Advertisement

علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة 003



الكتاب: علم نفس النمو من الجنين إلى الشيخوخة
المؤلف: عادل عز الدين الأشول
الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية
الطبعة: -
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] بين الشباب والشيوخ في قياس ذبذبات المخ EEG, كما أن انعكاس الطرق على الركبة "الانعكاس البسيط" يبقى مقاربا لما كان عليه في سن العشرين وتصبح ردود الفعل للمثيرات المركبة، بما فيها تحولات النبض السريع أبطأ، ويصبح الانفعال أكثر بطأ، وهذا يعني أنه يتطلب وقتا أكثر بقليل من العقل حتى يتمكن من أداء عملية التنسيق والإنذار للنشاط العضلي، كما يحدث فقدان لبعض حاسة التذوق والسمع في الخمسينيات ولكنه غالبا ما لا يلاحظ من قبل الفرد.
وعلى الرغم من أن سنوات الرشد الوسطى يحدث خلالها تدهور تدريجي من قمة النضج التي وصل إليها الفرد في العشرينات من عمره, إلا أن الإنسان لا يجد ارتدادا فجائيا من النضج إلى التقهقر وحتى في سنوات العمر المبكرة فإن كل من عمليتي الهدم والبناء تحدث كذلك فمثلا الخلايا العصبية لا تتضاعف بعد السنة الأولى من الميلاد، وبالتالي يتناقص عددها تدريجيا، إلا أنه بسبب الزيادة الهائلة في تلك الخلايا، عادة ما يكون هذا التناقص غير ملحوظ، ويشبه ذلك التناقص الذي يحدث في طول الإنسان، والذي يحدث بصورة لا تكاد أن تلاحظ في السنوات المتأخرة من الحياة، وتحدث أمراض الشرايين في سنوات العمر الوسطى بصورة تدريجية أكثر مما تحدث بصورة فجائية، وتبدأ دقات قلب الفرد العادي "إذا ما قيست وقت الراحة" في التناقص ليس في منتصف العمر ولكن يبدأ ذلك في سن التاسعة عشر بنسبة 1% تقريبا, وربما يمكن ملاحظة هذه المشكلة في سن الخمسين، كما أن التناقص والانحدار قد يحدث في بعض الأنظمة ويكون أكثر وضوحا قبل فترة منتصف العمر بكثير "حاسة الرؤية قد تحدث تدهورا بها في فترة المراهقة أو الشباب" هكذا فإن منتصف العمر ليس نقطة تحول حادة فهي ببساطة تميز الفترة التي يبدأ خلالها الاتزان في التحول التدريجي المحتدم من النمو الموجب إلى الانحدار.
وإذا حدثت التغيرات الجسمية في فترات منتصف العمر بصورة محبطة، فمن الجدير بالذكر فإنها تنتج تدهورا في أعضاء المجتمع فلم يعد المجهود العضلى أو القوة هما من الضرورات الملحة في عمل الإنسان، والأهم من ذلك هو أننا نجد الأفراد في منتصف العمر لديهم القدرة على الإدارة وإصدار الأحكام والخبرة والرغبة في التكيف مع التكنولوجيا الحديثة، وعلى الرغم من أن بعض الوظائف قد تتطلب حدة الحواس أو زمن استجابة سريع فإن التكنولوجيا الحديثة قد خفضت أنظمة التكييف
(1/640)

حاجات الجسم لكي يتفاعل مع التغيرات الشديدة في درجات الحرارة، وابتكرت السلالم المتحركة والمنازل ذات الحدائق ووسائل النقل من الباب إلى الباب, كل هذا وضع الأفراد في منتصف العمر على قدم المساواة مع الشباب.
ويذهب بعض الكتاب إلى أبعد من هذا حيث يشيرون إلى فترة منتصف العمر "ما بين الأربعينات والخمسينات" على أنها تمثل ربيع العمل بينما كان نفس المصطلح يستخدم لسن العشرين أو الثلاثين، وهذا يعكس اعترافا بأن الانحدار التدريجي في الإمكانات الجسمية في فترة منتصف العمر يساعد على فعالية الفرد في المجتمع, ولم تعد بالتالي ذروة القدرة الجسمية هي المعيار الوحيد، حيث أصبحت الخبرة وحسن التقدير والقدرة على السيطرة في مرتبة أكثر أهمية.
معدل العمر الجسمي:
كان من المسلم به في الماضي -ومن المؤكد في عصرنا الحديث- أن معدل انحدار القوة الجسمية عند الفرد يحدد جزئيا عن طريق الوراثة، حيث نجد بعض العائلات التي يبدو أن طول العمر فيها شيئا وراثيا، فعندما يولد فرد في أسرة معينة يعاني الأبوان فيها من حالات مرض القلب أو السرطان، حينئذ يوجد احتمال بالإصابة الوراثية بتلك الأمراض.
والجدير بالذكر فإن كبر السن "الشيخوخة" ليس مجرد عملية جسمية، حيث تتداخل وتؤثر عدة عوامل بيئية أخرى فعلى سبيل المثال الصدمات التي تصيب الفرد كوفاة الزوج أو وفاة الزوجة، أو الطلاق، أو الحوادث، كلها من الممكن أن تؤثر في التقدم السريع في السن، واحتمال الإصابة بأمراض خطيرة وتشير بعض الدراسات أن العوامل الثقافية والحضارية والحالة الاقتصادية تؤثر أيضا في متوسط العمر لدى الإنسان, وعموما فقد يفترض أن عدم وجود الصراعات الحادة والضغوط النفسية ووجود نمط من الحياة المنتظمة قد يزيد فترة الحياة وذلك لأنه يقلل الضغوط والتوترات التي يجب على الفرد أن يتكيف معها.
أزمات القلب:
يستطيع الإنسان في الوقت الحاضر, بفضل التقدم في العلوم الطبية
(1/641)

والوسائل الإعلامية أن يعرف ما هو محظور وما هو مباح فيما يتعلق بأمراض الشريان التاجي في القلب، مثل ذلك تجنب الأطعمة الغنية بالكولسترول والمحتويات الدهنية، وعدم التدخين، وعدم أداء التدريبات الرياضية، عدم المشيء وعدم مراقبة الفرد لوزنه باستمرار، إلا أن ما يقرب من 50% ضحايا أمراض القلب لا يمكن إرجاع أسباب حالاتهم إلى أي من تلك العوامل المسببة المعروفة، ومن هنا بدأت شكوى العلماء تزداد أكثر وأكثر في أن هناك ثمة عوامل أخرى قد تؤثر في أمراض القلب ونتيجة سنوات عديدة من البحث والتجريب أشارت نتائج الدراسات إلى أن العامل المفقود والسبب الرئيسي لأمراض القلب المرتبطة بالشريان التاجي هي عبارة عن أسباب انفعالية يصاب بها الفرد، وأزمات قد يتعرض لها في حياته بالإضافة إلى الاستعداد الشديد لدى هؤلاء الأفراد من المرضى.
وقد يرتبط مع التقدم في العمر بعض من الاضطرابات الجسمية قد تكون نتيجة لبعض عادات وأنماط حياة الفرد، فقد تفقد سيدة في الخمسين من عمرها أسنانها وذلك بسبب عدم اهتمامها بها في سنواتها الماضية، وقد تشعر أن الطعام قد فقد مذاقه لأنها وحيدة، وقد تشعر بتناقص دوافعها الجنسية لفقدانها الشريك، أو أنها تفتقد الصورة الموجبة لذاتها, وعموما فإن كانت هذه التغيرات تستمر مع التقدم في العمر الزمني، إلا أنها ليست حتمية أو أنها نتيجة ضرورية للتقدم في السن، فقد تتواجد وتظهر تلك التغييرات عند الشباب أيضا.
سن اليأس وانقطاع الحيض:
أحد التأثيرات للتقدم في السن -والتي درست بعناية- تتمثل في التناقص في إنتاج الهرمومات التناسلية، وهي تلك الهرمونات الجنسية التي تنتج بواسطة البويضات والخصيتين، وهما الاستروجين والتستوستزون عند الذكر والأنثى على التوالي.
ومع أن الغدة النخامية تستمر في إرسال رسائل قوية إلى الغدة التناسلية، ومع أن الكظريات والغدة الدرقية والبنكرياس يستمرون في فعاليتهم كما سبق، إلا أن الغدة التناسلية تصبح أقل إنتاجا في سنوات العمر الوسطى، وهذا يؤثر في نمط الحياة عند الفرد.
أما بالنسبة للإناث، فإن أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات عادة ما
(1/642)

تكون بداية للانحدار في معدلات الأيستروجين والجسفرون "والأول عبارة عن هرمون مثير للدورة النزوية والثاني هرمون يهيئ الرحم لقبول البيضة الملقحة". وفي حوالي سن الخمسين يبدأ الذكور في الإحساس بتناقص منتظم في هرمون التستوسترون، ويحدث ذلك الانحدار عند كل من الجنسين بتغيرات في هيئة الجسم كله، فعلى سبيل المثال قد ينتج عن سن اليأس زيادة في سمك الجلد والخصر وزيادة في ضغط الدم أو ارتفاع نسبة التأثر بأمراض الشرايين أو فقدان في أنسجة العظام عند بعض الأفراد.
وعلى الرغم من أن مصطلح سن اليأس أو الفتور الجنسي يستخدم لوصف تغيرات في الأعضاء التناسلية الجنسية، فإنه عند النساء ينتج عنه انحدار معدلات الاستروجين، وينتج عنه نحافة في الجدار المهبلي وبطء في استجابة التزليق المهبلي، وتوقف عن الإباضة وضمور في المبايض والرحم ويؤدي انخفاض في معدل التستوسترون عند الذكور إلى انخفاض بسيط في عدد الحيوانات المنوية الصحية والنشطة وتضخم غدة البروتستاتا، ويحتاج الفرد إلى مدة أطول لعملية الاستشارة إذا قورن بفترة الشباب أو المراهقة.
وتتفق الطريقة التي يخبر بها الذكور والإناث في تلك المرحلة هذه التغيرات، مع الطريقة التي يخبر بها المراهق أوجه النمو التي تحدث أثناء فترة المراهقة فالمراهقة تمر ببداية مرحلة الأنوثة التي تتمثل في الحيض والدورة الشهرية، وعادة ما تكون في البداية غير قوية في خلال العام الأول ونجد المرأة تخير مرة أخرى أمارات واضحة نسبيا من التغيرات التي تؤذن ببدء فترة انقطاع الطمث والتي عادة ما تحدث في الخمسين تقريبا، ويوجد اختلافات فردية كبيرة في ذلك، وهذا لا يمنع الاستمتاع بالمعاشرة الزوجية بغض النظر عن حالة الإخصاب.
أما بالنسبة للذكور فلا توجد تطورات عضوية مفاجئة من الممكن أن توحي لسن اليأس، فمعظم الرجال عادة ما يحتفظون بالخصوبة طوال حياتهم، وكما تحدد مجيء الرجولة أمارات الرغبة والأداء, إلا أن سن اليأس إذا كانت تحدث يمكن الإحساس بها بفقدان الرغبة والعجز الجنسي, وكثير من الرجال لا يكونون على دراية بالتغيرات الجسمية التي تحدث لهم لانشغالهم في صراعات الحياة ونادرا ما يستشير الرجل طبيبه حول سن اليأس فالرجال عادة لا يبحثون عن علاقات قوية مع الطبيب ذي التخصص
(1/643)

التناسلي، كما تفعل معظم النساء، وتوجد العديد من الأعراض المرضية المرتبطة بسن اليأس عند الإناث، فقد نجد بعضهن يبحثن عن الرعاية والعناية الطبية حيث يتضمن أعراض حالاتهن العرق الغزير والرغبات المحمومة الجانحة.
ومن أعراض سن اليأس بعض الأعراض التي تتمثل في الدوخة والصداع والأرق والحساسية وزيادة الوزن ويفسر سن اليأس خاصة عند المرأة بعض المشاكل العاطفية والاضطرابات النفسية التي ترتبط بالأفراد في منتصف العمر.
العمليات العقلية والمعرفية:
عادة ما يكون موضوع الذكاء في منتصف العمر قضية قابلة للمناقشة والجدل خاصة عند علماء النفس، ومن ضمن التساؤلات التي تطرح في هذا المجال هل يتوقف الذكاء؟ أو يتناقص؟ أو يتزايد؟ وفي أي نوع من العمليات المعرفية العقلية يحدث ذلك؟
كان يعتقد حتى وقت قريب أن الذكاء مثله مثل القوة العضلية أو الطول، ينمو بصورة طبيعية حتى نهاية فترة المراهقة فقط، أو إلى السنوات الأولى من العشرينات من العمر، ويقوم هذا الافتراض على الأساس الحاوي للذكاء أو الأساس النيورولوجي, ولقد أثارت بعض الدراسات الحديثة أنه على الرغم من أن بعض جوانب الذكاء قد تنمو حتى نهاية مرحلة الرشد المبكرة فقط، إلا أن بعض أشكال النمو العقلي الأخري تستمر حتى فترة الرشد المتأخرة، ويحدث النمو في تلك القدرة العقلية أو المعرفية والتي تتأثر بشكل واضح عن طريق خبرات الحياة كالمهارات اللفظية والمعارف الاجتماعية، والأحكام الأخلاقية.
درجات الذكاء:
يعتبر معامل الذكاء IQ طريقة مألوفة لقياس الذكاء للأطفال والمراهقين، ولقد اكتشف جوتز وكونارد Jones & Conard "1923" نتيجة تطبيقهما مجموعة من اختبارات الذكاء المقننة على نطاق واسع، أن الأفراد الذين تتراوح أعمارهم حول سن العشرين قد حققوا درجات أعلى ممن كانوا في منتصف أعمارهم، أو من الراشدين الكبار، وتشير نتائج دراسات شاهي Schaie؛ "1975", والتي طبقت على قطاعات عرضية من الراشدين أن
(1/644)

أن قمة أداء الفرد في اختبارات الذكاء عادة ما يكون ما بين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين، ودعم الافتراض بأن الأفراد الذين يقعون في منتصف أعمارهم وكبار السن، تكون كفاءاتهم على أداء اختبارات الذكاء أقل إذا ما قورنوا بالأصغر سنا.
ويوجد بعض الانتقادات إلى هذه النوعية من الدراسات العرضية Cross Sectional، وأهمها ما يشير إلى أننا لا نستطيع أن نرجع الاختلافات بين المجموعات السنية إلى العمر الزمني وحده، قد يحقق صغار السن نتائج أفضل ممن هم في منتصف العمر، لا لأنهم أكثر ذكاء، ولكن بسبب تعرضهم لمثل هذه النوعية من الاختبارات فيما قبل، وبالإضافة إلى تعرضهم لوسائل إعلامية أكثر تطورا عما كانت عليه في عهد كبار السن، أي أنهم قد نموا في ثقافة مغايرة، وبالتالي فإن الدرجات الأعلى قد تمثل وتعزى إلى مجموعة من المؤثرات تتقابل مع أو تضاف إلى تأثيرات السن.
وللتأكد من مدى صدق الدراسات السابقة أجريت دراسات طولية، اختبر فيها مجموعة من الأفراد وأعيد اختبارهم في مراحل متتالية من عمرهم، ولم توضح النتائج انخفاضا في مستوى الذكاء عند الأفراد في منتصف عمرهم، ومن جهة أخرى فقد أشارت بعض الدراسات إلى أن أداء الراشدين في منتصف العمر مع اختبارات الذكاء كان أفضل من آدائهم في فترة المراهقة أو الشباب.
ولقد أبدت نتائج دراسة بايلي Bayley؛ "1968" نتائج دراسة أوينز السابقة، ولم تسلم تلك الدراسات الطولية من الانتقادات وأهمها يتمركز في أن الفرد ذو الدافعية الأكبر، والأكثر صحة، هو الذي يستمر في الدراسة، كما أن تلك الدراسات الطولية قد يتأثر نتائجها بالتغيرات التي تحدث في البيئة فمثلا لو حدث أن أصبحت الاختبارات أكثر شيوعا وعمومية فقد يؤدي كل الذي أجري عليهم الاختبار بطريقة أفضل عما مضى وبالتالي يرجع تحسن الأداء إلى الخبرة، ومن ثم يعكس التقدم في السن بمعناه البسيط، وأفضل النتائج التي يمكن ملاحظتها في تلك الدراسات الطولية هي أن التناقص في الذكاء خلال فترة منتصف عمر المرء إن وجدت أصلا, ليست عامة بين الأفراد.
(1/645)

