Advertisement

علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة 002



الكتاب: علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة
المؤلف: عادل عز الدين الأشول
الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية
الطبعة: -
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] العدواني قد يكون مظهر متعذر اجتنابه في الظروف والنوع الإنساني. ولقد حاولت عديد من النظريات تفسير مصادر السلوك العدواني هل هو سمة وراثية؟ أو أنه ينمو نتيجة الاستجابة للخبرات المحيطة في مرحلة الطفولة؟ أو أنه متعلم عن طريق التدعيم الأبوي أو بواسطة المكافآت الاجتماعية الأخرى "V. Fesbach" ومع ذلك فعلى الرغم من الدراسات المكثفة الواسعة, إلا أن معلوماتنا مازالت عن السلوك العدواني كيفيته وعلته قليلة جدًا، وما نعرفه أن السلوك العدواني يختلف مع اختلاف العمر الزمني لدى الأطفال، كما أننا يمكن استثارة هذا السلوك العدواني بواسطة ملاحظة الأطفال النماذج العدوانية بمعنى أن يكون عن طريق التقليد والتذويت "التقمص".
وقبل أن نصف الاختلافات في الأعمار الزمنية التي يعزى إليها السلوك العدواني عند الأطفال، فإننا يجب أن نميز بين نوعين من السلوك العدواني.
العدوان العدائي Hostile Aggression:
وهو الذي يهدف الأشخاص الآخرين وعادة ما يكون مصاحبًا بأحاسيس ومشاعر الغضب نحوهم.
العدوان الآدوي Instrumental Aggression:
وهو الذي يهدف إلى إحراز أو استرداد بعض الموضوعات أو الأشياء المعينة كالأرض أو امتيازات أخرى، إلا أنه غالبًا ما يكون غير شخصي على الرغم من أن هؤلاء الآخرين قد يعانون ويقاسون نتيجة لهذا السلوك العدواني.
ولقد اتفقت نتائج دراسة Hartup؛ "1974" مع ما جاءت به دراسة Dawes منذ ما يقرب من خمسين عامًا، حيث لخصت الدراسة الأولى التفاعلات بين جماعات متعددة من أطفال ما قبل المدرسة ما بين 4، 6 سنوات، وكذلك أطفال المدارس الابتدائية ما بين 6، 7 سنوات وكانت مدة هذه الدراسة عشرة أسابيع.
وأشارت كل من هاتين الدراستين السابقتين إلى النقاط الآتية،
(1/332)

1- ردود الفعل العدوانية بين أطفال ما قبل المدرسة عادة ما تكون أدوية "كالتشاجر لامتلاك دمية ما"، إلا أننا نلاحظ ما بين 2-5 سنوات تميل هذه العدوانية إلى الانخفاض تدريجيًا".
2- ومع انخفاض العدوان الآدوي نرى ازدياد في العدوان العدائي "كالخناق والضرب ... إلخ".
3- ويستمر كل من هذين المنحيين في مرحلة الطفولة الوسطى، وفي المدرسة، إلا أن الأطفال أميل إلى أن يظهروا العدوان العدائي عندما يسلكون بعدوانية.
وهذه التغيرات في السلوك العدواني يمكن أن تعزى إلى عملية التطبيع الاجتماعي، وبالتالي فإن طفل الخامسة يمكن أن نتوقع منه سلوكًا عدوانيًا أقل عما يؤتيه طفل الثانية، إلا أنهم غالبًا ما يوجهون عدوانيتهم نحو الآخرين.
وتشير نتائج دراسات باندورا Bandura؛ "1961" أن التعلم الشهودي Observational Learing يلعب دورًا حاسمًا في السلوك العدواني عند الأطفال مع شخصيات آبائهم الذين يسلكون بعدوانية، بالإضافة إلى تقليدهم للأفعال العدوانية التي يرونها في الآخرين وتشير نتائج الدراسة السابقة أن هذه العوامل تساعد على نسخ الأطفال للأنماط السلوكية العدوانية، ففي إحدى الدراسات شاهدت مجموعة من الأطفال ما بين 3، 5 سنوات من بنين وبنات راشدًا يسلك سلوكًا عدوانيًا تجاه دمية وذلك بضربها وركلها إلى أسفل، في حين شاهدت مجموعة أخرى من أطفال مدرسة الحضانة في نفس العمر الزمني للمجموعة السابقة راشدًا يسلك سلوكًا تجاهليًا نحو الدمية.
وعندما ترك الأطفال بمفردهم مع الدمى لوحظ أن الأطفال الذين شاهدوا النموذج العدواني، تعاملوا مع الدمى بعدوانية أكبر من المجموعة الثانية التي كانت لا تلاحظ هذا السلوك العدواني من الراشد، ولقد دعمت نتائج ذلك نتائج دراسة أخرى لباندورا وآخرين "1963" عن طريق عرض صور وأفلام لأطفال يسلكون بعدوانية نحو بعضهم البعض،
(1/333)

فالأطفال الذين يشاهدون الأفلام العدوانية كانوا يميلون إلى التصرف بعدوانية أكبر في مواقف اللعب التالية من الأطفال الذين لم يشاهدوا أفلام العنف.
وعمومًا، فلقد أشارت كثير من الدراسات أن مشاهدة أفلام العنف والعدوانية يزيد من كمية العدوانية لدى الأطفال يظهرونها أثناء لعبهم، وهذه النتائج لها تطبيقات ظاهرة في إمكانية تأثير العنف بالأفلام التليفزيونية على السلوك العدواني لدى الأطفال, وسنلقي الضوء على ذلك في نهاية هذا الفصل.
ب- الغيرية Altuism:
تعزى الغيرية إلى ذلك السلوك الحنون المراعي لحقوق ومشاعر الآخرين، ذلك السلوك الكريم السخي المساعد للآخرين, وتشبه الغيرية العدوانية فهي سمة تظهر بعض من الاتساق خلال الزمن، بالإضافة إلى أنها تظهر بعض العمومية في مظهرها, وغالبًا ما تستمر هذه السمة، أي أن تعميم السلوك الغيري يبدأ في الظهور أثناء ما قبل المدرسة، فمثلا تشير نتائج دراسة Baumrind؛ "1971" إلى العلاقة الوثيقة بين تعاطف وتشجيع أطفال ما قبل المدرسة وزملائهم في الدراسة فيما بعد، كما أشار كل من Yarrow وواكسلر Waxler إلى نتائج متشابهة مع الدراسة السابقة حيث وجد هؤلاء الأطفال يتسمون بمساعدة بعضهم البعض، ولوحظت نماذج متسقة من المشاركة والمساعدة بين الأطفال ما بين 3، 7 سنوات في أثناء اللعب.
ويشير Hoffman؛ "1975" أن إحساس الغيرية يبدأ لدى الأطفال عندما يصبحون قادرين على تقييم أحاسيس الآخرين ويمكنهم التعرف على حاجة الآخرين للمساعدة، ويشير Krebs؛ "1970" أن الغيرية في جوهرها متعلمة كمعيار للسلوك الخلقي، أي أن الأطفال يتعلمون أن تقديم يد المساعدة والعون للآخرين من الأفعال التي يجب أن يفعلونها.
ومن الصعب أن نحدد كيف تتغير الغيرية مع تقدم العمر الزمني للأطفال، ففي العامين الأولين عندما يبدأ الأطفال في أظهار السلوك العدواني نحو بعضهم البعض، فإنهم يبدءون كذلك في تقاسم الدمى والحلوى ويشيرون في أنماط سلوكهم إلى التعاطف والمشاركة الاجتماعية.
(1/334)

فقد نجد طفل العشرين شهرًا يقدم لعبته إلى طفل آخر يصبح بسبب ترك والديه له, وتشير دراسات أخرى أن المشاركة والكرم يزداد مع الأطفال بزيادة عمرهم الزمني, ففي إحدى دراسات Severy & Others؛ "1971" عن سماحة النفس والكرم لدى الأطفال سمح لمجموعة من الأطفال بلعب مباراة، والفائز فيهم يأخذ بعض العملات الورقية الرمزية، وكلما كسبوا كمية أكبر من هذه العملات الرمزية كلما أمكنهم تبديلها بعملات حقيقية، وقبل أن تجري عملية التبديل هذه في نهاية المباراة، أعطي للأطفال فرصة في أن يهبوا بعض من عملاتهم الورقية للأطفال الآخرين المحتاجين، وتشير النتائج أن أطفال المدرسة عادة ما كانوا يعطون عملات أكثر لزملائهم إذا قورنوا بأطفال سن ما قبل المدرسة، وكان أطفال الإحدى عشر عامًا أكثر جودا وكرمًا من أطفال السابعة، كما لوحظ على أطفال ما بين 3، 5 سنوات أثناء نشاطات اللعب الطبيعية كانوا يتسمون بالمساعدة والتعاطف نحو كل منهم الآخر كما لوحظ ذلك في الأطفال ما بين 8، 10 سنوات، وأحد التفسيرات التي يعزى إليها تلك الفروق في التنافس والغيرية في الأعمار ما بين 7، 12 سنة يتمركز في أن أطفال سن العاشرة قد يكونون أكثر حساسية لحاجة الآخرين للمساعدة إذا ما قورنوا بأطفال الخمسة أعوام، وقد يرجع ذلك إلى ميلوهم الإنجازية والاستقلالية وهذا التفاعل الحياتي بين الرغبة في التفوق على الآخرين قد يجعل إحساس الغيرية يتقدم مع تقدم العمر الزمني، وهذا يتناقض مع نتائج الدراسات المختبرية عن الغيرية، وبالتالي فيجب علينا أن نكون حذرين من تعميم الموقف الاختياري الصناعي على المواقف السلوكية في الحياة الواقعية.
وعلى الرغم من عدم التأكد الحالي في كيفية بداية أحاسيس الغيرية وكيف أنها تتغير مع العمر الزمني، إلا أننا نعرف أن هذه الأحاسيس يمكن أن تدعم بواسطة ملاحظة النماذج التي تتصف بالسلوك الغيري، ويشير إلى ذلك نتائج دراسات Yarrow وآخرين "1973" إلى أنه في المواقف المعملية والمختبرية والتي يرى فيها الأطفال نماذج لأفعال العطاء والكرم ومساعدة الآخرين، وجد أن الأطفال قد أظهروا كذلك أنماطًا سلوكية مع النموذج خاصة إن كان محبوبًا لديهم، وهذا التأثير وجد سواء كان النموذج طفلا أو راشدًا، وسواء كان هذا النموذج في فيلم سينمائي أو كان في الحياة الواقعية، كما أن الملاحظات الطبيعية قد أشارت كذلك أن أطفال مدرسة الحضانة عادة ما يقلدون الأنماط السلوكية الغيرية التي تصدر عن أقرانهم بالإضافة إلى ما يفعله الآباء من أنماط سلوكية غيرية.
(1/335)

وجدير بالذكر، فإننا نرى أن سلوك النموذج المتصف بالغيرية، ذو تأثير أكبر على الأطفال من الوعظ والإرشاد، فعندما يقول الكبار للأطفال: "إنه من الحسن أن تكون كريمًا معطاء" ولا يظهرون الكرم في العطاء بأنفسهم، فإن الأطفال لا يميلون أن يكونوا كرماء، وعلى نقيض ذلك عندما يلاحظون أفعال هؤلاء الكبار تتصف بالكرم والسخاء، وهذه تتفق مع عملية التقمص التي أشرنا إليها فيما سبق في أن الأطفال يفعلون ما يفعله الآباء وليس بالضرورة ما يقولونه.
تقمص الجنس:
هذه العملية التي يكون الأفراد بواسطتها مفهومًا لذواتهم كذكور أو كإناث، ولقد أشرنا فيما سبق أن أطفال بنين وبنات مرحلة ما قبل المدرسة يمكنهم التعرف على الاختلافات التشريحية والبيولوجية بينهم، وعملية تقمص الجنس يوسع هذه الدراية عن الجنس، ويعزى هذا إلى الحقيقة التي مؤداها أن الأطفال يميلون إلى تقمص أو التوحد مع الأب من نفس الجنس وكذلك بالدور المرتبط بجنسهم.
ولقد أشارت نظريات كثيرة إلى أهمية هذا التقمص الأولى للأبن مع أبيه والبنت مع أمها، كما أن هناك دراسات أخرى أشارت إلى التعلم الملاحظي أو الشهودي كتفسير بسيط لهذه العملية إذ تشير إلى ما يلي.
أ- إن الاختلافات الجنسية تجعل الأطفال أكثر تشبهًا بالأب من نفس الجنس وبالتالي يمكنهم التذوت معهم بسهولة أكبر.
ب- كما أن معظم الآباء يشجعون ويكافئون ما يعتبرونه سلوكًا مناسبًا لدور جنس الطفل، بينما لا يشجعون النقيض.
كما أن أنواع التمييزات التي يجريها الأطفال بين الأنوثة والذكورة تختلف تبعًا للمستوى الثقافي والاجتماعي من أسرة إلى أخرى، ووجهة النظر التقليدية والمقولبات عن السلوك المناسب من الناحية الجنسية قد برهن على استمراريته بصورة ملحوظة, وفي ذلك يشير Dubin؛ "1965" أن أطفال ما قبل المدرسة لا يزالون يميلون إلى الاعتماد على أن الآباء يعملون بينما الأمهات تعتني بهم وتهتم بشئون الأطفال والمنزل وحتى الأطفال الذين كانت أمهاتهم تعمل خارج المنزل أشاروا كذلك إلى نفس وجهة النظر السابقة.
(1/336)

وتؤيد نتائج دراسة Bardwick؛ "1971"، والذي كتب كتابات موسعة في سيكولوجية المرأة، ما أشرنا إليه سابقًا، في أنه على الرغم من التطور الشامل في الميادين التي دخلتها المرأة للعمل والمهن والأعمال التي اقتحمتها والمتدرجة من المجال الهندسي إلى قيادة السيارات، إلا أننا نجد الأطفال ما يزال لديهم أفكارًا تقليدية عن أدوار الجنس.
وعمومًا فإنه على الرغم من الدلالات العديدة في تغيير أدوار الجنس، إلا أن تدريبات عملية التطبيع الاجتماعي في كثير من المجتمعات ما تزال تعزز نماذج سلوكية مميزة عند الأطفال وبنات مرحلة ما قبل المدرسة، فالذكور يتوقع أن يكونوا نشطون فعاليون بصورة نسبية، وأكثر عدوانية وأكثر تسلطًا في حين ينظر إلى الإناث أكثر سلبية وأكثر اعتمادًا، وأكثر ميلا في التماس المساعدة في علاقاتهن مع الآخرين.
جملة القول فإن الأطفال يصبحون على دراية وإدراك بالخصائص الشخصية لآبائهم وأخوتهم الأكبر، كما أن تقمصاتهم وتوحداتهم توجههم نحو ازدياد الأدوار النوعية والاتجاهات المرتبطة بنوع جنسهم وسوف نعود مرة أخرى إلى هذه العملية "تقمص دور الجنس" في مناقشتنا لمرحلة الطفولة الوسطى.
تأثير البرامج التليفزيونية على السلوك العدواني والسلوك الغيري لأطفال ما قبل المدرسة:
غير خاف علينا جميعا كيف ينتشر التليفزيون في بيوتاتنا، فالأطفال يبدءون عادة ما مشاهدة البرامج التليفزيونية عندما يصلون إلى سن العاملين تقريبًا وبالتدريج تزداد وقت مشاهدتهم للبرامج التليفزيونية.
وتشير نتائج دراسة Murray؛ "1973" أن هؤلاء الأطفال الصغار عادة ما يقضون ما بين 2، 4 ساعات يوميًا، ويستمر ذلك حتى بداية فترة المراهقة، إلا أنها تنقص نسبيًا أثناء تلك الفترة، وعندما يصل المراهق أو المراهقة إلى سن 16 سنة نجد معظم المراهقين عادة ما يقضون وقتًا أطول في مشاهدة البرامج التليفزيونية.
وعمومًا فإن أطفال ما قبل المدرسة وبصفة خاصة سريعو التأثير بالبرامج التليفزيونية، فلقد بلغوا من النمو درجة يمكنهم أن يضعوا أنفسهم في نماذج معينة على شاكلة الآخرين، إلا أنهم ما زالوا صغارًا
(1/337)

لعمل الأحكام الجيدة لمن يقلدونهم ويحاكون سلوكهم، وتشير الدراسات في هذا المجال أن الأطفال الصغار يميلون إلى اعتبار الشخصيات التليفزيونية على أنها شخصيات حقيقية, أو يشبهون الشخصيات الواقعية، وتشير نتائج دراسات Murray؛ "1972" أن الأطفال في الطفولة الوسطى وحتى في مرحلة المراهقة يمكنهم إدراك التعارض والتناقض بين الحياة الواقعية والحياة، كما تصور على الشاشات التليفزيونية، وعلى ذلك فإن النماذج الجيدة أو غير الجيدة على شاشة التليفزيون عادة ما يقلدها الأطفال الصغار، والموضع الذي أثار اهتمام دارسي علم النفس بصفة عامة وعلم نفس النمو والاجتماع بصفة خاصة موضوع تأثير العنف للبرامج التليفزيونية على عدوانية الأطفال.
وإحدى وجهات النظر في ذلك كانت تتمركز حول الافتراض التنفيسي Catharsis حيث تشير نتائج دراسات Freshbach وآخر "1971" أن مشاهد العدوان يمكن أن تستخدم كمتنفسًا للحوافز العدوانية عند الأطفال وبالتالي يقلل من كمية العدوان الذي يظهر في حياتهم الواقعية اليومية, وتشير نتائج دراستهما المشهورة على مجموعة مكونة من أطفال ذكور تتراوح أعمارهم ما بين 8، 18 سنة شاهدت برامج تليفزيون عنيفة، ومجموعة أخرى لم تشاهد أي برامج عدوانية، واستمرت التجربة لمدة ستة أسابيع وأشارت النتائج أن الأطفال الذين لم يشاهدوا برامج غير عدوانية، لوحظ أنهم قد أصبحوا أكثر عدوانية سواء من الناحية اللفظية أو الجسمية بينما كانت المجموعة الأخرى التي شاهدت برامج تليفزيونية وكانت تتسم بالعنف أو العدوان لم تظهر أي تغيرات على أنماط سلوكهم.
وعلى الرغم من أن كثير من الدراسات والأبحاث نوعت إلى عدم ضرر مشاهدة الأطفال للعدوان التليفزيوني، بل زادت على ذلك لفائدة هذه البرامج التليفزيونية، إلا أن دراسة فسباخ وسبينجر كانت تتصف ببعض العيوب، وأولها، فمن الممكن أن الجماعة التي كانت محددة بمشاهدة برامج تليفزيونية غير عدوانية قد تكون غير راضية لعدم السماح لهم بمشاهدة بعضد برامجهم المفضلة، ثانيًا: كما أن استجابة الأطفال ما بين 8، 18 سنة قد لا تعكس بصورة كاملة تأثير البرامج التليفزيونية على الأطفال الأصغر سنًا.
وعلى نقيض نتائج الدرسات السابقة، أجرى كل من Leifer & robersts؛ "1972" دراسة على أطفال ما قبل المدرسة في إمكانية زيادة السلوك
(1/338)

العدواني نتيجة الأفلام التليفزيونية التي تتصف بالعنف والعدوان, حيث قورنت مجموعة من أطفال ما قبل المدرسة شاهدت فيلما لطفل في الثانية عشر من عمره يظهر سلوكًا عدوانيًا نحو دامية ما، أو يوجه سلوكًا عدوانيًا تجاه شخص آخر، وشاهدوا كذلك طفلا كان يلعب بصورة بناءة غير هدامة مع الدمى, ولقد لوحظ فيما بعد أثناء لعب هؤلاء الأطفال الذين شاهدوا الفيلم العدواني كانوا أكثر ميلا إلى التصرف بعدوانية كضرب الدمية وكانوا أكثر ميلا للقول بأنهم يجب أن يستخدموا العدوان لحل أي صراع مع زملائهم.
وفي دراسة أخرى أجراها Steuer & Others؛ "1971" حيث لاحظوا أزواجًا من أطفال ما قبل المدرسة يلعبون سويًا لفترات متعددة قبل وبعد أن يعرض على أحد هذين الطفلين أفلام كرتون تليفزيونية متسمة بالعنف، والطفل الآخر في كل زوجين شاهد أفلام كرتون غير عنيفة، وقورنت أفعال كل زوج من هذه المجموعة بعد مشاهدة الأفلام، ولوحظ أن الأطفال الذين شاهدوا أفلام العنف كانوا أميل إلى الضرب والرفس والخنق، وكثيرًا ما يدفعون زملاءهم في اللعب في حين وجد هؤلاء الأطفال الذين شاهدوا أفلام غير عنيفة أقل عدوانية من زملائهم الآخرين.
وأيدت نتائج دراسة Friedrich & OTHER؛ "1973" ما جاءت به الدراسة السابقة، حيث لوحظ مجموعة من أطفال مدرسة الحضانة لفترة أكثر من 9 أسابيع حيث كان يعرض على بعض منهم وبصورة منتظمة أفلاما تليفزيونية تتصف بالعدوان والعنف، وتشير النتائج أن الأطفال الذين شاهدوا تلك الأفلام قد أصبحوا أقل امتثالا وطاعة بصورة جلية، كما أنهم كانوا أقل رغبة وميلا في ممارسة الضبط على ذواتهم كما كانوا أقل احتمالا للإحباطات غير الهامة أو الخفيفة.
وعمومًا فإن هذه الدراسات السابقة، وأخرى كذلك قد ألقت الشك حول صدق الرأي الذي سينادي بأن هذه الأفلام التليفزيونية العنيفة تكون وسيلة تنفيسية تفريغية لأطفال ما قبل المدرسة، ويشير Libert وآخرون "1972" إلى تلخيص لمجموعة دراسات في هذا الموضوع بقوله:
"إنه يوجد اتفاق ملحوظ، وتقارب في الدلائل التي اعتقد أنها ترتبط بمشاهدة العنف والسلوك العدواني بين الأطفال، فكل من الدراسات
(1/339)

المختبرية والميدانية والتجارب الطبيعية قد أظهرت أن عرض أفلام العنف والعدوان غالبا ما يجعل المشاهد أكثر عدوانية بصورة ملحوظة، كما أشير إلى أن تأثيرات هذه العروض تعتمد كذلك على ميل الطفل بمعنى أن الأطفال الذين كانوا يتأثرون بمشاهدة أفلام العدوان والعنف التليفزيونية كانوا يتصفون بتلك السمات قبل مشاهدتهم، حيث أظهر الأطفال الذين يتسمون بالعدوانية قبل المشاهدة، أظهروا عدوانية أكبر بعد مشاهدتهم تلك الأفلام إذا ما قورنوا بزملائهم الذين كانوا أقل عدوانية.
ولكن هل هذه النتائج تفسر لنا تأثير العنف بأفلام التليفزيونية تفسيرًا كليًا؟ فلقد أجريت دراسة طولية لمئات عديدة من الأطفال، وأشارت النتائج أن تلاميذ الصف الثالث الابتدائي الذين فضلوا مشاهدة البرامج التليفزيونية العنيفة كانوا أكثر عدونية وعنفًا داخل المدرسة، حسب ما قيموا عن طريق أقرانهم، إذا ما قورنوا بالتلاميذ الذين كان تفضيلهم أقل لهذه البرامج، وبعد عشرة سنوات من إجراء التجربة الأولى لوحظ أن تفضيلات التلاميذ بالصف الثالث كانت تنبئ بالسلوك العدواني لديهم، ويستطرد Erin أن ارتباطًا مرتفعًا وجد بين مشاهدة العنف في البرامج التليفزيونية في سن التاسعة والسلوك العدواني في سن التاسعة عشر بمعدل 0.031.
ويشير Stein وآخر "1972" أن تأثير العنف لبرامج التليفزيون يبدو أنه يعزى إلى السلوك التقليدي للأطفال الذي يتتبع هذه البرامج عادة، فهذه البرامج يمكن أن تدعم أحاسيس العدوان وكذلك أحاسيس الغيرة، والواقع فإن الدراسات العديدة في هذا المجال تشير إلى أن الأطفال يقلدون النماذج الإنسانية التي يرونها في البرامج التليفزيونية بالإضافة إلى النماذج العدوانية وتشير نتائج الدراسة السابقة أن أطفال الحضانة الذين شاهدوا بعض البرامج الإنسانية وجد أنهم أطاعوا القواعد عن طيب نفس كما أصبحوا على درجة كبيرة من التسامح بعضهم مع البعض، ويعملون بمثابرة ومواظبة في أعمار زمنية مختلفة، ويظهرون ميلا أكبر للمساعدة والاشتراك مع الآخرين وكذلك في أنماط السلوك الودي.
وفي إحدى الدراسات قيم Sprafkin وآخرون "1975" سلوك مساعدة الآخرين لأطفال الصف الأول الابتدائي في موقف تجريبي وذلك بعد أن شاهدوا إحدى البرامج التليفزيونية التي انتهت بمثال مشوق مثير لطفل
(1/340)

صغير يقدم المساعدة لكلب في حادثة عرضية، وتشير النتائج أن هذا البرنامج كان له تأثير قوي في تعزيز السلوك الغيري لدى الأطفال الصغار.
وعمومًا فإن تطبيقات هذه النتائج على السلوك العدواني والغيري تبدو واضحة، فالتليفزيون يمكن أن يمارس تأثيرًا قويًا على الأطفال من خلال تأثير النماذج المعروضة خاصة أثناء سنوات ما قبل المدرسة، وعلى ذلك فإن القائمين على البرامج التليفزيونية ينبغي عليهم أن تختبر بعناية وتتروى في اختيار أنواع البرامج التي تعد الأطفال، كما أن الآباء من جانب آخر يجب عليهم أن يمارسوا مسئوليتهم في الإشراف على البرامج التي يمكن أن يشاهدها أطفالهم.
(1/341)

التقمص
...
الآخر حيث يجذب الآباء انتباه الطفل إلى الطرق التي يكون سلوكه مؤذيًا إلى الآخرين مثل قولهم "أنا حزين لمضايقتك أخيك، وعندما تفسد شيئًا فإن صاحبه يجب أن يصلحه وهذا يكلفه أو هو عمل شاق بالنسبة له ... ".
وتشير الدرسات في تأكيد القوة، وسحب الحب، ووسائل الحث أن الطريقة المختارة التي تتخذ لها تأثيرا ذات دلالة في ما إذا كان الطفل سينمي تنظيمًا سلوكيًا تذويتيًا "خلق قوي" أو وضعًا خرجيا للضبط الذاتي "خلق ضعيف" فاستخدام تأكيد القوة يرتبط بالنمو الخلقي الضعيف للأطفال في حين نجد وسائل الحث Induction خاصة عندما تكون موجهة ذاتيًا ترتبط بالنمو الخلقي المتقدم، ومما يجدر الإشارة إليه أننا بإعطاء الأطفال التفسيرات والتأويلات للأفعال السلوكية يساعدهم على تكوين موقف داخلي من القواعد والتوقعات والتي تساعدهم بالتالي على التحكم في أنماط سلوكهم، وأخيرًا فإن سحب الحب لا يدل على أنه يحمل أية علاقة متسقة بالنمو الخلقي, وكما سنرى فيما بعد أن تعبيرات التعاطف الإيجابية تساعد بصورة منتظمة على التعجيل بتكوين النماذج السلوكية التذويتية "الداخلية".
السلوك التدريبي الموجه:
إن التدريب يمكن أن يوجه سواء إلى سلوك الطفل مثل قولنا: "إن هذا الشيء سيئ فلا تفعله". أو يمكن أن يوجه إلى الطفل كشخص: "لماذا أنت شخص سيئ؟ ". وبصورة عامة فإن التدريب أو التهديد الموجه نحو سلوكهم يساعد الأطفال على المحافظة على احترام ذواتهم، في حين نجد التهذيب الذي يهدف شخصياتهم يميل إلى جعلهم يحسون بأنهم غير محبوبين أو يشعرون بعدم الحب وعدم الكفاءة ويشير Haim Gimolt؛ "1965" أن الآباء يجب أن يميزوا في معاملتهم بين أطفالهم كأشخاص "الذين يحبونهم دائمًا" وبين أفعال أطفالهم, والتي قد تكون محببة أو غير محببة لهم، وبالتالي فإن الأطفال يتقبلون التدريب بصورة أفضل ويتعلمون بصورة أكثر فعالية, إذا ما قورنت بنتائج النقد للأطفال باعتبارهم أشخالص غير محبوبين.
وليس بغريب أن نجد إدارة التدريب بواسطة اتجاهات دافئة محبة يساعد الأطفال على تذويت معايير السلوك، فتقبل الآباء لصغيرهم يجعلهم معولا ومصدرًا للمكافأة، وعلى ذلك نجد الآباء النابذين أو
(1/326)

الفصل السابع: الطفولة الوسطي
النمو الجسمى والعقلى
النمو الجسمي
...
الفصل الثامن: الطفولة الوسطي "من 6: 12 سنة"
النمو الجسمي والعقلي:
مرحلة الطفولة الوسطى هي الفترة ما بين سن الخامسة أو السادسة والحادية أو الثانية عشر، وهذا الفترة من النمو المتمهل غير المتعجل تقع بين فترتين أكثر سرعة في النمو وهي مرحلة ما قبل المدرسة ومرحلة المراهقة.
النمو الجسمي:
عادة ما نجد أطفال سن السادسة يفقدون بعض خصائصهم السابقة كالقوام الثقيل ولين العريكة الذي يجعل أطفال ما قبل المدرسة يبدون بمظهر أكبر من عمرهم الحقيقي، ففي مرحلة الطفولة الوسطى نجد الأذرع والساقين ينموان بصورة أسرع من الجذع، ولذلك نرى كثيرا من الأطفال في أوائل هذه الفترة يكون لهم مظهرًا طويلا أو نحيلا, كما أن البنات تميل إلى النضج بصورة مبكرة عن الذكور، ويكون الذكور أطول وأثقل وزنًا حتى سن العاشرة.
ومعدل النمو في هذه المرحلة ما يقرب من 2، 3 بوصة في الطول، وفي الوزن ما يقرب من 3، 6 رطل، كما توجد اختلافات وفروق فردية بين الأطفال وكذلك بين الثقافات المختلفة، وبصورة عامة فإن حجم الطفل في هذه المرحلة يكون مستقرًا إلى حد ما ويمكن أن يتنبأ به، فالطفل الذي يكون صغيرًا أو كبيرًا إذا ما قورن بزملائه في مثل عمره الزمني، من المحتمل أن يكون على نفس صورته في سن الرشد.
والتغيرات في نسب الجسم في هذه الفترة تكون مرتبطة بتغيرات في شكل الوجهة، فكلما فقد الأطفال ثمنتهم الطفولية فإن وجوههم تميل إلى أن أكثر نحافة ويفقد الأطفال في هذا السن أسنانهم اللبنية، وعادة ما تخلع أول سنة لبنية عندما يصل السادسة من عمره, ويتغير
(1/345)

شكل وجه الطفل وصورته بسبب ظهور الأسنان المستمرة والضروس العديدة، والتحول من الأسناس اللبنية إلى الأسنان الدائمة، عادة ما يكتمل في حدود سن الحادية عشر أو الثانية عشر.
ويشير Jenkins & Shacter؛ "1966" أننا عادة لا نعطي الانتباه الكافي إلى عيون الطفل فحتى سن السادسة لا تكون العينان قد وصلت بعد إلى حجمها النهائي، فكثير من الأطفال ما بين 6، 8 سنوات يكون لديهم طول نظر في مجال الرؤية بصورة خفيفة، وهذا الوضع عادة ما يصلح من نفسه تلقائيًا ما بين سن الثانية والعاشرة، عندما تصل حجم أعينهم إلى حجم أعين الراشدين، وإحدى التطبيقات العملية لهذه الظاهرة أنه يجب أن تكون مواد القراءة لهذا السن مطبوعة بأحرف كبيرة.
المهارات الحركية:
في سنوات ما قبل المدرسة يتعلم الأطفال التناسق والاتساق الأولي لعضلاتهم الصغيرة والكبيرة, وأثناء الطفولة الوسطى نجد هذا التناسق يكون أدق بصورة أكبر ويستخدم في كثير من النشاطات المبتدئة من القراءة والكتابة إلى لعب المباريات الرياضية.
القفز:
يمثل دليلا لنمو الاتساق الحركي، وأحد المقاييس التي تستخدم في قياس هذه المهارة هي القفز العمودي أو الرأسي، حيث يجب أن يقف الطفل مسطح القدمين مع رفع يديه على رأسه ويقفز إلى أعلى, وتشير التجارب في هذا الميدان أو الأولاد في سن السابعة يتفوقوا على البنات في ارتفاع قفزاتهم الرأسية أو العمودية، كما يتفوق الأولاد على البنات كذلك في القفز من على العارضة الثابتة، وعمومًا فإن الأطفال الذكور يميلون إلى التفوق على البنات في المهارات الحركية بعد سن السابعة.
وفي صورة أخرى من النمو الحركي وهو الحجل على قدم واحدة في خطوط أفقية وهي مشابهة للعبة الحجلة التي قوامها أن يقفز الطفل على قدم واحدة فوق مربعات مرسومة على الأرض، لا تحدث هذه المهارات الحركية في القفز والحجل إلا بعد وصول الطفل إلى السادسة من عمره حيث يمكنه القفز والوثب بدقة حتى يتمكن من الانتقال من مربع إلى آخر, وتشير نتائج دراسة Cratty & keogh؛ "1966" أن البنات يتفوقن
(1/346)

على الأولاد في هذا الاختبار، كما أن الأولاد يظهرون تحسنًا ملحوظًا في هذه المهارة من السادسة حتى التاسعة بعد أن يصلوا إلى الاستقرار. وتشير Cratty إلى تلخيص الدراسات في عملية الوثب أو الحجل لهذه المرحلة بقولها.
"إن بيانات ومعلومات الأبحاث عن الخصائص الحركية البسيطة والمركبة، تختلف إلى المدى الذي يتطلب من الطفل أداء حركات مستقيمة دقيقة، أو حركات متجهة إلى أعلى، أو حركات عرضية طولية، فالأولاد ما بين 6، 12 سنة يتفوقون على البنات في ذلك، ومن جانب آخر فإن البنات تبدو أحسن من الأولاد في الحجل والرقص والتي تتطلب منهن الدقة والاتساق في أداء الحركات، وبصور جزئية فإن هذه الاختلافات في الحركات البسيطة قد تعكس تفوقًا في قوة الأرجل بالنسبة للأولاد، في حين نجد البنات يتفوقن في الحركات الأكثر تركيبًا وتعقيدًا، وذلك يعزى إلى أن اتساق مجال الرؤيا لديهن والذي يكون ضروريًا لإنجاز هذه الحركات والنشاطات تكون أكثر نضجًا إذا ما قورنت بمجال الرؤية عند الأولاد، بالإضافة إلى أن البنات عادة ما ينخرطن في هذا النمط من النشاطات مع بعضهن البعض وهو الحجل فوق المربعات بقدم واحدة.
مهارة لعب الكرة:
يلعب أطفال المدرسة الابتدائية الكرة في طرق مختلفة متعددة كما أن الاشتراك في هذه النشاطات يسهم في عملية تطبيع الطفل, بالإضافة إلى مفهومه لذاته, ففي سن المدرسة نجد أغلب الأطفال يمكنهم رمي كرة صغيرة بقوة وبفاعلية وكذلك رميها بدقة وإحكام عن ذي قبل, وبتقدم العمر الزمني يتمكن الأطفال من رمي الكرة لمسافات أطول, ويتفوق الأولاد على البنات في طول رميات الكرة في جميع أعمارهم الزمنية من سن 6، 12 ففي سن العاشرة عادة ما تكون رميات الكرة ضعف ما كانت عليه في سن السادسة، وفي الثانية عشرة يمكنهم رمي الكرة ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في سن الخامسة كما أن دقة وضبط رمي الكرة تتحسن بمرور العمر, وتشير نتائج دراسة Cratty وآخرين "1966" أن الأطفال الذكور عادة ما يكونون أكثر دقة وإحكامًا بصورة نسبية من البنات في مثل عمرهم الزمني.
وكمبدأ عام، فإن الإمساك بالكرة عادة ما يكون أصعب من رميها،
(1/347)

فمهارة الطفل في إمساك الكرة تعتمد بصورة جزئية على حجم الكرة والسرعة التي تلقى بها، ففي إحدى الدراسات أجريت على يدي Cerpenter؛ "1940" تشير إلى قدرة الأطفال على تقدير الإمساك بالكرة التي رميت إليهم، ولقد اتضح تغيرات تدريجية في هذه المهارة، ولوحظ أن الأطفال ما بين 6، 8 سنوات لم يتصفوا بالدقة في تقدير مسار الكرة، وتوصلوا إلى ذلك عندما وصلوا إلى العاشرة من عمرهم، ولم توجد فروق بين البنين والبنات.
وتشير نتائج الدراسات أن البنين يتفوقون على البنات في رفس الكرة وضربها في أهداف أفقية، كما لوحظ أن البنات يتفوقن على الأولاد في لعب الحجلة Hopscotch "وهي لعبة قوامها أن تقفز البنت على قدم واحدة فوق مربعات مرسومة"، وقد يعزى تفوق البنين في ضرب الكرة ورفسها إلى أنهم عادة ما يتدربون على ذلك، ويلعبون الألعاب المتطلبة لهذه المهارات مع بعضهم البعض.
زمن الرجع Reaction Time:
تتطلب المهارات الحركية تتابع في الأفعال وبالتالي يكون لها أبعادًا زمنية ويمسى ذلك بزمن الرجع RT, وعادة ما يحدث ذلك مع عناصر ومركبات عديدة وأحد هذه العناصر هو وقت الحركة Movement Time وهو الوقت الذي ينقضي بين بداية ونهاية الفعل، وعنصر آخر يسمى وقت التقرير Devision Time وهو الوقت الذي ينقضي بين مثير الفعل والحركة الأولى، ولقد أشارت عديد من الدراسات في هذا المجال أنه بتقدم الأعمار الزمنية للأطفال نجد بالتالي اختلافًا في تقرير وأوقات حركاتهم.
ففي إحدى الدراسات أعطى لأطفال ما بين 4، 16 سنة مهمتين لقياس زمن الرجع R. T ففي إحدى هذه المهام قدمت عشرة أنغام مرتفعة، وعشرة أنغام منخفضة، وذلك على فترات متدرجة من 10، 25 ثانية، وسألت الحالات أن تضغط على زرار بأقصى سرعة ممكنة عند تغيير النغم R.T وفي المهمة الثانية سؤلت الحالات أن تضغط على الزرار بأقصى سرعة ممكنة عند سماعهم النغمة العالية فقط "تقرير R.T" وأعطى كل طفل درجتين واحدة لسرعة الاستجابة والأخرى لتنوع الاستجابة من محاولة إلى أخرى.
(1/348)

ولقد وجد أن هناك نقصانًا تدريجيًا في زمن رد الفعل مع التقدم في العمر الزمني، فبالنسبة للأطفال الصغار كانت حركة R.T؛ 75 ثانية، وبالنسبة للأطفال الأكبر كانت 25 ثانية، ولقد حدث النقصان الأكبر في حركة زمن رد الفعل فيما بين 4، 9 سنوات، كما كانت النتائج متشابهة في مهمة تقرير الـR.T حيث أشارت أن الزمن المستغرق كان 1.3 بالنسبة للأطفال الصغار وكانت 25 ثانية بالنسبة للأطفال الكبار.
تصور الجسد Body lmage:
يكتسب الأطفال تدريجيًا تصورًا "مفهومًا" أكثر واقعية لبيئتهم كما ينمون مفهومًا أكثر تناسبًا لأنفسهم, وأحد جوانب مفهوم الذات هو تصور الجسد وتصور الجسد يتضمن الوعي بالجسد وأعضائه, كما يتضمن تقييم تناسب المظهر الجسمي والمهارات الحركية بمقارنتها، بما لدى أحد أقرانه, وعلى الرغم من أن تصور الجسد يبدأ في التكوين منذ الطفولة المبكرة وكذلك منذ الميلاد، إلا أنه يكون بصورة أكثر شعورية أثناء مرحلة الطفولة الوسطى عندما يستطيع الطفل مقارنة نفسه بأقرانه وليس بأبويه فقط.
(1/349)

يوجد سكنر
(1/350)

ويشير الجدول رقم "2" إلى نمو تصور الجسد عند الأطفال وثمة وسائل عادة ما تستخدم لمعرفة ذلك مثل رسم شكل أو صورة إنسانية، مثل إعطاء الأطفال شكلا غير كامل ويطلب منهم رسم الأجزاء الناقصة في هذا الشكل, وجدير بالذكر فإن قدرة الأطفال على إجراء ذلك تتحسن كلما تدرجوا في أعمالهم الزمنية، وطريقة أخرى مؤداها أن تسأل الأطفال الصغار التعرف على جوانبهم وجوانب الآخرين اليمنى واليسرى، وعمومًا فكلما نمى الطفل كلما ازداد إدراكه لجسده.
مفهوم Self Concept:
منذ وقت طويل أشار جورج ميد Mead؛ "1934" أن مفهوم الفرد لذاته يشتق من التقييم المنعكس للآخرين، إلا أن الطفل لا يستطيع أن يدرك هذه التقييمات المنعكسة إلا عندما تنمو قدراته المعرفية بصورة كافية، وطفل المدرسة الابتدائية يصبح سريع التأثير بتقييم زملائه له ويميل إلى تقييم ذاته تبعًا لذلك.
ولقد استخدمت قوائم للصفات، أو الجمل لقياس مفهوم الذات حيث تتضمن صفات إيجابية وسلبية وعلى الطفل أن يقرأ هذه القائمة أو تقرأ عليه بصوت مرتفع، وبعد كل صفة، على الطفل أن يقرر عما إذا كانت صادقة أو غير صادقة بالنسبة له، وبصورة عامة فإن نتائج هذه الدراسات توضح أن مفهوم الطفل لذاته يعتمد إلى حد كبير على تقييم الآخرين له، ويشير Black؛ "1974" أن الأطفال الذين كان أداؤهم ضعيفًا في المدرسة والذين كانت نظرات آبائهم إليهم تتصف بالدونية وكذلك نظرات أصدقائهم كان لديهم اعتبار أقل لذواتهم من الأطفال ذوي الأداء الأكاديمي العادي.
والحقيقة، فإن الطفل قد يكون لديه مفاهيم عديدة لذاته، ويعتمد ذلك على ميوله ومواهبه، فتصور الجسد يصاحبه مفهوم للذات كتلميذ، وكرياضي وكشخص لديه مهارة خاصة ... إلخ، فقد يكون للطفل مفهومًا إيجابيًا لذاته كموسيقى، إلا أن لديه مفهومًا سلبيًا لذاته كلاعب شطرنج، وبالتالي فإن الطفل الذي لا يكون ناجحًا في جانب ما قد يكون قادرًا على أن يدعم مفهوم ذاته في جانب آخر، ومع ذلك فإن الطفل الذي يشعر بعدم الكفاءة أو الأهلية في كل الجوانب، قد يصبح مضطربا من الناحية الانفعالية وسنلقي الضوء على بعض من هذه المشكلات فيما بعد.
(1/351)

النمو العقلي:
ينمو لدى الأطفال ما بين سن السادسة والسابعة قدرات عقلية معينة يسميها بياجيه بالعمليات العيانية Concrete Operations، ويعزى إلى هذه العمليات قدرة تلاميذ المدارس الابتدائية على تكوين مفاهيم الأصناف أو الطبقات والعلاقات والأعداد، وبتلك الوسيلة يتسع عالمهم التصوري بصورة كبيرة, كما أن الأطفال الذين يمكنهم أداء العمليات العيانية يمكنهم تعلم واتباع المبادئ التي تكون عن طريق الآخرين، وبالتالي فإن مرحلة الطفولة الوسطى تعتبر بمثابة فترة رئيسية لتعلم الأطفال مهارات ومعلومات معينة يكونون في حاجة إليها لكي يتفاعلوا في مجتمعهم بصورة مؤثرة فعالة.
وسوف نتأمل سويًا كيفية بناء العمليات العيانية لدى الأطفال، حيث إن النمو العقلي غالبًا ما يقاس بصورة كمية، فإن الأطفال لا يمكنهم أداء الاختبارات الجمعية للاستعداد والإنجاز إلا إذا تمكنوا ابتداء من أداء العمليات العيانية، وعلى ذلك فإننا سوف نتأمل التغيرات التي تحدث في إدراك الأطفال وفي لغتهم وذاكرتهم ومفاهيم ثبات الأشياء، وبقائها بالإضافة إلى النمو الخلقي، كما سننهي هذا الفصل بتقديم صورة وصفية موجزة للعالم التصوري للطفولة الوسطى.
الاختبارات التحصيلية:
بمجرد أن يتعلم الأطفال القراءة والكتابة، يمكنهم أداء الاختبارات الجمعية، وثمة اختبارات قد استعملت بصورة واسعة لقياس التحصيل والإنجاز والاستعداد، وعمومًا فإن اختبارات التحصيل عادة ما تقيس التعلم السابق في جانب معين من التعلم، واختبارات الاستعداد على نقيض ذلك يفترض أنها قادرة على التنبؤ بالتعلم المستقبلي، واختبارات الذكاء ضرب من اختبارات الاستعداد Green, NL؛ "1974".
وللتمييز بين الاختبارات التحصيلية، واختبارات الاستعداد يمكن أن توضح عن طريق مواقف الاختبارات نفسها، فمواقف اختبار الاستعداد تختار بناء على افتراض أن كل الأطفال في بيئة معينة عادة ما يكون لديهم الفرص المتساوية لكي يتعلموا أشياء معينة, فمثلا ثمة سؤال قد يعرض صورة ناقصة لوجه إنسان "كالعين، أو الحاجب" ويسأل الطفل ما
(1/352)

الشيء الناقص في هذه الصورة ويفترض أن معظم الأطفال قد لاحظوا عددًا من الوجوه الإنسانية وبالتالي فإن نجاحهم في هذا الموقف قد يرجع إلى قدرة عامة وليس نتيجة تعليم معين، وعمومًا فإن معظم مواقف اختبارات الاستعداد تتطلب خبرة نوعية بالإضافة إلى الخبرة العامة,
ومن جانب آخر نجد الاختبارات التحصيلية عادة ما تعمم لاختبار ما تعلمه الطفل نتيجة تدريس أو تعليم سابق، فاختبارات القراءة والحاسب والعلوم تمثل عينة صغيرة من المعلومات التي حصلها التلميذ وتعلمها في المدرسة من قبل مثل 2 × 3 = ... أو ما هي عاصمة مصر؟ وبالنسبة للأطفال الأكبر، وتصبح عملية التمييز بين مواقف الاختبار التحصيلي واختبار الاستعداد عملية صعبة، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى عدم قدرتنا التمييز بين ما اكتسبه الطفل داخل مدرسته وما الذي اكتسبه خارجها.
ولقد استعملت كل من اختبارات التحصيل والاستعداد بصورة واسعة في المدارس الابتدائية لقياس مدى تقدم التلميذ، ومعظم اختبارات التحصيل عادة ما تكون ذات معيار مرجعي Norm Rerenced بمعنى مقارنة درجة طفل معين مع جماعة معينة, وقد يكون الفصل الدراسي هو الجماعة المرجعية للتلميذ، فإذا وجد فصل دراسي معظم أطفاله من الأذكياء فقد يحصل طفل متوسط على درجة ضعيفة من التي يأخذها في حالة انتمائه إلى فصل دراسي آخر يكون معدل ذكاء تلاميذه متوسطًا أو تحت المتوسط, وبعض الاختبارات التحصيلية قد تكون ذات معيار عام أي ليس قاصرًا على فصل معين ولا مدرسة بل قد يكون على بلدة معينة وبالتالي فإن أداء الطفل أو أداء المدرسة يمكن أن يقيم في علاقته بالبلدة أو المدينة.
وعلى الرغم من أن الاختبارات التحصيلية تكون نافعة في قياس مدى تقدم التلميذ إلا أنه عادة ما يوجه إليها بعض من الانتقادات فبياجيه يشير لنا أن الاختبارات يمكن أن يكون لها تأثيرًا سلبيًا على التعلم وذلك لأنها عادة ما تميل إلى إملاء أو إجبار محتويات المقررات التعليمية والوسائل المستخدمة في الفصل الدراسي، ويشير سكينر Skinner "1968" كذلك لكي تكون الاختبارت موضوعية فإن الاستجابات يجب أن تمس الجوانب الأكثر سطحية والظاهرية لمعلومات الطفل، وغالبا فإن الاستجابات
(1/353)

التي تقبل بسرعة وبسهولة كدلالات للمعرفة، هي في الحقيقة التي تميل إلى تكوين جزء من الذخيرة الناجحة للطفل, ويشير كذلك Lenie إلى وجهة نظر شاملة للاختبارات التحصيلية مشيرًا إلى أنه عندما يحدد التربويون هدف التعليم بأنه اكتساب اتجاهات إيجابية لتعلم وتطوير الخبرة في التفسير والتأويل، فإننا نجد أن الاختبارات لا تقيس هذه الجوانب لدى الأطفال.
وإحدى الطرق التي عولجت بواسطتها عيوب الاختبارات التحصيلية تمثلت في تقديم اختبارات معيارية المرجع حيث يقصد بها الكشف عما يستطيع التلميذ أداؤه أو ما يعرفه, ولقد بدأ في استخدام هذا النوع من الاختبارات المعيارية المرجع في المدارس الابتدائية الإنجليزية والأمريكية، ويجب أن يحتفظ في هذه الوسيلة بالتسجيلات لعمل كل تلميذ، كما أن ملاحظات المدرس وعينات العمل يجب كذلك أن تستخدم لقياس مدى تقدم التلميذ، وعلى الرغم من أن هذا النوع من التقييم حديثًا إذا قورن بالوسائل الأخرى، إلا أنها وسيلة جد صحيحة لقياس مدى تقدم الطلاب، حيث إن التزود بالوثائق التي تشير لأداء الطفل وأعماله خلال فترة زمنية معينة يبدو أنه دليل أحسن للكشف عن الإنجازات الأكاديمية، وذلك أفضل من أداء اختبار يقيس فقط الجانب السطحي الظاهري للتعليم الأكاديمي.
النمو الإدراكي:
يرتبط النمو الإدراكي بالنمو الحسي الحركي بصورة كبيرة، ويبدو أنه يسير في مجرى مشابه له حيث نرى أن التغيرات الرئيسية في النمو الإدراكي تحدث فيما بين 4، 9 سنوات تقريبًا, مع تغييرات ضئيلة تحدث فيما بعد, وإحدى جوانب النمو الإدراكي والتي تتحسن بمرور عمر الطفل الزمني هي قدرة البحث عن المثير الذي ينتظم مواقف معينة. وهذا البحث والاستكشاف يصبح أكثر سرعة وأكثر تناسبًا مع ازدياد العمر الزمني للطفل, وتشير نتائج دراسة Vupillot؛ "1968" أن هناك اختلافات كيفية ذات دلالة في الطريقة التي ينشأ بها الإدراك لدى الأطفال الصغار والأطفال الكبار، وهذه الاختلافات العمرية تتضح بصورة خاصة عندما تقارن الحالات المثيرات الإدراكية أو عندما يتعاملون مع مثيرات حركية غامضة نسبيًا.
ففي إحدى الدراسات سؤلت مجموعة من الأطفال في أعمار زمنية
(1/354)

مختلفة بأن يقارنوا رسومات لواجهات منازل كانت متشابهة في معظم تفاصيلها ما عدا جزء أو جزئين منها تختلف كالنوافذ مثلا، أو الأبواب وهكذا، وأشارت النتائج أن الأطفال الصغار كانوا أقل نجاحًا من الأطفال الأكبر في إجراء المقارنات, وكان نتيجة تسجيل حركات العين للمجموعة أن اتضح أن الأطفال الأصغر كانوا يقارنون صفة أو جزء واحد فقط وإذا كنت هذه الصفة متشابهة في كل من الشكلين نجد الأطفال يقولون أن الشكلين متشابهان دون شرح وتفسير الخصائص الأخرى.
وتشير نتائج دراسة Elkind & Other إلى وجود اختلافات ففي المهام الاستكشافية الحرة نتيجة الاختلافات في الأعمار الزمنية، فعندما عرض على الأطفال لوحة مرسوم عليها أشكال مألوفة وكانت ذات نظام وترتيب معين، وفي نفس الوقت عرضت عليهم لوحة أشكال بدون نظام أو ذات ترتيب مشوش، وجد أن قدرتهم على تسمية الأشكال اختلفت تبعًا لأعمارهم الزمنية، كما أن الأطفال الأصغر سنًا "4، 5 سنوات" لم يتمكنوا من تسمية بعض الأشكال في اللوحة غير المرئية، وعلى نقيض ذلك وجد الأطفال الأكبر ما بين "6، 8 سنوات" قد قرءوا الأشكال من اليمين إلى الشمال ومن القمة إلى القاع ولم يخطئوا في تسميتها، انظر شكل رقم "1"، كما لوحظ عدم وقوع الأطفال الصغار في أخطاء في اللوحة المرئية والمنظمة لقرب الأشكال بعضها من البعض الآخر وتكوينها هيئة مثلث.
(1/355)

يوجد اسكانر
(1/356)

التنظيم المنطقي:
كلما تقدم الأطفال في أطوار نموهم كلما يكونون أقدر على تنظيم البيانات الإدراكية في طرق منطقية، فالأطفال الأكبر يتعاملون مع بيانات أكبر ومعلومات أكثر تركيبًا عما يستطيعونه الأطفال الأصغر, وأشارت دراسات جيبسون ورفاقها إلى انبثاق هذه العملية المعرفية في الإدراك، ففي إحدى تجاربها كانت تعلم الأطفال الصغار الضعط على أزرار معينة وقت التفوه بكلمات معينة، وأشارت إلى أن التعرف على مبدأ الإيقاع والتناغم يسهل من عملية التعلم، كما أن الأطفال الأكبر سنًا "11، 12 سنة"، قد استخدموا مبدأ الإيقاع لتسهيل عملية تعلمهم أكثر من الأطفال الأصغر سنًا، وعمومًا فبازدياد عمر الطفل الزمني نجد قدرته على استخدام العمليات المعرفية لتنظيم عملية الإدراك، تتزايد كذلك، كما أشار بياجيه إلى المعرفة التنظيمية في النمو الإدراكي.
وتشير نتائج دراسة Elkind؛ "1970" أن الطبيعة المنطقية للبناء الإدراكي تزداد تبعًا لقدرة الطفل على رؤية وإدراك جميع عناصر وأجزاء التركيبات المختلفة، فمهارة الضرب المنطقي مثل.
"فئة أمريكية × فئة برتستانت= فئة أمريكية بروتستاتينية، كما أن الأطفال الذين تمكنوا من إدراك جميع عناصر التركيبات، كانوا أفضل بصورة ذات دلالة من الأطفال الآخرين في أداء عمليات الضرب أو المضاعفات المنطقية.
أبطال المركزية Decentering:
يمكن أن يوصف النمو الإدراكي تبعا لازدياد حرية الطفل في الاحتياج إلى صورة أو هيئة المثير، ويسمى بياجيه هذه العملية بعملية "أبطال المركزية" فالأطفال يميلون إلى التركيز على الخصائص أو الصفات السائدة للأشكال أو الصور المرئية، ولقد وصفت هذه الجوانب السائدة بواسطة علماء الجشطلت بقوانين الغلق Closure، أو الشكل الجيد، والاستمرار, فإذا وضع نقاط بعضها بجانب البعض فإنها تشكل صورة أو كل معين، فالشكل غير الكامل على سبيل المثال لدائرة ناقصة، تؤدي بالفرد إلى أن يملأ عقليًا ذلك الجزء المفقود من الدائرة ويدركها كما لو أنها دائرة كاملة "قانون الغلق" وقوانين الجشطلت ذات تأثير كبير على المستويات العمرية، والأطفال يمكنهم مقارنة وموازنة قوانين المبادئ الإدراكية بصورة متزايدة وأن يبنون تنظيمات بديلية كلما تدرجوا في مدارج نموهم.
(1/357)

فعندما يعرض على أطفال صغار صورة طفل يلعب في الحديقة مثلا، فيمكنهم تجريد الطفل من الصورة إلا أنهم لا يمكنهم تجريد نشاط الطفل وإدراك ذلك النشاط الذي يقوم به، والأطفال الأكبر سنًا يمكنهم إدراك الطفل بأوجه النشاط المعروضة عليهم، وبواسطة مصطلحات الجشطلت يمكنهم عمل لا مركزية الإدراك أي الانتقال من الشكل العام "الخاصية أو الصفة" إلى الأرضية "النشاط أو الموقف" وعمومًا فكلما نمى الأطفال نجد زيادة في مدركاتهم وتصبح أكثر كفاية وسرعة، بالإضافة إلى قدرتهم التدريجية على التغلب على الجوانب أو المظاهر المسيطرة والمهيمنة للصورة المرئية ويمكنهم أن يختاروا وينظموا المعلومات والبيانات تبعًا لمعانيها وأهدافها وأغراضها.
(1/358)

النمو اللغوي:
أشرنا فيما سبق أن النمو اللغوي لأطفال ما قبل المدرسة يتصف بسرعة غير عادية، والواقع فعادة ما نجد طفل الخامسة متمكن من البناءات الرئيسية للتركيب اللغوي إلى حد ما، وكذلك يمتلك مفردات لغوية ضخمة وكما ذكرنا أن نمو الطفل اللغوي يكتمل بصورة كبيرة بمرور الوقت ودخوله في طفولته الوسطى، ومن جانب آخر فإننا نرى نموًا لغويًا جديرًا بالاهتمام في كل من المفردات اللغوية، والفهم، واستخدام الجمل والتركيب اللغوي فيما بين 5، 10 سنوات، وسنتأمل هذا النمو في ثنايا الصفحات التالية.
نمو استخدام اللغة:
كلما تدرج الطفل في بلوغ العمليات العيانية، كلما كان ذلك مرتبطًا بالفهم الجيد لتعبيرات كثيرة، وكذلك تعلم واستخدام تعبيرات جديدة وبنمو الطفل عقليًا نجد فهمه كلمات "أكثر" و"أقل" و"نفس" تتغير بصورة ملحوظة، فالأطفال الصغار يفهمون تعبيرات مثل "أكثر, أقل، أو نفس الشيء" تبعًا للاختلاف بين الأشياء التي يرونها في حين نجد الأطفال الأكبر يمكنهم التحقق بأنها تتعلق باختلافات غير إدراكية كذلك.
فطفل الرابعة قد يقول أن عشرة قطع نقدية أكثر من أربعة قطع
(1/358)

نقدية، بسبب تمكنه من رؤية الاختلاف عيانيًا، بينما طفل السادسة يعطي نفس الاستجابة بسبب تقديره العقلاني للعملة، فكل من طفل الرابعة والسادسة أجرى تمييزًا ناجحًا واستخدامًا للتعبيرات الصحيحة، إلا أن فهمهما لهذه التعبيرات تختلف فقدرة الطفل على استخدام اللغة بصورة صحيحة عادة ما تشير إلى عمق الفهم والإدراك لديه.
ولقد أجريت سلسلة من الدراسات وأشارت إلى أن التحولات في فهم اللغة عادة ما تكون مرتبطة بالتحولات في القدرة المعرفية، ففي إحدى الدراسات لأحد تلاميذ جان بياجيه سأل الأطفال وصف مواقف كمية بسيطة، حيث عرض عليهم قلمان الأول قصير وسميك والآخر طويل رفيع وسألهم كيف يختلفان بعضهما عن البعض، ولاختبار تفهمهم سؤال الأطفال كذلك أن يشيرا إلى القلم القصير السميك وتشير النتائج إلى وجود اختلافات ذات دلالة بين الأطفال فبعض الأطفال أشاروا إلى أن هذا القلم رفيع وهذا سميك، ومع ذلك فكل الأطفال الذين اختبروا قد استخدموا كلمات مقارنة مثل هذا القلم أطول ولكنه أربع، وهذا قصير ولكنه سميك.
نمو معرفة تركيب اللغة وبنائها:
العلاقة بين النمو المعرفي والفهم يمكن توضيحه بواسطة تركيب الجملة وبنائها، فصيغ المبني للمجهول عادة لا تستخدم في اللغة المتكلمة العادية وذلك بسبب أنها أكثر تركيبًا وتعقيدًا من صيغ المبني للمعلوم، ويجب أن تترجم أو تول في صيغة معيارية حتى يسهل تفهمها خاصة بالنسبة للأطفال فمثلا جملة الرجل عض بواسطة الكلب، قد تفسير بأن الكلب عض الرجل، فعلاقات اسم الموضوع في الجمل المبنية للمجهول تكون صعبة خاصة في صورة الجمل المعكوسة بمعنى أنها لا يمكن قلبها فالجملة "الرجل عض بواسطة الكلب" لا يمكن في الواقع أن تقلب أو تعكس بينما نجد الجمل المبنية للمعلوم يمكن أن تعكس أو تقلب، وعمومًا فالمعكوسية تمثل صعوبة في الجمل المبنية للمجهول إذا ما قورنت بالجمل المبنية للمعلوم. Palermo D؛ "1972".
وفي إحدى دراسات Slobin؛ "1966" لتوضيح مدى صعوبة القلب والمعكوسية في اللغة على الأطفال، فقد عرض على مجموعات من الأطفال تتراوح أعمارهم من 6، 8، 10، 12 سنة، ومجموعة أخرى من
(1/359)

طلاب الجامعة جميعهم قرءوا جمل معكوسة، وأخرى غير معكوسة مبنية للمعلوم وأخرى مبنية للمجهول، وأثناء قراءة كل جملة يعرض على الطالب صورة توصف العبارة، وسؤلت الحالات أن تستجيب بأقصى سرعة ممكنة بعد رؤية كل صورة وذلك بضغط زرار معين "صح" أو "خطأ" عما إذا كانت العبارة تصف الصورة بصورة صحيحة أم لا، ولقد وجد أن زمن الرجع RT للصور المعروضة لجميع الجمل قد نقص مع التقدم في العمر الزمني فالمجموعة من 10، 12 سنة كانت أداءاتهم على نفس المستوى تقريبًا، إلا أنها كانت أسرع من الأطفال الصغار بصورة ملحوظة، واتضح من النتائج كذلك أن طلاب الجامعة استجابوا بصورة أسرع في زمن الرجع من جميع المجموعات, وجدير بالذكر فلقد كانت الجمل المعكوسة أكثر صعوبة بالنسبة لجميع المجموعات "حيث كان زمن الرجع أطول" كما أن الجمل المبنية للمجهول المعكوسة كانت أكثر صعوبة من جميع الجمل, ولقد توصل Tuiner؛ "1967" إلى نتائج متشابة مع النتائج السابقة على الرغم من استخدام أدوات ووسائل مختلفة.
ولقد أشارت Chimsky إلى التغيرات النمائية في فهم الأطفال التراكيب اللغوية بالإضافة إلى فهم الضمائر اللغوية, وعمومًا فقد وجدت أن اللاقياسية في التراكيب اللغوية تمثل صعوبة لجميع الأعمار الصغيرة، كما أن الأطفال تميل إلى التحسن بتدرجهم في نموهم وعمرهم الزمني من سن الخامسة حتى العاشرة، كما أشارت إلى فروق فردية واسعة، حيث تفهم بعض أطفال الخامسة اللاقياسية في التراكيب اللغوية، في حين وجدت آخرين لم يتمكنوا منها حتى سن العاشرة, كما أن التغيرات الضمائرية لم يتمكن منها جميع الأطفال تقريبًا تحت سن الخامسة، أما ما فوق الخامسة فقد فهموها وعلى ذلك فإن النمو اللغوي تبعًا لدراسات كومسكي أثناء سنوات المدرسة الابتدائية يسير في اتجاهين:
أ- اتجاه فهم الألفاظ ودلالة الكلمات.
ب- والآخر في قواعد استعمال تركيب الجمل والعبارات المتحكمة في استحدام الكلمات, وعادة ما نجد أطفال ما قبل المدرسة تكتسب القواعد الرئيسية للتركيب اللغوي Syntax كما أن أطفال المدرسة الابتدائية تتحكم تدريجيًا في الاستثناءات اللغوية.
(1/360)

مهارات الاتصال المرجعية:
رأينا في الفصل السابق كيف يستطيع الأطفال الصغار أن يكيفوا لغتهم وفقًا للمستوى النمائي للمستمع، وعمومًا فمهارات الاتصال المرجعية تستمر في التحسن كلما تدرج الطفل في النمو من الناحية الاجتماعية، وكذلك من الناحية اللغوية، وتشير نتائج دراسات Krauss؛ "1968" وFalvell؛ "1968" إلى أن النجاح النسبي للأطفال الصغار في الاتصال يعتمد إلى حد ما على طبيعة المهمة أو العمل، فعادة ما يكون أداؤهم مرضيًا كمتكلمين إذا اشتركوا في بعض المعلومات العمومية مع المستمع، ويستطيعون كذلك عمل أداء طيب إذا تلقوا تغذية رجعية نجاحاتهم عن المستمع, ومن الواضح أن المتكلمين الصغار يكونون في حاجة إلى مفاتيح قرينية لفهم المستمع إليهم حتى يمكنهم إجراء الاتصال الناجح, إذا ما قورنوا بالأطفال الكبار أو الراشدين.
ولقد حاولت نظريات عديدة تفسير مهارة الاتصال المرجعي عند الأفراد وإحدى هذه النظريات ما أشاء إليه Resenberg؛ "1966" بنظرية التعلم, وتشير إلى أن مهارة المتكلم تعتمد على ذخيرته اللفظية وعلى عدد الارتباطات اللفظية في ترتيبه وتنظيمه اللغوي، فكلما كانت ذخيرة الفرد أكبر كلما كانت الفرصة أحسن في عمل الاتصال اللفظي مع المستمع، وأحد الأمثلة على ذلك ما يسمى بالتمثيليات التحذيرية Charades وهي لعبة قوامها مشهد تمثيلي يصور مقاطع كلمة معينة يطلب من المشترك في اللعبة أن يلاحظها أو ينتبه إليها, ويمكن التنبؤ بأن الشخص الذي لديه خبرة لغوية أكبر, قد يكون أكثر نجاحًا في أداء هذه اللعبة من فرد آخر ليس كذلك.
وتشير نتائج دراسات Flavell؛ "1968" أن الاتصال المرجعي يتطلب أن يكون لدى الطفل قدرة معرفية حتى يمكنه تفهم وجهة نظر الشخص الآخر، وهذه المهارة عادة ما تكون مرتبطة بالعمليات العيانية، وهاتين النظريتين ليستا متعارضتان ففي الحقيقة فإن الاتصال المرجعي لا يعتمد فقط على الذخيرة اللفظية للمتكلم، ولكن بالإضافة إلى مدى قدرته على تفهم الموضوع من وجهة نظر الشخص الآخر.
التذكر:
يمكن تمييز ثلاثة عمليات على الأقل للتذكر خلال مرحلة الطفولة
(1/361)

الوسطى، أولها عملية التحويل إلى رموز Enciding والثانية التعلم الأولي Inital، والثالثة التخزين Storage بالإضافة إلى عملية الاسترجاع Retrieval, كما توجد تغييرات نمائية ذات دلالة في هذه العمليات للتذكر أثناء سنوات المدرسة الابتدائية وسوف نتكلم عن كل منها بشيء من التفصيل.
عملية التحويل إلى رموز وفهم المعلومات:
أحد العناصر الأساسية في عملية التحويل إلى رموز يتمثل في دافعية الحالة إلى تعلم المادة المعطاة، وبصورة عامة فإن المادة التي يجري تعلمها بصورة مقصودة عادة ما تكون أحسن تذكرًا من المادة التي تتعلم عن طريق الصدفة، فإذا ركزت على تعلم بعض أسماء لأشخاص آخرين في مكان ما, وذلك عن طريق تكرارها لنفسك واستخدامها في حديثك, نجدك أكثر تذكرا لها إذا قورنت بحالتك سماع هذه الأسماء ولم تبذل أية مجهود لتذكرها، كما نجد الأطفال عادة ما يكونون أكثر فعالية من الأطفال الأصغر في استخدام استراتيجيات أو عمليات التحويل إلى رموز بصورة مقصودة متعمدة.
ففي إحدى دراسات Appel. L وآخرين "1972" طبقت على جماعات من أطفال في سن 4، 7، 11 سنة في مهمة تحويل مقصودة وغير مقصودة، وكل طفل اختبر تحت ظرفين، الأول منهما عرض على كل طفل ما بين 9، 15 صورة لموضوعات متفردة، وطلب منهم أن ينظروا إلى الصورة بعناية لأن ذلك سيفيدهم في المهمة الاختبارية اللاحقة, وفي الظرف "الحالة" الأخرى فقد اتبعت مع الأطفال نفس الوسيلة ما عدا أنه طلب من الأطفال تذكر موضوعات الصور المعروضة عليهم، وبعد ذلك طلب من الأطفال أن يتذكروا أكبر قدر من الموضوعات التي كانت في الصور المعروضة عليهم بقدر إمكانهم,
وأشارت النتائج بوجود تقدم نمائي واضح في كلا الحالتين سواء كانت حالة النظر أو حالة التذكر، كلما كان هناك ازدياد تدريجي مع العمر الزمني في عدد الموضوعات التي استدعيت واتضح أن أطفال الرابعة كانت نتائجهم متشابهة سواء في الصور التي نظروا إليها أو الصور التي طلب منهم تذكر محتوياتها, إلا أن أطفال السابعة والحادية عشر كان أدائهم أحسن تحت ظرف التذكر عما كان عليه في ظرف التأمل أو النظر فقط.
(1/362)

وكررت التجربة على أطفال في سن السادسة ووجد أنهم أكثر استدعاء تحت ظرف "التذكر" عن ظرف النظر أو التأمل، ومن الممكن أن تكون استراتيجيات التحويل إلى رموز يحدث لها تغييرات ما بين سن
الخامسة والسادسة عندما يكتسب الأطفال القدرة على العمليات العيانية.
وعمومًا، فهل تتغير عملية التحويل إلى رموز مع السن؟ وهل الأطفال الأكبر يستخدمون طرقًا أو استراتيجيات مختلفة في عملية التحويل إلى رموز عن تلك التي يستخدمها الأطفال الأصغر؟ وجدير بالذكر بأن الأجابة على ذلك ستعتمد على المادة التي تتعلم، فاستدعاء الأرقام قد تتطلب استراتيجية مختلفة عن استدعاء الأسماء، وكثير من الدراسات مثل دراسة Neimark & Others؛ "1971", ودراسة Worden؛ "1975" تشير إلى أنه كلما تدرج الأطفال في أعمارهم الزمنية لا يكون لديهم فقط استراتيجيات تذكرية أكثر ولكن يمكنهم أن يختاروا الاستراتيجيات الأكثر تناسبًا مع المادة المتعلمة.
ففي إحدى الدراسات كانت المادة المتعلمة مضمونة وأماكن عدد من الصور وسؤال الأطفال في أعمار زمنية مختلفة تذكر الصور التي عرضت عليهم وأماكنها الصحيحة, ولقد أشار Falvel & Others أن الأطفال قد استخدموا سلسلة من ثلاثة استراتيجيات في هذا الاختبار، الأولى كانت تنصب حول نعت أو تقليب الموضوعات "الصور" وفي فترة لاحقه بدأ الأطفال توقع المكان قبل أن تظهر فيه الصورة، والمرحلة الثالثة كان تذكر الأطفال عبارة عن اتحاد بين النعت والتوقع، وبصورة عامة فإن الأطفال ما بين السادسة والتاسعة عادة ما يستخدمون الاستراتيجيات الثلاثة في عملية التذكر, وعلى ذلك فإن أطفال المدرسة الابتدائية تزداد قدرتهم على تذكر المادة ويمكنهم كذلك الاستفادة بصورة فعالة من استراتيجيات عملية التحويل إلى رموز.
التخزين وتنظيم الذاكرة:
إن الكف عن كيفية تخزين الحالات المعلومات للاسترجاع عادة ما تكون بصورة غير مباشرة، حيث إنها غالبًا ما تركز على تنظيم المادة التي يمكن تذكرها وعلاقتها بقدرة الحالة على تذكرها، ولقد أشير أن قدرة الطفل على التذكر تتنوع مع قدرته على إعادة الإنتاج وكذلك في عملية التنظيم فمثلا، لنفترض أن يطلب من حالات استدعاء عدد من
(1/363)

الموضوعات والتي يمكن أن تتجمع بعضها مع البعض تحت أصناف أكثر عمومية، فهؤلاء الأطفال الذين يستخدمون هذه الاستراتيجيات التنظيمية العالمية، أي تحدث لديهم ما يسمى بتجميع أو عنقدة الاستجابات، قد يتوقع أن يتذكروا موضوعات أكثر من هؤلاء الأطفال الذين لا يمكنهم أداء ذلك.
ويشير Neimark & Others؛ "1971" أن التعنقد أو التجميع Clustering بمعنى ضع المعلومات داخل نظام ذا نسق عال، يتطلب قدرة معرفية بالإضافة إلى استراتيجيات تذكرية معينة، وبصورة عامة فإن الأطفال يتحسنون في قدرتهم لأداء ذلك كلما تدرجوا في مدارج نموهم وبالتالي فمن الممكن توقع تحسن نظامي في ذاكرة الأطفال لتصنيف وترتيب المواد مع ازدياد أعمارهم الزمنية، وهذا ما وجد في كثير من دراسات أخرى مثل Conarh؛ "1971", McCarver؛ "1971".
وأبانت نتائج دراسة Neimark & Others على تذكر أطفال في الصفوف الأولى والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، وكذلك على حالات من طلاب الجامعة, وكانت التجربة السابقة مكونة من عدد من المثيرات وأدوات النقل والأثاث والملابس، وعرضت الصور بأجمعها على الحالات مرة واحدة، وطلب من الحالة أن تدرس هذه الصورة لمدة ثلاث دقائق وبعد ذلك يحاولون استدعاء أكبر قدر من هذا الصور، كما أخبرت الحالات بأنها يمكن أن تعيد تنظيم الصور إذا أرادوا ذلك.
وحسبت درجات كل حالة ليس فقط على عدد الصور التي تمكنت من استدعائها ولكن لإعادة تصنيفهم وتنظيمهم للصور، ولقد لوحظ ازدياد منتظم في كلا العمليتان مع تقدم الحالة في العمر الزمني، وكما وجدت زيادة متناسقة في عدد الصور التي أمكن استدعاءها، وكان معدل الصور التي استدعيت لأطفال الصف الأول 11 صورة, وأطفال الصف الثاني 16 صورة, وأطفال الصف الخامس والسادس 19 صورة تقريبًا، ومعدل استدعاء طلاب الجامعة 22 صورة، كما أن درجات الأصناف المتجمعة "المتعنقدة" قد أشارت إلى أنه مع تقدم الأعمار الزمنية وجد تزايد قدرة الأطفال على تخزين المعلومات وفقًا لمستويات تنظيمية عالية.
(1/364)

الاسترجاع:
يشير بياجيه وانهلدر أن ما يخزن في الذاكرة يمكن أن ينقل أثناء عملية الاسترجاع، كما أن المادة المخزونة تعتبر بمثابة تركيب أو بناء عقلي. وبالتالي فإن استدعاءات الطفل تعد بمثابة طريقة لظهور هذا التركيب أو البناء بواسطة العمليات العقلية المتاحة له في فترة نمو معينة، وبكلمات أخرى أن المادة يمكن أن تنظم "بعد" وليس "قبل" عملية تخزين المعلومات, وتشير دراسات Paris & Carter؛ "1972", Prewatt؛ "1976"، ودراسة Jenkins؛"1974" تشير إلى أن ما تعرفه لحالة يؤثر كذلك في الذاكرة.
ويشير Tulving؛ "1974" إلى منحى آخر لعملية الاسترجاع يرتبط "بالبيئة المعرفية، التي توجد أثناء عملية التعلم، ويعتقد أن البيئة المعرفية توفر مجموعة من المشعرات تعين على عملية الاسترجاع، فمثلا إحدى الحيل في محاولة تذكر اسم الشخص، يمكن أن يحدث عند استرجاعك للحروف الأبجدية للأسماء، أي أن الأسماء التي تبدأ مع كل حرف أبجدي تعيد المشعرات التي يمكن أن تسهل عملية الاسترجاع، وبصورة مشابهة نجد ذلك في كثير من الجرائم البوليسية، فمحاولة إعادة بناء الجريمة تساعد على سبر غور تذكر الشهود.
وتشير نتائج دراسة Halperin؛ "1974" عن تذكر أطفال الصف الأول والثالث والسادس لمثير يتكون من 24 صورة لموضوعات شائعة عامة مقسمة إلى ثمانية فئات كل فئة بها ثلاثة موضوعات مثل الفاكهة كصنف تتكون من العنب والكمثرى والموز، وأثناء الرحلة الأولية لهذه الدراسة عرض على الحالات صورًا لكل الموضوعات والأماكن التي يمكن أن توجد بها "فالقرد والجمل والفيل توجد مثلا بحديقة الحيوانات، أي أن المختبر كان يشير للأطفال إلى العلاقة بين الموضوع والصنف، وأثناء المرحلة الثانية من الدراسة كانت تتمركز حول عملية الاستدعاء حيث قدمت ثلاثة ظروف مختلفة، أولها ظرف الاستدعاء الحر Free Recall حيث طلب من الأطفال تذكر أكبر قدر من الموضوعات يمكنهم تذكرها، والظرف الثاني كان نتيجة إعطاء مشعرات تذكرية للأطفال حيث أعطيت الحالات الفئات حتى تسهل عملية الاستدعاء لديهم، والظرف الثالث كانت تحت وسيلة المشعرات المباشرة حيث أعطى للأطفال ثمانية فئات وطلب منهم وضع الأشياء التي تتفق مع كل فئة من الفئات الثمانية.
(1/365)

وكما توقع الباحث كانت الاختلافات مرتبطة بالعمر الزمني، فتحت ظرف الاستدعاء الحر والاستدعاء المشعر وجد أن الأطفال الأكبر سنًا قد تذكروا موضوعات أكثر مما تذكره الأطفال الأصغر سنًا، فأطفال الصف الأول والثالث كانوا على نفس المعدل في عملية الاستدعاء الحر، ولكن أطفال الصف السادس كانت نجاحاتهم في الاستدعاء أكثر من الاستدعاء الحر، كما أبانت النتائج أنه تحت ظرف الاستدعاء المشعر الموجه، كان أداء جميع الأعمار الزمنية في مستوى مرتفع حيث تذكروا أكثر من 75% من الموضوعات التي عرضت عليهم.
وعمومًا فهذه النتائج وكذلك نتائج دراسات أخرى مشابهة أشارت إلى الصعوبة التي تواجه الأطفال الصغار في عملية الاسترجاع، ويعزى ذلك إلى المشكلات المرتبطة بإعادة تركيب أو بناء "البيئة المعرفية"، وجدير بالذكر، فإننا نلاحظ أثناء مرحلة الطفولة الوسطى تحسنًا تدريجيًا في عملية التسجيل وعملية التخزين وعملية الاسترجاع للمادة التي تستدعى، ويعزى هذا إلى النضج المتواصل في استخدام الاستراتيجيات التنظيمية وكذلك في نمو القدرة المعرفية.
مبدأ بقاء أو ثبات الأشياء Conservation:
من أبرز جوانب النمو العقلي الهامة خلال السنوات المبكرة للطفولة الوسطى، وتتمركز حول قدرة الطفل على الحكم بأن موضوعات العالم المحيطة به تبقى ثابتة على الرغم من التغير في مظهرها الخارجي مثل "كمية السائل أو وزن الشيء" بغض النظر عن التغيرات الحادثة في لونها أو موقعها الخارجي أو اتجاهها ... إلخ ويشير بياجيه أن هذا الجانب من النمو العقلي لا يتحقق إلا بعد إحراز العمليات العيانية، وقد يصل بعض الأطفال إلى مبدأ ثبات أو بقاء الأشياء قبل ذلك، إلا أنه يكون محدودًا وينقصه الاستقرار والتعميم الذي يلاحظ عند الطفل حتى يصل إلى العمليات العيانية المتطلبة لهذا المبدأ.
أنماط بقاء أو ثبات الأشياء:
يشير بياجيه إلى أن أطفال المدرسة الابتدائية يكتشفون هذا المبدأ في كثير من المجالات المختلفة، فعلى سبيل المثال يرون أن الكمية والطول والعدد والمقدار والوزن والكتلة، تبقى هي نفسها على الرغم من التغيرات التي تطرأ على مظهرها، يكتشفون أن الزمن يمر بصورة منتظمة
(1/366)

متماثلة بغض النظر عما يقيسه, فمعظم الأطفال في سن السابعة ينمو لديهم بقاء الأشياء أو ثباتها من ناحية الطول وعادة ما تقاس عن طريق عرضنا على الطفل قلمين أو عصاتين بنفس الطول، ويسأل الطفل عما إذا كان متساويًا في الطول أو أن واحدًا أطول من الآخر "وعلى المختبر أن يستعمل اللغة المألوفة للطفل".
ولقد كانت نتائج هذه التجربة قابلة للتنبؤ بصورة كبيرة، فعلى الرغم من أن الأعمار قد تختلف تبعًا لذكاء الطفل وخلفيته، إلا أن معظم أطفال الرابعة أشاروا إلى أن أحد القلمين أطول من الآخر لارتفاعه عنه، وعادة ما نجد طفل الخامسة يكتشف القلم الأطول وذلك بالنظر إلى ارتفاع الاثنين، ولكن عندما يسحب القلم إلى الوراء ويسأل الطفل فقد يشير إلى عدم تساويهما مرة أخرى، وعمومًا فإن الطفل في حدود السادسة أو السابعة من عمره غالبًا ما يشير إلى تساوي طول القلمين بقوله إن مجرد تحريكك لهما فإنك لا تضيف أو تنقص أي واحد منهما، وفي هذا السن يدرك الأطفال أن الأطوال لا تتغير لمجرد تغيير وضع الشيء.
ويشير بياجيه إلى نتائج مشوقة لهذا المبدأ فيما يتعلق بالوزن والكتلة والكمية، وعلى الرغم من أن أداة القياس قد تكون نفسها لهذه المفاهيم إلا أنه وجد تتابع زمني لهذه المفاهيم، فأطفال ما بين السادسة والسابعة تقريبًا يمكنهم إدراك ثبات الكمية، ويصلون إلى ثبات الوزن فيما بين الثامنة والتاسعةظ, ويبلغون ثبات الكتلة في حوالي 11، 12 سنة، وفهم الكتلة مع ذلك لا يتحقق بصورة منتظمة لدى كل الأطفال كما نجد ذلك في حالة الوزن أو الكمية.
ويعزز بياجيه ذلك إلى ما يسمى بالتمييز الهرمي Hoeizontal Decalage ويعني به القدرات المتطلبة لفهم كل مفهوم، وحيث إن هذه المفاهيم تتنوع في صعوبتها، ففي حالة الكتلة يجب على الأطفال أن يتغلبوا على وجهات نظر ذاتية بصورة كبيرة "مثل وزن الشيء بواسطة إحساسه بثقل الأشياء" وذلك أكثر مما يفعلونه مع مفاهيم أخرى مثل الكمية.
ومبدأ ثبات الكتلة عادة ما يقاس بتقديم كرتان من الصلصال إلى
(1/367)

الطفل وبسؤال إن كانتا متساويتين في الكمية، وفي هذه الحالة يسمح للطفل أن يضيف أو ينقص من صلصال أي منهما لكي يجعلهما متشابهين، وبعدئذ يسأل الطفل إن كانت الكرتين ما زالتا في نفس الكتلة أو الحجم، والطفل الذي يستجيب أن الكرة التي بخارج المنطاد "الأنبوبة" لها نفس الكتلة أو الكمية للكرة التي بداخل المنطاد، حينئذ ندرك أن الطفل تمكن من التوصل إلى إدراك مبدأ ثبات الأشياء، وكما ذكرنا بأنه يوجد تدرج في تفهم الأطفال لثبات الكمية أولا، وبعد ذلك الوزن وبعدها الحجم أو الكتلة Volume وما هو مشوق بصورة خاصة فإن تفسير الأطفال المقدم لعملية ثبات الكمية "بأنه لم يضاف أي شيء أو لم يأخذ أي شيء" يتشابه بصورة كبيرة مع تفسيرهم للوزن والكتلة، وبالتالي فإن الأطفال يخفقون في التعرف وذلك بسبب انشغالهم في مشكلة مفاهيمية تصورية، وليست في أدوات التجربة.
وفيما يتعلق بثبات مفهوم المجال أو النطاق Area فكان بياجيه ومساعدوه يختبرونه بتقديم لوحة خشبية مرسوم عليه مزرعة بها مباني ومنتشر بها حيوانات، ويسأل الأطفال عن كمية الطعام التي تأكلها الحيوانات داخل المزرعة هل هي أقل أو أكثر عندما تكون متقاربة بعضها من بعض، أو متفرقة بعضها عن بعض، فمعظم أطفال السابعة والثامنة كانت تشير أن كمية الطعام التي تؤكل عندما تكون الحيوانات منتشرة في الحقل أكثر من الكمية التي تؤكل في حالة وجود الحيوانات قريبة بعضها من البعض الآخر، وأشار باحثون آخرون إلى نفس الظاهرة عند الأطفال فعادة ما يدرك الأطفال الصغار الحجرة المزدحمة أصغر من حجرة أخرى فارغة وتكون في نفس حجم الحجرة الأولى.
والزمان باعتباره مفهومًا مطردًا منتظمًا بغض النظر عن كيفية قياسه وبالتالي يعتبر مفهوما مجردا، إلا أننا نجد الأطفال في هذه المرحلة يقيسونه بواسطة طرق أكثر عيانية، فمثلا عندما يقول أحد الصبية لوالده: إنك لا تحتاج إلى أية أعياد ميلاد أكثر، حيث إنك قد كبرت، وواضح أن الأطفال الصغار ينظرون إلى تقدم السن كمرادف لكبر الجسم والحجم، وعلى ذلك فإنك لمجرد أن وصلت إلى طولك الكامل فإنك لست في حاجة إلى أعياد ميلاد أكثر من ذلك "هذا من وجهة نظر طفل هذه المرحلة, وفي تجارب بياجيه فإن الأطفال كانوا يعتقدون أن الأشجار القصيرة الثمينة أصغر من الأشجار الرفيعة بسبب أن الشجرة
(1/368)

الطويلة كانت أطول من الأخرى فالأطفال عادة لا يفهمون أن الزمان "الوقت" يكون مستقلا عن الحجم المادي والحركة إلا ما بعد مرحلة الطفولة الوسطى.
وعمومًا فأثناء سنوات المدرسة الابتدائية، يمكن للأطفال أن يحددوا مقدار الأشياء وقياسها بصورة متدرجة كما يبدءون في تفهم أن المقدار أو الحجم والزمن والكتلة والفراغ والمكان والزمن والعدد والطول كل هذه المفاهيم لا تعدل أو تتغير عن طريق التغيرات المتنوعة في مظهرها وشكلها.
التدريب على إدراك مبدأ ثبات الأشياء:
إن مفهوم بياجيه عن ثبات الأشياء وبقائها، أدى إلى عدد من الدراسات التي حاولت تحديد عما إذا كان الأطفال الذين لا يفهمون مبدأ ثبات الأشياء أو بقائها يمكن أن يدربوا على عمل ذلك، ولقد أراد الباحثون الإجابة عن ثمة تساؤلات مثل.
أ- هل يمكن أن نعلم الأطفال إدراك مبدأ ثبات الأشياء في عمر زمني أكثر تبكيرًا عما يستطيعون في سهم العادي؟
ب- ما هي العمليات التي تمكن الأطفال من تعلم ثبات الأشياء وبقائها؟
ففي منتصف الستينيات أجريت عدد من الدراسات التدريبية على يدي Wehlwill؛ "1962", Beilin؛ "1965" وأشارت أن الأطفال ما بين الرابعة والخامسة الذين لم يتمكنوا من إدراك مفهوم ثبات الأشياء، قبل التدريب عليه، كانوا قادرين على إجراء ذلك بعد تدريبهم عليه.
والقيمة الحقيقية لهذه الدراسات التدريبية، تتمركز في أنها كشفت عن بعض العمليات التي يتعلم عن طريقها مبدأ ثبات الأشياء وبقائها، ولقد ركزت دراسات عديدة على عملية واحدة أو أخرى حيث اعتقد
أنها عملية جوهرية في إدراك مبدأ ثبات الأشياء، وفي بعض الحالات، كان يعتقد أن تلك العمليات المكتشفة أساسية في تعلم مبدأ ثبات الأشياء، وفي حالات أخرى لم يعتقد ذلك، وأحد هذه العمليات التي اعتقد بياجيه أنها ضرورية
(1/369)

لتفهم الطفل لمبدأ ثبات الأشياء هي القدرة على التناول العكسي للموضوعات Reversibility أي القدرة على العودة إلى نقطة البداية في سياق أو تتابع عقلي.
وتتضمن هذه القدرة إمكانية الطفل في البدء في التفكير حول المشكلة والتوقف وقطع التسلسل عند أي نقطة والعودة إلى البداية دائما، وعلى هذا فإن الطفل يستطيع أن يجرب الفروض عقليًا ليرى هل سينجح؟ فإذا اكتشف في نهاية سلسة الاستدلال أن إجابته خاطئة فإنه يستطيع أن يبدأ من جديد، وتشير القدرة على التناول العكسي للأشياء إلى معرفة أن إجراءات معينة يمكن حذفها خلال إجراء مكملة, يتضح هذا تماما في القواعد الحسابية والظواهر الفيزيقية، فيستطيع الفرد أن يرجع العدد 6 ليحصل على 36، أو يحسب الجذر التربيعي للعدد 36 ليحصل على 6، وفي الفيزياء يستطيع الفرد أن يستخدم المنشور لتحليل الضوء للأجزاء التي تكونه أو يجمع بينها لتصبح ضوءًا أبيض ثانية، ويستطيع الفرد أن يغلي الماء لينتج بخارًا، أو يكثف البخار ليحصل على نفس الكمية من الماء وهاتان عمليتان عكسيتان لا يفقد فيهما شيء.
ويعتبر بياجيه أن الاكتساب التدريجي لهذه الثوابت الهامة أو للإجراءات العكسية أمر حيوي للنمو العقلي للطفل.
وثمة عملية أخرى شعر بياجيه أنها ضرورية للتدريب على إدراك مبدأ ثبات الأشياء، وهي عملية التعويض Compensation بمعنى أن فقدان كمية معينة في بعد معين "ويعزى إلى عملية التحويل Transformation يصل في نفس الوقت إلى آخر، فكرة الصلصال والتي تمتد في الأنبوب تزداد من حيث الطول ولكنها تنقص من حيث قطرها، وبالتالي فالاختلافات تعوض الواحدة الأخرى وعلى ذلك فإن الكمية لا تتغير حقيقة, ولقد أجريت عدد من الدراسات Curis & Others؛ "1972"، Sheppard؛ "1974", على تدريب الأطفال الصغار الاهتمام بالجوانب التعويضية للتحويل، وتشير هذه الدراسات أن عملية التدريب التعويضي يساعد الأطفال على فهم مبدأ ثبات الأشياء، إلا أن فعاليتها يعتمد على طبيعة موضوع الثبات، فمثلا قد تكون ذات فعالية بالنسبة للكميات المستمرة "كالماء أو السوائل أو الصلصال" وذلك أكثر مما تكون في الكميات غير المستمرة "كالخرز أو الحبات الصغيرة أو السفن".
(1/370)

ويشير بياجيه كذلك أن النمو العقلي يتطلب كذلك تفاعل اجتماعي، فكلما تفاعل الأطفال بعضهم مع البعض الآخر، فمن ثم تحدث عملية تصحيح الذات Self Correcive، فالطفل الذي يكسر قواعد اللعب سوف يخبر أو يعلم سريعًا عن طريق زملائه فمنذ عام 1960 أجريت عديدًا من الدراسات والتي تتمركز حول تفاعل طفلين أو ثلاثة أطفال لتعلم مبدأ ثبات الأشياء وبقائها، وفيها كان الباحث يسأل الأطفال الوصول إلى قرار مشترك عما إذا كانت الكمية ثابتة عند نقلها من مكان إلى آخر، وبواسطة ضم الأطفال الذين تمكنوا من فهم مبدأ الثبات مع الأطفال الذين لم يتمكنوا من فهم مبدأ الثبات، أي أن التفاعل هذا يمكن أن يكون مفيدًا في تعلم إدراك ثبات الأشياء وبقائها.
ويشير بياجيه أن العملية الرئيسية المتطلبة لتفهم مبدأ ثبات الأشياء هي التوازن Equilibration، وهذه العملية شائعة وتشير أن النمو يحدث نتيجة التناقض في الأحكام، وفي الحقيقة فإن مبدأ التناول العكسي للموضوعات، ومبدأ التعويض، والتفاعل الاجتماعي جميعها تساهم إلى حدوث بعض أشكال التناقض التي تكون مفيدة نافعة في النمو العقلي للأطفال ففي سلسلة من الدراسات الموسعة على أيدي تلاميذ بياجيه، أشارت إلى أن مجابهة الأطفال بالتناقضات يمكن أن يعزز قدراتهم على إدراك ثبات الأشياء وبقائها، ويأكدون تأثير التدريب إلا أنه يعتمد دائمًا على مدى نمو الطفل فالأطفال الأكبر والأكثر نضجًا عادة ما يستفيدون من التدريب على إدراك مبدأ الثبات أكثر مما يستفيده الأطفال الأصغر والأقل نضجًا.
وأحد العمليات التي لم يعتقد بياجيه بأنها ضرورية لتعلم الأطفال مبدأ الثبات وبقاء الأشياء هي "اللغة"، إلا أننا نجد نتائج دراسات كل من Zimmrman & Rosenthel؛ "1974" تشير إلى أهمية اللغة في تعلم هذا المبدأ العقلي، وفي ذلك نرى بياجيه وضح وبصورة مشددة مؤكدة أن اللغة لا تحدد ثبات الأشياء، ولكن مبدأ الثبات أو النمو المعرفي هما اللذان يحددان ويؤثران في النمو اللغوي وعلى الأقل عند مستوى العمليات الحسية الإجرائية للنمو، إلا أننا نجد دراسات أخرى أشارت على عكس ما أشار إليه بياجيه حيث حاولت أن تتأكد عما إذا كان الأطفال يمكنهم تعلم مبدأ الثبات وبقاء الأشياء مستخدمين في ذلك قواعد لفظية لتأثيرات عملية
(1/371)

