Advertisement

علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة 001



الكتاب: علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة
المؤلف: عادل عز الدين الأشول
الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية
الطبعة: -
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] المحتويات:
الصفحة الموضوع
22 الباب الأول مدخل لدراسة علم نفس النمو
25 الفصل الأول تعريف علم نفس النمو "تاريخه وتطوره"
29 الأهمية العلمية والعملية لعلم نفس النمو
32 تطور علم نفس النمو
33 أولا: الأطوار غير العلمية
34 ثانيا: بداية علم نفس النمو الحديث
37 الصورة العامة لتطور النمو
39 مرحلة ما قبل الميلاد "من الإخصاب إلى 280 يوم"
40 الطفل حديث الولادة "الأسابيع الأولى بعد الولادة"
41 مرحلة المهد "من أسبوعين إلى العامين"
42 مرحلة الطفولة المبكرة "من 2 إلى 5 سنوات"
44 مرحلة الطفولة الوسطى "من 6 إلى 10 سنوات"
46 مرحلة الطفولة المتأخرة "من 10 إلى 12 سنة"
46 مرحلة المراهقة "من 12 إلى 20 سنة"
47 مفهوم المراحل في علم نفس النمو
51 الفصل الثاني محددات السلوك الإنساني
53 النضج
56 الاستعداد
57 الفترات الحرجة أو الحاسمة للنمو
59 ترسيخ النضج أو التعلم
60 مطالب النمو
60 مطالب النمو من الميلاد إلى 6 سنوات
61 مطالب النمو من السادسة حتى الثانية عشر
61 مطالب النمو من الثانية عشر إلى الثامنة عشر
61 مطالب النمو من الثامنة عشر إلى الخامسة والثلاثين
(1/1)

62 مطالب النمو من الخامسة والثلاثين إلى الستين
62 مطالب النمو في الحياة المتأخرة "الشيخوخة"
63 مبادئ النمو
64 النمو يسير وفقًا لنمط معين
64 التتابع الرأسي, الذئبي
68 النموذج العام للنمو
69 النمو يتقدم من العام إلى الخاص
71 النمو عملية مستمرة
73 النمو عملية متفردة
74 اختلاف معدل النمو
77 النمو عملية متكاملة
77 النمو يمكن التنبؤ به
79 لكل مظهر نمائي سمات مميزة له
80 الكثير من الأشكال المعرفة بالسلوك المشكل تعتبر سلوكًا سويًا بالنسبة للمرحلة التي يحدث فيها
82 النمو يستمر طول الحياة
82 مراحل النمو
85 مساهمات جيزل وآلج وآمز
87 نظرية بياجيه في النمو المعرفي
91 نظرية كولبرج في نمو التفكير الخلقي
91 مراحل كولبرج في الحكم الخلقي
93 نظرية فرويد في النمو
95 نظرية أريكسون النفسية الاجتماعية
97 ثانيًا: التعلم
98 الاستعداد والتعلم
100 تفسيران بيئيان لتعلم سلوك الأطفال
100 الإشراط الكلاسيكي
101 الإشراط الأدوي
102 المدعمات الأولية والثانوية
103 جداول التعزيز والانطفاء
104 تشكيل السلوك
104 المدعمات الإيجابية والسلبية
(1/2)

105 إدارة أو تشكيل السلوك
107 نظرية الدوافع
108 هرمية ماسلو للحاجات
110 الدافعية الداخلية والخارجية
111 الدوافع والتغير النمائي
113 النموذج والدافعية
115 أنماط تعلم الأطفال
115 تعلم الإدراك الحركي
116 تعلم المعلومات اللفظية
117 تعلم المهارات العقلية
117 تعلم إجراء التخطيطات المعرفية
118 تعلم الاتجاهات
119 الوراثة
119 أهمية الوراثة للطفل
120 جدل حول الوراثة والبيئة
123 الفصل الثالث طرق الدراسة وأدوات البحث في علم نفس النمو
125 أولا: الطرق الترابطية
126 طريقة الملاحظة
128 الملاحظة الطبيعية
128 سيرة حياة الطفل
130 طريقة دراسة الحالة
132 مقابلة الآباء
132 التقويم النفسي
132 السلوك ومظاهره الخارجية
133 الانطباعات والنتائج
134 موجز الانطباعات
134 الانطباع التشخيصي
135 الملاحظة المضبوطة
136 عينة الموقف
137 طريقة المقابلة
138 تفسير النتائج "الصدق"
(1/3)

140 تفسير النتائج "الثبات"
140 ثانيًا: الطرق السببية
142 المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة
144 تأثير المجرب
145 ثالثًا: الطرق التمايزية
146 اختبارات الذكاء
147 وسائل تقرير الذات
147 الطرق الإسقاطية
148 ملاحظات اللعب
150 رابعًا: الطرق التتبعية
151 اتجاه الطرق التتبعية
151 المنحنى الطولي في مقابل المستعرض
151 الطريقة الطولية
154 الطريقة التتبعية المستعرضة
155 خامسًا: الدرسات المعيارية
159 الباب الثاني "الطفولة"
161 الفصل الرابع النمو قبل الولادة
163 الموروثات والأمشاج
163 حركة الأمشاج
165 الموروثات
169 حركة المورث
173 تطور الجنين
173 فترة البلاستوسيست
175 فترة الجنين غير المكتمل أو الخلوي
177 مرحلة الجنين المكتمل
177 النمو غير العادي للجنين
182 الحمل
183 الحمل كأزمة
(1/4)

188 تفاعلات الأم والجنين
188 تأثير انفعالات الأم على الجنين
189 عادات الأم
191 استخدام العقاقير
191 المرض أثناء الحمل
192 المخاض والولادة
192 عملية الولادة
193 مخاطر الولادة
194 العناية بالمولود
196 تحديد جنس الوليد
201 الفصل السادس "الولدي والفطيم"
203 النمو الجسمي والحركي
203 الرضيع في السنة الأولى
206 في السنة الثانية
208 النمو العقلي
208 الجوانب الكمية للنمو العقلي
211 الجوانب الكيفية للنمو العقلي
211 الإدراك
211 الرؤية
213 السمع
214 الحواس الأخرى
215 اللغة
218 مراحل التعبير عند الطفل
219 الكلام المبكر
223 العمليات المعرفية
223 التوحيه والانتباه والتعوذ
224 التعلم
226 حل المشكلة
228 التفكير
234 المفاهيم الرئيسية لطفل العامين
(1/5)

237 تعليم الآباء الرضيع
238 الأنماط السلوكية التوجيهية
239 الصباح
240 التحديث
242 الابتسام
243 الخرير
243 التقليد
245 العوامل المؤثرة في الأنماط السلوكية "الإشارية والتوجيهية"
248 الارتباط مع الأشخاص الآخرين
249 الأنماط السلوكية المدعمة للارتباط
250 قلق الغرباء
252 قلق الانفصال
254 نظريات أصول الارتباطات المتبادلة
255 الانفصال والتفرد
256 بدايات التفرد
257 الاستجابات الأموية للتفرد
258 الاتجاهات نحو العالم
259 تأثير الأطفال على العناية التي يتلقونها
261 تطبيقات لتنشئة الرضيع
262 التأثيرات طويلة وقصيرة المدى للعناية بتدريبات الأطفال
265 العناية وتدليل الأطفال
267 الفصل الرابع الطفولة المبكرة "سلوك ما قبل المدرسة من 2: 5"
269 النمو الجسمي
269 النمو الجسمي والحركي
274 النمو العقلي
274 قياس الذكاء
277 مقياس ديفيد وكسلر
280 اختبار القدرة اللغوية المصور
280 النمو الإدراكي
282 التذكر
(1/6)

286 التعليم التمييزي
287 السلوك الاحتفاظي
288 الاستدلالات الانتقالية
289 ثبات العدد
292 النمو اللغوي
292 اكتساب اللغة
294 نظريات التحصيل اللغوي
295 مهارات الاتصال المرجعية
297 العالم التصوري للطفل الصغير
300 التعلم في مرحلة الطفولة المبكرة
301 الشخصية والنمو الاجتماعي
302 الوعي بالذات واتجاهات الذات
302 الوعي بالجسم
303 إحساس السيطرة أو التمكن
304 دافعية الإنجاز
305 الكفاية الأدوية
307 تقدير الذات
308 العلاقات الاجتماعية لطفل ما قبل المدرسة
309 دور الأب
314 العلاقات مع الأخوة والأخوات
314 مقدم طفل جديد
315 التفاعلات مع الأخوة والأخوات الأكبر
316 التفاعلات مع الصحبة والنظراء
319 التطبيع الاجتماعي
320 التدريب أو فرض النظام
322 تساوق التدريب أو النظام
325 التدريب المرشد
326 السلوك التدريبي الموجه
328 التقمص
331 العدوانية
332 العدوان العدائي
332 العدوان الآدوي
(1/7)

234 الغيرية
236 تقمص الجنس
237 تأثير البرامج التلفيزيونية على السلوك العدواني والسلوك الغير لأطفال ما قبل المدرسة
343 الفصل الثامن "الطفولة الوسطى "من 6- 12سنة"
345 النمو الجنسي والعقلي
345 النمو الجسمي
346 النمو الحركية
346 القفز
347 مهارات لعب الكرة
348 زمن الرجح
349 تصور الجسد
351 مفهوم الذات
352 النمو العقلي
352 الاختبارات التحصيلية
354 النمو الإدراكي
357 التنظيم المنطقي
357 ابطال المركزية
358 النمو اللغوي
358 نمو استخدام اللغة
359 نمو معرفة تركيب اللغة وبنائها
361 مهارات الاتصال المرجعية
361 التذكر
362 عملية التحويل إلى رموز وفهم المعلومات
363 التخزين وتنظيم الذاكرة
365 الاسترجاع
366 مبدأ بقاء أو ثبات الأشياء
366 أنماط بقاء أو ثبات الأشياء
369 التدريب على إدراك مبدأ ثبات الأشياء
(1/8)

373 التفكير المنطقي الاستدلالي
374 انتقال التفكير من المستوى الحسي العياني إلى المستوى الشكلي التجريدي
375 العمليات الفئوية
375 عمليات السلسلة
375 النمو الخلقي
377 المستوى قبل الأخلاقي
379 العالم التصوري للطفولة الوسطى
380 تعلم القراءة
383 الشخصية والنمو الاجتماعي
384 دخول المدرسة
384 الاتجاهات نحو المدرسة
385 تأثير المدرسة
389 تأثير الآباء
391 إحساس الكفاية أو الدونية
392 تأثير قدرات الطفل
393 تأثير المدرس
394 الارتباط أو المودة
394 اللامبالاة
394 التعلق أو الاهتمام
395 النبذ
396 الاهتمام المتزايد بجماعة الرفاق
397 إدراك الذات والشعبية
399 التفرد والتماثل وطرق أخرى للتعامل مع الأشخاص
403 أحاسيس الانتماء والاغتراب
403 التغيرات في بناء علاقة جماعة الأقران
404 الصدقات الحميمة
405 هوية دور الجنس
409 الكمون النفسي الجنسي
410 العلاقات الأسرية
411 تكيف الآباء لطفل المدرسة
412 إعادة تقييم أطفال سن المدرسة لآبائهم
(1/9)

414 النمو وتكامل الشخصية
415 مفهوم الذات
416 مفهوم الحاجات
427 الثبات المعنوي
427 قوة الأنا
427 قوة الأنا الأعلى
427 التلقائية
428 الودية والتصادق
428 مركب العداوة والذنب
433 نظريات النمو
433 مفهوم دورة حياة الإنسان
438 بعض نظريات النمو
439 نظرية بوهلر في النمو الإنساني
445 نظرية يونج لمراحل الحياة
448 نظرية فرويد للنمو النفسي الجنسي
448 المرحلة النمية
449 المرحلة الشرجية
449 المرحلة القضيبية
450 مرحلة الكمون
451 المرحلة التناسلية
451 نظرية أريكسون
454 مراحل النمو عند أريكسون
454 مرحلة المهد أو الرضاعة
454 الثقة مقابل فقدان الثقة
455 الطفولة المبكرة للاستقلال الذاتي مقابل الخجل والشك
456 سن ما قبل المدرسة
457 سن المدرسة
458 المراهقة
460 الرشد المبكر
460 منتصف العمر
461 السن المتقدم
462 بيك وصقل وتنقيح نظرية اريكسون
(1/10)

462 أهمية الحكمة في مقابل أهمية القوى الجسمية
463 التنشئة الاجتماعية في مقابل الجنسية في العلاقات الانسانية
463 المرونة النفسية في مقابل الجمود النفسي
463 المرونة العقلية في مقابل الجمود العقلي
463 سمو الأنا في مقابل استغراق الأنا
464 تحليل ريجل الدياليكتيلي للنمو
467 بعض مشكلات النمو ووسائل مواجهاتها
468 بعض مشكلات النمو في فترة الطفولة
468 التغذية
470 النوم
472 التبول اللاارادي
473 مص الأصابغ وقضم الأطافر
475 السلوك العدواني
476 السلوك الانسحابي
477 الانحرافات السلوكية
477 السرقة
480 الكذب
482 بعض مشكلات النمو في فترة المراهقة
482 السلوك العدواني
483 الجناح
484 أحلام اليقظة
485 الانطواء
486 الانحرافات الجنسية
487 اغتراب المراهقين والشباب
493 الممارسات المدرسية ودورها في توجيه النمو
493 الجو المدرسي
496 النظام المدرسي
497 التحصيل الدراسي
499 الكتاب المدرسي
500 المدرس
(1/11)

505 الباب الثالث "المراهقة"
507 طبيعة المراهقة
509 المراهقة المتكيفة
510 المراهقة الانسحابية المنطوية
510 المراهقة العدوانية المتمردة
511 المراهقة المنحرفة
511 نظريات المراهقة
512 اتجاهات المرحلة المعتدة
512 مناحي أو اتجاهات التعلم
513 مناحي الاتجاهات الثقافية
515 التغيرات الجسمية والفسيولوجية
516 تغير حجم الجسم وشكله
516 الذكور
518 الإناث
519 نمو الخصائص الجنسية الأولية والثانوية
519 الذكور
520 الإناث
521 النمو العقلي
522 اختبارات الذكاء
523 العمر التمايزي
523 تقدم النمو العقلي
525 التفكير الصوري الإجرائي ومظاهره
526 منطقية التفكير الصوري الإجرائي
529 اللغة والذاكرة
530 السلوك الاحتفاظي
531 التفكير التجميعي أو التوحيدي
533 الوعي بالتبديلات التصورية
534 النمو الخلقي
535 دلائل التفكير الإجرائي الصوري
535 عمومية العمليات الصورية
537 الاتساق الفردي في التفكير الإجرائي الصوري
(1/12)

537 تأثير التدريب على التفكير الإجرائي الصوري
538 النتائج الوجدانية للتفكير الإجرائي الصوري
538 هوية المراهق وقيمه الخلقية
539 المراهق والذات
542 الهوية والقيم والاغتراب
543 مشكلات الهوية في فترة المراهقة
544 التباين في تكوين الهوية
545 علاقات الوالد بالمراهق وتكوين الهوية
546 نموذج الجنس والهوية الجنسية
547 نمو الأخلاق والقيم
548 النضج المعرفي والنمو الخلقي
551 المطلبات الاجتماعية المتغيرة
551 القيم الخلقية والصراعات النفسية الداخلية
551 النمو المعرفي والمعتقدات الدينية المتغيرة
552 نمو الأفكار السياسية
552 الاتجاهات الشائعة في قيم المراهقين
553 الاغتراب
553 اغتراب الفقراء والأقليات
554 الاغتراب بين الشباب صاحب الامتياز
555 المراهقون والمخدرات
556 الجنوح
557 التغير الاجتماعي والحرمان والجنوح
558 علاقة الوالد بالابن الجانح
560 الجنسية والأمن والألفة
560 الجنسية في مقابل الأمن
561 الألفة أو المودة في مقابل الجنسية
562 الألفة والمودة في مقابل الأمن
563 الاتجاهات نحو الآباء
565 تكامل الهوية الشخصية
567 تحقيق الهوية وأزمة الهوية
567 تحقيق الهوية
567 تعويق الهوية
567 انتشار الهوية
(1/13)

567 انتشار الهوية
568 توقيف أو تعليق الهوية
569 استمرار نمو الشخصية
570 مفهوم الذات وتقدير الذات لدى المراهقين
571 وعي المراهق بذاته
572 ثبات أو استقرار صورة الذات
573 تقدير الذات
574 نماذج نمو المراهقة
575 نمط النضج المستمر
575 نمط النضج العامر أو الجياش
576 نمط النضج الصاخب المضطرب
578 الشخصية والنمو الاجتماعي
579 النضال من أجل الاستقلال
579 مصادر نضال المراهق للاستقلال
580 ازدواجية المشاعر لاستقلال المراهق
580 ازدواجية مشاعر المراهق
581 ازدواجية مشاعر الآباء
582 نماذج السلطة الأبوية
583 النمط الاستبدادي
583 النمط الديمقراطي
583 النمط المتساهل
588 نمو العلاقات الاجتماعية الناضجة
588 الانتماء لجماعة الرفاق
589 عوامل الشعبية
591 ثبات الأصدقاء
592 ميول الجنسية الغيرية التزاوج
593 مراحل تكوين الجماعة ونمو الجنسية الغيرية
595 مصادر قلق الالتقاء بالجنس الآخر
596 الإرشاد النفسي للمراهقين
597 الاضطرابات النفسية والسيكوفسيولوجية
597 القلق
599 اكتئاب المراهق
600 توهم أو وسواس المرض
(1/14)

601 الاضرابات السيكوفسيولوجية
602 اضطربات الأكل
603 العلاج والإرشاد النفسي للمراهقين
607 الباب الرابع "مرحلة الرشد"
609 مرحلة الرشد المبكرة
609 النمو الجسمي
610 النمو المعرفي
612 مرحلة تماسك واستقرار العمليات الصورية
612 النمو الخلقي
613 الشباب
615 الهوية والألفة
615 الألفة الجنسية
617 الانتاجية مقابل الركود
617 تكامل الأنا مقابل اليأس أو القنوط
618 عدم الألفة الجنسية
618 الهوية والعمل
619 اختيار المهنة ودور الجنس
620 المهنة ومفهوم الذات
621 الوظيفة والبطالة المقنعة
622 العمل عبر دورة الحياة
623 الزواج
624 اختيار الشريك
625 التوافق الزواجي
626 الإخلاص والتوافق الجنسي
629 التوافق للدور وتمييز الدور
629 القيام بدور الوالدية
629 الدافعية نحو الإنجاب
631 الوالدية كعملية نمائية
631 الوالدية كدور اجتماعي
633 دورة الأسرة
635 الطلاق
(1/15)

637 اختيار شريك أو شريكة الحياة
638 مرحلة الرشد الوسطي
639 التغيرات الجسمية
641 معدل العمر الجسمي
641 أزمات القلب
642 سن اليأس وانقطاع الحيض
644 العمليات العقلية والمعرفية
644 درجات الذكاء
646 القدرات المتبلورة وغير المتبلورة
646 الابتكارية
647 النمو المعرفي والخبرة
648 نمو الشخصية
649 استجابات الفرد لعمره الزمني
651 الاستجابات لمفهوم الموت
651 التوافق النفسي الجنسي
653 التوافق الزواجي والأسري
654 الترمل
655 العزوبية
655 العمل والانتاجية
657 الفصل العاشر "الشيخوخة"
659 الشيخوخة
659 معنى الشيخوخة
659 الشيخوخة وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية
660 الشيخوخة البيولوجية
660 شيخوخة الإدراك
660 شيخوخة الشعور
660 المشاكل العامة الخاصة بالشيخوخة
661 نظريات الشيخوخة
661 المجال البيولوجي
661 التغيرات في الدورة الدموية للقلب
(1/16)

661 نظريات الشيخوخة
661 المجال البيولوجي
661 التغيرات في الدورة الدموية
662 التغيرات في المظهر
662 التغيرات في الجهاز التنفسي
662 التغيرات في التغذية والجهاز الهضمي
663 القدرة على التكيف للضغوط
664 التغيرات في الجهاز العصبي
664 القدرة على المعرفة
664 العادات الثابتة
665 التقبل وتخزين المعلومات
665 الذكاء
665 التدهور الذهني
666 مجال الشعور
667 المجال الاجتماعي
667 ظواهر مجتمع المسنين
668 تدهور الروابط بين المسن والمجتمع
668 التغيير في الأداء
668 فقدان الدور
668 تدهور العلاقات الاجتماعية
668 الوعي المحدود بالزمن
669 الشيخوخة والمفاهيم والأفكار الخاطئة
669 الخرافة الأولى أكثر تشابهًا
670 الخرافة الثانية أن يصبح الفرد خرفًا
671 الخرافة الثالثة الشيخوخة فترة الصفاء
672 الخرافة الرابعة انعدام القدرة الجنسية
673 الخرافة الخامسة الجمود وعدم المرونة
674 الخرافة السادسة عدم الابتكار وعدم الانتاجية
675 الخرافة السابعة صعوبة تعلم مهارات جديدة
677 الخرافة الثامنة غرابة الأطوار أو الخبل
678 الخرافة التاسعة الوحدة
679 الخرافة العاشرة أكثر تدينا
(1/17)

681 الخاتمة
683 الموت كنهاية لدورة حياة الإنسان
685 عملية الموت
686 نظرية كويلر-روس
686 الإنكار
687 الغضب
687 المساومة
687 الاكتئاب
688 التقبل
688 نمو مفهوم الموت
691 المراجع
(1/18)

مقدمة:
تدفع الثورة العلمية -التكنولوجية- التي يعيشها المجتمع الإنساني في القرن العشرين وفي الربع الأخير منه خاصة، بقضايا علم النفس إلى الحل الأول بين غيرها من القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
هذه الحقيقة يعيها علماء النفس والطب النفسي، فهم بتطويرهم لفروع علم النفس أو بتعبير أدق بتطويرهم للعلوم النفسية كعلم النفس الصناعي، والإداري والحربي والفسيولوجي، ناهيك عن علم النفس التربوي والاجتماعي والطبي يدركون أنهم لا يستطيعون حل أدق مشكلاتهم إلا إذا وضعوا في الاعتبار الأول العامل الإنساني, وبمعنى آخر حيثما يوجد الإنسان في أي موقع في هذا الوجود لا بد وأن يكون هناك اعتبار للعوامل النفسية، وبالتالي لا بد وأن تبرز قيمة الدراسات النفسية إلى الحل الأول.
وعمومًا فإن التقدم الحضاري يستند إلى بعدين متكاملين البعد المادي والبعد الإنساني، وما يتم بين هذين البعدين من تفاعل خلاق موصول وبالرغم مما للبعد المادي "للظروف والإمكانيات الطبيعية وموارد الثروة وغير ذلك" من أهمية كبيرة إلا أن الإنسان هو الذي يستخدم هذه الموارد ويجعل منها وسائل ومصادر لحياته ورفاهيته، وبالتالي حيثما يوجد الإنسان لا بد وأن يكون هناك علم نفس.
فالإنسان الذي يتفاعل مع هذا الوجود وبمكوناته المختلفة ما هو إلا تكوين نفسي، هو شخصية تتميز وتنفرد بخصائص معينة ذاتها في العمل والانتاج، وفي نظام العلاقات الاجتماعية المختلفة، تستخدم ما لديها من قدرات وطاقات في التفاعل مع هذا العالم والارتقاء به.
والإنسان هو محور العمل والإنتاج والاقتصاد والسياسة والإدارة
(1/19)

والحرب والعلم والفن -هو محور الوجود الحياتي، المادي والمعنوي- إلا أنه يكون محور هذا الوجود بما يتمتع به من قدرات وخصائص نفسية، وما يمكن وراء تغيير هذا الوجود من طاقة نفسية وجهد دافعي وقوة إبداعية ما هي إلا إمكانات ينفرد بها الإنسان في عملية نموه وتكوينه.
ولا جدال في أن الآباء والمربين والباحثين النفسيين والاجتماعيين كثيرًا ما يتأملون طويلا في لغز الطفولة ومصاعب المراهقة ومعين أسرارها, فكم من باحث مشهود له بطول الباع في ميادين تخصصه، يؤلف الأسفار الضخمة حولهما وكيفية تقديمهما, ثم نجده في النهاية يعترف بلا مواربة بأن ما بذله من جهد لم يكن إلا محاولة متواضعة لمعرفة النزر اليسير عن هاتين المرحلتين الحرجتين من حياة الإنسان, وكم من دارس قد كرس جهدًا صادقًا دفاعًا عن الطفولة البريئة وانتصارا لها، واهتمامًا بالمراهقة القلقة، إلا أنه يشعر في نهاية المطاف أنه لم يوف الموضوع حقه رغم ما بذله من جهد ومعاناة.
ولا يساورني أدنى شك في أن كثيرًا من الأسئلة تعن على أذهان الآباء والمعلمين على حد سواء، وجميعها ترمي إلى غاية واحدة، تلك هي: ماذا يجب أن أفعل لكي أجعل طفلي أسعد حالا وأسلس قيادة وأرصن شخصية؟ وكيف أسوس هذا المراهق المندفع وما هي السبل إلى ترويضه؟ وكيف نتعامل مع شباب اليوم ونحاول حمايتهم من كثير من الاضطربات النمائية والانحرافات السلوكية التي قد يتعرضون لها؟ وكيف نزيد من تفهمنا لكبار السن؟
وفي ثنايا هذا الكتاب جهد متواضع، توخيت منه تناول بعض مسائل الطفولة وجوانب المراهقة والشباب بالإضافة إلى فترة الشيخوخة, وما هو إلا رغبة صادقة في أن أضع بين يدي القارئ المهتم بهذه الأمور ما عساه أن يكون نافعًا مجديًا في هذا الشأن, وإني كأب وكفرد يهتم أصدق الاهتمام بالطفولة والمراهقة وبالنواحي التربوية القائمة على أسس من الدراسات النفسية، أرى أن يعار الطفل ما هو جدير به من رعاية وعناية وأن يوجه المراهق وفق قواعد حكيمة رصينة، وأن نحاول تفهم شبابنا، ونفتح أمامهم فرص النمو المختلفة، لنساعدهم على إثبات ذواتهم، بالإضافة إلى إدراكنا لأهمية فترة الشيخوخة وما يعتريها من نقصانات إنمائية، مما يستلزم اتباع الطرق الملائمة للتعامل مع المسنين لنوفر لهم حياة خالية من الصراعات والاضطرابات النفسية.
(1/20)

ولقد حاولت أن أضمن هذا المؤلف استعراض وتحليل أحدث آراء ونظريات علماء النفس وكبار المربين في مجال علم نفس النمو، بالإضافة إلى فترة الشيخوخة من حيث المفهوم والخصائص النمائية، والمشكلات التي تواجه كل مرحلة من مراحل العمر، وكيفية مواجهتها، ثم مفهوم الموت في مرحل العمر المختلفة باعتباره نهاية نمو الإنسان بالإضافة إلى ما تجمع لدي من خبرات وملاحظات خاصة، لكي يكون بين أيدي قرائنا مرجع أساسي يمكنهم الانتفاع به في علم نفس النمو.
والله وحده المرتجى في كل مسعى، إنه نعم المولى ونعم النصير.
عادل عز الدين الأشول
رئيس قسم الصحة النفسية
مدير مركز الإرشاد النفسي
كلية التربية, جامعة عين شمس
القاهرة، يناير 1996م
(1/21)

الباب الأول: مدخل لدراسة علم نفس النمو
الفصل الأول: تعريف علم نفس النمو "تاريخه وتطوره"
مدخل
...
الباب الأول: مدخل لدراسة علم نفس النمو
الفصل الأول: تعريف علم نفس النمو "تاريخه وتطوره"
علم نفس النمو أحد فروع علم النفس، يهتم بدراسة الكائن الإنساني منذ تكوين البويضة المخصبة داخل رحم الأم، ونمو مراحل الجنين في فترة الحمل، فالولادة، ثم بعد الولادة رضيعًا، فطفلا، فمراهقًا، فشابًا، فرجلا، فكهلا، ويدرس نواحي النمو الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي والنفسي، وكل ما يؤثر في تلك الجوانب سلبيًا كان أو إيجابيًا فالفرد يتغير بصورة مستمرة، كما أنه في خلال عملية النمو يصبح الناس متباينين في إدراكهم للمواقف أو في استجاباتهم الانفعالية واتجاهاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وعلى ذلك فيمكن القول أن علم النفس النمو يدرس ويصف التغيرات السلوكية التي تصاحب التغيرات في العمر.
ويبحث علم نفس النمو الإنسان باعتباره كائنًا حيًا ناميًا، يتطور في مراحل حيوية في سلم تصاعدي في مقتبل العمر، ثم في هضبة تتوسط العمر، وأخيرًا في سلم تنازلي في أواخر العمر, ولعل هذا الفرع من أهم فروع علم النفس جميعًا، فعلى الرغم من كونه فرعًا من أصل ورغم حداثته النسبية، إلا أنه يزود سائر الفروع النفسية الأخرى بحقائق نفسية نمائية عن الإنسان يستفاد منها في جميع الميادين التطبيقية لعلم النفس، وفي الحياة بصفة عامة.
ويهتم علم نفس النمو بأنواع السلوك المميزة لكل مراحل الأعمار الزمنية، أو مراحل النمو، كما يهتم بالمبادئ العامة التي تصف اتجاه النمو، متضمنة التفاعل بين وظائف النمو المختلفة.
وعلم النفس النمو كأحد فروع علم النفس يتناول بالدراسة العلمية، مظاهر التغير التي يخبرها الكائن الإنساني بهدف تفسيرها والتنبؤ بها وضبطها وتوجيهها بما يحقق النمو الأمثل للكائن الآدمي أي إن موضع علم نفس النمو بمعنى آخر هو دراسة النشاط النفسي للكائن الإنساني في تطوره ونضجه والمدى الزمني لهذا النضج، ومدى تأثير هذا التغير على النواحي الجسمية والنفسية والاجتماعية والثقافية.
(1/27)

كما أن علم نفس النمو باعتباره واحدًا من العلوم النفسية، يستند من ناحية على حقائق علم النفس بصفة عامة، ومن ناحية أخرى يسهم في فهم حقيقة النشاط النفسي في تغيره وتطوره وعوامل وقوى هذا التغير والتطور والارتقاء الإنساني.
(1/28)

الأهمية العلمية والعملية لعلم نفس النمو:
تعتبر دراسة علم النفس النمو على جانب كبير من الأهمية، ويرجع ذلك إلى طول الفترة التي يأخذها الكائن الآدمي حتى يصل لمرحلة البلوغ، ويتم نضجه وتتزايد الدلائل على أن العديد من المشكلات التي يجابهها الشباب عادة ما يكون لها جذور في نموهم المبكر, كما أن كثير من السمات الشخصية التي تتكون لدى الطفل الصغير تستمر معه في مراحل مراهقته وشبابه, وعمومًا فيمكن أن نوجز أهمية دراسة علم نفس النمو فيما يلي:
أولا: إن التعرف على مبادئ وقوانين ومظاهر النمو في المراحل العمرية المختلفة ذات قيمة بالغة, ويرجع ذلك لما يلي:
1- تساعدنا على معرفة ما الذي نتوقعه من الطفل ومتى نتوقعه, وإذا لم يتوفر هذا الشرط في تهيئة وتنشئة الأطفال، فقد نساهم في تعويق نموهم, فعندما نكون أكثر ميلا إلى أن نتوقع من الطفل مستويات من السلوك عالية جدًا أو منخفضة للغاية في مرحلة عمرية معينة, فإن هذين النمطين من مستويات التوقع السلوكي ينطويان على آثار بالغة الخطورة في رعاية وتربية وتوجيه الأطفال, ففي حالة المستويات الأعلى من السلوك يحتمل أن تنمو في الطفل مشاعر عدم الكفاية أو عدم الأهلية لأنه لا يستطيع أن يصل إلى المعايير التي ارتآها له والداه ومعلموه, وتوقع أنماط سلوكية أقل من المستوى يؤدي إلى خفض الحالة الدافعية في الطفل, وبالتالي ينجز بمستوى أقل من قدراته الحقيقية.
2- إن المعرفة بمبادئ أو قوانين النمو توفر للكبار وللقائمين على تربية ورعاية وتوجيه الطفل المعرفة اللازمة, متى يمكن استثارة النمو في الطفل ومتى لا نستثيره؟ وهذه المعرفة تهيئ الأساس اللازم للتخطيط والتنشيط البيئي الذي ينبغي تقديمه للطفل والتوقيت الصحيح لتنشيط واستثارة النمو.
(1/29)

2- إن الوعي بالنمط النمائي السوي يجعل في ميسور الوالدين والمعلمين وغيرهم من العاملين مع الأطفال أن يسعوا إلى تهيئة الطفل مقدمًا للتغيرات التي سوف تحدث في جوانب النمو المختلفة، الجسمية، والسلوكية، والميول، وغير ذلك. وبالرغم من أن هذه التهيئة النفسية سوف لا تزيل كل التوترات التي تصاحب عملية التكيف بطريقة سوية, إلا أنها سوف تسهم بدرجة كبيرة في الإقلال منها,
فالطفل الذي نقوم بتهيئته لما نتوقعه منه حينما يدخل المدرسة، على سبيل المثال، يأتي بتوافقات أفضل مع المدرسة ويكون أكثر سعادة بالمدرسة من الطفل الذي لم يهيأ لمثل هذه الانتقالة الجذرية في حياته بصفة عامة, وعلى هذا النحو فالطفل الذي يتعلم التعاون والأخذ والعطاء في الأسرة يبدي توافقًا أفضل مع الجماعات خارج الأسرة من الطفل الذي يكون مركز الانتباه في الأسرة.
4- وإذا كانت عملية النمو مستمرة متكاملة، تسير على نحو متسق بالنسبة لأغلبية الأطفال، فمن الممكن أن نحدد معاييرًا معينة لما يمكن أن نتوقعه في كل مرحلة نمائية, وبالتالي تتوفر لدينا أعمار عدة للأطفال، مقاييس عمر الطول، مقاييس عمر الوزن, مقاييس العمر الرسغي، مقاييس عمر التسنين، مقاييس عمر قبضة اليد، مقاييس العمر العقلي، مقاييس عمر القراءة، ويتفق الأطفال في معايير هذه المقاييس، بالرغم مما قد يوجد من تباينات طفيفة فحسب.
ويعتبر العمر الزمني المقياس الرئيسي لتطور النمو بالنسبة لأغراض التنظيم المدرسية وتهيئة عمليات التعليم والتعلم. فالمدراس من الروضة إلى الجامعة، تتخذ من عمر الفرد مفهومًا أساسيًا، تحدد على أساسه متى تقام، وكيف تنظم الصفوف الدراسية؟ وكم يلزم من المدرسين؟ وكيف تخطط المناهج؟ غير أن البرامج التعليمية لا تخطط عادة لكل سنة من سنوات العمر بصورة مفصلة تمامًا، وإنما تنظم على أساس مراحل نمو عريضة, ومثل هذا التخطيط يعترف بقصور التقسيم الصارم على أساس السنن, كما يعترف بأن مثل هذا التقسيم إنما هو أمر تقريبي، وبأنه لا بد من النظر بعين الاعتبار إلى توزيع خصائص الأطفال على مدى زمني واسع.
وقد كشفت لنا المعلومات المتزايدة عن النمو سذاجة اتخاذ معيار
(1/30)

السن أساسا لمعظم الأغراض؛ لأن الفروق التي بين جماعة الأطفال في أي عمر زمني واحد أكبر بكثير من الفروق التي توجد بين الأطفال في الأعمار الزمنية المتعاقبة, ومع ذلك، فإن للارتباط بين تغيرات السن وتغيرات اكتمال النضج دلالة بالغة بالنسبة لمحتوى الخبرة وطرق التدريس وعلاقات الطفل الشخصية وحياته الاجتماعية والانفعالية، وهكذا تخدم السن غرضًا أساسيًا، إذ يسترشد بها عند معالجة المشكلات المتعلقة بملاءمة النظم التعليمية للأطفال.
وقد يكون من أوضح الأمور التي يهتدى بها في تخطيط المناهج الحرص على أن تكون الخبرات التي يزود بها الطفل ملائمة لسنه، فلا يتوقع مثلا من طفل في السنة الأولى مثلا حدوث طفرة النمو، أو البقاء في حالة يغلب عليها الثبات "الكمون" أو الوصول إلى النمو الأمثل، أو التدرج إلى الاضمحلال والانهيار.
ثانيًا: يتميز هذا العلم بأنه موضوعي، فدراسته تقدم للإنسان صورة واضحة المعالم عن ميوله وأهدافه كإنسان في مختلف مراحل العمر, كما أنه يشرح وسائله الخاصة لتحقيق تلك الأهداف.
والفرد العادي كثيرًا ما يتهم الآخرين بعيب قد يكون فيه، فقد يتهم سواه بالبخل والأنانية ويكون هو نفسه أشد الناس بخلا وأبعدهم عن الإيثار.
والإنسان -عادة- يتغافل عن إدراك حقيقة تكوينه إذ ينظر إليها بعين الكمال وكأنه ملاك، فدراسة هذا العلم تقدم للإنسان هيكله النفسي مجردًا عن عوامل التحريف والألوان والضلال وذلك أدعى ليعرف الإنسان نفسه، وإذا عرف الإنسان نفسه وأدرك ما فيها من نقاط الضعف والقوة، أو الخير والشر، فقد يسعى لتعديل دوافع الشر وتنمية مواطن الخير، وهذا هو الطريق العملي للتكامل الإنساني, وهكذا فدراسة هذا العلم تمهد السبيل أمامنا لتكون أحكامنا على أنفسنا أكثر حيادًا، ومعرفتنا لسلوكنا معرفة موضوعية إيجابية، وذلك ما يفضي إلى فائدة شخصية ذاتية في تحقيق التوجيه أو الوقاية والعلاج النفسي.
ثالثًا: إن دراسة هذا العلم تجعل الإنسان عمليًا في علاقاته
(1/31)

الاجتماعية مع الآخرين، فلا يطلب منهم أكثر مما يطلب من إنسان يتكون من لحم وعصب وعاطفة وعقل وانفعال وله نقاط ضعفه وقوته, فالآخرين ليسوا ملائكة كل ما فيهم صفاء وكمال وخير, كما أنهم ليسوا شياطين كلهم عدوان وتخريب وشر, وهم أيضًا ليسوا جمادات لا تحس ولا تتجاوب, إنهم كائنات حية إنسانية تحب كما يحب وتغضب كما يغضب، وتدرك كما يدرك، وبذلك لا يسأل الإنسان الآخرين في مجتمعه ما يتسامح به مع نفسه, ولا يترقب من سواه ما يعجز, وبذلك تقوم علاقتنا الاجتماعية على مستواها العلمي الإنساني وتنشأ في أنفسنا القيم الأخلاقية السلوكية التي تعيش في واقع الناس وتكوينهم.
رابعًا: يقدم هذا العلم الحقائق التكوينية النفسية التي يستغلها المربون في وضع المناهج وإقامة المؤسسات التعليمية، وتحديد الطرق التدريسية ووسائلها, وقديمًا كان المربون والآباء هم الذين يقترحون المناهج وأساليبها كما يشاءون بعيدًا عن تكوين الطالب, فكانت التربية التقليدية عملية صب للطلاب في قوالب أعدت من قبل, أما التربية الحديثة فقد اعتمدت أولا وقبل كل شيء على الطالب ككائن إنساني ووضعت المناهج ومستوياتها وغاياتها حسب ميوله واسعداده ومستوياته الحسية والعقلية والانفعالية, وكما يفيد هذا العلم في دراسة الطالب في مراحل التكوين حسب سني الدراسة فإنه يقوم بدراسة المدرس والمدير والمفتش باعتبارهم أفرادًا إنسانيين يمرون بمرحلة معينة من مراحل التكوين النفسي.
(1/32)

تطور علم النفس النمو
مدخل
...
تطور علم نفس النمو:
دراستنا لتطور هذا العلم بمثابة دراسة منهحية نتعرف فيها إلى المصادر الأولى التي قامت عليها الدراسات القديمة، وهي كذلك دراسة نقدية لنهتدي إلى أخطاء علمية كانت من رواسب الفلسفات الماضية.
ومن الممكن أن ننظر إلى نشأة علم النفس النمو بمعناه العام مع نشأة الإنسان في أيامه الأولى, فكان الإنسان يتذكر نفسه يوم كان طفلا، وكيف تقدم حتى غدا راشدًا؟ وكان يلاحظ أيضًا أولاده وإخوته الصغار كيف ينمون في مقتبل العمر, ويلاحظ نفسه كيف يهرم ويشيخ في أواخر العمر.
وكيف يتبدل سلوكه ويتغير تبعًا لمراحل العمر في بدئه وأواسطه وختامه.
ولكن كان تفكيره آنذاك متأثرًا إلى درجة كبيرة بالآراء الفلسفية والأوهام المتعلقة بجوهر الحياة ومعنى الروح.
وقد تدرج علم نفس النمو في تطوره حتى غدا في العصر الحديث علمًا موضوعيًا يستقي حقائقه من الملاحظة المقصودة والتجريب المنظم والقياس والتحليل, ولتقديم صورة أكثر وضوحًا عن تطور هذا العلم ينبغي علينا إلقاء الضوء على التسلسل التاريخي له.
(1/32)

أولا: الأطوار غير العلمية
لا تخلو الكتابات الفلسفية من الإشارة إلى سلوك الأطفال، وكيفية نموهم، فأفلاطون على سبيل المثال يشير إلى أهمية التعلم في مرحلة الطفولة المبكرة، ومدى تأثير ذلك في إعداد الفرد وتكيفه، ففي كتابه "الجمهورية" يشير إلى وجود فروق بين الأفراد من الناحية الوراثية، وطالب باتخاذ الخطوات والإجراءات لكشف إمكانيات كل طفل, وعلى ذلك فإن أساليب تربوية معينة يجب أن تبدأ مبكرًا وفقًا للإمكانات المكتشفة لدى كل طفل.
وكانت كذلك لأرسطو بعض الإشارات في النمو الإنساني, إذ كان يرى الحياة تنشأ في الغالب عن طريق المادة والصورة, فالمادة هي عضو التأنيث، والصورة عضو التذكير، وهو يدل على الكمال والعقل، في حين أن عضو التأنيث يدل على النقص والانفعال, ويتم التكاثر باجتماع عضو التذكير مع عضو التأنيث بحسب أحوال الكائنات الحية, فإذا كان فعل عضو التذكير كاملا تامًا فالمولود ذكر، وإن كان ناقصًا فالمولود أنثى, وعمومًا فإن فكرة الحمل والولادة وتحديد جنس المولود ووراثته كانت أمورا محاطة بكثير من الأوهام والسحر, ويرعاها كهنة وسدنة وسحرة أقاموا أنفسهم لذلك.
واستمر هذا في أوربا خلال القرون الوسطى المظلمة, أما في الشرق العربي الإسلامي فقد تفتحت أمامه آفاق جديدة بفضل الحضارة الإسلامية العربية التي ازدهرت خلال تلك الفترة من الزمان في أواخر القرن السادس إلى أواخر القرن الثالث عشر من الميلاد, واهتمت الفلسفة الإسلامية منذ القديم بملاحظة التطور النمائي للكائن الآدمي، وما يتصل
(1/33)

به من سمات نفسية وسلوكية، ووضعوا لكل مرحلة نمائية اسمًا خاصًا بها, فأصدق الكتب هو كتاب الله، فيشير إلى نمو الكائن الآدمي من نطفة داخل رحم الأم. وتتطور هذه النطفة وتصبح علقة، وتتطور في صورة مضغة، ثم تصبح عظامًا، ويكسو اللحم هذه العظام, ثم ينشأ خلقًا آخر أي الجنين المكتمل فتبارك الله أحسن الخالقين.
والمتأمل في كتابات مفكري الإسلام يجدها مليئة ببعض الأفكار الحديثة والتي تتفق مع نظريات النمو المعاصرة، فآراء الكندي والفارابي وابن سينا وابن خلدون وابن رشد وابن مسكويه في النمو الإنساني لا تخرج في جوهرها عما أتت به نظريات النمو الحديثة.
(1/34)

ثانيًا: بداية علم نفس النمو الحديث
ويدخل علم نفس النمو مرحلة جديدة في العصر الحديث. إذ بدأ مرحلته العلمية في نطاق محدود من ميدان الطفولة، ثم تعداها إلى المراهقة والشباب, وكان الدافع وراء ذلك طبيًا أو تربويًا أو اجتماعيًا, ولعل هذا يفسر لنا قلة المصادر التي كانت تعنى بجميع مراحل النمو النفسي للإنسان, فكل طائفة من العلماء كانت تدرس النمو النفسي في الميدان الذي يعنيها أو المشكلة التي تعترض سبيل الباحث فيها.
ولقد استفاد علم نفس النمو في تقدمه العلمي من العلوم الأخرى التي تدرس جسم الإنسان والتي أحرزت تقدمًا ملحوظًا في النهضة العلمية الحديثة للإنسان. فاستعان بكثير مما توصل إليه علم التشريح، والطب الإنساني، وعلم الجراحة، ثم ما قام به علماء النفس أنفسهم من دراسات تتبعية أو تجريبية هدتهم إلى كثير من الحقائق التي تعتبر على الرغم من توافرها لا تزال تمثل النصيب الأدنى من حقائق التكوين النفسي للإنسان.
ففي القرن السابع عشر نادى "جون لوك" John Loke بضرورة دراسة الطفل، وذلك لتكون عادات جديدة له تتمشى مع القيم الاجتماعية لجماعته، والعمل أيضًا إلى قمع ميول الطفل الطبيعية التي لا تتفق والعادات الاجتماعية السائدة.
ثم ظهر "كومينيوس" Commenuis, J. A. حيث نشر في عام 1657م كتابه "العالم في صور" وقد جمع فيه صورًا وأشكالا ورسومًا
(1/34)

لدراسة الطفل في ذاته كطفل، وأكد أن للطفل شخصيته النفسية المتميزة وليس هو رجلا صغيرًا.
وفي القرن الثامن عشر جاء الفرنسي "جان جاك روسو" J.J. Rosseau فنادى بأهمية إعطاء الطفل حريته ليفصح بذلك عن ميوله الطبيعية ودوافعه الفطرية.
ثم كان "بستالوزي" Pestalozzi حين نشر في عام 1774م مذكراته عن حياة طفلة في الثالثة والنصف من عمرها، وفيها تسجيلا لملاحظاته عن سلوك الطفل, كان عمله دراسة تتبعية لترجمة حياة الطفل ففي مدة محدودة مما مهد السبيل أمام "تيدمان" Tiedemann الذي نشر في عام 1787م تراجم الأطفال في السنوات الأولى من أعمارهم.
وفي القرن التاسع عشر كان "فروبل" Froebl الذي يعتبر المؤسس الأول لرياض الأطفال في شكلها الحديث والذي نشر في عام 1827 كتابه عن "تربية الإنسان" الذي سجل فيه ما كان يلاحظه من سلوك الأطفال في البيت والمدرسة خلال سنوات متلاحقة.
ثم جاء "تشارلس داروين" C. Darwin الذي عرفه بنظريته الخاصة في النشوء والارتقاء في كتابه أصل الأنواع Origine of Species ونشر كتابه في "سيرة تخطيطية لحياة الطفل" وذلك عام 1877.
وتبعه "مندل" G. Mendel في أبحاثه حول قوانين الوراثة مما فتح آفاقًا جديدة في دراسة التكوين النفسي عند الإنسان.
وفي غمار تقدم الدراسات التجريبية في وظائف الأعضاء كان "بافلوف" الروسي قد اكتشف الارتباط القائم بين المثير والاستجابة, وكان ما سماه بالفعل المنعكس كابتعاد اليد نتيجة لوخز إبرة, فوخز الإبرة مثير، وابتعاد اليد استجابة, وكان أيضًا ما سماه "بافلوف" بالفعل المنعكس الشرطي، في تجاربه الشهيرة، ولهذه التجارب آثارها العلمية في بعض مباحث علم النفس التكويني الحديث لا سيما في بعض أنماط السلوك والعادات والاتجاهات, وفي عملية التعليم والحفظ والتدريب وانتقال أثر التدريب.
(1/35)

ولقد استفاد "بروير" Preyer من تلك الدراسات السابقة، فنشر كتابه "عقل الطفل" عام 1882، وقد شرح فيه الأفعال المنعكسة للطفولة عند الميلاد وتفاعل تلك الأفعال بمراحل النمو.
وهناك من كبار العلماء النفسيين الذين ساهموا مساهمة فعالة في دراسة التكوين النفسي في جانب آخر منه أمثال: "سيجموند فرويد" Freud Sigmund، ولد عام 1856، وقد عرف بمنهجه في التحليل النفسي، و"واطسون" Watson ولد عام 1878، وكان مساعدًا في تحرير مجلة علم النفس التكويني في نيويورك منذ "1911" حتى "1917"، وكذلك "الفرد بينه" A.Bint الفرنسي "1857-1911"، الذي عرف باختباراته للنمو العقلي للأفراد.
وفي أوائل القرن العشرين خطا هذا العلم خطوات واسعة وجريئة معتمدًا فقط على الدراسات التتبعية والاختبارات، وسير الحياة، ودراسة الحالات الخاصة, ومن أشهر هذه الدراسات ما قام بها "هولينك ورث" Holling Wollth H.L في النمو العقلي وانحداره 1927م، ودراسة "جيزل" Gesell حيث درس الطفولة والنمو الإنساني وذلك في عام 1928م، ثم نشرت "جوانف" Goodenough دراسات تجربية في هذا الميدان عامي 1931، 1951.
ثم كان "بريسي-كوهلن" حيث درس التكوين النفسي للإنسان في مدى حياته جميعًا 1957م.
وبين هذا وذاك قامت دراسات عربية على مستوى الدراسات الجامعية أو على مستوى الأبحاث العلمية ولئن كان بعضها مترجمًا فإن بعضها الآخر حصيلة ملاحظات وتجارب واختبارات قام بها علماء النفس لأغراض نفسية أو تربوية أو اجتماعية.
(1/36)

الصورة العامة لتطور النمو:
يذهب "لاوتون - 1943" إلى أن مدى حياتنا مقسم إلى مفترات، لكل فترة مشكلاتها الخاصة بالتوافق، وهذه الفترات العمرية لا تترابط على نحو سطحي إذا تغيرت المشكلات. إنها طريقة التصدي لتلك المشكلات التي يحتمل أن تظل كما هي، وخلال مدى الحياة, ينمي الناس وسائل تناول هذه المشكلات بعض هذه الوسائل ملائمة وكافية، والأخرى غير ملائمة وغير مجدية، أو قد تكون الطريقة ملائمة لمرحلة عمرية ولا تلائم الأخرى، وحينما تحدث التغيرات، فإنها تعتمد على حاجات الفرد عند تلك المرحلة المعينة من نموه "روينوف - 1933".
تبين الدراسات العلمية على الأطفال أنه في الأعمار المختلفة تتم أشكالا عامة للنمو تميز مرحلة عمرية معينة من المرحلة السابقة والمرحلة اللاحقة, وحينما ينتقل الطفل من مرحلة نمائية إلى مرحلة أخرى، تكون هناك انتقالة تدريجية في التأكيد على الشكل المسيطر للنمو الحادث في تلك الفترة، وبالرغم من أنه لا يوجد خط قاطع بين المراحل في تلك الفترة، وبالرغم من أنه لا يوجد خط قاطع بين المراحل المختلفة، إلا أنه من الممكن استنادًا إلى البينة المستخلصة من دراسات مجموعات كبيرة من الأطفال أن نحدد نمائية أساسية، تتميز بشكلها الخاص في النمو الذي يفوق في الأهمية بقية النمو الحادث في تلك الفترة.
ومع ذلك، تشهد الدراسات في علم النفس تقسيمات متعددة لمراحل النمو، استنادًا إلى خصائص بارزة معينة تتميز بها كل مرحلة من هذه المراحل، ومن هذه التقسيمات الشائعة ما يستند بدرجة كبيرة على الخصائص الجسيمة للنمو كأساس للتقسيم مثل التقسيم الآتي:
(1/37)

إلا أنه، بالرغم من شيوع هذا التقسيم فيما كتب عن النمو، إلا أنه يلاحظ أن العلاقة غير قوية بين هذه الأقسام والطريقة المألوفة في تنظيم المدارس في شتى أنحاء العالم لأغراض التعليم, وبوجود الفروق الفردية يجعل سائر الأعمار المبينة أمام مختلف المراحل غير دقيقة، كما أن الفروق في الحاجات المميزة لكل مرحلة ليست بالغة الضخامة وإن كانت تساعد على رسم الخطوط العريضة للتنظيم.
أما علماء النفس من أنصار التحليل النفسي، فيؤكدون الأحداث الجسمية والاجتماعية المتصلة بالتغذية والإخراج والإنجاب، وكلها نواح تحظى بقسط كبير من التأكيد في تنشئة الطفل الاجتماعية حتى يتوافق تطوره مع المقتضيات، ويشيرون إلى التقسيم الآتي.
(1/38)

وقد استخدم تصنيف النمو وفقًا لاتجاه التحليل النفسي في مجال محاولات وصف تطور الشخصية وفهم أسباب الاضطراب أو الخلل، وتحليل خلق الراشد باعتباره يمثل مظاهر مرحلة معينة على غيرها، وتفسير الظاهرة المرضية النفسية على أنها نكوص إلى مراحل طفلية سابقة.
وبالرغم من تعدد تصنيفات مراحل النمو بتعدد الأسس التي قامت عليها، إلا أن أكثر هذه التصنيفات شيوعًا تلك التي تستند على الخصائص الجسمية ويمكن إيجازها فيما يلي.
مرحلة ما قبل الميلاد "من الإخصاب إلى 280 يومًا":
تمتد هذه الفترة منذ لحظة الإخصاب، حيث ينتج عن اتحاد البويضة بالحيوان المنوي كائن فريد إلى حد كبير على الرغم مما سيكون بينه وبين أسلافه وأبويه وإخوته وأخواته من تشابه أساسي, والطفل في فترة الحمل يعتبر من الناحية السلالية مالكًا لآلاف السنين من الحياة البشرية، والطفل في بطن الأم يكون في حماية تامة، فهو محصن نسبيًا ضد الأذى الذي ينجم عن عدم كفاية الغذاء، ولكنه يستطيع أن يخل بتوازن الحالة الغذائية عند الأم, ومع ذلك يتأثر تكوين الجنين بالحالة الصحية والنفسية العامة للأم، فقد يؤدي تعرض الأم لبعض الأمراض الجسمية أو استخدام بعض العقاقير إلى أحداث إصابات في بنية الجنين مما يؤدي إلى إحداث تلف في مراكز المخ أو غير ذلك.
(1/39)

الطفل حديث الولادة "الأسابيع الأولى بعد الولادة":
تبدأ هذه المرحلة مباشرة بعد قطع الحبل السري وتستمر ما بين 15، 20 يومًا. ويبدأ الطفل في هذه المرحلة بالتكيف لظروف الوسط الخارجي في المحيط الجديد له بعد انتقاله من بطن الأم إلى هذا العالم الخارجي، فمنذ هذه اللحظة يتوقف إمداد الأم للطفل بالأكسجين والحرارة والتغذية بواسطة الحبل السري، ويبدأ الطفل بالرضاعة من ثدي أمه، ويتنفس الهواء عن طريق الرئتين، كما يقوم بحماية نفسه عن طريق تنسيق وتنظيم درجة الحرارة ما بين جسمه والوسط الخارجي بالرغم من أن هذا التنسيق يكون ناقصًا في هذا الوقت, ويبدأ الجسم بتكوين الأجسام المضادة ضد مختلف الأمراض المعدية، كما يتم في هذه المرحلة أيضًا سقوط الحبل السري.
وتتميز هذه المرحلة بكون وظائف جسم الطفل لم تكتمل بعد لعدم نضوج الجهاز العصبي المركزي وخاصة لحاء المخ، ولذلك فإن الطفل يحتاج إلى عناية خاصة دقيقة.
وتختلف مدة هذه المرحلة، مرحلة تكيف الطفل لظروف الحياة الجديدة، من طفل لآخر، ولذلك لا توجد حدود ثابتة تفصل هذه المرحلة عن المرحلة التالية، وقد تستمر عملية التكيف عند بعض الأطفال أكثر من 20 يومًا.
عندما يولد الطفل يتحول من جنين إلى وليد وتستمر هذه الفترة حتى نهاية الشهر الثاني من عمره، وفي غضون تلك الفترة يعتمد الوليد اعتمادًا كليًا في تغذيته ورعايته على أمه.
ويقضي الطفل حديث الولادة الجزء الأكبر من وقته في النوم "حوالي 20 ساعة يوميًا", وقد قامت "شارلوت بهلر" Buhler و"هتزر" Hitzer بدراسات عديدة على الأطفال في مراحل سنية مختلفة، وقاما بتسجيل كل ما يقوم به الطفل في غضون يومه، واستخلصا من دراستهما إلى حدوث أشياء معينة في المجال اليومي لكل مرحلة من العمر، وبالنسبة للطفل حديث الولادة فقد وجد أنه يقضي حوالي 80% من ساعات يومه في النوم، أما الجزء الباقي فيكون موزعًا كما يلي:
(1/40)

أ- حالة النصف إغفاءة, وهو الوقت الذي لا يكون فيه الوليد مستغرقًا تمامًا في النوم ولا في تمام اليقظة.
ب- استجابات سلبية، وهي عبارة عن تلك الاستجابات الناتجة عن الخوف من المثيرات العنيفة أو المفاجئة والتي لا يكون الطفل متهيئًا لها.
وهي عبارة عن كل مثير مفاجئ أو صوت عال مفاجئ أو صرخة حادة أو اختلال في التوازن "فقد السند"، كما يدخل تحت نطاق تلك الاستجابات السلبية الصراخ والبكاء والذي يرجع أسبابه -في أغلب الأحيان- إلى الجوع أو البلل أو التبرز أو القيء وأحيانًا أخرى إلى أسباب غير معلومة.
جـ- تناول الطعام "الرضاعة"، في الفترة التي يقضيها الوليد الحديث متيقظًا يقضي معظمها في عملية الرضاعة, وكذلك القيام ببعض الحركات, واستقبال بعض المثيرات الحسية التي تقع على حواسه المختلفة.
مرحلة المهد "من أسبوعين إلى العامين":
وهذه المرحلة تمثل فترة العجز بسبب ضرورة اعتماد الطفل تمامًا على الآخرين لإشباع حاجاته, وبالتدريج يصير الطفل أكثر استقلالية من خلال تعلم ضبط عضلاته لكي يستطيع أن يقوم بتغذية نفسه، وأن يمشي وأن يلبس نفسه، وأن يتكلم، وأن يلعب.
ويكون وزن الطفل الوليد حوالي 7 أرطال، ويزيد وزن الذكور عن الإناث بمقدار نصف رطل تقريبًا, والفروق الفردية في الوزن كبيرة، وقد يحدث نقص بسيط في الوزن عقب الولادة مباشرة، ولكنه يستكمل عادة بعد ذلك بأسبوع أو أسبوعين، ثم تزداد سرعة النمو فيبلغ الوزن في الشهر الخامس ضعف ما كان عليه، وفي نهاية السنة الأولى ثلاثة أمثاله, أما طول الوليد عند الولادة فيكون حوالي 20 بوصة في المتوسط، ويزيد بمقدار 10 بوصات تقريبًا في السنة الأولى، وتظهر أولى الأسنان بين الشهرين السادس والسابع, ولكن الفروق في هذه الناحية كبيرة جدًا، ولا تكتمل المجموعة الأولى من الأسنان اللبنية أو المؤقتة إلا في حوالي السنة الثانية من العمر.
وتتميز مرحلة المهد بصفة عامة بالنمو السريع واستمرار تطور
(1/41)

جميع أجهزة وأعضاء جسم الطفل، ولذلك يحتاج الطفل إلى كمية كبيرة من الطعام بالنسبة لوزنه، ويجب أن نتذكر أن وظيفة الجهاز الهضمي لا تزال في هذه المرحلة في دور النمو، ولذلك يجب أن تكون تغذية الطفل منسجمة مع مدى نضج جهازه الهضمي وإلا حدث اضطراب في عمل هذا الجهاز، يستمر في هذه المرحلة أيضًا نمو الجهاز العصبي المركزي وخاصة لحاء المخ.
وسرعان ما يأخذ الطفل في هذه المرحة في تعلم الاستجابة للمثيرات المرتبطة باهتمام الكبار والصغار به جسميًا واجتماعيًا في البيت, فالطفل وإن كان كائنًا حيًا متكيفًا بذاته إلا أنه يعتمد أيضًا في تنشئته على بيئته بدرجة كبيرة, فاختلال التوازن في عملياته الجسمية يدفعه إلى الصراخ الذي يجعل الآخرين يستجيبون له. فإذا لم يظفر الطفل بالعناية إلا إذا صرخ فقط، فقد يتخذ من الصراخ وسيلة لجذب الانتباه إلى نفسه. أما إذا لقي اهتماما به وهو يناغي أو يقرقر، أو عندما يكون سعيدا فإن المناغاة والقرقرة قد تغدوان أيضًا طريقة مكتسبة للحصول على الاهتمام الاجتماعي.
وتتميز هذه المرحلة أيضًا بنمو جميع الوظائف التوازنية نموًا تامًا، كما تتصف بالنمو السريع للحاء النصفين الكرويين للمخ، الذي ينتج عنه بدء مركز التكلم في القيام بوظيفته فلا يقتصر الطفل على نطق بعض المقاطع والألفاظ بل يستطيع تركيب الجمل من الكلمات المفردة، وهكذا تأخذ لغته في النمو تدريجيًا.
مرحلة الطفولة المبكرة "من 2-5 سنوات":
يستمر في هذه المرحلة نمو أجهزة جسم الطفل وتتطور قدرته العقلية، ويزداد تطور وظائف المخ.
وتتميز هذه المرحلة بمعدل سريع في مسار النمو، يشمل مكونات النمو المختلفة الجسمية، والعقلية، والانفعالية والاجتماعية.
ففي هذه المرحلة يكون الطفل قد تعلم الاتصال الحسي الحركي في عملية المشي والحركة، وتناول الأطعمة الصلبة، كما تأخذ حصيلته اللغوية وعادته الكلامية في النمو، وتتخذ عملية التخلص من الفضلات
(1/42)

عنده صيغة اجتماعية، ويكتسب الحياء، وينمي مدركاته عن العالم الاجتماعي والمادي، ويرتبط انفعاليًا برفاقه، ويأخذ في التمييز بين الصواب والخطأ.
ولهذا فإن إتاحة الفرص الملائمة للنمو الكامل في الطفولة المبكرة تعتبر على أكبر جانب من الأهمية بالنسبة للمراحل التالية.
ويمكننا تخليص أهم مظاهر النمو من هذه المرحلة فيما يلي:
1- يتم في السنة الأولى للطفل كما سبق أن ذكرنا سيطرته على حركة ساقيه وقدميه وحركة الإبهام والسبابة, كما يتمكن من جذب الأشياء ودفعها من الوقوف منتصبًا, أما في السنة الثانية فيتمكن من المشي والجري ويستعمل كلمات وجمل بسيطة ويتمكن كذلك من سيطرته على حركة المعدة والمثانة ويبدأ في تكوين فكرة عن نفسه.
2- أما في السنة الثالثة فيتمكن من التعبير عن نفسه في جمل مفيدة، ويبدي استعدادًا لفهم البيئة المحيطة به والاستجابة لمطالب الكبار، ولا يصبح بالتالي مجرد طفلا صغيرًا.
3- وفي السنة الرابعة يسأل الطفل أسئلة كثيرة ويمكنه إدراك التجانس والتشابه. ويصل إلى مرحلة من التفكير يتمكن فيها من التعميم كما يتمكن فيها من الاعتماد على نفسه في الأعمال الروتينية اليومية.
4- وفي السنة الخامسة يتم نضجه الحركي فيقفز ويقوم بالكثير من المهارات الحركية الأخرى ويتحدث حديثًا خاليًا من لكنة الأطفال، كما يجد نوعًا من الكبرياء في ملبسه ومظهره، وما يقوم به من أفعال ويكتسب ثقة في نفسه ويصبح مواطنا صغيرًا في عالمه الخاص.
ولأهمية هذه المرحلة بالنسبة لمسار النمو في المرحلة التالية، يؤكد علماء النفس والتربية على ضرورة الاهتمام بدور الحضانة خاصة مع متغيرات هذا العصر وخروج المرأة إلى العمل.
(1/43)

مرحلة الطفولة الوسطى "من 6-10 سنوات":
تتصف هذه المرحلة بحدث خطير في حياة الطفل, ويتمثل في التحاقه بالمدرسة في حوالي سن السادسة وما يتوفر له من تنظيم عوامل استثارة النمو بالخبرات المدرسية والتربوية الملائمة.
ويصف علماء النفس التشريح هذه المرحلة بأنها فترة كمون نسبي في معدل النمو، ففيها يأخذ النمو في الإبطاء ويكون الجهاز التناسلي قد بلغ حوالي 19% من حجمه عند الشخص الراشد, ويبلغ الجسم في مجموعه ما يقرب من 42% والمخ والجهاز العصبي 90%، والجهاز الليمفاوي أيضًا90% والواقع أن كل أجزاء الجسم تستمر في النمو في الطفولة الوسطى، غير أن مدى زيادة النمو في وحدة الزمن يكون بسيطًا، كما أن أثره في التدرج نحو النضح لا يلفت النظر، ويتم في هذه المرحلة نمو معظم أعضاء الجسم، وتسقط الأسنان اللبنية وتظهر محلها الأسنان الدائمة.
وإبان هذه المرحلة يزداد النمو في النمط الليمفاوي "الغدة التيموسية، والغدة الليمفاوية، الكتل الليمفاوية المعوية" فالمادة النسيجية كاللوزتين مثلا تبلغ في نموها حجمًا ضخمًا ثم تضمر، وكذلك تفعل الغدة التيموسية فإنها تأخذ في الضمور قرب مرحلة البلوغ.
ويبلغ المخ والحبل الشوكي معظم تطورهما في هذه المرحلة, ولذا فإن الكثير من المهارات اللغوية والحركية الهامة يتم اكتسابه فعلا بدخول الطفل المدرسة.
وتتصف هذه المرحلة بنمو الأعضاء التناسلية عند الذكور والإناث من الأطفال بمعدل أبطأ من معدل نمو سواها من أجزاء الجسم. غير أنه من الخطأ أن نفترض غياب كل المشاعر والميول الجنسية، فإن الكثيرين من الناس يرجعون بمعلوماتهم وخبراتهم المبكرة في هذه الناحية إلى مرحلة الطفولة الوسطى, وإذا كان الكثير من الآباء يميل إلى تسويف أي خطة للتربية الجنسية، إلا أنهم يفاجئون بأن الطفل قد حصل من رفاقه وملاحظاته وقراءاته على طائفة شتى من المعلومات في هذه الناحية.
ويتضمن النمو في هذه المرحلة تعلم المهارات الجسمية اللازمة للألعاب العادية ولتكوين اتجاهات سليمة نحو الذات ككائن حي نام، وتعلم
(1/44)

الوفاق مع الغير، والدور الاجتماعي لكل من الرجل والمرأة وتنمية المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، والمفاهيم الضرورية للحياة اليومية، وتنمية الضمير والخلق ومعايير القيم، وتحقيق الاستقلال الشخصي، وتنمية الاتجاهات الاجتماعية.
بالرغم من أن مرحلة التعليم الابتدائي تقسم عادة إلى مرحلتين، الطفولة المتوسطة من 6-9 سنوات، والطفولة المتأخرة من سن 9-12 سنة، إلا أن "روبرت هافيجهرست" يعتبرها مرحلة واحدة، وتتصف هذه المرحلة عامة بالتعبيرات التالية:
1- يشعر الأطفال عادة في هذه السن برغبة أكيدة في تحقيق الذات وسط عالم الكبار لتبلور فكرتهم عن أنفسهم ورغبتهم في تأكيد ذواتهم مما يؤدي إلى سعيهم إلى الحذر من الكبار في تصرفاتهم والتكتم فيما يقومون به أو يفعلونه.
2- تتميز هذه السن ببدء انطلاق الطفل من المنزل فيصبح إرضاء الأصدقاء أهم من إرضاء الآباء أو الكبار.
3- يتميز الطفل في هذه السن بالنشاط والطاقة الزائدة مما يؤدي به إلى قضاء أكثر وقته خارج المنزل في اللعب ويصعب على الكبار انتزاعه من بين أصدقائه في اللعب؛ لذا قلما يلج المنزل إلا عندما يشعر بالجوع ويقوم بذلك وهو كاره لتركه أصدقائه في اللعب.
4- يأخذ الأطفال في هذه السن الأمور بجدية تامة ويتوقعون الجدية من الكبار, لذا نراهم في حاجة إلى المعاملة الثابتة الخالية من التذبذب.
5- تعتبر هذه المرحلة حدًا فاصلا بين المرحلة السابقة لها والتي كان فيها طفلا يعامل كطفل، والمرحلة التي تليها والتي يشب فيها عن الطوق، لذا يشعر طفل المدرسة الابتدائية بأنه لا ينتمي إلى عالم من هم أصغر منه ولا عالم من هم أكبر منه مما يؤدي إلى صعوبة التعامل معه ويزيد من مشقة الحصول على المعلومات من الأطفال في هذه السن.
(1/45)

مرحلة الطفولة المتأخرة "10-12 سنة":
تتحدد أهمية هذه الفترة بأنها مرحلة انتقالية بين الطفولة، والمراهقة مرحلة تهيئة للتغيرات الجذرية السريعة التي تأتي مع البلوغ.
في هذه المرحلة "الفترة" العمرية يكون الطفل عادة في الصف الخامس أو السادس من المدرسة الابتدائية، ونشاط النمو في هذه المرحلة استمرار لما حدث في المرحلة السابقة، ومن ثم تزيد معظم المدارس من اهتمامها باكتساب التلاميذ للمهارات والمعلومات والاتجاهات، وتعنى المدارس الحديثة بتأكيد المعنى والدافع في طرق التدريس، في حين ينصب التأكيد في المدارس التقليدية، على المادة أو الاستظهار والتدريب الشكلي، ونظرًا لأن هذه المرحلة تتميز بالنمو السريع وبظهور الخصائص الجنسية الثانوية فإن العادات والتقاليد الاجتماعية تصبح عاملا من عوامل تحديد العلاقات الاجتماعية بين البنين والبنات وتعديلها.
مرحلة المراهقة "من 12-20 سنة":
وهي مرحلة البلوغ الجنسي ويكتشف الأطفال في الفترة من هذه المرحلة مع مراعاة ما بينهم من الفروق الفردية، عن كثير من الخصائص الجسمية التي تنبئ بنضج الوظائف الجنسية، ومن ذلك التغيرات السريعة في الخصيتين والمبيضين والتغيرات الهامة في توازن هرمونات الذكورة وهرمونات الأنوثة.
وفي هذه المرحلة يبلغ التنظيم الوظيفي للمخ Anesation Brain Funclional الحد الأقصى لنموه وتطوره، وتزول الغدة التيموسية Thymus وتبدأ الغدد التناسلية في العمل، كما تأخذ الوظائف الجسمية في النضوج نحو الذكورة أو الأنوثة.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن المسار الصحيح للنمو -كعملية متعاقبة- مستمرة متكاملة، مركبة منفردة يعتمد اعتمادًا بالغًا على التوجيه الأمثل لعملية التغير، وعلى عوامل استثارة النمو.
(1/46)

مفهوم المراحل في علم نفس النمو:
تبقى أخيرًا مسألة المراحل في علم نفس النمو، وهل صحيح أن نمو الطفل يمر بمراحل زمنية معينة كما يشير إلى ذلك بعض علماء سيكولوجية النمو؟
إن الجواب عن هذا السؤال ليس بالأمر اليسير باعتبار أن مفهوم المراحل ما يزال غامضًا في علم النفس، وإن الاختلاف في الآراء والنظريات قائم حتى الآن بين علماء النفس, ومؤتمر علم النفس الذي عقد في جنيف لعام 1955، يشير بوضوح إلى هذا التناقض والغموض، "إن علم النفس التكويني هو بالفعل كما يقول بياجيه في وضع متناقض فيما يتعلق بتحديد المراحل", وجميع العلماء الذين يدرسون نمو الطفل يجدون أنفسهم مجبرين على اتباع المراحل الطبيعية أو المتفق عليها من خلال التطورات الحاصلة في نمو الطفل, والسؤال المطروح الآن، كيف يحدث النمو؟
هناك نظريات مختلفة في هذا الموضوع سنكتفي بأهمها ونعني بذلك نظرية "بياجيه" ونظرية "فالون" وما يهمنا في هذا الموضوع ليس النمو الجسمي أو البيولوجي عند الطفل بل النمو العقلي ونمو الشخصية.. وإذا كان النمو البيولوجي يتم بصورة متدرجة ومستمرة ولكن بدرجات مختلفة، فإن النمو السيكولوجي قد يكون مشابهًا أو موازيًا للنمو البيولوجي الذي يبدأ منذ تكوين الجنين ويستمر حتى الثامنة عشرة.
إن "فالون" Wallon ينظر إلى النمو على كونه مجموعة من المراحل تحدث فيها فترات من الراحة تعقبها قفزات في النمو, وهذه القفزات يطلق عليها "فالون" اسم "أزمات النمو", والنمو المقصود هنا ليس زيادة سنتيمترات في الوزن والحجم والقامة, أي إن النمو ليس زيادة في الكمية بل في الكيفية وفي حدوث وظائف جديدة عند الطفل, والنمو وحدة دينماميكية تتم عبر مراحل متعددة ينتقل فيها الطفل من حالات الضعف والتفكك إلى مرحلة الرجولة, ويعتقد "فالون" أن الانتقال من مرحلة نمو سابقة إلى مرحلة جديدة لا يتم دون حدوث تحولات مفاجئة, وهذا لا يعني انتفاء المرحلة السابقة، وإن النمو يتم بصورة أفقية أو على
(1/47)

شكل خط مستقيم, ويمكن للقارئ لزيادة المعلومات أن يطالع كتاب "فالون" عن "التطور السيكولوجي عند الطفل"، وكما توجد هناك فترات من النوم وفترات من اليقظة أو النشاط في حياة الكائن البشري، فإن النمو عند "فالون" يشبه إلى حد بعيد هذا التعاقب بين الهدوء والنوم من جهة وبين النشاط والتأزم من جهة, وهذا التعاقب القائم على التحولات الوظيفية يتم خلال مراحل متعددة: "مرحلة الجنين, مرحلة الولادة, المرحلة الانفعالية أو التعبيرية قبل بداية اللغة, المرحلة الانعاكسية المتجه نحو الأشياء, ومرحلة التأزم الشخصي في الثالثة ... إلخ".
أما النمو عند "بياجيه" فهو سلسلة متصلة الحلقات بحيث تعتبر كل مرحلة امتدادًا للمرحلة السابقة وتمهيدًا للمرحلة التالية, وهذا يعني أن النمو متدرج ومستمر ولا يقوم على مبدأ التعارض أو التناقض والتأزم كما هو الحال مثلا عند "فالون". وفيما يتعلب بالتطور العقلي. هناك إنباء في كل مرحلة، وهذا الإنباء يتطور في المراحل التالية وينتقل من حالة الغموض والتوازن الضعيف أو المختل إلى حالة الوضوح والتوازن المتكامل, فهناك الذكاء الحسي الحركي، وهناك الذكاء الحدسي والذكاء المحسوس أو العملي وأخيرًا الذكاء المجرد, وإذا قسم "بياجيه" النمو إلى مراحل وحاول أن يحصرها في حدود زمنية، فهذا لا يعني أن تلك الحدود واحدة وشاملة ومشتركة عند جميع الأطفال في المجتمعات المختلفة. إن العمليات العقلية المتبادلة والتي تبدأ مثلا في السابعة عند الطفل السويسري قد تتغير عند الطفل المصري أو الأفريقي باعتبار أن ظروف الحضارة والمجتمع بما في ذلك الأسس السيكولوجية مختلفة تمامًا, يضاف إلى ذلك أن العينات التي درسها بياجيه لم تكن ممثلة وكبيرة وشاملة, إذا اكتفى بدراسة بعض الأطفال في مدينة جنيف، وكان العدد قليلا بحيث لم يتجاوز العشرين أو المائة في دراسة كل مرحلة، ثم لم تتناول دراسات بياجيه الأطفال في مختلف مناطق سويسرا, وهذا يعني أن العينة لم تكن ممثلة ولا تسمح باستخلاص النتائج والتعميمات, وإذا ألقينا نظرة على الدراسات الأنثربولوجية والسوسيولوجية، فإننا نرى بأن مراحل النمو تختلف من مجتمع إلى آخر ولا يمكن بالتالي حصرها في سنة معينة. فالمراهقة التي تبدأ بصورة عامة في حدود 12-14 في المجتمعات الأوربية نرها تبدأ في حدود العاشرة مثلا في البلدان الأفريقية, وأزمة المراهقة التي تكلم عنها علماء النفس الغربيون قد لا نجدها في بعض المجتمعات كما هي الحال مثلا في جزر الساموا بحيث لا توجد روادع جنسية وأخلاقية.
(1/48)

وكذلك عقدة أوديب قد لا نجدها في بعض المجتمعات, وهذا يتوقف على طبيعة العلاقة الاجتماعية بين الطفل والأهل, ففي جزر تروبرياند تنصب عقدة أوديب على الخال وليس على الأب باعتبار أن الخال هو الأب الروحي والمسئول عن تربية الأطفال، ولا يمكن تحديد دور الأب نظرًا لتعدد علاقة الأم بالجنس الآخر, وإذا كان علماء النفس في أوربا ومنهم "بياجيه" قد عمدوا إلى تقسيم النمو إلى مراحل، فإن هذا الحماس لم يكن واردًا وبنفس الدرجة عند علماء النفس في أمريكا.
إن جيزل Gessell الذي يعتبر من أئمة علماء النفس التكويني لم يحدد بوضوح مراحل النمو المختلفة عند الطفل, بل يكتفي بدراسة النمو وعلاقة الطفل مع الآخرين منذ الولادة وحتى العاشرة, ومن العاشرة وحتى السادسة عشرة, وهو يتكلم عن الخصائص المميزة لكل سن, ويعتقد بوجود أزمة في النمو تبدأ في السادسة تقريبًا بحيث ينتقل الطفل من البيت إلى عالم المدرسة.
وإذا كان "فالون" يعتبر مثلا أن سن الثالثة هي مرحلة تأزم في شخصية الطفل تعرف بأزمة المعارضة، فإن علماء النفس يختلفون في تظرياتهم وتفسيراتهم, فمنهم من ينظر إلى النمو من وجهة التحليل النفسي كما فعل فرويد وأتباعه, ومنهم من ينظر إليه من ناحية التداخل الاجتماعي والانفعالي، ومنهم من ينظر إلى الموضوع من زاوية التطور العقلي والعمليات العقلية, ولا يمكننا الآن الدخول في التفاصيل.
ولكن كيف يحاول "بياجيه" الخروج من المأزق؟ وهل تقسيماته للنمو العقلي لا يمكن الاعتماد عليها لأنها ليست شاملة؟
إن المحور الأساسي عند "بياجيه" ليس الحدود أو التقسيمات الزمنية التي تتبدل وتتغير بالنسبة للأطفال والمجتمعات، ولكن تفكير "بياجيه" يرتبط بنظام التدرج أي تدرج العمليات العقلية ومرورها بمراحل تطور ثابتة, فهناك في المرحلة الأولى الذكاء الحسي الحركي، يليه الذكاء الحدسي فالذكاء المحسوس، وأخيرًا الذكاء المجرد, وإن معظم اختبارات "بياجيه" التي سيرد ذكرها فيما بعد تشير بوضوح إلى هذا التدرج الثابت في تطور العمليات العقلية، والبناء العام هو حصيلة البناءات العديدة المتدرجة والتي تصل أخيرًا بالطفل إلى درجة التوازن
(1/49)

والتفكير المنطقي, وينظر "بياجيه" إلى المراحل على كونها وسيلة أو أداة ضرورية لدراسة وتحليل العمليات العقلية, لذا لا تشكل المراحل هدفًا بحد ذاتها بل هي وسيلة لتسهيل الدراسة, ولكن هذا الرأي ليس مشتركًا بين علماء النفس الذين ينظرون إلى الموضوع من وجهات نظر مختلفة كما ذكرنا, لهذه الأسباب وغيرها لا يمكننا في الوقت الحاضر أن نتحدث عن وجود مراحل عامة ثابتة وبصورة مطلقة، والأبحاث المقبلة قد نجد جوابًا لهذه المسألة المعلقة.
فإن قسمت حياة الإنسان إلى مراحل فهذا فقط من أجل الدراسة, فنمو الكائن الإنساني سلسلة متصلة من الحلقات تتأثر بما قبلها وتؤثر فيما بعدها، وعلى ذلك فنظرتنا نظرة متكاملة كلية وليست نظرة جزئية لمراحل النمو الإنساني.
(1/50)

الفصل الثاني: محددات السلوك الإنساني
مدخل
...
الفصل الثاني: محددات السلوك الإنساني
كلما تقدم الوليد الإنساني في مدارج النمو، كلما لاحظنا حدوث تغيرات في جوانبه الجسمية والسلوكية، فالطفل ينمو جسميًا حيث يصبح أكبر من ذي قبل، كما أن نسب جسمه تتغير ويصبح تدريجيًا أقوى, قادرًا على إجراء استجابات أكثر تركيبًا وتعقيدًا ويمكنه تناول المشكلات الأكثر تعقيدًا, بالإضافة إلى أنه ينمي ميولا واتجاهات وقدرات مختلفة.
ويهتم معظم دراسي علم النفس النمو بوصف وتفسير هذه التغيرات التي تحدث للوليد الإنساني كلما تقدم في عمره الزمني، ويرون أن هذه التغيرات النمائية ما هي إلا سلسلة متدرجة من المراحل النمائية، كما أن البعض يرجع هذه التغيرات إلى أسباب سيكولوجية، ومنهم من يرجعها إلى أسباب بيئية، وفرق يرجعها إلى التفاعل بين الأسباب الوراثية والأسباب البيئية معًا.
وعمومًا، سنتأمل سويًا في ثنايا هذا الفصل محددات سلوك الوليد الإنساني كما سنتعرض لبعض النظريات التي حاولت تفسير حدوث التغيرات عند الطفل سواء في جوانبه الجسمية أو السلوكية.
(1/53)

النضج Maturation:
إن بعض التغيرات التي تحدث مع تقدم العمر الزمني قد تعزى إلى الوراثة البيولوجية، بالإضافة إلى حقيقة أننا كآدميون، حيث نجد هذه التغيرات تجعلنا مختلفون عن سائر الكائنات الحية الأخرى، فالطفل في نموه يصبح إنسانًا راشدًا، كما أن المواد الوراثية المكونة في كل خلية يمكن أن تتحكم في بعض جوانب النمو التي تحدث للوليد البشري، وهذا النمو يحدث مستقلا من التفاعل مع البيئة. بمعنى أنه يغفل التأثيرات الخارجية وفي تلك الحالة يسمى بالنضج, وسوف نرى في نهاية هذا الفصل بعض الميكانزمات النوعية والتي من خلالها تتحكم الوراثة في النمو الإنساني، كما سنرى أن ثمة تعويق في المواد الجينية المسببة بواسطة بعض العوامل كالفيروسات وأشعة x وكيماويات أخرى يمكن أن تغير وتبدل وبصورة متطرفة مجرى النمو الإنساني.
(1/53)

وتشير "هيرلوك" Hurloc 1972 أن مجريات النضج تحدد وتؤثر على النمو، أو على الأقل تضع المحددات العامة للنمو، ومع ذلك فإنه بالنسبة لمعظم الكائنات البشرية نرى أن محددات النضج لا تقابل وتواجهه بصورة كلية، حيث أننا لا نصل مطلقًا إلى إمكاناتنا الحقيقية.
والنضج يؤثر على أنماط النمو المختلفة، سواء منها السلوكية أو الجسمية، ويشير كثير من علماء نفس النمو أن أنماطًا سلوكية إنسانية عديدة، تنمو من خلال النضخ فالقدرة على المشي مثلا، نجدها تتأثر بالحد الأدنى، فقط بخبرة التعلم, ويستدلون على ذلك بنتائج دراسات أطفال الهوبي Hopi بالهند، حيث نجد الأمهات قد اعتدن على ربط أطفالهن على ألواح خشبية هزازة حيث يمكن حملهم على ظهورهن، ويظل أطفال هذه القبائل مرتبطون بهذه الألوالح والأحبال أغلب الوقت خلال الثلاثة أشهر الأولى من حياتهم.
ونتائج دراسة "ماسون" Mussen 1973 تشير إلى أنه على الرغم من أن هؤلاء الأطفال لم يستطيعوا تحريك أرجلهم عندما يحملون على طهور أمهاتهم، وبالتالي لم يكن لديهم الخبرة في استعمال العضلات المتطلبة في المشي, إلا أنه وجد أنهم عندما ينتزعون من تلك الألواح الخشبية الهزازة فإنهم يمشون في نفس العمر الزمني للأطفال الآخرين تقريبًا.
جملة القول أن فقدان فرصة التدريب الحركي للأذرع والأرجل لهؤلاء الأطفال لم يعق نمو المشي عندهم, وجدير بالذكر فإنه منذ لحظة الحمل نجد الجنين النامي يتفاعل في طرق معينة مع البيئة، وعمومًا يؤدي التفاعل بين الطفل والعالم الخارجي إلى تغييرات سلوكية، نقول حينئذ أن التعلم قد حدث, والكائنات الإنسانية يمكنها أداء أشكال بسيطة جدًا من التعلم حتى قبل الولادة SPelt؛ "1948" ومع ذلك فمن الصعب للغاية بالنسبة للسيكولوجيين تحديد أي السلوك يعزى إلى النضج وأي منها يرجع إلى التعلم, وبصورة واضحة فإن النضج والتعلم يرتبطان بصورة وثيقة في تأثيراتهما على النمو الإنساني, فالنضج يفسر التشابهات الكثيرة بين الكائنات البشرية، كما أن العلاقة بين النضج والتعلم تلقي الضوء على تفرد سلوك الكائن الإنساني.
(1/54)

ولقد استخدم كثير من علماء نفس النمو مثل "جيزل وتمبسون" Gesell & Thomposn؛ "1929", ستراير Strayer وهليجارد Hilgard؛ "1933" التوائم المتماثلة للتمييز بين تأثير التعلم والنضج على النمو الإنساني, وتلك التوائم المتماثلة يكون لديها نفس الجينات الوراثية، فإن الاختلافات الملاحظة في أنماط سلوكهم يمكن أن تعزى إلى خبرات الحياة المختلفة, وأشارت نتائج الدراسات سابقة الذكر إلى وجود اختلافات سلوكية كثيرة عند التوائم المتماثلة كما وجدوا كذلك كثيرًا من التشابهات, ويجب أن نشير إلى أن التشابهات السلوكية عند التوائم المتماثلة لا يمكن أن نرجعها إلى العوامل الوراثية فقط، وبغض النظر عن التأثيرات البيئية، حيث نجد في أغلب حالات التوائم المتماثلة أنهم يقضون وقتًا طويلا معًا, وغالبًا ما يذهبا إلى مدرسة واحدة أو يوضعا في فصل دراسي واحد، كما أن لديهم سجلا صحيًا متشابها، وبصورة عامة يتقاسمون بيئة مادية واجتماعية متشابهة, وعلى ذلك فإن التأثيرات البيئية متشابهة بدرجة كبيرة أو على الأقل في بعض جوانبها بالنسبة للتوائم المتماثلة, وعلى ذلك فإننا لا نستطيع التأكد أن التشابه في سلوك التوائم المتماثلة يعزى إلى النواحي الوارثية وحدها, ومع ذلك فإن كثيرًا من الاختلافات التي تحدث ترجع إلى البيئة وليست إلى الوراثة.
واستخدم "هليجارد" Hilgard؛ "1933" توائم متماثلة لدراسة التأثيرات النوعية للنضح عن عمليات التذكر والأداء الحركي، ودرس "هليجارد" زوجين من التوائم المتماثلة أعمارهم ما بين 16 شهرًا إلى 45 شهرًا، وركز على سلسلة من المهارات المتضمنة الاستجابات الحركية والتذكرية, وكانت الاختبارات العددية, وهز الجرس على القدم, والمشي على امتداد مائدة ضيقة طويلة، ولم يظهر أي من التوأمين في بداية الدراسة أية قدرة في أي من هذه المهارات, وبعد ذلك أعطى التوأم "أ" تدريبًا خاصًا، ولم يعط التوأم "ب" أي تدريب, وبعد ثلاثة أشهر اختبر التوأمين، ولقد وجد "هيلجارد" أن التوأم الذي لم يحظ على أية تدريب قد لحق بسرعة بالآخر, ولم يتضح له أي فائدة قد اكتسب من التدريب المبكر, وأشار "هيلجارد" أن مهارات التوائم قد نمت أثناء النضج فقط، وأشار إلى أن التدريب لم يساعد في سوها.
وتأثير رئيسي للنضج على النمو في أنه يتيح أنواع جديدة من
(1/55)

السلوك الممكن لكي تظهر، فدراسات "جيزل" Gessll على الأنماط السلوكية الجديدة للأطفال يبدو أنها كانت ذاتية النشأة Autogenous، فالأنماط ذاتية النشأة أو التوليد يبدو أنها تظهر تلقائيًا بدون إعداد أو تدريب، والمشي ما هو إلا مثال جيد على ذلك من الممكن أن تتأخر عملية المشي عند الطفل بسب عدم توفير الغذاء الكافي والمناسب له، وبالتالي نجد أرجل الطفل لا تنمو بصورة كافية لكي تحمل وزنه, ومن جانب آخر فباستثناء هذا الحرمان، فيمكن أن نتوقع أن كل الأطفال يمكنهم المشي في نفس العمر الزمني تقريبًا أو في نفس مرحلة النمو بغض النظر عن توفير أي نوع من الخبرة التعليمية الخاصة لهم في هذا المجال.
وتشير نتائج دراسات سيكولوجية النمو أن الأنماط السلوكية ذاتية التولد والنشأة والتي ترجع إلى النضج فقط بدون أي تدريب أو ممارسة ضرورية، تكون محددة بالمهارات البسيطة جدًا، حيث نجد أنه كلما ازدادت السلوكية الأكثر تركيبًا وتعقيدًا قد تتطلب درجات معينة من النضج ولكنها لا تظهر مطلقًا بدون خبرات تعليمية خاصة إضافية، واللغة وكلام الطفل ما هو إلا مثال على ذلك السلوك المركب، وكما سنرى فيما بعد أن التعلم وليس النضج يعتبر المحدد الرئيسي في نمو المهارات الدراسية المركبة مثل القراءة والكتابة؟
الاستعداد Readiness:
يشير "ستون" Stone و"شيرش" Church؛ "1973" إلى أن العلاقة بين النضج والتعلم علاقة دائرية، كل يغذى داخل الآخر، وبمعنى آخر يمكن القول أن النضج يحدث مقترنا بحالة استعداد أو تهيؤ لظهور أنماط سلوكية جديدة أكثر تركيبًا وتعقيدًا, ففي بعض الحالات نجد التهيؤ أو الاستعداد يعزى للسلوك الذي يستطيعه الطفل النامي, وكثير من خبرات التعلم تمدنا بدليل ذلك وتسمى هذه الحالة بالاستعداد للتعلم، ويشير كثير من علماء نفس النمو أن الأطفال لا يمكنهم التعلم إلا حين يكونوا على استعداد لعلم ذلك, فالتدريس ذو الفعالية تبعًا لهذا الاتجاه يعتمد على التوقيت المناسب للخبرة, كما أنه يعتمد على المعلومات الشاملة الكاملة للمرحلة النمائية التي يمر بها الطفل.
(1/56)

الفترات الحرجة أو الحاسمة للنمو:
يؤدي النضج إلى الاستعداد لأنماط سلوكية جديدة، ويشير علماء نفس الطفل بأنه توجد فترات حاسمة أو ذات حساسية كبيرة في نمو الأطفال والتي أثناءها يصبح تعلم أنماط سلوكية ممكنًا, ومن جانب آخر يشيرون إلى وجوب توفر تفاعلات بيئية معينة أثناء هذه الفترة لكي يتقدم النمو بصورة عادية والعامل الحاسم هنا هو التوقيت, فإن لم يحدث تفاعل مناسب أثناء فترة معينة، نجد النمو قد يبطئ أو يتوقف، وبمعنى آخر توجد فترات مناسبة وأخرى غير كذلك في نمو تعلم مهارات معينة, فالأطفال الذين يتلقون الانتباه والمديح لمحاولاتهم اللغوية المبكرة يكونون أميل إلى التكلم بطلاقة في عمر مبكر، إذا ما قورنوا بالأطفال الذين لا يتلقون استثارة لفظية عندما يكونون في حالة استعداد أو تهيؤ للتعلم, وعمومًا فإن الطفل الذي يفتقد فرصة التعلم يتوقع أن يكون لديه صعاب في نمو استجابات متعلمة أخرى تكون مفيدة للتعلم المدرسي.
ويحدث الحرمان من التعلم عندما لا نستطيع أن نمد الطفل بالرعاية والانتباه المناسب, وجدير بالذكر أن حرمان الطفل أثناء الفترات الحاسمة من النمو يمكن أن يسبب أذى وتخلفا مستمرا, كما أن سوء التغذية الشديد في المراحل المبكرة من العمر يمكن كذلك أن تسبب عملية تأخر يتعذر إلغاؤها.
وكرست عديد من الدراسات النمائية لتحديد الفترات الدقيقة حيث تكون الاستثارة المعطاة أكثر فائدة وجدوى, وأشارت نتائج دراسات عديدة أن سنوات ما قبل المدرسة تكون ذات أهمية كبيرة خاصة في نمو ذكاء الطفل، ويدافعون عن أهمية البرامج النظامية التعليمية المبكرة حتى تساعد الأطفال على تلقي الاستثارة المعرفية في طفولتهم المبكرة.
ويؤيدون كذلك توفير ما يسمى ببرامج Intervention أو الاستثارية للأطفال المعوقين من نقص الاستثارة، وأشاروا إلى أن التعليم يجب أن يبدأ من المهد Gradle بالنسبة لهم، وصممت كثيرًا من البرامج التعليمية المتدخلة لمساعدة الطفل على تعويض النقص المبكر للاستثارة.
ولقد استعمل مفهوم الفترات الحاسمة والاستعداد بصورة واسعة
(1/57)

