Advertisement

علم نفس النمو 003



الكتاب: علم نفس النمو
المؤلف: حسن مصطفى عبد المعطي، هدى محمد قناوي
الناشر: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: -
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] رابعًا: مرحلة الكلام
قبل أن يكون الطفل مستعدًا لأن ينطق كلمته الأولى عليه أن ينجز مرحلة طويلة من النمو والتعلم. وقد أشار بترفيليد Butterfield "1968" إلى قدرة الطفل على الانتباه للصوت بعد 24 ساعة من ولادته، ولكن غالبًا ما يمر عام كامل على ولادته قبل أن ينطق كلمته الأولى، وذلك لأن السيطرة على أجهزة النطق أصعب من إجراء التميزات السمعية، وقد لوحظ أن أصوات المناغاة التي يطلقها الطفل تشكل عينة من أصوات الكلام كافة.
وينتقل الطفل في هذه المرحلة اللغوية إلى مرحلة نطق الكلمة الأولى غير أنه من الصعب تحديد موعد نطقه هذه الكلمة الأولى والتي يكون لها معنى، إذ في بدء ظهور الكلمة الأولى في لغة الطفل باقترانها بمدلولها اقترانًا صحيحًا واضحًا يسهل لأي فرد أن يدركها. ومعظم الأطفال لا يستطيعون نطق الكلمة الأولى قبل عامهم الأول.
وتدل أبحاث سميث Smith أن المحصول اللفظي فيما بين السنة الأولى والثانية يبدأ بطيئًا ثم يزداد بنسبة كبيرة تخضع في جوهرها لعمر الطفل ومظاهر النمو الأخرى كالنمو الحركي والاجتماعي.
وأهم سمات كلمات الطفل خلال هذه المرحلة أنها تعبر عما يجري حوله، وبنمو قدرات الطفل وبنمو مفرداته يستطيع التحدث عن الماضي والمستقبل، كما أن الكلمات الأولى تكون قصيرة تتألف من مقطع أو مقطعين، وأن أول ما يتعلمه الطفل وينظمه في كلامه في هذه المرحلة ليس الأصوات المفردة أو الكلمات بل المقاطع.
وتتضمن الكلمات الأولى التي يتحدث بها الطفل أشياء مألوفة له في محيطه اليومي كالكوب، واللعبة، وأشخاص مألوفين كالأب والأم، ويغلب أن تكون هذه الكلمات أسماء.
وتشير الدراسات إلى أن الكلام قبل يتعلمه الطفل كوسيلة اتصال وتعبير يكون قد أحاط بجزء كبير منه كوسيلة لفهم الآخرين دون تعبير حيث لم تكن أجهزته الكلامية قد وصلت إلى مرحلة النضج. فالطفل قبل أن يتلفظ لفظة واحدة
(2/172)

يكون قد جمع ثروة لا يستهان بها من الألفاظ والعبارات ليفهمها ولكن لا يستطيع التلفظ بها.
ويتصف تلفظ الطفل حتى الشهر "18" من عمره بالمرونة بحيث أن شكل تلفظه بأجمعه يمكن أن يتغير بسرعة وفي وقت قصير لو وضع في وسط جديد. وهذا الأمر لا يحدث للراشدين بسهولة.
وتعقب الكلمة الأولى فترة تستغرق عدة أشهر تتميز بعدم القدرة على الاستمرار في إخراج الكلمات. ولعل من أسباب ذلك التوقف بداية فترة التسنين وبداية محاولة تعلم المشي وبعدها يفاجئ الطفل من حوله بتقدمه السريع في اكتساب الألفاظ.
ويعتمد كلام الطفل ونمو مفرداته على حاجة الطفل، فإذا توفر للطفل كل ما يريد دون السؤال عنه من قبل الوالدين فلا يكون هناك باعثا يجعل الطفل يبذل مجهودًا للكلام وبذلك يتأخر نموه اللغوي.
وتنقسم مرحلة الكلام ونمو المحصول اللفظي إلى فترتين:
أ- فترة اللغة القصيرة:
وهي اللغة التي يتحدث بها الطفل لنفسه ويقلد بها كلام الكبار ولا يكون هذا التقليد دقيقًا، فكلام الطفل في هذه الفترة يكون غير مفهوم، إلا ضمن نطاق بيئته المحدودة.
ب- فترة اللغة المشتركة:
وفي هذه الفترة يكون كلام الطفل أكثر وضوحا وانتظامًا، كما يكون أقرب إلى كلام الكبار، ويتوقف هذا على استعداد الطفل، ونوع البيئة، واهتمام الكبار بلغته، ويكون نمو الكلمات المنطوقة ضعيفًا في بداية المرحلة، ولكنه يتقدم بسرعة في نهاية السنة الثانية ثم تزداد مفرداته بعد ذلك زيادة سريعة مستمرة.
(2/173)

خامسًا: نمو مفردات الطفل
توضع أسس الكلام في سني المهد وتزداد مفردات الطفل بسرعة في مرحلة ما قبل المدرسة، ويرجع ذلك إلى التعلم المباشر من ناحية، وإلى فضول الطفل، وحب استطلاعه لمعرفة معاني الكلمات من ناحية أخرى، مما يقوده، لأن يسأل عن
معانيها، وبازديادها استخدام الطفل لها، وقد تباينت نتائج الدراسات بخصوص حجم مفردات الأطفال اللغوية تبعًا للعمر، وقد يرجع ذلك إلى الفروق الحضارية أو طبيعة اللغة أو إلى عوامل أخرى. ومن أجل إعطاء صورة واضحة عن حجم الذخيرة اللغوية للطفل فإننا سنحددها تبعًا للمراحل العمرية.
1- بين السنة الأولى والثانية:
يتحسن نطق الطفل وتزداد عدد مفرداته بعد النصف الثاني من السنة الثانية حيث يزداد متوسط عدد المفردات التي يستخدمها الطفل بازدياد العمر، وبازدياد ما يتعلمه الطفل في المجال اللفظي تزداد المصادر المتاحة لمواجهة مشاكل جديدة.
ويحقق الطفل في عمر "18-24" شهرًا قفزة في حجم الذخيرة اللغوية بوصفها مفتاحًا أوليًا، وبداية لاستخدامه جملًا قصيرة، كما أن هذه المرحلة هي بداية لانطلاق الطفل في الكلام الفعال Active Language، وأول من يتعلمه الطفل من المفردات الأسماء باعتبارها محسوسًا وبالأخص أسماء من يحيطون به من الأشخاص، ولذلك تدعى هذه المرحلة مرحلة التسمية Naming، ثم يستعمل بعد ذلك الضمائر عند أواخر السنة الثانية، ويأخذ في استعمال الأفعال في حدود السنة الثانية.
وتظهر في منتصف السنة الثانية الجمل ذات الكلمتين كأن الطفل لديه ميل للحديث المتصل وتقليد كلام من حوله، ويستعمل الطفل الجمل الاسمية أكثر من الجمل الفعلية.. أما ما يختص بالأنماط اللغوية فقد بينت أرون Aron "1964" في دراستها أن الأطفال في هذ المرحلة يمتلكون "27" نمطًا صوتيًا من مجموع "35" نمطًا يمتلكه الكبار، أي ما يقرب من 77% من أنماط كلام الكبار، كما يتساوى الذكور والإناث في عدد أنماط الأصوات خلال السنة الأولى، وبعدها تفوقت الإناث في السنة الثانية على الذكور وإن كان الفرق لا يشكل دلالة إحصائية:
ويمكن التعرف في نمو المفردات على صورتين متمايزتين:
أ- المفردات العامة:
تتكون من كلمات لها معنى عام يمكن استخدامها من العديد من المواقف المختلفة.
(2/174)

ب- المفردات الخاصة:
تظهر غالبًا في مرحلة الطفولة المبكرة، وتعتبر عمومًا زائدة أكثر من كونها أصلية.
وقامت دراسات عديدة لتباين عدد المفردات التي يعرفها الأطفال في هذه المرحلة وطبيعة هذ المفردات. وقد توصلت بحوث عديدة إلى أن متوسط عدد كلمات طفل السنة الأولى ثلاث كلمات، وفي عمر سنتين "272" كلمة.
ويوضح الجدول "6" متوسط حجم مفردات الأطفال في الأعمار المتتالية من ثمانية أشهر وحتى ست سنوات.
(2/175)

2 بين السنة الثانية والثالثة:
تزداد مفردات الطفل في هذه الفترة بشكل كبير ويكون للطفل القدرة على ربط الكلمات للتعبير عن فكرة معينة. وتشيع الجمل البسيطة في هذه المرحلة، وتحتوي الجمل على أربع كلمات تقريبًا، وينغمس الطفل في التجريب اللغوي، وهذا يؤدي إلى التركيب اللفظي.
وفي رأي "مكارثي" أن الكلام مفهوم المعنى يزداد في هذه المرحلة فيصل عند سن 24 شهرًا إلى "49%" من مجموع الكلام، ويزداد بشكل كبير خلال هذه المرحلة حتى يصل "93%" عند سن 30 شهرًا.
وفيما يختص بحجم المفردات في هذه المرحلة العمرية فإنها تتفاوت من مجتمع إلى آخر فقد أشار ليبنرك Libnerk إلى الطفل يكتسب خلال الفترة "من 24 إلى 27 شهرًا" من العمر بين "300 -400" كلمة.
3- مرحلة ما قبل المدرسة "مرحلة الروضة":
يظهر نمو الكلام في هذه المرحلة وقد أخذ بالاكتمال، ولكن ليس معنى هذا أن الطفل قد أصبح يتكلم كالبالغين، بل أن أقسام الكلام تكون لديه اكتملت ويستطيع النطق بشكل جيد. ويبدأ الطفل باستخدام الأساليب النحوية بشكل أفضل، وتنمو اللغة بسرعة كبيرة، وتزداد مفردات الطفل بشكل كبير في هذه المرحلة حتى تصل في حدود "72" شهرًا إلى "2589" كلمة. ويسيطر الطفل على التركيبات النحوية للألفاظ التي تتعلق بما يدور في بيئة الطفل وحاجاته. ويلاحظ نمو اللغة الشفهية Oral Language بشكل سريع ومدهش خلال فترة ما قبل المدرسة.
ويظهر خلال هذه المرحلة نمو سريع في جوانب لغوية عديدة "كطول الجملة، والتركيب اللغوي تبعًا للقواعد والنطق: "فقد وجد يونك Yonek أن معدل طول الجملة في عمر "30" شهرًا كان "3,2" كلمة، ازداد في سن "36- 54" شهرًا وأصبح "5،6" كلمة، وفي سن "54-66" شهرًا "6،3" كلمة.
والجدول "7" يبين تزايد عدد الكلمات في الجملة مستقاة من دراسة سميث Smith
(2/176)

وقد قامت هدى قناوي "1981" بدراسة لمعرفة بعض الجوانب المتصلة بالنمو اللغوي وأظهرت النتائج المؤشرات الآتية:
- ازدياد الثروة اللغوية بازدياد العمر.
- جاءت الضمائر المرتبة الأولى من حيث عدد تكرارها، تليها الأسماء الموصولة، ثم الأفعال.
- من الحروف السهلة التي بدأت بها أكثر كلمات الأطفال "حرف الألف"، يليه حرف "الميم"، ثم "العين"، ثم "الحاء والباء"، وكان حرف "الظاء" أصعب الحروف حيث لم يستعمله أي طفل من أطفال العينة في مرحلة ما قبل المدرسة، ويأتي بعد ذلك حرف "الذال".
(2/177)

النمو اللغوي لطفل المرحلة الابتدائية
نمو المحصول اللفظي
...
النمو اللغوي لطفل المرحلة الابتدائية:
في عمر المدرسة الابتدائية يكتمل نمو الطفل اللغوي بصورة كبيرة ويتضح ذلك في ثراء محصوله اللفظي ومفرداته اللغوية، وفي نمو التراكيب اللغوية، والقدرة على التعبير عن أفكاره بامتلاك مهارات الاتصال إلى جانب نمو ممارسات القراءة والكتابة.
ويمكن تلخيص مظاهر النمو اللغوي فيما يلي:
أ- نمو المحصول اللفظي:
عندما يلتحق الطفل بالمدرسة في سن السادسة يكون عدد المفردات التي يعرفها حوالي 2500 كلمة تقريبًا، وإذا كانت اللغة هي وسيلة الاتصال الأساسية بين الطفل والمجتمع الخارجي. لذلك يجب أن نأخذ بعين الاعتبار محصول الطفل اللغوي الذي يأتي به الطفل إلى المدرسة في سن السادسة، وهذا المحصول في منتهى الأهمية لأن الطفل قد أكتسبه في قمة النمو اللغوي في الفترة التي مرت به قبل ذلك، ومن الخطورة بمكان أن نزيل من حسابنا حينما نضع مناهج اللغة في المرحلة الأولى هذ المحصول اللغوي السابق: فلا بناء إلا على خبرة، والخبرة السابقة التي اكتسبها الطفل إنما اكتسبها الطفل ومارسها وثبتت لديه لأنها أدت وظيفتها بنجاح، ولذلك لا يصح أن نتغاضى تمامًا عن المحصول اللغوي الذي يتفاهم به الطفل في حياته اليومية، فالوظيفة الرئيسية للغة هي أنها أداة اتصال الطفل وبيئته اليومية.
وإذا كانت الوسيلة الأولى لزيادة محصول الطفل هي الممارسة، لذلك يجب أن تكون كتب القراءة في المدرسة الابتدائية مصورة، لأن هدف القراءة في المراحل الأولى أن ننمي لدى الطفل مجموعة من العادات والاتجاهات والميول المهمة إلى جانب تنمية محصوله اللفظي.
كما أنه لزيادة الحصيلة اللغوية لدى طفل المدرسة الابتدائية فإنه يجب أن تنتقل المقررات الدراسية من الموضوعات الدالة على أشياء حسية محددة، إلى ألفاظ ذات معاني أكثر تجريدًا تبعًا لخطوط النمو العقلي "التي سبق الحديث عنها"،
(2/178)

وكثيرًا مما يسأل طفل السادسة والسابعة عن فائدة شيء ما، أو طرق استعماله.. إلخ، ولذلك يجب أن تتوخى في مادة القراءة الإجابة عن التساؤلات لتسهيل إدراك المعاني، وزيادة مفاهيم الطفل.
(2/179)

ب- نمو التراكيب اللغوية:
ومن دلائل نمو طفل المدرسة الابتدائية قدرته على استخدام التراكيب اللغوية فمن الملاحظ أن الطفل عند دخوله المدرسة يكون قادرًا على استعمال جمل تتكون الواحدة منها من خمس أو ست كلمات وتنمو فيما بعد قدرة الطفل على استعمال الجمل المركبة، وتزداد الألفاظ ذات المعنى الأكثر تجريدا، ومن الملاحظ أن طفل التاسعة يكون قادرًا وبارعًا في التمييز بين المترادفات والكشف عن الأضداد والتمييز بين الأسماء الدالة على أعلام أو أشياء وبين الأفعال الدالة على زمن أو حركة، ويستطيع استعمال الأفعال في أزمانها الصحيحة.. وعلى الرغم من أن صيغ المبني للمجهول لا تستخدم عادة في لغة الكلام اليومية إلا أن طفل المدرسة الابتدائية يستطيع تركيب الجمل المبنية للمجهول واستخدامها ابتداء من سن التاسعة أو العاشرة.. يضاف إلى ذلك مهارة أطفال المدرسة الابتدائية على فهم الضمائر في الأعمار المختلفة وإن وجدت فروق فردية شاسعة بين أطفال المدرسة الابتدائية في فهم وتكوين التراكيب اللغوية المختلفة.
(2/179)

جـ- نمو مهارات الاتصال:
تستمر مهارات الاتصال اللغوي في النمو والتحسن لدى الطفل بدخوله المدرسة الابتدائية نظر لنمو علاقاته الاجتماعية مع الأقران والمعلمين. ومن الملاحظ أن النجاح النسبي للأطفال الصغار في الاتصال يعتمد إلى حد ما على طبيعة المهمة أو العمل، فعادة ما يكون أداؤهم مرضيًا كمتكلمين إذا اشتركوا في بعض المعلومات العمومية مع المستمع، ويستطيعون تحسين التواصل اللغوي إذا تلقوا تغذية رجعية بنجاحاتهم عند المستمع فالأطفال الصغار بحاجة إلى مفاتيح قرينية لفهم المستمع إليهم لحديثهم حتى يمكنهم إجراء الاتصال الناجح، إذا ما قورنوا بالأطفال الكبار.
(2/179)

ومن الملاحظ أن قدرات طفل المدرسة الابتدائية على الاتصال اللغوي والتعبير تصل إلى درجة جيدة في سن السابعة ... فالطفل يميل بشدة إلى أن يشارك في النشاط الشفوي والاتصالي مشاركة طيبة. ويستطيع أن يعبر عن نفسه بطلاقة دون خوف أو تلعثم، ويميل كذلك إلى أنواع التمثيل المختلفة، فالتمثيل وسيلة هامة من وسائل التعبير عند الطفل.
هذا: وتعتمد مهارات الاتصال والتعبير الشفوي عند طفل المدرسة الابتدائية بذخيرته اللغوية وقدرته على التركيب اللغوي فكلما كانت ذخيرة الطفل أكبر كانت الفرصة أحسن في إجراء الاتصال اللفظي مع المستمع.
(2/180)

د- مهارة القراءة:
تعتبر القراءة محور التقدم الدراسي بمعنى أن عجز التلميذ عن تعلم مهارة القراءة قد يؤدي إلى ضعف مستواه في جميع المواد الدراسية، ولذلك ينبغي على المربين أن يولوها اهتمامًا كبيرًا خاصة في السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية.
وتنمو القراءة في مراحل متدرجة.
- فهي تبدأ في سنوات ما قبل المدرسة بما يسميه علماء التربية الاستعداد القراءة أو التأهب للقراءة وتبدو في اهتمام الطفل بالصور والرسوم التي تنشرها مجلات الأطفال المصورة والقصص.. وفي البداية تبنى القراءة على أساس الخبرات الأولى التي واجهها الطفل، فإذا استجاب الطفل لصورة "قطة" بكلمة "مياو" فإنه يربط الصورة بخبراته السابقة عن القطط.
- ثم تنمو قراءة الطفل فيبدأ في ربط الكلمة المطبوعة بالنطق الرمزي للصورة.. ويتدرج من الإحساسات المباشرة للأشياء والأحداث إلى التجريد أو تعميم الكلمات كرموز فيقال مثلا عن "الثعلب والذئب والكلب" كلمة واحدة هي "كلب" نتيجة تعميم المدرك نظرًا للتشابه بين الحيوانات الثلاث.
- ثم تبدأ مرحلة القراءة الفعلية في المرحلة الابتدائية، يتعلم الطفل الجملة، ثم الكلمة، ثم يقوم بتحليل الكلمة إلى حرف ويحاول في السنوات الأولى إتقان المهارات التي تساعد على القراءة الجهرية والصامتة.
(2/180)

- وتدل الدراسات على أن الطفل في نهاية الصف الثاني الابتدائي يستطيع أن يقرأ 75 كلمة في الدقيقة قراءة جهريه، وفي الصف الثالث الابتدائي يستطيع أن يقرأ ضعف هذا العدد في نفس المدة الزمنية، أما فيما بين عمر 11-12 سنة فإن الطفل يمكنه أن يقرأ حوالي مائتي كلمة في الدقيقة.
أما من حيث القراءة الصامتة: فقد دلت الدراسات على أن الطفل في الفرقة الثانية من المرحلة الابتدائية يستطيع أن يقرأ حوالي مائة كلمة في الدقيقة قراءة صامته، ثم تأخذ هذه القدرة في الازدياد بحيث يمكنه في نهاية المرحلة الابتدائية أن يقرأ أكثر من مائتي كلمة.
وهناك عوامل متعددة تؤثر في نمو القراءة لدى طفل المدرسة الابتدائية نذكر منها ما يلي:-
1- العوامل الحسية والجسمية: كالسمع والبصر، والتآزر العضلي العصبي واضطرابات الغدد..
2- العوامل العقلية: ويقصد بها الذكاء والقدرات العقلية، فالأطفال عند دخولهم المدرسة يكونوا مختلفين في الاستعداد والقدرة على القراءة: الطفل المتفوق اللامع الذي يتكلم كثيرًا ويتلذذ بالاستماع إلى القصص والأناشيد غالبًا ما يتعلم القراءة بتعليمات بسيطة جدًا، والطفل الذي لديه استعداد عقلي متوسط أو ضعيف يحس برغبة ملحة للقراءة ولكنه يحتاج لوقت أطول كي يتعلم ... والطفل المتأخر عقليًا الذي تنقصه المقدرة على التمييز بين المترادفات والمتناقضات، ويتقدم ببطء في القراءة يصبح مشكلًا في القراءة.
3- العوامل الدافعية والانفعالية والشخصية: فلقد كان الضغط المستمر من جانب الأب أو المعلم عاملًا يوجد في الطفل المخاوف والقلق ويكون لديه اتجاهات سلبية نحو القراءة.. وفي نفس الوقت فإن المواجهة الواعية الشفوقة تفيد في إعطاء الثقة للطفل وتشجعه على النمو في القراءة.
4- العوامل البيئية والاجتماعية: وهي تتصل بتشجيع الأسرة، وغنى البيئة الأسرية كالمثيرات الدافعة للقراءة، والمدرسة وما يتعرض له الطفل فيها من مثيرات تربوية في الفصل وطرق تعليم القراءة.
(2/181)

5- عيوب الكلام: فقد أثبتت دراسات كثيرة على الأطفال ذوي العيوب في النطق "كالفأفأة والثأثأة" أن عيوب الكلام عامل في عدم القدرة على القراءة والضعف فيها، فقد كان هؤلاء الأطفال متخلفين في كل من القراءة الصامتة والقراءة الجهرية إذا ما قورنوا بالأطفال ذوي القدرة العادية في النطق، ومن ثم: ينصح ببذل عناية فائقة في تفهم الألفاظ ومخارجها في اللغة الشفهية قبل البدء بإعطاء تعليمات خاصة بالقراءة.
(2/182)

هـ- الكتابة:
على الرغم من نمو قدرات الطفل اللغوية عند دخوله المدرسة الابتدائية إلا أنه يتأخر في الكتابة نتيجة لعدم ضبط عضلات العينين وعضلات الأصابع، مع وجود فروق فردية بين التلاميذ في الكتابة.. ويجب البدء بالحروف المطبوعة الكبيرة في صورة كلمات أو جمل على السبورات العادية أو الوبرية مكونة ما يشبه القصص أو الموضوعات المدعمة بالصور خصوصًا إذا ما علمنا أن الأطفال في هذا السن يميلون للاستماع إلى القصص المصورة التي تدور حول الحيوانات والعرائس.
ومع بداية تعلم الكتابة فإن الطفل يظل يكتب على مهل، ويميل للتعبير الكلامي الشفوي أكثر من التعبير التحريري، وقدرته على الأعمال التحريرية تظل أقل من قدرته على الأداء الشفوي.
أما الفترة الأخيرة من المرحلة الابتدائية فتعتبر مرحلة السيطرة على الكتابة: فالطفل يكون قد اكتسب المحصول اللغوي الكافي ونمت قدرته الحركية إلى الحد الذي يساعده على السيطرة على القلم ويتعلم الكتابة بخط الرقعة بعد أن تمكن من خط النسخ، ويميل إلى الكتابة الجميلة، فهو يتذوق الجمال فيما يأتي به من أفعال، يمكنه أن يكتب موضوعًا إنشائيًا وصفيًا، ويحاول أن يوازن بين قدرته القرائية والكلامية من ناحية وقدرته التعبيرية التجريدية من ناحية أخرى.
(2/182)

رعاية النمو اللغوي
رعاية النمو اللغوي لطفل ما قبل المدرسة
...
رعاية النمو اللغوي:
إذا كانت عملية التواصل اللغوي تعتمد على مهارتين أساسيتين هما التلقي والإصدار "الاستقبال والإرسال" فإن على المربين التركيز على هاتين المهارتين لرعاية النمو اللغوي في مرحلتي ما قبل المدرسة وخلال سنوات المدرسة الابتدائية يتضح ذلك مما يلي:
رعاية النمو اللغوي لطفل ما قبل المدرسة:
يجب على المربين أن يأخذوا في اعتبارهم قضايا أساسية كتطبيق تربوي لمبادئ النمو اللغوي في هذه المرحلة، ومنها:
1- لما كان أهم شرط للنمو اللغوي عند الطفل هو شعوره بالأمن والطمأنينة: فعلى الوالدين تهيئة جو المنزل بحيث يدعم فيه هذا الشعور، وذلك بتجنب الشجار والمشاحنات على مرأى من أطفالهما، كما يجب ألا تتقلب معاملتها للطفل بين اللين والشدة، وعليهما ألا يسرفا في تدليل ووقاية أطفالهما فيحرمانهم من الاستقلال وممارسة الاعتماد على أنفسهم. وعليهما تجنب إهمال طفلهما بدعوى إنه لم يحقق آمالهما، فمهما كان السبب فمن العسير على الطفل أن يشعر بالطمأنينية وهو لا يشعر بالانتماء لأبويه وبحبهما وعطفهما عليه. فيجب أن يتمتع الطفل
(2/183)

بحب وعطف شامل غير مشروط، وأن يحوز الرضا والقبول لذاته كفرد من العائلة له قدرته وكفاءته فالحب شيء لا يساوم عليه فلا يشترط أن يكون ذكيًا متمتعًا بصحة جيدة حتى يحظى بحب الوالدين وإنما يجب عليهما أن يمنحاه الحب خالصًا دون مقابل.
2- ينبغي أن تكون طرق تعليم الطفل الكلام ملائمة لدرجة النضج العقلي التي وصل إليها ومتمشية مع استعداده الطبيعي وسنة ومزاجه ... والمعروف أن المحاولات الأولى تبدأ حين نلمح بوادر النطق التلقائي، ثم نتعهد هذه القدرة الناشئة بالاستثارة عن طريق ترديد الأم للمقاطع المألوفة للطفل، ثم تحاول تدريجيًا أن تعلمه كلمات تبدأ بنفس المقاطع التي تمرن عليها من قبل، ثم يتعلم تدريجيًا كلمات مؤلفة من مقطعين مختلفين، ثم من ثلاثة مقاطع، ثم جملًا بسيطة.. إلخ.
3- يجب على الأم أو المربية برياض الأطفال تدريب الأطفال على الاستماع وتنمية مهاراتهم في هذه المرحلة، إذا أنها تكاد تكون الوسيلة الوحيدة لنقل الأفكار إليهم قبل تعلم القراءة والكتابة، ويجب على مربية الروضة أن تتدرج بهم من الموضوعات والقصص القصيرة التربوية التي
(2/184)

تتناسب وقدراهم العقلية وتتفق وميولهم الشخصية حتى يقبل الأطفال على بذل الطاقة اللازمة للاستماع الجيد إلى الموضوعات الأخرى التي تنمي معلومات الطفل مثل الأحداث العامة، ومبادئ الأدب، والتاريخ، والجغرافيا معا.. وما إلى ذلك. ويلاحظ أن قدرة الأطفال على الاستماع تتركز على الأصوات واتساع الكلمات والشحنة الوجدانية أكثر من المعاني التي تحتوي عليها.
4- ينبغي عدم المغالاة في قص الحكايات الخيالية حتى لا يتعذر على الطفل إيجاد توازن بين عالم الخيال وعالم الواقع، والأسلوب الصالح المألوف هو الذي لا يستبعد القصة الخيالية تمامًا ولكنه يدخل على القصص التي يقرأها الأطفال أو يستمعون إليها حكايات عن الحيوان والأطفال تصور مواقف إيجابية يشوبها التفاؤل تجاه الغير ونحو الحياة.. ومن الممكن في مرحلة الروضة أن يفيد الأطفال من القصص الحقيقية أو الواقعية التي تتناول حوادث الحياة اليومية مما يصلح لاستخلاص دروس تربوية، كما ينبغي استبعاد القصص المخيفة التي تستثير قلق الأطفال.
5- وما ينبغي ملاحظته دائمًا: أن تقدم الأم ومربية الروضة نماذج جيدة من الألفاظ ومخارجها، لأن هذا هو الأساس الذي سيبني عليه الطفل رصيده اللغوي عند التعبير الشفوي والتحريري.
6- إذا التحق الطفل بإحدى رياض الأطفال التي تعني بتعليم اللغات الأجنبية -وقد أصبح هذا الأمر شائعًا- فمن الأفضل عدم تعليم اللغة الأجنبية إلا بعد أن تتأكد الروضة من رسوخ تراكب اللغة القومية، أو الاقتصار على تعليم اللغة الأجنبية شفاهة حتى لا يعوق النمو اللغوي لإحداهما نمو الآخرى.
(2/185)

التطبيقات التربوية لرعاية النمو اللغوي لطفل المدرسة الابتدائية:
يجب على الوالدين والمربين رعاية النمو اللغوي لطفل المدرسة الابتدائية على النحو التالي:
1- اكتشاف اهتمامات التلميذ وتشجيعه على قراءة الكتاب التي تتناسب مع جنسه وعمره وميوله ومستواه التحصيلي بما فيها من نماذج لغوية منتقاة تساعد على الترقي اللغوي عند الطفل وتوسع مجاله الإدراكي.
2- تشجيع التلاميذ على التعبير التحريري: فيكلف كل طفل بتسجيل ملاحظاته في الخارج، وكتابة الأحداث الهامة وتعليقه عليها، وتلخيص القصص التي يعجب بها، وكتابة تقارير عن مشاهدته في الرحلات التي يشترك فيها.
3- تشجيع الأطفال على القراءة الجهرية مع ملاحظة الفروق الفردية، وتجنب الإسراف في تصحيح أخطاء الطفل حتى لا يثبط ذلك في همته ويشعره بالقصور والعجز، وقد يكون لذلك أثر سيئ إذا اتجه الوالد أو المعلم نحو قراءة الطفل بالسخرية، والصد فيجعل منه طفلًا هيابًا خجولًا يعاني شعورًا بالنقص، ميالًا للعزلة منصرفًا عن الدرس والتحصيل، أما المعلم الناجح فهو الذي يجمع أخطاء الأطفال الشائعة ويناقشها معهم في جو من الألفة والتعارف حتى يعملوا على تلافيها مستقبلا.
4- الحد من قراءة الكتب والقصص التي تؤدي إلى إثارة الرعب والفزع في الأطفال والتي تثير القلق والأحلام المزعجة لديهم، وكذلك كتب الخرافات والمغامرات الخارقة التي لا تعود على الأطفال بالنفع.
(2/186)

الفصل الخامس: النمو الانفعالي
مدخل
...
الفصل الخامس: النمو الانفعالي
مقدمة:
يتمثل الانفعال emotion في كل ما ينتاب الفرد من حالات وجدانية كالحب أو الكره أو الحزن أو الغضب أو الغيرة أو القلق أو النفور، كما يتصف الانفعال بحدوث استجابة فيزيولوجية على درجة من الشدة تتضح في الارتفاع المفاجئ لضربات القلب، انقباض عضلات المعدة، ازدياد في ضغط الدم، ازدياد التوتر العضلي. ومن ثم يمكن القول بأن الانفعال هو "حالة تغير مفاجئ تشمل الفرد كله دون أن يختص بها جزء معين من جسمه، أني أنه حالة وجدانية شعورية يشعر بها الفرد ويمكنه وصفها".
ولهذا يمثل النمو الانفعالي أحد الجوانب الهامة في عملية النمو الإنساني، حيث تؤثر الانفعالات على الإنسان خلال تفاعله مع بيئته في المواقف المختلفة.. فالخبرات الانفعالية التي يمر بها الإنسان وبصفة خاصة في المراحل التكوينية الأولى، لها تأثيراتها اللاحقة في حياته وعلى صحته النفسية، كما يعتبر الاضطراب النفسي أو العقلي في الغالب اضطرابًا انفعاليًا. "عبد الحمدي الهاشمي: 1976، 339-340".
من ثم تلعب الانفعالات دورًا هاما في حياة الفرد وتؤثر على تطور ونمو الشخصية كما تؤثر على توافقه الشخصي والاجتماعي، ولكن كيف تنمو هذه الانفعالات؟ وكيف تؤثر على توافق الفرد الشخصي والاجتماعي؟
وللإجابة عن ذلك تواجهنا بعض الصعوبات في مرحلة الطفولة المبكرة، لأن الطفل الصغير من الصعب دراسة انفعالاته عن طريق ملاحظة تعبيرات وجهه وسلوكه حيث يتعلم من صغره التحكم في تعبيرات الخوف أو الغضب أو الغيرة ليرضينا نحن الكبار، كما أن دراسة الانفعالات من خلال الاستبطان الذاتي lntrospection من الصعب أن يستخدمها الطفل.
ونظرًا لتلك الصعوبات فقد تركز الاهتمام العلمي بالانفعالات حول أثر هذه الانفعالات على توافق الفرد الشخصي والاجتماعي.
ولقد أشارت هيرلوك Hurlock "1978" إلى كيفية تأثير الانفعالات على التوافق الشخصي والاجتماعي من خلال الجوانب التالية:
(2/189)

1- في الحالات الانفعالية السارة كالفرح والسعادة، فإن الانفعالات تضيف ارتياحًا للخبرات اليومية، أما في الحالات الانفعالية المؤلمة، فإن الطفل يشعر بالارتياح بعد تخلصه من هذه الانفعالات.
2- كما أن الانفعالات تعمل على تهيئة الجسم للعمل.
3- إن تهيئة الجسم للعمل أثناء الانفعال تؤدي إلى زيادة في الطاقة أو القوة والتحمل، إلا أنها تعطل الحركات الدقيقة لدى الفرد، ومن ثم تعطل الانفعالات، المهارات الحركية.
4- من خلال ما يصاحب الانفعالات من تغيرات وجهية وجسمية يتمكن الطفل من تحديد شعور الآخرين، وبذلك تعمل الانفعالات كوسيلة من وسائل الاتصال.
5- تعتبر الانفعالات مصدرًا من مصادر التقييم الشخصي والاجتماعي.
6- تتداخل الانفعالات مع الفعاليات العقلية حيث أنه إذا ارتفع أحدهما انخفض الآخر حيث يتأثر التركيز والاستدعاء والفعاليات العقلية بدرجة كبيرة بالانفعالات القوية.
7- جميع الانفعالات بنوعيها تؤثر في التفاعل الاجتماعي، حيث تشجع الانفعالات السارة على التفاعل الاجتماعي، في حين أن الانفعالات المؤلمة تعطل التفاعل الاجتماعي.
8- تؤثر الانفعالات على المناخ النفسي حيث تؤدي إلى زيادة توتر الجو الانفعالي.
9- تترك الانفعالات السارة آثارها على ملامح الوجه وتترك أثرًا طيبًا مما يجعل الأطفال محبوبين، وفي المقابل فإن الانفعالات غير السارة تجعلهم أقل جاذبية وقبولًا من قبل الآخرين.
10- قد تتطور الاستجابات الانفعالية عندما تتكرر لتصبح عادات. فإذا وجد الطفل أن أسلوبًا معينًا كالمزاج الحاد واستخدام البكاء أسلوبًا يمكنه من الحصول على ما يريده، فإنه سيستمر في ممارسة هذا الأسلوب مما يصعب عليه
(2/190)

التخلص منه بعد ذلك حتى وأن اكتشف أن هذه العادات غير مقبولة اجتماعيا. "عبد الحميد الهاشمي: 1976، ص341، 342".
وسوف نركز فيما يلي على آليات النمو الانفعالي العادي "السوي" والأنماط النمائية لمختلف الانفعالات وأنماط السلوك الانفعالية.. وعلى الرغم من التأكيد بأن النمو الانفعالي وعلم نفس الانفعالات قد ولدا اهتمامًا كبيرًا على مر السنين فإن الفهم للانفعالات ما زال بدائيًا نسبيًا، أو على الأقل فإن الاتفاق يعد قليل نسبيًا حول الكيفية التي يستطيع بها علماء النفس إدراك الانفعالات ونموها، وتتجلى عدم كفاية المعرفة والخلافات القائمة في هذا المجال من خلال العديد من البحوث التي قدمت في ندوة عقدت عام 1970م، فلقد اتفق عشرون من علماء النفس على إطار واحد عريض لما يمكن أن يضمه من تصور ملائم للانفعالات، ولكي يمكن الإلمام بالمشاكل يجب علينا أن نتفحص تاريخ دراسة الانفعالات وخاصة التطورات الأساسية التي حالت دون التقدم في البحوث.
في البداية تبرز مشكلة ما إذا كانت الانفعالات فطرية أم متعلمة، وبمعنى آخر ما هو دور كل من البيئة والوراثة في تكوين ونمو الانفعالات؟
وهذه المسألة تظهر تقريبًا في كل ناحية من نواحي علم نفس النمو وترتبط بمسألة الفطرية. فهناك وجهة النظر القائلة: "بأن الانفعال يمكن اعتباره فقط مجموعة من الاستجابات الفسيولوجية المحددة المحددة إلى حد ما ". فانفعال الخوف مثلًا افترض فيه أنه يمكن قياسه فقط بتقدير النشاط في الجهاز العصبي الذاتي، وكذلك الغضب وهو انفعال آخر افترض فيه أنه يمكن تقديره فقط بقياس ردود الأفعال الذاتية، كما افترض أنه من الممكن التمييز بين الخوف والغضب بالاستجابات الفسيولوجية المختلفة.. والغيرة هي استجابة انفعالية تحدث اضطرابًا في وضع فسيولوجي بحت بسبب أن ردود الأفعال الفسيولوجية التي تتضمنها ليست محددة.
ويزداد عدد الراشدين الذين اختبروا الغيرة كانفعال، ويقررون عن تجربة ذاتية أنهم شعروا إما بالخوف أو الغضب، ولكن حيث أن الوضع الفسيولوجي لا يعترف بالمشاعر كدليل علمي فإن لم يكن بالإمكان قبول الغيرة كانفعال. وبالمثل
(2/191)

كان من المستحيل سيكولوجيًا التمييز بين انفعالات مثل الحب والفرح والابتهاج، وهي المعروفة بالانفعالات الإيجابية المتكاملة، والبديل المنطقي وهو بديل عرض بشكل جدي وهو أن نقصر مجال الانفعالية الإنسانية على ردود الفعل القليلة المحددة فسيولوجيا. وفي النهاية نبذ كثير من علماء النفس هذا الرأي لأنه كان يتعارض بشدة مع الخبرات والملاحظات اليومية.
وثمة نظرية أخرى للانفعال ركزت على تكامل الإجراءات الفسيولوجية مع التعلم. واتخذ هذا الرأي "الارتباط الشرطي" كتفسير أساسي، ولكن فكرة الارتباط الشرطي "التعلم مثير/ استجابة" هي الأخرى لم تستطع تفسير كل الانفعالات ولا المناسبات العديدة التي أظهر فيها الأطفال استجابة انفعالية ملحوظة. رغم عدم إمكان حدوث ارتباط شرطي.. مثل ذلك أنه ليس من المألوف بالنسبة للأطفال فيما بين الرابعة والسابعة. أن يظهروا الخوف من مخلوقات خيالية عديدة مثل: التنين. والمشكلة هي أن الأطفال يتكون لديهم هذا الخوف دون أي ارتباط شرطي منفر. وثمة تفسير بديل لذلك: هو أنه نتيجة لتزايد النمو المعروف فإن الطفل يكتسب فهمًا غير كامل للتنين، فالأطفال يتعلمون أن التنين خطر دون أن يكتشفوا أن التنين لا وجود له، فإذا كان تصورهم للتنين منفرًا، نستطيع أن نستخدم الارتباط الشرطي لتفسير استجابة منفرة ولكن إدراج مكون معرفي في النموذج يعني أننا لم نعد نتعامل مع "مثير/ استجابة" ارتباطية بسيطة. والموقف الآن يتضمن آلية وسيطة أو إجراءًا معرفيا.
إن إدماج المعرفة في تصورنا العام للانفعالات كان يمثل اقتحامًا رئيسيًا. إذ أن نماذج الانفعال لم تعد قاصرة على ردود الأفعال الفسيولوجية أو تعلم المثير/ الاستجابة ولكن أمكننا مزج الإجراءات الفسيولوجية بالنمو كما أن السياق "الإثارة الخارجية" أصبح يعرف بأنه حاسم بالنسبة لتمييز انفعالات محددة. وعلى ذلك وكما اقترح لوبر "Leeper" "1070" يمكن فهم الانفعال على أن يتضمن تفاعلًا بين المعرفة والإدراك والوجدان "حالة فسيولوجية" وهذا التوسع في المفهوم يترك لعلم النفس الحرية في تناول ثراء المشاعر والانفعالات الإنسانية.
(2/192)

وجهات نظر في تفسير النمو الانفعالي
مدخل
...
وجهات نظر في تفسير النمو الانفعالي:
لقد ذكر دارون بأن الانفعال خاصية أولية عند الوليد، إلا أنه بعد ذلك افترض واطسون ومورجان Watson Morgan 917 ثلاث انفعالات أساسية عند الولادة هي: الخوف والغضب والحب، أما باقي الانفعالات فهي متعلمة عن طريق الارتباط بمنبهات جديدة.
وبالإضافة إلى ذلك فقد أشار "واطسون ومورجان" إلى الارتباط بين الانفعالات والمنبهات غير المتعلمة، كما هو الحال في الخوف عندما يثيره الصوت العالي المفاجئ، أما الغضب فيثيره إعاقة حركات الطفل، كما أن الحب، فإنه يظهر كاستجابة للملاحظة والتدليل.
ولذلك فإنه على الرغم من أن نظرية وطسون ومورجان سادت فترة طويلة، إلا أنها تعتبر الآن من المعالم التاريخية في تفسير الانفعال.
ولقد اهتمت الباحثة كاترين بريدجز Bridges "1932" بتعديل وجهة نظر "واسطون ومورجان" حيث قامت بالملاحظات اليومية الدقيقة على التعبيرات الانفعالية لمدة أربعة شهور على "62" طفلًا تراوحت أعمارهم بين أسبوعين وسنتين. وقد أكدت النتائج أن الطفل يولد بانفعال أساسي هو عبارة عن استثارة عامة، وعن طريق النضج تتمايز الاستثارة العامة في عمر ثلاثة أشهر فتصبح سرورًا أو ضيقًا، وفي عمر ستة شهور تتمايز إلى تعبيرات انفعالية أكثر تخصصًا وهكذا ... ولا زالت وجهة النظر هذه تحظى بالقبول. "عبد الحميد الهاشمي: 1976، 343-343".
مفهوم الانفعال:
إن الشعور بالحاجة هو الذي ينبه الباعث المحرك للنشاط والفاعلية في سبيل تحقيق الهدف المشبع للدوافع والمحقق لتخفيف التوتر الناشئ عن حالة الشعور هذه، فالتنبيه إذن يجعل الكائن ينفعل بالموقف، أي يخلق فيه حالة من الإثارة State of agitation واختلال في التوازن، ورد فعل شديد للتنبيه، وقد يكون رد الفعل هذا انفعال الغضب أو الخوف أو الحزن أو السرور ... إلخ". "كمال دسوقي:
(2/193)

1972، 207" مما يظهر للآخرين في شكل تغيرات ملحوظة في السلوك كالصراخ أو البكاء أو الضحك أو الصياح أو الهرب أو الشجار.
وفيما يلي يمكن عرض لأهم مفاهيم الانفعال على النحو التالي:
(2/194)

أولًا: المفاهيم البيولوجية
طبقًا لأقدم الآراء تتكون الانفعالات من ردود الأفعال الفسيولوجية ذات الطابع الغريزي. ولذلك فهي تتكيف تطوريًا، وكانت المعالجة المثالية في دراسة الانفعال هي تقييم رد الفعل الفسيولوجي ويكون ذلك عادة بقياس الجهاز العصبي السمبثاوي والبارسمبثاوي "الخاص" وبملاحظة السلوك.
وقد وضع تمييز دقيق بين السلوك الإنساني الانفعالي والعقلي. كان الجزء الانفعالي يفهم على أنه سلوك أكثر بدائية تحكمه الآليات العصبية من المستوى الأدنى. والدلائل الحديثة التي أوردها برادي Brady "1970" تفترض أن التكوينات العصبية الهامة التي تنشط في الانفعال هي التكوين الشبكي، ومركز تنشيط الفص الأمامي للغدة النخامية، والجهاز الطرفي. وقد أضفى برادي Brady ضوءًا على المكونات العصبية والهرمونية "الغدية" للانفعالات موضحًا أن إثارة الانفعال تتوقف عند مستوى معادل لدرجة الحفاظ على التدخل الفسيولوجي.
كما تركز المعالجة البيولوجية في دراسة الانفعالات على أنماط السلوك الانفعالية، ومن ثم ساعدت على توجيه علم النفس بعيدًا عن الوصف الذاتي، لأن هذه الطريقة تعتمد على تقارير الوصف الذاتي لحالة الذات، وهي تجعل تكرار التجارب أمرًا صعبًا. ومع أنه يمكن تمييز الحالات الفسيولوجية التي تمت انفعالات محددة إلا أن هذا العمل لم يحقق سوى نجاحًا محدودًا وربما يصعب مواجهة كل الانفعالات الإنسانية.. ويلخص آرنولد Arnold "1970 ص184" هذا الرأي قائلا: من الممكن تفسير التغيرات الفسيولوجية في مختلف الانفعالات، بل يمكن أيضًا تفسير الدوائر العصبية التي تحركها، ولكن فقط على أساس التحليل الظاهري للأنشطة النفسية في الإدراك الحسي للانفعالات، وبالفعل يمكن وضع نظرية لوظيفة المخ التي تهيئ علاقة عصبية للخبرة النفسية، وبدون هذه النظرية
(2/194)

فإن حصيلة المعطيات التفصيلية الناتجة عن البحث المكثف الذي أجري خلال بضع عشرات من السنين الماضية مقضي عليها بأن تظل ركائز معزولة وغير مترابطة بدلا من أن تصبح المصادر الرئيسية الغريزية للمعرفة في المستقبل.
وعلى ذلك وطبقًا لرأي آرنولد Aronold فإن الإثارة "التنبيه" النفسية لا تستنفذ مفهوم الانفعال بل إن الانفعال والسلوك الذي يؤدي إليه يتوقف على الكيفية التي بها يقدر الفرد الموقف القريني والمرتبط بالإثارة الانفعالية.
وقد لاحظ باص Buss "1961" شاكتر Schacter "1970" مشكلة أخرى مع عدة آراء بيولوجية خاصة بالانفعال. ففي تحليل سلوك العدوانية جادل باص Buss بإقناع أن العدوانية لا تنتج دائمًا عن الغضب. إن غضب الشخص قد يؤدي أحيانًا إلى العدوانية ولكن يستتبع أن تكون العدوانية دائمًا نتيجة للغضب فهو يفرق هنا بين استجابة لا إرادية "الغضب" واستجابة فعالة "العدوانية". وطبقًا لهذا الرأي لا يمكن دائمًا تحديد أن السلوك العدواني يتضمن استجابة انفعالية أم لا؟. وهكذا فإن السلوك ليس دائمًا مؤشرًا مناسبًا للحالة الانفعالية للشخص. هذا وقد أوضحت مجموعة من التجارب التي أجراها شاكتر Schacter أن السلوك الانفعالي لا يمكن تفسيره تمامًا بالإثارة وحدها "والواقع أن شاكتر Schactar يقرر:
"أن الحالة الانفعالية تتضمن جزءًا معرفيًا يضفي معنى على الحالة الفسيولوجية. وفي واحدة من هذه التجارب التي أجراها شاكتر وسنجر Schacter & Singer "1962"، كانت عينة التجربة طلبة بإحدى الكليات وقد أخبروا بأنهم سوف يحقنوا إذا وافقوا بعقار "Supropion وهو مركب فيتاميني يؤثر على النظر، والواقع أن هؤلاء الطلبة قد تعاطوا عقارًا وهميًا أو أدرنالين Epenepheine، وهو يؤدي إلى ظهور أعراض عديدة ترتبط بالإثارة الانفعالية، وقد أعطى المجموعة الطلبة الذين تعاطوا الأدرنالين مجموعة التعليمات الآتية: أن العقار "Superapin" يسبب آثارًا جانبية أوضحت للطلبة، وهذه الآثار تبقى لمدة من 15-20 دقيقة. أما الثانية: فقد أعطوا تعليمات بأن العقار Superapin لن تكون له أثارًا جانبية إطلاقًا، وهكذا فإن المجموعة الأولى من الطلبة كانت تتوقع إثارة "التنبيه"، والمجموعة الثانية لم تكن تتوقع ذلك. وكانت المعالجة الأخيرة هي وضع
(2/195)

الطلبة في المجموعتين "مجوعة بعد الأخرى" في حجرة مع عملاء "معاونين". للقائمين بالتجربة "كبش فداء" وفي إحدى الحالتين أبدى الطلبة سلوكًا فرحًا، وفي الثانية ثار الطلبة في حالة غضب "Rage" جامح. وقد كان الهدف في هذه الحالات هو إيجاد وسط يمكن للطلبة أن يستلخصوا منه معارف تفسيرية "يهيئ المثيرات القرينية" لتفسير الإثارة النفسية. هذا ولم يكن "المعاون" في أي الحالتين ذا تأثير على الطلبة الذين تلقوا معلومات. أم المجموعة الثانية من الطلبة الذين لم يتلقوا معلومات فقد أبدوا سلوكًا مشابهًا نحو "المعاون"، وذكروا أنهم شعروا إما بالبهجة أو الغضب. أما طلبة المجموعة الضابطة" مع العقار الوهمي فكان سلوكهم مشابهًا لسلوك طلبة المجموعة التي تلقت معلومات. وقد قدم شاكتر "Shakter" "1970" الملاحظات التالية:
"في مناسبات موضوعية أخرى افترضت أن هذا الظرف بالذات يؤدي إلى إثارة احتياجات تقيمية، أي أن الضغوط سوف تعمل على شخص كهذا لكي يفهم ويقيم إحساساته الجسمية، إن حالته الجسمية تشبه تقريبًا الظرف الذي كانت فيه في أوقات الإثارة الانفعالية، أما كيف يسمي أحاسيسه الجسمية "أحساساته" بمعايير الموقف الذي يجد نفسه فيه. فإذا كان في ذلك الوقت يشاهد فيلمًا من أفلام الرعب فمن المحتمل أن يقرر أنه شعر بالخوف الشديد، وأما إذا كان بصحبة امرأة جميلة فإنه قد يقرر أنه وقع في غرام شديد أو أنه قد استثير جنسيًا. وإذا كان في حالة نقاش فإنه قد ينفجر هائجًا حانقًا، وأما إذا كان الموقف غير مناسب على الإطلاق فقد يقرر أنه شعر بإثارة أو بالضيق لشيء حدث مؤخرا". وعلى أية حال فإن الافتراض الأساسي بأن التسميات التي يضفيها الشخص على حالته الجسمية وكيف يصف إحساساته هي عامل مشترك مع تلك العوامل المعرفية وحالة من الإثارة النفسية.
وهذا المفهوم للانفعال يشبه موقف كانون Cannon "1929" فقد ناقش الإثارة الانفعالية على أنها تحدث فسيولوجيا ولكن تحديد الانفعال لا يكمن في رد الفعل الفسيولوجي ولكن في تصور الشخص لمعنى الإثارة أو القرينة العامة التي حدثت فيها الإثارة.
(2/196)

ثانيًا: المفاهيم الثقافية
تهيئ معطيات شاكرت Schater نقطة البداية لتفحص دور الثقافة في تمييز الانفعال فإذا ذكرنا نتائج دراسة شاكتر Schacter بشكل مختلف قليلًا نستطيع أن نستنتج أن الطلبة في التجربة قد أدركوا آثار العقاقير المنبهة نتيجة لتعريفات ثقافية للمثيرات الانفعالية. ويتفق لازاروس وأفريل، وأويتام Lazarus Avrill & Optam "1970" على أن القيم الثقافية، وكذلك التوقعات ذات أهمية في تمييز الانفعالات، وأن بعض المثيرات تزيد من حساسية بعض الانفعالات عن الأخرى. غير أنهم يدللون على أن التوقعات الثقافية التي تكونت من خلال المشاركة قد تكتسب قيمة قائمة بذاتها كمثير مولد للانفعالات وهي تستخدم ضمن أمثلة كثيرة الطقوس الخاصة بالحزن إزاء شخص فقد قريبًا، أو صديق يحتمل أن يمر بمراسيم الحزن يبدو أنها قد صممت عن قصد لتولد تعبيرًا انفعاليًا شديدًا. وقد أوضح لازاروس Lazarus أن التفرقة بين التوقعات الاجتماعية والانفعال الأصيل تكمن في خط فاصل بالغ الدقة. وفي المثال الخاص بالحزن على وفاة صديق أو قريب فيحتمل أن يصبح هذا الخط مشوشًا.. وثمة مثال آخر أكثر أصالة هو التنبيه إلى أن الأطفال يجب أن يحبوا بعض الأشخاص مثل الوالدين والجدين. إن انفعال الحب بين طفل وراشد يتخذ بعض الأشكال الثقافية المحددة مثل الضم والتقبيل، وهنا نستطيع أن نثير التساؤل عما إذا كان الأطفال يبدون مثل هذه الأنماط السلوكية كتعبير أصيل للحب أم لأن التوقعات الثقافية "الحضارية" تملي عليهم هذا السلوك؟. وثمة مثل آخر هو كيف يعبر الذكور عن الحب لذكور آخرين إذا واتتهم الشجاعة لذلك؟. وفي المجتمعات الأوروبية من المألوف أن يتبادل الأب والابن القبلات مهما كان سن الابن، ومثل ذلك في المجتمعات العربية حين يسلم رجلان على بعضهما أو اثنتان من الإناث يتبادلان القبلات على الوجنتين، ولكن هذا السلوك نادر في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يميل للارتباط بمعنى انفعالي يعبر عن سوء الحظ يتسم بالسلبية. ويجب أن يكون واضحًا أن التوقعات الثقافية تلعب دورًا وسيطًا وحاسمًا على شكل انفعالي، وفضلًا عن ذلك تحديد المثيرات التي تولد الانفعال. وعلى ذلك فإننا نرى هنا تفاعلًا بين الآليات البيولوجية والمتطلبات الثقافية وتدخل هذين الطرفين يواجه بإجراءات سلبية.
(2/197)

ثالثًا: الإجراءات المعرفية
من بين المفاهيم الثلاثة للانفعال أبدى علماء النفس اهتمامًا أكبر بالنظرية المعرفية. وفي إطار هذه النظرية فإن إجراءات الفرد المعرفية تهيئ مثيرات ذات معنى، وبعض المثيرات تكتسب معنى من خلال الارتباط الشرطي. إن الطفل الذي يلمس موقدًا ساخنًا يصبح أقل احتمالًا أن يكرر هذا السلوك، غير أن الإجراءات المعرفية تشمل أكثر من تعلم ارتباطي، وهي تكون نظامًا لتمثيل الأشياء والأحداث في البيئة وهذه الأنظمة مع النمو تنعكس على بعض أنماط السلوك مثل: "حل المسائل، تكوين المفاهيم، الذاكرة" والتي يتزايد تشابهها بخواص المعرفة الراشدة.
إن النمو الانفعالي لدى الأطفال ينعكس على قدراتهم المعرفية المتغيرة أي أن الأطفال يبدون سلوكًا انفعاليًا بدائيًا، ولكن مع نموهم وتزايد نضجهم تزداد مهاراتهم في ضبط انفعالاهم ويظهرون الاستجابات الانفعالية الناضجة، كما أنهم يستجيبون بشكل مخالف لمختلف المثيرات تبعًا لسنهم إذ أن الأطفال دون الثانية لا يخافون مع الثعابين أو الحشرات أو الكلاب والحيوانات الأخرى ولكنهم يخافون بعد ذلك حتى بدون اتصال مباشر، وتفسيرات هذه الأحداث، لا تحتاج تعلمًا بالمشاركة ولكن فهمًا لمعارف الأطفال المتغيرة.
إن المعرفة تترجم تفاعل الشخص وبيئته في نظم فعل محددة وتغيرات للمثيرات.
(2/198)

تطور الاستجابات الانفعالية
المرحلة الجنينية والمهد
...
تطور الاستجابات الانفعالية:
يتصف النمو الانفعالي في مراحله المختلفة شأنه شأن جوانب النمو الأخرى بالنمو من العام إلى الخاص، ومن البسيط إلى المعقد كما يشار إليه في المراحل الآتية:
1- المرحلة الجنينية والمهد:
تؤثر حالة الحمل لدى الأم على الجنين. وكما سبق أن أوضحنا عن تأثير الحالة الانفعالية للأم الحامل على الجنين، فقد أشارت نتائج أبحاث سونتاج Sontage "1958" إلى أن الاستجابات الانفعالية الشديدة للأم الحامل، تؤدي إلى تهيج واستثارة الجنين. كما ترتفع درجة الفعالية عند الطفل بشكل غير اعتيادي قبل الولادة نتيجة للضغوط الانفعالية التي تتعرض لها الأم. وتلعب التوترات الانفعالية الشديدة عن الأم الحامل دورًا في إحداث المغص عند الوليد حيث تنتفخ بطنه، ويشعر بالألم.
ولقد قرر أحد الباحثين أن أمهات الأطفال الذين يشكون من هذا المغص يتصفن بأنهن أكثر توترًا وقلقًا خلال الحمل من أمهات الأطفال الذين لا يشكون من هذا المغص "كونجر وآخرون: 1970".
وعند ميلاد الطفل لا تظهر استجابات انفعالية محددة ولكن تظهر إثارة عامة تأخذ في التمايز مع نمو الطفل، وتتطور من استجابات عشوائية أو بسيطة تعبر عن السرور أو الضيق إلى استجابات متطورة محددة، وغالبًا ما تظهر استجابات الضيق لدى الرضيع عند سماعه لضوضاء حادة، أو تغيير وضع جسمه فجأة، أو عند تمرير جسم بارد على جلده، أو عند ابتلال ملابسه، وهذه المثيرات ينشأ عنها البكاء المصحوب بنشاط كلي ... أما مظاهر استجابة السرور عند الرضيع فتظهر في استرخائه العام ومناغاته Ricciuti ويتم ذلك أثناء رضاعته واحتضانه برفق أو أرجحته أو توفير الدفء له، كما تظهر عن طريق الربت patting أو الطبطبة.
(2/199)

وحتى قبل أن يتم الطفل عامه الأول يمكن التعرف على بعض مظاهر التعبيرات الانفعالية التي تتشابه مع المظاهر التي يبديها الكبار، حيث يبدأ الطفل في إظهار استجابات انفعالية مختلفة كالسرور والغضب والخوف والسعادة، ويمكن أن تحدث هذه الاستجابات نتيجة لمثيرات متعددة أشياء أو أشخاص أو مواقف لم تكن تثير في الطفل أي استجابات قبل ذلك.
وبنمو الطفل فإن استجاباته الانفعالية تصبح أكثر تعقيدًا وتحديدًا وأقل عشوائية ويمكن تمييزها، فمثلًا يظهر الرضيع ضيقه عن طريق الصراخ والبكاء، ثم تظهر استجابات أخرى بعد ذلك مثل المقاومة ورمي الأشياء وتصلب الجسم والهروب والاختباء والإفصاح اللفظي، ومع تزايد العمر فإن الاستجابات اللفظية تتزايد وتقل الاستجابات الحركية.
(2/200)

2- الانفعال خلال السنة الأولى من العمر:
تتداخل النواحي الانفعالية والجسمية خلال هذه الفترة وخاصة في الأسبوعين الأوليين. وهذا ما يشير إلى أن الاستجابات الانفعالية موجودة لدى الوليد الجديد وهي فطرية غير متعلمة. كما تشير الملاحظات الدقيقة لسلوك المواليد الجدد إلى صعوبة التمييز بين الانفعالات السارة وغير السارة في تلك المرحلة إلا أنه كلما تقدم الطفل بالعمر، أصبحت استجاباته الانفعالية أكثر تنوعًا وتمايزًا.
كما أن نضج القدرات الإدراكية للطفل يلعب دورًا أساسيًا في تطور النمو الانفعالي، حيث تزداد قدرته على التمييز بين المنبهات مثل الوجوه المبتسمة والوجوه غير المبتسمة ويميز كذلك بين الأصوات السارة وغير السارة. فكثير من الأطفال الرضع يبتسمون فيما بين الشهر الثاني والسادس من العمر، إلا أن بعض الأطفال في النصف الثاني من السنة الأولى يبدو عليهم ما يدل على أنهم يميزون بين الناس إذ يبتسمون لمن يعرفونهم ويظهرون استجابة الخوف للغرباء.
(2/200)

3- الانفعال خلال السنة الثانية من العمر:
لقد أشارات جودانف Goodenough إلى إمكانية تعديل وتحوير التعبير الانفعالي عن طريق التعلم، حيث قامت الباحثة بجمع بيانات عن "45" من الأمهات اللواتي سجلن واقعة من وقائع انفجارات الغضب عند أطفالهن خلال فترة شهر واحد. وقد لوحظ من خلال هذه الدراسة أن التعبيرات الانفعالية كانت تتضمن النشاط الحركي الظاهر كالرفس والصراخ وحبس الأنفاس حيث يمارسها الطفل خلال السنتين الأوليتين باعتبارها أساليب يحقق بها أهدافه. كما بينت نتائج هذه الدراسة أن الاستجابات الحركية واللغوية كتعبيرات انفعالية تشكل 14% من استجابات الأطفال الذين لم يكملوا عامهم الأول، بينما 56% من التعبيرات الانفعالية عند الأطفال خلال السنة الثانية تتضمن الاستجابات الحركية واللغوية. وهذا يعني أن مثل هذا السلوك يتقبله الآباء ويثيبون أولادهم عليه فيبدو أكثر شيوعا عند أطفال الثانية منه عند أطفال السنة الأولى. ويوضح شكل "54" تطور الاستجابات الانفعالية خلال السنتين الأوليين:
(2/201)

4- سنوات الطفولة المبكرة:
في سنوات الطفولة المبكرة ومن خلال الحياة اليومية، يتعلم الأطفال التعبير عن انفعالاتهم، ويتميز الطفل خلال هذه المرحلة بالتمركز حول ذاته، إذ يلح كثيرًا في طلباته ويكون واعيًا لتأثير انفعالاته على الوالدين، كما يتعلم أيضا المدى الذي يمكنه من الوصول للتعبير عن انفعالاته.
(2/202)

5- مرحلة الطفولة الوسطى والمتأخرة:
ومن أهم ما يميز هذه المرحلة عن المراحل السابقة هو التمايز الانفعالي المتمثل في تكوين العواطف والاتجاهات، حيث أن الطفل يتعرف على كل شيء جديد: وإما أن يحبه أو لا يحبه، ينجذب إليه أو ينفر منه. كما يكتسب الطفل زيادة في القدرة على السيطرة على انفعالاته ومشاعره.
ومن ثم يصبح لدى الطفل في هذه المرحلة دافع قوي للتحكم في التعبير عن انفعالاته ولهذا يطلق بعض الباحثين على هذه المرحلة اسم "مرحلة الطفولة الهادئة".
(2/202)

6- مرحلة المراهقة:
يمر المراهق بفترات عصبية وهزات انفعالية عنيفة، وتتخلل هذه المرحلة الصراعات المحتدمة، والميل إلى التطرف وكثرة الاندفاع، ويكون المراهق حساسًا نحو ذاته، مدفوعا إلى الاستقلال والتحرر والرغبة في إثبات الذات، ويتسم بعدم الثبات الانفعالي، وسرعة الغضب، والخوف من المواقف الاجتماعية خاصة، والحب، وتنتابه أحلام اليقظة، وعدم الأمن والحساسية الزائدة، والسأم والضجر السريعين. ولذا يرى البعض بأن المراهقة مرحلة عواصف وتوتر وشدة.
(2/202)