القدرات المتبلورة وغير المتبلورة:
تشير نتائج بعض الدراسات إلى أن نمو الوظائف العقلية في مرحلة الرشد عادة ما يكون وفقا لنموذجين وهما، القدرات المتبلورة والأخرى غير المتبلورة Fluid & Crystallized Ablities فالقدرات غير المتبلورة هي تلك التي يفترض أنها مرتبطة بسلامة وكفاءة الأنظمة الفسيولوجية العصبية كما ترتبط بتلك الوظائف العقلية التي تصل إلى ذروتها في بداية مرحلة الرشد والتي تتضح في القدرة الفذة الفنية والعلمية، ويمكن أن تتضح بصورة جلية في تلك الميادين التي لا تتطلب تكاملا لخبرات الحياة، منها على سبيل المثال التأليف الموسيقي، والأفكار والنظريات الطبيعية البحتة وأيضا الرياضية, وتتضمن تلك القدرات غير المتبلورة، القدرة على الحفظ والتفكير اللفظي ومهارات التصنيف، أي تلك المهارات التي تمكن الشخص من إدراك العلاقات المركبة وتكوين المفاهيم والتجريد واستخلاص المعاني.
ومن جهة أخرى تعتمد القدرات المتبلورة Crystalized على اكتساب الفرد للمعلومات والمهارات الهامة للثقافة والحضارة التي نحياها في عصرنا الحديث، وتتضمن تلك القدرات، المفردات اللغوية، التفكير الحسابي، المعلومات العامة، المعرفة الاجتماعية، وبينما تصل القدرات غير المتبلورة Fluid إلى ذروتها في مرحلة الرشد المبكر، تميل القدرات المتبلورة إلى الزيادة كلما اكتسب الفرد معرفة إضافية وخبرات أكثر في مراحل حياته هورن Horn, J؛ "1970".
الابتكارية:
بينما ركزت معظم الدراسات المهتمة بالوظائف العقلية خلال فترات الحياة على المهارات والمعرفة المتمثلة في نتائج اختبارات الذكاء المقننة، حاولت دراسات أخرى دراسة الجوانب الابتكارية في الوظائف العقلية، ومن أهم الإسهامات في هذا المجال دراسات ليهمان Lehman؛ "1953" ودراسات دنييس Dennis؛ "1966" فقد أشارت نتائج دراسة ليهمان التي أجراها على العلماء والفنانين ذوي الشهرة، أن هؤلاء العلماء والفنانين قد حققوا إسهامات ابتكارية أقل كفاءة كلما تقدم بهم العمر الزمني، كما أن الأعمال الابتكارية الفذة كانت أعمال من هم في مرحلة الرشد بل وفي بدايتها، كما حدث تناقص نوعية الانتاجات الابتكارية في منتصف العمر.
(1/646)

وتشير نتائج دراسية دنييس على الإنتاجية الابتكارية عند الرجال الذين عاشوا حتى سن الثمانين أن الفنانين كالموسيقيين والشعراء بلغوا قمتهم الإنتاجية الابتكارية قبل العلماء والباحثين، كما أن سن الأربعين ما يزال يمثل في كل المجموعات عدا مجموعة واحدة هي الموسيقيين، ذروة العطاء الابتكاري، بينما كان العلماء والباحثون أكثر عطاء خاصة في فترة منتصف ونهاية مرحلة الرشد.
وتشير بعض الدراسات الأخرى في هذا المجال، أن الأنواع المختلفة من الابتكارية مرتبطة بمختلف جماعات العمر الزمني في مرحلة الرشد، فدراسة جاكوس Jaques؛ "1964" تدعم ما يحدث من ابتكارية في مرحلة الرشد المبكرة والابتكارية التي تحدث في مرحلة منتصف العمر. ويستطرد بقوله: إن العمل الابتكاري عادة ما يكون مكثفا وتلقائيا في مرحلة الرشد المبكرة فالمتأمل لكتابات شكسبير وديكينز يرى فيهما مصداقا لذلك, ولكن تبقى تلك الأشكال من الابتكارية والتي تتطلب الخبرة والمراجعة والتفسير، تبقى ثابتة، وقد تزداد في منتصف العمر.
النمو المعرفي والخبرة:
تشير نتائج دراسة باباليا وبيلي Papalia & Bielby؛ "1974" أن النمو العقلي المعرفي يبقى ثابتا بصورة نسبية أو يتزايد في بعض جوانبه خلال مرحلة الرشد الوسطى، فالأحكام الأخلاقية تميل إلى الارتفاع إلى أعلى معدل لها في بداية منتصف العمر ويظهر الأفراد في منتصف حياتهم أكثر قدرة من الراشدين الآخرين على الاستماع وتفهم وجهات نظر الأفراد الآخرين ويبدو الأفراد في منتصف العمر أكثر قدرة على التفكير في بحث قضايا معينة وأكثر تفاعلا مع حلول المشاكل الأخلاقية.
ويظهر الراشدون في منتصف العمر اختلافا بسيطا عن الأفراد في بداية مرحلة الرشد، وذلك في الفحص والتأمل الانتقائي لمحتويات المشكلة.
(1/647)

المعروضة وإنتاج أكثر الاستراتيجيات من حيث الفعالية في متابعة المعلومات وإخراجها، وبمعنى آخر يتصف تفكير حل المشكلة في مرحلة الرشد الوسطى بأنه أكثر انتظاما ومنطقية وكفاءة وفعالية عن ذي قبل.
نمو الشخصية:
يبدو نمو الشخصية في منتصف العمر -عند بعض الأفراد- على أنه شيء غير محتمل, فقد يقال عن الأفراد في منتصف أعمارهم بأنهم يتسمون بالجمود ولكنهم أكثر إيجابية، كما أنهم أكثر ثباتا في شخصياتهم، ولقد أشارت إحدى الدراسات أن الأفراد في مرحلة الرشد المبكر كانوا في سن الأربعين بأنهم أظهروا زيادة ملحوظة في التكيف مع الأوضاع القائمة خاصة في المهنة جولد Gould؛ "1972".
ومن ناحية أخرى، تشير دراسات أخرى إلى أن مرحلة الرشد الوسطى من الممكن أن تكون فترة من النمو والتغيير غير العادي حيث ترى بعض الكتابات أن الحياة تبدأ بعد سن الأربعين، وهذا الرأي يدعم تلك الفكرة، لدرجة أنهم قارنوا عنفوان بداية الرشد المتوسطة مع عنفوان مرحلة المراهقة، مخرجين للناس مصطلحا جديدا يربط فترتي المراهقة والرشد، وذلك المصطلح عودة اليقظة يعزى إليه كل ما يحدث في هذه الفترة، حيث ينظر إليها كفرصة لترحيل كل أزمات الهوية في فترة المراهقة، كما تمثل هذه الفترة فرصة ثانية لكي تفعل أشياءك بنفسك ولتحقق ذاتك بصورة أكثر عمقا وصدقا, وتأتي مصطلحات عودة اليقظة الغريزية وخبرة إعادة الميلاد، والعنفوان المتجدد لفترة منتصف العمر، وكلها مصطلحات طبيب نفسي لذات الظاهرة. "فلاينت Vaillant؛ 1977".
وتصوير مرحلة منتصف العمر بأنها فترة ثبات, وفترة تغير, كليهما صادق إلى حد ما، إذ أن الحياة لا تبدأ بالفعل عند سن الأربعين، كما أن النمو والنضج لا يتوقفان عند سن الأربعين أو الخمسين أو الستين، أو أي فترة على مدار العمر، وحيث يخبر الإنسان بعض الأزمات في منتصف العمر، فإنها تميل إلى إحداث تغيرات تنحو بالفرد في اتجاه تكامل هويته, كما يشير مصطلح وعودة "اليقظة" إلى بعض المشاعر المستبعدة في السنوات التي يشوب فيها قلق المهنة، أو في محيط الأسرة، مما يجعله يشعر بها مرة أخرى، مما ينتج عنه شخصية أكثر شمولية، وقد يؤدي مفهوم المرء بأنه قد أصبح حرا إلى أن يحقق ذاته بصورة أكثر صدقا وعمقا، وقد
(1/648)

يؤدي به إلى الإتيان ببعض الأنماط السلوكية الجديدة المثيرة كالطلاق المفاجئ أو تغيير المهنة, إلا أن هذه الأفعال يمكن أن تعتبر كخبرة نحو الانتقال إلى الثقة بالذات، ويشير إريكسون في ذلك بقوله إلى أن الناتج السلبي لأزمة الرشد يتمثل في الجمود أو الركود أو العجز عن التغيير ويستخدم الأفراد أحيانا لوصف مرحلة الرشد الوسطى مصطلح "الإرهاق" ولا يكون نقيض الركود عند إريكسون هو مجرد التغيير بل هو القدرة على الإنتاجية, وقد يمر الفرد في مرحلة منتصف العمر بأزمات ترتبط ببحث أشياء مثل، ماذا ينبغي عليه الاعتناء والاهتمام به؟ وما ينبغي عليه أن ينجزه؟ وفي عملية إعادة تأكيد الاختيارات السابقة قد يحدث تصحيحات وتعديلات لكيفية ونمط الحياة التي يحياها، وحيث يتحرك الإنسان في هذه المرحلة بصورة نموذجية نحو شمول أعظم وتكامل أكبر.
استجابات الفرد لعمره الزمني:
يجب على الفرد في فترة منتصف العمر أن يتكيف لبعض التغييرات الجسمية التي تحدث له مثله في ذلك مثل المراهق, والتي قد تؤثر على مشاعره وأحاسيسه عن نفسه وأيضا تؤثر في وضعه ومركزه في المجتمع. فقد يشعر المرء باضطراره لإلغاء بعض ارتباطاته بسبب التهاب مفاصله، وعادة ما يشعر باهتمام جديد بمظهره العام وصحته، وقد يخبر المرء الصور من الاكتئاب البسيط، فإذا لم يقاوم تلك الحالات فقد يعاني من بعض الأزمات السلبية، فقد يشعر بالتعب والإجهاد لأي قدر من المجهود أو من جراء عملية المجانبة أو بأعراض توهم أو وساوس المرض كما قد يعاني البعض "خاصة المدمنون" من حالات التوتر أو الانسحاب.
وعادة ما تكون كيفية التغلب على الأزمات بمثابة عملية صعبة، فالمرأة المتكيفة من الممكن أن تقبل ثمة حقيقة بأنها أصبحت أقل جمالا ونضرة وقدرة، عما كانت عليه فيما مضى، وبالتالي تجعل عملية تقدمها في السن أكثر سهولة وتقبلا، كما يمكن للمرء في منتصف عمره الاعتراف بالألم الذي ينتابه وأنه يمر بحالة من القصور الذاتي، وعلى المرء ذكرا كان أم أنثى أن يعيد ترتيب قيمه ومبادئه حتى يمكن أن يتواءم مع وضعه الجديد في الحياة.
ويشير بيك Peck 1968 إلى ذلك بقوله: "إن كثيرا من الأفراد يستجيبوا إلى الفقدان الظاهر للقوة الجسمية بواسطة تحويل هرمية القيم
(1/649)

الخاصة بهم بهدوء، حيث يبدءون استخدام عقولهم بصورة أكثر من قوتهم الجسمية كمعيار لتقييم ذواتهم وإمكاناتهم في مجابهة وحل مشكلات الحياة.
وقد يخبر الفرد في منتصف العمر علاقة جديدة بالزمن حيث تتمثل الحياة عنده في الوقت المتبقي لكي يحياه، وذلك أكثر من مفهومه وفكرته عن كم عاشه وحياة منذ الميلاد حتى الآن، ومن ثم يتم مراجعة أهدافه وقيمه، كما يتيح ذلك الاختلاف في فكره ماذا حقق حتى الآن؟ وماذا يريد أن يفعل؟ ويمثل ذلك بحث جاد من أجل المعرفة، وقد يراجع الفرد مفهومه السابق عن النجاح, فإذا حقق نجاحا، فإنه قد يؤدي به إلى آخر، أما إذا أخفق تجده يروض نفسه على أوجه قصور ذاته، أو ربما لنقائص أو عيوب المجتمع، وفي كل من الحالتين يميل الشخص إلى إعادة توجيه ذاته نحو الأنشطة الأكثر اهتماما، وقد يجد الرجل الناجح نفسه في حاجة جديدة إلى أن يكون نشطا في المجتمع، وأن يطور علاقاته بمن حوله, أما الشخص الأقل نجاحا فقد يجد سلواه في خبراته الشخصية كما يحدثه عنده اهتمام متجدد بالأصدقاء والأنشطة الاجتماعية في منتصف حياته، وبينما يكون اهتمام المرء في العشرينات والثلاثينات من عمره منصبا على الحياة الأسرية والمهنية, نجده في الأربعينات والخمسينات ازدهارا في العلاقات الإنسانية والتي تصبح ذات قيمة في ذاتها, وجملة القول فإن قدرة الفرد -أثناء تلك المرحلة الحياتية- على الاهتمام بالآخرين ذات قيمة أكبر لديه، وتقل أهمية إنجاز الأعمال بصورة نسبية، ومرة أخرى فإن مراجعة القيمة يساعد متوسطي العمر على أن يتعاملوا مع أوجه قصورهم المرتبطة بثمة حقيقة مؤداها أنهم قد لا يتمكنون من إنجاز ما اعتادوا على إنجازه فيما مضى، وإذا تمكنوا من ذلك يكون أداؤهم أبطأ مما كان في الماضي.
وهناك أثر آخر يصاحب تقدم الإنسان في العمر حيث قد يصبح أقل كفاءة وتقليدية وأكثر رومانسية كما تظهر الأشواق الرومانسية في فترة العمر المتوسط، ويبدو كل من الرجال والنساء عرضة للخيالات الرومانسية والجنسية، وهو ما يشبه ما يحدث للمراهقين، ويرجع هذا الإحساس للشوق والتوق الذي ينتاب كل من الذكر والأنثى في هذه المرحلة، وحاجتهم لكي يقنعوا أنفسهم بأنهم ما زالوا ذوي جاذبية على الرغم من أمارات كبر السن البادية عليهم، وقد تمثل تلك الأحاسيس انبثاق
(1/650)