بواسطة السيكولوجيين المهتمين بالنمو الاجتماعي والانفعالي وكذلك بالنمو المعرفي، فمثلا أشارت نظرية التحليل النفسي أن تعويق تكوين الارتباطات العاطفية الوثيقة في سن مبكرة من الطفولة قد يعيق قدرة الطفل فيما بعد في تكوين ارتباطات عاطفية شخصية وثيقة مع الأفراد الآخرين، كما اهتم كثير من الأطباء النفسيون وبصورة كبيرة بالتأثيرات الاجتماعية السلوكية التي تظهر فيما بعد مع تقدم الحياة بالطفل، وأشار "بولبي" Bowlby إلى عدد من الخصائص التي يتصف بها الطفل المحروم ونذكر منها.
- يتصف بالعلاقات السطحية الظاهرية مع الأفراد الآخرين.
- عدم القدرة على العناية بالأفراد الآخرين.
- يتعذر التأثير في سلوك هذا الطفل ويصعب توجيهه.
- يفتقد الاستجابة الانفعالية للمواقف التي تستدعي ذلك.
- يتصف بعدد من الحماقات كالسرقة وغيرها.
- افتقاد أو نقص في التركيز المدرسي.
ويشير بولبي إلى أن تغيير السلوك المرتبط بتلك الخصائص السابقة هو جد غاية في الصعوبة، ومع ذلك فكلما بكرنا في التقليل من حالة الحرمان التي يعاني منها الطفل أو إزاحتها كليًا كلما كانت الفرصة أكبر لتصحيح بعض الأذى أو الضرر على الأقل الذي يصيب الطفل, ويتصف الأطفال وبصورة لافتة -باستثناء الحالات المتطرفة المبكرة- بالمرونة، فالجميع طيعون لعمليات التدريب حتى أثناء الفترات الحاسمة من نموهم، وكما أشرنا فيما سبق إلى إخفاق كثير من البرامج المتدخلة للأطفال الصغار نجد كذلك صورة مماثلة في إخفاق البرامج التعويضية اللاحقة حيث تشير إلى صعوبات كثيرة في مهارات التدريس والتعليم، بعد مرور هذه الفترات الأمثل للتعليم.
(1/58)

ترسيخ النضج أو التعلم:
اهتمت كثير من دراسات سيكولوجية النمو بالعلاقة بين النضج والتعلم, هل هي علاقة ثابتة راسخة؟ أو هل يمكن إزالتها ومحوها؟
لقد أشار "ليرنز" Konard Lerenz الرائد في هذا المجال إلى أن بعض الحيوانات تولد بميل لتقبل مدى معينا من أشكال الأمومة وصورها، وبمجرد أن تحظى صورة الأم أو شكلها بالتقبل بواسطة الحيوان الصغير، نجده يتبعها كصورة لأمه في أي مكان، ويستخدم مصطلح الترسيخ لكي يعزى إلى الرباط الذي ينمو بصورة واضحة بين الحيوان الصغير وصورة الأم التي قد تتبنى ولقد استخدم "لورنس" أشهر من درس سلوك الحيوانات الأوز، وأشارت نتائجه إلى أنه بعد فترة قصيرة من الاحتضان فإن صغار الأوز سوف تتبع أول موضوع متحرك يأتي في مجال رؤيتها وبالتالي أمكن ترسيخ Imprint أو تثبيت هذا الموضع كأم للأوز.
وبطبيعة الحال، فقد كان عاديًا أن يكون أول موضوع متحرك يقدم لصغار الأوز كانت الأوزة الأم، ومع ذلك فقد تمكن "لورنس" أن ينتج مواقف صناعية حيث كان الموضوع المتحرك الأول أمام صغار الأوز موضوعات أو أشخاص أخرى غير الأوزة الأم "ولقد كان أحد هذه الموضوعات "لورنس" نفسه حيث كان يمشي أمام صغار الأوز ملوحًا بساعديه متهاديًا في مشيته".
ونتيجة لدراسات "لورنس" وزملائه، أشار إلى أن كثيرا من الحيوانات بما في ذلك الأوز والدجاج والماعز والخراف قد أظهرت هذه الاستجابة المترسخة "الثابتة" واكتشفوا أن هناك فترة حاسمة في حياة الحيوان الصغير لعمل تلك الاستجابة, فعند الأوز كانت ثلاثة أيام تقريبا بعد تواجده للحياة يمكن حدوث الآثار المميزة للترسيخ أو التثبيت, وجدير بالذكر فإن تكوين العلاقة بين الحيوانات الدنيا بواسطة عملية الترسيخ أو التثبيت ونمو الارتباطات العاطفية وبين الكائنات الإنسانية قد وضع في الاعتبار عند كثير من دارسي علم النفس.
(1/59)

مطالب النمو:
تعتبر طريقة "هافجهرست Havighurst" في تحديد مطالب النمو من أدق الأساليب الحديثة, حيث أشار إلى سلسلة لمطالب النمو Developmental Tasks؛ "1950" ويحدد هافجهرست مطلب النمو على أنه المطلب الذي يظهر في فترة عمرية معينة من حياة الفرد. ويؤدي التحقيق الناجح لهذا المطلب إلى شعوره بالسعادة وإلى النجاح في إنجاز المطالب اللاحقة, بينما يؤدي إلى الإخفاق إلى شعور الفرد بالتعاسة وإلى عدم استحسان المجتمع وإلى صعوبة في تحقيق المطالب الأخرى.
وتعمل الشروط الداخلية والخارجية كصورة تفرض مطالب النمو، يشير "هافيجهرست" إلى مصادر ثلاثة لتلك المطالب:
1- النضج الجسمي.
2- الضغوط الثقافية.
3- قيم الفرد التي تؤلف جزءًا من شخصيته.
وفيما يلي نتناول أهم مطالب النمو وفقًا لمراحل النمو المختلفة، كما قررها "هافيجهرست" "1952".
مطالب النمو في الميلاد إلى ست سنوات، "الرضيع والطفولة المبكرة":
- تعلم تناول الأطعمة الصلبة.
- تعلم المشي والكلام وضبط الإخراج.
- نمو الثقة في الذات والآخرين.
- استكشاف البيئة.
(1/60)

- تعلم التطابق مع آخر من نفس جنسه.
- تعلم الارتباط اجتماعيًا وعاطفيًا بالآخرين.
- تعلم التمييز بين الخطأ والصواب وتكوين الضمير.
مطالب النمو من السادسة حتى الثانية عشر "الطفولة الوسطى":
- ازدياد المعرفة عن العالم المادي والاجتماعي.
- تعلم دور الجنس المناسب.
- نمو الثقة وتقدير الذات.
- اكتساب المهارات الأكاديمية والتفكير والتمييز.
- تعلم المهارات الجسمية والاجتماعية.
مطالب النمو من الثانية عشر إلى الثامنة عشر "المراهقة":
- نمو الثقة بالذات والإحساس بالهوية.
- التكيف للتغيرات الجسمية.
- اكتساب الميول الجنسية وعلاقات أكثر نضجًا مع الأقران.
- تحقيق الاستقلال الانفعالي عن الوالدين.
- استكشاف الميول والقدرات واختيار العمل.
- تكوين نظام من القيم والمثل التي تؤهله للأدوار الاجتماعية.
- التهيؤ للزواج والحياة الأسرية.
مطالب النمو من الثامنة عشر إلى الخامسة والثلاثين "الرشد المبكر":
- إتمام التعليم الرسمي والبدء المهني.
(1/61)

- الاضطلاع بالحياة الأسرية واختيار الزوجة ورعاية الأبناء والانسجام الأسري.
- نمو المسؤلية للعناية بحاجات الأسرة.
- نمو فلسفة أساسية للحياة.
مطالب النمو من الخامسة والثلاثين إلى الستين "متوسط العمر":
- تقبل مسئولية اجتماعية أكبر.
- بناء نموذج ومعيار للحياة.
- مساعدة أبنائه لكي يصبحوا راشدين وأكثر فعالية.
- التكيف للقيام بدور أحد الأبوين المسنين.
- تقبل التغيرات الفسيولوجية التي تحدث في خريف العمر.
مطالب النمو في الحياة المتأخرة "الشيخوخة":
- التكيف لازدياد القصور الجسمي.
- التواد مع جماعة المسنين.
- تقبل التقاعد.
ويشير "هافجهرست" إلى أننا نستطيع دراسة النمو عن طريق قدرة الطفل عن أداء أنماط سلوكية معينة، وطريقة أخرى لدراسة النمو تكون عن طريق أداء المتطلبات النمائية للحياة، ففي كل مرحلة من حياة الإنسان بحاجة إلى متطلبات مختلفة حيث يتوقع منه المجتمع إنجازها, ولقد قسم "هافجهرست" امتداد الحياة في فترات ستة رئيسية ووصف بعد ذلك المطالب النمائية المتوقع من الأفراد القيام بها داخل المجتمع، كما أن
(1/62)

النمو السوي هو القدرة على فهم هذه المتطلبات والإتيان بها وتقبل المرحلة النمائية التي يمر بها الفرد، كما أن المطالب تتغير من مجتمع إلى آخر فما هو متقبل في مجتمع ما قد لا يكون متقبلا في مجتمع آخر, وعادة ما يكافئ الأفراد الذين ينجحون في إنجاز المطالب المفروضة بواسطة مجتمعاتهم في السن الذين يمرون فيه، كما أن الإخفاق4 في تلك المطالب النمائية يميل إلى تعويق النمو في المراحل التالية.
كما أن المتأمل في مطالب "هافجهرست" من سن الرضاعة إلى الشيخوخة يرى أن ارتباط هذه المطالب بدوره حياة الكائن الآدمي كما نستطيع أن نرى أن السيطرة المبكرة على مطالب كل مرحلة ما هو إلا نتيجة للنضج السريع الذي يصيبه الفرد. وإن طاقة الفرد ونشاطه تلعب دورًا هامًا في السيطرة والتمكن على المطالب النمائية خاصة في المراحل المبكرة من النمو, فالأطفال الذين توفر لهم بيئتهم فرصة التعلم، وتكافؤهم على التعلم, يميلون إلى إنجاز المطالب النمائية بسرعة أكبر من الأطفال الذين لا نجد لديهم تلك البيئة، ومن جانب آخر نرى أن الأطفال الذين يتلقون التوجيه من الأسرة والمدرسة يميلون كذلك إلى التعلم بسرعة أكبر وبالتالي إنجاز مطالب المرحلة التي يمرون بها عن الأطفال الذين يعتمدون على المحاولة والخطأ أو محاكاة النماذج الطفلية "هورلوك" Hurlock "1972".
(1/63)

مبادئ النمو:
النمو ليس عملية اعتباطية، بل هو عملية تنظيم الحياة الإنسانية وإعداد لتكاملها، وهو بذلك يخضع لمبادئ عامة أساسية يشترك جميع الأفراد الإنسانيين في سلوكها من بدء الحياة إلى ختامها، وهذه المبادئ تخضع في وجودها لعوامل طبيعية في السلالة البشرية، ولذا فإن البيئة أو الرعاية لا تستطيع إلا أن تفعل أثرًا ثانويًا في بعض الجوانب.
ولقد درس بعض أخصائيو علم نفس النمو الأطفال بهدف وصف وتفسير المبادئ التي ينمون بواسطتها، وكان هدفهم ليس فقط المساعدة في تفسير سلوك الكائن الآدمي في عمر زمني ولكن بالإضافة القدرة
(1/63)

على عمل تنبؤات في كيفية تصرف مجموعة من الأفراد في أي مرحلة معينة من نموهم, وعمومًا فإن المبادئ التي سنوردها فيما بعد تحكم جميع مظاهر النمو سواء كانت جسمية، سلوكية، حركية، معرفية، اجتماعية أو انفعالية, ويمكن إيجاز هذه المبادئ فيما يلي:
1- النمو يسير وفقًا لنمط معين:
يتبع الكائن الحي، حيوانًا أو إنسانًا، نموذجًا أو نمطًا للنمو يميز النوع الحيواني أو الإنساني ويتشابه معدل وحدود النمو لدى كل أعضاء النوع, وفي حالة الكائن الحي الإنساني، لا يتم النمو على نحو عفوي غير منظم، ولكن يحدث بشكل نظامي أو نموذجي، فكل مرحلة من مراحل النمو نتاج المرحلة السابقة ومقدمة للمرحلة التالية, ويصدق ذلك على نمو الطفل قبل الميلاد وبعد الميلاد, ذلك النمو الذي يقوم على أساس التتابع التطوري بظهور خصائص معينة في كل فترة عمرية فالطفل على سبيل المثال، يستطيع أن يقف قبل أن يمشي، وأن يتمكن من رسم الدائرة قبل أن يتمكن من رسم المربع.
يذهب "جيزل 1941"، استنادًا إلى البيئة المتجمعة من الدراسات التطورية لمجموعات من الأطفال خلال سنوات عديدة، إلى أن النمو السلوكي يتبع نموذجًا منظمًا يتأثر بالخبرة بدرجة ضئيلة نسبيًا، ويقرر كذلك أنه بالرغم من أنه لا يوجد ثمة فردان متشابهان بالضبط، يميل كل الأطفال الأسوياء، إلى أن يسيروا وفقًا لتتابع عام للنمو مميز للنوع الإنساني والجماعة الثقافية, وإذا كان لكل طفل نموذجا فريدًا للنمو إلا إن هذا النمط مرتبط بالخطة البنائية الأساسية، فالتتابع النوعي جزء من نظام ثابت للطبيعة "جيزل 1949".
2- التتابع الرأسي الذنبي Caphalocaudal Sequence:
يسير النمو قبل وبعد الميلاد، وفقًا لنمط التتابع الرأسي الذنبي، الذي يعني أن ضبط الجسم، وكذلك التحسن في البنية ذاتها، ينمو أولا في الدماغ ثم يتقدم فيما بعد إلى المناطق الأبعد من الرأس, فالحساسية الجلدية تتوفر لدى الطفل حديث الولادة في الأجزاء العليا من الجسم قبل أن تظهر في الأجزاء الأدنى "شيرمان 1925".
ويتضح هذا التتابع الرأسي الذنبي كذلك في الوظائف الحركية
(1/64)

فحينما يوضع الطفل في وضع مائل يستطيع أن يرفع رأسه بواسطة عنقه قبل أن يستطيع أن يفعل ذلك برفع صدره قبل أن يتمكن من الجلوس ويستطيع الطفل أن يتحكم في عضلات الجذع، قبل أن يتحكم في عضلات الذراعين والرجلين، ويتحكم في عضلات ذراعيه ورجليه قبل أن يتمكن من ضبط عضلات القدمين واليدين, فالطفل في سن العشرين أسبوعًا، على سبيل المثال يتمتع بالقدرة على التحكم في عضلات عينيه والرأس والكتفين، ولكن لا يزال الجذع رخوًا بحيث يستلزم إسناده على الكرسي لكي يتمكن من الاحتفاظ بوضع الجلوس. وفي هذا السن، تكون منطقة الحوض Pelvic Zone والأطراف extremities غير ناضجة "جيزل 1954".
وفي هذا التتابع الرأسي الذنبي، لا يمتد النمو فحسب من الرأس إلى القدمين في اتجاه المحور الطولي, ولكن يتقدم أيضًا من القطاعات المركزية إلى القطاعات الطرفية Peripheral من الجسم، ففي المراحل النمائية الأولى يميل الذراعان والرجلان إلى الاستجابة ككل, ويظهر التحكم تدرجيًا في المفاصل المرفقة Elboe Joints والمفاصل الرسغية Erist Joints وفيما بعد في مفصل الركبة والكعب.
وقد وجد في دراسة عن تناول الأطفال للأشياء والقبض عليها أن المرفق والأصابع تسهم في تحقيق حركات ذات فاعلية متزايدة من الأسبوع السادس عشر إلى الأسبوع الأربعين من العمر "هالفيوسون 1933"، ولا يتم التحكم في الرجلين والقدمين بالنسبة للوقوف والمشي قبل الستين أسبوعًا من العمر "جيزل 1954".
والنمو كذلك يسير في طريق قريبة بعيدة Proximo distal fashion بمعنى ينمو من الأطراف القريبة من الجهاز العصبي المركزي متجهًا إلى أطراف الجسم، ولهذا السبب فإن عضلات الذراع تنمو قبل عضلات الأصابع، ويتعلم الأطفال التحكم في حركات الذراع قبل أن يتحكموا في الأصابع بصورة جيدة، كما أنهم لا ينمون ضبط أناملهم بصورة كافية لعمل الحركات الدقيقة في الكتابة إلى ما يقرب من سن السادسة "انظر شكل رقم1".
(1/65)

ولا يتغير النموذج العام للنمو بسرعة النمو، فكل الأطفال تمر بنفس الأشكال الرئيسية، في أوقات واحدة تقريبًا، وتبين دراسة "جيزل" "1930" على الأطفال المبتسرين "الذين ولدوا قبل اكتمال النضوج Premature والأطفال الذين ولدوا بعد فترة النضوج Post-mature إن برنامج النمو يسير وفقًا للتابع تطوري، بصرف النظر عن عدم انتظار الميلاد، فبينما لا يتفق نموذج النمو لدى الأطفال الذين ولدوا قبل اكتمال النضوج مع نموذج النمو لدى الأطفال المكتملي النضوج خلال الثلاثة إلى الخمسة الأشهر الأولى بعد الميلاد، إلا أنهم يتفقون في نموذج الفرد المتوسط من نفس السن "ميلكر 1937".
ومن المبادئ التي أسفرت عنها بحوث متعددة في النمو إنه إذا أحللنا في حياة الطفل بصورة طبيعية مصطنعة عاملا تجريبيًا من شأنه أن يحدث تغييرًا في نموه، فإن الطفل يستأنف المعدل العادي لنموه بمجرد إبعاد هذا العامل.
ويمكن صياغة مبدأ مقاومة الإحلال على النحو التالي، عندما يكون الكائن الحي في حالة نمو بمعدل معين منتظم فإنه ينزع إلى مقاومة أي إحلال لعوامل تؤدي إلى مزيد من الاستثارة والحرمان, وإلى معاودة النمو بالمعدل الأصلي بمجرد زوال هذه العوامل الدخلية.
ويكفينا للتدليل على هذا المبدأ قليل من الأمثلة، فالأطفال المبتسرين يكون محيط الرأس عندهم أصغر من محيط الرأس عند الأطفال الذين يولدون مكتملين حتى ولو أضفنا إلى ذلك المحيط ما يعوض من فترة عدم اكتمال النضج غير أن رأس مثل هؤلاء الأطفال المبتسرين لا تلبث أن تكبر بالتدريج حتى لا يكاد الطفل منهم يبلغ من العمر ما بين 12 و18شهرًا إلا ويصبح حجم رأسه مساويًا لحجم رأس الطفل العادي, ويبدو أنه قد احتاج إلى بعض الوقت للتعويض عما فقده في النمو في الشهر الأخير من الحمل.
ويسوق أولسون "1943" مثلا إيضاحيًا لهذا المبدأ عن تطور نمو أحد الصبيان، ففي الفترة التالية لبلوغ هذا الصبي الشهر الرابع والثمانين من عمره تعرض لهزات بيئية عنيفة منها موت أمه، وإصابته بالتهاب شعبي ربوي مع وجود استجابة إيجابية لاختبار التوبركلين "الدرن", وقد أثبت
(1/67)

التشخيص الطبي أنه كان يعاني من سوء التغذية، وفي هذه الفترة كان الطفل يستنفد جزءًا كبيرًا من طاقته في السير مسافة طويلة لتناول طعام الغذاء، فكان طبيعيًا أن يفقد الكثير من وزنه، ولكن سرعان ما زاد وزنه عندما تحسنت ظروفه، واتجهت هذه الزيادة نحو استعادة خط نموه الطبيعي، على الرغم من أن هذا النمو دون المتوسط، ومما يثير الاهتمام أن هذا الصبي أصبح بعد عشرين سنة مواطنًا صالحًا، وأبا يتمتع بصحة جيدة.
ونزعة الطفل لاستئناف المعدل الطبيعي لنموه بعد استبعاد الاستثارة أو الحرمان غير العادية قد أوضحها عدد من التجارب مثل تجارب محاولات تحسين النمو بالعلاج بخلاصة الغدد، وتغيير الاتجاهات، وإثارة التقدم في الحساب، أو إحداث تغييرات في قدرة الطفل على القراءة.
فلكل طفل خطة للنمو، وتقوم الرعاية المثلى بتحقيق هذه الخطة، وأي محاولة تبذل لفرض النمو عنوة بالمقاومة، كما أن الطفل ينزع إلى الإسراع في نموه عن فترات الحرمان المؤقتة، "أولسون 1959".
النموذج العام للنمو:
تكشف الدراسات التطورية للأطفال منذ الميلاد بالملاحظات والفحوص والاختبارات المتكررة، أن هناك نموذجًا عامًا يتبعه كل الأطفال على النحو التالي "جيزل 1954".
- من سن 14-16 أسبوعًا يتحقق للطفل القدرة على التحكم في الاثني عشر عضلة لحركة العين Oculmotor muscles.
- من 16-28 أسبوعًا، يتمكن الطفل من التحكم في العضلات التي تساعد على ضبط حركة الرأس وعلى تحريك ذراعيه، وبالتالي يبدأ في التوصل إلى تناول الأشياء.
- من 28-40 أسبوعًا يتمكن في التحكم في جذعه ويديه، وهذا يمكنه من الجلوس، والتنقل، والقبض على الأشياء وتناولها.
(1/68)

- من 4-52 أسبوعًا، يتسع ضبطه إلى رجليه وقدميه، وإلى أصابع السبابة والإبهام، وهو الآن يستطيع الوقوف باعتدال، وأن يتحرك بخفة ويلتقط الأشياء.
- وفي خلال العام الثاني، يمشي ويجري, ويتلفظ بكلمات وجمل، يكتسب إمكانية التحكم في المعدة والمثانة، ويكتسب إحساسًا أوليًا بالهوية الشخصية وبالتملك الذاتي.
- وفي خلال العام الثالث، يتكلم بجمل ويستخدم الكلمات كأدوات التفكير، ويبدي نزعة إلى تفهم بيئته وإلى الإذعان للمتطلبات الثقافية.
- وفي خلال العام الرابع، يوجه أسئلة عديدة ويدرك المتشابهات ويبدئ ميلا إلى التعميم والتصور الذهني، ويستطيع أن يعتمد على نفسه تقريبًا في مضمار الحياة المنزلية.
- وفي خلال العام الخامس، يتمتع الطفل بدرجة طيبة من نضج التحكم الحركي، يستطيع القفز والوثب, يتكلم بدون تلفظ طفلي ويستطيع أن يحكي قصة طويلة, يفضل اللعب الجماعي ويشعر بالاعتداد بالملابس وبما يقوم بإنجازه من أعمال, وهو الآن يشعر بتأكيد الذات, ويتشرب معايير الجماعة.
3- النمو يتقدم من العام إلى الخاص:
في كل مظاهر النمو الحركي أو العقلي، تكون استجابات الطفل ذات نمط عام قبل أن تصير متخصصة، كما أن النشاط العام يسبق النشاط المتخصص النوعي، سواء قبل الميلاد أو بعد الميلاد, ويتضح هذا أولا في الاستجابات الحركية، فالطفل الوليد يحرك جسمه ككل في وقت واحد.
بدلا من أن يحرك أي جزءا منه, ويحرك الطفل ذراعيه بصفة عامة ويأتي بحركات عشوائية قبل أن يستطيع الإتيان بحركات متخصصة مثل مد ذراعيه، نحو الأشياء وتناول الأشياء بيديه بنجاح، كذلك، يستخدم الطفل رجليه في الركل العشوائي قبل أن يتمكن من تنسيق عضلات الرجلين لكي يستخدمها.
(1/69)

والطفل يستطيع أن يرى الأشياء الكبيرة قبل أن يتمكن من رؤية الأشياء الصغيرة لأن حركات عينيه غير متسقة بدرجة كافية في البداية للتركيز على الأشياء أو الموضوعات الصغيرة، ويتضح نفس النمط في استخدام اليدين، فحينما يصل الطفل في البداية إلى موضوعات لا يستخدم فحسب كلا يديه، ولكن يلقي برجليه وبجسمه ككل على الاستجابة في آن واحد, وفي حوالي الستة أشهر الأولى من عمر الطفل تتحدد استجابة الوصول إلى الشيء باليدين، وفيما بعد -في حوالي العام من العمر- بيد واحدة, وفي حالة تعلم مهارة جديدة كاللبس، يشترك جسم الطفل ككل في هذا النشاط، ومع التحسن في هذه المهارة، يتحدد النشاط باليدين، فالأطفال تقوم بأداء الأشياء البسيطة أولا وبالأكثر تعقيدًا فيما بعد "آمس 1940".
وقد اتضح من دراسة على التتابع الحركي في عملية القبض على الأشياء أن الطفل الوليد في البداية يأتي بحركة عامة من ذراعيه، بأن دفعهما إلى الخلف، ثم أعادهما في اتجاه الشيء المراد مسكه، وأخيرًا مد يده إلى الشيء فأمسكه، والقبض على الأشياء ذاته يمر بعملية تخصص تبدأ باليد، ثم بمقابلة الإبهام، بالأصابع، وتنتهي "وذلك في حالة الأشياء الصغيرة" يمسك الشيء بالتقاطه بين الأبهام والسبابة.
واستنادًا لهذا المبدأ الأساسي للنمو "تطور نمو الاستجابة من الكل إلى الجزء" يمكن تفسير تطور النمو اللغوي عند الأطفال, فالملاحظة والخبرة الحسية العيانية تسبقان الصياغة اللفظية، والنطق بالألفاظ يسبق تسمية الرموز المصورة، وهذا بدوره يسبق القراءة، وفي بناء حصيلته اللغوية يتعلم الكلمات العامة قبل الكلمات المتخصصة النوعية، فمثلا يستخدم كلمة "لعبة" لكل أدوات اللعب قبل أن يتعلم أن يسمي كل لعبة باسمها، ويصير تكوين المفاهيم وفقًا لنفس هذا النموذج التتابعي، فالطفل يميز أولا الموضوعات الحية من الأشياء الجامدة غير الحية، والكائنات الإنسانية عن الحيوانات ثم الأنماط المختلفة من الكائنات الإنسانية كالأبيض والأسود أو المصري أو الصيني.
وينطبق هذا المبدأ النمائي أيضًا على الاتصال إذ نجد أولا، الاتصال الشفهي، ثم الاتصال التحريري دون التقيد، بالتفاصيل الدقيقة وأخيرًا العناية بتفاصيل الهجاء وقواعد اللغة.
(1/70)

وتطبيق هذا المبدأ في ميدان الكتابة يجعلنا نبدأ بتزويد الطفل بالخبرات الخاصة بنقش الحروف الكبيرة بالفرشاة على لوحات كبيرة من الورق، وهذا التدريب يتضمن الكثير من الحركات الكلية للجسم والذراع.
ويلي ذلك استخدام الورق وقلم الرصاص للكتابة على مسافات متباعدة دون حاجة إلى الضبط الحركي الدقيق, بعد ذلك يأتي دور استخدام مسافات وأقلام وحروف أصغر, وأخيرًا يمكن الانتقال ما مرحلة كتابة الحروف المنفصلة إلى كتابة الحروف المتصلة بقدر ما يتحقق لدى الطفل من الضبط.
وبالنسبة للسلوك الانفعالي. يستجيب الطفل في البداية للأشياء الغريبة أو غير العادية بخوف عام، يعبر عن نفس الخوف في كل المواقف، ثم تأخذ مخاوفه فيما بعد في أن تصير أكثر تخصصًا ونوعية وتتميز بأنماط مختلفة من السلوك في المواقف المختلفة, فكل أنماط الاستجابات الانفعالية تنمو من حالات عامة للاستثارة والسكينة كلما يأخذ في النمو "سبيتز 1949 بانهام 1950".
ولا يعني ذلك أن النمو يأخذ في التمايز والتخصص المستمر فحسب وفقًا لمبدأ التعاقب من الكل إلى الجزء فالاستجابة الجزئية، النوعية تأخذ في التكامل الوظيفي مع كليات أكبر ويتضح ذلك في حالة الأداءات العقلية والأعمال المركبة.
4- النمو عملية مستمرة:
إذا تناولنا أحد معالم النمو، كالنمو من حيث الطول مثلا، قد يتراءى لنا أن الفرد ينمو بطريقة "متناوبة منقطعة" أكثر من أن ينمو بمعدل مستمر, كذلك يفترض استخدام مصطلحات مثل مرحلة "المهد" و"المراهقة" النمو يتوقف محددة يحدث فيها النمو، ويتضمن في نفس الوقف أن النمو يتوقف في أوقات أخرى ولعل أصدق مثل على ذلك نظرية "ستانلي هول" عن المراهقة بأنها مرحلة ميلاد جديدة.
وتعتبر هذه تطورات خاطئة عن حقيقة النمو، فالنمو يستمر منذ فترة الحمل حتى وصول الفرد إلى النضوج، ويتم النمو وفقًا لمعدل منتظم بطيء نسبيًا أكثر مما يتم وفقًا لمعدل سريع، ويستمر نمو الخصائص الجسمية والعقلية بالتدرج حتى تصل هذه الخصائص إلى أقصى نموها
(1/71)

خلال فترة المراهقة المتأخرة، وإذا كنا نستخدم مصطلحات معينة لمراحل معينة للنمو فلكي نؤكد الحقيقة بأن ثمة نمطًا خاصًا للنمو يحدث في هذه الفترة بعينها.
وليس هناك خصائص، سواء جسمية أو عقلية، تنمو بطريقة فجائية، فهي -على العكس- كلها نتاج النمو الذي بدأ قبل الميلاد, وهناك أمثلة عديدة على ذلك, فقد يتراءى لنا بظهور الأسنان الأولى خلال السنة الأولى من عمر الطفل أنها تنمو بشكل فجائي، ولكن حقيقة الأمر عكس ذلك فهي تبدأ في النمو من الشهر الخامس من تكوين الجنين في بطن الأم، على الرغم من أنها لا تخرج من اللثة، إلا في حوالي الشهر الخامس بعد الميلاد، كذلك لا يتأتى الكلام للطفل بين يوم وليلة، ولكنه ينمو بالتدريج من الصياح والأصوات الأخرى التي يأتي بها الطفل بعد الولادة.
ولكون النمو عملية مستمرة، فإن ما يحدث في مرحلة معينة يمتد إلى المرحلة أو المراحل التالية، ويؤثر فيها، فمثلا سوء التغذية في السنوات الأولى من حياة الطفل سوف يؤدي إلى إحداث أضرار جسمية ونفسية يصعب تعويضها كلية فيما بعد، كذلك يؤدي التوتر الانفعالي الناشئ عن الظروف غير المواتية في المنزل إلى إحداث بصمات في تطور نمو شخصية الطفل، كما أن تكون اتجاهات غير صحيحة نحو نفسه، وعلاقته بالآخرين -خلال السنوات الأولى من حياته- تظل تؤثر في اتجاهاته فيما بعد, فتأثيرها على نظرة الفرد إلى الحياة تظل مترسبة في كيانه النفسي في مرحلة النضج.
وهكذا ينطوي إقرار مبدأ استمرارية النمو على حكمة تربوية، إذا يجعل في مقدورنا أن نسعى إلى تحديد مسار النمو والتنبؤ به والتخطيط له.
وإذا كنا نرفض فجائية تفتح إمكانات وخصائص الطفل الكامنة، ذلك الاعتقاد الذي كان يتخذ أساسًا في بعض محاولات تخطيط المناهج في الماضي، استنادًا إلى الشواهد الحقيقية للنمو، فإن هذا لا يعني القول بأن من الإسفاف المناداة بوجود بعض العلاقة بين خبرات الطفل ومرحلة بزوغ استعدادات معينة مركبة، فالطفل العادي فيما يبدو يكون متأهبًا لتعلم القراءة عند سن السادسة أو السادسة والنصف تقريبًا، ولكن بعض الأطفال
(1/72)

قد يتعلمون أبكر من ذلك، والبعض الآخر قد يتأخر في تعلم القراءة عن هذا السن ويبدو أن توقيت فرص التعلم في ضوء مراحل النضج أضمن سبيل لنجاح العملية التعليمية، وليس ثمة فائدة تجنى من وراء فرض القراءة على الطفل لمجرد أنه بلغ السادسة على حين يكون نموه في الحقيقة لم يتجاوز الخامسة, وفيما يتصل بنمو الخلق والشخصية من المفيد في بعض حالات الانحراف عن السواء أن نتج للأطفال عن قصد الفرص التي تعينهم على أن يحيوا مرة ثانية مرحلة من مراحل نموهم يكونون قد افتقدوها بسبب التعسف أو الحرمان أو سوء التربية بصفة عامة.
5- النمو عملية متفردة "الفروق الفردية في معدل النمو تظل ثابتة":
هناك عديد من البيانات التجريبية التي توضح أن معدل النمو ثابت فالأطفال الذين قد نموا في البداية بسرعة، سوف يستمرون على هذا النحو، في حين أن أولئك الذين كان نموهم بطيئًا سوف يستمرون في النمو في نحو بطيء, وتبين منحنيات الطول أن الأطفال الذين كانوا يتصفون بطول القامة في فترة عمرية معينة يتصفون بالطول، كذلك في فترات أخرى بينا يظل قصيرو القامة على معدل طولهم في المراحل المختلفة "بالدوين 1922". وتكشف مقاييس الطول والوزن، التي تؤخذ على فترات كل نصف عام لدى الأولاد والفتيات حتى سن الثالثة عشر من العمر والذين صنفوا إلى مجموعات وفقًا للوزن عند الميلاد، أن اتجاه الفروق في معدل النمو الذي لوحظ عند الميلاد يميل إلى أن يظل ثابتا خلال مرحلة الطفولة "إيلينجورث وآخرين 1949", وفي مرحلة ما قبل البلوغ، تميل الفتيات اللائي ينمون بمعدل كبير في عام من الأعوام، ينمون على هذا النمو خلال كل فترة، بينما تظل الفتيات اللائي ينمون بمعدل بطيء ينمون نموا بطيئًا خلال الفترة كلها "موهسام 1947".
وينطبق هذا المبدأ على الأنماط السلوكية، فلقد وجد أن الحركات الفردية سواء كانت ذات نمط بسيط أو معقد، تظل ثابتة بشكل واضح خلال فترة من الزمن "آمس 1940" وتكشف منحنيات النمو العقلي لدى الأطفال الأذكياء والمتوسطين والأغنياء ميلا إلى الثبات الذي يوجد في منحنيات النمو الجسمي، فالمنو العقلي "السريع يستمر على سرعته إلى حد كبير "جيزل 1928"، وتكشف دراسات "تيرمان 1926-1947" على العباقرة أنهم يبدون ميلا إلى التبكر في النمو خلال مرحلة الطفولة.
(1/73)

وتتضمن الفروق الفردية في تفتح النمو أمورًا كثيرة، وعلى المدارس تقع مهمة التلاؤم معها، وترجع أهمية هذه الفروق إلى عدة أسباب، منها مثلا أن الأطفال تنزعون بدرجة ما إلى التجمع وفقًا لعمر نموهم، فالأكثر نضجًا منهم يميلون إلى التجمع معًا، وكذلك يغلب أن يفعل الأقل نضجًا ذلك والطفل بطيء النمو ينزع إلى أن يغدو مشكلا فهو يحدث من الشغب أكثر مما يفعل غيره, ويحتاج إلى مزيد من العناية، كما أنه يكون مصدر متاعب كثيرة لأبويه ومدرسيه وغيره من الأطفال، أما الطفل سريع النمو فيغلب أن يصل إلى مركز الزعامة في الجماعة بسهولة أكبر من الطفل بطيء النمو.
وينطوي هذه الحقائق على مغزى تربوي هام، فينبغي أن تعمل المدارس على تزويد كل صف دراسي بالفرص التي تغطي مدى واسعًا من الخبرات, وبهذا يتاح للطفل الذي يبلغ من العمر الزمني عشر سنوات، ولكن عمره العقلي لا يتجاوز ثماني سنوات أن يجد من الأعمال ما يناسب عمر نموه، فيستطيع أن يحصل على الإشباع الناجم عن أداء هذه الأعمال أداء كاملا.
6- اختلاف معدل النمو:
لا تنمو كل أجزاء الجسم بمعدل واحد، كما أن كل جوانب النمو العقلي لا تتقدم بدرجة متساوية, فعند الميلاد تختلف الأجزاء المتنوعة للجسم في علاقتها ببعضها البعض، ويتم نمو الأوجه المختلفة للنمو العقلي والجسمي وفقًا لمعدلاتها الخاصة وتصل إلى النضوج في أوقات مختلفة وفي بعض أجزاء الجسم قد يكون النمو سريعًا بينما يكون بطيئًا أو متقطعًا في أجزاء أخرى من الجسم "ويشيك 1950"، ومن ثم يتغير نمط الجسم النسبي لأعضاء الجسم من وقت لآخر "انظر الشكل رقم 2".
ويصل الدماغ إلى حجمه الناضج في حوالي سن ست إلى ثمان سنوات. ولكي يتحقق له الكثير من النمو من ناحية التنظيم بعد هذه الفترة العمرية، وتصل القدمان واليدان والأنف إلى أقصى نموها في بداية مرحلة المراهقة، وهذا يعتبر مسئولا إلى حد ما عن عدم الاتزان وعن الوعي بالذت المميز لهذه السنوات من العمر, ويتم نمو القلب والكبد والجهاز الهضمي خلال مرحلة المراهقة وتحدث الزيادة في الوزن بمعدل
(1/74)

التغيرات في نسب الرأس والجذع والأطراف في أربع نقاط للنمو، ويتضح من الشكل مقارنة لنسب النمو الجسمي في الأجزاء المختلفة في أربعة أعمار، لاحظ أن طول الرأس يصل إلى حوالي 50% من طول الجسم كله عند الجنين الذي يبلغ من العمر شهرين، ثم يصبح طولها 25% من طول الجسم عند الوليد، وهكذا نجد أن نسب أجزاء الجسم بعضها للبعض الآخر تتغير خلال عملية النمو.
(1/75)

سريع في السنة الأولى من الطفولة المبكرة، ثم أخرى حول مرحلة البلوغ.
وتكشف مقاييس نمو القدرات العقلية المختلفة أنها تنمو وفقًا لمعدلات مختلفة ويتحقق لها النضوج في فترات عمرية مختلفة "وكسلر 1950"، وينمو التخيل المبدع بسرعة في مرحلة الطفولة، ويبدو أنه يصل إلى قمته خلال مرحلة الشباب، ومن ناحية أخرى، يرتقي التفكير والتعقل بمعدل بطيء نسبيًا للنمو، الذاكرة الآلية والذاكرة المرتبطة بالموضوعات والحقائق الحسية بطريقة أسرع من التذكر القائم على المادة النظرية المجردة.
ويصل نمو الذكاء العام بالنسبة للفرد المتوسط إلى أقصاه في حوالي سن الرابعة عشر من العمر.
ويبدو أن هناك ثمة توافقًا بين الإسراع والتأخر في نمو الطول والوزن والذكاء ونضج العمليات الانفعالية أو النضج الجنسي، وعدم انتظار معدلات نمو الجوانب المختلفة للتركيب والوظيفة والتوافق الاجتماعي والذكاء يحمل تطبيقات نفسية جسمية متعددة, فالطفل النابه مثلا قد يفوق أقرانه في ميوله ومناشطه، ولكن لا يلقي تقبلا من الناحية الاجتماعية من جماعة الأطفال الأكبر سنًا, وهذا قد يؤثر بدوره في توافقه الاجتماعي، في إحساسه بالأهلية الشخصية، وفي الحالة الدافعية "سونتاج 1946".
ويستخدم مصطلح "نمط تطور النمو" في هذه الحالة للإشارة إلى العلاقة بين شتى الخصائص المقاسة الدى الفرد، فطفل العاشرة الذي يكون متقدمًا من حيث العمر العقلي والعمر التحصيلي، ولكنه متخلف إلى حد ما من حيث عمر الطول وعمر الوزن والعمر الرسغي وعمر التسنين، مثل هذا الطفل يختلف من حيث النمط عن طفل متقدم في أعماره الجسمية ويختلف نسبيًا في عمره التحصيلي، كذلك قد نقول عن نمط النمو عند أحد الأطفال في القراءة بأنه قد بلغ هضبة فيما بين السادسة والتاسعة أعقبتها زيادة سريعة فيما بين التاسعة والثانية عشر.
وهكذا يشير معدل النمو إلى مقدار الزيادة في التركيب أو الوظيفة
(1/76)

في وحدات الزمن, ويختلف معدل النمو بشكل ملحوظ من طفل لآخر.
وليست لدينا من البينة الثابتة ما يعين أي متخصص على أن يغير من معدل النمو في حدود ضيقة, كما أنه ليس لدينا من الوسائل السحرية ما يمكننا من محو الفردية الناجمة عن اختلاف معدلات النمو، وكل المأمول هو أن ينمو الجميع من حيث شتى أبعاد التطور.
7- النمو عملية متكاملة:
ما يشيع من افتراض بأن التعويض قاعدة عامة في نمو الطفل لم ينشأ من الدراسات التجريبية, فليس من الصحيح أن الطفل الذي يكون فوق المتوسط في سمة من السمات يكون أقل من غيرها، والعكس، كوسيلة لتوازن قدراته، يقرر "جيزل 1954" أن نواتج النمو يمكن تصويرها بمصنع تتضح فيه الخطوط والتصميمات.
فالطفل الذي نموه العقلي فوق المتوسط يكون عادة فوق المتوسط في الحجم والنضج الاجتماعي، والاستعدادات الخاصة، ومن ناحية أخرى، الطفل الذي يكون نموه العقلي أقل من المتوسط لا يعوض هذا بنمو جسمي أو بصحة أفضل، أو بنمو أكبر لاستعدادات خاصة، أو بمزيد من النضج الاجتماعي, ويميل الأطفال ضعاف العقول إلى أن يكونوا أقصر قامة من الأطفال الأسوياء، كما يميل المعتوهين والبلهاء إلى أن يكونوا أقصر فئات الضعف العقلي, وقد وجدت أنه يوجد ارتباط بين الذكاء العالي والنضج الجنسي المبكر، وارتباط بين انخفاض الذكاء وتأخر النضج الجنسي.
ويعني ذلك أن معظم السمات تترابط في النمو، والنمو على هذا لا يحدث بشكل آلي بسيط، وإنما على أساس التكامل بين جوانب النمو المختلفة، الجسمية، والعقلية، المعرفية، الانفعالية، العاطفية، الاجتماعية، وما بين هذه الجوانب من ارتباطات وتأثيرات متبادلة.
8- النمو يمكن التنبؤ به:
إذا كان معدل النمو ثابت إلى حد كبير بالنسبة لكل طفل، يتبع ذلك أنه من الممكن أن نتنبأ في فترة مبكرة بالمدى الذي يحتمل أن يحدث فيه النمو الناضج للطفل، فمثلا تبين أشعة إكس لعظم الرسغ حجمها الأقصى الذي ستكون عليه "بايليي 1946".
(1/77)

ومعرفة ما سيكون عليه أقصى مستوى للنمو العقلي، يعتبر ذا قيمة بالغة في تخطيط تعليمه وفي مساعدته على التدريب على نمط العمل الذي يحقق فيه أقصى مستوى من الكفاية والنجاح والإنجازية, ففي إعادة الاختبار على الأطفال خلال السنتين الأوليين من الحياة مثلا وجد أن 80% من الحالات تتفق فيها معدلات النمو في المراحل الأولى من إجراء اختبار مستويات النمو العقلي مع التقدير النهائي الذي كشفت عنه إعادة الاختبار في نهاية العامين من العمر "جيزل 1928"، ومن بين أولئك الأطفال الذين كشفت عنهم اختبارات الذكاء على أنهم ينتمون إلى فئة ضعاف العقول، لم يكن هناك إلا طفلا واحدًا لم يبد نفس المستوى من النمو العقلي في نهاية العامين من العمر "جيزل 1930".
وعندما تتبع نفس هذه المجموعة من الأطفال حتى سن العشرين من العمر، يقرر "جيزل 1954" أن مسار النمو لم يبد في حالة خروجًا عن القاعدة. ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا حالة واحدة, ففي الظروف غير المواتية فحسب يصبح النمو الأقصى للفرد أقل تنبؤا، وتشير "جود أنف 1954" أنه حينما تحدث تغيرات كبيرة في تقديرات نسبة الذكاء في أعمار متأخرة، فإن هذا يوجد عادة في حالة أولئك الأطفال الذين تبين تقديراتهم الأولى انحرافات كبيرة بصفة عامة عما يمكن توقعه على أساس ذكاء الأسلاف. وقد بينت دراسات "تيرمان 1926" على السمات العقلية المبكرة للعباقرة الذين عاشوا في الفترة ما بين عام 1945 إلى 1950، كما تتضح في تقارير إنجازاتهم أنهم كانوا مبرزين يبزون غيرهم، كأطفال.
ومن المبادئ الأساسية في فهم حقيقة الطفل أن النمو يتأثر بنمط التفتح بالتدرج فقوى الطفل تزداد عن طريق ما يحققه من نمو بعض الوقت، ومن الخطأ أن نحاول الهيمنة على توقيت نظام النمو بالتدريب السابق لأوانه، لأننا لو حاولنا ذلك فإننا لا نحصل من ورائه على أية نتيجة وسوف نلحق بالطفل ضررًا بالغًا بسبب تدخلنا في حياة كائن حي يتصف بالتعقيد والاتزان والاكتفاء الذاتي. إن تفتح النمط يحدث بالتدريج ومن ثم ينبغي ألا نتوقع نتائج عاجلة من وراء أي طريقة للرعاية، كما ينبغي ألا نتوقع ظهور الخبرات المرتبطة بالنمو بانتظام يعادل انتظام دقات الساعة، فإن من القدرات المدهشة الكامنة في الكائن الحي قدرته على إحداث تعديلات كثيرة في أثناء العملية الحياتية.
(1/78)

9- لكل مظهر نمائي سمات مميزة له:
في كل مرحلة عمرية تنمو بعض السمات على نحو أكثر سرعة وأكثر وضوحًا من السمات الأخرى.
ووفقًا لما يذهب إليه "فيلدمان 1941"، أن حياة الإنسان تتقدم وفقًا لمراحل معينة، وليست الفترات العمرية للإنسان الفرد أقل واقعية ودلالة من الأعمار الجيولوجية للأرض والمراحل التطورية للحياة, وتتميز كل مرحلة ببعض المعالم المسيطرة، بخاصية رئيسية، توفر للمرحلة ترابطها وتكاملها ووحداتها وتفردها, فحتى سن العامين من عمر الطفل مثلا، يتوجه اهتمام الطفل لتكشف بيئته، يأخذ في التحكم في جسمه، وفي تعلم الكلام، ومن سنة 3-6 سنوات يتجه النمو إلى مزيد من النضوج الاجتماعي "بورولسكي 1953".
وتكشف الدراسات التي أجريت على جماعات الأطفال التي اختبرت في فترات مختلفة خلال سنوات النمو أن كل طفل لا يبدو فحسب أنه يتمتع بفردية مميزة محددة تكوينيًا تعبر أولا عن نفسها وتستمر في الظهور على نحو متسق خلال سنوات ما قبل المدرسة -أو بعد ذلك- ولكن أيضًا إن لكل مستوى عمري نمطًا مميزًا بذاته، يكون متسقًا من طفل لآخر، ولذا يتلون سلوك أي طفل في أي مرحلة عمرية جزئيا بفرديته الأساسية الخاصة وجزئيا بنمط مستواه العمري، ولا يتألف النمط كثيرًا مما يمكن أن يحققه الطفل. وإنما يتألف من الطريقة التي يسلك بها "الج وآخرون 1949".
وأكثر من ذلك، هناك مظاهر في نمط النمو، تتميز "بالتوازن وأخرى تتميز "بعدم التوازن"، بالنسبة للمظاهر النمائية التي تميل إلى الاتزان يحقق الطفل توافقات طيبة تيسر له الاستقرار النفسي، أما بالنسبة للمظاهر النمائية الأخرى، على العكس من ذلك، تعيق توافقاته بظروف داخلية, أن يحقق مستويات طيبة من التوافق النفسي، حيث يعاني من التواترات والعجز وقلة الحيلة والشعور بعدم الأمان وغير ذلك من المشكلات السلوكية، وتتغير فترات التوازن وعدم التوازن، حسبما يقرر "جيزل 1941"، وفقًا لمبدأ النماذج أو التناسج الحركي العصبي المتناوب Reciprocal neuromotor, interweaving وفي فترة عدم التوزن، قد
(1/79)

يبدو سلوك الطفل "سلوكًا مشكلا", وهذه الصعوبات السلوكية ليست انحرافات فردية, ولكنها مظاهر مميزة لهذا المستوى العمري وبالتالي يمكن التنبؤ بها.
وتكشف الدراسات التطورية عن إمكانية التنبؤ بالفترات العمرية التي تتميز بعدم التوازن، ففي السنوات المبكرة من حياة الطفل، مثلا، يوجد فترات عدم توازن تحدث في سن الـ15 شهر، 21 شهر، العامين والنصف، الثلاث أعوام ونصف، وبين 10-12 سنة قبيل التغيرات المتعلقة بالبلوغ "فورفي 1962، بيولر 1927-1935، جيزل 1939، جيزل والج 1950" وبين هذه الفترات من عدم التوازن توجد فترات للتوازن حينما يبدي سلوك الطفل دلائل لتوافق أفضل، إلا أن هناك -طبعًا- فروقًا في الأعمار الحقيقية التي تظهر هذه الفترات المرتبطة بالتوازن وعدم التوازن.
10- الكثير من الأشكال المعروفة "بالسلوك المشكل" تعتبر سلوكًا سويًا بالنسبة للمرحلة التي يحدث فيها:
لكل مرحلة من مراحل النمو أشكال غير مرغوبة للسلوك تعبر عن خصائص عادية "سوية" في هذه المرحلة، وتأخذ في التطور كلما ينتقل الطفل إلى المراحل التالية للنمو، وتكشف الدراسات المتعلقة بالسلوك المميز للأطفال في سن الثلاثة أعوام ونصف من العمر عن الأشكال التالية للسلوك التي تميز حالة عدم الاتزان، وعدم التناسق الجسمي، والخوف من الوقوع أو من الأماكن المرتفعة، التواترات المتعددة، مثل ترميش العين أو قضم الأظافر أو اللجلجة في الكلام, الصعوبات البصرية، عدم الأمان الانفعالي، مشكلات تتعلق بالعلاقات بين الطفل والكبار مثل الرغبة في استحواز انتباه الكبار والخجل، والشعور بالإيذاء بسهولة، التناقضات الانفعالية، والتعبيرات الواضحة عن العطف والانفعال, ففي هذه الفترة العمرية هناك طفرة في النمو، وخاصة لدى الأولاد, ثم يأخذ السلوك في الميل إلى التنظيم والاستقرار الذي يميز بداية فترة التوازن "الج وآخرين 1949".
وعلى العكس من ذلك النمط المشكل من السلوك، تكون الأنماط السلوكية للطفل في الخامسة من العمر, ففي هذه المرحلة العمرية, يكون الطفل متعاونًا، صدوقًا, رقيقًا, عطوفًا، ودودًا, ويعقب هذه الفترة من الاتزان فترة من عدم التوازن التي هي "فترة اختبار" يكون الطفل فيها صعبًا عدوانيا مندفعًا لحوحًا، ميالا إلى المناقشة والجدل، متهورًا، وفظا
(1/80)

"جيزل والج 1946"، وبعد دخول الطفل المدرسة يأخذ سلوك الطفل في التحسن بصفة عامة "ستندلر وينج 1950", ويظل على حالة التوازن حتى حدوث التغيرات الجسمية المصاحبة لفترة البلوغ, "فيرفي 1926، ويكمان 1929، هورلوك وماكدونالد 1934، هورلوك وسندر 1930، ستون وباركر 1937، لونج 1941، ستولز وستولز 1951, ستاوفر 1952".
ويعتبر فهم السلوك السوي للأطفال في مراحل عمرية مختلفة مسئولا عن الكثير من الاحتكاك بين الوالدين والطفل, بل وغالبًا ما يتضايق المعلمون من السلوك الذي يكون في الحقيقة سلوكا سويًا تماما بالنسبة لمستوى نمو الطفل, ففي إحدى الدراسات, على سبيل المثال، تبين أن لكثير من أشكال سلوك تلاميذهم التي يعتبرونها سلوكًا يبعث على الانزعاج والقلق ليست إلا سلوكا سويًا بالنسبة للطفل, فما قد يبدو من الطفل من دلائل عدم الاهتمام بعمله وبمظهره والعدوانية اللفظية يعبر عن مظاهر سلوكية عادية مميزة للأطفال في هذا السن، وما يبديه الطفل من عدم مبالاة بعمله المدرسي, وما يبديه من أحلام اليقظة بدلا من العمل يوضح أن الطفل يعتبر دروسه كما لو أنها ذات قيمة عملية ضئيلة بالنسبة له، وبالتالي تكون لديه دافعية أقل للدراسة والاستذكار, وهكذا يمكن أن نصل إلى نتيجة بأن المعلمين محتاجون إلى فهم وتقبل وتحمل الأنماط السلوكية السوية للأطفال، وأنهم ينبغي أن يتقبلوا الأطفال في ضوء المعايير الاجتماعية والسلوكية للطفولة، وألا يحاولوا طبع الأطفال وفقًا للصور التي قد يتبناها المعلم بشأن السلوك والتحلي السليم "كابلان 1952".
ولكن ينبغي أن نقرر أن أشكالا معينة من السلوك المشكل لا ينبغي إغفالها على أساس أنها سوف تختفي من حياة الطفل بنموه وانتقاله إلى مراحل أخرى أكثر نضوجًا, فالسلوك الذي لا يميز مرحلة عمرية معينة يعتبر مؤشرًا خطيرًا لاضطربات في المستقبل، فالفترة من الميلاد حتى سن الثامنة عشر من عمر الطفل تمثل سنوات من الاختبار والاكتشاف. والطفل الذي يبدي اضطرابًا يحتمل أن ينمو معه في مرحلة الرشد بعض مظاهر اضطرابات الشخصية إلا إذا اكتشفت وعولجت المظاهر الدالة على هذا الاضطراب في مراحل مبكرة وقبل أن تتجسم وتتمكن من بنيته الشخصية ككل "توب 1950".
(1/81)

11- النمو يستمر طوال الحياة:
إن التغيرات التي تضبط بواسطة العملية النمائية تكون خاضعة لنظام معين، وتميل إلى أن تحدث في توالي غير متباين، وهذا يعني أن جسم الشخص وأنماط سلوكه تستمر في التغير في اتجاهات يمكن التنبؤ بها مادام الشخص يبقى على قيد الحياة، فكل طفل يتوقف منه أن يجلس قبل أن يقف، وأن يقف قبل أن يمشي، كما يتوقع من جميع المسنين أن يفقدوا تدريجيًا قدراتهم التي يتملكونها, وهذه الحقيقة التي أدت "بهافجهرست" وعلماء نفس آخرين أن يخطوا المطالب النمائية المتوقعة لجميع فترات العمر, ولقد أدى ذلك بأحد الباحثين إلى أن يصف الموت كما لو أنه المرحلة الأخيرة من النمو.Ross. K؛ "1975".
وحيث أن النمو عملية مستمرة، فإن ما يحدث في فترة معينة يؤثر في جميع المراحل التالية، فالأفراد يتغيرون نتيجة اتحاد النضج والخبرة، ولقد أشار علماء التحليل النفسي أن الطفل الذي يتلقى عناية وعطف أموي ضعيف في السنة الأولى من حياته يتوقع وجود مشكلات اجتماعية وتوافقية في المراحل المتقدمة من نموه, وعلى ذلك فإننا نجد كثيرا من علماء النفس الآن يهتمون بدراسة نمو الطفل للتفهم الأحسن لسلوك الراشد.
(1/82)

مراحل النمو
مدخل
...
مراحل النمو:
مفهوم مراحل النمو نمى بصورة منطقية من مبادئ النمو التي سبق الإشارة إليها, ووفقًا لهذه المبادئ فإن الوليد البشري ينمو في طريقة خاضعة لنظام وترتيب معين, ولقد تمكن الباحثون من تحديد مراحل مميزة إلى حد ما تتصف بأنماط سلوكية معينة, كما أن استكشاف الجوانب والمظاهر الواسعة للسلوك أدى بالسيكولوجيين إلى عمل تعميمات عن أنواع سلوكية يمكن أن نتوقعها من الكائن الإنساني في أعمار زمنية مختلفة، ولقد أشار بعض الباحثين أن مفهوم المراحل النمائية يصبح أكثر جدوى عند استخدامه ليس فقط لنمط سلوكي معين، ولكن لتدوين مجموعة مترابطة موحدة من السلوك يكون مرتبطا بمستوى عمر زمني معين Ln-helder؛ "1953" Wohlwill؛ "1973" ويطلق "انهلدر" على هذه المجموعة من السلوك على أنها بمثابة بناء كامل يمكن أن يقارن بأي عينات منفصلة
(1/82)

من السلوك، وثمة مثال لذلك ما نراه في مجموعة من الأنماط السلوكية التي ترتبط مع الطفولة أو المراهقة.
كما أننا نستخدم مفهوم المراحل النمائية، لكي تمدنا بوصف لنتائج وتواليات التغير المتوقعة كلما تقدم الوليد البشري في عمره الزمني، فمثلا مفهوم المراهقة يحضر إلى الذهن توالي خاص من الأنماط السلوكية، فالمراهقة تعني بالنسبة لمعظمنا الأنماط السلوكية المرتبطة مع النمو الجنسي، وكذلك بتحقيق استقلال أكبر من المنزل والأبوين وبالوقت المتزايد الذي يقضى خارج المنزل مع الأصدقاء وهكذا, فالمرحل النمائية تبنى أساسًا على معدل الأنماط السلوكية للشخص العادي، أي ما يصدر من أنماط سلوكية لدى أغلب الأفراد في أي عمر زمني معين كما أنها تستخدم كنوع من إيجاز ما يحدث للأفراد في فترة معينة من نموهم, بالإضافة إلى أنها تفيد في تخطيط الخبرات التعليمية المناسبة لكل مرحلة زمنية معينة.
ولقد وصف "كينستون Keniston"؛ "1970" ما يشير إليه من مراحل نمائية بين المراهقة والرشد, وسمى هذه بمرحلة الشباب Stage of yoeth، ويستطرد بأن الشباب يتصف بأنماط سلوكية ترتبط بالتوترات بين الذات والمجتمع، والنفور من الأشخاص ذوي السلطة المطلقة، كما أن مصطلح الشباب كما عرفه "كينستون" يصف كثيرًا من الناس في مجتمعنا، وكثيرًا منهم ليسوا كبارًا ولكنهم كالصغار.
كما أن المراحل النمائية مجرد أوصاف بسيطة لأعمار زمنية معينة مرتبطة بأنماط سلوكية معينة, وأشار "بياجيه Piaget" إلى ذلك بقوله إن المراحل النمائية السلوكية بمعنى، أنها تصف السلوك التدريجي والتغير الذاتي يمكن أن يتنبأ بها في نظام معين, كما أشارت "انهلدر Lnhelder"؛ "1953" إلى أن المرور من المراحل الأدنى إلى المراحل الأعلى، نجد الأدنى تصبح جزءا من الأعلى، حيث إن المراحل المبكرة لا تنسى، فالمهارات التي اكتسبت داخل كل مرحلة تستخدم في المراحل اللاحقة.
ويشير "وهلول Wohlwill؛ "1973" أنه على الرغم من أن المراحل النمائية تصف الأنماط السلوكية، والتي تكون مرتبطة كل منها بالأخرى، إلا
(1/83)

إن الباحثين يجب أن يتخطوا أكثر من وصف الأنماط السلوكية العامة بعمر زمني معين، حيث يجب أن يكونوا قادرين على وصف وتفسير النماذج المتداخلة بين التغيرات الاستجابية.
كما أشار "جيزل وآخرون Gesell et al"؛ "1974" أن مراحل النمو عادة ما تكون متأثرة بما نسميه بالنماذج المتبادلة reciprocal interweaving بمعنى تكرار تناوب أو تعاقب القوى المتناقصة أو المتقابلة، ويستطرد "جيزل" أن هذه النماذج يحدث نموذج من الحركة المكوكية، أي إن الطفل يأخذ خطوتين إلى الأمام حتى يكتسب خبرة جديدة، وخطوة أخرى إلى الوراء عندما يدمج أو يوحد الأهداف, ويشير "جيزل" أن بعض المراحل تتأثر بهذا التمازج، ووصفها بما تسمى بعملية التوازن equolibrium وكذلك أخرى تتصف بعدم التوازن, ونجد أن أغلب الأطفال في المراحل المتوازنة يظهرون أمارات التكيف الاجتماعي الجيد، حيث من السهل عليهم التكيف مع الآخرين، وكذلك لمتطلبات البيئة، ويميلون إلى أن يكونوا أكثر إشباعًا وسعادة واسترخاء إذا ما قورنوا أثناء مراحل نمائية أخرى, كما أن الأطفال الذين يكونون في مراحل تتسم بعدم التوازن يميلون إلى أن يكونوا أكثر توترًا، ومترددين وغير آمنين، كما أنهم قد يظهرون كثيرًا من المشكلات السلوكية والتي لا تحدث أثناء المراحل الأخرى من النمو، حيث نجد لديهم مشكلات في التكيف مع الأفراد الآخرين، وكذلك مشكلات تكيف في الحياة بصورة عامة.
ولقد أشارت "هيرلوك Hurlock؛ "1972" إلى أن كثيرًا من الآباء يربطون تلك التغيرات في النماذج السلوكية، بالتغيرات البيئية، وعلاوة على ذلك, فمن الأسوأ أن يربطوها في أغلب الأحيان بالطفل نفسه قائلين: إنه مزعج ودائم الشكوى ومتذمر ... إلخ, وتستطرد "هيرلوك" بقولها: إن المشكلات السلوكية لا يمكن أن تكون انحرافات فردية على الإطلاق، ولكنها بالأحرى أنماط سلوكية متنبأة تصف مرحلة نمائية معينة يمر بها الطفل.
ولقد وصفها "آمز Ames" بطريقة أخرى بقوله في مراحل معينة: نجد جميع الأطفال يميلون إلى أن يكونوا خارج الجماعة التي ينتمون إليها، وإن ذلك يعتبر جزء عادي من النمو، ويجب أن يدرك الآباء أن هذا هو حال الفرد الذي يتعلم التعامل مع الأشياء بخطوات واسعة أو بقفزات.
(1/84)

كما أثير كثير من الجدل بين علماء النفس حول أدوار الوراثة والنضج وخبرات التعلم في النمو، وسوف نناقش هذا الجدل بتفصيل فيما بعد، إلا أنهم اتفقوا مع ذلك أن المراحل النمائية ما هي إلا نتيجة الاتحاد بين النضج والتعلم, كما أن وصف المرحلة نادرًا إن لم يكن مستحيلا أن يتم مستقلا عن البيئة التي يعمل فيها الطفل ولهذا السبب فإن كثيرًا من المراحل النمائية لا يمكن أن تنفصل كل منهما عن الأخرى، فالانتقال من مرحلة إلى أخرى تالية تكون في صورة تدريجية وتحدث في أوقات مختلفة للأطفال بواسطة خبرات تعليمية متباينة، كما أن دراسات التحليل النفسي قد اهتمت بصورة خاصة بخبرات الطفولة في فترات معينة من حياتهم.
ويجب أن نشير في هذا المقام أن التوقيت يكون حاسمًا في النمو، فالطفل الذي يحرم من العطف الأموي خلال طفولته المبكرة يتوقع أن يتأثر بصورة مختلفة تمامًا عن الطفل الذي حرم من العطف الأموي في طفولته الوسطى, وبهذه الطريقة فإن المرحلة النمائية تستخدم لتفسير الاختلافات أو الفروق الفردية في السلوك، بالإضافة إلى تفسير النمط السلوكي العادي.
وفي ثنايا الصفحات التالية سنلقي الضوء على بعض من النظريات في علم نفس النمو التي أشارت إلى أن النمو الإنساني يسير في مراحل معينة، وعلى الرغم من أن هذه المراحل قد تختلف أحيانًا، وأنها قد تتداخل، إلا أنها تحدث في نظام متوال، كما أنها تتغير في التعقيد والتركيب وتتحدد وتتميز مع العمر الزمني.
ويسمى هذا المنحى في النمو بمنحى المرحلة التابعة Stage dependent, ولقد اهتم كثيرًا من الباحثين في النمو الإنساني من أمثال "جيزل Gesell"، و"آمز Ames" بأنماط كثيرة مختلفة من النمو، والعلاقات المتداخلة المركبة التي توجد بينها، وسنرى بعض مساهمات "جيزل" و"آمز" و"بياجيه" و"كوهلبرج" و"فرويد" و"آريكسون" في مراحل النمو الإنساني.
(1/85)

1- مساهمات "جيزل وآلج وآمز":
أشار جيزل Gesell مؤسس معهد علم النفس الطفل بجامعة "بيل" أن النمو يحدث في توال غير متباين، ويتضح هذا في تأملنا للنمو الحركي أو العقلي في الكائنات الإنسانية، وقد اهتم "جيزل" وزملائه بالخمسة سنوات الأولى من حياة الوليد البشري, وأشارت دراساتهم إلى أن تلك السنوات تتضمن تغييرات سريعة متنوعة ومفاجئة، ولا يمكن أن تدرس بلمحات منفردة والحقيقة فإذا تأملنا السلوك الحركي بمفردة فإن التغيرات التي تحدث من الميلاد حتى الخمس سنوات الأولى تكون جد مثيرة مفاجئة لدرجة أنه من الصعب الاعتقاد بأننا نتعامل مع نوع واحد من المخلوقات, ولقد وصف "جيزل" وزملاؤه نتيجة ملاحظاتهم للأطفال التغيرات التي شاهدوها كما يلي: "أثناء الخمسة عشر الأسابيع الأولى من حياة الرضيع، نجد نمو تحكم الرضيع في مناطق الرؤية بصورة أساسية، وخاصة نمو العضلات الاثني عشر المتعلقة بحركة العين, ومن الأسبوع 16، 18 يكشف الرضيع تدريجيًا القدرة على التحكم في العضلات التي تسند الرأس وتسمح للذراعين بالحركة، وعند حلول الأسبوع 18 يمكن للرضيع تناول الموضوعات والوصول Proximo distal ومن الأسبوع 28 إلى الأسبوع 40 يكتسب إليها، ويسير النمو في هذه الفترة وفقًا للاتجاه من المراكز إلى أطراف الرضيع تدريجيًا التحكم وضبط اليدين والجذع، حيث نجده يستطيع أن يجلس ويزحف إلى الموضوعات أو الأشياء التي ليست في متناوله وتكون بعيدة عنه، ومن الأسبوع 40 إلى الأسبوع 50 نجد النمو يمتد إلى الأرجل والقدم، وكذلك إلى إبهام اليد والسبابة، حيث يتمكن الرضيع في هذا السن من الإشارة إلى الأشياء والإمساك بها.
وكان "جيزل" وزملاؤه مهتمين بنمو السلوك الحركي واللغوي والذي نعتوه بالسلوك التكيفي adaptive وهو تعلم استخدام الخبرة الحاضرة والماضية للتكيف للبيئة، والعلاقات الاجتماعية الشخصية، ولكي يكملوا وصفهم للتغيرات الملاحظة يشيرون أنه بنهاية السنة الثانية يمكن أن نتوقع من الطفل أن يمشي ويجري ويتكلم كلمات معينة، وأن يضبط إخراجه وإن العلاقات المتداخلة بين جوانب النمو المختلفة، فمثلا نجد درجة النمو الحركي تؤثر في القدرة على تعلم المطالب النمائية لعمر زمني معين, كما أنه بنهاية السنة الثانية من عمر الطفل يتوقع منه التكلم في جمل، ويفكر في الكلمات, ويظهر ميلا أكبر للتعامل مع البيئة، كما نرى نمو سلوك التناظر الوظيفي Analogy في تعلم طفل الرابعة، وقدرته على التعميم وعلى تأليف مفاهيم معينة، ويمثل هذا السن استخدام الأم كأداة موجهة لفحص العالم المحيط بالطفل، فكثيرًا ما نجده يتساءل، لماذ يحل
(1/86)

الظلام ليلا؟ لماذا يكون لون السماء زرقاء؟ لماذا لا يسقط المطر صيفًا؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ وتقف هذه التساؤلات عند سن الخامسة تقريبًا, حيث نجده يقضي وقته الآن في التحكم في نموه الحركي الدقيق، وتعلم فعل أشياء كالمراكب والسفن والطائرات، بالإضافة إلى تعلم الاتساق والتطابق مع عالمه المحيط به, وعمومًا فإن تأثير المراحل السابقة على هذه المرحلة من النمو تكون هامة، وبدون النمو الفعلي للأنماط السلوكية السابقة، نجد من غير الممكن أن يصل الطفل إلى هذه المرحلة, وبصورة مشابهة، فإن تأثير هذه المرحلة في كل المراحل اللاحقة للنمو يكون كذلك تأثيرًا كبيرًا هائلا.
(1/87)

2- نظرية بياجيه في النمو المعرفي:
قضى "جان بياجيه" فترة كبيرة من حياته في ملاحظة الطرق التي يفكر بها الأطفال في أعمار زمنية مختلفة، وكيف يتناولون المشكلات ويحلونها. ولاحظ "بياجيه" الأطفال الصغار وكذلك الأطفال الرضع أثناء تفاعلهم مع أنواع مختلفة من المشكلات وكان مهتمًا ليس فقط في مدى قدرتهم على حل هذه المشكلات بصورة صحيحة ولكن كان مهتمًا كذلك في الأسباب التي أدت بهم إلى الاستجابة التي أجروها، وتبعًا لنظرية "جان بياجيه" يتغير تفكير الطفل في طرق كثيرة مختلفة كلما تقدم في العمر الزمني، واقترح تسلسل المراحل المعرفية، وتسمح كل مرحلة للطفل حل مشكلات مستخدمة عمليات عقلية متنوعة.
ولم يتصور "بياجيه" المراحل على أنها منصفة أو غير مترابطة كلية، كما أنها ليست متداخلة بعضها مع البعض الآخر، كما أنه لم يحدد أعمارًا زمنية دقيقة تحدث فيها كل مرحلة من مراحل التفكير، وبدلا من ذلك وصف سلاسل من المراحل تختلف إلى حد ما في توقيتها، إلا أنها أحيانًا تتداخل واحدة في الأخرى معتمدة على نمط المشكلة التي يحاول حلها الطفل, وهذه المراحل كما يشير "بياجيه" تحدث في نظام ثابت لدى كل الأطفال، فالمراحل الأكثر تركيبًا تكون تابعة لأخرى أقل تركيبًا.
ولم يقتصر "بياجيه" في تفسيره للمراحل بأنها تعزى إلى عملية النضج أو عملية التعلم، ولكنها نتيجة خليط من الاثنين معًا، وكتاباته النظرية أشارت إلى ما يعتقده بوضوح بأن التفاعل مع البيئة شيئًا ضروريًا لحدوث التغير المعرفي, ونظرية "بياجيه" تشير إلى أن الأطفال الذين
(1/87)

ينشئون في عزلة من الاستثارة الخارجية, قد يكون لديهم معدلات نمو معرفية منخفضة بصورة ذات دلالة, وفيما يلي نود أن نورد وجهة نظر موجزة للمراحل المعرفية الرئيسية عند "جان بياجيه" وسنتعرض لها بشيء من التفصيل فيما بعد.
فتبعًا لهذه النظرية نجد الطفل أثناء العامين الأوليين يتمركز حول نمو المهارات الحسية الحركية، ولقد سمى هذه المرحلة بالحسية الحركية Sensorimotor ونرى الأطفال في تلك المرحلة يتعلمون استخدام الأحاسيس التي تأتيهم من العالم الخارجي وأن يتعاملوا باليدين ويتحكموا في عضلات أجسامهم، ويستخدم الأطفال الصغار في تلك المرحلة الاستجابات التي لا تتطلب استخدام الرموز أو اللغة.
و"بياجيه" مثله مثل "جيزل" يرى أن هناك كثيرًا من التغيرات الرئيسية التي تحدث أثناء المرحلة الحسية الحركية، حيث وصفها وقسمها لعدد من المراحل الفرعية الأصغر وتتضمن المرحلة الانعكاسية المبكرة، حيث نرى أن الاستجابات الفطرية أو الولادية تكون كافية بالمراد، وتلي ذلك مرحلة ردود الفعل الدائرية حيث نجد فيها الطفل يكرر الأفعال مرة ومرات بصورة متعمدة مقصودة، يحدث ذلك مبدئيًا من أجل ذاته، وفي مرحلة متقدمة لكي يرى نتائج هذا التكرار، وأخيرًا يكررها للحصول على أهداف معينة, وفي هذه المرحلة نرى الأطفال يرمون الدمى خارج سريرهم وبصورة متكررة لكي يجذبوا انتباه الأفراد القائمين برعايتهم ولا يستطيع الأطفال تعلم التفكير في تأثير الاستجابات قبل أدائها إلا بعد أن يصلوا في نموهم إلى الشهر الثامن عشر تقريبًا, والمرحلة الأخيرة في الفترة الحركية هي التركيبات العقلية mental Combination, فالأطفال كما يشير "بياجيه" يدخلون المرحلة العقلية قبل الإجرائية Preoperational في نهاية السنة الثانية, وفي بداية هذه المرحلة نجد الأطفال ينمون استخدام اللغة بالإضافة إلى نمو استخدام الإشارات والرموز لديهم، فاللغة تفتح أبوابًا كثيرة أمام الطفل، حيث نجده قادرًا على حل كثير من المشكلات الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، كما أنهم يستخدمون مبدأ ثبات الأشياء وبقائها Conservation وذلك بدون الحاجة إلى وجود الموضوع أو الشيء نفسه.
(1/88)

وفي المرحلة الحدسية Intuitive التي أشار إليها بياجيه يتمكن الأطفال خلالها من حل مشاكل متنوعة مركبة، ويتضمن ما يسميه بالتصور المبني على التفكير, فأطفال الرابعة كأطفال الثانية من العمر يمكن أن يلعبوا مع الدمى وأن يتعاملوا معها كموضوعات حية، وبعد سن الرابعة يمكن أن يستمروا في ذلك مع إضافة معلومات وبيانات بالإضافة إلى استخدامهم للرموز, ويتمكن أطفال الرابعة من حل المشكلات، إلا أنه يتضح أن لديهم قدر كبير من الصعاب في حلها منطقيًا ويشير "بياجيه" أن حلول الأطفال للمشكلات في المرحلة الحدسية يميل إلى أن تكون معتمدة على بعد استثاري واحد، بمعنى جانب واحد من المشكلة يستخدم للمساعدة في الوصول إلى الحل، فمثلا قد يقرر الطفل أن الأنبوب أو الوعاء الأطول يحتوي على كمية سائل أكبر من أنبوب أو وعاء آخر أقصر منه ولكنه أكثر اتساعًا ويحمل سائلا بكمية أكبر من الوعاء الطويل الرفيع، ويقول "بياجيه" في هذه الحالة: إن البعد الاستثاري الذي وضعه الطفل في اعتباره هو طول الوعاء.
وبحلول المرحلة الإجرائية Operational تنتهي المرحلة الحدسية كما يشير "بياجيه" في حوالي سن السابعة من العمر, ويستطرد بأن هذه المرحلة تعتبر بمثابة بداية التفكير الحقيقي، ففي البداية كانت تتطلب عملية التفكير أمثلة عيانية، إلا أن تلك المرحلة من التفكير يستخدم الطفل فيها العمليات الصورية Formal ويستطيع الأطفال في تلك المرحلة التفكير وحل المشكلات بأنماط كثيرة متنوعة ومركبة.
كيف تحدث جميع هذه التغيرات التي أشار إليها "بياجيه"؟ يشير "بياجيه" أن النمو المعرفي في كثير من جوانبه متشابه مع النمو العضوي، بمعنى أنه يتضمن بصورة أساسية نشاطًا موجهًا نحو التوازن equilibrium "بياجيه 1967", والذي يعني تبعًا "لبياجيه" مجموعة من الأفكار المتوازنة تنتظم داخل نظام عقلي مترابط منطقيًا والذي يمكنه أن يستخدم في حل مشكلات جديدة، وأطلق بياجيه على هذا النظام البناء المعرفي Cognitiv Structure.
ووفقًا لنظرية "بياجيه" يمر الأطفال من مرحلة معرفية إلى أخرى تالية لها في كل نمط لحل المشكلة، وفي نفس الوقت نراهم يمرون من فترات عدم توازن حيث لا يستطيعون ضبط والتحكم في البيئة بواسطة
(1/89)

استخدام قدراتهم، إلى فترات توازن حيث يتمكنون أو يكون لديهم المقدرة العالية لاستخدام البيئة، كما أنهم يكونون على استعداد للتعلم الأكثر، فمثلا طفل الستة شهور الذي يجلس داخل عربيته قد يكون من المتيسر له أن يشد نفسه إلى أعلى واقفًا، إلا أنه لا يفعل لأنه لا يكون على استعداد للانتفاع من هذا المظهر في بيئته، وبعد مرحلة معينة وبعد أن يكون قد نمى ويمكنه استخدام ذراعيه وأرجله بصورة أفضل فإنه قد يستخدم قضبان العربة أو أعمدتها لكي يشد نفسه إلى أعلى، ومن هنا نجد أن فرصة هذا الطفل للتعلم وحل المشكلة قد اتسعت إلى حد كبير، وسمى "بياجيه" العملية التي تزداد بها قدرة الطفل لإحداث الاستجابة بالتوازن، ويشير إلى التفاعل بين عمليتين منفصلتين، وكل منهما يتبع الآخر، وهما عملية التمثيل أو الامتصاص assimilation والمواءمة accomodation فالتمثيل يحدث عندما يستخدم الأطفال مثيرات جديدة في بيئاتهم لأداء نشاطات يعرفون أداءها بالفعل, ومثال لعملية التمثيل في الفترة الحركية قد تكون الخروج من السرير الصغير والعثور على دمية أو أي شيء كالبرتقالة مثلا، وبالتالي استخدم هذه البرتقالة لأداء سلسلة من الأفعال كدحرجتها فوق السرير أو على الأرض مثلا، وذلك لأنه قدر رآها تفعل ذلك أمامه.
وتحدث المواءمة أو التمثيل عندما يضيف الطفل نشاطًا جديدًا إلى ذخيرته أو يعدل السلوك القديم، فالطفل قد يظل في نقالته "سريره" لفترة طويلة من الوقت قبل أن يتحقق وبصورة مفاجئة بأنه يجب عليه استخدام قضبان سريرة لأداء عمل أو نشاط جديد، وتعتبر أول رفعة لوضع الوقوف بواسطة الطفل في نقالته ما هي إلا مثال جديد للمواءمة والتمثيل والمواءمة عمليتان يتبع كل منهما الآخر, فالتمثيل بمثابة ازدياد عدد المثيرات التي تؤدي الاستجابة لها، والمواءمة هي ازدياد عدد الاستجابات التي تم أداؤها للمثيرات المتمثلة بالفعل, بمعنى أنه كلما تمثل الأطفال نجد ازدياد قدرتهم على المواءمة، ومنطقيًا فبدون التزود بالمثير المناسب من البيئة، فإن كل من العمليتين قد تتوقف, ولقد كان "بياجيه" يشك في القدرة لتعليم الأطفال المفاهيم المركبة والمتقدمة في المراحل المعرفية المبكرة, وشعر أن هذه المحاولات لا تمد الطفل ولا توفر له المثيرات المناسبة والمتماثلة للبناءات المعرفية للأطفال، وبالتالي يميل الطفل إلى الإخفاق، وتبعًا "لبياجيه" فإن تنزويد الطفل بالمثير المناسب، فإن عمليتي التمثيل والمواءمة يتبع كل منهما الآخر في ازدياد فالبناءات المعرفية الأكثر تركيبًا نجدها تتكون بالتالي.
(1/90)

نظرية كولببرج في نمو التفكير الخلقى
...
نظرية كولبرج في نمو التفكير الخلقي:
لم يقتصر اهتمام "بياجيه" على تفسير النمو المعرفي فقط، ولكنه كان مهتمًا كذلك بنمو التفكير الخلقي، وأشار إلى أن التفكير الخلقي يشبه في نموه وتدرجه الأشكال الأخرى من النمو المعرفي حيث يحدث في مراحل الواحدة منها تلو الأخرى, ويعتبر "لورنس كهلبرج" في نظريته لنمو التفكير الخلقي امتدادًا لآراء "جان بياجيه" في ذلك، حيث أشار إلى مراحل ينمو خلالها التفكير الخلقي عند الأطفال، وكان منهج "كوهلبرج" في ذلك أن قابل أولاد ما بين سن العاشرة إلى سن السادسة عشر، وسألهم بأن يستجيبوا لمشكلات تتضمن مأزق خلقية افتراضية مشتملة على صراعات معينة, وحاول في هذه المشكلات أن تكون معقدة ومركبة حيث لا يوجد لها إجابات صحيحة ففي كل مشكلة يمكن أن يعطى الأطفال إجاباتهم معتمدين على أي تسلسل من الاتساق المصطنع، أو التوقعات الاجتماعية، أو الإخلاص والالتزام بالقانون إلى اعتبارات أعلى، مثل حقوق وسعادة الآخرين.
ولقد وجد "كولبرج" مثل "بياجيه" علاقة إيجابية بين العمر الزمني والمرحلة الأخلاقية التي يكون عليها الطفل Kohlberg؛ "1969".
وأشار أن المراحل الأخلاقية مثل المراحل المعرفية تبدو كأنها نتاج لتفاعل الفرد مع بيئته، كما أشار إلى أن ازدياد النمو في التفكير الخلقي لا يحدث من خلال التعليم المباشر، بمعنى أنه لا يمكن أن يتعلم من خلال نماذج الدروس التعليمية التقليدية، ولكنها تنمو من خلال عمليات مركبة معقدة تتضمن عوامل أخرى مثل "التفاعل مع الآخرين" ويضيف أن معظم الأفراد في مجتمعنا لا يصلون المرحلة الأعلى من النمو الأخلاقي. وهي الأخلاقية المعتمدة على المبادئ الخلقية العالمية، حيث ما يقرب من 5، 6% منا قد يبلغون هذا المستوى الأعلى من الأخلاقية.
مراحل "كولبرج" في الحكم الخلقي:
يعتقد "كوهلبرج" أن الكائن الآدمي يكتسب إحساس العدل خلال مراحل متتابعة من النمو، ففي عام 1957 عندما كان يجري بعض دراساته في جامعة شيكاغوا، بدأ في اختبار الحكم الخلقي لجماعة مكونة من 72 طفلا يتراوح أعمارهم ما بين 10، 16 سنة عن طريق توجيه بعض
(1/91)

الأسئلة إليهم متضمنة مسائل ومعضلات أخلاقية مثل.
- يمكن للمرء أن يسرق الدواء لإنقاد امرأة تموت.
- مخترع الدواء الذي يبيعه بعشرة أمثال تكلفته الأساسية.
- الزوج الذي يشتري بعض الأشياء الضرورية لزوجته، إلا أنه لم يستطع دفع ثمنها، ما الذي يجب أن يفعله الزوج؟
ومن إجابات الجماعة استطاع "كولبرج" أن يميز بين ستة أنماط رئيسية للأحكام الخلقية، والتي وجدها متساوية مع المراحل النمائية، ويشير إلى أن الاختبارات اللاحقة لنفس المجموعة بعد ثلاثة سنوات قد أظهرت نموًا متقدمًا خلال نفس المراحل وبنفس النظام، ومراحل "كوهلبرج" في نمو الأحكام الخلقية يمكن إيجازها فيما يلي:
1- الوعي بالثواب والعقاب، وكذلك بالقوى الجسمية والمادية.
2- التوجيه نحو اللذة، بوجهة نظر وسيلية للعلاقات الإنسانية، وبداية الأفكار العامة عن التبادلية، ولكن تأكيد تبادلية المنفعة والمصلحة، مثل قول طفل "إنك خدشت لي ظهري وسأفعل ذلك لك".
3- التوجه نحو أخلاقيات الولد الطيب، حيث يبحث في هذه الفترة عن الحصول على التوقعات الاجتماعية، والفوز بالاستحسان في جماعته الحالية، وتعرف الأخلاقية بواسطة الفرد نفسه بأنها رابط من العلاقات.
4- التوجه نحو السلطة والقانون والواجب، وذلك لكي يساعد على الاحتفاظ والاستمرار بالنظام الثابت سواء كان اجتماعيًا أو دينيًا، والذي يعتبر قيمة أولية.
5- توجيه العقد الاجتماعي مع التأكيد على المساواة والالتزام المشترك المتبادل داخل نظام ديمقراطي ثابت، بمعنى انتشار الأخلاق داخل المؤسسات.
(1/92)

6- مبادئ الضمير الخلقية، والتي تتصف بالإدراك المنطقي الشامل والقيمة العليا التي توضح في حياة الإنسان والمساواة والشرف والكرامة.
وجدير بالذكر أن "كولبرج" لم يعرف هذه المراحل أو يحددها بآراء أو أحكام خاصة، ولكنه يصفها بطرق التفكير في الأمور الأخلاقية وأسس وقواعد الاختيار، فالمرحلة الأولى والثانية والتي تنطبق على الأطفال الصغار، فقد وصفها، "كولبرج" بمرحلة ما قبل الخلقية Premoral حيث وجد أن المناقشات التي أجريت مع الأطفال كانت متمركزة وبصورة واسعة حول الميول الذاتية والاعتبارات المادية، كما أن المجموعة الثالثة والرابعة وهي الجماعة الموجهة كانت تتصف بالتمسك بالعرف وبقواعد السلوك المرعية والتي يندرج فيها معظم الأفراد الراشدين، والمرحلة الخامسة تميز ما بين 20-50% من الراشدين، إلا أن المرحلة السادسة لا يصل إليها إلا ما بين 5-10% فقط من الأفراد.
(1/93)

نظرية "فرويد" في النمو:
يعتبر "فرويد" من المساهمين الرئيسيين في النمو، باعتبار تدرج الوليد الإنساني في مراحل معينة، فمن ضمن أعمال "فرويد الكلاسيكية" ثلاث مقالات في النظرية الجنسية والتي كتبها عام 1905 بنيت أساسًا على ملاحظاته القليلة فقط، إلا أن الخصائص التي لاحظها عززت بواسطة آلاف من الملاحظات الإضافية والتي سمحت له أن يعدل ويهذب ويوضح مفاهيمه، ونظرية "فرويد" سميت بنظرية التحليل النفسي، وذلك لاعتمادها على منحى المرحلة المعتمدة، بالإضافة إلى تأكيدها الدور الحيوي الذي تلعبه الخبرة في نمو شخصية الوليد الإنساني، وتشير هذه النظرية بأنه ما لم تقابل الحاجات الأساسية للطعام والحب والدفء والأمان في المراحل المبكرة من حياة الإنساني، فإن نمو الشخصية بالتالي سيتوقف arrested وسمى "فرويد" ذلك التثبيت Fixation ويشير إلى التثبيت في مراحل النمو المبكر يسبب بواسطة إحباط الحاجات الأساسية، وبالتالي يؤثر في الشخصية في كل مراحل النمو التالية، وبهذا المعنى فإن كل مرحلة تؤلف فترة حرجة من حياة الطفل، وبدون التثبيت يعتقد "فرويد" أن الأطفال قد يمرون بمراحل نمو ذات نظام محدد متتالٍ، حيث أن التثبيت يعوق بناء شخصية الطفل.
(1/93)

ويشير "فرويد" إلى خمسة مراحل رئيسية في النمو، وكل منها يتصف بمشكلات تكيفية جديدة يجابهها الفرد، وأول هذه المراحل تحدث أثناء فترة الرضاعة، وتتصف بالسلوك السلبي والاعتمادية من جانب الطفل، والرضاعة تعتبر المصدر المنظم للإشباع في هذا العمر، حيث نجد حياة الطفل تتمركز حول الأم، حلمة الثدي وإبهام اليد وأطلق "فرويد" على هذه المرحلة بالفمية Oral Stage.
والمرحلة الثانية من النمو تبعًا "لفرويد" ترتبط بالميل في التحكم وضبط الأمعاء والمثانة، وسمى هذه المرحلة بالشرجية Anal Stage ويتعلم الأطفال في هذه المرحلة اختيار التحكم والسيطرة على بيئتهم، حيث يقدرون على إعطاء الغائط أو عدم إعطائه, وأثناء هذه المرحلة يكتسبون اللغة ومهارات الاتصال, كما أن التثبيت عند هذه المرحلة من النمو تنتج خصائص مختلفة من التثبت الفمي حيث يشير "فرويد" أن الطفل حينئذ يكون متسلطًا ومنظمًا وصلبًا قاسيًا بصورة أكثر مما ينبغي، أو أنه قد يصبح على نقيض ذلك متسمًا بالفوضى بصورة مفرطة، وعدم النظام وغير قادر على تحمل المسئولية.
ويدخل الطفل المرحلة القضيبية من وجهة نظر التحليل النفسي عندما يصبح على دراية بالاختلافات الجنسية والاستمتاع المرتبط بها، ويشير "فرويد" أن ذلك يحدث في الطفولة المبكرة، ونجد في هذا الوقت ينمي الطفلَ تعاطف متزايد للأب من الجنس العاكس والشخصية تبعًا لذلك تبدأ في التشكل حيث يبدأ الطفل في استكشاف العالم المحيط به وأن يذوب نظام القيم.
والمرحلة القضيبية تتبع ما يسميه "فرويد" بمرحلة الكمون في الطفولة الوسطى، حيث يبدأ الطفل في تحويل انتباهات الحب الأولى إلى أفراد خارج المنزل, فالميل إلى الأقران يتزايد، ويصف بعض المؤلفين هذه المرحلة بأنها مرحلة السكون الذي يسبق العاصفة Westlak "1973".
والمرحلة الخامسة هي المرحلة التناسلية، وهي فترة العنف والعواطف بحلول المراهقة نرى زيادة سريعة وارتفاعا مفاجئا في الحوافز الجنسية الغريزية، والحاجة إلى إنهاء الارتباطات الأبوية، وينشأ موقف من الصراعات يوجد في كثير من المجتمعات خاصة الأوربية.
(1/94)

نظرية "أريكسون" النفسية الاجتماعية:
يعتبر "أريكسون" من أوائل محللي الطفل في منطقة بوسطون Boston, وقد أشار بمراحل نفسية اجتماعية للنمو تتشابه أو توازي مراحل فرويد، وأن هذه المراحل تصف توجيه الطفل إلى ذاته وكذلك إلى عالمه الخارجي، ويختلف "أريكسون" عن "فرويد" في إحساسه أن الشخصية لا تكون محددة في الطفولة المبكرة، ولكن يستمر نموها طوال حياة الكائن الآدمي, وبهذا المعنى أحس الكثيرون أن "أريكسون" قد عدل عن تأكيد "فرويد" على مرحلة الطفولة كبداية ونهاية لنمو الشخصية Elkind؛ "1970".
ويعتقد "أريكسون" مثله مثل "فرويد" بوجود فترات حرجة للنمو، ويشير إلى أن هذه الفترات تتسم بالاضطراب أو بنقاط تول حاسمة، وكذلك بإمكانية فترات العودة، ويعزي ذلك إلى التغيرات الجذرية التي تحدث في مجرى نمو الطفل، كما أن المشاكل النمائية التي يجابهها الطفل في مرحلة معينة من نموه إن لم تحل ستظهر مرة أخرى في أي مرحلة تالية، ومع ذلك فقد كان مختلفًا عن "فرويد" في تفاؤله بأن الإخفاق في مرحلة ما يمكن أن يصحح بالنجاح في المراحل التالية، بالإضافة فإن حل مشكلات في عمر زمني معين لا يستلزم بالضرورة حلا لمشكلات أخرى سابقة.
ويشير "أريكسون" بثماني مراحل للنمو النفسي الاجتماعي كل منها تتزايد في النمو والتركيب عن المرحلة السابقة عليها، وتتصف المرحلة الأولى بتعلم الطفل أن يثق أو لا يثق في البيئة وذلك أثناء السنتين الأوليين من حياة الطفل، وتبعًا "لأريكسون" فإنه في حالة إشباع حاجات الطفل عن طريق أمهات محبة دافئة سوف يعلمن أطفالهن الثقة، بعكس ذلك نجد الأمهات الباردات غير المعولة والأمهات البديلة ستخلق شخصيات عديمة الثقة لدى أطفالهن.
والمرحلة الثانية في فترة الطفولة من سن 2-3 سنوات تتصف بتعلم الاستقلال الذاتي Autonomy أو الشك عندما ينشئون معتمدين كلية على الأم أو على ما هو مكان الأم؟ فإن الطفل قد يتعلم التحكم في البيئة بصورة ناجحة أثناء هذه الفترة إذا أعطيت له التدعيمات المناسبة من الآباء
(1/95)

أو المربين، ومن جانب آخر فإن الطفل الذي يتلقى إفراطا في الحماية والعناية به، قد يتعلم الخوف من البيئة، كما أن ضعف الرعاية والحماية للطفل ينتج خبرات غير سارة، وقد ينتج مخاوف متشابهة مع الحالة الأولى، كما أن الشعور بالذنب ينمو أثناء السنة الرابعة من حياة الطفل، ويرجع ذلك إلى استجابات الأفراد من حوله إذاء تدريب الطفل المستمر مع البيئة من حوله، وتتساوى هذه المرحلة من النمو مع ما يسميه "فرويد" بالمرحلة التناسلية.
ويستطرد "أريكسون" بأن سنوات المدرسة المبكرة من سن 7-11 هي السنوات التي ينمي الطفل فيها أحاسيس الكفاية أو الدونية، ويتعلم الطفل أثناء هذه السنوات الارتباط بأقرانه، وأن يتعامل بالقواعد والعرف وأن يؤدي المهام الدراسية, ومكافأة التعلم والمساعدة عليه يؤدي إلى الإحساس بالكفاية وعلى نقيض ذلك عدم القدرة في التعامل مع البيئة والإخفاق يؤدي إلى أحاسيس الدونية.
ولقد كان "أريكسون" معروفًا باهتمامه بفترة النمو في المراهقة، إذ يشير أنها ما بين 12- 18 سنة عادة ما يكون المراهقون في شغل شاغل للبحث عن هويتهم وذاتيتهم، فإما أن يتمكنوا من تحقيقها أو يحدث لهم ما يسميه ارتباك أو خلط لأدوارهم rolr-Confusion, ويرجع ذلك إلى ما يحدث في تفاعلاتهم مع العالم وسنلقي بعض الضوء على كثير من مشكلات المراهقة في فصل قادم من هذا المؤلف.
والمرحلة السادسة والسابعة والثامنة للنمو عند "أريكسون" تلقي الضوء على ميول واهتمامات الراشدين، ففي أثناء الرشد المبكر نجد صفات من Generativity في مقابل الاستغراق أو الانشغال بالذات Selfabsorption وأخيرًا نرى التكامل في مقابل اليأس أو القنوط.
(1/96)