التباين في نمط الاستجابات الانفعالية:
رغم إمكان التبؤ بنمط النمو الانفعالي إلا أن هناك اختلافات من حيث تكرار حدوث وشدة ومدى استمرار الانفعالات المختلفة، كما أن هناك اختلافات من حيث السن الذي تظهر عنده هذه الانفعالات في عنف مظاهرها كلما كبر الطفل، ويرجع ذلك إلى أن الطفل يتعلم كيف يستعد لمقابلة الناس، ويقل التعبير الصارخ عن الانفعال حتى عن تلك الانفعالات السارة مثل الفرح.
وترجع الاختلافات إلى حالة الطفل الجسمية وقت حدوث الانفعال، وإلى مستواه العقلي كما ترجع أيضا لظروف البيئة.
وفيما يلي أهم مؤثرات النمو الانفعالي:
1- الذكاء:
يتجه الأصحاء إلى أن يكونوا أقل انفعالًا من ضعاف الصحة، بينما يستجيب الأطفال الأذكياء كمجموعة انفعاليًا لمجموعة من المثيرات أكبر من تلك التي يستجيب لها من هم أقل ذكاء، كما يبدو الأطفال الأذكياء أكثر تحكمًا في مظاهر التعبير عن الانفعالات.
ولقد أشارت إحدى الدراسات المتعلقة بالنمو الاجتماعي والانفعالي في مرحلة الطفولة المبكرة، إلى أن أطفال الأسرة الطبيعية الأعلى ذكاء يتصفون بدرجة عالية في النمو الانفعالي والاجتماعي أكثر من أطفال الملاجئ في نفس المرحلة "أنسى قاسم: 1989".
2- رد الفعل الاجتماعي إزاء السلوك الانفعالي:
تتأثر الاختلافات في نمط النمو الانفعالي أيضا بكيفية رد الفعل الاجتماعي إزاء السلوك الانفعالي فإن كان رد الفعل لا يحبذ مثل هذا السلوك كما هو الحال في الخوف أو الغيرة، فإن الانفعالات يقل تكرارها، وحتى إذا تكررت فإنها تظهر بشكل أكثر انضباطًا مما لو كان التفاعل الاجتماعي يحبذ السلوك الانفعالي.
3- مدى نجاح الطفل في إشباع حاجاته:
نجد أن النجاح الذي يلاقيه الطفل من حيث إشباع حاجاته يؤثر أيضا في تنوع أنماط الانفعال المختلفة فمثلًا إذا أدت نوبات الغضب إلى إشباع حاجة الطفل لجذب الاهتمام وأبى إعطاءه ما يريد فلن يتورع عن استخدامها لهذا الغرض فقط بل إنها سوف تتزايد من حيث شدتها كوسيلة لتحقيق غاية مرغوب فيها.
4- الجنس:
يقوم البنون كمجموعة بالتعبير عن الانفعالات التي تعتبر مناسبة لجنسهم كذكور مثل انفعالات الغضب بشكل متكرر وبشدة أكثر مما يقوموا بالتعبير عن
(2/203)

الانفعالات التي تعتبر خاصة "مناسبة" للبنات مثل الخوف والقلق والمحبة.
5- حجم الأسرة:
تظهر انفعالات الغيرة وثورات الغضب في الأسر كبيرة العدد بينما يظهر انفعال الغل أو الحسد "Envy" بشكل أكثر شيوعًا في الأسر صغيرة العدد.
6- ترتيب الطفل:
إن انفجار الغضب أكثر شيوعًا بين الطفل الأول في الترتيب الأسري، مما هو عليه في الأطفال التي تليه في الترتيب في نفس الأسرة.
7- أسلوب التنشئة:
يؤدي التدريب التسلطي إلى نمو أنماط القلق والخوف لدى الطفل بينما يؤدي التدريب المتهاون "Permessiue" أو الديمقراطي "Democrat" إلى تنمية أنماط الاستطلاع والمحبة.
8- المستوى الاجتماعي والاقتصادي:
الأطفال الذين ينتمون إلى أسر ذات مركز اجتماعي واقتصادي منخفض كثيرًا ما تكون لديهم مخاوف وأنواع من القلق لا تظهر على الأطفال الذين ينتمون إلى أسر من مراكز اجتماعي اقتصادي أعلى.
(2/204)

العوامل المؤثرة في النمو الانفعالي:
أظهرت الدراسات لانفعالات الطفل أن نمو هذه الانفعالات يرجع إلى كل من النضج والتعلم وليس أحدهما بمفرده ولا يدل عدم ظهور بعض الانفعالات في الفترة المبكرة من الحياة على أن هذه الانفعالات ليست موجودة فهذه الانفعالات تظهر فيما بعد مع نمو المخ وجهاز الغدد الصماء.. وتتداخل عوامل النضج في نمو الانفعالات تداخلًا يصبح معه من الصعب في بعض الأحيان تحديد الآثار النسبية لكل منها.
(2/204)

1- دور النضج maturation:
ينشأ عن النمو العقلي القدرة على إدراك معارف لم تكن تدرك من قبل وكذلك القدرة على تركيز الانتباه لمدة أطول على مثير واحد، وكذلك القدرة على تركيز التوتر الانفعالي على شيء واحد. ويؤدي نمو الخيال والفهم وزيادة القدرة على التذكر والتوقع إلى أن تتأثر الاستجابة الانفعالية، وهكذا يستجيب الطفل لمثيرات لم تكن تثير أية استجابات لديه في فترة سابقة من عمره "Stroufe Kohn 1981" ويعتبر نضج الغدد الصماء ضروريًا لنضج السلوك الانفعالي حيث أن إفرازات ناتج الغدد التي تهيئ بعض الاستجابات الجسمية للتوتر تكون قليلة نسبيًا لدى الرضيع وذلك لأن الغدة الكظرية تتناقص في حجمها بشكل كبير في أعقاب الولادة، ثم تبدأ مرة أخرى في الزيادة بسرعة حتى سن الخامسة ثم في الزيادة النهائية حتى الحادية عشرة، ثم بسرعة أكبر من الحادية عشرة حتى السادسة عشرة، وهنا تكون قد استردت حجمها الذي كانت عليه لحظة الميلاد. وحتى الفترة التي تصل فيها الغدة الكظرية إلى حجمها الطبيعي فإن كمية الأدرينالين التي تقرزها هذه الغدة تكون قليلة مما يؤثر على الحالات الانفعالية للطفل تأثيرًا ملحوظًا "Barewin Mongan 1970"
2- دور التعلم:
هناك خمسة أنماط للتعلم تسهم في نمو الأنماط الانفعالية في فترة الطفولة:
أ- المحاولة والخطأ: Trial and Error Learning
يعتمد التعلم بالمحاولة والخطأ على الخبرات السابقة التي مر بها الطفل، وهذه الطريقة تتعلق بالمظاهر الاستجابية للنمط الانفعالي. يتعلم الطفل بطريقة المحاولة والخطأ كيف يعبر عن انفعالاته وأنماط السلوك التي تؤدي به إلى حالة الارتياح وكيف يتحاشى الأنماط التي تجلب له عدم الارتياح أو الضيق.
ويستخدم هذا النمط من أنماط التعلم بشيوع أكثر في فترة الطفولة المبكرة عنه في فترة الطفولة المتأخرة، إلا أنه لا يستبعد تمامًا من السلوك.
(2/205)

ب- التعلم بطريق التقليد: Learning by lmitation
يتعلق هذا النمط بكل من جانبي المثير والاستجابة في النمط الانفعالي. فعن طريق ملاحظة الأشياء التي تثير انفعالات الآخرين يبدأ الطفل في التفاعل بنفس المثيرات بل وبنفس الأسلوب "الاستجابة" الذي يتفاعل به الآخرون.
وقد تبين أن الأطفال يستجيبون لنفس الانفعالات، ويعبرون عنها بطرق تماثل تلك التي يلاحظونها عند الكبار، فالانفعالات كما تبدو بعديه، إلا أنها تنتشر من شخص لآخر بواسطة التقليد. فإذا غضب مثلًا أحد الأطفال في الفصل من معاملة المعلم له، فإن بقية تلاميذ الفصل يقلدون الطفل الغاضب في سلوكه الانفعالي، وقد تؤثر العدوى الانفعالية على الروح المعنوية لمجموعة الأطفال في الفصل، فإن كان أحد تلاميذ الفصل غير سعيد ويعبر عن عدم سعادته بالشكوى المستمرة، فقد يقلده بقية الأطفال، كما أن الاستجابة الانفعالية التي تتضمن التعبير عن الفرح والسعادة هي الأخرى قد تكون معدية. إن العدوى الانفعالية أكثر شيوعًا في مرحلة الطفولة لأن الطفل أكثر قابلية للتأثر بالإيحاء من الكبار، وهذا الأمر يصح بدرجة أكبر على الأطفال الإتكاليين فهم أكثر ميلا لتقليد الأنماط الانفعالية للآخرين بدرجة أعلى من الأطفال الاستقلاليين.
جـ- التعلم بطريقة التقمص: Learning by ldentification
يتشابه هذا النمط في تعلم الانفعالات بالنمط السابق "بطريق التقليد" في أن الطفل في هذا النمط يقلد بالضبط الاستجابة الانفعالية للآخرين نتيجة لمثير معين إلا أن هذا النمط من التعلم يختلف عن النمط السابق في نقطتين:
أولًا: أن الطفل في هذا النمط يقلد Copy هؤلاء الذين يعجب بهم فقط ويرتبط بهم بارتباط عاطفي قوي.
ثانيا: أن الدافع لتقليد الطفل للشخص الذي يعجب به أقوى من الدافع لتقليد أي شخص آخر.
(2/206)

د- التعليم بالأشراط: Learning by Conditioning
التشريط معناه التعلم بالارتباط. وفي التشريط فإن الأشياء أو المواقف التي لم تكن تثير أي استجابة انفعالية من قبل تصبح قادرة على إثارة استجابة انفعالية معينة نتيجة الاقتران.
وتوضح تجربة واطسون وراينر Watwson and Raynor الشهيرة على الطفل "ألبرت" بعمر "9أشهر" كيف يتعلم الطفل انفعال الخوف، حيث عرض عليه في البداية عدد من الحيوانات والأشياء كالأرانب، والكلب، والقرد، والفأر وجلود فيها فرو، ولم يظهر الطفل خوفًا منها، وقد تم فيما بعد أشراطه حيث عرض على الطفل فأر أبيض وفي اللحظة التي حاول فيها الطفل أن يمسك بالفأر قرع صوت مرتفع وراءه بصورة مفاجئة، مما أدى إلى فزع الطفل وابتعاده عن الفأر. وكررت العملية ست مرات حيث كان يصاحبه عرض الفأر على الطفل صوت مرتفع بعدها وجد أن الطفل ظهرت عليه علامات الخوف والانسحاب عند تقديم الفأر وحده، وقد وجد أن الانفعالات المشروطة تنتشر بواسطة التعميم إلى منبهات ومواقف أخرى مشابهة لتلك التي حدث فيها الإشراط. ففي التجربة السابقة بدأ الطفل يخاف من بقية الحيوانات ذات الفراء ومن الملابس القطنية أو الصوفية. "شكل: 55".
وقد أجريت عملية إشراطية معكوسة للطفل "ألبرت" لتخليصه من الخوف الذي تكون لديه, وهذه العملية يطلق عليها الانطفاء Extinction حيث أن الفأر كان يعرض على الطفل من مسافة بعيدة بحيث لا يثير الخوف لديه، وفي نفس الوقت يقدم للطفل من مسافة بعيدة بحيث لا يثير الخوف لديه، وفي نفس الوقت يقدم للطفل بعض الحلول، ومع تكرار هذه العملية عدة مرات مع تقريب الفأر تدريجيًا يزول خوف الطفل.
(2/207)

هـ- التعلم بالتدريب: Learning by Training
يقتصر أثر التدريب أو التعلم تحت الإشراف والتوجيه على الجانب الاستجابي في نمط الانفعال. وفي هذا النمط من تعلم الانفعالات يتم تدريب الأطفال على الطرق المستخدمة لكيفية الاستجابة حينما تثأر أحد الانفعالات، وتشجيع الأطفال من خلال التدريب على أن يستجيبوا بشكل مقبول للمثيرات التي تؤدي إلى حدوث انفعالات غير سارة ويمكن الوصول إلى هذا أيضًا عن طريق ضبط التنبيه بقدر الإمكان. ومن هذا يظهر التداخل بين عوامل النضج والتعلم في نمو الانفعالات تداخلًا يصبح معه من الصعب في بعض الأحيان تحديد الآثار النسبية لكل منهما. "Hurlock 1978".
3- الصحة الجسمية:
تؤثر الصحة الجسمية في النمو الانفعالي للفرد حيث تؤكد الأبحاث النفسية خطورة التعب والمرض وسوء التغذية.
4- الجو الأسري والعلاقات الأسرية:
فالمشاجرة. وخاصة المستمرة. بين الوالدين يؤثر على انفعالات الطفل والمراهق كما أن مغالاة الوالدين في السيطرة والتدليل، أو فقد أحد الوالدين أو كليهما، والاستمرار في معاملة المراهق كطفل وإعاقة ميوله وهوياته وحركاته من كل ذلك كفيل بأن يؤثر على نموه الانفعالي.
5- العجز المادي:
الذي يقف دون تحقيق رغبات المراهق بصفة خاصة، وذلك حينما يجد نفسه وسط زملائه الذين يبذلون بسخاء وفي بذخ وهو عاجز عن مجاراتهم.
6- الدين:
حيث يؤثر الشعور الديني تأثيرًا قويًا في تغير مثيرات واستجابات المراهقين الانفعالية.
(2/209)

الأهمية النسبية لكل من دور التعلم والنضج "فيما يتعلق بالانفعالات:
يؤثر كل من التعلم والنضج في النمو الانفعالي ولكن دور التعلم له أهمية أكبر لأنه يمكن التحكم فيه وضبطه، إلا أنه يمكن أيضًا التحكم في النضج ولكن بأساليب قد تؤثر على الصحة الجسمية وعلى "حالة" التوازن الداخلي "Homeostasis" أي من خلال التحكم في القدرة الكظرية الغدد التي يزيد إفرازها عن حدوث التوتر، وعلى النقيض فإن هناك وسائل كثيرة لضبط ما يتعلم الطفل أن يستجيب له انفعاليًا، ويمكن القيام بهذا عن طريق التوجيه والتحكم في البيئية بحيث يسمح ذلك بتكوين الأنماط الانفعالية المرغوب فيها وعن طريق توجيه المتخصصين يمكن استبعاد الأنماط الاستجابية غير المرغوب فيها قبل أن تتحول هذه الأنماط إلى عادة سلوكية راسخة. وقد وجد أن التغيرات البيئية تؤثر بشكل مباشر على انفعالات الأطفال.
فالطفل الذي اعتاد على أن يستحوذ على اهتمام الأم قد يرفض بمرارة انشغالها عنه بمولود جديد، وقد يعبر عن غضبه وغيرته بثورات انفعالية متكررة ويمكن للأم تحاشي هذا بمراعاة منح هذا الطفل القدر الكافي من الاهتمام، ومن خلال التوجيه يمكنها أن تساعده في تفهم لماذا يتحتم عليها أحيانًا منح بعض الوقت لذلك المولود الجديد ويمكن عن طريق التحكم في ظروف البيئة التوفيق ومنح الطفل اهتمامًا في الوقت الذي لا يكون لديها ما يشغلها.
ويعتبر التحكم في نمط "التعلم" إجراء إيجابي وقائي إذ أنه بمجرد أن يتعلم الطفل الاستجابة الانفعالية وبمجرد ما تنطبع هذه الاستجابة في النمط الانفعالي للطفل فإنها لن يدوم تكرار حدوثها فحسب بل إنه يصبح من الصعب تغييرها، فكلما كبر الطفل يصعب تغييرها، وقد تظل موجودة حتى حينما يصبح الطفل راشدًا، وقد يتطلب تغييرها عون المتخصصين ولهذ فإن الطفولة تعتبر هي الفترة الحرجة للنمو الانفعالي.
(2/210)

الخصائص المميزة لانفعالات الأطفال
مدخل
...
الخصائص المميزة لانفعالات الأطفال:
تختلف انفعالات الطفل الصغير بشكل ملحوظ عن انفعالات الكبار من الأطفال أو عن انفعالات الراشد وذلك بسبب تأثير النضج والتعلم على النمو الانفعالي. وحتى ندرك هذه الحقيقة إدراكًا تامًا فإن الراشدين سيظلوا على اعتقادهم في أن تفاعل الطفل إزاء الانفعالات غير ناضج "immature"، بل وأكثر من ذلك يمكننا القول بأنه من المنطقي أن نتوقع أن يكون لجميع الأطفال في سن معينة نفس الأنماط الانفعالية ذلك أن الفروق الفردية لا يمكن التغاضي عنها بسبب الاختلاف الناشئ عن مستوى النضج وفرص التعلم. ورغم وجود فروق فردية فإن هناك بعض الملامح التي تميز انفعالات الأطفال بشكل يجعلها تختلف عن انفعالات الراشدين وهي:
1- شدة الانفعالات emotion are intense: يستجيب الطفل إزاء المواقف البسيطة بنفس الشدة التي يستجيب بها للمواقف الخطيرة. وحتى في مرحلة ما قبل البلوغ فإن الطفل كثيرًا ما يتفاعل بشدة لما قد يبدو للراشد أنه مجرد إحباط بسيط.
2- تكرار ظهور الانفعالات: يتكرر ظهور الانفعالات لدى الطفل تكرارًا كبيرًا. وحينما يكبر الطفل ويكتشف أن بعض ثورات الانفعال تقابل بعدم الارتياح أو العقاب حينئذ يتعلم أن يتوافق مع المواقف المثيرة لهذا الانفعال ويبدأ أما في كبح جماح هذه الثورات أو بالاستجابة بطريقة مقبولة.
3- قصر المدى الزمني لها: يرجع انتقال الطفل سريعًا من حالة البكاء إلى الضحك ومن الغضب إلى الابتسام ومن الغيرة إلى المحبة إلى عاملين:
أ- عدم الفهم الكامل للمواقف نتيجة لعدم اكتمال النضج العقلي والخبرة المحدودة.
ب- قصر مدى الانتباه بحيث يسهل تشتيته. وكلما كبر الطفل تزداد القدرة على تركيز الانتباه وتصبح الانفعالات أكثر دواما.
(2/211)

4- الاستجابة الانفعالية فردية "تعكس فردية الطفل": يتشابه نمط الاستجابة في جميع الأطفال حديثي الولادة، وبالتدريج فإن آثار التعلم والبيئة تبدأ في الظهور ويصبح السلوك المصاحب للانفعالات المختلفة فرديًا بحتًا. فعند الخوف مثلًا قد نجد أن أحد الأطفال قد يجري خارجًا من الحجرة التي حدث فيها المثير. بينما يبكي الآخر، ويختبئ ثالث وراء قطعة من قطع الأثاث أو يلتصق ممسكًا بشخص راشد وهكذا.
5- تغير قوة الانفعال من مرحلة لأخرى: تتغير الانفعالات في قوتها، فتظهر انفعالات قوية في مراحل معينة من العمر وتضعف من قوتها بزيادة نمو الطفل، بينما هناك انفعالات أخرى تظهر ضعيفة ثم تقوى كلما كبر الطفل، ويرجع هذا إلى زيادة النمو العقلي وإلى تغيرات البيئة وإلى أنواع القيم.
6- تحديد الانفعال عن طريق السلوك: قد لا يظهر الطفل تفاعله بالموقف المثير للانفعال مباشرة ولكن هذا التفاعل قد يظهر عليه من خلال عدم الاستقرار Restlessness، أو من خلال ظهور أحلام اليقظة أو ظهور اللوازم العصبية كقضم الأظافر أو مص الأبهام.
(2/212)

انفعالات الوليد:
من الناحية التنبؤية فإن موضوع الانفعالات الفطرية بالمقابلة بالانفعالات المكتسبة لا يمكن حله تمامًا.. ونحن نوافق على أن الآليات الفسيولوجية اللازمة لاختبار الانفعالات هي آليات فطرية "غريزية" ونحن نقرر ذلك على أساس أعمال برادي وشاكتر Brady Schacter، وغيرهما. وكذلك على العمومية الظاهرة لبعض خواص الاستجابات السلوكية.. ولقد أجرى فريدمان Freedman دراسة أوضحت أن ردود الفعل "السلوكيات" تكاد تكون طبيعية للطفل الذي يولد أعمى وأصم. وتفسر نتائج هذ الدراسة على أنها تبين آليات التنبيه وأنماط السلوك المرتبطة بالانفعالات هي غريزية.
كما أننا وصفنا دراسة قام بها سرتاج ويست sartag & yest "1944" توضح ارتباطات عالية بين التوائم المتطابقة بمقياس الانفعالية. وهناك دراسات
(2/212)

أخرى تقدم تعزيزات لأساس تكويني وراثي للمزاج "الطبع" فضلًا عن ذلك فهناك دراسة واحدة على الأقل تدل على أن تعبيرات الوجه بالنسبة للانفعالات عبر ثقافات مختلفة تتشابه بدرجة كبيرة، وعلى ذلك يبدو أن الانفعالية الدرجة التي تستطيع بها المثيرات أن تثير "تنبه" شخصًا فإن كثيرًا من هذه الاستجابات للمثيرات غريزية.
فما هي إذن المثيرات التي تظهر الانفعالات؟ أما أي المثيرات التي تظهر الانفعالات فذلك موضوع تعلم. وإن لم يكن بالضرورة تعلمًا ارتباطيًّا. والثعابين من بين الأشياء المعروف أنها غريزية والتي تظهر المخاوف. وإذا كان هذا الفرض صحيحًا، فإننا نتوقع أن الطفل الوليد أو حديث الولادة، والذي لا خبرة له بالثعابين ربما يخاف منها ولكن الأمر ليس كذلك ولما كانت نسبة كبيرة من الناس تظهر خوفًا من الثعابين، فقد برز الاقتراح بأن بعض الآليات النمائية الكامنة تعمل لتوليد الخوف من الثعابين في نهاية الأمر. ولكن هذا الرأي غير ناضج لسببين:
1- ليس كل الناس يظهرون خوفًا من الثعابين.
2- كثيرًا من الناس بطريقة إما مباشرة أو بطريقة غير مباشرة كانت لهم خبرات سيئة مع الثعابين وبالتالي يبدو واضحًا أنهم تعلموا أن يخافوا منها. وخلاصة القول: أن المكونات الأثارية والاستجابية للانفعال غريزية إلى حد كبير، وانفعالات مثل الخوف والغضب أكثر ارتباطًا بالآليات البيولوجية من الانفعالات الأخرى كالفرح والمفاجأة، والمثيرات التي تحدث فعلًا انفعالات هي غالبًا نتيجة التعلم إن لم يكن ارتباط "مثير/ استجابة" بحت.
نظرية واطسون:
اقترح جون واطسون John B. Watson عالم السلوكيات المشهور. والذي سبق أن أشرنا إلى أعماله وناقشناها. اقترح ثلاث استجابات انفعالية محددة فطريًا. وهي: الخوف، والغضب، والحب. كما جادل في أن الأنماط السلوكية المميزة لهذه الانفعالات هي الأخرى غريزية وعالمية. وأخيرًا ذكر أن المثيرات المولدة لهذه
(2/213)

الانفعالات البدائية هي الأخرى محددة غريزيًا وموجودة عند الميلاد، فالخوف مثلًا يمكن إظهاره بضوضاء فجائية أو بفقدان العون الجسماني، والأطفال حديثي الولادة يمكن أن يستجيبوا لها بشكل نمطي من الحركات التي وصفناها باسم "انعكاس مورو".
إن الغضب ينتج عن شكل ما من الموانع غير المرغوب فيها. مثل القبض على ذراعي الطفل وقدميه وقرص الأنف. والصفة السلوكية للغضب تتمثل في حركات سريعة وعنيفة للرأس والجذع. سلوك يبدو الغرض منه تحرر الطفل من المانع.
وأخيرًا ذكر واطسون أن الحب يمكن إظهاره بالأرجحة اللطيفة. ووصف الاستجابة بالحب بأنها حالة هدوء أو سكون داخلي. ومما لا يدعو للدهشة أن واطسون رأى في كل المظاهر الانفعالية الأخرى "تطور الانفعالات البدائية، وظهور انفعالات جديدة، وكذا صفة وتنوع المثيرات المولدة" رأى أنها ترجع للتعلم الارتباطي، وبينما تبدو لنا نظرية واطسون اليوم نظرية ساذجة إلا أنها تعكس النظريات الأخرى في ذلك الوقت. فقد ظلت قابلة للإثبات التجريبي أو عدمه، وقد كانت محل اختبارات مكثفة من باحثين كثيرين منذ فترة سابقة مبكرة Dennis "1940" Tayher "1934" Ltnrin Weiss "1934"، ولقد أجريت دراسة قياسية قام الباحثون فيها بسؤال مجموعة من طلبة الطب أن يتعرفوا على الانفعالات التي يبديها كل طفل من عدة أطفال صغار بعد إسقاطه، أو منعه من السقوط، أو وخذه بإبرة. وقد سجلت استجابات الأطفال على فيلم. إلا أن الطلبة لم يتمكنوا من رؤية المثيرات التي استخدمت. والمعطيات في الجدول "8" تكشف عن أن المراقبين لم يتمكنوا من تحديد بقدر لا يزيد على مستوى الصدفة الانفعال الذي ظهر بعد كل من ظروف الإثارة.
جدول "8" يوضح الأحكام التي أصدرها 23 مراقب عن الصفات الانفعالية إذا وجدت لدى الوليد الباكي. وهو في سن "3-7" أيام كانت المؤشرات الوحيدة المتيسرة للمراقبين هي صرخات الأطفال استجابة للمثيرات التي ورد بيانها بالجدول التالي:
(2/214)

أما الدراسات الأخرى المذكورة فقد فحصت آثار المثيرات التي افترضها واطسون على أنها مسببات غريزية للانفعال. كما أن الدراسات فشلت في تأييد افتراضه وفي بعض الحالات "الدراسات" بدا كثير من الأطفال سعداء بالمثيرات المولدة للبسمة، في حين أن المثير المسبب للحب كان في بعض الأحيان يولد إما خوفًا أو هياجًا.
وبعبارة أخرى أن الاستجابات للمثيرات المولدة تختلف بدرجة كبيرة لا تسمح بتأييد افتراضات واطسون.
(2/215)

ظهور استجابات انفعالية محددة.
تدل الدراسات حول انفعالات الوليد على أن استجاباته الانفعالية هي أنماط سلوكيًا معممة وغير تفاضلية. والواقع أن لدينا من الأسباب ما يجعلنا نشك في أن سلوك الوليد هو سلوك انفعالي إذا نحن أدمجنا المثيرات الثقافية والمعرفية. ويبدو مع ذلك أن الوليد يستطيع الاستجابة الذاتي "Janes 1965".
(2/215)

تأسيسًا على الأبحاث التي ولدتها نظرية واطسون، افترضت كاترين وبريد وبنهام Katterine Bridge Benham "1930، 1932" أن استجابات الطفل حديث الولادة غير متفاضلة. وأن هذا التفاعل اللاتفاضلي يولد فيها بعد استجابات انفعالية محددة ويمكن تمييزها. والشكل "56" يمثل شكلًا بيانيًا لنظرية كاترين Katterine عن السنتين الأوليين من عمر الطفل، وبعد الميلاد بثلاثة شهور تقريبًا. ويمكن تمييز حالة من الضيق تتسم بالبكاء والتوتر العضلي العام، عن حالة من البهجة التي تصفها بأنها حالة ارتخاء وابتسام وتتضمن هذه الاستجابات ردود فعل هيكلية واحشائية إزاء الإثارة العنيفة، سواء داخليًا أو خارجيًا. وبعض ردود الفعل الإحشائية تصبح تفاضلية عن الأخرى، ترتبط ببعض المثيرات وتندمج مع بعض الاستجابات الهيكلية الخاصة نتيجة الخبرة في تكوين مختلف الانفعالات المعروفة جيدًا. هذا والتفاضل المسفر "كما هو موضح بشكل: 56" ينتج عن اندماج الأنماط مع مثيرات جديدة ومن هذا التفاضل تأتي انفعالات الخوف والغضب والاشمئزار ثم الغيرة "عند سن 18 شهرًا". أما الانفعالات الإيجابية للزهو والحنان، أولًا نحو الراشدين وبعد ذلك نحو الأطفال الآخرين، فتظهر في سن 12 من الانفعال العام للابتهاج، ويمكن تمييز انفعال السرور في سن 12 شهر. وفي امتداد لدراستها نصت بنهام Bahman على أنه في سن 5 سنوات يفرق الطفل بين انفعالات الجزع والخجل وخيبة الأمل والحسد، وبين الانفعال العام للضيق، في حين أن الأمل وحنو الوالدين ينبعان من الانشراح.
إن رأي بنهام Banham في أن الاستجابة الانفعالية تنتج من تفاضل الاستجابات الإحشائية، يتفق والمبدأ النمائي العام للمتعلم. إن النضج النفسي يجعل التركيب العضوي أكثر حساسية للإثارة البيئية. وهو في نفس الوقت يكتسب مزيدًا من التفاضل في الجهاز العصبي المركزي. ويبدو أن بنهام Banham كانت تدرك أن ردود الفعل الانفعالية لا تنتج كلها من التعلم الارتباطي. وتصر على أن تفاضل الانفعالات تخضع جزئيًا لعامل النضج. وهذا الافتراض بالتفاعل المتبادل قد يكون شكلًا بدائيًا للتفسير المعرفي للسلوك، وهنا يجب أن نوضح موضوعًا حول معطيات بنهام Banham وهو أنها تقوم على أطفال يعيشون في ملاجئ الأيتام في العشرينات والثلاثينات حيث يكون مستوى الإثارة الاجتماعية أقل من المستوى
(2/216)

المثالي. وربما كانت أسلم نتيجة يمكن أن نستخلصها من معطياتها هي: أن التوالي في التفاضل في الانفعالات قد يكون سليمًا تقريبًا ولكنها قد تكون قد قللت من شأن مستويات السن.
إن دراسة بنهام Banham لم تولد الكثير من الأبحاث رغم أن الدراسات القليلة التي أجريت قد قدمت تعزيزًا لرأيها عمومًا. فمن المحتمل أن افتراضاتها لم تحفز على المزيد من الأبحاث لأن وصفها للانفعال يكون أحيانًا صعب التمييز. مثال ذلك: الزهو والانشراح، أو السرور والانشراح فإن لها معانٍ مختلفة إذا حاولنا تعريفها على أساس "درجة الإحساس"، غير أن علماء النفس يهتمون بالسلوك ولذا فإن المشكلة تصبح مشكلة تمييز سلوك السرور عن سلوك الانشراح، غير أن هذه المشكلة تبدو تافهة بالمقارنة إلى النقص العام في المفاهيم النظرية اللازمة لوضع إطار لمسائل البحث في تطوير المزيد من الاستجابات الانفعالية الأكثر دهاءًا ومراوغة.
(2/217)

الانفعالات بعد مرحلة الطفولة المبكرة:
في مطلع هذا الباب أوضحنا: أن علماء النفس يميلون للتركيز بشكل يكاد يكون شاملًا على السوابق النفسية للانفعالات والسلوك الانفعالي. ولم يعترفوا بأهمية المتغيرات القرينية والمعرفة إلا منذ وقت قريب ومع أن جون واطسون John Watson قد ساعد على إزالة الاستبطان من علم نفس الانفعالات فإن
(2/217)

الاهتمام الحالي بالمعرفة قد يعني أن الاستبطان في طريقه للعودة.
يبدو أن يتوازى مع النمو المعرفي والمزيد من النمو المعرفي يؤدي دائمًا إلى إنهاء الخوف.
والواقع أن سينجر Singer "1970" قد اقترح أن الاستبطان طريقة علمية مشروعة، وبينما لا ننكر أن سينجر Singer وغيره قد جادلوا باقتناع حول مسألة الاستبطان لدراسة بعض المشاكل فإننا نظن أن الاستبطان قد يكون طريقة أقل ملاءمة للاستخدام مع الأطفال الصغار نظرًا لمشاكل الاتصال معهم ونقص الخبرة لديهم. وفي التحليل النهائي فإن الطريقة الأكثر مباشرة وملاءمة لفهم مشاعر الطفل وانفعالاته هي: أن نطالب بالوصف الذاتي لها.
(2/218)

العلاقة الوجدانية المعرفية:
باستثناء بعض الأبحاث التي نشرت في السنوات القليلة الماضية فإن معظم المادة المتعلقة بالنمو الانفعالي ذات طابع وصفي بحت. وقد ابتكرت البحوث كثيرًا من الوسائل البارعة لملاحظة أنماط سلوك الخوف، والغيظ أو الثورة "Rage"، والسرور والضحك، والغيرة. وهذه الوسائل تمكننا من الحديث عن ازدياد وتناقص المخاوف، والتغيرات في الغضب والمثيرات التي تحدثه، والتغيرات المرتبطة بالغيرة. وهذه المعلومات تصف ما يحدث ولكنها قد لا تساعدنا على فهم السبب في حدوث هذه التغيرات وليس لدينا القدرة الكافية على تصور أن باستطاعتنا توسيع هذا الفهم، ولكننا نظن أن أعمال أشخاصًا مثل: جابر، وآرنولد، ولازاروس، هب Robert Japer, Magda Arnold, Richard Lazarus & Donald Hebb قدمت لنا على الأقل الإطار الذي يجب على علماء النفس أن يلتزموا به في دراستهم للنمو الانفعالي. والآن سوف نتفحص عمل دونالدهب Donald Hbb عن العلاقة بين النمو المعرفي وإثارة الانفعالات "شكل: 57".
لقد اعتمد هب "Hebb" اعتمادًا كبيرًا على الاستجابة الفسيولوجية العصبية في اتخاذ وجهة نظر تركيبية للكائن البشري. وهذه المعالجة للفسيولوجية العصبية أقرب إلى معالجة بياجية "Piaget" مثلًا، منها إلى معالجة برادي "Brady" وطبقًا لوجهة نظره: فإن نمو الانفعالات هو حصيلة التعلم والنضج العصبي، لذلك فهو ليس غريزيًا تمامًا ولا هو تعلمي تمامًا. إن استخدام "هب" "Habb" لاصطلاح التعلم يشير إلى تشكيل تكوينات متشابهة لتكوينات بياجية. وهذه التكوينات تحدد أي المثيرات هي التي تولد استجابة انفعالية. وكذلك أي نمط من الاستجابات سوف يظهر. ورأى "هب" Hebb يطابق تمامًا مفاهيم لازاروس وآرنولد Aronld و Fazarus ولكنه فريد في أنه وجه موضوع التكوين المعرفي إلى المشاكل النمائية وهذا الرأي يشبه مادة البحث عن الإدراك التصوري للطفل الصغيرة، والذي يقرر: أن الأطفال الصغار النامين ينمون وسط إدراك واعٍ بالعالم من حولهم، وتظهر مفاهيم الألفة والحيرة مثال ذلك في حالة الخوف من الثعابين، يرى "هب" Hebb" أن ذلك ليس غريزيًا ولكنه يكتسب بالتعلم الارتباطي. أن التركيب العضوي "النامي يصبح مدركًا بأن الأشياء الزاحفة يمكن في الواقع أن تكون ضارة وبالتالي فهي أشياء مناسبة للخوف منها.. قبل هذه النقطة "الدرجة" من النمو المعرفي، لا يبدي الطفل الخوف عند تواجد ثعبان. وأخيرًا فإن الطفل يتقدم نحو الثعبان، وهو فعل يكشف عن قدر كبير من النمو المعرفي، ولكن الطفل يتقدم نحو الثعبان، وهو فعل يكشف عن قدر كبير من النمو المعرفي، ولكن الطفل قد يكون قد تعلم أيضًا قدرًا كبيرًا من التمييز. وفي بعض بلاد العالم يستطيع الناس التمييز الفوري بين الثعابين السامة وغير السامة، والناس الذين يعيشون في مناخ يندر فيه وجود الثعابين
(2/219)

يميلون إلى أن يكونوا أقل إحساسًا لهذا التمييز ومن المحتمل أن تكون استجابتهم خوفًا ويصف "هب" Hebb" التغيرات النمائية في السلوك كما يلي:
"لقد اكتشفت من باب الصدفة أن بعض الشمبانزي في مستعمرة "Yerke" قد يكون لديها نوبات من الفزع عندما يعرض عليها نموذج لرأس إنسان أو رأس شمبانزي مفصولة عن الجسد، أما الصغار منها فلم تظهر أي خوف، أما الأكبر "نصف نمو" فقد بدت عليها إثارة بالغة، كما أن الحيوانات التي لم يبد عليها الفزع بوضوح فقد كانت في حالة إثارة بالغة.
وهذه الفروق الفردية لدى الكبار والفرق في الاستجابة في مختلف الأعمار تشبه تمامًا الذوق في الاتجاهات نحو الثعابين لدى الإنسان، ويزداد تكرار وشدة الخوف إلى سن 17 شهرًا أو نحو ذلك لدى الأشخاص الذين لم يضاروا مطلقًا من الثعابين".
وقد يكون من المفيد أن نروي هنا قصة سوية هي ابنة صديق لأحد الباحثين، لقد ذكر والدها أن ابنته البالغة من العمر 6 سنوات كانت مقتنعة بأن ثمة "صوت" سوف يحضر إلى المنزل ويأخذها بعيدًا، ولما كانوا يعيشون في مدينة صناعية كبيرة تبعد عدة مئات الأميال عن المحيط فإن خوفها هنا كان خياليًا بدرجة كبيرة وغير معقول، وإن كان مع ذلك خوفًا حقيقيًا. ولما كان الوالدان ذكيان، فقد اشتريا للطفلة كتبًا عن الحيتان، وشرحًا لها أنه ما من حوت يحترم نفسه يقدم على مثل هذا العمل كما حاولا بعدة طرق أخرى التحقيق من خوفها بالوسائل العقلية، ومع ذلك فقد منيت كل هذه المحاولات بالفشل، وبعد أربعة أو خمسة شهور تلاشى الخوف. وعندما سؤلت الفتاة في المنطقة عن الحوت، قالت: إن الحيتان لا جود لها. ويسرنا أن نقدم هذه القصة وهي تختلف عن معظم قصص العلماء في علم النفس بنهايتها السعيدة، إن الفتاة أصبحت الآن امرأة متعلمة ناضجة لطيفة ولا تخاف من الحيتان.
وهذه القصة تدل ثانية على أنه في مرحلة العمر من "5-8 أو 9" سنوات وهي فترة الانتقال من العمليات قبل الحسية إلى العمليات الحسية. تحدث تغييرات رئيسية في تفكير الأطفال وفهمهم. وعندما تولد مثيرات الخوف، فإن النتائج ليست سارة ولا مسلية، ولكنها طبيعية.
(2/220)

الفصل السادس: تطور بعض الانفعالات في الطفولة
الخوف
مدخل
...
الفصل السادس: تطور بعض الانفعالات في الطفولة
فيما يلي بعض الأنماط الانفعالية التي تبدأ في الظهور بعد الشهور الأولى من الميلاد سنناقش في هذا الفصل أكثر هذه الأنماط شيوعًا والمثيرات التي تنشأ عنها وكذلك الاستجابات النمطية لكل منها:
1- الخوف:
Fear:
لكل فترة نمائية من فترات مرحلة الطفولة "ولادة -14 سنة" نمط من الخوف خاص بها ويتم الانتقال التدريجي من نمط خوفي إلى آخر بإطراد نمو الطفل فينتقل من مخاوف محددة إلى مخاوف عامة.
وأكثر مثيرات الخوف شيوعًا في فترة الرضاعة "من أسبوعين إلى سنتين" هي: الأصوات المرتفعة، والحيوانات، والأماكن المظلمة، وتغيير وضع الطفل فجأة، والوحدة، والألم، والأماكن والأشخاص الغرباء.
ويخاف الطفل من مرحلة الطفولة الوسطى "2-6 سنوات" من أشياء أكثر من تلك التي تخيف الرضيع، أو تخيف الطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة "من 6 سنوات إلى 13 سنة في البنات، 14 سنة في الأولاد". فالفترة ما بين الثانية إلى السادسة من العمر هي فترة ذروة المخاوف النوعية المحددة. والسبب في ذلك هو أن الطفل في هذه المرحلة لديه القدرة على إدراك الخطر أكثر من الرضيع ولكن نقص خبرته يجعله أقل قدرة من الأطفال الكبار في إدراك أن هذه المخاوف لا تمثل خطرًا شخصيًا يتهدده "Baider Croake Jersild Lazar 1953" وتتركز مثيرات الخوف لدى الطفل في المرحلة المتأخرة من الطفولة في تخيل الخطر أو في الخوارق الطبيعية مثل الظلمة وما يرتبط بها من أشباح، أو العناصر الطبيعية مثل الرعد والبرق، أو الشخصيات المأخوذة من القصص والسينما والتليفزيون، والمجلات، كما يتواجد لدى الأطفال الكبار مخاوف تتعلق بالذات والمركز الاجتماعي Status مثل الفشل، وسخرية الزملاء أو الشعور بالاختلاف على أترابهم "Argellino Jersild Lazdr 1962"
وبغض النظر عن عمر الطفل فإن هناك خاصية مميزة لكل مثيرات الخوف وهي: أنها تحدث فجأة وعلى غير توقع بحيث تكون فرص الطفل ضئيلة بحيث لا يمكنه التوافق معها، ويرجع خوف الرضيع من الغرباء إلى عدم تعوده رؤية وجوه غير مألوفة، وأيضًا إلى عدم استطاعته التوافق بسرعة مع هذا الشخص الغريب،
(2/223)

وكلما كبر الطفل وزاد نموه العقلي استطاع التوافق بسرعة مع الظروف المفاجئة أو غير المتوقعة، وينتج عن ذلك أن كثيرًا من المواقف التي كانت تثير مخاوفه وهو صغير لا تعد كذلك. وفيما يلي نلقي الضوء بشيء من التفصيل على أنماط الخوف لدى الأطفال ومثيراتها:-
(2/224)

المخاوف في مرحلة الطفولة المبكرة:
لقد ذكرت بنهام Banham أن أول ظهور للخوف يحدث في حوالي الشهر الرابع من العمر. ولاحظت أن هذا التقدير قد يكون أقل مما يجب. ونظرة شاملة لأعمال سكار وسالابتك Scarr Salapetek "1970" توحي بأن تقدير سن أربعة شهور قد يكون في الواقع تقديرًا سليمًا. وقد دلت الأبحاث التي نشرت على أن الضوضاء وعوامل الضوضاء قد تكون أصلح المثيرات لإحداث الخوف لدى الأطفال الصغار. ولقد أثبتت الدراسات التي قام بها جيبسون ووالك Gihson A Walk "1960" أن الأطفال في سن 6 أشهر أو أكثر قد أظهروا علامات الخوف وهم عند الصخرة المرئية. وأن الأطفال الأكبر سنًا قد أظهروا خوفًا بدرجة أكبر مما أظهر الصغار. وعلى ذلك فإن القرائن تدل على أنه في سن أربعة أشهر على الأقل يبدي الأطفال بعض المخاوف وإن كانت غير محددة وغير ثابتة.
لقد كان علماء نفس النمو دائمي الاهتمام بشأن الخوف الذي يبديه الأطفال حديثي الولادة نحو الغرباء. لذلك فإن البحث في هذا النمط من الخوف قد قدم وسائل سليمة وقاعدة إدراكية معقولة وتضمينات لنمو "التعلق".
أما الجهود في سبيل تمييز السن الحقيقية التي يبدي فيها الأطفال الصغار قلقًا نحو الغرباء فقد واجهت صعابًا كثيرة. وتدل الدراسات المختلفة أن الأطفال يتكون لديهم القلق نحو الغرباء فيما بين سن سبعة أو ثمانية أشهر "Sroufe 1977"، وأن هناك زيادة ثابتة في معدل تكرار وشدة القلق نحو الغرباء خلال العام الأول من العمر. وتختلف المعطيات تبعًا للمكان الذي أجريت فيه الدراسة في المنزل وسط جو، مألوف أو في معمل وسط جو مصطنع، كما وجدت متغيرات أخرى تؤثر في السن الذي يبدأ عنده ظهور القلق نحو الغرباء. فقد قام مورجان وريسيتي "Morgan, Ricciuti" "1969"، بتحليل تجريبي منهجي ودقيق عن الخوف من
(2/224)

الغرباء. حيث استخدم الباحثان 80 طفلًا موزعين بالتساوي على مراحل عمرية: 4.5، 6.5، 8.5، 12.5 شهرًا. وفي إحدى الحالات كان الأطفال يجلسون في حجور أمهاتهم. وفي حالة أخرى كانوا يجلسون في مقاعد الأكل "الخاصة بالصغار" على بعد نحو أربعة أقدام من أمهاتهم. والشكل "58" يلخص نتائج الدراسة.. حيث أبدى أطفال مجموعة "الفئة العمرية "12.5" شهرًا رد فعل سلبي واضح تجاه الغريب. ورد الفعل السلبي هذا يتزايد مع السن وإن لم يكن لوجود الغريب أدنى تأثير عندما كان الأطفال في حجور أمهاتهم.
هذا وقد استنتج الباحثان أن نتائجهما تثير التساؤل حول إدعاء سبيتز Spitz، "1965" بأن القلق نحو الغريب يحدث في سن ثمانية شهور وهي السن التي افترض أن القلق يبدأ في الظهور فيها.
وثمة ظرف آخر في التجربة -لم يرد في الجدول- وهو يختص، بوجود الغرباء من الرجال أو النساء. فلقد أثار وجود الرجل الغريب مزيدًا من الخوف أكثر من وجود المرأة الغريبة، وليس واضحًا ما إذا كانت زيادة الخوف من الرجل الغريب ناتجة عن الجنس "كونه رجلا" أم لزيادة حجمه الجسماني، أما جنس الأطفال فلم يظهر لأثره آية دلالة.
(2/225)

وفي امتداد لدراسة "مورجان وريسيتي" استخدم لويس وبروكس lewis & brook "1974" 24 طفلًا في سن من "7-19" شهرًا. وعرض الباحثان الأطفال لغريبين من رجل وامرأة متشابهان تقريبًا في التركيب الجسماني ثم عرضوا الطفلة في سن أربعة سنوات. وقد قدرت درجة الانفعالية نحو الغرباء من على أربع مسافات أبعادها عند مدخل الحجرة وأقربها عندما حاول الغريب لمس الطفلة. والجدول رقم "9" يبين المعايير التي استخدمت لتقدير درجة الانفعال ومحتوياتها لا تختلف كثيرًا عن محتويات دراسة "مورجان". أما بالنسبة لنتائج التجربة فقد كانت على قدر كبير من الوضوح: فعندما اقترب الغرباء الراشدون أبدى الأطفال قلقًا متزايدًا. وبالتحكم في حجم الغريب رجلًا كان أم امرأة أو فتاة لم يكن لاختلاف جنس الغريب أي تأثير على ردود فعل الأطفال، كما كان لسن الطفل أثرًا على درجة انفعاله حيث كان الأطفال الأكبر سنًا أكثر سلبية نحو الغريب من ردود فعل الأطفال الأصغر سنًا. ويتضح ذلك من الشكل "59".
(2/226)

وردود الفعل نحو الغرباء يتأثر أيضًا بسياق المقابلة. وقد اقترح سروف/ وواتر وراتو Sroufe Waters Rattao "1974"، أن وضع المعمل قد يرفع من مستوى الطفل الصغير انفعاليًا أكثر من اقتراب الغرباء. وقد أجرى هؤلاء الباحثون سلسلة من التجارب قابلوا فيها الأطفال في المنزل وفي بيئة افتراض أنها مألوفة وكذلك في المعمل، واستخدموا في تلك البيئات الثلاث طريقة "اقتراب الغريب". ولكن بدلًا من مقاييس السلوك للانفعال. قاموا بتسجيل ضربات القلب "قلب الطفل" ودرجة سرعتها في تحديد الانفعالية. وقد دلت المعطيات على سرعة أكبر في عدد ضربات القلب في المعمل عنها في المنزل، معززة الافتراض بأهمية السياق في ردود فعل الأطفال الصغار للغرباء "Rheingol Ehermans". 1973" أي أن الأشخاص غير المألوفين لا يكونوا مثيرًا غريزيًا للخوف.
وقد أجرى هذان الباحثان دراسة حصلا منها في الواقع على عكس الأثر الذي توصلت إليه الدراسات الأخرى فقد شرع الأطفال في اللعب فعلًا مع الغرباء
(2/227)

غير ن هذه الملاحظات قد أجريت في المعمل. وقد ذكر سكارين Skarin "1977" أن مزيدًا من الخوف قد ظهر في المعمل، وأن رد الفعل كان أسرع عندما كانت الأم غير موجودة. ومن الواضح أننا هنا أمام نتائج أبحاث متناقصة. وفي الموقف التجريبي تميل ردود الفعل الانفعالية للارتفاع مع تزايد السن. كما أوضحت "جودانف" ذلك، والمثير الحاصل عن الغريب لا يولد رد فعل شديد، وهو ما يتصل اتصالًا أقرب بقرب الغريب. وبعدم ألفه السياق.
ولقد كان الأطفال في هذه الدراسات يختلفون كثيرًا في ردود أفعالهم نحو الغريب والصورة التي تظهر ها هي: أن سن الطفل، وسياق الموقف، وربما أيضًا المزاج العام للطفل هي المثيرات الأساسية التي تسبب الاستجابة الانفعالية للطفل ونوعها. وقد اقترح سروف "Sroufe" وزملاؤه أن "التركيز" على سلوك الخوف أو سلوكه الانتسابي "الانتماء" إنما يقدم وجهات نظر مشوهة عن نمو الطفل "Srofe, Waters Matas 1974 ص69-70". وقد لاحظوا أيضًا أنه "بدلًا من إحداث أثر سلبي أو إيجابي فإنه من الواضح أن المواقف المستجدة والأشخاص الغرباء تعمل جميعها على تنشيط الميول للاقتراب القوي والتجنب القوي، ويصبح تحديد الناتج الوجداني "المؤثر" مرتبط بعوامل مثل: السياق وتتابع الأحداث والتآلف".
والتفسير الذي أضفى على هذه الدراسات الرئيسية هو أن السلوك الانفعالي يخضع لتغيرات نمائية هامة خلال نصف السنة الأولى. وما زلنا أمام سؤال بدون إجابة. وهو ما إذا كان الأطفال قبل سن ثمانية أشهر يبدون ردود أفعال انفعالية إزاء الأشياء والأشخاص غير المألوفة؟ وتدل المعطيات التي جمعها برونسون.S W Bronson "1972" على أن الأطفال حديثي الولادة يبدون فعلًا ضيقًا خلال الستة أشهر الأولى من حياتهم، مع علامات قوية من الحذر للغرباء تظهر في الشهر الرابع. وتصبح أكثر حدوثًا "تكرار" خلال النصف الثاني من السنة الأولى، وقد يكون مصادفة أن الشهر الرابع هو الذي قررت بنهام Banham أن الخوف فيه يظهر إلى جانب الضيق عند الاستثارة العامة. وإن ما قد لاحظته قد يكون هو الحذر من الغرباء. كما أنه من المهم أن نلاحظ أن استنتاجات برونسون "Bronson عن الأطفال في سن "3-9" شهور تكاد تطابق استنتاجات إكرمان ورينجولد
(2/228)

وسروف Elxerman Rheingold Sroufe وهي أن ردود فعل الأطفال الأكبر سنًا للأحداث غير المألوفة تتوقف على عدد من التغيرات سبق أن أشرنا إليها، وأنها يمكن أن تكون حذرًا أو خوفًا أو من الجانب الإيجابي انتماءًا أو استطلاعًا.
(2/229)

الخوف لدى الأطفال الأكبر سنًا:
أجرى أرثر جيرسلد Arther Jersild دراسات أكثر اتساعًا وتفصيلًا عن مخاوف الأطفال في مستويات عمرية مختلفة. أكثر مما أجراه باحث آخر منفرد "Jersild Markey, Jersild 1954 yersild 1933 Holmes 1935" وعمله لم يقتصر على أنواع الخوف التي يبديها الأطفال في مختلف المستويات العمرية. ولكنه كان يبحث الصلة "العلاقة" بينها أيضًا. وهذا وقد استخدم جيرسلد Jersild طرقًا عديدة تمتد من اليوميات التي سجل فيها الوالدان مخاوف أطفالهما، إلى تجارب لوحظ فيها سلوك الأطفال في مواقف قياسية مختلفة. وفي تجربة واحدة جعل جيرسلد Jersild الوالدان يسجلان مخاوف أطفالهما الذين كانت أعمارهم تتراوح بين "2، 6 سنوات" ثم يبوبان هذه المخاوف طبقًا لثلاث مجموعات عمرية "ثلاث مستويات عمرية". ثم أجرى عملية انتقاء مصادر الخوف لاستخدامها في التجربة. والشكلان "60"، "61" يلخصان المجموعات الثلاث هذه. واتجاهات الخوف التي تجمعت من اليوميات والمقابلات.
هذا وقد كانت مصادر الخوف الثمانية التي تعرض لها الأطفال هي:
1- ترك الطفل وحده: يجلس الطفل والمختبر إلى مائدة. ثم يغادر المختبر الحجرة ويظل خارجها مدة دقيقتين.. ولم يكن الطفل قد شاهد الحجرة قبل ذلك. والقارئ سوف يتعرف على هذا الموقف باعتباره مثالًا لمثير مستحدث.
2- الإزاحة المفاجئة: أو فقدن الركيزة. وقد استخدم الباحث جهاز يشبه "الكوبري" مكون من لوحين متصلين بحيث أن الطفل عندما يخطو فوق اللوح الثاني فإنه ينزلق به. وكان اللوحان يرتفعان عن الأرض بمقدار 5 سم. وقد ذكر الباحثون أن فقدان الركيزة لم يكن كاملًا. لذلك فهو لم يفِ تمامًا بالمعيار.
3- حجرة مظلمة: يقوم المختبر بقذف كرة في ممر مظلم طوله 5.5 متر ويطلب من الطفل إحضارها.
(2/229)

4- شخص غريب: بينما يكون الطفل خارج حجرة التجربة تدخل الحجرة مساعدة المختبر ترتدي معطفًا رماديًا طويلًا وقبعة سوداء كبيرة وقناع يخفى ملامحها. ثم تجلس قرب مدخل الحجرة. وقد استخدمت المرأة الغريبة وملابسها الغريبة كمثير للخوف "لإحداث الخوف".
5- مكان مرتفع: وضع المختبرون لوحًا خشبيًا "طوله 2.5 متر وعرضه 30 سم وسمكه 2.5" فوق درجات سلمين متقابلين بحيث يمكن تغيير ارتفاع اللوح. ثم وضعوا اللوح أولًا على ارتفاع 1.25 مترًا. ثم رفعوه ثم خفضوه تبعًا لرد الفعل الذي أبداه الطفل. "خفض عندما أظهر خوفًا، ورفع عندما لم يبد الطفل ترددًا".
6 الضوضاء: المختبر والطفل منهمكان في عملٍ ما على منضدة في ركن من حجرة التجربة، وفجأة طرقت ماسورة حديدية معلقة في السقف بعيدًا عن نظر الطفل. وهنا نلاحظ أن هذا الموقف له تأثير كبير على إحداث الخوف.
7- الثعبان: وضع ثعبان غير ضار طوله حوالي 55 سم في صندوق بحيث لا يستطيع الخروج منه. وقد شاهد الطفل الثعبان وهو يوضع في الصندوق، ولكنه عندما شغل بعد ذلك بأعمال أخرى، لم يلحظ أن الثعبان قد أخرج من الصندوق ووضع مكانه شريطًا من القماش. وكان الصندوق نفسه لعبة جذابة وطلب من الطفل أن يأخذها.
8- كلب ضخم: كان المختبر والطفل يجلسان إلى منضدة يعملان عندما دخل إلى الحجرة شخص راشد مألوف ومعه كلب ضخم في اتجاه الشخص إلى مكان معين في الحجرة، وعلى بعد ثابت من الطفل، سمح للطفل أن يتفحص الكلب ثم استحث لكي يقترب منه ويربت عليه.
تدل المعطيات "وهي ملخصة في الشكل رقم "61"، على ميل محدد نحو تتناقص مظاهر الخوف مع نمو الطفل، كما تدل على تفاعل متبادل بين نوع الخوف والسن. فالخوف من الحجرة المظلمة، والوحدة، وكذلك الثعبان يبدو أنها تتزايد مع تقدم نمو الطفل. ونحن نقترح أن هذه المخاوف تتطلب مزيدًا من الخيال "التصور" حول الخطر الكامن وراء كل منها. وبالتالي قد تعكس مزيدًا من الوظيفية المعرفية الأكثر تقدمًا.
(2/230)

ملاحظة: البنود أمام هذه العلاقة تمثل تطابق مجموعتين أو أكثر وهي في نفس الوقت يمكن تمييزها منفردة.
(2/231)

النسبة المئوية للأطفال في مستويات سن مختلفة أظهروا الخوف. استجابة لمواقف اختبارية مصممة لأحداث استجابة خوف. نلاحظ بصفة خاصة: ارتفاع وانخفاض استجابة الخوف: للثعابين والتواجد منفردًا كمثيرات الخوف.
لقد أظهرت نسبة مئوية مرتفعة من الأطفال الخوف من الكلب الضخم، كما أوضحت المقابلات أن عددًا قليلًا من الأطفال قد سبق أن هوجم من كلب. وقد يكون لتحذير الآباء أطفالهم من خطر الكلاب له دافعية، تنتج عن خبرات مؤلمة. ومعطيات كهذه، في رأينا تؤدي في نهاية الأمر لمفاهيم الخوف طبقًا لوجهة النظر المعرفية.
التباين "الاختلاف" في نمط الخوف:
ليس معنى أن هناك مخاوف مميزة لبعض مستويات العمر أن كل الأطفال الذين في هذا المستوى من العمر يمرون بها. فهناك اختلافات ملحوظة ليس فقط في الظروف التي ينشأ عنها الخوف فحسب، بل أيضًا في درجة شدة وتكرار
(2/232)

المخاوف التي يمر بها الأطفال. فهناك أطفال تكون لديهم مخاوف أعمق وأكثر تكرارًا من أطفال يماثلونهم في نفس السن "Poznanski, 1981" وتعكس هذه الاختلافات الموجودة في الخوف بالنسبة للأطفال اختلافات في النمو الجسمي والعقلي وفي الخبرات الفردية التي تحدد ما يتعلم الطفل أن يخاف منه بل وكيفية التعبير عن هذه المخاوف.
(2/233)

الأسباب الرئيسية للتباين في نمط الخوف هي:
1- الذكاء:
تظهر لدى الطفل مبكر النمو Precocious مخاوف خاصة بمستوى العمر التالي لعمره، بينما الطفل المتأخر في نموه يبدي مخاوفًا تتعلق بمستوى العمر الأدنى لعمره. فمثلًا بينما تكون معظم مخاوف الأطفال في سن الثالثة مخاوف نوعية تتعلق بمواقف معينة، تكون المخاوف الموجودة لدى طفل الثالثة المبكر النمو ذات طبيعة عامة أو معتمدة على الخيال، بل وتكون لديه أكثر من تلك التي تتواجد لدى من يساوونه في العمر من الأطفال الآخرين، ذلك لأنه يشعر أكثر باحتمال الخطر.
ولقد كشف البحث الإحصائي عن العلاقة بين عدد المخاوف والقدرة العقلية أن هناك علاقة ارتباطية متبادلة بسيطة. وإن كانت ذات دلالة قدرها 0،30، فعندما تم فصل الأطفال تبعًا للسن برزت نتائج مختلفة فكانت هناك علاقة ارتباطيه متبادلة قدرها 0.35 لمعاملات الذكاء للأطفال الأصغر سنًا مع عدد المخاوف. ولكن أطفال المجموعة الأكبر سنًا لم يظهروا هذه العلاقة الارتباطية. ويمكننا تفسير هذه المعطيات بأنها تعني: أن الأطفال الأكثر ذكاءًا قد أدركوا الضرر الكامن للمواقف قبل أن يدركه أقرانهم الأقل ذكاءًا.
ومع ذلك فحتى أقل الأطفال "وكانوا كلهم على درجة متوسطة من الذكاء أو أكثر من المتوسط" يمكنهم إدراك الأخطار المحتملة في الموقف، وبذلك ينتفي "يستبعد الفرق في الذكاء".
(2/233)

2- جنس الطفل:
يكمن القول بوجه عام أن الأطفال -ذكورًا كانوا أم إناثًا- يشتركون في نفس المخاوف مع بعض الفروق في تفاصيل ما يخافونه "أولسون: 1962" كما أظهرت البنات في المتوسط خوفًا أكثر من الصبية وذلك في جميع المستويات العمرية. وحيث أننا لسنا بصدد بحث الأسباب البيولوجية التي تؤدي إلى هذه النتيجة، فإنه يبدو من المحتمل أن المعطيات تعكس التمييز الجنسي "لاحظ أن هذه الدراسات قد أجريت منذ أربعين عامًا عندما كانت البنات في المجتمع يلقين حماية أكبر كما كان المتوقع منهن أن يكن أكثر خوفًا من الصبية".
ومن المهم أن نعرف كيف كان آباؤهن يتقبلون أو لا يتقبلون الخوف لدى أبنائهم وبناتهم. وأيضًا ما هي أنواع الخبرات التي كانوا يسمحون بها لأبنائهم وبناتهم. إننا نستطيع أن نقرر أن الصبية في هذه الدراسة قد لقوا تشجيعًا على أداء بعض الأطفال التي تولد مزيدًا من الخوف.
3- الوضع الاجتماعي:
تكثر المخاوف لدى أطفال الطبقة الدنيا عن مخاوف أطفال الطبقة الوسطى أو العليا. ويخشى أطفال هذه الطبقة العنف بصفة خاصة والذي قلما يخشاه أطفال الطبقة المتوسطة أو العليا.
4- حالة الجسم:
يستجيب الأطفال -أكثر من المعتاد- لمثيرات الخوف في حالات التعب أو الجوع أو سوء الصحة، وفي هذه الحالات كثيرًا ما ينتباهم الخوف من مواقف لم تكن عادة تثير فيهم الخوف.
5- الاتصال الاجتماعي:
وجود الطفل مع آخرين يشعرون بالخوف كثيرًا ما يعرضه للخوف، وكلما زاد عدد المجموعة "الخائفة" زاد تبادل المخاوف فيما بينهم، وبهذا يتزايد إجمالي مخاوف كل طفل على حده.
(2/234)

6- نوع الشخصية:
تسهل إثارة مخاوف الطفل الذي لا يشعر بالأمان العاطفي أكثر من الطفل الآمن عاطفيًا. كما أن الشخص يتعلم مخاوفه أكثر من تلك التي يتعلمها المنطوي على نفسه.
أما الفروق الفردية في استجابات الخوف فهي أعظم مما توضحه الأسباب السابق ذكرها. فالخوف لا يتوقف فقط على مثير معين، ولكنه يتوقف أيضًا على الظروف المحيطة بالموقف الذي حدث فيه المثير، وعلى ظروف الطفل نفسه وقت حدوث المثير. ولكي نستطيع أن نتنبأ بما إذا كان الطفل سيظهر الخوف في موقف معين ينبغي علينا أن نعرف الظروف الفسيولوجية النفسية بل وأن نتتبع استجابات الطفل المختلفة للخوف.
(2/235)

السن وأنواع الخوف:
كما أوضحنا سابقًا أن لكل فترة نمائية من مرحلة الطفولة نمط من الخوف خاص بها، فهذا يعني اختلاف استجابة الطفل لمثير الخوف باختلاف عمر الطفل. فمثلًا استجابة الخوف لدى الرضيع تكون في شكل صرخات وحركات قليلة للجسم، وبإطراد النمو تأخذ الاستجابة شكل إخفاء الوجه عن مصدر الخوف ثم الابتعاد هربًا "عندما ينتقل إلى مرحلة الزحف أو المشي، وبإطراد النمو أيضًا تنحصر الاستجابات الظاهرة للخوف بسبب زيادة الضغط الاجتماعي، وتبدأ الاستجابات الداخلية في الظهور "كسرعة دقات القلب وارتفاع ضغط الدم".
إن الأبحاث التي أوردناها حتى الآن لا تكاد تصل إلى بداية الطريق الحافل بالدراسات عن الخوف في مختلف مستويات السن. وبدلًا من أن نستعرض كل تلك الدراسات فضلنا أن نقدم ملخصًا وافيًا أعده والك Wlke لاحظ في جدول "10"، فقد ربط فيه بين نتائج الدراسات العديدة عن ارتباط المخاوف البشرية بالسن كمتغير مستقل لاحظ أن مجموعات السن تتراكب، وقد استخدمت الدراسات المختلفة مجموعات بمستويات عمرية "سن" متباينة، وإلى جانب ذلك تعاريف لسلوك الخوف تختلف قليلًا. وبالرغم من هذه القيود فإن المعطيات ذات
(2/235)

