة وكان يقر بأنه لا يهتم بالمال أو الشهرة، لكن في شيخوخته رأى أن تجاهله لهذه الأمور هو الذي دمر أبحاثه العلمية. و[ن اسمه لم يرتبط بأي اختراع لم يوافق أي مستثمر على أن يرعى أفكاره العديدة، وبينما كان هو يفكر في اختراعات عظيمة من أجل المستقبل كان آخرون ينتحلون أعماله وينسبون المجد لأنفسهم.
كان راغبًا في القيام بكل شيء بنفسه، ولكن ذلك أجهده وأفقره.
كان إديسون نقيضًا لتسلا، فلم يكن بالفعل عالمًا أو مخترعًا فذا، فقد قال ذات مرة أنه لا يحتاج لأن يكون خبيرًا في الرياضيات لأنه يستطيع أن يوظف خبيرًا متى أرد. كانت تلك هي المنهجية الأساسية لدى إديسون، كان رجل أعمال ودعاية يقتنص الفرص ويتعرف على صيحات العصر ثم يوظف من يبرعون في هذه الأمور ليعلموا من أجله. وكان يسرق من منافسيه إن تطلبه الأمر، لكن اسمه أشهر من اسم تسلا وتنسب إليه اختراعات كثيرة.
الدرس هنا مزدوج: تكريمك على أي اختراع مهم بل أهم من الاختراع نفسه، عليك أن تؤمن العرفان لنفسك وتمنع الآخرين من انتحال ثمرة جهدك الشاق، ولتحقيق ذلك عليك أن تتكتم على ابتكارك إلى أن تتأكد من خلو السماء من الطيور الجارحة. الدرس الثاني، تعلم أن تستفيد من أعمال الآخرين لتطوير مشاريعك، فالوقت ثمين والحياة قصيرة. إن حاولت أن تفعل كل شيء بنفسك فسوف تنهك طاقتك ولا تستطيع أن تواصل حتى النهاية. الأفضل لك أن تحتفظ بقواك وتقتنص جهود الآخرين وتعمل على أن تنسبها لنفسك.
في التجارة والصناعة الجميع يسرقون. كثيرًا ما سرقت أنا نفسي ولكنني أعرف جيدًا أجيد السرقة
توماس إديسون، 1874. 1931
مفاتيح للسطوة
عالم السطوة يحكمه قانون الغابة: هناك من يعيشون على القنص والقتل وهناك أكثر منهم بكثير (كالضباع والنسور) يعيشون على ما يقتنصه غيرهم. الكائنات من هذا النوع الثاني لا تكون لديها القدرة على ما يتطلبه العمل لصناعة السطوة، لكنهم يتعلمون في مرحلة مبكرة بأنهم لو تأنوا وصبروا فإنهم سيجدون كائنًا آخر يقوم بهذا العبء عنهم. لا تكن ساذجًا. في اللحظة التي تستعبد نفسك فيها لإنجاز مشروع ستجد نسورًا يحومون في السماء مستعدين للتطفل أو حتى لخطف نتاج تعبك، ولن يفيدك الأسف أو أن تترك نفسك لتعتصرك مرارة الظلم كما فعلا تسلا.


الأفضل أن تحمي نفسك وأن تشارك في اللعبة، وبمجرد أن تكتسب السطوة تحول أنت نفسك إل نسر ووفر نفسك الوقت والتعب.
على أحد قطبي النقيض في هذه اللعبة يقف المستكشف فاسكو نونييز دي بالبوا كمثال، فقد كان مهووسًا باكتشاف مدينة إلدرادو التي كانت تحكي الأساطير أنها مليئة بالكنوز المخبئة.
في بواكير القرن السادس عشر، وبعد صعاب ومعاناة قربته من حافة الموت مرات عديدة تبين له بالأدلة وجود إمبراطورية عظيمة في جنوب المكسيك مكان بيرو الحالية، وإن استطاع أن يهزم الإنكا سكان هذه الإمبراطورية ويستولي على ما لديهم من الذهب قد يصبح خليفة كورتيز [الذي هزم قبائل الأزتيك في المكسيك لصالح إسبانيا]. كانت المشكلة حتى لو وجد الإمبراطورية أنه ترك الأمر ينتشر بين مئات المستكشفين الآخرين. لم يفهم أن نصف اللعبة يكمن في السرية وفي مراقبة من حوله. بعد سنوات قليلة من اكتشافه مكان إمبراطورية الإنكا دبر أحد الجنود في جيشه مكيدة أدت إلى الحكم عليه بقطع رأسه بتهمة خيانة بلده ثم أكمل ما كان بالبوا يسعى سنوات لاكتشافه.
القطب الآخر النقيض هو الرسام بيتر بول روبنز والذي وجد في أواخر سنوات عمره أنه مطالب بلوحات أكثر من قدرته على الرسم، فشكل نظاما خاصا: في المرسم الخاص به وظف عشرات الفنانين المميزين وجعل أحدهم يتخصص في رسم الثياب والآخر للخلفيات وهكذا، واستطاع أن يصنع خط إنتاج هائل ينتج عددًا كبير من اللوحات في وقت واحد، وحين يريد مشتري أن يلقي نظره على المرسم كان يصرف الفنانين في هذا اليوم، وبينما يراقبه المشتري من الشرفة كان روبنز يرسم بسرعة وطاقة كبيرتين، وينصرف المشتري وهو لا يكاد يصدق براعة هذا الفنان الذي يرسم هذا الكم من التحف في ذلك الوقت القصير.


تلك هي خلاصة القاعدة: دع الآخرين يبذلون الجهد واحصل أنت على التقدير، وسوف يظهرك ذلك صاحب إمكانات لا تصدق. إن كنت من الذي يظنون أن المهم أن تقوم بالعمل بنفسك فلن تستطيع أبدًا أن تحقق شيئًا كبيرًا، وسوف يظهرك ذلك صاحب إمكانات لا تصدق. إن كنت من الذي يظنون أن المهم أن تقوم بالعمل بنفسك فلن تستطيع أبدًا أن تحقق شيئًا كبيرًا، وسوف يصيبك ما أصاب بالبوا وتسلا والكثرين أمثالهما في هذا العالم. ابحث عن أشخاص يملكون مهارات وإبداعات لا تملكها ثم وظفهم واجعل اسمك يبرز فوق أسمائهم أو ابحث عن طريقة تنتحل بها أعمالهم وتجعلها لك، وسوف يظهرك ذلك عبقريًا.
هناك استخدام خر يبعدك عن انتحال جهد زملائك: استخدم الماضي وهو مخزون كبير من المعرفة والحكمة. كان نيوتن يطلق على ذلك «الصعود على أكتاف العمالقة» وكان يعني بذلك أنه استفاد من إنجازات الآخرين ليقوم باكتشافاته، وكان يعلم أن جزءًا كبيرًا من هالة المجد حوله كان مستمدًا من قدرته الحادة على تحقيق الهامات العلماء في العصور القديمة والوسطى وفي عصر النهضة. وكان شكسبير يستعير الحبكة والشخصيات وحتى مقاطع كاملة من الحوار من بلوتارك [المؤرخ اليوناني المعروف في العصور الكلاسيكية] ومن آخرين غيره، لأنه كان يعرف أن أحدًا لا يستطيع أن يتفوق على بلوتارك في وصف المشاعر النفسية الخفية والاقتباسات البارعة. وكم من الكتاب استعاروا وانتحلوا بدورهم من شكسبير.
كلنا نعلم أنه لا يكتب إلا القليل من السياسيين اليوم خطبهم الخاصة، فكلماتهم الحقيقية لن تكسبهم صوتًا واحدًا في الانتخابات، وما يظهرون به من ذكاء وبلاغة يدينون به لمن يكتب لهم هذه الخطب. ومن ذلك يمكننا أن نرى أن هذه السطوة متاحة للجميع إن تعلموا استخدام المعرفة المستمدة من الماضي، فسوف يظهرك ذلك عبقريًا حتى ولو لم تملك موهبة أخرى غير مهارة الاقتباس.
هناك أكوام من المعارف يغطيها التراب لكتّاب تعمقوا في طبيعة النفس البشرية وأساتذة استراتيجية قدامى ومؤرخين وصفوا ما يفعله البشر من غباء وحماقات وكذلك سير ملوك وملكات تعلموا دروس السطوة بالتجارب المريرة. كل هؤلاء


ينتظرون منك أن تعيدهم للحياة وأن تصعد على أكتافهم ليصبح ذكاؤهم ذكاءك ومهارتهم مهارتك. ولن يحكي أي منهم للناس أنك سرقت مواهبهم. لك الاختيار بين أن تكدح في الحياة وترتكب الأخطاء بلا نهاية وتضيع وقتك وجهدك أو أن تستفيد من جيوش الماضي هذه لتحقيق مآربك. كان بسمارك يقول «الحمقى هم من يتعلمون من خوض التجربة أما أنا فأحب أن أتعلم من تجارب الآخرين».
الصورة
النسر
النسر من بين كل مخلوقات الغابة يحصل على ما يريده بسهولة: بالاستيلاء على الفرائس التي عجزت عن أن تنجو بأنفسها والتي شقي الآخرون لاقتناصها. انتبه للنسور التي تحوم حولك حتى لا تخطف ما جاهدت لتحقيقه. لا تقاتلها بل كن واحدًا منها.
اقتباس من معلم: هناك الكثير لتتعلمه؛ فالحياة قصيرة ولا تصلح دون معرفة، ولذلك فإن من الوسائل الرائعة أن تكتسب المعرفة من الآخرين. تعب شخص آخر قد يكسبك الشهرة بين الناس بأنك عبقري. (بالتسار جراتسيان، 1601- 1958).
عكس القاعدة:
هناك أوقات لا يكون من الحكمة فيها أن تنال التقدير عن عمل الآخرين: إن لم تكن رسخت سطوتك تمامًا سيظهرك ذلك بأنك تزاحم الآخرين على دائرة الضوء. لكي تكتسب العبقرية من استغلال مواهب الآخرين يجب أن يكون وضعك راسخًا وإلا اتهمت بالاحتيال.
عليك أن تعرف متى يكون إشراكك للآخرين في التكريم يخدم مصالحك والأهم أن لا تكون نهمًا للتقدير إن شارك في الأمر وليّ يرأسك. كانت زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون لجمهورية الصين الشعبية من أفكاره الخاصة لكنها لم تكن لتتم دون الدبلوماسية البارعة لهنري كيسنجر، لكن حين أتي الوقت لنيل التقدير ترك


كيسنجر بذكاء نصيب الأسد لنيكسون، فلأنه كان يعلم أن التاريخ يكشف الحقائق حرص على أن لا يفسد مكانته بالتكالب على دائرة الضوء. هذه اللعبة كان كيسنجر يديرها بإتقان خبير: فقد كان يتلقى التقدير عن جهود من أدنى منه ويمنح بسخاء التكريم على جهده الخاص لمن هم أعلى منه. تلك هي الطريقة الأمثل للربح.


** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
8
استدرج الآخرين لفعل ما تريد
الحكمة:
حين تجعل الآخرين يفعلون ما تريد تكون لك السيطرة عليهم، والأفضل أن تغري خصومك ليأتوا إليك متخلين عن خططهم الخاصة. استدرجهم إليك بالمكاسب لتكون أوراق اللعبة في يدك ثم هاجمهم وافرض عليهم شروطك.


مراعاة القاعدة:
في عام 1814 اجتمعت القوى العظمى في أوروبا في مؤتمر فيينا لتقسيم ما تبقى من الإمبراطورية المنهارة لنابليون بونابرت. كان الابتهاج يملأ المدينة والحفلات من أروع ما رواه التاريخ، لكن كان ظل نابليون المهيب يرفرف على المباحثات، وبدلاً من يحكموا بإعدامه أو نفيه تم إرساله إلى جزيرة إلبا غير بعيد عن شاطئ إيطاليا.
حتى وهو حبيس جزيرة كانت قوة شخصية نابليون ومكره توتر الجميع، أراد النمساويون تدبير قتله ولكنهم رأوا أن في ذلك خطورة شديدة. ورفع إلكسندر الأول القيصر المؤقت لروسيا حدة التوتر حين صاح بعد أن علم بتمرد جزء من بولندا على وصايته قائلا «أنا على وشك أن أفلت المارد» وكان الجميع يعرفون أنه يقصد نابليون. من بين كل رجالات الدولة الحاضرين وحدة تاليران وزير الخارجية السابق لنابليون ظل محتفظا بهدوئه ولا مبالاته كأنه يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.
كانت حياة نابليون في جزيرة إلبا نسخًا مستهزئًا من مجده السابق، فقد سمحوا له باعتباره «ملكًا» لإلبا أن يحتفظ بحاشية مصغرة تتكون من طبّاخ واختصاصية ملابس وعازف بيانو رسمي وعدد قليل من رجال البلاط. كان القصد هو الاستهزاء بنابليون وتصوروا أنهم نجحوا في ذلك.
لكن في شتاء ذلك العام وقعت سلسلة من أحداث غريبة ومشوقة لدرجة تجعلها تستحق أن تروي في مسرحية. كانت السفن البريطانية تحيط بجزيرة إلبا وكانت مدافعها تحاصر كل المخارج المحتملة، لكن بطريقة ما استطاعت سفينة على متنها تسعمائة شخص أن تأخذ نابليون وتفر به إلى البحر، وطاردتها السفن البريطانية لكن لم تلحق بها. استثار هذا الهروب المستحيل دهشة شعوب أوروبا وفزع رجال السياسة المجتمعون في فيينا.
كان من الآمن لنابليون أن يغادر أوروبا إلا أنه لم يكتفِ بالعودة لفرنسا ليزيد الأمور غرابة زحف بجيشه الضئيل إلى باريس آملا أن يسترجع العرش، ونجحت


استراتيجيته وتجمع الناس من كل طبقات الشعب وارتموا تحت قدميه، وبسرعة خرج جيش من باريس يقوده المارشال ناي للقبض عليه، لكن حين رأى الجنود قائدهم السابق غيروا ولاءهم وانضموا إليه، وتم تنصيب نابليون إمبراطورًا من جديد وتضخم جيشه ثانية بالمتطوعين، واشتعلت فرنيا بحماسة تقارب الهذيان وتمردت الجموع في باريس وهرب الملك الذي كان قد تولى الحكم بعد نابليون.
حكم نابليون فرنسا لمائة يوم بعد ذلك، استفاق خلالها بسرعة من الهذيان. أفلست فرنسا واستنزفت مواردها، ولم يكن لدى نابليون أية حلول، وفي يونيو من نفس العام هُزم نابليون نهائيًا في معركة واترلو. وفي هذه المرة كان أعداؤه قد تعلموا الدرس: حكموا بنفيه إلى جزيرة سانت القاحلة على شاطئ أفريقيا من بعيد، ولم تعد لديه أي إمكانية للهرب.
التعليق:
لم تُعرف تفاصيل هرب نابليون الدرامي من جزيرة إلبا بعد ذلك بسنوات. قبل أن يقدم نابليون على هذه الخطوة الكبيرة كان زواره يخبرونه بأن شعبيته في فرنسا أعلى من أي وقت مضى وأن الناس سيتضامون معه مرة أخرى. أحد هؤلاء الزوار كان قائد جيوش النمسا الجنرال كولر والذي أقنع نابليون أنه لو هرب سترحب سلطات أوروبا ومنها بريطانيا بعودته للعرش، واستنتج نابليون أن الأسطول الإنجليزي سيسمح له بالفرار، والحقيقة أن هروبه قد تم في وضح النهار على مرأى من عدسات المراقبة لدى الإنجليز.
ما لم يعلمه نابليون هو أن رجلاً واحدًا كان وراء كل هذه الأحداث ويمسك بكل خيوطها، وأن هذا الرجل هو وزير خارجيته السابق تاليران، وأنه لم يفعل ذلك لاسترجاع أيام المجد السابق بل لسحق نابليون نهائيًا. كان تاليران يعارض قبل ذلك بفترة طويلة تهديد طموح نابليون لاستقرار أوروبا واعترض حين حكموا عليه بالنفي إلى جزيرة إلبا، وكان يؤمن بأن أوروبا لن تنعم بالسلام ما لم يتم نفي نابليون إلى مكان بعيد، لكن أحدًا لم ينصت إليه.
بدلاً من محاولة فرض رأيه قام تاليران بالانتظار والترقب والعمل بهدوء وفي النهاية كسب إلى صفة كاسلراي ومترينيخ وزيري خارجية إنجلترا والنمسا.
عمل الرجال الثلاثة معًا على لإغراء نابليون بالهرب، بل أن وسوسة كولر له بالمجد الذي سوف يلقاه كانت جزءًا من الخطة. تصرف تاليران كمقامر محترف وأعد لكل شيء مسبقًا وكان على ثقة من أن نابليون سيقع في الفخ الذي نصبه له، وكان واثقًا أيضًا أن نابليون سيقود فرنسا لحرب لن تستمر- نتيجة ضعف البلاد- لأكثر من أشهر قليلة. قال أحد الدبلوماسيين في فيينا كان يعلم أن تاليران هو مخطط هذه الأحداث أنه «أشعل النيران في المنزل ليخلصه من الطاعون».
حيث أضع الطعم لصيد الغزلان لا أطلق السهام على أول ظبي يأتي ليتشممه؛ بل أنتظر إلى أن يأتي القطيع بكامله
أوتو فون بسمارك 1815. 1898
مفاتيح للسطوة:
هناك مشهد تكرر كثيرًا في التاريخ: يقوم قائد عنيف بتحركات جريئة تكسبه سطوة هائلة، لكن تدريجيًا تصل سطوته إلى ذروتها وبعدها بسرعة ينقلب كل شيء ضده. يتحد أعداؤه الكثيرون ضده ويظل يصارع بعنف ليحافظ على سطوته وفي النهاية ينهكه الصراع ويسقط. السبب في ذلك هو أن الشخص العنيف نادرًا ما يمتلك التحكم التام بالأمور ولا يستطيع أن يخطط من البداية إلا لخطوات قليلة، ولذلك لا يمكنه أن يرى مسبقًا عواقب تحركاته الجريئة. وفي النهاية تنقلب عليه عدائيته لأنها تجعله يدفع عن نفسه باستمرار هجوم الأعداد المتزايدة من أعدائه والعواقب الخفية لأفعاله.
في عالم السطوة عليك دائمًا أن تسأل نفسك لماذا لا تتحكم بالأمور رغم تحمسك لحل المشكلات وهزيمة الخصوم، ولماذا تجد نفسك دائمًا رغم حزمك في وضع الدفاع وليس المبادرة. الإجابة بسيطة وهي أن عليك أن تغير فكرتك الخاطئة عن السطوة، لأنك غالبًا ما تظن أن الشدة والحزم يؤديان إلى الحسم والفاعلية. الحقيقة


أن أنجع الأفعال هي ضبط النفس والتناءي بنفسك واستدراج خصومك ومراقبتهم وهم يدخلون الفخاخ التي أعددتها لهم، لأن سعيك يجب أن يستهدف السطوة الدائمة والمستمرة وليس النصر الخاطف والسريع.
تذكر أن جوهر السطوة هو أن تحتفظ بالمبادرة وأن تجعل الآخرين يستجيبون لتحركاتك وأن تضعهم دائمًا في موقف الدفاع. حيث تستدرج إليك الآخرين تجد نفسك فجأة المتحكم بمقاليد الأمور، ومن يملك التحكم يملك السطوة. هناك أمران ضروريان لتحتل هذا الوقع: أن تسيطر على انفعالاتك ولا تستلم أبدًا للغضب، وفي الوقت نفسه تتلاعب بميل الناس الطبيعي للاستجابة بغضب حين تستفزهم أو تضللهم بالطعم المناسب. القدرة على استدراج الآخرين بعد سلاحًا له سطوة أكبر كثيرًا على المدى الطويل من أي وسيلة للعنف أو الاعتداء.
تأمل كيف استطاع تاليران البارع في هذا الفن من أداء حيلته المتقنة: أولاً استطاع أن يقاوم الاندفاع لإقناع السياسيين الآخرين بنفي نابليون إلى مكان أبعد. الطبيعي في هذه الحالات أن ينطلق الناس لإقناع الآخرين بالآراء التي يتحمسون لها وأن يملوا عليهم إرادتهم بالإقناع والجدل. لكن لو فعل تاليران ذلك لأجهد نفسه عبثًا وأصبح محط سخرية المجتمعين لأنه لم يكن إلا القليلون من معاصريه يدركون أن نابليون ما زال يشكل خطرًا. بدلاً من ذلك أحكم تاليران القبض على لسانه ومشاعره ثم استدرج نابليون لفخ معسول تصعب مقاومته. كان يعرف نقطة ضعف الرجل ألا وهي الاندفاع والتعطش للمجد وحب الجماهير وقد استغلها بمهارة وإتقان. لم يشك تاليران في أن يخذل نابليون توقعاته بعد أن يبتلع الطعم وينجح في استرجاع سطوته لأن فرنسا كانت مفلسة، كما أنه حتى لو كان في قدرات نابليون الشخصية ما يمكنّه أن يتغلب على هذه الصعاب فإنه لم يكن يستطيع 1ذلك إلا إن اختار مكان وتوقيت تحركاته، ولكن بالإعداد المحكم للحظة استطاع تاليران أن يتحكم بالتوقيتات والأماكن.


ليس لدي أي منا إلا الجهد والطاقة، وحين تستدرج شخصًا إليك تجعله يضني نفسه مستهلكًا طاقته في التحرك. في عام 1905 كانت روسيا في حرب مع اليابان، ولم يكن اليابانيون قد بدأوا تحديث أساطيلهم إلا من وقت قريب ولذلك كانت البحرية الروسية أقوى، لكن استطاع المارشال اليابان توجو هياشيرو أن يخدع الروس لترك سفنهم في بحر البلطيق من خلال نشر معلومات زائفة جعلتهم يعتقدون أنهم يستطيعون محو الأسطول الياباني بهجمة واحدة سريعة. لم تستطع السفن الروسية الوصول إلى اليابان بالطريق المختصر- عبر مضيق جبل طارق وقناة السويس حتى المحيط الهندي لأن هذه المعابر كانت تحت السيطرة البريطانية حليفة اليابان في ذلك الوقت- لذا كان عليهم الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهكذا طالت الرحلة بأكثر من ستة آلاف ميل. وبمجرد أن وصلت السفن الروسية إلى رأس الرجاء نشر اليابانيون شائعة أخرى كاذبة: بأنهم سيبحرون للقيام بهجمة ضد الأسطول الروسي ولذلك قضى الروس الرحلة إلى اليابان في حذر شديد، وعند وصلوهم كان البحارة منهكين ومتوترين من كثرة العمل بينما كان اليابانيون ينتظرونهم متأهبين وبكامل حيويتهم، وهكذا وعلى الرغم من افتقادهم للخبرة في البحرية الحديثة استطاع اليابانيون سحق الروس.
من الميزات الأخرى لاستدراج خصمك إليك هي التي حققها اليابانيون في حربهم مع الروس، وهي أنك بذلك تجبره على التحرك في أرضك وفي ملعبك. وجود الناس في أرض معادية غالبا ما يوترهم ويجعلهم يتسرعون ويرتكبون أخطاء. في المفاوضات والاجتماعات يكون من الحكمة دائمًا أن تغري الآخرين بالمجيء لأرضك أو لأرض من اختيارك حيث يكون لك وضعك بينما لا يجدون هم شيئًا مألوفًا وبدون أن يشعروا يجدون أنفسهم في موقف الدفاع.
التلاعب بالناس خطير، وبمجرد أن يشعر شخص أنك تتلاعب يصعب عليك أكثر فأكثر أن تتحكم به، لكن حين تستدرج خصمًا إليك يتولد لديه الوهم بأنه هو من يتحكم بالموقف، ولا يشعر بالخيوط التي تحركه داخل الموقف تمامًا كما حسب نابليون أنه هو السيد المتحكم في مغامرة هروبه ورجوعه إلى السلطة.


يعتمد الأمر كله على حلاوة الطعم، وإن كان الطعم الذي تعده جذابًا كفاية فإنه سيشوش مشاعر ورغبات خصومك، ويمنعهم من رؤية الواقع. وكلما زاد جشعهم زادت قدرتك على قيادتهم.
كان دانيال درو قطب اللصوصية في القرن التاسع عشر أستاذًا في التلاعب بسوق الأسهم وحين كان يريد لأسهم معينة أن تباع أو تشتري أو أن يرتفع سعرها أو ينخفض كان نادرًا ما يتدخل مباشرة بل يلجأ إلى الحيلة. كانت إحدى حيله هي أن يتوجه إلى نادي للمستثمرين في وول ستريت موحيًا بأنه في طريقه إلى البورصة بأن يشد على رأسه مثلاً عصابة حمراء تمسح على جبينه العرق، ويوقع من العصابة ورقة صغيرة يتظاهر أنه لم يلحظها، وبعد أن يرحل يسرع الراغبون في توقع رهاناته بأخذ هذه الورقة التي تحوي معلومات سرية مزيفة عن تحركات الأسهم، وتنتشر الشائعة ويقوم هؤلاء الأعضاء أفواجًا بشراء أو بيع الأسهم وذلك بالضبط ما كان يريده درو.
إن استطعت أن تجعل الآخرين يحفرون قبورهم بأنفسهم فلماذا تحفرها لهم؟. يتقن النشالون هذه اللعبة، فمفتاح تمكنهم من نشل الجيوب هو معرفة أي جيب يحوي حافظة النقود والمحترفون منهم يمارسون السرقة في محطات القطار والأماكن الأخرى بالقرب من اللافتة المكتوب عليها «احترس من النشالين»، حيث يقوم كل من يمر ويقرأ اللافتة بتحسس حافظته للتأكد من أنها لم تسرق، ويكون ذلك بالنسبة للنشال كاصطياد سمكة داخل برميل، بل كان معروفًا أن اللصوص يضعون بأنفسهم لافتات التحذير من النشالين لتسهل عليهم عملهم.
في بعض الأحيان يكون أفضل لك عند استدراج الناس إليك أن تظهر لهم أنك تجبرهم على ذلك، أي أن تتخلى عن المكر إلى الإكراه الصريح، والنتائج النفسية لذلك ذات تأثير عميق: فالشخص الذي يجبر الآخرين على ما فعل ما يريد يظهر بمظهر السطوة ويدفع الآخرين لاحترامه وتقدير مكانته.


كان الرسام والمعماري الكبير في عصر النهضة فيليبو برونليتشي مميزًا في استدراج الآخرين لفعل ما يريد إثباتًا لسطوته. ذات مرة تم اختياره للمشاركة في ترميم كاتدرائية سانتا ماريا ديل فيورا بفلورنسا، وهو تكليف هام ومشرف، لكن حين كلف المسئولون رجلاً آخر هو لورنزو جيبرتي للعمل معه، امتعض برونليتشي في نفسه لأنه كان يعلم أن جيبرتي حصل على الوظيفة بوساطة معارفه، وأنه لن يقوم بأي عمل وسينال نصف التقدير. في مرحلة مصيرية من البناء ادعي برونليتشي الإصابة بمرض غامض وطلب التوفق عن العمل، على أن يكمل جيبرتي ما تبقّي، وبسرعة عرف المسئولون أن لا فائدة في جيبرتي، وعادوا يتوسلون إلى برونليتشي فتجاهلهم وأصر أن يكمل جيبرتي العمل فاكتشفوا المشكلة وطردوا جيبرتي.
شفي بعدها برونليتشي في أيام قليلة بما يشبه المعجزة! لم يكن عليه أن يثور أو يتصرف بغضب وحماقة تضحك عليه الناس، ولكن ببساطة استخدم فن «استدراج الآخرين لفعل ما يريد».
الصورة
فخ العسل للدببة
لا يطارد الصياد الدب الذي يعرف أنه مطارد يثور ويصبح عنيفًا جدًا إن حاصرته. بدلاً عن ذلك يضع له الصياد فخًا مطمّعا بالعسل. وهكذا لا يجهد نفسه أو يخاطر بحياته؛ فقط يضع الطعم وينتظر حتى يأتي إليه الدب.
اقتباس من معلم: المحارب الجيد يستدرج الآخرين إليه ولا يذهب إلى أحد. ذلك هو المبدأ الامتلاء والخواء بينك وبين الآخرين، فحين تستحث خصومك على المجيء إليك تستهلك قواهم وتصبح خاوية ولأنك لم تجهد نفسك إليهم تظل طاقاتك دائما ممتلئة، والمواجهة بين الخواء والامتلاء تشبه قذف البيض بالأحجار. (زانج يو، شارح في القرن الحادي عشر لكتاب فن الحرب).
عكس القاعدة:
على الرغم من أن الحكمة تقضي عمومًا أن تجهد الآخرين في ملاحقتهم لك، إلا أن هناك حالات مناقضة يكون عليك فيها أن تضرب سريعًا وبعنف حتى تهين


عدوك وتستنفذ طاقته وبدلاً من استدراجه إليك يكون عليك أن تذهب إليه وتجبره على ما تريد وأن تجعل زمام الأمر صراحة في يدك. أحيانًا يكون الهجوم السريع سلاحًا مرعبًا يجير الآخرين على الاستجابة دون أخذ وقت للتفكير أو التخطيط، وهذا يدفعهم للخطأ في تقدير الأمور ويضعهم في موقف الدفاع. هذا الأسلوب هو عكس قاعدة «ضع الطعم وانتظر» ولكن يؤدي إلى نفس النتيجة: أي أن تجعل العدو يستجيب لشروط.
كان الرجال من أمثال سيزار بورجيا ونابليون بونابرت يستخدمون عنصر السرعة لترهيب أعدائهم والتحكم بهم، فالتحرك السريع والمباغت يرهب المنافسين ويضعف معنوياتهم. عليك أن تختار الأسلوب تبعًا للموقف، فإن كان الوقت لصالحك وعدوك لا يقل عنك قوة فعليك أن تنهك قواه باستدراجه إليك. وإن كان الوقت ضدك- وكان عدوك أضعف منك وانتظارك قد يمنحه الفرصة للاستعداد- فلا تمهله وهاجمه بسرعة ولا تترك الفرصة للهرب، فكما قال الملاكم جولويس ذات مرة «قد أدعك تجري ولكن لن أترك لك الفرصة أبدًا لتختبئ».


القاعدة
9
انتصر بأفعالك وليس بكلامك
الحكمة:
الانتصارات اللحظية التي تظن أنك أحرزتها بالجدل هي في الحقيقة انتصارات سفيهة: فالامتعاض والضغينة التي تتركها تفوق في قوتها وبقاءها أي تغيرات لحظية في آراء الآخرين. القوة الأكبر تأتي من اتفاق الآخرين معك من خلال أفعالك دون أن تتفوه لكلمة. اعرض ولا تشرح.


انتهاك القاعدة:
في عام 131 ق.م. وبعد أن حاصر القنصل الروماني بوبليوس كراسوس دايفس موسيانوس مدينة برجاموس اليونانية، وجد أنه في حاجة إلى عمود يستخدمه لدك ثغرة لاقتحام أسوار المدينة، وتذكر أنه كان قد رأى منذ أيام ساريتين ضخمتين في حوض السفن بأثينا، فأمر أن يؤتي إليه فورًا بالسارية الأكبر، ولكن المهندس العسكري في أثينا كان متأكدًا من أن القنصل يحتاج للسارية الأصغر، وجادل الجنود الذين أتو له بالطلب بأن السارية الأصغر تناسب الموقف أكثر ويسهل نقلها.
حذّر الجنود المهندس من أن قائدهم ليس من النوع الذي يقبل الجدل لكنه أصر على أن السارية الأصغر هي التي تناسب الآلة التي يبنيها القائد للاقتحام، وأخذ يرسم المخططات للجنود واحدًا بعد آخر إلى أن قال لهم أنه هو الخبير وأنهم لا يعرفون ما يتحدثون عنه. وأخيرًا استطاع الجنود إقناع المهندس أن ينسى خبرته وأن يطيع الأوامر فحسب. ولكن بعد أن رحلوا فكر المهندس في الموضوع مجددًا وتساءل، ما فائدة طاعة الأوامر في أمر سيؤدي حتما للفشل؟. لذلك أرسل السارية الأصغر متأكدًا من أن القنصل سيرى أنها الأنسب للمهمة وأنه سيكافئه على ذلك خير مكافأة.
حين رأى موسيانوس السارية الأصغر طلب من جنوده التفسير فحكوا له عن إصرار المهندس وجداله المطول، وأنه كان قد وعد في النهاية بإرسال السارية الأكبر، فغضب موسيانوس بشدة لدرجة أنه نسي الحصار وأهمية خرق الأسوار قبل أن تأتي التعزيزات. لم يكن يفكر إلا في هذا المهندس الوقح وأمر أن يحضر إليه فورًا.
حين وصل المهندس بعدها بأيام قليلة أخذ يفسر للقنصل مرة أخرى أسباب استخدام السارية الأصغر واستفاض مكررًا نفس البراهين التي استخدمها مع الجنود وأن الحكمة تقضي بالإنصات للخبراء وأن القنصل لن يندم على ذلك. تركه موسيانوس ينهي كلامه ثم أمر الجنود أن يعرّوه تمامًا وأن يجلدوه ويضربوه بالعصي حتى الموت.


التعليق:
قضى هذا المهندس الذي لم يذكر التاريخ اسمه حياته كلها يعمل في تصميم الساريات والأعمدة، وكان الجميع يحترمه لأنه أكفأ مهندس في مدينة تفوقت في هذا العلم. كان متيقنًا من أنه على حق وأن المدك الأصغر يسمح بالمزيد من السرعة والقوة والأضخم ليس بالضرورة الأفضل ومن المؤكد أن القنصل سيعرف في النهاية أن كلامه منطقي ويستسلم لحياد العلم وسطوة المنطق، فكيف كان له أن يستمر في جهله حين يبين له الرسوم التفصيلية التي تبين النظرية التي تقوم عليها نصيحة؟. هكذا كان يفكر.
كان هذا المهندس مثالاً للمجادلين الذين نجدهم كثيرًا بيننا، وهؤلاء لا يعرفون أن الكلمات لا تكون أبدًا محايدة وأنهم بجداهم مع من أعلى منهم يهينون أشخاصًا لهم السطوة عليهم. ولم يتنبه كذلك لشخصية من يتعامل معه. ولأن كل شخص يعتقد أنه على حق وأن الكلمات نادرًا ما تقنع أحدًا بخطأ تفكيره لذلك لا نجد أحدًا يصغي لمنطق المجادلين. وحين تمت محاصرة المهندس ووجد نفسه في موقف صعب أخد يجادل أكثر حافرًا قبره بيده. وبمجرد أن تهدد ثقة من تجادلهم في أنفسهم وتشعرهم بالدونية وتضع نفسك في موقف هذا المهندس فلن تنقذك حتى بلاغة سقراط من مصيرك المحتوم.
المشكلة ليست في محاولة إقناع من هم أعلى منك برأيك، بل في أننا جميعًا نظن أننا أساتذة في عالم الآراء والمنطق، وعليك إذن أن تكون حريصًا: وأن تتعلم أن تثبت صحة أفكارنا بطرق غير مباشرة.
مراعاة القاعدة:
في عام 1502 كانت هناك كتلة كبيرة من الرخام في كنيسة سانتا ماريا ديل فيورا بمدينة فلورنسا بإيطاليا، كانت من قبل جزءا من قطعة صخرية رائعة لكن نحاتا غير ماهر شوهها تشويها بالغًا حين كان يصنع شقًا لنحت ساقي تمثال. سعى بييرو سوديريني إنقاذ الصخرة بتكليف ليوناردو دافنشي أو أي أستاذ آخر لكنهم رأوا


جميعا أنه لا يمكن إصلاح التشوه الذي حدث، وهكذا وعلى الرغم من المبلغ الذي دفع ثمنًا لها ظلت الصخرة لا تجمع لا تجمع غير التراب في الصالات المظلمة بالكنيسة.
بقيت الأمور على حالها إلى أنه نبه بعض الفلورنسيين أصدقاء مايكل أنجلو الذين كان يعيش في روما وقتها أنه هو وحده القادر على صنع شيء من هذه الكتلة الخام والتي كانت على أية حال من الرخام الرائع. أتى مايكل أنجلو مايكل أنجلو إلى فلورنسا وتفحص الصخرة ورأى أنه بالفعل يستطيع نحت شكل مميز منها يستوعب ما حدث لها من تشوه. كان سوديريني يرى أن ذلك مضيعة للوقت وأن أحدًا لا يستطيع إنقاذ هذه الكارثة، لكن في النهاية سمح للفنان أن يعمل عليها، وقرر مايكل أنجلو أن يصنع منها نحتًا للنبي داود في صغره وفي يده مقلاع.
بعد أسابيع وبينما كان مايكل أنجلو يضع اللمسات الأخيرة للتمثال دخل سوديريني الذي كان يرى في نفسه ذوّاقة للفنون، وقال لمايكل أنجلو بأن التمثل وإن كان يراه عظيمًا إلا أن الأنف تبدو أكبر من حجمها المناسب. لاحظ مايكل أنجلو أن سوديريني يقف تحت التمثال مباشرة ولا يراه من المنظور الأفضل، ودون أن يتكلم أشار سوديريني أن يتبعه إلى أعلى السقالة، وحين وصلا إلى مستوى الأنف أخذ أزميلا وحفنة تراب من فوق لوح خشبي، وبعد أن أصبح سوديريني تحته بأقدام أخذ يطرق على الأنف بخفة وجعل التراب الذي كان قد وضعه في يده يتسرب قليلاً بقليل. لم يغير أس شيء بالأنف لكنه أوهم سوديريني بأنه يصلحه. بعد دقائق من هذه التمثيلية وقف أنجلو إلى جانب سوديريني وسأله: «انظر إليها الآن» فأجاب سوديريني «أفضل كثيرًا، وكأنك بعثت الحياة إلى التمثال».
التعليق:
كان مايكل أنجلو يعلم أن أي تغيير في شكل الأنف سيدمر التمثال بأكمله، لكنه كان يعلم أيضًا أن سوديريني راعي للفنون يتباهى بذوقه الجمالي، وكانت إهانة رجل كهذا لن تجعله يخرج خالي الوفاض فحسب بل تحرمه أيضًا من فرص في


المستقبل. كان مايكل أنجلو أذكى من أن يجادل، وكان حله للمشكلة بأن غيّر المنظور الذي ينظر سوديريني منه للتمثال دون أن يشعره أن وقفته هي السبب وراء رؤيته للتشوه.
مفاتيح للسطوة:
في عالم السطوة عليك أن تتعلم التأثير طويل الأمد لأفعالك على الآخرين. المشكلة في محاولة إثبات وجهة نظرك أو تحقيق نصر بالجدال أنك لا تعرف في النهاية تأثير ذلك على من تجادل: فقد يتفقون معك تأدبًا ولكن يستاءون منك في داخلهم، وربما تكون قد قلت شيئًا يجرحهم دون قصد- فالكلمات لها قدرة ماكرة على جعل الناس يفسرونها حسب أهوائهم ونقاط ضعفهم، وحتى أفضل البراهين لا تكون مؤثرة لأننا جميعًا لا نثق بالطبيعة المراوغة للكلمات. كما أننا حتى لو اتفقنا مع شخص في رأيه فإننا نعود بأيام لآرائنا القديمة ليس لشيء إلا لأننا اعتدنا عليها.
ولتفهم أن الكلمات لا قيمة لها في ذاتها، فكلنا نعرف أننا في حدة الجدال نقول أي شيء يدعم رأينا، كأن نستشهد بالكتب المقدسة أو بإحصاءات غير مؤكدة، فمن قد يقتنع بمثل هذا التحايل؟. الأفعال والعروض تكون أقوى في تأثيرها ومغزاها، فهي تحدث أمامنا ونراها، حينها يمكننا أن نقول كما قال سوديريني «نعم. رأس التمثال الآن متقنة» دون كلمات جارحة أو سوء تفسير، فلا أحد يجادل في عرض واقعي. وكما قال بالتسار جراتسيان «الحقيقة في عمومها تُرى ولا تُسمع».
كان السير كريستوفر رين هو النموذج الإنجليزي من رجال عصر النهضة الموسوعيين، فكان يتقن الرياضيات والفلك والفيزياء والفسيولوجي، ومع ذلك كان كثيرًا ما يطلب منه رعاته طوال تاريخه المهني إجراء تعديلات غير عملية في تصميماته، ولم يجادل مرة أو يهاجمهم بل كان دومًا يجد أخرى لإثبات وجهة نظره.
في عام 1688 صمم رين بهوا رائعًا في مدينة ويستمنستر، لكن عمدة المدينة انزعج


وأخبر رين بمخاوفه من أن الطابق الثاني ليس آمنًا وأنه قد ينهار فوق مكتبه بالطابق الأول وطلب من ريم أن يقيم عمودين كدعم إضافي. كان رين المهندس الخبير يعلم أن لا فائدة من العمودين وأن مخاوف العمدة ليس لها ما يبررها، ولكنه بناهما فعلا وأرضي العمدة. ولم يعرف أحد إلا بعدها بسنوات وحين كان بعض العمال يستخدمون سقالة عالية أن هذين العمودين لا يصلان إلى السقف.
كان العمودان زائفين لكن حقق كل من الرجلين ما يريده: استطاع العمدة أن يهدأ وأثبت رين للأجيال التالية أن تصميمه الأصلي كان سليمًا وأنه لم تكن هناك ضرورة للعمودين.
سطوة العرض الواقعي تأتي من أنها لا تضع خصمك في موقف الدفاع ويصبح أكثر تقبلاً للاقتناع، فأن تجعلهم يرون ما تقصده بأعينهم أفضل كثيرًا من أن تجادلهم.
قاطع أحد الحاضرين نيكيتا خروتشوف بينما كان يلقي خطابًا يتبرأ فيه من جرائم ستالين، وسأله المداخل «لقد كنت زميرً لستالين، فلماذا لم توقفه حينها؟» فتظاهر خروتشوف بأنه لم ير المتكلم وصاح عاليًا وبقسوة «من قال هذا؟» فلم يجب أحد، بعدها بثوان من الصمت الكثيف قال خروتشوف بصوت هادئ «الآن تعرف لماذا لم أوقفه». فبدلاً من الجدال بأن الجميع كانوا يشعرون بالخوف أمام ستالين، لأن ظهور أي علامة على التمرد عليه كانت تعني الموت المحقق، بيّن خروتشوف للمداخل كيف كانت مواجهة ستالين- ذلك الشعور بالريبة والخوف من التكلم والهلع عند مواجهة القائد والذي كان هذه المرة خروتشوف نفسه. كان هذا العرض محركًا للنفس ولم تكن هناك حاجة بعده لأي جدال.
أقوى إقناع هو ما يتجاوز الأفعال إلى الرموز فقوة الرموز- مثل الراية أو القصص الديني أو النصب الذي يمجد ذكرى مشحونة بالعواطف- تجعل الجميع يفهمك دون أن تقول شيئًا. في عام 1975 كان هنري كيسنجر يجري محادثات


مجهدة لإقناع الإسرائيليين بإعادة صحراء سيناء التي احتلوها في عام 1967، وفي ذروة اجتماع متوتر قرر أن يقدم لهم درسًا عمليًا فقطاع الاجتماع ليصحبهم إلى قلعة قديمة في ماداسا وكان الإسرائيليون يعرفون أنه المكان الذي فضّل فيه سبعمائة محارب يهودي في عام 73 ميلادية الانتحار على الاستسلام للقوات الرومانية التي تحاصرهم. فهم الإسرائيليون بسرعة مغزى زيارة كيسنجر للمكان: كان يتهمهم بطريقة غير مباشرة بأنهم ينشدون الانتحار الجماعي. وعلى الرغم من أن الزيارة نفسها لم تغير رأيهم إلا أنها جعلتهم يفكرون بجدية أكبر مما كان سيفعله أي تهديد مباشر، فالرموز من هذا النوع تكون لها دلالة نفسية كبيرة.
عند سعيك للسطوة أو في رغبتك للحفاظ عليها عليك دائمًا أن تبحث عن الطريق غير المباشر والملتف، وكذلك أن تختار معاركك بحرص، وإن رأيت أنك لن تستفيد على المدى الطويل من اكتساب أشخاص معينين إلى صفك- أو إن كان الوقت والتجارب ستعلمهم ما تعنيه، فلن يكون عليك حتى جهد الاهتمام بعرض الأمر لهم. وفر طاقتك وابتعد.
الصورة: المنشار
المجادلون كالمنشار يتحركون صعودًا وهبوطًا دون أن يصلوا لأي مكان تحل عن المنشار وبّين للآخرين ما تريد دون جدال أو صخب. ارفعهم ليروا فكرتك واترك للجاذبية أن تأخذهم برفق إلى الأرض
اقتباسمن معلم: لا تجادل. في المجتمع ليس هناك مكان للمناقشة بل لإظهار النتائج فحسب. (بنيامين دزرائيلي. 1804- 1881).
عكس القاعدة:
الجدال اللفظي له دور واحد في علم السطوة وهو تشتيت الانتباه والتغطية على حيلك حين تخادع أو حين يتم الكشف عن كذبك. في هاتين الحالتين من صالحك أن تجادل بكل ما تستطيع أن تحشده من أنواع البراهين والحجج. استدرج


خصمك إلى جدال لتشتيت ذهنه عن تحركاتك المخادعة، وحين يتم الكشف عن كذبك كلما أظهرت أنك أكثر حماسًا ويقينًا من موقفك يقل شعور الآخرين بأنك تكذب.
هذا الأسلوب ساعد محتالين كثيرين على إخفاء حيلهم. ذات مرة استطاع الكونت فيكتور لوستج وكان محتالاً بارعًا- أن يبيع للسذج بأرجاء البلاد صندوق أقنعهم أن يطبع المال، وكان الضحايا لا يحبون عامة التوجه للشرطة خوفا من أن يتعرضوا للحرج العام. لكن المأمور ريتشاردز من مقاطعة رمسن بولاية أوكلاهوما لم يكن من النوع الذي يرضي أن يحتال عليه أحد في مبلغ 10000 دولار ويسكت، فطارد لوستج إلى أن وجده بفندق في شيكاغو.
سمع لوستج طرق الباب وحين فتح رأي المأمور يوجه نحوه بندقية، فسأله لوستج بهدوء «ما الأمر؟» فصرخ المأمور «يا ابن ... سوف أقتلك، لقد خدعتني وبعت لي هذا الصندوق الحقير» ادعي لوستج التحير وقال «هل تعني أنه لم يعمل؟» فأجابه المأمور «أنت تعلم أنه لا يعمل» فرد لوستج «مستحيل أنه لا يعمل. هل شغلته بطريقة صحيحة؟» فأجاب «لقد فعلت ما قلت لي بالضبط» فقال لوستج «لا. لابد أنك ارتكبت خطأ ما؟ وظل الجدال يدور على نفس المنوال وبدأت البندقية تنخفض.
بعد ذلك انتقل لوستج إلى المرحلة الثانية من تكتيكات الجدال: بدأ يصب وابلاً من التعليقات التقنية المبهمة حول طريقة تشغيل الصندوق» وأخذ يضلل المأمور والذي لم يعد واثقًا في كلامه وأخذ جداله يضعف، وأخيرًا قال له لوستج «انظر... سأرد لك مالك وسأعطيك تعليمات مكتوبة لتشغيل هذه الآلة وسآتي معك إلى أوكلاهوما للتأكد من أنها تعمل جيدًا، وهكذا لن يكون لديك شيء تخسره». وافق المأمور بتردد وحتى يرضيه تمامًا قدم له لوستيج مائة ورقة من فئة المائة دولار وطلب منه أن يهدأ ويستمتع بإجازته الأسبوعية في شيكاغو. هدأ المأمور وزالت


حيرته ورحل. في الأيام التالية ظل لوستج يتفحص الجريدة يوميًا وأخيرًا وجد ما يبحث عنه: خبر صغير يصف القبض على المأمور ومحاكمته وإدانته بتهمة ترويج نقود مزيفة. فاز لوستج بالجدال ولم يعد المأمور ليزعجه من جديد.


** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة



القاعدة
10
احذر من البائسين
حتى لا تنتقل إليك عدواهم
الحكمة:
بؤس الآخرين قد يقتلك- فالمشاعر معدية كالمرض. قد تظن أنهم غرقى وأنك تساعدهم بينما أنت بذلك لا تفعل سوى أنك تدفع بنفسك إلى الكارثة. البائسون أحيانا يجلبون العسر لأنفسهم وقد يجلبونه لك أيضًا. دعك منهم وخالط السعداء والمحظوظين حتى ينتقل إليك حظهم.


انتهاك القاعدة:
وُلدت ماري جلبرت في ليمريك بإيرلندا عام 1818، وهاجرت إلى باريس في عام 1840 بحثًا عن فرصة للعمل كراقصة وممثلة، واتخذت لنفسها اسم لولا مونتيز (فقد كانت أمها من أصول إسبانية بعيدة)، وادعت أنها راقصة فلامنجو من إسبانيا. في عام 1845 كان عملها متعثرًا ولكي تستمر كان عليها أن تصبح محظية- وبسرعة أصبحت أشهر محظية في باريس.
كان هناك رجل واحد يستطيع أن ينقذ مستقبل لولا كراقصة وهو ألكسندر دو جارييه صاحب الجريدة الأكثر توزيعًا في فرنسا وقتها والناقد الفني في الجريدة. عزمت لولا على أن تتقرب منه وتسيطر عليه. درست عاداته وعرفت أن يخرج كل صباح لركوب الخيل، وكانت هي ذاتها متميزة في ركوب الخيل، وذات صباح مرت بالحصان واصطدمت به «صدفة» وبعدها بدءا في الالتقاء كل صباح يتجولان معا بالخيل وبعدها بأسابيع انتقلت لتسكن معه.
عاشا سعيدين معا لفترة، وتمكنت لولا بمساعدة دوجارييه أن ترسخ عملها كراقصة، وعلى الرغم من أن علاقته بها كانت تهدد وضعه الاجتماعي، فقد أخبر ألكسندر أصدقاءه أنه سيتزوج لولا (والتي لم تخبره أبدا أنها فرت من منزلها في عمر التاسعة عشرة مع رجل إنجليزي وأنها لا تزال قانونا زوجته). على الرغم من أن حب ألكسندر لها كان عميقًا وصادقًا إلا أن حياته بدأت في التداعي والانهيار بسببها.
تعثرت أعماله وبدأ أصحابه النافذون يبتعدون عنه، وذات مرة تلقى دعوة لحضور حفل يضم أثرياء باريس من الشباب وأرادت لولا أن تصحبه ولكنه رفض، وبدأ شجارهما الأول، وذهب للحفل بمفرده، وهناك وفي سكره سب ناقد فني هو جان- بابتست روزيمون دي بوفالون، ربما لشيء كان جان قد قاله عن لولا، وطلبه جان للمبارزة بالسلاح في اليوم التالي، وكان بوفالون أشهر من يصوب بالمسدس في فرنسا، وحاول ألكسندر أن يتهرب ولكن أجريت المبارزة وأصيب


ألكسندر ومات. وهكذا انتهت حياة واحد من أنشط الشباب في باريس وأكثرهم نجاحًا، وانهارت حياة لولا فغادرت باريس.
في عام 1846 استقرت لولا في ميونيخ وقررت أن تتقرب من لودفيج ملك بافاريا ووجدت ووجدت أن أفضل طريقة للوصول إلى لودفيج هي عن طريق مساعده الكونت أتو فون ريشبرج والذي كان مغرما بالحسناوات. ذات يوم وحين كان الكونت يتناول إفطاره في أحد المقاهي مرت لولا على حصانها ووقعت أمامه عن السرج «صدفة»، فقام الكونت ليساعدها وافتتن بها، ثم وعدها أن يقدمها إلى لودفيج.
دير ريشبرج مقابلة للولا مع الملك، لكن حين وصلت إلى حجرة الانتظار سمعت الملك يقول أنه ليس لديه وقت لمقابلة امرأة أجنبية تطلب الحظوة، فدفعت لولا الحراس، ودخلت إليه غير عابئة وأثناء ذلك تمزق صدر ثوبها (ربما بفعلها أو على يد أحد الحراس) وأخذت الدهشة الجميع خاصة الملك أن يظهر نهدا لولا عاريين بصفاقة، وتمت الموافقة على أن تقدم لولا عرضا راقصا أمام الملك، وبعد ذلك بخمس وخمسين ساعة ظهرت لولا لأول مرة على خشبة المسرح البافاري. تلقت نقدًا رهيبًا ولكن ذلك لم يمنع لودفيج من أن يرتب لها فرصة أخرى للعرض.
كان لودفيج حسب تعبيره هو «مسحورًا» بلولا، وبدأت تظهر معه في المناسبات العامة متعلقة بذراعه، واشترى لها شقة وأسسها في أرقى الشوارع في ميونخ، وعلى الرغم من أنه كان مشهورًا بالبخل وأنه لم يكن من النوع الذي يستجيب للأهواء، أخذ يغدق عليها بالهدايا ويكتب الشعر من أجلها، ولأنها أصبحت محظيته المقربة فقد نالت الشهرة والثروة بين ليلة وضحاها.
بدأت لولا تفقد الإحساس بالمعقولية. ذات مرة وبينما كانت تتجول بحصانها كان يتجول أمامها رجل مسن ولم يعجبها تباطؤه، وعندما لم تستطع أن تسبقه بدأت تجلده بسوط الحصان. مرة أخرى خرجت مع كلبها غير مقيد للتنزه فهاجم أحد
العابرين، وبدلا من أن تساعد العابر بإبعاد الكلب عنه بدأت تضرب الرجل باللجام. أثارت مثل هذه الأحداث غضبا شديدا لدى مواطني بافاريا المعروفين بالشدة ولكن لودفيج ناصر لولا بل ومنحها الجنسية وجعلها مواطنة بافارية، وحاولت بطانته أن يبينوا له مخاطر الإقدام على مثل هذه الخطورة ولكن كان كل من ينتقد لولا يُطرد سريعا.
كان البافاريون من قبل يحبون ملكهم وأصبحوا الآن يحتقرونه، في حين حصلت لولا على لقب كونتيسة وبُني لها قصر جديد وبدأت تخوض في السياسة وتقدم للملك نصائح في شئون البلاد، وأصبحت هي القوة العظمى في المملكة وزاد تأثيرها على رئيس الوزراء وكانت تتعالى على الوزراء الآخرين. النتيجة أن اجتاحت الاضطرابات أنحاء البلاد، وأصبحت هذه المملكة التي كانت تنعم من قبل بالسلام على شفا حرب أهلية وأخذ الطلاب في كل مكان يهتفون «الموت للولا».
في فبراير عام 1848 لم يعد لودفيج قادرًا على تحمل الضغط وفي حزن أمر لولا أن تغادر بافاريا فورًا، ورحلت ولكن ليس قبل أن تتلقى تعويضًا كافيًا. وطوال الأسابيع الخمسة التالية استقر غضب الشعب البافاري ضد الملك الذي خسر محبتهم له، وفي مارس أجبر على النزول عن العرش.
رحلت لولا مونتيز إلى إنجلترا، وكان أكثر ما تريد هو الشعور بالاحترام والتقدير، وعلى الرغم من أنها لا تزال متزوجة قانونًا وضعت أنظارها على جورج ترافولد هيلد، وكان قياديًا واعدًا بالجيش وابن محامي نافذ بالمحاكم العليا، وعلى الرغم من أن هيلد كان يصغرها بعشرة سنوات وكان يمكنه أن يتخير زوجة من أجمل وأغنى الفتيات بالمجتمع الإنجليزي، إلا أنه وقع في سحرها وتزوجا عام 1849، وبسرعة تم القبض عليها بتهمة الجمع بين الأزواج ولكنها خرجت بكفالة وهربت مع هيلد إلى إسبانيا. كانا يتشاجران بعنف وذات مرة جرحته لولا بسكين، وفي النهاية طردته من حياتها. حين عاد لإنجلترا وجد أنه فقد منصبه في الجيش وأنه منبوذ من المجتمع الإنجليزي. رحل إلى البرتغال وعاش في فاقة وبعد أشهر قليلة انتهت حياته القصيرة في حادثة في حادثة بالمراكب.


بعدها بسنوات أفلس الرجل الذي نشر قصة حياة لولا مونتيز.
في عام 1853 هاجرت لولا إلى كاليفورنيا حيث قابلت وتزوجت رجلا هو بات هل، وكانت علاقتهما عاصفة كباقي علاقاتها، وهجرته إلى رجل آخر، فهرب هل إلى الخمور وأصيب باكتئاب استمر معه إلى أن مات بعدها بأربع سنوات وكان لا يزال في ريعان شبابه.
في عمر الوحد والأربعين تخلت لولا عن تأنقها وممتلكاتها المترفة واتجهت إلى الدين، وطافت أنحاء أمريكا تلقي محاضرات دينية في زي أبيض وحول رأسها وشاح يشبه الهالة. ماتت لولا بعد ذلك بعامين أي في عام 1861.
التعليق:
كانت لولا مونتيز تجذب إليها الرجال بالإغواء لكن سطوتها عليهم كانت تتجاوز الجنس، فقوة شخصيتها هي التي كانت تبقي العشاق في أسرها. كان من يعرفونها من الرجال يشعرون وكأنهم ينجذبون إلى دوامة تدور حولها، وكانت توّلد لديهم إحساسًا بالتشوش والاضطراب ولكن ما تستثيره فيهم من انفعالات كانت يشعرهم بقوة بنبض الحياة.
وكما في كل حالات العدوى، كانت المشكلات تظهر بمرور الوقت. كان تقلب لولا الفطري يتسلل إلى من يحبونها، ويجدون أنفسهم متورطين في مشاكلها لكن ارتباطهم العاطفي بها كان يجعلهم في مساعدتها تلك كانت النقطة الحرجة في المرض- فلم يكن ممكنا تعافي لولا من مشاكلها، لأن مشكلاتها كانت عميقة بداخلها، وبمجرد أن يتوحد عاشقها مع هذه المشكلات كان يضيع ويجد نفسه متورطًا في النزاعات، وكانت العدوى تنتقل إلى أسرته وأصدقائه، وفي حالة لودفيج انتقلت العدوى إلى أمة بكاملها. كان الحل الوحيد لمن يعرفها هو أن يستأصلها من حياته حتى لا يعاني من الانهيار المحتوم.
نمط الشخصية المعدية لا يقتصر على النساء، فهو سمة لا ترتبط بالجنس بل تنشأ عن حدة اضطراب عميقين في مشاعر الشخص وأهوائه وتتسربان إلى تصرفاته وعلاقاته للشخص فتجلبان عليه الكوارث وتدفعانه للدمار والفوضى. قد يتطلب الأمر منك عمرا لتفهم الأسباب التي تؤدي لتكوين هذه السمات لكن الأفضل أن تدخر وقتك وجهدك وأن تتعلم الدرس، وحين ترى أن أحد المقربين منك ليس لديه السمات لا تجادله ولا تحاوله أن تهديه وتصلحه ولا تقدمه إلى معارفك وأصدقائك، بل فقط ابتعد حتى تحمي نفسك من عواقب صحبته.
هذا الكاسيوس عليه مشهد الجائع المحروم ويطيل التأمل والتفكير... ليس هناك رجل على أن أتجنبه أكثر من هذا الكاسيوس الهزل... فأمثال خطرهم كبير لأن نفوسهم لا يمكنها أن تنعم بالسلام والسكينة طالما يرون أحدا يفوقهم عظمة ومجدا.
يوليوس قيصر، ويليام شكسبير 1564. 1617
مفاتيح للسطوة:
يستحق البائسون الذين أحبطتهم الظروف الخارجة عن إراداتهم كل ما يمكننا أن نقدمه لهم من مساعدة وتعاطف. لكن هناك آخرون لم يولدوا للبؤس والتعاسة بل يجلبونها لأنفسهم بأفعالهم المدمرة وتأثيرهم المشوش على الآخرين، ربما يكون من النبي أن نستطيع أن نرتفع بهم ونغير أساليبهم لكن الغالب هو أن أساليبهم هي التي تخترقنا وتغيرنا، والسبب في ذلك بسيط وهو أن الناس معرضون للغاية للتأثر بمزاج وأهواء وحتى طرق تفكير خلانهم الذين يقضون معهم أوقاتًا طويلة.
هؤلاء التعساء والمتقبلون الذين لا أمل في شفائهم تكون لديهم قدرة كبيرة على نقل عدواهم إلى الآخرين لأن طباعهم وانفعالاتهم تكون غاية في الحدة والتأثير، وغالبا ما يظهرون أنفسهم ضحايا بحيث يصعب في البداية أن ترى أن بؤسهم من صنع أيديهم، وقبل أن تعرف الطبيعة الحقيقية لمشاكلهم تكون قد أصبت بعدواهم.
ولتفهم أن في لعبة السطوة يكون اختيارك لمن تصاحب مصيريا، وخطر الاختلاط بالمعديين هو أنهم يجبروك أن تهدر وقتًا وجهدًا ثمينين كي تحرر نفسك منهم ومن مشاكلهم، كما أن صحبتهم تجعلك متهمًا في عيون الآخرين بالتواطؤ في جرائمهم. عليك إذن أن لا تستهن أبدا بمخاطر العدوى.


هناك أنوع عدة من المعدين عليك أن تتنبه لهم، لكن أخبثهم وأشدهم خطرًا هم من يعانون من السخط المزمن. كان كاسيوس الذي تآمر ضد يوليوس قيصر لا يشعر بالرضا أبدًا بسبب عمق شعوره بالحسد ولأنه لم يكن يحتمل أبدًا أحدًا أعلى منه موهبة، وقد أبعده قيصر عن أول منصب حاكم وأعطاه لبروتوس ربما لما استشعره لدى الرجل من بغض متناه لكل من حوله. أخذت كراهية كاسيوس لقيصر تزداد إلى أن أصبحت مرضًا، بروتوس نفسه وكان جمهوريًا مخلصًا بدأ يكره قيصر ولكن لو تحلى بالصبر وانتظر لأصبح الرجل الأول في روما بعد وفاة قيصر وعندها كان يمكنه إصلاح ما ارتكبه هذا القائد من شرور، ولكن كاسيوس كان قد عداه بما لديه من ضغينة، وكان ذلك بداية مأساة هائلة، فكم من الآلام كان يمكن تجنبها لو تعلم بروتوس أن يحذر من سطوة العدوى.
الحل الوحيد للعدوى هو الحجر، لكن الوقت يكون غالبًا قد تأخر حين تعرف طبيعة المشكلة، فأمثال لولا يفتنوك بقوة شخصيتهم وأمثال كاسيوس يأسرونك بعمق مشاعرهم نحوك وإيمانك بك. فكيف تحمي نفسك من هذه الفيروسات المخاتلة والخبيثة؟ الإجابة هي أن تحكم على الناس من تأثيرهم على العالم المحيط بهم وليس بالذرائع التي يبررون بها مشاكلهم. فالمعدون يعرفون من المآسي التي يجلبونها لأنفسهم ومن ماضيهم المضطرب وتاريخهم الطويل من العلاقات المحطمة وعدم استقرارهم في عمل وحتى من حدة طباعهم ذاتها التي تجتاحك وتفقدك عقلانيتك. انتبه من البداية لهذه العلامات التي تعرف بها المعديين، وتعلم أن ترى السخط في عيونهم، والأهم هو أن لا تضعفك الشفقة نحوهم ولا تقع في شركهم، لأنك لن تغير المُعدي ولكنك أنت الذي سوف تتحطم من تعاملك معه.
الجانب الآخر من العدوى صحيح أيضًا، بل لعله الأسهل على الفهم: فهناك أشخاص يجلبون السعادة لمن حولهم بما في طبيعتهم من ابتهاج ومرح وطيبة قلب وذكاء، وهم مصدر سعادة وعليك أن تختلط بهم وتصاحبهم وترتبط بهم لكي يصيبك مما يجلبونه لأنفسهم من ازدهار ورخاء.
لا ينطبق ذلك فقط على الطيبة والنجاح: فكل الصفات الإيجابية تعدينا. على الرغم مما كان لدى تاليران من سمات غريبة ومرعبة ولكن كان الكل يجمع أنه من أكثر الرجال في فرنسا لطفًا وسحرًا وبراعة في الدعابة. كان سليل أعرق الأسر الفرنسية وبالرغم من إيمانه بالديمقراطية والجمهورية الفرنسية لم يتخل أبدا عن أسلوبه الراقي والنبيل، وكان نابليون على عكس ذلك من نواح عديدة، فقد كان ريفيًا من كورسيكا قليل الكلام وفظًا وأحيانًا عنيف.
لم يُعجب نابليون بأحد كإعجابه بتاليران، فكان يحسد وزيره على طريقته في تعامله مع الناس ودعابته وقدرته على سحر الناس، وكان يعمل على أن يظل تاليران بجانبه أطول وقت ممكن حتى يمتص منه الثقافة التي كان يفتقدها، وما من شك أن نابليون قد اغير أثناء حكمه فقد تلطفت أساليبه الخشنة بسبب صحبته لتاليران.
عليك أن تستغل هذا الجانب الإيجابي من التناضح الانفعالي لصالحك، فإن كنت بخيلا بطبيعتك فلن تصل في السطوة إلا إلى حد معين لأن الأسخياء وحدهم هم من ينالون المجد. اختلط بالكرماء فيعدونك بكرمهم ويفتحون كل مغلول ومقيّد في سماتك. وإن كنت متشائمًا تقرب من المبتهجين وإن كنت أميل للعزلة صاحب المنطلقين. لا تخالط أبدا من لديهم نفس نقائصك لأن ذلك يرسخ لديك ما يعيقك عن تحقيق أحلامك. اجعل ارتباطك بالآخرين دائمًا من أجل اكتساب السمات الإيجابية، وليكن ذلك شعارًا لحياتك لأنه سوف يفيدك أكثر نمن أي علاج في العالم.
الصورة الفيروس
يدخل في مسامك دون إنذار وينتشر صامتًا وببطء
وقبل أن تنتبه لعدواه تجدها قد انتشرت داخلك
اقتباس من معلم: تعرف على المحظوظين لتصاحبهم وعلى البائسين لتبتعد عنهم. البؤس غالبًا ما يكون جزاء الحماقة، وليس هناك ما تكسبه من البائسين سوى العدوى من بؤسهم. لا تفتح بابك للبؤس مهمًا كان صغيرًا، لأنك إن فعلت فلن


يظل وحده بل سيجر معه المزيد والمزيد من الكوارث.. فلا تدع شقاء الآخرين يقتلك. (بالتسار جراتسيان 1601- 1658)
عكس القاعدة:
هذه القاعدة لا تسمح بوجود عكس لها، فتطبيقاتها شاملة. ولا جدوى من مصاحبة من يعدونك ببؤسهم ولن تجني من صحبة المحظوظين غير السطوة. فلا تخاطر وتتجاهل هذه القاعدة.



** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
11
تعلم أن تحتفظ
باعتماد الآخرين عليك

الحكمة
لكي تحافظ على حريتك واستقلالك بين الناس عليك أن تجعلهم محتاجين إليك ومعتمدين عليك لتحقيق سعادتهم وازدهارهم، لكن لا تعلمهم أبدا ما يمكنّهم من الاستغناء عنك.


انتهاك القاعدة:
في وقت ما من العصور الوسطى قام جندي مرتزقة لم يذكر التاريخ اسمه بإنقاذ مدينة سيينا من معتد خارجي، فتحيّر المواطنون كيف يكافئونه؟. لم يكن أي مال أو منصب يكافئ حفاظه للمدينة على حريتها، فكروا أن يجعلوه حاكما ولكنهم لم يروا في ذلك تعويضا كافيا. قام أحدهم وخاطب الجمع المحتشد لمناقشة هذا الموضوع وقال «فلنقتله إذن ونعبده كقديس يرعى المدينة» وفعلوا ما أشار به عليهم.
كان الكونت كارمانيولا من أنجح الجنود المرتزقة وأكثرهم شجاعة. في عام 1442 كان مجندا لصالح مدينة البندقية في حربها الطويلة مع فلورنس. تم استدعاء الكونت فجأة إلى البندقية ولأنه كان محبوبا من شعب المدينة لذلك استقبله الناس بكل مظاهر التكريم والحفاوة، وكان مقررًا أن يحضر مأدبة عشاء مع القاضي في قصره. لكن في طريقه إلى المأدبة لاحظ أن الحراس يأخذونه إلى طريق غير الطريق المعتاد، وحين عبر جسد التنهدات الشهير عرف فجأة إلى أين يأخذونه، إلى السجن حيث تمت إدانته بتهمة ملفقة وفي اليوم التالي وفي ميدان بيازا سان ماركو وأمام جمع مرتعب لا يعلم هذا التغير في الأحوال، تم قطع رأسه.
التعليق:
عانى الكثيرون من المرتزقة في إيطاليا في عصر النهضة مصير القديس الراعي في سيينا والكونت كارمانيولا: كانوا ينتصرون في حرب بعد الأخرى لمن يوظفونهم وبعدها يتم سجنهم أو نفيهم أو إعدامهم. لم تكن المسألة مجرد نكران للجميل، ولكن كان دائما هناك الكثيرون من المرتزقة المساوين لهم في البراعة الذين يمكن أن يحلوا محلهم، ولم تكن هناك خسارة من قتلهم، كما أن الأكبر سنا منهم كانوا يحصلون على السطوة لأنفسهم وكانوا يطلبون المزيد والمزيد من الأموال مقابل خدماتهم. كان من الأفضل إذن التخلص منهم والحصول على مرتزقة أقل سنا وأقل أجرا. كان ذلك هو مصير الكونت كارمانيولا الذي كان قد بدأ في التصرف بوقاحة واستقلال دون أن يتأكد من عدم قدرة أوليائه على الاستغناء عنه ظنا منه أن الحظوة ستدوم له.


عن العرش مستشعرا أن ليس لديه القوة للتعامل مع مثل هذا الموقف الخطير وغير المستقر. استطاع بسمارك أن يقحم نفسه مرة أخرى، وناصر الملك الجديد ومنحه العزم للحكم والتصرف بحزم وصرامة، وهكذا أصبح ويليام معتمدا على التكتيكات القوية لبسمارك ليبعد عنه أعداءه، وعلى الرغم من كراهيته للرجل فقد جعله رئيسا للوزراء. كان الرجلان يختلفان في السياسة لأن بسمارك كان محافظا، لكن الملك كان يدرك اعتماده شخصيا عليه وحين كان بسمارك يهدد بالاستقالة كان الملق يستسلم لرأيه في كل مرة. أي أن بسمارك كان الصانع الحقيقي لسياسة الدولة.
بعد سنوات أدت أعمال بسمارك كرئيس للوزراء إلى توحيد الولايات الألمانية في دولة واحدة، وبذلك تمكن الملك بفضل بسمارك من التتوج إمبراطورا على ألمانيا، ولكن الحقيقة أن بسمارك هو من نال ذرا السطوة فقد أصبح الذراع اليمنى للإمبراطور ومستشارا للإمبراطورية وأميرا بالتكريم، وكان هو المحرك لكل مفاصل الإمبراطورية.
التعليق
كان السياسيون الشباب الطامحون في الساحة السياسية الألمانية في أربعينات القرن التاسع عشر يختارون مناصرة الأكثر سطوة لجعل تحالفهم معه قاعدة لبناء سطوتهم الشخصية، لكن بسمارك رأي الصورة بشكل مختلف حيث اعتبر أن التحالف مع الأكثر سطوة حماقة: لأنه سوف يبتلعك كما ابتلع حاكم البندقية كونت كارمانيولا لأنه لن يكون في حاجة ماسة إليك إن كان بالفعل قويا، وأنه لتحقيق طموحك عليك أن تبحث عن حاكم أو ولي ضعيف وتتحالف معه بحيث يعتمد عليك، فتكون أنت قوته وذكاؤه وعماد سطوته، ولا يستطيع أن يستغني عنك لعلمه أنه بدونك سيتهدم البناء بأكمله.
الضرورة تحكم العالم، فالناس لا يعلمون ما لم يحركهم دافع، وإن لم تجعلك لوجودك ضرورة فستجد نفسك مطرودا في أول فرصة. على العكس من ذلك، إن
كنت تفهم السطوة وجعلت الآخرين يعتمدون عليك لتحقيق مصالحهم، وإن كنت تعوّض ضعفهم بقدرتك على التصرف «بالحديد والدم» كما قال بسمارك، فسوف تنجو من غدر أوليائك كما نجا بسمارك، وسوف تجني كل ثمار السطوة دون أن تؤلمك أشواكها.
هكذا فإن الأمير الحكيم هو من يعمل بكل الطرق لجعل مواطنيه بكافة طوائفهم وفي كل الظروف يعتمدون على الدولة وعليه، وحينها فقط يمكن أن يثق بهم نيقولا مكيافيللي 1496- 1527
مفاتيح للسطوة:
غاية السطو هي أن تجعل الناس يفعلون ما تريد، وحين تستطيع أن تحقق ذلك دون أن تجبرهم أو تؤذيهم بل تجعلهم طوعا يمنحونك ما تريده منهم ستكون سطوتك فوق المساس. وأفضل ما يمكنك أن تحقق به هذا الوضع هو أن تتأكد من اعتمادهم عليك، أي أن يكون وليك محتاجا لخدماتك بحيث يضعف وتتعطل أعماله من دونك، وأن تدمج نفسك في صلب أعماله بحيث يؤدي تخلصه منك إلى مصاعب قصوى أو على الأقل إلى إهدار وقت ثمين في تدريب من يحل محلك. بمجرد أن تترسخ هذه العلاقة تصبح لك اليد العليا، وتملك الخيط الذي يجعل وليك يفعل ما تريد. تلك هي الحالة المعهودة التي نرى فيها رجلا من كواليس الحكم أو أحد أتباع الملك يتحكم بمقاليد الأمور. لم يكن على بسمارك أن يستأسد على فريدريك أو على ويليام لينفذا ما يطلبه منهما، بل أوضح لهما أنهما إن لم يفعلا ما يريد فسوف ينسحب ويترك مُلكهما في مهب الريح، والنتيجة أن الملكين كانا يرقصان على الأنغام التي كان يعزفها لهما.
لا تخطئ مثل الكثيرين الذين يعتقدون أن الشكل الأمثل للسطوة هو الاستغناء عن الناس، فالسطوة علاقة بين البشر، وسوف تظل دائما في حاجة إلى حلفاء أو أتباع أو حتى أولياء ضعاف يصبحون واجهة لك. الشخص المستغني عن الآخرين تماما يشبه من يعيش في كوخ في الغابة تكون له حرية الذهاب إلى أي مكان يريده
ولكن لا تكون له أي سطوة، أما أفضل ما يمكنك أن تتمناه هو أن يعتمد الآخرون عليك، فتستمتع بما يمكن اعتباره معكوس الاستغناء: أي أن احتياج الآخرين إليك هو الذي يحررك.
كان لدى لويس الحادي عشر «الملك العنكبوت» (1423- 1483) ملك فرنسا العظيم ضعفًا خاصة نحو التنجيم، وكان يحتفظ في بلاطه بمنجم يغدق عليه بالرعاية والتكريم إلى أن أتى يوم تنبأ فيه الرجل بأن امرأة من القصر سوف تموت بعد ثمانية أيام وتحققت النبوءة شعر لويس بالفزع من أن يكون المنجم قد قتل المرأة ليثبت دقة نبوءاته أو أنه قد أصبح متمكنًا من علمه لدرجة قد يؤذي بها الملك نفسه، وفي الحالتين رأى لويس أن عليه أن يقتله.
ذات ليلة استدعى لويس المنجم إلى غرفته في قمة قلعة شاهقة، وقبل أن يصل الرجل كان قد أخبر الحراس بأن عليهم حين يعطيهم الإشارة أن يحملوا الرجل ويقذفوا به من النافذة التي ترتفع عن الرض مئات الأقدام.
حضر المنجم بسرعة، وقبل أن يعطي لويس الإشارة قرر أن يسأله سؤالاً أخيرًا: «أنت تدعي أنك عليم بالتنجيم وتعرف مصائر الآخرين فأخبرني عن مصيرك أنت وإلى متى سوف تعيش؟».
أجاب المنجم «سوف أموت قبل ثلاثة أيام من موت جلالتكم»، ولم يعط الملك الإشارة بعدها أبدا ونجا الرجل، ولم يعد الملك العنكبوت يحمي هذا الرجل طوال حياته فحسب بل أسرف في الإنعام عليه بالهدايا وجعل أفضل الأطباء يتابعون صحته.
عاش المنجم سنوات عديدة بعد موت لويس تكذيبا لسطوته في التنجيم ولكن تأكيدا لبراعته في السطوة.
النموذج هنا كالتالي: أجعل الآخرين يعتمدون عليك بحيث يصبح التخلص منك يعني لهم الكارثة أو حتى الموت فلا يستطيع وليك أن يتخيل مصيره بدونك. هناك عدة طرق لتحقيق ذلك أفضلها أن تمتلك موهبة أو مهارة خلاقة لا يمتلكها غيرك.
في عصر النهضة كانت العقبة الأساسية التي تواجه أي فنان هي أن يجد راعيا مناسبا، وكان مايكل أنجلو أفضل من يفعل ذلك: كان راعيه هو البابا يوليوس الثاني، إلا أنهما تشاجرا معا بشأن بناء القبر الرخامي للبابا وغادر مايكل أنجلو روما غاضبًا. اندهش رجال الكنيسة من أن البابا لم يمتنع عن طرد مايكل أنجلو فحسب بل بحث عنه وتوسل إليه- ولكن بكبرياء- أن يبقى. كان البابا يعلم أن مايكل أنجلو سيجد قطعا راعيا آخر لكنه لن يجد أبدا مايكل أنجلو آخر.
لست مضطرا لامتلاك موهبة فذة كموهبة مايكل أنجلو، لكن عليك أن تمتلك مهارة تميزك عن الآخرين. عليك أن تجعل موقفك يسهّل لك دائمًا أن تجد وليًا أو راعيًا آخر ويصّعب على وليك أن يجد مستخدمًا آخر له نفس مواهبك. وإن كنت بالفعل لا تُعوض في قدراتك فابحث عن طريقة تظهر بها أنك لا تُعوض.
هذا ما يعينه تضافر المصائر: عليك أن تكون كاللبلاب المتسلق تلتف بقوة حول من يملكون السطوة بحيث تسبب لهم ضررًا كبيرًا إن حاولوا الانفصال عنك. ليس عليك بالضرورة أن تربط نفسك مباشرة بوليّ الأمر ولكن بأي شخص آخر ترى أنه جزء لا يتجزأ من سلسلة السطوة.
في أحد أيام عام 1952 فوجئ هاري كوهن صاحب الشركة السينمائية كولومبيا بيكتشرز بمدرائه التنفيذين يدخلون عليه في مكتبه متجهمين وكانت هذه الفترة هي ذروة ملاحقة الشيوعيين من قبل لجنة الأنشطة المضادة لأمريكا في الكونجرس [المكارثية]. أتاه التنفيذيون بأخبار سيئة: فقد تم اتهام كاتب السيناريو هوارد لوسون بأنه شيوعي ونصحوه بالتخلص من لوسون حتى لا يعانوا من عواقب إغضاب اللجنة.
لم يكن هوارد كوهن ليبراليابل جمهوريا متشددا، وكان السياسي المفضل لديه هو بينيتو موسيليني [الفاشي الإيطالي المعروف]، وكان قد ذهب لزيارته ذات مرة وكان يعلق صورته على الحائط في مكتبه، وحين كان يضيق برجل كان يسبه بأنه «شيوعي حقير». لكن اندهش التنفيذيون حين أخبرهم كوهن أنه لن يطرد لوسون. لم يكن


سبب احتفاظه بالكاتب أنه جيد- فقد كان هناك كتاب جيدون كثيرون في هوليود- بل لأنه جزء أساسي من سلسلة متكاملة، فقد كان لوسون كاتب همفري بوجارت وكان بوجارت وكان بوجارت نجم الشركة المفضل، وكان إضراره بلوسون سيخسره أرباحا كبيره للغاية تحققها له هذه المجموعة، وكان ذلك أهم لديه من خطر مواجهة حملة التشهير الرهيبة التي ستشنها اللجنة ضده.
استطاع هنري كيسنجر أن ينجو من عمليات التطهير الوظيفي التي استمرت طوال فترة بقاء نيكسون في البيت الأبيض، ليس لأنه أفضل الدبلوماسيين لدى نيكسون فقد كان لديه مفاوضون أكفاء آخرون، ولم يكن السبب كذلك أن الرجلين يتفقان معا جيدا: فلم يكونا أبدا كذلك ولم تكن لهما حتى نفس القناعات السياسية. نجا كسنجر لأنه رسّخ وضعه في مناطق هامة كثيرة من التركيبة السياسية بطريقة تجعل الاستغناء عنه يؤدي إلى الفوضى. سطوة مايكل أنجلو كانت مشتدة أي قائمة على مهارة واحدة مميزة أي في قدراته كفنان بينما كانت سطوة كيسنجر ممتدة فقد كان فاعلا في جوانب وأقسام عديدة في الإدارة وأصبح انخراطه فيها ورقة لعب يتحكم بها في مجريات الأمور ووفر له ذلك الكثير من الحلفاء. إذا رتبت لنفسك وضعا كهذا فسوف يصبح التخلص منك أمرً خطيرًا- حيث ينهار كل ما كان يعتمد على وجودك. ومع ذلك فإن السطوة المشتدة تعطي حرية أكبر من السطوة الممتدة لأنها توفر لصاحبها الأمان دون اعتماد على أشخاص محددين أو على منصب معين.
من الطرق الأخرى التي تجعل الاخرين يعتمدون عليك هي أن تستخدم تكتيك الاستخبارات لتعرف أسرارهم والمعلومات التي لا يودون لها أن تنتشر وبذلك تربط مصيرك بمصيرهم وتصبح فوق المساس. كان وزراء الشرطة السرية يلعبون هذا الدور طوال التاريخ: كان يمكنهم صنع الملوك أو الرؤساء أو تدميرهم كما في حالة ج. إدجار هوفر [مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية في الأعوام 1924- 1972 الذي اشتهر بملاحقة عصابات المافيا قبل الحرب العالمية الثانية
وبملاحقة الشيوعيين بعدها]، لكن هذا الدور مليء بالمخاطر والتهديدات والشعور بالاضطهاد والمؤامرة، والسطوة التي يمنحها تدمر نفسها لأنها لا تسمح لك أن تحيا آمنا، وما فائدة السطوة إن لم تمنحك الأمن والسلام؟
تحذير أخير: لا تظن أن اعتماد وليك عليك يجعله يحبك بل قد يؤدي به إلى الاستياء منك وخشيتك، ولكن كما قال مكيافيللي الأفضل لك أن يخشاك الناس عن أن يحبوك فأنت تستطيع أن تتحكم بخوفهم منك ولكن لا تستطيع أن تتحكم بحبهم لك، واعتمادك على شعور مراوغ ومتغير مثل الحب أو الصداقة لا يجعلك آمنا. الأفضل لك يعتمد الآخرون عليك من باب الخوف من تبعات فقدانك وليس من باب حبهم لصحبتك.
الصورة
النباتات المعترشة ذات الأشواك
في الأسفل تتعمق جذورها وتمتد. ومن أعلى تدفع نفسها صاعدة من بين الشجيرات تضفر نفسها حول الأشجار والأعمدة وإطارات النوافذ. إن حاول المرء أن يتخلص منها تدميه وتؤلمه ولذلك يفضل أن يبقى عليها
اقتباس من معلم: احتفظ باعتماد الناس عليك فسوف تجني من اعتمادهم عليك أكثر مما تجنيه من لطفهم معك. من يروي عطشه يدير ظهره فورا للنبع لأنه يكتفي منه. وحين يزول اعتماد الناس عليك ينتهي تلطفهم وأدبهم معك وبعدهما يزول احترامهم لك. الدرس الأول الذي تعلمه لك الخبرة هو أن تجعل من حولك يتوقعون منك الكثير دون أن تروي ظمأهم أبدا حتى لا يستطيع الملك نفسه أن يستغنى عنك. (بالتسار جراتسيان 1601- 1658).
عكس القاعدة:
نقطة الضعف في جعل الآخرين يعتمدون عليك هي أن ذلك يجعلك أنت أيضًا معتمدًا عليهم بقدر ما، ولكن محاولتك لتجاوز ذلك تعني أن تتخلص ممن فوقك- وتبقى بمفردك غير معتمد على أحد. كان هذا هو دافع ج.ب. مورجان وجون د.