التعلم:
انتهينا في الجزء السابق من وصف المتغيرات التي تحدث عند الأطفال كلما تقدم بهم العمر الزمني، كما ألقينا الضوء على بعض من النظريات المرتبطة بتلك التغيرات والمصاحبة للعمر الزمني للوليد الإنساني، وعادة ما يسمى هذا المنحى في النمو بمنحى المرحلة المعتمدة Stage- dependent؛ لأنها تصف التغيرات السلوكية كسلسلة من المراحل التي تتزايد في التركيب والتعقيد مع النمو في العمر الزمني.
وسنناقش سويًا تفسير آخر للتغير في السلوك الإنساني وهو منحى التعلم البيئي للنمو، فالتعلم يعتبر بمثابة تغير دائم نسبيًا في السلوك الإنساني الناتج من تفاعلات الطفل مع البيئة المحيطة به, ونجد علماء النفس وبعض النظر عن نظرياتهم في تفسير السلوك يتفقون على شيء واحد، وهو مدى حاجة الأطفال إلى التفاعل المستمر مع بيئاتهم حتى ينموا بصورة سوية، فالرضيع مثلا لا يمكنه أن ينمي بمفرده القدرة على الإمساك بالببرونة "البزازة" وذلك بسبب عدم نضج القدرة الحركية لديه، وإذا لاحظنا أن الطفل يتعلم تدريجيًا هذه المهارة من خلال سلسلة من التفاعلات مع أمه وزجاجة اللبن, فالتعلم يبدأ منذ هذا السن حيث تمسك الأم الزجاجة لوليدها وتميلها على نحو مناسب، وبالتالي يتلقى الوليد اللبن. ويتبع هذا السلوك بسلسلة من الخطوات التوسطية والتي فيها تتخلى الأم تدريجيًا عن الإمساك بزجاجة اللبن كلما استطاع الطفل السيطرة والتحكم في الإمساك بالزجاجة، وفي النهاية فإنها قد تدعه يفعل ذلك بمفرده. فالطفل قد تعلم الإمساك بالزجاجة بدون مساعدة، وتدرجيًا يقلع عن مساعدة الطفل عندما تكون استجابة الطفل لهذا العمل أكثر ملاءمة وتناسبًا، فالأم هنا ساعدت على تغيير سلوك وليدها أي على إحداث التعلم لديه.
يتفق علماء التعلم البيئي مع علماء نظريات المراحل المعتمدة في أن التغيرات السلوكية ترتبط في طرق معينة بالعمر الزمني، إلا أنهم لا يتفقون معهم على أن ذلك يعتبر سببًا لهذه العلاقة، ولقد أشار أحد رواد هذا الاتجاه "بروبت جاجنه" Gagne"؛ "1968" إلى أن مراحل "جان بياجيه" في النمو المعرفي تعتمد على ثمة عاملين.
(1/97)

1- تعتمد على ما يعرفه الطفل بالفعل.
2- وتعتمد كذلك على الدرجة المتبقية التي يجب أن يتعلمها الطفل لكي يصل إلى الهدف.
وتبعًا لجاجنه فإن الطفل يتقدم من مرحلة إلى أخرى في نموه ويرجع ذلك إلى تعلمه في تسلسل منتظم لإمكاناته والتي يبنى بعضها على بعض في طريقة تقدمية، وكل مستوى مرتفع من التعلم يتطلب مستوى تعلمي سابق أقل، وكلما تدرج الأطفال في نموهم كلما أصبح أداؤهم أميل إلى الإتقان عن المستويات السابقة لعمرهم الزمني، وعلى ذلك فالأطفال الأكبر عادة ما نجدهم يتمكنون وبنجاح من حل المشكلات المتطلبة لمعدل منخفض من التعلم, ويشير "جاجنه" أن بناءات "بياجيه" المعرفية تبعًا لذلك ليست دليلا على الاختلافات النوعية أو الكيفية ولكنها بالأحرى قدرات مكتسبة خلال الخبرة مع البيئة، وبهذا المعنى فإن مراحل النمو المعرفي لا ترتبط كثيرًا بالعمر الزمني، كما أن التعلم يأخذ وقتًا لحدوثه.
الاستعداد والتعلم:
نمو الاستعداد وصف بواسطة علماء التعلم البيئي بطريقة متشابهة إذ يشيرون أن الاستعداد عبارة عن تراكم المهارات المتعلمة فيما سبق ففي الأعمار الزمنية المبكرة نجد الأطفال قد لا يكونون قادرون على أداء واجبات معينة، ولا يرجع ذلك لعدم نضوجهم بالفعل، ولكن يرجع إلى أنهم لم يكتسبوا حتى تلك اللحظة المهارات اللازمة والمتطلبة لذلك، وإذا تمكنا من توفير برامج لتعلم هذه المهارات المتطلبة لهم، فإنهم يستطيعون أداء واجبات أكثر تركيبًا وأكثر تعقيدًا في أعمار زمنية مبكرة، وتبعًا لوجهة النظر هذه فإن النمو يكون عبارة عن التغير السلوكي المتطلب برمجة معينة.
ولقد اقترح كثير من علماء نظرية التعلم البيئي أنه يمكن أن نعلم الأطفال الصغار حل كثير من المشكلات والمسائل المجردة ما دامت قد
(1/98)

تعلمت المهارات الضرورية السابقة لها، ويستطرد "جيروم برونر" J. Bruner؛ "1960" أن أي موضوع يمكن أن نعلمه الأطفال في أي عمر زمني بصورة فعالة في بعض الطرق العقلية الصحيحة، وذلك بتوفير المناهج المصممة, وتوفير أدوات هذه المناهج بالإضافة إلى الطريقة المستخدمة في التدريس, فأدوات المنهج تبعًا لبرونر يجب أن تتضمن مشكلات حيث يجري تقديمها بصورة منطقية من الأشياء البسيطة إلى المركبة إلى الأكثر تركيبًا، ويتطلب ذلك توفير المدرسين ذوي الكفاءة العالية إذ يجب عليهم مساعدة الأطفال في حل المسائل المركبة المعقدة, ولقد اعتقد "برونر" أن هذه الطريقة والتي أطلق عليها بالمنهج اللولبي Spiral curriclum يمكن أن تزيد بصورة ملحوظة معدل النمو العقلي عند الأطفال.
وعرفنا منذ وقت طويل أن الأطفال يمكنهم تعلم المهام المركبة بصورة عالية في أعمار زمنية مبكرة وذلك أكثر مما كنا نتوقع عمومًا, وأشارت "ماريا منتسوري" M. Montessori منذ حوالي نصف قرن مضى أنها استطاعت تعليم أطفال صغار جدًا حل مشكلات معقدة بصورة عالية، حيث تمكنت من تعليم أطفال إيطاليين أصغر من أربعة سنوات أن يقرءوا ليكتبوا في مدة شهر ونصف تقريبًا من الإعداد الأولي لهم.
وجدير بالذكر فإن طريقة "منتسوري" غير عادية في فعاليتها وتأثيرها على عملية تعلم الأطفال الصغار، ونجد الآن في كثير من البلاد أنهم طوروا البرامج التعليمية والتي فيها يتعلم الأطفال كثيرًا من الواجبات والأعمال المركبة والمعقدة بصورة عالية، وذلك في أعمار زمنية مبكرة، كما يشير "برونفبرنر" Bronfenbrenner؛ "1970" أن أطفال ما قبل المدرسة بالاتحاد السوفيتي يمكن أن يتعلموا أداء كثير من المهام والواجبات المعرفية في أعمار زمنية مبكرة إذا ما قورنوا بأقرانهم بالولايات المتحدة الأمريكية، وعمومًا فإن الطرق المؤثرة ذات الفعالية يمكن كذلك في بلاد صغيرة وأقل غنى من الدولتين العظمتين, وهذا ما يشير إليه "جانيت جيبسون" J. Gibson؛ "1978" حيث وجدت في إحدى رحلاتها بجزيرة قبرص واندهشت بما لاحظته في زيارتها لإحدى فصول ما قبل المدرسة "الحضانة" بنيقوسيا في أن الأطفال في مثل هذا السن الصغير كانوا يتعلمون مسائل جبرية متقدمة.
(1/99)

وأثبتت الدراسات كذلك أن الأطفال يستطيعون تعلم المتطلبات الحركية في أعمار زمنية مبكرة، فالباحثون في معهد دراسات الأطفال بموسكو أشاروا أن النمو الحركي يمكن التعجيل به من خلال عمليات التدريب وتدليل عضلات الأطفال الصغار.
كما درست تأثير خبرة التعلم على سلوك الطفل مثلا دراسة "براكيل" Beackbill؛ "1958" أشارت إلى تأثير الإشراط الآدمي على استجابة الابتسام للأطفال، وأجرى كل من "روس وآخرون" Ross& Others؛ "1959" دراسات متشابهة على النحو اللغوي أشارت إلى نتائج متطابقة مع الدراسة السابقة، ويشير بعض علماء نظرية البيئة مثل "جاجنه" Gegne وبرونر Bruner أن العمر الزمني يؤدي إلى وجود الاختلافات في كيفية تعلم الأفراد، فالمراهقون لا يتعلمون بنفس الطريقة التي يتعلم بها الأطفال ويرجع ذلك إلى الاختلافات في خبرة كل من الفئتين، ويشير "سكينر" Skinner كذلك أن كثيرًا من مبادئ التعلم تكون عامة وتنطبق بصورة متساوية على الأفراد في جميع الأعمار الزمنية.
(1/100)

تفسيران بيئيان لتعلم سلوك الأطفال:
اهتم كثير من علماء نظرية البيئة بالتعرف على المبادئ العامة وراء تعلم جميع الأفراد, وسنتأمل سويًا في ثنايا الصفحات التالية تفسيران مختلفان في كيفية تعلم الأطفال التفسير الأول الذي يناصره السلوكيون حيث يقصر تلك الدراسة إلى ما يمكن أن يلاحظ في سلوك الأطفال، أي على سلوك الطفل نفسه, والثانية هي نظرية الدافعية والتي تفسر السلوك التعلمي على وصف ما يجري بداخل الطفل من حاجات ودوافع ويعتبر "واطسون" Watson؛ "1930" ويتفق كثير من السيكولوجيين اليوم مع وجهة نظر "واطسون" في أن السلوك الإنساني يعتبر بمثابة شيء حقيقي وموضوعي، وعلى ذلك نجدهم يدرسون فقط الأنماط السلوكية القابلة للملاحظة أو القياس
1- الإشراط الكلاسيكي:
أشار "واطسون" نتيجة تجاربه المعملية أن التعلم يحدث عندما تكون موضوعات البيئة مرتبطة الواحدة منها بالأخرى، وفي دراسة "لواطسون
(1/100)

ورينور" Watson& Raynor؛ "1930" أشارا إلى أن طفل الحادية عشر شهرًا من العمر يمكن أن يتعلم إبداء استجابات الخوف من فأر أبيض
ولقد أشار إلى الحالة "ألبرت" Albert حيث كان يستجيب بالابتسام والتهويل عند تقديم الفأر الأبيض له، وفي نفس الوقت كان يبدي استجابة خوف "صياح وبكاء" عندما كان يعرض إلى ضجيج، وبعد قرن قدم "واطسون ورينور" الفأر مرات كثيرة مع الضجيج المرتفع، فقد بدأ الطفل في إبداء الخوف عند تقديم الفأر بمفرده، وبعد ذلك عمم استجابة الخوف على جميع الحيوانات المتشابهة مع الفأر أو ذات الفراء.
وتعلم الطفل هذا وسمي بالإشراط الكلاسيكي Classical Conditioning والتقليدي، وعادة ما يحدث هذا الإشراط في الحياة اليومية للأطفال، فمثلا صوت جرس المدرسة عادة لا يثير أي استجابة خاصة لدى الطفل الصغير والذي لم يدخل المدرسة بعد، ففي معظم الأحيان يكون ذلك الصوت مثيرًا محايدًا حيث يصبح مرتبطًا مع بداية اليوم الدراسي وعادة ما يستجيب التلاميذ له بأخذ أماكنهم داخل الفصول وجذب انتباههم إلى المدرس، أي إن هذا المثير أنتج استجابة اجتماعية مرغوب فيها.
إلا إننا نجد في بعض الأحيان أن هذا الإشراط الكلاسيكي لا يثير لدى الأطفال استجابة اجتماعية مرغوب فيها وذلك عندما يكون المدرسون معاقبين مستبدين وبالتالي نجد الأطفال عادة ما يربطون الخوف من العقاب بكونهم داخل الفصول المدرسية ومن ثم ينمي هؤلاء الأطفال استجابات خوف شرطية كلاسيكية، فالأطفال الصغار الذين خبروا الألم والمرض أثناء إقامتهم بالمستشفى، غالبًا ما يكونون ارتباط الألم بالأطباء والممرضات، وهم الأشخاص الذين كانوا متواجدون أثناء شعورهم بالألم والمرض, وبالتالي قد نجدهم ينمون استجابات خوف معممة ترتبط بأي زيارة إلى المستشفى وربما لزيارة عيادة طبيب, ولسوء الحظ فإن أغلب هذه الحالات تبقى معهم هذه المخاوف لسنوات عديدة من طفولتهم.
2- الإشراط الأدوى:
الإشراط الكلاسيكي عبارة عن تعلم يكون نتيجة المثيرات التي تسبق الاستجابة المتعلمة، ففي الحالة التي رأيناها سابقًا يرى أن تقديم الفأر
(1/101)

الأبيض والصوت أو الضجيج الصاخب قد سبقتا استجابة الخوف للطفل, وفي نمط آخر لدراسات التعلم بواسطة السلوكيين، فقد تبعت الاستجابة المتعلمة بأنواع من مثيرات متنوعة أخرى، ويسمى ذلك بالإشراط الآدوي، فالإشراط الآدوي يمكن أن يحدث في نفس الوقت، كما في حالة الإشراط الكلاسيكي.
ويركز، "سكينر" أن السلوك يتأثر بما يتبعه، حيث أشار إلى أن الأنماط السلوكية المتبوعة بأنواع معينة من المثيرات تكون أكثر ميلا في أن تحدث مرة أخرى في المستقبل Skinner؛ "1953، 1968"، فمثلا إذا قرأت هذا الفصل بعناية هذه الليلة، وتلقيت درجة ممتاز في الامتحان في اليوم التالي، فإنك ستكون أميل لاستخدام نفس الطريقة التي استخدمتها من حيث العناية في الامتحانات المستقبلية، وذلك أكثر مما إذا كنت قد حصلت على تقدير منخفض، فالسلوك الدراسي الدقيق المتهم يسمى حينئذ بالاستجابة الآدوية Operant resonse أي إنك تعمل وتجتهد في داخل بيئتك لكي تحصل على النتيجة المرغوب فيها بالنسبة إليك, والتعلم الآدوي أحيانًا يعزى كما لو أنه أشراط وسيلي Lnstrumenral Cond وذلك لأن الاستجابة التي فعلت تكون وسيلية لتحقيق نتائج معينة.
والتدعيم وفقًا لعلماء نظرية التعلم الآدوي، يعتبر بمثابة أي مثير له تأثير في ازدياد الاستجابة الفورية السابقة، والتغذية الرجعية Feed Back للامتحان، إن كانت أخبار حسنة تكون تدعيمًا، كما أن قيمة أي مثير معين كمدعم يعتمد على الشخص الذي يجري عليه التدعيم، فمعظم الطلاب الجامعيون الذين يريدون تحقيق تقديرات عالية عادة ما يستخدمون كمدعمين، كما نجد في جماعة المراهقة نرى أن استحسان الأقران الاجتماعي للقائد, يميل إلى أن يكون مدعمًا قويًا جدًا أكثر من أي تغذية رجعية يستطيع المدرس تقديمها، وبين أطفال ما قبل المدرسة وجد أن استحسان الأقران والأصدقاء يعتبر بمثابة مدعم قوي أكثر من استجابة المدرس لهم، وكما يشير Calrk؛ "1974" ورفاقه، أن ما نعتبره في أحيان كثيرة مثيرًا غير سار، قد يثبت فيما بعد على أنه مدعم قوي.
المدعمات الأولية والثانوية:
تسمى بعض المدعمات أحيانًا بالمدعمات الأولية، وهي التي تعتبر شيئًا ضروريًا للبقاء أو الحياة وأمثلة ذلك الطعام بالنسبة للجائع، والمأوى
(1/102)

بالنسبة للتائه في البرية، وثمة مثيرات أخرى لا تكون ضرورية للبقاء الحيوي أو المادي مثل النجاح والاستحسان الاجتماعي، إلا أنها تكون ذات فعالية وتأثير كبير على سلوك الإنسان، وتسمى بالمدعمات الثانوية، وتكتسب تأثيرها وفعاليتها من خلال الفرص المتكررة لها، فالطفل المولود لا يغير سلوكه بسبب التقدير، كما أن الأطفال في بداية مهدهم لا يتأثرون بالاستحسان الأبوي، إلا أن ذلك يحدث فقط فيما بعد عندما يصبح الاستحسان الاجتماعي مرتبطًا بإشباع الحاجات الأولية، والنجاح يصبح مرتبطًا بالاستحسان, فالمال يعتبر بمثابة مدعم ثانوي قوي لكثير من الأفراد, وذلك لارتباطه الوثيق بالمدعمات الأولية التي يمكن شرائها به.
والتدعيم قد يحدث بعد إجراء الاستجابة بصورة مباشرة أو قد يحدث أحيانا فيما بعد، ولقد أشار السيكولوجيون أنه كلما تأخر التدعيم كلما كان تأثيره على الاستجابة أقل, فالطالب الجيد في علم نفس النمو سيكون لديه دافع أكبر وأقوى إن عرف نتيجة امتحانه مباشرة، وذلك أكثر من الطالب الآخر الذي ينتظر أسبوعين مثلا لمعرفة نتيجة آدائه. والقدرة على التعلم بواسطة التدعيم المتأخر تنمو تدريجيًا فقط.
جداول التعزيز والانطفاء:
في أي موقف تعلمي، من الممكن أن يحدث التدعيم بعد إجراء كل استجابة فردية مرغوب فيها، كما يمكن أن يقدم بعد حدوث مجموعة من الاستجابات المرغوب فيها، ويطلق على النمط أو النموذج الذي يقدم المدعمات عن طريقها بجداول أو قوائم التدعيم.
وأول من أشار إليها "سكينر" حيث وجد تفاوتًا كبيرًا في الاستجابة تبعًا للطريقة التي تتم بها المكافأة، وليست المكافأة والعقاب عند "سكينر" مجرد عاملين مستقلين يؤثران على عملة التعلم، ولكنهما عاملان حاسمان في السلوك، ولقد أثبت "سكينر" بتجاربه أن توقيت واحتمال المكافأة يؤثران في كيفية ومتى وأين وما إذا كان الفعل سيقع، وكذلك ما إذا كان من الممكن تعلمه أم لا، فالتعزيز يشكل السلوك، وفي تجربته على الحمام وجد "سكينر" أن الطائر لو كوفئ على فعله كل خمس دقائق، فإنه لن ينشط بل وسينام لمدة أربعة دقائق, ثم ينشط فجأة بشكل غير عادي مستجيبًا كلما اقتربت لحظة المكافأة, وعلى عكس ذلك فإن الطيور التي كان يكافؤها بعد كل خمسين أو ستين استجابة كانت تتجاوب بالسرعة التي تستطيعها.
(1/103)

وتشير الدراسات النفسية أن الجداول المستمدة من التدعيم تؤدي بصورة أسرع إلى نماذج نظامية من الاستجابة، كما أنه من المفيد جدًا في المراحل المبكرة من التعليم توفير التدعيم في كل مرحلة يعمل فيها المتعلم استجابة مرغوب فيها، فإن ذلك سوف ينتج معدل راسخ وثابت من الاستجابة, ومع ذلك فبمجرد توقف التدعيم نجد اختفاء الاستجابة وانطفائها, فإذا تعود أحمد على تلقي المديح في كل مرة يفعل فيها شيئًا معينًا, وفجأة نرى الأم توقف من مديحها له، فإن أحمد يحدث لديه انطفاء للاستجابة التي كان يؤديها، وتشير الدراسات كذلك إلى أن جداول التوقيت الثابتة تؤدي إلى ازدياد الاستجابة في نهاية كل مرة, فالمدرس الذي يجري امتحان كل يوم سبت، نجد تلاميذه يستعدون له ويميلون إلى المذاكرة المنهمكة كل يوم جمعة من الأسبوع.
تشكيل السلوك:
في البداية عادة ما نجد الأطفال الصغار لا يعرفون كيفية عمل الاستجابة المرغوب فيها، فمثلا عندما نعلم الطفل كيف يكتب اسمه، فإننا يجب أولا أن نعلمه كيف يمسك القلم، وبعد ذلك نعلمه كيف يعمل الحركات المتطلبة لكل حرف، وفي النهاية نعلمه كيف يكتب الحروف في تتابع مناسب والتدعيم، الذي يتبع كل خطوة للطريقة يؤكد حدوث التعلم,
وهذه العملية التدعيمية المتتابعة حتى الاستجابة النهائية المرغوب فيها تسمى بعملية تشكيل السلوك Shapin behavior كما إن إجراء استجابات مركبة معقدة تتطلب تشكيلا متتابعًا للاستجابة النهائية.
المدعمات الإيجابية والسلبية:
جميع أنواع التدعيمات التي تحدثنا عنها تؤدي إلى ازدياد الاستجابات السابقة بصورة مباشرة فهذه التدعيمات تكون سارة ومشبعة وبالتالي يريد المتعلم أن تحدث، وتسمى هذه التدعيمات بالمدعمات الإيجابية، وجدير بالذكر أن هناك كثير من المثيرات تؤثر على التعلم بصورة مختلفة، فالمدعمات السلبية هي المثيرات التي يحاول المتعلم إيقافها وإنهاءها بثمة مثيرات تقوي وتدعم الاستجابات الهروبية، بمعنى أنه كلما تعلم الهروب من المدعم السلبي، فإنه سيكون أميل لإجراء ذلك في المستقبل Hilgard& Bower؛ "1975", ويشير الباحثون أن الاستجابات الهروبية الاجتماعية المرغوب فيها قد تكون متيسرة للمتعلم، إذا كان التدعيم السلبي يتمركز في تعليم ما نرغب فيه Solomon؛ "1964" فعندما
(1/104)

لا نريد تعلم "أ" أن يأتي إلى المنزل متأخرًا في المساء، فإن كان الشيء الوحيد الذي نعلمه هو توبيخه بعد عودته متأخرًا، ولكن الأجدر أن نفسر لـ"أ" قبل مغادرته المنزل بعد الظهر ماهية السلوك المرغوب اجتماعيًا الذي يمكن أن يؤتيه حتى يتحاشى المدعم السلبي.
ولكن ما الذي يحدث عندما يصفع أو يضرب "أ" بعد حضوره متأخرًا في المساء والاحتمال الأكبر هنا أن الأم أو الأب يفعلا ذلك لأنهما يفترضا أن ذلك سوف يقلل احتمالية عودته متأخرًا فيما بعد, ويشير Estes "1944" إلى أن العقاب وحده وبدون أي تعلم آخر لا يوقف كليا السلوك غير المرغوب فيه، كما نجد "هليجارد وبارو" يشيران إلى أن الاستجابة لا يمكن أن تظهر من ذخيرة الكائن السلوكية بفعل العقاب بمفرده, حيث إننا نجد أنه عندما يزال العقاب فإن الفرد يعود تدريجيًا إلى معدل استجابته قبل العقاب، وبدون تعلم "أ" الاستجابة الاجتماعية المقبول فمن الممكن توقع وصوله دائمًا إلى المنزل متأخرًا, بغض النظر عن التوبيخ واللوم القاسي الذي يعطى إياه.
وجدير بالذكر فإن سوء الفهم الذي اكتنف تأثير العقاب قد شجع بعض المدرسين في المطالبة بالاستمرار في العقاب الجسدي عندما يكون سلوك التلاميذ غير طيع، فإن كان كل ما ينفعه هو الضرب أو التوبيخ الشديد وليس غير ذلك، فتبعا للسلوكيين فلزاما علينا أن نضرب ونوبخ إلى الأبد! ولكن قبل أن نأخذ هذا المسلك يجب علينا أن نتذكر تأثيرًا معروفًا آخر للمثيرات غير السارة المستمرة في داخل بيئاتنا, فعندما تكون البيئة مرتبطة بالمثيرات غير السارة، فإننا في نفس الوقت ننمي لدى أطفالنا استجابات خوف ارتباطية، وتعميم الخوف أو القلق يرجع غالبًا إلى العقاب المستمر أو التدعيم السلبي, وتبعا لذلك فإن والدة "أ" تحاول طرق أخرى غير التوبيخ الشديد أو الضرب فقط لكي تعلم "أ" أن يحضر إلى المنزل في الموعد المحدد.
إدارة أو تشكيل السلوك:
عندما ندعم بصورة مقصودة السلوك المرغوب فيه ونتجاهل أو نعاقب السلوك غير المرغوب فيه، فإننا نستخدم في هذه الحالة ما يسمى بإدارة السلوك، وتحدث هذه العملية يوميًا داخل المنزل والفصول الدراسية، فعادة ما يدعم الآباء الأنماط السلوكية المرغوب فيها اجتماعيًا لدى ولديهم
(1/105)

عن طريق الاستحسان الاجتماعي والحب، كما نرى المدرسين كذلك يستخدمون المديح والدرجات الجيدة داخل فصولهم لنفس هذه الغاية.
ولكي نطبق مبادئ إدارة السلوك في طريقة منتظمة، فمن الضروري أولا أن ندرس بعناية ذخيرة الطفل من الاستجابات، وعلى ذلك فإننا لا يمكن أن ندعم السلوك الذي يظهر، فعندما لا تظهر الاستجابة المرغوب فيها بصورة أولية، بحيث ندرك أنه يجب علينا أن نشكل تلك الاستجابة فعن طريق التدعيم البطيء الدقيق والتقريبات المتتابعة للسلوك المرغوب فيه، إلى إن يظهر هذا السلوك في نهاية الأمر, وعندما تظهر الاستجابة المرغوبة فيها بصورة منقطعة، حينئذ يجب علينا أن نكون دائمًا منتبهين حتى نتبعها بالمدعمات لكي نتأكد من عدم انطفائها.
وجدير بالذكر، فإن أي شخص يستخدم وسائل إدارة السلوك مع الأطفال يجب أن يكون خبيرًا, مهتمًا في اختيار المدعمات, فلا يوجد مثير متفرد واحد سوف يدعم جميع الأطفال بصورة متساوية، فالمديح يعتبر مدعمًا مؤثرًا لبعض الأطفال، كما أن النجوم داخل الكراسات المدرسية أو التي ترتبط في أعلى صدر الطفل قد تكون أكثر تأثيرًا بالنسبة لأطفال آخرين، كما نجد بالنسبة للمراهقين أو استحسان جماعة المراهق يعتبر مدعمًا أكثر تأثيرًا وفعالية من أي مدعم آخر.
وإحدى طرق اختيار المدعمات في الموقف التعليمي تكون في أن تسمح للأطفال أن يعملوا الاختيار بأنفسهم، وتسمى إحدى الطرق لإجراء ذلك بمبدأ بريماك Premack؛ "1959", حيث يتضمن ملاحظة سلوك الطفل بعناية أثناء اللعب الحر، وأن يسجلوا الأنماط السلوكية التي غالبًا ما تحدث بصورة متكررة، ويستخدمون نفس السلوك في مرحلة لاحقة أثناء عملية التعلم لإحداث التدعيم المرغوب فيه، بمعنى أنهم سوف يسمحون للأطفال أن يمارسوا السلوك كمدعم، فمثلا الأطفال الذين يهتمون بقضاء معظم أوقات فراغهم في قراءة الكتب الفكاهية المسلية، يسمح لهم بقراءة هذه الكتب كمدعم للسلوك المرغوب فيه، والأطفال الذين يقضون أوقات فراغهم في لعب المباريات من الممكن أن يستخدم اللعب كمدعم لما نرغب في تنمية من أنماط سلوكه.
ولقد أثار بعض النقاد الاهتمام حول الأخلاقيات المتضمنة في برامج إدارة السلوك، حيث يتساءلون هل من حق أي فرد أن يمارس الضبط والتحكم في سلوك الآخرين؟ وهذه الاهتمامات الأخلاقية كما نوقشت فيما سبق تستأهل اعتبارًا جادًا من الباحثين، فحقوق الأطفال، وكذلك الراشدين يجب أن توضع في الاعتبار دائمًا.
(1/106)

نظرية الدوافع:
كثير من علماء التعلم شعروا أن المنحى السلوكي لم يقدم تفسيرًا كاملا لما يحدث عندما يتعلم الطفل، وحاول أصحاب نظرية الدوافع أن يصفوا ما يحدث داخل الأطفال لكي يفسروا حركاتهم وأنماط سلوكهم. ويشير أصحاب هذه النظرية أن جميع الأنماط السلوكية ذات معنى وهدف وبدون وصف هذا الهدف حينئذ نتجاهل جوانب هامة من عملية التعلم.
وبطبيعة الحال فإن علماء نظرية الدوافع لا يمكنهم ملاحظة الغرض من السلوك بصورة مباشرة، إلا إنهم يستدلون على وجوده من المعلومات والبيانات التي يستطيعون ملاحظتها, ولكي نفسر هذا الاتجاه لسلوك الطفل الإنساني فإنه من المهم أن نتفهم سويًا ثلاثة مفاهيم أساسية لهذه النظرية ألا وهي الحاجات والحوافز والدوافع, وسنلقي الضوء على تلك المفاهيم في ثنايا الصفحات التالية.
فالحاجة Need اصطلاح أدخله "ليفين" في علم النفس في الثلاثينات، وبمعنى شعور المرء بأنه ينقصه شيء أو يلزمه شيء، أي إنها حالة داخل الفرد والتي قد تخفض الكتيف المشبع للبيئة، وبعض الأمثلة لذلك حاجة الطعام والحب، كما أن الحاجات الضرورية للبقاء الجسمي تسمى بالحاجات الأولية، فالطعام يعتبر حاجة أولية Primary Need، إلا أن الحب ليس كذلك، حيث يعتبر حاجة ثانوية Secondary Need، ولكن إشباع هذه الحاجات الثانوية ضروري للنمو السوي للكائن الآدمي، فعلى الرغم من أنها ليست ضرورية للبقاء المادي للإنسان إلا أنها تأتي عن طريق التعلم لتكون ذات أهمية وفعالية في التكيف الأفضل للإنسان.
(1/107)

وتبعًا لنظرية الدافعية، فإن حاجات الطفل تحدث الحافز Drive وهو حالة داخلية تجبر الطفل على النشاط والحركة، فعندما يكون الرضيع في حاجة إلى الطعام يصبح أكثر نشاطًا يتلوى ويصيح، ويسمي أصحاب نظرية الدوافع أن ما يفعله الرضيع يكون بينة أو دليل لحافز الجوع لديه وعندما يكون لدى التلاميذ حاجة ثانوية للتحصيل والإنجاز نجدهم يصبحون في حالة نشطة للدراسة والتحصيل، ومن المهم أن نشير إلى أن الاتجاه الذي يتخذه نشاط الحافز بصورة أولية "قبل التعلم" يكون غير مميز، فعلى الرغم من أنه قد يتصف بمعدل نشاط عال، إلا أن الفرد منذ البداية لا يكون لديه هدف معين في تفكيره، ومثال على ذلك ما نراه لدى المولود حديثًا, فبعد ساعات قليلة من المولد نجد أن لديه حاجة قوية إلى الطعام، وفي هذا السن، لا نستطيع الافتراض بصورة مؤكدة بأن الرضع يعرفون صدور أمهاتهم المخفض لحاجاتهم، حيث لا يكون لديهم حتى الآن الفرصة لاستقبال الطعام من خلال أفواههم، إلا أن حافز الجوع يجبرهم إلى نشاط عام حيث نجدهم يصيحون ويتلوون من الجوع، وكلما ازدادت الحاجة تبعًا لنظرية الدافعية فإنها تفعل أو توجد الحافز المحصل أو الناشئ Resultant. فكلما كانت الفترة أطول التي يقضيها الرضيع بدون إطعام فمن الممكن أن نتوقع أنه سوف يصيح لفترة أطول, وبعد أن يطعم فقط، وتخفض حاجته يمكن أن نتوقع بأن نشاطه سوف يتوقف.
وبطبيعة الحال نجد الرضيع كلما تقدم به العمر يخبر تخفيض الحافز من خلال صدر الأم، وبعد ذلك عندما يصيح، فإن ذلك سيكون لغرض الحصول على صدر الأم، ويسمى هذا السلوك بالسلوك الدافعي الموجه، وتحدث الدافعية فقط عندما يتعلم الطفل من خلال اقتران هدف الموضوع مع تخفيض الحافز لمباشرة نشاطات في طرق معنية للحصول على هدف معين.
(1/108)

هرمية "ماسلو" للحاجات:
لقد وجد في أعمال "ماسلو" "1943-1954"، إحدى المحاولات الأصلية للتعامل مع نظم الحاجات المركبة، إذ يشير أن الحاجات يمكن أن توصف بدقة وبوضوح بواسطة الهرمية المرتبة من الحاجات البسيطة إلى الأكثر تركيبًا، وبالتالي تصبح الحاجة مهيمنة ومسيطرة عندما يشبع فقط الحاجات الأدنى من هذه الهرمية.
وتبعًا "لماسلو" نجد الحاجات الفسيولوجية أساس نظرية الدافعية حيث نراها مهيمنة مسيطرة في حالة عدم اشباعها، فالأطفال الذين يكونون تحت وطأة هذه الحاجة لا يهتمون مثلا بحاجات الاجتماع أو حاجات الاستحسان الاجتماعي, حيث نجد المدعمات الاجتماعية العادية ذات تأثير ضعيف على سلوكهم، وحاجات الأمن، أي الحاجة، إلى بيئة آمنة مستقرة تلي ذلك، وقد نجد هذه الحاجة تهيمن على وجود بعض الأطفال سيئوا الحظ والتي تكون حياتهم العائلية مضطربة بسبب الانفصال الأبوي مثلا, ويلي ذلك الحاجة إلى الحب والانتماء, فالشباب الذين يشعرون بعدم التقبل والذين لا يشعرون بالألفة والوئام مع زملائهم في المدرسة، عادة ما يصبحون ذوي مشكلات سلوكية أكثر، كما أن حاجات التقدير عادة ما يشبع من خلال الإنجاز، ويستطيع الآباء والمدرسون أن يدعموا هذه الحاجات عن طريق مكافئة تلك الحاجات وتوفير فرص النجاح أمام التلاميذ، ومع ذلك، وحتى في حالة إشباع هذه الحاجات يشير "ماسلو" إلى أن الطفل سوف يشعر بعدم الرضا والقلق إلا إذا عمل ما يرغب فيه وما يستطيع القيام به، أي ما يسميه "ماسلو" بحاجات تحقيق الذات وتحدث عندما يتمكن الأطفال من إشباع الحاجات إلى الفهم والمعرفة.
يوضح الشكل رقم "1" هرمية "ماسلو" للحاجات الدافعية
(1/109)

الدافعية الداخلية والخارجية:
يميز علماء النفس بين ما يسمى بالدافعية الداخلية والدافعية الخارجية Extrinsic Motivation وتحدث الدافعية الخارجية عندما تكون النشاطات موجهة نحو موضوعات خارجية لخبرة التعلم كالمكافآت المالية التي تعطي للسلوك الطيب، والدافعية الداخلية Lntrinsic Motivation تعزى إلى الدافعية والتي تستخدم الخبرة نفسها كهدف فقد يدفع الأطفال داخليًا إلى العلم والقراءة. وذلك لأن القراءة تعتبر بمثابة شيء ممتع مشوق والدافعية الداخلية بهذا المعنى تعزى إلى ما يسميه السلوكيون بالنشاطات المدعمة ذاتيًا.
ويشير "هارلو وال" Harolw & al؛ "1950" أن الكائنات الإنسانية غالبًا ما تكون مدفوعة بحب الاستطلاع والحاجة إلى الاستثارة، بمعنى أن الشيء الجديد غير المألوف لخبرة التعلم يمكن أن يستخدم كهدف أو غرض, ويبدو أن الأطفال يستمتعون بالاستكشاف بدون الحاجة إلى مكافأة لافتة للنظر، ومما هو جدير بالذكر فإن هذه الحقيقة تدعم مفهوم أن الدافعية الداخلية يمكن أن تكون العامل الأساسي للتعلم.
ونجد أن كثيرًا من طرق التدريس الحديثة تستغل الدافعية الداخلية، فمثلا الطريقة المعروفة بسوزوكي Suzuki في تعليم الأطفال ما بين 1.5: 2 سنة عزف الكمان وذلك عن طريق إجراء لعب الكمان بالنسبة لهم كمكافأة بغض النظر عن أي مكافأة خارجية Pronko؛ "1969"، كما أن بعض المناهج المبتكرة التي أشار إليها Moore؛ "1968" تستغل الدافعية الداخلية لدى الأطفال بواسطة طريقة البيئة المستجيبة، حيث ندد أن الدافعية تأتي من خلال معرفة الأطفال أنهم يتعلمون، كما أن التعليم المفتوح والذي يساعد فيه الأطفال على بناء منهجهم الخاص بهم يعتمد كذلك وبصورة كبيرة على الدافعية الداخلية.
والتفسيرات التي أعطيت للحاجات والحوافز والدوافع تساعد على توضيح الأسباب التي يعزى إليها أن كثير من الأطفال يبدون كما لو أنهم غير مدفوعين إلى التعلم، فدافعية نمو الإنجاز والتحصيل في كثير من جوانبها تتفق مع دافعية الرضيع للحصول على صدر أمه، بمعنى أنها تنمو فقط عندما يكون الطفل قد تعلم توجيه النشاط نحو هدف أو غرض معين، وقد يكون هذا الهدف خارجيًا "كالتقدير المرتفع أو الدرجة العالية،
(1/110)

وقد يكون داخليًا "كالمتعة في حل المسائل والمشكلات الجديدة". والدافعية يمكن أن تحدث فقط بعد حدوث خفض الحافز، فالأطفال الذين قد فشلوا في الماضي في كل شيء حاولوه, لن يكون لهم أبدًا فرصة إخبار تخفيض الحافز في مواقف التعلم ومثل هؤلاء الأطفال يمكن توقع عدم قدرتهم على التحصيل والإنجاز إلى أن تحدث تغييرات أساسية في الموقف التعلمي, وبالتالي فبدلا من قولنا أن "أ" لا يتعلم لأنه لا يكون مدفوعًا إلى التعلم, نجد المدرس الناجح يقول: إن "أ" لا يكون لديه الدافعية بسبب كونه لا يتعلم.
وعادة ما نفترض أن الأطفال سوف يدفعون برغبة تحاشي الإخفاق أو العقاب، وهذا المنحى يمكن أن يكون صادقًا أحيانا خاصة مع الأطفال الذين قد تعلموا بالفعل كيفية تجنب الإخفاق، إلا أنه بالنسبة للطفل الذي يخفق دائمًا، فإن علماء الدافعية يشبهون في تفسيرهم علماء التعلم بأنهم يتنبئون نقصًا مستمرًا في الدافعية لدى هذا الطفل.
ولقد اقترح "جاجنه" Gagne؛ "1970" طرقًا أكثر إيجابية بواسطتها يمكن أن يكون الأطفال في حالة دافعية للتعلم؛ فمثلا الدافعية من خلال الرغبة في الحصول على الاستحسان الاجتماعي من الأقران, ولبناء مراكز تقدير الذات والتحكم أو البراعة في المهارة، وللتعامل بصورة استقلالية وكذلك للإنجاز والتحصيل.
ويشير اقتراح سيكولوجي آخر في أن نجعل التعلم ذا معنى وهدف حيث اتضح أن الغرضية Meaningfulness ذات أهمية قصوى في التعلم Underwood؛ "1964" فعندما يفهم الأطفال الفوائد التي يمكن أن تسفر عنها مجهوداتهم حينئذ تكون دافعيتهم متزايدة، كما أنهم عندما يكونوا قادرون على الوصول إلى أهدافهم نجد تزايد دافعيتهم كذلك. وعلى ذلك فعن طريق ترتيب وتنظيم التعلم في خطوات قصيرة، نجد أن الخطوة التالية يمكن أن تفهم بسهولة ويصل إليها الطفل ويعتبر بمثابة طريقة أكثر فعالية وتأثيرًا في التدريس، إذا ما قورنت بطريقة المثيرات المبغضة أو التي يكرهها الطفل.
الدوافع والتغير النمائي:
يشير علماء سيكولوجية النمو أن الأنماط من الداوفع تهيمن
(1/111)

في أعمار زمنية مختلفة، فتبعًا لكاجان Kagan؛ "1971" أن الدوافع التي تشغل البال هي عادة تلك المرتبطة بالأهداف التي لا يكون الواحد فيها مؤكدًا إنجازه أو الحصول عليه وهذا الشك أو عدم التأكد يتغير كلما نضج الطفل, ويستطرد كاجان أن الطفل في بداية شهور حياته الأولى لا يوجه بأي شيء أو لأي أهداف ما عدا تلك المرتبطة بإشباع حاجاته الفسيولوجية، وبنهاية السنة الأولى وعندما تشبع هذه الحاجات نجد الدوافع المرتبطة بالأهداف غير الفسيولوجية تبدأ في الظهور، فالرضيع ذو التسعة شهور الذي يعبر عن القلق والاندهاش لاختفاء دميته عن ناظريه، يومئ لنا بأنه يريد تلك الدمية، وبصورة مماثلة فإن طفل الثمانية عشر شهرًا عندما يبكي عندما تغادر أمه الحجرة يظهر لنا الحاجة إلى وجود أمه، وعندما يصل الطفل إلى الثالثة فإنه لا يقتنع فقط في مجرد التماس وجود الأم، ولكنه يلتمس كذلك الاستحسان الأموي، فطفل الثالثة يريد أن يعانق، وفي فترة لاحقة في الرابعة من لا يريد كثيرًا أن يعانق، ولكن في جعل أمه متعلقة به أو معاقبة له.
كما أن سنوات المدرسة المبكرة تتصف بنمو حاجات الكفاية وذلك كما يشير "كاجان" فأثناء هذه الفترة نجد الرغبة في الكفاية والجدارة بالإضافة إلى التقبل من الأقران تكون تلك الحاجات قوية لدى طفل الحضانة, كما يظهر أطفال السنة الأولى حاجات قوية للبرهنة أو إظهار أنهم ذوو قيمة، فالمديح يكون ذو فعالية وتأثير كما هو في العناق، ونجدههم عادة ما يؤدون الواجبات المدرسية لتلقي المديح فقط من المدرس. وأطفال السنة الأولى الذين يكون لديهم مشكلات في القراءة فعلا لا يشعرون بعدم الجدارة أو التفاهة فقط، ولكنهم كذلك يكونون على دراية شديدة بأن أقرانهم يمكن أن يرو إخفاقهم.
ويدخل الفرد طور المراهقة، وينبثق لديه اهتمامات وميول جديدة، ومن أولها الدوافع الجنسية القوية، والجاذبية الجنسية التي تشعره بالتقبلية، والمرغوبية، وعمومًا فإن المراهق الذي يشعر بعدم الأمان في الأمور المتعلقة بالجنس غالبًا ما نجد لديه صعوبة كبيرة في التكيف مع أقرانه، وأيضا إلى بيئته المدرسية, والأنماط السلوكية الجنسية تتعلم تدريجيًا خلال فترة الطفولة فنجد الفتاة مثلا تلتمس بصورة شديدة اكتساب المديح والثناء ونراها تقضي ساعات في ضم شعرها وتسريحه وتجريب عدة تسريحات عليه، كما أن المراهق الذي يعتقد أن أبوه سوف يفتخر به لمهاراته الرياضية
(1/112)

قد يعمل ويتدرب لساعات كثيرة في النادي ليكتسب مديح وثناء والديه, وبطبيعة الحال نجد أن في المقبولات الثقافة يؤثر في نماذج السلوك الجنسي، إلا أن الحاجة إلى التقبل ذات فعالية وبغض النظر عما إذا كان السلوك المختار صحيحًا من الناحية الثقافية أم لا.
النموذج والدافعية:
يدفع الأطفال منذ أعمارهم المبكرة بالحاجة إلى الحصول على تواجد أمهاتهم, ومع تقدم العمر نجدهم يتلمسون مجرد وجود الأم، بالإضافة إلى استحسان وتقبل الأم، وتشير باندورا Bandura؛ "1969" أنه ليس بمستغرب أن يتعلم الأطفال أنماط سلوكية جديدة من خلال تقليد أمهاتهم أو القائمين برعايتهم وتنشئتهم, فالأطفال ابتداء يتعلمون الاستماع وبعد ذلك تقليد ومحاكاة أصوات الوالدين أو القائمين مقامهم. ويشير Hureh& Sherman؛ "1973" أنه عندما يدعم التقليد، بالاستحسان يؤدي إلى تكوين اللغة، ويختار الأطفال النماذج التي تكون مشابهة لهم وتبعًا لآراء "كاجان" Kagan "1971" يشير أنه كلما كانت السمات والملامح متشابهة، كلما كان اعتقاد الطفل أرسخ بأن النموذج يشبهه، ولأجل ذلك نجد الأطفال يميلون إلى تقليد سلوك الأب من نفس الجنس، فالطفل الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات، عندما يقلد سلوك الأب بأن يجلس في حجرة مكتبه ويكتب في أوراقه نجده يبدي سلوك نموذج الجنس Sex Typed Behavior كما أن الطفلة التي تحاكي سلوك أمها بالجلوس في المطبخ ومحاولة مسك الأواني، تظهر صورة جديدة لسلوك نمط الجنس.
وتكتسب نماذج شخصية كثيرة من خلال تقليد الأطفال ومحاكاتهم النشاطات الأبوية، وعادة لا يكون الآباء على دراية بالأنماط السلوكية التي تحاكي فقد كان أحيانًا غير مرغوب فيها، ومثال ذلك نرى أن الأم العدوانية عادة ما تنشئ الابنة بأنماط سلوكية عدوانية، وتتضمن عملية المحاكاة كذلك نسخ الفعل وليس الشخص، فمحاكاة الأب من نفس الجنس ما هي إلا مجرد الخطوة الأولى في عملية التعلم، وكلما تقدم الطفل في عمره الزمني يتبع التقليد بما تسميه نظريات التحليل النفسي بعملية التقمص Ldentification، وهو عملية لا يتبنى الأطفال أنماطا سلوكية فقط، ولكن كذلك معايير النموذج والتي تتحكم في سلوكهم وبمرور الوقت نجد الأطفال يتمكنون من التحدث عن أهداف رمزية، وأحد هذه الأهداف الرمزية التي يحصل عليها أثناء عملية التقمص هي المتعة واللذة البديلية،
(1/113)

فالأطفال الذين يتقمصون مع نموذج يعتقدون أن بعض خصائص هذا النموذج تخصهم وتصفهم, وبالتالي يظهرون احتواء بديليا مع النموذج.
فالطفل ذو الأعوام الثلاثة الذي يقلد أباه عن طريق نسخ حركات والده في أي عمل، وطفل السادسة عندما يحاول أن ينظف سيارة والديه بنفسه عندما يسمع مثلا أن جدته سوف تأتي لزيارة الأسرة يفعل ذلك لأنه يعتقد أن والده قد يرغب أن تكون السيارة نظيفة في تلك المناسبة، وطفل السادسة هذا يستمتع بثناء جدته على تنظيف السيارة، كما أن المراهق الذي يحاول أن يرضي والده من خلال العمل الرياضي يتذكر المشاعر والأحاسيس المبكرة الأولى عند والده.
ويتقمص الأطفال النماذج المشابهة لهم، بالإضافة إلى النماذج التي تعطي الحب والانتباه وتشير نتائج دراسات Yussen & Ulevy "1975" أن الأطفال يولون الانتباه الأكبر إلى النماذج الدافئة المحبة، وذلك أكثر من تلك النماذج التي لا تمدهم بالدفء والحب، وبالتالي فإن الأطفال يميلون لمحاكاة الأمهات الدافئة الحانية، ويتجاهلون الأمهات الباردة غير المستجيبة.
ويتقمص الأطفال كذلك النماذج ذات القوة والسلطة, ويسمى ذلك بالتقمص مع المعتدي فالآباء مثلا قد يستخدمون كمصادر للتدعيم للأطفال الصغار، كما أنهم يتخذون كمصادر للعقاب والضبط والتحكم, فكل اللاءات تعلمت من خلال ما نسميه بالتعلم الكاف Prhibtion Learnig وهذا المصطلح عادة ما يصف تعلم اللاءات، حيث أنها غالبًا ما تتعلم من خلال التقمص مع نموذج في المدرسة ذو سلطة وقوة والذي يقول: "لا" ومثال سمعته من أحد تلاميذي في المدرسة إذ يقول "أ" إلى صديقه الحميم "ب" وذلك بعد أن أعلن المدرس عقاب "ب" لعدم أدائه الواجب المدرسي، يقول له: إنها غلطتك، فالمدرس قال بأننا جميعًا يجب أن نفعل الواجبات المدرسية، ونجد أن "أ" قد تلقى متعة بديلية بالتقمص مع السلطة أو القوة "المدرس" المعاقب، فبالتقمص مع المدرس نجده يتلقى أحاسيس ومشاعر بديلية من القوة والسلطة, كما أن مقاومة الإغراء والامتثال والطاعة نجدها قد تعلمت بنفس الطرق سابقة الذكر فالطفل الصغير الذي يغري بأخذ الحلوى من الدولاب مثلا عندما لا تكون أمه ملتفتة إليه ينتهي به الأمر بقوله: لا.. لا ويسحب يديه.
(1/114)

أنماط تعلم الأطفال:
في مناقشة نظريات التعلم السابقة لم نميز بين أنماط كثيرة من التعلم الممكن, ولقد ميز جاجنه Gegne؛ "1972" بين خمسة ميادين منفصلة أو أنماط للتلعم وهي التعلم الإدراكي، تعلم المعلومات اللفظية وتعلم المهارات العقلية، وتعلم الاستراتيجيات أو الخطط والتدابير المعرفية، وتعلم الاتجاهات، وكل منها تتصف بطرق تعلم ناجحة ومختلفة كل منها عن الأخرى, وسوف نتأمل هذه الأنماط بشيء من التفصيل, كما أننا سوف نتطرق إليها في كثير من الفصول التالية.
1- تعلم الإدراك الحركي:
يتضمن الإدراك تمييز معنى المثيرات داخل البيئة، ويشتمل التعلم الحركي استخدام الجسم في ثمة طرق ويستخدم أمثل الطرق في الأشياء المدركة، ونمو الأطفال في كل من مهاراتهم الإدراكية والحركية يعتبر بمثابة شيء هام بالنسبة لهم, وهذه حقيقة سواء كانت طوال السنوات المبكرة حيث تكون المهارات الأساسية كالزحف والمشي قد تعلمت وكذلك في المراحل اللاحقة أثناء سنوات الدراسة كما نجد أثناء فترة الطفولة الوسطى مهارات كثيرة دقيقة تنمي كالمهارات المتطلبة للقراءة والكتابة والنشاطات الحركية الإدراكية تتدخل في جميع مجالات الحياة، وبالنسبة للراشدين نجدهم مثل الأطفال حيث نجد أن المهارات المتقدمة تكون ضرورية للأداء الاجتماعي المقبول.
ويشير "ميرل Merrill؛ "1971" أن المهارة الحركية ما هي إلا سلسلة من الحركات الدقيقة المتكاملة والتي تؤدي لغرض معين، كما أن التعلم الحركي يشبه الأنماط الأخرى من التعلم، ويتأثر بصورة كبيرة بواسطة التدعيم ومعرفة النتائج أشير إليها بأنها تعتبر مدعمًا قويًا بالنسبة للطفل في نمو قدرته الحركية، كما أن توضيح الأهداف يحسن الأداء. ويشير Locke& Bryan؛ "1966" أن صعوبة الأهداف والغايات يعتبر شيئًا مهمًا في تعلم المهارات الحركية، فالهدف الذي يكون سهلا للغاية الوصول إليه سوف ينتج الملل, وعلى نقيض ذلك نجد أن الهدف عندما يكون صعب للغاية ولا يمكن إنجازه سوف ينتج الإحباط عند الأطفال.
(1/115)

ويتضمن الإدراك استخلاص المعنى من العالم المحيط بنا وعالم الطفل مليء بالمثيرات، لكي يتمكن من استخلاص معلومات ذات معنى بالنسبة له منها، فالطفل قد يتعلم أولا أن يختار وأن يميز، والتعلم الإدراكي مهم في كثير من نماذج أو أنماط الواجبات والتي تندرج من المستوى الحسي البسيط إلى الأفعال المركبة المعقدة، وتعلم التمييز بين الأشكال المميزة لكل من الأحرف الأبجدية والتعرف عليها يعتبر بمثابة الخطوة الأولى في تعلم القراءة.
وتشير "جيبسون" "1978" في تجربتها على تعلم أطفال في الرابعة من العمر القراءة أن خطتها أظهرت ملامح معينة من الأخطاء التي وقع فيها الأطفال وكانت هذه الأخطاء نتيجة الخلط أو الالتباس الإدراكي، وتستطرد جيبسون أن المعنى كذلك يكون ذو أهمية كبيرة لتعلم القراءة حيث أشارت نتائجها أن تعلم الكلمات ذات المعنى كان أسهل وأسرع للأطفال عن تعلم الكلمات عديمة المعنى.
2- تعلم المعلومات اللفظية:
يشير جاجنه Gagne أن المعلومات اللفظية تعني تعلم الحقائق والمبادئ والتعميمات المتضمنة فيما نسميه بمجموعات المعرفة Bodies of Knowledge ويشير كثير من علماء النفس النمو أن عندما نجعل المواد اللفظية ذات معنى ومغزى بالنسبة للطفل حينئذ تكون أسهل للمتعلم، ومثال على ذلك إذا سألنا طفلا لكي يحفظ صفحة واحدة من الشعر الجاهلي القديم، نراه يجد صعوبة بالغة إذا ما قورن ذلك بسؤالنا إياه أن يحفظ صفحة من الشعر الحديث. ويشير Travers أن السبب في ذلك يرجع إلى أنه عندما تكون المادة المتعلمة ذات معنى ومغزى تكون أسهل في تعلمها من المادة التي ليست كذلك.
بالإضافة إلى أن الزمان والمكان اللذين يتم فيهما تعلم المعلومات اللفظية يشكل كذلك عاملا هامًا في عملية التعلم, وعموما فإن التعب يحل بالمتعلم إذا أرهق في تعلم شيء من الأشياء وعلى نقيض ذلك إن كان التعلم على فترات نظامية Gibson؛ "1968"، وليس بمستغرب أن الدراسة المتعجلة لأداء الامتحانات نادرًا ما تنتج النتائج المرغوب فيها.
(1/116)

3- تعلم المهارات العقلية:
وهو عبارة عن ضرب من المثيرات ذو ملامح مميزة والتي فيها يميز الفرد بين مفهوم وآخر، ومفهوم التعلم القدرة على تصنيف المثيرات تبعًا لهذه الصفات المميزة العامة، كما أن التعلم التمييزي يتطلب القدرة على التمييز بين المثيرات تبعًا لاختلافاتها, وجدير بالذكر أن تعلم المهارات العقلية عملية مستمرة، فكل طفل وبسبب خبرته المفتردة يصنف تلك الخبرات بطريقة متفردة فمثلا قد نجد أن مفهوم "أحمد" عن البوليس قد يتضمن صفات الدفء والحنان والمساعدة، في حين نجد مفهوم "هشام" عن رجل البوليس قد يتضمن الإيذاء والقبض والعقاب.
كما أن القدرة على استخدام اللغة أمر مهم لنمو المهارات العقلية، فتبعا لنظريات المرحلة المعتمدة أو التابعة كما أشرنا سابقًا, ترى أن التفكير التصوري يزداد في التركيب مع ازدياد العمر الزمني للأطفال, وتبعًا لنظريات العلم البيئي فإن ذلك يتم من خلال الخبرات ذات المغزى والدلالة طوال حياة الفرد والتي يوصف فيها المفهوم الواحد في كثير من الأشكال أو الصور المختلفة, فالممارسات أو التدريب في حد ذاته فقط وبدون المعنى لا يحسن من تعلم المهارات العقلية، وفي ذلك يشير Elkind & Other؛ "1970" أن التعلم يزداد عن طريق التطبيقات التربوية التعليمية للمواقف الجديدة، وذلك أكثر مما يحدث نتيجة الممارسات أو التدريبات المتكررة.
وإحدى طرق تعلم الأطفال مفاهيم عامة مثل "الحرية" في المقررات الاجتماعية، يكون ابتداء بأن نضع في اعتبار الأطفال الحرية السياسية والشخصية والاجتماعية، كما هي حادثة فعلا في المجتمع، ويلي ذلك الفهم الشامل لمفهوم الحرية، حيث يجب أن يمارس الأطفال ويتدربون على ما تعلموه في مواقف جديدة وعلى سبيل المثال تكوين هيئة تحكيم طلابية ضابطة في داخل المدرسة والتي تسمح لهم باختبار هذه الحريات الفردية المختلفة.
4- تعلم إجراء التخطيطات المعرفية:
يشير "جاجنه" Gagne أن الاستراتيجيات أو التخطيطات المعرفية تتضمن تنظيم المهارات الذاتية التي تضبط سلوك الطفل في عملية التعلم والتذكير والتفكير، ويطلق بعض علماء النفس عليها النماذج التعليمية أو المعرفية، وتظهر الاستراتيجيات المعرفية الفروق الفردية بين الأفراد في
(1/117)

الطرق التي يتعاملون بها ويحلون بها المشاكل، كما أن بعض الباحثين يشير إلى أنها مرتبطة بالاختلاف في الشخصية وكذلك في الدافعية.
ويشير Nations؛ "1967" أن الاستراتيجيات المعرفية تتأثر بمكونات ثلاثة هي التوجيه الحسي، وشكل الاستجابة، ونماذج التفكير، ويشير التوجيه الحسي إلى الطريقة أو الأسلوب الحسي الذي يستخدم بسهولة أكبر في التعلم, فالأطفال يختلفون في رؤياهم وسمعهم، وخبراتهم اللمسية ويميلون إلى استخدام الأساليب الأكثر ألفة لهم، وشكل الاستجابة وأسلوبها يعزى إلى هذا النمط الاستجابي الذي يستخدم بسهولة أكبر, ويشير Nation أن شكل وأسلوب الاستجابة يمكن قياسه بواسطة قدرات الأطفال على العمل بفاعلية أكثر داخل جماعات أو فرادى, النماذج التفكيرية تعزى إلى الطريقة التي يميل الأطفال إلى التعلم بها، هل تكون بواسطة الحصول على تفاصيل كثيرة في وقت واحد؟ أو تنظيمها داخل نماذج؟ أو قد تكون على نقيض ذلك بواسطة الانتقالات الحدسية المفاجئة؟
ويؤكد "ريسمان" Riessman؛ "1966" أهمية الاستراتيجيات المعرفية أو نماذج التعلم في تخطيط الخبرات التربوية، إذ يشير إلى أن بعض الأطفال قد يتعلمون بصورة واضحة وأكثر سهولة أثناء القراءة، وآخرون من خلال الاستماع وفريق ثالث من خلال آدائه للأشياء بصورة فعلية، ويستطرد "ريسمان" أنه بمجرد نمو هذه النماذج التربوية التعليمية فمن الصعوبة الشديدة تغييرها، ويقترح كذلك بأنه بدلا من محاولة تغيير الطفل لكي يتناسب مع نظام التعلم، فالوسيلة الأكثر فعالية وأجدى تطبيقًا هي محاولة تغيير نظام التعلم لكي يتناسب مع الطفل. فالطفل الذي يصل إلى حل المسائل والمشكلات بصورة أكثر فعالية عن طريق مناقشاتها مع جماعة صغيرة من التلاميذ يجب أن يبقى في جماعة كلما أمكن ذلك، وبصورة مشابهة الطفل الذي يعمل بصورة أفضل في حالة تفرده مع الورق والقلم يجب أن يشجع على هذه الاستقلالية. والجدير بالذكر هنا أن المدرس الأكثر فاعلية وتأثيرًا هو المدرس الأكثر مرونة.
5- تعلم الاتجاهات:
على الرغم من أن الاتجاهات متعلمة، إلا أنها لا تتأثر بصورة كبيرة بالتدريب أو بالمعنى، حيث إنها تتأثر بصورة عالية بواسطة أشكال نموذجية والتي يتلقى الأطفال منها ما يسميه "باندورا" "1967" بالتدعيم البديلي
(1/118)

Vicarious, وعلى ذلك فإن الأطفال الذين يرون آباءهم يعاملون جيرانهم السود أو الملونين بازدراء، يميلون إلى تكوين اتجاهات متماثلة، والمدعمات الاجتماعية كالابتسام والاستحسان الأبوي والمديح والتشجيع جميعها تعمل كمدعمات لتعلم الاتجاهات, وعلى ذلك فالأطفال الذين يشجعون عن طريق آبائهم لتكوين الاتجاهات الإيجابية نحو المدرسة يميلون إلى الاستمتاع بالمدرسة إذا ما قورنوا بالأطفال الذين نجد آباءهم يشعرون أن التعليم مضيعة للوقت, وجدير بالذكر فإن اكتساب القيم الأبوية يحدث بصورة كاملة في الجو الذي يشيعه الحب والحنان، فالأطفال الذين ينمون في بيوت محبة دافئة يكونون أكثر ميلا إلى تبني قيم آبائهم.
كما أن نمو الاتجاهات بطبيعة الحال، يتأثر بمتغيرات كثيرة كالعمر الزمني، والجنس، والعرق، وجميع هذه العوامل لها علاقة مؤثرة في تكوين الاتجاهات.
(1/119)

ثالثا: الوراثة
أهمية الوراثة للطفل:
أشار علماء الوراثة إلى أن الوراثة تؤثر في نمو الطفل في عديد من الطرق, فالوراثة تتحكم في لون العينين والشعر والجلد وفي الطول والعرض فكثير من الخصائص الفسيولوجية سواء السلبية أو الإيجابية لنمو الطفل تنتقل من جيل إلى الجيل الذي يليه، وسوف نلقي الضوء في ثنايا الصفحات التالية على ميكانزمات الوراثة وأهميتها بالنسبة للمجتمع.
وقدرات الطفل كذلك تشبه الخصائص الجسمية تتأثر بالوراثة إلا أن الارتباط ليس دائمًا بصورة مباشرة حيث نجد أن القدرات الوراثية تتأثر وتشكل في عديد من الطرق عن طريق العالم الخارجي، وبالتالي فإن كل طفل نجده يظهر قدرات، وأنماط سلوكية متفردة وللأسف فإن الميكانزمات التي بواسطتها يحدث هذا التباين والاختلاف غير مفهومة حتى الآن بصورة قاطعة، كما أن نقص المعلومات في هذا الجانب الوراثي يقود أحيانًا إلى كثير من الاضطرابات والخوف.
(1/119)

جدل حول الوراثة والبيئة:
إن ما يسمى بجدل الوراثة -البيئة- كان موضوعًا للمناقشة والمجالات الساخنة المثيرة بواسطة علماء الوراثة من جهة وعلماء النفس من جهة أخرى, وجدير بالذكر فإن ثمة خصائص كلون العينين ولون الشعر والجلد بين الآباء والأبناء قد فسرت بدقة تامة وفهمت فهما جيدًا بواسطة ميكانزمات التركيب الوراثي, إلا أن وراثة القدرات العقلية والشخصية ومدى التأثرية أو القابلية للأمراض تكون عادة أكثر تركيبًا وتعقيدًا.
وثمة سؤال قد يطرح نفسه في بداية المناقشة هذه مؤداه ما هو أكثر أهمية للطفل الوراثة أم البيئة؟ فمنذ سنوات قليلة انشغل علماء الاجتماع وعلماء النفس في جدل من مثل هذا النوع، والإشارة إلى الاختلاف في معدل نسب الذكاء بين الأفراد البيض والسود في الولايات المتحدة ما هو إلا دليل على ذلك، إذ نجد جينسين Jensen, A؛ "1972" يشير أن الوراثة تفوق في الأهمية كثيرا من العوامل الأخرى في تفسير الاختلافات في القدرات العقلية، ويشير "جينسين" ومعه كثيرون أن الاختلافات في القدرات الفطرية هي سبب إخفاق البرامج التعليمية التعويضية التي تجري لاستثارة معدل ذكاء الأطفال ومعدلات إنجازاتهم,
ونجد علماء نظرية التعلم البيئي قد استجابوا سريعًا لموقف "جينسين" بكثير من أوجه النقد، إذ يشيرون أن "جينسين" ومؤيدوه فشلوا في أن يضعوا في اعتبارهم العوامل البيئية مثل الفروق التعليمية المعروفة التي تؤثر في معدلات الذكاء، كما أن التحيز الثقافي للاختبارات المستخدمة في ذلك بالإضافة أن كثيرًا من علماء التعلم البيئي انتقدوا كذلك بشدة الأسس الإحصائية في مناقشات جينسين كما وجه إليه انتقاد عام مؤداه اتهامه باستخدام نظريته لتعويق التحسينات الاجتماعية في البلاد وذلك أكثر من إضافته أي أسس أو مبادئ جديدة تثري معلوماتنا في هذا المجال.
وعندما نولي هذا الجدل النظر، وأهمية ذلك على المجتمع, فمما هو جدير بالذكر أن علماء الاجتماع منذ عشرين عامًا قد نقحوا ما كتب في هذا الموضوع وأعادوا النظر فيه, وأشاروا أن تساؤلا مثل: ما هي طبيعة العوامل التي تؤثر على الفرد منذ لحظة الحمل Nature nurture؟
(1/120)

لا توجد إجابة عليه، وعمومًا فقد وفر لنا أنصار كل من الوراثة والبيئة وأمدونا بالوسائل التقليدية، وتعبر عن ذلك أن أنستازي بقولها، إن الكائن المتفاعل ما هو إلا نتيجة موروثاته وبيئته الماضية، والبيئة الحالية تمدنا بالمثير الفوري لأنماط السلوك الحالي، كما كانت مهتمة بالتركيب التفاعلي بين الوارثة والبيئة, وتشير إلى أن هذا التفاعل يعتبر بمثابة العامل الأكثر أهمية للطفل النامي، وتميز أنستازي بين التأثيرات الوراثية والتي تكون مسئولة بصورة مباشرة عن سمات معينة والتأثيرات الأخرى والتي تكون مسئولة بصورة غير مباشرة، فلون العينين يعزى إلى نمط البنية الوراثي Genotype المباشر والذي يكون من المتعذر إلغاؤه, والتأثيرات الوراثية غير المباشرة تشبه الأخرى في أنها تحدد منذ فترة الحمل، إلا أن الاتجاه الآن يشير إلى أنها تتأثر بالتفاعل البيئي، فالسمة الوراثية ذات الطراز الظاهري Phenotype تعتبر شيئا مرئيا نتيجة التفاعل بين البنية الوراثية والبيئة، وكثير من الصفات المرئية للأطفال تعتبر تركيبات وراثية وكما أن السمات الوراثية كالموهبة الفنية والقدرة الاجتماعية والقدرة على أداء اختبارات الذكاء تكون نتيجة تفاعل عدد كبير من العوامل, فالأشخاص ذوو القابلية الوراثية لأمراض جسمية معينة، يجب أن يواجهوا بمكروبات أمراض معينة حتى يكون تأثيرهم مرئي وظاهر، وبكلمات أخرى فإن الفرد ذو البنية الوراثية قد يصبح مريضًا نتيجة الطراز الظاهري، أو أنه قد يكون محظوظا ويعيش بدون أن يجابه هذا الميكروب أبدًا، وفي هذه الحالة فإن نمط البنية الوراثي للشخص وكذلك التعبير الظاهري لوراثته قد لا تعكس تركيب هذا الشخص الوراثي.
ويشير Eisenberg؛ "1968" وبعض من علماء النفس الآخرين أن الفصام قد يكون سمة وراثية ذات طراز ظاهري Phenotype وقد يكون القابلية لهذا المرض العقلي وراثيًا، إلا أنه يجب أن تتوفر ظروف بيئية معنية لكي تظهر هذه القابلية نفسها, ونجد "ناش" Nash "1970" يصنف كثيرا من خصائص الشخصية وأنها قد ترجع جزئيًا إلى النواحي الوراثية بقوله: "نحن نستطيع أن نعدل الشخصية عن طريق التناول البيئي إلا أننا نفعل ذلك داخل القيود التي تحكم التطور والنشوء الإنساني، والعناصر الوراثية الحاضرة".
كما أن التأثيرات البيئية قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، فمثال التأثير المباشر مع نمو الطفل يتمثل في النقص الشديد للبروتين في
(1/121)

مراحل معينة من النمو والذي ينتج عنه تأثيرات كتلف المخ Brain damage كما أن غياب الأم عن وليدها لأي سبب من الأسباب قد يكون له تأثير دائم في نمو شخصية هذا الوليد، وعمومًا فإننا لا نستطيع أن نغض النظر سواء عن تأثير الوراثة أو عن تأثير البيئة، فالطفل الذي يولد معوقًا من الناحية الوراثية، يولد مثلا بلا عينان، أو بلا أذنان فإن الخبرات الحياتية لهذا الطفل المعوق سوف تختلف بصورة كبيرة عن تلك التي نجدها عند الطفل العادي، ودائمًا فإنه من غير الممكن أن نحدد بدقة التغيرات أو التأثيرات التي قد تسببت بواسطة الوراثة وتلك التي تأثرت والخبرة, ولنضع في الاعتبار مثالا أكثر دقة، فالطفل الذي يولد ولون جلده يختلف عن معظم الأطفال الآخرين، فإننا نجده سوف يتأثر كذلك بالبيئة بصورة دقيقة، وجملة القول: فليست الوراثة أو البيئة وحدها تتحكم في نمو الطفل وذلك كما يدعي أنصار كل من المدرستين، حيث أن لكل منهما دور رئيسي في النمو والتفاعل المركب كذلك يعتبر عاملا حاسمًا في نمو الوليد البشري.
(1/122)

الفصل الثالث: طرق الدراسة وأدوات البحث في علم نفس النمو
مدخل
...
الفصل الثالث: طرق الدراسة وأدوات البحث في علم نفس النمو
ايحاول دارسو السلوك الإنساني بصفة عامة، وأخصائيو علم النفس النمو بصفة خاصة اختيار الطرق المناسبة، والوسائل الأكثر فعالية لثبر غور تساؤلات موضوع دراستهم, وقد تكون المهمة الأكثر صعوبة في البحث العلمي متمركزة حول صياغة هذه التساؤلات في منحى أو اتجاه معين يمكن أن يجاب عليه بواسطة تجميع وتوحيد ثمة بيانات أو معلومات في حقل معين وبمجرد أن يصاغ التساؤل صياغة واضحة فإننا بالتالي نجد أن الطريقة الخاصة للإجابة عليه تعتمد على ثمة اعتبارات علمية متنوعة, فإن كان التساؤل مثلا: هل يختلف طفل الخامسة في سلوكه العدواني عن طفل في مثل عمره الزمني؟ فإننا قد نجد أن البيانات والمعلومات المختلفة مبتدأة بالملاحظة إلى التجربة.
وعلى الرغم من حقيقة أن تساؤلا واحدا يمكن أن يجاب عليه بواسطة عديد من الطرق, إلا أننا نجد أن بعض الطرق تكون أكثر ملاءمة من طرق أخرى للإجابة على ثمة أنماط معينة من التساؤلات وعلى ذلك فإن المناقشة التالية سوف تنتظم تحت ثلاثة أنواع رئيسية لثمة تساؤلات عادة ما نجدها مثار تساؤل في الدراسات النفسية النمائية على الرغم من أننا يجب أن نضع في اعتبارنا أن أي طريق ما أو توحيد من الطرق يمكن أن يستخدم للإجابة عن هذه التساؤلات, ويمكن إيجاز هذه الأنواع الثلاثة من التساؤلات فيما يلي, التساؤلات الترابطية، والتساؤلات السببية والتساؤلات التمايزية, وسنلقي الضوء على كل منهما فيما يلي.
(1/125)

أولا: الطرق الترابطية Correlative methods
تستخدم هذه الطرق عند تساؤلنا سؤال مثل ماذا يرتبط بماذا What goes with what فمثلا إن أردنا أن نتعرف على كيفية الزيادة في المفردات اللغوية لطفل فيما بين الثانية والخامسة من العمر، فإننا قد نتساءل سؤالا ترابطيًا، بمعنى أننا نريد أن نعرف عدد المفردات اللغوية التي ترتبط بعمر زمني ومعين، وللإجابة على هذا السؤال فإننا قد نستخدم أحد من الطرق الترابطية، وأهم الوسائل التي تستخدم عادة في هذه الطرق ما يلي.
1- طريقة الملاحظة Observation Technique:
تعتبر إحدى الطرق للإجابة عن التساؤلات الترابطية والملاحظة تعتبر المادة الخام للمعرفة العلمية، فالحقائق والقوانين العلمية عادة ما تبدأ بالملاحظة، وكان علم الفلك أول العلوم في استخدام هذه الوسيلة، فالكهنة المصريون والبابليون أول من أشاروا إلى التنبؤية في العالم الطبيعي، حيث قادتهم الملاحظة الدقيقة إلى معرفة حركة الكواكب والنجوم الثابتة، ولقد مكنت هذه المعرفة الكهنة الفلكيين من إجراء تنبؤات ميدانية مثل الموعد الذي يحل فيه فيضان النيل، وبسبب اعتقادهم في الفلك نجدهم أشاروا إلى تنبؤات قليلة الصدق.
ومنذ هذه التحقيقات الأولية، فلقد تقدمت المعرفة والعلوم إلى أن وصلت إلى حالتها الراهنة, وهذا التقدم لعبت فيه الملاحظة دورًا رئيسيًا، فالمعرفة في حقيقة الأمر قد اعتمدت على الملاحظة, وتختلف الملاحظة العلمية عن الملاحظة العادية في وجوه متعددة, فالملاحظة العلمية تصنيفية، وتوجه إلى ظاهرة معينة، وهذه الظاهرة قد تكون حركة النباتات, أو قد تكون العلاقات الاجتماعية لطفل العامين وفي كلتا الحالتين نجد الملاحظة تقتصر على موضوع واحد, أو على الأغلب على أنواع قليلة من الأحداث أو الموضوعات، حيث لا تمتد إلى جميع الظواهر، فالملاحظة العلمية تتمركز على جميع جوانب نوع معين من الأحداث، في حين نجد الملاحظة اليومية تجري على جزء فقط من أحداث كثيرة.
ولنأخذ مبدأ التحيز في الملاحظة السببية عن العلاقة بين الخصائص الجسمية والسلوك الإنساني، فقد نسمع أن الأشخاص ذوي الشعر الأحمر يتصفون بالانفعالات الحادة، والأشخاص ذوي الآذان الكبيرة يتسمون بالطيبة والسماحة؛ فإن كانت هذه الملاحظات صادقة، فإننا بالتالي يمكن التنبؤ بسهولة بالسلوك الإنساني، إلا أن هذا الميدان ينطوي على مغالطة ومخاطرة, وهذه المعتقدات تنتج من الميل الإنساني في عدم ملاحظة الخصائص أو الظواهر السلبية، فالأفراد يفضلون أن يلاحظوا تلك الأشياء
(1/126)

التي تتناسق مع معتقداتهم، فإذا حدثت حادثة متناقضة مع معتقدات يميلون إلى تناسيها أو تحريف هذا الحدث وذلك أكثر مما يغيرون من معتقداتهم, وهذا الميل نلاحظه في كثير من الدراسات التي أشار إليها رابابورت Rapaport؛ "1942", وفستنجر Festinger "1957" في نظرية التباعد المعرفي والطريقة العلمية على نقيض ذلك تهدف إلى التأكد من الملاحظة المناسبة والاستنتاج حتى من النتائج السلبية, والملاحظة على هذا النمط تكون جوهرية وذات مغزى كبير للعلم.
وشكل آخر من أشكال الملاحظة المضبوطة وتسمى بعينة الموقف Situation samplig حيث نجد الباحث يختار مواقف مميزة. ويسجل ردود فعل الأطفال في هذه المواقف، وعادة ما تستخدم عينة الموقف في دراسة العلاقات الشخصية المتداخلة، وتفضيل اللعب, وهكذا, فمثلا قد يبني الباحث جانبا من المختبر ويضع فيه ألعابا معينة، كالدمية، مطرقة مسامير، خشب، ويسجل الملاحظ مدى تكرار ذهاب الطفل إلى مكان الدامي أو مكان الورشة التي فيها المطرقة والمسامير بالإضافة إلى كمية الوقت الذي يقضيه الطفل أو الطفلة في جانب دون الجانب الآخر, وعينة الموقف هذه تمدنان بمقياس عن كيفية استخدام الأطفال لثمة ألعاب أو تسهيلات معينة كالدمية وورش النجارة وما إلى ذلك.
وشكل من أشكال الملاحظة المنتظمة هي عينة الزمن Time Sampling والعينة الزمنية هذه تتضمن تسجيلا لعدد المرات التي يحدث فيها شكلا معينًا من السلوك خلال فترة زمنية محددة، ولتوضيح ذلك ففي دراسة أجريت بواسطة كل من Hall وآخرين "1977"، حيث كان الباحثون مهتمين بقياس هل الأطفال السود أقل يقظة وانتباها للأعمال المدرسية من الأطفال البيض, ولقد لوحظ كل طفل في عينة هذه الدراسة لمدة خمسة عشر دقيقة كما استخدم ملاحظون متعددون، وكل واحد منهم سجل للطفل أربعة أنماط سلوكية "كالانتباه إلى المدرس، اليقظة داخل الفصل, والمشاركة في النشاط، والنشاط المصاحب للقراءة, وما إلى ذلك", وتشير نتائج هذه الدراسة إلى عدم وجود اختلافات بين الأطفال البيض والأطفال السود في مدى ارتباط سلوكهم الانتباهي بالعمل المدرسي.
وثمة طريقة أخرى لمعالجة التساؤلات الترابطية قدمها "بياجيه"
(1/127)

السيكولوجي السويسري، وسميت طريقته بالمقابلة شبه الإكلينيكية Semi clical interview, فلقد كان "بياجه" كما سنرى في ثنايا الفصول التالية مهتمًا بالإجابة عن التساؤل الترابطي في كيفية تغيير تفكير الأطفال في ثمة موضوعات متنوعة تبعًا لأعمارهم الزمنية، وأراد أن يبني طريقة متسقة دقيقة حتى يمكنه مقارنة الاستجابات لأطفال مختلفين، ومن جهة أخرى يجب أن تكون هذه الطريقة مرنة بدرجة كافية حتى تجعل من الممكن أن يتابع المقابل تفكير الطفل حتى النهاية.
والمقابلة شبه الإكلينيكية كانت نتيجة ذلك حيث جمعت بين اتساق الاختبار العقلي ومرونة المقابلة السيكاترية, وبسبب أهمية هذه الطريقة، فإن الطلاب يمكن أن يستخدمونها مع الأقارب والجيران وأخواتهم الكبار، فسوف نلقي الضوء عليها فيما بعد.
وعمومًا يشير "بياجيه" أنه من المفيد أن نبدأ بالملاحظات التلقائية عن الأطفال والتي يمكن أن تؤدي بنا إلى تساؤلات معيارية، وكذلك يمكن أن تستخدم لبداية المقابلة وأي التساؤلات التي يمكن أن يبرهن على نفعها أو فائدتها في الكشف عن المظاهر المستترة لتفكير الطفل يمكن أن نحددها بواسطة العمل الضابط Pilot Work مع بعض الأطفال وهذه العملية يسميها "بياجيه" بسبر أعماق الطفل Sondage.
ب- الملاحظة الطبيعية:
يشبه العلماء الروائيون في أنهم يحصلون بياناتهم الخام عن طريق ملاحظة الكائن الحي في المواقف الطبيعية، في المكان الطبيعي الذي يوجد فيه وليس في أي بيئة مضبوطة موضوعية قد توفر لنا بيانات ومعلومات أكثر من الملاحظة المضبوطة, وهناك عديدًا من الاتجاهات يمكن اتخاذها في الملاحظة الطبيعية للسلوك الإنساني نوجزها فيما يلي.
1- سيرة حياة الطفل Baby Biography:
وسيلة من وسائل الملاحظة الطبيعية، فالتقارير المبكرة اليومية التي تصف سلوك الطفل ذات فائدة سواء من الناحية التاريخية أو المنهجية, وكاتب السيرة عادة ما يكون والد الطفل يكون له اهتمام بجوانب نمو الطفل، أو أحد الأقارب المهتمين بذلك، ويلاحظ سلوك طفل واحد
(1/128)

ويسجل ملاحظاته في نموذج يومي, وقد يكون القائم بالتسجيل شخص متخصص في ميدان آخر غير ميدان سلوك الطفل، فتشارلز دارون Darwin على سبيل المثال كان بيولوجيا ومع ذلك سجل سيرة حياة ولده وبالتالي يكفي الشخص ذو الميل العلمي المحب للاستطلاع والتوافق إلى المعرفة والفهم والذي يرغب في الملاحظة وتسجيل الظاهرة موضوع الدراسة, إلا أننا نجد كثيرًا من الانتقادات توجه إلى هذه الوسيلة في مدى صدق البيانات المتضمنة في سيرة الحياة, وما يلي مقتطف من سيرة حياة "دارون" عل طفله توضح نقاط.
من الصعب أن نقرر في أي عمر زمني بالتحديد يشعر المولود بالغضب، ففي اليوم الثامن بعد الولادة لوحظ تجهم وعبوس وتجعد في الجلد حول العينان قبل نوبة الصياح، إلا أن ذلك قد يرجع إلى الألم أو الانزعاج ولا يرجع إلى الغضب، وعندما وصل إلى أسبوعه العاشر، فعندما أعطى بعضا من اللبن البارد ظل عبوسًا مبديًا ذلك على جبهته طوال فترة الرضاعة، وعلى ذلك فقد كان يشبه شخصا ناضجا يقوم بعمل مجبر عليه لا يريد القيام به، وعندما وصل إلى الشهر الرابع تقريبًا فإن أمارات الغضب تبدو ظاهرة عليه سواء كان ذلك في تدفق الدم في كل وجهه ورأسه، وعندما يصل إلى الشهر السابع فإنه يعبر عن ذلك بالصراخ والصياح عندما لا يستطيع أن يقيض على كوب من اللبن أو الليمون وينسكب هذا المشروب عليه، وعندما يصل إلى الشهر الحادي عشر فإنه سوف يضرب الدمية بعنف التي تعطي له ولا يرغب فيها أو يحبها, ويشير "دارون" أن ضرب الطفل للدمية يعتبر علامة غريزية عن الغضب, ولا يدرك بطبيعة الحال أنه يمكن أن يؤذي دميته، وعندما يصل إلى سن السنتين وثلاثة شهور يصبح ماهرًا في إلقاء الكتب والعصي وما يشبه ذلك إلى أي شخص يزعجه أو يضايقه.
ولكن للأسف فلقد كانت قدرة دارون على فصل الحقائق الملاحظة عن تفسيراتها لم تكن دائمًا صائبة ناجحة, ونقطة ضعف أخرى شائعة في تلك الملاحظات "أو هذه الوسيلة" هو الميل إلى الإسقاط على الطفل انفعالات ودوافع واتجاهات الراشدين, بالإضافة إلى أنه توجد نقاط ضعف أخرى لمنحى سيرة الحياة يمكن إيجازها فيما يلي.
1- ارتباط الملاحظات واتساقها يعتمد جزئيًا على مدى كفاية القائم
(1/129)

بالملاحظ وخلفيته العلمية ومدى تدريبه في تطبيق هذه الوسيلة وبالتالي فكثير من الملاحظات عادة ما تتصف بالذاتية بدرجة عالية، كما أن تحيزات القائم بالملاحظة قد تؤثر تأثيرًا كبيرًا على الأنماط السلوكية التي يسجلها وكذلك على تفسيرات لهذه الأنماط السلوكية.
2- كما أن ملاحظة طفل معين لا يمكن أن تعتبر نموذجا حقيقيا لكل الأطفال في مثل سنه وجنسه، وهذا النقص يحدد نطاق انطباق تلك المعلومات على أطفال آخرين.
3- كما أن الأشخاص الذين يقومون بتلك الملاحظات وتسجيلها يجب أن يتسمون بالمثابرة والصبر وبذل الجهد في عملية الملاحظة وتسجيل ما يلاحظونه بصورة موضوعية ومن النادر وجود الأب الذي يمكنه أداء ذلك.
2- طريقة دراسة الحالة Case study method:
والاتجاه الحديث الذي أظهر تشابها كبيرًا مع طريقة سيرة حياة الطفل هي طريقة دراسة الحالة, وعادة ما تبدأ هذه الوسيلة بتجميع البيانات المتنوعة عن طفل معين، لمساعدة الأخصائي في تفهم سلوك الطفل، وعمومًا فإن الانحرافات السلوكية، والإخفاق المدرسي, والمشكلات السلوكية، حالات شائعة يمكن دراستها من خلال طريقة دراسة الحالة، كما أن التسجيلات المدرسية، والمعلومات التي تستقى من الآباء والأقارب والراشدين الآخرين، والطفل نفسه بالإضافة إلى نتائج الاختبارات والفحوص النفسية تعتبر من بين مصادر المعلومات والبيانات التي يجب أن توضع في الاعتبار في طريقة دراسة الحالة.
ونموذج طريقة دراسة الحالة التالية يشير إلى التقييم الإكلينيكي لمشكلات سلوكية لطفل معين.
(1/130)

جاءت لسيدة "أ" تسأل تقييما نفسيًا لحالة ولدها "س", بسبب قلقها وانزعاجها للسلوك الذي يصدره ولا تستطيع التعامل معه في بعض الأحيان, بالإضافة إلى خوفها الشديد خاصة من أفعال الثائرة بصورة شديدة، وفقدها ضبطه, وكذلك فقدان انضباطه الذاتي وعدم تقبله أي قيود مفروضة عليه.
أ- مقابلة الآباء:
أشار والدا الطفل، بأنه ذكي، وزنه أكثر من الوزن العادي، له مزاج حاد, مصدر ضيق وازعاج كبير, ويعتقدون أنه حساس تجاه سمنته، حيث يمنعه زيادة وزنه من الاشتراك في المباريات الرياضية مع زملائه، وأشاروا كذلك إلى فظاظته وعنفه، وعدم رغبته في التعاون، وعدم قدرته تقبل نقد الآخرين ويشعرون بنفوره لأية قيود، فهو دائمًا ثائر متمرد مخل بالنظام ويرفض أن يظهر بمظهر جيد في ملبسه ويحب أداء الأشياء الميكانيكية كما أنه يظهر قدرًا كبيرًا من العدوان تجاه أخته البالغة ثمانية أعوام، وعادة ما يتسم بالتهور عند غضبه ويهدد دائمًا بترك المنزل.
وأشار والدا الطفل بأنه عاش طفولة سعيدة مستقرة, إلا أنهما لم يتذكرا التاريخ النمائي له، ويعتقدا أنه كان سابقًا لأقرانه في مثل سنه في أوجه نموه المختلفة, وكان نباتيًا منذ صغره, فكانت أمه تكتفي بإعطائه البقول واللبن طوال سنواته الثلاثة الأولى, ولم تستطع الأم أن تتذكر في أي وقت توقف عن عملية الرضاعة ولا كيفية حدوث الفطام, وتشير الأم أن ولدها تمكن من المشي عند بلوغه التسعة أشهر وتكلم عند بلوغه العام، ولكنها لم تستطع تذكر أول كلمات تلفظ بها وليدها، كما كان سهلا في تدريب التواليت حيث تمكن منه في منتصف السنة الثانية.
وسقط من سريره قبل أن يكتمل العامين، وكذلك سقط من فوق دراجته عندما كان سنه سنتين وأصيب في ذقنه، وفي الرابعة أو الخامسة سقط من سيارة وأصيبت أذنه وألمته, وحدثت بها إفرازات والتهاب عولج بأشعة "x" ولم تقرر الأم حدوث أية صعاب سمعية لدى وليدها.
ولم تبدي الحالة اعوجاجات نفسية، كمص الأصابع، أو أظهر دلائل لنشاط الاستمنائي ولا ظهرت عنده كوابيس، أو المشي أثناء النوم أو التبول اللاإرادي، وحصل على المعلومات الجنسية من الأولاد الآخرين على الرغم من تمكنه من الكلام في الأمور الجنسية مع والده.
(1/131)

ولقد التحق بالمدرسة الابتدائية ولم تظهر لديه أية مشكلات دراسية إلى عهد قريب، وحدث وأن نقل إلى مدرسة أخرى بسبب شغبه في المدرسة الأولى، إلا أنه لم يمل إلى مدرسته الجديدة، وتاريخه المدرسي يشير إلى أنه دائم الفوضى داخل الفصل الدراسي، وجميعها أنماط سلوكية لجذب انتباه الآخرين له.
ووصف الأبوين الطفل بأنه مولع بالعراك مع الأطفال الأصغر منه، كما أن معاملته يشوبها العنف والشدة مع الأطفال الآخرين، ويبدو في بعض الأحيان بأنه يثير كراهية رفاقة بصورة متعمدة.
ويشير والد الطفل بأنه كان دائمًا متسامحًا جدًا مع ولده بالإضافة إلى إحساسه دائما بصعوبة وضع حدود على سلوك ابنه أو محاولته تأديبه وتهذيبه، وكانت الأم من جانب آخر تشعر بأن ولدها يجب أن يتسق مع معايير معينة، وكانت دائمة المراقبة له لتتأكد من أنه يفعل أم لا.
ب- التقويم النفسي:
طبقت على الحالة ثلاثة اختبارات:
أ- مقياس وكسلر لذكاء الأطفال.
ب- اختبار بقع الحبر لرورشاح.
ج- اختبار تداعي المعاني TAT.
ح- السلوك ومظاهره الخارجية:
كان "س" في العاشرة والنصف من عمره، وكان مولعًا وبصورة كبيرة بالعدوان نحو الفاحص في المقابلة الأولى، ولقد أبدى الخوف من المجيء أول مرة للعيادة ففي الزيادة الأولى جرى خارج الحجرة والمبنى وأراد أن يعبر الشارع, وفي المرة الثانية رفض أن يدخل العيادة، وفي الجلسة الثالثة والأخيرة فقد عبر عن غضبه تجاه الأخصائي، وأشار إلى مشاعره نحوه في أنه يحب هذا العمل ويروم له، وأردف قوله بأنك لا تستطيع أن تساعدني على أية حال, ولقد أنكر أي خوف في المجيء للعيادة على الرغم من أنه
(1/132)

كان قلقًا عما سيفكر فيه زملائه عندما يعرفون أنه قد حضر إلى المعالج ابتداء فلقد أنكر وجود أية مشكلات لديه، ولكن عندما امتدت الجلسة بدأ يفسح المجال لاعترافاته بأنه غير راض عن أسرته وأشار إلى أن أمه دائمة الإزعاج له خاصة في الطعام وفي قص شعره، وأشار إلى حبه لأبيه ووصف أخته وصفًا حسنًا.
بصورة عامة فإن سلوك "س" كان يتسم بثنائية المشاعر ambivalent فقد كان متذبذبًا أو مترددًا بين الفوز بالحظوة والرضا وبين المرح والعدوانية.
د- الانطباعات والنتائج:
كانت نتائج "س" في مقياس وكسلر لذكاء الأطفال كما يلي:
الاختبار الأدائي العملي IQ؛ = 122 "نسبة ذكاء عالية".
الاختبار اللفظي للذكاء IQ؛ = 114 "نسبة ذكاء متوسطة".
الاختبار الكلي IQ؛ = 120 "نسبة ذكاء عالية".
وعلى الرغم من القدرات العقلية لـ"س" كانت مرتفعة, إلا أنه لم يستخدمها بنفس معدلها، ويرجع ذلك لاتجاهه السلبي في أداء الأعمال وميله إلى استخدام الحد الأدنى من قدراته. كما كان لديه ميلا يعكس نقص قدرته الممكنة لتحقيق الأهداف مما كان يعوق في التخطيط لبناء المستقبل.
وكان "س" يمكنه إدراك الأشياء كمعظم الناس، كما كان على وعي بالمعايير السلوكية، إلا أنه كان متمسكًا باستقلاليته والإصرار العنيد في بعض الأشياء حتى يعمل وفقًا لتفكيره، وكانت أنماطه السلوكية تضبط عن طريق حاجاته للإشباعات الفورية, وكان لدى "س" قدر كبير من القلق في تعالمه مع الآخرين، ولا يستطيع إشباع حاجاته بالتعامل مع بيئته بطريقة مقبولة اجتماعيًا، وبالتالي كان يتحاشي المواقف التي تتطلب منه الامتثال والاتساق الاجتماعي كما كان لديه صعاب في تكوين علاقات عاطفية قوية، كما كان يبدو متذبذبًا بين الاستجابات الانفعالية الظاهرية والانفجارات السريعة غير المضبوطة.
(1/133)

ولقد أشارت نتائج الاختبارات عن وجود مشاعر وأحاسيس عدوانية غير متحكم فيها بصورة قوية، ويبدو أن عدوانيته كانت بسبب إحساسه بالقلق والإحباط في إشباع دوافعه، وكان سريع الامتعاض من القيود بصورة عامة، ويشعر بأن هذه المبادئ والقواعد الاجتماعية ظالمة بالنسبة لمعظم الأفراد.
ويبدو أن اتجاهات "س" سالفة الذكر كانت مرتبطة باتجاهاته نحو أشكال الأبوة، فقد كانت استجاباته لبعض مواقف اختبار TAT التي تعبر عن أشكال الأمومة، بأنها تتدخل في كثير من مواقف الطفل وتحول دون رغباته، كما كان يخبئ مشاعر عدوانية قوية نحو أشكال الأبوة وهذا ما عبرت عنه استجاباته في مواقف الاختبارات السابق وعمومًا فإن "س" كان مضطربًا فيما يتعلق بأشكال الأبوة ويراها على أنها بمثابة أشياء مدمرة غير بناءة.
كما أن تطابق "س" وتماثله كان في البداية إيجابيًا فقد ناضل بجهد لكي يحافظ على المظهر الكاذب للذكورة، وتأكيد ميله الذكري، وكان قلقًا للغاية في اعتقاد زملائه بعكس ذلك أو إشارتهم إليه بأنه شخص مخنث.
هـ- موجز الانطباعات:
كانت حالة "س" تتسم بالاضطراب الانفعالي، كان لديه مستوى مرتفع من الذكاء، إلا أن دافعية الإنجاز لديه كانت مشتتة، وكانت أنماطه السلوكية يتحكم فيها وبصورة عالية حاجات الإشباع الفوري وخوفه وارتقاب الشر من تشكيل روابط وثيقة مع الآخرين، وعلى ذلك فإن قدراته العقلية وإنجازه كان في حده الأدنى، وهناك الدلائل التي كانت تشير بالتوجيه الذاتي نحو العدوانية المنبعثة من مشاعر الإحباط لديه، كما كانت الإثنية أو ثنائية المشاعر نحو صور الأبوة واضحة صريحة لديه.
وبالتالي كان ذلك يظهر تعويقًا في تكامله مع المعايير التقليدية والمألوفة كموجهات لأنماط سلوكية.
و الانطباع التشخيصي:
كانت حالة "س" تشير إلى التعويق السلوكي الأولي، والنمط العدواني السلبي، ولا يشير الدليل التسجيلي إلى حدوث تلف في المخ نتيجة لسقوطه
(1/134)