للميول المضادة فقد نرى الرجل يعبر عن أبعاد الأنثوية شخصيته في نهاية المرحلة الوسطى من حياته، كما قد نجد المرأة تطلق العنان للميول الجنسية العدوانية لديها بصورة أكبر ما سبق، وحقيقة يظهر أثر يكون غير واضح لعملية التقدم في السن سواء من الناحية الجسمية أو النفسية، وهو ظهور خط التحديد الفاصل والقوي بين الذكورة والأنوثة.
الاستجابات لمفهوم الموت:
قد يهتم الفرد بمفهوم الموت في فترات نموه السابقة، إلا أن التفكير في ذلك المفهوم قد يكون مرتبطا بصورة أكبر في منتصف العمر، وبعد فقدان صديق عزيز لدى الفرد في هذه المرحلة أمرا طبيعيا، إلا أن ذلك قد يعاد صدمة عند معظم الأفراد وقد يكون ذلك من الأسباب الرئيسية التي تجعل الفرد يشعر بأنه في منتصف عمره ولم يعد صغيرا وقويا, ويبدأ الفرد حينئذ في مراجعة مفهوم ذاته.
التوافق النفسي الجنسي:
كان يفترض في الماضي أن متوسطي العمر لا يقبلوا على الجنس مثل ما يحدث في عنفوان الشباب، حيث ينتاب متوسطوا العمر القلق وعادة ما يحاصروا بالتعب وتوقف دورة الطمث والعجز الجنسي أو العقم وغروب الشباب، وقد يمر الفرد بحالة يظن فيها أنه قد فقد الرغبة, إلا أن من الخطأ الاعتقاد في ذلك, إذ إن كل فرد من الممكن أن يظل راغبا في الجنس إذا ما توفرت الصحة البدنية والمعنويات المرتفعة، وبالتالي يمكن استمرار النشاط الجنسي إلى سن الثمانين، وعموما فإن الجنس يعد بمثابة جزء حيوي في حياة متوسطي العمر إلا أن تكرار ممارسته يقل مع التقدم في السن.
ويتأثر التعبير الجنسي إلى حد ما في حياة متوسطي العمر بالتوقعات الثقافية وتشير نتائج دراسة بيفير وآخرين Pfeffer & Others؛ "1972" إلى وجود اختلافات بين الشباب ومتوسطي العمر من حيث الجنس إذ يصبح الذكور والإناث في وقت ما بين السادسة والأربعين والخامسة والخمسين أكثر دراية بنقص الميول والنشاط الجنسي, وعلى الرغم من أن كليهما يخبر العلاقة الجنسية الكاملة والمشبعة إلا أن الاستجابة الجنسية عادة ما تكون أكثر بطأ، كما أنها تحتاج إلى بعض المقدمات الرومانسية الهادئة، وهذا يزيد بالفعل من الألفة والمودة بين الزوجين، كما
(1/651)

يزيد الخصوصية بين الرجل والمرأة في هذا السن، وذلك بسبب مغادرة الأولاد المنزل واستقلالهم مما يزيد الألفة والمودة بينهما, وقد يختبر بعض الأفراد متوسطي العمر مشاكل تعلق بالأداء الجنسي، حيث إن بطء الاستجابة قد يسبب عند الرجل بعض المخاوف في عدم القدرة على الأداء بصورة مناسبة، ولهذا السبب فإنه يفشل في بعض الأحيان، ومن المعروف وبصورة واسعة أن معظم حالات العجز الجنسي في حالات متوسطي العمر عادة ما يكون نتيجة للقلق أو المشكلات النفسية الأخرى, أكثر مما ترجع إلى التقدم في السن, فقد ينتاب الزوج المسن القلق والتعب في الأمور المالية والمهنية أو قد يشعر بتعب وإرهاق في العمل، أو قد يتأثر ببعض المشروبات الكحولية أو العقاقير، وأيا كان سبب ذلك فإن النتيجة هي الخوف من الفشل، وبالتالي يفضل مثل هذا الرجل الانسحاب باختياره بدلا من مواجهة خبرة الصراع النفسي.
وقد توافق الزوجة في منتصف العمر على الزواج الذي يخلو من الجنس، إلا أن الزوج إن كان غير منتبه أو متجاهلا للزوجة فقد تعاني من مفهوم سلبي لذاتها مما يجعلها تشعر بأنها قد أصبحت غير مرغوب فيها، أو قد أصابها الكبر وذبل شبابها وزالت نضرتها ومن المعروف عموما أن المرأة يمكن أن تشعر بلذة الجماع مع زوجها في أي عمر زمني وبالتالي فإن المرأة ذات الخبرة تكون أكثر وليست أقل في أن تصل إلى قمة النشوة في أي سن من امرأة شابة أصغر منها عمرا، وكل ما يبدو ضروريا للمتعة في العلاقات الجنسية الزوجية في السنوات الوسطى والمتأخرة من الحياة يتمثل في التعبير الجنسي المنتظم.
وتشير نتائج الدراسات في هذا المجال أن توقف العملية الجنسية بين الزوجين لا ترجع بالضرورة إلى التقدم في السن ولكنها ترجع في أغلب الأحوال إلى عوامل نفسية واجتماعية وإذا ما افترضنا الاستمرارية في التعبير الجنسي، فإن الشيء الوحيد الذي سيحتاجه الزوج أو الزوجة لأداء جنسي أكثر فعالية هو صحة جيدة، بالإضافة إلى شريك لديه الرغبة. وعموما فإن العلاقة الجنسية المستقرة والأكثر متعة في السنوات المبكرة عادة ما تكون أفضل أساس لاستمرار الجنس بين الزوجين في متوسط وأواخر سنوات حياتهما.
(1/652)

التوافق الزواجي والأسري:
تشير الدراسات في هذا المجال إلى أن الحياة الوسطى قد تجمع بين نقيضين فقد تعتبر أفضل وأسوأ الفترات معا، حيث يحدث في تلك الفترة أن يكون الزوجين مهتمين بتربية أطفالهما والذين يتراوح أعمارهم ما بين سن المدرسة وفترة الرشد المبكرة، وفي نهاية فترة منتصف العمر يدخل الزوجان مرحلة ما بعد الأبوة، ويصبحا معا وحيدين مرة أخرى، ولقد حاول علماء النفس قياس مستويات الرضا الزواجي المرتبط بهذه المرحلة ومن الواضح أن وجود الأطفال والمراهقين داخل الأسرة يؤثر في نوعية العلاقات الزوجية، كما توجد عوامل أخرى لا تقل أهمية عن ذلك، قد يحتاج الزوجان في منتصف العمر أن يتكيفا مع التغيرات التي تطرأ على تفاعلاتهما الجنسية، فقد يحتاجا لأن يتدربا على أنماط مختلفة من الحياة وذلك للأسباب التي ذكرناها سابقا، أو قد يحتاجان إلى التغلب على العائق الرئيسي للتوافق الزواجي ويكمن في السأم والإرهاق، وعادة ما تكون قدرتهما على تحديد السبب المباشر لهذا السأم والتعامل معه شيئا صعبا حيث يتطلب تفاهما صادقا بالنسبة للاستجابات الجنسية والتحرر من الضيق والكبت الذي طال كبته, وجدير بالذكر فإن لم توضع نماذج التفاهم والاتصال بين الزوجين منذ بداية مرحلة الزواج، فإن الاقتراب من مرحلة منتصف العمر وما يحدث خلالها من سأم وغربة قد يكون اضطرابا مؤلما وبالتالي يحتاج إلى مساعدة المعالج أو المرشد النفسي.
وأخيرا فقد توجد بعض المشاكل والمتاعب المرتبطة بتلك المرحلة الحياتية، أكثر من كونها مرتبطة بنوعية العلاقة الزوجية، فإمكانية أن يعمر أحد الزوجين أكثر من الآخر قد تصبح تلك الاحتمالية شيئا مهما وذات مغزى خاصة بالنسبة للنساء، كما قد تكون الضغوط المالية قاسية خلال هذه الفترة حيث يخطط الزوجان لتعليم أولادهم بالإضافة إلى اقترابهما من سن التقاعد, وقد توجد بعض الضغوط الأقرب في حالة وفاة أحد الزوجين وليس بمستغرب أن يترك رجل يحيى أزمة منتصف العمر زوجته ليس بسبب أنه على غير وفاق معها، ولكن لأنه على غير وفاق مع ذاته التي تؤدي إلى كثير من المشكلات الأسرية.
وقد تتباين مشاعر الأمهات والآباء بالنسبة لاستقلال أولادهم، وتزوجهم إلى أسرهم الخاصة بهم، فقد يعبر بعض الآباء بأن هذه تعتبر مرحلة لتجديد واستعادة الحرية من جديد، حيث يزداد التفاهم والتقارب
(1/653)

بين الزوجين، وتقل التوترات والضغوط في الجوانب الأسرية، وإذا كان الزوجان في حالة اقتصادية متيسرة فإن السفر للنزهة والانتعاش يصبح على وجه كبير من الأهمية، وكثيرا ما نسمع من الآباء بعض التعبيرات المصطلحات التي توميء إلى ذلك بقولهما مثلا: "إننا لم نعد مقيدين بعد، لقد أصبح لدينا الآن الوقت الكافي لنتفرغ لبعضنا البعض، ولم يعد الزواج مثلا بالأعباء المالية ومشاكل الأبناء".
وقد تشعر بعض الأمهات بالإحباط نتيجة استقلال الأبناء في أسرهم الخاصة، ويرجع ذلك أن هؤلاء الأمهات قد ربطن بين تقديرهن لذواتهن وأمومتهن، وقد يتطلب علاج ذلك أن ينخرط هؤلاء الآباء والأمهات في بعض الهوايات والأنشطة التطوعية أو توسيع مهارات الأمومة إلى خارج محيط الأسرة كالاهتمام بدور الحضانة، وعموما فقد يؤدي رحيل الأبناء عند عديد من الأزواج إلى إعادة اكتشاف كل منهما الآخر، بالإضافة إلى الاستمتاع بمزاولة الاهتمامات المشتركة، بينما قد يؤدي ذلك عند أزواج آخرين إلى عودة المشكلات من جديد والتي قد تقودهم إلى الاغتراب والانفصال عن الأسرة.
وقد يصبح العديد من الآباء والأمهات في تلك المرحلة أجدادا، وبالتالي قد يخبرون علاقة من نوع جديد داخل الكيان الأسري، فقد تستعيد الأم الكبيرة صورة الحمل والولادة والأمومة فيما تقوم به ابنتها، وقد يقضي الجد بعضا من الوقت مع أحفاده، بينما لم يفعل ذلك مع طفله هو, وقد يتبنى العديد من الأجداد نمطا غير تسلطي مع الأطفال، حيث كثيرا ما نرى الجد يشارك الطفل في لعبته في علاقة تتسم بالتبادلية في اللعب، وقد يحاول بعض الأجداد تحقيق ما لم يتمكنوا تحقيقه في أولادهم أن يحققوا ذلك في أحفادهم وقد يكون الوقت سانحا لبعض الأجداد في مراجعة فترة أبوته، فكثيرا ما نسمع بعض الأجداد يقولون، أنهم كانوا أجدادا أفضل مما كانوا آباء.
التزمل:
يرتبط التزمل عادة بالسن المتقدم، ويبدأ التزمل في الظهور كشيء حتمي وعام في الحياة ويذهب روجرز Rogers؛ "1957" إلى حد إرشاد الرجل بأن يعلم زوجته كيف تكون أرملة ويرتبط معظم مشكلات التزمل بمشاكل النضج المتأخر "حيث يكون مفهوم السيدة عن ذاتها بأنها قد
(1/654)

أصبحت عجوزا، أو قد شارفت على نهاية عمرها، وفي القريب ستلحق بزوجها", ومن بين المشكلات التي تقتصر على الأرملة في منتصف عمرها هي مقارنتها نفسها بصديقاتها اللائي لم يفقدن أزواجهن ومن ثم قد ينتابها شعور باللا أهمية واللا فائدة في أي مناسبة اجتماعية وقد لا يراعي أصدقاؤها مشاعرها وذلك بنسيان دعوتها في المناسبات الاجتماعية, وعموما فإن الأرملة يجب أن توسع مفهومها لذاتها، وتحاول أن تجد لها بعض الأنشطة المناسبة لعمرها الزمني وبعض الرفاق والأصدقاء وبالتالي تعمل على تكييف نفسها للمشكلات التي قد تواجهها بعد فقدان زوجها، إلا أن ذلك قد لا يخفف من حزنها على زوجها.
العزوبية:
قد يوجد بعض الأفراد في منتصف عمرهم, في حالة عزوبية ولم يسبق لهم الزواج, وقد يكون لهذه الظاهرة جانبان، أحدهما أن العازب قد يمكنه تحقيق بعض الإنجازات في مجال عمله, حيث يتوفر له الحرية من الالتزامات العائلية وذلك كما نجد بعض الكتّاب أو الفنانين والعلماء والجانب الآخر لذلك أن الرجل العزب قد يواجه مشكلات خاصة في منتصف حياته، إذ عليه أن يقبل هويته الاجتماعية لكونه أعزب وغير متزوج, "وهذا المؤشر لم يكن بمثابة مشكلة عندما كان شابا صغير السن", وبالتالي عليه أن يخطط لرشده المتأخر، وشيخوخته، والذي تتقدم فيه مساعدة من الزوجة أو الأولاد كما أنه في حالات مرضه عادة ما يلجأ إلى أن يودع نفسه في مؤسسة صحية على خلاف الرجل المتزوج الذي عادة ما تعنى به أسرته.
العمل والإنتاجية:
يبدأ الأفراد في الاهتمام بجيل آخر منذ بداية رشدهم ونضجهم، حيث يتولون تنشئة وتربية أطفالهم، وتلك العناية بالأطفال والتي تمتد إلى سنوات منتصف العمر هي تعبير لما يسميه إريكسون بالإنتاجية Generativity, وليس هذا هو الإحساس الوحيد في هذه المرحلة، حيث تتسع وجهات نظر الفرد ومداركه في منتصف العمر ويتسم بما يسميه إريكسون بالمسئولية الانتاجية نحو كل الكائنات البشرية، حيث يتضح ذلك في حب الرجل لعمله وأفكاره كحبه لأولاده، وإذا لم تتح الفرصة أمام الشخص لإظهار مهاراته وخبراته أو العناية بالآخرين، فقد يعاني من شعور بالجمود وبالتالي يشعر بالغربة عن كل ما أنتجه أو ما تركه وراءه.
(1/655)

وعادة ما نجد الأفراد في مرحلة منتصف العمر يهتمون بتدعيم مراكزهم المهنية وترقياتهم الوظيفية، فهو يميل إلى الاستقرار المهني والوظيفي إذا ما قورن بالشباب، وهذا يعكس حقيقة مؤداها أن الأفراد الأكبر سنا -بصورة عامة- أقل في اتخاذ المخاطرة من الشباب، وبالتالي فإن الرضا المهني قد يكون بمعدل أكبر لدى الأفراد الذين تجاوزوا الأربعين من عمرهم، حيث أشارت النتائج في مجال علم النفس الصناعي والمهني أن هؤلاء الأفراد عادة ما يكونون أكثر رضا من الشباب ليس فقط في عملهم، ولكن كذلك بالنسبة للعائد المادي الذي يحصلون عليه، إلا أن هذا الرضا كما أشارت نتائج دراسة كوين وآخرين Quinn & Others؛ "1971" لا يعني أن الذين في منتصف عمرهم دائما راضين عن أنفسهم، إذ نجد هذا الشخص وكجزء من مشاكل وأزمات منتصف العمر العامة، فإنه يميل إلى إعادة تقييم أهداف في وظيفته أو مهنته.
وعموما فإن الأفراد في منتصف عمرهم عادة ما يكونون محل تقدير لخبرتهم وحكمهم الصائب ورصانتهم، وتلك الخصائص التي تمكنهم من التكيف مع بيئات العمل.
جملة القول أن هؤلاء الأفراد كثيرا ما يحاولون الاستقرار في أعمالهم وهو أكثر اقتناعا ورضا بوظائفهم ومهنهم من الشباب, وكثيرا ما يعيد تقييم أهداف العمل في تلك السن، كما قد يقبل القيود على أهداف العمل.
ويهتم الأفراد في هذا السن بتدعيم مواقعهم وترقياتهم في عملهم، وتعني الترقية أنهم تحركوا من التخصص الضيق لمهنهم إلى الوظائف الإدارية أو الإشرافية فالشخص في مرحلة منتصف العمر يحاول أن يبحث عن بعض التأكيد لاستقراره المهني أو الوظيفي أي أنهم أقل في الأخذ بالمخاطرة إذا ما قورنوا بالشباب ويمثل ذلك رضا واقتناع إيجابي بالنسبة لهم.
(1/656)

