Advertisement

روبرت غرين فن الإغواء 1

 روبرت غرين
فن الإغواء
من مؤلف كتاب: «كيف تمسك بزمام القوة»
ترجمة: منير سليمان


فن الإغواء
روبرت غرين: مؤلِّف «كيف تمسك بزمام القوة: ثمان وأربعون قاعدة ترشدك إليها».
يحمل درجة في الأدب الكلاسيكي، وهو يعيش في لوس أنجلس زوروا موقعه الإلكتروني: www.seductionbook.com.
جوست إلفرز: هو منتج كتب استوديو الفايكنج الأكثر مبيعاً «The Secret Language of Birthday»، «Play with your food»، بالإضافة إلى «The Secret language of Relationships».
ويعيش في مدينة نيويورك.


إلى ذكرى والدي


شكر وتنويه
أولًا، أود أن أشكر آنا بيلر لإسهامها التي لا تعد في هذا الكتاب: البحث، المناقشات العديدة، مساعدتها التي تقدر بثمن فيما يتعلق بالنص، وأخيرًا وليس آخرًا، معرفتها بفن الإغواء، الذي كنت الضحية السعيدة له في مناسبات عديدة.
يجب عليّ أن أشكر والدتي لوريت، لدعمها إيّاي بذلك الثبات خلال هذا المشروع ولكونها أكثر المعجبين بي تفانيًا.
أود أن أشكر كاثرين لوزون التي أدخلتني إلى les liaisons dangereuses (علاقات سرية خطرة) وعالم بطلها فيكونت فالمون.
أود أن أشكر كلاًّ من دافيد فرانكل، لتحريره الرشيق ولنصيحته المقدرة حق قدرها؛ مولي ستيرن لدى فايكنج بنغوين، لإشراقه على المشروع ومساعدته على تشكيله؛ رادها بانشام، لإبقائه كل شيء منظمًا ولكونه صبورًا إلى ذلك الحد، وبرت كيلي لدفعها بالأمور قدمًا.
بقلب منقبض أود أن أتقدم بالثناء من قطي بوريسو الذي راقبني وأنا أكتب لثلاثة عشر عامًا، والذي يُفتَقَد وجوده بشدة. قد أثبت خلفه بروتوس أنّه مصدرُ إلهام قيّم.
في النهاية أود أن أكرم أبي؛ حيث أنّ الكلمات لا تستطيع أن تعبّر عن مدى افتقادي له وعن مدى إلهامه لعملي.


مقدمة الناشر والمترجم
لطالما دار الحديث بيني وبين الرفاق عمّا تريده الفتاة وكيفية الوصول إليها والحصول عليها وعدم خسارتها بعد ذلك، وعن كيفية المحافظة على الوقار والقيمة الذاتية أثناء كل هذا الكدح.
فكان شأننا في ذلك شأن جميع الفتية في المدارس الذين لا يتسنّى لهم رؤية الفتاة إلا إذا وقفوا كالبلّة أمام مدارس البنات عند انتهاء الدوام أو فلينحرموا حتّى من النظر إذا كانوا يخجلون من ممارسة ولاديةٍ كهذه.
وكنّا نعلّل النفس بالأماني ونقول بأنّنا عندما نتحرّر من المدرسة وندخل الجامعة فإننا سنحظى بكل الفتوحات الغرامية والعلاقات السعيدة التي طالما حلمنا بها. لكن في الوقت الذي دخلنا فيه الجامعة فإنّ الحواجز النفسيّة التي تشكلت عبر سنوات الكبت كانت أكثر منعةَ من جدران المدرسة الإسمنتية. ولم تسعفنا لا تجربتنا الضحلة في هذا المجال ولا ذخر الثقافة الشعبيّة التي قوامها قليلٌ من المقولات الجاهزة والأقوال السائرة، وجرّبنا كلّ وصفات التقرب إلى الفتاة؛ فمن لعب كمال الأجسام حتّى صارت أجسام بعضنا كتماثيل آلهة الإغريق في تناسقها وجمالها إلى الاعتناء المفرط بالمظهر والشعر والهندام إلى التواجد الدوري في الأماكن التي يكثر فيها وجود الفتيات إلى ركوب السيّارات الفخمة. وأثبتت هذه الجهود المضنية عمقها إذ لم يحكم شيئًا علاقة معظمنا بالإناث سوى قانون الاعتباط المحض والصدفة. ونتيجة لهذا فقد تحوّلت صورة الأنثى في أذهان العديدين من المخلوق اللطيف الذي يعد بسعادة غامرة إلى ذلك الكيان المتقلب الذي تناقض أفعاله أقواله ولا يصرّح ظاهرة بما يعتمل في باطنه حتّى صار لغزًا يستهلك طاقة الشاب أوّلًا في محاولة تصوّره عبثًا وثانيًا في كرهه نتيجةً


لذلك؛ وكأنه لم يوجد إلّا ليقدّم لنا الأحجية تلو الأحجية والمعضلة تلو المعضلة ولغيرنا كلّ ما تمنّيناه يومًا.
ألم يكن من الأجمل لو كان هنالك كتابٌ يكشف أسرار النفس الإنسانية وأسرار التواصل ما بين الجنسين كي يوفّر كلّ هذا الشفاء ويزيل الاضطراب الذي تضطرب به خلجان الكثيرين في علاقتهم مع نصفهم الآخر؟ ويمحو سوء الفهم والتردّد والارتباك والحيرة ويعصف بكلّ العقد التي تراكمت عبر السنين وكأنها لم تكن يومًا؟
هذه كانت أمنيتي كمراهق؛ إذ كنت أقول لرفاقي: آهٍ لو كان هنالك كتابٌ بهذا الخصوص كي أحفظه! وكونه لا يوجد فإنني سأؤلف مثل هذا الكتاب. لكن لم أستطع أن أشرع في مثل هذه المحاولة، كوني أنا نفسي لم أكن أعرف كيف أعوي ونصيبي في لعبة الإغواء ليس مما يباهى به. لذا فبدأت بمحاولة اكتشاف وتعلم مبادئ هذا الفنّ كي أعلمه فيما بعد فأصبت حيناً وأخطأت أحيانًا، وأصابني التردّد والشك؛ فلجأت إلى من يزعمون أنّهم أساتذةٌ في هذا المضمار فوجدت حيرةً أعمق من حيرتي وتخبطًا أكبر من تخبّطي ويقينًا لا ينمّ إلا عن الجهل والتمسك بالمألوف؛ لذا فقد قررت أن ألجأ إلى الكتب، فأخذت أنقب في روائع الأدب علي أجد بين شجونها قانوناً يحكم النفس الإنسانية أو وجهًا من وجوهها أو سنّة كونيّة خالدة؛ فاكتشفت لآلئ من الحكمة لكنُها كانت كلآلئ البحر تنتظر من يستخرجها ويجمعها في عقد جميل وثمين؛ ثم رحت أقرأ في كتب علم النفس والاجتماع فاستفدت فائدةً جمة لكنني لم أجد ضالتي تمامًا إذ لم يكن ولا كتاب منها يتعامل بشكل مباشر وشمولي مع مسألة الإغواء؛ ثمّ فطنت إلى كتب لغة الجسد بعد أن أعياني التضارب ما بين الأقوال والأفعال وبين ما يصرّح به اللسان وبين ما يظهر في صفحات الوجه والإيماءات. لكن كل هذه الكتب تمر بموضوع الإغواء مرور الكرام دون تعمق أو إحاطة حتى صرت أعتقد أن هذا الموضوع لأكثر تعقيداً من أن تنظمه القوانين وبالتالي لا يمكن أن يؤلّف كتابٌ عنه. وهكذا صار الحلم يخبو رويداً رويداً حتى انزوى في مكان مظلم من الذاكرة شأنه في ذلك شأن كثير من أحلام الصبا التي يتخلّى عنها أصحابها بعد أن يسمّوها بالأهواء والنزوات. عندها فقط، وبمحض الصدفة، رأيت كتاب فنّ الإغواء، باللغة الإنكليزيّة، في


مكتبة أنطوان في لبنان؛ فأمسكت به وتلمست أحرفه الذهبيّة النافرة كمن يتحسّس كنزًا وقلت لنفسي هل يعقل أن الحلم قد تحقّق وأنّ هنالك فعلاً مثل هذا الكتاب؟!! فاشتريته على الفور وعدت به إلى منزلي ورحت أقرأ فيه.
وإذا به كلّما قرأت صفحة منه، حضرتني صفحةٌ من ماضيّي وتجربتي، واكتشفت قلّة معرفتي وبطلان كثير من الآراء الراسخة التي كنت أعتنقها وأعلنها بإيمان. فقلت لنفسي آن الآوان لأن أفي بوعدي لأصدقائي ولأن تتحوّل الأماني إلى حقائق.
وكان قد تجلّى لي عبر السنين مدى استفحال عقد الكبت والتشنّج في مجتمعاتنا العربيّة التي تذخر بالطاقات ومدى تقطّع الأسباب ما بين الرجال والنساء، وأدركت أنّ مشكلة الإغواء ليست مجرّد صعوبات يلاقيها بعض المراهقين في التواصل مع نصفهم الآخر في مرحلةٍ عابرةٍ من حياتهم وإنما هي هاجس يؤرق مضجع السواد الأعظم من شبابنا العربيّ ومصدر تعاسةٍ كبيرة ليس لها أيّ مبرّر أو مسوّغ.
فكم من طالب يرسب كلّ عام أو يفشل ومردّ فشله هو الفشل بالإغواء أو الجهل به. وكم من شخص توقف نموه النفسي أو تأخر بعد صدمةٍ عاطفية؛ وكم يعاني من لا يتمتع بمهارات الإغواء من شعور طاحن بالنقص والتقصير؛ وكم من زوجين لا يجمع بينهما إلا الأمر الواقع وأحكام الضرورة ولا تشدهما إلا تيارات الملل؛ وكم تواضع نجاح الكثيرين نتيجةً لافتقادهم لهذه المهارة أو تلك من مهارات الإغواء؛ وكم وكم وكم...
وهكذا قرّرت أن أحصل على حقوق الترجمة والنشر باللغة العربّية؛ فابتدأت تفاوضًا مع دار النشر الأمريكيّة التي أطلقت هذا الكتاب؛ وتمخّضت المفاوضات عن دار المنير وهذا الكتاب الذي بين أيديكم.
فنّ الإغواء لا يتطلّب أن تستنبط أو تخترع ولا أن تخلق شيئاً من لا شيء وإنما أن تكتشف ما هو موجودٌ أساساً. الفرق ما بين المغوي وغير المغوي كالفرق بين الألماس والفحم: كلاهما مكونٌ من نفس المادَة، ذرّات الكربون، لكنّ الألماس ترتّبت ذرّاته بطريقة مختلفة عن الفحم وتبلورت. هذا الكتاب سيساعدك على إعادة ترتيب مكوناتك النفسية وعلى إجراء عمليّة


التبلور هذه، كي تتزين بالألماس وينجلي عنك ما يعلوك من الغبار والفحم. الإغواء كالجاذبيّة: كلنا نخضع لتأثيرها ونعمل وفقاً لقانونها، أدركنا ذلك أم لن ندرك. وهكذا فكلنا أجرامٌ سماوية تسبح في فضاء الإغواء: منا النجوم الساطعة أو الخافتة ومنا الشموس ومنا الكواكب ومنا الأقمار والشهب والنيازك. ولا يموت نجمٌ إلا ليولد آخر ولا تنطفئ شمسٌ إلا لتضيء أخرى. ومن أنت من هذه المنظومة الرائعة؟ هذا ما سيساعدك هذا الكتاب على اكتشافه كي تنعم بما حبتك به الطبيعة ولتكون في الطليعة.
فدعني أبارك لك اقتناءك هذا الكتاب الرائع الذي يجمع ما بين المعرفة العلمية والعملية بالإضافة إلى عشرات القصص الجميلة المستقاة من جميع الحضارات والثقافات.
وهكذا فإني أهدي فن الإغواء، في النسخة العربيّة، إلى كلّ من وقف يوماً حائرًا أمام أسرار الإغواء وإلى كل من ظفر منه بأقل مما يستحق، وإلى كل الإناث اللواتي مارسن معي بعض ألعاب الإغواء وأردنني يوماً أن أضرب أخماساً بأسداس. وإن كانت الفكرة ق تكونت في ذهني وأنا لا أزال يافعاً فهذا لا يعني أن الكتاب يتوجه لفئة عمرية دون أخرى، بل هو لجميع الأعمار وللمتزوجين كما هو للعازبين. وإذا كنت قد شرعت بها من موقعي كشاب فهذا ليس استثناء للإناث؛ فالكتاب مُهدى أيضاً للحورية كي تفعل جمالها وللطبيعة كي تعتز بطبيعتها، وللعاشقة المثاليّة كي لا تتخلى عن مثاليّاتها وللمغناج كي لا تشتط في غنجها. كما أودُّ أن أتقدم بالشكر لكلّ من روبرت غرين وجوست إلفرز على وضعهما ثقتهما بي في نقل هذه التحفة إلى العربيّة.
والآن دعني أودّعك قبل أن تبحر في هذا الكتاب ومعه في رحلةٍ معرفيةٍ تذكر فيها ماضيك وتصنع حاضرك وتنطلق إلى مستقبلك(*).
19 حزيران 2010.
منير سليمان
......................
(*) القراء الأعزاء إن دار المنير تكون شاكرة لكم إذا تفضلتم وأبديتم لها ملاحظاتكم حول موضوع الكتاب وترجمته وشكل عرضه وطباعته وأعربتم لها عن رغباتكم.

المحتويات
شكر وتنزيه صفحة 9
المقدمة صفحة 29
القسم الأول: الشخصية الإغوائية صفحة 41
الحورية صفحة 45
إن الرجل غالبًا ما يكون مقموعًا نتيجةً للدور الذي يتعين عليه أن يلعبه- لأنه لزامٌ عليه أن يكون مسؤولًا ومتحكمًا وعقلانيًا. فالحورية هي الرمز المطلق لأهواء الرجل وخيالاته الجامحة، لأنها تقدم التحرر الكامل من قيود حياته. في حضورها، الذي دائمًا ما يكون مُبَرزاً ومشحونًا جنسيًا، يشعر الرجل بأنه قد انتقل إلى مملكة من اللذة الخالصة. في عالم يحول فيه حياء النساء وتهيبهن دون إظهارهن لصورةٍ كهذه، تعلّمي أن تتحكمي بليبيدو الرجل من خلال تجسيد أحلامه ونزواته.
الخليج صفحة 63
المرأة لا تشعر أبدًا بأنها مرغوبة ومقدرة بما فيه الكفاية. إنها تريد الاهتمام، لكن الرجل غالبًا ما يكون مشتتًا وغير متجاوب. الخليع شخصية بارزة في خيال المرأة- عندما يرغب بامرأة، ولو للحظة قصيرة فإنه سوف يذهب إلى أقاصي الأرض من أجلها. قد يكون غير مخلص أو غير شريف،


ولا صفة أخلاقية له، ولكن هذا كله لا يعدو عن كونه إمعانًا في جاذبيته.
حرّك أتواق المرأة المكبوتة من خلال تبني مزيح الخليع من الحظر واللذة.
العاشق المثالي صفحة 81
معظم الناس كان لديهم خلال صباهم أحلامهم التي تحطمت أو امّحت بمرور الزمن. فهم يجدون أنفسهم خائبي الآمال حيال الناس والأحداث والواقع، الذين لا يمكن أن يرتقوا لمستوى مثالياتهم الفتية. العاشقون المثاليون يزدهرون على أحلام الناس المحطمة، التي تتحول إلى أوهام وتخيلات تمتد بامتداد العمر. إذا كنت تتوق إلى الرومانس؟ أو إلى المغامرة؟ أو إلى المشاركة الروحية النبيلة والرفيعة؟ فإن العاشق المثالي هو الذي يعكس لك تطلعاتك الحالة. هو أو هي فنان/نة في خلق الوهم الذي تتطلبه. في عالم من عدم الاكتراث والانحطاط، يوجد سلطة غير محدودة للإغواء في اتباع درب العاشق المثالي.
الغندور صفحة 99
معظمنا يشعر بأنه واقٌع في شرك الأدوار المحدودة التي يتوقع منا المجتمع أن نلعبها. فنحن ننجذب حالًا لأولئك الأكثر مرونةً ورشاقًة منا- أولئك الذين يخلقون صورة شخصياتهم الخاصة. الغنادير يثيروننا لأنه من غير الممكن تصنيفهم، ويُلمِعون إلى حريةِ نريدها لأنفسنا. هم يلعبون بالرجولة والأنوثة؛ ويصوغون صورتهم الجسمانية الخاصة التي دائمًا ما تكون مذهلة. استخدمْ قوة الغندور لكي تخلق حضورًا مُغريًا ملتبسًا، يحرك الرغبات المكبوتة.
الطبيعي صفحة 117
الطفولة هي الفردوس الذهبي الذي نحاول دائمًا بشكلٍ واعٍ أو غير واعْ أن تعيد خلقه. يجسد الطبيعي خصائص الطفولة المتمناة بشدة- العفوية


والإخلاص وعدم الادعاء. في حضرة الطبيعيين نشعر باليسر. فنرجع إلى العهد الذهبي بعد أن أفتتنا بروحهم المرحة. اتخذ وقفة الطبيعي لكي تحيد حيادية الناس وتعدهم بغبطة غير محدودة.
المغناج صفحة 139
القدرة على تأجيل إشباع الرغبة هي مطلق فن الإغواء- خلال الانتظار تقبع الضحية في حالة عبودية. المغناجون هم أكبر أسياد للعبة، يزاوجون في جيئةٍ وذهاب ما بين الأمل والإحباط لتحقيق أقصى ما يمكن من التأثير. يزودون بُطعم الوعد بمكافأة- الأمل في لذة جسدية، سعادة، شهرة من خلال مرافقتهم، نفوذ- إلا أن كل هذه الوعود يتبين أنها محض وهم؛ ومع ذلك فهذا لا يعدو عن جعل أهدافهم تطاردهم أكثر من ذي قبل. حاكٍ مُناوبة الحرارة والبرودة للمغناج ولسوف تبقي الَمغويَ راكعًا عند قدميك.
الساحر صفحة 157
الفتنة أو السحر هو إغواء بدون جنس. الفاتنون هم متلاعبون من الطراز الأول، يقّنعون ذكاءهم من خلال خلق مزاج من المتعة والراحة. طريقتهم بسيطة: يحرفون الانتباه عن أنفسهم ويركزونه على هدفهم. يتفهمون شخصك، يحسون بألمك، ويتواءمون مع طباعك وأمزجتك. في حضور الساحر أو الفاتن أنت تشعر بشعورٍ أفضل حيال نفسك. تعلم أن ترمي بتعويذة الساحر من خلال استهداف نقطة الضعف الرئيسية لدى الناس: الغرور والخيلاء واحترام الذات.
القيادي المُلهِم (الكاريزماتي) صفحة 179
الكاريزما أو المغناطيسية الشخصية هي حضور يثيرنا. إنها تنبع من خاصية داخلية- الثقة بالنفس، طاقة جنسية، إحساس بالغاية والتصميم، الرضا والاطمئنان- والتي يفتقر إليها معظم ويريدها معظم الناس. هذه الخاصية


تشع للخارج، وتتخلل إيماءات القيادي (الكاريزماتي)، مما يجعلها تبدو استثنائية وخارقة للمألوف. هم يتعلمون إبراز مغناطيسيتهم من خلال التحديق الثاقب والخطابة النارية وسيماء الغموض. إخلق الوهم الكاريزماتي من خلال الإشعاع بالحدة والشغف بينما تظلُّ مستقلًا من الناحية العاطفية وغير آبهٍ.
النجم صفحة 215
الحياة اليومية قاسية، ومعظمنا يسعى للهروب منها من خلال أحلام اليقظة والمنام. النجوم يتغذون على هذا الضعف؛ ويبرزون على الآخرين من خلال إسلوب جذابٍ ومميز، فهم يجعلوننا نرغب في مشاهدتهم ومراقبتهم وفي نفس الوقت يكونون غامضين وأثيرين، محافظين على بعدهم وتَحفُّظِهم، بحيث يدعوننا نتخيل عنهم إكثر مما يوجد في الحقيقة. خاصيتهم الشبيهة بالأحلام تعمل على اللاوعي لدينا. تعلّمْ أن تصبح محطّ إعجابِ وانبهار بواسطة إظهار حضور النجم البراق ولكن المحّير والمراوغ.
نقيض المُغوي صفحة 233
المُغوون يجتذبونك بواسطة الاهتمام المركز المميز الذي يوجهونه نحوك دون غيرك. نقيضو المُغوين هم المعاكس التام لذلك؛ غري آمنين، مُستَغرقين في ذواتهم، وغير قادرين على فهم نفسية الشخص الآخر، فهم يُنَفرون بالمعنى الحرفي للكلمة. تفيضو المُغوين لا يتَحلون بنظرة متوازنة وصادقة عن شخصياتهم، ولا يُدركون أبدًا متى يضايقون ويتطفلون ويكثرون من الكلام. اجتثّ واستأصل الخصائص الضد- إغوائية (المنفرة) من شخصك وأدركها في الآخرين- لا يوجد أي متعة أو منفعة في التعامل مع نقيض المغوي.


المحتويات
ضحايا المُغوي- النماذج الثمانية عشر صفحة 255
القسم الثاني
العملية الإغوائية صفحة 275
المرحلة الأولى: الفصل- إثارة الاهتمام والرغبة صفحة 281
1 اختر الضحية المناسبة صفحة 283
كل شيء يعتمد على هدف إغوائك. ادرس فريستك بشكل شامل، وانتقِ فقط أولئك الذين يَثبت أنهم قابلون للتأثر بسحرك وفتنتك. الضحايا المناسبون هم أولئك الذين تستطيع أن تملأ فراغًا لديهم. أولئك الذين يرون فيك شيئًا مميزًا. هم غالبًا ما يكونون معزولين أو غير سعداء، أو يمكن بسهولة جعلهم كذلك- لأن الشخص الراضي والقانع بشكل كامل يكاد يكون إغواؤه مستحيلًا. الضحية المثالية لديها خاصية معينة تلهب فيك مشاعر قوية، مما يجعل مناوراتك الإغوائية تبدو أكثر طبيعيةً وفعاليةً. الضحية المثالية تتيح المجال للمطاردة الأمثل.
2 أخلق شعورًا زائفًا بالأمان- ادنُ بشكل غير مباشر صفحة 295
إذا كنت مباشرًا أكثر من اللازم من البداية فإنك تخاطر بأن تثير مقاومةً لن تَضعُف أبدًا. في البداية لا يجب أن يكون هناك أي أثر من سلوك المُغوي أو سيمائه في تصرفاتك. الإغواء يجب أن يسير في البداية في خط مائل، أي بشكلٍ غير مباشر، حتى لا يشعر بك الهدف إلا بشكلً تدريجي، إلزم الحدود الخارجية لحياة هدفك- اقترب من خلال طرف ثالث، أو اظهرْ بمظهر من يسعى لعلاقة حيادية نسبياً، انتقل تدريجياً من الصديق إلى الحبيب. هدهد الهدف إلى أن يشعر بالأمان، ثم اهجم.


3 أرسل رسائل مختَلَطة صفحة 307
حالما يصبح الناس مدركين لوجودك، وربما مشدودين بشكل غامض، فإنك بحاجةٍ لأن تثير اهتمامهم قبل أن يستقر على أحدٍ آخر. معظمنا واضحٌ أكثر من اللزوم- بدلاً من ذلك، كن صعبًا على التصور والفهم. أرسل إيماءات وإشارات مختلطة من كلا النوعين: الناعم والخشن، المتسامي والفظ، البريئة والخبيثة. مزيجٌ من الخصائص يوحي بالعمق، الذي يُبهر ويفتن تمامًا كما يُربك. هالة من الألغاز المحيرة سوف تجعل الناس راغبين بمعرفة المزيد، وتجتذبهم إلى داخل دائرتك. إخلق نفوذًا كهذا من خلال التلميح إلى شيء متناقض بداخلك.
4 اظهر كموضِعٍ للرغبة- إخلق مثلثات صفحة 321
قلةٌ تنجذب للشخص الذي يتحاشاه الآخرون أو يتجاهلونه؛ الناس يتجمعون حول أولئك الذين اجتذبوا الاهتمام من قبل. لكي تجتذب ضحاياك على نحوٍ أقرب وتجعلهم مُتَعَطشين لتملّكك، يتوجب عليك أن تخلق هالة من المرغوبية- أي كونك مرغوبًا فيك ومتوددًا إليك من قبل الكثيرين. سيكون من دواعي زهوهم أن يكونوا الموضع الأثير لاهتمامك، أن يفوزوا بانتزاعك بعيداً من جمهور المعجبين. ابن سمعةً تسبقك: إذا كان العديد قد استسلموا لسحرك وفتنتك، فلا بدّ من أن يكون هناك سبب.
5 إخلق حاجة- أَثِر القلق وعدم الرضى صفحة 333
الشخص الراضي على نحو كامل لا يمكن إغواؤه. التوتر وعدم الانسجام لابد أن يُغّرسا في عقول أهدافك. أثِر فيهم مشاعر السخط وعدم السعادة حيال ظروفهم وحيال أنفسهم. مشاعر عدم الكفاءة التي تخلقها سوف تعطيك الحِّيز لِتَدُس بنفسك، وتجعلهم يرون فيك الإجابة على مشاكلهم. الألم والقلق هم المُوَطٌئان الصحيحان للذة. تعلم أن تُصَنِّع الحاجة التي تستطيع أن تسدَّها.


6 أتقن فن الإيحاء صفحة 345
أن تجعل أهدافك يشعرون بعدم الرضى وبحاجة لانتباهك شيٌئ جوهري، ولكن إذا كنت واضحًا أكثر من اللزوم، فإنهم سوف يتبّينون طبيعتك الحقيقيّة ويصبحون دفاعّيين. لا يوجد دفاعٌ معروف، على أيّةِ حال، ضد الإيحاء- في زرع الأفكار في عقول الناس بواسطة الرمي بتلميحات صعبة التحديد والتي تأخذ جذرًا (تنغرس) بعد ذلك بعدّة أيام، بل وتظهر لهم وكأنها أفكارهم الخاصة. إخلق نوعًا من اللغة الضمنية- تصريحات جريئة متبوعة بتراجع واعتذار، تعليقات ملتبسةن أحاديث اعتيادية مُرفقة بتلميحات مُعرِية- التي تدخل لاوعي الهدف لتنقل قصدك الحقيقي. إجعل كلّ شيءٍ موحيًا.
7 أدخل في نفسِيَّاتهم صفحة 357
معظم الناس منغَلقون في عوالمهم الخاصة، مما يجعلهم عنيدين وصعبي الإقناع. الطريقة لتستدرجهم خارج قوقعتهم وتّنصُب إغوائك هي أن تدخل أمزجتهم ونفسياتهم. العب وفقًا لقوانينهم واستمتع بما يستمتعون به وكيف نفسك مع أمزجتهم. بعملك هذا سوف تداعب نرجسيتهم العميقة الجذور ونُخَفِّض دفاعاتهم. تساهل مع تقلُّباتهم ونزواتهم وبذلك تكون حرمتهم من أي شيءٍ ليبدو ردَّ فعلٍ إزاءه أو يقاوموه.
8 أخلق الإغواء صفحة 369
استدرج الهدف بعمق إلى إغوائك من خلال الإغراء المناسب: لمحة من المُتَع القادمة. كما أغوت الأفعى حواء بوعد المعرفة المحترمة، يتوجَّب عليك أن توقظ رغبةً في أهدافك لا يستطيعون التّحكُّم بها. جِد نقطة الضعف لديهم، الأمنية التي لم تتحقق بعد، وأشيرْ من طرفٍ خفيّ إلى أَنك تستطيع قيادتهم نحوها. المفتاح هو أن تُبقي الأشياء ملفوفّة بالغموض. أثرْ فضولًا أقوى من الشكوك والمخاوف التي ترافقها، وسوف يتبعونك.


المرحلة الثانية ضلِّل- إخلق المتعة والتشّوُش صفحة 385
9 أبقهم في حالة تُرّقُّب- ماذا سيأتي بعد؟ صفحة 387
في اللحظة التي يشعر فيها الناس أنّهم يعرفون ماذا يتوقّعون منك، تكون تعويذتك السحرّية قد انحلّت. بل أكثر من هذا: تكون قد تنازلت لهم عن السلطة. الطريقة الوحيدة لتقود المغْوِيّ على طول الخط وتحتفظ باليد العليا تكون من خلال خلق التشوُّق والمفاجأة المُعَدّة مسبقًا. أن تعمل شيئًا لا يتوقعونه منك سوف يعطيهم شعورًا سارّاً بالعفوية- لن يكونوا قادرين على أن يتشرفوا ماذا سيأتي بعد. أنت دائمًا متحكم ومتقدّم بخطوة. إمنح الضحّية الإثارة من خلال تغييرٍ مفاجئ للاتجاه.
10 استخدم القوة الشيطانية للكلمات لزرع الارتباك والفوضى صفحة 399
من الصعب جعل الناس يصغون؛ فهم مستهلكون في أفكارهم ورغباتهم الخاصة، ولديهم قليلٌ من الوقت لتلك التي تخصُّك. تكمن الخدعة في جعلهم يسمعون، في أن تقول ما يودّون سماعه، أن تملأ آذانهم بأيِّ شيءٍ سار لهم. هذا هو جوهر اللغة الإغوائية. ألهب مشاعر الناس بالتعابير المُضَمّنة، أطرِهم، خفّف من وطأة عدم شعورهم بالأمان والثقة، طوّقهم بالكلمات والوعود العذبة، وعندها لن يصغوا إلي فحسب، لا بل سيفقدون إرادتهم بمقاومتك.
11 اهتم بالتفاصيل صفحة 417
كلمات الحب النبيلة والإيماءات الجليلة التي يقصد بها التأثير يمكن أن تكون مدعاةً للشك: لماذا تحاول بكل هذا الجهد أن ترضي؟ تفاصيل الإغواء- الإيماءات والإشارات التي تفعلها بشكل مرتجل- غالبًا ما تكون أكثر سحرًا وإفصاحًا. عليك أن تتعلّم أن تُلهي وتصرُفّ انتباه ضحاياك بكَمٌ هائلٍ من الطقوسيات السارّة والصغيرة- هدايا منتقاة بعناية ومُفصّلة على قياسهم


وحدهم، ملابس وحِلى مصمّمة لإرضائهم، البوادر التي تُظْهر الوقت والاهتمام اللذين تخصّصه لهم. فهم لن يلاحظوا- كونهم مسحورين كمن في حالةِ تنويم مغناطيسي- ما أنت حقيقيةً بصدده.
12 أضف مسحة شاعرية على حضورك صفحة 433
الأشياء المهمة تحدث عندما تختلي أهدافك بنفسها. عند أوهى إحساس بالراحة لكونك غير موجود سينتهي كل شيء. الألفة والتَعّرض الزائد سيسبّبان ردّة الفعل هذه. فابقَ إذن مُحَيَّراً ومتملّصًا. إِئسر أهدافك وأثر اهتمامك من خلال المناوبة ما بين الحضور اللافت والتحفظ البارد، اللحظات المليئة بالحيوية والمرح متبوعةً بالغيابات المُتَعَمّدة والمُعَد لها سلفًا. اربط نفسك بالصور والموضوعات الشعرية، لكي يبدؤوا برؤيتك من خلال هالةٍ مثالية عندما يفكّرون فيك. فبقدر ما تبرز في أذهانهم كصورةٍ ذات شأنٍ وأهمية، بقدر ما يلفّونك بتخّيلات مغوية سواءٌ بسواء.
13 جرّد من السلاح من خلال الضعف والهشاشيّة الاستراتيجيّين صفحة 445
كثير من المناورة من قبلك قد يبعث الشكوك. أفضل طريقة لتُغطّي آثارك ومسالكك هي أن تجعل الشخص الآخر يحسّ بأنّه الأقوى والأرفُع منزلةً. إذا بدوت ضعيفًا وهشاً ومسحورًا بالشخص الآخر وغير قادرٍ على أن تتحكّم بنفسك، فإنّك ستجعل تَصرّفاتك تبدو أكثر طبيعّيةٍ وأقل تدبيرًا وتكلّفًا. الضعف الجسماني- الدموع، الخجل والشحوب- سوف تساعد على خلق الأثر. العبْ دور الضحية، ثمَّ حوّل عطف الهدف إلى حب.
14 اخلط الأماني بالحقائق- الوهم المثالي صفحة 459
لكي يعّوض الناس عن الصعوبات في حياتهم، فإنهم يقضون كثيرًا من وقتهم في أحلام اليقظة وهم يتخّيلون مستقبلاً مليئًا بالمغامرة والنجاح


والقصص الغرامية. إذا كان بمقدورك خلق الوهم بأنه من خلالك يستطيعون تحقيق أحلامهم، فعندما تكون قد وضعتهم تحت رحمتك. استهدف الأماني السرّية التي قد تمّ إحباطها أو قمعها، مُحرِّكًا بذلك مشاعرَ لا يمكن التحكم بها، ومُغَشِيًا قدرتهم على المحاكمة. أوصِل المغٌويّين إلى درجة من الارتباك والتَخُبط بحيث لا يعودون عندها قادرين على التمييز ما بين الحقّيقة والوهم.
15 إعزل الضحية صفحة 477
الشخص المعزول هو شخصٌ ضعيف. من خلال عزلِِ ضحاياك ببطء، فإنّك تجعلهم أكثر عرضةُ لتأثيرك. خذهم بعيدًا عن أوساطهم الاجتماعية المعهودة- الأصدقاء، العائلة، المنزل. أعطهم الإحساس بكونهم مُهَمَّشين ومهملين ومنسيّين- فهم يغادرون عالمّا من ورائهم ويلجون عالمًا آخر. ما إن يُعزلوا بهذه الطريقة حّتى يفقدوا الدعم الخارجي، ولدى تشوّشهم يصبح تضليلهم سهلًا. استدرج المغْويَّ إلى عرينك، حيث لا يكون أيّ شيءٍ مألوفًا.
المرحلة الثالثة: الهاوية- تعميق الأثر من خلال
الإجراءات والتدابير المتطرّفة صفحة 491
16 أثبت نفسك صفحة 493
معظم الناس يريدون أن تتمّض غِوايتهم. أما إذا قاوموا جهودك، فمّردُّ ذلك على الأرجح هو أنَك لم تمض بما فيه الكفاية لتحييد شكوكهم- حيال دوافعك، عمق مشاعرك، وهلمّ جرّاً. عملٌ واحدٌ حسن التوقيت ومن شأنه أن يظهر مدى استعدادك لأن تمضي بعيدًا كي تكسبهم إلى صفّك، كفيلٌ بتبديد شكوكهم. لا تقلق لناحية ظهورك بمظهر السخيف أو ارتباكك خطأ- أي نوعٍ من الأعمال التي تّتخذ طابع التضحية بالذات ومن أجل أهدافك، سوف تُؤثر بمشاعرهم تأثيرًا بالغًا لدرجة أنهم لن يلاحظوا أيّ شيءٍ آخر.


17 أحدث رجعةً (ارتداداً إلى مستوى شعوري وسلوكي سابق: المترجم) صفحة 513
الناس الذين اختبروا نوعًا مُعَينًا من المتعة في الماضي سوف يحاولون أن يكرّروها أو يعاودوا عيشها. الذكريات الأكثر سرورًا والأكثر تَجذّرًا تكون تلك المتّصلة بالطفولة الأولى، وغالبًا ما تكون مرتبطةً برمزّ أبويّ. أرجع أهدافك إلى تلك النقطة من خلال وضعك في المثلث الأوديبي (نسبةً إلى عقدة أوديب في التحليل النفسي: المترجم) ووضعهم في موقع الطفل المحتاج. سيقعون في حّبك وذلك لعدم إدراكهم لسبب استجابتهم العاطفية.
18 اصطدم بالخطيئة والمحظور صفحة 537
هنا دائمًا قيودٌ اجتماعية على ما يستطيع المرء القيام به. بعضها -الأكثر جوهريّةُ وأساسيّةُ- يعود لقرونٍ خلت؛ والبعض الآخر أكثر سطحّيةٌ ويحدّد ببساطة السلوك المهذّب والمقبول. إن جعلك أهدافك يشعرون بأنك تقودهم لتخطّي أحد نوعي القيود هو شيء في غاية الإغواء. الناس يتوقون لاكتشاف جانبهم المظلم. بمجرد ما تقوم الرغبة بالانتهاك والإثم باجتذاب أهدافك نحوك، يصبح من الصعب عليهم أن يتوقفوا. خذهم إلى أبعد مما يتخيلون- الشعور المشترك بالذنب والاشتراك بالجريمة سوف يخلق رابطًا قوّيًا.
19 استخدم المُغرَيات الروحية صفحة 551
الجميع لديه شكوك ومَكامن في شخصه للشعور بعدم الأمان وقلّة الثقة- حيال جسمهم، حيال إيمانهم بنفسهم وقيمتها وحيال جنسانيتهم. فإذا كان إغواؤك يخاطب الناحية المادية والجسدية بشكل حصري، فإنك سوف تثير هذه الشكوك وتجعل أهدافك شاعرين بمَواطن الضعف لديهم وبأنّ غيرهم يلاحظ ويدرك هذه المواطن. عِوضًا عن ذلك استدرجهم بعيدًا


عن قلّة ثقتهم وشعورهم بانعدام الأمان، وذلك من خلال جعلهم يركّزون على شيءٍ سامٍ وروحانُّي: تجربة دينية، عمل فني رفيع، الأشياء الغامضة والمُكتَنَفة بأسرار. الهدف سوف يشعر بأنّه خفيف وغير مقّيد كونه غارقٌ في سديم روحِيّْ أو نفسين.
20 امزج المتعة بالألم صفحة 565
الخطأ الأكبر في الإغواء هو أن تكون ألطف من اللازم. في البداية، قد يكون، لطفك ساحرًا، لكنّه سرعان ما يصبح رتيبًا ومُملًا؛ فأنت تحاول جاهدًا أن تُرضي وتبدو غير آمن وغير واثقٍ بنفسك. بدلاً من إغراق أهدافك باللطافة، حاول أن تُنزِل بهم بعض الألم، أشعرهم بالذنب وعدم الأمان. أَحدث قطيعة- والآن فإنّ إعادة إقامة العلاقات الودّية، والعودة إلى لطفك السابق سَتُحيلهم ضعافًا وجاثين على ركبهم. فكلّما ازدادت الانخفاضات التي تخلقها انخفاضًا، ازدادت الارتفاعات ارتفاعًا. إخلق إثارة الخوف لكي تضاعف الشحنة الشهوانية.
المرحلة الرابعة: انقض للضربة القاتلة صفحة 581
21 أعطهم مساحة للسقوط- المُطارِد هو المُطارَد صفحة 583
إذا اعتادتك أهدافك أكثر مما ينبغي مهاجمًا، فسوف يقلّلون من منح طاقتهم الخاصة، وسَيَضْعُفُ التوتر. أنت تحتاج إلى أن توقظهم، إلى أن تعكس الآية. بمجرّد وقوعهم تحت سحرك، اخطُ خطوَةً إلى الوراء، وسيبدؤون بملاحقتك. لمحّ إلى أن الضّجر ينتابك تدريجّيًا. اظْهَر على أنَك مُهْتَمٌ بشخصٍ آخر. سرعان ما سيديرون تملكك جسديّاً، وستتبخر الكوابح والتّحفّظات من النافذة. إخلق الوهم بأنّ المُغوي يتمّ إغواؤه.


22 استخدم المعنويات المادية صفحة 597
الأهداف ذوو العقول النشطة يكونون خطيرين: إذا تبّينوا حقيقة تلاعباتك ومناوراتك، فقد يطوّرون شكوكًا. أجل برفقٍ عقولهم للراحة، وأيقظ حواسهم الساكنة من خلال الجمع ما بين سلوك غير دفاعيّْ وحضورٍ جنسيِّ مشحون. فبينما سيماء الهدوء وعدم الاكتراث لديك تُخَفِّض ضوابطهم وموانعهم، فإنّ تلميحاتك وصوتك وطريقتك في المشي والكلام- التي ترشح بالجنس والرغبة- تتغلغل في مساماتهم وترفع حرارتهم. إيّاك أن تفرض الناحية الجنسية؛ عوضًا عن ذلك اعد أهدافك بالحماوة واستدرجهم نحو الشهوة. الأخلاقيات، المحاكمات العقلية، والقلق من المستقبل ستذوب كلها بعيدًا.
23 أتقن فن الإقدام الجسور صفحة 615
اللحظة قد حلّت: ضحّيتك ترغب بك بشكلٍ واضح، ولكّنها غير مستعدّة للاعتراف بذلك صراحةً، ناهيك عن التصرّف بناءً على هذا الأساس. إنّه الوقت لتطرح جانبًا الفروسية، الكرم، والغنج ولِتجتاح بخطوةٍ جريئة. لا تعطِ الضحية الوقت للتفَكُّرِ بالعواقب. إظهار التّردّد والارتباك يعني أنّك تفكّر بنفسك وذلك هو النقيض من كونك غارقًا في سحر الضّحية. شخصٌ وحيدٌ يجب أن يمضي للهجوم، وهذا الشخص هو أنت.
24 كن على حذر من الآثار اللاحقة صفحة 627
الخطر يتبع في أعقاب الإغواء الناجح. فبعد أن تصل المشاعر إلى ذروتها، فإنّها غالبًا ما تتأرجح في الاتجاه المعاكس- نحو الكلل وقلّة الثقة وخيبة الأمل. إذا قُيضَ لك أن تنفصل، فاجعل الخسارة سريعة ومفاجئة. أمّا إذا قُيضَ لك أن تستمر في العلاقة، فاحذر فتور الطاقة، والاعتيادّ الزّاحف خُلسةً الذي سوف يفسد الحلم. يَلزَمُ إغواء ثانٍ. إيّاك أن تدع الشخص الآخر يقلّل من تقديره لك ويعتبرك كشيئٍ مسلّمٍ به- استخدم الغياب، أخلق الألم والصراع لِتُبقي المّغويِّ في حالةٍ من القلق والتوتر.