روكفلر للاحتكار الكامل للأسواق بالتخلص من كل المنافسين. والحقيقة هي أن الأفضل لك أن تتحكم بالأسواق على قدر ما تستطيع.
لكن ليس هناك استغناء دون أن تكون له ضريبة، فهو يجبرك على العزلة والمحتكرون غالبًا ما يدمرون أنفسهم بضغوط من داخلهم، ويستثيرون استياءً قويًا لدى الأخرين ويوحد الأعداء ضدهم. والاندفاع نحو التحكم التام غالبًا ما يكون مدمرًا وعقيمًا. فالاعتماد المتبادل يظل هو القانون الحاكم ويبقى الاستغناء غالبًا الاستثناء القاتل. الأفضل لك أن تضع نفسك في موقع الاعتماد المتبادل وأن تتبع هذه القاعدة المصيرية ولا تبحث عن عكسها، لأنك لن تتحمل الضغط الهائل من أن تكون في القمة وحدك. وباتباعك لهذه القاعدة ستجعل وليك في الأعلى عبدا لك حرفيًا لأنه سيعتمد في بقائه عليك.

** معرفتي **
WWW.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
12
ادفع بالتي هي أحسن:
اكسب ولاء من يهمك
أو ارفع عنك عداءه بالسخاء والصدق
الحكمة
قيامك بفعل واحد ينم عن الطيبة والإخلاص يكفّر عنك لدى الآخرين ويلهيهم عن الشعرات من أفعالك الغادرة؛ والإظهار الصادق للتلطف والكرم يفتح قلوب حتى أكثر الناس ارتيابا. وبمجرد أن ينفتح لك قلب من يهمك يمكنك أن تحركه وتتلاعب به كما تشاء. والهدية التي تقدمها في وقتها المناسب تعمل كالحصان الذي مكّن الإغريق من فتح طروادة.




مراعاة القاعدة:
في وقت ما من عام 1926 ذهب رجل طويل القامة يرتدي سترة من الجوخ بزيارة آل كابون رجل العصابات الأكثر ترهيبا في زمنه. كان الزائر يتحدث بلكنة أوروبية ممتازة وعرّف نفسه بأنه الكونت فيكتور ليستج، ووعد آل كابون بأنه إن أعطاه 50000 دولارًا فسيضاعفها له، وكان لدى كابون أكثر مما يكفي بكثير لتوفير مبلغ هذا «الاستثمار» ولكنه لم يكن ليأتمن غرباء على هذا القدر من المال. تفحص كابون الكونت ورآه مختلفًا في ملبسه وأسلوبه الراقيين، فقرر أن يستمر في اللعبة ورد: «حسنا أيها الكونت، ضاعفها في ستين يوما كما قلت». غادر لوستج ومعه المال ووضعه في صندوق أمانات في شيكاغو ثم توجه إلى نيويورك حيث كان ينفذ عدة خطط لجني المال. ظل المبلغ 50000 دولار في صندوق البنك لم يُمس ولم يبذل أي جهد لمضاعفته، وبعد شهرين عاد إلى شيكاغو وأخذ المال من الصندوق وقام بزيارة أخرى لكابون، وتفحص الوجوه القاسية للحراس الشخصيين وابتسم معتذرًا وقال «أرجوكم بلغوا اعتذاري للسيد كابون، أنا آسف فالخطة فشلت .... أقصد أني فشلت».
قام كابون ببطء وتفحص لوستج وهو يفكر في أي بقعة من النهر سوف يلقيه فيها، ولكن الكونت تحسس جيب معطفه وأخرج 50000 دولار ووضعها على المكتب: «هذا سيدي هو مالك كاملا، مع اعتذاراتي الحارة ثانية. هذا محرج لي جدًا فالأمور لم تتم بالطريقة التي ظننتها، وكم كنت أحب أن يتضاعف مالك من أجلك ومن أجلي، فالله يعلم أني أحتاج هذا المال، لكن الخطة لم تنجح».
تراجع كابون في جلسته متحيًرا «أنا أعرف أنك محتال أيها الكونت. عرفت ذلك من اللحظة التي دخلت فيها إلى هنا، وتوقعت إما أن تعيد إلى مائة ألف دولار أو لا شيء، لكن أن تفعل هذا .... أن تعيد لي مالي بالضبط .... حسنًا!!». فقال لوستج وهو يرفع قبعته استعدادا للرحيل «اعتذاراتي مرة أخرى يا سيد كابون» فصاح فيه
كابون «يا ربي ... أنت فعلا صادق. فإن كنت في ورطة فخذ هذه الخمس لتساعدك على تدبير أمورك» وعد خمس ورقات من فئة الألف دولار من الخمسين ألفًا التي أعطاها إليه لوستج، فأبدى الكونت اندهاشه وانحنى بعمق وتمتم بالشكر وأخذ المال وخرج.
تلك الآلاف الخمسة هي ما كان لوستج يسعى إليه من البداية.
التعليق:
كان الكونت لوستج الذي يتحدث عدة لغات ويتفاخر بدماثته وثقافته واحدًا من أمهر المحتالين، وكان معروفا بجرأته الشديدة والأهم من ذلك أنه كان خبيرا بالنفس البشرية–فكان يستطيع أن يقّيّم الرجل ويكتشف نقاط ضعفه في دقائق. وكان لديه رادار داخلي يكتشف به السذج والمغفلين، وكان يعرف أن معظم الناس تتكون لديهم دفاعات تحميهم من المحتالين ومن غيرهم من المفسدين، ووظيفة المحتال هي أن يسقط هذه الدفاعات.
من الطرق المؤكدة لفعل ذلك هي القيام بتصرف يُظهر الصدق والأمانة، فمن ذا الذي قد يشك في رجل يكشف له موقف مفاجئ أنه صادق؟ وظف لوستج الصدق في مرات عديدة لكنه مع كابون كان أكثر إبداعا، فلم يكن أي محتال يتجرأ أن يقترب من رجل مثل كابون لأن المحتالين يختارون ضحاياهم بسبب خنوعهم ونظرتهم التي توحي بأنهم سيتعلمون الدرس دون شكوى، أما الاحتيال على رجل مثل كابون فيجعلك تعيش في خوف لما تبقى من حياتك (إن بقي منها شيء). لكن لوستج عرف أن رجلا مثل كابون تعلم من تجارب حياته أن لا يثق بأحد، فليس في أي ممن حوله من يتسم بالصدق أو الكرم، وأن الحياة بين الذئاب تصيب الإنسان بالكآبة، وفي مثل هذه الحالات يحب الرجل أن يجد من يعامله بصدق وإخلاص حقيقيين ليشعر بأنه ليس الجميع يشحذون أنيابهم لابتلاعه.
إظهار لوستج الماكر للصدق نزع عداء كابون لأن الأخير لم يكن يتوقعه. ويجب المحتالون هذا التضارب في المشاعر لأنه يلهي ضحيتهم ويسهل عليهم خداعه.
لا تخجل أو تتردد عن استخدام هذه القاعدة مع كل أمثال كابون في هذا العالم، فاستخدام الصدق والسخاء في توقيت دقيق يجعل حتى أشرس الكائنات والوحوش تأتي وادعة لتأكل من يديك.
كل شيء يصبح رماديًا وكالحًا إن لم أجد في الأفق من أخدعه، لأن ذلك يجعل الحياة فارغة وكئيبة.
أنا لا أفهم لماذا يختار الصادقون أن يعيشوا تلك الحياة المملة والمحبطة.
كونت فيكتور لوستج 1890. 1947
مفاتيح للسطوة:
الإلهاء هو جوهر الخدع والمكائد لأنه يشتت أذهان الناس ويوفر لك الوقت والحيز لفعل شيء دون أن يلاحظوا. ويعد التصرف بعطف أو صدق أو سخاء من أقوى أنواع الإلهاء لأنها تقضي على ارتياب الآخرين فيك وتجعلهم كالأطفال يفرحون بأي تلميح ودود.
كان الصينيون القدماء يسمون ذلك «أعط حتى تأخذ» -فعطاؤك يجعل الشخص لا يلاحظ ما تأخذه، وتلك حيلة لها استخدامات عملية لا تحصى. فمن الخطر أن تأخذ من أحد أي شيء عنوة حتى وإن كانت لك سلطة كبيرة لأن ذلك يجعل الضحية يخطط للانتقام منك. ومن الخطر أيضًا أن تطلب ما تريده مباشرة مهما كان تأدبك: لأنه إن لم يجد الشخص فيما تطلبه مصلحة له فسوف يشمئز من ضعفك ومسكنتك. تعلم أن تعطي قبل أن تأخذ فذلك يلطف الأجواء ويبعد عن طلبك في المستقبل طعمه اللاذع أو ببساطة يشتت عنه الانتباه. وقد يأخذ العطاء أشكالا كثيرة كالهدية أو التصرف بسخاء أو تقديم معروف أو التعبير عن إعجاب «صادق» أو أي شيء آخر قد يقتضيه الموقف.
يكون تأثير الصدق أكبر ما يمكن حين تستخدمه في أول مرة تلتقي فيها بشخص، لأننا جميعًا أسرى العادة وانطباعاتنا الأولى تدوم طويلاً، فإن آمن شخص بأنك صادق في بداية تعارفكما سيصعب عليه بعد ذلك أن يغير رأيه، وهذا يمنحك حيزًا كبيرًا للمناورة.


كان جاي جولد مثل كابون لا يثق بأحد، واستطاع أن يمتلك الملايين وهو في الثالثة والثلاثين من عمره بالاحتيال والقهر، وفي أواخر 1860– استثمر أموالًا هائلة في شركة إيري للسكك الحديدية ثم اكتشف أن السوق غارق بالأسهم المزيفة للشركة وكان على وشك الابتلاء بخسارة جسيمة والتعرض للكثير من الإحراج.
وسط هذه الأزمة عرض عليه المساعدة رجل عرّف نفسه بأنه اللورد جون جوردون–جوردون وأنه من اسكتلندا وأنه جمع ثروة متواضعة من الاستثمار في السكك الحديدية.
استطاع جوردون–جوردون بالاستعانة بخبراء في خط اليد أن يعرف أن من يقومون بتزوير أسهم الشركة هم من أعلى المدراء التنفيذيين بشركة إيري نفسها، فشكره جولد وعرض جوردون–جوردون عليه أن يتحدا معا لامتلاك النسبة المتحكمة بالشركة فوافق جولد وبدا لفترة أن هذا الاتحاد مربح وأصبح الرجلان صديقين حميمين، وكان كلما أتى جوردون–جوردون إلى جولد يطلب منه مالاً لشراء أسهم كان جولد يمنحه له، لكن في عام 1873 أخذ جوردون – جوردون فجأة يُغرق الأسواق بأسهمه محققًا لنفسه ثروة كبيرة لكن ذلك انخفض بقيمة مدخرات جولد من الأسهم إلى الحضيض وبعدها اختفى.
بينت التحريات أن الاسم الحقيقي لجوردون – جوردون هو جون كراونجسفيلد وأنه ابن غير شرعي لتاجر متجول ونادلة في إحدى خمارات لندن، وكانت قد ظهرت دلائل عديدة قبل ذلك على أن جوردون – جوردون محتال لكن تصرفًا واحدًا من الصدق والدعم في البداية أعمى جولد لدرجة أن الأمر تطلب منه خسارة ملايين الدولارات حتى يكتشف حقيقة المؤامرة.
لكن غالبًا لا يكفي تصرف صادق واحد، المطلوب هو الاشتهار بالأمانة نتيجة لسلسلة من التصرفات دون انتظار أي فائدة مباشرة منها، وبمجرد أن تترسخ هذه السمعة تصبح مثلها مثل الانطباعات الأولى يصعب أن تتغير.


في الصين القديمة، قرر الدوق ومن مملكة شنج أن الوقت قد حان ليستولي على مملكة هو القوية، ودون أن يخبر أحدا بمخططه تزوج من ابنة حاكم هو، ثم استدعى مجلس الوزراء وقال لهم «أن أفكر في القيام بحملة عسكرية، فما البلد الذي تنصحون بأن نحتله؟» وكما توقع قال أحد الوزراء «علينا أن نغزو هو» فتظاهر الدوق بالغضب وقال «الا تعلم أن هو دولة شقيقة الآن، فلم نغزوها؟» وقرر إعدام الوزير بسبب تعليقه الفظ، وسمع حاكم هو بذلك وتذكر تصرفات أخرى تدل على مصداقية وإضافة إلى زواجه من ابنته وتخلى عن الدفاعات التي تحميه من غزو شنج. بعدها بأسابيع اجتاحت قوات شنج مملكة هو واستولت عليها ولم تتخل عنها بعد ذلك أبدًا.
الصدق هو أفضل الطرق لنزع دفاعات الحذرين ولكنه ليس الطريقة الوحيدة، فأي تصرف نبيل أو فعل ينم عن الإيثار قد يفي بالغرض. وهناك أيضًا الهدايا فمن النادر أن يرفض الناس الهدايا حتى من ألد أعدائهم وذلك هو ما يجعلها في أغلب الأحيان طريقة متقنة لنزع سلاح الآخرين، فالهدايا تداعب روح الطفولة فينا وتجعلنا نتصرف ببراءة. وفي حين ننظر في العادة إلى تصرفات الآخرين بالريبة والتشكك فإننا لا نرى الانتهازية أبدًا فيمن يقدم لنا الهدايا رغم أن ذلك هو الغرض الحقيقي منها في أغلب الأحوال. فالهدية هي الغطاء الأمثل للخداع والمكيدة.
قبل ثلاثة آلاف عام عبر الإغريقيون البحر لاستعادة هيلين الجميلة التي سرقها منهم الأمير باريس وتدمير مدينته طروادة، واستمر الحصار عشر أعوام مات فيها أبطال كثيرون ولم يقترب أي من الطرفين من تحقيق النصر.
ذات يوم قام المنّجم كالشاس بجمع الإغريقيين وقال لهم «توقفوا عن دك الأسوار، وفكروا في مكيدة لأنكم لن تنتصروا على الطرواديين بالقوة وحدها» حينها جاءهم أوديسيوس بفكرة بناء حصان خشبي كبير يخبئون فيه بعض الجنود


ويقدمونه هدية للطرواديين. احتقر نيوبطليموس ابن أخيل هذه الفكرة ورآها خالية من العزة والكرامة، وأن من الأشرف لهم أن يموت منهم الملايين عن أن ينتصروا بهذا التحايل. لكن كان أمام الجنود الخيار بين عشر سنوات أخرى من العزة والشرف والموت وبين النصر السريع فاختاروا الحصان وتم بناؤه بإحكام ونجحت الحيلة وسقطت طروادة، وهكذا قدمت الهدية للإغريق أكثر مما قدمته لهم عشرة سنوات من الحرب.
يجب أن يكون التعاطف الماكر أيضًا سلاحًا في جعبة مكائدك. ظل الرومان القدماء لسنوات يحاصرن مدينة الفاليسكانيين دون جدوى، وفي أحد الأيام وبينما كان القائد الروماني كاميلوس يعسكر خارج المدينة رأى رجلا يقود أمامه عددا من الأطفال، كان الرجل معلما فاليسكانيا أما الأطفال فكانوا أبناء وبنات أعرق المواطنين في المدينة وأكثرهم ثراء؛ أخذهم المدرس متظاهرًا أنه سيطوف بهم في نزهة لكنه اتجه للرومان ليأخذوهم كرهائن، لكي ينال حظوة كاميلوس عدو مدينته.
لم يتخذ كاميلوس الأطفال رهائن بل عرّى المدرس وربط يديه خلف ظهره وأعطى لكل طفل عصا يضربه بها طوال طريق عودتهم إلى المدينة. أثّر هذا التصرف كثيرًا في الفاليسكانيين. ربما كان أخذ الأطفال كرهائن سيحقق بعض المكاسب لكاميلوس بأن يجعل بعض الفالسكانيين يصوّتون للانسحاب أو حتى إن اختاروا الحرب فلم يكونوا ليحاربوا بنفس الحماس ولكن ترّفعه عن ذلك أنهي مقاومتهم وجعلهم يختارون الاستسلام. حسب القائد حساباته بدقة لأنه لم يكن ليخسر شيئًا على أي حال لأن استغلال الرهائن لم يكن لينه الحرب ولكن عكس الموقف جعله يكسب ثقة واحترام أعدائه وجعلهم يقبلون سطوته عليهم. التعاطف المحسوب غالبًا ما يُخضع إليك حتى ألد أعدائك لأنك حين تمس القلب لن يرغب الإنسان بعدها في المقاومة.
تذكر أن اللعب بمشاعر الناس وإظهار التعاطف المحسوب جيدًا قد يحول حتى آل كابون إلى طفل برئ، ولكن وكما في أي تكتيك يتعامل مع المشاعر عليك أن
تستخدمه بحرص، لأنه لو أدرك الناس تلاعبك سيتحول الشكر والعرفان إلى أعنف أنواع المقت والارتياب. وإن لم تكن تستطيع أن تبدو صادقا حقا فابتعد عن اللعب بهذه النار.
الصورة
حصان طروادة
أنه المكيدة مخبأة في هدية لن يستطيع خصمك أن يقاومها، ستفتح لك الأسوار وحين تدخل يمكنك أن تفعل كل ما تشاء.
اقتباس من معلم: حين أراد الدوق هسين من مملكة شن أن يغير على مملكة يو قدم لهم حجر اليشب وبضع خيول وحين أراد الإيرل شه أن يغزو شوي وأهداهم مركبات رائعة، ومن هنا أتى القول الشائع «حين تريد أن تأخذ عليك أن تعطى أولا». (هاي فان تسو–فيلسوف صيني–القرن الثالث ق. م.)
عكس القاعدة:
إن كان معروفًا عنك المكر فلن ينخدع أحد بما قد تظهره من صدق أو عطف أو سخاء، بل يجعل الناس يحذرونك ويرتابون منك أكثر. في هذه الحالات عليك أن تلعب دور الفاسد الصريح.
كان لوستج على وشك إتمام أكبر احتيال في حياته وهو بيع برج إيفل لأحد رجال الصناعة بعد أن أقنعه أن الحكومة تقيم مزادًا لبيع ما به من معادن خردة. كان رجل الصناعة على وشك أن يدفع مبلغًا كبيرًا من المال للوستج الذي ادعى أنه مسئول حكومي كبير، لكن في آخر لحظة شعر المخدوع بالارتياب وأقلقه شيء ما في لوستج، وفي اللقاء المقرر لدفع المال رأى منه لوستج هذا الارتياب.
اقترب لوستج من الرجل وهمس له أن راتبه ضعيف وظروف الحياة صعبة ومثل ذلك. بعد دقائق فهم الرجل أن لوستج يطلب منه رشوة، وحينها شعر بالارتياح واطمئن للوستج لأنه كان قد رأى الفساد في كل موظفي الحكومة. هكذا أدى تظاهر لوستج بالفساد إلى إقناع الرجل بأنه مسئول حكومي حقيقي لكن لو ادعى الشرف والأمانة لحصل على نتيجة عكسية.


حين تقدم العمر بالدبلوماسي الفرنسي تاليران اشتهر عنه أنه أستاذ في الكذب والمكر، وفي مؤتمر فيينا (1814-1815) كان يلفق للذين يتوقعون منه الكذب حكايات يستحيل تصديقها، وكان الغرض من هذا الخداع المزيف التغطية على المرات التي سيخدعهم فيها خداعًا حقيقيًا. ذات مرة قال لأصدقائه بجدية ونبرة الصدق «في عالم الأعمال على المرء أن يكشف أوراق قوته». لم يصدقه أحد من السامعين: فالرجل الذي ظل طوال حياته يخفي أوراقه يطلب منهم أن يظهروا أوراقهم. مثل هذه التكتيكات كانت تجعل من الصعب على الآخرين أن يفرقوا بين الخداع الحقيقي والخداع الزائف لدى تاليران، أي أن توظيفه لسمعته كمخادع مكنته من الاستمرار في الخداع.
لا شيء في عالم السطوة أصم كالحجارة، فإظهارك للخداع يخفي نواياك أحيانًا، بل قد يجعل الآخرين يُعجبون بصراحتك في الخداع.

** معرفتي **
www.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة



القاعدة

13

لا تناشد في الناس
العطف أو رد الجميل
لكن استدرجهم بمصالحهم

الحكمة:
إن احتجت من أحد المساعدة لا تذّكره بما قدمت له من هبات أو مساعدات لأن ذلك سيجعله يختلق الأعذار للتهرب منك. اظهر له شيئًا يعود عليه بالفائدة من تحقيق طلبك ومن تعاونه معك، وركز كلامك على هذه الفوائد. إن أقنعته ستجده يلبي مطالبك بحماس.


انتهاك القاعدة:
في بدايات القرن الرابع عشر صعد شاب يدعي كاستروشيو كاستراكاني من عوام الجنود ليصبح حاكمًا لمدينة لوقا العظيمة في إيطاليا، وكان لعائلة بوجيو وهي من أكثر الأسر ع راقة في المدينة دورًا كبيرًا في هذا الصعود (الذي تم بالمكيدة وإراقة الدماء). لكن بعد أن وصل إلى القمة أحس آل بوجيو أنه نسيهم، فلم يترك له طموحه أي شعور بالعرفان؛ لهذا وفي عام 1325 وبينما كان كاستراكاني خارج المدينة لقتال عدوها الأكبر فلورنسا تآمر بوجيو مع أسر عريقة أخرى في المدينة للإطاحة بهذا الأمير المزعج والانتهازي.
تطور التمرد إلى عصيان مسلح وهاجم المتآمرون الحاكم الذي عيّنه كاستراكاني على المدينة وقتلوه، وانتشر الشغب واستعد أنصار كاستراكاني وأنصار آل بوجيو للحرب، وفي ذروة التوتر تدخل ستيفانودي بوجيو وكان أكبر أعضاء آل بوجيو سنا وأقنع الفريقين بترك السلاح.
لم يشارك ستيفانو في المؤامرة – فقد كان رجل سلام–وأقنع أسرته أن هذه الفتنة لن تؤدي إلا إلى حمام دم، وأصر بعدها أن يشفع للأسرة لدى كاستراكاني ويقنعه بأن ينصت لمطالبهم ويرضيهم، ورحبت الأسرة باللجوء للدبلوماسية بدلاً من السلاح.
حين وصلت أنباء التمرد إلى كاستراكاني أسرع عائدًا إلى لوقا، لكن في وقت وصوله كان القتال قد انتهى بتدخل ستيفانو، وتعجب من استقرار الهدوء والسلام في المدينة. ظن ستيفانو أن كاستراكاني سيكون شاكرًا له على ما قام به من جهد لتهدئة التمرد ولذلك قام بزيارة الأمير وشرح له ما حدث وطلب منه العفو، وقال أن المتمردين كانوا من الصغار الطائشين الذين يسعون للسطوة دون أن تكون لديهم خبرة، وذكره بالتضحيات التي بذلتها الأسرة لصالحه، وقال أن كل هذه الأسباب توجب على الأمير العظيم أن يغفر لآل بوجيو ويستمع لشكواهم، لأن هذا هو الخيار الوحيد العادل، ولأن الأسرة وضعت سلاحها طائعة وظلت على الدوام مناصرة للأمير.
أنصت كاستراكاني بصبر ولم يبد عليه أي مسحة من الغضب أو الاستياء، بل أخبر ستيفانو أن العدالة سوف تسود وطلب منه أن يُحضر الأسرة كاملة إلى القصر للتحدث بشأن إزالة أسباب شكواهم والاتفاق على حلول، وأثناء توديعه لستيفانو قال له كاستراكاني أنه يشكر الله على أن منحه هذه الفرصة ليثبت للجميع عدله وطيبة قلبه. في المساء أتت الأسرة بكاملها إلى القصر وفور دخولهم أمر كاستراكاني باعتقالهم وبعدها بأيام قليلة أعدمهم جميعًا ومعهم ستيفانو.
التعليق:
يعتبر ستيفانو دي بوجيو تجسيدًا لكل من يعتقدون أن عدالة ونبل قضيتهم يجعلانها تنتصر. من المؤكد أن المطالبة بالعدل ورد الجميل قد نجح في بعض الحالات لكن الغالب الأعم هو أن ذلك لم يكن يأتي إلا بعواقب وخيمة خاصة عند التعامل مع أمثال كاستراكاني. كان ستيفانو يعرف أن الأمير قد اكتسب سطوته بالخداع والقسوة، ولم يمتنع أو يتردد عن قتل صديقه المقرب، وحين قالوا له أنه إثم رهيب أن يقتل المرء صديقه القديم أجابهم أنه لم يقتل صديقًا قديمًا بل عدوا جديدًا.
لا يفهم الأشخاص من نوعية كاستراكاني إلا القوة والمصلحة الشخصية، وحين بدأ التمرد لم يكن هناك شيء أخطر على المتمردين من إنهاء التمرد ووضع أنفسهم تحت رحمته. لكن حتى بعد أن قام ستيفانو دي بوجيو بخطوته المميتة كانت لا تزال لديه بعض الخيارات: كان يمكنه أن يعد بتقديم الأموال لكاستراكاني، أو أي وعود أخرى ينفذونها في المستقبل، أو أن يشير إلى ما يضيفه دعم آل بوجيو لسطوة كاستراكاني في الحاضر وقدرتهم مثلا على التأثير في أكثر الأسر نفوذًا في روما وعلى التوسط له لإبرام تحالفات سياسية هامة مع هذه الأسر.
بدلًا من هذا ركز سيتفانو على الماضي وعلى تذكير كاستراكاني بما يدين لهم به من أفضال دون أن يملك شيئًا يلزمه بردها. ليست المسألة فقط أنك لا تستطيع أن تجبر أحدًا على الاعتراف بالجميل، بل أن هذ الإحساس بالدين غالبًا ما يمثل عبئًا يحب
الشخص أن يتخلص منه. في حالتنا هذه تخلص كاستراكاني من التزاماته نحو آل بوجيو بالتخلص من آل بوجيو أنفسهم.
مراعاة القاعدة:
في عام 433 ق. م. وقبل الحرب البلوبونيسية مباشرة، كانت جزيرة كورسيرا (وعرفت لاحقًا باسم كورفو) على شفا حرب مع المدينة الدولة الإغريقية كورنيث، وأرسل الفريقان سفرائهم إلى الأثينيين للتنافس على الفوز بالتحالف مع أثينا. كان الرهان مستعرًا لأن من كان سيفوز بدعم أثينا كان سيفوز حتما في الحرب، ولأن من كان لينتصر منهما لم يكن ليرحم المهزوم أبدًا.
تكلم سفير كورسيرا أولاً وبدأ بالاعتراف بأن جزيرته لم تساعد أثينا من قبل بل ناصرت أعداء أثينا، وليس هناك أي روابط سابقة من الصداقة أو تبادل الخدمات بين كورسيرا وأثينا، وأن سبب مجيئه هو الخوف والقلق على أمن جزيرته كورسيرا، لكن كل ما يستطيع أن يقدمه هو بناء تحالف يفيد البلدين فلدى كورسيرا سلاح بحرية لا يتفوق عليه إلا بحرية أثينا والتحالف بين البلدين سينشئ قوة هائلة، وهي قوة ترهب المدينة الدولة المنافسة لأثينا وهي إسبرطة، وأن هذا للأسف كل ما تستطيع أن تقدمه كورسيرا.
بعدها تقدم ممثل كورنيث بخطبة حارة ومبدعة على عكس خطبة الكورسيريين الجافة والمباشرة، فتكلم عن كل ما فعلته كورنيث لأثينا في الماضي، وتساءل كيف يمكن لأثينا أن تبحث عن تحالف جديد مع مدينة ساندت عدوها وتفضلها على صديقتها الحالية التي خدمت مصالحها بإخلاص، ولعل حلفاء أثينا الآخرين سينقضون تحالفهم معها إن رأوها لا تدعم من يخلصون لها، وأشار إلى القانون الهيليني وضرورة تعويض كورنيث عن كل مآثرها التي فعلتها من أجل أثينا وبدأ في عد هذه المآثر وضرورة رد الجميل للأصدقاء.
بعد الخطبة تجمع الأثينيون للتشاور في الأمر، وفي الجولة الثانية صوتوا بالأغلبية الساحقة للتحالف مع كورسيرا والتخلي عن كورنيث.


التعليق:
يذكر التاريخ نبل الأثينيين ولكن غالبًا ما ننسى أنهم كانوا أكثر من في اليونان القديمة واقعية، فبالنسبة لهم كانت الخطابة وكل ما في العالم من مناشدات عاطفية لا تساوي برهانًا عمليًا واحدًا خاصة إن كان سيضيف المزيد إلى سطوتهم.
لم يدرك سفير كورنيث أن تذكيره للأثينيين بكرم مدينته معهم في الماضي لم يكن له تأثير إلا استفزازهم وكأنه يطلب منهم بأدب أن يشعروا بالذنب والدين. لم يكن الأثينيون يهتمون بالخدمات الماضية أو مشاعر الصداقة، وكان يعرفون أنه حتى لو رأى حلفاؤهم الآخرون في تخلي أثينا عن كورنيث جحودا فإنهم لن يستطيعوا أن يقطعوا روابطهم معها لأنها القوة الأبرز في اليونان، كما أن أثينا كانت تحكم إمبراطورتيها بالقوة وأي حليف يتمرد عليها كانت تجبره بالسيف على العودة إلى حظيرتها.
حين يُخيّر الناس بين التحدث عن الماضي والتحدث عن المستقبل يختار الرجل العملي دائمًا المستقبل ونسيان الماضي، وهذا ما أدركه الكورسيريون، ففضلوا أن يتحدثوا عمليًا إلى شعب عملي. والواقع هو أن معظم الناس عمليون في حقيقتهم – ونادرًا ما يتصرفون بشيء ضد مصالحهم.
القاعدة دائمًا هي أن يخضع الضعفاء للأقوياء، كما أننا نرى أننا نستحق سطوتنا. وقبل اللحظة الراهنة كنتم ترون فينا أيضًا هذا الاستحقاق. لكنكم الآن وبعد أن حسبتم مصالحكم تتكلمون عن الخطأ والصواب؛ إلا أن مثل هذه الاعتبارات لم تثن الناس أبدًا عن استغلال فرص التوسع التي تتيحها لهم قوتهم.
اقتباسًا عن ممثل أثينا لدى إسبرطة
في كتاب الحرب البيلوبينيسية لتوسيديدس 465-395 ق.م.
مفاتيح للسطوة:
في سعيك للسطوة ستجد نسك مرارًا تطلب العون ممن هم أعلى منك سلطة ومقدرة. وهناك فن لطلب العون يعتمد بالأساس على فهمك لطبيعة الشخص الذي تتعامل معه، وأن لا تخلط بين ما تريده أنت وما يريده هو.


معظم الناس لا يتجاوزون أبدًا هذا الخلط لأن رغباتهم واحتياجاتهم تشوش تفكيرهم وتجعلهم يظنون بأن من يتوجهون إليه بالطلب لا يضع اعتبارًا لمصلحته الشخصية في المساعدة التي يقدمها لهم وكأن احتياجاتهم تهمه لكن الواقع أن ذلك قد لا يعنيه في شيء. ونجد أحيانًا من يترجى تحقيق مطالبه باسم المبادئ والقيم السامية كالمحبة والعرفان بالجميل وبذلك يقحم القضايا الإنسانية الكبرى في الشئون التي تحكمها الوقائع اليومية البسيطة. ما لا يعرفه هؤلاء هو أن الناس جميعًا حتى أكثرهم سطوة تحكمهم احتياجاتهم الخاصة وإن لم تخاطب فيهم مصالحهم فلن يروا في إنصاتهم لك إلا إزعاجًا أو على الأقل مضيعة للوقت.
في القرن السادس عشر كان البرتغاليون يحتكرون التجارة بين اليابان وأوروبا؛ لكن كان معهم مبشرون يسعون جاهدين لتحويل اليابانيين إلى المسيحية الكاثوليكية. وعلى الرغم من تحقيقهم لبعض النجاح إلا أنهم لم يتمكنوا أبدًا أن يضموا إليهم أحدًا من الطبقة الحاكمة. بل أنه في بداية القرن السابع عشر بدأ الإمبراطور إياسو يضيق وبدعوتهم. وحين بدأ الهولنديون يتوافدون إلى اليابان بأعداد كبيرة شعر إياسو بالارتياح لأنه لم يكن يريد من الأوروبيين إلا خبرتهم في صناعة السفن والسلاح، وسعد كثيرًا بالهولنديين لأنهم أوروبيون لا يهتمون إلا بالتجارة؛ ولذلك بدأ في التخلص من البرتغاليين ولم يعد يتعامل بعدها إلا مع الهولنديين العمليين.
كانت الاختلافات الثقافية كبيرة بين اليابان وهولندا لكن كان يجمعهما ما يجمع كل البشر في كل زمان ومكان وهو المصلحة. كل شخص تتعامل معه يشبه ثقافة غريبة عنك لكن يمكنك أن تتجاوز الفجوة بينكما إن خاطبته بمصلحته. لا تتحرج وأظهر له بوضوح أن خبراتك ستملأ جيوبه ذهبًا أو تشفيه من داء عضال أو تجعله يحيا حياة هانئة، فتلك اللغة يفهمها الجميع ويتكلمها الجميع.
الخطوة الأساسية في هذه العملية هي أن تفهم شخصية من تتعامل معه، هل هو من النوع المغرور؟ هل يقلق على سمعته ومكانته الاجتماعية؟ هل لديه أعداء قد تساعده على أن يقهرهم؟ هل هو من النوع الذي لا يحركه إلا المال والسطوة؟


حين احتل المغول الصين في القرن الثاني عشر كان هناك خطر طمس ثقافة ازدهرت لأكثر من ألفي سنة، فلم يكن جنكيز خان قائد المغول يرى في الصين إلا بلدًا ليس به مراعي تكفي لإطعام خيوله فقرر أن يدمر مدنها ويبيد شعبها «حتى ينمو مكانهم العشب». لم ينقذ الصين من هذا الدمار جندي أو قائد أو ملك بل رجل اسمه يلو شو تساي وكان هو أيضًا أجنبيًا لكنه كان يقدر مكانة الثقافة الصينية، وكان قد نجح أن يصبح المستشار المقرّب لجنكيز خان وأقنعه أنه سيجني ثروات كثيرة من هذه الأرض لو قام بدلا من تدميرها بفرض الضرائب على كل سكانها، فرأى خان أن الحكمة تقتضي ذلك وأخذ بنصيحة شو تساي.
وحين احتل خان مدينة كايفنج بعد حصار طويل قرر أن يذبح كل من فيها (كما فعل مع كل المدن التي قاومته) لكن شو تساي أقنعه أن المدينة تأوي أهم الحرفيين والمهندسين الذين فروا من الصين وأن من الأفضل له أن يستفيد منهم. لم يكن خان يعرف الرحمة، ولم تكن الرحمة هي التي أنقذت كايفنج. ما أنقذها هو أن شو تساي كان يفهم خان جيدًا ويعرف أنه ريفي فظ لا تعنيه الثقافة أو أي شيء آخر غير الحرب والأمور العملية، ولذلك استطاع أن يحرك الدافع الوحيد الذي يعرفه الرجل؛ ألا وهو الجشع.
المصلحة هي الرافعة التي تحرك بها الناس، وإن بينت لهم بوضوح أن لديك الوسيلة التي تحقق لهم ما يتمنونه أو ما يسعون إليه فلن يرفضوا أن يقدموا لك كل ما تريد من مساعدات. في كل خطوة في طريقك إلى السطوة عليك أن تدرب نفسك على فهم عقلية من تتعامل معهم ومعرفة احتياجاتهم ومصالحهم وأن تتخلص من غطاء مشاعرك وأهواءك الذي يحجب عنك الحقيقة. إن أتقنت هذا الفن فلن يمنعك شيء عن تحقيق كل ما تريد.


الصورة
حبل الرباط
حبل العرفان والتراحم هو حبل واه ضعيف ينقطع مع أول صدمة. أما حبل المصالح فمفتول من خيوط كثيرة لا ينقطع بسهولة وسوف ينجيك ويخدمك لسنوات طويلة.
اقتباس من معلم: أسهل الطرق لتحقيق المجد والثروة هو أن تبين للآخرين بوضوح أن من مصلحتهم أن يساعدوك على تحقيق مصالحك (جان دي لا برويير 1645–1696).
عكس القاعدة:
بعض الناس يرون في التعامل بالمصالح قبحا وحقارة، ويحبون أن يعاملوا الآخرين بالعدل والفضل والإحسان لأن ذلك يمنحهم شعورًا بالرقي والتفوق. وحين تطلب منهم شيئًا تؤكد لهم علوهم وسطوتهم. هؤلاء يكونون من القوة بحيث لا ينقصهم شيء سوى الفرصة لإثبات سموهم وتميزهم، لأن ذلك هو خمرهم ونشواهم. وستجدهم يبذلون قصارى جهدهم لإنجاح مساعيك وتقديمك لأصحاب الشأن طالما أن ذلك يحقق ذيوعا ويناصر قضية نبيلة (خاصة إن كانت تحظى بتأييد واسع بين الناس). ليس كل الناس إذن تدفعهم المصالح الدونية فهناك من ينفرون منك إن تقربت إليهم بمصالحهم الشخصية لأنهم لا يحبون أن يُظهروا شغفهم بهذه الأمور ولا يطلبون سوى أن يبينوا للآخرين ما في قلوبهم من طيبة.
لا تخجل وامنحهم تلك الفرصة، فهذا ليس احتيالا عليهم لأنهم يحبون العطاء وأن يرى الناس كرمهم. لذلك عليك أن تميز بين الأنواع المختلفة من أصحاب السطوة وأن تعرف ما يؤثر في كل منهم؛ فلا تطلب الإحسان والفضل ممن لا يحركه إلا الجشع، ولا تداعب بالجشع من تميل قلوبهم للنبل والطيبة.


القاعدة
14
تودد كصديق
لتراقب كجاسوس
الحكمة:
من الأمور المصيرية أن تكتشف أسرار منافسيك، وعليك أن تخصص لهم جواسيس يأتونك بأخبارهم حتى تكون لك الأسبقية عليهم. والأفضل أن تتجسس أنت لنفسك. في المناسبات الاجتماعية تصرف كمحقق سري واطرح الأسئلة بطرق لبقة وخفية حتى يكشف لك الناس عن نواياهم ونقاط ضعفهم. انتهز كل فرصة لتكتشف أسرار من حولك.


مراعاة القاعدة:
لا يشك أحد أن جوزيف دوفين كان أفضل تجار الفنون في عصره-فمن الفترة من 1904 إلى 1940 وبانفراد تقريبًا استطاع أن يحتكر سوق بيع التحف الفنية لمليونيرات أمريكا، لكن الصيد الأكبر أي رجل الصناعة أندرو ميلون كان يتملص منه، وعزم دوفين أن يجعل ميلون زبونا له قبل أن يموت.
رأى أصدقاء دوفين أن هذا الحلم مستحيل، فقد كان ميلون رجلا جافا وقليل الكلام، وكان ما يصله من أخبار عن دوفين الودود الثرثار تنفّره منه–وتبين بوضوح أنه لا يرغب في مقابلة الرجل، ولكن دوفين رد على أصدقائه قائلًا «أنني لن أقدر على جعل ميلون يشتري مني فحسب؛ بل لن يشتري بعدها إلا مني». وظل يتتبع فريسته لعدة سنوات ويتعرف على عادات الرجل ومخاوفه وذوقه، وليفعل ذلك أخذ يجند سرا الكثيرين من العاملين لدى ميلون ويضع لهم رواتب ويحصل منهم على معلومات قيمة، وحين انتقل لمرحلة التنفيذ كان يعرف عن ميلون مثل ما تعرفه عنه زوجته.
في عام 1921 كان ميلون يزور لندن وكان ينزل في جناح فخم في الدور الثالث في فندق كلاريدج، فحجز دوفين لنفسه الجناح المماثل في الدور الثاني، وأكد على أن يصبح خادمه الخاص صديقًا لخادم ميلون، وفي اليوم المصيري قرر أن يقوم بحركته. أخبر خادم ميلون خادم دوفين الذي أخبر بدوره دوفين أنه يساعد ميلون على ارتداء معطفه وأن الرجل في طريقه للممر لطلب المصعد.
بسرعة ارتدى دوفين معطفه وبعدها بثوان دخل إلى المصعد ورأى ميلون وقدم إليه نفسه «كيف حالك سيد ميلون؟ أنا في طريقي للمعرض القومي لرؤية بعض اللوحات». تعّجب ميلون لأنه كان ذاهبًا أيضًا إلى هناك، وأتاح ذلك لدوفين أن يصحب فريسته إلى المكان الأمثل للنجاح في خطته. كان دوفين يعرف ميلون ظهرا لقلب، وأثناء تجول الرجلين في المعرض أخذ يبهر هذا القطب بمعلوماته وتعجب مرة أخرى أن يجد لدوفين نفس ذوقه.
كانت المفاجأة سارة لميلون: لم يكن هذا هو دوفين الذي توقعه، فهذا الرجل راق ولطيف وصاحب ذوق رفيع ومميز، وحين عادا إلى نيويورك قام ميلون بزيارة المعرض الحصري لدوفين وتعجب أن يرى أن كل ما رآه كان بالضبط من النوع الذي يحب أن يقتنيه، وظل ميلون حتى آخر عمره الزبون المفضل والأكثر سخاء لدوفين.
التعليق:
لم يكن رجل طموح ومنافس مثل جوزيف دوفين ليترك أي شيء للصدفة، فما الفائدة من اكتشاف الزبون المناسب إن اكتفيت بالحماس وتمنى أن تسحره وتجذبه بما لديك؟ ذلك يشبه اصطياد البط البري مغمض العينين، ولكن إن سلحت نفسك ببعض المعلومات يتحسن تصويبك كثيرًا.
كان ميلون هو الصيد الثمين لدوفين، لكنه تجسس أيضًا على الكثيرين غيره من أصحاب الملايين. كان في السر يخصص رواتب سرية للعاملين في منازل زبائنه ليتمكن باستمرار من الحصول على المعلومات القيمة حول أحوالهم وتغير أذواقهم وغير ذلك من المعلومات التي تجعله متقدمًا دائمًا بخطوة على منافسيه. أحد المنافسين كان يرغب في جعل هنري فريك زبونا له ولاحظ أنه في كل مرة يزور فيها فريك في نيويورك يجد دوفين هناك كما لو كانت لديه حاسة سادسة، وكان تجار آخرون يرون وكأن دوفين موجود في كل مكان ويعرف كل شيء قبلهم، وكانت سطوته تحبطهم وتضعف عزمهم وتيأسهم من السعي وراء الأثرياء الذين يمكنهم أن يحققوا الثراء بالبيع لهم.
تلك هي سطوة التجسس: فالمعلومات التي يمنحها لك تظهرك في أعين الناس قادرًا وبصيرًا؛ وتوقعك لما يحبون ويرغبون يفتنهم. ولن يستطيع الآخرون أن يفهموا مصدر سطوتك وتأثيرك وما لا يستطيعون أن يفهموه لن يستطيعوا أن يحاربوه أو أن يتآمروا ضده.
الحاكم يرى بجواسيسه والأبقار ترى بأنوفها ورجال الدين يرون بالنصوص المقدسة وبقية الناس يرون بأعينهم
(كوتيليا، فيلسوف هندي، القرن الثالث ق. م)
مفاتيح للسطوة:
في عالم السطوة يكون هدفك أن تتحكم بما قد يأتي به المستقبل، وجزء من المشكلة التي تواجهها في ذلك هي أن الناس لن يبوحوا لك بما في فكرهم ومشاعرهم ومخططاتهم للمستقبل، فتحكم الناس بما يقولون يجعلهم يحجبون غالبًا الأجزاء الهامة من خصالهم مثل نقاط ضعفهم ودوافعهم الخفية وهواجسهم، والنتيجة هي أنك لا تتنبأ بتحركاتهم وتتصرف دائمًا مغمض العينين، والذكاء هو أن تجد وسيلة لسبر أغوارهم للتعرف على أسرارهم ونواياهم الخبيئة دون أن يلاحظوا أنك تتجسس عليهم.
هذا ليس بالصعوبة التي قد تتخيلها، فإظهار التودد يسمح لك بجمع المعلومات سرًا عن الأصدقاء وعن الأعداء على السواء. دع الآخرين يستطلعون الأبراج أو يقرءون الطالع ولكن اتخذ أنت لنفسك وسائل أكثر واقعية ودقة لقراءة المستقبل.
الطريقة الأكثر شيوعًا للتجسس تكون باستخدام آخرين كما فعل دوفين، وهذه الطريقة سهلة وقوية ولكنها خطرة: من المؤكد أن هذه الطريقة ستوفر لك المعلومات ولكنك لن تستطيع أن تتحكم تمامًا بالأشخاص الذين يقومون لك بهذا العمل فقد يكشفون سر تجسسك بسذاجتهم وقد ينقلبون ضدك دون أن تعلم. الأفضل أن تصبح أنت جاسوسًا لنفسك بأن تظهر الصداقة وفي السر تجمع المعلومات.
كان تاليران أحد الجهابذة العظام في ممارسة هذا الفن، وكانت لديه قدرة مذهلة على استلال الأسرار من الناس من خلال محادثة ودودة ومهذبة. وقد كتب عنه أحد معاصريه هو البارون دي فيترول «كان الرقي واللطف يميّزان أحاديثه، وكان يمتلك فن إخفاء أفكاره وضغائنه تحت غطاء شفاف من التلميحات والكلمات التي تقصد أكثر من معناها، ولم يكن يقحم شخصيته الحقيقية إلا عند الضرورة». كلمة


السر هنا هو أن تاليران كانت لديه القدرة على كبح نفسه في المحادثة ليترك الآخرين يتحدثون عن أنفسهم ويكشفون بعفوية عن نواياهم وخططهم.
طوال حياة تاليران كان الناس يرونه متحدثًا رائعًا على الرغم من أنه لم يكن يبوح إلا بالقليل، ولم يكن يتكلم أبدًا عن أفكاره الخاصة بل يترك الآخرين يكشفون له عن آرائهم، وكان ينظّم للدبلوماسيين الأجانب حفلات اجتماعية يدرس فيها كلماتهم بعناية ويتملقهم ليعرف بعض الأسرار التي لا غنى عنها لعمله كوزير خارجية فرنسا. في مؤتمر فيينا (1814-1815) كان يتجسس بطرق أخرى: كان يتظاهر بأنه بعفوية يفشي سرًا (غير حقيقي) ثم يراقب استجابات مستمعيه، فقد يخبر حشدا من الدبلوماسيين مثلاً أن مصدرًا موثوقًا أخبره أن قيصر روسيا ينوي القبض على قائده الأعلى للقوات المسلحة بتهمة الخيانة العظمى ويراقب استجابة الدبلوماسيين لهذه القصة المختلفة ويرى من أكثرهم فرحة بضعف الجيش الروسي–فربما يكون في بلده تخطيط لعمل ضد روسيا، وكما قال البارون شتيتن «السيد تاليران يطلق الرصاص في الهواء ليرى من الذي سوف يقفز من النافذة».
في اللقاءات الاجتماعية والمقابلات البريئة عليك أن تنتبه وتركز، ففي هذه المناسبات تتراخى دفاعات الناس، وبكبحك لشخصيتك يمكنك أن تجعل الآخرين يبوحون بأشياء عن أنفسهم، وروعة هذه المناورة هي أنها تجعل الآخرين يرون في إصغائك لهم اهتماما ودودا بهم وبذلك لن تكتسب منهم المعلومات فحسب ولكن تتخذهم حلفاء أيضًا.
لكن عليك أن تكون في غاية الحرص عند ممارستك لهذا التكتيك، فلو شعر الناس أنك تستدرجهم لتستل منهم أسرارهم فسوف يتجنبونك تمامًا، ولذلك أكد على أن يبدو حديثك معهم ثرثرة ودودة وليس بحثًا عن المعلومات القيمة، فلا يجب أن تكون مكشوفًا في تركيزك على المعلومات المهمة وإلا فإن أسئلتك ستكشف عنك وعن نواياك أكثر مما تمنحك من معلومات عن الآخرين.
إحدى حيل التجسس على الآخرين هي التي كتب عنها لاروشفوكو «الإخلاص
الحقيقي سمة نادرة بين الناس لكنه غالبًا ما يستخدم كحيلة بارعة للخداع؛ حيث يصرح الشخص بمكنونات قلبه ليكسب ثقة من يحادثه ويكتشف أسراره». تظاهرك بفتح قلبك لشخص آخر تعني أنك تجعله مقربًا فيفشي إليك بأسراره، فإن أفشيت لأحدهم سرًا كاذبًا ستجده يبوح لك بأسرار حقيقية. ومن الحيل الأخرى ما وصفه الفيلسوف آرثر شوبنهاور بأن تنتقد بشده رأي الشخص أثناء حديثك معه لتستفزه وتفقده تحكمه بكلامه، وفي حماسه للدفاع عن رأيه سيفشي لك حقائق عن نفسه يمكنك أن تستخدمها لاحقًا ضده.
طريقة أخرى للتجسس غير المباشر تكون باختبار الناس بأن تنصب لهم شركا يجعلهم يبوحون بمعلومات عن أنفسهم. كان إخشويرش الثاني ملك الفرس في القرن السابع مشهورًا بالدهاء وكانت له القدرة على معرفة ما في دواخل الناس دون أن ينتبهوا، وكان إذا رأى مثلًا أن اثنين من رجال البلاط أصبحت تجمعهما صداقة خاصة يتنحى بأحدهما ويقول له أن أخبارًا وصلته تفيد بأن صديقه خائن وأنه سوف يُعدم قريبًا، ويقول للرجل أنه يأتمنه على السر أكثر من أي شخص آخر وأن عليه أن لا يبوح لأحد بما سمع، ثم يراقب الرجلين مراقبة دقيقة فإن رأى الرجل الثاني لم يتغير في تعامله مع الملك يعرف أن الأول قد حفظ السر ويرقيه ثم يقول له كأنما يعترف «كنت أنوي قتل صديقك بسبب أخبار وصلتني لكني تحريت الأمر وعرفت أنها أخبار كاذبة». لكن من الناحية الأخرى لو رأى الملك أ، الرجل الثاني بدأ في الابتعاد عنه وأخذ ينعزل ويتوتر فيعرف أن الرجل الأول لم يحفظ السر فيأتي بالرجل الثاني ويقول له أن الموضوع برمته كان اختبارًا وأنه على الرغم من أنه لم يذنب في شيء إلا أنه لن يستطيع أن يثق به ثانية ويمنعه عن البلاط، أما بالنسبة للرجل الأول الذي كشف السر فيحكم بنفيه عن المملكة بأكملها.
وقد يبدو لك غريبًا هذا التجسس على شخصيات الناس وليس على المعلومات العملية، ولكن الحقيقة أن هذه المعلومات غالبًا ما تكون أفضل الوسائل لمنع المشكلات قبل وقوعها.


باستدراجك للناس للقيام بأفعال معينة يمكنك أن تعرف الكثير عن إخلاصهم وأمانتهم وباقي خصالهم، وغالبًا ما يكون ذلك أكثر المعلومات قيمة: فتسلحك بهذه المعرفة يمكنك من توقع تصرفاتهم في المستقبل.
الصورة
التجسس عين ثالثة
في عالم لا يرى فيه الجميع إلا بعينيهم تمنحك العين الثالثة بصيرة القدير، فتتجاوز ما يراه الآخرون وتبصر ما تخفي صدورهم. ولن يأمن أحد من هذه العين إلا أنت.
اقتباس من معلم: عليك الآن أن تعرف أن ما يجعل الحاكم الحاذق أو القائد الحكيم يقهر العدو كلما قابله، وما يجعل إنجازاتهم تفوق قدرات الأشخاص العاديين هي قدرتهم على «التبصر» بأحوال العدو، وهذا التبصر لا يأتي باستدعاء الأرواح أو الوحي الإلهي أو قراءة الطالع أو بالقياس على أحداث سابقة، بل يجب أن يستمد من أشخاص يعرفون أحوال العدو جيدًا – أي من الجواسيس (صن تسو، فن الحرب، القرن الرابع ق. م.).
عكس القاعدة:
المعلومات حيوية للسطوة، ولكن كما تتجسس على الآخرين عليك أن تستعد لتجسسهم عليك. من أقوى الأسلحة في حرب المعلومات نشر المعلومات الكاذبة، فكما قال تشرشل «الحقيقة غالية ولذلك يجب حمايتها بحرس من الأكاذيب». عليك أن تحيط نفسك بمثل هذا الحرس حتى لا تُخترق حقيقتك، ونشرك لمعلومات تختارها يجعلك تتحكم باللعبة.
في عام 1944 تصاعدت هجمات الصواريخ النازية على لندن، ألقت الطيارات حوالي ألف قنبلة على المدينة قتلت أكثر من خمسة آلاف شخص وجرحت أكثر بكثير، لكن كان الألمان كثيرًا ما يخطئون أهدافهم لسبب يجهلونه، فكانت القنابل التي كان متوقعًا أن تقصف جسر تاور أو بيكاديللي تسقط في الأحياء غير المأهولة
بعيدًا عن المدينة. كان السبب هو أن الألمان كانوا يعتمدون في تحديد أهدافهم على عملاء سريين زرعوهم في إنجلترا، ولم يعلموا أن الإنجليز ألقوا القبض على هؤلاء الجواسيس واستبدلوا بهم عملاء موالين لإنجلترا يمدونهم بمعلومات خادعة.
أخذت القنابل تصيب مواقع أبعد وأبعد عن أهدافها وفي نهاية الحملة كانت تصيب الأبقار في الحقول النائية. هكذا ترى أن إمدادك الآخرين بمعلومات كاذبة يجعل لك أفضلية كبيرة عليهم. إن كان التجسس يمنحك عينا ثالثة فإن الأخبار الكاذبة تأخذ عينًا من عدوك وتجعله يتخبط ويخطئ أهدافه باستمرار.


انتهاك القاعدة:
ليس هناك في التاريخ الصيني صراعًا أشهر من ذلك الذي كان بين هسيانج يو وليو بانج، فقد بدأ هذان القائدان العسكريان حياتيهما المهنية صديقين يحاربان في نفس الجبهة. كان هسيانج يو من أصول عريقة وكان قويًا وشديدًا وكانت تنتابه نوبات من الغضب والعنف، وكان فظ الدعابة لكنه كان محاربًا قديرًا وكان يحارب في مقدمة صفوف جنده، بينما كانت لليو بانج نشأة ريفية ولم يكن جنديًا خالصًا بل كان يفضل الخمر والنساء على القتال، الحقيقة أنه كان نذلا أكثر منه محاربًا إلا أنه كان مخادعًا وقديرًا في التعرف على أفضل المخططين الاستراتيجيين وكان يقربهم إليه وينصت لنصائحهم، وذلك هو الذي سمح له بالترقي في مراتب الجيش.
في عام 208 ق. م. أرسل الملك شو جيشين هائلين لإخضاع مملكة شين القوية، اتجه أحد الجيشين إلى الشمال بقيادة القائد سونج بي يليه في القيادة هسيانج يو، وكان الجيش الثاني يتجه مباشرة نحو شين بقيادة ليو بانج، وكان الهدف هو الوصول للعاصمة الرائعة للمملكة هسين يانج. ولم يكن هسيانج يو العنيف والمتسرع يحتمل مجرد التفكير في أن يصل ليو بانج قبله إلى العاصمة هسيان يانج، فربما يجعله ذلك قائدًا على الجيش بأكمله.
في إحدى المراحل تباطأ القائد الأعلى للجيش الشمالي سونج بي عن إرسال قواته إلى المعركة، فدخل إليه هسيانج واتهمه بخيانة المملكة وقطع رأسه وتفرد بقيادة الجيش وحده، ودون أن ينتظر الأوامر ترك الجبهة الشمالية وزحف مباشرة نحو هسين يانج، وكان متيقنًا أنه محارب وقائد أفضل من ليو بانج ولكن لدهشته استطاع ليو بانج الذي كان يقود جيشًا أصغر وأسرع أن يصل إلى هسين يانج قبله. كان لدى هسيانج مستشار هو فان تسنج، حذّره قائلًا «لم يكن هذا القائد الريفي [ليو بانج] يشتهي غير المال والنساء ولكن منذ أن أتى إلى العاصمة لم تعد هذه الأمور تشغله، إنه يطمح للبعيد».
ألح فان تسنج على هسيانج أن يقتل غريمه قبل أن يفوت الأوان، ونصح الجنرال
أن يدعو ذلك الريفي المخدع إلى مأدبة يقيمها خارج هسين يانج ووسط الاحتفال وأثناء رقصة السيوف الشهيرة يقطع رأسه. وتم بالفعل إرسال الدعوة ووقع ليو في الفخ وحضر المأدبة لكن هسيانج تردد في السماح برقصة السيوف وفي اللحظة التي أعطى فيها إشارته كان ليو بانج قد استشعر المكيدة واستطاع أن يهرب. امتغض فإن تسنج حين رأى هسيانج يفسد الخطة وقال «يا للقرف، لم يكن عليّ أن أشرك ساذجًا مثلك في خطة، سوف ترى ليو بانج يستولى على إمبراطوريتك ويتخذنا جميعًا أسرى».
بسرعة أدرك هسيانج خطأه وزحف نحو هسين بانج، عازمًا هذه المرة على الحصول على رأس خصمه، ولكن ليو بانج لم يكن يدخل معركة حين تكون فرصته للانتصار قليلة وابتعد عن المدينة، فاستولى هسيانج على المدينة وقتل الأمير الصغير لمملكة شين ثم دك المدينة وسواها بالأرض. أصبح ليو ألد أعداء هسيانج وأخذ هسيانج يطارده لعدة شهور إلى أن حاصره أخيرًا في مدينة محصنة، وبسبب نقص المؤن وتشتت الجيش ناشده ليو إقرار السلام.
قام فان تسنج بتحذير هسيانج مرة أخرى «اسحقه الآن، إن تركته يهرب ثانية فسندم لاحقًا» لكن هسيانج اختار أن يكون رحيمًا معه وطلب إحضاره حيًا إلى تشو وكان يريد أن يعترف به صديقه السابق وليا وسيدًا له، لكن ثبت أن رأي ف كان صحيحًا واستطاع ليو استغلال مفاوضات الاستسلام كتمويه للهروب مع جيش صغير. تعجب هسيانج من نفسه أن ترك غريمه يفر مرة أخرى، واستعد من جديد لملاحقته ولكن هذه المرة بشراسة جعلته يبدو كمن فقد عقله، وفي الطريق أسر والد ليو في معركة وأخذه معه إلى أن وجد ليو وصاح فيه «استسلم الآن وإلا أسقطت أباك في ماء يغلي «فرد ليو» ولكننا أخوان بالقسم وأبي هو أبوك، وإن كنت مصرا على أن تغلي أباك فاث لي بكوب من الحساء». فتجع هسيانج عن حماقته واستمر القتال.


بعد ذلك بأسابيع وفي ذروة المطاردة بعثر هسيانج قواته بحماقة واستطاع ليو بهجمة خاطفة أن يحاصر حاميته الخاصة، وللمرة الأولى تنقلب الأحوال. هذه المرة كان هسيانج هو الذي ينشد السلام، فألح كبير مستشاري ليو عليه أن يدمر هسيانج ويسحق جيشه دون رحمة وقال «إن أطلقته تصبح كمن يربي نمرًا ليفترسه» ووافق ليو على رأي مستشاره، واصطنع هدنة مزيفة ليغري هسيانج بتقليل دفاعاته ثم ذبح كل من في جيشه تقريبًا، واستطاع هسيانج أن يهرب وحيدًا وعلى قدميه وكان يعرف أن ليو قد خصص مكافأ لمن يأتي برأسه، فتقدم إلى مجموعة من جنوده المتسخين والمنهكين وصاح فيه «علمت أن ليو قد خصص مائة قطعة من الذهب وإقطاعية من عشرة آلاف أسرة ثمنًا لرأسي، وسوف أمنحكم هذه الخدمة» ونحر عنقه بيديه ومات.
التعليق:
أثبت يو صلابته في مناسبات عديدة ولم يكن يتردد إلا نادرًا عن الإطاحة بخصم إن رأي أن ذلك يخدم مصالحه، لكنه تصرف بشكل مختلف مع ليو بانج، فقد كان يقدر غريمة ولم يرغب في هزيمته بالخديعة وأراد أن يثبت تفوه في ميدان المعركة، بل حتى أراد أن يجبر ليو الحاذق على الاستسلام والانضمام لخدمته، وفي كل مرة يتمكن من خصمه كان يجد شيئًا يجعله يتردد – وهو تعاطف قاتل مع الرجل الذي كان يومًا صديقه ورفيق سلاحه. لكن في اللحظة التي أعلن هسيانج بوضوح أنه يريد الإطاحة بليو وفشل كان قد حفر قبره بنفسه، ولم يعاني ليو من هذا التردد حين انقلبت الأقدار لصالحه.
هذا هو مصيرنا جميعًا إن تعاطفنا مع أعدائنا وأخذتنا بهم شفقة أو أمل في التصالح معهم، وإن جعلنا ذلك نتردد عن التخلص منهم، فلن يؤدي ذلك إلا إلى تقوية خوفهم منا وكرههم لنا. حين نتساهل مع أعداء هزمناهم وأهننا عزتهم نكون كمن يربي ثعابين الكراهية التي تقوى يومًا لتقتله. وفي عالم السطوة لا يمكننا أن نتعامل بهذه الطريقة بل يجب أن نسحق أعداءنا ونبيدهم ولا نترك لهم أي فرصة
للعودة للانتقام منا. ويصدق ذلك على الصديق الذي يتحول لعدو. القاعدة في الصراعات المميتة تنص على أنه: لا مكان للتصالح، فطرف واحد ينتصر ولا يكون الانتصار انتصارًا إلا إن كان شاملًا.
تعلم ليو هذا الدرس جيدًا، فبعد أن هزم هسيانج يو أكمل هذا الريفي مشواره ليصبح قائدًا أعلى لجيوش تشو، وسحق عدوه التالي – ملك تشو وليه السابق وتوّج نفسه إمبراطورًا، وهزم كل من وقف في طريقه وأخذ مكانه في التاريخ كواحد من أعظم حكام الصين، واتخذ لنفسه اسم هان كاو تسو مؤسس سلالة هان الحاكمة.
من يريد الإنجاز عليه أن يتخلى عن الرحمة
كوتيليا، فيلسوف هندي القرن الثالث ق.م.
مراعاة القاعدة:
ولدت وو تشاو في عام 625 ميلادية وكانت ابنة دوق، ولأنها كانت فاتنة وجميلة تم ضمها لحريم الإمبراطور تاي تسونج.
كان الحريم الإمبراطوري مكانًا خطرًا ومليئًا بمحظيات تتنافس على احتلال المكانة الأقرب لدى الإمبراطور. استطاعت وو بجمالها وشخصيتها القوية أن تفو بهذه المعركة سريعًا، ولكنها كانت تعرف أن الإمبراطور ككل رجال السطوة تتملكه الأهواء والنزوات وأنه من السهل استبدالها ولذلك كانت تضع المستقبل دائمًا نصب عينيها.
استطاعت وو أن تغوي تشاو تسونج الابن الداعر للإمبراطور في الفرصة الوحيدة التي كان يمكنها أن تلتقي به وحدها: أي حين كان يتبول في الحمام الملكي، ولكن على الرغم من هذا وحين مات الملك أخذت تعاني مصير كل زوجات ومحظيات الإمبراطور الراحل وهو مصير كان محكومًا بالأعراف والقوانين التي تقضي بأن تحلق رأسها وتنضم للدير لما تبقى من حياتها. ظلت وو تخطط للهرب من الدير طوال سبع سنوات واتصلت سرًا بالإمبراطور الجديد وصادقت زوجته


الإمبراطورة واستطاعت أن تحصل على مرسوم ملكي غير مسبوق يسمح لها أن تعود للقصر وأن تنضم للحريم، وظلت تتزلف للإمبراطورة على الرغم من أنها كانت تضاجع زوجها، ولم تمنعها الإمبراطورة عن ذلك لأنها كانت في حاجة أن تأتي للإمبراطور بوريث للعرش وكان وضعها حرجًا ورأت في وو الحليفة التي سوف تخلصها من هذا المأزق.
في عام 645 رزقت وو تشاو بولد، وفي أحد الأيام أتت الإمبراطورة لزيارتها وبعد أن خرجت قامت وو بخنق طفلها الوليد، وحين اكتشفت الجريمة اتجهت الشكوك نحو الإمبراطورة التي كانت في وقع الجريمة قبل حدوثها بلحظات، وكان الجميع يعرف طبيعتها الغيورة. كان ذلك بالضبط ما خططت له وو، وبسرعة تمت محاكمة الإمبراطورة بتهمة القتل وأعدمت، وتم تتويج وو تشاو إمبراطورة مكانها، وكان زوجها الجديد مدمنا للملذات وتخلي لها سعيدًا عن شئون الحكم.
على الرغم من سطوتها الكبيرة لم تشعر وو أبدًا بالأمان، فقد كان الأعداء حولها في كل مكان ولم تتخل عن حراسها في أي لحظة. في عامها الواحد والأربعين بدأت تخشى أن تحتل ابنة أخيها الجميلة والشابة مكانتها المفضلة لدى الإمبراطور ولذلك قتلتها بوضع السم في عامها. وفي عام 675 أصبح ابنها الوريث الشرعي للحكم فسمته هو أيضًا، ولفقت تهمة حُكم فيها بالنفي على الابن غير الشرعي لزوجها عندما تم تسميته وليا للعهد، وحين مات الإمبراطور في عام 683 استطاعت وو إعلان أن الابن التالي غير مؤهل للعرش وكان ذلك يعني أن أصغر أبنائها وأقلهم جدارة قد أصبح إمبراطورًا وسمح لها ذلك بالاستمرار في الحكم.
في السنوات الخمس التالية حدثت محاولات انقلاب لا تحصى بالقصر وفشلت جميعًا وتم إعدام جميع المتآمرين، وفي عام 688 لم يبق أحد ينازع وو على العرش وأعلنت نفسها سليلة إلهية للبوذا وفي عام 690 تحققت أخيرًا كل أحلامها: أطلق عليها لقب «الإمبراطور» المقدس للصين.
أصبحت وو إمبراطورًا لأنه لم يتبق حرفيًا أحد في سلالة تسانج ليتولى الحكم، وهكذا حكمت دون منازع لأكثر من عقد من السلام النسبي، وفي عام 705 وكانت في الثمانين من عمرها أجبرت على التنازل عن العرش.
التعليق:
كل من عرف الإمبراطورة وو كان ينبهر بطاقتها وذكائها، وفي هذه العصور كان آخر ما تحلم به أي امرأة من مجد هو أن تقضي بضع سنوات في الحريم الإمبراطوري، وبعدها تقضي ما تبقى من حياتها في الدير. لم تتصرف وو بسذاجة في أي مرحلة من صعودها التدريجي والمبهر نحو القمة، وكانت تعلم أن أي تردد أو لحظة ضعف ستقضي عليها، وكانت كلما انتهت من منافس يظهر لها منافس جديد وكان حلها لهذه المشكلة بسيطًا: إما أن تقضي عليهم أو يقضون هم عليها. كان كل من سبقها من أباطرة يفعل نفس الشيء، ولكن كان عليها كامرأة لاحق لها في السلطة أن تقوم بهذا الأمر دون أي رحمة.
كان حكم الإمبراطورة وو لأربعين عامًا من أطول فترات الحكم في تاريخ الصين، وعلى الرغم من معرفة الصينيين بتاريخها الدموي ظلوا ينظرون إليها كأكثر من حكموا الصين قدرة وكفاءة.
حين كان رجل الدولة والقائد العسكري الإسباني رومون ماريا نارفاييز (1800– 1868) على فراش الموت سأله الواعظ «هلا عفوتم عن أعدائكم جميعًا يا صاحب السعادة؟» فأجابه نارفاييز «ليس على أن أعفو عنهم لأنني قتلتهم جميعًا».
مفاتيح للسطوة:
ليس من الصدفة أن يأتي المثالان اللذان يصوران هذه القاعدة من الصين: فالتاريخ الصيني ملئ بقصص عن أعداء تم تركهم أحياء وعادوا لينتقموا من الذين تساهلوا معهم. كانت العقيدة الاستراتيجية الأساسية لصن تسو في القرن الرابع ق. م. في كتابة فن حرب هي «اسحق أعداءك». والمغزى وراء ذلك بسيط: أعداؤك يتمنون لك الشر، وليس هناك شيء أحب إليهم من التخلص منك، وإن حاربتهم ثم


توقفت في منتصف أو حتى في ثلاثة أرباع الطريق بسبب الرحمة أو الرغبة في التصالح معهم تكون قد شددت من عزمهم ومن شعورهم بالمرارة ضدك، فيعودون للانتقام منك في يوم ما. قد تراهم في مرحلة ما يعاملونك بود ولكن سبب ذلك أنك هزمتهم وأنه ليس لديهم خيار سوى الانتظار حتى تأتي اللحظة المناسبة.
الحل هو أن لا تأخذك رحمة بأعدائك، اسحقهم ولا تبق لهم شيئًا كما يريدون أن يسحقوك، ففي النهاية لن تحظى بالأمن ولا السلام من أعدائك إلا بالقضاء عليهم.
عرف ماوتسي تونج أهمية هذه القاعدة بعد أن قرأ كتاب فن الحرب قراءة متعمقة. في عام 1934 لجأ ماو مع جيش من 75000 جندي مسلحين تسليحًا خفيفًا إلى منطقة جبلية نائية في غرب الصين هربًا من جيش شيانج كاي شيك الذي يتفوق عليهم بكثير، وقد أطلق على هذا التحرك من وقتها اسم الزحف الطويل.
كان شيانج عازمًا على التخلص نهائيًا من الشيوعيين، وبعد سنوات قليلة لم يتبق لدى ماو سوى 100000 جندي، وفي عام 1937 حين بدأ احتلال اليابان للصين ظن شيانج أن الشيوعيين لم يعودوا يشكلون تهديدًا فتوقف عن مطاردتهم وركز على اليابانيين، وبعد عشرة سنوات تعافت قوة الشيوعيين من جديد لتسحق جيش شيانج. نسي شيانج القاعدة القديمة بأن يسحق عدوه لكن ماو لم ينسها، فلاحق جيش شيانج إلى أ، فروا جميعًا إلى تايوان ولم يعد لنظامه أي بقايا أو امتداد حتى الآن.
حكمة سحق العدو مذكورة أيضًا في الكتاب المقدس، ولعل أول من طبقها هو النبي موسى [عليه السلام] وهي قاعدة تلقاها من الرب نفسه حين أمره باقتحام البحر الأحمر لتخليص اليهود ثم ترك الماء ليغرق جيش فرعون الذي كان يطاردهم حتى «لم يتبق منهم رجل»، وحين عاد من جبل سيناء بألواح الوصايا ووجد الناس يعبدون العجل الذهبي، ذبح كل من ارتكب هذا الإثم، وأمر أتباعه عند موته وكانوا على وشك دخول الأرض الموعودة أنهم حين يهزمون قبائل كنعان «أن أبيدوهم جميعًا ... ولا تقطعوا معهم عهدًا ولا تأخذكم بهم رحمة».
النصر الشامل هو عماد الحرب الحديثة وقد وصفه كارل فون كلوشفيتز الفيلسوف الأكبر للحرب عند تحليله لحروب نابليون، وكتب «نقول أن الاعتبار الأهم يجب أن يكون للإبادة السريعة والمباشرة لقوات العدو ... وبمجرد أن يتحقق نصر كبير لا يجب الحديث عن هدنة أو التقاط الأنفاس... بل فقط متابعة اللحاق بالعدو والاستيلاء على عاصمته ومهاجمة احتياطاته وكل شيء قد يمنح لبلاده الفرصة في الحصول على المساعدات والمواساة». والسبب في ذلك أنه بعد انتهاء الحرب تبدأ المفاوضات وتقسيم الأراضي، وإن كان انتصارك جزئيًا فستخسرك المفاوضات حتمًا ما كسبته بالحرب.
الحل بسيط: لا تترك لأعدائك أي خيارات، أبدهم وتصبح أرضهم في يدك لتفعل بها ما تشاء، فهدف السطوة هو التحكم التام بأعدائك وإخضاعهم لإرادتك، ولن تستطيع تحمل تكاليف التوقف في منتصف الطريق، وإن لم تترك لهم خيارات لن يكون أمامهم إلا الاستجابة لأوامرك. وتتجاوز تطبيقات هذه القاعدة ميدان الحرب، فالمفاوضات ثعبان ماكر يلتهم انتصارك، فلا تترك لأعدائك ما يفاوضون عليه. أبقهم دون أمل أو فرص للمناورة، وعليهم أن يعلموا أنهم هزموا وأن هذا هو كل ما لديهم.
ولتعرف أن في سعيك للسطوة ستحرك ضدك عداوات وتكتسب خصومًا، وستجد أشخاصًا لن تستطيع أن تكسبهم إلى صفك وسيظلون أعداء مهما فعلت. لكن أيا كان ما تسببه لهم من آلام وجروح عامدًا أو غير عامد لا تعتبر الأمر شخصيًا أبدًا، لكن انتبه أنه لا مجال للسلام معهم خاصة إن كنت لا تزال تحتفظ بالسطوة. وتأكد من أنك إن تركت لهم حرية التحرك فإنهم حتمًا سيعودون، تيقن من ذلك يقينك بطلوع الفجر بعد عتمة الليل، فمن الحماقة أن تنتظرهم إلى أن يكشفوا لك أوراقهم لأن وقتها يكون الأوان قد فات.
كن واقعيًا: بوجود هؤلاء الأعداء حولك لن تشعر أبدًا بالأمان، وتذكر دروس التاريخ وحكم النبي موسى والقائد ماو، ولا تتوقف أبدًا في منتصف الطريق.


المسألة بالطبع ليست في القتل بل في الإبعاد والإضعاف، فحين تنهك قوى عدوك وتطرده من بلاط السطوة نهائيًا فلن يشكل ضررًا عليك، ولن يكون لديه أمل في التعافي وإقحام نفسه وإيذائك. وإن لم يمكنك نفي أعدائك فعليك على الأقل أن تنتبه لتآمرهم ضدك ولا يخدعك أي ادعاء للود والصداقة يظهرونه لك، فسلاحك الوحيد في هذه المواقف هو الحذر. إن لم تستطع نفيهم فورًا فانتظر الوقت المناسب لنفيهم بعيدًا عنك حتى لا يهددون سطوتك.
الصورة
الثعبان الذي تطأه بقدمك ولا يموت يعود إليك ويلدغك بسم مضاعف. والعدو الذي تفلته يشبه الثعبان الجريح الذي تتركه حيًا؛ مع الوقت يتعافى ويشتد سمه.
اقتباس من معلم: ولتعلم أنه يجب في التعامل مع الرجال إما أن تتودد إليهم أو أن تمحقهم من الوجود؛ لأن الناس ينتقمون لما يجرحهم ولا يستطيعون الانتقام لما يقضي عليهم تمامًا. لذلك إن أردت أن تصيب أحدًا فتأكد من أن الأضرار التي تسببها له لن تسمح له بالعودة للثأر. (نيقولو مكيافيللي 1469 – 1527).
عكس القاعدة:
لا يجب عكس هذه القاعدة إلا في أندر الأحوال، لكن يكون الأفضل لك أحيانًا إن استطعت أن تترك أعداءك يدمرون أنفسه بأنفسه من أن تدمرهم أنت بيديك. ففي الحرب مثلا يعلم كل قائد أنك حين تحاصر جيشًا فإنهم يحاربون بأشرس ما يمكنهم، وأن من الأفضل أن تترك لهم طريقًا للانسحاب ينهكون فيه أنفسهم، وفي النهاية سيضعف الانسحاب معنوياتهم أكثر من أي هزيمة كانت ستلحق بهم في ميدان الحرب. حين تحاصر شخصًا ولا تبق له أملاً للتعافي اتركه يشنق نفسه بنفسه واتركه يصبح المذنب في تدمير نفسه، ستحصل على النتيجة نفسها ولكن لن تشعر بنفس القدر من الذنب.


ختامًا فإن سحق الأعداء يشعرهم بمرارة تستمر سنوات يدبرون فيها للثأر. كان لمعاهدة فرساي هذا التأثير على الألمان، ويرى البعض أن الأفضل لك على المدى الطويل أن تترفق بأعدائك. المشكلة أن الرفق يحوي خطرًا آخر– فقد يقوي قلب عدوك عليك ويمنحه الفرصة للتحرك، والحكمة تقتضي دائمًا تقريبًا أن تسحق عدوك وإن خطط للانتقام بعدها بسنوات فلا تتخلى عن حذرك منه واسحقه من جديد.


** معرفتي **
www.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة

16
اتقن فن الغياب
لتزيد تقديرك ومكانتك
الحكمة:
السلعة التي تروج بين الناس يقل سعرها، وكلما زاد حضورك وكلامك تبتذل مكانتك وتقل هيبتك. بمجرد أن يتكون لدى جماعة رأي حسن عنك يكون عليك الانسحاب حتى يزيد حديثهم عنك وإعجابهم بك. عليك أن تتعلم متى تغيب حتى ترتفع قيمتك بندرة حضورك.


مراعاة وانتهاك القاعدة:
كان السير جيلوم دي بالون تروبادورا [أي فارسا شاعرًا] جاب في العصور الوسطى جنوب فرنسا من حصن لحصن ينشد الشعر ويؤدي دور الفارس الأمثل، وفي حصن جافياك التقى بربة منزل جميلة وأحبها هي مدام جوليلما دي جوفياك، وأنشد وغني لها من شعره ولعبا معًا الشطرنج ويومًا بعد يوم وقعت هي أيضًا في حبه. كان مع جيلوم في ضيافة الحصن صديق هو السير بيير دي بارجاك وقع هو أيضًا في حب امرأة من جوفياك هي فيرنيتا الفاتنة وكانت فاتنة بالفعل ولكن مع حدة في الطباع.
في أحد الأيام تشاجر بيير وفيرنيتا شجارًا عنيفًا وطردته السيدة فطلب مساعدة جيلوم لتصفية الأجواء بينه وبينها والحصول على رضاها. كان على جيلوم أن يغادر الحصن لأسابيع لإنجاز أمور وبعدها تدخل بسحره وبلاغته وأعاد الود بين بيير وحبيبته، وشعر بيير أن حبه قد تضاعف لها عشرة مرات، فلا حب أقوى من الذي يأتي بعد الخصام، وقال لجيلوم أنه كلما كان النزاع بينهما يشتد تزداد حلاوة ما يأتي بعده من وصال وعتاب.
كان السير جيلوم يتفاخر كتروبادور أنه عرف كل مباهج الحب وآلامه، وحين سمع ما قاله صديقه رغب هو أيضًا أن يعرف لذة الوصل بعد الخصام، فادعى أنه غاضب غضبًا شديدًا من السيدة جوليلما وتوقف عن إرسال الخطابات لها وترك الحصن وبقي بعيدًا حتى في الأعيان وحفلات الصيد، فهيج ذلك مشاعر جوليلما كثيرًا.
بعثت جوليلما بالرسل يسألون جيلوم عن ما يغضبه ولكنه ردهم حتى يغضبها أكثر ويجبره لاحقًا على توسل الوصل منها كما فعل بيير، إلا أن غيابه كان له أثر عكسي: جعل جوليلما تحبه أكثر وأخذت تلاحقه وظلت ترسل إليه الخطابات، ولم يكن من المعروف من قبل أن تلاحق سيدة تروبادورا، وضاق جيلوم بذلك ورأى أن أفعالها تبتذلها، ولم يعد بعدها واثقًا لا من نجاح خطته ولا حتى من حبه لجوليلما.
أخيرًا وبعد أشهر من هجر جيلوم لها يئست جوليلما ولم تعد تراسله وبدأ يتساءل–لعلها غاضبة، لعل الخطة نجحت أخيرًا. كان يتمنى أن تكون قد نجحت فلم يعد يستطيع أن يتحمل-كان يريد الوصال ولذلك ارتدى أفضل ثيابه وزيّن حصانه بأجمل سرج ووضع فوق رأسه خوذة رائعة وانطلق إلى جافياك.
حين عرفت أن حبيبها قد عاد أسرعت إليه وركعت أمامه ورفعت حجابها لتقبله وطلبت العفو منه عن أي هفوة ربما بدرت منها وأغضبته. يمكننا أن نتخيل حيرته وتشوشه–فقد فشلت خطته ذريعًا، فهي لم تغضب ولو قليلا بل كشفت عن عمق حبها له ولم يكن له أن يشعر معها بلذة الصفو بعد الجفاء. حين رأى ذلك ومع تلهفه على تذوق تلك اللذة قرر أن يحاول من جديد: فنهرها بكلمات جارحة وإيماءات تهديد، وبينما كانت تبتعد أقسمت أنها لن تعود إليه أبدًا بعد ذلك.
في اليوم التالي ندم التروبادور على ما فعل وركب حصانه عائدًا إلى جافياك لكن السيدة رفضت أن تستقبله وأمرت خدمها أن يطاردوه إلى أن يعبر الجسر ويبتعد عن تل الحصن. هرب جيلوم ولكن حين عاد إلى حجرته انهار وبدأ في البكاء: عرف أنه ارتكب خطأ جسيمًا، وظل طوال العام التالي يشعر بألم الهجر الذي أخذ يؤجج نيران محبته وكتب لها قصيدة من أجمل قصائده جاء فيها «أغنياتي تصعد إليك صلاة تطلب الرحمة والمغفرة». كتب إليها الكثير من الخطابات تفسر لها ما فعل وطالبًا منها أن تعفو عنه وترحمه.
بعد الكثير من التوسل تذكرت جوليلما أغانيه الجميلة ووسامته ومهاراته في الرقص والصيد فشعرت بالحنين إليه يحتاجها من جديد، وعقابًا له على قسوته أمرته أن ينتزع ظفر بنصر يده اليمنى وأن يرسله إليها مع قصيدة تصف عذاباته.
لبي جيلوم طلبها واستطاع أخيرًا أن يتذوق الإحساس الأسمى-وصال أحلى بكثير حتى من ذلك الذي تذوقه صديقه بيير.
التعليق:
في محاولته لاكتشاف لذة الوصل بعد الخصام اكتشف جيلوم عن غير قصد القاعدة


التي تحكم الحضور والغياب، ففي بداية أي علاقة تحتاج لأن تؤكد الإحساس بحضورك لدى الطرف الآخر وإن أبعدت نفسك عن الأنظار في هذه المرحلة المبكرة يكون من السهل نسيانك، لكن بمجرد أن تتحرك مشاعر من تود وتتبلور مشاعرها بالحب نحوك فإن الغياب يفيد في تأجيج مشاعرها نحوك ومشاعرك نحوها، وعدم إبداء أسباب للغياب يكون أقوى تأثيرًا: فحين تغيب يتساءل المحب إن كان قد أخطأ وفي البعد تتدفق خيالاته وتفيض، ولا تؤدي إثارة الخيال إلا إلى إشعال جذوة المشاعر. على العكس من ذلك كلما كانت جوليلما تلاحق جيلوم كان حبه لها يخفت – فكان حضورها المفرط ثقيلا وأظهرها سهلة ومبتذلة، ولم يترك لخياله الفرصة للتحليق والنمو فاختنقت مشاعره، وحين توقفت عن مراسلته بدأ حبه في التنفس من جديد وعاد إلى خطته.
الممنوع والنادر يجذب احترامنا وتقديرنا له، وما يثقل علينا بحضوره المقيم يثقل علينا ويجعلنا نزهده ونحتقره. في العصور الوسطى كانت النساء يضعن فرسانهن في اختبارات للحب وكن يكلفنهم بمطالب شاقة ومطولة – ليصنعن لعلاقاتهن نسقا من الحضور والغياب، والحقيقة أنه لو لم يبتعد جيلوم لأجبرته هي على الابتعاد لتخلق غيابها الخاص.
الغياب يطفئ المشاعر البسيطة ويؤجج المشاعر الكبرى، تمامًا كما تطفئ الريح الشمعة وتذكي النار لا روشفوكو 1613. 1680
مراعاة القاعدة:
استطاع الأشوريون لعدة قرون أن يحكموا أجزاء كبيرة من آسيا بقبضة من حديد، لكن في القرن الثامن ق. م. ثارت ضدهم الجموع في ميديا (في شمال غرب إيران الحالية)، واستطاع أخيرًا شعب ميديا الحصول على الاستقلال، ولكن خوفًا من الخضوع مرة أخرى لحكم طاغية قرروا أن لا يعطوا كل السطوة لرجل واحد، وأسسوا إمارة دون قائد–ودخلت البلاد في الفوضى وتفتت إلى ممالك صغيرة، وأصبحت كل قرية تحارب ضد أخرى.
في إحدى هذه القرى كان يعيش رجل اسمه ديوسيس اشتهر بين الناس بالعدل والقدرة على تسوية النزاعات.
في هذا الوقت كان الفساد منتشرًا ولم يكن أحد يثق برفع قضيته إلى المحاكم، وكان الناس يأخذون حقوقهم بالقوة، وحين ذاعت الأخبار عن حكمة ديوسيس واستقامته وعدم تحيزه لأحد أصبحت كافة قرى مدين تحتكم إليه في كافة أنواع القضايا، وأصبح الوسيط الوحيد للعدل في أنحاء البلاد وعلت سطوته.
في ذروة سطوته شعر ديوسيس فجأة أنه قد فاض به، ولم يعد يرغب بالجلوس في كرسي القضاء ليجري أي محاكمات بين قرية وأخرى أو أن يحل أي نزاعات بين الأخ وأخيه. تقاعد لأنه رأى أنه يقضي كل وقته في حل مشكلات الأخرين ولا يجد ما يكفي لمتابعة شئونه الخاصة. ومع غيابه المفاجئ دخلت البلاد مرة أخرى في الفوضى وارتفعت الجريمة ووصل احتقار الناس للقانون إلى درجة غير مسبوقة، واجتمع الميديون من كافة القرى ليقرروا ما قد يفعلون لمواجهة هذه المحنة. قال أحد زعماء القبائل «لن يحتمل أحد أن يعيش في هذه البلاد في ظروفها الحالية، فدعونا نرشح أحد كبرائنا ليحكم حتى نعيش في ظل حكومة منظمة بدلا من أن نخسر مواطنينا جميعًا وسط هذه الفوضى».
وهكذا وعلى الرغم مما عاناه شعب ميديا من الطغيان تحت حكم الأشوريين، قرروا إنشاء إمارة واختيار ملك، وكان الرجل الذي اختاروه بالطبع هو العادل ديوسيس. كان من الصعب إقناعه لأنه كان قد ضاق بحل النزاعات بين القرى لكن الميديين توسلوا إلهي، فبدونه انزلقت البلاد إلى حالة انعدام القانون.
في النهاية وافق ديوسيس ولكن بعد أ وضع لهم شروطًا. كان عليهم أن يبنوا له قصرًا كبيرًا يحيطونه بالحراس وأن تقام له عاصمة يحكم من خلالها، ومنحوه ما طلب. استقر ديوسيس في قصره وسط عاصمته تحيط به أسوار تمنع العوام من الوصول إليه، وأسس قواعد لحكمه تمنع الدخول إليه وكان التواصل معه يتم فقط من خلال حاجب ولم يكن رجال حاشيته يستطيعون مقابلته إلا مرة كل أسبوع وبعد أن يسمح لهم بذلك.