الباب الخامس: الشيخوخة
الشيخوخة:
إن الموضوع المطروح في ثنايا هذا الفصل يتمثل في الدراسة المنظمة لعمليتي كبر السن والشيخوخة أي ما يعرف بعلم دراسة الشيخوخة Gerontology.
فما المقصود بهذا المصطلح، وما أهم المشاكل العامة أو الخاصة بهذه المرحلة من حياة الفرد، وأهم النظريات التي قيلت في تفسير هذه المرحلة سواء كانت مرتبطة بالمجال البيولوجي أو المجال النفسي أو الاجتماعي، وما هي أهم الخصائص الجسمية والعقلية والانفعالية لكبار السن، وكيف تحدث عملية التكيف لهؤلاء الأفراد؟
وعموما، فإن الشيخوخة ظاهرة طبيعية تعبر عن التغيرات التي تحدث في التكوين الجسمي والعقلي والانفعالي والاجتماعي، بالإضافة إلى ما يحدث نتيجة ذلك في الأداء أثناء رحلة حياة الفرد، فما معنى الشيخوخة وأنواعها والمشاكل العامة التي يمكن أن يواجهها كبار السن؟ وهل توجد مفاهيم خاطئة عند البعض منا عن الشيخوخة وما أسبابها وكيف يمكن تعديل تلك المفاهيم والاتجاهات الخاطئة سواء كانت عند الشباب نحو المسنين، أو تلك التي يمكن أن توجد عند كبار السن؟
سنرى في ثنايا هذا الفصل تفصيلا للنقاط سالفة الذكر.
1- معنى الشيخوخة:
"Gerontology" علم دراسة "الشيخوخة" وتتضمن تلك الدراسة علم البيولوجي Biology وعلم النفس وعلم الاجتماع وطب الشيخوخة "Geriatrics" وهو علم طبي حديث التطور ويشمل دراسة المشاكل الصحية للمسنين، ومن المفيد الفصل بين النواحي المختلفة لتطور شيخوخة الإنسان.
الشيخوخة وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية:
التقلص في علاقات وفي دور الفرد في المجتمع مع تقدم السن.
(1/659)

الشيخوخة البيولوجية Biological Aging:
وهي تشمل التغيرات التي تحدث في جسم الإنسان في المراحل الأخيرة من الحياة، وهذه التغيرات قد تبدأ بفترة طويلة قبل أن يصل الإنسان إلى سن الخامسة والستين.
شيخوخة الإدراك Cognitive Aging:
وتشمل هبوط القدرة لتحصيل معلومات جديدة وتقبل سلوك وأفكار جديدة.
شيخوخة الشعور Affective Aging:
وهي تشمل هبوط القدرة على التكيف لمواجهة التغيرات في البيئة المحيطة فعلى سبيل المثال فإن المسنين عندهم صعوبة في التكيف إذا انتقلوا إلى مسكن جديد أو إلى مستشفى على سبيل المثال.
وجميع هذه التطورات والتغيرات لا تحدث معا في زمن محدد ولجميع الأفراد، فهناك فرد قد يصيبه العجز في كل هذه المظاهر في سن الستين، بينما فرد آخر وفي نفس السن نجده يتعلم بهمة مهنة جديدة ويتكيف بسهولة في وظيفة جديدة.
المشاكل العامة الخاصة بالشيخوخة:
إن مشاكل الشيخوخة تزداد حدة مع التقدم في السن, وتوجد أربعة مشاكل أساسية تواجه الشخص المسن، وهي: الصحة, السكن، العمل، أو المورد المالي، والعلاقات الشخصية.
المشاكل الصحية تزداد مع تقدم السن، فبعض الأمراض التحليلية Degenerative Diseases كالأزمات القلبية والسكر تظهر في المراحل الأخيرة من الحياة نتيجة لضمور بعض الأعضاء كذلك تضعف القدرات العقلية، وإن الأمر عادي أن يصاب المسن بعدة أمراض في آن واحد.
بالنسبة للمسكن، فكثير من المسنين لا يقدرون على إدارة شئونهم السكنية، ويلزمهم الانتقال للسكن مع أقاربهم أو إلى منازل خاصة بالمسنين.
(1/660)

وأما العثور على عمل فهي المشكلة العويصة التي تواجه المسن، ذلك أنه مع التقدم التكنولوجي فإنه من الصعب على المسن أن يعثر على وظيفة أو عمل يناسب مهارته التي أصبحت لا تواكب العصر الحديث كما وأن أصحاب الأعمال يترددون كثيرا في توظيف المسنين وبذل المجهود والأموال على تدريبهم.
وأما العلاقات الشخصية للمسن فإنها تضمر كلما تقدم الفرد في السن بسبب وفاة العديد من أفراد عائلته واضمحلال دائرة أصدقائه، كما أن أولاده يكبرون في السن ويتزوجون ويتركون المنزل بالإضافة إلى أن إحالته إلى التقاعد ينتج عنه انقطاع الصلات بينه وبين زملائه العاملين، وعلى ذلك فإن المسن يلزمه دور جديد ونشاطات جديدة، إلا أن نقص الإمكانيات المادية لا تسهل ملء هذا الفراغ.
(1/661)

نظريات الشيخوخة:
المجال البيولوجي Biological Domain:
الشيخوخة تبدأ عندما تتغلب عملية الأيض الهدمي "Catabolism" على عملية نمو الأيض البنائي "Anabolism".
والبروتوبلازم أو الجبلة "protoplasm" هي مادة حية تتكون منها خلايا الجسم, ويؤدي هذا التحلل إلى ضمور أنسجة الأعضاء المختلفة للجسم لكي يصبح تكوينها ليفي "Fibrous" على أن هذا الضمور أو العجز لا يرتبط بالسن الذي يقاس بعدد الدورات الشمسية، وبذلك فإن سرعة هذا الضمور تختلف باختلاف الأفراد.
والضمور يصيب جميع أعضاء الجسم، والمخزون العضوي يستهلك عملية الإصلاح والاستبدال تبطئ مع التقدم في السن.
التغيرات في الدورة الدموية للقلب:
القلب بالذات يتعرض أثناء الحياة لمجهود كبير وبالتالي فعند تقدم السن يصبح القلب أكثر الأعضاء تعرضا للضمور، كما أن مقدرة القلب على الضخ تقل ويتبع ذلك انخفاض في كمية الدم الحامل للأكسجين،
(1/661)

والتي تصل إلى الأعضاء المختلفة للجسم بالإضافة إلى أغشية الأوعية الدموية يصيبها الضمور، وكثيرا ما تتراكم على الأغشية الداخلية لهذه الأوعية طبقة من رواسب شحمية تسمى Atherom ويعتقد أن هذا التراكم عندما يقترن مع تكوين أنسجة ليفية في بطانة الأوعية الدموية فإنه يؤدي إلى مرض تصلب الشرايين.
التغيرات في المظهر:
إن المظهر الخارجي للجلد يتغير تغيرا كبيرا، ذلك أن الغدد المفرزة تحت سطح الجلد وكذلك الغدد التي تخلص الجسم من عوادمه يقل مفعولها فيفقد الجلد مرونته Elasticity ويضمر ويجف ويتجعد, وتختفي الطبقة الشحمية تحت الجلد تماما، فيفقد بذلك نعومته ونضارته كذلك فإن الألياف التي تربط فواصل العظام تضمر، وتقل بذلك قدرة المفاصل ومدى حركاتها مما يؤدي إلى شكوى المسن من آلام المفاصل ومع تناقص نسبة المعادن في عظام الإنسان فإنها تصبح هشة وسهلة الكسر، كما أن قدرة المسن على الحركة تضعف وخطواته تتباطأ، وجميع هذه التغيرات السابقة تؤدي إلى الصورة التي نرى بها المسن كشخص ضئيل، منحنٍ ومتجعد الأسارير.
التغيرات في الجهاز التنفسي:
حركة تنفس الصدر تقل بسبب الأنسجة الليفية التي تتكون في جدار الرئة وغلاف الصدر، ويتبع ذلك انخفاض في استهلاك الأكسجين وتعرض المسن للالتهابات الرئوية وبالمقارنة فإن أمراض الجهاز التنفسي التي تصيب الشاب هي عادة التهابات اللوز والجيوب الأنفية.
التغيرات في التغذية والجهاز الهضمي:
إن تسوس الأنسان وفقدانها وضعف عضلات الفك تقضي على متعة الأكل للمسن بالإضافة إلى أن صعوبة المضغ تؤدي إلى تعديل نوعية الوجبات، كما أن ضعف إفراز الغدد وضعف عضلات الأمعاء تؤدي إلى شكاوى المسن من الهضم والإمساك ويلاحظ أن المسن يضطر إلى أن ينفق قدرا غير يسير من مورده المالي على الأدوية المضادة للحموضة وعلى الملينات، والمسن يتعرض لضياع حاسة التذوق وحاسة الشم ويفقد بذلك قدرة التمتع بالطعام، ويصبح الطعام لا طعم له، وهذه ناحية يجب مرعاتها عند طهي الوجبات التي تقدم للمسنين.
(1/662)

ونظرا لغلاء اللحوم والفواكه والخضروات فإن المسن يلجأ إلى الإكثار من أكل مكونات الدقيق، مثل الفطائر والخبز، ونتيجة لهذا النظام في تناول الوجبات فإن المسن يتعرض لفقر الدم ونقص في بعض الفيتامينات الحيوية مما يؤدي إلى سهولة إصابته بالالتهابات.
القدرة على التكيف للضغوط:
الفرد في الحياة معرض بصفة مستمرة لكل أنواع الضغوط، والتكيف ومواجهة هذه الضغوط تحتاج إلى حيوية، ولقد قام هانز سلي "Hans selye" بتصنيف عملية مواجهة الضغوط على أنها تمر بثلاث مراحل.
1- رد الفعل عند أول إنذار.
2- مرحلة المقاومة.
3- مرحلة الإجهاد نظير تراكم وتفاقم الضغوط مما يؤدي إلى تلف وشيخوخة الأنسجة.
وجسم المسن يكون قد تعرض أثناء حياته لضغوط عديدة، وبعد فترة من هذه الضغوط المستمرة، فإنه يصاب بالإجهاد، وحيث أن الحيوية الاحتياطية تكون قد استنفذت، فإن ما تبقى له لا يكفيه على التكيف وبذلك تنار مقاومته، وهذا يعلل لماذا يسبق المسن شخص أقل منه سنا في الشعور بالإجهاد.
وبعد التعرض المستمر، ولفترة طويلة لضغوط الحياة، فإن الراحة لا يمكنها التعويض الكامل لهذه الحيوية الاحتياطية، وكل ضغط يتعرض له الإنسان لا بد وأن يترك أثره عليه.
وعلى ذلك فإنه من الناحية البيولوجية فإن المسن أكثر عرضة للتأثر من ضغوط الحياة من شخص أقل سنا منه، وحسن تكيف الشخص المسن للضغوط التي قد يتعرض لها، تتوقف على طريقة تكيفه لهذه الضغوط أثناء حياته، وعلى أي حال فنظرا لقلة الحيوية الاحتياطية التي تساعد المسن على التكيف، فإن عليه أن يتحاشى بقدر الإمكان أن يعرض نفسه للضغوط وأن يحاول الحفاظ على حيويته، ونفس الشيء ينطبق على الذين يتصلون أو يعملون مع المسنين، فعليهم أن يفكروا دائما في وسائل حماية المسنين من الضغوط.
(1/663)

التغيرات في الجهاز العصبي:
يصاب الجهاز العصبي بالضعف نتيجة لانخفاض كمية الدم المغذية للخلايا العصبية والتي تحل محلها أنسجة تؤدي إلى فقدان الذاكرة، والتوتر، وضعف مقدرة المسن على التكيف للمواقف الحياتية، كما توجد تغييرات في الحواس الأخرى، فالنظر يضعف بسبب تراكم خلايا ميتة على عدسة العين، والقدرة على تمييز الألوان تقل وعضلات العين تفقد قدرتها على التكيف لمواجهة التغييرات في مستوى الضوء، وهذه التغييرات البصرية تزيد من خطورة قيادة السيارات للأفراد المتقدمين في السن, وأما حاسة السمع، وهي تبدأ في النقصان ابتداء من سن الثلاثين فإنها تزداد في ذلك كلما تقدم السن, وأما ضبط الحركة فنظرا لزيادة ضعفها فإن المسن معرض للوقوع وللحوادث وبسبب ضعف كل هذه الحواس فإن المسن معرض أكثر من غيره للحوادث أثناء المشي في طرقات المدينة وخصوصا أثناء الساعات القصوى للمرور.
القدرة على المعرفة:
من المعروف أن المسن يواجه صعوبة لاستيعاب المعلومات الجديدة، ولقد أشار فرويد بأنه بعد سن الخمسين فإن مرونة المخ تفقد وتقل مما يؤدي إلى ما يعرف بالجمود، حيث نجد المسنين لديهم آراء وأفكار ثابتة يصعب تغييرها.
العادات الثابتة:
السلوك الذي يتكرر ويعاد على مر السنين يتحول إلى سلوك ثابت من الصعوبة تغييره، بعد العمر الطويل فإن للمسن عادات وأفكار ثابتة جامدة, وعلى ذلك فإن السلوك الذي يتعلمه المسن تحت ضغوط الحياة لمدة ستين عاما يتحول إلى عادات ثابتة يصعب تغييرها، والعادات التي يلجأ إليها الأفراد عند التعرض للضغوط، مثل التدخين، وقضم الأظافر والهمهمة تصبح عادات ثابتة لا تقبل التغيير بسهولة، فمثلا الفرد الذي تعود على تهدئة نفسه بالتدخين لمدة سبعين عاما، فمن الصعب أن يغير هذه العادة بأخرى، ونستخلص من هذا أن العادات التي كونها الفرد المسن على مر السنين يصعب جدا تغييرها.
وإذا كان الفرد الشاب يجد صعوبة للتغلب على بعض عاداته، فإنه لا بد وأن نتصور مدى التعاسة التي يتعرض لها المسن عندما تفرض عليه أن
(1/664)

يتعود على عادات جديدة عندما يترك منزله ليعيش مع ابنه أو ابنته حيث يجب عليه أن يتكيف مع بيئة جديدة.
تقبل وتخزين المعلومات:
الفهم هو عملية تفسير أو إعطاء معنى للإشارات التي تصل الحواس. والمسنون معرضون لتشوش حسي مما يصعب عليهم تفهم وتحليل الإشارات الحسية المختلفة لذلك عند التعامل مع الأفراد المسنين، فإنه من المفضل الإقلال من عدد الإشارات الحسية، فمثلا إذا كنت تتحدث مع شخص مسن فعليك إقفال جهاز التليفزيون وأن تمنع بقدر الإمكان أي مصادر صوت آخر، وتكلم ببطء وعن موضوع واحد، فقدرة المسن على التقبل والتفهم تحتاج إلى فترة زمنية أطول، والذكريات القديمة للمسن، لها قوة وحيوية أبقى من الذكريات الحديثة لأنها تثبت على مر الزمن، والذكريات الحديثة سريعة النسيان وهي آخر ما يتذكرها المسن, كذلك فإن المسن يتعرض أحيانا لنسيان عنصر الزمن فيخلط بين ما هو حديث وما هو قديم.
الذكاء:
تشير الأبحاث إلى أن الذكاء العام يصل إلى القمة في مرحلة الشباب ثم يبقى في هذا المستوى حتى مع بلوغ الشيخوخة طالما لم يحصل تدهور بدني أو إصابة للأعصاب.
كما أن التعليم والإثارة المستمرة يلعبان دورا مهما في الحفاظ على مستوى الذكاء للمسن ومع زيادة فرص ومناهج التعليم للشباب، فلا بد وأن تتوقع استمرار الزيادة في متوسط مستوى الذكاء للمسنين وهو أمر يجب إدخاله في الاعتبار والتخطيط له في مجتمعنا.
التدهور الذهني:
المخ قد يصيبه التلف بسبب تدهور خلاياه أو بسبب الأمراض العصبية مما يؤدي إلى فقدان القدرة على التفكير السليم، وهناك نوعين من أمراض التدهور الذهني تقترن مع التقدم في السن، إحداهما باسم مرض بك Pick's, والآخر باسم مرض الزهيمر Aphasia حيث يؤدي إلى فقدان التذكر للأحداث القريبة مع عدم القدرة على تمييز الزمن والمكان، ويصاحبه أحيانا عدم القدرة على الكلام Aphssia وأما أعراض مرض Pick's، فهي الصعوبة في التركيز والتعلم وانعدام الشعور، فمثلا، إذا بلغ
(1/665)