أكثر من مرة في أثناء طفولته الأولى، إلا أن انفجارات الغضب غير المتحكم فيها، كما أن الاختبارات العصبية والتسجيل الكهربائي للمخ قد أشارت إلى وجود ثمة معوقات لديه.
وتشير الدلائل أن فروع علم نفس الطفل قد استخدمت دراسة الحالة أكثر من أي فروع أخرى، كما استخدمها أخصائيو علم نفس الطفل الإكلينيكي إلى حد كبير، وعلى الرغم من أن دراسة الحالة تساعد على تفهم وإدراك طفل منفرد، إلا أن هذه الطريقة عانت من نفس المعوقات وأوجه القصور كما رأينا في طريقة دراسة سيرة حياة الطفل المبكرة، فمثلًا فإن صدق وثقات المعلومات التي يحصل عليها قد تكون موضع تساؤل، فهل علاقة الشخص الذي يقدم المعلومات عن الطفل تؤثر في تقديره؟ وهل التورط الانفعالي يضع تذكر الأحداث الماضية موضع شك؟ بالإضافة إلى مدى ثبات الاختبارات المطبقة على الحالة فهل درجات الذكاء تشير إلى قدرات الطفل العقلية، فمثلًا اخفاق الطفل داخل المدرسة فهل هذه الاختبارات IQ تكشف حقيقة عن إمكاناته، أو أنه يبذل القليل في أدائه هذه الاختبارات، كما أن عملية تقييم المعلمات والبيانات عن الحالة. وهل القائم بهذه العملية يمتلك من الخبرة التي تؤهله لذلك.
وأخيرًا يجب الحذر عند وضع التفسيرات فهل يكون نبذ الطفل عن طريق أبويه هو سبب انحراف سلوكه؟ أو أن التنافس بين الأخوة هو سبب الإنجاز المدرسي المنخفض، وعمومًا فإن التعميمات غالبًا ما تؤدي إلى نتائج غير ثابتة وناقصة سطحية، وبالتالي يجب أن ينظر الشخص القائم بدراسة الحالة إلى نتائجه على أنها نتائج غير نهائية وقابلة للتغير، كمنا أن تعميم البيانات والمعلومات في دراسة الحالة يكون منطويًا على ثمة مخاطر، حيث أم وراثة طفل معين أو بيئة متشابكة تختلف عن وراثة طفل آخر وبيئته وعلى ذلك فإن الأساليب التي تؤدي إلى ظهور نمط معين من السلوك في حالة معينة قد لا نتتج نفس الشيء في حالات أخرى.
ج- الملاحظة المضبوطة:
على الرغم من أن الملاحظة تعتبر وسيلة جوهرية في معظم الدراسات العلمية، إلا أننا قد وجدنا أن الملاحظة الحرة "غير المضبوطة" تتضمن كثيرًا من أوجه العيوب والنقص, وللتغلب على هذه العيوب، طورت وسائل عديدة للملاحظة المضبوطة, حتى تتيح إجراء مقارنات
(1/135)

ذات دلالة في دراسة السلوك الإنساني, وسنتأمل بعضا من هذه الوسائل في ثنايا الصفحات التالية.
عينة الموقف، يعرف "أرنجتون" Arington؛ "1943" عينة الموقف بأنها طريقة لملاحظة سلوك الكائن الآدمي تحت الظروف العادية للحياة اليومية، وتجري خلالها ملاحظات في فترات زمنية صغيرة موزعة, لكي تمدنا بعينة ممثلة من السلوك القائمين بملاحظته، وأول من استخدم هذه الطريقة Willard Olson؛ "1929" ليسجل مدى تكرار حدوث العادات العصبية لدى أطفال المدرسة، ويشير "أولسون" أن هذه الطريقة أوضحت عدد الفترات الزمنية التي كان يظهر خلالها نمطًا سلوكيًا معينًا.
وخلال سنوات خضعت هذه الوسيلة لكثير من التعديلات بهدف الرغبة في الدقة الكاملة في اختيار العينة، وفي تسجيل الأنماط السلوكية، فقد اختصرت الفترات الزمنية وأصبحت تتكون من فترات ما بين 30 ثانية إلى دقيقة واحدة، ويلاحظ أثناءها طفلا معينا وأدخلت على هذه الطريقة تعديلات أخرى كثيرة لزيادة دقتها في تسجيل السلوك وتصنيفه, ولقد تركزت معظم دراسات عينة الموقف time samblintg على السلوك الاجتماعي والتفاعلات الاجتماعية للأطفال الصغار، ومن بين الأنماط السلوكية النوعية التي درست كانت مدى تكرار اللغة، ولا سلوك المسيطر، والتفاعلات الجسمية والمشاجرات، والصراع والمقاومة، ونماذج الصداقة والسلوك التعاوني والتنافسي والعدوان.
وجدير بالذكر فإن هذه الوسيلة تتسم بموضوعية وثبات النمط السلوكي المسجل، حيث غالبًا ما يستعان بأجهزة تسجيل في ذلك، كما أن الانتباه عادة ما يكون متمركزًا حول نوع محدد من السلوك وبالتالي نجد اتفاق عدد من الملاحظين ممكن الحدوث، بالإضافة إلى أن الدرجات عادة ما تكون عن طريق تكرار النمط السلوكي, وبالتالي يمكن معالجة نتائج هذه الطريقة إحصائيًا، فمثلا مدى تكرار الشجار يمكن أن يربط بالعمر الزمني والجنس ومعدل الذكاء ومعدل التكيف وكثير من العوامل الأخرى المشابهة.
إلا أننا لا يمكن أن نستخدم هذه الوسيلة إلا عندما يكون النمط السلوكي في صورة علنية مكشوفة، كما يجب أن نغمض النظر عن الأنماط
(1/136)

السلوكية غير المتكررة، وهذه الطريقة تكون مفيدة لدراسة كثير من تفاعلات الطفل المختلفة، ومن ضمن عيوب هذه الوسيلة كذلك أن المعلومات التي يحصل عليها لا يمكن أن تمدنا بالسبب والنتيجة Cause and effect فإذا وجد طفل معين يتشاجر بمعدلات تكرارية أكثر من الأطفال الآخرين فمن الواجب البحث عن طريقة أخرى لدراسة هذا الطفل غير طريقة "عينة الموقف".
2- طريقة المقابلة Lnterview technique:
بمجرد أن يكون الباحث مجموعة من التساؤلات عن موضوع معين فإن المقابلة يمكن أن يبدأ بها كوسيلة لإجراء دراسته, وعمومًا يجب أن يكون الطفل في مكان هادئ لا توجد به أشياء تلهيه, بالإضافة إلى الوقت الذي يطلب منه الحضور لإجراء المقابلة يجب أن يوضع في اعتبار الباحث في سياقها، فقد تخونه الذاكرة، أو قد يعول على تذكر ملاحظات سطحية، ويجب أن يكون المقابل علاقة ألفة بينه وبين الطفل "ويحدث ذلك بسهولة عندما يسأل القائم بالمقابلة الطفل بعضا من التساؤلات عن نفسه". وبعدئذ يمكن أن تبدأ المقابلة, ومن الضروري عادة أن يسأل المقابل بعضا من التساؤلات الزائدة لكي يوضع الطفل استجابته، وهذه تتطلب مهارة كبيرة لهذا الجزء من الأسئلة الحرة في طريقة المقابلة حيث يجب على الممتحن أن يوجه فكر الطفل بدون أن يقترح الإجابة عليه، كما أن اختبارات الروشاخ تعتبر وسيلة جيدة في وضع وترتيب الأسئلة الحرة التي يجب أن يوجهها القائم بالمقابلة للطفل.
وعلى الرغم من أن المقابلة عادة ما تستخدم كوسيلة إكلينيكية لتفهم حالة الفرد، إلا أنها تستعمل الآن وبصورة متزايدة كأداة للبحث للوصول إلى معلومات وبيانات للإجابة عن ثمة تساؤل معين يكون قيد الدراسة والبحث, وتنتظم المقابلة لعديد من التساؤلات مصممة لاستثارة واستنباط أنواع معينة من المعلومات، وغالبًا ما تختبر هذه التساؤلات سلفًا للتأكد عما إذا كانت حقيقة يمكن الحصول بواسطتها على المعلومات المطلوبة, وعادة ما تسجل المقابلات حتى لا يعتمد المقابل اعتمادًا كليًا على تذكرة لما حدث في سياقها، فقد تخونه الذاكرة، أو قد يعول على تذكر ملاحظات سطحية هزيلة, وعادة ما تقيم المعلومات التي يحصل عليها من المقابلة بطرق متنوعة وعلى مقاييس للتقدير rating scales وعادة ما يحدث التقدير, هذا بواسطة شخصان وبصورة مستقلة لضبط درجة اتقاقهما على شيء معين.
(1/137)

وجدير بالذكر فطريقة المقابلة يجابهها بعض الصعاب، فمثلا حاجة الأم إلى أن تصور نفسها بطريقة معينة يؤثر ذلك في تقريرها وبياناتها, كما أن نجاح طريقة المقابلة يعتمد في المقام الأول على رغبتها في سرد البيانات والمعلومات المتنوعة، بالإضافة إلى مدى تذكرها للأحداث الماضية، وتشير نتائج دراسة كل من هاجرد Haggard وآخرين "1960" حيث قاموا بمقارنة المعلومات التي أدلت بها الأمهات خلال ثلاثة مقابلات, وكانت هذه المقابلات تبدأ منذ شهر قبل الولادة، وكررت مرتان عندمات وصل الطفل ما بين 7-9 سنوات, وتشير النتائج أن درجة استدعاء الأمهات لأحداث ماضية كان مرتبطًا بنوع المعلومات أو البيانات المطلوبة, فطول الطفل وقت الولادة قد تذكر بصورة جيدة قلق الأمهات استدعى بصورة أقل ضبطًا وصدقًا, واتضح كذلك أن المعلومات المتجمعة من المقابلة قد تعكس شخصية الأم أكثر من أن تعكس الحقائق الفعلية للحالة.
وعمومًا، فإن علاقة المقابل بالحالة وجهًا لوجه تمكن المقابل الماهر أن يقدر الاستجابات الجدية الصادقة للمستجيب, وهذه الميزة لا نجدها في أي طريقة أخرى.
تفسير النتائج "الصدق":
في طريقة المقابلة من الأهمية أن نتعرف إلى أي مدى تعكس استجابات الطفل أفكاره الحقيقية، ولقد أشار "بياجيه" إلى خمسة أنواع من الاستجابات عادة ما تكون في حاجة إلى أن تميز، فعندما يكون الطفل غير مهتم بالأسئلة أو متعبًا، نجده يقول ببساطة أي شيء للاستجابة إلى المختبر يأتي على مخيلته لأجل أن يرضي الممتحن فقط، ويسمي "بياجيه" هذه بالإجابات العشوائية answers at random, وعندما يستجيب الطفل بدون تفكير واقعي عن التساؤل الموجه إليه تسمى حينئذ بالإجابة الخيالية أو الرومانسية Lomancing ومن جانب آخر فعندما يولي الطفل الانتباه إلى الأسئلة ولكن إجابته تكون نتيجة رغبته أن يرضي الممتحن، أو يوحي إليه بمعرفته الإجابة نجد "بياجيه" يسمي هذه العملية بالاقتناع الموحي Suggested Conviction وهذه الأنواع الثلاثة السابقة ذات قيمة ضئيلة للباحث, وعندما يفكر الطفل في السؤال المطروح عليه ويجيب عليه نتيجة تفكيره العميق، يسميها "بياجيه" بالاقتناع المتحرر Liberated Conviction والحالة الخامسة عندما يجيب الطفل بسرعة وبدون تفكير بسبب معرفته لمشاعره وميوله يسمى "بياجيه" هذه الإجابة بالاقتناع التلقائي spontaneous conviction.
(1/138)

وحيث أننا غالبًا ما نجد الباحث يركز اهتمامه على الإجابات الاقتناعية المتحررة والاقتناعية التلقائية، فيجب عليه أولا فصلها عن الإجابات العشوائية أو الرومانسية أو الموجهة، ويمكن إجراء ذلك على مرحلتين أثناء البحث، إحداهما أثناء المقابلة، والأخرى بعد المقابلة، فإذا كان ذلك أثناء المقابلة يمكن أن يتحقق الباحث بطرق مختلفة منها.
أ- يمكن أن يقدم الباحث إيحاءات معاكسة، لكي يرى كيف تكون إجابات الطفل ثابتة، وكيفية ارتباطها بصورة أساسية بفكر الطفل، وعمومًا فإن الإجابات وفقًا للاقتناع المتحرر والاقتناع التلقائي يمكنها بسهولة الصمود أمام الإيحاءات المعاكسة، في حين نجد الإجابات الأخرى لا تستطيع ذلك.
ب- يمكن أن يسأل الباحث الطفل عن المؤشرات أو الدلائل المرتبطة بإجابته، فإذا كانت الفكرة نابعة حقيقة من اقتناع الطفل نجد تناسبها مع نموذج من الأفكار، والذي يطلق عليه، "بياجيه" اسم المخطط scheme وعندما تتناسب أو تتساوى إجابة الطفل مع المخطط العام لتفكيره فلمن المحتمل أن تكون إجابة اقتناعية متحررة أو اقتناعية تلقائية.
والنقطة الثانية التي يمكن الباحث بها أن يحدد عما إذا كانت الإجابات تكون حقيقة اقتناعية وأصلية غير زائفة, تكون بعد المقابلة، عندما يكون قد حدث تجميع بيانات ومعلومات عن الطفل، ويحدث ذلك بما يلي.
أ- إن كان الأطفال في نفس العمر الزمني يعطون إجابات متشابهة فإن إجاباتهم بالتالي تعكس شكلا من التفكير المميز لهذا العمر الزمني, وجدير بالذكر فلن يوجد الاتساق إذا كانت الإجابات وفقًا للنموذج العشوائي الإيحائي أو الخيالي الرومانسي.
ب- إذا أظهرت الإجابات تغيرًا تدريجيا مع تقدم العمر الزمني وفي اتجاه أقرب إلى مفهوم الراشدين حينئذ نجد الإجابات تعكس ميلا نمائيًا حقيقيًا.
(1/139)

ج- كما أن التسلسل النمائي الحقيقي يجب أن يظهر استمرارية بمعنى أن يكون بين المفاهيم المجردة للأطفال الكبار، أثار للأفكار العيانية التي كانت لديهم في عمر مبكر، كالمشايعة والموالاة أو الالتحام, ومن بين تلك التعبيرات العيانية للأطفال الأصغر تمثل خطوة تسمح بامتلاك الأفكار المجردة التي سوف يمتلكونها فيما بعد.
وبالتالي فعن طريق هذه الاتجاهات يمكن للباحث التأكد من صدق البيانات والمعلومات التي يحصل عليها نتيجة لما يسميه "بياجيه" بالمقابلة شبه الإكلينكية.
تفسير النتائج, الثبات:
على الرغم من أن "بياجيه" كان مهتمًا دائمًا بصدق ملاحظاته، إلا أنه في الحقيقة تجاهل تساؤل عملية الثبات، بمعنى مدى تكرارها، وقد يكون السبب الذي أدى به إلى ذلك خلفية "بياجيه" في العلوم البيولوجية دعته إلى افتراض أن الخاصية الأساسية عند فرد ما يمكن أن توجد خلال النوع بأكمله, إلا أننا نجد هذا الافتراض وإن كان صادقًا في الكائنات الأدنى إلا أنه لا يكون صحيحًا بالنسبة للكائنات الآدمية -ومع ذلك فإننا يمكن أن نجري مقاييس الثبات على طرق "بياجيه" عن طريق إعادة اختبار الطفل في عملية المقابلة وذلك في أوقات مختلفة.
والطريقة الثانية التي يمكن أن نحصل على الثبات من خلالها تكون عن طريق تصنيف الإجابات في مراحل متوالية للنمو، بمعنى أن نقول إن من الضروري تقرير عما إذا كانت الإجابات مميزة بصورة كافية لأداء الفرد حتى يمكن تصنيفها.
وعمومًا، فإن هذه الخطوات سابقة الذكر، بالإضافة إلى معيار "بياجيه" في تحديد وشروط المقابلة الإكلينكية، عادة ما يكون مقبولا حتى بالنسبة للأخصائي التجريبي المحض.
(1/140)

ثانيًا: الطرق السببية Causative methods
عندما يكون الباحث مهتمًا بالعلاقات السببية بين الظواهر النفسية أو الظواهر التي تسبب أخرى حينئذ يجب عليه اتخاذ ميثودولوجية مختلفة عما سبق الإشارة إليه, وعمومًا فإن هذه التساؤلات يجاب عليها بصورة أفضل في ثنايا الطريقة التجريبة، وسوف نتأمل سويًا هذه الطريقة في ميدان علم النفس بصفة عامة وميدان علم النفس النمو بصفة خاصة.
فالتجريب Experimentaion في علم النفس يعتبر من أهم الطرق التي تتضمن تحقيق مقومات المنهج لعلمي، ويشير الاتجاه التجريبي في علم النفس أو معظم مشاكل علم النفس إن لم تكن كل مشاكله يمكن دراستها تجريبًا في معامله وفي مواقعه التجريبية، ومن أهم الخصائص التي يتميز بها التجريب في علم النفس النمو ما يلي.
- يسعى الباحث إلى تهيئة وترتيب ظروف وعوامل الظاهرة موضوع الدراسة بدلا من الانتظار والبحث والتنقيب "كما هو الحال في الملاحظة الموضوعية حتى تقع تلك الظاهرة ويقوم بدراستها وبحثها".
- يكون في مقدور الباحث تغيير الشروط والظروف التي تحدث فيها بدلا من تقبله لها كما وقعت أو حدثت.
- يمكن تغيير إحدى أو بعض العوامل التي تخضع لها تلك الظاهرة وتثبيت الظروف والعوامل الأخرى مما يسمح بمعرفة أثر ذلك كله على الظاهرة المراد بحثها، وبذلك يمكن تحديد علاقات تلك العامل والظروف بالنسبة لها.
- يمكن تكرار الظاهرة طبقًا لرغبة الباحث وحسب ما يتراءى له مما يسمح بدقة الملاحظة والقياس.
- استخدام أجهزة خاصة بالقياس تتميز بالدقة، مما يسمح بالتحديد الكمي للظاهرة وإمكان معالجتها طبقًا للطرق الإحصائية الملائمة.
أ- التجريب المعملي، ويقوم على أساس استخدام الآلات والأجهزة المختلفة، وغالبًا ما يجري في ظروف صناعية، وتنتشر الآن معامل
(1/141)

علم النفس في كليات التربية وعلم النفس بالعالم حيث تتوفر الكثير من الأجهزة الدقيقة التي يتمكن بها الباحث من جمع المعلومات والضبط والقياس الدقيق, ولا يتوقف أهمية التجربة العلمية على مدى ما يستعمل فيها من أجهزة وأدوات، إذ إن هناك الكثير من التجارب ما لا يحتاج إلى أجهزة البتة، كما أن هناك متطلبات وشروط معينة لاستخدام الأجهزة وفقًا لنوع التجربة نفسها والهدف من البحث وموضوعه، ولا يقلل من أهمية وقيمة التجربة عدم اعتمادها على مثل هذه الأجهزة.
ب- التجريب الطبيعي: ويرجع الفضل في استخدام هذا النوع من التجريب إلى لازورسكي، ومن مميزات "التجربة الطبيعية، أنها تجري تحت نطاق الظروف الطبيعية للظاهرة دون أي تغيير يذكر، فالظاهرة النفسية كما تحدث في واقع حياتنا قد يصعب إخضاعها للدراسة المعملية المصطعنة، لأن الواقع بما فيه من عوامل ومتغيرات متعددة يحدد شكل ومضمون الاستجابات والأنماط السلوكية المختلفة، وعزل الظاهرة عن واقعها أو إطارها يعني إغفال محددات معينة مسئولة عن حدوثها.
المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة Experimental& Control Groups:
وتقوم الطريقة التجريبية على تثبيت جميع المتغيرات فيما عدا متغير واحد "المتغير المستقل" وهو موضوع البحث، ويحاول الباحث أن يغير فيه ويوجهه بطريقة منظمة حتى يمكن أن يتبين ما إذا كان التغيير الذي تم إدخاله في هذا المتغير يؤدي إلى تغييرات أخرى في السلوك الناتج "المتغيرات السابقة" وكيفية حدوث هذه التغيرات.
ومثال على ذلك، يمكن التحقق تجريبيًا من صحة الفرض القائل بأن مواقف التنافس تؤدي إلى زيادة تحصيل الأطفال في مادة دراسية معينة، وذلك بتكوين مجموعتين من الأطفال, إحداهما تسمى بالمجموعة التجريبية والثانية تسمى بالمجموعة الضابطة. وبعد أن يقوم الباحث بتثبيت كافة المتغيرات التي قد تؤثر في تحصيل التلاميذ من المجموعتين كالسن ونسبة الذكاء والصف الدراسي والقدرة الحسابية وغير ذلك يعرض المجموعتين لمعالجات مختلفة، ولكن يدخل في المجموعة التجريبية متغير
(1/142)

التنافس المراد دراسته "كأن يقال للأطفال أن التلميذ الذي سيحرز أعلى درجة سيمنح جائزة"، في حين لا يدخل هذا المتغير في المجموعة الضابطة حيث لا يوجد موقف تنافسي كالذي سبق ثم نختبر مستوى تحصيل التلاميذ في المجموعتين فإذا تبين أن جماعة التنافس "المجموعة التجريبية" تفوقت في مستويات تحصيلها على المجموعة الضابطة، فإن ذلك يدل على أثر التنافس في رفع مستوى تحصيل التلاميذ "أي التحقق من صحة الفرض الذي ذهبنا إليه".
وكثيرًا ما استخدمت هذه الطريقة في دراسات علم النفس النمو، ففي إحدى دراسات Sarver, G. & Others؛ "1976" أراد الباحثون معرفة تأثير السرعة التي يقرأ به الأطفال قوائم الأرقام، بالإضافة إلى قدرتهم على استدعائها وتذكرها، حيث قدمت قوائم للأرقام على خمسة سرعات مختلفة، وتضمنت الضوابط في التجربة السابقة تقديم القوائم بصوت مسجل، وتم اختيار الأرقام من القائمة بصورة عشوائية، كما استخدم حالات من الذكور فقط، وكانوا في نفس المدرسة، وجميعهم كانت معدلات ذكائهم متوسطة، وبواسطة ضبط هذه العوامل في المجموعتين تمكن الباحثون من معرفة معدلات استدعاء الأطفال للأرقام ومدى اختلافهم في ذلك.
ونمط آخر من التجريب الذي عادة ما نجده في دراسات علم النفس النمو، ما يسمى بتجربة التدريب Training experiment حيث نجد نفس المجموعات أو مجموعات أخرى من الأطفال تعطي أشكالا مختلفة من التدريب على واجب معين، لكي يمكن أن نحدد أي نموذج من التدريب كان أكثر فعالية أو تأثيرًا في هذه المهمة، وكثير من هذه التجارب أجريت في ميدان علم النفس النمو وكان هدفها الكشف عن مدى ارتباط مفاهيم معينة بمستويات عمرية معينة، "فبياجيه" مثلا أشار إلى أن معظم الأطفال يحصلون مفهومًا حقيقيًا للعدد "وهو تفهم أن عدد العناصر في موقف ما يبقى نفسه بغض النظر عن كيفية ترتيبه أو تنظيمه, ويبلغون ذلك فيما بين الخامسة والسادسة من عمرهم الزمني، كما أن دراسات التدريب أجريت لتحديد ما إذا كان من الممكن اكتساب المفهوم الحقيقي للعدد لأطفال أصغر سنًا خلال فترة قصيرة من الوقت كنتيجة للتدريب والنماذج الرئيسية لذلك هو أن نختبر الأطفال ما قبل التدريب وبعده والاختلاف بين الدرجات في الاختبار الأول والاختبار الثاني يوضح تأثير وسائل تدريب متعددة.
(1/143)

تأثير المجرب:
إن العلاقة بين المجرب والحالات جانب من جوانب الطريقة التجريبية، ولقد لاقت هذه المسألة انتباهًا كبيرًا في العصر الحديث, وعلى الرغم من أن كثيرًا من المجهودات عادة ما تبذل في أي تجربة لتجعل أدوات الطريقة التجريبية ووسائلها أكثر موضوعية، إلا أنه يوجد دليل في أن المجرب يؤثر في نتائج البحث من خلال توقعاته لسلوك الكائن الآدمي Rosenthal؛ "1966" وسواء كان ذلك من خلال سلوك المجرب نحو الكائن الآدمي أو من خلال أخطاء في عملية الملاحظة.
ففي إجراء التجربة، أحيانا يبدأ الباحث بافتراضات معينة وتوقعات أو تحيزات فيما يتعلق بالنتائج، وهذه بالتالي تنقل للحالة من خلال تلميحات رؤيا أو سمعية متنوعة، مثل الإشارات والإيماءات، وكذلك نبرات صوت القائم بالتجربة، وعمومًا فإن الدراسات تشير بوجود بعض من العوامل التي تؤثر في هذه الطريقة وبالتالي في نتائجها وهذه تتضمن الجنس والعرق، والحاجة إلى الاستحسان الاجتماعي، ومركز المختبر، والمعرفة الشخصية المسبقة بين المختبر والحالة، وسوف نتأمل مثالين لتوضيح ذلك.
تشير نتائج دراسة Cown, p, وآخرين "1967" ما يقرب من 250 طفلا ما بين السابعة والتاسعة والحادية عشر، عرض عليهم عشرة صور ملونة ويطلب من كل طفل أن يحكي قصة عن كل صورة تعرض عليه، وبصورة عامة فقد أوضحت نتائج هذه الدراسات أنه كلما ازداد عمر الحالة كلما كانت الصور المستخدمة أكثر استثارة في الاستجابة. وأحد القائمين بالتجربة استثار استجابات أطول من أطفال الخامسة والسابعة، في حين أن أطفال السابعة والتاسعة كان أداؤهم أفضل من مختبر آخر، كما وجدت اختلافات، متشابهة فيما يتعلق بجنس الطفل حيث تمكن أحد الباحثين من استثارة استجابات كبيرة من الذكور، في حين تمكن آخر من إجراء ذلك مع الإناث.
وفي دراسة أخرى أجراها كل من Allen وآخرين "1966"، حيث اختبرت مدى تأثير جنس المختبر، ومقارنة نتائج المديح والنقد, ولقد اتفقت نتائج هذه الدراسة مع نتائج الدراسة السابقة، حيث أشارت أن الشخص المألوف بالنسبة للمختبر يكون أقل كمدعم اجتماعي إذا ما قورن بتأثير الشخص الغريب، وكانت حالات هذه الدراسة من الأطفال
(1/144)

البيض حيث تلقت المديح والثناء من مجرب زنجي، وأظهروا ازدياد في مدى استجاباتهم الصحيحة، في حين أشارت النتائج أن هؤلاء الأطفال الذين تلقوا الثناء والمديح من راشد أبيض قد أظهروا نقصًا في معدل استجاباتهم.
وجدير بالذكر أن هناك نقطتان فيما يتعلق بالتفاعل بين المجرب والحالة تتطلب بعضا من الشرح والتوضيح.
أ- يجب أن تفسر نتائج الدراسة وتحلل ببعض من الحذر وذلك بسبب أنها قد تتأثر بتحيزات المجرب، وكذلك بواسطة خصائص المجرب وخصائص الحالة نفسها.
ب- وثمة حقيقة مؤداها أن المجرب قد يؤثر في الحالة بطرق ماهرة ماكرة حاذقة حتى في الموقف المقنن المضبوط والمنظم لكي يظهر بعض من التأثيرات المتبادلة في عملية التفاعل بين الأدباء والأبناء والمدرسين والأطفال, ففي كليهما نجد أهداف الراشد وأغراضه تؤثر على سلوك الطفل واتجاهاته, وعمومًا فلا يوجد تفاعل إنساني يترك المشتركين فيه في حالة عدم تأثير بعضهم بالبعض الآخر لأن جوهر عملية التفاعل هي في مدى تأثير كل طرف على الآخر.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الطريقة التجريبية تمثل أفضل الطرق لأنها تعيننا على إظهار العلاقات بين المتغيرات في وضوح وجلاء وبالتالي يؤدي ذلك إلى التحكم في الظاهرة إلا أن هناك بعض المشكلات التي يعتذر تناولها بهذه الطريقة, وبالتالي يجب الاستعانة بطرق أخرى في ذلك.
(1/145)

ثالثًا: الطرق التمايزية Differential methods
عندما يكون التساؤل موضع اهتمام الباحث يتمركز حول اهتمامه في العمل مع الطفل كشخص منفرد، وليس العمل مع مجموعة من الأطفال فإنه عادة ما يستخدم الطرق التمايزية، حيث تتضمن استخدام الاختبارات النفسية والعقلية، ووسائل تقرير الذات, والطرق الإسقاطية وملاحظات اللعب، وخلال استخدام الباحث لهذه الوسائل فإن الشخص دائمًا ما يقارن بمجموعة معيارية سواء كان ذلك ضمنيًا أو بصورة جلية واضحة, حتى يمكن تحديد المدى الذي يكون فيه الفرد متشابهًا أو مختلفًا عن المعيار المستخدم, وتتمركز إحدى المشكلات الهامة في استخدام الطرق التمايزية في التأكد بمدى تناسب المجموعة المعيارية التي نقارنها أو نقارن بها طفلا معينًا.
ولا يمكن أن نقول بأن جميع المعايير يجب أن تكون موضوعية، في هذه الطريقة فحتى في حالة المعايير الذاتية يمكن أن تكون ذات فائدة، فالأخصائيون الإكلينيكيون الذين لديهم خبرة كاملة طويلة في الاختبار، قد يبنون معايير شخصية يمكن أن تكون مفيدة في عمل التشخيصات والمعالجات فأحد الباحثين قد أشار مرة بأن الأطفال المتأخرين عادة ما نجدهم يضحكون أو يبتسمون على المواقف الأولى لاختبار الذكاء, والتفسير المحتمل لذلك في أن الطفل المتخلف يخاف أن يظهر قلقه من الاختبار، وكذلك يخاف في أن يكشف تخلفه، فالمواقف الأولى والتي عادة ما تكون سهلة تكون لحظات ارتياح حيث تجعل الطفل الصغير يبتسم أو يضحك لكي يتحرر من قلقه وتوتره، ويمكن أن نضيف المعايير الشخصية الإكلينيكية إلى المعايير الموضوعية التي نحصل عليها ببعض من الحذر.
1- اختبارات الذكاء:
عادة ما تستخدم اختبارات الذكاء جماعات كبيرة لتقنين المواقف وعملية التقنين تعني ببساطة أن صعوبة الموقف تتحدد عن طريق نجاح أو إخفاق جماعات كبيرة من الأطفال الذين استجابوا لهذا الموقف.
والجماعات المعيارية للاختبارات واسعة الانتشار كاختبار بنية ووكسلر لذكاء الأطفال، عادة ما يحصل عليها بواسطة أخذ عينات من الأطفال من المناطق الريفية والحضرية والبدوية وكذلك من طبقات اجتماعية واقتصادية, وحتى بعد إجراء ذلك يجب عند إعطاء هذه الاختبارات المقننة على البيئة المحلية، إلى طفل معين يجب أن نفسرها بحذر شديد, وللمزيد في ذلك يمكن الرجوع إلى اختبار بنيه الذي قنن على البيئة المصرية، وكذلك اختبار وكسلر للأطفال الراشدين، لتعرف مدى أهمية هذه المشكلة.
(1/146)

2- وسائل تقرير الذت Self-report techniques:
وتتضمن هذه الطريقة مجموعة كبيرة من الأدوات، يطلب من الأطفال أن يجيبوا عن أسئلة تتصل بذواتهم أو البيئة المحيطة بهم، ففي دراسة تقدير الذات يطلب من الأطفال الاستجابة إلى قوائم صفات للذات هل تنطبق عليهم أو لا تنطبق، والطفل الذي تشير إجاباته عن صفات إيجابية أكثر من الصفات السلبية يقال: إن لديه تصورا إيجابيا لذاته والعكس صحيح أي إن الطفل الذي يشير إلى صفات سلبية أكثر من وصفه لذاته يقال: إن لديه تصورا سلبيا لذاته.
ولقد استخدمت قوائم تقرير الذات لتحديد الاتجاهات نحو المدرسة، وقلب الامتحانات، والميول المهنية, وهذه الوسيلة عادة ما تثير تساؤل المرغوبية الاجتماعية Social desirability بمعنى إلى أي مدى تكون استجابة الطفل متلائمة مع ما يعرفه من خصائص متقبلة اجتماعيًا، وإلى أي مدى تكون استجابته انعكاس أمين لاتجاهاته ومشاعره؟ وإحدى الطرق التي يمكن التغلب بها على هذا العيب، هي أن تتضمن هذه القوائم مقاييس للكذب، وتعتبر هذه المواقف متطرفة للغاية مثل، أنا دائما شخص طيب، أو "أنا دائمًا شخص شرير"، والطفل الذي يوافق عليها يشير إما إلى التزييف، أو التظاهر بالطيبة، وإما إلى التظاهر بالسوء والشر، وعن طريق هذه المواقف في قوائم الصفات تساعد الأخصائي أن يهمل درجات عالية معينة، والذين استجابوا بصورة أساسية تبعًا لما يسمى بالمرغوبية أو اللامرغوبية الاجتماعية.
وجدير بالذكر أن هذه الوسيلة تمدنا بمعلومات وبيانات قيمة ومفيدة في تفهم الحالة، إلا أن تحديد مدى صدق وأمانة استجابة الحالة ما يزال موضع تساؤل، ويعتبر بمثابة مشكلة في وسائل تقرير الذات بصورة عامة.
3- الطرق الإسقاطية Projective Methods:
تختلف هذه الطرق عن طرق تقرير الذات في أننا نجد الحالة في تقرير الذات عادة ما يكون لديها بعض الأفكار التي تكشف عن ذاته إلا أننا في الطرق الإسقاطية لا نجد على هذا المنوال، وتتضمن هذه الوسائل اختبار الروشاخ المعروف باختبار بقع الحبر، واختبار تداعي المعاني TAT وكليهما للكشف عن الجوانب الخافية للشخصية فالحالة التي
(1/147)

تستجيب لاختبار بقع الحبر مثلا لا يكون لديها فكرة عن كيفية تقدير الاستجابات أو كيفية تفسيرها, وقيمة النتائج تعتمد إلى حد كبير على مهارة وخبرة الشخص الذي يقوم بتطبيقها وتفسيرها.
وتوجد وسائل إسقاطية متنوعة، ويمكنها التغلب على مشكلة التفسير والتأويل، فمنذ سنوات مضت اكتشف علماء الفلك ما يسمى بالمعادلة الشخصية peesnal equation ومؤداها أن الملاحظين يختلفون في مدى ردود الفعل وبالتالي يسجلون أوقات مختلفة لأحداث النجوم، وهذا يعني ظهور الاختلافات الفردية التي يؤديها الأشخاص حتى في الأعمال البسيطة، مثل الضغط على زرار معين عندما تكون النجوم في حالة تداخل, ووسائل متشابة تسخدم الآن لتقييم الأنماط المعرفية، ففي اختبار الأشكال المطمورة للأطفال مثلا، يطلب منهم العثور على أشكال صغيرة وبسيطة مطمورة في شكل أكثر تركيبًا، والأطفال الذين يتمكنون من إجراء ذلك بسرعة يطلق عليهم صفة الاستقلال الميداني، حيث يستطيعون التعامل مع المثيرات المحيرة أو التي تصرف الانتباه، والأطفال الذين يوجد لديهم صعوبات في هذه المهمة يطلق عليهم صفة الاعتماد الميداني، وعادة ما يكونون سريعي التأثر، وذوي حساسية عالية لتأثير المثيرات البيئية.
وعمومًا فعلى الرغم من وجود ثمة طرق تتجنب بعض مشكلات ووسائل تقرير الذات، إلا أنها تحوي مشكلات جديدة للتفسير، فمثلا كيف يحدد الموقف المعروض تكوين هذه النماذج؟
4- ملاحظات اللعب Play Observations:
تمثل أحد الطرق التمايزية والتي عادة ما تستخدم مع الأطفال، وفي بعض جوانب هذه الطريقة تكون مشابهة للاختبارات الإسقاطية، وذلك بسبب أن اللعب قد يمكن الأطفال لأن يكشفوا جوانب معينة عن أنفسهم والتي تكون لاشعورية بصورة كلية، وفي معظم ملاحظات اللعب عادة ما يكون الأطفال في حجرة مع عدد من الدمى والألعاب والمكعبات والقوالب، وما إلى ذلك، حيث يسمح لهم باللعب بها، وفي موقف اللعب البنائي يطلب من الأطفال اللعب مع دمى معينة، وفي مواقف اللعب غير البنائي يلعب الطفل مع أي دمية يختارها.
ويمكن استخدام ملاحظات اللعب في الأغراض التشخيصية. فمثلا
(1/148)

عندما نريد تقييم مشكلة انفعالية لطفل ما، فقد يجلس هذا الطفل في موقف لعب بنائي حيث يوجد فيه منزل صغير، وأشخاص من الدمي وأثاث, فإذا وضع أباه وأمه وأخته الصغرى في حجرة ووضع نفسه في حجرة أخرى فقد يعني ذلك أنه يحس النبذ من أبويه، أو الانعزال عن باقي أفراد الأسرة, وفي معظم ملاحظات اللعب التي استخدمت لأغراض تشخيصية طلب من الأطفال أن يقصوا قصة عن نشاطاتهم في اللعب أو أدوارهم فيما يقصونه, أو الاستجابة إلى تفسير الممتحن لتنظيمهم أدوات اللعب.
وعلى الرغم من أن ملاحظات اللعب تعتبر طريقة تمايزية، إلا أننا نجد "أريكسون" Erikson؛ "1951" قد استخدمها للإجابة عن تساؤلات ارتباطية، حيث طلب من الأطفال بناء أبراج بواسطة قوالب معينة، وبعد ذلك لاحظ بناءاتهم ولقد وجد اختلافات جنسية جديرة بالملاحظة، إذ لاحظ أن الأولاد كانوا يميلون لبناء أبنية طويلة، في حين وجد البنات كن يملن إلى بناء مساحات مغلقة وضيقة ومن الصعب الدخول فيها, ويشير "أريكسون" أن الرمزية الجنسية قد تكون أقل أهمية في تفسير ذلك، إذ إن الأولاد والبنات قد اختلفوا بصورة كلية في التوجيهات المكانية ويرجع إلى الاختلافات الجسمية في أعضائهم الجنسية.
وجدير بالذكر، فإن ملاحظات اللعب الحر للأطفال في الملاعب والفصول الدراسية، وأي مكان آخر يعتبر مصدرًا غنيًا للمعلومات والبيانات, وملاحظات اللعب عمومًا مثل أغلب الملاحظات الأخرى مفيدة للغاية في بداية البحث ولا فحص، إلا أننا يجب أن نحصل على معلومات أكثر نوعية عن الأفراد والجماعات بواسطة أدوات أخرى، وعلى ذلك فإن بيانات ملاحظات اللعب يمكن توحيدها مع بيانات وسائل تقييمية أخرى, وللأغراض الارتباطية فإن ملاحظات اللعب يمكن أن تكون مصدرًا خصبًا للافتراضات التي يمكن أن تقاس بدقة عن طريق الوسائل التجريبية.
وكما أشرنا في مناقشة ملاحظات اللعب، فإن الارتباطات بين التساؤلات والطرق ليست ملزمة، وعمومًا فإن الطرق التمايزية غالبًا ما تستخدم للإجابة عن التساؤلات الارتباطية كما رأينا في مثال "أريكسون" السابق، ومن جانب آخر فإن الطريقة التجريبية هي الطريقة الوحيدة، الملائمة للإجابة عن التساؤلات السببية، وبإيجاز فإن بعض التساؤلات تتطلب أكثر من طريقة معينة للبحث والاستقصاء في حين أن أخرى لا تتطلب ذلك.
(1/149)

رابعًا: الطرق التتبعية Genetic Methods
تتلخص هذه الطرق بملاحظة النمو الإنساني في أبعاده المختلفة الجسمية والانفعالية والاجتماعية والعقلية على فترات متتابعة من العمر تبدأ مع أول الحياة ثم تسير في مراحها المتعاقبة وذلك بتسجيل كل ما يتصل بذلك البعد عن مظاهر وسلوك وانفعال.
ففي دراسة النمو الحركي مثلا، يسير الباحث متتبعًا مظاهره من المهد وتدرجه المتصاعد في الطفولة والشباب، ثم تسير في فترة الاستواء في الرجولة أو الأمومة, ومنه إلى نمو حركي هادئ خمد حتى ينتهي بالسكون الذي يعني "الموت" وكذلك الحال في شتى أنواع النمو عقلية أو اجتماعية أو انفعالية, حيث يبدأ الباحث دراسته من نقطة الصفر ومنها إلى درجة الإحساس ثم الإدراك الحسي، فالإدراك، فالتذكر، فالتفكير، ثم إلى درجات النضج العقلي، ثم يسير مستويًا إلى أن يبدأ في الانحدار العقلي ليفقد الذاكرة الحادة، ثم الضعف في الضبط العقلي إلى ضعف في المدركات الحاسية في أواخر الشيخوخة.
فالطريقة التتبعية تدرس الإنسان في مظهر من مظاهر نموه سواء كان ذلك جسميًا أم عقليًا أم لغويا أم انفعاليا أم اجتماعيًا، وعلم نفس النمو لا يدرس إنسانًا واحدًا فقط ولكنه يدرس أكبر عدد ممكن من الأفراد وفي بيئات مختلفة في جماعات متباينة حتى يتوصل إلى النمو السوي لدى الإنسان وذلك ما يمهد السبيل للتنبؤ عن الأفراد, وما يتوقع منهم في شتى سني الحياة من مراحل النمو السليم، فهذه الطريقة تقدم لنا صورة متكاملة عن النمو النفسي للإنسان في مراحل العمر وفي أبعاد التكوين النفسي.
فإذا أدركنا أن ذلك الإنسان يمر الآن في مرحلة الطفولة أدركنا بالتالي تكوينه العقلي أو اللغوي أو الانفعالي، وإذا عرفنا أن فردًا آخر يمر بمرحلة الشباب أو الكهولة أدركنا ما يتفاعل فيه من عوامل انفعالية
(1/150)

وعقلية واجتماعية وذلك مما يساعد المربين والأخصائيين الاجتماعيين والآباء ويقدم لهم أكبر عون فيما يقدمون من مناهج أو تخطيط.
وعلم نفس النمو مدين في تقدمه الحديث إلى هذه الطريقة في البحث والاستقصاء وفي تجديد مواطن البحث والتجريب ونتائجه التطبيقية في شتى الميادين.
اتجاه الطرق التتبعية:
تسير الدراسات التتبعية في ثلاث اتجاهات رئيسية الاتجاه الطولي، والاتجاه المستعرض، والاتجاه الاسترجاعي، فالتتبع الطولي يبدأ من الحاضر إلى المستقبل، والمستعرض يسير في نفس الزمن الواحد بين الأفراد، والاسترجاعي يعود إلى الوراء من الحاضر إلى الماضي، وسوف نلقي الضوء على هذه الاتجاهات في ثنايا الصفحات التالية.
أ- المنحى الطولي في مقابل المستعرض Longitudinal versus cross- sectional approaches:
إذا عرفنا بدقة نمو طفل معين فيما مضى، فإننا يمكننا التنبؤ بنموه المستقبلي وشخصيته المستقبلية، وتكيفه وقيمه وأهدافه عندما يصل إلى مراهقته ورشده.
ولأجل هذا الاهتمام فقد كرست كثير من الدراسات لوصف الطفولة في أعمار زمنية مختلفة، وتوفرت بيانات في بحوث علم النفس النمو في جوانب النمو الحركي, والنمو اللغوي، والنمو العقلي، والنمو الاجتماعي، والنمو الانفعالي والنمو الجسمي، وجمعت هذه البيانات من خلال منحيين هما، المنحى الطولي، والمنحى العرضي، وسوف نتأملها بإيجاز في الصفحات التالية.
الطريقة الطولية:
يشير Nunn, N أن هذا المنحى مناسبًا لدراسة النمو، ويرجع ذلك بسبب أن نفس الأطفال يدرسون طوال فترة زمنية، حيث يدرس موضوعًا منفردًا وبصورة على فترات دورية نظامية، وبالتالي فإن هذه الطريقة تمدنا بصورة للنمو المستمر, كما تمدنا الدراسات الطولية بمعلومات عن نماذج وعمليات التغير، على المدى الطويل، وبالتالي فإن
(1/151)

منحنيات نمو الفرد يمكن أن توضع في ثمة جوانب كاللغة والنمو الجسمي وهكذا, وعن طريق هذه المعلومات للتغيرات التي تحدث في فرد معين يمكن أن تربط بوجود أو غياب عوامل أخرى، فمثلا التغيرات في معدل الذكاء عند فرد ما يمكن أن تربط بأحوال بيئية مختلفة، ولكن لا يعني هذا بالضرورة وجود علاقة سبب ونتيجة.
كما أن طريقة سير حياة الأطفال التي نوقشت فيما سبق استخدمت المنحى الطولي لتسجيل ووصف السلوك لطفل معين طوال فترة زمنية محددة، وكانت أول دراسة في هذا المجال دراسة "بفون" Buffon، والتي أشار فيها إلى معدلات الطول لدى الأطفال حتى سبعة عشر عامًا من 1759-1776، وتتمركز مميزات هذه الطريقة في أنها تتيح للباحث جمع بيانات لأجيال مختلفة ومعرفة مدى الاتساق بينها سواء في أوجه نمو الأطفال أو في تدريبات الأطفال النمائية، ولقد أجريت عديد من الدراسات وطبقت هذه الطريقة في البحث والاستقصاء منها على سبيل المثال في عام 1959، دراسة Stone& Onque ودراسة Kagan؛ "1964" وغيرهما.
وقبل أن نضع في الاعتبار بعض معوقات هذه الطريقة، هيا بنا نتأمل سويًا بعضا من هذه الدراسات, فمن أول الدراسات الطولية التي أجريت في ميدان علم النفس النمو كانت بواسطة Shirley؛ "1931-1933"، حيث تتبع 25 طفلا منذ ميلادهم حتى نهاية السنتين الأوليين في النمو الحركي والعقلي والشخصية، حيث كانت الأطفال داخل إحدى المستشفيات تفحص يوميًا، وخلال الأسبوع الثاني كانوا يفحصون كل يومين، وباقي السنة الأولى كانت الرضع يفحصون كل أسبوع في منازلهم, خلال السنة الثانية كان يجري فحص الأطفال كل خمسة عشر يومًا.
وكانت تسجل في أثناء هذا الوقت استجابات الأطفال لبعض من الاختبارات البسيطة عن طريق وصف وتنوع الاستجابات وأضيفت كذلك تسجيلات الأم إلى بيانات الدراسة الكلية، وفيما يتعلق بالنمو الحركي فلقد ركز شيرلي على تتابع النمو، وانتهى إلى النتائج الآتية.
1- يوجد اتساق في تتبع النمو الحركي، مع ظهور بعض جوانب المعكوسية في المظهر لبعض المواقف، رفع الصدر إلى أعلى، والجلوس بمفرده، والوقوف بمساعدة الآخرين والزحف.
(1/152)

2- النمو الحركي يسير في نفس المنحى للقانون التشريحي لاتجاه النمو والذي يشير إلى أنه يبدأ من الرأس إلى القدم أو يتبع النو الذيلي Caphalo caudal وعمومًا فإن نتائج هذه الدراسة المكثفة على خمسة وعشرين طفلا كانت ذات فائدة كبيرة في ترسيخ جوانب معينة للبحوث النمائية، ومن جهة آخرى أمدت معلومات قيمة للطرق العلمية المتأنية الدقيقة الأخرى.
ودراسة أخرى قام بها "أندرسون" Anderson؛ "1950" عن التنبؤ للتكيف بين أطفال الصف الرابع، وكانت عينة هذه الدراسة 320 طفلا وأجريت عملية قياس الاتجاهات للأطفال نحو الأسرة وإحساسهم بالمسئولية واتجاهات العمل معتمدة على خبرتهم المنزلية وميولهم ونشاطات لعبهم، وكانت توجد اختبارات تقيس مخاوف الطفل وقلقه, وأمكن الحصول على ذكاء الأطفال ومهنة الأب والأم، والمستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وذلك في السجلات المدرسية.
ولقد تم الاستعانة بالمدرسين في معرفة درجة مسئولية كل طفل، وسماته الشخصية، وتكيفه المدرسي، وذلك بإجابتهم على استبيان خاص بهذه الجوانب, كما سجلت أحاسيس ومشاعر كل طفل عن نفسه وعن الآخرين من حوله، ووجهة نظره في علاقته بالآخرية، وهل يشعر بالإشباع والسعادة في حياته؟ وهل يعتقد أنه ينمو ويتقدم بصورة جيدة بالإضافة إلى انطباعات الآخرين عن الحالة، وكيف يراه الآخرون الذين يعرفونه، وإشارات نتائج دراسة أندرسون بجدوى التنبؤ التكيفي والمرتبط بثمة عوامل كالجنس ومعدل الذكاء سواء بالنسبة للبنين أو البنات.
وكذلك تشير نتائج دراسة Berkeley؛ "1928" والتي أشار إليها Bayley؛ "1965" لدراسة 61 طفلا أثناء الشهرين الأولين من حياتهم، وأجريت عليهم اختبارت للذكاء وفحوصات طبية في فترة دورية، ومقاييس أنثروبومترية، وكذلك قيمت مهاراتهم اليدوية والحركية والأداء الحركي العياني وجمعت البيانات من نتائج الاختبارات وتسجيلات عرضية، بالإضافة إلى أنه حدث تقييم لسلوك الأم نحو وليدها.
وأشارت النتائج فيما يتعلق بالفروق الجنسية, وحيث اتضح أن معاملات الارتباط الإيجابية بينها وبين المقاييس الاجتماعية والاقتصادية
(1/153)

"كدخل الأسرة، مهنة الأب, تعلم الآباء" كما وجدت الارتباطات الإيجابية بين معدل طول الآباء والأبناء، وظهرت ارتباطات كذلك بين أنماط سلوك الأم ومعدل ذكاء الأطفال في فترة المراهقة حيث اتضح أن الأطفال الذين كانت لهم أمهات يتسمن بالحب والدفء والديمقراطية وذلك في مرحلة الطفولة كانت معدلات ذكائهم أعلى من معدلات ذكاء الأطفال ذوي الأمهات النابذات العدوانيات, ولاحظ ذلك في البنات أكثر مما وجد عند الأولاد الذكور، واستنتج Bayely أن معدل ذكاء البنات يميل إلى أن يكون مرتبطًا بصورة قوية بالسلوك الأموي المبكر.
وجدير بالذكر فإن هناك بعض الخصائص للمنحى الطولي تجعلها مكلفة سواء في الجهد أو الوقت بالإضافة إلى صعوبة إجرائها، وأول هذه الأشياء هو تحول أفراد البحث أو انتقالهم أو عدم إمكان اتبعهم، كما يفقد وقتًا طويلا في حالة تغيير القائمين بالبحث أو الإداريين القائمين عليه.
أولا: بالإضافة إلى مشكلة الحالات التي تتسرب أو تتساقط أثناء الدراسة، وبالتالي تفقد معلومات ذات قيمة وساعات ضخمة من العمل والجهد التي بذلت مع هذه الحالات.
ثانيًا: عندما تستقر بناء خطة الدراسة، وتختار الأدوات ويستقر على الحالات فمن الصعب إن لم يكن من المخاطرة تبديل هذه العناصر السابقة بدون خطر محيق لنتائج الدراسة ككل.
الطريقة التتبعية المستعرضة Cross-sectional method:
نظرًا للصعاب المشار إليها التي تكتنف الطريقة الطولية لجأ الباحثون في سيكولوجية النمو في بحوثهم ودراساتهم إلى الطريقة التتبعية المستعرضة.
ويدرس الباحث في هذه الطريقة بعدًا واحدًا من أبعاد النمو جسميًا أو عقليًا أو انفعاليا لدى أفراد كثيرين ذوي عمر زمني واحد كدراسات Templin؛ "1953, 1977" للنمو اللغوي على ستين طفلا تتراوح
(1/154)

أعمارهم ما بين "3-3.5"، "4-4.5"، "5"، "6"، "7"، "8" بقياس عدد المفردات اللغوية، وبناء الجمل والقدرة على التمييز اللغوي والقدرة على نطق الكلمات.
وعمومًا، فإن هذا المنحى أسهل بكثير من المنحنى الطولي في تمكنه من متابعة عينة البحث من جانب، وتوفير الوقت والجهد الذي يبذل من جانب آخر, كما يمكن أن تعدل خطة الدراسة بدون فقدان ضروري للوقت أو الجهد، إلا أن هناك بعض أنواع المعلومات والبيانات لا تستطيع هذه الطريقة توفيرها، فمشكلة السببية Causation لا نجد لها إجابة مقعنة في هذه الطريقة بمعنى لماذا يظهر سلوكًا معينًا في مستوى عمري معين؟ ولماذا توجد اختلافات النمائية على الشخصية مثل. "كيف يؤثر تأخر النمو اللغوي على تكيف الطفل المدرسي؟ وكيف يمكن الإسراع في النمو الحركي عن طريق الاتجاهات الوالدية؟ وأخيرًا فإن هذا المنحى لا يوضع شكل السلوك ونمطه لطفل معين في فترة زمنية طويلة وذلك بسب أن هذه الطريقة تتركز في دراسة أطفال مختلفين في معدلات عمرية مختلفة في وقت واحد.
ويشير "بيل" Bell؛ "1954" أن في اتحاد كل من الطريقة الطولية والطريقة المستعرضة يمكن أن تتحاشي كثيرًا من المشكلات التي تجابه كلا من الطريقتين، ففي تكاملهما حيث يقوم الباحث بدراسة أفراد من الناس في مختلف أبعاد التكوين في سنوات متتابعة من النمو. كما أن كل طريقة تزود الأخرى في تحديد مواطن البحث والتحليل.
(1/155)

خامسا: الدراسات المعيارية:
هذا نمط من الدراسات جمع بين كل من الطريقة الطولية، والطريقة المستعرضة، وعلى ذلك فإن المعايير ما هي إلا مراحل مرتبطة بأعمار زمنية معينة، والتي فيها تظهر مهارات مختلفة وخصائص عامة، وهذه المعايير يجب ألا تؤخذ كمعايير مجردة لا ترتبط بأخرى، حيث تجد في فترة معينة معيار الوزن بمعايير الأعمال الزمنية، فمثلا يبدأ الوزن في التوقف النسبي بينما نرى معيار الطول بالإضافة إلى البنية الجسمية.
(1/155)

وجدير بالذكر، فإننا نجد في بعض الأحيان مغالاة في التوكيد على معايير معينة، "حيث يساء فهمها وبالتالي تكون مصدرًا لكثير من القلق والاهتمام غير الضروري خاصة من جانب الأمهات, ولقد نشر "أرنولد جيزل" وهو من المهتمين الأوائل بنمو الطفل معايير لكثير من جوانب النمو، والجدول رقم "1" يتضمن قوائم معينة تصف السلوك المميز لطفل العام و18 شهرًا و21 شهرًا، وقدمت هذه المواقف بصورة تصويرية في الشكل رقم "1".
(1/156)

الباب الثاني: الطفولة
الفصل الرابع: النمو قبل الولادة
مدخل
...
الباب الثاني: الطفولة
الفصل الرابع: النمو قبل الولادة
منذ لحظة الحمل، وعندما يلقح الحيوان المنوي الذكري البويضة، تحدث أطوار نمائية متدرجة، حيث ينتج نتيجة اتحاد الحيوان المنوي بالبويضة طبقات زرقاء blue prints خاصة بالنمو الإنساني، تتضح وتتجدد على مدى فترة زمنية معينة، وكيفية عمل هذه الطبقات الزرقاء واستخدامها في تشكيل الكائن يعتبر بمثابة أمر يتعلق بالتركيب الوراثي للإنسان.
الموروثات والأمشاج Gametes & Genes:
عادة ما يطلب على الحي المنوي والبويضة الأنثوية الأمشاج، ولكي تكون هذه الأخيرة كائنا جديدًا يجب أن تمتلك خصائص معينة، ويمكن إيجازها فيما يلي.
1- يجب أن تحمل مادة مغذية كافية لكي تولد خلايا وبالتالي تستطيع التحرك بصورة ملائمة لكي تتحد بأخرى.
2- يجب أن تكون قادرة على التحول من دور القصور الذاتي أو عدم الفعالية المألوف داخل الكائن الراشد إلى دور أكثر نشاطًا وفعالية في توليد الخلايا.
3- يجب أن تكون ذات بنية منظمة مرتبة حيث إنها لا تبدأ في عملية التوليد إلى أن تلتقي بمشيج متمم, بمعنى أن يلتقي الحي المنوي بالبويضة.
4- وهذه الأمشاج عادة ما تحمل خصائص من كل من الأب والأم والتي تكون الطبقة الزرقاء لنمو الكائن الجديد, ولكن كيف يحدث ذلك؟ هذا ما سنوضحه في ثنايا الصفحات التالية.
حركة الأمشاج:
المطلب الأول هو في توفير التغذية الكافية لهذه الأمشاج حتى تكون قادرة على توليد كائن جديد, وبالتالي يكون لها القدرة على التحرك بصورة كافية للالتقاء والالتحام, ويحدث ذلك عن طريق تقسيم
(1/163)

العمل والنشاط لها داخل رحم الأم، فالمشيج الأنثوي أو البويضة كبيرة نسبيًا وثابتة، في حين نجد المشيخ الذكرى أصغر نسبيًا ومتحرك بسرعة ولكي نعطي فكرة تقريبية عن أحجامها النسبية، فإن البويضة تكون عبارة عن 0.014 ملليمتر من قطرة دائرة "أي في حجم حرفين أو ثلاثة من هذه الصفحة تقريبًا"، وتحت الظروف الجيدة يمكن بالجهد أن ترى بواسطة العين الإنسانية، والحي المنوي الذكري نجده على نقيض ذلك يبلغ 0.006 من الملليمتر، ولا يمكن أن يرى بواسطة العين المجردة، كما أن البويضة تكون في صورتها على هيئة بيضة، والحي المنوي يشبه في مظهره الشرغوف tadpole وتتكون معظم المادة الوراثية في مقدمته.
والمطلب الثاني للأمشاج، هو أن تتحول من دور سلبي إلى دور إيجابي بمجرد اتحادها, ومن المعروف أن البويضة تستثار عن طريق المادة في الأكروزوم acrosome وهي تشبه القبة على رأس الحي المنوي، وهذه المواد التي بداخل الأكروزوم تجعل من الممكن للحي المنوي اختراق البويضة والحي المنوي كذلك قد يتضمن بعض أنواع النظم الموجهة والتي يكون بمقدورها أن تعوم أو تسبح تجاه الحركة البطيئة للسوائل الأنثوية لكي تعثر على البويضة وتوجهها في الاتجاه الضروري للإخصاب.
كما أن الحيوانات المنوية تفرز بكميات أكبر من البويضة, فمثلا نجد أن أغلب النساء تنتج ما يقرب من 300 إلى 400 بويضة طوال فترة إخصابها, وعلى نقيض ذلك نجد أن الذكر العادي يفرز ما بين 200 إلى 300 مليون حيوان منوي في المرة الواحدة، ويجب ملاحظة أن هذا العدد الضخم غير العادي للحيوانات المنوية عادة ما يكون ضروريًا لعملية الإخصاب, حيث نجد أن الذكور ذوي العدد الأقل قد يكونوا غير مخصبين, ومن ملايين هذه الحيوانات المنوية التي تقذف، ما يقرب من 100 فقط تصل إلى قنوات البويضات من خلال الحركة الانقباضية للمهبل الرحمي وكذلك من خلال جدار قناة البويضات أثناء حركتها العائمة, حيث تستقر البويضة, وعلى الرغم من أن حي منوي واحد هو الذي يقوم بدور إخصاب البويضة، إلا أننا نجد أن وجود الحيوانات المنوية الأخرى معًا، ومع السائل المهبلي يسهل إتمام عملية الحمل.
وعندما تتحرر البويضة من الجريب fallicle وتتحرك نحو قنوات البويضات، حيث يمكن أن يحدث الإخصاب نجد أنها ما تزال محاطة بخلايا
(1/164)

جريبية, وتشير الدلائل أن الحي المنوي يطلق ويفرز إنزيما حيث تذيب المادة الغروية المسامية التي تربط الجريبات أو التجويفات الصغيرة بعضها مع البعض، كما أن وجود حيوانات منوية كثيرة في منطقة مجاورة للبويضة قد يكون ضروريًا لكي تسمح بمرور واحد منها والذي سوف يخصب البويضة بالفعل, وبمجرد أن يصل الحي المنوي إلى الأغشية المحيطة بالبويضة, فإن الأغشية تنتفخ وتجذب الحيوان المنوي الفائز، وبعد أن يكون الحي المنوي داخل البويضة، نجدها مقاومة لاختراق أي حي منوي آخر. وبمجرد أن يصبح الحي المنوي داخل مركز البويضة نجده ينحل لكي تتشكل خلية واحدة مع نواة واحدة، وحينئذ تسمى باللاقحة Zygote وتعتبر بمثابة كائن جديد.
الموروثات Genes:
كل مشيج1 يتكون من عدد كبير لخصائص التركيب الوراثي والتي تحمل كائنات كيماوية دقيقة تمسى بالموروثات أو الجينات, وتنظم هذه الموروثات في أجسام أكبر من المواد والتي تسمى بالكروموزومات أو الصبغيات Chromosomes وكل نوع يمتلك عددًا معينًا من الصبغيات والتي تساعد في تحديد هويتها المتفردة, ومنذ عشرات السنين كان يعتقد خطأ أن الكائن الآدمي يمتلك 48 صبغيًا، إذا اكتشف أن الخلية الإنسانية تتكون من 46 صبغيًا، وهذه الصبغيات تنتظم في أزواج، حيث نجد أن كل زوج متماثلا إذ أنها متشابهة في أحجامها وشكلها ومظهرها العام.
والشكل "1" يوضح عملية انقسام الخلية الفتيلي أو غير المباشر Mitosis.
__________
1 المشيج عبارة عن خلية جرثومية ناضجة إذا اتحدت بخلية جرثومية أخرى كونت كائنا جديدًا.
(1/165)

الشكل رقم "1" يوضح عملية انقسام الخلية الفتيلي أو غير المباشر
(1/166)

الشكل رقم "2" يوضح عملية الانقسام للخلية
(1/167)

وبمجرد أن تتكون اللاقحة Zygote تبدأ الخلية في الانقسام مخولة لكل الخصائص المورثة الموجودة والتي تتضمن في اللاقحة أن تنتقل إلى كل الخلايا المتولدة كما أن انقسام الخلية والذي يسمى بالانقسام الفتيلي أو غير المباشر Meiosis بمعنى حدوث انقسام طولي لكل من الستة وأربعين صبغيًا وبمجرد أن ينقسم كل صبغي، فإنه يبني وينظم نفسه من جديد وبالتالي يصبح كل نصف متماثل مع الأصل ويتضمن موروثاته المتممة له بصورة كاملة.
وعندما يتكون الكائن بصورة كاملة، ونرى حدوث نموذج آخر من انقسام الخلية مولدًا أو منتجًا جديدة، وتسمى هذه العملية بالانقسام المنصف Neitosis وهذا يعني أنه في حالة الإخصاب نجد مشيجان "البويضة والحي المنوي"، يتحدد كل منهما بالآخر لتكوين خلية جديدة بجانب الـ46 كروموزوم, وجدير بالذكر فإننا نرى في حالة الانقسام المنصف تنقسم الخلايا الكاملة لكي تنتج المشيجات مع نصف الصبغيات فقط من خلايا الأبوين. والشكل رقم 1 يوضح عملية الانقسام المنصف للخلية، ومن الجدير بالذكر أن عملية الانقسام المنصف هذه مع عملية الإخصاب تسبب وجود الاختلافات الفردية بين الكائنات, كما نرى في الصبغيات المتماثلة عادة ما يكون المورث الذي ينتج سمة معينة متقابلا بصورة مباشرة مع آخر، وعادة ما يعملان معًا لكي ينتجا سمة معينة, وفي أثناء الانقسام المنصف، نرى انقسام الصبغيات تميل إلى طرد كل منها الآخر "كما نرى ذلك في الأعمدة المغناطيسية" لا يكون كاملا، حيث تتصل أو تتشابك الأزواج المقسمة من الصبغيات المتماثلة في بنية تسمى بالسنترومير Centromere.
وعمومًا، فعند هذه المرحلة من الانقسام المنصف توجد 22 حزمة مجدولة لأربعة صبغيات، في حين الانقسام الفتيلي أو غير المباشر mitosis عند تلك المرحلة 46 حزمة لجديلتين صبغيتين.
__________
1 النمط الوراثي أو الطراز الأصلي Cenotype.
الطراز البنياني الكامن وراء الخصائص البدنية للجسم أو ما وراء الطراز البدني، وهو طراز لكي تحدده، ومن ثم سلوك وشخصية الفرد ونستطيع أن نتنبأ بتصرفاته لا يكفي فيه أن نعرف مقاسات بنائه الجسمي بل ينبغي أن يكون لدينا تاريخ كامل للفرد وسجل لأجداده ولنسبه وصور لطرازه البدني على فترات منتظمة خلال حياته.
(1/168)

ومع الاستمرار في عملية الانقسام المنصف، فإن الأزواج المتماثلة من الصبغيات كميًا تأخذ في الانقسام الفتيلي أو غير المباشر، وتأخذ صورة جدائل أربع، وتندمج في اثنين متجهة نحو الأقطاب المقابلة من الخلية، وتبدو الصبغيات كما لو أنها عشوائية، حيث تتجمع بعض الصبغيات الأنثوية وبعض الصبغيات الذكرية عند كل قطب للخلية أو البويضة، وأثناء عملية الانقسام المتبقي، فإن الصبغيات تنفصل في مجدولات متفردة وكلما انقسمت الخلية، نجد كل خلية جديدة تتكون من 22 صبغي فقط وحينئذ يتكون كل مشيج بصورة عشوائية من كروموزمات "صبغيات" من كل من الأم والأب، وترجع الاختلافات إلى هذا التصنيف العشوائي لصبغيات الأب.
فعندما تتحد مشيجات ذكرية وأنثوية أثناء فترة الإخصاب فإن اللاقحة أو الكائن الجديد يكون معرضًا لتأثيرات وراثية من كل الأب والأم، فالتوائم غير المتماثلة عادة ما يكون لديها تركيبات مختلفة من الصبغيات الوالدية، ويرجع ذلك إلى الانفصال العشوائي للأزواج الصبغية للأب أثناء عملية الانقسام المنصف وتكوين المشيجات وحقيقة أن للكائن الآدمي 46 صبغي يؤكد أو يشير إلى وجود ثمة اتساق معين بين الأنواع، إلا أن العدد غير المحدد من تركيب الصبغيات يومئ إلى التفسيرية والمتقلبية.
حركة المورث:
كما أشرنا سابقًا أن كل صبغي يتكون من عدد كبير من المورثات وكل منها له موضع محدد على جدلية الصبغي، "أو أن كل مجموعة مؤتلفة أو اتحاد مستقبل" يكون مسئولا عن سمة معينة وبسبب عمل الصبغيات معًا كأزواج، فإن كل واحد منهما يمكن أن يزود بإرشادات في كيفية تحقيق سمة ما، والمورثات أو تركيب المورث الذي يعمل في مكان معين لكي تنتج سمة نوعية خاصة تسمى بالأليلي Alleles واثنين من هذه الأليليات تكون ضرورية لمعظم السمات، كما أن الصبغيات المتماثلة تكون في حالة منتظمة وبالتالي فإن اثنين من الأليليات لسمة معينة عادة ما تعملان في صورة تساوي وانسجام، فإن كان للكائن أليلي لعيون سمراء أو بنية اللون في كل من الصبغيات الأبوية والأموية، فإن الكائن سيكون متماثلا للعيون السوداء أو البنية اللون، ومن جانب آخر إن كان للشخص أليلين مختلفين لنفس السمة "مثلا واحد للعيون الزرقاء والآخر للعيون السوداء", حينئذ فإن الشخص قد يكون غير متماثل أو متغاير العناصر
(1/169)

Heterozygous مع تلك السمة، وعمومًا فإنه يجب أن نشير إلى أن كثيرًا من السمات المركبة قد تنتج عن طريق اتحاد الأليليات وليس عن طريق زوج أليلي منفرد، وهذا يجعل إمكانية التنوع أو الاختلاف أكبر.
وبالنسبة للشخص الذي يرث من أبويه مجموعة متفردة من 46 صبغي تحدث أثناء فترة الإخصاب عادة ما تسمى بالبنية الوراثية للشخص Genotype وهذه تتكون من المجموع الكلي لإمكاناته التركيبية الوراثية, كما أن كيفية ظهور تلك الإمكانية تعتمد مع ذلك على ما إذا كانت متجانسة كان الكائن نتيجة لاقحة متجانسة1 Heterozygous، أو من لاقحة غير متجانسة أو متغايرة العناصر2 Heterozygous لسمة معينة، فمثلا أن كان الشخص غير متجانس أو متغاير العناصر بالنسبة للون العينين، قد يكون لديه أليلي واحد للعيون الزرقاء والآخر للعيون السوداء، إلا أنه يمتلك عيون سوداء, كما أن المفهوم الواقعي للطراز "أو البنية الوراثية" للسمات الجسمية أو السلوكية تسمى بطراز الشخص الظاهري3 Phenotype.
ونجد أن بعض الأليليات تكون سائدة والبعض الآخر يكون مسودًا، وعندما يحدث ذلك لزوج أليلي حيث يكون أحدهما سائدًا والآخر مسودًا، نرى أن الأليلي السائد فقط يدخل في بنية الشخص الظاهرية, فلكي يكون لدى الشخص عيونًا زرقاء، فإنه يجب أن يكون نتيجة لاقحة متجانسة للعيون الزرقاء فإذا كان من الوالدين له عيون سوداء ويكون كل من الوالدين غير متجانسين فيما يتعلق بلون العين، نجد أن
__________
1 لاقحة متجانسة، الخلية أو الزيجوت الذي يتكون باتحاد زوج متماثل من الأمشاج أو الجامتيات.
2 الكائن الناتج من لاقحة متجانسة أو الكائن Heterozygous الذي يتكون من اتحاد زوج متماثل من الأمشاج.
3 الكائن الناتج من لاقحة غير متجانسة "مخالفة" Heterozygous أو الخلية تنتج من اندماج مشيجين غير متشابهين.
الطراز الظاهري phenotype اصطلاح ليفين استعارة من علم الوارثة، فالفرد يأخذ شكله وسماته البدنية عن أبويه عن طريق الجينات أو المورثات، وحيث أن بعض الجينات يغلب البعض الآخر، فإن الغالبية تظهر في شكل وسمات الفرد بينما تتراجع الأخرى وتكمن في بناء الفرد دون أن تظهر على شكله وسماته ولكنها تنتقل منه إلى أولاده، والطراز الظاهري هو المظهر الذي يبدو عليه الشخص أي أنه مظهره التي شكلته الجينات "المورثات" المسيطرة الغالبة.
(1/170)

بعض من أولادهما قد يكون له عيون زرقاء، وفي مثل هذه الحالة تكون احتمالية حدوث ذلك في أطفالهما بنسة 1-4.
وجدير بالذكر، فيجب أن نشير أن مناقشتنا سابقة الذكر عن وراثة لون العين قد بسطت بصورة كبيرة وذلك بهدف تقديم مفاهيم رئيسية وفي الحقيقة فإن لون العين قد يتحدد عن طريق أكثر من زوج واحد من الأليليات تعمل في أماكن أو مواضع مختلفة متعددة، كما أنه ليس جميع الأليليات تكون في حالة سائدة أو مسودة لكل منها بالآخر، فأحيانا نجد حدوث اندماج وتآلف لسمة معينة بينهما، حيث إن وجود العيون الرمادية أو الخضراء، ودرجات الأزرق المختلفة كلها تشير إلى الاندماج والمزج لأزواج أليلية غير متجانسة.
ونجد أن هناك استثناء واحد من قاعدة تماثل وتناظر الصبغيات وتحدث مع زوج الصبغيات التي ترتبط بعملية التمييز والتباين الجنسي، حيث نجد الإناث لديهن زوج من الصبغيات والمعروف بصبغيات x ذات الحجم المتوسط ويكون لدى الذكور صبغي x واحد، وآخر أصغر منه وهو y فعندما يفرز الذكور الحي المنوي أو الأمشجة، فإن الانقسام المنصف الذي يحدث في الأمشجة يكون مع صبغيات x أو صبغيات y, ومن جانب آخر نجد الإناث تنتج أمشجة مع صبغيات x فقط, وبالتالي فإن أمشجة الذكر هي التي تحدد جنس الوليد المقبل، ومثال ذلك عمى الألوان حيث غالبًا ما يحدث بين الذكور أكثر مما لدى الإناث, فسمة عمى الألوان سمة مسودة والتي لا يوجد فيها أليلي متم في كروموزوم "صبغي" y، ولهذا السبب فإذا تلقى الطفل أليلى عمى الألوان، فإنه سيكون كذلك، أما بالنسبة للطفلة التي يكون لديها عمى الألوان، نرى أنه يجب أن يكون لدى كل من الوالدين أو واحد منهما على الأقل أليلي واحد للسمة المتلقية, والاحتمال يكون ضعيفًا أن يكون لدى الأب أليلي أكثر مما يكون لدي الأم، ولذلك نجد نسبة حدوث عمى الألوان عند الذكور أكبر من حدوثه لدى الإناث وذلك بسبب أن صبغيات x ليسا متماثلين، وعلى ذلك فإن عملية السيادة والمسود قد تعمل في طرق غير عادية إلى حد ما.
ومنذ عام 1960 حدث تقدم كبير في الدراسات التي تناولت النشاط الكيميائي الذي يشكل أساس الانتقال الوراثي، فيمكن أن ينظر إلى الكروموزومات "الصبغيات" على أنها بمثابة حاملان للخصائص أو الصفات
(1/171)

أو على أنها مجموعة القوانين والصياغات والتي تعمل لكي تخبر الخلايا بكيفية أدئها, ومن الناحية الواقعية فإن الجينات "المورثات" لا تنتظم أو تصوغ الخلايا، ولكنها تنتظم في وحدات جزئية بروتينية أصغر وأكثر لبناء زملات من الخلايا وهذه الجزئيات هي بدورها مركبة بصورة عالية ومنتجة لسلاسل من الحوامض الأمينية، وحيث يوجد ما يقرب عن عشرين حامض أميني مختلف، وبسبب كونها تستطيع أن تنتظم في طرق كثيرة فإنها بالتالي تكون باعثًا على وجود ما يقرب من 1000 جزيء بروتيني مختلف.
والجينات "المورثات" نفسها بمثابة جزئيات مركبة من حامض DNA- Deoxyribonucleic Acid والتي تنتظم معًا في ترتيب أو تنظيم حلزوني مزدوج، ويعتقد الآن أن الجوانب الوراثية تتشكل بواسطة خصائص وصفات الـ DNA وهذه المورثات أو DNA تتجدل في جدايل وتؤثر في البروتينات الجزئية وتؤثر في كيفية بناء أنواع مختلفة من الخلايا، فمثلا نجد بعضا من هذه المورثات تعمل على توليف البروتين اللوني المتصل بالخلايا الدموية الحمراء Hemoglobin ففي هذه الحالة نرى الجينات "المورثات" تمد الكائن بصياغة أو تنظيم، أو طبقة زرقاء Blue Print تساعد الخلايا على إنتاج الحامض الأميني الذي يرتبط بالهيموجلوبين، والخلية المسودة توفر المواد أو التركيبات لترجمة الخصائص والصياغات المعطاة من المورثات لكي تنتج المادة أو التركيب المرغوب أو المرفوض وفي الحقيقة فإن العمليات الوراثية جد مركب معقدة، وما يزال هناك الكثير يجب تعلمه في مجال ميكانزمات الانتقال الوراثي.
وبعد أن ألقينا الضوء على بعض جوانب النظام الفسيولوجي الوراثي الرئيسي، فهيا بنا الآن نتحول من الفسيولوجيا الوراثية إلى علم الأجنة، متأملين الطريقة التي يتكون بها الكائن الإنساني من اللاقحة إلى كائن إنساني ذو فعالية وقدرة.
(1/172)

تطور الجنين:
إن تطور الكائن الآدمي من خلية متفردة في حقيقة الأمر عملية إعجازية وهبها الله عز وجل للإنسان فاللاحقة تصبح كائنًا غير عادي ومركب من ملايين الخلايا، تتضمن على 100 نوع مختلف ونظام عضوي يكون على علاقة متبادلة بأعضاء مثل المخ والقلب والرئتين والمعدة والكليتين ... إلخ وعلى الرغم من أن اللاقحة لا تمتلك أيا من مقومات الحياة أو الأنظمة التي نجدها عند الكائن الإنساني إلا أنها تكون باعثا ومسببة لهذا الكائن، كما أنا ندرك أن هذا يرجع لا بسبب أن اللاقحة ما هي إلا كائن في صورة مصغرة، ولكنها بالأحرى تتضمن خصائص وبرنامج عمل لتركيب الكائن.
وعلى الرغم من أن تطور عملية مستمرة إلا أن هذه العملية يمكن أن تقسم لسلسلة متدرجة من المراحل، وذلك تبعًا للتغيرات الرئيسية التي تحدث في كل مرحلة، وعلى الرغم أنه من المناسب أن ننعت الكائن النامي أثناء مرحلة قبل الولادة على أنه بمثابة جنين, إلا أننا سنرى أنه توجد اصطلاحات أو تعبيرات نوعية مختلفة للجنين أثناء المراحل المتعاقبة للنمو قبل الولادة، وكما سنرى كذلك، أنه من المفيد أن نتفهم هذه المراحل المتعاقبة حتى ندرك أن هناك أوقات معينة يكون فيها الجنين أكثر عرضة للتأثيرات البيئية بصورة عالية مثل مرض الأم أو تعاطي العقاقير أو المخدرات وذلك أكثر من أي وقت آخر.
فترة البلاستوسيست Blastocyst Period:
عادة ما تسمى الفترة من الإخصاب حتى اليوم الخامس عشر من النمو بفترة البلاستوسيست, فعندما تبدأ اللاقحة "وهي خلية تنتج من اندماج مشيجين" في إنتاج خلية وليدة، فإنها تكون عددًا كبيرًا حيث تتحرك إلى أسفل في قنوات فالوب، وبعد ذلك تلتصق بجدران الرحم، وبعد ذلك تبدأ في إنتاج بناءات حيث توفر التغذية لعملية النضج المتعاقب ويكون أول هذه البناءات هو المشيمة Chorion أو الجرثومية الغذائية Trophoblart، وتتكون من طبقات عديدة من الخلايا وتكون وظيفتها امتصاص الغذاء من بيئتها أو محيطها خاصة من أنسجة جدار الرحم، وبعد ذلك فإن هذه الجرثومة الغذائية تتطور إلى المشية Placenta أي
(1/173)

غشاء الجنين وهي عبارة عن اتحاد من أنسجة جنينية وأنسجة رحمية تعمل كقناة أو أنبوب رئيسية للأكسجين والغذاء والفضلات الزائدة بين الجنين والأم.
وجدير بالذكر فإن كتل الخلايا أثناء هذه الفترة المبكرة تتغير في طرق ومناحي متعددة، فالخلايا التي تكون قرب التجويف الداخلي للباستوسيت تصبح متميزة عن تلك الموجودة على السطح الخارجي. ويبدو هذا اختلافًا رئيسيًا لأنماط الخلايا والتي ستصبح أكثر بروزًا وجلاء فيما بعد، والخلايا التي تحيط الأسطح الخارجية للبلاستوسيت تسمى بالطبقة الخارجية Ectoderm وفيما بعد نجد أن الطبقة الداخلية Endoderm للجنين ستكون معظم أعضاء جسم الكائن بالإضافة إلى المظاهر السطحية الداخلية للجسم، في حين نجد خلايا الطبقة الخارجية ستبني بنية الجلد الخارجية.
وفي أثناء فترة البلاستوسيت فإن خلايا المضغة "الطبقة الخارجية" تنتشر وتتحرك منفردة لكي تكون تجويفًا داخليًا جديدًا يسمى بالتجويف النخطي Amnoion Cavity كما أن الغشاء المحيط بالتجويف المكون من خلايا المضغة "الطبقة الخارجية" يسمى بالسلي وهو عبارة عن غشاء داخلي يحيط بالجنين مباشرة Amnion، وكلما تقدم الجنين في تطوره نجد التجويف النخطي يملأ بسائل مكونًا حجابًا واقيًا للجنين النامي, وفي أثناء ذلك يبدأ نمو تجويف آخر مكونا من خلايا الطبقة الداخلية للجنين Nedoderm وتسمى ويطلق عليها مع الخلايا المحيطة والكيس أو الجيب المحي Yolk Sac ويوجد تشابها جزئيًا مع بيضة الدجاجة فالقوقعة قد تكون السلى "الغشاء الداخي الذي يحيط بالجنين مباشرة"، والبياض قد يشبه السائل السلي، كما أن المحي "الجزء الأصفر من البيضة" قد يتساوى أو يشبه الكيس أو الجيب المحي، إلا أن الصفار الكبير لبيضة الدجاجة هو نوع من التأسل وإحدى نتائجه Threawback، أو قد يرجع إلى مرحلة نشوئية تطورية، حيث إن أغلب غذاء النمور النضج تتكون من الصفار "المح", ولكن في الإنسان نرى أن نمو المشيمة Placenta بواسطة تغذية الجنين من الأم يزيل الحاجة إلى مح كبير، حيث إن كيس المحي Yolk Sac الإنساني له أغراض أخرى سنراها فيما بعد.
وتتكون خلايا الطبقة الخارجية والطبقة الداخلية للجنين بين السلى
(1/174)

وكيس المح، والتي تكون الجنين الحقيقي المميز، وكلما تضاعفت هذه الخلايا كلما يبدأ نموذج ثالث في الظهور وهو المعروف بخلايا الطبقة الوسطى للجنين Mesoderm، حيث تكون البنية التركيبية للجسم بما في ذلك العظم والعضلات والنظام الدوري، وجدير بالذكر أن هذه الطبقات الجنينية الثلاثة والتي تقع بين التجويف النخطي وكيس المح تسمى بطبقة الجرثومية الأولية Primary germ Layer وكلما تقدم النمو بالجنين فإنه يتغير في شكله ومظهره، ويرتبط بالجزء الأوسط أو برأس المشيمة، وينمو الحبل السري الذي يحمل دم الجنين من وإلى المشيمة، وأثناء فترة البلاستوسيت نجد التغذية والحماية تمد للجنين, وبالتالي يبدأ في أن يصبح مميزًا داخل طبقة الجرثومة الأولية، وأثناء هذه الفترة الأولى نجد أن أكثر من 90% من أنسجة الجنين تبنى وتركب من بناءات مؤقتة كالمشيمة والسلى وكيس المح، والتي تكون في جوهرها ضرورية لعملية النمو اللاحقة.
فترة الجنين غير المكتمل أو الخلوى Embryonic Period:
يطلق على الفترة ما بين الأسبوع الثالث إلى الأسبوع الثامن فترة الجنين غير المكتمل أو الخلوي، حيث نجد أثناءها بناء أعضاء جسمية مختلفة, وأول جهاز ينمو خلال هذه الفترة هو الجهاز الدوري والأحبال والخلايا في أجزاء الجنين المختلفة, فالسلى Amnion "الغشاء الداخلي الذي يحيط بالجنين مباشرة" والمشيمة "الغشاء المغلف للجنين" وكيس المح تنمو داخل فراغات تجويفية تمكنها من نقل وإرسال السوائل وهذه القنوات الأولية تتحد كل منها بالآخر لكي تكون نظامًا يتكامل مع بناءات من الأجواء المختلفة للجنين, وتصبح أوعية القلب أحد أكبر الأوعية، والتالية لها الأوعية الشعرية والأوردة والشرايين وتبدأ دقات قلب الجنين في الخفقان في اليوم الثاني والعشرين تقريبًا من حمله، وبعد يوم أو اثنين يبدأ ضخ الدم داخل المشيمة حيث توزع كل من الأكسجين والطعام للجنين. ويجب أن نشير هنا إلى أنه لا يوجد انتقال مباشر للدم بين الأم والجنين، فعندما تجتاح المشيمة الجدار الرحمي وتصبح غشاء للجنين دائمًا ما تغمر في الدم الرحمي، وكما أن الغذاء الذي يمر من دم الأم إلى الجنين يصفي ويرشح بواسطة كتل من خلايا المشيمة وبطريقة مماثلة فإن نتاج فضلات الجنين لا ينقل مباشرة إلى الأم ولكنه ينتشر أو يصب من خلال جدران المشيمة.
وفي اليوم الخامس والثلاثين لنمو الجنين تصبح أعضاء الهضم مميزة
(1/175)

كما يمكن تمييز بناءات خلايا المريء والمعدة والأمعاء، كما أن الأعضاء الأخرى مثل البنكرياس والكبد تنمو كانتفاخات لجدران الخلية المعوية.
وبحلول اليوم الخامس والثلاثين تتكون القصبة الهوائية للجنين والرئتين في صورة براعم مطوية صغيرة، ولا تكون ذات فعالية أو قادرة على العمل حتى لحظة الميلاد.
وأثناء هذه الفترة نجد أن الملامح الجسمية للجنين تأخذ شكلا واحدًا وأن أكثر العمليات تركيبًا يتمركز في تكوين وجه الجنين، والذي يتكون عندما تمتد وتتسع أجزاء الجسم المختلفة وتنمو سويًا ويشبه ذلك عملية نحت تمثال نصفي من الصلصال وذلك بواسطة الدفع الداخلي من الجوانب إلى أسفل، ومن القمة إلى القاع لكي تكون الملامح الوجهية لهذا التمثال، كما أن الأجزاء الأخرى من الجسم تنمو بصورة سريعة كالبراعم والأطراف حيث تظهر خلال اليوم الثامن والعشرين، وعمومًا فإنه بحلول اليوم السابع والأربعين لحمل الجنين فإنه لا يمكننا فقط تمييز بدايات ونهايات الجنين "الأزرع والأرجل" ولكن بالإضافة يمكن تمييز الأيدي والقدم وأصابع الأقدام.
وينمو الجهاز العصبي من البناء المبكر للطبقة الوسطى والطبقة الخارجية، وبحلول اليوم الثاني والعشرين تتكون القناة العصبية ونتيجة النمو المسامي "الخلوي" من القناة العصبية إلى جميع أجزاء الجسم تبدأ في بناء شبكة عصبية لنقل وتوصيل المعلومات جيئة وذهابًا من الجسم والجهاز العصبي المركزي، وينمو المخ من أحد طرفي القناة العصبية بواسطة الطبقات المتعاقبة للخلايا المطوية والمعاد طيها. وعند حدوث ذلك ترتبط الوصلات بأطراف وأعضاء الجسم المختلفة. ولذلك فإن كل جزء من الجسم يمثل في بعض أجزاء من المخ. وبنهاية الشهر الثالث يمكن تمييز أجزاء المخ المختلفة، حيث يمكن تمييز المخ والمخيخ والنقي "نخاع العظم" أو النسيج الداخلي من الأعضاء بوضوح.
وجدير بالذكر فإن ما أشير إليه ما هو إلا وصفًا موجزًا غير كامل لقليل من البناءات التي تتكون خلال الفترة الجنينية, ويجب أن نؤكد مع ذلك أن هذه البناءات بأجمعها غاية في الدقة والصغر، حيث نجد أنه بنهاية تلك الفترة فإن الجنين بأكملة لا يلغ طوله أكثر من بوصة واحدة تقريبًا, وفي المرحلة التالية فإن الجنين يحصل على الحجم الذي سيكون عليه عند الميلاد.
(1/176)

مرحلة الجنين المكتمل Fetal Period:
يحدث أثناء هذه الفترة وهي من نهاية الشهر الثاني حتى الولادة كثيرا من التهذيبات والأشكال المحسنة في تركيبات الجنين الرئيسية فمثلا نجد أعضاء جسم الجنين المختلفة تحتاج إلى كثير من التفصيلات الإضافية مثل تكوين الأوعية الاتصالية حتى تكون قادرة على أداء وظيفتها الكاملة.
كما أن المخ مثله مثل أي عضو آخر يزداد بصورة سريعة في حجمه أثناء هذه المرحلة إلا أن نوعيته الإنسانية المحددة الدقيقة لا تحدث الا متأخرًا.
كما أن كثيرًا من أعضاء الجنين لا تكون في حالة من الكفاية الذاتية كالقلب والجهاز الهضمي والأجهزة المفرزة، وبالتالي نجدها تظل معتمدة على المشيمة، ولهذا السبب نجد الجنين ذا الجهاز العضوي الناقص أو المصاب بخلل ما, قد يحيى حتى الميلاد, إلا أنه لا يستطيع بعد ذلك. كما أن ميعاد الولادة ليس وقتًا عرضيًا, حيث أنه يحدث عادة بواسطة ميكانزمات داخلية تشير أن الجنين يكون كبيرًا بصورة كافية، وأن جهازه العضوي أمامه فرصة طيبة لأداء وظائفه بنفسه, وقبل أن نتحول لنتأمل الجوانب النفسية لنمو الجنين والولادة، هيا بنا نرى بعضا من الطرق التي يمكن أن تعوق النمو في مرحلة قبل الولادة.
(1/177)

النمو غير العادي للجنين:
كما أشرت فيما سبق أن نمو الجنين داخل رحم الأم يعتبر حقيقة شيئا معجزا للخالق عز وجل، حيث نرى كثيرًا من التفاعلات الدقيقة المحكمة لكثير من العمليات الكيميائية والفسيولوجية المختلفة، وإنه لمن المثير حقًا أن تسلسل المراحل عادة ما تسير في تدرجها العادي الطبيعي، ولكن نجد في بعض الأحيان أشكالا من النمو غير العادي للجنين ولا تكون من الخطورة حتى تعيق عملية الحمل أو الولادة كأن يولد الوليد بنقص ما أو بعاهة معينة، وعمومًا يوجد نمطان أكثر عمومية عادة ما تحدث للصبغيات أو للإنزيمات Enzymes.
وثمة نوع غير عادي للصبغيات فبدلا من أن تكون الصبغيات ثنائية، قد نجدها في بعض الحالات ثلاثية، وثمة شذوذ وخروج عن القياس قد
(1/177)

اكتشف للصبغي 21 وهو واحد من أصغر الأزواج الصبغية، حيث لوحظ أن الأطفال المصابين بأعراض داون Down's Syndrome أو بالمنغولية Mongolism كان لديهم 47 صبغي بالإضافة إلى صبغي من نوع الـ21. ونحن نعرف الآن وجود أعراض أخرى ترتبط بامتلاك 47 صبغي وتسمى عادة بحالات التريسومي Trisomies كما أن أعراض داون كذلك تعرف كذلك بامتلاك 21 تريسومي, ويبدو أن الصبغي الزائد يتلف النظام الوراثي، ففي حالة عرض داون مثلا تتميز الحالات بملامح جسمية كالمنغولية، وذلك بانثناء العينين، والأصابع القصيرة الغليظة والشعر الأبيض والتخلف العقلي, وكما هو شائع أن المنغولية هي نقص يتميز بزوج تالف من الكروموزومات يتكون من ثلاثة كروموزومات, وبذلك يكون لدى الفرد 47 كروموزوما بدلا من 47 كما هو معتاد, ويعتقد البعض من جانب آخر أن سبب هذا الشذوذ قد يرجع إلى البيئة الأولى للجنين داخل الرحم, ولقد ثبت أن متوسط عمر الأم للأطفال المصابين بهذا المرض يكون كبيرًا عند ولادتهم، بمعنى أن المرأة فوق الأربعين ربيعًا تميل إلى أن تكون أكثر عرضة لإنجاب هؤلاء الأطفال من المرأة ذات العشرين ربعيًا, وبالتالي فإن النظر يتجه إلى البويضة -أكثر من الحي المنوي- على أنها مصدر هذا المرض.
وأعراض "كلينفلتر" Kline Felter's Syndrome تنتج من نقص في انقسام زوج من الكروموزومات, فتظهر الخلية المخصبة محتوية على كروموزومي X المعتادين وكروموزوم زائد Y ويكون الطفل ذكرًا في هذه الحالة، كما يكون له مظهر الأعضاء الجنسية الذكرية ولكنه يتميز أيضًا بخصائص جنسية أنثوية كالانحناءات البدنية والنمو الغدي، ويكون الرجال المصابون بهذه الأعراض عقما وغالبًا ما يكونون ضعافًا عقليًا.
وتحدث هذه الأعراض بنسبة أكبر فيما بين ولادات النساء الأكبر سنًا، وهذا التكرار الكبير في ولادات النساء كبيرات السن كحدوث أعراض داون وكلينفلتر يؤكد نظرية الخلية المتعبة المرهقة، أي إن قوة التنظيم الخلوي تضمحل تبعًا للعمر الزمني.
ويتصف هؤلاء الأفراد المصابون بأعراض كلينفلتر بانكماش وصغر الخصيتين عن المألوف, وزيادة في طول الساقين دون أن تصحبه زيادة في طول الذراعين وندرة في شعر الوجه والبطن، وكبر في الثديين بالإضافة إلى الضعف العقلي، والعقم، والطول المفرط.
(1/178)