أهمية وهي جديرة بالاهتمام بها. ومن المخاوف العديدة التي وردت بالدراسات كون والك Walke ثلاث مراتب وهي: حسية، عدم الكفاية الشخصية، والتصورية.. وتشتمل المرتبة الحسية على المخاوف التي يمكن أن تحدث فعلًا للشخص: كتعرضه لصدمة سيارة، أو السقوط من فوق شجرة، أو كسر الذراع. وهذه المخاوف هي التي يكتسبها أكثر الناس لكي يتحاشوا أخطار الحياة الحديثة. وتشتمل مرتبة عدم "الكفاية الشخصية" على مخاوف أخرى ترتبط بالنمو الاجتماعي للطفل مثل: الخوف من فقدان الأصدقاء، والفشل الشخصي، والأداء العلني. أما مخاوف المرتبة التصورية فتشتمل على: الخوف من التواجد منفردًا، والخوف من كائنات خيالية: كالديناصور، والسحرة، وما شابه ذلك، وأحداثًا أخرى لا يوجد ثمة احتمال لحدوثها "مثل نهاية العالم".
يتضح من الجدول أن المخاوف الحسية تكون أكثر حدوثًا لدى الأطفال الأصغر سنًا. وكانت تمثل نسبة 84% من إجمالي عدد المخاوف التي سجلت.
وفي هذا المستوى من السن، يمكن أن يكون الخوف الحسي واقعيًا، والوالدان كثيرًا ما يحذران أطفالهما من أشياء كثيرة، ومن حيوانات ومواقف عديدة لا يمكن لقدرتهم الحركية التي لم تنضج بعد أن تمكنهم من مواجهتها. ومن رتبة السن التالية تنخفض النسبة المئوية من المخاوف الحسية إلى 45% وتظل ثابتة بدرجة كبيرة بالنسبة لمجموعات السن الباقية، ويبدو أن ذلك يعني أنه بعد الاتصالات الأولى مع العالم، فإن الطفل يبدأ في تمييز هذه الأشياء التي يمكن أن تكون خطره، وبالتالي تتطلب الحذر. إن مجموعتي السن الأوليين لا تظهران
(2/236)

خوفًا من عدم الكفاية الشخصية، ولكن مع بداية المراهقة "مجموعة السن من 11-16" يزداد هذا الخوف بدرجة بالغة، وتنشر هذا الخوف في مرحلة الرشد، وخاصة بين الذكور، والسبب في الاختلاف الجنسي غير واضح، وإن كان من الممكن أن نرجعه إلى القلق نحو البحث عن العمل، وتحقيق النجاح المهني.
ومرى أخرى نذكر القارئ بأن معظم هذه الدراسات قد أجريت في وقت لم تكن المرأة قد قطعت شوطًا يذكر في مجال العمل خارج المنزل. وقد يعترض البعض بأن نسبة مئوية كبيرة من النساء اللاتي جرت دراستهن كن متزوجات أما مجموعة المخاوف التصورية فهي توضح جيدًا افتراض "والك" بشأن النمو المعرفي فقد زادت هذه المخاوف من 11% في المجموعة الأولى إلى 52% في مجموعة السن التالية، ثم انخفضت بشكل كبير إلى نسبة ثابتة من 14 إلى 15%.
وطبقًا لدراسة والك Walke فإنه في وقت ما بين الخامسة والتاسعة يظهر الأطفال مخاوف تعكس نضجهم المعرفي المتزايد وافتقارهم إلى قدرات معرفية كاملة النضج، ولنتذكر وصف "والك" Walke للشمبانزي، وقصتنا عن الفتاة التي كانت تخاف الحيتان. أن الأطفال دون الخامسة من المحتمل أنهم لا يعانون من مخاوف تصورية كثيرة. والواقع أننا نشك من واقع التحاليل التي قدمها سروف Stroufe أن الغرابة أو الجدة في المثيرات تزعج الأطفال لأنهم يظنون أن هذه الكائنات يمكن أن تلحق بهم ضررًا. وفي النهاية يدرك معظم الناس أن هذه الكائنات خيالية بحتة، وبالتالي لا يمكن أن تحدث حذرًا. وكثير من المخاوف التي تبدو غير معقولة، والتي تظهر في سن ما بين الخامسة والتاسعة تنتج عن عدم النضج المعرفي أكثر مما تنتج متاعب انفعالية.
(2/237)

تعلم الخوف:
رغم أن المتغيرات المعرفية النمائية تلعب دورًا هامًا في تكوين الخوف، فإن لدينا من الدلائل الكثيرة ما يدل على أن الأطفال يكتسبون أيضًا بعض المخاوف المحددة من خلال التعلم: فهناك خمسة أنماط للتعلم تسهم في نمو الأنماط الانفعالية عامة وانفعالات الخوف بصفة خاصة. وتتمثل أنماط التعلم هذه في المحاولة والخطأ، التعلم بطريقة التقليد، وبطريقة التقمص "وفيها يقلد الطفل أشخاصًا بعينهم دون غيرهم بحيث يكون معجبًا بهم أو مرتبطًا بهم ارتباطًا عاطفيًا قويًا"، ثم التعلم بالتدريب، والتعلم بالتشريط أو الاقتران "الارتباط الشرطي".. وبالتجارب المعملية على الحيوانات تبين أنه إذا ما قرن مثير مبدئي محايد، وعدد من المرات مع المثير الضار "كصدمة كهربية مثلًا"، فإن المثير المبدئي المحايد يبدي تجنبًا أو استجابات خوف، متضمنًا تعميم المثير وإخماده. إن تعميم المثير كما يستخدم في الخوف الارتباطي، يعني أن المفحوص يميل لتجنب المثيرات المشابهة للمثير الشرطي، فقد شرط واطسون وراينر Watson Rayner "1920" مثلًا طفلًا في سن 9 شهور للقيام باستجابة انسحاب إزاء قطة بيضاء "أو فأر أبيض"، وبعد ارتباط الخوف، أصبح الطفل يتجنب أيضًا الأشياء الأخرى المشابهة للقطة البيضاء مثل "الأرنب" أو "ذقن بابا نويل" "شكل: 62" إن تعميم المثير يجعل من الصعب عادة تحديد المصدر الرئيسي لبعض المخاوف المحددة لدى الأطفال والراشدين.
وفي دراسة أخرى مشهورة، قام جونز وجونز Jones & Jones "1924" باشراط طفل في الشهر الخامس عشر من عمره ليخاف من أرنب. وقبل الاشتراط كان الطفل يقترب من الأرنب دون أي قلق أو حذر ظاهر، وعند التشريط سمع الطفل صوتًا عاليًا عند لمس الأرنب، كان الأشراط سريعًا جدًا، وكما في دراسة
(2/238)

واطسون وراينر Watson, Rayner، أظهر الطفل خوفًا معممًا من أشياء أخرى ذات فراء وظل الطفل يبدي هذا الخوف لمدة شهر. وفي دراسة لهذا الطفل، استخدم المختبرون وسيلة "التشريط المضاد" counterconditioning لمساعدة الطفل على مخاوفه "خوفه" من الأرنب والأشياء ذات الفراء، فأحضر جونز "Jones" الأرنب موضوعًا في قفص إلى حجرة كان الطفل يجلس فيها وهو يتناول طعامه، وبدأ يعرض الأرنب على مسافة عشرين قدمًا من الطفل، ثم أخذ يقربه تدريجيًا بحيث كانت كل مسافة يقرب فيها الأرانب من الطفل، صغيرة لدرجة لا تسمح بأحداث استجابة انفعالية "إثارة فسيولوجية" للطفل. وبعد فترة قصيرة، اقترب الطفل من الأرنب وأخرجه من القفص.. وبانطلاق الأرنب من القفص أقبل الطفل أخيرًا يلمس الأرنب دون أي رد فعل انفعالي ظاهر. وفيما بعد لن يبد الطفل أي خوف مترسب من الأرنب. واختفت المخاوف من الأشياء الأخرى ذات الفراء. ومن ذلك استنتج جونز "Jones" أن الأشراط المضاد أكثر فاعلية من الوسائل الأخرى مثل الإغراء اللفظي verbal appeal، وعدم الاستخدام disuse، وأبعاد الانتباه distraction، إن إزالة الخوف لا يتحقق دائمًا بنفس السهولة كما فعل جونر Jones. وقد افترض مورر Mowrer "1960"، أن المخاوف يصعب التغلب عليها لأن الإثارة الفسيولوجية الناتجة عن المثير المسبب للخوف تعتبر إثارة لا إرادية. ومن الصعب جدًا السيطرة عقليًا على الاستجابات الإحشائية، ولأن الاستجابات لا إرادية فإنه يصعب الحيلولة دون حدوث دورة:
ولدينا الآن وسائل فنية "لعلاج" كثير من المخاوف. وهذا الإجراء لإزالة الحساسية desensitization يشبه المعالجة التي استخدمها جونز وجونز Jones & Jones فيشجع الشخص على الاسترخاء، أي خفض الشد العضلي، والخطوة التالية في هذا الإجراء هي: تناول الترتيب "المدرج" الهرمي للمخاوف، الأشياء والأحداث المتعلقة بالخوف الأصلي، ودرجة العلاقة تحدد وبشدة خواص تنبيه الانفعال من المثيرات، وهي عادة دالة للتشابه المادي مع الشيء المخيف.. مثل ذلك فإن
(2/239)

الشخص الذي يخاف الثعابين يشعر برد فعل انفعالي شديد عندما يتواجد في حجرة مع ثعبان، وقد يحدث رد فعل أقل شدة إذا كان الثعبان محبوسًا في قفص. وقد يحدث رد فعل أقل أيضًا إذا كان الثعبان يتمثل في صورة، وقد يكون رد الفعل ضئيلًا أو لا يتواجد إطلاقًا إزاء صورة لغابة.. وإجراء إزالة الحساسية يتضمن جعل الشخص ينظر إلى المثيرات "أو يتخيلها" ابتداء من تلك التي في أسفل الترتيب الهرمي. "أي التدرج في شدة المثير تصاعديًا"، فإذا حدث خوف تبعد الصورة ويطلب من الشخص الاسترخاء ثانية.. ويكرر هذا الإجراء إلى أن يكف المثير عن إحداث الخوف.. ويستخدم هذا الإجراء مع كل مثير في الترتيب الهرمي ",Lang 1960 Walpe 1969". لقد نجح إجراء إزالة الحساسية في علاج مجموعة كبيرة من المخاوف.. وأهم سماته -كما في إجراء إزالة التشريط الذي استخدمه جونزو وجونز Jones ,Jones هو الحيلولة دون الشخص وأن يصبح شديد اليقظة الفسيولوجية، وبعبارة أخرى إخماد الاستجابة الفسيولوجية للمثير. كما أن هناك وسيلة ناجحة أخرى، في إزالة المخاوف وهي النمذجة modeling "محاكاة سلوك الغير". فقد صمم بندورا وجرسيك ومنلوف Bandura Gresec & Menlove "1967" أربعة معالجات للتغلب على خوف أطفال ما قبل المدرسة، من الكلاب كما يلي:
أ- أبدى النموذج البالغ الرابعة من العمر سلوكيات جزئية متزايدة نحو الكلب في جو مرح حقلي.
ب- تجلي نفس السلوك الجريء، ولكن في سياق محايد.
جـ- يراقب الأطفال الخائفون، الكلب في سياق شبه جزئي.
د- اختبر السياق المرح فقط ولكن بدون الكلب.
وقد اتضح لهم أن ظروف النمذجة كانت ناجحة جدًا في التغلب إلى مخاوف الأطفال
(2/240)

الأنماط الانفعالية المرتبطة بالخوف
الخجل
...
الأنماط الانفعالية المرتبطة بالخوف:
Fear-related amotional Patterns:
هناك عدد من الأنماط الانفعالية ترتبط بالخوف، ذلك لأن المظهر الغالب فيها هو الخوف وأهم هذه الأنماط هي الخجل Shyness، والحرج أو الارتباك Embarrassment والانشغال Worry، والقلق anxiety وسنتناول كل منها فيما يلي:
1- الخجل:
هو أحد أشكال الخوف ويتميز بالأحجام عن التعامل مع الغرباء من أشخاص ولا ينشأ أبدًا من أشياء أو حيوانات أو مواقف. وقد أظهرت الدراسات على الرضع "12 أسبوع - سنتين" أن الطفل في منتصف السنة الأولى من عمره يبدي الخجل كرد فعل "استجابة" عام للغرباء. ويدل ذلك على أن الخوف من الأشخاص يؤدي إلى الخجل، ذلك لأن الرضيع يظهر تغيرًا ملحوظًا بعد أن يعتاد على هؤلاء الأشخاص، فيتوقف عن البكاء ويستجيب بطريقة ودية. والخجل من الغرباء شائع وعام في هذه السن لدرجة أن هذه المرحلة سميت "المرحلة الغربية" أو "فترة مخاوف الرضيع "Robson 1968 Bronson"، ويرجع الخوف في الفترة إلى أن الطفل يستطيع أن يميز بين الغرباء والمألوفيين لديه من الناس، ولكنه غير ناضج عقليًا بحيث يدرك أن هؤلاء الغرباء لا يمثلون أي خطر عليه. وكلما زاد اتصال الطفل بالآخرين اكتشف أن هؤلاء الغرباء كثيرًا ما يكونوا رفقاء لعب أو أصدقاء محببين إلى نفسه. ولذا فإن الخجل يقل في شدته وفي المدة التي يستغرقها. إلا أن الخجل قد يكون من الشدة
(2/241)

والتكرار بحيث يؤدي إلى حالة عامة من "التهيب Timidity والتي تؤثر على علاقات الطفل الاجتماعية حتى بعد أن تنتهي المرحلة الأولى من الطفولة بوقت طويل، وفي هذه الحالة يصبح الطفل ما يمكن أن يطلق عليه "طفل خجول".
وقلما يمر الطفل في أثناء نموه بخبرات متفرقة للخجل. فقد يخجل الطفل في حضور الضيوف أو عند وجود مربية "دادة" جديدة أو معلم جديد. كما قد يخجل من وجود والديه أو أقاربه في حفل يقوم هو بالغناء أو التمثيل فيه. والخجل هنا ينشأ عن عدم تأكد الطفل من كيفية تقبل الآخرين، أو من الخوف من سخرية واستخفاف الآخرين.
واستجابة الرضيع لمثيرات الخجل هي عادة البكاء وتنحية الرأس بعيدًا عن الشخص الغريب والتعلق بمن يألفه الطفل من الأشخاص بحثًا عن الحماية. وعندما يستطيع الطفل الزحف أو المشي فإنه يسرع متباعدًا ويختبئ كما يفعل بالضبط وهو خائف. إلا أنه عندما يتأكد أنه ليس ثمة خطر فإنه يبدأ من الاقتراب من هذا الغريب. ويبدو الخجل على الأطفال في الطفولة الوسطى والمتأخرة عن طريق: احمرار الوجه، أو التعلثم، أو الإقلال من الكلام، أو اللوازم العصبية: مثل اللعب في الأذن، أو الملابس، أو تحويل الارتكاز من قدم لأخرى، أو انحناء الرأس بعيدًا ثم إدارتها، والنظر إلى الشخص الغريب. ويحاول الأطفال في مرحلة الطفولة المتأخرة أن يجعلوا أنفسهم غير واضحين بقدر الإمكان وذلك بإصرارهم على ارتداء الملابس المشابهة لملابس الآخرين من الأطفال وبالكلام عندما يوجه لهم سؤال فقط.
(2/242)

2- الحرج أو الارتباك:
الارتباك -مثل الخجل- ينشأ عن التفاعل بالخوف من الأشخاص وليس من الأشياء أو المواقف، إلا أنه يختلف عن الخجل في أنه لا ينشأ بسبب الغرباء أو غير المألوف من الأفراد، ولكنه ينشأ من عدم التأكد والشك في كيفية حكم الناس على الفرد أو على سلوكه. ولذلك فالارتباك وهو حالة من محنة "الإحساس باللذات" ويظهر الارتباك في فترة متأخرة عن الخجل لأنه يعتمد في أساسه على القدرة على معرفة توقعات الجماعة، وعلى تقييم ما إذا كان الفرد سيفي بهذه التوقعات. ولا يتواجد "الارتباك" لدى الطفل قبل مرور 5 أو 6 سنوات من العمر. وكلما كبر الأطفال في السن تزايد الارتباك نتيجة لتزايد ذكريات الخبرات التي كان فيها سلوك الطفل أقل مما توقعته الجماعة. ويؤدي هذا لأن يبالغ الطفل في مخاوفه التي تتعلق بكيفية حكم الآخرين عليه في المستقبل.
وقد أظهرت الدراسات أن الذكريات الخاصة بالخبرات المهينة والمثبطة للذات تلعب دورًا هامًا في زيادة الشعور بالحرج أو الارتباك، وقد ذكر كل من المراهقين والراشدين أن هذه الذكريات هي أساس مفهومهم السيئ عن ذاتهم. وينشأ عن ذلك حلقة مفرغة فكلما ازدادت ذكريات مواقف الارتباك قوة تأثر مفهوم الذات، وكلما أصبح الإنسان أكثر عرضه لأن يؤول تفاعل الآخرين بمحمل سيئ ينتج عنه إحراج أكثر وهكذا "Sattler, Horowits, Modigiani, 1978". وتتميز استجابة الارتباك باحمرار الوجه، واللوازم العصبية، واللعثمة، وتحاشي الموقف، وهي استجابات مشابهة لاستجابات الخجل. وبسبب هذا التشابه فإنه ليس من السهل دائمًا أن نعلم ما إذا كان سلوك الطفل استجابة للخجل أم استجابة للحرج أو الارتباك، إلا أن هناك فرقًا رئيسيًا، فالطفل الذي يعاني من الخجل لا يتحدث إلا قليلًا حتى عند توجيه سؤال له، أما الطفل الذي يعاني في الحرج أو الارتباك فغالبًا ما يفصح ويوضح لأنه يحرض على إيضاح وتبرير سلوكه على أمل أن يزيل الحكم السيئ عليه والذي نشأ نتيجة للارتباك. وعلى النقيض فإن الطفل الخجول دائمًا قليل الكلام.
(2/243)

3- الانشغال:
كثيرًا ما يوصف الانشغال بأنه "خوفي متوهم أو بأنه "استعارة للهموم". وعلى عكس الخوف الحقيقي فإن الانشغال لا ينشأ عن مثير مباشر في البيئة، وإنما ينتج من عقل الطفل "داخلي وليس خارجي"، وهو ينشأ عن تخيل حدوث مواقف خطيرة، والانشغال حالة عادية في مرحلة الطفولة عمومًا حتى لدى أفضل الأطفال توافقًا.
ولا يحدث الانشغال إلا عند بلوغ الطفل مرحلة معينة من النضج العقلي ممكنة من تخيل أشياء ليست موجودة بالفعل وهو ما لا يحدث قبل سن الثالثة. وكلما تقدمت الطفولة زادت دواعي الانشغال في شدتها وتكرار حدوثها. وعمومًا فإن حالات الانشغال تصل ذروتها مباشرة قبل نضج الطفل جنسيًا، ثم تبدأ في الانحدار بعد ذلك. ويتوقف مدى الانحدار على مدى النمو العقلي، فعندما تنمو قدرة الطفل على التفكير يستطيع أن يدرك كيف أن كثيرًا من هذه الهموم غير منطقية.
وتتأثر مثيرات "الانشغال" باهتمامات الطفل. وبالرغم من وجود اختلافات ملحوظة إلا أن هناك بعض "الهموم" التي تعتبر نمطية بالنسبة للأطفال في مختلف مراحل العمر وأكثرها شيوعًا يتركز حول الأسرة والعلاقات مع الرفاق. والمشاكل المدرسية في هذه الأخيرة تبرز في أهميتها كلما تقدم الطفل في المدرسة. وتتعلق الهموم الخاصة بالأسرة وبصحة وسلامة أفراد الأسرة أو بالتأنيب من جانب الأم أو الأب. وتتركز "هموم" المدرسة حول التأخير عن الميعاد والرسوب في الامتحان والتأنيب والعقاب من جانب المدرس وعمل الواجبات المدرسية وعندما يتزايد لدى الطفل أهمية قبول جماعة الرفاق له فإن هذه الهموم تتركز حول مشاكل التوافق الاجتماعي، ومدى حب الرفاق له ومدى شعبيته بينهم. أما في بداية حدوث تغيرات البلوغ فإن "الهموم" تتركز حول ومدى نمو الجسم بما يتناسب وجنس الطفل "ذكر أم أنثى".
وتعتمد طريقة الاستجابة لهذه الهموم على نوع شخصية الطفل، فالطفل الذي لديه شعور بالنقص أو عدم الكفاءة كثيرًا ما يحتفظ بهمومه داخل نفسه، ويبالغ في التفكير فيها وتضخيمها بشكل لا يتناسب مع حجمها الحقيقي. وعلى النقيض من ذلك يقوم الطفل المتوافق توافقًا سليمًا بطرح ومناقشة هذه الهموم مع الأشخاص الذين يشعر بتعاطفهم معه. وكثيرًا ما يعبر الطفل الذي يشعر بعدم الأمان عن دواعي انشغاله بالإفصاح اللفظي على أمل كسب العطف الذي من خلاله يتحسن مدى قبوله اجتاعيًا، وعمومًا تعبر الشخصيات المنبسطة لفظيًا عن همومها أكثر مما تفعله الشخصيات الانطوائية وهذا ينطبق على جميع مراحل العمر.
(2/244)

وقد يظهر انشغال الطفل من خلال تعبيرات وجهه، وبنمو الطفل يزداد إدراكه إن هذا النمط من الانفعالات غير مقبول اجتماعيًا وحينئذ يحاول أن يخفي تعبيرات وجهه أيضًا.
(2/245)

4- القلق:
Anxiety:
هو حالة نفسية غير مريحة تتعلق بتوقع حدوث الشر، وتبدو في حالة من التخوف والاضطراب لا يستطيع الفرد أن يتخلص منها، ويصحبها شعور بالعجز، لأن الشخص القلق يشعر دائمًا بأنه محاصر لا يستطيع أن يجد حلًا لمشكلته. ورغم أن القلق ينشأ عن الخوف والانشغال إلا أنه يمكن تمييزه عنها في جوانب كثيرة: فهو أكثر غموضًا من الخوف وعلى عكس الخوف فهو لا ينشأ من موقف قائم دائمًا، وإنما ينشأ عن موقف منتظر حدوثه anticipated أو متوهم. ومثل الانشغال فإن القلق يرجع إلى أسباب متخيلة وليست واقعية، إلا أنه يختلف عن الانشغال في ناحيتين أولهما: أن الانشغال يتعلق بمواقف نوعية معينة مثل: الامتحانات، المشاكل المادية، الحفلات ... إلخ، بينما القلق هو حالة وجدانية معممة generalized وثانيهما: أن الانشغال ينشأ عن مشكلة موضوعية بينما القلق عن مشكلة ذاتية.
القلق كسمة:
من الجدير بالذكر أن الأفراد يتباينون في الدرجة التي تنبههم بها المثيرات. فبعض الأفراد أكثر ميلًا للقلق من غيرهم. بمعنى أنهم يشعرون بالقلق من جراء مجموعة من المثيرات. والدراسات البحثية ليست ذات عون كبير في تفسير كيف أن بعض الناس يصبحون أكثر استجابة أو قلقًا بصفة عامة من غيرهم.
ويفسر بعض علماء النفس، القلق كخاصية محددة تكوينيًا "وراثيًا" للمزاج، في حين يرى البعض الآخر، أن بعض البيئات تؤدي إلى درجة عالية من القلق.
لقد درس علماء النفس أثر المستويات العالية من القلق بعدة طرق. منها طريقة شائعة وهي: "مقياس ظهور القلق الظاهر في الأطفال "CMAS"، وهو صورة وأخذها كاستانيدا وبالرمو وماكاندليز واتخاذ Castaneda, palerma, Macoundless "1956" عن مقياس القلق لدى الراشدين. هذا المقياس يتكون من
(2/245)

42 فقرة باستخدام الورقة والقلم يبين ما إذا كانت إحدى هذه الفقرات تنطبق على الفرد من عدمه. مثال ذلك "بالي مشغول معظم الوقت"، "إن وجهي يحمر بسرعة"، "إني لأعجب لماذا يخاف بعض الأطفال من الظلام! "، فإن الأطفال يمكنهم الإجابة بأن الفقرة تنطبق عليهم. أو أنهم لا يصفونها، أو هم في الواقع يستجيبون بالإجابة "لا أعرف". وهذه الفقرات بصفة عامة لا تحدد منشأ القلق. بل هي تحث الأفراد على أن يصفوا أنفسهم ما إذا كانوا كثيري التبرم أو لا. كما أن المقياس يشتمل أيضًا على عدد كبير من الفقرات التي ترتبط مباشرة بالمكون الإحشائي للقلق "إن وجهي يحمر خجلًا بسهولة"، وكذلك البنود التي تصف التنبيه الفسيولوجي.
قد يكون التعريف الفعال لمفهوم سمة القلق. أن مقياس "CMAS" لم يصمم من أجل دراسة مصادر القلق ذات طابع الاضطراب الانفعالي أو الظواهر الإكلينيكية الأخرى. ولكن الهدف هو تقييم مستويات الدافعية. والمعقول أن الأطفال شديدي القلق يظهرون حالات تنبيه عالية وبالتالي يكون أداؤهم أكثر شدة. إن الدراسات المكثفة لمقارنة أداء الأطفال في درجات القلق العالية والمنخفضة بالنسبة لواجبات مدرسية "تعليمية مختلفة" تدل على أن الأطفال ذوي الدرجات العالية للقلق يكون أداؤهم أفضل في الواجبات البسيطة نسبيًا "واجبات التفرقة ذات الاختيارين" من الأطفال ذوي درجات القلق المنخفضة.
وهذه المعطيات تطابق مبدأ التعلم، من حيث أن التركيب العضوي كلما كانت واقعيته أقوى كان تعلمه لواجب معين أسرع. غير أنه في مجموعة من الدراسات المشابهة استخدمت فيها واجبات تعلم أكثر تعقيدًا تتضمن استجابات متعددة كان أداء الأطفال ذوي درجة القلق المنخفضة أفضل من أداء الآخرين. وإذا فسرنا هذه النتيجة بمقياس القلق بدت لنا هذه النتائج معقولة، إننا عادة نتوقع من الأسخاص شديدي القلق أن يكون أداؤهم أقل مستوى في اختبارات التحصيل والمواد الأخرى الأكثر تعقيدا.. وإذا نظرنا إلى النتائج من خلال سياق نظرية التعلم، فإن النتائج تبدو متناقضة، والواقع أنها ليست كذلك، ففي الواجبات المعقدة تولد الدافعية القوية استجابات مناسبة. وهكذا فإن الأشخاص شديدي القلق يعجزون عادة عن إجراء تمييز حاسم بين المثيرات، أو بين الحلول الممكنة لمسألة ما. وثمة نتيجة لذلك هي أنهم يرتكبون أخطاء، أو يعجزون عن الاستجابة كلية.
(2/246)

ومع أن مقياس "CMAS" لم يصمم لأغراض إكلينيكية، فإن فقراته مأخوذة من وسيلة إكلينيكية تعرف باسم "Minnesota Multiphosic Personality "MMPI" Inventory أو مقياس مينوسوتا المتعدد الأوجه للشخصية. ولذلك فليس مما يدعو للدهشة أن الأطفال ذوي الدرجة العالية من القلق، يقل حب أقرانهم لهم. ويزداد إحساسهم بالانتقاص، ويخفض مستوى أداؤهم في اختبارات الذكاء والإنجاز "التحصيل".
القلق كحالة:
إن النظر إلى القلق كحالة يعني أن المثيرات -أو بتعبير أشمل، والظروف الخارجية والداخلية- تولد تيقظًا وقتيًا مع كل إحساسات الضغط الفسيولوجي، وعلى ذلك فإن القلق كسمة يشير إلى مستوى ثابت إلى حد ما، أو إلى استعداد، في حين أن القلق كحالة يعتبر ثابتًا.
إن في هذه النظرة إلى القلق قد بحثها سيمور سارسون Seymour Sarason بحثًا كاملًا مع زملائه، وكانت طريقتهم البحثية الرئيسية هي استبيان اختبار القلق "TASC" الذي صمم على أساس أن الأفراد يصبحون قلقين نتيجة الإطراد إلى أداء واجبات في ظروف ضاغطة ويصف وين Wine "1970، ص92" المفهوم العام على النحو التالي: إن الشخص ذا القلق المنخفض يركز على المتغيرات المتعلقة بالاختبار وهو يؤدي الواجبات، أما الشخص ذي القلق العالي فيركز داخليًا على التفكير والإدراك للتقييم الذاتي والانتقاص الذاتي نحو استجاباته الذاتية، وحيث أن الواجبات الصعبة التي يؤديها الشخص الجاري اختبار قلقه تكن نتائجها ضعيفة تتطلب التفاتًا كاملًا لحسن الأداء فإنه، لا يستطيع أن يؤدي أداء مناسبًا بتوزيع التفاتة "انتباهه" بين المؤشرات الداخلية ومؤشرات الواجب "المهمة"".
وتدل الدراسات المكثفة على وجود علاقات تبادلية ذات دلالة بين اختبار القلق، والأداء في اختبارات الإنجاز "التحصيل" والذكاء. وتدل هذه الدراسات أيضًا على أن القلق يزداد في المراتب الأولية. ولذلك فهو يفسر تزايد مقدار التغير في أداء الاختبار عندما يتدرج الأطفال عبر المراتب الأولية. ومن أهم الملاحظات التي سجلها ساراسون Sarason وزملاؤه هي: أنه يقرب من الاستحالة تخفيض
(2/247)

اختبار القلق للأطفال في سن المدرسة، حتى في المراتب الأولى. وفي ملاحظة أخرى، أخبر الأطفال إلى ما سيفعلونه في وقت لاحق هذا الأسبوع، ليس اختبارًا وليس هو مما يدعوهم للقلق. وعندما دخل المختبرون بكراسات الأسئلة، قال الأطفال كلهم جميعا ها هو الاختبار! "
وقد لا يثير ذلك عجب القارئ الذي قضى جزءًا كبيرًا من حياته يؤدي امتحانات في المدرسة ويعلق بشأن أدائه.
إن عواقب القلق سواء أكان حالة أو سمة عواقب سلبية في العادة. ولكن ليس هذا صحيحا تماما، لأن القلق ينبه الفرد إلى ضرورة الاستجابة، ولعله من صالح الإنسان أن تكون لديه درجة ما من القلق، فكلما أوضحنا أن القلق إلى درجة معقولة أمر طبيعي ومقبول. ولكن المسألة تتطور إلى حد الخطورة عندما يرتفع مستوى القلق كثيرًا لدرجة يؤثر بها على حسن الأداء. ومرة أخرى تواجه مشكلة، كيف يتعلم الفرد أن يواجه قلقه دون أن ندخل في كثير من التفاصيل، إلا أنه من الواجب علينا أن نذكر أن كثير من الناس يعتمدون على العوامل المنخفضة للقلق مثل العقاقير والخمر. وقد يبدو الأمر حاسمًا عندما نصبح نحن الآباء والعاملين مع الأطفال حساسين تجاه قلق الأطفال ونساعدهم على تكوين استجابات تكيفية نحوه. إن إجراءات التخفيف من المخاوف يمكن تطبيقها أيضًا على القلق وهي تهيئ لعدد من المعالجات الممكنة لمساعدة الأطفال القلقين.
تأثير القلق:
ينشأ القلق عن موقف منتظر حدوثه أو يتوهم الفرد حدوثه، فهو إذن يرجع لأسباب متخيلة وليست واقعية. وغالبًا ما يبدأ القلق مع السنتين المدرسيتين الأوليين للطفل. ويكون من أهم أسبابه زيادة الضغوط الواقعة عليه بتكليفه بإنجاز أعمال أو أشياء فوق طاقته. وتكون النتيجة زعزعة ثقة الطفل بقدراته وبنفسه وشعوره بعدم الكفاية.. والطفل القلق غير سعيد فهو دائمًا مكتئب، عصبي، متقلب المزاج، متقطع النوم، سريع الغضب، وأحلامه مزعجة. وأهم أسباب القلق بين الأطفال داخل حجرة الدراسة هو الجو الانفعالي السائد متمثلًا في الاختبارات التي هدفها تحدي قدرات
(2/248)

الطفل وتذكية روح المنافسة بين الأطفال.. ومع كل هذا يعتبر القلق كانفعال، أمرًا طبيعيًا ما دامت هناك حياة وأهداف واجبة التحقيق. إلا أنه ليس هناك اتفاق على تحديد الحد المعقول من القلق، بل أنه متروك للموقف الذي نشأ فيه.
ورغم أن كلمة "القلق" كثيرًا ما يستخدمها المهنيون وغير المهنيين إلا أن معناها الحقيقي ليس واضحًا تمامًا. فقليل من الأشخاص هم الذين قد وصلوا إلى مرحلة النضج دون أن يخبروا القلق، ودون توقع القلق في المستقبل. ولكن ما هو معنى القلق بالضبط؟
يقترح مورر Mowrer أن القلق يتضمن استجابة إحشائية ذاتية وهنا تصبح المسألة هي: كيف نميز بين القلق والخوف. وهناك تفرقه بأن للخوف مصاحبات فسيولوجية أشد، ولكن ليس هناك دليل على ذلك، ولكن المخاوف تتصل بأشياء أو بمواقف محددة، في حين أن القلق أكثر انتشارًا. إن الأشخاص القلقين لا يستطيعون أن يحددوا بدقة هذه الحالة الفسيولوجية. ولسوء الحظ بالنسبة لعلماء النفس أن هذه التفرقة لا توضح الأمور كثيرًا. إن التدقيق في الفحص كثيرًا ما يكشف عن المثير المنبه، ومع ذلك فإن الشخص يمر بمرحلة انتشار من التوقع المنشط أو التيقظ بدرجات متفاوتة، تكون أحيانًا على فترات زمنية طويلة، لتكوين سلوكيات معرفية واجتماعية.
وهناك بعض الحيل التي تستخدم لتغطية الشعور بالقلق ومعظمها لا شعورية وتحول دون إدراك الطفل أو الآخرين لوجود حالة القلق منها:
1- السلوك الصاخب أو الاستعراضي Show Off: بهذه الطريقة يحاول الطفل القلق أن يقنع نفسه أو الآخرين بكفاءته.
2- الملل: يجعل القلق الطفل متبرمًا مللًا ومضطربًا، كما أنه لا يستطيع التركيز على شيء ما لمدة طويلة تكفي لأن تعتبر اهتمامه.
3- التوتر: ill- ate- ease فالطفل القلق سواء كان بمفرده أم بصحبة الآخرين يشعر بعدم الأمان، ويبدو عليه القلق عن طريق اللوازم العصبية وصعوبات الكلام.
(2/249)

4- تجنب المواقف المثيرة للقلق: يتحاشى الطفل الموقف الذي قد يثير القلق، بأن يذهب للنوم مثلًا رغم عدم شعوره بالتعب، أو قد يشغل نفسه بدرجة كبيرة تمنعه عن التفكير أو قد ينسحب إلى عالم الخيال.
5- السلوك غير المتفق مع ما يتصف به الطفل Out of character behaviour يتفاعل الطفل القلق "بالمواقف" إما بطريقة مبالغ فيها أو بطريقة أقل مما يتطلبه الموقف، فقد يقابل النقد البسيط بحالة عارمة من الهياج، بينما قد يقابل الهجوم القاسي بهدوء ظاهر وقمع الغضب.
6- الفهم: يلتهم الطفل القلق كميات كبيرة من الحلوى ولذا فإن وزنه يصبح أكبر من المعدل الطبيعي.
7- الإفراط في استخدام آليات الدفاع: يستخدم جميع الأطفال آليات الدفاع وبخاصة إسقاط اللوم على آخرين أما الطفل القلق فإنه يستخدم الإسقاط بشكل مفرط على أمل التخلص من إحساس الاضطراب المهم الناشئ عن شعوره هو بالذنب وعدم الكفاية.
(2/250)

الغضب
فهم الغضب
...
2- الغضب:
يتطور تعبير الطفل عن انفعال الغضب بتقدم نموه فهو بعد سن أربع سنوات يلجأ إلى العبوس والتهجم والسبب في ذلك أن مثيرات الغضب أكثر تعددًا من مثيرات الخوف، كما يرجع أيضا إلى أن الطفل يكتشف في سن مبكرة الغضب كوسيلة فعالة لجذب الانتباه أو للحصول على ما يريده. وبمرور الأعوام فإن عدد المواقف المثيرة للغضب تتزايد ويتجه الطفل لأن يبدي غضبًا أكثر. وعلى النقيض فإن استجابات الخوف تتناقص بمرور الأعوام لأن الطفل يدرك أنه ليس هناك ما يدعو للخوف في معظم الحالات. وتختلف شدة وعدد مرات تكرار معاناة انفعال الغضب من طفل لآخر، فيستطيع بعض الأطفال تحمل مثيرات الغضب أكثر من البعض الآخر، كما تختلف قدرة تحمل مثيرات الغضب للطفل نفسه وفقًا: لنوع الحاجة التي اعترض سبيل تحقيقها، ووفقًا لحالة الطفل الجسمية والانفعالية وقت حدوث المثير، ووفقًا للموقف نفسه الذي حدث فيه المثير. وقد يستجيب طفل لمثير الغضب بقليل من الغضب، بينما قد يستجيب طفل آخر "لنفس المثير" بثورة غضب، والثالث بأن ينسحب من الموقف مبديا كثير من الإحساس بخيبة الأمل وعدم الكفاية.
فهم الغضب:
إن الغضب لدى الأطفال الصغار ينتج عن تفاعل المتغيرات البيولوجية بتلك الخاصة بالسياق، علاوة على ذلك. فمع نضج الطفل فإنه يكتسب سيطرة كبيرة على غضبه. ويتمثل ذلك في التدرج في التعبير عن الغضب من تعبيرات صوتية كالبكاء والصراخ، إلى تعبيرات حركية، مضافًا إليها تعبيرات لغوية مثل الضرب أو الركل أو العض أو الهرب، وينتقل الطفل من ذلك إلى تعبيرات داخلية في محاولة للسيطرة على الغضب وإخفاء أعراضه الظاهرة فيظهر على الوجه العبوس والتجهم، وعلى السلوك عامة العزلة والانطواء أو العدوانية المبالغ فيها.
(2/251)

مثيرات الغضب:
كل المواقف التي ينشأ عنها انفعال الغضب تنطوي على إعاقة لأي فعل أو حركة أو شيء يود الطفل القيام به سواء كانت هذه الإعاقة بسبب تدخل الآخرين أو بسبب عجز الطفل نفسه، كما تنطوي أيضًا على اعتراض سبيل نشاط يود الطفل القيام به أو تبديد لرغباته أو خططه التي يود تنفيذها. وتختلف مدى فاعلية هذه المثيرات من سن لآخر:
أ- الرضيع "2 أسبوع إلى سنتين": يغضب الرضيع لأي مضايقة جسمية بسيطة أو عند تعويق نشاطه الجسمي أو من فرض موانع معينة تتعلق برعايته مثل الحمام أو ارتداء الملابس، كما يغضب الطفل أيضًا في هذه المرحلة إذا لم يفهم الآخرون ما يريد التعبير عنه بما يصدره من أصوات "كبداية لمحاولة الكلام"، كما يغضب إذا لم يمنح الاهتمام الكافي أو عندما يستولى أحد على ما يعتبره ممتلكات له.
ب- مرحلة ما قبل المدرسة "2-6": يغضب الطفل في هذه المرحلة كثيرًا من نفس الظروف التي يغضب لها الطفل في المرحلة السابقة. ويرفض الطفل بصفة خاصة في هذه المرحلة أي تدخل في ممتلكاته الخاصة. وكثيرًا ما يتشاجر على الدوام مع من يحاول أن يمد يده على لعبه من الأطفال الآخرين. كما أنه يغضب إذا لم تعمل لعبه كما يريدها هو أن تعمل، وحينما يقترف أخطاء فيما يحاول القيام به أو إذا أمر بفعل شيء لا يود أن يفعله في ذلك الحين.
جـ- مرحلة الطفولة الوسطى والمتأخرة: في هذه المرحلة يغضب جميع الأطفال عند عدم إجابة رغباتهم وعند تدخل -أحد أو شيء- فيما يقومون به من نشاط، ومن التأنيب، وعند مقارنتهم مقارنة لا يستسيغونها بأطفال آخرين. وكثيرًا ما يضع الطفل في هذه المرحلة أهدافًا أبعد مما يستطيع الوصولة إليه وفي حاله فشله فإنه يغضب من نفسه، أو من هؤلاء الذين يعتقد أنهم اعترضوا سبيل ذلك ويغضب الطفل إذا وبخ هو وزملاؤه بغير وجه حق، أو إذا أهانه أو أهمله أو سخر منه الأطفال الآخرين.
(2/252)

استجابات الغضب:
يمكن تقسيم استجابات الغضب إلى قسمين رئيسيين:-
أ- استجابات "فورية" تلقائية impulsive وعادة ما يطلق عليها "العدوان"، وتوجه نحو الأشخاص أو الحيوانات أو الأشياء. وقد تكون الاستجابات العدوانية إما جسمية أو لفظية، كما قد تكون إما شديدة أو معتدلة في شدتها. ويتميز صغار الأطفال بثورات الغضب ولا يتردد الطفل في إزاء الآخرين متبعًا أي أسلوب يستطيعه كالضرب والعض والركل والبصق والدفع واللطم والزغد ... إلخ. وفي حوالي سن الرابعة تنضم اللغة إلى فصيلة استجابات الغضب.
وتصل ثورات الغضب Temper tantrums ذروتها في سن الثالثة ثم تبدأ في الانحدار، كما أن استجابات الغضب لدى البنات أقل في شدتها من استجابات الغضب لدى الأولاد، والتعبير المندفع عن الغضب أكثر شيوعًا من التعبير المكظوم إلا أن هذا الأول أقل في درجة قبوله اجتماعيًا.
ومعظم الاستجابات المندفعة كتعبير عن الغضب عادة ما تكون كعقاب للآخرين، ولكن بعضها قد يكون كعقاب النفس أي أن الطفل يوجهها لذاته.
ب- استجابات مكتومة "مكظومة" inhibited: وهي استجابات يتحكم فيها أو قد يختزنها bottled up الطفل. وقد ينطوي الطفل على نفسه هاربًا بذلك من الشخص أو الشيء الذي أغضبه، وقد يبدو الطفل متبلدًا apathetic أو يتظاهر بعدم المبالاة. ويطلق على مثل هذا السلوك عقاب النفس موجه للذات impunitive والواقع أن الطفل الذي يبدو متبلدًا أمام مثيرات الغضب ليس حقيقة كذلك، فقد يشعر أن المقاومة لا فائدة منها أو أن من صالحة أن يتقبل هذا الإحباط، أو أنه من الأفضل أنه يخفي غضبه حتى لا يتعرض للعقاب أو لعدم القبول اجتماعيًا.
ورغم ذلك فإن الطفل قد يظهر عليه العبوس والتجهم وقد يرثي لنفسه أو قد يهدد بالهرب.
(2/253)

الغيرة
مصادر المواقف التي تنشأ عنها الغيرة
...
3- الغيرة:
Jealousy:
تقول اليزابيث هيريوك Elzabeth Hurlock "1978" عن الغيرة أنها "استجابة طبيعية لما يهدد بفقدان المحبة سواء كان هذا حقيقيًا أو متوهمًا. وتؤدي إلى شعور بالنفور والكراهية نحو الأشخاص، ويمتزج الغضب بالخوف في النمط الانفعالي المعروف "بالغيرة". لذلك فإن الغيرة كانفعال تثار دائمًا في مواقف اجتماعية متمثلة في البيئة الأسرية والبيئة المدرسة وما يساندهما في عملية التنشئة الاجتماعية للطفل من نادي أو منظمة، وحتى الجيرة والشارع بما تحويه هذه البيئات من علاقات تأثير وتأثر وأدوار ومكانات. كما أن الغيرة تتأثر بسن الطفل من خلال الاستجابات الظاهرة المعبرة عن هذا الانفعال.
ففي حين تكون استجابات الطفل الصغير مباشرة متمثلة في العدوانية الصريحة. تكون استجابات الأطفال الأكبر سنًا غير مباشرة وتتباين تبعًا للموقف ولسن الطفل. هذا وتبلغ الغيرة ذروتها في سن الثالثة من عمر الطفل ثم تنحدر، ثم تأخذ في التزايد ثانية حتى تبلغ الذروة في سن الحادية عشرة "قبل البلوغ مباشرة".
لقد لقي انفعال الغيرة، مثله في ذلك كمثل الغضب، اهتمامًا كبيرًا، غير أن معظم الدراسات التي أجريت حوله كانت وصفية. ومن الغريب أننا نفهم جيدًا التأثيرات السياقية والمعرفية على الغيرة إلا أن معرفتنا بردود الفعل الفسيولوجي ما يزال قاصرًا. وقد اقتراح بعض الباحثين: أن الغيرة ليست في الواقع انفعالًا حقيقيًا لأنها تفتقر لأي رد فعل فسيولوجي، وهذا الافتراض يعكس تعريفًا متزمتًا وضيقًا للانفعال. غير أن أي قارئ يكون قد خبر الغيرة أو لاحظها في الآخرين يعرف أن غياب أي ردود فعل فسيولوجي يمكن تحديدها لا يؤدي إلى اختفاء الغيرة، وأن الموقف الذي يثير انفعال الغيرة هو موقف اجتماعي على الدوام.
مصادر المواقف التي تنشأ عنها الغيرة:
وهناك ثلاث مصادر للمواقف التي تنشأ عنها الغيرة، وتختلف أهمية كل منها باختلاف سن الطفل هي:
(2/254)

1- معظم حالات الغيرة منبتها الأسرة homegrown: من المحتمل أن تكون الغيرة بين الأطفال قد لقيت من غير العلماء اهتمامًا كبيرًا مما لقيته من علماء النفس المهنيين "والواقع أن كثيرًا من الافتراضات الحالية حول الغيرة لدى الأطفال تستند على دراسة واحدة فقط أجراها سيول Sewall "1930" وقد تضمنت "40" ولدًا و"30" بنتًا تتراوح أعمارهم بين "12، 70" شهرًا، في الوقت الذي ولد لهم فيه شقيق جديد. وثمة صعوبة في دراسة الغيرة، وهي كيف نعرفها. ودراسة سيوال Seawall توضح هذه المسألة بعدم تقديم تعريف حقيقي للكلمة، وإن كانت السلوكيات التالية قد ضمنت على أنها تمثل الانفعال:
أ- الاعتداء البدني على الشقيق الوليد.
ب- تجاهل وجوده.
جـ- إنكار وجوده.
د- تغيرات محددة في الشخصية عند الشقين الأكبر عند ولادة شقيقه الأصغر.
هذه الدلالات على الغيرة يبدو أنها تتفق وتعريف لازاروس Lazares للتقييم الدال على ضرار أو أذى في المستقبل. وقد كان الأطفال موضوع الدراسة ينتمون إلى أسر تتراوح بين الطبقة الدنيا والمتوسطة والعليا. وكانت المعطيات قد جمعت من خلال دراسة سجلات الحالات الإكلينيكية، والملاحظات الشخصية والاتصال الأسرية المباشرة، فأبدى "39" طفلًا من بين السبعين "أكثر من 50% بقليل" سلوكًا واحدًا على الأقل من الأربع سلوكيات التي ذكرناها والدالة على الغيرة. وكانت معظم حالات الغيرة قد اتخذت شكل هجمات بدنية على الشقيق الأصغر، 67% من السلوكيات التي سجلت كانت من هذا النوع". أما الثلاث مظاهر الأخرى فلم تسهم بقدر يذكر في حدوث الغيرة. ولعل ما له أهمية أكبر هي المتغيرات التي تبدو أنها تفرق بين الأطفال الذين أظهروا غيرة والذين لم يظهروها. وسواء كان الأطفال قد أخبروا أن ثمة وليدًا سوف يأتي، فإن ذلك لم يكن على ما يبدو تأثير على غيرة الطفل. وكانت الغيرة بدرجة أقل عندما كان
(2/255)

الوليد مرغوبًا فيه من الوالدين. ومن المتغيرات التي كان لها التأثير على الغيرة عدد الأشقاء الموجودين فعلًا في الأسرة. فعندما كان للأسرة طفلان من قبل كانت حالات الغيرة أكثر، ولكن عندما كان للأسرة ثلاثة أطفال أو أكثر لم يكن لعدد الأشقاء تأثير على الغيرة.. ولعل أهم العوامل الملفتة للنظر هو سن الطفل عند ولادة الشقيق الجديد: لقد حدثت الغيرة كثيرًا في سن ما بين "18، 42" شهرًا. ومن المصادفة أن الطفل قد يكون أكثر استعدادًا لإظهار سلوكًا أكثر سلبية ومقاومة في تلك المرحلة من العمر. وبالتالي يصبح أسهل استثارة بوجود المولود الجديد. وثمة تفسير آخر معقول أيضا لهذا التأثير بالسن هو: أن الأطفال في سن ما بين "18، 42" شهرًا يعتمدون كثيرًا على والديهم فيما يختص بمتطلباتهم الجسمية والانفعالية. وهكذا يشعرون بتأثير مولود جديد بدرجة أكثر قوة. وقبل أن يبلغ الطفل شهره الثامن عشر. فإن الوالدين يستطيعان التقليل من اهتمامهما به. ولكن بعد الشهر الثاني والأربعين. فإن الطفل كثيرًا ما يقل اعتماده عليهما في الوفاء باحتياجاته الجسمية والانفعالية.
وثمة متغير آخر حاسم وهو: التغير الذي يبدو أنه يحمل قدرًا كبيرًا من المعنى النفسي ذلك هو استمرار الحزم. إن أولئك الآباء الذين قد قرر الإكلينيكيون بشأنهم أنهم دأبوا على استخدام الحزم في تنشئتهم لأطفالهم. قد واجهوا حالات من الغيرة أقل بشكل ملموس. في حين أن الآباء الذين لم يظهروا القدر الكافي من الحزم "السلوك الذي يعتبر معقولًا اليوم. يعاقب عليه في اليوم التالي". واجهوا حالات من الغيرة أكبر بشكل ملموس. وإذا أخذ الدأب على الحزم كدليل على التوافق الأسري فإن أفضل دليل على الغيرة -أو أهم سوابق الغيرة- يمكن أن يكون هو مستوى التوافق في الأسرة بما في ذلك الطفل قبل قدوم المولود الجديد. وهذا التفسير يبدو معقولًا جدًا إذا تذكرنا أن أقوى دليل على الغيرة كان هو الاعتداء البدني على المولود الجديد ودراسة سيوال Seawall، ودراسات أخرى أيضًا "Jevry, 1966 Smally, 1970 Paldurn, 1977" لم تكشف عن أية وسائل مقررة لمنع الغيرة. وطبقًا لرأي كثير من الباحثين فإن الانفعال يتضمن عنصرًا معرفيًا له دلالته.
(2/256)

وليس لدينا دليل قاطع عن أي المثيرات هي التي يستجيب لها الطفل. وهذه الدراسات تعرض فعلًا. عنصرًا معرفيًا هامًا هو: أن الأشقاء الأصغر والأكثر ذكاء يظهرون غيرة أشد مما يظهره الأشقاء الأقل ذكاء. وعلى ذلك فالأخ الأصغر والأكثر ذكاء في نفس الوقت قد يقرر الموقف على أنه أكثر ضررًا للذات، أكثر مما يقدره الطفل الأقل ذكاء. ومهما يكن من أمر فإن الأسر التي تعيش في جو أكثر توافقًا وثقة يمكن ألا تولد مزيدًا من الغيرة لدى الأخ الأكبر، علاوة على ذلك: فحيثما وجد مثل هذا التوافق وتلك الثقة، وحيث يكون عدد الأطفال كبيرًا فإن احتمال ظهور الغيرة يقل كثيرًا. وأخيرًا فإن معطيات سيوال Seawell تقترح أنه من الواجب على الوالدين أن يراعيا ألا يكون الأخ الأكبر من المولود الجديد بنحو من "18-42" شهرًا.
إن الأمر يتطلب عددًا كبيرًا من الأبحاث عن كيفية تكون الغيرة. إن الراشدين الذين خبروا الغيرة يقررون أنهم شعروا بالغضب أو بالخوف في ذلك الوقت. ولكنهم في ذلك يعتمدون على ذاكرة طويلة المدى وقد لا يتذكرون
(2/257)

إحساساتهم بدقة. ولذلك فإن الأمر يتطلب إجراء أبحاث لمعرفة مشاعر الطفل الذي يظهر الغيرة.
2- تعتبر المواقف الاجتماعية في المدرسة مصدرًا آخر للغيرة لدى الأطفال في هذه المرحلة وتمتد الغيرة التي نشأت في جو المنزل إلى المدرسة مما يجعل الطفل معتقدًا أن الجميع -زملاءه- يهددون أمنه النفسي: وكثيرًا ما ينمو لدى الطفل اتجاه تملك نحو المدرس أو الزملاء الذين يقع عليهم اختياره لهم كأصدقاء، ويغضب الطفل إذا ما أظهر هؤلاء الأصدقاء أي اهتمام بشخص آخر ورغم أن الغيرة تضعف كلما زاد توافق الطفل توافقًا سليمًا مع المدرسة إلا أنها قد تشتعل في أي لحظة عندما يقوم المعلم بمقارنة طفل بطفل آخر من زملائه أو بمقارنته بأحد أشقائه.
3- كذلك فإن المواقف التي يشعر الطفل فيها بأنه محروم مما يمتلكه الآخرون وهذا يجعله يغار من الأطفال الذين لديهم ما هو محروم منه، وهذا النوع من الغيرة ناتج عن الحقد أوالغل envy "أحيانا الحسد" وهو حالة انفعالية من الكراهية والغيظ موجهة نحو الشخص الذي يملك أشياء مادية لا يمتلكها الآخر.
(2/258)

استجابات الغيرة:
تختلف استجابات الغيرة وفقًا للموقف الذي تنشأ عنه، فقد يقوم الطفل بمهاجمة الشخص الذي آثار غيرته في أحد المواقف، بينما قد يحاول نفس الطفل كسب العطف "كاستجابة" في موقف آخر.
ووراء كل سلوك ناشئ عن الغيرة إحساس بعدم الأمان وعدم اليقين. وعمومًا فإن الاستجابة في هذا النمط "الغيرة" تتأثر بسن الطفل. فالطفل الصغير عادة ما تكون استجاباته للغيرة عدوانية مباشرة، بينما تكون استجابات الطفل الكبير متباينة وغير مباشرة. وذلك رغم أن مظهر العدوان فيها لا يختفي تمامًا. ويظهر أثر الاختلاف في العمر أيضًا في مدى تكرار معاناة هذا الانفعال، ويصل انفعال الغيرة ذروته مرة في سن الثالثة ومرة أخرى قبل البلوغ مباشرة في سن الحادية عشرة.
(2/258)

ومن استجابات الغيرة الشائعة ما يلي:
أ- الاستجابة المباشرة للغيرة:
قد تتخذ هذه الاستجابات مظهر الهجوم العدواني أما بالضرب والعض والرفس والخربشة "شكل: 64: ب". أو قد تتخذ شكل محاولات للتفوق على هذا المنافس في كسب الاهتمام والمحبة أما إذا كانت الغيرة منبعها الحقد envy فقد تؤدي بالأطفال إلى أعمال لا يرضى عنها المجتمع مثل الغش أو السرقة، أو دوام الشكوى والتبرم مما لديهم من أشياء أو إلى التعليقات التي لها طابع "العنب الحصرم" على الأشياء التي يودوا لو كانت لهم، أو في إلقاء اللوم على الوالدين لعدم توفيرها الأشياء التي يمتلكها الأطفال الآخرين. وكثيرًا ما تصدر عن الأطفال تعليقات للتحقير من شأن الشخص الذي أثار غيرتهم.
ب- الاستجابات غير المباشرة: وهي استجابات لا يمكن التعرف عليها بسهولة وتتضمن النكوص إلى مظاهر الطفولة الأولى مثل التبول الليلي في الفراش، أو مص الإبهام، أو استجداء الاهتمام الذي يظهر في كثرة إظهار الخوف أو العزوف عن الطعام، وقد تظهر هذه الاستجابات في التعبيرات اللفظية، مثل الشتائم أو في المبالغة في إظهار المودة على غير المعتاد، أو في التنفيس عن المشاعر في الحيوانات واللعب.
(2/259)

4- الأسى:
الأسى هو صدمة نفسية أو محنة وجدانية تنشأ عن فقد شيء أو إنسان عزيز وفي حالاته المعتدلة فإن الأسى يعرف بالحزن أو الأسف. وبغض النظر عن مدى شدته أو العمر الذي يحدث فيه، فإن الأسى واحد من أكثر الانفعالات غير المستحبة. وبالنسبة للأطفال فإن الأسى لا يعتبر من الانفعالات الشائعة لأسباب ثلاثة هي:
1- أن الآباء والمعلمين وغيرهم من الراشدين يحاولوا عزل الأطفال عن الجوانب المؤلمة وذلك على أساس أن معاناة الأسى قد تؤثر على سعادتهم كأطفال وتضع الأساس لتعاستهم فيما بعد كراشدين.
2- أن ذاكرة الأطفال "وخاصة في المراحل المبكرة من العمر" قصيرة المدى وأنه يمكن مساعدتهم على نسيان حزنهم إذا ما حولنا انتباههم إلى شيء سار.
3- إن إمكان إيجاد بديل لما فقده الطفل يمكن أن يحول حزنه إلى سعادة.
وبمضي الزمن فإن خبرة الطفل بانفعال الأسى تتزايد، ذلك لأنه ليس من الممكن أن نجنبه له كما كان الحال وهو صغير، كما أن عملية تحويل انتباه الطفل عما فقده أو عملية إيجاد بديل لما فقده لا تجعل الطفل ينسى ذلك لأن الذاكرة تتقدم، كما أن الطفل يواجه مواقف كثيرة قد ينشأ عنها هذا الانفعال.
استجابات الأسى:
قد تكون الاستجابة لفقد شيء أو إنسان عزيز إما ظاهرة علنية Overt أو مكبوتة وغير ظاهرة. ومميزات كل من هذه الاستجابة هي:
- الاستجابة الظاهرة: البكاء هو التعبير النمطي عن الأسى في مرحلة الطفولة، وقد يطول البكاء بشكل مؤثر لدرجة أن الطفل قد يدخل في حالة تقرب من الهستريا والتي يمكن بشكل مؤثر لدرجة أن الطفل قد يدخل في حالة تقرب من الهستريا والتي يمكن أن تصل به إلى درجة الإعياء، ويزداد شعور الطفل ومعاناته للأسى إذا ما فسر لنفسه أن الخسارة قد وقعت نتيجة سوء سلوكه أو تصرفه.
(2/260)

- الاستجابة المكتومة أو غير الظاهرة: يتألف التعبير المكتوم عن الأسى من حالة عامة في التبلد مصحوبة بفقدان الاهتمام بما يدور حوله في البيئة، وفي فقدان الشهية، والأرق، والأحلام المخيفة، وعدم الرغبة في اللعب أو الاتصال بالآخرين. وتؤدي معاناة الأسى لمدة طويلة إلى القلق بكل ما يصحبه من مشاعر غير سارة.
(2/261)

الانفعالات الإيجابية
مدخل
...
5- الانفعالات الإيجابية:
أ- حب الاستطلاع:
وصف كل من ماو وماو Maw & Maw الطفل الذي لديه حب الاستطلاع بأنه:
أ- يستجيب بشكل إيجابي لكل ما هو غريب أو شاذ أوغامض في بيئته بأن يتجه نحوه ويحاول استكشافه ومعالجته وتناوله.
ب- تظهر لدى الطفل المحب للاستطلاع الحاجة أو الرغبة أن يعرف أكثر، إما عن نفسه أو عن بيئته.
جـ- يقوم بفحص ما يحيط به باحثًا عن خبرات جديدة.
د- يظل في فحص واكتشاف هذه المثيرات لكي يعرف المزيد عنها.
مثيرات حب الاستطلاع:
تتنوع المثيرات التي ينشأ عنها استطلاع الطفل في مرحلة الطفولة. فالطفل شغوف دائمًا بكل ما في بيئته مثل أعضاء الجسم: لماذا توجد هذه الأعضاء ولماذا يبدو شكل الأعضاء هكذا، كما يرغب أيضًا معرفة ما بداخل جسمه: أين المعدة؟، أين القلب؟، وما هي وظيفة كل منها؟. كما يمتد استطلاع الطفل إلى الأشخاص لماذا يبدون هكذا؟، وما هذا الذي يلبسونه؟. ولماذا يختلف الكبار عن الصغار؟، ولماذا يختلف الرجال عن النساء؟ وهكذا ... كما تثير الأشياء المألوفة كقطعة صابون أو غلاية شاي حبه للاستطلاع، كما تثير استطلاعه أيضًا الأشياء التي تستخدم موسميًا مثل مستحضرات غسيل السجاد أو آلات تهذيب العشب. وقبل
(2/261)

دخوله المدرسة بوقت طويل فإن الطفل تثير استطلاعه أيضًا المعدات الآلية وأزرار الكهرباء وجهاز التليفزيون والسيارة.. إلخ Kreitler and Ziegler 1975 saxe 1971 وكلما اتسعت البيئة اتسع معها فضول الطفل فيهتم بالتغيرات المفاجئة. لماذا غيرت أمه تسريحة شعرها، ولماذا بدأ أبوه يلبس النظارة. لأن الطفل يلحظ بهذا التغير على الفور وبدأ فضوله لمعرفة سبب هذا التغيير. وحينما تقع أسنانه اللبنية فإنه يقوم بفحصها في المرآة كما أن التغيرات التي تحدث في فترة البلوغ تثير فضوله "Kreitler 1975 Maw and Maw 1975"
استجابات حب الاستطلاع:
تظهر هذه الاستجابة في محاولة الطفل فحص وتناول والمتمعن وهز كل شيء يقع تحت يده، وبعد هذا تبدأ القيود الاجتماعية في هيئة تحذيرات أو عقوبات تقف حائلًا أمام ما يقوم به الطفل لكي يشبع حبه للاستطلاع، ولذا فبمجرد أن يصبح الطفل قادرا على الكلام فإنه يبدأ في إلقاء الأسئلة التي لا تنقطع عن الأشياء التي حركت اهتمامه. وتعتبر سن الثالثة هي بداية فترة الأسئلة التي تصل ذروتها قبل التحاق الطفل بالصف الأول بالمدرسة.
وحينما يستطيع الطفل القراءة فإنها تحل محل الأسئلة في إشباع فضوله إذا لم يجد لأسئلته إجابة شافية.
2- الفرح والسرور والابتهاج:
الفرح "Joy" هو أحد الانفعالات السارة ويعرف بالسرور أو الابتهاج أو السعادة في حالاته المعتدلة. ويمكن التعرف على هذا النمط من الانفعالات رغم تنوع شدته واختلاف وسائل التعبير عنه في مختلف مراحل العمر.
ففي المرحلة الأولى من الطفولة تنشأ حالات السعادة والابتهاج مرتبطة بارتياح الجسم ويعبر عنها في استجابات مثل المناغاة.
أما في مرحلة ما قبل المدرسة فيستجيب الطفل بعديد من المثيرات، وينشأ سروره أساسًا من الأنشطة التي يشترك فيها الآخرون وبخاصة أقرانه. ويزداد سرور الطفل عندما يمكنه القيام بشيء لا يستطيع أقرانه القيام به.
(2/262)