مقدمة
منذ آلاف السنين كانت القوة تكتسب غالبًا عن طريق العنف المادي وتُصان بالقوة الوحشية. كانت هناك حاجة ضئيلة للرقة- فالملك أو الإمبراطور يتوجب عليه أن يكون عديم الرحمة. فقط القلة المختارة كان لديها القوة والنفوذ، ولكن لم يعانِ أحدٌ في ظل منظومة الأشياء هذه أكثر مما عانته النساء. لم يكن لديهن سبيلًا ليتنافسن، ولا من سلاحٍ تحت تصرَفهن من شأنه أن يحمل الرجل على تنفيذ ما يردن- في مجال السياسة أو المجتمع أو حتى في البيت.
بالطبع الرجال لديهم ضعفٌ وحيد: رغبتهم التي لا تشبع للجنس. المرأة تستطيع دائمًا أن تلهو وتعبث بهذه الرغبة، ولكنها بمجرّد ما تمنح الجنس فإن الرجل يعود للسيطرة؛ وإذا تمنّعت عن الجنس، فبإمكانه ببساطة أن يبحث في مكانٍ آخر- أو يمارس القوة. فما نفع سلطةٍ إذا كانت مؤقتةً أو ضعيفةٌ إلى هذا الحد؟ ومع ذلك فالنساء لم يكن لديهن أيُّ خيارٍ سوى الخضوع لهذه الحالة. على الرغم من ذلك فقد كان هنالك البعض مّمن تعطشهم للسلطة كان كبيرًا جدًا، والذين عبر السنين- ومن خلال كثير من الذكاء والإبداع- ابتكروا طريقةً لقلب الآليّة راسًا على عقب، وبالتالي خلق نمطٍ من السلطة أكثر فعاليّةً وبقاءً.
هؤلاء النسوة- ومن ضمنهم باثشبا، من العهد القديم؛ هيلين طروادة؛ وحوريّة الجمال الصينية هسي شي؛ وأعظمهنّ على الإطلاق، كليوباترة- اخترعن الإغواء. أولاً كنّ يجتذبن الرجل بمظهرٍ مغرٍ، مصمّمات ماكياجهن وزينتهن ليصنعن صورةً إلهةٍ مبعوثةٍ إلى الحياة. من خلال إظهار لمحاتٍ من الجسد، كن يستفززن مخيّلة الرجل، ويحفّزن الرغبة ليس فقط بالجنس
....................................................
الاضطهاد والازدراء -إذن- كانا ومن المفروض أن يكونا على وجه العموم من حصة المرأة في المجتمعات الناشئة؛ هذه الحالة استمرت بكامل زخمها إلى أن علّمتهن قرونّ من الخبرة أن يستعضن بالمهارة عن القوة.
أحسَت النساء أخيرًا -بما أنهنّ كُنَّ الأضعف- أنّ ملاذهن الوحيد كان بأن يُمارسْنَ الإغواء؛ لقد فهمن أنّه إذا كُنّ


ولكن بشيء أعظم: الفرصة لتملّك رمزٍ من رموز الخيال. حالما يحصلن على اهتمام ضحاياهن، فإن هؤلاء النسوة تستدرِجْنَهم بعيدًا عن العالم الرجولي الخاص بالحرب والسياسة ويحمِلْنهم لقضاء الوقت في العالم النسائي- عالم الرفاهية والمشاهد اللافتة والمتعة. ويحرفْنهم بالمعنى الحرفي عن المسار القويم، كأن يأخُذْنَهم في رحلةٍ كما فعلت كليوباترة باستدراجها يوليوس قيصر في رحلةٍ نزولًا عبر النيل. الرجال سوف يصبحون بالتدريج مدمنين على هذه الملذات الحسية المشذّبة والمصقولة، وسوف يقعون في الحب. ولكن عندها- وبشكل شبه دائم- فإن النساء يصبحن باردات ولا مباليات، محدثات بذلك الاضطراب والارتباك لدى ضحاياهن. بمجرد ما يرغب الرجال بالمزيد، فإنهم يجدون متعهم وقد سحبت ومنعت عنهم. هم سوف يُجْبَرون على المطاردة، محاولين في خضمّها استعادة الحظوة والوصال والخدمات التي تذوقوها ذات مرة، ومصبحين تدريجيّاً أكثر ضعفًا وعاطفيّةً خلال العملية. الرجال الذين يمتلكون القوة الجسمانية وكل القوة الاجتماعية- رجال مثل الملك داؤود، باريس الطروادي، يوليوس قيصر، مارك أنطوني، الملك فوشاي- سوف يجدون أنفسهم وقد أصبحوا عبيد المرأة.
في مواجهة العنف والوحشية، فإن هؤلاء النسوة جعلن من الإغواء فنّاً معقّدًا، النمط المطلق للقوة والإقناع. لقد تعلّمن أن يعملن على العقل أولًا، يُثِرن الخيال، ويُبقين الرجل راغبًا بالمزيد، ويَخلقن أنماطًا من الأمل واليأس- جوهر الإغواء. لم يكن نفوذهن جسمانيًا وإنما نفسيًا، لم يكن يتصف بالقوة وإنما بالمداورة والمكر والبراعة. هؤلاء المُغوِيات العظيمات الأوائل كُنَّ شبيهات بالقادة الحربيين وهم يخططون لتدمير العدو، وبالفعل فإنّ تقارير وروايات الإغواء الأولى غالبًا ما قارنته بالمعركة، النسخة النسائية من الحرب. بالنسبة لكليوباترة، فقد كان الإغواء وسيلةٌ لتوحيد وتعزيز إمبراطورية. في الإغواء، لم تعد المرأة أداةً منفعلةً وسلبيةً للجنس؛ وإنما أصبحت عاملًا فاعلًا وإيجابياً، رمزًا للقوة والسلطة.
باستثناءاتٍ محدودة- الشاعر اللاتيني أوفيد، والشعراء الغنائيون في القرون الوسطى الذين عُرفوا باسم التروبادور- فإن الرجال لم يَشغَلوا أنفسهم بفن تافهٍ أو عابثٍ كالإغواء. بعدئذٍ، في القرن السابع عشر طرأ تَغَيُّر كبير: أصبح الرجال تدريجيّاً مهتمين بالإغواء كوسيلةٍ لتخطّي مقاومة امرأةٍ يافعةٍ
..............................................................
معتمدات على الرجال من خلال القوة، فإنه من الممكن أن يصبح الرجال معتمدين عليهن من خلال اللذة. كونهن أكثر تعاسةً من الرجل، فلا بد أنه قد فكّرت وتأمّلن مليًا قبل الرجال؛ كنّ أول من يتوصل إلى معرفة أن اللذة كانت دائمًا دون الفكرة التي كوّنها أحدهم عنها، وأنّ المخيلة قد تخطّت الطبيعة. حالما أصبحت هذه الحقائق الأساسية معروفة، تعلّمت النساء أولًا أن يحجبن سحرهن وفتنتهن من أجل إيقاظ الفضول وحب الاستطلاع؛ لقد مارسن فن الرفض الصعب حتى ولو تمّنين أن يقبلن؛ من تلك اللحظة فصاعدًا تعلّمن كيف يلهبن مخيلة الرجل، تعلّمن كيف يوقظن ويوجّهن الرغبات حسب ما يشتهين:


للجنس. أوائل المُغْوين الرجال العظاء في التاريخ- دوق لوزن، الإسبان المتعدّدين الذين ألهموا أسطورة دون جوان- بدؤوا بتبني طرائق مُعتمدة تقليديًا من النساء. تعلّموا أن يُبهروا بمظهرهم (غالبًا ما كان خنثويًا بطبيعته)، أن يثيروا المُخَيِّنة، وأن يلعبوا دور المغناج. لقد أضافوا أيضاً عنصرًا ذكوريًا جديداً للعبة: اللغة الإغوائية، لأنهم اكتشفوا ضعف النساء للكلمات الناعمة. هذين النموذجين من الإغواء- الاستخدام الأنثوي للمظاهر والاستخدام الذكوري للغة- غالبًا ما يعبران الخطوط الفاصلة بين الجنسين: كازانوفا كان يبهر المرأة بثيابه؛ ونينون دي إنكلو كانت تسحر الرجل بكلماتها.
في نفس الوقت الذي كان فيه الرجال يطورون نسختهم من الإغواء، فإنّ آخرين بدؤوا يكيّفون الفن لغايات اجتماعية. عندما أخذ النظام الإقطاعي في الحكم، الخاص بأوروبا، بالتلاشي في الماضي، احتاج رجال الحاشية إلى شقِّ طريقهم في البلاط بدون استخدام القوة. لقد تعلّموا القوة التي من ِأنها أن تُكتسب بواسطة إغواء منافسيهم ومن هم أعلى منهم منزلةً من خلال الألعاب النفسية والكلمات المعسولة وقليل من الغنج. وبما أن الثقافة أصبحت ديمقراطية، فقد شرع الممثلون والغندورون والفنانون باستخدام تكتيكات الإغواء كوسيلة لسحر واستمالة مستمعيهم ووسطهم الاجتماعي. في القرن الثامن عشر حدث تغيّرٌ كبيرٌ آخر: الساسة من أمثال نابليون نظروا لأنفسهم بشكل واع على أنهم مُغوون وعلى نطاقٍ واسع. هؤلاء الرجال اعتمدوا على فن الخطابة الإغوائية، لكنهم برعوا أيضًا فيما كان استراتيجياتٍ نسائية فيما مضى: تقديم مشاهد ضخمةٍ ولافتةٍ للجمهور، مستخدمين فيها أدوات مسرحية، وخلق حضورِ جسديًّ مشحون. لقد تعلّموا أن كل هذا كان جوهر الكاريزما- ويبقى هكذا نفوذًا هائلاً بدون استخدام القوة.
لقد وصلنا اليوم إلى النقطة النهائية في تطور الإغواء. الآن وأكثر من أي وقتٍ مضى‘فإنه لا يُشَجُّع على اتّباع أيُ نوع كان من القوة أو الوحشية. كل مجالات الحياة الاجتماعية تتطلب القدرة على إقناع الناس بطريقةٍ لا تجرح أو تفرض نفسها. أنماط الإغواء يمكن إيجادها في كل مكان،
.........................................
هكذا ظهر الجمال والحب إلى الوجود؛ الآن أصبح قدر النساء أقل قسوةً، ليس مَفادُ ذلك أنهن تدبرن أن يحرّرن أنفسهن كلّيًا من حالة الاضطهاد التي حكم عليهن بها ضعفهن؛ وإنما في حالة الحرب السرمدية التي تستمر بالوجود ما بين الرجال والنساء، فإنه قد تمت مشاهدتهن- وذلك بمساعدة المُلاطَفات التي تَمكّن من اختراعها- وهن يقاتلن بلا توقف، أحيانًا يَهْزمن، وغالبًا وببراعةٍ أكثر يَستغللن القوى التي وُجّهت ضدّهن؛ في بعض الأحيان أيضًا، فقد أدار الرجال في وجه النساء هذه الأسلحة التي تجشّمت النساء عناء صنعها لتقاتلهم، وأصبحت عبوديتهن لهذا السبب أقسى بكل ما للكلمة من معنى.
- شودرلو دي لاكلو،


دامجةُ ما بين الاستراتيجيات الذكورية والأنثوية. الإعلانات تتسلل، الترويج الناعم يسود. إذا كنّا بصدد أن نغيّر من أراء الناس- والتأثير في الرأي هو شيءٌ أساسيُّ في الإغواء- فيجب أن نتصرف بطرق رقيقة ولا يمكن إدراكها بصورة واعية. في العصر الحاضر لا يمكن لأي حملة سياسية أن تنجح من دون إغواء. فمنذ حقبة جون ف. كينيدي، والشخصيات السياسية مُطالَبةٌ بأن تتحلّى بقدرٍ من الكاريزما، والحضور الآسر لكي يبقوا على انتباه جمهورهم، الأمر الذي يشكل نصف المعركة. عالم الأفلام والإعلام يخلق مجرّةٍ من النجوم والأيقونات الإغوائية. نحن مشبعون بكل ما هو إغوائي. ولكن حتى لو تغير الكثير في مدى الإغواء ومقاصده، فإن جوهره ثابت: لا تكن فارضًا نفسك بالقوة ولا مباشَرًا، عوضًا عن ذلك، استخدم اللذة كطعم، لاعبًا بذلك على مشاعر الناس ومثيرًا الرغبة والارتباك ومسبّبًا الاستسلام النفسي. في الإغواء كما يمارَس في يومنا هذا، فإن طرق كليوباترة لا تزالُ ناجعةً.
الناس يحاولون باستمرار أن يؤثّروا فينا وأن يُملوا علينا تصرفاتنا، ونحن نتجاهلهم بالضبط بعدد المرات التي يحاولون فيها هذا، مقاومين بذلك محاولاتهم لإقناعنا. لكن يوجد لحظة في حياتنا عندما نتصرف جميعاً بشكل مختلف- عندما نقع بالحب. نحن نقع تحتّ نوع من الرقية أو التعويذة. عقولنا عادةً ما تكون مشغولة بشؤوننا الخاصة. الان تصبح مليئةً بأفكار الشخص الذي نحب. فنصبح تدريجيّاً عاطفيين ونفقد القدرة على التفكير السليم ونتصرف بطرق خرقاء ما كنا لنتصرف بها في أحوال أخرى. إذا استمرت هذ الحال طويلًا بما فيه الكفاية، فإن شيئًا بداخلنا يتكشّف: نستسلم لإرادة من نحب ولرغبتنا بتملكه.
المغُوون هم أناسٌ يفهمون القوة الهائلة الكامنة في لحظاتِ استسلام كهذه. هم يحلّلون ماذا يحدث عندما يقع الناس بالحب، يدرسون المكونات النفسية للعملية- ما الذي يحفّز المخيلة وما الذي يرمي بالتعويذة. هم يتضلّعون في فن جعل الناس يقعون في الحب من خلال الغريزة والتمرين. كما علمت المُغْوِيات الأوائل، فإن خلق الحب هو شيء أكثر فعالية بكثير من
........................................
في تعليم المرأة، ترجمة ليديا دافيس، في مجموعة الفاسق الأدبية المختارة، تحرير مايكل فيهير.
إن الذكاء اللازم لممارسة الحب الأكبر بكثير من ذلك اللازم لإمْرة الجيوش.
- نينون دي إنكلو مينالايوس، إذا كنت حقّاً عازمًا على قتلها، / إذن فلترافقك بركتي، ولكن عليك أن تفعل ذلك الآن، / قبل أن يعصر جمالها أوتار قلبك/ فقد يغير ذلك رأيك؛ لأن عينيها شبيهتان بالجيوش، / وحيث ما وقعت نظراتها، تحترق المدن، / حتى ينفجر غبار خرائبها/ بتنّهداتها. أنا أعرف حماسة واندفاع رجالها، / وأنت أيضًا تعرف. وكل أولئك الذين يعرفون عذابها.
-هيكوبا يتحدث عن هيلين طروادة


خلق الشهوة. الشخص الواقع بالحب هو شخصٌ عاطفيِّ وليّن العريكة ويُخدع بسهولة.
(الأصل اللاتيني لكلمة «إغواء» هو «يحرف عن الدرب القويم» أو يضلّل) الشخص الذي تنتابه الشهوة تَصْعب السيطرة عليه ويسهل عليه أن يتركك ما إن تُشبع حاجته. المُغوون يستغرقون وقتهم، يخلقون الافتنان وروابط الحب، لذا فعندما يتبع الجنس فإنه لا يؤدّي إلّا إلى الإمعان في استبعاد الضحية أكثر. خلق الحب والافتنان يصبح النموذج لكل الإغواءات- الجنسية والاجتماعية والسياسية. سيستلم الشخص الواقع في الحب.
محاولة دحض وتنفيد قوة كهذه هو شيءٌ عديم الجدوى، كأن تتخيل أنك لست مهتمًا بها، أو أنها شريرة وقبيحة. كلما حاولت أن تقاوم شَرَك الإغواء بجهدٍ أكبر- كفكرة أو كشكل من أشكال القوة- كلّما وجدت نفسك مأسورًا أكثر. السبب بسيط: معظمنا عرف القوة المتأنية عن وقوعٍ أحدهم في حبّنا. تصرّفاتنا وإيماءاتنا والأشياء التي نقول، كلها تؤثر إيجابيًا على هذا الشخص؛ قد لا نفهم تمامًا ما الذي فعلناه بشكل صحيح، ولكن هذا الشعور بالقوة يُسكِرُنا. إنه يمنحنا الثقة التي تجعلنا أكثر إغوائيّةً. قد نختبر هذا في أُطر العمل والأوضاع الاجتماعية- في أحد الأيام نكون في مزاج عالٍ والناس يبدون أكثر تجاوبًا وأكثر انسحارًا بنا. هذه اللحظات عابرة وسريعة الزوال، لكنّها ترنّ في الذاكرة بكثافة هائلة. لا أحد يحب أن يحس بالحّرّج أو التّهَيّب أو بأنه غير قادرٍ على أن يصل إلى الناس. إن نداء الإغواء الخاص بالحورية لا يُقاوم لأنّ السّلطة لا تُقاوم، ولا شيء سيأتيك بسلطةٍ في العالم المعاصر أكثر من القدرة على الإغواء. كبت الرغبة بالإغواء هو نوعٌ من ردّة الفعل الهيستيريّة، والتي من ِانها أن تُظهِر افتتانك العميق بالعملية؛ وبالتالي فأنت لا تَزيد على جعل هذه الرغبات أقوى. يومًا ما ستصعده هذه الرغبات إلى السطح.
التّمتّع بهذه القوة لا يتطلّب تَحوَلاً شاملًا في شخصك ولا أي نوع من التحسين المادي لمظهرك. الإغواء هو لعبةٌ في علم النفس وليس في الجمال، وإنه لفي متناول الجميع أن يصبح أستاذًا في اللعبة. كل ما هو مطلوب هو أن تنظر للعالم بطريقة مختلفة، وذلك من خلال عيون المُغوي.
.........................................
لدى يوريبايدس، المرأة الطروادية، ترجمة نايل كَري لايمتلك رجلٌ القدرة على دحض خداع امرأة.
- مارغريت نافاريا هذا المسار الجانبي الهام الذي من خلاله نجحت النسوة في التملص من سطوة الرجل وتأسيس نفسها في السلطة، لم يُعط الاهتمام اللازم من قبل المؤرّخين من اللحظة التي نأت بنفسها المرأة عن الحشد- كمُنتج فرداني ناجز- وكمقَدّمةِ للمسرّات التي لا يمكن استخلاصها بالقوة، وإنما بالإطراء والمداهنة... كان قد دُشِّنَ عهد كاهنات الحب. كان تطويرًا ذا أهمّية بعيدة الأثر في تاريخ الحضارة.. فقط من خلال الطريق غير المباشر والخاص بفن الحب استطاعت المرأة


المُغوي لا يعتمد إطفاءَ وتشغيلَ القوة- وإنما ينظر لكلّ تفاعلٍ اجتماعيِّ وشخصيّ على أنه إغواءٌ محتمل. لا يوجد أبًا لحظةٌ للتضييع. وذلك لعدّة أسباب. السلطة التي يتمتّع بها المُغوون على الرجال أو النساء تفعل مفعولها في البيئات الاجتماعية لأنهم تعلموا كيفية التعتيم على العنصر الجنسي دون التخلص منه. قد نفكر بأننا ندرك طبيعتهم الحقيقية، ولكن هذا لا يهم لأنّ التواجد بقربهم ممتعٌ جدّاً في جميع الأحوال. محاولة تقسيم حياتك إلى تُغوي فيها وأُخرى تحجِم فيها متراجعًا لن يؤدي إلّا إلى تشويشك وتقييدك. الرغبة الجنسية والحب يترصّدان ويتواريان تحت سطح كل التلاقيات الإنسانية تقريبًا؛ لذا فمن الأفضل أن تطلق العنان لمهاراتك من أن تحاول استخدامها لغرفة نومك فقط. (في الواقع، المُغوي/ ية يرى/ ترى العالم كغرفة نومه/ ها.) هذا الموقف يخلق زَخَمًا إغوائيًا عظيمًا، وستكتسب خبرةً وممارسةً مع كلُّ إغواء. إغواءٌ جنسيٌّ أو اجتماعيّ واحدٌ من شأنه أن يجعل الذي بعده أسهل، وينمّي ثقتك ويجعلك أكثر إغراءً. سينجذب الناس نحوك بإعدادٍ أكبر عندما تهبط عليك هالة المُغوي.
المُغوون يّتَخَلّون بموقف المحارب ونظرته للحياة. يرون كلَّ شخصٍ كنوع من القلعة المُسَوّرة الّتي سوف يضربون حصارًا حولها. الإغواء هو عمليةً أو مسيرة اختراق: في البداية يخترقون عقل الهدف، والذي هو خط دفاعاته الأول. حالما يخترق المُغوون العقل، جاعلين بذلك الهدف يتخيّلهم ويحلم بهم، فإنه من السهل عندها أن يُخفِضوا المقاومة وأن يخلقوا استسلامًا استراتيجيّاً مثل أي قائدٍ جيّد، مستهدفين بذلك نقاط ضعف الهدف الخاصة. العائق الأساسي الذي يمنع الشخص من أن يكون مُغويًا هو هذا الحكم المسبق السخيف الذي لدينا والقاضي برؤية الحب والرومانس كنوع من العالم السحري والمقدس حيث تقع الأشياء تمامًا في مكانها، إذا كان مُقَدّرًا لها هذا. قد يبدو هذا رومانسيّاً وجذّابًا، ولكنّه مُجرّدُ غطاءٍ لكسلنا. إنّ ما يغوي الشخص هو الجهد الذي نبذله لأجله، مظهرين بذلك مدى اهتمامنا وكم هو يستحق هذا الاهتمام. ترك الأشياء للصدفة هو وصفة كارثية، ويظهر أننا لا نحمل الحب والرومانس على محمل الجد. إن ما جعل كازانوفا مُغويًا بطريقة شيطانية كان الجهد الذي بذله والبراعة التي
......................................
مجدّدًا أن تفرض على الآخرين (الرجال) الاعتراف بمركزها في النقطة التي عندها بالضبط كانت وبشكل اعتياديّ عبدةً تحت رحمة الرجل. لقد اكتشفت جبروت الشهوة، السر الكامن وراء فن الحب والقوة شبه الإلهية للشغف الموقّظِ عمدًا والذي لم يُشَع قط. من ذلك الحين فصاعدًا فقد أصبحت بداءة القوة تلك، بعد أن حُرّرت من عقالها، تُعدّ من ضمن أكثر قوى العالم ترويعًا وفي بعض اللحظات تمتلك السلطان على الحياة والموت...
الأسر المُتّعَمَد لحواس الرجل كان مُقّيَّضًا له أن يؤدّي تأثيرًا سحرّيًا عليه، وأن يفتح مجالًا أوسع ولا متناهٍ من الإحساسات، وأن يحفّزه وكأنه مُسَيرٌ بحلمٍ مُلهَم.
- آليكساندر فون


خصائصها لكن علاقة. الوقوع في الحب ليس مسألة سحر ولكنها مسألة علم نفس. حالما تفهم نفسية هدفك وتخطّط استراتيجيًا لتُكيّفها، فستصبح قادرًا بشكلٍ أفضل على رمي التعويذة «السحرية». المُغوي لا ينظر للحب كشيء مقدّس وإنما كحرب، حيث أن كل شيء فيها عادلٌ ومشروع
المُغوون لا يكونون أبدًا غارقين في ذواتهم. تتجه نظرتهم نحو الخارج وليس نحو الداخل. عندما يلتقون بأحدٍ ما فإن خطوتهم الأولى تكون الدخول إلى ذلك الشخص لكي يروا العالم من خلال عينيه. يوجد أسباب متعدّدة لهذا. أوّلها أن الاستغراق بالذات هو علامة لعدم الأمان؛ إنه أمرٌ ضد إغوائي (منفّر). الجميع لديهم مَواطِن ومكامن لعدم الأمان، ولكن المُعوين يتدبّرون تجاهلها، موجودين بذلك علاجًا للحظات التشكيك بالذات من خلال الاستغراق في العالم. هذا يعطيهم روحًا مرحة- لذا فنحن نرغب في التواجد من حولهم. ثانيها الدخول إلى مكنونات شخصٍ ما والتخيل عندها ماهيّة أن تكونه، يساعد المُغوي على جميع معلوماتٍ قيّمة ويعلّمه ما الذي يجعل ذلك الشخص يتجاوب، وما الذي سيجعله يخسر القدرة على التفكير السليم ويقع بالفخ. بعد أن تسلّحوا بمعلوماتٍ كهذه، فإنّه يصبح بمقدورهم أن يؤمّنوا الاهتمام المرَكّز والمُخصْص- سلعة نادرة في عالمٍ لا يرانا فيه مُعظَم الناس إلّا من خلال غربال أحكامهم المسبقة وتحيّزاتهم الخاصة. الدخول إلى دخيلة الأهداف هو الحركة التكتيكية المهمة الأولى في حرب الاختراق.
المُغوون يرون أنفسهم كمؤَمَّنين للمتعة، مثل النحل يجمع غبار الطلع من الأزهار ويسلّمها للآخرين. كأطفال، فإنّنا قد كرّسنا حيواتنا في المقام الأول للّعب والمتعة. الراشدون غالبًا ما يكون لديهم الشعور بأنهم قد قُطِعوا عن هذا الفردوس وبأنه قد أثقِلَت كواهلهم بالمسؤوليات. المُغوي يعلم بأن الناس يَتَرَقّبون المتعة- هم لا يحصلون أيدًا من أحبائهم وأصدقائهم على كفايتهم منها، ولا يستطيعون الحصول عليها بأنفسهم. لا يمكن مقاومة الشخص الذي يدخل حياتهم عارضًا المغامرة والرومانس. المتعة أو اللذة هي شعورٌ بأننا أخِذنا إلى أبعد من حدودنا، بأنّه قد تم اجتياحنا من قِبَلِ شخص آخر أو خضنا غمار تجربةٍ. إن الناس يستقلون كي يُجتاحوا ويُغرَقوا وكي يتخلّوا عن عنادهم المُعتاد. أحيانًا مقاومتهم لنا هي طريقةٌ للقول: رجاءً
.......................................
جلايشن- دودة السخام، طعم العالم، ترجمة حنا والر.
أول شيء يجب أن تضعه في ذهنك هو أن كل/ فتاة يُمكن الحصول عليها- وأنك سوف تحصل عليها/ إذا نَصبتّ أشراكك بشكلٍ صحيحٍ. الطيور عاجلًا ما ستقعُ بكماء في فصل الربيع، / الزيزات في الصيف، أو أنه من الجواز/ بمكان أن يدير كلب صيدٍ ظهره لأرنب وحشية/ ولا أن تفشل إغراءات العاشق الرقيقة/ مع امرأة، حتى تلك التي تفترض/ أنها راغبة عنك سترغب بك.
- أوفيد، فن الحب، ترجمة بيتر غرين.
إن مزيج هذين العنصرين، الافتتان والاستسلام، هو إذن أساسيُّ للحب الذي نناقشه.. إنّ ما يوجد في الحب هو


أغووني. المُغوون يعلمون أنّ إمكانية اللذة ستجعل الشخص يتبعهم، وأنّ اختبارها سوف يجعل الشخص منفتحًا وضعيفًا أمام اللمسة. هم أيضًا يدرّبون أنفسهم ليكونوا حساسين للذة، لعلمهم أنّ إحساسهم باللذة هم أنفسهم سيسهّل عليهم كثيرًا أن يُعدوا بها الناس الذين من حولهم.
المُغوي يرى الحياة كلها كمسرح، وكل واحدٍ كممثّل. معظم الناس يشعرون بأن لديهم أدوارًا محدودة وضيقة في الحياة، وهذا ما يجعلهم غير سعداء. المُغوون، في المقلب الآخر، يمكنهم أن يكونوا هنا هو الإله زيوس- المُغوي الذي لا يشبع من العذراوات الفّتِيّات- الذي كان سلاحه الأساسي هو القدرة على اتخاذ شكل أيّ شخصٍ أو حيوانٍ من شأنه أن يّروق كأشد ما يكون لضحيته.) المُغوون يستحصلون على اللذةِ من التمثيل ولا تُرهقهم هويّتهم ولا حاجةٌ ما لأن يكونوا أنفسهم أو طبيعيّين. هذه الحرّية الخاصة بهم وهذه المرونة والطلاقة في الجسد والروح هي ما تجعلهم جذابين. ما يفتقده الناس في حياتهم هو ليس مزيدًا من الحقيقة وإنما المزيد من الوهم والخيال واللعب. الملابس التي يرتديها المُغوي، الأماكن التي يأخذونك إليها، كلماتهم وأفعالهم، هي جميعها مُوَضّحة فليلًا ومُبرَزة- ليست مسرحيّةً بشكل أكثر مّما ينبغي وإنما تتحلّى بإطارٍ سارّ من اللاواقعية، كما لو أن كليكما كان يعيش جزءًا من حكاية أو كان شخصيّةً في فيلم. الإغواء هو نوعٌ من المسرح في الحياة الواقعية، التقاء الوهم بالحقيقة.
أخيرًا فإن المُغوين وبشكل كامل ليسوا أخلاقيين ولا غير أخلاقيين في مقاربتهم للحياة. فكل شيء لعبة ومضمارٌ للعب. هم لا يُقلقون أنفسهم بآراء الناس الآخرين لأنّهم يعلمون أن المنظّرين في الأخلاق، أو الأنماط المكبوتة المُعَقّدة النكدة التي تنعب كالغربان تذمّرًا من شرور المُغوين، يحسدون قواهم سرّاً. هم لا يتعاملون بالأحكام الأخلاقية- ولا شيء أقلُّ غوايةً من هذا. إنّ كل شيءٍ ملائمٌ ومرِنٌ كالحياة نفسها. الإغواء هو نوعٌ من الخداع ولكن الناس يحبّون أن يَتِمَّ تضليلهم ويتوقون لأن تتمّ غوايتهم. ولم يكن الإغوائيين ليجدوا هذا الكم من الضحايا الطوعيين لو لم يكن الناس كذلك. تخلص من أيٍّ نزعةٍ لإصدار الأحكام الأخلاقية، تبنّ فلسفة المُغوي المازحة واللعوبة، وستجد بقية العملية سهلة وطبيعية.
.....................................
الاستسلام نتيجة الافتتان.
- خوسيه أورتيغا واي جازيت، عن الحب، ترجمة توبي تالبو ما هو الخير؟ - هو كل ما يزيد الإحساس بالقوة، إرادة القوة، والقوة نفسها لدى الإنسان.
ما هو الشر؟ - هو كل ما ينبع عن الضعف.
ما هي السعادة؟ - هي الإحساس بأن القوة تَتزايد- والمُقاومة تُتَخطّى- فريديريك نيتشة نقبض- المسيح، ترجمة آر جاي هولليندال السخط، العصاب، الكرب والإحباط التي يواجهها التحليل النفسي تأتي بلا شك من عدم قدرة الشخص على أن يجب أو يُحَب، وعلى أن يمنح أو


فن الإغواء مصمّمٌ كي يسلّحك بأسلحة الإقناع والسّحر، وذلك كي يخسر أولئك الذين من حولك القدرة على المقاومة بدون أن يعرفوا كيف أو لماذا حدث هذا. إنه فن الحرب للأزمنة المرهفة.
لكلِّ إغواء عنصران يجب عليك أن تحلّلهما وتفهمهما: أوّلًا مفسك وما هو العامل المُغوي فيك؛ وثانيًا أهدافك والتصرفات التي ستخترق دفاعاتهم وتخلق الاستسلام. للوجهين نفس درجة الأهمية. فإذا خططت استراتيجيّاً دون الاهتمام بجوانب شخصيتك التي تجذب الناس إليك، فسوف يُنظَر إليك كَمُغو ميكانيكيّ، نَزِج ومُتلاعب. إذا اعتمدت على شخصيتك المُغوية دون الاهتمام بالشخص الآخر، فسوف ترتكب أخطاءً مرعبة وتحد من إمكاناتك.
وبالتالي فإن فن الإغواء مُقَسَّمٌ لقسمين. الصف الأول، «الشخصية الإغوائية» يصف الأنماط التسعة للمُغوي، بالإضافة إلى نقيض المُغوي. دراسة هذه الأنماط ستجعلك مُدرِكًا لما هو مُغوٍ بشَكل فطريّ في شخصيتك التي هي لْبنة البناء الرئيسية لأيّ إغواء. النصف الثاني، «العملية الإغوائية»، تتضمن المناورات الأربع والعشرين والاستراتيجيات التي ستُرشِدُك إلى كيفية خلق الرقية وإضعاف مُقاومة الناس، ومنح الحركة والقوة لإغوائك، وإحداث الاستسلام لدى أهدافك. كنوع من الجشر ما بين القسمين، هناك فصل عن أنماط ضحايا الإغواء الثمانية عشر- كل واحدٌ منها يفتقد شيئًا في حياته، وكلُّ يحتضنُ فراغًا بوسعك أن تملأه. ستساعدك معرفتك مع أي نمطٍ تتعامل على وضع الأفكار في كلا القسمين موضع التطبيق. تجاهل أي قسم من هذا الكتاب وستصبح مُغويًا ناقصًا.
الأفكار والاستراتيجيات في فن الإغواء مستندة على الكتابات والروايات التاريخية للمُغوين الأكثر نجاحًا في التاريخ. الموارد تتضمن مذكّرات المُغوين الخاصة (من قبل كازانوفا، إيرول فلِن، ناتلي بارني، مارلين مونرو)؛ سيرة حياة (كليوباترة، جوزِفين بونابارت، جون إف كينيدي، الدوق إللينجتون)؛ كُتَيّبات عن الموضوع (أجدرها بالذّكر كتاب أوفيد فن الحب) وروايات قصصية عن الإغواء (علاقات سرية خطرة لِشوديرلو دي لاكلو، يوميات مُغوي لشسورين كير كجارد، حكاية جنجي لِموراساكي
..........................................
يتلقى المتعة، ولكن اللامبالاة الجذرية تتأتى من الإغواء وحالات الفشل فيه.
فقط أولئك الذين يقعون كليًا خارج نطاق الإغواء هم المرضى، حتى ولو ظلوا قادرين على الحب وممارسته.
التحليل النفسي يعتقد أنه يعالج اضطرابات الجنس والرغبة، ولكنه في الواقع يتعامل مع اضطرابات الإغواء.. إن أكثر مشاعر النقص جدّيةّ تتّصل بالفتنة وليس باللذة، بالسحر وليس بإشباعٍ جنسيِّ أو حضيويُّ ما.
- جان بودريلار، الإغواء كل ما يُفعَل انطلاقًا من الحب يحصل دائمًا خارج نطاق الخير والشر.
- فريديريك نيتشة، ما بعد الخير والشر، ترجمة والتر كاوفمان


شيكيبو). أبطال وبطلات هذه الأعمال الأدبية مُصاغون عُمومًا على غرار مُغوينّ من الحياة الواقعية. الاستراتيجيات التي يوظّفونها تُظهر الصلة الحميمة ما بين الخيال والإغواء، وما بين خلق الوهم وقيادة الشخص بمحاذاته. لدى وضع دروس الكتاب موضع التطبيق، تكون قد سِرت على درب أساتذة الفن العظام.
أخيرًا، فإن الروحية التي ستجعلك مُغويًا من الطراز الأول هي الروحية التي يجب أن تقرأ الكتاب بها. الكاتب الفرنسي دينيس ديديرو كتب ذات مرة، «أمنح عقلي الحرية ليتَّبع أول فكرة حكيمة أو حمقاء تقدم نفسها، كما يجري شبّاننا المنحلّون- في جادة دي فوي- في أعقاب مومس ما، ومن ثمّ يتركونها ليطاردوا أخرى، مُستَهدفين جميعهنّ وغير مُتَعلّقين بأيّ واحدة. أفكاري هي مومساتي.» لقد عنى أنه يترك لنفسه أن تُغوى بالأفكار- فيعتَنِق أيّ واحدة منها إذا أثارت ولعه إلى أن تأتي فكرةٌ أفضل- ولخواطره أن يُبَثّ فيها نوعٌ من النشاط الجنسي. افعل كما نصح ديديرو بمجرّد ما تخوض في هذه الصفحات: دع نفسك تُغرى وتُسْتَدرج من قبل القصص والأفكار، ودع عقلك منفتحًا وأفكارك مرنة وسلسة. ستجد نفسك وقد تَشَرَّبتّ السّم ببطءٍ من خلال مسام جلدك وستبدأ برؤية كل شيء بمثابة إغواء، بما في ذلك الطريقة التي تفكر بها وكيف تنظر إلى العالم.
جُلّ العفّة هي تَطَلُّبٌ لإغواءٍ أكبر
- ناتالي بارني
.........................................
في حال افتقد أيُّ امريء هنا في روما الحيلة في اصطناع الحب، / دعه/ يجربني- يقرأ كتابي، فالنتائج مضمونة! / التقنية هي السر. سائق العربة، البحار، المُجَذِّف، / الجميع يحتاجها. التقنية تستطيع التّحكّم/ بالحب نفسه.
- أوفيد، فن الحب، ترجمة بيتر غرين


فن الإغواء


القسم الأول
الشخصية الإغوائية


نحن جميعًا لدينا قوة الجاذبية- القدرة على اجتذاب الناس وإبقائهم تحت هيمنتها. على الرغم من هذا فإن المدركين لهذه القدرة الداخلية بعيدون عنّا جميعًا. على الرغم من هذا فإن المدركين لهذه القدرة الداخلية بعيدون عنا جميعًا، فنحن نتخيل الجاذبية عَوَضًا عن ذلك كَنَزعَةٍ مُلَغَّزة خَفِيّة تكاد تكون ذات معنى روحي غير مُدَركٍ بالعقل والتي يتمتع بها وبالفطرة قلّةٌ مختارة في حين أنّ البقية لن ينالوها أبدًا. ومع ذلك فكل ما نحتاج عمله لنتحقق قدراتنا هو أن نفهم ماهية الشيء في شخصية الإنسان الذي يستثير الناس بشكلٍ طبيعي وأن نطوّر هذه الخصائص الكامنة والمستترة فينا.
الإغواءات الناجحة نادرًا ما تبدأ بمناورةٍ واضحة أو بحيلةٍ استراتيجية. هذا سيثير الشك حتمًا. الإغواءات الناجحة تبدأ بشخصك، بقدرتك على أن تشع بخاصيةٍ مُعينةٍ من شأنها أن تجتذب الناس وتُحرّك مشاعرهم بطريقةس خارجةٍ عن سيطرتهم. نظرًا لكون ضحاياك مُنوّمين مغناطيسياً بشخصيتك المُغوية، فإنهم لم يلاحظوا تلاعباتك اللاحقة. سيكون عندها تضليلهم وإغواءهم شيئًا شبيهًا بلعب الأطفال لسهولته.
هناك تسعةُ أنماط من المُغوين في هذا العالم. كل نمط لديه نزعةٌ مُحَددة في شخصه والتي تنبع من داخل أعماقه وتخلُقُ شَدّاً مُغوياً. الحوريات لديهن فيضٌ من الطاقة الجنسية ويعلمن كيغية استخدامها. الخليعون يهيمون ظمأ بالجنس الآخر، ورَغْبَتُهم مُعدِية. العاشقون المثاليون لديهم حساسيّة جماليّة يخصّصونها للرومانس. الغندورون يحبون أن يتلاعبوا بصورتهم، خالقين بذلك إغراءً لافتًا للنظر وخُنثويّاً. الطبيعيون عفويّون ومنفتحون. المغناجون مُكتَفون ذاتيّاً، مع رباطة جأشٍ أسرة في نواتهم. الساحرون يريدون ويعلمون


كيف يَسُرّون- هم مخلوقات اجتماعية. الكاريزمانيون لديهم ثقة غير عادية بأنفسهم. النجوم أثيريون ويَلُفّون أنفسهم بالغموض.
سستأخذك الفصول في هذا القسم إلى داخل كلَّ من الأنماط التسعة. واحدٌ منها على الأقل من ِأنه أن يضرب وترًا حسّاسًا- سوف تتعرّف على جزء من نفسك. ذاك الفصل سيكون المفتاح لتطوير قدراتك الخاصة في الجاذبية. دعنا نقول أنه لديك نزعاتٌ مغناجية. فصل المغناج سيريك كيف تبني على اكتفائك الذاتي، وكيف تناوب ما بين الحرارة والبرودة حتى توقع ضحاياك في شركك. سيُبَيّن لك كيف تمضي بسجاياك الطبيعية إلى ما هو أبعد، فتصبح مغناجًا عظيمًا وهو النوع الذي نتقاتل عليه. لا يوجد مغزى في أن تكون هيّابًا وخجولًا فيما يتعلّق بخاصيةٍ إغوائية. نحن نُسحَر بالخليع القليل الحياء ونتغاضى عن تجاوزاته، أما الخليع المتردّد فلا يحظى بأي احترام. بمجرّد ما تصقل النزعة الأبرز في شخصيتك، مُضفيًا بعض الفن إلى ما حَبتْكَ به الطبيعة، فتستطيع عندها أن تطوّر نزعةً ثانية أو ثالثة، مضيفًا بذلك العمق والغموض إلى صورتك الشخصية التي تود أن تبرزها. أخيرًا فإن الفصل العاشر من القسم، عن نقيض المُغوي؛ سيجعلك مُدركًا للمقدرة المضادة بداخلك- قوة التنفير. يجب عليك وبأي ثمن أن تجتَثّ أي ميول ونزعات ضد إغوائية قد تكون لديك.
فكّر بالأنماط التسعة كظلالٍ أو صُورٍ ظلّية. فقط بالولوج إلى إحداها وإفساح المجال لها لتنمو بداخلك، تستطيع عندها أن تبدأ بتطوير الشخصية الإغوائية التي ستجلب لك قوّة غير محدودة.


الحورية
إن الرجل
غالبًا ما يكون مقموعًا
نتيجةُ للدور الذي يتعين عليه
أن يلعبه- لأنه يتعين عليه أن يكون
مسؤولاً ومتحكمًا وعقلانيًا. فالحورية هي
الرمز المطلق لأهواء الرجل وخيالاته الجامحة
لأنها تقدم التحرر الكامل من قيود حياته. في
حضورها، الذي دائمًا ما يكون مُبرَزاً ومشحونًا
جنسيًا، يشعر الرجل بأنه قد انتقل إلى مملكة من
اللذة الخالصة. خطيرةٌ هي، ومن خلال ملاحقتها
بحماسة فقد يفقد الرجل سيطرته على نفسه،
الأمر الذي يتوق لفعله. الحوريّة سراب؛ هي
تغري الرجال من خلال تنمية نوع محدّدٍ من
الشكل والسلوك. في عالم يحول فيه حياء
النساء وتهيبهن دون إظهارهن لهكذا
صورة، تعلّمي أن تتحكمي بليبيدو
الرجل من خلال تجسيد
أحلامه ونزواته.
الحورية المُبهِرة (الدراماتيكيّة)
في العام الثامن والأربعين قبل الميلاد، تدبّر بطليموس الرابع عشر أن يخلع وينفي أخته وفي نفس الوقت زوجته، الملكة كليوباترة، وتأكّد من عدم عودتها عبر حدود البلاد وبدأ يحكم بمفرده. في وقتٍ لاحقٍ من تلك السنة، قَدِمَ يوليوس قيصر إلى الإسكندرية ليضمن استمرار ولاء مصر لروما على الرغم من صراعات القوى المحلية. ذات ليلةٍ كان قيصر يعقد اجتماعًا مع قادته في القصر المصري ويناقش الخطط الاستراتيجيّة، عندما دخل أحد الحراس ليُبلغ أن تاجرًا يونانيًا كان عند الباب ومعه هدية كبيرة وقيمة للقائد الروماني. قيصر- كونه كان راغبًا بقليلٍ من المرح- أعطى التاجر الإذن بالدخول. دخل الرجل وهو يحمل على كتفيه سجّادةً كبيرةً ملفوفة. حلّ وثاق الحبل حول الحزمة وبسطها بحركة خاطفة من معصميه- مُظهِرًا كليوباترة اليافعة التي كانت مختبئة بالداخل، والتي نهضت نصف عارية أمام قيصر وضيوفه، مثل الآلهة فينوس وهي تنبثق من بين الأمواج.
الجميع انبهر لدى رؤيتهم للملكة الشابة الجميلة (كانت عندها في الحادية والعشرين فقط) وهي تظهر أمامهم فجأةً كما في الحلم. لقد صُعِقوا بجرأتها وطريقتها المسرحية- هُرَّبت إلى داخل المرفأ ليلًا برفقة رجلٍ واحدٍ ليحميها، ومخاطرةً بكل شيء بخطوةٍ جسورة. لم يكن أحدٌ مسحورًا أكثر من قيصر. اعتمادًا على رواية الكاتب الروماني ديو كاسيوس، فقد كانت «كليوباترة في أوج حياتها. كانت تمتلك صوتًا مُبهجًا لا يمكن أن يُخفق في رمي الرقية على كل من سمعه. هكذا كان سحر شخصها وحديثها إلى حد أنهما اجتذبا إلى شراكها كاره النساء الأكثر جفاءً وتصميمًا على كرهه
...................................
في الوقت الراهن فإن سفينتنا الحسنة، مع تلك الرياح الممتازة لتقودها، سرعان ما وصلت إلى جزيرة الحوريات. لكن الآن فإن النسيم توقّف، قوَةٌ ما خّمدت الأمواج، وحلّ هدوُء منقطع الأنفاس.
اجتذب رجالي الشراع وتبنوه بعد أن نهضوا من مقاعدهم، ومن ثم اخذوا يجذون بمجاذيفهم ذات الشفرات المصنوعة من الصنوبر المصقول حتى استحال الماء زبدًا أبيض. في هذه الأثناء أخذت قطعةً


هذا. قيصر كان مسلوب اللب بمجرّد ما وقعت عيناه عليها وفتحت فمها لتتكلم» في نفس تلك الليلة أصبحت كليوباترة حبيبة قيصر.
قيصر كان لديه العديد من العشيقات من قبل، لكي يلهينه عن شدائد حملاته القاسية. ولكنّه كان سرعان ما يتخلّص منهن ليعود إلى ما كان يثيره حقًا- المكائد السياسية، تحديات الحرب، والمسرح الروماني. قيصر كان قد رأى النساء وهن يحاولن كل ما في وسعهن لإبقائه تحت سحرهن؛ ومع ذلك فلم يكن شيءٌ قد حضّره لكليوباترة. في إحدى الليالي كانت تقول له كيف كان باستطاعتهما سويّةً أن يُحيِيا مجد الإسكندر العظيم ويحكما العالم كالآلهة؛ وفي الليلة الأخرى كانت تُرَوِّح عنه بأن ترتدي كالإلهة إيزيس وهي مُحاطة بأُبّهة بلاطها. لقد زجّت كليوباترة بقيصر في أحط ألوان القصف والمجون، مُقَدّمةً نفسها كتجسيد للفرادة المصرية. حياته معها كانت لعبةً دائمةً، ملأى بالتحديات كالحرب، لأنه في اللحظة التي كان يشعر فيها بالأمان والطمأنينة معها فإنّها كانت تنقلب فجأةً باردةً أو غاضبة، وكان يتعين عليه أن يجد طريقةً لنيل حظوتها.
مرت الأسابيع. تخلص قيصر من جميع مُزاحمي كليوباترة وأوجد أعذارًا ليبقى في مصر. في إحدى المراحل أخذته في رحلة تاريخيةٍ باذخةٍ نزولًا عبر النيل. في قاربٍ ذي فخامةٍ لا توصف- يرتفع أربعًا وخمسين قدمًا فوق الماء، ويتضمن عدّة مستويات مزوّدة بُشرُفات ومعبدٍ مّدعّم للإله ديونيسوس (إله الخمر والنباتات في الميثيولوجيا الإغريقية: المترجم) - أصبح قيصر أحد الرومانيين القلائل الذين تَفَرّسوا في الأهرامات. وخلال إقامته الطويلة في مصر، بعيدًا عن عرشه، اندلعت جميع أنواع الاضطرابات.
عندما اغتيل قيصر في العام 44 قبل الميلاد، خلفته حكومة الثلاثة ومن ضمنها مارك أنطوني الذي كان جنديًا شجاعًا مُحبّاً للمتعة والمشاهد غير الاعتيادية والذي تصَوّر نفسه كنسخةٍ رومانية عن ديونيسوس. بعد بضعة سنوات، عندما كان أنطوني في سوريا، دعته كليوباترة ليأتي لملاقاتها في بلدة طرسوس المصرية. كان ظهورها هنالك- حيث كانت قد جعلته ينتظرها ذات مرّة- مُروّعًا بأسلوبه بقدر ما كان ظهورها الأول أمام قيصر.
.............................................
دائرّيةً كبيرةً من الشمع، وقطّعتها بسيفي إلى قطعٍ أصغر، وعجنت القطع بكل ما أوتيت أصابعي من قوة.
سرعان ما لان الشمع لِمعالجتي القوية وأصبح ساخنًا بالتدريج، وذلك لأنه كان لدي أشعة مولاي الشمس لتساعدني. أخذت كلّ واحدٍ من رجالي بدوره وسددت أذنيهم بالشمع.
وعندها جعلوني سجينًا على متن سفينتي بتقييد يديَّ ورجلّي وأنا واقفّ على سناد الصاري وربط نهايات الحبال بالصاري نفسه.
عندما أتموا فعلتهم هذه، جلسوا مَرةً أخرى وضربوا المياه العكرة بمجاذيفهم.
أحرزنا تقدّمًا جيدًا وأصبحنا للتو على مسافة صيحةٍ من الشاطئ، عندما أدركت الحورّيات بأنّ سفينةّ كانت تُطبقُ عليهم بسرعة،