ونوع آخر من الصبغيات الجنسية هو Xyy قد نوقش في كثير من الكتابات، فحيث إن الصبغي هو الذي يحدد الذكور كما سنشرح ذلك فيما بعد، فقد يتوقع أن الذكور ذوي صبغي Y زائدًا سيكون لديهم سمات ذكرية مبالغ فيها, إلا أن هذا لا يحدث في الواقع حيث أشار بعض الأفراد الرجال ذوي صبغات Xyy بأنهم أميل إلى ارتكاب الجرائم وأشاروا إلى أنه يوجد عدد كبير منهم نزلاء سجون إلا أننا يجب أن نحذر من التعميمات من الجانب الوراثي والصبغيات إلى السمات السلوكية فليس كل الذكور ذوي Xyy مجرمون، كما أن هؤلاء الذين يدخلون في متاعب ومشكلات مع القانون من المحتمل أنهم قد يفعلون ذلك نتيجة التفاعلات المركبة بين معطياتهم الوراثية وخبراتهم الحياتية.
وعامل الـ Rh وهو مرض دموي يصيب الوليد فإنه يشير إلى أية حالة يكون فيها مدى حياة خلايا الجنين قصيرًا، وذلك نتيجة فعل جسيمات مضادة Anti-Bodies أنتجت لتواجه جسيمات مشتقة من الأم وانتقلت إلى الجنين عن طريق المشيمة.
وقد أطلق على المرض هذا الاسم لأن التجارب الأولى في هذا المجال أجريت على قرود ريزوس Rhesus Monkey وتبعًا لنمط الدم يكون
(1/179)

القرد إما +Rh أو Rh فإذا كانت الوراثة من الأب +Rh وكانت الأم -Rh، فإن دم الجنين يصبح +Rh لأنه صفة سائدة؛ لأن الأم تمل -Rh أي تخالف دم الجنين فإن جسمها يكون جسيمات مضادة يطلق عليها مضادات Rh تنتقل من خلال المشيمة إلى دم الطفل, وتتسبب هذه الجسيمات في هدم الخلايا الدموية للجنين, وبذلك قد يولد الطفل وهو يعاني من الأنيميا أو غيرها، وقد ينتج عن ذلك وفاة الطفل بنسبة حالة في كل 30 حالة، أو يتسبب ذلك في الضعف العقلي.
وتعتبر هذه الحالة في منتهى الخطورة بعد الولادة الثانية، وقد وجد أن هناك حملا واحدا من بين كل 200 حمل ينتج عنه اضطراب نتيجة عدم الاتفاق بين دم الأم ودم الوليد، ولقد اكتشف تعارض فصائل دم الأم ووليدها في عام 1940، وأصبح الآن من الممكن تدارك الطفل وذلك بإجراء عملية نقل دم بالكامل عند ميلاده حتى يتخلص من الأجسام المضادة، ولقد استخدمت منذ عام 1960 وسيلة علاجية جديدة تستغني عن الحاجة لعملية نقل الدم المغاير بعد الولادة، وهذه المادة تحطم خلايا الدم Rh الإيجابية في الدورة الدموية للأم وبالتالي تمنع بناء أجسام مضادة والتي ستؤثر على الأطفال المولودين التاليين.
وجدير بالذكر، فإن بعض حالات الوراثة اللاسوية قد لا تكون مرتبطة أو تعزى إلى جميع الصبغيات، ولكنها قد تعزى إلى الأليليات Alleles لسمة معينة، كما أنه أثناء مجرى النمو الإنساني والتحول، نجد أن أغلب الأليليات المرتبطة بسمات معوقة تطرد من الجسم ويتخلص منها، إلا أن بعض الأليليات المرتبطة بسمات معوقة ضارة تستمر بسبب التحول التلقائي أو التغاير الإحيائي "تغير في الوراثة مفاجئ يحدث مواليد مختلفة عن الأبوين" فخلل أو انحراف المورثات قد ينتج عن ثمة عوامل مثل تعاطي العقاقير، أو الإشعاع؛ ولأن بعض هذه السمات المسودة، تظهر فقط في حالات نادرة عندما يكون المورث المسود من كلا الوالدين، ففي حالة ضعف الإنزيم الوراثي ينتج طفلا غير عادي.
كما أن هناك عيوب خطيرة لعملية الأيض يمكن أن تنتقل وراثيًا فلقد اكتشف كل من بيدل وتيتم Beadle & Titum؛ "1958" أن الجينات تقوم بتنظيم أحداث كيميائية محددة، ومثال ذلك أن الجينات تتحكم في التفاعلات الأيضية والتي من أخطرها، وإن كانت أقلها شيوعًا
(1/180)

الفينلكيتونوريا PKU" Phenylketonutia" وينتج من نقص في كيمياء الجسم ناتج عن جينات خاطئة لا تمكن الجسم من إنتاج إنزيم معين لهضم أو أكسدة مركب كيميائي يسمى Phenylalanine ويوجد تقريبًا في كل مادة بروتينية يتناولها الإنسان، ونتيجة لذلك لا يستطيع الفرد تحول هذا المركب إلى تروسين Tyrosineبالمعدل العادي ويتجمع الفينلانين في الأنسجة ويعطي البول والعرق رائحة خاصة، وتزداد كميته مع كل تناول للطعام لدرجة أنه بالإضافة إلى نواتجه الثانوية تعمل على تلف المخ الضعف العقلي.
وقد وجد أن تحليل الدم قبل الحمل ينبه إلى ضرورة أخذ الحيطة والدراسة الدقيقة لحالة الوليد عند ولادته، ومن ثم يمكن مواجهة تلك الحالة والتحكم في ذلك النقص الوراثي.
وعمومًا، فإن الاختبارات لـPku تجري على جميع الأطفال حديثي الولادة، وعند اكتشاف هذه الحالة فإن الطفل يمكن أن يوضع تحت نظام غذاء معين يكون منخفضًا في البروتين المتضمن الفيلانين ويثار بعض الجدل عن المدة التي يجب أن يبقى عليها الطفل على الغذاء قليل الفنيل الينين، إلا أننا يجب أن نشير أنه بدون هذا الغذاء في حياة الوليد المبكرة فإنه قد يظهر درجات متنوعة من التخلف العقلي.
وحالات أخرى تكون نتيجة نقص نوعي إنزيمي، وهو المهق Albininsm وهو عبارة عن ابيضاض الجلد والشعر وعدم وجود الصبغ فيهما، وفي العينين، وعادة ما يكون الشخص الأمهق مصابًا بعمى الألوان، وهو شخص يفتقد إلى صبغ الفيتامين "وهي المادة الملونة في أنسجة أو خلايا الكائن" والشخص الأمهق يكون نتيجة تعطل أو انهيار بعض الأحماض الأمينية المختلفة داخل الجسم، حيث إنه لا يكون لديه الإنزيم لإنتاج هذا التصنيف الكيميائي, والمهق سمة مسودة ونادرًا ما تحدث, وهي حالة تعوق متوسط إلى حد ما وتكون الحالة معتدلة كلما تجنب هذا الشخص أشعة الشمس "وذلك لأن نقص القتامين Melanin وكذلك صبغ التنيك في الجلد" كما يتصف هذا الشخص بحساسيته العالية للضوء ويرجع ذلك إلى نقص الصبغ في العينين الذي عادة ما يساعد على امتصاص الضوء.
(1/181)

ومنذ عام 1960 اكتشف تعويقًا إنزيميا آخر وهو الخلية الأنيمية المنجلية Sickle cell anemia ففي هذه الحالة نجد المورث المعوق مسئولا عن إنتاج خضاب الدم "الهيموجلوبين"، والبروتين الصبغي الذي يوجد في خلايا الدم الحمراء, وعمومًا فإن هذا التعويق نادرًا ما يحدث للأجنة ويتصف الأشخاص المصابون بذلك بفقر الدم المزمن ويعانون بين الفينة والفينة من آلام قاسية من تجلط الأوعية الدموية حيث تغلق عادة بواسطة الخلايا المنجلية العاجزة المعوقة.
ولقد تطورت كشف اللاسويات الوراثية الجنينية قبل الميلاد بواسطة الأمنيوسنتس Amniocentesis, فحيث أن السائل الأمنيوتي يتضمن خلايا جنينية أو غير ناضجة، فإن ذلك يمكن أن يتم بتحريك بعض من هذا السائل الأمنيوتي وذلك بإيلاج إبرة رفيعة إما في المهبل أو خلال الجدار البطني، كما يمكن اكتشاف تلك اللاسويات الوراثية "الجنينية" والتي تبدو في خلايا متفردة عشوائية مثل عرض داون الذي سبق ذكره بواسطة هذه الطريقة، وعلى الرغم من أن اكتشاف الأمينوسنتس ما يزال جديدًا تمامًا إلا أنه يمكن أن يظهر معوقات جينية "وراثية" معينة في صورة مبكرة من ولادة الطفل.
كما تنتج أعراض تيرنر من عدم نشاط أحد كروموزومي X وعادة ما يصيب الإناث، وتتصف أعراض هذا النقص برقبات قصيرة وأصابع قصيرة وتظهر الاضطرابات الرئيسية لهذا المرض عند البلوغ حيث لا تظهر الخصائص الجنسية الثانوية على المصابات وتحدث هذه الأعراض في حالة واحدة من بين كل 2000 ولادة, ويبدو أنها نتيجة عدم الانقسام الصحيح في الكروموزومات.
(1/182)

الحمل:
يمكن أن ينظر إلى النمو قبل الولادي من وجهة النظر النفسية والاجتماعية للمرأة التي يحدث لها هذا الحدث. ولقد أشار بعض السيكولوجيين أن الحمل يعتبر بمثابة حياة أزمة رئيسية مشابهة لتلك الموجودة في فترة المراهقة وركزوا على الدلالة والمغزى النفسي لهذا الحدث للأم, وكذلك للأب. وعمومًا سنتأمل سويًا بعض الجوانب النفسية لهذا الحدث.
منذ سنوات كان يوجد جدل واختلاف في الآراء عن العلاقة بين أفعال وانفعالات الأم وبين صحة جنينها, وكان يعتقد في وقت من الأوقات أنه حتى الضغط الانفعالي البسيط أو الإفراط في الطعام والشراب والنشاط الجنسي يمكن أن يؤثر على الجنين, وفي مقابل ذلك نجد الرأي الذي يشير إلى أن الجنين في حماية وبالتالي فإن إفراط الأم لا يؤثر في نموه، ويتخذ كل من الأطباء والسيكولوجيين وجهة النظر المعتدلة المتوسطة.
وسوف نتطرق كذلك إلى حدث الولادة ذاته، حيث نرى حتى الآن خلافًا كبيرًا عن أحسن الطرق وأكثرها جدوى وأكثرها صحة لولادة الأطفال، وهل استخدام العقاقير في حجرة الولادة وأثنائها مفيد أم لا وعن وجود الأب في حجرة الولادة أم لا, كل هذه التساؤلات سنرى الإجابة عنها في ثناي الصفحات التالية.
الحمل كأزمة:
إن رد فعل كل من الزوجين للحمل يعتمد في جوهره على عديد من العوامل منها هل الطفل القادم مرغوب فيه أم لا؟ ومنها كذلك مستوى نضج الأبوين الانفعالي والاجتماعي, وهل تربطهما علاقة حسنة طيبة أم لا؟ وكذلك علاقتهما بأبويهم، وهل لديهما الإحساس بالهوية وبارتباطهما مع الطفل؟ وهكذا بالإضافة إلى ذلك فإن ردود الفعل للحمل تكون في جوهرها انفعالية وليست عقلانية فقد نرى بعض الأزواج الذين يحاولونه ويخططون له قد نجدهم يصابون بخيبة الأمل عندما يحدث بالفعل، وأزواج آخرون يكون الحمل بالنسبة إليهم مفاجأة غير مرغوب فيها وقد يهتزون بالفعل لهذا الحدث.
وعمومًا فإن الأبوة تتضمن مرحلة جديدة من النمو، فعندما يصبح الزوج أبا وكذلك الزوجة أما، تقع عليهما مسئوليات جديدة وأعباء الأبوية التي لم يعهدوها سابقًا، ويجب أن يكيفوا أنفسهم لها كما أن الحمل بالنسبة للمرأة يعتبر علامة لنضجها الأنثوي وبالنسبة للذكور فإن الأبوة قد تكون انعكاسًا للرجولة والقوة, ومن جانب آخر يمكن أن ينظر إليها على أنها تعتبر علامة للخضوع الدائم فإنها نهاية الحرية والمغامرة، وبالنسبة لبعض الرجال نجد الجو المميز للحياة المنزلية والعائلية والتي يرمز إليها بوجود طفيف يمنحه الإشباع ويشعر بسعادة تجاهه. ولكن في بعض الأحيان نجد رجالا ينظرون إليه كعملية تهديد وتعويق لهم، ونجد عادة ما تنظر المرأة إلى الإخصاب والحمل كعلامة للأنوثة والإخصاب وجدير
(1/183)

بالذكر فعلى الرغم من وجود هذه الاتجاهات إلا أننا نجدها تتغير مع الحركة الدائمة المستمرة نحو المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة وكذلك بواسطة تحطيم المقولبات الصارمة المرتبطة بدور الجنس.
وبالنسبة للمرأة الحامل، خاصة أثناء حملها الأول، يمكن أن يلاحظ ثلاث تحولات اتجاهية متتالية من المشاعر والاتجاهات والمرتبطة بشهور الحمل، ففي بداية الحمل نجد المرأة تميل إلى التركيز على التغيرات التي طرأت على جسدها، فقد تتعجب أو تقلق على الصورة التي أصبح عليها جسدها، كما أن بعض التغيرات الجسمية كانتفاخ الثديين والغثيان والتعب كل صباح وبعض المأكولات غير العادية التي تحتاجها يوفر نوعًا من التمركز الذاتي لديها، كما أن أحاسيس الضعف والتعب والتهيجية والمزاج المتأرجح يميل إلى جعل المرأة تشعر أنها قد تغيرت في طرق لا يمكنها السيطرة عليها وازدياد التمركز الذاتي والتعب الجسمي الذي يحل بها قد يحعلها لا تحس بالسعادة مع زوجها حيث قد تشعر بأنه ليس لطيفًا أو مجاملا معها بصورة كافية.
ومن الناحية النفسية، فإن تخيلات الطفولة عن الحمل نجدها الآن حقيقة واقعة، ويصاحب ذلك شعورها بقدرتها على الخلق وأنها امرأة مهمة كاملة، وجزء من جميع المخططات الأسرية الكلية، وكما سنرى فيما بعد في فترة المراهقة عندما تصحب الفتاة ناضجة من الناحية الجنسية ويجب عليها أن تنمي وتطور مفهومًا جديدًا لذاتها، نجد نفس الشيء عندما تصبح المرأة حاملا خاصة أول مرة إذ يجب عليها أن تبدل مفهومها لذاتها وكذلك علاقتها بعالمها المحيط بها.
وفي المرحلة الثانية وبعد أن يتكون أعضاء الجنين، نجد المرأة تبدأ في أن تفكر بصورة أقل في نفسها، محولة ذلك بصورة أكبر إلى جنينها الذي يبدأ في التحرك داخل أحشائها، وفي بداية هذه المرحلة نجد تحركات الجنين عادة ما تكون خفيفة رقيقة، وفي أثناء هذه المرحلة فإن الحمل عادة ما يبدو ظاهرًا جليًا، ويستلزم منها التحول من ملابسها العادية إلى ملابس الأمومة، ونجد أن النساء اللاتي كن لديهن تصورًا عاليًا لمظهرهن وجاذبيتهن الجنسية قد ينظرن إلى عدم رشاقتهن وزيادة أوزانهن كشيء مروع مقلق، وتتخيل بعض النساء أن أزواجهن قد يتحولون عنهن إلى أخريات نتيجة لعدم جاذبيتهن، في حين نجد نساء أخريات يصبحن
(1/184)

مصدرًا للتوهج والإشراق أثناء هذه الفترة ويحصلن على متعة وإشباع نتيجة هذه الخاصية الأنثوية الجديدة.
كما أن إدراك المرأة بوجود حياة أخرى داخلها، يمكن أن يثير لديها أنواعا مختلفة من الصراع فمنذ أن تبدأ المرأة الحامل بالشعور بالجنين بداخلها، فقد تقرر كيف يجب أن تضحي من أجل وليدها, وجدير بالذكر فإن هذه الحاجة لا تعتبر بمثابة مشكلة بالنسبة للمرأة المعاصرة، حيث نجد معظم النساء العاملات غالبًا ما يعملن في وظائفهن حتى قرب ولادتهن، ويعدن بعد فترة تالية من الولادة إلى وظائفهن حتى قرب ولادتهن ويعدن بعد فترة تالية من الولادة إلى وظائفهن، حيث يمكنهن ترك وليدهن في أيدي أمينة تقوم بتقديم العناية والرعاية لأولادهن ويستلزم ذلك من الأم الكفاية حتى تستطيع أن تروض نفسها وتوفق بين مجريات وظيفتها ومطالب أمومتها وزوجها.
وأثناء المرحلة الثالثة والأخيرة نجد اتجاهات أم المستقبل تتغير مرة أخرى، فعلى الرغم من أنها أصبحت أضخم من حيث شكلها ومظهرها، إلا أنها أقل اهتماما بمظهرها، ويعتريها شوق زائد في انتهاء عملية الولادة.
وتشير "لويس" Lewis, A؛ "1950" إلى ذلك بقولها: "لقد كنت في الشهور الأولى من الحمل على إدراك ووعي كامل بذاتي، وأحسست بثلاثة مرحل تقريبًا لهذا الوعي بالذات الأولى عندما كنت أتساءل إن كان مظهري لافت للأنظار أم لا، ومن المستحسن أن لا يتحقق الناس بحملي وتركهم يعتقدون بأنني قد أصبحت أثمن قليلا، والمرحلة الثانية وهي أثناء الشهور الوسطى للحمل، حيث يكون جليًا واضحًا بأنك حامل، فإنك تسيرين في الشارع ولا تشعري بقلق ما، متحققة بأنه لا يوجد شيء خاف أو أسرار في حياتك، حيث إن فردا يمكنه ملاحظة ذلك بمجرد النظر إليك، كما أن هذا المظهر قد يزيد من الإحساس بالهوية الذاتية بأنك امرأة ناضجة تستطيعين الحمل والإنجاب, والمرحلة الثالثة تعتري المرأة عدم الاهتمام بمظهرها أو بنظرات من حولها، فالحادث قد أصبح من القرب حيث يجعلك تعيشين في المستقبل أكثر من الحاضر.
وتوجد جوانب سلبية معينة تصاحب هذه المرحلة الأخيرة من الحمل، ويرجع ذلك إلى زيادة حجم المرأة وكذلك إلى اعتبارات نفسية معينة أخرى، فكثير من النساء اللاتي كن يتسمن بالنشاط والحركة في
(1/185)

المراحل السابقة، يجب عليهن في هذه المرحلة أن يقللن من نشاطاتهن الجسمية، حيث أصبح ضرب الجنين الآن كضربات ثقيلة والتي تكون في بعض الأحيان مؤلمة، إذا ما قورنت بزفرات فراشة في بداية الحمل، وقد توقظ هذه الضربات الأم من نومها، كما أن التعب والإرهاق الذي تحس به في الصباح والغثيان يمهد الطريق للإمساك والبواسير والحاجة الملحة للتبول، كما تظهر لدى بعض النساء دوالي الأوردة، وتكون المرأة في بعض الأحيان غاضبة متعبة من الجنين عندما تصبح رفسات الجنين شديدة.
وبطبيعة الحال، فهناك يوم محدد يحدده الله عز وجل لميلاد طفل جديد، ومرة أخرى تجد الأم ينتابها أحساسيس متصارعة، فقد تكون قلقة لكونها قد أصبحت غير شيقة ولا تستطيع ارتداء ملابسها العادية، كما أن هناك تقييد لنشاطاتها, ومن جانب آخر فقد تخاف الأم مما سمعته وقرأته وشاهدته عن آلام وأخطار الولادة, وقد تحزن البعض عن تخليها عن هذا الاتحاد الفريد بينها وبين جنينها، إلا أن اجتياز هذه الأحاسيس والمشاعر بين أغلب النساء عادة ما يحدث بنهاية الحمل وأن تعود إلى ذاتها الطبيعية.
وبصورة جلية فإن ردود فعل الآباء قد يبدو ألا يكون لها علاقة بمراحل الحمل حيث إن استجاباتهم تتعلق في كيفية نظرتهم إلى مولد الطفل وارتباطه بذواتهم وزواجهم وعملهم وهكذا, كما أن الآباء لهم تأثير على الجنين داخل رحم الأم، فعن طريق توفير الجو الآمن من الناحية النفسية والاجتماعية، بالإضافة إلى توفير الغذاء اللازم للأم الحامل وتجنيبها التوترات والقلق النفسي، يسهم الآباء بالتالي في النمو السوي للجنين داخل رحم الأم، ففي إحدى الدراسات التي قام بها McCorkel, R؛ "1964" الأخصائي الاجتماعي، حيث قابل 29 طالبًا متزوجين بجامعة شمال كارولينا، وكانت زوجاتهم تتوقع أول مولود لهم، وقد وجد "ماك كوركل" ثلاثة أنماط من الاتجاهات سائدة بين هؤلاء الأزواج فيما يتعلق بالزواج والأبوة, ففي إحدى الجماعات كانت ذات توجه رومانتيكي تجاه دورهم الوشيك كآباء ومجموعة أخرى كان لديها ما يسمى بالتوجه العائلي، وفي المجموعة الثالثة كان لديها ما يسمى بالتوجه المهني Carrer Orientation نحو الأبوة، وعلى الرغم أن هذه التوجهات الثلاث كانت متغيرة وبارزة، إلا أن الباحث أشار إلى وجود تداخل بين هذه الأنماط الثلاثة، كما أنها تتغير كلما نضج الأب اجتماعيًا وانفعاليا.
(1/186)

فالآباء ذوو التوجه الرومانتيكي كانوا إلى حد ما يهولون بفكرة كونهم سيصبحون آباء، وكثير من هؤلاء الشباب كانوا يستمتعون في كونهم أبناء، وكما كان يشعرون ببعض من القلق والارتباك نحو مسئوليتهم الأبوية الجديدة, ولقد حدث لكثير من هؤلاء الشباب التدعيم عن طريق آبائهم أو بواسطة زوجاتهم، كما أن اعتمادية زوجاتهم وشيكة الحدوث قد جعلهم على دراية بدورهم الجديد كمعيل للأسرة، وبالتالي فإن الحمل قد يثير أزمات نمائية نضجية عند الآباء، والتي يجب على الأباء أن يغيروا من دورهم السابق كمراهق مبتهج خال من الهموم إلى دور الراشد المسئول، وتشير نتائج تلك الدراسة السابقة أنه بالنسبة لبعض من هؤلاء الأزواج فإن هذه العملية قد ارتبطت ببعض من الصراعات سواء مع آبائهم أو مع زوجاتهم.
وهؤلاء الأزواج ذوو التوجه الأسري قد تقبلوا بالفعل مسئولياتهم لإعالة زوجاتهم، وكان دور الأبوة بالنسبة لهؤلاء الأزواج من السهل واليسر أن يتخذ ويتبنى من كل منهم، حيث استلزم علاقة أكثر قربًا من زوجاتهم وقدر أكبر من التخطيط للطفل ولأجل مستقبل الطفل، وبعض الرجال قد بدءوا في ملاحظة أطفال آخرون متطلعين أن يكون أطفالهم متشابهين معهم.
والمجموعة الثالثة ذات التوجه المهني، غالبًا ما كانوا ينظرون إلى مجيء الطفل كعبء عليهم وتهديد لهم، وكانت مسئوليات الأبوية بالنسبة لهؤلاء الرجال تعني التخلي عن حريتهم بالإضافة إلى التخلي عن كثير من الأشياء المادية, ولقد نظر الكثير من هذه المجموعة إلى الطفل على أنه عقبة في سبيل مراكزهم المهنية، خائفون أن الطفل قد يعيق دراساتهم وبحوثهم، وأكثر من أي شيء آخر لم يكونوا راغبون في تغيير نمط حياتهم، كما أنهم لا يرغبون في تحمل المسئولية بالنسبة للوقت والتكاليف والرجال ذوو التوجه المهني قد أنكروا وتجاهلوا وجهة النظر التي تنادي بأن الأوبة سوق تغير مفهوم ذواتهم بأي طريقة من الطرق.
وبالتالي فإننا نستطيع أن ننظر إلى فترة الحمل، بأنها لا تعتبر فقط فترة نمو فرد جديد ولكنها كذلك فترة نمو ونضج للأم والأب معًا، ففترة الحمل تعتبر بمثابة أزمة للآباء ولها دلالتها مثل مرحلة المراهقة، إلا أن الاختلاف بينهما يتمركز في أن المراهقة تستلزم عملية الانفصال
والاستقلال عن الأبوين، إلا أن الأبوة من جانب آخر تجمع شمل الأب وطفله، ويتولى أدوار الأبوة فإن الشباب يعدون كذلك أنفسهم لاحتمالية العناية بآبائهم عند وصولهم إلى فترة الكهولة وبمعنى واقعي فإن الأبوة توحد الأجيال معًا
(1/187)

تفاعلات الأم والجنين:
عندما تكون اتجاهات أم المستقبل ذات طبيعة سلبية، فقد تكون مضطربة من الناحية الانفعالية، ولقد أجريت عديد من الدراسات لإلقاء الضوء على تأثير الحالة الانفعالية للأم على الجنين بالإضافة إلى تركيز دراسات أخرى على تأثير عدد من العوامل على الجنين بالإضافة إلى تركيز دراسات أخرى على تأثير عدد من العوامل كالتدخين واستخدام العقاقير والمرض على الجنين أثناء فترة الحمل, وسوف نوضح بعضا من هذه الدراسات في الصفحات التالية.
تأثير انفعالات الأم على الجنين:
هناك عديد من العادات الشعبية والأقوال المأثورة التي تشير إلى أن المرأة الحامل إذا أخيفت من شيء فإن طفلها سيكون جبانًا فيما بعد، أو أنها إذا قرأت ودرست كثيرًا أثناء حملها فإن طفلها سيكون ذكيًا، جميع هذه الأساطير الشعبية تفترض أن ما يحدث للمرأة أثناء حملها يمكن بالتالي أن يؤثر على جنينها, ولقد حدد العلم الحديث وبصورة أكثر دقة العوامل التي تؤثر على الجنين أثناء فترة الحمل، حيث أشارت نتائج دراسات كل من نيسوندر Niswander & Gordon؛ "1972"، ودرلين وانجرام Drillien & Lngram؛ "1966" إلى عديد من التأثيرات الجسمية مثل تشوه الأذن والأصابع، والفراغ الواسع بين الأصبع الأول والثاني وانحناء أو تقوس الأصابع الخمسة، أشارت هذه الدراسات السابقة إلى ارتباط هذه الأعراض بالضغوط الانفعالية للأم خاصة أثناء فترة الجنين غير المكتمل Embroyonic والتي تقع ما بين 6-12 أسبوع وهي الفترة التي يكون فيها جسم الجنين في مرحلة البناء والتكوين، وعلى الرغم أن هذه المعوقات تحدد عن طريق الجينات، إلا أنها ليست وراثية، بمعنى أنها تعزى إلى الصبغيات الأموية المصابة أو المعوقة, وليست إلى الخصائص المعوقة المتضمنة في الأليليات، إلا أنه لم يكتشف حتى الآن كيفية تأثير الضغوط
(1/188)

الانفعالية على الأم الحامل في أسابيعها الأولى للحمل في إنتاج هذه اللاسويات.
كما أن الضغوط الانفعالية على الأم الحامل يرتبط بعمليات الإجهاض، حيث أشارت بعض الدراسات أن المرأة التي تكرر لديها الإجهاض تميل إلى أن يكون لديها صراعات نفسية أكثر، وأن ميلها ورغبتها في امتلاك طفل تكون ضعيفة وذلك إذا قورنت بالمرأة التي تحمل بصورة عادية ويتم ولادتها طبيعيًا، وجدير بالذكر فإنه يجب الإشارة إلى أنه بالنسبة لهؤلاء النساء نجد الإجهاض الأول الذي حدث لهن قد يقودهن إلى القلق على الحمل الثاني.
كما أن ولادة الأطفال المبتسرين "وهم الأطفال المولودون بعد فترة حمل تقل عن 37 أسبوعًا" تكون كذلك مرتبطة بالحالة الانفعالية للأم.
ففي إحدى الدراسات أشارت النتائج إلى أن أم الأطفال المبتسرين كانت أكثر اضطرابا من الناحية الانفعالية وأكثر اعتمادًا واتكالا على الآخرين، ولديها اتجاهات سلبية أكثر نحو الحمل، إذا قورنت بمجموعة النساء اللاتي لم يكن لهن ولادات مبتسرة.
ويجب أن نشير أن هذه الدراسات, دراسات بعدية بمعنى أنها أجريت بعد الولادة، فيجب على الباحث إدراك أنه من الممكن تغير أحوال الأم واتجاهاتها بعد عملية الولادة، وبالتالي يجب أن يضعها الباحث نصب عينيه أثناء إجراء بحثه.
كما أشارت بعض الدراسات إلى أن الأمهات الحوامل اللائي لديهن مشكلات نفسية واضطرابات حادة في الشخصية، مثل الفصام، يبدو أنهن أكثر عرضة وبصورة مرتفعة لحدوث مشكلات وتعقيدات ولادية "كالإجهاض، والولادة المبتسرة، والمضاعفات أو التعقيدات الولادية" وذلك إذا ما قورنوا بالنساء الأسوياء، وتشير دراسات أخرى إلى أن ذلك قد يرجع إلى طول الفترة التي تكون المرأة مصابة فيها انفعاليًا، أكثر من كون المرض شديدًا.
عادات الأم:
من أكثر العادات التي درست في الخمسة عشرة عامًا الماضية كانت
(1/189)

عادات التدخين، ولقد قام يروشلمي Yerushalmy بعديد من هذه الدراسات، وأشارات النتائج إلى وجود العلاقة بين تدخين الأم أثناء فترة الحمل وبين قلة وزن المولود، كما أن المواليد ذوي الأوزان الأقل كانت مرتبطة بصورة عامة بتعويقات جسمية متنوعة، وكانوا أعلى في معدل الوفيات من الأطفال العاديين، ولكن وكما في حالة جميع الدراسات السابقة، فإن الارتباط السببي لم يكن قاطعًا في هذه الدراسات, ففي دراسة أخرى "ليروشلمي" وجد أنه حتى بالنسبة لهؤلاء النساء اللاتي توقفن عن التدخين أثناء حملهن، كان لديهن أطفالا ذوي أوزان منخفضة وعمومًا فإن هناك خصائص معينة للمرأة المدخنة هي التي تقود إلى هذه الأحوال.
وهناك مؤشر جدلي آخر يتضمن الغذاء المناسب أثناء فترة الحمل، فهناك كثيرًا من الأساطير الشعبية في هذا الجانب تنتشر كما لو أنها حقائق، ومنها ما يعتقد أن تناول الأم أطعمة معينة "خاصة الأطعمة المخية" أثناء الحمل قد يجعل الطفل ذكيًا، والذي يجب أن نضعه في الاعتبار في أي مناقشة نقدية أن الجنين النامي يصل إلى كفايته الغذائية عندما تتوفر للأم الحامل التغذية الأساسية الضرورية، بمعنى أن التغذية الفقيرة أثناء فترة الحمل قد تسبب ضررًا للأم أكثر من الجنين، فإذا لم تتناول الأم الحامل الكالسيوم بصورة كافية مثلا، فإنه سوف يتحول من عظامها وأسنانها لكي يسد حاجات الجنين، وفي حالة النقص البروتيني الشديد أشارت بعض الدراسات أنه ينتج أطفالا أقل في معدلات ذكائهم, ومن جانب آخر فإن نقص البروتينات قد يرتبط ببعض الجوانب الاقتصادية والاجتماعية الأخرى للأم الحامل والتي يمكن أن ينتج مواليد أقل ذكاء, كما أشارت إلى ذلك دراسة كل من "بيرش Birch؛ "1971", وسيرمشو Sermshaw؛ "1969".
وعمومًا فإن المرأة الحامل يجب أن تتناول غذاء بكميات معتدلة ومتكاملة، بالإضافة إلى فيتامينات معينة خاصة الكالسيوم والحديد حتى تقابل متطلبات الجنين النامي، وهناك جدل حول الزيادة المرتقبة في وزن الأم الحامل، حيث نصح أنها يجب أن تزداد في وزنها ما يقرب من رطلين كل شهر وبالتالي تكون معدل الزيادة الكلية 18 رطلا إلا أن الأطباء اليوم لا تكون نصائحهم المتعلقة بزيادة وزن الأم الحامل صارمة قاسية نظرًا للاختلافات والفروق الفردية بين النساء، ومن الممكن أن تكون الزيادة المرتقبة للأم الحامل ما بين 18-24 رطلا.
(1/190)

وتشير بعض الدراسات أن استخدام المرأة الحامل للكحول يؤذي الجنين، خاصة إذا بلغت صورة الإدمان، حيث إن الإدمان يقلل من كمية الطعام التي تتغذى بها الأم وبالتالي يؤثر ذلك على صحتهن بالإضافة إلى تأثيره على الجنين.
استخدام العقاقير:
للأسف نجد أنه حتى الوقت الحاضر هناك بعض الأطباء يصفون علاجات بعقاقير معينة مهدئة للأعصاب للمرأة الحامل، وأحد هذه المهدئات الثاليدوميد Thalidomide الذي اكتشف عام 1958، ولقد تسبب هذا العقار في كارثة للأمهات الحوامل، فقد كان لهذا العقار تأثيرات مشئومة على آلاف من الأطفال، حيث كانت الأمهات الحوامل تتناول هذا العقار أثناء الفترة الأولى من الحمل، وكثير من هؤلاء الأطفال قد ولدوا بزعانف قصيرة بدلا من الأذرع والأرجل, وتشير "الكيند" ELkind "ووينر" Weinr؛ "1978" أن معظم هؤلاء الأطفال كانوا من أوربا وبالتالي لم توافق على استعماله مؤسسة الغذاء والدواء بالولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ مأساة الثالوميد نجد أن الأطباء يمتنعون عن وصف العقاقير للمرأة الحامل، وينصح ألا تستعمل أية عقاقير فيما إذا كانت الفوائد الممكنة لها ولجنينها أكثر من المخاطر المرتقبة.
المرض أثناء الحمل:
من ضمن الأمراض ذات التأثيرات الضارة ما هو معروف بالحصبة الألمانية German Measles فعند إصابة الراشد به عادة ما يكون هذا المرض معتدلا حيث ينتج عنه طفح جلدي خفيف وارتفاع في درجة الحرارة تستمر لأيام قليلة, إلا أنه بالنسبة للمرأة الحامل فإن العدوى بالحصبة الألمانية أثناء الفترة الأولى من الحمل تزيد بصورة كبيرة احتمالية تعويق الجنين واحتمالات الخطر والتعويق تختلف تبعًا لعوامل كثيرة منها نوع ميكروب الحصبة، وعمومًا فإن أصيبت المرأة الحامل بها أثناء الأسبوع الرابع من الحمل فاحتمالية إصابة الجنين بعاهة تصل إلى 50% وتزداد سمعية أو بصرية أو عقلية وفي بعض الأحيان بأكثر من عاهة.
وعلى الرغم من أن معظم معلوماتنا عن التأثيرات الضارة للفيروسات Viruses على الجنين اشتقت من الدراسات على الحصبة، إلا أن هناك
(1/191)

فيروسات أخرى تحدث أضرارًا, فالتهاب الغدة النكفية يزيد من مخاطر موت الجنين، أو يولد بعاهات عندما تصاب الأم الحامل بها، وكذلك التهاب الكبد الوبائي، وحتى بعض الفيروسات العامة للبرد والأنفلونزا قد تزيد كذلك من خطر ظهور بعض العاهات على الجنين وبصورة عامة فإن هذه الأخطار تميل إلى أن تكون أكبر في حالة إصابة الأم الحامل أثناء الأسابيع أو الشهور الأولى من الحمل، حيث يكون جسم وأعضاء الجنين ما تزال في مرحلة التكوين الأولى.
المخاض والولادة:
وفي نهاية المطاف فإنه ما بين الأسبوع الخامس والثلاثين والأسبوع الثالث والأربعين من آخر حيض حل بالأم الحامل يكون الطفل جاهزًا للولادة، وفترة الحمل عمومًا تصل إلى أربعين أسبوعًا تقريبًا، وسوف نلقي الضوء في الصفحات التالية على عملية الولادة، وبعض مخاطرها، والتكيفات التي يجريها الوليد للتكيف مع بيئته الجديدة، وبعض وجهات النظر فيما يتعلق بمعدات وتجهيزات حجرة الولادة.
عملية الولادة:
إن بداية المخاض الذي يؤدي إلى الولادة يكون نتيجة عوامل متنوعة، يتضمن إشارات هرمونية من الجنين، فالإشارات الضاغطة من المشيمة المنتفخة، وكذلك الاستثارة الآلية من الجنين كامل النمو, هذه العوامل تكون باعثًا على انقباضات رحمية متوسطة والتي غالبًا ما تكون لافتة للنظر للأم الحامل، وعادة ما تبدأ قبل الولادة بأسبوع أو أسبوعين.
وكلما قرب موعد الولادة، نجد الانقباضات الرحمية أقوى وأكثر تكرارًا وأكثر جذبًا لنظر الأم الحامل، وما يسمى عادة بآلام الولادة ما هو إلا عبارة عن الانقباضات التي تحدث كل دقيقة تقريبًا, وتحدث الولادة عادة بعدما يقرب من 7-9 ساعات من بداية المخاض التي تشعر به الأم الحامل، ومما هو جدير بالذكر فإن النساء اللاتي يلدن لأول مرة عادة ما تكون الفترة الفاصلة بين المخاض والولادة أطول من النساء اللاتي ولدن قبل ذلك، حيث نجد تلك الفئة الثانية تخبر ساعات قليلة بين المخاض والولادة.
وفي المراحل الأخيرة لمخاض الولادة، نجد أن الانقباضات تستمر
(1/192)

لمدة أطول "ما يقرب من دقيقة" بالإضافة إلى أنها تكون أكثر تكرارًا عن ذي قبل، ويكون نتيجة هذه الانقباضات المتتالية أن يدفع الجنين ليتخذ وضعًا جديدًا حيث تتجه رأسه نحو عنق الرحم، ونتيجة ذلك فإن عنق الرحم يبدأ في التمدد والاتساع ويستمر في أداء هذه الوظيفة إلى أن تصبح رأس الجنين تجاهه، وعلى الرغم من أن رأس الجنين تعتبر أكبر جزء من جسمه إلا أن قدرة المولى عز وجل جعل لها القدرة على التغير في الشكل والقابلية للتكيس لكي تمر من خلال الرحم، وعادة ما نجد الطفل المولود حديثا يكون مظهر رأسه غريبًا مضحكًا لمدة أيام قليلة بعد عملية الولادة.
وأحيانا عند الولادة تحدث تمزقات في الكيس الأمينوتي وينتشر السائل الأمينوتي حيث يعمل كمنزلق لكي يساعد الجنين على المرور من خلال عنق الرحم إلى داخل قناة مهبل "الولادة" Vagina وعندما يكون الجنين جاهزًا للتحرك خارج المهبل نجد الطبيب المولد في بعض الأحيان يجري قطعًا صغيرًا في الرحم يسمى Episitomy لكي يمنع أية تمزقات للغشاء الخارجي، وهذا القطع يخيط مباشرة بعد الولادة، وبعد وقت قصير من الولادة فإن المشيمة تزاح من الجدار الرحمي وتفصل منه وتسمى بالخلاص.
مخاطر الولادة:
ليست كل حالات الولادة سهلة ميسرة، فأحيانا نجد أرداف الطفل بدلا من رأسه تضغط على عنق الطفل، وبالتالي ينحني الجنين مما يجعله أكبر ومن الصعب أن يولد وتسمى هذه الحالة بالولادة المؤخرية Breech Delivery فإذا لم يستطع الطبيب المولد إدراة رأس الجنين نحو عنق الرحم، فإن هذه الولادة تصبح أكثر صعوبة وخطورة من الولادة العادية، ويمكن كذلك أن تحدث مضاعفات أخرى إذا سدت المشيمة مؤخر الرحم، ولحسن الحظ فإن الخبرات الطبية الحديثة عادة ما تكون قادرة للتعامل مع هذه الأخطار المفاجئة والمخاطر القدرية للحمل والولادة.
ومشكلة أخرى قد تجابه الطبيب المولد عندما تكون عظام حوض المرأة صغيرًا جدًا على الولادة، أو لثمة ظروف أخرى مثل وجود لولبات في الحبل السري، فلا مناص أمام الطبيب في تلك الحالات إلا إجراء ما يسمى بالعملية القصيرة Cesaream Section حيث يجري فتح في البطن
(1/193)

ويحرك الجنين مباشرة من الرحم، ومما هو جدير بالذكر فإن هذه العمليات قد تدعمت الآن وأصبحت عملية روتينية آمنة، كما أن توفر الاستفادة من المضادات الحيوية، وعمليات نقل الدم الآن, قد أزاحت كثيرًا من مخاطر هذه العملية.
وثمة مشكلة أخرى من أخطار الولادة وهي الحرمان من الأكسجين فبسبب حاجة المخ الدائمة إليه، فإنه حتى الحرمان الخفيف قد يسبب موت الخلايا المخية, وعمومًا فإن هناك عديدًا من الأسباب يرجع إليها نقص إمداد المخ بالأكسجين منها، "أنه أثناء الولادة نجد أن الضغط الزائد على الحبل السري قد يقلص تدفق الدم وبالتالي ينقص مئونة الأكسجين، ونفس الشيء يمكن أن يحدث في حالة وجود انفصال مبتسر للمشيمة من الجدار الرحمي، بالإضافة إلى أن العقاقير التي تستخدم لتخفيف آلام الأم يمكن أن تخدر الجنين وتؤخر بالتالي عملية ولادته. وعمومًا فإن الأضرار الدائمة متدرجة من التلف المخي إلى الشلل المخي عادة ما ترتبط بالحرمان من الأكسجين عند الولادة، والدراسات الآن في طب الأطفال والطب النسوي ساعدت على علاج هذه المخاطر سابقة الذكر، وتشير الدراسات أن مخاطر ولادة الطفل قد نقصت بصورة كبيرة منذ عام 1920، حيث برهنت الممارسات الطبية الجيدة والأبحاث الميدانية في هذا المجال قد وفرت المعلومات والحقائق الأكثر عن الحمل، هذا بالإضافة إلى العناية الطبية والنفسية قبل الولادة، ساعد مما لا شك فيه على تقليل هذه الأضرار إلى الحد الأدنى.
العناية بالمولود:
هناك عدد من الخطوات يجب أن تتبع لضمان حياة المولود, ويمكن إيجازها فيما يلي:
أولا:
يجب أن ينظف فم الطفل وثقبي أنفه من المادة المخاطية الموجودة بهما بواسطة محقنة، وبعد ذلك يحمل الطفل إلى أسفل لكي يصرف أية سوائل متبقية في قصبته الهوائية، وعادة ما يبدأ الطفل في التنفس مباشرة وبصورة جزئية في الاستجابة لتدفق الهواء، ولكن في بعض الأحيان نجد الطبيب المولد يساعد هذا التنفس الأولي وذلك بأن يسقط المولود في ماء بارد أو يضربه على ردفيه، ومما هو جدير بالذكر أن الطفل المولود
(1/194)

حديثا يمكن أن يؤدي وظائفه لعدة دقائق بعد الولادة بدون تنفس ولا يصاب بأذى أو ضرر، إلا أنه إذا طالت مدة طويلة في حرمانه من الأكسجين فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى أضرار خطيرة.
ثانيًا: وبمجرد أن يتنفس الطفل، عادة ما يصدر صرخة عالية، ويجب أن يغسل الطفل حينئذ ويلف بدفئ، ولا يحتاج الطفل المولود حديثًا إلى كثير من الطعام للأيام الأولى القليلة من ولادته ولكن يمكن أن يعطى لبء الأم Colostrum ويعتبر بمثابة إفراز مائي رطب من صدر الأم الذي يسبق إفراز اللبن، وهذا المسمار "اللبني" يحتوي على كثير من الأجسام المضادة والتي تمد الطفل المولود حديثا بمناعة أولية ضد أي عدوى، كما أن امتصاص الطفل لصدر أمه يساعدها على إفراز هرمون الأكسوتسين Oxytocin الذي يجعل في تجلط الدم, وحينئذ يحدث نزف يعقب الولادة وبالتالي يساعد الرحم إلى أن يعود إلى حجمه الطبيعي.
وهناك اختلاف في الرأي عادة ما يثار حول ما إذا كانت الأم يجب أن تستمر في إطعام وليدها من صدرها بعد الأيام الأولى القليلة التي تعقب الولادة، وعمومًا فكثير من الأطباء يشيرون بأنه يجب على الأم أن تفعل ذلك ولكن البعض الآخر ينادي أن اللبن البديل عادة ما يكون مشابها للبن الأم ومن وجهة نظر التغذية الأساسية للطفل، إلا أن وجهة نظرنا تخالف وجهة النظر الأخيرة حيث إن عملية الرضاعة كما أشرنا أنها تقي الطفل من كثير من الأمراض هذا من جانب، بالإضافة إلى تكوين الرابطة الانفعالية والعاطفية بين الأم ووليدها، زد على ذلك وكما سنشير فيما بعد أن اللبنات الأساسية من شخصية الطفل توضع أساسا وابتداء أثناء عملية الرضاعة، فالأم لا تمد وليدها فقط بتغذية مادية ولكنها بالإضافة تدعم جوانب شخصيته المستقبلية عن طريق عملية الرضاعة، فإننا لا ننصح أي أم باستبدال ذلك بواسطة مرضعة أو بالببرونة "رضاعة" إلا إن كانت هناك أسباب قهرية لذلك.
ويستثار أحيانا كما سبق وأن أشرنا بعض من الأفكار الخاطئة عن الأم بعد الولادة، فقد كان يعتقد أحيانا بأن الأم بعد الولادة أن تبقى في سريرها لعدة أسابيع بعد الولادة، ونشأت هذه الفكرة من الحقيقة التي
(1/195)

مؤداها أن الولادة ينتج عنها فقدان كمية كبيرة من دم الأم، وبالتالي فإن الإقامة الطويلة للأم لكي تستريح في السرير توفر لها الوقت الكافي لتعويض ما افتقدته من الدم أثناء الولادة, ولكن لحسن الحظ في العصر الحديث ونتيجة الإجراءات والتطورات الطبية الحديثة، فإن المرأة لا تفقد دمًا كثيرًا أثناء الولادة، وحتى وإن حدث هذا فيمكن تعويضها عما افتقدته بعمليات نقل الدم، وتشجيع الأم أن تنهض من سريرها خلال ساعات بعد الولادة وعادة ما تترك المستشفى خلال عدة أيام قلائل.
كما يوجد جدل هو مدى استخدام العقاقير لتسهيل عملية الولادة والتقليل من آلامها، إلا أن الأطباء ينصحون بعدم استخدام هذه العقاقير خاصة بعد مأساة الثاليدوميد Thalidomide التي أشرنا إليها فيما سبق.
ولقد أشار الطبيب الفرنسي "فردرش ليبويه" Frederick Lebyer إلى أن حجرة الولادة المضاءة بأضواء قوية، وباردة نسبيًا، والمفعمة بالضجيج يعتبر شيء مناقض للظلمة والرحم الدافئ والهادئ، فإن ذلك وفقًا لأقوال "فردرش" تنتج صدمة نحن في غنى عنها، وبالتالي فإنه يفضل أن يكون حجرة الولادة مظلمة قليلا دافئة, هادئة، أي أن توفر للمولود بيئة مشابهة بصورة عالية لبيئة رحم الأم، ونرى من جانب آخر أطباء ينادون بعكس وجهة النظر السابقة، وكل من وجهتي النظر من الممكن أن تكون صادقة بصورة نسبية حيث يمكن التوفيق بين كليهما.
تحديد جنس الوليد:
من المحتمل أن يكون أول سؤال يسأل سواء من الأم أو الأخرين عندما يعلن عن وصول الوليد هو، هل المولود ولد أم بنت؟.
ومنذ قرون عديدة، ظهرت مشكلتان هامتان لعلاقتهما بتحديد جنس الوليد، الأولى كانت محاولة التنبؤ مبكرًا في الحمل بجنس الوليد والثانية محاولة التحكم في الجنس المرغوب فيه، والحقيقة أن تلك المحاولات العديدة للتنبؤ بجنس الوليد كانت في معظمها مثيرة للضحك, وهيا بنا الآن لنتأمل سويًا كيفية تحديد جنس الوليد.
إن جميع خلايا الجسم الإنساني, فيما عدا الحي المنوي والبويضة تحتوي على 46 كروموزوما "صبغيًا" مرتبة في النواة في 23 زوجًا، وأحد متماثلين وكلاهما يطلب عليها الكروموزوم X أما عضوا هذا الزوج متماثلين، وكلاهما يطلق عليه الكروموزوم X أما عضوا هذا الزوج عند
(1/196)

الرجل لا يكونا متماثلين إذ تحتوي الخلايا الذكرية على كروموزوم X وعلى نمط آخر مخالف تمامًا يعرف باسم كروموزوم Y.
ولا يوجد هذا الاختلاف فقط في التركيب الكروموزومي لخلايا جسم الرجل والمرأة ولكن الحييات المنوية البويضات تختلف في عدد الكروموزومات التي تحتويها عن باقي جميع الخلايا في الجسم، إذا يحتوي الحي المنوي والبويضة على 23 كروموزوم فقط في كل منهما، أي عضو واحد من كل زوج, وهذا الاختزال في العدد ضرورة إذا كان للبويضة المخصبة أن تحتوي على 46 كروموزوما فقط, ويحدث هذا عن طريق نمط خاص من انقسام الخلية يعرف باسم الانقسام المنصف Meiosis. فحيث إن الخلية التي تنشأ منها البويضة تحتوي على كروموزوم X، فإن كل بويضة تحتوي على كروموزوم واحد X، ولكن الأصل الذي يأتي منها الحي المنوي تحتوي على كروموزوم X وعلى آخر y لذلك فعندما يحدث الانقسام المنصف يكون الحي المنوي المتكون محتويًا بناء على ذلك إما على كروموزوم X أو كروموزوم y ويبدو أن مجرد الصدفة هو الذي يحدد أي حي من الحييات المنوية هو الذي سيخترق البويضة ويخصبها، هل هو الحي المنوي الذي يحمل الكروموزوم X أم ذلك الذي يحمل الكروموزوم y؟ ولكن متى حدث الاختراق فلا توجد أي فرصة لاحتمال آخر فإذا كان الكروموزوم هو X تتكون الأنثى وإن كان y يتكون الذكر والشكل رقم 4 يشير إلى هذه العملية.
والعلم لا يعرف حتى الآن ما هي الخصائص التي يسمح لحي منوي معين من بين الملايين بأنه ينجح في النهاية في اختراق البويضة1, ولكن العلم يعرف مع ذلك أنه متى حدث هذا الاختراق فإن نواة الحي المنوي والبويضة يتحدان ويصبحان نواة واحدة، ومن ثم تبدأ السلسلة الطويلة للأحداث المعقدة والتي إن سارت طبيعية ينتج في نهاية تسعة أشهر ميلادية أو عشرة أشهر قمرية ميلاد طفل جديد.
__________
1 {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [سورة الشورى: 49] .
(1/197)

ولقد وجد أيضًا أن الكروموزومات التي تحدد الجنس تحمل أيضًا جينات تتحكم في خصائص أخرى، وتوجد هذه الجينات على الكروموزومات X فقط، ولا توجد على الكروموزوم y وحيث أن الذكر يحتوي على كروموزوم واحد فإن الصفات التي تحملها هذه الجينات تظهر عليه سواء أكانت سائدة أو متنحية، في حين أن الإناث تحمل كروموزومين X، ولذلك تظل قاعدة الجينات السائدة والمتنحية سارية، ونتيجة لذلك فإن الصفات المتنحية المتصلة بالجنس تظهر دائمًا على الذكور في حين أنها تبقى غير ظاهرة في الإناث إذا زاوجت صفات سائدة، ومن الصفات المتصلة بالجنس "العمى اللوني والصلع", كما أن هناك مشاكل أخرى مرتبطة بكروموزومات الجنس تؤدي إلى بعض الإصابات أو الأمراض وظهور العديد من الأعراض التي ذكرناها فيما سبق مثل أعراض كلينفلتر وأعراض تبرنر وأعراض داون.
(1/199)

الفصل الخامس: الوليد والفطيم
أولا: النمو الجسمي والحركي
الرضيع في السنة الأولى:
على الرغم من أن كثيرا من الدراسات الحديثة أشارت إلى أن الوليد يمتلك كثيرًا من الكفايات والأهليات، ولكن يجب ألا ننسى أنه يظل بعيدًا من أن يكون كائنًا كامل الوظيفة والتكوين, فالمولود الحديث نجده يمتلك جميع أعضاء الجسم الضرورية، إلا أن القلب والرئتين والجهاز الهضمي ما تزال في حاجة إلى نمو لاحق قبل أن تستطيع أداء وظائفها تحت الظروف العادية, والمعدة تحتاج إلى سنوات قبل أن تصبح قادرة على التأمل مع الأطعمة العادية.
وبصورة مماثلة، فعلى الرغم من أن البناء الجسمي للوليد عادة ما يكون كاملا منذ الميلاد، إلا أننا نجد عظامه لينة إذا ما قورنت بعظم الطفل الأكبر سنًا، نجدها تنمو وتتشكل في صورة مختلفة، وحيث أن عظام الجمجمة لا تكون مرتبطة ارتباطا كاملا بعضها مع البعض الآخر، كما توجد منطقة لينة على قمة رأس الوليد وتسمى باليافوخ Fontanelle وتلتحم العظام بعضها مع البعض لتشكل غطاء كاملا للجمجمة أكثر صلابة، ويتم ذلك فيما بين التسعة شهور الأولى والعام الأول من حياة الرضيع, كما أن الأسنان نجدها في حالة كامنة وفي حالات نجدة قد يولد طفل بأسنان لبنية إلا أن الغالبية العظمى من المواليد يكون لديهم براعم أسنان فقط والتي تنمو أثناء السنة الأولى ومنتصف الثانية.
كما أن الجهاز العصبي للوليد يختلف عما لدى الأطفال الأكبر والراشدين، ففي حين أن مخ الوليد يتشابه في بنائه مع ما عند الراشد، وذو بناء كامل من الخلايا العصبية، إلا أن تلك الخلايا بدون غلاف نخاعي عازل، وهذه النخاعية تكون على هيئة ممرات تبنى بين العضلات والمخ والمتطلبة لجميع المهارات الحركية والنخاعية، وعمومًا فإن هذه النخاعية تتكون بصورة كلية في الأربعة شهور الأولى تقريبًا، ولكنها تستمر طوال فترة الطفولة المبكرة.
(1/203)

ونمو الرضيع أثناء السنة الأولى يكون سريعًا، فعند الميلاد يكون وزن الطفل العادي ما بين 6 إلى 8 أرطال، وطوله ما بين 18 إلى 22 بوصة، وعند نهاية السنة الأولى عادة ما يصل الرضيع إلى ضعف وزنه ويكتسب ثلث طوله، ويبطئ النمو تدريجيًا بعد ذلك، وعند نهاية السنة الثانية يصل الطفل إلى ما يقرب من ربع وزنه عند المراهقة وما يقرب من ربع طوله كراشد.
كما نجد عند الطفل منذ الميلاد نماذج انعكاسية عديدة كاملة البناء قابلة للرؤيا والتمييز والإدراك بسهولة، وتسمى إحدى هذه الانعكاسات بانعكاس مورو Moro reflex ويمكن ملاحظة ذلك عندما يروع الطفل بصوت يصاب بضربة فجائية على رأسه، فعندما يحس الطفل يفقد السند، نرى ارتفاع ساعديه، ويحاول التعلق بأي شيء والتي تبدو كمحاولة من الرضيع لاستعادة السند الذي فقده, ونموذج انعكاسي آخر يتمثل في المسك أو القبض الانعكاسي، يحدث عندما يقبض الوليد بكفيه على الأشياء، ويمكن أن يرفع عندما يتعلق بأصابع الراشد كما لو أنه في وضع الجلوس.
والنمو العضلي أثناء الشهور الأولى للرضيع يكون سريعًا، ففي الشهر الثاني يظل الرضيع مستيقظًا لفترة أطول عما سبق بالإضافة إلى أنه يصبح أكثر حركة ونشاطًا من ذي قبل، ولا تكون يديه وأرجله وأصابعه كما كانت عليه في حالة تصلب عند الميلاد، وكثير من الأطفال في هذا السن يمكنهم رفع رءوسهم وصدورهم قليلا، وكثيرًا منهم يمكنه العثور على إبهامه ويبدأ في مصه كما أنه أثناء الشهر الثاني يمكن الرضيع أن يبدي أول ابتسامة اجتماعية حقيقية، وأثناء الشهر الثالث والرابع تصبح الأفعال الحركية الإرادية أكثر فعالية، وقد يرجع ذلك إلى نخاعية الخلايا المخية؟ وتبدأ الرأس في التضاؤل عن ذي قبل في اتجاه النضج والنمو، حيث يمكن أن يدور الرضيع رأسه ويصل إلى الأشياء في ما بين الشهر الثالث والرابع إلا أننا نجد عملية الزحف والمشي تتطلب نموا عضليا وعصبيا أكبر حيث نجدها تتأخر عن تلك الحركات السابقة، وفيما يتعلق بالنظام الهضمي فإن نضج التحكم العضلي العصبي للسان والحلق يمكن الطفل من أن يبدأ في تناول الأطعمة الطرية اللينة.
(1/204)

وفي الشهر الرابع تقريبًا نجد اهتمام الأطفال بأصابعهم وأطرافهم وعادة ما يلعبون فيها، ويستطيع الأطفال في هذا الوقت من الانقلاب على بطونهم أو ظهورهم, وعادة ما يستطيعون ذلك وبسهولة في الشهر الخامس, كما أنهم يتمكنون من الجلوس عندما يمسك بهم ويحتفظون برؤوسهم قائمة إلى أعلى لمدة كافية لكي ينظروا إلى ما يحدث من حولهم، وفي حوالي نهاية الشهر الخامس وبداية السادس يبدأ الأطفال في عمل حركات زاحفة ويتعلقون بالأشياء ويمسكون بها ويهزونها جميع هذه الحركات تعتبر عامة شائعة في هذا السن، كما يبدأ الأطفال في عملية المضغ عندما تبذغ أولى أسنانهم اللبنية في الشهر السادس تقريبًا.
وفي النصف الثاني من السنة الأولى نجد الأطفال كثيرا من الحركات الاستقلالية ويكون أكثر استجابة لعالمهم المادي والاجتماعي عن ذي قبل، حيث نجد أن التحكم والضبط الحركي قد وصل إلى مرحلة حيث يمكنه الوصول والتمسك بالأشياء التي تقع تحت ناظريه وكذلك ضربها بعنف أو هزها أو عمل جلبة وإزعاج بها, وأثناء الشهر السابع يصبح ظهر الرضيع أكثر صلابة وعضلات بطنه تسمح له بالجلوس بدون مساعدة وفي حالات كثيرة يمكنه أن يزحف, وفي الشهر الثامن نرى الرضيع قد نمى لديه ضبط وتحكم دقيق بصورة كافية، وبالتالي نجده يستطيع أن يضع أصابعه ويمسك ويرفع الأشياء الصغيرة، وفي هذا الوقت يجب أن يكون الآباء حذرين من ترك الأشياء الصغيرة أمام ناظري الطفل والتي يمكن أن يتناولها ويسقطها في فمه.
وأثناء الشهر التاسع يحاول الرضيع أن يزيد من تحركه وتنقله، ويقضي وقتا طويلا في تدريب مهاراته الحركية عندما يكون في سريره ولذلك نرى كثيرا من الأمهات تندهش حين تترك وليدها نائمًا وتعود فتجده جالس في مهده، كما أنه يستطيع أن يقف ممسكًا بجانب سريره ويبتسم ابتسامة رضاء وإشباع عندما يرى أمه, ولا يستطيع الأطفال في هذا السن المشي إلا أنهم يستطيعون التحرك بسرعة مدهشة بواسطة الزحف والتسلق، وعلى ذلك يجب أن يوضعوا تحت الملاحظة الدقيقة من هذا السن فصاعدًا.
وأثناء الشهر العاشر يستطيع الأطفال الزحف والتسلق والجلوس بمفردهم وأن يشهدوا أنفسهم في حالة انتصاب كما أننا نلاحظ الاستقلال
(1/205)

الحركي واضحًا في مجالات أخرى كذلك، ويستطيع معظم الأطفال في هذا السن أن يشربوا من الكوب كما يكون لديهم الأسنان الكافية التي تمكنهم من مضغ الأطعمة الصلبة نسبيًا، وجدير بالذكر نجد كثيرا من الأطفال في هذا السن يرغبون في إطعام أنفسهم وعلى الرغم من أنهم دائمًا ما يعبثون في طعامهم إلا أنهم يستمتعون بأنفسهم تمامًا، بالإضافة إلى حصولهم على طعام ضئيل قليل.
وفي نهاية السنة الأولى يحدث لدى الأطفال تقدمًا جوهريًا نحو الاستقلال الحركي، حيث يمكنهم التحرك على نحو متزايد وبصورة أكثر على قدميه والتعلق بالأشياء والإمساك بها والانطلاق ويمكنهم مضغ الطعام وعض الأشياء وعمل أصوات متنوعة والتي تناهز اللغة في مجتمعهم, وعلى الرغم من أننا سوف نناقش القدرات الحسية والعقلية للأطفال في ثنايا هذا الفصل إلا إنني أود الإشارة هنا أن نمو الجوانب الأخرى يعتمد جزئيًا على الأقل على التقدم في النمو الحركي الذي يصيبه الطفل منذ صغره, وانظر الشكل رقم1.
(1/206)

السنة الثانية:
بعد أن يتعلم الأطفال المشي "في نهاية السنة الأولى تقريبًا" فإنهم ينتقلون إلى مرحلة تسمى بالسير المتدرج Toddierhood حيث يتضمن ذخيرة جديدة كلية من النشاطات الحركية، ففي حدود سنوات قليلة يبدءون في القفز والجري والوثب فوق الأشياء المرتفعة ويلعبون بأشياء مثل الكرة والتزحلق إن تيسر لهم ذلك, وفي هذا الوقت نرى تمييزات الأيدي والأذن والعين ويبدأ الطفل في التعامل بها وتصبح أكثر استقرارًا.
وعندما تكون محاولة الطفل الأولى في المشي نجد قدماه بعيدة كل منها عن الأخرى، وحركاته غير منتظمة وغير متناسقة، وبالتدريب يمكن أن يجعل قدميه قريبة بعضها مع البعض، وخطواته تصبح أكثر توازنًا وأكثر تناغمًا واتزانًا، كما يبدأ المشي بصورة مستقيمة، أي يحدث توال وانتظام لأقدامه وجدير بالذكر فإن طفل السنتين يكون ما يزال في حاجة إلى مراقبة أقدامه حتى يتحاشى أي عوائق أمامه، إلا أن هذه الحاجة تختفي بنهاية العام الثالث.
(1/206)

وبمجرد أن يكتسب الطفل الثقة قبل المشي نجده يبدأ في عمل تنويعات بين الفينة والفينة كالمشي في الطرق الجاذبية، والمشي بالخلف، كما أن الطفل في هذا السن قد يمشي على أصابع قدميه، أو يدور حول نفسه مرة مرات إلى أن يشعر بالدوار, وفي منتصف السنة الثانية يكون لدى الطفل المشي السريع المتعجل والذي يبدو إلى حد ما شبيها بالجري؛ لإن أنه يختلف عن الجري لأنه حتى هذا السن لا يمتلك قوة الأرجل والتوازن لكي يتحاشى ما يوجد على الأرض بكل من قدميه في نفس الوقت. وعادة لا يصل الطفل إلى الجري السليم إلا في سنته الخامسة تقريبًا، كما يحال طفل العامين القفز إلا أن محاولته تفشل حيث لا يمكنه أن يجعل قدماه تترك الأرض في وقت واحد، وعادة ما يبدأ القفز عندما يطلع على أشياء قصيرة كالسلم مثلا، وفي محاولته الأولى نجده يطلع بقدم واحدة تاركًا قدمه الأخرى وبالتالي يتأرجح على حافة الدرج. وعندما يصل الطفل إلى نهاية العام الثاني يمكنه أن يقفز بكلا قدميه، ومهارات حركية أخرى تتطلب اتساق حركي رؤي أفضل مما لدى طفل العامين مثل الحجل والتسلق والإمساك بالكرة الملقاة إليه، ويمكنه أداء هذه الحركات في مراحل نموه التالية، فهم في هذا السن يحاولون الرمي والإمساك بالأشياء إلا أن أذرعتهم لا تكون حركتها مرنة متسقة تمكنهم من ذلك. فعملية الاتساق في الرمي والتي تتضمن إطلاق الشيء كجزء من الحركة الرمي لا يمكن أن يصل إليه الطفل ألا في سن أكبر من ذلك.
وأثناء السنة الثانية يبدأ الطفل في أن يظهر تفضيل استخدام يده وعينه والتي تكون مظهرًا من النمو الحركي, حيث يميل إلى القبض على الأشياء بيد معينة، وتفضيل استخدام عين على أخرى في مجال الرؤيا الثنائية، ما الذي يحدث هذه التفصيلات عند الطفل والتي ستصبح مستقرة ثابتة في فترات نموه اللاحقة, تشير نتائج دراسة كراتي Cratty؛ "1970" أن كثيرا من النظريات العلمية وغير العلمية قد قدمت تفسيرات لإلقاء الضوء على هذه الظاهرة، إلا أننا حتى الآن لم نصل إلى تفهم فسيولوجية استخدام يد معينة وتفضيلها على الأخرى أو علاقتها بالمشكلات الحركية الأخرى مثل أمراض الكلام كالتهتهة واللجلجلة وما إلى ذلك.
(1/207)

ثانيا: النمو العقلى
الجوانب الكمية للنمو العقلى
...
ثانيا: النمو العقلي
النمو العقلي للرضيع يشبه ما يوجد عند الأطفال الأكبر والراشدين ويمكن أن يلاحظا تبعًا لمنظورين.
أ- أحدها الاختبار العقلي الكمي والذي يتساءل عن مقدار ما يمتلكه طفل معين من قدرة عقلية معينة إذا ما قورن بأطفال آخرين في مثل عمره الزمني؟
ب- والثاني الناحية الكيفية النمائية النفسية والتي تتساءل عن أنواع القدرات والمفاهيم التي يظهرها الرضيع بصورة واضحة، وكيف تتطور أثناء السنتين الأوليين أو بعد ذلك في حياة الطفل, وسوف نتأمل سويًا كل من الجانبين الكمي والكيفي للنمو العقلي.
أ- الجوانب الكمية للنمو العقلي:
عادة تتضمن اختبارات الذكاء عددًا من الاختبارات الفرعية، وكل منهما مصمم لقياس قدرة معينة، ونجد في كل اختبار فرعي عدد من المواقف تتدرج من حيث صعوبتها، كما أن صعوبة كل موقف يحدد بواسطة استجابة عينة كبيرة من الحالات "المجموعة المعيارية" للموقف.
ولنفترض أن موقف اختبار ذكاء الطفل "الرضيع" هو "رفع الرأس"، حيث إن 90% من عينة كبيرة للرضع ذوي الثلاثة أشهر يستطيعون عمل ذلك فإن رفع الرأس بالتالي يكون موقفًا عاديًا لطفل الثلاثة أشهر. ولنفترض أن الانصراف عن الأشياء يمكن أن يؤتي 10% فقط من أطفال عينة الأطفال السابقة، فإن هذا الموقف يجب بالتالي أن يكون موقفًا صعبا لهذه الجماعة في هذا السن, وعمومًا فإن معظم اختبارات القدرات بصفة عامة واختبارات الذكاء بصفة خاصة تبنى على طريق اختيار الموقف والتي يمكن أن تؤدي بواسطة 75% من الجماعة المعيارية في كل مستوى متتالي، وبالتالي يوفر سلاسل من المواقف متدرجة الصعوبة.
ومعظم اختبارات الذكاء يمكن أن تقدر لنا العمر العقلي Mental age وهو عبارة عن عمر الجماعة المعيارية والتي تكمل بنجاح نفس عدد المواقف كالحالة التي تجري عليها الاختبار والرضيع الذي يؤدي بصواب
(1/208)

مواقف كثيرة كما هو الحال لطفل الواحد للجماعة المعيارية فإن عمره العقلي بالتالي يكون سنة واحدة بغض النظر عن عمره الزمني Chronolgical age ولحساب الذكاء IQ تجرى المعادلة التالية:
وهذا المعدل دليل لذكاء الفرد النسبي, ومن الواضح أن الطفل الذي يكون عمره العقلي أكبر من عمره الزمني أكثر ذكاء من المتوسط، بينما الطفل الذي يكون عمره العقلي أقل من عمره الزمني يكون عادة أقل ذكاء من المتوسط.
وتوجه لاختبارات الذكاء كثير من الانتقادات بأنها لا تعتبر بمثابة مقاييس مناسبة لقياس ذكاء الأطفال، كما أنها لا تستطيع التنبؤ بكيفية أداء الطفل في اختبارات أخرى, وكذلك كيفية أدائه في عمر زمني لاحق "1972" Bayley؛ "1970" إلا أنه في حالة استخدام هذه الاختبارات مصحوبة ببيانات أخرى كالمستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة نجدها ذات قيمة تنبؤية كبيرة، بالإضافة إلى استخدامها بجانب الملاحظة الإكلينكية يمكن أن تشخص بدقة الضعف العقلي والتلف المخي Knobloch& Pasamanick؛ "1967".
ويمكننا أن نوجز الأسباب التي تكمن وراء القدرة التنبؤية الضعيفة لاختبارات ذكاء الأطفال الصغار فيما يلي.
أولا: اختبارات ذكاء الأطفال تختلف جوهريًا عن تلك المستخدمة لتقييم القدرة العقلية للمراهقين الراشدين، فالأولى تقيس بعض الأشياء مثل "الوصول إلى الأشياء، والإمساك بها، والقبض عليها ومتابعة الموضوعات عن طريق الرؤية، وذلك عندما يكون الطفل في أشهره الأولى، كما أن القدرة على التقليد وأن يضع مكعبات وأشكالا في فراغات معينة، وأن يتعرف على الصور في
(1/209)

نهاية عامه الأول, كل هذه الأشياء قد تكون مفقودة وبدرجة كبيرة في اختبارات الذكاء، كما أن اللغة تلعب دورًا أساسيًا في اختبارات الأطفال الأكبر سنًا. حيث يجب عليهم اتباع تعليمات لفظية تعطى بواسطة المختبر. ومن ثم يجب عليهم الاستجابة اللفظية بأنفسهم. فالمهارة اللغوية ترتبط بصورة كبيرة بالقدرة العقلية، ودعوى أن اختبارات ذكاء الأطفال لا تستخدم اللغة، قد يكون أحد الأسباب في كونها ليست وسيلة تنبؤية جيدة لأداء الأطفال في الاختبارات اللاحقة والتي تطلب استخدام اللغة.
ثانيًا: وثمة عامل آخر قد يسهم في القدرة التنبؤية الضعيفة لاختبارات الأطفال الصغار "الرضع" يتمركز حول الأطفال أنفسهم. فالاختبار يفترض سلفًا التعاون من جانب الحالة، إلا أن الأطفال عادة ما يحذرون من الغرباء وبالتالي نجد تعاونهم الكامل مع المختبر مشكوك فيه، بالإضافة إلى حالاتهم الانفعالية وتحول انتباههم يجعل من الصعب على المختبر أن يحدد عما إذا كان سبب إخفاقهم في الأداء قد يرجع إلى نقص في قدرتهم وقد يرجع إلى اضطراب خاطف سريع الانقضاء وعلى الرغم من وجود مشكلة مؤداها عما إذا كان أداء الأطفال الصغار على الاختبارات يعكس بدقة وبصورة مضبوطة الكفاية في أداء الاختبارات لأي عمر زمني، فإنه من الصعب بصفة خاصة أن نفسر استجابات الأطفال الصغار على الاختبار.
ثالثًا: والعامل الثالث الذي يسهم في القدرة التنبؤية الضعيفة لاختبارات ذكاء الأطفال الصغار، يرتبط باختبارات الذكاء نفسها فالذكاء ليس كمية ثابتة أو قدرة ثابتة حيث يتأثر بصورة مستمرة بواسطة العوامل البيئية. وعلى الرغم من وجود حدود احتمالية وراء عما إذا كانت البيئة لا تستطيع أن تعدل الموهبة الطبيعية للشخص إلا أن هذه الحدود غير معروفة. ومن جانب آخر يشير Scarr Salapatek؛ "1971" أن الأطفال الذين ينمون في بيئات فقيرة مجدية عقيمة قد لا يتحقق وتظهر بصورة كاملة إمكاناتهم وقدراتهم إلى بيئة عقلية فقيرة مجدبة في مثيراتها العقلية, أو العكس، فإن أداء هذا الطفل على اختبارات الذكاء سوف يعكس هذا التغير سواء إلى الأحسن أو الأسوء.
(1/210)

ب- الجوانب الكيفية للنمو العقلي:
تتضمن هذه الجوانب نمو العمليات العقلية وتراكم المضامين أو المحتويات العقلية، فالعمليات العقلية تتضمن ثمة وظائف كالإدراك والتعلم وحل المشكلة والتفكير والنمو اللغوي والمضامين أو المحتويات العقلية ما هي إلا نتاج هذه العمليات وما يصفه المرء بمحتويات أو مضامين تفكير الطفل, وسوف نتأمل سويًا التغيرات التي تحدث في كل من العمليتين العقليتين أثناء السنتين الأوليين من نمو الطفل.
الإدراك:
يتصل الإدراك بالعمليات التي نقرأ بها والتي تنقل أو تصل بواسطة حواسنا فنمو القدرة الإدراكية تتضمن كل من الازدياد التدريجي لحساسية مستقبلات الطفل "العين، الأذن، وهكذا" للمعلومات التي تمده بها البيئة، وازدياد القدرة على التسجيل وتفسير هذه المعلومات, وعمومًا فالإدراك يكون ذو تأثير وفاعلية في السنتين الأوليين من حياة الوليد البشري.
الرؤية:
استطاع العلم الحديث التواصل إلى كثير من المعلومات عن نمو حاسة الرؤية أكثر من أي نظام حاسي آخر، فالعين الإنسانية لا تكون كاملة التكوين منذ الميلاد، حيث تحدث تغيرات خلوية "مسامية" Cellular في نقرة أو حفيرة العين Fovea "وهي جزء من شبكية العين والتي تتعامل مع الرؤيا المركزية" وحتى الشهر الرابع يمكن أن تؤثر على حدة رؤية الطفل. ويشير "مان" Mann؛ "1964" إلى أن الأطفال الرضع يميلون إلى أن يكون عندهم طول نظر وذلك بسب قصر المسافة بين عدسة العين والشبكية، وينقص ذلك كما تدرج الرضيع في النمو.
ويتصف نظام الرؤية لدى الرضيع بعدم الكمال، "حيث نجد العصب البصري لا يكون نخاعيًا Myelinize وبالتالي يمكن أن يؤثر على قدرة الرؤية عند الأطفال الصغار، وعمومًا فإن حدة الرؤية والتي تتضمن القدرة على التمييز بين خطوط ذات أطوال مختلفة, تنمو بصورة سريعة أثناء السنة الأولى من حياة الوليد, وتشير نتائج دراسة فانتز Fantz ورفاقه "1974" أن الأطفال يمكنهم تمييز أطوال نصف بوصة "قلم أو خط طوله نصف بوصة" والبوصة 2.54 سم على مسافة 10 بوصات في شهرهم الأول، ويمكنهم تمييز 64/ 1 من البوصة عندما يصلون إلى ستة أشهر.
(1/211)

وجدير بالذكر نجد تطور مشابه في تتبع الرضيع في رؤية الأشياء وملاحقة الحركات التي تحدث أمامه, وعلى الرغم من أن الرضيع يمكنه أن ينظر تجاه موضوع متحرك بكلتا عينيه، إلا أنه لا يستطيع أن يجري حركات هادئة حتى الشهر الثالث أو الرابع من عمره.
ويشير Bornstein؛ "1975" إلى أنه على الرغم من صعوبة التعرف عما إذا كان الرضيع يمكنه فعلا رؤية الألوان، كما أنه ليس من السهل تحديد أنواع المثيرات التي يستجيب إليها والتي تكون مفضلة عنده, إلا أنه وجد أنواع المثيرات التي يستجيب إليها والتي تكون مفضلة إلى الألوان ذات الأطوال الموجية ويولون الاهتمام بها مثل الألوان الأزرق والأحمر إذا ما قورن اهتمامهم بالألوان الأخرى. ويشير إلى أن التغيرات الكبيرة في الضوء المعاكس عندما يبدأ شكل ما وينتهي شكل آخر يبدو أنه ذا أهمية في الاستحواذ على انتباه الأطفال الصغار.
ولقد تأملت دراسات عديدة مدى انتباه الأطفال إلى وجود التي يرونها، على أمل تحديد الوقت الذي يمكن للرضيع فيه الانتباه إليها.
وأشارت هذه الدراسات Hoat Other؛ "1976" إلى أن الأطفال الرضع عندما يصلون إلى شهرهم الرابع يمكنهم التعرف على الوجوه من حولهم خاصة وجه الأم إلا أنه ما يزال غير واضح مع ذلك عما إذا كان الطفل يجب انتباهه بصورة أولية إلى ملامح معينة كالعيون أو الشعر أو إلى الشكل ككل.
وتشير نتائج الدراسات إلى أن الأطفال الرضع كلما تدرجوا في مدارج نموهم كلمات كانت تفضيلاتهم للمثيرات الأكثر تركيبًا، وتشير نتائج دراسات Fantz وزملائه إلى أن الأطفال الصغار يفضلون المثيرات ذات الأشكال والنماذج عن تلك المثيرات التي بلا شكل أو نموذج معين, وتشير نتائج هذه الدراسات كذلك إلى أن الأطفال الرضع في شهرهم الثاني يفضلون أشكال الحيوانات, وعندما يصلون إلى أسبوعهم الثالث عشر يبدو
(1/212)

تفضيلهم للمنحنيات على الخطوط المستقيمة والنماذج متحدة المركز عن النماذج غير المتحدة المركز.
وتشير نتائج دراسة Bower؛ "1974" أن الأطفال يحصلون على بعض جوانب الاتساق في الشكل والحجم خلال الشهور الأولى من الحياة، إلا أننا نجد C. Shank؛ "1941" أن تلك القدرة، قدرة الاتساق في الحجم والشكل "وهي عملية آلية تعديلية بواسطة المخ والتي تمكنا من رؤية الموضوعات البعيدة كما لو أنها في نفس الحجم عندما تكون قريبة منا وتحتفظ بنفس الشكل بغض النظر عن وجهتها, يشير شأنك أن هذه القدرة لا تحدث إلا في نهاية السنة الأولى من حياة الوليد البشري، وجدير بالذكر فإن أحد أسباب تلك النتائج المتعارضة ترجع ابتداء إلى كيفية قياس المسافة والحجم واختلافاتهم في تلك الدراسات.
(1/213)

ثالثا: السمع
...
الرضع يستجيبون للأصوت في طرق مختلفة، فإنها قد تنشط البعض وقد تهدئ الآخر، وقد تؤلم رضعًا آخرين، وعمومًا فإن المثيرات ذات الكثافة أو الشدة المعتدلة وتكون مستمرة يمكن أن يكون لها تأثيرًا مهدئًا على الرضيع, وينطبق ذلك على المثيرات السمعية والمثيرات المرئية، فعندما يكون الضوء معتدلا في حجرة الولادة يمكن أن يكون له دورًا مهدئًا ملطفًا، كما أن الأصوات المتناغمة الإيقاع يمكن أن تكون كذلك، ففي أحد دراسات براكبل وزملائه وجد أن تسجيل ضربات القلب عن طريق بندول إيقاعي، والغناء بصوت هادئ كانت ذات أثر في تهدئة الطفل المولود إذا ما قورنت بالهدوء.
ويمكن للرضيع أن يميز إحدى وحدات الكلام الصغرى عندما يصل إلى الشهر الثالث Moffitt A؛ "1971" مثل با، جا، بابا، كما أنهم يتلفتون إلى إيقاع أصوات الكبار من حولهم, ففي إحدى الدراسات أشارت النتائج إلى الأطفال الرضع فيما بين اليوم الأول إلى اليوم الرابع عشر قد حركوا أجسامهم لإيقاع كلام الكبار من حولهم وفعلوا ذلك في حضور الأب، أو عندما كانت تجري تسجيلات صوتية هادئة Candon & Sander؛ "1974".
ويلاحظ كذلك أن الأنغام ذات النغمة النقية وهي التي أعلى من 4000 CPS وأيضًا المتقطعة، والضجيج المفاجئ العالي يميل إلى استثارة ردود فعل مروعة عند الرضع "كما هو الحال عند الراشدين", وجدير بالذكر فإن الانزعاج أو القلق يتلاشى في حالة تقديم الصوت المرتفع بصورة تدريجية.
(1/214)

الحواس الأخرى:
مجال معرفتنا وكمية معلوماتنا بالنسبة لحاسة التذوق والشم واللمس قليلة إذا ما قورنت بمعلوماتنا عن حاسة السمع والرؤية بالنسبة للرضيع.
وتشير Cratty أنها تعتبر حواسًا أولية بصورة نسبية.
بمعنى أنها تنمو بوضوح منذ الولادة وتظهر نضجًا أقل بعد ذلك.
وتشير أن الحواس الأخرى تتفاعل مع العمليات الحسية الأولية وأيضًا مع الأفعال الحركية، فكل من حاستي الشم والتذوق مثلا يرتبط بصورة كبيرة مع أحاسيس الرؤية.
(1/214)

وفيما يتعلق بحاسة التذوق فالرضيع يولد ببراعم للتذوق كاملة على اللسان، مرتبطة ارتباطًا كاملا مع المخ. ومنذ الميلاد نجد الرضيع لا يستطيع التمييز بين الحامض والمالح والسكر، إلا أنه بعدما يقرب من شهرين أو ثلاثة نرى تفضيلات الرضيع التذوقية تكون قد نضجت بصورة عالية, ويمكن أن يشير إلينا إن كان اللبن قد تغير في تركيبه، أو كمية الكربوهيدرات المحتوية فيه، بالإضافة إلى أن الرضع في هذه السن يظهرون أحيانا كراهيتهم لمذاقات معينة عن طريق إرجاع الأطعمة من أفواههم.
والشم يتطور في صورة مبكرة ويشير Rovee إلى ذلك أن التمييز الشمعي للأطفال الرضع ينمو بسرعة بعد الميلاد، ففي إحدى دراساته وجد أن الرضع يستجيبون استجابة تمييزية لخمسة أنواع كحولية معينة وذلك كما قيس بواسطة نشاطهم الحركي العام، فالجزئيات الأكثر كربونية في الكحول كانت أكثر فعالية واستمرارًا في حركات الرضيع. ويستطرد أنه مع الازدياد في العمر تطرأ تغيرات بسيطة في الحاسة الحاسية نحو الروائح.
ويشير كذلك أنه يبدو أن الشم ليس فقط أحد الحواس المبكرة التي تنمو، ولكنها بالإضافة واحدة من الحواس التي تضعف مع تقدم العمر الزمني للوليد الإنساني.
(1/215)

رابعًا: اللغة
اللغة تشبه العلم والرياضيات، حيث أن كليهما نتاج جمعي وإنجاز أو مآثرة فردية. فاللغة كنتاج جمعي تتكون من آلاف الكلمات والمعاني والتي نمت وتطورت عبر الزمان بواسطة جماعة اجتماعية معينة, وجدير بالذكر أن الفرد بمفرده لا يستطيع ابتكار لغة كاملة، أو يمكنه تعلم كل الأشياء التي يجب أن يعرفها عن لغة معينة, ومع ذلك فإن أعضاء جماعة معينة يتعلمون لغة تلك الجماعة، وكيفية استخدامها كوسيلة مؤثرة للتكيف الاجتماعي وسنناقش في ثنايا الصفحات التالية كيفية اكتساب الفرد للغة أما اللغة كنتاج اجتماعي فلها مجال آخر.
وعلماء علم نفس النمو قد استمروا في اهتماماتهم ودراساتهم في كيفية اكتساب الأطفال اللغة وتركزت هذه الدراسات على وصف كيفية
(1/215)

وسببية الاكتساب اللغوي. وجدير بالذكر فإن هذين الجانبين يرتبطان بصورة كبيرة وذلك يرجع إلى أن الطريقة التي يصف بها الباحث نمو اللغة تعتمد جزئيًا على كيفية تفسيره لها. والحقيقة يمكن اعتبار تاريخ دراسات النمو اللغوي كنتائج أو اتجاهات للمفاهيم التي تملي التفاعل بين عمليتي الوصف والتفسير.
ففي المرحلة الأولى لدراسة النمو اللغوي قد افترض أن الأطفال يتعلمون بصورة أساسية عن طريق تقليد ومحاكاة كلام الكبار من حولهم ولذلك ركزت الدراسات الوصفية للغة لمارثي McCarthy؛ "1954" على العمر الزمني والتتابع الذي يتعلم به الأطفال أجزاء الكلام وبناء الجملة.
فقد وجد على سبيل المثال أنهم يتعلمون الأسماء قبل تعلمهم الضمائر، ويتعلمون الأفعال والصفات قبل تعلمهم الأحوال والظروف، ويتعلمون حروف الجر وحروف العطف في النهاية، ولوحظ كذلك وبطريقة مماثلة أنهم يتمكنون من تكلم الجمل البسيطة قبل الجمل المركبة, وهكذا.
والمرحلة الثانية في دراسة لغة الأطفال كانت في أواخر الخمسينيات وذلك بظهور نظرية كومسكي Chomsky في قواعد النحو والصرف المعمم, وأشار أن الجمل عادة ما تصنف بصورة مختلفة كما يلي.
هل الطفل أكل التفاحة؟ "استفهامية".
أكل الطفل التفاحة. "تقريرية".
يا ولد! كل التفاحة. "أمرية"
أكل الولد التفاحة بأكملها! "تعجبية"
وهذه الجمل متشابهة وبصورة كبيرة مع الجمل والتي عادة ما تصنف بطريقة مماثلة مثل.
الطفل عند الحيوان. "تقريرية".
جرى الكلب إلى المنزل. "تقريرية".
(1/216)

البنت كانت مريضة. "تقريرية".
المنزل كان باردًا. "تقريرية".
ويشير كومسكي بأنه على الرغم من أن الجمل الأولى ذات بناءات خارجية أو مظهرية Surface Stuructures مختلفة لأنها تعكس أنماط جمل متباينة فإنها بالإضافة ذات بناء ذي عمق معين حيث نجدها تقدم اختلافات لنفس المعلومات الأساسية، إلا أن الجمل في البناءات الثانية لها بناء مظهري عام إلا أنها ذات عمق بنائي مختلف، والذي أضافه كومسكي يتمركز في ربطه قواعد النحو والصرف "والتي كانت تقليديًا صورة من نظام فارغ" بالمعنى وبدلالة اللفظ، حيث أشار إلى أن البناءات العميقة للغة تتضمن مجموعة من القواعد لتنظيم مقدار محدد من المعلومات في طرق مختلفة لتوصل معاني مختلفة, فبالإضافة إلى ربطه القواعد اللغوية بالمعنى نجده اقترح نظرية جديدة في الاكتساب اللغوي لم تكن ذات جدوى في تعلم الكلمات فقط، ولكنها بالإضافة كانت ذات أثر في تعلم قواعد البناءات اللغوية العميقة لوضع الكلمات سويًا وكذلك لتصنيف واستخراج المعاني.
وعمومًا فإن إسهامات كل من كومسكي وهاريس Harris تعتبر مؤشرًا للمرحلة الثانية في دراسات نمو اللغة عند الطفل, وتلي ذلك مجهودات لوصف قواعد الصرف والنحو مؤداها أن الأطفال ينمون لغويا كلما تدرجوا في مدارج نضجهم، ويتضمن ذلك ما يسمى بالنحو المحوري Pivot Grammar حيث يستخدم فيها الطفل كلمة واحدة مع كلمات أخرى متنوعة مثال ماما فوق، ماما أكل ... وهكذا. فالطفل قد يستخدم كلمة واحدة مع عدد من الكلمات الأخرى لكي يدل أو يعبر عن معاني مختلفة وعلاقات نحوية، فالجملة "ماما فوق" تعكس علاقة فعل بفاعل، في حين أن "ماما نقود أو فلوس" تعكس علاقات اقتناء المقتني.
ولقد حول الانتباه إلى أعمال "بياجيه" "1970" وإلى وجهة نظره التي مؤداها أن اللغة تتضمن مجموعة من القواعد أو المبادئ التوليدية Generative بالإضافة إلى أنها تشتق من أفعال الطفل الخاصة، وكذلك من تصوراته العقلية, وحاولت كثير من الدراسات في هذا الميدان فيما بعد أن تربط النمو اللغوي بالنمو المعرفي, كما يوجد تأكيد في الوقت الحاضر على المضمون اللغوي الكلي لملكة الكلام عند الطفل أو على تعبير الطفل ونطقه على صيغة أو محتوى تعبيره أو كلامه.
وعموما، فقد جمعت بيانات كثيرة وضخمة في كيفية تعلم الأطفال الكلام، وسوف نرى سويا مراحل التعبير ونمو اللغة المعبرة Receptive بالإضافة إلى الدراسات المعاصرة التي ربطت النمو اللغوي للأطفال بنمو المفاهيم أو التصورات العقلية.
(1/217)

مراحل التعبير عند الطفل:
منذ الميلاد حتى نهاية الشهر الأول ينشغل الرضيع بما يسمى بالصياح غير المميز Undifferentiated وبالتالي فإن المستمعين له لا يمكنهم التمييز بين صياح الجوع أو الألم أو الخوف أو عدم الارتياح. وتشير دراسة simmer؛ "1970" أن الرضع حديثي الولادة يبدو أنهم ذوو حساسية لصياحهم، ففي إحدى الدارسات سجل صياح لرضع جدد وأشارت النتائج أن الرضع الجدد يميلون إلى الصياح كلما استمعوا لأصواتهم.
وخلال الشهر الثاني من حياة الرضيع ينمى ما يسمى بالصياح المميز، أي كون الصياح أكثر تمييزا إلى الراشدين، فالإيماءة أو الإشارة قد تشير إلى الجوع أو المضايقة والانزعاج، والصياح المميز يبدو أنه يدعم في كمه وكيفه بواسطة كلام الراشدين حول الرضيع وبواسطه أنه التدعيم الاجتماعي بصفة عامة، والفورية أو الحزم Promptness التي يستجيب بها الآباء إلى صياح الرضيع يكون لها أثر ذو دلالة حيث تؤدي إلى التقليل من الصياح وذلك خلال السنة الأولى, وتشير نتائج دراسات Bell أنها لا تقلل فقط من كمية الصياح وطوله، ولكنها كذلك تعزز المهارات الاتصالية عند الرضيع من 8 إلى 12 شهرا من عمره، وعلى ذلك فإن الاستجابة الفورية للرضيع يمكن أن يكون لها تأثيرات مفيدة طويلة المدى على شخصية هذا الرضيع فيما بعد.
والمرحلة الثانية هي الثرثرة أو الخرير Babbing، والتي تنمو أثناء الشهر الثاني، ولكنها تمتد حتى الشهر الثامن أو التاسع من عمر الرضيع. ويبدأ في إصدار ما يسمى بالفونيمية Phonome، وهي وحدات الصوت الأساسية للغة، ويبدو أن الثرثرة مرتبطة بالنمو الفسيولوجي كما أنها
(1/218)

فونيمية عامة، وتجعل من الممكن تكوين اللغة، وعن طريق التفاعل مع الراشدين يتخلص الرضيع تدريجيًا من الأصوات غير المرتبطة بلغة المحيطين به، ويوسع أو يظهر تدريجيًا الأصوات التي تكون في لهجتهم، وعلى ذلك فإن مرحلة الثرثرة أو الخرير تمكن الرضيع أن يبدأ في اكتساب لغة مجتمعه الخاص.
وأثناء المرحلة الأخيرة من الثرثرة أي في حوالي 6 أشهر إلى 8 أشهر، يبدأ الرضيع في عمل أصوابت متكررة مثل بابا، ماما، ويستطيع الرضيع في هذا الوقت من إجراء الحروف اللينة والساكنة، وأثناء هذه المرحلة "الثرثرة" نجد الرضيع لا يصدر الأصوات من أجل الاتصال بالآخرين، ولكن من أجل أن يلعب ويلهو بجهازه الصوتي، وأثناء هذه المرحلة يمكن أن يستهل خرير الرضيع وثرثرته عن طريق حركات فمه أو بواسطة كلام الآخرين المجاورين له، وعموما، فإن هذه المرحلة تعتبر بمثابة تهيئة لمرحلة صدور الأصوات اللغوية الاتصالية.
ومنذ الشهر العاشر تقريبًا ينتقل الرضيع إلى المرحلة الأخيرة للفترة ما قبل اللغوية، وهي مرحلة التقليد الصوتي والقدرة على فهم أصوات كلام الراشدين من حوله، وعلى الرغم من أن الرضيع الصغير يمكنه تمييز صوته من أصوات الرضع الآخرين، وذلك كما ذكرنا سابقًا، إلا أن تمييز الأصوات الكلامية تأتي في مرحلة لاحقه وذلك أثناء مرحلة الثرثرة. كما أننا نجد الرضيع عندما يصل إلى شهره العاشر تقريبا يمكنه التمييز والاستجابة بصورة تبيانية لكلمات الراشدين من حوله، كما أن بعض الأطفال الرضع في هذه المرحلة يمكنهم تفهم بعض الكلمات مثل لا، وعلى الرغم من أن هذه الكلمة قد تكون مصحوبة بإشارات أو إيماءات معينة أو تنغيم صوتي معين، ولذلك نجد الرضيع قد يستجيب إلى الموقف ككل وليس إلى الكلمات نفسها، وبنهاية السنة الأولى من عمر الرضيع نجده يمكنه التمييز بين الكلمات وإعادة أو نسخ الكلمات الصوتية اللغوية للآباء والأمهات.
الكلام المبكر:
وفي نفس الوقت تقريبا نجد الطفل يتكلم بأول كلمات الدالة، مما هو جدير بالذكر، فإنه ليس من السهل دائما تحديد موعد صدور الكلمة الأولى من فم رضيعهم، حيث نجد الآباء دائما ما يكونون شغوفين
(1/219)