حكم ديوسيس خمسة وثلاثين عامًا توسعت فيها الإمبراطورية الميدية ووضع أساسًا لما أصبحت فيما بعد الإمبراطورية الفارسية التي بناها أحد أحفاد أحفاده هو سيروس. أثناء حكم ديوسيس تحول احترام الشعب له إلى نوع من العبادة: فلم ينظروا إليه كإنسان فإن بل سليلا للآلهة.
التعليق:
كان ديوسيس رجلا ذا طموح كبير، عرف مبكرًا أن البلاد في حاجة إلى حاكم قوي وأنه هو الرجل الأنسب لهذه المهمة، ورأى أن في بلد تسوده الفوضى تكون السطوة الأكبر للقاضي أو لمن يحكم بينهم بالعدل، ولذلك بدأ مهمته بترسيخ سمعته كرجل عدل لا يخطئ.
في أوج سطوته كقاض أدرك ديوسيس حقيقة قاعدة الحضور والغياب: فقد جعلته سهولة الحصول على خدماته رائجًا بين الناس ففقد التوقير الذي كان يتمتع به من قبل، وأخذ الناس يرون خدماته هبات مجانية، وكانت الطريقة الوحيدة كي يستعيد مهابته وسطوته هي أن ينسحب كليا ويجعل الميديين يتذوقون الحياة بدونه، وكما توقع عادوا إليها يتوسلون أن يصبح حاكما لهم.
بمجرد أن أدرك تأثير قاعدة الحضور والغياب قام بتفعيلها إلى أقصى حد، ففي القصر الذي أنشأه له الشعب لم يكن يستطيع أن يراه سوى عدد قليل من رجال البلاط، وحتى هؤلاء كانوا يرونه نادرًا. وكما كتب المؤرخ القديم هيرودوت «الخطر من كثرة رؤيته هي أنه كان سيولد فيهم الاستياء والغيرة منه، وبعد ذلك تأتي الفتن والمؤامرات، لكن حين لم يره أحد نمت حوله أسطورة أنه من طبيعة أخرى غير البشر».
سأل الرجل الدرويش «لماذا لا تأتي لزيارتي كثيرًا؟» فأجابه الدرويش «لأن سؤالك لماذا لا آتيك كثيرًا، أحب إليّ من قولك، ما الذي أتى بك إليّ مرة أخرى؟»
الملا جامع، مقتبس في كتاب إدريس شاه قافلة الأحلام 1968.
مفاتيح للسطوة:
كل شيء في العالم يعتمد على الحضور والغياب، فالحضور القوي يجلب إليك الانتباه والسطوة-فتبرز أكثر من المحيطين بك، لكن تأتي حتما لحظة يؤدي فيها حضورك إلى أثر عكسي، ويؤدي المزيد من ظهورك وكلامك إلى تقليل مكانتك، وتصبح شيئًا معتادًا، ومهما بذلت من جهد للتميز والبروز ستجد احترام الناس لك يخفت بالتدريج. عليك أن تتعلم أن تنسحب في اللحظة المناسبة قبل أن يرفضك الناس في دخيلة أنفسهم وتلك أشبه بلعبة الظهور والاختفاء.
يمكن فهم هذه القاعدة بوضوح من أمور الحب والإغواء، ففي المراحل الأولى في تكوين علاقة يؤدي عدم المعرفة الكاملة بالحبيب إلى تنبيه الخيال وتجعل له سحرًا خاصًا يفرقه عن كل الرجال، لكن هذا السحر يزول بالاقتراب الذي يقتل الخيال ويفرض الواقع، وحينها يصبح رجلا ككل الرجال وشخص وجوده عادة، ولهذا كانت نينو دي لنكلوا أشهر محظيات البلاط الفرنسي في القرن السابع عشر تنصح المحبين بالابتعاد عن أحبائهم لفترة، وقد كتبت ذات مرة أن «الحب لا يموت من الجوع ولكن من التخمة».
إن تركت نفسك إلى أن يتعامل معك الآخرون كأي شخص عادي يكون الوقت قد تأخر، حيث تكون قد ابتلعت وهُضمت، لكن يمكنك أن تمنع حدوث ذلك بأن تجعل الطرف الآخر يتعطش إلى حضورك، وأن تجبره على احترامك بالتهديد بإمكانية أن يخسرك للأبد. وعليك أن تتقن إذن فن الحضور والغياب.
حين يموت شخص يتغير كل شيء في نظرة الآخرين له، ويحاط بهالة من الاحترام، ويتذكر الناس نقدهم له وشجارهم معه ويملأهم ذلك بالندم والشعور بالذنب، ويحنون إلى حضوره الذي لن يعود، ولكن ليس عليك أن تنتظر حتى تموت: فانسحابك لفترة يخلق نوعًا من الموت قبل موتك، وحين تعود يشعرون وكأنك عدت إليهم من عالم الموتى-وسوف يحيط بك جو من الإحساس بالبعث ويرتاحون لرؤيتك، وتلك هي الطريقة التي استطاع بها ديوسيس أن يجعل من نفسه ملكًا.


وصف نابليون قاعدة الحضور والغياب بقوله «حين يكثر حضوري على مسرح الأحداث يقل تأثر الناس بي». في عصرنا هذا المتخم بالحضور وبطوفان من الصور التي تفيض حولنا تؤثر لعبة الانسحاب والغياب تأثيرًا أكبر من أي وقت مضى. أصبح من النادر في أيامنا هذه أن يعرف الناس التوقيت المناسب للغياب ولهذا نشعر بالانبهار بأي شخص يستطيع أن يختفي باختياره، وقد استطاع الروائيان ج. د. سالنجر وتوماس بنشون إنشاء ما يشبه طائفة لها متعصبون بمعرفتهما متى يختفون عن الساحة.
أحد الجوانب اليومية المعاشة لهذه القاعدة والتي تبرز مصداقيتها هي قاعدة الندرة في عالم الاقتصاد والأسواق، فحين تسحب سلعة من السوق تزداد قيمتها. في القرن السابع عشر أرادت الطبقة العليا في هولندا أن تجعل زهرة التيوليب [الخزاميٍ] أكثر من مجرد زهرة جميلة وأن تكون رمزًا للمكانة الاجتماعية، فجعلوا من الصعب أو حتى المستحيل الحصول عليها وأطلقوا عليها وأطلقوا ما عرف لاحقًا باسم الهوس بالخزامى، فأصبح ثمن الزهرة أكبر من وزنها ذهبًا. وفي عصرنا الحالي استطاع تاجر الفنون جوزيف دوفين أن يجعل اللوحات التي يبيعها نادرة على قدر ما يستطيع، ولكي يحافظ على أسعارها مرتفعة كان يشتري مجموعات كاملة من المقتنيات ويخزنها في قبو، فأصبحت اللوحات التي يبيعها أكثر من مجرد لوحات بل رموزًا، وزادت قيمتها من ندرتها. قال دوفين ذات مرة «من السهل أن يحصل الكثيرون من الناس على اللوحات حين يكون سعر الواحدة خمسين ألف دولارًا لكن حين يكون سعرها ربع مليونًا فسوف يتطلب الحصول عليها العناء».
استفد من قاعدة الندرة في مهاراتك، واجعل ما تقدمه للعالم نادرًا صعب المنال، وسوف يرفع ذلك من قيمة ما تقدمه ومن قيمتك.
تأتي دائمًا لحظة يبغض فيها الناس من في السلطة ويملّونها ويحتقرونهم ومهما أحسنوا القول يغضب الناس منهم لأنهم دون عي يقارنون بين وضعهم الحالي وما كانوا عليه من قبل. هناك فن في توقيت الاعتزال إن أتقنته تستعيد الاحترام الذي فقدته وتبقى على قدر من سطوتك.
كان أعظم حكام القرن السادس عشر هو شارل الخامس ملك إسبانيا وإمبراطور الهبسبرج، فكان يحكم في إحدى الفترات إمبراطورية تشمل معظم أوروبا والعالم الجديد، ولكن في عام 1557 تنازل عن الحكم واعتزل إلى دير يوست، وقد اندهشت أوروبا كلها من انسحابه المفاجئ، ورآه عظيمًا حتى من كانوا يكرهونه ويرهبونه بشدة، واعتبره البعض قديسا. وفي وقت أقرب اعتزلت الممثلة الأمريكية جريتا جاربو سنة 1941 في ذروة حب الناس لها وإعجابهم بها، ورأى البعض أن انعزالها قد جاء مبكرًا حيث كانت في منتصف الثلاثينات من عمرها – لكنها بحكمة أرادت أن تترك الساحة بإرادتها بدلًا من أن تنتظر حتى يملها الجمهور.
إن تركت نفسك حتى يصبح حضورك مبتذلًا تزول عنك الهالة التي صنعتها لنفسك، وإن قلبت الوضع وأصبح حضورك نادرًا تزداد قيمتك وتقدير الناس لك.
الصورة
الشمس
نقدر قيمتها فقط حين تغيب، وكلما طالت أيام المطر يزداد اشتياقنا للشمس، لكن في أيام الصيف تصبح الشمس دائمة الحضور ومزعجة. علم نفسك أن تتوارى وتجعل الناس يشتاقون لعودتك.
اقتباس من معلم: استخدم الغياب لتجني الاحترام والتقدير؛ فالحضور يطفئ الشهرة والغياب يذكيها. والرجل الذي يعتبره الناس أسدا في غيابه يرونه تافهًا ومبتذلًا إن تكرر حضوره. وتفقد المواهب قيمتها حين يعتادها الناس لأنها سيرون شخصية المبدع الجافة والعادية وليس إبداعاته الشهية. وحتى العبقريات الخارقة تستفيد من الابتعاد ومن حنين الناس إليها لأن ذلك يضيف روعة أخرى إلى روعتها (جراتسيان بالتسار 1601 – 1658).


عكس القاعدة:
لا تنطبق هذه القاعدة إلا بعد اكتساب قدر معين من السطوة، فضرورة الانسحاب لا تأتي إلا بعد أن يترسخ حضورك. وغيابك مبكرًا لن يزيد من احترام الناس لك بل يجعلهم ببساطة ينسونك. حين تدخل إلى مسرح الأحداث لأول مرة عليك أن تخلق لنفسك صورة تميزك بحيث يتناقلها الناس عنك وتتردد في كل مكان. وقبل أن تتأكد مكانتك يكون غيابك خطرًا–لأنه لن يؤجج شهرتك بل سيطفئها.
في الحب والإغواء أيضًا لن يفيدك الغياب إلا بعد أن تكون قد أحطت من تحب بمرآك في كل مكان حتى يذكرها كل شيء بك حين تغيب، وحتى لا تستطيع أن تفكر في أي شيء آخر ولا ترى غيرك في خيالها حين تنفرد بنفسها. تذكر أن عليك في البداية أن تجعل حضورك طاغيًا لأن وحدها الأشياء التي تؤثر فينا ونراها ونحبها هي التي نفتقدها حين تغيب.



القاعدة
17
ارهب الآخرين
بالمفاجأة وكسر التوقع

الحكمة:
الناس تحكمهم العادة ويحبون أن يألفوا أفعال من حولهم لأن ذلك يعطيهم الإحساس بالسيطرة والتحكم. بلبلهم وشوش عنهم نواياك بتصرفات مباغتة وغير مفهومة، لأن ذلك سوف يجهدهم في تفسير تحركاتك ويبث فيهم الخوف والرهبة.


مراعاة القاعدة:
في مايو 1972 ظل بطل الشطرنج بوريس سباسكي ينتظر في قلق غريمه بوبي فيشر في ريكيافيك بأيسلندا، وكان مقررًا أن يتنافس الرجلان في نهائي بطولة العالم للشطرنج، لكن فيشر لم يحضر في الوقت المقرر، وتم تأجيل المباراة. كان فيشر يعترض على القيمة المالية للجائزة وطريقة توزيع المال وظروف إقامة المباريات في أيسلندا، وكان يلمح بأنه قد ينسحب في أي وقت.
حاول سباسكي أن يتحلى بالصبر، وشعر قادته في روسيا أن فيشر يهينه وطلبوا منه الانسحاب، لكن سباسكي كان يرغب في إقامة المباراة، وكان يعلم أنه يستطيع تدمير فيشر ولن يبعده شيء عن تحقيق أكبر انتصار في حياته. قال سباسكي لأحد رفاقه «قد تضيع كل جهودنا هباء، لكن ما باليد حيلة، إن جاء فيشر نلعب وإن لم يأت لا نلعب، فالرجل الذي يرغب في الانتحار تكون المبادرة دائمًا في يده».
وصل فيشر أخيرًا إلى ريكيافيك، لكنه استمر في الشكوى ولم تعجبه القاعة التي تجري فيها المباراة وانتقد الإضاءة وأصوات الكاميرات وحتى المقاعد التي كان سيجلس عليها وهو وسباسكي، وحينئذ أخذ السوفييت المبادرة وهددوا بسحب رجلهم.
نجحت الخدعة: فبعد أسابيع من الانتظار والمفاوضات الطويلة والمستفزة وافق فيشر على اللعب فاستراح الجميع وأولهم سباسكي، ولكن في وقت الافتتاح الرسمي وصل متأخرًا جدًا وفي يوم بداية أول مباراة في «بطولة القرن» أتى متأخرًا مرة أخرى، لكن هذه المرة كان لو تأخر عن وقت معين يخسر تلك المباراة الأولى، وتساءل الناس ماذا يفعل، فهل يتلاعب بمشاعرهم؟ هل هو خائف من سباسكي؟ بدا للجميع أن هذا الشاب القادم من بروكلين لديه حالة رهيبة من الاضطراب العصبي، لكن في الساعة 09: 5 ظهر فيشر قبل إلغاء المباراة بدقيقة واحدة.
تعتبر المباراة الأولى في بطولة الشطرنج مصيرية لأنها تحدد إيقاع الشهور التالية، وغالبًا ما تتميز بصراع بطيء وهادئ يحضر فيها كل طرف نفسه للحرب ويحاول أن


يستقرئ استراتيجيات الخصم. لكن كانت هذه المباراة من نوع مختلف فقام فيشر بنقله سيئة للغاية في مرحلة مبكرة، لعلها الأسوأ في تاريخه وحين حاصره سباسكي مهددًا بموت الشاة قاتل بشراسة وجهد، لكن بدا للمشاهدين أنه استسلم لكن فجأة قام بنقله جريئة جعلت الحضور يهمهم في القاعة. صدمت هذه النقلة سباسكي لكنه استعاد تركيزه واستطاع الفوز بالمباراة. لم يكن أحد يعرف ما الذي يفعله فيشر: هل خسر عامدً؟ هل هو مضطرب أو مجنون كما يرى البعض؟
بعد خسارته للمباراة الأولى أخذت شكوى فيشر تتعالى من القاعة والكاميرات ومن كل شيء، وتأخر من جديد في المباراة الثانية وهذه المرة كان المنظمون قد فاض بهم، وتم إعلان خسارة فير، وهكذا أصبح مهزومًا بمبارتين مقابل لا شيء، وهو وضع لم ينتصر أحد بعده أبدًا في أي بطولة شطرنج. بدا واضحًا أن فيشر مضطرب، لكن في المباراة الثالثة كما يذكر كل من حضروها كانت نظراته حادة وهي نظرات أزعجت سباسكي، وعلى الرغم من الوضع الحرج الذي وضع نفسه فيه كان يبدو واثقًا، لكنه قام بخطأ فادح كما في المباراة الأولى لكن هذه المرة كانت حالة الثقة التي كان عليها فيشر قد جعلت سباسكي يتشمم رائحة فخ، لكنه لم يستطع رغم الشكوك أن يتبين طبيعة هذا الفخ وقبل أن يعرف كان فيشر قد فاجأه بموت الشاة والفوز بالمباراة. الحقيقة أن تكتيكات فيشر غير التقليدية قد أفقدت غريمه توازنه، وفي نهاية المباراة قفز فيشر وخرج بسرعة وقال لرفاقه وهو يعتصر قبضته «إني أسحقه دون رحمة».
في المباراة التالية قام فيشر بنقلات لم يقم بها أبدًا من قبل وغريبة عن أسلوبه، وكان سباسكي هذه المرة هو الذي يرتكب الأخطاء الفادحة والحمقاء، وبعد أن خسر المباراة السادسة أجهش في البكاء، وقال أحد أساتذة الشطرنج لاحقًا «بعدها أصبح سباسكي يخشى العودة إلى روسيا». بعد المباراة السادسة أعلن سباسكي أنه يعرف ماذا يحدث، ذلك أن فيشر ينومه تنويمًا مغناطيسيًا وقرر أن لا ينظر إلى عين فيشر، لكنه ظل يخسر.


في المباراة الرابعة عشرة جمع سباسكي فريق المنظمين وأعلن أن «هناك محاولات للسيطرة على عقلي» وتساءل إن كان شراب البرتقال الذي يعطي لهم أثناء المباراة يحوي مخدرًا، أو أن مواد كيماوية تطلق في الجو، وبعدها خاطب الجمهور متهمًا فريق فيشر بأنهم يضعون شيئًا في المقاعد يشوش على عقله. تنبهت المخابرات الروسية لأن سباسكي كان يحرج السوفييت بتصرفاته.
تم أخذ المقاعد وتصويرها بالأشعة وتم عمل تحليل كيماوي ولم يتبين وجود شيء مريب، كان كل ما وجدوه ذبابتين ميتتين في وصلة كهرباء. بدأ سباسكي يعاني من الهلاوس، وحاول إكمال المباراة لكن حالته العقلية كانت تتدهور ولم يستطع الاستمرار. وفي الثاني من سبتمبر انسحب، وعلى الرغم من صغر سنه إلا أنه لم يتعاف أبدًا من هذه الهزيمة.
التعليق:
في مباريات سابقة بين سباسكي وفيشر لم يحقق فيشر نتائج جيدة، فقد كانت لدى سباسكي قدرة خارقة على قراءة استراتيجية خصمه واستخدامها ضده، فقد كان مرنًا وصبورًا وقادرًا على بناء هجمات ليس لسبع نقلات قادمة فقط بل لسبعين، وكان يهزم فيشر في كل لقاء بينهما لأنه كان يرى أبعد بكثير من فيشر. ولأنه كان مختصًا بعلم النفس كان لا يفقد رباطة جأشه أبدًا، وقد قال عنه أحد الأساتذة «أنه لم يكن يبحث فقط عن أفضل النقلات ولكن عن النقلة التي توتر خصمه».
عرف فيشر في النهاية أن ذلك هو أحد المفاتيح الأساسية لنجاح سباسكي، فقد كان يلعب بتوقعه لك ويهزمك بطريقة لعبك نفسها، وما فعله فيشر في مباريات البطولة أنه جعل المبادرة في يده وشوش تفكير سباسكي، فقد كان للانتظار المستمر تأثير على عقل سباسكي إلا أن الأكثر تأثيرًا كان الخطاء الفادحة التي كان يرتكبها عمدًا وظهوره بأن ليس له استراتيجية واضحة. الحقيقة أنه كان يفعل كل ما يستطيع ليعقد نسق تصرفاته حتى لو أدى ذلك به إلى الهزيمة في المباراة الأولى وتغريمه بالخسارة في المباراة الثانية.
الشطرنج يحوي الجوهر المركز للحياة: أولًا أن عليك لكي تفوز أن تتحلى بقدر كبير من الصبر وبُعد النظر، وثانيًا لأن اللعبة تقوم على الأنساق أي على تتبع طرق اللعب السابقة للخصم لتوقع ما سوف يلعبه في المباريات التالية. وخصمك أيضًا يحلل الأنساق التي تتبعها في اللعب ويستخدمها لتوقع تحركاتك التالية، وحين تخالف توقعاته لا يكون لديه شيء يبني عليه هجماته ضدك وبذلك تجعل لنفسك الأفضلية. في الشطرنج كما في الحياة حين لا يستطيع الناس توقع أفعالك تصيبهم الرهبة-فينتظرون ما تفعله في حيرة وارتباك.
الحياة في البلاط خطيرة ومرهقة كلعبة شطرنج تتطلب منك تحريك القطع والتشكيلات وأن تضع خطة وتتبعها وتتفادى خطط خصومك وتحركاتهم، لكن يكون من الأفضل أحيانًا أن تخاطر وأن تلعب أكثر النقلات جموحًا ومخالفة للتوقع.
جان دي لا بروبير 1645-1696
مفاتيح للسطوة:
لا شيء يرهب الناس أكثر من الأمور المباغتة وغير المتوقعة، وهذا ما يجعلنا نفزع من الزلازل والأعاصير لأننا لا نعلم متى تعصف بنا، وإن ضربنا أحدها نظل نتوقع في فزع حدوث أخرى، ويؤثر فينا السلوك الإنساني غير المتوقع بنفس الطريقة لكن بدرجة أقل.
الحيوانات تتصرف بطرق ثابتة ولذلك يسهل علينا توقع تصرفاتها واصطيادها. الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على أن يغير أنساق سلوكه ويحسنها بإرادته، وعلى أن يتغلب على ضغط العادات والروتين، إلا أن القليلين من الناس من يدركون قيمة هذه القدرة ويفضل الكثيرون راحة الروتين ويستسلمون لطبيعتهم الحيوانية التي تجبرهم على تكرار أفعالهم القهرية دون تغيير؛ لأن ذلك لا يتطلب منهم جهدًا ولأنهم يظنون خطأ أنهم إن لم يزعجوا أحد فسوف يتركهم الآخرون في حالهم.
عليك أن تعلم أن أهل السطوة يبثون الرهبة فيمن حولهم بتعمد استفزازهم وتوتيرهم حتى تبقى المبادرة في أيديهم. عليك أن تضرب أحيانًا دون إنذار أو


مقدمات لتجعل الآخرين يرتجفون، فقد كان ذلك من الأدوات التي استخدمها أصحاب السطوة لقرون.
كان فيليبو ماريا- الدوق الأخير لإيطاليا من الفيسكونيين- يعتمد أن يخالف توقعات الجميع منه، فقد كان يغدق فجأة على أحد رجال البلاط بالاهتمام والرعاية حتى يظن الرجل أنه سيترقى لمنصب أعلى وحينها يبدأ فيليبو في التعامل معه بأقصى درجات الاحتقار. وقد تؤدي حيرة الرجل إلى الابتعاد عن البلاط وحينها يستدعيه الدوق ويبدأ في الإحسان إليه مرة أخرى. بهذه الحيرة المضاعفة يظن الرجل أن رغبته في الترقي أصبحت ظاهرة ومستفزة للدوق فيبدأ في تهذيب سلوكه ويتصرف كما لو أنه لم يعد يتوقع أن ينال هذا الشرف فينهره الدوق ويوّبخه على عدم طموحه ويبعده عنه من جديد.
كان سر التعامل مع فيليبو بسيطا: لا تفترض أنك تعرف ما يريد أو تحاول تخمين ما يسره، ولا تقتحم إرادتك في قراراته، بل استسلم لإرادته ثم انتظر ما يحدث. سمحت تلك الحيرة التي يبثها في الآخرين لحكم فيليبو أن يزدهر ويتسم بالأمن والسلام ولم يجرؤ أحد أن يتحداه.
مخالفة التوقعات غالبا ما يكون تكتيكا أساسيا لدى السادة وأولي الأمر، إلا أنه يمكن للمقهورين أن يستخدموه أيضا بنجاح كبير، فإن وجدت نفسك محاصرا ويتكالب عليك آخرون أقوى منك، فعليك أن تقوم بتصرفات تخالف توقعاتهم، وسيجعلهم ذلك يرتبكون لدرجة تبعدهم عنك أو تجعلهم يرتكبون حماقات تكتيكية.
في ربيع عام 1862 واثناء الحرب الأهلية الأمريكية، كان الجنرال ستونوول جاكسون مع 4600 من جنود التحالف في حرب استنزاف مع قوات الاتحاد الأكبر منهم عددا في وادي شناندوه، وفي هذا الأثناء كانت قوة تعدادها 90000 جندي اتحادي تتحرك من واشنطن تحت قيادة الجنرال جورج برنتون ماكلالين لمحاصرة ريشموند بولاية فرجينيا عاصمة قوات التحالف، حينها أخذ جاكسون لأسابيع من بدء الحملة يقوده جنوده مبتعدا عن الوادي ثم العودة إليه مرة بعد مرة.
لم يكن لتحركاته أي معنى، وبدأ الاتحاديون يتساءلون: هل يستعد لمساندة الدفاع عن المدينة؟ هل ينوي الزحف إلى واشنطن بعد أن تركها ماكلالين دون حماية؟ هل كان يتجه شمالا لإحداث المزيد من الفوضى والدمار. لم يعرف أحد ما الذي يجعله يتحرك هكذا في دوائر.
جعلت تحركات جاكسون غير المبررة جنرالات الاتحاد يبطئون زحفهم نحو ريشموند حتى يتبينوا ما الذي كان مقدما عليه، وفي هذه الأثناء كانت قوات الجنوب تجمع التعزيزات الكافية للدفاع عن المدينة، وتحولت المعركة من فرصة كانت ستسمح للاتحاد بسحق قوات التحالف إلى مأزق. وكان جاكسون يستخدم هذا التكتيك كثيرا حين يواجه قوات تتفوق عليه عدديا، وكان يقول «أربك عدوك وفاجأه وضلله على قدر ما تستطيع... فهذه التكتيكات تفوز في كل مرة، وباستخدام هذه الطريقة يمكن الجيش الصغير أن يدمر جيشًا كبيرًا»
لا تنطبق هذه الطريقة على الحرب فقط بل حتى على شئون الحياة اليومية، فالناس يحاولون دائما أن يقرءوا الدوافع وراء أفعالك وأن يتوقعوا تصرفاتك وأن يستخدموا هذه التوقعات ضد مصالحك، وعليك أن تقوم بتصرفات لا يمكن توقعها وسوف يضعهم ذلك في موقف صعب، لأن عدم فهمهم لك يفقدهم الثقة في تصرفاتهم نحوك وفي هذه الحالة يصبح من السهل ترهيبهم.
قال بابلو بيكاسو ذات مرة «أفضل الحسابات هي أن لا تحسب، فبعد أن تحقق مستوى معينا من الشهرة والتقدير يتوقع الناس أن كل ما تفعله مخطط وينم عن الذكاء، وحينها يصبح من الغباء أن تخطط لخطواتك مقدما بدقة مفرطة والأفضل لك أن تتصرف بوحي اللحظة».
ظل بيكاسو يتعامل لفترة من تاجر الأعمال الفنية بول روزنبرج، وكان يسمح له في البداية بتحقيق هامش أرباح كبير في بيع لوحاته ثم فجأة ودون أسباب قال له بيكاسو أن لن يدعه يبيع أي من لوحاته مرة أخرى. ووصف بيكاسو ما حدث بعد ذاك «ظل روزنبرج مشغولا ليومين يبحث عن السبب، تساءل إن كنت أنوي
التعامل مع تاجر آخر. كنت أقضي وقتي أعمل بينما كان روزنبرج مؤرقا في تخيل الأسباب، ثم عاد إلى وأعصابه تحترق وقال لي «صديقي العزيز، إنك لم تكن لتقطع معاملاتنا إن كنت أدفع لك [وحدد مبلغا أعلى بكثير] ثمنا للوحاتك بدلا عن الثمن الذي اعتدت أن أدفعه لك. أليس كذلك؟».
مخالفة التوقعات لا يشكل فقط سلاح ترهيب: فتعقيد نسق تصرفاتك يجذب انتباه الآخرين إليك واهتمامهم بك، ويجعلهم يتحدثون عنك، وينسون إلى تصرفاتك دوافع وتفسيرات لا تمت بصلة للحقيقة، ولكن ذلك يبقيك دائما في أذهانهم. الخلاصة هي أنه كلما بدوت اعتباطيا في تصرفاتك يزاد ما تجنيه من احترام وتقدير، فالخانعون وحدهم هم من يتصرفون حسب توقعات الآخرين.
الصورة
الإعصار
ريح لا يمكن توقعها تحدث تغيرات مفاجأة في الضغط والاتجاه والسرعة. ولا توجد دفاعات توقفها. ولذلك تثير الأعاصير فينا الفزع والارتباك.
اقتباس من معلم: الحاكم الحاذق يكون غامضا في تصرفاته فيبدو وكأنه لا يستقر على رأي واحد ويصعب تفسير مقاصده بحيث لا يستطيع أحد أن يعترضه، ويجعله ذلك ينعم بالراحة في عليائه في حين يرتعد وزراؤه تحت قدميه. (هان فاي تسو، فيلسوف صيني، القرن الثالث ق.م.).
عكس القاعدة:
أحيانا يكون مراعاتك للتوقعات من صالحك: فاتخاذك لنسق يعتاده الآخرون ويرتاحون له يغريهم بالتغافل عنك، لأن كل ما قد يدبرونه لك يعتمد على أفكارهم المسبقة عنك، ويمكن أن يفيدك ذلك بعدة طرق: فهو أولا يمنحك ساتر دخان وواجهة مقبولة من الآخرين تسمح لك بخداعهم، ثانيا يسمح لك توقع الآخرين لتصرفاتك أن تقوم في حالات استثنائية بمخالفة طريقتك المعتادة لتوتر خصمك بشدة تجعله يسقط حتى قبل أن تمسه.


في عام 1947 كانت الترتيبات معدة لأن يتنافس محمد على كلاي وجورج فورمان في بطولة العالم للوزن الثقيل، وكان الجميع متيقنون مما سوف يحدث: كان جورج فورمان القوي سيسعى للفوز بالضربة القاضية بينما خطة كلاي هي أن تظل يتراقص حول الحلبة حتى يجهد خصمه، فقد كان ذلك نسق كلاي في القتال الذي لم يغيره طوال عشرة سنوات، لكن استمراره على هذا النسق كان سيمنح التفوق لفورمان: لأنه إن آجلا أو عاجلا سيقترب من فورمان ويتلقى منه الضربة القاضية، إلا أن كلاي أستاذ الاستراتيجيات كانت لديه خطة أخرى، فقد صرح في مؤتمر صحفي قبل اللقاء الكبير أنه سيغير أسلوبه ويضرب فورمان ضربة قاضية. لم يصدق أحد ذلك للحظة ولا حتى فورمان، ورأوا أن ذلك سيعد انتحارا لكلاي وظنوا أنه يستهزئ كعادته.
لدهشة الجميع نفذ كلاي ما قاله، وبينما كان فورمان ينتظر منه أن يتراقص على الحلبة توجه إليه كلاي ولكمه لكمات قوية. لقد خذل استراتيجية خصمه تماما، وفي حيرته وارتباكه أخذ فورمان ينهك نفسه ليس في مطاردة كلاي وإنما في إطلاق اللكمات عشوائيا ويتلقى معها المزيد من اللكمات المضادة وفي النهاية وجه إليه كلاي لكمة مستقيمة أسقطته أرضا. تعوّد الناس على توقع أن سلوك الأشخاص لن يتغير عن تصرفاتهم السابقة وهو الذي جعل فورمان لا يفكر في أن كلاي سيغير أسلوبه رغم تصريحه للجميع بذلك. دخل فورمان إذن الفخ الذي قبل له أنه سوف يدخله.
تحذير: قد تعمل مخالفتك للتوقع ضد مصالحك خاصة إن طبقها مع أوليائك، فهناك أوقات عليك أن تشعر فيها الآخرين بالراحة والاطمئنان إليك لا أن توترهم. كما أن المبالغة في مخالفتك للتوقعات قد تظهرك مترددا أو حتى مضطربا نفسيا. الأنساق تتحكم بالناس ومخالفتك لها ترهب الناس وتحيرهم لكن عليك أن تستخدم هذه المباغتات بحكمة.


القاعدة
18
لا تتخذ حصونا تمنعك عن الآخرين
فالعزلة خطر يهددك ولا يحميك
الحكمة
العالم مكان خطر ملئ بالأعداء وعلى الجميع أن يحمي نفسه. وقد تظن أن التحصين يؤمّنك، لكن العزلة تضيف إلى المخاطر أكثر مما تحمي منها؛ فهي تصعب عليك الحصول على المعلومات الثمينة وتبرزك كهدف سهل للهجوم. الأفضل أن تتجول بين الناس وتختلط بهم وتصنع من بينهم حلفاء. فالجموع هي الدرع الحقيقي الذي تحتمي به من الأعداء.



انتهاك القاعدة:
كان شين شه هوانج تي- أول إمبراطور للصين (220- 210 ق.م) - أقوى رجل في عصره، وكانت إمبراطورتيه أكبر وأقوى من إمبراطورية الإسكندر الأكبر، فقد استطاع أن يستولي على كل ما حوله من المماليك ووّحدها جميعا في مملكة واحدة كبيرة هي الصين التي سميت باسمه، لكن في السنوات الأخيرة من حياته كان مكن الصعب أو المستحيل لأحد أن يراه.
كان الإمبراطور يعيش في أروع قصر بُني حتى حينه في العاصمة هسين يانج، وكان بالقصر 200 جناح تتصل مع بعضها بممرات سرية تحت الأرض وتسمح للإمبراطور أن يتجول بأرجاء القصر دون أن يراه أحد، وكان ينام في غرفة مختلفة كل ليلة، وكل من يراه ولو غير عامد تقطع رأسه. لم يعرف إلا القليلون عن أحواله، وحتى هؤلاء إن أفشوا بما يعرفون كانوا يعاقبون أيضا بالموت.
كان الإمبراطور الأول للصين يخشى الاتصال بالناس لدرجة جعلته لا يغادر القصر إلا متخفيا في السر، وفي إحدى تلك الرحلات مات فجأة وحمل جسده إلى العاصمة في المركبة الملكية تجر خلفها عربة محملة بالسمك المملح لتغطي على رائحة الجثة المتعفنة. مات الإمبراطور وحيدا؛ بعيدا عن أسرته وأصدقائه ورجال قصره لا يصحبه إلا وزير وبعض الخصيان.
التعليق:
بدأ شيه هوانج تي حياته حين كان ملكا لمملكة شين محاربا شجاعا لا يخشى أحدا، وكان طموحه لا يقف عند حد، ووصفه الكتاب في عصره بأنه رجل له «أنف دقيق وعينان ضيقتان وصوت ابن آوي وقلب نمر أو ذئب»، قد يكون رحيما أحيانا ولكن في أغلب الأحوال «يبتلع الرجال دون تردد»، واستطاع بالحيلة وبالعنف أن يستولى على الأقاليم المحيطة بمملكته وأن يكوّن الصين الحالية كأمة وثقافة واحدة بدمج أمم وثقافات عديدة، وألغى الإقطاع، ولكي يراقب الأعداد الهائلة من الأسر الملكية المنتشرة في المماليك الكثيرة التي فتحها جمع 120000 منهم


إلى العاصمة وأسكن أهم رجال بلاطهم في قصره في هسين الهائل في يانج ودمج الأسوار العديدة على الحدود وأكمل بنائها وصنع منها سور الصين العظيم، ووّحد قوانين البلاد ولغة كتابتها وحتى قياس عجلات العربات.
لكن أثناء عمليات التوحيد والدمج هذه منع الإمبراطور الأول كتابات وتعاليم كونفوشيوس، الفيلسوف الذي تحولت أفكاره عن الأخلاق إلى دين فعلي في الثقافة الصينية. بأمر من شيه هوانج تي أحرقت كتب كونفرشيوس وكانت تقطع رأس أي شخص يقتبس من أقوال الفيلسوف الحكيم، وقد جلبت هذه الممارسات عداوة الكثيرين للإمبراطور فأصبح خائفا ومرتابا على الدوام وتزايدت الإعدامات. وقد علق كاتب معاصر لهذه الأحداث قائلا «ظلت مملكة شين تنتصر لأربعة أجيال متوالية إلا أنها ظلت تعيش في خوف وخشية دائمة من الدمار».
احتمى الإمبراطور أكثر وأكثر بالعزلة، وكان يخسر ببطء سيطرته على الإمبراطورية، وكان الوزراء والخصيان يضعون السياسات دون موافقته أو علمه، بل وتآمروا ضده، وفي النهاية أصبح إمبراطورا بالاسم فقط وكان معزولا لدرجة أنه لم يعلم بموته إلا قليلون، وكان من المرجح أن يقلته بالسم الوزراء الذين شجعوه على الاحتماء بالعزلة.
هذا ما ينتج عن العزلة: لو انسحبت واحتميت خلف حصن تفقد الاتصال بمصادر سطوتك، ولا تعرف بما يحدث حولك وتفقد الحكمة والإحساس بالتوازن، وبدلا من أن تحصل على الأمان تنقطع عن المعرفة المطلوبة للإبقاء على حياتك وازدهارك. لا تقطع نفسك أبدا عن الشارع لدرجة تمنعك عن معرفة ما يدور حولك بما في المؤامرات التي تحاك ضدك.
مراعاة القاعدة:
أمر الملك لويس الرابع عشر ببناء قصر الفرساي له ولحاشيته في ستينات القرن السابع عشر، ولم يكن يشبهه أي قصر آخر في العالم، وكان يعمل كخلية نحل حيث

تدور كل الأمور حول الملك. كان لويس يعيش محاطا بالنبلاء حيث كان لكل منهم جناح يعتمد في قربه من جناح الملك على مكانة شاغله، وكان مخدع الملك يشغل النقطة المركزية للقصر حرفيا، وكان قبله الانتباه لجميع من في القصر. وكل صباح كانت الحاشية تقدم التحية للملك في طقس كان يعرف باسم التصبيحات.
في البداية كان الخادم الخاص للملك- الذي ينام عنه أقدام الفراش الملكي- يوقظ الملك، ثم يقوم الحجّاب بفتح الأبواب لمن لهم دور في التصبيحات، وكان ترتيب دخولهم محددا بدقة: في البداية يدخل الأبناء غير الشرعيين للملك وأحفاده ثم الأمراء والأميرات الشرعيون ثم طبيبه وجرّاحه ثم يدخل الموظفون الكبار في شئون الملابس الملكية ثم القارئ الرسمي وبعد ذلك المسئولون عن تسلية الملك، ثم يدخل المسئولون في الحكومة من الأقل مرتبة للأعلى وأخيرا وليس آخرا يدخل الضيوف الذين يحضرون التصبيحات بدعوة خاصة وفي نهاية المراسيم يكون قد حضر إلى المخدع مائة شخصية من البلاط والزوار الملكيين.
ويتم تنظيم الجدول اليومي بحيث تتحرك كل طاقة القصر إلى الملك وبأوامره وكان يحضر بين يدي لويس رجال البلاط والمسئولون يطلبون النصح والمشورة، وكان يجب عليهم جميعا برد واحد «سوف أرى».
وكما علق القديس سيمون «كان إذا التفت نحو شخص أو ألقى إليه بتعليق غير هام تتجه كل العيون إلى ذلك الشخص فيصبح مميزا ويتحدث عنه الناس ويرفع ذلك من مكانته الاجتماعية». ولك تكن هناك فرصة للخصوصية داخل القصر، ولا حتى للملك، فكانت كل عرفة تتصل بأخرى وكل ممر يؤدي إلى غرف أكبر يجتمع فيها النبلاء. وكانت أفعال الجميع متشابكة معا ولم يكن شيء يمر دون أن يلاحظه الآخرون. كتب القديس سيمون أيضا «لم يكن الملك يهتم ويدقق على حضور علية النبلاء فحسب بل على النبلاء الأقل شأنا أيضا. وكان في كل الأوقات سواء أثناء التصبيحات أو الوجبات أو تجواله في حدائق الفرساي ينتبه لكل التفاصيل، وكان يشعر بالإهانة إن علم أن النبلاء المقربين لا يعيشون باستمرار في القصر، ويغضب


إن احتجب عن الظهور مؤقتا أو مطولا أحد رجال الصفوة، وإن أتى هذا الرجل بمطلبه كان يرد بكبرياء» أنا لا أعرف هذا الشخص «وكان ذلك حكما لا يرد بانتهاء مكانته».
التعليق:
اعتلى لويس الرابع عشر العرش في نهاية حرب أهلية طاحنة كان المحرضون الأساسيون لهم هم النبلاء، والذين ضاقوا بالسطوة المتنامية للملك وكانوا يشتاقون لعصر الإقطاع حين كان الملاك يحكمون مناطقهم ولم تكن للملك سلطة كبيرة عليهم. خسر النبلاء الحرب ولكنهم ظلوا كثرة مشاكسة وحاقدة.
لم يكن بناء الفرساي مجرد نزوة ملك يحب البذخ، بل كان له وظيفة مصيرية وهي أن يراقب الملك بدقة كل من وما حوله، وتحول الحق في مساعدة الملك على ارتداء ثيابه في الصباح إلى شرف يتنازع النبلاء عليه. ولم تكن هناك فرصة للخصوصية أو العزلة. أدرك الملك لويس الرابع في عمر مبكر أن انعزال الملك يشكل خطرا عليه، ففي غيابه تتكاثر المؤامرات بسرعة كما يتكاثر الفطر بعد المطر، ويتحول الحقد عليه إلى فتن وأحزاب متحاربة، وقبل أن ينتبه يجد التمرد قد انتشر فلا يستطيع أن يتعامل معه، ولمكافحة ذلك لم يكن عليه أن يشجع الانفتاح والتواصل والتعايش الاجتماعي فحسب بل أن ينظمها ويفتح القنوات لتدفقها.
استمرار هذا الحال طوال فترة حكم لويس لخمسين عاما من السلام والهدوء النسبيين، وطوال كل هذا السنوات لم تكن إبرة تسقط دون أن يعلم بها لويس.
العزلة تضر العقل ولا تفيد الفضيلة... ولتعرف أن الشخص المنعزل يكون دائما من المترفين وغالبا من المتطيرين وأحيانا مجنونا.
د. سامويل جونسون 1709- 1784
مفاتيح للسطوة:
برهن مكيافيللي أن من المنظور العسكري البحث يكون بنا الحصون والاحتماء
بها خطأ استراتيجيا دائما، فهي تقيّد قدرات من يبنيها وتكون هدفا سهلا لعدوه تبنيها لكي تحميك ولكنها تقطع عنك المساعدات وتحد من مرونتك، قد تبدو لك منيعة ولكن بمجرد أن تتحصن خلف أحدها يعرف الجميع مكانك، ودون جهد كبير من عدوك يتحول حصنك إلى سجن، كما أن مساحاتها الصغيرة والمقيدة تجعلها معرضة بشدة لانتشار الأوبئة والأمراض. بلغة الاستراتيجية لا توفر الحصون أي حماية وتخلق من المشكلات أكثر مما تحل.
البشر كائنات اجتماعية بطبيعتهم ولذلك تعتمد السطوة على التعاملات والاختلاط الاجتماعي، ولكي تكتسب السطوة عليك أن تضع في مركز الأحداث كما فعل لويس الرابع عشر في قصر الفرساي. يجب أن تدور الأنشطة حولك وعليك أن تنتبه لما يجري في الشوارع وأن تكتشف أي شخص قد يدبر ضدك المكائد. ويخطئ معظم الناس حين تتهددهم الأخطار ويلجأون للانعزال والانغلاق على معارفهم المقربين كحصن أو ملاذ يشعرهم بالأمان، ولكن ذلك يجعلهم يقتصرون في الحصول على المعلومات على دوائر تضيق باستمرار ويضيع منهم المنظور الواضح والعقلاني لرؤية الأحداث، ويفقدهم القدرة على المناورة فيصبحون أهدافا سهلة لأعدائهم، وقد تصيبهم العزلة بالارتياب المرضى. وكما في الحروب والنزاعات وكذلك في أغلب الألعاب الاستراتيجية يكون عزل الخصم ومحاصرته الخطوة الأولى لهزيمته والقضاء عليه.
في أوقات الريبة والخطر عليك أن تقاوم هذه الرغبة نحو الانطواء للداخل، وأن تكون أكثر انفتاحا على الآخرين، وتبحث عن حلفائك القدامى وأن تكوّن تحالفات جديدة، وتجبر نفسك على الدخول في دوائر متنوعة من العلاقات. كانت تلك حيلة الأقوياء وأصحاب السطوة لقرون مضت.
كان رجل الدولة الروماني شيشرون من أصل متواضع بين النبلاء، ولم يكن ليسمح له بالحصول على السطوة ما لم يصنع لنفسه مكانا بين الصفوة الذين يحكمون المدينة، وقد نجح في ذلك نجاحا مبهرا. أخذ شيشرون يتعرف على كل أصحاب
النفوذ ويتأمل العلاقات التي ترتبط بينهم، وكان يخالط الجميع ويعرفهم وكون شبكة كبيرة من الروابط بحيث إن عرقله عدو هنا يسانده حليف هناك.
وكان رجل الدولة الفرنسي تاليران يجيد هذه اللعبة بنفس القدر، وعلى الرغم من أنه كان سليل إحدى أعرق الأسر في فرنسا وأقدمها تاريخا، إلا أنه جعل على نفسه أن يظل على اتصال بما يحدث في شوارع باريس، وكان ذلك يسمح له أن يتعرف مبكرا على ما يختمر بين العامة من ميول واضطرابات، بل كان يستمتع بشكل خاص بالتواصل مع شخصيات إجرامية مشبوهة وكانوا يقدمون له معلومات قيمة، وكان في أزمة أو تبدل للسلطة- مثل انتهاء مجلس الحكم وسقوط نابليون لويس الثامن عشر- قادرا ليس على أن ينجو بنفسه فقط بل أن يزدهر، وذلك لم يغلق نفسه أبدا على دائرة ضيقة من المعارف بل كان يصنع لنفسه دائما روابط مع النظام الجديد.
هناك قاعدة تنطبق على الملوك والملكات وعلى القادة الكبار للمؤسسات: في اللحظة التي تنقطع فيها عن شعبك وتبحث عن الأمان في العزلة يبدأ التمرد في الاختمار، ولا تظن نفسك أبدا حصينا لدرجة تسمح لك بالانقطاع حتى عن أدنى رعاياك ومرؤوسيك مرتبة. التحصن بموقعك يجعلك هدفا سهلا للمتآمرين من رعاياك وأتباهك والذين يرون في انعزالك إهانة وسببا للتمرد.
ولأننا كبشر كائنات اجتماعية بالطبيعة فإننا لا نكتسب المهارات التي تجعل الآخرين يحبون صحبتنا إلا بالمخالطة والانطلاق، وكلما زاد اتصالنا بالآخرين يزداد شعورنا بالامتنان واراحة، ولكن العزلة على عكس ذلك تشعرنا بالرهبة من الصحبة وتجعل لفتتانا خائفة واثقة فيبتعد الناس عنا وندخل في المزيد من العزلة.
في عام 1545 أراد الدوق كوزيمو الأول من آل مديتشي أن يخلد اسمه بإنشاء الزخارف النحتية لجدران المصلى الرئيسي في كنيسة سان لورنزو بفلورنسا، وكان


هناك الكثيرون من الفنانين ليختار من بينهم. في النهاية استقر رأيه على جاكوبو دي بونتورمو. بعد سنوات من النجاح اشتدت رغبة بونتورمو في أن يجعل هذه الزخارف إبداع حياته وتراثا للأجيال القادمة، وكان قراره الأول أن يحيط البناء بأسوار وحواجز وستائر تمنع الناس من رؤية تحفته الفنية خوفا من أن يسرق أحدهم أفكاره، فهو عمل قد يتفوق به على مايكل أنجلو نفسه. وكان إذا تسلل بعض الشباب بدافع الفضول يقوم جاكوبو بالمزيد من التشديد على إغلاق المبنى.
ملأ بونتورمو سقف المصلى بمشاهدة من الكتاب المقدس- مثل قصة خلق العالم وآدم وحواء وسفينة نوح وغيرها، وفي أعلى الحائط الأوسط رسم المسيح يقف في مهابة يقيّم الموتى يوم الحساب. ظل الفنان يعمل في المصلى طوال أحد عشر عاما وكان نادرا ما يغادره لأنه أصبح يخشى الناس ويخاف بشدة من أن تُسرق أفكاره.
مات بونتورمو قبل أن ينهي الزخارف وضاعت هي الأخرى ولم ينج منها شيء، ولكن صديق بونتورمو الكاتب العظيم فاساري رآها بعد موت الفنان بقليل، ووصفها بأنها كانت خالية من التناسق، وكانت بعض المشاهد تقتحم المشاهد المجاورة، وكانت أشكال من بعض القصص تدخل قصصا أخرى بتكرار مفزع وكانت تبين انشغال بونتورمو بالتفاصيل وتغافله عن الصورة الكلية. اكتفى فاساري سريعا من وصفه لهذه الزخارف وكتب أنه لو استمر في الوصف «فقد يصيبني الجنون وتحل على اللعنة التي جعلت بونتورمو يقضي أحد عشر عاما في صنعها، والتي كانت تربك كل من يراها». كان هذا العمل تدميرا وليس- كما أراد بونتورمو- تتويجا لنجاحه واسمه كفنان.
كانت هذه الزخارف التجسيد البصري لما تفعله العزلة في العقل البشري: أي فقدان التناسق والهوس بالتفاصيل على حساب المعنى الشامل والمبالغة القبيحة التي لا أحد يستسيغها أحد. العزلة تقتل الإبداع وتقلل القدرة على التواصل مع الناس. كان شكسبير أشهلا كاتب في عصره لأنه كتب الدراما لعامة الناس واستطاع أن ينفتح على الجموع فكانت الجماهير تفهم أعماله بسهولة مهما اختلفت أذواقهم ومستواهم


التعليمي، أما الفنانون الذين يحصرون أنفسهم في قلاع من أساليبهم ومعانيهم الخاصة فيفقدون الإحساس بالتناسق وتنغلق أعمالهم على الدائرة الضيقة التي يحيطون أنفسهم بها ويظل هذا الفن محدودا ودون تأثير.
أخيرا، ولأن السطوة نشاط إنساني فمن المحتوم أن تزيد بالتواصل مع الناس، وبدلا من الانكفاء داخل عقلية التحصن عليك أن ترى العالم بالطريقة التالية: إنه فرساي كبير تتصل فيه كل حجرة بالحجرات الأخرى، وعليك أن تكون سلسا وأن تجيد التنقل بين الدوائر الاجتماعية المختلفة دون أن تنحصر داخل أو خارج أي جماعة، فهذا النوع من المرونة والتواصل الاجتماعي يحميك من المتآمرين ضدك والذين لن يستطيعوا إخفاء الأسرار عنك، ويحميك من أعدائك لأنهم لن يستطيعوا عزلك عن حلفائك. كن دائم التحرك وامتزج وخالط كل من في حجرات القصر ولا تقف أو تستقر في مكان واحد، فلا أحد يستطيع أن يتصيّد كائن لديه مثل هذه الرشاقة.
الصورة
الحصن
يقف في أعلى التل رمزا لكل ما يبغضه الناس في السلطة. ويجعل رعاياك في الأسفل يبيعونك لأول عدو يأتي إليهم. الحصون تقطع التواصل والمعلومات ولذلك تسقط سريعا.
اقتباس من معلم: الأمير الصالح والحكيم والذي يرغب أن يظل حكمه دائما كذلك، ولا يريد لأبنائه أن يمارسوا القهر والطغيان لا يبني لهم أبدا حصونا، ويجعلهم يعتمدون في أمنهم على أمنهم على إخلاص رعاياهم لهم وليس على احتمائهم بالحصون المنيعة. (نيقولو مكيافيللي، 1469-1527).



عكس القاعدة:
ليس من الحكمة أو الفائدة أبدا أن تنعزل عن الناس فبدون الإنصات لما يحدث في الشوارع لا يمكنك أن تحمي نفسك. الشيء الوحيد الذي تخسره من التواصل مع الناس هو التفكير، فضغوط التواءم مع المجتمع وعدم التناءي بنفسك عن الناس لا يسمح لك أن تفكر بوضوح وموضوعية في طبيعة ما يدور حولك. ويمكن للعزلة المؤقتة أن تعيد لك المنظور، فالكثيرون من المفكرين الكبار صنعتهم السجون حيث لم يكن لديهم شيء آخر غير التأمل. ولم يستطع مكيافيللي أن ينهي كتابه الأمير إلا حين تم نفيه إلى مزرعة بعيدة عن مكائد الحياة السياسية في فلورنسا.
الخطر في هذا النوع من الانعزال أنه يستثير كافة أنواع الأفكار الغربية والمنحرفة، فقد يمنحك منظورا للرؤية ولكنه يفقدك الإحساس بحجمك الحقيقي ومحدودية إمكاناتك. وكلما طالت عزلتك يصعب عليك أن تكسرها حين تريد، فالعزلة تدفنك في كثبانها الرملية ببطء ودون أن تشعر. إن كنت تحتاج وقتا للتفكير فاجعل العزلة ملاذك الأخير وبجرعات صغيرة مع الحرص على جعل المجال لعودتك للاختلاط بالناس مفتوحا.
** معرفتي **
www.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة



القاعدة
19
تبيّن جيدا مع من تتعامل
حتى لا تصيب أحدا بجهالة
الحكمة:
العالم مليء بأنواع مختلفة من البشر ولا تظن أن الجميع سيردون على استراتيجياتك بنفس الطريقة. هناك أشخاص إن خدعتهم أو تلاعبت بهم سوف يقضون ما تبقى من حياتهم يسعون للانتقام منك فهم ذئاب في جلود حملان. أحسن اختيار فرائسك وخصومك حتى لا تضع يدك في حجر ثعبان.


الخصوم والسذج والفرائس: تصنيف تمهيدي:
في طريقك نحو السطوة ستقابل أنماط كثيرة من الخصوم والسذج والفرائس. النموذج الأعلى لفنون السيطرة هو القدرة على أن تفرق بين الذئاب والحملان بين الثعالب والأرانب وبين الصقور والنسور. إن استطاعت ذلك فلن تحتاج أن تضغط كثيرا على أحد كي تحقق النجاح. لكن إن تعاملت عشوائيا مع من تقابل فستقضي ما تبقى من حياتك في حسرة دائمة؛ هذا إن طالت حياتك بما يكفي. معرفتك بأصناف الناس والتعامل معهم حسب هذه المعرفة يعتبران من المطالب المصيرية للنجاح. فيما يلي ذكر لأخطر خمسة أنماط ممن قد تستدرجهم في غابات السطوة، كما وصفهم قديما المحتالون الكبار وغيرهم مما يجيدون قراءة الناس.
المتغطرس أو المتكبر. على عكس ما قد يظهر لك في بداية التعامل مع هذا الشخص فإنه يصبح شديد الخطورة إن رأى شيئا يجرح كبرياءه الحساس، فما قد يظنه استهزاء به يرد عليه بعنف شديد، وقد تسأل نفسك «أنا لم أقصد إلا كذا أو كذا كما أننا كنا جميعا نتمازح...». لا يهم كل ما قد تقوله له فليس هناك منطق في ردود فعل هذا الشخص، فلا تضيع وقتك معه في التفسيرات. في أي وقت إن رأيت لدى من تتعامل معه بالمبالغة في الحساسية أو الكبرياء ابتعد عنه، وأيا كان ما ترجوه منه فإنه لا يستحق المخاطرة.
الخائر دائما. هذا النمط من الناس قريب من النمط المتكبر ولكنه أقل إظهارا للعنف ويصعب أن تتعرف عليه بسرعة. هذا النوع تكون شخصيته هشة ولا يثق في ذاته وإن أحس أن أحدا يخدعه أو يهاجمه يلتهب إحساسه بالتجريح، ويبدأ في مهاجمتك بضربات خفية تقوى تدريجيا قبل أن تلاحظها، وإن رأيت أنك قد خدعت أو آذيت مثل هذا الشخص فعليك أن تبتعد عنه لفترة طويلة، لأنك لو بقيت قريبا منه فسوف يستنزفك إلى أن يقضي عليك.
المرتاب: هذا النمط وهو تنويع آخر للنمطين السابقين وهو الذي قد يتحول في المستقبل إلى ستالين جديد، يرى في أفعال من حوله ما يريد أن يراه؛ وغالبا ما يكون
ما يراه هو افتراض أسوأ النوايا؛ والظن بأن الجميع يحاول إيذاءه. الحقيقة أن المرتاب هو أقل الأنماط الثلاثة المذكورة خطرا: فلأنه مضطرب اضطرابا حقيقيا يكون من السهل خداعه تماما كما كان المحيطون بستالين يخدونه دائما، فيمكنك التلاعب بطبيعته المتشككة لتحوله عنك إلى أناس آخرين، لكن إن رأيت أنك أصبحت هدفا لشكوكه فعليك أن تراقبه وتنتبه لنفسك.
الثعبان الذي لا ينسى ثأره. إن أذيت أو خدعت رجلا من هذا النمط فإنه لن يظهر لك أي رد فعل غاضب بل يحسب وينتظر، وحين تأتي اللحظة التي يقلب فيها الأوضاع لصالحه ستجده ينفذ انتقامه بهدوء ومهارة ودون رحمة. يمكنك أن تتعرف على هذا الشخص من حساباته وبراعته في كافة نواح الحياة، وهو عادة بارد ولا يتأثر بمشاعر الآخرين عليك أن تحذر أن تجرح هذا الثعبان وإن حدث وآذيته فعليك إما أن تدمره تماما أو تبتعد عنه تماما.
الشخص البسيط المتبلد. ربما انتصبت أذناك كالنمر المفترس لاصطياد تلك الضحية المغرية، لكن هذا الرجل أصعب كثيرا على الخداع مما تعتقد. الوقوع ضحية للخداع يتطلب بعض الذكاء والخيال لدى الضحية تجعله يحلم بالريح الذي سوف يجنيه، ولكن الرجل المتبلد لن يلتقط الطعم لأنه لن يراه. خطورة هذا النمط من الرجال ليس في أنه قد يؤذيك أو ينتقم منك ولكن في أنه سوف يهدر وقتك وجهدك ومواردك وحتى توازنك العقلي في محاولة خداعه. عليك أن تضع اختبارا لمن تريد أن تتصيده مثل أن تقص عليه دعابة أو حكاية وإن رأيت أنه يفسرها حرفيا دون فهم المغزى أو اللفتة، فيعني ذلك أنه من النمط المتبلد الذي وصفناه وعليك أن تتركه لحاله.
انتهاكات القاعدة:
الانتهاك 1:
في بدايات القرن الثالث عشر استطاع محمد شاه خوارزم، وبعد حروب طويلة أن يؤسس إمبراطورية ضخمة تمتد غربا إلى الموقع الحالي لتركيا وجنوبا إلى أفغانستان،
وكان مركز حكمة العاصمة الرائعة سمرقند. كان لدى الشاه جيش هائل قوي ومدرب وكان يستطيع أن يحشد 20000 جندي في أيام قليلة.
في عام 1219 استقبل الشاه محمد سفراء قائد قبلي ناشئ هو جنكيز خان، وكان مع هؤلاء السفراء كل أنواع الهدايا مقدمة لمحمد العظيم، وكانت الهدايا تشمل أفضل البضائع من الإمبراطورية المنغولية والتي كانت صغيرة ولكن متنامية، وكان جنكيز راغبا في إعادة افتتاح طريق الحرير إلى أوروبا، وعرض الشراعة مع الشاه محمد واعدا بإحلال السلام بين الإمبراطوريتين.
لم يكن محمد يعرف هذا الآتي من الشرق ورأى أنه من الغرور بحيث يخاطبه كند له رغم ما بينهما من فارق يعرفه الجميع، ورفض عرض جنكيز خان. حاول خان مرة أخرى: هذه المرة أرسل قافلة من مئة جمل محملة بأندر البضائع التي نهبها من الصين، لكن قبل أن تصل القافلة إلى محمد قام إنالشيك وهو حاكم مقاطعة على حدود سمرقند بالاستيلاء عليها وأعدم قادتها.
اعتقد جنكيز خان جازما أن ما يحدث قم تم بطريق الخطأ وأن إنالشيك تصرف دون الرجوع إلى الشاه محمد، وأرسل بعثة ثالثة إلى محمد مكررا عرضه وطالبا معاقبة الحاكم. هذه المرة قام محمد بقطع رأس أحد السفراء وأعاد الآخرين بعد أن حلق رؤوسهم وهي إهانة بالغة في عرف المغول. أرسل جنكيز خان رسالة إلى الشاه جاء فيها «أنت تريد الحرب، والمقدور سوف يكون، والله وحدجه يعرف ما ستنتهي إليه الأمور». حشد خان قواته وفي عام 1220 هاجم مقاطعة إنالشيك وحاصر عاصمته وأسر هذا الحاكم وأعدمه بصب الفضة المنصهرة في أذنيه وعينيه.
في العام التالي قام خان بشن سلسلة من هجمات حرب العصابات ضد الجيش الهائل للشاه، وكانت هذه الطريقة جديدة تماما على عصره- كان جنوده يتحركون بسرعة كبيرة على أحصنة دون سرج ويطلقون السهام وهم يتحركون واستطاعت هذه السرعة والمرونة أن تضلل الشاه محمد عن توقيع أين ستتجه قوات جنكيز خان وماذا ستضرب في كل تحرك، وفي النهاية استطاع خان الاختراق إلى العاصمة


سمرقند وحاصرها وفر محمد ومات بعد عام وتمزقتا إمبراطورتيه وانهارت، وأصبح جنكيز خان الحاكم الأوحد لسمرقند وطريق الحرير وأغلب شمال آسيا.
التعليق:
لا تظن أبدا في الشخص الذي تتعامل معه أنه أضعف أو أقل أهمية منك، فبعض الأشخاص يتحلون بالحلم ويبطئون في إظهار الشدة ويجب أن يغريك ذلك بأن تسيء الحكم عليها وتظن أنهم بلا نخوة وتتجرأ على إهانتهم، فحينها ستجدهم يهاجمونك بعنق يبدو مفاجئا وشديدا مقارنة بما أظهروه قبله من حلم. إن أردت أن ترفض طلب أحد فارفضه بأدب واحترام حتى إن رأيت في الطلب وقاحة أو سخف ولا تصد أحدا بصلف وإهانة إن لم تكن تعرفه جيدا، فربما تجد نفسك تواجه جنكيز خان آخر.
الانتهاك الثاني:
في الأعوام 1920- قام أمهر المحتالين في أمريكا بتأسيس رابطة لهم قاعدتها في مدينة دنيفر بولاية كولورادو، وكانوا ينتشرون في أشهر الشتاء في الولايات الجنوبية يمارسون حيلهم. في عام 1920 كان جو فوري- وهو من قادة الرابطة- ناشطا في ولاية تكساس حيث قام بمئات الحيل التقليدية، وفي مدينة فورت وورث ألقى شباكه على راعي بقر يملك قطيعا هائلا اسمه ج. فرانك نورفليت وأوقعه ضحية لإحدى حيله، فبعد أن أقنعه بجني ثروة هائلة أخذ منه 45000 دولار وكانت كل رصيده البنكي، وبعدها بأيام أعطاه «الملايين التي ربحها» والتي اكتشف نورفليت بعد ذلك أنها بضع أوراق نقدية حقيقية تغلف قصاصات جرائد.
قام فوري ورجاله منة قبل بأداء هذه الحيلة على مئات الأشخاص، وكان الضحية يشعر بحرج كبير من سذاجته فيتعلم الدرس صامتا ويقبل بالخسارة. لكن نورفليت لم يكن من هذا النوع فتوجه إلى الشرطة والذين أخبروه أن ليس في إمكانهم شيء لمساعدته، فرد عليهم نورفليت «إذن سوف أطاردهم بنفسي، حتى لو
تطلب ذلك ما تبقى من حياتي». تولت زوجته شئون المزرعة بينما خرج نورفليت في رحلة يجوب أنحاء البلاد بحثا عن ضحايا وقعوا في نفس الخدعة، وقد تقدم معه ضحية آخر واستطاعا معا أن يجدا أحد المحتالين في سان فرانسيسكو وسلموه مقيدا إلى الشرطة، ولكن الرجل فضل الانتحار على معاناة السجن لفترة طويلة.
استمر نورفليت، وتتبع محتالا آخر وأمسك به في ولاية مونتانا وربط حبلا حول عنقه وسحبه كالبقرة عبر الشوارع الموحلة حتى سلمه إلى شرطة المدينة. لم يكتف نورفليت بالترحال في أنحاء أمريكا بل تجاوزها إلى بريطانيا وكندا والمكسيك بحثا عن جو فوري وعن ذراعه الأيمن و.ب. سبنسر، واستطاع أن يجد سبنسر في مونتريال وطارده في الشوارع ولكن استطاع سبنسر أن يهرب فلاحقه نورفليت فوجده في مدينة سولت ليك ولكن سبنسر فضل رحمة القانون عن قسوة راعي البقر فسلم نفسه للشرطة.
نجح نورفليت أن يجد جو فوري في جاكسونفيل بولاية فلوريدا وقرر أن يصحبه بنفسه لينال عقابه في تكساس. لم يكتف نورفليت بلك عزم على التوجه إلى دنيفر وتدمير الرابطة بكاملها، ولم تكلفه هذه المطاردة أموالا طائلة فحسب بل عاما آخر من حياته، وفي النهاية استطاع أن يضع جميع أعضاء الرابطة خلف القضبان، وكان بعضهم قد سلم نفسه إلى السلطة خوفا منه.
بعد خمس سنوات قضاها نورفليت في المطاردة استطاع بمفرده أن يدمر أكبر اتحاد للمحتالين، وقد أفلسته هذه المساعي وحطمت زواجه ولكنه مات راضيا.
التعليق:
معظم الناس يتقبلون التحايل عليهم بنوع من الإذعان، فيتعلمون الدرس ويرضون بالخسارة لأن لا شيء يأتي مجانا، وغالبا ما يكونون قد وقعوا في الفخ بسبب جشعهم ورغبتهم في كسب مال سهلوسريع. إلا أن هناك آخرين لا يذعنون أبدا وبدلا من التندم على سذاجتهم وجشعهم لا يرون في أنفسهم إلا ضحايا أبرياء تماما.


أمثال هؤلاء الرجال يظهرون أنفيهم كأنهم أبطال يدافعون عن الحقوق والكرامة ولكن في حقيقة داخلهم يكمن خور مفرط وتعرضهم للاستهانة والخداع يلهب داخلهم التشكك بأنفسهم فيسعون بكل ما أوتوا من القوة لإصلاح الخلل. هل كان ثأر نورفليت للحرج الذي تعرضه له مبررا كافيا ليرهن مزرعته ويدمر أسرته ويقضي سنوات في الاستدانة والإقامة في أحقر الفنادق؟ بالنسبة لأمثال نورفليت في هذا العالم، يستحق الثأر للتجريح كل ما يتطلبه من ثمن مهما كان غاليا.
كل الناس لديهم خور ما في العزيمة، وغالبا ما تكون أفضل الطرق لخداع الآخرين هي التلاعب بما لديهم من خور. إلا أنه في عالم السطوة يكون كل شيء بمقدار، ويعد من الخطر التعامل مع من لديهم خور يفوق المعتاد. وعليك إن كنت تمارس الخداع أو التحايل بأي من أشكاله أن تعرف هدفك جيدا، فبعض الأشخاص لا يسمح لهم خورهم وضعف نواصيهم أن يتحملوا أقل استخفاف من الآخرين نحوهم. لكي تعرف إن كان من تتعامل معه من هذا النوع من الرجال يمكنك أن تقوم باختبار بسيط- أطلق تهكما خفيفا عليهن، فالشخص الراسخ والواثق من نفسه سيضحك على التعليق ولكن الخائر سيراها إهانة لشخصه. وإن ارتبت في أن من تستهدفه من النوع الخائر فابحث لنفسك عن ضحية أخرى.
الانتهاك الثالث:
في القرن الخامس ق.م. وفي مملكة شين (الصين حاليا)، حكم على الأمير شونج إره يترك البلاد إلى المنفى، وكان عليه أن يعيش حياة الكفاف وأحيانا الفقر إلى أن يتمكن من استعادة وضعه السابق كأمير. وبينما كان شونج يعبر عن إمارة شنج لم يتعرف عليه حاكمها وعامله بفظاظة، وحين رأى وزيره ذلك قال له «هذا الرجل من كبار الأمراء، فلعل سموكم تهرون له بعض الاحترام حتى يدين لكم بالعرفان». لكن الحاكم حين رأى الوضع المذري للأمير تجاهل نصيحة وزيره


وأهان الأمير مرة أخرى، فحذره الوزير ثانية قائلا «إن لم تكن لدى سموكم الرغبة في التعامل باحترام مع الأمير فاقتله الآن حتى تأمن شره في المستقبل»، لكن الحاكم لم يكن يريد سوى الاستهزاء والسخرية.
بعدها بسنوات استطاع الأمير أن يعود إلى وطنه وتغيرت أحواله تماما، ولم يستطع أن ينسى من تعاطف معه ومن أهانه أثناء سنوات محنته. ما لم ينسه الأمير أبدا هو معاملة حاكم شنج المهينة له وفي أول فرصة جمع جيشا هائلا وزحف نحو شنج واستولى على ثمان من مدنها وأرسل حاكمها إلى المنفى.
التعليق:
لا يمكن أبدا أن تتأكد من مكانة من تتعامل معه؛ فقليل الشأن اليوم قد يكون غدا ذا سطوة كبيرة ننسى الكثير في حياتنا ولكننا لا ننسى أبدا الإهانة.
كيف كان شنج أن يعرف أن شونج إره من النمط الطموح الذي يحسب ويخطط ويراوغ حتى يصل إلى ما يريد؟ وكيف كان له أن يعرف أنه ثعبان له ذاكرة لا تلين مع الزمن؟ الحقيقة أنه لا توجد طريقة يمكنه أن يعرف بها ذلك، وكان الأسلم له أن لا يستفز القدر الذي جعله يعرف. لا يربح الشخص شيئا من إهانة أحد دون داع، وعليك أن تقمع اندفاعك لإهانة أي شخص حتى لو بدا لك ضعيفا، فالقدر الضئيل من إرضاء الغرور الذي قد تحصل عليه لا يساوي أبدا الخطر من أن يكتسب هذا الشخص المكانة أو القدرة ليؤذيك.
الانتهاك الرابع:
كان عام 1920 عام نحس شديد على تجار الأعمال الفنية في أمريكا، فقد أخذ المشترون الكبار- وكانوا من أباطرة اللصوص في القرن التاسع عشر- يشيخون ويموتون بأعداد كبيرة كالذباب، ولم يظهر أثرياء يخلفونهم وساءت الأحوال لدرجة جعلت عددا من كبار التجار يجمعون مواردهم في صندوق مشترك وهو ما لم يفعله أحدا من قبلهم أبدا لأن ما كان بين تجار الفنون من توافق لا يختلف عن ذاك الذي بين القطط والكلاب.


جوزيف دوفين تاجر الفنون الذي كان يبيع لوحاته لزعماء الاقتصاد في أمريكا، أخذ يعاني أكثر من غيره في ذلك العام وقرر أن يساهم في الصندوق المشترك، وأصبحت المجموعة تتكون من أكبر خمسة تجار في البلاد. قررت المجموعة أثناء البحث عن زبون جديد أن هنري فورد هو أملهم الأخير. كان فورد وقتها أكثر الأمريكان ثراء ولم يكن قد خاض من قبل في تجارة الأعمال الفنية وكان هدفا ثمينا لدرجة تجعل تجمعهم للعمل معا قرارا حكيما.
قرر التجار إعداد قائمة تتضمن «أعظم 100 لوحة في العالم (و«تصادف» أنهم كانوا يملكونها جميعا) وأن يعرضوا على فورد شراءها جميعا في صفقة واحدة بحيث تجعله أكبر مقتن في العالم. وعمل اتحادهم لأسابيع على إصدار عمل رائع: كتاب من ثلاثة أجزاء يحوي نسخا جميلة للوحات وبجوار كل منها شرح بليغ عن تاريخها ومحتواها. بعدها ذهبوا لزيارة فورد في منزله في ديربورن بولاية متشجن وأدهشتهم بساطة المنزل: بدالهم بوضوح أن السيد فورد رجل غير متكلف ولا يهتم أبدا بالمظاهر.
استقبلهم فورد في مكتبة، وبدا في تأمل الكتاب وأظهر إعجابه وتأثره، وبدأ التجار في تخصيل الأموال الطائلة التي سوف تنصب في جيوبهم قريبا، ولكن فورد وضع الكتاب وقال لهم «أيها السادة لابد أن كتبا بهذه الجودة وصورا ملونة بهذا الجمال سوف يكون ثمنها كبيرا» فاعترضه دوفين قائلا «سيد فورد، لم نأت إليك لتشتري هذه الكتب فهي هدية منا إليك طبعناها لتعرض لك اللوحات». تحير فورد وقال «هذا لطف كبير منكم أيها السادة ولكن كيف يمكنني أن أقبل هدية جميلة ومكلفة كهذه من غرباء» فأخبره دوفين أن الصور في الكتاب هي للوحات يأملون في بيعها له. أخيرا فهم فورد ولكنه قال متعجبا «لكن ساداتي، ما الذي قد أريده من اللوحات الأصلية إن كانت الصور التي في الكتاب على هذا القدر من الجمال».
التعليق:
كان دوفين يعتز بقدرته على دراسة ضحاياه وزبائنه والتعرف على نقاط ضعفهم وذوقهم في الفنون حتى قبل أن يقابلهم. ولكن بسبب الحالة البائسة التي كانت عليها


تجارته وقتها تجاهل هذا التكتيك في هجمته على فورد، وقد احتاج لشهور حتى يتعافى نفسيا وماديا من هذا الخطأ في التقدير. كان فورد من النمط البسيط حقا ودون تكلف ولم يكن يستحق الجهد المبذول في استدراجه، كان من النوع العملي تماما ولم يكن يملك من الخيال ما يكفيك لتخدعه. من وقتها ركز دوفين جهوده على أمثال ميلوني ومورجان، وهم أشخاص لديهم من البراعة والخيال ما يكفي لتمكين أمثال دوفين من استدراجهم.
مفاتيح للسطوة:
أهم المهارات اللازمة لاكتساب السطوة والاحتفاظ بها هي القدرة على قراءة الناس وعلى معرفة طبيعة من تتعامل معهم. فبدون ذلك تتخبط في الظلام: ليس فقط أنك قد تصيب أشخاصا يؤذونك بل ستخطئ أيضا في اختيار من تعمل معهم، وقد تظن أنك تجامل أشخاصا لتجد في الحقيقة أنك تهينهم. قبل أن تبدأ في أي تحرك حدد بدقة طبيعة من ستتعامل معه سواء كان خصما أو ضحية، فبدون ذلك تضيع وقتك هباء وترتكب الأخطاء. ادرس نقاط ضعف الآخرين والشروخ في دفاعتهم ومناطق فخرهم وخورهم، واستشف باطنهم وظاهرهم قبل أن تقرر أن تتعامل معهم.
أخيرا، هناك أمران عليك ان تحذرهما: الأول هو أن لا تعتمد أبدا على إحساسك أو فطنتك في تقييم خصومك، فسوف ترتكب أخطاء مزعجة إن اعتمدت على هذه المؤشرات غير الدقيقة. لا شيء يغني عن المعلومات المحددة، فخذ ما يكفي من الوقت مهما طال في التعرف على خصمك والتجسس عليه لأن ذلك سوف يأتي بثماره على المدى الطويل.
ثانيا، لا تثق أبدا بالمظاهر، فمن لديه قلب أفعى قد يظهر الطيبة والتعاطف دائما حتى لا يكتشف الناس سره، والشخص الذي تراه كثير النزاع والتهديد للآخرين غالبا ما يكون في حقيقته جبانا. عليك أن تعلم نفسك رؤية التناقضات في المظاهر الخارجية وأن تستقرئ ما يكمن تحت السطح، ولا تثق أبدا بالصورة التي يمنحها الناس لأنفسهم- فهي مضللة تماما.
الصورة
الصياد
لا يصنع نفس الفخ للذئب وللثعلب، ولا يضع الطعم في مكان لن تأتيه الضحية، فهو يعرف بدقة عادات فريسته وأماكن اختبائها ويستخدم هذه المعرفة لاصطيادها.
اقتباس من معلم: لتكن واثقا من أنه لا يوجد أحد أقل قيمة وأهمية عن أن تحتاج يوما لمهارته وخبرته، والتي لن يعطيها إليك إن كنت تحتقره وتزدريه، فالناس غالبا ما ينسون ما ارتكب في حقهم من أخطاء لكنهم لا ينسون أبدا من عاملهم باحتقار، لأن كبرياءهم سيذكرهم به إلى الأبد. (لورد شسترفيلد 1694-1773).
عكس القاعدة:
ما الذي يمكن أن يستفيد المرء من عدم فهمه للآخرين؟ إن لم تستطع أن تفرق بين الليث والحمل فسوف تدفع الثمن لا محالة. اتبع هذه القاعدة لأقصى ما تستطيع، فليس هناك ما يناقضها- ولن تجد ما يعكسها وإن حاولت.
** معرفتي **
www.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
20
لا تلزم نفسك بالولاء لأحد
الحكمة:
الأغبياء وحدهم هم من يتسرعون في الانحياز لأحد أطراف الصراع. اجعل ولاءك لنفسك فقط ولا تلزم نفسك بمناصرة أحد. حفاظك على استقلالك يجعلك تتسيد الآخرين، فتأليبك للصراع بينهم يجعلهم جميعا يطلبون دعمك وتأييدك.


الجزء الأول: لا تلزم نفسك بالولاء لأحد بل اجعل الجميع يوددون إليك
شعور الآخرين بأنهم يمتلكونك بأي شكل من الأشكال يفقدك السطوة عليهم. وعدم إخلاص مشاعرك لأحد يجعل الناس يسعون لإرضائك والفوز بصحبتك. استمر في تحفظك واستقلالك وسوف تنال السطوة التي تأتي من تركيزهم عليك ومن عجزهم عن ضمك إليهم. تصرف كما فعلت الملكة العذراء: منّهم بالأمل ولكن لا تشبع أبدا رغبتهم في امتلاكك.
مراعاة القاعدة:
حين اعتلت الملكة إليزابيث عرض إنجلترا في عام 1558 كان مفروضا عليها تسعى لتجد زوجا مناسبا. نوقش المر في البرلمان، وأصبح الحديث الشاغل للإنجليز من كافة الطبقات. اختلف الجميع حول من عليها أن تختار ولكنهم أجمعوا على ضرورة زواجها في أسرع وقت، لأن الملكة يجب أن يكون لها ملك وحتى تأتي بابن يرث عرش المملكة. استمر النقاش لسنوات وأخذ يطلب ودها وخطبتها كل من في البلاد من العزاب المناسبين والوسيمين من أمثال السير روبرت دادلي وإيرل إيسكس والسير والتر رالي، ولم تصد إليزابيث أحدا منهم ولكن لم يبد عليها أيضا أنها تتعجل الأمر. وكان تلميحاتها لأحدهم بأنها تريده تناقضها بتلميحات أخرى. في عام 1566 أرسل البرلمان وفدا إلى الملكة يلح عليها أن تتزوج قبل أن تتخطى سن الإنجاب، ولم تصده او تجادلهم ولكنها استمرت في الحفاظ على عذريتها.
أثارت اللعبة الدقيقة التي تلعبها إليزابيث مع خطابها الكثير من الخيالات الجنسية وأصبحت أقرب لصيحة لها أتباع ومريدون، وقد ذكر طبيب القصر سيمون فورمان في يومياته أنه كان يحلم بفض بكارتها، وصوّرها الرسامون على هيئة ديانا إلهة القمر [في الأساطير الرومانية]، وقد كتب شعراء من أمثال إدموند سبنسر قصائد تخلد الملكة العذراء، ووصفوها بانها «إمبراطورية سبنسر قصائد تخلد الملكة العذراء ووصفوها بأنها «إمبراطورية العالم» وأنها «كوكبة
العذراء العفيفة» التي تحكم العالم وتدور حولها النجوم، وكان خطابها يسرون إليها بتعليقات جنسية صريحة ولم تكن تمنعهم. كانت تفعل كل ما تستطيع لجذب اهتمامهم وفي نفس الوقت لا تعد أحدهم بشيء.
وفي أنحاء أوروبا كان ملوك وأمراء أوروبا يعرفون أن نجاح أحدهم في الزواج من إليزابيث سيرسخ التحالف بين إنجلترا وبلاده، فبدأ ملك إسبانيا وأمير السويد وأرشيدوق النمسا يتوددون إليها ورفضتهم جميعا بأدب.
كان الشاغل الدبلوماسي الكبير في عصر إليزابيث هو التمرد في فنلندا وهولندا اللتين كانتا تحت الحكم الإسباني، وكان السؤال إن كان على إنجلترا أن تنقض تحالفها مع إسبانيا وتستبدل بها فرنسا لتشجيع فنلندا وهولندا على الاستقلال. وفي عام 1570 تبين أن الخيار الأمثل لدى إنجلترا هو التحالف مع فرنسا بالفعل، وكان لدى ملك فرنسا أخوان مناسبان لإليزابيث هما الدوق أنجو والدوق ألينسون، كان لكل منهما ميزاته الخاصة، وقد تركت إليزابيث لكل منهما الأمل بالزواج منها، وظل الأمر حيا لسنوات. قام الدوق آنجلو بعدة زيارات لإنجلترا وقبل إليزابيث على الملأ بل كان يدللها بالأسماء، وبدا أنها أيضا تبادله مشاعره. في الوقت الذي كانت إليزابيث تلاطف فيه الأخوين تم توقيع المعاهدة التي أرسلت السلام بين فرنسا وإنجلترا. وفي عام 1582 رأت إليزابيث أنها تستطيع أن تنهي تودد الأخوين إليها، وقد أشعرها ذلك براحة كبيرة خاصة مكن إبعاد الدوق آنجو الذي كانت تلاطفه لأسباب دبلوماسية ولكنها لم تحب صحبته ولم يعجبها شكله. بعد أن امنّت السلام بين البلدين أوقفت تودد الدوق اللزج إليها بأكبر قدر ممكن من الأدب.
في هذا الوقت كانت إليزابيث قد بلغت العمر الذي لا يسمح لها بالإنجاب وأكملت حياتها بالطريقة التي اختارتها وظلت حتى ماتت الملكة العذراء ولم تترك وريثا للعرش ولكن فترة حكمها كانت تتميز نسبيا بالسلام والاستقرار والانتعاش الثقافي.