بارجةٌ ذهبيّةٌ مهيبةٌ بأشرعةٍ أرجوانية ظهرت على نهر سيدنوس. جذّف الجذّافون على أنغام الموسيقى الأثيرية؛ ومن حول المركب كانت هناك حسناوات يافعات مرتديات كالحوريات والرموز الميثيولوجية. جلست كليوباترة على ظهر المركب وهي محوطة برجال على هيئة كيوبيد (إله الحب عند الرومان) كانوا يُهوّونها بالمراوح، وتوضّعت كأفروديت (إلهة الحب والجمال عند الإغريق) التي أنشد الحشد اسمها بحماس.
شعر أنطوني بمشاعر مُختلطة كجميع ضحايا كليوباترة. كان من الصعب مقاومة الملذات الفريدة التي كانت تقدمها. لكنّه أيضًا أراد أن يروّضها- أن يهزم هذه المرأة اللامعة والمعتدة بذاتها كان من ِأنه أن يُثبتّ عظمته. وهكذا قرر أن يبقى، ووقع، مثل قيصر، تدريجيًا تحت سحرها. لقد دلّلته وأطلقت له العنان فيما يتعلّق بجميع مكامن ضعفه- القمار، الحفلات الصاخبة، الطقوس المُنّمّقة، والعروض الباذحة. قدّم له أوكتافيوس، الذي كان عضوًا آخرًا في حكومة الثلاثة، وزوجةّ وذلك ليحمله على العودة إلى روما: أخت أوكتافيوس الشقيقة، أوكتافيا التي كانت واحدة من أشد النساء جمالًا في روما. نظرًا لكونها معروفة بفضيلتها وطيبتها، فقد كانت تستطيع بالتأكيد أن تُبقيه بعيدًا عن «العاهرة المصرية» نجحت الحيلة لفترة قصيرة، لكنّ أنطوني لم يكن قادرًا على نسيان كليوباترة، ورجع إليها بعد ثلاث سنوات. هذه المرة كانت للأبد: كان قد أصبح في حقيقة الأمر عبد كليوباترة، مانحًا إياها سلطات هائلة، ومُتَبنّيًا الزي والعادات المصرية ومُتَنَكّرًا لعادات لروما.
لم يبقَ سوى صورةٍ واحدةٍ لكليوباترة- صورة جانبية على عملة معدنية بالكاد مرئيّة- ولكنه لدينا العديد من الأوصاف المكتوبة. كان وجهها طويلًا نحيفًا وأنفها مُدبّبًا نوعًا ما؛ ملامحها الأبرز كانت عيناها الكبيرتان بشكلٍ رائع. لم تكمن سلطتها الإغوائية في شكلها- بالفعل فقد كان العديد من النساء في الإسكندرية يُعتَبَرن أشدُّ جمالًا منها. الشيء الذي امتلكته كليوباترة دون جميع النساء الأخريات كان القدرة على إلهاء
...........................................
وتقتحم غناءهن العذب. •غنّين «أذن قريبًا يا أوديسوس اللامع، يا زهرة الفروسية الإغريقية، واجلب سفينتك لترتاح حتى يُتاح لك أن تسمع أصواتنا. لم يحدْث أبدًا أن أبحر رجلّ بعد هذه البقعة دون أن يستمع للأنغام العذبة التي تتدفق من شفاها..». الأصوات المُحببة قدمت إلي عبر الماء، وامتلأ قلبي بتوق شديد للاستماع حتى أشرت لرجالي بطأطأةٍ وتجهّم أن يُطلقوا سراحي.
- هوميروس، الأوديسة، الكتاب الثاني عشر، ترجمة إي. في. ريو
كان سحر حضور [كليوباترة] لا يُقاوّم وكان هنالك جاذبٌ في شخصها وحديثها، كلاهما مع قوّة شخصيةٍ


الرجل. في الحقيقة فإنّ كليوباترة لم تكن استثنائيةً من الناحية الجسمانية وملم يكن لديها سلطة سياسية، ومع ذلك فإن كلاًّ من قيصر وأنطوني لم يريا شيئًا من هذا. ما رأياه كان امرأةُ تتحوّل باستمرار أمام أعينهما، امرأة- مشهد. كان زيّها وماكياجها يتغيران من يوم لآخر، ولكنّهما أعطياها دائمًا مظهرًا متفوّقًا وشبيهًا بالألهة. كان صوتها- الذي يتكلم عنه جميع الكتّاب- مُتَفاوِتًا في طبقته بطريقةٍ محبّبة ومُسكرة. كان بوسع كلماتها أن تكون مُبتذلة بما فيه الكفاية، لكنّها كانت تُتَكلّم بِعذوبةٍ بالغة لدرجة أن مّستمعيها كانوا يجدون أنفسهم يتذكّرون ليس كلاهما وإنما الطريقة التي تقول بها كلامها.
قدّمت كليوباترة تَنَوّعًا دائمًا- عرابين إعجاب واحترام، معارك صوريّة، رحلات، حفلات جنسٍ وتنكّرٍ جماعية. كل شيء كان موسومًا بلمسةٍ درامية ومُنجَزًا بطاقةٍ فيّاضة. في الوقت الذي تضع فيه رأسك على الوسادة بجانبها، فإنّ عقلك يأخذ يدور بصورٍ وأحلام. وبمجرّد ما تعتقد أنك حصلت على هذه المرأة المتدفّقة والعظيمة الثقة بالنفس والمتوهّجة، فإنها تنقلب غير ودودة أو غاضبةٍ، موضّحةً بذلك أن كلّ شيءٍ كان يجري وفقًا لشروطها هي. أنت لا تتملّك كليوباترة أبدًا، وإنما تعبدها. بهذه الطريقة تمكنت امرأةٌ كانت قد نُفِيَت وقُدّر عليها أن تموت مُبَكّرًا من أن تدير الأمور كلّها رأسًا على عقب وتحكم مصر لما يقارب العشرين عامًا.
نتعلّم من كليوباترة أنّ الجمال ليس هو ما يصنع الحورية وإنما المسحة المسرحية التي تجيز للمرأة أن تجسّد خيالات الرجل. يضجر الرجل من المرأة مهما بلغ جمالها؛ فهو يتوق لِمُتَعٍ مختلفة، وللمُغامرة. كل ما تحتاجه المرأة لتقلب الأمور رأسًا على عقب هو أن تخلق الوهم بأنها تقدم هذا التنوع وهذه المغامرة. يُخدَعُ الرجل بالمظاهر بسهولة؛ فهو لديه ضعفٌ تجاه الجوانب البصرية. إخلقي الحضور المادي للحورية (إغراء جنسي مُعَمّق وممزوج بسلوكٍ ملكي ومسرحي) فستريه وقد وقع في الفخ. لا يستطيع أن يملّ منك وبالتالي لا يستطيع أن ينبذك. أبقي المُلهّيات مُشْهَرةً، ولا تدعيه يرى من تكونين أنتِ حقّاً. سوف يتبعك حتى يغرق.
......................................
مُمَيّزةٍ، تخلّلوا كل كلماتها وأفعالها، ووضعت كل من عاشرها تحت سحرها. كان مجرّد الاستماع لوقع صوتها مبعث بهجةٍ، والذي بواسطته- كأداةٍ موسيقيّةٍ ذات أوتارٍ عديدة- استطاعت أن تنتقل من لغةٍ إلى أخرى.
- بلوتارك، صُنّاعُ روما، ترجمة إيان سكوت- كليفرت
الجاذبية الفورية لأغنيةٍ، لصوت، لِشذا. جاذبية النمر بأريجه المُعَطّر.. تَبعًا للقدماء، فإن النمر هو الحيوان الوحيد الذي يبتعث رائحةً مُعَطّرة. إنه يستخدم هذه الرائحة ليجتذب ضحاياه ويقبض عليهم.. لكن ما الذي يُغوي في العطر؟ ... ما الذي يُغوينا في أغنية الحوريات، أو في جمال الوجه، أو في أعماق الّلجج...؟


حورية الجنس
نورما جاين مورتنسون- والتي أصبحت مستقبلًا مارلين مونرو- أمضت شطرًا من طفولتها في دور أيتام لوس آنجلس. كانت أيامها مليئة بالأعمال المنزلية الروتينية البغيضة وخالية من اللعب. في المدرسة نأت بنفسها، نادرًا ما ابتسمت وكثيرًا ما حلمت. ذات يوم عندما كانت في الثالثة عشرة، بينما كانت ترتدي ثياب المدرسة، لاحظت أن بلوزتها البيضاء التي زوّدها بها الميتم كانت ممزّقة، لذا وَجب عليها أن تستعير كنزةٌ صوفيةٌ غليظةً من فتاةٍ أصغر منها في الميتم. الكنزة كانت أصغر منها بعدّة قياسات. ذلك اليوم –على حين غرّة- بدا أن الصبية يتجمّعون حولها حيثما حلّت (كانت نامية وجسمها مُتّبنِّ جدّاً بالنسبة لفتاة في سنّها). كتبت في دفتر يوميّاتها، «حدّقوا في كنزتي كما لو كانت منجم ذهب».
كان الاكتشاف بسيطًا ولكن مُروّعًا. كانت في السابق مُتّجاهَلة لا بل وحتى محطّ سخرية الطلاب الآخرين، أمّا الآن فقد أحست نورما جاين بطريقةٍ لنيل الاهتمام، ولرّبما القوة حتى، لأنها كانت جامحة الطموح. أخذت تبتسم أكثر وتضع الماكياج وتلبس بشكل مختلف. وسرعان ما لاحظت شيئًا مُذهلًا ومُروّعًا بدرجة مساوية: وقع الصبية بشغف في حبها بدون اضطرارها لأن تقول أو تفعل شيئًا. كتبت «كان المعجبون بي جميعهم يقولون الشيء نفسه ولكن بطرق مختلفة. رغبتهم في أن يقبّلوني ويضمّوني كانت خطئي. البعض قال أنها كانت الطريقة التي أنظر بها إليهم- بعيونٍ ملأى بالشغف آخرون قالوا أنه كان صوتي الذي أغراهم بالاقتراب. بالإضافة إلى ذلك فقد زعم آخرون أنني أولّد ذبذباتٍ تطرحهم أرضًا».
بعد عدّة سنوات كانت مارلين تحاول أن تشق طريقها في عالم الأفلام. المنتجون كان يقولون لها الشيء نفسه: أنها كانت جذابةً كفايةً كشخص، ولكن وجهها لم يكن جميلًا بما فيه الكفاية للأفلام. كانت تحصل على العمل كمُستَخدَمة إضافية للتمثيل في المشاهد الجماعية، وعندما كانت تظهر على الشاشة- حتى ولو للحظات معدودةٍ فقط- فإن الرجال من المشاهدين كانوا يصبحون شديدي التوق والحماسة، ودور السينما كانت تنفجر بالصيحات. لكنّ أحدًا لم ير أيّ ميزةٍ نجومية في ذلك. في
.............................................
الإغواء يكمن في بطلات الإشارات ومعانيها، في المظهر الخالص، الأعين التي تُغوي لا تتضمّن معنى، فهنّ ينتهين في التحديقة، كما ينتهي الوجه المُبرّج في المظهر البحت... عبير النمر هو أيضًا رسالة بلا معنى- ومن خلف الرسالة يكون النمرُ غير مرئي، كما تكون المرأة خلف الماكياج.
الحوريات أيضًا يظللن عير مرئيات. السحر يكمن فيما هو مُخَبّأ.
- جان بودريلار، الإغواء.
نحن ننبهر بالزينة الأنثوية، بالمظهر السطحي، / كل الذهب والمجوهرات: قليلٌ جدّاً مما نلاحظه/ هو الفتاة نفسها وأين (قد تتساءل) وسط هذه الوفرة/ يمكن أن يوجد موضوع شغفنا؟


أحد الأيام من عام 1949، عندما كانت في الثالثة والعشرين فقط ومسيرتها المهنية في حالة توقفس تام، التقت مونرو بشخصٍ على العشاء والذي أخبرها أن منتجًا مُكلّفًا بتوزيع الأدوار لِفيلم جديد من بطولة جروتشو ماركس، أُحب السعادة، كان يبحث عن ممثلة للقيام بدور فتاة شقراء مُدوّخة تستطيع أن تمر بجانب جروتشو بطريقة من شأنها –حسب كلماته- «أن توقظ الليبيدو الكهولي الخاص بي وتجعل الدخان ينبعث من أذنيّ» بينما كانت تؤدي تجربة الأداء، ارتجلت مشيتها الخاصة بها. فقال جروتشو بعد أن رأى سيرها المتّئد: «إنها كلِّ من ماي وست وثيدا بارا (ممثلين)، ولعبة الباريي وقد التفوا في كينونةٍ واحدة. سنصوّر المشهد غدًا» وهكذا ابتدعت مارلين مشيتها الشائنة، مشيةٌ بالكاد كانت طبيعية ولكنها قدمت مزيجًا غريبًا من الجنس والبراءة.
عبر السنوات القليلة التالية، علّمت مارلين نفسها عن طريق التجربة والخطأ كيفية تعميق الأثر الذي لديها على الرجال. لطالما كان صوتها جذّابًا- كان صوت فتاة صغيرة. لكن في الأفلام فقد كان لديه محدوديات إلى أن علمها أخدهم أخيرًا كيف تخفّضه، مما أعطاه الطبقات العميقة والمصحوبة بأنفاسٍ مسموعة والتي أصبحت علامتها التجارية للإغواء، مزيجًا من الفتاة الصغيرة والمرأة المشاكسة الشبيهة بأنثى الثعلب. قبل أن تظهر على التلفاز أو حتى في حفلة، كانت مارلين تمضي ساعات أمام المرأة. معظم الناس افترضوا أن هذا كان وليد الخُيّلاء والغرور- أي أنها كانت واقعة في غرام صورتها. الحقيقية كانت أن صورتها تلك كانت تستغرق ساعات حتى تُخلَق. أمضت مارلين سنوات في دراسة وممارسة فن الماكياج. الصوت، المشية، الوجه والنظرة كلها كانت عبارة تركيباتٍ مُنْشَأة، تظاهر وتمثيل. في قمة شهرتها، فإنّها كانت ترتعش طربًا لدي ذهابها إلى بارات نيويورك من دون ماكياجها أو ملابسها الجميلة ومرورها دون يلاحظها أحد.
أخيرًا أتى النجاح، ولكن معه أتى شيءٌ عميق الإزعاج لها: الاستديوهات كانت تختارها حصرًا لدور الفتاة الشقراء المُدَوّخة. أرادت أدوارًا جدّية، ولكن لم يأخذها أحدٌ على محمل الجد لأدوارٍ كهذه، مهما حاولت جاهدةً لتعتّم على خصائص الحورية التي بنت عليها. في أحد الأيام،
..........................................
الأعين خُدِعَت بالتمويه الذكي للحب.
- أوفيد، علاجات للحب، ترجمة بيتر غرين كان يرعى قطيعه على جبل غارغاروس، أعلى ذروة في أبدا، عندما سلّم هيرميس، مصحوبًا مع هيرا وأثنينا وأفروديت، التفاحة الذهبية ورسالة زيوس: «باريس، بما أنك وسيّم بقدر ما أنت حكيم في شؤون القلب، فإن زيوس يأمرك بأن تَحكم: أيّ واحدةٍ من هذه الإلاهات هي الأجمل».
«فليكن» تَنّهد باريس. «لكن أولًا أود أن أرجو الخاسرات ألاّ يغتظن مني. أنا مجرّد كائّن إنسانِّي مُعّرضّ لارتكاب أحمق الأخطاء. وافقت جميع الإلاهات على


بينما كانت تتمرن على تمثيل مشهد من فيلم بستان الكرز، سألها معلم التمثيل الخاص بها مايكل تشيخوف: «هل كنت تفكرين في الجنس بينما كنا نؤدي المشهد؟» عندما قالت لا، تابع قائلًا: «خلال كل أدائنا للمشهد ظللت أتلقّى عبيرًا ونسماتٍ جنسية منك. وكأنك كنت امرأة في قبضة الشغف.. أنا أتفهّم مشكلتك الآن مع الاستديو يا مارلين. أنت امرأةٌ تولّد هالةً وإحساساتٍ وأجواء جنسية- بغض النظر عما تقومين أو تفكّرين به. العالم بأسره تجاوب مه هذه الهالة وهذه الإحساسات والأجواء. إنها تنبعث من شاشات السينما عندما تكونين عليها».
أحبت مارلين مونرو الأثر الذي يملكه جسدها على ليبيدو الذكر. لقد ضبطت نغم حضورها الجسدي كأداةٍ موسيقية، جاعلة نفسها تعبق بالجنس وتكتسب مظهرًا رائعًا ومتوهّجًا. النساء الأخريات عرفن عديدًا مماثلًا من الخدع لتعميق جاذبيتهم الجنسية، لكن ما ميّز مارلين مونرو عنهم كان عنصرًا من اللاوعي. خلفيتها كانت قد حرمتها من شيءٍ جوهريّ: العاطفة. أعمق احتياجاتها كانت أن تشعر بأنها محبوبة ومرغوبة، الشيء الذي جعلها تبدو باستمرار حساسة وقابلة للانجراح، كفتاةٍ صغيرة تتوق إلى الحماية. ابتعثت هذه الحاجة للحب أمام الكاميرا؛ لقد كان هذا الابتعاث عفويًا ونابعًا من مكانٍ ما حقيقيّ في داخل أعماقها. النظرة أو الإيماءة التي لم تقصد من خلالها أن توقظ الرغبة كانت تفعل ذلك بشكلٍ مضاعَف القوة فقط لأنها غير مقصودة- براءتها بالتحديد كانت ما أثار الرجل.
حورية الجنس لديها أثرٌ أكثر إلحاحًا وفوريّةً من أثر الحورية المُبهِرة أو الدارماتيكية. كتجسيد للجنس والرغبة، فإنّها لا تضايق نفسها بأن تخاطب الحواس العرضية وغير المترابطة، أو أن تخلق تصعيدًا مسرحيّاً. لا يبدو أبدًا أنَّ وقتها مُستَهلكٌ بالعمل أو بالمهمات الروتينية والشاقة؛ هي تعكي الانطباع بأنها تحيا للمتعة وأبدًا مُتاحة. ما يُمَيّز حورية الجنس عن المحظية أو المومس هو لمسة البراءة والهشاشة التي عندها. هذا المزيج مُرض بشكل مُعارضٍ للمنطق: فهو يعطي الذكر الوهم الجوهريّ بأنه الحامي، صورة الأب، بالرغم من أن حورية الجنس هي التي تتحكم بالديناميكية (الحركية).
لا يتعيّن على المرأة أن تولد بخصائص مارلين مونرو حتى تَشْغَلَ دور
.........................................
التّقيد- بقراره. «هل سيكون كافيًا الحكم عليهم كما هّن عليه؟». سأل باريس هيرميس، «أم ينبغي أن يكنّ عاريات؟». «أنت من يقرّر قواعد المباراة،» أجاب هيرميس بابتسامةِ مُتَحَفّظة. «في تلك الحالة، هلاّ تكرّمن بنزع ثيابهن؟».
طلب هيرميس من الإلاهات فعل ذلك، وأدار ظهره بأدب. سرعان ما كانت أفروديت جاهزة، إلا أن أثينا أصرّت على أنها يجب أن تنزع الحزام السحري، الذي أعطاها أفضليّة غير عادلة من خلال جعل الجميع يقع في الحب مع مرتديه.
«حَسَنٌ جدّاً» قالت أفروديت بحقد. «سوف أنزعه، شريطة أن تخلعي خوذتك- فأنت تبدين شنيعة بدونها». «الآن، من فضلكم، يجب أن أحكم عليكن، كل واحدةٍ على


حورية الجنس. مُعظم العناصر المادية تكون مُركّبة ومُشيّدة؛ المفتاح هو سيماء البراءة لفتاة المدرسة. فبينما يبدو جزءٌ منكِ وهو يصرخ بالجنس، فإن الجزء الآخر يكون حَيِيّاً وساذجًا، وكأنك غير قادرة على فهم التأثير الذي تملكينه. مشيتكِ، صوتكِ، سلوكك يكونون ملتَبِسين بشكلٍ سار- أنت كلِّ من المرأة المتمرسة والشهوانية والفتاة المُتَصَبينة البريئة.
مواجهتك التالية ستكون مع الحوريات، اللواتي يسحرن كل رجلٍ يدنو منهن... لأن الحوريات يرمين مع موسيقى أغنيتهن بتعويذتهن عليه، وهن جالساتِ هناك على مرجِ يعلو على الهياكل العظمية المُتَفَسّخة للرجال، الذين جلدوهم الذابلة لا تزال مُتَدلّيةً على عظامهم.
- سيرس إلى أوديسوس، ملحمة الأوديسة، الجزء الثاني عشر.
المفاتيح إلى الشخصية
الحورية هي أقدم المغويات على الإطلاق. نموذجها الأصلي هو الإلهة أفروديت- إنه لمن طبيعتها أن تتحلى بخاصية خرافية عنها- لكن لا تتخيل أنها شيءُ من الماضي، أو من الأسطورة والتاريخ: فهي تمّل نزوةٌ ذكورية قويّة كأنثى مُغريةٍ ذات ثقةٍ عظيمةٍ بالنفس وجنسانيّةٍ بالغة، تُقدّم متعةً لا حدود لها ولمسةً من الخطر. في عالم اليوم فإنّ هذه النزوة لا يمكن إلّا أن تروق بشكلٍ أكبر لنفس الرجل أو عقله، لأنه يعيش الآن وأكثر من ذي قبل في عالم يقيّد غرائزه العدائية، من خلال جعل كل شيء آمنًا وغير مُؤذٍ، عالم يقدّم فرصةً أقل للمغامرة والمخاطرة من أي وقتٍ مضى. في الماضي، كان لدى الرجل بعص المُتَنَفّسات لهذه الدوافع- الحرب، أعالي البحار، والمكائد السياسية. في المجال الجنسي، فقد كانت المحظيّات والمومسات، من الناحية العمليّة، مؤسّسةً اجتماعيةً قدّمت له التنوّع والمطاردة التي تاق لها. دون أيّ مُتَنَفّس، فإن هذه الدوافع سوف تتحول نحو الداخل وتنخره، فيصبح بالتالي أسرعَ استثارةً بكثير لكونه مكبوتًا. في بعض الأحيان فإنّه يمكن لرجلٍ ذي
.......................................
حدة» أعلن باريس.. تعالي إلى هنا يا هيرا المقدسة! هلاّ تكنّ كيساتٍ كفايةً يا أيتها الإلاهتين الأخريتين بحيث تتركونا لبرهة؟». «تَفَحّصنِ بضمير» قالت هيرا وهي تدور ببطء مُستعرضةً شكلها الرائع،» وتّذَكّر أنّك إذا حكمت بأنني الأجمل، فسوف أجعلك سّيدًا على كل آسيا، وأغنى رجل على قيد الحياة». «أنا لن أُرشى يا سّيدتي.. حَسَنً جدّاً، شكرًا لكَ. الآن رأيت كل ما أحتاج لرؤيته. تعالي يا أثينا المقدسة!». «ها أنا ذا،» قالت أثينا، وهي تمشي بِعَزم إلى الأمام بخطى واسعة. «استمع يا باريس، إذا كان لديك ما يكفي من الحس السليم لتمنحني الجائزة، فسوف أجعلك منتصرًا في جميع معاركك، وكذلك


نفوذ أن يرتكب أكثر الأشياء لا عقلانيّةً، كأن يقيم علاقةً عندما يكون أقلّ احتياجًا إليها، وذلك فقط طلبًا للإثارة وللخطر الكامن وراء العلاقة برمّتها. الشيء اللاعقلاني قد يتكشّف عن إغوائية هائلة، وخاصّةً للرجال الذين ينبغي عليهم دائمًا أن يبدو غايةً في العقلانية.
إذا كانت القوة أو السلطة الإغوائية هي ما تسعين إليه، فالحورية هي الأكثر قوّةً وفعّاليّةً على الإطلاق. فهي تعمل على عزاطف الرجل الأكثر أساسيةً، وإذا لعبت دورها كما ينبغي، فإنها تستطيع أن تّحوّل ذكرًا قويًا ومسؤولًا في الأحوال العادية إلى عبدِ طفليّ. الحورية تفعل فعلها أيضًا على النمط الرجولي الصلب- المحارب أو البطل- تمامًا كما اجتاحت كليوباترة مارك أنطوني ومارلين مونرو روجو ديماجيو. لكن لا تتخيل أبدًا أن هؤلاء هم الأنماط الوحيدة التي تستطيع الحورية التأثير عليهم. يوليوس قيصر كان كاتبًا ومُفكّرًا نقل قدراته الذهنية إلى ساحة المعركة وإلى المعترك السياسي؛ الكاتب المسرحي آرثر ميلر وقع عميقًا تحت سحر مارلين مونرو بنفس الدرجة التي وقع بها ديماجيو. المفكر هو غالبًا الأكثر تأثّرًا بنداء الحورية للذة الجسدية الخالصة، لأن حياته تفتقدُ بشدة لذلك. الحورية لا تضطر لأن تقلق حيال إيجاد الضحية المناسبة. فسحرها يفعل فعله على الجميع.
في المقام الأول والرئيسي، فإنه ينبغي على الحورية أن تميّز نفسها عن النساء الآخريات. هي بطبيعة الحال شيءٌ نادرٌ وأسطوريَّ ووحيدةٌ أمام مجموعة؛ هي أيضًا جائزة قَيّمة تستحق أن تُنتَزَع من أيدي الرجال الآخرين. جعلت كليوباترة نفسها مختلفة من خلال إحساسها بالدراما الرفيعة؛ أداة الإمبراطورة جوزيفين كانت وهنها وتراخيها الشديدين؛ أما أداة مارلين مونرو فكانت طبيعة الفتاة الصغيرة لديها. الجسمانية تقدم هنا أفضل الفرص، بما أن الحورية وفي المقام الأول منظرّ للمشاهدة. الحضور الجنسي وشديد الأنوثة، حتى ولو لدرجة الكاريكاتور، من شأنه أن يميّزك سريعًا نظرًا لأن معظم النساء يفتقرن إلى الثقة اللازمة لإبراز هذه الصورة.
بمجرّد ما تجعل الحورية نفسها تبرز على الآخرين، يتوجّب عليها أن تمتلك خاصيتين حاسمتين أُخرّيتين: القدرة على حمل الرجل على مطارتها بشكلٍ محموم إلى درجةٍ يفقد معها التحكم؛ ولمسة من الخطر. إن الخطر
..........................................
الرجل الأكثر وسامةً وحكمةً في العالم. ولكنني راعٍ متواضع ولست جنديّاً، «لكن أعدكِ أن أنظر لمطالبتك بالتفاحة بعين الاعتبار والعدل؟ الآن بوسعك أن ترتدي ثيابك وخوذتك ثانيةً. هل أفروديت جاهزة؟».دنت منه أفروديت بشكلِ جانبيّ، وأحمرَّ وجه باريس خجلًا لأنها أصبحت قريبةً منه جدًا لدرجةٍ كادا معها أن يتلامسا. «انظر بِتَمَعّن من فضلك، ولا تتغاضّ عن أي شيءٍ.. بالمناسبة بِمُجِرَد ما وقعت عيني عليك قلت لنفسي: أَجْزُمُ بأنّه هناك يسير الرجل الأكثر وسامةً في كل فيرجيا! لماذا يَهْدُر نفسه هنا في البّرّية وهو يرعى قطيعه الغبي؟ بصدقٍ، لماذا تتصرّف هكذا يا باريس؟ لماذا لا تنتقل


مُغو بشكلٍ مُثير للدهشة. حمل الرجل على مطارتك هو شيءٌ يسيرٌ نسبيًا: حضورٌ شديد الجنسانية من ِأنه أن يفي بالغرض. لكن يجب ألا تتَشَبَهي بالمحظيّة أو المومس، التي قد يطاردها الرجل فقط ليفقد الاهتمام بها بعد ذلك ببرهةٍ قصيرة. عوضًا عن ذلك فأنت مُحَيّرة وبعيدة قليلًا، خيالٌ تُنْفَخُ فيه الحياة. خلال عصر النهضة، فإن الحوريات العظيمات، من أمثال توليا دارجونا، تَعَمّدن التّصرَف والظهور كالإلاهات الإغريقيات- فنتازية تلك الفترة؟ في العصر الحاضر تستطيعين أن تصوغي نفسك على غرار مَعبودات (إلاهات) الشاشة- أي شيٍ يبدو متوهّجًا ومُثيرًا للإعجاب، لا بل وحتى باعثًا على الرهبة. هذه الخصائص ستجعل الرجل يطاردك بشكل ملتهب، وكلما طاردك أكثر، أحس بأنه يتصرف بناءً على مبادرته الخاصة. هذه طريقة ممتازة لإخفاء مدى عمق تلاعبك به.
إنّ مفهوم الحظر والتحدي وفي بعض الأحيان الموت، قد يبدو في بعض الأحيان قديم الطراز، لكنّ الخطرَ حاسمٌ في الإغواء. فهو يضيف نكهةً عاطفيةً ويروق لرجال اليومَ تحديدًا، الذين عادةُ ما يكون مُفرطين في التعقَل ومقموعين. الخطر حاضرٌ غي الأسطورة الأصلية للحورية. في الأوديسة التي جمعها هوميروس؛ فإن البطل أوديسوس يجب أن يسافر بمحاذاة الصخور التي عليها تغني الحوريات- مخلوقات أنثوية غريبة- وتدعو البحّارة إلى هلاكهم. هن يغنين عن أمجال الماضي، عن عالم شبيهٍ بالطفولة، دون مسؤوليات، عالمٌ من اللذة الخالصة. أصواتهن تشبه الماء، سائلة ومُغرية. البحّارة كانوا يقفزون إلى الماء لينضموا إليهن، فيغرقون؛ أو، يَقودون سفنهم للاصطدام بالصخور بعد أن يتم تخبيلهم وتنويمهم مغناطيسيًا. ليحمي بحارته من الحوريات، قام أوديسوس بملء آذانهم بالشمع؛ وأمر بتقييده إلى الصاري كي يستطيع أن يسمع الحوريات وأن يحيا ليحكي عن سماعه إياهن- رغبة غريبة، كون الرعشة التي تولدها الحوريات هي استسلامٌ لهوى اللحاق بهن.
تمامًا كما توجٌب على البحّارة الأقدمين أن يُجذّفوا ويقودوا، متجاهلين كل المُلهِيات، فإن رجل اليوم يجب أن يعمل ويتّبع مسارًا مستقيمًا في الحياة. إن نداء المجهول والخطر والعاطفة أقوى من أي وقتٍ مضى لأنه
..........................................
إلى المدينة وتحيا حياةٌ مُتَحَضّرة؟ ماذا لديك لتخسر إذا تزوّجت من امرأةٍ مثل هيلين إسبارطة، التي تضاهيني بالجمال وليست أقلُّ مّني شَغَفًا؟ .... اقترح الآن أن تقوم برحلةٍ في بلاد الإغريق بصحبة ابني إيروس كمرشد لك. أنا وهو موقنين أنه فور وصولك إلى إسبارطة، من أنّ رأس هيلين سوف يقع بين قدميها من حّبها لك.». «هل تُقسمين على ذلك؟» تَحرّق باريس بحماس. تفوهت أفروديت بِقَسّم جدّي فمنحا باريس دون تردّد التفاحة الذهبية.
- روبرت غرايفس، الأساطير الإغريقية، المجلّد الأول.
لَمِن- ياللحسرة- أقارن الفتاة الحسناء، المباركة جدّاً من الأقدار، إن لم يكن


محظورٌ بشدّة. فكّر بضحايا كبريات حوريات التاريخ: باريس تسبّب بحرب من أجل هيلين طروادة، قيصر خاطر بإمبراطورية وأنطوني خسر سلطته من أجل كليوباترة، نابوليون أصبح أضحوكة بسبب جوزفين، ديماجيو لم يستطيع أبدًا أن يتعافى من مارلين، وآرثر ميلر لم يستطع أن يكتب لسنوات. الرجل غالبًا ما تحليه الحورية إلى حطام، ومع ذلك فلا يستطيع أن يقسر نفسه على الرحيل. (العديد من الرجال الأقوياء لديهم مسحةٌ مازوشية) من السهل التلميح إلى عنصر الخطر الذي سوف يعزّز صفات الحورية الأخرى التي لديكِ- كلمسة الجنون لدى مارلين، على سبيل المثال، التي أسرت الرجال. الحوريات غالبًا ما يكنّ غير عقلانياتِ بشكل لا يصدق، الشيء الشديد الجاذبية للرجال الذين يكونون مقموعين بحصافتهم واعتدالهم. عنصر الخوف حاسمٌ أيضًا: إبقاء الرجل على مسافة مناسبة يخلق الاحترام، لأنه لا يقترب بما فيه الكفاية ليميّز طبيعتك الحقيقية أو يلاحظ خصائصك الأضعف. إخلقي هذا الخوف من خلال تغيير مزاجك بشكل مفاجئ وإبقائه في حالةٍ من اللاتوازن، وإرهابه بين الفينة والأخرى بالسلوك المتقلّب والنزوي.
إنّ العنصر الأكثر أهمية لحوريةٍ طموحة هو وعلى الدوام العنصر الجسدي الذي يشكّل أداة الحورية الأساسية للنفوذ والقوة. والخصائص الجسدية- عطر، أنوثة زائدة مُحَفّزة من خلال الماكياج أو الملابس المنمقة أو الإغوائية- تفعل فعلها على الرجال وبمنتهى القوة لأنه ليس لها معنى. فهي تتجاوز العمليات المنطقية من خلال فوريتها، وتُحدث الأثر نفسه الذي يُحدثه الطعم على الحيوان، أو حركة القماشة على الثور. غالباً ما يتم الخلط بين مظهر الحورية المناسب وبين الجمال الجسدي وتحديدًا الوجه. لكن الوجه الجميل لا يصنع حورية: فهو يخلق بدلًا من ذلك بُعدًا وبرودًا أكثر من اللزوم. (لا كليوباترة ولا مارلين مونرو- أعظم حوريتين في التاريخ- كانتا معروفتين بوجهين جميلين) بالرغم من أن الابتسامة والنظرة المُغرية يُشكّلان إغواءً لا نهاية له، إلا أنهم لا يجب أبدًا أن يطغين على مظهرك. فهما واضحتان ومباشرتا أكثر من اللزوم. الحورية يجب أن تُحّفّز رغبةً مُعَمّمةً، وأفضل طريقةٍ لفعل هذا تكون من خلال خلق انطباعٍ كلّي يتّسم بالإلهاء
...........................................
مع الحوريات اللواتي يجتذبن السفن بمغناطيسّيتهن؟ وهكذا، أتخيل آيزولت وقد اجتذبت العديد من الأفكار والقلوب التي تعتبر نفسها بمنأى عن قلق الحب. وبالفعل فإنّ هذين الاثنين- السفن بدون المرساة والأفكار التائهة- يقدّمان مقارنة جّيدة. كلاهما نادرًا ما يكونان على مسلكِ مستقيم، ويتموضعان في أغلب الأحيان في مرافئ غير جديرة بالثقة، حيث تتقاذفها الأمواج إلى الأعلى والأسفل وتدفعها إلى الأمام والوراء. تمامًا بنفس الطريقة، تنجرف الرغبة الضالة والتوق العشوائي للحب كالسفينة بلا مرساة. هذه الأميرة الشابة الساحرة، آيزولت المُتَحَفّظة والدمثة، اجتذبت الأفكار من القلوب التي صانتها كما يجتذب المغناطيس السفن لصوت أغنية


والإغراء على حدِّ سواء. إنها ليست نزعةً واحدةً مُحدّدةً، وإنما اتحادًا مؤتلفًا من الخصائص:
الصوت. من الواضح أنه خاصية هامة، فكما تشير الأسطورة، فإن صوت الحوريات لديه سيماءٌ حيوانية (شهوانية) مع قدرة إيحائية مذهلة. فربما تكون تلك القدرة نكوصيةً، أي تستدعي إلى الأذهان قدرة صوت الأمر على تهدئة أو تنشيط الطفل حتى قبل أن يفهم الطفل ماذا تقول. الحورية يجب أن تتحلى بصوت موح من شأنه أن يُلمع إلى الجانب الشهواني بطريقة لا تُدرَك أو تُحَس (خفية) أكثر منها صريحةً أو علنية. جميع الذين التقوا بكليوباترة تقريبًا أثنوا على صوتها السار والعذب المسمع، والذي امتاز بقدرة على التنويم المغناطيسي. الإمبراطورة جوزفين-إحدى أعظم الُمغويات في أواخر القرن الثامن عشر-كان لديها صوتٌ واهنٌ مُتَراخ وَجَده الرجال غريبًا، ووشي بأصولها الكاريبية. مارلين مونرو كان لديها بالفطرة صوتٌ شبيهٌ بصوت الأطفال ومُتّسَمٌ بإطلاق أنفاسٍ مسموعة، لكنها تعلّمت أن تُخَفّضه لتجعله مُغويًا بحق. صوت لورين باكال كان خفيضًا بشكل طبيعي؛ قواه الإغوائية نبعت من إلقائه ولفظه المتُأني والموحي. الحورية لا تتكلم أبدًا بشكل سريع، عدوانيِّ، أو بطبقة مرتفعة. صوتها هادئ وغير متعجل، وكأنها لم تستيقظ تمامًا-أو تغادر سريرها.
الجسم والزينة. إذا كان على الصوت أن يهدهد، فينبغي للجسم وزينته أن يُبْهِرا. إنه بواسطة ثيابها تسعى الحورية لأن تخلق أثر الإلهة الذي وصفه بودِلير في مقالته «في مدح الماكياج»: «إنَ المرأة تكون ضمن نطاق حقوقها، وبالفعل هي تنجز نوعًا من الواجب عندما تكافح لتظهر سحرية وخارقةً للطبيعة. يجب أن تَشْدَه وتَخلب اللب؛ كمعبودة، يجب أن تزيّن نفسها بالذهب حتى تُعْبَد ويُهامَ بها. يتوجّب عليها أن تستعير من جميع الفنون حتى ترفع نفسها فوق الطبيعة؛ الأمر الذي يشكل الوسيلة الفضلى لتستعبد القلوب وتُخضِعُها وتُثير اضطراب الأرواح».
باولين بونابرت-أخت نابوليون-كانت عبقريّةً فيما يختص بالثياب والحُلِيّ والزينة. جاهدت باولين بشكل مُتَعَمّد لتحقِّق أثر الإلهة، فشَكّلت تسريحتها وماكياجها وثيابها بحيث تستحضر مظهر وسيماء فينوس، إلهة
..............................
الحوريات. لقد غنت سرًا وعلانية، ومن خلال الأعين والآذان حركت العديد من القلوب. الأغنية التي غنتها علانية في هذا المكان وغيره من الأماكن كانت غناءها العذب الخاص والرنين الناعم للأوتار التي رددت الصدى عبر مملكة الآذان إلى أعماق القلوب حتى يسمع الجميع. أما أغنيتها السرية فكانت جمالها العجيب الذي تسلل بموسيقاه الطٌرِبة وهو مُخَبأ وغير مَرئيَّ من خلال نافذة الأعين إلى العديد من القلوب النبيلة، ومَهّدَ للسَحر الذي أخذ الأفكار أسيرةُ على حين غرّة، وعندما أخذها قيدها بالرّغبةَ!
- غاتفرِد فون ستراسبورغ، تريستان، ترجمة أ. ت. هتو
الوقوع في حب

الحب. لم يستطع أحد في التاريخ أن يتباهي بحجرة ثياب أشمل وأكثر تعقيدًا. خلّف دخول باولين إلي حفلٍ راقص في عام 1798 أثرًا صاعقًا. سألت المضيفة، مدام بيرمون، إذا ما كان بإمكانها أن ترتدي ثيابها في منزلها، حتى لا يرى أحد ثيابها وهي تدخل. عندما نزلت السلم، فقد توقّف الجميع فجأةً وعلى نحو تام في صمت مصعوق. ارتدت غطاءّ للرأس كذلك الذي كانت كاهنات باخوس (إله الحمر) يرتدينه-عناقيد عنب من الذهب مُتَحابكة مع ضفائر شعرها، التي كانت مصففة على الطريقة الإغريقية. أبرز رداؤها الإغريقي الطويل والمشدود بحزام، مع حاشيته المطرزة بالذهب، مظهرها الشبيه بالإلهة. تحت ثدييها كان هناك زنارٌ من الذهب المصقول، مُثَبَت بجوهرة عظيمة. كتبت دوقة دوبرانت: «لا يوجد كلمات تُعبَر عن جمال مظهرها، الغرفة بعينها أصبحت أكثر بريقًا لدى دخولها. الثوب بأكمله كان متناغمًا لدرجة أنه تم الترحيب بإطلالتها بأزيزِ من الإعجاب الذي استُأنِفَ بتجاهل تام لجميع النساء الأخريات».
المفتاح: كل شيء يجب أن يبهر، ولكن يجب أيضًا أن يكون مُتناغمًا، وذلك حتى لا تجتذب حليةٌ بعينها الانتباه. يجب أن يكون حضورك مشحونًا ومُتَوَهِّجًا، حُلُمٌ يتحقق. الزينة تُستخدم لإلقاء التعويذة والإلهاء. تستطيع الحورية أيضًا أن تستخدم الثياب لِتُلمِعَ إلى الجانب الجنسي، بشكل صريح في بعض الأحيان ولكن في أغلبها من خلال الإيحاء به وليس التعبير عنه بطريقة صارخة-لأن هذا من شأنه أن يجعلك تبدين مُتلاعبة. يرتبط بهذا مفهوم الكشف الانتقائي، أي إظهار فقط جزء من الجسد-ولكن الجزء الذي سوف يثير ويُحرّك المحيّلة. في أواخر القرن السادس عشر، مارغريت دي فالوا، الابنة السيئة الصيت لملكة فرنسا كاثرين دي ميديتشي، كانت من أولى النساء على الإطلاق اللواتي أدخلن في حجرة ثيابهن الفستان المقُور الصّدر، وذلك بكل بساطة لكونها تمتلك أجمل صدر في المملكة. أما بالنسبة لجوزفين بونابرت فكان ذراعاها هما اللذان تحرص دائمًا على تركهما مكشوفين.
الحركة والسلوك. في القرن الخامس قبل الميلاد اختار الملك كو تشين الحورية الصينية هسي شيه من بين جميع نساء مملكته لكي تُغوي وتُدَمّر
...................................
التماثيل واللوحات، بل وحتى ممارسة الحب معها هو نزوةّ قديمة والتي كانت النهضة مدركةً لها وبشكل ذكي.
جورجيو فاساري-الذي كتب في القسم التمهيدي من سير الفن في العصور القديمة، يحكي كيف كان الرجل ينتهكون القوانين بذهابهم إلى المعابد ليلاً وممارستهم الجنس مع تماثيل فينوس. في الصباح كانت الكاهنات تدخل الحرم ليجدن لطَخًا على التماثيل المصنوعة من المرمر.
- لين لاونر، حياة المومسات

مُزاحمه فو تشاي ملك وُو؛ ولهذا الغرض أمر بإرشاد المرأة الشابة في فنون الإغواء. كانت الحركة هي الجانب الأكثر أهميةً في تلك الفنون-كيفية التحرّك برشاقة وإيحاء. تعلّمت هسي شيه أن تُعطي الانطباع بأنها تطوف فوق الأرض بأثوابها الخاصة بالبلاط. عندما أُطلق العنان لها على فو تشاي، فإنّه وقع سريعًا تحت سحرها. مَشَت وتحرّكت كما لم يشاهد أحدٌ من قبل. أصبح مهووسًا بحضورها المرُتعش، بأسلوبها وسيمائها اللامبالي. وقع فو تشاي عميقًا في الحب لدرجة أنه ترك مملكته تتناثر إلى أجزاء، سامحًا بذلك لكو تشيِن بالزحف نحوها واحتلالها دون قتال.
تتحرّك الحورية برشاقة بالغة ودون عجلة. الإيماءات والحركة والتصرّفات المناسبة للحورية هي مثل الصوت المناسب: يُلمعون إلى شيء مُثير، يُحرّكون الرغبة دون أن يكونوا واضحين. مظهركِ الخارجي يجب أن يكون مُتَراخيًا، وكأنٌ لديكِ كل الوقت في العالم للحب والمتعة. إيماءاتك يجب أن تَتَسم بدرجة معيّنة من الالتباس، فتوحي بشيء برئِ وشهوانيّ على حدِّ سواء. أيُّ شيء لا يمكن فهمه حالاً يكون مُغويًا بشكلٍ هائل، وأكثر من ذلك بكثير إذا تخلّل سلوككِ.

الرمز: الماء.
أغنية الحورية تكون عذبةً وجذّابةً،
والحوريّة نفسها تكون مُتَدّفّقة وصَعبة المنال.
مثل البحر، الحورية تستدرجك بوعد مغامرةٍ ومتعةٍ
غير محدودتين. يتناسى الرجال الماضي والحاضر
ويلحقونها بكامل قواهم نحو البحر حيث يغرقون.