أما في مرحلة الطفولة المتوسطة والمتأخرة فتظل نفس المثيرات التي ينشأ عنها السعادة. في فترة الطفولة الأولى تثير لديهم الابتهاج في هذ الفترة أيضًا مثل الشعور بالارتياح الجسمي أو عند حدوث المواقف غير المتسقة incongruous أو الأصوات غير المتوقعة. وربما أكثر المواقف التي تثير الابتهاج لدى الطفل في هذه المرحلة هي تلك التي يقوم فيها بإنجاز أهدافه بنجاح. وكلما زادت صعوبة الوصول إلى الهدف كان سرور الطفل عظيمًا حينما ينجح في الوصول إليه في النهاية. أما في مرحلة البلوغ ومع بداية التغيرات التي تصحب البلوغ، فإن الفرح والابتهاج يقل في تكرار حدوثه وليس هذا لأن البيئة لم تعد تنطوي على مثيرات الابتهاج ولكن لأن نظرة الطفل للحياة تبدأ في التغير. فالطفل في مرحلة البلوغ كثيرًا ما تنتابه حالات من القلق على نفسه ومن الطريقة التي ينمو بها جسمه. ولا يشعر المراهق في هذه المرحلة بقمة الارتياح الجسمي في معظم الأحيان، وتنتابه كثيرًا حالات من عدم الرضا عن تصرفاته أو أدائه في كثير من جوانب حياته.
ب- استجابات الفرح أو الابتهاج:
تمتد استجابات السرور من حالة البشر والارتياح الهادئ إلى حالات الفيض بالفرح والسعادة. ويظهر الضحك كاستجابة في حوالي الشهر الرابع من العمر، ثم يتزايد في تكرار حدوثه وشدته بعد ذلك. وبعض مثيرات السرور أو الابتهاج في السنة الأولى مثيرات سمعية مثل قول "بوم، بوم" للطفل، وبعضها يتعلق بحاسة اللمس مثل نفخ الهواء على شعر الطفل، وبعضها اجتماعية مثل بعض الألعاب المعروفة "البيضة" واللي أكلها ... إلخ". وقد تكون المثيرات بصرية" حين يزحف الكبير على يديه ورجليه، أو حين يتظاهر بأنه يرضع من بزازة الطفل".
والضحك معدي ... فالطفل يضحك وهو مع الآخرين أكثر مما يضحك وهو وحيد، وهذا ينطبق على الطفل الرضيع "baby" وتزداد صحته هذا كلما كبر الطفل وزادت رغبته في أن يفعل مثلما يفعل الآخرون من أقرانه.
وكلما كبر الطفل اتجه للتعبير عن أفراحه بالطريقة التي رضي عنها المجتمع فيحاول كتمان سعادته حينما يتغلب على زميل له عند ممارسته لبعض
(2/263)

الألعاب محاولًا إظهار "الروح الرياضية" في تقبل الانتصار، رغم أنه يفيض بالبشر في قرارة نفسه.
والانفعالات السارة دائمًا يصحبها الابتسام أو الضحك، كما يصحبها استرخاء عام للجسم "M. K, Rohbart 1973" وهذا على النقيض من الشد والتوتر الذي يصاحب الانفعالات غير السارة. ويعبر صغار الأطفال عن سعادتهم بالنشاط الحركي فقد يقفز الطفل فرحًا، ويرتمي على الأرض أو يصفق بيديه، أو بختص الشخص أو الحيون أو الشيء الذي أثار سعادته كما يضحك أيضًا ويقهقه.
وفيما بعد تجد القيود الاجتماعية كبار الأطفال Older chidren على ضبط مظاهر تعبيرهم عن سرورهم. ولذا يقل وضوح وشدة هذه المظاهر عما كانت عليه في الفترة الأولى من حياتهم. ورغم هذا تظل استجابات السرور تحمل بعض السمات السابقة مثل الضحك الطويل أو ضبط الأصدقاء على ظهورهم أو معانقتهم في حالات السعادة الغامرة "L. W Sherman"
(2/264)

تننشيط النمو الانفعالي
...
تنشيط النمو الانفعالي:
ليس في وسعنا هنا أن نقدم وصفات تتضمن نمو الطفل انفعاليًا، مع سيطرة ناضجة وثابتة لردود فعله الانفعالية. وحتى لو أن ذلك كان هدفنا فإننا لا نعرف الكثير عن نمو الانفعالات الإيجابية أو حتى الانفعالات الأقل إيجابية لتسمح لنا بتقديم مثل هذه الوصفات. ومهما يكن من أمر، فإن مراجعة الأبحاث والنماذج الإدراكية، وملاحظات بعض علماء النفس والمحللين النفسيين، تقترح بعض التعميمات لعلها تساعدنا في فهم السلوك الانفعالي للأطفال وتنشيط النمو الانفعالي السوى لهم.. من ذلك:
أولًا: إن علماء نفس النمو يتفقون على أن بعض أنماط السلوك المرتبطة بانفعالات مثل الخوف والغضب والابتسام والضحك تحدث دائمًا في أثناء النمو الطبيعي. وعلى ذلك فإن الابتسام المبكر للطفل الصغير يتكيف بيولوجيًا وبنفس الدليل، ينطبق ذلك على نمو الخوف والغضب. وتشير الدلائل أيضًا
(2/264)

إلى أن الأطفال في سن بين الخامسة والثامنة يظهرون مخاوف يصعب مواجهتها بطريقة سليمة. هذا الدليل يشير إلى أن أفضل طريقة لفهم منشأ هذه المخاوف هي جزء طبيعي من عملية الانتقال من الوظيفة غير الناضجة إلى الوظيفة الناضجة ونقبلها على هذا الأساس.. أما فيما يختص بالغضب، فالدلائل تشير إلى أن أعنف ثورات الغضب هي عادة ثورات ترتبط بالطباع، تحدث في الشهر 18 الثامن عشر تقريبًا، والغضب الشديد يحدث عادة نتيجة تكرار الطلبات "الأوامر" والنواهي الخارجية. التي تعمل على كبت الفضول وغيره من السلوكيات المحببة. إن النواهي "التحريم" ما تزال ضرورية من أجل سلامة البيئة بطرق تكون أكثر ملاءمة لفضول الطفل في سن 18 شهرًا ولقدراته الحركية.
إن الطريقة التي يستجيب بها الوالدان لغضب الطفل يمكن أن تحدد الطريقة التي يستجيب بها الطفل لغضبه. ويكفي أن نقول: إن الوالدين يقدمان النماذج للتعبير عن الغضب.
وأخيرًا نعود إلى مفهوم السمات المزاجية "الخاصة بالطباع". إن الدلائل تشير إلى أن مستوى التنبيه الانفعالي موروث، وأن هذه الحقيقة لها آثار هامة على التفاعل بين الطفل ووالديه. ويذكر الآباء أن الطفل سهل الإثارة يبدي عددًا كبيرًا من السلوكيات المهيجة تشمل ثورات المزاج والخوف. إن أهمية هذه الميول السلوكية التي تبدو كامنة، أوضحها كوكس وبيس، وتوماس كوم Chex Besth Thomas Kom "1966" بشكل قوي. لقد تابع هؤلاء الباحثون التوافق الانفعالي لعدد "135" طفلًا منذ ولادتهم حتى سن "6" سنوات وإلى حدد أقصى "12" سنة. لقد تباين هؤلاء الأطفال في الخواص المزاجية في فترة الطفولة المبكرة. ووجد أن هذا التباين ظل ثابتًا إلى حد ما طوال الفترة التي خضع فيها الأطفال للدراسة. وثمة "معطية" هامة هي أن الآباء ولو أنهم لم يعاملوا الأطفال بطرق مختلفة في مرحلة الطفولة المبكرة. فإنهم اتبعوا سلوكيات مختلفة نحو الأطفال الذين أبدوا صعوبة بعد تلك المرحلة. وعلى ذلك فإن هذه التأثيرات المتفاعلة الواضحة قد تكون لها سوابق في خصائص الطفل التكوينية، ولنتذكر أن الوالدين والطفل يبدأ
(2/265)

تفاعلهم منذ الولادة. ونوعية التفاعلات المبكرة يمكن جدًا أن تكون دلالات على أنماط سلوكية مستأصلة. إن السلوك البناء للوالدين له أهمية كبيرة بالنسبة للأطفال جميعًا. ولكن هذه الأهمية تزداد بالنسبة للأطفال الانفعاليين. إن الخاصة السلوكية للوالدين والتي تظهر في كثير من الدراسات بما في ذلك الحالات الإكلينيكية والتي لها أهمية بالغة في "الثبات" معالجة كل الحالات المتشابهة بطرق متشابهة. إن قراءتنا لما كتب في هذا الصدد، تقترح أن هذه التوصية لها أهمية قصوى بالنسبة للأطفال الذين يتسم تنبههم الانفعالي بسهولة الاستثارة وبالشدة.
(2/266)

السيادة الانفعالية
Emotional dominace:
تتمثل السيادة الانفعالية في سيطرة انفعال معين أو عدد قليل من الانفعالات من بين المجموع الكلي للانفعالات على سلوك الشخص.
وتؤكد هيرلوك "1978". وجود ظروف وعوامل هامة تسهم في تكوين السيادة الانفعالية وأهمها:
1- الجو الأسري الذي يسوده التوافق الأسري بين أفراده والتنشئة الاجتماعية السليمة، يؤدي إلى سعادة الأطفال.
2- الظروف الصحية الجيدة التي تعمل على الانفعالات السارة، وهذا عكس ضعف الصحة الذي يؤدي إلى زيادة الانفعالات غير السارة.
3- العلاقة مع الأقران لها تأثيرها البالغ في هذا الجانب حيث يشعر الطفل المقبول بين جماعته بانفعالات إيجابية وسارة في حين يشعر الطفل المرفوض بانفعالات غير سارة. "عبد الحميد الهاشمي: 1976، 368".
مخاطر النمو الانفعالي:
تتمثل مخاطر النمو الانفعالي في عدة جوانب منها، الحرمان الانفعالي والحب الزائد. حيث يشير الحرمان الانفعالي إلى الحرمان من الحب والتعاطف. ولقد أشارت الكثير من الدراسات إلى خطورة الحرمان من الحب والعطف خلال الأشهر والسنوات الأولى من الحياة يؤثر ذلك على النمو العقلي والاجتماعي
(2/266)

والانفعالي والحركي واللغوي والقدرة على التعلم، كما يصبح الطفل المحروم انفعاليًا شخصًا أنانيًا.
كما أن الحب الزائد له أخطاره أيضًا حيث يؤدي إلى عدم قدرة الأطفال على إقامة علاقات تعاطفية مع الآخرين مما يقودهم إلى العزلة ومن ثم يتعرضون للقلق الهامشي.
تأثيرات السيادة الانفعالية على شخصية الطفل:
تؤثر الانفعالات المسيطرة والسائدة في شخصيات الأطفال وتوافقهم الاجتماعي والشخصي بل إنها تحدد ما سيكون عليه المزاج الانفعالي للطفل.
ولقد كانت الفكرة الشائعة بأن الوراثة هي التي تحد المزاج الانفعالي للشخص، إلا أن الأدلة في الوقت الحاضر تشير أنه يتحدد بدرجة كبيرة بواسطة التعلم أي أن التعلم يسهم بدرجة كبيرة في ذلك.
التوازن الانفعالي وأهميته:
في التوازن الانفعالي ينبغي أن تزداد الانفعالات السارة لدى الطفل حتى يستطيع التغلب على الآثار النفسية السلبية الناجحة عن الانفعالات غير السارة، حيث إذا تغلب تجارب الأطفال للعديد من الانفعالات السارة، فإن ذلك يكون لديهم مزاج انفعالي غير سار مما يؤثر على توافقهم.
ولقد أوضحت هيرولك "1978" أهمية الضبط الانفعالي حيث أشارت إلى أن المفهوم العلمي للضبط الانفعالي يعني توجيه الطاقة الانفعالية إلى قنوات مفيدة اجتماعيًا، وهذا أمر ضروري للنمو الانفعالي السوي.
خلاصة:
لقد لقيت دراسة النوم الانفعالي قدرًا كبيرًا من التجاهل من قبل علماء النفس إذ كانت المشكلة أساسًا هي إدراك الانفعالات. هل الانفعالات هي استجابات فسيولوجية كامنة إطلاقًا؟ هل السلوكيات الانفعالية تعلم "تكتسب"؟ هل للإجراءات المعرفية دخل في ذلك؟
(2/267)

إن الجواب يبدو بالإيجاب على كل هذه التساؤلات.
إن حالة الضغط الفسيولوجي ليس لها معنى "وجداني" في حد ذاتها.
إن الفرد يحدد حالة الضغط على أساس السياق. أما كيف يتحدد الضغط ويعبر عنه سلوكيًا فإنه يبدو متعلمًا إلى حد كبير، غير أن هناك دراسات بحثية تدل على أن الاستعداد للتيقظ الانفعالي وبعض الاستجابات السلوكية هي عادة محددة. هناك تغيرات نمائية في المثيرات المرتبطة بإثارة الخوف. ومن السمات الهامة لهذه التغيرات هي زيادة الخوف من المجهول "ما وراء الطبيعة" والذي يظهر في حوالي السنة الثالثة من عمر الطفل ويقل بعد سن التاسعة. وتدل هذه المعطيات على أن المخاوف تتأثر بالوظيفة المعرفية. فالتنبيه قد يبدو مخيفًا بالنسبة للطفل العادي في سن 6 سنوات. ولكنه ليس كذلك بالنسبة لطفل في سن الثانية عشر، وليست كل المخاوف غير العادية أو الحسية تتناقص مع السن، فالخوف من المرتفعات ومن الثعابين أو الأماكن المرتفعة قد يكون قويًا جدًا ويؤثر على الحياة العادية. ومع أنه توجد إجراءات علاجية كثيرة فإن أكثرها نجاحًا يبدو أنه العلاج السلوكي.
(2/268)

الفصل السابع: التفاعل بين الوالدين والطفل
مدخل
...
الفصل السابع: التفاعل بين الوالدين والطفل
مقدمة:
لا شك في أن أهم مؤثر في التنشئة الاجتماعية للطفل هو الأسرة، وخاصة الوالدان. فالطفل في مرحلة طفولته الأولى وقبل دخوله المدرسة يقضي معظم وقته مع والديه، كما أنه يقضي في المنزل وقتًا أكثر مما يقضيه مع أقرانه، ولذلك فإن الاتجاهات والخلفية المنزلية العامة التي يهيئها الوالدان "من الأشياء المستحبة والأشياء غير المستحبة" لها تأثير بالغ على نمو الطفل وتوافقه خلال تلك السنوات المبكرة، وحتى في سنوات الطفولة المتأخرة وفي فترة المراهقة فإن المتطلبات الوالدية العامة وإجراءات تربية الطفل السابقة تضفي قدر أكبر من السيطرة على السلوك النامي للفرد.
أن التأثير القوي والممتد أي طويل المدى للوالدين على نمو الطفل اجتماعيًا وعلى شخصيته يمثل حجر الزاوية الذي لون وشكل العقل الواعي في نظرية "فرويد" "1935" عن نمو الشخصية، وأهم ما في تلك النظرية هو فكرة أن الطفل في نموه المبكر يتوحد مع identify with والديه من نفس الجنس لكي ينمو نموًا طبيعيًا، ومن خلال هذا التوحد يتعلم الطفل بعض أنماط السلوك الاجتماعي المقبول ويبدأ في اكتساب دور الجنس.
كما أن الوالدين يستخدمان المكافآت والعقاب عند تعليم أطفالهما كيف يسلكون، ومن ثم فإن شخصية الوالدين وسلوكهما مهمان لأنهما يؤثران على الطريقة التي ينشأ بها الطفل اجتماعيًا من خلال تقويمهما النموذج وغيره من وسائل التربية.
ومع أن نظرية التعلم الاجتماعي "لبندورا Bandwra "1969" قد ركزت على وسائل تربية الطفل لتفسير نمو الشخصية، فقد أكد أيضًا كل من: ميشيل Mischel "1970"، سيرز وماكوبي وليفين Levin Maccoby Sears "1957" وسيرز ورو وألبرت Sears Rau & Albert 1965 على دور الوالدين كنماذج وكمعززين للسلوك الاجتماعي، ولذلك فإن مداخل التنشئة الاجتماعية التي تستند إلى نظرية التعلم تؤكد على وجود تفاعل متبادل بين الوالدين والطفل، فلا يقتصر الأمر على أن الوالدين ينشأن الطفل اجتماعيًا بل أن الطفل
(2/271)

أيضًا ينشئهما اجتماعيًا. "Rheingold 1969 Martin 1975 Bell, 1968" وكنتيجة لهذا التأكيد على التفاعل المتبادل بين الوالدين والطفل بدأ علماء النفس يتراجعون تدريجيًا عن فكرة نموذج السببية للوالد Parent Causation madel والتي بمقتضاها يتسبب الوالدان في أن يسلك الطفل سلوكيات معينة وبطريقة معينة، مثال ذلك: فإن الطفل الذي يسلك سلوكًا عدوانيًا يقلد نفس سلوك الوالدان اللذان سلكان مثل هذا السلوك نحوه، وبذلك فهما يقدمان النموذج العدواني للطفل ومن هنا يتضح أن النموذج المتفاعل السببي interactive cauation model يؤكد على التفاعل بين الوالدين والطفل، ويقدم مارتن Martin 1975 التوضيح التالي لهذا المدخل:
"عندما يبدأ الطفل في إغاظة أخته الصغيرة، فتقول الأم: لا تفعل ذلك، ولكن الطفل يستمر في إغاظة أخته التي تبدأ في البكاء فتصرخ فيه أمه وتصفعه، فيتوقف الطفل عن إغاظة أخته "إن مثل هذه المعطيات تضطرنا للتفكير بطريقة تفاعلية، إن الطفل يعلم أمه أن تغير استجابتها إلى الصراخ والصفع، والأم تقدم نموذجًا للسلوك العدواني وربما تقدم أيضًا بطريقة تناقضية تعزيزًا لإغاظته لأخته بإظهارها الدرامي للانفعالية attention وكما يدل عليه هذا المثال فإن الوالد "الأم" والطفل يتفاعلان وكل منهما يؤثر على سلوك الآخر، ويجب هنا تفسير طبيعة هذا التفاعل لكي نفهم أهمية علاقات الوالدين بالطفل في عملية التنشئة الاجتماعية.
(2/272)

الأبحاث المبكرة في أساليب تربية الطفل
مدخل
...
الأبحاث المبكرة في أساليب تربية الطفل:
إن الأبحاث السابقة في تربية الطفل وأهميتها بالنسبة لنمو الشخصية اعتمدت في معظمها على فرويد Freud "1935" والذي أكد على أهمية إحكام سيطرة الوالدين في نمو السمات الثابتة للشخصية، ومن ثم فإننا نتساءل عن الكيفية التي ترتبط بها سيطرة الوالدين لتوحد الطفل مع والديه.
أبعاد تربية الطفل:
لقد استهدفت الأبحاث حول العلاقات بين الوالدين والطفل الكشف عن الأبعاد النفسية لوسائل تربية الطفل، وبتصنيف الآباء تبعًا لهذه الأبعاد، ثم دراسة سلوك أطفالهم جعل من الممكن ربط وسائل تربية الطفل بسلوكه. وهناك طريقة أخرى
(2/272)

تقوم بدراسة الوسائل التي يتبعها الوالدان في تربية أطفالهما الذين يشتركون في سمات مشتركة مثل الانحراف أو العدوانية أو الاضطراب الانفعالي "Marten 1953"، والغرض من هذه الدراسات هو تحديد أي أنماط تربية الأطفال يمكن أن تنبئ بمشكلات الطفولة. وقد حلل شيفر Scheffer، "1953" التفاعل بين الأمهات وأطفالهن من سن شهر واحد إلى سن ثلاث سنوات وحدد للسلوك الأمومي بعدان هما: الحب في مقابل العداء، والسيطرة في مقابل الاستقلال الذاتي، وذلك باستخدام التحليل العاملي الذي يعتبر بمثابة وسيلة إحصائية لتحديد عدد الأبعاد اللازمة لوصف الارتباطات بين عدد من المتغيرات، ويرى بيكو Becter 1964 Krug "1964" أن وصف السلوك الأموي يتضمن ثلاثة أبعاد هي:
"السيطرة في مقابل الاستقلال الذاتي، والحب في مقابل العدوائية"
"القلق الانفعالي في مقابل الانفعال الهادئ Calm detachment"
(2/273)

والنقاط النهائية لهذه الأبعاد محددة بأفعال أبوية مختلفة، فالدفء مثلًا: يعرف بأنه يتضمن القبول والموافقة والاستجابة الإيجابية للاعتمادية، واستخدام المدح بسخاء، وقلة استخدام العقاب البدني، وما إلى ذلك.
والجزء الخاص بالعدوانية في هذا البعد يعرف بالسلوكيات المضادة.
أما بعد السيطرة والاستقلال الذاتي يتعرف: بفرض متطلبات للتواضع وآداب المائدة، والطاعة، السلوك العدواني، وما شابه ذلك:
والارتباط الانفعالي القلق anxious emotional involvement يشير إلى الحماية الزائدة وما شابه ذلك من سلوكيات.
إن سلوك الوالدين يمكن تقديره في هذه الأبعاد، ويمكن اكتشاف الفروق في طرق تربية الأطفال بين الآباء الذين يبدون أنماطًا سلوكية مختلفة. مثال ذلك: أن بيكر Becker "1964" قد وصف كلا من الآباء الديمقراطيين والآباء المتسلطين بأنهم يحصلون على تقديرات أعلى في أبعاد الدفء والسماحية، مع فارق أن الوالدين المتسلطين يحصلون على تقديرات أعلى في الارتباطات الانفعالية، في حين أن الوالدين الديمقراطيين يسجلان درجة أقل في هذا البعد، أي أن الوالد الديمقراطي يبتعد "ينفعل" في هدوء والشكل السابق يوضح أنواعًا أخرى للسلوك الوالدي وتم تصنيفها على امتداد بعدين من الأبعاد.
(2/274)

1- السيطرة الوالدية:
أوضح هوفمان Hoffman "1970" سالتزستين Saltzstain "1967" الطرق التنظيمية المختلفة بأن لا حظًا أن هناك ثلاثة أشكال على الأقل من العقاب يستخدمها الوالدان:
أ- التأكيد على القوة Powr assertion، ويشير إلى استخدام العقاب البدني، الحرمان من الأشياء المرغوب فيها أو الامتيازات أو التهديد بذلك، وباستخدام هذا الشكل من العقاب يسيطر الوالد على الطفل من خلال ضعف الطفل وليس من خلال الذنب الذي ينجم عن تعرف الطفل على ذاته في والديه.
ب- هناك شكلان من وسائل السيطرة ذات طبيعة سيكولوجية هما: التأكيد على انعدام القوة، والسيطرة من خلال سحب الحب Love-withdrawal، والانسحاب يتضمن التعبير غير البدني للغضب الوالدي أو عدم الموافقة، مثل التجاهل، العزل والتعبير عن عدم الرضا للطفل. وهذه الوسائل قد تكون أكثر عقابية من العقاب التقليدي بسبب تهديدها الواضح بالتباعد، والذنب بدوره يمكن أن ينشأ ويبدأ في السيطرة على سلوك الطفل.
وبعكس تأكيد "فرض" السيطرة فإن سحب الحب Love woithrawal قد يستمر لفترة طويلة بدلًا من أن ينتهي بسرعة نسبيًا كما يحدث في حالة العقاب البدني.
جـ- أما الوسيلة الثالثة التي لا تلجأ إلى القوة هي: الاستقراء induction، فعندما يفسر الوالد لماذا يجب ألا يقبل الطفل على سلوك ما مثل تحذير الطفل من النتائج الخطرة للمس موقد ساخن أو اللعب بالكبريت، فإن الوالد إنما يستخدم السيطرة الاستقرائية ليحاول إقناع الطفل بتغيير هذا السلوك من خلال قدرة الطفل على فهم أن بعض المواقف تتطلب ألوانا معينة من السلوك "Hoffman 1970". وثمة مظهر أخر للسيطرة بالاستقراء يتضمن إيضاح تأثير سلوك الطفل على الآخرين. وهذا ما ينمي فهم الطفل لمدارك الآخرين ويساعده على إدراك تأثير أفعاله على الآخرين.
ومن أمثلة السيطرة بالاستقراء ما يتضمن الإشارة إلى مخاطر الجري داخل المنزل، أو حمل الغازات بطريقة غير سليمة، أو دفع الأطفال الآخرين وما إلى ذلك، وكما سنرى عند مناقشاتنا للنمو الخلقي، فإن هذا النوع من السيطرة ينمي مظاهر النمو الخلقي، وبعكس استخدام مظاهر القوة وسحب الحب، فإن الاستقراء لا يقوم بأي محاولات لعقاب الطفل، إذ يحاول الوالد أن يدرب الطفل على فهم نتائج أفعاله في إطار موقف عقابي له تأثيرات مختلفة على نمو الطفل. ولدينا
(2/275)

بعض الأدلة على أن الوالدين اللذين يسجلان تقديرات عالية في العدائية يميلان لاستخدام السيطرة التي تؤثر على القوة.
والوالدان اللذان يسجلان تقديرات عالية في الدفء يميلان لاستخدام المدح والاستقراء "Beckert 1964" حيث أن الوالدان اللذان يستخدمان العقاب البدني يكون أطفالهم أكثر عدوانية Marten 1975, Becker 1974 Feshback, 1970 فإننا نتوقع أن الآباء الأكثر عدوانية ينشئون أطفالًا أكثر عدوانية وهذا هو الواقع مثلًا.
(2/276)

سيطرة الوالدين وسلوك الأطفال:
لقد ربطت بعض الأبحاث أنماط السيطرة التي يتخذها الوالدان في تربية الأطفال بسلوكهم. وقد لخص بيكر Becker "1964" بحثًا في إطار أبعاد سلوك الوالدين التي ناقشناها. وبصفة عامة توجد أدلة وافية لتبيان أن الوالدين اللذين يستخدمان قدرًا كبيرًا من العقاب البدني ينشئان أطفالًا عدوانيين بمقاييس أخذت في المنزل وفي المدرسة وفي مواقف اللعب بالدمي. وهذه العلاقة بين عدوانية الوالد والطفل ترجع إلى ثلاثة عوامل:
- استخدام الوالدين للعقاب البدني قد يسبب الإحباط للطفل، وهذا بالتالي قد يولد الغضب الذي يظهر في شكل سلوك عدواني.
- أن الوالدين اللذين يستخدمان العقاب البدني في محاولة للسيطرة على سلوك أطفالهما يعتبران نموذجا لاستخدام العدوانية، والواقع أن هذين الوالدين قد يعلمان أطفالهما أن يسلكوا سلوكًا عدوانيًا.
- أن الوالدين العدوانيين اللذين يستخدمان العقاب قد يعززان بطريقة مباشرة السلوك العدواني لدى أطفالهما.
ولا شك أن هناك بعض الحقائق في كل من هذه التفسيرات. وفي الوقت الحالي ليس باستطاعتنا إلا أن نقرر أن كل فرض له ما يؤيده في الأبحاث،
(2/277)

غير أنه في المستوى الوالدي العملي تظل الحقيقة قائمة وهي أن الوالدين اللذين يستخدمان العقاب ينشئان أطفالًا عدوانيين.
إن الجزء الأكبر من الأبحاث عن سيطرة الوالدين على سلوك الأطفال يختص ببعد السيطرة والاستقلال الذاتي، وتؤيد البحوث الافتراض أن الوالدين المانعين "المسيطرين restrictive" وهما أولئك اللذين يجبران الطفل على الالتزام بمعاييرهما، وأنهما يربيان أطفالًا سلبيين ومنسحبين اجتماعيًا وغير أكفاء. وبالمقارنة فإن الوالدين يتسمان بالسماحية Permissive، أي: اللذان لا يتطلبان درجة عالية من الإذعان لمعاييرهما، فإنهما يربيان أطفالًا يتصرفون بطريقة أقل حرصًا ويميلون لدرجة كبيرة من العدوانية، وتدل المعلومات المستقاة من "معهد أبحاث فيلز Fels" في دراسة طولية لكاجان وموس Moss & Kagan 1962 تدل على أن تأثيرات المنع الأموي في فترة الطفولة المبكرة "من الميلاد إلى سن ثلاث سنوات" لها تأثيرات تمتد إلى فترة طويلة "شكل 66-ب".
إن أطفال الأمهات المانعات restrictvenss يميلون إلى أن يكونوا أكثر إذعانًا واعتمادًا على الراشدين، وأقل عدوانية وتنافسية. أن المنع الأمومي خلال فترة العمر 3-6 سنوات كان لها تأثير أكثر تعقيدًا إلى حد ما. إن الصبية الذين يتعرضون للمنع سلكوا بطرق تتسم بالخوف والاعتمادية خلال سنوات الطفولة المتأخرة، ولكنهم كانوا أكثر عدوانية "تنافسًا وتأكيدًا" في
(2/278)

فترة المراهقة.. إن النمط العام للتفاعل مع الأقران كان يدور حول محاولات لكسب تقبل الأقران، وثمة ميول مشابهة كانت موجودة بالنسبة للبنات في فترة الطفولة المتأخرة، وفترة المراهقة المبكرة، ولكن مع بلوغ سن المراهقة تظل البنات سلبيات ويتصفن بالاعتمادية، ومن ثم يبدو أن السلبية تؤدي إلى طراز سلبي اعتمادي للتفاعل الاجتماعي، وتؤدي السماحية فيما بعد إلى زيادة عدوانية الشخص وإن كانت عدوانية ملائمة ومقبولة.
إن تأثير المنع/ السماحية من الوالدين على نمو الطفل يرتبط بالمناخ العام للمنزل والذي تحدث فيه هذه العلاقة، "Beker 1984" إن السماحية عند استخدامها في مناخ منزلي يتسم بالعدوانية تؤدي إلى العدوانية عند الأطفال وإلى
(2/279)

حدوث الانحراف في الأحداث. ويؤدي إلى الجمع بين السماحية والعدوانية إلى توليد أقصى درجة من العدوانية. إن المنع في مناخ عدائي يؤدي إلى مستويات أعلى من العدوانية الذاتية أو القلق أو أعراض عصبية أخرى. ويؤدي الجمع بين السماحية والدفء إلى أطفال ودودين ومعتمدين ومبدعين وأقل نسبيًا في مقاييس العدوانية.
إن الأطفال الذين يربون في مناخ "مانع" restrictive ولكن دافئ يميلون إلى أن يكونوا معتمدين، غير ودودين وأقل ابتكارًا، وأكثر عدائية. أما الأطفال الذين يربون في بيوت تتسم بالسماحية مع الدفء يميلون لأن يكونوا اجتماعيين ومسيطرين، ولكن في حدود ملائمة ومقبولة من الآخرين.
والخلاصة أنه من المهم أن نؤكد بصفة عامة أن المنع والسماحية كلا منهما له نتائج سلبية وإيجابية، وفي حين يؤدي المنع إلى سلوك مناسب اجتماعيًا ومضبوط، فإنه يساعد أيضًا على الاعتمادية ويقلل الاجتهاد العقلي، فإن السماحية تؤدي إلى سلوك اجتماعي وانطلاقي، ولكنها تؤدي أيضًا إلى عدوانية زائدة.
والجدول السابق يوضح العلاقات بين سلوك الأطفال من ناحية وبين الدفء العدوانية، والمنع السماحية من ناحية أخرى.
إن السماحية في مناخ عدائي تزيد العدوانية إلى أقصى حد وتزيد من السلوك المفتقر إلى السيطرة، والمنع عند جمعه مع العدائية يزيد العدوانية الذاتية "ميول انتحارية" والانسحاب الاجتماعي، أم الدفء والسماحية فيزيدان الفردية والسمات الاجتماعية الانطلاقية، وأخيرًا فإن المنع في مناخ دافئ تؤدي إلى أطفال على درجة عالية من الإذعان.
إن هذا التعميم يجب تفسيره ببعض الحذر في معظم الأبحاث فلم يتم التوصل إلى أدلة عن الآباء علاوة على ذلك فإن النتائج محدودة بدرجة كبيرة وقاصرة على الطبقة المتوسطة، وأن الأوصاف الواردة هنا تقدم بعض الأدلة عن الأبوة، ولكن يجب ألا تؤخذ على أنها حقيقة مطلقة. وفي التحليل النهائي توجد نماذج أبوية ونماذج عن تربية الطفل ولا تستطيع أن تحدد أيهما يناسب كل أب.
(2/280)

تربية الطفل وإساءة معاملته
تعريف إساءة معاملة الطفل
...
2- تربية الطفل وإساءة معاملته:
لا يمكن أن تكون هناك أي مناقشة كاملة عن تربية الأطفال child rearing بدون اعتبار المشاكل الصعبة المعقدة التي تتعلق بإساءة معاملة الطفل child Abuse، وقد لا يوجد أي جانب لتربية الطفل يثير الرأي العام لدرجة أكبر مما أثاره هذا الجانب في العصر الحديث. وحيث أننا لا نستطيع أن نطرق سوى القليل من الموضوعات المتصلة بهذا الموضوع، فإن القارئ المهتم قد يحب الرجوع إلى آراء بعض الباحثين مثل "Collmer Park, 1972 Rigler, Spinetta Besharou, Fantana, 1975"
تعريف إساءة معاملة الطفل:
إن إساءة معاملة الطفل يرجع عادة إلى الإفراط في استخدام القوة المفروضة، وأساليب العقاب البدني "Collmer & Parke 1975"، غير أن ثمة تعريف مناسب لإساءة معاملة الطفل يجب أن يأخذ في الاعتبار عوامل أخرى علاوة على الأضرار الجسيمة التي يعاني منها الطفل. وحيث أن "93%" من الآباء يستخدمون العقاب البدني بدرجات متفاوتة "Mc Evaym Starle, 1970" فإن التعريفات التي تقتصر على استخدام العقاب البدني قد تكون غير تمييزية وذات أدلة عملية قليلة.
وثمة عامل إضافي يتضمن مفهوم القصد هل كان الوالد ينوي إلحاق ضرر جسمي بالغ بالطفل؟
إن إدماج القصد في تعريف إساءة معاملة الطفل ضروري لاستبعاد الحالات التي يحدث فيها الضرر على أنها شكل من أشكال نبذ الطفل. أن صعوبة الحكم على القصد من جهة الوالد يصبح موضوعًا للبحث. وحيث أن الاستدلال على القصد يتسم بالصعوبة في محاولة الاعتماد عليه، فإن بعض الأخطاء في الحكم على القصد في نبذ الطفل لا بد وأن تحدث.
(2/281)

وهناك عامل إضافي آخر يجب إدراجه في أي تعريف لإساءة معاملة الطفل، هو معايير المجتمع المحلي الصغير بالنسبة لتربية الأطفال وخاصة فيما يتعلق باستخدام الوالدين للعقاب البدني "Collmer, Parke, 1975"، وقد يضع ضررًا ما لنبذ الطفل في طبقة اجتماعية معينة دون أخرى، مثال ذلك أن إساءة معاملة الطفل يعرف جزئيًا بمعايير المجتمع، التي تختلف كدالة على الطبقة الاجتماعية، ومساحة الإقليم، والمجموعات الدينية وما إلى ذلك. إن إدماج معايير المجتمع في التعريف تساعد على جعله أكثر دقة وفائدة.
لقد اقترح بارك وكولمر Parke, Collmer "1975, ص513" التعريف التالي الذي يأخذ العوامل السابقة في الاعتبار. "أن إساءة معاملة الطفل يستدل عليها لكل طفل يلحق به أي ضرر جسماني غير عرضي كنتيجة لأفعال من جانب الوالدين أو أولياء الأمور الذين ينتهكون المعايير الاجتماعية الخاصة بمعاملة الأطفال.
كما عرف ستراوس Straus "1979" الطفل المساء معاملته بأنه ذلك الطفل الذي يتعرض لهجوم الوالدين، ويتعرض للإساءة البدنية، عن طريق العقاب البدني، الدفع، الركل، الضرب بشدة بواسطة أشياء حادة مثل السكين ... إلخ.
فالطفل المساء معاملته هو نتاج مجموعة من العوامل متشابكة معقدة، فهو يخرج من أسرة متوسطة ومنخفض المستوى، ومن أسر يكون الوالدان أنفسهما منبوذين ومساء معاملتهما، ويكون الطفل فيها ضحية، ونتيجة للنماذج الوالدية السيئة، حيث يكون الوالدان عدوانيين أو لديهما مرض نفسي أوعصبي، مستوى التعليم والثقافة محدودين، العلاقة السائدة في الأسرة يسودها التوتر والشجار الدائم، كما أن الأسرة تكون كبيرة العدد، العلاقة بين الطفل وأبويه متوترة، ويلجأ الوالدان عادة إلى استخدام العنف والضرب على الطفل، كما أن مفهوم الذات للوالدين يكون عادة منخفض جدًا، وفي أحيان كثيرة يكون معدل الذكاء للوالدين منخفض، مضطربين قلقين. وهذه هي بعض العوامل التي تؤدي إلى "نبذ الطفل". "Keller & Erne, Diane 1983".
(2/282)

معدل حدوث إساءة معاملة الطفل:
إنه من الصعوبة بمكان الحصول على إحصاءات عن حوادث إساءة معاملة الأطفال في الولايات المتحدة. ويهم عدد من العوامل في عدم الاعتماد على الإحصاءات "Parte, Collmer, 1975" وبعض هذه العوامل هي:
عدم قيام الوالدين بعرض الطفل الذي أصيب بالضرر للعلاج الطبي، وعدم قيام الأطباء بالتبليغ عن حالات إساءة معاملة الطفل، وتغير الوالدان اللذان يكرران إيذاء أطفالهما.
وكنتيجة لهذه الصعوبات وغيرها فإن الدليل على نبذ الطفل لا يمكن التوصل إليه إلا بطريقة تقريبية، وحتى مثل هذا التقدير يكون مشكوكًا فيه، علاوة على ذلك فإن الحالات الدالة على زيادة حالات إساءة معاملة الأطفال من الصعب تفسيرها لأنه لا يمكن تحديد ما إذا كانت الزيادات لا تمثل سوى الزيادة في حالات الإساءة التي تم التبليغ عنها، أم هي زيادة فعلية في حالات إساءة معاملة الأطفال. مثال ذلك أن بارك وكولمر Park" & Collmer "1975 يذكران أن هناك زيادة قدرها 549% في نيويورك في الفترة من 1966 إلى 1975. غير أنه ليس واضحًا ما إذا كان ذلك يمثل زيادة حقيقية في الدليل أو هو نتيجة لإجراءات التسجيل الجديد. ورغم هذه الصعاب فإنه من الممكن الحصول على بعض التقديرات عن حوادث إساءة معاملة الطفل. وثمة تقدير متحفظ في عام 1970 يرى أنه كان هناك ما يقرب من خمسمائة ألف طفل مبنوذ في الولايت المتحدة "Light, 1973" وذكر آخرون أن الأعداد عنها تعادل 50% من الحالات الفعلية. وهناك دليل آخر أكثر تطرقًا أصدرته وزارة الصحة والتعليم والرفاهية في الولايات المتحدة "1976" تفيد بأن هناك من 2،5 إلى 4 مليون طفل يتعرضون لإساءة المعاملة. ومهما كان التقدير الذي تميل إلى تصديقه، فمن الواضح أن عددًا كبيرًا من الأطفال يتم إساءة معاملتهم وأن المسألة تشكل خطورة.
(2/283)

أسباب إساءة معاملة الطفل:
حاولت الأبحاث في موضوع إساءة معاملة الأطفال أن تحدد سمات التفاعلات الشخصية والاجتماعية فيما بين الوالدين والطفل التي تتصل بنبذ
الأطفال. وسوف نقصر مناقشتنا على المعلومات التي تتصل بالسمات الشخصية للآباء الذين يقومون بإساءة معاملة الأطفال، وما تتسم به علاقات الوالدين بالطفل من سمات تتصل بإساءة معاملة الأطفال. لقد وصف الأباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم بأنهم مندفعون، متمركزون حول ذواتهم جامدون، غير ناضجين، وما شابه ذلك. "Park Collmer 1975" وتدل هذه الأوصاف على أن الآباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم لديهم نقص في الشخصية يساعدهم على التعبير عن سلوك عدواني بكثرة وبشكل متطرف. "Rigler Spinetta 1972" ولكن ليس هناك دليل ثابت يشير إلى سمات محددة أو مجموعات سمات يمكن أن تميز الآباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم بطريقة واضحة عن الذين لا يقومون بذلك "Callner Parke 1975".
وهناك اتفاق على أن الآباء الذين يقومون بنبذ أطفالهم كانوا هم أنفسهم يتعرضون لإساءة المعاملة والإهمال في طفولتهم "Parke & Coller, 1975" وأن الآباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم هم أيضًا من أسر كانوا فيها موضع نقد ويفتقدون الرعاية، ويبدو أن الآباء الذين يقومون بإساءة معاملة أطفالهم يتعلمون أن يربوا أطفالهم بطريقة انتقالية ترجع في جزء منها إلى أنهم يحتذون بآبائهم في إجراءات تربية الأطفال. وكنتيجة لذلك توجد هناك درجة من ثبات التداخل بين الأجيال، والتطابق في إساءة معاملة الأطفال.
الأسباب التي تدعو الأطفال إلى الشعور بأنهم غير مرغوب فيهم "منبوذين":
- إهمال الأطفال وعدم السهر على راحتهم وإشباع حاجاتهم.
- انفصال الطفل عن والديه.
- التهديد بالعقاب البدني الشديد.
- التهديد بالطرد من المنزل.
- كثرة التحذيرات.
- إذلال الطفل، ويتمثل في الشعور المستمر بالسخرية.
- أن تكون الأم أو الأب عصبي المزاج، يسود سلوكهما الضجر والتذمر وهما يقومان بإشباع حاجات الطفل.
- عدم حماية الأطفال والاهتمام بشئونهم.
(2/284)

أثر هذا الأسلوب في سلوك الأطفال:
1- إن الطفل المساء معاملة يكون قلق مضطرب شديد التعلق بوالديه.
2- القيام بأنواع مختلفة من السلوك الشاذ وقد يصل إلى درجة السلوك العدواني ليلفت الانتباه أو القيام بسلوك يتميز بالمقاومة والعناد والثورة.
3- في حالات أخرى قد يعرض الطفل المنبوذ نفسه للجروح والكدمات "عدوان موجه نحو الذات" ليلفت إليه الانتباه.
4- القيام بسلوك يدل على حقد الأطفال على البيئة المحيطة بهم، ونجدهم يسببون مشاكل عديدة لأنفسهم وللمحيطين بهم. "مصطفى فهمي: 1979، 162-164"
ولقد أكدنا في هذا الفصل على أهمية دراسة التفاعلات بين الوالدين والطفل عند وصف نمو الطفل، ويتضح ذلك من الانتقاء الذي يحدث في إساءة معاملة الطفل، إذ أنه لا يتعرض كل الأطفال في الأسرة لإساءة معاملة، ويوضح بارك وكوليمار Park & Colimer "1975" عاملان يتصلان بالطرق التي يمكن بها للطفل أن يسهم في تقديم إساءة المعاملة لنفسه:
الأول: أن الطفل قد يكون لديه سمة وراثية أو جسمية أو سلوكية تجعله أكثر احتمالًا لأن يكون هدفا لإساءة المعاملة، والثاني: أن التفاعل بين الوالدين والطفل قد يعلم الطفل أنماطًا سلوكية قد تؤدي إلى مزيد من إساءة المعاملة، ويعتبر رد فعل الطفل للعقاب ظاهرة ذات أهمية خاصة.
مثال ذلك: أن الطفل الذي يكون رد فعله للعقاب متسمًا بالتحدي، من المحتمل أن يجعل ذلك الوالد يزيد من شدة العقاب في المستقبل، وقد تتولد حلقة مفرغة تنتهي باستخدام الوالد للعقاب الجسمي الشديد الذي يؤذي الطفل. ولا يزال هناك الكثير الذي يجب أن نتعلمه عن إساءة معاملة الطفل، وكيف نعامله معاملة سوية، وتبدو المعالجة التفاعلية في هذا المجال مشجعة. ومن الواضح في الوقت الحاضر أن استخدام الوالدين للعقاب البدني الشديد لا يرجع إلى الطفل فقط ولكن يساعد على تكوين تطابق بين الأجيال في وسائل تربية الطفل، وترجع إلى المجتمع أيضًا، وتتحدد به وسوف نناقش فيما بعد العلاقات بين وسائل القوة والسيطرة في نمو الطفل.
(2/285)

نمو الارتباط "التعلق" الوالدي
مدخل
...
3- نمو الارتباط "التعلق" الوالدي:
Attachment:
إن التعلق أمر يتصل بالإنسان والحيوان، وهو بداية لمزيد من النمو الاجتماعي كما يرى ذلك كل من:
Ainsworth 1973 Martin 1975 Schaffer" Emerson 1964 Maccoby Masters 1970 &
وخلال السنوات العشر الأخيرة ازداد اهتمام علماء النفس بإطراد مسار التعلق وثباته مع الوقت، وأنواع التفاعلات الأبوية التي تساعد عليه، وأهميته بالنسبة للنمو المعرفي، والانفعالي والشخصي.
إن التعلق يصعب تعريفه ويعقد معظم علماء نفس النمو أنه يستدل عليه من خلال الاستجابات التي تهدف إلى البحث عن القرب Proximity من جانب الصغار في أي جنس، وقد عرف إمرسون وشيفر Emerson Schaffer "1964" التعلق بأنه: "الميل من جانب الطفل للبحث عن القرب من عضو آخر من نفس النوع". إن التعلق يتركز عادة على أفراد معينين فقط، في حين تظهر استجابات الخوف بالنسبة لأفراد آخرين.
إن السمة الرئيسية للتعلق هي التخصيص بالنسبة لاستجابات عضو معين أو أكثر من نفس النوع "الجنس".
إن هذا التقسيم للتعلق يميزه عن الأنماط السلوكية الأكثر شمولًا التي تسمى "بالاعتمادية" والتي نربطها بالأطفال الأكبر سنًا.
وهناك أنواعًا كثيرة من الحيوانات تبدي تعلقًا "Bowlly, 1959 Hess 1970 Maccoby & Masters 1973 Mmswrth 1966" فصغار الفصيلة يبحثون عن اتصال بصري أو سمعي أو جسدي أو قرب من أعضاء الفصيلة الآخرين، وهناك دليل آخر عن التعلق هو احتجاج الصغير أو حزنه عندما ينفصل عن الأعضاء الآخرين في الفصيلة. وبالنسبة لصغار الأطفال استخدم عدد من السلوكيات لتصنيف التعلق Maccoby 1969 Bowlly 1973
(2/286)

1963 Ainsworth 1964 Schaffer Emerson 1970 Mastirs, 1964 وهذه السلوكيات تتضمن الاحتجاج في حالة الانفصال عن الوالد كقاعدة آمنة يكتشف من خلالها البيئة، أو الاقتراب من الوالد، أو الخوف من الغرباء، أو الابتسام أو التحدث للأب والتعلق بالوالد. وفي معظم الأبحاث اتجهت سلوكيات التعلق هذه نحو الأم. غير إننا سنرى فيما بعد أن الأطفال أيضًا يصبحون متعلقين بالأب أو بأشخاص أو أشياء أخرى.
(2/287)

نظريات التعلق:
1- نظرية التحليل النفسي:
لقد انبثق الاهتمام يتعلق الطفل من نظرية "فرويد" عن النمو النفسي الجنسي ومفهوم التقمص identification وطبقًا لنظرية فرويد فإن الأطفال الصغار مهيئون بيولوجيا للارتباط بالأشخاص من حولهم "Maccoby, Masterst, 1970". ولقد نظر إلى التعلق على أنه شحنة انفعالية لاختيار الشيء إذ يستثمر الطفل الصغير بعض الطاقة الليبيدية في شخص آخر قد يكون الأم أو البديل، وقد افترض أن ذلك يحدث لكل من الأولاد والبنات في السنة الأولى من حياتهم.
(2/287)

2- نظرية التعلم:
لقد ترجم علماء التعلم نظرية فرويد إلى مصطلاحاتهم الخاصة، وصاغوا افتراضات يمكن اختبارها، وجمعوا معطيات عن نمو التعلق في صغار الأطفال، بطريقة منهجية "Gerwirtz, 1969". وكثير من أبحاثهم اهتمت بدور إجراءات تربية الطفل، واستنتجوا أن الأطفال الصغار يتكون لديهم التعلق أساسًا من خلال التغذية، وعادة يكون هذا التعلق بالأم. وقد لاحظ كل من: سيزر واينتج وآخرون Sears, Whintin & Nowlis "1935" أن السلوكيات الدالة على التعلق تنتج عن الوجود المستمر لأداء الآخرين لدور المغذي. أن الطفل منذ ولادته يتلقى الغذاء والدفء والحنان والتدليل وإطفاء ظمئه وتخفيف آلامه ومتاعبه بواسطة الآخرين. وهؤلاء الآخرين يتمثلون عادة في الأم، وكنتيجة لذلك يتعلم الطفل مبكرًا أن يساعد أمه ليضمن مساعدتها كلما تطلبت دواقعه الأولية بعض التغيير في بيئته لكي يمكن تخفيف هذه الدوافع.
إن الأمهات بسبب ارتباطهن بخبرة اللذة التي تتعلق بالطعام فإنهن يعتبرن معززات ثانوية.
إن الطفل الصغير يتعلم أن قرب الأم يعني اللذة والرضا، وبمعنى آخر افترض علماء التعلم أن الأم تعطي دلالة للتخلص من عدم الراحة أو هي بمثابة ابتداء المثيرات السارة. وقد افترضوا أيضًا أن الطفل المضطرب أو الخائف أو الذي لا يشعر بالراحة يبحث عن والدته كمصدر للتخلص من الخوف، أو عدم الراحة أو غيرها من المضايقات. وطبقًا لما ذكره بير وبيجو "Baer, Bijjou, 1969" فإن الأم نفسها كمثيرة تصبح متميزة كزمان ومكان، إما لإضافة معززات إيجابية لبيئة الطفل الصغير أو لنقص المعززات السببية منها.. وبالتالي فإنها تكتسب وظيفة تعزيزية إيجابية، وترسي الأساس للنمو الاجتماعي بعد ذلك لطفلها الصغير.
3- التعلق في الحيوانات:
إن قدرًا كبيرًا من الأبحاث عن التأثر imprint أو التعلق في الحيوانات تثير الشك في هذا الرأي. ففي أعمال هيس Hess "1959، 1964"، لارني Larney
(2/288)

"1943" عن التأثر في الدجاج والبط يقترحان أن نظرية التعلم إنما هي تفسير غير صالح، فصغير البط مثلًا يتبع أي شيء متحرك يراه وخاصة فيها بين 13، 16 ساعة بعد الفقس، وعادة يتبع صغير البط أمه، ولذلك يصبح متعلقًا بالراشد. وعندما يحدث ذلك يتعلم صغير البط أن يسلك مثل باقي أعضاء النوع: مثال ذلك القيام بالسلوك الابتكاري العادي، وإذا لم يتأثر صغير البط بعضو آخر من الفصيلة، وليكن بكتلة من الخشب مثلًا أو حتى بشخص آدمي، فإنه لا يتعلم الاستجابة الاجتماعية المناسبة لنوعه. وعلى ذلك، وبالنسبة للبط على الأقل فإن التأثر يبدو أنه مقدمة للنمو الاجتماعي العادي. إن التعلق لا ينتج عن تعزيز ثانوي، ولكنه يمثل تتابع فعل ثابت يحدث فيه مثير بيئي "شيء متحرك" كميكانيزم مخفض reaser للبط كي يقوم بالاستجابات التالية "Hess, 1959, 1964"
علاوة على ذلك فإن التعلق يبدو وكأنه لا يحدث إلا في فترة حاسمة يبدأ من الولادة إلى سن حوالي 24 ساعة. أما بعد هذه الفترة فإن الحيوانات عادة لا تتأثر.
إن فكرة الفترات الحاسمة اللازمة لفهم تطور استجابة الحيوان يمكن أن تكون أيضا ذات أهمية لفهم نمو الإنسان "Caldwll 1962".
أبحاث هارلو Harlow:
أن أشهر الأبحاث المعروفة عن التعلق لدى الحيوانات قام به هارلو Harlow الذي بحث في نمو التعلق في القرود حديثه الولادة واستند فيه على بديلين للأم، وقد صنعت إحدى البديلتين من السلك، أما الأخرى فقد كسبت بقماش وبري، وقد تناول نصف القردة الصغيرة غذاءهم من الأم السلكية، والنصف الآخر من الأم الوبرية: وطبقًا لنظرية التعلم بالنسبة للتعلق فإن القرد الصغير يجب أن يتجه إلى حب "تعلق" الأم التي غذته "Hairlow & Zimerman 1959"، غير أن معطيات البحث أظهرت خلاف ذلك، إذ كانت القردة التي تتغذى من الأم السلكية تقضي معها وقتًا كافيًا لتناول الغذاء فقط، بينما فضلت البقاء مع الأم البديلة المصنوعة من القماش الوبري واللعب معها والاتصال بها، كما أن القردة التي تلقت غذاءها من الأم البديلة المصنوعة من القماش المغطى لم يكادوا يمضوا وقتًا يذكر معها. علاوة
(2/289)

على ذلك ففي موقف مثير للخوف هرع القردة إلى الأم البديلة المصنوعة من القماش التي تمدهم بما أسماه "هارلو" "راحة الملامسة" Contct comfort. إن ملامسة الأم المصنوعة من القماش مما أدى إلى خفض الخوف الذي شعرت به القردة. كما عكف على تكرار البحث عن أشياء أخرى مثيرة للخوف مستخدمة في ذلك الأم كقاعدة أمان تبدأ أمنها استطلاعاتها. أن هذه النتائج التي اتضحت عدة مرات، تقترح أن هناك قدرًا كبيرًا من جوانب نظرية التعلق لا يمكن تفسيره بمبادئ التعزيز الثانوية، وقد استخدمت المعالجة البيئية التي ركزت معظم البحث على التعلق لدى صغار الإنسان "الأطفال" وقدمت تفسيرًا بديلًا.
4- العوامل التطورية:
كان جون بولبي John Bowlbly "1958، 1960، 1969، 1973" من أول الباحثين في موضوع التعلق في الأطفال الآدميين من الناحية البيئية، وهو يعتقد أن التعلق البشري له أساس بيولوجي لا يمكن فهمه إلا في إطار تطوري، وبالرغم من أنه يعترف بدور التعلم في التعلق البشري، إلا أنه يعترف أن التركيب العضوي الإنساني مزود بأنماط سلوكية ثابتة نسبيًا تعمل على خفض احتمال تعرض الوليد للموت قبل الوصول إلى مرحلة النضج. وهذه الأنماط التي تعتبر
(2/290)

ضرورية لبقاء النوع تولدت عن التاريخ التطوري للإنسان وقامت وظائف تشبه وظائف التعلق في الأشكال الحيوانية الأدنى مرتبة، وأهمها "حماية الصغار"، ولكي تكون هذه السلوكيات فعالة يجب أن تكون موجهة إلى الأعضاء الراشدين من النوع، وخاصة الأم. وهذه السلوكيات تضمن الرعاية المناسبة من الراشدين، ومن ثم تعمل كطرق يستطيع الطفل فيها أن يتأكد من البقاء طوال فترة الطفولة.
ويهدف التعلق إلى وضع الطفل على اتصال وثيق ببعض أعضاء النوع وهو ينشط عندما ينفصل الصغار عن هذا العضو أو يهددونه بذلك.
والسلوك التعلقي ينتهي بالإثارة البصرية أو السمعية أو اللمسية من جهة العضو المتعلق من النوع وهو عادة الأم. وكلما كان الانفصال أو التهديد شديدًا، زاد مقدار الانفعال اللازم لإنهاء سلوك التعلق. مثال ذلك أن التهديد الشديد قد يولد سلوكيات تعلقية لا تنتهي إلا عندما يقوم الطفل بالاتصال بالعضو المتعلق به، في حين أن تهديدًا أقل درجة قد يولد سلوكيات تعلقية تنتهي بمجرد روية العضو المتعلق به.
ويعتقد بولبي Bowlby "1969، 1973" أن الإنسان قد طور الأنماط السلوكية التي تعكس التعلق. وبتوجيه السلوك التعلقي نحو الراشدين، وعادة من يقوم بالرعاية الأولية له، فإن الطفل يضمن الرعاية المناسبة ويزيد فرصته للبقاء إلى فترة طفولة طويلة. ويقول "بولبي" أن الأطفال الصغار لديهم خمسة أنواع من السلوك المحدد تساعدهم على إحداث وإبقاء الاتصال بالراشدين. إن التشبث Clinging، والمص Sucking والملاحقة following، تعمل على إبقاء الاتصال بالنوع. أما البكاء Crying والابتسام Smiling فيجعلان الراشد يقوم بالاتصال الاجتماعي مع الطفل. ومع نضج الطفل تتكامل هذه السلوكيات وتتركز حول الأم وتكون الأساس للتعلق بها. ومع التقدم في السن، فإن السلوك يفترض أن يتحول من الاتصال البدني بالأم إلى اتصال أكثر بعدًا، بما في ذلك التعضيد "التأييد" الانفعالي emotional support.
(2/291)

دور تطور التعلق الاجتماعي
...
دورة تطور التعلق الاجتماعي:
يمكن تقسيم دورة تطور التعلق الاجتماعي إلى ثلاث مراحل وهي:
1- مرحلة اللاجتماعية: "عدم التعلق الاجتماعي":
وهي تبدأ منذ الميلاد، حيث أشارت الدلائل إلى أن الطفل الرضيع لا يبد أي تعلق اجتماعي بالآخرين، واعتبر الباحثون أن الرضيع "غير متعلق" اجتماعيًا في الشهور المبكرة من حياته، وليس معنى التعبير "لا اجتماعي". هنا: أن الرضيع لا يستجيب للمثيرات الاجتماعية، بل المقصود أن استجابته لا تختلف كثيرًا لهذا المثيرات الأخرى عنها للمثيرات الاجتماعية. وقد وصل الأمر ببعض الباحثين إلى افتراض أن تمييز الطفل لنفسه عن المثيرات في البيئة الخارجية يكون هدفًا رئيسيًا لهذه المرحلة واعتبروا هذا شرطًا ضروريًا لتطور التعلق الاجتماعي فيما بعد.
2- مرحلة "ما قبل الاجتماعية":
وتبدأ هذه المرحلة تقريبًا في الشهور الأولى حتى الشهر السابع، وتسمى هذه المرحلة أحيانًا مرحلة "التعلق غير التمييزي". والطفل في هذ المرحلة، ومن خلال تفاعله مع الآخرين يتعلم أن يفرد الأشخاص كمواضيع تثيره وتستجيب له أكثر من غيرها في العالم حوله، فهو لا يزال لا يعرف أن هؤلاء الأشخاص أمه أو أبيه مثلًا، لكن يبدو أن هذا ليس مهما في هذه المرحلة، وتتميز هذه المرحلة من التعلق الاجتماعي بغياب الاختيار، فالطفل ما زال يبتسم للوجوه دون أن يميز وجه مألوف وآخر غير مألوف، والطفل قد يحتج إذا ما فصل عن شخص معين، لكن استبدال هذا الشخص بشخص آخر، لا يؤثر في الطفل.
3- مرحلة الاجتماعية التعلق الاجتماعي المتخصص:
وهذه هي المرحلة الأخيرة تبدأ عادة بعد الشهر السابع تقريبًا وهنا يبدأ الطفل في الاحتجاج إذ غاب عنه شخص معين، "الأم في العادة"، وتظهر على بعض الأطفال علامات التعلق بأكثر من شخص، ولكن يظل هؤلاء أشخاصًا معينين، ولذا يتضح أن بمقدر الطفل أن يميز أمه عن الأفراد الآخرين، فهو يتعلق بها دون غيرها، وكحاضنة رئيسية له تمثل له شخصا ذا دلالة. ولهذا سميت هذه المرحلة بالمرحلة "الاجتماعية".
(2/292)

وتشير الدراسات: إلى أن التعلق يتطور بشكل سريع، ويجب ملاحظة أن المراحل السابقة للتعلق تختلف من مجتمع لآخر، كما أنها تتأثر بعوامل النضج، وبالخبرات الاجتماعية المبكرة التي يمر بها الرضيع، وتتأثر كذلك بطريقة التربية، ولذلك من الصعب ربط كل مرحلة بعمر معين.
أبحاث شافر وإمرسون Scaffer & Emarson:
قام هذا الباحثان "1964" بإجراء واحدة من أولى الدراسات الطولية حول التعلق لدى الإنسان، مستخدمين مجموعة من "60" طفلًا اسكتلنديا، وقد قام هذان الباحثان بتعريف التعلق على أنه ميل الطفل إلى البحث عن القرب من أعضاء النوع الآخر، كما يدل على الاعتراض على الانفصال عن هؤلاء الآخرين. وقد أرادا في بحثهما أن يستطلعا السن الذي يبدأ فيه التعلق، ومدى شدته وأهدافه. وقد لاحظا واختبرا "31" ذكرًا، "29" أنثى. وقد قيس التعلق في عدد من ظروف الانفصال عن الأم: ترك الطفل بمفرده في حجرة، تركه مع أشخاص أخرين، تركه في عربة خارج المنزل أو خارج محل تجاري، ووضعه في الفراش ليلًا، وضعه بعد أن كان محمولًا، والمرور عليه وهو ما يزال في الفراش. هذا والمعطيات التي جمعت خلال المقابلات مع الأمهات كل أربعة أسابيع في السنة الأولى من الحياة ثم في سن 18 شهرًا، كانت تتضمن:
مظهر احتجاج الطفل على الانفصال، ومدى تكراره، وشدته، والشخص الذي وجه إليه الاعتراض، أي الشخص الذي أدى رحيله إلى حدوث الاستجابة ويبدأ ظهور التعلق في الربع الثالث من السنة الأولى، وفي أثناء الستة شهور الأولى يحتج الطفل عادة عندما يرحل أي شخص كان قريبًا، وهو شكل من أشكال التعلق غير التمييزي. ويقترح "شافر وإمرسون" أنه في خلال الستة شهور الأولى يبحث الطفل عن الاتصال وجذب انتباه الأغراب والمألوفين على حد سواء مما يدل على التعلق بالناس عامة. وفي خلال الستة شهور الثانية من الحياة فقط يقوم الطفل بإظهار الاعتراض على الانفصال عن أشخاص معينين وبذلك يظهر التعلق بإناس معينين، وخاصة الأم. وهذه التعلقات الشديدة تبلغ الذروة بين سن 12، 18 شهرًا.
(2/293)

ويبين الشكل التالي منحنيات النمو لأنماط معينة من التعلق، والتعلق بالأم والتعلق غير المتميز. لاحظ أن بداية تعلق معين لا يستبعد الاحتجاج على الانفصال عن الناس بصفة عامة "التعلق غير المميز"، لقد احتج الأطفال بطريقة ما عندما غادرهم أي شخص، ولكن بعد نحو "7" شهور كان احتجاجهم أكثر شدة عندما تركهم أشخاص معينون. إن الأطفال بصفة فردية يكونون تعلقًا خاصة فجأة وليس بالتدريج، كما يبين الشكل أن هذه المنحنيات تمثل متوسط الدرجات المسجلة لكن سن. إن الأطفال في أي سن محددة يختلفون بقدر كبير في احتياجاتهم كما يتغير أيضا السن الذي تحدث فيه تعلقات خاصة.
إن طفلًا واحدًا أظهر تعلقًا خاصًا في سن "22" أسبوعًا، ولكن الأطفال الآخرين لم يظهورا هذا التعلق إلا بعد أن بلغوا من العمر عامًا أو أكثر.
وإذا كان المتعلق به هو شيء واحد محدد، فإن 65% من أفراد العينة اختاروا الأم. أم الأطفال الباقين فغالبًا قد اختاروا الأب. وكان الأشخاص الآخرون
(2/294)