التعليق:
كان لدى إليزابيث أسباب وجيهة لعدم الزواج: رأت ما حدث لقريبتها ماري كوين في اسكتلندا، فقد أدى رفض الأسكتلنديين أن تحكمهم امرأة إلى ضغوط أن تتزوج وأن تكون حكيمة في اختيارها، فلم يكن زواجها من أجنبي يلقى القبول من الشعب وكان اختيارها لأي من النبلاء سيؤدي لصراعات رهيبة، وفي النهاية اختارت الزواج من لورد دارنلي وكان كاثوليكيا فأثارت بذلك غضب البروتستانت في اسكتلندا وتلا ذلك اضطرابات استمرت طويلا.
كانت إليزابيث تعرف أن الزواج غالبا ما يقضي على حكم المرأة: فالزواج كان سيلزمها بالتحالف مع حزب أو بلد محدد، وكان سيفرض عليها كملكة أن تتورط في صراعات لا شأن لها بها وهي صراعات قد تنهكها أو تدخلها في حروب عبثية، كما أن الزوج سيصبح الحاكم الفعلي خلف الكواليس وغالبا ما يسعى لتنحيه زوجته عن الملك كما فعل دارنلي مع ماري كوين. تعلمت إليزابيث الدرس جيدا، ووضعت لنفسها هدفين رئيسيين من الحكم: أن تتجنب الزواج وأن تتجنب الحرب، واستطاعت أن تدمج الهدفين معا بأن لوّحت بإمكانية الزواج منها لكسب التحالفات. كانت لحظة تعهدها بالولاء لأي خاطب هذه اللحظة التي تفقد فيها سطوتها، ولذا كان عليها أن تتألق بالغموض والجاذبية، وتحافظ على إحياء الآمال لدى كل من يطلبونها دون أن تخضع لأي منها.
من خلال لعبة الملاطفة والانسحاب التي مارستها إليزابيث طوال حكمها استطاعت أن تسيطر على البلاد وعلى كل رجل حاول أن يخضعها له، ولأنها كانت مركزا للانتباه كانت لها السيطرة. كان حفاظها على استقلالها قبل أي شيء آخر هو الذي مكّنها من الحفاظ على سطوتها وجعل منها أسطورة لدى الكثيرين.
أفضل أن أكون متسولة عزباء عن أن أكون ملكة متزوجة
الملكة إليزابيث، 1533-1603


مفاتيح للسطوة:
تعتمد السطوة اعتمادا كبيرا على المظاهر، ولذلك عليك أن تتعلم الحيل التي تحسن صورتك. إحدى هذه الحيل أن تمتنع عن إلزام نفسك بشخص أو بجماعة. وحين تنأى بنفسك فإنك لا تستثير في الآخرين الغضب بل الاحترام والتقدير، حيث يظهرك ذلك في عيونهم عصيا وغير خاضع لأحد أو لعلاقة على عكس غالبية الناس، ومع الوقت تنمو حولك هالة من السطوة، ومع زيادة اشتهارك بالاستقلال ينجذب إليك الكثيرون راغبين في صحبتك أملا في التمكن من كسب ولائك لهم. والجاذبية تشبه الفيروس فحين نرى شخصا يقبل عليه معظم الناس نجد أنفسنا أيضا منجذبين إليه.
في اللحظة التي تلزم نفسك فيها بأحد يزول عنك السحر وتصبح كأي شخص آخر. ستجد الناس يبذلون كل أنواع الطرق الماكرة والخفية لجعلك تتعهد لهم بالولاء، فقد يعطونك الهدايا أو يمطرونك بالخدمات. عليك أن تشجع اهتمامهم بك لكن لا تتعهد لأحد مهما كان الثمن. يمكنك أن تقبل هداياهم وخدماتهم إن أردت ولكن عليك أن تكون نائيا من داخلك، وعليك ان لا تقع عن غير عمد في الشعور بالالتزام والتعهد نحو أي شخص.
لكن عليك أن تتذكر الحكمة في ذلك ليست في تنفر الناس منك أو تجعلهم يرون أنك غير قادر على الولاء بل أن تفعل كما فعلت الملكة العذراء بأن تثير اهتمام الآخرين بك وتغريهم في كسب ودك، وعليك أن تستجيب لتوددهم أحيانا لكن لا تقترب أبدا أكثر من اللازم.
كان المحارب ورجل الدولة اليوناني ألسيبيادس يتقن هذه اللعبة، وكان من ألهم وقاد جموع الأثينيين لغزو صقلية عام 414 ق.م. وحين حاول الأثينيون الحاقدون عليه أثناء عودتهم التخلص منه باتهامه بادعاءات باطلة فضل اللجوء للإسبرطيين أعداء أثينا عن مواجهة المحاكمة في وطنه، وحين هُزم الأثينيون في سيراقوزه ترك إسبرطة إلى بلاد فارس على الرغم من أن مجد إسبرطة كان وقتها في تصاعد، وبدأ
الإسبرطيون والأثينيون معا يتقربون إليه بسبب تأثيره على الفرس وأغدق عليه الفرس بالكرم لسطوته على الإسبرطيين والأثينيين. كان يقدم الوعود لجميع الأطراف لكنه لم يلزم نفسه أبدا بأي طرف، وفي النهاية أصبحت كل أوراق اللعبة في يده.
إن كنت تطمح للسطوة والنفوذ عليك أن تضع نفسك في الوسط بين القوى المتصارعة، أغري إليك أحد الأطراف بالوعد بمساندته وستجد الطرف الآخر يتقرب إليك أيضا سعيا للتفوق على عدوه، ولأن كل الأطراف ستتنافس لجذب انتباهك ستظهر أمام الجميع كشخص له نفوذ وسطوة، وهي أكبر من أي سطوة كنت ستجنيها من الالتزام لأي طرف. ولكي تتقن هذا التكتيك عليم أن تتعلم أن تحرر مشاعرك من الوقوع في أسر أحد وأن ترى في الجميع بيادق تستخدمها للصعود نحو القمة. ويجب عليك أن لا تسمح لنفسك أن تكون تابعا لأحد مهما كان السبب.
أثناء الانتخابات الأمريكية عام 1968 اتصل هنري كيسنجر بفريق ريتشارد نيكسون، وكان كيسنجر قد التحق بفريق نيلسون روكفلر والذي فشلت جهوده ليصبح المرشح الجمهوري للرئاسة. تقدم كيسنجر بغرض أن يمنح لفريق نيكسون معلومات قيمة من الداخل عن مفاوضات السلام التي تجري في فيتنام فقد كان له رجل في فريق التفاوض يخبره بأحدث التطورات وقبل فريق نيكسون هذا العرض بسرور.
في نفس الوقت تقرب كيسنجر أيضا من المرشح الديمقراطي هوبرت هامفري وعرض عليه مساعدته. طلب منه فريق هامفري أن يعطيهم معلومات من الداخل عن مخططات نيكسون فأعطاها لهم وقال لها مفري «آه.. لأشد ما كرهت نيكسون لسنوات». الحقيقة أنه لم يكن يهتم بأي من الجانبين، ما كان يريده حقا هو ما حصل عليه بالفعل: وعد من نيكسون ومن هامفري بالحصول على مقعد وزاري على مستوى رفيع. لقد تحدد مستقبله المهني بغض النظر عن من كان سيكسب الانتخابات.


انتصر نيكسون كما نعرف وبعدها حصل كيسنجر على مقعده الوزاري، ومع ذلك ظل حريصا على أن لا يبدو أبدا كرجل نيكسون. وحين أعيد انتخاب نيكسون لفترة ثانية عام 1972 لم يتخل عن كيسنجر رغم أنه فصل أشخاصا أكثر ولاء منه، كما كان كيسنجر الوحيد من المسئولين الكبار لدى نيكسون الذي نجا من فضيحة ووتر جيت واستطاع أن يخدم في إدارة الرئيس التالي هيرالد فورد، فبحفاظه على بعض التنائي والاستقلال استطاع أن يزدهر في أوقات الاضطراب.
من يستخدمون هذه الاستراتيجية غالبا ما يلاحظون ظاهرة غريبة: من يسارعون في مساعدة الآخرين لا يحظون عادة بتقدير واحترام كبيرين لأن الحصول على مساعدتهم لا يتطلب هذا جهدا؛ أما الذي ينأون بأنفسهم فيحيطهم الناس بالتوسلات، فتحفظهم يمنحهم السطوة ويرغب الجميع في ضمهم إلى جانبه.
حين أصبح بيكاسو بعد سنوات من الفقر أكثر الفنانين نجاحا في العالم، لم يلزم نفسه بتاجر فنون معين على الرغم من أنهم كانوا يحاصرونه بالهدايا والوعود، لكنه لم يبد أي اهتمام بخدماتهم فأثارهم ذلك، وفي تنافسهم على كسبه أخذت ترتفع أسعار لوحاته. وحين أراد كيسنجر وزير الدولة الأمريكي أن يعقد هدنة مع الاتحاد السوفيتي لم يعرض أي تنازلات أو نية للتصالح بل بدأ يتودد للصين، فانزعج السوفييت من ذلك فقد كانوا معزولين سياسيا بالفعل ويخشون المزيد من العزلة إن حدث تقارب بين الولايات المتحدة والصين، فدفعهم هذا التحرك من كيسنجر نحو مائدة المفاوضات. ولهذا التكتيك ما يماثله في العزل والإغواء، فينصح ستندال أنه حين تريد أن تغوي امرأة عليك أن تبدأ بملاطفة أختها [أو صديقتها].
حافظ على استقلالك وتحفظك وستجد الناس يتهافتون عليك، ويرون في كسب ودك تحديا يحفزهم، وطالما أنك تقلد الملكة العذراء وتحرك فيهم الأمل ستجدهم يتقربون إليك ويطلبون ولاءك وكأنك مغناطيس تجذبهم إليك.


الصورة
الملكة العذراء
صنعت حولها دائرة من الجاذبية والاهتمام والإعجاب. ولكنها لم تستسلم أبدا لمتودد بل جعلتهم جميعا يدورون حولها كالكواكب التي لا ترحل أبدا عن مدارها حول النجوم ولا تصل أبدا إليها.
اقتباس من معلم: لا تلزم نفسك لأحد أو لشيء لأن ذلك يجعلك عبدا للجميع.. عليك أن تهتم قبل أي شيء آخر بتحرير نفسك من الالتزامات أو التعهدات لأنها الوسيلة التي تجعل الآخرين يضعونك تحت سطوتهم... (بالتسار جراتسيان، 1601-1658).
الجزء الثاني: لا تلزم نفسك بالولاء لأحد وترفع عن التورط في صراعات الآخرين
لا تجعل الآخرين يستدرجونك إلى نزاعاتهم التافهة، اظهر لهم الاهتمام والدعم لكن عليك أن تظل محايدا. دعهم يتصارعون وتناءى بنفسك. راقب وانتظر فسوف يجهدهم الصراع ويصبحون جاهزين للقطف كالثمار اليانعة، والحقيقة أنه يمكنك أن تدرب نفسك على إثارة النزاعات بين الناس ثم تعرض التدخل وتحصل على السطوة كوسيط.
مراعاة القاعدة:
في أواخر القرن الخامس عشر كانت المدن الكبرى في إيطاليا أي البندقية وفلورنسا وروما وميلانو في نزاع دائم، وكانت تحوم في الأجواء وتنتظر ابتلاع من يضعف منها بلاد مثل فرنسا وإسبانيا، وفي الوسط كانت تقع مدينة دولة صغيرة هي مانتوا في شمال إيطاليا، وكان يحكمها دوق شاب هو جيانفرنسيسكو جونزاجا وبدا أن المسألة مجرد وقت حتى تبتلعها إحدى القوى الكبرى وتقضي على استقلالها.
كان جونزاجا محاربا شرسا وقائدا محنكا، وكان كمرتزقة يحارب إلى جانب من يدفع له أكثر، وفي عام 1490 تزوج إيزابيلا ديست ابنة حاكم إمارة إيطالية صغيرة أخرى هي فيرارا، ولأنه كان يقضي معظم وقته بعيدا عن مانتوا فقد ترك لإيزابيلا أن تحكم مكانه.


أتى الاختبار الحقيقي الأول لإيزابيلا عام 1894 حين بدأ الملك الفرنسي لويس الثاني عشر يعد الجيوش للاستيلاء على ميلانو، وبغدرهم المعتاد بدأت الولايات الإيطالية الأخرى فورا في البحث عن طرق للاستفادة من محنة ميلانو، ووعد البابا ألكسندر الثاني بعدم التدخل وبذلك اعطى الضوء الأخضر للفرنسيين ليفعلوا ما يشاءون ولّمحت البندقية أيضا أنها لن تساعد ميلانو آملين أن يمنحهم الفرنسيون مانتوا. رأى لودفيكو سفورزا حاكم ميلانو نفسه فجأة وحيدا ومنبوذا فلجأ إلى إيزابيلا ديست وكانت من أقرب المقربين منه (وكانت الشائعات تحكي أنها عشيقته). توسل إليها لودفيكو أن تقنع الدوق جونزاجا ليهب لنجدته وحاولت إيزابيلا ولكن زوجها رفض لأنه لم ير أي أمل للودفيكو في النصر. هكذا وفي عام 1499 سقطت ميلانو ووقعت فريسة سهلة بين يدي لويس.
بعدها شعرت إيزابيلا أنها في معضلة: لو أبقت على ولائها للودفيكو يهاجمها الفرنسيون، وإن تحالفت مع الفرنسيين يعاديها آخرون في إيطاليا ويستولون على مانتوا بمجرد أن يرحل الفرنسيون عن إيطاليا، وإن طلبت العون من البندقية أو من روما لاستولوا على مانتوا بحجة حمايتها. كان عليها أن تفعل شيئا بسرعة فقد كانت تشعر بأنفاس ملك فرنسا تقترب منها، فقررت أن تستغل جمالها وفتنتها التي كانت تشتهر بهما في مصادقة ملك فرنسا كما صادقت لودفيكو سفورزا من قبل- بالهدايا المغرية والخطابات الطريفة والذكية والتلميح بإمكانية مصاحبته لها.
في عام 1500 قام لويس بدعوة إيزابيلا لحفل كبير في ميلانو أعده احتفالا بالنصر، وشيّد ليوناردو دافنشي أسدا يتحرك ميكانيكيا من أجل المناسبة: كان الأسد رمزا ملكيا فرنسيا، وكان مصنوعا بحيث أنه يحين يفتح فمه كان يطلق أزهار السوسن المنعشة. في الحفل ارتدت إيزابيلا ثوبا من أشهر ثيابها (وكان لديها من الملابس الأنيقة أكثر من أي أميرة أخرى في إيطاليا)، وكما أرادت نجحت في أن تفتن لويس فتجاهل كل النساء الأخريات في الحفل اللاتي كن يتنافسن على جذب انتباهه. أصبحت إيزابيلا بسرعة صديقته الدائمة وثمنا لهذه الصداقة تعهد بضمان الإبقاء على استقلال مانتوا عن البندقية.


حين زال هذا الخطر واجه إيزابيلا خطر أكبر آتيا هذه المرة من الجنوب متجسدا في سيزار بورجيا. بدء من عام 1500 أخذ بورجيا يزحف بثبات نحو الشمال مستوليا في طريقة عل كل المماليك الصغيرة لصالح والده البابا ألكسندر الثاني فهمت إيزابيلا طبيعة بورجيا جيدا: فهو شخص لا يمكنك أن تكسب وده ولا تحتمل أن تعاديه، والأفضل أن تتزلف إليه وتبعده عنك على قدر ما تستطيع. بدأت إيزابيلا تمنحه الهدايا- من الصقور وكلاب الصيد والعطور وعشرات من الأقنعة التي كانت تعلم أنه يحب ارتدائها أثناء تجوله في شوارع روما، وأرسلت إليه بعض الرسل بتحيات متملقة (وجعلت هؤلاء الرسل يتجسسون لصالحها). في إحدى المرات طلب منها بورجيا أن يضع بعض قواته في مانتوا فردته بأدب لأنها كانت تعرف جيدا أنه بمجرد أن تستقر القوات بالمدينة فإنها لن تغادرها أبدا.
على الرغم من أن إيزابيلا كانت تعلم أن بورجيا مفتون بها، إلا أنها حرصت أن لا يتفوه رعاياها بكلمة جارحة عنه لأن له جواسيس في كل مكان وقد يفتعل أي حجة لغزو المدينة، وحين أنجبت طفلا طلبت من سيزار بورجيا أن يكون عرابا له، ولّمحت إلى إمكانية التزاوج بين عائلتيهما. نجحت مساعي إيزابيلا لأنه في حين كان بورجيا يجتاح كل شيء يقف أمامه أبقى على مانتوا مستقلة.
في عام 1503 مات ألكسندر والد سيزار بورجيا وبعد سنوات قليلة شن البابا الجديد يوليوس الثاني حربا لطرد الفرنسيين من إيطاليا، وحين تحالف ألفونسو أخو إيزابيلا نفسها أمام خيار صعب: بين البابا من ناحية وأخيها والفرنسيين من الناحية الأخرى، فقررت أن لا تتحالف مع أي من الطرفين، ولكن صد أي من الأطراف أو إهانته كانت تعني أيضا كارثة مؤكدة مرة أخرى قررت أن تلعب على الجانبين وهي لعبة أصبحت تتقنها، فمن ناحية جعلت زوجها يحارب لصالح البابا وكانت تعرف أنه لن يحارب بحماس ومن الناحية الأخرى سمحت للقوات


الفرنسية أن تعبر من مانتوا لمساعدة فيرارا، وعلى الرغم من أنها شكت من اقتحام الفرنسيين لأراضيها إلا أنها زودتهم بمعلومات هامة، ولكي تحبك قصة الغزو جعلت الفرنسيين يتظاهرون بنهب المدينة. نجحت خططها مرة أخرى وبقيت قوات البابا بعيدة عن المدينة.
في عام 1513 وبعد حصار طويل انتصر يوليوس على فيرارا وانسحبت القوات الفرنسية. أجهد الصراع الطويل البابا ومات بعد أشهر قليلة، وبعده عادت الدائرة الرهيبة من الحروب والنزاعات.
تغيّرت أشياء كثيرة في إيطاليا أثناء حكم إيزابيلا: جاءت البابوات ورحلوا، بزغ نجم سيزار ثم أفل، وفقدت البندقية إمبراطورتيها وبدأت فلورنسا في الانحطاط وقام شارل الخامس إمبراطور هابسبرج بالاستيلاء على روما. خلال كل ذلك لم تنج مانتوا الصغيرة من الدمار فحسب بل ازدهرت وأصبح بلاطها موضعا لحسد الإيطاليين وظل ثراؤها واستقلالها قائمين طوال قرن بعد وفاة إيزابيلا عام 1539.
التعليق:
فهمت إيزابيلا ديست الموقف السياسي لإيطاليا في عصرها بوضوح عجيب، وعرفت أنها إن اختارت مناصرة أي من القوى في الساحة تصبح مهددة بالهلاك، وتكون عريضة أن يغادر بها الأقوياء أو أن ينهكها الضعفاء، وأن أي تحالف جديد كان سيخلق لها أعداء جدد ويثير مزيدا من النزاعات تجر إليها المزيد من القوات الأجنبية وفي النهاية تعجز عن تخليص نفسها وتنهار من الإجهاد.
أدارت إيزابيلا مملكتها بالطريقة الوحيدة التي تجلب لها الأمان، وحافظت على رأسها من أن تطير بحد السيف إن التزمت بالولاء لدوق أو لملك، كما لم تحاول إيقاف النزاعات التي كانت تستعر حولها والذي لم يكن ليؤدي بها إلا إلى التورط فيها. في كل الأحوال كانت النزاعات تصب في صالحها، فحين كانت الأطراف المختلفة تتقاتل حتى الموت لم تتبق لديهم الفرصة لالتهام مانتوا. كان سر سطوة إيزابيلا هو قدرتها البارعة على الظهور وكأنها مهتمة بكل الشئون الجارية حولها


وأنها متعاطفة مع كل الأطراف بينما لم تكن في الحقيقة موالية لأحد بل لنفسها ومملكتها فقط.
بمجرد أن تدخل قتالا ليس من اختيارك تفقد المبادرة، وتصبح مصلحتك مرتبطة بنتيجة الصراع وتتحول لأداة في أيدي المتصارعين. عليك أن تسيطر على نفسك وتقمع ميلك الطبيعي إلى الانحياز إلى أحد الأطراف والتورط في الصراع، أظهر الود واللطف لكل الأطراف وابتعد بنفسك عن النزاع، فمع كل معركة يدخلها الآخرون تضعف قوامهم بينما تقوى أنت مع كل معركة تتجنبها.
حين تتقاتل الأيائل يفوز الصياد بالغنائم
مثل صيني قديم [يتصرف].
مفاتيح للسطوة
لكي تنال السطوة عليك أن تتحكم بانفعالاتك، لكن حتى حين تمتلك هذه السيطرة على نفسك لن يمكنك أن تتحكم بالاندفاعات المزاجية لكل من حولك ويشكل ذلك خطرا كبيرا عليك. معظم الناس يتقلبون في دوامات من الانفعالات يتمخض عنها الشجار والنزاعات، وقد يؤدي تحكمك بنفسك ونأيك عن تفاهات الآخرين إلى إغضابهم واستيائهم فيحاولوا أن يستدرجوك إلى دوامة التنازع ويستجدون مساندتك لهم في معاركهم التي تنهي أو أن تتوسط لإحلال السلام بينهم. إن استسلمت لتوسلات مشاعرهم ستجد ذهنك مشغولا باستمرار بمشاكلهم. لا تسمح للتعاطف أو للشفقة من أي نوع أن تدخلك في دوامات الآخرين لأنك لن تربح هذه اللعبة فالصراعات لا تقل بل تتضاعف.
من الناحية الأخرى لا يمكنك أن تعزل نفسك تماما عن توترات الآخرين فقد تسبب لهم بذلك إهانات أنت في غنى عنها. لكي تلعب دورك جيدا عليك أن تعبر عن اهتمامك بمشكلات المحيطين بك بل أن تظهر أحيانا مساندتك لهم، ولكن في حين تعبر تلميحاتك الخارجية عن الدعم والمساندة عليك أن تحافظ على طاقتك
واتزانك من الداخل بعدم التورط انفعاليا مع أي طرف، ومهما حاول الآخرون استدراجك لا تجعل أبدا اهتمامك بشئونهم ونزاعاتهم التافهة يتجاوز الاهتمام السطحي، امنحهم الهدايا أو أنصت إليهم بتعاطف بل عليك أحيانا أن تلعب دور الوسيط المبهر لكن من داخلك افعل ما فعلته إيزابيلا بأن تبقى متنائيا على قدر ما تستطيع عن الملوك سواء أصدقاء أو غادرين من أمثال بورجيا. حفاظك على عدم الالتزام لأحد وتمسكك باستقلالك يُبقي المبادرة في يدك فتبقى تحركاتك معتمدة على اختياراتك ومصالحك وأن لا تتحول إلى ردود فعل لاندفاعات من حولك.
تروّيك في إبراز أسلحتك يمكن أن يكون سلاحا في حد ذاته؛ خاصة إن تركت الآخرين ينهكون أنفسهم في الصراع ثم استفدت من إنهاكهم في الصين القديمة قامت مملكة شين ذات مرة بغزو مملكة هسنج، ورأى هوان وهو حاكم إقليم مجاوز أن عليه الإسراع لنصره هسنج لكن مستشاره نصحه أن يتروى وقال له «هسنج لم تصل إلى حافة الدمار بعد، وشين لم تجهدها الحرب وطالما أنها لم تنهم فلن يكون تدخلنا مؤثرا كثيرا، كما أن الفضل في الانتصار لدولة في خطر لا يماثل إحياء دولة بعد دمارها». تغلّب حجة المستشار وكما توقع حصد هوان المجد بإنقاذه هسنج من حافة الدمار وبهزيمته لمملكة الشين المجهدة وذلك بعد أن ظل بعيدا عن القتال إلى أن أنهكت القوات المتحاربة بعضها بعضا وحين أصبح من الأسلم له أن يتدخل.
ما يمنحه لك نأيك بنفسك عن التدخل في النزاع هو الوقت الذي يمكنك من أن تصبح في وضع الاستفادة من خسارة أحد الطرفين؛ بل يمكنك أن تأخذ الموقف خطوة أبعد بأن تعد طرفي الصراع بالدعم والمساندة وتناور بحيث يكون الفائز الأوحد في النهاية هو أنت. هذا ما فعله كاستروشيو كاستراكاني حاكم مدينة لوقا الإيطالية في القرن الرابع عشر حين كان يرغب في الاستلاء على مدينة بيستويا، وكان الحصار سيكلفه الكثير من المال والأرواح. كان كاستروشيو يعلم أنه يوجد في بيستويا حزبان متنازعان هما البيض والسود، فبدأ كاستروشيو بالسود ووعدهم بأن يناصرهم ضد البيض ثم ودون علمهم قدم نفس الوعد للبيض، وقد أوفى بوعوده


فأرسل جيشا إلى بوابة بالمدينة يتحكم بها السود فسمحوا له بالدخول بالطبع وأرسل جيشا آخر دخل من بوابه يتحكم بها البيض وتوحد الجيشان في الوسط وقتلوا قادة الحزبين وأنهو التمرد واحتلوا المدينة وسلّموها لكاستروشيو.
تمسك باستقلالك يوفر لك الفرص حين يتصارع الآخرون- فيمكنك أن تقوم بدور الحكم أو وسيط السلام في حين تعمل في الواقع على تأمين مصالحك وقد تتعهد لأحد الطرفين بالمساندة فتجعل الطرف الآخر يتودد إليك بعرض أعلى، أو كما فعل كاستروشيو تتظاهر بأنك مناصر للجانبين بينما تكون خصما للطرفين معا.
غالبا ما تجد نفسك حين ينشأ صراع ميالا للتحالف مع الطرف الأقوى أو مع الطرف الذي يستميلك إليه بخدمات واضحة، لكن ذلك عمل خطير؛ أولا لأنه من الصعب غالبا أن تتيقن مقدما من الذي يفوز في النهاية، وحتى لو جاء تخمينك صحيحا وتحالف بالفعل مع المنتصر فقد تجده مباشرة بعد انتصار يتجاهلك وينساك أو حتى يلتهمك ويقضي على مصالحك، ومن الناحية الأخرى فإن مناصرتك للضعيف قد تنهي عليك وتدمرك. لكن لو لعبت لعبة الانتظار والترقب فلن تخسر.
أثناء ثورة يوليو 1830 في فرنسا وبعد ثلاثة أيام من الشغب كان رجل الدولة تاليران- وكان قد صار كهلا- يجلس بجوار نافذته الباريسية ينصت للأجراس التي تعلن حالة الشغب، فالتفت إلى أحد خدمه وقال «الأجراس.. نعم لقد انتصرنا» فسأله الخادم «من تقصد بنحن يا سيدي؟» فأشار إليه تاليران أن لا يتكلم وقال «اصمت الآن وغدا سأقول لك من نحن» كان تاليران يعلم جيدا أن الحمقى وحدهم هم من يتسرعون بإطلاق الأحكام في الموقف- وأن الالتزام والانحياز المبكر يفقدك القدرة على المناورة ويقلل احترام الآخرين لك، ويجعلهم يظنون أنك ستغير ولاءك غدا لأنك منحتهم الولاء بسرعة، وما يأتي سريعا يزول سريعا الالتزام بالولاء لطرف يحرمك من ميزة الاستفادة مما قد تأتي به الأقدار ومن نعمة


الانتظار والترقب. دع الآخرين يوالون هذه الجماعة أو تلك لكن عليك أنت أن لا تتسرع وتفقد عقلانيتك واتزانك.
ختاما فإن هناك أوقات يكون فيها من الحكمة أن تتخلى عن التظاهر بدعم أو مساندة أحد بل أن تعلن بوضوح استقلالك واكتفائك بنفسك، فاستعراض الاستقلال بالرأي له فائدة خاصة لمن يرغبون في كسب احترام الآخرين لهم. أدرك ذلك جورج واشنطن حين أراد لتأسيس الجمهورية الأمريكية الفتية أن يقوم على أساس متين، فحين أصبح رئيسا للجمهورية رفض الإغراء والضغوط للتحالف مع فرنسا أو إنجلترا، فأراد أن تكسب احترام العالم باستقلالها. ربما كان سيفيد واشنطن على المدى القصير توقيع التحالف مع فرنسا لكنه كان يعلم أن ما سيفيد أكثر على المدى البعيد هو ترسيخ استقلال وطنه لأن ذلك يجبر أوروبا على أن تنظر للولايات المتحدة كقوة مكافئة لها.
ولتذكر: أن ثروتك الوحيدة هي الجهد والوقت، وكل لحظة تهدرها في شئون الآخرين تُخصم من ثروتك، ربما تخشى أن يدينك الناي بأنك متبلد وليس لك قلب إلا أن تمسكك باستقلالك واكتفاءك بنفسك سيمنحك المزيد من الاحترام ويجعلك في موضع السطوة ويمكنك حينها أن تقرر مساعدة الآخرين ولكن بمبادرة منك ولأغراضك الخاصة.
الصورة
أجمة الشجيرات
في الغابة تمسك كل شجرة بجارتها وتعزز فيها أشواكها، وتتمدد الأجمة بطيئا في نطاقها المنغلق، وحدها الأشجار التي تنأي وتستقل بنفسها هي التي تنمو سريعا وتعلو فوق الأجمة
اقتباس من معلم: فلتعلم أن الشجاعة الحقيقة هي أن تتفادى خوض الصراعات لا أن تنتصر فيها وحين ترى أحمقا يقحم بنفسه في الصراع فابذل كل جهدك أن تنأى بنفسك حتى لا تضيف إليه أحمقا آخر. (بالتسار جراتسيان، 1601-1658).
عكس القاعدة:
هذه القاعدة بجزأيها تنقلب ضدك إن تماديت فيهما، فاللعبة فيهما مرهفة وصعبة إن تلاعبت بأطراف الصراع أكثر من اللازم ضد بعضها البعض فسيكتشفون مناورتك وسيجتمعون ضدك، وإن تركت من يطلبون ودك أطول من اللازم فلن توّلد فيهم الرغبة بل الارتياب ويبدءون في النفور منك، وفي النهاية ستجد من الفائدة لك أن تتعهد ولو ظاهريا لطرف بالولاء على الأقل لتثبت أنك قادر على الارتباط.
لكن حتى لو حدث ذلك يظل الأساس هو أن تحافظ على الاستقلال من داخلك- أي أن تحمي نفسك من التعلق عاطفيا، وأن تحافظ صامتا على قدرتك على أن تبتع في أي لحظة وأن تستعيد حريتك إن بدأ من تتحالف معه في السقوط، والصداقات التي تكونت من تودد الآخرين إليك قبل التحالف ستوفر لك الملاذ حين تقفز من السفينة.


القاعدة
21
استدرج فرائسك بالتظاهر
بأنك أقل منهم ذكاء
الحكمة:
لا أحد يحب أن يظهر غبيا أو أقل ذكاء ممن يتعامل معهم، لكن الدهاء الحقيقي هو أن تشعر من تستدرجه أنه ليس ذكيا فحسب بل أن يتفوق عليك ذكاء. وبمجرد أن يقتنع بذلك لن يشك او يتوقع أبدا ما تدبره في الخفاء.


مراعاة القاعدة:
كان الممول الأمريكي آسبوري هاربندنج يزور لندن في شتاء عام 1872 حين جاءه تلغراف يخبره: تم اكتشاف منجم للماس في غرب أمريكا، وقد جاءه التلغراف من مصدر موثوق هو ويليام رالستون مدير بنك كاليفورنيا، إلا أن هاربندنج حسبها دعابة تمثيلية أوحى بها اكتشاف مناجم الماس في جنوب إفريقيا. الحقيقة أنه حين اكتشف الذهب في غرب الولايات المتحدة كان الجميع لا يصدقون في البداية وتبين فيما بعد أن الخبر صحيح.. لكن هذه المرة رأى أن الأمر غريب.. منجم ماس في الغرب!! عرض هاربندنج التلغراف على ممول صديق ل هو قطب المال روتشيلد (وكان من أغنى أغنياء العالم) وقال له متعجبا «هي قطعا دعابة» فرد عليه روتشيلد «لا تستنكر الأمر فأمريكا بلد شاسع وقد فاجأت العالم من قبل بالكثير، وربما ما زال جعبتها المزيد». حجز هاربندنج في أول سفينة مغادرة وعاد إلى أمريكا.
حين وصل إلى سان فرنسيسكو وجد الأجواء محمومة بالإثارة وتذكر بفترة البحث عن الذهب في الأعوام 1840، وعرف أن من اكتشف المنجم اثنين من المنقبين هما فيليب أرنولد وجون سلاك، وأنهما لم يعلنا الموقع المحدد للمنجم في ويومنج وإنما استعانا قبلها بأسابيع بخبير تنجيم له اسم ومكانة للمعاينة بعد أن أوصلاه إلى المنجم من طريق ملتف ليضللاه عن الموقع. هناك رأى الخبير العمال يستخرجون الماس فأخذ إحدى هذه الماسات وعرضها على الكثيرين من الصاغة في سان فرانسيسكو وقدر أحدهم أن سعرها يبلغ 1.5 مليون دولار.
طلب هاربندنج ورالستون من أرنولد وسلاك أن يهذبا معهما إلى نيويورك حتى يؤكد الصائغ تشارلز تيفاني على تقدير السعر، فأجابهما المنقبان أنهما قلقان ويستشعران أن في الأمر مكيدة: كيف لهما أن يثقا بانتهازين من المدينة؟ وماذا لو دبر تيفاني معهما لسرقة المنجم بكامله؟. نجح رالستون في رفع هذه المخاوف بأن أعطى الرجلين 100000 دولار ووضع 300000 دولار أخرى أمانة باسمهما على أن يضاف إلى المبلغ 300000 دولار أخرى إن تمت الصفقة.

توجهت المجموعة إلى نيويورك حيث كان يُقاوم اجتماع في منزل سامويل ل. بارلو يحضره زبدة الطبقة العليا في المدينة: الجنرال جورج بريتون ماكلالين قائد جيوش الاتحاد أثناء الحرب الأهلية والجنرال بنيامين بتلر وهراس جريلي رئيس تحرير جريدة نيويورك تريبيون إضافة إلى هاربندنج ورالستون وتيفاني، وحدهما أرنولد وسلاك هما الذين تخلفا عن الاجتماع لأنهما عن كانا يتجولان كسائحين لرؤية معالم المدينة.
حين أعلن تيفاني أن المجوهرات حقيقية وأنها تقدر كثروة لم يستطع الممولون المجتمعون أن يكتموا فرحتهم فأرسلوا لروتشيلد وغيره من أباطرة المال يخبرونهم عن المنجم ويدعونهم للمشاركة في الاستثمار، وفي الوقت نفسه أخبروا المنقبين أنهم يطلبون تأكيدا أخيرا" طلب الممولون أن يكلفوا خبيرا بمعرفتهم يذهب مع أرنولد وسلاك إلى المنجم حتى يتأكدوا من قيمة استثماراتهم. وافق الرجلان بعد تردد وقالا أن عليهما أولا العودة إلى سان فرانسيسكو على أن تبقى الماسات التي فحصها تيفاني كأمانة مع هاربندنج.
بعد ذلك بأسابيع التقى لويس جانين أكبر مناجم في زمنه بالمنقبين في سان فرانسيسكو. كان جانين من النوع الميال للارتياب بطبيعته وكان عازما على التأكيد من أن المنجم ليس خدعة وأتى معه هاربندنج وممولون آخرون راغبون، ودار بهم المنقبّان في طرق ملتوية ومعقدة كما فعل من قبل وضللا المجموعة تماما عن موقع المنجم. حين وصلوا أخذ الممولون يراقبون في ذهول جانين وهو يحفر ويسوي التراب المتجمع ويقلب الصخور ويكشف عن الياقوت والزمرد وأهم من ذلك الماس. استمر الحفر ثمانية أيام اطمئن بعدها جانين وأخبر الممولين أنهم الآن يملكون أخصب وأغنى المناجم في التاريخ وقال «إن استخدمتم مائة رجل وأدوات مناسبة أضمن لكم أن تستخرجوا من قيمته مليون دولار كل ثلاثين يوما».
بعدها بأيام هاربندنج ورالستون وشركاؤهما إلى سان فرانسيسكو وبسرعة أنشأوا شركة للاستثمار الخاص برأسمال 10 ملايين دولار، ولكن كان عليهم أولا أن ينتهوا من أرنولد وسلاك، وكان ذلك يعني إخفاء فرحتهم كي لا يدرك الرجلان
القيمة الحقيقية للمنجم. تخابث الممولون وقالوا للمنقبين أن جانبين قد لا يكون محقا وأن المنجم لا يساوي تلك القيمة فأغضب ذلك الرجلين. لجأ الممولون إلى حيلة أخرى وقالا إن أصر الرجلان على الاحتفاظ بحصة من المنجم فإنهما لن يستطيعا التعامل مع أباطرة الاستثمار والاقتصاد الذين سوف يخدعونهما ويستولون على حقوقهما ولذلك عليهما أن يقنعا بالمبلغ عليه أي 700000 دولار وكان مبلغا هائلا في ذلك الوقت، فتفهم المنقبان الأمر ووافقا على استلام ما تبقى لهما من المال، وفي المقابل وقعا على تنازل للمولين عن حق استغلال المنجم وتركا لهم خريطة تبين كيفية الوصول للموقع.
انتشرت الأخبار عن المنجم كالنار في الهشيم، واشتهر المنقبان في كل أنحاء ويومنج، وأثناء ذلك كان هاربندنج وشركاه ينفقون الملايين التي جمعوها من المستثمرين على المعدات وتوظيف أكفأ الخبراء وتأثيث المكاتب الفخمة في نيويورك وسان فرانسيسكو.
بعد ذلك بأسابيع قليلة وفي رحلتهم الأولى للموقع عرف الممولون الحقيقة المرة: لم يجدوا أي ياقوت أو ماس فقد كان الأمر كله زيفا وخداعا، وعرفوا أنه قد حل بهم الخراب. فبدون أن يعرف قام هاربندنج بإغراء أثرى أثرياء العالم للوقوع في أكبر احتيال في القرن.
التعليق:
لم يلجأ أرنولد وسلاك لإتقان احتيالهم المذهل إلى خبراء زائفين أو إلى رشوة تيفاني كان الخبراء جميعا حقيقيين واقتنعوا جميعا بوجود المنجم وبقيمة جواهره. من خدعهم كان شخص أرنولد وسلاك لا أكثر، فقد ظهر الرجلان من السذاجة والبلاهة بحيث يصعب تصديق أنهما قادران على القيام بهذا الاحتيال الجريء. اتبّع المنقبان قاعدة التظاهر بالبلاهة لاستدراج الضحايا وهي الوصية الأولى التي يتعلمها أي مخادع.
كانت تجهيزات الاحتيال غاية في البساطة، فقبل أشهر من إعلانهما «اكتشاف» منجم الماس كان أرنولد وسلاك قد سافرا إلى أوروبا واشتريا مجوهرات بقيمة
12000 دولار (وهي نقود ادخراها من العمل في مناجم الذهب) وخلطا تربة «المنجم» بهذه الجواهر والتي حفر الخبير الأول ووجدها وأتى بها معه إلى سان فرانسيسكو. أما الخبراء الذين بالغوا في تقدير قيمة هذه الجواهر ومنهم تيفاني فقد كانوا مأخوذين بنشوة الاكتشاف بعدها أعطى رالستون 100000 دولار للمنقبين كتأمين وبعد عودتهما من نيويورك توجها إلى أمستردام واشتريا أكياسا من المجوهرات الخام وعادا إلى المنجم وخلطوا الجواهر في التربة وهكذا أصبح هناك الكثير من الجواهر ليجدها الخبراء.
لكن السر في نجاح مخطط أرنولد وسلاك ليس هو هذا النوع من الحيل التي ذكرناها بل في إتقانهما تمثيل دوريهما، فأثناء رحلتهما إلى نيويورك ولقائهما بأباطرة المال تركوا لديهم انطباعا بأنهما ساذجين من الريف فكانا يرتديان سراويل ومعاطف أصغر مما يناسبهما بقياس أو اثنين ويتصرفان وكأنهما يرتابان في كل شيء يريانه في المدينة الكبيرة، ولم يصدق أحد أن هذين الريفيين الجاهلين يستطيعان أن يخدعا أكثر رجال المال في عصرهم شراهة واعتدادا بأنفسهم. وبمجرد أن تقبّل هاربندنج ورالسون وحتى روتشيلد فكرة وجود المنجم أصبح أي مشكك سيبدو وكأنه يتطاول على ذكاء أكثر رجال الإعمال نجاحا في العالم.
في النهاية انهارت سمعة هاربندنج ولم تتعاف أبدا، وتعلم روتشيلد الدرس ولم يسمح لنفسه بعدها أن يقع في شراك الاحتيال. أخذ سلاك أمواله وهرب عن البلاد ولم يستدل أحد على مكانه، أما أرنولد فعاد إلى موطنه في كنتاكي فقد كان بيعه للمنجم شرعيا على أي حال حيث استعان المشترون بمشورة أفضل الخبراء في البلاد وإن كان الماس قد نفد من المنجم فليست تلك مشكلة البائعين. استخدام أرنولد المال لتوسيع مزرعته بنكا خاصا باسمه.
مفاتيح للسطوة:
لا أحد يحتمل الشعور بأن هناك من يفوقونه ذكاء، وعادة ما نبرر ذلك لأنفسنا بطرق عديدة: «فلان. إن معرفته معرفة كتب أما معرفتي فمن خبرتي بالحياة الحقيقية.
أو «إن أبواه دفعا الكثير لتعليمه في أفضل المدارس والجامعات ولو كان أبواي بهذا الثراء أو كنت أكثر حظا لتفوقت عليه» أو «أنه يحسب نفسه ذكيا» وأخيرا قد نقول «إنه بارع في مجال خبرته أما عدا ذلك فليس ذكيا أبدا، فحتى أينشتين كان غبيا في كل ما هو بعيد عن مجال الفيزياء».
إذا تنبهت لهذا القدر من اهتمام الناس بالذكاء لعرفت أن عليك دائما أن تتجنب أن تهين عامدا أو غير عامد القدرات العقلية لدى كل من تتعامل معهم، فهو خطأ لا يغفره أحد. إلا أنه يمكنّك أن تسّخر هذه القاعدة الحاكمة لصالحك لتفتح لك الباب لكل أنواع المكيدة والخداع، وذلك بأن تؤكد بالتلميحات للأخرين أنهم أذكى منك بل حتى أن تتظاهر بالبلاهة نوعا ما ويمكنك حينها أن تجرهم من أعناقهم دون أن ينتبهوا فشعورهم العقلي يعطل ما لديهم من الارتياب والحذر.
في عام 1865 أراد المستشار البروسي أوتو فون بسمارك أن توّقع النمسا على معاهدة كان ظاهرا بوضوح أنها تفيد بروسيا وتضر النمسا، وكان على بسمارك أن يجد طريقة تجعل النمساويين يوّقعون عليها. كان الكونت بلوم المفاوض النمساوي مقامرا شرها وكانت لعبته المفضلة هي الكوينز وكان يفاخر بأنه يستطيع أن يعرف شخصية الرجل من طريقة لعبه للكوينز، وكان بسمارك يعرف عنه هذا القول.
في الليلة السابقة للموعد المحدد لبدء المفاوضات انضم بسمارك للعب الكوينز مع بلوم وأبدى سذاجة شديدة في اللعب، وكتب عن ذلك لاحقا «كانت تلك آخر مرة ألعب فيها الكوينز، فقد لعبت بتهور واندفاع أدهشا الجميع، وخسرت آلاف التاكرات [عملة هذا الزمن] إلا أنني نجحت في أن أخدع بلوم لأنه حسبني أكثر تهورا من حقيقتي وسلّمت له بذلك». وإضافة للتهور ادعى بسمارك أيضا البلاهة والسفه فكان يقول تعليقات سخيفة ويزوم بعصبية مفرطة.
ظن بلوم أنه جمع معلومات قيّمة عن بسمارك، فكان يعرف من قبل أنه شرس- لأنه كان مشهور بذلك وطريقة لعبة أكدت شهرته، ذلك أن بلوم كان يرى أن


الشرسين غالبا ما يتصرفون بحماقة وتهور، ولذلك وحين أتى وقت توقيع المعاهدة كان بلوم يعتقد أن الأفضلية له وأن ليس في وسع رجل بحماقة بسمارك أن يدبر ويخادع لأن هذه الأمور تتطلب برودة أعصاب، ولذلك لم يدقق في المعاهدة بل ألقى عليها نظرة خاطفة وتجاهل الصياغة النهائية قبل أن يوقع. وبمجرد أن جف حبر التوقعات قال بسمارك متعجبا ولم أصدق أبدا أن دبلوماسيا نمساويا قد يوافق على توقيع هذه المعاهدة.
هناك مثل صيني يقول «تنكر كخنزير كي تصيد النمر» وأصل المثل طريقة صيد قديمة يرتدي فيها الصياد جلد وخطم خنزير وينخر بصوت خنزير ويظن النمر الجبار أن خنزيرا في طريقه ويدعه ويسيل لعابه متوقعا الوجبة السهلة الآتية إليه، ولكن في النهاية تكون الضحكة الأخيرة للصياد.
التنكر في زي خنزير أو حمل يفعل الأعاجيب عند التعامل مع من يشبهون النمر في الغطرسة والإفراط في الثقة بأنفسهم، ولكما زاد شعورهم بأنك صيد سهل يصبح أسهل عليك أن تقلب الأمور ضدهم لصالحك، وتلك حيلة تفيدك أيضا إن كنت طموحا وأصولك الاجتماعية متواضعة: فالتظاهر بأنك أقل ذكاء بل حتى أقرب للبلاهة يعد التنكير المثالي لأن ظهورك كحمل لن يخيف أحد من أنك تخفي طموحا يلتهمهم، بل قد يشجعونك لأنك تبدو لهم وديعا ومطيعا. استخدام هذه الحيلة من قبل كلوديوس قبل أن يصبح الملك لويس الثالث عشر، حين ظن من فوقهما أنهما يخططان لاقتناص العرش أدى تمثيلهما للحماقة والغفلة إلى إبعاد كيد الخصوم عنهما، وحين أتت اللحظة المناسبة فاجأ جميع الغافلين عنهما بضربات قوية وعزم لا يلين.
الذكاء هو أوضح الصفات التي عليك أن تخفف من ظهورها، لكن عليك أن لا تتوقف عند هذا الحد، فالتذوق الجمالي والتمكن يقاربان الذكاء في نفس القدر على مقياس الغرور. اظهر للآخرين أنهم أكثر تمكنا منك وسوف يشل ذلك حذرهم تجاهك، وكما فهم أرنولد وسلاك فإن ادعاء السذاجة والغفلة يصنع المعجزات، فقد
كان الممولون يضحكون عليهما من خلف ظهريهما؛ لكن من الذي ضحك في النهاية؟. في عموم الأحوال عليك أن تجعل الآخرين يظنون أنهم أكثر ذكاء ومهارة وتمكنا منك، وستجد أنهم يقربونك إليهم لأنك تشجع فيهم افتخارهم بأنفسهم، وكلما طالت صحبتك لهم زادت فرصتك في خداعهم.
الصورة
حيوان الأوبوسوم
يتظاهر بالموت. فيبتعد عنه معظم الضواري فمن قد يظن أنه هذا الكائن الضئيل القبيح الغبي الخائف يستطيع أن يقوم بهذا الخداع؟
اقتباس من معلم: عليك أن تتعلم الاستفادة من الغباء: فأكثر الناس حكمة يستخدمون هذه الحيلة أحيانا، وهناك أوقات يكون فيها التغافل هو قمة الحكمة- ليس الجهل بل الادعاء بأنك تجهل، فليس من الخير أن تظهر حكيما وسط حمقى أو عاقلا وسط مجانين. وليس من السذاجة والطريقة الأمثل التي تجعل الجميع يفتحون لك قلوبهم هي أن تتظاهر بأنك أغبى منهم جميعا. (بالتسار جراتسيان، 1601-1658).
عكس القاعدة:
نادرا ما يفيدك إظهار حقيقة ذكائك لذلك عليك طوال الوقت أن تقلل من إظهار ذكائك، ولو اكتشف الناس لاحقا أنك أذكى كثيرا مما تبدو سيعجبون بك أكثر لأنك تتكتم على نبوغك بدلا من أن تفاخر به. في بدء مسارك المهني عليك بالطبع أن لا تظهر غبيا تماما، حيث تكون في حاجة أن تجعل رؤسائك يعرفون بطرق ماكرة ومهذبة أنك أذكى من منافسيك، لكن بارتقائك سلم السطوة عليك أن تتعلم شيئا فشيئا أن تخفي ذكائك.
لكن هناك موقف واحد يفيدك فيه أن تفعل العكس، وهو حين تريد أن تخفي خداعك تحت قناع من الذكاء، ففي الذكاء كما في غيره تعد المظاهر كل شيء، وإن أظهرت لك السلطة أو الخبرة سيصدق الناس ما تقوله، وقد يفيدك ذلك في الخروج من المآزق.


كان تاجر الأعمال الفنية جوزيف دوفين يحضر سهرة يقيمها أحد أباطرة المال في نيويورك باع له دوفين لوحة لدورير بسعر مرتفع، وكان من بين الحضور ناقد فنون فرنسي يبدو عليه سعة الاطلاع والثقة بالنفس. أرادت ابنة صاحب المنزل أن تؤثر في الناقد فأخذته لتريه لوحة دورير التي لم تعلق بعد فأخذ الناقد يتفحصها لفترة وقال «لا أظن أن هذه لدورير» فذهبت به إلى والدها تخبره قال فذهب رجل الأعمال الثري قلقا إلى دوفين ليستفسر، وكان رد دوفين على ذلك أن ضحك وقال «إن الأمر مضحك حقا. أتعلم عزيزي الشاب أن عشرين خبير فنون هنا وفي أوروبا قد انخدعوا مثلك وظنوا أن اللوحة ليس أصلية، وها أنت الآن ترتكب ذلك الخطأ مثلهم». استطاع دوفين بصوت الواثق ونبرة الخبير أن يرهب الناقد الفرنسي بأنه أخطأ.
كان دوقين يعلم أن سوق الفن يفيض بلوحات مزيفة وأن لوحات كثيرة قد نسبت خطأ العظماء الفنانين، وأكن يبذل جهدا للتفرقة بين الأصلي والزائف ولكن في تحمسه للبيع كان غالبا ما يدعي أصالة اللوحة وكان ما يهمه أكثر هو أن يصدق المشتري أنه حصل على لوحة لدورير وكان يقنع الجميع «بخبرته» بطريقته السلطوية التي لا تهتز. عليك أن تلعب دور العارف والخبير عند الضرورة ولكن لا تجعل هذا الدور أسلوبا حين لا تكون في حاجة إليه.
** معرفتي **
www.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
22
رواغ بالإذعان
لتحوّل ضعفك إلى قوة
الحكمة:
حين تكون الأضعف لا تقاوم أو تقاتل بدافع الكرامة، واختر بدلا من ذلك الإذعان. الإذعان يمنحك الوقت للتعافي وتقويض راحة عدوك في الخلفاء والانتظار إلى أن تزول عنه قوته. لا تمنح المتجبرين متعة هزيمتك وسحقك. اجعل الإذعان ضمن ترسانة حيلك للحصول على السطوة.


انتهاك القاعدة:
تشغل جزيرة ميلوس استراتيجيا موقع القلب من البحر المتوسط. في العصور الكلاسيكية كانت مدينة أثينا تسيطر على البحر والمناطق الساحلية من اليونان إلا أن الإسبرطيين كانوا المستعمرين الأصليين لميلوس، وأثناء الحرب البلوبينيزية رفض سكان ميلوس التحالف مع الأثينيين وأبقوا على ولائهم لإسبرطة الحاضنة الأم، وفي عام 416 شن الأثينيون حملة ضد ميلوس ولكن قبل إطلاق الهجوم الكاسح أرسلوا وفدا لإقناع الميلوسيين بالاستسلام والتحالف معهم بدلا من التعرض للهزيمة والدمار.
قال الموفدون «تعلمون كما نعلم أن معيار العدل يقول على تساوي الأطراف المتصارعة في القدرة على فرص إرادتهم والحقيقة أن من لدية القدرة يفعل كل ما تمنحه له قدرته والضعيف يقبل ما يفرض عليه». وحين اعترض الميلوسيون بأن ذلك يتنافى مع النزاهة وعدالة الصراع أجابهم الأثينيون أن من لديهم السطوة هم الذين يحددون ما هو عدل وما يعد ظلما. قال الميلوسيون أن هذا الحق ملك لله وحده، فرد أحد الموفدين الأثينيين «تصورنا عن الآلهة ومعرفتنا بالبشر تجعلنا نقول أن القاعدة العامة والضرورية هي أن كل طرف أن يحكم من يستطيع حكمهم».
لم يتزحزح الميلوسيون عن موقفهم وأكدوا على إن إسبرطة ستهب لنجدتهم، فأجابهم الأثينيون أن الإسبرطيين قوم عمليون وتقليديون ولن يناصروا ميلوس لأن ذلك سوف يكلفهم الكثير ولن يكسبهم شيئا.
أخيرا أخذ الميلوسيون يتحدثون عن المبادئ وعن الشرف في مقدمة المعتدي الغاشم، فرد الأثينيون «لا يضللكم الإحساس الزائف بالشرف هو ما يأخذ الرجال إلى حتفهم حين يواجهون خطر يهدد كبرياءهم، وليس هناك ما يجزي في الخضوع لأعظم مدن اليونان إن كانت تعرض عليكم شروطا معقولة». انتهي الجدال وتداول الميلوسيون الموضوع فيما بينهم وقرروا الاعتماد على مؤازرة الإسبرطيين وعدالة قضيتهم وإرادة الآلهة ورفضوا بأدب عرض الأثينيين.


بعد أيام قليلة اجتاح الأثينيون ميلوس. حارب الميلوسيون بنبل بدون الإسبرطيين الذين لم يتدخلوا لمؤازراتهم، وتطلب الأمر من الأثينيين عدة جولات قبل أن يتمكنوا من محاصرة مدينتهم الرئيسية وفي النهاية خضع الميلوسيون واستسلموا، ولم يضيع الأثينيون وقتا وقتلوا كل من كانوا في سن التجنيد وباعوا النساء والأطفال عبيدا واستعمروا المدينة بمواطنيهم، ولم ينج من الحرب إلا القليل من الميلوسيين.
التعليق:
كان الأثينيون من الشعوب الأكثر عملية في التاريخ، وعرضوا على الميلوسيين أكبر البراهين التي يعرفونها عملية، فلا أحد يناصر الضعفاء لأن من يفعل ذلك لن يحصد إلا المخاطر وأن الضعفاء يجدون أنفسهم بمفردهم ومنبوذين عند المواجهة ولا يكون في مصلحتهم إلا الخضوع، ولا تمنحهم الحرب شيئا إلا الموت والشهادة.
الضعف ليس خطيئة بل قد يصبح مصدر قوة إن أجدت التعامل معه، فلو استسلم الميلوسيون من البداية لأمكنهم العمل على تدمير الأثينيين بطرق ماكرة، كما كان يمكنهم العمل قدر استطاعتهم على الاستفادة من التحالف ثم يتحررون منه حين يضعف الأثينيون بدورهم، كما حدث بالفعل بعد عدة سنوات. الحظوظ تتغير وغالبا ما يسقط الطغاة والمتسلطون. يحوي الخضوع سطوة هائلة خفية: فهو يغرى العدو بالاطمئنان لقوته ويمنحك الوقت لاستجماع قواك ولتقويض قوى الخصم والتخطيط للانتقام، فلا تهدر الوقت أبدا لتنال شرف الدخول في معارك تعرف أنك لن تكسبها.
الضعيف هو من لا يتنازل أبدا حين يكون من مصلحته التنازل
كاردينال دي ريتز 1613-1679
مراعاة القاعدة:
في وقت ما من أعوام 1920- تحول الكاتب الألماني برتولت بريخت إلى اعتناق
المذهب الشيوعي، وبدا الحماس الثوري المميز لهذا المذهب ينعكس في كل ما يكتب من مسرحيات ومقالات وأشعار، وجعله يسعى دائما لجعل أفكاره واضحة ومفهومة من الجمهور. وحين أمسك هتلر زمام الحكم بدأ في مطاردة الشيوعيين، وكان بريخت له معارف وأصدقاء في الولايات المتحدة من الأمريكان الشيوعيين وألمان مثله فروا من اضطهاد هتلر، ولذلك وفي عام 1941 هاجر إلى الولايات المتحدة واختار الإقامة في لوس أنجلوس أملا في العمل في مجال السينما.
في السنوات التالية أخذ بريخت يكتب مسرحيات ساخرة تنقذ الرأسمالية لكن لم يتمكن من النجاح في هوليود، ولذلك قرر في عام 1947 وبعد أن انتهت الحرب أن يعود إلى أوروبا. في نفس هذا العام بدأت لجنة مكافحة الأنشطة المضادة لأمريكا التابعة للكونجرس في ترصد واحتواء المد الشيوعي في هوليود، وكانت قد بدأت تتحرى عن بريخت الذي كان يعترف بشيوعته الماركسية علانية، وفي 19 سبتمبر 1947 وقبل شهر واحد من موعد مغادرته أمريكا تلقى استدعاء لحضور أمام اللجنة مع مجموعة أخرى من الكتاب والمخرجين والمنتجين وعرفت هذه المجموعة باسم هوليود 19.
قبل التوجه لواشنطن للوقوف أمام اللجنة قررت مجموعة هوليود 19 الاجتماع لإقرار خطة عمل، وكان قرارهم هو المواجهة والتصدي لاضطهاد اللجنة وبدلا من أن يجيبوا عن السؤال بشأن موقفهم من العضوية في الحزب الشيوعي قرروا قراءة بيان يتهم دستورية عمل اللجنة ويتحدى سلطاتها. ورأوا أنه حتى لو أدت بهم هذه الاستراتيجية إلى دخول السجن فإنها ستكسب قضيتهم الشعبية والتأييد.
اعترض بريخت على استراتيجية المجموعة، فما الفائدة من كسب القليل من التأييد الشعبي إن كان الثمن حرمانهم من عرض مسرحياتهم وأعمالهم لسنوات طويلة قادمة؟ رأى بريخت أن المطلوبين جميعا للاستجواب أذكى من أعضاء اللجنة، ولن يفيدهم النزول إلى مستوى خصومهم بالجدال معهم، فلماذا لا يراوغونهم بالتظاهر بالخضوع لأحكامهم وفي نفس الوقت يعبرون عن سخريتهم


لهم بطرق خبيثة وماكرة؟ استمع أعضاء اللجنة بهدوء لبريخت وهو يعرض موقفه ولكن في النهاية قرروا أن يتمسكوا بخطة التصدي والمواجهة وتركوا لبريخت أن يتبع ما يراه مناسبا له.
أخيرا وقف بريخت أمام اللجنة في 30 أكتوبر وكان أعضاء اللجنة يتوقعون منه أن يكرر ما فعله عناصر جماعة هوليود 19 الذين استجوبوا قبله، أي الجدال ورفض الإجابة عن أسئلة اللجنة وتحدى حقها في إعداد جلسات الاستماع والشهادة بل حتى التهجم على أعضاء اللجنة وإهانتهم. لكن بريخت كان قد ارتدى زيا رسميا أنيقا (وكان نادرا ما يفعل ذلك) وكان يدخن السيجار لأنه كان يعلم أن أعضاء اللجنة من المدمنين على السيجار. الخلاصة أنه أذعن لسلطة اللجنة.
على عكس ما فعله المطلوبون الآخرون أجاب عن السؤال بشأن انتمائه للحزب الشيوعي، وقال أنه ليس عضوا فيه وكان صادقا في ذلك. وسأله أحد الأعضاء «هل ألّفت حقا مسرحيات ثورية؟» وكانت الحقيقة أنه كان قد كتب عدة مسرحيات تحوي دعاية شيوعية واضحة لكنه أجاب «لقد كتبت عدة قصائد ومسرحيات تهاجم هتلر، وكان قصدي بها فعلا قلب نظام حكمه، ومن المؤكد أنها تعد ثورية». ولم يجادله أحد في هذا البرهان.
كانت إنجليزية بريخت أكثر من جيدة لكنه استعان بمترجم فوري لنقل شهادته للجنة ومكنه ذلك من التلاعب بخبث بالألفاظ، وحين كانت اللجنة ترى التعاليم الشيوعية الواضحة في قصائده المنشورة بالإنجليزية كان يقرأ أصولها الألمانية ويترك للمترجم نقلها للإنجليزية فكانت تظهر لهم بريئة وخالية مما يتهمونه به. قرءوا عليه إحدى قصائده الثورية وسألوه إن كان هو الذي كتبها فأجاب «لا، ولكن لي قصيدة بالألمانية تشبهها مع الكثير من الاختلاف». أربك استخدام بريخت المراوغ للألفاظ أعضاء اللجنة وأزعجهم ولكن أدبه في الرد وإظهاره الخضوع لسلطة اللجنة جعلهم لا يغضبون منه.


بعد ساعة واحدة اكتفى أعضاء اللجنة وأنهوا الاستجواب، وقال له رئيس اللجنة «نشكرك كثيرا، فأنت مثال يحتذى لباقي الشهود» ولم يخلوا سبيله فحسب بل عرضوا عليه المساعدة في إتمام إجراءات الهجرة التي كانت متعثرة لأسباب أخرى. في اليوم التالي غادر بريخت الولايات المتحدة ولم يعد إليها بعد ذلك أبدا.
التعليق:
أكسب طريقة المواجهة جماعة هوليود 19 دعما شعبيا كبيرا وبعد سنوات حصلوا على نوع من احترام الرأي العام لأفكارهم، لكنهم ظلوا في القائمة السوداء وحرموا لسنوات من ممارسة عملهم المربح. على الجانب الآخر بريخت في التعبير عن ازدرائه للجنة بطرق غير مباشرة ولم يجبره أحد على تغيير قناعاته أو أن يهين قيمه بل أنه حين ظهر الخضوع أثناء استجوابه أصبحت له اليد العليا فأخذ يدور بأعضاء اللجنة في دوائر مغلقة من الإجابات المبهمة والأكاذيب الصريحة والتي لم يتمكنوا من الاعتراض عليها لأنها كانت مغلفة بأسلوب ملغز وبالتلاعب بالألفاظ. في النهاية حصل بريخت على حقه في الاستمرار في كتاباته الثورية (بدلا عن السجن أو منعه من مغادرة أمريكا)، وذلك على الرغم من سخريته الخبيثة من اللجنة بالإذعان الزائف لسلطتها.
تذكر: الأشخاص الذي يتجبرون ويتباهون بسلطتهم يسهل مراوغتهم باستخدام خدعة الخضوع، فإبداؤك للإذعان ظاهريا يشعرهم بسطوتهم وتوقيرك لهم يشبع غرورهم وحينها يصبحون أهدافا سهلة لهجماتك التالية أو لسخريتك غير المباشرة كما فعل بريخت. وعليك أن تقيّم ما يكسبك السطوة على المدى الطويل؛ فلا تضحي أبدا بقدرتك على المناورة على المدى البعيد الصالح المجد القصير الذي تجنيه من المواجهة والاستشهاد.
حينيمر السيد العظيم ينحني الفلاح الحكيم انحناءة عميقة وفي سخرية وصمت يطلق ريحا من مؤخرته
مثل أثيوبي



مفاتيح للسطوة:
في عالم السطوة تأتي معظم المشكلات من الإفراط في الاستجابة لتحركات الأعداء والمنافسين، وهي مشكلات يسهل تجنبها لو تمسكنا بالعقلانية وتحكمنا في انفعالاتنا، كما أن إفراطنا في الاستجابة يرتد علينا لأنه يجعل أعدائنا أيضا يفرطون في استجاباتهم لنا، كما فعل الأثينيون مع الميلوسيين. استجابتنا الغريزية البدائية هي الرد على العدوان بعدوان، ولكن عليك في المرة القادمة التي يستفزك أحد وتجد نفسك متحفزا للاستجابة أن تحاول التالي: لا تقاومه ولا تهاجمه بل أذعن له وأدر له خدك الأيسر، وستجد أن ذلك يعدل سلوكه لأنه يتوقع بل ويرغب منك أن ترد بعنف وحين تمتنع عن المقاومة تشل دفاعاته وتربك تفكيره. يمنحك الخضوع تحكما بالموقف لأنه يعد جزءا من خطة أكبر لاستدراج خصمك بتركه يعتقد أنه فاز عليك.
الجوهر في خدمة الإذعان هو: من داخلك تبقى صلبا وحازما ومن الخارج تظهر الاستسلام والخضوع وتحرم أعداؤك من أي سبب للغضب، وذلك يربكهم ويقلل من فرصتهم في الاستجابة بعنف حتى لا يجبرونك على العنف المضاد. يوفر لك الخضوع الوقت اللازم للتخطيط للتحركات المضادة التي تهزم بها أعدائك. في المعارك التي يخوضها الأذكياء مع القساة الشرسين يكون الخضوع أقوى الأسلحة وهو يتطلب تحكما بالنفس: فمن يخضعون خضوعا صادقا يخسرون حريتهم ويسحقهم الإحساس بالهزيمة، ولذلك عليك أن تذعن إلا ظاهريا كالحيوان الذي يتظاهر بالموت للنجاة من هجمات الضواري والمفترسين.
وقد رأينا من قبل أن الخضوع قد يؤتي نتائج أفضل من القتال. حين تواجه خصما أقوى منك وترى أن هزيمتك محتومة يكون الإذعان أفضل من الهرب، لأن الهرب ينجيك مؤقتا ولكن في النهاية يدركك المعتدي، أما الإذعان فيجعلك تنثني على نفسك كالثعبان ثم تصيبه باللدغة المميتة حين يقترب ويطمئن لك.
في عام 473 في الصين القديمة تلقى الملك جوجيان من مملكة يوي هزيمة مروّعة على يد حاكم مملكة وو في معركة فوجياو، وأراد جوجيان أن يهرب ولكن ناصحه المقرب أشار عليه بإظهار الخضوع ووضع نفسه في خدمة الحاكم على أن يعمل من


موقعه الجديد على دراسة الرجل والتخطيط للانتقام، وقرر أن يتبع النصيحة فأعطى للحاكم كل ثرواته وعمل كأدنى خادم في حظائره وظل يتحمل هذه المهانة طوال ثلاث سنوات، وفي النهاية رضي الحاكم عن ولائه وسمح له بالعودة إلى وطنه. في سره كان جوجيان يجمع المعلومات ويخطط للانتقام وعندما أصيبت مملكة وو بالقحط والجفاف ومزقتها الإضرابات الداخلية حشد جيشا وتوجه إلى مملكة وو وهزمها بسهولة. تلك هي السطوة التي يمنحها الخضوع: فهو يوفر لك الوقت والمرونة للتخطيط لهجمه مضادة ساحقة. ولو اختار جوجيان الهرب لضيّع على نفيه هذه الفرصة.
في منتصف القرن التاسع عشر بدأت التجارة الخارجية لليابان تهدد استقلالها، وأخذ اليابانيون يفكرون في طريقة لهزيمة الأجانب. في عام 1857 كتب الوزير هوتا ماسايوشي مذكرة كان لها تأثير كبير على السياسات اليابانية لسنوات طويلة بعدها: «لهذا أرى أن تتجه سياستنا إلى معاهدات الصداقة والتعاون مع الدول الأخرى في كل مكان وإرسال السفن ودعم العلاقات التجارية مع الأجانب وأن نسعى لنتعلم من الآخرين أفضل ما يجيدونه لنصلح به نقائضنا وننمي قدراتنا ونقوي جيوشنا وبالتدرج نخضع هؤلاء الأجانب لنفوذنا حتى تعرف كل الأمم في النهاية فضائل الحلم ويعترف العالم بهيمنتنا على كل أنحاء البسيطة». هذا تطبيق بارع للقاعدة: تراوغ بالخضوع لتتقرب من عدوك وتتعلم طرقه وتهيمن عليه بدهاء، فمن الخارج تتبنى عاداته ومظاهره ومن الداخل تتمسك بثقافتك وفي النهاية تخرج منتصرا. حين يراك ضعيفا وتابعا يطمئن إليك فيتوفر لك الوقت للحاق به والتفوق عليه، وغالبا ما يكون هذا الغز اللين والمتسلل أفضل أنواع الغزو لأنه لا يجعل عدوك يقاومه أو يستعد له، ولو اختارت اليابان أن تواجه النفوذ الغربي بالعنف لعانت من غزو مدمر ولتغيرت ثقافتها إلى الأبد.
يمنحك الإذعان كذلك الفرصة للسخرية من أعدائك ويجعل من سطوتهم نقطة ضعفهم كما فعل بريخت. تصف رواية الدعابة؛ المستمدة من ذكريات كاتبها ميلان كونديرا في أحد معسكرات العقاب في تشيكوسلوفاكيا؛ سباق تتابع ينظمه السجن.


اقتباس من معلم: سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا، ومن سخّرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين (السيد المسيح، إنجيل متى، 5: 38-41).
عكس القاعدة:
المقصود من الاستسلام هو أن تؤمن نفسك إلى أن تكون قادرا ومستعدا وبوضوح أكثر أن تحتمي بالإذعان من الدمار والاستشهاد. لكن هناك أوقات لا يلين فيها العدو ويصبح الاستشهاد خيارك الوحيد، كما أنك حين تكون متأهبا للموت فسوف يقتضي بك آخرون ويجدون فيك مثالا يبث فيهم العزم والثبات.
لكن الاستشهاد؛ وهو معكوس الإذعان والخضوع؛ لا يحقق دائما غرضه وهو لا يقل شراسة عن العدوان الذي يقاومه. ومقابل كل شهيد يعرفه الناس يوجد الآلاف الذين لم يُحيوا دينا أو ثورة. على الرغم من أن الاستشهاد قد يمنحك بعض السطوة إلا أنها سطوة يصعب توقعها أو التحكم بها، والأهم أنك لن تتمتع بهذه السطوة حين تتحقق. أخيرا فإن هناك شيء من الأنانية في الاستشهاد ذلك أن من يستشهد يفكر في مجد الشخص أكثر من المصلحة العملية لأتباعه وأنصار قضيته.
حين تنقلب ضدك الأقدار الأفضل لك أن تتجاهل عكس هذه القاعدة ودعك من الاستشهاد، فكفه الأقدار سترتفع بك لاحقا وسوف تكون حيا لتستمع بسطوتك.


القاعدة
23
ركز ضرباتك
حتى لا تبدد جهودك
الحكمة:
حافظ على قواك وطاقاتك بتركيزها في ضربات مؤثرة، فصيد واحد ثمين أفضل من الكثير من جني الفتات. القوة دائما تتغلب على الكثرة وإن كنت تبحث عن جهة ترعاك فابحث عن من يستطيع أن يفيدك بالكثير ولفترات طويلة ولا تشتت نفسك على الكثيرين من الرعاة الصغار.


انتهاك القاعدة:
في القرن السادس ق.م. كانت مملكة وو الصينية قوة صاعدة ولكنها كانت تفتقر للمكانة والتاريخ المميزين للمملكة الوسطى والتي ظلت لقرون مركزا للثقافة الصينية. بدأ ملك وو في شن الحملات على إقليم المملكة الوسطى المتاخمة له من الشمال لأنه كان يرى أنه لو تحقق له الانتصار على هذه المملكة فإن مكانتها ستؤول إليه سريعا.
بدأت الحرب بحماس كبير وحققت وو انتصارات عديدة ولكن بمضي الوقت تعثرت وأصبح الانتصار في جبهة يقابله الضعف في جبهة أخرى. ومن البداية كان الوزير الأكبر والمستشار وو شو هسيو قد حذر الملك من أن بلاد يويه البربرية في الجنوب قد بدأت في مراقبة الأوضاع المتعثرة لمملكة وو وبدأت في التخطيط لغزوها، ولكن الملك استهزأ بمخاوفه وظن أنه سينتصر على المملكة الوسطى بحملة واحدة ساحقة.
في العام 490 أرسل وو شو هسيو ابنه لاجئا إلى ملك شي حماية له مما يتوقع حدوثه وكإشارة لملك وو بأنه غير راض عن الحرب وتوقعه أن هذا الطموح المتهور سوف يطيح بالمملكة، إلا أن الملك رأى في ذلك خيانة واتهم مستشاره بعدم الولاء وفي لحظة غضب أمره أن يقتل نفسه. أطاع وو شو هسيو الأمر ولكن قبل أن يغمد السكين في صدره صاح عاليا «اقتلع عيني أيها الملك وعلقهما على بوابات وو حتى أرى جنود يويه وهم يدخلونها منتصرين».
كما توقع وو شو هسيو وبعد سنوات قليلة دخل برابرة يويه منتصرين من بوابات وو، وبينما كانوا يحيطون بالقصر تذكر الملك الكلمات الأخيرة لوزيره وأحس وكأن عيني الرجل المقتلعين تراقبان خزيه ولم يستطع أن يتحمل فقتل نفسه «مغطيا وجه حتى لا يتلقى نظرات التوبيخ من وزيره في العالم الآخر».
التعليق:
ما حدث لمملكة وو هو مثال لكل الإمبراطوريات التي دمرها تجاوزها لقدراتها وتشتيتها لطاقاتها، فهذه الإمبراطوريات حين يسكرها النجاح ويعميها الطموح تتقدم


أشواطا خيالية إلى أن يوقفها دمار لا يقي ولا يذر. ذلك هو ما حدث للأثينيين حين أخذتهم النشوة وجعلتهم يتطلعون للاستيلاء على جزيرة صقلية البعيدة وانتهى بهم الأمر بفقدان إمبراطوريتهم، وكذلك مد الرومان حدودهم لأرض شاسعة فأضعفوا أنفسهم وتجرأت عليه القبائل البربرية وأدى بهم هذه الاتساع العبثي إلى زوال سطوتهم وفقدان مجدهم.
تعلّم الصينيون من مصير مملكة وو درسا هاما حول ما يحدث حين تبدد قواك بنشرها على جبهات متعددة، وحين تعميك نشوة المكسب القريب عن المخاطر البعيدة. يقول صن تسو «إن لم تكن في خطر فلا تقاتل». وهناك قاعدة تكاد أن تكون قانونا عاما للطبيعة: كل ما ينتفخ ويتجاوز حجمه حدود إمكاناته ينهار حتما وليس على العقل أن يظل هائما من هدف إلى آخر فتشتته نجاحاته عن ما يبتغيه وما يناسبه، فالسطوة تأتي من الإنجازات المركزة والمترابطة معا والمرتبطة بماضيها من أجل غاية ومعنى. فكل ما يتضخم ويتشتت يضعف ويسقط إلى القاع ويتحلل، وكلما كان تضخمه أكبر كانت سقطته أشد وأصعب.
مراعاة القاعدة:
كانت لآل روتشلد للصرافة أصول متواضعة في الجيتو اليهودي في فرانكفورت بألمانيا وكانت القوانين القاسية في المدينة لليهود بمخالطة غيرهم خارج الجيتو، لكنهم وظفوا ذلك لمصلحتهم حين نمّى فيهم روح الاستقلال والإصرار على المحافظة على ثقافاتهم مهما كانت الظروف. كان ماير أمشيل- وهو أول فرد من آل روتشلد يتمكن من جمع ثروة من إقراض المال في أواخر القرن التاسع عشر؛ قد تعلم قيمة ما يمنحه الجيتو من التماسك وتركيز الجهود وما ينتج عن ذلك من سطوة.
أولا وبدلا من تشتيت جهوده تحالف ماير أمشيل مع أسرة واحدة قوية تحتكر عربات الأجرة، وأصبح المصرفي الأساسي لهم. ثانيا لم يأتمن أي غرباء على أعمال الأسرة فلم يكن يوظف إلا أبناءه أو أقرب أقربائه رائيا أنه كلما تماسكت الأسرة وتوثقت
عراها زادت سطوتها. وبسرعة تولى أبناء ماير أمشيل الخمسة إدارة الأعمال. وحين حضره الموت عام 1812 لم يترك ماير أمشيل ميراثه لابن واحد بل أمر أن يستمر الجميع في الحفاظ على تقاليد العائلة بأن يظلوا متوحدين وأن يبعدوا عنهم التفكك وتسرب الأغراب بينهم.
رأى أبناء ماير أمشيل أن المدخل لنيل الثراء الواسع يكمن في التعامل مع اقتصاد أوروبا ككيان واحد ليس بربط أنفسهم ببلد أو بقطاع منفرد. استطاع الأبناء الخمسة الإحكام على أسواق المال بأوروبا بأن وزعوا أنفسهم بحيث يتحكمون بكل مناطق النفوذ؛ افتتح نيثان متجره في لندن وفي عام 1813 انتقل جيمس إلى باريس وظل أمشيل في فرانكفورت وتوجه سليمان إلى فيينا بينما ذهب الابن الأصغر كارل إلى نابلس.
عرضت هذه الشبكة الموسعة آل روتشلد للمخاطر التي كان قد حذرهم منها أبوهم أي تشتيت أنفسهم والانقسام وتبديد طاقاتهم، إلا أنهم استطاعوا أن يتفادوا هذه المخاطر وأن يرسخوا أنفسهم كأكبر قوة في السياسة والاقتصاد بأوروبا بأن عادوا إلى استراتيجية الجيتو- أي بإبعاد الأغراب وتركيز جهودهم. أسس آل روتشلد أسرع نظام تجسس ونقل للمعلومات في أوروبا كان يسمح لهم بالتقدم على منافسيهم. كانت اتصالاتهم الداخلية ومراسلاتهم تكتب بلغة يديش فرانكفورت وبشفرة لا يعرف رموزها إلا الأخوة روتشلد ولذلك لم تكن هناك جدوى لعدائهم من سرقة رسائلهم. وقد اعترف أحد الممولين الذين حاولوا اختراق نظام العشيرة «حتى أذكى المصرفيين لا يستطيع أن يجد طريقه داخل متاهات آل روتشلد».
في عام 1824 رأى جيمس أن الأوان قد آن له أن يتزوج، وكان ذلك مشكلة لأنه يعني إدخال امرأة غريبة إلى عشيرتهم قد تفشي أسرارهم، ولذلك قرر جيمس أن يختار من العائلة. تزوج ابنة أخيه سليمان وفرح الأخوة بهذا الحل وجعلوه سياسة للعائلة في حل مشكلة الزواج. بعد عامين زوّج نيثان ابنته لابن سليمان وخلال سنوات رتب الأخوة الخمسة ثمان عشرة زيجة فيما بين أبنائهم كانت ست عشرة منها بين أبناء العمومة.