التحول، ولقد اتضح أن بعض أنواع التدريب خاصة إذا اقترنت بتغذية رجعية لأداء الطفل يمكن أن تعلم مبدأ ثبات وبقاء الأشياء.
واتجاه آخر أشار إليه كل من Boersma & Wilton؛ "1974" لم يوافق عليه بياجيه مؤداه أن التدريب الإدراكي التمييزي يمكن أن يؤثر في تعلم الأطفال ثبات الأشياء وبقائها حيث نتائج الدراسة السابقة تشير إلى أن سبب إخفاق الأطفال الصغار في تفهم مبدأ الثبات، قد يعزى إلى ثمة حقيقة مؤداها أنهم لا يولون الانتباه إلى المشعرات المناسبة، ويستطرد هؤلاء الباحثون أنه إذا أمكن تعليم الأطفال جذب الانتباه إلى المشعرات أو التلميحات الإدراكية الصحيحة، فإنهم بالتالي يمكنهم تعلم مبدأ ثبات الأشياء، وجدير بالذكر أن نتائج دراسات أخرى مثل Shepperd؛ "1974", Miller؛ "1972" دعمت وجهة النظر السابقة التي أشارت إليها دراسة Boersma؛ "1974" في مدى إمكانية تعلم الأطفال الصغار في الرابعة والخامسة من عمرهم مبدأ ثبات الأشياء وبقائها.
وعمومًا، فإنه توجد طرق كثيرة يمكن تعلم الأطفال من خلالها إدراك مبدأ ثبات وبقاء الأشياء، ولقد تناقض بعض من هذه الاتجاهات مع تفسير بياجيه، إلا أن الحال ليس بالضرورة على نقيض آراء بياجيه، فاللغة أو التدريب الإدراكي قد تتضمن تناقض وفي هذا يوجد التوازن، ومن جانب آخر فإن المعكوسية والتعويض والتدريب المتعارض جميعها تتطلب اللغة والإدراك، وهذه الاعتبارات شجعت بياجيه أن يوسع مفهومه عن أصول مبدأ ثبات الأشياء حتى تتضمن عمليات ساكنة كالمقارنة الإدراكية.
وجدير بالذكر فإن المناقشة السابقة لمبدأ ثبات الأشياء تمدنا بمثال دقيق للعمل العلمي، فالظاهرة قد اكتشفت وقدمت نظرية أولية لتفسيرها، وأعقب ذلك أعمال أخرى أكثر دقة واتساعًا لتأكد بعض جوانب هذه النظرية، ومن جانب آخر نجد عدم الاتفاق في بعض من الدراسات الأخرى على بعض من جوانب هذه النظرية، وهذا بدوره يؤدي إلى إجراء تعديلات للنظرية وبالتالي يؤدي إلى البحث عن اتجاهات ومناحي جديدة من البحث والاستقصاء وربما يوضح لنا هذا المثال كيفية تعقيد وتركيب السلوك الإنساني، وإلى أي مدى يمكن التوصل إلى الفهم الكامل للسلوك الإنساني بواسطة التعلم حتى من ثمة مبادئ أو مفاهيم بسيطة للسلوك كثبات الأشياء أو بقائها, وعمومًا فإن القدرة على تفهم مبدأ الثبات هذا
(1/372)

تعكس قبل شيء النمو المعرفي والفروق الفردية في القدرات ومعدل النمو، فخبرة تدريبية لا يمكن أن تعدل بصورة كلية مجرى نمو الطفل، فالآباء والمدرسون الذين يعتقدون بأن بإمكانهم الإسراع بنمو الأطفال عن طريق تدريبهم في بعض من المهارات الخاصة كتعلم مبدأ ثبات الأشياء وبقائها، فمن المحتمل أنهم يضيعون وقتهم وجهدهم في ذلك.
التفكير المنطقي الاستدلالي:
تعتبر القدرة على استخدام المنطق وعلى الاستدلال خاصية أساسية تميز الطفولة الوسطى وقبيل المراهقة، ولتوضيح ذلك نجد أن بعض العناصر المنطقية الأساسية تتطلب تسلسلا فإذا كان "أ" أكبر من "ب"، "ب" أكبر من "ج"، إذن "أ" أكبر من "ج". وإذا حدث "أ" أو "ب" فإن "ج" سوف يحدث وبالتالي فإن حدوث "أ" يحدث إذن "ج".
قد يعرف الطفل في السابعة من عمره أن عشرة قروش أكبر من خمسة قروش، وإن خمسة قروش أكبر من قرش واحد، ومع ذلك فمن المحتمل أنه لم يتعلم بعد القاعدة الأكثر عمومية وهي أنه إذا كان "أ" أكبر من "ب"، "ب" أكبر من "ج"، فإن "أ" أكبر من "ج"، وعلى ذلك فإنه لن يستطيع تعميم هذه القاعدة المتصلة بقيم النقود لتنطبق على الأشياء التي لا يألفها "حزم القش مثلا"، ولا شك أن القدرة على تطبيق القواعد المنطقية على المواقف المتنوعة هي جوهر النمو العقلي والقدرة العقلية، والطفل بالطبع لا يدرك عن وعي هذه القواعد لأنه لم يتعلم ولم يتدرب على هذه القضايا المنطقية ولكن سلوكه في حل المشكلة يوحي بأنه يستخدم قواعد منطقية.
ونوضح ذلك بأمثلة عملية في تجارب "بياجيه" وزملائه على الأطفال في هذا الصدد، وهي تجارب تهدف إلى التوصل إلى قاعدة عن الأجسام الطافية.
في هذه التجارب يزود الطفل بمجموعة متنوعة من الأشياء ويطلب منه أن يحدد ما إذا كانت سوف تطفو على الماء أم لا, وبعد أن يصنف الأشياء إلى فئتين أحدهما تطفو والأخرى تغوص، يطلب منه أن يشرح طريقة استدلاله وتفكيره ويوضحها، وفي النهاية يقوم بالتجريب مستخدمًا الأشياء وأواني الماء وينبغي أن يتوصل إلى قاعدة أو قانون بعد انتهائه من التجربة.
(1/373)

الطفل في الخامسة من العمر كثيرًا ما يكون متناقضًا في إجاباته فيعتبر الدبوس "طافيًا" حينا ويعتبره "غائصا" حينا آخر، وليس لدى طفل الخامسة أي قاعدة عن هذه المشكلة، وتقوم تنبؤاته على خبراته بأشياء معينة، بل إنه عندئذ يمكن أن يقنع الطفل بتغيير رأيه.
ومن سن السابعة إلى الثامنة يحاول الطفل أن يتوصل إلى قاعدة على أساس الوزن عادة عما يغوص وما يطفو, يقول طفل السابعة, "تبقي الكرة الخشبية على السطح، إنها من الخشب فهي خفيفة, أما المفتاح فهو يغوص، أنه من الحديد وهو ثقيل".
ومع ذلك فما زال يقبل المتناقضات، فلو سئل أيهما أثقل المفتاح أم الكرة الخشبية فإنه يقول الكرة أثقل, ومع ذلك فإذا سئل لماذا يغوص المفتاح فإنه ما يزال يصر "لأنه ثقيل".
ويقترب الطفل في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة من فهم أن كثافة الشيء "أي وزنه في كل وحدة حجم" عامل حيوي في تحديد ما إذا كان الشيء سيطفو في الماء أو يغوص، ويستطيع طفل الثاني عشر عامًا أن يصنف معظم الأشياء تصنيفًا صحيحًا.
يستطيع الطفل إذن في مرحلة المراهقة المبكرة فحسب أن يفكر تفكيرًا استدلاليًا عن الصفة المجردة للكثافة التي لا تلاحظ بوضوح كالوزن أو السعة أو الحجم, وهذه القدرة على التفكير على أساس المفاهيم المجردة تميز بين تفكير الطفل وتفكير المراهق.
4- انتقال التفكير من المستوى الحسي، العياني إلى المستوى الشكلي التجريدي:
خلال سنوات الطفولة الوسطى والمتأخرة ينتقل الطفل من مرحلة العمليات العيانية "الأعمار من 7-11 سنة" إلى مرحلة العمليات الشكلية "الأعمار من 11 إلى 12 سنة وما بعدها".
تتميز مرحلة العمليات العيانية الحسية بنوعين أساسيين من القواعد المنطقية، العمليت الفئوية Categorising "أي عمليات الوضع في فئة وعمليات السلسلة Seriation "أي عمليات التنظيم في تسلسل وتتابع".
(1/374)

أ- العمليات الفئوية:
وتتضمن عمليات الوضع في فئة القدرة على التفكير في الأجزاء والكل تفكيرًا مستقلًا، فمثلا إذا أعطى طفل في الخامسة صندوقًا به خرز خشبي، 18 خرزة ذات لون بني وخرزتان ذات لون أبيض، وسئل "هل الخرز البني اللون أكثر أم الخرز الخشبي؟ فإنه يميل إلى الإجابة بأن "الخرز البني أكثر", فهو لا يستطيع أن يعالج في وقت واحد مفهومين منفصلين "الخرز البني" "الجزء" و"الخرز الخشبي" "الكل"، لأنه عندما يفكر في الجزء يتحطم إلى حد ما الكل، وتتحدد استجابته، بواسطة الجزء, غير أن الطفل في الثامنة أو التاسعة من العمر قادر على أن يبقي الجزء والكل منفصلين في تفكيره وإدراكه, فهو قادر على فهم أن الشيء يمكن أن يصنف بطريقتين في وقت واحد "خرزة بنية اللون، وخشبية في نفس الوقت".
ب- عمليات السلسلة:
تستلزم عمليات الترتيب المتسلسل تنظيم الأشياء في أي تتابع أو تسلسل حيث يكون الشيء أكبر أو أصغر من الآخر، ويمكن أن تتضمن فكرتي "أكبر منه" كثيرًا من الأبعاد، الارتفاع، الوزن، الطول، العرض، الإحمرار، ومقدار النقود ... إلخ, وخلال مرحلة العمليات الحسية، العيانية يفكر الطفل مستخدمًا الترتيب المتسلسل أو الوضع في فئة مع الأشياء العيانية والحقيقية, ويجد صعوبة في استخدام العمليات عقليًا دون وجود أشياء محسوسة أمامه يمكن ملاحظتها، وتتميز مرحلة العمليات الصورية في المراهقة بالقدرة على الاستدلال باستخدام الأفكار والقضايا والاحتمالات الممكنة والربط.
(1/375)

النمو الخلقي:
يشير "بياجيه" في إحدى كتبه عن الحكم الخلقي عند الأطفال بأنه يعتبر بمثابة عمر مرتبط بتغير فهم الأطفال للمعضلات أو الخيارات الخلقية، واختيار أحد بديلين كليهما في غير صالحه, في إحدى تجاربه قدم للأطفال قصتين، كل منهما تصف اقتراف طفل بعض الأعمال، ومن المحتمل استحقاقه العقاب عليها, ففي إحدى القصص يقترف الطفل ذنبا من غير عمد، والقصة الأخرى توضح أداء طفل آخر لبعض من الأعمال
(1/375)

الخاطئة بتعمد، وبعد سماع كل من القصتين يطلب من الأطفال تقرير أي من الطفلين كان أكثر ذئبًا، وفيما يلي قصتان قدمها بياجيه في إحدى دراساته.
أ- "طفل صغير يدعى جون جالس في حجرته، دعي لتناول الغذاء وذهب إلى حجرة الطعام، وفتح باب الحجرة بينما كان وراءه صينية موضوع فوقها عشرة أكواب، ولم يعرف جون أن هذه الأكواب وراء باب حجرة الطعام وعندما دخل وقعت الصينية بما عليها من أكواب وكسرت جميعها".
ب- "طفل صغير يدعى هنري عندما كانت أمه خارج المنزل في أحد الأيام حاول أن يحصل على بعض من الحلوى الموضوعة بالدولاب، وتسلق على الكرسي ومد ذراعه لكي يأخذ الحلوى، إلا أنها كانت مرتفعة عن متناول ذراعيه، ولم يستطع الوصول إليها والحصول عليها، وأثناء محاولاته في الحصول على الحلوى ضرب كوب موضوع بالدولاب وسقط على الأرض وانكسر هذا الكوب".
وبعد قراءة هاتين القصتين على الأطفال سأل بياجيه الأطفال أن يعيدوها حتى يتأكد من فهمهم لها، وبعد ذلك سألهم بياجيه هل كل من الطفلين متساويين في سلوكهما السيئ "حتى يلاما"؟ وأي من الطفلين يكون سلوكه أكثر سوءًا "أي يجب أن يلام"؟
وعمومًا فإن الأطفال الصغار ما بين عمر السادسة والسابعة أشاروا أن الطفل الذي تسبب في الإتلاف الأكبر هو الطفل الأكبر سوءًا "ويستاهل اللوم"، وبالتالي يجب أن يعاقب بصورة أكبر، إلا أن الأطفال ما بين الثامنة والتاسعة من العمر حكموا على سوء السلوك بواسطة تعمد الطفل له أو عدم تعمده له، حيث قالوا إن الطفل الذي كان يعمل بعض الأشياء، والذي كان يفترض ألا يقوم بها هو الطفل الذي يجب أن يعاقب بصورة أكبر, ولقد استنتج بياجيه أن الأطفال الصغار لديهم مفهومًا أكثر موضوعية للسلوك الخلقي، بمعنى أنهم يحكمون على الجرم تبعًا لكمية التلف أو الضرر الحادث, وعلى نقيض ذلك وجد الأطفال الأكبر سنًا كان لديهم شعورًا أكثر ذاتية للسلوك الخلقي، حيث كان حكمهم على الإثم أو الجرم وفقًا لقصد فاعل هذا السلوك.
(1/376)

واكتشف بياجه كذلك مفهوم العدالة الوشيكة Imminent Justice فالأطفال الصغار يميلون إلى الاعتقاد أن الشخص الذي يحصل على العقاب عند تورطه في عمل ممنوع "ولنقل الطفل الذي تحرق يديه عندما يلعب بالكبريت لكونه نشاطًا ممنوعا" وهو في الواقع يعاقب نتيجة لإثمه أو جرمه كما أن الأطفال الأكبر سنًا أشاروا إلى أن الشخص يمكن أن يتورط في ثمة نشط ممنوع ولكنه يفلت من العقاب, وتشير كثير من الدراسات الأخرى إلى نتائج متشابهة مع ما جاء به بياجيه في هذا الصدد, ففي إحدى الدراسات لكولبرج Kohlberg؛ "1971" أشار أن النمو الخلقي يحدث تبعًا لثلاثة مستويات متضمنة ستة مراحل للتوجه الخلقي.
المستوى قبل الأخلاقي Prelnoral Level:
وعادة ما نجد سلوك الطفل يحدد بواسطة عوامل خارجية.
المرحلة الأولى: التوجه الإذعاني والعقابي، ونجد فيه إذعان الطفل إلى السلطة والمركز الأقوى.
المرحلة الثانية، التوجه البسيط، المادي ذو المتعة، حيث نجد أن أفعال الطفل تحدد بأنها صحيحة عندما ترضي الذات وترضي الآخرين أحيانًا.
مستوى الأخلاق التقليدية Conventional Morality Level:
وتعرف الأخلاق في هذا المستوى بأنها أداء الأفعال الحسنة والجيدة، والمحافظة على النظام الاجتماعي التقليدي.
المرحلة الثالثة: تشير الأخلاق في هذه المرحلة إلى التوصل والمحافظة على علاقات حسنة مع الآخرين، والتوجه نحو الاستحسان المختار، وكذلك نحو إسعاد ومساعدة الآخرين.
المرحلة الرابعة: وتكون موجهة نحو السلطة والواجب والقانون والحصول على المركز "سواء كان اجتماعيًا أو دينيًا" الذي يفترض أنه قيمة أولية.
مستوى أخلاقية مبادئ تقبل الذات، وتعرف الأخلاق بأنها التطابق
(1/377)

والتكيف للمعايير العامة، والحقوق والواجبات.
المرحلة الخامسة: أخلاقية العقد أو الاتفاق، مراعاة حقوق الآخرين، تقبل القانون بصورة ديمقراطية.
المرحلة السادسة: أخلاقية المبادئ الفردية للضمير والموجهة نحو المبادئ والمعايير الموجودة، ويكون الضمير بمثابة وكالة موجهة.
وفي اختبار هذا المراحل، استعمل كولبرج قصصًا مشابهة للقصص التي استخدمها بياجيه، ولكن بسبب أن مراحل كولبرج أكثر تمييزًا، فقد كانت هناك صعوبات في تقدير استجابات الأطفال، وبالتالي كيف يمكن إرجاعها إلى مراحل معينة، وللتغلب على هذه الصعوبة فلقد أعد Turiel؛ "1966" أحد تلاميذ كولبرج مقياسًا موضوعيًا للنمو الخلقي يمكن أن يحسب بسهولة أكبر وكذلك كان صادقًا, ولقد أشارت بعض الأعمال الأولية لهذا المقياس بأنه يمكنه التغلب على بعض المشكلات التي وجدت بقوائم درجات كولبرج الأصلية، كما أنه يوفر قياسًا أكثر موضوعية للنمو الخلقي.
وعمومًا فإن أحد أبعاد الحكم الخلقي التي لم تكتشف سواء كان بواسطة بياجيه أو كولبرج هو حالة الأذى أو الضرر الشخصي، ففي قصص كل من بياجيه وكولبرج طلب من الأطفال أن يحكموا على مدى استحقاق اللوم الموجه للأطفال الذين اقترفوا قدرًا صغيرًا أو كبيرًا من الضرر سواء بقصد أو بدون قصد، ولكننا نجد في القانون وكذلك في الفلسفة الخلقية أن الحيف أو الظلم الشخصي يعتبر بمثابة بعدًا هامًا للحكم الخلقي, ولقد اكتشفت دراسة حديثة أجراها Rest؛ "1972" أشارت إلى هذا الجانب من الحكم الخلقي لدى الأطفال، حيث طبقت الدراسة على أطفال سن الحضانة والسنة الثانية والسنة الرابعة، وكانت التجربة عبارة عن ستة أزواج قصصية تتساوق مع جميع التركيبات الممكنة كالجرم المتعمد وغير المتعمد، ونمط الضرر أو الأذى الشخصي أو في الممتلكات، وحاول المقارنة بين الأذى الشخصي والضرر يقع على الممتلكات "مثل الأنف المدمية في مقابل تفريغ إطار عجلة السيارة".
وتشير نتائج الدراسة السابقة أن الضرر الذي يقع على الشخص سواء بقصد أو بغير قصد كان أكثر خطورة من الضرر أو تلف الممتلكات الخاصة بالشخص حيث أشار أطفال سن العاشرة أن الأشخاص أكثر قيمة من الأشياء وعلى ذلك ففي جميع الأعمار اتضح أن الضرر الذي يقع على الشخص كان ظاهرًا بصورة كبيرة في أحكام الأطفال، ويعين هذا أن الأذى الشخصي يعتبر بمثابة بعدًا هامًا للحكم الخلقي لدى الأطفال.
(1/378)

العالم التصوري للطفولة الوسطى:
عندما يصل الأطفال للعمليات الحسية، فيمكنهم من الناحية العقلية تعلم ثقافة الطفولة، وهذه الثقافة تتضمن لغة واسعة شاملة، ومعتقدات تقليدية ومعارف مكتسبة تلائم ميول الأطفال، ويحدث التناغم والتساوق بينها جميعًا لتفادي أذى الأحداث غير المرغوب فيها "فعادة ما نجد مجموعة الأناشيد والألغاز والسخريات شائعة بين الأطفال".
وتلك اللغة ومجموعة المعارف المكتسبة أو التقليدية يبدو شيوعها في أغلب الثقافات، وعلى الرغم من اختلافها من ثقافة إلى أخرى، إلا أنها دائمًا ما تتعامل وتعبر عن تخيلات الأطفال العامة ومخاوفهم وغضبهم وعدم شعورهم بالسعادة، وهكذا، كما أن هذه المعارف والمعتقدات عادة ما تكتسب عن طريق إرجاعها إلى مرحلة مناسبة.
كما أن هذه المعارف والمعتقدات عادة ما تكتسب عن طريق الخبرة وتنتقل من جيل إلى آخر، فقد يتغنى الأطفال بقواف أو إيقاع معين ويسألون الألغاز التي يمكن أن ترجع إلى سنوت عديدة مضت، وعلى الرغم من أن ثقافة الطفولة قد تخدم أهدافًا كثيرة، إلا أننا نجد أن الهدف الرئيسي هو تمكين الطفل التمثل Assimlate داخل جماعة رفاقه، فعن طريق تعلم الإيقاع والأنغام المناسبة والألغاز، نجد طفل المدرسة الابتدائية قد أصبح عضوًا أساسيًا في جماعة الرفاق.
وثقافة الطفولة عادة ما تكون ثقافة احتفاظية Conservative بمعنى أنها تسرمد النموذج المقدم لها بواسطة الجماعة الأكبر وبدون تغيير جذري "على نقيض جماعة المراهقين الذين عادة ما يرغبون إدخال
(1/379)

تغييرات جذرية لعالم الراشدين من حولهم، وسنرى هذا فيما بعد".
ولا يعني ذلك أن أطفال هذه المرحلة "الطفولة الوسطى" يتسمون بتبلد الحس أو أنهم لا يتسمون بسعة الخيال، ولكنهم على العكس من ذلك حيث نجد تصورات الأطفال في سن المدرسة وتخيلاتهم لا تكون عادة مهتمة بالتغير الحادث في المجتمع، فهو ما يزال وراء إمكانية قدراتهم العقلية، وما يهتمون به يتمركز حول المغامرة والألغاز التي قد توجد في كتب الأطفال والتليفزيون والسينما، وكذلك في ألعابهم الخاصة، فأطفال هذه المرحلة يميلون إلى استكشاف المنازل المهجورة والأماكن العالية والأدوار تحت المنزل والأماكن الأخرى المتشابهة، حيث لا يوجد الراشدون في هذه الأماكن وكذلك يخبئ الأطفال ممتلكاتهم الخاصة بهم بهذه الأماكن, وجدير بالذكر فإن الحاسة والميل إلى الاستكشاف وحل الألغاز تكون جلية ظاهرة في عقول أطفال سن المدرسة.
وجانب أخير لعالم الطفل التصوري في هذه المرحلة وهو التفاؤل الدائم، بسبب عدم درايتهم بكثير من القيود التي توضح على محاولاتهم وبالتالي نجد الأطفال يعتقدون بإمكانهم أن يصبحوا ما يرغبون أن يكونوا عليه، على الرغم من عدم تأكدهم مما هم راغبون فيه حقيقة، ولا يكون الأطفال في هذه المرحلة النمائية متقدمون بصورة كبيرة لآلائهم أو مدرسيهم، أو مجتمعهم، ويكونون سعداء بصورة عامة مع عالمهم، ويرجع ذلك لأنهم يحيون هنا والآن Here & Now، كما أن الضغوط الاجتماعية عليهم ما تزال خفيفة، بالإضافة إلى قدرتهم في هذا السن التصور الكامل وتفهم كثير من المشكلات والمخاطر من حولهم والتي عادة ما نجدها مثار قلق وتوتر للمراهقين والراشدين من حولهم. فأطفال هذه المرحلة لا يزالوا يعتقدون أن المستقبل سيكون كما يرغبونه أو يأملون أن يكون عليه، وفي تلك المسألة يكمن جوهر عملية التفاؤل الداخلي التي يتسم بها أطفال مرحلة الطفولة الوسطى.
تعلم القراءة:
إحدى المهارات الأكثر أهمية لمرحلة الطفولة الوسطى والتي يجب تعلمها أثناء سنوات المدرسة الابتدائية المبكرة تتمثل في كيفية القراءة, فالقراءة ليست فقط ذات أهمية بالنسبة لكل مقرر دراسي كالحساب والعلوم، واللغة والدراسات الاجتماعية، ولكن أهميتها تنسحب إلى جميع جوانب الحياة، وعلى الرغم من أهمية تعلم القراءة، إلا أننا لا نجد نظرية
(1/380)

مقبولة وشاملة لتعلم القراءة Miller؛ "1974"، وعمومًا فإن تعلم القراءة يمكن أن يتم بطرق كثيرة مختلفة متدرجة من منحى العامية "غير الفصحى" إلى اللغة ذات الشكل البنائي العالي.
ويتساءل الآباء كثيرًا في أي عمر يجب أن يبدأ التعليم الرسمي؟ فالتعليم الرسمي الذي يتضمن دروس قراءة وتعلم أصوات الكلام والهجاء والتعليم غير الرسمي الذي يتضمن بعض النشاطات لإثراء اللغة كالاستماع إلى القصص، وتسجيل القصص وكتابة الحروف وهكذا. وبصورة عامة فإن التعليم الرسمي يعني تعلم مجموعة من القواعد في حين التعليم غير الرسمي يتمركز في أن يصبح الكلمات والأحرف مألوفة لدى الطفل.
وحتى الآن نجد عدم اتفاق في هذه القضية, فبعض الباحثين يشيرون أن التعليم الرسمي يمكن أن يبدأ سن أطفال مدارس الحضانة Berciter & Engleman؛ "1966"، ومن جانب آخر نجد Elkind & Briggs؛ "1973" يشيران أن التعليم الرسمي يجب أن يبدأ إلا بعد وصول الأطفال إلى العمليات العيانية "الحسية" Concrete، وعادة ما يكون ذلك في سن السادسة، وهذا التناقض في وجهات النظر هذه عادة ما تنبثق من مفاهيم مختلفة لعملية القراءة, فالفريق الأول الذي يؤيد التبكير في تعلم القراءة، يشيرون إلى أنها تعتبر بمثابة عملية تمييز، وتكون متاحة لقدرة الأطفال الصغار، والفريق الآخر المؤيد لتأجيل تعلم القراءة حتى سن السادسة يعتقدون أن القراءة البسيطة تتطلب عمليات عقلية مركبة وعادة ما تكون فوق قدرة معظم الأطفال الذين ما يزالوا في المرحلة قبل العيانية Preconcrete.
وعمومًا فإن البيانات والمعلومات للقطع في وجهات النظر هذه لم يبت إلى الآن، فلقد وجد Durin أن الأطفال ذوي القدرة المتوسطة الذين تعلموا القراءة، مبكرًا، قد احتفظوا بتفوقهم على الأطفال المتشابهين معهم في قدراتهم في السنوات اللاحقة للمدرسة، ومن جانب آخر نجد نتائج دراسة Briggs, C. & Elkind؛ "1973" تشير أن الأطفال الذين تمكنوا من القراءة في صورة مبكرة، ذوي القدرة المتوسطة، وصلوا إلى مرحلة العمليات العيانية مثل الأطفال المتشابهين معهم في قدراتهم والذين لم يتمكنوا من القراءة، كما أن البيانات معهم في قدراتهم والذين لم يتمكنوا من القراءة، كما أن البيانات ونتائج الدراسات في ثقافات مختلفة قد دعمت وجهة النظر الأخيرة، ففي الاتحاد السوفييتي والدول
(1/381)

الأسكندنافية، حيث يبدأ التعليم الرسمي بعد سن السادسة، وجد أن عددًا صغيرًا من أطفال هذه الثقافات يوجهون صعوبات في القراءة، وفي فرنسا مع ذلك حيث يبدأ التعليم الرسمي في سن الخامسة فإن ما يقرب من 25% من الأطفال يعيدون السنة الأولى لعدم تمكنهم تعلم القراءة.
وتشير نتائج دراسة Washburne؛ "1973" إلى فوائد التأخر في التعليم الرسمي للقراءة، حيث اشتملت الدراسة على مجموعتين من أطفال بداية الصف الأول، والمجموعة الثانية تلقت تعليمًا غير رسمي لتعلم القراءة في الصف الأول، وفي نهاية العام الدراسي أشارت النتائج أن الأطفال الذين حصلوا على تعليم رسمي كانوا أفضل من القراءة من الأطفال الآخرين الذين لم يحصلوا على ذلك، وفي الصف الثالث مع ذلك فإن هؤلاء الذين تلقوا تعليمًا غير رسمي أثناء الصف الأول قد لحقوا بزملائهم الذين كان لديهم تعليمًا رسميًا, وأجريت دراسة تتبعية لهؤلاء الأطفال في المدرسة المتوسطة، وانتقى الباحثون ملاحظين لا يعرفون الأطفال، ولا يعلمون شيئا عن الدراسة المبكرة التي أخذها بعض الأطفال، وطلب من هؤلاء الملاحظين أن يقيموا الأطفال على أبعاد مختلفة، وأشارت النتائج أن الأطفال الذين لم يبدءوا التعليم الرسمي للقراءة حتى الصف الثاني الابتدائي كانوا أكثر تمييزًا بصورة واضحة من الأطفال الذين بدءوا تعلم القراءة في الصف الأول، حيث وصفت المجموعة الأولى بأنها محبة للاستطلاع متحمسة للتعلم وفي حالة ابتهاج دائم في حين لم توصف المجموعة الأخرى بهذه الخصائص.
وبإيجاز، فإنه لا يوجد دليل نهائي ثابت حتى الآن، يقطع بأن تعليم القراءة في سن مبكرة يكون ذا فائدة، وعلى نقيض ذلك فلقد أشارت بعض الدلائل بنقيض ذلك، ولكن يجب أن نشير في هذا المقام أن الأطفال الذين يميلون للقراءة قبل أن يصلوا إلى السادسة أو السابعة، يجب على الآباء وكذلك على المدرسين أن يساعدهم في ذلك ويشجعونهم عليها، وعمومًا فإن التعليم الرسمي للقارة يكون أكثر فائدة لأغلب الأطفال عندما يصلون في نموهم العقلي إلى مرحلة العمليات "الحسية".
(1/382)

الشخصية والنمو الاجتماعي
مدخل
...
الشخصية والنمو الاجتماعي:
خلال سنوات الطفولة الوسطى عادة ما يكون سير النمو بطيئًا وهادئًا إذا ما قورن بالمرحلة السابقة عليه أو المرحلة اللاحقة له، فالانفعالات تكون قليلة بصورة نسبية والأشياء الممتعة والسارة تكون كثيرة كما لا تكون هناك حاجة كبيرة للإشراف الأبوي القريب الكامل فعادة ما ينشغل أطفال المدرسة في لعبهم واستكشاف عالمهم من حولهم، والتعلم من الأشياء، ومن الناس ويلتمسون المنزل للراحة فقط والتزود بالغذاء، وعادة لا يكونون مثقلون بمسئوليات رئيسية فهم أحرار في عيشهم، يعيشون للمتعة في اللحظة الحالية، وعلى الرغم من حدوث بعض الإحباطات وخيبة الأمل في أشياء معينة من وقت إلى آخر، إلا أننا عادة ما نجد أطفال سن المدرسة الابتدائية يتسمون بالرضى عن أدوارهم، ويشعرون أن الفترة التي يمرون بها فترة إشباع ومتعة، وعادة ما يشار إلى سنوات المدرسة المبكرة بأنها سنوات ذهبية لمرحلة الطفولة، كما أننا نجد أن الراشدين غالبًا ما يتذكرون هذه الفترة من حياتهم بولع وإعزاز وبذكريات مفعمة بالحيوية والنشاط عن الأصدقاء الذين عرفوهم وكذلك الأفعال التي فعلوها.
وفيما يتعلق بالشخصية والنمو الاجتماعي، فثمة تغيران رئيسيان يحدثان في هذا الوقت، ويكون لهما تأثير هام في نوعية الشخصية التي سيكونها الأطفال فيما بعد ويمكن إيجازهما فيما يلي:
أولا: فبدخول الأطفال المدرسة، والتي عادة ما يقضون فيها ما يقرب من نصف عدة ساعات يقظتهم وعادة ما يبقون في مدارسهم إلى أن يصبحوا قادرين على اعتراك الحياة وكسب العيش، وعادة ما نجد الأطفال يؤون إلى المنزل بعد يومهم المدرسي كوسيط حميم ومصدر للأمن والأمان كما كان في مرحلة نموهم السابقة.
ثانيًا: وبمجرد أن يبدأ الأطفال دخول المدرسة، عادة ما يصبحوا أقل اعتمادية على أسرهم، كما أن تركيز علاقاتهم الشخصية المتبادلة تتغير تدريجيًا من آبائم إلى أقرانهم وإلى المجتمع الأكبر، وعادة ما نجد أطفال هذه المرحلة يقضون وقتًا أطول مع أقرانهم أكبر من الوقت الذي يقضونه مع أسرهم، وبالتالي نجد اتجاهات
(1/383)

الرفاق ذات تأثير متزايد في كيفية شعورهم نحو ذواتهم، ومن جهة أخرى نجد وكالات وأشخاص آخرين يمارسون التأثير في عملية التطبيع الاجتماعي التي يلقاها الأطفال في سن المدرسة، وعلى سبيل المثال المدرسون ورجال الدين ورجال البوليس والراشدون الآخرون الذي يمكن أن يراهم الطفل في وسائل الأعلام كالسينما والتليفزيون جميع هؤلاء يبدءون في تقاسم نموذج الدور بالنسبة لطفل المدرسة الابتدائية وكذلك في عملية التطبيع الاجتماعي والتي كانت فيما مضى قاصرة على الآباء.
وفي ثنايا هذا الفصل سنركز على تأثير الفصل الدراسي وجماعة الرفاق، وخبرات المجتمع على نمو الشخصية أثناء مرحلة الطفولة الوسطى، وسنتطرق إلى هوية دور الجنس والعلاقة وأثرها في شخصية طفل المدرسة الابتدائية.
(1/384)

أولا: دخول المدرسة
يقابل الأطفال عند دخول المدرسة مجموعة من التحديات والفرص الجديدة ومن أولها، يجب أن يتخلوا عن كثير من أنماط اعتمادهم السابق إلى أبويهم وعلى بيئتهم المنزلية، فالآن يجب عليهم قضاء ساعات عديدة في بيئة جديدة مع راشدين غير مألوفين لهم وبجانب أطفال غير مقربين إليهم، وعمومًا فإن المدرسة بما تحويه من نظام وأشخاص تؤثر تأثيرًا فعالا في اتجاه الأطفال نحو المدرسة، وعما إذا كانوا سينمون أحاسيس الكفاية أو أحاسيس الدونة.
الاتجاهات نحو المدرسة:
معظم الأطفال عادة ما يتطلعون بشغف لالتحاقهم بالمدرسة وذلك لأنها تمدهم بالشعور بالأهمية والنضج كما توفر لهم الفرص لتعلم وعمل كثير من الأشياء, والآن فسوف يصبحون "كبارًا" إذ يمكنهم السير إلى مدرستهم أو ركوب أتوبيس المدرسة، كما أنهم سيشاركون في النشاطات المثيرة التي سمعوا عنها من إخوانهم الأكبر أو جيرانهم أو آبائهم عندما يتحدثون عن المدرسة, وعلى الرغم من تذمرهم أو شكواهم النموذجية عن المدرسة كقولهم أحيانًا: "هل يجب أن أذهب إلى المدرسة اليوم؟ ".
(1/384)

بالإضافة إلى ابتهاجهم وسرورهم بمقدم إجازة نصف العام أو إجازة الصيف، إلا أننا نجد معظم تلاميذ المدرسة الابتدائية يتطلعون بشغف لبداية كل عام دراسي جديد فخورين بذواتهم في الانتقال من صف إلى صف آخر أعلى، وإحساسهم بالإشباع والرضى في التغلب على المقررات العلمية الجادة والأكثر صعوبة.
وتوجد بعض الاستثناءات لوجهة النظر الإيجابية هذه عن المدرسة، فأحيانا نجد الأطفال المعتمدين على أمهاتهم بصورة مفرطة ينتابهم الخوف من الذهاب إلى المدرسة، ويرجع ذلك إلى الفزع والقلق نتيجة فصلهم عن أبويهم، وثمة مخاوف مفرطة تكون نموذجًا خاصًا للنمو غير العادي في الطفولة الوسطى، وفهي مخاوف المدرسة"، وفي بعض الأحيان نجد أطفالا ينظرون إلى المدرسة باعتبارها بيئة عدوانية وليس فيها إلا القليل التي تستطيع تقديمه إليهم، وسوف نلقي بعض الضوء على ذلك في مشكلات الطفولة.
وعمومًا فإن أغلب الأطفال عادة ما يكونون متحمسون للمدرسة وذلك لأنها تلعب دورًا أساسيًا في نموهم العقلي والاجتماعي، فهناك داخل المدرسة يتعلمون المهارات الأساسية للقراءة والكتابة وعلم الحساب كما يمكنهم التعرف على ثقافتهم وبيئتهم، وينمون علاقات اجتماعية مع عدد، كبير من الراشدين ورفاق سنهم، بالإضافة إلى أنهم يستثارون لتدريب روح المبادأة والمبادرة لديهم والتحكيم في الأشياء المحيطة بهم, فالمدرسة إذن هي المجال الذي يتوفر فيه أنماط التعلم المختلفة، والإحساس بشعور الإنجاز، ومقابلة الأشخاص الجدد، بالإضافة إلى توفير المكان لكي يمرحون ويلعبون، وعمومًا فإن استمرار حماس الأطفال الصغار للمدرسة يتأثر بدون شك بنوعية المدرسة التي ينتمون إليها، وكذلك باتجاهات آبائهم نحو التعليم.
تأثير المدرسة:
من بين الكثير من جوانب المدرسة التي تؤثر في اتجاهات الأطفال "حكم المدرسة وسياساتهم التربوية" فحجم المدرسة ذو أهمية في تحديد الفرص المتاحة للأطفال للاشتراك في مجالات علمية واجتماعية ورياضية ما إلى ذلك، وعموما فكلما مكث الأطفال مدة أطول في الفصل الدراسي كلما كانت الفرص ضئيلة لديهم في طرح التساؤلات والاشتراك
(1/385)

في مشروعات ومعاونة المدرسين، أو تلقي الانتباه الفردي من مدرسيهم كلما قلت الفرص أمامهم في الاندماج في ثمة نشاطات رياضية وجماعات الرفاق وفي ألعاب المدرسة بصفة عامة.
وتشير نتائج بعض الدراسات في حجم المدرسة أن تلاميذ المدارس الصغيرة عادة ما يكونون متشابهين بصورة أكثر عن تلاميذ المدارس الكبيرة لكونهم يشجعون على الاشتراك والاندماج بالأنشطة المدرسية، ويتفاعلون في المراكز القيادية، وتشير نتائج دراسة Cump & Barker؛ "1972" أن تلاميذ المدرسة الصغيرة وجد لديهم أحاسيس أكثر إيجابية في نمو مشاعر الأهلية والجدارة لكونهم يقدرون بواسطة الآخرين ولكونهم يشتركون إيجابيًا في المجهودات الهامة للجماعة، وعمومًا فكلما قلت الفرص أمام التلاميذ للاشتراك في النشاطات المدرسية كلما كانت المدرسة ذات أهمية أقل بالنسبة للتلاميذ كمركز للتعلم الجديد والخبرات الاجتماعية، وبالتالي يذبل حماسهم الأولي نحو المدرسة.
تكمن فائدتها في علاقاتها بما يمكن أن تقدمه المدرسة، فالمدرسة الصغيرة التي لا يوجد فيها مجالات فنية كالموسيقى وبرامج التربية البدنية أو المكتبة اللائقة فإنها مما لا شك قد لا تدعم حماس التلاميذ بغض النظر عن حجم المدرسة أو حجم التلاميذ المنتمين إليها, وشيء أكثر أهمية في التأثير على الأطفال هي السياسات التربوية المتبعة داخل المدرسة والفصل الدارسي فالمنهج المخطط وطرق التدريب التي تجعل التعلم في صورة حيوية مثيرة مما لا شك فيه تثير حب استطلاع التلاميذ وميولهم نحوها، ومن جانب آخر فعندما تكون طرق التدريس مملة فاترة وروتينية "أي اتباع طريقة محددة وتجري على وتيرة واحدة في العمل وغير مرتبطة بالأحداث التي تحدث في العالم المحيط بالتلميذ" غالبًا ما تخمد حماس الطفل نحو مدرسته.
ويشير شارلس سيلبرمان C. Silberman؛ "1970" إلى التأثيرات السلبية للمدرسة في كتابه Crisis ln Classroom أن كثيرًا من المدارس الابتدائية عادة ما تكون موجهة نحو التربية لجعل الطفل طيعًا سهل الانقياد ونجد هذه المدارس عادة ما تؤكد الأوامر والنظام والاتساق في الفصل الدراسي أكثر مما تعزز التعبير عن الذات, والثقة بالذات، وحب الاستطلاع والإحساس بالقيمة لدى التلاميذ ونتيجة لذلك فقد اكتشف
(1/386)

سيلبرمان عددًا كبير من الأطفال يتصفون بالقلق وعدم الارتياح من المدرسة وبالتالي أخفقوا في تنمية إمكاناتهم العقلية والشخصية الكاملة، وتشير دراسات كل من Zimeet؛ "1972"، Blom؛ "1970" إلى أن ضعف السياسات التربوية يتمركز في استخدامها مناهج غير واقعية وغير مثيرة، حيث تقدم للأطفال عالمًا غير واقعي الذي نجد فيه كل شخص يحيى حياة سعيدة، ولا توجد فيه أي صعاب، ولا يوجد أي شخص فقير محروم ولا توجد به ثمة أشياء كالعنف أو الجوع أوالبطالة ... إلخ, ولحسن الحظ فلقد تدارك المسئولون بوضع المناهج هذا العيب وأصبحوا يضعون المناهج المرتبطة بالحياة والتي تتعامل مع المؤشرات الاجتماعية التي يشعر الأطفال بوجودها سواء من خبراتهم الخاصة أو من وسائل الإعلام المنتشرة من حولهم.
وجدير بالذكر، فإن تأثير حجم المدرسة عادة ما يكون أكثر تركيبًا وتعقيدًا من ذلك، فالأطفال يختلفون في كيفية استجاباتهم لحجم مدرستهم، فالأولاد الذين يتسمون بالود والذكاء عادة ما نراهم يجدون لأنفسهم مكانًا بغض النظر عن حجم مدرستهم، ومن جانب آخر نجد الأطفال الذين يتسمون بالخجل والانطواء مع قدر متواضع للذكاء يميلون إلى الأحجام عن الاشتراك في النشاطات المدرسية المكافئة سواء كان داخل المدرسة صغيرة أو كبيرة الحجم.
وفي إحدى الدراسات التي قام بها كل من Asher & Markell؛ "1974" حيث طلبت من طلاب الصف الخامس أولاد وبنات قراءة صفحتين من كتاب غير مشوق، وصفحتين أخرتين أكثر تشويقًا لهم، وأشارت النتائج أن الطلاب سواء البنين أو البنات قد حصلوا على درجات مرتفعة في القراءة المشوقة لهم، وأظهرت البنات تفوقًا في القراءة التي كن يملن إليها كما أن القراءات التي جذبت انتباه الذكور كانت متمركزة على رواد الفضاء، وعمومًا فإن مهارات القراءة للتلاميذ الضعفاء يمكن أن تتحسن بواسطة تحديد مواد للقراءة وموضوعات أكثر تشويقًا واهتمامًا لهم وعمومًا فإن الأهداف داخل المدارس عادة ما تكون مشتقة من أهداف التربية بصفة عامة.
(1/387)

يوجد اسكانر
(1/388)

وعمومًا فإن اتجاه التربية الحديثة يتمركز فيما يسمى بالطالب الموجه Student-Orienred، والتأكيد هنا يكون في مساعدة الأطفال على تنمية أنفسهم اجتماعيًا ونفسيًا وعقليًا، ولذلك فإن التربية الحديثة تشتغل الاستكشاف والتجريب ومناقشة الموضوعات لاستثارة خيال الأطفال وحب استطلاعهم، كما أن المدرسين في هذه التربية الحديثة يدرسون مع تلاميذهم أكثر من استخفافهم بهم، وبالتالي فإن الطفل سيدفع إلى التعلم إذا نجح المدرس في جعل التعلم خبرة مثيرة نافعة بالنسبة للطفل، وبإيجاز فإن الاتجاهات التي يكونها الأطفال تجاه مدرستهم، والمدى الذي يحققون فيه إمكاناتهم الأكاديمية لا يعتمد فقط على خصائص المدرسة والمنهج الذي ينتمون إليه ولكن بالإضافة يعتمد كذلك إلى أي حد ستكون هذه الخصائص مناسبة مع حاجاتهم وميولهم الفردية.
تأثير الآباء:
يتقمص الأطفال بسهولة أحاسيس ومشاعر آبائهم عن المدرسة والتعليم، فالآباء الذين يقيمون العملية التعليمية ويحترمون مجهودات مدرسي أطفالهم، يشجعون تكون اتجاهات إيجابية لدى أولادهم، في حين نجد الآباء الذين يصغون أو يقللون من أهمية التعليم ويتفاخرون كذلك أنهم تمكنوا من بناء كثير من الإنجازات والأعمال بدون تحصيل قدر كبير من التعليم غالبًا ما نجدهم يشجعون الاتجاهات السلبية عند أطفالهم.
وبصورة مماثلة نجد الآباء الذين يتكلمون بمدى أهمية التعليم ولكنهم لا يظهرون أي ميل نحو القراءة والتعلم أو المناقشات العقلية قد لا يشجعون على تنمية اهتمام أولادهم إلى المدرسة، وكما نعلم فإن الأطفال يميلون إلى عمل ما يعمله الآباء بالفعل أكثر مما يقولونه.
وبواسطة استخدام الدراسات الطولية في نمو الأطفال والتي أجراها معهد Fels بفرجينيا، نجد هذه الدراسات تشير إلى العلاقة الإيجابية بين كيفية إحساس الآباء بتعليم المدرسة وكيفية استجاباتهم للخبرات التعليمية لأطفالهم بالمدرسة الابتدائية، فكلما ازداد تقييم الآباء لإنجازات أطفالهم العقلية، كلما كانوا أكثر مشاركة في النشاطات العقلية معهم, وتشير الدلائل أن الآباء عادة ما يضعون مستويات عالية لإنجاز الأولاد عن البنات أي أن الآباء يميلون إلى تقبل الأداء الأقل من البنات أكثر مما يتقبلونه من الذكور.
(1/389)

تشير نتائج دراسات Crandell وآخرين "64، 1972" إلى هذه الاختلافات الجنسية لمقوليات دور الجنس، مثال أن الأولاد الذكور يجب أن يكونوا أكثر اطلاعًا وتكريسًا للكتب العلمية من البنات، كما تشير مقوليات دور الجنس التقليدية كذلك، إن الأداء المدرسي الجيد يكون أكثر أهمية بالنسبة للذكور عنه ما للإناث في المدى الطويل، حيث إن الذكور هم الذين يؤهلون للارتزاق وكسب العيش ونتيجة لذلك، نجد الآباء يهتمون بالأداء المدرسي المرتفع بالنسبة للذكور.
والطبقة الاجتماعية للأسرة تميل كذلك إلى أن تكون عاملا يؤثر في اتجاهات الأطفال نحو المدرسة، فآباء الطبقة العالية والمتوسطة الذين نالوا قسطًا من التعليم ينظرون إلى المدرسة كوسيلة للإعداد النفسي والاجتماعي والمهني، وعلى ذلك فإننا نجدهم غالبًا ما تكون اتجاهاتهم إيجابية عن المدرسة ويتابعون بشوق ما يفعله أولادهم في المدرسة، حيث يتناقشون مع ما أخذه أولادهم في المدرسة ويقيمون إيجابيًا ما درس ويكافئون أولادهم على إنجازاتهم العلمية, وقد ينظر بعض الآباء خاصة من الطبقة الكادحة إلى التعليم على أنه ليس شيئًا ضروريًا ويعتبرون انتماء أطفالهم إلى المدرسة كمطلب قانوني، وعادة ما يكونوا أقل ميلا في مناقشة أولادهم في النشاطات المدرسية، وكذلك أقل تقييما لإنجازات أولادهم العلمية.
وعلى ذلك فإن أطفال الطبقات المنخفضة قد يكون لديهم ميلًا إيجابيًا أقل نحو المدرسة، ويكونون أقل تأثيرًا بالمدرسة من أطفال الطبقة المتوسطة أو العالية، ولذلك فإننا نجد أن المدرسة قد ينظر إليها كبيئة عدوانية خاصة في الطبقات المنخفضة أو الأحياء المتخلفة ويرجع ذلك في المقام الأول إلى اتجاهات الآباء في ذلك, فالأطفال الذين يمكن وصفهم بالحرمان أو التخلف الثقافي Culturally Disadventaged عادة ما يتوقع المدرس الشيء القليل منهم ويؤدي ذلك إلى إعطائهم اهتمامًا وتدعيمًا أقل من الأطفال الآخرين.
كما أن آباء الطبقة الواحدة قد يختلفون في اتجاهاتهم نحو المدرسة، وبالتالي ينقلون اتجاهات مختلفة كلية إلى أطفالهم، فلقد وجد Greenberg؛ "1972" اختلافات كثيرة بين آباء الطبقة الواحدة، فقد لاحظ أداء جيدًا لتلاميذ الصف الخامس الابتدائي من الزنوج، ومجموعة أخرى متشابهة من الأطفال الزنوج كانت ذات أداء ضعيف، وتشير نتائج الدراسة
(1/390)

أن الآباء الزنوج للمجموعة الأولى كانوا أكثر ميلا لتعليم أبنائهم، وأكثر اطلاعًا بنظام المدرسة، ويعتبرون أن المدرسة الثانوية تمهيدًا وإعدادا للدراسات الجامعية، بالإضافة إلى أنهم كانوا أكثر ميلا للقراءة ولديهم أماكن مناسبة للاستذكار داخل منازلهم إذا ما قورنوا بآباء الأطفال ذوي الإنجاز الضعيف.
كما أن تأثير الإخوة الكبار والكبار المحيطين بالطفل قد يساعدون الأطفال على تكوين مشاعر إيجابية نحو المدرسة بغض النظر عن اتجاهات آبائهم, وعلى ذلك فالتنبؤ بأن أطفال المدرسة من الطبقة الأدنى سوف يكون آدائهم أضعف من الأطفال الآخرين مما لا شك فيه يكون تنبؤا ذاتيا ويعمل على تقليل الفرص المعطاة لهؤلاء الأطفال.
إحساس الكفاية أو الدونية:
أثناء سنوات ما قبل المدرسة نجد الأطفال يسعون إلى السيطرة على مهاراتهم الحركية والاجتماعية التي يحتاجونها في التعامل مع البيئة المحيطة بهم، فكلما أصبح الأطفال أكثر استقلالية وأكثر نضجًا معرفيًا، وتطبيعًا اجتماعيًا أثناء سنوات المدرسة الابتدائية فإننا نجد سعيهم هذا ونضالهم عادة ما يستبدل بتوجيه أكثر تركيبًا متضمنا إنجاز أهداف مستقبلية معينة، والميل للمناقشة وتكوين أحاسيس الكفاية بمهاراتهم المكتسبة وقدرتهم على التعامل مع المواقف الجديدة.
ويشير أريكسون Erikson؛ "1963" أن سنوات المدرسة الابتدائية هي الفترة التي يكون أثنائها الأطفال إحساس الكفاية أو إحساس الدونية Inferioeity & lndustry فكلما دعمت دافعية الإنجاز عند الأطفال، ودعم إحساسهم بالكافية عن طريق أنواع من النجاحات، فإنهم سينمون إحساس الكفاية والإنتاجية، وهو الشعور الذي يمكنهم في مجابهة التحديات التي تواجههم، ومن جانب آخر فالأطفال إن خبروا الإخفاق أكثر مما يخبروا النجاحات، نجدهم يميلون إلى تكوين الإحساس بالدونية، وهو بمثابة إحساسهم بعدم القدرة على مجابهة التحديات التي تواجههم في عالمهم المحيط بهم.
ويستطرد أريكسون بقوله أن الآباء يلعبون دورًا هامًا في تحديد ما يستشعر به أولادهم سواء كان ذلك بالكفاية أو الدونية، فتأييد الآباء
(1/391)

لأطفالهم بالحب والإعجاب، وإتاحة الفرص أمام الأطفال في اللعب وعمل بعض الأعمال مع تعبير الآباء بالإعجاب بما يمكن أطفالهم فعله، يميل هؤلاء الآباء إلى تدعيم أحاسيس الكفاية والإنتاجية لدى أطفالهم، ومن جانب آخر نجد الآباء الذين يصغرون ويقللون من مجهودات أطفالهم في عمل ثمة أشياء كتصليح عجلة مثلا أو بناء نموذج طائرة معينة، ويميلون إلى تدعيم إحساس الدونية لدى أطفالهم، كما أن الآباء الذين لا يشجعون الأبناء الصغار على عمل بعض الأعمال المنزلية يوبخونهم قد يدعمون إحساس الدونية لديهم.
ويشير أريكسون أن بعد دخول المدرسة نجد أحاسيس الأطفال بالكفاية أو الدونية سوف تتأثر بمقارنة قدراتهم بعضهم مع البعض الآخر، وكذلك سوف تتأثر بواسطة استجابات مدرسيهم، فالخبرات المدرسية الإيجابية يمكن أن تفوق في الأهمية خبرات المنزل السلبية، والعكس يمكن أن يحدث كذلك، كما أن الفشل المدرسي يمكن أن يبطل مجهودات الوالدين في تدعيم أحاسيس الكفاية والجدارة لدى أطفالهم.
تأثير قدرات الطفل:
ينظم الأطفال في بعض الأحيان تبعًا لمواهبهم في جوانب مختلفة في الفصول الدراسية، فالأطفال الأذكياء داخل الفصل الدراسي عادة ما يحصلون على درجات أعلى من أقرانهم، كما يمكن أن نتوقع أي التلاميذ سوف يحصل على المركز الأول وأيهم سيكون في المراكز الأخيرة، أو عندما نوجه أسئلة في دروس الموسيقى أو الرياضيات أو اللغة، يمكن التنبؤ من سيكون أسرع في حل هذه التساؤلات, وعادة ما نجد تلاميذ المدرسة الابتدائية يقارنون ما لديهم من ميول وقدرات بما عند زملائهم داخل الفصل الدراسية، وعمومًا فإننا نجد أثناء سنوات ما قبل المدرسة عادة ما تنشأ اتجاهات الذات الإيجابية من إحساس الإنجاز الذي يشعر به الطفل, ففي تمكنه لمهارات جديدة بغض النظر عما يستطيعه الأطفال الآخرين، إلا أننا نجد أثناء سنوات الطفولة الوسطى عملية المقارنة الاجتماعية، تصبح العامل الأساسي في تحديد القيمة التي يضعها الأطفال لذواتهم، ويشير كل من Coopers Mith؛ "1967"، Veroff "1969" أن أحاسيس الجدارة والكفاية في هذا السن تعتمد بصورة أقل على ما يستطيعه الأطفال حقيقة، حيث أن إدراكهم لأنفسهم بأنهم قادرون أو أقل قدرة عن أقرانهم يعتبر العامل الرئيسي في تكوين هذه الأحاسيس.
(1/392)

وبسبب الحساسية العالية لأطفال المدرسة الابتدائية في المقارنة الاجتماعية، فإننا نجد أحاسيسهم العلمية أو الأكاديمية، ستعتمد على المستوى العقلي العام لرفاق فصولهم الدراسية، فالأطفال ذوي الذكاء العادي الذين يتواجدون مع أطفال آخرون أقل ذكاء قد يخبرون إشباعًا أكاديميًا، في حين نجد الأطفال المتوسطين الذين يتصادف التحاقهم بمدرسة أو فصل للمتفوقين عقليًا قد يخبرون عائقًا كبيرًا وإخفاقًا لمجهوداتهم العملية, كما أن اتجاهات الأطفال عن ذواتهم تتأثر كذلك بواسطة تقييم نشاطاتهم عن طريق زملائهم، فمثلا إن كان طفل ما ينتمي لجماعة أقران تقييم الألعاب الرياضية ويستطيع اللعب معهم ومجارتهم في قدراتهم فإن هذا قد يسهم في مفهومه الإيجابي عن ذاته.
كما أن الأطفال الذين لديهم بعض المواهب عادة ما يجدون التقدير سواء من آبائهم أو مدرسيهم أو أقرانهم، كما أن الخبرات المدرسية تدعم هذه الأحاسيس لديهم، ومن جانب آخر فإن الأطفال غير الرياضيين، وغير الأذكياء قد يجدون من الصعب استخلاص الإشباع من مجهوداتهم وبالتالي نجدهم ينمون إحساسا متزايدا بالدونية نتيجة لخبراتهم المدرسية.
تأثير المدرس:
عادة ما يكون المدرسون في وضع متفرد لكي يزيدوا دافعية الإنجاز لدى تلاميذهم إلى حدها الأقصى، بالإضافة إلى أحاسيس الكفاية والجدراة ويكون ذلك عن طريق تشجيع التلاميذ ومكافأة مجهوداتهم واستثارة ميولهم في التعلم، وأن يقللوا وبقدر الإمكان من أوجه القصور والإخفاق، فالمدرس الذي يكون لديه الميل لمهنته، ولديه الحساسية في إدراك قدرات التلاميذ وميولهم عادة ما يقوي ويدعم إحساس الطفل بقدراته وكفاءته. ونقيض ذلك يساعدهم على تدعيم إحساس الدونية وعدم الكفاءة، كما أن المدرسين يعملون كنماذج تنسخ بواسطة تلاميذهم أثناء تعاملهم بعضهم مع البعض، فالأطفال الذين يلاحظون المدرس يثني ويشجع طفلا معينًا يميلون إلى معاملة هذا الطفل بنفس الطريقة، ويستطرد Proshansky؛ "1969" بقوله: إن الأطفال الذين يكونون موضع سخرية المدرس، يميل التلاميذ إلى أن يعاملونهم بنفس هذه المعاملة.
وتشير نتائج دراسات أخرى مثل دراسة Crandell؛ "1962"، وأندرسون Anderson & Others؛ "1966" إلى نفس النتائج، فمثلا تشير الدراسة
(1/393)

الثانية أن سلوك المدرس يمكن أن يؤثر بصورة ذات دلالة على اتجاهات التلاميذ بالإضافة إلى أداء أطفال المدرسة الابتدائية، فالمدرسون الذين يقدرون تلاميذهم ويعطونهم درجات عالية لأعمالهم المدرسية عادة ما يتوقع من هؤلاء الأطفال أن يتقدموا من الناحية العقلية، كما أنهم سيبذلون الجهد في إنجازاتهم العلمية، وعلى نقيض ذلك نجد المدرس الذي لا يقدر التلاميذ وعادة ما يعطيهم درجات ضعيفة يؤدي إلى تنمية محاولات إنجازية وأضعف.
ويجب أن نضع في اعتبارنا، أن ذلك يعتبر بمثابة تعميمات، إلا أننا نجد أن بعض التلاميذ وبسبب نماذج شخصياتهم قد يتأثرون ويحفزون إلى الأداء المدرسي الأحسن بواسطة انتقاد الأخطاء التي وقعوا فيها، وذلك أكثر من المديح أو الثناء على إنجازاتهم، إلا أن غالبية التلاميذ الصغار والكبار كذلك يتوقع أن يظهورا اتجاهات أكثر إيجابية نحو ذواتهم وأن يحرزوا تقدمًا أكبر في المدرسة عندما يكون لمدرسيهم اتجاهات مختلفة نحو تلاميذهم داخل الفصل الدراسي، ولقد تمكن سيلبرمان Silberman؛ "1969" من التعرف على أربعة اتجاهات متميزة لدى المدرسين وذلك بواسطة سؤال المدرسين بعض الأمثلة القصيرة عن تلاميذهم، وهذه الاتجاهات الأربعة يمكن إيجازها فيما يلي.
أ- الارتباط أو المودة Attached:
ويتمثل في مدى رغبة التلاميذ في الاحتفاظ بمدرسهم لسنة أخرى لأنه عادة ما يكون مصدرًا للإشباع والابتهاج لهم.
ب- اللامبالاة Indiference:
لا يهتم هذا النمط من المدرسين بالتلاميذ، سواء حدث لديهم تقدم أو لم يحدث، وعادة ما يكون غير مهتمًا بعمله المدرسي.
جـ- التعلق أو الاهتمام Concern:
عادة ما نجده يركز على أطفال معينيين ويتجاهل الآخرين في معاملته لهم.
(1/394)

د- النبذ Rejection:
عادة ما نجد هذا النمط من المدرسين ذو أحاسيس سلبية نحو مهنة التعليم، وعادة ما يتجاهل مشاعر تلاميذه.
ولقد وجد سيلبرمان أن هذه الاتجاهات ترتبط بنماذج معينة في تفاعل المدرس بتلميذه، والجدول رقم "1" يلخص تلك النتائج.
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/395)

وعلى الرغم من أن كثيرا من اتجاهات المدرس تكون نتيجة الكيفية التي يؤدي بها التلاميذ الأعمال المدرسية، إلا أن اتجاهات المدرس تؤثر في شعور الأطفال واتجاهاتهم عن المدرسة، فسلوك المدرس قد يحفز التلاميذ على الأداء الجيد أو قد يحفزهم إلى عكس ذلك، وتشير الدلائل أن بعض الأفعال المعينة من جانب المدرسين قد تؤثر في التلاميذ وتوحي لهم بالأداء الضعيف أو بالأداء الجيد، فعدم إعطاء المدرس الوقت الكافي للتلميذ للإجابة وعدم الانتباه إلى بعض التلاميذ، وتحديدهم بأماكن في أول الفصل أو الصفوف الأولى والصفوف الأخيرة من الفصل الدراسي، كل هذه الأعمال توحي للتلميذ بمستواه عند المدرس.
وعمومًا فلقد أشارت نتائج دراسة Rosenthal & Jacobson إلى تأثير توقعات المدرس في أداء التلاميذ، حيث أخبر بعض المدرسين أن لديهم تلاميذ أذكياء داخل فصولهم وتم اختيارهم عشوائيًا من فصول هؤلاء المدرسين، وفي نهاية العام الدراسي وجد أن هؤلاء التلاميذ قيموا بواسطة المدرسين بأنهم لافتون للنظر من الناحية العقلية عن باقي التلاميذ الذين لم يكن لدى المدرسين أي توقعات بالنسبة لهم.
وجدير بالذكر، فإننا مازلنا في حاجة إلى دراسات أخرى توضح كيفية تأثير توقعات المدرس في رفع أو خفض إنجازات تلاميذه، ومع ذلك فإن ذلك يعتبر دليلا على تدعيم تنبؤات الكفاية الذاتية في السلوك الإنساني، بمعنى حدوث الأشياء بسبب توقع حدوثها، ومن الممكن جعل هذه الأماكنية بمثابة اهتمام تقليدي في المنهج وطرق التدريس العلمية؟
(1/396)

ثانيًا: الاهتمام المتزايد بجماعة الرفاق
أثناء سنوات المدرسة الابتدائية، نجد تفاعلات الأطفال مع أقرانهم تكون ذات أهمية متزايدة في حياتهم، وكنتيجة لهذه التفاعلات نجدهم يكونون مدركات جديدة، لذواتهم، ويصبحون مهتمين بمدى شعبيتهم بين جماعة أقرانهم، كما ينمون الاتساق مع الآخرين أو يطورون طرقًا جديدة للتعامل مع الناس، كما يخبرون شعور الانتماء الاجتماعي أو الانعزال الاجتماعي أو الشعور بالغربة، ومما هو جدير بالذكر فإن هذه الأحداث في العلاقات الشخصية المتبادلة تترك آثارا متعذرة الإلغاء على خصائص شخصية الأطفال، وتستمر معهم في مراهقتهم، كما أنها قد تنتقل معهم في سنوات رشدهم.
إدراك الذات والشعبية:
يصبح تلاميذ المدرسة الابتدائية على دراية شديدة بخصائص كل منهم العقلية والجسمية والشخصية, كما تتعرف جماعة الرفاق سريعًا على أعضائها تبعًا لبعض السمات البارزة الواضحة, وتظهر عادة تقييمات صريحة لأطفال المدرسة الابتدائية ينعتها كل منهم على الآخرين، فالألقاب أو الصيغ المحببة للأسماء، والاسم الذي يستدعي بعض السخرية مثل "الأحمر، الثمين، أربعة عيون، النمشي, الذكي، طفل مدلل للمدرس" وهكذا. وبسبب أن الأطفال عادة ما يقضون في مدرستهم وقتًا طويلا بعضهم مع البعض الآخر، فإنهم غالبًا ما يرون ذواتهم من خلال أعين زملائهم وتشير نتائج دراسة Bradley & Others "1975" إلى العلاقة الوثيقة بين مفهوم التلاميذ لأنفهسم ومفهوم زملاء الفصل الدراسي عنهم.
وبالإضافة إلى استخدام تلميذ المدرسة الابتدائية لجماعة الرفاق كمرآة يرى فيها نفسه، فإننا عادة ما نجد جماعة الرفاق تربط قيما معينة إلى سمات أعضائها، وبالتالي تحدد مراكز كل منهم، وعلى الرغم من أن هذه السمات تختلف تبعًا للعمر الزمني، والجنس والطبقة الاجتماعية لجماعة الرفاق، إلا أننا نجد أن بعض السمات تؤدي إما إلى التقبل والشعبية أو إلى الرفض والنبذ, وتشير دراسة Tuddenham؛ "1951" إلى أهم السمات لتلميذ المدرسة الابتدائية التي تؤدي إلى تقبله أو رفضه داخل جماعة الرفاق، ويمكن إيجازها فيما يلي.
أولًا: الأطفال الذين يكون لهم شعبية بين رفاقهم، يميلون إلى أن يتسموا بالود والاجتماعية والانبساطية، والمشاركة في كثير من نشاطات الجماعة, ويستجيبون لمعايير الجماعة السادئة، كما أنهم يعاملون الأفراد ويستجيبون لمعايير الجماعة وذوي حساسية لحاجاتهم كما أن الأطفال الذين يتمسون بالشعبية عادة ما يكونون أكثر تكيفًا من الناحية النفسية، كما يأتون من بيوت لا يسودها التوتر، وعادة ما يكون آبائهم على علاقة طيبة سارة
(1/397)

معهم، وعلى نقيض ذلك نجد الأطفال غير الشعبيين يميلون إلى الخجل والانسحاب، ويبتعدون عن نشاطات الجماعة وتتسم معاملتهم لرفاقهم باللامبالاة، والحساسية العالية، ويتصف سلوكهم بالعدوانية، وعادة ما يكونون منبوذين، ولديهم مشكلات سلوكية كما يكونوا غير مشبعين أو متوافقين سواء في المنزل أو المدرسة.
ثانيًا: وتشير نتائج الدراسة السابقة أن الأطفال الذين يتسمون بالشعبية عادة ما يكونوا أذكياء ومبتكرين، كما أن مستوى تحصيلهم الدراسي أعلى من المتوسط، ويبدون مواهب متعددة "خاصة القدرة على أداء الألعاب الرياضية"، كما أن الأطفال الذين لا يتسمون بالشعبية عادة ما يكونون أقل ذكاء، أقل من ناحية التحصيل المدرسي، وأقل موهبة من الآخرين.
ثالثًا: وتشير نتائج دراسة Staftieri؛ "1967" أن البنية الجسمية للأطفال يمكن أن تؤثر على شعبيتهم، حيث أشار تلاميذ الصف الأول الابتدائي إلى تفضيلهم الأطفال الذين يكونون ذوي بنية عضلية قوية أكثر من تفصيل الأطفال النحاف الضعاف.
وعمومًا فإننا يجب أن نكون على انتباه في التعرف على وجود التفاعل الجوهري بين ما يحبه الأطفال وبين شعبيتهم, فإن خصائص شخصية الأطفال لا تؤثر فقط على شعبيتهم، ولكن مركزهم الاجتماعي بين الرفاق يؤثر كذلك في مدى حب الآخرين لهم، وكيف يراعون حقوق ومشاعر الآخرين وكيفية تفاعلاتهم ونشاطاتهم في المواقف الاجتماعية، وبمعنى آخر فإن المركز الاجتماعي المرتفع يمكن أن يكون سبب شعبيتهم، بالإضافة إلى كونه نتيجة للسلوك الاجتماعي التكيفي، ومن السهل على الأطفال أن يتصفون بالاجتماعية والاسترخاء عندما يشعرون بالتقبل ويحسون بحب جماعة الرفاق لهم، وعلى نقيض ذلك عندما يشعرون بالنبذ وعدم التقبل.
(1/398)

التفرد والتماثل وطرق أخرى للتعامل مع الأشخاص:
إن الطرق التي يتعلمها الأطفال للتعامل مع الآخرين وفي التماس تقبل الرفاق لهم غالبًا ما يبقى جزءًا مكملا لشخصياتهم، فأطفال المدرسة الابتدائية الذين يتسمون بالثقة والاستقلالية وتقدير الذات عادة ما نجدهم يتحركون بصورة سهلة في علاقاتهم الشخصية المتوصلة مع الآخرين حيث يشعرون بالراحة في المواقف الاجتماعية وتتصف علاقاتهم الشخصية المتداخلة بالمرونة مع أنماط مختلفة من الأفراد وفي نفس الوقت نجدهم يحتفظون بتفردهم الذي يميزهم عن الآخرين مع تكييف اتجاهاتهم وأفعالهم لكي تتوافق مع الميول والاتجاهات السائدة لجماعة الرفاق.
وتشير دراسة Castanzo وآخر "1966" لعملية التماثل والتفرد لأطفال المدرسة الابتدائية، إلى أن أطفال الصف الأول إلى الصف السادس الابتدائي عادة ما يكونون متأثرين بصورة كبيرة بآراء رفاقهم، كما أن تأثير جماعة الرفاق ترتفع في سنوات المدرسة المتوسط "الإعدادية" والثانوية، وبعد ذلك تنخفض أثناء المرحلة الجامعية؟
والشكل رقم "2" يوضح نتائج هذه الدراسة.
(1/399)

يوجد سكنر
(1/400)

وعلى الرغم من أن كثيرا من دراسات سيكولوجية النمو تشير إلى أن فترة المراهقة تعتبر ذروة العمر الزمني الذي يحدث فيه التماثل والاتساق مع جماعة الرفاق، إلا أن دراسة كوستانزو Costanzo؛ "1966"، ودراسات أخرى أجراها McConnell؛ "1963", Alen & Others؛ "1972" أشارت إلى أن التماثل والاتساق مع جماعة الرفاق يصل إلى حده الأقصى أو إلى ذروته بنهاية سنوات المدرسة الابتدائية ويبدأ في النقصان بعد هذا السن وثمة أشياء قد تشير إلى تماثل جماعة الرفاق بعضهم مع البعض الآخر كتاشبه ملابسهم وأذواقهم وميولهم للموسيقى أو الرياضة قد تعطي الانطباع بأن جماعة المراهقين يكونون ملتزمون بصورة صارمة لمعايير الجماعة، إلا أننا نجد فيما يتعلق بأفكارهم ومشارعهم وأفعالهم حقيقة ما تكون أكثر تفردية من الأطفال الصغار، كما أن تأثرهم بالأحداث والأشخاص خارج جماعة رفاقهم عادة ما يكون بصورة أكبر مما نجده لدى أطفال فترة الطفولة الوسطى.
وعمومًا فإن تأثير جماعة الرفاق على أطفال المدرسة الابتدائية عادة ما نجده يعتمد على عديد من العوامل يمكن إيجازها فيما يلي:
أولا: كلما ازداد الوقت الذي يقضيه الأطفال بعضهم مع البعض في اللعب وتنظيم ونشاطات المدرسة الفصل الدراسي كلما ازداد تأثيرهم بعضهم على البعض الآخر.
ثانيًا: كلما كان الارتباط بين الأطفال وآبائهم ضعيفًا، كلما كانوا أكثر ميلا في نسخ الأنماط السلوكية التي يرونها داخل جماعاتهم.
ثالثًا: كلما تبوأ الطفل مركزًا مرموقًا داخل جماعة الرفاق وشعر بتقدير الآخرين لذاته كلما كان تأثيره على الجماعة وسلوكها أكثر من الأطفال ذوي المراكز العادية أو الأدنى، كما أن الأطفال ذوي المراكز، المنخفضة يكونون أكثر تأثيرًا بجماعة الرفاق عن الأطفال الذين يتسمون بالشعبية بين أقرانهم.
رابعًا: كلما كان الموقف الذي يحتوي الجماعة غامضًا ملتبسا عليهم كلما كان الأطفال أكثر تأثرًا في أنماط استجاباتهم بالاتفاق الجماعي في آرائهم لجماعة الرفاق.
(1/401)

وجدير بالذكر فإننا نجد معظم أطفال المدرسة الابتدائية عادة ما يمكنهم التوحد بمرونة وبطرق فردية للارتباط بالآخرين لكي يحدثوا الاتساق والتماثل لجماع الرفاق، ومع ذلك فبالنسبة للتلاميذ الذين لم يهيئوا بصورة مناسبة للتعامل بفعالية مع جماعة الأقران عادة ما نجد هذه الفترة بداية لظهور نماذج من العلاقات الشخصية المتبادلة غير المرنة، ويحاول الأطفال تعويض مشاركتهم المنبوذة من جماعة الأقران عن طريق أداء أدوار اجتماعية غير متكيفة، كالعنف والصرامة وتصل إلى السلوك المحطم للذات، وكثيرا ما نرى لديهم نماذج شخصية غير تكيفية مثل النموذج المتنمر "الشخص المستأسد على من هم أضعف منه"، والنموذج المهرج Buffin, والمتملق بتذلل Bootlicker، وكذلك الراشد الزائف Pseudo Adult.
فالشخصية المتنمرة "المستأسدة على من هم أضعف" عادة ما يبحثون عن الأطفال الأصغر الذين يمكن السيطرة عليهم، يرهبونها بالعبوس والصياح، وعن طريق ذلك ينفسون عن مشاعرهم الخاصة بعدم الملاءمة أو عدم الكفاية الذين يحسونها عندما يتواجدون مع أطفال في مثل أعمارهم الزمنية أو في مثل أحجامهم، والشخصيات المضحكة المهرجة عادة ما يتسمون بالفظاظة ويلعبون بسذاجة, حتى يكسبوا انتباه رفاقهم، ويعتقدون أنهم بدون عمل ذلك، فإن الرفاق يتجاهلونهم كليًا، والشخصيات المتملقة بتذلل عادة ما تستخدم الإطراء والمداهنة والاستسلام والرشاوي المفرطة في محاولة منهم لشراء "الصداقة" من رفاقهم ويعتقدون أنهم لا يستطيعون الحصول عليها بدون ذلك، وكل من الشخصيات المهرجة المضحكة، والمتملقة بتذلل عادة ما يرغبون في تحمل الإهانة والمعاملة السيئة كثمن للهروب من تجاهل الرفاق لهم ويتحملون المعاملة المهينة بطيب نفس كعلامة مميزة في كونهم ملاحظين داخل جماعة رفاقهم، ومن جانب آخر نجد شخصيات الراشد الزائف أو الكاذب عادة ما تقوم وتزدري جميع الوسائل السابقة، وهؤلاء الأطفال عادة ما يجرون صداقات مع آبائهم ومدرسيهم أكثر من صداقاتهم مع جماعة الرفاق, فنجدهم قد يحترمون الكبار، مظهرًا للاستقرار الانفعالي، إلا أن ذلك يتضمن مظهرا كاذبا لقناع يحجب عن العيان عدم نضج هؤلاء الأطفال الانفعالي وعدم قدرتهم أساسًا في الأخذ والعطاء مع رفاق سنهم.
(1/402)

ومما يجدو الأشارة إليه فإن هذه النماذج الأربع لعدم تكييف الأطفال يمكن أن نجدها كذلك عند الراشدين الذين يستأسدون أو يتصفون بالفظاظة أو بالتهريج أو التملق للحصول على كسب ما أو أن يبقوا بعيدًا بمعزل عن الآخرين وذلك لإحساسهم بعدم القدرة على التقبل والاحترام داخل صداقات متبادلة غير زائفة.
أحاسيس الانتماء والاغتراب:
الخبرات الشخصية لمرحلة الطفولة تعتبر بمثابة عاملا هامًا في تحديد ما إذا كان الطفل سينمي إحساس الانتماء أو إحساس الغربة فصداقات سنوات المدرسة الابتدائية تمكن الأطفال من الشعور بالانتماء إلى مجتمع يمتد إلى ما وراء عائلاتهم أو أسرهم وعادة ما يدعم هذا الإحساس كلما بدأ الأطفال في الاشتراك داخل نشاطات متنوعة في الجيرة والمجتمع سواء كان ذلك في النوادي أو الجمعيات المختلفة وهذه النشاطات داخل تلك الجماعات تساعد الأطفال على إدراك أنهم جزء من مجتمع أوسع.
ومن جانب آخر فإن الأطفال الذين لا يحدث لهم تقبل داخل جماعة رفاقهم وتكون لديهم فرصًا محدودة للاشتراك في جماعات الجيرة أو المجتمع غالبًا ما يشعرون بالغربة عن المجتمع, وتشير دراسات كل من Keniston؛ "1965". M. Mead؛ "1970" إلى أن الاغتراب مشكله أساسية من مشكلات المراهقة وليست من مشكلات الطفولة إلا أن الاغتراب عادة ما يبدأ أثناء سنوات الانتقال لمرحلة الطفولة الوسطى وإحساس الطفل بأن المجتمع المحيط لا يوفر له فرص الاشتراك في نشاطات اجتماعية منظمة خلاقة, وعمومًا فأننا نجد اغتراب المراهق غالبًا ما يعزى إلى عدم قدرته على معارضة أو إقرار قيم المجتمع من حوله في حين نجد الاغتراب الرئيسي للأطفال الصغار عادة ما يكون نتيجة عدم توفير الفرص غير المناسبة لتعلم قيم الكبار من حوله أو حتى وجود مجتمع أكبر والذي يجب أن يكونوا جزءا منه وعمومًا سوف نلقي الضوء على مشكلة الاغتراب بشيء من التفصيل في نهاية هذا المؤلف.
التغيرات في بناء جماعة الأقران:
إن علاقة جماعة الأقران أثناء مرحلة الطفولة الوسطى عادة ما تصبح متماسكة منظمة متمسكة بأداء السلوك والشكليات فالأطفال ما بين 6-8 سنوات يرتبطون بعضهم البعض في جماعات لعب غير ثابتة.
(1/403)

العضوية وبدون قواعد أو مبادئ فالجماعة عادة ما تتكون عن طريق الصدفة متضمنة الأطفال على جانبي الشارع مثلا أو على الناصية في وقت معين, ولا توجد علاقة بين أفراد هذه الجماعة، وعادة ما يقصد بهذه الجماعة اللعب والتسلية في اللحظة الحاضرة, إلا أننا نجد أن ما بين سن 10-11 سنة ينمو التماثل والانسجام بين أطفال سن المدرسة وينتج عنه تنظيمًا أكثر تماسكًا داخل جماعة الرفاق، كما أن نضجهم المعرفي يؤدي إلى التركيز وبصورة أكبر على نشاطات الجماعة المتركزة الهادفة، فهذه الجماعة عادة ما تتجمع حول اهتمامات نوعية مشتركة وأحداث مخططة، فهم مثلا يتجمعون للذهاب إلى النادي أو إلى السينما، أو لإقامة شعائر ترفيهية أو دينية، أو ممارسة هوايات معينة كاللعب أو الذهاب إلى نزهات أو سفريات، أو إلى مصانع الحلوى، وينمون عضوية ثابتة مع كل عضو يتوقع أن يشترك في نشاطات الجماعة، وعادة لا يرحب بالفرد الذي لا يكونون عضوًا داخل الجماعة.
ويسهم الكبار في المجتمع في ازدياد النشاطات البناءة والتظيمات التي يكونها أطفال المدرسة الابتدائية عن طريق تدعيم تلك النشاطات في الأندية والمعسكرات المختلفة, وغالبًا ما يكون لهذه الجماعات عديدًا من الفوائد في تعليم الأطفال مهارات معينة ومساعدتهم تعلم العمل مع الآخرين لتحقيق الأهداف المشتركة، ويعرضونها على نماذج من الراشدين غير المدرسين والآباء, ومع ذلك فيجب أن يتجنب الراشدون الموجهون لتلك النشاطات السيطرة والهيمنة, أو أن يقوموا بتنظيم الأطفال بصورة صارمة شديدة, فعندما يتحكم الراشدون من حولهم في النشاطات التي تروق لهم، نجد الأطفال عادة ما يفتقدون الفرصة في أن يعملوا كأطفال وبالتالي لا يحسون بذواتهم ولا يمكن أن يتعلموا من عمل الأخطاء.
الصداقات الحميمة:
تغير آخر ذو دلالة ومعنى يحدث في بناء العلاقات الشخصية المتبادلة أثناء مرحلة الطفولة الوسطى، فالأطفال ينتقلون من الصداقات العامة بينهم إل نمط الصداقة الحميمة بين اثنين من نفس الجنس، ولقد أشار هاري ستاك سوليفان Sulivan إلى دور الصداقات الحميمة في نمو الشخصية حيث اهتم بالعلاقات الشخصية المتداخلة بين الأشخاص وأهميتها في التكيف النفسي والاجتماعي. وعادة ما يكون أصدقاء فترة ما قبل المراهقة من نفس الجنس ومن الصعب التفريق بينهم، فهم يذهبون إلى
(1/404)

المدرسة سويًا ويلعبون ويأكلون سويًا وينامون في بيوت كل منهم ويتقاسمون هوايات مشتركة, وكذلك مخاوف مشتركة وعادة ما تكون هذه العلاقات لها الاستمرارية في فترة النمو اللاحقة.
والأطفال الذين يحرمون من هذه الصداقات القريبة الحميمة قد يدخلون فترة مراهقتهم بسمات شخصية غير سوية، وبدون أن يخبر الطفل هذا النمط من الصداقات القريبة الحميمة مع زملاء من نفس الجنس قد يكون لديه صعاب فيما بعد لإقامة الصداقات الحميمة مع بعض الأفراد من الجنس المغاير أثناء فترة المراهقة وسنرى تفصيل ذلك في باب المراهقة.
(1/405)

ثالثًا: هوية دور الجنس
عادة ما يرتدي أطفال ما قبل المدرسة "البنين والبنات" ملابس مختلفة، وقد يظهرون بعض الاختلافات في النشاطات المفضلة، ويعملون قليلا من التمييزات بين أنفسهم، ويلعبون سويًا بصورة مشجعة، ومع ذلك فإنه بنهاية السنة السادسة وبداية السنة السابعة تقريبًا نجدهم يميلون إلى تكوين جماعات لعب منفصلة ويعملون تمييزات بين أنماط سلوك كل منهم، وكيف يجب أن يسلك كل منهم, وهذه التغيرات تعكس ثمة حقيقة أنه خلال سنوات المدرسة الابتدائية يبدأ الأطفال تكوين هوية نفسية كأعضاء في جنس معين.
وجدير بالذكر فإن أصول هوية دور الجنس تتسم بالتركيب والتعقيد ولم تفهم بصورة كاملة، ومع ذلك فيمكن التعرف على ثلاثة عوامل تلعب دورًا رئيسيًا في هذه العملية النمائية.
1- يشير كل من Maccoby & Jacklin؛ "1974" نتيجة لاستعراضها لعديد من الأبحاث عن الفروق الجنسية، إلى أنه توجد بعض من الاختلافات الولادية بين الذكور والإناث والتي توجد في كل المجتمعات وتكون ظاهرة جلية في مرحلة مبكرة من حياتهما، وكما أشرنا فيما سبق أن الذكور يميلون في أن يكونوا أكثر عدوانية من الإناث. ويميلون كذلك إلى التفرق في القدرات المكانية والعددية في حين أن الإناث عادة ما يتفرقن في القدرة اللفظية، بالإضافة إلى بعض الفروق البيولوجية في القدرات العقلية ونمط الشخصية
(1/405)

تميل إلى أن تسهم في تنمية شعورًا مختلفًا لهوية دور الجنس بين الذكور والإناث.
والعوامل البيولوجية تمدنا بتوضيح محدد لهذه العملية، فالاختلافات البنيوية التي تؤثر على نمو الشخصية، توجد أصلا بين الأفراد أكثر من وجودها بين الأجناس "إناث أو ذكور" وذلك كما يشير كل Burs & plomin؛ "1975"، فمعدل السلوك العدواني قد يوجد بصورة أكبر بين الذكور أكثر عدوانية من كثير من الذكور، وعلى ذلك فإننا لا يمكن أن نعول فقط على العوامل البيولوجية لكي نعلل هويات دور الجنس، ولكن بالإضافة يجب أن نتأمل ونفسر أنواع الخبرات الخاصة التي تتكون عند الأطفال أثناء نموهم.
2- كما أن الاختلافات في كيفية تنشئة البنين والبنات التي يتبعها الوالدان قد تنتج اختلافات سيكولوجية معينة بينهم، فالآباء عادة ما يميلون إلى التعامل واللعب مع ذكورهم بصورة أكثر خشونة عما يفعلونه مع الإناث في مرحلة ما قبل المدرسة، كما يشير هوفمان إلى ذلك Hoffman؛ "1967"، ويارو Yarrow؛ "1972"، بالإضافة إلى أن الآباء عادة ما يعاقبون الذكور جسميًا أكثر من الإناث, وهذا قد ينتج أن يكون الأولاد أكثر خشونة من الناحية الجسمية أثناء ألعابهم ونماذج لعبهم عن الإناث, وتتفق نتائج دراسة Allaman وآخرين "1972"، مع ما سبق الإشارة إليه، كما تشير أن معاملة الآباء لأولادهم الذكور والإناث عادة ما تكون بطرق متاشبهة في كثير من الأمور، حيث نجد الآباء عادة ما يظهرون نفس درجة التعاطف نحو أولادهم سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، كما أن الآباء قد يسمحون ويشجعون كل من الجنسين أن يكونوا في حالة استقلالية, وعمومًا فإن بعض الآباء يعاملون أولادهم سواء كانوا ذكورًا أم إناثًا تبعًا لميولهم وقدراتهم وليس تبعا لمقولبات جنسية معينة.
وجدير بالذكر فإننا مازلنا نلاحظ تناقضا كبيرًا بين مفاهيم الآباء الذين يتسمون بالفكر المفتوح وسعة الأفق، وبين الآباء ذوي الفكر والاتجاهات الصارمة لمفاهيم دور الجنس لأطفال ما قبل
(1/406)

المدرسة، ففي إحدى الدراسات التي أجريت بواسطة Looft؛ "1971" على أطفال ما بين السادسة والثامنة من الذكور والإناث، وجه إلى الأطفال سؤالا "ماذا تريد تكون عندما تكبر؟ " وأشار الأولاد الذكور أنهم يحبون أن يكونوا لاعبي كرة، رجال بوليس، طبيب أسنان قسيس، عالم، طيار، رائد فضاء، على الترتيب، وأشارت البنات بأنهن يفضلن أن يكن "مدرسات" ممرضات، ربة بيت، أم مشرفة على منزل، بائعة في متجر، على الترتيب, وكانت من نتائج هذه الدراسة ودراسات أخرى أجريت في نفس المجال أن الأطفال في مثل هذا السن عادة ما يكون لديهم مفاهيم مقولبة لأدوار الجنس والتي تحدد مدى اتساع المهن التي ينظر إليها ومدى تناسبها سواء كانت للبنين أو للبنات.
3- كما أن بعض جوانب هوية دور الجنس تميل إلى أن تكون مكتسبة بواسطة التقليد والتقمص التي ناقشناه في الفصل السابق، فكلما ناضل الطفل أن يكون شبيهًا بأبوه من نفس جنسه فإنه بالتالي ينمي شعورًا أوضح عن كيفية تفكير كل من الإناث، والذكور، وكيف يشعرون؟ وكيف يعملون؟ وتشير نتائج Masters, J وآخر "1976" إلى حيث طلب من أطفال بنين وبنات في سن الرابعة والسابعة والثامنة ترتيب دمى وبعض الألعاب وتصنيفها تبعًا لدور جنس كل مجموعة "بنين أو بنات" وأشارت النتائج أن الأطفال الأكبر سنًا كانوا تقولبًا في وجهات نظرهم، وكانت آراؤهم متفقة بصورة كاملة، في حين وجد الأطفال الصغار لم يكونوا بعد وجهات نظر محددة عن سلوك دور الجنس المناسب.
وتشير نتائج هذه الدراسات أن هناك عوامل معينة داخل الأسرة تدعم عملية التقمص وتسهم إلى تكيف نفسي واجتماعي أفضل، وخاصة فإن الأطفال يكون في مقدرتهم تنمية هوية دور الجنس ويكونوا أكثر تكيفًا داخل الأسرة إن كانت الأدوار ثابتة مستقرة في الأسرة بالإضافة إلى وجود تمييز واضح في الأدوار لأفراد الأسرة.
وجدير بالذكر فإن كلا من عمليتي التقمص والتقليد قد لا يمكنهما تفسير بعض جوانب هوية دور الجنس لدى أطفال سن المدرسة الابتدائية،
(1/407)

وعمومًا فإننا عادة ما نجد الأطفال يحددون فصلا صارمًا لجماعات لعبهم الخاصة، كما نجدهم في بعض الأحيان يتمسكون بمفاهيم صارمة للأدوار المناسبة، للأولاد والبنات، وقد تكون متناقضة مع النماذج داخل أسرهم فقد أشارت نتائج دراسة كل من ماكجوبي، وجاكلين أن طفلة صغيرة كانت تعتقد بصورة ثابتة، أن البنات يمكن أن يصبحن ممرضات، ولكن الأولاد فقط يمكن أن يصبحوا أطباء، على الرغم من أن أم هذه الطفلة كانت تعمل طبيبة في إحدى المستشفيات.
وعمومًا فإن الأطفال عادة لا ينمون هوية دور الجنس في الاستجابة إلى العمليات البيولوجية والتنشئة الاجتماعية، وعمليات التقمص فقط، ولكن كذلك بواسطة مفاهيمهم المشوهة أو المبالغ فيها فيما يمكن للإناث والذكور عمله، بالإضافة إلى ما يجب أن يكونوا عليه، وكما أشار كوهلبرج وآخرون، أن الحكم غير الناضج يظهر في التمسك ببعض المفاهيم ويتساوق مع مهاراتهم المعرفية غير الناضجة.
وسعي الأولاد والبنات أثناء مرحلة الطفولة الوسطى للتقرب لجماعة جنسهما، والاشتراك في مقولبات دور الجنس، تعتبر بمثابة عاملا هامًا ووظيفة مؤثرة في نمو الشخصية سواء لبنين أو للبنات، وعلى ذلك فإن الأولاد أو البنات الذين لا يشاركون ويتقاسمون بصورة فعالة نشطة في اهتمامات جماعاتهم من نفس الجنس، أو الذين يقضون وقتًا طويلا مع الجنس الآخر يفتقدون كثيرًا من الفرص لتذويب ذواتهم كأولاد أو كبنات، كما أنهم بالإضافة يميلون إلى المعاناة من بعض سمات الشخصية غير العادية، كالأطفال الذين ليس لديهم أصدقاء مقربون إليهم، وذلك لأن نمو هوية دور الجنس المناسبة تساعد على إعداد الأطفال للعلاقات الجنسية المغايرة أثناء فترة المراهقة.
وأطفال المدرسة الابتدائية الذين يقضون معظم أوقاتهم في اللعب مع جماعات من جنس مغاير، قد يجدون من الصعب عليهم أن يغيروا علاقات رفاق اللعب، التي كونوها مع الجنس المغاير داخل العلاقات المستمرة مع الجنس الآخر، كما يمكن أن يكون من الصعب عليهم أن يكونوا صداقات حميمة مع الأفراد الصغار من نفس جنسهم، ففي فترة المراهقة عندما يبدأ زملاؤهم في الذهاب أزواجًا مع أعضاء من الجنس الآخر، فثمة أولاد وبنات يكون لديهم صعاب في إيجاد المكان المناسب لأنفسهم داخل
(1/408)

هذه الجماعات، وقد يستمر بعض من تكوين العلاقات الأفلاطونية مع الصغار من الجنس المغاير، وقد نجد بعضهم لا يكون لديه الشجاعة في تكوين صداقات مع الجنس الآخر، وبالتالي يصبح منعزلا اجتماعيًا.
الكمون النفسي الجنسي:
يسمي فرويد "1953" فترة الطفولة الوسطى وكذلك سارنوف Sarnoff بفترة الكمون النفسجنسي وعلى الرغم من أن هذه الفترة لا تتضمن فجوة بين الوقت الذي يبدأ فيه الأطفال تشكيل هوية دور جنسهم والوقت الذي يبدءون في إظهار الميل الصريح للجنس الآخر، إلا أن الكثير يحدث في الحياة الجنسية، وفي اتجاهات أطفال سن المدرسة أكثر من التقاء الأعين، ويمكن إيجاز هذه التغيرات النمائية فيما يلي:
1- الملاحظ الجيد يمكنه ملاحظة أن أطفال هذه المرحلة عادة ما يرتدون بتأنق، وعلى الرغم من سخرية الذكور للبنات إلا أنهم يحصلون على متعة وإشباع كبير في عرض أنفسهم بتباهي أمام البنات، كما يسعون للفت أنظارهن بأنماطهم السلوكية، وقد يضايقونهن لجذب انتباههن, والبنات من جانب آخر على الرغم من تظاهرهن بتجاهل الأولاد إلا أنهن يولن الانتباه إلى أنماط سلوكهم الغريبة المهرجة, وعادة ما يستجبن لمضايقتهم بالدموع والشكوى أو الصراخ, أو إلى التأثر منهم، والذي يؤدي بدوره إلى تشجيع مضايقة الأولاد لهن, كما أن البنات يأخذن نصيبهن كذلك من التفاخر, فهن يدركن أن الأولاد يعرفون أن آدائهن أفضل من الذكور خاصة في اختبارات الإنجاز الأكاديمي المدرسي، وهذا التحدي والتفاخر يمكن تلاميذ وتلميذات المدرسة الابتدائية من تأكيد ميولهم في الوقت الذي يكونون مشغولين فيه في بناء هويات دور جنسهم.
2- كما أن أطفال المدرسة الابتدائية عادة ما يفكرون ويندهشون بالأمور الجنسية، فعندما يصل الأولاد إلى سن العاشرة والحادية عشرة، نجد لدهيم حب استطلاع شديد عن النواحي التشريحية الجنسية والفسيولوجية والحمل، والأمراض التناسلية, وبسبب مناقشة هذه الأمور بين أنفسهم فقط ولا يجرءون على أسئلة آبائهم أسئلة صريحة معقدة، فإن الكبار من حولهم بالتالي غالبًا لا يلاحظون الازدياد المفاجئ لميلهم في الأمور الجنسية, ومع ذلك فإن أي فرد يمكن أن يلاحظ كيف أن تلاميذ المدرسة الابتدائية يتجمعون بميل
(1/409)

واهتمام حول تمثال عار في متحف ما، متأملينه ومتلفظين بعضا من الكلمات غير المهذبة واللاذعة وقد يومئ ذلك إلى عدم إشباع حب استطلاعهم الجنسي.
وأثناء السنوات الأخيرة من مرحلة المدرسة الابتدائية نجد البنات ينمو لديهن ميل إلى الرومانسية، ويقبلون على قصص الحب في المجلات والكتب والسينما والتليفزيون، كما ينمو لديهن حب رومانسي إلى النجوم، سواء كانوا في السينما أو لاعبي الكرة، وعادة ما يتكلمن عن هذا المحبوب سويًا لساعات ذاكرين جوانبه الإيجابية ونشاطاته ويحتشدون في بعض الأماكن لرؤيته, وعمومًا فإن الكمون النفسجنسي أثناء فترة الطفولة الوسطى عادة ما ينصب على الإرضاء أو السرور على نقيض النشاطات الجنسية الغيرية، كما أن هذا الميل الجنسي الغيري يستمر في النمو بصورة مضطردة أثناء تدرج السنوات الأخيرة من فترة الطفولة الوسطى.
(1/410)

رابعًا: العلاقات الأسرية
إن الأهمية المتزايدة للمدرسة، ولجماعات الرفاق أثناء فترة الطفولة الوسطى، لا تقلل من أهمية العلاقات الأسرية، فالبيت مازال المكان الذي يطعم فيه الأطفال ويلبسون ويعنى بهم، بالإضافة إلى أن كثيرا من النشاطات الفردية ونشاطات جماعة أقران أطفال سن المدرسة الابتدائية تحدث كذلك داخل البيت, فقد يلعبون الكرة، ويقيمون نماذج للطائرات، ويقرءون ويشاهدون التيلفزيون، ويلعبون بدماهم أو يلعبون الشطرنج أو ما يستهويهم من ألعاب وهوايات.
والأطفال الذين لا يمكنهم التمتع والإشباع أثناء تواجدهم في منازلهم وحول أسرهم، قد يشعرون باضطرابات معينة خاصة في نموهم الاجتماعي, فالأطفال الذين يشعرون بعدم حب آبائهم أو بنبذهم لهم عادة ما ينمو لديهم أحاسيس الغربة أو الاغتراب، وقد ينمون شعورًا شديدًا بعدم وجود جذور لهم Rootlessness وبالتالي يبحثون إلى أي مكان يلجئون إليه لكي يستريحوا ويكون ملاذًا وملجأ لهم، وفي حالات أخرى قد يمنع الطفل من دعوة أصدقائه بالمنزل وبالتالي قد يشعر الطفل بأنه شخص من الدرجة الثانية بين أصدقائه وذلك لأنهم دائمًا ما يلعبون في بيوت أخرى غير بيوتهم مع زملائهم إلا أنهم يشعرون بعدم قدرتهم على دعوة زملائهم بمنزلهم.
وفي إحدى دراسات Level, I وآخر "1974" عن التكيف بين أطفال المدرسة الابتدائية, أشار إلى أن الأطفال الذين تعرضوا إلى بعض من الاضطرابات الشديدة، في منازلهم كانوا أكثر ميلا من أقرانهم للاضطربات السلوكية، وعادة ما يطلبون مساعدة الأخصائي النفسي.
ولحسن الحظ فإن معظم الأسر تتسم بالاستقرار إلى حد كبير، وبالتالي يكون الآباء والأبناء قريبين نفسيًا، ومدعمين بصورة متبادلة كل منهما للآخر, ومع ذلك فإن كل من الآباء وأطفال فترة الطفولة الوسطى يجب أن يعيدا النظر في أساليب تكيف كل منهما للآخر.
(1/410)