شخص مصاب بهذا المرض بأن زوجته قد توفت، فإنه يرد، حسنا، ماذا جهزتهم للعشاء؟
مجال الشعور:
الشيخوخة هي المرحلة التي يراجع فيها المرء نفسه ليبني حساباته النهائية على مدى نجاحه وفشله في الحياة، مدى تكيف الفرد للشيخوخة يتوقف إلى حد كبير على مدى تكيفه في المراحل السابقة من حياته، فإذا كان كل تغيير في نظام الحياة مصحوبا بأزمة نفسية، فإن تكيف الفرد للشيخوخة لن يكون سهلا، على أن هناك عوامل إضافية تؤثر على قدرة التكيف هذه, مثل الموقع الجعرافي، الحالة الاقتصادية والصحة العامة.
ونجاح الفرد في التكيف ترتبط أساسا على المدى الذي وصل إليه في تحقيق رغباته، وتبعا لنظرية ماسلو MASLOW، إذا تمكن الفرد من إشباع رغباته الأساسية، فإنه ينتقل بعد ذلك لتحقيق أمنه، ثم علاقاته الاجتماعية، ثم كل ما يتعلق بآماله ورغباته المتقدمة، وحتى يصل في النهاية إلى تحقيق ذاته وأهدافه، فإذا نظرنا من داخل هذا الإطار إلى مستوى الرغبات لشخص يقترب من الشيخوخة فنجد أن المسنين عموما يعيشون في درجة من الفقر يصعب معها حتى تحقيق رغباتهم الأساسية من طعام ومسكن ولا أمل لهم في أن يرتقوا برغباتهم إلى مستويات أرفع، على أن بعض المسنين لديهم المقدرة على مواجهة الاحتياجات الأساسية، وعدم الدافع لكي ينتقلوا إلى إشباع مستويات أعلى من الحاجات.
وتوفر التأمينات الاجتماعية والمعاشات للمسنين والمعونة المادية وبعض الأمان، فإذا كانت هذه المعونة كافية، فإن المسن يمكنه أن يبدأ في إشباع باقي حاجاته وتطلعاته، وللشخص المسن نفس حاجات الأشخاص الأقل سنا، من ناحية الحاجة إلى تبادل المحبة والصداقة، ولكن الفرصة لا تواتيه لإشباع هذه الحاجة، فغالبا ما يكون المسن مبعدا عن عائلته وأصدقائه وزملاء العمل, ومن الصعب عليه الانتماء إلى أي جمعيات علاوة على أن التكيف صعب بالنسبة له.
وتبقى مع المسن الحاجة إلى تقدير الذات واحترام الزملاء ومن الأهمية أن يكون له غرض في الحياة.
(1/666)

والمسن الذي يتغلب على العقبات السابق وصفها يمكنه أن يمضي قدما نحو تحقيق أعلى وأعز أمانيه، وأن رغبة المسن لأن يكون خلاقا وحبه لعمل الخير هي الوسيلة التي يحظى بها على اهتمام وتقدير الآخرين، مما يعوضه عن ضياع جاذبيته وموت أصدقائه والمقربين منه.
ولقد تكونت كثير من الجمعيات الرسمية وأخرى يديرها متطوعون وذلك لخدمة المسنين، وهذه الجمعيات عند تخطيط نشاطها يجب أن تدخل في الاعتبار حالة المسنين ومدى رغبتهم في المشاركة في الحياة نحو تطلعات أعلى, وأن أعمال هذه الجمعيات نحو تنشيط الحياة الاجتماعية للمسن سيصيبها خيبة الأمل إذا كان المسن يكافح لإشباع حاجاته الأساسية, فالمسن الذي يبحث عن طعام الأسبوع بينما تهتم الجمعية بنشاطه الاجتماعي وتأليف مجموعة للعب الورق لا بد وأن يشعر بالضيق واليأس.
(1/667)

المجال الاجتماعي:
ظواهر مجتمع المسنين:
تشير الإحصاءات إلى أن النساء أطول عمرا من الرجال، ما بين ثلاث إلى خمس سنوات في المتوسط، وتشير بعض الدراسات أنه بعد سن الخامسة والستين فإن نسبة النساء إلى الرجال هي حوالي 1.35 إلى 0.01 وهذا الموقف ليس في صالح النساء المسنات فإن وفاة الزوج بالنسبة للمرأة المسنة يمثل فقدانها لدورها الأساسي كزوجة وربة بيت، وهذه الحالة تساهم في ارتفاع نسبة الكآبة، لهذه المجموعة من النساء، علاوة على ذلك فإن الأرملة عادة ما تكون محرومة من النشاط الاجتماعي مما يزيد في شعورها بالوحدة، كما أن الرجل المسن يتعرض أيضا لنفس الشعور بالكآبة الحادة عندما يحال على المعاش ويشعر بأنه فقد دوره في الحياة كشخص يعمل ويكسب قوته ويوفر سبيل الحياة لغيره، وتشير بعض الدراسات النفسية في مجال الشيخوخة أن ما يقرب من 5% من المسنين يعيشون في ملاجيء تزيد فيها النساء عن الرجال بنسبة 20% ويوجد سببان لهذه الظاهرة.
1- المجتمع أكثر تقبلا لفكرة إقامة الرجل المسن بمفرده أو مع أشخاص من غير عائلته.
(1/667)

2- كثيرا من الرجال المسنين يتزوجون نساء أصغر سنا منهم.
وبالنسبة للدخل الاقتصادي فإن وضع المسنين سيئ للغاية، حيث تشير الإحصاءات المحلية والدولية إلى تدني دخل هؤلاء الأفراد كما أن هذا الدخل -في معظم الأحيان- ثابت، بمعنى أنه لا يزيد مع ازدياد نفقات الحياة، أو مع التضخم الذي يحدث في الاقتصاد بصورة عامة.
تدهور الروابط بين المسن والمجتمع:
في عام 1961 فسر كل من كمنج CUMMING، هنري HENRY ظاهرة تدهور الروابط الاجتماعية للمسنين على أنها تتبع أنماط سلوكية محددة حسب البيان الآتي:
1- تغيير في الأداء:
بالنسبة للرجل فإنها تبدأ بظاهرة انخفاض في الانتاجية مع تغيير في وجهة النظر نحو العمل.
2- فقدان الدور:
بالنسبة للنساء فهو يتمثل في الموقف الذي ينشأ بعد وفاة الزوج، وبالنسبة للرجال فهو يتمثل في الإحالة إلى المعاش.
3- تدهور العلاقات الاجتماعية:
مع تدهور دور المسن في المجتمع، فإن العلاقات الاجتماعية تضمر ويتبعها هبوط في الحالة المعنوية، وكثيرا ما يؤدي ذلك إلى التكيف غير السوي مما يؤدي إلى مزيد من تدهور العلاقات الاجتماعية مع ما يصاحبها من الكآبة وفقدان الشعور بالذات.
4- الوعي المحدود بالزمن:
يؤدي ذلك إلى الحد من الأنشطة لقضاء الوقت، كما أنه يحدث للمسن وعي بحتمية الموت، وعندما يزداد تدهور الروابط مع المجتمع، وتنقطع كافة العلاقات، فإن المسن يصبح مستعدا لنهاية المرحلة، أي للموت.
(1/668)

الشيخوخة والمفاهيم والأفكار الخاطئة
مدخل
...
الشيخوخة والمفاهيم والأفكار الخاطئة:
هناك العديد من الخرافات والأفكار الخاطئة أو حتى الأقوال التي تتردد بطريقة آلية حول مرحلة الشيخوخة مثل:
1- عندما يصبح الأفراد مسنين يصبحون أكثر تشابها.
2- لو عاش الأفراد عمرا مديدا سيصبحون خرفين "مصابون بالخرف".
3- الشيخوخة هي زمن الهدوء والصفاء عامة.
4- يميل المسنون إلى إظهار اهتمام قليل بالعلاقات الجنسية.
5- يميل المسنون إلى الجمود والعناد والتشبث بالرأي.
6- إن غالبية المسنين يفتقدون الابتكارية وغير منتجين.
7- يعاني المسنون من صعوبات في تعلم مهارات جديدة.
8- عندما يتقدم الأفراد في السن يصبحون غريبي الأطوار ومخبولين.
9- إن غالبية المسنين يعانون من الوحدة النفسية والعزلة.
10- يتقدم الأفراد في السن فيصبحون أكثر تدينا.
إن المفاهيم سابقة الذكر تمثل معتقدات خاطئة، ومدركات غير علمية، يشيع استخدامها ويقبلها الغالبية العظمى من الأفراد، بما في ذلك المسنين أنفسهم، وعندما يراودنا الأمل في زيادة وعينا وفهمنا للتقدم في السن والشيخوخة، فإن خطوة هامة ومبدئية لتحقيق هذا الأمل تتمثل في تبديد المفاهيم الشخصية المسبقة أو المعتقدات الخاطئة بخصوص عملية التقدم في السن أو الشيخوخة، وعند وضع هذه النقطة في الاعتبار فإن مناقشة مختصرة لهذه المزاعم قد تفيد في هذا المجال.
(1/669)

الخرافة الأولى أكثر تشابها:
إن فكرة أن الأفراد يصبحون أكثر تشابها بتقدمهم في السن قد تكون أكثر المزاعم انتشارا والتي يفرضها المجتمع على مواطنيه من المسنين. فرغم استعداد الأفراد للاعتراف بتفرد كل طفل إلا أن هذا التفرد أو هذه التفردية لا تمتد إلى الراشدين الأكبر سنا, وعندما يواجه البعض بقياس خصائص ومميزات المسنين فإنهم يتعاملون مع هذه الفئة من المجتمع كما لو كانوا مجموعة متماثلة فقدت هويتها الفردية، أو فقدت فردية كل فرد فيها بمرور الزمن وعلى العكس من هذا الرأي الشعبي فكلما تقدمنا في عمرنا الزمني فإنه لا يحدث شيوعا للخصائص، بل العكس هو الصحيح.
(1/669)

فبزيادة العمرة تتزايد الاختلافات الفردية والتفرد فبكل المقاييس الاجتماعية والسيكولوجية والبيولوجية هناك اختلافات كبيرة الأهمية بين مجتمعات المسنين ومجتمعات الشباب، وتبدو الاختلافات أكثر مما يبدو التماثل كلما تقدم العمر، حيث يشير كل من مادوكس ودوجلاس 1974 MADDOX AND DOUGLAS إلى أن التشابه بين المسنين قليل إذا ما قورن بالتشابه بين نظرائهم الأصغر سنا.
وفي محاولة لزيادة تفهم هذه الزيادة في الاختلافات بين الناس والمرتبطة بالعمر، فإنه يجدر بنا أن نضع نصب أعيننا حقيقتين هامتين، الأولى عندما يتقدم الأفراد في السن فإن خبراتهم المتنوعة المختلفة تمارس تأثيرات مختلفة، وبمرور السنين يتعلم كل فرد أشياء مختلفة، ويواجه مواقف متنوعة، ويسلك أو يستجيب بأسلوب متميز متفرد لهذه المواقف وبالتحديد عندما يتقدم الفرد في السن فإن هناك تأكيدا مستمرا متدرجا للفردية والتفرد أو التميز، حيث تخلق الخبرات المختلفة التغاير أكثر مما تخلق التماثل، أما الحقيقة الثانية فهي أن العمر الزمني أو عدد السنوات التي عاشها الفرد تؤثر في كل فرد بطريقة مختلفة، فالبعض يهرم في الخامسة والستين، والبعض يبدو أكثر شبابا في نفس السن، وداخل الفرد نفسه فإن مظاهر أو جوانب مختلفة من الشيخوخة تتكون وإن اختلفت المعدلات، فالناس لا يهرمون فقط، ولكنهم يهرمون بيولوجيا واجتماعيا ونفسيا وزمنيا أيضا, فالطاقة الكامنة للاختلاف داخل كل عملية من عمليات الشيخوخة جد هائلة، إن احتمال أن يصبح أي فردين أكثر تشابها بتقدمهم في العمر واتباعهم نماذج متطابقة للشيخوخة هو احتمال بعيد المنال، فمع النمو يكون التغير، ومع الخبرة يكون الاختلاف، ومع تقدم الأفراد في العمر يصبحون أقل تشابها.
(1/670)

الخرافة الثانية أن يصبح الفرد خرفا:
يعتبر التصرف الأخرق المخبول مرادفا مع ما يظهره المسنون من تصرفات، والأصل في هذا الارتباط هو الاعتقاد بأن الشيخوخة في حد ذاتها تشكل نمطا من الأمراض.
وبالطبع فإن هذا الاعتقاد خاطئ وبصورة جلية، فالخرف أو الخبل ليس مصطلحا عياديا أو تشخيصيا مقبولا، بل هو اصطلاح جرى استخدامه بشكل واسع لوصف حالات مرضية معينة لاختلال المخ الوظيفي حيث
(1/670)

مظاهره الأولية هي الخلط وسوء التوجه الزماني والمكاني، والنسيان، وعدم القدرة على تركيز الاهتمام أو الانتباه لفترة زمنية طويلة، مع احتمال ظهور بعض الهلاوس والأوهام، إن مثل هذا المخ المريض مختل الوظيفة يدخل تحت فئة ما يسمى بزملة الأعراض المخية العضوية، وينقسم إلى فئتين كبيرتين، الحاد والمزمن، وينتج عن زملة الأعراض المخية العضوية بعض التلف أو القصور أو التردي في القدرات العقلية، والتي تعكس بعضا من التغيرات العادية للقدرات العقلية التي تحدث في المراحل العمرية المتقدمة، إن زملة الأعراض المخية الوظيفية ليست وضعا أو حالة أو مرآة للشيخوخة العادية، فالسلوك الذي يتصف بالخبل أو الخرف يمكن أن ينتج عنه صدمات فسيولوجية أو سيكولوجية عديدة، ويشمل ذلك سوء استخدام العقاقير، التسمم، نقص السكر المرضي في الدم، الأزمات القلبية المتلاحقة العدوى واضطرابات التمثيل الغذائي، إن كل الفئات العمرية عرضة لمثل هذه الصدمات والاضطرابات وهي ليست قاصرة على المسنين، إن حوالي ما بين 2 و3% من الأفراد في سن 65 فما فوق تظهر لديهم أعراض أو علامات مرتبطة بالخرف وهم عرضة للوقوع تحت طائلة القانون أو العرف أو للعرض على الطبيب العقلي أو هم عرضة للمرض العقلي "بوس وبيفر 1977 BUSSE AND PFEIFFER, وفي بعض الأحيان يمكن تصحيح الوضع معتمدين على ما إذا كان هناك توحدا مبكرا من عدمه، أو أن توفرت احتياطات العلاج المناسب, فلو اعتبرنا الخرف نتيحة طبيعية للتقدم في السن فلن يصبح العلاج الفوري الفعال في المتناول، فلو توقعنا أن يتصرف المسن بطريقة مرضية وأن هذا التصرف المتوقع قد حدث فليس لنا حاجة لمحاولة إحداث التغيير، وفي غياب العلاج تسوء الحالة المرضية، كما يمكن توقع تدهورا شديدا للفرد، وبلغة الاحتمالات هناك سبب بسيط لتوقع أن يسلك المسن بطريقة تظهر خصائص الخرف والخبل، وبالتالي فإن الاحتمال الإحصائي لأن يصبح الفرد خرفا نتيجة لكبر السن هو احتمال ضعيف جدا.
(1/671)