قال سليمان روتشلد ذات مرة «حن أشبه بتروس الساعة التي لا يمكن الاستغناء عن أي منها». وكما في الساعة كان كل جزء من أعمالهم يتناغم مع باقي الأجزاء، وكذلك كانت تحركاتهم الداخلية خفية عن العالم الخارجي الذي لم يكن يرى إلا الواجهة التي تتقدم باستمرار. وبينما انهارت للأبد أسر قوية وعريقة أثناء النصف الأول المضطرب من القرن التاسع عشر، أدت العرى الوثيقة والتماسك الداخلي بآل روتشلد لا إلى البقاء فقط بل إلى جمعهم لثروة ونفوذ لم يسبقهم إليهما أحد في التاريخ.
التعليق:
ولد أبناء روتشلد في زمن غريب، ونشأوا في مكان لم يشهد أي تغير طوال قرون إلا أن زمنهم كان هو الذي ولدت فيه الثورة الصناعية والثورة الفرنسية وعدد لا يحصى من أحداث التمرد والاضطراب. لكن آل روتشلد استطاعوا أن يحافظوا على ماضيهم وأن يقاوموا الانسياق للتفتت المميز لعصرهم ولذلك أصبحوا رمزا لقاعدة تركيز التحركات وعدم تبديد الجهد.
لم يمثل أحد هذه القاعدة أكثر من جيمس روتشلد الأخ الذي استقر في باريس. في فترة حياته عاصر جيمس هزيمة نابليون ثم عودة ملكية البوربون ثم ملكية البرجوازيين في أورليان ثم العودة للجمهورية وأخيرا اعتلاء نابليون الثالث عرش فرنسا أثناء هذه الاضطرابات كانت العادات والأفكار في فرنسا تتغير دون توقف. ودون جمود أو الظهور كحرفية من الماضي استطاع جيمس أن يدير دفة العائلة وكأن الجيتو ما زال يحيا بداخلهم؛ ونجح في الحفاظ على تماسك وسطوة العشيرة. بهذا التشبث بالماضي استطاعت الأسرة أن تزدهر وسط هذه الفوضى. وكان تركيز الجهود هو الأساس الذي بني عليه آل روتشلد سطوتهم وثروتهم وثباتهم وسط العواصف.
أفضل الاستراتيجيات هي أن تظل دائمًا قويًا.. أولا في العموم وأكثر عند اللحظات الحاسمة.. لا توجد قاعدة استراتيجية أسهل ولا أهم من أن تحافظ على قواك وجهودك مركزة ... بإيجاز فإن المبدأ الأول والأعلى هو أن تتعامل بأقصى درجات التركيز...
عن الحرب. كارل فون كلوشفيتز 1780-1831


مفاتيح للسطوة:
نعيش الآن في زمن يتزايد فيه باستمرار التعارض والنزاع- بين الدول والجماعات السياسية وفي محيط الأسر وحتى داخل الأفراد أنفسهم. نحن جميعا نعاني من حالة من التشتت وتبديد الجهود نسعى لكي نركز في اتجاه معين ولكن تشغلنا عنه مئات الاتجاهات الأخرى. مستوى التنازع والصراع في العالم المعاصر أعلى من أي وقت مضى وقد توغل عميقا في بنية حياتنا الخاصة.
الحل هو العودة إلى أنفسنا وإلى الماضي وإلى الأشكال الأكثر رسوخا من الفكر والعمل. وكما قال شوبنهاور «الفكر مرهون بالاشتداد والتعمق لا بالامتداد والتوسع». عرف نابليون قيمة التركيز على أضعف نقطة لدى العدو، كان ذلك سر تفوقه في المعارك، لكنه كان أيضا أساس شخصيته وقوة إرادته. إخلاصك لغاياتك وتركيزك التام على الهدف واستخدام هذه الميزات للتغلب على الأشخاص المشوشين والأقل تركيزا هو السهم الذي لا يخطئ مقصده أبدا ويقهر لك الأعداء دائما.
كان كازانوفا يرى أن سر نجاحه يكمن في قدرته على التركيز على هدف واحد والدفع باستمرار إلى أن يناله، وكانت قدرته على إخلاص نفسه للمرأة التي يريدها هي التي جعلته قديرا في الإغواء، فطوال الأسابيع أو الشهور التي كانت تتألق فيها امرأة كالنجم في سمائه لم يكن يشغله عنها أي شيء آخر. وحين تم سجنه في الدهاليز المظلمة لقصر الكلاب في البندقية، ركز كل تفكيره على هدف واحد وهو أن يهرب على الرغم من فشل جميع من قبله في ذلك، ولم يحبطه نقله إلى زنزانة أخرى والذي كان يعني أن شهورا من الحفر قد ضاعت هباء. أصر وفي النهاية هرب، وقد كتب لاحقا «لم أشك أبدا في أن الإنسان إن عزم على شيء وأخلص نفسه لتحقيقه فإنه يناله في النهاية مهما كانت المصاعب التي تواجهه، سواء كان ذلك أن يصبح الوزير الأعظم أو البابا».
ركز على هدف واحد أو مهمة واحدة ولا تحيد عنها إلى أن تحققها. في عالم السطوة ستظل دائما في حاجة إلى دعم آخرين خاصة من الذين لديهم سطوة تفوق


سطواتك، والحمقى وحدهم من يظلون يتنقلون من شخص إلى آخر بحثا عن الدعم معتقدين أن الانتشار يوفر لهم الاستمرار والنجاة. لكن حسب ما تنص عليه قاعدة التركيز فإنك ستوفر الجهد وتنال المزيد من السطوة إن ثبت نفسك بمصدر واحد ملائم للسطوة. دمر العالم نيقولا تسلا نجاحه بالاعتقاد بأنه سيحافظ على عزته واستقلاله إن لم يضع نفسه في خدمة ولي منفرد وقد أبعد عنه حتى ج.ب. مورجان الذي منحه عقدا مغريا. في نهاية حياته وجد أن «عزته» أخذت تفرض عليه أن يتملق الكثيرين، وعرف أن استراتيجية كانت خطأ.
في عصر النهضة كان الرسامون والكتاب يكافحون نفس المشكلة، وقد تفوق عليهم في ذلك بييترو آرتينو الكاتب الشهير في القرن السادس عشر الذي كان يعاني طوال حياته من مهانة تملق هذا الأمير وإرضاء ذاك في النهاية نجح آرتينو في التقرب من الإمبراطور تشارل الخامس ووعده بأن يخلص إبداعات قلمه المؤثرة لخدمته، وشعر أخيرا بالحرية التي تأتي من الارتباط بمصدر واحد للسطوة. وبالمثل وجد مايكل أنجلو حريته مع البابا يوليوس الثاني وجاليليو مع أسرة المديتشي. مع الوقت يطمئن الولي الواحد لإخلاصك ويقدره، وسترى على المدى الطويل أن وليك هو الذي كان يخدمك ويحقق لك ما تطمح إليه.
ختاما؛ فإن السطوة نفسها تأتي في أشكال مركزة، وفي أي شركة أو مؤسسة ستجد حتما أن من يمسك بزمام الأمور مجموعة صغيرة من الأشخاص لا يكونون غالبا من أصحاب المناصب والألقاب الرسمية. في عالم السطوة من الحماقة أن تتحرك اعتباطا دون أن تحدد هدفك، بل عليك أن تعرف من يتحكم بالأمور ومن الذي يحرك المشهد من خلف الكواليس. في بداية صعوده نحو قمة المشهد السياسي في فرنسا في بواكير القرن التاسع عشر أردك ريشيليو أن الملك لويس الثالث عشر ليس هو من يقرر أمور الحكم بل أمه، ولذلك تقرب منها ومكنه ذلك من الصعود سريعا في مراتب الصفوة حتى بلغ القمة.


حفر لك لبئر بترول أو منجم ذهب واحد يمنحك ما يكفيك طوال حياتك من الثروة والسطوة.
الصورة
السهم
لا يمكنك أن تصيب هدفين معا بسهم واحد. إن شوشت تفكيرك تخطئ قلب العدو. على عقلك أن يصبح والسهم شيئا واحدا. وبدون تركيز قدرات عقلك وجسدك لا يمكن لسهمك أن يخترق القلب
اقتباس من معلم: اهتم بالاشتداد والتعمق أكثر من الامتداد والتوسع، فالعبرة بالجودة وليس بالكم. الامتداد وحده لا يعلو بك أبدا فوق المعتاد والمبتذل، ومشكلة الرجال ذوي الاهتمامات الواسعة أنهم يرغبون في وضع أصابعهم في كل طبق ولكن لا ينالون نصيبا من أي منها. أما الاشتداد والتعمق فيرفع من شأنك ويتسامى بك إلى مقامات البطولة (بالتسار جراتسيان 1601-1658).
عكس القاعدة:
للتركيز مخاطر، وهناك أوقات يكون فيها الانتشار هو التكتيك الملائم. في صراعهم مع القوميين للسيطرة على الصين حارب.
ماو تسي تونج والشيوعيون على جبهات كثيرة وكانت أسلحتهم الرئيسية هي التخريب والكمائن. وغالبا ما يكون الانتشار التكتيك الأمثل لدى الطرف الأضعف وهو في الحقيقة المبدأ الأساسي لحرب العصابات، فحين تحارب جيشا أقوي لن يؤدي بلك تركيزك لقواك إلا أن تصبح فريسة سهلة لعدوك- والأفضل لك تذوب وتنشر في الساحة وتجهد عدوك في تحديد مكانك.
ربط نفسك بمصدر واحد للسطوة ينطوي على خطر بارز: إن مات من يرعاك أو رحل أو زالت عنه السطوة فلن تجد إلا المعاناة، وذلك ما حدث لسيزار بورجيا كان بورجيا يستمد قوته من أبيه البابا إلكسندر السادس فهو الذي كان يمنحه الجيوش ليشن الحروب باسمه. حين مات البابا فجأة (ربما مسموما) أصبح بورجيا


في حكم الميت، فكان قد جلب لنفسه طوال سنوات سطوته عداء الكثيرين وكان عليه مواجهتهم دون حماية من سلطة أبيه. حين تكون في حاجة لتأمين الحماية يكون من الحكمة أن تربط نفسك بأكثر من مصدر للسطوة خاصة في أوقات الاضطرابات والتغيرات العنيفة أو حين يكون أعداؤك كثيرين. في هذه الأوقات تؤدي خدمتك لأكثر من ولي إلى تقليل ما تواجهه من مخاطر إن زالت السطوة عن أحدهم، كما يمكّنك هذا الانتشار من تأليب أحدهم ضد الآخر عند الضرورة. وحتى لو ركزت على مصدر واحد للسطوة يكون عليك دائما أن تحتاط وتستعد لليوم الذي لا تجد فيه حماية وليك.
أخيرا، فإن تركيز ذهنك على غرض واحد يجعل الآخرين يضيقون بك خاصة في مجال الفنون. كان رسام عصر النهضة باولو أوتشيلو مهووسا بإتقان المنظور في لوحاته لدرجة جعلتها تبدو مفتعلة وخالية من الروح، في حين كان ليوناردو دافنشي مهتما بكل شيء من العمارة والرسم والحرب والنحت والآلات الميكانيكية، وكان انتشاره مصدر سطوته. لكن هذه العبقريات نادرة أما الأفضل بالنسبة لمعظمنا فهو أن تميل كفتنا نحو الالتزام بالاشتداد والتعمق.
** معرفتي **
www.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
24
اتقن دور التابع:
تحلى بخصال رجل الحاشية البارع
الحكمة:
خصال رجل الحاشية تجعله يزدهر في عالم الواقع الذي تحدد فيه السطوة والبراعة السياسية مكانة كل الأشخاص وكل الأمور. هذه الخصال تجعل رجل الصفوة يبرع في المكر والتملق وإظهار الخضوع لرؤسائه وتمكنه من فرص سطوته على الآخرين بأكثر الطرق دهاء ورشاقة. اتقن قواعد مجتمع الصفوة ولن تقف حدود دون ما يمكنك أن تحققه من مناصب في بلاط القادة وأصحاب النفوذ.


مجتمع الصفوة:
من حقائق الطبيعة البشرية أم مجتمعات الصفوة تشكل حول السطوة. في الماضي كان رجال البلاط يلتفون حول الحاكم وكان للبلاط الملكي وظائف عديدة: إضافة للتسرية عن الحاكم؛ كان يؤكد على هرمية مراتب الطبقات الملكية والنبلاء والطبقة العليا، وكان يقرب النبلاء لمراقبة خضوعهم والتزامهم. كان البلاط يرسخ السطوة بطرق عديدة إلا أن أهمها كان تمجيد الحاكم وتكوين عالم مصغر يتنافس لإسعاده.
الانتماء للصفوة له مخاطر اليقظة. ذكر أحد الرحالة العرب في القرن التاسع عشر بعد أن زار بلاط سلطنة دارفور- السودان حاليا، أن رجال الحاشية كانوا يفعلون كل ما يفعله السلطان: فإن أصابه جرح كان عليهم أن يُجرحوا مثله، وإن سقط عن الحصان كانوا عليهم أن يسقطوا من فوق أحصنتهم. كانت المحاكاة ظاهرة من ظواهر البلاط في كل أنحاء العالم.. كان الأخطر أن ينزعج منك الحاكم، فتصرف واحد خاطئ قد يؤدي بك إلى النفي أن الموت، وكان على رجل الصفوة الناجح أن يتصرف كمن يمشي على الحبل فيعمل على إرضاء الحاكم لكن دون إفراط وكان عليه أن يطيع لكن مع الاحتفاظ بالتميز عن رجال البلاط الآخرين وكان عليه أيضا لا يتميز لدرجة تشعر الحاكم بتهديد مكانته أو تحرج نقاط ضعفه.
أتقن رجال الصفوة العظام فن التأثير والتلاعب بالناس، فكانوا يشعرون الملك بجلال مكانته بينما يجعلون كل من عداه يخشون سطوتهم. كانوا يسحرون الناس بمظهرهم لأنهم يعلمون أن كل شيء في عالم الصفوة يقاس بالمظهر، وكانوا مهذبين وكانت شراستهم مستترة وماكرة يجيدون استخدام الكلمات ولا ينطقون إلا لحاجة ويعبرون عن أقصى ما يريدون من المدح أو الذم الخفي بعبارات وجيزة. كانوا يجيدون التسرية عن الآخرين وإسعادهم لكن دون تملق أو تقلقل من كرامتهم. كانت لهم الحظوة لدى الملك ويستمتعون بما يوفره لهم ذلك من مكانة وفي النهاية كانت سطوتهم تتجاوز سطوة الحاكم نفسه لبراعتهم في جمع وتراكم النفوذ.
كثيرون الآن يتجاهلون حياة البلاط الملكي باعتبارها من ذكريات الماضي أو مخلفات التاريخ، ويظنون كما قال مكيافيللي «كما لو أن الشمس والسموات وعناصر الطبيعة والناس أجمعين قد غيروا من قدراتهم وقوانين حركتهم وأصبحوا على غير ما كانوا عليه في الماضي». نعم لم يبق لدينا يُلقب بالملك الشمس ولكن يبقى لدينا الكثيرون الذين ما زالوا يؤمنون بأنهم يتحكمون بالناس والطبيعة، ربما يكون البلاط الملكي قد اختفى في معظم البلدان أو فقد الكثير من السطوة التي كانت له قديما، لكن مجتمعات الصفوة ما زالت قائمة بيننا. لم يعد على رجل الصفوة أن يُسقط نفسه عن حصانه ولكن القواعد التي حكمت تعاملات البلاط مثلها مثل قواعد السطوة لا تنتهي ولا تزول، ولذلك فإن هناك الكثير لنتعلمه من رجال الصفوة العظام في الماضي والحاضر.
قواعد تعاملات الصفوة:
تجنبك التفاخر بنفسك. ليس من الحكمة أبدا أن تكثر من الكلام عن نفسك أو أن تبالغ في الإشارة إلى إنجازاتك. إكثارك من الحديث عن إمكاناتك يشكك الناس بك ويحرك الحسد في قلوب رفاقك ويجعلهم يكيدون لك ويغدرون بك. احرص بل بالغ في الحرص على أن تقلل من التفاخر وأن تتكلم عن نفسك أقل من كلامك عن الآخرين فالتواضع عموما يفيدك أقل من كلامك عن الآخرين، فالتواضع عموما يفيدك أكثر.
تدّرب على إظهار الثقة والتحكم. لا تظهر للآخرين كأنك تكافح لإنجاز العمل، بل عليك أن تجعلهم يعتقدون أن إبداعاتك تتدفق تلقائيا بحيث يرونك عبقريا ولست مدمنا على العمل. حتى لو رأيت أن أمرا يتطلب منك الكثير من الجهد فاعمل على أن تجعل أداءك يبدو سلسا- فالناس لا يحبون أن يرابوا معاناتك وتعبك فذلك نوع آخر من التفاخر، بل يرغبون في الانبهار بروعة ما أنعم الله به عليك من موهبة.
اقتصد في التملق. ربما ترى أن رؤسائك لا يملون من تملقك لهم، ولكن المبالغة في الأشياء التي يرغبها الآخرون تفقدهم الاهتمام بها، كما أنها تولد لدى
زملائك الارتياب والنفور منك. تعلم أن يكون إطراؤك لبقا بأن تقلل مثلا من الدور الذي بذلته في العمل وتنسب الفضل لرؤسائك، فذلك يرضيهم ويشعرهم بالامتنان.
احرص على أن تلفت الأنظار. يوجد هنا ما يشبه التناقض، ذلك أن عليك أن تتجنب فرض نفسك بوقاحة من ناحية، ومن الناحية الأخرى عليك أن تحرص أن ينتبه إليك الناس. في بلاط الملك لويس الرابع عشر كان من يحظى بالتفات الملك إليه يصعد سريعا في تراتب المكانة بالبلاط. ولن تتوفر لك أي فرصة في الارتقاء إن لم يلاحظك الحاكم وسط زحام المنافسين. هذه المهمة تتطلب قدرا كبيرا من المهارة والفن، وغالبا ما تكون أولى الخطوات هي أن تجعل الناس يرونك بالمعنى الحرفي بأن تحرص على الاهتمام بأناقتك ثم تبحث عن لفتة رقيقة تميز أسلوبك ومظهرك وتلفت الناس إليك.
خاطب الناس على قدر مكانتهم وعقولهم. من الخطأ أن تظن أنك لو تحدثت مع الجميع بنفس الطريقة بغض النظر عن مكانتهم ستبدو مثالا للتحضر، فمن أدنى منك سيرون في تعاملك معهم وكأنك تتنازل- وهو حقا كذلك، ومن أعلى منك سيشعرون بالإهانة حتى لو لم يظهروا لك ذلك. عليك أن تخاطب الناس حسب مكانتهم وهذا ليس كذب ولكنه نوع من تمثيل الأدوار، والتمثيل فن يكتسب وليس موهبة تولد بها، وعليك هذا الفن. ويصدق ذلك أيضا عند التعامل مع التنوع الكبير في الثقافات في مجتمع الصفوة الحديث: فلا تفترض أن معاييرك في التصرف ونظرتك للأمور تنطبق على الجميع، فهذا الجهل بآداب التعامل مع ثقافات وعقليات الآخرين لا يعتبر قمة الهمجية فحسب ولكنه يؤدي بك أيضا إلى الخسارة.
لا تجعل نفسك أبدا نذير شؤم. «عليك أن تبذل كل جهدك حتى إن اضطررت


للاستعانة بالكذب والغش لكي تبعد عنك مصير حامل النبأ السيء وتتركه يحل على أحد غيرك. احرص دائما على أن تكون بشيرا لا نذيرا لأن ذلك سيسعد أوليائك.
لا تتصرف بحرارة وحميمية مع وليك. فرئيسك لا يرغب لإنجاز العمل أصدقاء بل تابعين، فلا تتجرأ عليه أو أن تعامله كأنه صديقك المقرب أو أن لك تميزا خاص في معاملته. وإن اختار هو أن يعاملك على هذا المستوى فتعامل معه بتودد حذر أو التزام بالأمان وحافظ على المسافة الفاصلة بينكما.
لا تصرح بنقد من يرأسونك. قد تبدو هذه القاعدة في غير حاجة إلى شرح، لكن غالبا ما تواجه ظروفا يكون عليك فيها إبداء اعتراضك لأن صمتك سيعرضك لمخاطر من نوع آخر، لكن عليك أن تتعلم كيف تجعل نقدك مهذبا ولبقا على قدر ما تستطيع. فكر أكثر من مرة لتطمئن أن أسلوبك ليس جارحا واجعل الأولوية دائما للتأكد من دماثة ولطف عباراتك.
اقتصد في طلب الخدمات من رؤسائك. لا شيء يستفز وليا أكثر من رفضه طلبا لأحد أتباعه لأن ذلك يشعره بالذنب والاستياء. قلل من طلب الخدمات على قدر ما تستطيع واعرف متى تمتنع عن طلب شيء معين. وأفضل لك بدلا من التوسل أن تعمل على استحقاق ما تريد بحيث يمنحه لك الحاكم عن طيب خاطر. والأهم أن عليك أن لا تطلب أبدا خدمات لصالح شخص آخر خاصة إن كان من أصدقائك.
لا تسخر أبدا من مظاهر أو أذواق الآخرين. من الصفات الأساسية التي يجب أن يتحلى بها رجل الصفوة الجيد الميل للمرح والقدرة على المداعبة الودودة. وهناك أوقات تحتاج فيها للتصرف بشيء من السوقية كي تجذب إليك الآخرين، لكن عليك أن تبتعد عن أي نوع من التهكم على مظهر أو ذوق الآخرين فهي من الأمور شديدة الحساسية خاصة لدى من يرأسونك، ولا تحاول ذلك حتى بعيدا عنهم فذلكم أشبه بحفر قبرك بنفسك.


لا تندفع إلى هجاء الآخرين. عبّر عن إعجابك بالإنجازات الجيدة لدى المحيطين بك، فإن كنت دائم الانتقاد والهجاء لزملائك أو مرؤوسيك فسوف يحوم حولك شيء من هذا الهجاء كالغمامة التي تتبعك أينما ذهبت، وستجد الآخرين يهمهمون منزعجين في كل مرة تطلق فيها هجاءك المفارقة أن إدلاءك بتعبير معتدل عن إعجابك بإنجازات الآخرين يجلب التقدير لإنجازاتك أنت. وهناك مهارة هامة إلا أنها أصبحت نادرة وآخذه في الاختفاء، ألا وهي القدرة على إظهار الإعجاب والتأثر بتعبيرات توحي بالصدق، وهذه القدرة لها قيمة كبيرة واكتسابها يفيدك كثيرا.
كن مرآة لنفسك. المرآة اختراع بدونها لا نستطيع أن نحافظ على حسن أشكالنا وأناقة مظهرنا، إلا أنك في حاجة إلى مرآة أخرى تنهدم من خلالها أناقة شخصيتك، يمكنك أن تستخدم رأي الآخرين فيك كمرآة ولكنها لا تكون صادقة تماما: لذلك عليك أن تصبح مرآة لنفسك بتدريب عقلك أن يرى ذاتك بعيون الآخرين لتعرف؛ هل تتصرف بالكثير من التذلل؟ هل تبالغ في إرضاء الآخرين؟ هل أصبح صعب عليك أن تحظى باهتمام الآخرين مما يعني أنك تخسر مكانتك؟. كن مرآة لنفسك وسوف يعفيك ذلك من ارتكاب الحماقات.
تحكم بانفعالاتك. عليك أن تدرب نفسك لتصبح كالمثل المسرحي قادرا على أن تبكي وتضحك حسب إرادتك وفي الوقت الذي يفيدك. وعليك أن تتعلم أن تكتم مشاعر الغضب والضيق وأيضا مشاعر الرضا والإعجاب. تحكم بتعبيرات وجهك واعتبره كذبا إن شئت، ولكن لو أفطرت في الصراحة فلا يصدمنك أن تجد أن الآخرين يعتبرونك بغيضا ومغرورا.
تحلى بروح العصر. إظهار مسحة من روح الماضي لها تأثير ساحر بشرط أن لا يتجاوز هذا الماضي عشرين عاما خلت، لكن إن ارتديت زيا انتهى من عشرة سنوات مثلا فستدفع الآخرين للسخرية منك ولن يفيدك في شيء إلا إن كنت


تحب أن تلعب دور المهرج. وعليك أن تظهر معاصرا في تفكيرك حتى وإن كانت لا تعجبك أفكار عصرك، لكن احذر لأنك لو أصبحت تقدميا كثيرا فلن يفهمك الآخرون وتمسك بذلك لفترة يضر بمصالحك. إلا أمن لك أن متمسكا بروح حاضرك ما قبله ولا ما بعده.
كن مصدرا لإبهاج الآخرين. تلك صفة مصيرية لأن من القواعد الحاكمة للطبيعة البشرية أننا نهرب من الأشياء المزعجة والكريهة وننجذب نحو ما يشعرنا بالبهجة كما تنجذب الفراشات لشعلة الضوء. كن أنت هذه الشعلة وسوف ترتفع بك إلى القمة. ولأن الحياة كئيبة ولا يمكن احتمالها دون مصادر للبهجة فستجد أنك أصبحت للآخرين كالماء والهواء لا غنى عنك. كلنا نعرف ذلك ولكننا لا نقدره حق قدره. وليس الناس سواء في ذلك، فليس الجميع موهوبين في إثارة إعجاب الناس ونيل حظوتهم، لكن علينا جميعا أن نتحكم بخصالنا الكئيبة لنتمكن من إخفائها عند الضرورة.
الرجل الذي يتقن حياة القصور يكون قديرا في التحكم بتلميحاته وتعبيرات وجهة وعينيه، ويبدو عميقا وغامضا، ينافق الأشرار من أصحاب النفوذ ويتسم في وجه عدوه، ويحكم غضبه، ويكتم مشاعره ويخفي ما يجيش في قلبه، ويتكلم ويتصرف على غير ما يحب.
جان دي لابرويير 1645-1696
مشاهدة من حياة الصفوة: أمثلة للمآثر والأخطاء القاتلة:
المشهد 1:
كان أرسطو المعلم والمربي الخاص للإسكندر الأكبر قاهر منطقة حوض البحر المتوسط وبلاد المشرق حتى الهند، وقد أخلص الإسكندر طوال حياته القصيرة لفلسفة وتعاليم أستاذه، وشكا ذات مرة أنه أثناء غزواته الطويلة لا يجد من يناقش معه القضايا الفلسفية فاقترح عليه أرسطو أن يصحب معه في حملته التالية كاليسنيس وهو تلميذ سابق لأرسطو وفيلسوف واعد.
كان أرسطو قد علّم المهارات اللازمة للتعامل مع رجال الصفوة ومجتمعات القصور ولكن كالينسيس كان يهزأ بهذه التعاليم في سره لأنه كان يثق بقدرة الفلسفة النقية والعبارات الصريحة غير المزخرفة، ورأى أن الإسكندر إن كان يرغب حقا فلن يعترض على رجل يبوح بما في قلبه. وفي إحدى الحملات تجاوز كالينسيس كثيرا في التعبير بصراحة عما يدور في خلده لدرجة جعلت الإسكندر يحكم عليه بالموت.
التعليق:
في مجتمعات الصفوة تعد الصراحة لعبة الحمقى، فلا يغريّنك أبدا إعجابك بنفسك لدرجة تجعلك تظن أن أولياءك يهتمون بنقدك لهم مهما كان صادقا.
المشهد 2:
بدءا من أسرة هان التي حكمت قبل ألف عام أخذ الحكماء الصينيون يجمعون سلسلة من الكتابات كانوا يسمونها التواريخ الإحدى وعشرين، وهي سير ذاتية رسمية لكل سلالة حاكمة تشمل قصصا وإحصاءات ووقائع الحروب، وكان كل تاريخ يحوي أيضا فصلا يسمى «أحداث غير معتادة» يصف قوائم بالزلازل والفيضانات وهكذا، وفجأة ترى بينها أوصافا لظواهر غريبة مثل النعجة ذات الرأسين والإوزة التي تطير للخلف والنجوم التي تظهر فجأة في السماء وغيرها. الزلازل والبراكين هي حقائق تاريخية يمكن التأكد منها، لكن من الواضح أنه تم إقحام الوحوش والظواهر الغريبة والتي كان وصفها يأتي دائما في مجموعات، لكن لأي سبب تم إقحامها؟
كان الصينيون للإمبراطور على أنه أكثر من مجرد بشر، وكانوا يعتبرونه كقوة من قوى الطبيعة، وكانوا ينظرون لمملكتهم على أنها مركز الكون يدور حولها كل شيء. كان الإمبراطور رمزا للكمال الدنيوي وكان نقده يشبه نقد الحقيقة الإلهية. لم يكن الوزراء أو رجال القصر يستطيعون أن يواجهوا أي عبارة تحذير مباشر للملك، ولكن بالطبع كان الملوك بشر خطاءون وكانت أخطاؤهم تعرض المملكة


للمخاطر. كان إقحام مشاهد من الظواهر الغريبة في التواريخ هو الوسيلة الوحيدة لتحذير الملوك. كان الحاكم يقرأ عن الإوزة التي تطير للخلف أو الأقمار التي تخرج عن مدارها فيدرك أنهم ينهونه للخطورة من أن أفعاله قد خرجت عن الاتزان وأن عليه أن يغيّرها.
التعليق:
كانت الكيفية التي يمكن أن ينصحوا بها الإمبراطور من المشكلات الهامة التي تواجه رجال الصفوة الصينيين، فطوال تاريخهم فقد آلاف الأشخاص حياتهم وهم يحاولون تقديم النصيحة أو تحذير أوليائهم، ولكي يأمنوا من هذه المخاطر كان عليهم صياغة النقد بطريقة غير مباشرة، ولكن لو أصبح النقد غير مباشر تماما فلن يفهمه الحاكم ولذلك كان الحل هو في كتابة التواريخ: فهي لا تحدد شخصا بعينه كمصدر للنقد، وتجعل النصيحة تبتعد عن شخص الملك بأقصى درجة ممكنة وفي نفس الوقت تنبهه لما يحيط بالمملكة من مخاطر.
لم يعد لدينا سادة نعتبرهم مركزا للكون، ولكن هناك من يعتقدون أن كل شيء يخضع لإرادتهم، وحين تنتقدهم فلن ينظروا إلى النقد نفسه بل إلى شخص المنتقد. عليك حين توضح ما قد يأتي من أخطار أن تجد- كما فعل الصينيون- طريقة ما تخفي بها هويتك وهوية من تنتقد، مثل استخدام الرموز أو الأمثال أو غيرها من الأساليب غير المباشرة.
المشهد 3:
في بدايات مساره المهني تم تكليف المعماري الفرنسي جول مانسار بأمر من الملك لويس الرابع عشر أن يصمم ملحفات لقصر الفرساي، وكان يتأكد في كل خطوة أن تتبع تصاميمه تعاليم الملك بدقة قبل أن يعرضها على جلالته.
كتب سان سيمون عن الطريقة التي ابتعها مانسار في التعامل مع الملك: «كانت مهارته الأساسية هي أنه يعرض على الملك مخططات تحوي عمدا شيئا غير متقن، وغالبا ما يكون هذا الخلل في الحدائق التي لم تكن تخصص مانسار، وكان الملك يشير
بإصبعه كما توقع مانسار إلى مكان الخلل ويقترح الحل، وكان مانسار عندها يعبر بصوت يسمعه الجميع عن إعجابه ببراعة الملك ويقول أنه لم يلاحظ هذا الخلل، وأنه مقارنة بالملك تلميذ مبتدئ». بتكراره هذا الأسلوب تلقى في عمر الثلاثين تكليفا ملكيا مشرفا بأن يتولى التوسعات في قصر الفرساي وبعدها أصبح المعماري الخاص للملك رغم أنه لم يكن أكفأ المعماريين الفرنسيين.
التعليق:
من عمر صغير رأى مانسار الكثيرين من الحرفيين الذين يخدمون الملك لويس الرابع عشر يخسرون وظائفهم ليس لنقص في مواهبهم بل لخطأ مدمر في لباقتهم الاجتماعية، وعمل على أن لا يرتكب هذه الأخطاء وأخذ يسعى دائما لتأكيد اعتزاز الملك بنفسه ويرضى غروره على الملأ.
لا تظن أبدا أن المهارة والموهبة هما كل شيء، ففي مجتمعات الصفوة تعد فنون التعامل أهم من الموهبة لذلك لا تقضي كل وقتك في الدراسة وتهمل مهاراتك الاجتماعية، وأهم المهارات الاجتماعية هي قدرتك على أن تجعل ولّيك يظهر أكثر موهبة وذكاء عن كل من حوله.
المشهد 4:
كان جان بابتيست إيسابي الرسام الخاص غير المعلن في بلاط نابليون، واثناء مؤتمر فيننا عام 1814 ثم إقرار سجن نابليون في جزيرة إلبا بعد هزيمته، وقام بدعوة إيسابي لرسم لوحة ملحمية تخلد هذا الاجتماع الذي كان سيقرر مصير أوروبا.
حين وصل الفنان إلى فيينا زاره تاليران المفاوض الرئيسي، وشرح له أهمية دوره في نتائج المؤتمر وقال أنه يتوقع أن تحتل صورته مكانا مميزا في اللوحة فوافق إيسابي بموّدة. بعد أيام قليلة جاء دوق ولينجتون المفاوض الرئيسي للإنجليز إلى إيسابي وقال له تقريبا نفس ما قاله تاليران فوافق إيسابي على الطلب بنفس الأدب والود على الدوق يستحق فعلا مكان الصدارة في اللوحة.


أثناء الرسم أخذ إيسابي يفكر في حل لهذه المعضلة، فلو استجاب لطلب أي من الرجلين وتجاهل الآخر لحدث استياء وانشقاق دبلوماسي في وقت كان إحلال السلام والتفاهم مطلبا مصيريا، لكن حين أزيح الستار أخيرا عن اللوحة شعر الدوق وتاليران معا بالرضا والامتنان: كانت اللوحة تصور قاعة فسيحة تمتلئ بالدبلوماسيين والسياسيين من كل أنحاء أوروبا، وفي جانب من اللوحة كان يظهر دوق ولينجتون يدخل القاعة وكانت كل عيون الحاضرين تنظر إليه، وفي مركز اللوحة تماما كان يجلس تاليران.
التعلق:
غالبا ما يكون من الصعب أن ترضي وليّا واحدا، أما أن ترضي سيدين بضربة واحدة فذلك ما يتطلب عبقرية في استخدام قواعد مجتمع الصفوة. هذه المعضلات شائعة في مجتمعات الصفوة فتركيزك على ولي واحد يسيء للآخر، وعليك أن تتعلم أن تتفادى الرمضاء والنار معا، وأن تقدم لكل وليّ ما يرضيه، وتركز على أن لا تقع في خطأ إرضاء أحدهما على حساب الآخر.
المشهد 5:
استطاع جورج برومل والذي كان يعرف أيضا باسم برومل الوسيم أن يحقق الشهرة والمكانة في الأعوام الأخيرة 1700ث من خلال تميزه في الأناقة وترويجه لإبزام الحذاء (وقلده كل المتأنقين في عصره) وكذلك من خلال أسلوبه في التلاعب بالكلمات. كان منزله في لندن مزارا لكل الباحثين عن صيحات الذوق والرقي، وكان إن اعتراض على حذاء يخلعه صاحبه فورا ويشترى ما يلبسه برومل أيا كان. وكان يجيد عقد رابطة العنق وقيل أن اللورد بايرون كان يقضي ليالي أمام المرآة يحاول اكتشاف سر عقدة العنق التي يصنعها برومل.
كان أمير ويلز من أكبر المعجمين ببرومل، وكان يرى في نفسه أنه أيضا شاب أنيق. ضم الأمير برومل إلى بلاطه (وخصص له معاشا ملكيا). اغتر برومل سريعا بالسطوة التي منحت له وبدأ في إطلاق التعليقات الساخرة حول وزن الأمير وأخذ


يطلق عليه اسم بج بن [برج الساعة الشهير]. كان هذا التهكم مدمرا لمشاعر الأمير لأنه كأي متأنق كثير بالتعليقات حول حسن مظهره. ذات مرة وحين تأخر تقديم العشاء قال برومل للأمير «رن جرسك يا بج بن»، فرن الأمير الجرس لكن حين حضر خادمه الخاص طلب منه أن يصحب برومل إلى طريق الخروج، ولم يسمح له بالعودة بعدها أبدا.
على الرغم من فقدان برومل للحظوة لدى الأمير، لم يكف عن غطرسته وظل يعامل الجميع بتهكم. وبعد أن حرم من رعاية الأمير تثاقلت عليه الديون وهجرة الجميع لغطرسته ومات في فقر مدقع وحيدا وبائسا.
التعليق:
كانت السخرية الميزة لبرومل هي التي جذبت إليه أمير ويلز في البداية، ولكن لم يكن لأي أحد وإن كان مرجعا للذوق والأناقة أن يسخر من مظهر أمير، على الأقل ليس في مواجهته. ليس لك أن تتندر أبدا ببدانة الآخرين حتى ولو بأسلوب غير مباشر- خاصة إن كان هذا الشخص وليّك.
المشهد 6:
كان البابا أوربان الثامن يظن أن التاريخ سيظل يذكر عبقريته في نظم الشعر، إلا أن شعره كان في أحسن التقديرات متواضعا. كان الدوق فرانسيسكو ديست يعرف عن الميول الأدبية لدى البابا ولذلك اختار في عام 1629 الشاعر فولفيو تستي سفيرا لبلاده لدى الفاتيكان. تبين إحدى الرسائل التي أرسلها تستي إلى الدوق الغرض من تعيينه في هذا المنصب «بمجرد أن انتهت مناقشتنا ركعت مستأذنا بالخروج فأشار لي قداسته أن أبقى وغادر إلى الغرفة الأخرى التي ينام بها وأحضر بعض الأوراق من فوق طاولة ثم نظر لي بابتسامة وقال: «نود أن نقرأ عليكم قصيدة من نظمنا» والحقيقة أنه قرأ قصيدتين طولتين للغاية إحداهما في مدح السيدة العذراء والأخرى عن الكونتيسة ماتيلدا».
لم يصلنا بالضبط رأي تستي في القصيدتين لأنه كان حذرا من إبداء رأيه حتى في خطاب، لكنه أكمل في خطابه «لقد قمت بما ينبغي بأن مدحت القصيدة سطرا بسطر وقبلت قدمي قداسته على هذا الفضل والإحسان ثم غادرت» بعد ذلك وحين قام الدوق نفسه بزيارة البابا استظهر أبياتا كاملة من شعره ومدحها لدرجة جعلت البابا «يكاد أن يُجن من الفرحة».
التعليق:
عليك أن لا تقلل أبدا من ذائقة وليّك فالذائقة تعد من أرق مكونات الذات وأكثرها قابلية للتجريح، فلا تطعن أبدا أو تشكك في ذوق وليك- فشعره مهيب وأناقته دون شائبة وطريقته في التعامل مثال يُحتذى به.
المشهد 7:
في ظهيرة أحد الأيام في الصين القديمة سكر شاو حاكم مملكة هان الذي عاش في الفترة من 358 حتى 333 ق.م.، وغلبه النوم في حديقة قصره، ورآه حافظ التاج الملكي بينما كان يتجول في الحدائق. كان الدور الوحيد لحافظ التاج هو العناية بكساء رأس الملك، لكنه حين رأى الملك نائما دون معطف وكان الطقس باردا غطى الملك بمعطفه ورحل.
حين استيقظ شاو ورأى المعطف فوقه سأل الحاضرين «من وضع على جسدي هذا الملبس الإضافي؟» فأجابوا «إنه حافظ التاج» فطلب حامل المعطف الرسمي وعاقبه لإهمال واجبه واستدعى حافظ التاج وأمر بقطع رأسه.
التعليق:
عليك أن تقوم بما كلفت به بأفضل ما تستطيع ولكن لا تتجاوزه لفعل شيء آخر، فمن الأخطاء الشاعة أن تظن أن قيامك بالمزيد يظهرك مجتهدا. ليس من المفيد لك أبدا أن تظهر وكأنك تكافح وترهق نفسك في العمل- أن ذلك يجعل الآخرين أنك تغطي على نقيصة ما فيك. قيامك بمهمة لم تطلب منك يستشير الريبة والتشكك لدى الآخرين، ولذلك إن كنت حافظ التاج فقم بواجبك محافظ التاج وادخر طاقتك الزائدة لحين الخروج من القصر.


المشهد 8:
في أحد الأيام ذهب رسام عصر النهضة الإيطالي فرا فيليبو ليبي (1406-1469) للتنزه مع بعض أصدقائه في مركب صيد من شاطئ أنكونا، وفي البحر أسرتهم سفينتان للمسلمين، وقيدوهم وأخذوهم إلى شمال أفريقيا وتم بيعهم كعبيد ظل فيليبو يكدح طوال ثمانية عشر شهرا دون أمل في العودة إلى إيطاليا.
كان فيليبو يرى الرجل الذي اشتراه يغدو ويروح، وفي أحد الأيام قرر أن يرسم له صورة بالحجم الطبيعي باستخدام الفحم المحترق من الموقد، وبينما كان في الأغلال وجد حائطا أبي وبأ في الرسم، وشاع الخبر لأنه لم يكن أحد في هذه البلاد يرسم بهذا القدر من المهارة، وأعجب المالك بالصورة لدرجة أنه منحه حريته وعيّنه في قصره. توافد الناس من هذه المناطق وسحرتهم الرسومات الملونة والرائعة التي أخذ فيليبو يرسمها بعد ذلك، وتقديرا منه لأعمال فيليبو أعاده المالك إلى إيطاليا معززا مكرما.
التعليق:
نحن جميعا نكدح في خدمة آخرين ولذلك نحن أسرى نوعا ما ونباع كالعبيد ولدينا جميعا موهبة أو قدرة تجعلنا نتميز عن الآخرين في فعل شيء ما، كالموهبة التي كانت لدى فرا فيليبو ولكن ربما بدرجة أقل. أظهر لوليّك عملا من إبداعك وسوف يميزك ذلك عن غيرك من المنافسين، واجعله ينسب لنفسه الفضل إن لزم، فهو حجر مؤقت تستخدمه لتصعد عليه وطريقة لإبراز موهبتك وفي النهاية سوف يمكنك من شراء حريتك وتخليص نفسك من القهر والعبودية.
المشهد 9:
كان لدى ألفونسو الأول ملك أراجون خادم أخبره ذات مرة أنه رأى حلما في الليلة الماضية: رأى ألفونسو يمنحه هدية تحوي أسلحة وخيول وملابس. كان ألفونسو رجلا سخيا، ورأى أن من اللطف أن يحقق للرجل حلمه فأعطاه ما جاء في الحلم بالضبط.


بعدها بفترة قليلة جاء الخادم بحلم آخر يرى فيه ألفونسو يعطيه كومه من العملات الذهبية. ابتسم الملك وقال له «لا تصدق الأحلام بعد ذلك، فهي تكذب عليك».
التعليق:
في الحلم الأول كان الأمر ما بيد ألفونسو، فتحقيقه للحلم أظهر ما لديه من إنعام القادرين وإن كان بطريقة بسيطة ومضحكة. أما في الحلم الثاني فقد زال السحر والبهجة ولم يتبق إلا الاحتيال واضحا وقبيحا. لا تفرط أبدا في الطلب وتعلم متى عليك أن تمتنع عنه. حق المنح مكفول للولي وحده، فهو الذي يعطي ما يريد وقتما يريد دون إيعاز من أحد. لا تترك له الفرصة أبدا أن يرفض طلبك، فالأفضل أن تكسب الحظوة والأفضال بجدارتك وتنتظر حتى توهب لك دون أن تطلبها.
المشهد 10:
كان الرسام الإنجليزي العظيم في عصر النهضة ج.م.و. تيرنر (1772-1851) معروفا باستخدامه الغريب والبارع للألوان. ولم يكن الفنانون الآخرون يحبون أن يعرضوا لوحاتهم بجوار أي لوحة لتيرنر لأنها كانت تجعل كل من حولها يبدو باهتا وقبيحا.
في إحدى المرات أصاب الرسام سير توماس لورنس سوء الحظ فوجد لوحة تيرنر الرائعة كولونيا معلقة بين لوحتين من لوحاته، فشكا بمرارة لمالك المعرض والذي رد عليه ردا قاسيا: بأنه في النهاية يجب تعليق لوحات شخص ما بجوار لوحات تيرنر. عرف تيرنر بشكوى لورنس وقبل افتتاح المعرض خفف لون السماء الذهبية من لوحته لتبدو باهتة كلوحتي لورنس، ورآها أحد أصدقائه وسأله «ماذا فعلت بلوحتك؟» فأجابه تيرنر: لورنس المسكين كان حزينا جدا، وما هي إلا طبقة من سخام المصابيح سأغسلها بعد انتهاء المعرض».
التعليق:
ينصّب قلق الكثيرين من رجال الصفوة على وليّهم لأن معظم الخطر يصدر عنه، لكن من الخطأ أن تظن أن الولي هو من يستطيع أن يضرك فأقرانك ومرؤوسيك


لهم دور في ذلك أيضا. في مجتمع يختمر الكثير من الأحقاد والمخاوف والمرارة وعليك أن تسترضي كل من يستطيع أن يضرك يوما ما، وأن تبعد عنك خطر حسدهم وشعورهم بالمرارة ليتجه إلى أحد غيرك.
كان تيرنر من رجال الصفوة البارزين وكان يعلم أن نجاحه وشهرته يعتمد على زملائه قدر اعتماده على أصحاب المعارض ورعاة الفنون. كثيرون من العظماء سقطوا بسبب كيد زملائهم لهم، فأفضل لك أن تُخفت نبوغك مؤقتا عن أن تتلقى الطعنات والسهام الحاسدة.
المشهد 11:
كان ونستون تشرشل رساما هاويا وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت لوحاته من معروضات الاقتناء، وكان الناشر الأمريكي هنري لويس مؤسس مجلتي تايم ولايف يحتفظ بإحدى لوحات تشرشل الطبيعية معلقة في مكتبه الخاص في نيويورك.
ذات مرة كان تشرشل في جولة بالولايات المتحدة وزار لويس في مكتبه، وتأمل الرجلان اللوحة معا وعلق لويس «إنها لوحة جيدة ولكن ينقصها شيء ما، ربما بعض الخراف في المقدمة». شعر لويس بالفزع حين اتصلت سكرتيرة تشرشل تطلب استرجاع اللوحة إلى بريطانيا. لبّى لويس الطلب خائفا من أن يكون قد أهان رئيس وزراء بريطانيا السابق، إلا أنه بعد أيام عادت إليه اللوحة لكن مع تغيير بسيط: في المقدمة كانت تقف شاه صغير ترعى الأعشاب وحدها.
التعليق:
كان تشرشل يفوق لويس كثيرا من حيث المكانة والشهرة، لكن لويس كان أيضا بالطبع رجلا له سطوة، ولذلك كان هناك نوع من الندية بينهما. لكن ما الذي قد يخشاه تشرشل من الناشر الأمريكي؟ ولماذا استجاب لنقده غير المحترف؟
مجتمع الصفوة؛ الذي يحوي في حالتنا هذه كل الدبلوماسيين ورجال الدولة من كل أنحاء العالم إضافة للصحفيين الذين يتقربون منهم؛ هو مجتمع يعتمد فيه كل


شخص على الآخرين، وليس من الحكمة أن تهين أو تتجاهل ذوق أصحاب السطوة حتى وإن كانوا أقل منك أو مساوين لك. تقبل رجل في تسرشل للنقد من رجل مثل لويس يثبت أنه رجل صفوة لا مثيل له (كما أنه بتعديله للوحة كان يمارس نوعا من التنازل والترفع، ولكنه فعل ذلك بلطف شديد جعل لويس لا يستشعر أي إهانة). من المفيد لك دائما أن تلعب دور رجل الصفوة الودود حتى إن لم يكن لك ولي تتبعه.
اللعبة المعقدة لتعاملات الصفوة: تحذير
كان تاليران مثالا لرجل الصفوة البارع خاصة أثناء فترة خدمته تحت إمرة نابليون. في بدء تعارفهما قال نابليون لتاليران ذات مرة «يوما ما سوف آتي إلى منزلك لنتناول الغذاء معا». كان المنزل يقع في أوتويل وهي إحدى ضواحي باريس، وأجابه تاليران «بالترحيب والسرور سيدي الجنرال، كما أن منزلي مجاور لمنتزه بوا دي بولوني وهكذا يمكنك قضاء فترة العصر في ممارسة الرماية».
قال نابليون «أنا لا أحب الرماية بل أفضل الصيد. هل توجد خنازير برية في بوا دي بولوني؟». كان نابليون آتيا من كورسيكا وهناك كان صيد الخنازير البرية من رياضاتهم المترفة. بهذا السؤال بيّن نابليون أنه ما زال يفكر بطريقة ريفية بل حتى جلفا. لم يضحك تاليران لكنه لم يقاوم رغبته في تدبير دعابة تمثيلية ضد الرجل الذي أصبح وليّه السياسي حتى وإن لم يكن من نبل المنشأ لتاليران الذي كان سليل أسرة مترفة. أجاب ببساطة على سؤال نابليون «ليس هناك إلا القليل لكن كلي ثقة أنك ستعرف كيف تجدها سيدي الجنرال».
اتفق الرجلان على أن يأتي نابليون إلى منزل تاليران في الساعة السابعة من صباح اليوم التالي، وأن يقضي صباحه هناك على أن يذهب لصيد «الخنازير» في فترة الأصيل. وأثناء الزيارة لم يتحدث نابليون عن أي شيء آخر غير الصيد، وفي السر كان تاليران قد أرسل خدمه إلى السوق لشراء خنزيرين أسودين وأمرهم أن يقيدوهما في المنتزه».
بعد الظهر توجهت جماعة الصيد إلى بوا دي بلوني، وأشار تاليران سرا إلى خدمة ليطلقوا الخنزير الأول، فرآه نابليون وصرخ فرحا «أرى خنزيرا» وانطلق بفرسه للحاق به بينما تباطأ تاليران وبعد نصف ساعة من الركض ثم اصطياد الخنزير «البري». عرف أحد مساعدي نابليون أن هذا الخنزير ليس من النوع البري أبدا ورأى أن القصة لو انتشرت ستجعل من سيده مثار سخرية فأسر له «سيدي أنت بالطبع تعلم أن هذا الخنزير داجن وليس بريا».
استشاط نابليون بالغضب وركض بالفرس متجها إلى منزل تاليران، وكان يتخيل طوال الطريق تندر الناس من سذاجته ورأى أن تفجير غضبه في وجه تاليران كان سيظهره أبلها ويعرضه للمزيد من السخرية، وأن من الأفضل له أن يكتم غضبه ويتظاهر بأنه يضحك من هذه الدعابة، لكن الحقيقة أنه كان يشعر باستياء شديد لم يخفه تماما.
حاول تاليران أن يخفف من شعور نابليون بالتجريح والإهانة، وقال له أن الوقت ما زال مبكرا على الرجوع إلى باريس، وطلب أن يعودا معا إلى المنتزه وأن يصطادا الأرانب التي يعج بها المنتزه وأخبره أن الملك لويس السادس عشر كان يستمتع كثيرا باصطيادها، بل حتى عرض عليه أن يستخدم نفس البنادق التي كان يستخدمها لويس لنفسه. وأخيرا وبعد الكثير من المداهنة والتملق وافق نابليون على أن يعود للصيد.
توجه الجمع مرة أخرى إلى المنتزه. طوال الطريق كان نابليون يكرر «أنا لست مثل لويس السادس عشر، وبالتأكيد لن اصطاد حتى أرنبا واحد»، لكنه للغرابة وجد المنتزه يمتلئ بالأرانب واصطاد ما يزيد عن الخمسين منهم وتغير مزاجه من التعكر إلى البهجة والسرور، لكن في نهاية موجه إطلاق الرصاص اقترب منه نفس المساعد وهمس له «قول لك الحقيقة سيدي، هذه الأرانب ليست برية ويبدو أن الوغد تاليران يتندر بنا مرة أخرى». وكان المساعد على حق، فقد أرسل تاليران خدمه إلى السوق مرة أخرى واشتروا الأرانب وأطلقوها في بوا دي بولوني.


امتطى نابليون صهوة حصانة وانطلق مبتعدا ولكن هذه المرة توجه مباشرة نحو باريس، وفيما بعد هدد تاليران أنه لو قال كلمة واحدة عما حدث وجعل منه سخرية لباريس لجعله يدفع ثمنا يحول حياته جحيما.
تطلب الأمر شهورا حتى يستعيد نابليون ثقته في تاليران ولكنه لم ينس أبدا أو يغفر هذه الإهانة.
التعليق:
رجل الصفوة يشبه الساحر: ذلك أن كلا منهما يستخدم المظاهر في الخداع والتحايل ولا يجعل الآخرين يرون إلا ما يريدهم أن يروه، وحتى لا ينكشف هذا القدر المستخدم من الخداع والتلاعب على كل منهما أن يشتت أذهان الناس عن رؤية حيله أو أن يلمحوا براعة حركاته.
كان تاليران في العادة ساحرا عظيما في تعاملات الصفوة، بل وكاد أن ينجح في هذا الموقف وأن ينال إرضاء سيده والتندر عليه في نفس الوقت. لكن تعاملات الصفوة من الفنون الدقيقة والمعقدة، ويمكن لأخطاء أو لمفاجآت لم تأخذ في الحسبان أن تفسد حتى أكثر حيلك إتقانا. لا تخاطر أبدا بأن تجعل أحدا يكتشف طرقك أو يلاحظ مناوراتك، لأن ذلك لن يفقدك فقط مظهرك كرجل صفوة نبيل بل سيجعلك تبدو في عيون الآخرين وغدا حقيرا. السطوة لعبة مرهفة وصعبة فابذل كل تركيزك لإخفاء حيلك، ولا تجعل وليّك يكتشفها أبدا.
** معرفتي **
www.ibtesama.com/vb
منتديات مجلة الابتسامة


القاعدة
25
اصنع لنفسك الهوية
التي تكسبك السطوة
الحكمة:
لا تقبل بالأدوار التي يفرضها عليك مجتمعك، بل حق لنفسك كيانا جديدا بابتكار هوية تجذب إليك إعجاب الناس واهتمامهم. واحرص على أن لا تجعل جمهورك يمل منك أبدا. تحكم بصورتك لدى الآخرين ولا تترك للأخرين أن يحددوا لك تصورك عن نفسك. استخدام الأساليب المسرحية في الحديث والحركة سوف يزيد من سطوتك ولن يراك الناس بعدها بشرا عاديا بل أقرب للأساطير.


مراعاة القاعدة 1:
أتت أولى اختراقات يوليوس قيصر نحو قمة المجتمع الروماني في عام 56 ق.م.، حين تولى منصب أمين عام الخزائن أي الموظف المنتخب للإشراف على توزيع الغلال وتمويل الاحتفالات الشعبية، وقد تحققت شهرته لدى الجماهير بعد أن نظّم باقتدار سلسلة من الاحتفالات المبهرة والمكلّفة من صيد الحيوانات البرية وعروض المجالدة والمنافسات المسرحية. وكان يدفع بعض تكاليف هذه الاحتفالات من ماله الخاص. أصبح اسم يوليوس قيصر مرتبطا في أذهان الجماهير بهذه الأحداث التي يعشقونها وبعد أن ترقى إلى منصب القنصل كانت جماهريته واشتهاره بأنه رجل المهرجانات العظيم الأساس الذي بنى عليه سطوته.
في عام 49 ق.م. كانت روما على شفا حرب أهلية بين قائديها المتنازعين قيصر وبومبي، وفي ذروة التوتر واحتدام الصراع ذهب القيصر الذي كان مدمنا على ارتياد المسارح لحضور أحد العروض وأثناء عودته إلى معسكره ضل طريقه وتاه في الظلام. كان قيصر قد أقام معسكره خارج الحدود على ضفة نهر الروبيكون الذي يفصل إيطاليا عن بلاد الحال [التي هي بالتقريب فرنسا وبلجيكا الحاليتين]؛ لأن عبوره النهر وعودته بقواته إلى إيطاليا كانت تعني بدء الحرب فورا مع بومبي.
عرض قيصر على قادة قواته الخيارين بأداء مسرحي يشبه أسلوب هاملت الذي صاغه شكسبير بعد ذلك بكثير، وأنهى مناجاته بإشارة إلى البعيد بحيث كان يظهر شبحيا في الظلام جندي يعبر جسرا فوق النهر ويطلق نداءا بالبوق. صاح بهم قيصر: «لنأخذ ذلك كإشارة من الآلهة ونذهب إلى حيث تأمرنا؛ أي إلى الانتقام من أعدائنا المنافقين. حُسم الرأي ونفذ المكتوب». كان قيصر يتكلم إلى جنرالاته وينظر في عيونهم بثبات كأنه نذير من السماء. كان قبلها يعلم أن قرارهم لم يكن قد استقر بعد على مناصرته، لكن بيانه وبلاغته أخذا بألبابهم وبثا فيهم الحماس والرغبة في عدم إهدار المزيد من الوقت. لم يكن أي أسلوب آخر ليؤدي نفس الأثر، فقد تسارع الجنرالات لنصرته وعبروا نهر الروبيكون وفي العام التالي قضوا على بومبي ليصبح قيصر حاكما أوحد وديكتاتورا على روما.


في المعارك كان قيصر يبرع دائما في لعب دور القائد، فكان لا يقل مهارة عن أي فارس من جنوده في امتطاء الجواد، ويتفاخر بتجاوزهم جميعا في الشجاعة والثبات. كان يهاجم في مقدمة الصفوف بحيث يراه جنوده في قلب المعمعة يثبتهم بحماسه، وكان يضع نفسه دائما في مركز الصفوف فتبرز سطوته لأتباعه رمزا يوحدهم ومثالا يحتذون به. كان جيش قيصر أكثر جيوش روما إخلاصا لقائده، وكان جنوده تماما كعامه الناس الذين حضروا مهرجاناته يجدون أنفسهم مأخوذين بشخصيته ومتوحدين مع غاياته.
بعد هزيمة بومبي تصاعدت المهرجانات وبلغت حدودا لم تشهدها روما من قبل، وأصبحت سباقات المركبات أكثر روعة وأصبحت المجالدة أكثر إثارة حيث انضم النبلاء إلى القتال، وأقام عرضا تمثيليا هائلا لحرب بحرية في بحيرة اصطناعية. كانت العروض تقام في كل الساحات الشعبية في روما، وبُنى لها مسرح ينحدر بشدة أسفل سخرة تاربيان. تدافعت الجموع من كل الإمبراطورية لحضور المهرجانات، وكانت خيام الزوار تغطي الطرق المؤدية إلى روما. وفي عام 45 ق.م. ولكي يجعل عودته من حملته إلى مصر أكثر إجلالا وسحرا، أتى معه بكليوباترا، واقام احتفالات أكثر أبداعا وكلفة.
لم يكن المقصود بهذه الاحتفالات مجرد إلهاء الشعب بل كانت تعزز بقوة من إحساس الجماهير بشخصية قيصر وجعلته يبدو لهم أقرب إلى الأساطير. كان قيصر يتقن التحكم بصورته لدى الناس وكان دائم الانتباه لها والحفاظ عليها. لم يكن يظهر أمام الجموع إلا في راءات قرمزية رائعة، ولم يكن مقدورا أحد أن يفوقه في المهابة والوقار، وكان معروفا أنه يختال بمظهره- وقيل أن ما كان يحبه في تكريم الشيوخ والشعب له أنهم كانوا يلبسونه أكاليل يخفي بها صلعته. كان قيصر خطيبا مفوها، يوجز الكثير من المعاني في القليل من الكلام، ويعرف اللحظة التي ينهي فيه خطبته ليحقق أكبر تأثير، ولم يكن يفوته أبدا أن يفاجئ الجماهير ويستثير حماسهم بإعلان شيء جديد في كل مرة يخاطبهم.


أثارت محبة الجماهير الشديدة لقيصر الكراهية والخوف لدى منافسيه، وفي منتصف مارس من عام 44 ق.م. أحاطت به جماعة من المتآمرين داخل مجلس الشيوخ يقودها بروتوس وكاسيوس وظل يطعنونه إلى فارق الحياة. وحتى في موته ظل قيصر محافظا على حسه المسرحي فسحب رداءه وغطى به وجهه وترك الجزء الأسفل ينزلق إلى قدميه حتى لا ينكشف جسده ويموت بكرامة. وعلى حسب رواية المؤرخ اليوناني سويتينيوس؛ كانت كلماته الأخيرة موّجهة إلى صديقه القديم بروتوس حين كان يهم بطعنه الطعنة الثانية، فقال وكأنه ممثل يؤدي مشهدا ختاميا في مسرحية: «حتى أنت يا بُني».
التعليق:
كان المسرح الروماني احتفالا مخصصا لعامة الناس، تحضره جموع لا يمكن لنا اليوم أن نتخيلها؛ يحتشدون في ساحات هائلة تضحكهم فظاظة الكوميديا وتثير أشجانهم حساسية التراجيديا. ظهر المسرح وكأنه يركز لهم جوهر الحياة وكانت له سطوة كسطوة الدين على الرجل البسيط.
لعل يوليوس قيصر أول شخصية عامة تدرك العلاقة بين المسرح والسطوة، وربما كان ذاك ناتجا عن هوسه الشخصي بالدراما، ولكنه ارتقى بهذا الهوس ليصبح هو نفسه ممثلا على مسرح الحياة، فكان يلقي كلماته وكأنها من نص مكتوب، ويحكم لفتاته وحركاته مرّكزا باستمرار على تأثيرها في الحاضرين. وكان يستعين بإدهاش الناس ولفت أنظارهم، ويستفيد من الأداء المسرحي في خطبه، وكان كالمخرج ينّسق مشهد ظهوره في أعين الجماهير. كان أداؤه سلسا وبسيطا يسّهل على العوام فهمه، وكانت شهرته وتأثيره في الناس يتجاوزان كل الحدود.
يوليوس قيصر مثال متقن لما يفعله القادة وأصحاب النفوذ، وعليك أنت أيضا أن تتعلم أن تستفيد من الأساليب المسرحية لترفع بها من قدر أفعالك وتأثيرها، كأن تستثير الدهشة أو التشويق أو التأثير لدى الآخرين، وأن تتوحد مع الرموز التي يعتزون بها. عليك أيضا أن تقتضي في التنبه باستمرار لجمهورك والتعرف
على ما يسره وما ينفره، وأن يضع نفسك في مركز الانتباه وأن تلفت الأنظار ولا تسمح لأحد أن يبرز عليك أو يقلل من مكانتك مهما كان الثمن.
مراعاة القاعدة 2:
في عام 1831 هجرت امرأة شابة اسمها أورور دوبين دوديفان زوجها وأسرتها في الأقاليم وانتقلت إلى باريس سعيا إلى العمل ككاتبة، وكانت ترى أن الزواج أسوأ عليها من السجن لأنه لا يترك لها الوقت أو الحرية لمتابعة ما تحب، ورأت أنه يمكنها في باريس الحصول على الاستقلال والتربح من الكتابة.
لكن بمجرد أن وصلت إلى باريس واجهتها الحقائق المريرة، وعلمت أنها لكي تنال حريتها في باريس عليها أن تجني الكثير من المال، وأن فرصتها الوحيدة كامرأة للحصول على المال تكون بالزواج أو ممارسة الدعارة، ولم تستطع أي امرأة قبلها أن تحترف الكتابة أو تجني منها مالا، فالنساء كن يكتبن كهواية ويغطي نفقاتهن زوج أو ميراث. الواقع أنه حين تقدمت دوديفان بكتاباتها إلى أحد الناشرين قال لها «سيدتي، عليك أن تنتجي أطفالا لا أدبا».
وفي النهاية وحين رأت دوديفان أن حلمها في باريس يقارب المستحيل توصلت إلى استراتيجية تمكنها من تحقيق ما لم تحققه امرأة قبلها- اتخذت لنفسها هوية جديدة غيّرت نظرة الناس لها. كانت أي امرأة قبلها لا تستطيع أن تتجاوز الدور المحدد لها وهو أن تصبح كاتبة من الدرجة الثانية تنشر موضوعات لا يهتم بها إلا النساء، ورأت دوديفان أنه عليها لكي تتجاوز هذا الدور أن تقلب الأمور رأسا على عقب: أي أن تتخذ هوية رجل.
في عام 1832 قبل ناشر شراء أولى رواياتها الهامة إنديانا والتي قررت أن تنشرها باسم مستعار هو «جورج ساند». لم يشك أحد في باريس أن كاتب هذه الرواية الرائعة ليس رجلا. كانت دوديفان قبل أن تبتكر شخصية «جورج ساند» ترتدي ملابس الرجال أحيانا لأنها كانت تجد القمصان وسراويل ركوب الخيل أكثر راحة ولكن بعد أن أصبحت شخصية عامة أخذت تبالغ في هذا المظهر فبدأت ترتدي


المعاطف الطويلة والقبعات الرمادية والأحذية الثقيلة وربطات العنق الأنيقة، وأخذت تدخن السيجار وتتبسط في أحاديها كالرجال ولا تتحرج من أن تفرض رأيها على الأحاديث أو أن تدلي بتعليقات وقحة.
افتتنت الجماهير بهذه الكاتبة الغريبة «المرأة/ الرجل»، وعلى عكس غيرها من الكاتبات تقبلتها بينهم زمرة الفنانين الرجال، فكانت تدخن وتشرب معهم بل أقامت علاقات مع أشهر الفنانين في أوروبا من أمثال موسيه وليست وشوبان. كانت هي التي تبدأ بالتودد إليهم وهي التي تهجرهم في النهاية، فقد كانت عازمة على أن تستمر في نيل تحررها وفي فرض صورتها.
كل ما تقربوا من ساند عرفوا أن شخصية الرجل كانت مجرد درع تحمي بها نفسها من النظرات الفضولية للجماهير، فكانت تسمع في حياتها الخارجية بلعب هذا الدور إلى أقصى حد، ولكن في حياتها الخاصة كانت تحتفظ بشخصيتها الحقيقية. وكانت تعلم أن التكرار يجعل الناس يملون من شخصية جورج ساند، ولذلك حرصت أن تجدد هويتها من آن لآخر فتخلت عن إقامة العلاقات مع المشاهير وبدأت تنخرط في السياسة وتقود المظاهرات وتستنفر الطلاب على المطالبة بالتطور والتغيير، ولم يستطع أحد أن يضع حدود للشخصية التي صنعتها. وحتى بعد موتها ونسيان الناس لروايتها بفترة طويلة، ظلت هذه الشخصية الأسطورية تفتن الناس وتلهمهم.
التعليق:
أثناء حياة شهرتها ظل الجمهور والفنانون الآخرون يشعرون مع ساند أنهم بصحبة رجل حقيقي، لكن في مذكراتها ومع المقربين منها من أمثال جوستاف فلوبير كانت تعترف أنها لا تحب أن تصبح رجلا وأنها تتخذ هذا الدور فقط للاستهلاك الجماهيري، وكل ما كانت تريده هو أن تحظي بالقدرة على تحديد شخصيتها بنفسها وأن تتمرد على الحدود التي فرضها عليها المجتمع، لكنها لم تستطع تحقيق ذلك بكونها نفسها بل بارتدائها قناعا يمكنها أن تغيره حسب رغبتها، وهو قناع كان يجلب إليها الشهرة والمكانة.


تذكر دوما: المجتمع الخارجي يعمل على أن يفرض عليك دورا في الحياة واستسلامك لهذا الدور يدمر حياتك، ويحد سطوتك بالحدود القليلة من الحرية المسموح بها لهذا الدور الذي اخترته أو أجبرت على اختياره. لكن على عكس ذلك نرى المثل يستطيع أن يؤدي أدورار كثيرة ويستمتع بسطوة التلون. وإن لم تستطع أنت أن تتمتع بتلك الحرية فعليك على الأقل أن تتخذ هوية جديدة من صنعك؛ هوية لا يضع حدود لها ولك محيطك الذي تملؤه الأحقاد والحسد. هذا هو التمرد الخلاق الذي يجعلك قادرا على صنع من تكون.
هذه الهوية الجديدة سوف تحميك من العالم الخارجي ببساطة لأنها ليست «أنت»، بل مجرد رداء للتنكر تضعه وتخلعه بإرادتك، ولا يجرحك تجريحه، وهي هوية تمنحك دورا في المسرحية وتجعل من في آخر الصفوف ينتبهون لك ويستمعون إليك ومن في المقدمة يعجبون بجرأتك وإصرارك.
ألا تسمع الناس في المجتمعات يقولون عن شخص أنه ممثل جيد؟ هم لا يعنون بذلك أنه يجيد التعبير عن ما يشعر به ويرغبه بل يقصدون أنه يجيد المحاكاة دون أن يشعر بشيء.
دينس ديدرو 1713-1784
مفاتيح للسطوة:
الشخصية التي أنت عليها لم تولد بها وليست بالضرورة حقيقتك، فإضافة إلى سماتك الموروثة توجد البصمات التي يتركها الوالدان والأصدقاء والرفاق في تشكيل شخصيتك المهمة الخلاقة التي تواجه أصحاب السطوة هي أن يتحكموا بهذه العملية وأن لا يسمحوا للآخرين أن يحددوا لهم شخصياتهم. اصطنع الشخصية التي تجلب لك السطوة. تشكيلك لذاتك وكأنها قطعة من الصلصال هو أهم وأمتع الأمور في الحياة، فهي تشعرك بأنك فنان حقيقي؛ فنان يبدع صنع نفسه.
تأتي فكرة صناعة الذات من عالم الفن. لآلاف السنوات لم يكن يُسمح إلا للملوك ورجال الصفوة الكبار حرية تشكيل صورتهم الجماهيرية وتحديد هويتهم


الخاصة، وكذلك لم يكن إلا للملوك والسادة الكبار أن تُرسم لهم صورة فنية وأن يعدلوها بإرادتهم، أما باقي البشر فلم يكن لهم إلا لعب الأدوار التي يحددها لهم المجتمع ولم يكن لهم أي وسيلة تمنحهم الوعي بذاتهم.
يمكننا أن نلحظ هذا التحول في لوحة لاس مينيناس لفيليسكيز التي رسمها عام 1656 حيث يظهر الفنان في الجانب الأيسر من اللوحة وهو يرسم لوحة يحجبها ظهره فلا نرى محتواها، وبجانبه تقف إحدى الأميرات ووصيفتها وأحد أقزام البلاط كلهم يراقبون اللوحة التي يرسمها الفنان، أما الأشخاص الجالسين للرسم فلا نراهم مباشرة ولكن يظهر لهم انعكاس صغير في مرآة معلقة على الحائط الخلفي- إنها ملك وملكة إسبانيا جالسين في المقدمة محجوبين عن الناظر.
تعكس اللوحة بداية تغير فارق في آليات السطوة وفي الطريقة التي يحدد بها الشخص مكانته في المجتمع، لأن فالسكيز الفنان يظهر أوضح بكثير من الملك والملكة، فهو بمعنى ما أعلى منهما سطوة لأن هو الذي يتحكم بالصورة- أي بصورتهما. تمرد فالسكيز على دور الفنان المتذلل والمحتاج وجعل من نفسه رجل سطوة. الحقيقة أن أول من استطاع في الحضارة العربية من غير النبلاء والملوك أن يتحكم بصورته بحرية هم الفنانون والكتاب ثم أتى بعدهم رواد الأناقة والبوهيميون، واليوم تتوغل صناعة الذات في كل طبقات المجتمع وأصبحت مثالا يتطلع إليه الكثيرون. وكما فعل فالسكيز عليك أن تسعى إلى الحصول على سطوة تحديد مكانتك في اللوحة وأن تصنع لنفسك صورتها الخاصة.
أول خطوة في صناعة الذات هي الوعي بنفسك وأن تنظر لنفسك كممثل يتحكم بمظهره وانفعالاته. وكما يقول ديدرو فإن الممثل السيء دائما هو الممثل الصريح، فالأشخاص الذين يعيشون بقلوب مفتوحة على المجتمع يراهم الناس مملين ومزعجين فصراحتهم ليست صادقة ولذلك لا يأخذهم الآخرون بجدية. ومن يبكون ويشكون آلامهم صراحة على الملأ يحصلون مؤقتا على التعاطف؛ ولكنه تعاطف يتحول سريعا إلى ضيق واحتقار من هوسهم بأنفسهم، ونراهم يعلنون


آلامهم لجلب اهتمام الآخرين بهم وينشط ذلك جزءا خبيثا من أنفسنا يود حرمانهم من تحقيق مرادهم.
الممثل الجيد هو من يستطيع أن يتحكم بنفسه، ويمكنه أن يظهر صريحا وصادق المشاعر حين يريد ويمكنه أن يحرك الدموع والتأثر لدى الآخرين دون أن يدمع هو أو يتأثر، فهو يفرز المشاعر خارج نفسه في أشكال يسهل على الجمهور هضمها. أما التمثيل باستدعاء التأثر [ويعني أن تستشعر ما تقوله حتى يصدقك الناس] فهو قاتل في الحياة الواقعية، فلا يستطيع أي حاكم أو قائد أن يؤدي دوره إن كان كل ما يعبر عنه من مشاعر حقيقيا. لذلك عليك أن تتعلم أن تتحكم بنفسك وأن تتعلم لدونة الممثل بأن تغير تعبيراتك دون أن تتغير مشاعرك، وأن تجعل وجهك قابلا للتشكيل بالتعبير الذي يستثير المشاعر التي تريدها من الآخرين.
الخطوة الثانية في صناعة الذات هي تحوير لاستراتيجية جورج ساند: أي أن تبتكر شخصية لا تُنسى وتجبر الآخرين على الانتباه لها وتبرزك بين كل المؤدين الآخرين على المسرح. تلك كانت خطة إبراهام لينكولن. كان لينكولن يعلم أنه لم يسبق أبدا للأمريكيين أن انتخبوا للرئاسة رجلا من النوع الريفي الخشن وأنهم سوف يرحبون بهم إن تقدم للانتخاب. على الرغم من أن هذه الصفات كانت طبيعية لديه إلا أنه أكدها بطريقة الملبس والقبعة واللحية (فلم يكن أي رئيس قبله ملتحيا)، كما أنه أول رئيس يستخدم التصوير الفوتوغرافي لنشر صورته لدى الجماهير ليؤكد لديهم الانطباع بأنه «الرئيس الريفي الخشن».
إلا أن المسرح الجيد لا يقتصر على مشهد واحد بارز على لحظة واحدة مؤثرة، فالتأثير المناسب يتكشف بمرور الوقت ويعتمد على الإيقاع والتوقيت. وأهم عناصر الإيقاع في المسرح هو التشويق، ورأينا كيف كان هوديني مثلا يستطيع أن يهرب من الأغلال خلال ثوان ولكنه كان يطيلها إلى دقائق ليجعل الجمهور يتعرق من الترقب.


السر الذي يمّكنك من إبقاء جمهورك في حالة ترقب يكمن في ترك الأحداث تتكشف ببطء والانتظار حتى اللحظة المناسبة ثم التدخل فجأة وتسريعها بنسق وإيقاع تتحكم فيها أنت. وقد استفاد الحكام العظام من أمثال نابليون وماو تسي تونج من هذا التوقيت المسرحي لإبهار شعوبهم أو إلهائهم، كما اكتشف فرانكلين روزفلت أهمية الترتيب والإيقاع في إخراج الأحداث السياسية لإحداث التأثير المطلوب.
في عام 1932 وقت انتخاب روزفلت لرئاسة الولايات المتحدة كانت البلاد تمر بأزمة مالية عصبية وكانت البنوك تنهار بمعادلات منذرة، وبعد فوزه مباشرة بدا وكأنه اختفى عن الساحة ولم يدلِ بأي تصريحات عن خطته أو تشكيله للحكومة، ورفض أن يتقابل مع الرئيس السابق هوبرت هوفر لمناقشة عملية انتقال السلطة وأثناء تنصيبه للرئاسة كانت البلاد في حالة قلق شديد.
في احتفال تسلمه السلطة غيّر روزفلت من إيقاعه تماما، فألقى خطابا قويا وبيّن أنه سيقود البلاد في اتجاه جديد تماما، وأنه سوف يتخلص من جُبن وتردد سابقيه. من هذه اللحظة تسارع بشيء لا يصدق معدل خطبه وقراراته العامة- كاختيار الوزراء والتشريعات الجريئة، وأصبحت مرحلة التسارع التي تعيننه تعرف باسم «فترة المئة يوم». ويعود جزء من نجاح هذه الفترة في تغيير الحالة المزاجية للبلاد إلى مهارة روزفلت في اللعب بالإيقاع والتناقض الدرامي، فكان يترك الجماهير في حالة تشوش ثم يفاجئهم بسلسلة من التحركات الجريئة التي كانت تبدو لها كأنها وحي اللحظة لأنه لم يكن يمهد لها. عليك أنت أيضا أن تفعل كما فعل روزفلت بان تصنع لحنا للأحداث وان لا تكشف أوراقك دفعة واحدة بل تشع لها ترتيبا وإيقاعا يضيفان عليها تأثيرا دراميا.
الدراما الجيدة تخفي الأخطاء، كما يمكنها أيضا تشوش العدو وتخدعه. أثناء الحرب العالمية الثانية كان الكاتب المسرحي برتولت بريخت يعمل كاتبا للسيناريو في ستوديوهات هوليود واستدعته لجنة مكافحة الأنشطة المعادية لأمريكا للمثول
أمامها بتهمة مناصرة الشيوعية، وكان المطلوبين الآخرون قد قرروا إهانة أعضاء اللجنة بالتعبير عن غضبهم واحتقارهم للاتهامات، أما بريخت فقد اختار أن يتبع أسلوبا أكثر حكمة. قرر أن يتلاعب بأعضاء اللجنة كما يلعب العازف بأوتار الكمان، فيسحرهم ويسخر منهم غي آن واحد. أخذ يتدرب على ردوده واستجاباته، ودعم المشهد بمحسنات بلاغية مثل تدخينه للسيجار ونفث دخانه أثناء الاستجواب لأنه كان يعرف أن أعضاء اللجنة يحبون السيجار. الحقيقة أنه استطاع أن يضلل اللجنة بالردود الملتبسة والمضحكة والمراوغة التي أتقنها بالتدريب. وبدلا من أن يعنّقهم بالتوبيخ المباشر والمنفعل أخذ يضللهم بعرض أخرجه جيدا وفي النهاية أطلقوا سراحه وبرأوا ذمته.
اللفتة النبيلة هي أحد التأثيرات الدرامية الأخرى التي يمكنك أن تستخدمها، وهي فعل تأتي به ذروة الصراع ليرمز إلى تفوقك أو إلى جرأتك. كان عبور قيصر لنهر الروبيكون [حيث يسيطر خصمه عرضا مسرحيا] لفتة نبيلة انبهر بها جنوده وجعلتهم يرون فيه بطلا أسطوريا لا يهاب الموت. عليك أيضا أن تقدر أهمية لحظة دخولك ولحظة خروجك من ساحة المسرح. في المرة الأولى التي التقت فيها كليوباترا بيوليوس قيصر في مصر، جاءته تلتفت في بساط جعلت خدمها يبسطونه بحيث تنكشف تحت قدميه. وقد تخلى جورج واشنطن مرتين عن السلطة في ذروة مجده وازدهاره (مرة حين كان جنرالا والأخرى حين رفض أن يتولى الرئاسة لفترة ثالثة)، وأثبت بذلك أنه يعرف كيف يقدر لكل لحظة أهميتها الدرامية والرمزية. عليك أنت أيضا أن تتقن الدخول والخروج في ساحات السطوة وأن تخطط لكليهما جيدا.
تذكر أن المبالغة في الأداء تضر ولا تنفع، فهي تظهر بأنك تتكلف وتجهد نفسك من أجل الحصول على انتباه الناس إليك. اكتشف الممثل المسرحي ريتشارد منذ بداياته المهنية أن وقوفه ساكنا تماما على المسرح كان يلفت إليه الأنظار ويبعدها عن


الممثلين الآخرين. الأهم ليس ما تفعله ولكن الكيفية التي تفعله بها، فرشاقتك وصمتك المهيب تفيدك على المسرح الاجتماعي أكثر من المبالغة في إظهار نفسك والتحرك الفارغ جيئة وذهابا.
أخيرا، تعلم أن تعلب أدوارا مختلفة وأن تتخير الدور الذي تقتضيه اللحظة، أن تغير قناع تعبيراتك بتغير الموقف، وأن تجعل وجهك بليغا في اتخاذ التعبير الملائم.
كان بسمارك يتقن هذه اللعبة، فقد كان ليبراليا مع الليبراليين ومتشددا مع المتشددين، ولم يكن أحد يستطيع أن يحدد حقيقته وما لا تستطيع أن تحدده لن تستطيع أن تهدده.
الصورة
بروتياس رب البحار عند الإغريق.
يستمد سطوته من قدرته على تغيير شكله بإرادته وحسب ما تقتضيه لحظته. حين حاول مينيلاوس أخو أجاممنون أن يمسك به حوّل بروتياس نفسه إلى أسد فثعلب فنمر فخنزير بري فماء جار وأخيرا إلى شجرة مورقة
اقتباس من معلم:كن لكل رجل ما يحب أن يراه، عالما مع العلماء وزاهدا مع الزاهدين، فذلك يكسبك الجميع لأن الطيور على أشكالها تقع. تعرّف على طباع ما تقابلهم وتعلم كيف تعامل الجاد والمرح معا وأن تغيّر مزاجك بحكمة حسب ما يقتضيه الموقف. (بالتسار جراتسيان 1601-1658).
عكس القاعدة:
ليس هناك عكس لهذه القاعدة الأساسية، فالمسرح السيء لا يكون إلا مسرحا سيئا. فحتى إظهار يتطلب فنا- أي تمثيلا. والأداء السيء لا يؤدي بصاحبه إلا إلى الإحراج. بالطبع عليك أن تتجنب المبالغة والهستيرية في الأداء، ولكن المبالغة من المسرح السيء في كل الأحوال لأنه يخالف القواعد العريقة للمسرح التي تشدد على إحكام الأداء.


26
لا تلوث يدك
بالأعمال الدنيئة
الحكمة:
عليك أن تظهر دائما مثالا للتحضر والكفاءة: احرص على أن تخلو سيرتك بين الناس من الأخطاء والأفعال المشينة، وتعّلم أن تخفي تورطك باتخاذ الآخرين كباش فداء ومخالب قط.