بالنسبة للتعلق المتميز هم غالبًا من أفراد الأسرة وليس من أفراد المجتمع المحلي أو أصدقاء الوالدين. وعندما يأتي الوقت الذي يكون فيه الطفل تعلقًا محددًا، فإن عدد الأشخاص الذين يتعلق بهم الطفل يزداد ببطء، بحيث يصبح الطفل العادي متعلقًا بعدد من أشخاص مختلفين، وهو في سن 12، 13، 14 شهرًا. وتدل هذه النتائج على أن عملية التعلق تتكون من ثلاث مراحل: ففي المرحلة الأولى أو المرحلة اللاجتماعية يبحث الفرد عن الإثارة من كل أجزاء بيئته. وتستمر هذه المرحلة إلى نحو سن سبعة شهور. وفي المرحلة قبل الاجتماعية يقوم الفرد بتمييز الكائنات البشرية كأشياء باعثة على الرضا ويحاول نشطًا أن يبحث عنهم. وفي المرحلة الأخيرة أو الاجتماعية، وهي التي تبدأ في سن حوالي ثمانية أشهر يكون الطفل متعلقًا بأشخاص معينين.
إن الاحتجاج على الانفصال يقل عند سن حوالي "18" شهرًا، عندما يتم نمو الطفل ويفهم أن الوالد ما يزال موجودًا حتى ولو لم يعد يراه.
إن هذه النتيجة تدل على أن العوامل المعرفية تلعب دورًا له دلالته في نمو التعلق والاحتجاج على الانفصال.
(2/295)

التعلق والاستكشاف:
يمكن أيضًا النظر إلى التعلق على أنه آلية تكيفية لاستكشاف البيئة "Ainsworth 1973" اللازمة لكي يتعلم الطفل مما يحيط به. "شكل: 70".
(2/296)

جدول "11" الوقت والأحداث في المواقف الغريب
إن الأطفال الصغار يستخدمون الأم كقاعدة آمنة يستكشفون منها. إن التعلق يبقى الطفل على اتصال آمن بالأم، بعيدًا عن الخطر، كما أنها تعمل على جعل الطفل يبحث عن الأم إذا ما طرأ خطرًا. وهذا الرأي عن العلاقة بين التعلق والاستكشاف هو أساسًا عبارة أخلاقية مثل الرأي الذي اقترحه "بولي"، أن العلاقة بين الطفل ومن يقوم بالرعاية تضمن الحماية لصغار النوع اللازمين لنضج وتقدم النوع.
وقد صممت إينزورث Ainsworth وزملاؤها، ما يعرف بالموقف الغريب، كما في الجدول "11" السابق والذي يتكون من سلسلة من مواقف الانفصال والاتصال بين الأم والصغير مع تتابع مخطط للمواجهات بين الطفل وشخص غريب. ويتضح من سلوك الطفل في هذه المواقف نواحي عديدة مختلفة من التعلق، وقد استخدم ويتنج وإينزورث Witting Ainsworth "1969" موقف الغريب لدراسة نمو التعلق لدى 56 طفلًا صغيرًا في سن "49-56" أسبوعًا. وقد سجل
(2/297)

هذان الباحثان عمليات البحث والاستكشاف والغرب والاتصال، وكذلك الإبقاء على الاتصال. وقد حدثت استكشافات حركية ويدوية وبصرية مرات عديدة عندما كانت الأم موجودة، وقلت بدرجة حادة عندما دخل الشخص الغريب إلى الحجرة.
أما البحث عن الاتصال والاحتفاظ به فكانا ضعيفين أثناء الأحداث الأولى ولكنها ازدادا أثناء الانفصال. وفي أول مرة يعاد الاتصال فيها بالأم كان الإبقاء على الاتصال وقد حدثت استكشفات حركية ويدوية وبصرية مرات عديدة عندما كانت الأم موجودة، وقلت بدرجة حادة عندما دخل الشخص الغريب إلى الحجرة.
أما البحث عن الاتصال والاحتفاظ فكانا ضعيفين أثناء الأحداث الأولى ولكنها ازدادا أثناء الانفصال. وفي أول مرة يعاد الاتصال فيها بالأم كان الإبقاء على الاتصال متزايدًا جدًا، بل وتزايد أكثر أثناء الاتصال للمرة الثانية. وتدل هذه النتائج على أن الأم تكون بمثابة قاعدة آمنة يبدأ منها الطفل استكشاف بيئة جديدة. وعندما تكون الأم الحاضرة، فإن الطفل يشرع في الاستكشاف ويتغلب على تعلقه، وعندما تخرج الأم يتوقف الطفل عن استكشافاته ويزيد من شدة تعلقه.
(2/298)

التنشئة الاجتماعية والتعلق الاجتماعي:
قامت العديد من الدراسات بدراسة آثار ممارسات التنشئة الاجتماعية المتعلقة بأوضاع الطفل في تطور التعلق الاجتماعي عنده، وبخلاف ما تؤكده نظرية التحليل النفسي فليست هناك أي بيانات تشير إلى علاقة بين طريقة الإرضاع مثلًا "من الثدي أو من الزجاجة ... إلخ" وبين شدة التعلق الاجتماعي، أو زمن بداية ظهوره، بل تشير الدراسات إلى أن الناحية العامة هي العلاقة بين الطفل وأمه في أثناء الرضاعة.
كما أشارت الدراسات إلى أن الأمهات اللائي يستجبن بسرعة للإشارات من أطفالهن يحصلن على أطفال أكثر تعلقًا بهن، مما يتعلق أطفال الأمهات اللاتي يتأخرن في الاستجابة بتلك الأمهات. والأهم من سرعة الاستجابة أن تكون هذه الاستجابة مناسبة لما يبدو على الطفل من علاقات اضطراب. وهذا الأمر تتعلمه
(2/298)

الأم بعد طول عناء بحيث تصبح قادرة على تمييز ما يريده طفلها بتلك الإشارات، أي أنها أصبحت وإياه في علاقة تفاعل متبادل تتأثر بإشاراته وتؤثر فيها.
وتبدو أهمية هذا التفاعل واضحة في ممارسة التنشئة الاجتماعية، تتعلق هذه الممارسات بمدى تواجد الأم عند الطفل. فالبرغم من أن الدراسات لم تستطع تحديد الطول الأمثل للفترة التي تقضيها الأم مع طفلها. إلا أن العامل الأهم هنا هو المدى الذي يتفاعل به من يعتني بالطفل مع مدى مداعبته، اللعب معه، والابتسام له، والتحدث إليه.
وأخيرًا، فهناك ممارسات أخرى للتنشئة الاجتماعية، وتلعب هذه الممارسات دورًا مهمًا في تطور التعلق الاجتماعي، والمهم هنا أن التعلق يضع الأساس لمدى تتقمص الطفل للشخصية التي تعلق بها، فالتعلق أو النفور يؤثر في الشخصية التي يتقمصها الفرد، كما يضع الأسس لعلاقات الطفل الاجتماعية بغيره من أفراد أسرته وجيرانهم، ومع كل من يتعامل معه، وتظهر هذه العلاقات في شكل: اللعب، الصداقة، العطف، المكانة الاجتماعية.. إلخ.
(2/299)

الأم والتعلق:
إن معظم الأبحاث عن التعلق في الفترة الأخيرة هدفت إلى التعرف على أنماط تربية الطفل التي ترتبط بأساليب الطفل في مواجهة البيئة الغريبة، وقد صمم كل من: أينزورث وبيل وستايتن Ainsmroth, Bell, Staytan "1970" خطة لتصنيف الأطفال طبقًا لردود أفعالهم نحو البيئة الغريبة. وقد كانت الدرجات التي حصلوا عليها لهذه الطريقة إيجابية "Connell 1974، 1977"، حتى أنه يمكن تنفيذها في برامج العقول الإلكترونية. وقد تحددت ثلاث مجموعات من الأطفال الصغار: "As Bs Cs" على أساس سلوكهم في الموقف الغريب.
أبدت المجموعة As رغبة ضعيفة في الاتصال أو القرب من الأم، وعندما تم حملهم لم يتشبثوا أو يقاوموا إعادة وضعهم. لقد مالوا إلى تجنب الأم أو إهمالها عند عودتها، مثال ذلك: فقد بعدوا عنها وعدم النظر إلى وجهها. ويعرف هؤلاء الأطفال أحيانًا باسم "غير المتعلقين".
(2/299)

أما المجموعة Bs فقد بحثوا عن الاتصال بالأم وأبقوا على الاتصال بها بعد انفصال قصير، كما أنهم أظهروا درجة عالية من الإبقاء على الاتصال. علاوة على ذلك فإنهم نادرًا ما تجنبوا الأم أو قاوموها. ويعرف هؤلاء الأطفال باسم "المتعلقون في آمان".
أما المجموعة Cs فيتفاعلون بعنف للانفصال عن الأم. وهم يميلون لعدم استكشاف البيئة حتى مع وجود الأم، وبعضهم يبحث بنشاط عن القرب والاتصال، وفي نفس الوقت يندفعون بعيدًا عن الأم، وبعض أطفال هذه المجموعة لا يظهرون أي إشارات من البحث بنشاط عن الأم وهؤلاء الأطفال يعرفون أحيانًا باسم "المتعلقون في غير آمان".
بعض نتائج البحوث حول التعلق الاجتماعي:
ذكرت إينزورث وآخرون "1971" Ainsworth, et al. أن أمهات الأطفال في المجموعة "أ، جـ" أقل حساسية من أمهات المجموعة "ب" للإشارات ووسائل الاتصال في المنزل. ويبدو أن أمهات الأطفال في المجموعة "ب" لهن أحسن علاقات شخصية مع الأطفال. وهؤلاء الأمهات أكثر حساسية وتقبلًا وتعاونًا من أمهات المجموعة أ، جـ. ويبدو أن أمهات أطفال المجموعة "أ" أكثر رفضًا "نبذا"، وأمهات أطفال المجموعة "جـ" لسن رافضات بشكل واضح ولكن تفاعلهن مع أطفالهن ليس منسجما.
وقد اقترح بولبي Bowlby "1973" أن هذه التفاعلات المختلفة بين الأم والطفل قد تؤدي إلى أن يكون أطفال المجموعتين "أ، جـ" ذوي شخصيات أقل نموًا وتكاملًا من أطفال المجموعات "ب"، وخاصة في سمات الاعتماد على النفس والثقة في الآخرين.
إن هذا التفسير والبعد الواحد للتعلق لا يأخذ في الاعتبار التفاعل المتبادل بين الوالد والطفل، وملاحظة هذا النقص، يرى ساندر Sander "1964" أن الانسجام بين الوالد والطفل غالبًا ما يؤثر على التعلق، والانسجام يتوقف على القدرات التكيفية من الأم والطفل. إن الأم يجب أن تكون حساسة لإشارات
(2/300)

طفلها، وللظروف البيئية التي تؤثر على سعادة الطفل. إن الطفل يجب أن يستجيب اجتماعيًا ويهيئ للأم تغذية رجعية. والتفاعلات المنسجمة تتضمن نقص الصراع، وعلاقة فعالة وإيجابية بين الأم والطفل. وطبقًا لأينزورث وآخرون "1971" فإن هذه التفسيرات للتفاعلات بين الأم والطفل ضرورية لفهم سلوك أطفال المجموعة "جـ" في الموقف الغريب.
إن العلاقة غير المنسجمة أو غير المرضية مع الأم يولد عدم الآمان لدى الطفل، والتي تعبر عن نفسها عادة في شكل القرب المتزايد والبحث عن الاتصال. وكذلك انخفاض الإقدام على الحزن الناتج عن الانفصال.
وهناك أدلة إضافية تربط بين تفاعل الوالد والطفل ونوع التعلق "Martwn": إن استجابة الأم لبكاء طفلها الصغير ترتبط بقوة التعلق "شيفر واميرسون 1964"، وكذلك الاستجابة لمبادأه الطفل "كلارك، ستيوارت Clark, stwart 1973"، أن أمهات المجموعة "ب" يقدمن مزيدًا من الحث ويظهرن أنماطًا أكثر إيجابية نحو أطفالهن، ويستجبن مرات أكثر لسلوك أطفالهن وهناك أدلة أكثر حداثة Blehar, Lieberman & "Ainwerth 1977" تدل على أن أمهات المجموعة "ب" يبقين على نوع أعلى من
شكل "71" ينمو التعلق بالأم منذ الشهور المبكرة من عمر الطفل تبعًا لاستجابات الأم من الطفل
(2/301)

التفاعل عن أمهات أطفال المجموعتين "أ، جـ" أما أمهات أطفال المجموعة "ب" فإنهن يشجعن أيضًا على مزيد من التفاعلات المتبادلة وكذلك الأكثر دفئًا، ويضعن حدًا لعدد أقل من التفاعلات، ويتحدثن أكثر إلى أطفالهن ويلمسنهم أكثر "Connel, 1977".
إن حث الأم للطفل maternal stimulation يرتبط أيضًا بالتعلق، فالأطفال الذين يبدأون تعلقًا أقوى في المواقف الغريبة والذين يستخدمون الأم كقاعدة آمنة، يبدأن منها استكشافهم للبيئة تكون أمهاتهم أكثر حساسية لمتطلبات تغذية الطفل ويسمحن للطفل بأن يحدد المواعيد والفترات ومدة الغذاء. Bell 1969/ Valchwll, Wroght, Honing & Tarnenbaum, 1970 Ainswarthوالأمهات اللاتي لا يبدين حساسية لمبدأة أطفالهن في التغذية يقمن بتربية
شكل "72" يظهر الأطفال تحت الضغوط مزيدا من التعلق بالأم أكثر مما يظهرون نحو الأب
(2/302)

أطفال يعترضون الأم ويظهرن اهتمامًا أقل بالمحافظة على الاتصال بها "مارتن، 1975" وبصفة عامة يبدو أنه عندما تتجاهل الأمهات أطفالهن فالأطفال بدورهم يتوجهون إليهن بدرجة أقل "Beckwith 1972".
إن الاقتصار على دراسة تأثيرات الوالدين على سلوك الطفل إنما تتجاهل نصف علاقة الوالد بالطفل وكذلك طبيعة علاقات التفاعل بين الوالد والطفل. "Bell, 1968, Rheingald, 1969 Martin, 1975"
إن العلاقة بين الوالد والطفل التي ناقشناها ذات تفاعل واضح ومن المناسب أن نناقش نصيب الطفل في هذا التفاعل.
مزاج الطفل وجنسه:
ويعتبر المزاج temperament من الصفات ذات الأهمية الخاصة في التفاعل بين الوالد والطفل، وقد قدم شيفر واميرسون، "1964" مجموعة من الأطفال الصغار إلى أولئك الذين يحبون أن يدللوا، وأولئك الذين يعارضون التدليل "العناق والأحضان"cudding. ومع أن أمهات الأطفال غير المدللين كن يملن أساسًا نحو الأساليب غير الجسمية للتفاعل مع أطفالهن إلا أن الفرق بينهن وبين أمهات الأطفال المدللين لم يكن ذا مغزى، وكانت أمهات الأطفال المحبات للتدليل "عناق واحتضان الطفل" لا تجدن صعوبة في الاتصال الجسماني أو غير الجسماني مع أطفالهن في حين أن أمهات الأطفال الآخرين كن لا يؤدين اتصالًا جسمانيًا. وتدل هذه النتائج على أن الفروق في أمزجة الأطفال ترتبط بأنواع التفاعلات بين الوالد والطفل التي سبق مناقشتها.
وقد قدم توماس وزملاؤه. Thomas, et al. "1968" دراسات متسعة عن مزاج الطفل فيما يختص بتفاعل الوالد والطفل. والتفرقة بين المزاج والقدرة والدافعية التي تؤثر أيضا على السلوك، فقد قام توماس تشيس Thoma & Chess "1977" بتعريف المزاج بأنه نمط سلوكي، أي الطريقة التي يسلك بها الفرد. وعلى ذلك فإن المزاج يشير إلى الصفات النمطية للسلوك. وهو يتأثر بالظروف البيئية، كما يتم تعلمه في جزء منه، وقد يكون له أيضًا أساس "وراثي". وقدر
(2/303)

برزت تحليلات تقديرات المزاج من ملاحظة الأطفال بالإضافة، إلى استبيانات الآباء والمعلمين. وقد أظهرت ثلاثة أنماط مزاجية هي:
أ- الطفل السهل "Easy Chid": وهو الذي يتكيف مع التغيرات، ويكون أنماطًا منتظمة للآكل والنوم، وهو قابل للتكيف.
ب- الطفل الصعب "Difficult Child": وهو الذي يظهر أنماطًا سلوكية مضادة لذلك. وهؤلاء الأطفال من هذا النمط يكونون عابسين moody، ولهم أنماط غير منتظمة في الأكل والنوم، ولا يتوافقون بسهولة مع المثيرات الجديدة أو المتغيرة.
جـ- والطفل البطئ في الانفعال The slow to warm up child: وله نمط بين النقيضين. والأطفال من هذا النمط يتكيفون، ولكن ببطء، ويظهرون استجابات متوسطة وسلبية للتغير، وهم أكثر انتظامًا من الطفل الصعب بالنسبة لأنماط الأكل والنوم.
والتنظيم المزاجي الخاص للطفل يؤثر على تفاعلات الوالدين مع الطفل مثال ذلك: أن مزاج الطفل يؤثر على كيفية أداء الوالدين، والطفل السهل يمكن أن يكون شديد التعزيز للوالدين لأن الوالدين يشعران بسهولة بأنهما يقومان بمهمة ناجحة. والعكس قد يحدث مع الطفل الصعب، وقد يشعر الوالدان بأنهما غير قادرين، وأن الطفل إنما هو عبء، وهناك خطر في أن يتفاعلا بمشاعر سلبية، وبذلك يزيدان عن استجابات الطفل السلبية. أن الدورة المفرغة قد تستمر في التزايد خلال فترة الطفولة إلى أن تتولد العدوانية المفتوحة بين الوالدين والطفل. وكما يدل عليه هذا المثال بوضوح، فإن الجمع بين صفات الطفل والوالد يحدد بدرجة كبيرة تفاعلات الوالد والطفل الخاصة بالتعلق. ومع أنه لا توجد دلائل فإنه من المهم أن نذكر أن نمط التفاعلات مع الطفل الصعب تؤدي إلى النوع "جـ" من سلوكيات التعلق. أما أطفال النوع "أ" فيما يختص بالتعلق قد يتكونون من أطفال يتسمون بالسهولة، وأطفال المجموعات "ب" قد يتكون من أطفال درجة انفعالهم بطيء في المجموعة المزاجية. وإذا أردنا توضيح ذلك: فإن ذلك يوضح أهمية دراسة العلاقات بين الوالدين والطفل في إطار تفاعلي.
(2/304)

إن جنس الطفل والفروق المزاجية المرتبطة بالجنس ترتبط هي الأخرى بالتفاعل بين الأب والطفل "Martin, 1975" إن الأولاد ينامون أقل وهم أكثر مناكفة وأكثر عرضه للضيق من البنات "Moss, 1967". وكنتيجة لذلك فإن الأمهات يحملن الصبية أكثر من البنات، ويقدمن لهم مزيدًا من الإثارة، ويستجبن بإرادة أكثر لوضع حد للضغوط لدى الصبية "Corter Bow 1967". كما أن الأمهات يقضين وقتًا أقل في الأنشطة الاجتماعية والوجدانية والخاصة بالرعاية مع الأطفال الذين يولدون فيما بعد، وخاصة البنات "Jaciles & Moss 1976". وتبين هذه النتائج كيف تدعم سمات الاختلاف في الأطفال الفروق الفردية في التعلق وفي العلاقة بين الوالدين والطفل.
(2/305)

الأب والتعلق:
هناك أدلة كثيرة على أن الأطفال الصغار يتعلقون بكل من الأب والأم منذ بداية علاقات التعلق، ولم نجد غير دراسة قامت بها لامب Lamb "1975، 1976" حيث قامت بدراسة التعلق بين الطفل والأب، وقد بحث كل من فلرتي وهيتون وريتشي "Flaherty, Heatun ritchey 1975 وميشيل لام
صور اسكنر
شكل "73" ينمو التعلق بالأب مع ارتباط الطفل به كبديل للأم
(2/305)

Michael lam 1975 1976. دور الأب كشخص تعلقي، ونرى أن الطفل سوف يظهر سلوكيات تعلق مختلفة تحت الضغوط، ولكن تحت ظروف غير ضاغطة فإنهم لا يظهرون فروقًا في التعلق بالأم أو الأب. ولكي يختبر هذا الفرض صمم لامب Lamb موقفًا مع التواجد وعدم التواجد المنتظمان للأم وللأب والغريب.
وتعتقد لامب Lamb أن ذلك يرجع في جزئية إلى الاختلاف في تفاعلات الأب والأم، وأثناء الحدث الأول تكون الأم والأب والطفل معا. أما في الحدث الثاني فتكون الأم فقط "أو الأب" مع الطفل. بينما يتضمن الحدث الثالث الوالد الآخر مع الطفل، أما الحدث الأخير فيتضمن الأم والأب والغريب والطفل ",Lamb 1976". وقد سجلت سلوكيات الطفل متضمنة: الابتسام، والتحدث، والنظر، والوصول "Reachimg"، واللمس، والاقتراب، والتواجد بالقرب من شخص آخر. وقد قسمت لامب Lamb سلوكيات الطفل نحو والديه إلى مجموعتين: وتكون سلوكيات الاقتراب عبارة من استجابات توجه نحو الوالد، مثال ذلك: الابتسام، والنظر، والضحك. أما سلوكيات التعلق فهي عبارة عن استجابات تدل على التقرب وتشمل: اللمس، والسعي لكي يحمل الطفل، والاقتراب، والسعي للتواجد أقرب ما يمكن للوالد.
وفي كل من المنزل والمعمل لم يظهر الأطفال الصغار أي فروق في التعلق بالوالدين في فترة الحدث الأول الخالية من الضغوط نسبيًا. غير أنهم أبدوا مزيدًا من الاقتراب نحو الأب أكثر مما أظهروه نحو الأم. وخلال الحدث الرابع الأكثر ضغطًا أظهر الأطفال سلوكيات تعلق أكثر نحو الأمهات منه نحو الآباء، كما وجهوا مزيدًا من سلوكيات التقرب نحو الأم في الموقف الأكثر ضغطًا. وعندما تسنح الفرصة للاختبار في الموقف الضاغط فإن الأطفال كانوا يفضلون الأم.
وترتبط هذه الفروق في سلوكيات التعلق والتقرب بالتفاعلات اليومية التي تحدث من الوالدين مع الطفل "Lamb 1977". وتقوم الأمهات باتصالات جسمية مع الأطفال أساسًا في فترة الرعاية، في حين يؤدي الآباء الاتصال الجسماني أساسًا أثناء اللعب. ويرى لامب Lamb أن الأطفال يستطيعون التمييز بين هذه
(2/306)

التفاعلات، وأن الفروق في سلوكيات تعلقهم تحت ضغوط تعكس هذا المفهوم. وإذا سنحت للطفل فرصة الاختبار فإنه يفضل أن يتعلق بالأم وهي الوالد الأكثر ارتباطًا بالتغذية "التنشئة"، غير أنه إذا لم تكن الأم موجودة فإن الأب يمكن أن يكون بديلًا مقبولًا للتعلق به. وإذا لم يكن كلا الوالدين موجودًا فإن الطفل يظهر سلوك تعلق بالغريب "Rothental, 1976".
أن التعلق لدى الطفل يدل أيضًا على النمو المعرفي كما يظهر ذلك في الطرق المختلفة التي يفسر بها الطفل بيئة. ويجب أن يكون الطفل قد حقق مستوى معين من النمو المعرفي قبل أن يتمكن من إدراك أنه في بيئة جديدة، أو أن فردًا ما غريب. ويجب أن يتوصل إلى قدر معين من التقييم المعرفي الذي يعكس تفسيراته المختلفة لتفاعلاته مع الأم ومع الأب. "شكل: 73".
(2/307)

نتائج التعلق:
رأينا فيما سبق أن إحدى نتائج التعلق هي السلوك الاستكشافي، أن التعلق نتيجتين آخريتين لهما أهمية تاريخية. الأولى: أن الاستجابات نحو من يقوم بالرعاية تعمم نحو الأشخاص الآخرين. وعلى ذلك فإن التعلق يهيئ الفرصة للطفل ليتعلم السلوك الاجتماعي. والثانية: أن الطفل يكون مخططًا نحو وجه من يقوم بالرعاية، وشكله وصورته وما شابه ذلك.
وهذه النتيجة للتعلق ذات أهمية في نمو القلق الناجم عن الانفصال، ويتمثل في الاحتجاج على انفصاله عن الشخص المتعلق به.
وفي دراسة أصبحت الآن تقليدية، أظهرت رينجولد "Rheiingold" "1956" أهمية التعلق في التعلم الاجتماعي، وقد تغلغلت أبحاثها فيما إذا كانت الاستجابة الاجتماعية العامة للطفل تكون أكبر عندما يكون للأطفال شخص ما يقوم بالرعاية بدلًا من الكثير.
ولإمكان بحث هذه المسائل قامت "رينجولد" بدور الأم لعدد ثمانية أطفال في مؤسسة، وتلقى ثمانية أطفال كمجموعة ضابطة رعاية طبيعية في المؤسسة، مع وجود عدة أشخاص للرعاية، وبالضرورة استجابات منخفضة من جانب العاملين نحو احتياجات الأطفال.
(2/307)

أما أطفال المجموعة التجريبية الثمانية، فكانت لهم مقام الأم، حيث قامت بتغذيتهم واللعب معهم وتغيير ملابسهم وما شابه ذلك، وقامت "رينجولد" نفسها بهذه المهمة لمدة سبع ساعات ونصف يوميًا، لمدى خمسة أيام في الأسبوع. وفي بداية التجربة كان الأطفال في سن ستة شهور، كما أجريت اختبارات قبل أسبوع من بداية التجربة للاستجابة الاجتماعية نحو القائم بالتجربة "رينجولد" ولمن يجري الاختبار، والذي كان يشاهد الأطفال على فترات منتظمة من أجل اختبارات أخرى، كما أعطوا أسبوعين خلال التجارب وأسبوعين لمدة شهر بعد انتهاء التجربة، وفي نهاية الثمانية أسابيع الخاصة بالتجربة، اختبر كل الأطفال للاستجابة الاجتماعية نحو "رينجولد Rheingoid" ولمن يجري الاختبار والغريب. وكانت النتائج هي الموضحة في الشكل التالي:
وهي توضح نمو الاستجابة الاجتماعية نحو "رينجولد" ونحو من يجري الاختبار، حيث كانت الاستجابة الاجتماعية للأطفال الذين قامت "رينجولد" برعايتهم
(2/308)

أعلى بالنسبة للاستجابة نحو "رينجولد" ومن يجري الاختبار معها عن الاستجابة الاجتماعية لأطفال المجموعة الضابطة، والتي كانت منخفضة نحو "رينجولد" ومن يجري الاختبار.
وتدل المعلومات التي جمعت عند الأسبوع الثامن من التجربة أن أطفال المجموعة التجريبية بصفة عامة كانوا أكثر من أطفال المجموعة الضابطة، كما كانوا أكثر استجابة لمن يجري الاختبار، والغريب من أطفال المجموعة الضابطة. هذا والسلوكيات التي تعلمت من خلال الاستجابة لمن يقوم بالرعاية وتثيره من الناحية الاجتماعية يجري تعميمها على الراشدين، في حين أن الرعاية المتعددة وخاصة في إطار مؤسسة، بدت وكأنها تؤخر الاستجابة الاجتماعية. ومهما يكن من أمر، فالأطفال الذين أشرف على تربيتهم عدد من المربيين في مستوطنة إسرائيلية تعلقوا تعلقًا شديدًا بأمهاتهم كما هو حال الأطفال الذين تربوا في أسر أمريكية "Feldman Maccboy 1972" والاستجابة الأقل درجة من أطفال مجموعة رينجولد Rheigald الضابطة قد يكون السبب فيها نواحي أخرى من الوضع في المؤسسة، مثل النقص العام للإثارة. ومع أن "رينجولد" ذكرت أن الرعاية في المؤسسة بصفة عامة كانت من نوع جيد، فإن التفاعلات المميزة للعاملين بها مع الأطفال كانت محدودة.
(2/309)

4- الانفصال:
إن قلق الأطفال إزاء الانفصال separation anxiety يعتبر ظاهرة واضحة نذكر أنه في بحث شافر وامرسون "1964" أن الاحتجاج على الانفصال قد استخدم كمعيار للتعلق. وبالنسبة للأطفال الأمريكيين فإن القلق من الانفصال يبدأ من حوالي سن 7-8 شهور. "قبل دوام الشخص المنتقى". وتنتهي عند حوالي سن 18 شهرًا "مع نمو دوام الشخص المنتقى"، وعلى الأقل في أكثر أشكاله تطرفًا. لقد شاهد كل الآباء مثل هذا السلوك عندما يتركون طفلهم في المنزل مع جليسة أطفال. وعند مغادرة الوالدين للمنزل فإنهما عادة يسمعان الطفل وهو يصرخ، وعند العودة إلى المنزل يخبران عادة بأن الطفل لم يبك إلا للحظات قليلة.
(2/309)

ويمكن تفسير قلق الانفصال بالتتابع التالي للأحداث المتعلقة بالرؤية النوعية النفسية، إذا كان الطفل متفاعلًا مع شخص، ثم يترك هذا الشخص الطفل فإنه يحدث فاصل في تسلسل الاستجابة التي يقوم بها الطفل، أي أن سلسلة استجابات الطفل قد قطعت، والطفل قد يبدأ عندئذ في البكاء كمحاولة منه لإعادة الاتصال بالفرد الذي كانت الاستجابات تجري معه.
ولقلق الانفصال مركبات ثلاثة: أولها التباين الناتج عن الانفصال عن الشخص المتعلق به، والثاني انقطاع الاستجابات الذي يحدث نتيجة هذا الانفصال، والثالث استجابة من جانب الطفل لإعادة الاتصال بالشخص. ويجب أن يختفي قلق الانفصال عندما لا يصح غياب الشخص يمثل حدثًا للتباين، أو عندما ينجح الطفل في المحافظة على الاتصال. وكلا هذين الاحتمالين يحدثان بين سن "12، 18" شهرًا، وعندما يثبت دوام الشخص، "عند حوالي سن 18 شهرًا" فإن الطفل ينظر إلى الشخص كشيء آخر، ويدرك أن الاختفاء عن النظر ليس غيابًا على الدوام. وبعبارة أخرى فإن الطفل يدرك أن الآخرين مستمرون في الوجود رغم اختفائهم عن النظر. وبما أن الطفل يستطيع التحرك حوله بطريقة أفضل فإنه يستطيع متابعة الشخص، المتعلق به، وبالتالي يحتفظ بالاتصال في بعض المواقف إن لم يكن في كلهما، وفي هذه الظروف سوف يظهر قلق الانفصال بدرجة أقل لأن الطفل يستطيع الإبقاء على الاتصال بنفسه.
الدخول إلى المستشفى:
وقد يهم القارئ معرفة بعض حالات الانفصال الأخرى وهي أقل شيوعًا، تلك الحالات هي لسلوك الأطفال منذ الدخول إلى المستشفى أو الخروج منها إلى المنزل إن دخول المستشفى يجعل من الممكن دراسة انفصال الطفل عن الوالدين أو العودة إليهما. إن أنواع الانفعالات وشدتها نحو الدخول إلى المستشفى يختلف تبعًا لسن الطفل، مع حدوث تغيرات انفعالية تظهر في سن حوالي 7 شهور، إن الأطفال الأصغر من سن 7 شهور يكونون مستجيبين بشكل طبيعي للراشدين الأغراب ويظهرون أدلة قليلة للانفصال عن الوالدين. أما الأطفال الأكبر فيظهرون
(2/310)

درجات مختلفة من الاضطرابات الواضحة. وفيما بين سن 2، 3 سنوات يتفاعل الأطفال بشدة بالغة. فالبكاء، والغضب، والقئ، وفقد السيطرة على حركة الأمعاء والمثانية، وكذلك بعض المشاكل الأكل والنوم تكون عادة بين أطفال هذه السن. وفي سن 4-6 سنوات يظهر الأطفال مشاكل مشابهة ولكن ليس بنفس الشدة.
والفترة من 7-12 سنة تعبير علامة مميزة للنمو. وأطفال هذه السن يميلون لإظهار درجة أقل نوعًا من قلق الانفصال، ولكنهم يظهرون درجة أعلى من القلق
المتقطع. وهم يميلون لمزيد من الاهتمام بدرجة مرضهم وعما سوف يحدث لهم في المستشفى أكثر من اهتمامهم بالانفصال، كما أن الدخول للمستشفى يعتبر تجربة
(2/312)

جديدة للأطفال، وحيث أنهم قد توصلوا إلى مستوى عالٍ نوعًا من الاقتدار، فإن ذلك لا يدعو للدهشة. "شكل: 76".
إن الأطفال الصغار نادرًا ما يعلمون ماهية المستشفى، في حين أن الأطفال الأكبر يعرفون أن الناس تذهب إلى المستشفى عندما يكونون في حالة مرض شديد. وهؤلاء الأطفال الأكبر سنًا قد يهتمون بأنهم في حالة مرض شديد وبالتالي يزداد قلقهم نحو ما سوف يحدث لهم في المستشفى أكثر مما يهتمون بانفصالهم عن والديهم.
والمعلومات التي لدينا عن العودة إلى الوالدين قليلة جدًا، وبعد الخروج من المستشفى، ولكن الأحداث يبدو أنها تكشف عن الاتجاهات الآتية: عند العودة إلى المنزل، يظهر الأطفال الأقل من 7 شهور أعراضًا قليلة عن فترة المستشفى. والطفل قد يقل تحدثه عن المعتاد، ويقضي مزيدًا من الوقت يحملق في البيئة المحيطة به وقد يواجه مشاكل في النوم والأكل.
ومهما يكن من أمر فإن هذه التغيرات قصيرة الأمد لا يحتمل أن تشكل متاعب للأسرة. إن العودة إلى الأسرة قد يولد تفاعلات أقوى كثيرًا في الأطفال الأكبر سنًا: الاعتماد البالغ على الأم، أو النبذ من الوالدين، والقلق من الانفصال عن الأم أو مشاكل في النوم والأكل. ومثل هذه المشاكل قد تدوم لبضعة شهور. وهذه الأعراض تعتبر تفاعلات طبيعية للأطفال عند الدخول إلى المستشفى والعودة منها إلى المنزل. وهي ليست شاذة بالضرورة أو تسبب زيفًا في النمو. ومع ذلك فإن على الوالدين أن يفهما أن الأطفال الذين يقضون وقتًا في المستشفى يجب أن يسلكوا بهذه الطرق. ولما كان الأفراد العاملين بالمستشفى قد خبروا هذه المشاكل فترة طويلة، فقد تمكنوا من استدخال إجراءات من شأنها أن تسهل على الطفل الدخول إلى المستشفى، ومواجهة ظروفها وظروف العودة إلى المنزل. فالزيارات اليومية للولدين أو الإقامة معهم في المستشفى، وإعداد برامج خاصة للعب في المستشفى أشبه بما يتوافر في مدارس الحضانة، وإعداد الأطفال للعلاج وتعويدهم
(2/313)

على التآلف مع حجرة العمليات وعلى الأجهزة والمعدات، قد أصبحت الآن من الاستراتيجيات المتبعة في المستشفيات الكبرى.
وفي رأينا فإن القلق في مرحلة الطفولة قد استحق مثل هذه المناقشات المستفيضة لأنه يمثل بداية النمو الاجتماعي فيما بين الأشخاص لدى الطفل. هذا والفروق الفردية في شدة التعلق أو نوعه ومساره التطوري يوضح أهميته في النمو السيكولوجي. ومهما يكن من أمر فإنه لا يزال هناك ما يجب أن نعرفه عن مختلف المؤثرات، مثل: تأثير الوالدين في الفروق الفردية للتعلق ونموه على مدى حياة الفرد.
ويجب أن يكون واضحًا من الآن أن السبب الذي جعلنا نناقش التعلق كمؤثر في وسائل تربية الطفل، كما اقترحت اينزورث Ainsworth وزملاؤها "1973"، فإن الوالدين يشكلان ليس فقط السلوك المباشر للطفل من خلال وسائل معينة في تربية الطفل، ولكنهما أيضًا قد يتدخلان في التنشئة الاجتماعية للطفل على المدى الطويل من خلال التعلق، غير أن المعلومات التي راجعناها تفترض أيضًا أن الأطفال أنفسهم يلعبون دورًا هامًا في تنشئتهم الاجتماعية ولا شك أن تأثير الوالدين يرتبط بطبيعة الطفل الخاصة، مثال ذلك: نمو المستوى المعرفي للطفل، وتاريخه التعلمي واتجاهه نحو سلوك معين، وقد يكون ذلك سابق التحديد بيولوجيا.
(2/314)

الاعتمادية
مدخل
...
5- الاعتمادية:
سبق أن ذكرنا واضحًا أنه كلما زاد الحث الاجتماعي socisl stimulation الذي تقدمه الأم، زاد تعلق الطفل بها. كما ناقشنا الأدلة التي تدل على أن الأم التي تكون أكثر حساسية واستجابة لاحتياجات أطفالها، فإنها تربى أطفالًا يكونون أكثر تعلقًا بها.
وقدم علماء نفس النمو دراسات أخرى عن تأثير وسائل تربية الطفل على تكون الاعتمادية Dependency خلال سنوات الطفولة: Sears etal, 1957, Sears et 2956"
Kagan& Moss 1962"
(2/314)

تعريف وقياس الاعتمادية:
قد عرف هارتوب Hartup "1963"، سلوكيات الاعتمادية بالطريقة الآتية: "كما قدم الفرد دليلًا على أن الناس، كأناس، يوفرون الرضا والمكافأة، يمكن القول بأن الفرد يسلك بطريقة اعتمادية".
وتشمل دلائل الاعتمادية البحث عن الاتصال الجسمي أو القرب من شخص ما، أو البحث عن المدح أو الموافقة من شخص ما أو محاولة جذب انتباه الغير، ومقاومة الانفصال عن شخص آخر "Maccaly & Master 1970". إن الكثير من هذه السلوكيات يلفت الانتباه إلى التعلق، ومن ثم لنا ن نتوقع علاقة وثيقة بين مقاييس الاعتمادية ومقاييس التعلق. وقد نتوقع أيضًا أن درجة تعلق الطفل يجب أن ترتبط بدرجة الاعتمادية في فترة الطفولة. غير أن الأدلة تفيد بأن كلا النوعين محتملًا.
وهناك أسباب ممكنة للافتقار إلى الترابط بين مقاييس التعلق ومقاييس الاعتمادية في مرحلة الطفولة. وفي بعض الحالات لا يوجد لدينا مقياس معين يعبر عن مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة.
وإذا كان نفس المتغير مرتبطًا بمستويات النمو المختلفة فإنها لم تبحث في كلتا الحالتين. وثمة مثال للحالة الأخيرة هي الاستجابة للبكاء، وهي التي لم يجر قياسها إلا في فترة الطفولة المبكرة. وهناك مشكلة أخرى هي أن الدلائل المختلفة للاعتمادية لا يوجد بينها ارتباط وثيق. ويفترض "ماكوبي وماسترز، "1970"، مارتن، "1975" ويفترضون أن الاعتمادية مفهوم متجزء، ويغطي مجموعة منوعة من السلوكيات، وقد تم التوصل إلى نظام إدراكي وذلك بالتفرقة بين مجموعات سلوكيات الاعتمادية، مثل الاعتمادية الوجدانية "البحث عن الاتصال بشخص آخر لأن مثل هذا الاتصال مجزي".
في مقابل الاعتمادية الآلية "البحث عن المساعدة من شخص آخر لتحقيق بعض الأهداف غير الاجتماعية: مثل جعل أحد الراشدين ينشئ جهاز قطار الكتروني يمكن اللعب به"، والبحث عن القرب في مقابل البحث عن الانتباه.
(2/315)

ويبدو أن هذين النوعين من الاعتمادية في كل زوج مستقلان "ماكوبي وماسترز 1970، ومارتن، 1975" وهما يشبهان رأي لامب "lamb, 1977" في التفرقة بين سلوكيات الانتماء والتعلق التي تتجه بأشكال مختلفة نحو الأب والأم. وقد تظهر الأبحاث في المستقبل العلاقة بين مجموعات مقاييس سلوكيات الاعتمادية ومجموعة سلوكيات التعلق.
(2/316)

وسائل تربية الطفل والاعتمادية:
إن الآباء يؤثرون جزئيًا على تعبيرات أطفالهم عن الاعتمادية من خلال المكافأة والعقاب. فالأطفال الذين يلقون مكافأة على اعتماديتهم يصبحون أكثر اعتمادية من الأطفال الذين لا يلقون من والديهم على هذا السلوك. أما الآباء الذين يعاقبون على الاعتمادية فإنهم يربون أطفالًا أقل اعتمادية من الأطفال الذين لا يعاقبون على اعتماديتهم أو أن تلك الاعتمادية تجري تجاهلها Hartup 1963" Maccobu & Masters 1970 Nelson 1960"، غير أن العلاقة بين المكافأة والعقاب للسلوك الاعتمادي وحدوثها ليست دائمًا ثابتة. ويذكر بعض الباحثين: "Sears Rau & Alpert 1965 Sears Mabboy & Levin 1957 Larrow & Camp bell & Burton 1968" أنه إذا كانت الأم قائمة بواجب ما وتتجاهل أو تعاقب على استجابات الاعتمادية من جانب الطفل، فمن المحتمل أن تتزايد هذه النتيجة التي تبدو شاذة في الظاهر وتعكس تاريخ التفاعل فيما بين الطفل والأم. فالطفل يكون قد تعلم أن الاعتمادية سوف تؤتي ثمارها، أي أن الطفل قد تعلم أن يتوقع تعزيزًا لسلوكيات الاعتمادية فإنه يستمر في القيام بها حتى لو أن الأم كانت تتجاهلها أو تعاقب عليها. والطفل يعرف أن الوالد يرضخ إن عاجلًا أو آجلًا ويلتفت إليه
ولذلك فإنه ليس من المستغرب أن يجد بعض الباحثين Sears Whiting No Wlis & sears 1953" Martin 1915" أن أعلى نسبة مئوية من الأطفال المعتمدين يأتون من أسر تقوم فيها الأم بالمكافأة والعقاب على الاعتمادية.
(2/316)

ومع أن الدفء الأموي يرتبط إيجابيًا بتعلق الطفل الصغير ودفئه "Stern Caldwell Hersher Lipton & Richmond 1969 Martin 1975"، فإن الدفء الأبوي لا يرتبط بالاعتمادية الموجبة نحو الوالدين "Hatfield Fergusan Alpert 1967 Sears et al 1951 Becker 1964"
إن درجة العدائية لدى الوالدين ونبذهما لا ترتبط هي الأخرى بالاعتمادية الموجهة نحو الوالدين. غير أن ثمة أدلة تقترح أن الاعتمادية الشديدة، وخاصة بالنسبة للأولاد نحو الكبار والأقران ترتبط بالتربية عن طريق الرفض من جانب الأمهات والآباء "Sears et al 1953 Sears et al 1965 Martin 1975" والأدلة حول العلاقات بين السماحية الوالدية والمنع Permissivenss-restrictiveness والاعتمادية لدى أطفال ما قبل المدرسة ذات طابع غامض "Martin, 1975". وقد ذكر بعض الباحثين أن السماحية الوالدية ترتبط إيجابيًا بالاعتمادية السلبية والبحث عن الانتباه في أطفال ما قبل المدرسة ولكن ليس للأخرين "Kagan & Moss 1962".
إن سلوك السماحية من الوالدين يبدو أنه يرتبط باعتمادية الأقران العالية ذلك بالنسبة للأولاد الأكبر سنًا "Mc Cord Mccord & verden 1962". والأولاد الذين كانوا شديدي الاعتمادية على الآخرين كانت لديهم نسبة عالية من آباء يقومون بالمنع "مقيدين".
ونجد بعض الباحثين الأخرين مثل: كاجان موس Kagan & Moss "1962" يرون أن الحظر الأمومي في فترة الطفولة المبكرة يرتبط مع الاعتمادية في فترة الطفولة المتوسطة "أعمار من 6-10"، وقد رأى مارتن Martn "1975" أن الاعتمادية الموجهة نحو الراشدين ترتبط بتربية الطفل المتسلطة والمقيدة غير الموجودة في جو أسري دافئ ومتقبل، كما أن الاعتمادية الموجهة نحو الأقران يحتمل أن تتولد من السماحية الأبوية في جو يفتقر إلى الدفء والتقبل.
(2/317)

العدوانية
التعريف
...
6- العدوانية:
لقد اهتم علماء النفس منذ فترة طويلة بأسباب العدوانية Aggression في الأطفال "Feshbach 1970"، وقد زاد حماس هذا الاهتمام من تأثير العنف بالتليفزيون، وقد استعرض فيشباك "1970" ببراعة كثيرًا من الموضوعات النظرية الخاصة بالعدوانية، وقد ربط مارتن Martin "1975" بين وسائل تربية الطفل وتعلم العدوانية والتعبير عنها، وناقش ستاين وفريدرتش & Stein Friedrich "1975" تأثير العنف بالتليفزيون على عدوانية الأطفال.
التعريف:
وثمة مشكلة كبرى تواجهنا في دراسة العدوانية وهي تعريفها "Feshback 1970" فالبعض يعرفها بأنها "السلوك الذي يسبب أذى أو تدميرًا". وبهذا التعريف، فإن بعض الأفعال العرضية تعتبر عدوانية. ولكن مثل هذه العدوانية غير المقصودة يجب أن تميز عن العدوانية المقصودة، ولذلك فإننا نفضل تعريف مارتن Martin "1975" الذي يرى أن العدوانية "هي سلوك يهدف لإيذاء شخص أو شيء أو إلحاق الضرر به، وقد يتم الإيذاء جسمانيًا أو لفظيًا، وكذلك بالإهانة". وهذا التعريف يتميز بعدة مزايا. أولها: أنه يفرق بين السلوك العدواني العفوي والسلوك العضوي، والثانية: أن هذا التعريف يتماشى مع المعلومات التي جمعت عن العدوانيين في مرحلة الطفولة.
(2/318)

فروق السن والجنس:
تستطيع ملاحظة العدوانية للأطفال في أثناء لعبهم بعضهم مع بعض، وفي اللعب بالدمي وهي مواقف تسمح بتقييم العدوانية الخيالية، ومن خلال التقارير الشفوية: ويذكر بعض الباحثين أمثال: جيرسلد Jersuld وماكلي Macley، وجرين Green أنه فيما بين سن الثانية الخامسة تقل العدوانية البدنية في حين تزداد العدوانية اللفظية. وفي اللعب فإن الأطفال الأكبر سنًا يميلون إلى العدوان اللفظي أكثر من العدوان البدني، فالأطفال الصغار يميلون إلى الاستيلاء على اللعب مثلًا "Sharpe Muste 1974" وعند اللعب بالدمي يظهر الأطفال زيادة في العدوانية
(2/318)

إلى سن 4 سنوات Sers 1951 Dohms & Pearce Walters & athers "1957" كما تزداد العدوانية اللفظية من أربع سنوات فأكثر. وأحسن الدراسات التي أجريت على فئات مختلفة دراسة جو إنف Goodenough "1931" فقد أظهرت أن العدوانية تبلغ ذروتها في سن عامين، وتقل تدريجيًا حتى حوالي "5" خمس سنوات. إن الثورات المزاجية غير الموجهة قلت تدريجيًا حتى سن "3" ثلاث سنوات، ثم انخفضت بسرعة بعد سن "4" سنوات. إن السلوك العدواني الذي يهدف إلى إيذاء شخص ما أو إتلاف شيء ما يزداد عادة مع السن خلال سنوات الطفولة.
إن العدوانية لدى الأطفال الأكبر سنًا لاقت اهتمامًا أقل بكثير. وتدل بعض الدلائل على أن الأطفال من سن 7-8 سنوات وبعدها يزاولون عدوانية، خيالية "Fantasy" عن الأطفال الأصغر سنًا "Feshback 1956"، ولكن هذا الاتجاه يتوقف مع المراهقة "Shilder& Bender 1963"، وأخيرًا فإن المعلومات المأخوذة عن بيركلي وجورث Grouth & Berkeley "1959"، ودراسة فيلز Fels الطويلة عن الفئات المختلفة، ودراسة كاجان وموس "Kagan & Moss 1962" تدل على أن السلوك العدواني يظل ثابت بدرجة مرتفعة في أثناء المراهقة وفي سنوات الرشد.
إن عددًا كبيرًا من الدراسات قامت بدراسة اختلاف العدوانية باختلاف الجنس، ففي دراسة. "Feshback 1970" أشار إلى أن الذكور أكثر عدوانًا من الإناث في السلوك البدني المباشر، وأن الإناث أكثر عدوانًا من الذكور في السلوك العدواني غير المباشر، ولذلك فالإناث تعبر عن عدوانيتهن بطرق غير مباشرة، وترجع الفروق إلى اختلاف أدوار الجنس التقليدية.
وحيث أن العدوانية سلوك محدد جنسيًا، فإن ذلك يبدو افتراضًا معقولًا وأن كانت الأدلة ليست نهائية.
(2/319)

العدوانية وأساليب تربية الطفل:
إن الاستخدام العنيف للسيطرة عن طريق فرض القوة "خاصة العقاب البدني" يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعدوانية لدى الأطفال "Martin 1975" بصرف النظر عن السن، "مع بعض الفروق الطفيفة"، جنس الطفل. فالآباء الذين
(2/319)

يستخدمون العقاب الشديد يولدون العدوانية لأطفالهم لأنهم يسببون إحباطًا لدى الطفل ويقدمون نماذج للسلوك العدواني Fesbach Bandural 1970 Martine 1969 "شكل: 77" فالأطفال عندما يشاهدون نماذج عدوانية يصبحون أكثر عدوانية، وقد أيد هذا الفرض كثير من الباحثين مثل باندورا "Bandura 1969" وزملاؤه، كما أن لمشاهدة أفلام العنف بالتلفزيون أثر قوي على زيادة العدوانية عند الأطفال وقد أيدت كثير من الأبحاث هذا الرأي مثل: فريندرتش Friedrich "1975" وغيرهم.
إن الافتقار للدفء الأبوي يرتبط هو الآخر بالعدوانية، فقد بحث كل من: ماك كورد، وماك وهاور Mc Cord Mc Cord & Howard "1961" هذه المسألة مع مجموعة من الأولاد تتراوح أعمارهم بين التاسعة والرابعة عشرة،
(2/320)

وبعد تقسيم الأطفال إلى عدوانيين وغير عدوانيين، ذكر ماكورد أن 95% من الأولاد العدوانيين كان لهم والدان ذو طابع يتسم بالنبذ وعدم الدفء. أما الأولاد في المجموعتين الأخرتين كان لهم والدان ودودان affectionate Parents.
إن تربية الطفل التي تتسم بالبرود والنبذ تساعد على توليد السلوك العدواني لدى الأطفال، كما يذكر فيشباك Feshbach "1970" أن عدوانية الطفل قد تولد استجابات نبذ من الوالدين وهي بدورها تساعد على زيادة العدوانية، وبذلك تتولد حلقة غير سعيدة من العدوانية التي تقوم على النبذ.
كما أن سلوك الطفل العدواني قد ارتبط أيضًا بإجراءات السماحية المنع في تربية الطفل "Feshbach & Martin 1976 1975" ويدل بحث آخر قام به سيرز، ماكوبي، وليقنن "Sears Maccoby & Leavin 1975" على أن النسبة المئوية الأعلى للأطفال العدوانيين "41،7% للأولاد، 38،1 للبنات" يأتون من أسر تكون فيها الأمهات على درجة عالية من السماحية وعلى درجة عالية من العقاب، وأن أقل نسبة مئوية من الأطفال العدوانيين "3،7 % للأولاد، 13،3% للبنات" يأتون من أسر تكون فيها الأمهات أقل درجة في هذين البعدين. وهذه النتيجة لا تسري بصفة عامة على الأطفال الأصغر سنًا.
وتدل النتائج الخاصة بالمنحرفين أيضًا على أن السماحية المقرونة بالعدوانية الوالدية والنبذ إنما تزيد من السلوك العدواني للأطفال. وأخيرًا فهناك بعض الأدلة "Martin 1975" على أننا يجب أن نهتم بالدور الذي يقوم به كلا الوالدين لكي نفهم جيدًا كيف ترتبط وسائل تربية الطفل بالعدوانية في فترة الطفولة. وقد ذكر ماكورد، وماكورد وزد "1959" أن أعلى نسبة مئوية من الأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والثالثة عشرة الذين أدينوا بجرائم يأتون من أسر يقوم فيها كل من الأم والأب بالنبذ. وأن أدنى نسبة مئوية من الصبية 23% المدانين بجرائم يأتون من أسر يكون فيها كلا الوالدين متحابين. وأن 36% من الأولاد الذين من أسر تتسم فيها الأم بأنها محبة والأب نابذًا، 46% من الأولاد الذين من أسر تكون فيها الأم نابذة والأب محبًا أدينو بجرائم. أن هذه المعلومات تبين بوضوح أهمية
(2/321)

تقييم سلوك كلا الوالدين نحو الطفل. فإذا كان أحد الوالدين محبًا يبطل فعلًا تأثير الوالد النابذ، وتدل المعلومات أن الوالدين النابذين لهما تأثير أكثر ضررًا مما لو كان أحدهما فقط نابذًا.
(2/322)

النماذج العدائية:
إن الأبحاث موضوع تقديم النماذج العدوانية قد اهتمت بدراسة نموذج عدوانية الوالدين الذي يقدم للطفل، أو النماذج العدوانية التي تعرض في التليفزيون وغير من وسائل الإعلام. إن دراسة النماذج التي تقدم للطفل نماذج حية للعدوانية تجعله أكثر عدوانية، وخاصة النماذج العدوانية للوالدين، فقد بحث كل من بندورا ووالترز Bandura & Walters "1959" في عدوانية الوالدين وتأثيرها على اكتساب العدوانية لأطفالهما، فالوالدان يعتبران مصدرًا ممتازًا لتعلم السلوك الاجتماعي لأن أطفالهما يرونهما أقوياء. ولكن لسوء الحظ فإن الأطفال لا يقتصر تقلد والديهم في جميع النماذج الحسنة دون السيئة، ففي الواقع أن الآباء العدوانيين يعلمون أطفالهم أن يسلكوا بطريقة عدوانية، ويتعلم الأطفال العدوانية كطريقة لمواجهة الإحباطات اليومية.
إن البحث المستفيض في تعلم السلوك الاجتماعي من خلال تقديم النماذج، وخاصة البحث الذي أجراه ألبرت باندور وزملاؤه "1969" حول تقليد نماذج العدوان الموجه للأطفال، أدى إلى الاهتمام بدراسة أثر مشاهدة أفلام العنف على عدوانية الأطفال وزيادتها، وقامت العديد من الدراسات بدراسة ذلك، انظر دراسات: "Friedrich & Stein 1973, 1975"
وبدون شك فإن سلوك العنف الذي يسود البرامج التليفزيونية، من استخدام القوة البدنية التي تؤدي إلى القتل أو إحداث أذى وضرر، كما أن الصور المتحركة "الكرتون" التي توجه للأطفال الصغار هي أكثر عنفًا، فمثلًا في عام 1969 كان يعرض نحو ثلاثين حادث عنف في الساعة، وقد خفض هذا الرقم إلى سبع عشرة حادثة في الساعة عام 1972. والآن لا يمكن حصر عدد مشاهد العنف التي تتخلل برامج التليفزيون على شبكاته المحلية والعالمية.
(2/322)

وهناك رأي يقول إن عرض الأفلام الخيالية للعنف يعمل على خفض العدوانية إلا أن كثير من الدراسات أثبتت عكس ذلك فمثلًا في بحث لشتاين وفريدريك Stein & Friedrich "1975" فإن مشاهدة أفلام كرتون تقدم العنف كانت تزيد من تعبيرات الأطفال الصغار للعدوانية، ويسري ذلك أكثر على الأطفال العدوانيين من قبل، أكثر من الأطفال الذين يميلون إلى أن يكونوا غير عدوانيين. وبالنسبة للأطفال الأكبر سنًا فإن تأثير العنف بالتلفزيون على العدوانية أقل وضوحًا، وتدل الأبحاث على زيادة السلوك العدواني بمشاهدة أفلام العنف. وهناك على النقيض أبحاث أخرى لم تظهر تأثير لأفلام العنف بل على العكس أثبتت انخفاض العدوان بمشاهدة أفلام العنف. وعلى كل حال فإن مشاهدة أفلام العنف تؤدي إلى زيادة السلوك العدواني للأطفال وترتبط بزيادتها في مرحلة المراهقة.
إن تأثير العنف في التلفزيون على السلوك الاجتماعي ما تزال موضع تساؤلات وذلك بسبب قلة الأبحاث في هذا المجال، وفيما يختص بتأثير العنف الذي يقدمه التليفزيون للطفل فإن شتاين وفريدريك Stein & Friedrich "1975" يقترحان: "أن أكثر الإجراءات فاعلية ويكون باستطاعة الوالدين اتخاذها هي تحديد فرص المشاهدة في السنوات المبكرة".
(2/323)

وإذا كانت هذه الإجراءات تحمل أيضًا نظام محدد للقيم يستجهن العدوانية، فإن العنف قد يقل تأثيره بدرجة بسيطة، وإذا كانت عدم الموافقة مقترنة بوسائل تربية الطفل التي تجعل الطفل غير عدواني نسبيًا، فإن الطفل محتمل أن نقل استجابته للعنف".
ولقد رأى سيزر وأعوانه Sears et al على أساس أبحاثهم التي قاموا بها أن أفضل الطرق لمنع العدوان عند الطفل هي في تثبيطه بشرط أن يتجنب العقاب البدني.
كما أن الطريقة التي يستطيع بها الآباء تخريج طفل غير عدواني هي أن توضح له بجلاء أن العدوان غير مطلوب وأن نوقف العدوان عند وقوعه، لكن مع تجنب عقاب الطفل، واتخاذ الطريق الوسط لمنع العدوان بمنع عدم التسامح التام تجاه العدوان، وعدم العقاب الشديد عليه بالضرب.
كما أن كف العدوان بالصغر يؤدي إلى القلق إزاء العدوان وما يترتب عليه من آثار، وبالتالي يعمل على الإقلال من العدوان الصريح بعد ذلك.
(2/324)

الخلاصة:
يعتبر الوالدان من أهم عوامل التنشئة الاجتماعية تأثيرًا على الأطفال إذ يشكلان السلوك بتقديم النماذج للأطفال وبتقديم المكافآت وتوقيع العقوبات، غير أن الأطفال يؤثرون اجتماعيًا على آبائهم كما يؤثرون على سلوكهم.
وقد وصفت دراسات أبعاد المنع مقابل السماحية، والتدخل الانفعالي القلق مقابل الانفصال "التباعد"، والدفء مقابل العدوانية، باعتبارها وصفًا واسعًا للسلوك الأبوي وأنماط الوالدين. إن الآباء الذين وصفوا بمجموعات مختلفة من هذه الأبعاد يستخدمون أنواعًا مختلفة من السيطرة التنظيمية، أما الآباء العدوانيين فيميلون لاستخدام نظام يقوم على فرض القوة، أي العقاب البدني أو الحرمان من الامتيازات والأشكال الأخرى من السيطرة التنظيمية تشمل سحب الحب، والتعبير عن الغضب الأبوي أو عدم الرضا، والتوجيه لتفسير أن ما يفعله الطفل لا يجب أن يفعل.
(2/324)

إن طبيعة التعلق بالوالدين قد درست على نطاق واسع لدى كل من الإنسان والحيوان. وبصفة عامة فإن التعلق يشير إلى ميل الصغير للبحث عن القرب من أفراد آخرين من نفس النوع. وقد ذكر البعض أن هذا الميل يعكس التاريخ التطوري للإنسان. ويشير آخرون إلى أن التعلق لدى الإنسان يتم تعلمه من خلال أنشطة الرعاية.
إن الالتصاق والمص والسلوكيات التالية تحافظ على الاتصال بأعضاء آخرين من نفس النوع، في حين أن البكاء أو الابتسام يعمل على تقريب الآخرين للاتصال بالطفل.
إن التعلق يبدأ ظهروه في حوالي سن 7 شهور ويبلغ ذروته في الفترة من سن "12-18" شهرًا.
ومن نتائج التعلق أن الشخص المتعلق به يعمل كقاعدة آمنة يجري منها استكشاف البيئة، وهناك نتيجة أخرى هي أن التعلق بالآخرين يعد الطفل لتعلم السلوك الاجتماعي.
إن التعلق يرتبط بتفاعلات الأبوين مع الأطفال، وبعض الأطفال لا يتعلقون، وهناك آخرون يتعلقون بشكل غير آمن. وهؤلاء الأطفال غالبًا تكون أمهاتهم أقل حساسية بهم ويقل إنفعالهن بهم. إن الأطفال المتعلقون بشكل آمن لهم أمهات يحسسن بإشاراتهم ويتصلن بهم ويتقبلنهم.
إن التعلق بالأب لم يدرس بطريقة مكثفة إلا حديثًا، وتدل البيانات على أن الأطفال يتعلقون بآبائهم بقدر تعلقهم بأمهاتهم، غير أن الطفل تحت الضغط فإنه يقوم بالبحث عن الأب، بنفس القدر كالأم، وهو ما يرتبط عادة بأنشطة اللعب الأكثر حدوثًا والتي يشترك فيها الأب مع الأطفال. إن الاعتمادية تتولد هي الأخرى في فترة الطفولة المبكرة، وهي تشير إلى سلوك الطفل الذي يتم تعلمه بالمكافآت الأبوية، وتدل الأبحاث على وجود علاقة بين أنواع الأبوين والاعتمادية على عدم وجود صفة عامة.
(2/325)

إن العدوانية أيضًا تم تعلمها وخاصة عن طريق النموذج الوالدي، والأطفال الكبار يميلون إلى استخدام العدوان اللفظي أكثر من العدوان البدني والعكس بالنسبة للأطفال الصغار، والعدوان الخيالي يزداد أيضًا في مرحلة الطفولة المبكرة والمتوسطة ويقل في مرحلة المراهقة، كما أن الذكور عادة أكثر عدوانًا من الإناث، وقد يرجع سبب ذلك إلى الفروق في التنشئة الاجتماعية.
(2/326)

الفصل الثامن: العلاقة بالأقران
مدخل
...
الفصل الثامن: العلاقة بالأقران
مقدمة:
إن جزءًا كبيرًا من التنشئة الاجتماعية للطفل يخضع لسيطرة الراشدين وذلك بسبب الصلة القريبة للطفل بالوالدين وغيرهما من الراشدين.. ولكن عندما يدخل الطفل إلى عالم جديد يهيمن عليه الأقران "في الروضة، في الشارع، في المدرسة"، فإن هؤلاء الأقران يصبح لهم تأثير متزايد على التنشئة الاجتماعية.. إن النظريات والأبحاث التي ستناقش في هذا الفصل تركز على الأدوار التي يقوم بها الأقران كلما قضى الطفل مزيدًا من أوقات اليقظة بعيدًا عن الوالدين، وفي نفس الوقت تحت تأثير مجموعة الأقران. فالتفاعل مع مجموعة الأقران له نتائج تكون أحيانًا بالغة الأهمية والقيمة.. ومن السمات الفريدة لعلاقات الأقران هي الفرصة التي تتاح للقيام بأدوار الراشدين فالطفل مثلًا قد يقوم بدور الرئاسة أو الزعامة أو التبعية، ويتعلم أي هذه الأدوار أكثر مناسبة، كما يستطيع الطفل أيضًا أن يقوم بأدوار خلاف تلك التي قابلها في العلاقة مع الراشدين، وبهذه الطريقة يستطيع الطفل أن يتعلم كيف يسلك في مختلف المواقف ويكون أنماطًا أو أدورًا سلوكية تصلح تمامًا في محرلة الرشد، وبالطبع فإذا كانت الأنماط السلوكية غير مناسبة فإن الأمر يتطلب تكوينه أنماط جديدة، ففي مرحلة الطفولة يكون هذا التغيير على قدر مامن السهولة حيث أن أخطار الطفل لا يكون لها في العادة نتائج غير قابلة للارتداد كما هو الحال في مرحلة الرشد، كما أن جماعة الأقران تقدم للطفل فرصة المستحبة.. ويصبح تأثير جماعة الأقران على توافق الطفل هامًا بصفة خاصة في مرحلة المراهقة عند محاولة الاستقلال والهيمنة "Cooley 1969". إن الباحثين في مجال علاقات جماعة الأقران في مرحلة الطفولة قد حاولوا إيجاد إجابات عن عدة تساؤلات هي:
- كيف تتكون جماعات الأقران، وما هي التغيرات التي يمرون بها في أثناء هذا التكوين والاستقرار والتفرق؟
- وما هو خط الصداقة مع الأقران من نفس الجنس ومن الجنس الآخر؟
- كيف تؤثر جماعة أقران الطفل على تعلم الطفل واكتسابه للمعايير الاجتماعية؟
(2/329)