المخاطر
مهما كان العصر مُسْتَنيرًا، فلا تستطيع امرأةٌ أن تّحافظ على الصورة بأنها مُكرّسة للمتعة براحةٍ تامة. ومهما حاولت جاهدةً أن تُبعِد نفسها عنها، إلا أنّ وصمة كونها سهلة ستلاحق الحورية على الدوام. كانت كليوباترة مكروهةّ في روما بوصفها العاهرة المصرية. أدّى ذاك الكره في آخر المطاف إلى سقوطها، عندما سعى أوكتافيوس والجيش الروماني لمحوِ الوصمة عن الرجولة الرومانية التي غدت تمثلها. لكن الخطر غالبًا ما يكمن في الحسد الذي تثيره لدى النساء الأخريات؛ معظم كره روما لكليوباترة تأتّي من الامتعاض الذي استفزّته لدى كَهلات المدينة المتزوّجات الصارمات من ذوات المقام الاجتماعي الرفيع. من خلال توكيد براءتها وجعل نفسها تبدو ضحيةً لرغبة الرجل، تستطيع الحورية أن تُثلّم نوعًا ما أثار حسد النساء. ولكن في الإجمال فإنه لا يوجد كثيرٌ مما تستطيعُ فعله-تنبع سلطتها من تأثيرها على الرجال، وينبغي لها أن تتعلّم تَقبُّلَ، أو تَجاهُلَ، حسدِ النساء الأخريات.
أخيرًا فإن الاهتمام الشديد الذي تجتذبه الحورية يمكن أن يتكشّف عن كونه مُزعجًا أو أسوأ. في بعض الأحيان ستتوق للراحة منه؛ في أحيان أخرى، ستريد أن تجتذب اهتمامًا غيرَ جنسي. أيضًا، لسوء الحظ، فإن الجمال المادي يذوي؛ بالرغم من أن أثر الحورية يعتمد ليس على الوجه الجميل وإنما على الانطباع الكلي، إلاّ أنّه بعد سنُّ معينة يصبح من الصعب توليد ذاك الانطباع. كلِّ من هذين العاملين ساهمًا في انتحار مارلين مونرو. يَلزم نبوغٌ بمستوى نبوغ مدام دي بومبادور، العشيقة الحورية للملك لويس الخامس عشر، لإحداث التحول إلى دور المرأة الأكبر سنًا المفعمة بالحيوية والتي تستمر بالإغواء بواسطة سحرها غير المادي وغير الجسدي. كليوباترة كان لديها هكذا فطنة، ولو عاشت طويلاً بما فيه الكفاية، لظلّت مُغويةً واسعة السلطة لسنواتٍ عديدة. ينبغي للحورية أن تستعد للتّقدّم في السن من خلال الالتفات باكرًا لأنماط الغنج الأكثر نفسية والأقل جسدية والتي بإمكانه الاستمرار في جلب السلطة لها حالماً يبدأ جمالها بالذبول.

الخليع
المرأة لا تشعر أبدًا بأنها مرغوبة ومقدرة بما فيه الكفاية. إنها تريد الاهتمام، لكن الرجل غالبًا ما يكون مشتتًا وغير متجاوب. الخليع شخصية بارزة في خيال المرأة-عندما يرغب بامرأة، ولو للحظة قصيرة فإنه سوف يذهب إلى أقاصي الأرض من أجلها. قد يكون غير مخلص أو غير شريف ولا صفة أخلاقية له، ولكن هذا لا يعدو عن كونه إمعانًا في جاذبيته. على خلاف الذكر العادي والحذر، فإنّ الخليع يكون غير مُقَيدٍ بشكلٍ سارّ، وعبدًا لحٌبه للنساء. هناك إغراءّ مضافٌ إلى سمعته: العديد من النساء قد استسلمن له، فلا بدّ أن يكون هناك سببٌ لهذا. الكلمات هي نقطة ضعف المرأة، والخليع أستاذٌ في اللغة الإغوائية. حرّك أتواق المرأة المكبوتة من خلال تبني مزيج الخليع من الخطر واللذة.

الخليج المتقد
بالنسبة لبلاط لويس الرابع عشر، فقد كانت سنوات الملك الأخيرة كئيبةُ-كان مُسِنًا، وقد أصبح مُتَديِّنًا بشكلٍ لا يطاق وبغيضًا على المستوى الشخصي. البلاط كان مُتبرِّمًا ومُتَعَطِّشًا للتجديد. وبالتالي في عام 1710، كان لقدوم غلام في الخامسة عشر من عمره والذي كان غايةُ في الوسامة والفتنة أثرٌ قويٌ على السيدات بالتحديد. اسمه كان فرونزاك، دوق رايشليو المستقبلي (عمُ أبيه كان الكاردينال رايشليو السيئ الصيت). كان صَفيقًا وظريفًا. السيدات كنَ يلعبن معه كَدُمية، لكنّه كان يُقبّل شفاههن بالمقابل، ويداه تَتجوّلان بعيدًا بالنسبة لصبيَّ غير مُجرّب. عندما تاهت يداه الآثمتان في أعلى تنورة دوقة غير مُتَساهلة، استشاط الملك غضبًا وأرسله إلى سجن الباستيل لِيُلَقّنه درسًا. لكن السيدات اللواتي وجدنه مُسلّيًا للغاية لم يحتملن غيابه. مُقارنةً بالمتَشَنّجين في البلاط، فقد كان هنا شخصٌ جَسورٌ على نحوِ لا يُصَدّق، عيناه كانتا تخترقانك، ويداه كانتا أسرع مما كان مأمونًا. لم يستطع شيء إيقافه وكانت جدَّته لا تُقاوم. ناشدت سيدات البلاط الملك فَبُتَرت إقامته في الباستيل.
بعد عدّة سنوات، كانت الآنسة الشابة دي فالوا تتمشى في مُنتَزه باريس برفقة وصيفتها الُمشرفة-امرأة أكبر منها سنًا لا تُبارح جانبها قط. والد دي فالوا، دوق دورليانز، كان مُضمِّمًا على حمايتها-بوصفها أصغر بناته-من كل مُغوي البلاط إلى أن يستطيع تزويجها، لذلك ربط هذه الُمشرفة بها، امرأة ذات تجهُّم وفضيلة لا يرقي إليها الشك. في المنتزه، على أية حال، فقد رأت دي فالوا شابًا يمنحها نظرة ألهبت قبلها بالنيران. تابع سَيره، لكن نظرته كانت حادَةً وواضحة. كانت وصيفتها المشرفة من أخبرها باسمه: الدوق
...............................
(بعد حادثة عند فرقة دينية، يجد دون جوان نفسه وقد وضعته الأمواج على الشاطئ، حيث اكتشفته امرأة شابة)
تيسبي: استيقظ يا أوسم الرجال، وكن نفسك مجددًا.
دون جوان: إذا منحني البحر الموت، فأنت منحتني الحياة. لكن البحر أنقذني حقيقة فقط لكي تقتليني أنت. آه إن البحر يقذفني من عذاب آخر، لأنني لم أسحب نفسي من الماء قبل أن ألتقي بهذه الحورية-التي هي أنت. لماذا أملًا

رايشليو السيئ الصيت غير المحترم للمقدّسات والُمغوي ومُحّطّم القلوب. شخصٌ يجب تفاديه مهما كان الثمن.
بعد عدّة أيّام، أخذت الُمشرفة دي فالوا إلى منتزه آخر، وإذ به رايشليو يعترض مسارهما مجدّدًا. هذه المرة كان مُتنكّرًا كشحّاذ، ولكن النظرة في عينيه لم تكن لتنسى. الآنسة دي فالوا بادلته النظر: أخيرًا كان هناك شيءٌ مثير في حياتها الرتيبة. مع الأخذ بالحسبان قسوة والدها، فلم يجرؤ رجلٌ واحدٌ على الاقتراب منها. والآن رجل البلاط هذا ذو الصيت اللاذع والرديء أخذٌ بمطارتها، بدلاً من كل السيدات في البلاط-يا لها من إثارة! سرعان ما شرع يهرّب لها رسائل مكتوبةٌ بأسلوب جميل مُعبِّرًا فيها عن رغبته تجاهها والتي لا يستطيع التحكم بها. استجابت بحياء، لكن سرعان ما أصبحت الرسائل كل ما تحيا لأجله. تعهّد في إحداها بأن يُرتّب كل شيء إذا وافقت على قضاء ليلةٍ معه؛ مُتَخَيّلةُ استحالة تمرير هكذا شيء، فلم تمانع أن تدّعي الموافقة وتقبل باقتراحه الجريء.
كان لدى الآنسة دي فالوا خادمة مسئولة عن غرف النوم تُدعي آنجليك، والتي كانت تُلبَسُها ثياب النوم وتنام في غرفة مجاورة. ذات ليلة عندما كانت الْمشرَفة تَحبكُ بالصنارة، نظرت دي فالوا من فوق الكتاب الذي كانت تقرأه لترى آنجليك وهي تحمل ثياب نوم سيدتها إلى غرفتها، لكن لسبب غريبٍ ما فإن آنجليك بادلتها النظرة وابتسمت-لقد كان رايشليو مُتَنَكّرًا بحنكة على أنه الخادمة! كادت دي فالو أن تلهث من الخوف، لكنّها تمالكت نفسها، مُدْركةُ الخطر الذي كانت فيه: إذا تفوّهت بأي شيء فستكتشف عائلتها أمر الرسائل، ودورها في العلقة برُمّتها. ما الذي تستطيع فعله؟ قرّرت أن تذهب إلى غرفتها وتقنع الدوق الشاب بالعدول عن مناورته الخطيرة لحد السخف. قالت مساء الخير لمُشرِفتها، ولكنها فور رجوعها إلى غرفتها، فإن الكلمات التي خططت لها كانت عديمة الجدوى. عندما حاولت أن تحاجج رايشيلو، فقد استجاب بتلك النظرة في عينيه ومن ثم بإحاطته لها بذراعيه. لم يكن بإمكانها الصراخ، ولكنها الآن لم تكن مُتأكّدةً مما يجب فعله. كلماته الطائشة، لَمَساتُه، الخطر المحيق من وراء هذا كلّه-كان رأسها يدور. كانت تائهةً. ما الفضيلة وسأمها السابق بالمقارنة مع
......................................
أذني بالشمع، بعد أن قتلتني بعينيك؟ كنت أنازع في البحر، لكنني من اليوم فصاعدًا سأموت من الحب. تيسبي: لديك كثيٌر من الحياة بالنسبة لرجل كاد أن يغرق. أنت عانيت الكثير، لكن من يعلم ماذا تُحضّرُ لي من العذاب؟ ....
وجدتك عند قدمي وأنت مُبلّلّ بالكامل، والآن أنت كلك نار. إذا كنت تحترق وأنت بهذا البلل، فماذا سنفعل عندما تجف ثانيةً؟ أنت تَعدُ بلهب محرق؛ أمل من الله أنك لست تكذب. دون جوان: يا أيتها الفتاة العزيزة، كان على الله أن يُغرقني قبل أن أتفحّم بسببك. لعلّ الحبّ كان حكيمًا ليبّللني قبل أن أستشعر لمستك المحرقة. لكن نارك هي من الشدة بحيث أحترق حّتى وأنا في الماء. تيسبي: باردٌ

أمسية مع خليع البلاط الأشهر؟ وهكذا بينما كانت الْمشرَفة تَحبٌكُ بالصنارة بعيدًا، كان الدوق يٌدخلها طقوس الفسقِ والفجور.
بعد عدّة أشهر كان لدى أب دي فالوا سببٌ ليشتبه في أنّ رايشليو كان قد اخترق خطوط دفاعاته. طٌردَت الْمشرفة، وضوعفت الاحتياطات. لم يدرك دورليانز أن هكذا إجراءات بالنسبة لرايشليو كانت عبارة عن تحدَّ، وهو يعيش من أجل التحديات. اشتري منزلاً ملاصقًا تحت اسم مستعار وشقَّ نفقًا ذا بابٍ سحريِ خلال الحائط الذي يضم خزانة مطبخ الدوق. في هذه الخزانة، عبر الأشهر القليلة التي تلت-إلى أن بَلِيَت وامّحت الجدّة-استمتع كلّ من دي قالوا ورايشليو بلقاءاتٍ سرّية لا عدّ لها.
الجميع في باريس عرفوا بمأثر رايشليو، لأنه حرص على الدعاية لها وبأكبر ضجة ممكنة. كل أسبوع كانت تُتداول قصةٌ جديدة في البلاط. كان زوجٌ قد حبس زوجته ليلاً في غرفةٍ في الطابق العلويّ، محافة أن يكون الدوق ساعيًا وراءها؛ لكي يصلها، فقد قام الدوق بالزحف في جنح الظلام على طول لوح خشبيِّ رقيق مُعلّق بين نافذتين في الطابق العلوي. امرأتان تعيشان في نفس البيت، إحداهن أرملة، والثانية غاية في التديّن، تشاطرتا الرعب لدى اكتشافهما بأن الدوق كان على علاقةٍ بكلتيهما في نفس الوقت، تاركًا واحدة في منتصف الليل ليكون مع الأخرى. عندما واجهتاه، فإن الدوق الذي كان مُتَحَدّثًا شيطانيًا ودائم البحث عن شيء جديد، لم يعتذر أو يتراجع، لكنّه شرع يقنعهما بعلاقةٍ جنسية ثلاثية، مٌعتمدًا على الكبرياء المجروح لكلّ امرأةٍ، التي لم تستطع احتمال فكرة تفضيله للأخرى عليها. سنةٌ بعد سنة، انتشرت قصص إغواءاته اللافتة للنظر. واحدة من النساء أُعْجبت بوقاحته وجرأته وشجاعته، الأخرى ببسالته في الإطاحة بالزوج. تنافست النسوة لنيل انتباهه: إن لم يرغب في إغوائكِ، فلا بد أن هناك عيبًا ما فيك. أن تكوني هدف انتباهه أصبح حلمًا عظيمًا. في إحدى المراحل خاضت امرأتان مبارزةً بالمسدّس للظفر بالدوق، وإحداهن أصيبَت على نحو خطير. دوقة دورليانز والتي كانت ألد أعداء رايشليو، كتبت ذات مرّة: «لو كنت أؤمن بالسحر والشعوذة لَفكّرت أنّ الدوق حاز على سرِّ ما خارقٍ للطبيعة، لأنني لم أعرف أبدًا امرأة أبدت تجاهه أدنى مقاومة تٌذكَر».
................................
لهذه الدّرجة ومع ذلك تحترق؟ دون جوان: كثيرّ من النار هي في داخلك. تيسبي: ما أمهرك في الكلام! دون جوان: ما أمهرك في الفهم! تيسبي: آمل من الله أنّك لست تكذب.
- تيرسو دي مولينا. فتى سيفيل اللعوب، ترجمة آدرين م. سكيزانو وأوسكار ماندل
مسرورًا بنجاحي الأول، فقد صمّمتُ أن استفيد من هذه المصالحة السعيدة. دعوتهن زوجتيّ العزيزتين، رفيقتّي المخلصتين، الكائنتين المختارتين لجعلي سعيدًا. سعيتُ أن أدوّر رأسيهنّ، وأن أثير بداخلهما الرغبات التي أعرف قوتها والتي ستزيح بعيدًا أي أفكار غير مؤاتية لخططي.
الرجل البارع الذي

في الإغواء غالبًا ما توجد مُعضلة: حتى تُغوي فأنت تحتاج للتخطيط والحسابات، لكن إذا اشتبهت الضحية أنّ لديك دوافع خفية، فسوف تصبح دفاعيةً. علاوةّ على ذلك، فإنك إذا بدوت رابط الجأش، فإنك سوف تُثير الخوف بدلاً من الرغبة. الخليع المُتقد يحل هذه المشكلة بالأسلوب الأكثر براعةً ودهاءً. بالطبع يتوجّب عليه أن يحسب ويُخطّط-عليه أن يجد طريقةً للالتفاف حول الزوج، أو أيّ عائقٍ كان. إنه عملٌ مضن. ولكن الخليع الُمّتقد لديه بالفطرة امتياز الليبيدو المنفلت من السيطرة. عندما يطارد امرأة، فإنه حقيقةً يتوهّج ويتّقد بالرغبة؛ الضحية تحس بهذا وتشتعل، بالرّغم من نفسها حتّى. كيف لها أن تتخيّل أنه مُغو لا يرحم وسوف يتخلّى عنها وهو الذي تحدّى بشجاعة وحماس كل الأخطار والعقبات ليحصل عليها؟ وحتى لو كانت على إطّلاعٍ على ماضيه الفاسق والخليع، على انعدام حس المسئولية الأخلاقية لديه الذي لا سبيل لإصلاحه، فذلك لا يهم، لأنها أيضًا ترى ضعفه. هو لا يستطيع التحكم بنفسه؛ هو في الواقع عبدٌ لجميع النساء. كونه كذلك فهو لا يثير الخوف.
يعلّمنا الخليع المُتّقد درسًا بسيطًا: الرغبة الشديدة لها سلطانٌ مُلهٍ على النساء، تمامًا كما لحضور الحورية الجسماني على الرجل. المرأة غالبًا ما تكون دفاعيةُ وتستطيع أن تستشعر المُراء والانتهازية. لكن إذا أحست بأنها مُستهلَكة بانتباهك، وواثقة من أنك قد تفعل أي شيءً من أجلها، فإنها لن تلاحظ أي شيء آخر عنك، أو سوف تجد طريقةً لمسامحة طيشك وحماقاتك. هذا هو الغطاء المثالي للمُغوي. المفتاح هو أن لا تظهر أي تردٌد، أن تَهجر جميع القيود، أن تدع نفسك تنطلق، أن تُظْهِر أنك لا تستطيع التحكّم بنفسك وأنك ضعيفٌ بشكل جوهريّ. لا تقلق حيال إثارة عدم الثقة؛ طالما أنك عبدٌ لمفاتنها، فإنها لن تُفكَر بالعواقب.
الخليع الشيطاني
في الأعوام الأولى من ثمانينات القرن التاسع عشر، بدأ أعضاء مجتمع روما الراقي بالتحدّث عن صحفي شاب وصل حديثًا إلى مسرح الأحداث،
.......................................
يعلم كيف يوصل بالتدرج حرارة الحب إلى حواس أكثر النساء عّفّة وفضيلة، يكون واثقًا بالتأكيد من كونه وفي القريب العاجل السيد المطلق على عقلها وشخصها؛ لا تستطيع أن تُفَكَر عندما تكون قد خسرت رأسك؛ وعلاوةً على ذلك، فإنّ مبادئ الحكمة-مهما بلغ عمق انطباعها بالذهن-سوف تنمحي في تلك اللحظة التي يتوق عندها القلب للمتعة فقط: المتعة وحدها تصور الأوامر وقتها وتُطاع. الرجل الذي لديه خبرة في انتزاع الحب والفتوحات سوف ينجح دائمًا تقريبًا عندما يفشل من هو محض حياب وواقع في الحب.... عندما أوصلت حسناوتّي إلى حالة التهتك التي أردت إيصالهما إليها، فقد

شخصٌ ما اسمه جابرييل دانونزيو. كان هذا غريبًا بحد ذاته، لأن طبقة الأمراء والنبلاء لم يكن بجعبتها سوى أشد الاحتقار لأي واحد من خارج دائرتهم، وكان مراسلٌ من مجتمع الصحفيين وضيعًا تقريبًا بقدر ما يمكنك أن تتصوَر. بالفعل فإنّ الرجال كريمو المحتد لم يعيروا دانونزيو سوى القليل من الانتباه. لم يكن لديه مال وكان لديه القليل من الصلات الاجتماعية، إذ كانت جذوره الاجتماعية من الطبقة الوسطى حصر. إضافةّ إلى ذلك، فقد كان بالنسبة لهم قبيحًا بكل معنى الكلمة-قصيرًا وممتلئ الجسم، مع بشرة مبقعة غامقة وعينين جاحظتين. ظن الرجال أنه غاية في عدم الجاذبية لدرجة تركوه معها بسرور يختلط مع زوجاتهن وبناتهن، إذ كانوا على يقينٍ أن نساءهن في مأمنٍ مع هذا الجرجويل (الجرجويل عبارة عن ميزاب ناتِئ من جانب السطح على صورة إنسان أو حيوان أو مخلوقٍ خرافيّ مُشَوّه كان يستخدم لتزيين الكاتدرائيات في القرون الوسطى: المترجم) وسعداء بوضع صيّاد القيل والقال هذا بعيدًا عن متناول أيديهم. لا، لم يكن الرجال من تحدّث عن دانونزيو؛ بل كانت زوجاتهن.
قُدّمن إلى دانونزيو من قبل أزواجهن، هؤلاء الدوقات والمركيزات كُنّ يجدن أنفسهن مُستمتعاتٍ بهذا الرجل غريب الشكل، وكان سلوكه يتغيّر فجأة عندما يستفرد بهن. كان يأسر انتباه هؤلاء النسوة خلال دقائق. أولاً، كان لديه أروع صوت سمعوه يومًا-ناعمٌ وخفيض، كلُّ مقطع يُلفَظُ بوضوح، مع إيقاعٍ مُتَدَفّق وتغيٌر يكاد يكون موسيقيًا في مقام الصوت. إحدى النساء قارنته مع رنين أجراس الكنائس من بعيد. أخرياتٍ قلنَ أن صوته كان لديه أثرّ «مُنَوِّمٌ مغناطيسيًا». الكلمات التي حملها الصوت كانت أيضًا مُثيرةً للاهتمام-عباراتٍ تعتمد الجناس الاستهلالي، تعابير ساحرة، صور شعرية، وطريقة للإطراء من شأنها أن تُذيب قلب المرأة. برع دانونزيو في فن الإطراء. بدأ أنه يعرف نقطة ضعف كل امرأة: فواحدةٌ كان يدعوها إلاهةً للطبيعة، وأخرى فنانةً لا تضاهى في طور التكوين، والأخرى شخصية رومانسية انبجست من إحدى الروايات. كان قلب المرأة يرفرف وهو يصف الأثر الذي تحدثه عليه. كلّ شيءٍ كان موحيًا، مُلمعًا إلى الجنس أو الرومانس. تلك الليلة كانت تتفكر في كلماته، مستذكرة الشعور الذي
...............................
عبرت عن رغبةٍ أكثر جموحًا؛ فأضاءت عيناهما؛ وقوبلت مُداعباتي بمثلها؛ وكان جلبًا أنّ مُقاومتهّن لن تُرجِيٌ المشهد التالي الذي أردتهن أن يلعبوه لأكثر من لحظاتٍ معدودة. اقترحت أن ترافقني كلّ واحدةِ بالتناوب إلى مُختَليّ أسر، ملاصق للغرفة التي كنا فيها، والذي أردتهنّ أن تعجبًا به. لازمت كلتاهما الصمت.
«هل تتردّدين؟» قلت لهما. «سوف أرى أيا منكما أكثر ارتباطًا بي. التي تُحبني أكثر ستكون أولاً من تبادر باللحاق بالحبيب الذي تتمنى أن تُقنعه بعاطفتها ....» عرفت مُتَزمتنَي، وكنت مدركًا بشكلً جَيد أنّه، بعد صراعاتِ عدّة، فسوف تستسلم بالكامل للحظة

منحها أكثر ممّا قاله بالتحديد، لأنه لم يقل أبدًا أي شيء مُحَدّد. في اليوم التالي كانت تتلقى منه شعرًا كان يبدو أنه كُتب خصيصًا من أجلها. (لقد كتب في الواقع دزّيناتٍ من الأشعار المتشابهة، مُعَدّلاً كل قصيدةٍ منها بشكلٍ طفيف بحيث تناسب ضحيته المنشودة).
بعد عدّة سنوات من شروع دانونزيو بالعمل كصحفي للأخبار الاجتماعية، تزوّج ابنة دوق ودوقة جاليز. بعد ذلك بفترة قصيرة، وباندعم الذي لا يتزعزع لنساء المجتمع، فقد بدأ بنشر رواياتٍ وكتبٍ شعرية. عدد فتوحاته كان لافتًا، وكذلك نوعيتها-لم تكن الماركيزات الوحيدات اللواتي سقطن عند قدميه، بل أيضًا الفنانات العظيمات من أمثال الممثلة إليانور دوز، التي ساعدته في أن يصبح كاتبًا مسرحيًا محترمًا وشخصيةً أدبيةً مشهورة. الراقصة إيزادورا دونكان التي وقعت هي الأخرى في آخر المطاف تحت رقيته، فسرت سحره: «لعلّ أكثر عاشقٍ جديرٌ بالملاحظة في زماننا هو جابرييل دانونزيو. وهذا بالرغم من كونه صغيرًا وأصلعًا وبشعًا-باستثناء عندما يشرق وجهه بالحماس. لكنّه عندما يتكلّم مع امرأةٍ يستلطفها، فإن وجهه يغيّر هيئته كي يصبح فجأةً أبولو (إله النبوءة عند الإغريق) لوسامته ... تأثيره على النساء كان استثنائيًا. المرأة التي يتكلم معها كانت تشعر فجأة بأن روحها وكيانها بالذات يسمُوان»
لدى اندلاع الحرب العالمية الأولى، التحق دانونزيو البالغ من العمر اثنين وخمسين عامًا بالجيش. بالرغم من أنه لم يكن لديه خبرة عسكرية، فقد كانت لديه نزعةٌ للأحداث الدرامية ورغبة مُستعرة لإثبات شجاعته. تعلّم الطيران وقاد مهمّاتٍ خطيرة ولكن شديدة الفعالية. لدى نهاية الحرب، كان قد أضحى بطل إيطاليا الأكثر مدعاةً للفخر. مآثره جعلته رمزًا قوميًا محبوبًا، وبعد نهاية الحرب، كانت الحشود تجتمع خارج فندقه حيثما حل في إيطاليا. كان يخطب بهم من شرفةٍ، مناقشًا في السياسة وشاجبًا الحكومة الإيطالية الحالية. شاهدٌ لأحد هذه الخُطَب، الكاتب الأميركي والتر ستاركي، خاب أمله في البداية من منظر دانونزيو المشهور على شرفةٍ في البندقية؛ فقد كان قصيرًا وبدأ مُشوّهًا. «شيئًا فشيئًا، على أية حال، بدأت أغرق في فتنة صوته، الذي اخترق إدراكي... ولا أي إيماءة مُتسرّعة أو متشنجة... لعب على
............................
الراهنة. هذه اللحظة بدت مُوائمةً جدًّا لها كاللحظات الأخريات التي قضيناها سوّيةً في أوقات سابقة؛ نست أنها كانت تشاركني [مع مدام رينو] ... [عندما حلّ دورها] فقد استجابت مدام رينو بخفةٍ أثبتت رضاها، ولم تغادر مقعدها إلا بعد أن كررت بشكل مستمر: «يا له من رجل! يا له من رجل! إنّه مُذهل! ما أكثر ما يمكنك أن تكوني سعيدةٌ معه لو كان فقط مُخلصًا!»
- الحياة الخاصّة للماريشال دوق رايشليو، ترجمة إف. أس. فلينت
نجاحاته العديدة في الحب، حّتى أكثر من الصوت العجائبي لهذا المُغوي الأصلع الصغير ذو الأنف الشبيه بالخرم، اجتاحت في قافلته

عواطف الحشد كما يلعب عازف كمانٍ بارز على كمان من صنع ستراديفاري (صانع الكمانات الإيطالي الشهير) كانت أعين الآلاف مثبتة عليه وكأنها منومة مغناطيسيًا بقوته. مجدّدًا كانت ذبذبات صوته والدلالات الشعرية هي من أغوت الجماهير. مناقشًا أنّه على إيطاليا الحديثة استرداد عظمة الإمبراطورية الرومانية، دانونزيو كان يبدع شعاراتٍ ليكررها المستمعون، أو يسألهم أسئلة مشحونة عاطفيًا لكي يجيبوا عنها. كان يطري الجمهور ويجعلهم يشعرون بأنهم جزءٌ من دراما ما. كل شيء كان غامضًا وموحيًا.
القضية الراهنة كانت مُلكيّة مدينة فيوم، التي تقع مباشرة في الجانب الآخر من الحدود في يوغوسلافيا المجاورة. العديد من الإيطاليين اعتقدوا أن مكافأة إيطاليا للوقوف بجانب الحلفاء في الحرب الحديثة العهد يجب أن تكون ضم فيوم. ناصر دانونزيو القضية، وبسبب مكانته كبطل حرب فقد كان الجيش مستعدًا للاصطفاف بجانبه، بالرغم من معارضة الحكومة لأي إجراء. في أيلول من عام 1919، مع جنود تجمعوا حوله، قاد دانونزيو مسيرته سيئة الصيت إلى فيوم. عندما اعترض عمادٌ في الجيش الإيطالي طريقه وهدّد بإطلاق النار عليه، فتح دانونزيو معطفه ليريه ميدالياته وقال بصوته المغناطيسي: «إذا كان يتعيّن عليك أن تقتلني، فأطلق النار على هذه!» وقف العماد هناك مصعوقًا ومن ثم انفجر بالدموع. لقد انضم إلى دانونزيو.
عندما دخل دانونزيو إلى فيوم، فقد تمٌ استقباله كمحرّر. في اليوم التالي أُعلِن قائدًا لدولة فيوم الحرة. سرعان ما صار يلقي بخطب يومية من شرفةٍ مطٌلة على ساحة المدينة الرئيسية، آسرًا عشرات الآلاف تحت سحره دون الاستعانة بمكبّرات الصوت. استهلّ جميع أنواع الاحتفالات والطقوس التي تعود إلى عهد الإمبراطورية الرومانية. بدأ مواطنو فيوم بتقليده، وخاصّةً فيما يتعلّق بمآثره الجنسية؛ أصبحت المدينة شبيهةً بماخور عملاق. شعبيته أصبحت كبيرةً جدًا لدرجة أن الحكومة الإيطالية خشيت من زحف على روما، الذي في تلك المرحلة، وفي حال قرّر دانونزيو أن ينفّذه-كان لديه تأييد قسم كبير من الجيش-كان ممكنًا أن ينجح في الواقع؛ دانونزيو كان باستطاعته أن يهزم موسوليني شر هزيمة ويغير مسار التاريخ. (لم يكن فاشيًا، وإنما ضربًا من
......................................
موكبًا كاملاً من النساء الُمتيمات، المُرفّهات والمُعذّبات على حدٌ سواء. أحيا دانونزيو الأسطورة البيرونية (نسبةً إلى بايرون الشاعر): عندما متر بنساء ذوات صدور عارمة كنَّ واقفات في طريقه كما كان يرسمهم بولديسي، أي بعقود من اللؤلؤ الذي يُشكّل مرتكزهم في الحياة-أميراتٍ وممثّلات، سيَّدات روسيّات عظيمات وحتّى ربّات منازل من بوردو ينتمين للطبقة الوسطى-فقد كنّ مستعدّات لتقديم أنفسهّن إليه. فيليب جوليان، أمير مُحبّي الجمال: الكونت روبرت دي مونتيسكيو، ترجمة جون هايلوك وفرانسيس كينغ
باختصار، لا شيء يضاهي حلاوة

الاشتراكي المحب للجمال) قرّر البقاء في فيوم؛ على أية حال، وحكم هناك لستة عشر شهرًا قبل أن تخرجه الحكومة الإيطالية في آخر المطاف من المدينة باستخدام القوة النارية.
الإغواء مسيرة نفسية تتجاوز الجنس (من حيث الذكورة والأنوثة)، في ما عدا بضعة مناطق جوهرية حيث كل جنس لديه نقطة ضعفه الخاصة. الذكر تقليديًّا سريع التأثير بما هو مرئي. الحورية التي تستطيع أن تُعدّ المظهر الجسماني المناسب سوف تغوي الكثيرين. بالنسبة للنساء فإن نقطة الضعف هي اللغة والكلمات: كما كُتِب من قبَل أحد ضحايا دانونزيو، الممثلة الفرنسية سيمون، «كيف يمكن لأحد ان يفسّر فتوحاته إلاّ بقدرته الكلامية الخارقة والرنين الموسيقي لصوته، المسخران لخدمة الفصاحة الاستثنائية؟ لأن جنسي (النساء) سريع التأثر بالكلمات، ويُسحَرُ بها ويتوق أن يُهَيْمَنُ عليه من قبلها»
الخليع مُتَخَبِّطٌ بالكلمات كحاله مع النساء. هو يختار الكلمات لقدرتها على التلميح، الإيحاء، التنويم المغناطيسي، الرفع، والتأثير على المشاعر. كلمات الخليع هي المكافئ لزينة الجسم لدى الحورية: إلهاءٌ حسَيُّ قويّ، مُخَدّر. إنّ استخدام الخليع للكلمات هو استخدامٌ شيطانيّ لأنه ليس مُصَمَّمًا للتواصل أو لنقل المعلومات وإنما للإقناع والإطراء وإثارة الاضطراب العاطفي؛ فهو كثير الشبه بالأفعى (الشيطان) في حديقة عدن عندما استخدمت الكلمات لتقود حواء نحو الإغواء.
مثال دانونزيو يُظْهِر الصلة بين الخليع الشهواني الذي يغوي النساء، والخليع الذي يغوي الجماهير. كلاهما يعتمد على الكلمات. تبنَّ شخصية الخليع ولسوف تجد أن استخدام الكلمات كسمَّ خفيّ لديه استخدامات لا نهائية. تذكّر: إن الشكل هو ما يهم، وليس المضمون. بقدر ما يكون تركيز أهدافك على ما تقول قليلاً وعلى كيفية جعلهم يشعرون كثيرًا، بقدر ما يكون تأثيرك مُغويًا. أعطِ كلماتك نكهةً أدبيّةً روحيّةً نبيلة حتى تستطيع بشكلٍ أفضل أن تدس الرغبة في ضخاياك غير الدارين.
...........................................
الانتصار على مقاومة شخص جميل؛ وفي ذاك المجال أمتلك طموح الفاتحين، الذين يحلّقون أبدًا من نصرٍ على نصر ولا يستطيعون أن يُقنعوا أنفسهم بأن يضعوا حدًّا لأمانيهم. لا يستطيع شيء أن يقيد اندفاع رغباتي؛ لديّ رغبةً بحجم رغبة أهل الأرض جميعًا؛ ومثل الإسكندر، فبمقدوري أن أحلم بعوالم جديدة كي أوسّع من خلالها فتوحاتي الخبية.
- موليير، دون جون، أو الفاسق، ترجمة جون أوزيل
من ضمن الأساليب العديدة لمعالجة أثر الدونجوان على النساء، فإن موضوع البطل الذي لا يُقاوَم يستحق أن يُصْطَفي، لأنّه يُمثّل تغييرًا لافتًا للنظر في إدراكنا.

لكن ما هي القوة، إذن، التي يغوي بواسطتها دون جوان؟ إنها الرغبة، طاقة الرغبة الحسية. أنه يشتهي في كل امرأة النساء أجمعين. ردّة الفعل على هذا الشغف الهائل تُجمّل وتُنمّي المُشتَهي، الذي يتوهّج بجمال مضاعَف من خلال انعكاسه. كما تنير نار الُمتخمَّس بسناءٍ إغوائي حتى أولئك الذين يتّخذون موقف اللامبالاة تجاهه، كذلك دون جوان يحيط بهالة من المجد والجلال كل فتاة بمعنى أعمق بكثير.
- سورين كير كجارد، إما/أو
المفاتيح إلى الشخصية
في البداية قد يبدو من الغريب أن رجلاً من الواضح أنه غير شريف وغير مخلص، وليس لديه رغبٌة في الزواج، أن يُشَكّل أي جاذبٍ للمرأة. لكن خلال التاريخ كلٌه، وفي جميع الثقافات، كان لهذا الأنموذج أثرٌ لا سبيل إلى مقاومته. إن ما يقدّمه الخليع هو ما لا يسمح به المجتمع عادةً للنساء: علاقة من اللذة الخالصة، مَسُّ رقيقٌ بالخطر. المرأة غالبًا ما تكون مقموعةً بالدور الذي يُتَوَقّع منها أن تلعبه؛ فمن المفروض أن تكون القوّة المُحبّةً والُمحضَّرة في المجتمع، وأن ترغب بالالتزام والإخلاص مدى الحياة. لكن زواجاتها وعلاقتها غالبًا ما تمنحها ليس الرومانس والتفاني وإنما الروتين وزوجٌ مشتتّ الانتباه إلى ما لا نهاية. إنه يظل حُلُمًا أنثويًا دائمًا أن تلتقي المرأة برجلٍ يمنح كل نفسه ويعيش من أجلها، حتى ولو لبرهة.
هذا الجانب المظلم والمكبوت من رغبة المرأة وجد تعبيرًا له في أسطورة دون جوان. في البداية كانت الأسطورة حلمًا ذكوريًا: الفارس المغامر الذي يستطيع الحصول على أي امرأة يريد. أمّا في القرنين السابع والثامن عشر فقد تحوّل دون جوان ببطء من المغامر الذكوري إلى نسخة أكثر أنثوية: رجلٌ عاش فقط للنساء. هذا التطور نبع من اهتمام النساء بالقصة، وكان نتيجةً لرغباتهن المحبطة. الزواج بالنسبة لهن كان نمطًا من وثيقة عبوديّةٍ رسمية؛ لكن دون جوان قدّم المتعة لأجل المتعة، والرغبة دون شروط. في الوقت
.....................................
دون جوان لم يصبح شديد الجاذبية للنساء على نحو لا يُقاوم حتى العصر الرومانتيكي. وأنا أميل إلى الاعتقاد بأن جعله هكذا هو نزعةٌ من الخيال الأنثوي. عندما بدأ الصوت الأنثوي يؤكّد نفسه بل وحتى-رّبما-يَسود في الأدب، فقد تحوّر دون جوان ليصبح مثلاً أعلى للنساء وليس للرجال... دون جوان هو الآن حلم المرأة عن الحبيب المثالي: صعب الفهم، شغوف، جريء. هو يعطيها اللحظة اليتيمة التي لا تُنسي، سعادة الجسد العارمة والرائعة التي غالبًا ما تُنكّر عليها من قبل الزوج الحقيقي، الذي يعتقد بأن الرجال غرائزيون والنساء روحانيات. أن تكون الدون جوان الذي لا سبيل لمقاومته قد يكون حلم قلّة من الرجال؛ لكن أن

الذي يعترض فيه مسارك، تكونين كل ما يفكّر به. رغبته فيك تكون غايةً في القوة لدرجة أنه لا يمنحك وقتًا للقلق أو للتفكير بالعواقب. كان يأتي في الليل، ويمنحك لحظةٌ لا تنسى، ثم يتلاشى. من الممكن أن يكون قد أخضع وظفر بألف من النساء من قبلك، لكن هذا لا يزيد على جعله أكثر تشويقًا؛ الأفضل أن يُتَخَلّى عنكِ من أن تكوني غير مرغوبةٍ من رجلٍ كهذا.
المُغوون العظام لا يقدّمون الملذّات المُعتدلة التي يتغاضى عنها المجتمع. هم يلامسون لاوعي الشخص، تلك الرغبات المكبوتة التي تصرخ للتّحرّر. لا تتخيّل أن النساء هن تلك المخلوقات الحنونة واللطيفة التي يريد بعض الناس منهن أن يكنّها. مثل الرجال، هن ينجذبن بعمق للمحظور والخطير، وحتىّ الشرير بشكل طفيف. (دون جوان ينتهي بالذهاب إلى الجحيم، وكلمة «خليع» تأتي من «ينقّب ويقلّب الجحيم؛ رجلٌ ينقّب ويقلّب في فحمات الجحيم؛ المُكَوّن الشطاني-بوضوح-هو جانبٌ هام من القصة) (لما لا نستخدم من باب التقريب كلمة يخلع كمرادف لـ ينقّب ويقلٌب: المترجم) تذكّر دائمًا: إذا كان مُقَيّضًا لكَ أن تلعب دور الخليع، فينبغي لك أن تَنْقُل إحساسًا بالخطر والظلمة، موحيًا لضحيتك بأنّها تشارك بشيءٍ نادرٍ ومُثير-فرصة لتُصرِّف عن رغباتها الخليعة الخاصة.
لتلعب دور الخليع، فإن المُتطَلّب الأكثر وضوحًا هو القدرة على ترك نفسك تنطلق، أن تجتذب امرأة إلى نوع من اللحظة الحسّية بشكلٍ صافٍ والتي يفقد فيها الماضي والمستقبل معنييهما. يجب أن تكون قادرًا على أن تسلم نفسك للحظة. (الخليع فالمون-شخصية مصوغة على مثال الدوق رايشليو في رواية لاكلو من القرن الثامن عشر علاقات سرية خطرة-عندما يكتب رسائل من الواضح أنها مُعَدّة بحيث تُحِدثُ أثرًا معينًا على ضحيته المختارة، مدام دى تورفيل، فإنّها تميرّ مباشرةً الحقيقة الكامنة من ورائها؛ لكن عندما تحترق رسائله بالهيام حقيقة، فإنهّا تأخذ عندما ترقُّ وتلين). فائدةٌ مضافةٌ لهذه الخاصية هي أنها تجعلك تبدو غير قادر على التحكّم بنفسك؛ عرضٌ للضعف من شأنه أن يَطيَب للمرأة. من خلال إسلام نفسك للمَغوتين، فأنت تجعلهم يشعرون أنك موجودٌ من أجلهم فقط-شعورٌ يعكسُ حقيقة، برغم أنهّا حقيقة مؤقتًة. من أصل المئات من النساء اللواتي
...................................
تلتقي به هو حلم العديد من النساء.
- أوسكار ماندل، «أسطورة الدون جوان»، الآثار المسرحية المجتمعة للدون جوان.

أغواهن بابلو بيكاسو-الخليع من الطراز الأول-عبر السنين، فإنّ معظمهن كان لديهن الشعور بأنهن الوحيدات اللاتي أحبهن بحق.
الخليع لا يقلق أبدًا حيال مقاومة امرأة له، أو فيما يخص تلك المسألة حيال أي عائق آخر في طريقه-زوج، حاجزٌ مادّي. المقاومة فقط هي المهماز لرغبته، إذ توقده أكثر فأكثر. عندما كان بيكاسو يغوي فرانسوا جيلوت، فقد ترجّاها في الواقع أن تقاوم؛ لقد احتاج إلى المقاومة لكي يزيد من الإثارة. على أية حال، فإن عائقًا في طريقك يمنحك الفرصة لكي تثبت نفسك، والإبداع الذي تضفيه على مسائل الحب. في الرواية اليابانية من القرن الحادي عشر حكاية جنجي، من تأليف سيدة البلاط موراسكي شيكيبو، فإن الأمير الخليع نيو لم يتضايق من الاختفاء المفاجئ ليو كيفون، المرأة التي يحب. لقد هربت لأنها بالرغم من كونها مهتمة بالأمير، فقد كانت واقعة في حبٌ رجل آخر؛ لكن غيابها يسمح للأمير بالذهاب إلى أقاصي الأرض ليجدَ لها أثرًا. ظهوره المفاجئ ليخطفها إلى بيت في أعماق الغابة، والبسالة التي يبديها في فعله هذا، يجتاحانها. تذكر: إذا لم تواجهك مقاوَماتٌ وعقبات، فعليك أن تخلقها. لا يمكن أن يستمر إغواءٌ من دونها.
الخليع شخصية مُتطرّفة. صفيق، ساخر، وطريفٌ بشكل لاذع، لا يهتم البتة بما يفكر به أي شخص. والمفارقة، أن هذا لا يعدو عن جعله أكثر إغواءً. في الجو المشابه للبلاط الخاص بهوليوود عصر الاستوديو، عندما تصرّف معظم الفنانين كَخرافٍ مُطيعة، فإن الخليع العظيم إيرول فلين برز مُتميزًا عن الآخرين بعجز فيه. لقد تحدّى القيّمين على الاستوديو وانخرط في أكثر أشكال المزحات العملية غلوّاً، ووجد متعةً بالغةً في سمعته كابرز مُغوي في هوليوود-كلّ هذا عززّ من شعبيته. الخليع يحتاج إلى محيط أو بيئة من التقاليد-بلاطٌ مُستخَّف، زواجٌ رتيبٌ ومملّ، ثقافة تقليدية-كي يَستطُع، ويُمَنَح التقدير بسبب نسمة الهواء النقي التي يوفرها. لا تقلق أبدًا حيال المضيّ أبعد من اللزوم: جوهر الخليع هو أنه يذهب ويمضي أبعد من أي واحد آخر.
عندما اختطف إيرل روتشستر الذي كان أشهر خليع وشاعر في إنكلترا القرن السابع عشر، إليزابث مالت التي كانت من أكثر السيدات

الفتيّات في البلاط مطلوبيةٌ، فقد عوقب في حينه كما ينبغي. لكن عجبًا، فإن إليزابث الشابة بعد عدّة سنوات، بالرغم من أنه تم خطب ودّها من أكثر عازبي البلد جدارةً وأهليةً، قد اختارت روتشيستر ليكون زوجها. جعل نفسه يبرزُ مُتميزًا عن العامّة من خلال إظهاره الجليّ لرغبته الجريئة والمتهوّرة.
ممّا يتّصل بتطرّف الخليع هو حسّ الخطر، المحظور، وربّما حتّى لمسة القسوة التي فيه. هذا ما شكّل جاذبية شاعرٍ خليع آخر، وواحد من الأعظم في التاريخ: اللورد بايرون. بايرون كره جميع أنواع الأعراف والتقاليد، وأكد على كرهه هذا بسرور. عندما أقام علاقة مع أخته غير الشقيقة، التي حملت له طفلاً، حرصَ على أن تعلم كل إنكلترا بعلاقته هذه. كان باستطاعته أن يكون قاسيًا بشكلٍ غير مألوف، كما كان مع زوجته. لكن كل هذا لم يُؤَدَ إلاَ إلى جعله أكثر مرغوبيّةً بكثير. الخطر والمحظور يروقان لجانب مكبوت لدى المرأة، التي يُفتَرض أن تُمَثّل قوُةً مُحضٌرةً ومساندةً للأخلاق في الثقافة. تمامًا كما يمكن للرجل أن يقع ضحيةً للحوريّة من خلال رغبته في أن يكون حرًا من إحساسه بالمسئوليّة الرجوليّة، كذلك المرأة يمكن أن تخضع وتستلم للخليع من خلال توقها لتكون حرّةً من قيود الفضيلة والحشمة. بالفعل فإنه غالبًا ما تكون النساء الأكثر عفة واستقامة هن اللواتي يقعن في أعمق درجات الحب مع الخليع.
من ضمن أشد خصائص الخليع إغواءً هي قدرته على جعل النساء يُرِدْنَ إصلاحه. كم من واحدةٍ اعتقدت أنها ستكون من يُروّض اللورد بايرون؛ كم من واحدة من نساء بيكاسو اعتقدت أنها أخيرًا ستكون الشخص الأوحد الذي سيقضي معه بيكاسو بقيّة حياته. يجب عليك أن تستغل هذا الميل إلى أقصي درجات الحدود. عندما يُقبَضُ عليك مُتَلَبَسًا في الخلاعة والفسق، انّكئ على ضعفك-على رغبتك بالتغيير، وعدم قدرتك على إحداثه. مع هذا الكم من النساء تحت قدميك، ماذا تستطيع أن تفعل؟ أنت من هو الضحية. أنت تحتاج المساعدة. النساء سوف يتقافزن لاغتنام هذه الفرصة؛ عن مُتساهلاتٍ بشكل غير مألوف مع الخليع، لأنه بحق شخصيةٌ سارّةٌ ومندفعة. الرغبة في إصلاحه تُقنّع الطبيعة الحقيقة لرغبتهن، الإثارة والرعشة السرية التي يستحصلن عليها منه. عندما لفت بيل كلينتون

الأنظار إليه بوضوح على أنّه خليع، كانت النسوة من سارع للدفاع عنه، حيث أوجدن كل عذر ممكن له. واقع أن الخليع مُكرّسٌ للنساء بشدّة، بطريقته الغريبة الخاصة، يجعله مُحَبّبًا ومغويًا لهن.
أخيرًا، فإن مصدر القوة الأعظم لدى الخليع هو صيته. لا تُعَتٌم أبدًا على اسمك السيئ، أو تظهر بمظهر المعتذر. عوضًا عن ذلك، تقبّله بسرور وغزّزه. إنه ما يشد النساء إليك. هناك عدّة أشياء يجب أن تُعرفَ بها: جاذبيتك التي لا تقاوم للنساء؛ تكرّسك للمتعة الذي لا يمكن التحكّم فيه (هذا سوف يجعلك تبدو ضعيفًا؛ ولكن أيضًا من الممتع التواجد حولك)؛ ازدراؤك للعادات والتقاليد؛ مسحةٌ ثائرة والتي تجعلك تبدو خطيرًا. من الجائز إخفاء هذا العنصر الأخير قليلاً؛ على السطح، كن مُهذّبًا ومُتَمدّنًا، بينما تترك الأمر معروفًا وراء الكواليس بأنك غير قابلٍ للإصلاح. دوق دي رايشليو جعل فتوحاته علنيةً بقدر الإمكان، مثيرًا بذلك الرغبة التنافسية لدى النساء الأخريات بالانضمام إلى نادي المَغويّات. إنه كان الصيت الذي اجتذب بواسطته اللورد بايرون ضحاياه الطوعيين. المرأة قد تشعر بمشاعرٍ متضاربة تجاه صيت الرئيسي كلينتون، لكن تحت تضرب المشاعر يكمن اهتمامٌ ضمنيّ. لا تدعْ سمعتك للصدفة أو للقيل والقال؛ إنها العمل الفني لحياتك، ويجب عليك أن تبرع فيه وتشحده وتعرضه باهتمام فنّان.
الرمز: النار.
الخليع يشتعل برغبةٍ تُلهِبُ المرأة التي يُغوي.
إنها مْتَطرّفة، لا يمكن ضبطها، وخطيرة. الخليع قد ينتهي
به المطاف في الجحيم، ولكن النيران التي تحيط به غالبًا ما
تجعله يبدو أشد جاذبيةٌ ومرغوبّيةً بكثير من قبل النساء.