الجزء الأول: أخف أخطاءك وابحث عن كبش فداء يتحمل عنك اللوم:
تعتمد سمعتك على ما تخفيه أكثر من اعتمادها على ما تعلنه، فالجميع يرتكبون الأخطاء لكن الحاذق هو من يعرف كيف يخفي أخطاءه ويجعل غيره يتحمل عنه اللوم. عليك أن تحتفظ دائما بكبش فداء لمثل هذه المواقف.
مراعاة القاعدة 1:
في نهاية القرن الثاني الميلادي، كانت إمبراطورية هان العظيمة على وشك الانهيار. وقتها ظهر الوزير والقائد العسكري الكبير تساو تساو كأقوى رجل في الإمبراطورية. بدأ تساو تساو في شن حملة للاستيلاء على السهول الوسطى وهو ما كانت تحتمه الضرورة الاستراتيجية لكي يرسخ قاعدة سطوته ويتخلص من آخر منافسيه. أثناء حصاره لإحدى المدن الكبرى أخطأ في تقدير الوقت اللازم لوصول مؤونة الحبوب القادمة من العاصمة، وأثناء الانتظار تناقص مخزون المؤن كثيرا لدى الجيش وكان على تساو تساو أن يأمر متعهد الإمدادات بخفض حصص الطعام المخصصة للجنود.
كان تساو تساو يسيطر على جيشه بقبضة من حديد وينشر بين الصفوف شبكة من الجواسيس، وقد أخبره هؤلاء أن الجنود يذمرون من أنه يعيش حياة مترفة ويحتفظ بالمؤن لنفسه بينما لا يجدون هم قت يومهم. خاف تساو تساو أن ينتشر التذمر ويتحول إلى تمرد فاستدعى متعهد المؤن للحضور إلى خيمته.
قال تساو تساو للمتعهد «أريد أن تقرضني شيئا، وعليك أن لا ترد طلبي»، فسأله المتعهد «ما الذي تريده؟» أجابه تساو تساو «أريد أن استعير رأسك لأغراضها على الجنود» فصاح المتعهد «ولكني لم أخطئ في شيء»، فقال تساو تساو وهو يتنهد «أعلم. ولكن سيحدث تمرد إن لم آمر بقتلك، ولا تحزن لأني سأكرم أسرتك بعد رحيلك». ولم يكن أمام المتعهد خيارا إلا أن يتقبل قدره وقُطعت رأسه في اليوم نفسه. حين رأى الجنود رأس المتعهد معلقة ومعروضة على الملأ توقفوا عن التذمر،


وحتى من فهموا ما فعله تساو تساو آثروا الصمت وأظهروا الإيمان بحكمته وعدله بدى من التصريح بعجزه ومعاناة قسوته.
التعليق:
حقق تساو تساو سطوته في زمن شديد الاضطراب. كان عليه للاستيلاء على مقاليد الأمور في إمبراطورية هان المنهارة أن يواجه الأعداء من كل جانب، كما تبين له أن السيطرة على السهول الوسطى أصعب كثيرا مما تخيل، وكان عليه باستمرار العمل على توفير المال والمؤن، ولم يكن من الغريب وسط هذه الضغوط أن ينسى أن يطلب الإمدادات في الوقت الملائم.
بمجرد أن تبين أن التأخير كان خطأ فادحا قد يؤدي إلى حدوث تمرد، كان على تساو أن يختار بين أمرين: الاعتذار وتبرير الخطأ أو البحث عن كبش فداء. لكن تساو تساو كان يفهم الطريقة التي تعمل بها السطوة ويعرف أنها تعتمد على الحفاظ على المظاهر لذلك لم يتردد للحظة: أخذ يجول في المعسكر باحثا عن الرأس المناسب وقطعه فورا.
لا يمكن لنا أن نتوقف عن ارتكاب الأخطاء لأن العالم معقد ويظل يفاجئنا دائما بما لا نتوقعه، لكن رجال السطوة لا يشغلون أنفسهم بالتحسر على ما ارتكبوه من أخطاء بل بالطريقة الأمثل للتعامل معها، فهم كالجراحين الذين يعملون على استئصال الورم بسرعة ودون تردد، ولا يفيدهم الاعتذار والتبريرات لأنها أدوات غير قاطعة لا تصلح لمثل هذه الجراحات الدقيقة. الاعتذار يفتح الباب لتشكيك الآخرين في كفائتك ومقاصدك ويجعلهم يتساءلون إن كانت هناك أخطاء أخرى لم تعترف بها التبريرات لا تقنع أحد والاعتذار لا يمحو الخطأ بل يجعله يتعمق ويتقيح، والأفضل لك أن تستأصل فورا بأن تبعد عنك أنظار الآخرين وتحوّلها إلى كبش الفداء المناسب قبل أن يدرك الناس عجزك وتقصيرك.
أفضل أن أغدر بالعالم أجمع عن أن يغدر بي العالم
تساو تساو 155-200م


مراعاة القاعدة 2:
ظل سيزار بورجيا لسنوات طويلة يشن حملات باسم والده البابا ألكسندر للسيطرة على مناطق شاسعة من إيطاليا، واستطاع عام 1500 أن يستولي على رومانيا كان يحكم هذه المنطقة لسنوات ولاة جشعون ينهبون ثرواتها، ودون وجود شرطة أو جهات لحفظ النظام فرض اللصوص والأسر الإقطاعية سيطرتهم على أقاليم بكاملها. لكي يستعيد النظام عيّن سيزار قائدا عسكريا للمنطقة هو روميرو دي أوركو والذي وصفه نيقولو مكيافيلي بأنه «شخص قاس لا يرحم ولا يلين» وقد منحه سيزار السلطة المطلقة.
استطاع أوركو بالشدة والعنف أن يرسخ نظاما قاسيا للعدالة في رومانيا، وقضى على كل العناصر الخارجة على القانون. إلا أنه كان يشتط أحيانا في قسوته، وفي أعوام قليلة أصبحت جموع الناس ترفضه وتكرهه. في ديسمبر من عام 1502 اتخذ سيزار قرارا حاسما، فأشاع أولا أن الممارسات الرهيبة التي يرتكبها دي أوركو ليست بإقرار منه وإنما سببها الطبيعة الوحشية للرجل، وفي 22 ديسمبر أمر باعتقال أوركو في مدينة سيسينا، وفي اليوم التالي لاحتفالات رأس السنة استيقظ السكان على مشهد غريب وسط ساحة المدينة: كانت جثة أوركو مقطوعة الرأس في ثياب أنيقة ومعطف قرمزي، وبجانبها ثُبتت رأسه على رمح منتصب وبجوارها السكين والنطع للمستخدمين في تنفيذ الإعدام. وقد كتب مكيافيلي أكثر من أي شخص آخر.
كان استشفاف سيزار لمستقبل رومانيا مدهشا: فالعدالة الوحشية وحدها هي التي كانت قادرة على استعادة النظام في المنطقة، وأن تحقيق ذلك سوف يتطلب سنوات سيرحب الناس في بدايتها بالأمن ولكن مع الوقت سيزداد اعتراضهم على


القسوة والوحشية خاصة حين يفرضها غرباء. لذلك كان على سيزار أن لا يظهر منفذا أو مقرا لهذا النوع من العدالة لأن كراهية الناس له قد تدخله في مشكلات لا حصر لها في المستقبل، فاختار الرجل المناسب ليقوم عنه بهذه الأعمال القذرة، وكان يقدر أنه بمجرد انتهاء مهمة أوركو سيكون عليه أن يأمر بوضع رأسه على الرمح المنتصب. أي أنه في هذا الموقف كان كبش الفداء محددا من البداية.
كان من عادة الأثينيين الاحتفاظ بأشخاص منحطين وخاملين للتضحية بهم، وكان إذا حلت بهم كارثة كالطاعون أو الفيضان أو المجاعة يقودون [كباش الفداء] هؤلاء.. إلى خارج المدينة ويتخلصون منهم غالبا بالرجم.
الغصن الذهبي سير جيمس فريزر 1854-1941
مفاتيح للسطوة:
استخدام كباش الفداء قديم قدم الحضارة ذاتها، ونجد له أمثلة في كل ثقافات العالم، والفكرة هي نقل الذنب والخطيئة إلى كائن آخر- شيء أو حيوان أو إنسان ثم التضحية بهذا الكائن بالنفي أو الإفناء. كان العبرانيون يضحكون بكبش (ومن ذلك جاءت التسمية «كبش الفداء»)، كان الكاهن يضع كلتا يديه على رأس الحيوان ويعترف بخطايا بني إسرائيل كي تنتقل إليه الخطايا ثم يطلقونه في البرية. كان الأثينيون والأزتك يقدمون تضحياتهم بالبشر، وغالبا ما كان الضحايا أشخاصا يغدونهم ويربونهم لهذا الغرض. كانت عقيدتهم توحي لهم بأن الأوبئة ليست إلا عقابا من الآلهة على آثام البشر، أي أن الشعب لم يكن يتحمل الكوارث وحدها ولكن الذنب والمسئولية عنها أيضا، وكانوا يحررون أنفسهم من الذنب بنقله إلى شخص برئ يسترضون بموته الآلهة ويطردون به الشر عنهم.
من الطبائع البشرية العميقة والمميزة ميلهم إلى تنزيه ذاتهم عن الخطأ والجريمة والبحث خارج أنفسهم عن كبش فداء يتحمل عنهم اللوم والمسئولية. تذكر الأسطورة اليونانية أنه حين اجتاح الطاعون مدينة طيبة أخذ الملك أوديب يبحث عن أي شيء يكون السبب لكنه لم يفكر أبدا في خطيئته بارتكاب الزنا مع أمه


والذي أغضب الآلهة غضبا شديدا فعاقبت المدينة بالوباء. هذا الميل العميق لإبعاد الذنوب عن أنفسنا وإلقائها على شخص أو شيء آخر له سطوة هائلة يعرف الحاذقون كيف يستغلونها. التضحية شعيرة ولعلها أقدم الشعائر قاطبة لدى البشر ولكنها أيضا معين لا ينضب للسطوة. انظر كيف كان سيزار بعد أن قتل أوركو وضع جثته بطريقة رمزية وشعائرية أبعدت الذنب عنه وجعلت سكان رومانيا يتفهمون المغزى فورا، فلأننا بطبيعتنا نبحث عن الذنب خارج أنفسنا بدلا من داخلها لذلك يسهل علينا أن نتفهم إلقاء الذنب على كبش الفداء.
أصبحت إراقة دماء الضحايا من الذكريات الهمجية للماضي، لكن ما زالت التضحية بكباش الفداء قائمة بطرق رمزية وغير مباشرة. فالسطوة تعتمد على المظاهر وعلى رجال السطوة أن يظهروا للناس وكأنهم لا يخطئون، لذلك تظل للتضحية بكباش الفداء بين قادة اليوم نفس الرواج الذي كان لها بين قادة الأمس. فمن من القادة المعاصرين قد يكون مستعدا لتحمل المسئولية عن حماقاته وأخطائه القاتلة؟ جميعهم يبحث عن كبش الفداء المناسب للتضحية به في مثل هذه الأحوال.
حين فشلت الثورة الثقافية التي قام بها ماو تسي تونج في الصين فشلا ذريعا لم يعتذر أو يقدم التبريرات بل فعل ما فعله تساو وقدم للشعب كباش فداء منهم سكرتيرة الخاص وعضو آخر بارز في حزبه هو شن بوتا.
كان الرئيس الأمريكي فرانكلين د. روزفلت معروفا بأمانته وعدله، لكنه كان يواجه طوال تاريخه مواقف تجعله يرى أن طيبته ولطفه قد يعرضانه لكوارث سياسية، ولكنه أيضا لم يقبل أن يشيع عنه ارتكابه للأعمال القذرة. لذلك وطوال عشرين عاما ظل سكرتيرة لويس هووي يقوم بالدور الذي كان يلعبه أوركو، فكان يعتقد الصفقات السرية ويتلاعب بالصحافة ويقوم بالمناورات الدنيئة في الحملات الانتخابية، وحين كان يُكشف خطأ أو حيلة قذرة تناقض تصور الناس عنروزفلت كان هووي يقوم بدور كبش الفداء دون امتعاض أو تذمر.

إضافة لتلقي كبش الفداء اللوم عنك يمكنك أيضا أن تجعل منه عبره للآخرين في عام 1631 تم تدبيره مؤامرة لحرمان الكاردينال الفرنسي روتشيليو من سطوته، وهي مؤامرة عرفت لاحقا باسم يوما الأغبيا. اقتربت المكيدة من النجاح حيث شارك في التخطيط لها كبار رجال الدولة تساندهم الملكة الأم، لكن بالحظ والدهاء استطاع روتشيليو أن ينجو منها.
كان أحد المتآمرين الأساسيين هو حافظ الختم الملكي مورياك، ولم يكن روتشيليو يستطيع أن يسجنه دون أن يوّرط الملكة الأم وهو أمر بالغ الخطورة، ولذلك قرر بدلا من ذلك أن يستهدف أخا لمورياك كان يعمل مارشالا بالجيش ولم يشارك في المؤامرة. قرر روتشيليو أن يجعل من هذا الأخ عبرة تحسبا لوجود مؤامرات أخرى لا تزال تختمر ضده خاصة من داخل الجيش، فحاكمه بتهمة مختلفة وأعدمه. هكذا استطاع روتشيليو أن يعاقب الجاني الحقيقي الذي ظن نفسه محصنا وأن يحذّر من قد يفكرون في التآمر ضده في المستقبل من أنه لن يتورع عن التضحية حتى بالأبرياء للحفاظ على سلطته.
الحقيقة أنه قد يكون من الحكمة أن تضحي بأكثر من تجدهم من كباش الفداء براءة، فهم لا يملكون من السطوة ما يمّكنهم من محاربتك واعتراضاتهم الانفعالية ستبدو للآخرين مفرطة، كما تجعلهم استماتتهم في الدفاع عن أنفسهم يظهرون في عيون الناس مذنبين. لكن احذر أن تجعل منهم شهداء لأن غايتك هي أن تجعل الآخرين يرون فيك أنت الضحية، أي القائد المسكين الذي خانه تقصير من حوله.
فإن ظهر أن من تحمّله المسئولية ضعيفا للغاية وبدا العقاب قاسيا ستظهر أنت الخاسر في النهاية، ومن الفطنة أحيانا أن تبحث عن كبش فداء أكثر سطوة حتى لا ينال تعاطف الناس على المدى الطويل.
على نفس المنوال، بيّن لنا التاريخ كثيرا فائدة اتخاذ الرفقاء المقربين كباش فداء، ويعرف ذلك باسم «ذلة الأعزة». كل ملك لديه عزيز أو أكثر من البلاط يقربهم منه


دون أسباب واضحة أحيانا ويغدق عليهم بالاهتمام والحظوة. إلا أن هؤلاء الأعزة يصلحون كباش الفداء ممتازة حين تشوف سمعة الملك شائبة، حيث سيصدق الناس بسرعة أن هذا العزيز قد أذنب، ويرون أن الملك لن يضحي بشخص أحبه وقدّره إلا إن كان قد أذنب فعلا، كما أن رجال الصفوة الآخرين الذين يبغضون هذا العزيز ويحسدونه على حظوته سيفرحون برؤية ذلته. وأخيرا سوف يتخلص الملك من رجل ربما قد عرف عنه الكثير أثناء تقربه منه، بل ربما يكون قد أصابه الغرور أو حتى التجرؤ على الملك. اختيارك أقرب كباش فداء يشبه «ذلة الأعزة». قد يُخسرك ذلك صديقا أو مُعينا لكن على المدى الطويل سيكون من الأفضل لك أن تخفي خطأك على أن تحتفظ بشخص قد ينقلب ضدك ذات يوم، كما سيكون من السهل عليك أن تستبدله بأن أقرب منك غيره.
الصورة
الكبش البريء
يوم التكفير يأتي الكاهن بالكبش إلى المعبد ويضع كلتا يديه على رأسه. ويعترف بخطايا الشعب. وينقل الذنب إلى من لا ذنب له. ثم يقوده إلى البرية وهناك يتركه، وتضيع معه الشرور ويتحرر الناس من ذنوبهم.
اقتباس من معلم: الأحمق ليس من يرتكب الحماقة ولكن من لا يستطيع أن يخفيها. كل الناس يخطئون لكن يخفي الحكيم ذلته أما الجاهل فينشر أخطاءه على الملأ. تأتي السمعة الطيبة غالبا بقدر ما تخفيه عن الناس وليس بقدر ما تظهره لهم. فإن لم تستطع أن تكون بارعا فاعمل على أن تكون حريصا. (بالتسار جراتسيان 1601-1658).
الجزء الثاني: استخدام مخلب القط:
تحكي لنا الخرافة أن الحمار حين أراد أن يُخرج الفستق من النار أمسك بمخلب القط صديقة لينال به ما يريد أن يحرق نفسه.
إن كان عليك أن تفعل شيئا بغيضا أو لا يسر الناس، فلا تخاطر بأن تفعله بنفسك، بل استعن بمخلب قط؛ أي بشخص يقوم عنك بالأعمال القذرة. مخلب


القط يأتي بما تريد إيذائهم ويبعد عنك المسئولية. دع شخصا آخر يكون الجلاد أو نذير السوء ولا تكن أنت إلا بشيرا بالخير والسرور.
مراعاة القاعدة 1:
في عام 59 ق.م. وفي العاشرة من عمرها شاهدت كليوباترا التي أصبحت لاحقا ملكة لمصر خلع أبيها بطليموس الثاني عشر عن العرش ونفيه إلى خارج مصر على يد بناته الأخريات- أي أخواتها الأكبر منها. قادت التمرد أختها برنيس والتي أكدت انفرادها بالحكم بقتل زوجها والحكم على باقي أخواتها بالسجن. ربما كان ذلك ضروريا لتأمين حكمها، لكن قيامها علانية بهذا العنف ضد أسرتها رغم كونها من العائلة الملكية وبعد ذلك كملكة أرعب رعاياها وأثارهم ضدها، وبعد أربع سنوات نجح التمرد في إعادة بطليموس إلى الحكم فأمر بقطع رأس برنيس وبناته المتآمرات الأخريات.
في عام 51 ق.م. مات بطليموس وترك أربعا من البنات والأبناء وحسب العرف المعمول به في مصر وقتها تزوج الابن الأكبر بطليموس (وكان عمره عشر سنين) من أخته الكبرى كليوباترا (وكانت في الثامنة عشرة)، واعتلى الزوجان العرش كملك وملكة، ولكن لم يرض أحد من نسل بطليموس عند وضعه وكان الجميع يطمحون ومنهم كليوباترا إلى الحصول على المزيد من السطوة، وتصاعد الصراع بين بطليموس وكليوباترا وكان كل منهما يريد تنحيه الآخر عن العرش.
في عام 48 ق.م. وبمساعدة من رجال في الحكومة كانوا يخشون من طموحات كليوباترا نجح بطليموس في إجبار أخته على الرحيل عن البلاد ليصبح الحاكم الأوحد. في المنفى كانت كليوباترا تخطط كي تعود للحكم وتنفرد به دون منافس، وكانت تطمح في أن تستعيد لمصر أمجادها القديمة، وهو هدف كانت تعرف أن أحدا من إخوانها لن يستطيع أن يحققه، وأنها لن تستطيع ذلك هي أيضا طالما هم على قيد الحياة. لكن ما حدث لبرنيس قد بين لها بوضوح أن أي امرأها يراها الناس تقتل أهلها لن تستطيع أن تكون ملكة، بل حتى بطليموس لم يستطع أن يقتل كليوباترا بالرغم من معرفته بأنها تتآمر ضده مع منفاها خارج البلاد.


بعد عام من نفي كليوباترا وصل الديكتاتور الروماني يوليوس قيصر إلى مصر عازما أن يضمها إلى مستعمرات روما. رأت كليوباترا في ذلك فرصتها فدخلت إلى مصر متخفية وسافرت آلاف الأميال لمقابلة قيصر في الإسكندرية، وتقول الأسطورة أنها تسللت إلى قيصر ملفوفة في بساط تم مده بلطف تحت قدميه لتخرج منه الملكة الشابة. بسرعة بدأت كليوباترا في إلقاء شباكها على القيصر وتلاعبت بهوسه بالفخامة وإعجابه بالتاريخ المصري وأغدقت عليه من سحر أنوثتها، وبالفعل استسلم الطاغية وأعادها إلى حكم مصر.
اغتاظ إخوان كليوباترا من تفوقها عليهم في المناورة، ولم يستطع بطليموس الثالث عشر انتظار ما سيحدث بعد ذلك، ومن منزلة في الإسكندرية بدأ يحشد جيشا للزحف على المدينة وقتال جيش قيصر، فرد قيصر بوضع بطليموس وباقي الأسرة الملكية تحت الإقامة الجبرية في قصرهم، ولكن استطاعت الأخت الصغرى آريسون أن تهرب وأن تقود القوات المصرية التي تقترب من المدينة، وأعلنت نفسها ملكة لمصر. رأت كليو باترا في ذلك فرصتها: أقنعت قيصر بإطلاق سراح بطليموس من الإقامة الجبرية بعد أن وعد بالتوسط لإقرار الهدنة، وبالطبع كانت متأكدة من أنه سيفعل عكس ذاك وينازع آريسون على قيادة الجيش المصري، ولكنها رأت في ذلك فائدة لها لأنه سيفتت الأسرة الملكية وسيوفر الفرصة لقيصر لهزيمة إخوانها وقتلهم في المعركة.
بالاستعانة بقوات من روما استطاع قيصر بسرعة أن يسحق المتمردين، وغرق بطليموس في النيل أثناء تقهقر الجيش المصري، وتمكن قيصر من أسر آريسون وأحتجزها أسيرة في روما، وأمر بإعدام الأعداء الكثيرين الذين تآمروا ضد كليوباترا وسجن من عارضوها. لتأكيد وضعها كملكة شرعية لمصر تزوجت كليوباترا من أخيها الأصغر بطليموس الرابع عشر ولم يكن يتجاوز الحادية عشرة من عمره وكان أضعف إخوانه جميعا، وبعد أربع سنوات مات بالسم ميتة غامضة.
في عام 41 ق.م وظفت كليوباترا لتحقيق أغراضها قائدا رومانيا آخر هو مارك أنطونيو، باستخدام نفس الأسلوب الذي نجح مع قيصر. وبعد أن أوقعته في حبائلها


أوعزت إليه أن أختها آريسون التي كانت لا تزال أسيرة في روما تتآمر للقضاء عليه.
صدقها أنطونيو وأمر بقتل آريسون وبذلك خلّصها من آخر خطر قد يهدد حكمها.
التعليق:
تحكي الأساطير أن نجاح كليوباترا كان قائمًا على فتنتها وقدرتها على الإغواء، ولكن الحقيقة أن ما منحها السطوة هو براعتها في جعل الآخرين يتهافتون على تحقيق مصالحها دون أن يشعروا أنها تتلاعب بهم، فلم يكتف قيصر وأنطونيو بتخليصها من أخواتها وحسب بل استمرا في القضاء على كل أعدائها في الجيش والحكومة. كان الرجلان مخلبي قط في يد كليوباترا؛ يواجهان من أجلها النيران، ويقومان عنها بالأعمال القذرة اللازمة لتأمين حكمها ويبعدان عنها شبهات القضاء على إخوانها وأقرانها من المصريين، وفي النهاية أذعن الرجلان لرغبتها في حكم مصر لا كمستعمرة بل كمملكة مستقلة حليفة لروما. فعلا كل ذلك من أجلها دون أن يشعر أي منهما أنها تستغله أو تتلاعب به، وتلك هي القدرة على إقناع الآخرين والأخذ بألبابهم في ألطف وأمهر صورها.
على الملكة أن لا تلطخ يديها أبدا بارتكاب الأعمال القذرة، وعلى الملوك والحكام أن لا يظهروا للجمهور ووجوههم مخضبة بالدماء، على الرغم من أن السطوة لا تنجو وتزدهر دون سحق الأعداء والمنافسين، ولا يستطيع حاكم أن يحافظ على عرشه دون القيام ببعض المهام الصغيرة القذرة، وعليك أنت أن تقتدي بكليوباترا وتجد لنفسك مخلب قط.
يكون ذلك المخلب عادة شخص من خارج دائرة المقربين حتى لا يعرف أنك تستغله، وسوف تجد مثل هؤلاء السذج والأغبياء منتشرين حولك في كل مكان، يسرهم أن يقدموا لك الخدمات لنيل حظوتك خاصة إن ألقيت إليهم ببعض الفتات، ويقومون عنك بأعمال يظنونها بريئة أو مبررة وينشرون المعلومات التي تقدمها لهم ودون قصد يرسخون مواقفك ويدمرون أشخاصًا لا يعرفون أنهم أعداؤك ملطخين أيديهم بينما تبقى يداك أنت نظيفتان.

مراعاة القاعدة 2:
في أواخر 1920ت اندلعت في الصين حرب أهلية بين الحزبين القومي والشيوعي للاستيلاء على الحكم، وفي عام 1920 أقسم شيانج كاي شك قائد القوميين أنه سيقطع دابر الشيوعيين من البلاد، واقترب في السنوات التالية بالفعل من تحقيق هدفه، وطاردهم بقسوة إلى أن دفعهم في العامين 1934- 1935 إلى الخروج فيما عرف بالزحف الطويل، أي الانسحاب لستة آلاف ميل من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي للبلاد عبر أراض وعرة وقاسية، وأثناء ذلك قضى على أغلب قياداتهم العليا. في عام 1936 كان شيانج يخطط للقيام بهجمة أخيرة تنهي على ما تبقى من الشيوعيين لكن وقع تمرد واعتقل الجنود شيانج كاي شك وسلموه للشيوعيين، ولم يكن شك يتوقع إلا أسوأ مصير.
في هذه الأثناء بدأ الغزو الياباني للصين، واندهش حين رأى قائد الشيوعيين بدلا من الأمر بتعذيبه وقتله يعرض عليه صفقة: أن يخلي الشيوعيون سراحه ويعترفون بقيادته لقواتهم مع قواته إن وافق على محاربة عدوهما المشترك. لم يصدق شيانج نفسه، وشعر أن الشيوعيين قد أصابهم الوهن، وشعر أنه بدون أن يشتت جيشه في محاربتهم سيكون من السهل عليه أن يهزم اليابانيين وبعدها ينقلب ويتفرغ لحربهم من جديد وحينها سيهزمهم بسهولة. رأى أنه لن يخسر أي شيء ويكسب كل شيء إن وافق على الشروط التي طرحها الشيوعيون.
حارب الشيوعيون اليابانيين بطريقتهم المعهودة أي حرب العصابات الخاطفة بينما حارب القوميون حربا تقليدية كجيش منظم، وبعد سنوات استطاعا معا دحر اليابانيين وعندها فقط أدرك شيانج ما كان ماو تسي تونج يخطط له من البداية: أضعفت مواجهة المدفعية اليابانية القوية جيش القوميين كثيرًا فأصبح يحتاج لسنوات ليتعافى أما الشيوعيون فلم يتجنبوا تعريض أنفسهم لضربات مباشرة فحسب بل استغلوا الوقت في تنظيم أنفسهم والانتشار وكسب ثغور في كل أنحاء الصين، وبمجرد أن انتهت الحرب مع اليابانيين بدأت الحرب الأهلية من جديد،

لكن هذه المرة استطاع الشيوعيون تطويق القوميين المنهكين وأخضعوهم بالتدريج. هكذا كان اليابانيون مخلب قط لماو وبدون أن يقصدوا مهدوا الأرض للشيوعيين ومكنوهم من تحقيق النصر على شيانج كاي شك.
التعليق:
كثيرون من القادة حين يقع في أيديهم عدو قوي مثل شيانج كاي شك لا يترددون في قتله، إلا أنهم بذلك يفقدون الفرصة التي استغلها ماو. بدون خبرة شيانج كقائد للقوميين كان القتال لإجلاء اليابانيين سيستمر طويلا وقد يأتي بنتائج كارثية. كان ماو أذكى من أن يترك غضبه يضيع عليه فرصة اصطياد عصفورين بحجر واحد، الحقيقة أن ماو استعمل مخلبي قط لتحقيق انتصاره الشامل. أولاً، أغرى شيانج بمهارة أن يتولى قيادة الحرب ضد اليابانيين، وكان يعلم أن القوميين سيقومون بالجوانب الصعبة من القتال وأنهم سينجحون في دحر الجيش الياباني حين لا تشتتهم محاربة الشيوعيين، أي أن القوميين كانوا مخلب القط الأول وقد استخدمه ماو لطرد اليابانيين. ولكن ماو كان يعلم أيضًا أن المدفعية وسلاح الجو اليابانيين سيجهدان القوات التقليدية لدى القوميين ويحدثان بها دمارا لم يكن الشيوعيون يستطيعون إحداثه في عقود، ولماذا إهدار الوقت والدماء إن كان اليابانيون سيقومون عنهم بهذا الدور ويحققون لهم مرادهم بطريقة أكفأ وأسرع؟.
تلك السياسة الحكيمة لاستخدام مخلب قط بعد الآخر هي التي مكنت الشيوعيين من الانتصار والحكم.
هناك استخدامان لمخلب القط: أولهما الحفاظ على المظاهر كما فعلت كليوباترا، والثاني الحفاظ على الطاقة والجهد، وهذا الأخير يتطلب منك بشكل خاص التخطيط لعدة خطوات مسبقا وأن تعرف أن خطوة مؤقتة للخلف (مثل إطلاق سراح شيانج) قد تمنحك قفزة عملاقة للأمام. إن شعرت لفترة بالوهن والإجهاد واحتجت وقتًا للتعافي يكون من الأصلح لك غالبًا أن تجد آخرين تستخدمهم في

نفس الوقت كستار دخان يخفي نواياك وكمخلب قط يحقق لك ما تريد: ابحث عن طرف ثالث يمتلك السطوة ويعادي عدوك (حتى ولو لأسباب غير أسبابك)، واستفد من سطوته في كيل اللكمات التي كانت لتكلفك الكثير من الطاقة لأنك أضعف، بل قد يكون عليك أن تستفز هذا الطرف بدهاء وتستنفر عدائيته ضد عدوك. ابحث دائمًا عن المتحفزين للعداء كمخالب قط لأنهم دائمًا متحفزون للدخول في الصراع ويمكنك أن توجههم للصراع الذي يخدم مصالحك.
مراعاة القاعدة 3:
كان كورياما دايزن بارعًا في طقوس تقديم الشاي الياباني وكان تلميذًا للمعلم العظيم لهذه الطقوس صن نو ريكيو. في عام 1620 علم دايزن أن صديقه هوشينو سويمون قد اقترض مبلغًا كبيرًا من المال لسداد دين أحد أقربائه أثقلته القروض وهكذا خلّص صديقه بأن حمل عنه وزره. كان دايزن يعرف جيدًا أن سويمون لا يشغله المال وأنه بدخله البسيط سيتأخر عن سداد الدين لكاواشيا سانيمون- التاجر الذي اقترض منه المال- وأن ذلك سوف يدخله في المتاعب، وكان يعلم أيضًا أنه لو عرض على سويمون أن يسدد عنه الدين لرفض وشعر بالمهانة.
ذات يوم كان دايزن يزور صديقه وأثناء تجوله في حديقة المنزل لفت نظره بعض النباتات الجميلة وحين عادا وجد أن سويمون قد أرسلها إلى مجلس الاستقبال حتى يتمتع دايزن برؤيتها، وفي المجلس رأى أيضًا لوحة رسمها المعلم كانو تينيو وصاح «ها.. إنها حقًا لوحة رائعة.. بل لعلها تكون أجمل لوحة رأيتها في حياتي». وأخذ يكرر إعجابه باللوحة حتى أصبح من الصعب على سويمون أن يرفض إعطاءها له، فقال له سويمون «حسنًا. إن كانت قد أعجبتك إلى هذا الحد، فأرجو أن تتقبلها مني كهدية».
ادعى دايزن الرفض في البداية ولكن مع إلحاح سويمون قبلها. في اليوم التالي تلّقى سويمون في المقابل صندوقًا ومعه بطاقة يطلب فيها دايزن من صديقه هذا التعبير عن امتنانه لكرم سويمون في إهدائه اللوحة. داخل الصندوق وجد سويمون

مزهرية رقيقة ورائعة صنعها المعلم صن نو ريكيو بنفسه وعليها إهداء من الإمبراطور هديوشي. كان في البطاقة تعليق إضافي أنه في حالة لم يرد سويمون الاحتفاظ بالهدية يمكنه أن يهديها لأحد المقربين منه حسب إرادته كالتاجر كاوشيا سانيمون الذي صرّح كثيرًا برغبته في امتلاكها «ولقد سمعت أن لديه تحفة ورقية جميلة [يقصد إيصال الدين] يمكنك أن تبادله بها».
حين أدرك المسعى الكريم لصديقه أخذ المزهرية إلى صاحب القرض والذي قال حين رآها «من أين حصلت على هذه التحفة. لقد سمعت عنها كثيرًا ولكن تلك أول مرة أراها فهي لا تخرج عن بوابات القصر الإمبراطوري». عرض عليه كاواشيا سانيمون أن يرد له في المقابل الإيصال وفوقه مثل دينه ولكن سويمون لم يكن من النوع الذي يهتم بالمال ولم يكن يعينه إلا أن يسترد الإيصال فأعاده إليه كاواشيا سانيمون مسرورًا. ثم تّوجه سويمون بسرعة إلى دايزن يشكره على مساعدته البارعة والنبيلة.
التعليق:
كان دايزن يعرف أن تقديم المعروف إلى الناس لا يكون أبدًا سهلاً عليهم: فإن قدمته لهم بجلبة وخيلاء تشعرهم بأنهم مثقلون بالدين لك والالتزام نحوك وذلك قد يمنحك سطوة لكنها سطوة تدمر نفسها بنفسها لأنها تبث في الناس المرارة والاستياء وفي النهاية يجحدونك. إيتاء المعروف بلطف وأناقة تعطيك سطوة أكبر من ذلك بعشرات المرات. فهم دايزن أن المنح المباشر لن يؤدي إلا إلى إشعار سويمون بالإهانة، ولكن حين جعل صديقه يعطيه اللوحة أشعره أنه أيضًا لديه ما يسعد صديقه، وفي النهاية انتهي الأطراف الثلاثة وهم يشعرون بالرضا، كلٌ لأسبابه الخاصة.
الخلاصة أن دايزن جعل من نفسه مخلب قط لسويمون، أي الأداة التي تخرج له الفستق من النار. ربما حزن على خسارته للمزهرية ولكنه حصل في المقابل على سطوة رجل الصفوة. رجل الصفوة يستخدم يديه في قفازين من الحرير ليخفف بها

أي ضربات توجه إليه وليخفي بها جراحه ويسترد مكانته بلطف وأناقة. وبمساعدته للآخرين يساعد رجل الصفوة نفسه في النهاية. ما فعله دايزن يقدم نموذجًا للكيفية التي يجب أن يتقدم بها أي صديق بالإحسان لصديقه: لا تستعرض أبدًا إحسانك إليهم بل اجعل نفسك مخلب قط يخّلص أصدقائك من الكرب دون أن تشعرهم بأنهم مدينون لك.
على المرء دائمًا أن لا يتخذ الطرق المباشرة والمستقيمة في التعامل مع أمور الحياة. انظر للغابة وستجد أن الأشجار التي تقف مستقيمة تقطع بينما الأشجار الملتوية تظل قائمة.
كوتليا. فيلسوف هندي. القرن الثالث ق.م.
مفاتيح للسطوة:
قد تظن أن عليك لكي تؤكد قيادتك أن تظهر دائمًا أكثر كدا واجتهادًا من الآخرين وأن تفانيك يمنحك السطوة. الحقيقة أن العكس هو الصحيح: فذلك يظهرك ضعيفًا. حيث يسأل الناس ما الذي يجعلك تعمل بهذا الجهد؟ وقد يرونك غبيا تجهد نفسك لتحقق ما يحققه الآخرون ببساطة، أو أنك من النوع الذي لا يستطيع أن ينال مساعدة الآخرين ويتوجب عليه أن ينجز كل شيء بنفسه. رجل السطوة الحقيقي هو من لا يظهر أبدًا مثقلاً بالجهد أو متعجلاً لإتمام الأمور، وبينما يهلك الآخرون أنفسهم في العمل يستمتع هو بقضاء الأوقات اللطيفة لأنه يعلم كيف يجد الأشخاص الذين يؤدون عنه جهده ويبعدونه عن المخاطر. وقد تظن أيضًا أن قيامك بالأعمال القذرة بنفسك وانخراطك في تنفيذ ما يثير استياء الآخرين يجعلهم يخافونك ويستجيبون لسطوتك، لكن الحقيقة أن ذلك يجعلهم يرونك قبيحًا ومغرورًا بالسطوة التي تمنحها لك سلطتك. أصحاب السطوة الحقيقيون هم من لا يلوثون سيرتهم بإنجاز الأعمال الدنيئة بأنفسهم ولا يرى الناس منهم إلا الإنجازات المجيدة.
من المؤكد أنك كثيرًا ما تجد نفسك مجبرا على الكدح وبذل الجهد أو على فعل أمور شريرة، لكن عليك أن لا تظهر للناس أنك تفعل أيا من ذلك. ابحث عن

الأشخاص الذين يصلحون كمخالب قط ودرب نفسك على فن اكتشافهم وتوظيفهم وتوقيت استخدامهم والتخلص منهم حين ينتهي دورهم.
ذات ليلة وأثناء معركة هامة من معارك الأنهار وجد المخطط الاستراتيجي الصيني العظيم في القرن الثالث شوكو ليانج أنه متهم ظلمًا بالتآمر لصالح العدو، وكان عليه كلي يثبت ولاءه أن يحصل للجيش على 100000 سهم خلال ثلاثة أيام وإلا يُحكم عليه بالموت. بدلا من أن يحاول ليانج تصنيع السهام والذي كان مستحيلاً أخذ عشر مراكب وملأها بحزم من القش، وقبل الغروب وحين أخذ الضباب يصّعب الرؤية خلال النهر أرسل المراكب نحو معسكر الأعداء. لم تشتبك قوارب العدو مع مراكب ليانج خوفًا من وجود فخ ينصبه لهم داهية الحرب وسط هذا الضباب بل أمطروهم بوابل من السهام والتي كانت تلتصق بالقش وبعد عدة ساعات عاد البحارة المختبئون بالمراكب واستقبلهم ليانج وجمع ما يزيد عن المائة ألف سهم المطلوبة.
لم يكن ليانج يفعل أبدًا ما يمكن أن يفعله عنه الآخرون، وكان دائمًا يلجأ إلى حيل من النوع الذي ذكرناه. كان مفتاح استراتيجيته هو التفكير مقدمًا وابتداع الطرق التي تغري الآخرين بفعل ما يكون عليه هو أن يفعله.
العنصر المصيري لإنجاح هذه الاستراتيجية هو إخفاؤك لأهدافك وإحاطتها بالغموض وجعلها تبدو للعدو كقوارب ليانج التي ظهرت فجأة خافتة في الضباب. وحين لا يدري منافسوك طبيعة ما تقدم عليه يتصرفون بطرق تضعفهم على المدى الطويل، بل الحقيقة أنهم يصبحون مخالب قط بين يديك. إخفاؤك لمقاصدك يسّهل عليك أن تقودهم لتحقيق بالضبط ما تريده حين لا يكون من الأفضل لك أن تفعله بنفسك، وقد يتطلب منك هذا أن تخطط لعدة خطوات مسبقا مثل كرة البلياردو التي تقفز بضع مرات على جوانب الطاولة قبل أن تسقط في النهاية في الحفرة الصحيحة.

كان الفتي الأصفر وايل المحتال الأمريكي المبدع في بدايات القرن العشرين يعرف أنه مهما بلغت براعته في انتقاء ضحيته والتقرب منه فإنه كشخص غريب عنه لا يكون في استطاعته أبدًا أن ينال ثقته بمفرده، ولذلك كان يبحث عن شخص مقرب من الضحية ويستخدمه كمخلب قط. كان الشخص المختار أقل على سلم السطوة ولا يغري أحدًا بالاحتيال عليه ولذلك يكون أقل ارتيابا، وكان وايل يبدأ بإثارة حماس هذا الرجل بخطة للحصول على ثروة هائلة في وقت قليل. بعد أن يصدق مخلب القط بإمكانية تحقيق الخطة غالبًا ما يقوم دون استنفار باقتراح مشاركة رئيسه أو صديقه الثري: حيث يكون لديه الكثير من المال ليستثمره وترتفع بذلك أرباح الجميع، وهكذا يضم مخلب القط الضحية الذي كان يريده وايل من البداية وعندها لن يشعر بالارتياب في الاحتيال لأن من يستدرجه هو مرؤوسه أو صديقه الذي يعرفه جيدًا. الحيل التي من هذا النوع هي الوسيلة الأمثل للتقرب من أصحاب السطوة: فمخلب القط هنا يرسخ مصداقيتك ويبعد عنك قبح أن تظهر ملحا في التودد.
الطريقة الأسهل والأكثر فعالية لاستخدام مخلب القط تكون غالبًا بزرع معلومات لديه ينقلها إلى الشخص الذي تستهدفه. وتعد الشائعات والمعلومات المزيفة من الأدوات القوية خاصة حين ينقلها شخص يعرف عنه الجميع الصراحة وعدم القدرة على المراوغة أو التلاعب. حينها يسهل عليك أن تدعي البراءة وإخفاء أنك مصدر هذه الشائعات.
كان المعالج النفسي الاستراتيجي د. ميلتون هـ. إريكسون كثيرًا ما يقابل حالات من بين مرضاه تكون فيها الزوجة راغبة في العلاج بينما يرفضه الزوج رفضًا قاطعًا، وكان الدكتور ميلتون يلجأ بدلا من التعامل الصعب لإقناع الزوج يبدأ بمناظرة الزوجة وحدها وينقل إليها تفسيرات لسلوكيات زوجها يعرف أنها ستغضبه حين يسمعها، وكان متأكدًا أن الزوجة ستنقل لزوجها هذه التفسيرات وبعد أسابيع لا يتحمل الزوج ويصر على حضور الجلسات مع زوجته حتى يصحح للطبيب أخطاءه.

أخيرًا فإن هناك مواقف يؤدي فيها قيامك عمدًا بدور مخلب قط من أجل آخرين إلى حصولك على سطوة كبيرة. ذلك هو دهاء رجل الصفوة الماهر، وكان رمزه الأمثل السير والتر رالي الذي ألقى ذات مرة بمعطفه على الأرض الموحلة لتعبر عليه الملكة إليزابيث حتى لا يتسخ حذاؤها. وحين تدفع عن وليك أو صديقك المقرب بؤسا أو خطرًا ستجده يكن لك احترامًا كبيرًا، وسوف يأتيك مردود ذلك عاجلاً أو آجلاً. تذكر: حين تجعل مساعدتك تبدو رقيقة وعن طيب نفس سترتد عليك بسخاء وسطوة أكثر كثيرًا عن لو بذلتها بمن وافتخار.
الصورة
مخلب القط.
للقط مخالب طويلة يمسك بها الأشياء، وهي ناعمة ومبطنة.
أمسك بالقط واستخدم مخلبه لتلتقط به الأشياء من النار أو
لتغرسه في صدر عدوك وتتلاعب به كما يتلاعب القط بالفأر قبل أن
يلتهمه. قد تؤذي القط أحيانا لكن في أغلب الأحيان لن يشعر بشيء.
اقتباس من معلم: افعل كل ما يسر الناس بنفسك أما الأشياء المزعجة فاجعل طرفا آخر يقوم بها عنك، فالأولى تمنحك الحظوة أما الثانية فتستثير عليك المرارة وتجلب إليك الضغينة. والناس يكرمون أو يعاقبون من يقوم بأعمال تؤثر فيهم، فاجعل الخير يأتي منك بينما تأتي الشرور من آخرين (بالتسار جراتسيان، 1601- 1658).
عكس القاعدة:
عليك أن تكون في غاية الحذر والحرص حين تستخدم مخلب القط أو كبش الفداء، فهما كستائر تخفي بها عن الجماهير تورطك في أعمال دنيئة، وأن رُفع الستار في أي لحظة وتبين أنك المتلاعب والممسك بالدمى تنقلب هذه التقنية ضدك- وتجد الناس يحّملونك وزر أخطاء لم ترتكبها وتتداعى إليك المشاكل كانهيار الثلوج وتفقد السيطرة على الأمور.

في عام 1572 تأمرت كاترين دي مديتشي ملكة فرنسا للتخلص من جاسبار دي كولوني وكان أدميرالا في البحرية الفرنسية وقائدًا لطائفة البروتستانت الفرنسيين، وكانت تجمع الأدميرال صداقة حميمة مع تشارل التاسع ابن كاترين، وكانت كاترين تخشى من تأثيره على الملك الشاب، ولذلك رتبت أن يغتاله أحد أفراد عائلة جيس وكانت من أقوى العشائر الملكية في البلاد.
في السر كان لدى كاترين ترتسيبات أخرى: أن يلقى البروتستانت على عائلة جيس مسئولية قتل قائدهم وأن ينتقموا له منهم، وبذلك وبضربة واحدة تمحق أو على الأقل تضعف أخطر منافسيها أي كولوني وعائلة جيس. لكن خطتها فشلت فشلاً ذريعًا في الأمرين معًا، فلم ينجح القاتل حيث أصاب كولوني دون أن يقتله. وكان كولوني يعرف أن الملكة تكرهه ولذلك توجهت إليها شكوكه وأخبر الملك بذلك، وفي النهاية أدى فشل الاغتيال وما تبعه من اضطرابات إلى تداعي الأحداث التي وصلت ذروتها في الحرب أهلية بين الكاثوليك والبروتستنات تطورت إلى مذبحة مريعة قتل فيها آلاف البروتستانت ليلة الاحتفال بيوم القديس بارثلمو.
إن كنت مضطرًا أن تستخدم مخلب قط أو كبش فداء لإخفاء فعل له توابع جسيمة فعليك أن تكون في غاية الحرص والحذر: لأن استخدامهم بتهور قد ينقلب عليك، ومن الحكمة غالبًا أن تدخر هؤلاء السذج لتحقيق طموحات بريئة حتى لا تُلحق بك أخطاؤهم وتصرفاتهم غير المتوقعة أضرارًا جسيمة.
أخيرًا فإن هناك أوقات لا يكون فيها من مصلحتك إخفاء مسئوليتك أو مشاركتك عن خطأ ارتكبته، فحين تكون سطوتك آمنة عليك أحيانًا أن تلعب دور النادم: بنظرة حزينة تطلب الغفران ممن هم أضعف منك، وأن تقوم بدور الملك الذي يبدي تفانيه وتضحيته بنفسه من أجل شعبه. وكذلك يكون عليك أحيانًا أن تظهر منّفذا للعقاب لتبث الخوف والرهبة لدى أتباعك، وبدلا من التخفي خلف مخلب قط تظهر قدرتك كإشارة تهديد. لكن عليك أن لا تقوم بهذا الدور إلا في مواقف استثنائية لأنك لو أكثرت من استخدامه سيتحول الخوف إلى رفض

وكراهية وقبل أن تستعد ستطلق هذه المشاعر شرارة تمرد ومعارضة ستسقطك ذات يوم عن سطوتك. عليك إذن أن تعتاد على استخدام مخلب القط لأنه أأمن كثيرًا.

القاعدة
27
ابتدع صيحة أو مذهبًا
ليتبعك الناس ويمجدونك
الحكمة:
لدى البشر رغبة لا تقاوم في الإيمان بشيء- أي شيء، وعليك أن تجعل من نفسك رمزًا ملهما لآمالهم واعتزازهم بأنفسهم؛ بأن تقدم لهم سببًا أو قضية يبذلون أنفسهم من أجلها.. قدم لهم أفكارًا تستثير حماستهم بكلمات توحي ولا تحدد تبشر ولا تنفر. اجعل شغفهم وشاعريتهم يتفوقان على المنطق والواقعية. اصنع لهم طقوسًا يؤدونها واطلب منهم أن يبذلوا التضحيات باسمك، فحين تضعف عقيدة الناس وإيمانهم سيمنحك مذهبك سطوة عليهم لا تحدها حدود.

علم الشعوذة- خمس خطوات بسيطة تجذب إليك الأتباع:
عند بحثك الذي لا غنى عنه عن الطرق التي تكسبك أكبر سطوة بأقل مجهود ستجد أن أكثرها فعالية هو أن تصنع لنفسك طائفة من الأتباع. كثرة الأتباع تفتح لك بابا واسعًا لأنواع من الخداع تظهرك فوق البشر. حينها لن يمجدك الناس فحسب بل يصدون عنك أعداءك ويتنافسون في جذب أتباعًا جدد إلى طائفتك الفتية، وسوف تأخذك هذه السطوة إلى أفق جديد ولا يكون عليك بعدها أن تكافح أو أن تتحايل لينفذوا لك ما تريد، بل سيفعلون كل ما تتمنى بعشق وتقديس يجعلك في عيونهم منزها عن الخطأ.
قد تظن أن جذب الأتباع إليك معضلة فوق قدراتك لكنها في الحقيقة أبسط كثيرًا مما تظن، لأننا كبشر تحكمنا رغبة مفرطة في الإيمان بأي شيء وذلك يجعلنا ساذجين للغاية بشأن ما نريد أن نصدق: ذلك أننا ببساطة لا نتحمل الفترات الطويلة من الشعور بالخواء والتشكك الذي يأتي مع غياب الإيمان، وحين يعرض علينا أي شخص صيحة جديدة أو ترياقا للشفاء من أمراضنا أو وسيلة للثراء السريع أو أحدث ما أنتجه العلم سيجدنا كالأسماك التي تتقافز من الماء لابتلاع الطعم، إذا نظرت في التاريخ فستجد أخبارًا عن آلاف الصيحات والمذاهب التي أخذ الناس ينجذبون إليها أفواجًا، وبعد حين تبدو لمن يسمع بها فجة وساذجة رغم أنها في وقتها كانت تبدو لأتباعها نبيلة وروحانية بل أنهم قد يرونها قريبة من الوحي الإلهي.
رغبتنا في الإيمان تجعلنا نبتدع أبطالاً وقديسين ومذاهب نعتنقها، فلا تجعل هذه السذاجة تضيع هباء بل استغلها لصالحك، اجعل من نفسك البطل أو القديس الذي يلتف الناس حوله ويمجدونه.
كان المشعوذون الأوروبيون في القرنين السابع عشر والثامن عشر بارعين في فنون جذب الأتباع إليهم. كانوا مثلنا يعيشون في زمن تحولات: كان الدين يفقد

سطوته والعلم في تصاعد وكان الناس متعطشين للالتفاف حول مناصرة قضية أو غاية أو معتقد جديد. حينها بدأ المشعوذون يروجون للترياق الشافي من كل الأمراض والسيمياء التي تحقق الثراء. كانوا يتنقلون من مدينة إلى مدينة يستهدفون التجمعات الصغيرة إلى أن اكتشفوا بالصدفة الحقيقة المذهلة عن الطبيعة البشرية- وهي أنه كلما زاد حجم الجماعة التي تلتف حولك أصبح من الأسهل عليك أن تجعلهم ينخدعون بك.
كان المشعوذ يقف فوق صندوق خشبي وتتوافد إليه الجموع للاستماع لما يقول، وفي ظل الجماعة تسيطر على الناس المشاعر ويغيب العقل. لو تحدث المشعوذ إلى كل منهم على حده لرأوا أن ما يقوله أسفه من أن يصدقه أحد، لكن وسط الحشود تأخذهم النشوة العميقة لحضور الجماعة ويصبح من المستحيل على أي منهم أن يتناءى بنفسه ليفكر فيما يقال، وأي خلل في ما يطرحه المشعوذ يرتقه حماس الجماهير، وتتنقل الحماسة والشغف بين الجموع كالعدوى فيخرصون كل من تسوّل له نفسه أن يتشكك أو يشكك الآخرين. تأمل المشعوذون هذه الآليات عبر عقود من الممارسة والتكيف التلقائي مع المواقف التي تستجد فأتقنوا علم جذب الحشود والسيطرة عليهم واستطاعوا أن يجعلوا من الحشود أتباعًا ومن الأتباع طوائف تؤمن بما يملونه عليهم.
قد نظن أن حيل المشعوذين لم تعد تثير إلا سخرية الناس في وقتنا الحاضر. لكن الحقيقة هي أنه لا يزال بيننا آلاف من المشعوذين يستخدمون الطرق التي ظل أسلافهم يستخدمونها لقرون، لم يتغير إلا أسماء ترياقهم ومظاهر طوائفهم. اليوم نجد أمثال هؤلاء المشعوذين في كل مجالات الحياة- كالتجارة والسياسة والفن. ربما يستخدم الكثيرون من هؤلاء أساليب المشعوذين دون أن يعرفوا شيئا عن تاريخها، لكن عليك أنت أن تكون منظما ومنهجيًا في مساعيك وأن تتبع الخطوات الخمس التالية التي أتقنها أسلافنا المشعوذون بالتجربة لجذب الأتباع وتكوين الطوائف:
الخطوة 1: اجعل كلامك بسيطا ويحتمل أكثر من معنى. لكي تتخذ

من الناس أتباعًا عليك أولاً أن تلفت انتباههم إليك، ولن يتحقق لك ذلك بالأفعال لأن من السهل قراءتها وتفسير مقاصدها، لذلك عليك بالكلمات لأنها مبهمة وخادعة. احرص على أن تشتمل لقاءاتك وأحاديثك وخطبك الأولى إلى الناس على عنصرين: أولاً أن تعدهم بإحداث تحولات كبيرة في حياتهم، وثانيًا أن يتسم كلامك بالالتباس التام والمراوغة. هذا المزيج سوف يطلق لدى من يستمعون إليك أشكالاً متنوعة من الأحلام المسترسلة، وستجد كل منهم يربط بين ما تقول على طريقته ليرى ما يريد أن يراه.
لكي يكون لهذا الالتباس جاذبية لدى الناس عليك باستخدام الكلمات الرنانة التي تثير الشغف والحماس ولكن دون أن تلتزم بمعنى محدد؛ يمكنك مثلاً أن تطلق على الأمور العادية تسميات شاعرية خلابة، كما يمكنك أن تدعم ما تقول بالأرقام والإحصاءات واصطلاحات تبتدعها لتصف بها أفكارك المبهمة. كل ذلك سوف يضفي الانطباع بتعمقك وتخصصك في الموضوع الذي تعرضه. بنفس الطريقة عليك أن تجعل مذهبك يبدو حديثًا وأفكارك متقدمة بحيث يصعب على معظم الناس فهم ما تقول. إن أتقنت صياغة هذا المزيج من التبشير بالتحولات الحالمة واستخدام المفاهيم الفضفاضة التي تستثير حماسة الناس وليس إدراكهم للواقع يصبح من السهل عليك أن تأسرهم إليك فتتكون منهم طائفة تتبعك وتلتزم بأفكارك.
صحيح أنك إن بالغت في الإبهام والالتباس لن يقتنع بك أحد، إلا أن الأخطر عليك أن تكون محددًا. إن أوضحت للناس بالتفصيل الفوائد التي يحصلون عليها من أتباع أفكارك فسوف يطالبونك بالوفاء بما وعدتهم به.
على مناشدتك للناس أن تتصف إضافة إلى الإبهام بالبساطة؛ ذلك أن أغلب مشكلات الناس لها أسباب معقدة كالمخاوف العميقة والظروف الاجتماعية المتشابكة، وهي جميعًا أمور تتجاوز الحاضر وتضرب بجذورها بعيدًا في الماضي ويصعب عليك أن تحصرها أو تتفهمها، كما أن أغلب الناس لا يكون لديهم الصبر

أو النية للتعرف على الأسباب الحقيقية لمشكلاتهم ويحبون من يخبرهم بحلول سهلة تخلصهم من همومهم. عليك أن تبتعد عن التفسيرات المعقدة للواقع وأن تستخدم الحلول البدائية والعلاجات الشعبية التي ابتدعها أسلافنا واستخدموها لقرون، أي الترياق السحري الذي يشفي من كل الأسقام.
الخطوة 2: خاطب الحواس والأبصار وليس العقل والتفكير: بعد أن يبدأ الناس في الالتفاف حولك يتهددك خطران قد يصيبان جماعتك وهما الملل والاستهزاء بأفكارك: الملل يصرف الناس عنك أما الاستهزاء فيمنحهم الفرصة في النأي بأنفسهم والتفكر بعقلانية فيما تعرضه عليهم بعيدًا عن الضبابية التي أحطت بها أفكارك ويرونها على حقيقتها. عليك إذن أن تسري عن الضجرين وأن ترد ضربات المستهزئين.
أفضل الطرق لفعل ذلك هي بالتعلم من المسرح أو ما يشبه المسرح: عليك أن تحيط نفسك بمظاهر الترف وأن تبهر أتباعك بما يخلب أبصارهم ويفتن عيونهم؛ لن يغطي ذلك على أي خلل في مذهبك فحسب بل يجذب إليك المزيد من الإعجاب والأتباع. خاطب كل الحواس: غازل أنوفهم بالروائح العطرة والبخور واطرب أسماعهم بالموسيقى المهدئة، واستخدم اللوحات والرسوم البيانية زاهية الألوان. عليك حتى أن تداعب عقولهم بأحدث ما أنتجته التكنولوجيا لتضفي على مذهبك مسحة علمية زائفة طالما أن ذلك لن يحفز عقولهم ويجعلهم يتفكرون. استعن بالأمور الغريبة والطريفة: استعرها من الثقافات البعيدة واستخدم الأزياء غير المألوفة لخلق جو مسرحي لتجعل الأمور والأفعال العادية والمألوفة تبدو وكأنها مقدمات لتحقيق شيء خارق واستثنائي.
الخطوة 3: تعلم من الأديان الراسخة كيف تنظم جماعتك. حين تتزايد أعداد أتباعك يكون عليك أن تصنع لهم هيكلا أو نظامًا. تعلم من الأديان الكبرى التي كان ولا يزال لها سطوة راسخة على أعداد هائلة من البشر حتى في عصرنا الحالي الذي يدّعي العلمانية. ربما قد نقد الدين كمؤسسة الكثير من سطوته ولكن أنشطته

وممارساته ما زال لها نفس السحر والتأثير. ليس هناك نهاية للفوائد التي يمكنك أن تجنيها من المشاعر والروابط الروحانية التي تصنعها الأديان. اصنع لأتباعك نوعًا من الممارسات والطقوس وضع لهم مراتب وألقاب سامية حسب إخلاصهم لأفكارك، وأطلب منهم بذل التضحيات التي تملأ خزائنك بالأموال وسطوتك بالوسائل. تصرف كملهم لترسخ داخلهم الإحساس بسمو وقداسة مذهبك لأنك لن تستطيع أبدًا أن تكسبهم بالقوة أو الطغيان، لذلك عليك أن تكون أقرب للواعظ أو المرشد الروحاني أو العارف الملهم أو الطبيب الذي يشفي نفوسهم أو أيا ما تريد أن تصف به نفسك لتخفي به سطوتك الحقيقية خلف ضباب من الروحانية والقداسة.
الخطوة 4: تكتم على مصدر دخلك. بعد أن تنامت جماعتك وأصبح لها ما يشبه الهيكل وبدأت خزائنك تمتلئ بأموال تابعيك، احرص على أن لا تظهر متعطشًا للمال ولما يمنحه لك من سطوة، ولذلك عليك أن تخفي مصادر دخلك.
يمّني أتباعك أنفسهم بأنهم بإتباعهم لك سيفيض عليهم الخير من كل اتجاه، وإحاطتك لنفسك بمظاهر الترف تقدم لهم الدليل الحي الذي يشعرهم بصدق مذهبك. لا تظهر لهم أبدأ أن مصدر ثروتك هو ما يمنحونه لك من أموالهم بل اجعلهم يظنون أنك حققت ذلك من صواب تفكيرك وستجدهم يقلدونك في كل تحركاتك أملاً في أن ذلك سيحقق لهم ما تحقق لك، وسوف يعميهم حماسهم في تقليدك عن حقيقة الشعوذة التي حققت بها ثروتك.
الخطوة 5: اصنع لجماعتك عدوا يوحدهم ويبغضونه. بعد أن بدأت جماعتك في التضخم والازدهار، وأصبحت بين الناس كالمغناطيس تجذب إليك الكثير من الأتباع، يكون عليك أن تحرص أن لا يصيبها الركود والتفكك بفعل الوقت والملل. لكي تبقي عليهم موحدين عليك أن تفعل ما فعلته كل الأديان والمذاهب من قبل: أي أن تخلق لهم آلية «نحن- ضد- هم».

أجعل أتباعك يشعرون أنهم رفاق مميزون في جماعة لها رسالة وتوحدهم معًا برابطة من المساعي المشتركة، ولكي تقوّي من هذه الرابطة ازرع في أذهانهم مفهوم العدو الحاقد الذي يرغب في القضاء عليهم وعلى طريقتهم المثلى، وبذلك يمكنك أن تصف أي خارجي يحاول أن يكشف الزيف والشعوذة في مذهبك بأنه أحد الحاقدين الذين يتآمرون عليكم.
إن لم تجد عدوا اصطنع عدوا. امنح لأنصارك شيطانًا يرجمونه بالحجارة حتى تقوّى روح الأخوة والترابط بينهم. عندها ستكون قد منحتهم مبادئ يؤمنون بها ويناصرونها وكفارًا جاحدين يقاتلونهم.
مراعاة القاعدة 1:
في عام 1653 ادعى فرانسيسكو جويسب بوري وهو شاب من ميلانو في العشرين من عمره أن رؤيا تكشفت له، وطاف بالمدينة يخبر الجميع أن الملاك ميخائيل اصطفاه ليكون القائد العام لجيوش بابا جديد سيحكم العالم ويعيد إليه الروح والنقاء، وأن الملاك قد منحه القدرة على رؤية ما في أنفس الناس وأنه سيكشف له قريبًا سر حجر الفلاسفة- وهي مادة بحث عنها الكثيرون اعتقادًا أنها تحول المعادن الرخيصة إلى ذهب. وصف معارف وأصدقاء بوري التغيرات التي حدثت له بعد الرؤيا؛ فقد تخلى عن تعلقه الشديد بالخمر والنساء والقمار وتفرغ لدراسة السيمياء ولم يعد يتحدث سوى عن الغيبيات والبدع.
كان تحول بوري سريعًا وإعجازيًا وبدأت كلماته تتقد بالحماس وأخذ الناس يتوافدون عليه ويتبعون طريقته، لكن من سوء حظه أن محاكم التفتيش بدأت تتنبه إليه هي الأخرى وكانوا يلاحقون أي شخص يخوض في البدع. جعله ذلك يهجر إيطاليا ويجول في أنحاء أوروبا من النمسا حتى هولندا يقول للجموع «من يتبعني تكتب له السعادة الأبدية». كان يجذب الأتباع أينما حل، وكان أسلوبه بسيطًا: كان يتحدث عن رؤياه بعد أن زخرفها وأتقنها، وكان يعرض على كل من يصدق به (وكانوا كثيرين) أن «يرى» ما في أعماق أنفسهم، وبعدها يحدق في تابعه الجديد

لدقائق يبدو خلالها مأخوذا بنشوة الوجد، ثم يقول للسائل عن درجة التنوير في أعماقه وإن رآه واعدا يضيفه إلى قائمته المتنامية من الحواريين وكان ذلك تشريفًا جديا لمن يؤمن به.
كان للطائفة ست درجات من الروحانية ينالها الحواري حسب ما يرى بوري في روحه ويمكن للشخص أن يرتقي بها بجهده وتفانيه للطائفة. كان بوري الذي أخذ الناس يطلقون عليه «صاحب السمو» و «والطبيب الجامع» يطلب من أتباعه أقصى درجات التقشف، وكان يأمرهم بأن يمنحوه كل ما لهم وممتلكاتهم، ولم يعارضوه لأنه كان يعدهم بأن «دراساتي في السيمياء تقترب من اكتشاف حجر الفلاسفة الذي سيمنحنا جمعيًا كل ما نتمناه من الذهب».
بعد أن تضخمت ثروته أخذ بوري يغير من نمط حياته وأصبح يستأجر أفخم الشقق في المدينة التي يحل بها ويملأها بأروع الأثاث والكماليات التي بدأ في اقتنائها، وكان يتجول في المدينة في مركبة مزينة بالجواهر تجرها ستة خيول دهماء رائعة الجمال. لم يكن بوري يستقر طويلاً في مكان واحد، وقبل أن يختفي كان يقول لأتباعه أنه ما زال هناك الكثير من الأرواح الشاردة تنتظر منه أن يضمها للقطيع، وكانت شهرته تترسخ بغيابه وأصبح صيته يملأ الآفاق رغم أنه لم يحقق أبدًا لأتباعه أي شيء ملموس في عالم الواقع.
كان العميان والعجزة واليائسون ينتظرون قدوم بوري لأن الشائعات أظهرته قادرًا على الشفاء، وجعله رفضه أن يأخذ مقابلاً لخدماته يبدو رائعًا في أعين الناس بل ادعى البعض منهم أنه قد حقق معجزات في الشفاء. لم يكن بوري يفعل أكثر من التلميح إلى إنجازاته تاركًا لخيال الناس أن يضخمها إلى أبعد درجات الخرافة. مثال لذلك ثروة بوري التي كانت آتية في الحقيقة من الأموال التي تهبها له الجماعة المنتقاة من حوارييه الأثرياء لكنه جعل الناس يظنون أنه قد أوجد بالفعل حجر الفلاسفة. ظلت الكنيسة تلاحقه وأخرجته من الملة بتهم الهرطقة وممارسة السحر، لكنه لم يرد على ذلك سوى بالصمت الوقور، وزاد ذلك من شهرته وحماس الناس له لأنهم

رأوا أنه لن يُضطهد أحد إلا إن كان عظينًا وتساءلوا كم من الناس مثلاً قد فهم حكمة السيد المسيح في عصره. لم يكن على بوري أن يدافع عن نفسه بل أن أتباعه هم من أطلقوا على البابا اسم الدجال.
تنامت سطوة بوري إلى أن أتى يوم كان يغادر فيه مدينة أمستردام بعد أن أقام فيها لفترة هاربًا بأموال ومجوهرات هائلة ائتمنه عليها الناس حيث كان يدعي أنه يستطيع أن يزيل بتركيز عقله التشوهات عن الماس. حينئذ أصبح مطاردًا واستطاعت محاكم التفتيش أن تلحق به لينهي العشرين عامًا الأخيرة من عمره سجينًا في روما، إلا أن قناعة أتباعه بقدراته الخارقة كانت من القوة لدرجة أن الأثرياء من المؤمنين به ظلوا يزورونه في السجن حتى يوم وفاته ومن بينهم كريستينا ملكة السويد، وظلوا يمدونه بالمال والعتاد ليتمكن من مواصلة بحثه حول حجر الفلاسفة الذي أغرى الكثيرين وخدعهم.
التعليق:
من الواضح أن بوري قبل أن يكون طائفته كان قد توقف أمام اكتشاف مصيري: كانت حياة الفسوق والشهوات قد أرهقته وقرر أن يتخلى عنها ويخلص نفسه للغيبيات التي كان اهتمامه بها حقيقيًا، ومن المؤكد أنه اكتشف أنه حين يصف خبرته هذه للناس كانت أعداد كبيرة من كل الطبقات تحب أن تسمع المزيد عنها حين يصفها بروحانية ووجد صوفي وتمل منه حين يشرح بواقعية ما سببته له العربدة من إرهاق بدني ونفسي. وقتها اكتشف السطوة التي يمكنه أن يحصل عليها حين يبرر التغير الذي حدث له بأنه نفحة من السماء ويقظة الروح المتعطشة للإيمان، ولحظتها أيضًا ابتكر رؤياه الزائفة وعرف أنه كلما عظمت الرؤيا وزادت التضحيات التي يطلبها من الناس يزداد تصديقهم لقصته وتعلقهم بها.
تذكر أن: الناس لا تعنيهم الأسباب الحقيقية التي تغير حياتهم، ولا يحبون أن يقول لهم أحد أن أسباب النجاح والفشل تكمن في الجهد الشاق أو أي شيء آخر معتاد مثل الإرهاق والملل والاكتئاب، ويرغبون في الاعتقاد بشيء حالم يسمو فوق خبراتهم البشرية العادية، ويطمئنون لمن يحكي لهم عن رعاية الملائكة وتفوق الروح

على الجسد. قدم لأرواحهم ما يروي ظمأها، احك لهم عن تحولات حدثت في حياتك بفعل الإيمان وروعة الإحساس باللطف الإلهي وستجدهم يتبعونك وينصتون لك. تفهم ما يتعطشون له؛ فالقائد الملهم والطبيب الروحاني هو من يعكس رغبات أتباعه ويعلو بهم إلى الأحلام التي تفوق واقعهم، وكلما كان الوهم الذي يقدمه لهم أقوى وأجرأ يزداد انجذابهم له وسطوته عليهم.
مراعاة القاعدة 2:
في منتصف 1700ت انتشرت الشائعات في أنحاء أوروبا عن طبيب سويدي شعبي اسمه مايكل شوباخ يمارس نوعًا مختلفًا من الطب: كان يستخدم الطاقات العلاجية للطبيعة لتحقيق شفاء معجز للأمراض المستعصية. بسرعة بدأ الأثرياء من أنحاء أوروبا يتوافدون طلبًا للعلاج من الأسقام الشديدة والبسيطة إلى قرية لانجنو في جبال الألب التي كان شوباخ يعيش ويعمل بها. كانوا خلال خوضهم في الأراضي الجبلية الوعرة يتأملون الآفاق الساحرة للطبيعة وحين يصلون إلى لانجنو يشعرون أن شيئًا بالفعل قد تغير في نفوسهم وأنهم في طريقهم للشفاء.
كان شوباخ الذي كان الناس يطلقون عليه «طبيب الجبال»، يملك صيدلية صغيرة في المدينة وكان المشهد عندها مهيبا: كانت جموع الناس من مختلف الدول تحتشد داخل الحجرة الصغيرة التي كانت جدرانها مغطاة بالزجاجات الملونة المليئة بالأعشاب العلاجية، وبينما كان أطباء ذلك العصر يصفون أشربة مريرة الطعم تحمل أسماء لاتينية غير مفهومة (كما هو الحال في عصرنا الحالي) كانت علاجات شوباخ تحمل أسماء مثل «شراب السعادة» أو «زهرة القلب الرقيقة» أو «طارد الأشباح» وكان طعمها جميعًا حلوا وممتعًا.
كان الزوار ينتظرون طويلاً لمقابلة طبيب الجبال، لأنه كان مشغولاً أغلب الوقت بفحص عينات البول التي يأتي له بها من كل أنحاء أوروبا ثمانون مراسلا، وكان شوباخ يدعي أنه يستطيع أن يشخص مرضك بنظرة بسيطة إلى بولك ومن اضطلاعه على وصفك المكتوب لحالتك (ومن الطبيعي أنه كان يقرأ الوصف بعناية

شديدة قبل وصف العلاج). وحين كانت تتوفر له لحظة فراغ كان يسمح للزائر أخيرًا بالدخول إلى مكتبه في الصيدلية، ويبدأ بفحص بوله شارحًا له بأن مظهر البول يخبره بكل ما يريد معرفته عن حالة المرض، وكان يضيف للزائر أن البسطاء لهم سبب للاهتمام بمثل هذه الأمور البسيطة لأنهم يعيشون الحياة الطبيعية كما خلقها الله دون تعقيدات المدينة، وكان يضيف في شرحه للمريض كيف يوازن حياته روحه أكثر تجانسًا مع الطبيعة.
ابتكر شوباخ ممارسات طبية تختلف جذريًا عن الممارسات الطبية المعروفة في عصره، فقد كان يؤمن مثلاً بفائدة العلاج بالصدمات الكهربية، وكان يرد على من يتساءلون إن كان ذلك يتفق مع طرقه الطبيعية في العلاج بأن الكهرباء ظاهرة طبيعية وأنه لا يفعل شيئًا سوى تقليد قدرة البرق. كان أحد مرضاه يدعي أنه مسكون بسبعة شياطين وشفاه العلاج بالصدمات الكهربية وكان شوباخ يعلن أثناء إجراء العلاج بأنه يرى الشياطين تطير واحدا بعد آخر من جسد الرجل. ادعى رجل آخر أنه يشعر بآلام شديدة في صدره لأنه ابتلع عربة قش بسائقها، فأنصت طبيب الجبال بتأن وقال أنه يسمع ضربات السياط في بطن الرجل ووعده بأنه يستطيع أن يشفيه، ووصف له منومًا ومليّنا وتركه لينام على مقعد خارج الصيدلية وحين استيقظ بدأ في التقيؤ وبينما كان يتقيأ رأى عربة قش تجري مسرعة أمامه (كان طبيب الجبال قد استأجرها لهذا الغرض) وقد جعله صوت ضربات السياط يقتنع أنه تقيأها بالفعل بفضل علاج الطبيب.
بمرور الوقت ذاع صيت طبيب الجبال وأخذ يستشيره أصحاب السطوة والنفوذ، وحتى الكاتب جوته خاض الطريق الوعرة إلى قريته. كانت الطبيعة هي جوهر مذهبه وكان كل ما هو طبيعي يستحق لدى أتباعه الاحترام والتقديس. وكان حريصًا على أن يصنع التأثيرات التي تسّري عن مرضاه وتلهمهم، وقد كتب أحد أساتذة العلم كان قد زار صيدليته «تجد نفسك وسط حشد من الناس يلعب أحدهم حينا بالورق مع امرأة شابة وحينا آخر تسمع عزفا لمقطوعة موسيقية وآخر

يقدم الغداء أو العشاء ورابع ترى عرضًا لباليه بسيط، وكان التأثير المستمر هو الشعور بالنشوة البالغة والتحرر الطبيعي الذي ينشر في كل الأركان روح التمتع بالعالم الجميل. وحتى لو لم يكن الطبيب قادرًا على شفاء أي مرض حقيقي فإنه يستطيع على الأقل من أن يخلص الناس من التمارض والأوهام».
التعليق:
بدأ شوباخ حياته طبيبًا عاديًا في إحدى القرى، وكان يمارس أحيانًا العلاجات الشعبية التي نشأ عليها وحققت له بعض النتائج، وفي وقت قليل خصص نفسه للعلاج بالأعشاب والطرق الطبيعية. الحقيقة أن طرقه الطبيعية كان لها أثرًا نفسيًا كبيرًا على مرضاه، ففي حين كانت معظم علاجات عصره تسبب الألم والتخوف كانت علاجاته هو مريحة وملطفة، وكان للتحسن في مزاج مرضاه دور مصيري في الشفاء الذي يحققه. كان مرضاه يؤمنون بمهارته لدرجة تجعلهم يبذلون ما يستطيعون لتحقيق الشفاء، كما أنه لم يسخر أبدًا من التصورات الساذجة التي يضعها مرضاه لتفسير مرضهم بل كان يستغل توهمهم في جعل علاجه يبدو في أعين الناس كالمعجزات.
تعلمنا حالة طبيب الجبال دروسًا هامة في جلب الأتباع وتكوين ما يشبه الطائفة. أولاً عليك أن تجد وسيلة لتأخذ بألباب الناس وتأسر عقولهم وتجعل إيمانهم بقدراتك قويًا لدرجة يتخيلون أنهم بإتباعهم لك ستتحقق لهم فوائد لا حصر لها. إيمانهم القوي بك سيجعلهم يجدون فيك ما يبحثون عنه دون أن تبذل الكثير من الجهد، ولكن احرص أن تظهر أنك أنت ولست إرادتهم هي من أدى إلى التحول الكبير في حياتهم. ابحث عن المذهب أو المبدأ أو الحلم الذي يؤمنون به بعمق وبعدها سوف يملئون بخيالهم ما تبقى وعندها يبجلونك كمعالج أو ملهم أو نابغة أو غير ذلك مما تحب أن تصف به نفسك.
ثانيًا يعلمنا شوباخ أن للإيمان بالطبيعة والبساطة سطوة لا تنتهي. الحقيقة هي أن الطبيعة مليئة بأشياء مرعبة كالنباتات السامة والحيوانات المتوحشة والكوارث والأوبئة التي تقضي على آلاف البشر، وليس الاعتقاد بطيبة وقدرتها على الشفاء إلا

أسطورة وحنين نخلقهما بأنفسنا. ومع ذلك فإن الدعوة للعودة للطبيعة تظل تمنحك سطوة هائلة على الناس خاصة في أوقات الألم والحيرة.
لكن عليك أن تتعامل مع هذه الدعوة بالطريقة الصحيحة وأن تكون المخرج الذي يصنع مسرحا للطبيعة تنتقي وتعرض منها الصفات التي تناسب حنين الناس في عصرك. لعب طبيب الجبال هذا الدور بإتقان وعرض نفسه على أنه الرجل الريفي البسيط الذي يتمتع بالحكمة والفطنة الفطرية وصاغ علاجاته كمشاهد وحوارات مسرحية يدخلها المرضى مشاهدين ومشاركين. لم ينقل شوباخ الطبيعة حرفيًا بل جعل منها مذهبًا أو بدعة. خلق التأثير «الطبيعي» يتطلب منك الكثير من الجهد لتجعل الأمور العادية تتخذ جلالا وبهجة مسرحية، فبدون ذلك لن يلتفت إليك أو إليها أحد؛ أي أن الطبيعة أيضًا عليها أن تتطور لتلائم صيحات العصر.
مراعاة القاعدة 3:
في عام 1788 وفي الخامسة والخمسين من عمره كان الطبيب والعالم فرانز مسمر على مفترق طرق؛ فقد كان رائدًا في دراسة المغناطيسية الحيوانية والتي كانت تؤمن بأن الحيوانات لديها مادة مغناطيسية ويمكن للطبيب أو المختص أن يحقق تأثيرات شفائية إعجازية بالعمل على هذه المادة المشحونة. لكن تلقت الأوساط الطبية في فيينا حيث كان يعيش ويعمل نظرياته بالسخرية والازدراء. كان مسمر يدعي أنه استطاع شفاء حالات من التشنجات الصرعية وأكثر ما كان يفخر به أنه حقق الشفاء لفتاة فقدت الإبصار إلا أن طبيبًا آخر فحص الفتاة ووجدها لا تزال عمياء وهو ما أكدته الفتاة نفسها، وعارض مسمر ذلك بأن أعداءه يحاولون تشويه سمعته وأنهم أقنعوا الفتاة بالانضمام إلى صفهم، ولم يجلب له هذا الدفاع إلا المزيد من السخرية. بدا واضحًا لمسمر أن سكان فيينا العقلانيين ليسوا الجمهور المناسب لنظرياته فقرر أن ينتقل إلى باريس ليبدأ من جديد.
في باريس استأجر شقة فخمة وأثثها جيدًا، وقد أضفت الفسيفساء التي وضعها على كل النوافذ شعورًا روحانيًا وأحدثت المرايا على الجدران أثرًا تنويميا. أعلن

الطبيب أنه في شقته يستطيع أن يبين قدرات المغناطيسية الحيوانية ودعا المرضى والمكتئبين لتلمس هذه القدرة، وبسرعة بدأ الكثير من سكان باريس من كل الطبقات يتوافدون إلى شقته لرؤية المعجزات التي يصنعها. وكان أغلب زواره من النساء فقد كن ينجذبن لأفكاره أكثر كثيرًا من الرجال.
داخل الشقة كانت روائح زهور البرتقال والبخور غير المألوف تنبعث من فتحات خاصة. وحين كان الخبراء يتقدمون نحو المكان الذي تظهر فيه العروض كانوا يسمعون عزفًا على القيثارة وإلى تنغيمات رقيقة لمغنية تأتي من غرفة أخرى، ووسط المجلس حاوية بيضاوية طويلة تمتلئ بمياه ادعى مسمر أنها ممغنطة، ومن الغطاء المعدني للحاوية كانت تبرز قضبان متحركة من الحديد. كان يطلب من الزائرات أن يجلسن حول الحاوية وأن يضعن القضبان الحديدية على الأجزاء المؤلمة أو المصابة من أجسادهن ثم تمسك كل منهن بيد من تجاورها. كن يجلسن تقترب إحداهن من الأخرى على قدر الإمكان حتى تتخلل القوى المغناطيسية بين أجسادهن، وأحيانًا كن يتصلن ببعضهن البعض بالحبال.
كان مسمر يغادر المجلس ويدخل «منومون مساعدون» كلهم من الشبان الوسماء أقوياء البنية ومعهم قوارير من الماء الممغنط يرشون بها المريضات ويمسحون ويمسدون به أجسادهن حتى يدخلن في حالة تشبه النشوة. بعد دقائق تأخذ النساء حالة من الهذيان فتبدأ بعضهن بالنحيب وأخريات يصرخن ويمزقن شعورهن وغيرهن يضحكن بهستيرية، وفي ذروة هذه الحالة يعود مسمر إلى المجلس في رداء من الحرير المتألق والمزين بأزهار ذهبية حاملاً قضيبًا أبيض ممغنط ويدور حول الحاوية ويربت به على المريضات إلى أن يهدأن. وفيما بعد قالت الكثيرات من النساء أن سطوته عليهن كان مصدرها نظراته الثاقبة إلى عيونهن وكن يعتقدن أنها تثير أو تهدئ السوائل المغناطيسية في أجسادهن.
خلال أشهر من وصوله إلى باريس أصبح مسمر بدعة المدينة، وكان من أنصاره الملكة ماري أنطوانيت زوجة لويس السادس عشر. وكما في فيينا كان المجتمع الطبي

الرسمي يرفضه ويدينه ولكنه لم يهتم لأن الأعداد المتزايدة من أتباعه الأثرياء من الطلاب والمرضى كانوا يدفعون له بسخاء.
طور مسمر أفكاره، وادعى أن كل الإنسانية قد تتمكن من العيش بسلام وانسجام بتأثير المغناطيسية، وكان لذلك جاذبية شعبية كبيرة أثناء الثورة الفرنسية، فانتشرت طائفة المسمرية في كل أنحاء البلاد وظهرت في الكثير من المدن «جمعيات الانسجام» للبحث في المغناطيسية. في النهاية تدنت هذه الجمعيات وأخذ يقودها مبتذلون حولوا الجلسات إلى نوع من العربدة والجنس الجماعي.
في ذروة شهرة مسمر نشرت لجنة فرنسية شُكلت خصيصًا تقريرًا يعتمد على سنوات من اختبار نظرية المغناطيسية الحيوانية خلص إلى أن «تأثيرات المغناطيسية على الجسد يقوم على نوع من الهستيريا والإيحاء الذاتي الجماعي». تم توثيق التقرير جيدًا بالأدلة وقوض سمعة مسمر في فرنسا فهجر البلاد وتقاعد. بعدها بسنوات قليلة انبعث مقلدون له في كل أنحاء أوروبا وانتشرت طائفة المسمرية من جديد لكن هذه المرة كانت أعداد المؤمنين بها أكبر من أن تحصى.
التعليق:
يمكن تقسيم مسار مسمر إلى جزأين، فمن الواضح أنه بينما كان يعيش في فينا كان يؤمن بصدق نظريته وكان يبذل كل ما يستطيع لإثباتها؛ لكن إحباطه المتزايد ورفض زملائه له جعله يتبنى استراتيجية أخرى: أولاً انتقل إلى باريس حيث لا أحد يعرفه، وقد وجدت نظرياته المتطرفة هناك آذانا صاغية نظرًا لولع الفرنسيين بالمسرح وعشقهم للاحتفالات، وقد سيطر العالم السحري الذي صنعه في شقته على حواس زبائنه من الشم والبصر والسمع. الأهم أنه لم يعد بعدها يمارس المغناطيسية إلا في جماعات لأن في الجماعات كانت المغناطيسية تحدث تأثيرها الأمثل حيث تنتقل العدوى من المصدقين إلى غير المصدقين وحيث تتغلب الروح الجماعية على تشكيك أي متشكك.
هكذا تحول مسمر من مدافع مستميت ويائس عن المغناطيسية إلى مشعوذ يستخدم كل الحيل للأخذ بألباب الناس، وحيلته الكبرى كانت التلاعب بالكبت الجنسي

اقتباس من معلم: تأتي السطوة الكبيرة للمشعوذ من قدرته على فتح أبواب للناس للإيمان بما يرغبون أصلاً في الإيمان به. ولا يستطيع السذج أن ينأوا بأنفسهم ليفكروا بعقلانية بل ينقادون لمن يفعل لهم العجائب ويستسلمون لتأثيره ولما يقدمه لهم من الأوهام كما تنقاد الأبقار لراعيها (جريت دي فرانسيسكو).
عكس القاعدة:
أحد الأسباب لجلب الأتباع هي أن خداع الجماعة يكون عادة أسهل ويأتي لك بسطوة أكبر كثيرًا من خداع الفرد، لكن في ذلك نوع من المخاطرة: فإن اكتشفت الجموع زيف أفكارك واستغلالك لهم فلن تواجه فردًا مهانا بل جموعًا غاضبة تمزقك بنفس الحماس الذي أطاعتك به. كان المشعوذون يواجهون هذا الخطر وكانوا على استعداد مستمر لهجر المدينة بمجرد أن يتعرف سكانها على فساد ترياقهم وزيف أفكارهم، ومن يتأخر في ذلك كان يفقد حياته. التلاعب بالجموع كاللعب بالنار يتطلب منك الانتباه الدائم لأي شرارة من التشكك ولأي محرض قد يؤلب الناس ضدك. التلاعب بمشاعر الجموع يتطلب منك الانتباه والتكيف والتناغم لحظة بلحظة مع الرغبات والحالات المزاجية التي قد تطرأ على الجماعة. استعن بالجواسيس وأشرف على كل شيء بنفسك وكن دائمًا مستعدًا للرحيل في أي لحظة.
قد يجعلك ذلك تفضل التعامل مع الناس كلا على حده، فتمكنك من عزل الشخص عن وسطه الطبيعي يكون له نفس تأثير وضعه وسط جماعة- أي أنه يجعل من السهل السيطرة عليه بالترغيب والترهيب. تخير الفريسة المناسبة وإن حدث وكشف خداعك يكون فرارك منه أسهل كثيرًا من فرارك من جماعة.

القاعدة
28
نفذ مخططاتك بجرأة ودون تردد
الحكمة:
لا تبدأ مسارًا معينًا من التحركات دون أن تكون واثقًا من نتائجه. الشك والتردد يضعف أداءك والاستسلام للخوف يدمرّك. الأفضل لك أن تتقدم بجرأة لأن الأخطاء التي يصنعها الإقدام يمكنك أن تحلها بالمزيد من الإقدام، كما أن الناس جميعًا يحترمون الشجعان والواثقين من أنفسهم ولا أحد يوّقر الجبناء.

الجرأة والتردد: تختلف الجرأة كثيرًا عن التردد في تأثيرها النفسي على من تستهدفهم: فالجرأة تيسر لك الأمور بينما يضع التردد العراقيل في طريقك، وبمجرد تنبهك لذلك ستجد أن عليك أن تتغلب على الجبن الطبيعي المفطور عليه الإنسان وأن تتعلم أن تتصرف بإقدام. ونعرض فيما يلي للتأثيرات النفسية الأبرز للجبن والإقدام.
أفضل الكذب أجرأه. لا يخلو أحد أبدًا من نقاط الضعف ولا يمكن لجهودنا أن تكون كاملة، إلا أن الإقدام له تأثير السحر في إخفاء النقائص والعيوب. ويعرف أساتذة الاحتيال أن الكذبة الأجرأ تقنع الناس ويسهل عليهم تصديقها، فالقصة الأكثر جرأة وتبجحًا تشتت انتباه المستمعين عن التناقض في تفاصيلها. إن كنت تمارس أي نوع من التحايل أو التفاوض فاحرص أن تطلب أكثر كثيرًا مما تطمح إليه وستفاجأ أنك غالبًا ما تنال ما تطلبه.
تلتف الذئاب حول الفريسة الخائفة والمترددة. لدى الناس حاسة فطرية لاكتشاف ضعف الآخرين، فإن أظهرت في مقابلاتك الأولى أي استعداد للمساومة والتهاون فستجد الذئاب تنطلق من داخل حتى من تظنهم أكثر الناس طيبة ووداعة. كل ما تحققه من نتائج يعتمد على كيف يراك الآخرون فإن عرفوا أنك تميل للدفاع والتنازل فسوف يستنزفون منك المطالب دون رحمة أو هوادة.
الجرأة تمنحك السطوة بترهيب الآخرين. الجرأة تجعلك تبدو أكبر وأقوى من حقيقتك، وإن أظهرت جرأتك مباغتة ودون توقع كالثعبان فستكون خشية الناس لك أكبر بكثير. ويمنحك ترهيب الناس بجرأتك سابقة تجعل من يتعاملون معك لاحقًا يتخذون موقف الدفاع خوفًا من ضربتك المفاجئة التالية.
التقدم بقلب خائف يحفر القبر لصاحبه. إن لم تكن ثقتك بنفسك كاملة حين تقدم على فعل شيء فسوف تخلق لنفسك العراقيل التي تعيقك، وحين تأتيك العراقيل بالفعل ستجد الخوف يشوش على تفكيرك ويجعلك تؤمل نفسك بفرص ليست حقيقية ويزيد ذلك من مشاكلك وتصبح كالفريسة التي يجعلها خوفها من الصياد تدخل بسهولة في شباكة.