خامسا: الآباء لطفل المدرسة
...
خامسا: تكيف الآباء لطفل المدرسة
بمجرد أن يبدأ الطفل المدرسة، يجب على الآباء أن يتفهموا التحول الشديد في استقلاليته، والأمهات بصورة خاصة إلى إدراك وتفهم أن التحرر من الركائز المئزرة ويعتبر بمثابة مطلبًا ضروريًا لنمو شخصية واستقرار نمط تفكير أطفالهن.
وهؤلاء الآباء الذين يجدون من الصعب عليهم أن يتقبلوا مفهوم وصول أطفالهم لسن المدرسة وبالتالي انفصالهم عنهم، قد يحاولون أحيانًا تأخير سن التحاقهم بالمدرسة قائلين "إنها صغيرة جدًا ولم تنضج، من الأحسن أن يبقى الطفل سنة أخرى بالمنزل"، وقد لا يشجعون ذهاب الأطفال للمدرسة وانتماءهم إليها أنك تبدو شاحب الوجه هذا اليوم أرى أن يبقى في المنزل اليوم لتأخذ قسطًا من الراحة، فمثل هذه الأفعال الأبوية خاصة من جانب الأم غالبًا ما تسهم إلى تكوين المخاوف المدرسية, وهي نوع من النمو غير السوي وسوف نناقشه فيما بعد.
وإذا تقبل الآباء استقلال أطفالهم المتزايد وغيابهم عن المنزل، فإنهم قد يجدون سنوات الطفولة الوسطى، سنوات متعة وإشباع ليس بالنسبة لهم فقط ولكن بالنسبة لأطفالهم أيضًا Kestenberg, J؛ "1970".
ومطالب أطفال سن المدرسة قليلة نسبيًا، فهم لا يحتاجون إلى الإشراق الكامل القريب منهم كما هو الحال عند أطفال سن ما قبل المدرسة، كما أنهم من جانب آخر لا يكونون مصدر قلق ومجادلة للمزايا التي يتمتع بها الراشدون وذلك كما يفعل المراهقون، بالإضافة إلى أن أنماط إزعاجهم ومطالبهم ليست من النوع المقلق للآخرين من حولهم.
(1/411)

والعامل الآخر الذي يتطلب تكيفا من الآباء، هو أن يقروا مقدار الحرية والاستقلالية التي يجب أن تعطى لأطفال سن المدرسة، وبالتالي يجب توفيرها لهم، فالأطفال في هذا السن يحتاجون إلى استقلال كاف لنعمل على تشجيع تفردهم ومبادأتهم من جانب آخر, ولكنهم في نفس الوقت في حاجة إلى إشراف كامل لحمايتهم من الأخطار الجسمية ومن التأثيرات النفسية غير المرغوب فيها, وتشير الدراسات أن أطفال سن المدرسة الذين يحيون داخل منازل حياة كابتة قاسية بصورة مفرطة من آبائهم قد يصبحون متسمون بالانسحابية والامتثال الأكثر من اللازم فاقدون الحماس والابتكار، غير تلقائيين لا يشعرون بالسعادة غير منفتحين للأفكار الجديدة, أو قد يصبحون عدوانيين ثائرين رافضين لمبادئ وقيم آبائهم, كما أن الأطفال الذين يكونون في بيئة متساهلة بإفراط ويتسم الآباء بالتساهل كلية غالبًا ما يفشلون في تنمية ضوابط داخلية مناسبة ويميلون إلى الاندفاعية والتهور، وعادة ما يكونون غير مراعين لحقوق ومشاعر الآخرين بالإضافة إلى أنهم قد يتسمون باللااجتماعية Antisocial، أو معادون لمصلحة المجتمع Feshbach؛ "1970".
وعمومًا فإن ثمة أوامر "افعل" أو "لا تفعل" البسيطة التي كان الآباء يدربون بها طفل ما قبل المدرسة، ويجب أن تستبدل بصيغ أكثر تركيبًا أثناء مرحلة الطفولة الوسطى فالآباء يجب عليهم أن يقرروا مثلا إن كان في مقدور طفلهم ركوب دراجته في الشارع، أو يذهب للاستحمام في البحر أو النادي أو الذهاب بمفرده إلى السينما ... إلخ. أي يجب على الآباء أن يقيموا الحريات، وبقدر ما يستطيع الآباء إجراء هذه التحديات كمبدأ عام، فإن أطفال سن المدرسة عادة ما يستفيدون بصورة أكبر من إعطائهم حرية كبيرة كمكافأة لهم للتكيف الجيد الذي عرضوه ولتحمل المسئولية التي أبدوها في المواقف السابقة.
(1/412)

سادسا: إعادة تقييم أطفال سن المدرسة لآبائهم
عادة ما نجد أطفال سن ما قبل المدرسة ينظرون إلى آبائهم على أنهم نماذج للفضيلة والقوة المطلقة والمعرفة الزائدة، وأفضل من أي آباء آخرين, إلا أننا نجد أطفال سن المدرسة الابتدائية يتحققون من أن آباءهم ليسوا إلا كائنات بشرية، حيث لا يمكنهم الإجابة عن كل تساؤلاتهم بالإضافة إلى أنهم لا يستطيعون تزويدهم بالأمور والأشياء الدنيوية التي غالبًا ما تتوق إليها قلوبهم فالآباء لا يتحكمون بصورة كاملة في
(1/412)

مصائرهم، ويتركونهم بمفردهم للعالم المحيط بهم، كما أن لآبائهم التزامات معينة, ومسئولون أمام القانون ورجال البوليس، كما أنهم قد يكونون معتمدين على بعض من أصدقائهم أو على آبائهم، كما أن طفل المدرسة الابتدائية يدرك أن الآباء قد يعوزهم في بعض الأحيان التفكير السليم، ويفقدون ضبط النفس ورباطة الجأش، كما أنهم في أحايين أخرى قد يكتئبون أو تدمع أعينهم في الاستجابة إلى بعض من الإحباطات الخفيفة وخيبة الأمل، كما قد يفشلون في تقييم ثمة أشياء مهمة في الحياة.
وكلما تمكن أطفال سن المدرسة من إدراك هذه الحقائق الحياتية، كلما ساعدهم ذلك على التحرر من وهم الآباء، أي أن تصورهم يصبح فاقد البريق ولا يتصفون بالود وقد يدركون أنهم بمثابة عائق أمامهم، وفي هذا السن عادة ما يعقد الطفل المقارنة بين أبويه وآباء الأطفال الآخرين مثل قوله: إن والد "س" أكثر تسامحًا من والدي وأكثر نجاحًا وبريقًا, أو إن والد "أ" يسمح له بالذهاب إلى السينما أو النادي، فلماذا لا يسمح والدي بذلك؟
وجدير بالذكر فإن تحرر أطفال الطفولة الوسطى من وهم الآباء نادرًا ما يتجاوز المستوى اللفظي, فأطفال المدرسة الابتدائية بصورة عامة يحبون آباءهم ويحترمونهم على الرغم من انتقادهم لهم ودائمي الشكوى من الآباء, ونادرًا ما يسمحون لأي فرد أن يفعل ذلك، فأطفال سن المدرسة كثيرًا ما ينبرون للدفاع عن آبائهم إذا سمعوا أي فرد يقول أي شيء مهين عن آبائهم أو يهاجمهم, وعمومًا فإن ولاءهم وإخلاصهم ونعتهم بصفات حسنة تشير إلى وجود اختلاف بين ما قد يقوله هؤلاء الأطفال الصغار وعما يشعرون به حقيقة نحو آبائهم.
وعمومًا فأن تحرر أطفال مرحلة الطفولة الوسطى من وهم الآباء وإلى حد ما مع الراشدين من حوله بصورة عامة عادة ما يظهر بصورة جلية في مرحلة المراهقين وتسمى بفجوة الجيل Generation Gap إلا أن حب معظم الأطفال الضمني لآبائهم واحترامهم إياهم يستمر كذلك في فترة المراهقة, إلا أن فجوة الجيل أكثر وضوحًا في الفترة الأخيرة وذلك كما سيتضح لنا فيما بعد.
(1/413)

سابعًا: النمو وتكامل الشخصية
رأينا أن النمو عملية تغير وتوجيه للتغير، وبهذا الفهم لطبيعة النمو المعرفية الانفعالية والاجتماعية, وفي كافة مراحل تطور نمو الطفل لرعاية البيئة، خاصة الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية المختلفة، وبقدر ما تتم هذه الرعاية وفقًا لفهم واع للطفل النامي وفلسفة واضحة لتوجيه النمو، يتم الهدف الأعظم الذي ينشده أي جماعة إنسانية وهو تكوين الشخصية الناضجة، وبذلك تتبلور أهداف المجتمع في توجيه مسار النمو نحو تنشئة الشخصية السليمة.
ويعني مصطلح الشخصية، بنية وظيفة مركبة من المكونات الجسمية التشريحية، والعقلية المعرفية، والانفعالية، الوجدانية والاجتماعية في نظام متكامل يحدد أسلوب الفرد في الحياة وفي مواجهة المواقف المختلفة.
ويمثل نمو الذات Self وحدة تطور نمو شخصية الطفل.
ويذخر علم النفس بالعديد من الدراسات عن أهمية إدراك الذات في الحياة النفسية للفرد، وجد "جوسولين 1962" في دراسة على بعض المراهقين والمرهقات, أن الذين يدركون أنفسهم بطريقة تختلف عن تلك التي بها يدركهم زملاؤهم، يميلون إلى أن يكونون منعزلين عن جماعة الرفاق, ويخلص إلى نتيجة تقرر أن جانبًا من الكيفية التي تجعل الفرد مقبولا من جماعة زملائه هو القدرة على "أن نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون".
كذلك وجد "روتنبرج-1963" في دراسة على 1684 طالبًا بالمدرسة الثانوية أن الأطفال الذين يعانون من بعض الاضطرابات يميلون إلى رؤية أنفسهم على أساس احترام للذات منخفض بدرجة واضحة عن الأطفال غير المضطربين.
وتؤكد عديد من الدراسات "أولسن 1959، أنجل 1962"، الحقيقة بأن نمو الذات، مثل كل جوانب النمو، يأخذ مسارا محددًا منتظما بسبب الدفعات التي تهيؤها الاستعدادات الطبيعية للنمو الكامنة في النوع الإنساني، ووفقًا لهذه النظرية، يمكننا أن نتوقع أن الخطوط العامة
(1/414)

الأساسية لنمو الذات تتبع نماذج معينة مشتركة لدى كل الكائنات الإنسانية مع وجود تلك الاختلافات الحادثة فحسب نتيجة للتغيرات البيئية التي تقع على الفرد خلال عملية التنشئة الاجتماعية.
ومن الأهمية بمكان دراسة تطور نمو الشخصية من زاوية فهم وإدراك الطفل النامي لنفسه وللآخرين كوسائل لاستثارة النمو في اتجاه الشخصية السليمة.
مفهوم الذات:
لم تلق مشكلة فهم الذات حلا إلى حد كبير بسبب صعوبة إجراء البحوث في مجال لم يتحدد بدرجة كافية، وفيه تكون طبيعة الأشياء موضع الدراسة في حالة تغير مستمرة، وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت السنوات الأخيرة بعض التقدم الحقيقي في دراسة مفهوم الذات، نذكر منها -على سبيل المثال- دراسات الدكتور حامد زهران 1967 وغيرها ولكن معظم البيانات التي لدينا، عبارة عن بيانات حول طبيعة الذات أساسًا، هي نتائج البحوث الإكلينيكية البحث في مشكلات الأفراد الذين يعانون من درجات مختلفة من الاضطرابات الانفعالية والنفسية, فمثلا درس "روجرز وآخرين 1954" الذات من خلال ملاحظة الاتجاهات ذات الصبغة الانفعالية نحو الذات، كما ظهرت من الأفراد الخاضعين لعلاج نفسي ومن خلال ملاحظة التغيرات في إدراك الذات التي تحدث خلال العلاج النفسي.
ولعل كارل روجرز "1951" من أبرز علماء النفس المحدثين الذين تناولوا نظرية مفهوم الذات Self-Concept بالدراسة العلمية المنتظمة بهدف الكشف عن طبيعة الشخصية ومكوناتها ودينامياتها.
يصور "روجرز" كل فرد على أنه مركزًا لعالم من الخبرة يتغير باستمرار، بعض منها يخبر بطريقة شعورية أو واعية ولكن معظمها لا يخبر هكذا والأفراد يفكرون ويشعرون ويعملون في استجابة لعالمهم ووفقًا للكيفية التي بها يخبرونه أو يدركونه، والطريقة التي بها يخبرون أو يدركون عالمهم تكون بالنسبة لهم "الحقيقة" أو "الواقع" وجانب من العالم كما يدرك بواسطة الفرد يصير بالتدريج متميزا عن بقية عالمه، وهذا يصبح الذات, فالذات هي ذلك الجانب المدرك ليكون داخل تحكم الفرد.
(1/415)

ولذلك ففي بعض الظروف يشعر الفرد بموضوعات أو أحداث توجد حقيقة خارج الجسم لتكون جانبًا من الذات خاصة وإذا كان الفرد يراها على أنها مهمة بالنسبة لصالحه أو رفاهيته، أو كما يقول علماء النفس إذا كان يحدث لديه "احتواء للأنا" فيها, وكلما تزايدات خبرة الفرد يبدأ في تنظيم استجاباته داخل نمط مرن "متغير" ولكنه نمط متسق يمكن معرفته, وهو ما يسميه روجرز بـ"تركيب الذات" أو "مفهوم الذت" فمفهوم الذات هو الطريقة التي بها ينظر الفرد إلى نفسه ويكون تفكيره وشعوره وسلوكه غالبًا متسقًا وفي انسجام مع مفهومه عن الذات وليست الأفكار والمشاعر والأفعال إلا مجرد طرقه وأسلوبه لمقابلة حاجاته كما يراها هو.
مفهوم الحاجات:
يسلم الاتجاه الدينامي في فهم السلوك الإنساني على أن لكل سلوك هدف هو مقابلة حاجات الفرد، والحاجة هي توتر أي عدم اتزان يتطلب نوعًا معينًا من النشاط المشبع، والحاجات قد تشبع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالجوع مثلا، حاجة تعبر عن نفسها في السعي إلى الطعام، ولكن بعض الناس يشبعون هذا السعي فورًا عن طريق تدخين سيجارة، فبالنسبة لهم يمكن إشباع هذه الحاجة وقتيًا عن طريق إشباعات أكثر مما هو ممكن بالنسبة لغير المدخنين وعادة ما تكون الحاجات مركبة، فالتواترات التي يشعرها بعض الناس في وقت تناول الطعام "طعام الغذاء" لا تخف عن طريق تناول الطعام وحده، وليس الغذاء بالنسبة لهم إلا فرصة تقليدية لتناول الطعام والاتصال مع الآخرين ويشعرون بالإحباط إذا أكلوا وحدهم لأن الحاجة إلى الاتصال تترك غير مشبعة، وبالنسبة لمعظمنا لا نعني مجرد التغذية إشباع لحاجاتنا المرتبطة بوقت تناول الطعام، فالطعام ينبغي أن يعد ويقدم بطريقة مقبولة لمعايير جماعاتنا، أو يعتبر غير ملائم للتناول، إلا أنه حينما نضطر إلى الانتظار فترات طويلة دون طعام فإن الحاجة الخالصة للطعام من أي نوع يكون لها الأغلبية والأفضلية ويتم إشباعنا بأي نوع من الطعام سواء كان معدًا بطريقة ملائمة أو غير ملائمة.
ويقرر "سنج وكومبز 1949" أن الحاجة الإنسانية الأساسية هي "حفظ الذات الظاهرية والارتقاء, ويقول آخر: يكون كل سلوكنا من أفكار ومشاعر وأفعال وظيفيًا موجهًا نحو الاحتفاظ بذواتنا أحياء صحيحة ووظيفية وكذلك نحو تحسين موقفنا الإحيائي, ونعني "ذواتنا" في
(1/416)

هذا الصدد الأشخاص والأشياء، والعلاقات التي تكون مهمة بالنسبة لنا والتي نتحقق منها على أنها تخصنا.
وهنا سوف نميز عدة مستويات أو مراحل في الحاجة الإنسانية كما حددها "سنج وكومبز"، ويستند النظام الذي سوف نستخدمه في هذا الصدد على نظرية "ماسلو" التي تتميز بأنها بسيطة وفي نفس الوقت تسمح بتمايز الحاجات وفقًا للمستويات العديدة من النضج الانفعالي, الاجتماعي.
ويرى "ماسلو 1954" الحاجات على أنها مرتبة وفقًا لنظام هرمي النفسية، وذلك كما أشرنا فيما سبق، ويمكن إيجازه فيما يلي.
المستوى الأول:
الحاجات الجسيمة الأكثر أساسية وتتمثل في السعي إلى الطعام والماء والهواء والدفء والإشباع الجنسي وهكذا.
المستوى الثاني:
الحاجات التي ترتبط بالأمن الفيزيقي وتتمثل في تجنب الأخطار الخارجية أو أي شيء قد يؤذي الفرد.
المستوى الثالث:
الحاجات التي ترتبط بالحب وتتمثل في الحصول على الحب، والعطف، والعناية والاهتمام، والسند الانفعالي بواسطة شخص آخر أو أشخاص آخرين.
المستوى الرابع:
الحاجات التي ترتبط بإقامة علاقات مشبعة مع ذات الفرد ومع الآخرين, وتتمثل في أن يكون متمتعًا بالتقبل والتقدير كشخص وأن يحظى باحترام الذات، وأن يكون محترمًا وأن يكون له مكانة وأن يتجنب الرفض أو النبذ أو عدم الاستحسان.
المستوى الخامس:
الحاجات التي ترتبط بالتحصيل أو الإنجاز بالتعبير عن الذات، أن يكون مبدعًا أو منتجًا، وأن يقوم بأفعال وتصرفات تكون مفيدة وذات
(1/417)

قيمة للآخرين وأن يحقق إمكاناته ويترجمها إلى حقيقة فعلية.
وهناك نقطتان ينبغي الإشارة إليهما بالنسبة للنظام الذي رتبت فيه هذه الحاجات.
أولا: تنظيم الحاجات وفقا لأهميتها بالنسبة للفرد فالحاجة إلى الهواء والماء مهمة بالنسبة لاستمرار الحياة ذاتها، بينما لا تكون الحاجة إلى المركز أو المكانة بنفس الأهمية السابقة.
ثانيًا: تتوقف مقدرة الفرد على إشباع الحاجات "العليا" بطريقة متسقة على المدى الذي يكون فيه قادرًا على إشباع حاجاته الأكثر أساسية. فعلى سبيل المثال من الصعب على الفرد أن يعمل بكفاية إذا شعر أنه لا يحظى بالتقدير من جماعته أو إذا شعر بأنه غير مرغوب فيه أو غير محبوب، أي أن تقبلنا السوي للحب يمكن أن يعاق بالحاجات غير المشبعة للطعام أو الماء أو النوم.
ويحدث تطور نمو شخصية الطفل على الإشباع الملائم لهذا النظام من الحاجات.
وفي خلال مسار النمو، تخضع قدرات الطفل واتجاهاته وخصائص شخصيته، بصفة عامة للتغير والتعديل ومن هنا كانت إمكانية بناء شخصيات الأطفال حيث تنطلق من ركيزة أساسية لدى الكائن الحي الإنساني وهي قدرته المستمرة على أن يغير ويعدل من أنماطه السلوكية المختلفة، وبالتالي إمكانية التطور والارتقاء المتواصلين.
وقامت "جاك 1934" بدراسة السلوك المسيطر لدى بعض الأطفال في مجموعات، واختارات مجموعة من الأطفال في سن الرابعة ووضعت كل طفل مع عشرة من الأطفال الآخرين لكي تكشف ما إذا كان الطفل مسيطرًا عليه الآخرون في الموقف التجريبي، ولقد توصلت إلى أن الفارق الأساسي بين الطفل المسيطر والطفل غير المسيطر هو اختلاف في درجة الثقة بالنسبة التي يشعر بها كل طفل في المواقف التجريبية, ثم قامت هذه الباحثة بتدريب الأطفال غير المسيطرين على بعض الأشياء التي لا يعرفها الأطفال المسيطرون مثل تجميع من الأشكال الملونة, أو تعلم
(1/418)

إحدى القصص, كمهارات يتسلحون به, وأوضحت الدراسة أن الأطفال غير المسيطرين قد زاد لديهم الميل إلى السيطرة في نفس المواقف ومع نفس هؤلاء الأطفال, ويعلق "ستودارد 1959" على دراسة السلوك المسيطر بأن "النتيجة الأساسية من هذه الدراسات بأن سمة السيطرة يمكن أن تتغير بوضوح إذا تعرض الطفل للقيام بمواقف تتضمن بناء الثقة أو هدمها".
ويساعد تدريب الأطفال على بعض المهارات، وليس فحسب على بناء الثقة بالذات, ولكن أيضًا على تحرير طاقات الفرد من مناشط متعددة يقوم بها وتزويده بأسس الاتصال والتواصل مع الآخرين.
ويستطيع الآباء والمربون، من خلال ما يوفرونه للأطفال من تدريبات وممارسات معينة، ومساعدة الأطفال على بناء مقومات الثقة بالنفس، وهذا بدوره يساعدهم على تحسين قدراتهم على القيادة مع غيرهم من الأطفال.
ويعتبر تأثير مثل هذه التدريبات تراكميًا فالطفل، حينما يلقي بعض الثقة مع غيره من الأطفال في إحدى المهارات أو القدرات، يتشجع في محاولة لتحقيق ذاته فيما هو أكبر وفي مجالات أكثر تعددًا.
ومن أهم ركائز إطلاق إمكانات الشخصية، وتحريرها، وتوظيفها, مدى ما يتوفر للطفل من إشباع لحاجاته الانفعالية, العاطفية من خلال الحب والتقدير الذي يحيط به الكبار, فمن أهم أركان الحياة الانفعالية لدى الطفل ما يهيئه له الكبار من آباء ومدرسين وغيرهم من ناحية وما يكنه هو لهم من الحب, وكل اعتداء موهوم أو حقيقي على ما يحبه الطفل يولد عنده غيرة شديدة أو عدم اتزان انفعالي, فالأطفال المنبوذون أو الذين يشعرون أنهم غير مرغوب فيهم أو غير محبوبين يحتمل أن يتردوا في الكثير من مشكلات التوافق النفسي.
ومن المعروف أن بوادر الحب تظهر في الشهور القليلة الأولى من الحياة وبمرور الوقت تعمم هذه المشاعر إلى غيرها من موضوعات حب الأطفال إلى كثير من الأشياء والأشخاص حتى إذا ما أقبل على مرحلة المراهقة تكونت لديه درجات مختلفة من المحبة محورها بيته وأسرته
(1/419)

وجيرته ورفاقه والنظم التي تتفق مع ميوله وتختلف طبيعة هذا التعلق باختلاف الأوقات والظروف.
وإذا كانت عاطفة الحب تستند إلى حاجة الطفل إلى السند والتأييد والمعاشرة، فإن تغير الميول بتقدم تطور نمو الطفل وتعلمه يلعب دورًا هامًا في تحديد أسلوب التعبير عن هذا الاستعداد والموضوعات التي يتجه إليها, فحب الطفل لوالديه يتأثر بما يحيطانه به من عناية ورعاية، كما أنه عن طريق الاتصال بالأشياء الجامدة في حياته اليومية، يكتسب شغفًا يلعبه أو ببعض الأدوات المنزلية أو غير ذلك من الأشياء التي يرى أنها أبلغ قيمة من سواها من الأشياء الجديدة والثمينة, وعندما ينضج الطفل جنسيًا، فإن الحنان والرغبة يصبحان عنصرين من عناصر محبته لأفراد الجنس الآخر كما أن إنجاب الأطفال يثير محبة تتضمن عناصر جديدة من الدوافع والمشاعر.
وجميع مظاهر الحب سواء أكانت تعلقًا بإحدى الدمى أو ببعض الحيوانات الأليفة مثلا، أو بالأبوين أو الزوج أو الأطفال أو الزملاء أو الكلية أو الوطن تتضمن درجات متفاوتة من حب الذات, ومع ذلك فإن امتداد الحب من الذات إلى الغير يبدأ من حيث استعداد بعض الناس لتنمية ذلك الحب بدرجة تجعلهم يهبون أنفسهم لغيرهم فيسرون لما يلقاه هؤلاء من توفيق ويتجهون برفعتهم كغاية في ذاتها. ويثير هذا الاستعداد للحب أمور مألوفة لا حصر لها أثناء رعاية الأم لوليدها كما قد يثيره أحيانًا كارثة تحل بالبيت أو المجتمع، أو ما يقع من الأحداث الطارئة والكوارث القومية وهو بالغ الأثر كوقاية من الانحلال الاجتماعي.
ويلعب الحب دورًا كبيرًا في حياة الطفل وفي دفع شخصيته نحو الاتزان والنضج الشخصي الاجتماعي, فمحبة الكبار عنصر هام لنمو الطفل نموًا سويًا, فالشخص يظل طيلة حياته تواقًا إلى اليقين بأنه مرغوب فيه وبأنه ينتمي إلى جماعة معينة ويستطيع الاعتماد على ولاء غيره من أعضاء الجماعة وإخلاصهم ومثل هذه المظاهر في فترة الطفولة لا تولد الرضى والأمن فحسب بل تزود الطفل بالقدرة أيضًا التي يحاول أن يبررها في الوقت الملائم، ولذلك فإن الطفل المحروم من الحب دون باقي الأفراد بالأسرة يكون في موقف يبعث على الرثاء وتتسرب في ذاته مشاعر العدوان التي قد تتجه نحو الذات أو نحو الآخرين.
(1/420)

ومن ناحية أخرى، قد يتخذ الإسراف في الحب والتعبير عنه بمظهر التدليل الزائد الذي يؤدي إلى تعطيل نشاط الطفل وإلى الحد من الكشف عن إمكاناته الكامنة وإطلاقها في واقع حياته العملية.
ومثل هذه الحقائق عن أهمية الحب في حياة الطفل يؤكدها العديد من الدراسات النفسية والتربوية, فالطفل يبدأ حياته عاجزًا، لا حول له ولا قوة, ويظل معتمدا على غيره لسنوات طويلة، كما أن وجوده المادي وصحته النفسية يتوقفان على عناية الآخرين به, وليست فائدة الحب شيئًا غامضًا أو منفصلا عن حياة الطفل، بل إن محبة الكبار للطفل تعد شيئًا ملموسًا يدخل في دقائق حياته اليومية تظهر في أسلوب معاملته برقة والصبر على تضارب مطالبه مع سواها من الواجبات والميول "كرغبة أبويه في الاستمتاع بالنوم السريع", وفي مدى مداعبته وطريقة الإجابة على أسئلته عندما يكبر واحترام ميوله وتلبية رغباته في المساهمة في بعض نواحي نشاط الكبار.
ومن الطبيعي أن نجد -كما يثبت ذلك الكثير من البحوث- نمو الأطفال الذين يعيشون في بيوت يسبغ عليهم أفرادها الرعاية والحنان، ويكون أفضل من نمو الأطفال الذين ينشئون في بيوت محطمة أو في مؤسسات أو ملاجئ عامة, وليس من المتعذر أن نذكر لماذا يكشف الأطفال الذين ينشئون في هذه المؤسسات عن اتجاهات دفاعية ويكونون أقل استعدادا لتوقع أو تقبل تودد الآخرين إليهم، وأكثر ميلا إلى الحذر والتردد والانسحاب في علاقاتهم، لكن الحاجة إلى الحب وما يترتب عليها من آثار بالغة الأهمية في نمو الأطفال لا تتخذ اتجاهًا واحدًا ولا تتم من ظرف واحد، فالأطفال أكثر حساسية لاتجاهات الكبار نحوهم يظهرون حبهم للكبار الذين يحيطونهم بالعناية والعطف.
وكما أن محبة الكبار هامة للطفل, كذلك محبة الأطفال هامة للكبار، فقد تبين أن من أهم المتع التي ذكرها الآباء عند سؤالهم عن المتع المرتبطة بالإنجاب للأطفال وتنشئتهم، أشاروا إلى تلك التي تنجم عن صحبة الأطفال ومظاهر حبهم لأبويهم وما يتيحونه لهم من فرص لإسهامهم معهم في نشاط ودي مشترك، وهكذا لا تكون المحبة هامة للطفل فحسب بل ولسائر الأفراد أيضًا في شتى أوقات الحياة.
(1/421)

وتتجلى قيمة العلاقات القائمة على الحب -كما ذكرنا- في الاتجاه السيئ الذي يتخذه سلوك الطفل إذا كان في أيد غير عطوفة أو كان غير محبوب، فقد تبين من نتائج بعض الدراسات أن ضعف المحبة المتبادلة بين الآباء والأبناء قد يكون عاملا من عوامل نجاح أو غير ذلك من مظاهر السلوك اللااجتماعي أو المضاد للمجتمع، وربما كان أسوأ من ذلك مصير الأطفال الذين لا يتمردون أو يردون الإساءة، بل يتحملون آلامهم في صمت وعلى صورة قلق أو خوف، فكثير من الأطفال تنتابهم مخاوف ترجع إلى ما أصابهم من تهديد أو أذى, كما أن غير قليل منهم قد يبدون مخاوف تنطق بحاجاتهم إلى الثقة في علاقاتهم بغيرهم بما في ذلك من المخاوف المتصلة بالوحدة والنبذ.
كذلك يتوق الأطفال إلى نيل الرضا والظفر بالمحبة من المدرسين وغيرهم من الكبار ممن يقومون مقام الآباء, ولا شك أن هناك كثيرا من التداخل بين خصائص المدرس القدير وخصائص الأب، فلقد طلب من التلاميذ في بعض البحوث أن يذكروا صفات المدرس الذي يؤثره كل منهم بالمحبة دون غيره، فجاءت نسبة كبيرة من الإجابات متضمنة خصالا يتحلى بها الشخص المحبب بوجه عام، كالمودة والعطف، والاهتمام الصادق بالأطفال، والعدالة المشوبة بالحزم.
ومثل هذه الحقائق تكشف عن أنه من المفيد للمشرفين على شئون الأطفال في البيت والمدرسة والمعسكر والمستشفى وغيرها من الأماكن ألا يكتفوا بمجرد الشعور بالاهتمام بالأطفال بل عليهم أن يكشفوا عن ذلك في سلوكهم نحوهم، وليس معنى هذا، بطبيعة الحال, المحبة تكفي لحل جميع المشكلات, فالمدرس المحب لتلاميذه يحتاج إيضًا إلى قدر من إتقان التدريس، وصحيح أن حبه لتلاميذه يساعده في عمله ولكن هذا الحب في ذاته لن يجعل منه مدرسا ناجحًا بشكل آلي, كما لا ينبغي أن تحمل أهمية الحب الفرد على أن يفتعل التعبير عنه أو يحيط الطفل بجو مصطنع من المرح والطمأنينة، أو أن يؤدي باسم الحب أمورًا يقتضي صالحه أن يتعلم القيام بها بنفسه.
وفي هذا السياق النمائي يأخذ تطور شخصية الطفل مسارًا محددًا.
(1/422)

فالطفل الوليد لا يكون له ذات، على النحو الذي حددناه لأنه غير قادر على أن يتبين الفروق بين نفسه وبيئته, فثدي الأم يعتبر كجزء منه مثل قبضة يده، ويتحقق بعد عدة شهور أن الثدي "يخص" أمه وأن "القبضة" تخصه هو، وهو يشبع حاجات المستوى الأول وفقًا لنمط مزاجه بعنف أو بدماثة بهدوء أو بضوضاء ... إلخ. وحينما يقع أو يسمع صوتًا عاليًا يدركه على أنه تهديد لحاجاته إلى الأمن الفيزيقي أو السلامة الفيزيقية "المستوى الثاني" ويستجيب بعويل الخوف أو الغضب وهو كثيرًا ما يستجيب لحاجاته من المستوى الأول بنفس الطريقة، ومن الطبيعي أنه حينما تلقى حاجات المستوى الأول أو الثاني عدم إشباع بصفة منتظمة فمن المحتمل تمامًا أن تتأثر صحة الطفل، فيقع بسهولة ضحية للمرض ويخفق في أن ينمو إلى المعدل السوي، إلا أننا كثيرًا ما نغفل تلك الحقيقة "أن الحاجة إلى الحب غالبًا ما تكون ضرورية كحاجات المستوى الأول والثاني".
ويقرر "باكوين 1949" عدة مظاهر عن أثر الحرمان العاطفي على الأطفال في مرحلة المهد.
"يقدم للأطفال الذين يتراوح عمرهم أقل من ستة شهور ووضعوا في مؤسسات لبعض الوقت صورًا محددة تماما وكانت معالهما البارزة هي عدم الاكتراث، الهزال والشحوب، الخمول النسبي، السكون، اللااستجابية للمثيرات مثل الابتسام أو النواح، شهية غير مبالية الإخفاق في الوصول إلى الوزن المناسب على الرغم من تنوال وجبات تكون كافية تمامًا بالنسبة للطفل في المنزل, التبول والتبرز بكثرة, مظهر اللاسعادة، التعرض لنوبات الحمى، اختفاء عادات الامتصاص والرضاعة.
ومن ناحية أخرى إذا تحقق لحاجات المستويات الثلاث الأول إشباعًا كافيا فإن الطفل السوي سوف ينمو ويزدهر.
وعلى الرغم من صعوبة تحديد بداية ظهور الذات إلا أنه يمكن القول بأن ذلك يتم حينما يبدأ الطفل في أن يضحك لوالديه بعد ست إلى ثماني أسابيع من الميلاد, وربما حينما يشرع في تكشف مهده أو جسمه في أي حادث وأحيانًا خلال السنة الأولى من الحياة تبدو بعض ملامح كونه كيانًا منفصلا حيث يبدأ في التعرف على اسمه وهو يبدأ في
(1/423)

أن ينمي حاجات المستوى الرابع، كما تتضح من توقعه للأشياء من الأفراد الآخرين لأسرته ويتوقع أن أمه سوف تطعمه وأن والده سوف يلاعبه ويرفعه بين ذراعية في الهواء وأن إخوته وأخواته سوف يحاولون ملاعبته وإضحاكه أو سوف يحاولون إيذاءه، وهكذا.
وتبدأ بعض الوظائف الأخرى للذات في النمو والازدهار فيتعلم الطفل في أن يستمتع بمجتمع الآخرين، يأخذ في التحقق من أنهم أشخاص مهمون بالنسبة له ومن أنه شخص مهم بالنسبة لهم ويكون حصوليًا أي يسعى للحصول على كل ما يحيط به، ويريد الأشياء لنفسه، يقبض على كل ما يقع في متناول يديه ويتعلق بها ويقاوم محاولات انتزاعها منه، يضع الأشياء في فمه لأنه لا زال يعمل بدرجة كبيرة على المستوى الأول من إشباع الحاجات ويصير الطفل واعيًا جدًا ببيئته الفيزيقية ويرغب كثيرًا في أن يكشفها وكلما نما ونضج يتكشف أنه يستطيع تكشفها، أولا: عن طريق النظر والاتصال وفيما بعد عن طريق الشعور والتلمس والتناول أو القبض، ثم عن طريق الزحف والحبو وإذ يقوم الطفل بهذه الاستكشافات يتعلم بالتدريج الفرق بين الذات واللاذات فإحساسه بالواقع وفقًا لمعايير الكبار يكون غير ملائم بدرجة كبيرة لأنه لا يعرف أن الأجزاء من بيئته يستطيع السير عليها، ولا يعرف ما الخطر والأمان ولا يعرف ما له وما ليس له.
وعلى الرغم من أن هذه الاستكشافات قد ترضي الطفل في أنها تساعده على اكتشاف "من هو" فإنها سوف تؤدي به حقًا إلى صراع مع معايير جماعته فقد يكدر الطفل إحساسنا بأهمية بعض الأشياء أو المقتنيات في المنزل كأن يسحب الكتب من على الرف أو يلقي بالإناء من على المنضدة أو يلهو ويعبث في أوقات أو أماكن غير مناسبة.
وهذا أمر مفهوم لأن سلوكه الدفاعي، تلقائي، ولم يخضع للكف بواسطة معيار التعقل أو المعنويات ومن المحتمل -إن آجلا أو عاجلا- أن يلقى عقابًا على هذه الأفعال وإذا أتى العقاب مبكرًا جدًا فسوف لا يفهم لماذا يعاقب ولكن إذا أتى حينما يكون قادرًا على ربط العقاب بكسر الأشياء أو إتلافها ربط العقاب بموضوع "العقاب" فسوف ينتقل إلى المرحلة الثانية من نموه ويكف عن الإتيان بهذه الأعمال كوسيلة لتجنب العقاب.
(1/424)

ويرى الطفل العقاب كتهديد لتركيبه الذاتي أو لمفهوم الذات فحتى الآن يدرك نفسه كموضوع لحب لا ينضب ولكن والديه الآن يمسكان بالحب عنه وتتعرض حاجاته للعطف فورًا للإحباط وقد يعرف أنهما قد يمسكان بالحب عنه إلى الأبد "إحساس الطفل بالزمن ضعيف كما أشرنا" لقد عبر والداه في الماضي عن حبهما له بواسطة الاحتضان والمعانقة أو الربت والملاطفة أو الكلمات الرقيقة ولكن كلماتهما الفظة ولكماتهما "أو صفعاتهما تبدو له الآن بما هو نقيض الحب.. النبذ والإهمال" فلتوقعاته للحب والأمان قد انقلبت رأسًا على عقب، ويحدث ارتباك في تركيب الذات لديه كلما حاول مواجهة هذا الموقف المربك.
ومن السواء أن يتوافق الطفل مع هذه القيود الضرورية حيثما يكون ناضجًا بدرجة كافية ليكتشف ما يتوقعه والده منه مدمجًا التوقعات الوالدية في تركيب الذات لديه, ويبدي بعض الأطفال عدم رغبة في تقبل هذه القيود ولكن الكثير منهم لا يتقبلها بدون أن يمر خلال فترة أو أكثر من التمرد خلال هذه الفترة، يكون الطفل حقيقة في نضال ضد الضرورة التي تفرض عليه أن يغير من مفهومه لذاته والمعركة لا تنتهي إلا باستسلامه للواقع بأنه ينبغي أن يتقبل التغير.
يخبر معظم الأطفال بعض الصراع الانفعالي في سياق تعلمهم التحكم في حوافزهم ويبدأ الطفل في العام الثاني أو الثالث من الحياة في تعلم أنه لا يستطيع أن يثق بنفسه في تتبع حوافزه، وإذا فعل ذلك فسوف يتردى في اضطراب مع أناس مهمين جدًا، مع والديه، ولكي يحمي نفسه مما يبدو له كفقدان مهدد للحب، وهو العقاب أو النبذ أو الإهمال فهو مضطر لأن يغير تركيب الذات بواسطة أن يدمج فيها شيئًا مما يوقفه في المرة التالية عن الإتيان بالأفعال التي تسبب عدم رضا الوالدين، وهو يحقق هذا التغيير عن طريق تبنيه لمعايير والديه وعن طريق تعديل توقعاته لنفسه وتبنيه لهذه المعايير مثل تلك الأحكام بأن بعض الأشياء خاطئة أو سيئة وغير متقبلة لتفسير سلوكه، وعليه أن يتوقع أنه سوف يفعل أشياء تكون خاطئة أو سيئة إذا لم يراع أن يضبط نفسه وحينما يسيء التصرف يشعر بالذنب ووخز الضمير لأنه لم ير إلا توقعاته ويشعر أنه قد أحط بنفسه، وقد يستجيب لذلك بعقابه لنفسه مباشرة كأن يستجيب لمشاعر الذنب بطريقته المميزة للتعبير عن الإحباط مثل ثورات الغضب، ولوم الآخرين. سرعة التقلب، السلبية، قضم الأظافر، التصرف بطريقة أصغر من سنه، وهكذا.
(1/425)

والضمير هو المصطلح الذي نستخدمه في لغتنا اليومية لوصف هذا الجانب الضابط المعاقب من تكوين الذات لدينا وهو ما لدى أصحاب التحليل النفسي "الأنا الأعلى" والضمير نموذج أو طريقة للاستجابة لأنفسنا نموذج يتعلمه الأطفال ممن هم أكبر منهم سنًا ويبدأ عقاب الضمير يحتل مكانة أكبر في ضبط سلوك الطفل أكثر من العقاب البدني الذي قد يتلقاه من والديه، ويصبح في بعض الأحيان مجرد التفكير في بعض التصرفات غير السلمية كافيًا لإثارة مشاعر الذنب ويؤدي الأمر ببعض الأطفال خاصة أولئك الذين يعيشون في بيوت مليئة بالقيود التي تقيد كل مناشطهم لأنهم يشعرون أنه من الأسلم لهم أن يفعلوا ذلك من أن يجروا لأنفسهم عدم الاستحسان سواء من ناحية ضميرهم أو من والديهم.
وكلما أخذ تطور نمو الطفل نحو النضج تأخذ وظائف ضميره طباعًا أكثر إيجابية، وعلى الرغم من أن الضمير يستمر ليكون مصدرًا للذنب والقلق حتى لدى الأطفال الأسوياء، إلا أنه يقل تحريكه للاضطرابات السلوكية المميزة لطفل العامين والنصف من العمر، وكلما تعلم الطفل أن يعرف والديه أفضل وأن يدركهما بطريقة مختلفة يأخذ اتجاهه نحوهما في التغير وبالتالي يتكون ضميره، وطالما أن اتجاهه نحو ضميره "المعايير الوالدية الاستجوابية" ليس إلا نسخة مطابقة لاتجاهه نحو والديه، فإنه سوف يغير مشاعره نحو ضميره بقدر ما يغير مشاعره نحو والديه, ويبدأ في الإعجاب بطريقة سوية بالوالد الذي من جنسه، الأولاد بالأب والبنات بالأم، ويحاول الطفل مطابقة سلوكه بسلوك الوالد ويبدو الوالدين خلال هذه السنوات المبكرة، كأعمدة للقوة والاستقامة ويشعر الأطفال أنهم إذا فعلوا نفس الأشياء التي يفعلها الوالدان سوف يكونون أقوياء ولا يتعرضون للوم وتأنيب.
وكلما يندمج الطفل مع جماعات اجتماعية خارج أسرته "كجماعة الرفاق.. المدرسة.. إلخ" يصير على اتصال بمجموعات جديدة من المعايير يدمجها في تركيب الذات لديه مثلما حدث بالنسبة للمعابير الوالدية في مرحلة مبكرة فهو الآن يجد نفسه مهمومًا بمشاعر الذنب ليس فقط كنتيجة "لكونه رديئًا"، ولكنه أيضًا كنتيجة لكونه "مختلفًا" ومشاعر الذنب تعبر عن نفسها كإحساس بالخجل عند التخلي عن الممارسات المقررة داخل الجماعة أو كخوف من أن يكون مختلفًا أو كخوف من أن يكون مهملا أو منبوذا من الآخرين إذا كان الفرد مختلفًا جدًا.
(1/426)

وهكذا فإن عمليات الشخصية، من مسايرة وضمير وشعور بالذنب، ليست إلا محاولات للذات لإشباع حاجات الفرد التي تتعلق بالاحتفاظ بعلاقات مرضية مع الآخرين، وفي حقيقة الأمر أن مشكلة الذات هي التوصل إلى أفضل الطرق لإشباع الحاجات الأساسية بدون مساس بحقوق الآخرين، وكلما أصبح الطفل أكثر قدرة على التحكم في حوافزه وتوجيهها فإنه يهيئ الطرق لتقبله كعضو فعال في المجتمع.
ويرتبط نمو الشخصية ارتباطًا وثيقًا بتطور نمو الأبعاد المثالية أو المعنوية في تركيب الشخصية، فيما يعرف باللقاءات المثالية التي تقوم على نظام القيم والمثل والأخلاق بصفة عامة، وهناك علاقة وثيقة بين الشخصية والخلق Character في النطاق الكلي للشخصية فكلما نضجت الشخصية، كانت الأنماط السلوكية الخلقية أكثر نضوجًا.
ويحدد "بيك وهافجرهست، 1960" في دراستهما السيكولوجية وتكوين الخلق عوامل الشخصية التالية من الخلق.
1- الثبات المعنوي:
وهو الميل إلى اتباع النظام الأخلاقي المعنوي القائم في جماعة من الجماعات الإنسانية، اتباعًا ينم عن إرادة في تقبل هذا النظام، وعن الرضا الخلاق.
2- قوة الأنا:
مركب من المقدرات أو الإمكانات للاستجابة للأحداث على أساس إدراكات دقيقة وانفعالات ملائمة، وأحكام تنم عن بصيرة وتعقل.
3- قوة الأنا الأعلى:
الدرجة التي عندها يتحقق للسلوك التوجيه عن طريق مجموعة المبادئ المعنوية الأخلاقية التي صارت جزءا من التكوين الداخلي للفرد أو وفقًا لهذه المبادئ.
4- التلقائية:
الميل إلى التعبير عن المشاعر والرغبات إلى عمل وسلوك بطريقة مباشرة.
(1/427)

5- الودية والتصادق:
اتجاه معمم للمحبة الدافئة والعميقة نحو الأشخاص الآخرين "وعكس هذا العداوة".
6- مركب العداوة - الذنب:
مركب من المشاعر العميقة للعداوة يرتبط بمشاعر قوية للذنب نحو الحفزات الداخلية.
فالخلق المعنوي يقوم على الاتزان الناضج للأحكام التي تأخذ في الاعتبار المسئولية بالنسبة للفرد والآخرين والتي ترى الحقوق الفردية على أساس من التقدير الواضح لحقوق الآخرين والتي ترى علاقة السلوك الحاضر للفرد بمستقبله، أي أنه يتألف من الضبط الذاتي، والوعي بالذات والمهارة والبصيرة في الآخرين، والاستجابات لسلطة الوالدين، ولدور العبادة ولغير ذلك من الجوانب المعنوية من الثقافة, ويتقبل الطفل بالتدريج معايير الجماعة ونظمها، إذ تنمو قدراته لكي يتوافق سلوكه الأناني الاندفاعي مع هذه القيود والضوابط كما ينمو ضميرها في السلوك المعنوي, الأخلاقي بدرجة كبيرة, نتاج خبرته الاجتماعية العامة.
وهناك عدة شروط أساسية لا بد من توافرها حتى يتحقق النمو الأخلاقي المعنوي السليم كما يلي:
1- أن يتحقق مستوى طيب -بقدر الإمكان- للصحة الجسمية، فالأطفال الأقوياء لديهم شجاعة أكثر لكي يقفوا على أقدامهم ولكي يقاوموا الإغراء.
2- الشعور بالأمن العاطفي، والإحساس بأنه شخص محبوب مرغوب فيه، والإحساس بالزمالة والمشاركة، والإنشاء، وفي هذا الجو يتعلم الطفل أن "يحب جاره أو زميله" لأنه هو نفسه محبوب وليس هناك من حاجة لديه لكي يقوم بتعويضه عن الإحساس بالعزلة، أو من حاجة إلى القسوة أو العنف أو دافع الانتقام الذي يكمن غالبًا وراء الجناح.
3- المجالات والفرص الملائمة للتعبير عن المغامرة والاستثارة والانفعال والتحرر من القلق.
(1/428)

4- النظام المستمر في الضبط الذاتي حتى يصير قادرًا على زيادة معدل التحكم في الاندفاعات أو الحفزات الطفلية، ويتحقق هذا الجانب كإنجاز متزايد خلال مرحلة الطفولة.
5- توسيع الآفاق الاجتماعية باستمرار حتى يتحقق له مقدرة متزايدة باستمرار لكي يعرف، ويتحلم، ويقدر ويفهم، وبالتالي يعتبر بطريقة فطنة حقوق الآخرين وواجباتهم ومزاياهم.
6- الإلهام "وعادة ما يتهيأ بالممارسة الدينية" في الرغبة في الحق بقوة كافية حتى يجد الإشباع الجاد في الإتيان به.
ومن المعروف أن إدراك الطفل الأول لما هو "صواب" أو "خطأ" هو ببساطة ما يسمح به لوالدين أو يمنعانه فهو محكوم في الطفولة المبكرة بما يطلق عليه "بياجيه 1948" الواقعية المعنوية، حيث يكون العالم هو بالضبط ما يبدو أن يكون عليه، فليس هناك وجهات للنظر، ولا توجد نسبية، بل الأشياء تكون أبيض، أو أسود صواب أو خطأ، فما يقرره الوالدين يتشربه الأطفال كمعايير الصواب والخطأ والحلال والحرام، وغير ذلك مما تشربه من المعايير والأحكام الخلقية والمعنوية.
ووفقًا لنظرية "بياجيه 1948" يتعلم الطفل بالتدريج أن القواعد ليست حقيقة بطريقة واقعية ولكنها من صنع الناس ويمكن أن تتعدل لتلائم الظروف فمثلا تعلم أحد الأطفال أن يعود إلا المنزل مباشرة بعد انتهاء المدرسة، وهو قد يقبل هذه القاعدة على أنها قاعدة مطلقة، وفي أحد الأيام عاد إلى المنزل، وقد كانت الدنيا تمطر بغزارة وتوسخت ملابسه ولذلك عوقب على نقص حكمته، في أنه لم ينتظر بالمدرسة حتى ينتهي المطر وهكذا، فإن ما اعتقد الطفل أنه قد تقبله كقاعدة مطلقة، يرى أنه خاضع للتعديل وفقًا للظروف، ويستطيع الطفل في مرحلة أكثر نضجًا أو يدرك مرونة مواقف السلطة في ضوء المصالح "الأكبر" الذي يقع وراء معظم القواعد، وأن يدرك صحة أي عمل من الأعمال تكمن في روح القاعدة وتنفيذها بروحها أكثر من حرفيتها.
ويتحقق للطفل في مرحلة لاحقة من النمو تطويع الأحكام المعنوية بواسطة اعتبارات العدالة، ففي المرحلة الأولى يتعلم الطفل أن
(1/429)

يكيف القاعدة لروح القاعدة في ضوء فائدتها بالنسبة للناس، ولكن كل الناس متساوون بدرجة مطلقة ويدرك الطفل -في مرحلة لاحقة- الأمور اللازمة لتحقيق العدالة الحقيقية، ولا يعتدي على أحد زملائه، لا يشاغب ولا يخرج على النظام، ولا يفتري على غيره ... إلخ.
ولا يعتبر الانتقال من التقبل المطلق للقواعد الموضوعية إلى تعديل هذه القواعد أمرًا بسيطا، فالأطفال لا يتمثلون القواعد، والأحكام الخلقية، المعنوية التي تنتقل من حين لآخر على أنها مبادئ جاهزة الصنع، فكل طفل ينبغي أن "يعالج" هذه المبادئ بحيث تتكامل داخل حياته الخاصة في إطار حاجته الفردية وتوحده مع غيره من الناس في بيئته واحترامه لهم.
فكثير من الأحكام الخلقية للأطفال في سن المرحلة الابتدائية وتكون في صراع مع أحكام والديهم أو مع الجماعة الثقافية المحيطة بهم ككل، ويرجع هذا إلى أن الأطفال لم يجعلوا هذه الأحكام والقواعد جزءًا من تكوينهم الذاتي العميق، والمعروف أن الأطفال في سن ما قبل المدرسة، وفي مرحلة المدرسة الابتدائية يكون لديهم مقدرة محدودة لتوسيع نطاق توحدهم أو تقمصهم مع الأشخاص الآخرين أو الاهتمام بهم, ولذلك تكون أحكامهم الخلقية وبدرجة كبيرة، وفي ضوء العالم كما يرى من خلال عيونهم في ضوء مكانة وسلطة والديهم أو فيما بعد، الكبار الآخرين، وكلما تنمو مقدرة الطفل على أن يوحد نفسه مع غيره أو أن يصير مهتمًا بالآخرين تنمو مقدرته على تقدير المواقف على أساس أوسع ويصير أقل اعتمادا على سلطة الراشدين، وحتى في بعض الأوقات أقل اعتمادًا على معظم أحكام زملائه وقواعدهم، وتنمو لديه القدرة على "تقدير" المواقف بنفسه.
وينمي الأطفال بالتدريج ضبطًا كافيًا حيال حفزاتهم البدائية والأنانية حتى يمكنهم من العيش في جماعة بطريقة طيبة، ولا يعني هذا كبت الانفعالات والحوافز المرغوبة أو القيود المستحيلة لأي حافز أساسي، ولكن الدرس الذي ينبغي أن يتعلمه الطفل هو توجيهه للطاقة الانفعالية في مسالك تثبت فائدتها من الناحية الاجتماعية أكثر مما تتسبب عنه من تدمير, وأحد الجوانب اللازمة لنمو الضبط الذاتي هو تعلم مقاومة الإغراء والغواية، ولا يتعلم الأطفال ذلك عن طريق حمياتهم من كل
(1/430)

عوامل الإغراء، ولكنهم يتعلمون ذلك فحسب عن طريق مواجهة الإغراءات القوية المتزايدة، ويعتبر الاعتزاز الشخصي في نمو المسئولية الاجتماعية والخلقية للآخرين أحد الطرق للجمع بين الاندفاعات الأنانية والغيرية، ومن الأساليب الفعالة في هذا الصدد، ممارسة الشهامة والمروءة والكرم، وممارسة العمل في ظروف من المرح والبهجة, والتدريب على تقبل المديح والاستحسان، وفي بناء سمعة طيبة كشخص يمكن الاعتماد عليه.
والأساس في ذلك هو نمو الضمير، أو ما يطلق عليه أصحاب التحليل النفسي مصطلح، "الأنا الأعلى" الذي يمثل في الشخصية كل أحكام ومعايير الوالدين ومجتمعنا الثقافي, أو يقول آخر: يمثل الرقيب الذاتي.
ويشير "ملرتن 1960" إلى أن الضمير ليس إلا ذلك الجانب من "الوراثة الاجتماعية لدى الفرد" ويقرر "كوهلبرج 1962" أن الباحثين المعاصرين يعتبرون المعنويات أو الضمير على أنه مجموعة القواعد والأحكام الثقافية للإدارة والعمل الاجتماعي الذي تمثله الفرد لعالمه الداخلي وصار جزءًا من تكوينه الذاتي.
ويميز "بيك وهافجرست 1960" أربعة أنواع مختلفة للضمير تختلف اختلافًا كيفيًا وهي:
1- النوع الأول وهو الأكثر بدائية والأقل فاعلية ويتألف من مجموعة "النواهي" الفظة والقاسية وهي في أحسن حالاتها تعمل كطريقة كامنة بدون تفكر، وفي أسوأ حالاتها تكون غير متسقة داخليًا أو محبطة بدرجة يستحيل تتبعها.
2- والنوع الثاني من الضمير هو مسايرة الأحكام والقواعد، مع إعطاء وزن أساسي للسلطة التي لا تزال متمركزة في الناس المحيطة به.
3- ويتألف النوع الثالث من الضمير من كيان منظم من القواعد الخلقية المتحولة إلى داخل الفرد والتي تحتفظ باستقلالها الذاتي وهي لا تتأثر كثيرًا بما قد يقرره أشخاص آخرون كما لا تسمح لنفسها أن تسأل أو تختبر بواسطة الفحص، والتمحيص العاقل, وهي تؤلف معًا "الأنا الأعلى العصابي الطاغي" ويعتبر "فرويد" أول من وصفه.
(1/431)

4- والنوع الرابع من الضمير هو تلك المجموعة الراسخة من المبادئ الأخلاقية المعنوية المستوعبة داخل الفرد، والتي يمكن أن تخضع للتساؤل والاختبار الرصين.
يخلص "بينيت 1960" الأبحاث والدراسات السابقة التي أجريت في مجال علم النفس في نمو الضمير أن قوة وثبات الضمير يعتمد اعتمادًا مباشرًا على قوة ومدى العلاقات المبكرة للطفل القائمة على المحبة، وينمو تكوين الضمير -وفقًا لهذه النظرية- من خلال التقمصات أو التوحدات الجزئية المتكررة للطفل مع شخص محبوب والتي عادة ما تحدث بعد أن يسحب مؤقتًا حبه الذي يتبع إحباط حوافزه الغريزية، وينتج عن هذا التقمص تغير الأنا لكي يضاهي الشخص المحبوب.
وهناك اتجاهات في تفسير نمو الضمير، فالاتجاه الأول وهو نظريات التعلم التي تفسر نمو قوة الضمير في ضوء شروط التدعيم، أما الاتجاه الثاني وهو التحليل النفسي فيفسر قوة الضمير في ضوء ميكانزمات توجد الطفل مع النماذج الوالدية والاستحسان الوالدي، ويقرر "كولبرج 1962" أن كلا هاتين النظريتين تذهبان إلى التأكيد على "القلق" أو "الذنب" على أنه الدافع الأساسي وعلى كل الحوافز مثل "الجنس" والعدوان وغير ذلك كتعبير عن الأخلاقيات.
ويفترض الاتجاه الذي يستند إلى نظرية "التعلم" في تفسير اكتساب الأخلاقيات وتكوين الضمير أن النمو الأخلاقي المعنوي ليس إلا "عادات طيبة متعلمة خلال التلقين والتدريس" فالأنانية أو العادات السيئة عادة ما يمنع ممارستها وكثيرًا ما ترتبط بالعقاب ويفترض أصحاب هذه المدرسة أن السلوك الأخلاقي المتعلم في المنزل سوف يعمم على مواقف أخرى خارج المنزل لا تخضع للإشراف.
ويقرر أحد الباحثين أنه قد توجد فروق وراثية في القدرة على الاقتران الشرطي وفي تعلم القلق المعنوي "إيزنك 1960" وقد وجد باحثون آخرون أن إدخال نماذج توسيطية من الأفلام كانت ذات فاعلية في تعديل استجابات المفحوصين للإحباط اللاحق أكثر مما كانت لنماذج الحياة الواقعية "باندرورا وغيره 1963".
(1/432)

وتختلف الدراسات في نتائجها بصدد علاقة أساليب النظام في المنزل بالنجاح من ناحية، أو بالقدرة على مقاومة الإغراء والغواية من ناحية أخرى, وقد وجد بعض الباحثين "جليوبك وجليوبك 1950, باندورا ووالترز 1963" أن أساليب النظم الأكثر بدائية, وعدم الاتساق، وعدم المعقولية كان يشيع استخدامها في بيوت الجانحين المراهقين أكثر من غير الجانحين.
ومن ناحية أخرى, يخلص "بيك وهافجهرست 1960" بعد دراسة متعمقة لسيكولوجية اضطراب الخلق أو نتيجة تقرر أن المثل الراسخ الجذاب لوالدين حكيمين محبين هو المؤثر والوحيد حقيقة الذي يخلق أطفالا ذوي خصائص غيرية, متعلقة بالواجب والمسئولية والحب والتواد، وهو الشكل الأرقى, كما يذهب هذان الباحثان في مستويات الأخلاقيات إلى بناء الإنسان على أساس من النمو والإشراق.
(1/433)

نظريات النمو
أولا: مفهوم دورة حياة الإنسان
...
نظريات النمو:
أولا: مفهوم دورة الحياة الإنسان
أشار عديد من الفلاسفة وعلماء النفس لوجهات نظر مختلفة في طبيعة دورة حياة الإنسان، فتشير إحدى وجهات النظر الشائعة إلى التناظر الوظيفي بين فصول السنة ومراحل حياة الإنسان فالربيع يمثل الفترة التي يحدث فيها النضج والإحساس بالقوة، ويومئ الصيف إلى فترة النضج والإنتاج العزيز، ويتمثل الخريف في فترة الحصاد وبلوغ الذروة، ويتم خلاله بذر البذور لأجيال تالية, ويشير الشتاء إلى فترة الخطى نحو النهاية والتدرج نحو الأقول ثم الموت، وكل فصل من هذه الفصول يكون جميلا في ذاته ويتصف بالتفردية، وحيث لا بد من الانتقال في فصل إلى الآخر التالي له فإن الفرد عندما يكمل دائرة معينة حينئذ يمهد الطريق للدائرة التالية لها.
وجدير بالذكر فإن هذا التمثيل أو التناظر الوظيفي يكون من البساطة الشديدة حتى يمكنه وصف النمو الإنساني، ومع ذلك فإنه بطريقة شاعرية يجذب انتباه عديد من العلماء لدرجة أن اتخذه البعض
(1/433)

أساسًا لعديد من النظريات النمائية، فالنمو يتصف بالتوالي والتقدم، كما أنه يتبع نفس النموذج من جيل إلى آخر، كما يتسم بالدائرية بمعنى أنه كلما نضج جيل معين فإنه بالتالي يعزز الجيل اللاحق له، والآن هيا بنا نتأمل سويًا وبصورة أدق دورة حياة الإنسان
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/434)

والمتأمل في الشكل السابق الذي يمثل دورة حياة الإنسان يلاحظ التقدم النمائي في اتجاه واحد وهو من الميلاد حتى الموت، وبالتالي يتبع تسلسل منتظم "فمرحلة الطفولة دائمًا ما تحدث قبل مرحلة البلوغ والمراهقة، والأخيرة تحدث قبل مرحلة الرشد وهكذا".
ويشير الشكل رقم "1" إلى رسم تخطيطي لحياة الفرد موضحًا لأحداث مرتبطة بأعمار زمنية معينة.. وواضح أن نقطة النهاية غالبًا ما تقرر أو تحدد بالمتغيرات البيولوجية والفسيولوجية، ويلعب النضج البيولوجي دورًا رئيسيًا ومركزيًا، إلا أن دوره يتناقص من حيث الأهمية كلما انتقلنا من الحمل إلى الولادة، ومن الولادة إلى البلوغ، ومن البلوغ إلى الرشد, ثم إلى الشيخوخة.
ولكن ما هي المتغيرات الأخرى غير البيولوجية التي تحدد معنى ودلالة الأحداث على مجرى الحياة؟ وما الذي يجعل هذه الأحداث من المعالم الهامة على طول دائرة الحياة؟
أحد التناظرات المفيدة في هذا المضمار يتمثل في تشبيه الحياة برحلة ذات عدد من الأماكن الهامة المشوقة، بالإضافة إلى وجود ملتقيات حاسمة عصبية على طول الطريق، فمنذ سنوات ماضية، عندما كان السفر والترحال بطيئًا، فقد كانت الطرق عادة ما تتميز بوجود معالم أو بمعلم يدل على المسافة بالأميال لكي يميز لكل ميل في الطريق، وهذه المعالم ذات أهمية لأن المسافرين كانوا ينتقلون نحو الهدف خلال الوقت، كما أن تقدمهم يقاس بكم أو بعدد الأميال التي يقطعونها في كل وحدة زمنية كاليوم على سبيل المثال، وليس بمستغرب أن نجد الإنسان يميل إلى تحديد أو معرفة تقدمه خلال دورة الحياة بطريقة متاشبهة بصورة كبيرة, فنحن على دراية ووعي بتقدمنا خلال العام الماضي، كما أن لدينا الإحساس بالتحرك ببطئ شديد أو بسرعة كبيرة على طول ممر الحياة تجاه أهدافنا والذي يعتمد في جوهره على قياس الزمن أو الوقت المستغرق، وعلى ذلك فإن مفهوم المعالم أو الأحداث الهامة التي تمثل مرحلة من مراحل حياة الإنسان في النمو الإنساني يعتبر مفهومًا مناسبًا إلى حد كبير، ويرجع ذلك بسبب أننا عندما نفكر في دورة الحياة التي ميزناها وحددناها بمعالم نمائية فإننا غالبًا ما نحتفل بتلك المعالم "والأحداث الهامة" مثل التخرج من الجامعة والزواج والإنجاب والتقاعد أو الإحالة إلى المعاش.
(1/435)

فهيا بنا نتعرف على تلك المعالم أو الأحداث الهامة التي ترتبط في ذاكرة الإنسان بصورة ذات دلالة، والعمر الزمني المرتبط بنقاط التحول تلك، أو المعلم الذي يميز كل مرحلة من مراحل النمو الإنساني. وعمومًا فإن سن الخامسة أو السادسة غالبًا ما يكون ذا دلالة ومعنى وذلك لأنه معلم يصف دخول الطفول المدرسة، وبداية فترة طويلة للتعليم والتدريب الرسمي داخل المجتمع. وهذا الحدث يتحدد بصورة أولية واجتماعية عن طريق العمر الزمني الذي يقبل فيه الطفل في مدرسة الحضانة أو المدرسة الابتدائية.
والحدث الرئيسي الثاني والمرتبط بالسن يتمثل في بداية مرحلة البلوغ في سن الثانية عشر أو الثالثة عشر تقريبًا. وعلى الرغم من أن الثقافات بصورة عامة وخاصة المتقدمةى لا تحتفل بالبلوغ كطقس أو إجازة مرور وانتقال من فترة نمائية إلى أخرى، إلا أن الأنثروبولوجيين يشيرون إلى أن طقوس وشعائر بداية البلوغ ذات أهمية كبيرة في كثير من المجتمعات، حيث إنها تحدد نهاية مرحلة الطفولة وبداية مرحلة المراهقة.
ففي بعض القبائل الهندية -على سبيل المثال- يجب أن يجتاز المراهق سلسلة من الاختبارات للتعرف على قوته وشجاعته والتي تبلغ ذروتها في الاحتفال بمركزه الجديد، كمحارب أو جندي أو مقاتل. وربما تكون استخراج البطاقة الشخصية أو رخصة القيادة في المجتماعات الحديثة من تلك الإمارات الانتقالية التي تشبه هذه الطقوس المرتبطة بفترة المراهقة في تلك المجتمعات, ومع بداية مرحلة المراهقة، وكثيرًا ما تستخدم فترة المراهقة، كمرحلة طويلة من التعليق وتأجيل النشاطات وهو نوع من التوقف المؤقت الذي يحدث فيما بين نهاية مرحلة الطفولة ومرحلة الرشد في المجتمع, حيث نجد الكبار قد يعاملون المراهقين أحيانًا كأطفال، وأحيانًا أخرى كراشدين.
وبمواصلة دورة الحياة فإننا نجد سن الثامنة عشر يعتبر فترة عمرية هامة يرتبط بأحداث هامة تحدث أثناءها، حيث نجد الكثير من الحقوق والامتيازات الاجتماعية والقانونية تمنح للبالغين في هذا السن مثل استخراج رخصة القيادة وركوب السيارات، والحق الانتخابي والمحاكمة الجنائية كراشد. وعمومًا فإن هذا العمر يعتبر نقطة تحول هامة من الناحية الاجتماعية في دورة حياة الفرد، بمعنى أنه غالبًا ما يكون معلمًا لبداية سن الراشد بالمعنى الاجتماعي والقانوني، كما يحدث لكثير أنه شباب
(1/436)

الثامنة عشر حدثًا رئيسيًا ويتمثل في تكملة الدراسة الجامعية، وقد يتضمن ذلك ترك المنزل والانخراط في نمط مختلف من التعليم، وبالتالي الازدياد في الاعتماد على الذات, كما أننا نجد أنه بالنسبة للشباب الذين ينهون المدرسة الثانوية أو الفنية وينخرطون في مجالات العمل أو يشرعون في الزواج، حينئذ نجد أن هذا السن قد يتصف بالاشتراك الكامل في المجتمع كفرد راشد، وعمومًا فمن التعريفات المفيدة لبداية مرحلة الرشد يتمثل في تغيير الأدوار التي تحدث بدخول الفرد مجال العمل، وتكوين أسرة خاصة به، وبالنسبة للأفراد الذين يدخلون الجامعة نجد أن فترة توقف أو تعليق نشاطهم تمتد ما بين خمسة أو ست سنوات حتى ينتهوا من دراستهم الجامعية، وبالتالي نجد أن مرحلة تعليق النشاط بين مرحلة الطفولة والاشتراك الكامل في أدوار الراشدين قد يتأخر قليلا بالنسبة لهؤلاء الشباب, وعمومًا فإن مرحلة الرشد تتصف بتغير الأدوار من الطالب إلى العامل، ومن فرد أعزب إلى متزوج، ومن فرد في أسرة إلى رب أسرة، وهكذا.
وقد يكون سن الثلاثين مرتبط ببعض الأحداث الهامة في تاريخ حياة الفرد، فقد يمثل هذا السن وسط العمر، على الرغم من أننا نلاحظ سن الأربعين والخمسين Neugarten & Others؛ "1965"، حيث يشير "نيوجارتن" أن عينة دراسته من الذكور والإناث أشارت إلى أن العقد الثالث والرابع يمثلان سنوات تحمل المسئولية والإنجاز البارز في حياة الفرد، بالإضافة إلى أن الأحداث الرئيسية في حياة الفرد غالبًا ما تحدث خلال هذه الفترة.
ولقد أيدت نتائج دراسة بيرن Birren؛ "1969" ما ذهبت إليه نتائج دراسة "نيوجارتن" وآخرين حيث أشارت إلى أن التدهور الجسمي والفسيولوجي يرتبط بصورة كبيرة بوجود بعض الأمراض أكثر من ارتباطه بعمر زمني معين، فالتحول التدريجي نحو الانحدار يميل إلى أنه يعكس نمطًا لحياة الفرد نحو الاستقرار وعدم الرغبة في التنقل والترحال.
وعمومًا فكثير من الأحداث الهامة غالبًا ما تقع في العقد الثالث والرابع من حياة الفرد، كالزواج والأبوة والترقي المهني وإنجاب الأطفال والتحاقهم بالمدارس، بالإضافة إلى موت أحد الوالدين لأحد الزوجين أو
(1/437)

كليهما، كما يحدث تحقيق لكثير من الإنجازات التي كان يتمنى الفرد تحقيقها خلال هذه المرحلة، وعلى الرغم من أن هذه الأحداث النمائية الهامة التي تمثل السنوات الوسطى -فترة الرشد- إلا أننا لا نجدها مرتبطة بصورة مؤكدة بالعمر الزمني، فقد تتأثر بالتوقعات الاجتماعية، مثل الوقت الملائم للزواج أو تغيير الوظيفة أو المهنة، أو كون الفرد قد أصبح جَدًا, وتشير نتائج دراسة نيوجارتن إلى أن الراشدين غالبًا ما يكون لديهم حدس في تمييز فترة وسط العمر حيث تختلف نوعيًا عن فترات العمر الأخرى.
ويحدث حدثان مهمان في مرحلة الوسطى وهما انقطاع الطمث وبلوغ سن التقاعد، فتوقف الحيض وانخفاض إفراز هرمونات الجنس يحدث عند النساء ما بين 45-55 سنة، وعادة ما يحدد من الناحية الفسيولوجية، أما التقاعد أو الإحالة إلى المعاش على النقيض من ذلك حيث يحدد اجتماعيا ويعتبر معلمًا هامًا لمرحلة الرشد الوسطى, وغالبًا ما يحدد عن طريق قوانين الدولة "سن الستين أو الخامسة والستين", وقد ينظر إلى السنوات الأخيرة من الحياة بحدوث أحداث هامة كالإحالة على المعاش وأن يصبح الفرد جَدًا، وتشير نتائج الفرد دراسة نيوجارتن "1974" أن هذه الفترة قد تعتبر بالنسبة للبعض فترة صحية جيدة، وأمن اقتصادي نسبي، والتخفف من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
(1/438)

ثانيًا: بعض نظريات النمو
تحاول نظريات النمو لدورة حياة الإنسان تفسير طبيعة عملية النضج ونماذج التغير التي تحدث عند الفرد منذ الميلاد حتى الموت, وتشير تلك النظريات إلى أن الراشدين يستمرون في النمو والتغير بعد فترة المراهقة وحيث إنه يفترض أن النمو يحدث في صورة تقدم متوال، فإن هدف تلك النظريات ينصب على تفهم طبيعة هذا التوالي، وتفسير سبب اضطراب النمو بالطريقة التي يحدث بها، بالإضافة إلى أننا نجد كثيرا من نظريات النمو تسعى إلى التعرف على الموضوعات العامة التي تندرج تحت تلك النماذج من النضج الإنساني بالإضافة لجميع الأفراد في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية, وغالبًا ما تشير تلك النظريات النمائية إلى صورة تسلسل المراحل النمائية والتي يتبع كل منها الآخر في توال معين.
(1/438)

وتتركز معظم نظريات النمو على عملية التفاعل بين عديد من العوامل حيث إن النمو الإنساني يتضمن العديد من التأثيرات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية، إلا أننا نجد أن معظم نظريات النمو تصف عملية النمو عن طريق بعض المصطلحات العامة بصورة نسبية، كما أنها لم تستطع التوصل إلى تفسير قاطع، يرجع إليه تسلسل النمو في تلك النماذج التي وصفتها هذه النظريات، وبالتالي فلا توجد نظرية شاملة يمكنها إلقاء الضوء على سبب حدوث ثمة تغيرات معينة في النظام والصورة التي تحدث فيها، أو كيف يكون مدى تأثر التغيرات التي تحدث بالعوامل الاجتماعية والبيولوجية أو العوامل الفسيولوجية وبالإضافة إلى ذلك فإننا عادة ما نكون غير متأكدين، مما إذا كانت تلك التغيرات تحدث عند الأفراد في كل الثقافات أم لا, وعمومًا فإن هذه النظريات -على أحسن حال- قد تمكنت من وصف تفاعل النمو الثقافي والبيولوجي والنفسي.
وسنناقش في ثنايا الصفحات التالية أربع نماذج لنظريات مختلفة لنمو دورة حياة الإنسان, وهي نظرية بوهلر Buhler, ويونج Jung وأريكسون Erihson، وريجل Riegel، ويجب أن تشير ابتداء إلى أن تلك النظريات على الرغم من أنها قد اعتمدت على الاستدلالات التي اشتقت من الملاحظات الإكلينيكية والتجريبية، إلا أنها مع ذلك لم تختبر بصورة دقيقة بواسطة الدراسات والمنهج التجريبي، غير أنها قد أشارت إلى أبعاد هامة لدورة حياة الإنسان، كما أنها جذبت الانتباه إلى نقاط التحول الهامة أثناء سنوات مرحلة الرشد, وقد تشير الأبحاث والدراسات اللاحقة أي من هذه النظريات أو اتحاد منها يكون ذا فائدة بصورة أكبر لتفهم النمو الإنساني, أو على الأقل سنوات أي مرحلة من مراحل الحياة، وسوف نشير كذلك إلى الكيفية والطرق التي تؤثر بها بعض المتغيرات على عملية النمو، مثل تأثير الثقافة والطبقة الاجتماعية.
1- نظرية بوهلر في النمو الإنساني:
درست شارلوت بوهلر Charlotte Buhler وتلاميذها دورة حياة الإنسان من خلال السير الذاتية التي جمعت في عام 1930، وطورت وتلاميذها طريقة لتحليل هذه السير الذاتية، للكشف عن التقدم المنتظم لمراحل الحياة على أساس التغير الذي يحدث في الأحداث والمهام والإنجازات أثناء دورة حياة الإنسان.
(1/439)

ولقد اهتموا كذلك بتأمل وفحص التماثل بين سياق الحياة -التي كشفت عنها دراسة سير الحياة- والسياق البيولوجي للحياة, وتمخضت هذه الدراسات عن كشف خمس مراحل بيولوجية.
1- النمو التقدمي أو التصاعدي، يستمر من الميلاد حتى سن الخامسة عشر.
2- استمرار النمو، ويتمثل في انبثاق القدرة على التناسل الجنسي وتقع في الفترة ما بين 15 سنة، 25 سنة.
3- ثابت عملية النمو، وتقع ما بين 25 سنة, 45 سنة.
4- فقدان القدرة على التوالد الجنسي، وتقع ما بين سن 45، 65 سنة.
5- النمو التقهقري والضعف البيولوجي، ويحدث من سن 65 سنة.
وأشارت "بوهلر وتلاميذها" إلى خمس مراحل للحياة وذلك نتيجة لدراسة أربعمائة سيرة لحياة الأفراد, تتساوق مع تلك المراحل البيولوجية الخمس السابقة وهي.
(1/440)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/441)

وجدير بالذكر, أن تلك الأعمار الزمنية المشار إليها في الجدول بمثابة أعمار تقريبية، وتعكس -بصورة جزئية- بعض الأعمار الاجتماعية المرتبطة ببعض الأحداث كالتقاعد أو الإحالة إلى المعاش في سن الستين, ويشير وصف فرنكل Frenkel أحد تلاميذ بوهلر للتدرج النمائي للإنسان كما يلي.
إن الشخص اليافع، بمجرد أن يمر بمرحلة الطفولة، نجده يحاول أن يضع أول تخطيط لحياته، ويتخذ القرارات الأولى في مرحلة المراهقة أو بعدها بقليل, وفي هذا الوقت تبدأ المرحلة الثانية من الخبرة وتتصف بالواقعية, حيث نجده يرغب أن يتفاعل مع الواقع المحيط به، فهو يجرب مع زملائه الآخرين، وأيضًا يستكشف بعض المهن، كما يحدث توسيع وامتداد لمجال شخصيته، كما تتسم اتجاهاته بالاستقرار المؤقت خاصة في تحديد حياته المستقبلية.
وفي نهاية المرحلة الثانية، عادة ما نجد اتجاهات الأفراد أكثر تبلورًا ووضوحًا نحو الحياة، كما نجد الحيوية والنشاط، أثناء المرحلة الثالثة ما تزال في أعلى درجاتها، كما يحدث في هذه الفترة عملية التخصيص والتعيين وبالتالي فإن هذا الوقت عادة ما يكون فترة ذروة بالنسبة للخبرات الشخصية للفرد.
وقد تبدأ الأزمات أثناء الانتقال إلى المرحلة الرابعة، حيث نجد قدرات أو قوى الفرد النامية والمترعرعة تصبح في حالة من حالات التجمد أو التوقف، كما يجب عليه التخلي عن كثير من النشاطات، خاصة تلك التي تعتمد على القوة الجسمية أو المرتبطة بالحاجات البيولوجية، وعلى النقيض من تدهور الجانب البيولوجي والخبرات المرتبطة به، نجد تصاعدًا ذو فعالية لميول جديدة مرتبطة بالجوانب الانتاجية في الحياة.
وفي نهاية المطاف، أثناء المرحلة الخامسة، نجد التقدم في العمر الزمني يرتبط بهواجس الموت، والشكوى من العزلة، وغالبًا ما يكون الفرد منشغلا بالتساؤلات والاستفسارات الدينية, وتتضمن هذه المرحلة الأخيرة خبرات ذات طبيعة استرجاعية وبعض الآراء ووجهات النظر المرتبطة بالمستقبل وعادة ما تكون متمركزة حول اقتراب الموت واسترجاع الحياة السابقة، كما أن استمرار التساوق والتوافق مع الحياة غالبًا ما يكون ضعيفًا أو متوقفًا Frenkel؛ "1936".
(1/442)

وبصورة عامة، فإن وجهة النظر السابقة تشير إلى التوازن أو الاتساق بين العمليات البيولوجية للنضج، والتقدم نحو النهاية حيث يحدث اتساع لنطاق العمليات النفسية والاجتماعية، ثم بلوغ الذروة، ثم التقلص أو الانكماش في الأنشطة، والإنجازات، وغالبًا ما يكون العامل البيولوجي في قمة أو طليعة نمو الفرد النفسي والاجتماعي، ويصدق ذلك -بصورة خاصة- عندما يسمح الاعتماد على القدرات العقلية للشخص في الاستمرار أو مواصلة الكم المرتفع من الإنتاجية لعديد من السنوات بعد أن تكون القدرة الجسمية قد بدأت بالفعل في التدهور، وجدير بالذكر فإنه يحدث تباينات وتنوعات فردية هامة، حيث قد يصبح فرد ماذا إنتاجية عالية، أكثر مما يحدث في الفترة الأخيرة من حياته، ويصل إلى مرحلة الذروة النفسية والاجتماعية بعد سنوات عديدة من بلوغه فترة ذروته البيولوجية.
والتعديلات التي أدخلتها، "بوهلر" "1968" على نظريتها تشير وتؤكد على عملية صياغة الفرد لأهداف معنية "وبالتالي فإن هذا التتابع النمائي ينظر إليه أيضًا على أنه يعكس وجهات نظر مختلفة في وضع أهداف الفرد للمراحل المختلفة في ذروة حياته، فمثلا إن الأهداف تتخذ صورة الثبات التدريجي أثناء العشرين سنة الأولى من حياة الفرد، والتي تؤدي بالتالي بصورة نموذجية إلى تحقيق الذات أثناء فترة الذروة، كما أن بعض الأفراد الذين يتسمون بالحيوية، قد يعيدوا فحص وتأمل هذه الأهداف ويسعون إلى تحقيق أهداف جديدة أثناء المرحلة الرابعة من حياتهم، وعمومًا تميل الأهداف إلى الاستقرار والثبات بالنسبة لمعظم الأفراد، خاصة في النصف الثاني من الحياة، ولقد أوضحت دراسة كاهلن Kuhlen وجونسون Johnson؛ "1952" تبدل الأهداف أثناء السنوات الوسطى لدى مجموعة من مدرسي المدارس العامة، وأوضحا وجود اختلافات جنسية وكذلك اختلافات عمرية، كالحصول على عمل مختلف، أو الترقي في التعليم مثلا.
ويوضح "كوهلن Kuhlen؛ "1964" في نظريته لنمو الإنسان فترة الذروة والانكماش بطريقة مختلفة إلى حد ما، حيث يفترض أن دوافع اتساع نطاق النمو "مثل الإنجاز، والسلطة، والابتكار، وتحقيق الذات" عادة ما يهيمن على سلوك الفرد أثناء النصف الأول من حياته، كما أنها يمكن أن تتغير خلال حياة الفرد بسبب إشباعها نسبيًا "كالحاجة إلى النجاح أو الحاجة إلى الجنس"، وكذلك بسبب انتقال الفرد إلى مراكز اجتماعية
(1/443)

جديدة "كأن يصبح أبا أو أمًا أو مديرًا لمؤسسة ... إلخ", ويشير "كاهلن إلى أن التقدم في العمر الزمني يحدث عملية تحول من الإشباعات المباشرة للحاجات إلى نوع آخر من الإشباعات يحصل عليها بطريقة غير مباشرة أو بطريقة بديلة، وعلى ذلك فإن دورة حياة الإنسان من الممكن وصفها بواسطة منحنى الاتساع ومنحنى الانكماش.
ويصبح القلق والخوف -في النصف الثاني من الحياة- أهم مصادر الدافعية في نموذج "كاهلن", وقد يبدأ ذلك في منتصف العمر عندما يشعر الإنسان بانتهاء عملية التوسع أو الامتداد, وتقلص نشاطاته وبالتالي يبدأ في التأثر بالتدهور والفقدان الذي لا يمكن الفكاك منه؛ "كالأمراض الجسمية، وموت الأصدقاء، افتقاد فرص العمل", ولقد أشار "كاهلن" إلى عديد من الدراسات التي أوضحت أنه مع التقدم في العمر يشعر الأفراد بأنهم أقل سعادة كما ينظرون إلى ذواتهم بصورة أكثر سلبية، ويشعرون بفقدان الثقة بأنفسهم ما تتميز هذه المرحلة بازدياد أعراض القلق بين الأشخاص المسنين, ولقد أشارت النتائج أيضًا إلى أن المسنين عادة ما يكون تأثيرهم أضعف على النساء، كما أن المسنين من الطبقات الاقتصادية المرتفعة عادة ما يكون تأثيرهم أقل على النساء من الرجال المسنين في الطبقة الاقتصادية والاجتماعية الأقل.
وبإيجاز فإن وجهة النظر هذه لنمو الراشدين تشير إلى أن دورة حياة الفرد يمكن أن ننظر إليها عن طريق اتجاهين عامين وهما، اتجاه امتداد أو اتساع النضج، واتجاه تقلص أو انكماش النضج, وقد ينظر إلى مرحلة الحياة الوسطى -في بعض الأحيان- بأنها تعتبر نقطة تحول رئيسية بين هذين الاتجاهين المتناقضين, ويحدد بوهلر Buhler نقطة التحول أثناء فترة تقييم الذات، والتي تقع في مرحلة الذروة أو الأوج في منتصف حياة الشخص "ما بين سن الأربعين وخمسة وأربعين", وجدير بالذكر فإن "كوهلن" لم يوضح نقطة التحول هذه بصورة واضحة، حيث أشار إلى أنها قد تنتج من إشباع دوافع النضج الامتدادي أو الاتساعي المبكر والتي تؤدي إلى ظهور دوافع أخرى، كما أنها قد تنتج عن الفقدان الجسمي أو الاجتماعي أو من الانغلاق في الموقف أو حتى تجاه وجهة النظر المتغيرة الناتجة من أنه قد عاش أكثر من نصف حياته، كما أنها قد تنتج من تفاعل العوامل الاجتماعية والعوامل البيولوجية والعوامل النفسية والتي قد تؤثر على الرجال والنساء، بصور مختلفة، كما تؤثر في الأفراد
(1/444)

من الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة بطرق متباينة, والجدير بالذكر فإن "بوهلر" يشير أنه كلما حدث تبدل في الأهداف الموضوعة أو في الدافعية، فإن الإحساس بعدم تحقيق هدف معين يكون أكثر فعالية وأهمية من التدهور البيولوجي والجسمي، في استثارة سوء التكيف والتوافق عند المسنين, ولذلك فإن التعامل مع القلق والخوف أو التهديد عادة ما تكون واضحة -بصورة أكبر- في النصف الثاني من الحياة بينما دوافع النضج واتساع نطاق النمو قد تكون أكثر وضوحًا وبروزًا أثناء النصف الأول من الحياة وعمومًا فإن إحساس الفرد بأنه قد حقق "أو لم يحقق" أهدافه يؤدي به إلى إحساس التكامل والإشباع والعكس بالعكس,
ومن الجدير بالذكر فإنه يجب الإشارة إلى أن كثيرا من جوانب نظرية "بوهلر" ونماذج نظرية كهلن متشابهات بصورة كبيرة مع نتائج الدراسات المعاصرة في النمو التي تناولت فترة الشباب وفترة الرشد الوسطى، وأزمات فترة منتصف العمر.
2- نظرية بونج لمراحل الحياة:
يجب الإشارة إلى أن وجهة نظر "بوهلر" في مراحل الحياة كانت نتيجة الدراسة التصنيفية والنظامية للسير الشخصية، كما أن مفاهيم "كوهلن" قد اعتمدت على الدراسة الأمبريقية الواسعة، إلا أن وجهة نظر "يونج" لمراحل الحياة قد اعتمدت -بصورة جوهرية- على أعماله الإكلينيكية ونظريته النفسية، فهو يبدأ مناقشته لمراحل الحياة بفترة الشباب، وهي الفترة التي تمتد من بعد المراهقة إلى السنوات الوسطى من الحياة "ما بين 20، 25 سنة", ولقد كان "يونج" مهتما بالمشكلات النفسية، وعلى الرغم من أنه قد يبدو من المستغرب إلا تتضمن نظريته فترة الطفولة، إلا أننا نجده يشير لتفسير ذلك أنه بينما يكون الطفل بمثابة مشكلة لوالديه ومعلميه والأطباء، إلا أنه لا يكون لديه أنماط من الشك وعدم الثقة في ذواتهم, ففترة الشباب تتضمن التخلي عن أحلام الطفولة، والتعامل مع الغريزة الجنسية ومشاعر الدونية، ويحدث في أثناء هذه الفترة اتساع أفق الحياة، كما يحدث التغير الهام الثاني في حياة الفرد تبعًا ليونج فيما بين 35، 40 سنة, ويوضح يونج وجهة نظره بقوله "أن التغير الذي يحدث في تلك الفترة غالبًا لا يكون تغيرًا شعوريًا أو عامًا، ولكنه بالأحرى أمارات وإشارات غير مباشرة والتي تبدو أنها تحدث داخل
(1/445)

اللاشعور وغالبًا ما تصاحب ببعض الأمور كالتغير البطيء في خصائص الفرد، وقد تظهر في ثمة حالات أخرى، سمات معينة تكون قد اختفت منذ فترة الطفولة، أو قد تبدأ ميول ورغبات في الضعف وأن تحل محلها رغبات أخرى جديدة، وكثيرًا ما تبدأ مبادئ الفرد وتحريمات التعلق أو التدلل خاصة المبادئ اللاأخلاقية أو التحريمات الأخلاقية، غير مرنة، كما تنمو بصورة جامدة حتى يشارف الفرد الخمسين من عمره، وبالتالي يعيش الفرد فترة جمود وحساسية مفرطة، وإذا وجدت تلك المبادئ الجامدة عادة ما تعرض الفرد للخطر وبالتالي يكون من الضروري التدخل الإرشادي والعلاجي لهذه الحالات.
ولقد نظر إلى الاضطرابات العصابية أثناء سنوات مرحلة الرشد، كمؤشر لنقل الفرد والمتاعب السيكولوجية من فترة المراهقة إلى سنوات مرحلة الرشد، مثلما تعكس الاضطربات العصابية في فترة الشباب، عدم قدرة الفرد على تجاوز فترة الطفولة وتخطيها, ويشير "يونج" إلى حدوث تغيرات غريبة مميزة وعميقة الجذور لدى المسنين, فقد يوجد الميل عند بعض الأفراد في التغيير إلى النقيض خاصة في الجوانب النفسية فمثلا قد يصبح الرجل المسن أكثر أنثوية, وقد تصبح المرأة المسنة أكثر ذكرية، ويستطرد يونج بقوله إلى وجود عملية تجمد أو عناد داخلي" تقدم وتقوي تقليص أو انكماش نشاطات حياة الفرد, وبصورة عامة فإننا لا نستطيع أن نحيى في خريف العمر تبعًا لنمط حياة فترة شباب العمر، حيث تصبح الأشياء التي كانت مهمة وعظيمة الأشياء التي كانت حقيقة في شباب العمر، ستصبح سرابًا خادعًا في خريف العمر.
وعمومًا يجب أن يكون هناك بعض الأغراض والأهداف في حياة الفرد، تستمر معه حتى السنوات الأخيرة من حياته، كالاهتمام والرعاية بالأطفال الصغار، ولكن ماذا تكون غرض وغاية الحياة بعد تحقيق ذلك؟ هل يكون غرض الحياة هو التنافس مع الشباب كما يحدث في كثير من الأحيان في المجتمع الحديث؟ ويشير يونج في الإجابة على ذلك السؤال المطروح، أننا نجد في المجتمعات البدائية غالبا ما يكون الأشخاص الكبار مصدر الحكمة وحفظة الأسرار والقوانين، حيث يعبر الميراث الثقافي للقبيلة عن ذلك، وعلى النقيض من ذلك نجد كبار السن في المجتمعات المتقدمة حيث يحدث لديهم فقدان الإحساس الواضح بمعنى وغرض الحياة، وبالتالي يتثبتون على مرحلة شبابهم بدلا من الانتقال على مراحل الحياة
(1/446)

التالية، ويشير يونج أن كثيرًا من المسنين يصلون إلى هذه المرحلة النمائية بمطالب غير مشبعة، ولا يستطيعون مقاومة الارتباط بالماضي، ولكن من الضروري أن يكون لهم هدف وغاية لمستقبل أيامهم، ولهذا يشير إلى أن الأديان السماوية عادة ما تقدم الأمل في حياة أخرى بعد الموت، وبالتالي تجعل الإنسان يحيى النصف الثاني من حياته بآمال وأهداف كما هو الحال في النصف الأول من الحياة. ويستطرد يونج بقوله: إن بعض الأفراد بسبب عدم اعتقادهم بوجود حياة بعد الموت، وعلى الأقل في الشك فيها، قد أصبحوا عرضة للقلق والوهن، مثل بعض الشباب الذين لا يستطيعون تطويق الحياة ومعانقتها، وبالتالي فإن الإيجابية تقتضي أن يكتشف الإنسان أن الموت هو غاية الحياة والنهاية الحتمية للإنسان، ويجب بالتالي أن يتحرر من الخوف والذعر منه، ويتخلص من الاعتقاد بأنه شيء غير عادي أو غير صحي يسلب الغرضية والغاية من النصف الآخر من حياة الإنسان، وسنلقي الضوء على ذلك في الفصول الأخيرة من هذا المؤلف إن شاء الله.
ويستطرد يونج بقوله: "إننا عادة ما نرى أن اهتمام الفرد في النصف الثاني من الحياة يتحول إلى صورة أو اتجاه روحي، أو إلى داخل الإنسان ذاته، وهذا التفجير الداخلي قد يساعد الأفراد على التوصل إلى تفهم معنى الحياة، وكمالها وبالتالي يجعل من الممكن بالنسبة لهم تقبل فكرة الموت، وسنرى تفصيل ذلك في الفصل الأخير من هذا المؤلف.
(1/447)

3- نظرية فرويد للنمو النفسي الجنسي:
منذ أن فجر "فرويد" أفكاره في أن البواعث الجنسية -بالمفهوم الشامل- موجودة منذ الولادة، وبالتالي استمرارية النمو النفسجنسي, حيث وصف المراحل العديدة للنمو النفسي الجنسي باستفاضة وتفصيل كبير في كتابات التحليل النفسي، إلا أنني أود أن أشير إلى بعض الملامح الرئيسية الهامة في النظرية العامة للتحليل النفسي، وذلك قبل إلقاء الضوء على مراحل نظرية "فرويد" في النمو النفسجنسي.
1- إن اللذة الجنسية ليست فقط محدودة بالنشاط الذي يرتبط بصورة مباشرة بالأعضاء التناسلية، حيث توجد مناطق أخرى من الجسم تسمى بالمناطق الشبقية Erogenous Zones. وعند تلقيها للمثير المناسب فإنها بالتالي تعطي الإحساس بالمتعة الجنسية "كالغشاء المخاطي في الفم، وكالشرج".
2- في كل فترة زمنية من نمو الفرد، نجد أن هناك منطقة واحدة من الجسم تميل إلى أن تحل محل المناطق الأخرى كمصدر للذة، فمن خلال المراحل النمائية السوية المختلفة للكائن البشري، نستطيع أن نرى تتابعًا مرتبًا كلما انتقل الفرد، من منطقة إلى أخرى، وذلك للحصول على غايته الجوهرية وهي اللذة، وجدير بالذكر أن هذا الترتيب متشابه عند جميع الأفراد، إلا أن توقيت ذلك يختلف فيما بينهم.
3- إن السمات الشخصية للفرد يتأثر تكوينها ونموها بطبيعة تكوينه ونموه النفسي الجنسي، وهكذا فإن فشل الفرد في إحلال منطقة من الجسم المنطقة التالية في التتابع كمصدر للذة سيكون لذلك نتائج هامة على سمات شخصيته عند البلوغ.
وبصفة عامة فإننا نستطيع أن نلقي الضوء على معنى هذه المبادئ العامة، وذلك عن طريق وصف المراحل النفسية الجنسية في ترتيبها العادي من حيث الظهور.
أ- المرحلة الفمية Oral Stage:
لقد أكد "فرويد" أن الطفل يزاول عملية الرضاعة ليس فقط
(1/448)