- كيف يؤثر الأقران في نمو الطفل، وفي نمو احترام الطفل لذاته وإدراكه لذاته؟
إن هذا الفصل يصف تشكيل جماعات الأقران في مرحلة الطفولة، وتأثير هذه الجماعات على الطفل في حد ذاته، وفي تعزيز الأقران على سلوك الطفل، ودرو الأقران كنموذج للنمو الاجتماعي..
(2/330)

صعوبات دراسة علاقات الأقران:
لكي يتوصل علماء النفس إلى إجابات عن المسائل السابقة استخدموا وسائل الملاحظة وأدوات استقصاء ومقابلات.. وكما هو الحال في كثير من الأبحاث حول المسائل المتعلقة بالتنشئة الاجتماعية فإن هناك مشاكل تحد من البحث الذي يمكن القيام به وقد تعوق تفسير المعطيات أو النتائج التي يتم التوصل إليها. فالنتائج التي يمكن التوصل إليها بهذه الطرق حول علاقات الأطفال قد تؤدي إلى معلومات خاطئة أو غير كاملة، ويكون من الصعب استخدامها مع أطفال أصغر سنًا قد تكون إجاباتهم غير متعلقة أصلًا بالأسئلة المطروحة، أو ينسون أو يشوهون إجاباتهم عن غير قصد. والبديل لذلك هو استخدام الملاحظات حول مسألة ما: إذا أردت مثلًا أن تعرف كيف تتكون مجموعات الأقران يجب أن تقوم بملاحظة سلوك الأطفال في الملعب أو في حجرة الدراسة أو في الشلة وجماعة الجوار، وهذا يتطلب قدر كبير من الوقت والجهد، علاوة على ذلك عينات الأطفال الذين نقوم بدراستهم قد لا يكونوا ممثلين لأي جماعة كبيرة، وإنما تمثل فقط قطاعًا صغيرًا وضيقًا من الأطفال.. فعلى سبيل المثال: أطفال من الطبقة الوسطى في سن 3-4 سنوات من إحدى رياض الأطفال أو الحضانات الخاصة إذا تمت دراستهم فمن الواضح أن المعطيات من هذه البيئة المنتقاة قد لا تكشف عن نفس الإجراءت التي نعمل بها في علاقات الأقران من أطفال الطبقة الوسطى المقيدين برياض الأطفال الحكومية أو الأطفال من مختلف الخلفيات الاقتصادية أو الاجتماعية. إننا نذكر هذه الصعوبات لسببين:
أولهما: أن الباحث يجب أن يدرك هذه المشاكل وأن يتعلم كيف يواجهها.
(2/330)

والثاني: هو أنه يجب أن نوفق بين العوامل المتضاربة.
فنحن نحتاج لأن نتذكر أن كثيرًا من الباحثين يدرسون نفس الظاهرة في مواقف مختلفة أو عينات مختلفة من الأطفال، أو يستخدمون وسائل مختلفة أو عينات مختلفة من الأطفال ومن ثم يتوصلون إلى نتائج مختلفة أو متضاربة عن الإجراءات التي تكمن وراء علاقات الأقران.. إن مثل هذه المعطيات المتباينة تبين الطريق لأبحاث المستقبل التي تهدف إلى إيضاح التناقضات.
(2/331)

جماعات الأقران واللعب
اللعب الفردي
...
جماعات الأقران واللعب:
معظم الأبحاث المتعلقة بعلاقات الأقران في مرحلة الطفولة أجريت على جماعات اللعب.. ولقد كانت أبحاث بارتن Parten حول التفاعل المبكر بين الأقران مؤكدة أن لعب الأطفال يتطور من الفردية إلى الجماعية في مراحل تطورية على النحو التالي:
أ- اللعب الفردي:
lndividual Play:
ويسود هذا النوع من اللعب في السنوات المبكرة من عمر الطفل حيث نلاحظ الطفل يلعب بجانب طفل آخر أو قريبًا منه، ولكن كلا الطفلين مشغولًا باللعب الفردي، ويكون لكل طفل الرغبة في اللعب بمفرده باستخدام الأدوات الخاصة
(2/331)

به، ولا توجد محاولات للاشتراك مع الآخرين أثناء اللعب.. ويقسم مارتن اللعب الفردي إلى نوعين.
1- اللعب غير المنشغل أو الشاغر Un-occupaied Play ويبدأ في العامين الأولين من عمر الطفل بالملاحظات الشاغرة حيث ينتقل الطفل سريعًا بملاحظاته وانتباهه من موضوع إلى موضوع، فهو أخاذ نباذ، يأخذ الشيء ثم سرعان ما ينبذه لينتقل لموضوع آخر، وهو حينما لا يجد ما يشغل به نفسه يتحول انتباهه إلى جسمه ويمضي يلعب بأعضائه المختلفة.. ويتطور هذه الملاحظات الشاغرة إلى نوع من اللعب يطلق عليه الملاحظات المتطفلة أو اللعب التطلفي "لعب المشاهدة" Looking on Play الذي يبدأ عندما يستمتع الطفل بملاحظة ألعاب الأطفال الآخذين، وقد يشترك معهم بالحديث اللفظي ولكن دون أن يشترك معهم في ألعابهم.
2- اللعب الانعزالي "الانفرادي" Solitary Play وفيه يلعب بمفرده مع دميته أو لعبه الخاصة مستقلًا في نشاطه ولعبه عن الآخرين لذا: يطلق على هذ الشكل من اللعب الانعزالي المستقل.. وهناك نوع من اللعب الانفرادي يطلق عليه اللعب الانفرادي المتناظر وفيه يلعب الطفل مع أطفال آخرين مع احتفاظه بفرديته، ويحدث حينما يجتمع الأطفال في مكان ما ليقوم كل
(2/332)

منهم نشاطه منفردًا عن نشاط الآخرين ومقلدًا لما يقدمون به "فؤاد البهي السيد: 1975، 232، جوزال عبد الرحيم: 1997، 96، سهير شاش: 1998، 74".
(2/333)

ب- اللعب الجماعي:
Group Play:
ولا يظهر هذا النوع قبل الثالثة والرابعة من العمر حيث يلعب الأطفال بعض الألعاب القليلة معًا.. ومن الشائع في هذا اللعب أن يخطط الطفل لبعض الأنشطة ويأتي بطفل آخر ليلعب معه.. وكلما تقدم الطفل في العمر يزداد التخطيط للعب.. وفي مرحلة ما قبل المدرسة يقلد الأطفال في لعبهم ألعاب الأطفال الآخرين "Rubin eb al 1976 416" وينقسم اللعب الجماعي إلى عدة أنواع منها:
1- اللعب الموازي Paralle Play: ويشيع هذا النوع من اللعب في سن الثالثة، وهو لعب مستقل جنبًا إلى جنب يقوم به اثنان أو أكثر من الأطفال، وهم يعملون نفس الأشياء تقريبًا لكن بدون تعاون فعال وأن يكون باهتمام متزايد بسبب وجود نشاط البعض الآخر "مثل لعب اثنين من الأطفال مع بعضهما لبناء بيت".. وقد يتبادل الأطفال المشاركين الحديث القصير مع بعضهم البعض دون مشاركة فعلية في اللعب معًا، وقد يقلد الطفل أقرانه في ألعابهم ويلعب لعبته وهو بعيد عنهم، ويوزع انتباهه من لعبته ومتابعة
(2/333)

رفيع المكان عن كثب "سهير شاش: 1998، 75".
شكل "81" اللعب الموازي
2- اللعب الترابطي Associative Play: يظهر هذا النوع من اللعب ابتداء من الرابعة من العمر وفيه يلعب الطفل مع أطفال آخرين في أنشطة متشابهة منظمة بطريقة فضفاضة Loosely organized. أي أن الطفل يلجأ إلى إنشاء أشكال من الجماعات يشاركها في الأنشطة المتشابهة ويستعمل نفس المواد والألعاب، ويأخذ الأطفال الأفكار من بعضهم البعض، ويستعيرون من بعضهم اللعب والأدوات، ويراقبون أنشطة الأطفال الآخرين
(2/334)

وينفذونها معًا.. وتتضمن المحادثات في مثل هذا اللعب طرح الأسئلة وعمل بعض المحاولات للتحكم فيما تشترك فيه المجموعة "Hirschi et al 1994 21-20"
3- اللعب التعاوني Co- operative Play وهو نوع من اللعب يتضمن تنظيم اجتماعي معقد لنشاط مجموعة الأطفال المشاركين فيه، ويكون هناك أهداف عامة متفق عليها يشترك فيها اللاعبون، إلى جانب سعى كل طفل منهم لتحقيق غرض خاص به. ويبدأ بتعرف الأطفال المشاركين على بعضهم، وتعرفهم على أهداف اللعبة ومعرفة متطلباتها، ويخضع كل طفل في لعبه لروح الفريق، ويؤدي عملًا أساسيًا يطلب منه، ويخضع لرائد أو زعيم يوجه نشاط الجماعة في ألعابها.. وهناك تقمص أدوار متبادلة "وينتظر كل فرد في جماعة اللعب دوره"، ويكون هناك إحساس قوي بالانتماء أو عدم الانتماء للجماعة، ويكون هناك تنظيم للمجموعة بغرض عمل منتج معين أو التمثيل الدرامي لموقف أو لعب لعبة منظمة، ويشمل الأهداف، ويقسم الجهد والتمايز في أخذ الأدوار وتنظيم الأنشطة.. إلخ "جوزال عبد الرحيم 1997، 96، سهير شاش: 1998، 75، 1994 Heirschi"
(2/335)

4- لعب العصابات Gan groups Play: ويطلق عليه نشاط العصابات.. وتسود مرحلة المراهقة وتتطور لتتخذ لنفسها صورا أعمق وتسيطر سيطرة كبيرة على أغلب نشاط الفرد في هذه المرحلة، وتهدف إلى تكوين مجتع صغير يحقق للفرد رغباته وأحلامه بما يتفق ومظاهر نموه.. وتبدو هذه المظاهر بوضوح بين الذكور أكثر مما تبدو بين الإناث.. وتبدو في صورتها السوية في الجماعات التي يرعاها المجتمع كالكشافة والجوالة وفي صورتها الشاذة تبدو في رفقة السوء الذين يقضون وقتا فيما لا يفيد "فؤاد البهي السيد: 1975، 233".
(2/336)

العوامل المؤثرة في اللعب بين الأقران:
1- العمر:
من بين الأبحاث الكلاسيكية عن تأثير العمر في نوع اللعب بين الأقران بحث أجراه باربر parpar "1972" درس فيه أنماط اللعب لعدد 42 من أطفال الروضة في سن من 2-4.6 سنة، وكان قد سجل سلوكهم في ست مراتب: سلوك شاغر "غير مشغول"، لعب انفرادي، سلوك المراقب "كان الطفل مراقبًا ولكنه لم يلعب مع أطفال آخرين"، اللعب بالمشاركة "اللعب مع أطفال آخرين والمشاركة في اللعب"، واللعب التعاوني، ولعب ألعاب مع قواعد.. وقد سجلت 60 حالة سلوك مدة كل منها دقيقة واحدة عن سلوك لعب الأطفال، وقد ذكر "باربر" أن المشاركة الاجتماعية كانت تزيد مع العمر فقد كان الأطفال الأكبر عمرًا يقضون وقتًا أطول في اللعب التعاوني واللعب بالمشاركة، ووقتًا أقل في الأشكال الأخرى من اللعب أقل من الوقت الذي كانت يقضيه الأطفال الأصغر "شكل: 85"
(2/337)

وقد اقترح بارتن وآخرون. Parten et al "1971" أن اللعب الانفرادي "الانعزالي" هو نشاط من مستوى منخفض يدل على اللاجتماعية أو على تفضيل اللعب الخيالي.
وقد أوضحت دراسات أكثر حداثة عن اللعب الانفرادي أجراها بروفي وابرستون ومور Prophy Eberston & Moor "1974" روبين، هورنونا ومايوني Roben Hornuna & Maioni "1976" ودراسات أخرى عن اللعب الخيالي مثل دراسة ساندرز وهاربر Sanders & Harper "1976" أوضحت هذه الدراسات وظيفة النوع الأول من اللعب، قد جعلت معلمي رياض الأطفال يسجلون أمثلة للعب الانعزالي بين تلاميذهم في أثناء فترات اللعب الحر.. وقد أوضحت بعكس النتائج التي توصلت إليها بارتن أن ما يقرب من 15% من كل حالات اللعب الانفرادي كانت تتكون من أنشطة موجهة لهدف وأنشطة تعليمية.. واللعب الانفرادي الذي يتطلب استخدام عضلات كان أيضًا يشكل 24% من كل حالات اللعب الانفرادي.. وعلى ذلك: فإن أكثر أنواع اللعب الانفرادي نضجًا حدثت أكثر من الأشكال الأقل نضجًا والتي تدل على الانسحاب "التباعد" الاجتماعي، كما لوحظ أن حالات العناد قليلة الحدوث.. وقد حدث اللعب الانفرادي بالمكعبات، والأشكال الفنية، والألغاز، ولعب الأشكال، أو القراءة وكلها موجهة لواجب وموحية بالنضج.. وعند مراجعة معطياتهم ومعطيات الآخرين اقترح مور وزملاؤه وجود استمرارية في اللعب الانعزالي يتحرك فيها الأطفال من حالة المشاهدة المسلية إلى الفعل في أنشطة أكثر نشاطًا وتعبيرًا إلى أن يصبحوا مشتركين بشكل مستقل في أنشطة متعلقة بحل المسائل.. علاوة على ذلك كانت المعطيات "النتائج" تقترح أنه بالنسبة لمعظم الأطفال: فإن اللعب الانفرادي هو على الأقل نشاط طبيعي وربما كان نشاطًا وظيفيًا مفيدًا أكثر منه توافق اجتماعي غير سوى.
وتؤيد أبحاث أخرى عن لعب الأطفال وجهة النظر هذه عن وظيفة اللعب الانفرادي فقد لاحظ روبين وآخرون. Roben et al "1971" لعب صبيان وبنات من الطبقتين الوسطى والدنيا في إحدى رياض الأطفال، وسجل هؤلاء
(2/338)

الباحثين أربعة أنواع من اللعب المعرفي استنادًا إلى تصنيف "بياجيه سملانسكي" "1968" في تبويبهم للعلاقة بين اللعب والمعرفة هي: اللعب الوظيفي الذي يتضمن حركات عضلية متكررة، واللعب البنائي الذي يتناول أشياء لبناء شيء، واللعب الدرامي: الذي يتضمن مواقف بديلة وخيالية ترضى حاجيات الطفل، والألعاب ذات القواعد وهذه الأشكال الأربعة "للعب المعرفي" قد سجلت في كل من مراتب "بارتن" للعب على أساس وظيفته الاجتماعية.
2- العوامل الطبقية:
وفقًا لتحليل روبين وزملاؤه وجدوا: أن أطفال الطبقة المتوسطة الذين يقومون بلعب بنائي وبالمشاركة وبالتعاون أكثر من أطفال الطبقة الدنيا.. وقد اشترك أطفال الطبقة الدنيا في اللعب الموازي والوظيفي أكثر من أطفال الطبقة الوسطى، واشتركت البنات في الألعاب الأكثر بنائية والأقل درامية من الأولاد. وقد افترض هؤلاء الباحثين أن أنماط اللعب من المستوى المنخفض لأطفال الطبقة الدنيا تعكس الافتقار إلى المواد اللازمة في المنزل، وقد يجد أطفال الطبقة الوسطى أن أدوات رياض الأطفال غير مألوفة ولذلك فإنهم قد يقضون وقتًا في تفحصها وتناولها "اللعب الوظيفي"، ولكنهم يستخدمونها بعد ذلك في اللعب البنائي أو الدرامي.. ومن المحتمل أن يكون أطفال الطبقة المتوسطة أكثر ألفة بالأدوات ومواد اللعب التي يستخدمونها في أنشطة أكثر تقدمًا مثل اللعب البنائي أو الدرامي Ross Feitlson 1975 Fitlwon Wintroy Wintroy& Michell 1972 Robin et al 1976". كما أن مقاييس المعرفة الاجتماعية تعكس أيضًا هذه الفروق مع أطفال الطبقة الدنيا القائمين باللعب الانفرادي الوظيفي واللعب الوظيفي الموازي، وأقل بالنسبة للعب بالمشاركة واللعب البنائي والتعاوني والدرامي من أطفال الطبقة المتوسطة. بالإضافة لذلك: فإن أطفال الطبقة الدنيا أظهروا مستوى أقل من اللعب الاجتماعي المعرفي من أطفال الطبقة المتوسطة..
(2/339)

إن معطيات أطفال الطبقة المتوسطة تتفق مع ما توصل إليه بارتن Partin قبل ذلك بأربعين عاما وبذلك تدل هذه النتائج على ثبات أشكال اللعب على الثبات عبر الأجيال.
3- الجنس:
أوضح مور وزملاؤه Moore et al "1974" أن الأولاد ينخرطون في مزيد من اللعب الخيالي أكثر من البنات، وأن أطفال الطبقة المتوسطة ينخرطون في مزيد من اللعب الخيالي أكثر من أطفال الطبقة الدنيا.
ويهتم علماء النفس بمواقف اللعب وأشياء اللعب "أدواته" في تنشيط اللعب الخيالي عند دراسة الفروق تبعًا للعمر والجنس.. ففي دراسة أجراها هاربر وساندرز Harper & Sanders "1976" على أطفال ما قبل المدرسة في عمر 3-5 سنوات تبين منه: أن الأولاد أقبلوا على مزيد من اللعب الخيالي عن البنات، كما فعل ذلك الأطفال الأكبر سنًا عن الأطفال الأصغر.. فالأولاد والأطفال الأكبر تظاهروا بأنهم حيوانات أو أشياء ويبدون مشاعر أو سلوكيات إنسانية للتعبير عن أشياء غير حية كأن يلعبوا لعبًا تظاهريًا ويضعون قواعد تظاهرية.. أما اللعب الخيالي للأطفال الأصغر فيزداد مع مرور السنوات مما يدل على احتمالات نمائية قد تكون معرفية في القدرة على التخيل.. ويرى ساندرز وهاربر "1976" أن الفروق بين الجنسين في اللعب الخيالي قد تعكس ظروف تتعلق بالموقف: فالمواد والأدوات التي يفضلها الأطفال الأكبر تسهل اللعب الخيالي للأولاد.. إن هذا الافتراض يتفق مع النتائج التي تشير إلى أن الأولاد ينخرطون في مزيد من اللعب التظاهري أكثر من البنات اللاتي يلعبن لعبًا أكثر سلبية وألعابًا أكثر تقييدًا. وهكذا: فإن التفاعلات الاجتماعية التي يعتبر اللعب جزءًا هامًا منها في هذه السن المبكرة كأنها تنبئ بالعلاقة الاجتماعية بين الأقران بعد ذلك..
(2/340)

تكوين جماعات الأقران:
تعريف جماعات الأقران:
إن جماعة الأقران أكثر من مجرد تجمع أفراد يتصادف وجودهم في نفس المكان في نفس الوقت.. فجماعات الأقران تتكون من أفراد متفاعلين مع بعضهم البعض، ولهما أهداف ومعايير مشتركة، كما أن جماعات الأقران يجب أيضًا أن يكون لها قادة وأتباع وربما يكون هناك تقسيم للعمل كذلك..
إن هذه الصفات التعريفية تنطبق أيضًا على الجماعات طويلة المدى وقصيرة الأمد. وكذلك على الجماعات الفورية.
أنواع جماعات الأقران:
لعل أول مجموعة أقران للطفل تستند إلى الجنس. وفي سنوات ما قبل المدرسة وحتى حوالي الصف السادس يشترك الأطفال بطريقة تكاد تكون كاملة مع الأطفال الآخرين من نفس الجنس، أما بعد ذلك فإن الطفل الذي يشترك مع أفراد من الجنس الآخر بدرجة كبيرة من المحتمل أن يوصف بأنه دلوعة أو مخنث أو أن البنت مسترجلة، ولا يعتبر لائقًا للطفل أن يكون مشاركًا مع أفراد الجنس الآخر بعد سن البلوغ.. ويبدو أن ذلك المبدأ يعكس نمط من التنشئة والثقافة الفرعية للمجتمع الذي يعيش فيه الطفل ومحاولات الأباء عن قصد أو عن غير قصد تشجيع نمو أدوار جنسية لائقة.
وثمة عامل آخر هام في عضوية مجموعات الأقران هو العمر: ففي فترة الطفولة فإن أعضاء فريق الأقران عادة ما يكونون من نفس السن، ومن المحتمل أن هذه الظاهرة تنبع من الفروق في السن ونوع الاهتمامات والقدرة البدنية في اللعب والقدرة على اتباع قواعد الألعاب.. وعادة ما يصادف طفل الروضة صديقًا أو اثنين لفترات زمنية قصيرة، ولا تتجاوز جماعة الأطفال في هذا السن ثلاثة أفراد وبالرغم من قلة أفراد جماعة الأقران، وبالرغم من أنها وقتية إلا أنها المجال الأساسي الذي يتدرب فيه الطفل على التبادل الاجتماعي في صورته
(2/341)

البدائية، وهي المجتمع الذي يخبر فيه كل طفل شتى المشاعر التي غالبًا ما سيخبرها في المجتمع الأكبر فيما بعد.
وبواسطة هذا التفاعل بين الطفل ورفاقه في مثل هذه تتاح له الفرصة في أن يكون على دراية متزايدة بالفروق بين الناس حيث يرى الطفل أطفالًا أكبر منه، وآخرون أصغر منه، البعض أشجع منه وأكثر عدوانية أو أكثر أنانية، والبعض أجبن منه أو أكثر حذرًا وأكثر خجلًا. بعض الأطفال ينتمون إلى أسر ذات مراكز مختلفة قد تختلف عن أسرته، البعض له إخوة وأخوات والبعض ليس له، البعض له آباء شباب والآخر لديه أباء كبار في السن، والبعض ليس له أبوين.. إلخ.. هذا النمو في الاشتراك مع الأقران يعتبر خبرة واسعة بصورة كبيرة لدى الطفل مما يسهم في تكوين اتجاهات الأطفال نحو أنفسهم ونحو عالمهم.
تكوين جماعات الأقران:
أجرى شريف وآخرون Sherif et al عددًا من الدراسات الممتازة عن تكوين مجموعات الأقران.. وفي إحدى هذه الدراسات بحث شريف وشريف Sherif & Sherif "1973" تكوين جماعات الأقران بين أولاد "صبية" من الطبقة الوسطى في معسكر.. وفي المرحلة الأولى من التجربة تشكلت مجموعتان من الصبية أعطت كل منها لنفسها اسمًا خاصًا بها.. وقد روعي أن تظل المجموعتان منفصلتين عن بعضهما، وسمح لهما أن تظل كل منهما مندمجة مع بعضها لمدة ثلاثة أيام لإتاحة الفرصة لقيام الصداقات.. وفي المرحلة الثانية قصمت المجموعتان كل منهما إلى مجموعتين متساويتين، وتشكلت مجموعتان جديدتان، ولوحظتا لمدة خمسة أيام، وقد روعي أن يكون هناك تشابه قريب من ناحية الشخصية والقدرات في هاتين المجموعتين، وجرى ذلك بمعرفة المشرفين على المعسكر ومرة أخرى روعي أن تظل المجموعتان منفصلتين في حين تقوم كل مجموعة بأنشطتها الخاصة.. وفي المرحلة الثالثة وضعت المجموعتان في موقف مباراة الواحدة مع الأخرى.
(2/342)

وقد اختبرت هذه الدراسة ثلاثة افتراضات:
- الافتراض الأول: أن الأفراد الذين يتجمعون بطريقة عشوائية يكتسبون صفة الجماعة: قادة وأتباع، صداقات، تقسيم العمل ... وما شابه ذلك.
- الافتراض الثاني: تتكون معايير مشتركة واتجاهات وقيم مشتركة.
- الافتراض الثالث: أن العدائية بين المجموعات تنشأ إذا ما وضعت المجموعات في حالة تنافس.
ولقد عززت النتائج بوضوح كل هذه الافتراضات:
ففي المرحلة الأولى: ظهرت الصداقة وعلاقات مكانية ولكن ذلك تغير وتكونت أنماط صداقة جديدة، وفي المرحلة الثانية، على الرغم من أن نصف عدد الصبية في كل مجموعة كانوا يعرفون بعضهم البعض من المرحلة الأولى فقد تكونت في كلتا المجموعتين طبقية هرمية من قادة وأتباع، ومع أن القادة كانوا يميلون لأن يكونوا أكثر أعضاء المجموعة شعبية، فإن القيادة والشعبية لم تكونا على ارتباط كامل إحداهما بالأخرى، كما أن كل مجموعة وضعت معاييرها الخاصة في فترة الأيام الخامسة من المرحلة الثانية: فالاتجاهات نحو بعضهم البعض، ونحو المعسكر والأنشطة التي تجري فيه، وظهر مفهوم "نحن" مقابل "هم" ظهرت في كل مجموعة.. مع أن الصبية في كل مجموعة أظهروا استهزاء بالمجموعة الأخرى فإنه لم تحدث عدوانية حقيقية، وقد تكونت الصداقات بصفة خاصة مع أعضاء الفريق الحالي.. وفي المرحلة الثالثة: حدث أن إحدى المجموعتين كانت تفوز دائمًا في المباريات، وكانت النتيجة إحباط شديدًا لدى الفريق الخاسر، وتبع ذلك عدائية بين المجموعتين، وفقدان الثقة والتضامن في داخلية المجموعة الخاسرة.
وقد كرر شريف وآخرون "1979" هذه التجربة ووسعوها في دراسة عن تكوين جماعات الآخرون بين 22 صبيًا من الصف الخامس في إطار معسكر، وقد فصل الصبية في مجموعات متساوية مع مراعاة ألا تعلم أي مجموعة شيئًا عن وجود المجموعات الأخرى، ومرة أخرى سرعان ما اكتسبت المجموعات سمة
(2/343)

جماعات الأقران غير أنه في هذه الدراسة كان التنافس بين المجموعات يخضع لسيطرة بحيث أن كلتا المجموعتين حققتا نفس العدد من مرات الفوز والهزيمة، غير أن التنافس كانت له نفس النتيجة كما في التجربة السابقة وهي ظهور عدوانية شديدة بين المجموعات، مع أن التضامن داخل المجموعات ظل قويًا. وفي خلال مرحل التنافس حصل تغير في تكوين المجموعة، وبرز قادة جدد في المقدمة وذلك على أساس التميز في أثناء المباريات "وقد توقفت أدوار القيادة في المجموعتين على الأهداف المباشرة للفريق".. وفي المرحلة الأخيرة كان على المجموعات أن تتنافس في تحقيق حاجة مشتركة، وقد أدى ذلك إلى فرض التعاون وقلل من الصراع بين المجموعات، وزاد اختيارات الصداقة عبر خطوط المجموعة.
إن الدراسات التي قام بها شريف وزملاؤه لها تأثيرات عملية منها أن:
- تكون مجموعات جديدة من مجموعتين أو أكثر بينها عدائية، مع توفر هدف مشترك يمكن أن يؤدي إلى خفض درجة العدائية.
- وأن تهيئة الفرصة لمجموعتين بينهما عدائية للعمل معًا يمكن أيضًا أن يقلل من العدائية في داخلية المجموعات.
الاختلافات الثقافية وتكوين جماعات الرفاق:
قبل أن تحدث عملية الاشتراك أو الاندماج في الجماعة تقابل الفرد بعض الشروط فيها؛ إلى أي مدى يعتمد الفرد على أقرانه، إلى أي مدى يرتبط ويحتك الفرد بأقرانه، ثم إلى مدى تكون درجة تحرره من تحكم الكبار. فعلى سبيل المثال وفي المجتمعات البدائية كانت هناك علاقات وطيدة بين الأقران وكانوا يعتمدون على بعضهم إلى درجة كبيرة بالذات في المجتمعات المحاربة أكثر منها في المجتمعات المسالمة. هذا لأنه بخصوص المجتمعات المحاربة نجد أن الأقران يكونوا أصدقاء أو زملاء حرب خلال حياتهم العسكرية. وربما لهذا السبب نجد أن المجتمعات المعادية أو المحبة للحرب agressive cultures تعطي اهتمامًا وقيمة كبيرة لعملية الحرب واستقلال الطفل عن الوالدين والتحرر من تحكمهما. وهي في ذلك تفوق بكثير المجتمعات المسالمة أو الخيرية. أما في المجتمعات المعاصرة
(2/344)

الصناعية والغنية فهي لا تحتاج لمجهود الطفل واستغلاله في العمل، ولهذا تسمح للأفراد الصغار بوقت فراغ أكبر وبالتالي فرص تكوين جماعات الأقران أوسع وترابطها أقوى.
وتقدم لما "بوهم" Boehm" "1957" دراسة توضح لنا فيها أن تحكم الكبار والتحرر منه حدث بصورة جلية مبكرًا في الولايات المتحدة أكثر منه في أوربا. وقد اعتقدت أن الوالدين Parents في أمريكا كانوا أقل شعورًا بالأمن وكذلك أقل تأكيدًا من أن طريقهم هو الطريق الصحيح، ولذلك كان لديهم الاستعداد للرضوخ لضغوط أطفالهم أكثر مما كان لدى الأوربيين. وفي الولايات المتحدة أيضًا نجد أن جماعات الأقران كان أقوى منها في أوربا. فمعظم الأوربيين لا يسمحون لأطفالهم بالاحتكاك بذويهم بنفس الدرجة في أمريكا. وخلال عمليات الاحتكاك وجدنا أن مجتمعات الأقران في أمريكا قد اكتسبت قيمًا ومبادئ واضحة ومحددة وقدرة على تدعيم العلاقات بين أعضاء المجموعة الواحدة بل وإجبار الأعضاء على الولاء للجماعة. ولم تستطع الأسرة في أمريكا أن تقف أمام الضغوط التي تمارسها جماعات الأقران على الطفل حيث ينصاع الطفل لأوامر الجماعة بصورة كبيرة. ويحتمل أن يكون تغيير وجهة الثقافة الأمريكية خلال فترة معينة، وكذلك الاختلاف بين الثقافة الأمريكية والثقافة الأوربية، ربما يكون راجعًا في جزء منه إلى الدور المتزايد الذي تلعبه جماعات الأقران في أمريكا وقوة هذا الدور عنه في أوربا:
وفي أوربا الغربية وكندا يعتبرون انضمام الطفل لإحدى جماعات الأقران كثورة من قبل الطفل على قيم ومبادئ الراشدين. ومجتمعات أخرى تستخدم جماعات الأقران في غرس القيم والمبادئ التي يعتنقها الكبار. وفي إحدى الدراسات التحليلية عن تربية الأطفال في الاتحاد السوفيتي لاحظ برنفبرنر Bronfenbrenner أنه -وبالذات في المدارس- تعتبر جماعة الأقران نبعًا أساسيًا للقيم والتنظيم. فمثلًا إذا تولى مجموعة من الراشدين جماعة من الأطفال فإنهم يوضحون لهم السلوك الذي يستحقون عليه المكافأة ويقدمون هذه المكافأة من خلال الجماعة نفسها وبمجهود جماعي. وفي المدرسة نجد أن الأطفال الذين يكونون صفًا
(2/345)

row معينًا داخل حجرة الدراسة يكونون مسئولين عن بعضهم. فالمجموعة ككل مسئولة عن تصرف أي فرد فيها. فإذا تعوق أحد الأطفال في تعلم الكسور مثلًا نجد أن رائد الصف يتولى تعليمه Tutoring بنفسه أو بالاستعانة بأفراد آخرين من نفس الصف. وإذا كان هذا الطفل عابثًا فيعلمونه الجدية. وإذا كان كسولًا فيقومونه جميعهم. والصف الدراسي الذي يظهر نشاط أحسن وإنجاز أفضل يكافأ في صورة مكافآت مادية ومعنوية. وعلى نفس المنوال تتنافس الفصول مع بعضها، وكذلك المدارس. فأعضاء كل جماعة سواء كانوا في صف دراسي أو فصل أو مدرسة يعلم كل منهم الآخر وبهذا يمثلون منبعًا مباشرًا لتدعيم وتقوية الجماعة.
(2/346)

تقبل الأقران
مدخل
...
تقبل الأقران:
Acceptance By Peers:
إن المقياس الذي غالبًا ما يستخدم للتعرف على درجة تقبل مجموعة من الأقران لأحدهم هو طريقة القياس الاجتماعي التي استخدمها مورينو "Moreno" "1934" وهذه الطريقة بسيطة جدًا وتتلخص في أن يسأل الفاحص مجموعة المفحوصين سؤال هذه الأسئلة:
- من الذي تحبون أن يجلس بجواركم في حجرة الدراسة؟
"سؤال لأطفال السادسة".
- من الذي تفضلون أن يطير معكم؟
"سؤال لمجموعة من الطيارين المحاربين".
- من هو أفضل أصدقاءك؟
"سؤال لأطفال الروضة".
وغالبًا ما يمكن الاعتماد على تقبل الجماعة للفرد كمقياس لمكانة هذا الفرد في الجماعة. ويمكن أن تصاغ مثل هذه الأسئلة بالنفي، ولكن بصفة عامة لا تكون هكذا. ويلاحظ أيضًا أنه كلما كانت عملية الاختبار متسعة في جماعة محدودة فيجب أن تبتعد عملية القياس النفسي هذه عن الأسئلة الخاصة بترابط الجماعة. فعلى سبيل المثال لو سألنا أطفال في مدرسة محدودة العدد 1 imited member عن
(2/346)

أسماء من يفضلون من الأصدقاء فنجد أن الاختيار يقع على عدد قليل جدًا داخل المدرسة. ولذلك سوف لا تكون هذه الجماعة ذات أهمية في نظر أعضائهما.
وتشير الدراسات الخاصة بالقياس النفسي إلى أن هؤلاء الأفراد الذين يكونون خارج الجماعة ويكونون جماعة معينة، هذه المجموعة تحتاج للمساعدة حتى تصبح متكيفة اجتماعيًا مع باقي أقرانهم. وتوضح هذه الدراسات أيضًا أنه كلما طال عمر الجماعة تناقص عدد المنفصلين عنها اجتماعيًا، وتحللت المجموعات الخاصة، وتزايدت الصداقات بين أعضائها ككل.
إن السبب الرئيسي لاستخدام مثل هذه المقاييس هو محاولة التأكد من صحة هذه الجماعات. هذه الصحة التي تقوم أساسًا على الرضا Satisfaction بين أعضاء الجماعة. وهنالك سؤال يطرح نفسه أولًا وهو: ماذا يحدث إذن لجماعة ما بليت بالفقر أو الضعف النفسي؟، والإجابة تقول: أنه من الأفضل أن تحل هذه الجماعة ويوزع أعضاءها على جماعات أخرى Other groups لأن احتمال استمرار حياتهم الطبيعية يكون ضعيفًا جدًا، هذا إذا كانت هذه الجماعة فرقة محاربين مثلًا. وينسحب هذا الحكم أيضًا على مجموعات الأطفال، حيث أن حل جماعة معينة واستبعاد مجموعة من الأعضاء فيها قد يكون حلًا لمشاكل كثيرة. وينطبق هذا بالذات على الطفل الصغير الذي يعاني من النبذ rejection وعدم الالتفات إليه.
ويقول أندرسون Anderson "1956" أنه لا يمكن لنا أن نتنبأ بدرجة كبيرة من الدقة بمدى تكيف أو تقبل طفل ما في جماعة معينة، فطفل مثلًا لا تلتفت إليه جماعة معينة يحتمل أن تتقبله جماعة أخرى كرائد لها.
ومع تقدم السن يظهر الثبات في السلوك ويستمر تعلم الأدوار الاجتماعية Social roles ولهذا تختلف عملية التقبل باختلاف السن فالطفل إذ نبذ بعد أن يكون قد كبر في جماعة معينة فلا يمكنه له أن يستفيد كثيرًا من تحوله لجماعة أخرى. لأنه يكون قد أتقن أدوارًا اجتماعية معينة، ويكون أيضًا قد تكونت عنده اتجاهات trends واستجابات لا يمكن أن تتمشى مع ظروف الجماعة الجديدة، ومن المفضل
(2/347)

أن نعلم هذا الطفل المهارات والقيم التي تفضلها الجماعة الأصلية original group كما فعل جاك Jack "1934" وبيج Beaj "1936"، أو نعلمه الاستجابات الناضجة كما فعل كاستر Keister "1937". وفي مثل هذه الأمور يعتبر النضج الاجتماعي عاملًا أساسًا من عوامل النجاح.
(2/348)

عوامل التقبل
...
عوامل التقلل:
Factors ln Acceptance:
تعد كثيرًا من السمات الشخصية للأفراد مسئولية عن درجة تقبلهم أو عدم تقبلهم في جماعة معينة. واكتشاف هذه السمات يفيد في نواحي كثيرة. فيستخدم مثلًا في حل مشكلة تمكين الأطفال من إيجاد بعض درجات التقبل، وكذلك الحصول على بعض الاستنتاجات الخاصة بالاتجاهات والقيم التي تفضلها الجماعة.
ومن هذه العوامل ما يلي:
1- النضج الاجتماعي: Social Maturity
يعتبر النضج الاجتماعي، كما تراه الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، من الركائز الأساسية للتقبل الاجتماعي سواء في الطفولة أو الرشد adulthood، وتعتبر مرحلة الطفولة من المراحل التي لها أهمتها ربما لأنه خلال هذه المرحلة يمر السلوك الاجتماعي للطفل بمراحل خطيرة. والخلاصة هي أن التقبل الاجتماعي يعتبر إلى حد بعيد انعكاسًا للنضج الاجتماعي. وإذا كان للعمر الزمني للطفل تأثير فكذلك العمر العقلي Mental Age الذي لابد وأن نشير إليه عند الحديث عن النضج الاجتماعي، فتشخيص الضعف العقلي يرتبط بالكفاءة الاجتماعية Social Competence فمثلًا الشخص الذي تكون نسبة ذكاءه 50 والذي يسلك أو يتصرف بطريقة مقبولة ومعقولة فلا نعتبره عاجز عقليًا، بينما آخر تكون نسبة ذكاءه 100 إذا لاحظنا عليه عدم الكفاءة الاجتماعية فيمكن اعتباره كذلك.
2- الجنس Sex
لا تعتبر عملية النضج الاجتماعي فقط هي المسئولة عن تقبل جماعة الأقران لأحدهم. ولذلك فإن أحد المحددات الأساسية والهامة important detrminants التي ترتبط بتقبل الأطفال لطفل آخر هو جنس الطفل. ففي مرحلة
(2/348)

الطفولة نجد أن الانفصال الجنسي ملحوظ ويحتمل أن يكون هذا أساس فكرة فرويد Freud عن مرحلة الكمون حيث يترك الطفل الوالد من الجنس المخالف "البنت تترك أبيها والولد يترك أمه" كشيء يريد الاستئثار به، وفي نفس الوقت يترك كل أعضاء الجنس المخالف ويكون اتجاهه لنفس جنسه حتى الوصول لمرحلة معينة من النضج الجنسي. فالبنات يبتعدن عن الأولاد أولًا وبعد فترة محددة يبدأ الأولاد في الثأر لأنفسهم بابتعادهم عن البنات. وفي المدرسة الثانوية تبدأ البنات مرة أخرى في اقترابهم من الأولاد. ولكن الأولاد بسبب بطء نضجهم وعدم اكتمال الحساسية الاجتماعية لديهم يستمرون في ابتعادهم عن البنات "Harris & lseng 1957"، وتوضح لنا هذه الدراسة أيضًا أن البنات أكثر عنادًا من الأولاد في ابتعادهن عن أنفسن وعن الأولاد. ولأن عنادهن أو رفضهن هذا يشملهن أنفسهن، فنجدهن أقل رضا عن دورهن أو الأدوار التي تخول إليهن وبهذا تكون نفسياتهن أضعف وبالذات في الحضارات الغربية حاليًا.
3- الطبقة الاجتماعية Social Class
تلعب الطبقة الاجتماعية أو نظام الطبقات دورًا هامًا أيضًا في عملية تقبل الأقران. ويكون لذلك تأثيره الواضح أثناء مرحلة الطفولة بالذات. ويزداد هذا التأثير عندما يصبح الأطفال أكثر دقة في حكمهم وإدراكهم للنظام الطبقي أو نظام الطبقات الاجتماعية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن التشابه في الأفكار والقرب في المكان أو الزمان يعد من المحددات الهامة في عملية اختيار الأصدقاء وإقامة العلاقات. والصداقات الثابتة بالذات في الطفولة المتأخرة والمراهقة تعتمد إلى حد ما على عاملي الطبقة الاجتماعية والجنس "السلالة والعرق" Race.
وعملية تقبل الأقران لأحدهم ليست دائمًا في صالح الفرد وكذلك نبذهم أو رفضهم له ليس باستمرار في غير صالحه. فالنجاح في مرحلة الرشد يعتمد إلى حد ما على العجز في القدرة على الاختلاط مع الأقران. "Mc Curdy 1957".
(2/349)

الأقران وعملية التطبيع الاجتماعي
مدخل
...
الأقران وعملية التطبيع الاجتماعي:
لكي نحصل على رؤية عن أهمية الأقران في التطبيع الاجتماعي للطفل، فإن الأمر لا يتطلب سوى التفكير في العالم الاجتماعي الذي يحيط بالطفل الآخذ في النمو.. إن المواجهة الأولى مع الأقران يحتمل أن تكون مع أطفال الجيرة، وفيما بعد يحدث ذلك في الروضة أو في المدرسة حيث يلتقي الطفل بأعداد كبيرة من الأقران يفرض عليه فيها لقاءات ذات أمد طويل كما يحدث في المدرسة.. وفي هذه المشاركات الإجبارية يجب على الطفل أن يوفق بين رغباته وسلوكه لكي يتناسب مع الآخرين الذين يحدث التفاعل معهم، وهذا التوافق قد يؤدي إلى تعلم أنماط جديدة للتفاعل أو لتغيير العادات القديمة، ويجب على الطفل أن يتعلم مشاركة الآخرين، وأن يفهم أن الآخرين قد تكون لهم أهداف مختلفة، وأن يتعامل مع الصراعات التي لا مناص من حدوثها، والمصاعب التي تنشأ جزئيًا عن الخلفية الخاصة للطفل، والطريقة التي نشأ بها.. وأهم الصعوبات في التوافق مع الأقران قد تحدث عندما توجد فروق كبيرة في تلك السمات الخاصة بالتنشئة، ومن المحتمل أيضًا أن التنشئة الاجتماعية التي يقوم بها الأقران تكون أقوى أثرًا في هذه الأحوال.
فلا شك أن الأقران يعززون بعض المهارات الاجتماعية للطفل دون البعض الآخر، كما أن الأقران يعملون أيضًا كنماذج جديدة للسلوك الاجتماعي سواء كان مقبولًا أم غير مقبول، وعندما يواجه الطفل هذه النماذج الجديدة للتقليد والتعرف يجب عليه أن يختار أكثرها مناسبة لاحتياجاته. وأخيرًا: فإن الطفل يلتقي بأقران تختلف وجهات نظرهم وسلوكهم عما عمله إياها الوالدان، وهذا الاختلاف في الأيديولوجيات كثيرًا ما يولد صراعات بين الوالدين والطفل أو بين الطفل ووالديه، ويجب على الطفل أن يتعامل مع هذه الصراعات بحيث يحافظ على علاقات سلسلة مع كل من الوالدين والأقران. ويظهر تأثير الأقران في التطبيع الاجتماعي على النحو التالي:
(2/350)

1- التوحد:
ldentification:
يقول فرويد: إن الطفل في بداية تكوين مدركاته وأفكاره يتولد عنده اعتقاد بأنه قوي جدًا وأن العالم هذا ما هو إلا امتداد له. ويشير بياجيه piaget إلى أن ما أقره فرويد يعتبر صادقًا إلى حد بعيد. فيتعلم الطفل في سن الشهور الست الأولى أنه والعالم الخارجي ليسا كيانًا واحدًا. ومن هنا ينطلق علم النفس الفرويدي إلى مفهو الذات أو "الأنا" "ego"، وتطوره عند الشخص. وعندما ينفصل الطفل عن باقي العالم من حوله فيصبح مدركًا لحقيقة أنه لا حول له ولا قوة، مجرد مخلوق بلا أي قوى تحميه في عالم يتهدده.
ويقول أوسوبل Ausubel "1958" إنه بأنه كرد فعل لهذا الإحساس بانعدام القدرة وقوة الطفل على حماية نفسه، يبدأ الطفل في الهروب من الخوف المرتبط بهذا، فيعود الطفل للتوحد مع الوالدين identify with parents الذين يمثلون بالنسبة له أكبر قوة في عالمه الخاص، وبهذا يستعيد الشعور بالقوة مرة أخرى. وفي بعض الحالات نجد أن الوالدين لا يسمحان لأبنائهما بالتوحد معهما أو لا يعطيانهم الفرصة لتحقيق هذا، ولهذا السبب يستمر الطفل قلقًا anxious ومتخوفًا Fearful وإذا حرم الوالدين الطفل من فرصة التوحد فنجده يتجه للتوحد مع أحد الأقران. وقد أثبت هذا بحث أجراه ليسر lesser وأبيلسون Abelson "1979". فقد أثبتت تجربتهم أن الطفل الذي يحرم فرصة التوحد مع الوالدين يكون لديه استعداد تام للتوحد مع أحد الأقران. ولهذا السبب نفسه نجد أن العلاقة الوثيقة بين الطفل ووالديه تحفظه من الانحراف أو الانزلاق مع جماعات ارتكاب الجرائم.
ويختلف الأطفال الذين تتاح لهم فرصة التوحد مع والديهم عن هؤلاء الذين يتوحدون مع أقرانهم. فنجد أن النوع الأخير يعاني من النقص في التحكم أو الضبط الداخلي inner Controls والضمير Conscience، وهما بدورهما يعتمدان إلى حد بعيد في نموهما وتطورهما على علاقة الحب والتعاطف بين الطفل والوالدين. وكما يقول "ريزمان" Riesman أن هؤلاء الأطفال يكونوا أكثر إمعية وإنصياعًا للآخرين ويقل اعتمادهم على أنفسهم. وعلى حد تعبير فرويد، فإن مثل هؤلاء الأفراد يكون لهم أكثر من "أناعليا" Superego، أي أنهم يتقبلون في آرائهم
(2/351)

وتصرفاتهم حسب الجماعة التي ينتمون إليها وقتما تتاح لهم فرصة الاشتراك في أي جماعة. وهذا يوضح لنا أن الأطفال الذين يحرمون من التوحد مع والديهم مبكرًا يسرعون للتوحد مع أقرانهم ويظهرون ولاء تامًا لثقافة الجماعة واتجاهاتها.
وتوضح نظرية أوسوبل Ausubel حقيقة أن الطفل الذي ينبذه والداه يتجه لأقرانه. فمن المشاهد حقيقة أن الجماعات من الشباب الصغار والتي تتكون لارتكاب الجرائم، غالبًا ما يكونوا من بيوت لا تعطيهم الاهتمام والرعاية الوالدية المطلوبة ولا تربطهم علاقات والديه مع آبائهم.
وقد ركزنا خلال مناقشتنا هنا لعملية التوحد مع الأقران على الجوانب المرضية، والاضطرابات في وظيفة هذه العملية. نعود فنقول بأن عملية التوحد لا بد وأن تتم بين الطفل وأقرانه ولكن بدرجة معينة وهذا لأنها تعتبر شيء عادي ومفيد في نفس الوقت بالنسبة للطفل ونموه. وهناك اتجاه خاص في الثقافة الغربية يهدف إلى تربية الطفل بإعطائه درجة معينة من الاستقلال فيحاول الطفل أن يحرر نفسه من تحكم الوالدين وفي نفس الوقت يحاول الوالدان أن يستعيدوا هذا التحكم ولكن بكل تحفظ وحذر.
والتوحد مع الأقران يبدو كعامل مساعد للطفل على التحرر من الارتباط بالوالدين، فهو يعطيه الأمان الكافي Enough security أو يدعم موقفه حين يحتج أو يعترض الوالدان في لحظة من اللحظات على استقلاله. وملحوظة أخرى وهي أننا نجد أن الطفل يجد نفسه مضطرًا للارتباط بالجدول الزمني Timetable الخاص بأقرانه من نفس الجنس والسن. على سبيل المثل طفل التاسعة الذي لا يسمح له بالقيام ببعض الممارسات المعينة أو ارتداء ملابس معينة، وإذا كان يسمح لأقرانه بهذا، فيوجه إليه اتهام غير ناضج ومتأخر، ومن هنا يبدأ الطفل في الضغط على والديه وكذلك من قبل أقرانه وفي النهاية يخضع الوالدين. وبهذا يكون الطفل قد خطى خطوة نحو الاستقلال والتحرر من تحكم الوالدين بفضل إرتباطه بأقرانه وتوحده معهم.
(2/352)

2- التعليم:
Learning:
تحدث كثير من عمليات التعلم بين جماعات الأقران. ورغم أن هذه الجماعات ليس لديها سلطة الأسرة التقليدية أو سلطة المدارس الشرعية الخاصة بالتعليم وتلقين القيم والمبادئ، إلا أننا رغم ذلك نجدها تنقل قدرًا كبيرًا من هذا لأعضائها.
وقد لاحظ "بياجيه" أن للألعاب Games وظائف حيوية وهامة لتدعيم التطبيع الاجتماعي. فمن خلال الألعاب يحكم الأطفال بعضهم إلى بعض، وفي نفس الوقت يصدرون أحكامًا مبتورة وغير ناضجة. ويوضح بياجيه السبب في ذلك قائلًا إن هذا يرجع إلى ضغط الكبار، وكذلك جمود عمليات التفكير عند الأطفال الصغار أنفسهم. وكما يرى بياجيه أنه خلال الاحتكاك بالأقران واللعب معهم يتعرف الطفل على أن قواعد اللعبة Games rules غير ثابتة ولكن يمكن تغييرها عن طريق الرضا المتبادل والتفاهم بين أعضاء الجماعة، ومن خلال ذلك يتطور مفهوم العدالة والديمقرطية عند الطفل، ويتعلم الطفل من خلال اللعب أيضًا نزاهة الحكم والطلاقة. والوقت الذي يقضيه الأطفال في اللعب لا يكون كله مكرسًا للعبة نفسها بل إنهم يقضون جزءًا كبيرًا منه في المشاحنة. ومناقشة قواعد اللعبة نفسها. وكل هذه المناقشات تضيف جديدًا باستمرار لخبرات الطفل. وخلال هذه المعارك الكلامية يكتسب الطفل روح وقواعد التفاهم وقوانينه ويتعلم أيضًا تبادل الرأي والدبلوماسية.
(2/353)

3- تعلم الأدوار:
Role Playing:
إن الأنشطة المختلفة التي يمارسها الأطفال خلال لعبهم تفتح الباب أمام تعلم الأدوار الفعلية وبهذا تؤدي اللعبة وظيفة اجتماعية Social Function لها قيمتها. والقدرة على القيام بدور معين يرتبط بصورة واضحة بالقدرات العقلية للطفل وكذلك بقدرته على التكيف. ولهذا يختلف الأفراد من حيث توليهم أو قيامهم بأدوار اجتماعية مختلفة.
(2/353)

فهؤلاء الذين يقومون بأدوار اجتماعية أقل في مكانتها وقيمتها يكونوا هم أنفسهم أقل في قدراتهم وفي تكيفهم. وفي الحقيقة نجد أن الأدوار الدرامية Dramatic roles في مرحلة الطفولة ترتبط إلى حد كبير بلعب الأدوار المختلفة والحقيقية فيما بعد. فهي تثري عالم الطفل الخاص بأدوار متنوعة.
فمعظم الأدوار التي يقوم بها الطفل أثناء اللعب تجهز فيه فعلًا القدرة على القيام بأدوار حقيقية في الحياة فيما بعد. فحين تلعب البنت الصغيرة بعروستها على سبيل المثال فهذا يغرس فيها أساسًا واتجاهًا تعتمد عليه في رعاية الأطفال فيما بعد سواء في اتجاهها وعواطفها نحو الأطفال أو كيف ترعاهم. أما بالنسبة للولد والذي يصعب علينا الربط بين أدواره في لعبة وأدواره راشدًا، فهو لا يستفيد منها مثل البنت ولكنه يزيد عنها في بعض الجوانب، حيث يتسم لعب الأدوار بالتعقيد الالتزام أكثر منه عند البنات.
(2/354)

4- الأقران كمرجع للحقيقة:
Peers as a reality Cheek:
يتعلم الطفل كذلك من خلال احتكاكه بجماعة أقرانه كيف ينظر إلى حقيقة نفسه. فربما أن عطف الوالدين يؤدي بهم إلى عدم الموضوعية في حكمهم على أحد أطفالهم فلا يرون فيه إلا كل ما هو حسن أو ربما يقوموه بطريقة سلبية، ولكن ما يمكن الاعتماد عليه في عملية التقويم هذه هو جماعة الأقران.
(2/354)

ونادرًا ما يستطيع الفرد أن يرى نفسه كما يراه الآخرون. ومن خلال رؤية الآخرين ووجهة نظرهم فيه يتكون استعداده للتغيير. وإذا حكم الأقران فيه بشيء من القسوة فإنهم غالبًا ما يكونوا غير متحيزين. فأي سمة أو صفة غير مقبولة نجدهم ينبذونها بسرعة وبمنتهى الصراحة يسخرون منها ومن هنا ينبع احتمال التغيير عند الشخص المنقود.
والخلاصة أن للأقران دورهم الذي لا يستهان به والذي يؤثر تأثيرًا كبيرًا في حياة ونمو الطفل.
(2/355)

5- الامتثال لمعايير الجماعة:
إن معايير الجماعة ترشد سلوك أعضائها في الشارع وفي النادي وفي الصحبة ... ومن أقدم الدراسات نحو تكوين معايير الجماعات هي التي أجراها ميرو Meru "1949" الذي لاحظ "12" مجموعة كل منها مكونة من "4" أطفال.. ومع أن الأطفال كانوا يختلفون في درجة الامتثال لمعايير الجماعة في السن من 4-11 سنة فإن "ميرو" قد ذكر أنه لا توجد فروق سن في تكوين المعايير، ولكنه ذكر أن المجموعات كونت معايير تتعلق بتشكيلة واسعة من السلوكيات مثل: نظلم الجلوس، آداب الحديث، والتعبيرات اللفظية، وحقوق الملكية، وتتابع الألعاب إلخ "شكل: 87".
وتتصل دراسة الامتثال للجماعة اتصالًا وثيقًا بدراسة تكوين المعايير في جماعة الأقران فكثير من البحوث والافتراضات النظرية حول الامتثال لدى الأطفال قد أجرى معظمها في إطار نظرية التعلم الاجتماعي.. فقد قدمت فكرة لتفسير الامتثال في سلوك الجماعة من خلال عملية التقليد المعمم وطبقًا لنظرية التعلم الاجتماعي فإن الطفل يكتسب قدرًا كبيرًا من سلوكه الاجتماعي عن طريق ملاحظة سلوك الآخرين من حوله ويقوم بتقليد نماذج السلوك التي يراها، لأن الطفل لديه قدرة كبيرة على تكوين صور ذهنية للأفعال التي يكون قد شاهدها سابقًا ثم استرجاع هذه الصور، كما أن الفعل الذي يقوم الطفل بتقليده يحدث نتائج ممتعة بالنسبة له، بالإضافة لذلك: فإن التقليد يعتبر الميكانيزم الأول الذي يظهر الطفل
(2/355)

ذاتي الإرادة، فكل مهارة يكتسبها الطفل تزيد من شعوره بالسيطرة على البيئة كما تزيد من شعوره بالكفاءة وسط الجماعة التي ينتمي إليها.
وطبقًا لنظرية التعلم الاجتماعي فإن الامتثال بالنسبة لسلوك الأقران يجب أن يتغير مع تعزيز الامتثال للاستجابات.. وحيث أن نظرية التعلم الاجتماعي ليست نمائية، إلا أنها لا تقدم أي تنبؤات عن اتجاهات السن بالنسبة للامتثال غير أن هذه النظرية يمكن استخدامها للتدليل على أن الامتثال يتعزز باطراد نمو الطفل وتقدمه في العمر حيث أن السلوك المتمثل يجب أن يزيد في هذه الفترة.
ومن ناحية أخرى: ناقش بياجيه Piaget "1932" امتثال الأطفال في إطار تعلم قواعد السلوك الاجتماعي.. فقد قد بياجيه تتابعًا من ثلاث مراحل في نمو فهم القواعد الاجتماعية وخاصة قواعد الألعاب:
- ففي المرحلة الأولى: أو مرحلة الأنا: فإن الطفل لا يكون لديه فكرة واضحة عن القواعد الاجتماعية. ومهما كانت القواعد التي يتبعها الطفل فهي من وضع الوالدين.. وفي هذه المرحلة التي تمتد حتى حوالي من السادسة فإن الأطفال
(2/356)

قد يقلدون سلوك الآخرين وخاصة الراشدين، ولكن لا يوجد لديهم إلا القليل من فهم الأسباب الدافعة لهذا السلوك.
- وفي المرحلة الثانية: التي تمتد من 6-11 سنة يبدأ الامتثال الكامل حيث يزداد تفاعل الأطفال مع الأقران ويمتثلون للمعايير الاجتماعية للسلوك.. وهم يبدأون في اتباع القواعد مثل قواعد الألعاب، ولكنهم ينظرون إلى تلك القواعد باعتبارها قادمة من قوى خارجية وخاصة من الراشدين، وأنها غير مرنة وغير قابلة للتغير.
- وفي حوالي سن الحادية عشرة فإن مفاهيم الطفل للقواعد تبدأ في التغير مرة أخرى.. وفي هذه المرحلة يحدث الامتثال المغاير للقاعدة، فيفسر الطفل القواعد على أنها نتيجة اتفاق بين الأشخاص وليس على اعتبارها واردة من مصادر خارجية.. إن الطفل الآن يعتبر القواعد مرنة وقابلة للتغيير من واقع قرار الجماعة.. إن هذا الفهم للقواعد يؤدي إلى انحسار في الامتثال الجماعي بسبب المرونة التي أصبحت الآن تعزى إلى القواعد.
ويقترح بياجيه أن الالتزام لجماعة الأقران يزداد في مرحلة الطفولة ثم ينحسر تدريجيًا عندما يكتشف المراهق نظرة الراشدين إلى القواعد.
ففي السنوات الأولى من المراهقة يميل المراهق إلى مسايرة المجموعة التي ينتمي إليها فيحاول جاهدًا أن يظهر بمظهرهم ويتصرف كما يتصرفون ويفعل كما يفعلون، وتتميز هذه المسايرة بالصراحة التامة والإخلاص، ونلاحظ أن الرغبة الاندماجية مع المجموعة ومسايرة أفرادها مسايرة عمياء تقل شيئًا فشيئًا ويحل محل هذا الشعور اتجاه آخر يقوم على أساس تأكيد الذات والرغبة في الاعتراف به كفرد يعمل وسط الجماعة.. هذه التغيرات في المسايرة والامتثال للجماعة تنتج عن نمو القدرة المعرفية التي تسمح بتفسيرات مختلفة للمعايير مع اطراد نضج هذه القدرات المعرفية وزيادة الوعي الاجتماعي وما يصاحب ذلك من زيادة في خبراته.
(2/357)

والسبب الذي يدعو المراهق إلى الانسجام مع الجماعة التي ينتمي إليها في أولى مراحل المراهقة محاولة تجنب كل ما يؤدي إلى إثارة النزاع بينه وبين أفراد هذه الجماعة، وهو إذ يفعل ذلك يرى أن أي نزاع بينه وبينهم يعتبر في منزلة ثانوية بالنسبة لنزاعة الأكبر الذي يقوم بينه وبين السلطة المدرسية والوالدية، ومن ثم يكون في احترامه لرأي شلته وإخلاصه لهم وخضوعه لأفكارهم نوع من تخفيف الشعور بالإثم الناجم عن عدم طاعته لوالديه ومدرسيه. "طلعت منصور، عادل الأشول: 1976".
الامتثال والثقافة:
أجرى أيسكو ووليم وهارفي Esco William & Harvy "1963، 1964" تجربتين أوضحتا أن الامتثال لمعايير الأقران لم تكن دالة لفروق السن فقط في المقدرة المعرفية، ولكنه كان عرضة للتأثيرات الثقافية.. وفي هذه الحالة أجريت التجربة الأولى مع أطفال بيض، والثانية مع أطفال سود وفي كلتا الحالتين كان المفحوصون من سن 7، 9، 12، 15 سنة، كان واجبهم هو إحصاء دقات، حيث أخبر كل طفل بأن ثلاثة أطفال آخرين كانوا يشتركون في التجربة، وأنه قد أعطيت لهم معلومات خاطئة عن عدد الدقات الذي ذكره المفحوصون الآخرون.. وقد قيس الامتثال بعدد المرات التي ذكر فيها المفحوص عدد غير صحيح للدقات.
ومع أن شكل المنحنى الذي يربط بين الأمثال والسن كان واحدًا بالنسبة لكل من الأطفال البيض والسود، وكانت الذروة في السن بالنسبة للامتثال قد حدثت لدى الأطفال السود مبكرًا عنها لدى الأطفال البيض. وبالنسبة للأطفال البيض ازداد الامتثال بين الأطفال فيما بين 9-12 سنة، ثم أخذ في الانحسار.. وأظهر الأطفال السود زيادة في الامتثال بين سن 7-9 ثم أخذ في الانخفاض. وبذلك كان الأطفال البيض بصفة عامة أكثر امتثالًا من الأطفال السود.
إن هذه الفروق العرقية تتفق وتحليل بياجيه لامتثال الأطفال ودرجة تأثره بتفاعلاتهم مع الأقران.. ويقترح هاربت Harbet "1970" أن ثقافة الأقران السود تشجع درجة أكبر من الاستقلال وتتحمل امتثالًا أقل من ثقافة الأقران عن البيض
(2/358)

- الأمر الذي يمكن أن يفسر انخفاض درجة الامتثال التي توجد لدى الأطفال السود.
(2/359)