لسماع الكلمات الأولى من فم رضيعهم، وبعد الكلمة الأولى فإن نمو المفردات اللغوية يميل إلى أن يكون سريعا للغاية، وعلى الرغم من أنه من الصعوبة قياس مفردات الطفل الصغير اللغوية، إلا أنه توجد بعض من الاختبارات تتضمن كلمات يعرفها الطفل، إلا أنها قد لا تكون مفيدة بصورة كبيرة، وعموما فإن الطفل عندما يصل عمره إلى عامين عادة ما تصل مفرداته اللغوية إلى 250 كلمة، كما أن طفل السادسة عادة ما يصل محصوله اللغوي إلى 2500 كلمة.
كما أن النمو في حجم المفردات اللغوية عادة ما يقارن بكفاءة الطفل النحوية والاتصالية، وفي الحقيقة يوجد بعض الجدل حول كيفية وصف وتفسير ملكة الطفل اللغوية، وأحد هذه الاتجاهات ما دعى إليه كومسكي Chomsky حيث يشير، بما أن البناءات أو التراكيب اللغوية تكون في صورة أولية، فإن القدرة اللغوية تسبق الفهم المعرفي، ويرى جان بياجيه وآخرون يذهبون إلى منحى آخر إذ يشيرون أن البناءات أو التراكيب اللغوية مكتسبة وتشبه في ذلك الكلمات, وعمومًا، هل اللغة تسبق الفكر؟ أو أن الفكر يسبق اللغة؟
وينظر كثير من السيكولوجيين المعاصرين في الوقت الحاضر إلى النمو اللغوي على أنه محاولة تدريجية، أكثر من كونه شيئًا مركبًا يقدم مخططات معرفية للذات والعالم، ويعارضون وجهة نظر كومسكي في أن قواعد النحو والصرف والتراكيب اللغوية والإعراب فطرية أو مشكلة مسبقًا كما يدعي، ولكنها مبادئ تبنى بواسطة الطفل في مجهوده لكي يتقدم ويوصل خبرته إلى الآخرين, وتشير وجهة النظر في هذه أن الأطفال يتعلمون تراكيب الجملة ومبادئ الصرف والنحو بنفس الطريقة التي يتعلمون بها المفاهيم، فإنهم يخبرون استعمال الراشدين لمعاني الكلمات ويحاولون استعمالها في كلامهم.
وكلمات الطفل الأولى تشبه عملة تلفظه الأول، عادة ما تكون غير مميزة، وعادة ما تكون الكلمات الأولى شاملة مختلطة بالمعاني، وكذلك باللغة المستخدمة بواسطة الأشخاص الأكبر من حوله, فطفل العالم الواحد الذي يقول: "ماما", قد يعني: "أريد أن آكل يا ماما", أو "احمليني يا ماما", أو "انظر إلى ماما" ... إلخ ومن الخطأ أن تقول أن الطفل يستخدم في ذلك ما يسمى بالجملة الكلمة حيث إنه لم يصل بعد إلى تفهم ماهية
(1/220)

الجملة، ولكن بالأحرى يمكن أن تقول أنه يستخدم ما يسمى بالكلمة الجملة، كما أن استخدامه المتنوع لنفس الكلمة عادة ما تكون محملة بتنغيمات أو طرق أداء مختلفة وتعبيرات وجيهة وهكذا، والتي قد تكون لا شعورية إلى حد كبير ويتعلم الولدان تفسير كلمات وليدهم الأولى بالتأمل إلى المضمون العام لسلوك رضيعهم، والتكلم عمومًا يعتبر صورة من مجهودات الطفل العامة للاتصال بالآخرين من حوله.
وكلما تدرج الرضيع في عامه الثاني فإنه ينتقل إلى ما وراء الاستخدام غير المميز للكلمات المفردة لكي يوحدها في كلمتين أو أكثر، ونطق الجملة ذات الكلمتين تعكس مستوى جديدًا من التمييز اللغوي، حيث نرى فيها تطبيقًا لإدراك الطفل لنظام الجملة وإضافة الكلمات وطريقة الأداء والتنغيم نجدها تحمل المعاني كذلك إلا أن نطق الرضيع للجملة ذات الكلمتان تختلف بصورة جوهرية عن تكوينها عند الراشدين، والاستخدام اللغوي في تلك الفترة يسمى بالكلام التلغرافي أو شديد الإيجاز Telegraphic Speech بمعنى أن الطفل عادة ما يهمل أدوات التعريف أو التنكير، والأفعال المساعدة، وحروف العطف الأخرى, وفيما يلي بعض جمل طفل 21 شهرًا من عمره.
- ماما كتاب.
- أرى ماما.
- كتاب ماما.
وهذا الكلام شديد الإيجاز يمكن أن يفهم بواسطة الكبار من حول الطفل، بشرط أن يدركوا تلميحات ومشعرات الطفل الأخرى أثناء كلامه, وسنورد هنا تسجيلا فعليًا في كيفية استجابة أم لحديث وليدها شديد الإيجاز.
الطفل الأم
ماما سندوتش أريد سندوتش يا ماما
جلس الأرض أنه جلس على الأرض
ماما عصير ماما عملت عصير برتقال
(1/221)

والحقيقة فإننا نرى الطفل الصغير يحاول أن يستخدم اللغة لكي يتعامل مع الأفكار أو يوصلها، وهذه تعكس مظهرًا أو جانبًا آخر من اللغة المبكرة للطفل، وتسمى بالتكرارية Repetition, وهناك أنواع عديدة من الأحداث يمكن أن تسهم في النمو اللغوي المبكر نوجزها فيما يلي:
- النضج ونمو جهاز الكلام والذي يمكن الأطفال من إنتاج الأصوات الأكثر ضبطا ودقة.
- النمو المعرفي للطفل والذي عن طريقه يستطيع أن يكون جوانب تصوره لذاته وللعالم.
- التعرف على أن كلمات الطفل يمكن أن ترمز إلى جوانب من خبراته ومفاهيمه.
- التصور المطرد للغة نفسها ومجهود الطفل المستمر لربط المفاهيم اللغوية بتلك التي تشتق من العالم المحيط به وكذلك من نفسه ولقد سمى Elkind؛ "1976" هذا المجهود بالتعلم الفطري أو المتضمن Connative Learning، وعموما فإن الطفل يبدأ في تفهم اللغة في نفس الوقت الذي يكشف فيه ذاته والعالم المحيط به, ويحاول أن يربط اللغة والفكر معا، وفي نفس الوقت يطور ويوسع ويتقن استخدام كل منهما بصورة منفصلة.
وقبل أن نختم هذا الجزء، يجب أن نشير إلى ما يسمى باللغة التقبلية أو الحسية Receptive Language، فهي تسبق الكلام كما أن الطفل يفهم اللغة قبل أن يتمكن من التكلم بها، وللأسف لأن هذا المجال يعتبر مجالا بكرًا ولم تجرِ فيه دراسات يعتد بها كما يشير Elkind إلى ذلك ويجب أن تتوفر لدينا معلومات أكثر لما يسمى باللغة الحسية أو التقبلية لتكمل التفهم للنمو السريع للمحصول اللغوي عن الأطفال.
(1/222)

خامسا: العمليات المعرفية
على الرغم من أن اللغة في جوهرها عملية معرفية، ويمكن أن تدرج تحت هذا العنوان، إلا أنني أردت التعامل معها بالصورة التقليدية، ولذلك فضلت مناقشتها منفصلة، وعمومًا سوف نناقش في هذا المجال، الانتباه، والتعلم، وحل المشكلة، والتفكير الاستدلالي Reasoning, وجميع هذه العمليات يمكن ملاحظتها لدى الأطفال الصغار يستخدمونها كبشائر أو مواد تشكل منها فيما بعد الأشكال المعرفية الأكثر تقدما.
التوجيه والانتباه والتعود:
تعتبر هذه الأنماط السلوكية في طرق معينة جوانب معرفية منظمة للإدراك وبصورة عامة فإن التوجيه Orientation يعني التحرك في اتجاه حدوث مثير فجائي، فالاستجابة المروعة لصوت فجائي غير متوقع يعتبر توجيهًا غير مميز، وعندما يكون المثير عاديًا نجد الطفل ما يلتفت أو يحول انتباهه إلى اتجاه هذا المثير كأن ينظر إلى مصدر الصوت أو يلتفت إلى المنظر الجديد, ويسمى هذا بالتوجيه الانعكاسي Orientiong Reflex أو الاستجابة الانعكاسية، فإذا أراد الطفل الصغير نفسه لكي ينظر إلى أمه نتيجة سمعه صوتها فإن ذلك يعتبر استجابة انعكاسية.
والانتباه هو تركيز انتقائي لجانب معين من مجال المثير، فعالم الطفل ليس أقل من عالم الكبار مملوء بجميع أنواع الاستثارة، ففي دار الحضانة مثلا، عادة ما تكون جدرانها مملوءة بالصور وسريره مليء بدمى أو أشياء متحركة عليه، كما توجد الأصوات المعتادة لأهل المنزل، وسيلان المياه في الحمام، وفتح الأبواب وغلقها ورنين التليفون، بالإضافة إلى الأصوات الإنسانية التي يستمع إليها، فالعمليات الانتباهية تسمح للطفل بأن يركز انتباهه انتقائيا على جانب واحد دون آخر من مجال المثير، وبالتالي يستخلص المعلومات والبيانات من هذا الجانب.
والتعويد Habituation يشكل تكملة للاستجابة أو التوجيه الانعكاسي، فعندما يكون المثير جديدا، عادة ما يستجيب الطفل إليه استجابة انعكاسية، ولكن إذا كان المثير متكررا فإن الاستجابة الانعكاسية سوف تضعف وتقل، فمثلا إذا وضع فرد ما شيئًا متحركًا على سرير الطفل، فإن الطفل حينئذ سيولي ذلك انتباهًا عاليًا، ولكن بعد عدة أيام
(1/223)

نجد الطفل ينظر إلى هذا الشيء بين الفينة والأخرى, أو نادرًا ما ينظر إليها، وتسمى هذه العملية بالتعويد، ونستطيع أن نلاحظ أطفال ما قبل المدرسة أو الحضانة فالدمية الجديدة عادة ما تشغل بالهم كثيرًا، بحيث يبدو أنهم ليس لديهم وقتًا ليأكلوا أو يفعلوا أي شيء آخر, ولكن بعد مرور عدة أيام، فإن الدمية تلك قد ترقد مهملة على الأرض وهذه نتيجة عملية التعويد.
وعمومًا فالتوجيه والانتباه والتعود عمليات مهمة كمصاحبات لعملية النمو والتعلم، وفي ذلك يشير بوميرلو Pomerleau وآخرون "1973" أنه في مجال مثيرات الرؤيا المتكررة يصبح التعود أكثر سرعة كلما نمى الطفل، خاصة بعد ثلاثة أشهر الأولى من حياته، ويستطرد بوميرلو أن هذه العمليات الثلاثة ليست مجرد عمليات انعكاسية بسيطة ولكنها تعزى لمستوى نشاط استخدمت لكي تحدد تأثير سوء التغذية على الرضع، ويشير ميلر Miller؛ "1972" إلى ذلك بأن هذه العمليات الثلاثة قد استخدمت لكي تحدد تأثير سوء التغذية على الرضيع، فالرضع الذين كانوا تحت تأثير تغذية قصيرة كان من الصعب استثارة تلك العمليات لديهم، حيث إنها تتطلب مثيرات أكبر لكي تثير عمليات التوجيه والانتباه والتعود, وذلك إذا ما قورنوا بالرضع الذين كانت لديهم تغذية جيدة.
التعلم:
يمكن تعريف التعلم بمفهومه العام بأنه عبارة عن حدوث تعديلات أو تغيرات في الأنماط السلوكية أو الفكرية والتي يمكن ألا تعزى إلى الخبرة أو النمو والنضج ... ومن ناحية أخرى فإن التعلم ليس مستقلا بصورة كلية عن النضج والنمو حيث إنهما يجعلان من الممكن تعلم نماذج جديدة في مستويات عمرية متقدمة, والتعلم يميل إلى أن يحدث خلال فترات قصيرة من الوقت بصورة نسبية, في حين أن النمو والنضج تميل إلى أن تحدث خلال فترات طويلة إلى حد ما, وعمومًا فأنواع التعلم والتي يمكن أن يشرع فيها الطفل تعتمد على كل من النمو والنضج, إلا أنه في أي حالة أو نمط تعلم معين فالنتيجة غالبًا ما تكون مجتمعة كوظيفة للخبرة.
وربما يكون الشكل البسيط من التعلم هو الإشراط الكلاسيكي Classical Conditioning ويشير ليبست Lipestt أن الأطفال الرضع يمكن أن
(1/224)

يتعلموا بالإشراط الكلاسيكي أثناء أشهر حياتهم الأولى، ففي إحدى دراساته على أطفال رضع لا يتجاوز أعمارهم أياما معدودات استطاعوا التعلم بالإشراط وذلك بإعطاء استجابة المص لنغمة موسيقية معينة "1964". ويعتقد بعض علماء النفس بوجود توال محتوم في النماذج الحسية التي تكون موضوعات للإشراط الكلاسيكي, ويشير كاساتكن Kasatkin؛ "1972" أحد الباحثين الروس أن الحاسة الأولى التي يمكن أن تكون موضوعًا للإشراط الكلاسيكي هي حاسة السمع والنظام الدهليزي الذي يرتبط بحركة جسم الرضيع، ويأتي بعد ذلك اللمس ثم الشم والتذوق والرؤيا على التوالي, وتشير بعض الدراسات الأمريكية التي قام بها كوخ Coch؛ "1968" أنه على الرغم من وجود توالي في الأنماط الحسية والتي يمكن أن يكون سلوك الطفل فيها إشراطيًا، إلا أن نظام الاستجابة قد يحدد بصورة كبيرة عن طريق الاستجابة غير الشرطية، كما هو عن طريق نموذج معين, وعمومًا فإننا يجب أن نشير في هذا المقام أن وجود نظام "سواء بمثيرات شرطية أو استجابات شرطية" يوضح العلاقة بين النمو والتعلم, فالنمو يحدد بناءات وأنواع التعلم, في حين أن التعلم يحدد المحتويات ومضامين الاستجابة المكتسبة.
ويستطرد كوخ Coch؛ "1968" أن دراسات الإشراط عند الأطفال تشير أن هذا التعلم يصبح أسهل كلما تقدم الطفل في عمره الزمني، ففي إحدى دراساته حيث كان المثير الشرطي دمية تعمل ضجة وأصواتًا، وكان المثير غير الشرطي وجه الأم وصوتها, وتشير النتائج أن الرضع الأكبر "5 شهور" قد أظهروا استجابات صحيحة "التفات الرأس" في وقت أقصر مما فعله الرضع الذين كانوا أصغر سنًا "شهران" وهذا التحسن مع تقدم العمر الزمني قد يعزى إلى الخبرة المتراكمة, بالإضافة إلى النمو الأكثر ونضج الجهاز العصبي.
وشكل رئيسي آخر من التعلم هو التعلم الإجرائي Oprant Learning فكثير من سلوك الرضع عادة ما يكون عفويًا تلقائيًا بسبب عدم قدرتنا على التعرف على أي من المثيرات الشرطية قد كانت سببًا له، فبعض سلوك الرضع يمكن أن يسمى بالسلوك الوسيلي Lnsrtulmental بمعنى أنه يخدم بعض الأغراض أو الأهداف. فالرضيع يصيح لكي يجذب انتباه أبويه، أو للنظر إلى الأحداث المشوقة في البيئة وهكذا, وبمجرد أن تحدث الاستجابة الوسيلية فإنها تتكرر فقط إذا حصلت على تدعيم، فإذا تعلم
(1/225)

الطفل أن أمه سوف تحضر عندما يصيح، نجده يصدر الصيحات عندما يريد جذب الانتباه إليه, وبصورة مماثلة فإن الرضيع سوف يستمر في النظر إلى الأشياء غير المألوفة ما دامت تمده أو توفر له استكشاف مثيرات جديدة, ومما هو جدير بالذكر فإن التعلم الإجرائي صورة من التعلم يستخدم بواسطة الأفراد في كل الأعمار الزمنية.
ويشير "سامروف" Sameroff؛ "1971" أنه عندما نريد أن ننظم التعلم الإجرائي يمكن أن نستخدم وسيلة الإشراط الإجرائي Operant Conditioning أو بصورة أعم عملية تعديل السلوك فعن طريق اختيار المجرب السلوك الذي يؤديه الرضيع بعفوية أو تلقيائية، ويحاول أن يعدله أو يشكله وذلك بواسطة التدعيم الانتقائي، فمثلا يمكن أن يجعل الرضيع يغير سلوك المص لديه عن طرق تدعيم الاستجابة بإعطاء اللبن بين الفينة والفينة, أو بمحلول سكر العنب، كما أن نتائج دراسات أخرى تشير إلى أنه عندما يربت الكبار على طفل الرابعة أشهر، يكون أسرع في نطق الألفاظ، كما أن كثيرًا من الأطفال الصغار ذوي العام الواحد قد عدلوا من أنماط سلوكهم عند عرض ضوء مشوق مرئي لهم.
ويشير "براكبلي" Brackbilly؛ "1958" أننا يمكن أن نستخدم الإشراط الإجرائي في تقليل مدى تكرار السلوك غير المرغوب فيه وذلك بعدم تقديم التدعيم الذي عادة ما يتبع الاستجابة, ففي إحدى دراساته عندما كانت ابتسامة الرضيع لا تدعم بواسطة الابتسامة العادية للكبار من حوله أو الانتهاج لهم، وجد أن الأطفال الرضع كانت معدلات ابتساماتهم أقل، وتسمى هذه الظاهرة بالانطفاء Extinction وعمومًا فإن دراسات عديدة أشارت إلى أن التعلم الإجزائي نمط شائع بين الرضع وبين الأطفال الصغار، وبالتالي يجب أن يستخدم على نحو ملائم ومناسب بواسطة الوالدين.
(1/226)

حل المشكلة:
صورة من التعلم والذي يكون على المرء فيه أن يتغلب على بعض العقبات أو العوائق لكي يصل إلى هدف مرغوب فيه، ويستخدم الأفراد عادة للوصول إلى هذه الغاية تخطيطات أو تدابير مختلفة، وتكون أحيانا بسيطة كالمحاولة والخطأ Trial & Error ويستخدم هذا النمط في حالة محاولتنا إصلاح آلة أو جهاز ما لا نفهم أجزاءه أو تركيباته، فالولع لإصلاح راديو معطل أو ساعة, ما هو في الحقيقة إلا أسلوب للمحاولة أو الخطأ، وتحل المشكلة أحيانا بواسطة الاستبصار Lnsight وقد يكون الحل تصنيفيًا أو ترتيبيًا حيث يتضمن تكوينات مفترضة وكذلك اختبار للافتراضات.
وكما نتوقع، فإن حل المشكلة بين الأطفال الصغار عادة ما تكون في صورة أولية غير متطورة، ولكن من الممكن أن نلاحظ أشكالا مبكرة من التعلم بالمحاولة والخطأ، وكذلك بالاستبصار واختبار الفروض، ففي إحدى دراسات بابوسيك Papousek؛ "1967" صمم جهاز يوجب على الرضيع أن يتعلم تحريك رأسه إلى اليمين أو إلى اليسار لكي يحصل على اللبن، ويشير رنين الجر أن اللبن سوف يأتيه من على اليسار، ويومئ الطنين أن اللبن سيأتيه من اليمين, وعندما تعلم الرضيع أن يدير رأسه صحيحًا إلى الجرس عكس هذا الإشراط.
ولقد أنتجت المعكوسية Reversal في التجربة السابقة مشكلة للرضيع يجب عليه حلها، ولاحظ المجرب أن الرضع قد حولوا رءوسهم في اتجاهات يمكن إيجازها فيما يلي:
1- يتوقع أن يأتي اللبن من الجانب الذي قدم منه في المحاولة السابقة.
2- كان يتوقع تقديم اللبن من الجانب الذي كان يقدم منه بصورة مألوفة في المحاولتين السابقتين الأخيرتين.
3- كان يتوقع تقديم اللبن بصورة متعاقبة "من اليسار ثم من اليمين والعكس بالعكس".
4- كان الحل في أن يدبر دائمًا إلى جانب معين وأن تصحح الاستجابة إذا لم يقدم اللبن بصورة فورية من هذا الجانب.
ويشير بابوسيك أن جميع الأطفال الرضع لم يستخدموا خططًا أو تدابيرًا Strategies نظامية ترتيبية، حيث إن البعض قد استخدم العشوائية
(1/227)

وكذلك المحاولة والخطأ العشوائي، وبالتالي كان اختلاف الرضع في حل المشكلة واضحًا ظاهرًا في هذا العمر المبكر، ومنذ ثلاثة أشهر الأولى وصاعدًا أظهر بعض الرضع منحى ترتيبيًا منظمًا لحل المشكل في هذا الموقف التعليمي البسيط.
ويستطرد بابوسيك أنه في مهام أكثر تركيبًا وتعقيدًا، لم يظهر أسلوب حل المشكلة بصورة نظامية ترتيبية إلا في عمر متأخر, وهذا يعكس مرة أخرى التفاعل بين النمو والتعلم, ففي إحدى الدراسات أعطي لأطفال يتراوح أعمارهم ما بين 12-24 شهرًا مهمة الحصول على دمية محببة إليهم ولم تكن في متناول أيديهم، ولكي يحصلوا عليها يجب عليهم تحريك رافعة معينة وعند دورانها حينئذ يحصلون على هذه الدمية, أشارت النتائج أن الأطفال الأكبر سنا أمكنهم الحصول على الدمية عن طريق تشغيل الرافعة بمعدل أكبر من الأطفال الأصغر سنًا.
(1/228)

سادسًا: التفكير
يعتبر التفكير في جانب من جوانبه تعلمًا حيث يسمح لنا من استخلاص المعلومات والبيانات الجديدة من أخرى متواجدة حاضرة وذلك بتطبيق واستخدام قواعد ومبادئ معينة, فمثلا إذا عرفنا أن كل الحلوى حلوة المذاق، وأن هذه الكرة المستديرة قطعة من الحلوى يمكن أن نستنتج حينئذ أنها حلوة المذاق دون أن نتذوقها، وهذا التفكير الذي ينتقل من العام إلى الخاص يسمى بالتفكير الاستدلالي Deductive Reasoning, وفي حالة تذوقنا عددًا من قطع الحلوى نستخدم ما يسمى بالتفكير الاستقرائي Lnductive حيث انتقلنا من الخاص إلى العام.
والتفهم الذي لدينا اليوم عن نمو التفكير لدى الرضع والأطفال يرجع في جزء كبير منه إلى الأعمال البارزة الهامة للسيكولوجي السويسري الشهير جان بياجه Jean piaget فلقد أصبحت دراساته على أولاده الثلاثة في سنتيهم الأوليين، أصبحت من الدراسات الكلاسيكية فيما كتب في علم النفس الطفل وكانت كذلك من العوامل الرئيسية في إجراء العدد الهائل من الدراسات النفسية على الرضع منذ عام 1960، ووجهة
(1/228)

نظر بياجيه في الذكاء الإنساني، خاصة التفكير يشير إلى أنه يبدأ عند الرضع مبكرًا فيما يسمى بالمرحلة الحسية الحركية Sensorimotor، ويستطرد بياجيه بأنها تكون كافية وتساعد على ربط الرضيع في تعامله مع العالم المحيط به.
ويسمى "بياجيه" العامين الأولين من حياة الرضيع بالفترة الحسية الحركية مشيرًا إلى وجود ثمة تغيرات في تلك الفترة تبدأ من الحركة وصاعدا أظهر بعض الرضع منحى ترتيبيًا منظمًا لحل المشكلة في هذا الموقف الانعكاسي إلى التفكير الواقعي, ويستطرد "بياجيه" أن الرضيع يستطيع التفكير إن تمكنا نحن من توفير الخبرات العقلية له، وهي الأفعال البسيطة التي تندرج على مقياس صغير بسيط قبل أن يؤديها بالفعل, ولقد استطاع "بياجيه" التعرف على مراحل معينة تميز نمو تفكير الأطفال الرضع.
فأثناء المرحلة الأولى والتي تبدأ منذ الميلاد حتى نهاية الشهرين الأولين، نرى الرضيع خلالها يغير ويعدل أفعالا انعكاسية معينة، وكما أشرنا سابقًا أن الوليد يمتلك من النماذج الانعكاسية، والتي يمكن أن تظهر بواسطة بعض من المثيرات المناسبة، وهذا التعديل والتغيرات يتضمن فيما نراه في تكييف الرضيع لفمه لشكل وحجم حلمة ثدي الأم أو الرضاعة ويطلق "بياجيه" على هذه العمليت التكيفية ما يسمى بالمواءمة Accomodation.
وبمرور الوقت والتدريب نرى الرضيع يتعلم التمييز بين أشياء مختلفة تكون قابلة للامتصاص أو الرضاعة، حيث نجده يمتص بقوة وبنشاط حلمة الثدي أو الرضاعة حيث تدر له اللبن، إلا أنه يرفض أصبع الراشد الذي لا يوفر له ذلك, وهذا الرفض أو القبول لمثيرات البيئة تبعًا لحاجات الرضيع الخاصة يسميه "بياجيه" بعملية التمثل assimilation, ويشير إلى أن كلا من عملية المواءمة والتمثل ما هي إلا صيغ يتفاعل بواسطتها الرضيع مع الواقع ويتكيف له بمستويات مختلفة من النمو.
ويتعلم الرضيع أثناء الفترة الأولى من المرحلة الحسية الحركية في استعمال انعكاساته لأغراض جديدة، فالرضاعة مثلا يمكن أن تستخدم للتعرف على الموضوعات التي يمكن أن تمتص والأخرى التي لا يمكن
(1/229)

امتصاصها بالإضافة إلى تصنيف تلك الموضوعات, كما أن الرضيع يميز كذلك بين الموضوعات التي يمكن أن تمتص في أوقات مختلفة، وبين امتصاص المواد الغذائية وغير الغذائية، فالرضيع المشبع الذي يرفض حلمة ثدي أمه، قد يتقبل مع ذلك امتصاص أصبعه أو السكاتة "وهي حلمة يلهو بها الطفل".
ومنذ الشهر الثاني إلى الشهر الرابع يبدأ الرضيع في توحيد أفعاله الانعكاسية المتبدلة في طرق مختلفة متنوعة، ويطلق عليها "بياجيه" بالمخططات Schmes وتعزى الاتحادات الأولى إلى ما يسميه "بياجيه" بردود الفعل الدائرية Serculotor Reactons فعند حدوث تتابع لمخططات معينة بطريقة الصدفة، قد يضع الرضيع إبهامه داخل فمه ويرضعه، ويجد ذلك ممتعًا أو سارًا إليه، فإن سقط إبهامه خارج فمه، سوف يحاول أن يضعه في فمه مرة أخرى, وتناسق مخططات الرضاعة بمخطط حركة الإبهام بشكل نظام عال لمخطط امتصاص داخل الفم يؤدي إلى الامتصاص والرضاعة والذي يؤدي إلى وضع الإبهام داخل الفم حيث يؤدي إلى الامتصاص "الرضاعة", وهكذا.
وعلى الرغم من أن رد الفعل الدائري يعتبر خطوة أعلى من الفعل المنعكس، إلا أن له دلالة معرفية قليلة، إذ تعتبر بطريقة ما اتساع اتفاقي بصورة عالية والذي يؤدي إلى حدوث المتعة أو الراحة, فالرضيع لا يكون مهتمًا بإبهامه سوى لأنه موضوع للامتصاص. ويشير "بياجيه" بأن الرضيع أجرى نوعًا من التمثل الوظيفي للموضوع إلى الذت, وأما التمثل المعرفي فهو التعرف على الموضوع بسبب صفاته المميزة والتي ستأتي فيما بعد.
ومن الشهر الرابع حتى الشهر الثامن يدخل الرضيع في المرحلة الثالثة من الفترة الحسية الحركية ويبدي الرضيع ما يسميه "بياجيه" بردود الفعل الدائرية الثانوية Tertiary Circular Reactions وهذا يعني أن ردود الفعل الدائرية الأولية تتضمن فقط مخططات جسمية، قد اتسعت لتتضمن أحداثا وموضوعات خارجية.
(1/230)

ويشير "بياجيه" إلى ذلك بقوله، عندما كان ابنه يرفس برجليه وضرب الدمية بطريق الصدفة التي كانت معلقة على سريره، ويستطرد بأن ولده قد حصل على نفس القدر من المتعة بمشاهدة الدمية تتحرك وهذا معادل للمتعة التي يحصل عليها عند امتصاصه لإبهامه, وهكذا فإنه يرفس بقدميه مرة أخرى لكي تتحرك الدمية مرة أخرى.
وهنا نجد أن فعل الرفس قد نشطت، والتي نشطت بدورها النظر إلى المخطط، وهذا بالتالي أدى إلى تعزيز الرفس وهكذا, وكان "بياجيه" مهتمًا في ملاحظاته للتأكد أن رفسات ولده ليست مجرد إثارة أو اهتياج عشوائي بسيط عندما ينظر إلى الدمية، ولكنها استجابة انتقائية موجهة, ويمكن للفرد أن يلاحظ أثناء هذه المرحلة بدايات الأفعال المقصودة المتعمدة.
وإحضار الموضوعات أو جذبها داخل نطاق حركة الرضيع عن طرق ردود الفعل الدائرية الثانوية، تؤدي إلى مواءمة نفسه إلى تلك الموضوعات وصفاتها المميزة، بالإضافة إلى أنه يكون على دراية بالاختلاف بين الذت والموضوعات, وجدير بالذكر فإن ردود، الفعل الثانوية تلك ما تزال محدودة حيث إنها لا تعكس مفاهيم الواقع، وبالتالي فإذا اكتشف الرضيع استبصارًا مشوقًا يكون ذلك مصادفة وفوق ذلك فإنه لا يستطيع أن يبتكر أحداثًا مشوقة.
وأثناء الشهور الأخيرة من السنة الأولى وهي المرحلة الرابعة عند "بياجيه" يبدأ الأطفال في تنسيق مخططاتهم المكتسبة السابقة لكي يحصلون على أهدافهم الخاصة، ويعني ذلك أن مقاصدهم في هذه المرحلة تبدأ في أن يكون لها السبق على أفعالهم، ولا تكون تابعة لها كما في الشهور السابقة، ففي هذا السن يبدأ الطفل في أن يزيل العوائق والصعاب حتى يحصل الموضوعات التي يرغب فيها، فمثلا نجد الرضيع يتحرك لكي يحصل على الساعة الموضوعة تحت الوسادة، فالرضيع في فعله هذا نجده يجري تنسيقا بين مجال ما شاهده وبين جذبه للوسادة وكذلك بين مخطط القبض والإمساك بما يريد أن يحصل عليه.
وجدير بالذكر فإن تناسق المخططات تجعل من الممكن أداء أنماط ومستويات سلوكية جديدة، وقد تكون المحاكاة أهم هذه الأنماط، فأثناء
(1/231)

الشهور الأخيرة من السنة الأولى يبدأ الطفل في محاكاة الأفعال التي يؤديها الكبار، والواقع أن الطفل عندما يحرك الوسادة التي وضعت بواسطة الكبار داخل الأسرة، يعتبر هذا السلوك نوعًا من المحاكاة العكسية ومن وجهة نظر بياجيه أن المحاكاة تومئ إلى مستوى جديدًا من النشاط العقلي، ويسبق وجود أي نوع من النشاطات الأخرى بما فيها اللغة.
وفي بداية السنة الثانية، يظهر الطفل ما يسميه بياجيه بردود الفعل ذات الصورة الثالثة Tertiary Circular Reactions وهي تميز المرحلة الخامسة في الفترة الحسية الحركية, ويبدأ الأطفال في تلك المرحلة توجيه مقاصدهم وبحثهم عن الأشياء كما يبتكرون أشياء جديدة غير مألوفة, فقط مجرد التكرار بعد اكتشافها عن طريق الصدفة كما كانوا فيما سبق، فالطفل في ذلك الوقت يسير بصورة نشطة الموضوعات لكي يكتشف خصائصها وسماتها, وبهذه الطريقة يبدأ الطفل في أن يرى نفسه كوسيلة مسببة كما أنه يتمسك بمفاهيم معينة للسبب والنتيجة.
ورد الفعل الدائري ذو الصورة الثالثة نشاهده عند ملاحظة الطفل بعض الأشياء خارج سريره، ويتضمن رد الفعل التمسك أو التعلق بالأشياء أو تحريره لمخططات الرؤية والمشي، وكذلك للمخطط السمعي لسماعه صوت الشيء يرتطم بالأرض, وبعد أن يكون هذا الشيء قد استرد "وغالبًا ما يكون بواسطة الآباء" نجد الطفل يكرر هذه العملية حيث يسقط أشياء أخرى "لكي يرى ما الذي سيحدث لها" أو أن يسقط نفس الشيء من ارتفاع مختلف وبقوة مختلفة حتى يرى كيفية تأثير هذا التنوع على الشيء.
وعمومًا فإن ردود الفعل ذات الصورة الثالثة تمكن الأطفال من تعلم أن التغير في سلوكهم يمكن أن ينتج تغيرًا مساويًا مع التغير في الأحداث الخارجية، كما يبدءون تفهم أن بإمكانهم التعامل والتحكم في بعض عناصر بيئاتهم بواسطة أفعالهم الخاصة، ويتعلمون كذلك أن سلوكهم يمكن أن يضبط بواسطة الآخرين "وقد يرجع ذلك لكونهم يسيرون بخطى قصيرة قلقة ويقعون في ضرر أو أذى", كما يتعلمون بالإضافة أن بعض الأشياء غير المألوفة التي يؤدونها لا تسبب رضا الوالدين.
وأثناء منتصف السنة الثانية يظهر الأطفال ما يسميه بياجيه ببدايات
(1/232)

التفكير مميزة للمرحلة السادسة والأخيرة من الفترة الحسية الحركية, وفي هذا الوقت يؤدي الأطفال ما يسميه بياجيه بالاختيارات العقلية بمعنى أنهم يجربون أفعالا معينة، في رءوسهم قبل أن يجرونها في الواقع فإذا أراد الطفل في تلك المرحلة أن يحل مشكلة ما إلا أنه لا يستطيع ذلك عن طريق المحاولة والخطأ، فإنه قد يستعمل مخططًا آخر قد تعلمه في أنشطة مختلفة.
والأطفال في ذلك يفعلون ما كان يفعله قرد كوهلر داخل القفص في ربطه اثنان من عصا الخيرزان واستعمالهما كعصى طويلة للوصول إلى ما بخارج القفص أو لإحضار الموز قريبًا منه.
ويصف لنا بياجيه هذه المرحلة بمحاولات ابنته في تحريك سلسلة جميلة من صندوق مفتوح جزئيًا بحيث استطاعت أن ترى منه السلسلة إلا أنها لم تستطع أن تدخل يدها من خلال فتحة الصندوق الصغيرة لتحصل عليها, وفي محاولة حل هذه المشكلة فإنها قد استخدمت المخطط الذي كان ذو فعالية فيما مضى، وذلك بمحاولة وضع أصابعها داخل الصندوق لتحصل على ما تريد ولكن ذلك لم يجد, وعندما كانت تتأمل وتفكر في المشكلة, لاحظ أنها تفتح وتغلق فمها، وكل مرة كانت أوسع قليلا منها وأخذت السلسلة الموجودة بداخله، ويمكن أن نشير أن حركات الفهم والعينان كانت كنوع من الأفعال التمهيدية الاستكشافية التي يمكن أن تكون ذات جدوى في التأمل إلى الصندوق.
ويشير بياجيه أن الاختبارات العقلية في تلك المرحلة لا تستفيد من اللغة ويرجع ذلك إلى أن لغة الطفل في هذا السن لا تكون متقدمة بصورة كافية حتى تمكنه من وصف المشكلة لفظيًا وعلى الرغم من أن الطفل يمكن أن يقلب الأشياء وأن يوصل رغباته إلا أن لغته تنغمر في مضمون من الإشارات والإيماءات والتنغيمات, وعمومًا فالاختيار العقلي يعتبر بدايات الفكر والتفكير التي تسبق أداء فعل معين.
وشكل التفكير الذي يكون ميسرًا لطفل العامين عادة ما يكون محدودًا للغاية، حيث يتعامل وفقًا لمبدأ هنا والآن Here & Now بالإضافة إلى العلاقات بين الأشياء وحيث إن التفكير يكون محدودًا بأنواع الأفعال
(1/233)

الصغيرة التي يمكن أن يؤديها الطفل، فإنه يتعامل مع وظائف الأشياء وليس مع نوعياتها وصفاتها, وجدير بالذكر، فإن الطفل عندما يصل إلى سن السادسة أو السابعة يستطيع أن يتصور خصائص وصفات الأشياء بالإضافة إلى وظائفها وهذا ما سنشير إليه فيما بعد.
ومع بداية المرحلة الحسية الحركية، نجد الطفل يستطيع تعديل وتبديل انعكاساته، إلا أن ذلك يتم عن طريق التمييز المتطور وتكمل المخططات Schemes، وبالتالي يمكن الطفل أن يستشكف بترو وتأن وسائل جديدة للحصول على أهدافه وغاياته المرغوب فيها, وجدير بالذكر فإن انبثاق القدرات المعرفية يسير جنبا إلى جنب مع بناء الطفل لمفاهيم أساسية عن العالم والموضوعات، وكذلك عن السببية والزمان والمكان.
(1/234)

المفاهيم الرئيسية لطفل العامين:
أشارت ملاحظات بياجيه أن الرضيع الصغير لا يمكنه التميز بين العالم وبين ذاته, فمن وجهة نظر الرضيع لا يوجد اختلاف بين اختفاء وجهة الأم سواء كان بسبب تحريك رأسها أو خروجها من الحجرة, وأثناء الشهرين الأولين نجد الرضيع يوقف النظر إلى الأشياء عندما تتحرك خارج مجال رؤيته وينظر إلى أشياء أخرى بدلا منها، ولقد لاحظ Peter Wolff أن الرضيع عندما ينظر إلى وجه الراشد نجده يبكي عند اختفاء هذا الوجه، ولا ينظر إلى أن يعود هذا الوجه إلى الظهور مرة أخرى, والصياح في هذه الحالة يومئ إلى أن بعض الأشياء السارة قد ذهبت ولن تعود, وأثناء المرحلة الحسية الحركية الأولى، نرى الرضيع لديه مفهوم بدائي أولي عن السببية والفراغ والزمان, فالسببية عنده لا تكون أكثر من الدراية بالتغيرات المتعاقبة في حالة وجودها والمكان عادة ما يكون محدودًا بوعيه بجسمه وبيئته القريبة أو الحالية.
وأثناء مرحلة ردود الفعل الأولية الدائرية, يبدي الطفل ما يسمى بالتوقعات السلبية، ففي نهاية الشهر الثاني نجده يحملق في المكان الذي اختفى فيه الموضوع "خاصة الأم" كما لو أنه في انتظار عودتها من جديد، الرضيع في هذه المرحلة لا يبحث عن الشيء بنشاط أو بفاعلية، فإذا كان يمتص سكاتته، وسقطت منه على الأرض، فإنه قد يستمر في
(1/234)

الامتصاص كما لو أنه في انتظارها لكي تعود مرة أخرى، والحقيقة فإنه في هذا السن لا يبحث عنها، وهذا التوقع السلبي يوسع من إحساس الطفل بالسببية إلى حد ما، بمعنى أنه يبدأ في أن يفصل الموضوع عن حركته, وبطريقة مماثلة يبدأ الرضيع في تفهم المكان بصورة أفضل كلما أمكنه التمييز بين الأشياء وارتباطاتهم بالجسم، كما يشير الزمان إلى المدى الذي يتوقع فيه الرضيع حدوث الشيء مرة أخرى، ونستطيع أن نستدل على مفاهيم الطفل الرضيع للمكان والزمان من خلال حركاته فقط.
وأثناء الأربعة أشهر التالية في مرحلة ردود الفعل الدائرية الثانوية نرى الرضيع يبدأ في استخدام مسار الأشياء والموضوعات، ينظر إليها ويبحث عنها في مكانها المتوقع, وعادة ما يحدث ذلك عندما يسقط الطفل بشيء. أو يرمي بشيء ما بنفسه، وفي ذلك الوقت ترى الأطفال ينظرون إلى الأشياء أو يبحثون عن الموضوعات المخبأة أو المختفية عن أنظارهم، فعندما تعطى "شخشيخة" الطفل جزئيًا بغطاء سريره، نجده يدفع الغطاء عنها ويسحبها، ولكن إذا غطت اللعبة بكاملها فإن الطفل في هذا السن لن يبحث عنها.
ويستطيع الطفل في هذه المرحلة إجراء التمييز الدقيق بين الشيء وحركته، ويمكنه تفهم وجود الارتباط بين حركاته وبين ما يحدث للشيء أو الموضوع، كما أن العلاقات المكانية تصبح محددة بصورة أدق, فعندما يتمكن الطفل من التوصل إلى الشيء المختفي نسبيًا عنه نراه يبدأ في إدراك مفهوم "فوق" و"تحت" كما أن ملاحظته لسقوط الأشياء يسهم كذلك في مفهومه "فوق" و"أسفل" ويبدأ الطفل أيضًا في إدراك فترات الزمن وذلك عندما يرمي بشيء ما ويتوقع سماع صوت الشيء وأن يرى النتيجة بصورة فورية.
وخلال 8-12 شهرًا نجد الطفل يبحث عن الأشياء التي تكون مختلفة بصورة كاملة عن ناظريه، فعندما خبأ بياجيه قطعة حلوى بين يديه، وجد أن طفله حاول أن يفتح قبضة يده لكي يحصل على الحلوى، ولكن عندما وضع بياجيه القبعة فوق الحلوى، لم يستطع الطفل العثور عليها حيث استمر في النظر إلى أيدي أبوه غير قادر على التعامل مع مبدأ الإزاحة أو الإحلال المزدوج Displacement وعلى الرغم من أن الطفل بدأ في تفهم أن الموضوعات أو الأشياء يمكن أن توجد على الرغم
(1/235)

من عدم قدرته على رؤيتها، إلا أن خبرته كانت محددة بمكان واحد، حيث لم يتمكن من تفهم بإمكانية وجود الحلوى خارج مجال رؤيته في أي مكان آخر.
ومفاهيم الطفل عن المكان والزمان والسببية جميعها تتحسن بصورة متممة بعضها البعض أثناء تلك الفترة حيث نجد أن حركة الطفل تؤدي به إلى البحث عن الأشياء والموضوعات المرغوب فيها، ويفهم العلاقات الوسيلية التي يستخدمها للحصول على غاياته وأهدافه، ويتميز مفهوم المكان بصورة أكبر كلما بدأ الطفل التعرف على أماكن وأزمنة مختلفة، ويتميز المكان بما يمكن أن يؤدي فيه أو ما يتضمن عليه، كما يعزر مفهوم الزمان بصورة أكبر كلما استطاع الطفل التمييز بين الفترات الفاصلة المتطلبة لأحداث أفعال معينة، وأثناء النصف الأخير من السنة الثانية نجد الطفل ينظر إلى الموضوعات والأشياء المخفاة أو المستبدلة فمثلا ينظر إلى الحلوى داخل الأيدي أو الحلوى التي وضعت تحت شيء من الأشياء. وحقيقة أن الطفل يمكنه البحث عن موضوع ازدواجي مستبدل يشير إلى نهاية الفترة الحسية الحركية من حياة الطفل، فالطفل الآن يفهم أن الموضوعات والأشياء لها استمرارية إلى ما وراء خبرته الحالية المباشرة, كما أنها لا ترتبط بأماكن معينة، كما أن مفاهيم الذات والعالم تصبح في هذا الوقت مستقلة ومنفصلة ويمكن الطفل في هذا السن التعرف على النتائج السببية كجزء مستقل عن ذاته، ويصبح المكان منفصلا عن الأفعال, ويرى الطفل الأشياء والموضوعات "بما في ذلك نفسه" كما لو أنها في أماكن مختلفة متنوعة وبالتالي منفصلة عنه, ومفهوم الزمان يظهر نفس الاستقلال، حيث يشعر الطفل أن التتابع الزمني يمكن أن يحدث مستقلا وبمعزل عن أفعاله الخاصة، وبالتالي نجد الطفل في هذا السن يبدأ لديه إحساس موضوعي وغير شخصي عن الزمان.
وبإيجاز فإننا نجد الطفل في بداية هذه المرحلة ينظر إلى نفسه كمركز للعالم والأشياء المحيطة به، فكل شيء يقاس من وجهة نظره الخاصة وكذلك بواسطة أعماله وأفعاله, وفي نهاية هذه المرحلة أي في نهاية السنة الثانية يرى الطفل نفسه كجزء من العالم المحيط به المليء بموضوعات وأشياء مستقلة عن نفسه، والذي يتضمن الزمان والمكان والسببية، وجدير بالذكر فإن الطفل في نهاية هذه المرحلة يكون مستعدًا لتوسيع منظوريته "وجهة نظره" إزاء الكائنات البشرية الأخرى.
(1/236)

تعليم الآباء استشارة الرضيع
...
تعليم الآباء استثارة الرضيع:
يشير كل من الكيند D. Elkind ووينر L. Weiner؛ "1978", أنه منذ عام 1960 اشترك عدد من علماء النفس في برامج تعليم الآباء كيف يتعاملون ويستشيرون رضيعهم حيث اتضح أن معظم الآباء الشباب لم يكن لديهم الفرصة الكافية لملاحظة تدريبات الطفل, وكيفية تنشئته، ومما هو جدير بالذكر فإن الأبوة المؤثرة لها تأثير خطير خلال مرحلة الطفولة على النحو الصحي ونمو شخصية الطفل ككل, كما أن هذه الأبوة المؤثرة يمكن أن تتعلم وتكتسب.
ويستطرد المؤلفان السابقان أن برامج تعليم الآباء واستثارة الرضيع يحاول أن يبني تفاعلات أحسن بين الآباء والأطفال أثناء نمو التكوين النفسي والجسمي، وجاءت فكرة هذه البرامج نتيجة رؤية Elkind زوجين صغيرين كان مسافران بصحبته ومعهم رضيعهم، فالأب كان يبدو متعلمًا خريج الجامعة، وانشغل الأب والأم في حديث بينهما، ولم ينظرا إلى الطفل ولم يتكلما معه أو يبتسما إليه, حينئذ بدأ الطفل في الصياح وحمله الأب ومشى به جيئة وذهابًا ممسكًا بخصر الطفل, ناظرا إلى ظهره والطفل منكفئا إلى أسفل, ويمكن لهؤلاء الآباء الاستفادة من الطرق التي توضح التأثير والارتباط بأطفالهم، ويجب التنويه بأن هدف مثل هذه البرامج هو تسهيل عملية النمو وليس الإسراع أو التعجيل بها، حتى يسمح للأطفال بأن ينموا بصورة كاملة، بقدر الإمكان بدون الكف غير الملائم من جهة الأدباء أو الإكراه والإجبار الأبوي لرغبات أطفالهم, كما أن اتجاهات الأبوين المتسامحة تساعد مما لا شك فيه على أن يحيى الأطفال حياة متكيفة سوية, وهذا ما سنراه وسنوضح ذلك عند مناقشة مشكلات الأطفال والمراهقين وعمومًا فإن انتماء الآباء لبرامج استثارة الأطفال قد يساعدهم على الإحساس بثقة أكبر نحو تنشئة أطفالهم.
ويجب أن نشير في هذا المقام إلى كثير من الأشياء يمكن للآباء أدائها، حتى يساعدوا الرضيع على النمو السوي فالإمساك بالرضيع وضمه إلى صدر الأم وهزهزته, واللعب معه والتحدث مع الطفل كلها ذات أهمية أثناء فترة الرضاعة، كما أن توفير الأشياء المسلية الملونة حول سرير الرضيع، واللعب والدمى، مما لا شك فيه تكون نافعة للرضع للهو والتعلم بها ويجب أن نتدرج في تقديم الألعاب لأطفالنا كلما تدرجوا في
(1/237)

مدارج نموهم حتى نستثير قدراتهم كلما أمكن ذلك, وعندما يقترب الطفل من سن المدرسة توجد أشياء أخرى يمكن أن يفعلها الولدان لكي يغنوا خبرة الطفل ويكملوا تعلم المدرسة، فالرغبة للقراءة والكتابة لطفل ما قبل المدرسة يمكن أن تدعم بواسطة الوالدين عن طريق التقييم الإيجابي للكتب بصفة عامة, بالإضافة إلى ذهاب الطفل مع والديه في رحلات معينة يكون مفيدًا خاصة إذا استغل الآباء ذلك في توضيح الأشياء الجديدة التي يراها الطفل كالحيوان مثلا وأسمائها، وعند انتقال الأطفال إلى المدرسة يمكن للوالدين مساعدتهم عن طريق تهجئة الكلمات وتصحيح لغتهم وواجباتهم الحسابية, ويجب ألا يعمل الآباء الواجبات المدرسية لأطفالهم، ولكن يجب أن يساعدوهم في ذلك فقط حتى يؤدي الطفل أحسن ما يستطيع أن يقدر عليه.
الشخصية هي مجموع أفكار الفرد ومشاعره وأحاسيسه وأفعاله، ويبدأ نمو الشخصية والنمو الاجتماعي منذ فترة الرضاعة، فعندما يبدأ الطفل في تكوين طرق للارتباط بالآخرين وأن يشكل نماذج مميزة من التفكير والمشاعر نحو الناس متضمنة ذواتهم, وتظهر هذه الجوانب من الشخصية أساسًا فيما يسمى بالسلوك المعبر أو التعبيري Expressive، ونمو هذه السلوك المعبر يعكس نضج الشخصية للكائن الآدمي.
والسلوك التعبيري أو المعبر يتبعه مبادئ التكامل والتمييز التي أشرنا إليها حين مناقشتنا النمو في الأشهر المبكرة الأولى من حياة الرضيع، حيث نجد الرضيع يميز عددًا من الأنماط السلوكية المعبرة والتي يوجهها نحو العالم، ويشير إلى حاجاته وميوله، وبعد الستة أشهر الأولى للرضيع يمكنه التمييز بين تلك الأنماط السلوكية ويجمعها داخل نماذج ارتباطية نوعية بالأخرى، وكذلك الانفصال عن الأفراد المحيطين به، وبحلول العام الثاني نرى الأطفال يبدءون في توحيد هذه النماذج داخل اتجاهات نحو عالمهم.
(1/238)

الأنماط السلوكية التوجيهية:
يجرى الأطفال الرضع اتصالات اجتماعية من خلال عدة أنماط سلوكية إشارية توجيهية, وهذه الأنماط هي.
- التحديق أو النظرات المحدقة.
- الخرير.
- التقليد أو المحاكاة.
ومع تدرج الطفل في نموه، نجد كلا من هذه الأنماط السلوكية يتأثر بخبرات الطفل، وكل منها يصبح متجهًا نحو الأفراد وليس إلى موضوعات أو أشياء، وكذلك نحو أفراد معينين دون سواهم.
الصياح Crying:
يعتبر صياح الرضيع من الناحية الواقعية أول تأثير يعملونه في بيئاتهم, وخلال الأشهر الأولى من حياة الرضيع نرى الصياح يعتبر بمثابة الطريق الأساسي الذي يشير به إلى حاجاته، ويختلف الصياح عن باقي الأنماط السلوكية الاجتماعية الأخرى في وجهين أساسيين، فالتحديق والخرير والابتسام والتقليد أنماط سلوكية تبادلية مرغوب فيها حيث نجد التشجيع من الآباء، بالإضافة إلى استمتاعهم بها، والصياح على نقيض ذلك لا يكون مشتركًا بين الرضيع ومن حوله، ولا يرضى الآباء بالإضافة إلى أنهم لا يشجعون الرضيع عليه.
والصياح أكثر من أي نشاط آخر في حياة الطفل المبكرة يجلب الآباء بجانب الرضيع، ويستحوذ على انتباههم، وهذا الانتباه يمكن أن يترجم في تغذية الرضيع، أو تغيير حفاضته، أو حمله والإمساك به، والرتب عليه وملاطفته، وكل هذه الأفعال يمكن أن توقف صياح الرضيع، ويشير Bell، أن التقاط الرضيع وحمله يوقف الصياح إذا قورن بأي نشاط آخر.
والأطفال في حياتهم المبكرة يصيحون عندما يشعرون بالجوع أو الألم، ويشير Wolf؛ "1969" أن هذين النوعين من المضايقة يثيران أنواعًا مختلفة من الصياح، إذ إن الصياح المتدرج والمتواتر والإيقاعي "أي المتكرر على نحو نظامي" عادة ما يرتبط بالجوع، أما الصياح الفجائي غير المنتظم عادة ما يعني الألم, وعمومًا فصياح الرضيع الصغير كثيرًا ما نجده لا
(1/239)

يوصل إحساسه، وعلى الرغم من أن الأمهات قد يعتقدن أنهن بأمكانهن معرفة ما يزعج أو يقلق رضيعهن من أصواتهم، إلا أن هذه المعتقدات عادة ما تبنى على ما يعرفونه من حالات أطفالهن في وقت الصياح "كالفترة الطويلة التي قضيت بين آخر مرة أطعم فيها الرضيع" وذلك أكثر من طبيعة الصياح الذي يسمعونه، ومن جانب آخر نجد Formby؛ "1967" يشير أن الرضع لديهم صياح مميز، كما أن كثيرًا من الأمهات قادرات على التعرف لصياح أطفالهن في صورة مبكرة جدًا من ولادتهم، أي بعد 48 ساعة من الولادة.
وأثناء السنة الأولى من حياة الرضيع يبدأ تدريجيًا في الصياح لفترة قصيرة من الوقت، ويستعمل الصياح بغرض الاتصال مع الآخرين خاصة الأم، ويشير بيل Bell واينسورث Ainswort؛ "1972" أن الرضع الذين يزيدون على ثلاثة أشهر يقضون وقتًا أطول في الصياح عندما يكونون بمفردهم إذا ما قورن ذلك بوجود أمهاتهم أمام ناظريهم، أو في حالة إمساكهم واحتضانهم، ويشيران كذلك إلى أن الرضع ما بين 9-12 شهرًا يصيحون لمدة أطول عندما يرون أمهاتهم ولا يستطيعون التعلق أو الإمساك بهن، إذا ما قورن مدة صياحهم عندما يكونون بمفردهم، وعلى ذلك فالصياح ابتداء عادة ما يجب أو يستثار بواسطة الإزعاج أو المضايقة وتكون له صيغة اجتماعية فقط بطريق الصدفة. ويصبح عند نهاية العالم الأول شكل من أشكال الاتصال، حيث يوجهه إلى أفراد معينين يكونون على مقربة من الرضيع ويميلون لإتيان استجابة اجتماعية نحو الرضيع.
ويشير بيل وانيسورث "1972" كذلك أن صياح الطفل عندما يصل سنه إلى عام غالبًا ما يكون أقل بـ50% من صياح ذي الثلاثة أشهر أي إن الرضيع يقل وقت صياحه كلما تدرج به العمر الزمني، وكلما قل الصياح كلما أصبح لدى الآباء وأطفالهم فرصة أكبر ووقت أطول لتبادل الأنماط السلوكية المشتركة والسارة الممتعة لكلا الطرفين، كالنظرات المحدقة، والابتسام، والثرثرة، والتقليد والمحاكاة، وهذا ما سنوضحه في ثنايا الصفحات التالية.
التحديق Gazing:
تعتبر النظرات المحدقة أول نمط سلوكي يتجه الرضيع به إلى عالمه، ويبدأ في أخذ المعلومات والبيانات عنه، وتشير النظرة الكلاسيكية إلى أن
(1/240)

الرضيع يدرك عالمه كهدير مشوش ذو طنين وأزيز، وتشير الدراسات منذ عام 1960 أن الأطفال يولدون ولديهم قدرة نامية عالية على الرؤية, كما ذكر وولف Wolf؛ "1967" أن الرضع يمكنهم تركيز أعينهم على موضوعات وأشياء بعد بضعة أيام من ولادتهم، ويستطيعون تتبع الأشياء بأعينهم، وأن يشيروا إلى الاختلاف بين الأشياء عن طريق أحجامها، وأشكالها في أسابيعهم الأولى، ويستطرد أن الرضع الصغار في أسبوعهم الأول يميلون إلى تفضيل النظر إلى الأشياء والأشكال ذت النموذج Patterned عن الأشكال المنبسطة اللمساء، وكذلك يفضلون المثيرات الغريبة غير المألوفة.
وهذه التفصيلات الإدراكية تساعد الرضع على التوجه نحو الأشخاص في عالمهم، حيث أن المثيرات الأكثر تركيبًا وتغييرًا التي يرونها هي الوجوه المتحركة لآبائهم والأشخاص الآخرين الذين يعنون بهم, ويفضل الرضيع عندما يصل إلى أسبوعه الرابع النظر إلى الوجوه أكثر من الأشياء أو الموضوعات, وفي الشهر الرابع والخامس عندما يكونون قادرين على إجراء التمييزات الإدراكية الدقيقة ينظرون إلى وجه الأم مفضلونه عن سار الوجوه الأخرى Carpenter؛ "1974"، وولف Wolf "1963".
وعندما يبدأ الرضيع التحديق بثبات على الوجه، خاصة على عيون الراشدين من حوله، حينئذ نجد نوعًا خاصًا جديدًا من العلاقة ينشأ بين الرضيع وأمه، فاتصال العين بالعين يعتبر بمثابة خبرة انفعالية عاطفية، وتقرر كثير من الأمهات أنه بنهاية الشهر الأول تقريبًا يشعرون بنظرات الرضيع الحقيقية إليهن، باعتبارهن أشخاصًا ولسن أشياء أو موضوعات، ومع بداية عملية التحديث لوجه الأم تصبح خبرة الأم محملة بكثير من المشاعر والأحاسيس القوية نحو رضيعها، وتعمل على ازدياد البهجة والسرور في نفسها وبالتالي العناية برضيعها.
وبجانب ما للتحديق من إنشاء وتعزيز العلاقات الاجتماعية، فإنه يعطي الرضيع بالإضافة إلى ذلك أول فرصة في أن يمارس الضبط والتحكم في التعامل مع الآخرين، ونرى الرضيع عندما يصل إلى الشهر الرابع تقريبًا يصبح خبيرًا في التركيز وتحويل أو تجنب عملية التحديق, ويشير White وآخرون "1964" أن التحديث يثير استجابات الآخرين حول الرضيع، وبواسطة التعلم نجده يغلق عينيه وينظر بعيدًا، ليس فقط بهدف
(1/241)

تنويع كمية ونوع المثيرات الإدراكية التي يستقبلها، ولكن لكي يحدد الاتصالات الاجتماعية التي يجدها ويشعر أنها تطفلية إقحامية، أو مستثارة بدرجة عالية.
الابتسام Smiling:
أ- الابتسام الانعكاسي Reflexive Similing.
ب- الابتسام الاجتماعي غير الانتقائي Unselective Social Smiling.
ج- الابتسام الاجتماعي والانتقائي Selective Social Smiling.
نجد الرضيع منذ الميلاد يبتسم تلقائيًا في الاستجابة لحالاته الداخلية المتنوعة، ويمكن أن يظهر الابتسامة خلال الشهر الأول بواسطة صوت مرتفع، وخاصة صوت الأنثى. وهذه الانعكاسات الابتسامية تكون سريعة الزوال ولا تكون مشكلة ذات نموذج معين، ومع ذلك فإنها تصدر نتيجة الدفء العاطفي أو العناية الاجتماعية.
وتتغير الابتسامة بصورة فجائية ما بين الأسبوع الرابع والسادس من عمر الرضيع، إذ نجدها تستمر لفترة أطول من الوقت، ويبتسم بصورة أكثر اتساعًا، كما تتشكل الابتسامة وتظهر على التغييرات الوجهية التي تضيء عيون الرضيع، ويشير كل من Spiz & Wolf؛ "1946" Ambrose؛ "1961" إن ابتسامة الرضيع تتغير من الابتسامة الانعكاسية في الاستجابة إلى الأصوات أو الحالات الداخلية, إذ تميل الابتسامة بالاستجابة إلى الحركة والنشاط والوجوه المصحوبة بالأصوات الإنسانية.
وهذا التعبير الدافئ في الابتسام الاجتماعي يظهر في نفس الوقت الذي نجد الرضيع يفضل فيه النظر إلى الوجوه أكثر من الموضوعات أو الأشياء من حوله، وأن يشترك في حديث متبادل مع الأشخاص من حوله, وعلى الرغم من شعور الأم وإحساسها بأن رضيعها يدرك ابتسامتها الاجتماعية في الشهور المبكرة من ولادته, إلا أن هذه الابتسامة تكون في أول مراحلها غير انتقائية بمعنى أن الرضيع يبتسم بسهولة إلى وجوه
(1/242)

الأغراب كما يكون الحال بالنسبة إلى وجوه أعضاء أسرته, وبعد خمسة أو ستة أشهر الأولى يستطيع الرضيع تعليم التفرقة والتمييز بين الوجوه، حينئذ تصبح الابتسامة اجتماعية انتقائية, وبالتالي نجد الرضيع في هذه المرحلة يبتسم وبصورة أكبر إلى الوجوه المألوفة لديه أكثر من الوجوه الغريبة عنه، وحقيقة وكما سنشير فيما بعد أن الرضيع عادة ما يكون على حذر من الغرباء.
الخرير Babbling:
تشير نتائج دراسات وولف Wolf؛ "1963" أن صراخ الرضيع وعويله وأنينه هي رد فعل للألم والسرور، وذلك أثناء الأسابيع الأولى من حياته, فالرضيع يبدأ فيما بين الأسبوع الرابع إلى الأسبوع السادس في الهديل Coos والقرقرة Gurgle في استجابته إلى أصوات الوجوه من حوله، ومناظر الوجوه المتحركة، وكما رأينا في الابتسام الاجتماعي، نرى أصوات الرضيع تبدأ في أن تشير إلى اهتمامات اجتماعية ويهدف إلى أن يحظى بالانتباه والتعاطف مع الآخرين، كما أن أصوات الإناث تميل إلى أن تظهر الأصوات من الرضيع، ويستطرد وولف أنه بنهاية الشهر الأول من حياة الرضيع يمكنه تعلم التعرف على بعض خصائص صوت الأم, كما أن الرضيع يمكنه الاستماع إلى الأصوات التي يؤديها وبالتالي فإن تلفظهم ونطقهم يصبح استمرارية أو ديمومة ذاتية Self Peputuating بمعنى أنها تؤدي إلى الثرثرة أو الخرير.
وتتطور الثرثرة أو الخرير خلال مراحل عديدة، وتمهد السبيل إلى النمو اللغوي فيما بعد، فمنذ الشهر الثالث أو الرابع من عمر الرضيع نجد هديله وقرقرته تبدأ في أن تتضمن أصواتا مميزة أو بعضا من الحروف الساكنة، وبحلول الشهر السادس يبدأ الرضيع في تكرار الأصوات الاتفاقية العرضية. ويشير Vetter؛ "1969" أنه بحلول الشهر التاسع أو العاشر نجد الرضيع يكرر الأصوات التي يسمعها من الآخرين حوله, كما أن خرير الرضيع يثير نماذج عامة من التقليد والمحاكاة والتي تكون في جوهرها علامة على توسيع اهتمامات الرضيع الاجتماعية.
التقليد Lmitation:
يعتبر التقليد والمحاكاة من أهم الطرق التي من خلالها يتعلم الأطفال أن يصبحوا راشدين، وسوف نرى في عديد من المواقف كيف
(1/243)

يؤدي تقليد ومحاكاة الصغار للكبار، في جميع مراحل نمائهم إلى اكتساب المهارات الاجتماعية، وعلى الرغم من أن الطفل الرضيع لا يكون نشطًا في تعلم المهارات الاجتماعية، إلا أننا نجده في نهاية السنة الأولى وبداية الثانية تقريبًا يبدي العديد من الأنماط السلوكية التقليدية التي تعزز تفاعلاته الاجتماعية, وتبدأ هذه العملية بالخرير أو الثرثرة التقليدية وطالما تتضمن تقليد حركات الآخرين, وحينئذ يجد الآباء أنفسهم لا يتعاملون مع طفل يبتسم وينظر إليهم فقط ولكنه بالإضافة يحاكيهم ويقلدهم فيما يصدر عنهم من أصوات, وعلى الرغم من أن تلك الأصوات الصادرة من الرضيع عادة لا تكون مفهومة، إلا أننا عادة ما نجد الآباء يستجيبون بتغيرات يملؤها السرور والتعاطف مع الرضيع والتي تثري الخبرة الاجتماعية له.
ويميل الرضيع إلى تقليد ما يراه وكذلك ما يسمعه، ويؤدي ذلك في نهاية السنة الأولى وبداية الثانية إلى ظهور نماذج جديدة هزيلة كثيرة في تفاعل الآباء مع الطفل وفي ذلك يشير Parton؛ "1976" عندما يرفع الآباء أيديهم قائلين: آه آه, نجد الأطفال الصغار يقلدون ذلك وينطقون نفس الحروف, ومن ثم تبدأ لعبة مضحكة ويستطرد بقوله، أن التقليد تعبير واضح للاهتمامات والميول الاجتماعية كما أنه وسيلة ذات فعالية للحصول على الاستجابة الاجتماعية.
والسلوك المقلد لا يسير خلال شكل غير انتقائي كما نرى ذلك في ابتسامة الرضيع، ولكنه يكون موجهًا منذ البداية إلى الانتقاء لأفراد مألوفين حيث ينمي الطفل تجاههم بعضا من الارتباطات والعواطف المعينة، وبالتالي فإن التفاعلات المتبادلة المكافئة والتي تصاحب السلوك المحاكي عادة ما تغذي وتدعم هذه الارتباطات المعبرة داخل ارتباطات وعواطف معينة، فإنه من المفيد أن نتأمل بداياتها وبعد ذلك نفحص بإيجاز بعض العوامل التي تؤثر في الأنماط السلوكية الإشارية التوجيهية التي تسبق السلوك الارتباطي.
(1/244)

العوامل المؤثرة في الأنماط السلوكية الإشارية والتوجيهية:
الصياح والتحديق والابتسام والخرير والتقليد أحداث طبيعية في مجرى النمو الإنساني، بمعنى أنها تظهر تلقائيًا في سلوك الرضيع, وينظر بعض السيكولوجيين المتأثرين بأعمال جون بولمبي J. Bowlby؛ "1958" الطبيب النفسي الإنجليزي لهذا الظهور أو الانبثاق التلقائي لتلك الأنماط السلوكية الإشارية والتوجيهية بأنها بمثابة ردود فعل غريزية تعزز بقاء الأنواع, ويشير بولمبي إلى أن الرضع يشبهون أي حيوان آخر يحتاجون إلى ذخيرة سلوكية فطرية لكي يحافظوا على أنفسهم ويتعلموا كيف يعولون ويقون أنفسهم، والسلوك الإشاري والتوجيهي نجده يحافظ على النوع الإنساني لأنه يجذب انتباه الوالدين أو الراشدين الآخرين الذين يطعمون الرضيع ويقدمون له الرعاية والعناية.
وعلى الرغم من أننا لا نستطيع البرهنة بأن الأنماط السلوكية الإشارية والتوجيهية للرضع والأطفال الصغار تميل إلى استثارة استجابات مساندة ومدعمة من الآخرين إلا أن الرضع العاديين ينمو لديهم هذه الأنماط السلوكية المعبرة في الاستجابة إلى ما يستمعون إليه، وما يرونه وما يشعرون به، وبمجرد ظهور هذه الأنماط السلوكية عندهم، فإنها تتأثر بصورة كبيرة بواسطة الطريقة التي يستجيب بها الآخرون إليهم.
ويشير Weisberg؛ "1963" أن الدراسات التجريبية مع الرضع فيما بين 2-7 شهور توضح أن التفوه ونطق الرضع للألفاظ والكلمات يمكن أن يزداد عن طريق الابتسامة التي تصدرها الأم لرضيعها، وكذلك تشجيعها ومناوشتها له، وأيضًا الأفراد الآخرون المحيطون بالرضيع، فالترتيب تحت ذقن الطفل أو بلمس بطنه وصدره أثناء قرقرته أو هديله كل ذلك يزيد الفرصة لتفوه الرضيع ونطقه لبعض الألفاظ والكلمات. ويستطرد Weisberg أنه عندما أوقفت هذه الحركات الموجهة للرضع بواسطة المجربين في هذه الدراسات، ظهر الرضع عديمو الاستجابة وفاقدو الحس والاتصال بالآخرين، ولوحظ أن هؤلاء الأطفال الصغار قد أوقفوا تدريجيًا عمل الأصوات، وغالبًا ما كانوا ينظرون في حالات الابتسام لهم والتكلم معهم وحملهم على الأيدي أو الأعناق, بالإضافة إلى أنهم كانوا يتوقفون عن
(1/245)

الابتسام عندما لا يستقبلون هذه الأنواع من الانتباه.
وتؤدي نتائج دراسات Yarrow ورفاقه في المعهد القومي لصحة الطفل والنمو الإنساني ما أشار إليه Weisberg حيث اتضح من الملاحظات المنزلية لمجموعة من الأطفال يتراوح أعمارهم ما بين خمسة وستة شهور، وكذلك ملاحظة أمهاتهم، اتضح أن الاستجابة تؤثر في سلوك الأطفال بصورة أكبر عندما تحدث مصادفة أو بدون توقع بمعنى أن تأتي بصورة مباشرة بعد السلوك، وتشير نتائج دراسات Yarrow أن كلام الطفل ونطقه يعتمد جوهريًا على سلوك الأم، وكذلك على مدى توجيه الاستجابة إلى ألفاظ وليدها, كما وجد يارو Yarrow ورفاقه عديدًا من العلاقات بين كمية استثارة الأم التي تعطى للوليد وبين درجة استجابته الاجتماعية كالتوجه إلى الهدف مباشرة والقبض على الأشياء والإمساك بها بالإضافة إلى ردود الفعل الدائرية الثانوية, انظر الشكل رقم1, كما توجد أدلة أخرى تشير أن الأمهات اللاتي يكنَّ مستجيبات جسميًا وانفعاليًا لوليدهن، يشجعن ليس فقط المبادأة الاجتماعية ولكنهم ينشطن كذلك استكشاف الرضيع والطفل لبيئته.
وتشير الدلائل أن الأطفال تحتاج إلى الاستثارة الاجتماعية حتى تنمو لديهم المسئولية الاجتماعية Social responsiveness.
فعندما تكون هناك فرصًا ضئيلة أو نادرة لملاطفة الأطفال وتقبيلهم وعناقهم, أو الابتسام لهم والإمساك بهم، نجد أنماطهم السلوكية المعبرة لا تكون مميزة في علاقات انتقائية متبادلة متكافئة مع الأشخاص الآخرين. ولحسن الحظ فإن هذا لا يحدث كثيرًا عند كثير من الأطفال، ولكن عند حدوث ذلك كما في حالة أطفال المؤسسات الاجتماعية، أو في حالة الإهمال الأبوي غير العادي فإن ذلك يكون خطيرًا لنمو الطفل الاجتماعي, وثمة أنماط نمائية غير عادية والمعروفة بأعراض العزلة الاجتماعية والانطواء الاجتماعي, وسوف نناقش هذا تفصيلا عند مناقشة مشكلات الأطفال، ولقد أوضحت عديدًا من الدراسات أثر العزلة الاجتماعية على كل من الإنسان والحيوان كذلك ومن بين هذه الدراسات يمكن الإشارة إلى دراسات هارلو Harlow وزملائه بجامعة وسكنسون Wisconsin وأعمال هارلو مع القردة قد أوضحت عديدًا من الاستبصارات، في النمو المبكر للعلاقات الاجتماعية. فمثلا كان صغار القردة الذين تربوا في عزلة
(1/246)

داخل أقفاص سلك عازلة تسمح لهم برؤية وسماع القردة الآخرين، إلا أنهم كانوا محرومين من أي اتصال جسمي، يشير ياور أن هذه القردة قد فشلت في أن تنمى لديهم الاستجابات الاجتماعية العادية, وبعد عام من هذه العزلة حاول يارو أن يجلس هذه القردة مع زملاء لها، إلا أنه لاحظ أن هذه القردة كانت تقضي معظم الوقت رابضة في جانب من القفص يهزون ويعانقون أنفسهم، كما أنهم لم يظهروا أي ميل في اللعب أو أي تفاعلات اجتماعية, وهذه التأثيرات القاسية للعزلة الاجتماعية قد استمرت كذلك عند القردة عندما كبروا ومنعتهم من القيام بأداء الأدوار الاجتماعية.
وعمومًا, فإن الاستنتاجات على الكائنات الإنسانية يجب أن تجري بحذر من الدراسات الحيوانية، ومع ذلك فإن نتائج دراسات هارلو يبدو أنها تحمل دليلا وبينة واضحة على مدى تأثير الاستثارة في تعزيز السلوك السوي المعبر سواء عند الإنسان أم الحيوان.
(1/247)

الارتباطات مع الأشخاص الآخرين
مدخل
...
الارتباطات مع الأشخاص الآخرين:
كلما أصبح الأطفال يتسمون بالانتقائية في أنماطهم السلوكية الإشارية والتوجيهية، يبدءون بالتالي في تنمية ارتباطات اجتماعية مع الأشخاص المألوفين في عالمهم, وتتضمن هذه الارتباطات الحب والاعتمادية، ويبدي الأطفال مودتهم إلى الآخرين بالتماس القرب منهم، وسعيهم إلى كسب استحسانهم وجذب انتباههم، وكذلك يقلقون وينزعجون عندما ينفصلون عنهم, ولقد أشار بعض السيكولوجيين إلى أن نظرات الرضيع المحدقة غير الانتقائية، والاتبسام، والثرثرة أو الخرير في فترة الرضاعة تعتبر أنماطا سلوكية ارتباطية، حيث إنها تجذب انتباه الآخرين للرضيع وتؤدي بهم إلى الاقتراب منه، إلا أنها لا تصبح أنماطا سلوكية معبرة إلا بعد أن تكون انتقائية حيث يصبح الأطفال مرتبطين بأفراد معينين وذوي حساسية لحضورهم أو غيابهم عنهم.
ولقد درس السلوك الارتباطي في كثير من دول العالم للأطفال الرضع، وتشير نتائج هذه الدراسات أن الأطفال ينمون ارتباطات انتقائية فيما بين 6-8 شهور من عمرهم، ويركز الأطفال ارتباطاتهم على فرد معين الذي يستجيب إلى إشاراتهم الاجتماعية وعادة ما يكون الأم، وتشير بعض الدراسات أن بعض الأطفال قد كونوا ارتباطهم الأول مع الأب وعمومًا فإن هذه الارتباطات الأولى تتبع بصورة مباشرة بارتباطات أخرى، وعادة ما يكون الأطفال على علاقة ارتباطية بكل من الأب والأم خلال شهر من تكوين الارتباط الأول مع واحد منهما.
وتتكون هذه الارتباطات في مرحلة متقدمة للأخرى والأخوات الكبار والأجداد والعمات والخالات وكذلك أصدقاء الأسرة قد تكون ارتباطات انتقائية أيضًا في حالة استثارتهم بانتظام للأطفال واستجابتهم إلى سلوكهم المعبر، وعمومًا تتكون ارتباطات عديدة بنهاية السنة الأولى
(1/248)

من حياة الرضيع، وعندما يصل الأطفال إلى 18 شهرًا، يصبح كثير منهم مرتبطين نفسيًا بأفراد عديدين مختلفين.
وجدير بالذكر، فإن الشخص الذي يكون الطفل نحوه الارتباط الأولي، يميل إلى أن يكون له دور حاسم في نمو شخصية هذا الوليد فيما بعد، وقبل أن يصل عمر الرضع إلى الثمانية أشهر، وقبل أن يتمكنوا من إجراء الارتباطات الاجتماعية الانتقائية، فإنهم ينمون بصورة عادية ما داموا يتقلون العناية الجسمية والاجتماعية المناسبة والاستثارية من أي عدد من الأفراد الذين يعتنون ويهتمون بهم, وبمجرد أن يكون الأطفال الصغار الارتباطات القوية مع أمهاتهم فإن التواجد النفسي للأب أو الآخرين في الأسرة يعتمد إلى حد كبير على الاتصال القريب والمستمر مع هذا الشخص, ولكي نتفهم هذا النمو بصورة أكبر فنحن في حاجة إلى تأمل الأنماط السلوكية التي تعزز وتشجع نمو الارتباطات، وسوف نتأمل سويًا نموذجين سلوكيين غالبًا ما يكونا نتيجة للارتباطات الانتقائية وهما قلق الغرباء وعزل القلق.
(1/249)

الأنماط السلوكية المدعمة للأرتباط
...
الأنماط السلوكية المدعمة للأتبارط:
الارتباط يشبه السلوك المعبر، يعزز عندما يستثير الآباء أطفالهم، ويستجيبون إليهم دون إبطاء وبحب لإشاراتهم خاصة لبكائهم، وعلى نقيض ذلك, فإن الآباء الذين يقدمون استثارة واستجابة أقل دفئًا كلما كانت الارتباطات التي ينميها الأطفال ضعيفة, ولقد أشار كل من Ainsworth & Bell أن الأطفال الذين تحملهم أمهاتهم وتحتضنهم بعطف وحب، ويمسكونهم لمدة أطول وبلطف وحنان أثناء الشهور الثلاثة الأولى نجدهم يشعرون بالاستمتاع بحمل أمهاتهم لهم فيما بين 9-12 شهرًا ونراهم يحتضنون ويعانقون أمهاتهم، وعلى نقيض ذلك وجدوا أن الأطفال الذين كانوا يحملون بطريقة فظة ويمسك بهم لفترات قصيرة وجيزة وبإهمال، وكانت أمهاهتم كارهة الاتصال بهم فيما بين الشهر التاسع ونهاية العام الأول, ولوحظ أنهم دائمًا ما يكونون في حالات اهتياج وقلق وانفعال بصورة عالية.
ولقد لاحظ Bechwith في دراسة مشابهة أن الأطفال فيما بين 7-10 شهور الذين كانت أمهاتهم يتجاهلون إشارتهم أوضحوا ميلا أقل في أن يحملوا أو يمسك بهم وعلى ذلك فإن كمية العناية ونوعيتها التي يتلقاها
(1/249)

الأطفال الصغار تؤثر في ارتباطاتهم ومن المهم أن نؤكد هنا أن التفاعل الاجتماعي المحدود يعمل على تعزيز الارتباط، أكثر من الفترات الممتدة الطويلة والتي تجري على وتيرة واحدة في نظام الطعام والعناية الجسمية.
جملة القول: فإن العناية المكثفة ليست ضرورية حتى يصبح الأطفال مرتبطين بالناس، فهذه الارتباطات لا تتكون نحو هؤلاء الذين يقضون أغلب الوقت مع الأطفال، ولكن مع هؤلاء الذين يكونون أكثر استثارة واستجابة للأطفال، فإن كان الوالدان يتسمان باللطف والانتباه الاجتماعي والاستجابية عندما يكونا مع أطفالهم فإنهم لن يكونوا في حاجة إلى القلق بشأن وليدهم، والحقيقة الجوهرية في هذا السبيل هي النوعية التي تعطي للطفل أكثر من كمية الاهتمام من الآباء للأبناء وعلى ذلك تكون المحدد الحاسم لسلوك الطفل الاجتماعي, ويشير Wallston؛ "1973" بأنه لا يوجد دليل في أن الأطفال سوف يعانون من أي ضرر نفسي في حالة عمل كل من الأب والأم خارج المنزل ما داموا قد تمكنوا من توفير البديل المناسب والمستقر للعناية بالطفل عندما يكونا خارج المنزل للعمل فالعناية بالأطفال يمكن أن يتقاسم فيها أعضاء متعددون من الأسرة بدون أن يتعارض مع تكوين الارتباطات عند الأطفال.
(1/250)

قلق الغرباء:
بمجرد أن يكون الأطفال الارتباطات الانتقائية، غالبًا ما يظهر أمارات القلق في حالة تواجد الغرباء ونلاحظ الرضع فيما بين 5-8 شهور عادة ما يكونون على حذر عند قدوم الغرباء, وفي غضون وقت قصير نراهم يميلون إلى العبوس والتجهم والصياح أو البكاء، أو قد ينسحبون ويهربون عندما يجري أي شخص غير مألوف لديهم مقدمات سلوكية اجتماعية، وقلق الغرباء عادة ما يصل إلى ذروته بنهاية السنة الأولى وبعد ذلك يضعف تدريجيًا، حيث يبدأ الأطفال تعلم عدم الخوف من الآخرين لمجرد أنهم ليسوا مألوفين لديهم.
وقلق الغرباء يمكن أن يأتي كشيء مفاجئ غير متوقع لوالدي الطفل، فالأم التي تستمتع بحمل ابنتها ذات الخمسة أشهر إلى الأصدقاء وتلاحظ ابتسامتها وقررتها لهم، قد تنزعج بعد شهور قليلة لاحقة عندما تبدأ طفلتها عويلها وتصر على أن تحمل على الأيدي عند رؤيتها لزائر ما,
(1/250)

وبطريقة مماثلة نجد الزائر العرضي الذي كان معتادًا الاستمتاع باللعب مع الطفل قد يحزن عندما يفاجئ بأن الطفل لا يريد أن يدنو إليه أو يقترب منه, وعمومًا فمن المفيد للآباء أن يكونوا على دراية أن قلق الغرباء ينمو في النصف الثاني من السنة الأولى ويمكنهم أن يخففوا من قلق طفلهم وانزعاجه, فمثلا إذا ظهر الغرباء على نحو مفاجئ في مجال رؤية الطفل, مصدرين أصواتا عالية تبدو للرضيع غير مألوفة أو ودودة ويحاولون الإمساك به فجأة, أو رفعه بأيديهم إلى أعلى حينئذ يبدو الشخص غير المألوف تدريجيًا مخاطبًا الطفل برفق وهدوء، يومئ وجهه بأمارات ودودة سارة، لا يأخذ الطفل بسرعة وفجأة فإن الطفل قد يبقى هادئًا حتى إذا حدث في فترة ذروة قلق الغرباء.
بالإضافة إلى أن الأطفال يكونون أقل ميلا في إبداء قلق الغرباء في حالة وجودهم داخل بيئة وأفراد محيطين بهم مألوفين لديهم وكانت أمهاتهم قريبة منهم، ويشير برنسون Bronson؛ "1968" إلى ذلك بأنه في حالة إمساك الأم بالطفل، حاملة إياه عند مقدم هذا الشخص الغريب ويستطرد برونسون أن نتائج إحدى دراساته أظهرت قلقًا وانزعجًا أكبر لدى الأطفال عند قدوم الشخص الغريب عندما كانت أمهاتهم على بعد أربعة أقدام منهم، إذا ما قورنوا بحالتهم عندما كانت أمهاتهم ممسكة بهم.
ويشير Rubenstein؛ "1967" أن الآباء يمكنهم تقليل انزعاج الطفل وقلقه وذلك عن طريق تنظيم اكتساب خبرات اجتماعية إيجابية خلال الستة أشهر الأولى من حياته، فالأطفال الذين يتلقون استثارة اجتماعية أكبر في حياتهم المبكرة بواسطة الربت عليهم والإمساك بهم وحملهم واللعب معهم، كلما كانوا أقل ميلا للقلق نحو الغرباء فيما بعد، وتؤيد ذلك نتائج دراسة Tizard & Tizred على 30 طفلا ذوي العامين تربوا من عمر الأربعة أشهر في بيت حضانة داخلي مع 30 طفلا من نفس عمرهم الزمني قد تربوا داخل منازلهم، وأشارت النتائج إلى أن أطفال الحضانة قد أصبحوا مرتبطين بصورة كبيرة بآبائهم بمجرد أنهم كانوا يزورونهم مرة كل من النماذج المفضلة للارتباط, أشارت النتائج أنه في عمر العامين قد وجدوا أنهم أكثر خوفًا من الغرباء إذا ما قورنوا بالأطفال الذين تربوا داخل منازلهم حيث ظهر لديهم قلق الغرباء الطفولي إلا أنه اختفى فيما بعد.
(1/251)

قلق الانفصال:
يبدأ نمو قلق الانفصال عند كثير من الأطفال عن أبويهم أو الأشخاص الآخرين الذين يكونون مرتبطين بهم، وعادة ما يصل قلق الانفصال إلى ذروته فيما بين 12-18 شهرًا من عمر الوليد الإنساني, وفي نفس الوقت نجد ضعف قلق الغرباء لديه.
وحيث أن الأطفال أثناء قلق الانفصال يكون لديهم القدرة على الزحف وكذلك القدرة على المشي، فيمكنهم أن يظهروا ضيقهم ليس فقط بالصياح ولكن بالإضافة إلى محاولة البقاء قريبين من الشخص الذي يتحرك بعيدًا عنهم, وبسبب وجود علاقة وثيقة بين قلق الارتباط وقلق الانفصال، يمكن أن نحدد ما إذا كان الأطفال مرتبطين بشخص معين وذلك بملاحظة الذي يحدث عندما يغادر هذا الشخص المنزل ويعود إليه، فإذا بكى الأطفال وحاولوا أن يتبعوا ذلك الشخص الذي يغادر المنزل، أو يكونوا في هدوء واطمئنان عند عودته فإن ذلك يعزى إلى أنهم قد أصبحوا مرتبطين بهذا الشخص.
ولقد درست ردود فعل الانفصال بواسطة اينسورث Ainsworth "1970" في مواقف اللعب صممت خصيصًا لذلك، حيث تكون الأم جالسة مع طفلها في حجرة الألعاب وتترك الحجرة لفترة وجيزة، وبعدها تعود, ولقد وضح أن طفل العام الواحد الذي تركته الأم لدقائق قليلة في هذا الموقف قد بكى وكان يذهب إلى الباب وينظر حول الحجرة كما لو أنه يتبع الأم أو يبحث عنها، ويفقد كل اهتماماته بحجرة الألعاب والدمى التي تحتويها, وعندما تعود الأم يتوقفون عن البكاء ويتسلقون أعلى ركبتها، ويمسكون بها بإحكام ويقاومون في أن يوضعوا على الأرض، هذا ولقد أشارت عديد من الدراسات إلى نفس نتائج اينسورث واستخدموا نفس هذا النمط في مواقف اللعب، أثر انفصال الأم عن الطفل فيما بين 10-18 شهر من عمره Coates, and Others؛ "1972".
وأثبتت الدراسة على الحيوانات نفس الشيء فلقد أجرى Seay and Harlow؛ "1965" دراسة على صغار القردة وظهر لديهم الانزعاج والقلق عندما فصلوا عن أمهاتهم, ولقد أمكن التوصل إلى نتائج إضافية عن نتائج الدراسات على الأطفال حيث يمكن أن تمتد فترة الانفصال عند القردة أكثر مما تكون عليه عند الأطفال، وتمكن باحثون من تسجيل نتائج
(1/252)

مشوقة انبثقت من الدراسة على الحيوان حيث كان يوضع بعض القردة الصغار في قفص يستطيعون منه رؤية وسماع أمهاتهم في قفص آخر، إلا إنهم لا يتمكنوا من الحصول على أي اتصال جسمي معهم، ففي بداية الأمر كانوا يصرخون ويدورون حول أنفسهم ويقفزون أعلى وأسفل وينظرون إلى أمهاتهم أغلب الوقت، وبعد ثلاثة أسابيع من الفصل وجد أن هذا الاحتجاج يبدأ في الاختفاء ويصبح القردة الصغار في حالة تبلد, ويوقفون اللعب سويًا حتى يتوقفوا عن النظر إلى أمهاتهم, وفي حالة إعادتهم إلى أمهاتهم من جديد نجدهم يظلون فترة كبيرة ملتصقين بهم بشدة قبل ابتدائهم التصرف بصورة عادية مرة أخرى.
ولقد لوحظ أنه عندما يفصل الوليد البشري عن أبويه لعدة أيام، فإنه يميل إلى إبداء نفس النوع من الاحتجاج واليأس والقنوط كما كان ذلك في القردة التجريبية، ففي أول الأمر كانوا يبحثون عن أمهاتهم باكين، وبعد ذلك يصبحون سريعي التهيج والغضب متبلدين وأخيرًا وجد نكوصهم في بعض مهاراتهم المتعلمة السابقة, ويشير بولمبي كذلك أن الآباء الذين يعودون من سفر طويل قد يجدون أطفالهم الصغار ما بين 8-24 شهرًا يتسمون بالخضوع والانسحاب كما لو أنهم في حالة من حالات الاكتئاب، أو قد يرتدون لأنماط سلوكية سابقة، حيث نجدهم يزحفون على الرغم من تعلمهم المشي أو قد يرتدون إلى عمليات التبرز على الرغم من تعلمهم التحكم فيها.
وتشير النتائج إلى أن الأطفال يختلفون عن صغار القردة حيث وجد Bowlb أنهم لا يرحبون ولا يكونون سعداء بعودة آبائهم في حالة السفر لأيام أو أسابيع أو الغياب عنهم وذلك إذا ما قورن عودتهم بعد دقائق أو ساعات فقط من غيابهم عنهم حيث وجد أنهم يبدو كما لو أنهم منفصلون أو مستقلون عنهم، فقد يبكون أو ينسحبون بعيدًا عنهم عندما يقبل آباؤهم عليهم، وقد لا يتعرفون على آبائهم، وبإيجاز يعاملونهم كما لو أنهم غرباء عليهم، وبعد ساعات أو أيام قليلة، ويعتمد ذلك على طول فترة الانفصال، نرى تراجعا لهذا الانفصال وتظهر ثنائية المشاعر حيث يبدأ الأطفال في تقبل والديهم بدفء مرة أخرى ويلتصقون بهم, ومن وجهة نظر الوالدين يشيرون إلى أن أطفالهم كانوا يحاولون عقابهم لتركهم بمفردهم، ولحسن الحظ فإن ثنائية المشاعر Ambivalence تختفي بعد أسبوع أو أسبوعين من عودة الوالدين للطفل، ومرة أخرى يعود الأطفال إلى ذويهم مرة أخرى.
(1/253)

ويشير مور Moore؛ "1969" بأنه يمكن تجنب ردود فعل الانفصال على الأطفال، حيث وجد أن قلق الانفصال عند الأطفال إذا كان من الممكن توفير بيئة مألوفة لهم، وأفراد مألوفين لديهم، وبعض من ممتلكاتهم وأشيائهم الخاصة بهم وأن يعنى بهم آباء بديلة يتسمون باللطف والمجاملة والحنان، فمثلا إذا ذهبت الأم للولادة في المستشفى فمن المستحسن أن يكون بالمنزل شخص مألوف للطفل مثل العمة أو الجدة تستخدم كأم بديلة لطفل العام أو العامين وذلك أفضل من الشخص الغريب, ومن الأفضل كذلك أن تبقى الأم البديلة في منزله الخاص بدلا من نقله إلى منزلها، وإن كان على الطفل أن ينتقل إلى منزل آخر فمن الأفضل أن يصطحب معه دمياته المألوفة وأشياءه المعتادة من أثاثه كسريره ونقالته التي يلعب فيها وكرسيه الطويل الذي يجلس عليه، وإن كان للطفل أخ أو أخت كبرى فمن الأفضل أن يمكثا سويًا عندما تكون أمهاتهم غائبة عن المنزل، وهذا أفضل بالنسبة للطفل الصغير إذا ما قورنت حالته عندما يكون تحت رعاية أقارب له.
(1/254)

نظريات أصول الارتباطات المتبادلة:
يتفق السيكولوجيون في أن الأطفال يبدءون في إظهار الارتباطات مع الأشخاص الآخرين، إلا أنهم لديهم نظريات مختلفة في كيفية نمو هذه الارتباطات, فنظريات التحليل النفسي التقليدية ونظريات التعلم الاجتماعي تشير إلى أن الاهتمامات الاجتماعية تنبعث من الحاجات البيولوجية، وبلغة التحليل النفسي يبدأ الأطفال بأن يشعروا بالحب والارتباط بأمهاتهم، بسبب ارتباطهم معها بخبرة سارة مشبعة في إطعامهم، وبلغة نظريات التعلم الاجتماعي أن خفض الحافز الأولي الذي تمنحه الأم كما في حالة إطعام رضيعها يؤدي به إلى أن ينمي حوافز ثانوية في أن يكون قريبًا منها ومعتمدًا عليها، وبمجرد بناء هذا الحب أو الاعتمادية تجاه الأم، نجد الاهتمام أو الميل الاجتماعي ينتج تعميمات نحو أشخاص آخرين كذلك.
وبسبب تأثير هذه النظريات، نجد السيكولوجيين قد عملوا منذ سنوات عديدة تمييزًا بين الدوافع الأولية "البيولوجية" والدوافع الثانوية "الاجتماعية" في سلوك الإنسان, ومنذ عام 1960 أشار بعض علماء النفس
(1/254)

أن الميل الاجتماعي يعتبر خاصية أولية، وأهم هذه النظريات قد صيغ على أيدي جون بولبي، حيث أشار أن الارتباطات الشخصية المتبادلة تنبعث من الأنماط السلوكية الإشارية والتوجيهية في مرحلة الطفولة، والانتباه الشخصي الذي ستجلبه هذه الأنماط السلوكية من الآخرين، فالاستجابات الاجتماعية التي يصدرها الراشدون تجاه الرضيع هي التي تشكل الأنماط السلوكية المعبرة للطفل داخل نماذج من الارتباط الشخصي المتبادل.
وانبثق دليل إضافي عن هذه الظاهرة من نتائج دراسات هارلو Harlow؛ "1966" خاصة من ملاحظاته على صغار القردة، حيث وجدهم يكونون ارتباطات قوية على الرغم من عدم تلقيهم الطعام, ففي هذه الدراسات الكلاسيكية كانت توضع صغار القردة مع نوعين من الأمهات، واحدة منها مصنوعة من السلك، والأخرى مغطاة بنسيج وبري ناعم، وكل منهما كان لديه زجاجة للإطعام موضوعة في منطقة الصدر يطعم من خلالها، وأشارت النتائج أن جميع القردة فضلت أن تكون على مقربة من الأم ذات النسيج الوبري وتلتصق بها حتى وإن كانوا قد تلقوا التغذية من الأم السلكية فقط, وبالإضافة فعندما وضع المجرب عنكبوتا مصنوعا من الصوف داخل القفص وجد أن القردة بدا عليهم الخوف واتجهوا بسرعة نحو الأم ذات النسيج الوبري, بغض النظر إن كانت مصدر الإطعام أم لا؟ ولقد تحول كثير من علماء التحليل النفسي والتعلم الاجتماعي لنظرية بولبي في النمو الإنساني.
(1/255)

الانفصال والتفرد:
عندما يصبح الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، نجد أشكال ارتباطاتهم المبكرة تصبح أقل أهمية، ويتخلص الأطفال من قلق الغرباء، وقلق الانفصال, ويشير كويتس Coates وزملاؤه أن الأطفال ما بين 10-18 شهرًا يمكن أن يلاحظ عليهم بعض التغيير البسيط في ردود فعلهم للانفصالات الوجيزة القصيرة، وفي سن الثانية يكونون أقل قلقًا وانزعاجًا عما كانوا عليه في سنتهم الأولى وذلك عندما تتركهم أمهاتهم لدقائق معدودة، وطفل الثالثة أقل إزعاجًا من طفل الثانية، وطفل الرابعة نادرًا ما يتأثر, فأثناء نمو قدرة الطفل على احتمال الغرباء والانفصال يبدأ
(1/255)