ليحصل على الغذاء، ولكن لأن عملية الرضاعة لذة في حد ذاتها، ومتعة وفي الحقيقة فإن عملية الرضاعة من صدر الأم، يقال: إن لها سمة جنسية لكل من الطفل الرضيع وأمنه، الجنس إذن بالمعنى الفرويدي الواسع نستطيع أن نتعرف عليه أولا عن طريق الفم وليس الأعضاء التناسلية "وبمعنى آخر إن الجنس يتماثل أو يتطابق مع عملية الرضاعة"، وذلك حتى استثارة أغشية الفم في غياب التغذية، إذ إن الطفل الرضيع سيمتص تقريبًا أي شيء يصل إلى فمه، وبظهور الأسنان والتي تعطي الطفل القدرة على العض حينئذ يمكنه الحصول على اللذة من العض العدواني، وكذا من الامتصاص الحسي.
ب- المرحلة الشرجية:
فيما بين السنة الأولى والسنة الثالثة من حياة الوليد البشري، نجد أن النشاط الفمي يقل في أهميته النسبية نوعًا ما، ويصبح النشاط الشرجي أكبر من حيث الأهمية, ولقد أشار "فرويد" أن الطفل يتمتع بكل من عملية الطرد أو الاستبقاء ما بداخل أحشائه، ويستطرد "فرويد" بقوله إن الناشط الشرجي ممتع بصورة مباشرة، أو ممتع فسيولوجيًا، أي أن استثارة نهايات العصب الحساس في الأمعاء وحول فتحة الشرج تخلق أحاسيس لذيذة لدى الطفل، ولكن النشاط الشرجي يصبح أيضًا مركزًا للتفاعل بين الوالدين والطفل، فمثلا عن طريق تدريب الطفل على عملية التبرز، فإن الوالدين قد يزيدا من حساسية الطفل لهذه المنطقة، وقد يحصل على متعة إما بطرد أو استبقاء البراز وذلك يرجع إلى الاستجابات الوالدية لتدريبات تبرزه, والتبرز بصورة مناسبة ربما يجلب المكافأة وذلك عن طريق الثناء من والديه، أما إذا تبرز في وقت أو مكان غير مناسب "أو لم يتبرز على الإطلاق, فقد يكون ذلك بمثابة إحدى الطرق القليلة التي يعبر بها الطفل عن العداء لهم.
ج- المرحلة القضيبة Phallic Stage:
إن المرحلة الشرجية تمهد الطريق بدورها إلى تقوية الاهتمام بالأعضاء التناسيلة كمصدر أولي للإحساس بالمتعة، حيث إن السنوات ما بين ثلاثة إلى خمس أو ست سنوات لها تأثير في تقوية الإشباع الجنسي عن طريق لمس الطفل لأعضائه التناسلية، إذ إننا نلاحظ خلال هذه الفترة أن الطفل يجد متعة أساسها المداعبة باليد، حيث إنه لم ينضج فسيولوجيًا إلى الحد الذي يجعله قادرًا على الإيفاء بالممارسة للفعل الجنسي مع أفراد
(1/449)

الجنس الآخر, ومع الأهمية المتزايدة في استثارة الأعضاء التناسلية تنشأ ظروف سيكولوجية معينة، حيث إننا يجب الآن أن نضع في الاعتبار ما يسمى بقلق الخصاء, وحقد القضيب، وعقدة أوديب "عشق الابن لوالده من الجنس الآخر".
قلق الخصاء هو خوف الصبي، عندما يكتشف اللذة من الاستمناء Masturbation من أنه قد يفقد قضيبه وذلك باستئصاله عقابا له، إن الوالدين في محاولة منع الصبي من العادة السرية قد يكون عن طريق تخويفه وقد يدرك تحذيراتهم على أنها تحذيرات أو وعود بالخصاء.
والخصاء كإمكانية واقعية تتجسد في عقل الصبي عندما يلاحظ أن البنت ينقصها عضوا للذكورة، ويستنتج أنها قد عوقبت باستئصال أعضائها وربما يحدث ذلك بالنسبة له.
والبنت الصغيرة تبعًا لآراء "فرويد" على عكس ذلك، تتأثر بحسد القضيب وذلك عن طريق ملاحظتها أنها تنقصها مصدر اللذة الذي هو عند الصبي "عضو ذكورته"، ومن ثم فإنها تصبح حاسدة، إنها قد تستنبط أيضًا بأن أعضاءها قد استؤصلت بسبب بعض الأفعال الخاطئة التي أتتها.
وجدير بالذكر أنه إذا ما كون الصبي قلق الخصاء، أو أصيبت البنت بحسد القضيب، فإن سلوكهما قد يتأثر بصورة عميقة.
وخلال المرحلة القضيبية، فإن عقدة أوديب "أو عقدة أليكترا عند البنت" وحل كل منهما، يلعب دورًا جوهريًا في تحديد مجرى التكوين النفسي في المستقبل, هذا المفهوم معقد للغاية، ولكن الفكرة الجوهرية فيها يمكن إيجازها فيما يلي، إن الصبي يميل جنسيًا نحو أمه، وتميل البنت نحو أبيها، وبما أن مزاولة أو تحقيق مثل هذه العلاقات المحرمة من المحال، فإن الطفل يجب أن يتخلى عن الموضوع ويصبح موجه جنسيًا نحو شخصيات غير أبوية، وكيف يعمل الصبي أن يتداول مع مشكلته في هذا المجال، وجدير بالذكر أن هذا الأمر على أهمية كبيرة بالنسبة للنمو النفسي في المستقبل لدى "فرويد".
د- مرحلة الكمون Latency Stage:
مع اقتراب نهاية مرحلة الحضانة تتقلص الدوافع الجنسية في أهميتها تبعًا لوجهة نظر "فرويد" حيث تكبت الدوافع أو البواعث
(1/450)

الشهوانية نحو الوالدين، ويلقي الصبي بنفسه في تنمية مواهبه ومهاراته والتي تكون خالية نسبيا من التورطات الجنسية، ولقد كان اعتقاد "فرويد" أن هذه المرحلة من الكمون هي جزء من نمط بيولوجي فطري، إلا أن الدراسات التالية فشلت في تأكيد هذا الرأي, والواقع أن هناك أدلة تستحق الاعتبار والتي تشير إلى أن قدرًا كبيرًا من حب الاستطلاع والاستكشاف الجنسي تستمر خلال سنوات المدرسة الابتدائية، إلا أننا نرى أن الأطفال يصبحون مهرة جدًا في إخفاء هذا النشاط عن الآباء والمدرسين المعارضين لهذا النشاط.
هـ- المرحلة التناسلية Genital Stage:
بدخول الطفل مرحلة البلوغ، فإنه بذلك يدخل فترة نأمل أن تتوج بتكيف في النضج الجنسي الغيري، والشخص الذي يصل إلى هذه الحالة فقد وصل بتعبير "فرويد" بالتوافق النفسي الجنسي للمرحلة التناسلية، مثل هذا الشخص لا يحصل على الإشباع الأولي من الممارسات الفمية الشرجية، أو الإهاجة الذاتية، وأنه غير مقيد بقلق الخصاء أو بحسد القضيب، وغير قادر على إقامة علاقات جنسية مثلية شاذة وذلك بسبب حل عقدة أوديب أو عقدة ألكترا حيث يصل إلى لذته ومتعته الجنسية العميقة عن طريق المعاشرة الجنسية مع شريكه من الجنس الآخر والتي يحبها ويحترمها.
4- نظرية أريكسون:
تعتبر نظرية "أريكسون" من أول النظريات التي تتعامل مع ارتقاء الفرد من الطفولة حتى الشيخوخة، وهي نظرية نفسية اجتماعية، ويبني "أريكسون" أفكاره على نظرية "فرويد" في التحليل النفسي ويعتبرها بمثابة حجر الأساس الذي يبني عليه كل ما تقدم في هيكل نظريته الكاملة، حيث يهتم "أريكسون" وكذلك "فرويد" بالعلاقة العاطفية بين الأفراد أكثر مما يهتما بالشخصية كما هي.
إن اضطراب الشخصية يعتبر اختلالا في التوازن اللبيدي في كل أهل المنزل، ومع نضج الطفل يؤثر على الأسرة بقدر ما تؤثر عليه، والمجتمع في حاجة المواليد من أجل استمراره، كما أن الوليد في حاجة للمجتمع من أجل تغذيته, إن الطفل الوليد يشعر بالمجتمع الأول مرة من خلال
(1/451)

جسمه، فالملامسات الجسمية ذات الدلالة هي أولى الأحداث الاجتماعية التي يواجهها الرضيع, وهي تكون بداية الأنماط النفسية لسلوكه الاجتماعي في المستقبل.
وعمومًا فإن نظرية "أريكسون" ركزت على ما يلي:
1- ركز "أريكسون" على منطقة الـ"أنا" Ego التي أشار إليها "فرويد" في نظرية التحليل النفسي أكثر من تركيزه على منطقة الـ"هي" ID، واهتم بصراع الإنسان من أجل الكفاح والسيطرة، ولكنه لم يعط نفس القدر من الاهتمام للغرائز كما فعل "فرويد".
2- قدم "أريكسون" الطفل في علاقته بوالديه داخل الإطار الأسري، وركز اهتمامه على التفاعل بين أفراد الأسرة، بينما قدم "فرويد" الطفل في إطار واقعية مثلث الطفل, الأم, الأب.
3- اهتم "أريكسون" بتحديد فرص النمو لدى الفرد لتعينه على التصدي للأزمات النفسية في الحياة، حيث ركز على الحل الناجح لأزمات النمو، وأن كل أزمة سواء كانت نفسية أم شخصية أم اجتماعية تؤدي إلى نضج الفرد في حين اهتم "فرويد" باللاشعور وبالمكبوتات وحذر من التدهور الاجتماعي للفرد إذا ما ترك فريسة للضغوط الداخلية الكامنة في اللاشعور والتي يكون لها دور أساسي في تحديد الأسباب المؤدية للمرض النفسي.
وبذلك يصف أريكسون نظريته في ثمة مراحل متتابعة من مراحل النمو، وتقع المراحل الثلاثة الأخيرة منها في مرحلة الرشد والشيخوخة والمراحل الخمس الأولى هي أساسًا إعادة تشكيل وامتداد لمراحل النمو النفسي، الجنسي لدى فرويد.
غير أن هذه المراحل بالنسبة لأريكسون هي مراحل دائبة الحركة، حيث إن الفرد لا يملك شخصيته أبدًا، بل هو دءوب على إعادة تنمية شخصيته.
ويركز "أريكسون" في كل مرحلة على كلمة حاسة Sense وذلك
(1/452)

لأن الشعور بالإنجاز أي تحقيق إحساس إيجابي بالفعل يعتبر من أهم العوامل الحاسمة لتحقيق مطالب النمو في المراحل التالية.
كما أن مفهوم الأزمة Crisis يلعب دورًا مهمًا في نظريته حيث إن كل مرحلة من مراحل النمو توجد بها فترة أزمة "أي نقطة تحول" Turning Point وهذه النقطة إذا ما تم التعامل معها بنجاح فإن المريض يبرأ ويشفى من سقمه، وبالتالي إذا ما تعامل الوالدان بنجاح مع طفلهما عند هذه النقطة فسيصلون به إلى بر الأمان ويتكون لديه إحساس إيجابي بانجاز مطالب نمو مرحلته التي يعيش فيها ويعمل على تحقيق مطالب النمو للمراحل التالية.
ويمكن اعتبار أن لكل مرحلة أزمة رأسية تنتهي بحل نفسي اجتماعي فردي، وأزمة أفقية تتطلب حلا على المستويين الفردي والاجتماعي لمشكلة القوى الدافعة، كما أن حياة الفرد تتخللها فترات خاصة من الأزمات أو نقطة تحول سواء كانت نقطة التحول في حياتنا أو في نمونا حيث تمر لحظات من التردد واتخاذ القرار في اتجاه النضج والتقدم والتكامل أو النكوص والتأخر.
ولقد استخدم "أريكسون" كلمة ضد Versus أو في مقابل للدلالة على وجود صراع حيوي بين قوتين متضادتين يولد تحديات للأنا لتنشط وتجد حلا ناجحًا مشتركًا لفض هذا الصراع في كل مرحلة من مراحل النمو، وتتولد حركة تصاعدية في معدل نضج الفرد، وهكذا ينتقل الفرد من مرحلة إلى مرحلة أخرى في تسلسل منتظم من النمو.
وقد تناول بعض المتخصصين نظرية "أريكسون" ومراحل النمو فيها باعتبارها نظرية نفسية، اجتماعية، في التحليل النفسي، وتناولها بعضهم مقارنة بمراحل النمو في نظرية "فرويد" للتحليل النفسي كنظرية نفسية جنسية في النمو.
(1/453)

مراحل النمو عند "أريكسون":
أولا: مرحلة المهد "أو الرضاعة" Infancy
الثقة مقابل فقدان الثقة Trust Versus Mistrust:
إن الأطفال الرضع في هذه المرحلة "خلال السنة الأولى من ميلادهم ينمون إحساسات نسبية بالثقة أو عدم الثقة في العالم المحيط بهم ويكون ذلك من خلال الأم حيث تلعب خبراتهم الأولى دورًا حاسمًا في هذه المرحلة، فالطفل يقابل المجتمع بفمه حيث يتلقى ويعطي الحب بفمه من خلال السلوك الانضمامي مع الأم حين تبرز البيئة من خلال ثدي الأم أو زجاجة الرضاعة البديلة، حيث إن الحب والدفء والحنان وبهجة الاعتماد تنتقل إلى الطفل عندما تضمه وتحتضنه أمه، فيشعر الوليد بالدفء والابتسامة العذبة، ويتنامى شعوره بالأمان.
كما يتم اختبار العلاقة بين الطفل وأمه مرة أخرى من خلال مرحلة العض وإحداث الألم مع بداية ظهور أولى الأسنان، والعض على ثدي الأم مما قد يسبب انسحاب الأم، ويتولد لدى الطفل إحساس جديد للإمساك والعض بحدة وبشكل أشد، ورغم ذلك فإن الأم تستجيب له ولاحتياجاته وتقوم برعايته.
ومن هنا، فإن كل نتيجة ناجحة لثقة الطفل بأمه نتيجة لكفاءتها في رعايته تؤدي إلى ثقته بنفسه وبالعالم من حوله، مما يؤدي إلى توليد توقعات أخرى مقبولة لخبرات ثقة جديدة.
ولذلك تكون حاسة الثقة الأساسية لدى الطفل بالتعارض أو مقابل حاسة فقدان الثقة الأساسي، وهي نقطة التحول إلى الفترة الحرجة في مرحلة نموه الأولى، وتقابل هذه المرحلة، المرحلة الفمية Oral Stage عند فرويد، وقد تحدث بعض المشكلات الشخصية لدى الفرد ويكون أساسها هو المرحلة الفمية المصية أو بلغة "أريكسون" مرحلة الإحساس بالثقة التي تكون الأم المؤثر الأساسي فيها.
(1/454)

2- الطفولة المبكرة, الاستقلال الذاتي مقابل الخجل والشك:
Early Childhood-Autonomy Versus Shame and Doubt:
الأطفال في هذه المرحلة "من 2-3 سنوات" يرتقي لديهم النضج العضلي ويصاحب ذلك قدرتهم على الإمساك بالأشياء، وتركها، حيث إن الطفل في هذه المرحلة يتفاعل مع العالم من خلال إمساك الأشياء وإسقاطها، وكذلك أيضًا من خلال عمليات التدريب على التحكم في الإخراج, وتكون بذلك المنطقة الشرجية محورًا لجهود الطفل الجسمية والنفسية والاجتماعية، حيث إن التدريب على الإخراج يعكس العلاقة بين الطفل ووالديه، من حيث كيفية تأسيس القواعد المتفق عليها من الجانبين.
وهذا لا يتأتى من خلال قيام الأم بوظيفتها كما يجب نحو رعاية طفلها وثقتها فيه وموافقتها على الوقت والمكان المناسبين لتصريف فضلات طفلها وتقابل هذه المرحلة الشرجية Anal Stage عند فرويد.
كما أن الطفل في هذه المرحلة يجد صعوبة بالغة إذا وجد داخل حدود معينة محددة لنشاطه، فهو يريد أن يستطلع كل ما حوله بنفسه ويحقق إنجازات جديدة، ولذلك يركز "أريكسون" على النمو السوي للأنا التي تسمح للطفل بإدراك الحياة وتكامل استقلاله الذاتي، حيث إن تدريب الوالدين للطفل على نظام التواليت يؤدي إلى إحساسه بالثقة والسيطرة على النفس والاعتزاز بها دون أدنى فقدان لكرامته وبالتالي ينبع لديه إحساس قوي ودائم بالكبرياء والاستقلال الذاتي، وعلى عكس العجز العضلي والشرجي للطفل الذي يفقده السيطرة على نفسه ويولد لديه إحساسا بالاعتماد المفرط على الوالدين والذي يتبعه إحساس دائم بالخجل والشك.
ولذلك فإن المسئولية تقع على عاتق الأبوين من حيث معرفتهم وفهمهم لحدود نمو طفلهم وما يفترض منه أن يعمله وما لا يعمله لأنه لا يزال قابلا للتشكيل، وكذلك متى يمنحونه الحرية في بعض الجوانب ومتى يتشددون في جوانب أخرى، فينعكس ذلك على إحساس الطفل بالتسامح وتأكيد الذات وأيضًا منحه استقلالا تدريجيًا يؤدي إلى أن يكون نموه أكثر صحة.
ويرتبط إحساس الخجل أيضًا بخبرات الطفل عندما ينتصب واقفا لأول مرة ويجد نفسه صغيرًا، مترددًا بلا قوة في عالم الكبار.
(1/455)

وفي هذه المرحلة يطعم الطفل نفسه ويمشي ويرتدي ملابسه ويفتح الأشياء ويغلقها بمفرده، ويوضح "أريكسون" أن ميلاد طفل جديد على الطفل الموجود في الأسرة يعتبر منافسًا له ويقابله بالغيرة، ولذلك لأن هذا المولود الجديد الدخيل سوف يتطلب قدرًا كبيرًا من رعاية واهتمام الوالدين به، وبخاصة الأم.
3- سن ما قبل المدرسة, المبادأة مقابل الذنب:
The Preschool Age-Initiatve Versus Guilt:
الأطفال في هذه المرحلة من "3-6 سنوات" يمرون بخبرات كثيرة تتعلق بالقابلية للحركة، فيتحركون كثيرًا، ويمشون, ويجرون، ويقفزون وبعض الآباء والأمهات يحدون حركة الأبناء خوفًا من إفساد ترتيب المنزل.
وترتقي اللغة والخيال بالطفل ويتعلم أن يخطط وينفذ ما خططه، ويتحرك من خلال اتجاهاته وأهدافه، فهو الآن يتعرف على الفروق بين الجنسين، ويطرح أسئلة كثيرة وبخاصة للوالدين، ويبدأ في خلالها في فهم الكثير من أسرار الحياة الماضية واللاحقة.
وهذا بالتالي يؤدي إلى توسيع دائرة مجالات أنشطته وخيالاته وخاصة إذا وجد الإجابة على أسئلة لدى الوالدين.
ومن هنا فإن النمو النفسي في هذه المرحلة يتركز على أن منظمات الهو والأنا والأنا العليا تعمل جاهدة على أن يكون هناك توازن متبادل داخل الفرد حتى يصير وحدة نفسية متكاملة، وشخصية لها حقوقها.
وينعكس ذلك على علاقة الطفل بوالديه لأن شعور الطفل النامي يتكون من خلال الأنا العليا للوالدين ومن تراثهما الثقافي الاجتماعي المنبثق من ثقافة المجتمع، وبالتالي ينمي الطفل ضميرًا واتجاهًا والديا يعمل على ملاحظة الذات وتوجيهها وكذلك عقابها حتى يحافظ على اتزانه.
إن ارتقاء الطفل الآن يساعده على القيام بأشياء كثيرة عما كان يقوم به من قبل وبالتالي يتولد لديه إحساس بالإنجازات الحقيقية، وأحيانا يتعرض للحظات يتولد فيها الخوف من الخطر والإحساس بالذنب.
(1/456)

وتقابل هذه المرحلة القضيبية Phallic Stage عند فرويد، وتظهر العقدة الأوديبية على المستوى اللاشعوري من خلال حب الولد لأمه، وكذلك عقدة ألكترا وهي حب البنت لأبيها، ويؤدي حب الطفل لأبيه من الجنس المخالف لأن ينشأ إحساس بالتنافس لدى الطفل مع أحد الوالدين من نفس جنسه، وسرعان ما يخاف الطفل ما تنافس هذا الوالد من أن يفقد حبه فيتوحد به ويتخذه نموذجا للذات العليا أو الذات المثالية محاولا تحقيق طموحات هذا الأب أو هذه الأم.
وكذلك يحتاج الطفل إلى أصدقاء يشتركون معه في التنفيس عن أزمات حياتهم من خلال مختلف الألعاب.
ومن هنا فإن وعي الوالدين وفهمهم لطبيعة نمو أطفالهم في هذه المرحلة يساعدهم على اختيار السلوكيات التربوية السليمة أثناء تنشئة الأبناء وذلك من أجل تحقيق مطالب نموهم "على سبيل المثال لا الحصر تصفية العقدة الأوديبية" كي يجتازوا أزمة هذه المرحلة بنجاح.
4- سن المدرسة, الاجتهاد مقابل الشعور بالنقص أو الدونية:
The School Age-Industry Versus lnferiorit:
يميل أطفال هذه المرحلة من "6-12" إلى نشاط متزايد نحو بذل أقصى جهد في انتاج أي عمل يقومون به، حيث إن إحساس الطفل بأنه لا يزال طفلا وأنه شخص غير كامل النمو كالكبار وأنه ليس على قدم المساواة معهم يولد لديه إحساس بالنقص.
إن سرعة النمو الجسمي تقل في هذه المرحلة ويعرف الطفل جيدًا حدوده النفسية والاجتماعية "وأنه كائن حي ينمو" والتي يتعامل من خلالها مع واقعه الذي يعيش فيه دون أن يفقد كرامته أو احترامه لذاته لأنه في هذا السن يكون قد تغلب على صراعه مع القوى الأوديبية، وهذه المرحلة تقابل مرحلة الكمون Larency Stage عند فرويد.
ويصل الطفل للنجاح الذي ينشده ويسعى إليه من خلال إحساسه بإجادة وإنجاز أي عمل يؤديه على أكمل وجه، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال مسئولية الوالدين نحو تشجيع أبنائهم لإنجاز الأعمال التي يقومون بها وعلى درأ الفشل وتحويله إلى نجاح وإنجاز.
(1/457)

في هذه المرحلة تنتقل حركة اللعب إلى الإحساس بالعمل، حيث إن الطفل كان يلعب خلال نشاطاته ولم يوجه اهتمامه نحو النتائج، أما الآن فإنه يحتاج إلى القيام بالأشياء بشكل جيد حتى ينمي لديه إحساسه بالرضا عن أي عمل يؤديه، وإلا سوف تولد لديه إحساس بالنقص، فالطفل يدرأ الفشل بأي ثمن، فالخوف الكامن لديه من الفشل يؤدي إلى مضاعفة الجهد في العمل من أجل النجاح.
وطالما أن هناك توازنًا متبادلا بين الهو، والأنا، والأنا العليا، عند الطفل، فإنه يستطيع السيطرة الناجحة في حدود سنة على مهام الأنا، فسوف تظل الهو والأنا العليا في أمكان وداخل حدود آمنة.
في هذه المرحلة يميل الجنسان "أي كل من الأولاد والبنات" إلى الانفصال فيما يختص بعادات اللعب، كما أن اللعب يفقد أهميته عند الطفل في نهاية هذه المرحلة، وتتميز هذه المرحلة أيضًا بزيادة قدرة الطفل على الاستدلال والاستنتاج.
ويتخذ عالم الأقران أهمية كبرى بالنسبة للطفل، فهم ضروريون من أجل احترام الذات، وهم المعيار الذي يقيس به الطفل مدى نجاحه أو فشله ومن خلالهم أيضًا يحقق الطفل ذاته خارج نطاق الأسرة.
وباعتبار الوالدين هما المؤثر الأساسي على الطفل، فسلوكيات الإفراط الزائد في التدليل والاعتمادية الكلية عليهم ستتحول إلى الاعتمادية على المدرسة والمؤسسات الاجتماعية التي تساهم في تنشئة الأبناء.
5- المراهقة الهوية مقابل اختلاط الهوية:
Adolescence-ldentity Versus Role Confusion:
المراهقون والمراهقات في هذه المرحلة من "12-18" سنة يعملون على إحداث تكامل وتنظيم للخبرات السابقة في شكل كل جديد، ولذلك فهم يتساءلون على أدوار ونشاطات من كانوا يتوحدون معهم ويتخذونهم نماذج يحتذى بها، فهم الآن يحاولون جاهدين القيام بأدوار جديدة، ومن ثم ينمو لديهم إحساس جديد بالهوية الذاتية مع العلم أنه توجد بعض الحالات المبالغة في التوحد "إلى فقدان الهوية" مع بعض الأبطال أو نجوم السينما أو القادة الموجودين في ثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد, إن إحساس الفرد بذاتيته وهويته يساعده في سيطرته على مشكلات الطفولة التي تعرض لها.
(1/458)

وعندما ينضج الطفل تزداد سرعة نموه جسميًا في هذه المرحلة، والتغيرات النضجية الجديدة التي يتعرض لها تؤدي إلى تغيرات نفسية وبيولوجية، وحينئذ فإن ثقته في جسمه وسيطرته على وظائفه تتزعزع لأنه قد حدث خلل في التوازن بين منظمات الـ"هو" والـ"أنا" والـ"أنا العليا" ولذلك يجب على الفرد أن يستعيد هذا التوازن تدريجيًا بإعادة تقييم نفسه وإدماج قوى نفسية جديدة تساعده على إعادة توازنه.
ويطمئن الفرد لتقييمه لنفسه من خلال أقرانه الذين يمرون مثله بحالة تغير مستمر، وكل منهم يبحث عن ذاته وهويته، حيث أن تكرار المراهق لبعض الأشياء أثناء حديثه مع فرد من نفس جنسه "على سبيل المثال لا الحصر فمن الممكن أن يكرر الحديث الذي تم بين اثنين مراهقين أثناء رجوعهم من المدرسة أيضًا في التليفون بمجرد وصول كل فرد منهم إلى منزله وأيضًا اللغة الجديدة التي يبتدعونها بينهم وهي اللغة المخالفة للغة المقبولة في المجتمع الذي يمشون فيه، يعتبر هذا من قبيل وسائل البحث عن الهوية.
وهذه المرحلة تقابل المرحلة التناسلية Genital Stage عند فرويد.
ومن هنا فالعلاقة بين الفرد ووالديه هي علاقة عابرة، فالوالدان لا يدخلان في حياة الفرد في هذه المرحلة إلا بحكم تاريخهما الاجتماعي والنفسي المشترك, وفيما عدا ذلك يظلان هما الكبار الذين لهما أهميتهما في حياة الفرد.
إن الإحساس بالذاتية والهوية يشتمل على قدرة الفرد على إحداث تكامل بين خبراته الماضية واستعداداته ومهاراته التي نمت وكذلك الفرص المختلفة التي يقدمها له المجتمع، والثقافة من أجل الوصول إلى هذا التكامل، ولذلك فصعوبة الانتقال من الطفولة إلى المراهقة ثم إلى الرشد تتأثر بشكل قوي بالقيود والإمكانات المطروحة من قبل المجتمع والوالدين.
ويعاني الفرد في هذه المرحلة من اختلاط واضطراب الأدوار الخاصة بجنسه "هل هو طفل, طفلة, أو ذكر كامل, أنثى كاملة؟ "، وتتألق جاذبيته وهويته أمام الجنس الآخر، ويشعر بالعزلة والفراغ والقلق والتردد.
(1/459)

وله فلسفته وعقيدته الفكرية الخاصة به، ويعتبر مظهره هو مصب اهتمامه.
ومن هنا فإن المسئولية تقع على عاتق الوالدين في مساعدة أبنائهم لتحديد هويتهم وشغل أوقات فراغهم وكيفية اتخاذ القرار والبعد عن العزلة.
6- الرشد المبكر الألفة مقابل العزلة:
Young Adulthood-Intimacy Versus Isolation:
يرى "أريكسون" أن تحقيق النضج النفسي للأفراد "الشباب البالغ" في هذه المرحلة "15-35 سنة" يتطلب نموًا نفسيًا واجتماعيا مستمرًا وخاصة الألفة الاجتماعية مع الجنس الآخر تمهيدًا لاختيار شريك الحياة في العلاقة الزوجية, ليس هذا فقط بل أيضًا تكريس الجهود في اختيار الحياة في العلاقة الزوجية، بل واختيار المهنة المناسبة، فإذا لم تشبع هذه الجهود في الزواج أو اختيار العمل المناسب لقدرات الفرد أدى ذلك إلى أزمة نمو وإحساس بالانعزال في كل من مجالات الحب والعمل.
ففي هذه المرحلة تبلغ قوة هوية الأنا ذروتها النهائية عند التقاء القرينين، بحيث تكون هوية الأنا في أحدهما أكثر تجسيدًا لتكملة الآخر في بعض النقاط الأساسية المشتركة بينهما.
ومن هنا يكون القرينان قادرين على المشاركة معًا والالتزام والانتماء وتكوين علاقات اجتماعية إيجابية مع الآخرين وكذا علاقات حب ومودة بينهما تتوج بالزواج، وبدون مشاعر الالتزام هذه وكذا مشاعر الحب الحميمة بين القرينين يصبح الفرد منعزلا في بقائه أعزبًا وعاجزًا عن الإتيان أو الاحتفاظ بعلاقات إيجابية مع الآخرين لفترة طويلة، وهذه المرحلة تقابل استمرار المرحلة التناسلية عند فرويد Genital Stage Con-tinues.
7- منتصف العمر, الانتاجية مقابل الركود:
Midle Age-Generativity Versus Stagnation:
يرى "أريكسون" أن التزام الأفراد في هذه المرحلة "منتصف العمر" من "25-60 سنة" بمشاعر الحب الحميمة تساعدهم على تأسيس وحدة
(1/460)

جديدة تقوم على الثقة والألفة المتبادلتين بين القرينين فيشمل ذلك المشاركة في إعداد منزل الزوجية لبدء دورة جديدة من النمو، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال المشاركة في تقسيم العمل وتحديد المسئوليات داخل منزل الزوجية المشترك.
كما أن الانتاجية تشمل أيضًا اهتمام الزوجين ورعايتهما لأطفالهما، ولا تتوقف الانتاجية عند هذا الحد، بل تشمل أيضًا الاهتمام بالأفكار والنواتج الأخرى التي أنتجها الزوجان.
الإنتاجية مهمة للزوجين ولنا جميعًا من أجل الاحتفاظ بصحتنا وأفكارنا, وكذلك من أجل مثلنا ومبادئنا، وإذا لم يشترك الزوجان معًا في إعداد منزل الزوجية وفي اتساع دائرة اهتمامهما وإنتاجيتهما معًا سيقعان في براثن الملل والركود، وهذه المرحلة تقابل استمرار المرحلة التناسلية عند فرويد.
8- السن المتقدم, التكامل مقابل اليأس:
Later Life-Integrity Versus Despair:
في هذه المرحلة من العمر "60 سنة فما فوق" عندما ينجب الراشد ويقوم برعاية الجيل الجديد يكتسب رؤية وإحساسا بالتكامل، حيث يتقبل الراشد دورة الحياة الجديدة والفريدة بما فيها من إيجابيات وسلبيات من انتصارات وهزائم بما فيها من مظاهر تفوق ومظاهر رسوب، إن هذا يفضي ويعكس إحساسًا بالنظام والمعنى لديه وإلى تقبل الذات وتوافقه وتكيفه.
كما إن عدم توصل الراشد إلى درجة مقبولة من تقبل ذاته والتكيف معيًا فاحتمالات سقوطه في براثن اليأس تتزايد، ويشعر في هذا الوقت وتكيفه.
كما أن عدم توصل الراشد إلى درجة مقبولة من تقبل ذاته والتكيف معها، فاحتمالات سقوطه في براثن اليأس تتزايد، ويشعر في هذا الوقت بأن الحياة قصيرة، وينعكس ذلك على خوفه من الموت، ومدى احتقاره ورفضه للقيم وأساليب الحياة الأخرى، وهذه المرحلة أيضًا تقابل استمرار للمرحلة التناسلية عند فرويد.
وتتميز هذه المرحلة النهائية بتزايد وعي المرء بمحدودية الحياة, واقتراب الموت، والعمل الهام الذي يحدث أثناء تلك المرحلة هو تقييم الفرد لحياته ولإنجازاته، وليؤكد الفرد لذاته بأن حياته كانت عبارة عن خبرة أو
(1/461)

مغامرة ماضية أو مجموعة من الأحداث الماضية، وقد يكون ذلك شعور التكامل، ونقيض ذلك يتمثل في الإحساس باليأس والاشمئزاز، وهو الشعور أو الإحساس الوجودي باللامعنى، وإحساس المرء بأن حياته الكاملة كانت مفقودة أو مضيعة، أو يجب أن تكون على نقيض ما كانت عليه، والنضال الديالكتيكي بين هذين الإحساسين المتناقضين يتمثل في وجود التكامل في هذه الفترة، والإنتاج المعرفي، إن الشخص الذي يتسم بالتكامل والاهتمام النشط بالحياة نفسها في مواجهة الموت نفسه، عادة ما يصل إلى تكامل الخبرة وذلك على الرغم من تدهور الوظائف الجسمية والعقلية التي يشعر بها.
5- بيك, وصقل وتنقيح نظرية "أريكسون":
قد يشار إلى أن المرحلتين الأخيرتين من مراحل نظرية "أريكسون" تتضمنان معظم السنوات الوسطى والأخيرة من دورة حياة الإنسان، وفي هذا المعنى فإنهما يميلان إلى أن يكونا أكثر عمومية في تركيزهما أو اهتماماتهما إذا ما قورنتا بالمراحل السابقة وعلى الرغم من أننا يمكن أن نقسمهما إلى مرحلة مبكرة وأخرى متأخرة بناء على عملية التداخل التي تحدث في كل مرحلة إلا أنهما مع ذلك سطحيتان وعامتان بصورة كبيرة، وهذه الأسباب جعلت بيك Peck يحاول تحديد المؤشرات والدلائل الحاسمة لفترة منتصف العمر وفترة الشيخوخة بصورة أكثر دقة، حيث اقترح سبعة مؤشرات رئيسية في هاتين المرحلتين، وتتمثل في التحديات الآتية:
1- أهمية الحكمة في مقابل أهمية القوة الجسمية.
توجد نقطة تحول أثناء الأربعينات من العمر، حيث يشعر الأفراد الذين يتعلقون بالقوى الجسمية بالإحباط كلما تدهورت هذه القوى إلا أن الأفراد الذين يهتمون باستخدام قدراتهم العقلية كمصدر أولي يبدو أنهم يعيشون بصورة أكثر إيجابية ونجاحًا.
2- التنشئة الاجتماعية في مقابل الجنسية في العلاقات الإنسانية:
إذا أعيد تقويم الرجال والنساء كأفراد وكأزواج أو رفقاء تبعًا للعامل الجنسي نجدهم أقل فعالية إذا ما قورنوا بالمراحل السابقة، وبالتالي فإن العلاقات الشخصية المتبادلة قد تحدث حينئذ على مستوى أعظم من العمق في الفهم ويحدث تدعيمًا للعلاقات الزوجية خاصة أثناء تلك الفترة التي يترك فيها الأبناء المنزل ويستقلون بأنفسهم.
(1/462)

3- المرونة النفسية في مقابل الجمود النفسي:
نقصد هنا تبدل أو تغير الانفتاح الانفعالي والعاطفي، فعندما يموت الآباء ويتفرق الأصدقاء، ويستقل الأبناء بذواتهم يمكن للأفراد أن يوسعوا من مجالات اهتماماتهم وفرصهم لتوسيع دائرة أصدقائهم، وأن يحاولوا تكوين علاقات عاطفية جديدة مع أبنائهم.
4- المرونة العقلية في مقابل الجمود العقلي:
هل يمكن للفرد أن يستمر في الانفتاح والتقبل للخبرات والتفسيرات الجديدة، أم إن خبرات الفرد الماضية تملي عليه مجموعة من القواعد غير المرنة والتي تجعل الفرد متعلقًا في بحثه عن ثمة إجابات جديدة أو مختلفة للمشكلات الحالية.
يشير "بيك" Peck إلى حدوث مؤشرات ثلاثة رئيسية لدى المسنين.
أ- تمييز الأنا في مقابل الاستغراق في دور العمل، وتتمثل المهمة هنا في بناء مجموعة متنوعة من الأنشطة ذات القيمة، وبالتالي فإن في بناء مجموعة متنوعة من الأنشطة ذات القيمة، وبالتالي فإن افتقاد عمل معين "عند الإحالة على المعاش مثلا" أو افتقاد دور معتاد للفرد "كما في حالة استقلال الأبناء" يسمح لأنشطة أخرى هامة بالظهور حيث تمدهم بأحاسيس الرضا والإشباع.
ب- السمو الجسمي في مقابل الانشغال أو الاستغراب الجسمي، عادة ما نجد معظم المسنين يعانون من المرض وبدرجات متزايدة من الألم وعدم الراحة، ومع ذلك نجد بعض الأفراد ما يزال قادرا على الاستمتاع بالحياة بصورة كبيرة، والشعور براحة كبيرة في التفاعل الإنساني أو خلال الأنشطة الابتكارية والتي تؤدي بهم إلى تجاوز الضعف أو التدهور الجسمي للمسنين بمعنى من المعاني.
سمو الأنا في استغراق الأنا:
يحدث ذلك من خلال الأبناء والمساهمات الثقافية والعملية، ومن خلال الأصدقاء حيث تمد الأفراد إلى ما وراء نطاق ومدى حياتهم، والموت يحدث في نهاية المطاف كشيء محتوم متعذر الاجتناب "وقد يدرك كبار السن هذا المعنى لأول مرة في حياتهم" إلا أن بعض الأفراد يرون أن حياتهم كانت حياة مشبعة ويظهر ذلك في مستقبل أسرهم ولأفكارهم أو للأجيال المقبلة للأنواع الإنسانية.
(1/463)

5- تحليل "ريجل" الديالكتيكي للنمو:
وجهة نظر مختلفة في طبيعة النمو الإنساني قدمت في المنحى الديالكتيكي الذي اقترحه كلوس ريجل Klaus Riegel؛ "1976"، فبينما كانت معظم النظريات الأخرى للنمو والتي نوقشت تنظر إلى النمو كانت معظم النظريات من المراحل يتقدم الفرد خلالها، نجد ريجل يركز على العمليات النمائية للتغير، بمعنى أنه بدلا من افتراض أن النمو الإنساني يمكن تفهمه عن طريق دراسة فترات التوازن والاتساق, فقد أشار إلى أننا يمكننا دراسته أيضًا عن طريق التغير واللاتوازن.
ويرفض ريجل تفضيل السمات الثابتة، والقدرات، أو الكفاءات ويرفض كذلك تفضيل التوازن والاتساق أو الاستقرار, غالبًا ما توجد في ثنايا دراسات النمو الإنساني، ويشير ريجل إلى أنه يجب علينا أن نكرس على الأقل تأكيدات ومجهودات متساوية على قضية كيفية حدوث ونشأة المشكلات وكيفية تولد التساؤلات والاستفسارات، ولذلك نجده يركز على دراسة الأفعال والتفسيرات بدلا من دراسة عملية التوازن والاتساق في النمو، ونظر إلى العمليات النمائية بأنها حالة تدفق دائم غير متقطع، بدلا من النظر إليها بأنها عمليات تجريدية مستقرة ساكنة.
كما أنه يوافق على وجهة النظر التي تنادي بأن الكائنات الإنسانية ليست مجرد حزم أو مجموعات ثابتة مستقرة في توازن معين، ولا أنهم مجرد ردود فعل سلبية لميكانزمات شرطية، ولكنهم بالأحرى كائنات متغيرة في عالم متغير، وبالتالي فإن تحليل الوقت والتغير خلال الزمن تبعًا لوجهة نظر ريجل تعتبر شيئًا ضروريًا.
ويشير ريجل إلى وجود أربعة أبعاد رئيسية للنمو الإنساني هي، البعد البيولوجي الداخلي، والبعد السيكولوجي الفردي، والبعد السوسيولوجي الثقافي، والبعد المادي الخارجي.
وهذه الأبعاد تتفاعل باستمرار مع بعضها البعض، ومع عناصر أخرى داخل البعد الواحد، وبالتالي فإن كل منها قد يحدث تغيرًا ويثير مشكلات وتساؤلات ويؤدي إلى تحولات في دورة حياة الإنسان، وحيث إن النمو يتضمن التقدم خلال الزمن، فإننا نجد الفرد ينتقل في وقت واحد على طول هذه الأبعاد الأربعة الرئيسية أثناء دور الحياة، وجوهر المنحى
(1/464)

الديالكتيكي يتمثل في دراسة التزامن الذي يحدث لتلك الأبعاد الأربعة كلما درج الإنسان في مدارج النمو، وفي ذلك يشير ريجل بقوله.
إن التعاقب البيولوجي الداخلي يؤدي بالفرد، إلى الخروج خارج المنزل إلى العمل والزواج والأبوة ومعظم هذه الأحداث سواف تتزامن -بصورة كبيرة- مع التقدم أو التعاقب على طول الأبعاد الأخرى، فمثلا نجد كثيرًا من الأفراد يتزوجون عندما يبلغون درجة كافية من النضج، وعندما تكون إمكاناتهم النفسية تؤهلهم لذلك، ويكونون عازمين عليه، وعندما توجد الظروف الاجتماعية المناسبة فإنها بالتالي تساعد على إحداث ذلك وفي ثمة حالات أخرى قد لا يتحقق مثل هذا التزامن فقد يتزوج الفرد بدون أن يصل إلى مستوى من النضج الكافي، وقد يحقق البعض الآخر مستوى مناسب إلا أنهم يخفقون في إيجاد الشريك المناسب لهم، ولذلك فإننا نجد أن التعاقد البيولوجي الداخلي والبعد الفردي النفسي لا يكونان متزامنان -بصورة دائمة- مع الظروف الثقافية الاجتماعية، أو مع الظروف الخارجية المادية -فعلى سبيل المثال- مع التقاليد والقوانين الخاصة بالزواج، أو نقص الفرص المتاحة للزواج بعد الحرب مثلا.
وبصورة متشابهة، فإن تزامن هذه الأبعاد قد يدرس في تفاعل شخصية أو أكثر، مثل الأسرة أو في العلاقات بين الأفراد والجماعات الاجتماعية، وحتى الكوارث الطبيعية "البعد المادي الخارجي" وقد تنتج وتحدث فوضى لتزامن هذه الأبعاد بالنسبة للأفراد والجماعات والمجتمعات, والتي قد ينظر إلى كل منها بأنها تنمو بمرور الوقت.
وبسبب أن هذا التقدم أو التوازن الرباعي مركب ومعقد بصورة واضحة، كما أن التغير في بعد واحد لا يكون متزامنًا -بصورة دائمة- مع التغيرات التي تحدث في الأبعاد الأخرى، كما أنه عادة ما يوجد درجات من الصراع بين تلك الأبعاد، بالإضافة إلى ذلك فإن التغيرات الرئيسية التي تحدث في أي بعد من هذه الأبعاد سوف تودي إلى مواجهة أو تصادم بين ذلك البعد والأبعاد الأخرى، فإذا أدت تلك المواجهة إلى إعادة تنظيم الأبعاد الأخرى، حينئذ يمكن النظر إليها باعتبارها فترة من التحول النمائي, ولذلك فإن فترة التزامن النسبي عبر الأبعاد الأربعة قد تتبع بتغيرات هامة في واحد أو أكثر من هذه الأبعاد, وهذا يحدث عندما
(1/465)

لا يوجد بين هذه الأبعاد تزامن نسبي، وبالتالي يؤدي ذلك إلى محاولة لإعادة بناء التزامن، وعندما يكون ذلك ممكنا حينئذ تكتمل عملية التحول وبالتالي تكون تلك المرحلة مستقرة، ومهيئة لتحول جديد كلما بدأ بعد من تلك الأبعاد الأربعة المتفاعلة مرة أخرى لإحداث تقدم مع أي من الأبعاد الأربعة، ويوضح ريجل وجهة نظره بقوله.
تحدث التغيرات الحاسمة كلما -حدث صراع بين اثنين من هذه التعاقبات أو التتابعات، أي عندما ينهار الاتساق ولا يحدث التزامن وهذه الظروف المتناقضة تكون أساس التعاقبات النمائية، وتحدث الهضاب المستقرة من التوازن والاتزان والاستقرار عندما تكتمل المهام أو المطالب النمائية أو التاريخية إلا أن تلك المطالب سواء النمائية أو التاريخية لا تكتمل أبدًا.
ففي اللحظة التي يبدو فيها أن الاكتمال قد تحقق حينئذ تنشأ تساؤلات جديدة وشكوك وتساؤلات داخل الفرد وداخل المجتمع، فالكائن الإنساني والمجتمع وحتى الطبيعة الخارجية لا تكون أبدًا في حالة استقرار أو سكون وحتى في حالات اللااستقرار هذه فإنها نادرًا ما تكون في صورة تزامن كامل وعلى الرغم من ذلك فإن هذا التزامن يبقى هو الهدف المأمول، حيث يمكن أن يتحقق فقط من خلال المجهودات الإنسانية المستمرة، حيث لا يوجد اتساق ثابت مكون بصورة قبلية.
ولقد توفي ريجل قبل أن يتمكن من إثبات هذه المفاهيم والأفكار المثيرة إلى ما وراء صياغتها الأولية، وبدأ علماء آخرون في القيام ببعض من الدراسات التمهيدية على هذا التحليل الديالكتيكي للتغير والتزامن الذي يحدث في الأبعاد المتنوعة داخل عملية النمو مثل Daran & Reese؛ "1977"، إلا أن هذا المنحى ما يزال في حاجة إلى عديد من الدراسات الأخرى حتى يمكن التأكد منه واعتباره إطارًا مفيدًا في تحليل النمو الإنساني، وعلى أي حال فإن إطار رجيل قد أمدنا بوجهة نظر هامة لدراسة النمو الإنساني بالإضافة إلى إشارته، إلى أن وجهة النظر التقليدية للنمو باعتباره تسلسل من المراحل قد يكون غير مناسب لتفهم الطبيعة المركبة لعمليات النمو، خاصة أثناء مرحلة الرشد.
(1/466)

بعض مشكلات النمو ووسائل مواجهتها:
تشير منتسوري بأن صفحة التاريخ التي تسرد قصة مآثر الإنسان بوصفه عقلا مفكرًا جديرة بأن تفتح وتقرأ، فهي صفحة تحكي قصة الطفل في مواجهته ما يحفل به عالمه عادة من متناقضات ومقدار ما يتعرض له من هيمنة من جانب الكبار الذين يحرصون على تربيته وتوجيهه ولكنهم لا يفهمونه في معظم الأحيان.
وينطوي رأي منتسوري على جانبين لهما أثرهما الأكبر في حياة الطفل هما:
1- الصراع الحاصل بين دوافع الفرد وبين البيئة التي تضم هذا الفرد، وهذا يقتضي أن يعمل الفرد على إخضاع دوافعه ونوازعه لمتطلبات البيئة المحيطة به، وهذا الصراع ميسور حاله في الغالب, إذ ليس من المتعذر الكشف عما يدفع الفرد وهو في طور النمو من أسباب مقلقة تحمله مع محاولة تجاوز حدود البيئة المرسومة اجتماعيًا.
2- ولكن هناك ما هو أعمق مما سبق، ويتمثل في ذكرايات الطفولة التي لا تمثل الصراع بين الإنسان وبيئته الاجتماعية الراهنة التي يعيش فيها فحسب، وإنما هي ذكريات تنطوي على جوانب الصراع بين رغبات الطفل وروادع الراشدين بوجه عام, وأقربهم إليه الأبوان أول الأمر. وهذا معناه أن الضرورة تقتضي بأن يتسع نطاق النظرة إلى الطفل وجعلها تشمل آفاقا أرحب تتناول حياة الإنسان ككل، الإنسان في واقعه الذي يحياه مع التركيز في الوقت ذاته على الحياة النفسية للطفل، وذلك لأن المشكلة إنما تتناول حياة الإنسان ككل، الإنسان في واقعه الذي يحياه، مع التركيز في الوقت ذاته على الحياة النفسية للطفل وذلك لأن المشكلة إنما تتناول حياة الفرد ابتداء منذ الولادة، بيد أن هذا لا يعني وضع حد لمشكلات الطفولة فهي قائمة وما أكثرها وجدير بالراشدين ألا يندهشوا أو يصمدوا حينما يرون بعضها متمثلة في سلوك بعض الأطفال، فهي مشكلات قد ترجع إلى الخصائص العامة للنمو، ومنها ما ينم عن لون من ألوان الانحراف النفسي الذي يجب العمل على تفاديه قبل استشرائه.
ويجب على الراشدين من حول الطفل والمراهق أن يميزوا بين ما هو
(1/467)

من عداد الأمور الاعتيادية في حياة الطفل أو المراهق، وبين ما هو انحراف يستدعي العلاج، والمسألة قد لا تخلو من صعوبة تذكر في كثير من الأحيان، ولا يمكن الإشارة إلى جميع الاحتمالات التي تظهر في حياة الطفل من الناحية الجسمية أو النفسية ولكن يمكن الإشارة هنا إلى بعض من تلك المشكلات التي تجابه الآباء والمدرسين في نمو أطفالهم ومراهقيهم، وكيف يمكنهم التعامل مع هذه المشكلات، وإن كنا سوف نشير إلى مشكلات النمو في كل مرحلة على حدة، فليس معنى ذلك انفصالهما في الواقع، فالشخصية الإنسانية كما تعلم توضع اللبنات الأولى لها في فترة الطفولة, وما يؤثر في الطفولة يؤثر بالتالي على جميع فترات النمو نجد أن النمو الإنساني يتسم بالاستمرارية فكثير من مشكلات الطفولة نجد لها امتدادًا في فترة المراهقة والرشد، بالإضافة إلى المشكلات التي تظهر لمقتضيات النمو في كل مرحلة.
أولا: بعض مشكلات النمو في فترة الطفولة
1- التغذية Feeding:
إن عادات الأكل والنوم والإخراج متصلة مباشرة برفاهة الطفل البدنية, فإذا درب على هذه العادات تدريبا صحيحًا في الوقت المناسب حق لنا أن نوقن بأن الأساس الذي تقوم عليه الصحة العقلية والبدنية قد تم وضعه، فتلك هي أولى العادات التي تتطلب الانتباه, ذلك لأنه في هذه العمليات الفسيولوجية البسيطة تقع الأخطاء المبدئية في تربية الطفل، إما بإهمال أهميتها إهمالا مطلقًا أو بالمبالغة في الاضطراب والقلق من ناحية الصعوبات التي تنجم عنها.
وتشير الأبحاث السيكولوجية إلى أن كثيرًا من العادات المرزولة ومن اعوجاج الشخصية التي كثيرًا ما نشاهدها في مطلق المراهقة وثيق الصلة في بدايته بالعجز عن إجادة هذه العادات الأساسية الثلاثة وهي: الأكل, النوم, الإخراج، والتي تتصل اتصالا مباشرًا بحياة الطفل العضوية, ولذلك يجب أن يعنى الآباء بهذه العادات عناية دقيقة.
ومن أولى المصاعب التي تواجه الأم صعوبة مزدوجة هي تقديم الغذاء الملائم للطفل حديث الولادة، وعونه على تكوين عادات حسنة لتناول هذه الغذاء في خير الأوقات حتى تكون أكثر توافقًا مع حاجاته البدنية.
(1/468)

وليس هناك في الجسم عضو واحد يتأثر تأثرًا مباشرًا بالانفعال أكثر من تأثر القناة الهضمية المعدية به, فالطفل إذا غضب أو استشعر الوحدة، أو اشتد انفعاله في اللعب أو الخوف لا يستطيع أن يهضم الطعام أو يتمثله,
لهذا يجب أن ينظر الوالدان إلى كافة هذه العوامل، إذ لا يمكن ضمان الصحة العقلية والبدنية للطفل إذا أثار أي اضطراب في تناول الطعام سواء بالكلام أو بالفعل، فكثيرًا ما تجذب انفعالات الآباء، واضطرابهم انتباه الطفل إلى قيمة نفسه، وتبعث عنده شعورًا لذيذًا بالقوة وتوحي له أن ساعة تناول الطعام فرصة سائحة لاجتذاب الانتباه إليه والاهتمام بأمره.
وتحل مشكلة الطعام عند الأمهات إلى نظرنا إلى الأسس الآتية.
أ- كمية الطعام التي يتناولها الصغير.
ب- الطريقة والميعاد التي يتناول بها طعامه.
ج- قدر ما يبذله الوالدان من الطاقة والجهد في دفع الطفل إلى تناول الغذاء الكافي له، فإذا عرفنا أن بالطفل نزعات نحو القوة والظهور، وأن الأساليب التي يشبع بها تلك الميول ساذجة محدودة لم يكن مما يبعث عن العجب أن نرى الصغار يلجئون إلى هذه الطرق لفرض أنفسهم علينا، وقد يغيب عن الأم تماما أن ابنها الصغير عندما يأكل أو يرفض الأكل مثلا يستطيع بذلك أن يسيطر على جانب كبير من نشاطها لكنه مع ذلك يشعر بقوته وسطوته ويحس بما تبعثه هذه القوة في نفسه من رضا.
وليس من أمر أكبر أهمية من تكوين العادات الحسنة في تناول الطعام من الحالة العقلية للطفل, لهذا ينبغي أن نبذل كل جهد لبعث الهدوء، والسرور في نفسه وصرفه عن أي أمر آخر غير الطعام.
ومن الخير قبل أن يتم تكوين آداب المائدة تكوينا طيبًا أن يأكل الطفل وحيدًا حتى يستطيع بدون حضور جمع من المهتمين به أن يتعلم كيف يتناول الطعام بنفسه، فإذا سكبه أو نثر جانب منه هنا وهناك أثناء تعلمه هذا، لم يكن في ذلك ضرر كبير.
(1/469)

فإذا لم يستطع الصغير لسبب ما أن يتناول ما أمامه من طعام أو رفض تناوله فلا ينبغي إرغامه أو التحدث مع الأمر مع الآخرين في حضوره.
ومن الخير أن يعرف الصغير أنه إذا تعلم كيف يأكل بهدوء وعلى منوال لائق أمكنه أن يجلس مع الكبار على المائدة، فقد يدفعه ذلك إلى الجهاد في سبيل إتقان آداب المائدة.
ومن اللازم بالطبع أن يكون طعام الصغير بسيطًا مغذيًا سهل الهضم وأن يقدم إليه بكميات صغيرة، والانتظام في تقديم الطعام للطفل أمر عظيم الأهمية لا للأسباب الفسيولوجية فحسب، بل لأسباب أخرى تتعلق بميعاد الطعام إذا أكل كان أو لا.
كذلك ينبغي ألا نستعجل الطفل أثناء الطعام ولا نترك له من الوقت ما يشجعه على العبث به إذ لا تتطلب أي وجبة عادية من الطفل أكثر من نصف ساعة في الغالب، فإذا لم ينته منه خلال ذلك فليؤخذ الطعام من أمامه دون أي تعليق وليصرف عن المائدة.
ولنتذكر مرة أخرى أن وقت الطعام لا ينبغي أن يكون فرصة ينتهزها الطفل للظهور بمظهر الفرد ذي الأهمية الممتازة.
2- النوم Sleeping:
يذكر لنا هولت هوفلاند Holf, A. Howland أن النوم أهم ما يشغل الطفل خلال شهور السنة الأولى إذ يبلغ ذلك من عشرين إلى اثنين وعشرين ساعة في اليوم الواحد, ولا يصحو إلا بتأثير الجموع أو عدم الراحة أو الألم، وعند نهاية الأشهر الستة قد ينقص ساعات النوم الفعلية إلى ست عشرة ساعة أو أقل ويكون، هذا النقص تدريجيًا حتى سن الرابعة ويرجع أن تكون اثنا عشر ساعة كافية للإبقاء على صحته البدنية.
وعمومًا تتصل عادات النوم الطيبة بصلة وثيقة بانتظام التغذية واضطربات النوم أو التغذية كفيل بأن يبعث الاضطراب في الآخر.
ويذكر لنا هولت Holt أنه ينبغي البدء بغرس عادات النوم الطيبة
(1/470)

منذ المولد، إذ ينبغي أن يألف الطفل منذ مطلع حياته أن يوضع في مهده أثناء صحوة وأن ينام دون أن يعينه أحد على ذلك، ولا ضرورة إلى أرجحته أو إلى غرس عادات أخرى من هذا النوع؛ لأن في هذا أذى له، كما لا ينبغي أن يترك الطفل ينام على ثدي مرضعته، أو بحمله الزجاجة في فمه، مما يؤذي الطفل إيذاء لا شك فيه كل الطرق الأخرى لبعثه إلى النوم كإعطائه حلمة من المطاط لمصها، ذلك لأننا إذا لجأنا إلى مثل هذه الوسائل تعود الطفل ألا ينام بدونها.
ويلزم أن نضيف أمرًا آخرًا، هو أنه لا بد من أن يثبت في ذهن الطفل أن فترة النوم هي الوقت الذي ينبغي أن يبقى فيه وحيدا وأن وجود من يصاحبه أو يسليه كالكتب والألعاب لا يتفق والنوم، وأنه لا يستطع الحصول على هذه الأشياء إذا لجأ إلى الصياح والعويل.
ويخشى كثرة من الأطفال من حين إلى حين خلال سنواتهم الأولى إذا خرج أهلهم أن يتركوهم وحدهم نائمين ثم لا يعودون، أو أن يتخلصوا منهم، وتزيد تلك الأشكال من الخداع, هذا النوع من الخوف الذي يتردد في نفوس الأطفال، فإن كان من اللازم أن يخرج الوالدان من المنزل بعد أن ينام الطفل فمن الخير أن يلتزمًا الأمانة في إخباره بما سوف يحدث.
وينبغي القول بأن الاحتياطات الزائدة التي يتخذها كثير من الآباء لتهيئة أحسن الظروف للطفل، قد تكون في نفسها العامل الأساسي الذي يسبب زيادة حساسيته وشدة إرهابها في مقتبل حياته.
وعمومًا ينبغي أن ينام الطفل وحيدًا بعد السنة الثانية من عمره كلما أمكن ذلك، ولا يسمح لطفلين بالنوم سويًا إلا إذا كان من جنس واحد، ويجب أن تعتبر القيلولة جزء مهم في دستور نوم الطفل، حتى سن الخامسة وإلى ما بعدها، إذا أمكن الإبقاء عليها ذلك لأن التعب من أهم العوامل التي تسبب الأعراض العصابية في الأطفال، فالطفل المتعب يغلب عليه أن يكون كثير الغضب والسخط كثير التأفف من الطعام، وقليل الرضا بوجه عام.
جملة القول أن النوم أمر لا يمكن إيفاؤه حقه ذلك لأن عمل أجهزة
(1/471)

البدن المختلفة وما نسميه بحالة الصحة وما فيها من جلاء العقل واتزان الانفعالات يمكن أن تضطرب جميعها إذا اضطرب نوم المرء، ولو غرسنا في نفوس أطفالنا ما ينبغي من العادات الطيبة في صدر حياتهم لأمكن أن نجنبهم بذلك كثيرا من الاضطرابات والقلق والهلع الذي يرتبط بالأرق في حياتهم المقبلة.
3- التبول اللاإرادي Enuresis:
تكمن قدرة الطفل على التحكم في عملية التبول النهاري في الشهر الثامن عشر أما عملية التبول الليلي فيتم عادة التحكم فيها في المدة التي تقع بين منتصف العام الثالث ونهايته "2.5: 3 سنوات".
هذا هو التطور الطبيعي لعملية التبول في الطفل العادي، إلا أننا نلاحظ في بعض الحالات أن الطفل يتعذر عليه التحكم في عملية التبول حتى سن كبيرة، تصل أحيانًا إلى السابعة أو الثامنة، وقد تمتد أحيانًا إلى ما بعد ذلك.
ولقد أشار هولت Holt أن البول في أكثر الحالات ما هو إلا عادة متصلة على الأغلب بعادات أخرى تدل على أن بجهاز الطفل العصبي عدم استقرار أو حساسية بالغة.
وعمومًا، نجد أن إصابة الطفل بالتبول اللاإرادي، يتضافر فيها، عاملان.
أ- عامل استعدادي، يتصل بالتكوين العضوي أو الوظيفي للجهاز البولي.
ب- عامل نفسي، ينشأ بسب البيئة وما فيها من خبرات مؤلمة واضطرابات انفعالية حادة.
ونجد أن كثيرًا من الآباء يميلون إلى اتخاذ خبراتهم التي يذكرونها عن أيام طفولتهم هاديًا يرشدهم إلى ما ينبغي أن ينتظروه من آبنائهم.
وعمومًا إذا تخطى الطفل سن الثالثة دون أن يتعود الاحتفاظ بجفاف ملابسه كان هذا أمر يستدعي الاهتمام حقًا، ولا بد حينذاك من
(1/472)

أن يوضع له نظام يستبعد أي إسراف في التوتر العقلي كلما أمكن ذلك، كما يلزم أن تحدد ساعات معينة لنوم الطفل ويقظته.
وأولى خطوات العلاج وأهمها هو بعث الطفل إلى العمل على التخلص من هذه العادات، ولا يمكن إطلاقًا أن يؤدي العقاب إلى تكوين هذا الموقف بل ينبغي أن نعرض المشكلة على الطفل باعتباره أمرًا يمكن تحقيقه وفي وسعه القيام به، إما إذلاله فلا ينفع في شيء ولا يساعده البتة في القضاء على تلك العادة، بالإضافة إلى أن الكبار يستطيعون مساعدة الطفل باللين والإقناع وأيضًا في استبعاد كثرة السوائل وملاحظة الطفل ليلا وإيقاظه إن لزم الأمر، وأن ينبهونه إلى الذهاب إلى دورة المياه.
ويجب دراسة كل حالة من الحالات بمفردها وأن يقوم بهذه الدراسة شخص يجيد معرفة حياة الأطفال العقلية والنفسية، كما ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن هذه العادة قد ترجع إلى ضعف كامن في الجهاز البولي، فلا بد من عرض الطفل على أخصائي لمعرفة سبب هذه الظاهرة عند الأطفال.
4- مص الأصابع وقضم الأظافر:
مص الأصابع من أكثر العادات شيوعًا بين الأطفال وهي عادة تنتج عن سلسلة محكمة التنظيم من الحركات العضلية، وينفع الطفل نفعًا كبيرًا في مطلع حياته، كما أنها رد فعل طبيعي غريزي، والفرق الوحيد بين مص الطفل لثدي أمه ومصه لأصابع يديه أو قدميه هو أن الفعل الأول مفيد لذيذ معًا, بينما الثاني على لذته لا منفعة فيه، بل هو يؤدي أحيانًا إلى تشويه الفك أو الأصابع.
وقد يبدأ مص الأصابع أو أي جزء آخر من أجزاء البدن منذ الميلاد، وقد يبقى حتى الخامس أو السادسة من العمر، وتقل هذه العادة تسببًا بعد السابعة، فإذا أعملنا جهدنا للقضاء على هذه العادات السيئة ويجب أن نذكر أن سوءها يرجع أكثره إلى اعتبارها منافية لآداب اللياقة، كريهة المنظر, فإذا أردنا القضاء عليها كانت أولى الخطوات وأهمها أن يتخذ الوالدان موقفًا معقولا بإزاء هذه العادة، وعمومًا فإن الآباء والأمهات خاصة أكثر تعرضًا للإسراف في النفور من هذه العادات والخجل من وجودها في أبنائهم، وهم يأخذون المشكلة على منوال شخصي جدًا.
(1/473)

وكثيرًا ما يسألك الناس عما إذا كان مص الأصابع لا يؤدي إلى بعض الانحراف الجنسي أو هو دلالة على الانحلال الخلقي، وكل ما يمكن أن نجيب به هو أنه إذا كان مص الأصابع دلالة على الرغبات الجنسية فلنعتبر هرش الرأس وتنظيف الأنف من هذا القبيل كذلك، وأنه إذا سلمنا بهذه النظرية وجب أن يكون إدراكنا للنشاط الجنسي مباينا تمام التباين للرأي والذي يقول به أكثر الناس ذكاء ورجاحة في الوقت الحاضر.
وهذه العادات عامة الشيوع بين الأطفال والمألوف أن تكون أمورًا عابرة مؤقتة، لا تستقر في شخصية الفرد، ومع هذا ينبغي أن نذكر أنه إذا لم يمكن التخلص منها واستمرت ممارستها بعد السن التي توجد فيها عادة، كانت دلالة تثبت أن نمو الطفل قد توقف إذ هي ليست إلا أعراض للفجاجة العقلية أو الوجدانية.
فإذا ظهرت عادة المص أمكن أن ينفع المنع الجزئي الموقف نفعًا كبيرًا في اقتلاعها، فإن استعمال سوار عادي من القماش بالنشا إذا ربط ربطًا محكمًا حول الكوع يمنع الطفل من ثني ذراعه ووضع أصابعه في فمه.
وهناك طريقة أخرى للعلاج عنيفة إلى حد ما وهي تلويث أصابع الطفل بأي دواء كريه الطعم، إلا أنه إذا أقنعنا الطفل وخلقنا فيه الرغبة في التغلب على العادة الكريهة التي يقوم بها قيامًا لا شعوريًا أمكن أن تكون النتيجة مرضية ناجحة.
ومع هذا، فإن هذه العادة عند الأطفال العصابيين ليست سوى عرض من الأعراض العامة في هذه الأحوال ننصح بعدم استخدام أية طريقة من طرق المنع لأنها تؤدي إلى مقاومة بدنية، كما أن العصيان العقلي الذي يثور بنفس الطفل يزيد من اضطرابه العصبي العام، الذي ينبغي أن ينصرف إليه اهتمامنا قبل أي شيء آخر.
وقلة حنان الأم على أولادها أيضًا قد يؤدي إلى ظهور مثل هذه العادات ويبدو أنه من الحكمة عند ظهور هذه الخلفة أول الأمر أن نقلل من أهميتها ما أمكن ذلك بأن نعمل على ألا يجني الطفل شيئًا باتخاذه هذا السلوك بل أن ندبر الأمر حتى يؤدي إلى إيقاع الخسارة به، وأهم من هذا كله ألا نناقش مسلكه البتة على محضر منه.
(1/474)

وليس من الحكمة في شيء أن نغزي الطفل ونرشوه حتى يقلع عن إحدى العادات، لأنه سرعان ما يفسر تلك الطرق على أنها دلالة على ضعف والديه في استغلال ما يلمسه من قلقهما عليه ومع هذا فإنه يحق لنا على الدوام أن نلجأ إلى الطفل في صراحة وأمانة.
وهناك من الأطفال من يبتغي السلوى من ذلك فعندما تسوء الصلات بين الطفل والدنيا التي يعيش فيها، والمشكلة هنا ليست مشكلة أساسية إذ هي ليست سوى عرض من أعراض حالة عقلية ينبغي دراستها دراسة عميقة.
عمومًا يجب ألا نبالغ في أهمية هذه العادة؛ لأن الطفل سيستمد من هذا الأمر جانبا من الرضا اللاشعوري، ثم سرعان ما يعرف كيف يستغل هذا الاهتمام بأمره، وأشد ما يقوي العادة في الطفل تكرار نهيه عنها، وهذا أقرب طريق لدفعه إلى العناد والمقاومة ومما يستلزم كثيرًا من المهارة واللباقة قدرًا كبيرًا من حسن الفهم والتصرف أن نلتمس الطرق والوسائل للقضاء على هذه المشاكل بطريق غير مباشر أي بتحويل نشاط الطفل إلى سبل إخرى دون إدراك منه لذلك، فإذا أحسنا اختيار تلك السبل فسرعان ما تحل الميول الجديدة محل القيمة، وسرعان ما تختفي هذه العادة.
5- السلوك العدواني Aggressive Behavior:
لعل السلوك العدواني لدى الأطفال هو إحدى المشكلات الأساسية التي تؤدي إلى إصابة الوالدين في المنزل بالضيق والانزعاج.
ففي دراسة كورنر Koener؛ "1949" لعشرين طفلا تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسادسة في إحدى دور الحضانة، ما يدل على العلاقة القائمة بين سلوك العدوان للأطفال من ناحية وما ينالونه من محبة وعطف من والديهم من ناحية أخرى، إلا أن النتائج كانت تشير بوجه عام إلى أن الأطفال الذين كانوا يحظون بكافيتهم من محبة الوالدين وعطفهما كانوا يعبرون عن عدوانهم تعبيرًا قويًا في مواقف اللعب، وتعبيرًا واقعيًا في مواقف الحياة الحقيقية، وقد فسرت هذه النتيجة بأن هؤلاء الأطفال إنما عمدوا إلى كبت عدوانهم إزاء مواقف الحياة احتفاظًا بمحبة والديهم، ولكنهم لم يجدوا بأسًا من التعبير عن هذه الميول العدوانية وتفريغها في
(1/475)

مواقف اللعب، بينما تبين أن الأطفال الذين حرموا هذه المحبة الوالدية كان البعض منهم على العكس, ذا ميول عدوانية قوية إزاء مواقف الحياة وميول عدوانية ضعيفة، إزاء مواقف اللعب كما كان البعض الآخر ذوي ميول عدائية قوية إزاء جميع المواقف، وهذا معناه أن ما تعرض له هؤلاء الأطفال من حرمان وإعاقة أدى إلى نشأة العدوان لديهم في استجاباتهم لمختلف المواقف على السواء أو لمواقف الحياة الواقعية تعبيرًا عن سخطهم وضجرهم.
والأم أهم مصادر الإعاقة وما يؤدي إليه من عدوان لدى الأطفال فهي التي تتولى حماية الطفل وإبعاده عن الأخطار، كما أنها تتولى عملية تشكيله اجتماعيًا وما تتضمنه هذه العملية من أمر ونهي.
ومجمل القول أن عدوان الطفل ينبغي ألا ينظر إليه نظرة إلى أمر غير مرغوب فيه على الأطلاق، بل إنه أمر ضروري لازم، وإن كان يحتاج إلى قدر من الضبط والتوجيه والإحاطة بالمحبة والرعاية.
6- السلوك الانسحابي:
السلوك الانسحابي مشكلة أبلغ خطرًا من مشكلة السلوك العدواني، فالطفل قد يعمد إلى الانزواء والانطواء والسلبية، بدلا من العدوان والفاعلية والنشاط، ودرجة الخطر هنا أن الطفل الذي يتسم بطابع الانطواء والسلبية قد ينال من البيئة التي يعيش فيها القبول والتشجيع على اعتبار أن الانطواء طاعة وامتثال وأن العدوان انحراف وتمرد ولذلك فإن بذور هذا السلوك حينما تجد لها منبتًا في هذه المرحلة من النمو يسهل عليها بعد ذلك أن تنمو وتفصح عن نفسها في شخصية غير سوية في المستقبل.
والسلوك الانسحابي يرجع أصلا إلى سوء التكيف بين الطفل والبيئة التي يعيش فيها، وعدم كفاية إمكانيات البيئة في إشباع الحاجات النفسية للطفل مما يؤدي إلى أن يكون للطفل عالمه الخاص الذي يقيمه في خياله ويشتق منه إشباعًا لا يتوفر له في العالم الواقعي.
ولكي نجنب الطفل أن يقوم بهذا السلوك المنحرف، علينا أن نعنى بإشباع حاجاته من المحبة والتقدير والاحترام وأن نعنى بتعرف إمكانياته
(1/476)

وحدودها حتى لا نتوقع منه إلا ما هو في هذه الحدود وأن نقلل ما أمكننا من قيوده، وأن نتيح له قدرًا كافيًا من الحرية، وأخيرًا ألا نضيق بسلوكه العدواني إطلاقًا، بل نتيح له متنفسًا ملائمًا من التوجيه والرعاية.
7- الانحرافات السلوكية:
يتعرض بعض الأبناء إلى نوعين من المشكلات تبدو أعراضهما على شكل سلوك مضاد للمجتمع بما في ذلك السلوك الخارج على القانون ومن أهم مظاهر هذه الانحرافات ما يلي.
أ- جرائم الأحداث، كالسرقة والنشل.
ب- وهناك بجانب ذلك انحرافات أقل خطورة، كالهروب من المنزل والمدرسة والتشرد والكذب والتخريب والتمرد.
ويطلق على مظاهر الانحرافات السابقة بقسميها الاصطلاح "جناح الأحداث" وسنأخذ بعض الأمثلة التوضيحية للانحراف، وما يجب أن نسلكه تجاه هذا النمط السلوكي لدى أولادنا.
أ- السرقة:
الأمانة أمر مكتسب ولا يورث، فالطفل إذا لم يدرب في محيط العائلة على التفرقة بين ما يخصه وما يخص غيره، كان من الصعب أن نتوقع منه أن يكون أكثرًا تمييزًا بين ما يحق له وما لا يحق خارج المنزل، على أنه ينبغي ألا نغفل ذلك الميل الطبيعي الذي يدفع الطفل إلى عدم الاكتراث بحقوق الآخرين فيما يملكون.
وينبغي أن يدرك الطفل منذ أول فرصة ممكنة ما نعنيه ببعض المعايير الاجتماعية مثل "الأمانة" وليس أجدى من تحقيق هذا من احترام حقوق الطفل فيما يمتلك من أدوات خاصة ومن تخويله حق التصرف المشروع في ذلك ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ولا ينبغي أن نتصرف في شيء من ممتلكات الطفل الخاصة دون رضاه وموافقته.
وعمومًا يعتمد الأطفال على البيئة التي يعيشون فيها في تكوين موقفهم الخلقي بإزاء الحياة قدر اعتمادهم عليها في اللغة التي يتكلمونها أو الملابس التي يتخذونها، وإذا نحن ذكرنا أن كل نزعات الطفل الأساسية
(1/477)

في مطلع حياته تنحو نحو إشباع رغباته أي أنه يسعى في الحصول على اللذة والقوة والمكانة، إذا نحن تذكرنا ذلك لزم أن نتوقع منه أن يشرع في العمل على امتلاك كل ما يقع تحت متناول يده منذ سن مبكرة، وأن يكون ذلك وجهًا من أكثر وجوه نشاطه منافاة لأوضاع المجتمع.
وقبل أن يستطيع الطفل بوقت طويل فهم العلة التي تمنعه من الحصول على كل ما يقع تحت متناول يده، يمكن تدريبه على احترام حق الملكية عن طريق التعود، ويمكن تعليمه أن أي خرق لهذه القاعدة لا بد أن يعتبر مخالفة وعصيان.
وعمومًا هناك كثير من الطرق المعوجة التي يقابل بها موقف السرقة غير أن أكثرها شيوعًا هما الوجهان الآتيان:
أ- إن فئة من الآباء يلوث شرفها الرفيع ما يوجه من اتهامات إلى الولد حتى إنهم ليقفون منه موقف الدفاع، ينفون عنه التهمة رغم كل الأدلة التي تثبت ارتكابه إياها، وهم في هذا لا يجروون على بحث المسألة بحثًا بعيدًا عن التحيز، يبتغي منه الوصول إلى الحقيقة، بل إن أسهل السهل لديهم هو إنكار وقوعها أصلا.
ب- الفئة الثانية من الآباء فهم أولئك الذين يذهلهم ويطير رشدهم أن قد رزقوا ابنا أصبح لصا في السابعة أو الثامنة.
ولكن لا جدوى من التصرف على هذا النحو أو ذلك سواء أكان ذلك بروح وكيل النيابة أم بلسان المحامي الذي يدافع عن موكله، فإن موقف الوالد لا ينبغي أن يقتصر على استقصاء الحقيقة والبحث عن وقائع الحال، بل ينبغي أن يكون بجانب ذلك موقف الاهتمام الحق بالأسباب والبواعث قدر الاهتمام بالواقعة.
فقد تكون السرقة غاية في ذاتها، فإذا هو في محاولته يرمي إلى إشباع رغبته، وتيسر عليه هذا السبيل، ولم يفتضح أمره فقد يلجأ إلى استخدام هذه الطريقة بالذات لسد كثير من حاجاته.
وفي بعض الأحيان تتخذ السرقة وما يرتبط بها من موقف انفعالي
(1/478)

غاية في ذاته والسرقة في هذه الفئة من الحالات مشكلة سيكولوجية، ذلك لأن الأسباب التي تقوم عليها كثيرًا ما تكون خافية على الطفل كل الخفاء لأنها تعمل مخبأة، في اللاشعور، فقد تكون للأخذ بالثأر مثلًا، ويلجأ إليها الطفل كرد فعل بدائي يقوم على الثورة والانتقام ممن اعتدى عليه مثلا، أو الانتقام لأن السرقة كثيرًا ما تستخدم كطريقة لتسوية الحساب عن ظلم حقيقي أو وهمي يلحق بالطفل أو يخيل إليه أنه لحق به.
ولا يمكن أن يكون هناك علاج واحد مفتن لأية حالة، لذلك كان أهم ما ينبغي عمله لحل هذه المشكلة أن نقف على الغاية التي تحققها السرقة في حياة الطفل الانفعالية، وأن نبذل عنذئذ ما استطعنا من جهد لعون الطفل على إشباع هذه الرغبة الانفعالية على وجه يرضاه هو ويقبله المجتمع.
وسواء أكانت السرقة مجرد وسيلة نحو غاية يعمل الطفل على تحقيقها أم كانت غاية في نفسها فلا بد أن نعمل على إلا يجني الطفل من سرقته إلا الخسارة، أي إنه على الآباء أن يدبروا الأمر حتى لا تحقق السرقة الغاية التي كان يبتغي منها، ولا يجب إذلال الطفل بل يجب تشجيعه على مواجهة المشكلة في صراحة وجلاء.
وليس من الحكمة أن ندفع الطفل إلى الشعور بأنه لم يعد لدينا من الثقة فيه شيء يسمح بالعودة إلى القيام بما نكلفه به، وليس من الحنكة أيضًا أن نسرف في استغلال انفعالات الطفل كأن نقول له إن إثمه كان صدمة عنيفة نزلت بأبيه وأمه، فليس لهذه المواعظ إلا أثر تافه إذا أعدنا ذكرها بعد انتهاء الحكاية أول مرة، بل من الخير أن نواجه المشكلة على أنها تبعد عن روح العدل وأصول اللعب النظيف وأنها لا تؤدي إلى منفعة له بل تفقده أصدقاء ولا تبعث في نفسه الرضا.
فليس هناك ما يدعو إلى قلق الآباء من سرقات الأطفال التافهة إذا هم واجهوا المشكلة في جلاء وصراحة، ولم يتركوا انفعالهم بشأن هذه المسألة يغلب اتزانهم وحسن تصرفهم.
عمومًا فلا بد للوالدين إن أرادوا تنشئة أبنائهم على الأمانة أن يجتمع لهما ما ينبغي من حسن الفهم والاهتمام والصراحة جميعًا.
(1/479)

ب- الكذب:
يعد الكذب بوجه عام انحرافًا نفسيًا، وكثيرًا ما تشبه الأكاذيب بالرداء الذي يخفي معالم النفس، وهناك ضروب شتى وأنواع مختلفة من الأكاذيب ولكل منها مغزاه وما يرمي إليه فهناك الكذب الاعتيادي وهناك الكذب المرضي, ولقد حاولت مدرسة التحليل النفسي معالجة الكذب القهري الذي يقترن عادة بالهستيريا، وذلك حينما يصبح الكذب عادة مستحوذة على نفسية الشخص وتصبح لغته نسيجًا من الأكاذيب، ويعزى الفضل كذلك إلى العلاج النفسي في توجيه الاهتمام إلى أكاذيب الأطفال والكذب الذي يحاول الطفل إتيانه والذي قد لا يكون متعمدًا أول الأمر ثم يتفاقم في خطورته حتى يصبح لا شعوريًا، بعد ذلك، ويجب أن ندرك جيدًا أن ما نتبينه من حقائق مذهلة تعكس كذب الطفل إنما ترجع في الواقع إلى ضرب من ضروب الارتباك العقلي الذي عقدته ودعمته الاضطرابات الانفعالية التي وجدت في مواقف حياته.
وقد يكون الكذب عند الطفل اختلافًا محضًا، مستمدًا، من وحي الخيال، ويكون القصد منه إيهام الآخرين بقبوله لغرض بريء هو المتعة النفسية أولا، ولجلب اهتمام الآخرين والاستثارة بانتباههم ثانيًا، ومثل هذا اللون من الكذب لا يرمي الطفل من ورائه خداع الآخرين أو تضليلهم.
وليس الغرض منه الحصول على منفعة شخصية خاصة فقد يذكر لك الطفل مثلا بأن أباه رجل رياضي ماهر وأنه قد أحرز العديد من الأوسمة كما يستعد لخوض مباريات دولية مقبلة، ولعلك تصدقه، ولكن يتضح لك فيما بعد بأن كل ما ذكره الطفل لم يكن إلا من نسيج خياله مترجمًا إلى كذبة محكمة ولكن لا هدف له من كل هذا سوى الحصول على المتعة النفسية التي حملته على ما صوره في ذهنه، ولعلها رغبة تراوده كم تمناها لو استطاع أن تكون له القوة الجسمية والشهرة الزائعة، ولما أدرك عجزه عن بلوغها، ولما أيقن أنها بعيدة المنال لجأ إلى وحي الخيال للتعبير عن تلك الحاجة النفسية.
وقد يكون الكذب عند الطفل أحيانًا نتيجة لما يتعرض له من مواقف جديدة في حياته، فمثلا قد يعمد الطفل إلى اختلاق أكاذيب أحيانًا عندما يفارق البيت لأول مرة في حياته، فعندما يرسل إلى الحضانة أو إلى المدرسة الابتدائية يشق عليه الأمر، ويجد من الصعوبة عليه فراق الأم، بل تكون بالنسبة إليه صدمة أحيانًا ما لم يكن قد تمت تهيئته لذلك
(1/480)

منذ فترة بعيدة قبل إرساله إلى الحضانة أو المدرسة على حين غرة ففي هذه الحالات يعمد الطفل إلى حبك أكاذيب يذكر مثلا بأنه وجد المربية في الحضانة قاسية ولا تحبه، أو أن المدرس شديد قاس بحيث لا يمكنه احتمال مثل هذه القسوة.
ويلجأ الطفل أحيانًا إلى الكذب لحماية نفسه من هجوم الكبار عليه، وينشأ مثل هذا النوع من الكذب عادة لدى الأطفال الذين لا تتمثل فيهم قوة الشخصية وممن تعودوا الاستكانة أو الخنوع بدلا من تنمية الثقة بالذات عندهم، ومثل هذا الضرب من الأطفال يصوغون الكذبة لوقتها خالية من المحتويات الخيالية بعيدة عن التزويق فيأتونها وكأنها حقيقة فتكون الكذبة وكأنها فعل انعكاسي دفاعي تولد لتوه، وعادة ما يثور الآباء أو المدرسون، ناسين أو متناسين بأن الطفل جاء بذلك ليتقي غائلة النقمة المحتملة وما عساه أن يتعرض له من اتهامات وتهديدات تكال إليه، ووصمه بالضعف والكذب كلها في الحقيقة تعبر عن الاعتراف الصريح بأن تلك الجوانب من الكذب إنما تكشف عن وجود مركب النقص لدى الطفل والذي قد يكون الكبار في الغالب السبب في توليده في نفس الطفل البريء، ويتخلى الطفل عن هذا النوع من الكذب متى ألف البيئة المحيطة به، وكانت التعليمات والنصائح صريحة واضحة مشفوعة بالقدوة الحسنة.
ومن بين مساهمات نظرية التحليل ما قدمته من تفسير عما يصيب النفس البشرية وما يلجأ إليه من وسائل تغلف به ذاتها أحيانًا، فقد أماطت هذه النظرية اللثام عن أن ما تعمد إليه النفس من تعمية كوسيلة دفاعية وإن لم تكن مرغوب فيها قط إنما يقصد منه التكيف اللاشعوري Unconscious Adaptaion، وما التعمية هذه إلا كذب الإحساس وكذب الجانب الوجداني ويصوغ الطفل الكذب لظنه أنه يحميه، وبالتالي بالتناقض والتناحر يعتملان ضمن إطار ذاته، فيدرك أنه لا طاقة له على احتمال الصراع الناشئ في نفسه وفي فكره فيجد أنه لا بد للنفس من التكيف الذي يتخذ أشكالا شتى لعل أهمها.
1- اللجوء إلى الكذب الذي يحاول الطفل أن يلبسه ثوب الحقيقة وأن يضفي عليه رداء الواقع، وهنا تكون المسألة قد ازدادت تعقيدًا وهذا الكذب المخيف الذي يختفي في مجاهل النفس اللاشعورية.
(1/481)

2- اللجوء إلى الأوهام.
3- الانسحاب من الواقع كليًا.
4- نشوء الحالات العصابية وسائر الأمراض النفسية المحتملة الأخرى.
5- التناقض الوجداني.
ثانيًا: بعض مشكلات النمو في فترة المراهقة:
1- السلوك العدواني Aggressive Behavior:
يكثر انتشار هذا النمط السلوكي بين المراهقين، ويتمثل في مظاهر كثيرة منها التهريج في الفصل والاحتكاك بالمعلمين وعدم احترامهم والعناد والتحدي وتخريب أثاث المدرسة والفصل وعدم الانتظام في الدراسة واستعمال الألفاظ البذيئة.
ولا يمكن إرجاع هذا السلوك العدواني إلى عامل بالذات، بل ترجع غالبًا هذه الأنماط السلوكية إلى عوامل كثيرة متشابكة منها عوامل شخصية وأخرى اجتماعية، فقد يكون أحد العوامل المسئولة عن هذا السلوك بين المراهقين هو عجز الوالدين عن سياسة وتوجيه المراهق، أو فشل المراهق في الحصول على المحبة والتقدير من الكبار في المنزل أو عدم احترامهم لوجهة نظره ومعاملته كالطفل، وقد يرجع العدوان إلى فشل المراهق في تحقيق ذاته أو فشله في الدراسة، أو فشله في كسب عطف المعلم ومحبته له، مما يجعله يعادي السلطة ممثلة في أوامر المدرسة ونظمها ويعادي السلطة ممثلة في المعلم.
وقد يرجع العدوان أيضًا لإحساس المراهق بعدم قبوله اجتماعيًا، إما لعيب ظاهر فيه، أو لقبح في منظره، أو لعدم توافقه اجتماعا مع أقرانه أو مع الأفراد من الجنس الآخر، فنسلك هذا السلوك العدواني كي يفرض ذاته ويعادي المجتمع.
وعليه يمكن أن نرجع هذا السلوك العدواني إلى العديد من الظروف الشخصية والبيئة المؤثرة التي تسبب عادة عدم إشباع حاجات المراهق النفسية، فالنقص في الأمن في المنزل والمدرسة والنقص في المحبة في المنزل والمدرسة وعدم إشباع حاجة المراهق للتقدير والاحترام وللمعاملة ككبير في المنزل والمدرسة، وعدم إعطائه الحرية, كل ذلك له دون شك أثر واضح في السلوك العدواني للمراهق في المنزل والمدرسة.
(1/482)

ويجب على الآباء والمعلمين أن يشبعوا هذه الحاجات النفسية التي يحتاج إليها المراهق، وعليهم أن يفهموا نفسيته ومطالبه, ويقدروها التقدير المناسب، كما عليهم أن يتعاونوا لإيجاد بيئة صالحة في المنزل حيث يفخر بها المراهق ويعتز، وفي المدرسة حتى يحس المراهق بأن هناك أفراد آخرون يحبونه ويحترمونه ويهتمون بشئونه خارج نطاق المنزل، وهم الكبار من حوله في المدرسة وفي المجتمع بصفة عامة.
2- الجناح Delinquency:
تنتشر ظاهرة الجناح بين بعض المراهقين في المدراس الإعدادية والثانوية، والجناح درجة شديدة أو منحرفة من السلوك العدواني، حيث يبدو على المراهقين تصرفات تعتبر ذات دلالة عن سوء الخلق والفوضى والاستهتار، وقد يصل بها الحال إلى الجريمة، وكثيرًا ما نسمع عن عصابة من الطلبة اشتركوا في سرقة أو قتل أو ... إلخ من الأعمال الخارجة على القانون, وقد يظهر الجناح في صورة الاعتداء المادي على المعلم أو الأب أو قد يظهر في الانحراف الجنسي، وإدمان المخدرات وإيذاء النفس، وقد يصل الحال في بعضها إلى الانتقام من الفرد نفسه بالانتحار.
ونرجع الجناح لعدة عوامل منها عدم قدرة المراهق على التكيف تكفيًا سليمًا في المنزل أو المدرسة، أو لضعف قدرة المراهق العقلية، أو لعاهة جسمية واضحة، أو لفشله المتكرر في الدراسة، أو لضعف في صحته العامة، أو نتيجة لمعاناته من قلق انفعالي أو لعدم إشباع لحاجاته النفسية ... إلخ.
ويقدم لنا صموئيل مغاريوس بعض العوامل التي تؤثر في المراهقة الجانحة:
1- مرور بعض المراهقين بخبرة شاذة مريرة أو اصطدامهم بصدمات عاطفية عنيفة.
2- انعدام الرقابة الأسرية أو تخاذلها أو ضعفها أو التدليل الزائد للمراهق.
3- القسوة الشديدة في معاملة المراهقين في الأسرة وتجاهل رغباتهم وحاجات نموهم.
4- الصحبة السيئة مع الجيران أو مع الأقران في المدرسة.
5- التأخر الدراسي وارتباطه بضعف القدرة العقلية.
(1/483)

6- الحالة الاقتصادية السيئة.
7- العوامل العصبية الاستعدادية أو الاختلاف في التكوين الغددي.
ويتطلب مواجهة مشكلة الجناح تفهم العوامل المسئولة عن هذه الظاهرة ثم محاولة تعديل هذه الظروف أو تلك العوامل، ويفضل تلافي وصول المراهق لمرحلة الجنوح, فالوقاية في هذا المجال أفضل كثيرًا من علاج حالات منحرفة قد تتطلب الوقت الطويل مع احتمال قلة الوصول إلى نتائج لعدم التمكن من إخضاع الظروف المسيطرة على المراهقين.
ويربط كثير من علماء النفس Singer؛ "1974" الجناح بشعور الاغتراب الذي يعتري المراهق، فالجانج يميل إلى أن يكون من أسرة ذات سياسة صارمة أو تتبع التساهل واللين الزائدين في التعامل مع المراهق، كما أن آباء المراهقين الجانحين عادة ما نجدهم لا يتسمون بالاتساق في تربية الطفل وتنشئته.
2- أحلام اليقظة Day Dreams:
أحلام اليقظة من الوسائل الشائعة عند المراهقين للهروب من المواقف التي لا يستريحون إليها، وذلك الاتجاه إلى عالم الخيال.
ويلجأ كل فرد تقريبًا في بعض الأوقات إلى أحلام اليقظة وليس ثمة خطر في التجاء المراهق إليها، هذا إذا لم يكن يفضل هذه الأحلام على الصلات السوية مع زملائه، وإذا لم يكن يلتمس فيها وسائل للتهرب من الصراعات الداخلية وما يشعر به من نقص، كما أن اختلاق الأقاصيص ليس سوى أحلام يقظة كلامية، ويمكن تعريفها بأنها محاولة من جانب الفرد لدعم اعتباره لذاته وللحصول على ما يبغي من تقدير وذلك بتلفيق القصص التي ترفع من قدره ومكانته وتضفي أصالة وعراقة على أسرته، وهو يبالغ على وجه العموم فيما له من أهمية، ونسيج القصص كوسيلة لتعويض الإحساس بالنقص أقل خطرًا من أحلام اليقظة ذلك أنه يمكن اكتشافها قبل أن تتعمق جذورها في شخصية الفرد.
والمراهق الذي يحلق في سماء الخيال، قد يكون أقل مضايقة للكبار من المراهق الذي يلجأ إلى ثورات الغضب وأنواع السلوك الأخرى، ولكن هذه الخيالات قد تكون في الواقع أكثر خطرًا على نموه العقلي، وينبغي
(1/484)

مساعدة الفتيان والفتيات على إدراك أنهم يستطيعون نيل ما يصبون إليه من تقدير بالنشاط والعمل، على نحو أفضل مما يستطيعونه بالطرق التي لا تجدي كأحلام اليقظة مثلا.
4- الانطواء Introversion:
تتضح هذه السمة في بعض المراهقين في المدارس الإعدادية والثانوية ويظهر المراهق المنطوي رغبته الشديدة في العزلة، والسلبية والتردد، والخجل والاكتئاب ولا يوجد لهذا النمط من المراهقين نشاط خارجي مع المجموعة، وما عدا النشاط الانطوائي مثل قراءة الكتب، خصوصًا الدينية، وغيرها، وكتابة المذكرات التي تعبر في الغالب عن نزعاته وانفعالاته ونقده للمجتمع الذي يعيش فيه.
ويشغل تفكير المراهق في هذه الحالة المشكلات الروحية فيتأمل فيها أو قد يتأمل الطبيعة ويتغزل فيها، وقد يركز على العمل التحصيلي لينجح ويتميز المراهق المنطوي أيضًا بأحلام اليقظة، وقد يسرف في الاستمناء "العادة السرية" لإزالة ما يشعر به من توترات وكبت جنسي ويعاني من الصراع بين نزعاته ورغباته وبين القيم والمثل وتعاليم الدين.
وترجع أسباب الانطواء في الغالب إلى عوامل أسرية، منها عدم تفهم الأبوين لرغبات المراهق وحاجاته، بل تجاهلها وإهمالها لتلك الحاجات نتيجة التزمت الشديد في المنزل، كذلك تؤثر ثقافة الوالدين تأثيرًا كبيرًا في انطواء المراهق، فهناك أسر تعتبر مجالات النشاط الرياضي والاجتماعي والفني مضيعة للوقت، وعلى الطالب أن يحصل دروسه فقط ويذاكر لينجح، وكذلك قد ترجع بعض الأسباب إلى حالة الأسرة من الناحية الاقتصادية، فالأسرة الفقيرة والتي ترسل أطفالها إلى المدرسة بالكاد لا يمكن لها أن تشبع حاجات المراهق من ملبس ومصروف ونشاط خارجي واشتراك في مجال الترفية أو الرياضية ... إلخ، وبالتالي تنتج مراهقًا مكتئبًا منعزلا.
ويمكن للمعلم أن يواجه هذه الظاهرة بتنشيط ميل المراهق للاندماج في أكثر من مجال، ومحاولة إشراكه في أعمال جمعية، وتكليفه بجمع بيانات واستفسارات مع أفراد آخرين لغرض الدراسة واشراكه في مواقف حماسية، كمشاهدة مباريات الفصول، أو فريق التمثيل، كما يفضل معرفة مسببات هذا الانطواء في المنزل والظروف التي أدت إليه، وتنمية ما
(1/485)