التردد يخلق الفجوات والجرأة تسدها. حين تتوقف للتفكير قبل اتخاذ قرارك ستفتح ثغرة للآخرين للتفكير بدورهم، وسيعدي خوفك المترددين وغير المتحمسين منهم ويزيد من الحرج والارتباك ويأخذ كل منكم في التشكك في نوايا الآخر.
تسد الجرأة هذه الثغرات ولا يترك الحماس وسرعة التحرك للآخرين حيزًا للخوف والتشكك. وفي الغواية يكون التردد قاتلا لأنه يجعل من تتودد لها تدرك ألاعيبك، بينما تتوج الجرأة تحركاتك بالنجاح لأنها لا تترك للمرأة وقتًا للتفكير.
الجرأة تميزك عن القطيع. الجرأة تمنحك حضورًا ومهابة وتجعلك تبدو استثنائيًا ومختلفًا، فالجبناء لا يلاحظهم أحد وسط زحام الجموع أما أصحاب القلوب التي لا تهاب فتبرز في المقدمة ويلفتون الأنظار. ومن يلفت الأنظار تكون له السطوة ولا يستطيع أحد أن يتجاهله أو يتعدى عليه حيث يخشى الناس من ردود أفعاله التي لا يتوقعونها.
مراعاة القاعدة:
في عام 1925 تلقى خمسة من أنجح رجال تجار الخردة في فرنسا دعوة لحضور اجتماع «رسمي» ولكنه «سري للغاية» مع نائب المدير العام لوزارة البريد والتلغراف الفرنسية في فندق كريون؛ وكان وقتها أفخم الفنادق في باريس. حين وصل رجال الأعمال الخمسة إلى الفندق وجدوا المدير السيد لوستيج يستقبلهم بنفسه وقادهم إلى جناحه الفخم في الطابق الأعلى.
لم يكن أي من رجال الأعمال يعرف سبب هذا الاجتماع وشعروا بالفضول يتلاعب بعقولهم، وبعد تناول كؤوس الخمر بدأ المدير يشرح لهم قائلاً «أيها السادة.. ما طلبتكم لأجله ملح ويتطلب السرية التامة، فالحكومة راغبة في هدم برج إيفل». أصغى التجار صامتين فأكمل المدير أن تقارير حديثة أثبتت أن البرج في حاجة عاجلة لإصلاحات جسيمة، وأنه لم يكن مقصودًا من بناءه على أي حال

سوى أن يكون رمزًا مؤقتًا لتدشين معرض عام 1889، وأن تكاليف إصلاحاته قد تفاقمت لمستويات مرعبة على مر السنوات، وأنه سيصعب على الحكومة في الأزمة المالية الحالية أن تنفق الملايين اللازمة لإصلاحه. بل أن الكثيرين من سكان باريس يرون فيه قذى للأعين يتمنون التخلص منه، وأنه بمرور السنوات سينساه حتى السياح ولن يتبقى منه إلا ذكريات في الصور وبطاقات المعايدة. وأنهى لوستيج كلامه قائلاً «أيها السادة.. أنتم جميعًا مدعوون لتقديم عروضكم للحكومة لشراء برج إيفل».
قدم لوستيج للتجار مستندات حكومية مليئة بالأرقام والمخططات البيانية مثل أوزان المكونات المعدنية بالبرج، واتسعت حدقات عيونهم وهم يتخيلون قدر الربح الذي يمكنهم تحقيقه من بيع هذه الخردة. بعدها صحبهم لوستيج إلى سيارة ليموزين نقلتهم إلى البرج وأخرج أمامهم بطاقة رسمية تسمح له بالتجول في المنطقة وأخذ يلطف الجولة بتعليقاته الطريفة. في نهاية الجولة شكرهم وطلب منهم التقدم بعروضهم إلى جناحه بالفندق بعدها بأربعة أيام.
قُدمت العروض في الوقت المحدد، وتسلم أحدهم وهو السيد ب خطابا يفيد قبول عرضه، وأن عليه أن يأتي بعدها بيومين حاملا شيك بتأمين قدره 250000 فرانك (أي ما يقدر حاليًا بمليون دولار) وهو ربع إجمالي السعر، وعندها سيتسلم الوثائق التي تثبت ملكيته للبرج. فرح السيد ب أن التاريخ سوف يتذكره بأنه من اشترى وهدم برج إيفل المعلم الفرنسي الشهير، لكن عند وصوله للفندق ومعه الشيك شعر بالارتياب من الأمر برمته وأخذت تراوده التساؤلات والوساوس: لما أجري الاجتماع في فندق وليس في أحد مكاتب الحكومة؟ ولماذا لم يأت مسئولون آخرون ليتحدثوا في الأمر؟ لعل الأمر خدعة؟! وبينما كان يستمع للوستيج يشرح له ترتيبات تفكيك البرج تردد السيد ب وبدأ يفكر في الانسحاب.
فوجئ السيد ب بالمدير يغير لهجته في الحديث وبدلاً من شروحه عن البرج أخذ يتحدث عن راتبه الضعيف وعن طلب زوجته منه أن يشتري لها معطفا من

الفراء، وكيف يثقلون عليه بالأعمال دون أي تقدير لجهوده. تبين للسيد ب أن هذا الموظف الكبير يلمح طلبا لرشوة ولم يزعجه ذلك بل أراحه وطمأنه، وجعله يتأكد من أن لوستيج موظف حكومي حقيقي لأنه في كل تعاملاته السابقة مع المسئولين الفرنسيين كانوا دائمًا يطلبون حلوان لجهودهم. بعد أن استعاد السيد ب ثقته في المدير قدم إليه بضعة آلاف من الفرانكات على شكل سندات مالية ثم قدم إليه شيك التأمين واستلم الوثائق الرسمية ومن بينها وثيقة مبايعة أنيقة التصميم وغادر الفندق وهو يحلم بما سوف يجنيه من الشهرة والأرباح.
في الأيام التالية ظل السيد ب ينتظر دون جدوى وصول موفد الحكومة، وأدرك أن في الأمر خدعة وبعد عدة اتصالات هاتفية عرف أنه لا يوجد نائب مدير باسم لوستيج وأن ليس هناك أي خطط لهدم برج إيفل، وتأكد أنه تعرض لاحتيال كلّفه أكثر من 250000 فرانك.
لم يتوجه السيد ب لإبلاغ الشرطة بعدها أبدا لأنه كان يعرف ما سيكلفه انتشار الخبر بأنه تعرض لأجرأ عملية احتيال وأكثرها سخرية في التاريخ، فلم يكن ذلك يعني له استهزاء الجماهير فحسب بل الانتحار لاسمه وسمعته في عالم التجارة والأعمال.
التعليق:
لو حاول الكونت فيكتور لوستيج المحتال الشهير والبارع أن يبيع قوس النصر أو الجسر الذي على نهر السين أو تمثال بلزاك لما أنصت إليه أحد، لكن برج إيفل بضخامته كان أكبر من أن يتصور الناس أن يجرؤ أحد على استخدامه للاحتيال. الأكبر من ذلك أن أحدًا لم يكن ليصدق أن يعود لوستيج إلى باريس بعد ذلك بستة أشهر «ليعيد بيع» برج إيفل لتاجر خردة آخر وبسعر أعلى- أي بمبلغ يتجاوز بتقديرات عصرنا 1500000 دولار.
ضخامة الحجم تبهر العين وترهب القلب وتشتت التفكير وتؤثر في الناس لدرجة

تجعلهم لا يتشككون أبدًا حين يكون الأمر ليس أكثر من وهم أو خدعة. سلح نفسك بالجرأة والضخامة، وأجعل خداعك يصل إلى أقصى ما يمتد إليه خيالك ثم طلب ما يتجاوزه، وإن رأيت من تفاوضه يرتاب أو يتردد افعل ما فعله لوستيج الجريء، فبدلا من التراجع أو خفض السعر طلب المزيد أي الرشوة إضافة للسعر. للطلب المزيد يجعل الطرف الآخر في موقف الدفاع ويمنعه من المساومة والارتياب في استحقاقك لما تطلب ويجعلك تسيطر على الموقف بجرأتك وحدها.
مراعاة القاعدة 2:
في عام 1533 وحين كان فاسيلي الأكبر الدوق الأكبر لموسكو وحاكم روسيا شبه الموحدة يعاني سكرات الموت أعلن ابنه إيفان الذي كان في الثالثة من عمره خليفة له وعين زوجته هيلينا وصية على إيفان إلى أن يبلغ سن الرشد ويستطيع الحكم بنفسه. فرح بذلك سرا البكوات النبلاء ورأوا في ذلك فرصتهم في إهانة الأسرة الملكية واستعادة سطوتها من أدواق موسكو الذين ظلوا السنوات يوسعون نفوذهم على حساب البكوات؛ ولم يعد يقف في طريقهم لتحقيق ذلك سوى حاكم طفل ووصية عديمة الخبرة.
كانت هيلينا الشابة تدرك هذه المخاطر فلجأت لصديقها الثقة الأمير إيفان أوبلونسكي ليساعدها في الحكم، لكنها ماتت فجأة بعد خمس سنوات من الوصاية بعد أن وضع لها السم أحد أبناء عائلة شويسكي أكثر عشائر البكوات نفوذا. سيطر أمراء شويسكي على الحكم ووضعوا أوبلونسكي في السجن وتركوه حتى مات جوعًا. هكذا وفي الثامنة من عمره أصبح إيفان يتيما ذليلا وكان عقاب من يهتم به من الأسرة الحاكمة أو من البكوات هو النفي أو القتل.
كان إيفان يجول في القصر جائعا ممزق الملابس يختبئ من آل شويسكي الذين كانوا يعاملونه بقسوة كلما رأوه. في بعض الأيام كان آل شويسكي يبحثون عن إيفان ويلبسونه الرداء الملكي ويمسكونه صولجانا ويجلسونه على العرش كطريقة للسخرية من أحقيته في الملك وبعدها يضربونه ويطردونه. وفي إحدى الليالي أخذ

العديدون منهم في مطاردة المتروبوليتان رأس الكنيسة الروسية في أرجاء القصر فاختبأ في غرفة إيفان وأخذ الطفل يراقب في رعب آل شويسكي يدخلون الغرفة وينهالون بالضرب والسباب على المتروبوليتان.
لم يكن لإيفان داخل القصر صديقا يواسيه وينصحه سوى واحد من البكوات اسمه فورنتسوف؛ لكن ذات يوم وبينما كان فورنتسوف يتحاور مع المتروبوليتان الجديد في حجرة الطعام بالقصر هجمت جماعة من آل شويسكي وانهالوا على فورنتسوف بالضرب وأهانوا المتروبوليتان بتمزيق ردائه وسحقه بأقدامهم، وبعدها تم الحكم على فورنتسوف بالنفي من موسكو.
تأمل إيفان كل ما يجري صامتا، وظن البكوات أن خطتهم قد كللت بالنجاح: فقد تحول الشاب إلى مطية لهم وأصبح أبلها ومطيعًا، ورأوا أن بإمكانهم عدم شغل أنفسهم به بل وتركه يفعل ما يريد. لكن في ليلة 29 ديسمبر من عام 1543 وفي الثالثة عشر من عمره طلب إيفان من الأمير أندريا شويسكي أن يأتي إليه في غرفته، وحين دخل عليه الأمير وجد الغرفة مليئة بالحرس. أشار إيفان للحراس بالإمساك بالأمير وقتله وإلقاء جثته لكلاب القصر، وفي الأيام التالية أمر بالقبض على كل المقربين من أندريا ونفيهم. أخذت الجرأة المباغتة بألباب البكوات وملأت قلوبهم رعبا. هكذا وبعد خمس سنوات من الانتظار والتخطيط وبخطوة واحدة خاطفة وجريئة استطاع إيفان أن يؤمّن سطوته لعدة عقود في الحكم، وقد عرفه التاريخ باسم إيفان الرهيب.
التعليق:
العالم مليء بأمثال البكوات من الأشخاص الذين يخيفهم طموحك ويخشون أن يقلل نفوذك من سطوتهم. ليس لك مفر من أن ترسخ مكانتك وتكتسب احترام الناس وتقديرهم ولكن احذر أن في اللحظة التي يستشعر فيها البكوات تزايد جرأتك سيعملون جاهدين على التقليل من حجمك. الطريقة التي تعامل بها إيفان

مع هذا الموقف هي: أنه خفض جناح الذل وأخفى طموحه واستيائه وانتظر، وحين حانت اللحظة ضم حراس القصر إلى صفه واستغل ضيقهم بقسوة آل شويسكي، وحين تأكد له أنهم سيناصرونه في ضربته لم يتردد ووجهها إلى الأمير ولم يعطه الفرصة لأي رد فعل.
مساومة البكوات لا تؤدي إلا إلى منحهم الفرصة ضدك والمساومة والتنازل معهم يفتحان لهم الباب لتمزيقك، لكن التصرف بجرأة والتحرك دون تمهيد أو نقاش يغلق عليهم كل السبل ويرسخ سلطتك ويرهب المشككين فيك والحاقدين عليك ويكسبك إعجاب الكثيرين الذين يوقرون ويمجدون كل من يتصرف بشجاعة وإقدام.
مراعاة القاعدة 3:
في عام 1514 كان بيترو آرتينو في الثانية والعشرين من عمره ويعمل في مهنة بسيطة وضيعة هي مساعد طباخ لدى عائلة شهيرة من رومانيا، وكان يحلم أن يصبح كاتبًا عظيمًا يحتفي العالم باسمه، ولكن كيف كان لخادم مثله أن يحقق هذه المكانة؟
في نفس هذا العام تلقى البابا ليو عشر إرسالية من ملك البرتغال ومعها هدايا كثيرة من بينها فيل كبير وكان أول فيل تراه روما بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية. أحب البابا الفيل كثيرًا وأغدق عليه بالاهتمام والهدايا. على الرغم من كل هذه الرعاية والحب مرض الفيل الذي كان قد سماه «هانو» مرضًا خطيرًا، فجمع له البابا الأطباء والذين جعلوه يتناول خمسمائة رطل من الشراب المسهل لكن لم يجده ذلك نفعا. مات هانو وحزن عليه البابا حزنًا شديدًا، ولكي يخفف عن نفسه هذا الحزن جعل رافاييل يرسم لهانو صورة بحجمه الطبيعي وضعها فوق قبره وكتب عليها عبارة «ما أخذته الطبيعة استعاده رافاييل بفنه».
بعد أيام قليلة انتشر بين سكان روما كتيب أضحك كل من قرأه، وكان عنوانه «الوصية الأخيرة للفيل هانو وشهادته على العصر نقتطع منه ما يلي» إلى وريثي

الكاردينال سانتا كروس أمنح ركبتي حتى يجيد الركوع مثلما كنت أفعل.. وإلى وريثي الكاردينال سانتي كواترو أمنحه فمي كي يستطيع أن يلتهم التبرعات التي تعطى باسم المسيح ... وإلى الكاردينال مديتشي أورثه أذني حتى يتجسس على أفعال الجميع.. «وأهدى الفيل للكاردينال جراسي الشهير بالفجور خلفيته الضخمة التي يستحقها.
لم يدع الكتيب الذي لم يذكر اسم مؤلفه أحدًا من مشاهير روما حتى البابا نفسه دون أن يسخر من نقطة ضعفه. انتهى الكتيب بعبارة ترجمتها «احرص على أن تجعل من آرتينو صديقًا لك لأنك لن تحتمل عداوته/ فبالكلمات وحدها يستطيع أن يدمر البابا في قداسته/ وليرحم الله الجميع من لسانه».
التعليق:
بكتيب واحد صغير استطاع آرتينو الجريء أن يرتفع من خادم متواضع وابن صانع أحذية إلى كاتب شهير يود الجميع في روما أن يتعرف عليه ويتقرب منه، بل أن البابا نفسه قد بحث عنه وأعطاه لاحقًا وظيفة في البلاط البابوي، وعرفه الناس باسم «جلاد الأمراء»، وأكسبه لسانه اللاذع الاحترام والرهبة من عظماء أوروبا ومن بينهم ملك فرنسا وإمبراطور هابسبرج.
الاستراتيجية التي اتبعها آرتينو بسيطة: إن كنت مجهولاً وهينا بين الناس كما كان النبي داود ابحث لك عن جالوت تصرعه، وكلما اخترت هدفًا أكبر تزداد شهرتك، وكلما كانت هجمتك أجرأ تزداد مكانتك في أعين الناس وإعجابهم بك. كل المجتمعات بها الكثيرون ممن يفكرون بجرأة لكن معظمهم لا تكون لديهم الشجاعة لنشر أفكارهم. قل للجماهير ما يريدون أن يسمعوه؛ فتعبيرك عن مشاعرهم يمنحك سطوة عليهم. تخّير أبرز الأشخاص وأقذفه بجرأة في نقطة ضعفه وستجد العالم يحتفي بك ويكرمك بالمجد والشهرة.

مفاتيح للسطوة:
معظم البشر جبناء يتجنبون الصراع والتوتر ويحرصون على الاحتفاظ بحب الآخرين. جميعنا نفكر في القيام بأعمال جريئة ولكن نادرًا ما ننفذها لأننا نخاف من العواقب ومن نظرة الناس لنا والعداء الذي قد نولده إن تجرأنا على تجاوز ما اعتاده الآخرون منا.
قد نخفي جبننا تحت شعارات مثل أننا نهتم بالآخرين ولا نحب أن نجرحهم أو نؤذي مشاعرهم، لكن الحقيقة هي العكس ذلك أن منبعه هو اهتمامنا بأنفسنا وخوفنا عليها مما قد يراه الآخرون فينا؛ بينما تأخذنا الجرأة إلى خارجنا وغالبًا ما تجعل الناس يرتاحون معنا لأنها تشعرهم أننا أقل انشغالاً بأنفسنا وأقل كتمانا لطبيعتنا.
يمكنك أن ترى ذلك بوضوح في الإغواء، فكل المغوين الكبار كانوا يحققون مآربهم بالتعبير عن أنفسهم دون تردد أو حياء، فلم تكن جرأة كازانوفا تتجلى بالأساس في تقربه الجريء من المرأة التي يريدها ولا كلماته الصريحة في مغازلتها بل من قدرته على إظهار نفسه لها بالكامل وجعلها تظن أنه قد يفعل أي شيء حتى ينالها لدرجة المخاطرة بحياته وهو ما كان يفعله أحيانًا في الواقع. كانت المرأة التي يغدق عليها بهذا الاهتمام ترى أنه ليس في داخله شيء يخفيه عنها وكان ذلك يشعرها بإطراء أكبر من أي كلمات، فلم يكن كازانوفا في أي لحظة يظهر في إغوائه للمرأة التي يريدها أي خوف أو تردد ذلك لأنه ببساطة لم يشعر بذلك أبدًا.
جزء من سحر الإغواء يكمن في أن الشخص الذي يتعرض له يشعر أن يدا تأتي من خارج نفسه تحرره من المخاوف التي تملأ حياته وتقيد تصرفاته، واللحظة التي يتردد فيها المغوي أو يخاف ينكسر السحر ويرى الشخص الجهد والتخطيط الذي يبذله المغوي لإغرائه. فالجرأة تخرج الشخص عن نفسه وتحرره من قيودها وتبقيه في حالة من التوهم لا يخشى معها الحرج أو الخوف من سوء التصرف. ذلك هو السبب الذي يجعلنا نحب صحبة الجريئين لأن ثقتهم بأنفسهم تعدينا وتبعدنا عن تأمل أنفسنا ومحاسبتها والانكفاء داخلها.

قليلون من الناس هم من يولدون شجعان وجريئين، ونابليون نفسه كان عليه أن يتمرن على الشجاعة في ميدان القتال لأنه كان يعلم أنها هي التي تبقيه حيا، كما أنه كان جبانًا ومترددًا في الاحتفالات الاجتماعية ولكنه تغلب على ذلك ودرب نفسه على الجرأة في كل مجالات الحياة لأنه رأى في ذلك سطوة كبيرة فهي التي تضخم رجلا حتى من كان في حجم نابليون الذي كان قصيرًا وقليل الجسم. وقد لاحظنا هذا التغير أيضًا لدى أيفان الرهيب: الصبي الوديع الذي تحول فجأة إلى شاب لا يهاب يمارس سلطته بإشارة من إصبعه وبقلب لا يخشى شيئا.
عليك أن تدرب وتطور جرأتك وستجد لها فوائد كثيرة، وأفضل ساحة لتدريبها غالبًا ما تكون عالم المفاوضات الدقيق خاصة تلك التي تتطلب منك تحديد السعر الذي تختاره. كثيرًا ما نهين أنفسنا بطلب القليل، لكننا نجد أنه حين طلب كريستوفر كولومبوس من البلاط الإسباني أن يمول رحلته إلى أمريكا طلب منهم أيضًا طلبًا غاية في الجرأة وهو أن يصبح «الأدميرال الأعظم للمحيط» ووافق البلاط. السعر الذي طلبه هو الذي حصل عليه- طلب أن يعامل بإكبار وتوقير ونال ما طلب. وكان هنري كسنجر أيضًا يدرك أن المطالب الجريئة تؤتي نتائج أفضل بكثير من البدء بالتنازلات ومحاولة التقاء الخصوم في منتصف الطريق. حدد أعلى ما تطمح إليه ثم افعل كما فعل الكونت لوستيج أي أن تزايد عليه.
ولتعرف أنه: إن لم تكن الجرأة طبيعة فكذلك الجبن، فكلاهما من العادات المكتسبة التي نختارها لتجنب الصراع. إن رأيت أن الجبن قد ترسخ داخلك فاعمل على أن تقتلعه من جذوره، وتذكر أن خوفك من عواقب أفعالك الجريئة لا يكون له في الواقع ما يبرره، والحقيقة أن عواقب الجبن أسوأ فهو يقلل مكانتك ويدخلك في مخاوف تضعفك وتصيبك بالكوارث. ولا تنس أن المتاعب التي قد تأتي بها الجرأة والأقدام يمكن سترها بل وعلاجها بالمزيد من الجرأة والإقدام.

الصورة
الأسد والأرنب.
يتحرك الأسد واثقًا ولا يترك ثغرات في مساره لأن تحركاته رشيقة وأنيابه قوية وسريعة، أما الأرنب الجبان فقد يفعل أي شيء لينجو من الخطر لكن في تعجله للهرب يتردد ويدخل بنفسه بين أنياب عدوه.
اقتباس من معلم: ليس لدي من شك في أن الأفضل للإنسان أن يكونمتهورا عن أن يكون حريصًا لأن الحظوظ كامرأة لا يمكن إخضاعها إلا بالقوة فهي لا تمنح نفسها إلا لمن يتجرأ وليس لمن يتحرك بتعقل وبرود، والحظوظ تشبه المرأة أيضًا في أنها تهوى الشباب لأنهم أقل حذرا وأكثر جرأة وإقداما. (نيكولو مكيافيللي، 1469- 1527).
عكس القاعدة:
لا تجعل من الجرأة استراتيجية لك في كل أفعالك، فهي ليست أكثر من تكتيك تستخدمه في وقته المناسب. خطط وفكر واترك الجرأة للخطوة النهائية التي تحصد لك النجاح. ولأن الجرأة استجابة تتعلمها عليك أيضًا أن تتقن التحكم بها واستخدامها حسب إرادتك. مواجهتك الحياة دون شيء غير الجرأة يجهدك؛ بل قد يدمرك أحيانًا لأن من لا يتحكمون بجرأتهم يهينون أشخاصًا قد لا يرحمونهم. كانت لولا مونتيز من هذا النوع من البشر فقد مكنتها جرأتها من إغواء ملك بافاريا ولكنها لم تستطع أبدًا التحكم في جرأتها وأدى ذلك إلى السقوط- فكانت أينما ذهبت تتعدى الحد بين الجرأة والقسوة وأحيانًا الجنون. وتلقى إيفان الرهيب مصيرًا مشابها: فحين وجد أن الجرأة قد حققت له النجاح تعلق بها واتخذها أسلوبًا له طوال حياته حتى أفقدته التمييز بين متى يفيده استخدام العنف والدموية ومتى يضره.
لا مكان للجبن في عالم السطوة ولكن غالبًا ما يفيدك التظاهر بالجبن، ولكنه لا يكون عندئذ جبنا ولكن سلاحًا للهجوم: فتظاهرك بالتردد والحياء يستدرك إليك خصومك ويمكنك من الانقضاض عليهم لاحقًا بجرأة واقتدار.


القاعدة
29
خطط مسبقًا لكل شيء
من البدء حتى الخاتمة
الحكمة:
تؤخذ الأمور بخواتيمها، وعليك أن تخطط بوضوح للطريق الذي يوصلك للخاتمة التي تريدها آخذًا في الاعتبار كل العقبات والعوائق ونكبات القدر التي قد تبعد عنك المجد وتمنحه لغيرك. التخطيط للأمور حتى نهاياتها يحميك من إنهاك التفكير الدائم فيما يواجهك من الأحداث ويحدد لك متى تتوقف لجني المكاسب، ويجعلك توجه الدفة باستمرار في الاتجاه الذي يحقق لك أكبر السطوة والمجد.

انتهاك القاعدة:
في عام 1510 أبحرت سفينة متجهة من هسبانيولا (هايتي وجمهورية الدومينيك حاليًا) إلى فنزويلا لتنقذ مستعمرة إسبانية محاصرة، وحين أصبحت على بعد أميال من ميناء الوصول تسلل راكب كان يختبئ في خزينة المؤن: كان ذلك الراكب هو فاسكو نانييز دي بالبوا وكان نبيلا أسبانيا أتى إلى العالم الجديد بحثًا عن الذهب ولكن أغرقته الديون وكان يختبئ داخل السفينة هربًا من دائنيه.
كان بالبوا واحدًا ممن سيطر عليهم حلم البحث عن الذهب في مملكة إلدرادو المبهرة التي انتشرت عنها الحكايات بعد عودة كولومبوس من العالم الجديد، ولم يكن أحد قد اكتشفها بعد، وذهب مع أول أفواج المغامرين إلى تلك الأراضي البعيدة وعزم من البداية أن يتحقق له بالجرأة والإصرار السبق في اكتشاف هذه الكنوز، ورأى بعد أن فر من دائنيه أنه لن يمنعه شيء عن تحقيق هدفه.
لسوء حظه كان صاحب السفينة فرانسيسكو فرنانديز دي إنسيسو قاضيًا ثريًا، وأغضبه كثيرًا أن يعرف بأمر الراكب المتسلل وأمر طاقمه أن يتركوا بالبوا في أزل جزيرة يمرون بها، ولكن قبل أن يصلوا إليها وصلتهم أنباء عن تحرر المستعمرة التي كانوا متجهين إليها. رأى بالبوا في ذلك فرصته وحكى للبحارة عن رحلته السابقة إلى بنما وعن الشائعات التي تصف كم ما في تلك المناطق من الذهب. توجه البحارة المتحمسون إلى إنسيسو وأقنعوه بالعفو عن بالبوا وبتأسيس مستعمرة في بنما، وتحقق لهم ذلك وأطلقوا على المستعمرة الجديدة الاسم«دارين».
تولى إنسيسو منصب أول حاكم لدارين، لكن لم يكن بالبوا من النوع الذي يتخلى عن طموحاته لشخص آخر فألب البحارة ضد إسيسة وأجبروه على الفرار إلى إسبانيا خوفًا على حياته. بعد شهور وصل مبعوث التاج الإسباني ليعلن نفسه حاكمًا جديدًا على دارين ولكن رفضته الجموع وغرقت به السفينة أثناء عودته إلى إسبانيا وكان ذلك حسب القانون الإسباني يعني إدانة بالبوا الحاكم واغتصاب منصبه.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يقع فيها بالبوا في مأزق بسبب تهوره، لكن هذه المرة بدا وكأن كل أحلامه في الثروة والمجد قد تحطمت، فقد كان عليه كي يؤكد حقه في اكتشاف إلدرادو أن ينال رضا الملك، وهو ما أصبح شبه مستحيل بعد أن أصبح مدانًا وخارجًا على القانون. لم يعد أمامه سوى حل واحد: كان يعرف من هنود بنما أن في الناحية الأخرى من البرزخ الموجود في أمريكا الوسطى محيط هائل وأنه بالتوجه جنوبًا على الشاطئ الغربي يمكنه أن يصل أرض تملك من الثروات ما لا يصدقه العقل سمعهم ينطقرن اسنها «البيرو» قرر بالبوا أن يعبر غابات بنما الخطرة وعزم على أن يصبح أول أوروبي يغسل قدميه في هذا المحيط الجديد، ومن هناك يواصل الزحف إلى الدراود ورأى أنه بتحقيق هذا الإنجاز باسم إسبانيا سيفوز برضا الملك وامتنانه وينقذ نفسه من محنته. لكن كان عليه أن يتحرك فورًا قبل أن تأتي السلطات الإسبانية وتعتقله.
أبحر بالبوا عام 1513 مع 190 بحارًا ولكن عند منتصف الطريق عبر البرزخ لم يبق معه سوى سبعين منهم ومات الباقون بسبب الظروف الصعبة للرحلة من الحشرات الماصة للدماء والأمطار الغزيرة والحمى. وأخيرًا ومن فوق جبل استطاع بالبوا بالفعل أن يصبح أول أوروبي تقع عيناه على المحيط الهادئ وبعدها بأيام واصل الإبحار مع قواته المدرعة رافعين راية الكاستا وأعلن ضم كل الأراضي والبحار المكتشفة إلى وصاية العرش الإسباني.
استقبل هنود المنطقة بالبوا بهدايا من الذهب والأحجار الكريمة التي لم ير مثلها من قبل، وحين سأل من أين تأتي هذه الأشياء أجابه الهنود أنها آتية من مملكة الإنكا في الجنوب. لكن لم يكن قد تبقى مع بالبوا إلا القليل من الجنود وكان عليه أن يعود لدارين ورأى أن يرسل الذهب والجواهر إلى إسبانيا عربونًا على حسن نيته ويطلب منهم جيشًا كبيرًا لمساعدته في الاستيلاء على إلدرادو.
حين وصلت الأنباء إلى إسبانيا عن عبور بالبوا الجرئ للبرزخ واكتشافه للمحيط

الغربي وتجهزه للاستيلاء على إلدرادو تحول في نظر الجميع من مجرم مدان إلى بطل قومي، وقوى ذلك من عزمه الذي لا يلين في أن يصبح حاكمًا على الأرض الجديدة. قبل أن تصل الأخبار إلى الملك والملكة عن اكتشافات بالبوا كانا قد أرسلا لاعتقاله عشرات السفن بقيادة رجل اسمه بدرو آرياس دافيلا «بدرارياس»، ولكن عرف بدرارياس بمجرد وصوله إلى بنما بقرار العفو عن بالبوا وعن القرار الملكي بتقاسمه للسلطة مع هذا المدان السابق.
بعدها عاد إلى بالبوا شعوره السابق بعدم الرضا فلم يكن يرضيه سوى الذهبي وحكم إلدرادو، وهو الحلم الذي كاد يفقده حياته مرات عديدة، ولم يكن يحتمل أن يشاركه هذا الوافد الجديد في الثروة والمجد، وبسرعة عرف أن بادرياس رجل غيور وحاقد ولم يكن يرضيه هذا الوضع أيضًا. رأى بالبوا أن حله الوحيد هو أن يطلب المغادرة مع جيش كبير ومعدات لصناعة السفن لعبور الغابات من جديد وأن يؤسس عند وصوله قاعدة عسكرية يمكنه من خلالها أن يستولى على الإنكا.
الغريب أن بادرياس وافق على الخطة مباشرة ظنًا منه أنها لن تنجح، وبالفعل مات المئات أثناء هذه الرحلة الثانية عبر الغابات وتعفنت مؤونتهم بفعل الأمطار الغزيرة، لكن ذلك كعادة بالبوا عن سعيه فلم يكن أي شيء في العالم يحبطه عن طموحه. حين وصل إلى المحيط الهادئ بدأ في قطع الأشجار لشن حملته الجديدة لكن ما تبقى معه من الرجال كانوا قليلين ومنهكين لا يقدرون على الغزو وكان عليه أن يعود مرة أخرى إلى دارين.
كان بادرياس قد أرسل بالبوا طالبًا منه العودة لمناقشة خططه الجديدة وحين وصل قابله فرانسيسكو بيزارو صديقه القديم الذي كان معه في عبوره الأول عبر البرزخ، ولكن ذلك كان فخًا: فكان تحت إمرة بيزارو مائة جندي أحاطوا ببالبوا واعتقلوه وعاداوا به إلى بادرياس والذي حاكمه بتهمة التمرد وبعدها بأيام كانت رأس بالبوا ترقد مع رؤوس أتباعه المخلصين في سلة المقصلة. بعدها بسنوات كان بيزارو هو من تحقق له الاستيلاء على بنما ونسى الناس بطولات بالبوا.

التعليق:
معظم الناس تحكمهم قلوبهم وليس عقولهم، وتكون طموحاتهم غائمة ومشوشة ويرتجلون عند مواجهة الصعاب؛ لكن الارتجال لن يصل بك إلا إلى المزيد من المآزق وهو لا يغنيك عن التفكير السديد والتخطيط مسبقًا لكل الخطوات اللازمة لتحقيق هدفك.
كان بالبوا يحلم بالثروة والمجد ولكن كانت خططه لتحقيق ذلك مشوشة، وقد نسيه الناس ونسوا اكتشافه للمحيط الهادئ؛ لأنه ارتكب ما يعد في عالم السطوة إثمًا لا يغتفر: لم يكمل ما بدأه وترك الباب مفتوحًا لآخرين لينهوا إنجازاته. لو كان بالبوا رجل سطوة حقيقي لكانت لديه الحكمة لرؤية الأخطار من بعيد –ولتعرف على المنافسين الذين يسعون لمشاركته انتصاره والنسور الذين يحومون حوله حين أثارتهم كلمة «الذهب». كان عليه أن يحافظ على معلوماته حول الإنكا سرًا إلى أن يستولى على بيرو وحينها كان يمكنه أن يأمن على نفسه وثروته. وبمجرد أن وصل بادرياس إلى المشهد كان أي رجل سطوة حقيقي سيخطط لقتله أو اعتقاله وأخذ الجيش الذي أحضره معه ليستولى به على بيرو، ولكن بالبوا كان لا يرى أبعد من لحظته وتحركه حماسته وانفعاله ولا يفكر أبدًا للأمام.
ما فائدة أن تكون لديك أعظم الأحلام في العالم إن كان الآخرون سيحصدون عنك المكاسب والمجد؟ لا تشغل نفسك أبدًا بالأحلام المشوشة بل خطط مسبقًا لما يتطلبه تحقيق ما تريد من البدء حتى الختام.
مراعاة القاعدة:
في عام 1863 أجرى رئيس وزراء بروسيا أوتو فون بسمارك مسحًا للساحة السياسية في عصره للتعرف على اللاعبين الكبار ورأى أن معظم السطوة تتقسامها إنجلترا وفرنسا والنمسا، وكانت بروسيا مجرد ولاية بين الولايات المفككة في الاتحاد الألماني الهش، وكانت النمسا هي العضو المسيطر في الاتحاد وتحرص على أن

تظل باقي الولايات ضعيفة ومنقسمة وخاضعة لها. في أعماقه كان بسمارك يؤمن أن الأقدار تدخر لبروسيا دورًا أكبر بكثير من مجرد التابع المطيع للنمسا. أدار بسمارك اللعبة كالتالي: كانت حركته الأولى هي شن حرب مشروعة مع الدنمارك لاستعادة أراضي شليسفج –هولشتاين التي كانت أصلاً ملكًا لبروسيا. كان يعلم أن هذه التحركات لتحقيق طموحات بروسيا في الاستقلال ستخيف فرنسا وانجلترا؛ ولذلك أشرك النمسا في الحرب مدعيًا أنه يستعيد شلسفيج وهولشتاين لصالحها. بعد أشهر قليلة انتصر في الحرب وطالب بضم الأراضي التي استولى عليها إلى بروسيا. غضب النمساويون بالطبع ولكنهم ساوموا: وافقوا على منح شلسفيج لبروسيا وبعدها بعام باعوا لهم هولشتاين وبدأ العالم يرى أن النمسا آخذة في الضعف وأن بروسيا تزداد قوة.
كانت خطوة بسمارك التالية هي الأجرأ: في عام 1866 أقنع ويليام ملك بروسيا بالانسحاب من الاتحاد الألماني وكان ذلك بمثابة شن حرب على النمسا ذاتها وهي حرب عارضتها بشدة زوجة الملك ومعها ولي العهد وأمراء الممالك الألمانية الأخرى، ولكن بسمارك بشجاعته وقوة رأيه استطاع أن يطلق قرار الحرب وانتصر جيش بروسيا المتفوق على النمسا في حرب الأسابيع السبعة الوحشية. بعدها أراد الملك والجنرالات أن يواصلوا الزحف نحو فيينا للاستيلاء على أكبر مساحة من الأراضي النمساوية لكن بسمارك أوقفهم – وانضم للجانب المؤيد للسلام، وكانت النتيجة خصوله على معاهدة مع النمسا تمنح بروسيا والممالك النمساوية الأخرى حمكًا ذاتيًا مطلقًا؛ وهكذا استطاع بسمارك أن يجعل بروسيا القوة المهيمنة في ألمانيا ورأس الاتحاد الألماني الشمالي الذي تشكل لاحقًا.
بدأ الإنجليز والفرنسيون يرون في بسمارك شبيهًا بآتيلا ملك الهن [أقوى من غزا الإمبراطورية الرومانية في الأعوام 433- 453] وخافوا من أنه يخطط للسيطرة على كل أوروبا وأنه بمجرد أن ينطلق في طريق الانتصارات فلن يستطيع أحد أن يوفقه. والحقيقة أن بسمارك استدرج فرنسا لخوض الحرب مع

بروسيا: في البداية أظهر أنه لا يمانع أن تستولى فرنسا على بلجيكا ولكن في اللحظة الأخيرة غير رأيه، وبلعبة القط والفأر هذه أغضب الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث واستفز الملك البروسي ضد فرنسا، واشتعلت الحرب في عام 1870 وانضم الاتحاد الألماني الجديد بحماس في الحرب إلى جانب بروسيا ومرة أخرى استطاعت العسكرية البروسية مع حلفائها تدمير جيش العدو عدة أشهر، وعلى الرغم من أن بسمارك كان يعارض الاستيلاء على أراض فرنسية إلا جنرالاته استطاعوا أن يقنعوه بضم ألسيس لورين إلى الاتحاد الألماني.
عندئذ أصبحت كل أوروبا تتخوف من الخطوة التالية للوحش البروسي الذي يقوده «المستشار الحديدي» بسمارك، وبالفعل أعلن بسمارك، وبالفعل أعلن بسمارك بعدها بعام تأسيس الإمبراطورية الألمانية وتوج ملك بروسيا إمبراطورًا وجعل من نفسه أميرًا. لكن بعد ذلك حدث شيء غريب: لم يعد بسمارك يدعو إلى شن المزيد من الحروب، وفي حين كانت القوى الأوروبية الاخرى تنهب أراض في القارات الأخرى لتأسيس مستعمراتها كان بسمارك يعارض إنشاء المزيد من المستعمرات الألمانية فلم يكن يريد لألمانيا المزيد من الأرض بل المزيد من الأمن، وظل لما تبقى من حياته يسعى لإقرار السلام في أوروبا ولمنع المزيد من الحروب. ظن الجميع أن بسمارك قد تغير على مر السنين وأن التجارب أنهكته ولكنهم أخطأوا في فهم حقيقة أن تلك المرحلة هي التي اختارها بسمارك من بداية مشواره.
التعليق:
السبب البسيط الذي يجعل معظم الرجال لا يتوقفون عن الهجوم هو أنهم لا يحددون أهدافهم بدقة؛ وبمجرد أن يتحقق لهم نصر يتعطشون للمزيد. ويظهر لنا الواقع أن الاكتفاء وكبح الذات أي تحديد هدف معين وعدم تجاوزه يخالف الطبيعة البشرية، ولكن لا شيء أهم لك منه لتحتفظ بسطوتك. الأشخاص الذين يبالغون في الهجوم والانتصار يحرضون لدى الآخرين ردود فعل تؤدي بهم حتمًا إلى الضعف والسقوط. الحل الوحيد للتخلص من هذه الطبيعة هو أت تخطط للمدى البعيد وأن

تتعلم أن ترى المستقبل كما تراه الأولمب في الأساطير الإغريقية الذين كانوا ينظرون عبر السحب ليروا خواتيم كل الأمور.
لم يكن لبسمارك من بداية مساره السياسي سوى هدف واحد وهو أن يصنع دولة ألمانية قوية تقودها بروسيا، وقد شن الحرب على الدنمارك ليس لاكتساب أرض بل ليشعل الحماس للقومية البروسية ويوحد الأمة. ولم يقصد من الحرب مع النمسا إلا الحصول على استقلال بروسيا (ولذلك رفض أن يستولى على أي أراض نمساوية)، ولم يهيج العداء والحرب مع فرنسا إلا ليجعل مشاعر الأمة تتحد ضد عدو مشترك، وقد ساعده كل ذلك في تكوين ألمانيا الموحدة.
وبمجرد أن تحقق له ما أراد اكتفى ولم يدع الانتصارات تعلب بعقله ولن يفتنه أبدًا الجشع للمزيد. كان يمسك بلجام نفسه جيدًا وحين كان الجنرالات أو الملك أو الشعب البروسي يطالبونه بالمزيد من الانتصارات والمكاسب كان يكبح جماحهم، ولم يسمح لأي شيء أن يفسد جمال إبداعه، وبالطبع لم يسمح للنشوة الزائفة التي تحرك من حوله أن تجعله يتجاوز الخاتمة التي خطط لها بعناية من بداية مشواره.
تبين لنا الخبرة أن من يتوقع من بعيد ما عليه لإنجاز أمر ما يتصرف بسرعة حين تأتي اللحظة المواتية لتنفيذ هذا الأمر
الكاردينال ريشيليو، 1585، 1642
مفاتيح للسطوة:
كان الإغريقيون القدماء يتصورون في أساطيرهم عن الكون أن لآلهة جبل الأولمب القدرة على رؤية المستقبل كاملاً وواضحًا ومعرفة كل ما سوف يأتي بأدق تفاصيله، بينما الإنسان سجين لحظته وأسير انفعالاته تتخطبه الأقدار دون أن يرى أبعد مما يتعرض له من محن. كانوا يرون أن الأبطال من أمثال أوديسيوس الذين يتجاوزون حاضرهم ويخططون للأمام يتحدون الأقدار وينافسون الآلهة بقدرتهم على تحديد المستقبل. ما زالت هذه المقارنة مفيدة لنا في وقتنا الحاضر، فالذين يستطيعون من بيننا أن يدبروا ويخططوا لعدة خطوات آتية ويصبرون على تنفيذ خططهم إلى أن يحققوا أهدافهم تكون لهم سطوة مثل سطوة آلهة الأولمب.

ولأن أغلب الناس يقيدهم الحاضر لدرجة تمنعهم من التخطيط للأمام بمثل هذه البصيرة؛ لذلك تتحول قدرة من يستطيعون أن يتجاهلوا مخاطر وملذات حاضرهم إلى سطوة. هي سطوة تأتي من تجاوز الطبيعة التي تحكم البشر وتجعلهم لا يستجيبون للأحداث إلا بعد حدوثها، ومن اكتساب القدرة على التنائي بالذات لرؤية الصورة الأكبر التي تتشكل بعيدًا عن اللحظة الحاضرة. يظن أغلب الناس أنهم يركزون على المستقبل ويخططون للأمام والحقيقة أن أكثرهم يخدعون أنفسهم: فما يفعلونه هو أنهم يستسلمون للرغبة والتمني في تصورهم للمستقبل وتكون خططهم مشوشة ويغرقون في تصور النهايات السعيدة، فرغباتهم وتمنياتهم تكون من القوة بحيث تسيطر على تفكيرهم.
في عام 415 ق.م الأثينيون بهاجمة صقلية ظنًا أن هذا الغزو سيجلب لهم السطوة والثراء وأرادوا أن يكون انتصارهم في هذه الحملة تتويجًا مجيدًا للحرب البيلوبينيسية التي استمرت ستة عشر عامًا. لم يفكر الأثينيون في مخاطر غزو بلاد بعيدة وغريبة عنهم أو أن الصقليين الذين يحاربون في أرضهم سوف يستبسلون في الدفاع عنها، ولم يحسبوا أن أعداءهم سوف يتحدون ضدهم أو أن الحرب ستنشب في جبهات عديدة تفرقهم وتضعفهم. كانت الحملة كارثة بكل معنى الكلمة وأنهت واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ، اندفع إليها الأثينيون بقلوبهم ولم يروا فيها إلا فرصة للمجد وأنستهم قوة مشاعرهم الأخطار التي تحدث بهم من بعيد.
حلل هذه الظاهرة الكاردينال دي ريتز الذي كان يتفاخر بقدرته على معرفة مخططات البشر والأسباب في فشل معظمها. أثناء التمرد الذي أثاره ضد الملكية الفرنسية في عام 1651 رحل الملك الشاب لويس الرابع عشر مع أعضاء بلاطه عن باريس واستقروا في قصر خارج العاصمة. كان وجود الملك قريبًا من قلب الثورة يزعج الثوريين؛ ولذلك فرحوا كثيرًا برحيله، ولكن تبين لاحقًا أن هذه الخطوة هي التي قضت على الثورة، فابتعاد رجال الصفوة عن باريس منحهم مساحات كبيرة

للمناورة. وكتب الكاردينال ريتز عن ذلك لاحقًا: «السبب الأكثر شيوعًا لأخطاء البشر هو أنهم يبالغون في الخوف من الأخطار الحاضرة ويقللون من الاهتمام بالأخطار البعيدة».
لو رأينا الأخطار البعيدة وهي تختمر لاستطعنا أن نتجنب الكثير من الأخطاء، ولتخلينا عن الكثير من المخططات التي قد تنقذنا من أزمة قريبة لتوقعنا بعدها في أزمة أكبر. معظم السطوة يأتي ليس مما نفعله بل مما نتجنبه –أي من التخلي عن الأفعال المندفعة والحمقاء قبل أن تسبب لنا المشاكل. خطط جيدًا ولا تدع الخطط المشوشة توقعك في الأزمات، واسأل نفسك: هل يمكن لما أفعله أن يأتي بعواقب لا أريدها؟ هل يمكن لآخرين أن يسرقوا جهدي؟. الحقيقة أن النهايات المؤلمة أكثر حدوثًا بكثير من النهايات السعيدة فلا تترك خيالك يفتتن ويضلل بالنهايات السعيدة.
انتهت الانتخابات الفرنسية في عام 1848 بصراع بين لويس أدولف تيير رجل النظام والجنرال الفرنسي لويس يوجين كافينياك مثير الفتن اليميني، وحين رأى تيير أنه يقترب من خسارة هذا السباق المصيري كان عليه أن يبحث عن حل طارئ، ووقعت عيناه على لويس بونابرت وكان عضوًا متواضعًا في البرلمان لكنه كان حفيدًا لحفيد نابليون بونابرت العظيم. كان لويس بونابرت يبدو معتوهًا نوعًا ما لكن اسمه وحده كان كافيًا لجعل البلاد المتشوقة لحاكم قوي تنتخبه، وظن تيير أنه سيجعل منه دمية في ديه وفي النهاية يزيحه عن الساحة ليحل محله. نجح الجزء الأول من الخطة نجاحًا كبيرًا وفاز بونابرت فوزًا ساحقًا. المشكلة أن تيير لم يستطيع أن يتوقع حقيقة بسيطة: وهي أن هذا المعتوه كان واسع الطموح واستطاع في ثلاث سنوات أن يحل البرلمان ويعلن نفسه إمبراطورًا ويحكم فرنسا ثمانية عشر عامًا ويبث الرعب لدى تيير وحزبه.
تحسب الأمور بخواتيمها، فالخاتمة هي التي تحدد من ينال المجد أو الثروة أو الجائزة، وعليك أن ترى من البداية خاتمة الأمور بوضوح وتصب عليها تركيزك طوال الوقت. وعليك أن تتعلم كيف تبعد عنك النسور الذين يحومون من بعيد

وينتظرون الانقضاض على غنيمتك، وأن تتوقع وتتحسب للأزمات التي قد تدفعك للارتجال. وتخطي بسمارك هذه الأزمات؛ لأنه خطط لما يريد حتى النهاية واستمر في مساره بعد كل أزمة ولم يسمح لأحد أن يسرق منه مجده، وبمجرد أن حقق أهدافه دخل في قوقعته مثل السلحفاة. الحقيقة أن هذا النوع من التحكم بالذات يعطي لصاحبه سمتًا أسطوريًا يتجاوز قدرات معظم البشر.
حين ترى عدة خطوات للأمام وتخطط لتحركاتك طوال الطريق لن تغويك المشاعر أو الرغبة في الارتجال، وسوف يخلصك وضوح غاياتك ورسائلك من القلق والتشوش وهما السببان الأساسيان لفشل الكثيرين عن تحقيق أحلامهم. ركز على الخاتمة ولا تزيغ عنها بصرك مهما حدث.
الصورة
آلهة جبل الأولمب
ينظرون وسط الضباب لأعمال البشر ويرون مسبقًا خواتيم الأحلام الكبيرة التي ينتهي معظمها بالكوارث والمحن. ويسخرون من عجز البشر عن رؤية ما يتجاوز حاضرهم ومن تضليلهم لأنفسهم بأنفسهم.
اقتباس من معلم: كم من الأسهل علينا أن نتجنب الدخول في أمر ما عن أن نخرج أنفسنا منه؛ ولذلك علينا أن لا نقلد القصب الذي في أول نموه تظهر له ساقًا طويلة ومستقيمة وبعدها يبدو كأنما مسه التعب... وتظهر عليه الكثير من العقد الكبيرة تبين أنه لم يعد لديه نفس النشاط والحماس. علينا أن نبدأ الأمور برفق وروية وندخر طاقاتنا للمواجهات اللاحقة وللدفعات القوية التي نختم بها الأمور لصالحنا. في البداية تكون الأمور خاضعة لإرادتنا ولكن بمجرد أن تتحرك تقودنا وتأخذنا في تيارها (مونتاني 1533- 1592).

عكس القاعدة:
من المحفوظات التي يرددها الاستراتيجيون كثيرًا أن على المخططات أن تحوي درجة من المرونة وأن تشتمل على بدائل، وهذا صحيح قطعًا. إن تجمدت داخل خططك لن يمكنك أن تتعامل مع التغيرات المفاجئة في سير الأحداث، وعليم بمجرد أن تتفحص إمكانات المستقبل وتحدد أهدافك أن تضع البدائل وأن تفتح طرقًا جديدة لتحقيق هذه الأهداف.
إلا أن معظم فشل الناس في مخططاتهم لا يأتي من التخطيط الزائد والجمود بل من التشوش والارتجال عند مواجهة الظروف. لذلك لن تستفيد شيئًا من نقضك لهذه القاعدة؛ لأنه لن يحقق لك شيئًا أن تتجاهل المستقبل وتغفل عن التخطيط من البداية إلى النهاية. وإن كان تفكيرك سليمًا ومتعمقًا ستعرف أن معرفتك بالمستقبل لا يمكن أن تكون يقينًا وأن عليك أن تتكيف مع المتغيرات، وتحديد الأهداف بوضوح والتخطيط للمدى البعيد هو الوسيلة الوحيدة التي تمنحك هذا القدر من التحرر والمرونة.

القاعدة
30
تصرف برشاقة
ولا تظهر أبدًا معاناتك في إنجاز الأمور
الحكمة:
عليك أن تظهر إنجازاتك وكأنها تلقائية ووليدة موهبة طبيعية وأن تخفي كل ما بذلت من الكدح والتدريب والتحايل لتحقيق ما تريد. اجعل الآخرين يرون أنك تذلل الصعاب بيسر وكأن في مقدورك أن تفعل أكثر من ذلك بكثير. قاوم إغراء أن تحكي للناس عن تعبك وتفانيك؛ لأن ذلك يجعلهم يتشككون في مقدرتك، ولا تكشف لهم عن حيلك وأساليبك؛ لأن ذلك قد يمكنهم من استخدامها ضدك.

مراعاة القاعدة:
كان لطقوس الشاي اليابانية شا- نو- يو- (والتي تعني حرفيًا إعداد الماء الساخن من أجل الشاء) جذور في العصور القديمة، ولكنها وصلت إلى ذروة إتقانها في القرن السادس عشر على يد أشهر من مارسها وهو صن- نو- ريكيو لم يكن ريكيو سليل عائلة عريقة ولكنه استطاع أن يصعد إلى أعلى درجات السطوة وأصبح معلم الشاي المقرب من الإمبراطور هديوشي ومستشاره في الأمور الجمالية بل وحتى السياسية كان سر نجاح ريكيو هو أنه كان يظهر دائمًا يطل على طبيعته ولم يجعل أبدًا أحدًا يراه وهو يجاهد أو يعاني في فعل شيء.
ذات يوم ذهب ريكيو مع ابنه لزيارة أحد معارفه لإعداد طقوس الشاي، وأثناء دخولهم إلى المنزل قال الابن «إن هذه البوابة توحي بالعزلة والكآبة» فأجاب الأب «بل يدو أن صاحب البيت قد أتى بها من أحد المعابد البعيدة في الجبال ولابد أن ذلك قد كلفه الكثير». رأى ريكيو أن رجلاً يتكلف هذا الجهد المفرط لإحضار بوابة سيبذل جهدًا مبالغًا أيضًا في إعداد الشاي، وأحس أنه لن يتحمل ما سيظهره هذا المضيف من التكلف والمعاناة؛ ولذلك غادر مبكرًا.
في مناسبة أخرى طلب الإمبراطور هديوشي أن يزور ريكيو في منزله للاستمتاع معًا بطقوس الشاي، وفي الليلة التي سبقت الموعد تساقطت الثلوج. فكر ريكيو ووضع على أحجار السلم الصاعد من الحديقة إلى منزله وسائد بنفس حجمها، واستيقظ قبل الفجر ورأى أن الثلوج قد توقفت فأزال الوسائد بحرص. حين وصل هديوشي أذهله الجمال الهادئ والبسيط للمكان والدوائر المتقنة الخالية من الثلج فوق أحجار السلم ولم ير في هذه اللفتة إظهارًا للمعاناة والتكلف بل الأدب والذوق.
تأثرت طقوس إعداد الشاي كثيرًا بأسلوب صن- نو- ريكيو حتى بعد وفاته. كان نوكوجاوا شوجن يورينوبو ابن الإمبراطور العظيم إياسة دارسًا لهذه التعاليم وكان في الحقيقة منزله مشكاة من الحجر صنعها حرفي شهير، وطلب منه السيد

تاداكاتسو أن يزوره ليرى المشكاة فرحب يورينوبو، وأمر البستانيين أن يقوموا بالترتيبات لاستقبال الزائر. لم يكن البستانيون على معرفة بآداب صن- نو- ريكيو ورأو أن المشكاة قبيحة وأن فتحاتها ضيقة ولا تناسب ذوق العصر فأحضروا عاملاً محليًا وسع الفتحات. قبل أيام من موعد الزيارة تجول يورينوبو ليتفقد ترتيبات الحديقة وحين رأي الفتحات الجديدة كاد أن يغرس سيفه غضبًا في قلب الأحمق الذي شوه جمال ورهافة المشكاة وأفسد سبب الزيارة.
حين هدأ يورينوبو تذكر أنه كان قد اشترى مشكاة أخرى وضعها في منزلة في جزيرة كيشو، واستطاع بتكلفة كبيرة أن يستأجر مركب صيد حيتان مع أفضل البحارة وطلب منهم أن يحضروا المشكاة في أقل من يومين، وكان مطلبًا على أقل التقديرات صعبًا. لكن البحارة واصلوا التجديف ليلاً ونهارًا وواتتهم ريح ساعدتهم على الوصول في الموعد المحدد. فرح يورينوبو كثيرًا أن يجد تلك المشكاة أروع كثيرًا من الأولى؛ لأنها ظلت في أيكة من الخيزران لم تمسسها يد طوال عشرين عامًا وكانت تغطيها طبقة رقيقة من الطحالب وأعطاها ذلك مظهرًا رائعًا بالقدم. حين وصل ساكاي في وقت لاحق من نفس اليوم روعه جمال المشكاة ورآها أجمل كثيرًا مما تخيل وأنها تتفق بأناقة مرهفة مع عناصر المكان، والأهم أن عدم معرفته بالمعاناة والجهد المبذولين منعت عنه ابتذال هذا المشهد المهيب.
التعليق:
كان صن- نو- ريكيو يرى أن الرشاقة والأناقة التي تأتي طبيعيًا دون تصنع أو تعمد هي قمة الجمال، فهو جمال يبدو وكأنه يأتي طبيعيًا دون جهد ويفتنك دون تحضير أو تحذير. لكن الإنسان لا يستطيع أن يصنع مثل هذا التأثير والجمال تلقائيًا وعليه أن يبذل الكثير من الجهد لإتقانه لكن لو أظهر الجهد المبذول يفسد الجمال ويبتذله، مثل البوابة التي أعلنت بوضوح عن أنها من مكان ناء بعيد.
غالبًا ما يكون عليك أن تلجأ للتحايل والبراعة لإتقان الإبداع أو المظهر الذي تريده،

كأن تأتي بالوسائد لتغطية أحجار السلم أو بالرجال الذي يجدفون طوال الليل- لكن لا تدع الجمهور أبدًا يشاهد ما تبذله من العرق والتعب. إن قلدت الطبيعة بأن لا تظهر أبدًا حيلك ووسائلك وتجعل أفعالك تبدو تلقائية ودون جهد تحصل على ما للطبيعة من تأثير وسطوة في أعين الناس.
مراعاة القاعدة 2:
كان فنان الهروب من الأصفاد الشهير هاري هوديني يصف أعماله بأنها «القدرة على تحقيق المستحيل»، وبالفعل كان كل من يشاهدون عروضه يشعرون بأنه يتحدى كل ما يتخيلونه عن محدودية إمكانات البشر.
في ليلة من عام 1904 احتشد 4000 متفرج في أحد مسارح لندن ليشاهدوا هوديني يواجه تحديًا صعبًا: كان عليه أن يهرب من زوج من أقوى ما تم ابتكاره من الأصفاد، كان لكل قيد ستة أزواج من الأقفال لكل منها تسع سكات، قضى أحد أمهر الحرفيين في برمنجهام خمس سنوات لصنعها، وقال كل من فحصها أنهم لم يروا أبدًا أصفادًا في مثل تعقيدها وإتقانها، وأن من المستحيل أن يهرب منها أي إنسان.
أحكم الخبراء إغلاق الأصفاد على رسغي هوديني أمام الجمهور، وأدخلوا الفنان في خزانة سوداء فوق المسرح. مرت الدقائق وكان كلما طال الوقت يتأكد الجمهور أن هذه الإصفاد ستكون أول ما يهزم هوديني، خاصة أنه خرج بعدها يطلب أن يحلوا عنه الأصفاد حتى يتمكن من خلع معطفه؛ لأن الجو حار للغاية داخل الخزانة. رفض القائمون على التحدي ظنًا منهم أن هوديني يتحايل لمعرفة الطريقة التي تعمل بها الأقفال، لكن ذلك لم يحبطه ودون أن يستخدم يديه رفع المعطف إلى كتفيه وقلبه إلى الخارج وأخرج مطواة من جيب قميصه الداخلي واستطاع بتحريك رأسه وأسنانه أن يقطع المعطف عن ذراعيه ويتحرر منه ويعود إلى الخزانة وسط تصفيق وصيحات الجمهور المنبهر ببراعة هوديني ورشاقته.
أخيرًا وبعد أن انتظر الجمهور وقتًا كافيًا خرج هوديني من الصندوق ولكن هذه المرة

كانت يداه حرتين يرفع بهما الأصفاد علامة على الانتصار. لم يعرف أحد إلى يومنا هذا كيف استطاع هوديني تحقيق ذلك، وعلى الرغم من أنه لم يحرر نفسه إلا بعد ساعة كاملة إلا أنه لم يظهر عليه أبدًا التردد أو القلق، وأحس الجمهور أنه كان يؤجل خروجه ليؤجج فيهم التشويق والترقيب؛ لأنهم لم يروا في أدائه أي معاناة أو صعوبة. أحسوا أن كل ما كان يفعله من الشكوى من الحر والانتظار كان تمثيلاً وأنه كان يتلاعب بهم طوال الوقت وكأنه يقول لهم ما هذا التحدي؟ أنا أستطيع أن أحرر نفسي بسهولة من قيود أصعب وفي وقت أقل إن أردت.
في سنوات عمله استطاع هوديني أن يهرب من جثة محنطة ومقيدة بالسلاسل لوحش البحر الذي خرج على شواطئ بوسطون وكان يشبه مزجًا من الحوت والأخطبوط. مرة أخرى أغلقوا عليه داخل ظرف خطاب عملاق فأخرج نفسه دون أن يمزق الورق. واستطاع أن يمر من خلال جدار من الطوب، وحرر نفسه من قميص الأكتاف وهو معلق بحبل ويتدلى عاليًا في الهواء، وقفز من جسر إلى مياه ثلجية وهو مقيد اليدين والقدين، وجعلهم مرة يغمرونه وهو مقيد داخل أحواض من الزجاج مليئة بالمياه وكان الجمهور يراقبه وهو يخرج بعد ساعة دون أن يتاح له الهواء للتنفس طوال هذا الوقت. في كل مرة كان يواجه ما يبدو موتًا محققًا ولكنه كان ينجو دائمًا بثقة وثبات أعلى مما يعرفه الجميع عن قدرات البشر. وفي كل ذلك لم يقل هوديني شيئًا لأحد عن وسائله ولا كيف ينفذ حيله بل كان يترك للجمهور والمعلقين أن يتفكروا ويخمنوا، وكان جهدهم وفشلهم في فهم ما يفعله يزيد من شهرته وسطوته. ولعل كان أصعب إنجازاته على التفسير أنه استطاع أن يخفي فيلاً وزنه عشرة آلاف رطل أمام أعين الجمهور وهو إنجاز ظل يكرره يوميًا لمدة تسعة عشر أسبوعًا في قاعة لا يوجد بها أي مكان يكفي لإخفاء فيل.
هروب هوديني السلس والوثائق جعل البعض يظنون أنه يسخر قوى غيبية وأن لديه قدرات روحانية تجعله يتحكم بشكل خارق في جسده، لكن فنان هروب ألماني هو كليبيني أدعى أنه يعرف سر هوديني، وقال أنه ببساطة يستخدم آلات متقنة وادعى أيضًا أنه هزم هوديني ذات مرة في تحدي أصفاد بهولندا.

لم يكن هوديني يعلق على أي تفسيرات لطرقه في الهرب ولكنه لم يكن ليحتمل مثل هذا الكذب الصفيق؛ ولذلك دها كليبيني في عام 1902 لمباراة هروب من الأصفاد ووافق كليبيني. عرف كليبيني من خلال جاسوس كلمة سر فتح الأصفاد الفرنسية التي تعمل بالأقفال المشفرة والتي كان هوديني يحب أن يستخدمها، وكانت خطته أت يختار هذه القيود للتحدي، ورأى أنه سوف يفضح هوديني؛ لأنه سوف يثبت أن «عبقريته» ليست أكثر من مجرد استخدام لآلات متقنة.
أتت الأمور من البداية كما توقع كليبيني، فقد ترك له هوديني حق اختيار القيود المستخدمة فاختار الأصفاد الفرنسية المشفرة، بل أتيح له أن ينخفي وراء ستار ليختبر الأقفال بسرعة وعاد وهو واثق من النصر.
تصرف هوديني كشخص يرتاب من أن الآخر يخدعه ورفض أن يغلق الأصفاد على كليبيني بل وتصاعد النزاع بين الرجلين إلى شجار بالأيدي وأخذ كل منهما يلكم الآخر، وفي النهاية استسلم هوديني وأغلق وهو يبدي الغضب الأصفاد على رسغي كليبيني. بعدها حدث شيء غريب فمنذ دقائق كانت الأغلال تفتح بسهولة خلف الستار لكنها الآن لم تعد تعمل باستخدام نفس كلمة السر، وبدأ كليبيني يتعرق ويجهد ذهنه ومرت الساعات وغارد الجمهور وفي النهاية استسلم كليبي يائسًا ومهانًا وطلب من هوديني أن يفك قيوده.
كانت الأصفاد تعمل حين فكها كليبي خلف الستار بكلمة «C-L-E-F-S» أي «مفاتيح» بالفرنسية، ولكن على المسرح لم تعد تعمل إلا بكلمة «F-R-A-U-D» أي «احتيال» بالإنجليزية، ولم يستطع كليبيني أبدًا أن يعرف كيف أو متى استطاع هوديني أن يحقق هذا الإنجاز الخارق.
التعليق:
بالرغم من أن أحدًا لم يعرف على وجه اليقين كيف كان هوديني يحقق هروباته المتقنة إلا أن المؤكد هو انه لم يكن السحر ولا الغيبات هي التي تمنحه هذه السطوة بل العمل الشاق والتدريب المستمر وهو ما لم يكن الناس يرونها منه أبدًا. لم يكن

هوديني يترك للصدفة بل كان يدرس تصميم الأقفال ليلاً ونهارًا ويبحث عن حيل خفة اليد القديمة والحديثة ويراجع كتب الميكانيكا عن الأدوات التي يمكنه أن يستعملها، وحين لم يكن يدرس كان يدرب جسده ليجعله لينا بشكل خارق فكان يتعلف كيف يتحكم بعضلاته ويضبط تنفسه.
في فترة مبكرة من حياته تعلم هوديني من عارض ياباني كان يتجول معه إحدى الحيل القديمة وهي كيف يبتلع كرة من الزجاج ويجترها من معدته، وأخذ هوديني يتدرب على هذه الحيلة بلا كلل باستخدام قطعة من البطاطس المقشرة مربوطة بخيط وأخذ يدرب عضلاته على جعلها تتحرك إلى أعلى أو إلى أسفل حسب إرادته وبعدها استطاع أن يحركها دون استخدام الخيط. قبل العروض والتحديات كان المنظمون يفتشون هوديني بدقة ولكن أحدًا لم يبحث داخل بلعومه ليرى الأدوات الصغيرة التي تساعده في الهروب، وحتى مع هذا كان تفسير كليبيني خاطئًا؛ لأنه لم تكن الأدوات بل التدريب الشاق والجهد هما الأساس الذي كان يمكن هوديني من الهروب.
كان هوديني أذكى كثيرًا من كليبيني واستطاع أن يخطط بدقة للمشهد، فاستدرج كليبيني أن يختار الأصفاد على المسرح وأثناء الصراع بينهما استطاع أن يغير الشفرة إلى «F-R-A-U-D»، والمؤكد أنه ظل يتدرب على هذه الحيلة لأسابيع، لكن الجمهور لم ير أي شيء من العرق والجهد بل رأي هوديني ثابتًا وواثقًا بينهما كان كل من حوله متوترين. كان هوديني يتعمد دائمًا أن يطيل وقت هروبه ليزيد التشويق والتململ، وكانت الرشاقة والسهولة التي ينجو بها دائمًا من الموت تجعله يبدو خارقًا وأسطوريًا.
إن كنت تريد السطوة عليك أن لا تتوقف عن التدريب قبل أن تظهر أمام جمهورك سواء على المسرح أو على ساحات الحياة، ولا تظهر لهم أبدًا الجهد الذي أكسبك رشاقة إنجازاتك. يظن البعض إن عرضهم لجهدهم يثبت اجتهادهم وتفانيهم

ولكن الحقيقة أن ذلك يظهرهم ضعفاء وأن أي شخص بالجهد والتدريب يستطيع أن يحقق ما حققوه أو أن الوظيفة المكلفين بهم تتجاوز قدراتهم وتنهكهم. وإن احتفظت بوسائلك وجهودك لنفسك تبدو للآخرين خارقًا ورشيقًا كالطبيعة التي لا يرى أحد أسرار سطوتها ولا يرون منها إلا جمالها وروعتها.
بيت واحد من الشعر يحتاج لساعات من الجهد
ولكن إن لم يبد للسامع كحاطرة عقوية
تصنيع كل هذه الجهود من النظم والمحو
لعنة آدم، وليام بتلرييتس، 1895، 1939
مفاتيح للسطوة:
أتت فكرة الناس عن السطوة في أول الأمر من ملاحظاتهم البدائية للطبيعة، كانوا يرون الصواعق والبرق في السماء والفيضانات المفاجئة وشراسة الحيوانات المفترسة على الأرض، وهي جميعًا قوى تأتي دون تدبير أو تفكي وتبهرنًا بظهورها المفاجئ وتلقائيتها وسطوتها على الحياة والموت. تلك هي السطوة التي لا يزال علينا أن نقلدها –صحيح أن العلم مكننا من الإنجاز بسرعة وكفاءة تحاكي الطبيعة ولكن يظل ينقصنا شيء؛ ذلك أن آلاتنا صاخبة ومزعجة وتظهر ما تبذله من جهد، وحتى أفضل ابتكارات التقنية لا تثير فينا التأثر والإعجاب كالأشياء الطبيعية التي تتحرك برشاقة وجمال. وتعود قدرة الأطفال على إثارة مشاعرنا وتسخير إرادتنا لصالحهم من قدرتهم على إغوائنا بعفويتهم وفعل ما يريدون دون تفكير، وبالطبع لن نستطيع أن نعود أطفالاً من جديد لكن إن أظهرنا العفوية وتصرفنا وكأننا لم نفكر أو نجهد أنفسنا فيما نفعل يشعر الآخرون معنا بذلك الإحساس البدائي بالروعة والتأثر الذي تستثيره الطبيعة في البشر.
أول الأوروبيين الذي كتبوا عن هذا المبدأ أتى من وسط هو الأبعد عن الطبيعة والعفوية وهو البلاط الملكي في عصر النهضة: ففي عمله المنشور عام 1528 كتاب لمجتمع الصفوة وصف بالتسار كاستليوني التأنق الشديد والأساليب المقننة التي كان على أعضاء مجتمع الصوفة الالتزام بها، لكنه أضاف أن عليهم أن ينفضوا هذه

التصرفات بطريقة أطلق عليها العفوية أي جعل الصعب يبدو سهلاً ويسيرًا، ويؤكد على أن يدرب أبناء مجتمع الصفوة أنفسهم على «التصرف في كل أمور الحياة بثبات وترفع وإخفاء التصنع وجعل كل ما يفعلونه يبدو عفويًا ودون جهد». تعجبنا جميعًا الإنجازات والانتصارات ولكن إعجابنا بها يزداد عشر مرات إن تم تحقيقها بالموهبة والعفوية «لكن... إن رأينا شخصًا يكافح ويجهد فيما يفعله... وينهكه إنجاز ما يريد نشعر أنه غير كفء ويجعل ذلك كل ما يفعله مهما كان كبيرًا يبدو لنا محتقرًا وضئيلاً».
تأتي معظم فكرتنا عن العفوية من عالم الفن، فكان جميع الرسامين العظام في عصر النهضة يغطون أعمالهم ولا يظهرونها للناس إلا بعد أن تتخذ صورتها النهائية، وكان مايكل أنجلو يمنع حتى البابا من رؤية لوحاته قبل أن تكتمل. كان هؤلاء الفنانون يغلقون مراسمهم في وجه رعاتهم وجمهورهم حين كان ينشغلون بأعمال جديدة ليس خوفًا من التقليد ولكن؛ لأن رؤية الأعمال أثناء تشكلها يفقدها السحر والجمال الطبيعي المرادين لها.
كان فنان النهضة فاساري أول ناقد فني وقد سخر من لوحة لباولو أو تشيلو؛ لأنه تكلف كثيرًا في صناعة المنظور لدرجة جعلت اللوحة تبدو قبيحة ومصطنعة، ونشعر نحن أيضًا بمثل هذا الشعور حين نرى ممثلاً مسرحيًا يجهد ويتكلف لأداء دوره. هذا التكلف يكر التوهم ويجعلنا نلحظ الأداء ونفصل بين المثل والدور الذي يقوم به، وعلى عكس ذلك نشعر بالراحة والاستغراق مع الممثلين المبدعين ونتوهم أن الدور الذي يقومون به هو طبيعتهم، على الرغم من أن عملهم يتطلب منهم الكثير من التركيز والجهد.
العفوية مفيدة لكل أشكال السطوة؛ ذلك لأن السطوة تعتمد على المظاهر وعلى ما توهم به الآخرين، والأعمال الجماهيرية تشبه الأعمال الفنية: فيجب أن تفتن الأبصار وتستثير الخيال والأحلام بل يجب حتى أن تكون ممتعة، وحين تظهر

جهودك تبتذل صورتك وتبدو فانيًا كالآخرين؛ لأن ما نفهمه لا يروعنا بل يجعلنا نقول لأنفسنا أنه يمكننا أن نفعل مثل ذلك لو توفر لنا المال أو الوقت. تجنب إغواء أن تظهر للآخرين مهارتك فالمهارة الحقيقية هي أن تخفي أسرار مهارتك.
أدى استخدام تاليران لهذا المفهوم في كل تفاصيل حياته اليومية إلى أن تتكون حوله هالة ضخمة من السطوة والحضور. لم يبالغ تاليران أبدًا في إجهاد نفسه لإنجاز شيء؛ بل كان يجعل الآخرين يقومون عنه بما يريد من التجسس والبحث والتحليل المفصل للأحداث، وقد جعله ادخاره لجهود يظهر وكأنه لا يصعب عليه فعل شيء، وكان حين يخبره جواسيسه باقتراب حدوث شيء ما كان يذكره أثناء الأحاديث الاجتماعية وكأنه يتوقع حدوثه، وجعل ذلك الناس يظنون أن لديه القدرة على استبصار المستقبل. كانت تعليقاته البليغة والطريقة والتي كانت دائمًا تلخص المواقف بدقة تبدو وليدة اللحظة لكن الحقيقة أنها كانت قائمة على الكثير من البحث والتأمل. كان تاليران يبدو لكل من في الحكومة ومن بينهم نابليون نفسه رجلاً ذا سطوة واقتدار وكان أساس هذا الانطباع أنه لم يظهر أبدًا المعاناة في إنجاز أعماله الكبرى.
هناك سبب آخر يجعلك تخفي وسائلك وحيلك: ذلك أن معرفة الناس بها قد يمكنهم من استخدامها ضدك، وتكسر حاجز الكتمان الذي كان يعطيك أفضلية عليهم. نحب جميعًا أن نحكي للآخرين عن ما حققناه ويرضي غرورنا إعجابهم باجتهادنا ومهارتنا بل ونرغب في اعترافهم وتعاطفهم مع ساعات العمل الشاق التي بذلناها لتحقيق أعمالنا، لكن عليك أن تقاوم هذا الإغراق؛ لأنه يأتي لك غالبًا بعكس ما تريد. وتذكر دائمًا أنه كلما زاد الغموض الذي تحيط به أعمالك تزداد روعتها وتأثيرها، ويجعل الناس يظنون أنك الوحيد الذي يستطيع فعل ما تفعل. اعتقاد الناس بأن لك موهبة لا يملكها أحد يمنحك سطوة هائلة. وأخيرًا فإن إظهارك للآخرين أنك تنجز أعمالك بسهولة وعفوية يجعلهم يحسبون أنه يمكنك أن تحقق المزيد إن بذلت جهدًا أكبر، وهذا لا يثير فيهم الإعجاب فحسب بل الرهبة؛ لأنه لا أحد يعرف أقصى ما تستطيع تحقيقه.

الصورة
حصان السباق
عن قرب ترى توتر جسده وتسارع أنفاسه والجهد الذي يبذله الفارس للتحكم به، لكن من بعيد لا ترى منه إلا رشاقته في اختراق الريح ومروره كالسهم. اجعل الناس على مسافة منك حتى لا يروا فيك إلا رشاقتك وسهولة تحركاتك.
اقتباس من معلم: أي فعل مهما كانت تفاهته إن أديته بثبات ورباطة جأش يظهر قدراتك ليس على حقيقتها ولكن أكثر بكثير؛ لأن ذلك يجعل الناظر يظن أن من يتقن ما يفعله بتلك السهولة تكون مهاراته أكبر بكثير مما يتطلبه الموقف. (بالتسار كاستليوني، 1478- 1529).
عكس القاعدة:
احرص دائمًا على عدم المبالغة في الطريقة التي تخفي بها جهودك؛ لأن ذلك يجعل الآخرين يستاءون منك ويظنون أنك مصاب بالارتياب المرضي: لأنك تأخذ الأمور بجدية هزلية. كن مثل هوديني في إخفائه لأسرار أعماله ولا تبالغ فتصبح مثل الرسام بونتورمو الذي قضى السنوات الأخيرة من عمره يبالغ في إخفاء جداريته عن أعين الجمهور مبالغة وصلت إلى حد الجنون؛ ولذلك عليك أن تحافظ دائمًا على القدرة على السخرية من نفسك.
هناك أيضًا بعض الأوقات التي يفيدك فيها إظهار الجهد الذي بذلته لإنجاز أعمالك، ويعتمد ذلك على طبيعة الجمهور والعصر الذي تعيش فيه. كان ب. ت. بارنوم يعرف أن جمهوره يحب أن يشارك في عروضه ويسعدهم أن يكتشفوا الحيل التي يمارسك ذلك أن الناس في عصره كانوا يتشوقون لفضح كل من يخفي مصادر سطوته وقدراته وكانوا يعتبرون هؤلاء الأشخاص أعداء لروح الديمقراطية، في حين كانوا يقدرون روح الدعابة والصراحة لدى العارض. الحقيقة بارنوم وصل بهذا الأسلوب إلى أقصاه حين فضح بنفسه في مذكراته المشهورة التي نشرها وهو في ذروة نجاحه ما قام به من دجل وخداع.

حين يكون البوح الجريء لحيلك وأساليبك مخططًا له بدقة وليس بدافع من الرغبة الجامحة في الثرثرة والحكي يصبح من المهارات الكبرى التي يمكنك الاستفادة منها؛ لأنه يجعل الجمهور يتوهم أنه يشارك بأفعالك ويتحكم بها حتى وإن كان معظم ما تفعله يظل خافيًا عليهم.

القاعدة
31
تحكم بأوراق اللعب:
اجعل الآخرين يختارون
من البدائل التي تحددها لهم
الحكمة:
أفضل الطرق لاستدراج الناس والتحكم بإدارتهم هي التي تمنحهم ظاهريًا الحق في الاختيار بينما تجعلهم في الحقيقة لعبة في يدك؛ وذلك بأن تحدد خياراتهم في البدائل التي تصب جميعًا في صالحك أو أن تضعهم بين قرني معضلة بحيث يختارون بين شرين أحلاهما مر. وسوف تعجب من ان إحساسهم بأن لهم حرية الاختيار يجعلهم يتقبلون أمورًا كانوا ليرفضونها بشدة لو فرضتها عليهم.

مراعاة القاعدة 1:
في الفترة المبكرة من حكمة كان إيفان الرابع المعروف بإيفان الرهيب يواجه واقعًا صعبًا: فقد كانت البلاد في حاجة ماسة إلى الإصلاح ولكن لم يكن في وسعه أن يفرضه؛ لأن البكوات الذين كانوا يسيطرون على أنحاء البلاد ويرهبون الفلاحين كانوا يحدون كثيرًا من سلطته.
في عام 1553 مرض إيفان مرضًا خطيرًا وهو في الثالثة والعشرين من عمره وظن أنه قد شارف على النهاية فطلب من البكوات أن يبايعوا ابنه قيصرًا جديدًا فتردد بعضهم ورفض آخرون صراحة، وحينها أدرك إيفان أنه لا يملك أي سطوة على البكوات. تعافى إيفان بعدها من المرض لكنه لم ينس أبدًا الدرس الذي تعلمه: فالبكوات متأهبون دائمًا للانقضاض عليه في أي لحظة. الحقيقة أنه في السنوات التالية ارتد أكثر البكوات سطوة إلى ألد أعداء روسيا أي إلى بولندا وليتوانيا وتآمروا معهما على العودة إلى روسيا وخلع القيصر عن العرش بالقوة، بل حتى أن أحدهم وهو أندرية كوربسكي وكان من أقرب المقربين من إيفان انقلب عليه فجأة وتآمر مع ليتوانيا في عام 1546 وأصبح بعدها ألد أعداء القيصر.
حين بدأ كوربسكي في حشد الجيوش لغزو روسيا ظهرت الأسرة الملكية فجأة مهددة أكثر من أي وقت مضى: كان النبلاء الخونة يكيدون من خارج البلاد للغزو من جهة الغرب وكان التتار يحملون على البلاد من الجنوب بينما كان من تبقى من البكوات يثيرون الفتن في الداخل، وكان اتساع الأراضي الروسية يعمل ضدها ويجعل من الصعب الدفاع عنها. ووجد إيفان أنه لو ضرب في اتجاه ينكشف ضعفه في اتجاه آخر ولم يكن في مقدوره أن يتعامل مع هذا الخطر الأخطبوطي متعدد الأذرع إلا إن كانت له السلطة المطلقة؛ لكن لم تكن له مثل هذه السلطة.
ظل إيفان يفكر مليًا بحثًا عن حل إلى أن جاء صباح الثالث من ديسمبر عام 1546. في هذا اليوم استيقظ سكن موسكو على مشهد أدهشهم وحيرهم: مئات الزلاجات تملأ ميدان الكريملين تنقل القيصر ورجال الصفوة الحاكمة مع ممتلكاتهم

إلى مقرهم الجديد في إحدى القرى جنوب العاصمة. لم يعرف الناس الأسباب واجتاح العاصمة خوف من أن يكون القيصر تخلى عنهم للبكوات القساة، وتصاعد الشغب وأغلقت المحلات طوال الشهر التالي، وأخيرًا وصل خطاب من القيصر يشرح فيه أنه لم يعد يحتمل خيانة البكوات وأنه قرر التنازل نهائيًا عن العرش.
كان لخطاب القيصر تأثير مروع: اتهم التجار والعامة البكوات بأنهم السبب في قرار القيصر وخرج الناس إلى الشوارع، وخاف النبلاء على حياتهم من غضب الجماهير. بسرعة تشكل وفد من ممثلين عن الكنيسة والأمراء والشعب وتوجهوا إلى المقر الجديد للقيصر يتوسلون إليه أن يعود للحكم، فاستمع إليهم حتى انتهوا وفي النهاية رفض. ظل الوفد يترجى القيصر لأيام وأخيرًا عرض عليهم إيفان الاختيار بين أمرين: إما أن يمنحوه السلطة المطلقة أو أن يبحثوا لهم عن حاكم جديد.
في مواجهة الاختيار بين القبول بحاكم طاغية أو الدخول في حرب أهلية «اختارت» أغلب الطبقات في روسيا القبول بالقيصر القوي، وطالبوا بعودة إيفان لاستعادة القانون والنظام. بالفعل عاد القيصر وحاشيته في فبراير وسط احتفالات شعبية حاشدة. بعدها لم يكن للروس أن يتذمروا من طغيان إيفان؛ لأنهم هم من منحوه هذه السطوة باختيارهم.
التعليق:
كان إيفان الرهيب يواجه مأزقًا صعبًا: إما أن يذعن للبكوات ويترك البلاد للخراب أو يقاتلهم فيدفع البلاد لخراب آخر؛ لأنه حتى لو منحته الحرب سيطرة أكبر فإنه لم يكن ليجد أمامه إلا الدمار والضعف والمزيد من الانقسامات. وكان السلاح الذي يستعمله إيفان دائمًا هو الجرأة والهجوم، لكن أي هجوم كان سيقوم به حينها لم يكن يمنحه إلا المزيد من العداء والمزيد من تدهور الأمور.
العيب الأساسي في استخدام العنف أنه يولد لدى الناس سخط ينمي بينهم ردود فعل تقوض سلطتك في النهاية، لكن إيفان كان خلاقًا للغاية في استخدام

سطوته ورأى بوضوح أن وسيلته الوحيدة لتحقيق الانتصار الذي يريده هو التظاهر بالتنحي؛ وبذلك لن يجبر أحدًا على فعل شيء بل يمنحهم «الاختيار» بين القبول بتخليه عن السلطة وترك البلاد للفوضى أو إعطائه السلطة المطلقة، ولكي يؤكد حركته لهم أنه يفضل التنحي، وبين لهم بانسحابه لشهر واحد عينه مما قد تواجهه البلاد إذا تنحى نهائيًا من غزو التتار والحرب الأهلية والدمار (وبالفعل حدث كل ذلك لاحقًا بعد موت إيفان في «عهد الاضطراب» الشهير).
يعد الانسحاب أو التنحي من الطرق التقليدية للتحكم بالخيارات؛ فهو يشعر الآخرين بما تؤول إليه الأمور في غيابك ويقدم لهم «الاختيار» التالي: إما أن ابتعد وتعانون أنتم العواقب أو أعود بالشروط التي أمليها عليكم. حين تتحكم بخيارات الناس بهذه الطريقة يختارون البديل الذي يمنحك السطوة؛ لأن الاختيار الآخر يكون مزعجًا لهم؛ وبذلك تكون قد أجبرتهم ولكن بطريقة غير مباشرة: لأن الناس حين يشعرون بحريتهم في الاختيار يدخلون الشرك الذي تنصبه لهم بسهولة وبدون مقاومة.
مراعاة القاعدة 2:
تأملت مخطية القصور في القرن السابع عشر نينو دي لينكلو حياتها ووجدت أن بها ما يسعدها؛ فكان لديها عشاق من الطبقة الملكية ومن النبلاء وكانوا جميعًا يدفعون لها المال بسخاء ويحاولون استرضائها بالتعليقات اللطيفة والحوارات العميقة ويرغبون في صحبتها أكثر من رغبتهم في جسدها، بل كانوا يعاملونها وكأنها ند لهم، وقد جعلها ذلك تفضل تلك الحياة عن الزواج. لكن في عام 1643 توفت والدتها فجأة وتركتها وهي في الثالثة والعشرين من عمرها وحيدة تمامًا دون أسرة أو مهر أو أي شيء آخر يدعمها، فانتاها الخوف والتحقت بالدير وتخلت عن كل عشاقها من المشاهير. بعد عام تركت الدير وانتقلت إلى ليون وفي عام 1648 عادت إلى باريس وتجمهر حولها العشاق والمعجبون بأعداد أكبر من أي وقت مضى؛ لأنها كانت أكثر مخطيات عصرها خفة في الروح وكان الجميع يفتقدون حضورها.