المخاطر
مثل الحوريٌة، فإنّ الخليع يواجه الخطر الأكبر من أبناء جنسه بالتحديد، الذين هم أقل تساهلاً بكثير من النساء تجاه مطارته الدؤوبة للنساء. في قديم الأيام، فإنّ الخليع غالبًا ما كان أرستقراطيًا، ومهما أهان أو حتّى قتل من أناس، فإنّه كان يمضي في النهاية بلا عقاب. اليوم، النجوم وفاحشو الثراء هم حصرًا من يستطيع أن يلعب دور الخليع دون أن تطالهم عقوبة؛ أما بقيتنا فينبغي أن نتوخّى الحذر.
إلفيس برسلي كان شابًا خجولاً. عندما حقٌق النجومية ورأى السلطة التي تمنحه إياها على النساء، فقد انفلت من عقاله وأصبح خليعًا تقريبًا بين ليلة وضحاها. مثل العديد من الخليعين، كان لدى إلفيس ولعٌ بالنساء المرتبطات أساسًا. وجد نفسه مُحاصرًا من قبل زوجٍ أو خليل غاضب في العديد من المناسبات، وأفلت منها بالقليل من الجروح والسحجات. هذا يبدو كاقتراح بأن تُخَفٌف الوطء بوجود الأزواج والعُشّاق الذكور، وخاصّة في بداية مسيرتك. لكن سحر الخليعين يكمن في أن أخطارًا كهذه لا تهمّهم. لا يمكن أن تكون خليعًا من خلال كونك خائفًا أو مُتَعقّلاً؛ الشجارات العرضية هي جزءٌ من اللعبة. لاحقًا، في جميع الأحوال، عندما بلغت شهرة إلفيس ذروتها، لم يجرؤ زوجٌ على أن يمسّه.
الخطر الأكبر على الخليع يأتي ليس من الزوج العنيف الُمهان ولكن من أولئك الرجال غير الآمنين وغير الواثقين بأنفسهم والذين يشعرون بأنّهم مُهَدّدون من قبل شخصيّة الدونجوان. بالرغم من كونهم لا يُقرّون بذلك، إلاّ أنّهم يحسدون حياة المتعة الخاصة بالخليع، ومثل جميع الحسودين فإنّهم سوف يهاجمون بطرقٍ خفيّة، وغالبًا ما يقنّعون اضطهادهم ومضايقاتهم بقناع الأخلاقيات. الخليع قد يشعر بأن مسيرته مَحفوفة بالمخاطر بسبب رجال كهؤلاء (أو بسبب امرأةٍ عرضيةٍ قد تضاهي هؤلاء الرجال بانعدام الإحساس بالأمان والثقة، والتي تشعر بأنّها انجرحت لأن الخليع لا يريدها).
هناك القليل مما يستطيع الخليع فعله لتفادي الحسد؛ إذا كان الجميع ناجحًا في الإغواء، فإن المجتمع لن يؤدي وظيفته.
لذا اقبْل الحسد كشارة شرف. لا تكن ساذجًا، كن مُدرِكًا. عندما

تُهاجم من قبل مُدّعٍ للأخلاق، فلا تُأخَذ بحَملَته العنيفة؛ إن دافعها وبكل بساطة ووضوح هو الحسد المحض. تستطيع أن تُخَفّف من حدّته من خلال أن تُصبح أقل خلاعةْ وطلبك للغفران وادّعاؤك أنه قد تم إصلاحك، لكن هذا سوف يضر بصيتك ويجعلك تبدو خليعًا أقلّ جدارةً بأن يُحَب. في النهاية، فإنّه من الأفضل أن تُكابد الهجوم بعنفوانٍ وتواصل الإغواء. الإغواء هو مصدر قوّتك؛ وتستطيع دائمًا أن تراهن على التساهل غير المحدود للنساء.


العاشق المثالي
معظم الناس كان لديهم خلال صباهم أحلامهم التي تحطّمت أو امَحت بمرور الزمن. فهم يجدون أنفسهم خائبي الآمال حيال الناس والأحداث والواقع، الذين لا يمكن أن يرتقوا لمستوى مثالياتهم الفتية. العاشقون المثاليون يزدهرون على أحلام الناس المحطمة، التي تتحول إلى أوهام وتخيلات تمتد بامتداد العمر. إذا كنت تتوق إلى الرومانس؟ أو إلى المغامرة؟ أو إلى المشاركة الروحية النبيلة والرفيعة؟ فإن العاشق المثالي هو الذي يعكس لك تطلعاتك الحالمة. هو أو هي فنان/نة في خلق الوهم الذي تتطلبه، ومَثلَنَةِ صورتك. في عالم من عدم الاكتراث والانحطاط، يوجد سلطة غير محدودة في أتباع درب العاشق المثالي.


المثالي الرومانسي
في إحدى الأمسيات من العام 1760 على وجه التقريب، في دار الأوبرا في مدينة كولونيا، جلست امرأة شابة جميلة في مقصورتها، وهي تشاهد الجمهور. بجانبها كان زوجها، عمدة المدينة – رجلٌ في منتصف العمر وأنيسٌ بما فيه الكفاية، ولكنه بليد. عبر نظارتها الخاصة بالأوبرا لاحظت المرأة الشابة رجلًا وسيمًا يرتدي طقمًا رائعًا من الثياب. من الواضح أنه قد تم ملاحظة تحديقتها، لأن الرجل قدّم نفسه بعد الأوبرا: اسمه كان جيوفاني جياكومو كازانوفا.
قتل الغريب يد المرأة. كانت ستذهب مساء اليوم التالي إلى حفلةٍ راقصة، فسألته؛ هل تود حضرتك المجيء؟ فأجاب، «إذا كنت أجرؤ على الأمل بأنّك سوف ترقصين معي فقط».
في الليلة التالية، بعد الحفل الراقص، لم تستطع المرأة سوى التفكير بكازانوفا. بدا أنه يستبق أفكارها–كان غاية في الدماثة، ومع ذلك مقدامٌ جدًا. بعد عدّة أيّام تعشّى في منزلها، وبعد أن أوى زوجها إلى فراشه لبقيّة المساء، أخذته في جولة في أرجاء المنزل. أرته وهي في مخدعها جناحًا من المنزل–كنيسة صغيرة–مباشرةً خارج نافذتها. واثقٌ بما فيه الكفاية، وكأنه قرأ أفكارها، فقد أتى كازانوفا في اليوم التالي إلى الكنيسة لحضور القدّاس، ولدى رؤيته إياها في المدرّج في ذلك الأصيل ذكر لها أنه لاحظ أنّ هناك بابًا لا بدّ أنه يُفضي إلى غرفتها. ضحكت، وتظاهرت بأنها متفاجئة. بأكثر النبرات براءة، قال بأنه سوف يجد طريقةً للاختباء في الكنيسة في اليوم التالي–وتقريبًا بدون تفكير، همست أنها سوف تزوره بعد أن يكون قد خلد الجميع إلى النوم.
..............................
إذا ولدى النظرة الأولى لم تترك الفتاة انطباعًا من العمق على الشخص بحيث توقظ تَصَوّره المثالي، فعادةً ما يكون الواقع عندئذٍ غير مرغوب بشكل مميز؛ أما إذا تركت، فعندئذٍ ومهما كان الشخص مُجَربًا فإنّه عادةً ما سيرتبك نوعًا ما.
- سورين
كير كيجارد، يوميات مُغوي، ترجمة هاوارد في. هونغ وإيدنا إتش. هونغ العاشق الجيد سوف


وهكذا اختبأ كازانوفا في حجرة الاعتراف البالغة الصغر، منتظرًا كل النهار والمساء. كان هناك جرذان، ولم يكن هناك شيء للاستلقاء عليه، ومع ذلك فعندما قدمت زوجة العمدة أخيرًا، في آخر الليل، فإنّه لم يتدمّر، وإنّما تَبعها بصمت إلى غرفتها. تابعوا لقاءاتهم السرية لعدّة أيّام. خلال النهار كانت بالكاد تستطيع الانتظار للّيل: أخيرًا يوجد شيءٌ لتعيش من أجله، مغامرة. تركت له طعامًا وكتبًا وشموعًا لتُخفّف من وطأة انتظاراته المملّة والطويلة في الكنيسة – بدا أنه من الخاطئ استخدام مكان للعبادة لهدفٍ كهذا، لكن ذلك لم يزد على جعل العلاقة أكثر تشويقًا وإثارة. بعد بضعة أيام، على أي حال، انطلقت في رحلةٍ مع زوجها. في الوقت الذي عادت فيه، كان كازانوفا قد اختفى بنفس السرعة واللباقة اللتين أتى بهما.
بعد بضعة سنوات، في لندن، لاحظت امرأة شابة تُدعى الآنسة باولين إعلانًا في جريدة محلّية. رجلٌ نبيل كان يبحث عن نزيلة لتستأجر قسمًا من منزله. أتت الآنسة باولين من البرتغال وكانت من النبلاء؛ لقد فرّت إلى لندن مع حبيب لها بقصد الزواج، ولكنّهُ أُرغِم على العودة إلى الوطن وتوجَب عليها أن تبقى وحيدةً لبعض الوقت قبل أن تستطيع اللحاق به. الآن كانت وحيدةً مع قليل من المال، وكانت مكتئبةً بسبب ظروفها الحقيرة. استجابت للإعلان.
اتّضح أن الرجل النبيل كان كازانوفا، ويا له من رجل نبيل الغرفة التي قدّمها كانت مليحةً والإيجار مُتَدَنًّ، لم يطلب غير مرافَقةٍ عرضية. انتقلت الآنسة باولين للسكن في منزله. لعبوا الشطرنج وذهبوا في نزهات على ظهور الخيل وتناقشوا في الأدب. كان كريم المحتد للغاية ومهذَبًا وكريمًا. هذه الفتاة الجدّية وراجحة العقل، صارت تعتمد على صداقتهما؛ هنا كان رجلٌ تستطيع التحدث معه لساعات. ثم في أحد الأيام بدا كازانوفا مُتغيّرًا ومنزعجًا ومُستثارًا: اعترف لها أنه واقعٌ في حبّها. كانت ستعود إلى البرتغال لتنضم ثانيةً إلى حبيبها، ولم يكن هذا ما أرادت سماعه. أخبرته أنه ينبغي عليه أن يذهب لامتطاء الخيل ليُهدَئ نفسه.
لاحقًا في ذلك المساء تلقّت أخبارًا: لقد وقع من على صهوة حصانه. كونها أحسَت بأنَها مسؤولة عن حادثه، فقد هّرِعت لعنده فوجدته في
......................
يتصرّف عند الفجر بنفس الأناقة التي يتصرّف بها في أي وقتٍ آخر. يَجُرٌ نفسه من السرير جرًا مع نظرة خيبة على وجهه. الزوجة تستعجله: «هيا يا صديقي، إن الضوء يَنزُع. أنت لا تريد أن يجدك أحدٌ هنا».
يُصْدِر تنهيدةً عميقةً، وكأنه يقول أن الليل تقريبًا لم يكن طويلًا بما فيه الكفاية وأنه من المؤلم أن يرحل.
حالما يقف، فإنه لا يسحب بنطاله فوريّاً. عوضًا عن ذلك يدنو من الزوجة ويهمس لها بأي شيءٍ لم يُقل خلال الليلة. حتى عندما يلبس فإنّه يظل يتوانى متظاهرًا بأنه يشدّ حزامه. في الوقت الراهن يرفع الشبكية، والعاشقان يقفان سويّةً عند الباب الجانبي بينما يخبرها عن مدى فزعه من اليوم التالي، الذي سوف يبعدهما



السرير ووقعت بين ذراعيه، إذ لم تكن قادرةً على التحكّم بنفسها. الاثنان أصبحا عاشقين في تلك الليلة، وظلاَ هكذا بقيّة مدّة إقامتها في لندن ومع ذلك فعندما حان وقت رحيلها إلى البرتغال، لم يحاول أن يوقفها؛ عوضًا عن ذلك، طمأنها وحاججها بأن كلًّا منهما قدّم للآخر الترياق المضاد الكامل والمؤقت لوحدتهما، وأنهما سوف يبقيان أصدقاءً للأبد.
بعد عدّة سنوات، في بلدةِ إسبانيّةِ صغيرة، فتاةٌ جميلةٌ ويافعةٌ اسمها إيجنازيا كانت تغادر الكنيسة بعد الاعتراف. دنامنها كازانوفا. شرح لها وهو يمشي معها أنّه لديه ولعًا برقصة الفندانجو، ودعاها إلى حفلةٍ راقصةٍ في مساء اليوم التالي. كان شديد الاختلاف عن أيّ واحدٍ في المدينة التي ضاقت بها ذرعًا – لذا أرادت الرحيل بشدة. والداها كانا ضد الترتيبة، لكنها أقنعت أمّها بأن تتصرّف كمشرفة. بعد ليلةٍ لا تُنسى من الرقص (رقص هو بشكلٍ رائعٍ واستثنائي بالنسبة لأجنبي)، اعترف كازانوفا أنه كان معرمًا بها بجنون. أجابت (ومع ذلك بحزن شديد) بأن لديها خطيبًا. كازانوفا لم يّلح، لكنه أخذ إيجنازيا على مدى الأيام التالية إلى حفلاتٍ راقصة أخرى وإلى صراع الثيران. في أحد هذه المناسبات قدّمها لرفيقة له، والتي تغازلت معه بصفاقة؛ غارت إيجنازيا بشكلٍ رهيب. حينها كانت مُستقتِلةً في حب كازانوفا، لكن حس الواجب لديها والوازع الديني منعا أفكارًا كهذه.
أخيرًا، بعد أيامً من العذاب، تَتبَعت إيجنازيا كازانوفا وأخذت يده قائلةً: «حاول كاهن الاعتراف أن يجعلني أعد بألًا أكون وحيدةً معك ثانيةً، وكوني لم أستطع، فقد رفض أن يعطيني الغفران. إنها المرّة الأولى في حياتي التي يحصل فيها شيءٌ كهذا لي. لقد وضعت نفسي في يدي الله. لقد اتّخذت قراري–ما دُمتَ هنا–بأن أفعل كل ما تتمنّى. عندما ويا للأسى ستغادر إسبانيا، فسأجد كاهن اعترافٍ آخر. حتّي لك، في آخر المطاف، مجرّد جنونِ عابر».
لربما كان كازانوفا المُغوي الأنجح في التاريخ؛ قلّةٌ من النساء استطعن مقاومته. طريقته كانت بسيطة: لدى التقائه بالمرأة، كان يدرسها، ويتماشى مع حالتها النفسية، ويكتشف ما كان ناقصًا في حياتها ويؤمّنه. جعل نفسه
..........................
عن بعض؛ ومن ثم ينسل بعيدًا. تشاهده الزوجة وهو يمضي، ولحظة الافتراق هذه ستظلّ من بين أكثر ذكرياتها سحرًا. بالفعل فإنّ ارتباط إحداهّن بالرجل يعتمد إلى حدَّ كبير على أناقة شروعه بالرحيل. عندما يقفز من السرير، ويعدو في أرجاء الغرفة، ويشد حزام بنطاله بإحكام، ويفتح أكمام معطفه، ويرتديه، أو يجوس المكان بحثًا عن بذلته، حاشيًا أغراضه في صدر ردائه ومن ثم يُثبت الحزام الخارجي بشكل مُهتاج – تبدأ المرأة بكرهه بشكل حقيقي.
- كتاب الوسادة كتاب لساي شوناجون، ترجمة وتحرير إيفان موريس
خلال بداية سبعينات القرن العشرين، ضد


العاشق المثالي. زوجة العمدة الضّجرة احتاجت إلى المغامرة والرومانس؛ أرادت شخصًا يضحّي بوقته وراحته ليحصل عليها. بالنسبة للآنسة باولين فما كان مفقودًا كان الصداقة والمثاليات السامية والمحادثات الجدّية؛ أرادت رجلًا ذا منبت طيّب وكرم يعاملها كسيّدة ذات مكانة. بالنسبة لإيجنازيا فالشيء المفقود كان العذاب والمعاناة. حياتها كانت غاية في السهولة، من أجل ان تشعر أنها حيّة بحق، وأن يكون لديها شيءٌ حقيقيّ للاعتراف به، فقد احتاجت إلى أن تأثم. في كل حالة، قام كازانوفا بتكييف نفسه مع مثاليات المرأة، وجعل حلمها حقيقة بمجرَد ما تقع تحت سحره، فإنّ حيلة صغيرة أو حُسبان كان من شأنهما أن يُبرما الغرام (يومٌ بين الجرذان، وقوعٌ مُدَبّر من على صهوة الحصان، مُقابلة مع امرأة أخرى لجعل إيجنازيا تغار).
إنّ العاشق المثاليّ نادرٌ في العالم المعاصر، لأن الدّور يستلزم جهدًا. يتعيّن عليك أن تركّز بشكلٍ مُكثّف، وتستوعب جيّدًا ما الذي تفتقده هي، ما الذي خيَب آماله. الناس غالبًا ما يظهرون هذا بطرق غير واضحة: من خلال الإيماءات، نبرة الصوت والنظرة في العينين. من خلال ظهورك على أنك ما يفتقدون، فسوف تطابق تصوّرهم المثالي.
خلق أثر كهذا يتطلّب صبرًا وانتباهًا للتفاصيل. معظمُ الناس مُطَوَقون ومُقَيّدون برغباتهم، وغايةٌ في ضيق الصدر ونفاذ الصبر، هم عاجزون عن دور العاشق المثالي. دع ذلك يكن مصدرًا لفرصةٍ غير محدودة. كن واحةً في صحراء المُستَغرقين حصرًا في ذواتهم؛ قَلَةٌ تستطيع مقاومة إغراء اللحاق بشخص يبدو غايةً في التناغم والتآلف مع رغباتهم، ومع جعل أحلامهم حقائق. وكما مع كازانوفا، فإنّ سمعتك كواحدٍ يمنح متعةً كهذه سوف تسبقك وتجعل إغواءاتك بتلك الكثرة.
تعهّد مُتَع الحواس بالعناية كان أبدًا هدفي الرئيس في الحياة. كوني عارفٌ أنني كنتُ شخصيّاً مُعَدًاً لإرضاء الجنس اللطيف، فقد ناضلتُ دائمًا من أجل أن أجعل نفسي مُحَبذًا لديه.
.........................
سياقٍ سياسيًّ مضطرب تضمَنَ الإخفاق التام للمشاركة الأمريكية في حرب فيتنام وسقوط رئاسة الرئيس ريتشارد نيكسون عقب فضيحة واترغيت، برز «جيلي أنا» -وكان هناك [آندي] وأرهول ليعكس صورته. على خلاف مُحتَجي الستينات الراديكاليين الذين أرادوا الثأر من كل أمراض المجتمع، فإنّ ناس «الأنا» المستغرقين في أنفسهم سعوا لأن يُحَتسنوا أجسامهم ولأن «يكونوا على اتَصالٍ» بمشاعرهم الخاصة. اهتَموا بشكلٍ انفعاليّ بمظهرهم، صحّتهم، أسلوب حياتهم، وحساباتهم المصرفية. غذّى آندي تمحورهم حول ذواتهم وغرورهم المتضخّم من خلال تقديم خدماته كرسَام.


مثال الحسناء
في العام 1730، عندما كانت جان بويسون تبلغ من العمر تسع سنوات فقط، تنبأت عرّافة أنّها ستصبح يومًا ما عشيقة لويس الخامس عشر. كان التنبؤ سخيفًا تمامًا، نظرًا لأن جان قدمت من الطبقة الوسطى، ولأنه كان تقليدًا امتدّ لقرون خلّت أن تُختار عشيقة الملك من طبقة النبلاء. لجعل الأمور أسوأ، فقد كان والد جان خيعًا رديء السمعة، ووالدتها مومسًا.
لحسن حظ جان، فقد كان أحد عشّاق أمّها رجلاً ذا ثروةٍ عظيمة، استلطف البنت الظريفة وأخذ على عاتقه نفقات تعليمها. تعلّمت جان الغناء والعزف على الكلافيكورد (الأصل الذي تطوّر منه البيانو)، والفروسية بمهارةٍ استثنائية، والتمثيل والرقص؛ عُلّمت الأدب والتاريخ في المدرسة وكأنّها كانت صبيًّا. علّمها الكاتب المسرحي كريبيليون فن الحديث. فوق هذا كلّه فقد كانت جان جميلةٌ وتحلّت بسحرٍ وكياسةٍ ميّزاها عن غيرها منذ البداية.
في العام 1741 تزوّجت رجلاً من صغار النبلاء. الآن أصبحت معروفةً بالمدام ديتوال، استطاعت تحقيق طموحٍ عظيم: افتتحت صالونًا للأدب. تردّد كل كتّاب وفلاسفة ذلك العصر العظام على صالونها، حيث أنّ العديد منهم قد تُيّموا بالمضيفة. واحد من هؤلاء كان فولتير، الذي أصبح صديقًا مدى الحياة.
عبر كل نجاحات جان، فإنّها لم تنسَ تنبّؤ العرّافة، وظلّت مؤمنةً أنها ستحتل قلب الملك في يومٍ من الأيام. صادفَ أن كانت إحدى عِزبات زوجها مجاورةً لأراضي الصيد المفضّلة لدى الملك. كانت تتجسّس عليه من خلال السور، أو توجد طرقًا لاعتراض سبيله، دائمًا بينما كانت (بالصدفة) ترتدي ثوبًا أنيقًا، ومُبرِزًا بالرغم من أناقته (لمفاتن الجسد). سرعان ما أصبح الملك يرسل لها هدايا اللعبة. عندما توفّت عشيقته الرسمية، في العام 1744، تنافست كل حسناوات البلاط لشغل مكانها؛ لكنه شرع يمضي وقتًا متزايدًا مع المدام ديتوال، وهو مَبهورٌ بجمالها وسحرها. مما شدّة البلاط، أنه جعل في نفس تلك السنة من هذه المرأة المنتمية إلى الطبقة الوسطى عشيقته الرسمية، رافعًا إياها إلى طبقة النبلاء من خلال لقب ماركيزة دي بومبادور.
.......................
بنهاية العقد كان مُعترفًا عليه كواحدٍ من الرسامين الطليعيين في عصره. قدّم وارهول لزبائنه مُنَتجًا لا يُقاوَم: رسومٌ عصريّة تُظهرُ من فيها على نحوٍ أكثر جاذبية، من فنّانٍ ممتاز والذي كان هو نفسه شخصيّةً مشهورةً مشهودًا لها.
بإضفائه حضورًا نجوميًّا مُعريًا حتى على أكثر الوجوه شهرةً وإثارةً للإعجاب، فقد حوّل موضوعاته إلى أشباحٍ فاتنة، مُقدّمًا وجوههم كما ظنّ أنهم يريدون أن يُروْا ويُتذَكّروا. من خلال تصفية ملامح جلاّسه الحسنة عبر غرباله الحريريّ وتضخيم حيوّيتهم، فقد مكّنهم من أن يظفروا بمدخلٍ إلى مستوى من الوجود أكثر خيالية وروحانيةٌ. امتلاك ثروةٍ عظيمةٍ وسلطةٍ قد يجدي


حاجة الملك للجِدّة كانت ذائعة الصيت: فإحدى العشيقات كانت تسلّيه بشكلها، لكنّه سرعان ما كان يسأم منها ويجد واحدةْ أخرى. بعد أن انقضت صدمة اختياره لجان بويسون، فقد طمأنت نساء البلاط أنفسهن أن اختياره لن يدوم-إنه اختارها فقط لأن حيازة عشيقة من الطبقة الوسطى كان شيئًا غير مألوف. قلّةٌ عرفت أن إغواء جان الأول للملك لم يكن آخر إغواءٍ لديها في جعبتها.
بمرور الوقت، وجد الملك نفسه يزور عشيقته أكثر فأكثر. عندما كان يصعد السلم المَخفي الذي يقود من مسكنه إلى مسكنها في قصر فرساي، فإنّ توقّع المباهج التي تنتظره بالأعلى كان يشرع بتدوير رأسه. أولاً، الغرفة كانت دافئةً باستمرار وتَعبَقُ بالعطور المُفرِحة. ومن ثم كانت هنالك المباهج البصريّة: مدام دي بومبادور ارتدت دائمًا زيًّا مختلفًا، كلّ زيَّ كان أنيقًا ومفاجئًا بأسلوبه الخاص. أحبت الأشياء الجميلة-البورسلان الصافي، المراوح الصينية، الأصيصابْ ذهبيّة-وكان هناك شيءٌ جديدٌ وساحرٌ ليراه في كل مرّة يزورها فيها. تصرّفاتها كانت دائمًا جذلى وخفيفة الظل؛ لم تكن أبدًا دفاعيّة أو ممتعضة. كل شيءٍ للمتعة. ومن ثم كانت هناك محادثاتهم: لم يكن أبدًا قادرًا بشكلٍ حقيقي على التكلم مع امرأةٍ من قبل، أو على الضحك، لكن الماركيزة كانت تستطيع أن تعالج أي موضوع، وصوتها كان متعةً للسمع. وإذا بَهُتَ الحديث وانحسر، فإنّها كانت تنتقل إلى البيانو وتعزف مقطوعةً موسيقيةً وتغنّي بشكلٍ رائع.
إذا بدا الملك في أي وقت سئِمًا أو حزينًا، فإنّ مدام دي بومبادور كانت تقترح مشروعًا ما-ربما بناء بيتٍ ريفيّ جديد. لذا كان عليه أن يعطي تعليماته فيما يختص التصميم، وتخطيط الحدائق والديكور. عودةً إلى فرساي، فقد وضعت مدام دي بومبادور نفسها مسؤولةً عن التسالي في القصر، فبنت مسرحًا خاصًّا للعروض الأسبوعية تحت إرشادها. كان الممثلون يُختارون من ضمن الحاشية، أما دور البطولة الأنثوية فكان دائمًا يُؤدّى من قبل مدام دي بومبادور التي كانت واحدةً من أفضل الممثلات الهواة في فرنسا. أصبح الملك مهووسًا بهذا المسرح؛ كان بالكاد يستطيع الانتظار
........................
في الحياة اليوميّة، أما استصدار لوحةٍ لوارهول فكان مُؤشّرًا أكيدًا إلى أن الجالس اعتزم أن يضمن شهرةً بعد الموت أيضًا. رسومات وارهول لم تكن وثائق حقيقية لوجوهٍ معاصرة بقدر ما كانت أيقونات مُصمّم تنتظر الصلوات المستقبلية.
-دافيد بوردون، وارهول
النساء خدمن كل هذه القرون كمرايا للنظر تمتلك القدرة السحرية والمُبهِجة على أن تَعكسَ صورة الرجل بضعفِ حجمها الطبيعي.
-فيرجينيا وولف، غُرفةٌ لصاحبها


لعروضه. أتى في موازاة هذا الاهتمام إنفاقٌ متزايدٌ للمال على الفنون، واهتمامٌ بالفلسفة والأدب. رجلٌ كان قد اهتم فقط بالصيد والقمار صار يمضي وقتًا أقلَ فأقلَ مع رفاقه الذكور وأصبح راعيًا عظيمًا للفنون. بالفعل لقد دمغ عصرًا بأكمله بطابعٍ جماليّ، والذي أصبح معروفًا بـ«لويس الخامس عشر» منافسًا الأسلوب المرتبط مع سلفه اللامع والشهير لويس الرابع عشر.
وإذا به، مرّت سنةٌ تلوَ أخرى دون أن يكلّ الملك من عشيقته. في الواقع جعلها دوقة، وامتدّ نفوذها وتأثيرها عميقًا إلى ما بعد الثقافة وإلى قلب السياسة. لعشرين عامًا، حكمت مدام دي بومبادور كلاًّ من البلاط وقلب الملك، حتّى موتها المبكّر، في عام 1764، في عمر الثالثة والأربعين.
لويس الخامس عشر كان لديه مُرَكّب نقصٍ قويًّ. كونه كان خلفًا للويس الرابع عشر-أقوى ملك في التاريخ الفرنسي، كان قد عُلّمَ ودُرّبَ استعدادًا للعرش-لكن بالرّغم من ذلك فمن يستطيع تتبّع أفعال سلفه؟ في نهاية المطاف تخلّى عن المحاولة، مُكرّسًا نفسه عوضًا عن ذلك للملذات الجسدية، التي أصبحت تحدّد الكيفيّة التي يُرى بها؛ علم الناس المحيطين به أنهم يستطيعون حمله على تغيير رأيه من خلال مخاطبة الأجزاء الأحط من شخصيته.
مدام دي بومبادور عبقرية الإغواء، تفهّمت أنه داخل لويس الخامس عشر كان هناك رجلٌ عظيم يتحرّق للظهور، وأن هوسه بهذه المرأة الشابة يشير إلى تعطّشٍ لنوعٍ أكثر ديمومةٍ من الجمال. خطوتها الأولى كانت أن تعالج نوباته المتواصلة من الضجر. من السهل أن يضجر الملوك-كل شيءٍ يريدونه كان يُعطى لهم، ونادرًا ما تعلّموا أن يكونوا راضين بما لديهم. عالجت ماركيزة دي بومبادور هذا من خلال إحضار كل أنواع الأحلام وضروب الهوى إلى أرض الواقع، وخلق تشويقٍ مستمر. كان لديها العديد من المهارات والمواهب، وتمامًا بنفس الأهمية، فقد استخدمتها بدهاءٍ كبير لدرجة أنه لم يكتشف حدودها. ما إن عوّدته على مُتَع أنقى وأكثر تشذيبًا، حتّى خاطبت المثاليات المحطمة بداخله؛ في المرآة التي حملتها أمامه، فرأى
تَطَلُّعَهُ ليكون عظيمًا، وهي رغبةٌ، في فرنسا تضمنّت بشكلٍ حتميّ الرّيادة في الثقافة. سلسلة عشيقاته السابقات كنّ قد داعبن رغباته الحسية فقط. وجد في مدام دي بومبادور امرأةٌ جعلته يستشعر العظمة في نفسه. العشيقات الأخريات كان يمكن استبدالهن بسهولة، لكنه لم يكن يستطيع أبدًا أن يجد مدام دي بومبادور أخرى.
معظم الناس يعتقدون أنفسهم من الداخل أعظم مما يبدون عليه خارجيًا للعالم. هم مليئون بالمثاليات غير المُحقّقة: كان باستطاعتهم أن يكونوا فنانين، مُفَكّرين، قادة، رموز روحية، لكن العالم حطّمهم، ورفض أن يمنحهم الفرصة أمام إمكاناتهم لتزدهر. هذا هو المفتاح لإغوائهم-ولإبقائهم مَغْوِيّين عبر الزمن. العاشق المثالي يعرف كيف يمارس هذا النوع من السحر. ناشد فقط الجانب المادي من الناس، كما يفعل العديد من المُغوين الهواة، وسوف يستاؤون منك للّعب على أحط غرائزهم. لكن ناشد الجانب الأفضل من ذواتهم، ومعيارًا أرقى من الجمال، وبالكاد سيلاحظون أنه تم إغواءهم. اجعلهم يشعرون بأنّهم رفيعون، نبيلون، روحانيون، ولسوف تكون سلطتك عليهم غير محدودة.
الحب يسلّط الضوء على خصائص المُحَب النبيلة والمُخَبّأة-ميوله النادرة والاستثنائية: إنه بالتالي عرضة لأن يكون مضلَّلاً فيما يتعلّق بشخصيّته الاعتيادية.
-فريديريك نيتشة
المفاتيح إلى الشخصية
كلّ واحدٍ منا يحمل تصوّرًا مثاليًّا، إما عمّ نريد أن نصبح، أو عمّ نريد الشخص الآخر أن يكون بالنسبة لنا. هذا التصور يعود إلى سنواتنا الأولى-إلى ما شعرنا ذات مرّة أنه كان مفقودًا في حياتنا، ما لم يمنحنه لنا الآخرون، ما لم نستطع أن نمنحه لأنفسنا. ربما نكون قد اختنقنا بالراحة، ونتوق للخطر


والثورة. إذا كنا نريد الخطر ولكنه يخيفنا، فمن الجائز أن نبحث عن شخص ما يبدو مستأنسًا به كمن يكون في منزله. أو ربّما يكون تصوّرنا المثالي أكثر رِفعةً-نريد أن نكون أكثر إبداعًا، نبلاً، وودًّا مما تدبّرنا أن نكونه في أي يومٍ من الأيام. تَصَوّرنا المثالي هو شيءٌ نشعر بأنه مفقودٌ في داخلنا.
تصوّرنا المثالي قد يكون مدفونًا بالخيبة، لكنّه يترصّد في الأسفل، منتظرًا الشرارة التي تشعنه. إذا بدا شخصٌ آخر أنه يمتلك تلك الخاصية المثالية، أو القدرة على استخراجها منّا، فسوف نقع في الحب. تلك هي الاستجابة للعاشقين المثاليين. بالتناغم مع ما يُفتَقد بداخلك، مع الحلم الذي يحرّكك، فإنّهم يعكسون تَصوّرك المثالي-وأنت تفعل الباقي، فتُبرِزُ لهم أعمق رغباتك وأتواقك. كازانوفا ومدام دي بومبادور لم يُغووا أهدافهم نحو علاقةٍ جنسيّة فقط، وإنّما جعلوهم يقعون في الحب.
المفتاح لاتّباع درب العاشق المثالي هو القدرة على الملاحظة. تجاهل كلمات أهدافك وسلوكهم الواعي؛ ركّز على نبرة صوتهم، احمرارٌ للوجه هنا، نظرةٌ هناك-تلك الإشارات التي تُفشي ما لا تقوله الكلمات. غالبًا ما يُعَبّر عن التّصَوّر المثالي بالتناقض. الملك لويس الخامس عشر بدا مهتمًّا فقط بمطاردة الأيائل والفتيات اليافعات، لكنّ ذلك في الواقع غطّى خيبة أمله حيال نفسه: لقد تّحّرَّق من أجل أن تُطرى صفاته الأكثر نبلاً.
لم يكن هناك لحظةٌ أفضل من الآن للعب العاشق المثالي. ذلك لأنّنا نعيش في عالم يجب أن يبدو كلّ شيءٌ فيه على أنه رفيع وحسن النية. القوة هي أكثر موضوع مُحَظّر من بين جميع المواضيع: بالرغم من أنها الحقيقة التي نتعامل معها كلّ يومٍ في نزاعاتنا مع الناس، لا يوجد شيءٌ نبيلٌ، أو مُتّسمٌ بالتضحية بالذات، أو روحانيَّ حولها. العاشقون المثاليون يجعلونك تشعر أنك أكثر نبلاً؛ ويجعلون الأشياء الحسية والجنسية تبدو روحانيةً وجمالية. كجميع المُغوين، هم يلعبون بالقوة، لكّنهم يقنّعون تلاعباتهم خلف مظهر مثاليّةِ كاذبٍ. قلّةٌ تُميّز طبيعتهم الحقيقية وإغواءاتهم تدوم وقتًا أطول.
بعض المثاليات تُشابِه النماذج الأصلية في علم النفس اليونجي (نسبةً


إلى عالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ؛ والنموذج الأصلي تبعًا ليونغ هو صورةٌ من اللاوعي الجماعي، أي ذاكرة موروثة تُمَثَّل في العقل برمزٍ جامع وتُلاحَظ في الأحلام والأساطير: المترجم) -إنها ترجع لأعماقٍ سحيقةٍ في حضارتنا، والإيمان بها يكون تقريبًا في اللاوعي. واحد من هذه الأحلام هو الفارس الشهم. في تقاليد الحب اللطيف في القرون الوسطى، فإن التروبادور/الفارس كان يجد سيّدةٌ، والتي تكون مُتزوّجةٌ في معظم الأحوال إن لم يكن كلّها، ويخدمها كتابعها. كان يخوض غمار العديد من المحن من أجلها، ويأخذ على عاتقه القيام برحلاتٍ خطرة إلى أماكن خاصة في سبيلها، ويعاني من عذاباتٍ مُرَوّعة ليثبت حبّه. (هذا قد يشمل التشويه الجسماني، كاقتلاع الأظافر، وجدع الأذن، الخ). كان أيضًا يكتب أشعارًا ويغنّي أغنياتٍ جميلة لها، لأنه لا يمكن لتروبادور أن ينجح في التأثير في سيّدته بدون نوعٍ من الخاصية الروحانية أو الجمالية. المفتاح للنموذج الأصلي هو إحساسٌ بالتفاني المطلق. الرجل الذي لن يدع مسائل الحرب، المجد، أو المال تتطفّل على فانتازيا المغازلة يمتلك سلطة غير محدودة. دور التروبادور هو حالة مثالية لأن الناس الذين لا يضعون أنفسهم ومصالحهم الخاصة أولاً هم نادرون بحق. أن تجتذب امرأة الاهتمام المُكَثّف لرجلٍ كهذا هو بالنسبة لها شيءٌ شديد الفتنة لُخِيَلائها وغرورها.
في أوساكا القرن الثامن عشر، أخذ رجلٌ يُدعى نيسان الغانية ديوا في نزهةٍ على الأقدام، بعد أن حرص أوّلاً على أن يَرِشّ أجمة البرسيم على طول الدرب بالماء الذي بدا كندى الصباح. تحرّكت مشاعر ديوا بشكلٍ كبير بهذا المشهد الجميل. «لقد سمعتُ،» هي قالت، «أن أزواج الأيائل المتحابة ميّالة لأن تستلقي خلف أجمات البرسيم. كيف يتسنّى لي أن أرى هذا في الحياة الحقيقيّة!» نيسان كان قد سمع بما فيه الكفاية. في نفس ذلك اليوم هدم قسمًا من منزلها وأمر بزرع العديد من أجمات البرسيم فيما كان ذات مرّة جزءًا من غرفة نومها. في تلك الليلة اتّخذ الترتيبات الضرورية كي يمسك الفلاّحون بأيائل برّية من الجبال ويحضرونها إلى البيت. في صبيحة اليوم التالي أفاقت ديوا على-وبالتّحديد-المشهد الذي وصفته. بمجرّد ما تبدّى
عليها الارتباك وتحرّكت مشاعرها، قام بأخذ الأيائل والبرسيم وإعادة بناء المنزل.
واحد من أشجع وأشهم المُحبّين في التاريخ، سيرجي ستاليكوف، كان لديه سوء الحظ ليقع في حبْ واحدةٍ من أقل نساء التاريخ تَبَسُّرًا: الدوقة العظمى كاثرين، الإمبراطورة المستقبلية لروسيا. كل خطوة من خطواتها كانت مُراقَبة من زوجها بيتر، الذي اشتبه في أنها كانت تحاول أن تخونه وعيّن مُوَظّفين حكوميّين لإبقاء العين عليها. كانت معزولة وغير محبوبة وغير قادرة على أن تفعل شيئًا حيال هذا. ستاليكوف، ضابط الجيش الشاب والوسيم كان مُصّمَمًا على أن يكون منقذها. في العام 1752 صادق بيتر، وكذلك الثنائي المسئول عن مراقبة كاثرين. بهذه الطريقة كان قادرًا على رؤيتها وفي بعض الأحيان أن يتبادل معها القليل من الكلام الذي من شأنه أن يُفصح عن نواياه. قام بأكثر المناورات حمقًا وتهوّرًا ومخاطرةً من أجل أن يراها على انفراد، بما فيها حرف حصانها خلال نزهة صيد ملكيّة وامتطاء الخيل إلى داخل الغابة معها. أخبرها عن مدى تعاطفه مع حالتها، وأنه كان مستعدًّا للقيام بأي شيء ليساعدها.
أن يُضْبَطَ وهو يغازل كاثرين كان يعني الموت، وفي النهاية أخذ بيتر يشك في أنه كان هنالك شيءٌ ما بين زوجته وستاليكوف، ولو أنه لم يتأكّد أبدًا. لم تُثن عداوته الضابط المقدام، الذي لم يزد عن تسخير مزيدٍ من النشاط والإبداع في سبيل إيجاد طرقٍ لتدبير لقاءاتٍ سرّية. الاثنان كانا مُتَحابّين لسنتين، ولم يكن هنالك أدنى شك في أن ستاليكوف كان والد بول ابن كاثرين، الإمبراطور التالي لروسيا. عندما تخلّص منه بيتر نهائيًّا بإرساله إلى السويد، فإن أخبار بسالته سبقت عودته، وأغمِيَ على النساء كي يكنّ التاليات في انتزاع حبّه وإعجابه. قد لا تضطر لأن تخوض غمار هذا الكم من الإشكال أو الخطر، لكنّك ستُكافَأُ حتمًا للأفعال التي تُظْهِر حسًّا بالتضحية بالذات أو الإخلاص.
تجسيد العاشق المثالي للعام 1920 كان رودولف فالنتينو، أو على الأقل الصورة التي أُبْدِعَت عنه في الأفلام. كل شيءٍ فعله-الهدايا، الأزهار،
الرقص، الطريقة التي أخذ بها يد المرأة-أظهرت اهتمامًا دقيقًا بالتفاصيل التي تَدُلّ على مدى تفكيره بها. الصورة كانت لرجلٍ جعل التودّد أو المغازلة تستغرق وقتًا، محوّلاً إيّاها إلى تجربةٍ جماليّة. كره الرجال فالنتينو، لأن النساء توقّعن منهم الآن أن يُضارعوا مثال الصبر والمُراعاة لمشاعرهن الذي مثّله. مع أنه لا شيء مُغوٍ أكثر من التّنَبُّه والمراعاة الصبورين. فهما يجعلان العلاقة تبدو عالية المقام وجماليّةٌ ولا تَتَمَحوّر حقيقةً حول الجنس. قوّة فالنتينو وخاصّةً في هذه الأيام هي أن الناس على هذه الشاكلة هم غاية في الندرة. فن محاولة الارتقاء لمثاليّات المرأة والتناغم معها اختفى أو كاد-الأمر الذي لا يؤدّي سوى إلى جعله على هذه الدرجة العالية من الإغراء.
إذا كان العاشق الشهم يبقى التّصوّر المثالي لدى النساء، فإن الرجال غالبًا ما يخلقون مَثَل الطّاهرة/العاهرة، أي المرأة التي تجمع ما بين الشهوانيّة وبين سيماء البراءة أو الروحانيّة. فكّر بغانيات النهضة الإيطالية العظيمات، من أمثال توليا دارجونا-جوهريًّا مومس، كجميع الغانيات، ولكن قادرة على إخفاء دورها الاجتماعي من خلال تأسيس سمعةٍ كشاعرة وفيلسوفة. توليا كانت ما عُرِفَ حينذٍ بـ«الغانية الشريفة». الغانيات الشريفات كُنّ يذهبن إلى الكنيسة، لكن كان لديهن دافعٌ خفيّ: من أجل الرجال، حضورهن في القدّاس كان شيّقًا ومُثيرًا. بيوتهنّ كانت قصورًا للمتعة، لكن ما جعل هذه البيوت مُتعةً للأنظار كانت الأعمال الفنية التي بداخلها والرفوف الملأى بالكتب، والمُجَلّداتٌ لبيترارك ودانتي. بالنسبة للرجل، فإنّ الرعشة والنزوة كانتا أن ينام مع امرأةٍ مثيرةٍ جنسيًّا ولكن تمتلك بالرغم من ذلك الخصال المثالية للأم ولروح وفكر الفنان. حيث تُثير العاهرة المحضة الرغبة ولكن أيضًا القرف، فإن الغانية الشريفة تجعل الجنس يبدو مُتَساميًا وبريئًا، كما لو كان يحدث في جنّة عدن. امرأة كهذه تمتلك سلطةً هائلةً على الرجال. ليومنا هذا هنّ يبقين تصوّرًا مثاليًّا، إن لم يكن لسببٍ آخر غير أنهنّ يقدّمن مجالاً من المُتَع كهذا. المفتاح هو الالتباس (أو الازدواجية) -أن تجمع ما بين مظهر الحساسيّة ومَلَذّات الجسد وبين سيماء البراءة، والروحانيّة، والإحساس الشعري. هذا المزيج ما بين العالي والداني هو مُغوٍ بشكلٍ هائل.