الخرافة الثالثة: الشيخوخة فترة الصفاء
...
الخرافة الرابعة: الشيخوخة فترة الصفاء
إن ازدياد الوعي العام بالمشكلات التي يواجهها بعض المسنين في المجتمع أفقد أسطورة السنوات الذهبية والصفاء والسكون في سني العمر المتقدمة أرضيتها، بالرغم من صور الأجيال الأكبر السعيدة الهانئة في محيط ريفي هادئ فقد انطبعت على غالبية جيل الراشدين مثل هذه الصور التي تفسح الطريق سريعا لقياس حقيقي للحقائق التي يتحملها بعض أفراد المجتمع المسنين, ومثل هذه الحقائق تتضمن الفقر، الخوف من الجريمة، نقص وسائل المواصلات، الحزن, الأمراض الجسدية، التدهور الجسمي والوهن، التغيرات الحياتية الدرامية، فقد السلطة الاجتماعية، وتردي الأوضاع، ولا تواجه أي فئة عمرية أخرى أو تتحمل الضغوط والصدمات بالمقارنة بما يواجهه ويتحمله المسنون، ومثل هذه الضغوط داخلية وخارجية، جسمية ونفسية، اجتماعية واقتصادية، إن الضغوط التي يواجهها المسنون يمكن أن يخففها الإرشاد النفسي العائلي والاجتماعي المؤثر، أو الوكالات العامة، الأصدقاء، وبغض النظر عن خطوات أو إجراءات الدخل أو الإرشاد فإن تخفيف بعض الضغوط التي يواجهها المسنون قد يكون من الصعوبة وفي بعض الأحيان مستحيل تحقيقه ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا يشكل المسنون حوالي 10% من إجمالي عدد السكان، إلا أن 25% من إجمالي عدد جرائم الانتحار يقترفها أفراد في عمر 65 فما فوق "رسنيك وكانتور 1970" "Rrsnke & Cantor" وبالتالي يجب أن يقدر لهذه الإحصاءات أن تستأصل بنفسها خرافة الصفاء والسكون في الشيخوخة.
(1/672)

الخرافة الرابعة: انعدام القدرة الجنسية
...
الخرافة الخامسة: انعدام القدرة الجنسية
هناك اعتقاد غير صائب ولكنه واسع الانتشار والتأثير مؤداه أن النشاط الجنسي فعل مقصور على الشباب، وأن الممارسات الجنسية أو الأنشطة الجنسية عندما يمارسها المسنون فإنها تكون غير مناسبة لهم، كما قد تعد سلوكا غير لائق، ويتقبل المسنون مثل هذا الاعتقاد، وكذلك يتقبله الأصغر سنا، ويلعب ذلك دورا هاما في تحديد كيف يدرك الآخرون المسنين، وكيف يدركون أنفسهم، وعندما نصدق أننا نفقد نشاطنا الجنسي بحلول الشيخوخة، فهذا التصديق هو قبول للفلسفة القائلة بأن تقدم العمر يفقد الأفراد قسطا كبيرا من إنسانيتهم أو آدميتهم، وعندما يكون الفرد فاقدا لنشاطه الجنسي فهو يفقد آدميته أيضا.
إن خرافة فقدان القدرة الجنسية في الشيخوخة هي فكرة خاطئة وجوديا، فلو صدق المسنون أن النشاط الجنسي فعل غير عادي، أو مستحيل، فقد تخول حياتهم من الممارسات الجنسية، بل وأكثر من ذلك فلو أنهم صدقوا هذه الخرافة أيضا، ولكنهم استمروا في ممارسة الأنشطة الجنسية فقد يعانون مشاعر الذنب وانخفاض تقدير الذات، وفي موقفهم هذا فإن المسنين هم الخاسرون وأن النتيجة المحتملة هي أن ضغطا نفسيا سيقع عليهم.
(1/672)

ولفترة قريبة نسبيا لم يكن هناك إلا عددا قليلا من الأبحاث في مجال السلوك الجنسي عند المسنين، أساسا بسبب اعتبار الموضوع من المحرمات.
أما وأثناء الستينات فإن فريقا مكون من وليم ماسترز William Masters وفرجينا جونسون Virginia Johnson في سنة 1966 قاما ببحث هذا الموضوع الحساس، وقد ساهمت نتائج أبحاثهم في تبديد سوء الفهم العام والخاص بالشيخوخة والنشاط الجنسي، ورغم عدم مناقشة بحثهما في هذا الصدد وعدم متابعة النتائج بالتفصيل وأيضا عدم مناقشة النتائج العامة التي ذكرت لضيق المكان إلا أنه من الملاحظ أن من النتائج التي وجداها أن النشاط الجنسي والاستجابة الجنسية بما فيها الانتشاء أو التهيج الجنسي Orgasm لا تنتهي بالوصول إلى مرحلة الشيخوخة, وقد وجد الباحثان أن لدى الأفراد قدرة على الجماع، وعلى الانتشاء الجنسي أيضا وأحيانا أكثر من ذلك في مستوى عمر 80 سنة, وقد أكدت هذه النتائج الدارسات الطولية التي قامت بها جامعة ديوك في بالمور عام 1974 Polmor, ومن بين المتغيرات التي أوردها ماسترز وجونسون كمساهمين في دراسة ناجحة للأداء الجنسي في مرحلة الشيخوخة أو الرشد المتأخر, كانت الصحة الجسدية، الشعور النفسي بأن الفرد على ما يرام، الشريك القادر المشارك، والتاريخ الحافل باللذة والمتعة والمشتقة من الأنشطة الجنسية وبالمثل فقد تم عرض عدد من العوامل التي تؤدي إلى فشل الأداء الجنسي في الشيخوخة، ومن بينها الروتينية وسأم الشريك، التعب الجسمي، أو العقلي، الخوف من الفشل والإفراط في الطعام والشراب وعند اختبار هذه المتغيرات التي تسهم إما في نجاح أو فشل الأداء الجسمي في مرحلة الرشد أو الرشد المتأخر، فإنه يصبح واضحا أن هذه المتغيرات ليس بينها اختلاف كبير بين تلك التي تؤدي إلى نجاح وبين تلك التي تؤدي إلى فشل الأداء الجنسي أثناء مرحلة المراهقة أو أثناء مرحلة الشباب أو الرشد المبكر والمتأخر أو الشيخوخة.
(1/673)

الخرافة الخامسة: الجمود وعدم المرونة
يشير الجمود وعدم المرونة إلى اتجاه نفسي يتصف بالمقاومة الجامدة للتغير وأيضا عدم القدرة على التكيف للمواقف أو الظروف الجديدة، فبعض المسنين حقا يتصف بالعناد ويكون صعب المراس، وتتميز أنماطهم السلوكية بالجمود وعدم المرونة، ومقاومة التغير بشدة، ورغم ذلك فإنه من الدقة أن نقول: إن بعض الأطفال، وبعض المراهقين، وبعض الأفراد في منتصف العمر، يتصفون أيضا بالصلابة وعدم المرونة والعناد، وتشير كل من هاتين الخاصتين إلى سمة شخصية قد تظهر لدى الأفراد أثناء أي مرحلة عمرية في نموهم، وفي بعض الحالات فإن القصور أو النقص الحقيقي في الفرص المتاحة للنمو والتغير والتقدم يمكن أن يفسرها الملاحظ الخارجي الظاهري بطريقة خاطئة كما يفسرها بالعناد والصلابة في الشيخوخة، ويجب ملاحظة أن الكبت الاقتصادي الاجتماعي والجسدي يمكن أن يشكل إعاقات كبيرة للتغيير بغض النظر عن رغبة الأفراد الشخصية أو قدرتهم على أداء أنماط تكيفية أو أساليب تتصف بالمرونة، وإن افتقاد الفرص للتغير والنمو لا يشكل، ولا يجب الخلط بينهما وبين الجمود أو عدم المرونة والعناد.
إن تراكم السنين أو ما يعرف بالعمر الزمني، لا يؤدي إلى شخصية جامدة غير مرنة، وبالتالي لا يجب على الكبار فقط أن يتغيروا، ولكن يجب عليهم بالضرورة أن يتكيفوا للأحداث الكبرى متكررة الحدوث، وأن يتوقعوا مصاحبات النضج أو الرشد المتأخر مثل التقاعد، تغيرات الدخل، والأوضاع، فقدان الأحباب، والتعب, والمرض، تغيير الإقامة أو تغيير نمط الحياة, ورغم ما أشارت إليه الأبحاث من أن المسنين يغيرون الآراء والاتجاهات بطريقة بطيئة إلى حدا ما إذا ما قورنوا بما يحدث لدى الأصغر سنا، كما أن التغيرات بين كبار السن تبدو كما لو كانت تعكس التنقلات السائدة الملاحظة في المجتمع ككل "كتلر وكوفمان 1975، CUTLER AND KAUFMAN؛ 1975. ولحسن الحظ فإن معظم المسنين ما زالوا منفتحين على التغير مقبلين عليه خلال مرحلة النضج أو الرشد المتأخر، وبغياب هذه الخاصية يصبح التوافق صعبا إن لم يكن مستحيلا.
(1/674)

الخرافة السادسة: عدم الابتكارية وعدم الإنتاجية
يبدو أن الخرافة السادسة الخاصة بنقص الابتكارية والإنتاجية في مرحلة الشيخوخة تنبع أساسا من ميل المجتمع إلى ربط الإنتاجية والابتكارية بالوظيفية فإن لم يكتسب الفرد مالا فإنه ينظر إليه على أنه ليس منتجا ويفقد الابتكارية في هذا المجتمع, وفي محاولة لتبديد هذه الخرافة فإنه يجب علينا أن ننظر إلى عدد الأفراد ممن لهم مساهمات ابتكارية منتجة في المجتمع، بينما هم في السبعينات والثمانينات أو التسعينات من أعمارهم، إن مساهمات الأفراد من أمثال سيجمون فريد
(1/674)

SIGMUND FREUD, بابلو بيكاسو PAPLO PICASSO، ألينور روزفلت ELEANOR ROSEVELT, برتراند راسيل Bertrand Russel، ماجي كوهن Maggie Kuhn، أرتور روبنشتين Artur Rubinstein, إن مورو ليندبرج Anne Morrow lind Bergh، وأنا ماي موزس Anna Mary Moses، فقد كانت بمثابة أمثلة للابتكار والإنتاجية في مرحلة الشيخوخة، وعلى العكس من هؤلاء الذين وضح وميز الابتكار حياتهم بطولها، هناك من الناس من يبدأ في اكتشاف وتنمية قدراته الخاصة ومواهبه ولأول مرة في مرحلة الشيخوخة.
وهناك العديد من الأفراد الذين لهم الحرية الضرورية أو اللازمة لاستكشاف وممارسة مختلف ألوان المشروعات المبتكرة وذلك أثناء فترة الشيخوخة أو الرشد المتأخر, ويعد مثل هذا الاستكشاف مستحيلا عندما كان هؤلاء الأفراد مقيدين بالوظائف الرسمية التي تشغلهم معظم الوقت, وهنا تظهر اهتمامات جديدة وقد تنمو استعدادات سبق التعرف عليها وقد نرى الأنشطة والمساهمات المنتجة المثمرة للمسنين في عدد من المجالات تشمل المجال الفني، السياسي، التعليمي، والمجال الديني، ولما كان غالبية المسنين غير مدرجين في وظائف رسمية إجبارية فإنه من الخطأ مساواة أو ربط الابتكارية والإنتاجية بالوظيفة، وبغض النظر عن الوضع الوظيفي فإن عددا من المسنين ما زالوا في عداد الأعضاء المنتجين المشاركين أو المساهمين المبتكرين في المجتمع، وذلك في فترة الرشد أو الرشد المتأخر، فلو أغفل المجتمع أو تجاهل أو قمع الطاقة الابتكارية الكامنة عند مجتمع المسنين، في سن 65 فما فوق فسوف يعاني كل أعضاء هذا المجتمع فقدانا أو ضياعا هائلا.
(1/675)

الخرافة السابعة: صعوبة تعلم مهارات جديدة
هناك قولا شائعا مؤداه أننا لا نستطيع تعليم كلب عجوز حيلا أو ألعابا جديدة، ويعكس هذا القول الاتجاه القائل بأنه بالتقدم في السن تفتقد القدرة على النمو على التغير وعلى اكتساب معارف جديدة وعلى تنمية مهارات وقدرات جديدة.
ومن يؤمن بهذا القول فإنه لا يرى المسنين إلا كأفراد يتسمون بالعناد وعدم المرونة والصلابة، وبعدم الإنتاجية، وبنقص القدرة الابتكارية، والتعلم هو تغير مستديم نسبيا في السلوك ينتج عن الخبرة, ومن الخطأ
(1/675)

اعتقاد أنه لا وجود للاختلافات في قدرات التعلم ومعدلاته بين مختلف مجموعات المسنين, فمن المعروف أن أطفال ما قبل المدرسة يختلف تعلمهم عن الأطفال الأكبر سنا من تلاميذ المدارس، وأن هؤلاء يتعلمون بطرق مختلفة عن تلك التي يتعلم بها شباب البالغين، ومع ذلك فإن فكرة الدونية أو التفوق لم تفرض الملاحظة على مثل هذه الاختلافات, إن الفرد عندما يتقدم به السن فإننا نلاحظ اختلافات التعلم لديه والتي يعكسها الأداء، ولعل من الخطأ أن ندعي أن هذه الاختلافات إنما تمثل نقصا أو انخفاضا في القدرة على اكتساب معلومات جديدة.
إن التعلم موضوع صعب للغاية، إذا ما أردنا دراسته، وهو كذلك لأن فردا لم يرد التعلم أو أن لديه القدرة على ملاحظة العمليات العقلية التي ينتج عنها التعلم والاكتساب العقلي مباشرة ولكن يستدل على التعليم من الأداء وليس هناك طريق لتحديد ما إذا كان التعلم قد حدث فعلا أو لم يحدث ما لم يظهر الفرد أو يبدي سلوكا يدل على ذلك وترجع صعوبة التعلم أيضا إلى تأثره بعدد هائل من العوامل الخارجية والداخلية منها الظروف أو الأوضاع البيئية، الدافعية، الحالة الانفعالية للمتعلم، الخلفية الخبرية وكذلك متطلبات الأداء.
إن على الباحثين الذين يريدون عقد مقارنات لمعدلات أو قدرات التعلم بين أي فردين أو بين مجموعات من الأفراد، أن يوجهوا اهتماما لمثل هذه العوامل على أن يكون لديهم الاستعداد لافتراض أن مثل هذه المتغيرات هي بمثابة دعم مستمر لكل من تشمله المقارنة, وعند انتقاء الأفراد موضع المقارنة من فئات عمرية مختلفة بغرض المقارنة فإننا نواجه استحالة صدق مثل هذا الادعاء أو الافتراض، فأقل القليل أنه عند اقتراض أن هؤلاء الأفراد المنتمون إلى فئات عمرية مختلفة يشتركون في الخلفية الخبرية فإن ذلك يصبح هزلا, ولهذا السبب فقد ثبتت صعوبة عقد مقارنات صادقة حقيقية بين أفراد فئات عمرية مختلفة وفي بعض الأحيان هي مهمة مستحيلة.
لقد قام جيمس بيرن James Birren بأبحاثه لدراسة تغيرات التعلم المرتبطة بالسن، وقد استغرق ذلك أكثر من ربع قرن، حيث قام بدراسة نفس الأفراد عبر عدد معين من السنوات في محاولة منه لتحديد تلك التغيرات التي تحدث في القدرة على التعلم مع التقدم في السن، وقد
(1/676)

وجد بيرن ومساعدوه في عام 1962 أنه لا يجب توقع اضمحلال الأداء العقلي أو تدهور القدرة على التعلم أثناء مرحلة الشيخوخة، وتبعا لنتائج هذه الأبحاث فإن التدهور العقلي هو نتيجة لمرض وليس نتيجة طبيعية للشيخوخة، ورغم ما كشفت عنه هذه الأبحاث من البطء الطبيعي لزمن رد الفعل العقلي والجسدي نتيجة للشيخوخة العادية فإنه لم يرد أن هناك ضعفا أو انخفاضا في القدرات العقلية العامة للتعلم, ويستطيع معظم الأفراد أو هم فعلا يستمرون في اكتساب معلومات جديدة وفي الاشتراك في خبرات جديدة وفي التعلم أثناء المراحل المتقدمة من العمر.
(1/677)