يراه المعلم في التلميذ من مقدرة في مجال معين، حيث ينمو هذا الميل فيبرز المراهق، حينذاك يحس بالرضا والفخر والثقة بنفسه.
ويمكن أن نلخص واجبات المعلم في تناوله لهذه المشكلات في أن يقوم بالملاحظة الأعراض والتأكد منها، ثم تفهم المسببات المسئولة عن وجود تلك الظاهرة، وأخيرًا عليه أن يقوم بدور التوجيه المناسب بالاشتراك مع المنزل إذا تطلب منه الأمر ذلك، ولعل رواد الفصول في المدارس الإعدادية والثانوية يكونون أقدر من غيرهم على معرفة هذه المشكلات لكثرة اختلاطهم بتلاميذهم وتفاعلهم معهم كما يستطيع الأخصائي الاجتماعي والنفسي المساهمة بنصيب في عمليات التوجيه الاجتماعي والإرشاد النفسي وبالتالي يقل إلى حد كبير المشكلات التي يعانيها مراهق والتي يمكن تلافيها قبل أن تستفحل ويصعب مواجهتها.
5- الانحرافات الجنسية Sexual Deviations:
يذكر لنا دوجلاس توم، أن كثيرًا من ضروب الصراع العقلي وأنواع الشذوذ التي نلقاها في الكبار والصغار على السواء ترجع مباشرة أو تصطبغ بالمواقف والخبرات السيئة في الأمور الجنسية، وعمومًا ليس هناك طوال العمر من قوة أكبر من تلك القوة إلحاحًا في سبيل الظهور على أي شكل من الأشكال، كما أنه ليس هناك أي قوة غيرها تلقي من عنت الجماعة والأسرة والفرد في التضييق على حريتها وأحاطتها بالقيود قدر ما تلقي الميول الجنسية من عنت وتقييد.
فمن مظاهر هذه الانحرافات الجنسية المثلية "اللواط والسحاق" والاتجاه نحو موضوعات مادية "التعلق الجنسي بالأشياء التي يستعملها الجنس الآخر"، أو قد يتجه هذا الانحراف نحو الذات "الاستنماء المفرط، النشاط الجنسي الزائد، والنرجسية أو عشق الذات", وقد تأخر مظهر الاستعراض الجنسي، أو إلى مظهر السادية أو الماسوكية أو قد تتجه إلى الاغتصاب وجماع الأطفال، إلى ما شابه ذلك من الألوان المختلفة من الانحراف الجنسي.
وقد يرجع سبب هذا الانحراف إلى الاضطرابات الفسيولوجية ونقص التربية الجنسية أو انعدامها، والاضطرابات الوراثية, وقد ترجع إلى أسباب نفسية مثل الصراع بين الدوافع والغرائز وبين المعايير
(1/486)

الاجتماعية، وبين الرغبة الجنسية وموانع الاتصال الجنسي، والإحباط الجنسي الكبت، واستحالة الإعلاء، والنكوص الانفعالي، وعدم الشعور باللذة والسعادة في الحياة مما يدفع الفرد إلى الجنس كمصدر للذة.
هنا يلقي على المربين مهمة إقناع المراهق بالأضرار النفسية للانحراف والشذوذ، عن طريق التوجيه النفسي للشباب، وتحذير الشباب من أخطار الانحراف الجنسي تحذيرًا مبنيًا على أس علمية لا على مجرد الخوف وتشجيع الميلو والهوايات العملية، وأيضًا عن طريق العلاج السلوكي كما أن التربية الدينية والخلقية للشباب تسهم مساهمة فعالة في تعديل هذا الانحراف لدى مراهقينًا.
اغتراب المراهقين والشباب:
يستأهل هذا الموضوع نظرًا لأهميته مؤلفًا خاصًا، نلقي الضوء فيه على الاغتراب كظاهرة فلسفية ونفسية واجتماعية، وأسبابها ومظاهرها، وما يمكن فعله لمواجهتها، ولكنني شعرت بضرورة التعرض للاغتراب باعتباره أحد المشكلات الهامة التي يجاببها المراهقين والشباب في عصرنا الحديث، مرجئًا تفصيل ذلك لمؤلف آخر نوعد به القارئ إن شاء الله.
وعمومًا فإن كثيرًا من دراسات علم نفس النمو تشير إلى أن ثقافة المراهقين والشباب عادة ما تكون منفصلة عن ثقافة الراشدين، ودائمًا ما يكون عالمهم في نزاع وصراع مع عالم الراشدين من حولهم، وعادة ما يشار إلى ثقافة المراهقين والشباب بأنها تتسم بالتكاسل والإسراف وشيوع المفاسد كاستخدام العقاقير، والإصرار على الإشباعات الفورية والأخلاق السيئة وعدم احترام السلطة ونبذ القيم التقليدية، وقد يعزي هذا الاغتراب الذي يشعر به المراهقين والشباب إلى عديد من العوامل أهمها.
1 غياب القيم الدينية والإنسانية في حياة المراهقين والشباب.
2 الفجوة بين ثقافة المراهقين والشباب وثقافة الراشدين من حولهم.
3 النفاق والرياء وتأليه الفرد أمام المراهقين والشباب.
4 صياغة الآخرين لنموذج حياة المراهقين والشباب.
5 عدم قدرة المراهقين والشباب على تحقيق ذواتهم. وبالتالي عدم قدرتهم تقبل ذواتهم.
6 عدم أحساس المراهقين والشباب بالحرية المسئولية سواء عن أنفسهم أو مصائرهم.
(1/487)

7- افتقاد المراهقين والشباب معنى لوجودهم، لافتقادهم أهداف الحياة التي يحيوها.
8- التناقضات الموجودة داخل مجتمع الراشدين من حولهم، جعل المراهقين والشباب يفتقدون المثل الأعلى الذي يمكنهم أن يتحذوا به.
ويوضح شكل رقم "1" العوامل المتعددة التي قد تؤدي بالمراهقين والشباب للإحساس بالغربة عن ذواتهم والغربة عن مجتمعهم من حولهم.
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/488)

ويصف أصحاب المذهب الوجودي إنسان القرن العشرين في عزلته واغترابه بأنه غريب عن الله وغريب عن الآخرين وغريب عن نفسه، ويدفعه الإطار الاجتماعي الذي يعيش فيه إلى إدراك هذه العزلة الوجودية أو الاغتراب الوجودي إلى وقوعه صريعًا للقلق الوجودي ومن ثم للاضطراب النفسي.
ولقد اختفت كثير من القيم التي كانت سائدة في حياة الناس، بل وكان لها وجود حقيقي فيما مضى مثل التآزر والتعاطف والتواد والتراحم والمحبة وسيطرت على العلاقات بين الناس قيم غريبة عن الإنسان وأصبحت العلاقة بين فردين تحدد بمدى ما يأخذ كل من الآخر، أصبحت الوصولية قيمة وأطلق عليها الجذب الاجتماعي حتى يخدع الإنسان نفسه، وارتدى النفاق والرياء ثوبا جديدًا يسمى بالمجاملة وأصبح الإنسان وسيلة بعد أن كان غاية, وهكذا يتحدث الوجوديون عن الإنسان وحياته، واختلفوا فيما بينهم في طريقة حل مشكلة الإنسان، رأى فريق منهم أن عودة الإنسان من اغترابه يكون في حريته في اختيار قيم تحدد إطاره في الحياة, وتعطي معنى لحياته وتجنبه استمرار الحياة في هذا الفراغ الوجودي الذي يعاني منه ويرون أن سكن الإنسان في العودة إلى الله والأديان، أما الفريق الآخر فينادي بضرورة إدراك الإنسان بأنه يعيش حياة بلا معنى, بلا هدف, حياة تتشكل في سلسلة من المتناقضات والتناقضات وعليه أن يعيشها أو يعايشها كما تأتي بها الرياح، ويمثل الفريق الأول كيركجورد ومارسيل وياسبرز، أما الفريق الثاني فيمثله نيتشه وسارتر والبير كامي.
وتشير نتائج دراسة Friedenberg؛ "1971" أن اغتراب المراهقين والشباب قد يعزى إلى بعض العوامل منها على سبيل المثال المعاملة الوالدية سواء كانت كابتة أو متساهلة، كما أن خبرات العالم من حولهم السريع في تغيره وتطوره جعلتهم غير قادرين على تفهم من حولهم خاصة أقرب الناس لديهم, بالإضافة إلى فترة التدريب والتعليم الطويلة بين مرحلتي الطفولة والرشد, والتي عادة ما توجد في المجتمع التكنولوجي المعقد، فعادة ما نرى عدم تعاطف المراهقين مع ما يرونه من أشياء تقع تحت أنظارهم، كما يشعرون باللاقلق والاضطراب نتيجة رؤيتهم الزيف من حولهم وانتشار النفاق داخل جيل الراشدين، وعدم محاولة الكبار تفهمهم والعمل على حل المشكلات التي تواجههم.
(1/489)

كل هذه الأفكار المنتشرة بين مجتمع المراهقين عادة ما تعمق ثورتهم وعصيانهم، وبالتالي تعمق الفجوة بين الأجيال، ولقد نوقشت هذه الظاهرة في عديد من المؤلفات والتي نشرت فيما بين 1961 فتشير نتائج دراسة Colemen؛ "1967" بأننا في حاجة إلى وسيلة لكي نجلب بها المراهقين إلى المنزل، ونحن في أمس الحاجة إلى وسيلة أخرى لتخفيض وتقبل المتناقضات داخل مجتمع المراهقين، ويشير كل من Feuer & Mead بأن الراشدين يجب عليهم أن يجدوا بعضا من قنوات الاتصال بينهم وبين المراهقين وأن يزيلوا هذه الفجوة الجيلية، ولقد علق Fridenberg على ذلك بقوله: "إن الشباب عادة ما ينظرون إلى أحاسيسهم ومشاعرهم على أنها بمثابة الموجه والمرشد لهم إلى عمل ما هو صائب بالنسبة إليهم، وإلى أن ينظروا إلى متطلبات المجتمع من حولهم على أنها تعتبر بمثابة مشكلة والتي لا يمكن ولا يجب أن تفهم أو يقترب منها بالوسائل العقلانية.
وتشير نتائج دراسة جوتليب Gottlieb؛ "1964" بأن الفجوة لا توجد فقط بين ثقافة المراهقين أو الشباب أنفسهم، ويستطرد بقوله بأننا يجب أن نعترف بعدم توفر ثقافة متجانسة التكوين للمراهقين والشباب، وبالتالي فعادة ما نجد ثقافة مراهقينا وشبابنا تتضمن العديد من العناصر الثقافية غير المتجانسة, وبالتالي فإن المراهقين والشباب عادة ما يميلون إلى التفكير والأداء بطرق مختلفة وتشير كوفر Kovar؛ "1968" في دراستها على 151 مراهقة من خلفيات ثقافية متشابهة أن اغتراب المراهقين والمراهقات قد يعزى إلى قصور عملية التوجيه والإرشاد، وتمكنت في دراستها من التعرف على خمسة اتجاهات مختلفة نحو الآباء والقيم الاجتماعية نوجزها فيما يلي:
1- توجيه الرفاق Peer Oriented.
2- توجيه الراشدين Adult Oriented.
3- الجنوح Delinquency.
4- البوهيمية الفوضوية Anarchie Bohemian.
5- الاستقلالية Autonomous.
وتستطرد كوفر بأننا يمكننا أن نجنب المراهقين والمراهقات من الصور المختلفة للاغتراب عن طريق عملية التوجيه والإرشاد سواء داخل الأسر أو
(1/490)

في المدرسة، وبالتالي نساعدهم على تخطيط مستقبلهم وإدراك ذواتهم داخل بيئاتهم.
ومن جانب آخر، فإن هناك دراسات تشير أن أغلب المراهقين والشباب يسيرون في تناسق مع آبائهم ويدعمون قيم الراشدين من حولهم، فدراسة Offer, ودراسة Douvan؛ "1975" تشيران أن معظم المراهقين عادة ما يحترمون آباءهم ويميلون إلى التشبه بهم ويتخذون منهم مثالا في حياتهم كما اتضح أن أغلب الشباب عادة ما يكونون في حالة من حالات الإشباع والرضا داخل منازلهم، وينظرون إلى الآباء كأشخاص موثوق بهم ويعول عليهم كما ينظرون إلى أمهاتهم كأشخاص متعاطفة معهم متفهمة لهم، وعلى الرغم من أن بعض المراهقين نادرًا ما يضعف رباط الحب داخل الأسرة أو أن يؤدي بالآباء والمراهقين إلى حالات من الصراع والعداء.
وفي دراسة مسحية على المراهقين فيما بين 13، 18سنة، أجريت بواسطة Meissner؛ "1965" وجد أن ما يقرب من 89% من المراهقين أشاروا إلى أنهم كانوا سعداء داخل أسرهم، وأشار ما يقرب من 74% إلى أنهم يشعرون بالفخر والاعتزاز بآبائهم، كما أن دراسة Lesser & Kandil أشارت إلى أن ما يقرب من 11% فقط من المراهقين لعينة الدراسة قد شعروا بأنهم بعيدون عن أمهاتهم، وما يقرب من 22% عبروا بأنهم بعيدون عن آبائهم بينما باقي عينة الدراسة شعروا بأنهم قريبون من أبويهم.
وفيما يتعلق بالقيم، فالأدلة تشير أن المراهقين والشباب عادة ما يشعرون بإحساس قوي بالمسئولية الاجتماعية والخلقية، أكثر من إحساس الإشباع لرغباتهم الفورية, كما أن أغلبية الشباب عادة ما تدعم قيم آبائهم ومجتمعهم أكثر من نبذهم لها، فالشباب والمراهقين عادة ما يتقاسمون ويشتركون في معاييرهم وآدابهم السلوكية مع ما لدى الآباء وحتى هؤلاء الذين وجد أنهم يشيرون إلى وجهات نظر غير متناسقة مع العرف وقواعد السلوك المألوفة اتضح أن الغالبية العظمى من هؤلاء يفعلون ذلك في تناسق مع الأنماط السلوكية لآبائهم ولا يعتبر سلوكهم ثورة أو عصيان على من حولهم، ولا يتسمون بالاغتراب عن مجتمعهم كما يدعى عليهم، كما أن هناك أقلية من المراهقين، والشباب، الذين وجد لديهم الشعور بالاغتراب عرضًا من أعراض الاضطرابات النفسية، ولهذا السبب نجد كثيرًا
(1/491)

من علماء النفس الاجتماعي يشيرون أن ثورة وعصيان المراهق والفجوة الجيلية ما هي إلا خرافة من الخرافات على الأقل فيما يتعلق للأغلبية الساحقة من المراهقين والشباب ويستطرد وينر Weiner؛ "1976" بقوله أن هذه المفاهيم عادة ما نجد لها الاستمرارية والدوام، فعادة ما يكون المراهقون الذين يسببون المتاعب والاضطراب بمثابة موضوعات شيقة لوسائل الإعلام المختلفة، كما أننا عادة ما نميل إلى الاستماع وإلى قراءة الأشياء السيئة أكثر مما نفعل ذلك بالنسبة للموضوعات الحسنة فيما يتعلق بسلوك المراهقين والشباب، وبالتالي يعطينا انطباعًا مشوهًا عن عدد المراهقين والشباب الذين يكونون في نزاع وصراع مع آبائهم ومجتمعهم من حولهم.
ومهما كانت نتائج الدراسات في ظاهرة الاغتراب، إلا أننا يجب أن نشير إلى أنه حتى الدراسات التي تنكر انتشارها إلا أنها تعترف بوجودها، وعزوها إلى عديد من الظروف التي يحياها المراهقون أو الشباب سواء داخل أسرهم أو في مجتمعهم بصورة عادية فيجب علينا أن نوفر لهم المثال في الأسر والمجتمع معًا ونساعدهم على تكوين مفاهيمهم لذواتهم وإدراكهم للآخرين من حولهم، ونرشدهم من جانب آخر إلى تخطيط مستقبلهم، حتى يكون لحياتهم معنى وقيمة بالنسبة لهم.
وعمومًا فكما وعدت القارئ أن هذه ليست إلا عجالة في ظاهرة نفسية جد خطيرة, وعادة ما تواجه المراهقين والشباب خاصة في فترات الانتقال أو التحول الثقافي والحضاري التي تطرأ على المجتمعات وسيتبع ذلك بمشيئة الله بمؤلف آخر عن ظاهرة الاغتراب سواء من جوانبها النفسية والاجتماعية والفلسفية والأساليب الممكن اتباعها لعلاج هذه الظاهرة حتى نقي المراهقين والشباب من مغبة اغترابهم سواء عن ذواتهم أو مجتمعهم.
(1/492)

الممارسات المدرسية ودورها في توجيه النمو:
إذا كان المنزل يضطلع بمسئولية وضع أساس بناء شخصية الطفل، إلا أن الطفل، بدخوله المدرسة تكون صورته عن ذاته غير محددة وفي موضع اختيار، ومن ثم يمكن أن تتغير أو تتعدل بدرجة كبيرة عن طريق الخبرات المنظمة والهادفة التي تهيؤها المدرسة كمؤسسة تربوية، والمعروف أن المدرس خاصة في السنوات الأولى من حياة الطفل المدرسية يصير بالنسبة للطفل أبا بديلا وشخصية هامة مؤثرة، والمدرس الذي يتجاوز اهتمامه حدود المادة الدراسية إلى النمو المتكامل للأطفال في ظل رعايته وتوجيهه يهيئ جوًا نفسيًا يسود فيه الأمان والتقبل وتحقيق الذات, ويساعد على تهيئة الظروف الفعلية لممارسة المبادئ العملية للنمو السوي والصحة النفسية.
الجو المدرسي:
يساعد الجو المدرسي الذي يتسم بالتقبل والأمان والحرية على تهيئة المواقف والظروف التي تساعد على النمو الأفضل للتلاميذ، ففيه يقوم المدرس بتقبل التلميذ كما هو, وهذا التقبل يقوم على معرفة وفهم إمكانيات التلميذ، وبالتالي تكييف العملية التعليمية، وفقًا لذلك, وفي نفس الوقت يساعد التلميذ على النمو لأن أحد وظائفه الأساسية كمدرس هي مساعدته على إنماء إمكاناته, ويتحقق هذا النمو حيثما تتوفر الحرية, وبالتالي يتعرض النمو للكف في حالة الضبط المتكرر المتتابع, ولا يعني ذلك إلغاء الضبط من النظام المدرسي, كذلك تؤدي الحرية الزائدة والتساهل الزائد إلى إثارة الفوضى في سلوك التلاميذ. فالتلميذ يحتاج إلى أن تكون مواقف الفصل المدرسي والمناشط المدرسية المختلفة منتظمة إلى حد ما، وإلى أن يعرف ما هي القواعد التي ينبغي السير عليها وأن يتوقع العقاب في حالة تحطيم هذه القواعد، فمن الأهمية أن يتعلم الطفل تقبل حدود السلوك التي تفرضها الحياة الواقعية، وبمعنى آخر، فإن ما يحتاجه الطفل هو مزيج من الحرية والضبط.
وتتحدد حرية الطفل داخل الفصل المدرسي بحرية الآخرين، فينبغي أن يتعلم احترام حقوق زملائه, وتتاح للطفل داخل المجتمع المدرسي مهارات العمل الاجتماعي, وممارسة الأدوار الاجتماعية المختلفة، أدوار القيادة والتبعية، ممارسة الأسلوب الديمقراطي عن طريق عمليات
(1/493)

الأخذ والعطاء مع الآخرين، والتدريب على ممارسة المسئولية، وهكذا من مقومات النضج الاجتماعي.
والجو المدرسي الذي يقوم على الوحدة والتضامن الاجتماعي ووضوح الرؤية داخل العلاقات الاجتماعية البناءة داخل الجماعات المدرسية يتيح الفرصة لنشر الاتجاهات النفسية السليمة نحو الذات ونحو الآخرين أما الجو المدرسي الذي يقل فيه الاتصال بين المدرسين والتلاميذ كجماعة متكاملة الأدوار يؤدي إلى أن ينشأ عند أعضاء هذه الجماعة سواء إدراك وسواء تأويل وسوء فهم، بل وإلى ظهور روح العداوة بين بعضهم البعض, ولكن حينما يقوم هذا الجو على الاتصال والتواصل، يميل التلاميذ والمدرسون إلى تكوين إدراكات واقعية ومشاعر إيجابية نحو بعضهم البعض, وحينما يتوفر للتلاميذ إدراك واضح لأهداف مشتركة، وشعور بالتماسك، ويرون بعضهم البعض بصورة حسنة فإن مخالطيهم يميلون إلى الإتيان باتجاهات وأنماط سلوكية تتميز بالتقبل والتأييد المتبادل بين بعضهم البعض أما اتصالات التلاميذ التي تتم في جو مدرسي يسود فيه انعدام الأهداف المشتركة وضعف روح الفريق ورؤية الجانب السيئ في الشخص الآخر,
كل هذا ينتج عنه اتجاهات وسلوك يغلب عليها عدم التقبل، وعدم التأييد بين بعضهم البعض.
ويميل الجو المدرسي الذي تسيطر عليه قيادة تتسم بالتزمت الصارم إلى إنتاج أنماط من السلوك والاتجاهات بين الأفراد تتميز بالعدوانية وإلى حدوث ظاهرة كبش الفداء، وترك الجماعة بينما تميل القيادة الديمقراطية إلى إنتاج أنماط سلوكية واتجاهات تتسم بالتعاون، وعدم النقد الهدام، وبالبقاء في الجماعة، ويميل التلاميذ إلى أن يندمجوا بدرجة أكبر في خبرة ما حين يسهمون في التخطيط لها، وتكون لديهم الفرصة للتعبير عن مشاعرهم حيالها ويسمعون مشاعر غيرهم نحوها، وتكون لديهم بعض المسئولية الفعالة في تنفيذها, بينما يميل التلاميذ إلى مقاومة تلك الخبرات التي لايستمتعون في تخطيطها، أو في التعبير عن مشاعرهم نحوها، أو في مسئولية تنفيذها، أو يظهرون عدم التحمس لتبنيها.
ويميل التلاميذ إلى أن ينجذبوا نحو الأنشطة التي يرون فيها فرصًا طيبة لإشباع حاجاتهم ويشعرون بالتوحد معها, بينما يميل التلاميذ إلى ألا ينجذبوا نحو الأنشطة التي يرون فيها فرصة ضعيفة لإشباع حاجاتهم ولا يشعرون بالتوحد معها.
(1/494)

ويميل التلاميذ إلى الشعور بالارتياح والأمان في المواقف حينما يدركون أنفسهم على أنهم ذو قيمة ويدركون الآخرين على أنهم يمثلون قوى ودية نحوهم, بينما يميل التلاميذ إلى الشعور بعدم الارتياح وبعدم الأمان في المواقف حينما يدركون أنفسهم على أن قيمتهم ضئيلة ويدركون الآخرين على أنهم يمثلون قوى غير ودية نحوهم.
وإذا كان الفصل المدرسي يمثل الوحدة الأساسية للمجتمع المدرسي، فما الذي يميز الفصل المدرسي الذي تشيع فيه مقومات النمو السليم للأطفال؟
1- كمية التقبل أو الرفض داخل الجماعة ويشير ذلك إلى مدى العاطفة الإيجابية أو السلبية في الفصل المدرسي أو درجة الجو الذي يتسم بالصداقة في مقابل الجو الذي يتسم بعدم الصداقة, وهذا ما يكتشفه المدرسون عن طريق عمل دراسة سوسيومترية "دراسة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد" عن عدد أعضاء الفصل الذين يحبون بعضهم بعضًا، وإلى أي حد يعتقدون أن المدرس يحبهم وإلى أي حد يحبهم المدرس بالفعل, وهنا يكون الافتراض بأن غلبة تقبل الاتجاهات والسلوك تعد أكثر صحية من غلبة رفضها.
2- كمية العمل التعاوني أو العدواني داخل الجماعة، ويشير إلى مدى الحركة الإيجابية أو السلبية مع الآخرين أو ضدهم، أو إلى درجة تقديم المعونة في مقابل القوة أو التهديد أو الإكراه أو الأذى, ويكتشف المدرسون ذلك حينما يوجهون إلى الطلاب أسئلة عن إلى أي حد يدركون أنفسهم، والأطفال الآخرين، والمدرس من حيث الالتفاف حوله أو التفاف الآخرين حوله، وهنا يكون الافتراض بأن غلبة الأعمال التعاونية تعد أكثر صحية من غلبة الأعمال العدوانية.
3- كمية الاندماج في عمليات الفصل المدرسي أو الانسحاب منها، ويشير ذلك إلى مدى الحركة الإيجابية أو السلبية نحو الآخرين أو بعيدا عنها، أو درجة المشاركة في مقابل الانعزال والهروب، ويقيس المدرسون ذلك حين يبحثون عن عدد التلاميذ الذين يبدون على أنهم جزء من خبرة الفصل المدرسي أو يشعرون بذلك، وهنا يكون الافتراض بأن وجود اندماج الطالب يعد أكثر صحية من وجود الانسحاب.
(1/495)

4- كمية الشعور بالارتياح أو القلق في الفصل، ويشير ذلك إلى مدى الشعور بالارتياح أو التوتر أو إلى درجة المشاعر والأنماط السلوكية الهادئة في مقابل المشاعر والأنماط السلوكية العصبية, وأحد طرق تقويم المدرسين لذلك عن طريق تقديم فرص للطلاب للتعبير عن السعادة أو الشقاء بالنسبة لإجراءات الفصل والطلاب الآخرين، والمدرس والموقف العام بالفصل وهنا يكون الافتراض بأن غلبة مشاعر الارتياح تعد أكثر صحية من غلبة مشاعر القلق.
النظام المدرسي:
تنشأ مشكلات النظام في الفصل المدرسي من إحباط بعض الحاجات الأساسية لدى الطفل والطفل الذي يستجيب لهذا الإحباط بعدوان صريح يؤدي إلى إثارة الاضطراب داخل جماعة الفصل المدرسي، ومع المدرس، ومع قيادة المدرسة بصفة عامة، وهنا يصبح الطفل حالة من مشكلات النظام المدرسي، أما الطفل الذي يستجيب للإحباط بعدوان موجه نحو الذات نادرا ما يصبح حالة مشكلة، ولكنه يخبر اضطرابًا أكبر في نظام الشخصية من الطفل الذي يأتي برد فعل نضالي موجه ضد الآخرين.
وليس من الصعب تحديد أسباب سوء التصرفات التي تبدو من بعض الأطفال، فكل طفل تحركه الحاجة إلى النجاح، ولذا فإذا كانت بعض المواد الدراسية صعبة للغاية, فإنه يشعر بالإحباط ويدفعه التوتر المصاحب للإحباط إلى إثارة بعض الاضطراب أو التحدي الذي قد يأخذ شكل إزعاج المدرس أو إتلاف كتبه أو مقعده المدرسي، ويدفعه إلى النضال ضد بيئته، وهكذا فإن تكييف مضمون البرامج الدراسية لقدرات التلاميذ وإمكاناتهم ويساعد على حل الكثير من مشكلات النظام المدرسي.
ويحتاج الطفل إلى الاعتراف بقدراته من مدرسيه ومن زملائه, وإذا كان هناك بعض الأفراد الذين يحصلون على إشباع تام من معرفة أنهم قد أتوا بعمل طيب إلا أن معظم الأفراد، يرغبون في أن المحيطين بهم يعترفون بإنجازاتهم ومثل هذه النزعات تزكي مشاعر الجدارة أو الكفاءة الشخصية لديهم فالرغبة في الحصول على مكانة اجتماعية لا تعني بالضرورة أن الفرد يتوقع أن يكون مرموقًا، فما يحتاجه هو الشعور بأن الآخرين يحبونه لما هو عليه، المدرس القادر على فهم هذه الحاجة الانفعالية يستطيع أن يشبعها لدى التلاميذ باختلاف مستوياتهم
(1/496)

وشخصياتهم, فلا يحاول التقليل من شأن أي تلميذ, بل يسعى دائمًا إلى مساعدة كل منهم على الاحتفاظ باحترام ذاته, فالعلاقة بين المدرس والتلميذ ينبغي أن تتم بشكل يجعل التلميذ يشعر بالأمان انفعاليا, فيكون الجو العام للفصل المدرسي باعثًا في الاسترخاء والصداقة، والمدرس بفهمه للحاجات النفسية للتلاميذ، فإنه يضعها في اعتبارها عند مزاولة الأعمال المختلفة بالفصل ولا يلجأ إلى أساليب النظام إلا حينما تكون هناك ضرورة تستدعي ذلك لصالح الجماعة، كذلك فإنه لا يلجأ إلى استخدام الخوف كوسيلة للضبط، لأن الشعور بعدم الأمان يخلق مشكلات سلوكية واضحة.
التحصيل الدراسي:
تعتبر معرفة المدرس بحقائق الفروق الفردية واستخدام هذه المعرفة في العملية التعليمية أمرًا ضروريًا إذا كان المدرس يسعى إلى تحقيق أهداف النمو لدى الأطفال تحت رعايته وتوجيهه, وعلى الرغم من أن الفروق الفردية لا تتحدد فحسب بالناحية العقلية، إلا أنه من الأهمية بالنسبة للمدرس أن يتحقق من أن تلاميذه لا يتساوون في إمكاناتهم العقلية, ففي الصف الخامس الابتدائي يتراوح معدل العمر العقلي بين عشرة وأربعة عشر عاما بل وحتى بين عشرة وستة عشر عامًا, ولذا فإن تبني المدرس لهدف أكاديمي عام يتلاءم مع المستوى المتوسط لكل التلاميذ من شأنه أن يؤدي إلى إحباط التلميذ الأقل ذكاء والتلميذ الأكثر ذكاء.
إن الحاجة إلى التحصيل أو الإنجاز تكون قوية لدى كل تلميذ وتتطلب وجهة نظر الصحة النفسية إشباع هذه الحاجة, الأمر الذي يفرض أن يكون اهتمام المدرس بالتلميذ بطريقة فردية وفقًا لمستوى إمكاناته ولخصائصه الشخصية. حتى يستطيع زيادة معلوماته وإنماء ثبات الانفعال لديه والاحتفاظ باحترامه لذاته.
والتلاميذ الذين تحبط لديهم الحاجة إلى التحصيل أو الإنجاز في الفصل المدرسي يستجيبون للموقف بطرق مختلفة، فبعضهم قد يأتي باستجابة عدوانية وبالتالي يؤدي إلى اضطراب في النظام المدرسي، والآخر قد يتخذ اتجاه السلبية واللامبالاة، بينما يعكف البعض على أحلام اليقظة وقد تؤدي خبرات الفشل ببعض التلاميذ إلى ترسيب انطباعات العجز والدونية في نفوسهم بما يؤدي إلى إيذاء الأنا.
(1/497)

وتمثل الامتحانات أهمية خاصة بالنسبة لجو الصحة النفسية بالمدرسة فإذا كانت الامتحانات جزءا أساسيًا من البرنامج التربوي، فإن اتجاهات المدرسين والتلاميذ نحو الامتحانات تحتل أهمية بالغة للصحة النفسية، فلا ينبغي أن يعطي المدرسون انطباعًا بأن الامتحانات تستخدم كأسلحة وبأنها شيء يبعث على الخوف والرهبة فبدلا من ذلك ينبغي أن يكون واضحًا للتلاميذ أن الامتحانات ليست إلا وسائل لمساعدة كلا من التلاميذ والمدرسين على تكشف إلى أي حد قد حققوا تقدمًا في اكتساب المعارف والمهارات، كما أنها وسائل تستخدم كمشروع تعاوني بينهم.
ولكن كثيرًا ما يساء استخدام الامتحانات، لأن اتجاه الكثيرين نحو الامتحانات يكون كما لو أن كل امتحان يصير أزمة في حياة الطفل ولذا قد يكون رد الفعل الانفعالي للامتحان عميقًا بدرجة يخبر معها أعاقات انفعالية تؤدي إلى كف استدعاء الحقائق التي يعرفها بالفعل, ولذلك فإن الامتحانات بالصورة الخاطئة التي تتم بها تمثل فترات من التوتر التي تؤدي إلى تعطيل الاضطراد في عملية النمو.
ومن غير المرغوب فيه من وجهة نظر الصحة النفسية أن نتوقع من التلاميذ أو حتى من المدرسين أن يكون أداؤهم تاما كاملا, فالتحصيل في الفصل المدرسي يكون دائمًا نسبيًا, وبالتالي ينبغي ألا يوجه التلميذ ليكون هدفه الكمال أو أنه يفعل أفضل من تلميذ آخر, ولكن بدلا من ذلك يكون هدفه زيادة حصيلة معلوماته حتى يستطيع أن يتعامل مع بيئته بطريقة أفضل.
ومن هنا، ليس من السليم توقيع العقاب على التلاميذ لأنهم لم يقوموا بإنجاز عملهم على الوجه الأكمل، لأن الفشل خبرة سيئة، كما أن الفشل يكون خبرة أسوأ إذا صوحب بالعقاب، فأفضل محرك للعمل السليم والإنجاز الطيب هو النجاح, وبقدر ما يخبر الطفل النجاح، بقدر ما يأتي بأداء وإنجاز أفضل, ولذا ينبغي أن تخطط المدرسة برنامجها بحيث يستطيع كل طفل أن يخبر سلسلة من النجاحات الأكاديمية, فالنجاح يؤدي إلى النجاح، لأنه يمثل خبرة بناءة، كما أنه يصير في حد ذاته دافعًا إيجابيًا للتحصيل والإنجاز ويؤدي النجاح المستمر إلى التكامل وإلى الثقة بالنفس.
(1/498)

الكتاب المدرسي:
يقوم الكتاب المدرسي بدور كبير في التكوين العقلي.. المعرفي للأطفال، وفي التأثيلر على نموهم وسلوكهم، فالكتاب المدرسي يسهم في نمو المهارات الأكاديمية عند الطفل، بما يؤثر أيضًا في نموه الاجتماعي وفي اتجاهاتهم الاجتماعية.
ولقد قام فريق من الباحثين بدراسة أثر ما يقرأه الأطفال على تطبيعهم اجتماعيًا، في هذه الدراسة حللت جميع القصص الواردة في كتاب القراءة بالصف الثالث الابتدائي، ولقد وجد هؤلاء الباحثون أن كتب القراءة تعالج فئات مختلفة للسلوك بحيث تشجع دوافع معينة, وتحث على تجنب دوافع أخرى.
وكانت أنماط السلوك التي أثيبت إثابة متكررة في هذه القصص هي البناء "أي القيام بإنتاج مادي أو ذهني" والاستمتاع الحسي "أي الاستمتاع باللذة الحسية والسعي وراءها" والابتهاج "أي الفرح والحماس والتفاؤل" ... والحصول على التعضيد "أي محاولة الحصول على الحماية والمشاركة الوجدانية أو المساعدة من شخص آخر", والتواد "إظهار المودة والنوايا الطيبة نحو الآخرين والرغبة في بذل الجهد لمعاونة أي فرد يحتاج إلى العون"، والتحصيل "أي الطموح أو الجهد في نجاح مادي أو ذهني أو اجتماعي".
ومن ناحية أخرى، تعرضت أنماط السلوك التالية للعقاب بتكرار أكبر خلال هذه القصص، الاحتداد المزاجي، والعصيان الفاضح والعدوان اللفظي والجسمي والنبذ "أي مشاعر عدم المبالاة نحو الآخرين ومضايقتهم واحتقارهم، وأعمال التجنب والإهمال" وتجنب الأذى "أي الحساسية والخجل والارتباط الاجتماعي.
أي أن مادة كتب القراءة, تزود الأطفال بدروس تشجعهم على تنمية دوافع معينة وتحثهم على إضعاف دوافع أخرى بطريقة يحتمل أن تؤدي إلى توافق أكثر إشباعًا مع المجتمع.
(1/499)

المدرس:
يمثل المدرس محور النظام التربوي، وأكثر العاملين فيه أهمية وخطورة لأن تحقيق الأهداف التي ينشدها المجتمع من تربية النشء يتوقف عليه بدرجة كبيرة, وهذا يستلزم بالضرورة توفر خصائص أو صلاحيات تربوية وشخصية معينة لدى المدرس، ويحدد "رانكن" الخصائص التالية للمدرسين الأكفاء.
أكفاء من ناحية تأثيرهم الطيب على صحة التلاميذ النفسية من خلال رعايتهم المدرس الذي يحب الأطفال والشباب, وقد يبدو هذا حقيقة لا تستحق ذكرها لأنها أمرًا أساسيًا، ولحسن الحظ، يميل معظم المدرسين إلى حب تلاميذهم، إلا أنه يوجد البعض من المدرسين ممن لا يتوفر لديهم هذا الشرط.
"المدرس الذي يكون هو نفسه متوافقا بدرجة سلمية ومتمتعًا بالصحة النفسية ومن ثم يجسد الصحة النفسية لتلاميذه في عمله التربوي".
"المدرس الذي يكون على إلمام طيب بقوعد الصحة النفسية وعلاقتها بالتربية".
"المدرس الذي يكون على فهم واع بمبادئ تطور نمو الأطفال وبمظاهر النمو، وبأصول توجيه التغيرات الحادثة في عملية النمو، والذي يستطيع استخدام الطرق المختلفة لمعرفة التلاميذ كأفراد ولمعرفة حاجاتهم".
"المدرس الذي يزود الفصل المدرسي بمناخ يهيئ إلى تحقيق الصحة النفسية والارتقاء بها".
"المدرس الذي يستطيع التعرف على مشكلات التلاميذ وتحديدها ويعرف كيف يساعدهم ويوجههم".
وقد تناولت دراسات عديدة بالبحث سلوك المعلم وجو الجماعة، وخرجت بنتائج تؤكد بأن المدرسين المسيطرين العدائيين يؤثرون تأثيرًا عكسيًا على التوافق الحسن للتلاميذ وعلى إعاقة النمو بصفة عامة، بينما يساعد المعلم غير المعاقب والمشوق للتلميذ على التوافق الحسن وعلى اضطراد عملية النمو في أحسن صورها.
(1/500)

من هذه الأمثلة تلك السلسلة من الدراسات التي قام بها، "أندرسون وأندرسون وزملاؤهما"، من عام 1963 حتى عام 1954 تناولت.
"طبيعة العلاقة بين سلوك الأطفال وتفاعلهم مع المعلمة المسيطرة والمعلمة المتكاملة اجتماعيًا, وقد اهتم هؤلاء الباحثون باختيار فرضين شعروا بإمكانية تطبيقهما على العلقلات بين المعلم والطفل.
1- الفرض الأول: ويطلق عليه "فرض دائرة النمو"، وهو أن السلوك المتكامل "أي العطاء والأخذ بطريقة ديمقراطية" عند شخص يؤدي إلى زيادة السلوك المتكامل عند الآخرين.
2- الفرض الثاني: ويطلق عليه فرض الدائرة الفاسدة، وهو أن "السلوك المسيطر التسلطي عند شخص يميل إلى إثارة السيطرة عند الآخرين.
ولقد رأى هؤلاء الباحثون في ملاحظاتهم للتفاعلات بين المعلمة والتلميذ أي سلوك المعلمات المسيطر يتمثل في أنماط سلوكية مثل استخدام القوة وإلقاء الأوامر للتلاميذ وتهديدهم وتوبيخهم, الإحراج والإصرار الجامد على المسايرة, ومن ناحية أخرى, تمثلت الأنماط السلوكية التكاملية في "الموافقة" والدعوة إلى النشاط وسؤال الطفل عن ميله ومشاركته وجدانيًا, والاشتراك معه في النشاط.
وقد تبين من بعض هذه الدراسات أن الأطفال الذين تعلموا على يد معلمة أكثر تكاملا وديمقراطية قد سلكوا سلوكًا أكثر تكاملا عند مقارنتهم بالأطفال الذين تعلموا على يد معلمة أكثر سيطرة، كما أتوا بتصرفات تعبر عن التلقائية والمبادأة والاتجاهات الاجتماعية البناءة في اتصالاتهم بغيرهم، وأيدت النتائج الفرض القائل بأن التكامل عند المعلمة يؤدي إلى سلوك متكامل عند الطفل.
ومن ناحية أخرى أبدى الأطفال الذين يتعلمون على يد معلمة مسيطرة سلوك عدم المسايرة, أي أن السيطرة تحث على المقاومة، وأبدى تلاميذ المعلمة المسيطرة اهتمامًا وتحمسًا أقل بعملهم، وانغمسوا بدرجة أكبر في نشاطات مثل التلفت حولهم والهمس لزملائهم، وإذا كان من
(1/501)

الأهداف التربوية التي ينبغي أن يعمل المعلم على تحقيقها, خفض الصراع بين التلاميذ في حجرة الدراسة وزيادة الوئام بينهم، فإن هذا البحث قد أظهر أن المعلمة المسيطرة تفسد هدفا من أهداف التربية التي تريد تحقيقه.
ولقد تتبع الباحثون هؤلاء المعلمين والأطفال بعد مضي سنة أخرى، وقد وجد أن المعلمات ينهجن في سلوكهن على نفس المنوال عاما بعد آخر. أما الأطفال فإنهم من ناحية أخرى لم يبق سلوكهم على نفس الوتيرة, إذ أظهروا مرونة أكبر، واستجابوا استجابات تتسم بالسيطرة عندما كانت معلمتهم مسيطرة، كما استجابوا استجابات تدل على التكامل عندما كانت المعلمة متكاملة الشخصية.
وهكذا تكشف نتائج هذه الدراسات أن سلوك التلاميذ يعتمد بدرجة كبيرة على سلوك معلماتهم، وأن المعلمات اللاتي يستخدمون الأسلوب الديمقراطي مع أطفالهم يكافأن بما يجدنه من تعاون أكبر من تلاميذهن وبما يبدونه من تلقائية في السلوك واهتمام ومبادأة، ومن ناحية أخرى. فإن المعلمات اللاتي يحاولن إجبار تلاميذهن على الامتثال لأوامرهن عن طريق الأساليب الدكتاتورية العدوانية يشجعن تلاميذهن على المقاومة بدرجة أكبر, تلك المقاومة التي تأخذ مظاهر مختلفة تبدو في صورة همس إلى الزملاء، الشخبطة في الرسم بينما يفكر في شيء آخر، شرود الذهن، المعارضة المباشرة أو التحدي والمواجهة الصريحة وبصفة عامة، تساعد المعلمة المتكاملة تلاميذها على إشباع حاجاتهم بدرجة أكبر وبالتالي تعرضهم للإحباط بدرجة أقل.
أما المعلمة المسيطرة فهي من ناحية أخرى نتيجة لقصور اهتمامها بحاجات الطفل وضيق أفقها في تصور السلوك المقبول والناتج اجتماعيًا، تعرض جهود الطفل لإشباع حاجاته للصد مرات أكثر، ولما كان الصد والإحباط قد ينتج عدوانًا، فإن المعلمة المسيطرة يغلب أن تصبح هدفًا للكراهية والعداء، بدلا من أن تكون مصدرًا للثواب، وعلى هذا, يحتمل أن تواجه صعوبات أكبر في محاولاتها لغرس الاستجابات العدوانية الظاهرة عند تلاميذها وذلك باستخدام التخويف والعقاب, ولكنها عاجزة عن غرس الرغبة الموجبة للتعاون وإقامة علاقات ناضجة قائمة على الأخذ والعطاء.
(1/502)

فالمدرس ينبغي أن يحب بإخلاص تلاميذه بدون ما اعتبار لنقائصهم، وتمثل هذه المشاعر نحو التلاميذ أمرًا ضروريًا بالنسبة للتدريس الفعال وبالنسبة لتحقيق العلاقات الصحية داخل الفصل المدرسي، وإذا لم تتضح من المدرس مشاعر الحب لتلاميذه، فيغلب أن تصير استجابات التلاميذ أشبه باستجابات الأطفال الذين يلقون النبذ والإهمال من والديهم,
ويرتبط بهذه الصلاحيات اللازمة للمدرسة، الحساسية للعلاقات الإنسانية، وعلى الرغم من صعوبة تحديد المقصود بهذا المصطلح على وجه الدقة إلا أن "روجرز" يصف الشخص الذي تعوزه هذه الحساسية على أنه الشخص الذي لا يبالي تمامًا باستجابات الآخرين, والذي لا يتحقق من أنه ما يبديه من ملاحظات تسبب للآخرين سرورًا أو ضيقا، والذي لا يدرك العداوة أو الصداقة التي توجد بينه وبين الآخرين أو بين بعض أصدقائه، فالشخص الذي يتمتع بحساسية للعلاقات الإنسانية يلاحظ بسرعة ردود أفعال الآخرين نحوه أو نحو شخص آخر, وهو يستجيب للأمزجة, المختلفة ويعرف كيف يتكيف معها, ومن الأهمية بمكان أن يتمتع المدرس بهذه الحساسية، فبدونها لا يتحقق لديه الفهم الكافي والسليم لشخصيات تلاميذه ولعل أفضل طريقة لاكتشاف سمات الشخصية التي ينبغي أن يتمتع بها المدرس هو أن نستقي ذلك من تلاميذ المرحلة الثانوية والعالية عن موضوع، بتجميع 14.000 خطاب من تلاميذ المحرة الثانوية والعالية عن موضوع، المدرس الذي ساعدني أفضل. وقد قام الباحثون بتحليل الاستجابات وحدد السمات التالية حسب ترتيب أهميتها.
1- الاتجاه التعاوني الديمقراطي.
2- الشفقة والاهتمام بالفرد.
3- الصبر.
4- الاهتمامات الواسعة.
5- الاهتمام بالمظهر الشخصي الذي يبعث على الجاذبية.
6- العدالة واللاتحيز.
7- روح الدعابة والمرح.
8- الخلق الطيب والسلوك المتزن.
9- الاهتمام بمشكلات التلاميذ.
10- المرونة.
11- تأكيد ذوات التلاميذ ومدحهم عند اللزوم.
12- الكفاءة العالية في تدريس مادة من المواد.
(1/503)

وكذلك قام "وتي" بتحديد الخصائص التالية غير المرغوبة في شخصية المدرس:
1- الطباع السيئة وعدم التحمل.
2- عدم العدالة والميل إلى التحيز.
3- عدم الميل للاهتمام بالتلميذ أو بقضاء وقت لمساعدته.
4- عدم معقولية المطالب.
5- الميل إلى أن يكون كئيبًا وغير صدوق.
6- الميل إلى التهكم والاستهزاء والسخرية.
7- المظهر غير الجذاب.
8- عدم الصبر وعدم المرونة.
9- الميل إلى الكلام بطريقة مفرطة أو مطولة.
10- الميل إلى عدم إعطاء فرصة للتلاميذ للتعبير عن أنفسهم.
11- التعالي والغرور.
12- نقصان روح الدعابة والمرح.
وتكشف المقارنة بين الخصائص الإيجابية والسلبية في شخصية المدرس بوضوح أن التلميذ يستجيب بطريقة تعكس مدى ما يحققه المدرس من قواعد الصحة النفسية, ولذا يشعر التلميذ بأن المدرس قوة بناءة في حياته إذا كان يحترم شخصية التلميذ ويفهم حدود إمكانات هذا الطفل النامي ويخلق جوا عاما من الأمان.
وإذا كان أطفالنا يقضون في المدرسة فترة كبيرة من عمرهم تمثل أهم الفترات وأحرجها من حيث التعلم وبناء الشخصية, فمن الأهمية البالغة أن ينشئوا في ظل توجيه أشخاص على درجة طيبة من التوافق النفسي. وبالتالي ينبغي اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لاجتذاب الأشخاص الأفضل تكاملا وذكاء لمهنة التعليم، وتوفير كافة الظروف التي تجعل من هذه المهنة السامية رسالة نبيلة ونشاطا خلافًا تزاوله شخصيات قادرة لها خصائصها المتميزة الراقية.
(1/504)

الباب الثالث: المراهقة
مدخل
...
الباب الثالث: المراهقة
أولا: طبيعة المراهقة
المراهقة Adolescence مرحلة من النمو تقع بين الطفولة والرشد، مرحلة نمائية يتحول فيها الطفل من عالم الطفولة إلى عالم الكبار.
ولا يعني مصطلح "مراهقة" البلوغ والشباب كمرادفات، حيث إن المراهقة تعني التغيرات المتميزة الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية، التي تتم في فترة العقد الثاني من العمر "ولذا يطلق أحيانًا على المراهقين مصطلح Teen-Agers ما بين الطفولة وسن النضوج, ويعني البلوغ Puberty الجانب العضوي للمراهقة من حيث نضوج الوظيفة الجنسية, ويحدد هاريمان البلوغ بأنه مرحلة من مراحل النمو الفسيولوجي العضوي التي تسبق المراهقة، وتحدد نشأتها وفيها يتحول الفرد من كائن لا جنسي إلى كائن جنسي قادر على أن يحافظ على نوعه باستمرار سلالته, بالتالي نستطيع أن نعرف البلوغ بأنه نضج الغدد التناسلية واكتساب معالم جنسية جديدة، تنتقل بالطفل من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الإنسان الراشد.
أما الشباب فعادة ما يتمثل في الجانب الاجتماعي للمراهقة، وخاصة في نهايتها، وقد يتسم بمناقضته للجيل الذي وصل فعلا إلى النضج الحقيقي، والشباب يعتبر بمثابة فترة من النمو يندفع خلالها الكائن الذي صار مالكًا لكل إمكانايتها نحو من سبقوه في حماس وصبر نافذ ليتخذ لنفسه مكانًا داخل مجتمع الراشدين.
وإذا كان النمو عملية متصلة مستمرة، فإن مسار النمو يأخذ من حوالي سن 12: سن 13 معدلات أسرع وتغيرات أعمق ومظاهر أكبر، فعند بدايات هذه المرحلة مع البلوغ، عادة ما يأخذ الاتزان الجسمي والنفسي في الاحتلال النسبي، وتطرأ تغيرات عضوية عميقة تعطي للجسم بنية وقوة متزايدة وأشكالا أكثر وضوحًا وتظهر الوظيفة التناسلية، وتختفي العادات الطفلية وتبرز اهتمامات وميول جديدة تشهد في وجود رغبة في توسيع أفق الحياة الذي كان يقتصر من قبل في أغلب الأحيان على نطاق الأسرة والمدرسة وتزداد أحلام اليقظة في هذه المرحلة إلى الحد الذي قد تصبح معه عائقًا لتكيف المراهق النفسي والاجتماعي.
(1/507)

وإذا كانت المراهقة بعد البلوغ تتسم بصفة عامة بعدم الاستقرار أو حتى القلق, وقد يعاني فيها المراهق من انحرافات مزاجية ومن عدم الاتزان الجسمي، ويشعر فيها بإحساس التقدم في تعثر نحو مستقبل غير مضمون، بواسطة التطور حيث يزداد الكيان النفسي رسوخًا، والحياة العقلية ثبوتًا، وينمو الاهتمام بنوع الدراسة أو المهنة التي يستخدها المراهق لنفسه، ويأخذ المراهقون في التحول إلى شباب يتطلع بشغف إلى المستقبل، تحركه أمال ومطامح هائلة لما يرد عليه في عالم الكبار الراشدين.
ونظرًا لما تتصف به هذه المرحلة من خصائص ومستويات متميزة للنمو، أبرزها أنها مرحلة تغير جذري وسريع وينسحب على كافة مظاهر النمو، وأنها مرحلة انتقالية حرجة، فقد اختلفت نظريات علماء النفس في محاولة تفسير طبيعتها وحقيقتها.
فالمراهقة هي الميلاد النفسي وهي الميلاد الوجودي للعالم الجنسي، وهي الميلاد الحقيقي للفرد كذات متفردة، وهي مزاج من شيء في سبيله إلى الخلع والانتهاء وهو الطفولة ونقيض في سبيله إلى الارتداد والنماء وهو الرشد، وإذا نظرنا إلى الأجيال في تعاقبها لرأيناها تتواصل يقطعها بين الجيل والجيل مفصل المراهقة، وهو مفصل واصل فاصل معنا، والمراهق في مرحلته الانتقالية هذه يتحدى طفولته في ثقة مطلقة بالذات، ويثور على عالم الكبار محاولا تجريد الراشدين وآراءهم من كل ثقة، فيرفع الاستقلالية المسرفة في وجه التبعية والتسلطية ليصل إلى تبعية متبادلة، والبلوغ في نظرة تدفق لمدد هائل من الطاقة الجنسية الغامرة التي تصبغ العالم بالجنسية، ومن ثم فهو صدمة تحطم الاتزان النفسي وينشأ عصاب صدمي يبرز عدة أعراض انفعالية مثل سرعة القابلية للتهيج ونوبات الغضب وسرعة القابلية للتعب دون جهد يذكر وعدم القدرة على تركيز الانتباه ونوبات القلق وأحلام اليقظة, ويحاول المراهق إقامة الاتزان النفسي من جديد مجربًا كل الإمكانيات وكافة الحلول ويناوب الدفاع والإشباع فيمر بمرحلة من التوافق الكاريكاتوري المتخبط وبين السطحية والضحالة والضدية يقف عند البطولية الرجولية والخلاعة الأنثوية.
(1/508)

وعمق، ومن أن هناك خصائص عامة ثابتة تميز الأفراد في هذه المرحلة نموهم ومن بينها مثلا تمردهم على آبائهم وثوراتهم على مدرسيهم وعلى أنها فترة عصبية في النمو يشوبها القلق والتوتر والأزمات النفسية الحادة بالنسبة لجميع المراهقين, ولذا يعتبرها "مندوس" فترة من الحياة المتشنجة، ويعتبرها بوهلر فترة سلبية.
وكان لكتابات "ستانلي هول" خاصة, التي وصف فيها المراهقة بأنها فترة عواصف وتوتر وشدة، وأنها مرحلة ميلاد جديد" أكبر الأثر في إشاعة هذه النظرة المتشائمة المستسلمة إلى المراهقين ومشكلاتهم.
ولكن ما شهده علم النفس من اتساع في نطاق البحوث والمشاهدات التي أجريت على المراهقين في حضارات وثقافات متعددة، قد أوضح أن للمراهقة أشكالا وصورًا متعددة، وأنه ليس بالضرورة أن تأخذ المراهقة هذا الشكل المتأزم المضطرب، فلا تكاد توجد خصائص عامة ثابتة لسلوك جميع المراهقين، وإنما هناك ظواهر سلوكية تتأثر باتجاهات العصر والثقافة المحيطة وثقافة مجموعات المراهق الخاصة، إلى جانب عوامل أخرى يختص بعضها بالمراهق نفسه والآخر لظروفه وعلاقاته الاجتماعية.
وتشير الدراسة الرائدة لصمويل مغريوس عن "المراهق المصري" أن هناك أربعة أشكال عامة للمراهقة في مصر.
المراهقة المتكيفة:
وتكون أميل إلى الهدوء النسبي والاتزان الانفعالي، وعلاقة المراهق بالآخرين طيبة، ولا أثر للتمرد على الوالدين أو المدرسين، وحياة المراهق غنية بمجالات الخبرة بالاهتمامات العملية الواسعة التي يحقق عن طريقها ذاته وحياته المدرسية موفقة في أغلب الأحيان، وهو يشعر بمكانته في الجماعة وبتوافقه فيها، ولا يسرف في أحكام اليقظة أو غيرها من الاتجاهات السلبية، ولا يكثر التهم أو يطيل التفكير في مشكلات ذاتية. ولا تستولي المسائل الدينية والفلسفية على تفكير المراهق إلا في النادر، وأما الشكوك الدينية وموجات التردد، فلا تأخذ صورة حادة وقد لا يتعرض لها إطلاقًا, فالمراهقة هكذا تنحو نحو الاعتدال في كل شيء ونحو الإشباع المتزن وتكامل الاتجاهات.
(1/509)

ومن العوامل المؤثرة في هذا الشكل للمراهقة, المعاملة الأسرية المعقولة التي تنطوي على سماح الوالدين بنصب وافر من الحرية, وعلى تفهم حاجات المراهق واحترام رغباته، وقد نجح آباء هؤلاء المراهقين في توفير جو من الثقة بينهم وبين آبنائهم بحيث تسنى للمراهق أن يصارح أباه عن بعض مشكلاته الانفعالية، فيوجهه أبوه في حدود استطاعته, وهنا كان يشعر المراهق بتقدير أبويه واعتزازهما به, وقد اقترن هذا التقدير بالتقدير في مواطن أخرى، مثل مجموعة الأقران أو الأصدقاء أو المدرسين أو أهالي القرية أو الحي، واحتل النشاط الرياضي الاجتماعي مكانة خاصة في حياة هؤلاء المراهقين فكان دعامة أساسية في جعل مراهقتهم سعيدة مشبعة، وكان النجاح الدراسي من مصادر رضا المراهق عن نفسه وتقدير الآخرين له, وفي حياة هؤلاء المراهقين قدر واف من المسئولية الاجتماعية وفرص كافية للاستقلال والاعتماد على النفس والتخفف من رقابة الأسرة.
2- المراهقة الانسحابية المنطوية:
المراهقة في هذا الشكل أسيفة مكتئبة بالإنطواء, والعزلة والشعور بالنقص وليس للمراهق مخارج ومجالات خارج نفسه، عدا أنواع النشاط الإنطوائي مثل قراءة الكتب الدينية وغيرها, وكتابة المذكرات التي يدور أغلبها حول انفعالاته وتقدمه للصور المحيطة، والمراهق مشغول بذاته ومشكلاته، كثير التأمل في القيم الروحية والأخلاقية وإلى نقد النظم الاجتماعية والثورة على تربية الوالدين وتنتابه الهواجس الكثيرة وأحلام اليقظة التي تدور حول موضوعات حرمانه من الملبس أو المأكل أو الجنس أو المركز المرموق، وهو يسرف في الاستنماء تخلصًا مما يشعر به من ضيق وكبت ونتيجة لعدم ميله إلى مجالات عملية خارج نفسه كالرياضة أو النشاط الاجتماعي.
3- المراهقة العدوانية المتمردة:
كثيرًا ما تكون اتجاهات المراهق ضد الأسرة والمدرسة وأشكال السلطة، وتتسم كذلك المحاولات الانتقالية ومخاولات التشبه بالرجال والأساليب الاحتيالية في تنفيذ رغبات المراهق ومآربه، وقد يلجأ في ذلك إلى التدخين وتصنع الوقار في المشي والكلام وإطلاق الشارب واللحية أحيانًا واختراع قصص المغامرات، والهروب من المدرسة، والمحاولات الجريئة مع الجنس الآخر، ويقترن بذلك شعور المراهق بأنه مظلوم وبأن مواهبة وقدراته غير مقدرة ممن يحيطون به.
(1/510)

وتتفق العوامل المسئولة عن هذين الشكلين "2، 3" فالمراهقة في التربية الضاغطة المتزمتة يمكن أن تنتج شخصية منكمشة منطوية على نفسها أو شخصية ثائرة عدوانية.
4- المراهقة المنحرفة:
وتأخذ صورة الانحلال الخلقي التام أو الانهيار النفسي الشامل وتتفق عوامل هذا الشكل مع الشكلين السابقين، مع اشتداد في درجة هذه العوامل ومع إضافة عوامل أخرى كما أن بعض المراهقين قد مر بخبرة شاذة مريرة أو صدمة عاطفية عنيفة لونت تفكيرهم ووجدانهم لبعض الوقت بلون قاتم متشائم, وانعدام الرقابة الأسرية وتخاذلها وضعفها والقسوة الشديدة في معاملة المراهق وتجاهل رغباته وحاجاته والتدليل الزائد، وتكاد الصحبة السيئة أن تكون عاملا مشتركًا, واقتران التوحد مع جماعة الرفاق بعيوب التربية في المنزل والمدرسة.
والنظرية المقبولة في المراهقة والتي تتفق مع نتائج هذه الدراسة هي أن المراهقة تتأثر في تكيفها بنوعين من الاعتبارات.
أ- اعتبارات النمو الفائق السرعة والتغيرات المختلفة المرتبطة بالتطور نحو الرجولة أو الأنوثة.
ب- اعتبارات الثقافة المحيطة وثقافات المجموعات التي يدور المراهق في فلكها, بما يميزها من قيم ومثل وأنواع الضوابط الاجتماعية، وعلى نتاج التفاعل والاحتكاك بين هذين النوعين من الاعتبارات أي بين مراهق متطور وبيئته الاجتماعية، تتوقف سمات المراهقة ومعالمها في حالة فرد معين، ويتأثر هذا التفاعل بطبيعة الحال بعناصر من خبرات المراهق السابقة وبنائه الجسمي النفسي.
(1/511)

أولا: نظريات المراهقة
وقبل أن نتعرض إلى أهم جوانب النمو في فترة المراهقة نود أن نلقي عجالة على بعض النظريات التي قيلت في سيكولوجية المراهقة فالمراهقة يمكن أن توصف بأنها مرحلة من مراحل الحياة كما يمكن أن يطلق عليها نتاج تاريخ الخبرات المتعلمة، كما أن المراهقة في مجتمعنا ترتبط بمشكلات معينة تختلف عن تلك الموجودة في مجتمعات أخرى. وعمومًا فلقد نظر إلى مرحلة المراهقة من عدة اتجاهات يمكن أن نوجزها فيما يلي:
1- اتجاهات المرحلة المعتمدة Stage- Dependent Approaches:
يشير علماء نظرية المرحلة المعتمدة أو التابعة أن هذه الفترة تتمركز حول بحث المراهق المستمر عن هويته Identity أو ذاتية "أريكسون" Erikson، ويشير كوهلبرج Kohlberg؛ "1970" أنها تومئ إلى انتقال المراهقة إلى الأخلاق التقليدية "أي المتفقة مع قواعد العرف والسلوك المرعية" في عمل القرارات.
ويشير Keniston؛ "1970" إلى المشكلات الرئيسية للمراهق كالتوتر الذي ينمو بين الذات والمجتمع، ورفض تقبل المسئولية والخوف من النمو، إلا أن جماعة المراهق الثقافية Peerculture تعمل على التخفيف من حدة المشكلات التي تواجه المراهق وتشبع حاجاته إلى الانتماء والقرب، ويستطرد Keniston أن المراهقين في حاجة إلى الانتباه والرعاية من ثقافة الراشدين، وبواسطة الانتباه إليهم وتدعيمهم تمكنهم من العثور على ذواتهم ويتقدمون إلى مرحلة الرشد التالية بسلام.
2- مناحي أو اتجاهات التعلم Leaening Approavhes:
تتصف المراهقة بالانسحاب من معايير ثقافة الراشدين، وتبعًا لنظرية التعلم فإن هذا الانحساب غالبًا ما يحدث عن طريق سلوك لا اجتماعي غير مرغوب فيه، وقد يظهر من خلال تقبل ثقافة جماعة الرفاق والتي تعتمد على خبرات تعلم الفرد وكما سنرى فيما بعد عندما نتكلم عن مشكلات المراهقة، أن السلوك الاغترابي والجناح أثناء فترة المراهقة عادة ما يرتبط باتجاهات والديه القاسية وعدم الاتساقية من قبل الوالدين وعمومًا فإن هذه النماذج الوالدية بالإضافة إلى وسائل الإعلام يمكن أن تسهم في تعلم السلوك غير المرغوب فيه للأطفال الصغار وكذا للمراهقين، فالأمهات اللاتي يتسمن بالعقاب المستمر للأطفال يملن إلى تعويق النمو السوي لدى أطفالهن, كما أن الأطفال الذين يقضون وقتًا طويلا في مشاهدة نماذج البرامج التليفزيونية العنيفة والعدوانية يميلون بصورة أكبر إلى استخدام
(1/512)

نفس هذه النماذج العدوانية فيما بعد عندما يشعرون بالإحباط في المواقف الحياتية, ولقد أشار بعض السيكولوجيين أن السلوك العدواني الذي يتعلم بهذه الطريقة عادة ما يكون مستقرًا بدرجة عالية بمرور الوقت، فدراسة Eron, Et al؛ "1974" تشير إلى أن الطفل العدواني يميل إلى أن يكون مراهقًا عدوانيًا، وبصورة مماثلة نجد الطفل الذي يتسم بالخجل ولا يشعر بالإشباع أو لا يكون سعيدًا، يميل إلى أن يصبح مراهقًا منسحبًا غير سعيد.
3- منحى الاتجاهات الثقافية:
هل سلوك المراهق الذي نشاهده يعتبر بمثابة جزءًا ضروريًا للنمو في سائر المجتمعات؟ أم أنه انعكاس لخبرات تعليمية خاصة للمراهقين داخل ثقافة معينة؟ ولقد أشار الأنثروبولوجيون الثقافيون مثل Mead & Benedict إلى أن المراهقة ليست فترة أزمة في كل المجتمعات, ففي المجتمعات التي نجد فيها مبادئ قواعد الكبار محددة بوضوح, وحيث لا توجد فيها مجالا كبيرًا للاختيار أمام المراهق، فإننا نجد الآباء والمراهقين يميلون إلى تقاسم نفس القيم والقرارات فيما بينهما، وتشير نتائج دراسات ronfenb renner؛ "1967" أن الأطفال والمراهقين الروس يتقاسمون قيم متشابهة مع آبائهم أثناء هاتين الفترتين بصورة أكبر مما وجد عند الأطفال والمراهقين الأمريكيين.
ويرجع السبب الأساسي في هذا الاختلاف إلى أن سلوك المراهقين الذين ينمون في مجتمعات تكون فيها أدوارهم المستقبلية محددة سلفًا يختلفون بصورة جوهرية في سلوكهم عن سلوك المراهقين الذين يكون لديهم مجموعة كبيرة من الخيارات, وتعدد لأدوار التي يؤدونها وقد يبدو أنه كلما تدرج المجتمع نحو التصنيع ووفر الفرص الأكثر لأدوار مهينة مختلفة، فإن التوترات بين الآباء والأبناء أثناء فترة المراهقة يبدو أنها تزداد، ويشير Levy؛ "1949" أن قدرة الشباب على العثور على فرص عمل خارج المنزل نتيجة التمدين الحضاري التي نعيشها وجد أن المراهقين قد أصبحوا أقل اعتمادًا على الأسرة.
ومصدر آخر من مصادر الصراع للمراهقين، تبعًا لمواجهة النظر الأنثروبولوجية هي غياب ما يسمى بالشعائر Rites of Pessage كما يشير كل من Bendict؛ "1938" Knepler؛ "1969" حيث
(1/513)

نجد الآباء يتصفون بثنائية المشاعر Ambivalent نحو مراهقيهم، نحو مركزهم الاجتماعي والسلوك الفعلي لأولادهم، فمثلا قد يشير الآباء لمراهقيهم بأنهم قد كبروا بصورة كافية لكي يحملوا بعضا من المسئولية حول شئون الأسرة، وفي نفس الوقت يرفضون إعطائهم بعض الأشياء كالسيارة مثلا، أو أن يمكثوا في حفل ما إلى منتصف الليل، وكثير من الدراسات النفسية قد أشارت أن المراهقين على الرغم من إعطائهم الحرية في التفاعل مع جماعاتهم، إلا أنهم يعاملون من جانب آخر كأطفال داخل منازلهم Kandel؛ "1969".
ولقد أشارت بعض الدراسات أن هناك اهتماما زائدا بنبذ الاعتمادية وتعزيز الاستقلالية عند المراهقين، إلا أن ذلك قد يؤدي بالمراهقين إلى الشعور بالإحباط، فأثناء هذه الفترة يتعلم المراهق أن المركز الاجتماعي يأتي فقط من خلال العمل والكفاءة الذاتية، وقد يشعرون بالإحباط لعدم دخولهم ميدان العمل بعد، وبالتالي يؤدي بهم إلى نبذ قيم الراشدين من حولهم.
ويشير Conger وآخرون "1971" إلى أننا في حاجة إلى أن ننظر بصورة ملية إلى العلاقات الأسرية المتغيرة والأدوار الوالدية المعاصرة والتغير الاجتماعي السريع، فإن ذلك سيؤدي إلى تفهم عميق للمراهق والراشد، مؤداه إلى أننا يجب أن نبدأ منذ البداية، ويجب أن ندرس الطفولة واحتياجاتها ونلاخظ كل خطوة في نمو الطفل وتفاعله مع عالمه المحيط به، وبهذه الطريقة فقط يمكننا أن نحل كثيرًا من غموض وألغاز الأنماط السلوكية الإنسانية في فترة المراهقة.
بعد هذه المعالجة في نظريات المراهقة، نبدأ الآن في تأمل أهم التغيرات الجسمية والعقلية التي تطرأ على المراهقين، فعادة ما نجد أثناء فترة المراهقة المبكرة "من سن 11، 14" حدوث تغيرات جسمية وفسيولوجية وعقلية تحول الأطفال إلى راشدين صغار، ويلي ذلك فترة تسمى بالمراهقة الوسطى "14، 18" سنة نجد أثناءها يتكيف المراهقون لذواتهم الجسمية والعقلية الجديدة وكذلك إلى وقائع حياة المراهقة يلي ذلك المراهقة المتأخرة أو الشباب والتي عادة ما تبدأ "من سن 18، 21 تقريبًا" وتعتبر بمثابة فترة انتقال يصبح أثناءها المراهق عضوًا في مجتمع الراشدين.
وسوف تتمركز مناقشتنا التالية على المراهقة المبكرة، حيث إنها من أكثر الفترات التي بحثت من النواحي النفسية والعقلية والشخصية، ومع ذلك فسوف نلقي الضوء كذلك على الصورة العامة للمراهقة الوسطى والمتأخرة وما نود أن نؤكده هنا أن فترة المراهقة فترة نمو حق معقدة مركبة ذات مراحل فرعية والتي تختلف كثيرًا الواحدة منها عن الأخرى، كما وجدنا ذلك في مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة والطفولة الوسطى.
(1/514)

ثانيًا: التغيرات الجسمية والفسيولوجية
أثناء سنوات فترة الطفولة الوسطى تميل الزيادة في نمو الطول والوزن وهيئة الجسم إلى أن تكون تدريجية وبطيئة إلا أننا نجد في بداية فترة المراهقة تغيرات نمائية سريعة ومفاجئة في حجم الجسم، وتغيرات في نسب الجسم ونموا سريعًا مفاجئًا في الغدد التناسلية، والخصائص الجسمية التي تميز النضج الجنسي, وكثيرا من التغيرات التي تحدث أثناء فترة المراهقة تكون متماثلة متشابهة عند البنين والبنات، كما توجد خصائص جنسية نوعية أخرى فالذكور على سبيل المثال يحدث لديهم زيادة ملحوظة في القوة البدنية وأنسجة العضلات، في حين نجد الإناث تنمو لديهن أنسجة دهنية بصورة أكبر حيث تساعد على استدارة أجسامهن، ومن الممكن افتراض أن هذه التغيرات تعتبر انعكاسًا لعملية التكيف التطوري، فقوة الذكور عادة ما تؤهلهم إلى الاصطياد والحرب والغزو والإغارة، كما أن هيئة الإناث وشكلهن تجذب الذكور إليهن وتميل بهن إلى التزاوج وبالتالي يؤكدان بقاء النوع الإنساني، ولكننا نجد أن هذه الاختلافات الجنسية بين الذكور والإناث خاصة في المجتمعات الصناعية عادة لا تكون ذات أهمية أو دلالة كبيرة كما نجدها في المجتمعات الأقل تقدمًا.
والبنات عادة ما تبدأ لديهن فترة المراهقة قبل الأولاد بما يقرب من عام أو عامين، كما يصلن إلى عملية اكتمال النضج قبل الذكور, وهذا يفسر لنا ظاهرة الطول والوزن في نهاية فترة الطفولة المتأخرة، فعادة ما نجد البنات أطول من البنين وأثقل منهم وزنًا وأكثر نضجًا من الناحية الجنسية، وفي بداية المراهقة نجد الذكور يبدءون في اللحاق بالإناث وبعد ذلك يصبحوا أثقل وزنًا وأطول قامة من البنات.
(1/515)

وتشير الدراسات أن التغيرات الجسمية في فترة المراهقة تعزى عادة إلى حركة الهرمونات وهي المواد الكيميائية المتفردة التي تفرزها الغدد، فبعض الهرمونات تفرز لأول مرة أثناء فترة المراهقة في حين نجد أخرى تزيد من كمية إفرازاتها, وعمل هذه الهرمونات تبعًا لطرق مختلفة، إلا أنها تثير بصورة عامة المستقبلات في واحد أو أكثر من الأعضاء أو الأنسجة ويشير Tanner؛ "1972" أن الهرمون الواحد يمكن أن يكون له عددًا من الأغراض والتأثيرات، فالتستوسترون Testosterone هرمون ذكري تفرزه الخصية يؤثر في كثير من المستقبلات في خلايا القضيب، وجلد الوجه، وفي غضاريف ومفاصل الكتف وأجزاء معينة للمخ، وغير واضح بدقة حتى الآن كيف تنجز هذه الهرمونات عملها، وعلى الرغم من أن علم الغدد الصم الحديث قد خطا خطوات كبيرة في تفهمنا لهذه الغدد، إلا أننا سوف نحدد في ثنايا الصفحات التالية مناقشتنا للتأثيرات المختلفة للإفراز الهرموني المتزايد الذي يحدث أثناء مرحلة المراهقة.
تغير حجم الجسم وشكله:
على الرغم من أننا يمكن أن نقارن النتائج النهائية للنمو الجسمي عند كل من البنين والبنات، إلا أنه توجد اختلافات فيما يتعلق بسرعة هذا النمو وبدايته لدى كل منهما بالإضافة إلى طول فترته أو أمده لديهما.
الذكور:
تشير نتائج دراسات Tanner؛ "1962" أن النضج في بناء جسم الإنسان وحجمه يبدو أنه يسير خلال دورات أثناء العقدين الأولين من حياة الكائن الآدمي، فالدورة الأولى تبدأ بعد الحمل وتمتد حتى نهاية السنة الثانية تقريبًا، حيث نلاحظ نموًا سريعًا في حجم الجسم, ويصل ذلك إلى ذروته في منتصف فترة الحمل, وبعد ذلك ينخفض معدل النضج تدريجيًا ويبطئ أثناء السنة الأولى والثانية للطفولة المبكرة, وتبدأ الدورة النمائية الثانية منذ السنة الثانية من حياة الوليد البشري وتصل إلى ذروتها في سن الثانية والنصف، وبعد ذلك تنخفض ببطء وتدريجيًا حتى سن السابعة وتبدأ الدورة الثالثة في سن السابعة أو الثامنة تقريبًا، وتسرع تدريجيًا وتبلغ ذروتها أثناء السنوات الأولى بعد العاشرة، وبعد ذلك نرى انخفاضًا تدريجيًا في معدلات النضج وأثناء ذلك وعند بلوغ ذروة النضج في هذه الدورة، تسمى بالنمو المفاجئ لنضج المراهقة حيث تحدث تغيرات
(1/516)

ملحوظة في حجم الجسم وشكله لدى المراهقين:
ويختلف العمر الذي تحدث فيه طفرة النمو عند الذكور والإناث، كما يؤثر فيه بعض العوامل الأخرى مثل الوراثة ومركز الزيادة النمائية في حجم الجسم تتأثر أيضًا بهذه العوامل سابقة الذكر، وعادة ما تعزى طفرة النمو في هذه الفترة إلى عدد من الهرمونات المختلفة التي تنظم النمو، وتبعًا لذلك فإننا نرى الحجم النسبي لبعض الذكور والإناث سوف يتغير بصورة ذات دلالة إذا ما قورنوا بأقرانهم، والطفل الذي يكون في طول زملائه أثناء فترة الطفولة, عادة ما يكون متساويًا معهم في الطول تقريبًا عند وصوله إلى Tanner؛ "1962" أن ما يقرب من 30% من طول الراشد يحدث أثناء طفرة النمو التي تحدث في فترة المراهقة، والشكل رقم "1" يوضح معدل نمو الطول للبنين والبنات مع بداية فترة المراهقة.
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/517)

كما أن أجزاء الجسم تختلف في سرعة نموها، فالنمو يميل أن يكون سريعًا في مناطق انتهاء الأعصاب ويتحرك بعد ذلك إلى الجذع "النمو الذنبي" فأيدي المراهق ورجليه عادة ما تكون متساوية لما لدى الراشد، وبعد أن تصبح أيدي المراهق ورجليه في حجمها الكامل يتشعب النمو بعد ذلك إلى الفخذين، وتقدم نمائي متشابهة يحدث للأيدي والسواعد، ويحدث نمو القلب الرئتان والمعدة والكليتين والجهاز العضلي وحجم الدم في صورة متزايدة وتصل إلى حجمها النهائي ما بين 11: 15 سنة، كما نرى تزايد في نمو القدرة الوظيفية للجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز الدوري أثناء فترة المراهقة.
ويجب أن نشير أن بعض أجزاء جسم المراهق لا تشترك في طفرة النمو هذه، فالرأس والمخ مثلا تصل إلى 90% لحجمها عند الراشد في سن الخامسة، كما أن الأنسجة الليمفاوية للون والأمعاء تزداد تدريجيًا في حجمها مع بداية فترة المراهقة، وبعد ذلك تقل تدريجيًا من حيث الحجم كما أن الوجه كذلك يستمر في النمو أثناء هذه الفترة، حيث يصبح الفك والأنف أكبر عن ذي قبل وذلك لارتباط النمو فيهما بمنطقة الرأس العليا والتي تكون قد حصلت على نموها وحجمها الكامل.
الإناث:
تشير الدراسات أن الإناث يصلن إلى ذروة نموهن وتحدث عندهن طفرة النمو الجسمي في سن الثانية عشر تقريبًا، وعادة ما يسبقهن الذكور بما يقرب من عامين تقريبًا، كما أن النمو عند البنات يحدث في صورة ذنبية كذلك "من الرأس إلى الأطراف"، إلا أنهن يختلفن عن الذكور حيث يكن أكثر سمنة حول أذرعهن وأرجلهن من الذكور، ولذلك فإن أوردتهن عادة لا تكون ظاهرة, وفيما يتصل بنمو الجذع عند البنات، تبقى الأكتاف أرفع، في حين نجد مفاصل الفخذين تصبح أعرض وأكثر استدارة مما نجده عند الذكور، إلا أن الذكور تكون أكتافهم أعرض وأقوى، وتبقى أفخاذهم أرفع مما عند الإناث, وتشير نتائج دراسات Tanner كذلك أن زيادة السمنة تحت الجلد عند الإناث تعرض فقد النمو النسبي في العضلات الذي نجده عند الذكور، وبالتالي فإلاناث عادة ما يمتلكن نسبة مئوية أعلى في سمنة أجسامهن أكثر مما نجده عند الذكور, ونادرًا ما يكن لديهن قوة في عضلاتهن التي نراها عند الذكور فيما عدا حالة الفتيات الرياضيات، وفيما يتعلق بأحجامهن، فإن الذكور يكون لديهم قلوب
(1/518)

ورئتان كبر، وقدرة أكبر على حمل الأكسجين في الدم، وقوة أكبر في تعادل النواتج الكيميائية الخاصة بتدريب العضلات مثل الحامض اللبني Lacitc Acid، وعمومًا فإن هذه الاختلافات قد تكون نتيجة تمايز الوظائف التطورية عند الرجال والنساء.
نمو الخصائص الجنسية الأولية والثانوية:
يوجد نمطان من التغيرات تحدث في الجهاز التناسلي أثناء فترة المراهقة المبكرة، فالأعضاء التناسلية تزداد من حيث الحجم وفي نهاية النمط الأول تصبح فعالة في أداء وظيفتها عند كل من الذكور والإناث، حيث نجد الذكور يفرزون الحي المنوي بينما تنتج الإناث البويضات المخصبة، كما تحدث تغيرات في الخصائص الجنسية الثانوية في الجهاز التناسلي والأعضاء العرقية والغدد الدهنية وعضلات الحنجرة وتسمى الفترة التي تحدث أثناءها نمو تلك الخصائص الجنسية الأولية والثانوية بالبلوغ Puberty، وعلى الرغم من أن تتابع هذه العملية يكون متشابهًا عند الذكور والإناث, إلا أن تفاصيل هذه العملية تختلف اختلافًا ذات دلالة بينهم وسنرى ذلك في عرضنا القادم.
الذكور:
العلامة الأولى للبلوغ بين الذكور عادة ما تكون النمو التدريجي لوعاء الخصيتين "الصفن" والخصيتين معًا، مع ظهور التجعيد على الصفن ويصبح كيس الصفن قاتم اللون، ويبدأ شعر العانة في الظهور في هذا الوقت تقريبًا أو بعد ذلك بقليل، كما يحدث زيادة من حيث الطول والحجم لعضو الذكورة، وعلى الرغم من أن هناك اختلافات فردية بين المراهقين إلا أننا عادة ما نلاحظ قدرة المراهق على القذف المنوي الأول بعد عام من ظهور أوجه النمو سابقة الذكر Tanner؛ "1962".
ونمو الخصائص الجنسية الثانوية يتبع نفس التعاقب بين جميع المراهقين تقريبًا، فشعر الإبطين يظهر عادة بعد ظهور شعر العانة، ويصاحب ذلك ظهور شعر الوجه، ونموذج شعيرات دقيقة في البداية على جانبي الشفة العليا، وبعد ذلك ينمو الشعر على الشفة بأكملها، ويظهر
(1/519)

الشعر فيما بعد على الخدين، ويبدأ بعد ذلك في النمو على طول جابي الذقن وأسفلها، كما أن شعر الجسم "الصدر والأرجل" يبدأ كذلك في النمو في نفس الوقت الذي ينمو فيه شعر الإبطين إلا أنه قد يستمر حتى نهاية فترة المراهقة، والاختلافات الفردية في كمية الشعر التي تظهر ترجع بصورة كبيرة إلى العوامل الوراثية إلا أنه قد تكون هناك أسباب تعجل أو تأخر نمو شعر الجسم ولكنها ما زالت غير معروفة حتى الآن.
كما أن الحنجرة تصبح أكبر في حجمها، ويحدث نموًا للأحبال الصوتية كما يحدث في نفس الفترة انخفاض تدريجي في طبقة الصوت، إلا أن هذا الانخفاض ليس ثابتًا مطردًا مع ذلك، وعمومًا فإن طبقة صوت الراشد عادة لا تكتمل إلا بنهاية فترة المراهقة المتأخرة، كما أن جرس الصوت "وهي النوعية التي تمكنا من تمييز الأصوات من نفس طبقة الصوت من أخرى" يعتمد على حجم تجويف الفم والأنف، وتغير الجرس يحدث كلما ازداد حجم الفم والأنف أثناء فترة البلوغ Tanner, J؛ "1972".
ويوجد نمطان من التغير عادة ما تحدث أثناء فترة المراهقة.
أ- نضج الغدد الدهنية.
ب- نضج الغدد العرقية "خاصة في المناطق الإبطية والتناسلية".
فالغدد تفرز مادة دبقة "دهنية" والتي يمكن أن تتراكم وتنتج البثور على الوجه، وهذه بدورها من الممكن أن تثير المنطقة المحيطة بها وتنبثق خارج الجلد في هيئة حب الشباب كما أن الغدد العرقية والتي تنمو بسرعة كبيرة وأثناء البلوغ عادة ما تسبب رائحة غير طيبة.
الإناث:
عادة ما نجد أول علامة لبلوغ ظهور برعم الصدر ويلي ذلك مراحل خمسة لنمو الصدر, فعند بعض الإناث يظهر شعر العانة قبل ظهور برعم الصدر، ولكن بين ثلثي الفتيان عادة ما يسبق ظهور برعم الصدر شعر العانة، بالإضافة إلى كبر حجم الرحم والمهبل وشفري عضو التأنيث كما يحدث البظر في نفس الوقت الذي ينمو فيه الصدر.
(1/520)

ومما لا شك فيه فإن الشيء الأكثر إثارة للبنات في بداية البلوغ هو نزول الطمث لأول مرة عند البلوغ، وتوجد أسباب مختلفة يعزى إليها التباين في وقت الطمث الأول، فحوالي 50% من الإناث البيض في أمريكا يصلن إلى ذلك ما بين 12، 14 سن وحوالي 8% يصلن إليه ما بين 14.5: 16.5، وأقل من 2% يصلن إليه قبل سن العاشرة أو بعد السادسة عشرة.
وتنمو عند الإناث الخصائص الجنسية الثانية بنفس التتابع الذي نجده عند الذكور، إلا أنها تكون أقل ظهورًا مما عند الذكور، فالشعر على سبيل المثال سواء في الجسم أو الإبطين يكون أقل، وجدير بالذكر فإنه توجد اختلافات فردية واسعة حيث نجد بعض الفتيات لديهن شعر في أجسادهن أكثر من بعض الشباب، كما يحدث عند كل من الذكور والإناث خشونة في جلد أجسامهم خاصة جلد الفخذين وأعلى الساعدين، إلا أن ذلك يكون أقل وضوحًا عند الإناث.
وتشير بعض دراسات سيكولوجية المراهقة أن الذكور والإناث في العصر الحديث خاصة في الدول المتقدمة صناعيًا مثل الولايات الأمريكية وأوربا واليابان والصين عادة ما يخبروا أو يصلوا إلى البلوغ, وبالتالي النمو المفاجئ للمراهقة بما يقرب من سنتين مبكرين عن أقرانهم في دول أخرى، وقد يكون هناك عدد من العوامل تفسر هذه الظاهرة، إلا أن أكثرها إثباتًا هي عامل التغذية وعامل العناية الطبية وعلى ذلك فإن المراهقين في الدول النامية حيث لا توجد التغذية المناسبة كما أن معايير الصحة ليست مرتفعة بما يقدم من العناية الطبية فمن المحتمل أن يكون سن البلوغ وبالتالي سنوات المراهقة متأخرة نسبيًا عما هو موجود في الدول الأكثر تقدمًا.
(1/521)

ثالثًا: النمو العقلي
إن التغيرات المثيرة التي تحدث في النمو أثناء فترة المراهقة المبكرة غالبًا ما تقترن بتغيرات مثيرة متساوية تحدث في النمو العقلي, ويصف بياجيه هذا النمو العقلي خاصة مع بداية المراهقة بما يسمى بالعمليات الصورية Formal Operations فالمراهقين الصغار عادة ما يكونون قادرين على التعامل مع متغيرات كثيرة في نفس الوقت، ويكون في مقدورهم إدراك المجاز والاستعارة والتعبير بالابتسام ويفكرون في الأمور والأشياء ويبنون الأمثلة لأنفسهم، بالإضافة إلى إمكانهم تفهم المعكوسية للأشياء والأشياء المتناقضة مع الحقيقة، ويمكنهم تفهم الوقت التاريخي للثقافات المختلفة، وهذه التغيرات التي تحدث في قدرات المراهق العقلية يمكن وصفها بصورة كيفية وكذلك بصورة كمية، فمن الجانب الكمي فهناك مؤشران يبدوان على أهمية خاصة.
أ- ما يسمى بالقدرة على التمييز أو المفاضلة.
ب- تقدم مجرى النمو العقلي، والذي كان يعتقد في أنه يصل إلى ذروته في فترة المراهقة وبعدئذ يميل إلى الانخفاض التدريجي.
كما أن الجوانب النوعية في تفكير المراهق لم تكتشف بصورة مكثفة كما هو الحال في فترة الطفولة، حيث نجد أعمالا تجريبية قليلة في النمو اللغوي والتذكر والإدراك في فترة المراهقة، إذا ما قورنت بمثيلتها في فترة الطفولة، كما أن كثيرًا من الدراسات التي أجريت على تفكير المراهقين قد ركزت على نمط التفكير السببي للمراهقين وكذلك على حل المشكلة، وسوف نتأمل سويًا في ثنايا الصفحات التالية بعضا من هذه الدراسات بالإضافة إلى بعض المسائل المتعلقة بالتفكير الإجرائي الصوري وسوف نختتم بالإشارة إلى بعض النتائج ذات الفعالية في التوصل إلى نمط التفكير الإجرائي الصوري.
اختبارات الذكاء:
مما يجدر الإشارة إليه، أن المراهقين عادة ما يكون لديهم خبرة في إجراء الاختبارات، كما أن أداءهم إلى الاستقرار والثبات بصورة واضحة, وذكاء المراهق يمكن مع ذلك أن يسبب في بعض الأحيان مشاكل معينة، فالمراهق الذي يتصف بالذكاء المرتفع قد يفسر أسئلة اختبار الذكاء بصورة أكثر تركيبًا مما هي عليه بالفعل أو قد يستخدم مواقف الاختبار للتعبير عن موقف اجتماعي أو سياسي معين.
وعمومًا فعند قياسنا النمو العقلي عادة ما نطرح تساؤلين.
أ- ما مدى قدرات الشخص أثناء فترة المراهقة؟
ب- ما طريقة نمو القدرات العقلية أثناء فترة المراهقة وبعدها؟
(1/522)

العمر التمايزي:
إحدى وجهات النظر لفهم طبيعة القدرات العقلية تسمى بنظرية العمر التمايزي الافتراضي Age Differentiation Hypothesis وتشير إلى أن قدرات الطفل العقلية في جوهرها منفصلة غير مترابطة، إلا أنه أثناء الطفولة المبكرة نجد هذه القدرات تصبح تدريجيًا متكاملة ومترابطة داخل عدد من قدرات قليلة منظمة بصورة عالية، وأثناء فترة المراهقة تصبح القدرات العقلية مرة أخرى متصلة بالتمايزية، وبالتالي تصبح قدرات أساسية بصورة أكبر مما كانت عليه أثناء مرحلة الطفولة كما يشير بعض الباحثين كذلك FitzGerald, J.& Others إلى وجود مرحلة تمايزية أخرى أثناء مرحلة الرشد المتأخرة، حيث تصبح القدرات العقلية ملتحمة إلى حد ما داخل نموذج أقل تمايزًا.
وهذا العمر التمايزي الافتراضي لا يعتبر بمثابة اهتمام أكاديمي فقط ولكنه ينعكس كذلك في مناهج مدارسنا، فنجد أطفال المدرسة الابتدائية يأخذون عددًا من القدرات كالحساب والقراءة والعلوم والدراسات الاجتماعية، ولكننا نجد في المدارس الثانوية يصبح لدى المراهقين مدى أوسع لفرص الاختيار حيث يتضمن المنهج اللغات الأجنبية والدراسات الأدبية والرياضيات والإحياء وما إلى ذلك.
وما زال يوجد تضارب بين نتائج الدراسات، فبعضها يشير إلى وجود التمايز أثناء فترة المراهقة، في حين يعتقد آخرون بعدم وجوده في قدرات المراهق Horn, J.L؛ "1976" وجدير بالذكر فإن كل من هاتين الوجهتين المختلفتين يمكن أن تسهم وتؤدي إلى مناهج ووسائل تعليمية مختلفة، وجدير بالذكر فإن العمر التمايزي الافتراضي لا يمكن أن يتقبل بصورة كلية، أو ينبذ بصورة كاملة، ففي رأينا أنه توجد احتمالية حدوث بعض أنواع التمايز إلا أنها ليست للمدى الذي أشار إليه Baletes وآخرون "1972".
تقدم النمو العقلي:
تشير دارسات النمو العقلي، أن القدرات العقلية في الزيادة طوال الحياة، ولكنها تصل إلى ذروتها أثناء فترة المراهقة الوسطى وبعد ذلك تأخذ في الانخفاض التدريجي Terman, L؛ "1916" ووجهة
(1/523)

النظر هذه اعتمدت على المعايير الأولية لاختبار استانفورد بينية حيث يظهر أن الذكاء يبلغ ذروته في سن السادسة عشر تقريبًا، ولقد طبقت عديدًا من الاختبارات أثناء الحرب العالمية الأولى على الجنود وتشير النتائج أن معدل ذكاء الجند والضباط لم يحدث فيه تغير عما كان عليه في سن الثامنة عشر.
وظهرت دراسات مناقضة لما أتت به نتائج تيرمان بينيه حيث يشير كل من Baltes & Others؛ "1972", Schaie, k؛ "1972" أن الذكاء لا ينخفض بتقدم العمر الزمني ولكنه قد يتحسن كذلك، وإحدى التفسيرات التي يعزى إليها هذا التناقض لنتائج دراسات الذكاء يمكن أن يعزى إلى منهج الدراسة، فتلك الدراسات التي أشارت إلى أن الذكاء ينخفض بعد المراهقة، غالبًا ما اعتمدت على طريقة المقطع العرضي Cross-Sectional حيث اختبرت بواسطتها أفرادًا في مستويات عمرية مختلفة في نفس الوقت، وبالتالي أشارت نتائج دراسات هذه الطريقة أن الراشدين قد يكونون في مستوى منخفض في معدلات أدائهم على الاختبارات العقلية من المراهقين، إلا أننا يجب أن نشير إلى أن إخفاق الكبار في الدراسات السابقة لا يرجع إلى النمو العقلي لديهم بقدر ما يرجع إلى أنهم لم يحظوا بنفس التعليم الذي حظي به المراهقون في الوقت الحديث, وعلى نقيض ذلك نجد دراسات أخرى قد أشارت أن الذكاء يستمر في الازدياد من خلال النضج الذي يطرأ على الكائن الإنساني، وهذه الدراسات عادة ما كانت تعتمد على الطريقة الطولية والتي يختبر فيها نفس الأفراد بصورة متكررة عبر الوقت.
وهناك تفسير آخر لتعارض النتائج في دراسات النمو العقلي مؤداه أن اختبارات الذكاء عادة ما تقيس نمطين من الذكاء، واحد منهما يصل إلى ذروته أثناء فترة المراهقة في حين الآخر يستمر في الزيادة مع ازدياد العمر الزمني Horn, JL؛ "1970" Cattel, R؛ "1970" ويسمى النوع الأول بالذكاء السلس أو المرن Fluid Intell وهو يتضمن العمليات العقلية الضمنية "كالتي وصفها بياجيه" والتي يمكن أن تعزى إلى كل من الوراثة والنضج، بالإضافة إلى الخبرة والنمط الثاني والذي يعرف بالذكاء المتبلور "محدد الشكل" Crystalized Intell ويشتمل على المعرفة والمهارات التي تكون متطلبة أثناء عمليتي التطبيع الاجتماعي والتثقيف Acculturatin.
(1/524)

وتشير نتائج دراسات Cttel, R؛ "1971", Horn, J؛ "1970", Horn, J؛ "1975" أن الذكاء المرن أو السلس يصل إلى ذروته أثناء فترة المراهقة وبعد ذلك يميل إلى الانخفاض في حين نجد الذكاء المتبلور "محدد الشكل" يستمر في الازدياد بصورة عامة, والشكل رقم "2" يوضح ذلك تبعًا لوجهة نظر Horn, J. L؛ "1967".
وجدير بالذكر فالتعميمات عن الذكاء المرن أو السلس والذكاء المتبلور "محدد الشكل" يجب أن تحدد كذلك، ولا تؤخذ بصورة عامة، فالقدرات الخاصة والمعرفة التي يمكن للفرد الوصول إليها من خلال النضج تعتمد على مستوى قدرات الشخص العقلية، ومدى قدرته على الابتكار، وكذلك على عمله ومهنته بالإضافة إلى حالته الصحية العامة حيث تشير نتائج دراسات Horn؛ "1976" أن الأشخاص الأذكياء يحتفظون بمعدل عقلي وظيفي بصورة أطول من هؤلاء الأشخاص الذين لا يتسمون بالذكاء، كما أن الأشخاص الذين كانت مهنهم أكاديمية مصبوغة بصبغة عقلية، عادة ما يحتفظون بمهاراتهم العقلية واللفظية بصورة أطول من الأشخاص الذين يعملون في ميادين أخرى، وكما أشار هويتهد Whitehead.
"إن التخيل عادة ما يكون أكثر فعالية وتأثيرًا ونشاطًا ما بين سن التاسعة عشر والخامسة والثلاثين, ونحن غالبًا ما نحتفظ بالسير به قدمًا بعد ذلك، بغض النظر عما نخبره بعد من إخفاق"، والتاريخ الإنساني حافل بذلك فالأعمال الابتكارية الأصلية لثمة رجال مثل بياجيه وفرويد وروسو وراسل تؤيد أن هناك كثيرًا من الناس لهم غزارة في العطاء وفيض من المعرفة العقلية الجياشة بعد أن تخطوا الخامسة والثلاثين من عمرهم.
التفكير الصوري الإجرائي ومظاهره:
ينبثق التفكير وفقًا لبياجيه من التذويت التدريجي للأفعال وعلى ذلك فإن التفكير الحقيقي "بمعنى التعامل العقلي أو التجريب لمعطيات البيئة" لا يظهر حتى سن السادسة أو السابعة من عمر الطفل، عندما تصبح الأفعال مذوتة بصورة كاملة، وكما أشرنا فيما سبق أن نمط تفكير الأطفال منذ السادسة أو السابعة وحتى حوالي العاشرة أو الحادية عشر
(1/525)