في محاولته وسعيه للانفصال والتفرد عن الوالدين وهذه الأحداث النمائية تمهد السبيل لكي يؤكد الأطفال ذواتهم كأشخاص مستقلين.
بدايات التفرد:
أثناء السنة الأولى عادة ما نجد الأطفال يمكثون لفترة طويلة في المكان الذي تضعه فيه أمهاتهم، وأي سلوك يصدره الطفل في هذا الوقت مثل التقلب في الفراش أو الالتفات حوله عندما تحاول الأم تغيير حفاضته، أو رميه بكوب أو عمل ضوضاء، كل ذلك يكون عرضيًا بصورة كبيرة وغير مرتبط بأحاسيسهم تجاه الأم، وأثناء السنة الثانية نجد حدثين يحدثان:
أ- تزداد مهارة الأطفال في تناول الأشياء والإمساك بها، والتحرك في الاتجاه الذي يرغبونه.
ب- يبدأ الأطفال في تفهم أن سلوكهم يؤثر في أبويهم، وعلى الرغم من أن الأبوين والأشخاص الآخرين الذين يهتمون بتربية الطفل ما يزال لهم سيطرة ضخمة من الناحية الجسمية، ويمكنهم التحكم في كثير من أوجه الثواب والعقاب المعطى للطفل، إلا أننا نجد الطفل يدرك بأنه يمكنه التأثير فيما يشعر ويحس به الآباء.
فالمهارات الحركية الجديدة في هذا السن، وبداية وعيهم بتأثيرهم على الآخرين تقود الأطفال إلى عمل الدلائل الأولية للاستقلال، فاستفزاز الأم عن طريق إسقاط اللبن، ورفض الإمساك بالطعام عندما تطلب منه ذلك، يدفع الأم إلى الاضطراب والارتباط بالإضافة إلى أن الطفل بمجرد أن يتعلم الكلام يمكنه أن يعبر عن حاجاته ورغباته الخاصة, واللغة في بداية الأمر تكون وسيلة تبادل سارة بين الآباء والأطفال, إلا أنها تصبح كذلك وسيلة من وسائل الصراع والإحباط عندما يتعلم الأطفال قول "لا"، وحالما يتعلمون هذه الكلمة نجدهم غالبًا ما يستخدمونها بتأثيرات جيدة، فإنهم يقولون "لا" ليس بهدف عدم رغبتهم في عمل بعض الأشياء، ولكن لأنهم يريدون إثبات ذواتهم بطرقهم الخاصة.
وعن طريق مقاومة أو معارضة الآباء يبدأ الأطفال في تدعيم هويتهم المستقلة، فالخلفة أو العصيان غالبًا ما تكون معكرة ومزعجة للآباء
(1/256)

إلا أنها عملية ضرورية وجزء حيوي متعذر اجتنابه في مجرى النمو الإنساني, وفي حالة عدم حدوث هذا السلوك المعاكس من جانب الطفل حتى نهاية السنة الثانية فإنه يوجد بدلا منه ما يسمى بالأم التكافلية Symictic Mother في علاقتها بطفلها، والأطفال التكافليون كامتداد لأمهاتهم، حيث لا يحدث لديهم تقدمًا نحو بناء أنفسهم كأشخاص متميزين مستقلين وعلى الرغم من أن التكافلية تعتبر بمثابة شيء عادي في الطفولة المبكرة إلا أن استمرارها في سن الثانية غالبًا ما يكون علامة مبكرة للنمو غير السوي.
الاستجابات الأموية للتفرد:
إن نتائج الملاحظات الإكلينيكية لمارجريت ماهلر M. Hahler وبندك T. Benedek؛ "1968", كشفت أن الآباء خاصة الأمهات عادة ما تستجيب بصورة مختلفة لتفرد أطفالهن، ومن الناحية العقلية يجب أن تكون الأمهات في سرور وإشباع عند تزايد استقلال أولادهن، وعلى الرغم من أنهن قد يشعرن ببعض التوق للارتباطات المبكرة مع أطفالهن، إلا أنهن يجب أن يرحبن بإنجازات أطفالهن الجديدة ويشبعون عندما يرون طفلهن معتمدًا على ذاته, وجدير بالذكر فإن الأمهات اللاتي يمكنهن التوافق مع هذه التغيرات الجديدة التي تحل بالطفل عادة ما يملن إلى توفير نوع ثابت من العناية والراعية كلما درج أولادهن نحو مدارج النضج والنمو.
ومن جانب آخر قد نرى بعض الأمهات يستمتعن بالعناية بأطفالهن الذين يكونون معتمدين كلية عليهن، إلا أنهن يشعرن بالقلق عندما يبدأ الأطفال في النضج كأفراد مستقلين وعادة ما يشبع هؤلاء الأطفال أمهاتهم في أن يكونوا تحت ضبطهم وتحكمهم الكامل, ولكن عندما تعوق عملية التفرد هذه التكافلية فإن بعض النساء قد ينظرن إلى إشباع في اتجاه آخر، بمعنى أن يحملن مرة أخرى وأن يكون لهن أطفال صغار جدد للعناية بهم عندما يصل السابقون إلى سنوات ما قبل المدرسة، وعمومًا فإن اهتمام ورعاية الأم تميل إلى أن تضعف تدريجيًا وبصورة جوهرية عندما يبدأ الأولاد النامون في تأكيد ذواتهم واستقلالهم.
وصنف آخر من الأمهات, نجدهم أكثر اهتمامًا وسرورًا كلما تدرج طفلهم في مدارج نموه، كما يسرون بتفرد أطفالهن وينشرحن كذلك بازدياد قدرة الأطفال على الاتصال مخلصة إياهن من العبء والإرهاق في
(1/257)

التفسير والتأميل, وعندما يصل أطفالهن إلى سن ما قبل المدرسة يستمتعن بإجراء المناقشات معهم ويرضون بأن يكون لأولادهن رفاق وأصدقاء، وجدير بالذكر فإن هذا الصنف من النساء يملن إلى أن يكن أكثر تكريسًا وإشباعًا لأطفالهن بعد انعزالهم أو انفصالهم عنهن.
الاتجاهات نحو العالم:
بنهاية عام الوليد الإنساني الثاني، يبدأ الأطفال في تكوين اتجاهات عامة تجاه عالمهم، وأول هذه الاتجاهات التي تظهر ما يسميه أريكسون Erikson؛ "1959" بإحساس الثقة، وهو إحساس عام مؤداه أن حاجات الطفل سوف تقابل وتشبع وأن هذا العالم مكان أمن صدوق. وكمية الثقة أو عدم الثقة التي ينميها الأطفال خلال السنتين الأوليتين يعتمد نحو العالم بواسطة الطريقة التي يستجيبون بها إلى حاجاتهم, فالأم التي تستمتع بالعناية بأطفالها حيث تميل إلى إطعامهم بطريقة متمهلة متروية ومتحررة من التوتر العصبي، وتعانقهم وتحتضنهم وتلعب أو تلهو معهم, ومن جانب آخر نجد الأمهات اللاتي يمتعضن ويستأن من مطالب أطفالهن، قد يطعموهن بطريقة متعجلة آلية وغير مهتمين أو مبالين.
هذه الأنماط الأموية المختلفة يمكن أن تؤثر في مدى توقع الطفل الاستقبال الدافئ الحاني من الآخرين وكذلك في مدى توقع الاستجابة الباردة المتذمرة أو الحاقدة، وبهذه الطريقة نجد الأطفال ينمون إما إحساس الثقة في عالمهم، ناظرين إليه كمصدر معول يعتمد عليه للارتياح والدعم, أو إحساس عدم الثقة أو عدم الأمان فيما يزوج به أو يدخر به عالمهم لهم, ولقد أكدت عديد من الدراسات النفسية أدوار الآباء في تدعيم إحساس الطفل بالثقة, وتشير هذه الدراسات أن الأمهات اللاتي يتسمن بالحساسية لحاجات أطفالهن، والأكثر رقة وحنانًا واللاتي يتسمن بسرعة الاستجابة والاستثارة في العناية بالأطفال، فإن أطفالهن يميلون بدرجة أعلى إلى تنمية اتجاهات الأمن أكثر من اتجاهات عدم الأمان نحو العالم Ainsworth & Others؛ "1973", كما أن الأطفال الذين اتسموا بالأمن في هذه الدراسات كانوا ذوي مطالب قليلة بصورة نسبية على أمهاتهم، ويشعرون بالأمن والارتياح عندما تتركهم لكي يكتشفوا بيئاتهم، ويحتملون انفصالات وجيزة دون أن يكونوا مصدرًا للإزعاج, ومن جانب آخر يتسم الأطفال غير الآمنين بميلهم للالتصاق بأمهاتهم، ويطلبون انتباه
الآخرين لهم ويترددون في اكتشاف بيئاتهم، ويتميزون بالإزعاج بصورة واضحة عندما يفصلون لفترات وجيزة عن أمهاتهم واتصف الأطفال الآمنون كذلك بالثقة لتلقي الاهتمام والرعاية عندما يحتاجون إليها، ويدركون أنه يجب ألا يبحثوا عنها ولا يلتمسوها باستمرار أو أن يكونوا ملتصقين وقريبين من مصدرها، في حين أن الأطفال غير الآمنين لم يكن لديهم هذا الإحساس في تلك الثقة.
(1/258)

تأثير الأطفال على العناية التي يتلقونها:
تأثير الآباء على نمو شخصية أبنائهم يحدد جزئيًا بواسطة الاختلافات الولادية بين الأطفال والتي تؤثر في كيفية معاملة آبائهم لهم, فالأطفال يختلفون منذ الميلاد في عديد من جوانب سلوكهم، ويتضمن ذلك مستوى أو معدل النشاط وعادات تناول الطعام والنوم، ودرجة الحساسية للاستثارة، فبعض الأطفال نجدهم مثيرو للضجة الشديدة، سريعو الغضب والانفعال, سريعو الاهتياج ومن الصعب إرضاؤهم في حين نجد أطفالا آخرين يتسمون بالهدوء، لا يسألون أو يطلبون شيئا وقد يبدي البعض درجة كبيرة من التأثير والعاطفة، ونضجًا عقليًا وجسميًا سريعا، في حين قد نجد آخرين يسيرون ببطء في مجرى نضجهم ونموهم، متحكمين في انفعالاتهم إلى حد ما.
إن تأثير هذه الاختلافات الولادية على الآباء معروفة جيدًا، فالأطفال الذين يمكن ترويضهم بسهولة، ويتسم نضجهم ونموهم بالسرعة ويبدو عليهم الابتهاج والمرح عندما يهتم بهم، هؤلاء الأطفال يميلون إلى جعل آبائهم يشعرون بالبهجة في العناية والاهتمام بهم والذي يظهر من خلال تعبيرات الحب والتعاطف تجاههم.
ومن جانب آخر فالأطفال الذين يتسمون بقلة الحركة والنشاط، وسرعة الاهتياج والغضب، والصياح والبكاء باستمرار، أو الذين نادرًا ما يبتسمون أو يثرثرون أو يلتصقون بآبائهم يميلون أن يؤثروا تأثيرًا أقل على آبائهم، وعادة ما يكونون محبطين لآبائهم الذين يضعف عندهم الدفء والاهتمام بأطفالهم، وقد يصبح الآباء باردين نابذين في استجاباتهم وقد يتطور إحساسهم إلى الرفض، ولا يرجع ذلك بسبب أنهم
(1/259)

يتسمون بهذه الخصائص, وبالتالي فإن الأطفال يمكنهم تشكيل سلوك الآباء بالدرجة التي يؤثرون بها على آبائهم.
كيف يؤثر الأطفال الذين يتسمون بالنشاط والانفعالية في أمزجة الكبار من حولهم؟ وعمومًا هناك العديد من الدراسات التي أشارت إلى الاختلاف في درجة الحساسية بين الأطفال, والتي تؤثر بدورها في سلوك الآباء، فدراسة شافر Sahaffer وأميرسون Emerson؛ "1964" التي لاحظت الأطفال مع أمهاتهم، أجرت تصنيفًا لأطفال الدراسة, "المعانقون ويلتمسون الدفئ في مقابل الأطفال غير المعانقين، وأشارت النتائج أن النوع الأول كانوا ينشدون الاتصال الجسمي مع أمهاتهم ويستمتعون به، بينما النوع الآخر كانوا كارهين للعناق والإمساك بهم حتى عندما كانوا في حالات خوف معينة أو محتاجين إلى الراحة, وهذه الاختلافات بين المجموعتين من الأطفال في درجة الحساسية والأمزجة، وكانت في سلوك الأم الموجه إلى طفلها.
ولقد وصف كل من توماس Thomas وآخرين "1977" نتيجة إجرائهم سلسلة واسعة من الدراسات على الأطفال، ثلاثة نماذج من حساسية الأطفال والتي تبدأ مبكرًا في حياة الرضيع ويمكن الإشارة إليها فيما يلي:
أ- الطفل السهل المريح Easy Child.
ب- الطفل صعب الإرضاء Difficult Child.
ج- الطفل بطيء المودة للآخرين Slow to warm up child.
وكانت الغالبية من أفراد العينة تقع في الصنف الأول حيث اتسمت بالسهولة، واللين, تأكل وتنام بصورة نظامية، يتكيفون بطيب نفس وسرور للتغيرات، ويقتربون للمواقف الجديدة بارتياح ويظهرون أمزجة إيجابية في نغمتها ومعتدلة الشدة, ولقد مال الآباء إلى الاستجابة إلى هؤلاء الأطفال بإيجابية وغالبًا ما كانوا فخورين معتزين بنمو أطفالهم الهادئ والمجموعة الصغيرة كانت تتسم بأنها صعبة الإرضاء أظهرت الخصائص المعارضة حيث كانوا يأكلون وينامون بصورة غير نظامية جعل من الصعب
(1/260)

إطعامهم أو تركهم ينامون، وتكيفوا إلى التغيرات بصورة بطيئة، وكانوا يميلون إلى القلق والإزعاج في المواقف الجديدة وبجانب الأشخاص الغرباء، وغالبًا ما كانوا يتسمون بالمزاج السيئ صائحين ولديهم نوبات غضب حتى عندما يجابهون إحباطات عادية، وبسبب سلوك هؤلاء الأطفال صعب الإرضاء كان شعور الآباء تجاههم سلبيًا، بالإضافة إلى شعورهم بالذنب والقلق من احتمال كونهم السبب في هذه المشكلات عند أطفالهم، والحقيقة أن الآباء ليسوا مسئولين بدرجة كبيرة عن تلك الحساسية والمزاج المتقلب للطفل صعب الإرضاء, والأطفال من هذا النوع يمكن أن يتكيفوا تمامًا عندما يكبرون قليلا إن كان آباؤهم لديهم من الصبر الكافي لمساعدتهم على تعلم كيفية التغلب على الإحباطات التي تواجههم وزيادة قدرتهم على ذلك.
وتشير نتائج دراسة Thomas وآخرين "1977" أن الأطفال بطيئو المودة وجد من الصعب عليهم التكيف للأفراد والمواقف الجديدة، إلا أنهم يعبرون عن ذواتهم بصورة صاخبة صارخة تمامًا، فهم يقلقون ويهتاجون بصورة معتدلة بالأشياء الجديدة أو يبدون مقاومة سلبية غير فعالة كما في حالة تركهم الطعام يسقط من أفواههم، ولكنهم لا يلفظون الطعام بعنف كما في حالة الطفل صعب الإرضاء, ويمكن أن يتجاوز هؤلاء الأطفال تلك المشكلات الشخصية في حالة وجود الآباء ذوي الصبر، والذين لا يدفعونهم إلى الإسراع في أوجه نموهم أكثر مما لديهم وما بإمكانياتهم بالإضافة ألا يفقدوا الاهتمام والميل إلى رعايتهم والاهتمام بهم.
(1/261)

تطبيقات لتنشئة الرضيع:
من استعراضنا لأنواع الدراسات التي عرضت فيما سبق، نستطيع أن نستنتج بأن علماء نفس النمو قد أدركوا أن كل مرحلة من الطفولة وبعض جوانبها تلازم وتصاحب مزاجًا خاصًا، ومعدلاتها النضجية، جميعها تتفاعل مع شخصيات الآباء لتحدد النموذج الأبوي في تنشئة الطفل، وعملية التفاعل هذه بين الآباء والأطفال تفسر حقيقة أن الأطفال الذين نشئوا في نفس الأسرة لا يكون لديهم بالضرورة نفس أنواع الخبرات مع آبائهم، كما أن الاختلافات الولادية بين الأخوة والأخوات تميل إلى أن تظهر استجابات مختلفة من الآباء والتي بدورها تؤثر تأثيرات مختلفة في نمو شخصيات أطفالهم.
(1/261)

وفيما يتعلق بمسألة أوسع وهي تنشئة الأطفال, فإن دور المزاج في نمو الشخصية له تطبيقات ذات دلالة وهما.
أولا: لا توجد طريقة متفردة أو طريقة مثلى في تنشئة الطفل، فسواء كان الطفل يستفيد من الإمساك به أو حمله في أغلب الأحيان أو في مناسبات، فإن ذلك يعتمد عما إذا كان الطفل يتسم بالألفة بطبيعته أو لا يتسم بها, وسواء كان الطفل يزدهر في نموه بسبب تعريضه لخبرات كثيرة جديدة، أو أنه قد يصيب نجاحًا أفضل عن طريق النظام المألوف العادي والبيئة المتغيرة ببطء يعتمد ذلك عما إذا كان هذا الطفل سهل الطباع أو غير ذلك.
ومهما يكن فإننا يجب أن نضع في الاعتبار تدريبات الطفل "مثل الإطعام وتوفير الاستثارة والتدريب والتهذيب" ومهما كان هدف تنشئة الطفل "كمساعدته في أن يشعر بالأمان، وتمكينه أن يكون محبًا ومحبوبًا فإن ذلك يعزز من نضالهم للاستقلال, والطريقة الأكثر نفعًا وأحسن تأثيرًا في العناية بالأطفال سوف تختلف تبعًا لمزاج وحساسية الطفل الخاصة، وعلى ذلك فإن الملاءمة والتوافق الجيد بين مزاج الطفل وبين نموذج تنشئته وتربيته هو مفتاح النمو الإيجابي للشخصية, وأي توجيه أو إشارة بأنه توجد طريقة واحدة مثلى للعناية بجميع الأطفال يجب أن تؤخذ بتحفظ.
ثانيًا: وعند دراستنا تأثيرات تدريبات تنشئة الطفل فإننا ابتداء يجب أن نسلم بالاختلافات المزاجية, وكذلك في درجة الحساسية، ولقد افترضت كثيرًا من الدراسات في هذا الميدان أن الأطفال يتشابهون بصورة أساسية وبالتالي فإن أنوع معينة من السلوك الأبوي قد تؤثر في كل الأطفال وبنفس الطريقة والنتيجة في كثير من الحالات كانت نتائج غير متسقة وخاطئة وجدير بالذكر فإن الخطأ في هذه الدراسات يمكن في أنها لم تضع في الحسبان تفاعل الآباء والأبناء ولم تول هذه المسألة الالتفات الكامل واللائق بها.
(1/262)

التأثيرات طويلة وقصيرة المدى للعناية بتدريبات الأطفال:
ناقشنا فيما سبق كيفية تأثير الآباء على سلوك أطفالهم عندما يكونون صغارًا, وهذه التأثيرات قصيرة المدى، حيث نجد الأطفال الذين تتسم أمهاتهم بالتعاطف والحب والود، والاستجابة لمتطلباتهم نجدهم يظهرون اتجاهات آمنة تجاه العالم المحيط بهم، كما أصبح الآن من المؤكد به أن الخبرات الأولى للحياة لها تأثير ذو دلالة في كيفية شعور وإحساس الأطفال، وكذلك لها تأثير أكيد في أفعالهم، وإن شئت فقل: لها تأثير فعال في جوانب شخصياتهم المختلفة, ومع ذلك فسواء كانت لهذه الخبرات المبكرة تأثيرات طويلة المدى بمعنى أنها تستمر ولها الاستمرارية في نمو الشخصية من الطفولة المبكرة إلى الوسطى وما بعد ذلك إلا أننا يجب أن نكون على حذر من التعميم على جميع الأطفال حيث أبانت التجارب أننا يجب أن نحذر من التنبؤ العام بالسلوك القادم عند الأطفال,
ولذلك فإنه عند تأملنا لنتائج الدراسات النفسية عن التأثيرات طويلة المدى لتدريب الأطفال, لا نرى نتائج متسقة ومتناسقة في هذا المجال.
فمثلا يشير Caldwell؛ "1964" أن نتائج كثيرًا من الدراسات كانت خاطئة بسبب اعتمادها على ذكريات الأمهات بما كان عليه أطفالهن، أو كيف كانوا يهتمون بهم، فإن نتائج هذه الدراسات الاسترجاعية لا تكون مؤكدة وموثوق بها بدرجة كبيرة حيث أن الذاكرة الإنسانية غير كاملة, فالأفراد غالبًا ما يتذكرون ما يحبون تذكره أو ما يريدونه، وليس بالضرورة ما حدث بالفعل. وجدير بالذكر فإنه يمكن الاعتماد فقط على نمط الدراسات التي قامت على أساس الملاحظة والتي فيها يرى الباحثون ويسجلون التفاعلات الوالدية مع الطفل عند حدوثها, تلك الدراسات يمكن أن تمدنا بمعلومات وبيانات صادقة ثابتة لتقييم التأثيرات طويلة المدى لهذه التفاعلات.
وحيث إنه لا توجد إلا دراسات قليلة قامت على أسلوب الملاحظة طويلة المدى، فما زال هذا الميدان مبكرًا في سيكولوجية الطفولة ويحتاج إلى أعمال ودراسات كثيرة للتعرف على التأثيرات اللاحقة لخبرات الطفولة, كما أن دراسات ملاحظية قليلة والتي أجريت في الماضي أظهرت علاقة بسيطة بين سلوك الطفل وخصائص الشخصية في المراهقة والشباب, ويشير كلارك Clark؛ "1977" أن الاتجاهات التي تتكون في الطفولة بعيدة
(1/263)

على أن تثبت فالخبرات اللاحقة تكون أنواعًا جديدة من الاتجاهات كما أنها تتعدل أو حتى تعكس الخبرات القديمة، ومع ذلك فإن دراسات أخرى أبانت الاستمرارية في نمو الشخصية منذ الطفولة المبكرة للأسباب الآتية: 1- على الرغم من أن الأطفال يمكن أن يتغيروا بصورة دراماتيكية مثيرة، إلا أن ذلك نادرًا ما يحدث, فإذا نموا تحت ظروف مستقرة مع تغييرات قليلة من سنة إلى أخرى في الأفراد والمواقف التي يتعرضون لها، فإنهم قد يظهروا بمرور الوقت نمطًا متسقًا من الشخصية بصورة عادية.
2- ويشير Kagan أن هذه الاستمرارية تتضح بشدة في الخصائص الشخصية المتطرفة أكثر من الخصائص الشخصية العادية ولذلك فإن الطفل غير الآمن بصورة متوسطة قد يصبح أكثر أمنًا إذا كانت لديه خبرات إيجابية لاحقة في الطفولة الوسطى، بينما الطفل القلق غير الآمن بصورة شديدة يميل إلى عدم تغير استجابته في الخبرات اللاحقة.
3- ويشير Halverson وآخرين "1976" أن هناك استمرارية لمزاج ودرجة حساسية الطفل، على الرغم من عدم وجود هذه الاستمرارية في أنماط واقعية، فالمزاج يعزى إلى الطريقة التي يتحرك بها الطفل ويتكلم ويفكر، في حين تعزى الدافعية في ماذا يفعل الطفل بالفعل؟ وماذا يقول؟ وماذا يفكر؟ وأحد الأمثلة لاتساق مزاج الطفل يمكن أن تلاحظ في معدل نشاطه حيث نرى الاستمرارية في ذلك، فالطفل السلبي يميل إلى أن يكون مراهقًا معتمدًا متكلا وكذلك راشدًا معتمدًا على الآخرين.
4- وعلى الرغم من أن اتجاهات الطفل في عمر زمني معين، ليست بالضرورة يجب أن تؤتى في عمر زمني لاحق، إلا أنها تميل إلى أن تحدث فيما بعد، فالطفل ذو العامين الذي يتسم بشعور ثابت من الثقة في عالمه المحيط به، قد يستمر في تفاؤله هذا وقد لا يستمر، ويعتمد ذلك على طبيعة الخبرات المستقبلية, ومع ذلك فلإن هذا الطفل سوف يستجيب بصورة مختلفة عن الآخر الذي يتسم بعدم الآمن وعدم الثقة للمطالب النمائية لسنوات ما قبل المدرسة.
(1/264)

العناية وتدليل الأطفال:
عادة ما يقال أن الطفل المدلل سيصبح فيما بعد طفلا تالفًا فاسدا، ووفقًا لهذه الأقوال المأثورة فإن السماح للأطفال بأن يسلكوا وفقًا لطرقهم الخاصة يشجعهم بأن يصبحوا أطفالا كثيري التساؤل وغير مطيعين. ولقد أشار جون واطسون J. Watson مؤسس علم النفس السلوكي إلى تبرير عقلي لهذا الاعتقاد، في أن الأطفال المشبعين في حاجاتهم له تأثير على السلوك المتسائل المكافئ والمدعم, وينصح واطسون الأمهات في أن يطعمن أطفالهن في جدول محدد وألا يستجبن إلى صراخ جوعهم حتى لا يؤدي ذلك إلى فسادهم فيما بعد، كما أشارت نتائج دراسات أخرى أن التقاط الرضيع وحمله عندما يصيح يميل إلى تشجيع سلوك صياحهم وبكائهم وبالتالي فإن ذلك السلوك من جانب الأم يسهم في إفساد الطفل فيما بعد.
وعلى الرغم من عمومية وانتشار مثل هذه الأفكار والمعتقدات، إلا أن الدلائل المتاحة تشير إلى اتجاه آخر, فمثلا تشير نتائج دراسات يارو Yarrow؛ "1975" أن الآباء الذين يستجيبون لصراخ وبكاء أطفالهم, فإنهم بذلك يميلون إلى توفير ظروف الدفء والتعزيز التي ستوقف البكاء، وبالتالي يمكنون أطفالهم بالشعور بالأمن وجعلهم أقل ميلا للبكاء وفي طلب الانتباه غير العقلاني في المستقبل, ومن جانب آخر نجد الآباء الذين يتجاهلون أو يتوانون في الاستجابة لبكاء أطفالهم خاصة في الشهور الأوائل من حياتهم، يميلون إلى جعل أولادهم مصدرًا للإزعاج والجلبة ودائمي الصراخ والصياح, وبصورة مماثلة فإن الأطفال الذين نجد آباءهم يهتمون بهم بصورة كبيرة في ضبطهم وتدريباتهم, أكثر من نواحي إشباعهم. هؤلاء الأطفال يميلون إلى أن يكونوا غير مستجيبين لأوامر الآباء ومطالبهم في سنتهم الثانية، ويشير بيل Bell وآخر "1972" أن الأطفال الذين يكون صياحهم مسموعًا ويستجاب إليهم بدون إبطاء وبعناية وبحب, ويميل هؤلاء الأطفال إلى أن يكونوا غير متسائلين بصورة نسبية ويرضون بسهولة، ويسلكون سلوكًا سويًا إلى حد ما.
(1/265)

الفصل السادس: الطفولة المبكرة "سنوات ما قبل المدرسة 2: 5"
النمو الجسمي:
إن السنوات ما بين الثانية والخامسة -سنوات ما قبل المدرسة- أقل إثارة أو فجائية من فترة السنتين الأوليين من حياة الوليد البشري فيما يتعلق بالنمو الحركي, ولا يوجد في النمو الجسمي لأطفال ما قبل المدرسة شيء نستطيع مقارنته بالتغير أو الإثارة التي تحدث للرضع بصفة عامة، حيث نجدهم يجلسون ويقفون ويمشون لأول مرة, وليس معنى ذلك أن النمو الحركي أثناء سنوات ما قبل المدرسة يتوقف، ولكنه يتسم بالتدرج ويكون أكثر تنوعًا، وأكثر ارتباطا بنماذج معينة من الخبرة والتدريب إذا ما قورن بالنمو الذي يحدث للرضيع, وعلى نقيض النمو الحركي نجد النمو العقلي حيث تحدث تغييرات كبيرة أثناء فترة ما قبل المدرسة أكثر مما نجدها لدى الرضع, بالإضافة إلى وجود ثمة إشارات ذات أهمية من التعلم والإدراك والتفكير والتذكر واللغة.
(1/269)

النمو الجسمي والحركي:
نمو طفل ما قبل المدرسة في الوزن والطول أقل سرعة عما يكون عليه عندما يكون رضيعًا، ولكن نلاحظ استمرار الزيادة في الوزن والطول بصورة أسرع عما سيكون عليه الطفل في الطفولة المتوسط, ففي سن الثالثة يصل طول الطفل إلى ثلث طول الراشد تقريبًا، وعند سن الخامسة يكون متوسط الطول 40-42 بوصة، وهذا يعني أن الرضيع الذي انتهى في السنتين الأوليين من 20-21 بوصة في طوله ينمو بمعدل 7-8 بوصات كل عام ونجده فيما بين 2-5 سنوات يكون معدل الزيادة في الطول ما بين 3-4 بوصات كل عام، كما أن الوزن يصبح أقل وقد يتوقف لفترة في حالة الطفل النامي الثقيل والذي يصبح أطول وأكثر نحافة بدون أي زيادة في الوزن أثناء فترة ما قبل المدرسة.
وأحد الإنجازات الحركية الرئيسية لفترة سنوات ما قبل المدرسة تتمثل في تدريب التواليت Toilet Training, وعادة ما نجد تدريبات الإخراج تسبق تدريبات المثانة لأطفال هذه الفترة, وذلك لأنه من السهل للأطفال ضبط والتحكم في حركات الأمعاء أكثر من ضبطهم وتحكمهم في بولهم وعلى الرغم من أننا قد نجد الأطفال يكون هذا التتابع
(1/269)

معكوسًا لديهم، إلا أن الأغلبية تتحكم في الضبط الإخراجي قبل أن يتمكنوا من التبول خاصة التبول الليلي, وأغلب الأطفال يصلون تقريبًا إلى ضبط البول والإخراج في سن الثالثة, ولكن توجد فروق واسعة وتكون مرتبطة بنضج عضلات التحكم الشرجي والعضلة العاصرة لجنس الطفل، وكذلك لاتجاهات الوالدين فالأطفال عمومًا لا يمكنهم اجتياز تدريبات التواليت إلا بعد أن يكونوا من الناحية الجسمية قادرين على ضبط التحكم في التبول وكذلك التحكم في عضلات الأمعاء والبنات تصل إلى ضبط تدريب التواليت مبكرين عن الذكور، في حين نجد الذكور أميل إلى الاستمرار في التبول الليلي لمدة أطول من البنات, وعمومًا فإن كلا من الذكور والإناث في سنوات ما قبل المدرسة لا يكون لهم إلا أحوال قليلة لعملية التبول اللاإرادي.
وكثير من الأولاد والبنات يدربون أنفسهم بالإشارة إلى والديهما متى يحتاجون الذهاب إلى دورة المياه، وبالنسبة لأطفال آخرين، نجد سن تدريب التواليت يعتمد على الوقت الذي يبدأ فيه الوالدين تدريب أطفالهم وكيفية, ممارستهم لذلك، ويتم ذلك بأخذ الطفل إلى التواليت في فترات منتظمة، أو في الوقت الذي يبدو أنه في حاجة إلى ذلك, ويشير Baler؛ "1975" أن الأطفال الذين يستمرون في بلّ اسرتهم أو اتساخ ملابسهم في فترة الطفولة الوسطى فإننا نجدهم يعانون من تأخر النمو في الجهاز العضلي أو من مشكلات انفعالية معينة أو من مزيج من الظاهرتين السابقتين, ويجب أن يناقش آباء هذه الحالات تلك المشكلة مع طبيبهم الخاص أو مع أخصائي في الصحة النفسية لتدارك هذا النمو غير السوي.
ونمو طفل ما قبل المدرسة يكون واضحًا وظاهرًا في جوانب أخرى كذلك، فإن معظم أطفال العامين يمكنهم أن يطعموا أنفسهم إلى حد ما، وفي سن الثالثة تقريبًا يمكنهم استخدام المعالق والشوك ببعض الإتقان.
ولكن استخدام السكين لقطع اللحوم أو قطع الزبدة تتطلب اتساق أكبر، ولا يتقنون ذلك إلا بعد سنوات قادمة, وفي سن الثالثة نجد كثيرًا من الأطفال يمكنهم خلع ملابسهم بأنفسهم إلى حد ما, وفي سن الرابعة يستطيع الكثير منهم أن يرتدي بصورة جزئية ملابسه، ويتضمن ذلك استخدام الزراير والسوستة كما أن القدرة على لبس الأحذية وربط رباط الأحذية عادة لا تتم إلا في سن الخامسة أو السادسة. "جيزل" Gesell؛ "1940". وعلى الرغم من أن الأطفال قد تعلموا في هذا السن الإمساك
(1/270)

بالشوك والملاعق والسكاكين بطريقة مقبولة اجتماعيًا إلا أن هذه الأدوات يجب أن لا تعطى لهم إلا بعد تمكنهم من قدرة حركية مناسبة لكي يستخدموها ويكون ذلك في سن السادسة أو السابعة تقريبًا, ويجب أن يكون الآباء متسمون بالصبر مع أطفالهم عند استخدامهم المعالق والشوك والسكاكين استخدامات غير ماهرة أو غير ملائمة.
ومن بين الإنجازات الحركية الكبيرة لفترة ما قبل المدرسة، التوازن والتسلق وقذف الكرة, وفيما يتعلق بالاتزان نجد معظم أطفال الثالثة يمكنهم المشي بطريقة مستقيمة مقبولة على الأرض، إلا أنهم لا يمكنهم السير في ممر دائري حتى سن الرابعة أو الخامسة, ولا يستطيعون كذلك الوقوف على قدم واحدة وأيديهم على صدورهم لمدة ثوان قليلة إلا بعد وصولهم إلى الخامسة من العمر تقريبًا, ويبدو أن البنات أحسن من الأولاد في هذه العملية حيث يمكنهم الوقوف لمدة أطول في الوضع سابق الذكر.
كما أن لعب عارضة الاتزان يظهر تقدمًا تدريجيًا مع تقدم السن، فأطفال العاملين يمكنهم إجراء محاولة الوقوف على العارضة والأطفال الأكبر قليلا يحاولون المشي على المعارضة وأطفال الثالثة عمومًا يمكنهم أن يبدلون أقدامهم ويتحركون على ممر طوله 7.5 متر وعندما يصل الأطفال إلى 4.5 سنة يمكنهم السير باتزان على العارضة وبسرعة وبدون تردد. Keogh؛ "1965".
أما التسلق، يحدث كذلك نموا مطردًا لدى الأطفال فيه متضمنا العوامل الانفعالية بالإضافة إلى العوامل الحركية, فأحد العناصر الأساسية في كل من الاتزان والتزحلق هو الخوف من السقوط, وعادة ما يلاحظ التزحلق لدى الأطفال الذين يحاولون التقدم ببطئ على أعلى سلالم أو درج سهل, وبمجرد أن يبدأ الأطفال المشي يمكنهم صعد الدرج إلى أعلى ولكن دون تناوب أو تعاقب القدم، وعندما يصل الطفل إلى 4.5 سنة عادة ما يمكنه أن يناوب بين الخطوات وعادة ما نجد الأطفال الصغار لا يحاولون النزول أسفل بمفردهم، كما أن قدرة الأطفال فيما بين 2-5 سنوات على الرمي تتقدم بطريقة مماثلة.
ونشاطات اللعب في تلك الفترة تعكس كذلك نضج أطفال ما قبل
(1/271)

المدرسة في قدراتهم الحركية، ففي الملعب يمكنهم الصعود والهبوط من على الكتل أو الألواح المتزحلقة، ويمكنهم الجلوس فوق المرجيحة ويدفعون بأنفسهم إلى أسفل, ويمكنهم استخدام بعض الأدوات خارج المنزل كركوب المزالج التي تشد إلى نعال أحذيتم والدحرجة بها، وركوب الدراجة يكون شائعًا بين أطفال ما قبل المدرسة إلا أن ركوب الدراجة ذات العجلتين يكون أصعب ولا يحدث ذلك إلا في سن الخامسة أو السادسة تقريبًا, ومرة أخرى نجد الأطفال قد يخافون من ركوب الدراجة ذات العجلتين بسبب احتمالات سقوطهم على الأرض, وهذا الخوف قد يكون عائقًا كبيرًا لبعض الأطفال كما هو الحال في عارضة الاتزان.
أما اللعب الحركي البسيط، فإن أطفال ما قبل المدرسة يمكنهم أداؤه، كالإمساك بالفرشاة ورسم الخطوط، والدوائر، وقطع الأوراق وعمل بعض الأشكال أو الملصقات كما يمكنهم التلوين بواسطة الأقلام والطباشير الملون، وبمجرد تعلمهم كيفية مسك الأقلام والطباشير الملون فإنهم يبدءون في الرسم بصورة عفوية تلقائية، وتظهر هذه الرسوم تقدمًا تدريجيًا مرتبطًا بأعمارهم الزمنية, وعادة ما يبدأ أطفال هذه الفترة ما يسمى بالشخبطة المتعجلة، ويتقدمون من ذلك إلى المرحلة المسماة بمرحلة الشخبطة Scirbble Stage.
وبعد انتهاء مرحلة الشخبطة أو الرسم بعجلة وبدون عناية، تأتي مرحلة أخرى وهي الشخبطة المضبوطة Controlled Scribble Stage والتي نجد الأطفال يعملون رسومًا "خربشة" في اتجاه مرغوب فيه مثل الدوائر أو الأشكال المائلة المنحرفة, وما بين 4-7 سنوات نجد الأطفال يحاولون تقديم بعض الأشياء التي يرونها فيما يسمى بالرسوم التخطيطية القبيلية Preschematic، وعادة ما يبدأ الأطفال برسم الرأس وبعد ذلك يحاولون وضع العينين والأنف والفم ولكن ليست بالضرورة في أمكانها الصحيحة, وفي المرحلة التالية وهي المرحلة التخطيطية Schematic Stage والتي قد تظهر في الخامسة نجد الأطفال يقدمون الملامح الإنسانية الكاملة, وعادة ما يكون هذا الرسم لأنفسهم أو لأبيهم أو لأمهم Lambert؛ "1970" ولكي نشجع نمو هذه المهارات الحركية فيجب على الآباء توفير الأقلام الملونة والأوراق حتى يجرب الأطفال فيها، بالإضافة إلى المكان المناسب والملابس الملائمة لذلك النشاط, كما يجب أن يتحاشى الآباء أن يفرضوا على الأطفال ما يرسمون، ويسألوا الأطفال ما قد يرسمونه أو
(1/272)

رسموه بالفعل.
ويجب أن نشير أن كلا من نشاطات لعب طفل ما قبل المدرسة والمهارات الحركية كلاهما يكتسب خلال هذه الفترة وتستخدم بصورة متزايدة لأغراض وأهداف اجتماعية وواقعية, على نقيض الأطفال الصغار الذين يندمجون في مهارات لعب تكرارية ينمون خلالها اتساقًا حركيا بسيطًا، إلا أن أطفال ما قبل المدرسة يميلون إلى توجيه لعبهم الحركي لبعض الأهداف العامة البعيدة وعلى الرغم من أطفال ما قبل المدرسة أحيانًا يجرون ويغنون ويرقصون بحماسة وحيوية، إلا أن ذلك غالبًا ما يحدث كجزء من مباراة معينة، فنجدهم يبنون المربعات أو الكتل الخشبية لعمل مرآب "جراج" ويلبسون دماهم كجزء من أجزاء لعبة ما، وتشير إلى ذلك ماريا منتسوري M. Montessori يعتبر اللعب بمثابة الشغل الشاغل للطفل الصغير، ولكنه يمكن أن يكون في بعض الأحيان بسيطًا لعرض الفكاهة وكذلك للتعبير الشخصي وبالتالي لا يكون دائمًا موجهًا للتكيف الاجتماعي.
وعلى الرغم من أن السيكولوجيين يتفقون حول التفاصيل الوصفية للنمو الحركي، كما يبدو في نشاطات متعددة كالتحرك، والتنقل واللعب إلا أنهم يختلفون في كيفية اكتساب هذه النماذج الحركية، فلقد أشار بعض الباحثين إلى أن الأطفال ينمون الحركات التي تتسم بالمهارة عن طريق اكتساب معلومات وبيانات تلك النشاطات, وهذا يعني أن الطفل يجب أن يجرب حركة عارضة الاتزان مثلا، ويصححها تبعًا للتغذية الراجعة التي يتلقاها من قدميه, وعلى ذلك وفقًا لوجهة النظر هذه فإن الأفعال الماهرة، تصبح أكثر اقتصادية وأقل تغيرًا كلما خطا الطفل في مدارج النمو, ويشير باحثون آخرون أن اكتساب نماذج الأفعال الماهرة يعزى في مثير منه إلى الواجب ذاته بالإضافة إلى المعلومات والبيانات التي يمتلكها الطفل, وتبعًا لوجهة النظر هذه نجد الطفل يبني رد فعل معياري لمثيرات معينة والتي ينوعها لتتفق مع المواقف الجديدة، فمثلا يحاول الطفل في عارضة الاتزان نفس خطوات المشي والتي عادة ما يستخدمها على الأرض ولكن مع ازدياد تحكمه وتوازنه لكي تتناسب مع موقف المثير الجديد ونظرية المعيار البنائي Construction Standard هذه تشير إلى أن الطفل يبني مخططات معيارية لأنماط متنوعة من المهارات الحركية، كما أن المهارات الحركية الجديدة تكتسب عن طريق تعديل المهارات الحركية القديمة Keogh؛ "1971".
(1/273)

ويشير الاتجاه الثالث أن اكتساب الأفعال والحركات الماهرة يشبه النمو المعرفي بصورة عامة، خاصة النمو اللغوي، ففي إحدى الدراسات Good Son & Greenfield؛ "1975" أشارا إلى ثلاثة اتجاهات تميز النمو اللغوي عند الأطفال بمعنى أنها تندرج بصورة هرمية لتصبح أكثر تركيبًا وتعقيدًا.
فالكلمة الواحدة يمكن أن تستخدم في أكثر من وظيفة في الجملة الواحدة، كما أن نشاطات اللعب تسير كذلك وفقًا للتنظيم الهرمي.
ويجب أن نشير إلى أن هذه الاتجاهات الثلاثة ليست متعارضة كل منها بالآخر. فقد تكون مكملة بعضها البعض في طرق معينة، بالإضافة إلى أن هذه النظريات الثلاثة لم تتضج صورة كافية، ولم تتوفر البيانات والمعلومات لصالح واحدة دون أخرى. وعلى ذلك فإن هذه النظريات تشترك جميعها بصورة عامة في مفهوم أن الفعل الماهر يعتبر انجاز مركب ينمو تدريجيًّا، وقد يتبع نفس الخطوط العامة للنمو مثله مثل اكتساب اللغة أو اكتساب التفكير المنطقي.
(1/274)

النمو العقلي
مدخل
...
النمو العقلي:
إن نمو القدرات العقلية في أثناء فترة ما قبل المدرسة شيء غير عادي وجدير بالملاحظة مثل النمو الجسمي ونمو القدرات الحركية في أثناء فترة الطفولة المبكرة. ففي هذا الوقت نجد الأطفال ينمّون نماذج من المهارات التي نسميها بالذكاء العام General Lntelligence ويمكن أن تقاس باختبارات مقننة تشبه تلك الاختبارات التي تستخدم مع الأطفال الكبار والمراهقين والراشدين بالإضافة إلى استقرار وثبات مهارات أخرى مثل الإدراك والذاكرة والتعلم وحل المشكلة واللغة في أثناء هذه الفترة. وبسبب هذه التغيرات في قدرة الطفل العقلية. نجد مفهومه للعالم يتسع بصورة جديرة بالملاحظة. ويصبح كذلك أكثر عمقًا إذا ما قورن بما كان عليه في السنتين الأوليتين، وسنتأمل سويًّا في الصفحات التالية بعض من التغيرات غير العادية للنمو العقلي.
(1/274)

قياس الذكاء:
صممت اختبارات الذكاء في الأصل لأطفال ما قبل المدرسة. وكذلك أطفال سن المدرسة وأشارت إلى نموذج من القدرات يظهرها الأطفال في
تكيفهم للمواقف الجديدة.. وبعض الاختبارات الفرعية لمقياس استانفورد بينيه S.B inet تشير إلى قدرات الأطفال ما بين 2، 5 سنوات التي يتوقع أن يكونوا عليها، وتتضمن الاختبارات الفرعية لقياس بينية قياس مدى الاتساق الحركي "وضع مربع خشبي صغير ومثلث ودائرة في أماكانها الصحيحة على لوحة ذات أشكال معدة لذلك"، وموقف آخر يسأل فيه الطفل أن يبني برجًا من قطع خشبية صغيرة، وتتطلب الاختبارات اللفظية من الصغار التعرف على ثمة موضوعات "كالكلب والسرير والكرة وهكذا" وذلك باسمائها، واختبار آخر يتطب من الطفل التعرف على صور موضوعات وأشياء واختبار آخر يشير إلى مدى تذكر الطفل في أن يحضر شيء ما قد خبئ تحت أحد أشياء ثلاثة.
وبناء هذا القياس والذي يميل في الأصل إلى التمييز بين الأطفال العاديين والأطفال المتأخرون عقليًّا، أشار بينيه أن الطفل يمكن أن يعتبر متوسطًا إذا تمكن من أداء الأشياء التي يمكن للأطفال في مثل عمره الزمني أدائها، وعلى ذلك فإن هذا القياس ركز في تصميمه على قياس نفسي وليس قياسا ماديًّا، ومواقف هذا المقياس تدرجت لمستويات عمرية معينة تبعًا لعدد أطفال العينة المعيارية التي أجابت إجابات صحيحة على كل موقف. فمثلًا اختبر أطفال ذوي العامين باختبار بينيه وتمكن 15% من حل ثلاثة أشكال في لوحة الأشكال المثقبة وقليل جدًّا من أطفال العام الواحد تمكنوا ذلك، ولكن كل أطفال ذوي الثلاثة سنوات تمكنوا من حل المشكلة وبالتالي فإن هذا الاختبار وضع لمستوى العامين.
ومقياس استانفورد بينيه يتضمن ستة اختبارات لكل مستوى عمري، واجتياز أي اختبار من الستة يكتسب الفرد شهرًا في عمره العقلي، وعادة ما يبدأ المختبر بالمستوى الذي يعتقد أن الطفل سوف يجيب إجابات صحيحة عن كل مواقفه. ويسمى ذلك بالعمر القاعدي Basal Age فطفل الأعوام الأربعة مثلًا يجب أن يجيب على كل اختبارات مستوى الثلاث سنوات، فإذا أجاب الطفل إجابات صحيحة على كل مواقف مستوى الثلاث سنوات، فإنه يتلقى تصديقًا بالمرور في كل السنوات السابقة لهذه السن. ويستمر الاختبار إلى أن يفشل الطفل في الإجابة على جميع مواقف مستوى عمري معينة ويطلق عليه بأقصى ارتفاع للطفل Childs Ceiling ودرجة الطفل تكون محصلة الدرجة القاعدية + عدد الشهور التي حصل عليها فوق هذه الدرجة القاعدية، والدرجة المحصلة الإجمالية بالسنوات والشهور تمثل العمر العقلي للطفل Mental Age.
(1/275)

وعلى الرغم من أن بينيه اعتقد أن العمر العقلي يعتبر مفهومًا مفيدًا يوضح المستوى الأقصى للعمر العقلي للحالة، نجد باحثون آخرون أرادوا قياسًا يمكن أن يظهر براعة الطفل في علاقته بأطفال آخرين، ولذلك قدم وليم ستيرن W.Stern الأخصائي النفسي الألماني مفهوم نسبة الذكاء والذي عرضها كما يلي.
(1/276)

مقياس ديفيد وكسلر:
اتجاه مختلف إلى حد ما لقياس الذكاء أشار أليه ديفيد وكسلر. D. Wechsler حيث طرق مفهوم العمر العقلي واستعمل درجات قياسية Point Scale للذكاء.. فبدلًا من حساب أداء الحالة بالسنين والشهور كما هو الحال في مقياس استانفورد بينيه، فإن أداء الحالة في مقياس وكسلر تحسب بالدرحات وبالتالي تحول مباشرة إلى نسبة للذكاء.. ومقياس وكسلر للذكاء "الأطفال ما قبل المدرسة، ولأطفال المدرسة، المراهقون، والراشدون" جميعها تقدم لنا ثلاثة نسب للذكاء "الذكاء اللفظي، والذكاء العملي أو الأدائي، ونسبة الذكاء الكلية".
وبعض الأمثلة من طبعة وكسلر الجديدة لاختبار ما قبل المدرسة قد تساعد على توضيح القدرات المتطلبة للمقاييس اللفظية والعملية.. فأحد هذه الاختبارات يتعامل مع المعلومات أو البيانات العامة، ويتضمن أسئلة مثل، كم أذن لديك؟ ما الذي يعيش في الماء؟ واختبار لفظي للمفردات حيث يسأل الأطفال التعرف على قائمة من الكلمات الأكثر صعوبة كالمجهر بالحذاء. والسكين ويأخذ في التدرج للكلمات الأكثر صعوبة كالمجهر والمراهنة. واختبارات الأداء يسأل الأطفال الإشارة إلى الشيء الناقص في الصورة المعروضة "كأسنان المشط مثلًا" واختبار آخر يطلب من الحالة أن تبني شكل من المكعبات تشبه الصورة التي أمامه.
وعلى الرغم من أن كل من مقياس بينيه ووكسلر يستعملان مواقف مختلفة إلى حد ما، ويستخدمان أدوات اختبار مختلفة، بالإضافة إلى طرق تقدير معينة، إلا أن الارتباط بينهما وصل إلى ما يقرب من. 75% وهذا يدل أن كل من المقياسين يقيس قدرة عامة أو ذكاء عام، بالإضافة إلى قدرات معينة متطلبة لمواقف المقياس المختلفة.
(1/277)

اختبار القدرة اللغوية المصور
...
اختبارات القدرة اللغوية المصور Peabody Picture Vocabulary Test:
وهذا الاختبار أعده دان "1965" Dunn " إلا أن استخدامه محدودًا لحدودية القدرات اللغوية التي يقيسها وهذا الاختبار لا يرتبط بصورة عالية مع مقاييس بينيه ووكسلر، كما اتضح من الارتباط بين المقياسين الأخيرين ولذلك فإذا احتاج إلى أي أخصائي تقدير شامل للقدرات العقلية لطفل ما، فعادة ما يفضل أحد الاختبارين السابقين.
وسؤال يطرح نفسيه الآن، لماذا نجد نتائج اختبارات ذكاء الأطفال ما قبل المدرسة وأطفال من المدرسة أكثر صدقًا وثباتًا عن نتائج اختبارات ذكاء الأطفال الصغار واللرضع؟ وتكمن الإجابة على هذا السؤال في أن الأطفال الأكبر عادة ما يكون لديهم القدرة اللغوية التي تجعل من الممكن لهم الاستجابة للتوجيهات والإشارات اللفظية، ويمكنهم إعطاء الاستجابة اللفظية لمواقف الاختبار، وعادة ما نجد الأطفال الكبار أكثر مهارة من الناحية الاجتماعية عن الأطفال الصغار وبالإضافة إلى أن تطبيق الاختبارات على الأطفال الصغار يتطلب مهارة كبيرة من جانب الفاحص، حيث يجب أن يشعروا بالارتياح والاطمئنان مع هذ الفاحص حتى يكون أداؤهم معبرًا عن قدراتهم.
ولقد أشار هيدرستات H. Sart إلى العلاقة الإيجابية بين الشعور بالطمأنينة والارتياح وبين أداء الأطفال في الاختبارات، ويستطرد إلى أن ضعف أداء الأطفال المعوقين على مواقف الاختبارات يرجع في المقام الأول إلى ضعف العوامل الدافعية عندهم أكثر من ضعف قدراتهم العقلية، وثمة عوامل أخرى قد تسهم في الأداء الضعيف على الاختبارات العقلية مثل الحذر والخوف من الغرباء ورغبة الطفل أن يتخذ مستويات ضعيفة للإنجاز والدافعية الضعيفة التي تؤدي إلى الأداء الضعيف للحالة.
ولاختبار هذه الظروف السابقة قام زبجلر Zigler وبترفيلد Butterfield بمقارنة أداء مجموعتين ثقافيتين مختلفين على اختبارات الذكاء، ومجموعة أخرى من الأطفال ضابطة لم يتلحقوا بدور الحضانة وأعطى جميع الأطفال اختبارين للذكاء في بداية العام الدراسي لمدرسة الحصانة. واختبارين آخرين في نهاية العام الدراسي، وطبق أحد هذين الاختبارين بطريقة معيارية أي طبق وفقًا للقواعد الموضوعة مسبقًا له حيث يكون الممتحنون في أثناء التطبيق محايدون، إلا أنهم يتسمون بالود نحو الأطفال في أثناء أدائهم للاختبار، وطبق الاختبار الآخر تبعًا للوسائل الأقرب إلى الكمال والفعالية، حيث بنى الممتحنين تفاعل اجتماعي سار بينهم وبين الأطفال، تاركين الأطفال يخبرون النجاح في المواقف السهلة، ومقللين إلى أدنى درجة حذر الطفل من الممتحن محاولين أن يدفعوا الطفل إلى العمل والإنجاز.
وأشارت نتائج التجربة أن أداء الأطفال المتخلفون كان بصورة
(1/278)

أفضل في أثناء التطبيق الأول في بداية العام الدراسي تحت ظروف التفاؤل ذات الفعالية إذا ما قورن مع أدائهم تحت الظروف المعيارية، حيث أشارت النتائج أن الوسائل والأدوات المعيارية تؤثر في الإمكانية العقلية للأطفال المتخلفين، فعندما يدفع الأطفال بصورة حقيقية يمكن أن يتحسن أداؤهم على اختبارات الذكاء. وأشارت النتائج كذلك أن الأطفال الذين التحقوا بدور الحضانة أوضحوا ارتفاعًا محلوظًا ذو دلالة في معدل ذكائهم منذ البداية حتى نهاية العام. في حين أن الأطفال الآخرين لم يتضح لديهم ذلك، إلا أن هذا التحسن ظهر فقط على الاختبارات التي طبقت تحت ظروف معيارية وليس الاختبارات التي أعطيت تحت الظروف قريبة من الكمال أو التفاؤل.
وبنهاية السنة الدراسية لوحظ أن معدل ذكاء أطفال دور الحضانة كما قيس بواسطة الاختبارات المعيارية ازداد بصورة ذات دلالة. ولقد كان ذلك واقع المجموعة الضابطة بالإضافة إلى أن الأطفال المتخلفون عندما دخلوا دور الحضانة لم يكن لديهم دافعية في العمل بصورة عالية في المهام المعرفية، وربما كان ذلك في الاستعداد الانفعالي والانتباه. ولذلك لم يتضح الحد الأقصى لقدراتهم عندما اختبروا تحت الظروف المعيارية المقننة ولوحظ كذلك أن ضعف العوامل الدافعية قد قل بعد شهور من دخول دار الحضانة وبالتالي كان أداء هؤلاء الأطفال جيدًا في الاختبارات المعيارية "المقننة".
ويستنتج زيجلر من نتائج دراسته السابقة أن الالتحاق بدور الحضانة يعدل من اتجاهات ومن دافعية الأطفال المتخلفين أكثر مما يؤثر في قدراتهم المعرفية، وتشير الدلائل أن هؤلاء الأطفال لوحظ تحسن في آدائهم على الاختبارات في نهاية العام الدراسي.
ولقد ناقشنا هذه الدراسة بصورة مطولة؛ لأنها توضح خطورة تفسير بيانات اختبارات الذكاء بدون فهم كامل وشامل للظروف التي يجري الاختبار فيها. ويشير Elkind أن أحد الباحثين قد كلف بقياس ذكاء أحد الأطفال تبلغ من العمر 6 سنوات، كانت سلبية وغاضبة طوال تطبيق الاختبار عليها وكما كان ظاهرًا أنها لم تؤد الاختبار بكل إمكاناتها وشخصت هذه الحالة بأنها تخلف عقلي، ولكن كان يجب أن يعاد تطبيق الاختبار مرة أخرى إلا أن النتائج كانت مطلوبة بصورة سريعة وبعد ذلك
(1/279)

فقد اتضح أن والد هذه الفتاة قد أخبرها بأنه سيأخذها في نزهة منفصلة لها وبدلًا من ذلك أحضرها إلى الأخصائي لقياس ذكائها وليس بمستغرب ظهور غضبها وإحباطها، فقد كان مجال تطبيق هذا الاختبار متنفسًا عن غضبها وإحباطها، ونتائج الاختبار التي يحصل عليها تحت هذه الظروف يجب أن تفسر وتحلل بحذر واحتراس، وعلى ذلك فإن درجات اختبارات الذكاء ليست مقاييس طبيعية مادية، حيث يمكن أن تعكس اتجاهات دافعية بالإضافة إلى القدرة العقلية، وسوف نعود مرة أخرى إلى مشكلات اختبارات الذكاء فيما بعد.
وقبل أن نختتم هذا الجزء في اختبارات الذكاء، يجب أن نشير أن بعض السيكولوجيين قد ارتابوا في جدوى وقيمة اختبارات الذكاء، ويستطردون بأنها لا تقيس التألق أو البراعة الفطرية Brightuess ويتضمن ذلك المهارات اللفظية والانتباهية واتجاهات الإنجاز، كما أن العناصر الثقافية تؤثر في أداء الأطفال، فطفل المدينة يختلف في أدائه عن طفل الريف ويجب أن نشير أن ذلك يرجع إلى مشكلة تقنين الاختبارات.
(1/280)

النمو الإدراكي:
يتضمن الإدراك العمليات التي بواسطتها نقرأ البيانات والمعلومات التي تأتي إلينا عن طريق حواسنا.. ولقد أشارت الدراسات النفسية إلى الصورة العامة للنمو الإدراكي خلال سنوات ما قبل المدرسة، وأهم هذه الدراسات، دراسات جان بياجيه حيث يشير أن الإدراك ينمو في الصورة التالية:
إدراك الطفل الصغير يميل إلى أن يكون مقيدًا بالسمات السائدة أو الخصائص الغالبة لشكل المثير. ومع ازدياد العمر للوليد البشري ونضج القدرات الإدراكية نرى إدراك الطفل يتحرر مع اعتماده المبكر على الخصائص المهيمنة والسائدة. وبالتالي نجده يمكنه التعامل مع الشكل وينظمه بصورة كلية عامة، وهذا التغير يمكن أن يلاحظ في الطريقة التي يؤدي بها الأطفال عدد من المهام الإدراكية المختلفة.
وتؤكد دراسات "1961" Klkind ما ذهب إليه بياجيه حيث عرض على 195 طفلًا تتراوح أعمارهم ما بين 4، 9 سنوات، لوحة من الأشكال المرسومة، وسألهم أن يصفوا ما يشاهدونه، ووجد أن الأطفال
(1/280)

الصغار ركزوا في وصفهم على أجزاء الصورة المعروضة عليهم وتجاهلوا الشكل العام، والبعض الآخر ركز على الشكل العام ولكنهم تجاهلوا الأجزاء وأشار الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 8، 9 سنوات إلى كل من الشكل العام والأجزاء معًا. وهذه الدراسات تدعم وجهة النظر التي تشير إلى أن الأطفال مع ازدياد عمرهم الزمني كلما كانوا أسرع في عملية التنظيم الإدراكي، وكلما كانت مدركاتهم أكثر تكاملًا.
وتؤيد دراسة هويت سيد "1976" Whiteside ما ذهب إليه الكيند Elkind أن النمو الإدراكي يظهر في الحقيقة التي مؤداها أن الطفل يفضل تنظيم وترتيب المثير الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، قبل أن يصبح قادرًا بصورة جيدة على التعامل معه، وعمومًا فإن كل من التركيب وغير المألوفية اتفق على أنهما بمثابة مثيرين يوضحان السلوك الاستكشافي من جانب الأطفال. وتبعًا لذلك فإننا من الممكن أن نتوقع كلما نضج الطفل في عمره الزمني كلما أصبح قادرًا وبصورة متزايدة على التعامل مع المثيرات الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، حيث يكون أكثر حبًّا للاستطلاع لها ويفضلها عن المثيرات الأقل تركيبًا وتعقيدًا.
وجانب آخر من النمو الإدراكي الذي يشير أن الأطفال الأكبر تزداد كفايتهم وأهليتهم سمي بالتحول الانتقالي المشروط Fer Cross Modal Trans وهذا التحول يتمركز في المقارنة بين ما خبر بمشروطية أو صورة معينة وبين ما خبر في أخرى. فمثلًا قد يعرض على طل صورة أو شكل معين ويطلب منه العثور بواسطة اللمس، وعادة ما نجد الطفل يضع يده داخل صندوق معين وبالتالي لا يستطيع أن يرى شيئًا ويطلب منه احضار الشيء الذي عرض عليه، أو قد يطلب من الطفل الإمساك بشكل معين، وعليه أن يكتشفه عندما يراه. وعلى الرغم من أن هناك جدل يدور حول ما إذا كانت التمييزات اللمسية بسيطة كما هو الحال في التمييزات المرئية، إلا أن الإجابة عن هذا التساؤل تعتمد أساسًا على الأشكال التي تُستخدم. ففي إحدى الدراسات مثلًا وجد أن التغير في الخيط المنحنى قد أمكن تمييزه في عمر مبكرة بواسطة العين أكثر من تمييزه باليدين، وفي جميع التجارب لوحظ أن التحول الانتقالي المشروط قد تحسن بصورة ملحوظة مع تقدم الطفل في عمره الزمني، كما أن هذه التجارب قد أشارت إلى أن الإدراك لا ينمو في فراغ، ولكن بالأحرى مع عمليات عقلية ودافعية أخرى وهكذا.
(1/281)

ويرتبط النمو الإدراكي كذلك بنمو القدرة اللغوية فبالنسبة لأطفال سن الرابعة، والذين يتلفظون بصورة نشطة أسماء الأشكال يساعدهم على استدعائهما بطريقة أفضل إذا ما قورنت في حالة سماعها من شخص آخر، ومع ذلك فإن سماع الأسماء من شخص آخر يسهل عملية الاستدعاء إلى حد كبير إذا ما قورنت بعدم سماع الأسماء على الإطلاق وعمومًا فإن الطفل الذي يبلغ الرابعة من عمره عندما يقول الكلمة، فإن ذلك يحرك انتباهه إلى مدى أكبر من مجرد سماع الكلمة تقال بواسطة أي شخص آخر.
واللغة قد تكون مفيدة للأطفال الصغر في إجراء تمييزات إدراكية ويرجع ذلك لصعوبة تركيز انتباههم بصورة انتقائية، والأطفال الأكبر سنًّا أميل من الصغار لاستخدام الانتباه الانتقائي وتجاهل الخصائص الإدراكية الثانوية والتي لا تكون مرتبطة أو ذات صلة بالعمل المعطي. واللغة كما أشرنا يبدو أنها تفيد الأطفال الصغار في جذب الانتباه إلى المثيرات وثيقة لصلة أو المرتبطة بالموضوع وبالتالي يتحاشوا الاضطراب أو اللهو، ويجب أن نشير في هذا المقام أن نصح أو تذكير الآباء لأطفالهم بقولهم: "انظر أو انتبه ماذا تفعل"؟ تحتاج هذه العبارة إلى أن تكون أكثر تحديدًا حتى تكون ذات تأثير، فالأحسن للآباء أن يقولوا: "لاحظ أعلى الكوب عندما تسكب العصير فيه".
(1/282)

التذكر:
كيف يتذكر الأطفال الصغار ما يرونه؟ وما يسمعونه؟ والإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، حيث تعتمد في جزء منها على نوعية المادة التي تستدعي "لفظية أو مصورة" وتعتمد كذلك على نوعية التذكير، هل هو تذكرا قصير المدى Short Term Memory "كاستدعاء رقم تليفون معين نظرات إليه وقتًا كافيًا"، أم تذكر بعيد المدى Ory Long Term Mem "كاستدعائك رقم تليفونك أو عنوان مسكنك". وعمومًا فإن تذكر الأطفال يعتمد كذلك على مستوى نموهم. ومعدل قدراتهم المعرفية وأنظمة ترتيب سلوكهم.
ويشير براون Brown وآخر "1972" أنه إذا افترض أن طفلًا يتذكر موضوعًا معينًا فهل من الأفضل أن نقدم له الموضوع نفسه، أو اسم هذا الموضوع، أو الاسم والموضوع معًا؟ وبمعنى آخر. هل يحتفظ الأطفال
(1/282)

بالخبرات المرئية أم الخبرات اللفظية أم ببعض من الاتحاد بين كليهما؟ وعمومًا فإن قدرة أطفال ما قبل المدرسة تميل إلى أن تكون غير عادية، وتفوق بصورة كبيرة تذكرهم لأسماء الأشياء والموضوعات.
ففي إحدى الدراسات التي تؤيد الحقيقة السابقة، أجرى برلموتر Perlmutte وما يرز 1974 Mayers دراسة حيث عرض فيها أشكال وصور لأطفال في سن الرابعة، وأشارت النتائج أن 93% من أطفال الرابعة تمكنوا من استدعاء 16 شكلًا قدمت إليهم عن طريق الرؤية. إلا أن الذين استطاعوا استدعاء هذه الأشكال لفظيًّا لا يتجاوزون 71% فقط. وهذا يعني أن تذكر الأطفال للصور والأشكال تكون أحسن من تذكرهم الأسماء. وقبل ذلك أشرنا إلى أن قدرة الأطفال التعرف على قوائم الصور والكلمات غير المترابطة، ولكن ماذا يكون الحال بالنسبة للمادة النثرية الأكثر تركيبًا وتعقيدًا؟ هل يستدعي الأطفال الصغار كمية من الأفكار أكثر من صفحة نثرية، تكون الأفكار مرتبطة فيها، بصورة أفضل من تذكرهم لأفكار صفحة نثرية أخرى تكون فيه الأفكار غير مترابطة بعضها بالبعض الآخر.
وتشير نتائج الدراسات أن الأطفال الصغار فيما قبل سن المدرسة تمكنوا من استدعاء الموضوع المترابط بصورة أفضل مما فعلوه مع الموضوعات غير المترابطة. وفي هذا الميدان نجد أداء الأطفال الصغار يشبه أداء الأطفال الكبار والراشدين، والاختلاف الوحيد بينهما أن الأطفال الصغار لم يتمكنوا من استدعاء كمية كبيرة من المواد أو الموضوعات.
ويعن علينا تساؤل الآن، "كيف يتذكر الأطفال الصغار الأشياء والموضوعات المختلفة؟ وكيف يتذكرون قائمة من الكلمات أو صفحة نثرية أو سلاسل من الصور؟ وعمومًا فإنهم لا يملكون استراتيجيات لتذكر المواد كما نجد عند البالغين فالأطفال الكبار والراشدين مثلًا غالبًا ما يربطون العناصر الفردية إلى فئة أو صنف أكثر عمومية "فالقط والكلب والبقرة جميعها حيوانات، وبالتالي يمكن استدعاؤهم بسهولة عن طريق التفكير في صنف أو فئة أكبر" إلا أن الأطفال ما قبل المدرسة لا يكون الحال لديهم كما سبق حيث لا يملكون ثمة مهارات فئوية أو تصنيفية عامة، وعلى ذلك فإنهم قد يضعون الكلب والقطة معًا وليس معهما البقرة. وذلك لأن كل
(1/283)

من الكلب والقطة يعض، ويظل هذا الحال عند الأطفال الصغار حتى سن السادسة أو السابعة تقريبًا، حيث يتمكن الأطفال في هذه السن من عمل أشياء أو مواد مجتمعة حتى يمكن تذكرها تبعًا لأصنافهم أو فئات موضوعاتها.
ومع ذلك، فالأطفال يكون لديهم بعض الطرق والوسائل القليلة لتذكر المواد والموضوعات، إلا أنها تكون محدودة جدًّا وتتصف بالبدائية إذا ما قورنت بالاستراتيجيات الفئوية التي يستخدمونها فيما بعد، فمثلًا عندما يطلب من طفل الثالثة تذكر أين اختفت الدمية فإنه عادة ما ينظر إلى المكان الذي توضع فيه الدمية، ومثله في ذلك مثل طفل العامين، وبالنسبة للأطفال ما بين 3، 5 سنوات فعند سؤالهم تذكر أين وضعت الدمية؟ نجد ذلك يساعدهم إلى توجيه انتباههم لمثيرات ذات علاقة ومرتبطة بالدمية، على الرغم من عدم تمكنهم حتى الآن استخدام استرايجيات تصنيفية فئوية.
ناقشنا فيما سبق التذكر قصير المدى، أي انقضاء دقائق قليلة بين تقدم المادة واستدعائها أو التعرف عليها، ولكن ماذا عن استدعاء الطفل الصغير لأحداث انقضى عليها فترة طويلة من الوقت؟ ويشير كل من بياجيه وانهلدر 1968 Piager& Lnhelder إلى بعض الحقائق المثيرة في هذا الموضوع، ولكنه عملية نشطة، كما أن الخبرة الأصلية يمكن أن تجتاز كثير من التحولات قبل أن تستدعى. بالتالي فإن ما يتذكره الطفل قد لا يشبه بدقة الخبرة الأصلية.
ومفهوم الذاكرة كعملية نشطة، ليست مفهومًا جديًّا، إذ أشار إليه فردرش بارتليت F. Bartlett وفرويد، في أن المواد التي تخزن في الذاكرة تخضع لتحولات تلقائية، وفي ذلك يشير بارتيت أنه في حالة استدعاء الحالات لقصص معينة عادة ما يزيدون من توضيح بعض الأجزاء ويختصرون ويوجزون في أجزاء أخرى. وأشار فرويد أن كثيرًا من الذكريات التي استدعاها مرضاه كانت مجرد اختلافات وتلفيقات تبنى بصورة لا شعورية لإبهام وإخفاء الأحداث المؤلمة.
(1/284)

وجدير بالذكر أن ما أضافه كل من بياجيه وانهلدر للوصف السابق لتحولات الذاكرة يعتبر بمثابة بعدًا نمائيًّا، ففي سلسلة من دراساتهما أشارا أن تذكر الأطفال يبرز تغيرًا لنمو قدراتهم العقلية في التعامل مع العلاقات الكمية، ففي إحدى الدراسات عرض على أطفال من الرابعة إلى السادسة من العمر مجموعة من العصي ذات أطوال مختلفة ورتبت من الأصغر إلى الأطول ... وسئل الأطفال أن ينسخوا أو يقلدوا عمل هذه السلسلة من العصي، وبعد ذلك كلفوا برسم هذا النموذج من الذاكرة بعد رؤيتها مباشرة، وكررت هذه التجربة بعد ستة أشهر بعد ذلك.
وأشارت النتائج أن أطفال سن الرابعة كانت لديهم صعوبة في نسخ نموذج السلاسل وفي تذكرها، وعادة ما كانوا يرسمون أزواجًا من العصي واحدة فيها أكبر من الأخرى، وأطفال الخامسة والسادسة كانوا أكثر دقة مما كان عليه أطفال الرابعة، وعادة ما كانوا يجرون نسخًا صحيحًا للنموذج ونتيجة ذلك كانت لافتة للنظر في هذه التجربة وهي عندما سؤال أطفال الرابعة أن يرسموا نموذج السلاسل بعد ستة أشهر من إجراء التجربة الأولى، أظهروا تحسنًا ملحوظًا وذو دلالة على رسومهم الأولى، ويعلق بياجيه وانهلدر على ذلك بقولهما، أن تذكر هؤلاء الأطفال لنماذج السلاسل قد تحول في انسجام ومطابقة مع قدرتهم النامية لترتيب عصي مختلفة الأحجام في هيئة سلسلة وجدير بالذكر أن هذه النتائج دعمت بنتائج دراسات أخرى عديدة.
جملة القول أن كل من بياجيه وانهلدر قد أمدونا بدليل جديد للنظر إلى التذكر على أنه بمثابة عملية فعالة نشطة وليس عملية سلبية، ومن جانب آخر وجدنا كل من ارتيت وفرويد يشيران أن نشاط الذاكرة يعتبر عملية محرفة مشوهة بصورة أساسية، إلا أن كل من بياجيه وانهلدر يشيران بأنه ليس بالضرورة أن يكون التذكر على هذا النمط، فبالنسبة للأطفال الناميين فإن تذكر الخبرات السابقة يتحسن بتقدم العمر وكلما أعاد الطفل بناء هذه الذكريات مع عمليات عقلية ومفاهيم أكثر نضجًا.
وفيما يتعلق بتذكر الراشدين لخبرات الطفولة المبكرة، فإن معظم الراشدين لا يمكنهم تذكر هذه الفترة من حياتهم بصورةكاملة، فقد يكون لدينا بعض من الذكريات اللافتة للنظر عن هذه الفترة، وبعض من الحدس الغامض إلا أنها تكون شاحبة وغير واضحة بصورة كاملة. وقد يرجع سبب ذلك إلى النضج العقلي، فالذكريات تخزن في إطار زماني ومكاني معين، فعندما نسأل شخص ما أين كنت الليلة الماضية؟ فإننا نسأل عن الزمان والمكان. وعلى ذلك يمدنا بدليل للبحث عن ذاكرة معينة أو تذكر فرد معين، إلا أن الأطفال الصغار عادة ما نجد لديهم مفاهيم غامضة للزمان والمكان وبالتالي لا يمكنهم تخزين هذه الذكريات في إطار نظامي.
(1/285)

التعلم التمييزي:
أحد أساليب التكيف الأساسية للأطفال الصغار هي تعلم التعرف، والتمييز بين الموضوعات المتنوعة وخصائصها في حياتهم اليومية، فالأطفال في حاجة إلى تعلم التمييز بين البرتقالة والتفاحة، بين الدائرة والمربع، وهكذا، كما أن التمييز أحد الطرق الأساسية التي يتعلم من خلالها الأطفال المفاهيم وبعض جوانب التعلم التمييزي ذكرت فيما سبق عند مناقشة الإدراك، والآن سوف نركز على بعض جوانب التعلم التمييزي.
وأحد النتائج الدالة التي تتصل بتعلم الأطفال الصغار هي التغير النوعي الذي يحدث بين الأعمار أربعة وستة سنوات "1975" Liben. وهذا التغير في التعلم التمييزي وضح بواسطة التبدل المعكوس حيث دربت حالات في البداية لعمل تمييزات لبعد واحد من الأبعاد "كالألوان مثلًا" وأن تتجاهل الاختلافات الأخرى. وبمجرد أن يتعلم الطفل التمييز "عن طريق مكافأة الاستجابات الصحيحة وعدم مكافأة الاستجابات الخاطئة"، وعرضت على الحالات أحد التمييزين بعد تدريبهم، وفي التبدل المعكوسي Shift Reversal عكست الاستجابات الصحيحة والخاطئة الأولية وعمومًا فإن مشكلة التبدل المعكوس جربت على الحيوانات بالإضافة إلى الأطفال والراشدين، واتضح أن الأطفال الصغار والحيوانات عندها صعوبة أكبر في التبدل المعكوس، كما أن الأطفال الأكبر والراشدون وجد لديهم تبدلات معكوسة أكثر.
وهناك تساؤل في تعلم التمييز مؤداه: هل الطفل يتعلم أن يتسجيب لمثير معين، أو إلى العلاقة بين المثيرات؟ والإجابة عن ذلك تعتمد جزئيًّا على المسافة أو البعد بين المثيرات التي تستخدم في تدريب الطفل والمسافة التي تسخدم في اختباره واقعيًّا، فالأطفال الصغار يجرون اختبارات علاقاتية عندما لا يكون المثير الجديد أكبر بصورة ظاهرة عن المثير الأصلي، وتشير نتائج بعض الدراسات "1956" Albert& Others أن طفل الثلاث سنوات يمكن أن يجري خيارات علاقاتية إذا درب على الاستجابة لعلاقات المثير
(1/286)

السلوك الاحتفاظي Conservation Behavuor:
يشير بياجيه إلى منحى مختلف للتعلم الإنساني، حاول فيه تتبع نمو تفكير الأطفال من الطفولة المبكرة حتى المراهقة، ويعتقد بياجيه أن الطفل يتعلم عن العالم المحيط به عن طريق ما يسمى بالإدراك التدريجي التابع للفكر Porgressively Subordinating Perception وهذا ما يميز التقدم العلمي بصورة عامة، فمثلًا لا تكون دائرية الأرض واضحة بذاتها، إلا أنه استدل عليها من ثمة مؤشرات ظل الأرض على القمر، واختفاء السفن في الأفق، وبالتالي ساعدت هذه المدركات على التغلب على الانطباعات الإدراكية في أن الأرض مسطحة وأن الشمس تدور حول الأرض.
ولكي نحدد كيف يكون عالم الطفل محكومًا بالإدراك، وكيف يكون محكومًا بالعقل والفكر. صمم بياجيه بعض المهام العقلية حيث يواجه فيها الطفل بموقف تتضارب فيه الأحكام الإدراكية والمنطقية، فمثلًا قد يعرض عليه كأسين كبيرين واسعين من البرتقال مملوءين بارتفاع متساوٍ، وكأس ثالث طويل فارغ، ويسأل الطفل هل نفس كمية البرتقال في الكأسين الواسعين وبمجرد أن يقتنع الطفل أن كميات العصير هي نفسها يصب المختبر العصير من الكأس الواسعة إلى الكأس الثالث الطويل الضيق وتسأل الطفل عما إذا كانت نفس كمية العصير الموجودة في الكأس الواسع القصير متساوية مع الكمية الأخرى الموجودة في الكأس الطويل الضيق ... فإذا أشار الطفل أن الكأس الطويل به كمية أكبر من العصير يكون تفكيره مشوبًا بالخداع. ولكي يتغلب على هذا الخداع يجب عليه أن يتسخدم المنطق وأن يتحقق أن الكميتين هي نفسها حيث لم يضف أو يؤخذ أي كمية من الكأس. ففي حالة الطفل الذي يشير أن الكميتين مختلفتين يشير بياجيه إلى أنه يفتقد الحكم بثبات الأشياء وبقائها conservation من الناحية الكمية، والطفل الذي يحكم أن الكميتين متساويتان يشير إلى أن لديه مبدأ الثبات وبقاء الأشياء ذو فعالية أي أنه يشير إلى أن تفكيره قد تغلب على إداركه.
(1/287)

ولقد صمم بياجيه ومعاونوه عديدًا من الاختبارات لقياس مبدأ ثبات وبقاء الأشياء "السلوك الاحتفاظي" وتضمن كثيرًا من المفاهيم كالأعداد والزمان والمكان والكمية والحركة والسرعة.. وما إلى ذلك وسوف نورد بعضًا منها فيما بعد. وعمومًا فإن معظم الأطفال تحت سن السادسة أو السابعة لا يشيرون إلى مبدأ الثبات وبقاء الأشياء أو السلوك الاحتفاظي، وتبعًا لبياجيه فإن أطفال ما قبل المدرسة تنقصهم القدرة على التفكير المنطقي، وبالتالي يقعون فريسة الصورة الخادعة التي يقدمها الإدراك. ومما هو جدير بالذكر أن دراسات بياجيه واختباراته أعيد تطبيقها في كثير من دول العالم وأشارت إلى نتائج يمكن مقارنتها بنتائج بياجيه بصورة مدهشة لافتة للنظر.
ومن جانب آخر فقد أشار بعض الباحثين أن الأطفال الصغار لديهم قدرات أكبر مما أشار إليه بياجيه مثل Eluff "1962"، & Weiz Achenbach "1975"، Zeiler "1966" وثمة مشكلتان قد جذبتا انتباها خاصًا، وهما الاستدلالات الانتقالية ومفهوم عن العدد، وسوف نرى كذلك أن نجاح أو فشل الأطفال الصغار في تلك المهام يعتمد على متغيرات كثيرة مختلفة.
(1/288)

الاستدلالات الانتقالية:
لنفترض أنك عرضت على طفل عصايتان بأطوال مختلفة "أ"، "ب"، وكانت "أ" أقل من "ب" وتسأله أن يحكم أيهما أطول من الأخرى، ولنفترض أنك عرضت عليه عصايتين أخريتين، واحدة منها من الزوجين السابقين واحدة جديدة مثل "ب" أقل من "ج"، وتسأله مرة أخرى ما هي العصى الأطول، وأخيرًا لنفترض سؤالك إياه دون السماح له بمقارنة العصى بصورة مباشرة ما إذا كانت أأطول من ج مع معرفة أن أأطول من ب" وب أطول من ج، فإذا استنتج الطفل أن أأطول من ج، حينئذ يقال أنه قد أجرى استدلالات انتقالية.
ويشير بياجيه أن أطفال تحت سن الخامسة أو السادسة لا يمكنهم إجراء استدلالات انتقالية وأيد باحثون آخرون أمثال. "1962" Achenbach, J Peluff, N "1975" طبقوا ذلك على الأطفال الصغار في ثقافات مختلفة، وأشاروا إلى أن الأطفال الصغار يكون لديهم صعوبة كبيرة في إجراء الاستدلالات من المقدمات المنطقية، ومن جانب آخر في أثناء العشر
(1/288)

سنوات الأخيرة أشار باحثون آخرون مثل Bryant, P.& Trabars, T "1971" kendler. l,& Kendler "1967" أن الأطفال في أعوامهم الأولى يمكنهم إجراء هذه الاستدلالات الانتقالية وأن أطفال الثالثة والرابعة يمكنهم ذلك، وهم في حقيقة الأمر أعلى مما ادعى بياجيه وزملائه، وفي تجربة أخرى أجراها Brainerd "1963" أثبتت وجهة النظر الأخيرة، حيث دربت مجموعة من الأطفال سن ما قبل المدرسة على أزواج من العصي المختلفة، وتعلم الأطفال أن: "أ" أقل من "ب"، "ب" أقل من "ج"، "ج" أقل من "د"، "د" أقل من "هـ"، وذلك لاستخدام خمسة عصيان بأطوال مختلفة وألوان مختلفة، فقد كانت أ = 7 بوصات، وب كان طولها 6 بوصات، ج طولها 5 بوصات، د طولها4 بوصات، هـ طولها 3 بوصات. وكانت ألوان هذه العصي بالترتيب أزرق، أحمر، أخضر، أصفر، أبيض. وعلم الطفل والإشارة إلي أيهما أطول من الأخرى، وبالتالي فقد تعلم الأطفال التعرف على الأطوال المختلفة بواسطة اللون، وتم ذلك بسهولة وفي اختبار هؤلاء الأطفال طلب منهم أن يقارنوا بين ب، ج عندما كانتا في اللوحة الخشبية، وأشارت النتائج أن أكثر من 75% من أطفال سن الرابعة أمكنهم إجراء ذلك بصورة صحيحة، ودعمت هذه النتائج بواسطة الدراسة التي قام بها Brayant& Other "1971".
فهل يمكن أن يدرب الأطفال الصغار على إجراء الاستدلالات الانتقالية؟ يجيب Brayant أنه من الممكن أن يتعلم الأطفال ذلك عن طريق التدريب تصورات عقلية للعصي في أثناء التدريب بصورة تدريجية، وعندئذ يراجعون هذه التصورات العقلية في رءوسهم عندما يطلب منهم مقارنة ب، ج مثلًا، وبالتالي فإنهم قد لا يفعلون تلك المقارنات الصحيحة عن طريق التفكير الاستدلالي الانتقالي ولكن عنة طريق التخيل العقلي Mental Lmagery.. جملة القول لا يزال الرأي غير واضح عما إذا كان أطفال ما قبل المدرسة يمكن أن يجروا عمل الاستدلالات الانتقالية ومع ذلك فإنه بدون التدريب تجد معظم هؤلاء الأطفال الصغار لا يستخدمون هذه الاستدلالات بصورة تلقائية.
(1/289)

ثبات العدد Number Conservation:
في إحدى تجارب بياجيه لتحديد تصور الطفل للعدد، استخدم مسألة الثبات أو البقاء، حيث قدم للطفل صفًّا مكونًا من ستة سفن بلاستيك صغيرة، وطلب من الطفل أن يأخذ نفس العدد من مجموعة كبيرة من السفن وضعت بجانبه، وأن يعمل منها صفًّا مثل الذي يراه.
ووجد بياجيه أن هناك استجابات متوالية نظامية مرتبطة بالعمر الزمني للطفل، فالأطفال في سن الرابعة "والذين لم يكن لديهم تصور مستقل عن الشيء المؤلف من ستة" قد قلدوا المسافات بين كل سفينة وأخرى، وتجاهلوا الطول والعدد، وعملوا صفًّا أطول من السفن، ويحتوي على مراكب أكثر مما طلب منهم، وأحيانًا قلدوا طول الصف متجاهلين المسافة بين كل مركبة وأخرى. أما الأطفال ما بين 5، 6 سنوات كانوا قادرون على نسخ النموذج صحيحًا وكذلك الالتزام بالمسافات بين كل سفينة وأخرى.
ويشير بياجيه أن الطفل يصل إلى إحساس حقيقي للعدد عندما يستطيع أن يتغلب على الخداعات الإدراكية للأعداد وذلك بمساعدة التفكير، فتفكير الأطفال ينمو بسبب التذويت التقدمي للأفعال، وبمجرد أن تصبح الأفعال المذوتة نظم معينة "مثل العمليات الحسابية" نجد أن أحد خصائصها يتمثل في المعكوسية أو المقلوبية، فإن جمع 6+6= 12 يمكن أن تعكس بواسطة الطرح، 12-6= 6، كما أن الجمع والقسمة تكون مقلوبة أو معكوسة لنقطة البداية في خبرة ثبات أو بقاء الأشياء ... كما توجد طرق أخرى نجد فيها العمليات المعكوسة يمكن أن تقود الطفل إلى مبدأ الثبات أو بقاء الأشياء، فالوصول إلى العمليات العقلية يجعل معكوسية أو مقلوبية التفكير ممكنة وبالتالي يجعل مبدأ ثبات أو بقاء الأشياء ممكنًا.
ويشير Wohwill& Other أننا بواسطة تنويع الوسائل والأدوات المستخدمة بواسطة بياجيه، أو عن طريق تدريب الأطفال، يمكن أن نصل إلى مبدأ ثبات أو بقاء الأعداد عند الأطفال تحت سن الخامسة.. وعمومًا فهناك رأي آخر يشير أن الأطفال الصغار لا يفهمون مصطلحات معينة تكون مرتبطة بالأعداد مثل "نفس" أكثر" أو "أقل" وذلك بنفس الطريقة التي يفهم بها أطفال الرابعة أو الخامسة نفس هذه المصطلحات وبصورة جلية توجد كثير من المشكلات المنجية في الإشارة إلى مبدأ ثبات وبقاء الأشياء لدى الأطفال الصغار.
(1/290)

وتشير بعض المجادلات أن الأطفال الصغار عادة لا يكون لديهم مستويات للتصور. فطفل الثلاثة أو الأربعة سنوات يكون لديه مفهومًا للعدد، إلا أنه يختلف عن مفهوم الأطفال الكبار أو مفهوم الراشدين "ونفس الحقيقة بالنسبة لكثير من المفاهيم الأخرى" فطفل الثالثة أو الرابعة عادة ما يكون لديه مفهومًا شاملًا Global للعدد. بمعنى أنه يحكم على العدد عن طريق كلياته أو تجمعاته الإدراكية. وذلك أكثر من أعداده ... وهذا النوع من مفهوم العدد وجد كذلك عند الحيوانات والتي يمكن أن ترى عددًا من الأحكام على أساس الحجم الكتلي أو التجمعي وليس وفقًا لأعدادها.
وفي المرحلة الثانية ما بين 4.5، 5.5 سنة عادة ما يظهر الأطفال مفهومًا حدسيًّا للعدد بمعنى أنهم يبدءون في إدراك أن بعض أنواع الوحدة يكون ضمنيًّا. وفي المرحلة الثالثة وعادة ما نلاحظها في الأطفال ما بين 5.5، 6.5 سنة نجد الأطفال في تلك المرحلة يظهرون إحساسًا حقيقيًّا للعدد، وعلى ذلك يمكنهم بناء خط تكون من ستة مكعبات بدون أخطاء ويمكنهم التعرف على أن هذا الاتساق يكمن قائمًا حتى عندما لا يتوفر الاتساق الإدراكي. ونجد عند الأطفال في هذه المرحلة ما يسمى بمفهوم وحدة العدد، حيث إن تقديرهم للعدد سيعتمد على إحصاء "أو عد" العناصر الفردية، وتشير نتائج دراسة "1967" Gelman أن الأطفال الصغار يمكنهم تعلم مفهوم العدد، سواء كان هذا المفهوم شاملًا أو حدسيًّا أو حقيقيًّا.
ويشير بياجيه أن هناك نموذج مشابه يمكن أن يوجد في قدرة الأطفال الصغار في بناء المفاهيم التنظيمية، فعندما يعطون مجموعة من الأشكال الهندسية الملونة "كالدوائر أو المثلثات، والمربعات والمستطيلات"، ويتطلب منهم تجميع الأشكال المشابهة كل منها مع الآخر، نجدهم يبنون تجمعات تصورية بمعنى أنهم يبنون بعض الأشياء كالمنازل مثلًا من الأشكال أكثر من تجميعهم هذه الأشكال سويًّا تبعًا لخصائصها.
وفي المرحلة الثالثة تشبه المرحلة الحدسية في النمو العددي، حيث يبدأ الأطفال فيها تجميع الأشكال سويًّا تبعًا للشكل إلا أنها غير متسقة بصورة كاملة فقد يجمعون خمسة مستطيلات ومثلث واحد، وفي أثناء المرحلة الأخيرة نرى الأطفال يمكنهم تصنيف وترتيب الأشياء إذ يجمعوا الأشكال تبعًا لشكلها وألوانها.
وبإيجاز فإن أطفال الثالثة والرابعة ويكون لديهم مفاهيم الكمية والنوعية، إلا أنها تكون شاملة وعامة وغير مميزة، وبازياد العمر الزمني فعن طريق التداول النشط مع كثير من أنواع المواد المختلفة والاستثارة الاجتماعية، نجد الأطفال يبنون تدريجيًّا مفاهيم للكم والكيف تشبه مثيلاتها عند الأطفال الكبار والراشدين.
(1/291)

النمو اللغوي:
يعتبر النمو اللغوي في أثناء سنوات ما قبل المدرسة مثيرًا بصورة كبيرة، فمن الكلمة الجملة التي تكون في السنة الثانية، نجد الطفل يتقدم في نموه اللغوي حتى يظهر بناءات لغوية مركبة في عمر الرابعة أو الخامسة، ومعظم دراسات النمو اللغوي استخدمت الدراسات الطولية لبعض من الأطفال، وسوف نتأمل سويًّا جوانب معينة للنمو اللغوي في أثناء سنوات ما قبل المدرسة، وكذلك بعض النظريات التي حاولت تفسير هذا النمو اللغوي.
اكتساب اللغة:
أحد أبعاد النمو اللغوي التي تلقي اهتمامًا كبيرًا يتمثل في طول أو مدى التعبير اللفظي، فكلما تدرج الأطفال في نموهم كلما كانت جملهم أطول وبالتالي يكون ذلك مؤشرًا تقريبيًّا لكفاءتهم اللفظية، والجمل المكونة من كلمتين مثل "ماما أشرب"، "ماما أكل" "بابا جه" تعتبر تحسنًا ملحوظًا في فعالية اتصال الطفل عن كلماته المفردة، ويشير كل من براون Brown "1973" وبلوم Bloom "1970" أن الأطفال الذين يستخدمون الجملة الكلمتان يمكن أن يختاروا أي تركيب أو اتحاد من الفعل والفاعل أو الموضوع في كلماتهم الملفوظة، إلا أننا نرى اتحاد الفعل والفاعل تبدو أكثر شيوعًا وعمومية من أي تركيب آخر في لغة الطفل الصغير.
وكلما تقدم الأطفال في نطق الجمل ذات الكمات الثلاثة أو الأربعة نجد حدوث تنوعًا أكبر في البناء اللغوي، ويبدأ الأطفال في تنمية اختلافات فردية في نموذج الاكتساب اللغوي، فمثلًا قد نجد بعض
(1/292)

الأطفال، يستخدمون ذواتهم فقط كمصدر أو مركز للأفعال، مثل "أنا رميت الكرة"، أو "أريد حلوى" وقد يدرك أطفال آخرون أن الآخرين يمكن كذلك أن يكونوا "مصدر الأفعال" مثل "كتاب بابا الجديد" أو "ماما بتغير فرش السرير". وحيث إن النمو اللغوي يتميز بالنطق والكلام الأطول والمفردات الأكثر والأوسع. والبناءات الأكثر تنوعًا، فإننا نجد بالتالي فروقًا واختلافات مميزة في كيفية اكتساب الأطفال للغة.
ويتصف النمو اللغوي كذلك بالازدياد المستمر في المفردات ذات الصيغ المجهولة، والصيغ المعلومة. وعلى الرغم من صعوبة تقدير حجم المفردات اللغوية للأطفال، إلا أننا نجد أن أغلب أطفال الثالثة والرابعة تكون حصيلتهم اللغوية مكونة من عدة آلاف من الكلمات ذات الصيغة المجهولة والمعلومة، كما أن الجمل التي يستخدمها الأطفال في الواقع تميل إلى أن تكون صغيرة بصورة ملحوظة. كما أن اكتساب المفردات ليس متماثلًا في جميع الأحوال فيما يتعلق بجميع أنواع الكلمات، حيث نجد أن بعض الكلمات قد تكتسب بصورة أكثر تبكيرًا أو أكثر سهولة من كلمات أخرى.
والكلمات التي تكون متناقضة المعنى عادة ما نجدها ذات اهتمام خاص بالنسبة للطفل، إلا أنها تكتسب بصعوبة من جانب الطفل، فمثلًا كلمات "أكثر، وأقل" أشارت بعض الدراسات إلى أن الأطفال الصغار يفهمون كلمة "أكثر" إلا أنهم غالبًا ما يشيرون إلى كلمة "أقل" بأنها تعني نفس الشيء، وأشارت دراسات عديدة، إلى أن كثيرًا من الأطفال يظهرون هذا الخلط في كلماتهم. ومفاهيم لزمان قد بحثت كذلك في كثير من الدراسات. وكما سبق أن أشرنا إلى أن الأطفال الصغار لا يكون لديهم نظام واضح لمفاهيم المكان والزمان، ونجد أن إدراكهم البدائي غير المتطور للتابع الزمني ينعكس كذلك في لغتهم، ويبدءون في تفهم كلمات "قبل وبعد" في أثناء سنوات ما قبل المدرسة، وعلى الرغم من أنهم يفهمون كلمة "قبل" بصورة مبكرة نسبيًّا عن "بعد" ويشير "1974" palermo أن الأطفال الصغار كذلك عادة ما يخلطون بين كلمتي "أكثر وأقل" حيث نجد بعض الأطفال لا يمكنهم التمييز بين هاتين الكلمتين ويشيرون إلى أنهما مترادفان، ومما يلفت النظر تبعًا لوجهة نظر Palermo أننا نجد الأطفال يفهمون كلمة الأمس بصورة أفضل مما يفعلون ذلك مع كلمة "باكر".
ويشير Weiner؛ "1974" إلى أن أطفال الثالثة والرابعة لا يكون لديهم صعوبة كبيرة مع أدوات التعريف، أو أدوات التنكير بالإضافة إلى المفرد والجمع, فغالبًا ما نجدهم يقولون: "الضفدع, السلاحف" عندما تكون القصة تشير إلى كثير من الضفادع، ويشيرون إلى ضفدعة، عندما تكون القصة عن حيوان مفرد".
(1/293)