حركية العاشق المثالي لها إمكاناتٌ غير محدودة، لكن ليس جميعها شهوانيًّا. في السياسة، فقد لعب تاليران جوهريًّا دور العاشق المثالي مع نابوليون، الذي مثاليّته كوزير مجلس وزراء وكصديق كانت أنّه رجلٌ أرستقراطي، لطيفٌ مع النساء-كل الأشياء التي نابوليون نفسه لم يَكُنها. في عام 1798، عندما كان تاليران وزير خارجيّة فرنسا، فقد استضاف حفلةٌ على شرف نابوليون بعد الانتصارات المُبهِرة للقائد العظيم في إيطاليا. حتّى يوم وفاته، فقد تَذَكّر نابوليون هذه الحفلة كأفضل حفلةٍ حضرها في كل حياته. كانت حدثًا اجتماعيًّا باذخًا، وبثّ تاليران رسالةً حاذقةً وخفيّة فيها من خلال وضع تماثيل رومانيّة نصفيّة حول المنزل، ومن خلال التّحدُّث مع نابوليون عن إحياء الأمجاد الإمبراطورية لروما القديمة. أومض هذا بريقًا في عيني القائد، وبالفعل بعد عدّة سنوات، أعطى نابوليون نفسه لقب إمبراطور-خطوةٌ لم تزد على جعل تاليران أكثر نفوذًا. المفتاح لنفوذ تاليران كان قدرته على سير أعماق مثل نابوليون الأعلى السّري: رغبته في أن يكون إمبراطورًا، ديكتاتورًا. رفع تاليران ببساطة مرآةٌ أمام نابوليون وتركه يسترق النظر إلى تلك الإمكانية. الناس دائمًا قابلون لإيحاءات كهذه، والتي تداعب غرورهم؛ نقطة الضعف لدى الجميع تقريبًا. أَشِر من طَرَفٍ خفيّ إلى شيءٍ ما لَيَطمحوا إليه، أظهر إيمانك بمقدرةٍ غير مُستَثمَرةٍ لديهم، وسرعان ما ستجدهم وهم ينهلون من عطائك.
إذا كان العاشقون المثاليون ضليعين في إغواء الناس من خلال مخاطبة الجانب الأرقى من ذواتهم، أو شيءٍ مفقودٍ من طفولتهم، فإن السياسيين يستطيعون أن يفيدوا من خلال تطبيق هذه المهارة على نطاقٍ واسع، على جمهور الناخبين بأكمله. كان هذا ما تعمّد جون إف كينيدي تمامًا أن يفعله مع الجمهور الأمريكي، واتّضح هذا أكثر ما اتّضح في خلقه هالة «الكاميلوت» حول نفسه. (نسبةً إلى مدينة الملك أرثر في الأسطورة الآرثرية، ويُقصَد بهذا المصطلح الشيء المثالي والمستنير والغاية في الجمال والثقافة: المترجم.) الكلمة «الكاميلوت» لم تُطْلَق على رئاسته إلا بعد موته، لكن الرومانس الذي أبرزه عمدًا من خلال شبابه ومنظره الحسن كان يؤدّي
وظيفته على أكمل وجه خلال فترة حياته. لعب أيضًا، بشكلٍ أكثر خفاءً وبراعة، بصور وانطباعات أمريكا عن عظمتها الخاصة ومثاليّاتها المفقودة. شعر العديد من الأمريكيين أنه قد أتى مع ثروة ورخاء أواخر الخمسينات خسائر كبيرة؛ اليسر والانسجام كانا قد دفنا روح البلد الريادية. ناشد كينيدي تلك المثاليّات الضائعة من خلال مجاز «الحد أو التخم الجديد»، الذي تمثّل بسباق الفضاء. استطاعت غريزة الاكتشاف الأمريكية أن تجد منافذ لها، حتّى ولو كان معظمها رمزيًّا. وكان هناك نداءاتٌ أخرى من أجل الخدمة العامة، مثل خلق فيلق السلام. من خلال مناشداتٍ كهذه، أعاد كينيدي إشعال حسّ الرسالة أو المهمّة المُوحَّد الذي كان قد افتُقِدَ في أمريكا خلال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية. هو أيضًا اجتذب لنفسه استجابةً أكثر عاطفيةً مما يحصل عليه الرؤساء في العادة. وقع الناس حرفيًّا في حبّه وحبّ الصورة (التي رسمها).
يستطيع السياسيون اكتساب سلطةٍ إغوائية من خلال التنقيب في ماضي البلد، مُرجعين إلى السطح صُورًا ومثاليّاتٍ قد تمّ التخلّي عنها أو قمعها. ما يحتاجون إليه هو الرمز فقط؛ هم لا يضطّرون لأن يقلقوا حيال إعادة خلق الحقيقة الكامنة وراءه. المشاعر الجيّدة التي يحرّكونها كفيلة لوحدها بإحداث استجابةٍ إيجابيّة.
الرمز: راسم
الوجه. تحت عينيه، تختفي كل نقائضك.
هو يُبرِزُ الخصائص النبيلة التي في داخلك، يحيطك
بإطارٍ من الأسطورة، يجعلك شبيهًا، بالآلهة، يُخلّدك.
بسبب قدرته على خلق هذه الأوهام، فإنّه يُكافأ بسلطة عظيمة.


المخاطر
الأخطار الرئيسيّة في دور العاشق المثالي هي العواقب التي تَنجُم إذا تركت الحقيقة تسلّل. أنت تخلق وهمًا يتضمّن إضفاء البعد المثالي على شخصيّتك الخاصة. وهذه مهمةٌ محفوفةٌ بالمخاطر، لأنك إنسانٌ وغير كامل. إذا كانت أخطاؤك بشعة أو تُقحَمُ نفسها بما فيه الكفاية، فسوف تُفَجّر الفقاعة التي نَفَخْت، وسيلعنك هدفك. كانت توليا دارجونا كلّما ضُبِطَت وهي تتصرّف كمومسٍ مبتذلة (على سبيل المثال عندما يُقبَضُ عليها وهي تمارس الجنس من أجل المال فقط)، فإنّها كانت تضطر إلى مغادرة البلدة وتأسيس نفسها في مكانٍ آخر. تَوَهُّمُها كرمزٍ روحيّ قد حُطَّم. كازانوفا أيضًا واجه هذا الخطر، لكنّه كان قادرًا على تخطيّه بشكل اعتياديّ من خلال إيجاد طريقةٍ ذكيّة لقطع العلاقة، قبل أن تُدرك المرأة أنه لم يكن ما تخيّلته: كان يجد عذرًا ما لمغادرة البلدة، لا بل وأفضل من هذا، فقد كان يختارُ ضحيّةً كانت هي نفسها ستغادر البلدة قريبًا، والتي إدراكها أن العلاقة ستكون قصيرة الأمد سيجعل إضفاءها للبعد المثالي عليه أكثر حدّة بكثير. إنّ الواقع والتّعرَض الحميم الطويل المدّة لديهما طريقة للتعتيم على كمال الشخص وجعله (أي الكمال) باهتًا وكليلاً. شاعر القرن التاسع عشر آلفريد دي موسّية أُغويَ من قبل الكاتبة (وليس الكاتب) جورج ساند التي راقَتْ شخصيتها المُتوهَجة والمليئة بالثقة لطبيعته الرومانسية. لكن عندما زار الثنائي البندقية سويّةً، وأصيبت ساند بالديزنطاريا، فإنّها فجأةً لم تعد الرمز المثالي وإنما امرأة ذات مشكلةٍ صحّيةٍ مُنَفّرة. دي موسّية نفسه أظهر جانبًا طفوليًّا مُتَذَمّرًا خلال الرحلة، وافترق الحبيبان. بمجرّد ابتعادهما عن بعضهما، على أيّة حال، فقد كانا قادرين على النظر إلى بعضهما البعض بعين المثالية من جديد، والتمّ شملهما بعد عدّة أشهر. عندما تتطفّل الحقيقة وتدخل عنوةً فإن البعد غالبًا ما يكون الحل.
في السياسة فإنّ الأخطار مشابهة. بعد سنوات من موت كينيدي، فقد كذّبت سلسلة من التّكشُّفات (علاقاته الجنسية المتواصلة، أسلوبه المُفرِط الخطورة في العمل الديبلوماسي والمعروف باسم سياسة الحافة، الخ). الأسطورة التي كان قد خلقها. (سياسة الحافة التي تُعرَف أيضًا باسم التبنّي الاستراتيجي للمخاطر هي مُمارسة تُشاهّد بخاصّة في ميدان العلاقات


الدولية، تتّسم بأخذ الخلاف إلى حافّة الصّراع أو القتال على أمل إجبار الطرف الآخر على القيام بتنازلات. وتُعتبر أزمة خليج الخنازير مثالاً على هذه السياسة: المترجم). قد نجت صورته من هذا التلويث ومن فقدان البريق؛ أظهر استفتاءً تلو استفتاء أنه لا يزال مُبَجّلاً. كينيدي حالة خاصّة، من الجائز، أن اغتياله قد جعله شهيدًا، مُعَزّزًا بذلك مسيرة إضفاء البعد المثالي التي كان قد وضعها موضع الحراك من قبل. لكنّه ليس المثال الوحيد للعاشق المثالي الذي تنجو جاذبيّته من التّكشّفات غير السارّة؛ هذه الشخصيّات تُطلق العنان لتخيُّلاتٍ قويّةٍ كهذه، وهناك تَعَطُّشٌ كبير للأساطير والمثاليّات التي يتعيّن عليهم أن يُزوّجوا لها، ولهذا فهم غالبًا ما يُسامَحون بسهولة. يبقى من الحكمة دائمًا أن تكون مُتَبَصّرًا وأن تمنع الناس من أن يَلمحوا الجانب الأقل من مثالي في شخصيّتك.


الغندور
معظمنا يشعر بأنه واقعٌ.
في شرك الأدوار المحدودة التي يتوقع منا
المجتمع أن نلعبها. فنحن ننجذب حالاً لأولئك
الأكثر مرونة والتباسًا منا-أولئك الذين يخلقون
صورة شخصياتهم الخاصة. الغنادير يثيروننا لأنه من غير
الممكن تصنيفهم، ويُلمِعون إلى حريةٍ نريدها لأنفسنا. هم
يلعبون بالرجولة والأنوثة؛ ويصوغون صورتهم الجسمانية الخاصة
التي دائمًا ما تكون مذهلة. هم غامضون ومحيّرون. هم أيضًا
يخاطبون نرجسيّة كلّ جنس: بالنسبة للمرأة فهم أنثويّون
من الناحية النفسيّة، وللرجل فهم ذكور. الغنادير يفتنون
ويغوون بالجملة. استخدم قوة الغندور لكي
تخلق حضورًا مُغريًا وملتبسًا، يحرك
الرغبات المكبوتة.



الغندور الأنثوي
عندما هاجر رودولفو جوجليلمي ذو الثمانية عشر ربيعًا من إيطاليا إلى الولايات المتحدة في عام 1913، فقد قَدم بدون مهاراتٍ محدّدة بعيدًا عن شكله الحسن وبراعته الفائقة في الرقص كي يتّخذ ميزةً من هذه المواصفات، فقد وجد عملاً في المراقص، صالات الرقص في مانهاتن حيث تذهب الفتيات اليافعات لوحدهن أو مع أصدقائهن ويستأجرن راقصًا مأجورًا من أجل إثارةٍ وجيزة. كان الراقص المأجور بُدوَّرهن حول المرقص بشكلٍ احترافيّ، يغازلهن ويتحادث معهن، وكل هذا مقابل أجرٍ صغير. سرعان ما صنع جوجليلمي اسمًا لنفسه كواحدٍ من الأفضل-غايةٍ في اللباقة، مُتّزنٍ، ووسيم.
من خلال العمل كراقصٍ مأجور، أمضى جوجليلمي قسمًا كبيرًا من الوقت حول النساء. تعلّم بسرعة ما يسرّهن-كيف يعكس صورتهن بطرقٍ خفية، كيف يحرّرهن من القلق والارتباك (لكن ليس كثيرًا). أخذ يهتم بملبسه، خالقًا بذلك طلعته الخاصة الرشيقة: رقص وهو يرتدي مَشَدًّا تحت قميصه ليمنح نفسه شكلاً مُشَذّبًا، ارتدى بافتخار ساعة معصم (التي كانت تُعتَبَر أنثويّةً في تلك الأيام)، وادّعى كونه ماركيزًا. في عام 1915، نال وظيفةً كمعلّم تانجو في المطاعم الفاخرة، وغيّر اسمه إلى رودولفو دي فالنتينا الأكثر إثارةً للذكريات والعواطف. بعد سنةٍ انتقل إلى لوس آنجلس: أراد أن يحاول شق طريقه في هوليوود.
أصبح الآن معروفًا باسم رودولف فالنتينو، ظهر جوجليلمي كمُستَخدمٍ إضافيّ في المشاهد الجماعية في عدّة أفلامٍ ذات ميزانتّةٍ منخفضة، في آخر الأمر أحرز دورًا أكبر في فيلم عيون الصّبا في عام 1919،
............................
وُلِد ذات مرّة أين لِعطارد والإلهِة فينوس، وأنشأ من قِبل حورّيات الماء في كهوف آيدا. في ملامحه، كان من السهل استشفاف شبهه مع أبيه ومع أمه. سُمّي تَيّمنًا باسمهما، أيضًا، لأن اسمه كان هرمافروديتوس. بمجرد بلوغه الخامسة عشر، هجر هضابه الأصلية، وآيدا حيث كان قد أُنشيء، ومن أجل مُجرد متعة السفر فقد زار أماكن بعيدة.. توغّل بعيدًا بُعد مدن ليسيا، وإلى


الذي مثّل فيه على أنه مُغوٍ، وشدّ انتباه النساء من خلال شدّة اختلافه كمغوٍ: كانت حركاته رشيقةً ومُرهَفَةً، وبشرته ملساء ووجهه من الجمال لدرجة أنه حين كان ينقضُّ على ضحيته ليكتم احتجاجاتها بقبلة، فإنّه كان يبدو مثيرًا أكثر منه فاسدًا. ومن ثم أتى فرسان سفر الرؤيا الأربع، الذي أخذ فيه فالنتينو دور البطولة، جوليو الفتى اللعوب، وأصبح بين ليلةٍ وضحاها رمزًا للجنس من خلال سلسلة حركات تانجو والتي يغوي بها امرأة شابّة من خلال توجيهها عبر الرقصة. غلّف المشهد جوهر جاذبيته: رجلاه صقيلتان ومُتَدفّقتان، طريقته في المشي والقعود تكاد تكون أنثويّة، مرفقةً بلمسة تحكّم. بعض المُشاهِدات الإناث أغمِيّ عليهنّ حرفيًّا عندما كان يرفع يدي المرأة إلى شفتيه، أو يتشاطر عبير وردةٍ مع حبيبته. بدا أكثر تَنّبّهًا ومجاملةً ومراعاةً للنساء من الرجال الآخرين؛ لكن كان ممزوجًا مع كياسته ورقّته أثرٌ من القسوة والوعيد، الأمر الذي دفع بالنساء إلى الجنون به.
في أكثر أفلامه شهرةً، الشيخ، لعب فالنتينو دور أميرٍ عربيّ (ظهر لاحقًا أنه كان لوردًا اسكوتلنديًّا تُرِك في الصحراء عندما كان رضيعًا) يُنقِذ سيّدةً إنكليزيّةً مُعتَدّةً بنفسها في الصحراء، ومن ثم يظفرُ بها بأسلوبٍ أقرب إلى الاغتصاب. عندما تسأل، «لماذا أحضرتني إلى هنا؟»، يردّ هو، «ألست امرأةً بما فيه الكفاية لتعرفي؟» ومع ذلك فإنّها تقع في حبّه في آخر الأمر، كما فعلت النساء بالفعل في صالات السينما في كل أنحاء العالم، بعد أن أُثِرن بمزيجه الغريب من الأُنوثة والرجولة. في أحد المشاهد في الشيخ، تصوّب السيّدة الإنكليزيّة فُوّهة المسدّس نحو فالنتينو؛ استجابته كانت تصويبه لحامل سيجارةٍ نحوها. كانت ترتدي بنطالاً؛ وهو رداءً فضفاضًا طويلاً وماكياجًا غزيرًا للعينين. الأفلام التالية كانت تتضمن مشاهد لفالنتينو وهو يلبس وينزع ثيابه، نوعٌ من التعرّي الذي يظهر لمحاتٍ خاطفة من جسده المُشَذّب. في جميع أفلامه تقريبًا لعب دور شخصّيةٍ من أحد الحقب الغريبة-مصارع ثيرانٍ إسباني، راجا هندي، شيخً عربيّ، نبيلٌ فرنسيّ-وبدا مُبتَهجًا بارتداء الجواهر والبزّات الضيّقة.
في عشرينات القرن المنصرم، بدأت النساء بالعبث بحرّيةٍ جنسيّةٍ جديدة. بدلاً من انتظار الرجل ليبدي اهتمامه بهن، فقد أردْنَ أن يكنّ قادراتٍ على البدء بالعلاقة، لكنّهن لازلن يُردْن الرجل أن يزلزلهن في آخر
........................
الكارايانيين، الذين يقطنون في الجوار. في هذه المنطقة لمح بركةً من المياه، من الوضوح لدرجة أنه استطاع أن ينظر إلى قعرها مباشرةً....
الماء كانت مثل الكريستال، وحواف البركة كانت مُطوّقة بالمرج النضر والعشب الذي كان أخضرًا على الدوام. سكنت هناك حورّية [سالماسيس]...
غالبًا ما كانت تجمع الأزهار، وحدث أنها لمحت لمحةً خاطفة من الصبي.
هرمافروديتوس عندما كانت مشغولة بتزجية الوقت هذه. بمجرد ما وقعت عيناها عليه، فقد تاقت لأن تمتلكه... ناشدته قائلةً: «أيّها الصبي الجميل، أنت تستحق بالتأكيد أن يَحسَبُكَ الناسُ إلهًا إذا كُنت، فلعلّك كيوبيد؟ ... إذا كانت هناك فتاة [مرتبطة بك]،


الأمر. فهم فالنتينو هذا بشكل ممتاز. حياته خارج الشاشة انسجمت مع صورته السينمائية: ارتدى سوارًا على ذراعه، ولبش بشكلٍ خالٍ من الأخطاء والعيوب، وأُشيعَ عنه أنه كان قاسيًا مع زوجته وأنّه كان يضربها. (غضّ جمهوره الهائم الطرف باحتراسٍ عن زيجتيه الفاشلتين وحياته الجنسيّة التي كانت في الظاهر غير موجودة.) عندما مات فجأةً-في نيويورك بتاريخ آب 1926، في عمر الواحد والثلاثين، نتيجة مضاعفاتٍ بعد عمليّة القرحة-فقد كانت ردّة الفعل غير مسبوقة: أكثر من مئة ألفٍ من الناس اصطفّوا لزيارة نعشه، أُصيبَت العديد من النساء المفجوعات بالهيستيريا، وشُدِهَت الأمة بأسرها. إذ لم يحصل شيءٌ كهذا من قبل لمُجرَد ممثّل.
هناك فيلم لفالنتينو، السيد بوكار، الذي يلعب فيه دور غندورٍ كامل، دورٌ أكثر خنثويّةً من أي دورٍ قام به بالعادة، ومن دون لمسة الخطورة المعتادة لديه. الفيلم كان إخفاقًا. لم تستجب النساء مع فالنتينو على أنه شاذ جنسيًّا شعرن بالإثارة تجاه غموض الرجل الذي شارك العديد من ميولهن الأنثوية، وظلّ رجلاً مع ذلك. لبس فالنتينو وتلاعب بجسمانيته كما لو كان امرأة، لكن صورته كانت ذكورية. كان يخطب ود المرأة كما كانت المرأة ستفعل لو كانت رجلاً-ببطء، يتَنَبّه باهتمام بالتفاصيل، من خلال وضع إيقاع عوضًا عن الاستعجال نحو الخاتمة. ومع ذلك فقد كان توقيته مثالبًّا عندما يحين وقت الجسارة والإخضاع، إذ كان يجتاح ضحيته من دون أن يعطيها فرصة للاحتجاج. في أفلامه، مارَسَ فالنتينو نفس فن الراقص المحترف في قيادة المرأة الذي برع فيه كمراهق على أرض الرقص-يُحادث، يغازل، يُرضي، ولكن دائمًا مُتَحَكّم.
يبقى فالنتينو أحجيةً حتى يومنا هذا. حياته الخاصة وشخصيته يلفّهما الغموض؛ تستمر صورته بالإغواء كما كانت تفعل خلال حياته. خدم كنموذج لإلفيس برسلي، الذي كان مهووسًا بنجم الأفلام السينمائية الصامتة هذا، وأيضًا للغندور العصري الذي يتلاعب بالجنس (من حيث الذكورة والأنوثة) ولكنه يحتفظ بهامشٍ من الخطر والقسوة.
الإغواء كان وسيبقى النمط الأنثويّ من القوة والحرب. كان في الأصل الترياق المضاد للاغتصاب والعنف. الرجل الذي يستخدم هذا النمط
.............................
فدعني استمتع بحبك في السر: لكن إذا لم يكن هنالك، فسوف أصلّي كي أكون عروستك، وكي ندخل على الزواج سويّةً.» لم تزد الحورية على ذلك؛ لكن حمرة الخجل ضمّخت خدّيه لأنه لم يكن يعرف ماهية الحب. حتى أن الاحمرار شخّص فيه: وجنتاه كانتا بلون التفاح اليانع المتدلّي في بستان فاكهة مشمس، كالعاج المطلي أو كالقمر وقت الخسوف، كانت تُظهِر لونًا أحمر مُتدرّج تحت بريقها... بشكلٍ مُتواصل طالبت الحورية بقبلاتٍ أخويّة، وحاولت أن تضع ذراعيها حول عنقه العاجي. «هلاّ توقَفت!» قال صارخًا، «وإلا فسوف أهرب بعيدًا وأهجر هذا المكان وإياك!»


من القوة على المرأة هو-في الجوهر-يقلب اللعبة رأسًا على عقب، موظّفًا أسلحة أنثويّةً ضدّها؛ بدون أن يخسر هويّته الرجولية، كلما كان أنثويًّا بطريقةٍ أكثر خفاءً كلّما كان الإغواء أكثر فاعليّة. لا تكن واحدًا من أولئك الذين يعتقدون أن الشيء الأكثر إغوائيّةً هو أن تكون ذكوريًّا بشكلٍ مُدَمّر. الغندور الأنثوي لديه أثرٌ أكثر تهديدًا. هو يستدرج المرأة بما تريده بالضبط-حضورٌ مألوفٌ وسارَّ ولبق. من خلال عكس صورة النفسية الأنثوية، فإنّه يُبدي للعيان انتباهه إلى مظهره، حساسيّته للتفاصيل، مغناجيّته الطفيفة-ولكن يُظهِر أيضًا لمسةً من القوسة أو الوحشية الذكورية. النساء نرجسيّات، مغرماتٌ بسحر وفتنة جنسهن الخاص. من خلال جعلهن يَرَين السحر الأنثوي، يستطيع الرجل أن ينوّمهنّ مغناطيسيًّا ويجرّدهنّ من السلاح، تاركًا إياهنّ ضعفاء إزاء خطوةٍ رجوليّة جريئة.
يستطيع الغندور الأنثوي أن يغوي على نطاقٍ واسع. لا تستطيع امرأةٌ واحدةٌ أن تتملّكه حقًّا-فهو مُحيّرٌ وشديد المراوغة-لكن كلّهن يستطعن تخيّل فعل هذا. المفتاح هو الغموض: جنسانيّتك بلا جدال تتّجه نحو الجنس الآخر، لكن جسدك ونفسيتّك يطوفان بابتهاجٍ جيئةً وذهابًا بين القطبين.
أنا امرأة. كلُّ فنانٍ هو امرأة ويجب أن يكون لديه وُلوعٌ تجاه النساء الأخريات. الفنانون الذين يكونون مثليين لا يمكن أن يكونوا فنّانين حقيقيين لأنهم يحبون الرجال، وبما أنهم أنفسهم نساء فهم يرتدّون إلى الحالة السويّة.
- بابلو بيكاسو
الغندورة الذكورية
في سبعينات القرن التاسع عشر، كان القسّ هنريك جيلوت الأثير لدى طليعة أهل الفكر في مدينة سان بطرسبرغ. كان شابًّا، وسيمًا، واسع الاطّلاع في الفلسفة والأدب، وكان يُنشّر بنوعٍ من المسيحيّة المُتنوّرة. العديد من الفتيات اليافعات كنّ قد وَلِعن به وتقاطرن إلى عِظاته لينظرن إليه فقط.
............................
اعترى الخوف سالماسيس: «سأتخلّى عن هذه البقعة لك أيها الغريب ولن أتدخّل،» قالت وهي تشيح عنه، متظاهرةً بالابتعاد.. الصبي في هذه الأثناء، وهو يعتقد نفسه وحيدًا وغير مراقب، تمشّى عبر الدروب على المروج المعشوشبة، وغطّس في المياه المتموّجة رؤوس أصابعه ثم قدميه وصولاً إلى الكاحلين. ومن ثم، مدفوعًا بالبرودة المُغرية للماء، سرعان ما جرّد جسده الشاب من أرديته الناعمة. كانت سالماسيس قد شُدهَت بالمشهد. كانت تتحرّق بلهيب الهيام لامتلاك جماله العاري، وعيناها بالتحديد اتقدتا ببريقٍ شبيهٍ بذلك المُميّز للشمس المُبهِرة، عندما ينعكس قرصها البرّاق في المرآة.. تاقت لأن تعانقه ثم وبصعوبة


في عام 1878، على أيّة حال، التقى بفتاة غيرّت حياته. اسمها كان لو فون سالوم (المعروفة لاحقًا باسم لو آندرياس-سالوم)، وكانت هي في السابعة عشر؛ هو كان في الثانية والأربعين.
سالوم كانت جميلةً وذات عينين زرقاوين مُشِعّتين. كانت قد قرأت الكثير وخاصةً بالنسبة لفتاةٍ في مثل سنّها، وكانت مهتمّةً بأكثر المسائل الفلسفية والدينية جِدّيّةً شِدّتها، ذكاؤها، وسرعة استجابتها للأفكار رمت بتعويذةٍ سحريّة على جيلوت. عندما كانت تدخل مكتبه من أجل مناقشاتها معه التي كانت تتكرّر بشكلٍ متزايد، فإنّ المكان كان يبدو أكثر تألّقًا وحياةً. من الجائز أنها كانت تغازله، بالأسلوب غير المقصود لفتاةٍ يافعة-ومع ذلك فعندما أقرّ جيلوت لنفسه أنه كان يحبّها، وطلب يدها، فقد ذُعِرَت سالوم. القسّ المُشوّش والمرتبك لم يتجاوز تمامًا لو فون سالوم، مُصبحًا بذلك أوّل حلقةٍ في سلسلةٍ طويلةٍ من الرجال المشهورين الذين صاروا ضحيّة تيم بها (إلى درجة العته) غير مُحقّقٍ ومستمرَّ مدى الحياة.
في عام 1882، كان الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشة يتجوّل في أرجاء إيطاليا وحيدًا. استلم في جَنَوَة رسالةً من صديقه الفيلسوف البروسي بول ري الذي كان نيتشة معجبًا به، يَسرُدُ بها مناقشاته مع سيّدة روسيّة شابّة واستثنائية، لو فون سالوم، في روما. كانت سالوم هناك في عطلة مع أمها؛ تدبّرَ ري أن يرافقها في نزهاتٍ طويلة على القدمين عبر المدينة-بدون مشرفٍ أو رقيب-وحظيا بالعديد من المناقشات. كانت أفكارها عن الله والمسيحيّة شبيهةً جدًّا بأفكار نيتشة، وعندما أخبرها ري أن الفيلسوف المشهور كان صديقًا له، فقد أصرّت على أن يدعو نيتشة للانضمام لهم. في الرسائل التالية وصف ري كم كانت سالوم أسرةً بشكلّ غامض، وكم كانت مُتَلَهّفةً للالتقاء بنيتشة. سرعان ما ذهب الفيلسوف إلى روما.
عندما التقى نيتشة بسالوم أخيرًا، فقد تأثّر بشكلٍ كبير. كان لديها أجمل عينين كان قد رآهما في حياته كلها، وخلال محادثتهما الطويلة الأولى أضاءت تلك العينان بشدّةٍ بالغة بحيث لم يستطع أن يمنع نفسه من الإحساس بأنّه كان هناك شيءٌ شهوانيّ حيال تَشَوّقها. ومع ذلك فقد ارتبك واضطرب هو أيضًا: إذ حافظت سالوم على مسافة، ولم تستجب لإطراءاته.
.................
ضبطت نوبة خَيلها غطس هيرمافرودايتس بسرعةٍ في التيّار وهو يربّت بيديه على جسمه. لدى رفعه لذراعه الأولى ومن ثم الثانية، ومض جسمه في المياه الصافية، وكأن أحدهم أودع تمثالاً من العاج أو الزئبق الأبيض في زجاج شفّاف.
«لقد فزت! هو لي!» صرخت الحورية وهي تطرح ثيابها جانبًا، وتندفع بسرعة بالغة نحو قلب البركة. قاومها الصبي، لكنّها احتضنته، واختطفت قبلاتٍ وهو يكافح، واضعةً يديها تحته، مُمَسّدةً صدره الرافض، ومُتَشَبَثةً به، حينًا على هذا الجانب، وحينًا على ذلك الجانب. في آخر المطاف، وبالرغم من كل محاولاته للتملص من قبضتها، فقد التفّت حوله،


يا لها من امرأة شابّة شيطانيّة. بعد بضعة أيام قرأت له شعرًا من تأليفها فبكى؛ كانت أفكارها عن الحياة شبيهةً جدًّا بأفكاره. مقرّرًا أن ينتهز اللحظة، طلب نيتشة الزواج منها. (لم يعلم أن ري كان قد فعل هذا أيضًا). رفضت سالوم. كانت مهتمّةً بالفلسفة، بالحياة، بالمغامرة، لكن ليس بالزواج. كونه لم تُثبّط همّته، فقد تابع نيتشة التّودّد لها. في رحلةٍ إلى بحيرة أورتا مع ري وسالوم وأمها، تدبّر أن يستفرد بها ويرافقها في نزهةٍ صعودًا إلى جبل ساكرو بينما تخلّف عنهم الآخرون. من الواضح أن المناظر وحديث نيتشة معها كان لديها الأثر العاطفيّ المناسب؛ ففي رسالةٍ لاحقةٍ لها، وصف هذه النزهة بـ«أجمل يوم في حياتي.» الآن أصبح رجلاً ممسوسًا: كل ما استطاع أن يفكّر به كان أن يتزوّج من سالوم ويحصل عليها كلّها لنفسه.
بعد عدّة أشهر زارت سالوم نيتشة في ألمانيا. تَنَزّها لمسافاتٍ طويلةٍ مع بعضهما البعض، وأمضيا الليل كله وهما يتناقشان في الفلسفة. عكست صورة أعمق أفكاره، واستبقت أفكاره حول الدين. ومع ذلك فعندما طلب نيتشة يدها مجدّدًا، فقد وبّخته كالمعتاد: لقد كان نيتشة، في النهاية، من طوّر الدفاع الفلسفي عن «الرجل الخارق»؛ رجلٌ فوق جميع الأخلاقيات العاديّة. ومع ذلك فقد كانت سالوم بالفطرة أقل تَمَسُّكًا بالأعراف والتقاليد بكثيرٍ مما كان عليه نيتشة. أسلوبها الصلب والذي لا يقبل بالتسويات لم يؤدَّ إلاّ إلى تعميق السحر الذي ألقته عليه، كذلك فعلت لمسة القسوة التي لديها عندما تركته أخيرًا، موضحةً بذلك أنه ليس لديها نيّة للزواج به، كان قد دُمّر نيتشة. كترياقٍ ضد ألمه، ألّف هكذا تكلّم زرادشت، كتابٌ مليءٌ بالشهوانية المتسامية ومُلهَمٌ بشكلٍ عميق بمناقشاته معها. من ذلك الحين فصاعدًا أصبحت سالوم معروفة عبر أوروبا بالمرأة التي حطّمت قلب نيتشة.
انتقلت سالوم إلى برلين. سرعان ما وقع كبار مفكّري المدينة تحت تأثير سحر استقلاليّتها وروحها الحرّة. أصبح الكاتبان المسرحيان جرهارت هاوبتمان وفرانز قد كيند مُتَيّمين بها؛ في عام 1897، وقع في حبّها الشاعر النمساوي العظيم راينر ماريا رايلكة. في ذلك الوقت كان قد ذاع صيتها بشكلٍ كبير، وأصبحت روائيّةً ذات كتبٍ منشورة. هذا بالتأكيد لعب دورًا في إغواء رايلكة، لكنّه كان أيضًا مشدودًا لنوع من الطاقة الذكورية التي وجدها عندها ولم يرها قط عند أيّة امرأة. رايلكة كان حينها في الثانية
.........................
كالأفعى عندما تُحمّل في الهواء من قبل ملك الطيور؛ لأنها، حين تتدلّى من منقار النسر، فإن الأفعى تلتف حول رأسه ومخَالبه وبذيلها تُقَيّد جناحيه المُتَخبطين..»
تستطيع القتال، أيها الحرون، لكنك لن تهرب. عسى أن تمنحني الآلهة هذا، عسى ألا يأتي زمنٌ يُبعده عنّي، أو يبعدني عنه!، وجَدت دعواتها استحسانًا من الآلهة: لأنه، عندما اضطجعا سويّةً، فإن جسديهما اتّحدا ومن كونهما شخصين فقد استحالا إلى شخصٍ واحد. كعندما يُقحِم الحدائقي عسلوج التطعيم في الشجرة، ويشاهد الاثنين يتّحدان أثناء نُمّوهما، ويصلان إلى النضج سويّةً، وهكذا فإن الحوريّة والصبي حين التقاء أوصالهما في ذلك العناق المُتشَبّث لم يعودا اثنين، وإنّما


والعشرين، وسالوم في السادسة والثلاثين. كتب لها رسائل حبَّ وأشعار، وتبعها إلى كل مكان، وابتدأ علاقةً معها دامت عدّة سنوات. صَحّحت شعره، فرفضت انضباطًا على أبياته الشعريّة المغرِقة في الرومانسية، وألهمت أفكارًا لأشعارٍ جديدة. لكنّها اشمأزّت من اعتماده الطفوليّ عليها، ومن ضعفه. كونها لم تكن لتحتمل الضعف من أي نوع، فقد هجرته في النهاية. استمر رايلكة بملاحقتها لفترة طويلة بعد أن استهلكته ذكراها. في عام 1926، وهو على سرير موته، ترجّى أطبّاءه قائلاً: «اسألوا لو ما علّتي. هي الوحيدة التي تعرف.»
كتب أحد الرجال عن سالوم، «كان هناك شيءٌ مخيفٌ في عناقها. وهي تنظر إليك بعينيها الزرقاوين المشقتين، كانت تقول: «استقبال المنيّ بالنسبة لي هو ذروة النشوة.» وكان لديها شهيّةٌ له لا ترتوي. كانت فاقدة بالكامل لحس المسئولية الأخلاقية.. كانت مصّاص دماء.» المعالج النفسي السويدي بول بجير، أحد انتصاراتها اللاحقة، كتب، «أظن أن نيتشة كان محقًّا عندما قال أن لو كانت امرأة شرّيرة بكل معنى الكلمة. شريرة، على أيّة حال بالمعنى الذي حدّده جوتة (الشاعر والروائي والكاتب المسرحي والعالم الألماني): الشر ينتج الخير.. لعلّها قد دمّرت حيواتٍ وزيجات لكنّ حضورها كان مُشَوَّقًا ومُثيرًا.»
العاطفتان اللتان شعر بهما تقريبًا كل ذكرٍ في حضور لو آندرياس-سالوم كانتا الاضطراب والإثارة-الإحساسان اللازمان لأي إغواءٍ ناجح. أُسكِر الناس بمزيجها الغريب من الذكورة والأنوثة؛ لقد كانت جميلةُ وذات ابتسامةٍ مُشعّة وسلوكٍ مغناج رشيق، لكن استقلاليتها وطبيعتها المغرقة في التحليل جعلاها تبدو رجلاً بشكلٍ غريب. هذا الالتباس عبّرت عنه عيناها، اللتان كانتا مغناجتين ومُتَفَحّصتين على حدَّ سواء. لقد كان الارتباك ما أبقى الرجال مهتمين وفضوليين: لم تكن امرأةٌ أخرى على هذه الشاكلة. أرادوا أن يعرفوا أكثر. نبعث الإثارة من قدرتها على تحريك الرغبات المكبوتة. كانت مُنشقّةً ومستقلّةً بالكامل، وأن تشتبك معها كان يعني أن تُحَطّم جميع أنواع المحرّمات. ذكوريّتها جعلت العلاقة تبدو مثليّةً بشكل مبهم: المسحة الطفيفة من الاستبداد والقسوة التي لديها استطاعت أن تُحرّك أتواقًا مازوشيّة، كما فعلت مع نيتشة. شغت سالوم بجنسانيّةٍ محرّمة. أثرها القوي على الرجال-
..........................................
هيئةً واحدةً، مُتّبسمةً بطبيعةٍ ثنائية، والتي لا يمكن تسميتها ذكرًا أو أنثى، وإنما بدت في نفس الوقت كلاهما ولا أخدٌ منهما.
- أوقيد، التّحولات، ترجمة ماري إم إيس.
الغندرة هي ليست حتّى، كما يفترض في الظاهر العديد من الناس غير المُتفكّرين: اهتمامٌ مفرطٌ بالمظهر الشخصي والأناقة المادية. لأنه بالنسبة للغندور الحقيقي فإن هذه الأشياء هي مجرّد رمزٍ للتّرفَع الأرستقراطي لشخصيته.. ماذا يكون إذن هذا الشغف المستبد الذي تحوّل إلى عقيدة وأبدع طغاته المُحنّكين الخاصين به؟ ماذا يكون هذا الدستور غير المكتوب الذي خلق هكذا طبقة منغلقة ومُتعَجرفة؟


حالات التّيم التي امتدّت على طول حياة أصحابها، الانتحارات (كان هناك عدّة واقعات)، فترات الإبداع الكثيف، توصيفها كمصّاص دماء أو شيطان-تشهد على الأعماق المظلمة من النفس التي كانت قادرةً على أن تصل إليها وتُقلق راحتها.
تنجح الغندورة الذكورية من خلال عكس الأنماط الاعتياديّة لتفوّق الرجل في مسائل الحب والإغواء. استقلاليّة الرجل الواضحة، قدرته على الانفصال، غالبًا ما تبدو أنها تعطيه اليد العليا في الحركيّة ما بين الرجال والنساء. امرأةٌ أنثويّةٌ بشكلٍ كامل سوف توقظ الرغبة، لكنّها عرضةٌ دائمةٌ للفقدان النّزوي لاهتمام الرجل؛ امرأةٌ ذكوريّةٌ بشكلٍ صافٍ، من ناحية أخرى، لن تثير ذلك الاهتمام على الإطلاق. ولكن اتّبعي درب الغندورة الذكورية، وستُحيّدين كل قوى الرجل: إيّاك وأن تكرّسي نفسك كلّيًا؛ عليك أن تحتفظي دائمًا بسيماء من الاستقلالية والتحكم بالنفس بينما تكونين شغوفةً وفي حالةٍ جنسيّةً. قد تتحرّكين باتجاه رجلٍ تالٍ، أو سوف يفكّر على هذا النحو. أنت لديك أمورٌ أخرى أكثر أهمية لتشغلي نفسك بها، مثل عملك. الرجال لا يعرفون كيف يحاربون النساء اللواتي تستخدمن أسلحتهم الخاصة ضدّهم؛ فهم مأسورون، مُستثارون، ومنزوعو السلاح. قلّةٌ من الرجال يستطيعون مقاومة الملذات المحرّمة المُقدّمة من قبل الغندورة الذكورية.
الإغواء المنبعث من شخصٍ ذي جنسٍ غير مُحدّد أو مُتَنكّر يكون قويًّا.
-كوليت
المفاتيح إلى الشخصية
العديد منّا في يومنا هذا يتصوّر أن الحرّية الجنسيّة قد حدثت في السنين الأخيرة-أن كلّ شيءٍ قد تغيّر، إلى الأفضل أو الأسوأ. هذا وهمٌ في معظمه؛ قراءةٌ في التاريخ تكشفُ فتراتٍ من الفسق (روما الإمبراطورية،
............................................
إنه، فوق كل اعتبار، حاجة مُلحّة لإحراز الأصالة، ضمن الحدود الظاهرة للعرف. إنها نوعٌ من إعجاب المرء بنفسه لدرجة العبادة، والذي يمكنه الاستغناء عما يُعرف عادةً بالأوهام. إنها البهجة في إحداث الانبهار، والرضى الباعث على الفخر والاعتداد بكون المرء نفسه غير منبهر أبدًا..
-شارل بودلير، الغندور مُقتَبَس بالإنابة من: مقتطفات أدبية مختارة، تحرير ريتشارد دافنبورت-هاينس
في خضم هذا العرض من فن الحكم، الفصاحة، الذكاء والطموح المتسامي، فإنّ ألسيبيادس عاش حياةٌ من الترف الاستثنائي، السّكر،


إنكلترا أواخر القرن السابع عشر، «العالم العائم» في يابان القرن الثامن عشر) أكثر تجاوزًا وفحشًا وإسرافًا مما خبرناه في عصرنا الحالي. الأدوار المُسندة تبعًا للجنس في حالة تغيّر بالتأكيد، لكنّها قد تغيّرت من قبل. المجتمع في حالة تدفَقٍ مستمرً؛ لكنْ هناك شيءٌ لا يتغيّر: السواد الأعظم من الناس يطيعون ويعملون وفق أيّ شيءٍ بالنسبة لعصره. يلعبون الدور المخصّص لهم. الامتثال هو ثابتٌ لأن الناس هم مخلوقات اجتماعية يحاكي أحدهما الآخر على الدوام. في نقاطٍ مُغيبةٍ من التاريخ قد يكون مما يتماشى مع الذوق العام أن تكون مختلفًا وثائرًا، لكن إذا لعب ذلك الدور العديد من الناس، فلن يكون هناك شيءٌ مختلفٌ أو ثوريَّ حياله.
لا يجب أبدًا أن نشتكي من الامتثال العبودي لدى الناس، لأنه، على أيّة حال، يقدّم إمكاناتٍ لا تحصى للقوة والإغواء لأولئك المستعدّين لتحمّل بعض المخاطر. فقد وُجِد الغنادير وفي جميع العصور والثقافات (آلسيبايدس في بلاد الإغريق القديمة، كوريتشيكا في يابان أواخر القرن العاشر)، وحيثما حلّوا فقد ازدهروا على الدور الامتثاليّ والانسجامي الذي لعبه الآخرون. يعرض الغندور اختلافًا حقيقيًّا وجذريًّا عن بقيّة الناس، اختلافًا في المظهر والسلوك. بما أننا مقموعون بشكلٍ سرّي نتيجةُ لغياب الحرية، فنحن ننجذب إلى أولئك الأكثر تدفقًا والذين يزدهون باختلافهم.
الغنادير يغوون اجتماعيًّا كما يغوون جنسيًّا؛ المجموعات تتشكّل من حولهم، أسلوبهم يُحاكي بشكلٍ مسعور، بلاطٌ أو حشدٌ بحاله سوف يقع في حبّهم. تذكّر عندما تتبنّى شخصيّة الغندور لأغراضك الخاصة أن الغندور بالطبيعة هو زهرةٌ نادرة وجميلة. كنْ مختلفًا بطرقٍ صارخةٍ وجميلةٍ معًا، وإيّاك والسوقيّة؛ حرّك المرح حيال الصيحات الرائجة، اذهب في اتّجاهٍ جديد، وكن غير مهتمَّ بالمرّة بما يفعله أيّ واحدٍ آخر. معظم الناس يفتقرون إلى الإحساس بالثقة والأمان؛ سوف يتساءلون عن جديدك وعما أنت بصدده، وسوف يسيرون ببطء نحو الإعجاب بك وتقليدك، لأنك تعبّر عن نفسك بثقة تامة.
عُرَّف الغندور تقليديًّا باللباس، وبالتأكيد فإنّ معظم الغنادير يخلقون أسلوبًا مرئيًّا فريدًا. بو برَمِل الغندور الأشهر على الإطلاق، كان يمضي
...........................
الفسق. والعجرفة. كان مخنّثًا في زيّه ويمشي في السوق مجرجرًا أرديته الطويلة الأرجوانية، وينفق بإسراف حرص على إزالة ظهر مركبه ذو الثلاث مجاذيف حتى يتسنّى له النوم براحة أكبر، وتخته كان معلّقًا على الحبال وليس مفروشًا على الألواح الخشبية القاسية. كان لديه درعٌ ذهبية مصنوعٌ لأجله، والذي كان مزخرفًا ليس بأي شعارٍ ذي علاقةٍ بالأسلاف، وإنما بصورة إيروس (إله الحب) مسلّحًا بصاعقة. الرجال البارزين في أثينا شاهدوا كل هذا بتقزّز وسخط وكانوا متضايقين بشدة من سلوكه الراشح بالازدراء والخارج من القانون، والذي بدا بالنسبة لهم مَهولاً وأوحى لهم بسلوكيات طاغية.