لكن حدث تغير في أسلوبها لاحظه سريعًا كل معجبيها، فقد وضعت لهم نظامًا جديدًا من الخيارات والبدائل. بالنسبة للسادة والإقطاعيين والأمراء المستعدين لدفع الأموال لها سمحت لهم بالاستمرار في الدفع إلا أن التحكم لم يعد في أيديهم؛ فكانت تنام مع من تريد منهم في الوقت الذي تريده هي ولم يكن المال يمنحهم سوى الفرصة والأمل في نيلها في وقت ما وكان على الجميع الالتزام برغباتها.
ومن لم يرض بالالتحاق بهذه الفئة من الممولين كان يمكنه أن ينضم إلى فئة أخرى كبيرة ومتزايدة من الرجال التي كانت نبنو تسميهم شهداء غرامها –وهم الرجال الذين كانوا يتقربون منها طلبًا لصحبتها والاستمتاع بتعليقاتها اللاذعة وعزفها على العود؛ وكذلك مجالسة ضيوفها من كبار المفكرين في عصرها من أمثال موليير ولاروشفوكو وسان إيفرمون. كان لشهدائها أيضًا الفرصة في مرافقتها فكانت من آن الآخر تنتقي من بينهم حبيبًا مقربًا تمنحه جسدها وتخضع له بالكامل دون أن يدفع لها المال إلى أن تزهده بعد شهر أو سنة ونادرًا ما كان يطول تعلقها بأحدهم عن هذه الفترة. لم تكن للممول أي فرصة في أن يصبح حبيبها ولكن لم يكن لأي من شهدائها أيضًا ما يضمن له أن يصبح حبيبًا، وكان بعضهم يظل يتمناها يائسًا طوال حياته، فالشاعر شارليفال مثلاً لم يستطع في أي وقت أن يكون حبيبها ولكنه لم يتوقف أبدًا عن زيارتها؛ لأنه لم يكن يحتمل إبعادها عن حياته.
أدى انتشار الأخبار في الأوساط الراقية بباريس عن المنظومة التي وضعتها نينو إلى أثارة الكثير من العداوات ضدها؛ وذلك لأنها قبلت الوضع المعتاد للمحظية وجعلت لها السيطرة ولعشاقها الخضوع، وهو دور أحرج الملكة والنساء الحرائر من حاشيتها. ما أخافهم حقًا أن هذه المنظومة لم تكن تبعد الرجال عن نينو بل كانت تزيد من رغبتهم فيها وتقربهم إليها بأعداد متزايدة، وأصبح الممولون يفخرون بأنهم يدعمون نينو في حفاظها على نمط حياتها وأنهم يصبحونها أحيانًا إلى المسرح ويتمتعون بممارسة الحب معها حين تكون راغبة بهم. وكان الفخر الأكبر لشهدائها

الذين كانوا يستمتعون بصحبتها دون أن يدفعوا لها شيئًا كما كان لدى كل منهم أمل وإن كان ضئيلً في أن يصبح يومًا حبيبها، وهو أمل كان يشعل الرغبة في شباب النبلاء حيث شاع بينهم أنه لا توجد امرأة تنافس نينو في فنون الحب؛ لذلك كان الرجال متزوجين أو عزابًا، شيوخًا أو شبابًا يدخلون في شبكتها ويختارون ما يناسبهم من البديلين الذين وضعتهما لهم نينو، وأيامًا يختارون كان يرضيها ويشبع احتياجاتها.
التعليق:
كان لدى المحظية فرصة في تحقيق سطوة لا تستطيع المرأة أن تحققها حين تتزوج، ولكن كانت تتهددها أيضًا مخاطر حقيقية: كان الرجل الذي يدفع لها المال يعاملها وكأنه اشتراها وينالها وقتما يريد وأينما يحب، وبعد فترة كان يملها ويهجرها. وبتقدمها في السن كانت المحظية تفقد قدرتها على جذب الرجال؛ ولذلك ولكي تتجنب الفقرة والمذلة في شيخوختها كانت تبذل كل ما تستطيع في شبابها للحصول على المال. كان هذا الجشع ضرورة حياة لدى المحظية ولكنه كان أيضًا ينفر الرجال منها؛ لأن أي رجل يحب أن تريده المرأة لشخصه وينفر كثيرًا من المرأة التي لا تهتم إلا بماله.
على عكس ذلك كان يرغب نينو أن تشعر بأنها تعتمد على أحد، ومن البداية كان عشاقها يعاملونها بنوع من الندية والمساواة، ولم تكن تحتمل منظومة لا تترك لها إلا ما كان للمحظية من خيارات قبيحة، والغريب أن المنظومة التي ابتدعتها كانت ترضي الرجال على قدر إرضائها لها: فحقيقة أن الدفع ليس ضامنًا للممول بأن ينالها جعله يشعر حين تمارس الحب معه بأنها تريده وترغبه ويمنحه نشوة واشتياقًا لا يجده مع أي محظية أخرى، بينما كان شعور شهدائها أنهم غير مجبرين على الدفع يعطيهم إحساسًا بالتميز وكأنهم جماعة من المريدين يجمعهم الأمل في أن أيًا منهم قد يصبح يومًا ما حييها. وأخيرًا لم تكن نينو تجبر أحدًا أن يصبح ممولاً أو شهيدًا فكان كل شخص «يختار» ما يريد وكان ذلك يرضي كبرياء مريديها وإحساسهم برجولتهم.

إعطاؤك للناس حرية الاختيار أو الأدق توهم حرية الاختيار يمنحك سطوة كبيرة حين تحدد لهم البدائل التي يختارون منها، وفي حين كان من بين البديلين الذين حددهما إيفان بديلاً يخسره ويعني فقدانه لسلطاته كان البديلان الذين وضعتهما نينو يشبعان رغباتها فالأول كان يوفر المال بسد احتياجات صالونها والآخر كان يعطيها أقصى ما قد تمنحه لها السطوة وهو طائفة من المعجبين وحريمًا من الرجال تختار من بينهم عشاقها.
كانت المنظومة في مجملها تعتمد على محرك واحد أساسي وهو الأمل حتى وإن كان ضئيلاً لشهيدها أن يصبح يومًا ما عشيقًا؛ لذلك اجعل دائمًا من بين خياراتك أن تضع لرعاياك وضحاياك الأمل في أنهم سينالون يومًا ما الثروة أو المجد أو المتعة وسيجعل ذلك أكثر الرجال اتزانًا وتعقلاً ينقادون لك ويسلكون المسارات الأشد سخفًا ولا عقلانية؛ لأنك تمنحهم أهم ما يريدون وهي أحلام التمنيات. الجمع بين إيهام الناس بحريتهم في الاختيار وإمكانية تحقيقهم مكاسب في المستقبل يغري حتى أكثر الناس عناد للسقوط في شباكك الحريرية.
مفاتيح للسطوة:
توحي لنا الكلمات مثل «الحرية» و«الاختيار» و«البدائل» بإمكانات أكثر كثيرًا مما تفدنا في الواقع. إن دققت في الخيارات المتاحة لنا في الأسواق أو الانتخابات أو العمل ستجد أنها محدودة للغاية، فلا يسمح لنا غالبًا بالاختيار إلا بين أو بدون باقي حروف الأبجدية. ومع ذلك وحين يلوح لنا أوهن وهم للاختيار لا نرى البدائل التي حرمنا منها، و«نختار» أن نظن أننا أحرار وأننا عوملنا بكرامة، وننفر من التفكير العميق الذي يبين لنا مدى تفاهة الحرية المتاحة لنا.
السبب في عزوفنا عن التفكير في تفاهة اختياراتنا هو أن الإكثار من الحرية يوترنا ويقلقنا، وفي حين يوحي لنا التعبير بأن «خياراتنا غير محدوة» بالبشر والآمال نجد في الواقع أن الخيارات غير المحدودة تشل تفكير الناس وتعجزهم عن اتخاذ قرار، ويشعرون بالراحة حين يتوجب عليهم الاختيار بين بدائل قليلة.

هذه الحقيقة توفر للأذكياء والماكرين فرصًا هائلة للخداع؛ لأنها تجعل الناس لا يشعرون بأنك تخدعهم أو تتلاعب بهم حين تفرض عليهم الاختيار بين بدائل قليلة ولا ينتبهون إلى أنك تمنحهم القليل من الحرية مقابل الكثير من فرض إرادتك. عليك أن تجعل دائمًا من ضمن مهاراتك أن تحدد للناس نطاقات محدودًا من الخيارات، وهناك مثل يقول أن الطائر الذي يدخل قفصه باختياره يغرد أكثر عذوبة.
وفيما يلي عرض للطوق الشائعة «للتحكم بالبدائل»:
موه البدائل: تمويه أو تلوين البدائل كان من التقنيات المفضلة لدى هنري كيسنجر، فحين كان وزيرًا للدولة في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون كان يعلم أنه أكثر خبره وأكثر قدرة على اتخاذ القرارات من الرئيس، ولكنه لم يستطيع أن يحدد له سياساته؛ لأن ذلك كان سيحرجه ويظهر ما لديه من خور. لذلك كان كيسنجر يضع ثلاثة أو أربعة حلول لأي موقف وكان يعرضها بحيث يجعل البدائل الذي يفضله يبدو كأفضل الحلول. وفي كل مرة كان نيكسون يبتلع الطعم دون أن يشعر أن كيسنجر يجبره على الاختيار. وهذه الطريقة تفيدك إن كنت تتعامل مع ولي خائر.
اضغط على من يقاوم: كان انتكاس المرضى أكبر مشكلة تواجه ملتون هـ. أريكسون رائد العلاج بالتنويم المغناطيسي في الأعوام 1950، فقد كان التحسن السريع للمرضى يخفي مقاومة عميقة للعلاج. فكان المرضى يعودون لحالاتهم الأولى ويلومون الطبيب على الفشل ويتوقفون عن متابعة علاجهم. لكي يتجنب الطبيب هذا السلوك كان يستبق بأمر المريض بأن يدخل في انتكاسة وأن يشعر بالمعاناة التي جاء بها للعلاج أي أن يعود إلى نقطة الصفر، وحين كان المريض يواجه هذا البديل كان «يختار» أن يتجنب الانتكاسة –وهو بالطبع ما كان يريده إريكسون.
تلك التقنية جيدة في التعامل مع الأطفال والمعاندين الذي يحبون أن يفعلوا عكس ما تطلبه منهم: اجعلهم «يختارون» ما تريده منهم بالتظاهر بأنك تطلب منهم أن يفعلوا عكسه.

بدّل ساحة التلاعب: في أعوام 1860- قرر جون د. روكفلر أن يحتكر صناعة النفط، ورأى أنه لو بدأ في شراء شركات النفط الصغير لعرف الجميع نواياه وقاوموها؛ ولذلك بدأ سرًا في شراء شركات القطارات التي تنقل النفط لهذه الشركات، وحين كان أصحاب شركة يرفضون مطلبه في شرائها يذكرهم بأنهم يعتمدون عليه لنقل نفطهم، وأن رفضه للنقل أو رفع أسعاره يدمر أعمالهم. بذلك لم يترك تبديل روكفلر لساحة التلاعب للشركات الصغيرة إلا اختيار ما فرضه عليه.
هذا التكتيك يجدي مع الخصوم الذين لا يهمك أن يعرفوا أنك تفرض عليهم ما تريد، ومع من قد يعارضونك في كل الأحوال.
تقليص البدائل: كان تاجر الفنون في أواخر القرن التاسع عشر امبرواز فولار يجيده هذه الحيلة.
كان يأتي الزبون إلى فولار يطلب عملاً لسيزان فيعرض عليه فولار ثلاث لوحات دون أن يذكر السعر وبعدها يتظاهر بأنه ينعس؛ فيرحل الزبون دون أن يتخذ قرارًا بالشراء. وفي اليوم التالي كان الزبون يعود عادة وحينها يعرض عليه فولار لوحات أقل إبداعًا أنها نفس اللوحات التي رآها الزبون أمس، وحينها يتأملها الزبون متحيرًا ويرحل ليفكر في الأمر، ثم يعود في اليوم التالي وحينها يعرض عليه أعمالاً أقل جمالاً من سابقتها، حينها يدرك الزبون أن الأفضل له أن يقتنص الفرصة بدلاً من أن يأتي غدا ولا يجد إلا أعمالاً أقل جمالاً وبسعر أعلى.
من الصور الأخرى لهذه الطريقة أن ترفع السعر في كل مرة يتردد فيها المشتري ويرحل دون أن يقرر، وهي حيلة ممتازة في التفاوض مع المعروفين بالتردد؛ لأن فكرة أنهم سيحصلون اليوم على ما لن يحصلوا عليه غدا تشجعهم على اتخاذ القرار.
حيلة الرجل الضعف على حافة الهاوية: يسهل التحكم بالضعاف حين تتحكم بالبدائل المتاحة لهم. كان الكاردينال دي ريتز المحرض الشهير في القرن السابع عشر يعمل كمستشار غير رسمي لدى دوق أورليانز وهو رجل كان

معروفًا بالتردد، وكان من الصعب إقناعه بالإقدام على فعل شيء، فكان دائمًا يسوف ويزن بين البدائل وينتظر إلى آخر لحظة ويوتر أعصاب كل من يعمل معه. لكن استطاع ريتز أن يكتشف حيلة للتعامل معه: كان يذكر له ما يحيط به من مخاطر ويبالغ في وصفها على قدر ما يستطيع أن يعتقد أن الهاوية تحيط به من كل اتجاه إلا إن فعل ما ينصحه به ريتز.
تشبه هذه الحيلة حيلة «البدائل» لكن مع الضعفاء عليك أن تكون أكثر حدة؛ لأن إثارتهم للإحساس بالخوف والهلع هي وحدها التي تجعلهم يتخذون قرارًا، وإن حاولت إقناعهم بالمنطق ستجدهم يجادلون ويماطلون حتى يصيبونك بالملل والإعياء.
حيلة الشركاء في الجريمة: هذه حيلة تقليدية لدى المحتالين الكبار: تستدرج ضحيتك إلى المشاركة في مخطط إجرامي لتشعره بأنه يشاركك الذنب والمصير. تجعله يخطط معك في الاحتيال وفي ارتكاب جريمة (غالبًا متوهمة كما حدث مع سام جيزيل القاعدة 3) وحينها يسهل عليك التلاعب به. كان المحتال الفرنسي الشهير في 1920 –سيرج ستافسكي يشرك أعضاء الحكومة في حيله وخداعه لدرجة أن أحدًا منهم لم يجرؤ على توجيه الاتهامات إليه، «اختاروا» أن يتركوه يفعل ما يريده. والأفضل لك أن تورط معك في الخداع الأشخاص الذين قد يؤذونك كثيرًا إن بتوطهم يضيّق خياراتهم ويضمن سكوتهم.
قرنا المعضلة: ظهرت هذه الحيلة بوضوح في زحف الجنرال ويليام شيرمان على ولاية فيرجينيا أثناء الحرب الأهلية في أمريكا؛ فعلى الرغم من الاتحاديين كانوا على معرفة بالاتجاه الذي يسلكه شيرمان إلا أنهم لم يستطيعوا التخمين إن كان سيهاجم من الميمنة ام من الميسرة؛ لأن الجنرال قسم جيشه إلى جناحين، وإن هرب المتمردون من جناح يحاصرهم الجناح المقابل. هذه الحيلة المقابل. هذه الحيلة من الحيل التقليدية للمحامين في المحاكم: يدفع المحامي الشاهد للاختيار بين تفسيرين محتملين لنفس

الحادثة يحمل كل منهما ثغرة، ويظل يضغط المحامي عليه ليجيب عن السؤال وهكذا وأيامًا يجيب به الشاهد يقوض شهادته. سر النجاح لهذه الحيلة هي سرعة الهجوم: لا تدع للضحية وقتًا للتفكير، بل اجعلها تتقلب بين قرني المعضلة حتى تقضي على نفسها بنفسها.
ولتفهم: أن في صراعك مع خصومك يلزمك في أغلب الأحيان أن تؤذيهم، وإن ظهر لهم بوضوح أنك من آذاهم يردون بانتقام، لكن إن ظهر لهم أنهم هم من آذوا أنفسهم بأنفسهم يخضعون لك سريعًا. حين قرر إيفان ترك موسكو والإقامة في الريف وافق المواطنون على طلبه للسلطة المطلقة، وفي السنوات التالية لم تكن معارضتهم قوية للترهيب الذي فرضه على البلاد؛ لأنهم هم من منحوه هذه السلطة لذلك؛ فإن الأفضل لك دائمًا أن تترك لضحاياك أن يختاروا السهم بأنفسهم ثم تسعى جاهدًا لإخفاء أنك من قدمته لهم.
الصورة
قرنا الثور
يحاصرك الثور بقرنيه –ليس قرنًا واحدًا ليسمح لك بالهروب لكن قرنين يمسكان بك، وسواء اتجهت يمينًا أو شمالاً تطعنك أطرافه الحادة والمميتة
اقتباس من معلم: يستطيع الناس أن يتحملوا وينسوا الجراح والشرور التي يسببونها لأنفسهم بأنفسهم ولكنهم لا يتحملون أو يغرون الجراح والشرور التي يرتكبها ضدهم الآخرون. (نيقولو مكيافيللي 1496- 1527).
عكس القاعدة:
للتحكم بالبدائل غرض واحد: أن تخفي عن الآخرين سطوتك وأنك من سببت لهم الأذى؛ ولذلك تفيد هذه الحيلة من سطوتهم هشة والذين لا يستطيعون أن يفعلوا ما يريدون دون أن يكونوا بمنأى عن ارتياب الآخرين أو حقدهم وانتقامهم. لكن الحقيقة هي أنه في أغلب الأحوال لا يعد من الحكمة أن تظهر سطوتك صراحة

وبعنف حتى وإن كنت آمنًا وقويًا، ويظل من رشاقة السلوك ومن قوة التأثير أن تجعل الآخرين يتوهمون أن لهم الحق في الاختيار.
لكن أحيانًا يؤدي التحكم بخيارات الآخرين إلى تقليل خياراتك أنت أيضًا، ويفيدك في بعض المواقف أن تسمح لخصومك مدى متسع من البدائل والخيارات: فملاحظتك لهم وهم يتصرفون يوفر لك الفرصة لجميع المعلومات عنهم والكيد لهم. كان المصرفي الشهير في القرن التاسع عشر جيمس روتشلد يحب هذه الطريقة: وكان يرى أنه لو قل من حرية خصومة تضيع عليه فرصة مراقبة استراتيجياتهم والتخطيط للمستقبل، فكانت الحرية التي يمنحها لهم على المدى القصير تفيده في قوة الهجوم عليهم على المدى البعيد.

القاعدة
32
خاطب في الناس آمالهم وأحلامهم
وليس واقعهم
الحكمة:
أغلب الناس يحبون تجاهل الحقائق والوقائع؛ لأنها مؤلمة وقبيحة، وينظرون لمن يصنع لهم الشاعرية والخيال كأنه واحة وسط صحراء يتدافعون إليه أفواجًا. تعلم أن تحرك في الناس آمالهم وأحلامهم وسوف تجني سطوة كبيرة.

مراعاة القاعدة:
ازدهرت المدينة الدولة في البندقية لسنوات طويلة، وجعلهم ذلك يظنون أن يد الله تؤيد جمهوريتهم الصغيرة وتحميها من صروف الدهر، فقد جعلهم الاحتكار شبه التام لتجارة الشرق في العصور الوسطى وبدايات النهضة من أغنى المدن في أوروبا، وكانت حكومتهم الرشيدة توفر لهم حريات لم يتمتع بها أي مواطن في إيطاليا طوال تاريخها. لكن تغيرت أقدارهم فجأة في القرن السادس عشر، فقد أدى اكتشاف الأمريكتين إلى نقل مركز السطوة إلى الجانب الغربي من أوروبا بداية إلى إسبانيا والبرتغال ولاحقًا إلى هولندا وانجلترا، ولم تستطيع البندقية الاستمرار في المنافسة الاقتصادية وانهارت إمبراطوريتهم، وأتت الضربة التي قضت عليهم عام 1570 مع استيلاء الأتراك على جزيرة قبرص وكانت أهم ممتلكاتهم في البحر المتوسط.
أفلست أعرق الأسر في البندقة وانهارت مصارفها، واجتاح الناس الركود والكساد. كانت حداثة زوال ماضيهم الذهبي الذي عاشه البعض وسمعه الآخرون من أبائهم يجعلهم يشعرون بنوع من العار والإهانة، وظنوا أن الأقدار تتلاعب بهم وأن أمجادهم ستعود قريبًا، لكن كان ما يزعجهم هو السؤال: كيف يدبرون أمورهم إلى أن تعود أمجادهم؟
انتشرت الشائعات في عام 1589 بأنحاء البندقية عن وصول رجل بالقرب منهم يدعى «إل براجادينو» يتقن السيمياء وحقق ثروة هائلة من قدرته –كما ظنوا- من تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب باستخدام مادة سرية. كان من أسباب الانتشار السريع للشائعات أن أحد نبلاء البندقية سمع أثناء زيارته لبولندا نبوءة من متنبئ شهير بأن البندقية سوف تستعيد مجدها وسطوتها إن وجدت رجلا يتقن سيمياء صناعة الذهب؛ ولذلك وحين سمع أهالي البندقية عن مهارات براجادينو وأن هسيس الذهب يسمع دائمًا بين يديه وأنه يملأ أركان قصره بالمقتنيات الذهبية. بدأ الناس في الحلم بأن البندقية سوف تنتعش على يدي هذا الرجل.

تحرك وفد من العائلات العريقة بالمدينة إلى مقر براجادينو في بريشيا، وتجولوا في قصره وانبهروا حين رأوه يعرض عليهم قدراته في صناعة الذهب حيث أخذ حفنة من المعادن الرخيصة وحولها إلى عدة أوقيات من تراب الذهب. كان نواب المدينة في مجلسهم يناقشون عرض مشروع للموافقة على دعوة براجادينو للانتقال إلى البندقية والإقامة على نفقة المدينة، حين أتتهم أنباء أن دوق مانتوا ينافسهم في شراء خدماته، وسمعوا أن براجادينو أعد حفلاً لاستقبال الدوق في قصره مرتديًا رداء ذهبيًا بأزرار من الذهب وكانت ساعة يده وأطباق الطعام وغيرها من الأدوات كلها من الذهب. خوفًا من أن تخسر البندقية خدمات الرجل وافق المجلس بالإجماع تقريبًا على دعوته إلى البندقية ووعدوا بإعطائه تلال المال التي كان يطلبها للاستمرار في الحياة المترفة التي كان يعيشها بشرط أن ينتقل إلى المدينة في أقرب فرصة.
في أواخر ذلك العام وصل براجادينو الغامض إلى البندقية، كان مظهره حازمًا ومؤثرًا بعينيه الثاقبتين وحاجبيه الكثيفين وكلبي الحراسة الكبيرين الذين كانا يصحبانه إلى كل مكان، واستقر في قصر فخم بجزيرة جوديكا. كانت الجمهورية تنفق على مآدبه وملابسه وعلى كل نزواته المسرفة، واجتاح الناس الهوس بالسيمياء؛ ففي الشواء والأركان كان الباعة المتجولون يعرضون بضاعتهم من الفحم وأجهزة التقطير ومنافه الكير والكتب التي تشرح طرق التحضير، وأصبح الجميع يمارس السيمياء- ما عدا براجادينو.
لم يبد على السيميائي أنه متعجل لتصنيع الذهب الذي سينقذ البندقية من خرابها، لكن الغريب أن تباطؤه لم يقلل من شعبيته بل زاد من اتّباع الناي له. تدفق المعجبون من كل أنحاء أوروبا بل ومن آسيا لملاقاة هذا الرجل النابغة، وطوال شهور كانت الهدايا تنهال عليه من كل صوب، لكن دون أن تظهر أي بادرة للمعجزة التي كان سكان البندقية واثقين أنه سيفعلها، ولكن في النهاية ملّ المواطنون وتساءلوا إن كان انتظارهم سيطول إلى الأبد. في البداية كان النواب يطلبون منهم الصبر والتمهل؛ لأن براجادينو شيطان حاذق يحب من يتملقه، ولكن

بعدها ضجر النبلاء أيضًا وأصبح على النواب أن يظهروا السكان المدينة مقابلاً فعليًا لاستثماراتهم المتفاقمة.
كان براجادينو يتعامل مع المتشككين باحتقار، لكنه أجابهم هذه المرة بأنه قد حضّر بالفعل المادة الغامضة في مصنع المدينة ويمكنه أن يستخدمها كلها مرة واحدة فيحصلون حينها على ضعف ما لديهم من الذهب، لكن الانتظار يجعل المادة تعطي نتيجة أفضل، ولو تركوا المادة داخل صندوق لسبع سنوات يمكنها أن تضاعف الذهب في المصنع إلى ثلاثين ضعفًا. وافق معظم قادة المدينة على الانتظار حتى يختمر منجم الذهب لكن الآخرين غضبوا من أن يواصل هذا الرجل حياته الملكية لسبع سنوات أخرى على حساب إفقار المواطنين، وأكد المواطنون هذا الغضب. وأخيرًا طلب الخصوم من السيميائي أن يثبت مهارته ويحضّر في أقرب وقت كمًا كبيرًا من الذهب.
رد براجادينو كمن بعمله أن البندقية بتعجلها أهانت كبرياءه وتستحق أن يحرمها من مواهبه، وهجر المدينة واستقر بداية في مدينة بادوا القريبة ثم انتقل في عام 1590 إلى ميونخ بدعوة من وق بافاريا الذي كان حاله مثل البندقية؛ فقد خبر الثراء في بدايات حياته ثم أفلسه مجونه وكان يأمل أن يستعيد له السيميائي الشهير ما أضاعه. هكذا عاد براجادينو إلى الحياة المترفة التي عرفها في البندقية وتكرر ما كان يفعله مع قادتها ومواطنيها.
التعليق:
عاش سبريوت مامونيا حتى السنوات الأولى من شبابه مواطنًا في البندقية قبل أن يبتكر لنفسه هوية جديدة ويصبح السيميائي براجادينو. رأي مامونيا الكساد الذي أصاب المدينة وكيف كان المواطنون يحملون أن تأتي معجزة وتنقذهم من مصيرهم، وبينما كان غيره من المشعوذين يتقنون خفه اليد أتقن هو التعامل مع الطبيعة البشرية. كانت البندقية هدفه من البداية فسافر إلى الخارج وجمع بعض المال بخدعه السيميائية، ثم عاد إلى إيطاليا وافتتح متجرًا في بريشيا، واكتسب شهرة كان يعلم أنها ستصل إلى البندقية. والحقيقة أن السطوة التي تسمع عنها من بعيد تكون أكبر تأثيرًا.

لم يستخدم مامونيا العروض المبتذلة لإقناع الناس بمهارته في السيمياء، لكن كان قصره المترف وملابسه المكلفة وهسيس الذهب في يديه أكثر إقناعًا من أي حجة منطقية، وأطلق بهذا الأسلوب إعصارًا ظل يشتد في كل خطوة: كانت ثروته تقنع الناس بتفوقه كسيميائي وشجعت أشخاصًا مثل دوق مانتوا على من منحه الأموال التي زادت من ثروته وأكدت أكثر وأكثر على سمعته كسيميائي وهكذا. وحين ترسخت سمعته وبدأ الأدواق والحكام في التنافس على خدماته لم يكن عليه أن يشغل نفسه بتفاهات إثبات مهارته، بل أصبح من السهل عليه خداع الناس؛ لأنهم أصبحوا هم من يخدعون أنفسهم. كان شيوخ البندقية الذين راقبوه وهو يعرض عليهم قدراته من اليأس واللهفة بحيث لم يلاحظوا الأنابيب الزجاجية في أكمامه التي يصب منها تراب الذهب على المعادن الرخيصة، فحين انطبع لديهم بأنه عبقري وغريب في تصرفاته ترسخ لديهم الاقتناع بأنه السيميائي الذي ينتظرونه ولم يستطع أحدهم أن يلاحظ سذاجة عروضه.
تلك هي سطوة الأحلام التي تسيطر علينا جميعًا خاصة في أوقات القهر والحرمان، فالناس لا يحبون أن يعرفوا أنهم السبب في سوء أحوالهم بحماقتهم وسوء أفعالهم، ويفضلون أن شيئًا من خارج أنفسهم هو من سبب لهم الدمار؛ لأن ذلك يجعلهم يحولون بأن الإنقاذ أيضًا سيأتي من خارج أنفسهم. تخيل كيف كان الناس سيتقبلون براجادينو إذا أتى لقادة المدينة بتحليلات متعمقة للأسباب الحقيقية التي أدت إلى انكماش اقتصادهم وعرض عليهم الحلول الصعبة والمرهقة التي تنقذهم من خرابهم. الحقيقة غالبًا ما تكون قبيحة وحلولها مؤلمة –لكن هذا القبح والألم ما عاناه أجدادهم إلى أن استطاعوا تأسيس إمبراطوريتهم، لكن الأحلام- وفي حالة البندقية حلم السيمياء- أسهل على الفهم وأكثر إرواء لرغبات القلوب.
عليك لكي تحصل على السطوة أن تشعر الناس بالبهجة من خلال مخاطبتك لأحلامهم، ولا تعد أحد أبدًا بالتحسن التدريجي ببذلهم للجهود الشاقة بل عليك

أن تعدهم بالقمر والنجوم أو بالتغير الرائع والسريع في حياتهم أو بكنز الذهب الذي يمنحهم الثروة.
لن يعجز الشخص عن جعل الناس يؤمنون بأشد آرائه سخفًا إن كانت لديه القدرة على إظهارها بأسلوب جذاب.
دافيد هيوم، 1711. 1776
مفاتيح للسطوة:
الأحلام لا تكفي وحدها وتحتاج للتعامل مع الواقع والإصرار بلا كلل أو ملل، وقهر الواقع لنا هو ما يعطي للأحلام سطوتها وتأثيراتها العميقة. في القرن السادس عشر كان الواقع الذي تواجهه البندقية هو الانهيار وفقدان النفوذ، وكان حلمهم هو استعادة أمجادهم السابقة بمعجزة السيمياء، وكلما ازداد واقعهم سوءًا كان حلمهم يكبر بأن تستعيد المدينة سطوتها وثروتها فجأة من تحويل التراب إلى ذهب.
الشخص الذي يستطيع صناعة الحلم من قسوة الواقع تتحقق له سطوة هائلة. حين تبحث عن الحلم الذي سيأخذ بقلوب الجموع عليك أن تنتبه للحقائق البسيطة التي تفرض نفسها علينا جميعًا، ولا يغرينك الصور المجيدة التي يرسمها الناس لحياتهم بل عليك أن تجد ما يأسرهم حقًا بألبابهم، وحين تكتشف ذلك يصبح في يدك المفتاح السحري الذي يتيح لك السطوة عليهم.
بالرغم من تغير الناس والأزمان إلا أن هناك عدد محدود من الوقائع التي تقهم الناس نعرضها فيما يلي ونعرض الفرص التي توفرها للحصول على السطوة:
الواقع: التغير يحدث تدريجيًا وببطء، ويتطلب الجهد والتوفيق وقدرًا كبيرًا إخلاص الذات وقدرًا أكبر من الصبر.
الحلم: بضربة واحدة يمكنك أن تغير حياتك ولا تحتاج للعمل الشاق أو الحظ أو التفاني أو الانتظار.
ذلك بالطبع هو الحلم الذي يستخدمه المشعوذون إلى يومنا هذا، وكان السب في نجاح براجادينو. قدم للناس الوعد بالتحول المفاجئ والكبير من الفقر إلى الغنى

أو من المرض إلى الصحة أو من البؤس إلى السعادة، وستجدهم يتبعونك حشودًا وأفواجًا.
فمثلاً كيف استطاع الدجال العظيم في القرن السادس عشر ليونارد تورنايسر أن يصبح طبيب القصر في براندنبرج [بألمانيا القديمة] دون أن يدرس الطب؟. بدلاً من أن يقدم العلاج بالبتر أو العلقة أو مطهرات الأمعاء كريهة الطعم والرائحة (وهي العلاجات التقليدية في عصره) كان تورنايسر يقدم شرابًا معسولاً ويعد مرضاه بالشفاء الفوري. وكان رجال الصفوة المتأنقون يفضلون «شراب الذهب» الذي كان يدفعون ثمنه باهظًا. وكان حين يواجه مرضًا عضالاً يراجع النجوم ويلجأ إلى التعاويذ، فمن كان يستطيع أن يقاوم إغراء أن يتحقق له الشفاء دون أن يعاني أو يتألم.
الواقع: المجتمعات لها قوانين وحدود تحكم الجميع وتجعلهم يلتزمون بعاداتهم المألوفة التي لا تتغير بسهولة.
الحلم: يمكننا أن نصنع عالمًا جديدًا يزيل القواعد والعادات ويتيح الفرص للمغامرة.
في بداية الأعوام 1700ت انتشر بين اللندنيين أحاديث عن شاب غامض اسمه جورج سالمانزر، وأنه جاء من بلاد يراها الإنجليز ساحرة هي جزيرة فرموزا (تايوان حاليًا) قبالة شاطئ الصين. تعاقدت جامعة أوكسفورد مع سالمانزر لتدريس لغة الجزيرة وبعدها بسنوات قليلة كُلف بترجمة الإنجيل إلى اللغة الفرموزية، وبعدها ألف كتاب حقق أعلى المبيعات من لحظة ظهوره عن الأماكن والعادات في فرموزا، وأصبح الشاب ضيفًا دائمًا على أعضاء الأسرة الملكية يسليهم ويحكي لهم غرائب الأحداث والعادات في بلاد نشأته.
لكن بعد موته تبين من وصية سالمانزر أنه ليس أكثر من رجل جاء من فرنسا ويملك خيالاً واسعًا، وكل ما قاله عن فرموزا –من أبجديتها ولغتها وآدابها

وثقافتها- كان من ابتكاره، فاستغل جهل الإنجليز بهذه البلاد ليؤلف قصة متقنة تشبع رغبتهم في المغامرة واكتشاف العجائب، وقد وفرت له قسوة المجتمع الانجليزي في وأد الرغبات والأحلام التي تهدد قيم المجتمع فرصة رائعة للتلاعب بخيالهم.
وبالطبع يمكن للحلم بغير المألوف أن يأخذ شكلاً جنسيًا بشرط أن لا يتحدد في صورة جسدية جامدة؛ لأن الجسد يحد من سطوة الخيال؛ لأنك تستطيع أن تراه وتمسكه وتمل منه كما كان يحدث مع معظم المحظيات. مفاتن الجسد لدى المرأة تثير في الرجل شهيته إلى البحث باستمرار عن بهجة مختلفة وجمال جديد، ولكي تظل للحلم بالمرأة سطوته عليه أن يظل دائمًا متجاوزًا للواقع، فالراقصة ماتا هاري مثلاً التي أبهرت جماهير باريس قبل الحرب العالمية الأولى كان جمالها عاديًا، وكان مرد سطوتها هو ابتكارها لهالة الغربة والغرابة وعدم القدرة على فهمها واستيعاب سحرها، فكان السحر لديها ليس الجنس نفسه ولكن كسرها للمألوف والمعتاد في المجتمع.
من الأشكال الأخرى للحلم بالغريب وغير المألوف هو ببساطة الأمل في التخلص من الملل والرتابة. كان كبار المحتالين يحبون أن يستغلوا ما يتميز به العمل من قهر ورتابة وفقدان للمغامرة، فكان المحتال مثلاً يستثير الحلم باكتشاف كنز إسباني قديم بمشاركة من شابة مكسيكية فاتنة وابتداع علاقة برئيس دولة من أمريكا الجنوبية أو أي شيء آخر يكسر رتابة الكدح والعمل.
الواقع: المجتمعات منقسمة وتتكون من أفراد تتنازعهم المصالح والخلافات.
الحلم: أن توحد المثل العليا والروابط الروحانية بين الناس وتسمو بهم فوق النزاعات.
في 1920ت استطاع المحتال أوسكار هرتزل أن يجمع ثروة كبيرة في وقت قليل باستخدام حيلة السير فرانسيس دراك القديمة والمعروفة –قام هرتزل بإقناع كل من كان لقبهم «دراك» أنه علم بمكان «كنزل آل دراك» وهو كنز يكفي أن يمنح كل منهم مالاً وفيرًا، وأن عليهم أن يتكاتفوا معًا لمواجهة الحكومة والنافذين الذين يرغبون في

منع الورثة الحقيقيين من نيل حقوقهم، وتكون بين هؤلاء الناس رابط روحاني من الإحساس بالقهر وحلم مشترك لاسترداد ميراثهم المنهوب، وبدأوا في شن حملات واجتماعات تؤجج المشاعر. اصنع مثل هذا الرابط بين الناس وسوف تحصل على سطوة كبيرة؛ إلا أنها سطوة خطيرة قد تنقلب ضدك في أي لحظة، فتلك هي حيلة المحرضين ومثيري الفتن.
الواقع: الموت حق، وما زال وانقضى لا يعود أبدًا للحياة من جديد.
الحلم: يمكن إحياء الماضي وبعث الأعمال العظيمة للحياة.
تلك حيلة يستخدمها المحتالون بطرق مختلفة ولكنها تتطلب الكثير من المهارة والمكر.
يُجمع النقاد والهواة على قيمة وجمال لوحات فيرمير إلا انها لوحات نادرة للغاية. لكن في 1930 –بدأت تظهر أعمال جديدة لفيرمير وتم عرضها على الخبراء فأكدوا أنها أصيلة، وكان امتلاك واحدة منها يثري صاحبها للأبد. وكما عاد عذير عاد فيرمير بمعجزة للحياة، وتم إحياء الماضي.
اكتشف لاحقًا أن اللوحات الجديدة كانت من إبداع مزيف هولندي في منتصف العمر هو هان فان ميجران، وقد اختار فيرمير موضوعًا لاحتياله؛ لأنه كان يفهم سطوة الحلم: فقد صدق الخبراء والجمهور أن اللوحات أصيلة؛ لأنهم كانوا يتمنون من أعماقهم أن تكون أصيلة.
تذكر: مفتاح الحلم هو أن تنأى بالناس عن الواقع، فهذا التنائي يوحي لهم ويغريهم ببساطة الحياة وخلوها من التعقيدات. لذلك عليك أن تجعل ما تطرحه عليهم مخالفًا لما يعيشونه من قهر، واجعله هائمًا كالسراب الذي يغري ظمأهم ويفر من بين أيديهم إذا اقتربوا منه. ولا تكن محددًا في وصفك لما تمنيهم به بل اجعله مفتوحًا على كل التفسيرات. فالسر في قدرة الحلم الزائف هو أن يظل قريبًا من الناس بما يكفي لإغرائهم وإثارة خيالهم، ونائيًا بما يبقى على ظمأهم ورغبتهم في المزيد.

الصورة
القمر
يظهر لنا ثم يغيب، ويتغير شكله ولا يمكننا أن نصل إليه أو نحتويه، ننظر إليه فيأخذنا الشغف والخيال ولا نستطيع أبدًا أن نعتاده ونبتذله، بل يظل فينا الأحلام دون انقطاع. لا تقدم للناس الواضح والمعتاد بل منيهم بالقمر.
اقتباس من معلم: الكذبة شيء يختلفه الإنسان ويزخرفه ليثير في النفس الأخلام وقد تدخله في نشوة صوفية، أما الواقع فمحبط وكئيب ولا يطيب لأحد مذاقه. وأكثر من يكرهه الناس هو من يذكرهم دائمًا بواقعهم ولا يثير فيهم الأحلام والرومانسية... وقد وجدت دائمًا أن الخيال والحلم أكثر ربحًا وإثارة بكثير من قول الحقيقة. (جوزيف وايل؛ «الفتى الأصفر»، 1857- 1976).
عكس القاعدة:
التلاعب بأحلام الناس قد يمنحك السطوة ولكنه يعرضك أيضًا للمخاطر، فالحلم دائمًا يحتفظ دائمًا بروح اللعب- فمن دواخلهم يعرف الجمهور إلى حد ما أنك تستغفلهم ولكن يرغبون في الإبقاء على الحلم حيًا؛ لأن ذلك يسليهم ويبعدهم مؤقتًا عن الواقع، فلا تأخذ الأمر بجدية زائدة وتقترب كثيرًا من النقطة التي تجعلهم يطلبون منك أن تحقق ما تعدهم به؛ لأنك إن وصلت إلى هذه النقطة تكون في خطر كبير.
بعد أن وصل براجادينو إلى ميونخ وجدهم أعقل وأقل اعتقادًا بالسيمياء من أهالي البندقية، فلم يكن يؤمن بها سوى الدوق الذي كان يتمنى أن ينقذه السحر من ورطته. وحين بدأ براجادينو في ممارسة لعبة الإغراء المعتادة وأخ يتلقى الهدايا متوقعًا من الجمهور أن ينتظر فوجئ بتصاعد غضب الناس من أنهم يدفعون المال دون أن يحصدوا النتائج. وفي عام 1592 طالب الناس بالقصاص وسريعًا سقطت رأس براجادينو في سلة المقصلة. لعب براجادينو نفس لعبته القديمة بإلقاء الوعود دون تحقيق النتائج ولكن هذه المرة لم يقدر مدى بر مضيفة وأدى اكتشاف فشله عن الوفاء بوعوده لهم إلى فقدانه لحياته.

نقطة أخيرة: لا ترتكب أبدً خطأ الاعتقاد بأن الأحلام يجب أن تكون دائمًا حالمة وخيالية، فالحلم بطبيعته يناقض الواقع لكن الواقع يكون أحيانًا استعراضيًا ومنمقًا لدرجة تجعل الناس يحنون للبساطة. مثال لذلك الصورة الخشنة للمحامي الريقي الملتحي التي صنعها إبراهام لنكولن لنفسه وجعلت الناس ينتخبونه للرئاسة كرجل عادي يمثل عامة الشعب.
استطاع ب.ت. بارنوم أن يقدم عرضًا ناجحًا مع توم ثامب القزم الذي كان يقلد مشاهير قادة الماضي من أمثال نابليون ويسخر منهم سخرية لاذعة، وقد أعجب الجميع وحتى فيكتوريا ملكة إنجلترا بهذا العرض؛ لأنه كان يلائم مزاج العصر: فقد مل الناس من أمجاد القادة المغرورين ورأوا أن الحكمة الحقيقية هي حكمة الرجل العادي البسيط. هكذا كسر توم ثامب النمط المعتاد لاعتقاد الناس بأن الاستثنائي وغير المألوف هو الأمثل، لكن دون أن يخالف قاعدة الأحلام؛ لأنه أظهر الرجل البسيط خاليًا من العيوب ويعيش بسعادة على عكس الأثرياء وأصحاب النفوذ.
تلاعب لينكولن وتوم ثامب بخيال العامة ولكن دون أن يفقدا تنائيهما عن الواقع. احرص أنت أيضًا أن تنأى بأحلامك عن الواقع وأن تبتعد بشخصيتك «الجماهيرية» عن المعتاد وإلا لن يرى فيهما الناس ما يحرك خيالهم.

القاعدة
33
اكتشف نقاط الضعف
لد كل من تتعامل معهم
الحكمة:
لكل إنسان نقطة ضعف وخرق في الدرع التي يحمي بها نفسه. غالبًا ما يكون هذا الضعف على شكل خور أو هوى أو رغبة جامحة أو متعة دفينة. بمجرد أن تكتشف نقطة الضعف لدى الشخص يمكنك أن تستغلها لصالحك.


اكتشاف مفاتيح الشخصية: خطة عمل استراتيجية:
لدينا جميعًا ما نخفيه ونقاوم اضطلاع الآخرين عليه؛ وتضع دروعًا نحمي بها أنفسنا من فضول الأصدقاء والخصوم ومن اقتحامهم لأسرارنا، كما نحب أن نفعل ما نريد بحرية دون إجبار أو تأثير من أحد. محاولتك المستمرة لكسر هذه المقاومة لدى الآخرين يكلفك الكثير من الجهد، وأهم ما يجب أن تعلمه عن الناس هو أن لديهم جميعًا نقاط ضعف وخروق في دفاعاتهم النفسية لا تستطيع المقاومة وتجعلهم يفعلون ما تريد إن اكتشفت هذه الخروق وضغطت عليها. بعض الناس يعلنون نقاط ضعفهم صراحة بينما يحرص آخرون على إخفائها، وستجد أن الأجدى لك في أغلب الأحوال أن تتحكم فيمن يخفون نقاط ضعفهم من خلال اكتشافك واستغلالك للخروق في دفاعاتهم.
عليك حين تخطط للهجوم على أحد أن تراعي المبادئ التالية:
عليك أن تنتبه للتلميحات والإيماءات اللاشعورية: كشف لنا سيجموند فرويد أن «لا أحد على وجه الأرض يستطيع أن يخفي سرًا، وحين تصمت شفتاه تتكلم أنامله، فالأسرار تتسرب منه من كل ثغر». هذا مفهوم مصيري عند البحث عن نقاط الضعف لدى الناس والت يمكن كشفها من الإيماءات التي لا تبدو هامة ومن الكلمات التي قد تبدو عابرة.
السر ليس في ما تبحث عنه ولكن في الطريقة التي تبحث بها، فالمحادثات اليومية مليئة بما تكشفه من نقاط الضعف وعليك أن تدرب نفسك على الإنصات إليها. بداية عليك أن تظهر الاهتمام –فإظهار أنك تصغي بتعاطف يحفز الناس على الكلام. ومن الحيل البارعة التي كان يستخدمها تاليران رجل الدولة الفرنسي في القرن الثامن عشر هي أن تتظاهر بأنك تبوح بمكنونات صدرك لمن تتحدث معه وأنك تكشف له أسرارك. يمكنك أن تختلق سرًا أو أن تبوح بسر حقيقي لا يؤثر عليك- المهم هو أن تجعل كلامك يبدو صادقًا ونابعًا من القلب وستجد الآخر يبوح لك أيضًا بما لديه إلا أن الأهم هو أن تبسطه في الحديث سيكشف لك بعضًا من نقاط ضعفه.

إن تشككت أن لدى الشخص بعض اللين في جانب عليك أن تتحقق من ذلك دون أن تشعره، فإن رأيت مثلاً أن رجلاً بحاجة لمحبة الآخرين تودد إليه صراحة، وإن رأيته يلين أكثر لمجاملاتك الفجة فستعلم أنك كنت محقًا في شكوكك. وعليك أن تدرب عينيك على ملاحظة التفاصيل –مثل قدر الإكرامية التي يقدمها الشخص للنادل أو الأشياء التي تبهجه أو المعاني الخفية في طريقة ملبسة. عليك أن تتعرف أيضًا على مُثل الناس وغاياتهم وما قد يبذلون كل جهد لتحقيقه- فذلك يمكنك من أن تصيغ لهم أحلامهم. وتذكر: لن يفيدك كثيرًا أن تتأمل السلوك الواعي والإرادي للناس؛ لأننا جميعًا نعمل على إظهار أنفسنا أقوى بإخفاء نقاط ضعفًا؛ لذلك عليك أن تنتبه للتلميحات التي يفعلها الناس عفوًا دون قصد أو إرادة.
اكتشف الطفل البائس داخل الرجل. أغلب نقاط الضعف تبدأ في الطفولة قبل أن تتكون لدى الشخص أساليب الدفاع: ربما كان في طفولته مدللاً أو منغمسًا في أمر ما، أو ربما كان محرومًا من إحدى احتياجاته العاطفية، ويكبر الشخص وقد ينسى ما كان منغمسًا فيه أو محرومًا منه ولكن الميل والحرمان لا يزولان عنه أبدًا تمامًا. معرفتك بحاجات الشخص في طفولته تمنحك مدخلاً قويًا للتعرف على نقاط ضعفه.
إحدى العلامات للتعرف على الجانب الضعيف من الشخص هي أنك ستجده حين تلامس لديه هذا الجانب يتصرف وكأنه عاد طفلاً من جديد. عليك إذن أن تلاحظ الرواسب المتبقية من أي سلوك تخلى عنه الشخص حين اشتد عوده، وإن رأيت أن من تنافسه أو تستهدفه قد عانى حرمانًا من شيء أساسي كحب الوالدين قدمه له، وإن رأيت أنه كان يهوى شيئًا ما شاركه فيه، في الحالتين سيجد الشخص صعوبة في مقاومة تأثيرك.
ابحث عن التناقضات. الصفة الظاهرة غالبًا ما تخفي نقيضها، فالشخص الذي يبالغ في إظهار الجرأة غالبًا ما يكون جبانًا، ومن يتباهى بالتقوى كثيرًا ما يكون فاحشًا، والكثيرون من المتشددين يتوقون للمغامرة والتجدد، والخجلون

يتمنون من يلتفت إليهم ويهتم بهم. وحين تتحقق من السمات العميقة خلف المظاهر غالبًا ما تجد أن نقاط ضعف الناس هي بالضبط عكس ما يظهرونه.
اكتشف الحلقة الضعيفة في السلسلة. في بحثك عن نقاط الضعف يهمك أحيانًا ان تجد الشخص وليس الصفة. في جماعات الصفوة المعاصرة غالبًا ما يوجد أشخاص في الكواليس يحركون المشهد وتكون لهم سطوة هائلة وتأثير كبير على الأشخاص الذين يقفون على قمة السلطة. سماسرة السلطة هؤلاء هم الحلقات الأضعف في سلسلة الصفوة: إن فزت بحظوتهم يكون لك تأثير غير مباشر على الزعيم. حتى في الجماعات التي تبدو يدًا واحدة كالجماعات التي تتعرض للاضطهاد وتعمل على إبعاد الغرباء عنها تظل هناك حلقة ضعيفة، وعليك أن تكتشف هذا الشخص الذي قد يلين لك تحت الضغط.
أشبع القلوب الخاوية. النوعان الأساسيان من خواء المشاعر اللذان عليك أن تملأهما هما الخوروالتعاسة. الخائرون دائمًا يتوقون للتقدير الاجتماعي، أما التعساء فعليك أن تتعرف على جذور تعاستهم. وبصفة عامة فإن الخائرين والتعساء هم أقل الناس قدرة على إخفاء نقاط ضعفهم، وقدرتك على إشباع ما يشعرون به من خواء يمنحك سطوة عليهم دون حد أو أمد.
استغل المشاعر الجامحة. قد تتخذ المشاعر الجامحة شكل الخوف الارتيابي الذي لا يبرره الموقف أو الجشع أو الشبق أو الغرور أو الحقد. والأشخاص الذين يقعون في قبضة هذه المشاعر لا يمكنهم أن يتحكموا بها، ويمكنك أنت أن تكون الناصح الذي يساعدهم في السيطرة عليها.
مراعاة القاعدة 1:
في عام 1615 ألقى أسقف لوسون الذي عُرف لاحقًا باسم الكاردينال روشيليو بإلقاء خطبة أمام ممثلين عن الطبقات الثلاث الأساسية في فرنسا أي رجال الدين والنبلاء والعامة. كان روشيليو قد اختبر متحدثًا رسميًا باسم رجال الدين، وهو

تكليف كبير على شاب لا يعرفه الكثيرون. تناولت الخطب كل الشئون الهامة للعصر من منظور الكنيسة، لكن في الخاتمة أضاف روشيليو شيئًا ليس له علاقة بالكنيسة بل بمستقبله المنهي: التفت إلى الملك لويس الثامن عشر وكان في الخامسة عشرة من عمره وإلى الملكة ماري دي مديتشي التي كانت وصية على الملك الشاب إلى أن يبلغ سن الرشد، وتوقع الجميع أن يكرر روشيليو الكلمات المعتاد قولها للملك الشاب، لكنه فاجأهم بأن وجه للملكة الأم مديحًا مطولاً وتملقًا صريحًا لدرجة أزعجت بعض الرجال في الكنيسة، إلا أن الملكة تقبلت المديح بابتسامة عذبة توجت الخطبة تتويجًا لطيفًا.
بعدها بعام قامت الملكة بتعيين روشيليو وزيرًا للخارجية وهي نقلة لم يتوقعها أحد لأسقف شاب. أدخلت هذه النقلة روشيليو إلى أعلى دوائر السطوة وجعلته يدرس آلية عمل مجتمع الصفوة وكأنه يدرس طريقة عمل ساعة. كان الإيطالي كونشينو كونشيني أقرب المقربين من الملكة، والأصح أنه كان عشيقها، وقد جعله ذلك أقوى رجل في البلاد. كان كونشيني متأنقًا ومغرورًا واستطاع روشيليو أن يتحكم به ببراعة وكان يعامله وكأنه الملك، وبعدها بأشهر أصبح روشيليو من المقربين من كونشيني. لكن في عام 1617 حدث شيء قلب الأمور كلها رأسًا على عقب: دبر الملك الصغير الذي كان الجميع يظنه حتى حينه أبلها قتل كونشيني وسجن رفاقه المهمين وتفرد بضربة واحدة بحكم البلاد ونحّى الملكة.
هل أخطأ روشيليو إذن في حسابات اللعبة؟. كان روشيليو في دائرة المقربين من ماري دي مديتشي ومن كونشيني وقد خرج هؤلاء جميعًا عن الخطوة بل أن بعضهم قد تم سجنه، وحتى الملكة نفسها قد تحددت إقامتها في قصر اللوفر وأصبحت شبه سجينة. لم يهدر روشيليو أي وقت وفي حين قرر الآخرون التخلي عن ماري دي مديتشي قرر هو أن يقف بجانبها؛ لأنه كان يعرف أن لويس لن يقدر على التخلص من أمه؛ لأنه كان لا يزال صغيرًا؛ ولأنه كان يحبها حبًا جمًا. أصبح روشيليو صديق ماري الوحيد المتبقي في دائرة الصفوة ومكنه ذلك أن يكون الصلة بين الملك وأمه،

ومقابل ذلك نال حماية الملكة واستطاع أن ينجو من الخطر الذي تعرض له رجال البلاط بل وأن تزدهر سطوته. في السنوات التالية زاد اعتماد الملكة الأم على روشيليو وفي عام 1622 عوضته عن إخلاصه لها وجعلت حلفاءها في روما يتوسطون لترقيته إلى مرتبة الكاردينال القوية.
في عام 1623 كان الملك يمر بمشكلة؛ ذلك أنه لم يستطع أن يجد أي مستشار ثقة. كان لويس وقتها راشدًا لكن من داخله كان لا يزال طفلاً ويشعر أن شئون الدولة أكبر من قدراته، وبعد أن تولى العرش رسميًا لم تعد لماري أي وصاية عليه ومن الناحية النظرية لم تعد لها أي سلطة، لكن الحقيقة أنها ظلت تحتفظ بإنصات الملك لآرائها وظلت تردد عليه أن روشيليو هو الوحيد الذي قد ينقذه من ورطته. لم يستجب لها لويس في البداية؛ لأنه كان يكره روشيليو كرهًا شديدًا ولم يكن يحتمله إلا من أجل ماري، لكن في النهاية وبسبب عزلته في القصر وعجزه عن اتخاذ قرار استجاب لإلحاحات أمه وجعل روشيليو مستشاره الأول وبعدها عينه رئيسًا لوزرائه.
بعدها لم يعد روشيليو في حاجة لماري دي مديتشي وتوقف عن زيارتها والتودد إليها، ولم يعد ينصت لآرائها بل كان يعارضها ويخارف ما تريده صراحة. بدلاً عن ذلك ركز روشيليو كل جهوده على الملك وحرص أن يجعل وليه الجديد معتمدًا عليه اعتمادًا لا يترك له الفرصة للاستغناء عنه. كان رؤساء الوزراء السابقون يعرفون بطفولية الملك ويحرصون على إبعاده عن المشاكل، لكن روشيليو الماكر عامله بطريقة مختلفة فأخذ عامدًا يدفعه إلى مشروعات طموحة واحدًا بعد الآخر مثل الحملة التي شنها على البروتستانت والحرب التي خاضها ضد إسبانيا، وقد أدت هذه المشروعات الضخمة إلى اعتماد الملك المتزايد على رئيس وزرائه القوي؛ لأنه كان الوحيد الذي يستطيع أن يحافظ على النظام في المملكة. وطوال ثمانية عشر عامًا ظل روشيليو يستغل ضعف الملك ويحكم فرنسا ويشكلها على الصورة التي يريدها، فوحدها وجعل منها واحدة من أقوى الأمم في أوروبا للقرون التالية.

التعليق:
كان روشيليو يقوم بكل أموره وكأنه يشن حملة حربية، ولم يكن يرى في تحركاته الاستراتيجية شيئًا أهم من اكتشاف نقاط الضعف لدى عدوه والضغط عليها. ومنذ خطبته عام 1615 كان يبحث عن الحلقة الضعيفة في سلسلة السطوة وعرف أنها الملكة الأم. لم يكن لدى ماري ضعف واضح فهي التي كانت تقود فرنسا وابنها معًا، ولكن ما اكتشفه روشيليو أن لديها خور يجعلها راغبة دائمًا في استثارة إعجاب الرجال واهتمامهم، ولهذا السبب ظل يغدق عليها بالمديح والتملق، بل أنه أخذ يداهن عشيقها كونشيني. كان يعلم أن الملك سيتولى الحكم يومًا ما ولكنه كان يعلم أيضًا مدى حب لويس لأنه وأنه سيظل أمامها دائمًا طفلاً، ورأى أن التحكم بلويس لا يكون بالتقرب منه ونيل حظوته والتي قد تتغير فجأة بسبب طفوليته وتقلبه بل بالسيطرة على أمه التي لن يتغير أبدًا حبه لها.
وبمجرد أن حصل روشيليو على منصب رئيس الوزراء الذي كان يريده تخلص من الملكة الأم وانتقل إلى الحلقة الضعيفة التالية: أي إلى الصفات الشخصية للملك، فقد كان لويس في جزء منه الطفل الضعيف الذي يحتاج لرعاية وتوجيهات الكبار. وقد أسس روشيليو سطوته وشهرته باستغلال هذا الضعف في شخصية الملك.
تذكر: أن عليك حين تدخل مجتمع الصفوة أن تكتشف الحلقة الضعيفة فمن يتحكم بالأمور لا يكون غالبًا الملك أو الملكة بل شخص آخر خلف الكواليس قد يكون من المقربين أو حتى مهرج القصر. وقد يكون لدى هذا الشخص خلف الكواليس نقاط ضعف أكثر من الملك نفسه؛ لأن سطوته تقوم على الود والروابط العاطفية التي قد تزول عنه في ليلة وضحاها.
أخيرًا، حين تتعامل مع الأطفال وغيرهم من غير القادرين على اتخاذ القرارات بأنفسهم، عليك أن تستغل ضعفهم وتدفعهم لمغامرات جريئة؛ فذلك يزيد اعتمادهم عليك؛ لأنك ستكون النموذج الأبوي الذي يرجعون إليه ليخلصهم من المحن ويشعرهم بالأمان.

مراعاة القاعدة 2:
في ديسمبر عام 1920 أخذ زوار أحد أفخك الفنادق في بالم بيتش يتأملون باهتمام وصول رجل غامض في سيارته الرولز رويس التي يقودها سائق ياباني، وظلوا في الأيام التالية يشاهدون هذا الزائر وهو يتجول في أرجاء الفندق بعصاة الأنيقة ويتلقى التلغرافات على رأس كل ساعة ولا يتحدث إلا قليلاً. عرفوا من الشائعات أنه كونت وأن اسمه فيكتور لوستج وأنه كوني وأن اسمه فيكتور لوستج وأنه سليل إحدى أعرق العائلات في أوروبا، ولم يستطيعوا أن يعرفوا عنه أكثر من ذلك.
تخيل دهشتهم وهم يرون لوستج يتوجه إلى شخص من أقل رواد الفندق شأنًا هو لسيد هيرمانا لولر رئيس إحدى الشركات الهندسية ويتبادل معه حديثًا مطولاً. كان لولر حديث عهد بالثراء وكان يهمه كثيرًا أن يكتسب علاقات اجتماعية مؤثرة؛ لذلك شعر بالفخر وبشيء من الرهبة أن يتقرب من هذا الرجل النبيل الذي يتحدث الإنجليزية بطلاقة لكن بلكنه أجنبية. وفي الأيام التالية تكونت صداقة بين الرجلين.
كان لولر بالطبع هو الذي يقود دفة الحديث وذات ليلة اعتراف لصديقه الجديد أن أعماله متعثرة وينتظرها العديد من المشاكل، وباح إليه لوستج بأنه هو الآخر قد مر من قبل بمشكلات مالية خطيرة بعد أن استولى الشيوعيون على ممتلكات وأراضي عائلية، وأنه كان أكبر من أن يتعلم حرفة أو أن يبدأ في العمل، لكن الأقدار أسعفته بحل وهو «آلة صنع النقود». همس إليه لولر مذهولاً «هل تزيف النقود»؟ فأجابه لوستج بالنفي وشرح له أنه باستخدام عملية كيماوية سرية يمكنه أن ينسخ أي عملة ورقية بدقة تامة، وأنك لو وضعت ورقة بدولار ستجدها بعد ست ساعات ورقتين لا يمكن التفريق بينهما بأي وسيلة. واستمر يشرح له كيف استطاع أن يهّرب آلته خارج أوروبا وأن الألمان كانوا قد صنعوها في الأصل لتدمير الاقتصاد الإنجليزي، وكيف أنقذته من الإفلاس في سنوات العُسر. بعد إلحاح

شديد من لولر أخذه لوستج إلى غرفته وأخرج إليه صندوقًا أنيقًا من خشب الماهوجني به شقوق وأذرع وأقراص مرقمة، وأخذ لولر يراقبه وهو يضع ورقة بدولار داخل الصندوق، وفي الصباح التالي سحب لوستج واثقًا الورقتين من الصندوق مبللتين بالمواد الكيماوية.
أخذ لولر الورقتين وذهب بهما إلى أحد البنوك المحلية فتقبلهما العاملون ولم يجدوا فيهما شائبة، فعاد إلى لوستج يتوسل إليه بحرارة كي يبيع له الآلة. أجابه لوستج أنه لم يُصنع من هذه الآلة غير تلك التي يملكها فعرض عليه لولر سعرًا كبيرًا هو 25000 دولار (وهو ما يوازي 400000 دولار في وقتنا الحالي)، ولكن ظل لوستج يبدي التردد؛ لأنه لم يكن يحب أن يدفع صديقه هذا المبلغ الكبير، لكن في النهاية وافق على البيع قائلاً «لن يضيرك كثيرًا ما تدفعه لي؛ لأنك ستعوضه في أيام قليلة بمضاعفة العملات»، ووافق على أخذ المال بعد أن جعل لولر يقسم بأنه لن يخبر أحدًا بسر هذه الآلة، وفي وقت متأخر من نفس اليوم دفع حساب الفندق وغادر. بعدها بعام وبعد محاولات مستميتة لمضاعفة النقود توجه لولر إلى الشرطة يحكي لهم كيف خدعه كونت لوستج مستخدمًا دولارين وبعض المواد الكيماوية وصندوقًا رخيصًا من الماهوجني.
التعليق:
كانت لدى كونت لوستج عين صقر في اكتشاف نقاط الضعف لدى الناس والتي كان يقرأها في أصغر الإيماءات والهفوات. كان لولر مثلاً يفرط في دفع الإكراميات للنُدل ويتوتر في حديثه مع البواب ويرفع صوته أثناء الحديث عن عمله، فعرف لوستج أن نقطة ضعفه تكمن في رغبته في اكتساب الاحترام والتقدير، الاجتماعي الذي كان يظن أنه قد يناله بماله؛ وكذلك كان لديه خور مزمن. أتى لوستج للفندق يبحث عن فريسه ورأى في لولر المغفل الأمثل الذي يريده؛ لأنه رجل يتعطش لأحد يروي له شعوره بالخواء.
كان لوستج يعلم أنه بعرض صداقته على لولر يمنحه مباشرة احترام باقي رواد الفندق،

ولأنه كونت كان يفتح لهذا الرجل حديث الغنى نافذة ليرة رقي من عرفوا الثراء من قديم، وأظهر أنه أيضًا من الفضل والنبل بحيث ينقذ لولر من أزمته ببيعه آلة صنع النقود، بل أنه جعله يشعر أنه في مساواة مع لوستج نفسه؛ لأنه كان أيضًا يستغل الآلة للحفاظ على مستواه الاجتماعي. مع كل هذا لا نندهش أن نرى لولر يبتلع الطعم.
تذكر: حين تبحث عن مغفلين عليك أن تنتبه دائمًا لمن يشعرون بعدم الرضا والتعاسة والخور؛ لأن هؤلاء يعانون باستمرار من الحيرة والضعف ولديهم حاجات يمكنك أن تشبعها لهم. هذه الحاجات هي الشق الذي تضع فيه المفتاح وتحركه فيخضعون لك برضاهم وإرادتهم.
مراعاة القاعدة 3:
في عام 1559 توفى هنري ملك فرنسا في استعراض مبارزة وخلفه على العرش ابنه فرنسيس الثاني، لكن في الخليفة كانت تحرك المشهد السياسي كاترين دي مديتشي الملكة زوجة فرنسيس، وهي المرأة التي ظلت لفترة طويلة تؤكد براعتها في إدارة شئون الحكم. في العام التالي توفي فرنسيس وانفردت كاترين بالحكم كوصية على ولي العهد شارل التاسع الذي لم يكن قد تجاوز العاشرة من عمره.
كان يهدد أحقية كاترين بالسلطة رجلان هما أنطوان دي بوربون ملك نافار وأخوه لويس الأمير القوي لمقاطعة كونديه، وكان يمكن لأي منهما أن يطالب بالوصاية والحكم؛ لأن كاترين كانت إيطالية أي أجنبية عن فرنسا. في خطوة ذكية أسرعت كاترين بتعيين أنطوان قائدًا أعلى للجيوش وهو منصب كان يرضي غروره ويبقيه في البلاط ليظل تحت عينها؛ لكن خطوتها التالية كانت أذكى: كان أنطوان معروفًا بعدم مقاومته للحسناوات؛ ولذلك سلطت عليه أجمل وصيفاتها لويز دي رويه لتفتنه وتغريه، وبعد أن وقع في شباكها أخذت لويز تنقل كل تحركاته للملكة. نجحت الخطوة نجاحًا بارعًا شجع كاترين على تخصيص وصيفه أخرى لأمير كونديه؛ وهكذا تشكلت لديها «الكتيبة الطائرة» من أجمل فتيات البلاط تسلطهن على رجال الصفوة لتضمن ولاءهم.

في عام 1572 (ص418) ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ دي فالوا ؟؟؟ ؟؟؟؟ انطوان وخليفته على مالك نافار، لكن كان ذلك خطرًا عليها؛ لأنها تقرب من مركز السلطة الأسرة التي طالما ناصبتها العداء، شارلوت دي بون سمبلانسي بارونة سوف، ولم يردعها عن ذلك كون هنري زوج ابنتها، وبعد أسابيع قليلة كتبت مارجريت دي فالوا في مذكراتها «لقد نجحت مدام دي سوف في إغواء زوجي لدرجة أنه لم يعد يشاركني الفراش أو حتى الحديث».
كانت البارونة جاسوسة بارعة حافظت على هنري تحت طوع كاترين، ولكن حين جمعت الصداقة بين الابن الأصغر للملكة دوق ألنسون وبين هنري خشت الملكة أن يتآمر الاثنان ضدها، فسلطت البارونة على ابنها أيضًا وبسرعة نشب الصراع بين الرجلين في حب شارلوت وانتهت صداقتهما وانتهى معها خطر التآمر.
التعليق:
عرفت كاترين منذ فترة مبكرة من حياتها سطوة العشيقات على الرجال ن خبرتها مع زوجها الملك هنري الثاني: فقد كانت لدى هنري واحدة من أبرع العشيقات على مر التاريخ هي دبان دي بواتييه. تعلمت كاترين من هذه التجربة أن الرجال من أمثال زوجها يحتاجون لامرأة تشعرهم بأنها تحبهم لشخصيتهم وبراعتهم وليس للألقاب التي رثوها دون فضل منهم، وأن هذا الاحتياج يمثل نقطة عماء رهيبة لديهم: فبمجرد أن تتظاهر المرأة في البداية بأنها هي التي وقعت في شباكهم لا يرون بعدها أبدًا أنها تتسلط عليهم؛ وهكذا فعلت ديان دي بواتييه مع هنري. قررت كاترين أن تستغل هذا الضعف لصالحها كوسيلة تسيطر بها على الرجال، وكل ما فعلته هو أن شكلت «الكتيبة الطائرة» من أجل نساء القصر تطلقهن على الرجال الذين تعرف أنهم يشاركون زوجها في نقطة ضعفه.
تذكر أن تكتشف دائمًا الهاجس أو الحماسة التي لا يملك الشخص سيطرة عليها؛ لأنه كلما زادت الحماسة زاد ضعف الرجل. قد يبدو ذلك غريبًا عليك أن

الرجال المتحمسين يبدون أقوياء، لكن الحقيقة هي أن هؤلاء الرجال يستعرضون براعتهم لشغل الناس عن ضعفهم وعجزهم من الداخل. وتنم حاجة الرجل إلى اصطياد المرأة والسيطرة عليها عن ضعف وعجز عميقين، وهي نقطة ضعف سمحت باستغفال أعداد لا تحصى من الرجال لآلاف السنين. عليك أن ترى ما لا يستطيع الرجل أن يخفيه كالجشع أو الشهوانية أو الخوف الشديد، فهذه المشاعر يصعب حجبها ولا يمكن للشخص أن يتحكم بها، وما لا يستطيع الناس أن يتحكموا به في أنقسهم يمكنك أنت أن تتحكم لهم به.
مراعاة القاعدة 4:
كانت آرابيلا هنتنجتون زوجة قطب صناعة السكك الحديدية الشهير كولن ب. هنتنجتون من أصول متواضعة، وكانت ترغب دائمًا في نيل التقدير الاجتماعي من رفيقاتها الثريات، وحين كانت تقيم حفلاً في قصرها بسان فرنسيسكو لم يكن يلبي دعوتها إلا القليلات من نساء الطبقة الراقية، فقد كن ينظرن إليها بأنها محدثة نعمة وأنها ليست من طبقتهن. كان تجار الفنون يتقربون إليها بسبب الثروة الفاحشة لزوجها ولكنهم كانوا ينظرون إليها وكأنها أقل منهم. رجل واحد كان يعاملها بشكل مختلف هو تاجر الفنون جوزيف دوفين.
في البدايات الأولى لتعارفهما لم يكن دوفين يسعى؛ لأن يبيع لها لوحاته بل كان يصحبها للمتاحف الراقية ويحدثها عن الملكات والأميرات اللاتي يعرفهن، وجعلها ذلك ترى فيه رجلاً من الطبقة الراقية يعاملها كند له بل حتى وكأنها أرقى منه. كان دوفين في هذه الفترة يمنحها أفكاره عن الجمال والتي أقنعتها بأن الفنون الراقية تكون دائمًا عالية السعر، وبعد أن تقمصت آرابيلا طريقته في النظر للأمور أخذ دوفين يعاملها وكأنها كانت دائمًا ذات إحساس رقيق بالجمال رغم أنها لم تكن قبل أن تلتقي به تعرف شيئًا عن الفنون.
مات كولن هنتنجتون في عام 1900 ورثت عنه آرابيلا ثروة هائلة، وبدأت في شراء اللوحات الثمينة لرامبران وفالسكيز وغيرهما، ولم تكن تشتري من أي تاجر

آخر غير دوفين، وبعد سنوات باع لها دوفين لوحة الصبي الأزرق بأعلى سعر دُفع للوحة حتى حينها، وكان ذلك غريبًا على أسرة لم تبد من قبل أي اهتمام باقتناء الفنون.
التعليق:
فهم جوزيف دوفين الآلية التي تعمل بها شخصية آرابيلا هنتنجتون، فقد كانت تريد أن تشعر بأهميتها في بيتها وفي مجتمعها، وكان لديها خور بسبب نشأتها في الطبقة الأدنى من المجتمع، وكانت في حاجة دائمة لمن يؤكد لها مكانتها الجديدة. تأنى دوفين وانتظر ولم يتسرع ويعرض عليها اقتناء لوحاته بل تعامل ببراعة مع نقطة ضعفها وجعلها تشعر أنه يهتم بها لشخصها وليس؛ لأنها زوجة أكثر الرجاء ثراء في العالم، وقد فتنها ذلك تمامًا. لم يكن دوفين يتعالى أبدًا على آرابيلا ولم يكن يلقي عليها المحاضرات التي تشعرها أنها جاهلة في الفن بل كان يبث إليها الأفكار بطرق غير مباشرة، وكان حصاد ما زرع أنها أصبحت أكثر زبائنه شراء للوحاته وأكثرهم إخلاصًا له، كما أنها مكنته من بيع لوحة الصبي الأزرق فاحشة السعر.
أفضل نقاط الضعف التي يمكنك استغلالها هي حاجة الناس للتقدير والاعتراف بمكانتهم، أولاً؛ لأنها عند كل الناس تقريبًا ثانيًا؛ لأن من السهل استغلالها، فكل ما عليك فعله هو أن تجد الطريقة التي تشعر الشخص بالثقة في ذوقه أو مستواه الاجتماعي او ذكائه، وبمجرد أن يبتلع الطعم يمكنك أن تحركه مرارًا وتكرارًا لسنوات –لأنك تمنحه دورًا ايجابيًا لا يستطيع أن يحققه بنفسه، ولن يعرف أنك تقوده حسبما تريد وإن عرف فلن يبالي؛ لأنك توفر له الرضا عن نفسه وهو شعور يستحق لدى الشخص أي ثمن يدفعه.
مراعاة القاعدة 5:
في عام 1862 قام ويليام ملك روسيا بتعيين أوتو فان بسمارك رئيسًا للوزراء ووزيًا للخارجية، وكان بسمارك معروفًا بجرأته وطموحه ورغبته في تقوية الجيش. كان ويليام محاطًا في الحكومة ومجلس الوزراء بالليبراليين الذين كانوا يرغبون في الحد من

السلطات الممنوحة للملك، وكان خطرًا عليه أن يضع بسمارك في هذا المنصب الحساس. وقد حاولت الملكة التي كانت غالبًا ما تؤثر على قراراته أن تثنيه عن هذا الاختيار لكن هذه المرة تشبث ويليام برأيه.
بعد أسبوع من تسلمه مهام منصبه ألقى بسمارك خطابًا مرتجلاً أمام أعضاء الوزارات يقنعهم بضرورة زيادة عدد وعتاد الجيش، وانتهى بقوله «لن تحل المعضلات الكبيرة في عصرنا بالخطب وعزائم جموع الشعب وإنما بالسيوف والدماء». انتشرت خطبته في أنحاء ألمانيا وصرخت الملكة في وجه زوجها بأن بسمارك ليس إلا جندي بربري سفك الدماء ويسعى لاغتصاب الحكم في بروسيا وأن على ويليام أن يفصله من منصبه، وقد أيدها في ذلك الليبراليون في الحكومة، وكانت الاحتياجات من الشدة لدرجة جعلت ويليام يخشى أن تنتهي حياته على المقصلة كما حدث للويس السادس عشر ملك فرنسا إن أبقى على بسمارك رئيسًا للوزراء.
أدرك بسمارك أن عليه أن يحتوي الملك قبل أن يفوت الأوان، وأدرك أيضًا أنه ارتكب خطأ كبيرًا وأنه كان واجبًا عليه أن يخفف من حدة كلماته، لكن حين فكر في الاستراتيجية التي عليه اتخاذها للتعامل مع الموقف قرر أن لا يعتذر بل أن يفعل عكس ذلك تمامًا؛ لأنه كان يعرف الملك جيدًا.
حين التقى بسمارك بالملك وجده كما توقع غاضبًا بتأثير من شحذ الملكة لمخاوفه، وأسّر لبسمارك بقلقه من أن تنتهي حياته تحت نصل المقصلة، لكن بسمارك رد عليها، فهل هناك ميتة أشرف من هذه؟ أن أموات فداء لملكي وسيدي وتمهرون جلالتكم بدمائكم حقكم الملكي الذي أنهم الله به عليك. ما الفرق إذن أن نموت بالمقصلة أو في ساحة الحرب طالما ندافع عن الشرف والمكانة التي كرّمنا الله بها». واستمر بسمارك يناشد في الملك روح العزة وجلال موقعه كقائد أعلى للجيوش، وتساءل كيف يسمح للآخرين أن يفرضوا عليه أهواءهم؟ أليس شرف ألمانا أغلى

من التلاعب بالكلمات والخطب؟. لم ينجح بسمارك فقط في الاستمرار كرئيس وزراء بعد إقناع الملك بالتصدي للملكة وللبرلمان بل جعله يوافق على تقوية الجيش وهو ما كان يريده دائمًا.
التعليق:
كان بسمارك يعرف أن الملك يتعرض للضغط والترويع من المحيطين به، وكان يعرف أنه رجل عسكري تربى على الإحساس العميق بالعزة والشرف، وأنه كان يشعر بالعار من تلاعب زوجته وحكومته بإرادته، وأنه في داخله يحن؛ لأن يصبح ملكًا قويًا وعظيمًا، لكنه كان يخاف من أن يظهر هذا الطموح حتى لا ينتهي إلى ما انتهى إليه لويس السادس عشر. وكما يخفي التهور جبن الشخص كان جبن ويليام يخفي رغبته الدفينة في إظهار الشجاعة والعزم.
أحس بسمارك بحنين ويليام العميق للمجد المتخفي تحت مظهره الهادئ، وتلاعب بنقطة ضعف الملك المتمثلة في احتياجه لإثبات رجولته، ونجح في دفعه إلى شن ثلاث حروب انتهت بتكوين الإمبراطورية الألمانية. الجبن نقطة ضعف قوية عليك استغلالها، فالجبناء غالبًا ما يشتاقون لنقيض جبنهم ويريدون أن يشعروا وكأنهم نابليون لكن ينقصهم العزم. يمكنك أنت أن تكون لهم نابليون الذي يدفعهم للقيام بالأعمال الجريئة التي تخدم مصالحك وفي نفس الوقت تبقى اعتمادهم عليك. وتذكر أن تبحث دائمًا عن النقيض الكامن تحت السطح ولا تحكم على الأمور بظاهرها.
الصورة
المفتاح
لدى عدوك أسرار يخفيها وأفكار لا يحب أن يضطلع الناس عليها. لكنها تظهر
بطرق لا يمكنه السيطرة عليها، وفي مكان ما من عقله أو قلبه أو شهواته شق من الضعف بمجرد أن تكشفه وتدخل فيه المفتاح المناسب ستجده يخضع لك برضاه وإرادته.

اقتباس من معلم: اكتشف مفتاح الشخصية لدى كل من تعرفهم؛ فذلك هو فن جعل الناس يفعلون ما تريدهم أن يفعلوه، وهو فن لا يتطلب القوة بقدر ما يتطلب المهارة والتدريب. كل إرادة يحركها دافع يختلف حسب ميل صاحبها، فلا يوجد من الناس إلا قليلون لا يخضعون لوثن ما فالبعض يعبدون الشهرة وآخرون مهووسون بالامتلاك والمصالح الذاتية والغالبية يخضعون للشهوات. المهارة هي أن تعرف وثن كل شخص وتخضعه به، فمعرفتك بمنبع الدوافع التي تحرك الشخص أشبه بامتلاك المفتاح لإخضاع إرادته. (بالتسار جراتسيان، 1601- 1658).
عكس القاعدة:
التلاعب بنقاط الضعف لدى الآخرين له خطر واحد أساسي: ذلك أنك قد تستثير لدى الشخص أفعالاً لا تستطيع أنت أيضًا أن تسيطر عليها.
في لعبة السطوة يتوجب عليك دائمًا أن تتنبأ بعدة خطوات للأمام وأن تعد لها مقدمًا ما يلزمها، وأن تستفيد من أن من حولك تحكمهم انفعالاتهم ويعجزون عن القيام بهذه الرؤية المسبقة، ولكن حين تتلاعب بنقاط ضعف الآخرين التي لا يمكنهم السيطرة عليها قد تطلق لديهم مشاعر تفسد عليك ما خططت له. فحين تدفع الجبناء مثلاً للقيام بأعمال جريئة قد تجدهم يتهورون ويبالغون في اندفاعهم، وإن أشبعت حاجة شخص للاهتمام والتقدير فقد يطالبك بأكثر مما تريد أن تمنحه له. أي أن هذا الجانب الطفولي الذي توقظه لدى الشخص قد ينقلب ضدك وليس لصالحك.
وكلما زادت نقطة الضعف ارتباطًا بالمشاعر كلما زاد خطرها عليك؛ ولذلك عليك أن تفهم حدود هذ اللعبة وأن لا تبالغ في تحكمك بضحاياك ولا تنسى أن غرضك في ذلك هو السطوة وليس حب التحكم في الآخرين.

القاعدة
34
لا تتدنى أبدًا في تصرفاتك:
تصرف كملك تُعامَل كملك
الحكمة:
المكانة التي تضعها لنفسك هي غالبًا التي يضعها لك الناس. فالتعامل بسوقية وتدني يجلب عليك في النهاية ازدراء من حولك. تصرف كالملوك الذي يلزمون أنفسهم بالعزة والوقار فيجبرون الناس على النظر إليهم برهبة وإكبار. ارتق في تصرفاتك وسيرى الناس كأنك وُلدت لتكون ملكًا.

انتهاك القاعدة:
في يوليو من عام 1830 اشتغلت في باريس ثورة أجبرت الملك شا