6- التعاون:
تبدو بذور التعاون بين الأطفال منذ الطفولة المبكرة، إذ يؤلف طفل الروضة علاقات تقوم على التعاون مع غيره من البالغين والأطفال على أن لعب الطفل مع غيره من الأطفال يمكنه من ممارسة التعامل مع غيره، وإقامة العلاقات على أساس التعاون والعطاء والشعور بالفردية المتميزة في نطاق اجتماعي مما يعتبر غرسًا لبذور النمو الاجتماعي لديه.
ويرى ميرفي Murphy أن السلوك الاجتماعي الذي يقوم على التعاون في هذه المرحلة يرجع إلى استعداد طبيعي أصيل، بينما يرجع لدى البعض الآخر إلى مجرد التقليد وما يتضمنه ذلك من فاعلية البيئة وأثرها.. ولو أن الكثير من الباحثين يرجعون السلوك التعاوني لدى طفل الروضة إلى مزاجه الخاص وأوجه النشاط التي يمارسها وعلاقته بوالديه وتربيته بين إخواته وبمدى الرعاية والتوجيه اللذين يحظى بهما من والديه، ثم من خلال نشاطه الحركي وصحبته للآخرين، ومن خلال رغبته في أن ينال رضا الغير وتقديرهم له.
وفي دراسة سيكوميومير في نيكومب وميرفي Newcomb & Murphy: توصلًا إلى أن الأنماط الاجتماعية التعاونية تتزايد من سنة إلى أخرى فيما بين الثانية والخامسة وقد لاحظا: أن السلبية والمقاومة تصل إلى قمتها في الثالثة ثم تبدأ الصداقة والأنماط المتكاملة من التعاون في النمو والتطور وهو نمو يتأثر بتكوين المجموع أي عدد الأطفال بالنسبة للمكان ومساحته وأدوات اللعب فيه، ودرجة توجيه الأطفال وشخصية المربين..
ويلاحظ أن أطفال الرابعة والخامسة غالبًا ما يظهرون سلوكًا وديًا لمن هم في مثل سنهم فهم يلعبون معًا، ويكشفون عن سلوك في لحظة ما وفي اللحظة التالية عن سلوك تعاوني وذلك من خلال استجابات بعضهم لبعض والمثيرات القائمة بينهم.
(2/359)

7- المشاركة الوجدانية:
يحاول الطفل في هذه المرحلة أن يشارك جماعته وجدانيًا في حزنها وفرحها
- أي يتأثر بالانفعالية السائدة في الجماعة التي ينتمي إليها ويستجيب لها بغريزته
- وتساعد المشاركة الوجدانية على إحداث التماسك الاجتماعي بين الطفل ورفاقه، بل وإخوته ووالديه والمجتمع المحيط به بصفة عامة.
(2/360)

8- التنافس:
التنافس عملية اجتماعية للقوى والإمكانات الإنسانية ما دام في الحدود المعقولة، وهو من العمليات الاجتماعية التي تبدأ ملامحها في الظهور في هذه المرحلة من خلال علاقة الطفل بإخوته وأقرانه، وهو يتولد عادة من التعاون، لأن هذه العملية هي محل التنافس ومبعثه. ويتأثر سلوك التعاون والمنافسة في هذه المرحلة باتجاهات البيئة. ففي حالة تشجيع السلوك التعاوني تقل المنافسة، أما إذا كانت المنافسة جزء من العرف الاجتماعي فإنها تصبح دافعًا قويًا للسلوك عند الأطفال.
(2/360)

9- العدوان:
السلوك العدواني سلوك طبيعي في الإنسان، فعلى الرغم من اتسام سلوك الأطفال بالمشاركة الوجدانية مع بعضهم البعض إلا أن سلوكهم يشوبه في بعض الأحيان عدوانية على بعضهم البعض ...
ويتراوح السلوك العدواني للأطفال من حيث الشدة بين مجرد التعبير الكلامي الهادئ وبين التشاجر العنيف، كما قد يصل هذا السلوك إلى محاولة إيذاء الغير أو التدخل فيما يملكون أو فيما يقومون به من نشاط أو لعب.. ويلاحظ أن أطفال الثالثة غالبًا ما تكثر لديهم نوبات الغضب حيث يدفعون الآخرين ويرفسونهم أو يضربونهم بأيديهم في أثناء هذه النوبات، أما الأطفال الأكبر سنًا في سن الرابعة والخامسة فإنهم يستخدمون العدوان اللفظي والبدني معًا دون وجود نوبات حادة من الغضب، كما يميلون إلى الحصول على لعب الآخرين وممتلكاتهم.
ومن أهم الدوافع التي تؤدي إلى العدوان لدى أطفال هذه المرحلة:
(2/360)

- حب التملك: كأن تنشأ مشاجرة بسبب رغبة الطفل في الاستحواذ على لعبة طفل آخر دون اعتبار لحق الملكية.
- الدوافع إلى السيطرة: كأن يعتدي طفل على آخر لمجرد الرغبة في السيطرة.
- الشعور بالنقص: الذي يدفع الطفل إلى التعويض بالاعتداء على غيره.
- الدافع إلى المنافسة: وهو من أهم مصادر العدوان مدى أطفال هذه المرحلة بسبب التسابق على حب الأم أو كسب اهتمامها أو التسابق على كسب صداقتها.
- التعرض لمواقف الإحباط: عندما يمنع الطفل من القيام بعمل ما أو إجباره على القيام بعمل لا يرغب فيه.
- أما العدوان الجماعي فغالبًا ما يتجه الأطفال المستجدين بقصد الاستحواذ على الأشياء الخاصة بهم.
(2/361)

ولقد لوحظ أن للبيئة أثر كبير في ظهور السلوك العدواني لدى أطفال هذه المرحلة وتكرار حدوثه، فهو يتأثر بأسلوب التربية والوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه الطفل.
- فقد تبين أن البيئة التي لا تسمح إلا بقدر ضئيل من الحرية ولا تتوفر بها إمكانيات اللعب تؤدي إلى زيادة وتكرار السلوك العدواني لدى أطفالها، ووجد أن بيئة الروضة المزودة بحديقة متسعة وأدوات ووسائل متعددة للعب فإنها تقلل من عدوان الأطفال إلى حد كبير.
- وتبين أيضًا: أن البيئات منخفضة المستوى الاجتماعي تشجع العدوان في حين تميل البيئات ذات المستويات المتوسطة والعليا إلى كف العدوان وتمنع احتكاك الأطفال مع بعضهم.
(2/362)

الشعبية بين الوفاق
...
10- الشعبية بين الرفاق:
غالبًا ما تكون تفاعلات الأطفال مع رفاقهم ذات أهمية متزايدة في حياتهم.. وكنتيجة لهذه التفاعلات نجدهم يكونون مدركات جديدة لذواتهم، ويصبحون مهتمين بمدى شعبيتهم بين جماعة الرفاق، ومن ثم يطورون طرقًا جديدة للتعامل مع الناس، ويخبرون الشعور بالانتماء الاجتماعي أو الانعزال الاجتماعي أو الشعور بالغربة "عادل الأشول: 1982، 394".
وتعكس الشعبية في العادة الرغبة لدى الطفل في إيجاد اتصال به، غير أنه يجب ملاحظة أن الدرجة المنخفضة من الشعبية من جانب أقران الطفل قد لا يعني النبذ أو التجنب من جانبهم، فالأطفال غير الشعبيين قد يقتصر الأمر بهم إلى تجاهل أقرانهم لهم وبعبارة أخرى فإن الشعبية والنبذ ليسا طرفان لبعد واحد.
ومن المعتقد أن أنماط الصداقة في الطفولة المبكرة تتذبذب بسرعة بسبب اللقاءات من يوم إلى يوم، ومن المحتمل أن يكون ذلك راجعًا إلى مستوى منخفض من استقرار شعبية الأقران.. ومن ناحية أخرى فإن أنماط الصداقة في فترة المراهقة يبدو أنها تتذبذب بدرجة أقل، وكانت الشعبية أكثر استقرارًا بالنسبة للمراهقين الأكبر سنًا "16-18سنة" عن المراهقين الأصغر سنًا "11-15 سنة"، بمعنى: أن الصداقات أكثر استقرارًا مع تقد السن.
(2/362)

وتدل هذه المعطيات على أن الشعبية سمة على درجة ما من الاستقرار، مما يجعل من المعقول دراسة سوابقها والعوامل المؤثرة فيها، ومن هذه العوامل:
أ- الجاذبية البدنية:
تعتبر الجاذبية البدنية عاملًا هامًا في تكوين الشعبية، فالفرد البدين أو المعوق بدنيًا، والأفراد الذين لا يتمتعون بالمظهر اللطيف تقل درجة تقبلهم الاجتماعي، حتى الأطفال الصغار في رياض الأطفال بيدون نفورًا من بعض السمات البدنية كالبدانة مثلًا، ويمكنهم أن يتعرفوا تعرفًا صحيحًا على مظهرهم البدني، فالمظهر البدني له أهمية خاصة في المراحل الأولى من التفاعل الاجتماعي، ولكن يصبح أقل أهمية مع الوقت ومع زيادة التعرف على شخصية الرفاق.
وبعكس الفكرة الشائعة فإن السمات البدنية الجذابة وخاصة شكل الوجه والرأس وهيئة الملبس تعتبر هامة ليس فقط بالنسبة للتفاعل المبدئي ولكن أيضا كمنبئ بتقبل اجتماعي طويل المدى.
ب- نسبة الذكاء والإنجاز:
لقد ركزت الأبحاث الأولى في مجال العلاقة بين نسبة الذكاء والإنجاز وشعبية الأقران على العلاقة المتبادلة بينهم، وقد وجد أن هذه العلاقة كانت إيجابية وتمتد بين مستوى منخفض "حوالي 0،20" ومستوى متوسط "حوالي 0،65" "Lreen 1920 dasws 1967 Hill 1983" غير أن من الصعب تفسير هذه المعطيات بسبب العلاقة الإيجابية بين الذكاء والطبقة الاجتماعية ومن ثم لم يكن واضحًا ما إذا كانت العلاقة الإيجابية ترجع إلى نسبة الذكاء أو إلى الطبقة الاجتماعية.
غير أن الدراسة التي أجراها سيلز وروف Sells & Roff "1985" على 800 طفل بالصف الرابع من أربع مستويات اجتماعية على أساس دخل وتعليم الوالدين اختار كل طفل أربعة أقران محبوبين واثنين أقل تقبلًا، وقد حدد لكل طفل درجة شعبية على أساس عدد المرات التي اختير فيها كقرين يحظى بأعلى
(2/363)

درجة أو بأقل درجة من الحب.. وقد وجد أن الأطفال الأكثر شعبية في كل مستوى اجتماعي/ اقتصادي لديهم معامل ذكاء أعلى من الذين كانت شعبيتهم أقل.
وحيث أن نسبة الذكاء والإنجاز المدرسي على علاقة إيجابية فإنه من المعقول أن نتوقع أن تكون الشعبية أيضًا مرتبطة بالإنجاز المدرسي وقد أثبتت أبحاث عديدة صحة ذلك فقد ذكر "سيلز وروف" "1985" أن أطفال من الصف الرابع إلى السابع وجد لديهم ارتباط بين الدرجات المدرسية والشعبية، وأن هذه العلاقة تكون أوثق مع أطفال الصفوف الأولى وأقل بالنسبة للصفوف المتقدمة.
جـ- النمو المعرفي:
قام رادردن وموان Rardi & Moan بدراسة العلاقة بين الشعبية والنمو المعرفي في إطار نظرية بياجيه على أطفال فيما بين سن الروضة إلى الصف الثالث، حيث اختبر الباحثان فكرة بياجيه من أن تفاعل الأقران عامل هام في التغير من التفكير قبل الإجرائي إلى العمليات الحسية، وأن النمو الاجتماعي يتوازى مع النمو المعرفي "حيث تفيد لنظرية بياجيه أن النمو المعرفي يتغير تغيرًا طرديًا مع نوع العلاقة بين الأقران". ولتقييم النمو المعرفي أعطى الأطفال اختبارات معرفية، كما طلب من كل مجموعة من الأطفال أن يتعرف كل طفل على أحسن ثلاثة زملاء فصل محبوبين وقد كشفت التحليلات عن أن علاقة النمو المعرفي للطفل لم تكن مرتبطة بنوع علاقة القرين إلا بقدر ضئيل.. وأن مسار الشعبية بين الأقران يتوازى مع النمو المعرفي حيث ظهرت تغيرات نمائية عبر مستويات الصفوف.. وبذلك يتعزز رأي بياجيه من أن نوعي النمو يسيران متوازيين، على الرغم من أن الباحثين قد استنتجوا تأثير ضئيل للتفاعل بين الأقران على النمو المعرفي.
وقد ركزت دراسات أكثر حداثة حول العلاقة بين الشعبية والنمو المعرفي على دور الطفل الذي يتمركز حول الأنا في الاتصال، فلقد افترض بياجيه أن أحد المظاهر الهامة الشعبية هو القدرة على اتخاذ وجهة نظر شخص آخر في الاعتبار أثناء الاتصال. فالأقران الذين تقل درجة تمركزهم حول الأنا في اتصالاتهم
(2/364)

يكونون أكثر شعبية ويبدو أن ذلك هو الحال بالنسبة لأطفال الروضة وفي الصف الثاني ولكن ذلك لم يكن كذلك بالنسبة للأطفال الأكبر "Deutsh 1974 Rubin 1985".. ومع أن الأسباب الحقيقية لهذه العلاقة غير معروفة فإنها قد ترجع إلى رغبة الطفل في عدم التمركز وفي الاندماج في عمليات أخذ وعطاء متبادل وديًا وفكريًا مع الأقران.. إن عدم القدرة أو عدم الرغبة من الطفل ذي النمو المعرفي المنخفض نحو عدم التمركز قد يؤدي إلى الإحباط بالنسبة للعلاقات مع أقران أكثر تقدمًا في هذا المجال، إذ تتولد علاقات متوترة معهم ودرجة منخفضة من الشعبية.
د- الطبقة الاجتماعية:
إن القليل من الأبحاث التي أجريت حول أثر الطبقة الاجتماعية في نمو الشعبية بين الأطفال تشير إلى أن طفل الطبقة الأدنى أقل شعبية من طفل الطبقة المتوسطة أو الأعلى.. ولتحديد العلاقة بين الطبقة الاجتماعية والشعبية بين الأطفال يجب أن نتأكد من أن نسبة الذكاء ليست عاملًا مسببًا للارتباك.. ففي دراسة على أطفال الصف السادس في ثلاث مستويات للذكاء ذكر راينر Rainer "1984" أن ثمة علاقة إيجابية بين الطبقة الاجتماعية للأب على أساس وظيفة وشعبية الطفل.. ويبدو أن الطبقة الاجتماعية والشعبية يرتبطان بنفس الطريقة التي ترتبط بها نسبة الذكاء بالشعبية، فكلما ارتفعت الطبقة الاجتماعية للطفل ارتفعت درجة شعبيته بين الأقران.
وفي دراسة قام بها فاينبرج وسمث Feinberg & Smith "1987" على مراهقين ذكور من الطبقات الدنيا والمتوسطة والعليا "على أساس دخل الأسرة"، توصلت إلى أن القيم المختلفة التي لدى أبناء الطبقات المختلفة قد تؤدي إلى زيادة الشعبية لدى أبناء الطبقتين المتوسطة والعليا.. وفي كل المستويات كان الأقران الذين يتمتعون بالشعبية يتسمون بالذكاء والوسامة والقوة البدنية والرفق والأمانة.. وما إلى ذلك.. وفي مستوى الطبقتين الدنيا والمتوسطة كان الأطفال يؤكدون أيضًا على اهتمام مشترك وعدم التدخل في شئون الآخرين والقدرة على حسن الكلام
(2/365)

باعتبارها صفات هامة للأقران ذوي الشعبية. وقد أكد المراهقون من المجموعة ذات الدخل المرتفع على الزعامة والاجتهاد في الدراسة والتعاون والمشاركة في الأنشطة باعتبارها سمات جوهرية لتقبل الأقران.. وتؤكد هذه النتائج أن أنماط الصداقة ترتبط بالطبقة الاجتماعية وأن هذا الارتباط يقوم على الاختلافات في القيم بالنسبة للأطفال من طبقات اجتماعية مختلفة. وبالرغم من الاتفاق على بعض القيم بين أطفال من كل الطبقات الاجتماعية فهناك أيضًا اختلافات في القيم لها أهميتها في انتقاء الأصدقاء.
هـ- أساليب تربية الطفل:
وحيث أن القيم يتعلمها الأبناء من الآباء مباشرة أو باتخاذهم نماذجًا، فمن المهم أن نناقش وسائل تربية الطفل التي تتعلق بالشعبية.
إن النتائج والمعطيات المستخلصة من الأبحاث القليلة التي أجريت في هذا المجال تدل على أن أساليب التربية التي تتسم بالسيطرة التنظيمية هي أهم المؤثرات في تربية الطفل في علاقتها بالشعبية. فقد ذكر ويندر وروا Winde & Raw أن آباء الأطفال ذوي الشعبية المرتفعة يستخدمون قدرًا ضئيلًا من العقاب البدني مفضلين عليه سحب الحب وإيقاف الامتيازات باعتبارها الأسلوب الأساسي للتربية النظامية. وكلا الأسلوبين الأخيرين لا يؤديان إلا إلى درجة قليلة من العدوانية البدنية لدى الأطفال وهي إحدى السمات المرتبطة بالشعبية، إن آباء الأطفال ذوي الشعبية كانوا أيضًا حسنى التوافق وكان أطفالهم أكفاء.. علاوة على ذلك فإنهم كانوا ينقلون هذه الثقة إلى ذرياتهم.. ولقد عبر الأطفال الذين يتسمون بالشعبية عن مزيد من الرضا بحياتهم المنزلية، وشعروا برباط أسري أقوى، وكانوا بصفة عامة أكثر سعادة من الأطفال الأقل شعبية. وهذا الأمان والثقة اللذان يشعر بهما الوالدان كانا ينتقلان إلى الأطفال وينعكسان على التوافق النفسي للأطفال.
(2/366)

خلاصة:
للتفاعل بين جماعات الأقران نتائج بالغة الأهمية تهيئتهم للقيام بأدوار الراشدين في المستقبل. وتمثل ألعاب الأطفال أهم أشكال التفاعل الاجتماعي بين الأقران، ويهدف اللعب بأنواعه المختلفة إلى إكساب الطفل سماته الاجتماعية وقواعد السلوك الاجتماعي، وإن كان لعب الأطفال يتأثر بعوامل العمر والطبقة الاجتماعية والجنس..
وتتكون جماعات الأقران من أفراد يتفاعلون مع بعضهم البعض ومن معايير مشتركة، وهناك عدة عوامل تؤثر على التقبل الاجتماعي للطفل في جماعة الأقران كالنضج الاجتماعي والجنس والطبقة الاجتماعية.. ومن ثم تلعب جماعة الأقران دورًا هامًا في النمو الاجتماعي للطفل وعملية التطبيع الاجتماعي من خلال التوحد بالأقران، والتعلم الاجتماعي وتعلم الأدوار، فيكون الأقران مرجعًا لحقيقة الطفل عن ذاته، ويؤدي الامتثال لمعايير الجماعة دورًا هامًا في تشكيل سلوك الطفل والمراهق فيتصرف وفقًا لهذه المعايير..
وينتج عن التفاعل الاجتماعي مع الأقران المشاركة الوجدانية للجماعة، والتعاون والعدوان والشعبية التي يلعب فيها عوامل الجاذبية البدنية ونسبة الذكاء والإنجاز والنمو المعرفي والطبقة الاجتماعية تلك العوامل التي تحدد مدى شعبية الطفل داخل جماعته.
(2/367)

الفصل التاسع: النمو الخلقي
مدخل
...
الفصل التاسع: النمو الخلقي
مقدمة:
يعتبر النمو الخلقي أحد أهم مظاهر النمو الاجتماعي ونمو الشخصية عند الفرد، ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في المجتمعات المعاصرة بشكل عام، وفي المجتمعات النامية بشكل خاص، ولن نكون مبالغين إذا قلنا أن كثيرًا من مشكلات مجتمعنا الراهنة هي مشكلات أخلاقية في صميمها، فما يدور حوله الحديث على كل لسان الآن من نفاق الكثيرين من الناس ومظاهر التسيب والإهمال والفساد والاستغلال وانحرافات الشباب وغيرها، إنما هي جميعًا تعبر عن أزمة خلقية، وعن قصور في نمونا الخلقي. "عبد الفتاح حجاج، 1985، 147".
ويخضع الجانب الخلقي من بنية الشخصية لعملية نمو، شأنه في ذلك شأن الجوانب الأخرى للشخصية، هذه العملية قوامها تشرب الطفل ومسايرته للنظم الخلقي للجماعة الاجتماعية التي ينشأ فيها، أي قوامها عملية استدخال للأحكام والمعايير الخلقية السائدة في جماعته. "طلعت منصور 1982، 69".
ويعبر النمو الخلقي عن التغيرات النوعية التي تطرأ على الأحكام الخلقية للفرد أثناء فترة نموه، ولعل الأهمية القصوى للأخلاق تأتي من كون الأخلاق عنصرًا أساسيًا من عناصر وجود المجتمع وبقائه، ومقومًا جوهريًا من مقومات كيانه وشخصيته، فلا يستطيع أي مجتمع أن يبقى ويستمر دون أن تحكمه مجموعة من القوانين والقواعد تنظم علاقات أفراده بعضهم ببعض، وتكون لهم بمثابة المعايير المعتمدة في توجيه سلوكهم وتقويم انحرافهم. وبذلك يمكن القول بأن المبادئ الأخلاقية تهدف إلى تقوية العلاقات الاجتماعية وتعزيز تكيف الفرد مع نفسه والتصرف وفق معتقداته الخاصة. "محي الدين توق، 1980، 24".
ويشير مصطلح الأخلاق في علم النفس إلى ثلاثة معانٍ رئيسية، فهو من ناحية يستعمل للإشارة إلى مقاومة الأغراء أو للحد من السلوك الخاطئ الذي يؤدي إلى إشباع حاجة أو تحقيق فائدة لدى الفرد، ومن ناحية أخرى يشير إلى المعايير الذاتية لدى الفرد والتي تعتبر ضابطًا لسلوكه، حيث تؤدي دور السلطة في تحديد سلوكه وأحكامه الخلقية حتى في غياب السلطة الخارجية، ومن ناحية ثالثة يشير
(2/371)

إلى السلوك الذي يقوم به الفرد معتمدًا في الأساس على الأحكام والمبادئ التي يتقبلها عقليًا ومنطقيًا، أي أن تقبله لهذه المبادئ يعتمد على فهمه لها بحيث تصبح مرشدًا له في سلوكه. "توق وأرناؤوط: 1985، 127".
والخلق Morality يعني مجموعة العادات والآداب المرعية ونماذج السلوك التي تطابق المعايير السائدة في المجتمع، فالقيم الأخلاقية التي تتقبلها جماعة من الجماعات قد ترفضها جماعة أخرى تعيش في نفس المجتمع، وقد يحدث أن تتغير تلك القيم من وقت لآخر على حسب ما تتعرض له البيئة من تطور، وبالتالي على الفرد إذا أراد أن يعيش في وئام مع الجماعة التي ينتمي إليها، عليه أن يتعلم الشرائع والدساتير الخلقية في تلك البيئة ويعمل وفقًا لها. "مصطفى فهمي 1979، 276".
وتشير الأخلاقية إلى نسبية الخير في الأفراد كما ينعكس في سلوكهم ومعتقداتهم، ولقد ميز كولبرج Kohlberh بين ثلاثة مظاهر للأخلاقية: أولها مظهر سلوكي ينعكس في قدرة الفرد على مقاومة الإغراء وثانيها مظهر انفعالي وهو يتعلق بما ينتاب الفرد من مشاعر الذنب والقلق عند انتهاكه للقواعد الخلقية أو الإتيان بسلوك غير خلقي حيث ترتبط زيادة الأخلاقية بزيادة مشاعر الذنب، والمظهر الثالث هو المظهر المعرفي ويتعلق بتقدير الأفراد للأخلاقيات في السلوك المعطى من خلال المعايير الشخصية للخير والشر التي يحكم بها على سلوك الفرد. "Lefrencais j 1979 281".
وفي المعجم الوسيط أن الشخص الأخلاقي هو الذي يتصرف وفق قواعد الأخلاق أو قواعد السلوك المقررة في المجتمع، وعكسه لا أخلاقي، ولعل من أهم وظائف التنشئة الاجتماعية نقل المعايير الأخلاقية وتدعيمها وتعزيز السلوك الحميد وعلى الرغم من اختلاف القيم الأخلاقية من مجتمع إلى آخر إلا أن جميع المجتمعات لديها معايير للصواب والخطأ، وعلى الطفل أن يتعلم هذه القواعد أو تلك المعايير ويتوقع منه أن يشعر بالذنب إذا انتهك هذه القواعد، وأن يشعر بالرضا عندما ينجح في الامتثال لها. ففي بداية حياة الطفل يلتزم بالقواعد الأخلاقية خوفًا
(2/372)

من العقاب الخارجي أو لاعتبارات اجتماعية خارجية أو لمجرد وجود أي من أرباب السلطة ولكن بالتقدم في العمر يتم ضبط سلوك الطفل بتأثير ضوابط داخلية حتى في غيبة السلطة الخارجية. "عبد الرحمن عيسوي، 1985، 222".
كما أن النمو الخلقي هو نمو الضمير والتعبير عنه، وهذا الضمير يشكل نظرة الفرد للحياة، وهو البنية الشخصية للقيم الاجتماعية، أو بعبارة أخرى يدل النمو الخلقي على مدى اتفاق سلوك الفرد مع معاييره الخلقية، ومع معايير الجماعة التي يتوحد معها. وهذا المفهوم يعني أمرين:-
أولًا: أن تصبح أفعال الفرد وأقواله مسايرة لنواياه وضميره ولمعاييره وقيمه الشخصية.
ثانيًا: أن تصبح أفعال الفرد وأقواله مسايرة لالتزاماته نحو المجتمع ومسئولياته إزاءه. "جابر عبد الحميد جابر، 1976، 315".
(2/373)

اكتساب السلوك والتفكير الخلقي:
خضعت دراسة السلوك الإنساني القائم على القيم الأخلاقية لتفسيرات وجدت أساسها في ثلاثة مداخل أساسية: أولها، التكوين البيولوجي للإنسان، ثانيها مدى التفهم العقلي لدى الإنسان، ثالثها التأثير الاجتماعي:
- ويرتبط التفسير البيولوجي بالاشتراط الكلاسيكي على أساس أن منشأة كان حول تغيرات الأفعال المنعكسة عند الأفراد نتيجة ارتباط مثير محايد بمثير نشط فيكتسب المثير المحايد بعد اقترانه بالمثير النشط. قوة استثارة استجابة مشابهة للفعل الانعكاسي الذي ينتج عن المثير النشط. والضمير يمكن أن ننظر إليه باعتباره استجابة للقلق مشروطة بأنواع معينة من المواقف والأعمال، وأنه يتكون عن طريق الربط بين مثيرات معينة مثل الخسائر العدوانية والعقاب أو ما يشابه العقاب من مثيرات غير محببة. وهذه الارتباطات الشرطية وتعميمها تنتج نوعًا من الصراع بين الرغبة في إشباع المشاعر الداخلية أو الحاجات الفورية وبين المتاعب التي تنشأ عن القلق. واستنتج ايزنك Eysenck تصوره للنموذج الارتباطي في
(2/373)

تكوين الضمير، فيقول إن الطفل حين يفعل شيئًا يعتبر في نظر والديه قبيحًا فإن العقاب السريع الذي يلي مثل هذا الفعل على أية صورة يؤدي إلى توليد شعور غير سار عنده، وينتج عن ذلك نموذج من الارتباط الكلاسيكي:
حيث أن الألم الذي يعتبر استجابة غير شرطية للعقاب باعتباره مثيرًا غير شرطي يمكن أن يستثيره الفعل القبيح باعتباره مثيرًا شرطيًا بالعقاب. ويستمر تأثير هذا النموذج حتى ينشأ نوع من الخوف الشرطي أو القلق يصاحب القيام بمثل هذا الفعل الشائن أو حتى التفكير في القيام به. وهذا القلق الشرطي هو ما يمكن أن نطلق عليه الضمير، كما تلعب التسمية التي نمارسها تجاه الأفعال الأخرى دورها في تعميم هذا النموذج فيكفي أن نطلق على أي فعل أنه قبيح ليكتشف نفس الأثر. أما بالنسبة للسلوك غير الأخلاقي فيمكن أن نعزوه لسببين رئيسين: أولهما العوامل الاجتماعية المتمثلة في نقص الاشتراط الاجتماعي السليم، فإذا فشل القائمون بالتطبيع الاجتماعي في ممارسة التنشئة الاجتماعية السليمة كأن يرى الآباء فعل ما سليمًا بينما يراه المعلمون قبيحًا، ويظهر الرفقاء المتعة المرتبطة بعمل ما بينما يفشل الآباء والمعلمون في إظهار الألم المصاحب له فإن الناتج لا يمكن أن يكون في حدود المتوقع، وثانيهما: العوامل البيولوجية والفروق الفردية فيها، ويرى أيزنك أن التركيب البيولوجي للإنسان هو الذي يحدد تصرفه أو يشكل مدى استجابته للمثيرات الخارجية. "محمد رقي 1983، 17".
ويحدد سيرز وماكوبي Sears Maccoby & Levin "1957" ثلاثة معايير للنضج الخلقي هي معايير الضمير كظاهرة سلوكية متعلمة كما يلي:-
(2/374)

أ- مقاومة الغواية والإغراء.
ب- التهذيب الذاتي القائم على إطاعة قواعد السلوك السليم.
جـ- المظاهر السلوكية الدالة على الشعور بالذنب في حالة الخروج على هذه القواعد.
وهذه المعايير تدل على أن الطفل يتمتع بضبط مستدخل internalized control قد استوعبه ومارسه بواسطة ما تعرض له من قبل من إثابة وعقاب، فما خبرة من أساليب ومعايير للضبط من الخارج -وخاصة من الوالدين- تتحول غالبًا إلى ضبط من الداخل وإلى توجيه ذاتي.
أ- مقاومة الإغراء Resistance of temptation
وتتضح هذه الظاهرة حينما يعزف الطفل عن الإقدام نحو مثير يجذبه أو يغويه لأنه يعتبر خاطئًا أو غير أخلاقي من وجهة نظر ثقافته، وتفسير ذلك أن استجابة الإقدام تخضع للكف بواسطة بعض جوانب الموقف المثير التي تقترن بالعقاب في الماضي، حتى لو كانت هذه الجوانب غير واضحة للملاحظة أو لملاحظة الشخص لذاته. وفي حالة الإغراء تتوقف النقطة التي يصير عندها الشخص قلقًا بدرجة كبيرة على نفس النقطة التي عوقب عليها في الماضي. فإذا كان العقاب نادرًا ما يوقع أو يوقع بعد إرجاء طويل، فقد لا تنمو عند الطفل القدرة على مقاومة الإغراء على الإطلاق أو تنمو بدرجة ضعيفة.
ب- التهذيب الذاتي القائم على إطاعة قواعد السلوك السليم:
يذكر هيكل Hail أن الطاعة القائمة على التهذيب الذاتي تحدث وفقًا للمبادئ الخلقية التي يتلفظ بها الوالدان في تفاعلهما الاتصالي مع الطفل، وبواسطة ما يلاحظه من أنماط سلوكية والدية وفقا لهذه المبادئ والأحكام. والمبدأ الأساسي الذي يخضع له هذا التعلم هو المحاكاة عن طريق التعلم بالملاحظة Observation Learning أو التعلم الانتقالي Vicarious Learning أي الذي ينتقل من الكبار إلى الصغار بالمحاكاة من خلال الملاحظة. وقد يخفق الطفل في هذا التعلم إما بسبب أن هذه المبادئ والأحكام التي لم يتلفظ بها الوالدان في تفاعلهما مع الطفل أو بسبب
(2/375)

عدم توفر المواقف والظروف التي يلاحظ فيها الوالدان لكي يحاكي سلوكهما. لهذا السبب فإن الأطفال الذين ينشأون في مؤسسات أو ملاجئ لا يتوافر فيها النموذج أو الوالدي الثابت قد يجدون صعوبة أكثر من غيرهم في تعلم المبادئ والأحكام الخلقية والأنماط السلوكية المتسقة معها.
جـ- الدلالة الواضحة للشعور بالذنب:
ويشير مصطلح الذنب إلى بعض المظاهر السلوكية المتعددة الدالة عليه الاستجابات الانفعالية، التلفظ بمشاعر الذنب أو ربما النزعة إلى عقاب الذات فما يقوم به الطفل أحيانًا ببعض الأفعال الخاطئة غالبًا ما يتبع بالتأنيب أو عدم الرضا من قبل الوالدين وغير ذلك من أشكال العقاب. وإذا كان ذلك يحدث بدرجة كافية، فإن الطفل يتعلم أن أيسر وسيلة لكي يسترد بها عطف والديه إذا اقترف عملًا خاطئًا هو أن يعترف ويلقي ما يستحقه من عقاب، وأن يكف عن مثل هذه الأفعال دون إرجاء، فتوقع النبذ والسعي إلى العقاب الذي يتبع مخالفة القواعد الخلقية هو ما يصفه الفرد ذاته كشعور بالذنب وبالنسبة للشخص الراشد فقد يظل الشعور بالذنب محتفظًا بمستوى متوائم يتزايد ويتناقص وفقًا للاحتمال الحقيقي للعقاب، "طلعت منصور وحليم بشاي، 1982، 13".
ومن المعروف أن الطفل حينما يولد يكون خلوًا من الضمير، ومن ثم لا يمكن أن يوصف بأنه على خلق Moral أو عار منها immoral بل إنه في هذه الحالة يكون محايدًا بالنسبة للقيم الخلقية، هذا وفي تعلمه أو اكتسابه لأي معانٍ خلقية فإنما يأتيه ذلك من المجتمع المحيط به "عبد الفتاح حجاج، 1985، 154"، وعلى المحيطين بالطفل أو المسئولين عنه أن يساعدوه على تشرب النمط السائد والامتثال للمعايير والمقننات وعدم الانحراف عنها بمخالفة ما تأمر به أو ارتكاب ما تنهى عنه "كمال دسوقي، 1979، 308".
ويتعلم الطفل السلوكي الأخلاقي -كما في تعلم أي مهارة عملية- إما بالمحاولة والخطأ، أو بالتلقين والتعليم المباشر، وإما من خلال التقمص والتمثل والطريقتين الثانية والثالثة ليستا فقط الأفضل والأجدى، بل الأكثر استخدامًا أيضًا
(2/376)

لكون تعلم المحاولة والخطأ مضيعة للوقت والجهد وأن ثمرته آخر الأمر أبعد من أن تكون مرضية. والتعليم المباشر هدفه تعريف الصغير بما هو خير أو صواب، ثم دفعه لأن يتصرف على النحو الذي يتوقعه منه المجتمع. وإذا ما صاحب هذا التلقين لون إيجابي من التعويد أو التأديب ليستخدم بثبات يصبح السلوك الخلقي اعتياديًا أي عندما يقترن الثواب والاستحسان الاجتماعي والثناء بالسلوك المرغوب منه اجتماعيًا، يكون تعلم السلوك الأخلاقي أسرع وأيسر. "كمال دسوقي، 1979، 315" وإذا قارنا هذه العملية بقدرة الطفل على تعميم الخبرة وانتقال أثر التدريب، فإنه يستطيع أن يحدد استجابته للمواقف المختلفة طبقًا للتشابه بين المثيرات. بمعنى أن الطفل يتم تعليمه أنماطًا معينة من السلوك يقوم بها على أساس أنها مقبولة اجتماعيًا فيتم تعزيزه فيستمر أداؤها عبر الزمان وفي مواقف مختلفة، وإذا كان السلوك غير مقبول اجتماعيًا فإنه بالطبع سيتم عقابه بأي صورة من صور العقاب مع اعتبار شروط فعاليته كوسيلة ومن ثم فإن يختفي. أي أن الموقف يدور حول الإرادة الخارجية للسلوك والرغبة الداخلية في الحصول على الثواب، وتجنب العقاب، ويتكون لدى الطفل نوع من القلق التوقعي يساعد على الكف المبدئي للسلوك المشين "محمد رفقي، 1983، 18". وهكذا يستطيع أن يواجه المواقف المختلفة من خلال تعرفه على التشابهات المختلفة في الموقف مع المواقف السابقة ويتصرف تبعًا للقيم والمعايير التي تسود المجتمع، أما في المواقف التي تختلف عن المواقف السابقة فلن يتصرف فيها إلا وفقًا لظروف خاصة. ومن الضروري هنا أن تكون المعايير والمقتفات التي يتعلمها الطفل في البيت والمدرسة ومن جماعة اللعب والأقران ثابتة حتى لا يختلط عليه الأمر مما يسهل له تنمية مفاهيم مجردة عن الخير والشر، والصواب والخطأ. وفي تعلم السلوك الخلقي بالتقمص يأخذ الصغير قيم شخص آخر ويشكل سلوكه هو وفقًا لسلوك ذلك الشخص، وهو يفعل ذلك لا شعوريًا بالقياس إلى التقليد الشعوري الذي يحاول به عمدًا أن يكون مثل شخص آخر. فالصغير يتعلم فعل ما يفعله أحد الكبار، وكذلك ما يطلب إليه الكبير أن يفعله. وحين يتقمص الصغير شخصًا هو معجب به، من غير أي ضغط أو تعليم مباشر فهو يحاكي أنماط السلوك التي يلاحظها
(2/377)

عند ذلك الشخص. والتقمص أو التوحد في الذاتية أو الهوية لشخص آخر كمصدر لتعلم السلوك الخلقي يصبح أكثر فأكثر أهمية كلما كبر الصغار وقاتلوا ضد تعويدهم النظام في البيت والمدرسة، فوجود من يدمج به الناشيء ذاتيته وهويته ملء للفراغ وتهيئة الأمان اللازم لنمو السلوك الأخلاقي "كمال دسوقي، 1979، 316".
ويمثل الآباء نماذج للسلوك الخلقي للأبناء. ففي سياق العلاقات بين الآباء والأبناء يدرك الأطفال في الوالدين خصائص وممارسات معينة قوامها ما يوفرانه للطفل من دفء عاطفي من خلال رعايتهما له. ويجد الطفل في تقليد النماذج السلوكية الوالدية مصدرًا من مصادر الإثابة للسلوك الذي يدرك أنه يلقي استحسانًا من الوالدين، ويكتسب الطفل الكثير من أنماطه السلوكية وخصائصه الشخصية كنتيجة للتعلم الاجتماعي والإثابة في الأسرة، إلا أن قدرًا كبير من السلوك ومن الخصائص المميزة للشخصية يجري اكتسابه دون تعليم مباشر أو إثابة فورية، وذلك من خلال التقمص أو التوحد مع الآخرين وفي ذلك يمكن اعتبار التوحد على إنه واقع متعلم للتشبه بشخص آخر. ويتوحد الطفل مع أحد الوالدين حينما يسعى إلى أن تكون مثله واتجاهاته وأنماطه السلوكية مطابقة لما يتصف به الوالد.
(2/378)

السيطرة التنظيمية للوالدين والنمو الخلقي
مدخل
...
السيطرة التنظيمية للوالدين والنمو الخلقي:
كما ذكرنا فإن نظرية التحليل النفسي تستند بشدة إلى أهمية وسائل تربية الوالدين للطفل، وحالة التوحد يتعلم الطفل ممارسة الإحساس الذنب كشكل لعقاب الذات وهو يستند إلى السيطرة التنظيمية للوالدين. إن الذنب ينشأ كلما خالف الطفل أوامر المنع أو كم إغراءه ليفعل ذلك "Hoffman, 1975,1976". ولتجنب الذنب يجب أن يسلك الطفل بطريقة تتناسب والقيم التي تحدد من خلال التوحد مع الوالدين. وعندما يحدث ذلك يشعر الشخص بالفخر وهو ما يعزز الاستمرار في السلوك تبعًا للقواعد. وفي مرحلة الطفولة المبكرة يكون سلوك الطفل محكومًا بأوامر الوالدين، ليس بسبب الخوف من العقاب منهما ولكن بسبب أن الطفل قد توحد مع قيم الوالدين ومعاييرهما الأخلاقية. وتصبح هذه المعايير جزءًا من القيم الخاصة بالطفل ونظامه الأخلاقي حيث ترشد سلوكه إلى حد ما.
(2/378)

إن الأبحاث التي أجريت على العلاقة بين السيطرة التنظيمية للوالدين ونمو الأطفال الأخلاقي، هذه الأبحاث قد استخدمت عددًا من المؤشرات على تمثل الأطفال للمعايير الأخلاقية للكبار مثل: مقاومة الإغراء والدرجة التي يستطيع الطفل عندها أن يقاوم انتهاك المعايير عندما تكون فرصة اكتشاف هذه المحاولة بعيدة الاحتمال أو غير موجودة، والإحساس بالذنب، والاستجابة الانفعالية الداخلية التي تلي الخطيئة، ورد فعل الخطيئة، وحكم الطفل الخلقي على ارتكاب الخطأ، والاعتراف بارتكاب الخطأ كل ذلك من دلائل النمو الأخلاقي للطفل.
(2/379)

بحث هوفمان وسالتز شتاين:
Hoffiman & Saltzstein:
في بحث جيد التصميم، قام هوفمان وسالتز شتاين "1967" بتقييم العلاقة بين النمو الأخلاقي والسيطرة التنظيمية للوالدين والحب في عينة من 146 صبي من الطبقة الوسطى، 91 صبيًا من الطبقة الدنيا، 124 فتاة من الطبقة الوسطى، 83 من الطبقة الدنيا. وكان الجميع من الصف الدراسي السابع. وقد افترض الباحثان أن وسائل الاستقراء التي تفسر الأساس في عدم الرضا عن سلوك الطفل تكون شديدة الارتباط بالنمو الأخلاقي. وهذا الافتراض كان يستند على فكرة أن وسائل الاستقراء بعكس العقاب الذي يقوم على تأكيد السلطة أو سحب الحب، تهيئ للطفل معرفة أن سلوكه قد يكون ضارًا بشخص آخر، وبذلك يجري التركيز على قدرة الطفل على التعاطف. وقد ناقش الباحثان أن هذا اللجوء إلى التعاطف يدفع الطفل إلى تنمية الضوابط الأخلاقية. وحيث أنه لا تأكيد السلطة ولا سحب الحب يتقبلها الطفل لاختبار التعاطف، فإن هذا المكون المعرفي للسيطرة التنظيمية يصبح مفقودًا. وقد تم الحصول من كل طفل على مقياس للأخلاقيات، كان تقييم الذنب يتم بمطالبة الطفل باستكمال قصتين تدوران حول طفل من نفس الجنس والسن خالف قاعدة ما. وقد طلب من أفراد العينة الإخبار بما حدث وكيف يفكر ويشعر الطفل بكل قصة. وقد تم تسجيل الاستجابات التي تدل على ردود أفعال تتصل بالنقد الذاتي باعتبارها استجابات ذنب، وتم تقييم الحكم الخلقي بجعل الطفل يعطي حكمه الأخلاقي على عدد من المواقف الافتراضية تتضمن الانتهاك للقواعد، مثل السرقة أو ارتكاب جرائم أخرى مشابهة. وقد تم تقييم ردود أفعال الأطفال الواضحة نحو
(2/379)

الانتهاك من خلال تقارير المدرسين عن سلوك الطفل عندما ضبط وهو يرتكب خطأ. وقد تم القياس من خلال اعترافات الطفل التي تم الحصول عليها من الأم. وقد تم قياس الاهتمام بالنسبة للأطفال الآخرين باستخدام وسائل القياسي النفسي السوسيومترية، أي من خلال تصريحات أقران الأطفال الذين يهتمون بدرجة أكبر بمشاعر الآخرين. وجرى تقييم التوحد بقياس مقدار التشابه المدرك للطفل مع والديه والإعجاب بهما والرغبة في مناظرتهما.
وقد تحددت وسائل السيطرة التنظيمية للوالدين من خلال تقارير من الأطفال، وبالنسبة لأطفال الطبقة المتوسطة من خلال لقاءات مع الوالدين. وكانت استجابات كل من الأطفال والآباء قد سجلت لتحديد نوع السيطرة التنظيمية للوالدين مثل: تأكيد القوة، سحب الحب، الاستقراء واستخدام الوالدين للحب قد تحدد بسؤال الأطفال لتقدير استخدام والديهم لعدد 19 شكلًا من أنماط السلوك التي تدل على الحب. كما سئل الوالدن أيضًا لتقدير استخدامهما للموافقة عندما يحسن الطفل سلوكه. والخلاصة أنه كانت هناك ستة مؤشرات على السلوك الأخلاقي، وأربعة مقاييس للسيطرة التنظيمية للوالدين وكانت المعطيات لكل مجموعة فرعية قوامها الجنس، الطبقة الاجتماعية، قد حللت كل على حدة. وقد تحدد الأطفال بالنسبة لكل مؤشر على النمو الأخلاقي للأطفال الذين حصلوا على درجات مرتفعة، والأطفال الذين حصلوا على درجات أدنى ثم قورنوا بالدرجات التي تم تسجيلها عن وسائل تربية الطفل، وبالنسبة لأطفال الطبقة المتوسطة كان التقدير من خلال اللقاءات مع الوالدين ويمكن تلخيص نتائج هذا البحث على النحو التالي:
1- بالنسبة لأطفال الطبقة المتوسطة:
أ- استخدام الأم لتأكيد السلطة كان يرتبط دائمًا بنمو أخلاقي ضعيف.
ب- استخدام الأم للاستقراء كان يرتبط دائمًا بنمو أخلاقي متقدم.
جـ- استخدام الأم لسحب الحب كان ارتباطه سلبيًا ولكن بصورة غير مستمرة بالنمو الأخلاقي.
(2/380)

د- وسائل السلطة التنظيمية للأب كانت ترتبط بشكل غير مستمر وغير ثابت بالنمو الأخلاقي.
هـ- حب الوالدين كان يرتبط إيجابيًا بالنمو الأخلاقي، وبدرجة أكبر بالنسبة للأم عن الأب.
2- بالنسبة لأطفال الطبقة الدنيا:
أ- كانت هناك علاقات قليلة بين النمو الأخلاقي للأطفال وتقاريرهم عن وسائل السيطرة التنظيمية للوالدين. وكانت العلاقات التي لها دلالة غير ثابتة وغير قاطعة.
ب- كان هناك ثلاثة علاقات بين الحب الوالدي والنمو الأخلاقي. وكانت العلاقات الثلاث علاقات إيجابية وذات دلالة.
(2/381)

تأييد نتائج دراسة هوفمان وسالتز شتاين:
وقد راجع هوفمان "1970، 1976" وسالتزشتاين "1976" نتائج عدد من الأبحاث عن العلاقة بين وسائل السيطرة التنظيمية والنمو الأخلاقي للأطفال. وقد كانت النتائج مؤيدة للنتائج التي توصل إليها هوفمان وسالتزشتاين "1976" وذلك على النحو التالي: إن استخدام الأم المستمر للسيطرة التنظيمية التي تؤكد على السلطة كان مرتبطًا بالنمو الأخلاقي الضعيف، في حين كان الاستقراء والحب من الأمر مرتبطين بالنمو الأخلاقي. وتؤكد كثير من الدراسات نتائج أبحاث هوفمان وسالتز شتاين فإن سحب الحب لا يرتبط بالنمو الأخلاقي. وهذه النتائج تحدد بشكل قاطع مقاييس الذنب والتوجيه الأخلاقي الداخلي، ولكنها أقل وضوحًا بالنسبة لمقاومة الإغراء والاعتراف.
وقد ذكر هوفمان "1970، 1976" أن المقياسين الأخيرين قد يتضمنان قرارات معقدة تؤدي إلى حجب أو تغيير العلاقات. إن مقاييس الحالات مثل: الذنب تتضمن قرارات تستند إلى وضع النتائج والطرق التبادلية للعمل في الاعتبار، وقد لخص سالتز شتاين "1976، ص209" هذه النتائج وفسرها كما يلي:
(2/381)

إن الاستخدام المستمر لتأكيد السلطة، وخاصة العقاب البدني، يؤدي إلى تأخير أي نوع من الأخلاقيات الداخلية، وأن الوسائل النفسية وخاصة التي توضح نتائج الفعل للآخرين تسهل نمو الأخلاقيات الداخلية. والتفكير العقلي يؤدي إلى نمو الأخلاقيات التي تقوم على حب الآخرين، والأخلاقيات الإنسانية، أي تلك التي تستند أساسًا على وضع الآخرين في الاعتبار. أن سحب الحب يؤدي إلى نمو أخلاقيات تقليدية أو رسمية، أي تلك التي تعتمد على الالتزام الدقيق بالقواعد لذاتها أو الانقياد للسلطة.
كما أن الأبحاث تؤيد أيضًا النتائج التي توصل إليها هوفمان وسالتز شتاين فيما يختص بأهمية استخدام الأب للسلطة التنظيمية بالنسبة لنمو أخلاقيات الطفل "Saltzhstein 1976" وقد ورد ذكر القليل من العلاقات بين وسائل السيطرة التنظيمية للأب والنمو الأخلاقي للطفل، وهذ العلاقات القليلة التي ورد ذكرها يبدو أنها لا تناسب أي نمط، غير أنه بالنسبة للصبيان فإن وجود الأب له أهمية. فالأولاد الذين لا أب لهم يحصلون على درجات أقل في مجال النمو الأخلاقي عن الأطفال اللذين لهم آباء "Hoffman 1977".
وهذه النتيجة قد يكون لها تفسيران: أولهما: أن الأب قد يقدم تعليمات عن المعايير الأخلاقية في المواقف التي لا تمثل السيطرة التنظيمية، وثانيما أن الدور التنظيمي للأب قد يكون حاسمًا فقط في ظروف استثنائية "الانحراف مثلًا"، حيث أن الأم هي التي تزاول السيطرة التنظيمية في الظروف العادية.
وقد قامت نجوى العدوي "1982" بدراسة للتعرف على أثر بعض العوامل في توجيه نمو إدراك القواعد الخلقية لدى الأطفال من "9-13" سنة، وهذه العوامل هي اختلاف المعاملة الوالدية ونوع التربية، ونوع العلاقة التي تربط الطفل بالسلطة. وقد افترضت الباحثة:
1- أن الأطفال الذين يعيشون في الأسر يختلفون عن الأطفال الذين يودعون المؤسسات من حيث: نمو إدراكهم للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي اختلافًا له دلالة إحصائية لصالح أبناء الأسر.
(2/382)

2- يختلف الأطفال في نمو إدراكهم للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي اختلافًا له دلالة إحصائية باختلاف المناخ والتماسك الأسري "الأسر العادية، الأسر المفككة" لصالح أبناء الأسر العادية.
3- يختلف الأطفال الذين يعيشون في المؤسسات فيما بينهم من حيث نمو إدراكهم للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي لصالح أبناء الأسر المفككة الذين أودعوا المؤسسات.
4- يختلف نمو إدراك الأطفال للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي باختلاف الجنس.
5- يختلف نمو إدراك الأطفال للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي باختلاف إدراكهم لأسلوب معاملة المحيطين بهم "الآباء، المشرفين، الراشدين، أو من يقوم برعاية الطفل".
وقد أجريت الباحثة دراستها على عينة مكونة من 217 تلميذًا من الذكور والإناث في سن 9-13 ومتقاربين في المستوى ق/ ج وكانت العينة موزعة كما يلي:
أ- 64 تلميذًا من أبناء الأسر العادية الذين يقيمون في أسرة كاملة "مع الأب والأم".
ب- 50 تلميذًا من أبناء الأسر المفككة الذين يقيمون مع أحد الوالدين أو أحد الأقارب بسبب الطلاق أو الهجر.
جـ- 49 تلميذًا من أبناء الأسر المفككة الذين أودعوا المؤسسات.
د- 54 تلميذًا لم يخبروا الحياة الأسرية والذين أودعوا المؤسسات خلال السنوات الثلاث الأولى من عمرهم من الأطفال اللقطاء أو الضالين.
وقد طبقت الباحثة على عينة الدراسة عددًا من المقاييس الخاصة بالنمو الحلقي وهي:
(2/383)

1- استبيان دراسة نمو إدراك القواعد الخلقية الذي أعدته الباحثة لذلك وتحددت أبعاد المقياس في القضايا التي قاسها بياجيه وهي: التصرف مثل "سلوك السرقة، سلوك الغش، سلوك الكذب" والعدل مثل "العدل الجزائي، العدل الموزع، المساواة، المسئولية الجماعية، العدل الحلولي".
2- اختبار مجموعة القصص لقياس نمو الحكم الخلقي وهو مقتبس من مقياس بياجيه. هذه القصص تشكل مواقف تحدث في الحياة اليومية ومقسمة إلى الأبعاد والقضايا التي يقيسها المقياس السابق.
3- اختبار الصور الإسقاطي لقياس نمو الحكم الخلقي الذي أعدته الباحثة ويتكون من 12 صورة تمثل القضايا السبع التي تقيس نمو إدراك القواعد الخلقية عند الأطفال، كما استخدمت الباحثة استبيان أساليب التنشئة الذي عرفته مايسه المفتي وقننته على البيئة المصرية ويشتمل على أساليب التدعيم، العقاب، والتحكم والسيطرة، المطالب، بالإضافة إلى مقياس عين شمس للذكاء الابتدائي، ودليل المستوى الاقتصادي الاجتماعي، والمقابلة، والملاحظة، ودراسة الحالة، ومن أهم ما توصلت إليه الباحثة من نتائج:
أ- العمر الزمني كان دالة لنمو إدراك القواعد الخلقية.
ب- انعدام الفروق بين الجنسين في نمو إدراكهم للقواعد الخلقية من خلال الحكم الخلقي.
جـ- تفوقت مجموعة أطفال الأسر العادية في نمو إدراكهم للقواعد الخلقية عن باقي المجموعات، يليها مجموعة الأطفال الذين لم يخبروا الحياة الأسرية، ثم أطفال الأسر المفككة الذين أودعوا المؤسسات، وأضعف المجموعات في النمو مجموعة الأطفال الذين يعيشون في أسر مفككة.
4- أهم العوامل التي تؤثر في نمو إدراك الطفل للقواعد الخلقية:
أ- الشعور بالاستقرار العائلي والأمن.
ب- الشعور بالحنان والحب.
جـ- قلة الصراعات الأسرية وعدم إقحام الطفل فيها.
(2/384)

د- التفاعل السليم القائم على الاحترام المتبادل بين الإخوة والأقران.
5- أوضحت الدراسة أهمية قياس العوامل اللاشعورية لنمو إدراك الطفل للقواعد الخلقية إلى جانب العوامل اللاشعورية لإعطاء صورة تنبئوية كاملة عن السلوك الخلقي الحقيقي للفرد.
6- كان استبيان قياس نمو الحكم الخلقي أقل مقاييس الحكم الخلقي تمييزًا لهذا النمو بين المجموعات.
يلاحظ من العرض السابق أن الفروق بين الطبقات الاجتماعية التي ذكرها هوفمان وسالتز شتياين لم يتم بحثها في الأبحاث الأخرى بل جرى معظمها على أطفال الطبقة المتوسطة. ويعتقد هوفمان "1970" أن الأسس في فروق الطبقات الاجتماعية توجد في تأكيد السلطة المهيمن على السيطرة التنظيمية المستخدمة مع أطفال الطبقة الدنيا. وعندما يكون تأكيد السلطة هو الشكل الرئيسي اللسيطرة التنظيمية فإنه قد يمحو العلاقات بين وسائل السيطرة التنظيمية الأخرى والنمو الأخلاقي. علاوة على ذلك فإن الأب يظل هو العامل الأساسي في السيطرة التنظيمية في الطبقة الدنيا، وبذلك ينخفض تأثير الأم في النمو الأخلاقي. إن تأثير وسائل السيطرة التنظيمية للأم قد يضعف أيضًا بسبب ازدياد حاجة الأم إلى قضاء بعض الوقت بعيدًا عن أطفالها، كأن تكون عاملة مثلًا. ومجموع هذه العوامل يبدو أنه يقللل من العلاقة بين وسائل السيطرة التنظيمية للأم والنمو الأخلاقي في أطفال الطبقة الدنيا. كما يقترح هوفمان "1970" أنه قد يكون من نتائج قلة تأثير الأم أن يلعب الأقران دورًا أكثر أهمية في النمو الأخلاقي بين أطفال الطبقة الدنيا عنه بين أطفال الطبقة المتوسطة.
إن هذه الأبحاث تؤيد الافتراض بأن السيطرة التنظيمية للوالدين عامل هام في النمو الأخلاقي لدى الطفل. ويجب أن نتذكر دائمًا أن المعطيات من التقارير الذاتية ومن البيئات الطبيعية يصعب عادة تفسيرها على أساس السبب والنتيجة لذلك يجب مراجعة نتائج بعض الأبحاث عن تأثيرات السيطرة التنظيمية على النمو الأخلاقي.
(2/385)

السيطرة التنظيمية والنمو الأخلاقي: "البحث المعملي"
إن العقاب عندما يوقع عند بدء الطفل في انتهاك القواعد يكون أكثر فاعلية في منع تكرار هذا السلوك أكثر مما لو وقع هذا العقاب فيما بعد، أي: بعد أن ينتهي السلوك غير المرغوب فيه. وقد ذكر مورر Mowrer "1960، أ، ب" وجهة النظر هذه بأن أوضح أن العقاب عندما يوقع قرب بداية تتابع سلوكي يؤدي إلى ارتباط وثيق بين الخوف وهذه الاستجابات الأولى في التتابع. وهذا الخوف يولد القلق في المحاولات التالية للمبادرة بالسلوك المنحرف. وإذا كان القلق على درجة كافية من الشدة فإنه يولد استجابات التجنب، وهذه بدورها يعززها تقليل القلق. ونتيجة لذلك فإن السلوك المنحرف لن يتم القيام به.
وبالمقارنة فإن العقاب الموقع متأخرًا في التتابع، أو بعد انتهاء التتابع، سوف يولد قلقًا لا يرتبط إلا بقدر بسيط ببداية السلوك المنحرف. وإذا كان إتمام السلوك شديد التعزيز، فإن القلق قد يكون له أثر. ونتيجة لذلك فإن السلوك المنحرف قد يتكرر وعندئذ فإن هناك افتراض يمكن اختباره هو أن العقاب المبكر يحدث في تتابع استجابي، وهو أشد فاعلية في منع الحدوث المتتابع للسلوك المعاقب عليه. والبحث يؤيد بصفة عامة افتراض مورر Mowerer في تجربتين "أرونفريد Aronfreed 1966 أرونفريد وروبر 1965 Aronfreed & Rober" لأطفال في سن من 8-10 سنوات قدم لهم عشرة أزواج من اللعب الجذابة وغير الجذابة وطلب منهم أن يلتقطوا لعبة من كل زوج ويصفونها. فإذا اختار الطفل لعبة جذابة، فإن القائم بالتجربة يقول "لا" ويحرم الطفل من الحلوى. وقد عهد بالأطفال بطريقة عشوائية إلى ظرف من أربعة خاصة بتوقيت العقاب. وقد عوقب الأطفال في الحالات الآتية: 1- عنما يكون الطفل على وشك الإمساك باللعبة. 2- بعد أن يرفع الطفل اللعبة مباشرة. 3- بعد رفع الطفل اللعبة بمقدار 6 ثوان. 4- عندما انتهى الطفل من وصف اللعبة "10-12 ثانية بعد رفع اللعبة". وبعد عشر محاولات تعلم فيها الأطفال بسرعة أن يلتقطوا اللعبة غير الجذابة، ترك الأطفال وحدهم مع لعبة جذابة وأخرى غير جذابة، وسجل الوقت الذي انقضى قبل أن يبدأ الأطفال في اللعب باللعبة الجذابة. وقد وجد أن الوقت استغرق للعب باللعبة الجذابة كان مرتبطًا
(2/386)

بتوقيت العقاب في الاتجاه الذي تنبأت به نظرية مورور. وكلما كان توقيع العقاب سريعًا بعد بداية سلوك الطفل الذي لم ينل موافقة، خلال المحاولات العشر، طال الوقت الذي يمضي للإمساك باللعبة الجذابة في موقف الاختبار. وقد كانت هذه النتيجة واحدة بالنسبة للبنين والبنات وكذلك بالنسبة للمختبرين الذكور والإناث. وقد ذكر آخرون نفس النتائج "مثل ليزر Leizer وروجرز Rogers 1974. بارك Parke وولترز Walters 1967 وولترز وبارك وكين Cane 1965". إن هذه الدراسات تؤيد الافتراض بأن العقاب الموقع مبكرًا في تتابع سلوكي يساعد على نمو المقاومة للإغراء. وهذه المقاومة للإغراء أحد العناصر السلوكية التي تدل على النضج الخلقي وعلى استبطان معايير الوالدين الخلقية حيث تتلخص العناصر فيما يلي:
1- مقاومة الفرد للإغراء كأن يرفض الغش حتى لو عرف أنه لن يكشف سلوكه هذا، بمعنى أن معايير الفرد الخلقية تكمن في داخله، ولا ترجع إلى مصدر خارجي فردًا كان أم جماعة.
2- الشعور بالإثم نتيجة اقتراف الفرد للأخطاء، والانحراف عن جادة الصواب مع أن أحدًا لم يكتشف خطأه بمعنى أن الخلق يكون نابعًا من الذات.
3- اعتراف الفرد بأفعاله وتحمله لمسئولية نتائجها، ذلك أن الشخص الذي لم ينم خلقيًا بدرجة كافية لا يعترف بخطأ ارتكبه إلا إذا ثبت عليه الخطأ وهو عادة يرفض أن يكون مسئولًا عن نتائج خطئه، أما الشخص الذي نما خلقيًا نموًا سويًا فإنه يضيق بما يرتكبه من مخالفات خلقية ويعترف بها ويتقبل جزاءه.
4- استقلال الأفعال عن الجزاءات الخارجية. أي أن الفرد يسلك سلوكًا خلقيًا لأن هذا يتفق مع معاييره لا خوفًا من عقاب، ولا رغبة من ثواب.
ومن سوء الحظ لم يجر سوى أبحاث معملية قليلة عن العلاقة بين السيطرة التنظيمية والاستقراء من ناحية السلوك الأخلاقي من ناحية أخرى. إن الدراسات الطبيعية "على الطبيعة" التي ذكرناها تدل على أن هذا النوع من السيطرة التنظيمية كان وثيق الارتباط بالنمو الأخلاقي. وبعض الأبحاث "مثل ليزر وروجرز Leizer
(2/387)

"1974 Rogers" تعزز فكرة أن وسائل الاستقراء أفضل من العقاب البدني أو اللفظي في حالتي توقيع العقاب على الفور.. وبعد أسبوعين. ولكن أبحاث أخرى "مثل لافوا Lavoi 1974" لا تؤيد ذلك وفي هاتين الدراستين كانت مقاومة الانحراف تستخدم مقياسًا للأخلاقيات وإلى أن تجري أبحاث أخرى عن استخدام الاستقراء فإن الموضوع سيظل غير واضح.
(2/388)

الضوابط الخلقية:
في الواقع لا توجد نظرية سيكولوجية عامة حول أصول وخصائص القوى الضابطة للسلوك. فمن وجهة نظر مدرسة التحليل النفسي نجد أن نهاية الفترة الأوديبية 4: 5 سنوات يكون على الطفل أن يتخلى عن تعلقه شبه الجنسي بالوالد من الجنس الآخر، وأن يمتص أو يستدمج هذا الوالد، وعملية الاستدماج هذه تتكون في جوهرها من النواهي الأخلاقية وتشكل في النهاية الضمير أو الأنا الأعلى "أبو حطب" وكلما نما الطفل نمت معاييره الداخلية، وتلك المعايير التي نسميها صوت الضمير الذي يرشد الفرد في سلوكه وفي أحكامه الخلقية. ويمثل الضمير معايير الفرد وقيمه ومبادئه ومثله العليا، إنه السلطة الضابطة العليا في الإنسان، فإذا لم يستجب الفرد لندائه فإنه سوف يعاقب عن طريق قوة داخلية من خلال الشعور بالذنب وكراهية الذات ونبذها. ويعطي فرويد أهمية كبرى لنمو الضمير في نضج الفرد، فالفرد يظل غير ناضج حتى يصبح لديه ذوق جيد ويطيع القانون ويحترم حقوق الآخرين ويشعر بالواجب. ويلعب الضمير دور الأب أو الآمر أو المراقب أو الملاحظ أو الشرطي على كل حال من الذات الدنيا والذات الوسطى. إنه يعمل كقاضي للأخلاق يحكم تبعًا للمبادئ المثالية أكثر من المبادئ الواقعية، إنه يعمل من أجل الوصول بتصرفاتنا نحو الكمال المثالي. كما أن الضمير يحدد السلوك، ويقمعه أو يمنعه، ويتحكم في ضبطه.
ومن العوامل المؤثرة في نمو الضمير:
1- قيم الثقافة أو معاييرها التي تكون جزءًا أساسيًا من الشرعية التي تنتقل للطفل عبر الآباء والأمهات. وتختلف تلك القيم من ثقافة إلى أخرى، فعلى حين نجد
(2/388)