نظريات التحصيل اللغوي:
هناك نظريات عديدة في تفسير النمو اللغوي عند الأطفال، وكل منها قد تسهم في تفهمنا للنمو اللغوي، إلا أننا لا نجد أحدا منها شاملة بصورة كافية لكي تغطي جميع جوانب النمو اللغوي, فلقد أشارت إحدى هذه النظريات أن النمو اللغوي يعكس نضج البناءات اللغوية ويشترك فيها جميع أفراد النوع الإنساني، حيث إنها فطرية Mcneil؛ "1970" وتبعًا لوجهة نظر ماكينل أن الأطفال يمكنهم التكلم، في حين نجد أن كل لغة معينة تعتمد على ثقافة معينة وكيفية التنشئة فيها، وعمومًا فإن وجهة النظر هذه تشير إلى أن الأطفال يولدون ببعض من القدرات اللغوية، ولقد عززت بعض من المعلومات والبيانات الثقافية هذا الاتجاه حيث أشارات إلى نماذج متشابهة في النمو اللغوي عند الأطفال الذين يتعلمون لغات متباينة كالإنجليزية والروسية Slobin؛ "1966".
وفي الطرف الآخر نجد اتجاه يشير أن اللغة مكتسبة بصورة كلية عن طريق التعليم Braine؛ "1962"، Staat؛ "1971" وبالتالي فإن كثيرًا مما يتعلمه الأطفال في اللغة يأتي من النسخ أو التقليد مما يسمعون الآخرين سواء بتدعيم أو بدون تدعيم، وعلى ذلك فإن السلوك اللفظي لا يختلف عن الأنماط السلوكية الأخرى ويتعلم بنفس الطريقة, ويشير Other & Endsley أنه على الرغم من أن الباحثين الذين يؤيدون وجهة النظر هذه قد قللوا من اتجاههم إلى حد ما، إلا أنهم ما زالوا يصرون على أن التعلم مهم في النمو اللغوي والدلائل التي تدعم هذه النظرية، اشتقت من الدراسات التي وجدت فيها أن الأطفال تكرر أنماط أسئلتهم، أو تنطفئ بواسطة استعداد ورغبة الراشدين من حولهم للإجابة عن تساؤلاتهم واستفساراتهم.
والنظرية الثالثة التي أصبحت سائدة في العشرة سنوات الأخيرة تؤكد على نشاط وفعالية الطفل في تعلم اللغة Brown؛ "1973", Donaldson؛ "1970".
(1/294)

وهؤلاء ينظرون إلى الطرق التي يتعلم فيها الأطفال فعليًا المفردات والقواعد اللغوية ويستطرد أصحاب هذا الاتجاه أن النمو اللغوي في نموه وطريقة بنائه متشابه مع النمو المعرفي، بمعنى أن الطفل يتعلم المفردات والقواعد اللغوية لكي يعبر عما تعلمه نتيجة الاستكشاف النشط الفعال للبيئة, ولنتأمل بعض الإنجازات المعرفية للطفل قبل أن ينمي اللغة، وكما أشرنا سابقًا أن الأطفال في هذا السن يدركون وجود الأشياء واختفائها ويدركون كذلك أنها يمكن أن تظهر وتختفي, وهذه الاكتشافات بين المظاهر الأولى لخبرة الطفل والتي يعبر عنها لفظيًا، فمثلا نجد الأطفال يتعلمون أسماء ووجود الأشياء، وكذلك صفة التغير مثل قوله: "كلها تختفي" ويسألون بإعادتها من جديد، وهذا يتساوق مع الإنجازات المعرفية المبكرة.
وجدير بالذكر، فإن المعلومات والبيانات المتوفرة عن النمو اللغوي، تدعم جميع هذه النظريات الثلاثة، حيث إن كلا منها قد يتضمن عناصر من الحقيقة، فبعض اللغة قد تكون فطرية، وأخرى قد تكون في كثير أو قليل منها متعلمة بالإضافة إلى أن بعض الجوانب الأخرى قد تكون مبنية على النموذج المقدم عن طريق النمو المعرفي للطفل، وعمومًا فاللغة تعتبر بمثابة إنجاز متعدد الوجود، والتي لا يمكن أن نشرحها ونفسرها عن طريق نظرية واحدة، حتى على الأقل بالنسبة لمعرفتنا المحدودة في الوقت الحاضر.
(1/295)

مهارات الاتصال المرجعية:
تعتبر اللغة الأداة الأولى الرئيسية لعملية الاتصال، وأحد الجوانب المهمة للنمو اللغوي يتركز في مدى قدرة الطفل على استخدامها لنقل الأفكار، ومن جانب آخر فلكي يتم الاتصال بصورة فعالية مؤثرة فيجب أن يضع الطفل في اعتباره وإلى حد ما وجهة نظر المستمع، بمعنى أن الطفل في استخدام الكلام لعملية الاتصال, يجب كذلك أن يكتسب مهارات تمكنه أن يأخذ في اعتباره وجهة نظر المستمع إليه، وهذه تسمى بمهارات الاتصال المرجعية Referential Communication Skills.
ويعتبر جان بياجيه من أوائل الباحثين الذين جذبوا الانتباه إلى مهارات الاتصال المرجعية، ففي إحدى أعماله المبكرة لاحظ أن الأطفال الصغار عادة ما يتكلمون مع أنفسهم أكثر مما يفعلون ذلك مع بعضهم
(1/295)

البعض, وهذا الكلام غالبًا ما يكون مرتبطًا بالفعل ولا يكون بمثابة مجهود يبذل لغرض الاتصال فطفلان في الثالثة من العمر حين يلعبان سويًا قد يقولا:
* أحمد، اشترت لي أمي هذا الحذاء الجديد.
* محمد، هذه اللعبة الصامتة.
وقد أطلق بياجيه على تلك اللغة بالكلام المتمركز حول الذات Egocentric Speech, وقد لاحظ أنه يشكل جزءا واقعيًا من اتصال الطفل الصغير مع رفاقه في مثل سنه، إلا أن هذا النمط لا يسود عندما يتكلم الطفل مع الراشدين.
ويشير بياجيه أن الطفل الصغير المتمركز حول ذاته لا يمكنه أن يأخذ وجهة نظر الشخص الآخر عندما يختلف معه، وعلى الرغم من أن بياجيه قد توصل إلى ذلك من خلال ملاحظاته على الطبيعة، إلا أن باحثين آخرين أثبتوا وجهة نظر بياجيه عن طريق مهام الاتصال المرجعية التجريبية, ففي إحدى تجارب Sussevein & Other؛ "1975" على أطفال ما قبل المدرسة عرض عليهم بعض الأشكال الهندسية الفردية وسئلوا أن يعطوها أسماء, ولقد فعل الأطفال الصغار هذا بسهولة بإعطائها ثمة أسماء كالتفاحة وبرتقالة، وقطة، وكلب ... إلخ، وعندما استخدم المجرب واحدة من هذه الأسماء ليشير إلى الشكل، فإن الطفل كان قادرًا على اختياره من وسط مجموعة من الأشكال، وهذا يعني أن الأطفال الصغار يعطون أسماء خصوصية Idiosyncratic للأشكال الهندسية.
وعلى الرغم من أن الأطفال ما بين 2-5 سنوات لديهم صعوبة اتصال مع الآخرين عندما يكون للآخرين وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظرهم، إلا أننا نرى أن لديهم مهارات اتصالية مرجعية أولية، فمثلا نجد أطفال الرابعة يبسطون ويسهلون من لغتهم عندما يتكلمون مع أطفال الثانية، إلا أنهم لا يفعلون ذلك عند التكلم مع أصدقائهم أو الراشدين من حولهم.
(1/296)

العالم التصوري للطفل الصغير:
قد نعتقد أن عالم الطفل الصغير عبارة عن تصنيف أشياء وأجزاء غير مترابطة، والحقيقة، فإن عالم الطفل الصغير لا يبدو كذلك على الإطلاق حيث إن تفكير الطفل الصغير له نظامه وتنظيمه الخاص به، فعلى الرغم من اختلافه عما نجد لدى الراشدين، إلا أنه ليس مألوفًا بصورة كلية لنا وذلك بسب عدم قدرتنا على الارتداد إلى نماذج فكرية ذاتية، وهي تلك النماذج التي تميز تفكير الصغار.
ولقد قدم بياجيه استعرضًا نظاميًا واسعًا لتفكير الأطفال الصغار، ونفس النتائج أشار إليها آخرون مؤيدون لوجهة نظر جان بياجيه, ويجب أن نشير في هذ المقام أن سلوك الصغار قد يساء فهمه عن طريق الكبار ويرجع ذلك إلى اختلاف نظرة الأطفال الصغار للعالم عما لدى الراشدين, فمثلا قد يصدم الطفل الصغير عندما لا يستطيع أن يتقاسم ويشارك دميته في انعكاساتها وردود فعلها، وذلك لاعتقاده أن دميته جزء من نفسه، وعمومًا فإن تفهم عالم الطفل التصوري يمكن أن يساعدنا على تقييم سلوكه بصورة أكثر موضوعية.
وأحد الخصائص التي تميز تفكير الأطفال الصغار ما يسميه بياجيه بالعلية الظاهرية Phenomenalistic Causality, وفي هذا النموذج من التفكير نجد الطفل يفترض وجود علاقة سببية أو علية بين شيئين يحدثان في وقت واحد، فمثلا قد يخاف الطفل من صوت الغريب ويمسك ببطانية دافئة لكي يزيل عنه الخوف، وحيث إن البطانية ترتبط بشعور الارتياح فإنه يعتقد أنها سوف توفر له الحماية، وسوف يبحث عنها عند إحساسه بالخوف مرة أخرى، وتميل بعض الأدوات والملابس أن تكون ذات قيمة عند الطفل الصغير، ويرجع ذلك إلى علية أو سببية هذه الأشياء الظاهرية، وهذا النمط يعتبر بمثابة أحد نواتج التفكير الذي يميز الأطفال الصغار, وكذلك بعض الراشدين, وسمي بالتفكير الانتقالي أو التحولي Transductie Reasning ويمكن تحليله كما يلي:
- أ، ب يحدثان سويًا.
- أموجود.
(1/297)

- إذن ب يجب أن يكون موجودًا.
وكثير من عناد الطفل الصغير يمكن أن يعزى إلى هذا النمط من التفكير الانتقالي أو التحولي، فالطفل الذي يرفض أن يجرب طعامًا جديدًا بسبب عدم استحسان آخر نوع من الطعام قدم إليه، فإنه في ذلك يتبع نمط التفكير الانتقالي، فالطعام الجديد والخبرة غير السارة قد حدثا معًا في الماضي، وبما أن هذا طعام جديد فإنه بالتالي سوف ينتج خبرة غير سارة.
وعند الراشدين نجد أن هذا النمط من التفكير غالبًا ما يؤدي إلى المعتقدات الخرافية "كالخوف اللاعقلاني" فالطالب الذي حدث وأخذ حمامًا باردًا قبل الامتحان الذي أداه بصورة جيدة، قد يشعر أنه يجب أن يستحم قبل كل امتحان، والتاجر الذي يزور مكان معين أو صديق معين قبل صفقة تجارية ناجحة قد يشعر أن هذا الشخص أو المكان "مصدر للخير" ويجب أن يفعل ذلك قبل كل عمل تجاري.
وخاصية أخرى يتسم بها تفكير طفل هذه المرحلة وهي صفة الإحيائية أو الأرواحية Animism وهي نسبة الحياة للأشياء غير الحية, أو الاعتقاد بأن لكل ما في الطبيعة روحًا أو نفسًا ويتأتى هذا لميل الطفل إلى نسخ وتجسيم العالم المادي على خبرته، ولذلك فإننا نجده يشير إلى أن دميته تشعر بالألم أو البرد كما يشعر هو بذلك، أي أن أشياء تحن وتخبر نفس المشاعر والأحاسيس التي يخبرها والمظهر الرئيسي لهذا التفكير هو الاعتقاد بمادية الإحساس، فقد نسمع من طفلين يتحدثان قول أحدهما للآخر.
- لماذا أنت ممسك بخدك؟
- لأنني عندي ألم في أسناني.
- هل تؤلمك كثيرًا؟
- نعم إنها تؤلمني ... ألا تشعر بها؟
وليس بمستغرب في ضوء مناقشتنا السابقة, عن مفاهيم الطفل عن
(1/298)

والأكثر والأقل، وقبل وبعد، نجد الأطفال يعتقدون أن الحياة والموت مترادفان، فبالنسبة لطفل الثالثة والرابعة لا يعني الموت لديه انتهاء الحياة، ويرجع ذلك إلى أن الحياة عنده بمثابة خاصية دائمة للأشياء مثل صلابتها أو ألوانها، والموت لديه يشبه الاختفاء المادي يكون مؤقتا فقط، وهذه محادثة بين أحد الأخصائيين وطفل في الثالثة والنصف من عمره.
أ: لماذا تدفن الأموت تحت الأرض؟
ب: أين تعتقد بأنهم يجب أن يدفنوا؟
أ: من الممكن وضعهم في النفاية.
ب: لماذا يمكن وضعهم في النفاية؟
أ: من الأسهل عليهم أن يخرجوا منها.
وبحلول فترة الطفولة الوسطى يبدأ الأطفال إدراك أن الموت هو نهاية الحياة بالمعنى المادي أو الفسيولوجي, وعادة ما يكون مفهوم الموت بمثابة خبرة مخيفة مرعبة بالنسبة للطفل.
والخاصية الأخيرة لتفكير الأطفال الصغار ما بين 2-5 سنوات هي القصدية أو الغرضية purposivism، حيث يعتقدون أن كل الأشياء في العالم عملت بواسطة الإنسان، ولأجل الإنسان، وبالتالي فكل شيء له قصد أو غرض, وكلمة "لماذا" الشهيرة عند أطفال هذه المرحلة يجب أن نتفهمها من وجهة النظر هذه, فعندما يسأل الطفل: لماذا تشرق الشمس؟ لماذا يكون لون الشجر أخضر؟ فإنه يريد أن يعرف أسباب ذلك، وعلى ذلك فالإجابات المناسبة: "لكي تبقينا في حالة دفئ". أو: "لكي يخفي يرقان الفراشة ولا تستطيع أن تأكلها الطيور، وهناك إجابات أخرى كذلك لا تكون مضللة أو خاطئة بصورة كاملة إلا أنها تكون ذات معنى بالنسبة للطفل وعلى ذلك فالحقائق المطولة عن الحرارة والضوء التي تفسر أشعة الشمس قد لا تساعد الطفل على تفهم السؤال الحقيقي الذي يسأله.
وهدف هذا الوصف الموجز السابق، نقصد منها لإشارة إلى أن الأطفال الصغار لا يكون لديهم تصورًا كاملا للعالم، إلا أنه يتسم بالغنى على الرغم من أنه يختلف عن ذلك للراشد، وعلى ذلك فإن عقل الطفل الصغير لا يكون لوحًا فارغًا يجب أن يملأ بواسطة الخبرة، والطفل بالتالي يبني عالمه التصوري الخاص به، وجزء من نموه يتمثل في تعلم العالم التصوري للراشدين بالإضافة إلى التخلي أو الكف التدريجي عن تصوره الطفلي للعالم المحيط به.
(1/299)

التعلم في مرحلة الطفولة المبكرة:
إن فترة ما قبل المدرسة ما بين 2-5 سنوات واحدة من فترات النمو العقلي السريع، فبنهاية هذه الفترة نجد تحكم الطفل للغة، بالإضافة إلى اكتسابه خصائص أولية للعالم "الشكل والحجم واللون ... إلخ" وكذلك من وجود اتفاق عام بين الباحثين في الطفولة والتربويين فيما يتعلق بالإنجازات العقلية للأطفال الصغار, إلا أن هذا الاتفاق يقل فيما يتعلق بنوع البرانامج التعليمي الذي يتناسب مع هذا العمر الزمني Hess, R. & Bear, R؛ "1968".
ونجد الآراء في هذا المجال غالبا ما تكون متناقضة، فمثلا Englemann؛ "1970", Fowler؛ "1962", يشيران إلى أن سنوات ما قبل المدرسة تعتبر بمثابة سنوات حاسمة للتغيرات التربوية، حيث نجد هؤلاء الأطفال الصغار يتعلمون بسهولة، ويدفعون بصورة عالية إلى التعلم، ويزيدون كذلك بأننا إن لم ننتهز هذه الفرصة فإننا على ذلك نفتقد فلرصة ذهبية لرفع معدل ذكاء الأطفال ومعدلات الإنجاز والتحصيل الأكاديمي كذلك، وعلى نقيض وجهة النظر السابقة نجد Boore, R.S. & Moore,D.N؛ "1975" يرون أن سنوات ما قبل المدرسة تتصف بالضعف بصورة غير عادية وبالتالي لا نستطيع أن ننمي أثناءها مفاهيم الذات والشخصية، ويشيران إلى أهمية التفاعل بين الطفل وأمه "أو الشخص القائم برعايته" ويستطردان إلى أن التغيرات التربوية أو العلمية "خاصة خلال السنة الثالثة" قد يؤدي الطفل ويكون ضارًا له إذا كان متضاربًا مع العلاقة الشخصية المتبادلة.
وبين هذين الاتجاهين توجد سلسلة من الآراء الوسيطية لكل من فروبل Frobel, وبستالوتزي Pestalozi, ومنتسوري Montessori تعكس اتجاهات حديثة، حيث يشيرون أن الأطفال في حضورهم إلى دور الحضانة لعدة أيام يشاركون في برنامج متوازن من نشاطات اللعب والنشاطات التربوية، فإن هذه المؤسسات التربوية بذلك تسهم في نمو عقلية الطفل بالإضافة إلى نمو شخصيته.
(1/300)

فما نوع هذا النمط من البرامج الذي يكون أكثر مناسبة لهؤلاء الأطفال الصغار؟ والإجابة على هذا السؤال حقيقة صعبة ليس فقط لأن النتائج في هذا المجال لم يقطع ويبت فيها، ولكن بالإضافة إلى أن الأطفال يختلفون كثيرًا في خلفيتهم وشخصيتهم، فالبرامج التي تكون مناسبة لطفل معين قد لا تكون كذلك بالنسبة لآخر، وبإيجاز فإن برامج الأطفال الصغار لا يمكن أن توصف بأنها جيدة أو رديئة في حد ذاتها ولكن بالأحرى يمكن وصفها بأنها مناسبة أو غير مناسبة لأطفال معينين، فالطفل الذكي مثلا قد يستفيد من البرنامج الذي تتوفر فيه كثير من الفرص التعليمية، والطفل الخجول على نقيض ذلك قد يستفيد بصورة أكبر من برنامج يؤكد على عملية التفاعل الاجتماعي وعلى نمو الشخصية.
موجز القول فإن سنوات ما قبل المدرسة تعتبر سنوات مهمة لكل من النمو العقلي ونمو الشخصية، والبرامج التربوية يمكن أن تسهل هذا النمو إلا أنها لن تعجل في سرعته وأي من البرامج يمكن الحكم بأفضليته بالنسبة لطفل معين، يجب أن يحدد فقط في ضوء حاجات الطفل الخاصة وقدراته المتاحة.
(1/301)

الشخصية والنمو الاجتماعي:
ما بين سن الثانية والخامسة نجد الأنماط السلوكية التعبيرية Experssive والتي اكتسبت في مرحلة الرضاعة تبدأ في التبلور داخل نماذج فردية بالإضافة إلى أن الأطفال تنمو لديهم كثير من الاتجاهات المتميزة والتفضيلات وطرق الأداء والعمل, وأول هذه الأشياء نجد أطفال هذه المرحلة يصبحون على دراية متزايدة بأنفسهم كأفراد، وبالتالي يبدءون في تكوين اتجاهات إيجابية أو سلبية نحو ذواتهم ثانيًا، اتساع دائرة الاتصال والتفاعل مع الأفراد، وكذلك يخبر الطفل الكثير من التفاعلات الجديدة، وثالثًا فإن فترة الطفولة المبكرة فترة حاسمة للانضباط المتنوع وظهور نشاطات لدور النمذجة والتي عن طريقها ينقل الآباء عناصر ثقافتهم إلى أطفالهم.
(1/301)

الوعي بالذات واتجاهات الذات:
أحد النتائج الهامة لنمو الأطفال الجسمي والمعرفي، نجدهم يصبحون على دراية متزايدة بأنفسهم ويكونون اتجاهات جديدة لذواتهم وعلى وجه الخصوص نراهم يظهرون دراية بأجسامهم وبذوغ أحاسيس التمكن والسيطرة.
الوعي بالجسم:
أثناء العامين الأولين نجد الرضع يمكنهم إدراك أنهم أشخاص متميزون ذوو أجسام منتمية إليهم، ويتعلمون بأن لهم أطرافًا وأعضاء خاصة بهم ويرجع ذلك لتحكمهم في حركات هذه الأطراف والأعضاء كرفع الأذرع، أو غلق العينين بالإضافة إلى تأثرهم بما يحدث لهذه الأعضاء والأطراف كالإحساس بالألم عند لمس شيء ساخن، وأطفال ما قبل المدرسة قد حصلوا هذا التعرف الرئيسي بأن لهم أجسام، ويصبحون حينئذ على دراية بالتغيرات التي تحدث فيها، كما أنها تختلف عن أجسام الآخرين.
وأطفال ما بين 2-5 سنوات عادة ما يعبرون بالفخر والاهتمام بأحجامهم "انظر كيف أصبحت كبيرًا، انظر كيف أصبحت طويلا، انظر كيف أصبحت عضلاتي قوية، هل سأكون كبيرًا مثل بابا" كما نجدهم شغوفين بمعرفة مقاسات أطوالهم وأوزانهم سواء داخل المنزل أو عيادة طبيب أو في دور الحضانة، كما ينزعجون في حالة الإصابة بالخدوش أو الرضوض أو الكدمات أو العض وبالأحوال الوقتية الأخرى التي تؤثر في أجسامهم فمثلا قد نسمع بعضهم يقول: "انظر كيف أصبحت أصابعي مجعدة بعد الحمام".
ويبدأ أطفال ما قبل المدرسة في التعرف على الاختلافات الجنسية الجسمية، وينمو بالتالي الإحساس بهويتهم كذكور أو كإناث, ويشير Rutter أن معظم أطفال 2.5 سنة لا يكونون إيجابيين في التعرف على جنسهم ولكن في الثالثة تقريبًا نجد أن ما يقرب من ثلثي الأطفال يدرك ما إذا كان ولدًا أم بنتًا، كما أن الألعاب التي تتضمن فهما أو استكشافًا جنسيًا تكون شائعة عامة في سن الرابعة وعادة ما نجدهم ما بين الرابعة والخامسة يوجهون لآبائهم تساؤلات تتصل بالأمور الجنسية، فقد يسأل الذكور سبب عدم تمكنهم أن يكون لديهم أولادًا، وقد تسأل الإناث لماذا لا يكون لهن عضو جنسي ذكري عندما ينمون.
(1/302)

ويشير كون وكانر Conn, j. & Kanner؛ "1974" أن الأطفال الصغار يميلون إلى التكلم عن الإصابة بالأذى أو الضرر لأجسامهم أو افتقار أعضاء من أجسامهم, ومن جانب آخر قد نجد أطفال آخرين الذين يتسمون بالخوف والحذر قد يصبحون في قلق وانزعاج بافتقاد أسنانهم أو أظافرهم, وغالبًا ما يبالغون في النتائج المحتملة للإصابة بالاضطراب والتهيج، وتشير الدراسة السابقة أن الإناث يكن أقل ميلا من الذكور في اهتماماتهن بالإصابة أو فقدان بعض أجزاء معينة من أجسادهن، يعتقدون أن البنت كانت لها أعضاء تناسلية شبيهة بما عندهم إلا أنها انتزعت، وبالتالي قد يعانون من مصير مشابه، ويسمي المحللون النفسيون هذا الخوف بقلق الخصاء Castation Anxiety الذي يعتري الأولاد الذكور.
وردود الفعل السلوكية التي يؤتيها الآباء نحو تزايد الوعي الجسمي لأطفالهن يميل أن يؤثر في اتجاهات الأطفال نحو ذواتهم فالآباء الذين يعبرون بالفرحة بنمو أطفالهم يساعدونهم على الشعور بالاعتزاز والثقة بالنفس كما أن اتجاهات الذات الإيجابية لدى الأطفال الصغار تعزز عندما يمكن للآباء الاستجابة لتساؤلات أطفالهم المرتبطة بالجنس دون ارتباك أو اضطراب بالإضافة إلى تقديم المعلومات التي تناسب مستوى فهم وإدراك الطفل، ومن جنب آخر فإن الآباء الذين يتجاهلون ميول أطفالهم واهتماماتهم العادية في النمو الجسمي، يمكن أن يجعلونهم حمقى تافهين وغير ذات أهمية كما أن الآباء الذين لا يشجعون الاستكشاف الجنسي للأطفال، ويعتبرون هذا شيئًا غير مرغوب فيه ويعاقبون أطفالهم عليه يمكن أن يعززوا اتجاهات السلبية عندهم والقلق والاضطراب فيما يتعلق بالجنس.
إحساس السيطرة أو التمكن:
إن مشاعر الأطفال وأحاسيسهم بالسيطرة والتمكن تبدأ في التكوين منذ الطفولة المبكرة حيث يشعرون بإشباع ومتعة بكونهم قادرين على التحكم وضبط بيئتهم المحيطة بهم, فلقد لوحظ الأطفال يهدلون ويغمغمون ويبتسمون وحتى يضحكون عندما يسيطرون على ثمن أعمال تعليمية معينة كتشغيل لعبة ما "سيارة مثلا" وبالتالي فبسبب سيطرتهم وتمكنهم من مهارات جديدة يمدهم بالمتعة والسعادة، وكذلك
(1/303)

يشجعهم إلى عمل محاولات أخرى للسيطرة والتحكم في عناصر البيئة من حولهم، وبهذا المعنى يتصف بالنشاط الذاتي المستمر.
ومما هو جدير بالذكر، توجد ثمة طرق يستطيع الآباء تعزيز محاولات أطفالهم المبكرة في السيطرة أو التمكن، وتشير نتائج دراسة ابليتون وآخريثن Appleton & Others أن الأطفال بصفة عامة، وكذلك الأطفال الصغار جدًا يميلون إلى أداء محاولات أكثر للسيطرة والتحكم في حالة تلقيهم تشجيع الآباء ومساعدتهم والثناء عليهم لكونهم يعملون بصورة استقلالية، ومثال ذلك عندما يحاولون إطعام أنفسهم.
وأطفال ما قبل المدرسة عادة لا يكون لديهم إحساس ثابت بالإنجاز، إلا أننا نجد أنه عندما يسمح لهم نموهم المعرفي التعرف على الاختلاف بين معدلات أو مستويات المهارة الماضية والحاضرة، وبالتالي القدرة على تطبيق معايير التفوق لسلوكهم الخاص، أي يمكنهم التحقق بأن أداءهم الحاضر أحسن من أدائهم السابق، فإن ذلك ينتج لديهم بعض من الخبرات كالإنجاز Achievement, وتلك الخبرات الأخيرة تبدأ بدورها في توليد أحاسيس التمكن والسيطرة، وبالتالي تؤثر بصورة كبيرة على إحساس الطفل بكفايته الشخصية.
وهذا الجانب من نمو الشخصية يزداد بصورة سريعة فيما بين 2-5 سنوات، حيث أن ازدياد معارف الأطفال ومهاراتهم الحركية أثناء هذه السنوات تمكنهم من أداء أفعال أكثر لأنفسهم مما كانوا يستطيعونه من قبل، وهذا يوسع فرصتهم في أن يختبروا إحساس التمكن أو السيطرة، وبالإضافة إلى ذلك نجد مهاراتهم اللغوية تمكنهم من اكتساب مفهوم أفضل لمدى تأثير قدراتهم على البيئة إذا ما قورن بتأثيراتهم السابقة، وللآباء كذلك دورًا مهما في مساعدة أطفال ما قبل المدرسة لكي ينمو أحاسيس ومشاعر قوية بالتمكن والسيطرة، ولقد وضح هذا التأثير في دراسات دافعية الإنجاز، والكفاية الأولية، وتقدير الذات، وهذا ما سنتعرض له في ثنايا الصفحات التالية.
دافعية الإنجاز Achievement Motivation:
نشير إلى مدى ميل الشخص للنضال أو الكفاح لبلوغ النجاح، والقدرة على أن يخبر اللذة أو المتعة Pleasure لكونه ناجحًا,
(1/304)

وتشير نتائج دراسات كل من ديفيد ماكيلاند McClelland وجون اتكنسون J. Atkinson في أصول دافعية الإنجاز إلى ما يلي:
أولا: تعزز دافعية الإنجاز ويعجل بها أثناء سنوات ما قبل المدرسة بواسطة تشجيع الآباء لإنجازات أطفالهم والمصاحبة بمطالب معتدلة للاستقلالية والدفئ وتتمثل في العلاقة الأبوية المدعمة والمشجعة للطفل وبمعنى آخر إن أطفال ما قبل المدرسة الأكثر نقاشا ومساعدة للآخرين في أن يعملوا بقدر ما يستطيعون يكونون أكثر ميلا في أن يصبحوا أفرادا واثقون بأنفسهم يستجيبون بتوق إلى تحديات الخبرات الجديدة.
ثانيًا: نمو دافعية الإنجاز يرتبط بصورة مباشرة بكمية التدريب النوعي في النشاطات الإنجازية والتي يوفرها الآباء لأطفالهم أثناء سنوات ما قبل المدرسة.
الكفاية الأدوية Instrumental Competence:
عرفت ديانا بامرند D. Baumrind الكفاية الأدوية في سلسلة من دراساتها بأنها سلوك يتسم بالمسئولية والاستقلال من الناحية الاجتماعية حيث أشارت نتائج إحدى هذه الدراسات لأطفال ما قبل المدرسة وآبائهم أن الأطفال الذين كانوا أكثر تعويلا واتكالا على أنفسهم، ولديهم قدرة التحكم على أنفسهم، ولديهم ميول استكشافية، ويشعرون بالرضا والإشباع كان لديهم آباء يتصفون بالمسئولية الاجتماعية، والثقة في النفس ومؤكدون لذواتهم، كما أنهم كانوا يضعون حدودًا معينة على سلوك أطفالهم، ولكنهم في نفس الوقت كانوا يتصفون بالدفئ والتقبل، حيث كانوا راغبون في تفسير مبادئهم السلوكية، وكانوا في نفس الوقت يشجعون أطفالهم على مناقشة هذه المبادئ والاقتناع بها.
وتشير النتائج كذلك أن الأطفال الذين اتصفوا بعدم الرضا، والانسحاب وعدم الثقة، كان لديهم آباء منفصلين عنهم يتسمون بالديكتاتورية، حيث كانوا متحكمين وصارمين بصورة كبيرة لأولادهم ويحيطون أبناءهم بالحماية والوقاية، تاركين مجالات وفرص قليلة للمناقشة والاختلاف في الرأي، وينكرون أو لا يحبذون الفرص لأطفالهم لأخذ المخاطر في محاولة أشياء جديدة وفي عمل القرارات، والمجموعة
(1/305)

الثالثة من الأطفال والتي كانت لها آباء تتصف بالتساهل واللامبالاة كانت أقل ثقة بذاتها وأقل استكشافًا وضبطًا لذواتهم، وبمناقشة أحد أطفال هذه المجموعة وجد أن الآباء كانوا يفشلون في وضع أي معايير محددة لأطفالهم والتي عن طريقها يمكن أن يحكم الأطفال بواسطتها على مدى تناسب أنماط سلوكهم، كما أنهم فشلوا في تشجيع الأطفال على تقبل أي تحديات تواجههم، والجدول "1" يوضح نتائج هذه الدراسة:
(1/306)

ونتائج هذه الدراسة السابقة، ونتائج دراسات متشابهة أخرى كذلك، تشير إلى التناسق والتساوق مع ما تعلم بالفعل عن أصول دافعية الإنجاز، بمعنى أن الآباء الذين يحفزون أطفالهم ويستحثونهم على الإنجاز بقدر ما يستطيعون وفي نفس الوقت يجمعون مجهوداتهم بواسطة المديح والتشجيع، نجدهم ينتجون لدى أولادهم مستويات من الكفاية الآدوية.
تقدير الذات Self Esteem:
تتمثل في القيمة التي يضعها الأفراد لذواتهم، ومدى توقعهم النجاح فيما يفعلونه, ومن أكثر الدراسات شمولا وتكاملا في العوامل التي تؤدي إلى تقدير الذات دراسة كوبر سميث Cooper Smith؛ "1967", والتي كانت نتائجها متسقة مع نتائج الدراسات في دافعية الإنجاز والكفاية كانت نتائجها متسقة مع نتائج الدراسات في دافعية الإنجاز والكفاية الأدوية، حيث أشارت النتائج أن الأطفال الذين كانوا يتصفون بتقدير الذات كان لديهم آباء يتسمون بالدفء والتقبل، والذين يضعون حدودًا واضحة محددة لسلوك أطفالهم، إلا أنهم في نفس الوقت يسمحون لهم بحرية العمل والاختيار داخل هذه الحدود, ويشير كوبر سميث متفقًا في ذلك مع باومرند بأن آباء الأطفال ذوي التقدير العالي لذواتهم يميلون إلى أن يكونوا متزنين نشطين واثقين بذواتهم مشبعين وراضين بصورة نسبية.
ومما يجدر الإشارة إليه في هذا المقام، أن هناك فروقًا جنسية بين الأولاد والبنات في الإحساس بالبراعة والتفوق، فقد وجد في بعض الدراسات الواسعة التي كانت تهدف إلى التعرف على الفروق الجنسية في الإنجاز، حيث كان الأولاد يدفعون إلى الإنجاز بصورة أولية عن طريق النضالات المتفوقة المتمكنة, في حين كانت البنات يدفعن للإنجاز نتيجة الحاجة إلى الاستحسان الاجتماعي Hoffmann؛ "1972"، وهذه الفروق الواضحة الظاهرة أدت إلى بعض المقولبات عن دور الجنس، حيث تؤكد نتائج دراسة هوفمان، تلك المقولبات التي تشير أن الأطفال الذكور قد يكونون أكثر عدوانية واستقلالا وتنافسًا، في حين نرى البنات أكثر سلبية، وأكثر اعتمادية، وأكثر تعاونًا، وعلى ذلك فعادة ما نجد الأفراد في الحماية والعناية بالبنات وعدم تشجيعهن على القيام بالمهام أو الأعمال الصعبة، وبالتالي نجدهم غالبًا ما يتصفن بأنهن أقل ثقة في ذواتهن وأقل إنتاجية، وأقل نجاحًا في النشاطات من الأولاد المتساوين معهم في قدراتهم.
(1/307)

وعلى نقيض نتائج الدراسة السابقة، نجد أن كل من ماكوبي وجاكلين Macoby & Jacklin يشيرون أن الأولاد والبنات لا يختلفون في نضالاتهم نحو الإنجاز، كما أن الأولاد في مجتمعنا لا يتلقون تشجيعًا أكبر من البنات نحو التحكم والسيطرة، ولسوء الحظ فإن الدراسات التي اعتمد عليها كل من ماكوبي وجاكلين ليست دراسات ناضجة جيدة حيث اعتمدت على مقاييس غير محكمة بسيطة لاكتشاف الفروق الجنسية، وبالتالي فإننا في حاجة إلى دراسات إضافية أكثر دقة تؤكد النتائج في اتجاه ما دون آخر.
كما أن معادلات أريك أريكسون قد تكون مفيدة في هذا المجال إذ يشير أن ما يخبره الأطفال في علاقاتهم مع آبائهم في ما إذا كانوا سينمون أحاسيس الثقة أو عدم الثقة في عالمهم المحيط بهم وكذلك في مستقبلهم. وفيما يتصل بالطفولة المبكرة فقد أشار أريكسون أن مظاهر التفاعل الأبوي الطفلي يحدد ما إذا كان الطفل سينمي إحساس الاستقلالية أو الشك والخجل وبالتالي فإن ذلك سيؤدي إلى سمات شخصية مستمرة، فإن تمكن الآباء من التعرف على ميول وقدرات أطفالهم، وأن يشجعوهم بفخر وإعجاب خاصة في سن ما قبل المدرسة ويدعموا إنجازاتهم، نجد الأطفال ينمون إحساس الاستقلالية أو الإحساس بتمكنهم والتحكم في ذواتهم وبيئتهم، أما إذا منع الآباء أطفالهم من أداء أعمال معقولة معينة، أو وضعوا متطلبات أو معايير أعلى من قدرات أطفالهم, أو يشكون في قدراتهم، فإنهم يؤثرون بذلك على مصائرهم وأنماط شخصياتهم النامية في المراحل التالية.
(1/308)

العلاقات الاجتماعية لطفل ما قبل المدرسة
مدخل
...
العلاقات الاجتماعية لطفل ما قبل المدرسة:
في معظم المجتمعات حتى الآن، من المعتاد أن تكون هناك تمييزات شديدة بين أدوار الأم والأب في تنشئة الطفل، فالأم عادة ما تبقى في المنزل للعناية بالأطفال في حين يعمل الأب خارج المنزل ليعول أسرته, ولا يتوقع أن تكون الأم عاملة إلا في حالة الضغط الاقتصادي أو عدم قدرة الأب على كفالة أسرته, فالأب لا يفترض فيه أن يستطيع تغيير حفاضات الطفل, أو يطعمه ليلا، أو الاهتمام بنظام حاجات الرضيع والطفل الصغير إلا إذا كانت زوجته مريضة أو بعيدة عن المنزل، ومما
(1/308)

يجدر الإشارة إليه نجد الآن اختفاء التحديدات الصارمة لدور الجنس لتزايد عدد النساء اللاتي يعملن خارج المنزل لإثبات ذواتهن والانتفاع بقدراتهن بالإضافة إلى كسبهن المادي، وبالتالي فقد نظر إلى العناية بالطفل على أنها مسئولية مشتركة يتقاسم فيها كل من الأب والأم.
ودور الأم يأتي في المقام الأول، حيث نجد ارتباطات الأطفال الأولى تتكون مع أمهاتهم وتبقي بصورة عامة الشخص الأكثر أهمية في حياتهم طوال سنوات ما قبل المدرسة، وكثيرًا ما نجد الأمهات يرجئن البحث عن عمل، أو يعملن جزءًا من الوقت فقط حتى يصل أطفالهن إلى سن المدرسة، وقد يوقفن العمل كلية في حالة المولود الجديد، وعلى ذلك فإن الأطفال الصغار عادة ما يقضون الوقت الأطول مع أمهاتهم أكثر من أي شخص آخر، كما أن سلوك الأم يكون مؤثرًا فعالا على شخصيتهم ونموهم الاجتماعي، ومع ذلك فإننا نجد أثناء سنوات ما قبل المدرسة أن الأم تبدأ بصورة متزايدة في تقاسم التأثير على الطفل مع الأب وإخوته وأقرانه.
(1/309)

دور الأب:
تشير نتائج دراسات كل من برلنجهام Burlingham؛ "1973"، وشافر وأميرسون Schaffer & Emerson؛ "1964" أن الأب قد يأخذ كثيرًا من مسئوليات العناية بالطفل، خاصة في إطعامهم، وغالبًا ما يكون للأطفال الصغار ارتباطات مبكرة مع آبائهم بالإضافة إلى أمهاتهم، وفي أثناء سنوات ما قبل المدرسة نجد أغلب الرجال مشاركين نشطين في حياة أطفالهم، فالطفل الرضيع عادة ما يؤخذ على غرة عندما يريد الأب ترك المنزل والذهاب إلى العمل، وبالتالي يصيح ويبكي، وقد يكون نائمًا أثناء عودة الأب من عمله مساء، إلا أن أطفال ما قبل المدرسة عادة ما يكونون مستيقظين في أوقات عودة آبائهم من أعمالهم كما أن لديهم فرص أكبر للتفاعل مع آبائهم بسبب نضجهم، مثل الجلوس مع الأسرة في أوقات تناول الطعام، واللعب سويًا، والاشترك في محادثات مختلفة، كما نجد أطفال ما قبل المدرسة أكثر ميلا إلى الرحلات والمناسبات الأخرى التي يوفرها الآباء لأطفالهم كالركوب على الظهر والأكتاف والرحلات إلى حديقة الحيوان أو السيرك، أو تصليح اللعب أو الدمى التالفة وما إلى ذلك.
(1/309)

وتشير نتائج دراسة لين وكروس Lynn & Cross؛ "1974" إلى اهتمام أطفال ما قبل المدرسة بآبائهم، وعلى الرغم من أنها دراسة بسيطة إلا أنها ذات مغزى كبير حيث سألوا عددًا كبيرًا من الأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 2-4 سنوات عما يودون مشاركته في عديد من الألعاب الأم أو الأب، وأشارت النتائج أن أطفال سن 2، 3، 4 أعطوا تفضيلا واضحًا لمشاركة اللعب مع آبائهم ولدى الإناث لوحظ أن الآباء كان تفضيلهم أكبر لدى بنات من الثانية، إلا أن بنات 3 سنوات أشارت إلى تفضيل أقل في اللعب مع آبائهم وفي سن 4 سنوات فإنهن فضلن بصورة واضحة اللعب مع أمهاتهن، وميل الفتيات في هذه الدراسة يعكس ميلهن إلى التطابق والتماثل مع الأب من نفس الجنس كلما تدرجوا نحو الطفولة الوسطى، وسوف نتأمل هذا الموضوع في نهاية هذا الفصل.
وأطفال ما قبل المدرسة عندما يزيدون من تفاعلاتهم مع آبائهم وأمهاتهم، ويشير ذلك إلى شعورهم بامتلاك شخصين للعناية والاهتمام بهم وليس شخصًا واحدًا، ففي حين وجدنا الرضيع يبحث عن جذب انتباه الأم فقط، إلا أنه الآن يلتمس الانتباه من كل من الأب والأم معًا كما نجدهم يوجهوا بعض أنواع الاهتمامات بصورة رئيسية إلى كل منهما، فمثلا قد نجد الولد يسأل والده عن الحلوى، وذلك لعلمه أن الأب عادة ما يعطيه بعضا منها، ولكن لا يسأل أمه لأنها ترفض إعطاءه إياها لخوفها على أسنانه، وبصورة مماثلة نجد البنت التي كسرت مصادفة طبقا أو شيئا ما، قد تعترف بذلك لأبيها لأنها تتوقع ألا يوبخها على ذلك، انظر الشكل رقم "1" يوضح العلاقة التفضيلية لأطفال سن ما قبل المدرسة للأمهات والآباء.
كما أن قدرة أطفال ما قبل المدرسة على إدراك الاختلافات في اتجاهات آبائهم ونمط شخصيتهم قد يقودهم أحيانًا لمحاولة اللعب مع واحد من الأبوين في مقابل الآخر، وعادة ما يكون الأطفال في هذا السن ماهرين في التقليل من شأن أحكام أحد الأبوين في ضوء ما قاله الآخر فكثيرًا ما نسمع الطفل يقول: "سمحت لي ماما بعمله" كما أنه قد يرفض مطالب أحد الأطفال يقول: "لن أفعل ما تطلبين مني لآن بابا قال لي يمكنني أن أفعل ما أريد"، وكذلك نجد ذلك في تعبير المحاباة والتحيز في مجهود صريح للتعامل مع سلوك أحد الوالدين في مقابل الآخر، مثلا
(1/310)

يقول لأحد أبويه: "أنت دائمًا تفعل لي ذلك، أنا أريد أن تفعل ماما هذا، أو لماذا لا تذهبي يا ماما إلى العمل وبابا يمكن أن يمكث معنا للعناية والاهتمام بنا".
ومما يجدر ذكره في هذا المقام، أنه من المفضل والأحسن بالنسبة للأطفال، ألا يكون أبويهما متناقضان كل منهما في مواجهة الآخر، وعلى الرغم من عدم وجود طريقة مثلى لتربية كل الأطفال، إلا أنه يجب على الأبوين الاتفاق والاستقرار على الطرق والتي يعتزمان استخدامها مع الطفل، فالأبوان من هذا النمط يساعدان الطفل على أن ينمو لديه معايير داخلية للسلوك، وتنمية الضبط والنظام عنده كما سنرى فيما بعد، بالإضافة إلى أن ثبات واستقرار الأبوين يحول دون اتخاذ طفلهما طرقه الخاصة به.
ولقد أشارت نتائج الدراسة الموسعة الشاملة التي أجراها هنري بيلر H.Biler أن الآباء يلعبون دورًا هامًا في نمو الطفل أثناء سنوات ما قبل المدرسة بصورة خاصة، وبمقارنة الأطفال الذين نشئوا بواسطة أمهاتهم فقط وأطفال آخرين نشئوا وسط آبائهم وأمهاتهم اتضح أن المجموعة الثانية كانت أكثر نضجًا كما أن معاملاتهم مع الراشدين من حولهم كانت أفضل، كما أنهم كانوا يتعاملون بصورة أكثر إيجابية وأكثر فعالية في المواقف الإنجازية.
ومن جانب آخر اتضح أن الأطفال الذين كان آباؤهم غائبين عنهم أو مهملين لهم، اتصفوا بعدم الثقة والارتياب واضطراب في دور جنسهم، فمثلا وجد أن بعض أطفال ما قبل المدرسة الذين كانوا بدون أب ظهر أنهم يؤدون الأعمال بطريقة أنثوية "في كونهم معتمدين غير ميالين إلى التوكيد والجزم والتردد" ووجد أنهم أصبحوا مفرطون في الذكورة Hypermesculine عندما وصلوا إلى سن الطفولة الأصغر منهم، ويتجنبوا النشاطات الخاصة بالإناث، أو مرتبطة بالتخنث Sissy, وذلك لكي يغطوا ويخفوا الإحساس الضمني للذكورة غير المناسبة. Santrock, j؛ "1974".
والأب اللطيف المجامل Attenive يسهم في تنمية الإحساس المريح
(1/312)

عند الابنة بدورها الجنسي، وذلك عن طريق سروره ورضائه بأن له ابنة ومعاملتها كما تحب أن تعامل، وبالتالي يساعدها في نمو مفهوم الذات الأنثوي إيجابيا، وتشير دراسة Hetherington؛ "1972" أن بنات ما قبل المدرسة اللاتي حرمن من علاقة وثيقة مع آبائهم غالبًا ما يفشلون في تنمية إحساس واضح بالأنوثة، وعلى الرغم من أن هذا الإحساس لا يلاحظ أثناء فترة الطفولة، إلا أن هؤلاء البنات غالبًا ما يصبحن مراهقات ذوي مشكلات مرتبطة بالأولاد، ويرجع ذلك إلى إحساسهن بعدم التأكيد وعدم الأمن بدورهن الأنثوي.
ولسنا في حاجة إلى القول: إن مدى كفاية العناية الأبوية لا يمكن قياسها ببساطة عن طريق كمية الوقت الذي يقضيه الأب في المنزل.
فالآباء غير المهتمين من المستبعد أن يوفروا العناية المناسبة للأطفال حتى ولو كانوا داخل المنزل بصفة مستمرة، ومن جانب آخر نرى الآباء الذين يمنعهم عملهم من قضاء وقت طويل مع أولادهم، قد يكونون آباء ممتازين عن طريق تقاسمهم ومشاركتهم لعلاقة قريبة إيجابية مع أطفالهم عندما يكونون معهم وبالقرب منهم, وكما أشرنا سابقًا أن أهمية العلاقة في نوعيتها وليس في كميتها هي التي تؤثر في نمو الشخصية الإيجابية والنمو الاجتماعي السوي، ولسوء الحظ فإن كثيرًا من الدراسات التي بحثت غياب الأب لم تأخذ هذه الحقيقة في حسبانها، وعلى الرغم من نتائج العديد من الدراسات قد دعمت ما أشرنا إليه عن النتائج المحتملة في الأبوية غير المناسبة، إلا أننا نجد أن هناك كثيرًا من البيانات غير المتناسقة ظهرت في عديد من الدراسات والتي افترض خطأ فيها أن كمية العناية الأبوية الجيدة التي يتلقاها الأطفال مرتبطة بصورة مباشرة بكمية الوقت الذي يقضيه الآباء داخل المنزل.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الدرجة التي يعانيها الأطفال من التأثيرات غير السوية نتيجة غياب آبائهم تختلف وفقًا للظروف والأحوال المحيطة، فمثلا غياب الأب يؤثر في نمو الطفل الكبير "في الطفولة المتوسطة أو المراهقة" بصورة أقل من تأثيره في نمو الطفل أثناء سنوت ما قبل المدرسة، وثانيًا تشير الدلائل أن أطفال سن ما قبل المدرسة يمكنهم التكيف بسهولة لغياب آبائهم لأسباب لا يمكن تفاديها كالموت، أو الإقامة المستمرة داخل المستشفى, أو الطلاق ثالثًا، وإذا كان للآباء علاقة زوجية حسنة مع الأم، فإنها عادة ما تذكر الأب بكلام جيد عندما لا يكون موجودًا بالمنزل أمام وليدها، وإذا كانت علاقة الأم بطفلها علاقة دافئة، مدعمة فإنها بالتالي تشجع وتدعم سلوك دور الجنس المناسب لطفلها، وعلى ذلك تخفف نسبيًا من النتائج السلبية على غياب الأب، رابعًا، نجد أن أطفال ما قبل المدرسة يمكنهم تجنب مشاكل عدم وجود الأب، إذا توفر ذكور أخرون يقومون بدور الأب معهم كزوج الأم مثلا، أو العم، والخال أو الإخوة الكبار في الأسرة.
(1/313)

العلاقات مع الإخوة والأخوات:
عادة ما تبدأ أثناء سنوات ما قبل المدرسة علاقات هامة مع الإخوة والأخوات، فأغلب المواليد الأوائل يدركون قدوم مواليد جدد لهم، وهؤلاء الجدد عادة ما يكونون مشغولين في أنواع جديدة من التفاعلات مع أخواتهم الأكبر, وتتضمن هذه العلاقات بين الإخوة والأخوات وبصورة عادية أحاسيس الغيرة والتنافس والتي صورت في كثير من الأعمال الأدبية, على الرغم من أن العلاقات بين الإخوة نادرًا ما تؤدي إلى نتائج متطرفة في العالم الواقعي، إلا أنها عادة ما تتحدى شعور وإحساس طفل ما قبل المدرسة في وجوده وهويته وبالتالي تتطلب التناول اليقظ الذكي بواسطة الأبوين.
(1/314)

مقدم طفل جديد:
غالبًا ما يكون مقدم أخ أو أخت جديد حدثًا معوقًا في حياة طفل ما قبل المدرسة، وخاصة بالنسبة للمواليد الأوائل الذين تمتعوا بالاهتمام والانتباه المقصور عليهم من أبويهم، وتشير نتائج دراسة ليج وآخرين Legg, G؛ "1975" أن مقدم طفل جديد عادة ما ينظر إليه على أنه شيء متطفل، يدخل عنوة في حياة الصغير ومثير للمتاعب ومسبب للمشاكل للآخرين, وأطفال ما قبل المدرسة يشيرون عادة إلى عدم سعادتهم بالأخت أو الأخ الجديد بصورة غير مباشرة، وذلك بإصدار الإشارات البريئة الساذجة والتي تومئ إلى الرغبة في القضاء أو التخلص من القادم الجديد من العائلة, فكثيرًا ما نسمع "متى سنذهب لإعطاء هذا الطفل إلى المستشفى؟ ". كما نجدهم في بعض الأحيان تحدث لديهم أنماط سلوكية نكوصية، مثل سؤالهم عن الرضاعة أو البزازة مرة أخرى بعد أن يكونون قد أقلعوا عنها، أو الرجوع مرة أخرى إلى عدم التحكم في التواليت، بعد حصولهم واجتيازهم التواليت، وهذه الأنماط السلوكية النكوصية عادة ما تعكس من الطفل رغبة شديدة مؤقتة إلى أن ينظر إليه
(1/314)

كطفل صغير مرة أخرى، وأن يتلقى الاهتمام والعناية الكاملة التي حصل عليها الإخوة أو الأخوات الجدد.
ويستطرد Legg في ذلك بقوله: إن دراسات الأسرة أشارت إلى كثير من الطرق التي يستطيع الأبوان من خلالها مساعدة أطفال ما قبل المدرسة أن يجتنبوا التفاعلات السلبية نحو المولود الجديد, فقد يشرك الآباء الطفل في عمل الاستعدادات والتجهيزات الخاصة بوصول المولود الجديد، ويسمح لهم بالمساعدة في العناية بهم مثل إمساك الرضاعة أثناء إطعام الرضيع, كما يحتاج كثير من أطفال ما قبل المدرسة إلى التأكيد لهم من جديد أن دماهم أو ممتلكاتهم العزيزة عليهم لن تؤخذ منه أو تعطى للمولود الجديد, وكثير من الأفعال المتشابهة مع ما سبق الإشارة إليه تدعم شعور طفل ما قبل المدرسة في كونه مهما وله وضع ملائم ومركز مناسب في الأسرة، والذي يجعل من السهل عليهم التكيف في مقاسمة الانتباه والعناية مع القادم الجديد.
(1/315)

التفاعلات مع الإخوة والأخوات الأكبر:
علاقة طفل ما قبل المدرسة بإخوته وأخواته الأكبر عادة ما تتناوب بين الصدقة والتنافس، فالأطفال الأصغر يتعلمون كيف يحترمون الأطفال الأكبر حتى يستمتعون بوجودهم معهم وأن يلجئوا إليهم للحماية والمساعدة، ومن جانب آخر نجدهم يستاءون من الامتيازات التي تعطى للكبار فكثيرًا ما نسمع منهم: لماذا يجب أن أذهب لأنام في حين أن أحمد لا يفعل ذلك؟ كما أنهم يتنافسون معهم لجذب الانتباه والاستحسان مثل قول طفل ما: شوف أنا أقدر أعمل أيه، وعلى ذلك فإن أطفال ما قبل المدرسة يكونون سعداء عندما يوافق إخوتهم الأكبر اللعب معهم، أو يعلموهم بعض الأشياء، ولكننا نجدهم يميلون إلى اصطياد الفرص لإخبار آبائهم بأخطاء أخواتهم الأكبر، وعمومًا فإننا نجد أطفال ما قبل المدرسة مولعون بالثرثرة والوشاية والتي غالبًا ما تزعج الآباء ويمكن أن تفسر ذلك بأنه محاولة من جانب الصغير في زيادة مشاركتهم وتقاسمهم لعطف آبائهم وذلك بالتنويه إلى عدم جدارة وعدم أهلية إخوتهم الأكبر منهم.
ويستطيع الآباء مساعدة الأبناء في أن ينمون سويًا وذلك عن طريق وضع مستويات سلوكية مناسبة لكل عمر زمني، وبالتالي يمكن أن يعرف طفل ما قبل المدرسة ما يسمح له أداؤه أو المتوقع أن يؤديه في هذا السن وكذلك ما سيؤديه في المستقبل, وإذا حاول الآباء منع التنافس بمعاملة الأطفال جميعا بصورة متشابهة، فإنهم عادة ما يجعلون الأمور تسير إلى منع عنهم إمتيازات منحت إلى إخوتهم الأصغر نجدهم يميلون إلى الشعور بالطفولة Babied وأن يفقدوا الثقة في قدراتهم، كما أن الأطفال الصغار الذين يوضع لهم نفس مستويات الكبار عادة ما يشعروا بالإحباط بسبب عدم قدراتهم مقابلة توقعات آبائهم غير الواقعية منهم، أو أنهم قد ينمون إحساس مبالغ فيه فيما يقدرون أو يستطيعون القيام به
(1/315)

التفاعلات مع الصحبة والنظراء:
أثناء سنوات ما قبل المدرسة عادة ما يقيم الأطفال أول اتصالاتهم الهامة مع نظائرهم، فهو الآن خفيف الحركة، شغوف في استكشاف العالم خارج منزله وأقل حاجة للإشراف المستمر المتواصل، والأطفال في هذا السن الذين يلعبون في جماعات ويميلون بصورة كبيرة إلى تجاهل الآخر.
باستثناء التبديلات التي تحدث بين الفينة والفينة لدماهم "ألعابهم" كما نجدهم غالبًا ما يوجهون انتباههم الأكبر إلى الراشدين المتواجدين أكثر مما يعطون لألعابهم، وبحلول العام الثاني نجد الأطفال يقضون وقتًا أطول مع رفاق اللعب وأدوات اللعب أكثر من الراشدين كما يبدءون اللعب سويًا أكثر من اللعب منفردين، ويتضمن ذلك الجدل والمناقشة في امتلاك الدمية بدلا من مجرد الصياح بسبب عدم امتلاكهم في سنته الأولى.
ولقد استخدم إكرمان Eckerman؛ "1975" وزملاؤه موقف لعب تجريبي لكي يصفوا نمو اللعب الاجتماعي لأطفال تتراوح أعمارهم بين 10-12 شهرا و16-18 شهرا و22-24 شهرا، وجلس كل طفل بصحبة أمه، ولاحظ المختبرون الأطفال وأمهاتهم لمدة عشرين دقيقة مسجلين كمية الوقت الذي يقضيه كل طفل في اللعب بمفرده، وكم من الوقت يقضيه كل طفل في اللعب مع أمه، وكذلك الوقت الذي يقضيه كل طفل في اللعب مع أم الطفل الآخر, وكما أشارت النتائج الموضحة في الشكل رقم "2" أن اللعب الاجتماعي يبدأ في الظهور بحلول السنة الثانية من عمر الطفل، وكذلك نمو الميل لدى الأطفال في اللعب مع بعضهم البعض، أكثر من الوقت الذي يقضى في اللعب مع أمهاتهم انظر الشكل رقم 1، 2.
(1/316)

وتشير دراسات أخرى قام بها Harteys؛ "1970", Bronson؛ "1975" إلى أنه بمجرد أن يبدأ الأطفال اللعب الاجتماعي نجدهم يقضون وقتًا متزايدًا بعضهم مع البعض الآخر، وكذلك يبدءون اللعب في جماعات من ثلاثة أطفال أو أكثر، وكذلك في أزواج، وعند حلول العام الخامس يتزايد الوقت الذي يقضى في اللعب مع زملائهم، وذلك أكثر من رغبتهم جذب انتباه الآخرين الراشدين ومدحهم لهم، ففي حين نجدهم في مرحلة نمائية سابقة كانوا معتمدين كلية على مكافآت آبائهم، نجدهم الآن يبدءون في مكافأة بعضهم البعض بعلامات التقبل والاستحسان والتعاطف.
وبواسطة هذا التفاعل المتسع مع زملائهم في مثل عمرهم، يتيح لهم أن يكونوا على دراية متزايدة باختلاف الواحد منهم عن الآخر، حيث يرون أن هناك أطفال أكبر منهم، والآخر أصغر منهم، البعض أشجع منهم والبعض أجبن منهم، والبعض له لون أسمر وآخر أبيض، وهكذا، كما أن أطفال ما قبل المدرسة يكتشفون تدريجيًا أن الأطفال ينتمون إلى أسر ذات مراكز مختلفة والتي قد تختلف مع أسرهم، فالبعض له إخوة وأخوات والبعض ليس له، والبعض له آباء شباب والآخر لديه آباء كبار في السن
(1/317)

والبعض ليس له أبوان, وهذا النمو في الاشتراك أو التقاسم الاجتماعي مع الأقران يعتبر خبرة واسعة بصورة كبيرة, ولذلك نجد أطفال ما قبل المدرسة كثيرًا ما يمطرون آباءهم بتساؤلات فيما يبدو لا نهاية لها، عن كيفية اختلاف الحياة وسبب الاختلاف في العلائلات والأسر الأخرى وتساؤلات أخرى عن السببية مثل لماذا ليس لي أخ أو أخت؟ ولماذا لا أملك دمية كبيرة مثل زميلي؟ لماذا هذا الطفل ليس له أب؟ هل بابا سيذهب كذلك؟ كثير من التساؤلات عادة ما نسمعها من أولادنا في هذه المرحلة النمائية، يجب أن نعمل على الإجابة عليهم بقدر نموهم العقلي.
كما أن أطفال ما قبل المدرسة يبدءون التعرف على الاختلافات بين أنفسهم في مواهبهم الطبيعية وسماتهم الشخصية، حيث يتعلمون أن بعض الأطفال أكثر تفوقًا من الآخرين في مهاراتهم اللغوية ومهاراتهم الحركية، فالبعض منهم أسرع من الآخر في الفهم وتذكر الأفكار الجديد، وقد يكون البعض أكثر عدوانية، وأكثر أنانية وأكثر جبنًا أو حذرًا من الآخرين وهكذا، ويدركون أن البعض يصلح للقيادة والبعض الآخر لا يصلح إلا للتبعية، والبعض يتسم بالخجل والآخر بالثقة بالنفس، وكل من هذه النماذج السلوكية تعكس اتجاهات أساسية يكونها الأطفال الصغار نحو أنفسهم ونحو عالمهم.
وتشيير دراسة Hartup؛ "1970", ودراسة Moore؛ "1967" إلى أن الخصائص المرتبطة بالشعبية Popularity بين أطفال مدارس الحضانة تتلخص فيما يلي، أن أطفال الحضانة الذين كانوا أكثر حبًا من الآخرين يتسمون بالتعاون والألفة، والذين يقدمون الانتباه والاستحسان للأطفال الصغار وبين بعضهم البعض حيث يتوقون إلى ذلك، والذين كانوا يتوافقون بصورة جيدة للموقف الجمعي, وتشير خصائص الذين مالوا إلى أن يكونوا غير محبوبين, كانوا منسحبين اجتماعيًا أو عدوانيين كما كانوا يتصفون بالخصام والعناد، ويسخرون من مجهودات الآخرين, ومما يجدر الإشارة إليه فإن دراسات أخرى أجريت على أطفال أكبر سنًا -12 سنة- وكذلك على مراهقين، وأشارت النتائج إلى خصائص متشابهة مع ما ذكر آنفًا حيث اتضح أن الخصائص التي تؤدي إلى حب الآخرين هي الاجتماعية: التعاون والتوافق، والاتساق مع معايير الجماعة. Hartup؛ "1970".
(1/318)

واللعب بصورة خاصة هام للنمو الاجتماعي ونمو الشخصية في سنوات ما قبل المدرسة، فمن خلال استخدام الدمى والألعاب المختلفة نرى الصغار يتعلمون أن كل فرد منهم شخص مستقل، وكذلك يدركون كيفية التعامل مع العلاقات الشخصية المتبادلة، فالأطفال الذين لا يكون لديهم فرص للعب مع رفاق سنهم يفتقدون خبرة تعلم اجتماعية حيوية، وبالتالي قد يكونون أقل ثقة في أنفسهم، وغير متأكدين من قدراتهم لعمل علاقات وارتباطات بأفراد آخرين خارج المجال الأسري، وتشير نتائج دراسات كل من Halverson وآخر "1976" إلى وجود علاقة ذات دلالة إحصائية بين درجة المشاركة الاجتماعية للبنين والبنات في سن الثانية والنصف والمدى الذي نجده في تفاعلاتهم الاجتماعية مع أصدقائهم في سن السابعة والنصف.
بالإضافة إلى كل ما ذكر، فإن المشاركة الاجتماعية لأطفال سنوات ما قبل المدرسة يمكن أن تفيدهم, فهذه العلاقات لكونها خارج المنزل ولفترات وجيزة في الالتقاء مع الرفاق واللعب مع الأصدقاء الجدد تعتبر إعدادًا جيدًا لسنوات المدرسة التي ستأتي فيما بعد فالأطفال الذين نادرًا ما يكونون بعيدين عن أبويهم، قد يكون الانتقال إلى مدرسة الحضانة أو المدرسة الابتدائية مصدرًا رئيسيًا للقلق لهم ولآبائهم, وسوف نرى ذلك في مناقشتنا لمرحلة الطفولة الوسطى.
(1/319)

التطبيع الاجتماعي
مدخل
...
التطبيع الاجتماعي:
التطبيع الاجتماعي عملية يكتسب الأطفال من خلالها الحكم الخلقي والضبط الذاتي اللازم لهم حتى يصبحوا أعضاء راشدين مسئولين في مجتمعهم، فالطفل لا يولد ولديه مفهوم عن الخطأ أو الصواب أو أي من الأنماط السلوكية مباحة وأيها محظور, والنضج المعرفي الذي يحدث أثناء سنوات ما قبل المدرسة وفي الطفولة الوسطى يزيد تدريجيًا من قدرة الطفل لعمل أحكام اجتماعية وبالتالي ضبط أنماطه السلوكية في ضوء هذه الأحكام، ومع ذلك فإن محتوى عملية التطبيع الاجتماعي بمعنى المفاهيم الشخصية النوعية التي يكونها الأطفال عن السلوك المناسب والسلوك غير المناسب لا تحدد فقط بواسطة النضج ولكن عن طريق ما يخبره الطفل كذلك، وأول هذه الأنواع وأهمها ما يسمى بالحكم
(1/319)

الاجتماعي Social Judgment وضبط الذات تتكون عن طريق كيفية تدريب الأبوين لأطفالهم وكذلك بواسطة الأمثلة التي يضعونها لسلوكهم الخاص، والثقافية, وبهذه الطريقة فإن الأبوين ينقلون لأطفالهم الاتجاهات الاجتماعية والثقافية والتقاليد والقيم التي يؤيدونها وهذه تتضمن معايير الأخلاق المشتركة في مجتمعهم بالإضافة إلى القيم الثقافية الفرعية Subcultural المرتبطة بجنس الوالدين والدين والأصول العرقية والطبقة الاجتماعية والميول السياسية.
ويستجيب الأطفال لتأثير الأبوين بتذويب المعايير وتكوين موقفين متممين بعضهما البعض؛ أولا: نجدهم يدمجون التحريمات والمحظورات الموضوعة بواسطة الوالدين كقولهم: "من المفروض ألا تأخذ الأشياء التي تخص الأفراد الآخرين"، وبالتالي يبدءون في تكوين الضمير ويعتبر بمثابة صوت داخلي يستمر في النداء "لا" حتى في غياب الأبوين, ثانيًا: وكلما بدءوا في دمج الأهداف الإيجابية والقيم التي يصادق عليها الأبوان نجدهم يبدءون في دمج الأهداف الإيجابية والقيم التي يصادق عليها الأبوان نجدهم يبدءون في تكوين الأنا المثالية Ego Ideal وتعتبر بمثابة إحساس داخلي لما يطمح إليه وكذلك ما ينبغي عليهم عمله. وبانبثاق الضمير نجد الأطفال يشعرون بالذنب لكونهم قد سلكوا في طرق يجب ألا يسلكوها، كما أن نمو الأنا المثالية يسبب لهم أحاسيس ومشاعر الخجل عندما يخفقون في عمل ما يعتقدون أنهم يقدرون عليه. Piero, G. & Singer, M؛ "1952".
وتشير عملية التطبيع الاجتماعي بصورة أكثر فعالية عندما يتصف الآباء بما يلي:
1- بتدريب أطفالهم بطرق تساعدهم على تكوين ضمير ملائم، ولكنه ليس صارمًا أكثر مما ينبغي.
2- بعملهم كنماذج للحكم الاجتماعي والضبط الذاتي والتي يمكن لأطفالهم التقمص معها, فالتدريب والتقمص يمكن بالتالي أن يعتبرا العاملين الأساسيين في عملية التطبيع الاجتماعي, وسوف نوردهما في الصفحات التالية.
(1/320)

أ- التدريب أو فرض النظام Discipline
تشير كثير من الدراسات أن الدراسات سواء كانت في صورة مكافآت أو عقاب يساعد الأطفال على تعديل سلوكهم ويتعلمون كذلك الضبط الذاتي ففي إحدى دراسات للطرق الشائعة لدراسة التدريب، أعطي الأطفال فرصة الإمساك بدمية جذابة أو غير جذابة، وعندما يصلون إلى الدمية غير الجذابة كانوا يتلقون مديحًا وثناء وقطعة من الحلوى، وعندما يصلون إلى الدمية الجذابة لا يتلقون جزاء وثوابًا، وبعد فترة ترك الأطفال بمفردهم مع الدمى، ولاحظ Aronfreed؛ "1968" أن الأطفال الذين أجريت عليهم هذه التجربة مالوا إلى تجاهل وتحريم الدمية الجذابة على أنفسهم، وعادة ما كانوا يصلون إلى الدمية غير الجذابة.
ولقد وجد Parke؛ "1969" نتائج متشابهة حيث كان الأطفال يعاقبون عن طريق التأنيب القاسي عندما يصلون للدمية الجذابة كقول: "لا، إن هذه الدمية ليست لك"، وتشير النتائج أن الأطفال الذين تركوا بمفردهم مع الدمى الجذابة مالوا إلى مقاومة الإمساك بها أن كانوا قد تلقوا التوبيخ فيما سبق، وتشير الدلائل كذلك أن تأثير الثواب والعقاب في هذه الدراسات يكون أكثر فعالية إذا حدث بمجرد أن يصل الطفل إلى الدمية وليس بعد أن يلعب بها، وهذا يعني أن النظام والتدريب سيكون أكثر فعالية أثناء الأطوار المبكرة الأولى لتشكيل السلوك، إذا ما قورن ذلك بعد أن يكون السلوك قد بدأ منذ فترة.
وعمومًا، فمن الصعب إجراء تعميمات عن تأثير التدريب والنظام على سلوك الأطفال، بالإضافة إلى زمن هذا التدريب، أو التدريب سواء أخذ صورة المكافأة أو العقاب, فإننا نجد كثيرا من العوامل تؤثر في مدى فعالية هذا التدريب ويتضمن ذلك من الذي يقوم بهذا التدريب؟ وكيفية تناسب هذا التدريب مع موقف معين، بالإضافة إلى درجة حساسية الطفل للمديح أو التوبيخ، ولذلك فإننا نجد معظم وجهات النظر التي أجريت على النظام والتدريب تشير إلى عديد من التحذيرات في تفسير نتائجها، وعمومًا فلقد اتفقت نتائج الدراسات أن الأطفال عادة ما يستفيدون من النظام "التدريب" الذي يتصف بالصفات الآتية.
أ- يجب أن يدار بصورة متساوقة ثابتة.
ب- التدريب المرشد أكثر فعالية من التدريب المعاقب.
جـ- التدريب الموجه إلى أنماط سلوك الأطفال أكثر فعالية من التدريب الموجه لهم كأشخاص.
(1/321)

تساوق التدريب أو النظام:
اتضح من الدراسات التجريبية في التعلم أن السلوك المكافئ جزئيًا "في بعض الأحيان وليس في كل الأوقات" Partial Reinforcement يكون أكثر ثباتًا ويقاوم التغير، عن السلوك الذي يلقي مكافئة باستمرار, وبطريقة مماثلة فقد وجد أن العقاب المتسق والثابت لسلوك معين كالعدوان مثلا سوف يقلل من حدوثه بصورة كبيرة، أكثر من حدوث ذلك نتيجة عقاب هذا السلوك في بعض الأوقات وتجاهل ذلك في أوقات أخرى, وعمومًا فإن السماح الجزئي لسلوك ما "من وقت إلى آخر" يكون بمثابة مدعمًا ضمنيًا جزئيًا لهذا السلوك.
ويشير كل من دير Deur وبارك Parke إلى تأثير التدعيم الجزئي، ففي إحدى الدراسات اختبرت ثلاثة مجموعات من الأطفال في عقاب دمية كبيرة تحت ثلاثة ظروف تدريبية معينة، حيث تلقت إحدى المجموعات مكافأة مستمرة لمعاقبة الدمية، وتلقت المجموعة الثانية المكافأة نصف الوقت ولم تكافأ في النصف الآخر، وتلقت المجموعة الثالثة مكافأة نصف الوقت ولكنها تلقت عقابا في النصف الآخر بواسطة صوت عال مرتفع والذي قيل لهم: إن هذا الضجيج يشير إلى أنكم تلعبون بصورة سيئة، وفي اختبارات فرعية لاحقة لوحظ مدى استمرار تلك الجماعات في معاقبة الدمية في حالات عدم تلقي المكافأة أو العقاب.
والنتائج الموضحة في الشكل "3" تشير إلى أنه سواء عوقب السلوك العدواني للأطفال بصورة ثابتة أو حدث تجاهل لهذا السلوك، فإن الأطفال الذين تلقوا 50% مكافأة، و50% عقابًا لمعاقبتهم الدمية، استمروا في معاقبتها لمدة أطول من المجموعتين الأخريين، كما أظهر الأطفال الذين تلقوا مزيجًا من العقاب والمكافأة، أظهروا عقابًا موجهًا إلى الدمية فيما بعد بصورة أطول من المجموعة التي كانت تتلقى العقاب المستمر، حيث كان معدل سلوكهم العدواني 21.1 من الوقت, وكان الأطفال الذين يتلقون المكافأة 100% من الوقت ويتجاهل عقابهم اللاحق أظهروا سلوكًا عدوانيًا بمعدل 26.5 من الوقت. انظر الشكل "2".
(1/322)

وتشير هذه النتائج أن الآباء يمكنهم مساعدة أطفالهم تعلم الأحكام الصائبة الجيدة، والضبط الذاتي وذلك عن طريق الاستقرار على معايير السلوك المطبقة والتدعيم المنتظم لهذه المعايير، ومن جانب آخر إذا لم يتفق الوالدين على ما يجب لأطفالهم أن يسلكوا، أو يعاقبون بعض الأفعال المعينة في بعض الأوقات وليس باستمرار نجد الأطفال يصدرون ثمة أنماط سلوكية غير سوية كالعدوان والتهور والاندفاعية والأفعال غير المسئولة نحو الآخرين.
والطرق التي يؤدي إليها التدريب غير المتناسق إلى تطبيع اجتماعي غير سوي يفترض أن الأطفال الذين يواجهون بتدريب غير متناسق يميلون إلى استنتاج أن آباءهم يعتبرون بمثابة أشخاص غير موثوق بهم ولا يعول عليهم، حيث إنهم لا يعنون ما يقولون، وهؤلاء الأطفال عادة ما يكون لديهم صعاب ومشكلات نمائية معينة Rotter بفقدان القدرة الداخلية على الضبط، وبالتالي نجدهم يسلكون وفقًا لكيفية رؤيتهم الأحداث الخارجية وفهمهم لها, وعادة ما يخلق هؤلاء الأطفال في تكوين الضمير المناسب حيث يرون قدرتهم قضاء وقدرًا، أو أنها قد ترجع إلى من يسوسهم، ويرجع عدم اقترافهم أعمالا غير خلقية إلى الخوف من الإمساك والقبض عليهم وإنزال العقاب بهم، وعلى نقيض هؤلاء كان الأشخاص ذوي التذويب الداخلي للأخلاق يعتقدون بأنهم يملكون الضبط والتحكم على مصائرهم أو قدرهم، وقراراتهم السلوكية تنبع من شعورهم وإحساسهم الخاص بالخطأ والصواب وذلك أكثر من الخوف من النتائج والعواقب الخارجية.
وتشير نتائج دراسات Hoffman؛ "1974" أن الأطفال الذين نموا شعورًا أو إحساسًا داخليًا بالخلق، يكونون أميل للشعور بالذنب عندما يكون سلوكهم ضارًا أو مؤذيًا للآخرين، وذلك أكثر من هؤلاء الأطفال الذين كانت أفعالهم محكومة بصورة أولية عن طريق وسائل الضبط الخارجي، كما أنهم كانوا أمثل إلى تقبل اللوم في حالة وقوعهم في الأخطاء، ويعترفون بالإثم والجرم الذي ارتكبوه دون أن يكتشفوا. وعادة ما يقاومون تشجيع الآخرين لهم في اقتراف الأفعال غير الخلقية أو التافهة, وبالتالي فإن الأطفال الذين طبق عليهم التدريب الأبوي أو النظام الأبوي المتناسق والمتسق لكي ينموا ضبطًا داخليًا كانت الفرصة أمامهم أفضل للنمو إلى راشدين يقدرون على تحمل المسئولية.
(1/324)

التدريب المرشد Instructive Training:
يكون التدريب مرشدًا عندما يدار بطريقة هادئة معقولة، وعندما يبنى على أساس ذنب معين، ويكون مناسبًا مع الفعل المقترف، وعلى نقيض ذلك فالتوبيخ العنيف والغضب والصفع الذي لا يكون مرتبطا بالعمل والتي تكون قاسية جدًا بالنسبة للذنب المقترف، لا تساعد على النمو السوي للأطفال، وعمومًا عندما يكون الأباء معاقبون بصورة مفرطة قاسية غير مميزة، نجد الأطفال عادة ما يستجيبون بإحدى الطريقتين التاليتين معتمدة ذلك على أنماط شخصيتهم.
أ- فأطفال ما قبل المدرسة الذين يتسمون بالسلبية والجبن يكون من السهل انقيادهم إلى الآخرين، وغالبًا ما يروعون بالعقاب ويصبحون مذعنون بصورة مفرطة وفي خوف من إثبات أو تأكيد ذواتهم.
ب- كما أن الأطفال الذين يكونون نشطين من الناحية الجسمية وذوي فعالية، واثقون بذواتهم يميلون إلى الاستجابة إلى الإرهاب الأبوي بأن يصبحوا متسمين بالعداء ومتقلبي المزاج. كما يشير Hoffman؛ "1970", Feshbach؛ "1972" أن الأطفال يميلون إلى أن يضعوا أنفسهم في نماذج وفقًا للطريقة التي يعاملهم بها الآباء.
والنموذج الأبوي يكون أحد جوانب التقمص، وذو أهمية ويفسر الحقيقة أن الآباء الذين يكون تدريبهم مبنيًا على أساس منحى "افعل ما أقوله" قد يندهشون للنتائج التي يحصلون عليها في شخصيات أبنائهم، فالأطفال يفعلون ما يفعله الآباء وما يقولونه وعمومًا فإن الآباء الذين يعولون على التدريب العقابي عادة ما يخبرون نتائج مضادة لتلك التي ينشدونها في أولادهم.
والاختلاف بين التدريب الإرشادي والتدريب العقابي يوضحه مارتن هوفمان عن طريق وصفه نوعين من التدريب العقابي وهما تأكيد القوة Poewer Assertion الذي يتضمن عقابا جسميًا فعليا أو تهديديًا، أو الحرمان من أشياء أو امتيازات مادية, وثانيهما سحب الحب الذي يعبر فيها الآباء عن غضبهم وعدم استحسانهم عن طريق تجاهل أطفالهم، ورفض التكلم معهم أو الاستماع إليهم أو التهديد بتركهم. والتدريب المرشد من جانب آخر يتضمن وسائل حث عن طريقها يشرح الآباء ويفسرون لأبنائهم سبب رغبتهم في تغيير سلوكهم, وأحد أشكال وسيلة الحث هي الموجهة إلى
(1/325)

الآخر حيث يجذب الآباء انتباه الطفل إلى الطرق التي يكون سلوكه مؤذيًا إلى الآخرين مثل قولهم "أنا حزين لمضايقتك أخيك، وعندما تفسد شيئًا فإن صاحبه يجب أن يصلحه وهذا يكلفه أو هو عمل شاق بالنسبة له ... ".
وتشير الدرسات في تأكيد القوة، وسحب الحب، ووسائل الحث أن الطريقة المختارة التي تتخذ لها تأثيرا ذات دلالة في ما إذا كان الطفل سينمي تنظيمًا سلوكيًا تذويتيًا "خلق قوي" أو وضعًا خرجيا للضبط الذاتي "خلق ضعيف" فاستخدام تأكيد القوة يرتبط بالنمو الخلقي الضعيف للأطفال في حين نجد وسائل الحث Induction خاصة عندما تكون موجهة ذاتيًا ترتبط بالنمو الخلقي المتقدم، ومما يجدر الإشارة إليه أننا بإعطاء الأطفال التفسيرات والتأويلات للأفعال السلوكية يساعدهم على تكوين موقف داخلي من القواعد والتوقعات والتي تساعدهم بالتالي على التحكم في أنماط سلوكهم، وأخيرًا فإن سحب الحب لا يدل على أنه يحمل أية علاقة متسقة بالنمو الخلقي, وكما سنرى فيما بعد أن تعبيرات التعاطف الإيجابية تساعد بصورة منتظمة على التعجيل بتكوين النماذج السلوكية التذويتية "الداخلية".
(1/326)

السلوك التدريبي الموجه:
إن التدريب يمكن أن يوجه سواء إلى سلوك الطفل مثل قولنا: "إن هذا الشيء سيئ فلا تفعله". أو يمكن أن يوجه إلى الطفل كشخص: "لماذا أنت شخص سيئ؟ ". وبصورة عامة فإن التدريب أو التهديد الموجه نحو سلوكهم يساعد الأطفال على المحافظة على احترام ذواتهم، في حين نجد التهذيب الذي يهدف شخصياتهم يميل إلى جعلهم يحسون بأنهم غير محبوبين أو يشعرون بعدم الحب وعدم الكفاءة ويشير Haim Gimolt؛ "1965" أن الآباء يجب أن يميزوا في معاملتهم بين أطفالهم كأشخاص "الذين يحبونهم دائمًا" وبين أفعال أطفالهم, والتي قد تكون محببة أو غير محببة لهم، وبالتالي فإن الأطفال يتقبلون التدريب بصورة أفضل ويتعلمون بصورة أكثر فعالية, إذا ما قورنت بنتائج النقد للأطفال باعتبارهم أشخالص غير محبوبين.
وليس بغريب أن نجد إدارة التدريب بواسطة اتجاهات دافئة محبة يساعد الأطفال على تذويت معايير السلوك، فتقبل الآباء لصغيرهم يجعلهم معولا ومصدرًا للمكافأة، وعلى ذلك نجد الآباء النابذين أو
(1/326)

الرافضين وبالتالي يؤثر الآباء على الأحكام الاجتماعية والضبط الذاتي لأطفال هذه المرحلة النمائية، ويشير MacDonald؛ "1971" أن إدارة التدريب بطريقة دافئة حانية معززة عادة ما تشجع عوامل الضبط السلوكي الداخلي عند الأطفال في حين نجد التدريب غير المدعم بالدفء والتعاطف عادة ما يشجع الأخلاقيات غير المذوتة, أو تكون مجرد مظاهر خارجية Externalized.
ويشير هوفمان Hoffman؛ "1970" إلى العلاقة بين وسائل التدريب والنمو الخلقي عند الأطفال وذلك بمقارنته أجواء ثلاثة من التدريب وأثر ذلك على الأنماط السلوكية التي يؤتيها الأطفال، والجدول رقم "2" يوضح نتائج التجربة السابقة:
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/327)

الرافضين وبالتالي يؤثر الآباء على الأحكام الاجتماعية والضبط الذاتي لأطفال هذه المرحلة النمائية، ويشير MacDonald؛ "1971" أن إدارة التدريب بطريقة دافئة حانية معززة عادة ما تشجع عوامل الضبط السلوكي الداخلي عند الأطفال في حين نجد التدريب غير المدعم بالدفء والتعاطف عادة ما يشجع الأخلاقيات غير المذوتة, أو تكون مجرد مظاهر خارجية Externalized.
ويشير هوفمان Hoffman؛ "1970" إلى العلاقة بين وسائل التدريب والنمو الخلقي عند الأطفال وذلك بمقارنته أجواء ثلاثة من التدريب وأثر ذلك على الأنماط السلوكية التي يؤتيها الأطفال، والجدول رقم "2" يوضح نتائج التجربة السابقة:
(1/327)

التقمص Identification:
هي العملية التي يستجيب بها الأفراد لأحاسيس واتجاهات وأفعال الآخرين عن طريق تبنيها كما لو أنها خاصة بهم، والتقمص الذي أشارت إليه مدرسة التحليل النفسي يعتبر عملية لا شعورية، بمعنى أن الأفراد الذين يتقمصون سلوك بعض الأفراد لا يكونون بالضرورة على دراية بتبنيهم لخصائص هذا الشخص، وعلى ذلك فالتقمص يختلف عن عملية التقليد أو المحاكاة الشعورية لشخص من الأشخاص، وعلى الرغم من أن كلا العمليتين تسهمان في النمو الشخصي للكائن الآدمي.
وكما أشرنا سابقًا أن الأطفال يبدءون في مرحلة مبكرة من حياتهم في تقليد كلام وحركات وإيماءات آبائهم، فعلى المائدة مثلا قد نجد أطفالا ينتزعون لب الخبز عندما يرون أمهاتهم تفعلن ذلك، وقد يقولون: إنهم لا يحبون مأكولا معينًا لسماعهم أبيهم يقول ذلك، وثمة أنماط سلوكية تعزز عن طريق التشجيع الرقيق أو غير الرقيق من الآباء، والذين عادة ما نجدهم يفرحون لتقليد وليدهم أفعالهم السلوكية.
وأثناء سنوات ما قبل المدرسة، نجد هذه الأفعال التقليدية تنمو تدريجبًا نتيجة عملية التقمص، وبنمو الطفل نجده يفعل ما يفعله الأب ليس فقط لمجرد التقليد ولكن بسبب حبه لأبيه، وبالتالي يبدأ في إتيان الأنماط السلوكية التي يحبها الآباء، أو نجدهم يفكرون على نمط ما يفكر فيه آباؤهم حتى ولو لم يكونوا في حالة حضور مادي، فالطفل مثلا قد يجلس على الكرسي المخصص لأبيه ويقول: "أنا بابا الآن" أو قد يوبخ أخاه الأصغر أو أخته الصغرى لتصرفها بطريقة يعتقد أن الأم أو الأب لن توافق عليها، وأطفال هذه المرحلة عادة ما يبدءون في قول الأشياء التي تشير إلى التقمص والتوحد مع أبويهم فقد نسمع منهم مثلا: "أنا أريد أن أكون مثل بابا عندما أكبر, أو متى يمكنني حلق ذقني مثل أبي، أو أسوق السيارة ... إلخ".
ولم يتمكن كثير من دراسي سيكلولوجية النمو عمل تمييز بين عمليتي التقمص والتقليد، فمثلا نرى علماء بارزين في التعلم الاجتماعي مثل باندورا Bandura ووالترز Walters؛ "1964" يشيران أن مبادئ التعلم هي التي تحدد ميول الفرد لكي يمذج أفعال واتجاهات الآخرين، وبالتالي فإن مفهوم التقليد يفسر بصورة كاملة هذا الجانب من نمو
(1/328)

الشخصية، ومع ذلك فإننا نشعر بأن هناك بعض الأسباب الوجيهة للاستخدام الشائع لمفهوم التقليد Imitation لكي يعني تقليد أو محاكاة أفعال معينة للآخرين والتي تبدأ منذ مرحلة الطفولة المبكرة، والتقمص يعني القيام بدور أو اتخاذ الدور العام لشخص آخر، ويمكن أن نعلل هذا التمييز للأسباب الآتية.
أولا: التقليد لا يتطلب قدرات معرفية معينة، والتي تكون ضرورية لحدوث التقمص، فالأفراد يمكنهم تقليد أفعال معينة للآخرين عن طريق الروتين أو الاستظهار بدون فهم، إلا أنهم لا يمكنهم أخذ أدوار أفراد آخرين إلا إذا أمكنهم التوحد معهم Empathize، بمعنى أن يضعوا أنفسهم في قوالب هؤلاء الأفراد الآخرين, ويشير Selman "1971" أن الأطفال عادة ما يبدءون في تنمية القدرة على أخذ هذا الدور في الثالثة أو الرابعة من عمرهم تقريبًا، وتمدنا بيانات الدراسة السابقة بأساس للتمييز بين السلوك التقليدي المبكر وبين عملية التقمص والتي لا تكون متيسرة إلا بعد ظهور القدرة على أداء دور معين.
ثانيًا: يختلف التقمص عن التقليد فيما يتعلق بالمدى أو بحلقة الأفراد الذين يستخدمون كنماذج لكل منهما، فالتقمص عادة ما يحدث وبصورة أولية في سياق علاقة مغلقة نامية بين شخصين، في حين نجد التقليد يمكن أن يحدث نتيجة ملاحظات وجيزة غير مهمة بصورة نسبية، أو حتى نتيجة ملاحظات غير شخصية للآخرين, وعلى ذلك فإن أطفال ما قبل المدرسة غالبًا ما نجدهم يتقمصون شخصيات آبائهم وفي نفس الوقت نراهم يقلدون كثيرًا من الأفراد الآخرين متضمن ذلك أقرانهم وزملاءهم ومدرسيهم وشخصيات أفلام الكرتون والشخصيات السينمائية والتليفزيونية وما إلى ذلك.
ولقد اهتمت كثير من دراسات تقمص الأطفال مع آبائهم، بالعوامل التي تسهم في تعزيز نموذج الدور Role Modeling, فيشير Hetherington وآخر "1967" أن العلاقة الدافئة والحب يساعدان على الإسراع بأخذ دور النموذج، ولذلك نجد الأطفال عادة ما يتقمصون بصورة شديدة مع الآباء الذين يشعرون بالحب والتقبل منهم، وتسمى هذه النماذج بالنماذج الأبوية التعزيزية الخاصة Nurturant Models، على
(1/329)

نقيض الآباء الذين يشعر الأطفال بعد الحب أو عدم التقبل لهم وتسمى هذه بالنماذج الرافضة النابذة Rejecting Models, وبالنسبة للسلطة الأبوية أشارت نتائج الدراسة السابقة أن الآباء الذين يظهرون كفاية واقتدار في حل المشكلات السلوكية، في حياتهم اليومية يجعلون عملية التقمص القوي عند الأبناء, في حين نجد الآباء غير القادرين على التعامل مع مشكلات الحياة اليومية، أو الذين لا يبذلون التحكم والضبط على بيئاتهم يعوقون من عملية التقمص هذه.
وتشير نتائج دراسات كل من Bandura؛ "1969", Sears & Others؛ "1965" إلى ثلاثة عوامل أخرى بالإضافة إلى ما سبق الإشارة إليه تؤثر على تقمص الأطفال الصغار لآبائهم.
1- عادة ما يحدث التقمص بسهولة وعن طيب نفس في حالة وجود تشابهات مدركة بين الأطفال وآبائهم، بمعنى أن الشخص يمكنه القيام بدور شخص آخر بسهولة أكثر، يدركون أحيانًا التشابهات بينهم وبين آبائهم كقولهم مثلا "أنا آكل بيدي اليمنى مثل ما يفعل بابا أو ماما" أو أنا استعمل يدي اليسرى مثل ماما, وقد يدركون هذا التشابه بينهم وبين آبائهم عن طريق ما يستمعون إليه: "فمثلا عندما تقول الجدة أو الجد الطفلة ما قبل المدرسة بأنك تشبهين أمك فيما كانت تفعله عندما كانت في مثل سنك", وفي أحايين أخرى نجد الأطفال الصغار يقلدون بعض أفعال الآباء لا شعوريًا لكي يلقوا الحب والاهتمام منهم وبالتالي يعزرون تقمصاتهم.
2- ومن الأسهل بالنسبة للأطفال التذوت مع نماذج الآباء وعندما يمكنهم إدراك ما تكون عليه هذه النماذج، فلكي تحاول أن تكون محبوبًا من شخص آخر، فإنك في حاجة إلى معرفة كيف يفكر هذا الشخص وكيف يشعر أو يحس، وهذا يعني أن الأطفال لا يمكنهم بسهولة التذوت Idntigy مع آبائهم الغائبين بسبب الطلاق أو الموت أو الانفصال, أو دائموا التغيب عن المنزل، كما أن الأطفال يكون لديهم صعوبة في التذوت مع آبائهم عندما لا تتوفر الفرص الكثيرة للتعلم فيما يفكر أو يعتقد فيه الآباء, بمعنى أن الآباء الذين يحتفظون بأفكارهم وآرائهم وميولهم وخبراتهم، وحتى طبيعة
(1/330)

عملهم لأنفسهم فقط لا يهيئون فرص تذويت سلوكهم عند أطفالهم.
2- والتذوت أو التقمص يشبه التقليد عندما يكون مدعمًا باستحسان الآباء في تشبه أطفالهم بهم، فعندما يقول الطفل الذي يجلس على كرسي والده "أنا بابا" فعندما يسمع الطفل من أمه قولها "أنني متأكدة بأنك ستكون مثل بابا عندما تكبر" نجد أن عملية أخذ دور الأب تدعم وتشجع عند الطفل, ومن جانب آخر فإن الآباء الذين لا يشجعون مثل هذه الأفعال تقول الأم في المثال السابق، "إنك تعرف أنه غير مباح لك أن تجلس على هذا الكرسي بحذاء وسخ غير نظيف"، أو قولها: "إنك دائم الشغب وتسبب لي المتاعب، أو أنني لا أعتقد أنك ستكبر أبدًا" كل هذه الأقوال والاستجابات تميل إلى أن تضعف عملية التقمص.
ولقد أشرنا إلى بعض تأثيرات تدريبات تنشئة الطفل على عملية التقمص Idenification، حيث إن التقمص الشديد يعزز ويشجع عملية التطبيع الاجتماعي الفعال، فكلما تقمص الأطفال أو تذوتوا مع آبائهم كلما كانوا أكثر تذويتا لأنماط الوكالة الضمنية لعملية التطبيع الاجتماعي, في حين يمثل التدريب الوكالة الصريحة له، فعن طريق التدريب نجد الآباء يعبرون بطريقة لا لبس فيها عن معايير نوعية للسلوك سلوكهم, وكلما كان هذا النمو معززًا كلما كان أكثر تقبلا حتى يتبنى بواسطة الأطفال وبالتالي يتبنون جوانب متعددة من ضمير آبائهم وذواتهم المثالية.
وعمومًا، فهناك ثلاثة مظاهر لنمو الشخصية أثناء سنوات ما قبل المدرسة تتمثل في العدوانية والتغيرية والتقمص أو التذويت الجنسي، وبالتالي يؤثران على نوعية الشخصية التي سيكون عليها الطفل في مقتبل عمره وسنتكلم عن هذه المظاهر الثلاثة بشيء من التفصيل.
أ- العدوانية Aggression:
يسلك جميع الأشخاص بعدوانية في بعض الأوقات، كما أن السلوك
(1/331)