الخرافة الثامنة: غرابة الأطوار أو الخبل
إن القدرة على الاقتراب من الآخرين وعلى الاستمرار في التعرف اللائق اجتماعيا، وعلى التفاعل مع الآخرين بانسجام، تتقدم وتتحسن على مدى حياة كل فرد منا. إن الشباب أو متوسطي العمر من ذوي الصحبة السارة يملكون مظهرا جذابا بصفة عامة، وعلى درجة من الوعي والحساسية بمشاعر الآخرين ويستمر لديهم مثل هذا الاتجاه حتى في مرحلة الشيخوخة, وعلى العكس من ذلك الفرد كثير الشكوى من عيوب الآخرين، فمن الصعب إرضاؤه، وهو بصفة عامة سلبيا في اتجاهاته نحو الآخرين ونحو الظروف المختلفة. إن المبررات ليست كافية لعدم استمرار مثل هذه الخصائص في الظهور خلال مرحلة الشيخوخة كما أن أنماط التوافق والسلوك الاجتماعي التي يسلك بمقتضاها المسنون تشبه تلك الأنماط والسلوكات التي أبداها نفس هؤلاء الأفراد عندما كانوا في مقتبل العمر ومنتصف الشباب. "بوتونك Botwinick؛ 1973". فقد أظهرت نتائج الأبحاث أن نسبة الأفراد الذين وصلوا إلى مرحلة الشيخوخة والذين اتصفوا بالغرابة، وحدة الطباع وانحراف المزاج، لا تختلف بدرجة كبيرة عن نسبة مثل هؤلاء الذين يمكن أن تضمهم أي مجموعة عمرية أخرى، وهذه الملاحظة في حد ذاتها مفاجئة لتعرض الأكبر سنا لضغوط ومشكلات أكثر ما يتعرض له الأصغر سنا، إن التعرض لمثل هذه الضغوط سوف يخلق أفرادا سلبيين اجتماعيا عند وصولهم إلى مرحلة الرشد أو الرشد المتأخر ومع ذلك فلا يبدو أن هذا صحيح بصورة مطلقة.
ومن الواضح أن معظم الأفراد ينمون طرقا متميزة معينة للتفاعل الاجتماعي وللاتصال بالبيئة وللتعامل مع الآخرين, وما أن تنمو مثل هذه الطرق فإن أساليب الاستجابات المميزة هذه تميل إلى الثبات والاستمرار خلال مرحلة الشيخوخة، ويميل الاتساق الاجتماعي أو التكيف للظروف إلى الاستمرار والسيادة بغض النظر عن تقدم العمر الزمني فلو أنك كنت من غريبي الأطوار الآن فكل الاحتمالات تشير إلى استمرار مثل هذه الخصائص عندما تصبح شيخا مسنا, وبالمثل لو أنك نميت اتجاها اجتماعيا موجبا فلا أساس للاعتقاد بأن تراكم السنوات سيمحو لديك أوجه الخصائص المميزة لشخصيتك.
(1/677)

الخرافة التاسعة: الوحدة
تشير نتائج الأبحاث التي قام بها لويس هاريس ومساعدوه Louis Harris and associates؛ 1975 أن معظم سوء فهم العامة للشيخوخة يرتكز على موضوع العزلة ومشاعر الوحدة الشخصية، وننقل للقارئ ما أورده هاريس Harris في هذا الشأن حيث قال: "إن 12% ممن هم في سن 65 فما فوق يشعرون أن الوحدة هي مشكلتهم الشخصية الخطيرة بينما 60% وأكثر من العامة يعتبرون الوحدة هي المشكلة الخطيرة لمعظم من هم في سن 65 فما فوق".
وفي دراسة قام بها دين سنة 1962 Dean قرر حوالي ثلثي مجتمع الخامسة والستين فما فوق أنهم لم يشعروا إلا نادرا بالوحدة أو أن يكونوا قد خبروا مشاعر الوحدة.
ويبدو أن هناك عددا من العوامل التي تشترك في انخفاض إدراك الوحدة أو الشعور بها بين غالبية المسنين, فمنذ البداية يجب ملاحظة أن الاتصال المتكرر بين المسنين وبين أفراد عائلاتهم هو القاعدة وليس الاستثناء في المجتمعات بصورة عامة. "بينستوك وشاناس 1976 Binstock and Shanas، وعكس اعتقادات البعض فإنه ليس من المعتاد أن يتخل أفراد عائلة المسن عنه أو أن ينسوه أو يتجاهلونه أو أن تندر زيارتهم له إن لم تنقطع, وبالإضافة إلى العائلة هناك الأصدقاء كعامل مساعد في تخفيف الشعور بالوحدة لدى كبار السن, وتشير نتائج دراسة هاريس Hasrris إلى أن حوالي نصف مجموعة المسنين التي أجري عليها البحث أكدوا أنهم يقضون أوقاتا كثيرة مجتمعين مع أصدقاء أو برفقة أصدقاء, ولكن هناك حوالي 5% ممن هم في سن الخامسة والستين فما فوق يعانون من مشكلة ندرة الأصدقاء، وقد أشارت دراسات أخرى أن منظمات المتطوعين، النوادي الاجتماعية، رفاق الكنائس أو المعابد، والأنشطة المجتمعية كلها وكالات تساعد في منع أو في الحد من الشعور بالعزلة والوحدة في الشيخوخة هو سيكنشت 1962 القرارات الكاثوليكية 1962، "Hausknecht, 1962, Catholic Digest 1966".
(1/678)

الخرافة العاشرة: أكثر تدينا
إنه من المغري أن نوافق على فكرة مؤداها أنه بتقدم الأفراد في السن يصبحون أكثر تدينا، وربما يرجع سبب مثل هذا الإغراء إلى حس حدسي بأن حقيقة الموت أصبحت قريبة وشيكة الحدوث، وأن الأفراد ميالين لأن يصبحوا أكثر استمتاعا بالحياة الآخرة بعد الموت، وللخلاص من الخطايا الشخصية، وأن لديهم اهتمامات بالأمور الغيبية.
إن هذا الإغراء بالموافقة على هذه الفكرة، ربما ينبع من ملاحظات شخصية مؤداها أن الجيل الحالي من المسنين يميل للتدين أكثر من الأجيال الأصغر سنا, ومع ذلك وبغض النظر عن الأحاسيس الشخصية أو الملاحظات الفردية تبقى الحقيقة وهي أن الأفراد يصبحون أكثر تدينا بتقدمهم في السن إن من الخطأ افتراض أن الاختلافات العمرية في التوجهات الدينية هي نتاج للتقدم في السن أو للشيخوخة، فالأجيال الأكبر لا تصبح أكثر تدينا باقترابها من الشيخوخة وعند مقارنة هذه الأجيال بالأجيال الأصغر سنا، فإننا نجد أن مجتمع المسنين كانوا أكثر تدينا في شبابهم، فقد تلقوا تدريبات دينية أو كانت لهم ممارسات دينية أكثر أثناء تقدمهم في السن وأنهم قد استمروا على نفس الأسلوب المتدين الذي تكون عبر سنوات عمرهم المبكرة والسابقة، ويبدو أن اختلافات التوجهات الدينية هي اختلافات جبلية وأنها ليست مرتبطة بالعمر, وعلى أساس المعلومات المستخلصة من الدراسات الطولية فقد وجد كل من بلازر وبالمور سنة "1976" Blazar and Plamore أنه ليست ثمة مؤشرات لزيادة الاهتمام بالانصراف أو الانشغال بالدين كدالة على الشيخوخة، ورغم أنه يبدو أن الاستغراق أو الارتباط بالدين لا يزداد أو ينخفض في مرحلة النضج أو الرشد المتأخر إلا أن هناك ميلا يتجه نحو انخفاض المواظبة على الحضور إلى الكنائس في الشيخوخة "موبرج Moberg 1965". فليس من الممكن مساواة التدين بالحضور إلى الكنيسة, فهناك عوامل كثيرة تتدخل فيما لوحظ من انخفاض الحضور المنتظم إلى الكنيسة مع تقدم الفرد في السن من هذه العوامل افتقاد وسيلة للمواصلات، ضعف أو اعتلال الصحة، وتغيير محل الإقامة، وأساسا ليس هناك دليل واضح على زيادة الاهتمام
(1/679)

بالأنشطة الدينية أو كسب مزيد من الرضا من خلال الدين، أو تكريس وقت أطول واهتمامات أكثر بالاهتمامات الدينية مع تقدم الأفراد في السن. "Blazar & Palmore 1976".
(1/680)

الخاتمة
الموت كنهاية لدورة حياة الإنسان
الموت كنهاية لدورة حياة الإنسان
...
الخاتمة:
الموت كنهاية لدورة حياة الإنسان:
يشعر الإنسان المسن بإحساس خاص تجاه الموت، حتى وإن كان يتمتع بقوة جسمية وعقلية، حيث يدرك -أكثر من أي فترة من حياته- أن الموت كأس لا بد من تجرعه, وأن الفترة الباقية له في هذه الحياة مهما طالت قصيرة نسبيا وبالتالي يصبح الموت بمثابة اهتمام واقعي بالنسبة له وقد نجد المسنين يقومون ببعض الأعمال والنشاطات استعدادا لعملية الرحيل ويتضمن ذلك الانتهاء من عمل بعض الأمور العملية كتوزيع ثروته، بالإضافة إلى ثمة عمليات داخلية كمراجعة النفس، ومراجعة تاريخ حياته.
وقد يفترض أن المسنين كمجموعة يعيشون في مخاوف خاصة ترتبط بالموت، إلا أن نتائج بعض الدراسات أشارت إلى نقيض ذلك فدراسة ميونشيس Munnichs؛ "1966" أشارت إلى أن التوجهات الأكثر عمومية للأفراد الذين تجاوزوا سن السبعين، كانت تومئ إلى التقبل والإذعان لفكرة الموت، كما أن نتائج دراسة بنجستون وآخرين Bengston et al؛ "1977" دعمت النتائج السابقة، إذ أوضحت أن الأفراد المسنين كانوا أقل انشغالا واستغراقا في المخاوف المرتبطة بالموت إذا ما قورنوا بالأفراد الذين كانوا في منتصف العمر، ويبدو أن المخاوف المفرطة، أو إنكار الموت عند بعض الأفراد المسنين قد تشير إلى الفشل العام في التوافق مع جوانب القصور والعجز، والذي يكون بدوره مظهرا من مظاهر عدم النضج النفسي والإحساس بالانعزال والغربة عن الآخرين, ويشير إريكسون "1963" أن الخوف من الموت يرتبط كذلك بافتقاد تكامل الأنا، ويذهب دورلاك Durlak؛ "1972" إلى تدعيم وجهة نظر إريكسون بقوله أن المعدل المنخفض لخوف الموت يرتبط بالأفراد الذين شعروا بهدف الحياة وغرضها, وبالتالي حققوا نوعا من التكامل.
وبطبيعة الحال فمن الصعب أن نقيس بصورة دقيقة ما يشعر به الفرد من خوف شخصي تجاه الموت، حيث إن معظم الدراسات في هذا المجال تتكامل مع الاتجاهات التي يعبر عنها الأفراد في الاستبانات أو التي تظهر من خلال الوسائل الإسقاطية، وعدد قليل من الباحثين قد يتعامل
(1/683)

مع الأنماط السلوكية الحقيقية التي يتخذها الفرد استعدادا للرحيل، وعموما فإن مثل هذه الدراسات لا يمكن أن توضح لنا نوعية الخوف أو شدته المرتبط بموضوع الموت، إلا أنها يمكن أن تشير فقط إلى مدى انشغال الفرد بتلك العملية.
وعلى الرغم من أن الشخص المسن يتوقع الموت، ولكنه لا يحيا بالضرورة في الظل, فقد ينظر إليه على أنه حتمي الحدوث، إلا أنه لا يمكن أن يتوقع حدوثه في أي وقت معين، وكثيرا ما يدرك الأفراد في مرحلة الشيخوخة الموت باعتباره مرحلة من الوجود وبداية مرحلة أخرى، وعموما كلما كان الإنسان على قيم دينية مؤمنا بالله كلما تقبل الموت بصدر رحب باعتباره عملية طبيعية لا بد لكل فرد أن يمر بها، كما أنها تعتبر مرحلة في دورة حياة الإنسان لا بد من المرور بها.
وفترة الشيخوخة عادة ما تمثل فترة حياة يعاني فيها معظم الأفراد من صدمة فقدان الأعزاء، فعادة ما نجد الشخص المسن مغرم بقراءة صفحات الوفيات والنعي بالجرائد اليومية، كما يخبر كبار السن أنواع معينة من الفقدان قد يشعر بها كموت جزئي له مثل فقدان أحد الزوجين، أو فقدان أحد الأبناء الشبان، مما يثير لديه ويدعم عنده الإحساس بالفناء، وفي كثير من المجتمعات يرتبط الانفصال بفكرة الموت باعتباره عملية انفصال عن الواقع، وقد يشعر الإنسان بعد فقد شريك أو شريكة حياته بأنه قد أصبح يعيش في نوع من الإهمال أو السجن، وقد يحدث في بعض المجتمعات انفصال مادي عن المجتمع، فتشير نتائج دراسة هوبل Hoebel؛ "1978" أن موت الزوج بالنسبة للمرأة الصينية يعني بالنسبة لها الانفصال الكامل تقريبا عن الارتباطات أو الالتزامات الاجتماعية، وقد تنتقل بالتالي إلى الحياة داخل الأدغال بعد موت الزوج مفضلة العزلة عن هذا العالم وفي انتظار لقاء زوجها مرة أخرى بعد موتها.
والجدير بالذكر، فقد توجد أنواع كثيرة أخرى من الموت يعاني منها المسنون، فقد يشعر بعض المسنين بعد الإحالة إلى المعاش أن ذلك قد يعتبر كنوع من الموت، وكثيرا ما يشعرون بالنبذ الاجتماعي "فقد نسمع البعض منهم يقول: يجب علي أن أموت، عندما لا يعامل بصورة لائقة من ذويه وأقاربه"، وبالتالي ينسحب البعض منهم من المجتمع ويشعرون بنوع من الانطواء، وقد يشعر البعض منهم أنه انتقل إلى العالم الآخر.
وقد توجد بعض الظروف النفسية والجسمية يشعر من خلالها الشخص المسن بالموت الجزئي ومن هذه الأنواع الفقدان الحسي "العمى أو الصمم"، أو حالات الضعف العام، وعدم القدرة على الحركة، أو الخلل العقلي وفقدان الذاكرة، حيث يؤدي ذلك إلى تشويش وخلط الخبرات الماضية والحاضرة والمستقبلة.
(1/684)

عملية الموت:
قد يعتبر الموت في بعض المعتقدات والأيديولوجيات ليست عملية، ولكن لحظة من الانطفاء وقد يعتقد البعض الآخر بأنه يرتبط برحلة ذات مشهد معين أو عملية انتظار مريح قبل عملية الحساب النهائي وتنظر بعض الثقافات إلى الموت باعتباره نهاية لكل الخبرات، ويعتقد البعض بأنه بداية الخلاص.
وما زلنا حتى يومنا هذا لا نعرف أكثر من معرفتنا السابقة عن الموت, وما هو المغزى التطوري والنمائي لمفهوم الموت، ومع ذلك فإن نتائج البحوث الحديثة في العلوم الطبية والبيولوجية والنفسية تشير إلى اعتبار الموت جزء من الحياة.
وهناك وجهات نظر جديدة تنظر إلى الموت على أنه ليس عملية انتهاء أو فناء حيث يتحول منها الفرد من حي إلى ميت، وقد يرجع ذلك بصورة جزئية إلى نتائج البحوث التكنولوجية التي تنظر إلى الموت على أنه عملية بطيئة، وقد أدى هذا الاهتمام إلى تعريف عملية الموت بأنها "عملية واقعية مثلها مثل الميلاد والنمو والنضج"، حيث يعتبر من أحد الأشياء المؤكدة والحقيقية في الحياة.
وثمة نتيجة أخرى للدراسات التكنولوجية الطبية، ويتضح في تفهمنا أن الموت قد يحدث لنا بصورة بطيئة فالأمراض التي تقتلنا هي ذاتها التي نتعايش معها لعشرات السنين، كما أن بعض أمراض وأشكال السرطان قد تنمو وتنتشر وتميت الأنسجة الحية طوال سنوات عديدة، والتي قد يبدو الفرد أثناءها ذو صحة عادية، وقد يبدو أنه طوال حياتنا لا نعاني فقط من تلك الأمراض بل نساهم وندعم هذه العملية بواسطة الحوادث الطارئة التي قد تؤدي إلى العاهات المستديمة أو تؤدي إلى الموت، وكذلك بواسطة عاداتنا الغذائية، ونماذج حياتنا واتخاذ قراراتنا بما فيها من مسئوليات تلقي
(1/685)