ساعاتٍ على طاولة الزينة، وبالتحديد على عقدة ربطة عنقه المصمّمة بأسلوب فريد لا يمكن تقليده، والتي أصبح من أجلها مشهورًا في أرجاء إنكلترا في بواكير القرن الثامن عشر. لكن أسلوب الغندور لا يمكن أن يكون واضحًا، لأن الغنادير حاذقون وماكرون، ولا يسعون بجهدٍ أبدًا للانتباه-فالانتباه من يسعى وراءهم. الشخص الذي تكون ثيابه مختلفة بشكلٍ فاضح يكون لديه قليلٌ من المخيّلة أو الذوق. يُظهر الغنادير اختلافهم باللمسات الطفيفة التي تُبرز أنفتهم من التقاليد: صُدرة ثيوفيل جوتير الحمراء، بذلة أوسكار وايلد الخضراء المخملية، شعر آندي وارهول المستعار الفضّي. كان لدى رئيس الوزراء البريطاني بنجامين دزرائيلي عكّازان فخمان جدًّا، واحدة للصباح وواحدة للمساء؛ عند الظهر كان يبدّل بين العكّازين، بغض النظر عن مكان وجوده. الغندورة الأنثى تعمل بطريقة مشابهة. فلنقل إنّها قد تتّخذ ملابس ذكورية، لكن إذا فعلت، فلمسةٌ هنا ولمسةٌ هناك سوف تميّزانها بحق: لم يلبس رجلٌ تمامًا كما لبست جورج ساند. القبّعة المفرطة في الطول، جزمة الفروسية المرتداة في شوارع باريس، جعلتاها منظرًا للمشاهدة.
تذكّر، لابد أن يكون هناك نقطةٌ مرجعيّة. إذا كان أسلوبك المُشاهَد غير مألوفٍ كلّيًا، فسوف يعتقدك الناس أنك في أفضل الأحوال مستجديًا للاهتمام تعوزه الحذاقة، وفي أسوئها مجنونًا. بدلاً من ذلك، أخلق احساسك الخاصّ بالموضة من خلال تبنّي وتبديل الأساليب والأزياء السائدة لتجعل نفسك موضع افتتان. افعل ذلك بشكلٍ صحيح وسوف يتم تقليدك بشكلٍ جامح. الكونت دورساي، أحد غنادير لندن العظام في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر، كان مُراقبًا عن كثب من أهل الموضة؛ في أحد الأيام عَلِقَ في عاصفةٍ مطريّة في لندن، فاشترى ما يُعرَف بالبالتروك، وهي نوعٌ من سترةِ صوفيّةٍ ثقيلة ذات قلنسوة، منزوعةٍ عن ظهر بحّارٍ هولّندي. أصبح البالتروك على الفور أفضل معطفٍ للارتداء. تقليد الناس لك، هو بالطبع، علامة على قواك في الإغواء.
لكنّ عدم امتثال الغنادير للأعراف الاجتماعية وعدم انسجامهم معها يمضي إلى ما هو أبعد بكثير من المظاهر. إنه موقفٌ تجاه الحياة يميّزهم عن غيرهم؛ تبنَّ ذلك الموقف وسوف تتكوّن حولك حلقة من الأتباع. الغنادير
................................
وخير من عبّر عن مشاعر الناس حياله وعلى أكمل وجه كان أريستوفان في قوله: «يتوقون إليه، يكرهونه، لا يستطيعون الاستغناء عنه..» الواقع كان أن ترّعانه الطوعية، والاستعراضات العامة التي كان يدعمها، وسخاؤه المنقطع النظير مع الدولة، وشهرة أسلافه، وقوة خطابته وقوته الجسمانية وجماله.. جميعها اتّحدث لتجعل الأثينيين يسامحونه على كل شيءٍ آخر، كانوا باستمرار يتوسّلون تعابير ملطّفة عن انحرافاته ويعزونها لمعنويّاته اليافعة والعالية ولطموحه الجدير بالاحترام.
- بلونارك، «حياة آلسيبيادس،» قيام وسقوط أثينا: تسعحيوانات إغريقية، ترجمة أيان سكوت
- كيلفرت


صفيقون بشكل هائل. لا يكترثون بالناس الآخرين، ولا يحاولون أبدًا أن يُرضوا. في بلاط لويس الرابع عشر، لاحظ لايروبية أن رجال البلاط الذين حاولوا أن يسترضوا بشدّة كانوا بشكلٍ شبه دائم في طريقهم للانحدار؛ لا يوجد شيء أكثر تنفيرًا. كما كتب باربي دوريفيللي، «الغنادير يرضون النساء من خلال إغضابهن.»
كانت الصفاقة جوهرية لجاذبيّة أوسكار وايلد. في مسرحٍ في لندن ذات ليلة، بعد العرض الأول لإحدى مسرحيّات وايلد، صاح الجمهور المنتشي طلبًا للمؤلّف كي يظهر على الخشبة. جعلهم وايلد ينتظرون وينتظرون، ثم ظهر أخيرًا وهو يدخّن سيجارة ويضع على وجهه تعبير الازدراء الكامل. وبّخ معجبيه بقوله: «قد يكون من سوء السلوك أن أظهر هنا وأنا أدخّن ولكنه من الأسوأ بكثير أن تزعجوني وأنا أدخّن.» كان الكونت دورساي صفيقًا لدرجة مساوية. في نادي لندنيّ ذات ليلة، أوقع أحد أفراد روتشيلد الذي كان مشهورًا ببخله عن طريق المصادفة قطعةً نقديّة ذهبيّة على الأرض، ومن ثم انحنى ليبحث عنها. استلّ الكونت بسرعة ورقةً من فئة الألف الفرنك (التي تساوي أكثر بكثير من القطعة النقديّة)، ومن ثمّ لفّها وأشعلها كشمعة، وجثم على أربعته، وكأنّه يساعد على إنارة سبيل البحث. فقط الغندور يستطيع أن يقلت بجراءة كهذه. غطرسة الخليع مرتبطة ارتباطًا وثيقًا برغبته بانتزاع إعجاب المرأة؛ فهو لا يهتم بشيءٍ آخر. أمّا عجرفة الغندور، من جهة الأخرى، فتستهدف المجتمع وتقاليده. إنها ليست المرأة من يسعى لانتزاع إعجابها وإنّما مجموعة بأكملها، أو عالمٌ اجتماعيَّ بأكمله. وبما أن الناس مقموعون عمومًا بواجبِ أن يكونوا دائمًا مهذّبين ومُضَحّين، فهم يُسَرّون بقضاء الوقت حول شخصٍ يترفّع عن تفاصيلٍ كهذه.
الغنادير سادة في فن الحياة. هم يعيشون من أجل المتعة، لا من أجل العمل؛ ويحيطون أنفسهم بالأشياء الجميلة ويأكلون ويشربون بنفس التلذّذ الذي يظهرونه حيال ملابسهم. هذه كانت الكيفيّة إلى تمكّن من خلالها الكاتب الروماني العظيم بترونيوس، مؤلّف ساتيريكون، من أن يغوي الإمبراطور نيرون. على النقيض من سينيكا البليد، المفكّر الرّواقي العظيم
................................
مزيدٌ من الضوء-فيضٌ كاملٌ منه-مُلقى على جاذبية الذكر بعبها للأنثى وهو في الثوب النسائي الداخلي، في يوميّات راهب شوازي الفرنسي، واحدٌ من أكثر الرجال النسويين ألمعيّةً في التاريخ، والذي عنه سنسمع الشيء الكثير فيما بعد. الراهب الفرنسي، كاهنٌ في باريس، كان يتنكّر دائمًا بملابس النساء. عاش في أيام لويس الرابع عشر، وكان صديقًا عظيمًا لشقيق لويس، والذي كان مدمنًا بدوره على ثياب النساء. فتاةٌ شابة، الآنسة شارلوت، الغارقة لأذنيها في صحبته، وقعت في حبّ الراهب على نحوٍ مستقتل، وعندما تطوّرت العلاقة الغرامية إلى علاقة جنسية سرية، سألها الراهب عن الكيفية


ومؤدّب نيرون، (الرواقيّة هي المذهب الذي أنشأه زينون حوالي عام 300ق.م والذي قال بأن الرجل الحكيم يجب أن يتحرّر من الانفعال ولا يتأثّر بالفرح أو الترح وأن يخضع من غير تذمّر لحكم الضرورة القاهرة: المترجم) فقد علم بترونيوس كيف يجعل من كل تفصيلٍ من تفاصيل الحياة مغامرة جماليّة كبرى، من العيد إلى المحادثة البسيطة. هذا ليس موقفًا ينبغي عليك أن تفرضه على أولئك الذين من حولك-لا تستطيع أن تجعل من نفسك شيئًا مزعجًا- لكنّك إن بدوتَ واثقًا في المواقف الاجتماعيّة ومتأكّدًا من ذوقك، فسوف ينجذب إليك الناس. المفتاح هو أن تجعل كل شيءٍ خيارًا جماليًّا. قدرتك على أن تخفّف الضجر من خلا جعل الحياة فنًّا سوف يجعل من صحبتك شيئًا جديرًا بأن يُناضَلَ من أجله.
الجنس الآخر هو بلادٌ أجنبيّة لا نستطيع أن نعرفها أبدًا، وهذا يُشوّقنا ويخلق التّوتّر الجنسيّ الملائم. لكنّه أيضًا مصدر إزعاج وإحباط. الرجال لا يفهمون كيف تفكر النساء، والعكس بالعكس؛ فكلَّ يحاول أن يجعل الآخر يتصرّف وكأنّه من أحد أفراد جنسه الخاص. قد لا يحاول الغنادير أبدًا أن يسترضوا، لكنّهم يملكون أثرًا مرضيًا في هذا المجال الوحيد: فهم يخاطبون نرجسيتنا المتأصّلة من خلال تبنّي الميول والنزعات النفسيّة للجنس الآخر. شعرت النساء بانجذابٍ خاص تجاه رقّة ورهافة رودولف فالنتينو واهتمامه بالتفاصيل في عمليّة المغازلة؛ شعر الرجال بانجذابٍ خاص تجاه عدم الرغبة بالالتزام لدى لو أندرياس سالوم. في البلاط الهاياني (نسبةٌ إلى مدينة هايان-كيو أو ما يُعرف في عصرنا هذا باسم كيوتو) في يابان القرن الحادي عشر، كانت ساي شوناجون، مؤلّفة كتاب الوسادة، مُغويةً للرجال بشكلٍ قويّ، وخاصّةً للأنماط الأدبيّة منهم. كانت ذات استقلاليّةٍ رهيبة، كتبت أفضل الشعر، وكانت بعيدةً من الناحية الوجدانية. أراد الرجال منها أكثر من مجرّد الصداقة أو الرفقة؛ وقعوا في حبّها بعد أن فُتنوا بتقمّصها لنفسيّة الرجل، كما لو كانت رجلاً آخر. هذا النوع من العبور العقلي الجنسي-القدرة على دخول روح الجنس الآخر، التكيّف مع طريقته في التفكير، عكس صورة أذواق ومواقف أفراده-من الممكن أن يكون عنصرًا جوهريًّا في الإغواء. إنه نوع من التنويم المغناطيسي لضحيتّك.
.....................................
التي أمكنه من خلالها الظفر بها.. «وقفت من دون حاجةٍ إلى الحذر كالذي يتعيّن عليّ إزاء الرجل. لم أر شيئًا سوى امرأةٍ جميلة، ولماذا يتعيّن عليّ أن أكون منهيّةً عن حبك؟ يا للميزات التي يمنحك إياها زي المرأة! قلب الرجل موجودٌ هنالك، وذلك ما يُخلّف فينا أثرًا عظيمًا، ومن ناحية لأخرى، فكل سحر الجنس اللطيف يسحرنا، ويمنعنا من اتخاذ الاحتياطات.»
- سي. جاي. بوليت، فينوس كاستينا
كان بو برمل يُعتبر غير متوازنٍ في شغفه بالغسولات اليومية. تزيّنه الصباحي الطقوسي كان يستغرق أكثر من خمس ساعات، ساعة مُسّتَهلكة في حشر نفسه بوضةً تِلو


تبعًا لفرويد، فإن ليبيدو الإنسان يكون ثنائي الجنس بصورة رئيسية؛ معظم الناس يشعرون بالانجذاب بطريقة أو بأخرى لأناس من جنسهم الخاص لكن القيود الاجتماعية (تتنوّع تبعًا للثقافة والحقبة التاريخية) تكبح وتكبت هذه الدوافع. الغندور يمثّل تحررًا من هذه القيود. في عدّة مسرحيّات لشكسبير، وكان على فتاةٍ يافعة (عندئذٍ، الأدوار الأنثوية في المسرح كانت تُؤّدّي في الواقع من قبل ممثّلين ذكور) أن تتنكّر وتلبس كصبي، مثيرةً بذلك كل أنواع الاهتمام الجنسي لدى الرجال، الذي يُسَرّون فيما بعد باكتشافهم أن الصبي هو في الحقيقة فتاة. (فكّر، على سبيل المثال، بروزاليند في كما تُحِبّها.) المُغَنّيات كجوزفين بايكر (المعروفة باسم الشكولا الغندورة) ومارلين ديترش كنّ يلبسن كالرجال في عروضهن، جاعلين أنفسهم بذلك محبوبات وشعبيّات بشكل جامح- بين الرجال. في هذه الأثناء دائمًا ما كان الذكر المُتَأَنّث بشكل طفيف، الصبي الجميل، مغويًا للنساء. جسّد ?ـالنتينو هذه الخاصّية. كان لدى إلفيس برسلي ملامح أنثوية (الوجه، الأرداف)، ارتدى قمصانًا زهريّة مكشكشة ووضع ماكياجًا للعيوب، واجتذب انتباه النساء منذ البداية. صانع الأفلام كينيث آنجر قال عن ميك جاجر أنّ «السحر المزدوج الجنسانية كان ما أُسّس جزءًا مهمًّا من الجاذبية التي كانت لديه على الفتيات اليافعات... والذي فعل فعله على اللاوعي لديهم.» في الواقع فقد تمّت، ولقرون، قولبة الجمال الأنثوي في الحضارة الغربية والنظر إليه كموضع هوس وولعٍ جنسيّ أكثر بكثير من الجمال الذكوري، لذا فإنه من المفهوم أن وجهًا أنثويّ الشّكل كوجه مونتغمري كليفت كانت لدية قوةٌ إغوائية أكبر بكثير من تلك التي عند جون واين.
رمز الغندور لديه مكانه في السياسة أيضًا. جون إف. كينيدي. كان مزيجًا غريبًا ممّا هو ذكوري وما هو أنثوي، رجوليّ في قسوته مع الروس، ولعبات كرة القدم في مرج البيت الأبيض، ومع ذلك أنثوي في مظهره الرشيق والأنيق. كان هذا الالتباس جزءًا كبيرًا من جاذبيته. كان دزرائيلي غندورًا شديد الغندرة فيما يتعلّق باللباس والسلوك؛ ممّا جعل البعض يشكّك فيه كنتيجه لذلك، لكن شجاعته التي تجلّت في عدم الاهتمام بما يعتقده الناس عند أكسبته الاحترام أيضًا. وهامات به النساء بالطبع، لأن النساء يهمّنَ
.......................................
البوصة في بنطلونه القصير المصنوع من جلد الغزال، ساعة مع مزيّن الشعر وساعتين أهريتين في ربط و«تعضين» سلسلة من الكرا?ـات المُنشّأة حتى يتم تحقيق الكمال. لكن قبل كل شيء ساعتان كانتا تُنفقان في فرك نفسه بحماسة هوّاسيّة من الرأس إلى القدمين بالحليب، وبالماء مع الكولونيا... بو برمل قال إنه كان يستخدم رغوة الشامبانيا حصرًا لتلميع جزمته العالية ذات الشُرّابات. كان لديه 365 علبة سعوط، ما ناسب منها ملابس الصيف كان لا مجال للتفكير فيه في الشتاء، وملاءمة قفّازية كانت تُحَقّق من خلال العَهْدِ بتفصيلهم إلى شركتين- واحدة للأصابع، والأخرى للإبهامين. في بعض الأحيان، على أية


دائما بالغندور. لقد قدّرْنَ دماثة عاداته الحميدة، حسّه الجمالي، حبّه للملابس- بكلمة أخرى، خصائصه الأنثوية. عماد سلطة دزرائيلي الرئيسي كان في الواقع أنثى مُعْجَبة: الملكة ?ـيكتوريا.
لا تُضَلَّل بالرّفض الظاهري الذي قد تولّده وَضْعيّة الغندور. قد يُرَوّج المجتمع لارتيابه بالخنثوية (في اللاهوت المسيحي، فإنّ الشيطان غالبًا ما يصوّر كمُخَنّث)، لكن هذا يَحجب افتتانه؛ لأن الشيء الأكثر إغواءً غالبًا ما يكون الأكثر كبتًا. تعلّم الغَندَرة اللعوبة وستصبح المغناطيس لأتواق الناس المظلمة وغير المحققة.
المفتاح لهذه القوّة هو الغموض والالتباس. في مجتمع تكون فيه الأدوار التي يلعبها واضحة وبيّنة، فإنّ رفض الانصياع والامتثال لأي معيار سوف يثير الاهتمام. كن على حدٍّ سواء ذكوريًّا وأنثويًّا، وقحًا وساحرًا، رقيقًا وشائنًا. دع الآخرين يقلقون حيال كونهم مقبولين اجتماعيًّا؛ هذه الأنماط شائعة جدًّا وبالتالي ذات قيمة بخسة، أمّا أنت فتكون في أَثرِ قوّة أعظم من أن يستطيعوا تخيّلها.
الرمز:
السحلية شكلها ولونها يوحيان بشكل غريب بالجنسين، عبيرها حُلوٌ ومُتَفَسّخ- إنّها زهرة الشر الاستوائية. رقيقة ومُتَعَهّدة بالعناية، إنّها مُقَدّرة لندرتها؛ إنها ليست مثل أي زهرة أخرى.
...................................
حال، فقد أصبح استبداد الأناقة بمجمله لا يُطاق. السيد بوثبي أقدم على الانتحار وترك رسالةٌ يقول فيها أنه لا يستطيع احتمال المزيد من سأم إقفال الأزرار وفكّها.
-لعبة القلوب: مذكّرات هارييت ويلسون، تحرير ليزلي بلانشهذا الأسلوب الملكي الذي يرفعه [الغندور] إلى ذروة الملكية الحقيقية، الغندور كان قد أخذ هذا من النساء، اللواتي وحدهنّ يبدونّ وبشكل طبيعيّ مُصَمّمات لهذا الدور. إن الغندور يهيمن نوعًا ما من خلال استخدام أسلوب وطريقة النساء. ومن خلال هذا الاغتصاب للأنوثة، يجعل النساء أنفسهن يوافقن عليه... الغندور لديه شيءٌ ضد الطبيعة


المخاطر
قوّة الغندور، لكن أيضًا مشكلته، هي أنه/ غالبًا ما يعمل أو تعمل عبر مشاعر انتهاكية تتّصل بأدوار الجنس. بالرغم من أن هذا النوع من النشاط مُغْو ومثيرٌ ومشحون، إلّا أنّه خطيرٌ أيضًا، نظرًا لأنّه يمسّ مصدرًا لقلق عظيم وقلّة للشعور بالأمان. كان لدى ?ـالنتينو جاذبٌ هائل تجاه النساء، لكن الرجال كرهوه. لازمته ملازمة الكلب لصاحبه الاتهامات بكونه غير رجوليٍّ بشكل منحرف، وسبّب له هذا ألمًا عظيمًا. كانت سالوم غير محبوبة لدرجة مساوية من قبل النساء؛ أخت نيتشة، وربما أقرب أصدقائه، اعتبرتها ساحرةً شرّيرة، وقادت حملةً صحفيّةً قاسيةً ضدّها استمرّت طويلاً بعد موت الفيلسوف. هناك القليل ممّا يمكن فعله في وجه امتعاض كهذا. يحاول بعض الغنادير أن يحاربوا الصورة التي خلقوها هم أنفسهم، لكنّ هذا ليس حصيفًا: ليثبت رجولته، كان ?ـالنتينو ينخرط في مباريات ملاكمة، أي شيء ليثبت رجولته. كان ينتهي إلى وضع لا يبدو فيه إلا يائسًا. الأفضل تَقَبُل تعليقات المجتمع الهازئة والمُعيّرة (العرضية) بسعة صدر وغطرسة. في النهاية، فإنّ سحر الغنادير يكمن في أنهم لا يهتمّون حقًّا بما يفكّره الناس عنهم. تلك كانت الكيفية التي لعب بها أندي وارهول اللعبة: عندما كان يملّ الناس من غريب أطواره أو عندما كانت تندلع فضيحةٌ ما، فإنّه كان ينتقل ببساطة إلى صورة جديدة بدلاً من أن يدافع عن نفسه- فنّان بوهيمي منحطّ رسّام زيتي للطبقات العليا من المجتمع، إلخ. كما لو أنه كان يقول، وبلمسةٍ من الازدراء، أن المشكلة لا تكمن فيه وإنما بقدرة الناس على الاهتمام والانتباه.
خطرٌ آخرٌ للغندور هو واقعُ أن عجرفته لا تعرف حدودًا. بو برَمِل اعتَدّ بنفسه لسببين: رشاقة بنيته وسخريته اللاذعة، راعيه الاجتماعي الرئيسي كان أمير ويلز الذي أصبح عبر السنوات اللاحقة، سمينًا. ذات ليلةٍ على العشاء، رن الأمير الجرس طلبًا لكبير الخدم، فعلّق برَمِل بخسّة، «هيًا رنّ، يا بن الكبير.» لم يستسغ الأمير النكتة، وجعل الخدم يرشدونه إلى طريق الخروج، ولم يتكلّم معه ثانيةً. دون الرعاية الملكيّة، انحدر برَمِل إلى الفقر والجنون.
إذن فحتّى الغندور يجب أن يقيس ويضبط وقاحته. الغندور الحقيقي
..................................
وخنثويّ حياله، والذي هو بالتحديد كيفيّة قدرته على الإغواء بلا حدود.
- جون لوماتر، المعاصرون


يعرف الفرق ما بين الإغاظة المُخْرَجة مسرحيًّا الّتي يعتمدها القوي وما بين الملاحظة التي تجرح، تؤذي، أو تهين بحق. من المهمّ بشكلٍ خاص أن تتحاشى إهانة أولئك الذين يكونون في مواقع تمكّنهم من إنزال الضرر والخسارة بك. في الواقع، فإنّ الوضعة (وضعة الغندور) قد تنجع كأفضل ما يكون لأولئك الذي يستطيعون القيام بالأذيّة- الفنّانين، البوهيميّين إلخ. (البوهيميّ هو كاتب أو رسّام إلخ. يحيا حياة بوهيمية لا تقيم وزنًا للأعراف والقواعد الاجتماعية: المترجم). في عالم العميل، يجب عليك على الأرجح أن تُعَدّل وتُخَفّت من صورة الغندور لديك. كن مختلفًا بشكل مُرضِ، تسليةً، عوضًا عن أن تكون شخصًا يتحدّى أعراف المجموعة ويجعل الآخرين يشعرون بعدم الأمان.


الطبيعي
الطفولة هي الفردوس الذهبي الذي نحاول دائمًا بشكل واعٍ أو غير واع أن نعيد خلقه. يجسد الطبيعي خصائص الطفولة المتمناة بشدة- العفوية والإخلاص وعدم الادعاء. في حضرة الطبيعيين، نشعر باليسر، فنرجع إلى ذاك العهد الذهبي بعد أن افتتنا بروحهم المرحة. الطبيعيون أيضًا يصنعون من الضعف قوّة، فيستثيرون تعاطفنا إزاء محاولاتهم، ويجعلوننا نرغب بحمايتهم ومساعدتهم. معظم هذا فطريّ، كما عند الطفل، لكنّ بعضًا منه مُبالَغٌ فيه، وعبارة عن مناورة إغوائية مقصودة. اتَخذْ وقفة الطبيعي لكي تحيّدَ حيادية الناس وتُعدِهم بغبطة غير محدودة.


السمات النفسية للطبيعي
الأطفال ليسوا بالبراءة التي نحب أن نتخيّلهم بها. فهم يعانون من الشعور بالعجز، ويستشعرون باكرًا قدرة سحرهم الطبيعي على معالجة ضعفهم في عالم الراشدين. هم يتعلّمون أن يلعبوا لعبة: إذا كان باستطاعة براءتهم الطبيعية أن تقنع والدًا بأن يُذعن لرغباتهم في موقف ما، فإنه شيءٌ يستطيعون استخدامه استراتيجيًا في موقفٍ أخر، مُسرِفين في اللوم أو الإطراء في اللحظة المناسبة ليحصلوا على مرادهم. إذا كانت هشاشتهم وضعفهم جذابة إلى هذه الدرجة. لذا فإنها شيءٌ يستطيعون استخدامه لتحقيق أثر.
لماذا نُغْوى بطبيعة الأطفال؟ أولاً، لأن أي شيء طبيعي لديه أثرٌ غير مألوفٍ علينا. منذ الأزل، فقد زرعت الظواهر الطبيعية- كالعواصف الرعدية أو الكسوفات- في الإنسان رهبةً ممزوجةً بالخوف. كلما ازداد تحضرنا وتقدّمنا، كان تأثير الظواهر الطبيعية علينا أكبر؛ العالم المعاصر يحيطنا بالكثير مما هو مَشغول ومُصْطَنَع لدرجةٍ تجعلنا ننبهر بالشيء المفاجئ وغير القابل للتفسير. الأطفال يملكون أيضًا هذه القدرة الطبيعية، لكن بما أنهم بشرٌ ولا يشكّلون تهديدًا، فهم لا يبعثون على الخوف بقدر ما يسحرون. معظم الناس يحاولون الإرضاء، لكن عذوبة الطفل وسجيّته الهانئة تتأتى دون جهد، مُتَحَدّيةً بذلك التفسير المنطقي- والشيء غير العقلاني عادةً ما يكون مُغويًا بشكلٍ خطير.
الأكثر أهمّيةً من هذا، هو أنّ الطفل يمثّل عالمًا كنّا قد نُفينا منه إلى الأبد. كون حياة الراشدين ملأي بالضجر والتنازلات، فإننا نُنمّي وهمًا عن الطفولة كنوعٍ من العصر الذهبي، على الرغم من أنها غالبًا ما تكون فترة اضطرابٍ وألمٍ عظيمين. مما لا يمكن إنكاره، على أيّة حال، هو أنّ الطفولة
.............................
قديمًا عبر العصور كان هنالك جاذبّيةٌ عظيمة وغالبًا محيّرة لمخيّلة الرجال. كلما أُثير استياؤهم تجاه بيئتهم تجاه بيئتهم الراهنة- وهذا ما يحدث كثيرًا بما فيه الكفاية- فإنّهم ينكصون إلى الماضي ويأملون أنهم سيكونون قادرين الآن أن يثبتوا حقيقة الحلم الذي لا يخبو بعصر ذهبيّ. هم على الأرجح لا يزالون خاضعين لرقية طفولتهم الممثّلة لهم من قِبَل ذاكرتهم غير الموضوعية كحقبةٍ من النعيم غير المنقطع.


تتحلّى بامتيازات معيّنة، وكأطفال فقد كان لدينا موقفٌ فَرِحٌ تجاه الحياة. عندما نصادف طفلاً ساحراً بشكل خاص، فإننا غالبًا ما نشعر بالحزن والحنين: نتذكّر ماضينا الذهبي، السّجايا التي ونتمنّى استعادتها. وفي حضور الطفل، نستعيد قليلاً من تلك الفترة الذهبيّة.
المُغوون الطبيعيون هم أناسٌ تدبّروا بطريقة ما ألاّ تُجَرّدهم تجربة الرشد من سماتٍ طفوليّةٍ معيّنة. هكذا أناس بإمكانهم أن يكونوا على جانب قويٌ من الإغواء كأي طفل، لأن محافظتهم على هذه السجايا تبدو رائعةً وغير معهودة. هم ليسوا حرفيًّا كالأطفال، بالطبع؛ فهذا من شأنه أن يجعلهم بغيضين أو مثيرين للشفقة. بالأحرى إنّ الروحية هي ما احتفظوا به. لا تتخيّل أن الطفوليّة هي شيءٌ أبعد من نطاق سيطرتهم. المغوون الطبيعيون يتعلّمون باكرًا قيمة الاحتفاظ بخاصّيةٍ معيّنة، والسلطة الإغوائية التي تحتويها؛ هم يتهايؤون ويطوّرون تلك السمات الطفوليّة التي تدبّروا الحفاظ عليها، تمامًا كما يتعلّم الطفل أن يلعب بسحره الطبيعي. هذا هو المفتاح. إنه ضمن قدرتك أن تفعل الشيء نفسه، بما أنه يكمن في كلٍّ واحدٍ فينا طفلٌ شيطانيّ يكابد لكي يُخلى سبيله. لتفعل هذا بنجاح، يجب عليك أن تتحرّر بدرجة عالية، نظرًا لأنه لا يوجد شيءٌ أقل طبيعةً من الظهور بمظهر المتردّد. تذكّر الروح التي كانت لديك ذات مرّة، دعها ترجع، وبدون اكتراث بالانطباع الذي تولّده أنت. الناس أكثر تسامحًا بكثير مع أولئك الذين يأخذون الأمور إلى أقصاها، الذين يبدون حمقى بشكلٍ لا يمكن التحكّم فيه، ممّا يكونون مع راشدٍ ذي مسحةٍ طفوليّة تعوزه الحماسة. تذكّر من كنت عليه قبل أن تصبح غاية في التهذيب والتواضع والانزواء عن الأضواء. لتتولّى القيام بدور الطبيعي، موضع نفسك عقليًّا في موضع الطفل، الطرف الأكثر يفاعة.
ما يلي هي الأنماط الرئيسية للطبيعي الراشد. أبقِ في ذهنك أن أعظم المغوين الطبيعيين غالبًا ما يكونون مزيجًا من أكثر من واحد من هذه الخصائص.
البريء. الخصائص الرئيسية للبراءة هي الضعف والفهم القاصر للعالم. البراءة ضعيفة لأنه محكومٌ عليها بالتلاشي في عالم قاسٍ ووحشي؛ لا يستطيع الطفل أن يحمي أو يواظب على براءته. سوء الفهم أو قصوره يتأتّى
.............................
- سيغموند فرويد؛ النسخة القياسيّة من الأعمال الكاملة لسيغموند فرويد في علم النفس، المجلد 23 عندما ؤلِدِ هيرميس على جبل سيلين فإن والدته مايا وضعته في قِماطٍ على مِذارةٍ للحنطة، إلا أنه نما بسرعة مذهلة إلى ولدٍ صغير، بمجرّد ما وقف على قدميه، انسلّ وذهب يبحث عن مغامرة. لدى وصوله إلى بييريا، حيث كان أبولو يرعى فطيعًا حسنًا من الأبقار، فقد قرّر أن يسرقها. لكن مخافة أن تشي به آثار أظلافها، فقد صنع بسرعة عددًا من الأحذية من لحاء شجرة بلّوطٍ متهالكة وشدّها على أظلاف البقر كيلا ينطوي العشب من تحتها، والتي قادها بعدئذٍ


من عدم معرفة الطفل بمسائل الخير والشر، ورؤية كل شيء من خلال عيونٍ لم يمسسها السوء. ضعف الأطفال يثير التعاطف، قصور فهمهم يجعلنا نضحك، ولا شيء أكثر أغواءً من مزيجٍ من الضحك والتعاطف.
الطبيعي الراشد ليس بريئًا بشكل حقيقيّ- من المستحيل أن تنمو في العالم وتحتفظ بكامل البراءة ومع ذلك فإنّ الطبيعيين يتوقون بعمق ليتمسّكوا بمظهرهم البريء لدرجة أنهم يتدبّرون الحفاظ على وهم البراءة. هم يضخّمون ضعفهم ليستجلبوا العطف المناسب. ويتصرّفون وكأنهم لا يزالون يروا العالم بعيون بريئة، الأمر الذي يتبيّن كونه مثيرًا للضحك عند الراشدين بشكلٍ مضاعف كثيرٌ من هذا مُتَعَمّدٌ ومقصود، ولكن حتى يكونوا فعَالين، فلا بدَّ للطبيعيين الراشدين من أن يُظهروه على أنه مصقول وغير مُتَطَلّبٍ لأي جهد- إذا شوهدوا وكأنّهم يحاولون تمثيل البراءة، فسوف يولّدون الانطباع بأنّهم مثيرون للشفقة. من الأفضل لهم أن يتركوا الانطباع بالضعف بشكلٍ غير مباشر، من خلال النظرات والتلميحات، أو من خلال المواقف التي يضعون أنفسهم فيها، بدلاً من أي شيء واضح. بما أن هذا النمط من البراءة هو تمثيلٌ في معظمه، فمن السهل تكييفه لغاياتك الخاصّة. تعلّم التوكيد على أيّة نقاط ضعف أو أخطاء.
العفريت. الأطفال العفريتيّون لديهم جسارة لا تعرف الخوف، كنا قد فقدناها نحن الراشدين. ذلك لأنهم لا يرون العواقب المحتملة لأفعالهم- كيف يمكن جرح مشاعر بعض الناس، كيف من الممكن أن يؤذوا أنفسهم خلال العملية. العفاريت صفيقون، ومُتَنَعّمون بلا مبالاتهم وعدم اكتراثهم. هم يُعْدونك بروحهم الخفيفة الظل. هكذا أطفال لم تُجتَث منهم بعد حيويّتهم وطاقتهم الطبيعية من خلال التوبيخ والتعنيف وذلك بدافع الحاجة لكي يكونوا مهذّبين ومّتَمَدّنين. نحن نحسدهم سرًّا، ونريد أن نكون أيضًا أشقياء وغير مطيعين.
العفارتة الراشدون يكونون مُغويين بسبب الكيفية التي يختلفون بها عن بقيّننا. بوصفهم نسماتٍ من الهواء النقي، فهم يذهبون إلى أقصى الحدود، كأن عفريتهم غير قابلة للتحكم بها، وبالتالي طبيعية. إذا لعبت الدور، فلا
.............................
في الليل على طول الطريق. اكتشف أبولو الحارة لكنّ خدعة هيرمس نطلت عليه، وبالرغم من أنه مضى بعيدًا بعد بايلوس في بحثه غربًا، وإلى أونكتوس في بحثه شرقًا، فقد أجبرَ في النهاية على أن يعرض مكافأة لمن يعتقل اللص. انتشر سايلينوس وآلهة الغابات الآخرون، طمعًا في المكافأة، في مختلف الاتجاهات ليتعقّبوا أثره، لكن ولفترةٍ طويلة، دون نجاح. أخيرًا، عندما مرّ فريقٌ منهم عبر أركاديا، فقد سمعوا صوت موسيقى مكتومًا لم يكونوا قد سمعوا مثله من قبله قط، وأخبرتهم الحورية سيلين وهي في مدخل الكهف أن طفلاً موهوبًا للغاية كان قد وُلِدَ هناك مُؤخّرًا، والذي كانت تتصرّف نحوه كممرّضة: وأنه كان


تقلق حيال جرح مشاع الناسبين الحين والآخر- أنت محبوبٌ للغاية وحتمًا سوف يسامحونك. فقط لا تعتذر أو تبدو نادمًا، لأن ذلك من شأنه أن يُبطل السحر. مهما قلت أو فعلت، فابقِ وميضًا في عينيك لتظهر أنك لا تأخذ سيئًا على محمل الجد.
الأعجوبة. الطفل الأعجوبة أو المعجزة لديه موهبة خاصة، غير قابلة للتفسير: موهبة في الموسيقى، في الرياضيات، في الشطرنج، في الرياضة. لدى العمل في الحقل الذي يمتلكون فيه مهارة خصبة ووافرة، فإن هؤلاء الأطفال يبدون ممسوسين، وأفعالهم مُنجَزة من غير جهد. إذا كانوا فنانين أو موسيقيين، من أمثال موزارت، فإن عملهم يبدو نابعًا من دافع فطريّ، مُتَطَلَبًا تفكيرًا قليلاً بشكل لافت. إذا كان ما يملكونه هو موهبةً جسديّة، فهم يكونون مُنعَمًا عليهم بنشاطٍ غير اعتيادي، ببراعةٍ يدويّة، وبعفويّة. في كلتا الحالتين يبدون أبعد موهبةً من أعمارهم. هذا يفتننا.
الراشدون العجائبيّون غالبًا ما يكونون أطفالاً عجائبيّين تدبّروا بشكلٍ لافتٍ للنظر أن يحتفظوا باندفاعهم الفتي ومهاراتهم الارتجالية. العفوية الحقيقية هي سيءٌ نادرٌ سارٌ، لأن كل شيء في الحياة يتآمر ليسلبنا إياه- علينا أن نتعلّم أن نتصرّف بحذر وتروٍّ، أن نفكّر كيف نبدو في عيون الناس. لتلعب دور الأعجوبة فأنت تحتاج إلى مهارة ما من شأنها أن تبدو سهلة وطبيعيّة إلى جانب القدرة على الارتجال. إذا كانت مهارتك في واقع الحال تتطلّب التمرين، فعليك أن تُخفي هذا وتتعلّم أن تجعل عملك يبدو هيّنًا ومُنجزًا من غير جهد. كلّما أخفيت الجهد الكامن وراء ما تعمل، ظهرت أكثر طبيعيّةً وإغوائيّةً.
العاشق عير المُتَأهِّب للدفاع. أثناء تقدّمهم في السن، فإنّ الناس يحمون أنفسهم إزاء التجارب المؤلمة من خلال الانغلاق والانكفاء. ثمن هذا أنهم يصبحون تدريجيًّا مُتَصلّبين، من الناحيتين: الجسديّة والعقليّة. لكن الأطفال يكونون بطبيعة الحال غير محميّين ومنفتحين للتجربة، وهذه التقبّليّة تكون
...........................
قد ركَب لعبةٌ موسيقيةٌ بارعة من درع سلحفاة وبطن بقرة، والتي بواسطتها هدهد أمه حتى نامت. «ومّمن حصل على بطن البقرة؟» سألت آلهة الغابات المتحفّزة، وهي تلحظ قطعتين من جلد الحيوان مبسوطتين خارج الكهف. «هل تتّهمون الطفل المسكين بالسرقة؟» سألت سيلين. وتمّ تبادل الكلام الخشن.
? في تلك اللحظة ظهر أبولو، وكونه أكتشف هوية السارق من خلال مراقبة السلوك المريب لطائرٍ طويل الأجنحة وهو يدخل الكهف، فقد أيقظَ مايا وأخبرها بشدّة بأنه ينبغي على هيرميس أن يُرجع البقر المسروق. أشارت مايا إلى الطفل الذي كان لا يزال ملفوفًا في قماطه ويتظاهر بالنوم. وصرخت «ريا


جذّابةً إلى أبعد حد. لدى حضور الأطفال نصبح أقلّ تصَلّبًا، نتيجة العدوى بانفتاحهم. هذا هو السبب وراء رغبتنا بالتواجد من حولهم.
تدبّر العاشقون غير الدفاعيين بطريقة ما الدوران حول عمليّة حماية الذات، فاحتفظوا بتلك الروح المرحة والمُتفتّحة لدى الطفل. هم غالبًا ما يظهرون هذه الروحية من الناحية الجسدية: فهم جميلون وأنيقون، ويبدو أنهم يقدّمون في السن بسرعة أقل من الناس الآخرين. من بين جميع خصائص الطبيعي، فإنّ هذه الخاصية هي الأكثر نفعًا. الدفاعيّة مميتةٌ في الإغواء؛ تصرّف بشكل دفاعيّ وستستخرج الدفاعية لدى الناس الآخرين. العاشق غير الدفاعي يُخفّض الموانع والكوابح عند هدفه أو هدفها، الأمر الذي يشكّل جزءًا حاسمًا وحرجًا من الإغواء. من المهم أن تتعلّم ألاّ تتفاعل بشكل دفاعيّ: انحنِ بدلاً من أن تقاوم، كن منفتحًا أمام تأثير الآخرين، وسوف يقعون بسهولةٍ أكبر تحت سحرك وسلطانك.
أمثلة عن المغوين الطبيعيين
1. كطفلٍ ناشئ في إنكلترا، أمضىشارليشابلين سنواتٍ في فقرٍ مدقع، خاصةً بعد أن أودعت أمّة في ملجأ للكنيسة. في بداية سني مراهقته، ومُجبرًا على العمل بدافع العيش، فقد وقع على عملٍ في ?ـاودو?ـيل، حاصدًا في آخر الأمر على بعض النجاح كممثّل كوميديّ. لكن شابلين كان طموحًا بشكلٍ جامح، ولذا، في عام 1910، عندما كان في التاسعة عشر من عمره، هاجر إلى الولايات المتّحدة، آملاً أن ينفذ إلى عالم صناعة الأفلام. وهو يشقُّ طريقه في هوليوود، وجد أدوارًا عرضيّةً بسيطة، إلّا أن النجاح بدا صعب المنال: المنافسة كانت شديدة، وبالرغم من أن شابلين كان لديه ذخيرةٌ من المزحات التي كان قد تعلّمها في ?ـادو?ـيل، إلّا أنه لم يبرع بشكل خاص في الدعاية الجسمانية (التي كانت تعتمد على حركات الجسم)، والتي كانت جزءًا حيويًّا من الكوميديا الصامتة. لم يكن ماهرًا في الجمباز كَبستر كيتون.
في عام 1914، تدبّر شابلين الحصول على دور البطولة في فيلم قصير اسمه إحراز العيش. دوره كان دور النصاب. لدى لهوه بالزي المخصّص
..............................
لها من تهمةٍ سخيفة!» لكن أبولو كان قدر ميّز قطعتي الجلد قبل ذلك.
التقط هيرمس، وحمله إلى جبل الأوليمب، وهناك اتّهمه رسميًّا بالسرقة، وقدّم قطعتي الجلد كدليلِ على ذلك. زيوس باعتباره كان كارهًا لتصديق أن ابنه الوليد كان لصًّا، فقد شجّعه على أن يجيب بالبراءة، لكن عزيمة أبولو لم تُثّبط وهيرميس، أخيرًا، ضَعُفَ واعترف إذ قال «حسنٌ جدًّا تعالَ معي، وستستعيد قطيعك. فقد ذبحت اثنتين فقط، وقطّعتهما إلى اثنتي عشرة قطعة كقربانٍ إلى الآلهة الاثنتي عشرة» ? «اثنا عشر إلهاً؟» سأل أبولو. «فمن الإله الثاني عشر؟» ? «خادمك يا سيّدي» أجاب هيرميس بتواضع. «لم آكل


للدور، فقد ارتدى سروالاً أكبر من قياسه بعدّة نمرات،ومن ثم أضاف قبّعة خاصّةً بسباق الخيل، جزمةً هائلةً تعمّد أن يلبسها بشكل متعاكس، عكّازًا للمشي، وشاربًا ملصوقًا. مع الثياب، فقد بدا شخصيً جديدةً كاملةً تنبعث إلى الحياة- أولاً المشية السخيفة، ثم تدوير العصا، ومن ثم جميع أنواع المزحات. ماك سينيت، رئيس الاستديو، لم يجد إحراز العيش مضحكًا كثيرًا، وشكّ فيما إذا كان لشابلين مستقبلٌ في الأفلام، لكنّ بضعةٌ من النّقاد راودهم شعورٌ مختلف. كتب مجلَةٌ متخصّصة «المُؤدّي الماهر الذي يأخذ في هذا الفيلم دور مقامرٍ مخادع مُتهوّرِ وغاية في الرشاقة هوكوميديِّ من الطراز الأوّل، والذي يتصرّف كواحدِ من موهوبي الطبيعة.» وتجاوب المشاهدون أيضًا- الفيلم حقّق إيرادًا.
ما بدا أنه يلامس الوتر الحساس في إحراز العيش، والذي ميّز شابلين عن حشد الكوميديين الآخرين الذين يعملون في الأفلام الصامتة، كان سذاجة الشخصية التي لعبها والتي- أي السذاجة- كادت أن تكون مثيرةً للازدراء. شاعرًا بأنه كان مُقبلاً على شيء ما، فقد صقل شابلين الدور أكثر في الأفلام اللاحقة، مما أظهره بمظهر الساذج أكثر فأكثر. المفتاح كان جعل الشخصية تبدو أنها ترى العالم من خلال عيون طفل. في البنك لعب دور بوّاب البنك الذي تراوده أحلام يقظة عن عظيم الأفعال بينما يقوم اللصوص بعملهم في المبنى؛ في المسترهن، يلعب دور مساعدٍ غير مهيّأٍ في دكان والذي يُنزل الخراب والدمار على ساعة حائط (قائمةٍ على الأرض مباشرةً)؛ في أذرعة الكتف، يلعب دور جنديٍّ في خنادق الحرب العالمية الأولى اللعينة، متفاعلاً مع أهوال الحرب كطفلٍ برئ. حرص شابلين على اختيار الممثّلين في أفلامه ممّن كانوا أضخم منه جسمانيًّا، مقدّمًا إياهم في اللاوعي كراشدين مُتنّمرين ونفسه كطفلٍ لا حول له ولا قوة. وأثناء إمعانه ومضيّه بشكلٍ أعمق في دوره، فقد حصل شيءٌ غريب: بدأت الشخصيّة السينمائية وشخص الحياة الواقعيّة بالاندماج مع بعضهما البعض. بالرغم من أنه كان قد حظي بطفولةٍ مضطربة، إلا أنه كان مهووسًا بها. (فقد شيّد من أجل فيلمه الشارع المريح مشهدًا في هوليوود طبق الأصل للشوارع التي كان قد عرفها كصبي.) أساء الظن في عالم الكبار، مُفضّلاً صحبة اليافعين، أو يافعي القلوب: ثلاثٌ من زوجاته الأربع كنّ مراهقات عندما اقترن بهن.
............................
أكثر من حصّتي، بالرغم من أنني كنت جائعًا جدًّا، وحرقت الباقي كما ينبغي.» ? الإلهان [هيرميس وأبولو] عادا إلى جبل سيلين، حيث حيّى هيرميس أمّه واسترجع شيئًا كان قد خبّأه تحت جلد غنم. ? «ماذا لديك ناك؟» سأل أبولو. ? كجوابٍ على ذلك، أظهر هيرميس قيثارته المُخترعة حديثًا والمصنوعة من درع السلحفاة وعزف عليها لحنًا يسلب اللب للغاية بِريشته التي كان قد اخترعها أيضًا، وفي نفس الوقت أخذ يغّني تمجيدًا لِنبل أبولو وذكائه وكرمه، فتّمت مسامحته في الحال. ثّم قاد أبولو المتفاجئ والمبتهج إلى بايلوس، وهو يعزف طول الطريق، وهناك أعطاه بقيّة الماشية التي كان قد أخفاها في كهف. ? «لديّ صفقة!» صاح أبولو.