يسمى بنمط تفكير العمليات العيانية أو المحسوسة Concrete Operations، وهذا النمط يختلف بصورة جوهرية عن نمط التفكير الذي ينبثق أثناء فترة المراهقة "ما بين الحادية والرابعة عشر" والذي يسمى بالتفكير الصوري.
وسوف نتأمل سويًا التفكير الصوري المنطقي، وبعد ذلك سنرى كيف يظهر في تفكير المراهقين، كما سنتأمل بعض تطبيقات التفكير الصوري الإجرائي في المعارف الاجتماعية للمراهقين، ومفاهيمهم عن ذواتهم ووجهات نظرهم في الأفراد الآخرين.
منطقية التفكير الصوري الإجرائي:
من المفيد أن نتأمل نمط التفكير الصوري الإجرائي داخل محتوى العمليات العيانية أو المحسوسة، فإن نظام العمليات الحسية العيانية يشبه التفكير المنطقي ما دامت توجد به مجموعة من العناصر "كالموضوعات أو العلاقات أو الصفات"، بالإضافة إلى وجود بعض العمليات "كالإضافة إلى الجمع، والطرح وهكذا"، مع مجموعة من المبادئ أو العناصر المتحدة، وأحد هذه المبادئ يسمى بالاستبدال Commutivity وبغض النظر عما إذا كانت عناصر الموقف تتحد أم لا، فإن النتيجة سوف تكون نفسها، فمثلا، أ + "ب + جـ1" = "أ + ب" + جـ.
والمبدأ الثاني يتمثل في الهوية Identity أو التماثل فلكل عنصر في موقف ما يوجد عنصر مماثل له مثل: أ - أ = صفر، أو أ = أ, والمبدأ الثالث يتمثل في التركيب Compostion, ويعني أن اتحاد عنصرين في موقف ما سوف ينتج عنصر ثالث مثل، أ + ب = جـ, والمبدأ الرابع يتمثل في التناول العكسي للموضوعات أو المعكوسية Reversibillty ومؤداه أن كل عملية في الموقف توجد عملية أخرى معكوسة ثانية والتي يمكن أن تبطل كلية تأثيرات الأولى، ولكي نوضح ذلك أ + ب = جـ، ولكن ج - أ = ب، ج - ب = أ.
ويمكن أن يقال أن الطفل لا يكون على دراية بنظام العمليات العيانية إلا أننا يمكن أن نستدل عليها من أدائه، وينطبق نفس الشيء بالنسبة للنظام الإجرائي الصوري, وفي الحقيقة فإن مفهوم بياجيه عن الذكاء
(1/526)

اللاشعوري متشابه إلى حد ما مع مفهوم فرويد عن اللاشعور الوجداني Affective فلقد وجد فرويد أن كل شخص يعيش حياة غنية بالرغبات والدوافع والتخيلات، ويكون على حد أدنى من الدراية بكل هذه الأشياء، ويشير بياجيه إلى مفهوم قريب من مفهوم فرويد، في أن الشخص يعيش حياة معرفية، غنية، ويستخدم فيها أنظمة مركبة من العمليات المنطقية بدون دراية فعلية منه.
وبمجرد أن يحصل الطفل العمليات العيانية "الحسية" نجده يستطيع استخدامها داخل فئات معينة، فمثلا إذا عرف الطفل أن عدد الأطفال يساوي جمع عدد الأولاد + عدد البنات، أو أن ج = أ + ب "جمع" حينئذ سيعرف تلقائيًا أن جـ - أ = ب "معكوسية" ويعني أن أ - أ = صفر "هوية" ويعني أ + ب = جـ، وهي نفسها مثل ب + أ = جـ "استبدالية" ودلالة هذا التحليل المنطقي لتفكير الأطفال نجد أنه يمكننا من التنبؤ بالموقف الكامل للأدوات المترابطة المتفردة للشخص.
عندما ننتقل إلى نظام العمليات الصورية، فإن المنطق يصبح أكثر تركيبًا وتعقيدًا، وفي الحقيقة يصبح منطق خبري أو افتراضي Propositional Logic وهذا النوع من المنطق يعتبر بمثابة النظام المنطقي الثاني والذي يستفيد من النظام الأول ويمدنا بمدى أكبر ومرونة أعظم في التفكير, ومنطق العمليات الصورية عادة ما يكون دالا للمنطق الإجرائي والذي يستخدم في الجبر والرياضة، كما أن كلا من المنطق الإجرائي والرياضيات تعتبر بمثابة وسائل تمكن الفرد من التفاعل مع موضوعات العالم الخارجي، كما أن العمليات المنطقية الصورية والجبر من جانب آخر تعتبر بمثابة وسائل وأدوات تمكن الفرد من التفاعل الرمزي، وهي خطوة أسمى من العالم الواقعي.
وبواسطة العمليات الصورية كذلك يمكن أن يكتسب الفرد عن طريقها مستوى جديدا من الإحساس أو الشعور، وعلى الرغم من أن المراهقين قد لا يكونون على دراية بالمنطقية التي تكون وراء عمليات تفكيرهم النامي، إلا أنهم يمكنهم أن يعكسوها ويصوروا أفكارهم وعمليات تفكيرهم كذلك، حيث يمكنهم التفكير في التفكير، وعلى ذلك فإن المراهقين يمكنهم تفهم التعبير عن اتحادات أو تركيبات كثيرة والتي قد لا تحدث في الواقع ويشير كل من lnhelder & Biaget؛ "1958" أن
(1/527)

الشخص يكون قادرًا على بناء الاحتمالات والأمثلة المتناقضة مع المواقف الحقيقية الواقعية، والتي قد تكون منطقية إلا أنها ليست واقعية.
ولكي نوضح احتمالات أو إمكانيات التفكير الصوري الإجرائي تفترض أنك دخلت مطعمًا، وقدمت لك قائمة الطعام، حيث تحتوي على المشهيات وأطباق رئيسية، وأصناف حلوى وأنواع شراب، حينئذ يكون لديك عدد من البدائل الاختيارية والتي يمكن أن تقدم كما يلي.
"يأمر بشيء واحد":
1- لا يأمر بشيء.
2- يأمر بالمشهيات فقط.
3- يأمر بالطبق الرئيسي فقط.
4- يأمر بالحلوى فقط.
5- يأمر بالشراب فقط.
"يأمر بشيئين":
6- يأمر بالمشهيات والطبق الرئيسي.
7- يأمر بالمشهيات والحلوى.
8- يأمر بالمشهيات والشراب.
9- يأمر بالطبق الرئيسي والحلوى.
10- يأمر بالطبق الرئيسي والشراب.
11- يأمر بالحلوى والشراب.
"يأمر بثلاثة أشياء":
12- يأمر بالمشهيات والطبق الرئيسي والشراب.
13- يأمر بالمشهيات والطبق الرئيسي والحلوى.
14- يأمر بالمشهيات والشراب والحلوى.
15- يأمر بالطبق الرئيسي والشراب والحلوى.
"يأمر بأربعة أشياء":
16- يأمر بالمشهيات والطبق الرئيسي والحلوى والشراب.
وقدرة الفرد أن يضع في اعتباره كل هذه الاتحادات السابقة تتطلب
(1/528)

تفكيرًا إجرائيا صوريًا، وأحد المشكلات التي يجابهها الأطفال في المطاعم تتمركز في وجود بدائل وخيارات كثيرة يجب عليه التعامل معها، وعادة ما يفضل الأطفال قوائم الطعام البسيطة حيث يكون من السهل أن يتعاملون معها.
والمراهق بدوره يمكنه استخدام العمليات الصورية مع إشارات لفظية والتي قد يكون لها مراجع واقعية أو لا يكون لها ذلك، وعمومًا فإن القدرة على تركيب واتحاد الاقتراحات أو الافتراضات يكشف عن إمكانات هائلة للتفكير حيث تكون متطلبة لجميع المساعي والمحاولات العملية وعلى ذلك فعندما يريد الباحث بناء نظرية أو إجراء تجربة ما، فعليه أن يضع في اعتباره كثيرًا من المتغيرات في وقت واحد، ويفكر في تغيير بعضها بينما يحتفظ بالأخرى في حالة ثابتة وهذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكن الباحث من أن يصبغ الافتراضات بصورة تجريبية.
اللغة والذاكرة:
لم تجر دراسات تصنيفية كثيرة على النمو اللغوي وقدرات التذكر عند المراهقين إذا ما قورنت بالدراسات التي أجريت على الأطفال، وفيما يتعلق بالنمو اللغوي فيمكن افتراض أن النمو يستمر في عدد المفردات والجمل والتركيب البنائي للجمل وكذلك في استعمالات الجمل المتعددة على الأقل حتى فترة المراهقة الوسطى "بناء على مقاييس بينيه ووكسلر للذكاء"، بالإضافة إلى ذلك فالمراهقون نتيجة نمو العمليات الصورية عندهم يبدءون في تفهم الجوانب الصورية للغة، وبعد ذلك تفهم القواعد اللغوية وبناء الجمل أو الإعراب وتشير نتائج دراسات Munsnger & Douglass؛ "1976" على التوائم المتماثلة بوجود ازدياد مضطرد في فهم تركيب وبناء الجمل في مرحلة المراهقة المبكرة.
وأحد جوانب النمو اللغوي عند المراهقين التي درست كذلك هي مدى فهم الاستعارة والتشبيه في اللغة, ويبدو أن هاتين العمليتين تتطلبان تفكيرًا صوريًا إجرائيًا حتى يمكن فهم الاستعارة أو المجاز حيث تعتبر بمثابة رمزًا لرمز، وبالتالي تكون العلاقة فيها تصورية أو مجردة، وجدير بالذكر فإن المراهق عادة ما يستطيع تفسير الاستعارة أو المجاز اللغوي حيث تشير نتائج بعض الدراسات أن أطفال ما قبل المراهقة تمكنوا منها بالإضافة إلى أن نجاحهم فيها كان مرتبطًا بصورة عالية بنجاحهم في
(1/529)

اختبار التفكير الصوري الإجرائي، ولقد أيدت نتائج دراسات كل من Ash, Nerlove؛ "1960"، Polio & Polio؛ "1974" ما أشارت إليه نتائج الدراسة السابقة.
ولقد أجريت دراسات قليلة نسبيا على نمو الذاكرة عند المراهقين إذا ما قورنت بالدراسات التي أجريت على الأطفال, وتشير دراسات Mandler وآخر "1967" أنه كلما تقدم الأطفال في أعمارهم الزمنية فإنهم ينمون بصورة متزايدة مخططات تذكرية جيدة وذات فعالية، ويبدو أن هذا الميل يستمر في المراهقة حيث نجد العمليات الصورية عادة ما تستخدم لتطوير المخططات التذكرية, وجدير بالذكر فإن اتساع مدى الذاكرة يزداد بصورة ملحوظة أثناء فترة المراهقة، والذاكرة الأحسن والأقوى سواء كانت عند المراهقين أو الراشدين عادة ما تعزى إلى القدرة الأفضل على التصنيف وتنظيم المعلومات.
السلوك الاحتفاظي Consevation Behavior:
إن مفهوم ثبات وبقاء الأشياء "كالحجم والعدد والطول والكمية والمسافة والجوانب وهكذا، عادة ما نجد الأطفال يتمكنون منها في فترة الطفولة المتأخرة عند وصولهم إلى مستوى العمليات الحسية للتفكير, إلا أن بعض المفاهيم الأخرى مثل الكتلة Volume يبدو أنها تتطلب عمليات صورية عالية، ولقد وجد كل من بياجيه وانهلدر أن الأطفال لا يمكنهم تفهم الاحتفاظ بالكتلة حتى سن الحادية عشر أو الثانية عشر.
وتشير دراسات Elkind, D؛ "1962" أن نسبة كبيرة من المراهقين وطلاب الجامعة لم يتمكنوا من التوصل إلى تفهم الاحتفاظ بالكتلة، ولقد دعمت دراسات أخرى أجراها Hobbs, S؛ "1973" النتائج سابقة الذكر، حيث طبق على مجموعات من المراهقين والراشدين، بالإضافة إلى أن اكتساب العمليات الصورية أو على الأقل تطبيق هذه العمليات على جوانب معينة للواقع ويجب أن نشير أن مفهوم الكتلة له مستويات عديدة من التجريد، وأن تلك الدراسات التي أجريت على المراهقين والراشدين قد فاقت أغلب المستويات التجريدية حيث تعاملت مع مبدأ استمرارية الكتلة Continous volume وهي الفراغ المملوء بمادة متصلة أو مستمرة مثل السوائل أو الصلصال، إلا أن الكتلة غير المتصلة Discontinuous وتعتبر بمثابة الفراغ المملوء بواسطة مبدأ الاحتفاظ أو الثبات, وعموما فإن مفهوم
(1/530)

الكتلة يشبه المفاهيم الأخرى يمكن أن تفهم على مستويات متعددة، وفي فترة المراهقة عادة ما نجد مفهوم الاحتفاظ بالكتلة المستمرة أو المتصلة في متناول المراهقين.
التفكير التجميعي أو التوحيدي Combinatorial Thining:
أحد الأشكال الجديدة للتفكير والتي تصبح ممكنة مع التفكير الإجرائي الصوري مثل قائمة المأكولات التي قدمت في مثالنا السابق ولكي نتأمل كيف ينمو هذا النمط من التفكير لدى الأطفال والمراهقين انظر الشكل رقم "4", والذي يمثل مثالا عمليا من أعمال بياجيه وانهلدر الأصلية، وسنورد فيما بعد مقتطفات من تفكير الأطفال في مستويين عمريين مختلفين التي قدم إليهم هذه المشكلة.
ولقد قدم كل من انهلدر وبياجيه كثيرا من الأمثلة من هذا النوع موضحين أن الأطفال عادة ما يكون لديهم صعوبة في إجراء العمليات الصورية المتعددة Multiple، حيث إنهم يفكرون في تركيب أو تجميع سائلين، إلا أنهم لا يفكرون تلقائيا في اتحاد ثلاثة سوائل مختلفة مرة واحدة مع "ج"، وحتى عند اقتراح هذه الوسيلة عليهم نجد لديهم صعوبة في التعامل مع اتحادات متعددة بطريقة منتظمة، وعموما فإن الصغار في مستوى العمليات الإجرائية الصورية يمكنهم تفهم أن سائلين أو ثلاثة سوائل يمكن أن تتحد في وقت واحد، فالعمليات الصورية إذن تمد الشخص بطرق للاكتشاف أو بناء الفروض بالإضافة إلى طرق لاختيار الفروض، إلا أننا نجد في فترة المراهقة أن كلا من طرق الاكتشاف وكذلك طرق التحقق أو الإثبات تصبح موحدة.
وجدير بالذكر فإن نتائج كل من انهلدر وبياجيه سابقة الذكر قد دعمت بنتائج دراسات أخرى، ففي دراسة طولية أجراها Neimark "1972" على أطفال ومراهقين في توقع الاتحادات أو التركيبات الممكنة لأربع أعمدة ملونة مختلفة أخذت "صفر"، "1"، "2"، "4". وعلى الرغم من أن معظم المراهقين تجاهلوا احتمالية "صفر" إلا أنهم تمكنوا من إدراك مجموعة ما لموضوعات غير المتصلة أو غير المستمرة عادة ما تكون أسهل.
(1/531)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ويوضح الرسم مسألة المواد الكيميائية اللونية وعديمة اللون، حيث توجد أربعة قارورات متشابهة تحتوي على سوائل عديمة الرائحة، وهي:
1- حامض كبريتي مخفف بالماء.
2- ماء.
3- مادة ممزوجة بالأكسجين.
4- سلوفات.
وتقدم للحالة كوبان أحدهما يتكون من سائلي القارورة 1 + 2. والكوب الأخرى تتكون من السائل رقم "2". وتلاحظ الحالة أن الفاحص يضيف عددا من نقاط سائل القارورة "ج" إلى كل من هذين الكوبين، والسائل الذي يتكون بالكوب 1 + 2 يصبح عندئذ أصفر اللون، ويطلب من الحالة أن تعيد إنتاج اللون مستخدمة كل القارورات الخمسة أو بعض منها.
(1/532)

اخلط قارورة رقم "4" + ج, وبعد ذلك 2 + ج، 1 + ج، 3 + ج، وأعطيت الحالة الأكواب مرة أخرى وأعاد تكرار خلط السوائل 1 + ج، 2 + ج ... إلخ، وأعطي له كوب آخر متسائلين هل يمكن أن يفعل شيء آخر، وخلط 1 + 4 + ج، وبعد ذلك 2 + 2 + ج، وعندما أشيرت على الحالة أن لديه أشياء أخرى يمكن تركيبها، وضعت الحالة السائل 1 + ج في الكوب، وفي محاولة أخرى لتركيب اللون وضع السائل 2 + 4 + ج وبعد ذلك أضاف إليهم السائل 3 وحاول مرة أخرى مع 4 + 2 + ج، الخمسة عشرة الاحتمالية الباقية كانت أن الأطفال الصغار وجد أن في إمكانهم إحداث التغير الأساسي في ترتيب الأشياء، وبالتالي يمكنهم تنظيم العناصر الهامة والعناصر غير الهامة. والحالات التي كانت في دراسة نيومارك، كانت في الصف الرابع وأمكنها إنتاج اتحادات وتبديلات خاصة في الترتيب، وفي الصف السادس وجد أن نصف الأطفال أمكنهم إنتاج اتحادات ولكن لم يحدث ذلك في تعديل أو تبديل ترتيبات الشيء.
الوعي بالتبديلات التصورية:
يبدو من المعقول أن نفترض أن الأطفال الصغار عند مستوى العمليات الإجرائية الصورية في التفكير يتصورون عالمهم بصورة مختلفة إلى حد ما عما نجده لدى أطفال العمليات ما قبل الإجرائية أو العيانية, الحسية، فأطفال ما قبل الإجرائية يميلون إلى رؤية الأشياء عن طريق سماتها الدالة مثل قولهم "الدراجة الهوائية لها عجلات"، والأطفال الذين يمرون بمستوى العمليات العيانية يميلون إلى أن يصوروا الأشياء عقلانيا عن طريق كيفية وظيفتها كقولهم مثلا "الدراجة للركوب"، وأخيرا يميل المراهقون إلى التفكير عن الأشياء بلغة المفاهيم العامة "الدراجة مركبة ذات عجلتين".
وجدير بالذكر فإن الإنسان عادة ما يميل إلى التفكير في المستوى الأقل وبالتالي فإننا لا نفكر دائما في المستوى الأعلى الذي يمكننا أن نصل إليه فالراشدون الذين يمكنهم التفكير بصورة تصورية غالبا ما نجدهم يفكرون بصورة إدراكية أو وظيفية، ويعجب كثير من الدارسين كيف أن الأطفال والمراهقين كذلك يغيرون بسهولة من نمط التصور المهيمن والسائد على تفكيرهم إلى طريقة أدنى في بعض الأحيان وإلى طريقة أعلى في أحايين أخرى، وعمليا فإن الأطفال الصغار قد يكونوا غير قادرين على التحور والتبدل إلى المستوى الأعلى لأن ذلك يتطلب قدرات لا يمتلكونها،
(1/533)

إلا أن الأطفال الأكبر والمراهقين يمكنهم التفكير بمستوى أقل من مستوياتهم.
وتشير نتائج دراسات Elkind؛ "1966" في دراسة تلك الظاهرة السابقة حيث استخدم مفهوم إنتاج الواجبات والذي يطلب فيه من الأطفال والمراهقين أن يفكروا ويتأملوا بعض الأفكار المرتبطة بصور أو بكلمات أو بأشياء مثل تفاحة حقيقية، صورة لتفاحة, كلمة تفاحة. وأشارت النتائج أن المراهقين كانوا أكثر قدرة على استدعاء أفكار أكثر كانت مرتبطة بالكلمات وكذلك للصور والأشياء الأخرى، ومع ذلك فقد وجد أن الأطفال قد إنتجوا مفاهيم أكبر تتصل بالصورة وبالأشياء أكثر من الكلمات, وعموما فإن كثيرا من الدراسات قد أثبتت ما افترض عن وعي المراهق بالتبديلات التوجيهية التصورية.
(1/534)

النمو الخلقي:
تشير نتائج دراسات كولبرج أن كثيرا من أوجه النمو الخلقي للفرد يحدث أثناء فترة المراهقة والشباب، ويستطرد أن أهم موضوعات ومسائل النمو الخلقي قد ألقي عليها الضوء مثل العلاقة بين النمو الخلقي والسلوك الفعلي وتأثير التدريب على التفكير الخلقي، والميكانزمات المتضمنة في الانتقال من مرحلة نمو خلقية إلى مرحلة أخرى.
وجدير بالذكر فإن هناك دراسات كلاسيكية توضح العلاقة بين التفكير الخلقي والسلوك أجراها كل من Hartshorne and May؛ "1928، 1930" حيث عرفت الأخلاقية على أنها مجموعة من السمات ذات القيمة التبجيلية كالأمانة والصدق والضبط الذاتي، كما توجد اتساقية ضعيفة بين الأنماط السلوكية الخلقية لدى الأطفال، فالطفل قد يكون أمينا في موقف معين إلا أنه لا يكون كذلك في موقف آخر، كما أن إدراك الطفل الصغير حقيقة الصواب لم يكن مرشدا أو موجها لسلوكه، كما أشارت النتائج إلى وجود علاقة ضعيفة أو عدم وجود علاقة بين انتماء الأطفال المدرسة الأحد أو الكنيسة وبين سلوكهم الأخلاقي.
وجليا فإن الأخلاقية عادة لا تكون محددة بأنماط سلوكية معينة، فمن وجهة النظر النمائية، فإن ما يحدد سلوك الشخص في أي موقف خلقي معين يتوقف على مدى تفهمه للموقف، ويعتمد ذلك على مستوى الفرد النمائي بالإضافة إلى اعتماده على طبيعة الموقف الذي يمر به الفرد, فتساؤل فرد ما لماذا يفعل ذلك؟ يعتبر ذلك بمثابة ضرب جوهري وحاسم للتقييم الخلقي للفعل، كما أنه من الضروري عندما نضع مستوى الشخص الخلقي في الاعتبار فإننا بالتالي يمكن أن نجري تنبؤات معقولة عن أفعاله الخلقية وسنعود مرة أخرى للتحدث في النمو الخلقي للمراهق فيما بعد.
(1/534)

دلائل التفكير الإجرائي الصوري:
إن نتائج دراسات انهلدر وبياجيه عن التفكير الإجرائي الصوري Formal Operational قد أدى إلى عديد من الدراسات، كما وسع من تفهمنا لكيفية تفكير المراهقين, إلا أنه في نفس الوقت كان عاملا لكثير من التساؤلات مثل: ما علاقة هذا النمط من التفكير بالعمليات المعرفية الأخرى؟ وهل من الممكن أن يتأثر هذا النمط من التفكير بالتدريب؟ وكيف يصل الشخص إلى هذه المرحلة من التفكير؟ كثير من المشاكل والتساؤلات كان نتيجة كتابات انهلدر وبياجيه عن هذا التفكير الإجرائي الصوري، وسنتأمل سويا الإجابة عن بعض هذه التساؤلات سابقة الذكر.
عمومية العمليات الصورية:
أشرنا فيما سبق أن بعض المراهقين والراشدين الصغار لا يصلون إلى مرحلة العمليات الصورية أو أن هؤلاء ببساطة لا يطبقونها في مفاهيم الحجم؟ ويتضمن هذا التساؤل من الجانب المنهجي وجود ثمة اختبارات مقبولة عالميا يمكن بواسطتها قياس العمليات الصورية، ولكن لا توجد مثل هذه الاختيارات، كما أن الإخفاق في أداء اختبار معين قد يعني أن لا شخص إما أنه ليس لديه العمليات الصورية، أو قد يعني بأنه لم يطبقها لمفهوم معين.
ولقد أعاد بعض الباحثين تجارب بياجيه وانهلدر ووجدوا أن المراهقين لا ينجحون في الأعمار التي أشار إليها كل من بياجيه وانهلدر في أداء بعض من الاختبارات فمثلا أعاد Dale؛ "1970" تجربة الكيماويات
(1/535)

التي وصفت فيما سبق وأشارت النتائج إلى أن أقل من 75% للعمر 15 سنة التي اختبرت كانت ناجحة "في حين أشارت نتائج بياجيه وانهلدر أن أكثر من 75% من الشباب يمكنهم حل هذه المشكلة", كما أن تجربة البندول أشارت إلى نتائج مماثلة, فقد أشارت نتائج دراسة Jakson؛ "1965" أن أقل من 50% من أعمار ما بين 12 و15 سنة تمكنوا من حل التجربة بنجاح "في حين أشارت نتائج تجربة بياجيه وانهلدر أن أكثر من 75% من الحالات في نفس العمر الزمني السابق نجحوا في حل هذه المسألة.
وعموما، فعندما نقيم هذه النتائج، بالإضافة إلى الدراسات الأخرى في ثبات أو بقاء الحجم Volume، نجد بياجيه قدم ثلاثة تفسيرات ممكنة لهذه النتائج:
أ- أن بعض الأفراد ينمون بمعدلات أكثر انخفاضا عن الآخرين وبالتالي فإنهم لا يصلون للعمليات الصورية حتى منتصف أو نهاية فترة المراهقة.
ب- إن إحراز العمليات الصورية ليس عاما أو شاملا ولكنها تقدم أحد الطرق الاختبارية في توضيح القدرات العقلية التي تحدث وتظهر في فترة المراهقة.
ج- إن معظم الأشخاص يحرزون العمليات الصورية إلا أنهم يختلفون في جوانب المحتوى أو المضمون الذي يظهرون في ثناياه هذه العمليات، وعموما فمن الممكن أن يرجع إخفاق بعض الباحثين الكشف عن العمليات الصورية إلى الاختبارات المطبقة ولا يرجع إلى الحالات نفسها.
ومما هو جدير بالذكر فإن الأطفال المتخلفون عقليا "والذين تكون نسبة ذكائهم أقل من 75" لا يصلون أبدا إلى العمليات الصورية Inhelder؛ "1976"، وعلى ذلك فإنها ترتبط بالذكاء وبالنضج وتتصف بالتركيب والتعقيد، وبالتالي فإن العمر الزمني وحده ليس كاف للوصول إلى العمليات الصورية.
(1/536)

الاتساق الفردي في التفكير الإجرائي الصوري:
يفترض أن الشخص الذي يظهر نمط التفكير الإجرائي الصوري في أحد الجوانب قد يظهره في جوانب أخرى، ولكن لا نجد هذه الحالة بالضرورة، فبمجرد أن يحرز الشخص العمليات الصوتية، فإنه لا يستطيع أن يطبقها بصورة فورية أو أوتوماتيكية على جميع الجوانب التصورية الأخرى، فإن ذلك يستأهل وقتا لتعلم تطبيقها "على قائمة الطعام بالمطعم في المثال السابق، وكذلك في تجارب الكيمياء التي أشير إليها".
ويمكن بواسطة التحليل العاملي باعتباره أحد الطرق التي يحدد بها مدى العمليات الصورية لشخص ما، ففي هذه الوسيلة يطبق على مجموعة من الحالات كثيرا من الاختبارات وتحلل النتائج لكي نرى إن كان يوجد عديد من الأبعاد العامة، فمثلا فإن الاختبارات المتنوعة التي استعملها كل من بياجيه وانهلدر لقياس العمليات الصورية، فهل هي حقيقة يمكنها ذلك؟ وتشير دراسات Bart؛ "1971" أن كثيرا من الباحثين طبقوا وسيلة التحليل العاملي لبطاريات مهام أو واجبات العمليات الحسية والصورية، وبصورة عامة وجدوا عمليات منطقية أو واجبات العمليات الحسية والصورة، وبصورة عامة وجدوا عملية منطقية اعتبروها عاملا منطقية اعتبروها عاملا عاما "شاملا" يتضمن مهام وواجبات بياجيه المتنوعة، وعلى الرغم من أن مهام بياجيه تقيس القدرات المنطقية المقارنة، إلا أننا قد نجد من أن مهام بياجيه تقيس القدرات المنطقية المقارنة، إلا أننا قد نجد شخصا واحدا لا يؤدي بصورة متساوية في جميع هذه المهام أو الواجبات.
تأثير التدريب على التفكير الإجرائي الصوري:
إلى أي مدى يمكن أن تعزز العمليات الصورية بواسطة التدريب؟ وأحد الطرق في الإجابة على هذا التساؤل تتمركز في أن تختار الجماعات ذات خلفيات تجريبية مختلفة، بمعنى أن يأخذ الباحث جماعات تتنوع في كمية التعليم الشكل "الرسمي" وأن يقارن أداؤها في مهام وواجبات العمليات الصورية الإجرائية, وبصورة عامة فإن الاختلافات الكبيرة في طريق التدريس تؤدي إلى وجود هذه الفروق، حيث وجد أنه كلما تلقت الحالات كما تعليميا أكبر "ثانوي أو جامعي" كلما كانت أكثر ميلا إلى التعبير عن العمليات الصورية Graves؛ "1972", Papalia؛ "1972", Goodnow؛ "1969", وبطبيعة الحال فإن مستوى الفرد التعليمي يرتبط كذلك بالذكاء، والعلاقة التي توجد بين كمية التعليم والعمليات الصورية يعني ذلك أن الأطفال والمراهقين الأذكياء عادة ما يكونون أميل إلى تحقيق العمليات الصورية عن الأطفال والمراهقين الأقل ذكاء.
(1/537)

وتشير دراسات Neimark؛ "1975" عن تعليم الأطفال والمراهقين التفكير بالمستوى الإجرائي الصوري، أن التدريس أو تعليم العلوم العلمية قد لا يفيد كثيرا في تعلم هذا النمط من التفكير، حيث حاول بعض الباحثين تدريب بعض الحالات على مقاييس بياجيه, وأشارت النتائج إلى أنه على الرغم من أن بعض الأطفال والمراهقين قد أظهروا تحسنا ملحوظا في مهام وواجبات نوعية معينة، إلا أن آخرين لم يظهر لديهم ذلك، كما أن الحالات التي كانت تتصف بالاسترخاء Reflective أظهرت أداء أفضل في هذه العمليات الصورية أكثر من الحالات التي كانت مدفوعة Impulsive وقد يعزى ذلك إلى أن العمليات الصورية تعمل على تحرير الحالات من ضغوط المثيرات البيئية وعلى أي حال فإن هذه العمليات الصورية ترتبط بجوانب أخرى للوظيفة العقلية ومتضمنة النمط المعرفي.
النتائج الوجدانية للتفكير الإجرائي الصوري:
حتى هذه النقطة فإننا قد ناقشنا النمو المعرفي كما لو أنه غير مرتبط بانفعالات المراهقين ومع ذلك فإن الانفعالات النموذجية للمراهقين يمكن فقط أن تفهم فهما كاملا داخل مضمون أو محتوى التفكير الإجرائي الصوري، ويرجع ذلك إلى أن هذا النمط يسمح للشخص الصغير إلى دخول أو اقتحام عالم الأفكار المثالية، النظريات، والاحتمالات، وتشير إلى مدى قدرة المراهقين على المقارنة بين الممكن والواقعي في كثير من الجوانب الحياتية التي يتضمنها جزئيا على الأقل عدم الرضا أو عدم الإشباع والتي غالبا ما تحيط بهؤلاء الصغار وتحاصرهم في بعض الأحيان.
(1/538)

رابعا: هوية المراهق وقيمه الخلقية
عادة ما نجد الأطفال يحيون هنا والآن، ويهتمون بالعالم كما يجدونه ويتعلمون كيفية التفاعل مع هذا العالم المحيط بهم، إلا أننا نجد المراهقين عادة ما يكونون قادرين على فهم وإدراك الأشياء ليس فقط كما تكون عليه، ولكن بالإضافة كما يجب أن تكون عليه سواء في المنزل أو المدرسة أو في عالمهم الفسيح، بالإضافة مع أنفسهم, وعموما فإن إدراك التناقضات بين الواقع والمثالية عادة ما يغذي عدم الرضا عند المراهقين, ففي مرحلة المراهقة بالذات نجد بعض المراهقين يشعرون بالإكراه على البحث عن الآباء الحقيقيين، والأطفال الذين يشعرون بالإشباع والسعادة
(1/538)

فيما مضى، والبهجة والجرأة هذا من جانب والأطفال المضطربين من جانب آخر، أو ذوي نقص معين غالبا ما نجدهم في مراهقتهم يخبرون هذا الاكتئاب أو الانشراح الأول الذي صادفهم في حياتهم المبكرة.
كما أن إدراك المراهقين بالتناقض بين المثال والواقع غالبا ما يجعلهم متمردين, عاصين, فقد يجد المراهقون المواقف المثالية مرغوب فيها بصورة عالية ومن جانب آخر يجدون موقفهم الواقعي غير محتمل، ومع ذلك فغننا نلاحظ أن كثيرًا من أنماط تمردهم أو ثورتهم غالبًا ما يكون في صورة لفظية، إذ قد نجدهم يصادقون لفظيا على العوامل الإنسانية إلا أنهم يفعلون القليل لإنجازها وتحقيقها, كما أن عدم رضائهم الشديد عن أبويهم عادة لا يؤدي إلى انفصالهم عن أسرهم أو يذهبوا بعيدا وفقا لرغباتهم، وبسبب وجود هذا التناقض بين قدرة المراهق على تصور المثل وبين درايتهم بكيفية تحقيقها أو إنجازها بالفعل فإننا عادة ما نجدهم يتسمون بالعناد الشديد، والكذب والمراوغة في مطالبهم, وجديد بالذكر فعند نهاية فترة المراهقة وعندما تكون مثلهم مرتبطة بأفعال مناسبة فقد نجدهم أكثر تسامحا واحتمالا للمجتمع بصورة عامة ولآبائهم بصورة خاصة، أو قد يأخذون على عاتقهم القيام ببعض الأعمال لإنجاز وتحقيق مثلهم كالعمل في حركات التحرير أو العمل في مشروعات الخدمة العامة وهكذا.
المراهق والذات:
يشير بياجيه أن التفكير الإجرائي الصوري في مرحلة المراهقة يؤثر كذلك على اتجاهات المراهقين نحو ذواتهم, حيث يمرون بحالات استبطان ويقومون بعملية تحليل ونقد لذواتهم، وعادة ما يفعلون ذلك باتزان ورباطة جأش حيث يعتبرون التفكير الآن بمثابة شيء خاص وبالتالي لا يكون لزاما عليهم أن يتقاسموا أو يشتركوا في أنماط تفكيرهم مع الآخرين, كما نجدهم على نقيض الأطفال حيث يمكن أن يحتفظوا بالمواجهة "المظهر الكاذب" والذي يخبئ أحاسيسهم ومشاعرهم الحقيقية عن الآخرين.
واهتمام المراهقين الجديد هذا بذواتهم غالبا ما يعزى إلى تمركزهم العقلي حول ذواتهم Intellectual Egocentrism ويعني عدم القدرة على التمييز بوضوح بين ما يفكرون فيه وما يفكر الآخرين فيه, ففي المواقف
(1/539)

الاجتماعية نجد المراهقين الصغار عادة ما يشعرون كما لو أنهم في مرحلة مغايرة عن الآخرين، ويعتقدون أن كل الأفراد الآخرين يلاحظون ويقيمون أداءهم، وعلى ذلك فإن أنماط أفعالهم غالبا ما تكون على مستوى المستمع الخيالي Imaginary Aduience وهذا الإحساس الذي ينتابهم قد يرجع إلى وعيهم بذواتهم التي يتصف بها صغار المراهقين، فعندما يقف المراهق الصغير أمام المرآة لساعات عادة ما يتصور كيف سيكون رد فعل المشاهدين إليها، وعندما يذهب المراهقون سويا ويشكلون جماعة فيما بينهم ينتاب كل منهم إحساس بأنه ممثل لنفسه حيث إن المشاهدين ينظرون إليهم فرادا وليسوا جماعات.
وتشير نتائج دراسة Elkind؛ "1967" أن النتيجة الطبيعية لهذه العلمية "المشاهد المتخيل" والتي يمكن أن تسمى بالأخلاق أو التلفيق الشخصي personal Fable حيث نجد المراهق دائما ما يشعر بأنه مركز انتباه الآخرين، ونجده يشعر بحب شخص خاص جدا, والمراهق الصغير عادة ما يشعر أن خبراته متفردة، كما أن أي شخص لم يخبر أحاسيس ومشاعر متساوية لما خبره هو, فقد نستمع إلى قول أحدهم مثلا "إنك لا تعرف كيف يكون شعور المرء عندما يكون في حالة حب" أو "أنك لا تعرف كيف أمقت هذا الشيء"، ما هي إلا تعبيرات نموذجية لاختلافات أو تلفيقات المراهق الشخصية, كما نجدهم في هذه المرحلة يعتقدون أن الأفراد الآخرين يكبرون ثم يموتون، إلا أن ذلك لن يحدث بالنسبة لهم، ويمكن أن يؤدي بهم شعورهم هذا إلى متاعب كثيرة، فالمراهق قد يشعر أنه لن يصبح مدخنا أو مدمنا إلا أنه يكتشف بأنه ليس حصينا أو ذا مناعة كما كان يعتقد.
وتوجد عدة نتائج لتمركز الذات عند المراهقين يمكن إيجازها فيما يلي:
1- قد تعزى عملية التمركز جزئيا إلى قوة وسلطة جماعة الرفاق، فعادة ما نجد المراهقين يهتمون للغاية باستجابات الآخرين عن ذواتهم خاصة جماعة رفاقهم لدرجة أننا قد نجدهم يفعلون أشياء كثيرة والتي تتناقض مع تنشئتهم السابقة، وتتعارض مع ميولهم الخاصة العزيزة لديهم.
(1/540)

2- كما أن أحاسيس ومشاعر المراهقين بأنهم في مرحلة نمائية معينة قد يساعدنا على تفسير بعض من مناوراتهم ودهائهم لجذب الانتباه إليهم، فعادة ما نرى في هذه المرحلة أنماط سلوك ونماذج ملابس غريبة وشاذة.
3- ونتيجة أخرى لتمركز الذات لدى المراهقين، فإننا عادة ما نلاحظ أن علاقات المراهقين التفاعلية الشخصية غالبا ما تكون ضحلة قليلة العمق وذات أمد قصير, كما أن نموذج ولع المراهقين غالبا ما يعزى إلى رغبة المراهق إلى عمل أي شخص كمثال له، والحقيقة التي يعزى إليها عدم دوام واستمرار النماذج التي تتخذ كمثال للمراهق إلى إدراكه بأنه لا يوجد كائن آدمي يعتبر كمثال حقيقي ولكننا نجده في فترة لاحقة يسعى إلى تكوين افتتان أو ولع جديد، وغالبا ما تبني الصداقة في هذه المرحلة وفقا للميول الذاتية أكثر مما تبنى على أساس الميول المتبادلة والاهتمامات المشتركة، فالفتاة الجميلة قد تصادق فتاة أخرى أقل منها جمالا وهنداما حتى تبرز عليها بالمغايرة كما أن الفتاة عادية الجمال قد تكون سعيدة مبتهجة بارتباطها بصداقة فتاة لافتة جذابة.
وجدير بالذكر فعادة ما نجد في اتجاه نهاية فترة المراهقة الاخفاض التدريجي لهذا النمط من استخدام أو استغلال سمة التمركز حول الذات، فالمراهق يأتي إلى التحقيق إلى أن الأفراد الآخرين يفكرون عن ذواتهم ومشكلاتهم الخاصة أكثر مما يفكر فيه أو يفعله بنفسه، ومع انخفاض تمركز الذات عند المراهق يوجد تجديد للتفردية، بالإضافة إلى وجود حرية جديدة من الاتساقية لجماعة الرفاق حيث نجد العلاقات البيشخصية "التفاعلية الشخصية" تصبح مبنية على الميول المشتركة المتبادلة أكثر من الميول الذاتية والاختلاق أو التلفيق الشخصي حيث يدرك المراهق أن زملاءه وأصدقاءه يتقاسمون، ويشتركون معه في أحاسيس ومشاعر متشابهة وأيضا في تخيلات مشتركة، كما نجد المراهق عادة ما يصبح أكثر استرضاء للمجتمع أو استمالة إليه ولأسرته كذلك، وعادة ما يحدث ذلك بإنجاز بعض أنواع الأعمال الإنتاجية "الواقعية" والتي تكون بمثابة الجسر الذي يبنيه بين المثال والواقع، فالعمل المنتج يوحد الأفكار والأفعال ويمكن المراهق من النظر إلى المستقبل بدون يأس أو قنوط للحاضر, كما أنه تعتبر علامة انتقال من فترة المراهقة إلى فترة الرشد أي من الانعزال الشخصي إلى التكامل الاجتماعي كما أشار بذلك آريك أريكسون.
(1/541)

الهوية والقيم والاغتراب:
إن الطلب الرئيسي لفترة المراهقة يتمركز في إيجاد إجابة عملية للسؤال التالي، من أنا؟ أو من أكون؟ who Am I? وعلى الرغم من أن الجنس البشري قد شغل بالإجابة عن هذا التساؤل في عديد من القرون، إلا أنه فقط منذ سنوات قليلة قد أصبح محط اهتمام وتركيز علماء النفس والتحليل النفسي، بالمراهق الذي لديه إحساس قوي وحقيقي عن هوية الأنا يرى نفسه كفرد متفرد مستقل، والحقيقة فإن كلمة فرد Individual كمرادف لكلمة شخص person تتضمن الحاجة إلى أن يدرك الفرد نفسه كشيء منفصل ومتفرد عن الآخرين، بغض النظر إلى أي مدى يشترك فيه مع الآخرين في دوافعهم وقيمهم واهتماماتهم، وكذلك الحاجة إلى الإحساس باتساق الذات الذي يؤدي إلى الشعور بالتكامل، وترتبط بصورة وثيقة بالحاجة لرؤية الفرد لنفسه كشيء مميز عن الآخرين, وعموما فعندما نتحدث عن تكامل الذات فإننا نشير إلى كلا من التميز أو التفرد عن الآخرين ووحدة الذات في ثمة تكامل عملي لحاجات ودوافع وأنماط الاستجابة لفرد ما, ولكي نصل إلى معنى واضح لهوية الأنا، فمن الضروري أن يدرك الفرد ذاته على أنها تتميز بالاتساق بمرور الزمن, فالفرد يحتاج إلى أن يكون على دراية بالاتساق الذي يربط بين ما كان بالأمس وما هو موجود اليوم.
والفرد لكي يخبر التكاملية يجب أن يشعر بالاستمرارية المضطردة بين ما كان عليه أثناء فترة طفولته الطويلة وما سيكون عليه في المستقبل المتوقع، ويتضمن ذلك التساوق بين ما يدرك حقيقة ذاته وبين الطريقة التي يدركه بها الآخرون وما يتوقعونه منه، فإن أي تأثيرات نمائية يمكن أن تسهم في الإدراكات الواعية الواثقة بالنفس كشيء مميز ومنفصل عن الآخرين وكشيء متسق ومتكامل بصورة معقولة، وكشيء له استمرارية بمرور الوقت, كل ذلك يسهم بصورة كبيرة للمعنى الشامل لهوية الأنا, وبنفس الدليل فإن التأثيرات التي قد تعوق أيا من تلك الإدراكات الذاتية، تدعم ما أشار إليه أريكسون بانتشار الهوية Identity diffusion أو ما يفضل أريكسون استخدامه بتشتت الهوية، حيث يعني فشل الفرد في تحقيق التكامل والاستمرارية لصورة الذات.
وقد تتباين المجتمعات في تحقيق الهوية والشعور بالقيمة للمراهق أو الشاب، فتؤكد البعض منها على نمو الفرد كفرد بدلا من كونه عضوا
(1/542)

في بعض الجماعات، وبالتالي تؤكد على الاعتماد على النفس والاستقلالية وفي مجتمعات أخرى يكون التركيز على تحقيق الهوية والشعور بالقيمة من خلال علاقات الصداقة الراسخة مع الآخرين ولكونه عضو في نظام اجتماعي راسخ.
مشكلات الهوية في فترة المراهقة:
يجد كثير من المراهقين أنفسهم يلعبون أدوارا تتغير وتتبدل من موقف لآخر، وقد ينتابهم القلق على "أي" من هذه المواقف يمثل ذواتهم بصورة حقيقية, كما يجربون بصورة واعية أدوارا مختلفة على أمل أن يجدوا واحدا من الأدوار ملائما ومناسبا لهم, ولقد سألت أحد المراهقين كان لديه أكثر من طريقة في الكتابة: لماذا لا تتخذ طريقة واحدة بدلا من تلك الطرق المتعددة؟ وكانت إجابته: كيف أكتب بطريقة واحدة فقط إلا عندما أعرف من أنا! وعموما فإن البحث عن الهوية يصبح جادا خاصة في هذه المرحلة من النمو، فالتغيرات التي تحدث أثناء سنوات الطفولة الوسطى, هي إلى حد كبير تدريجية ومنتظمة بدون تنقلات فجائية من يوم لآخر ومن شهر لآخر.
والمراهق عموما يواجه عدد كبير من التغيرات النفسية والجسمية والجنسية المتشابكة، ويواجه أيضا بمتطلبات عقلية واجتماعية ومهنية جديدة ومتنوعة, ومما لا يدعو للدهشة، فإن المراهقين يهتمون بالكيفية التي يظهرون بها في عيون الآخرين بالمقارنة إلى ما يعتقدونه في أنفسهم، ويهتمون كذلك بالتساؤل عن كيفية الربط بين الأدوار والمهارات التي شربت لهم مبكرا ومطالب المستقبل, وعموما فإن التوصل إلى معنى محدد لهوية الفرد يعتمد -إلى حد ما- على قدرة المراهق على تصور ذاته بصورة مجردة، فالقدرة على التفكير الصوري تساعد المراهق في بحثه عن "هويته" ولكنها في نفس الوقت تزيد من صعوبة ذلك البحث وتلك الأشكال المعرفية ليست في جوهرها متناقضة، ولكنها مكملة لحاجات المراهق لكي ينمي إحساسا بهويته؛ لأنه من خلال العلاقات الممكنة التي يمكن أن يتصورها المراهق نجده يعمل سلسلة من الاختبارات الدقيقة لتعهداته الشخصية، المهنية، الجنسية، والأيديولوجية.
(1/543)

التباين في تكوين الهوية:
كنا نناقش تكوين الهوية كما لو كانت موحدة بصورة نسبية، فإما أن ينجح المراهق في تكوينها أو يفشل، والحقيقة فإن الموضوع أكثر تعقيدا وتركيبا من ذلك, فأنماط تكوين الهوية قد تتباين بدرجة كبيرة بين مجموعة معينة من المراهقين، أو مجموعات من المراهقين، نتيجة لعديد من التأثيرات تتراوح من علاقات الوالدين بالطفل إلى الضغوط الثقافية، أو ضغوط الثقافات الفرعية بالإضافة إلى معدلات التغير الاجتماعي, ففي المجتمع البدائي حيث يوجد فقط عدد محدد من الأدوار الممكنة للمراهقين، وحيث أن التغير الاجتماعي الذي يحدث يكون طفيفا من جيل إلى آخر، فإن تكوين الهوية قد يكون مهمة سهلة نسبيا يمكن إنجازها بسرعة، وعلى النقيض من ذلك ما يحدث في المجتمعات المتقدمة سريعة التغير، حيث يوجد عديد من الاختيارات والفرص حينئذ قد يكون تكوين الهوية مهمة عسيرة وطويلة، وحتى داخل نطاق مجتمع معين فإن الهويات قد تكون متماثلة أو متغايرة، فالفرد قد يبحث عن الأدوار الشخصية والاجتماعية والمهنية التي من المتوقع أن تدعم بواسطة المجتمع,
والبحث عن الهوية قد يحدث ويتبلور في فترة مبكرة أو يمتد إلى ما لا نهاية، ولقد عبر أريكسون عن ذلك بقوله: إن بلورة الهوية عبارة عن تعطيل في عملية تكوين الهوية، فإنها تثبت غير ناضج لصورة الذات عند فرد ما، ولهذا فإنها تتداخل مع نمو قدرات وإمكانات أخرى لتحديد مفهوم الذات لدى الفرد، وبالتالي نجد الفرد لا يظهر كل ما يستطيع أن يكون عليه، فالمراهقون الذين يواجهون بعدد كبير جدا من الاختيارات يمرون خلال فترة طويلة باختلاط أو تشوش هويتهم عندما لا يستطيعون أن يقرروا من هم؟ وماذا يريدون أن يكونوا عليه؟
وفي بعض الحالات، نجد أن مشكلة تحديد الهوية تحل إلى حد كبير عن طريق عدد من المحاولات والخطأ، وقد ينتج أحيانا هوية ليست محددة بوضوح واتساق وتتسم بالكلية فقط ولكنها أيضا تتسم بالجدية والغنى والتنوع في مصادرها, وفي بعض حالات أخرى نجد الفرد لا ينمي إحساس محدد واضح لهوية الأنا، وبالتالي تظهر لديه أزمة مرضية طويلة للهوية، ولا يحقق أي ولاءات أو ارتباطات متناسقة, وتدعم الدراسات ذلك, إذ تشير أن كثيرا من المراهقين والشباب الذين يعانون من انتشار أو خلط لهويتهم، عادة ما يكونون غير راضين عن طريقة آبائهم
(1/544)

في الحياة، كما أننا لا نجد واحدا منهم يستطيع أن يكون إيجابيا في تكوين حياة خاصة به.
وعموما فإن هذه التباينات في تكوين الهوية قد تظهر بين كثير من المراهقين في عصرنا الحديث، والرأي العام الشائع يشير إلى أن فترة الخلط والتشوش الحادة في التعرف على الهوية تتميز باضطرابات وتغييرات انفعالية مفاجئة، وهذا ما يميز هذه الفترة العصبية أو الحادة لتشوش الهوية وبالتالي تعوق التعرف على الذات, وجدير بالذكر فإن الدلائل المادية ونتائج الدراسات تشير إلى أننا نميل إلى المبالغة في ترديد مدى خطورة أزمة الهوية بين الشباب.
علاقات الوالد بالمراهق وتكوين الهوية:
إن بناء مفهوم ثابت للهوية قد يصبح ميسورا وسهلا بواسطة عدد من العوامل أو العناصر، إن العلاقة المكافئة بين الطفل أو المراهق وكل من الأبوين، فالأب من نفس الجنس الذي يقدم نموذجا شخصيا واجتماعيا مؤثرا, والذي يجده الطفل أو المراهق مكافئ للهوية، والأب من الجنس المخالف الذي يكون مؤثرا ويظهر تأييده للنموذج المقدم عن طريق الأب من نفس الجنس، فإن الشاب أو المراهق الذي ينشأ في مثل هذه البيئة عادة ما يكون لديه إدراك إيجابي ومحدد لذاته، ويكون أقل ميلا في أن يواجه صراعات في إدراك ذاته والمتطلبات الداخلية للاقتراب من النضج الجنسي والمتطلبات الخارجية للمجتمع.
وتشير الدراسات النفسية أن المراهقين الذين أعطوهم آباؤهم الرعاية الكافية، يدركون أنفسهم بأن لديهم أدوارا متسقة بصورة كبيرة إذا ما قورنوا بهؤلاء المراهقين الذين لم يعطوا الرعاية الكافية من قبل والديهم, حيث يرون أنفسهم كأنهم يستجيبون بطرق متشابهة مع والديهم وأصدقائهم ومعارفهم, كما أن شعور المراهق بهوية الأنا قد يكون قويا عندما يكون سلوك كل من الوالدين تجاهه متسقا، وعندما ينظر إلى الأب على أنه قوي ولكن يتسم بالود والمحبة، ويمارس ضبطا معتدلا، وعندما تدعم الأم عملية تقمص الابن لأبيه، كما أن تجنب الأم أن تكون من النوع المتطفل أو الملح في طلب الأشياء يدعم هذه العملية عند الأبناء، وقد أشارت الدراسات كذلك أن مركز هوية الأنا، والتغيرات في المكانة أو المركز تتغير وتتنوع بالصورة التي يتم فيها الاستقلال عن الأسرة، وكذلك درجة تركيب وتعقيد المستوى الثقافي والاجتماعي العام.
(1/545)

نموذج الجنس والهوية الجنسية:
إن السلوك الملائم للذكور والإناث لا يحتاج إلى التطابق الصارم لمقولبات وأدوار الجنس التقليدية التي لا تتغير، كما أن الهوية الجنسية لفرد ما والتي تمثل في التقبل الانفعالي لطبيعة الفرد البيولوجية كذكر أو أنثى تبدأ في فترة مبكرة من الحياة، وتعتبر مكونا هاما في إدراك الفرد لهويته الشخصية, وتناقضات الهوية الجنسية قد تخلق مشاكل جوهرية في نمو معنى محدد ومكافئ لهوية الأنا, ويجب أن نميز في هذا المقام بين الهوية الجنسية والتوجه الجنسي، فالأشخاص ذوو الجنسية المثلية سواء من الذكور أو الإناث ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ينتمون إلى نفس جنسهم البيولوجي، على الرغم من أن انجذابهم الجنسي موجه إلى حد كبير إلى أفراد من نفس جنسهم "وهذا بالطبع ليس هو الشأن مع هؤلاء الأفراد الذين يريدون التحويل الجنسي الحقيقي، حيث ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أعضاء من الجنس المناقض لجنسهم، إلا أنهم لسوء حظهم صبوا في قالب جسمي غير مناسب لهم.
وعموما، فإن الهوية الجنسية الموجبة -كالهوية الكلية- تدعم عن طريق تقديم نموذج للتقمص من الأب من نفس الجنس، ويدعم هذا التقمص من الأب من الجنس الآخر، إلا أننا يجب أن نؤكد هنا أن التطابق مع الأب من نفس الجنس، ونموذج دور جنس هذا الأب لا يعني بالضرورة تبني أدوار جنسية تقليدية ثابتة، والنمو النسبي لصراع الهوية الجنسية الحر "كما ميزت عن الأدوار الجنسية التقليدية"، فإن الأشكال الخارجية التي يتخذها سلوك الدور أقل أهمية إذا ما قورنت بنوع التقمص الأبوي الذي يبنى على أساسه، وعلاوة على ذلك فإن سلوك الدور يمكن أن يتنوع بصورة كبيرة طالما كان مشتقا من الطبيعة البيولوجية كذكر أو أنثى، فالمراهقة التي تتطابق مع أم تقليدية، والفتاة التي تتطابق مع أم تتسم بالتوكيدية لذاتها والعقلانية بدرجة كبيرة قد يحققان صراعا حرا "أي صراعا سويا" Free Conflict نسبيا في عملية التوافق وإحساسا قويا بهوية الأنا، ومن ناحية أخرى فإن الفتاة التي تبني دور سلوكها الجنسي على أم نابذة رافضة لهويتها البيولوجية الحقيقية "مثلا ترفض طبيعتها الجنسية، أو قدرتها على حمل الأطفال، أو التي تتسم بالعدوانية لأعضاء جنسها أو الجنس المخالف لها" قد تجد صعوبة في بناء مفهوم ثابت وآمن لهوية الأنا.
وتشير نتائج الدراسات في هذا المجال إلى الأهمية الأولية للنمو داخل
(1/546)

أسرة متفاعلة حانية وحسنة التكيف النفسي، حيث يقدم كل من الأبوين نماذج لمستويات القيم الأساسية، حيث يقدم الأب من نفس الجنس شكلا مكافئا للتطابق, ففي هذا الجو -حتى وإن كانت أدوار الجنس الأبوية تقليدية إلى حد ما- نجد الأطفال والمراهقين لا ينمون أنماطا واتجاهات لأدوار الجنس مبالغ فيها أو نكوصية، ولا ينمون نقائض لدور الجنس، مجسما للأشكال الأكثر سلبية وغير المناسبة للنماذج التقليدية من الجنس الآخر, وعموما فإن هذا الجو العائلي الصحي، عادة ما نجد الذكور والإناث لأبوين يتسمان بالمرونة، والنمطية أو الصرامة الأقل لأدوار جنسهم, يتسمون بالأمن وأقل اضطرابا في نمو هويتهم الشخصية.
جملة القول فإننا يجب أن ننمي لدى المراهق الميل للتوكيدية والاعتماد على نفسه والاعتداد بذاته ويجب أن يكون المراهق قادرا على أن يرتبط بأناس آخرين، وأن يكون حساسا لحاجاتهم وأن يكون مهتما بمساعدتهم بالإضافة إلى تقبل المراهق للمساندة العاطفية، وبالتالي فإن الهدف النهائي لأي عملية تنشئة أسرية يجب أن تسمح للمراهق أن ينمي ذاته ويحققها وبالتالي ينمي مواهبه كإنسان وذلك بالاتساق مع حقوق الآخرين.
نمو الأخلاق والقيم:
فترة المراهقة -أكثر من أي فترة أخرى في حياة الإنسان- تركز الاهتمام على الأخلاق والقيم والمعايير، كما أن قدرات المراهقين على التأمل والتفكير تدعم الوعي الكبير بالأسئلة والاستفسارات المرتبطة بالقيم والأخلاق, ومن جانب آخر فإن المطالب التي تلقي عن طريق المجتمع على كاهل المراهق متغيرة بمعدل كبير، وهذا في حد ذاته يتطلب منه إعادة تقييم مستمر للقيم والمعتقدات الأخلاقية خاصة في عصرنا الحديث في مجتمع مليء بالضغوط المتصارعة المتناقضة، وقيم كقيمنا, وتحت هذه الظروف، فإن مشكلة تنمية شعور محدد قوي بالهوية لا يمكن فصله عن مشكلة القيم، فإذا أردنا للمراهقين أن يحققوا بعضا من الثبات في تصورهم لذواتهم، وأن يتحلوا بالموجهات الداخلية للأفعال وسط عالم متغير، يجب بالتالي أن يكونوا مخلصين لبعض القيم الأساسية، على الرغم من أنهم قد يضطرون لاعتناق طريق جديدة لتحقيق هذه القيم لكي تواجه الأوضاع المتغيرة.
(1/547)

وكما أشار إريسكون Erikson، أنه بدون تنمية القدرة على الإخلاص، فإن الفرد إما أن يكون لديه، "أنا ضعيفة Weak Ego وإما أن يرتبط في أحضان مجموعة منحرفة معلنا إخلاصه وولائه لها.
النضج المعرفي والنمو الخلقي:
يصبح التفكير الأخلاقي التقليدي بارزا في فترة المراهقة، وذلك كلما اقترب من مرحلة العمليات الصورية، ويعني ذلك التوجه إلى خصائص المراهق الطيب، ويدرك المراهق أن السلوك القويم "الحسن" هو الذي يرضي الآخرين ويدعم بواسطتهم، وبالتالي نجده يسعى لكي يكون لطيفا مهذبا مع الآخرين حتى يحظى بالتقبل منهم، وقد يتسع هذا الاتجاه ليشتمل التكيف نحو السلطة والمبادئ الثابتة، وتدعيم النظام الاجتماعي، فالسلوك القويم يتكون من عمل الواجب، وإظهار الاحترام للسلطة، والحفاظ على النظام الاجتماعي لذاته، وبالتالي فإن اهتمام المراهق في هذه المرحلة لا يكون منصبا على كيفية الاتساق والتوافق مع النظام الاجتماعي, ولكن أيضا يتسع إلى كيفية الحافظ وتدعيم وتبرير قيام هذا النظام، وعموما فإننا نجد مع بداية مرحلة المراهقة، ونمو التفكير الإجرائي الصوري يميل المراهق إلى الوصول إلى مراحل ما بعد المرحلة التقليدية للنمو الخلقي، والتي تتسم بدفعة قوية نحو المبادئ الأخلاقية المجردة التي يمكن أن تطبق في كل زمان وكل مكان، وليست مقصورة على مجموعة اجتماعية معينة.
وقد يكون المراهق -عند هذه النقطة- غير قادر على تبني وجهات النظر بدون توجيه استفسارات عن المعتقدات الاجتماعية أو السياسية لوالديه، مع الاعتقاد بالتفرد لشعوره بأن أبوابه لديهما معتقدات خاصة ويعتقد المراهقون بأن كل الأشخاص الذين يفكرون بطريقة صحيحة يجب عليهم بالضرورة أن يشاركوهم معتقداتهم أي معتقدات آبائهم، كما أنهم "المراهقون" يفكرون في السلوك الأخلاقي في ارتباطه بالحقوق العامة والمعايير التي اتفق عليها ورسخت في المجتمع, وينشأ عند المراهق أيضا مبدأ جديد هو نسبية القيم والآراء الشخصية والتأكيد المتسق على القواعد الإجرائية للتوصل إلى الاتفاق الجمعي في الرأي.
وكلما تقدم المراهق في مدارج النمو، كلما ازداد توجهه نحو الاهتمامات الداخلية وازداد بالتالي ضمير الفرد، فقد يصبح أقل توجها نحو الآخرين، وأكثر توجها نحو الداخل، إلا أنه ما يزال مفتقدا للمبادئ.
(1/548)

العقلية أو العامة الواضحة, وبينما نجد العديد من المراهقين لا يتعدون نطاق هذه المرحلة إلا أن البعض قد يستمر في التقدم لتحقيق ما رآه كولبرج Kohloberg على أنه أعلى مرحلة للتفكير الأخلاقي، والتي نجد فيها الفرد يبذل جهدا لصياغة مبادئ أخلاقية مجردة تحتكم إلى القدرة المنطقية على الفهم والعمومية والاتساقية، فعلى سبيل المثال فقد يكون الاعتقاد في قدسية الحياة الإنسانية مبني على أساس أنها تمثل قيمة عامة لاحترام ذاتية الفرد، فإن مثل هذه المبادئ لا تبنى فقط على الاستحسان أو التصديق الاجتماعي ولكنها بالأحرى لا تبنى فقط على الاستحسان أو التصديق الاجتماعي ولكنها بالأحرى تعتمد على مدى اتساقية المعايير الخلقية الداخلية، والفرد ذو المبادئ يتطابق مع هذه المبادئ حتى يتجنب إدانة أو تجريم ذاته, فعندما نسأل المراهق، عما إذا كان يحق للزوج سرقة الدواء غالي الثمن ويباع في السوق السوداء من تاجر الأدوية المستغل، وذلك لكي ينفذ حياة زوجته, فقد يجيب المراهق ذو ستة عشر ربيع أن الزوج طبقا للقانون الوضعي قد فعل شيئا خاطئا ولكن طبقا لقانون الطبيعة أو القانون الديني فإن تاجر الأدوية خاطئ، والزوج معذور بما أقدم عليه، والحياة الإنسانية أسمى من الكسب المادي، فبغض النظر عن الإنسان الذي يشرف على الموت، وإن كان غريبا فإن واجب الإنسان أن ينقذه من الموت, وعموما فلقد أظهر الشباب فوق السادسة عشر تفكيرا واضحا يلتزم بالمبادئ الأخلاقية، وكانوا قادرين على التفكير الصوري، فالوصول إلى مرحلة ملائمة من القدرة على التفكير والتأمل تكون ضرورية، إلا أنها ليست شرطا كافيا للوصول إلى المرحلة الخلقية المثالية أو المتطابقة.
لقد كان تأكيدنا الرئيسي -حتى هذه المرحلة- على العوامل التي تجعل المراهق أكثر حساسية في تساؤلاته المرتبطة بالقيم الأخلاقية والتي تؤثر في صقله، وبالتالي يصبح قادرا على تصور وتفهم المشاكل الأخلاقية، إلا أنه يوجد جانب آخر لهذا النمو الواسع لموضوع القيم يتركز في الكيفية والطريقة التي ينعكس فيها التفهم المعرفي على السلوك، فالشخص قد يكون في استطاعته تصور وتفهم الموضوعات الأخلاقية المعقدة والمركبة، وأن يكون لديه المنهج أو الطريقة الأخلاقية الصحيحة التي سوف يسلك تبعا لها، ولكنه قد لا يستطيع أن يسلك بطريقة متسقة متناغمة مع هذا المنهج أو الطريقة، ففي إحدى الدراسات وجه سؤالا لبعض الأطفال والمراهقين مؤداه لماذا يجب على الناس اتباع القواعد؟ وبعد ذلك وجه إليهم سؤال، لماذا تتبع أنت المبادئ؟ ففي الإجابة على
(1/549)

السؤال الأخير أظهر معظم الأطفال والمراهقين تباينات في الإجابة على السؤال الأول عن السؤال الثاني، حيث أظهروا مستويات بداية خلقية على الرغم من أنهم قادرون من الناحية العقلية على تفهم الأسباب العليا المرتبطة بذلك، فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أن 3% فقط من المراهقين قالوا إن الناس يجب أن يتبعوا القواعد حتى يتجنبوا النتائج السالبة إلا أن 25% قالوا أنهم شخصيا سوف يفعلون ذلك "أي يتبعوا القواعد".
إن بعض المراهقين قد يظهروا درجة معقولة من التمسك بالمبادئ الأخلاقية حتى تحت ظروف الإكراه بالتهديد، بينما آخرون قد يستسلموا وبسرعة إلى الإغراء أو إلى ضغط الجماعة، كما أن البعض الآخر ينقاد خوفا من التهديد بالعقاب الخارجي بدلا من أن تتحكم فيه المعايير الداخلية, وبإيجاز فإن المعرفة وحدها وحتى المعلومات المركبة للمعايير الأخلاقية واستخدامها كموجهات قوية للسلوك بالرغم من الضغوط المتصارعة، يعتمد إلى حد كبير على طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء السابقة والحالية, فالآباء الذين يتسمون بالدفء والعاطفة يقدمون نماذج حسنة من السلوك الأخلاقي لأطفالهم، والتي تعتمد ممارساتهم النظامية أساسا على الاستقرار, فالمناقشة مع الطفل وتزويده بتوضيحات عن القواعد أو المعايير، يكونون أكثر احتمالا في أن يصبح أولادهم أكثر نضجا في نموهم الخلقي، كما يحدث لديهم استدخال للمعايير الأخلاقية الذاتية، إن مثل هؤلاء الآباء عادة ما يقدمون التوضيحات أو الأسباب في حالة سؤالهم الطفل أن يؤدي أنماطا معينة من السلوك كتوضيح الحقائق العملية لموقف معين، أو كيف يكون السلوك غير المناسب ضارا لكل من الطفل والآخرين، هؤلاء الآباء يمكنهم جعل طفلهم أكثر كفاحا وتوقا للوصول إلى النضج. إن الوالد المتفهم الحاني على الطفل لا يسهم فقط في تنمية التقمص الأبوي الإيجابي، ولكنه أيضا يساعد على تدعيم صورة الأب بأنه شخص محب وغير متسلط كما يزود هؤلاء الآباء أطفالهم بالمصادر المعرفية ليحكم الطفل على أنماط سلوكه، جملة القول أن الآباء ذوي السلطة الذين لا يتسمون بالاستبداد والفوضى والتساهل والإهمال يسهمون في النمو الخلقي والأحكام الخلقية عند أبنائهم.
(1/550)

المتطلبات الاجتماعية المتغيرة:
عادة ما نجد المراهقين على نقيض الأطفال الصغار، يجب أن يقوموا بعمل اختيارات هامة، ماذا يدرسون؟ وما نوع تلك الدراسة؟ وما نوع الشخص الذي يريدون مصادقته ... إلخ.
وجدير بالذكر فإن مثل هذه الاختيارات لا يمكن أن تؤدى منفصلة عن القيم الشخصية، فإذا كان المراهق قد حدث توجه أساسي له نحو مساعدة الآخرين، فقد يختار مجرى مختلفا عن مراهق آخر يركز على وضع قيمة أكبر على النجاح المادي أو الملموس، كما أن المراهق الذي يؤمن بالحرية والاستقلالية، يختلف اختياره عن مراهق آخر مهتم بصورة كبيرة بالأمن والأمان.
القيم الخلقية والصراعات النفسية الداخلية:
لا يمكن أن يؤخذ المراهقون المهتمون بالقيم بصورة دائمة لكي يمثلوا القرارات المنطقية العقلية التي توصلوا إليها، فغالبا ما يختار المراهقون القيم وفقا لأسباب داخلية، وقد يحدث كثيرا لأسباب لا شعورية, فقد يكون الانشغال بمشاكل الحرب والسلام الخلقية -على سبيل المثال- نابعا من اهتمامات عقلية لهذه الأمور الهامة, إلا أن هذه الاهتمامات قد تعكس أيضا الصراع بكونه قادرا على التعامل مع الدوافع العدوانية القوية والتي قد ترتبط وتكون مصاحبة لفترة المراهقة -خاصة لدى المراهقين الذكور- وبالقياس فإن الفتاة المراهقة قد تنمي فلسفة عقلية سامية "للحب الحر أو الطليق Free Love" أساسا كطريقة لإعادة تأكيد ذاتها في ألا تشعر بالذنب فيما يتعلق بحوافزها الجنسية, والصراعات مع الآباء حول القيم الأخلاقية والسياسية والمعتقدات قد تعكس الجهود المبذولة من قبل المراهق لتكوين هوية مستقلة أو التعبير عن السخط العميق تجاه الآباء المتسلطين غير المبالين, وأخيرا فإن الانشغال الزائد بالقيم والمعتقدات الأخلاقية والتي تميز الكثير من المراهقين، قد يكون لها جذور للنمو العقلي الممتد إلى المطالب الاجتماعية المتزايدة، والمتناقضة دائما، وكذلك في الاهتمامات والصراعات النفسية الداخلية غير الواعية.
النمو المعرفي والمعتقدات الدينية المتغيرة:
تعكس المعتقدات الدينية للمراهقين أيضا النمو المعرفي المتزايد، فقد تصبح تصبح معتقدات المراهق الدينية أكثر تجريدا وأقل مادية، فيما بين عمر 12 و18 سنة.
(1/551)

نمو الأفكار السياسية:
عادة ما يكون المراهق غير قادر على المناقشة والحوار السياسي المعقد، وغالبا ما يصمت في كثير من الموضوعات عندما لا يكون الصمت مستحبا، عندئذ فإن البساطة والبدائية تكون موضوعا للخيالات أو الأهواء, وبالتالي يكون غير قادر على الجدل والمناقشة في مجال الأفكار السياسية.
وبنهاية فترة المراهقة يحدث تغير فجائي بصورة ملحوظة، كما يمكن للراشدين أن يدركوا مدى التقدم الذي حدث في تفهم المراهق للعالم السياسي حيث يحدث في أثناء فترة المراهقة تحول ذو مغزى في اتجاه المراهق نحو التفكير السياسي المجرد، كما يحدث ازدياد في قدرة المراهق لتنمية أيديولوجية سياسية ذات تناسق معقول، فعلى سبيل المثال عندما نوجه للمراهق أسئلة حول الأفراد الخارجون على القانون نجد أغلب المراهقين يؤدون العقاب وإذا لم يجدي ذلك فإنهم يشيرون بالعقاب الأكثر، وعلى النقيض من ذلك قد نجد الشباب الأكبر سنا عادة ما يكونون أكثر اهتماما بحقوق الأفراد، ويفكرون في الحلول البديلة للعقاب كالإصلاح وإعادة التأهيل، كما يستفسرون أيضا عن مدى جدوى وعدالة القانون، أو العادات المنحرفة, ويميزوا بين السلوك العفوي والسلوك القصدي، ويشيرون إلى أن الأعمال غير القانونية قد تكون عرضا لجذور مشاكل أساسية، فقد يجيب طفل الثانية عشر على ثمة سؤال مؤداه ما الغرض والهدف من القوانين؟ بقوله: إذا لم يكن لدينا قوانين فإن الناس قد يقتل بعضهم البعض، وعلى نقيض من ذلك نجد شاب في السابعة عشر من عمره يجيب على نفس السؤال السابق بقوله: إن القوانين تعتبر الخطوط الرئيسية المرشدة للناس.
الاتجاهات الشائعة في قيم المراهقين:
إن الخطر الكبير الذي يكمن في مناقشة اتجاهات القيم والأنماط السلوكية للمراهقين في علاقاتها بالتغير الاجتماعي، هو ما يحدث لدينا من التعميم الزائد أو المفرط, ففي منتصف وأواخر الستينات سمعنا وقرأنا عما يسمى بالثورة في قيم المراهقين والشباب، والذي أطلق عليهم بالثقافة المضادة Conuter Culture حيث كانت قيمهم ومعتقداتهم وأنماط حياتهم مختلفة بصورة كبيرة عما لدى الكبار والراشدين، لدرجة أن حدثت هوة جيلية عميقة كانت حتمية وتطورت في نهاية الأمر.
(1/552)

وجدير بالذكر فإن السنوات العشر البادئة من أوائل الستينات قد أحدثت تغيرات هائلة في قيم وسلوك العديد من المراهقين والشباب في كثير من المجتمعات الأوروبية والعربية، وأصبحت بعض الأقليات من الشباب إلى حد كبير متحررين من وهم المجتمع والذين طالما نظروا إليه على أنه غير عادل قاس عنيف سطي وشديد النقد لهم وغير إنساني لدرجة بعيدة أو بالمعنى الواسع رأوه مجتمعا لا أخلاقيا, وبالتالي استجابوا لهذه المجموعة من الظروف بطرق متنوعة فالبعض جارى الهيبز في مسلكهم وبالتالي أصبحوا يتسمون بالانفصال الاجتماعي، بينما بذل آخرون جهودا مضنية لكي يبدءوا ويحدثوا أو يؤثروا في التغير الاجتماعي والتي أدت إلى الإسراع بالاضطرابات السياسية في تلك الحقبة.
ولقد أخطأ كثير من الملاحظين في هذه الفترة ليس فقط في الدقة اللازمة للتعرف على التغير الاجتماعي الكبير في القيم والمعتقدات والسلوك بين الشباب والمراهقين ولكن بالإضافة إلى ذلك تجاهل مدى تلك التغيرات. سواء من الناحية الكمية أو الكيفية لها وكذلك في المظاهر الفجائية لهذا التغيير.
الاغتراب:
بلغ مفهوم الاغتراب ذروته في الاستخدام الشائع أثناء الستينات، عندما استخدم لتفسير الأحداث سواء مظاهرات الطلبة وعمليات الشغب الداخلية، إلى التزايد في استخدام المخدرات والتوسع في حركات الهيبز التي حدثت في الدول الأوروبية وأمريكا. إن مصطلح الاغتراب قد يعني الكثير ويشير إلى أن شيئا ما خطأ قد حدث بالفعل ويشير إلى فقدان أو غياب العلاقة المرغوب فيها, وما لم نستطع تفسيره: كيف يغترب المراهقون والشباب ولماذا؟ وكيف تنمو ولاءات الفرد لمجتمعه وكيف تضعف؟ كيف يفقد الفرد هويته ولماذا؟ وكيف يحاول الفرد أن يتفاعل مع الاغتراب؟ إن لم نستطع الإجابة عن هذه التساؤلات السابقة، نكون قد بعدنا عن تفهم مراهقينا وشبابنا.
اغتراب الفقراء والأقليات:
إن الاغتراب لدى الأقلية والفقراء الذين يعانون من الحرمان الاقتصادي والتمييز العرقي نجده مفروض بواسطة المجتمع على هؤلاء الأفراد، فهؤلاء الشباب يمنعون عن طريق ميلادهم وبواسطة التمييز من
(1/553)

المشاركة في المجتمع، فالغالبية العظمى من هذه المجموعات Disadwantaged Groupes "كالسود والمكسيكيين والهنود الأمريكيين" ولدوا في ثقافة الفقر، وقد يكون هؤلاء الشباب مغتربين عن ثقافة وطنهم، وبالتالي ينمو لديهم عدم الثقة بذواتهم وعدم تقديرهم لذواتهم، وتكوين الهوية السلبية وبالتالي الاغتراب عن الذات.
الاغتراب بين الشباب صاحب الامتياز:
وعلى نقيض اغتراب الفقراء وضحايا التمييز السلالي أو العرقي، والذي يفرض من المجتمع نجد نوعا آخر من الاغتراب قد أصبح واضحا في السنوات الأخيرة وهو الاغتراب بين شباب الطبقة الوسطى والعليا في المجتمع وعموما توجد تباينات في مصادر اغتراب هؤلاء الشباب، فبالنسبة للبعض منهم نجد أن جذور اغترابهم قد اشتقت من أنواع خاصة من الخبرات النمائية مثل العلاقة المضطربة بين الأب والابن، والتي قد تسبب الاغتراب كثيرا، وبالنسبة للبعض الآخر نجد أن السمات الخاصة للمجتمع والصراعات لعبت دورا بارزا في ذلك، فأنماط الظلم أو اللاعدالة مثل الاضطهاد العنصري، والتمييز الاقتصادي انتهاء الحرية الشخصية والحرب, وقد يكون الاغتراب عميقا ومعوقا وقد يصل إلى رفض المجتمع ككل؛ لأن هؤلاء الشباب غالبا ما ينظرون إلى المجتمع بأنه مجتمع معادي خاصة بالنسبة لقيمهم الأكثر عمقا, كل ذلك يعني عدم الاعتراف بالمنافسة العنيفة القاسية، والإفراط في البحث عن المكانة، ولعب الدور على حساب الآخرين، واحترام السلطة التي بنيت على القوة بدلا من الأهلية أو الأخلاق, كما أن التقدم التكنولوجي والازدهار الاقتصادي الذي حدث في بعض المجتمعات قد طبقت بطريقة قاسية دون اهتمام بالتكاليف من حيث ارتباطها سواء بالجامعات الإنسانية أو نوعية البيئة, ولقد استجاب بعض الشباب بالاستمرار في العمل نحو التغيير في نطاق المجتمع، بينما ظل البعض متمسكا بالتغيير الكلي والجذري، بينما انسحب آخرون من المجتمع ككل، ويتضمن هذا الانسحاب أحيانا يأسا عميقا، لا مبالاة أو هزيمة بدون أي ارتباط بديل ليخفف من شعورهم بالاغتراب، ولقد عبر بعض الشباب عن ذلك بقوله: إن ما أفكر فيه لا يعتد به داخل المجتمع، إلا وأشعر بالإحباط بخصوص المستقبل، أنا أضيع وقتي، لا أذهب إلى أي مكان إلا وأشعر بعدم قدرتي على إنجاز الأشياء, وقد يتطرق البعض بقوله أن نظامنا الاجتماعي يجب أن يتبدل بالكامل، والبعض يعبر بأننا في مجتمع مريض، وأن الحياة التقليدية لا تطاق.
(1/554)

المراهقون والمخدرات:
انتشرت الحبوب المنشطة والمهدئة بين المراهقين في أوروبا وأمريكا في أواخر الستينات وبداية السبعينات، حيث كانت الوصفات الطبية مثل الفالويم Valium والليبروم Librium تستخدم على نطاق واسع كعلاج للتهيج أو الإثارة في هذه المجتمعات, كما عبر آباء هؤلاء المراهقين عن انزعاجهم بالنسبة للارتفاع السريع في استخدام المراهق الأوروبي والأمريكي لأنواع مختلفة من المخدرات خاصة المارجوانا Marijuana وحبوب الهلوسة، واستخدام هذه المخدرات والمنشطات ارتبطت بحركة الهيبز، وكان بعض المراهقين يرون أن في استخدامهم لهذه الأشياء يمثل تحديا مباشرا للقيم الرئيسية للمجتمع ويبعث ذلك إلى الضيق وعدم الارتياح لاغتراب جزء هام من شباب المجتمع, كما انتشر الهيروين والكوكايين والكودايين وما شابه ذلك من العقاقير المخدرة.
إن هؤلاء المراهقين الذين يتعاطون هذه العقاقير عادة ما يكونون قلقون اجتماعيا ومضطربون نفسيا، وتشير نتائج الدراسات أن الاستخدام المفرط لهذه العقاقير ناتج عن الاضطراب النفسي والاجتماعي أكثر من كونه سببا لها, وقد يبرر البعض تعاطيه هذه العقاقير لكي يهرب من متاعب الحياة ومشاكلها، إلا أن التوافق الناتج عن ذلك عادة ما يكون معوقا مضطربا لأن هذه العقاقير لا يعلم متعاطيها مدى تأثيرها الضار ولا يدري كيفية التعامل مع الإحباط والمشاكل اليومية الناتجة عن تعاطيها.
ولقد تبين في مسح أمريكي "1977" أن المراهقين الأمريكيين الذين يتراوح أعمارهم ما بين 12 و 18 سئلوا لماذا يستخدم الشباب الكحول والمخدرات، وكانت استجاباتهم التي اتسمت بتكرارية هي "أثر ضغوط جماعة الرفاق، التطابق مع جماعة الرفاق 29% الهروب من ضغوط الحياة والمجتمع 26%، قضاء وقت سعيد للشعور بالنشوة ومن أجل الطرب 15% وبسبب المشكلات المنزلية مع العائلة 11% ليكون هادئ غير انفعالي 10%، ولأسباب أخرى مثل تقليد الكبار والسأم والتمرد واللامبالاة من قبل الوالدين.
وعموما فإن هؤلاء المراهقين الذين يستخدمون تلك العقاقير وبالتالي يعتمدون عليها، قد يشير ذلك إلى اضطراب انفعالي لديهم، ودرجات متنوعة من العنف وعدم القدرة على مسايرة مطالب المعيشة أو
(1/555)

لكي يجد معنى لهويته الشخصية, كما أن البعض يشير إلى أن هؤلاء كثيرا ما يظهرون مشاعر النقص، وعدم التقبل، العزلة العاطفية، الرفض الأبوي أو عدم المبالاة، وتقدير أقل للذات, وبالتالي شعروا بحاجة إلى إخفاء تلك المشاعر وراء دفاعات من التظاهر والبرود الذي تجلبه تلك المخدرات والعقاقير، كما أن بعض الشباب الذين استخدموا الكحول والمخدرات باستمرار منذ مرحلة المراهقة، اعترفوا بأنهم لم يعرفوا من قبل أي طريقة أخرى لكي يتعاملوا مع القلق والسأم واليأس والخوف من الفشل وفقدان المعنى والهدف.
وبالتالي يجب أن يكون من الأهداف الرئيسية لأي برنامج إرشادي علاجي لهؤلاء الشباب هو التركيز على مساعدة المرهقين والشباب في تعلم كيفية التعامل مع مشكلاتهم الشخصية، وبناء صداقات حقيقية مع الرفاق وتعليمهم كيف يأخذون المتعة من الحياة ونشاطاتها، فالكثير من هؤلاء الشباب لا يعرف كيفية الحصول على المتعة بدون استخدام تلك المخدرات.
كما أن المجتمع يقع عليه مسئولية تجاه هؤلاء المراهقين والشباب، فكثير من الشباب يواجهون المستقبل بدون أمل وقد يواجهون التمييز الاجتماعي، وظروف المعيشة القاسية، والأمرض الجسمية أو انهيار البيئة الاجتماعية مع عائلاتهم، فتحت هذه الظروف فإنه ليس بمستغرب أن بعض المراهقين أو الشباب قد يتوقفوا تماما عن البحث عن معنى ومفهوم لهوية الأنا، وبالتالي يلجئون إلى الهروب تحت ستار العقاقير والمخدرات التي قد تساعد على النسيان.
الجنوح Delinquncy:
يشير مصطلح الجنوح إلى الأفراد الصغار عادة ما يكونون تحت السادسة عشر أو الثامنة عشر الذين يتورطون في السلوك الذي يعاقب عليه القانون, وجدير بالذكر فإن مصطلح الجنوح في جوهره مصطلح قانوني بالإضافة إلى كونه مصطلح نفسي، فإن ما يعتبر حدثا في وقت وزمان معينين قد يكون مدانا قانونيا في وقت ومكان آخر, والجنوح ليس ظاهرة جديدة فقد أشار إليها كثير من الفلاسفة اليونان والمسلمين وأيضا فلاسفة العصر الحديث، وقد تكون نسبة الجنوح بين الذكور أعلى من نسبتها لدى الإناث كما أن الجنوح عند كل منهما يختلف فالجانح قد يتضمن سلوكه عدوانية أكبر كاللامبالاة والسرقة والسلب والنهب أما الأنثى
(1/556)

فتميل إلى ثمة أنماط سلوكية كالهروب من المنزل والفساد وعموما فإن مخالفات الذكور عادة ما تعلو مخالفات الإناث في هذا المضمار.
التغير الاجتماعي والحرمان والجنوح:
قد يعزو البعض الارتفاع الملحوظ في الجنوح إلى التغيرات الاجتماعية التي تحدث في المجتمع، فالتقدم المادي والصناعي وبالتالي التفاوت في الطبقات الاقتصادية قد يتبعها تمزق في الأنماط الثقافية والروابط العائلية، وعدم التنظيم الذي يحدث في كثير من العواصم ونقصان الشعور الواضح بالهدف والمعنى والاهتمام بالمشكلات الاجتماعية وعموما فإن نتائج الدراسات النفسية والاجتماعية تشير إلى أن اضطرابات المراهقين والشباب عادة ما تكون أكثر احتمالات للحدوث عندما يتزايد الشعور الاجتماعي بالوحدة والغربة والتفكك الأسري.
وقد يعن علينا سؤالا مؤداه لماذا يصبح مراهق معين جانحًا، بينما نجد مراهقا آخر يخضع لنفس الظروف البيئية ولا يصبح جانحا؟ فلقد أجريت عديدا من الدراسات الاجتماعية والنفسية للإجابة عن مثل هذا السؤال وغيره من التساؤلات المرتبطة بالشخصية الجانحة وقارنوا فيها بين الجانحين وغير الجانحين من حيث الخلفية الثقافية وخصائص الشخصية وعلاقات الأب بالابن في أعمار مختلفة، وأشارت النتائج أن الجانح اتضح أنه أقل ذكاء من غير الجانح، إلا أننا لا يمكن أن نرجع إلى انخفاض الذكاء في معظم حالات الجنوح، والنتيجة الأكثر أهمية من ذلك حيث اتضح أن الجانحين أكثر ميلا إلى التوكيدية الاجتماعية والجرأة والعدائية، والشكوكية، والتدمير، والتهور، وينقصهم التحكم في النفس وضبطها وكل هذه المفاهيم تعكس مفاهيم الذات المعاقة المضطربة ومشاعر عدم الكفاءة، والرفض العاطفي وإحباط الحاجات للتعبير عن النفس.
ويميل الجانح أن يرى نفسه شعوريا ولا شعوريا، كسولا، سيئا، وتبعا لمفهوم الجانح عن ذاته يشعر بأنه غير مرغوب فيه غير محبوب وغير محترم من الآخرين، كما أن مفاهيم الجانحين عن أنفسهم عادة ما تكون مختلطة وغير واضحة، متناقضة، غير ثابتة، وتشير بعض الدراسات إلى أن التباينات بين الجانحين وغير الجانحين في السلوك الاجتماعي وخصائص الشخصية من المحتمل أن تظهر في صورة مبكرة من حياتهم على الرغم من أن السلوك الجانح الواضح قد لا يظهر إلا في وقت متأخر،
(1/557)

وبغض النظر عن طبقة الجانح الاجتماعية، ومعدل ذكائه، ومهنة والده، فإنهم قد اتسموا بعدم مراعاة شعور الآخرين، وأقل عدلا وإنصافا في تعاملهم مع الآخرين، أقل مسئولية، وأكثر تهورا، وأكثر عداء للسلطة، وأقل حبا وتقبلا من قبل نظراتهم وبالنسبة لأعمالهم المدرسية فإنهم كانوا أكثر ميلا للتشتت كثيري الأحلام -أحلام اليقظة- والجدير بالذكر فإن هذه المشكلات الاجتماعية والعملية كانت تعكس مشاكل عاطفية كامنة.
علاقة الوالد بالابن الجانح:
تشير الدراسات النفسية أن العامل الأكثر أهمية في جنوح المراهقين يتمثل في علاقات المراهق بوالديه، وتوضح هذه الدراسات التكنيكات. والوسائل المبكرة المنتظمة التي أخضع لها الجانحين، فعادة ما تكون صارمة متضمنة العقاب الجسمي، وذلك بدلا من المنافسة مع الابن بخصوص سوء تصرفه، وقد تتسم علاقة الأب والابن الجانح بالعدونية المتبادلة، وافتقاد الترابط الأسري والرفض الأبوي وعدم المبالاة أو فتور الشعور، وقد يكون آباء الجانحين ذووا طموحات مزدوجة للأبوة بالنسبة لأبنائهم، فقد يكونوا عدوانيين أو غير ميالين تجاه المدرسة، أو قد يكون لديهم مشكلات شخصية متنوعة خاصة بهم, وعموما فقد اتسم هؤلاء الآباء بالقسوة والإهمال والميل إلى توبيخ أطفالهم خاصة الذكور، كما اتصفوا بعدم الود والتعاطف تجاه أولادهم، وبالتالي فإن المراهق في هذا الجو الأسري قلما تكون له روابط وثيقة بأبيه وبالتالي يفتقد المثل الأعلى والقدوة في حياته.
كما أن أمهات المراهقين الجانحين عادة ما يتسمن بالإهمال، وعدم القدرة على الإشراف لأطفالهن ومراهقيهن، والعدوانية واللامبالاة، ولا يتسمن بالعاطفة والود تجاه أولادهن, كما إن البيوت المنشقة المتصدعة أي التي فصل الطلاق فيها بين الزوج والزوجة وجد أنه عاملا هاما في جنوح الأطفال والمراهقين.
وبمجرد أن يبدأ المراهقون أخذ الموعد مع الجنس الآخر فقد يجابهون بمشكلة أخرى وهي كيف يتعاملون معه، وتشير نتائج دراسات Berger & Simon؛ "1976" أن المراهقين عادة ما يخبرون الصراع فيما يتعلق بالأمور الجنسية فأي منهما "المراهقون أو المراهقات"، يجب عليه أن يبدأ في التعرف على الآخر، والمخاطرة التي يكتنفها رفض أحد الجنسين
(1/558)

إلى الجنس الآخر, وعموما فإن هذه الأمور عادة ما تتأثر بتوقعات جماعة المراهق من جهة، وكذلك بمعايير الآباء من جهة أخرى، وكلما كانت القيود الأخلاقية التي يحياها المراهق أكثر شدة وصرامة، كلما كانت محاولاتهم في استكشاف الجنس الآخر مشوبة بالقلق والتوتر، أو قد يفضح أمرهم أو يشعرون بالذنب في كونهم يفعلون شيئا منافيا للأخلاق العامة.
وعندما نتأمل مصادر تعلم المراهقين للأمور الجنسية، ففي عام "1975" أشارت نتائج دراسة Thornburg أن ما يقرب من 40% من المراهقين الذين أجريت عليهم الدراسة اتضح أنهم قد حصلوا معلوماتهم الأولى عن الجنس من جماعة الرفاق، وما يقرب من 20% قد حصلوا من القراءة. والجدول رقم "4" يشير إلى هذه المصادر التي يستقي منها المراهق معلومات الأولية عن الجنس بالنسبة للذكور والإناث, ويتضح من هذه البيانات أن المراهقات يتلقون أغلب معلوماتهن عن الجنس من أمهاتهن أكثر مما نجد ذلك بالنسبة للمراهقين, وهذا يتضمن المعلومات التي تشير بها الأمهات إلى بناتهن عن نزول الطمث الأول، ويستطرد ثورنبرج أن بيانات دراسته لا تختلف كثيرا عن نتائج الدراسات التي أشارت إلى مصادر معلومات المراهقين والمراهقات عن الجنس منذ عشرين أو ثلاثين سنة مضت.
جدول رقم "4"
يوضح مصادر المعلومات الأولية عن الجنس بالنسبة للمراهقين والمراهقات "بالنسبة المئوية".
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/559)

الجنسية والأمن والألفة:
لقد وصف هاري ستاك سوليفان Sullivan؛ "1953" الضغوط والتوترات الجنسية الغيرية في مفهومه عن الحاجات المتفاعلة للجنسية والأمن والألفة، فتشير الجنسية إلى الحوافز الجنسية، كما يشير الأمن إلى الحرية من القلق، وتعزى الألفة إلى العلاقات القوية المشتركة بين الأفراد، ويشير سوليفان أن تعلم إشباع هذه الحاجات الثلاثة يشكل أهمية خاصة للنمو والتي تقوم في جوهرها داخل العلاقات والتفاعلات البيشخصية "بين الأشخاص", وذلك بدون حدوث الإهمال لأي من هذه الحاجات أو التصارع مع حاجات أخرى.
الجنسية في مقابل الأمن:
يشير سوليفان أن الشكوك الجنسية التي تبدأ في منتصف فترة المراهقة عادة ما تظهر صراعات بين الحاجة للجنس والحاجة إلى الأمن، فمعظم المراهقين قد يتعلمون التعامل مع الجنس بواسطة طريق لا تسبب لهم القلق، حيث يتم ذلك بالنسبة لأغلبهم في مجرى خبراتهم للالتقاء مع الجنس الآخر، ومع ذلك فإننا نجد المراهقين الذين يتسمون بعدم الأمان في التعبير عن حوافزهم الجنسية قد يتجنبون الجنس الآخر أو يسعون لبناء العلاقات الأفلاطونية وهي نماذج من العلاقات الأخوية مع الفتيات. وجدير بالذكر فإن الأشخاص التي تستمر معهم هذه الصراعات بين الجنسية والأمن أثناء مرحلة الرشد غالبا ما يميلون إلى عدم الزواج، كما أن تجمعاتهم عادة ما نجدها تخلو من العناصر النسائية.
وأحد جوانب الجنسية والتي غالبا ما تسبب القلق بين المراهقين هي الاستمناء Masturbation "أو العادة السرية", وتشير نتائج دراسة Gagnon؛ "1970" أن ذلك قد يكون منتشرا بين مراهقي المدرسة الثانوية أكثر من انتشاره بين المراهقات، كما يشير الجدول رقم "5", ويعزى سبب ذلك إلى اختلاف نوعية الخبرة التي يخبرها كل من المراهقين والمراهقات عند البلوغ، فبالنسبة للذكور عادة ما نجدهم يميلون إلى التفكير بصورة أكبر في نضجهم الجسمي عن طريق النشاطات الجنسية المتنوعة في حين نجد الإناث يملن بصورة أكبر إلى التفكير الرومانسي والحب Gagnon & simon؛ "1972", وعلى الرغم من أن ما يقرب من 80% من الذكور موضوع الدراسة أشاروا إلى أنهم يمارسون العادة السرية مرتين أو أكثر أسبوعيا، إلا أننا يجب أن نشير أن عدد المرات ليس مهما بقدر ما يصبح المراهق منهمكا ومشغول البال بهذه العادة لدرجة أنه لا يستطيع أداء أي شيء آخر سواها.
(1/560)

جدول رقم "5"
يوضح مدى تكرار الاستمناء أو العادة السرية بين تلاميذ وتلميذات المدرسة الثانوية
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وهذه النقطة سابقة الذكر تحتاج إلى بعض من التوضيح، فالاستمناء أو العادة السرية كانت وما تزال موضوعا من موضوعات المنع أو التحريم الديني، ومصدرا من مصادر الخوف، وكذلك الخوف من الضعف الشديد وفقدان حيوية الجسم, وكذلك التحذير العنيف الذي يشير بأن فاعلها سوف ينتهى به الحال إلى الجنون، فبهذه الخرافات والتحذيرات التي تكتنف هذه العملية، ومع محاولة منع الآباء مراهقيهم من إتيان هذه العادة السرية فإن كثيرا من أجيال المراهقين قد عانوا من الشعور بالذنب والقلق تجاه هذه المسألة Kneil, N؛ "1964", بالإضافة إلى المؤشرات الدينية التي تكون مصدرا من مصادر قلق المراهقين والمراهقات، وعموما فإننا نستطيع القول بأنه لا يوجد أي دليل قاطع يشير أن الاستمناء أو العادة السرية يسبب أي نوع من الأضرار الجسمية أو النفسية, باستثناء مشاعر الذنب التي تستحوذ على الشخص بأنها شيء سيئ ومن الخطأ ارتكابها.
الألفة أو المودة في مقابل الجنسية:
المودة والألفة تكون ذات أهمية كبيرة في العلاقات الجنسية الغيرية أثناء فترة المراهقة المتأخرة، وعلى الرغم من الميل المتزايد للجنس الآخر قبل هذه الفترة، إلا أننا عادة ما نجد للمراهقين أصدقاء مقربين إليهم مؤتمنين على أسرارهم من نفس نوع جنسهم وفي هذه الفترة نجد كلا من المراهقين والمراهقات يميلون إلى أن يكونوا أصدقاء، ويتقاسم كل منهم في الهوايات والمخاوف ويلجأ كل منهم إلى الآخر للراحة والتدعيم.
(1/561)