الخدمات الطبية والعلاجية، وبناء شخصياتنا، وعموما فالموت جزء من نماذج حياتنا، ويتحدد عن طريق سمات الشخصية وتاريخ حياة الفرد ونمط حياته اليومية، وقد تمدنا النظريات والدراسات اللاحقة بإمكانية تفهم وتطوير مفهوم الموت بصورة ذات معنى ودلالة طوال مجرى حياة الإنسان، وعموما فلقد ساهمت تلك النظريات في تفهم عملية الموت، إلا أننا لا نجد نظرية شاملة من الممكن أن يؤخذ بها في هذا المجال، وسوف نعرض بإيجاز لأهم تلك النظريات في الصفحات التالية.
(1/686)

نظرية كويلر -روس
...
نظرية كوبلر - روس Kubler - Ross:
تعتبر نظرية روس من أهم الأعمال الحديثة التي ألقت الضوء على الموت، حيث نالت هذه النظرية اعترافا وتأييدا كبيرا، وقد يرجع سبب ذلك إلى أن هذه النظرية تفيد الأشخاص الذين يعملون مع المرضى المشرفين على الموت، بالإضافة إلى فائدتها لأسر وعائلات الأفراد المشرفين على الموت، ولم تقترح صاحبة هذه النظرية نظريتها لكي تغطي جميع أحداث عملية الموت، كما قد تنمو على مدى تاريخ حياة الإنسان، كما أنها لم تول الجوانب الجسمية والحسية للموت اهتماما كبيرا، ولكنها قد اهتمت -بصورة جوهرية- بوصف الطريقة التي يجب أن يتكيف بها الأفراد المشرفون على الموت، والجدير بالذكر فإن هذه النظرية قد تم تطبيقها على بعض من المواقف المتشابهة مع مواقف الموت، فالأفراد الذين يسلبهم الموت أحباءهم وأعزاءهم قد يمرون بمراحل التكيف التي وضعتها روس. وقد يحدث نفس الشيء بالنسبة للشخص الذي يعرف بأنه سوف يفقد عيناه، أو سمعه، أو زوجته، أو زوجها، أو سوف يحرم من حريته السياسية, وعموما فلقد أشارت كوبلر روس إلى عدد من المراحل يمر فيها المرء في تقبله لعملية الموت ويمكن إيجازها فيما يلي:
(1/686)

الإنكار Denial:
يتعامل الشخص في المرحلة الأولى إلى مرضه الخطير "أو الفقدان" بقوله: "لا إن هذا غير معقول"، وقد يبرر ذلك بأن الأطباء غير أكفاء في عملية التشخيص، وقد يرفض المريض -في الحالات المتطرفة- ما يوصف له من العلاجات ويصر على الذهاب إلى عمله اليومي كالمعتاد، ومعظم المرضى الذين يستخدمون ميكانزم الرفض في تقبل هذا الحدث في حياتهم يتمثلون في الأفراد الذين اعتادوا التعامل مع مواقف الحياة الصعبة بنفس هذه الطريقة "وحقيقة فإن عملية الرفض هذه قد تؤدي إلى خطورة الحالة لدى المريض، وبالتالي قد يواجه الواقع الأليم فيما بعد والذي قد يحمل مأساة بين طياته" ولكن مع تطور المرض، يصبح إنكار المرء لا جدوى منه، كما يصبح من الصعب تجاهل المرض، وبالتالي نجد ردود فعل واستجابات جديدة تفرض نفسها.
(1/686)

الغضب Anger:
إن صرخة الشخص المحتضر في هذه المرحلة تكون "ولم أنا؟ " والشخص الذي فقد شخصا عزيزا عليه يشعر بالغضب من كل الأشياء والأشخاض من حوله دون تفهم أو إدراك منه, ويشمله الاستياء والامتعاض من الأمور الصحية، وقد يغضب الشخص من الآخرين بسبب إدراكهم له كشخص في محنة أو مشرف على الموت، وفي هذه المرحلة فإنه يميل إلى الاغتراب والبعد عن الناس، لأنه لا يستطيع أن يعطي إجابة مقنعة لسبب الغضب الذي ينتابه.
(1/687)

المساومة Barganing:
يغير الفرد في هذه المرحلة من اتجاهاته ويحاول أن يساوم, قدره فقد يسأل الخالق على سبيل المثال بمهلة من الوقت لكي يعود مرة أخرى إلى الأنماط السلوكية القيمة الخيرة، وبالتالي يبدأ في تغيير أسلوب حياته، وقد نجده معلنا بأنه قد أصبح لا يخاف المرض ويبدأ في مساومة الطبيب في عملية التشخيص التي يجريها له، فعلى سبيل المثال، إذا استسلم بصورة مرضية لبعض التشخيصات التي تكون مكافئة فإنه لا ينقل إلى المرحلة التالية.
(1/687)

الاكتئاب Depression:
وأخيرا، عندما لا يستطيع المريض أن يستمر في إنكار مرضه، أو عندما يضطر إلى إجراء عمليات جراحية، أو أن يحجز في المستشفى، وعندما يبدأ أن تظهر عليه الأعراض أو أن يصبح أضعف وأوهن، حينئذ لا يمكنه التمادي في عملية الرفض, كما أن عملية اللامبالاة والغضب والثورة تتبدل على التو بإحساس بالفقدان الكبير، ويدخل الفرد أثناء هذه المرحلة في حالة اكتئاب عميق، فإنه يشعر بالاكتئاب بسبب ما يطرأ عليه من الفقد والخسارة، فعلى سبيل المثال فقدان الأنسجة وفقدان العمل وفقدان مدخرات حياته، كما أن المريض في هذه المرحلة يشعر بفقدان كل شيء وكل شخص يحبه، وبالتالي فمن المهم أن يسمح له في التعبير عن هذه المشاعر وهذا الأسى.
(1/687)

التقبل Acceptance:
يذعن الفرد في نهاية المطاف للموت، فلقد انتهى صراع الحياة، "ويخبر الشخص الراحة النهائية قبل قيامه برحلة طويلة أخرى"، وقبل هذه العملية يشعر المرء بالتعب والضعف، وغالبا ما تنتابه حالات النوم، وتمر خبرة الموت أحيانا على بعض الأفراد في أمان وسلام، وقد يطلب الفرد المشرف على الموت بعض الأشخاص الذين يود رؤيتهم قبل موته، وبالتالي يبدأ في فصل ذاته عن الأمور الدنيوية ويطلب السكينة والهدوء، ويبدو أن الفرد يبدأ في فصل ذاته عن هذا العالم المحيط به حتى يجعل عملية الموت سهلة في وقعها عليه.
وتجدر الإشارة هنا، أن جميع المرضى لا يمرون خلال تلك المراحل التي أشارت إليها روس، فقد يحدث أن تنتهى حياة المرء وهو في مرحلة الإنكار، وذلك لعدم قدرته النفسية في الانتقال إلى ما وراء هذه المرحلة، أو لسبب أن المرض كان ثقيلا، وبالتالي لم يمهله لكي يعيش إلى ما بعد هذه المرحلة، وتستطرد روس بقولها: إن المرضى لا يحددوا استجاباتهم لأي مرحلة من تلك المراحل، فالمريض المكتئب قد يعود ويظهر انفجارات وثورات الغضب، كما أن المرضى في كل المراحل يستمرون في الإحساس أو الشعور بالأمل، وحتى الأشخاص الذين يتسمون بالتقبل المرتفع والمرضى الأكثر واقعية، يواصلن التمسك ببعض الإمكانات والفرص العلاجية أي أن هذه المراحل قد تكون مجتمعة أو قد تسير وفق هذا الترتيب.
(1/688)

نمو مفهوم الموت:
لا يمكن للرضيع إدراك مفهوم الموت، كما أنه لا يستطيع تفهم أن الموضوعات تستمر في وجودها أثناء غيابها عنه، فعادة عندما يختفي الأشخاص أو الأشياء عن ناظريه فإنه لا يبحث عنها، وبحلول الشهر العاشر تقريبا, عندما يكون الطفل الارتباطات مع الآخرين حينئذ يمكنه أن يخبر الفقدان والانفصال, وكل من النوم والانفصال يرتبطان بالموت بالنسبة للرضيع، حيث يطمئن بأن كليهما شيء مؤقت, وفي بعض الحالات عندما يكون الانفصال ليس مؤقتا كما نرى في حالة موت الآباء، فقد يحتفظ الطفل الصغير بشعور القلق ويظهر ذلك في مرحلة لاحقة من حياته.
ويميل الطفل النامي إلى أن يحدد ويعرف الأشياء التي تتحرك أو تتغير أمامه بأنها أشياء حية، وفي هذه المرحلة من النمو، فإن الحياة
(1/688)

والموت تعتبر من الحالات المعكوسة بصورة مؤقتة، وينظر إلى موت الأشخاص باعتباره حالة مشابهة للنوم، كما يمكن أن تتساوى مع عملية الاختفاء، وعلى الرغم من أن الطفل الصغير لا يتفهم معنى ومدلول الموت إلا أننا قد نجده مهتما بالموضوعات المرتبطة بالموت، أو أن نرى استجابته إلى الحيوان الميت برهبة وجدية.
وفي سنوات ما قبل المدرسة تظهر موضوعات الموت في ألعاب الأطفال، وعادة ما تعكس اعتقادهم أن الموت عبارة عن عملية اختفاء أو خدعة معينة، وهو مؤقت وليس مستمرا, وتشير بعض الدراسات إلى أن طفل الرابعة أو الخامسة قد يكون على دراية بتهديد الموت، وقد يتخذ هذا الوعي شكل قلق الانفصال، والوحدة، والخوف من الهجر.
وفي حوالي سن السادسة قد ينظر إلى الموت بصورة معكوسة، أي أنه عكس الحياة، ولكنه ليس حتميا, ويصل الطفل في سن التاسعة أو العاشرة إلى مفهوم الراشد عن الموت، حيث ينظر إلى الحياة والموت باعتبارهما عملية داخلية تصيب الإنسان والحيوان والنبات, كما أن الأطفال الذين يخبرون فقدان أحد الآباء في طفولتهم الوسطى عادة ما نجدهم يتفهون دلالة ومعنى الفقدان والموت، والأطفال المرضى الذين يعانون من مرض شديد في طفولتهم الوسطى عادة ما يكونون أكثر تفهما وإدراكا بحالتهم.
وفي سن المراهقة، يصبح المراهق على دراية بالتغيرات الجسمية لديهم ولدى الآخرين، وينمو لديه دراية أو اهتمام بالموت، وعلى الرغم من أن تفهمه للموت يكون مساويا أو أقل من تفهم الراشد، إلا أنه يبدو بأنه يمثل حدثا بعيدا ومجردا بالنسبة له ويعتبر بمثابة حدث يحدث لكبار السن، وهو مرتبط بمفهوم القدر أو العنف.
وفي مرحلة الرشد المبكرة، لا يبدو تكوين أي توجه معين نحو الموت، ومع ذلك فإن الخطوتين الرئيسيتين والتي عادة ما تحدثان أثناء هذه المرحلة تتمثلان في الزواج والإنجاب، قد يساعدا في إظهار علاقة الشخص مع الموت.
ويبدو أن الاهتمام بالموت يصل إلى ذروته في مرحلة الرشد
(1/689)

الوسطى، حيث يصبح الفرد أكثر حساسية للتقدم في العمر الزمني، ولأعضاء جسمه، ومحدودية فترة حياته، كما نجد أن فقدان الأشخاص الأعزاء يعتبر بمثابة أزمات عادية في مرحلة الرشد الوسطى, ولا يقتصر ذلك على موت الآباء ولكنه قد ينسحب على موت الأصدقاء والزملاء, كما أن الأشخاص المرضى في مرحلة الرشد الوسطى يهتمون باضطراب مسئولياتهم وعلاقاتهم تجاه الآخرين، وهم في ذلك يختلفون عن الأشخاص المسنين بأن لديهم بعض الوقت لكي يتكيفوا مع مواجهة ومقابلة الموت.
ويصبح الموت لدى المسنين اهتماما واقعيا، فلقد أشارت عديد من الدراسات بأن الحالات المسنة كانت أقل انشغالا بمخاوف الموت إذا ما قورنوا بالمخاوف التي ظهرت على الحالات التي كانت في منتصف العمر، كما أن معظم توجهاتهم العامة نحو الموت كانت مقبولة ومتقبلة أو مذعن إليها، وبالتالي يدرك الموت على أنه عملية طبيعية، وغالبا ما نجد معظم المسنين يعانون من الفقدان المتكرر لأحبائهم وأصدقائهم.
وإحدى وجهات النظر الجديدة في الدراسات الحديثة تشير إلى أن الموت لا يعتبر لحظة متميزة التي ينتقل فيها الشخص من الحياة إلى الموت، فالموت قد يكون عملية بطيئة، ومع ذلك فحتى وقتنا الحاضر لا نجد نظرية شاملة مقنعة في هذا المجال، كما أن نظرية مراحل الموت التي أشارت إليها كوبلر روس لا تغطي عملية الموت ومفهومها كما يجب طوال مراحل الحياة، ومع ذلك فإنها تعتبر بمثابة محاولة لوصف الطريقة التي يتكيف بها الأفراد الذين يعرفون أنهم ملاقون الموت لهذه المعرفة حيث أشارت إلى ذلك مراحل الإنكار والغضب والمساومة، والاكتئاب، والتقبل لفكرة الموت، والتي أشرنا إليها بإيجاز في الصفحات السابقة.
(1/690)

المراجع:
إبراهيم قشقوش: سيكولوجية المراهقة، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1980.
إسماعيل القباني: اختبار استفانورد بنيه لقياس الذكاء، القاهرة مطبعة لجنة التأليف والترجمة.
صلاح مخيمر: تناول جديد للمراهقة، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية 1969.
صموئيل مغاريوس: أضواء على المراهق المصري، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية 1957.
عادل عز الدين الأشول: علم النفس الاجتماعي، مع الإشارة إلى مساهمات علماء الإسلام، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية 1979.
سيكولوجية الشخصية، القاهرة، مكتبة الأنجلو 1985.
عبد الرحمن بدوي: أرسطو، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1941.
عبد الحميد الهاشمي: علم النفس التكويني، مكتبة الخانجي، القاهرة 1966.
عبد السلام عبد الغفار: مقدمة في الصحة النفسية، القاهرة، دار النهضة العربية 1978.
عبد العزيز القوصي: أسس الصحة النفسية, القاهرة، مكتبة النهضة العربية، الطبعة الخامسة 1975.
عبد العلي الجسماني: سيكولوجية الطفولة والمراهقة، حقائقها الأساسية, الرياض، مطبوعات جامعة الرياض 1973.
(1/693)

لويس مليكة: مقياس وكسلر بلفيو، القاهرة، دار التأليف والنشر 1960.
محمد على حسن: علاقة الوالدين بالطفل وأثرها في جناح الأحداث القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية 1970.
ناريمان محمد رفاعي: فاعلية برنامج إرشادي لتعديل بعض السلوكيات الوالدية في تنشئة الأبناء، مجلة رابطة التربية الحديثة، العدد السادس والثلاثين 1994.
إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/694)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/695)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/696)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/697)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/698)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/699)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/700)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/701)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/702)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/703)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/704)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/705)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/706)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/707)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/708)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/709)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/710)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/711)

إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/712)