أن العدوان سلوك غير مرغوب فيه في إطار بعض الثقافات، نجد أن توكيد الذات تؤكده وتشجعه ثقافة أخرى، بينما تشجع ثقافة ثالثة الاعتراف الشخص.
2- نمو الطفل العقلي: فالطفل الأكبر سنًا والأكثر نضوجًا من الناحية العقلية أكثر قدرة على إدراك وفهم ما نتوقعه منه، إنه يستطيع أن يفهم أسباب بعض القيود والمعايير، كما أنه يستطيع أن يعمم بعض المبادئ، وأن يطبقها على العديد من المواقف. كذلك فإنه يستطيع أكثر من زميله الصغير، أن يدرك المفاهيم المجردة التي تكمن وراء المسائل الاجتماعية مثل الإيثار أو المساواة أو الحق أو الخير أو الصدق أو الشفقة.
3- علاقته بأبويه: هناك بحوث كثيرة استهدفت معرفة التأثير الوالدي على نمو الضمير حيث تتم عملية امتصاص الطفل لمعايير الكبار عن طريق التقمص والذي يعتبر أحد طرق نمو الضمير لدى الطفل. ولعلنا تحدثنا عن تأثير أساليب السيطرة التنظيمية على النمو الأخلاقي.
ومن وجهة نظر علماء التعلم الاجتماعي: فإن السلوك عبارة عن استجابة لمثيرات. وهذه الاستجابات تنشأ من مصادر البيئة الخارجية "صوت، ضوء، شخص آخر"، أو مصادر داخل الفرد نفسه مثل الدوافع. وعلى الرغم من ذلك، فإن الاستجابة ترتبط بالمثيرات على أساس الثواب والعقاب، فالاستجابات التي تؤدي إلى الثواب تبقى في الخبرة أو الذخيرة السلوكية للفرد، بينما الاستجابات التي ترتبط أو تقترن بالعقاب تستبعد. والذي يحدد الاستجابات التي يعقبها الثواب أو تلك التي يتبعها العقاب البيئة الاجتماعية للفرد. ومن ثم فإن تطور ونمو السلوك يتضمن تعلم إصدار الاستجابات التي تؤدي إلى الحصول على الثواب وعدم إصدار الاستجابات التي تؤدي إلى العقاب، وعلى الرغم من اختلاف نظريات التعلم في كيفية حدوث التعلم إلا أنه يوجد إجماع عام على أن النمو يتضمن زيادة مطابقة السلوك للقواعد الاجتماعية. وبمقارنة هذا الوضع مع ما أوضح فرويد يتضح أن نمو السلوك والنمو الخلقي غير واضح عمليًا، حيث لا توجد فروق نوعية بين السلوك الذي يتصف بالأخلاقية والسلوك الذي يتصف بالاجتماعية، والشخص
(2/389)

بالنسبة للجوهر والأصل. فكل أنواع السلوك تتبع مبادئ التعلم الاجتماعي، ومن ثم فإنها تتضمن مسايرة استجابة الفرد للقواعد المجتمع وهكذا، مثل أنواع السلوك فإن النمو الخلقي يتضمن زيادة اتساق الاستجابة مع قواعد المجتمع، ومن ثم توجد علاقة تحكمية بين الاستجابة والثواب ... ففي أي مجتمع يمكن إثابة أي سلوك يصدر من الفرد حيث لا توجد استجابات عمومية لها حق الإثابة ومن ثم أي استجابة يجب أن تحدد كاستجابة أخلاقية في المجتمع. وهذا يعني نسبية الأخلاق. "Lerner & Spanier 1980 295- 260
ويرى "أبو حطب" "1973" أن هناك أربعة أنماط الضبط الخلقي يتوافر كل منها في معظم الناس بدرجات متفاوتة، ويتم اكتساب هذه الضوابط عن طريق عمليات التعلم في مواقف اجتماعية معقدة. وهذه الأنماط الأربعة من الضوابط الخلقية هي: الأنا الأعلى، معايير الجماعة، والمشاركة الوجدانية، وضبط الأنا.
- الأنا الأعلى: يرجع فرويد الضبط الخلقي للسلوك إلى الأنا الأعلى وهو مستقل نسبيًا عن الأنا وهو يمثل صوت المجتمع داخل الفرد، ويرى فرويد أن الأنا الأعلى يتكون من عنصرين أولهما الضمير الذي يتميز بأنه لا شعوري إلى حد كبير ويؤدي بالإنسان إلى مقاومة الإغراء، فإذا استسلم له ولم يقاومه يشعر بعقاب ذاتي في صورة إحساس بالذنب. والعنصر الثاني هو الأنا المثالية والتي تتكون من القيم والمطالب والمطامح الشعورية والمسئولة عن البحث عن الفضيلة والخير.
- معايير الجماعة: وهو النمط الثاني من الضوابط الخلقية وفيها يغير الفرد معاييره الخلقية بحيث تتفق مع المعيار الخلقي للجماعة التي ينتمي إليها الفرد، وبالطبع تتغير معاييره الخلقية بتغير الجماعة التي يتعامل معها.
- المشاركة الوجدانية وهنا يتفاوت الأفراد بين طرفين يمثل أحدهما أولئك الأفراد ذوي القلوب الرحيمة الذين لا يستطيعون الإساءة إلى أحد، وطرفه الثاني هم الأفراد السيكوباتيين الذين لا يتأثرون إطلاقًا بآلام الآخرين ومآسيهم. وتوجد عمليتان أساسيتان تتحكمان في هذا الضابط هما: القدرة على القيام بدور الآخر وإدراك الأمور من وجهة نظره، دوافع الانتماء وهو الرغبة لدى الإنسان لأن
(2/390)

يحب ويكون محبوبًا. وبالنسبة للنمط الأخير "ضبط الأنا" يمكن القول أن نمط الأفراد مندفعين وتلقائيين ويميلون إلى مواقف الإثارة العنيفة ولا يستطيعون التحكم في رغباتهم المباشرة المحدودة ويسعون إلى الوصول إلى أهداف قريبة. ويوجد آخرون يسعون إلى أهداف بعيدة المدى، ولا يسمحون لأنفسهم بإطلاق العنان لرغباتهم ويوصفون عادة بصفات الكف inhibition والتحكم الزائد، وهذان النمطان يمثلان طرفين متضادين لبعد واحد هو ضبط الأنا. "فؤاد أبو حطب، 1973، 144".
(2/391)

مصادر الضبط الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية
الأسرة
...
مصادر الضبط الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية:
إذا كان الفرد يتم تدريبه عن قصد بواسطة آخرين ليتشرب قيم مجتمعه ومعتقداته والعرف السائد، وإعداده ليتم استيعابه للقيام بدوره كشخص بالغ في هذا المجتمع فإن مصادر الضبط والتنشئة هي الأسرة، جماعة الأقران، ويضاف إلى ذلك المعتقدات الدينية السائدة في المجتمع.
1- الأسرة:
تنوب الأسرة من خلال الثقافة في تنشئة الطفل اجتماعيًا وتحويله إلى كائن اجتماعي إلا أن دوره الأسرة أكبر من ذلك بكثير في نقل الثقافة وتعليم عاداتها، ولما كان الأبوان يمثلان مجتمع الكبار فتعاملهما مع الطفل يعطيه النماذج التي يتبعها في معاملة الآخرين. وإن كان الطفل بعد فطامه عن المنزل يجد كبارًا آخرين مثل المعلين وغيرهم ممن يؤثرون عليه وعلى تنشئته الاجتماعية: إذ أن الآباء والكبار يعلمونه بتطبيق أنواع مختلفة من الثواب والعقاب، كما أنهم يمدونه بالنماذج التي تحتذى في ممارسة السلوك الاجتماعي. وحيث أن الآباء ينتمون إلى طبقة اجتماعية معينة فإن اختلاف الطبقات الاجتماعية يؤدي إلى اختلاف طرق تنشئة الأبناء، كما أن انتساب الأسرة إلى الريف أو الحضر يؤثر في طرق التنشئة، وإعداد الطفل ليلعب دوره في المجتمع "سعد جلال: 1985، 141" ويتكون النظام الأخلاقي كجانب رئيسي في بناء الشخصية خلال عملية التنشئة الاجتماعية للطفل، فهو يتعلم ما تقره جماعته من معايير الصواب والخطأ ومن أنماط السلوك الذي
(2/391)

يثاب أو يعاقب، ومن أسلوب الحياة الذي يلقي استحسانًا وتأييدًا من الجماعة. ويتوقف تعلم الطفل للمعايير الخلقية على ما يلقاه من تعلم بواسطة الوالدين والمعلمين والرفاق وغيرهم، وكذلك من محاكاة الطفل لتلك النماذج السلوكية التي تتبدى من الكبار ممن يتفاعل معهم وخاصة في الأسرة. وتعتبر علاقة الوالدين بالطفل وما يمارسه الوالدين من أساليب في تنشئة أكثر أهمية في النمو الخلقي للطفل من أي عامل آخر. ويتخذ تأثير الوالدان وكذلك أعضاء الأسرة، على نمو الجانب الخلقي عند الطفل أربعة أشكال محددة.
1- أن الأنماط السلوكية في الأسرة تعمل كنموذج لسلوك الطفل الذي يقلد ما يلاحظه في الآخرين.
2- أن الأسرة باستخدام الاستحسان ودعم الاستحسان والثواب والعقاب تعلم الطفل أن يسلك بطريقة مرغوبة اجتماعيًا.
3 تستطيع الأسرة تنظيم العقاب لكي يتأتى متفقًا مع الأفعال الخاطئة أن تعلم الطفل التبصر بسلوكه وبتوقع نواتج معينة لهذا السلوك.
4- تستطيع الأسرة أن تفعل الكثير لاستثارة دافعية الطفل لكي يسلك على نحو يلقى استحسان الجماعة.
وبذلك تعتبر الأسرة هي ناقل ثقافة الجماعة إلى الطفل. والمنزل هو مركز التدريب على القيم الخلقية السائدة في ثقافة الجماعة. ولما كان الأطفال ينزعون إلى التوحد مع الكبار وخاصة مع الوالدين، فإن الطفل من خلال هذه العلاقة يتقبل معاييرها وينتهج أساليب سلوكهما. وما يوفره الوالدان في الأسرة من جو نفسي صحي ومن نظام معقول ومتسق، يساعد الطفل على أن يتحقق له نمو أخلاقي قوامه الضبط الذاتي والتوجيه الذاتي "طلعت منصور، حليم بشاي، 1982، 119". وبالطبع هناك علاقة بين النظام الوالدي والاستدخال الخلقي للطفل. فالطريقة التي يتربى بها الأطفال تؤثر على الطريقة التي يوازن بها حاجاتهم الذاتية مقابل المتطلبات الخارجية. ويحدد هوفمان Hoffman "1977" ثلاثة أنماط لأساليب التربية:
(2/392)

أ- تأكيد القوة وهذا الأسلوب يتضمن القوة المادية والحرمان من الأهداف المادية والامتيازات والتهديد بها. ويمكن للوالدين تأكيد القوة من خلال العقاب البدني بحرمان الطفل من اللعب وكذلك الامتيازات وباستعمال القوة والتهديد بأي وسيلة من الوسائل حيث يعتمد الوالدان على خوف طفلهم من العقاب.
ب- سحب الحب Love withdrawal والذي يتضمن تعبيرات قوية ولكنها غير فيزيقية من الغضب والكره disapproval والتجاهل ورفض الحديث معهم ولهم ويستخدم الوالدان هذا الأسلوب عندما يسيء الأطفال التصرف. وهذا الأسلوب ليس له تأثير واضح ومتجانس في النمو الخلقي. والطريقة الأكثر فاعلية في تقدم النمو الخلقي هي خلق مناخ من الاستحسان والدفء، والمدح وقبول الطفل، ثم تفسر للطفل لماذا يجب أن يسلك الطفل بطرق خاصة. وهذه الطريقة أقل عقابًا من كل من التأكيد وسحب الحب، وتؤكد على الاحتكام إلى نبوغ الطفل وكفاءته وتقدير الذات والاهتمام بالآخرين، ويجب على الوالدين أن يوضحا للطفل كيف أن أفعاله تؤثر على الآخرين، وأن يفسر له دوافع السلوك وحاجاته ويركز الوالدان على نتائج سلوك الأطفال على الآخرين. وفي الطفولة المتوسطة يؤكد الوالدان على تأثر الأطفال على أنفسهم وعلى الوالدين. وهذا النوع من النظام يساعد الأطفال على تكامل قدرتهم على المشاركة الوجدانية مع معرفتهم كيف يؤثر سلوكهم على الآخرين. "Stwaert& Koch 1983 327- 328
جـ- الاستقراء lnduction وهذا يتضمن التفسيرات عن لماذا يغير الأطفال سلوكهم، ولجوء الأطفال إلى الاعتزاز بأنفسهم والافتخار بها وبنبوغهم وتفوقهم واهتمامهم بالآخرين. تلك الأساليب في التربية يتم تقويمها على أساس قدرة الطفل على اتخاذ الأحكام الأخلاقية التي تقوم على المبادئ الخلقية، على إقراره وقبوله المسئولية عن الخطأ والذنب وعلى خبرة الذنب وعلى مقاومة الإغراء "Jencen 1985".
(2/393)

2- جماعة الأقران:
تكون الأسرة في بداية حياة الطفل مسئولة عن تنشئتة الاجتماعية وتعليمه أساليب مجتمعه، فإذا ما ذهب إلى المدرسة يشارك المعلمون الآباء في عملية التنشئة الاجتماعية، وكلما كبر الطفل وزادت مشاركته الاجتماعية، بتفاعله مع الآخرين تحتل جماعة الأقران مركزًا هامًا في التأثير على سلوكه، إذ يصبح هؤلاء الأقران وسيلة لإظهار التقبل أو النبذ، وبالتالي الإثابة أو العقاب وتشكيل سلوك الطفل في الاتجاه الذي ترغبه الجماعة، ومع مده بالنموذج الذي يجب عليه أن يحتذيه إلا أننا يجب أن نشير إلى أنه بالرغم من أهمية جماعة الأقران في تشكيل سلوك الطفل إلا أن تأثير هذه الجماعة لا يحل محل دور الآباء والمعلمين وغيرهم من الكبار إلا بعد بلوغ الفرد سن النضج. وتتم عملية التحول تدريجيًا من الوقوع تحت تأثير الآباء إلى الوقوع تحت تأثير الأقران. وتوجد بذور الانصياع "الامتثال" لضغوط الأقران في الاعتماد الأولى للطفل على الأم، وكلما كبر الطفل زادت حاجته للانتماء لجماعة الأقران مجزيًا ومثيبًا والابتعاد عنهم فيه عقوبة، ويمتص الطفل معايير جماعة الأقران ثم يحكمها في نفسه. ويميز رايسمان Reisman بين ثلاثة أنواع من الناس حسب مدى الانصياع للآخرين والضبط الاجتماعي للسلوك وهذه الأنماط هي:
1- الأشخاص الذين توجههم التقاليد، وهؤلاء الذين تتحكم في سلوكهم المعايير الاجتماعية والعرف.
2- الأشخاص الذين يتحكم في سلوكهم ضبط داخلي أساسه المعايير الشخصية.
3- الأفراد الذين يتوقف سلوكهم على توجيه الآخرين لهم أي الجماعة التي يجد نفسه فيها. ويرى كولمان Coleman "1971" أن جماعة الأقران تحقق ثلاث وظائف تؤثر في شخصية الطفل:
أ- معظم جماعات الرفاق تنقل ثقافة المجتمع إلى الطفل بصفة عامة، فهذه الجماعات تعكس مجتمع الكبار وتدعم معظم معتقداته وقيمه وأنماط السلوك السائدة فيه.
(2/394)

ب- يعمل عالم الأقران كما لو أنه محك مراجعة للواقع، فإذا كانت الأسرة مثلًا تتبع في تنشئة الطفل أسلوب يقوم على التدليل والحماية الزائدة، فإنه يتعرض لصعوبات في التوافق مع الأقران الذين يواجهونه بعدم تقبلهم له بشكل صريح أو حتى بشكل فظ. وغالبًا ما يتعرض هذا الطفل من الأقران لأحكام ناقدة أو ساخرة لسلوكه غير المرغوب بالنسبة لجماعتهم. لذلك كثيرًا ما يكون لعالم الأقران تأثير تقويمي أو ترشيدي لسلوك الطفل.
جـ- تساعد جماعة الأقران الأطفال على أن يحققوا الاستقلال الانفعالي وخاصة في مرحلة المراهقة. وجماعة الأقران تتيح الفرصة للطفل ليتعلم كيف يتفاعل مع زملائه في السن، وكيف يعالج ما يشعر به من كراهية أو عداوة وما يرغب فيه من سطيرة، وكيف يتعلم التواصل مع الآخرين بالأخذ والعطاء والاحترام المتبادل، وكيف يتبادل الأدوار في الجماعة بالقيادة أو التبعية، وهكذا يتعلم الطفل من تفاعله مع أقرانه بعض مهارات التعامل الاجتماعي مع الآخرين وفي مقدمتها الإدراك والفهم الوجداني للآخرين Empathy وتقدير مشاعرهم والتعاطف الوجداني معهم Symathy وفي الواقع فإن تأثر جماعات الأقران على الأحكام الأخلاقية لدى الأطفال وفي مرحلة المراهقة بالغ الأهمية، وهذا ما كشفت عنه دراسات بيك وهافجهرست "1960".
إن جماعات الأقران تمنح الثواب والعقاب لأعضائها قياسًا إلى سلوكهم الخلقي: فأولئك الذين يبدون أمانة ومسئولية وإخلاصًا وودًا وانضباطًا "ذاتيا" يلقون إثابة ... وتوفر جماعة والأقران أساسًا لتعلم الولاء الاجتماعي، فلما كانت جماعة الرفاق هي أول جماعة اجتماعية يقابلها خارج أسرته، فإنها تميل إلى أن تحدد اتجاهاته نحو الجماعة الاجتماعية بصفة عامة. ويتوقف ولاء الفرد للوطن والمجتمع المحلي وللجماعة المهنية أو جماعة العمل إلى حد ما على تعلم الولاء للجماعات الأصغر وفي مقدمتها الأسرة وجماعة الأقران. وتساعد جماعات الأقران الطفل على أن يتبنى أساسًا سليمًا للسلوك الخلقي، ويعني الأساس السليم
(2/395)

مجموعة القيم والعادات الخلقية التي تكون مترابطة ومتسقة فيما بينها والتي تخضع للمراجعة والتعديل وفقًا للخبرة. وعادة ما تعمل جماعة الأقران على تدعيم وتقوية الأحكام والمعايير الخلقية التي يكتسبها الطفل من والديه وتلقى استحسانًا اجتماعيًا. ويميل الأفراد في مرحلة المراهقة إلى أن يبدو إعجابهم واحترامهم وإثابتهم بدرجة كبيرة لنفس السلوك الخلقي الذي يأتي بين الأعضاء الموقرون في مجتمع الكبار: أباؤهم ومعلموهم "Peck & Hauigharsit 1960"
(2/396)

3- الأفكار الدينية والدين:
من ضوابط التنشئة الاجتماعية وعواملها ما يسود المجتمع من معتقدات دينية ومعايير اجتماعية للسلوك المقبول اجتماعيًا في مجتمع من المجتمعات والتي يتم غرسها في الطفل منذ أن تتفتح عيناه على الحياة بالدعاء له أو الدعاء عليه، والدعاء له يعني الاستعانة بالقوة الإلهية لمكافأته وإثابته، بينما الدعاء عليه يعني الاستعانة بهذه القوة للانتقام منه وعقابه. فمن المألوف في ثقافتنا مثلًا أن يسمع الطفل الدعاء له بأن يحميه الله ويحفظه ويرد عنه عين الحاسدين، ويسدد خطاه، ينصره على الأعداء ويهيئ له النجاح، كما يسمع استعداء الله عليه بأن ينتقم منه إذا فعل شرًا ويوذيه، ويسلط عليه من هو أقوى منه وما إلى ذلك. ولما كان الإنسان لديه القدرة على توقع الخير أو الأذى قبل أن يحدث أي فهمها، فهو يؤجل إشباع حاجاته توقعًا للإشباع المؤجل وهذا يمثل ناحية من نواحي الضبط السلوكي. فإذا أدت الصدفة إلى تحقيق خير يأتيه عزا هذا إلى الله أو القوة الغيبية وإذا أتاه شر عزاه أيضًا إلى نفس القوة التي تمنح وتمنع وتكافئ وتعاقب. ويبدو أن توقع الشر أقوى لدى الكثيرين من توقع الخير مما يولد القلق ويصبح هذا مصدرًا من مصادر ضبط السلوك. "سعد جلال، 1985، 157".
(2/396)

المراجع:
1- إبراهيم قشوش: محاضرات في علم النفس النمائي "غير منشورة"، كلية التربية جامعة عين شمس، 1988.
2- أحمد زكي صالح: علم النفس التربوي، طـ10، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1974.
3- أحمد عزت راجح: أصول علم النفس، القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 1978.
4- أحمد عكاشة: الطب النفسي المعاصر، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1980.
5- أحمد محمد المعتوق: الحصيلة اللغوية أهميتها، مصادرها، وسائل تنميتها، سلسلة، عالم المعرفة رقم "212"، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1996.
6- آمال صادق، فؤاد أبو حطب: نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين، القاهرة،: مركز التنمية البشرية والمعلومات، 1988؟
7- أنيسة حسن وآخرون: دليل معلمة رياض الأطفال، ط1، بغداد: المؤسسة العراقية للدعاية والطبع، 1977.
8- برنار فوازو: نمو الذكاء عند الأطفال، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1976.
9- جان بياجيه: اللغة والفكر، ترجمة أحمد عزت راجح، القاهرة: المكتبة المصرية، 1954.
10-
________
: التطور العقلي لدى الطفل، ترجمة سمير علي، طـ1 بغداد: مطبعة العاني، 1986.
11- جمعه سيد يوسف: سيكولوجية اللغة والمرض العقلي، سلسلة عالم المعرفة "145"، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990.
(2/397)

12- جوزال عبد الرحيم: المناخ الابتكاري للروضة وعلاقته بسلوكيات اللعب الاجتماعي المعرفي والابتكاري لطفل الروضة، مجلة الإرشاد النفسي، 1997، العدد "7"، 89-204.
13- جون بولبي: رعاية الطفل وتطور الحب، ترجمة: محمد خيري وآخرون، القاهرة: دار المعارف بمصر، 1959.
14-
________
: سيكولوجية الانفصال دراسة نقدية لأثر الفراق على الأطفال، ترجمة: عبد الهادي عبد الرحمن، بيروت: دار الطليعة، 1991.
15- جون كونجر، بول موسن، جيروم كيجان: وسيكولوجية الطفولة والشخصية، ترجمة: أحمد عبد العزيز سلامة، جابر عبد الحميد جابر، القاهرة: دار النهضة العربية: 1987.
16- حامد عبد السلام زهران: علم النفس النمو، القاهرة: عالم الكتب، 1975.
17-
________
: علم النفس الاجتماعي القاهرة: عالم الكتب: 1976.
18- حامد عبد العزيز الفقي: دراسات في سيكولوجية النمو، الكويت: دار القلم، 1977.
19- حسن مصطفى عبد المعطي: علاقة النمو النفسي الاجتماعي بنمو التفكير الخلقي لدى المراهقين والراشدين، مجلة كلية التربية جامعة طنطا، العدد "14"، 1991، 312-368.
20-
__________
: التنشئة الأسرية وأثرها في تشكيل الهوية لدى الشباب الجامعي، مجلة التربية جامعة طنطا، العدد "14"، 1991، 233-277.
21-
________
: علم النفس الإكلينيكي، القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر، 1988.
22- دوجلاس توم: توجيه المراهق، ترجمة: جابر عبد الحميد جابر، القاهرة دار النهضة العربية، 1974.
23- ريتشارد م. سوين: علم الأمراض النفسية والعقلية، ترجمة: أحمد عبد العزيز سلامة، القاهرة: دار النهضة العربية، 1979.
(2/398)

24- سرجيو سبيني: التربية اللغوية للطفل، ترجمة: فوزي عيسى، عبد الفتاح حسن، مراجعة وتقديم: كاميليا عبد الفتاح، القاهرة: دار الفكر العربي، 1991.
25- سعد جلال: المرجع في علم النفس، القاهرة: دار الفكر العربي، 1985.
26-
_________
: الطفولة والمراهقة، القاهرة: دار الفكر العربي، 1985.
27- سعدية بهادر: في سيكولوجية المراهقة، طـ1 الكويت: دار البحوث العلمية، 1980.
28-
________
: علم نفس النمو، الكويت: دار البحوث العلمية، 1981.
29- سلوى عبد الباقي: اللعب بين النظرية والتطبيق، طـ2، القاهرة: بيت الخبرة الوطني، 1992.
30- سليمان الخضري الشيخ: البحوث النفسية في التفكير الخلقي، الندوة الدولية عن التربية والمستقبل، القاهرة: كلية التربية، جامعة عين شمس، 20-22/ 3/ 1983.
31-______: دراسة في التفكير الخلقي للمراهقين والراشدين، القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1983.
32- سهير محمد سلامة شاش: أثر اللعب الجماعي الموجه في تحسين الأداء اللغوي لدى الأطفال المتخلفين عقليًا، رسالة ماجستير "غير منشورة" كلية التربية، جامعة الزقازيق، 1998.
33- سوزان أيزكس: نفسية الطفل في السنوات الخمس الأولى، ترجمة: سمير أحمد فهمي، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968.
34-
__________
: الحضانة، ترجمة: سميحة أحمد، طـ2، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968.
35- صالح الشماع: ارتقاء اللغة عند الطفل من الميلاد إلى السادسة، القاهرة: دار المعارف بمصر، 1962.
36- طاهرة عيسى خلف: خصائص الشخصية المرتبطة بالقبول والرفض الاجتماعي لدى طلبة المرحلة المتوسطة والثانوية في بغداد، رسالة ماجستير "غير منشورة"، كلية التربية جامعة، بغداد، 1979.
(2/399)

37- طلعت حسن عبد الرحيم: الأسس النفسية للنمو الإنساني، ط3، الكويت: دار القلم، 1990.
38- طلعت منصور، عادل عز الدين الأشول: مذكرات في علم نفس النمو، "غير منشورة"، كلية التربية، جامعة عين شمس، 1976.
39- طلعت منصور، حليم بشاي: دارسات ميدانية في النضج الخلقي عند الناشئة في الكويت، الكويت: منشورات مجلة العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت، 1982.
40- طلعت منصور، فيولا الببلاوي: مذكرات في علم نفس النمو، "غير منشورة" كلية التربية، جامعة عين شمس، 1986.
41- عادل عبد الله محمد: علاقة النمو المعرفي بنمو التفكير الخلقي لدى تلاميذ مرحلة التعليم الأساسي، رسالة ماجستير "غير منشورة" كلية التربية جامعة الزقازيق، 1985.
42-
_________
: نمو التفكير الخلقي عند الجانحين، رسالة دكتوراه "غير منشورة"، كلية التربية. جامعة الزقازيق، 1988.
43-
_________
: النمو العقلي للطفل، القاهرة: الدار الشرقية، 1990.
45- عادل عز الدين الأشول: علم النفس النمو، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1982.
46- عبد الباسط متولى خضر: دراسة العلاقة بين المستوى الثقافي للأسرة والمستوى اللغوي للأطفال، رسالة ماجستير "غير منشورة"، كلية التربية، جامعة عين شمس، 1983.
47- عبد الحميد محمد الهاشمي: علم النفس التكويني أسسه وتطبيقاته من الولادة إلى الشيخوخة، جدة: دار المجمع العلمي، 1980.
48- عبد الرحمن سيد سليمان: نمو الإنسان في الطفولة والمراهقة، القاهرة: دار زهراء الشرق، 1997.
(2/400)

49- عبد العزيز القوصي: أسس الصحة النفسية، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1981.
50- عبد العزيز عبد الحميد: اللغة العربية، أصولها وطرق تدريسها، القاهرة: دار المعارف، 1979.
51- عبد المنعم المليجي: النمو النفسي، القاهرة، مكتبة مصر، 1987.
52- عثمان لبيب فراج: أضواء على الشخصية والصحة العقلية، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1970.
53- عدنان حسين خضير: علاقة القبول الاجتماعي ببعض المتغيرات المدرسية لطلبة المدارس الثانية، رسالة ماجستير "غير منشورة"، كلية التربية، جامعة بغداد 1982.
54- علاء الدين كفافي: الصحة النفسية، ط3، القاهرة: دار هجر الطباعة والنشر والإعلان، 1990.
55-______: علم النفس الارتقائي: سيكولوجية الطفولة والمراهقة، القاهرة، مؤسسة الأصالة، 1997.
56- علي عبد الواحد وافي: نشأة اللغة عند الإنسان والطفل، طـ1، القاهرة: دار الفكر العربي، د. ت.
57- غسان يعقوب: تطور الطفل عند بياجيه، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1980.
58- فاروق السيد عثمان: سيكولوجية اللعب والتعلم، القاهرة: دار المعارف، 1995.
59- فالنتين: الطفل الطبيعي، ترجمة: محمد خليفة بركات، يوسف ميخائيل أسعد، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1970.
60- فايز قنطار: الأمومة نمو العلاقة بين الطفل والأم، سلسلة عالم المعرفة "166" الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992.
61- فخري الدباغ: أصول الطب النفسي، بيروت: دار الطليعة، 1983.
(2/401)

62- فؤاد البهي السيد: الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة، القاهرة: دار الفكر العربي، 1978.
63- فؤاد أبو حطب: القدرات العقلية، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1973.
64-
_______
: التحليل العلمي للسلوك الخلقي، الكتاب السنوي في التربية وعلم النفس، القاهرة: عالم الكتب، 1973.
65- فوقية حسن عبد الحميد: أثر القصص على بعض جوانب النمو اللغوي لدى طفل ما قبل المدرسة، رسالة ماجستير "غير منشورة"، كلية التربية جامعة الزقازيق، 1983.
66- فيصل محمد خير الزراد: اللغة واضطرابات النطق والكلام، الرياض: دار المريخ، 1990.
67- كلير فهيم: الاضطرابات النفسية للأطفال، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1993.
68- كمال دسوقي: علم النفس ودراسة التوافق، ط1، بيروت: دار النهضة العربية، 1976.
69-
_________
: النمو التربوي للطفل والمراهق، طـ1 بيروت: دار النهضة العربية، 1979.
70-
_________
: ذخيرة علوم النفس، القاهرة: الدار الدولية للنشر والتوزيع، 1990.
71- ليلى كرم الدين: اللغة عند الطفل، تطورها، ومشكلاتها، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1990.
72- ل. س فيجو تسكي: التفكير واللغة، ترجمة: طلعت منصور، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1976.
73- ماريا بيرس، جنيفيف لاندو: اللعب ونمو الطفل، ترجمة: عبد الرحمن سيد سليمان، شيخة يوسف الدربستي، القاهرة، دار النهضة العربية، 1996.
74- ماريو باي: لغات البشر، أصولها وطبيعتها، ترجمة: صلاح الدين العربي، القاهرة، قسم النشر بالجامعة الأمريكية، 1970.
(2/402)

75- محمد أحمد غالي، رجاء محمود أبو علام: القلق وأمراض الجسم، دمشق: مطابع الحلبوني، 1974.
76- محمد خالد الطحان، سيد محمود الطواب، نبيل علي محمود: أسس النمو الإنساني، ط2، دبي: دار القلم، 1989.
77- محمد رفقي محمد فتحي: جان بياجيه بين النظرية والتطبيق، القاهرة: دار المعارف، 1981.
78-
_______
: في النمو الأخلاقي، النظرية البحث التطبيق، الكويت: دار القلم، 1983.
79-
_______
: سيكولوجية اللغة والتنمية اللغوية لطفل الرياض، الكويت: دار القلم، 1987.
8-- محمد السيد عبد الرحمن: نظريات الشخصية، القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر، 1998.
81-
________
: نظريات النمو، دروس في علم نفس النمو المتقدم، الزقازيق، كلية التربية، جامعة الزقازيق.
82- محمد عبد الظاهر الطيب وآخرون، الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة، إشراف ومراجعة، عزيز حنا داود، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1981.
83- محمد علي الربيعي: الوراثة والإنسان، أساسيات الوراثة الطبية والبشرية، سلسلة عالم المعرفة "100"، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1986.
84- محمد عماد الدين إسماعيل: كيف نربي أطفالنا، القاهرة: دار النهضة العربية، 1974.
85-
_______
: النمو في مرحلة المراهقة، ط1، الكويت: دار القلم، 1982.
86-
_______
: في علم النفس النمائي، ط1، الكويت: دار القلم، 1982.
87- ______: الأطفال مرآة المجتمع، سلسلة عالم المعرفة "99"، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1986.
(2/403)

88-
________
: الطفل من الحمل إلى الرشد، الجزء الأول "السنوات الست الأولى"، الكويت: دار القلم، 1989.
89- محمود عطا حسين عقل: النمو الإنساني، الطفولة والمراهقة، الرياض: دار الخريجي للنشر والتوزيع، 1992.
90- محي الدين توق: المستوى الاقتصادي الاجتماعي والترتيب الولادي وتأثيرهما على النمو الخلقي عند عينه من الأطفال الأردنيين، دراسة تجريبية، مجلة العلوم الاجتماعية، الكويت، السنة الثامنة، ع3، 1980.
91- محي الدين توق، سعادات أرناؤوط: العلاقة بين النمو المعرفي والأحكام الأخلاقية لدى عينة من الأطفال الأردنيين، مجلة العلوم الإنسانية، الكويت: ع 18، مجلد "5" 1985.
92- مصطفى أحمد زكي: الرعاية الوالدية وعلاقتها بشخصية الأبناء، الكويت: دار النهضة العربية، 1974.
93- مصطفى فهمي: سيكولوجية الطفولة والمراهقة، ط5 القاهرة: دار مصر للطباعة والنشر، 1979.
94-
________
: مصطفى فهمي التوافق الشخصي الاجتماعي، القاهرة: الخانجي، 1979.
95- مصطفى ناصف: اللغة والتفسير والتواصل، سلسلة عالم المعرفة "193"، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1995.
96- ملاك جرجس: للأطفال مشاكل نفسية، القاهرة: كتاب اليوم الطبي، 1984.
97- منيرة أحمد حلمي: مشكلات الفتاة المراهقة وحاجاتها الإرشادية، القاهرة: دار النهضة العربية.
98- موفق الحمداني: اللغة وعلم النفس، الموصل: دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 1982.
99- نجوي محمد زكي العدوي، أثر الأسرة في نمو الحكم الخلقي عند الأطفال، رسالة دكتوراه "غير منشورة"، كلية الدراسات الإنسانية، جامعة الأزهر، 1982.
(2/404)

100- نجيب إسكندر إبراهيم: الاتجاهات الوالدية في تنشئة الطفل، القاهرة: دار المعرفة، 1959.
101- هادي نعمان الهيتي: ثقافة الأطفال، سلسلة عالم المعرفة "123"، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1988.
102- هدى برادة، فاروق صادق: علم نفس النمو، القاهرة: وزارة التربية والتعليم، 1986.
103- هدى محمد قناوي: الطفل تنشئته وحاجاته، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1984.
104-
_________
: الطفل ورياض الأطفال، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1992.
105-
_________
: دليل رياض الأطفال، ط2، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1982.
106-
__________
: الطفل وألعاب الروضة، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1995.
107- هنري و. ماير: ثلاث نظريات في نمو الطفل، ترجمة: هدى محمد قناوي، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1981.
108- هول ك، لندزي: نظريات الشخصية، ترجمة فرج أحمد وآخرون، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1970.
109- يوسف ميخائيل أسعد: الشباب والتوتر النفسي، القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر، 1978.
110- يوسف ميخائيل أسعد مالك مخول: مشكلات الطفولة والمراهقة، بيروت: منشورات دار آفاق جديدة، 1982.
111- وليد خضر الزند: المفردات الشائعة لدى أطفال مرحلة التمهيدي في بغداد، رسالة ماجستير "غير منشورة"، كلية التربية جامعة بغداد: 1986.
(2/405)

112- يونس صالح الجنابي: الذخيرة اللغوية لتلاميذ الصفين الخامس والسادس الابتدائي في بغداد، رسالة ماجستير "غير منشورة"، كلية التربية، جامعة بغداد: 1983.
113- Abramovitch, R., Covter, C, Pepler, D. J. & Stanhope, L.:
Sibling and peer interaction: A final follow-up and comparison, Child Development, 1986, 47, 217-229.
114- Acredolo, L.P. & Hake, J.L.: Infant perception. "In" B.B.
Wolman "Ed.", Handbook of developmental Psychology. Englewood cliffs, NJ: Prentice Hall, 1982.
115- Ainsworth, M.D.S.; The development of infant-mother
interaction, "in" B.M. Foss "Ed.", Determinants of infant behavior, Vol. 2, New York: Wiley, 1973.
116- Alsaker, F.D.; Pubertal timing, overwight and Psychological
adjustment. J. of Early Adolescence, 1992, 12,396-419.
117- AndersomN.: Socio-economic status and health. Paper presentad
at the meeting of the American Psychological Society, San Francisco, 1996 "June".
118- Arnold, M. B, Feelings and emotions. New York: Academic
Press, 1970.
119- Aronfreed, J.: Conduct and Conscience. New York: Academic
Press, 1968.
120- Ausubel, D.P., Theory and Problems of adolescent development.
New York: Grune and Stratton, 1954.
121- Ayres, A.J., Sensory integration and learning disorders. Los
Angeles: western Psychological Services, 1972.
122- Azmitia, M. & Hesser, J., why siblings are important agents of
cognitive development: A Coparison of siblings and peers child Development, 1993, 64, 430-444.
123- Bandura, A.; Social learning theory of identificatory Processes.
Chicago: Rand McNally, 1969.
(2/406)

124- Bakeman, R. & Brown, J.V.: Early interaction: Consequences for
social and mental development at three years. Child Development, 1980, 51, 437-447.
125- Baskett, L.M. & Johnson, S.M.: The Young child's interaction
with parents versus siblings. Child Development, 1982, 53,642-650.
126- Baumrind, D.: Current Patterns of parental authority.
Developmental Psychology Monograph, 1971,4, 1, pt.2".
127- Bayley, N.: Decelopment of mental abilities, "in" P.H. Mussen
"Ed." Manual of Child Psychology "3rd. ed., vol.1.", New York: Wiley., 1970.
128- Becker, W.C.; Consequences of different kinds of Parental
discipline, "in" M.L. Hoffman "Ed.": Review of child development Research. New York: Russel Sage Fundation, 1964, 35, 371-396.
129- Bell, R.R. & Chaskes, J.B.; Premarital sexual experiences among
coeds, 1958 and 1968. J. of Marriage and Family, 1970,32, 81-84.
130- Bern, S.L.: Gender sehema theory: A cognitive account of sex-
typing.. Psychological Review, 1981, 89, 354-364.
131- Benson, D. F. & Geschwind, N.; Cerebral dominance and its
disturbances. Pediatric of North America, 1968, 15, 759-769.
132- Berlin, L.: Attachment and emotions in preschool Children.
Paper presented at the biennial meeting of the Society for Research in child Development, New Orleans, 1993 "March".
133- Birch, H.G. & Bitterman, M.E.; Sensory integration and
cognitive theory. Psychological Review, 1981, 58, 355-361.
134- Birch, H.G. & Lefford, A.; Intersensory development.
Monographs of the society for Research in child Development, 1983, 28.
(2/407)

135- Bower, T.G.R.; The visual world of infants. Scientific American,
1966,215,80-92.
136- Bowlby, J.; Attachment and loss: Separation. New York: Basic
Books, 1973.
137- Brady, J. V.; Emotion: Some Conceptual Problems and
Psychophyisological experiments, "in" M.B. Arnold "Ed.", Feelings and emotions. New York: Academic Press, 1970, 69-100.
138- Brain, M. D. S; Children's First word Combinations. Mongraphs
of the society for Research in child Development, 1985,41,
139- Brisbane, H.E.; The developing child. Illionis: Bennett & Mc
Knight Publishing co., 1985.
140- Brazelton, R.B., Neonatal behavioral assessment Scale Suffolk:
Lavenham; Philadephia: Lippincoot, 1973.
141- Buffrery, A.W.; An automated techique for the study of
development of cerebral mechanisms subserving linguistic skills. Proceeding of the Royal society of Medicine, 1971, 64, 191-192.
142- Calder, N. The mind of man. New York: viking, 1970.
143- Campos, J.J. Langer, A. & Krowitz, A.; Cardiac responses on the
visual cliff in Prelocomotor Infants. Science, 1970, 170, 196-197.
144- Case, R.: Intellectual development: A systemtic re-interpretation.
New York: Academic Press, 1985.
145- Castaned, A., Mc Candless, B.R. & Palumo, D.S.; The children's
Forms of Manifest Anxiety Scale. Child Development, 1956,27,317-326.
146- Charlesworth, R.: Understanding child development "2nd ed."
Albany, Ny: Delmays 1987.
147- Chi, M.T.,: Knowledge Structures and memory development, "in"
R.s. Siegler "Ed.", children's thinking: What develops? Hillsdale, NJ: Erlbaum, 1978.
(2/408)

148- Connell, B.; Individual differences in infant attachment behavior:
Relationships to response to redundant and novel stimuli. Master's Thesis, Syracus university, 1977.
149- Corballis, M.C. & Beale, I.L.; On telling left from right.
Scientific American, 1971, 224, 96-104.
150- Crick, M.: Explanations in language and meaning: Toward a
scientific anthropology, New York: Halstead, 1977.
151- Dasen, P.R.: Are Cognitive processes universal? A contribution
to Cross- Cultural Piagetian psychology. "In" N. Warran "Ed."; Studies in cross-cultural Psychology "vol.1", London: Academic Press, 1977.
152- Deutsch, F.; Observational and Sociometric measurs of Peer
Popularity and their relationships. Developmental Psycho. 109, 1974, 10, 745-747.
153- Eisenberg, R.B., Coursin, D.O. & Rupp., H.R.; Habituation to an
acoustic Pattern as an index of Auditory Research, 1966,6,239-249. *
154- Elder, G; The life course and human development "In" W.
Damon "Ed.", Handbook of child Psychology, New York: Wiley, 1991.
155- Engen, T., Lipsitt, L.P. & Kaye, H.; Olfactory responses and
adaption in the human neonate. J. of Comparative and Phisiological Psychology, 1963, 56, 73-77.
156- Emde, R.N., Gaensbauer, J.G.& Harmon, R.J.: Emotional
experssion in infancy: A biobehavioral Study. Psychological Issues: Monograph Series, 1976, 10, 37.
157- Eskerman, CO., Whatley, J.L. & Katz, S.L.; Groth of social Play
with peers during the Second Year of life. I Development, 1975, 11, 42-49.
158- Fantz, R.L.; The origin of form perception, Science, 1985, 204,
66-72.
159- Feinberg, M.R., Smith, M. & Schmidt, R.; An analysis of
expressions used by adolescents of varying economic
(2/409)

levels to describe accepted and rejected Peers. J. of Genetic Psychology, 1987, 93, 133-148.
160- Filed, T.: Imfancy. Cambridge, M. A: Harfard university Press,
1990.
161- Flavell, J.H.: Cognitive development: Past, Present, and future.
Developmental Psychology, 1992, 28, 998-1005.
162- Freedman, D.G. & Keeler, B.; Inheritance of behavior in infants.
Science, 1963, 140, 196-198.
163- Fuller, J.L. & Thompson, W.R.; Behavior genetics. New York:
Wiley, 1960.
164- Gazzaniga, M.S.; The bisected brain. New York: Appleton
century. Crofls., 1970.
165- Gelman, R. & Au, T.K.: Perceptual and cognitive development
"2nd ed". San Deigo: Academic Press, 1996.
166- Gesell, A.L.; The Ontogenesis of infant behavior "in" L.
Carmichael "Ed.": Manual of child Psychology, 2ed. Edition. New York: Harper & Row, 1958.
167- Ghent- Braine, L.; Age changes in the mode of Perceving
geometric forms. Psychonomic Science, 1985, 2, 155-156.
168- Gibson, E.J.; Principles of Perceptual learning and development.
New York: Appleton- Cerury- Crofts, 1989.
169- Gorman, A.: Developmental Pschology, New York: D. Van
Nostaro Co., 1980.
170- Gormly, A.V.; Life-Span Human development, "6th ed", New
York: Harcourt Brace College Publishers, 1997.
171- Haff, R.A. & Bell, R. Q; A facial demension in visual
descrimination by human infants. Child Development, 1967,38, 893-899.
172- Kagan, J. & Klein, R.E.; Cross-cultural Perspectives on early
development. American Psychologyst, 1973, 28, 947-961.
(2/410)

173. Kagitcibasi, C; Human development across cultures. Hillsdale, NJ: Erlbaum, 1996.
174- Haith, MM. & Campos, J.J.; Human infancy, "in" M.R. Rosenzweig & L.W. Porter "Eds.": Annual Review of Psychology, 1977, 28, 251-293.
175- Harlow, H.F. & Zimmerman, R.R.; Affectional respomses in the
ihrant monkey. Science, 1959, 130, 421-432.
176- Harris, M.B. & Siebel, C.E.; Affect, aggression and alreuism.
Developmental Psychology, 1957, 11,623-459.
177- Harris, P.L., Children and emotion. London: Basil Blackwell,1989.
178- Hattwick, L.A. & Sanders, M.K.; Age differences in behavior at the nursery school level. Child Development, 1973, 9, 27-47.
179- Hess, E.; Ethology and developmental Psychology, "in" P.H. Mussen "Ed.": Carmichael's Manual of child Psychology, New York: Wiley, 1970.
180- Hoffman & Satlzstein, H.; Parent dissipline a*nd child's moral development, J. of personality and social Psychology, 1967,5,45-57.
181- Ingram, D.; Cerebral Speech lateralization in young children. Neuropsychologia, 1957, 13, 103-105.
182- Izard, C.E.; Measuring emotions in infant and young children. New York: Cambredge university Press.
183- Jeffrey, W.; The orienting reflexs and attention in cognitive development. Psychological Review, 1968, 75,323-334.
184- Jensen, L.; Adolessence: Theories, eresearch, applications. New York: West Publishing Co., 1985.
185- Lerner, M. & Spanier, B.; Adolescent development; A life-span perspective. New York: Mc Graw Hill book co., 1980.
186- Jones, H.E. & Jones, M.C.; A study of fears. Childhood Education, 1968, 5, 136-143.
(2/411)

صورة اسكنر
(2/412)

198- Lourenceco, O., & Machado, A.; In defense of Piaget's theory: A replay -to 10 common criticisms. Psychological Review, 1996, 103, 143-164.
199- Maccoby, E.E.; Social development. San Digo: Harcourt Brace Jovanovich, 1980.
200- Magai, C. & Mc Fadden, S.H.; The role of emotions in social and Personality development. New York: plenam Press.
201- Martin, B.; Parent-child relations, "in". F.D. Horowitz "Ed."
Review of child Development Research, vol.4., Chicago, university of Chicago Press, 1975.
202- Mandler, J.M. A new perspective on Cognitive development in infacy. American Scientist, 1990, 78, 236-243.
203- Mc Carthy, D.; Language development in children "in" L. Carmichael "Ed."; Manual of child Psycology, New York: John wiley & son, 1954, 492-630.
204- Mc Graw, M.B.; Development of neuromuscular mechanisms as exemplified in the achievement of erect locomotion. J. of Pediatrics, 1940. 17, 747-771.
205- Meyer, W.J. & Dusekk, J.B.; Child Psychology: A developmental perspective. Massachusetts: D.C. Heath and Co. 1979.
206- Mischel, W.& Mischel, H.N.; sex-typing and socialization "in"
P.H. Mussen "Ed." Carmichael's manual of child Psychology, New York: Wiley, 1970.
207- Moore, N. V., Evertson, CM. & Brophy, J.E.; Solarity Play: Some functional considerations. Developmental Psychology, 1974, 10, 830-834.
208- Nelson, K.E. & Reger.Z.; Children's Language, vol. 8, Hillsdale, N.J.; Erbaum, 1995.
209- Obermeyer, J.; The relationship between moral development and role-laking during the years 10-20. MA. Diss. The American university of Beirut, Lebanon, 1973.
210- Olson, D.R.; Cognitive development: The child acquisition of diagonality. New York: Academic Press, 1970.
(2/413)

211- ---------; Piaget's theory, "in" P.H. Mussen "ed", Manual of child
psychology "3rd ed", vol.1, New York: Wiley.
212- Parke, R.D. & Collmer, C.W.; Dild abuse: An interdisciplinary
analysis, "in" E.M. Hetherington "Ed.": Review of child Development Research, Vol. 5, Chicago: university of Chicago Press, 1975.
213- Parten, M.B.; Social Participation among per-school children. J.
of Abnormal social Psychology, 1952, 27, 243-269.
214- Plomin, R. De Fries, J.C., Mc Clearn, G.E. & Rutter, M.;
Behavioral genetics. "3d.ed", New York. W.H. Freeman, 1997.
215- Pukea, B.; Toward the redevelopment of kohlberg's theory:
Preservstructure, remoiving Controversial Content. "In". W.M. Kurtines & J. Gewirtz "Eds.", Moral behavior and development: Advances in theory, research, and application. Hillsdale, H.J. Erlbaum, 1991.
216- Rardin, U.R. & Moan, C.E., Peer interaction and cognitive
development. Child Development, 1971, 42, 1685-1699.
217- Ratner, N.B.; A typical language development. "In" J.B. Gleason
"Ed.", The development of language "3re ed". New York: Macmillan.
218- Reese, H. W. & Lipsitt, L. P.; Experimental child Psychology.
New York: Wiley, 1970.
219- Rest, J.R.; Moral development: Advances in theory, research, and
application, New York: Praeger.
220- Rice, M.L.; Children's language acquisitaon. American
Psychologyist, 1989, 44, 149-156.
221- Roberts, W. & Strayer, J.; Empathy, emotional expressiveness
and prosocial behavior. Child development, 1996, 67, 471-489.
222- Roher, R.P.& Rohner, E.C.; Psrental acceptance-rejection and
(2/414)

parental control: Cross. Cultural Codes. Ethnology, 1981,20,245-260. 223- Rosenberg, M; Society and the adolescent self-image. Princeton, M.J.: Princeton university Press, 1965.
224- Santroch, J.W.; Child development, "8th ed". Englewood cliffs.,N.J: Prentice. Hill.
225- Rubin, K.H.; Relationships between egocentric communication and popularity among peers. Developmental Psychology, 1985, 17, 364.
226- Sanders, K.M. & Harper, L.V., Free-play Fantsy behavior in preschool children: Relations among gender, age, season, and location. Child Development, 1976,47, 1182-1185.
227- Sanson, A. & Rothbart, M.K., Child temperament and Parenting. "in" M.H. Bornstein "Ed.". Handbook of Parenting "vol.4", Hillsdale, N.J.: Erlbaum, 1995.
228- Santroch, J.W.; Child development, "8th ed", New York: Mc GrawHill, 1998.
229- Scarr, S; Best of human genetics. Contemporary Psychology, 1996,41,149-150.
230- Schacter, S.; The assumption of identity and performance of black children adopted by white families. American Psychologist, 1976, 31, 726-739.
231- Schiamberg, L.B.; Child and adolescent development. New York: Macmillan Publishing Co., 1988.
232- Sears, R.R., Rau, L. & Albert, R.; Identification of child rearing. Stanford, cal.: Stanford university Press, 1965.
233- Sells, S.B. & Roff, M.; Peer acceptance-rejection and personality development. New York: Holt, Rinehart & Winston, 1985.
234- Sherif, M., Harvey, O. J., White, B.J. Hood, W.R. & Sherif, C.W.; Intergroup conflict and cooperation: the Robbers Cave experiment. Norman, Okla. university of Oklahoma Press, 1979.
(2/415)

235- Siegel, A.W. & White, S. H.; The development of Spatial representations of large-scale environments, "in": H.W. Reese "Ed.". Advances in child development and behavior, vol. 10. New York: Academic Press. 1989.
236- Siglor, R.S.; Children's thinking "2nd ed.". Englewook cliffs., N.J.: prentice Hall.
237- Singer, J.; The Child's world of make-believe. New York: Academic, Press, 1989.
238- Sommer, B. B., Puberty and adolescence, New York: OxFord univesity press, 1990.
239- Sokolov, Y.N.; Perception and conditioned reflex. New York: Pergamon Press, 1983.
240- Sperry, R.W.; Left-brain, right-brain. Saturday Review, 1975, 30- 33.
241- ----------, Mechanisms of neural maturation "in": S.S. Stevens "Ed."; Handbook of experimental Psychology. New York: wiley, 1971,236-258.
242- Spitz, R.; The first year of life. New York: International university Press, 1965.
243- Sroufe, L.A.; Wariness of Strangers and the study of infant development. Child Development, 1977, 48, 731-746.
244- Staub, E.; Cultural-Societal roots of violence. American Psychologist, 1996, 51, 117-132.
245- Stewart, A. & Koch, J.: Children development through adolescent. New York: John wiley. INC, 1983.
246- Sugarman, B.; The school and moral development. London: Groon Helm LTD, 1973.
247- Tanner, J.M.; Physical grwoth. "in": P.H. Mussen "Ed.": Carmichael's manual of child Psychology, New York: Wiley, 1970.
248- Tronick, E.Z.; Emotions and emotional communication in infants American Psychologists, 1989, 44, 112-119.
249- Turiel, E.; Developmental Processes in the child's moral
(2/416)

thinking, "in" P. Mussen, J. Langer, & M. Covington "Eds.": New Directions in developmental; Psychology. New York: Holt Rinehart and winston, 1969.
250- Walk, R.D.; The devlopment of depth perception in animals and human infants. Monographs of the Society for Research in child development, 1966, 31, 82-108.
251- Walters, R.H. & Park, R.D.; Emotional arousal, isolation, and disctimination learning in children. J. of Experimental child Psychology, 1964, 1, 163-173.
252- Waters, M.C.; Immigrant Families at risk. "In" A.C. Crouter & N. Landale "Eds." Immigration and the family. Mahwah. N.J.: Erlbaum, 1997.
253- Werner, E.E.; Cross. Cultural child development: A view from planet earth. Monterey, Ca: Brooks Cole.
254- White, B.L.; The first three years of life. New York: Prentice Hall, 1990.
255- Wohlwill, J.F.; The study of behavioeral development. New York: Academic Press, 1973.
256- Youniss, J.; Parents and peers in the social environment: A sullivan Piaget perspective. Chicago: university of Chicago Press, 1980.
257- Zangwill, O.L.; Cerebral dominance and it.htm's relation to Psychological Function. London: Oliver and body, 1970.
258- Zaporozhets, A.V. & Zaporozhets, V.; The development of Perception in the perschool child, "in" P. Mussen "Ed." Monographs Of the society for the Research in child Development, 1965, 30, "2" No 100.
259- Zuckerman, M., Sensation Seeking: Beyond the optimal level of arousal. Hillsdale, NJ: Erlbaum, 1979.
(2/417)

فهرس:
الصفحة
7 مقدمة
الفصل الأول: النمو الجنسي
11 أولًا: مرحلة ما قبل الميلاد
11 الفترة الجنينية
13 الفترة الحميلية
15 ثانيًا: مرحلة ما بعد الميلاد:
15 أ- نمو الطول والوزن
20 ب- نمو الوظائف العضوية
20 1- التسنين
23 2- علاقة صحة الطفل بنموه الجسمي
24 3- النوم
25 جـ- نمو العمليات الفسيولوجية
25 1- الجهاز الدوري
26 2- نمو الغدد الصماء
29 3- نمو المخ
44 العوامل المؤثرة في النمو الجسمي
47 دور المربين لتحقيق النمو الجسمي السليم
(2/419)

الفصل الثاني: النمو الحركي
51 مقدمة
52 أولًا: النمو الحركي المبكر
52 - الخصائص العامة للنمو الحركي
53 - مظاهر النمو الحركي المبكر
54 - النضج والتدريب على المهارات الحركية المبكرة
68 ثانيًا: النمو الحركي في سن ما قبل المدرسة
68 - الخصائص العامة للنمو الحركي
69 - خصائص النمو الحركي في سنوات الطفولة المبكرة
75 ثالثًا: النمو الحركي لطفل المدرسة الابتدائية
75 أ- الطفولة المتوسطة
79 ب- الطفولة المتأخرة
80 - النمو غير المنتظم
87 - العوامل المؤثرة في النمو الحركي
91 - دور الوالدين والمربين في رعاية النمو الحركي
93 - خلاصة
الفصل الثالث: نمو الإدراك الحسي
97 - الإدراك الحسي فطري أم متعلم
99 - المبادئ الأساسية للارتباط الشرطي والإدراك
100 - الارتباط الشرطي التقليدي "الكلاسيكي"
101 - الارتباط الشرطي الإجرائي
(2/420)

102 - الاهتمام الإدراكي
104 - التعود
105 - طرق دراسة الانعكاس التوجيهي والتعود
106 - القدرة الحسية المبكرة:
106 - 1- القدرة البصرية
109 - 2- القدرة السمعية
114 - 3- الإحساس التذوقي والشمي
117 - السلوك الإدراكي والنمو
117 1- إدراك الشكل
124 2- إدراك العمق
127 3- ثبات الحجم والشكل
129 4- توجيه المثير
139 - التكامل الإدراكي
139 - النمو فيما بين الحواس
146 5- التمثيل المكاني
149 6- السلوك الإدراكي - الحركي
152 - خلاصة
الفصل الرابع: النمو اللغوي
155 - اللغة ووظائفها
157 - النمو اللغوي المبكر
158 أولًا: مرحلة الاستجابات المنعكسة
161 ثانيًا: مرحلة المناغاة
164 ثالثًا: مرحلة التقليد والاستجابات اللغوية
(2/421)

172 رابعًا: مرحلة الكلام
173 خامسًا: نمو مفردات الطفل
178 - النمو اللغوي لطفل المرحلة الابتدائية
178 أ- نمو المحصول اللفظي
179 ب- نمو التراكيب اللغوية
179 جـ- نمو مهارات الاتصال
180 د- مهارة القراءة
182 هـ- الكتابة
183 - رعاية النمو اللغوي:
183 - رعاية النمو اللغوي لطفل ما قبل المدرسة
185 - التطبيقات التربوية لرعاية النمو اللغوي لطفل الابتدائية
الفصل الخامس: النمو الانفعالي
189 - مقدمة
193 - وجهات نظر في تفسير النمو الانفعالي
194 أولًا: المفاهيم البيولوجية
197 ثانيًا: المفاهيم الثقافية
198 ثالثًا: الإجراءات المعرفية
199 - تطور الاستجابات الانفعالية
199 1- المرحلة الجننينية والمهد
200 2- الانفعال خلال السنة الأولى من العمر
200 3- الانفعال خلال السنة الثانية من العمر
202 4- سنوات الطفولة المبكرة
202 5- مرحلة الطفولة الوسطى والمتأخرة
(2/422)

202 6- مرحلة المراهقة
202 - التباين في نمط الاستجابات الانفعالية
204 - العوامل المؤثرة في النمو الانفعالي
211 - الخصائص المميزة لانفعالات الأطفال:
212 * انفعالات الوليد
215 * ظهور استجابات انفعالية محددة
217 * الانفعالات بعد مرحلة الطفولة المبكرة
218 * العلاقة الوجدانية المعرفية
الفصل السادس: تطور بعض الانفعالات في الطفولة
223 1- الخوف
224 - المخاوف في مرحلة الطفولة المبكرة
229 - الخوف لدى الأطفال الأكبر سنًا
233 - الأسباب الرئيسية للتباين في نمط الخوف
235 - السن وأنواع الخوف
237 - تعلم الخوف
241 - الأنماط الانفعالية المرتبطة بالخوف
241 1- الخجل
242 2- الحرج أو الارتباك
243 3- الانشغال
245 4- القلق:
245 - القلق كسمة
247 - القق كحالة
248 - تأثي القلق
(2/423)

251 2- الغضب:
251 - فهم الغضب
252 - مثيرات الغضب
253 - استجابات الغضب
254 3- الغيرة
254 - مصادر المواقف التي تنشأ عنها الغيرة
258 - استجابات الغيرة
260 4- الأسى
261 5- الانفعالات الإيجابية:
261 أ- حب الاستطلاع
262 ب- الفرح والسرور والابتهاج
264 - تنشيط النمو الانفعالي
266 - السيادة الانفعالية
الفصل السابع: التفاعل بين الوالدين والطفل
271 - مقدمة
272 - الأبحاث المبكرة في أساليب تربية الطفل
274 1- السيطرة الوالدية
277 - سيطرة الوالدين وسلوك الأطفال
281 2- تربية الطفل وإساءة معاملته
281 - تعريف إساة معاملة الطفل
283 - معدل حدوث إساة معاملة الطفل
283 - أسباب إساءة معاملة الطفل
284 - الأسباب التي تدعو الأطفال إلى الشعور بأنهم غير مرغوب فيهم
(2/424)

285 - أثر إساءة المعاملة في سلوك الأطفال
286 3- نمو الارتباط "التعلق" الوالدي
287 - نظريات التعلق:
287 1- نظرية التحليل النفسي
288 2- نظرية التعلم
288 3- التعلق في الحيوانات
290 4- العوامل التطورية
292 - دورة تطور التعلق الاجتماعي
296 - التعلق والاستكشاف
298 - التنشئة الاجتماعية والتعلق الاجتماعي
299 - الأم والتعلق
305 - الأب والتعلق
307 - نتائج التعلق
309 - الانفصال
310 - الدخول إلى المستشفى وقلق الانفصال
314 5- الاعتمادية:
315 - تعريف وقياس الاعتمادية
316 - وسائل تربية الطفل والاعتمادية
318 6- العدوانية:
318 - التعريف
318 - فروق السن والجنس
319 - العدوانية وأساليب تربية الطفل
322 - تقديم النموذج العدوانية
324 - الخلاصة
(2/425)

الفصل الثامن: العلاقة بالأقران
329 - مقدمة
330 - صعوبات دراسة علاقات الأقران
331 - جماعة الأقران واللعب:
331 أ- اللعب الفردي
333 ب- اللعب الجماعي
337 - العوامل المؤثرة في اللعب بين الأقران
341 - تكوين جماعات الأقران
341 - تعريف جماعات الأقران
341 - أنواع جماعات الأقران
342 - تكوين جماعات الأقران
344 - الاختلافات الثقافية في تكوين جماعات الأقران
346 - تقبل الأقران:
348 - عوامل التقبل
350 - الأقران وعملية التطبيع الاجتماعي:
350 1- التوحد
351 1- التوحد
353 2- التعلم
353 3- تعلم الأدوار
354 4- الأقران كمرجع للحقيقة
355 5- الامتثال لمعايير الجماعة
359 6- التعاون
360 7- المشاركة الوجدانية
(2/426)

360 8- التنافس
360 9- العدوان
362 10- الشعبية بين الرفاق
367 - خلاصة
الفصل التاسع: النمو الخلقي
371 مقدمة
373 - اكتساب السلوك والتفكير الخلقي
378 - اكتساب التنظيمية للوالدين والنمو الخلقي
379 * بحث هوفمان وسالتزشتاين
381 * تأييد نتائج دراسة هوفمان وسالتزشتاين
386 * البحوث المعملية
388 - الضوابط الخلقية
391 - مصادر الضبط الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية:
391 1- الأسرة
394 2- جماعة الأقران
396 3- الأفكار الدينية والدين
397 المراجع
(2/427)