ويأملون استمرار علاقاتهم في المستقبل، وعندما يتمكن كل من المراهق والمراهقة أن يكون الصديق المفضل بالنسبة لكل منهم الآخر بالإضافة إلى الثقة به حينئذ يشير إريكسون بأنهم يحصلون قدرة ناضجة للألفة أو المودة للجنسية الغيرية.
وأثناء نمو هذه الخاصية نجد المراهقين الأكبر قد يمرون بعملية تبديد وصرف الصراعات التي تنتابهم بين المودة، أو الألفة من جانب وحاجاتهم الجنسية والأمن من جانب آخر, ففي وقت مبكر من خبرتهم للجنسية الغيرية غالبا ما يعمل المراهقين تمييزا بين النماذج الجنسية، فهناك الشخص الذي يود المراهق أن تكون بالقرب منه لاحترامه لها، وهناك الأخرى التي لا يعجب بها ولكنه يصادقها لأي غرض ما، ولكن سرعان ما تنتهي هذه العلاقة بالحصول على الهدف أو الغرض الذي يسعى إليه، ولكن عندما يرافق المراهق أو المراهقة شخص آخر والذي حقيقة يهتم به ويحترمه، فإن علاقاتهم عادة ما تكون علاقات نظيفة وثابتة، وعموما فإن حل هذا الصراع الذي ينتاب المراهقين يتأثر بطبيعة الحال بالقيم الاجتماعية بالإضافة إلى تأثره بنمو شخصية المراهق أو المراهقة بمعنى أنه كلما كانت نظرة المجمع للعلاقات الجنسية فيما قبل الزواج كعلاقات دنسة محرمة كلما وجدنا المراهقين يعملون تمييزات سريعة بين العلاقات الطاهرة والأفلاطونية والعلاقات الجنسية الدنسة.
ويشير إريكسون أن المراهقين والمراهقات الذين لم يتمكنوا من دمج الجنسية والمودة أو الألفة في علاقة مع شخص ما من الجنس الآخر قد نجدهم يدخلون مرحلة الرشد بتمزق نفسي Split فيما يتعلق بهذا الأمر، فكثيرا ما نجد راشدين يكون لديهم حياة جنسية نشطة إلا أنهم لا يتزوجون أبدا أو يتزاوجون ولكن يكون لديهم حياة جنسية محدودة جدا، أو قد يكون لهم زيجات كن شركاء لهم في حياة جنسية قبل الزواج، وبالتالي لا يحترمونهم أو يميلون إليهم.
الألفة أو المودة في مقابل الأمن:
لكي تتحد الألفة أو المودة للجنسية الغيرية من حاجاتها الأمنية، فيجب على المراهقين إعادة توجيه ارتباطاتهم الحميمة المبكرة نحو أعضاء من الجنس الآخر، فالمراهقون الذين كان لديهم علاقات صداقة حميمة قليلة قد لا يشعرون بالراحة في قربهم من أفراد الجنس الآخر، وحيث
(1/562)

أن المودة أو الألفة تهدد أمنهم نجدهم بالتالي يشعرون بالمعاناة النفسية من الابتعاد هذا, ومن الانعزالية والعلاقات السطحية مع عدد كبير من الأفراد، وقد نجدهم يعملون صداقات عاطفية قوية مع عدد قليل جدا من الأصدقاء المقربين أو ما يسمى بالصديق أو الصديقة المتفرد.
وقد يشعر مراهقون آخرون بالأمن في العلاقات الحميمة التعاونية مع أعضاء من نفس جنسهم، إلا أنهم يفتقدون العلاقات مع الجنس المغاير لهم، والمراهق الذي لا يصل إلى حل هذا النمط من الصراع قد يصبح راشدا إذا تزوج أو تزوجت, لا يمكن أن ينظر إلى قرينه على أنه صديق حميم مقرب إليه مؤتمن على أسراره، ولكن نجد هؤلاء الأفراد يقصرون العلاقات الزوجية على الجنس وأعمال المنزل وأدوار تربية الطفل وفي نفس الوقت يعتمدون على آبائهم أو الإخوة والأصدقاء من نفس نوع جنسهم يناشدون تقديم يد العون والنصح والمشاركة ومناقشة أمورهم الشخصية.
الاتجاهات نحو الآباء:
كلما أصبح المراهقون أكثر استقالا وأكثر نضجا اجتماعيا، نجد اتجاهاتهم نحو آبائهم عادة ما تتغير، فالميل المتزايد والتعاطف الذي يعطيه المراهق لجماعة الأقران ولنشاطات الجنسية الغيرية خاصة عندما يبدأ في الارتباط الثنائي بصورة شديدة، هذا يعني بأن المراهق ليس لديه إلا القليل لكي يعطيه لأبويه، وبالتالي يجب على الآباء أن يتعلموا التخلي عن بعض عواطفهم تجاه أطفالهم، ومن جانب آخر فعندما يتحقق المراهق أن أبويه يشعرون بالاستياء والتضرر نتيجة استبدالهم بموضوعات حب أخرى نجد عادة ما يشعر بالذنب وبالتالي يحاول أن يبرر لذاته أسباب الارتباط النامي الذي يحدث له خارج المجال الأسري.
وتشير نتائج دراسة Joseph؛ "1969" أن المراهقين قد يتصورون في بعض الأحايين أسباب مقبولة ظاهريا في الانصراف عن آبائهم، فكثيرا ما نسمع منهم بأن آباءهم قد أصبحوا غير ذي جاذبية لهم, كما نجد بعض المراهقين خاصة في منتصف فترة المراهقة قد يصبحوا ناقدون بصورة شديدة لنهر آبائهم من الجنس الآخر، فقد نجد الذكور يتذمرون أو يدمدمون عن هيئة شعر أمهاتهم وملابسهن، ووزنهن ومكياجهن، كما قد نجد الإناث يتذمرن بأن آبائهن قد فقدوا شعورهم أو أصبح لديهم بطن كبير أو أنهم يلبسون ملابس عتيقة الطراز أو مهملة.
(1/563)

كما قد يجد المراهقون كثيرا من الأفعال الخاطئة أو غير الصائبة في أنماط سلوك آبائهم، فقد يشيرون إلى أن آباءهم يدخنون بكثرة أو أنهم يمارسون ضبطا وتحكما عليهم أكثر من اللازم، أو أن لهم أصدقاء غير متحضرين، أو أنهم أصبحوا لا يتسمون بالجاذبية، وأنهم يحولون الحياة إلى حياة مملة سئيمة، وهكذا, وهذه الانتقادات لا تعني بالضرورة تقليل حب المراهق لأبويه، إلا أنها تعني إشارة المراهق إلى أن أبويه قد أصبحوا من جيل مختلف عن جيله وأن لهم نظرة مختلفة، وبالتالي فإن الآباء يجب ألا يشعروا المراهق بالإحساس بالذنب في بحثه وسعيه لارتباطات رومانسية مشبعة والاستمتاع بها داخل جيله أو جيلها.
وبالإضافة فإن هذه الانتقادات الظاهرية لا تعني أن قيم المراهقين الأساسية متعارضة مع قيم الآباء، أو أنها تعني تقليل تأثير الآباء على المراهقين، وكما أشرنا فيما سبق أن المراهقين يتطابقون بصورة كبيرة لتأثير رفاقهم خاصة في المراهقة المبكرة، إلا أن هذا التطابق والتماثل يميل إلى الانخفاض التدريجي من سن 12: 21 تقريبا, وعلى الرغم من أننا نجد المراهق في فترة مراهقته الوسطى قد يقضي وقتا أطول مع جماعة الرفاق إلا أنه يصبح أقل تأثرا بهم عن ذي قبل، وجدير بالذكر فإن المراهقين الذين يسيرون على صورة متناقضة مع هذا الميل العام، ونلاحظ استمرارية تأثرهم بجماعة الرفاق يمكن أن نفسر سلوكهم هذا لأحد الأسباب الآتية كما تشير نتائج دراسة Mc Ghee وآخر "1967".
أ- قد يشعرون بعدم تقدير ذواتهم، وبالتالي يلجئون إلى جماعة الرفاق لكي يحظوا بما افتقدوه داخل أسرهم.
ب- أو قد يشعرون بأن الآباء لا يمدونهم بالتوجيه والإرشاد الكافي. وبالتالي تجدهم يعتمدون على جماعة رفاقهم لكي يملئون هذا الفراغ الأبوي.
وتشير نتائج دراسة Von & Others؛ "1969" أن تأثر المراهق بأبويه يختلف إلى حد ما مع الموقف, فمثلا فإنه يميل بصورة أكبر إلى الاستماع لأبويه أكثر من جماعة رفاقه في بعض الأمور الخاصة بمستقبله التربوي, وأهدافه وتخطيطه المهني، بالإضافة إلى كيفية تعامله مع العلاقات الشخصية المتبادلة بينه وبين الآخرين، ومن جانب آخر نجده يميل
(1/564)

بصورة أكبر إلى جماعة الرفاق في ثمة أمور كالملبس وكيفية التعامل مع الأقران، وكيفية قضاء وقت الفراغ، وكلما تدرج المراهقون في عمرهم الزمني نجد انخفاض تأثير كل من الوالدين والرفاق عليهم، حيث يصبحون أكثر ثقة بذواتهم, وفي قدراتهم في عمل القرارات, ونجدهم في نفس الوقت يهتمون بتقييم آراء رفاقهم وآبائهم والراشدين من حولهم. وعموما فالمراهقون الأكبر سنا عادة ما نجدهم يفكرون بصورة متزايدة بأنفسهم ويثقون في أحكامهم، وثمة استقلالية قد صورها مراهق أثناء فترة مراهقته الأخيرة إذ يقول: "إن التطابق والتماثل مؤداه أن تفعل لكي تحتفظ بأبويك من التذمر أو الشكوى منك، بينما تقرر بعقلك ماذا تريد أن تقوم به حقيقة".
تكامل الهوية الشخصية:
أشرنا في الفصول السابقة إلى عملية تكوين الهوية منذ فترة الرضاعة حيث يتعلم الرضع التعرف على ذواتهم كأشخاص مميزين عن الأشخاص والأشياء الأخرى من حولهم، وأثناء سنوات ما قبل المدرسة عندما يصبح كل من الذكور والإناث على دراية باختلافاتهم الجسمية الجنسية، وفي فترة الطفولة الوسطى حيث يتبنى الأطفال الأدوار المميزة لنوع جنسهم، كما يتعرفون على قدرات كل منهم ومواهبهم وميولهم؛ ولكن نجد في فترة المراهقة عملية تكوين تصور واضح يكون متسقا لذات الفرد يصبح على درجة من الأهمية الكبيرة خاصة أثناء فترة المراهقة المتأخرة، وتأوج هذه العملية في تكامل شعور الهوية الشخصية للمراهق.
ويعتبر إريكسون من أوائل العلماء الذين أشاروا إلى دور تكوين الهوية في نمو المراهقة حيث عرف نهاية فترة المراهقة بأنه الوقت الذي يصبح فيه المراهقين متأكدين بصورة معقولة فيما يعتقدون فيه بالإضافة إلى وضوح بصيرتهم فيما يريدون عمله في حياتهم فالإحساس بالهوية الشخصية يعتبر نتاج كل ما تعلمه المراهقون عن أنفسهم في أدوارهم المختلفة كتلاميذ، كأبناء، كرياضي، كموسيقى، كصديق، كعضو في جماعة دينية ككاتب في متجر، وهكذا, وبمجرد أن يحصل المراهق هذه النظرة المتكاملة لأدواره ولميوله ولقدراته واتجاهاته بالإضافة إلى تأثير الأشخاص الآخرين، كل ذلك يعطي المراهق الإحساس بالاستمرارية مع ماضيه ويساعده على الإعداد لمستقبله.
(1/565)

ولا يعني ما سبق ذكره أن المراهقين في فترة مراهقتهم المتأخرة يعملون اختيارات ثابتة ودائمة لأهداف الحياة المتنوعة ونظم قيمهم، وعلى النقيض من ذلك فالهوية الشخصية في جوهرها عملية نامية تتغير كلما تقدم العمر الزمني حيث يتعلم الفرد أشياء جديدة، ويجد أدوارا مختلفة، ويشير إريكسون Erikson؛ "1956" أن فترة المراهقة المتأخرة تعتبر بمثابة الوقت الذي يكون فيه المراهق الإحساس بهويته، بغض النظر في كونها قد تتغير فيما بعد، إلا أنها تبدأ في اتخاذ الشكل الاتساقي والتي تعطي الإحساس للمراهقين، وكذلك توفر لهم المعنى والتوجيه لحياتهم. وفي نمو الإحساس بتكامل الهوية، عادة ما نجد المراهقين يقضون سنوات عديدة في التفكير والتأمل ويحاولون سلسلة واسعة من الأدوار والأيديولوجيات فقد نجدهم يفكرون في أنماط أعمال مختلفة وإمكانياتها أو احتمالات المهنة, كما يعقدون صداقات عديدة مع أشخاص مختلفين، ويتأملون مثاقب فلسفات اجتماعية وسياسية واقتصادية ودينية مختلفة. وبسبب التصينف السريع الذي يفعله المراهقين وغير المتروي لأنماط العمل وللأصدقاء ولرفاق الحياة ولفلسفة الحياة التي يريدون الارتباط والتمسك به، إلا أنهم دائما ما يغيرون تفكيرهم فيما يحبونه أو يريدون القيام به، والأشخاص الذين يحبون أن يكونوا معهم وكذلك في استجاباتهم للمواقف المختلفة, وعلى ذلك فإن الأنماط السلوكية في فترة المراهقة عادة ما تكون متنبأ ضعيفا عما سيفعله المراهق, إذا قورنت بفترة طفولته المتأخرة وعادة ما نجدهم يتسمون بعدم التأكد فيما يبحثون عنه أو يقصدوه كنموذج متسق للحياة.
والحقيقة التي مؤداها أن المراهقين يقضون سنوات عديدة حتى يتم لديهم نمو هوية متكاملة أدى ذلك إلى اعتقادين واسعين، إلا أنها في جوهرها تعميمات غير مناسبة لنمو المراهقين وهما:
أ- أن المراهقين العاديين يمرون خلال أزمات للهوية، وعادة ما ينتج عواصف وغضب وضغط أثناء محاولاتهم لتحقيق هويتهم.
ب- وبسبب هذا الاضطراب والاهتياج النفسي، نجد استمرارية ضعيفة بين ما يحبه الأشخاص كمراهقين وبين ما يحبونه أو يميلون إليه كراشدين.
(1/566)

وقد أشار إريكسون وكتاب في التحليل النفسي وآخرون: إن المراهقين يجب أن يخبروا اضطراب أو اهتياج داخلي عظيم لكي يصبحوا راشدين متكيفين بصورة جيدة ويبلغوا النصح النفسي Freud white.R.B؛ "1973", إلا أن وجهات النظر هذه عادة ما تبنى على الخبرة الإكلينيكية مع المراهقين المضطربين والذين يلتمسون العلاج لمشكلاتهم السيكولوجية, إلا أن الدراسات الأخرى على المراهقين الذين اختيروا بطريقة عشوائية سواء كانوا بالمدارس الثانوية أو العالية وليس من هؤلاء الذين كانوا تحت المعالجة السيكاترتية، أشارت إلى صورة مختلفة في أن أغلب المراهقين يتقدمون في نموهم بطريقة هادئة نحو تكامل هويتهم بدون أن يخبروا أزمات كما توجد الاستمرارية الفعلية بين شخصياتهم كمراهقين وكراشدين.
تحقيق الهوية وأزمة الهوية:
ساعدت دراسات James Msrcia؛ "1966-1970", وزملاؤه على تفسير عملية تكوين الهوية، فعادة ما يوصف مركز الهوية، فعادة ما يوصف مركز الهوية عندما يعمل الشخص تعهدا أو وعدا ذا معنى لعمل ما أو تجاه نظام من القيم أو نحو أيديولوجية معينة, ويمكن إيجاز ذلك على النحو التالي.
تحقيق الهوية Identity Achievement:
تتمثل في تعهد الشخص بأداء عمل من الأعمال قد اختاره من بين احتمالات عديدة ذات اعتبارات بالنسبة له، كالارتباط والتعهد لأيديولوجية معينة بعد إعادة تقييمها، وحل المعتقدات السابقة, ويشير ذلك إلى أن الشخص قد أصبح الآن حرا بصورة حقيقية في أن يفعل أو يؤدي أي عمل من الأعمال.
تعويق الهوية Identity Foreclosure:
وتتمثل في الوعد أو العهد غير الناضج للأهداف والمعتقدات التي اقترحت بواسطة أشخاص آخرين "وعادة" ما تكون عن طريق الآباء, وذلك بدون أن يكون للشخص خيارات معينة وكذلك دون الوضع في الاعتبار الخيارات الممكنة الخاصة به أو بها.
انتشار الهوية Identity Diffusion:
والشخص الذي يتسم بانتشار أو تشتت الهوية عادة ما يتصف
(1/567)

بالتقدير المنخفض لذاته، وكذلك بالعلاقات الشخصية السطحية مع الأشخاص الآخرين.
توقيف أو تعليق الهوية Identity Moratorium:
يتصف هذا الشخص بالقلق والتقدير المنخفض للذات والعلاقات السطحية مع الآخرين ويتسم بعمل الوعود والتعهدات الأعلى من إمكاناته الشخصية ولقد أشارت نتائج كروس وآلان Cross J. & Allen؛ "1970", والتي طبقت على الطلاب الجدد بالكليات الجامعية، أن هذه المراكز الأربعة سابقة الذكر كانت موزعة بالتساوي بين طلاب الكلية، بالإضافة إلى ارتباطها ببعض الاختلافات في وظيفة الشخصية، فالطلاب ذوو الهوية الإنجازية مالوا إلى الأداء الجيد في المهام والواجبات العقلية كما كانوا أكثر ثقة بذواتهم وتعويلا عليها, وأقل قلقا، كما كان لديهم قدرة أكبر لإقامة العلاقات الشخصية التبادلية الوثيقة مع الآخرين, إذا ما قورنوا بالمجموعات الثلاثة الأخرى، الذين كانوا عادة ما يضعون أهدافهم مرتفعة لأنفسهم وغير واقعية، كما كانوا يميلون إلى القسوة والصرامة وبالتالي وجد أن مستوى أدائهم كان أقل من المجموعة الأولى، حيث كانوا أقل فعالية في إنجاز المهام والواجبات العقلية، وعادة ما يقدمون تقديرا لذواتهم مبالغا فيه والذي ينهار عند مجابهتهم التحديات وبالتالي يصبحون متورطين في علاقات مقولبة سطحية مع الآخرين, وعموما فإن الطلاب الذين كانوا يتصفون بتعليق الهوية MORATORIUM عادة ما كانوا أكثر قلقا من المجموعات الأخرى، كما أن الطلاب الذين كانوا يتسمون بانتشار الهوية كانوا متشابهون إلى حد ما مع مجموعة الهوية المعوقة FORECLOSURE بتقديرهم المنخفض لذواتهم والعلاقات البيشخصية السطحية.
وتشير نتائج دراسة WATERMAN & OTHER؛ "1971" إلى أنه على الرغم من أن مراكز الهوية تساعد على تفسير السلوك اللاحق في أي وقت، إلا أنها تعتبر بمثابة طور أو مرحلة PHASE لنمو شخصية المراهق ولا تعتبر سمات دائمة, فمثلا قد يظهر المراهق هوية إنجازية فيما يتعلق بالمهنة المستقبلة, وفي نفس الوقت يظهر هوية متوقفة فيما يتعلق بأنظمة المعتقدات العامة، كما أن المراهقين قد يغيرون مركز هويتهم أثناء مرحلة دراستهم الجامعية، وعادة ما يميل المراهقون إلى التحرك نحو الهوية الإنجازية وتوضح نتائج هذه الدراسة مدى التغيرات التي حدثت في مركز
(1/568)

الهوية لسبعة وأربعين طالبا من كلية الهندسة تتبعهم واترمان وزملاؤه من السنة الأولى حتى السنة النهائية بالكلية، والتغيرات ذات الدلالة كما هي ظاهرة بالدراسة تتمركز في الانتقال من مركز التعليق أو التوقيف أو التعويق إلى الهوية الإنجازية.
وفي دراسة أخرى مماثلة قام بها كل من WATERMAN & COLDMAN؛ "1976" على طلاب كلية الفنون وجدا نفس التغير النمائي التقدمي للمراهقين حيث تشير النتائج إلى ميل الطلاب إلى الانتقال من مراكز التعليق أو التوقيف للهوية لكي يصبحوا ذات هوية منجزة كما أن أغلبية الحالات تخرجت من الكلية بشعور مستقر للهوية إلى حد ما.
وعلى الرغم من التباينات في مركز الهوية، إلا أننا نجد دراسات عديدة لطلاب المدارس الثانوية والجامعة أشارت إلى أن معظم المراهقين عادة ما يسيرون نحو النضج بطريقة سلسلة هادئة دون التورط في أي أزمات عنيفة صاخبة، وتشير نتائج دراسة Simons & Others "1973" إلى أن ما يقرب من 20% قد يميلون إلى المعاناة بصورة ذات دلالة من القلق النفسي المتوسط كالشعور المرتفع للذات أو التقدير المنخفض للذات، ومدى استقرار أو ثبات مفهوم الذات، وجميع هذه الجوانب عادة ما تكون أكثر حدوثا في فترة المراهقة المبكرة عندما يطرأ على المراهقين عديدا من التغيرات الجسمية المفاجئة، إلا أننا لا نجد حدوث ذلك في فترة المراهقة المتأخرة حيث عادة ما نجد المراهقين مشغولين في عملية تكامل هويتهم الشخصية.
(1/569)

استمرار نمو الشخصية:
أوضحت الدراسات النفسية، خاصة الدراسات الطولية إلى الاستمرارية في نمو الشخصية من فترة المراهقة إلى فترة الرشد والرجولة وعلى الرغم من أننا عادة ما نجد الأشخاص يتغيرون كلما تقدموا في مدارج نموهم، حيث يتعلمون أكثر وينشغلون بمراكز جديدة ويبحثون عن وسائل جديدة للتعامل مع الظروف والأحوال المتغيرة لحياتهم، إلا أننا نجدهم يستمرون وبصورة أساسية في نفس طريقة تفكيرهم وطرق تعاملهم مع العلاقات الشخصية المتبادلة، وكما يدركون بواسطة الآخرين.
(1/569)

ولقد بدأت الدراسات الموسعة لنمو الشخصية بمعهد النمو الإنساني بجامعة كاليفورنيا في بيرلكي في عام 1928، ففي دراسة أجريت بواسطة Day & Haan حيث جمعت بيانات الاختبارات، ونتائج المقابلات والتقديرات بالإضافة إلى وسائل أخرى لمجموعتين، أحدهما تتبعت من عمر الثانية عشر حتى الخمسين "دراسة Oakland للنمو"، وللمجموعة الأخرى تتبعت من الثانية عشر حتى سن الأربعين، وذلك للتأكد من استمرار سمات معينة بلغت 34 سمة وصنفت تحت فئات معينة هي:
- طرق ووسائل تقديم المعلومات والبيانات.
- أشكال الأنماط السلوكية الشخصية المتبادلة.
- الاستجابات لتأثيرات التنشئة الاجتماعية.
- طريقة تقويم الذات.
وتشير نتائج هذه الدراسة أن جميع معدلات الارتباط بين السمات واستمراريتها كانت أكثر من 0.50 حيث أوضحت اتساقا واستمرارية ذات دلالة إحصائية أثناء وقت الدراسة، بالإضافة إلى أن النتائج تشير بصورة قوية بأن هذه السمات التي قد رسخت في فترة المراهقة المبكرة، ولم تكن ذات دلالة إحصائية قد تأثرت بعملية نمو المراهق.
وتشير عديد من الدراسات إلى تدعيم ما ذهبت إليه Oakland, فعلى سبيل المثال توضح دراسة برنسون Bronson؛ "1972" أن نمو الشخصية عادة ما تتوقف أو تتعطل ببداية المراهقة ولكنها تستمر في ديمومة ذات اعتبار خلال فترة المراهقة وإلى مرحلة الرشد.
مفهوم الذات وتقدير الذات لدى المراهقين:
مفهوم الذات Self Concept يتمثل في تقدير المراهق لقيمته كشخص، ومفهوم الذات يحدد إنجاز المرء الفعلي، ويظهر جزئيا في خبرات الفرد بالواقع واحتكاكه به، كما يتأثر تأثرا كبيرا بالأحكام التي يتلقاها من الأشخاص ذوي الأهمية الانفعالية في حياته، وبتفسيراته لاستجاباتهم نحو "الآباء, والرفاق"، فمثلا المراهق ذو الذكاء المرتفع الذي يوبخه والداه ويحقرانه دائما، قد يتولد لديه مفهوم عن نفسه كشخص غير كفء عاجز عن تحقيق إمكانية، كما يحاول أن يدعم ويؤكد تلك
(1/570)

الجوانب من ذاته التي يستحسنها الكبار من حوله أو رفاقه لكي يتجنب الشعور بالذنب الناجم عن استهجانهم له، أو شعوره بالاغتراب سواء عن ذاته أو عن الآخرين.
وتشير دراسات عديدة في سيكولوجية النمو إلى الاختلافات الجنسية بين المراهقين والمراهقات في إدراك مفهوم ذواتهم أو تقديرهم لذواتهم, ففي دراسة Hathaway,S & other وكذلك دراسة Mckee, j & Other؛ "1959" تشيران إلى أنه بسبب النظر إلى المرأة في المجتمع الأمريكي كمواطنة من الدرجة الثانية، فقد دلت الدراسات على أنهن ينظرن إلى ذواتهن بصورة تتسم بالدونية والضعف إذا ما قورنت بالمراهقين الذكور, كما أشارت هذه الدراسات أن الإناث المراهقات كن أقل رضا وإشباعا عن نوع جنسهن إذا ما قورنَّ بالذكور، ويشير Kohiberg؛ "1966"، Bohan؛ "1973"، أن الإناث كان لديهن صعاب أو مشكلات أكثر في تصورهن لذواتهن، وتصورهن لأجسادهن أكثر مما وجد لدى الذكور.
ومن جانب آخر فإننا نجد دراسات أخرى تشير إلى أن كلا من الذكور والإناث عادة ما يكون لديهم تقريبا نفس القدر من تقديرهم لذواتهم كدراسات Rosenberg؛ "1965", ودراسة Piers؛ "1964" ولكي نتفهم هذه النتائج المتناقضة بصورة أفضل، فإننا سوف نناقش سويا ثلاثة جوانب للذات هي، الوعي بالذات، ثبات واستقرار صورة الذات، وتقدير الذات عند المراهقين والمراهقات.
وعن المراهق بذاته Adolescent Self Conciousnes:
تتمثل في ملاحظة المرء لنفسه، وفحص ذاته وتدقيقها ووعي المرء بنفسه والوعي بأن شخصا آخر يعيه، وعندما يشعر المرء بالارتباك والحيرة فعادة ما يرجع ذلك إلى وجود نقص في الوعي بالذات، وتفسير ذلك أن المرء ربما يخشى أن يراه الآخر في صورة خلاف الصورة التي يرى هو نفسه بها، وربما لأن المرء يخشى أن يكون قد أظهر ذاته بمظهر لا يتفق مع جلال أو أهمية الموقف الذي هو فيه.
ولقد حاولت دراسات نفسية عديدة قياس وعي المراهق بذاته لكي تلقي الضوء على كيفية وعي المراهقين بذواتهم في المواقف الاجتماعية، واستخدمت أنماط من التساؤلات في ذلك، فمثلا "إذا سألك مدرسك أن
(1/571)

تنهض أمام زملائك داخل الفصل وأن تتحدث قليلا عن كيفية قضائك عطلة الأسبوع:
- هل تكون عصبيا جدا؟
- أو تكون عصبيا بصورة ضعيفة.
- أو لا تكون عصبيا على الإطلاق.
وتشير نتائج دراسات Simmons وآخر "1972" أن وعي المراهق بذاته يزداد بصورة ملحوظة كلما تدرج من طفولته إلى مراهقته المبكرة، ويلاحظ أن معدل الزيادة كانت عند الإناث أكثر ما عند الذكور، وكانت عينة الدراسة السابقة مجموعة من المراهقين البيض في مناطق ريفية، وعموما فإن هذه النتائج ونتائج دراسات أخرى غيرها تعكس ثمة حقيقة مؤداها أن مظهر الأنثى الجسمي عادة ما يكون مرتبطا بصورة كبيرة بمدى شعبيتها Populotrity إذا ما قورن ذلك بما لدى الذكور، حيث يكون لديهن ما يجذب أنظار الآخرين لهن بمظهرهن، أكثر مما يكون لدى المراهقين، وبالتالي نجدهن أكثر اهتماما وقلقا بشعورهن أو عيونهن أو بذواتهن فيما يتعلق بمظهرهن إذا ما قورن بالمراهقين في نفس عمرهن.
ثبات أو استقرار صورة الذات Self Image Stability:
وتتمثل في مدى استقرار وثبات الذات كما يتصورها أو يتخيلها صاحبها، ولقياس ذلك عند المراهقين، بمعنى إلى أي مدى يكون المراهق متأكدا من نفسه أو غير متأكد منها، صممت بعض الوسائل للكشف عن ذلك وتتضمن مواقف مثل:
"قال لي مراهق بأنه أحيانا يحب الطريقة التي يسير عليها في حياته، وفي أحايين أخرى لا يحبها، هل مشاعرك تتغير مثل زميلك هذا؟
وعموما فإن نتائج هذه الدراسات تشير إلى أنه يوجد زيادة في عدم ثبات واستقرار الذات أثناء فترة المراهقة المبكرة, كما أن البنات أوضحن عدم ثبات أكبر لذواتهن إذا ما قورن بالمراهقين، كما أنهن يشعرن بشعور أقل إيجابية عن ذواتهن، إذا ما قورن بالذكور, وجدير بالذكر فإن هذه الفروق يجب أن نشير إلى أنها ترجع إلى عملية الاشتراط الثقافي وليست لعوامل وراثية عند الإناث.
(1/572)

كما أن الاستقرارية في الذات لدى المراهقين والمراهقات لا نجدها عامة في جميع مجالات حياتهم، ففي إحدى الدراسات التي كانت مهتمة بقياس ثبات الاختيار خلال الوقت، حيث سئل بعض المراهقين والمراهقات أن يرتبوا بعض الأشياء المفضلة لهم مثل الألوان المفضلة والبرامج التليفزيونية والحيوانات وهكذا, وبعد أسبوعين من التجربة الأولى سئل المراهقين نفس هذه التساؤلات مرة أخرى، وأشارت النتائج أن ثبات الاختيار يزداد مع ازدياد العمر الزمني في جميع الأعمار الزمنية، كما أوضحت نتائج المراهقات أنهن كن أكثر اتساقا واستقرارا في اختياراتهن من المراهقين.
تقدير الذات Self Esteem:
أحد وسائل الكشف عن تقدير الذات كما أشرنا يتمثل في اتجاهات الفرد الإيجابية أو السلبية تجاه ذاته، وعادة ما تستخدم مواقف مثل:
"كل شخص يعرف بعض الأشياء الجيدة عن نفسه، وبعض الأشياء غير الحسنة، فهل معظم الأشياء التي تعرفها عن نفسك "حسنة" سيئة، أو من كليهما وتشير بعض الدراسات التجريبية أن المراهقات عادة ما يكن أكثر انخفاضا في تقديرهن لذواتهن إذا ما قورن بالمراهقين، ويرجع ذلك إلى العلاقة الوثيقة بين مظهر الإناث ومفاهيمهن عن ذواتهن ففي إحدى الدراسات طلب من المراهقين والمراهقات أن يقيموا ذواتهم وأقرانهم على مقياس يقيس المظهر المثالي كما طبق عليهم اختبار للشخصية يقيس التكيف الشخصي والثقة بالنفس والإحساس بالقيمة الشخصية والشعور بالحرية الشخصية والإحساس بالانتماء والميول والانسحابية والأعراض العصابية، واستخرج من تلك البيانات المعلومات المجمعة مقياس الإحساس بالقيمة الشخصية، وتشير النتائج أن كلا من المراهقين والمراهقات عادة ما يميلون إلى تقييم ذواتهم بصورة متساوية أو أعلى من أقرانهم خاصة في مظهرهم العام، كما أشار ما يقرب من 43.7% من المراهقين إلى عدم الرغبة في تغيير أي شيء من مظهرهم، في حين لم يعبر عن هذا الموقف إلا ما يقرب من 12.2% من الإناث، وتشير النتائج كذلك إلى وجود الارتباط الإيجابي بين تقدير المراهقات لمظهرهن الشخصي ودرجة تكيفهن، كما أن درجات الإناث كانت تميل إلى الانخفاض في مقياس التكيف الشخصي إذا ما قورنت بدرجات الذكور.
(1/573)

ونتائج هذه الدراسات متسقة مع الاتجاهات التي أشرنا إليها سابقا في أن مظهر الإناث وجاذبيتهن تلعب الدور الأكبر في مفهوم المرأة عن ذاتها، وما زلنا بعيدين جدا عن الوسط أو البيئة الاجتماعية التي يقيم فيها الأفراد تبعا لإنجازاتهم وقدراتهم بدلا من مظهرهم العام, وخاصة الإناث منا.
وجدير بالذكر، فكلما حاول المراهقون اكتشاف هويتهم، والحصول على استقلالية أكبر، غالبا ما يقعون في صراع مع آبائهم من جهة وأقرانهم من جهة أخرى، وسوف نلقي الضوء في ثنايا الصفحات التالية عن العلاقة بين حياة الأسرة وبين نماذج مختلفة من نمو المراهقة.
(1/574)

نماذج نمو المراهقة:
قام كل من Daniel & Judith؛ "1972" بدراسة طولية على جماعة من المراهقين البيض، وتضمنت هذه الدراسة 63 مراهقا ومراهقة أثناء سنواتهم الدراسية، وكان أحد أهداف الدراسة إلقاء الضوء على الجذور السوية المتنوعة لنمو المراهقين حتى مرحلة الرشد، وجمعت بيانات هذه الدراسة من ثمة مصادر كالمقابلات مع الآباء والمدرسين, وتطبيق بعض الاختبارات على عينة البحث, ولقد بدأ تجميع هذه المعلومات منذ عام 1962 واستمرت حتى عام 1970، حتى أصبح معظم المراهقين إما متخرجين من الجامعة أو قد أنهوا دراستهم الثانوية منذ أربع سنوات، وتشير النتائج أنه في أثناء عملية نمو المراهقين ظهر لديهم بعض أنواع من الصراعات العادية تتمركز بين رغبتهم في تقبل الآباء لهم، وبين رغبتهم في التحرر من السلطة الوالدية، ومن الناحية السياسية أشارت النتائج إلى وجود الاتساقية بين الاتجاهات الوالدية واتجاهات مراهقيهم وفي تحليل الكمية الهائلة من المعلومات والبيانات التي جمعتها هذه الدراسة أشارت إلى وجود ثمة جذور Routes أو أصول نمائية ثلاثة مختلفة للمراهقين والشباب وتتمثل فيما يلي:
أنا ما يقرب من 23% من عينة الدراسة أشارت إلى ما يسمى باستمرارية النضج، كما أشار إلى ما يقرب من 35% إلى نمط النضج الغامر أو الجياش، وأن ما يقرب من 21% أشارت إلى ما يسمى بالنمو المضطرب العنيف، والباقي أشاروا إلى خليط من هذه النماذج الثلاثة الرئيسية، وسوف نلقي الضوء على هذه النماذج النمائية الثلاثة التي تمخضت عنها هذه الدراسة.
(1/574)

أ- نمط النضج المستمر Continuous Growth:
أظهرت الحالات التي اتسمت باستمرارية النضج، وتقدما نمائيا من مراهقتهم إلى شبابهم، ورجولتهم بطريقة هادئة، ودخلوا في حياة راشدة متكاملة, وهذه الحالات كان يكتنفها ظروف معينة مثل الخلفية الوراثية والبيئية الجيدة، ولم تتسم طفولتهم بوجود أشياء مثل الموت أو الأمراض الخطيرة للآباء أو الأقارب المحيطين بهم، كما أن نواة الأسرة بقيت كوحدة مستقرة أثناء طفولتهم ومراهقتهم, وتشير النتائج أن هذه الحالات تمكنت من اجتياز المراحل النمائية السابقة دون تثبت أو نكوص، وكانوا قادرين على التعامل مع المثيرات الداخلية والخارجية من خلال توحيد أو ائتلاف متوافق من العقل والتعبير الانفعالي، وبالإضافة فإن هذه الجماعة تقبلت المعايير الاجتماعية والثقافية العامة، وشعروا بالراحة والإشباع داخل هذا المضمون الثقافي وبالتالي لم يشعروا بالاغتراب سواء عن مجتمعهم أو عن ذواتهم بالإضافة إلى أنهم كانوا بمقدورهم إجراء تكامل لخبراتهم واستخدامها كمثير لعملية نضجهم ونمائهم.
وبإيجاز فإن هذه المجموعة من الشباب أظهرت صورة من صور التكيف الجيد فيما يتعلق بذواتهم وكذلك بالنسبة للمجتمع الكبير الذي يكتنفهم، كما ظهرت على سمات سلوكهم دلائل الرضا والإشباع، فلم يتسموا بالعدوان أو الدونية ولكنهم كانوا يتسمون بالثقة في ذواتهم والاستقرار والثبات، وباستمرارية نمائية واثقة معتدة, وجدير بالذكر فإن استقرار وثبات نمط حياتهم المبكرة الأولى أمدهم بالثقة في تعاملهم مع مستقبلهم، فقد كان يبدو عليهم إدراك ما سيأتي من أحداث وكيفية التعامل معها.
ب- نمط النضج الغامر أو الجياش Surgent Growth:
اختلفت هذه المجموعة عن المجموعة الأولى في كمية الصراعات الانفعالية التي خبروها وكذلك في نماذج حل هذه الصراعات، فقد ظهرت طاقتهم المتمركزة والموجهة نحو التحكم في مطالبهم النمائية، وبصورة أكبر من الجماعة الأولى "النضج المستمر", وبمرور الوقت وجد أن هذه الحالات لديها القدرة على التكيف بصورة جيدة، متكاملين في خبراتهم ويتقدمون في مدارج نموهم العادي، إلا أنه في أوقات معينة كان يبدو عليهم أمارات عدم النضج وعدم القدرة على السير قدما في مدارج نضجهم كما أن دائرة النمو والنكوص كانت أكثر ظهورا مما لدى الجماعة
(1/575)

الأولى، فالدفاعات التي استخدموها كالغضب والإسقاط كانت توحي بالمرضية إذا ما قورنت بدفاعات مجموعة النضج المستمر.
وتشير البيانات أن هذه المجموعة قد مرت بخبرات أكثر إيلاما من المجموعة الأولى "كالموت، أو الطلاق، أو الأمراض الخطيرة لبعض أفراد أسرتهم", كما شعر هؤلاء الشباب بأنماط من الصراعات مع آبائهم تجاه الاتجاهات والقيم، إذا ما قورنوا بالجماعة الأولى، كما خبروا تقلبات انفعالية مزاجية تتدرج من الثقة بأنفسهم إلى الاكتئاب، وعلى الرغم من أن شباب هذه المجموعة كانت لهم علاقة صداقة قوية، إلا أنهم كانوا يبذلون جهدا كبيرا لإقامتها وتكوينها، وكذلك في الاحتفاظ بأصدقائهم.
وتشير النتائج كذلك إلى أن نماذج تكيف هؤلاء الشباب كانت مناسبة حيث أقاموا أهداف طويلة المدى وعملوا في السعي إلى تحقيقها كما كان لزاما عليهم العمل بصورة أكثر جدية للاحتفاظ بتوازنهم واتساقهم أكثر مما وجد عند المجموعة الأولى.
ج- نمط النضج الصاخب المضطرب Tumultuous Growth:
كانت شباب هذه المجموعة يمثلون ما يوصف في كتابات سيكولوجية المراهقة بالعواصف والشدة والتوترات، أو ما يسمى بالشباب المغترب، فقد كان لديهم مشكلات في المنزل وفي المدرسة وأحيانا كانوا يتورطون في متاعب مع القانون.
وأظهرت هذه الحالات نماذج مضطربة مشاغبة أتت من بيئات أقل استقرارا من المجموعتين الأخيرتين، فبعض آباء هذه المجموعة كانت لديهم صراعات أسرية واضحة، والبعض الآخر من الآباء كان لديه تاريخا للمرض النفسي أو العقلي، ومن ثم فإن الخلفية الوراثية والبيئية لحالات النضج الثائر المضطرب كانت تومئ بالاختلاف عن تلك الموجودة للحالات في المجموعتين الأخيرتين، كما أنها أشارت إلى وجود اختلافات اجتماعية طبقية، فعلى الرغم من أن الدراسة تمركزت على الطبقة المتوسطة، إلا أنه وجد أن كثيرا من حالات هذه المجموعة كانت متمركزة في الطبقة الفقيرة، وبالتالي فإن عمل هؤلاء الشباب في بيئات متوسطة أو مرتفعة كان سببا من أسباب الإحباطات الإضافية التي واجهتهم في مجال أعمالهم.
(1/576)

وتشير البيانات أن هذه المجموعة من الشباب قد خبروا أحداثا مؤلمة غير سعيدة في حياتهم، كما أن علاقاتهم مع آبائهم كانت مليئة بالصراعات، وكثيرا منهم كان لديه أعراض مرضية إكلينيكية واضحة، وعلى الرغم من أن هذه المجموعة كانت لديها ارتباطات أسرية أحسن من التي توجد بين المرضى العقليين إلا أنهم كانوا أكثر عرضة إلى القلق والاضطراب الانفعالي، إذا ما قورنوا بشباب المجموعتين الأخيرتين، كما أن الإنجازات الأكاديمية لهؤلاء الشباب كانت منخفضة، حيث لم يكن لديهم الطموح لإحراز النجاح المهني في المستقبل، وبإيجاز فإن هذه المجموعة كانت من المراهقين والشباب التي اتسمت بالإيلام الأكبر والاغتراب الأكثر سواء عن ذواتهم أو مجتمعهم من حولهم.
وجدير بالذكر فإن أهمية هذه الدراسة يتمركز في إشاراتها إلى العلاقة الوثيقة بين حياة الأسرة ونمو المراهقين، فعلى الرغم من أن الحياة الأسرية المستقرة لا تضمن لنا تحرر المراهقين من أنماط الصراعات المختلفة إلا أنها تساعد على ذلك، وهذه الدراسة تشير أن المراهق الذي يكون في صراع مع أسرته, أو المراهقة التي تكون في صراع مع أسرتها, وكذلك مع المجتمع قد يكون شخصا مقولبا مفرطا مجهد لنفسه, كما أن أهمية هذه الدراسة كذلك في إشارتها إلى أن أغلبية المراهقين والشباب ينتقلون خلال المراهقة بدون حدوث أنماط مضطربة أو عواصف, وفي نفس الوقت يجب الاهتمام بتلك الفئة القليلة التي تشعر بالغربة والانفصال عن ذاتها وعن مجتمعها ومن نتائج هذه الدراسة كذلك أنها أشارت أن هذه النماذج الثلاثة من نمو المراهقة تؤثر في اختياراتهم المهنية المستقبلية التي يجرونها.
جملة القول، أن الغالبية العظمى من المراهقين يمرون من مراهقتهم إلى شبابهم دون الإحساس بالغربة عن الذات أو المجتمع, إلا أن هناك آخرين نجدهم يشعرون بالانفصال والبعد عن ذواتهم ومجتمعهم ويجب أن نحيط هؤلاء المراهقين والشباب بالرعاية ونساعدهم على تفهم ذواتهم تفهما سويا، وكذلك مجتمعهم من حولهم حتى ننقذهم من اغترابهم وانسلاخهم عن مجتمعهم، وسنلقي الضوء على هذه المشكلة، مشكلة اغتراب المراهقين والشباب وكيف نجعل لحياتهم معنى ولذواتهم قيمة وبالتالي يرتدون إلى ذواتهم ومجتمعهم.
(1/577)

الشخصية والنمو الاجتماعي:
فترة المراهقة تشبه فترة الرضاعة حيث نجدهما يتصفان بالنمو الجسمي السريع، وحدوث تغيرات رئيسية في هيئة الجسم ومظهره، وكذلك فترة سنوات ما قبل المدرسة من حيث حدوث توسيع وامتداد الآفاق الاجتماعية وانبثاق الفروق الشخصية، وتشبه من جانب آخر فترة الطفولة الوسطى حيث تتميز بازدياد التحرر والانطلاق من سلطان الأسرة، والتبدل المستمر من الاهتمام بنشاطات المنزل إلى نشاطات واهتمامات جماعة الرفاق ونشاطات المجتمع, أي إن فترة المراهقة يمكن أن نسميها بأنها تجسيد لجميع التغيرات التي حدثت في المراحل النمائية السابقة، فهي امتداد لما حدث لنمو الكائن الآدمي في الماضي.
كما أن معالم الجوانب النمائية أثناء فترة المراهقة تختلف بمرور سنوات المراهقة، فالمراهقة المبكرة والتي تتزامن تقريبا مع نهاية سنوات المدرسة الابتدائية في نظام التعليم المصري، عادة ما يهيمن عليها النمو الجسمي والجنسي المفاجئ وأثناء فترة المراهقة الوسطى والتي تتزامن مع نهاية سنوات المدرسة الابتدائية وبداية سنوات المرحلة الثانوية، نجد المراهق أثناءها يهتم بصورة أساسية بالحصول على الاستقلال النفسي من الآباء, ويتعامل مع الرفاق من الجنس الآخر، كما تظهر العلاقات الجنسية الغيرية، والمراهقة المتأخرة تبدأ تقريبا في نهاية سنوات المدرسة الثانوية وتستمر إلى أن يكون المراهق الإحساس المعقول بالهوية الشخصية وينشغل بأدوار اجتماعية محددة بالإضافة إلى أنظمة من القيم وأهداف في الحياة.
ولقد استعرضنا في سياق الفصل السابق النمو الجسمي السريع الذي يحدث في فترة المراهقة، وسوف نركز في ثنايا هذا الفصل على التغيرات النفسية والاجتماعية التي تحدث في فترة المراهقة، حيث نلقي الضوء على نضال المراهق من أجل الاستقلال، وتقدم المراهق نحو العلاقات الاجتماعية الناضجة، وتكامل الهوية الشخصية، كما سنستعرض نماذج سلوك دور الجنس، وسنناقش بالإضافة مفهوم الثورة أو العصيان في فترة المراهقة، وفجوة الأجيال، وسنتعرض في ثنايا هذا الفصل إلى بعض مشكلات النمو بصفة عامة سواء في فترة الطفولة أو فترة المراهقة، بعد ذلك نختتم برؤية عامة لحياة الإنسان ونموه.
(1/578)

النضال من أجل الاستقلال:
رأينا في الفصول السابقة نمو الاستقلالية عند الأطفال الصغار، والتي تبدأ من نضالهم الأولي في الجلوس والوقوف بأنفسهم بواسطة التحكم في مهاراتهم الحركية في سنوات ما قبل المدرسة، وشعورهم النامي بالكفاية والاعتماد على الذات أثناء فترة الطفولة الوسطى، كما أن نضال فترة المراهقة الوسطى للاستقلال ليس إلا جانبا من نشاطات الشخص اليافع، حيث تصبح غاية في ذاتها، فالمراهقون يناضلون للحصول على الحرية النفسية الكاملة من آبائهم، الحرية لكي يكونوا هم أنفسهم ولكي يحددوا قيمهم الخاصة، ويخططوا مستقبلهم، واختيار ملابسهم الخاصة, ورفاقهم، وسلواهم، والاحتفاظ بأشيائهم الخاصة، وانتماءاتهم وأفكارهم ومشاعرهم.
مصادر نضال المراهق للاستقلال:
إن انشغال المراهق الكامل واستغراقه في الاستقلالية ينشأ بصورة جزئية من النمو الجسمي والعقلي الذي يعتريه في هذه الفترة، وجزئيا من توقعات الآخرين من حوله, ففي الخامسة عشر والسادسة عشر عادة ما نجد المراهق يحصل على معظم طوله كراشد، ويكون قريبا من الوصول إلى ذروة قدراته العقلية، كما يمكنه الإنجاب، بالإضافة إلى تراكم المعلومات الضخمة لديه عن العالم الذي يحيط به، ويشعر بالكفاءة والقدرة لتسيير حياته الخاصة وبالتالي يجب أن يعامل كشخص راشد، ويحصل على إشباع كبير في امتحان قدرته وكفاءته ويحاول تكوين آراء حول أدوار الراشدين، وعادة ما نجد أشياء صغيرة تجعل المراهق متوترا ضجرا عند سماعه أي شخص يصغر من شأنه أو يستخف بآرائه أو يسلبه حريته.
ويعامل الآباء أحيانا مراهقيهم كما لو أنهم أقل قدرة وكفاءة وأقل مسئولية، لأسباب عديدة سنناقشها فيما بعد، وهم بسلوكهم هذا يعوقون نضج شخصية المراهقين، ومن جانب آخر نجد آباء آخرين يعززون نضال مراهقيهم للاستقلالية عن طريق تشجيعهم وتوقعاتهم منهم, وعادة لا نجد في المجتمعات المتقدمة الحد الفاصل بين فترتي الطفولة والرشد كما نجده في المجتمعات البدائية، حيث عادة ما نجد في الأخيرة استخدام طقوس وشعائر تستمر طوال الليل والنهار لإعلام الأطفال الصغار انتقالهم من أدوار الطفولة إلى أدوار البالغين Brown, J. k؛ "1975"، ومع ذلك فيوجد في الثقافات المتحضرة كذلك بعض من الشعائر البسيطة والتي
(1/579)

بواسطتها يعرف الأفراد الصغار فاعترافنا بهم، وشعورنا بأنهم على استعداد لتحمل مسئولية تحديد ذواتهم، فمثلا ترك المراهق لاختيار التعليم الذي يناسبه ويتفق مع ميله، بالإضافة إلى تمكنه من استخراج هوية شخصية وتصريح للعمل وترخيص لقيادة السيارة، وأن يعاملوا ويحاكموا كراشدين عند كسرهم القانون، كما يدرك المراهقون بأنهم يقتربون من السن الذي يمكنهم فيه التصويت والاقتراع في الانتخابات العامة، وتمنح بعض الأسر كذلك سلسلة متدرجة من الطقوس والشعائر الصغيرة في صورة قوانين ومبادئ أقل صرامة عن ذي قبل كاستخدام سيارة الأسرة أو الغياب عن المنزل، أو الذهاب إلى رحلات ومعسكرات خارج المدينة مع أصدقائهم، وهكذا، وعموما فإنه مع كل تصريح أبوي، نجد الآباء يعربون عن الثقة التي يولونها لنضج أطفالهم.
ازدواجية المشاعر لاستقلال المراهق:
قد نجد كلا من المراهقين الذين ينشدون الاستقلالية، وكذلك الآباء الذين يشجعونهم عليها، يخبرون بعضا من ازدواجية المشاعر Ambivalent عنه، وتؤدي هذه الازدواجية بين الفينة والأخرى إلى أنماط سلوكية متضاربة عند كل من الجانبين.
أ- ازدواجية مشاعر المراهق:
عندما يبدأ المراهق في التمتع بامتيازات جديدة، نجد بعض الآباء يأسفون على فقدان بعض المسئوليات التي كانت من اختصاصاتهم فيما مضى، ولكنها ذهبت من على كاهلهم الآن, ويتوقع المراهق أن يمنحه الأب مصروفا خاصا ويعمل بعضا من القرارات الحاسمة الخاصة به، ويتحمل بالتالي النتائج لأخطاء بعض القرارات، كما يعني التحرر كذلك من وجهة نظر المراهق التعامل مع المواقف الجديدة، والتي قد يشعر فيها بعدم الكفاءة وصعوبتها بالنسبة إليه، كتوقع تقديم طلبات الاستخدام، أو الاختيار في التعليم بين شعبتيه العلمية والأدبية, أو التعليم الفني, إجراء ترتيبات خاصة لمواعيد الطبيب، ويتعامل كراشد كذلك مع الباعة وجرسون المطاعم والمقاهي, وعادة ما نجد المراهق يلتمس طريقه خطوة فأخرى إلى أن يتمكن من تنمية الثقة بنفسه وبالتالي يسهل عليه التعامل مع هذه المواقف, ومن جانب آخر يجب عليه تحمل اللحظات المؤلمة العرضية لعدم الثقة والارتباك الذي يصيبه في بعض الأحيان, ولذلك فإننا نرى بعض الأوقات أن أغلب المراهقين الصغار يتوقون لأيام فترة الطفولة السعيدة
(1/580)

الخالية من الهموم، حيث كان الآباء يتولون القيام بهذه الأعمال نيابة عنهم.
وأحد نتائج ازدواجية مشاعر النمو، نجد المراهق يتردد في بعض الأحيان بين إتيان السلوك الناضج من جهة والسلوك الطفلي من جهة أخرى، فأحد الأيام قد يأخذ المسئولية الكاملة للعمل في الموقف الصعب, وقد يعود في اليوم التالي على أدراجه يائسا إلى الأب لحل مشكلة بسيطة قد تعترضه، وقد يظهر في بعض الأحيان أحكاما صائبة مذهلة، وقد يعمل في أحايين أخرى بصورة اندفاعية هوجاء وبقليل من الاحترام للآخرين، ويشير كل من Beres, D؛ "1961"، Keil, N؛ "1964" أن هذا التأرجح في مستوى نضج المراهقين لا يعكس أية تغييرات ذات دلالة في قدرتهم الأساسية للاستقلالية، حيث إنها تعتبر علامة أو إشارة تقريبية إلى مدى قوة وشغف المراهقين في أن يصبحوا راشدين من جانب، وشغفهم أو حنينهم السابق في أن يبقوا أطفالا من جانب آخر.
ازدواجية مشاعر الآباء:
عادة ما يستمتع الآباء برؤية أطفالهم ينمون ويدخلون فترة المراهقة، ويستقبل بعض الآباء هذه الأوجه النمائية لمراهيقهم بفرح ورضا فقد يفتخرون بصحة أطفالهم وإنجازاتهم ومظهرهم؛ لأن ذلك في جوهره يعكس أهليتهم وجدارتهم كآباء، ويكون لديهم إشباعا كذلك برؤية مراهقيهم أكثر نضجا وذكاء عما كانوا عليه فيما مضى أثناء طفولتهم، ولديهم توقعات بأنهم سوف يحيون حياة الراشدين المكافئة، بالإضافة إلى أننا نجد بعض الآباء ينظرون إلى تقدم أطفالهم نحو فترة المراهقة أو الرشد بترحاب ورضا لأنهم سوف يكونون أحرارا في أداء أعمال معينة والتي كانوا يشعرون بعدم القدرة على أدائها عندما كانوا أطفالا حيث كانوا صغارا معتمدين عليهم، لا يمكنهم التحرك أو الانتقال بمفردهم.
ومن جانب آخر فإن ازدياد استقلال المراهقين والتعرض إلى الأخطار المحتملة، والأشياء المثبطة المخيبة للآمال يؤدي بكثير من الآباء إلى التوتر والقلق فأغلب الآباء ينزعجون ويقلقون بالكيفية التي يتعامل بها المراهقون مع الإحباطات الأكاديمية والاجتماعية، وكذلك كيفية تعاملهم مع الجنس والتدخين والعقاقير، وتشير نتائج دراسة Nostalgia أن الآباء قد يشاركون أبناءهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا بعضا من الشوق والتوق
(1/581)

للعودة إلى الماضي، إلى السنوات المبكرة في فترة طفولتهم، عندما كانت الحياة أقل تعقيدا وتركيبا بالنسبة لكل منهما.
وقد تكون فترة المراهقة بمثابة خبرة مؤلمة صعبة لبعض الآباء "وللأمهات بصورة خاصة" اللاتي يتباهين بدورهن الأموي، وبالتالي يعطن تنشئة الطفل ونموه الأولوية المطلقة في حياتهن اليومية، وبالنسبة لهؤلاء الآباء أو الأمهات يصبح نضج مراهقيهم إشارة إلى نهاية دورهم في الحياة، كما نجد بعض الآباء يشعرون بالحزن كلما اقترب أطفالهم من المرحلة التي ينتقلون فيها من سلطتهم، تاركين المنزل وراءهم فارغا إلى حد ما، وأقل هدوءا، وأقل انتقادا ووجود استثارة للصغار ومعادل لما سبق فإن نمو أطفالهم ونضجهم ما هو إلا دليل واضح للآباء بأنهم قد كبروا وأصبحوا أكبر في السن مما مضى Anthony Ravenscroft, k؛ "1970".
وبسبب هذه المشاعر والأحاسيس المختلطة، فقد يظهر الآباء اتجاهات شاذة غريبة نحو استقلال مراهقيهم، فقد نجدهم بين الفينة والفينة يعاملون مراهقيهم الذكور أو الإناث كأطفال غير أكفاء كليلة، وفي أحايين أخرى يعاملونهم كراشدين، وبطبيعة الحال فإن المراهقين ليسوا أطفالا وكذلك ليسوا راشدين بعد، وما يحتاجونه عادة هو الخبرة المتدرجة في الاستقلالية والتي يحترم فيها الآباء قدراتهم، إلا أنهم في نفس الوقت يكونون على استعداد لمساعدتهم وتدعيمهم عندما يدخلون في مواقف لا يمكنهم التعامل معها.
نماذج السلطة الأبوية:
إن الآباء الذين يمكنهم وضع ضوابط معقولة على مراهقيهم، وفي نفس الوقت يعطونهم الفرص المتزايدة بصورة تدريجية للاستقلال، عادة ما يسهمون بصورة فعالة في تدعيم ثقة المراهقين بأنفسهم، بالإضافة إلى ضبط ذواتهم والقدرة على الاعتماد على أنفسهم وقدراتهم لعمل الأحكام الناضجة، وعلى نقيض ذلك نجد الآباء الذين يتحكمون بصورة مفرطة ويتسمون بالصرامة والجمود عادة ما نجدهم يميلون إلى الإضعاف التدريجي من ثقة مراهقيهم بذواتهم وقدرتهم على الاستقلالية، ومن جانب آخر نجد الآباء الذين يتصفون بالتساهل بصورة عالية وعدم القدرة على التحكم وضبط مراهقيهم يجعلون من الصعب عليهم تعلم المسئولية والثقة والاعتماد على أنفسهم.
(1/582)

وتشير نتائج دراسة Baumrind الموسعة والتي اهتمت بدراسة نماذج السلطة الأبوية على الأطفال والمراهقين، أن الآباء الذين يجعلون أطفالهم في مرحلة ما قبل المدرسة بطريقة موثوق فيها جديرة بالاحترام والقبول يكونوا أقرب إلى تدعيم خصائص تأكيد الثقة والاعتماد على الذات عند أطفالهم، وذلك أكثر من الآباء الذين يتصفون إما بالتسلط أو التساهل مع أطفالهم، ولقد ميزت Glen ثلاثة أنماط للسلطة الأبوية عن طريق قياس إدراك المراهقين للسلطة الأبوية نوجزها فيما يلي:
أ- النمط الاستبدادي Autocratic:
وهم الآباء الذين لا يسمحون للمراهقين أن يعبروا عن وجهات نظرهم في الموضوعات المرتبطة بأنماط سلوكهم كما لا يسمحون بتعديل أو ضبط سلوكهم الخاص بهم في أي اتجاه ما عدا المرسوم إليهم.
ب- النمط الديمقراطي Dernocratic:
ويتسم هؤلاء الآباء بتشجيع مراهقيهم على الاشتراك في المناقشات المرتبطة بأنماط سلوكهم على الرغم من أن القرار النهائي عادة ما يصدق عليه بواسطة الآباء.
ج- النمط المتساهل Permissive:
ويتسم هؤلاء الآباء بأن لمراهقيهم تأثير أقوى في اتخاذ القرارات التي تهمهم أكثر مما يكون للآباء عليهم.
وبالتأمل إلى البيانات الضخمة التي جمعت في هذه الدراسة سواء من المدارس الثانوية أو الجامعة، تشير هذه البيانات إلى ثلاث علاقات ذات معنى ودلالة بين النموذج الأبوي المدرك وبين اتجاهات المراهقين يمكن إيجازها فيما يلي:
1- المراهقون الذين أدركوا آباءهم يتسمون بالديمقراطية في ممارسة سلطاتهم، وكانوا أكثر ميلا للتعبير عن الثقة في أنفسهم والضبط والتحكم، أكثر من هؤلاء المراهقين الذين كانت وجهة نظرهم عن آبائهم كأباء يتصفون بالتسلط أو التساهل.
2- المراهقون الذين نشئوا في جو ديمقراطي، كانوا أكثر ميلا للتشبه
(1/583)

بآبائهم عن هؤلاء الذين نشئوا سواء في جو استبدادي أو جو متساهل.
3- المراهقون ذوو الآباء الديمقراطيين، كانوا أقل ميلا في الشعور بالنبذ، أو أنهم أشخاص غير مرغوب فيهم, إذا ما قورنوا بالمراهقين ذوي الآباء الاستبداديين أو المتساهلين، خاصة عندما يأخذ التساهل أو التسامح شكل إغفال كل شيء يفعله المراهق.
ولقد وسعت أعمال الدر Elder السابقة في دراسة مطولة على أكثر من 2300 طالب في المدارس الثانوية والجامعة بالولايات المتحدة الأمريكية على يد Lerser & kandel؛ "1970"، وتشير نتائجهما أن ما يقرب من 48% من المراهقين الأمريكيين يدركون السلطة الأبوية كسلطة استبدادية، وما يقرب من 35% يدركونها كسلطة ديمقراطية والبقية وهي 17% يدركونها كسلطة متساهلة متسامحة, كما كان ينظر عادة إلى الآباء على أنهم يتصفون بالتسلط في حين كان ينظر إلى الأمهات بصورة عامة باتصافهن بالديمقراطية "انظر جدول رقم 1" وهذه النتائج متسقة مع الأدلة التي تشير إلى أن الأطفال يميلون إلى النظر إلى آبائهم كصارمين متزمتين، وينظرون إلى أمهاتهم بأنهم أكثر عطفا وتدعيما وحماية وأكثر تمركزا حول الطفل.
جدول رقم "1"
يوضح إدراكات المراهقين لنماذج السلطة الأبوية
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/584)

وتشير كذلك النتائج أن الآباء الذين يتصفون بالتساهل أو التسامح Permissiveness لا ينتجون أحاسيس ومشاعر قوية لدى مراهقيهم وأطفالهم بسبب إعطائهم الاستقلالية، بل على نقيض ما يعتقده بعض الآباء والمراهقين، وبالأحرى وكما اتضح من الجدول رقم "2" أن المراهقين يشعرون بديمقراطية آبائهم عندما يتصف الآباء بعدم السيطرة والانسحابية في عمل القرارات الملائمة المتعلقة بأنشطة المراهقين، فمن مجموعة المراهقين الذين نظروا إلى أن آباءهم ديمقراطيون تشير النتائج أن 82% منهم اعتقدوا بأنهم يعطونهم الحرية الكافية، وأشار 44% بأنهم يجب أن يعاملوا كراشدين بصورة أكبر، وعلى نقيض ذلك وجد أن 58% من المراهقين الذين نظروا إلى آبائهم كمسيطرين أو متسلطين شعروا بأنهم قد منحوا حرية كافية، كما أشار 64% من المجموعة المسيطرة المستبدة إلى أنهم يجب أن يعاملوا كراشدين بصورة أكبر مما هم عليه, وتشير النتائج بالجدول رقم "3" أنه كلما مال الآباء إلى تفسير قراراتهم كلما شعر المراهقون بإعطائهم حرية أكبر كما أنهم يعاملون كراشدين.
(1/585)

جدول رقم "2"
يوضح العلاقة بين مشاعر الاستقلال والسلطة الأبوية المدركة والتفسيرات الأبوية للقواعد والمبادئ للمراهقين
إسكانر
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/586)

يوجد هنا جدول رقم 3 يجب سحبه سكانر
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/587)

وكخطوة أبعد في الدراسة السابقة، حاول الباحث مقارنة أحاسيس المراهقين ومشاعرهم بالحرية وبين اتجاهاتهم نحو آبائهم, وتشير نتائج هذه الدراسة أن أولئك الذين اعتقدوا بأن لهم حرية كافية مع آبائهم، كانوا أقل ميلا بصورة عامة إلى النظر إلى آبائهم كطراز أو نمط قديم، كما لم توجد مشكلات توافقية مع آبائهم إذا ما قورنوا بالمراهقين الذين كانوا يأملون في حرية أكبر من آبائهم.
نمو العلاقات الاجتماعية الناضجة:
يعطي المراهقون انتباها متزايدا للانتماء لجماعة الرفاق وإلى علاقاتهم مع الجنس الآخر كجزء من نضجهم الاجتماعي, وعلى الرغم من أن هذه الجوانب من العلاقات الشخصية التبادلية تتداخل إلى حد كبير بعضها مع البعض الآخر، إلا أن كلا منها له تضمينات منفصلة على نمو الشخصية, ومن جانب آخر فإن النضج الاجتماعي لا يؤثر فقط في كيفية تعامل المراهقين مع حاجات الجنس والأمن والألفة والمودة فقط, ولكن يؤثر كذلك في كيفية شعورهم وأحاسيسهم عن أبويهم.
الانتماء لجماعة الرفاق:
يتفاعل المراهقون كما لو أنهم في فترة نمو انتقالية للبحث عن التكافل والتضامن تحت مسئولياتهم الخاصة، فمنذ فترة ليست ببعيدة كانوا يشعرون بالإشباع والرضا في معاملتهم كأطفال، ومع ذلك فإنهم يشعرون بعدم تقبلهم كراشدين، وبالتالي نجدهم يسعون لإقامة جماعات وثقافات خاصة بهم، حيث توفر لهم الفرص في تقاسم والاشتراك في المسئولية لتسيير أمورهم الخاصة، بالإضافة إلى أنهم يخبروا سويا طرق التعامل مع المواقف الجديدة، وأن يتعلموا من أخطاء بعضهم البعض، ومن المهم أن يكون لهم جماعة في مثل عمرهم الزمني حيث يوفر ذلك للمراهقين جماعة مرجعية تعيد إليهم تأكيد ذواتهم كما أنها تكون مصدرا لمرور الهوية من مرحلة المراهقة إلى مرحلة الرشد Mays, J.B؛ "1971"، Seiden, A. M؛ "1976".
وعادة ما تتكون ثقافات المراهقين من قيم متفردة يشترك فيها الأفراد الصغار ويؤيدونها وبالتالي تعطيهم الإحساس بالانتماء لجماعة متطابقة، وتتضمن هذه القيم الأذواق في الملبس، أو اللهجة، الموسيقي، نشاطات أوقات الفراغ والتي نادرا ما يتقاسم فيها الكبار من حول المراهق
(1/588)

أو يثنون عليها, وتشير كثير من الدراسات أن تفرد المراهقين الظاهري يعكس استياءهم ونفورهم من الراشدين من حولهم فقد نستمع أحيانا المراهقون يقولون لبعضهم البعض "لا تثق أو تصدق أي فرد أكبر من الثلاثين" كما نجدهم يستهجنون بعض النظم الاجتماعية وأصول وآداب السلوك والاحتشام واحترام السلطة، وعلى الرغم من أننا سوف نتناول هذه الظاهرة في نهاية هذا الفصل إلا أنه يجب الإشارة هنا إلى أن هذا الخواء الثقافي الذي يشعر به المراهقون يرجع في جانب منه إلى السياسة غير الناضجة التي يتعامل بها الراشدون مع سلوك وأفعال المراهقين.
فمعاملة الراشدين تدخل الصورة كوظيفة لدور المراهق الجديد وتشير نتائج دراسات Weiner, I. B؛ "1972", Mays, J. B؛ "1971" أن ما يفعله المراهقون من ثمة أشياء كالملابس، والتسجيلات الموسيقية والأشياء المثيرة التي تبتكر لجذب ولع المراهقين، فإن الراشدين يقع عليهم عبء توجيه المراهقين ويجب أن يكون تأثيرهم أكثر من تأثير السينما والجرائد والمجلات وبرامج التليفزيون، وهذا لا يتأتى إلا بتفهم حاجات المراهقين ومخاطبتهم على قدر عقولهم حتى نعمل على التأثير فيهم بالوجهة المرغوب فيها، وعموما فمنذ فترة الطفولة الوسطى إلى منتصف فترة المراهقة عادة ما يعزى الاهتمام بجماعة الرفاق إلى حاجات المراهقين للتقمص Identification أو التذوت مع الجماعة ومع نضالاتها من أجل الاستقلال, وبسبب أن المراهقين يرغبون في البحث عن هويتهم والشعور بشخصياتهم نجدهم يجدون من الصعب تحقيق ذلك في الكيان الأسري، وبالتالي فهم لا يثقون بصورة كلية ولا يعتمدون كليا على الآباء في منحهم المودة والتقدير، ومن جانب آخر فإن شعورهم بعدم الرغبة في الظهور بالاعتمادية المطلقة على آبائهم، نجدهم ينظرون إلى جماعة رفاقهم ويتجهون إليها ليحظوا بالتقبل.
عوامل الشعبية:
أثناء فترة المراهقة عادة ما نجد تقبل الرفاق والشعبية تكون بسرعة وبيسر كما لاحظنا ذلك أثناء فترة الطفولة الوسطى، كما أن ذلك يتوفر ويكون سريعا بالنسبة للمراهقين ذوي الجاذبية الجسمية والأذكياء والواثقين بذواتهم والمراهقين الذين يتسمون بالنشاط والطاقة العالية، ذوي الإغراء في المواقف الشخصية المتبادلة، وعلى نقيض ذلك نجد المراهقين الذين لا يتسمون بالجاذبية أو الذكاء، والذين لا يثقون في أنفسهم، والذين يخافون
(1/589)

من نبذ الرفاق لهم، عادة ما نجدهم يميلون إلى السلوك في مناح تجعل مخاوفهم حقيقة واقعة فبعض المراهقين غالبا ما يشجعون النبذ والسخرية عن طريق انسحابهم من جماعة رفاقهم وذلك لأنهم يتسمون بالجبن أو بالأعصاب الثائرة المتوترة، ويشعرون بالدونية مع رفاقهم وتكون وسائلهم في البحث عن الانتباه والتقبل من خلال الخنوع والاستسلام أو السذاجة والبلاهة أو بمحاولة إخفاء مشاعرهم بعدم الكفاءة بالسخرية والتهكم والتحدث بصخب وعنف والتظاهر بالشجاعة.
كما نجد استمرارية أو عدم استمرارية في تقبل الرفاق ما بين فترة الطفولة وفترة المراهقة، حيث نجد طفرة النمو التي تحدث في المراهقة قد تغير من شكل وهيئة المراهق أوالمراهقة فالفتاة التي تكون قبل مراهقتها غير جذابة فإنها قد تزدهر فجأة داخل مراهقة جذابة وتكون بالتالي محبوبة ذات شعبية في وسط رفاق سنها، وبصورة مماثلة نجد الطفل الذي كان نحيلا ضعيفا قبل المراهقة، قد ينبثق في مراهقته بنمو مفاجيء كشخص طويل ذو عضلات, وبالتالي يدعم تصوره عن ذاته ويحظى بتقدير واحترام جديدين من رفاق مراهقته, وفي نفس الوقت فإن الطفل الذي كان له شعبية فيما مضى ولكنه يبقى طفوليا من الناحية الانفعالية بينما نجد رفقاه يتعلمون العمل بطرق أكثر نضجا، هذا الطفل قد لا يحظى طويلا بصداقة أو بالرفقة أثناء مراهقته, ولهذه الأسباب فلقد وجد تغير اختيارات الصداقة بصورة كبيرة خلال السنوات المبكرة من فترة المراهقة Horrocks, J. E & Others؛ "1966".
ولحسن الحظ، فالبنسبة لمعظم المراهقين عادة ما نجد عالمهم المتسع يعطيهم الفرص الجديدة لاكتشاف مدى قدرتهم على العمل الجيد وبالتالي في أن يصبحوا معروفين داخل جماعتهم، فالولد الذي كان قصيرا جدا ولا يمكنه لعب كرة السلة مثلا في فترة الطفولة الوسطى قد يصبح نجما في فريق الكرة بالمدرسة الثانوية في نفس الرياضة السابقة، كما أن الفتاة التي كانت ذات موهبة لفظية أو غنائية والتي كانت كامنة أثناء فترة المدرسة الابتدائية قد تصبح مغنية أو ممثلة مسرحية في المدرسة الثانوية, كما أن الأطفال الصغار ذوي القدرات العقلية المحدودة في المدرسة الابتدائية قد يكون أداؤهم عاليا في النشاط غير العلمي الذي توفره المدرسة الثانوية كالميكانيكا أو اقتصاديات المنزل أو الأعمال السكرتارية ومع هذه الإمكانات فإن المراهقين قد يمكنهم تنمية أحاسيس قيمة
(1/590)

ذواتهم، والثقة في أنفسهم، والتي لم يشعروا بها في مرحلتهم النمائية السابقة، وفي نفس الوقت يعززون ويدعمون مركزهم بين جماعة رفاقهم.
ثبات الأصدقاء:
على الرغم من تبدل وتغير اختيارات الصداقة أثناء فترة المراهقة المبكرة إلا أننا نجدها تميل إلى الثبات والاستمرار بصورة متزايدة منذ الطفولة الوسطى حتى مرحلة الشباب، وتشير دراسات هوركس Horrocks وزملائه "1951" إلى التقلب لدى الأطفال في اختيار أصدقائهم، وكانت الوسيلة في ذلك أن طلب من الأطفال في أعمار زمنية مختلفة كتابة ثلاثة أسماء من أحسن أصدقائهم وأعادوا طرح هذا السؤال بعد أسبوعين، ويشير الشكل "1" بدليل لمدى التقلب للأولاد والبنات الذي يتراوح أعمارهم ما بين الخامسة والثامة عشرة في علاقات صداقاتهم بعضهم مع البعض، ويعكس الشكل كذلك وبصورة واضحة الميل نحو الاستقرار والثبات في اختيار الصداقة كما تقدم الطفل في عمره الزمني.
(1/591)

ميول الجنسية الغيرية والتزاوج:
من أكثر الجوانب أهمية في العلاقات الشخصية المتبادلة والتي تنبثق أثناء فترة المراهقة هو الميل إلى الجنس المغاير، وتشير نتائج دراسة Grinder؛ "1966" إلى ثلاثة عوامل تسهم في بدايات الميل الجنسي للجنسية الغيرية في هذه الفترة، ويمكن إيجازها فيما يلي:
1- التغيرات الهرمونية التي تحدث أثناء فترة البلوغ، تثير أحاسيس جنسية لدى كل من الذكور والإناث وبالتالي تدفعهم للبحث عن صداقة وصحبة كل منهما للآخر.
2- عادة ما ينظر المراهقون لعلاقات الجنس الغيرية كمظهر أو جانب من نموهم وبالتالي تكون ذات قيمة بالنسبة لهم في الإحساس بذواتهم.
3- توقع الآباء والرفاق من المراهقين الاهتمام بالجنس المغاير، وقد يكون للآباء بعض التحفظات عن وقت التزاوج لأولادهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا، إلا أنهم عادة ما يصبحون مهتمون أو قلقون في بعض الأحيان إن لم تظهر لدى طفلهم المراهق الميل نحو الجنس المغاير.
وعندما تسأل المراهقين: لماذا يستمتعون بالالتقاء بالجنس الآخر نجدهم عادة ما يعطون واحدا أو أكثر من الأسباب الآتية:
1- لتأكيد الاستقلالية.
2- لإحراز المركز وسط جماعة الرفاق.
3- للبحث عن الإشباعات الجنسية.
4- في أن يكون لهم أصدقاء.
5- للاشتراك في نشاطات الجنس الآخر.
وجدير بالذكر فإننا نلاحظ أنه كلما تقدم المراهق في عمره الزمني كلما كان دءوبا إلى الفتاة الثابتة والموثوق بها حتى يمكنه في آخر الأمر الاقتران بها, وعلى الرغم من جاذبية هذا العلاقات مع الجنس الآخر إلا أنها تبطئ تدريجيا بسبب اهتمام المراهق بتكوين جماعة رفاق من المراهقين وبالتالي نجدها تكون مصدرا من مصادر الصراع والقلق عند المراهقين.
(1/592)

مراحل تكوين الجماعة ونمو الجنسية الغيرية:
صور لنا D. Dunphy في تحليل واسع للبناءات الاجتماعية عند المراهق حيث نلاحظ في بداية مرحلة المراهقة عادة ما يقف البنين والبنات كل منهم بجوار الآخر في جماعات، والتي لا نجدها في مرحلة الطفولة الوسطى، وفي المرحلة الثانية يبدءون في التفاعل داخل جماعات من بنين وبنات، وبعد ذلك يدخلون مرحلة ثالثة نجد فيها تحولا، فغالبا ما نشاهد أزواجا من البنين والبنات، وفي نهاية فترة المراهقة يتحول ذلك ويعود مرة أخرى إلى ازدواج المراهقين والمراهقات حيث يكونون في علاقة قريبة بعضهما مع البعض وبالتالي قد يفقد المراهق في هذه الفترة الارتباطات مع الأزواج الأخرى.
وهذا يعني أن الأولاد والبنات الذين يكونون في مرحلة ما قبل المراهقة لا يجدون ما يفعلونه سويا، ولكنهم يبدءون في مراهقتهم المبكرة في تنظيم الحفلات والتي من خلالها يختبرون أحاسيسهم ومشاعرهم الجديدة بحذر شديد، فقد يستمعون إلى التسجيلات سويا، ويذهبون في رحلات جماعية، وقد تصل الأمور إلى أكثر من ذلك في بعض الأحايين، وكل ذلك يكون ضمن محتوى نشاط الجماعة بدون أن يتطلب ذلك تواجدهم في أزواج سويا، وتتدرج هذه العلاقات فقد نجدهم يضربون المواعيد بعضهم مع البعض الآخر للقاءات في أزواج ويعني ذلك أن شئونهم الاجتماعية تصبح متمركزة على شريك واحد وليس على جماعة من الذكور والإناث، وبمرور الوقت فإننا نجد أن أخذ المواعيد المتعمدة وأحيانا قد تأتي عن طريق الصدفة، تميل إلى أن تكون أكثر تكرارا عن ذي قبل وقد تتحول إلى التنزه سويا.
وتشير نتائج دراسة Douvan؛ "1966" أنه على الرغم من أن نتيجة هذه المراحل ليست متماثلة، إلا أننا نجد أن عمر الانتقال أو التحول من فترة إلى أخرى يختلف، فأغلب الإناث في الولايات المتحدة الأمريكية يبدءون ضرب المواعيد في الرابعة عشر تقريبا، في حين نجد الذكور يتأخرون إلى ما بعد هذا السن، فغالبا ما يكون بعد الإناث بعامين تقريبا، وحيث أن تبادل المواعيد يكون في جوهره علاقة اجتماعية محدودة بواسطة معايير الثقافة ولا يكون نتيجة للنمو البيولوجي، وعموما وكما ذهبت نتائج الدراسة السابقة أن الاختلافات في النضج الجسمي يبدو أنها ذات تأثير ضعيف على الوقت الذي يبدأ فيه المراهقون والمراهقات للالتقاء وضرب المواعيد بعضهم مع البعض الآخر.
(1/593)

شكل رقم "2" يوضح مراحل نمو الشخصية عند إريكسون ومراحل النمو العقلي عند جان بياجيه
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/594)

وكظاهرة ثقافية، فإن نماذج التلاقي تختلف تبعا للطبقة الاجتماعية للمراهقين، وكذلك النواحي الثقافية التي تكتنفهم، فمثلا في المناطق الحضرية يميل المراهقون والمراهقات إلى أن يكونوا أكثر تبكيرا في التلاقي وضرب المواعيد بعضهم مع البعض الآخر، إذا ما قورنوا بأقرانهم في المناطق الريفية, كما أن المراهقين في الطبقة المتوسطة يميلون إلى أن يبدءوا هذه اللقاءات الثنائية بصورة أكثر تبكيرا عن المراهقين في الطبقة الدنيا Lowrie, S. H؛ "1961" كما أن الطبقة الأخيرة تميل إلى إتمام مراسيم الزواج بصورة أسرع من المراهقين في الطبقات الأخرى في حين نجد الطبقة الأعلى يميل المراهقون فيها إلى التلاقي بصورة أطول قبل أن يصبحوا أزواجا.
مصادر قلق الالتقاء بالجنس الآخر:
عادة ما ينتاب المراهق القلق عندما يقرر أن يسأل فتاة معينة للالتقاء معها فكلما كانت هذه الفتاة تتصف بالدماثة والجاذبية كلما شعر بالسعادة والشعبية لقبولها موعده, إلا أنه قد يصاب بالانكماش أو الانطواء في حالة رفضها لطلبه، ويمكن للمراهق أن يتجنب هذا الصراع الإقدامي الإحجامي بعدم محاولته أخذ أية مواعيد إلا أنه في نفس الوقت قد يشعر بحرمان نفسه من فرص إقامة العلاقات مع الجنس الآخر.
كما تجابه المراهقة مشكلات متشابهة، حيث إنها قد تطلب للالتقاء من أكثر من شخص، وينتابها الحيرة في قبول, أي منهما كما أن الفتاة التي ترغب في الذهاب مع زميل يجب أن تتظاهر بالحياء والخجل وتكتم أحاسيسها ومشاعرها الحقيقية عنه، بالإضافة إلى أنه عندما تطلب فتاة من قبل شخص لا تشعر نحوه بأية علاقة نجدها في صراع هل تقبل لمجرد أن تشبع رغبتها في أن يكون لها صديقا، أو ترفض على أمل أن يطلبها شخص آخر تميل إليه Place, D. M؛ "1975".
ولقد أشارت أبحاث مسحية عديدة مثل. Breed, w؛ "1956", Seodem. A. M؛ "1976" أن أغلب المراهقين عادة ما يشعرون بعدم الأهلية حين الالتقاء بالجنس الآخر، ففي البداية على الأقل قد يحسون بالخجل والقلق والاضطراب، والخوف في بعض الأحيان، ففي إحدى هذه الدراسات السابقة Seiden أشارت النتائج على 1500 طالب من المدرسة الثانوية إلى أن ما يقرب من ربع عدد الطلاب الذكور وثلث عدد الإناث قد شعروا
(1/595)

بالإخفاق في ضرب موعد للقاء مع الجنس الآخر، وعلى الرغم من أن هذه الاهتمامات وهذا النوع من القلق الذي ينتاب المراهقين عادة ما تكون ساذجة وغير منطقية، إلا أننا يجب أن نشير إلى أن الالتقاء الناجح مع الجنس الآخر يمكن أن يكون محددا حاسما لأحاسيس المراهقين لتقدير ذواتهم والانتماء لجماعة الرفاق، فالمراهقون الذين لا يلتقون مع الجنس الآخر أو يتم اللقاء في جو قلق مضطرب عادة ما يميلون إلى الشعور بالدونية مع أقرانهم الأكثر أهلية واجتماعية.
(1/596)

سادسا: الإرشاد النفسي للمراهقين
إن معظم الجهود الموجهة لمنع ومعالجة الجنوح لم تحقق النتائج المنتظرة منها، وعلى أي حال فيجب أن نلاحظ أن تلك الجهود، حتى تلك التي تحاول استخدام الحلول الممكنة قد ركزت بصورة كبيرة على الشباب الذين لديهم مشكلات خطيرة فالكثير من الطرق التقليدية كالعقاب والوضع في المؤسسات والسجن قد جعلت بصورة عامة الأمور أسوأ مما كانت عليه، لأنها قد تخضع المراهق أو الشاب لصدمة نفسية وخبرات غير سارة، بينما تمده بقليل أو بلا شيء من المساعدة النفسية والتعليمية والترويجية.
وعموما فلا توجد حلولا سحرية لمشكلة الجنوح المتزايد، ولكن يبدو أن الجهود في المستقبل سوف تؤكد على عملية منع الجنوح منذ بدايته والتي تتمثل في برامج الإرشاد الوقائي فالتعرض للبرامج الشاملة للعناية النفسية والمهنية والتربوية التي تهدف إلى تطوير إمكانات المرهقين والشباب, وجدير بالذكر فإن الجنوح لا يعتبر مرضا في حد ذاته، ولكنه عرض لمشكلات أساسية اجتماعية ونفسية واقتصادية وتعليمية ترويجية وجسمية وأيضا فلسفية, كما أن جميع البرامج الإرشادية النفسية التي توجه للوقاية أو علاج الجنوح لا تأتي بالثمرة المرجوة منها، طالما لم تبذل المجهودات الصادقة لتحسين الظروف الاجتماعية التي يحياها المراهقين والشباب والتي تعتبر الأساس المغذي للجنوح، فالفقر، والتدهور الاقتصادي وفقدان المعنى عند المراهقين والشباب، واضطراب تكوين الهوية والصراعات المتزايدة التي يشعر بها الشباب، وعدم وضوح الهدف والانسلاخ عن المجتمع، وعدم توفر القدوة الصالحة، كل هذه العوامل إن لم يوجه إليها جهود صادقة لاحتوائها وتداركها فإن معدل الجنوح سوف يتزايد يوما بعد يوم.
(1/596)

الاضطرابات النفسية والسيكوفسيولوجية
مدخل
...
الاضطرابات النفسية والسيكوفسيولوجية:
تميل الاضطرابات النفسية والسيكوفسيولوجية إلى الظهور أثناء المراحل الانتقالية في حياة المرء والتي تتميز باضطراد النمو الجسمي والنمو المعرفي أو التغيرات التي تحدث في المطالب الأبوية والاجتماعية والتي تؤدي بصورة مؤقتة إلى تعويق توازن واتزان الفرد، وتؤثر جميع هذه العوامل في بداية فترة المراهقة، وبعض من هذه الاضطرابات قد تكون حتمية ومتعذرة الاجتناب، ولكن إلى أي مدى ستكون حدة تلك الاضطرابات والصورة التي ستكون عليها، والوقت الذي ستحدث فيه، كل تلك المظاهر تعتمد على العديد من العوامل، فإن طبيعة تكيف المراهق السابق والضغوط التي تجابهه أثناء سنوات المراهقة قد تؤثر في طبيعة تلك الاضطرابات، وقد تكون تلك الاضطرابات بالنسبة لبعض المراهقين ليست بذات أهمية ولا تدوم طويلا، وقد تكون للبعض الآخر شديدة وحادة وقد تؤدي إلى أعصبة نفسية معوقة أو حتى إلى اضطرابات ذهانية.
والجدير بالذكر، فإننا لا نستطيع في هذا المقام إلقاء الضوء على المجال الكامل لاضطرابات فترة المراهقة من حيث أسبابها ومتطلباتها العلاجية الخاصة، إلا أن الذي سوف تركز عليه في هذا الموجز، هو بعض أشكال الاضطرابات الهامة والرئيسية التي تحدث في فترة المراهقة، مع بعض الملاحظات الإرشادية والعلاجية لوقاية وعلاج مراهقينا.
(1/597)

القلق:
إن بعض مشكلات المراهق قد يسهل تفهمها فالمراهق الذي يسعى لبناء علاقة متبادلة متكافئة مع أعضاء جنسه أو الجنس المخالف والذي يقابل دائما بالرفض أو التوبيخ، قد يصبح قلقا وغير واثق من نفسه، ومن التفاعلات الاجتماعية وبالتالي يميل إلى الانسحاب والعزلة.
ويصعب علينا تقدير ما ينتاب المراهق من اكتئاب بسبب فقد والده أو شخص عزيز عليه، والقلق الحاد والأحلام المزعجة لمراهق قد مر حديثا بخبرة مؤلمة أو سيئة ومع ذلك، فإن أنواع أخرى من الأعراض ليست من السهولة تفهمها، ويرجع ذلك إلى أن المصادر الرئيسية لهذه الأعراض "مثل الخوف من فقدان الحب، أو الخوف من وجود مشاعر غاضبة أو دوافع جنسية غير مقبولة، أو فقدان الإحساس بالهوية الشخصية"، عادة لا يعبر عنها بطريقة شعورية، حيث نجد المراهق يبني بطريقة لا شعورية دفاعات نفسية ضد التعبير عنها، وذلك لأن السماح لمثل هذه البواعث والأحاسيس المضطربة في أن تجد طريقة شعورية للتعبير عنها قد يسبب له قلق مؤلم وشعور بالذنب، وفي بعض الحالات تكون تلك المجهودات الدفاعية غير ذات فعالية، أو تكون فعالة بصورة جزئية, وقد ينتج عن هذا قلقا معمما سواء كان في صورته الحادة أو المزمنة.
إن المراهق الذي يكون لديه رد فعل حاد للقلق، يشعر بخوف مفاجئ كما لو كان شيئا ما سيئا على وشك أن يحدث له فقد يصبح متهيجا ومستاء، ومن السهل أن يروع وأن يخاف، ويخبر ثمة أعراض جسمية كالصداع والدوخة والغثيان أو القيء, ويكون مجال انتباهه محدودا وقد يبدو عليه الذهول والتشتت، كما أن اضطرابات النوم شائعة عند مثل هذه الحالات حيث توجد صعوبة في النوم، وعملية النوم ذاتها قد تكون قصيرة غير مريحة، مصحوبة بالتقلب في الفراش، أو قد تكون مصحوبة بالكوابيس أو المشي أثناء النوم, والمراهق الذي يعاني قلقا حادا، قد يكون في حيرة في العثور على مصدر ذلك القلق حيث قد ينسبه إلى نوعية مختلفة من الظروف والأحداث الخارجية المتفرقة, والفحص الدقيق لمثل هذه الحالات يومئ إلى أن هناك عوامل كثيرة وأساسية متضمنة، وثمة عوامل قد لا يكون المراهق واعيا بها بصورة شعورية، والعلاقات المضطربة بين الوالد والمراهق والاهتمامات المرتبطة بمطالب النضج، أو المخاوف وبالشعور بالذنب المتعلقة بالدوافع الجنسية أو العدوانية.
ويجب أن تجري التدخلات الإرشادية أو العلاجية بصورة مبكرة عندما تكون العوامل المسببة في صورتها الأولية الواضحة وبالتالي يمكن التعامل معها وذلك قبل أن يصبح القلق في صورة حادة وقبل أن يؤثر ذلك في نمط حياة المراهق "وعلى سبيل المثال الانسحاب النفسي، إعاقة العمل المدرسي، الأعراض الجسمية المستمرة كالآلام والإسهال وضيق التنفس والتعب".
(1/598)

اكتتاب المراهق
...
اكتئاب المراهق:
كان الكثير من علماء النفس الإكلينيكيين ينكرون أن الاكتئاب يمكن أن يحدث بين الأطفال والمراهقين الصغار، حيث يشيرون إلى أن بداية فترة المراهقة نجد كلا من الذكور والإناث يميلون إلى التعبير عن مشاعرهم بصورة صريحة، ويميلون إلى إنكار الاتجاهات السلبية والنقدية للذات، فهم عادة لا يظهرون الكآبة واليأس والانتقاص من قيمة الذات وذلك كما يفعل الراشدون المصابون بالاكتئاب، إلا أن نتائج الدراسات الحديثة أظهرت أن كثيرا من المراهقين يخفون مشاعر الاكتئاب الكامنة بواسطة طرق مقنعة تندرج من السأم والملل وعدم الارتياح إلى أعراض توهم المرض أو وسواس المرض، وفوق ذلك فإن مشاعر الاكتئاب شائعة إلى حد ما بين المراهقين.
وعادة ما يتخذ اكتئاب المراهق أحد النوعين التاليين، فالنوع الأول يعبر عنه على أنه "إحساس بالفراغ، فقدان تحديد الذات، وكما يوصف لفظيا بأنه حالة فقدان الشخصية Depersonalization, فالمراهق المكتئب قد يشكو من وجود شعور بالنقص أو الفراغ، كما لو كان قد هجر ذاته ولم يحل محلها ذات نامية راشدة ويولد هذا الفراغ مستوى عاليا من القلق، وهذا النوع من الاكتئاب يشبه حالة الحداد، والتي يخبر فيها الشخص المحبوب كجزء من الذات، وقد يكون أقل ضررا، ومن أكثر الأنواع حلا وعلى نقيض من ذلك نجد بعض المراهقين "والتي توحي شكواهم بالإحساس بالفراغ، فإن ذلك قد يشير إلى إمكانية الإصابة بعملية ذهانية ضمنية" حيث نجد المراهق في هذه الحالة ليس لديه القدرة على توجيه مشاعره وأحاسيسه، ولا يمكنه تقييمها أو التعبير عنها. وبالتالي فهو ينكر أصلا وجود مشاعر لديه.
والنمط الثاني: من اكتئاب المراهقة، والذي قد يصعب حله بسهولة، حيث نجد له أساس في خبرات الهزيمة المتكررة على مدى فترة زمنية طويلة، ويحدث هذا النوع بين المراهقين الذين قد جربوا بصورة واقعية كثيرا من الطرق لكي يجدوا حلولا لمشاكلهم ولكي يحققوا أهدافهم الشخصية ذات المعنى بالنسبة لهم إلا أنهم لم يوفقوا في ذلك، سواء كان ذلك بسبب فشل الآخرين في تفهم وتقبل ما يحاول المراهق عمله، أو بسبب عدم الكفاءة الشخصية والتي جعلت الأهداف غير ممكنة التحقيق, كما أن الكثير من محاولات المراهقين للانتحار لم تكن نتيجة باعث مؤقت.
ولكنها في الأغلب تكون نتيجة لسلسلة طويلة من المحاولات الفاشلة للعثور على حلول بديلة للمشكلات والصعوبات التي تواجههم وعادة ما يكون سبب هذا النمط من الاكتئاب يتمركز في فقدان العلاقة ذات المعنى سواء مع الأب، الصديق، أو أي شخص كان المراهق على حب معه
(1/599)

توهم أو وسواس المرض HYPOCHONDRIASIS:
إن مبحث الأغراض الجسمية المرضية، عادة ما يطلق عليه بتوهم أو وسواس المرض, ويشتمل على الانشغال والاهتمام المفرط بوظائف أعضاء الجسم, والمراهقون المصابون بوسواس المرض قد يكونوا مهتمين أو منشغلين بوجود عدم انتظام في ضربات قلوبهم، وفي تنفسهم أو الهضم على الرغم من أن كل هذه الوظائف تكون في حالة عادية تماما.
أو قد نجدهم يبالغون في دلالة وحجم الاعتلالات الجسمية البسيطة، كالأنف المسدود من شدة الزكاة والاضطراب المعوي الخفيف أو التقلص العضلي, وأعراض وسواس المرض على الرغم من أنها قد تحدث في مرحلة الطفولة، إلا أنها أكثر شيوعا أثناء فترة المراهقة، وفي الحقيقة فإن التغيرات الجسمية والجنسية للبلوغ تجذب بصورة حتمية اهتمام المراهق بذاته الجسمية وليس هذا يستغرب وحقيقة فإن قدر معين مما تعتبره انشغالا مفرطا بالجسد بالنسبة للشخص الراشد، قد يمثل ظاهرة نمائية عادية تماما بالنسبة للمراهق.
ومن ناحية أخرى فإن الانشغال الجسمي والاهتمام بها بصورة مفرطة والتي تكون غير قابلة للتغيير قد تومئ باضطرابات داخلية شديدة، وقد تؤدي أعراض الوساوس المرضية عددا من الوظائف فعندما يخبر المراهق أو الشاب قلقا حادا غير أنه يكون غير متأكد من مصدره حينئذ يمكن أن تكون تلك الخبرة غامرة، لدرجة أنها تؤدي إلى الخوف من الجنون فقدرة المرء على العثور على سبب للقلق يساعد في جعله يبدو أكثر معقولية أو منطقية للفرد، وبالتالي أقل غموضا, وقد يصبح التركيز بالنسبة لبعض المراهقين عن الجسم عرضا من أعراض المرض.
إن قلق المراهق المصاب بوسواس المرض قد يتضمن محتوى حقيقيا، وحتى بالرغم من وجود ذلك فعادة ما يكون غير كاف في حد ذاته لكي يفسر درجة الانشغال والاهتمام التي يكون عليها المراهق فكثير من
(1/600)

المراهقين يخشون ألا يكون نمو ذواتهم الجسمية متناسقا مع ذواتهم النفسية الجديدة، فقد يخشى الذكر المراهق ألا يحقق النضج الجنسي، وقد تخاف المراهقة من أن يصبح حجم صدرها صغيرا جدا أو كبيرا جدا. كما أن مشاعر وأحاسيس التعب قد تؤدي بالمراهقين والمراهقات إلى الشعور بتشويه ذواتهم الجسمية بصورة دائمة، وقد يكون ذلك الإحساس نتيجة لعادات الاستمناء كما قد تستخدم أعراض وسواس المرض كطريقة لتبرير تجنب بعض الأنشطة مثل الرياضة أو العمل الجسمي حيث يشعرون بعدم الكفاءة فيه.
إن المراهقين الذين ينموا لديهم أعراض وسواس المرض، عادة ما يكونون من أسر منشغلة ومهتمة بصورة كبيرة بموضوعات الصحة والمرض, وعادة ما تكون أعراض ذلك المرض بالنسبة للمراهقين في صورة تطابق مع والد أو أخ معين, فالمراهق الذي يتعدى أعراض الوسواس المرضي لديه الصورة العادية لاهتمامات المراهق الجسمية، أو تثبت مقاومتها للتغيير، حينئذ يحتاج للمساعدة النفسية، فالمشاكل التي تكمن وراء الأعراض يجب أن تجدد، ولحسن الحظ فبمجرد تحقيق ذلك عادة ما نلاحظ المراهق يبدأ في التعامل مع هذه المشكلات وبالتالي تختفي أعراض تلك الوساوس المرضية بصورة ملفتة للنظر، والجدير بالذكر فإننا عادة ما نجد الراشد الذي يعاني من وسواس المرض أكثر مقاومة للمساعدة النفسية إذا ما قورن بحالة المراهق.
(1/601)

الاضطرابات السيكوفسيولوجية:
قد تظهر المشكلات النفسية في الاضطرابات الواقعية في أداء وظائف الأعضاء سواء كانت حادة أو مزمنة، وقد تؤدي الأخيرة إلى اضطراب سيكوسوماتي حيث تتضمن أحيانا اختلال في تغيرات هيكلية كما تتضح في حالة القرحة المعوية.
وتشير الدراسات في هذا المجال إلى أن الاضطرابات المؤقتة في الوظائف السيكوفسيولجية ليست شائعة في مرحلة منتصف الطفولة أو مرحلة المراهقة، حيث نجد أن الضغوط النفسية لها تأثير ملحوظ إزاء الوظائف المعوية، وكذلك على نشاط الأوعية الدموية للقلب، وكذلك على وظيفة الجهاز العصبي المركزي، فمثلا كثير من الحالات التي تعاني من الاضطرابات في العصارة المؤلمة، واضطرابات المعدة، وحرقان
(1/601)

القلب وانتفاخ البطن وعسر الهضم، عادة ما تظهر ردود فعل الأطفال والمراهقين للضغوط النفسية، وبالمثل فإن معدل ضربات القلب غير العادية والطويلة غالبا ما تكون مصحوبة بحالة قلق حادة أو مزمنة، وقد يشكو المراهق من زيادة ضربات قلبه أو ارتفاع نبضه، ويخشي أحيانا أن يحدث له أزمة قلبية، كما أن صداع التوتر العضلي وآلام الظهر، وآلام الصدر وعدم الراحة، قد تكون جميعها نتيجة للضغوط النفسية, والجدير بالذكر، فإن الاضطرابات السيكوسوماتية أثناء فترة الطفولة والمراهقة يحتاج علاجها اهتماما واعيا بكل جوانب الاضطرابات الجسمية والنفسية والاجتماعية ونمط التفاعل الأسرى التي قد تسهم في جعل هذه الاضطرابات حادة وأكثر خطورة.
(1/602)

اضطرابات الأكل:
ليس بمستغرب إذا نظرنا إلى التغيرات الجسمية والنفسية السريعة التي تحدث في بداية البلوغ أن نرى كثيرا من المراهقين يمرون بفترات قصيرة ينقص فيها وزنهم أو يزداد عن المعايير المقبولة, وعادة ما نجد معظم المراهقين عندما يحدث استقرار لهذا النمو، قد تتناسب أوزانهم من خلال تنظيم التغذية، إلا أننا نرى في بعض الأحيان أن الإفراط في الأكل قد يؤدي إلى السمنة المفرطة الخطيرة، وأحيانا يؤدي إلى فقدان الوزن الخطير، وهو ما يعرف بفقدان الشهية للأكل والمعرف باسم ANOREXIA والذي عادة ما يحدث أثناء فترة المراهقة ويكون أكثر شيوعا بين الإناث عن الذكور, والمراهقون الذين يتسمون بالسمنة المفرطة، أو فقدان الشهية للأكل يميلون إلى الافتقاد الواضح والمحدد لهويتهم كأفراد مستقلين ومميزين قادرين على تحديد وتحقيق أهدافهم الخاصة، وقد يكون فقدان الشهية حالة محيرة فقد يكون لديه إدراك مشوه لصورة ذاته الجسمية، وكثير من المراهقات اللاتي يعانون من فقدان الشهية تبدو المراهقة وكأنها هيكل جلد نحيل من العظام ودائمة الشكوى من قلق زيادة الوزن، وما زالت هناك أسباب كثيرة تكمن وراء هذه الحالة لم نتمكن من معرفتها حتى الآن، كما أننا عادة ما نلاحظ هذه الحالة شائعة بين المراهقين والمراهقات الأثرياء أكثر من المراهقين والمراهقات الفقراء.
وقد تلعب العوامل البيولوجية دورا في ذلك، إلا أن العوامل النفسية تبدو أكثر أهمية, وعادة ما ينزعج الآباء عندما يبدأ فقدان الشهية عند أطفالهم أو مراهقيهم، وكثيرا ما يعبرون بأن طفلهم يبدو عاديا مثل
(1/602)

باقي الأطفال أو المراهقين من حيث الطيبة والهدوء والطاعة والاعتماد على النفس بالإضافة إلى شغفه لإرضاء الآخرين، ومعظم المرهقون والشباب الذين يعانون من فقدان الشهية فإنهم لا شعوريا يشعرون أنهم قد استغلوا وحرموا من توجيه حياتهم الخاصة بهم، وبالتالي أصبحوا غير قادرين على تكوين هوية قوية خاصة بهم, وقد يظهرون حاجة ملحة قهرية في السيطرة على كل جوانب حياتهم خاصة السيطرة والتحكم على أجسامهم, وقد يشعرون أيضا بعدم القدرة على مواجهة مطالب النضج الجنسي، وفقدان الشهية والتي قد تعوق عملية الحيض عند المراهقات وتجعل الخصائص الجنسية الثانوية أقل وضوحا وبروزا.
وتشير الدراسات في هذا المجال إلى أن آباء المراهقة التي تعاني من فقدان الشهية عادة ما كانوا يتسمون بالسيطرة الحازمة والنظام والتنظيم الزائد أثناء فترة الطفولة، لدرجة أن حدث اضطراب عند الطفلة في بناء معنى للهوية والثقة في قدرتها على اتخاذ قراراتها بنفسها.
ومن الواضح أن الوزن الزائد عن الحد أو الوزن الأقل عن الحد، قد يسبب مشكلات خطيرة، وأحيانا فسيولوجية تهدد حياة الفرد، وبالتالي تكون الحاجة ملحة إلى الرعاية الطبية المتخصصة والعلاج النفسي, وبسبب علاقات الوالد والطفل المضطربة وغير المنتظمة والتي تتضمن المشكلات المرتبطة بنمو الاعتماد على النفس والنضج الجنسي، فإن العلاج والإرشاد النفسي يلعب دورا رئيسيا، وأي برنامج علاجي أو إرشادي يجب أن يتضمن المساهمات الأبوية الفعالة.
وبطبيعة الحال فقد يعاني المراهقون أنواعا مختلفة من الاضطرابات النفسية، والتي قد تتضمن المخاوف والرهاب، FEARS & FOBIA, رهاب المدرسة الأهجسة والقهر، على الرغم من أن هذه الاضطرابات عادة ما تنتشر بين الأطفال أكثر من انتشارها بين المراهقين. كما أن نسبة قليلة من المراهقين قد يعانون من بعض الاضطرابات الحادة مثل فصام المراهقة، والذهان التسممي TOXIC PSYCHOSIS.
(1/603)

العلاج والإرشاد النفسي للمراهقين:
يحتاج المعالج والمرشد النفسي سواء الذي يعمل بالعلاج النفسي الفردي أو الجماعي إلى تدريب خاص، خاصة الذي يتعامل مع المراهقين.
بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون لديه القدرة على حب المراهقين ويتصف بالدفئ العاطفي والمرونة والصراحة والأمانة، والقدرة على إبداء الرأي، وعدم التحيز والثقة بالنفس والقدرة على وضع حدود بدون عدوانية، وافتقار الدفاعات الشخصية.
والمراهقون لديهم بصيرة أكثر من الأطفال في إدراك الأشياء الزائفة واستغلالها ومع ذلك، فإن اتسم المعالج أو المرشد النفسي بالاعتدال ولا يقلل من إمكانات المراهق حينئذ يمكن أن ينمي شعورا بالثقة والاحترام، ويظل المراهق أيضا في حاجة إلى أن يجعل ذلك واضحا بدرجة كبيرة من قبل المعالج, والمعالج الناجح ذو الفعالية يجب أن يكون مرنا، على استعداد لكي ينتقل من الاستماع إلى التساؤل، إلى إعادة التأكيد، وتوضيح الحقيقة، إلى التفسير، حتى إلى الجدل وإلى وضع الحدود عندما يكون ذلك ضروريا، فالمراهقون ذووا الاضطراب الانفعالي يحتاجون إلى فرض حدود خارجية عليهم نتيجة حالاتهم المضطربة، فهم عادة لا يكونون على مقدرة في أن يضعوا حدودا لأنفسهم.
ويجب أن نضع في أذهاننا -في نفس الوقت- الصراع من أجل الاستقلال، حيث إن بناء الاستقلالية تعتبر مهمة نمائية حرجة بالنسبة للمراهق, ولهذا فإن المعالج أو المرشد النفسي يجب أن يكون منتبها لأخطار السماح بالاستقلالية الطفولية أثناء مرحلة العلاج أو الإرشاد حتى لا يصبح بديلا للصراع الضروري تجاه الاستقلالية الكاملة والاعتماد على الذات، إن إحساس المراهق بهوية محددة واضحة ما تزال في طور النمو، وما تزال غير محددة واضحة المعالم، ومن هنا فالمعالج أو المرشد النفسي كالأب الحكيم يجب أن يكون حذرا من الميول الخادعة وبالتالي يكون عرضة في أن يخلط بين هوية المراهق وهوية الشباب، أو أن يطول فترة العلاج أو الإرشاد بصورة غير ملائمة.
وبإيجاز، فعلى الرغم من اختلاف الأدوار بصورة حتمية في عدد من الجوانب الهامة، فإن الأب الفعال والمعالج والمرشد النفسي الفعال يتقاسمون عددا من الخصائص الضرورية، فكل منهم يحتاج إلى أن يكون جديرا بثقة المراهق واحترامه، كما يحتاج كل منهم إلى إظهار ثقته واحترامه للمراهق كإنسان متفرد، بالإضافة إلى ذلك فإن كلا منهم يحتاج إلى أن يكون ذا سلطة دون استبداد أو تحكم، أو فوضوية، وعادلا وكل
(1/604)

منهم يحتاج إلى أن يكون قادرا على وضع حدود عندما تكون ضرورية ويتسم بالثقة ولا يتسم بالعدوانية، وكذلك إدراك حاجة المراهق الملحة نحو الاستقلال، وعموما فإن كلا العملين ليس سهلا، إلا أن كليهما سوف يكون أقل صعوبة بالنسبة لهؤلاء الأفراد الذين حقيقة يحبون المراهق.
(1/605)

الباب الرابع: مرحلة الرشد
مرحلة الرشد المبكرة Early Adulthood:
تعتبر مرحلة الرشد من المراحل التي قد يصعب تحديدها وتعريفها إذا ما قورنت بفترات النمو السابقة، ويرجع ذلك إلى أنها لم تلق الاهتمام بالدراسة بنفس القدر التي درست به فترات النمو السابقة عليها. بالإضافة إلى أن مجالات حياة الأفراد عادة ما تتنوع وتتباين بصورة كبيرة أثناء مرحلة الرشد، فقد نجد بعض الشباب ممن ناهز عمر العشرين ما يزال مشغولا بدراسته الجامعية، وقد يدخل البعض الآخر سوق العمل فور تخرجهم من المدارس الثانوية أو الفنية، وقد نجد البعض قد استقل عن أسرته وكون أسرة خاصة به، كما نجد في الريف على سبيل المثال، ولذلك فإن مرحلة الرشد عادة ما يتم تعريفها في ضوء المهام والمسئوليات التي تنجز خلالها، بالإضافة إلى الأدوار التي تؤدي، أكثر من تعريفها وتحديدها بناء على العمر الزمني وحده.
وعموما فمرحلة الرشد تتمثل في تلك المرحلة من الحياة التي يبدأ الأفراد خلالها تكوين التزامات وتعهدات جادة، كما نجد الزواج يحدث أثنائها، حيث يبدأ الشباب تكوين أسر خاصة بهم ويأخذون مواقعهم ومراكزهم في دنيا العمل, وفي بداية هذه المرحلة، نجد الأفراد يقومون بتحديد علاقاتهم بمجتمعهم والأفراد من حولهم وذلك بواسطة الحب والعمل وكذلك اللعب, وتختلف عدد السنوات التي يقضيها الأفراد في تحقيق هذه المهام, جملة القول: إن الحد الفاصل بين مرحلة المراهقة ومرحلة الرشد غير قاطع أو واضح بصورة كاملة، ومع ذلك يمكننا ملاحظة بعض من التغيرات النمائية التي تحدث في هذه المرحلة من حياة الإنسان ويمكن إيجازها فيما يلي:
النمو الجسمي:
عادة ما يميل علماء النفس إلى وصف وتعريف مرحلة الرشد عن طريق النمو النفسي والاجتماعي الذي يحدث أثناء هذه المرحلة، كدخول الجامعة، أو دخول مجال العمل، أو الزواج، ومع ذلك فإننا نلاحظ أن هذه المرحلة تتميز أيضا بوجود بعض الخصائص الجسمية التي يمكن تمييزها، ففي أثناء مرحلة الرشد, أي ما بين العشرينات وأوائل
(1/609)

الثلاثينات, يصل الفرد إلى ذروة نضجه البيولوجي والفسيولوجي، حيث نجد بالنسبة لمعظم الأفراد أن السرعة والتناسق والقوة والتحمل الجسمي عادة ما تكون بصورة أكبر عما كانت عليه في المراحل السابقة، أو ستكون عليه في المراحل اللاحقة، فالأبطال الأوليمبيين عادة ما يقعون في هذه المرحلة العمرية، وتشير نتائج دراسة سيرز وفيلدمان Sears & Feldman؛ "1964" على سبيل المثال إلى أن أولئك الأفراد الذين يتنافسون في مسابقات العدو لمسافات طويلة أو قصيرة ومسابقات القفز والحواجز وجميع الألعاب الرياضية التي تتطلب درجة عالية من الرشاقة والسرعة والاتساق الحركي كانوا جميعا فيما بين الثامنة عشر والثلاثين من عمرهم, كما نجد المهن والأعمال التي تعتمد بصورة أساسية على المهارات الجسمية عادة ما يصل الأفراد إلى ذروة إنتاجيتهم خلال هذه المرحلة من حياتهم فمثلا عامل البناء والتشييد أو جنود المشاة أو العمال في مجال الصناعة يصل كل منهم إلى أوج قوته وإنتاجيته في الفترة ما بين العشرين والخمسة والعشرين حتى يضل إلى الأربعين من عمره, ويصدق ذلك على موديلات الموضة، فعادة ما نجد الأفراد أثناء مرحلة الرشد خاصة النساء أكثر جاذبية إذا قورن بأي عمر زمني آخر.
وعادة ما تكون القدرة على الإنجاب خاصة بالنسبة للإناث في ذروتها أثناء مرحلة الرشد فمن الناحية البيولوجية نجد أن أفضل عمر زمني لحدوث الحمل لأول مرة عادة ما يكون بعد سن العشرين, وعلى الرغم من أن كثيرا من النساء يحملن بصورة مريحة في أواخر سن الثلاثين وأوائل الأربعين، إلا أن معدل الخصوبة يبدأ في النقصان بعد سن الثلاثين من حياة المرأة، بالإضافة إلى أن الولادة قد تكون أكثر صعوبة، كما توجد احتمالية أكبر لحدوث تشوهات في الجنين.
النمو المعرفي:
لقد كان يعتقد -حتى وقت قريب- أن قمة نضج المهارات الجسمية والمهارات العقلية التي تحدث في بداية فترة مرحلة الرشد، تبدأ في النقصان أثناء فترة منتصف العمر، فتعريف الذكاء المبني على الأساس البيولوجي والذي يشتمل على ثمة عناصر كزمن الاستجابة، والقدرات المتضمنة في إدراك العلاقات المركبة، قد تصل إلى ذروتها حقا في أوائل مرحلة الرشد، ومع ذلك فإننا نجد نتائج الدراسات في هذا الميدان ما زالت موضع جدل وعدم اتفاق كبير، فكما نعرف أن الأداء المرتفع خاصة في
(1/610)

اختبارات الذكاء قد يكون نتيجة طريقة المقطع العرضي Cross- Sectional Method التي تتبع في دراسة هذا المجال.
ولقد قام بياجيه بتحديد بعض أنواع النمو التي تحدث أثناء فترة الرشد المبكر وكما نعرف أن مراحل بياجيه في النمو المعرفي تنتهي بمرحلة العمليات الصورية "تلك الفترة التي تتميز بالقدرة على تقديم التعليلات الافتراضية والتفكير التجريدي", حيث يشير أن هذه المرحلة يتم التوصل إليها فيما بين سن الثانية عشر والخامسة عشر إلا أن دراسات بياجيه اللاحقة "1972" أشار فيها إلى أن مرحلة العمليات الصورية قد لا تنمو حتى وقت متأخر في فترة المراهقة، كما قد يتم التعبير عنها في حدود ضيقة عند الشاب البالغ، على نقيض ما كان بياجيه يفترضه في دراساته السابقة، فعلى سبيل المثال قد يبدي راشد قدرة على التفكير التجريدي والافتراضي في مجال تخصصه وليس في مجالات أخرى، كما قد نجد الميكانيكي الذي يعمل في إصلاح السيارات، أو طالب القانون قد يظهر كل منهما درجة عالية من التفكير التجريدي كلما قام بإصلاح سيارة ما أو صياغة مذكرة بأهم وقائع الدعوى ونقاطها القانونية، إلا أننا قد نجد كلا منهما يعجز في تطبيق تلك المهارات المنطقية على بعض المشكلات في موقف تجريبي معين، أو موقف غير مرتبط بمجال تخصصه وبالتالي فليس كل فرد يمكنه استخدام البناء أو التركيب الصوري في التعميم من ميدان إلى آخر.
جملة القول فإننا نجد في مرحلة الرشد عادة ما ينمي الأفراد ميولا وارتباطات مهنية معينة، كما أن البناءات المعرفية المختلفة قد تؤثر في تنظيم ميادين مختلفة من النشاطات وعموما فإن البناءات المعرفية غالبا ما تكون شائعة، وفي متناول جميع الأفراد في هذه المرحلة، إلا أنها تطبق بصورة متباينة بواسطة أولئك الذين يعملون في ميادين مختلفة.
ويكتسب معظم المراهقين القدرة على تجريد المعلومات وتكوين مفاهيم عنها، ويتضح ذلك في تحويل مسألة لفظية إلى معادلة رياضية والقدرات الرئيسية الأربعة لهذه المرحلة والتي تكون أكثر نضجا في مرحلة الرشد المبكر هي:
(1/611)

1- القدرة على إدراك تفسيرات عديدة لنفس الظاهرة أو حلولا عديدة لمشكلة واحدة.
2- القدرة على التعامل مع احتمالات تناقض الواقع والمواقف المتصورة.
3- القدرة على التعامل بالرموز والمفاهيم المجردة كما في الرياضيات.
4- القدرة على استخدام الاستعارة ورموز الرموز.
مرحلة تماسك واستقرار العمليات الصورية "مرحلة الشباب والرشد المبكر":
يصبح الأفراد الذين بلغوا مستوى العمليات الصورية أكثر ألفة وتعودا على العمل وفقا لهذا المستوى لا سيما في المجالات المتصلة بتخصصاتهم العلمية أو المهنية.
النمو الخلقي:
يهتم كثير من الشباب -بصورة مباشرة- بجانب آخر من جوانب النمو، وثيق الصلة بالجانب المعرفي، ألا وهو النمو الخلقي أو القيم. ويجب أن تتوفر للفرد قدرة منطقية معينة قبل أن يتمكن من التفكير عند مستوى خلقي معين، فعلى سبيل المثال يجب أن يصل الفرد إلى مستوى العمليات الصورية في النمو المعرفي قبل أن يتمكن من التحليل المبني على بعض المبادئ المعينة، غير أن المستويات الأعلى للنمو الخلقي تبدو في حاجة لأكثر من مجرد النمو المعرفي، حيث تتطلب أنواعا معينة من الخبرات الشخصية, فمثلا فإن الانتقال إلى البيئة الجامعية قد يعرض الشاب لقيم متصارعة ولخيارات عاطفية ولإدراك جديد للذات, وفي بعض الأحيان نجد الطلاب الجامعيين يتفاعلون بنوع مما يسمى النسبية التشككية Skeptical Relativism وتتمثل في الحالة التي يكون فيها كل ما هو صادق وصحيح، يعتبر بمثابة مسألة نسبية فقط، وبالتالي يعتمد على الشخص ذاته وحاجاته وظروفه وهكذا، ويعكس هذا الموقف وعي الطالب وإدراكه الجديد للتنوع والتباين في القيم والأفراد، وكلما حاول الطالب تقرير هويته فإنه بالتالي يحقق مستوى أعلى من الأحكام الخلقية، وقد يبدأ الفرد حينئذ في التحرك نحو مرحلة توجيه العقد الاجتماعي، ومن المحتمل نحو التوجه العالمي الخلقي المبني على مبادئ معينة وذلك تبعا للمرحلة الخامسة والسادسة لنمو التفكير الخلقي عند كوهلبرج.
وتشير دراسات كولبرج وكرامر Kohlberg & Kramer؛ "1969" إلى أن النمو الخلقي عند مستوى ما بعد العرف والتقاليد Postconventional
(1/612)

Level يصل إليه 22% فقط من الأحكام الخلفية التي يصدرها المراهقون في سن السادسة عشر، وتشير الدراسات التالية أن الخبرة الجامعية تعتبر حاسمة ومهمة لهذه المراحل من النمو الخلقي، فمثلا في إحدى الدراسات لم يصل أحد من الحالات الذين التحقوا بمهن الراشدين "بعد أن تجاوزوا مرحلة الشباب" إلى المرحلة الأعلى للمستوى الأخلاقي عند كولبرج، وتفترض دراسات أخرى أن الإنجاز والنضج الأكاديمي لا يعتبر عاملا حاسما، حيث إن الخبرات التي تعج بها حياة الراشدين تساعد الشخص الذي لم يلتحق بالجامعة على اللحاق بأقرانه الذين حظوا على قسط أكبر من التعليم Paplaiial & Bielby؛ "1974".
ويشير كولبرج أن أخلاقيات ما بعد العرف والتقاليد Postconventional Morality عادة ما تظهر أثناء فترة المراهقة، إلا أن المرحلة الخامسة والسادسة لا تظهر إلا في مرحلة الرشد الأولى حيث يكون الأفراد قد حققوا قدرا من الحرية في تحديد اختياراتهم، بمعنى أنه بينما ينمو الوعي المعرفي بالمبادئ في مرحلة المراهقة، فإن الالتزام والتعهد باستخدامها أخلاقيا عادة ما ينمو فقط في مرحلة الرشد، وذلك لأننا أثناء هذه الفترة عادة ما نجد الشباب يتميزون بأداء التزامات وتعهدات جادة نحو أنفسهم ونحو الآخرين ونحو المثل والأيديولوجيات.
الشباب: مرحلة اختيارية
كثيرا ما نتذكر ثمة حقيقة, عندما نبدأ في مناقشة المهام النفسية والاجتماعية لمرحلة الرشد أن الأفراد يقومون بهذه المهام على أساس جداول وفترات زمنية متباينة، فقد نجد شابة متزوجة ولها طفل في عامها التاسع عشر ولها وظيفة خارج منزلها، فهي حقيقة تقوم ببعض مهام ومسئوليات مرحلة الرشد، ولكن ماذا عن شاب في حالة نشاط معلق يقع ما بين العشرين والثلاثين من عمره؟ وكيف نصنف طالبا في الخامسة والعشرين من عمره والذي يعتمد في إنفاقه على والديه.
لقد أشار كينستون Keniston؛ "1970" إلى مفهوم مرحلة الشباب لتتناول فترة الحياة التي تقع بعد مرحلة المراهقة وتسبق مرحلة الرشد، فهؤلاء الشباب الذين استغرقوا وقتا طويلا في الاستقرار، يشار إلى أنهم دخلوا فترة نمائية اختيارية تسمى بالشباب، وتمتد هذه الفترة من الوقت الذي يعتبر فيه الفرد من حيث خصائصه الثانوية راشدا وعادة ما تكون
(1/613)

في سن 18" إلى الوقت الذي يتولى فعلا فيه القيام بأعمال الراشدين الكبار وأدوار الأسرة، فعلى سبيل المثال يعتبر الفرد راشدا بصورة قانونية، عندما يصل إلى سن يسمح له بالتصويت في الانتخابات، وقيادة السيارة والالتحاق بالقوات المسلحة، إلا أنه قد يعتبر نفسه قد نضج بصورة كافية تمكنه من أن يعول نفسه لعدة سنوات لاحقة.
وتاريخيا فإن فترة الشباب -مثلها مثل فترة المراهقة- تعتبر فترة جديدة نسبيا من الحياة حيث ظهرت كرد فعل للمعدلات المتزايدة للتغير التكنولوجي والذي يبدو أنه يتطلب إعدادا مستمرا من جانب العلماء والتربويين والمهنيين، فلم يبدو من قبل أنه من الصعب لغير المتخصص أن يدخل في عالم العمل -كما نجد هذا في الوقت الحاضر- والنتيجة لكثير من الشباب تمثلت في فترة تعليق أو توقيت للنشاط أثناء سنوات الدراسة الثانوية والجامعية، وكثيرا ما تشتمل على السفر والدراسة الذاتية وأنماط أخرى من السلوك الاستكشافي، وخلال السبعينات أصبح من النادر للفرد أن ينتقل بشكل مباشر من فترة المراهقة إلى فترة الرشد.
وأثناء مرحلة الشباب يبدأ الفرد بتعزيز هويته لا سيما إذا كان بصدد دخول الجامعة فإنه يميل إلى أن يحدد هويته، ويتم إعادة تأمل كثير من قيمة وصورة ذاته نتيجة للتحديات التي يواجهها أثناء عامه الأول في الجامعة، ويخبر صورة جديدة من أزمة الهوية، فبينما وجدنا المراهق يتساءل من أنا؟ يميل الشاب الراشد للتساؤل إلى أين أنا ذاهب؟ ومع من؟ وعموما فإن فترة الشباب والرشد المبكر تعتبر فترة يحسم فيها الفرد ثمة تساؤل مؤداه كيف يرتبط بالمجتمع؟ حيث يبدأ في تكوين نمط حياته، وغالبا ما تكون في صورة قرارات ثابتة يصعب تعديلها.
ويميل الشاب في هذه المرحلة إلى رفض الأفكار التقليدية الثابتة المرتبطة بالاستقرار فقد يقرر شخص -بناء على تحليلاته الذاتية- أن نظام العمل الذي يستمر من التاسعة إلى الثانية أو الثالثة يعتبر غير مناسب له، وأن الحياة الريفية أو المشروعات الخاصة ذات فائدة وقيمة بالنسبة له، وعادة ما يكون هناك وعي ودراية مفاجئة بنوع من التناسق بين الذات والنظام الثابت, وثمة حاجة جديدة تظهر لدى معظم الشباب وهي تكوين العلاقات الودية الحميمة خارج نطاق الأسرة، وربما خارج نطاق الصور التقليدية, وأخيرا ثمة حاجة أخرى تنشأ لدى الشاب في تكوين تعهدات
(1/614)

والتزامات نحو الأيديولوجية الأخلاقية أو السياسية أو الدينية بناء على خبراته الذاتية وليس بناء على خبرات والديه.
الهوية والألفة:
تعتبر الألفة الجسمية والانفعالية منذ بداية حياة الإنسان عملية هامة وحاسمة في النمو، فالطفل الرضيع وأمه والطفل ووالديه، والمراهق وصديقه المقرب إليه جميعها تمثل نماذج لعلاقات الألفة والمودة التي تحدث في سياق النمو الإنساني، بيد أننا نجد أثناء فترة الرشد يمكن أن توجد نوعا من الألفة والمودة تتمثل في الألفة التي تختار بحرية بواسطة فردين متساويين يخبرا سويا ما يسمى بأزمة المراهقة، ويعرفان من هما بصورة أساسية.
ولقد أشار إريكسون إلى أن قدرة الفرد على أن يصبح صديقا حميما مع الآخرين تكمن في قدرته على حل أزمة الهوية في تلك المرحلة, كما أن الباحثين الذين جاءوا بعد ذلك والذين أرادوا قياس هوية الأنا Ego Identity ومتغيرات الألفة قد أقاموا الدليل والحجة على ما أشار إليه إريكسون فعندما ينجح الفرد في تحقيق هويته المستقلة، حينئذ يمكنه أن يشعر بالأمن عند ذوبان هذه الهوية، مع هوية شخص آخر، يصدق هذا لاسيما على الألفة والمودة الجنسية بالزواج.
الألفة الجنسية:
أثناء فترة المراهقة -قبل حل أزمة الهوية- كثيرا ما نجد الفرد يبحث عن ثمة محاولات للإحساس بالألفة الجنسية "حيث يتم العطاء بشيء ما أو يحدث الاطمئنان لشخص معين"، إلا أننا نجد أن كلا من الشريكين يخشى من فقدان ذاته، ويحدث ذلك لأنهما حقيقة لا يملكان ذواتهما حتى يبدأ أي منهما في العطاء, وعلى نقيض ذلك تتسم الألفة في مرحلة الرشد بما يسمى بالتبادلية، حيث نجد الفرد يهتم بشريكه الآخر بنفس قدر اهتمامه بنفسه، ويكون نتيجة ذلك الإحساس بالتبادلية، وتتمثل في الرغبة لبذل التضحيات والوصول إلى الحلول الوسطى كما تتضمن القيام بالوظيفة الجنسية بصورة ناضجة، ونعني بطبيعة الحال تبادل ذروة اللذة، أو القدرة على بلوغها، وكما يعرفها إريكسون بأنها إشباع ينتج عن بلوغ ذروة الفائدة، الخبرة المتسامية التي تدل على انسجام شخصين بصورة تقتلع معها كل أنواع العداوة والبغضاء التي قد تنشأ عن
(1/615)

التناقض بين الذكر والأثنى، التناقص بين الحقيقة والخيال والتناقض بين الحب والكراهية، وأخيرا فإن الحب الجنسي Gential love، كما يعرفه إريكسون يتضمن اختيار الشريك الذي يرغب معه الفرد في تنظيم دورات النسل والإنجاب والاستجمام والعمل وبمعنى آخر فإن الحب الجنسي كما يراه إريكسون يؤثر على مكونات الحياة بأكملها في فترة الرشد وما يليها من فترات حياتية.
ولقد كان طبيعيا أن يهتم الباحثون بتحديد الوقت الذي يحقق فيه الشباب الألفة الجنسية، والعوامل المؤثرة على نتائجها، وأشارت معظم الدراسات النفسية التي أجريت خلال السبعينات أن إمكانية تحقيق الألفة تحدث بالنسبة لمعظم الأفراد أثناء فترة الشباب أكثر مما يحدث ذلك أثناء فترة المراهقة، فعلى الرغم من أن بعض الدراسات أشارت إلى أن الألفة الجنسية تحدث لبعض المراهقين، إلا أن مرحلة الشباب أو الرشد، يحدث خلالها انتقال وتغير جوهري في الألفة والخيال الجنسي لكي تصبح علاقات جنسية منتظمة مع شريك أو شريكة أخرى, وأثناء هذه الفترة أيضا تميل التوترات النفسية القديمة المرتبطة بعقدة أو أديب Oedipal Tentions إلى التوقف، فعلى سبيل المثال قد نجد الفتاة تتوقف عن ميلها الرافض قليلا لوالدها، حيث لم تعد تشعر بالدونية الجنسية أمام أمها وهكذا.
إن الشاب الراشد بعد أن يختار أزمة الهوية، فإنه يحاول صهر ذاته مع هوية شخص آخر في بوتقة واحدة، حيث ينمي ارتباطات أخلاقية في تنفيذ التزاماته وتعهداته نحو أصدقائه وزملائه من الجنس الآخر، وبالتالي ينمو في هذه المرحلة لديه إحساس التبادلية مع شريكه من الجنس الآخر فلو عمل الشخص على تجنب وتحاشي علاقات الألفة أو المودة خشية أنها سوف تهدد هويته الآخذة في النمو، حينئذ تكون النتيجة حدوث العزلة والانطواء والاستغراق في الذات، وهي المرحلة الخامسة التي أشار إليها أريكسون في نظريته النمو النفسي الاجتماعي، حيث يشعر الراشد في بداية مرحلة الرشد بأحاسيس معينة، أطلق عليها إريكسون إحساس الألفة مقابل إحساس العزلة Intimacy Versus Isolation.
(1/616)

الإنتاجية مقابل الركود Generativity Versus Stagnation "منتصف مرحلة الرشد".
يبدأ الشاب الراشد في أن يخبر أزمة الانتاجية في القرارات والمشاعر المرتبطة بالوالدية.
تكامل الأنا مقابل اليأس أو القنوط Ego Integrity Versus Despar "الشيخوخة".
وتشير الدراسات النفسية أن أزمات الهوية والقوة الناتجة عنها تؤثر على نوعية المودة أو الألفة الجنسية ففي إحدى الدراسات التي قام بها Orlofsky & Others؛ "1973" أشاروا إلى أن طلاب الجامعة الذين حصلوا على درجات عالية في مقياس هوية الأنا قد سجلوا درجات عالية كذلك في مشاعر الألفة والمودة مع الجنس الآخر، حيث كانوا قادرين على مشاركة أقرانهم من الجنس الآخر في نواحي القلق والتعبير عن الغضب بالإضافة إلى المشاعر العاطفية تجاه بعضهم البعض كما أن الطلاب الذين حصلوا على درجات منخفضة في مقاييس الهوية، فقد أشاروا إلى أنهم قد حاولوا تكوين بدائل لعلاقات الألفة أو المودة بعلاقات مقولبة أو بعلاقات غير شرعية كاذبة زائفة، وعموما فإن الفرد الذي يتورط في تلك العلاقات عادة ما يكون غير ناضج أو بمعنى آخر يكون مقيدا بفهمه لأدوار الجنس.
ونقيض الألفة عند إريكسون هو العزلة والانطواء حيث نجد بعض الشباب يتجنبون تكوين علاقات المودة أو الصداقة الحميمة والاتصال مع الناس, وقد يكون ذلك في بعض الحالات مؤشرات من مؤشرات الاضطراب الانفعالي فمثلا قد تكون امرأة ما قد تعرضت لصدمة نفسيه من جراء هجر أحد والديها لها لدرجة تجعلها غير قادرة على تكوين علاقات تتسم بالفاعلية مع الأشخاص الآخرين، وفي حالات أخرى قد يكون الشخص في حالة توقف أو تعليق للنشاط Moratorium State فالمشكلات التي ترتبط بعمليات التحرر من سلطة الوالدين أو اختيار المهنة، قد تجعل الفتاة أقل عرضة في التورط في تلك الأحاسيس، وجدير بالذكر فإن الإحساس الأكثر شيوعا من العزلة يومئ إلى أن الشخص الذي لا يمكنه تحقيق الألفة أو المودة في هذه الفترة من الحياة، عادة ما يتزايد اتجاهه في الابتعاد عن مواجهة تحديات الحب وبالتالي يصبح منهمكا ومستغرقا في ذاته.
(1/617)

عدم الألفة الجنسية:
إن الألفة في علاقات الحب الغيري ليست النوع الوحيد الذي يظهر لأول مرة في مرحلة الرشد المبكر فقد تنشأ علاقات جديدة بالأقران والأشخاص الأكبر سنا وهي ما يطلق عليها هوايت White؛ "1966" بتحرير العلاقات Freeing of Relations من توقعات الطفولة فالراشدون لم يعد ينظر إليهم في إطار النماذج المقولبة Sterotypes للوالدين, ولن يتم تقديرهم كأناس يستحقون ذلك، فقد يعبر طالب في الجامعة عن ذلك بقوله، لأول مرة أكون قادرا على التحدث مع والدي أو والدتي أو أخى الأكبر سنا، كما لو كانوا أناسا حقيقيين أو أصدقاء.
الهوية والعمل:
إن قدرا كبيرا من هوية الشخص يرتبط ارتباطا وثيقا بالعمل حيث يقضي فيه ما يقرب من أربعين عاما من حياته فمرحلة الرشد المبكرة تعتبر الفترة التي يتوقع من الفرد أثناءها أن يكتشف مجال ميوله واهتماماته وأن يجدد علاقته بالمجتمع عن طريق تقريب أو تضييق فرص الاختيار المهني في حياته والالتزام بالمهنة أو الوظيفة، وعموما فإن الفترة ما بين 22 و24 سنة هي أفضل سن بالنسبة للرجل لإنهاء تعليمه وانخراطه في مجال العمل كما أن الفترة ما بين سن 24 و26 يتوقع من الفرد أن يستقر على مهنة معينة وأسلوب معين لحياته، وأحيانا قد يصل إلى الثلاثين قبل أن يصل إلى أداء العمل الحقيقي المتوقع منه, وذلك نظرا لتعقد الحياة الاقتصادية أو رغبة البعض في تكملة بعض الدراسات العليا.
والقدرة على اختيار مهنة مناسبة أثناء مرحل الرشد يبدو أن لها علاقة وثيقة بهوية الأنا الكلية، وغالبا ما يتم التعبير عن مشاكل الهوية لدى طلاب الجامعة في إطار المهنة المستقبلية كأن نسمع أحدهم يقول: "أنا لا أعرف بالضبط ماذا أريد أن أكون" ففي إحدى الدراسات التي قامت بها Marcia؛ "1966" تم تصنيف الطلاب الجامعيين على أساس طبيعة أزمات الهوية التي مروا بها وعانوا منها فيما يرتبط بالالتزام المهني وكذلك الالتزام الأيديولوجي وأشارت النتائج إلى نماذج عديدة للتغلب على مشاكل الهوية فمثلا المفحوصون الذين اتسموا بتخفيض الهوية أو إنجاز الهوية Achievement, Identity قد خبروا أزمة واتخذوا قرارا مبينا على أساس حاجاتهم الخاصة، والمفحوصون الذين كانوا يتسمون بتحديد الهوية
(1/618)

بتحديد الهوية Forclosure كانوا دائما يعرفون ما الذي يريدونه وبالتالي لم يعانوا إطلاقا من أزمة فيما يتعلق باختيار مهنهم، حيث كانوا ملتزمين بمهنة "عادة ما كانت من اختيار أحد والديهم"، أما المفحوصون الذين كانوا يتسمون بتوقف أو تعليق الهوية كانوا في فترة أزمة يكافحون بنشاط وحيوية لوضع وتحديد التزام معين لهم، أما الحالات التي اتسمت بخلط الهوية كانوا غير ملتزمين وغير مكترثين، ونتائج دراسة أخرى لمارتشيا Marcia؛ "1973", أوضحت طريقة أخرى لحل مشكلة الهوية حيث أشارت إلى ما يسمى بالإنجاز المغترب Alienated Achievement والذي عبر فيه الفرد عن افتقاد الالتزام بأي مهنة، وقد يرجع ذلك إلى أسباب أيديولوجية يحياها الشاب، فهذه الأساليب المختلفة للتعامل مع مشكلة الالتزام والتعهد بمهنة وأسلوب حياة معينة اتضح أنها ذات صلة وثيقة بالمهام والواجبات النمائية الأخرى، وعلى ذلك فإن الفرد الذي يتسم بالهوية المنجزة Identity Achivement لم يظهر فقط حلا ناجحا لمشاكل المهنة ولكنه أيضا حصل على درجات مرتفعة في الاختبارات التي تقيس تقدير الذات والقدرة على الألفة والمودة مع الآخرين.
اختيار المهنة ودور الجنس:
يعتبر دور الجنس أحد جوانب الهوية التي يؤثر في اختيار المهنة، على الرغم من أن العديد من الشباب الآن قد يرى أن دخول مهنة معينة لا يحدده نوع الجنس إلا بدرجة ضئيلة، فالإناث اللائي كن يعتقدن أنهن سيدخلن مهنة أنثوية تتسم بالرعاية والحنان مثل: التدريس أو التمريض أو أعمال السكرتارية، كن يشجعن أن يعدن النظر في اختياراتهن، بالإضافة إلى قانون تكافؤ الفرص، وكان هذا يعني لبعض النساء أن يجازفن بخصائصهن ونماذج الحياة التي كان يعتبرها جيل الآباء من صميم عمل الذكور، فلقد صارت النساء عاملات في المناجم ومديرات للشركات ووزراء, ولم يخلو هذا الوضع من بعض المشاكل والضغوط الشخصية والاجتماعية، فقد تحذر الأم ابنتها المديرة بأن نجاحها في عملها قد يعوقها عن القيام بواجباتها الأسرية والزوجية، كما أن العامل الشاب في مصنع كالحديد والصلب قد يتقدم في وظيفته ويحرز فيها نجاحا بارزا، وبالتالي يسبب بعضا من الصعوبات الاجتماعية لزميلته العاملة, وكثيرا ما تشعر المرأة بصراع في اتخاذ القرار المرتبط بالمهنة، فقد تجد نفسها مترددة بين الخوف من النجاح والحاجة للإنجاز، ويشير Hoffmun "1977" إلى أنه ليس هناك دليل واضح يشير إلى أن هذا الصراع قد حل أثناء
(1/619)

العشر سنوات الماضية، على الرغم من الاهتمام العام بإمكانات وقدرات المرأة ويستطرد بقوله أن ما يقرب من 50% من السيدات اللاتي يعملن، أصبح أكثر شيوعا بينهن أن يحددن هويتهن في إطار العمل الذي يقمن به خارج المنزل، ويصدق هذا على السيدة التي ترأس هيئة معينة.
أما بالنسبة للرجال، فالموقف لم يتغير بصورة كبيرة فكل رجل سليم البنية يتوقع منه أن يعمل حتى سن التقاعد، ولم تتزايد الخيارات الوظيفية المتاحة للرجال فيما عدا بطبيعة الحال الفرص التي أتيحت نتيجة التقدم التكنولوجي، والشيء الذي يعتبر في حالة تغير يتمثل في المدى الذي يشتق منه الرجل هويته من وظيفته ومكانته في الأسرة والمجتمع، كما كان هناك أيضا تقبل متزايد بخصوص إمكانية العمل بالمهن من الدرجة الثانية تأكيدا بأن الهوية ليست مرتبطة ارتباطا صارما بالمهنة أو مكان العمل، وثمة ظاهرة وثيقة الصلة بهذا الموضوع تتمثل في اتجاه الرجال إلى تفضيل الوظائف والمهن التي تسمح لهم بالوقت الكافي للقيام بدور الأب في داخل الكيان الأسري.
المهنة ومفهوم الذات:
عادة ما يحصل الفرد على وظيفته في غضون سنوات الرشد الأولى، وتساعد هذه المهنة في عديد من الأحيان في تحقيق مفهوم الذات لدى الفرد فعلى سبيل المثال، نجد الفتاة التي تعتقد أن لديها خصائص المدرسة أو الممرضة، تصبح فعلا كذلك فيما بعد، ولقد أوضحت عدة دراسات تتناول قوائم السمات، أنه ثمة ارتباط عال بين مفهوم الذات لدى المرأة والصور المهنية التي تتوق للحصول عليها. "دراسات هولند Holand".
ورغم ذلك فهناك مشكلة عامة في مرحلة الرشد المبكر وهي التوفيق بين مستوى التقبل ومفهوم الذات، والتقولب المهني، فعلى سبيل المثال الشاب الذي يعتبر نفسه أديبا لامعا قد يدخل مجال العمل كمساعد محرر وتكون وظيفته الرئيسية تصحيح المقالات وتصويب الأخطاء، فإن مفهوم هذا الفرد لذاته لا يتلاءم مع هذا النوع من النشاط، وبالمثل الفتاة ذات القدرة على تولي المناصب الإدارية والتي يمكن أن ترسل إلى ميدان العمل لأول مرة كبائعة، تلك الوظائف التي لم يتوقع الفرد أن يجد فيها ذاته مطلقا، وتكون النتيجة هي إما أن يحاول التكيف وتوسيع مجال مفهوم الذات، أو يحدث عدم التوافق وتزداد أعراض الوهم والخيال لديه.
(1/620)

وفي بعض الأحيان يدخل الفرد القوى العاملة في وظيفة ليست لها علاقة بمفهومه لذاته، وقد يحدث ذلك في المجالات الفنية والعملية، فقد يتولى الممثلين أو الموسيقيين وظائف عادية، وبالنسبة لهؤلاء يتمثل التزامهم في العمل الذي يجب القيام به، وفي حالات نجد الشخص يجري حلا وسطا عن طريق إيجاد وظيفة وثيقة الصلة بميوله واهتماماته الأصلية وترتبط بمفهومه لذاته, فعلى سبيل المثال قد يعزف الموسيقار مع فرقة موسيقية، أو يعد مقطوعات موسيقية لشركات التليفزيون التجارية أو يعمل كمدرس للتذوق الفني، إلا أنه ينظر إلى الوظيفة في هذه الحالة على أنها وسيلة لكسب المال وتحقيق الاستقلالية، بينما نجد تحقيق الإشباع المباشر والتوفيق بين مفهوم الذات والعمل اليومي كلها ترجأ إلى مرحلة أخرى.
وقد ينظر الشاب إلى الراتب الذي يتقاضاه خاصة من الوظيفة الأولى بأنه منخفض ولا يعادل ما يبذل فيه من جهد، وبالتالي يشعر الشاب أن المجتمع لا يقدره حق التقدير وقد تكون ردود فعله في أن يسلك سلوكا غاضبا أو غير ناضج "على سبيل المثال التغيب على العمل أو التخريب في الممتلكات العامة، أو قد يسيطر عليه أوهام وخيالات تدفعه للبحث عن خطط لجمع الثروة بأي وسيلة"، وقد نجد شبابا آخرين ينتهزون فرصة الوظيفة الأولى لإعادة النظر في قيمة المال مقابل قيمة الذات، فعلى سبيل المثال إذا أصبح الشاب كاسبا لقوته، ويعمل من أجل زيادة دخله، فإن ذلك قد يمثل أزمة بالنسبة للشاب الخريج الذي تلقى تعليما عاليا، ويحل بعض الشباب هذا الصراع عن طريق تجنب الأماكن المادية، وقد يلجأ شباب آخرون نحو المهن الحرة بصورة واضحة, وعموما فالقرارات المهنية تعتبر سمة مميزة لفترة الرشد المبكر, إلا أنها ليست بالضرورة مقيدة بالنمو المهني في الحياة، فيما بعد.
الوظيفة والبطالة المقنعة:
فور التخرج من الجامعة أو المدارس الفنية يأخذ الخريجون على عاتقهم بعض مسئوليات الراشدين، وبالتالي يبدءون بالتقليل من الاعتماد على آبائهم ثم ينطلقون نحو إعالة أنفسهم ماديا وقد يواجه الشباب اليوم بعد تخرجهم وتوزيعهم على بعض الوظائف والمهن ألا يجدون ذواتهم فيها بالإضافة إلى فترة انتظارهم لهذه الوظيفة التي قد تطول في أحايين كثيرة، فكيف يسلك الشباب تجاه هذه الأمور؟ فقد يحاول بعض
(1/621)

الشباب الاستمرار في التعليم حتى ينال أكبر قسط منه يعينه في آخر الأمر أن يواجه المنافسة في سوق العمل، وقد يبقى البعض في الجامعة دارسا في محاولة منهم لتأخير دورهم في الصراع ضد العمل أو البطالة المقنعة لبضع سنين، ولقد تعلم البعض أن يكونوا على قدر من المرونة وألا يضعوا نصب أعينهم أهدافا مهنية جامدة لا يمكنهم تحقيقها فهم يشعرون بأنه لزاما عليهم أن يظلوا متفتحين لكل ما يأتي إليهم، فإذا لم يأت إليهم شيء حينئذ تظهر ابتكاريتهم وإبداعهم، فقد نجد الكثير منهم يتولون وظائف مؤقتة أو يعملون كمتطوعين، وقد يقبل الكثير وظائف أقل من مستوى مؤهلاتهم بكثير.
بيد أنه إذا ما أصبحت الصورة كئيبة قائمة أمام الشباب، فقد يتصرف البعض تبعا لما يراه مناسبا، وكما يشير براجنسكي Braginsky فقد يلوم البعض نفسه في بادئ الأمر لفشله في الحصول على عمل، وبالتالي يصبح غير آمن، يتسم بالخجل والانسحاب الاجتماعي وتستطرد تلك الدراسة بإشارتها بأنه إن عاجلا أو آجلا فإن هذا العامل العاطل سوف يشعر بأنه غريب عن المجتمع، وإن ذلك المجتمع معاد له، وفي النهاية يصب لومه على النظام الاجتماعي ككل الذي وعده بالمكافآت ثم فشل في تحقيق ذلك.
فالوظيفة بالنسبة للخريج الحديث, تعتبر بالنسبة له أكثر من مجرد وسيلة لكسب المال إنها الشيء الذي يساعده على بلورة كيانه وهويته الراشدة الجديدة كما أنها تعتبر المدخل لنظامنا الاقتصادي والاجتماعي فهؤلاء الذين هيئوا أنفسهم لدخول مجال العمل عادة ما يستجيبوا للفترات العصيبة بنوع من الواقعية الباردة، فطموحهم قد تم إخماده بدرجة من خيبة الأمل وعدم الثقة داخل نظام منغلق على نفسه.
العمل عبر دورة الحياة:
اختيار المهنة بالنسبة لمعظم الأفراد ليست قرارا يتم اتخاذه دفعة واحدة في مرحلة الرشد المبكرة، فدورة الحياة تفرض مهاما وواجبات متباينة في فترات مختلفة من الحياة، بمعنى أن الأفراد ينمون مهنيا، فطبقا لسوبر وآخرين super et al؛ "1956" يتضمن النمو المهني تحقيقا وتحديثا مستمرا لمفهوم الذات، وكما نعرف أن مفهوم الذات يتغير، وأن هذا التغير قد يتزامن مع أحداث نمائية أخرى، كتوسيع مسئوليات الأسرة،
(1/622)

وإدارة وإعالة أسرة أكبر، ولذلك فإن الفرد قد يتعهد بهوية مهنية جديدة كلما تقلصت مسئولياته العائلية.
وكما رأينا فإن فترة الرشد المبكرة تعتبر الفترة التي يتأهل الفرد أثناءها للوصول إلى الوظيفة أو الدخول في المهنة، كما تعتبر الفترة التي يعمل فيها بجد واجتهاد لتحقيق المعرفة وإحراز النجاح والمكانة الاجتماعية ويتم إعادة تقييم الكثير منها في منتصف الثلاثينات وبداية الأربعينات من العمر, وبالنسبة لبعض الأفراد تكون الحاجة لتمييز ذواتهم في مرحلة الرشد المبكرة على أشدها, ففي إحدى الدراسات الطويلة التي أجراها فايلانت Vaillant؛ "1977" كانت هذه الفترة من العمر تتميز بالعمل الجاد والمثابرة والمسايرة والاتساق وقليل من انعكاس الذات Self Reflection كما أشارت النتائج أن عددا من النساء يتبعن نفس النموذج الذي وصف سابقا.
وعلاوة على ذلك فإن فترة الرشد المبكرة تعتبر بالنسبة لكثير من النساء ذات أهمية متباينة في عالم العمل, حيث أشارت دراسة ميسلن Meislin؛ "1977" إلى أن أكثر من ثلث السيدات أمهات الأطفال الذين لم يتعدوا السادسة من العمر، كن يعملن أو يبحثن عن عمل خارج المنزل، كما أن نسبة الأمهات العاملات تتزايد سنة بعد أخرى، وبالتالي يعد ذلك تغيرا جوهريا في أنماط عمالة الأمهات والحياة الأسرية.
الزواج:
يمثل الزواج حالة اجتماعية وعاطفية قانونية تختلف عن أي علاقة أخرى، والعمر الذي يتزوج فيه الأفراد وكذلك الطرق والأساليب التي يكونون بها تعهدات والتزامات الزواج تتأثر بصورة كبيرة بالمعايير الاجتماعية.
وتعتبر التوقعات الاجتماعية ذات تأثير كبير في هذه العملية، لدرجة أن معظم الشباب عادة ما يكون على دراية بما إذا كان الزواج مبكرا أو متأخرا أو في وقته المناسب كما تؤثر هذه الإدراكات على السلوك، فعلى سبيل المثال قد تعترف امرأة في منتصف عمرها بأنها تزوجت فور تخرجها من الجامعة، وذلك لأن الزواج في ذلك الوقت كان هو الشيء المطلوب عنه، بينما قد نجد امرأة أخرى قد تصبح شديدة الاكتئاب إذا
(1/623)

لم تتزوج قبل الثلاثين من عمرها حيث إن هذا السن يعتبر الموعد النهائي الذي حددته لنفسها منذ سنوات مضت وتحت ضغوط مشابهة يشعر الرجل بحاجته للزواج عند بلوغه درجة معينة في حياته المهنية، حيث يريد أن ينظر الأفراد إليه في صورة من التقبل الاجتماعي يتسم بالمسئولية داخل مجتمعه، وأنه يستطيع أن يقيم العلاقة الزواجية، وتشير نيوجارتن Neugaten؛ "1965" وزملائها أن أفضل سن للزواج بالنسبة للإناث يقع ما بين التاسعة عشر والرابعة والعشرين، أما بالنسبة للذكور. فيقع ما بين العشرين والخامسة والعشرين من العمر, ويبدو أن هذه المعايير لا تزال سارية المفعول بالرغم من أنه يوجد ثمة اتفاق كبير بالنسبة للزيجات المتأخرة من بين أولئك الذين يلتزمون بإنهاء تعليمهم العالي أو إعداد أنفسهم لمهنة معينة، كما أن الظروف الاجتماعية الاقتصادية قد تلعب دورا كبيرا في تحديد السن الذي يقبل عليه الشاب على الزواج خاصة في المجتمعات النامية.
اختيار الشريك:
اختيار شريك أو شريكة الحياة من أحد المشاكل الأكثر وضوحا التي نواجهها في موضوع الزواج، وعادة ما يحدث انتقاء لمعارف الفرد وفي النهاية يميل إلى اختيار الشريك، من مجموعة محددة من الأفراد التي يشبهون بعضهم بعضا إلى حد كبير, وهناك عدد من العوامل التي تحدد اختيار هذا الشريك، يمكن إيجازها في ثلاثة عوامل رئيسية هي، الجاذبية الجسمية، تقارب الزمان والمكان Propinquity، وزواج الأقارب Endogamy.
وتشير عديد من الدراسات أن الجاذبية الجسمية Physical Attractiveness من أكثر العوامل التي تؤدي إلى تكوين علاقة بين شاب وفتاة ففي دراسة قامت بها جامعة مينسوتا تم تجميع كل شاب وفتاة في حفل بصورة عشوائية، وقام أربعة من الطلاب في الفرقة الموسيقية بعمل تقويم لجاذبية كل طالب وطالبة بصورة سرية وأشارت النتائج أنه كلما ارتفع معدل الجاذبية كلما كانت درجة الميل والحب أشد وكلما عبر المفحوص عن رغبة شديدة في رؤية رفيقته مرة أخرى. وكان معامل الارتباط بين الجاذبية والحب إيجابيا ويتضح أهمية عوامل أخرى في المرحل اللاحقة من العلاقات بين الشاب والفتاة مثل عامل الشخصية، لدرجة أنه قد يقلل من أهمية الجاذبية الجسمية.
(1/624)

ومصطلح Propinquity ويعني قرب في المكان أو الزمان، فالأفراد يميلون إلى اختيار شريك أو شريكة الحياة من بين أولئك الذين يعيشون أو يعملون بالقرب منهم، حيث نجد أن هؤلاء الأفراد يكونون أكثر احتمالا في الالتقاء مع بعضهم البعض ففي إحدى الدراسات التي قام بها ألفرد كلارك Alfred Clarke؛ "1952" أشارت نتائجه أن أكثر من نصف الأزواج الذين قام بدراستهم كانوا يعيشون في حي واحد عند لقاءاتهم الأولى.
أما مصطلح Endogamy فيشير إلى الاتجاه العام نحو اختيار شريك أو شريكة الحياة من داخل الجماعة أو القبيلة التي يعيش فيها الشخص نفسه, ويمكن تحديد الجماعة التي يعيش فيها الفرد من جوانب عديدة، عن طريق الدين، والطبقة الاجتماعية، والعمر الزمني، والتعليم، السلالة، والعرق، والقيم المشتركة، كما أن هذا العامل مرتبط بالعاملين السابقين "الجاذبية والتقارب في الزمان والمكان" فمثلا قد ينظر إلى المرأة التي ترتدي وتستخدم ملابس معينة ومكياج طبقة اجتماعية معينة، على أنها أكثر جاذبية من أفراد تلك الطبقة الذين يعيشون في نفس المنطقة ويجاور بعضهم بعضا ويميلون إلى أن يكونوا من نفس الطبقة الاجتماعية.
كما أن العوامل التي تحتم الزواج من داخل جماعة وقبيلة الفرد والتي يطلق عليها مفهوم عوامل Endogamous تعتبر هي نفسها عوامل متداخلة بعضها مع البعض، فمثلا قد ترتبط الطبقة الاجتماعية بالتعليم والعمر الزمني، أو أن الدين قد يكون مرتبطا بالسلالة والعرق، فالطبقة الاجتماعية تحددها أشياء عديدة منها: الدخل والمهنة والجوار والتعليم. وعندما يتزاوج الأفراد من خارج طبقتهم الاجتماعية يميل الرجال إلى التزاوج من نساء من طبقة اجتماعية أقل، بينما يميل النساء للزواج من رجال ذوي طبقة اجتماعية أعلى منهن، كما يميل الأفراد إلى اختيار شركاء حياتهم بحيث يكون هناك تقارب بين أعمارهم، وقد يتم الاختيار من نفس المستوى التعليمي، كما أن الجنس يلعب دورا في هذا الاختيار فعادة ما يفضل الإيطالي الإيطالية، والأمريكي الأمريكية، والفرنسي الفرنسية، والعربي عربية، والمصري مصرية ... وهكذا.
التوافق الزواجي Marital adjustemnt:
يواجه الزوجان المتزوجان حديثا مهاما كثيرة على قدر كبير من
(1/625)

الأهمية وتشمل هذه المهام كيفية التعامل مع الصراعات، والوصول إلى نوع من التفاهم بخصوص الأمور المالية، وتنمية علاقات عملية مع الوالدين والأقارب والاستعداد لمرحلة الوالدية Parenthood، الحمل المباشر أو إرجاء عملية الحمل, جميع تلك الجوانب السابقة من التوافق الزواجي كانت المحور الرئيسي في المجالات المهنية المتخصصة بيد أنه قد نشأت مسائل جديدة أخرى تتعلق بالجوانب الخاصة بالالتزامات الجنسية وتوقعات الدور المرتبطة بدور الزوج أو الزوجة، وسنتطرق بإيجاز لبعض هذه المهام السابقة.
الإخلاص والتوافق الجنسي Sexual Adjustment and Fidelity:
قد يواجه الزوجان المتزوجان حديثا مشاكل التوافق الجنسي الناشئة عن رغبة كل طرف منهما في الإنجاب، والإخلاص الزوجي يتأثر إلى حد ما بالمعايير الاجتماعية والثقافية وكثيرا ما يكون عدم الإخلاص الزواجي من العوامل الهامة التي تؤدي إلى الطلاق، وتشير الدراسات أن الزواج الناجح عادة ما يبنى على إخلاص كل من الزوجين.
التوافق للدور وتمييز الدور:
يتخذ كل من الزوج والزوجة أدوارا اجتماعية جديدة بعد عملية الزواج، حيث يتوقع من الزوجة أن تدير منزلها، كما يتوقع من الزوج التفكير بجدية في المسئوليات الأسرية وتجنب بعض القرارات الطائشة المرتبطة بوظيفته أو مهنته، كما ينبغي أن يتكيف الزوجان اجتماعيا تجاه أحدهما الآخر، حيث يجب أن يعملا على حل المسائل المرتبطة بعملية السيطرة أو الهيمنة Dominance مقابل الاعتمادية، وتوكيد الذات مقابل الإذعان, وتقبل الذات مقابل تقبل الشريك الآخر في الحياة الزوجية, ويجب تحديد المشكلات العملية المرتبطة بعمل كل من الزوجين، وعموما فإن حل هذه المسائل قد يتطلب تغيرا شخصيا حيث أوضحت إحدى الدراسات التي أجريت في عملية التطبيع الاجتماعي الزواجي Marital Socialization تغيرات واضحة في سمات الأفراد المتزوجين في السيطرة وتقبل الذات، ولم تظهر تلك التغيرات في المجموعة الضابطة التي لم يتزوج أفرادها.
ولقد كان الاتجاه بالنسبة للنساء هو القيام بدرجة أكبر من التوافق الخاص بالدور، أما الأزواج فكان اتجاههم أن الحياة تسير كالمعتاد, وعموما
(1/626)

فالسيدات المتزوجات حديثا عادة ما ينتقلن من حياة معينة إلى دور جديد كربة بيت وكأم وينتج عن ذلك إما إشباع ورضا زواجي والثقة بالذات وإما نقيض ذلك, كما أن التوقعات الاجتماعية الحالية المرتبطة بأدوار الزواج نجدها أكثر مرونة عما قبل فقد يكون الرجال قلقين على زوجاتهن اللاتي يعملن بالوظيفة، ولكنهم نادرا ما يشعرون بالحرج اجتماعيا، كما كان يشعر آباؤهم أو أجدادهم من قبل، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد النساء يشعرن بأن لهن الحق في أن يطلبن من أزواجهن المساعدة في أعمال المنزل ورعاية الأطفال, وهذا يعني أن ثمة تمييز أقل في أدوار الزوجة والزوج, ويشير ذلك أيضا أن ثمة استمرارية أقل بين الأدوار بين الأجيال, وتشير نتائج دراسة ميسلن Meislin؛ "1977" أن 27% ممن يقعون في الفئة العمرية بين الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين كانوا يفضلون الزواج التقليدي على الزواج الجديد الذي يتم فيه تبادل الأدوار، وهذا في مقابل 59% من جيل الآباء.
ومن بين المسائل الهامة بالنسبة للزوجين في ريعان الشباب في فترة الثمانينات قضايا تتضمن أدوارا جنسية وأدوارا ترتبط بالعمل، فعندما يخرج كلا الزوجين للعمل خارج المنزل وهذا هو الوضع المتزايد في الزواج المبكر فإن النمط التقليدي لسيطرة وسيادة الذكر يمكن أن يقسم بين الزوجين فالمرأة التي تختار أن تكون ربة بيت تكون أقل توكيدا أكثر ثقافة وتوجيها بخصوص التربية والتنشئة والتضحية بالذات، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن المرأة العاملة المتزوجة تبدو غير متمسكة بالعادات والتقاليد، ولديها ميل للمنافسة واستعدادها أقل من حيث التضحية بالذات ولقد أشارت نتائج دراسة Weir, Burke أن ربات البيوت يظهرن اتجاها أكبر نحو السلبية عن الزوجات العاملات، كما أن أزواج ربات البيوت كانوا أكثر تسلطا وسيطرة عن أزواج الزوجات العاملات، وعندما تم قياس الرضا الزواجي وجد أن الزوجات العاملات تبدو أكثر اشباعا ورضا، كما أن لديهن القدرة على الأداء بشكل أكثر فعالية من الزوجات اللائي لا يعملن خارج المنزل، وأشارت نتائج الدراسة السابقة أن أزواج الزوجات العاملات يبدون أكثر استياء وأقل رضا حيث أظهروا قدرا أكبر من الضغوط والتوتر المرتبط بالوظيفة كما كان ينتابهم القلق والاضطراب بالإضافة إلى عدم تمتعهم بصحة جسمية أو نفسية جيدة, ومن الناحية الإيجابية, فإن أزواج الزوجات العاملات يظهرون درجة أعلى من الانسجام والتوافق مع زوجاتهن فيما يتعق بالأمور الهامة كما كان لديهم استعداد أكبر لحل خلافاتهم بطريقة تتسم بالمساواة.
(1/627)

وثمة مشكلة من نوع خاص عند الزوجين المتزوجان حديثا وتتمثل في ربط الأدوار الزوجية بأدوار العمل، فلقد أصبح من الشائع أن نجد رجلا تحت رئاسة امرأة داخل مجال العمل وأن نجد النساء يتنافسن مع الرجال في الترقيات، إلا أن الأدوار التي يجب أداؤها داخل المنزل قد تختلف عن أدوار العمل، فقد تشعر الزوجة أن زوجها يشعر بالخوف نحو تأكيدها لذاتها خاصة في المسائل المالية، كما أن بعض النساء قد يكتشفن أن النجاح المتزايد في الوظيفة لا يختفي به من قبل الزواج.
وتوضح نتائج دراسة باري Barry؛ "1970" أن الزوج والعوامل المرتبطة به هي أكثر العوامل التي تؤدي إلى السعادة في الأسرة والتوافق الزواجي، وتستطرد بأن نتائج الدراسات الطولية على الأزواج قد أوضحت أن سمات شخصية الزوج عادة ما تكون أكثر ارتباطا بالسعادة الزوجية اللاحقة إذا ما قورنت بالسمات الشخصية للزوجة، فالهوية الثابتة للزوج والتي بدورها مرتبطة بسعادة والدية في الزواج ولارتباطه الوثيق بأبيه، كما ترتبط المكانة الاجتماعية والاقتصادية العالية والمستوى التعليمي الرفيع لدى الزوج بما يتحقق من النجاح والتوافق الزواجي. وجدير بالذكر فإن مدركات الزوجة تلعب دورا رئيسيا في التوافق الزواجي، فكلما كانت نظرة الزوجة إلى زوجها بوصفه شخص ناضج انفعاليا، كلما كان هو قريب منها وبالتالي قام بالإيفاء بدوره الثابت ثقافيا في نظر زوجته وكلما كان الزواج أكثر سعادة، فالزوجات اللائي يشعرن بالسعادة عادة ما ينظرن إلى أزواجهن على أنهم أعلى من المتوسط أو المعدل، أما لماذا يفعلن لذلك، فهذه قضية أخرى تستحق التأمل والدراسة.
وثمة قضية هامة بالنسبة للزوجين المتزوجان حديثا وهي، ما إذا كان سينظر إلى الزواج على أنه شرك أو فخ يسقط كل منهما فيه، أم سيكون فرصة ومجال لمزيد من النمو اللاحق لكلا الزوجين, ويقارن روجرز C. Rogers؛ "1972" بين تلك النظريتين للزواج قائلا: إن الزواج بالنسبة لبعض الأزواج قد يشبه صندوق رومانيتيكي يربي فيه الشخص الأطفال، صندوق سحري يوفر الأمان والأمن والهوية، بل أنه تابوتا يحوي كلا الزوجين يمثلان به، وبالنسبة لأزواج آخرين فقد يشبه الزواج بالنهر، تيار مركب من الخبرة التي فيها يكون كلا الزوجين قادرا على القيام بالمخاطر والمجازفات، يفند طموحاته ويمحصها، وأن يكيف نفسه للمباغتة والمفاجأة، ففي بداية الزواج عندما يكون الإشباع والسعادة
(1/628)

الزوجية مرتفعة نسبيا، ولم يتم بعد اختبار استقرار العلاقة خلال الوقت، فإن الزوجان يبدآن في تكوين نوع من التوجه الذي ينتج عنه إما الملل والسأم أو استمرار النمو في الزواج بمرور الأيام.
القيام بدور الوالدية:
أحد أقوى الحوافز لدى الكائنات الحية يتمثل في الحافز نحو حفظ النوع والمحافظة على الذرية والعناية بها, وبمرور الزمن يصبح كل إنسان تقريبا أبا أو أما, فنجد في مراحل إريكسون للنمو تظهر الوالدية كاستجابة لازمة الإنتاجية، ويشير إلى أن القدرة على العناية بالآخرين كالتزام له أهمية بالنسبة للماضي والمستقبل، ويعترف إريكسون بأن بعض الناس بسبب الكوارث أو الهبات في نواحي أخرى قد يحققون الإنتاجية بطرق ووسائل غير الوالدية، فمثلا بواسطة مهنة تهتم بالرعاية أو عن طريق تفاعل حقيقي مع الأطفال، فعالمة الأنثروبولوجي مارجريت ميد التي لم تنجب حتى سن الثامنة والثلاثين، وعالمة التحليل أنا فرويد التي لم تتزوج ولم يكن لها أطفال, يعتبران من ضمن الأمثلة الشهيرة للأفراد الذين تخطوا بنجاح أزمة الرشد من جهة الانتاجية أو التوالدية دون أن يكون لهن أطفال.
ومن ناحية أخرى فإن مجرد الرغبة أو الحصول على أطفال لا يرقى إلى التناسل أو الإنتاجية الحقيقية، فبعض الأفراد لا يقدرون على مسئولية الوالدية بسبب صعوبات مروا بها في أوقات مبكرة في فترة نموهم، فمثلا الزوجان اللذان لم يعمل على نمو القدرة على التبادلية Mutuality والتضحية في علاقاتهما, غالبا لا يكونا غير مستعدين لأن يكون لهما أطفال فبدلا من الرعاية والعناية بجيل جديد نجدهما ينهمكان في رعاية كل منهما بالآخر كما لو كان كل منهما طفل للآخر.
الدافعية نحو الإنجاب:
هل ينبغي أن يكون لنا طفل، ومتى يمكن أن يحدث ذلك، سؤالان هامان بالنسبة لمعظم الأزواج الشباب، كما يبدو أن قيمة الأطفال تختلف بالنسبة للزوجين كما تختلف الأسباب التي تكمن وراء إنجاب الأطفال.
فهناك بعض الآباء والأمهات الذين يتسمون بالمهارة في القيام بدور الوالدية، فجوانب البهجة والرضا والسرور التي يجلبها الأطفال قد توزن
(1/629)

وتقيم مقابل جوانب الإشباع والسرور الأخرى المرتبطة بالمهنة وأسلوب الحياة، والافتراض الذي يكمن وراء هذا يشير إلى أن تزايد الفرص التعليمية والمهنية للسيدات قد يجعل إنجاب الأطفال أقل جلبا للإشباع والإحساس بالسعادة، وأقل ضرورة للنمو الشخصي، ففي إحدى الدراسات أشارت النتائج إلى أن النساء ذوات التعليم المرتفع قد سجلن درجات أقل في جوانب الإشباع والرضا الناشئة عن أولادهن، إذا ما قورن بالنساء ذوات التعليم المتوسط، ولقد فسرت هذه النتيجة إلى أنه قد يرجع إلى أن نساء الفئة الأولى عادة ما يكون لديهن وسائل بديلة لتحقيق إشباعاتهن وحاجاتهن، وأشارت دراسة أخرى إلى أن النساء اللاتي كن يشغلن وظائف تبعث عليهن البهجة وتشبعهن كان لديهن أطفال أقل من السيدات الأخريات، وعموما فإن الإنهماك في العمل يعمل بصورة أساسية على تأجيل الإنجاب أو يحد من عدد الأطفال داخل الأسرة, فما هي الدوافع التي تدفع الزوجان إلى مرحلة الوالدية؟
أحد العوامل التي يشار إليها في هذا الصدد يتمثل في الضغط الثقافي Cultral Pressure لا سيما الضغوط التي تأتي من الأجداد، وثمة عوامل أخرى مثل البهجة والسرور التي تكمن في الأطفال أنفسهم، والرغبة نحو الرعاية المادية والإشباع الانفعالي التي يجلبها الأطفال لآبائهم خاصة في شيخوختهم، وكذلك الرغبة في الوريث الذي يمكن أن يرث ثروة الأب بعد مماته بالإضافة إلى الإحساس بأن مهنة الفرد ووظيفته ليست كل شيء في الحياة، وبالتالي نحن في حاجة إلى الأطفال لجعل الحياة ذات قيمة وتستحق أن تعاش، وكثيرا ما نسمع بعض الأسباب -خاصة في وقت الكوارث والحروب- بأن الأفراد في حاجة لشيء يخلد بعدهم.
أما الدوافع الأخرى لإنجاب الأطفال قد ينظر إليها المتخصصون في الصحة النفسية حيث نجد بعض الأزواج يقررون إنجاب طفل لكي يحسنوا ويدعموا زواجهم, أو يمنعوه من التدهور والانهيار، وقد ينظر البعض إلى الإنجاب على أنه نوع من الهروب من السأم والملل أو للهروب من مهنة غير مشبعة، وقد ينظر البعض إلى الطفل على أنه صورة من صور المنزلة والمكانة الاجتماعية، وقد تشير بعض النساء، خاصة الأرامل أو غير السعيدات في زواجهن, بأنهن يحتجن لطفل خاصة في مرحلة غياب العلاقات الجنسية أو ضعفها في فترة الرشد، عادة ما يكن في حاجة إلى شخص ما يكونون معه ارتباطا عاطفيا قويا حيث إن الاهتمام بشخص آخر يوفر لهم الإحساس بالمعنى أو الغرضية.
(1/630)

الوالدية كعملية نمائية:
يعتبر الحمل في حد ذاته ذا دلالة ومعنى نمائي بالنسبة للمرأة تبعا لأقوال إريكسون "1968" حيث يسميها بالفترة الداخلية المنتجة Productive Inner Space والتي تعتبر بصورة رمزية وبيولوجية مركز الإشباع الأنثوي، كما أن إنجاب الطفل له دلالة خاصة بالنسبة لكلا الوالدين، من حيث إنه قد يحيي مظاهر الصراعات المبكرة في النمو التي مرا بها.
ويشير بندكيت Benedek؛ "1958" أن الأم باسترجاعها لأحداث طفولتها وكيف كان يتم تعذيتها، كيف كانت تحتضن وتعانق ... إلخ. فإنها تتحرر من آلام طفولتها كلما وجهت الاهتمام والرعاية لطفلها، بالإضافة إلى أن أمومتها تشتق أصلا من عملية تقمصها لأمها، إن خبرة القيام بدور الوالدية تعتبر حقيقة خبرة متكاملة وستظل هكذا ولنستمع إلى حديث إحدى السيدات في ربيع عمرها إذ تقول, إنه كما لو كان هناك مرآتين مثبتتين في زوايا معينة، فإنني أرى جزءا من نفسي في أمي، التي تقترب من الشيخوخة، وجزءا منها في نفسي، وفي المرآة الأخرى أرى جزءا من نفسي في ابنتي، حقيقة لقد اكتسبت بصيرة واستبصارا دراميا من النظر إلى تلك المرآتين.
وخلال سنوات الرشد الأولى يجب أن يصل الزوجان إلى اتفاق بخصوص توقع الحمل ومتاعبه، وكذلك اعتماد الطفل الرضيع المطلق عليهما، وتزايد الاعتماد على النفس، وأعباء طفل ما قبل المدرسة، وقد يتضمن ذلك تعلما جديدا بالإضافة إلى الضبط الذاتي للوالدين، فعلى سبيل المثال سلوك الغضب في السنتين الأوليين أو التمرد والعصيان لطفل ما قبل المدرسة، قد يجبر الوالدين وبخاصة الأم التعرف والاعتراف بالغضب، أو المخاوف التي تدور بداخلها، إلا أنها لا تستطيع أن تعبر عن غضبها كما يفعل طفلها, ولقد عبرت إحدى السيدات عن ذلك بقولها، وإنني أشعر بالضعف من الغضب أو الثورة التي تكمن بداخلي، ولكن كيف يمكن تعلم امتصاص هذا الغضب وأن أظهر الرعاية والعناية وعموما فكلما نما الطفل، تجدد نشاط الصراعات المختلفة وفرص النمو لدى الوالدين.
الوالدية كدور اجتماعي:
يعتبر ميلاد الطفل الأول بالنسبة للزوجين هاما من حيث المعايير
(1/631)

الاجتماعية، ففي بعض المجتمعات يحقق الزوجان استقلالا اجتماعيا كاملا ويقيمان أسرة خاصة بهما بعد أن يصبحا والدين، ويعتبر الحمل أحيانا نقطة انتقالية أكثر أهمية للمرأة من الزواج ذاته، فإن توقع وانتظار طفل يمثل أول توافق رئيسي بالنسبة لكلا الزوجين.
وبمجرد أن يصبح الحمل واضح المعالم, فإن الزوجين يحققان مكانة اجتماعية جديدة أي كوالدين في المستقبل، وبمجيء الطفل يصبحان فعلا والدين وبالتالي يكونا نواة أسرة جديدة حيث يتعهدان بتنشئة كائن بشري جديد، كما أنهما في نفس الوقت يتم تعليمهما وتنشئتهما بسببه، أي أن الأبوين يعلمان الطفل عادات الأكل والشرب وعادات التواليت وسلوك دور الجنس، وفي نفس الوقت يتعلمان كيف يتحدثان مع الطفل، وكيف يشتريان له حاجاته، وكيف يرتبطان بنماذج جديدة بكل من الجد والجدة وهكذا.
إن الانتقال إلى مرحلة الوالدية يطلق عليه "أزمة عادية" فإنها تغير من نمط شخصيات الآباء والأمهات وكثيرا ما تعوق مهنة الزوجة وعدم انتظامها, ويشير شولز Schulz؛ "1972" أن مجيء الطفل يقيد ويحد من أنشطة الوالدين خارج المنزل بالإضافة إلى خلوتهما وسريتهما داخل المنزل، وتتقلص بصورة واضحة تبادل المشاعر والأفكار.
وتشير نتائج الدراسة السابقة أن الوالدين الشابين يتحدثان مع بعضهما البعض، بقدر نصف ما يتحدث الزوجان المتزوجان حديثا، وحينئذ فإنهما يميلان أن يتحدثا عن الطفل.
وتشير دراسات أخرى أن الانتقال إلى مرحلة الوالدية قد حسن عملية التوافق الزواجي خاصة لدى الأفراد الذين يتمتعون بطرق جيدة للتواصل ولتبادل الأفكار والمشاعر, كما أن الأبوين اللذين قد خططا لإنجاب الطفل وبالتالي كانوا أقل تعرضا لظهور المتاعب والأزمات.
ويؤدي مركز الوالدية الجديد إلى نمو علاقات جديدة بين الزوجين والمجتمع, فالأمهات الجديدة يبحثن عن أمهات جديدة أخرى من أجل الصحبة والتضحية، ويظهر الكثير منهن السرور المتزايد في صحبة أمهاتهن، كما تعمل الوالدية على تجدد الاتصال بالمؤسسات التي كان يتم
(1/632)

تجاهلها في مرحلة ما قبل الزواج، وكلما تقدم الطفل في سنوات عمره، كلما بدأ الوالدان في تقويم المتنزهات والمكتبات والمدارس المجاورة وهكذا, وعموما فإن الوالدية معناها الاعتراف بعدم كمال الإنسان وأن يكون لديك القدرة على تحسين ما هو قائم بالفعل داخل المؤسسات في المجتمع.
دورة الأسرة:
بميلاد أول طفل وتأسيس أسرة جديدة، يصبح من المناسب التحدث عن دورة الأسرة، وتبدأ هذه الدورة -بطبيعة الحال- بالزواج وتنتهى بمراحل من الحرمان وموت أحد الزوجين، ثم بموت الزوج الآخر, ويشير دوفال Duvall إلى ثمان مراحل مع توضيح عدد السنوات التقريبية لكل مرحلة من تلك المراحل, وحيث إن الأم عندما ترسل طفلها الأول إلى المدرسة عادة ما تكون ما بين الثلاثين والخامسة والثلاثين من عمرها، فيمكننا القول بأن فترة الرشد المبكرة تقابلها -بصورة عامة- بالنسبة لكل من الزوجين كأفراد على حدة, فالزوجان اللذان يؤجلان إنجاب الأطفال قد يقضيان ست أو سبع سنوات بدلا من سنتين في المرحلة الأولى وبالتالي يؤثر ذلك على بقية الدورة، فعلى سبيل المثال ومرحلة العش الهادئ الخالي" والتي تحدث في سن المعاش ستكون أقصر, كما تحدث بعض التغييرات في هذا النظام بسبب الطلاق أو الزواج للمرة الثانية.
ومما يجدر الإشارة إليه أنه على الرغم من أننا نميل لتصوير الأسر كراشدين بالغين مع أطفال صغار "فإن مقدار الوقت الذي يقضى في المراحل الثلاثة الأولى من الحياة الأسرية يكون صغيرا -بصورة نسبية- حيث لا يزيد عن اثنتي عشر عاما من المجموع الكلي لعدد السنوات والذي قد يصل إلى خمسين عاما, وتكتمل نصف الدورة الأسرية تقريبا بعد رحيل الأبناء، ولذلك فإن أنواع التوافق التي يتم التوصل إليها في فترة الرشد الأولى ليست بالضرورة أن تكون صالحة لفترات أخرى لاحقة.
(1/633)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
شكل "1" يوضح مدة الوقت في كل مرحلة من المراحل الثمانية عند دوفال وهي:
1- زوجان متزوجان "بدون إنجاب الأطفال".
2- الأسر التي بها حالات "أكبر طفل يتراوح عمره ما بين أسبوع واحد حتى ثلاثين شهرا".
3- الأسر التي بها أطفال في سن ما قبل المدرسة "أكبر طفل يتراوح عمره ما بين 30 شهرا حتى 6 سنوات".
4- أسر بها أطفال في سن المدرسة "أكبر طفل يتراوح عمره ما بين 6 و13 سنة".
5- أسر فيها مراهقون "أكبر طفل يتراوح ما بين 13، 20 سنة".
6- أسر غادر شبابها واستقلوا بأسرهم "استقلال الابن الأول والأخير بأسر خاصة بهم".
7- الوالدان في منتصف عمرهما "عش التقاعد الخالي".
8- أفراد الأسرة في فترة الشيخوخة "من سن المعاش إلى موت كلا الزوجين".
(1/634)

الطلاق:
إن دورة الأسرة التي يصفها علماء النفس والاجتماع بأنها دائرة مقسمة إلى عدد من القطاعات التي يمكن التنبؤ بها، بيد أن الأحداث بالنسبة لكثير من الأفراد لا تسير على وتيرة واحدة، فقد يحدث أكثر من زواج وأكثر من دورة أسرية وأكثر من مجموعة من الأطفال، ففي بعض الحالات ينتهي الزواج في المرحلة الأولى أو الثانية أو الثالثة، ومعظم حالات الطلاق التي تحدث غالبا ما تقع في نطاق السنوات السبع الأولى من الزواج.
وقد يرجع الطلاق لعديد من الأسباب منها -على سبيل المثال- التقبل الاجتماعي المتزايد لعملية الطلاق نفسها, إذا ما قورنت بتقبلها فيما مضى وتشير الدراسات أن نسبة الطلاق قد تتزايد بين أولئك الذين تم زواجهم في سن مبكرة وهم مراهقون أما أولئك الذين يتزوجون في أواخر العشرينات من عمرهم، فإنهم أقل احتمالا لحدوث الطلاق فيما بينهم إلا أن الزواج المبكر ليس معناه بالضرورة أن يحدث فيه الطلاق، والاتجاه الذي يشير بأن الزيجات المبكرة تنتهي بالطلاق، وأن معظم حالات الطلاق تحدث في السنوات الأولى من الزواج، هذا يكشف التقارب عن مؤشر نمائي ضمني مرتبط بالنمو، فقد لا يكون الزوجان قد تخطا تماما أزمة الهوية لمرحلة المراهقة، بمعنى أن أحد الزوجين "أو كليهما" لا يكون قد نجح في تحرير نفسه عاطفيا من والديه، في تكوين نوع من الالتزام والثبات على قيمه ومهنته، فإذا لم يتمكن من إنجاز ذلك يجد نفسه من الصعب أن يقيم علاقة على أساس التبادلية مع شخص آخر، ويمكن للزوجين الالتجاء إلى طلب عملية الإرشاد الزواجي فمثلا قد تشكو زوجة أن زوجها ما يزال مرتبط عاطفيا بأمه, أي أنه ما زال طفلا صغيرا يريد من يوجهه، وقد يدعي الزوج أن زوجته كانت فعلا تبحث عن أب فإن كلا منهما يتهم الآخر بافتقاد الألفة أو المودة، لا سيما من أجل التبادل الكامل للمشاعر والأحاسيس والأفكار، وكأن كلا منهما يقول للآخر: "حبني ولكن لا تقترب مني أكثر من اللازم".
والأسباب التي تكمن وراء حالة طلاق معينة عادة ما تكون مركبة للغاية، لا يمكن الإفصاح عنها حتى من جانب الزوجين أنفسهما، وتشير نتائج دراسة هنت وهنت Hunt & Hunt إلى ثلاثة أنواع شائعة للسيناريو المرتبط بالطلاق، فبالنسبة لبعض أزواج يذبل الزوج ويبهت بصورة
(1/635)

نسبية, مثل صورة فوتوغرافية قديمة، أي أن الطلاق يتم بدون وعي وبلا صراعات, وكذلك فإن أي حادث عرضي مثل الانتقال المهني لبلدة أخرى أو مغازلة عابرة تكفي لأن تنهي الزواج نهاية هادئة، والنوع الثاني من السيناريو يشير إلى أن الطلاق يحدث صدمة لأحد الزوجين أو لكليهما، وقد يكون هناك أنواع أخرى من الطلاق تتم بعد معاناة وصراع طويل، وفي مثل هذا السيناريو يدرك كلا الزوجين أن الطلاق وشيك الحدوث إلا أنهما ينتظران شهورا بل وحتى سنوات لإتمام خطواته النهائية.
وعادة ما تعتمد ردود فعل الطلاق على طبيعة الأحداث ونوع العلاقات الزوجية التي تسبقه، إلا أن كلا من الزوجين عادة ما يحتاجان وقتا طويلا لاندمال الجرح وتجاوز الصدمة، ويحتاج الشخص المطلق -رجلا كان أم امرأة- إلى تسوية صراعات الهوية المبكرة وذلك عن طريق بناء نمط جديدة للحياة، فمثلا المرأة التي تزوجت في وقت مبكر قد تكون قد ربطت هويتها بهوية زوجها, أما الآن فهي ذات مكانة جديدة وبالتالي تحتاج إلى بناء هوية مهنية أو على الأقل ستحاول أن تجد وظيفة لها, وفي نفس الوقت يجب عليها أن تعيد تنقيح هويتها فقد تواجه عددا كبيرا من المشاكل العملية فالطلاق بالنسبة لمعظم الأزواج الجدد قد يسبب اضطرابات مالية وبالتالي يخفض من مستوى المعيشة، كما يجب إقامة علاقات والدية جديدة خاصة أن تمخض الزواج السابق عن أولاد، ويصدق هذا لا سيما على الأب والذي عادة لا يكون مسئولا عن رعاية الأطفال وبالنسبة لكل من الزوج والزوجة عادة ما تبدأ عملية توتر الهوية والدور الاجتماعي من جراء مطالب نمط حياة العزوبية من جديد، فقد تواجه الأب صعاب في زيارة أطفاله المبعدين عنه وفي إرسال نفقاتهم، وقد تواجه الأم هي الأخرى مصاعب في تنظيم حياتها الاجتماعية وقدرتها على تربية الأولاد، ونظرات الآخرين لها، وعلاقاتها العاطفية.
وعادة ما يتزوج الأفراد المطلقين في نهاية الأمر مرة أخرى، ويميل الرجال إلى الزواج مرة ثانية أسرع من النساء وعلى الرغم من أن نسبة الطلاق تكون مرتفعة بالنسبة للزيجات التي تتم للمرة الثانية، إلا أن أغلبية الذين يتزوجون للمرة الثانية عادة ما يستمرون في زواجهم حيث قد ينظر إلى خبرتهم في الطلاق على أنها قد تساعدهم على العثور على شريك جديد أكثر ملاءمة، ليس هذا فحسب بل أيضا قد يجدون ذواتهم الجديدة الناجحة.
(1/636)

اختيار شريك أو شريكة الحياة:
أشارت ميلتون وتوماس Melton & Tomas؛ "1976" في استقصاء الفروق بين الطلاب البيض والزنوج بخصوص القيم المرتبطة باختيار شريك "أو شريكة" الحياة، وافترضا أن الطلاب الزنوج والذين يحتلون كمجموعة مكانة اجتماعية واقتصادية أقل من البيض سيركزون على القيم المرتبطة بالأمان الاقتصادي "والتي يطلق عليها مصطلح القيم الوسيلية"، أما الطلاب البيض فيتوقع منهم أن يركزوا على القيم العاطفية أو ما يطلق عليه القيم التعبيرية.
وأوضحت النتائج أن الزواج من أجل الحب يعتبر حقا قيمة ثقافية واسعة الانتشار، فقد أشارت كل من المجموعتين أن دور القيم التعبيرية يعتبر أكثر أهمية "مثل التفاهم والحب والحنان المتبادل، والنضج الانفعالي، والحنان والرقة والاهتمام، وفي الحقيقة فإن الطلاب البيض والسود كانوا على اتفاق تام تقريبا في تقديرهم لهذه الخصائص المرغوب فيها.
بيد أن الطلاب السود قد أولوا اهتماما أكبر للقيم الوسيلية مثل الترقي الاقتصادي، والرغبة في امتلاك منزل، والاتفاق المادي، حيث كان الرجال السود يتعطشون خاصة لتوفر هذه القيم في زوجة المستقبل، تلك النتيجة التي يشعر الباحثون أنها تعكس الحقيقة التاريخية بأن الرجال السود لم تكن لديهم الفرص الكافية لكسب الدخل المناسب والمشبع لأسرهم, ولقد جاءت الدرجة الجامعية في ذيل القائمة التي تضم القيم المرغوب فيها بالنسبة للمجموعتين.
والجدير بالذكر فإن نتائج هذه الدراسة تشير إلى وجود اختلافات ثقافية واجتماعية واقتصادية يمكن أن تعزى إليها هذه العملية.
(1/637)

مرحلة الرشد الوسطى Middle Adulthood:
تتقارب مصطلحات الرشد الوسطى، والعمر المتوسط، والحياة الوسطى من ناحية الاستخدامات اللغوية والتعبيرية، إذ إن الأوسط من الناحية اللغوية يعرف بأنه ما يأتي قبل وبعد أشياء معينة، وبالتالي فإن الأفراد ذووا الأعمار المتوسطة ليسوا بصغار السن، ولا مسنين، حيث تركوا وراءهم عنفوان وقوة الشباب، إلا أنهم لم يصلوا بعد إلى توتر وهدوء وتعقل كبار السن وتشير نتائج نيوجارتن Neugarten؛ "1965" وزملائها في دراستها الكلاسيكية أن الأفراد قد حددوا الرجل أو المرأة الذين يكونون في منتصف العمر عندما يكونون ما بين الأربعين والخمسين عاما، وعموما فإن هناك مراجعة للاتجاهات نحو فترة الرشد الوسطى وذلك كانعكاس لطول فترة الحياة المتزايدة.
إذن متى يستطيع الفرد تجديد نفسه بأنه يقع في منتصف العمر؟ إن الأعمار الزمنية الحدية مثل الأربعين والخامسة والأربعين لا تبدو ذات دلالة واضحة إذ تشير نيوجارتن أن التواريخ والأعمار الزمنية لم تعد ذات مؤشر إيجابي كما كانت في المراحل النمائية السابقة، إذ لا يمكن القول بأنه يتقدم السن في هذه المرحلة يصبح الفرد أكبر جسما أو أكثر جاذبية أو أكثر أهمية.
إن الازدياد في العمر عاما بعد آخر يزيد من تميز الفرد، وبالتالي يميل الفرد إلى أن يدرك نفسه كما لو أنه في منتصف العمر وذلك كانعكاس لأحداث وخبرات تحدث في محيط الأسرة أو العمل، وعندما يكون لدى الفرد أبناء بالغين أو في سن المراهقة فقد يكون ذلك علاقة على أنه لم يصبح شابا صغير السن، وبحصول الفرد على مركز مرموق في عمله أو تولي الفرد مهمة الإشراف على مرءوسين من الشباب، قد ينتج عن ذلك، الإحساس بفترة وسط العمر, وقد أظهرت الدراسات أن السيدات يملن إلى إدراك منتصف العمر في إطار ما يحدث داخل الأسرة من أحداث ويحدث ذلك بالنسبة للرجال في مجال العمل والمركز الاجتماعي والاقتصادي.
(1/638)

التغيرات الجسمية:
يصل الإنسان إلى قمة النمو الجسمي في مرحلة الرشد المبكرة، ثم يبدأ الانحدار بصورة تدريجية في العقد الرابع من الحياة، فعلى سبيل المثال يبدأ الطول في التناقض بصورة ضئيلة بين الخامسة والأربعين والخمسين، أما الجزء الوحيد الذي يستمر في النمو من هيكل الإنسان العظمي فهو الوجه والرأس، ويستمر مما ينتج عنه تجعدات في الوجه، مع ارتخاء في أجزاء أخرى من الجسم، ويتناقص الحجم والقوة العضلية، وتقل تدريجيا القدرة على أداء مجهودات جسمية شاقة، إلا أن الأفراد الذين تعودوا على أداء الأعمال الجسمية يستمرون في إنتاجياتهم حتى أواخر منتصف العمر، ولكن عندما يصل الفرد إلى الخامسة والخمسين من عمره فإنه, كما عبر عن ذلك أحد العمال في هذا السن بصورة صادقة وذلك بقولهن لقد أصبحت الشوارع أكثر طولا، وقلت قدرتي على أداء الأشياء، لقد أصبحت عجوزا.
ويشعر الأفراد في منتصف العمر وبصورة تدريجية بأنهم أصبحوا أقل قدرة على مواجهة الضغوط الانفعالية والجسمية، ولا يستطيعون تحمل البرد أو الحر الشديد، كما يصعب في هذه الفترة مقاومة التقلبات الجوية، وتصبح الشكوى من التقلصات المعوية والاضطرابات السيكوسوماتية أكثر شيوعا، كما لا يستطيع الفرد أن يتناول وجبة دسمة دون أن يشعر بآثارها في اليوم التالي وعندئذ يتذكر أن ذلك لم يكن حاله من قبل.
وبتقدم العمر يحدث انخفاض ملحوظ في القدرة على التنفس، ويشعر المرء بالإجهاد السريع لمجرد ممارسته الجري أو صعود الدرج, والقلب يعمل بصورة أكبر، إلا أنه بفعالية أقل، وتبدأ حالة انتكاس تتضمن زيادة في الوزن وزيادة في سمك وصلابة الحوائط الشريانية، وتكون مشاكل السمنة وتصلب الشرايين أكثر شيوعا في أواخر مرحلة وسط العمر.
كما يحدث تغيرات في الجهاز العصبي تؤثر -بصورة خفيفة- على السلوك والإدراك والذكاء, ويقل وزن المخ بعد سن العشرين تدريجيا، ثم بسرعة أكثر في أواخر العمر.
وتشير دراسة بروملي Bromley؛ "1974" إلى حدوث تغير طفيف
(1/639)