أكثر من أي كوميديَّ آخر، فقد أثار شابلين مزيجًا من الضحك والعاطفة. جعلك تتفهّمه بوصفه الضحيّة، وتشعر بالشفقة تجاهه بالطريقة التي تشعر بها حيال كلبِ ضال. فأنت تضحك وتبكي على حدٍّ سواء. وأحسّ المشاهدون بأنّ الدور الذي لعبه شابلين نبع من مكان ما عميق في داخله- بأنّه كان مخلصًا، بأنّه كان يؤدّي نفسه في واقع الأمر. خلال بضعة سنين من إنتاج إحراز العيش أصبح شابلين الممثل الأكثر شهرة في العالم. كانت هنالك دُميّ على شكل شابلين، كتب هزلية، ألعاب؛ وكُتِبت عنه أغنياتٍ شعبية وقصصٌ فصيرة؛ أصبح رمزًا عالميًّا. في عام 1921، عندما زار لندن لأوّل مرة منذ كان قد غادرها، استُقبِلَ بهتافات الحشود الهائلة، كالتي تجتمع لدى العودة المظفّرة لقائدٍ عظيم.
المُغوون العظام، أولئك الذين يغوون حشود الجماهير، وأُممًا والعالم، لديهم طريقةٌ في اللعب على لا وعي الناس، جاعلوهم يتفاعلون بطريقة] لا يستطيعون فهمها ولا التحكّم بها. عثر شابلين من دون قصد وبالمصادفة عل هذه القوة عندما اكتشف الأثر الذي بإمكانه أن يحوزه على الجماهير من خلال اللعب على ضعفه، ومن خلال الإيحاء بأن لديه عقلَ طفلٍ في جسد راشد. في مطلع القرن العشرين، كان العالم يتغيّر بشكلٍ سريعٍ وجذريّ. الناس كانوا يعملون لساعاتٍ أطول فأطول في أعمالٍ تتّخذ الطابع الميكانيكي بصورةٍ متزايدة؛ الحياة كانت تصبح بشكلٍ مُطّرد أكثر وحشيّةً وقسوة، كما أوضح وأجلى دمار وخراب الحرب العالمية الأولى. كونهم علقوا في غمرة تغييرٍ جذري، فقد تاق الناس لطفولةٍ مفقودة والتي يخيّلوها كفردوسّ ذهبيِّ.
كان لدى طفل راشدٍ كشابلين قوّةٌ إغوائية هائلة، كونه كان يقدّم الوهم بأن الحياة كانت ذات مرّة أبسط وأسها، وأنّه للحظةِ، أو بقدر ما يستغرق الفيلم، فإنّك تستطيع استعادة تلك الحياة والظفر بها مجدّدًا. في عالمٍ قاسٍ لا يقيم وزنًا للمعايير الأخلاقية، تتمتّع السذاجة بجاذبيةٍ هائلة. المفتّاح هو أن تنجزها مع لمسةٍ من الجدّية الكاملة، كما يفعل الكوميديّ المُجَهِّز للنكتة في الكوميديا المنفردة. لكنّ الأهم من ذلك هو خلق التعاطف. نادرًا ما يكون صريح القوة والنفوذ مُغويًا- إنها تجعلنا خائفين أو حاسدين. الطريق الملكي للإغواء هو توكيدك على هشاشتك وعجزك. لا يجدر بك أن
.................................
«أنت تأخذ البقر، وأنا آخذ القيثارة.» ? «موافق» قال هيرميس، وتصافحوا إقرارًا للصفقة. ? ... أرجع أبولو الولد مجددًّا إلى جبل الأوليمب وأخبر زيوس بكل ما حصل. حذّر زيوس هيرميس أنه يجب عليه من الآن فصاعدًا أن يحترم حقوق الملكيّة ويحجم عن التفوّه بأكاذيب صرفة؛ لكنّه لم يستطع أن يمنع نفسه من الاستمتاع. «يبدو أنك إله صغيّر غايةً في الذكاء والفصاحة والقدرة على الإقناع.» قال زيوس
? فأجاب هيرميس «إذن اجعلني رسولَك يا أبتي وسوف أكون مسئولاً عن سلامة كل الملكية الإلهية، ولن أخبر الأكاذيب قد ولو أنّني لا أستطيع أن أعدّ بأنني سأقول الحقيقة الكاملة على الدوام.»


تجعل هذا واضحًا؛ أن تبدو مستجديًا للعطف هو أن تبدو محتاجًا، الشيء المُنفّر (ضد- إغوائي) بكل ما في الكلمة من معنى. لا تُصَرّح أو تعلن بأنّك الضحية أو المضطهد أو الخاسر، لكن هذا الشيء من خلال سلوكك، من خلال ارتباكك وتشوّشك. إنّ عرض الضعف «الطبيعي» سوف يجعلك محبوبًا على الفور، مُخفِّضًا دفاعات الناس وجاعلاً إيّاهم يشعرون كذلك الأمر بأنهم متفوّقون عليك على نحوٍ سار. ضع نفسك في مواقف تجعلك تبدو ضعيفًا، والتي يكون فيها لشخصٍ آخر الأفضلية؛ هم المتنمّرون، وأنت الحمل الوديع، سوف يشعر الناس، دون أي جهدٍ من قبلك، بالمشاركة الوجدانية تجاهك. بمجرّد ما تحجب الغشاوة العاطفية على أبصار الناس، فلن يستطيعوا رؤية كيفيّة تلاعبك بهم.
2. وُلِدت إيما كراوتش في عام 1842 في بليموث، إنكلترا لأسرةِ محترمة تنتمي إلى الطبقة الوسطى. كان والدها ملحّنًا وأستاذًا للموسيقى حلم بالنجاح في عالم الأوبريت. من بين أولاده العديدين، فقد كانت إيما المفضّلة: كانت طفلةً جذلي، مُفعمة بالحياة ومغناجة، ذات شعرٍ أحمر ووجهٍ مُنمّش. شُغِف بها والدها، ووعدها بمستقبلٍ لامع في المسرح. لسوء الحظ كان لدى السيد كرواتش جانبٌ مظلم: فقد كان مغامرًا، مقامرًا، وخليعًا، وتخلّى في عام 1849 من عائلته ورحل إلى أمريكا. الآن أصبحت عائلة السيد كراوتش في عسرٍ شديد. إيما أُخبِرت أنّ والدها قد توفّي في حادث وأرسَلت إلى دير الراهبات. أثّرت بها خسارة والدها بعمق، وأثناء انصراف السنين فقد بدت أنّها تائهةٌ في الماضي، وتصرّفت وكأنّ والدها لا يزال شَغِفًا ومولعًا بها.
ذات يومٍ في عام 1856، عندما كانت إيما تتمشّى عائدةً إلى منزلها من الكنيسة، دعاها رجبٌ أنيقٌ نبيل المحتد إلى منزله لتناول بعض الكعك. تبعته إلى منزله، حيث شرع باستغلالها. صبيحة اليوم التالي وعدها هذا الرجل والذي كان تاجر ألماس بأن يُسكِنها في بيتٍ خاصٍّ بها ويعاملها جيّدًا ويعطيها الكثير من المال. أخذت المال لكن تركته، مصمّمةً على أن تفعل الشيء الذي طالما كانت قد أرادته: ألاّ ترى عائلتها مجدّدًا وألاّ تعتمد على أحدٍ قط وتحيا الحياة العظيمة التي كان والدها قد وعدها بها.
............................................
? «هذا لن يكون مُتَوقّعًا منك» قال زيوس مع ابتسامة... أعطاه زيوس صولجان الرسالة ذا الأشرطة البيضاء والذي أُمُر الجميع باحترامه؛ وقبعة مُدوّرة تقي من المطر، وخُفّين ذهبّيين مجنّحين حملاه بسرعة الريح.
-روبرت جرايـ?ـس، الأساطير الإغريقية المجلّد I
قد يلتقي رجلٌ بامرأة ويْصدَم ببشاعتها. فإذا كانت طبيعيّة وغير متكلّفة، فسرعان ما ستجعله تعابيرها يغض الطرف عن النقيصة في ملامحها. سيبدأ رؤيتها فاتنةً، وتراوده فكرة أنها من الممكن أن تكون من يحب، وبعد أسبوع من ذلك يصبح عائشًا بالأمل. في الأسبوع التالي يكون قد دُفِعَ رغمًا عنه إلى اليأس، وفي الأسبوع الذي بعده


بالمال الذي أعطاها إياه تاجر الألماس، اشترت إيما ثيابًا أنيقة واستأجرت شقّةً رخيصة. مُتّخذةً اسم كورا بيرل الملفت، بدأت بالتردّد على غرف لندن الصلصالية؛ والتي كانت عبارة عن بار كبير فاخر حيث يجلس الرجال والمومسات جنبًا إلى جنب. لاحظ السيّد باينا (مالك البار) بعناية هذه القادمة الجديدة إلى مؤسسته- كانت غاية في الجرأة وقلة الحياة لفتاةٍ في سنّها. في الخامسة والأربعين، كان أكبر منها سنًّا بكثير، لكنّه قرّر أن يكون حبيبها وحاميها، مُغدِقًا عليها المال والاهتمام. في السنة التالية أخذها في رحلة إلى باريس، والتي كانت في أوج ازدهارها كعاصمةٍ للإمبراطورية الثانية (الإمبراطورية الثانية هي فرنسا تحت حكم الإمبراطور نابليون الثالث الذي امتدّ من عام 1852 حتى عام 1870.) سُحِرَت كورا بباريس وكل معالمها، لكن ما أثار إعجابها أكثر من أي شيءٍ آخر كان موكب العربات الغنية في غاية بولون. هنا كان للأنيقين أن يسودوا- الإمبراطورة، الأميرات، وليس آخِرًا كبريات المحظيّات واللواتي كان لديهن أبذخ العربات على الإطلاق. هذا كان السبيل لتحيا نوع الحياة التي كان والد كورا قد أراده لها. من غير إبطاء قالت لباينل أنها سوف تظل لوحدها (في باريس) حين رجوعه إلى لندن.
سرعان ما لفتت كورا انتباه الرجال الفرنسيين الأثرياء بعد أن تردّدت على جميع الأماكن المناسبة. كانوا يرونها تتمشّى في شوارع باريس في ثوبٍ زهريٍّ برّاق، وذلك تتمّة لشعرها الأحمر الملتهب، وجهها الشاحب، ونَمَشها. كانوا يلمحونها وهي تمتطي الخيل على نحوٍ جامح عبر غابة بولون، مُفرقعةً بسوطها ذات اليمين وذات الشمال. كانوا يرونها في المقاهي محاطةً بالرجال الذين كانوا يضحكون على إهاناتها الظريفة. سمعوا أيضًا بمآثرها وأعمالها الجريئة- بسرورها في عرض جسدها للجميع. بدأ نخبويّو مجتمع باريس بالتودّد إليها، وبالتحديد الرجال الأكبر سنًّا الذين كانوا قد سئموا من المومسات الباردات والماكرات، والذين أُعجبوا بروحها البنّائية. عندما بدأ المال بالتدفّق من فتوحاتها الغرامية المتعدّدة (الدوق مورناي، ولي عهد العرش الهولندي؛ الأمير نابليون، نسيب الإمبراطور)، فقد أنفقته كورا على أكثر الأشياء تطرّفًا وخرقًا للمألوف- عربة متعدّدة الألوان يجرّها فريقٌ من الأحصنة بلون الكريم، حوض استحمام من المرمر الوردي وعليه حُفِرت
.............................
يكون قد جُنّ.
- ستندال، الحب، ترجمة جيلبير وسوزان سايلالتهرّب «الجغرافي» من الواقع محكومٌ عليه بعدم الفاعليّة بجميع الأحوال. ما يبقى هو التهرّب «التطوّري»- والذي هو سلوكٌ نكوصيّ في تطوّر الشخص، وعودةٌ إلى الأفكار والعواطف الخاصة بــ «الطفولة الذهبية»، والذي يمكن أن يُعَرّف أيضًا كـَ«رجوعٌ نحو الطَّفالة،» أو هروبٌ إلى عالم شخصيّ من الأفكار الطفولية.?في مجتمعٍ منظّمٍ بشكل صارم، حيث تتبع الحياة مجموعة مبادئ مُحدّدة بشكل متزمّت وصارم، فإن الدافع للهرب من قيد الأشياء «التي أسّست دفعةً واحدة من دون أن يمكن مراجعتها»


أحرف اسمها الأولى بالذهب. تزاحم الرجال النبلاء وكلّ واحدٍ منهم يريد أن يكون أكثر من يدلّلها. ضيّع عاشقٌ إيرلندي ثروته بكاملها عليها، في ثمانية أسابيعٍ وحسب. لكن لم يكن بوسع المال أن يشتري إخلاص كورا؛ كانت تترك الرجل عند أقل نزوة.
استفزّ سلوك كورا بيرل الجامح وازدراءها للإتيكيت كل باريس. في عام 1864، كانت ستظهر بدور كيوبيد في أوبريت أوفنباخ أورفيوس في العالم السفلي. تحرّق المجتمع ليرى ماذا كانت ستفعل لتثير الإحساس، وسرعان ما اكتشف: صعدت على خشبة المسرح وهي عارية عمليًّا، باستثناء من ألماساتٍ باهظة هنا وهناك، بالكاد تغطيها. أثناء تبخترها على الخشبة، أخذت الألماسات تتساقط، وكل واحدةٍ منها تعادا ثروة؛ لم تتنازل لتلتقطها، وإنما تركتها تتدحرج نحو أضواء مقدّم خشبة المسرح. الرجال الذين كانوا في الحضور، والذين بعضهم كان قد أعطاها تلك الألماسات، راحوا يصفقون بشكل جنوني. سلوكيّاتٌ غريبة كهذه جعلت كورا معبودة الجماهير في باريس، وسادت بوصفها أبرز محظية أو مومس في المدينة لما يزيد عن عقد، إلى أن وضعت حرب 1870 الفرنسية البروسية نهايةً للإمبراطورية الثانية.
الناس غالبًا ما يعتقدون خطأً أن ما يجعل الشخص مرغوبًا ومُغويًا هو الجمال المادي الأناقة، أو الجنسانية العلنية. ومع ذلك فلم تكن كورا بيرل جميلةً بشكلٍ صاعق؛ فقد كان جسمها صبيانيًا، وأسلوبها مبهرجًا على نحوٍ يعوزه الذوق ولا طعم له. كونها دُلّلت من قبل أبيها، فقد تخيّلت أن تدليلها كان أمرًا طبيعيًا- أنّه ينبغي على كل الرجال أن يحذوا الحذو نفسه. النتيجة المنطقية كانت أنها، كأي طفل، لم تشعر أبدًا بأنه كان ينبغي عليها أن تحاول الإرضاء. إن مسحة الاستقلال القوية لدى كورا هي ما جعل الرجال يرغبون بتملكها وترويضها. لم تدّعِ أبدًا كونها أي شيءٍ أكثر من مومسٍ للأغنياء، لذا فالجرأة التي تُعَدّ قلّة تمدّن عند سيّدةٍ راقية كانت تبدو عندها طبيعية ومرحة. وكما مع طفلٍ مدلّل، فقد كانت علاقة الرجل معها وفقًا لشروطها هي. في اللحظة التي يحاول بها تغيير ذلك، تكون قد فقدت الاهتمام. هذا كان سر نجاحها المذهل.
..............................
يجدر وعلى نحو استثنائيّ أن يُشْعر بقوّةٍ.... ? وأفضلهم على الإطلاق [الكوميديون] يفعلون هذا بمنتهى الإتقان، حيث أنّ شابلين يعزّز هذا المبدأ... من خلال براعة طريقته التي، من خلال تقديمها للمشاهد نمطًا طفوليًّا ليحاكي، تُعديهِ نفسيًّا بالطفولة وتجتذبه نحو «العصر الذهبي» الخاص بفردوس الطفولة الصبياني.
- سيرجاي آيزنشتاين، «شارلي الطفل»، من ملاحظات مخرج فيلم الأمير جورتشاكوف اعتاد على القول أنها [كورا بيرل] كانت مسك الختام في الترف والتاج الذي يُتَوّج به، وأنه كان ليحاول سرقة الشمس إرضاءً


الأطفال المدللون لديهم سمعةٌ سيئة لا يستحقونها: فبينما أولئك المدلّلون بأشياء مادية بالفعل لا يمكن احتمالهم، يكون أولئك المدللون عاطفيًا عارفين بأنهم شديدو الإغواء. هذه تصبح ميزة جليّة عندما يكبرون. تبعًا لفرويد (الذي كان يتكلم عن خبرة، كونه مكان الأثير عند أنه)، فإنّ الأطفال المدللين لديهم ثقة تلازمهم طوال حياتهم. هذه الخاصية تشع إلى الخارج، مجتذبةً الآخرين نحوهم، و، في عملية دائرية، تجعل الناس يدللونهم حتى لدرجةٍ أبعد. نظرًا لأن روحهم وطاقتهم الطبيعية لم تُروّضا من قبل والد مُؤدِّب، فهم يكونون كراشدين مغامرين وجسورين، وغالبًا عفريتيّين أو قليلي الحياء.
الدرس بسيط: ربما يكون متأخّرًا جدًا أن تُدلّل من قبل أمّ أو أب، لكنه ليس متأخّرًا أبدًا أن تجعل الناس الآخرين يدللونك. كل شيء يكمن في موقفك. الناس ينجذبون نحو أولئك الذين يتوقعون الكثير من الحياة، في حين أنهم يميلون لعدم احترام أولئك الخائفين وغير المتطلّبين. الاستقلال الجامح لديه أثرٌ محرّضٌ علينا: إنه يروق لنا، على الرغم من أنّه يقدّم بنا تحدّيًا أيضًا- نحن نريد أن نكون من يروّضه، أن نجعل الشخص المفعم بالحيوية معتمدًا علينا. نصف الإغواء هو إثارة رغباتٍ تنافسية كهذه.
3. في أكتوبر من عام 1925، كان مجتمع باريس مُتشوّقًا بالكامل حيال افتتاح مسرح جاز الزنوج، أو في الواقع فإنّ أي شيءٍ أتى من أمريكا السوداء كان آخر موضة، وراقصي ومؤدّي برودواي كانوا أمريكيين من أصولٍ أفريقية. في ليلة الافتتاح، ملأ الفنانون وأعيان المجتمع الصالة. كان العرض مُذهلاً، كما توقّعوا، لكن لم يُهيّئهم شيء للوصلة الأخيرة التي أدّتها امرأةٌ طويلة الساقين وخرقاء نوعًا ما وذات وجهٍ هو الأجمل على الإطلاق: جوزفين بايكر، فتاة كورس في العشرين من العمر من شرق سانت لويس. صعدت على الخشبة عارية الصدر، مرتديةً تنّورة من الريش فوق القطعة السفلية من بيكيني مصنوع من الساتان، مع ريشاتٍ حول عنقها وكاحليها. بالرغم من أنها أدّت وصلتها- المسمّاة «رقصٌ فظ» مع راقصةٍ أخرى، مكسوةٌ أيضًا بالريش، إلا أن كل الأنظار انجذبت نحوها على نحوٍ آسر:
............................
لواحدةٍ من نزواتها.
- جوزتاف كلاودين، معاصرٌ لكورا بيرل من الواضح أن امتلاك الفكاهة يقتضي ضمنًا امتلاك مجموعة من منظومات العادات. المنظومة الأولى هي منظومة عاطفيّة: عادة اللعب والمرح. لماذا ينبغي لأحدهم أن يكون فخورًا لكونه لعوبًا ومزوحًا؟ لسببِ مزدوج. أولاً، اللعب والمزاح يتضمّنان الطفولة والصِّبا. إذا كان بإمكان أحدهم أن يكون لعوبًا، فذلك يعني أنه لا يزال يمتلك شيئًا من عنوان وبهجة الحياة الشابة... ? لكنّ هناك تضمينًا أعمق. أن تكون لعوبًا ومرحًا هو، في معنى من المعاني، أن تكون حرًا. عندما يكون الشخصُ


جسدها بأكمله بدا أنه ينبعث حيًّا بطريقةٍ لم يكن الجمهور قد شاهدها من قبل قط، ساقاها كانتا تتحرّكان برشاقة القطة، نهاية مؤخّرتها كانت تدور بأشكالٍ شبّهها أحد النقاد بالطائر الطنان. وأثناء استمرار الرقصة، فقد بدت ممسوسة، ومستمدّةُ هذه الحالة من نشوة وانفعال الحشد. ومن ثم كانت هذه النظرة على وجهها: كانت تستمتع بحق. أشعّت بفرح جعل رقصتها الشهوانية بريئةً بشكلٍ غير معهود بل وحتى مضحكةً نوعًا ما.
بحلول اليوم التالي، كانت الأخبار قد انتشرت: عن ميلاد نجمة. أصبحت جوزفين قلب مسرح الزنوج، وكانت باريس تحت قدميها. في غضون سنة، تصدّر وجهها الملصقات الإعلانية في كل مكان؛ كان هناك عطورات وثياب تحمل اسمها ودمى على شكلها؛ أخذت النساء الفرنسيات الأنيقات واللواتي كنّ من الطبقة العليا في المجتمع يملّسن شعرهنّ إلى الخلف على طريقة بايكر، باستخدام مُستحضر يُدعى مُثَبّت بايكر. بل وكنّ يحاولن تغميق بشرتهن.
شهرة مفاجئة كهذه مثّلت تغيّرًا بحق، فمن مجرّد سنواتٍ قليلةٍ خلت، كانت جوزفين فتاة يافعة تنشأ في شرق سانت لويس، الذي كان واحدًا من أسوأ أحياء الفقراء في أمريكا. كانت قد بدأت تعمل منذ سن الثامنة، بتنظيف المنازل لسيدةٍ بيضاء كانت تضربها. كانت تنام في بعض الأحيان في قبوٍ ملئٍ بالجرذان؛ لم يكن هنالك من أي مصدر للتدفئة في الشتاء. (كانت قد علّمت نفسها الرقص على طريقتها العاصفة لكي تساعد على تدفئة نفسها.) في عام 1919 لاذت بالفرار وأصبحت مؤدية ?ـاد?ـيل بدوامٍ جزئي (الـ?ـاد?ـيل: مسرحية هزلية خفيفة تشتمل عادةً على رقص وغناء: المترجم)، وحطّت في نيويورك بعد ذلك بسنتين بدون مالٍ أو صلات. كانت قد حظيت ببعض النجاح كفتاة كورس مهرّجة، مقدّمةً تسليةً كوميدية من خلال عينيها الحولاوين ووجهها غير المنتظم، لكنّها لم تَبرُز. ومن ثم دُّعيت إلى باريس. بعض المؤدّين السود الآخرين كانوا قد رَفَضوا، خوفًا من أن تكون الأمور في فرنسا أسوأ مما هي أساسًا عليه في أمريكا، لكن جوزفين انتهزت الفرصة.
بالرغم من نجاحها مع مسرح الزنوج، إلا أن جوزفين لم تضلّل أو
............................................
لعوبًا، فإنه للحظة يتجاهل الضرورات الملزمة التي تُجْبِره، في العمل كما في الأخلاقيات، في الحياة المنزليّة كما في الحياة الاجتماعية... ? الشيء الذي يغيظنا ويصعب علينا احتماله هو أنّ الضرورات الملزمة ل ا تسمح لنا بأن نصوغ العالم كما نحب... ما نرغب به من ناحية ثانية، هو أن نخلق عالمنا لأنفسنا. متى استطعنا فعل ذلك، حتّى لو بأبسط الدرجات، نكون سعداء. الآن من خلال اللعب نخلق عالمنا الخاص...
-البروفيسور هـ.أ. أو?ـرستريت، التأثير في السلوك الإنساني كلُّ شيءٍ هادئًا محدّدًا (سحب جنجي المزلاج وجرّب الأبواب. لم


تخدع نفسها: الباريسيون اشتْهروا بكونهم متقلّبين. فقرّرت أن تدير العلاقة رأسًا على عقب. أولاً، رفضت أن تنحاز إلى أيّ نادٍ، وأنشأت سمعةً عن كونها تفسخ العقود متى أرادت، مُوضَحةً أنها كانت مستعدّةً لأن تترك في لحظة. منذ الطفولة كانت تخاف من الاعتماد على أيّ أحد؛ الآن لا يستطيع أحد أن يستخفّ بها أو ينظر إليها كأمر مسلّم به. هذا لم يزد عن جعل رعاة الحفلات يمنعون في مطاردتها والعامة تمعن في تقديرنا. ثانيًا، كانت مدركةً أنه بالرغم من أن الثقافة الزنجية كانت قد أصبحت الموضة، إلا أن ما وقع الفرنسيون في حبه كان نوعًا من الكاريكاتير. إذا كان ذلك ما يلزم لتكون ناجحةً، فليكن، لكن جوزفين أوضحت أنّها لم تأخذ الكاريكاتير على محمل الجد؛ وبدلاً من ذلك ناقضته، مصبحةً امرأة الموضة الفرنسية المطلقة، الأمر الذي كان كاريكاتورًا ليس من السواد وإنما عن البياض. كل شيء كان دورًا للعب- الممثلة الكوميدية، الراقصة البدائية، الباريسية الفائقة الأناقة. وكل ما كانت تفعله جوزفين، كانت تفعله بخفّة ظل وعدم ادّعاء، ولذلك استمرّت لسنوات بإغواء الباريسيين الضجرين والمتخمين. جنازتها في عام 1975، بُثّت تلفزيونيًّا في كل أنحاء البلد، وكانت تظاهرةً ثقافيّةً كبيرة. دُفِنَت من الأبّهة التي كان يختصُّ بها عادة رؤساء الدول فقط.
من مرحلةٍ باكرةٍ جدًّا، لم تُطِق جوزفين بايكر الشعور بعدم السيطرة على دنياها. ومع ذلك فما الذي كانت تستطيع فعله في وجهه ظروفها غير الواعدة؟ كانت بعض الفتيات تعلّقن كل آمالهن على زوج، لكن والد جوزفين سرعان ما هجر أمها إثر ولادتها، ولم ترَ في الزواج إلّا شيئًا من شأنه أن يزيد من تعاستها. حلّها كان شيئًا غالبًا ما يفعله الأطفال: كونها مُجابَهَةٌ ببيئةٍ ميئوسٍ منها، فقد انغلقت على نفسها في عالمٍ من صنعها الخاص، مُتغافلةً عن البشاعة التي من حولها. هذا العالم كان مليئًا بالرقص، بالتهريج، وبالأحلام عن الأشياء العظيمة. دع الناس الآخرين يشكون ويندبون؛ أما جوزفين فكانت تبتسم وتبقى واثقةً ومعتمدةً على النفس. تقريبًا كل من قابلها، مِن سنيها الأولى إلى الأخيرة، علّق على مدى إغوائيّة هذه الخاصّية.
...............................
تكُن موصدة. كان هناك ستارة مباشرةً بعد الباب، واستطاع في الضوء الخافت أن يمّيز بصعوبة صناديق صينيّة وقطع أثاثِ مبعثرة بغير نظام. شقَ طريقه نحوها. اضطجعت لوحدها، كشكلٍ بشريٌّ صغير ونحيل. بالرغم من كونها تضايقت على نحوٍ منهم، إلّا أنه من الجليّ أنها اعتبرته السيدة شوجو إلى أنْ سَحَبَ الأغطية.
? ... أسلوبه كان مقنعًا على نحوٍ دَمِثٍ جدًّا لدرجة أن الشياطين والعفاريت لم تكن لتقاومه. ?... كانت صغيرةً جدًّا فرفعها بسهولة. أثناء اجتيازه الأبواب نحو غرفته الخاصة، فقد التقى على سبيل المصادفة بِشوجو التي كانت قد استُدعِيَت من قبل. صرخ مُتفاجئًا. حدّقت شوجو بالظلام كونها تفاجأت بدورها.


رفضهاللتسوية، أو لتكون ما يُتَوَقّع منها أن تكون، جعل كل ما تعمله يبدو أصيلاً وطبيعيًّا.
يحب الطفل أن بلعب، وأن يخلق عالمًا صغيرًا مُحتوى بذاته. عندما ينهمك الأطفال في جعلك تصدّقهم، فإنّهم يكونون غايةً في السحر. هم يُشرِبون خيالاتهم بجدّيةٍ وإحساسٍ كبيرين. الطبيعيون الراشدون يفعلون شيئًا مشابهًا، خاصّةً إذا ما كانوا فنانين: هم يخلقون عالمهم الوهمي الخاص، ويعيشون فيه كما لو كان العالم الحقيقي. الخيال سارٌّ أكثر بكثير من الحقيقة، وبما أن معظم الناس ليست لديهم القدرة أو الشجاعة لخلق هكا عالم فهم يستمتعون بالتواجد حول أولئك الذين لديهم. تذكّر: الدور الذي أُعْطِتَهُ في الحياة ليس الدور الي يتعيّن عليك قبوله. تستطيع دائمًا أن تحيا دورًا من إبداعك، دورًا يلائم خيالك. تعلّم أن تلعب بصورتك، وألاّ تأخذها أبدًا على محمل الجد أكثر من اللازم. المفتاح هو أن تنفخ في لَعِبِك اقتناع وإحساس الطفل، مما يجعله يبدو طبيعيًا. كلما بدوت أكثر استغراقًا واندماجًا في عالمك المليء بالبهجة، كلما أصبحت أكثر إغوائيةً. لا تتوقّف في منتصف الطريق: اجعل الخيال الذي تسكن فيه متطرّفًا وغريبًا قدر الإمكان، وسوف تجتذب الانتباه كالمغناطيس.
4. كان عيد تفتّح الكرز في البلاط الهاياني، في يابان أواخر القرن العاشر. في قصر الإمبراطور، كان العديد من رجال ونساء البلاط في حالة سكر، وآخرين كانوا نائمين بعمق، لكن الأميرة الشابة أبوروتزو كِيو، أخت زوجة الإمبراطور، كانت صاحيةً وهي تلقي بيت الشعر: «ما الذي يمكن مقارنته بقمر الربيع الضبابي؟» صوتها كان ناعمًا ومرهفًا. تحرّكت نحو باب شقتها لتنظر إلى القمر. ومن ثمّ، وعلى حين غرّة، اشتمّت شيئًا حُلوًا، وقبضت يدٌ على كمِّ ثوبها. «من تكون أنت؟» قالت وهي خائفة. «لا يوجد شيءٌ لتخافي منه،» قال صوتٌ رجوليّ، وتابع بشعرٍ من تأليفه: «في وقتٍ متأخّرٍ من الليل نستمتع بقمرٍ ضبابيّ. لا يوجد شيءٌ ضبابيّ فيما يتعلّق بالرباط فيما بيننا.» وبدون أيّ كلمةٍ أخرى، جذب الرجل الأميرة نحوه ورفعها حاملاً إياها إلى داخل رواق خارج غرفتها، وهو ينسل من الباب
..................................
العبير الذي فاح من أرديته مثل غيمةٍ من الدّخان أخبرها من كان هو..... لحقت [شوجو] بهما، لكنّ جنجي لم يتأثّر أبدًا بِتوسّلاتها. ? «اذهبي لعندها في الصباح،» قال وهو يغلق الأبواب. ? تصبّبت السيّدة عرقًا وكانت متحمسةً جدًّا إزاء فكرة ماذا يمكن أن يدور بخلد شوجو والنساء الأخريات. كان على جنجي أن يشعر بالأسف نحوها. ومع ذلك فإنّ الكلمات العذبة تصدّرت كامل سلسلة الأدوات الجميلة التي من شأنها أن تجعل المرأة تستسلم.... ? قد يتخيل المرء أنّه ابتدع العديد من الوعود اللطيفة التي من شأنها أن تؤاسيها....
- موراساكي شيكيبو، حكاية جنجي، ترجمة إدوارد جاي سايدنستيكر


المُغلق خلفه. كانت مرتعبةً، وحاولت أن تصرخ طلبًا للنجدة. في جنح الظلام سمعته يقول، وبصوتٍ أعلى بقليل، «لن يجديك نفعًا. دائمًا ما يُسمَحً لي بأن أعبر طريقي. فقط كوني هادئة، لو سمحت من فضلك.»
الآن استطاعت الأميرة التّعرّف على الصوت، وعلى الأريج: لقد كان جنجي، الابن الشاب لمحظيّة الإمبراطور السابق، الذي تحمل أرديته عطرًا مميّزًا. هدّأ هذا روعها نوعًا ما، كون الرجل شخصًا تعرفه، لكن من ناحيةٍ أخرى فقد كانت تعلم أيضًا عن سمعته: جنجي كان أكثر مغوي البلاط استفحالاً، رجلاً لم يكن من شيء ليوقفه. كان سكرانًا، والوقت شارف على بزوغ الفجر، والحرّاس سرعان ما كانوا على وشك البدء في جولاتهم؛ لم تشأ أن يُكشفَ أمرها معه. لكنها بدأت عندها بالتعرّف بشكلٍ غير واضح على معالم وجهه- كان أيةً في الجمال، ونظرته صادقة للغاية، لا يشوبها أي أثرٍ من المكر أو الخبث. بعد ذلك أتت المزيد من الأشعار، المُلقاة بذلك الصوت الساحر، كانت الكلمات موحيةً للغاية. الصور التي استحضرها ملأت ذهنها، وحوّلت انتباهها عن يديه. لم تستطع مقاومته.
عندما أخذ الضوء بالبزوغ، نهض جنجي على قدميه. قال بضعة كلمات رقيقة، تبادلا المراوح، ومن ثم غادر بسرعة. النساء العاملات في الخدمة أخذن الآن بالنوافذ عبر غرف الإمبراطور، وعندما شاهدن جنجي وهو يبتعد مسرعًا، وعطره أرديته يعبق بعد ذهابه، فقد تبسّمن وهنّ عارفاتٍ بأنه كان في أثر إحدى خدعاته المعتادة؛ لكنّهن لم يتخيّلن أبدًا أن يتجرّأ على الاقتراب من أخت زوجة الإمبراطور.
في الأيام التي تلت، لم تستطيع أبوروتزو كِيو إلّا أن تفكّر بجنجي. كانت تعرف بأن لديه عشيقاتٍ أخريات، لكنها عندما حاولت أن تخرجه من تفكيرها، وصلتها رسالةٌ منه، فرجعت إلى المربّع الأوّل. في الواقع، هي كانت من بدأ المراسلة، بعد أن انتابها ولازمها شبح زيارته الليلية المتأخرة. كان عليها أن تراه مجدّدًا. بالرغم من المجازفة بالانكشاف، وكون أختها كوكيدن- زوجة الإمبراطور- تكره جنجي، فقد رتّبت الأمر من أجل مزيدٍ من اللقاءاتٍ السرّية في شقّتها. لكن ذات ليلة ضبطهما سويّةً أحد رجال البلاط الحاسدين. وصل الخبر إلى كوكيدن، التي استشاطت غضبًا بطبيعة


الحال. طالبت بأن يُطرّد جنجي من البلاط ولم يكن لدى الإمبراطور من خيارٍ سوى الموافقة.
مضى جنجي بعيدًا وهدأت الأمور. ثم مات الإمبراطور واستلم ابنه مكانه. كان قد حلّ نوعٌ من الفراغ في البلاط: كومات النساء اللواتي كان جنجي قد أغواهن لم يستطعن تحمّل غيابه، فغمرنه بالرسائل. حتى النساء اللواتي لم يكنّ قد عرفنه على نحوٍ حميم أخذن بالنحيب على أيّ تذكارٍ كان قد تركه خلفه- رداء، على سبيل المثال، حيث لا يزال يعبق شذاه. وافتقد الإمبراطور الشاب حضوره المرح. وافتقدت الأميرات الموسيقى التي كان يعزفها على آلة الكوتو التورية. وتاقت أوبوروتزو كِيو توقًا شديدًا لزياراته الليلة المتأخرة. في آخر الأمر حتى كوكيدن انهارت، مدركةً أنها لا تستطيع مقاومته. لذا تم استدعاء جنجي مجدّدًا إلى البلاط. حيث لم يُسامح فحسب، بل ورُحّبَ به أيضًا ترحيب الأبطال؛ الإمبراطور الشاب بذاته استقبل الوغد والدموع في عينيه.
قصة حياة جنجي رُوِيَت في رواية حكاية جنجي، للكاتبة موراساكي شيكيبو من القرن الحادي عشر، والتي كانت امرأةً في البلاط الهاياني. الشخصية استندت على الأرجح على رجلٍ حقيقيّ هو فوجيوارا نو كوريتشيكا. بالفعل فإنّ كتابًا آخر من نفس الحقبة، كتاب الوسادة لِساي شوناجون، يصف لقاءً ما بين الكاتبة وكوريتشيكا، ويصف سحره الخارق وتأثيره على النساء الذي يقارب التنويم المغناطيسي. جنجي هو عاشق طبيعيّ وغير دفاعيّ، رجلٌ لديه هوسٌ مستمرٌّ مدى الحياة بالنساء لكنّ تقديره لهن وعاطفته نحوهن جعلاه لا يُقاوَم. كما يقول في الرواية لأوبوروتزو كِيو، «دائمًا ما يُسمَحُ لي بأن أعبر طريقي.» هذا الاعتقاد الذاتي يشكّل نصف سحر جنجي. المقاومة لا تجعله دفاعيًّا؛ فهو عندها يتراجع بلباقةٍ ووقار وهو يلقي قليلاً من الشعر، وأثناء مغادرته، فإن أريج أرديته ينسحب في أثره، في حين أن ضحيّته تتساءل بتعجّب عن سبب خوفها لهذه الدرجة، وعمّا ضيّعته نتيجة رفضها إياه بازدراء، وتجد طريقةً لتدعه يعرف أنه في المرّة القادمة ستكون الأمو مختلفة. لا يأخذ جنجي شيئًا على محملٍ شخصيّ أو جدّي، وفي عمر الأربعين- العمر الذي يبدو عنده معظم رجال القرن
الحادي عشر مسنّين ورثّين، فقد كان لا يزال يبدو صبيًّا. قدراته الإغوائية لم تتخلَّ عنه أبدًا.
الناس قابلون بشكل هائل للإيحاء والتأثّر بأفكار الآخرين؛ طبائعهم ومزاجهم وحالاتهم النفسية تمتدّ بسهولة إلى الناس الذين من حولهم. يعتمد الإغواء في الواقع على المحاكاة، على الخلق للحالة النفسية أو الشعور الذي يُعادُ إنتاجه بعد ذلك من قبل الشخص الآخر. لكن التردّد والارتباك هما أيضًا مُعدِيان، ومهلكان للإغواء. إذا بدوتَ في اللحظة الحرجة في حاسمٍ أو مشغولاً بشكلٍ غير مريح بنقصك، بدلاً من أن تكون مغمورً بسحره أو سحرها. سوف تُحَطَّم التعويذة. كعاشقٍ غير دفاعيّ، بالرغم من ذلك، فأنت تولّد التأثير المعاكس: قد تكون ضحيّتك متردّدة أو قلقة، لكن بمواجهة شخص واثقٌ وطبيعيٌّ للغاية، فإنها/ه سوف تُعدى بالمزاج. مثل الرقص مع شخصٍ أنت تقوده دون أي جّهد عبر باحة الرقص، إنها مهارةٌ تستطيع تعلّمها. إنها مسألة اجتثاث الخوف والارتباك والحرج الذي تنامى بداخلك عبر السنين، أن تصبح أكثر رشاقةً ووقارًا وأناقةً في مقاربتك، أقل دفاعيةً عندما يبدو أن الآخرين يقاومون. غالبًا ما تكون مقاومة الناس عبارة عن طريقة لامتحانك، وإذا أظهرتَ أيّ ارتباكِ أو تردّد، فإنك لن تفشل في الامتحان وحسب، بل وستخاطر بإعدائهم بشكوكك.
الرمز: الحمل
ناعمٌ ومُحّبّبٌ للغاية. في يومه الثاني يكون بوسعه أن يَثِب برشاقة؛ خلال أسبوع يبدأ بلعب لعبة «اتبع القائد.» ضعفه خو جزءٌ من سحره. الحمل براءة صافية، بريءٌ لدرجة أننا نودُّ تملّكه، بل وحتّى التهامه.


المخاطر
خاصيةٌ طفوليّة قد تكون ساحرة لكنها قد تكون أيضًا مزعجة؛ البريئون ليس لديهم خبرة بالعالم، وبوسع عذوبتهم أن تكون زائدةً عن الحد. في رواية ميلان كونديرا كتاب الضحك والنسيان، تحلم البطلة أنها علقت في جزيرةٍ مع مجموعة من الأطفال. سرعان ما تصبح صفاتهم الرائعة مزعجةً لها بشدةً؛ بعد بضعة أيام من التعرّض لهم لا يعود بإمكانها أن تتواصل معهم على الإطلاق. يتحوّل الحلم إلى كابوس، وتتوق للعودة إلى الراشدين، حيث الأشياء الحقيقية لعملها والتكلم عنها. بما أن الطفولية الكاملة يمكن أن تسبّب الإزعاج بسرعة، فإن معظم المغوين الطبيعيين هم أولئك الذين، على غرار جوزفين بايكر، يجمعون ما بين خبرة وحكمة الراشدين وما بين السلوك الشبيه بسلوك الأطفال. إنه هذا المزيج من الخصائص الذي يغري كأشد ما يكون الإغراء.
المجتمع لا يستطيع تحمّل العديد من الطبيعيين. بوجود حشدٍ من أمثال كورا بيرل أو شارلي شابلين، فإن سحرهم سوف يبلى بسرعة. على أيّ حالة فإنه عادةً الفنانين فقط، أو الأناس الذين لديهم وقت فراغ كافٍ، هم الذين يستطيعون تحمّل المضي في هذا الطريق إلى آخره. أفضل طريقة لتستخدم نمط الشخصية الطبيعية هي في مواقفٍ بعينها عندما تساعد لمسةٌ من البراءة أو العفرتة على خفض دفاعات هدفك. يلعب المخادع دور المغفّل أو الغبي ليجعل الشخص الآخر يثق به ويشعر بالتفوّق. هذا النوع من الطبيعية المزعومة أو المدّعاة له تطبيقات لا تُعّدُّ ولا تُحصى في الحياة اليومية، حيث لا يوجد شيءٌ أشدُّ خطورة من الظهور أذكى من الشخص المقابل؛ الوقفة الطبيعية هي الطريقة المثلى لِتُخفِ ذكاءك. لكنك إذا كنت طفوليًّا على نحوِ لا يمكن التحكّم به ولا تستطيع إسكات طفوليّتك، فإنك تجازف بأن تبدو مثيرًا للشفقة، مستحقًّا بذلك ليس التعاطف وإنما الرثاء والاشمئزاز.
على نحوٍ مشابه، فإن الميزات الإغوائية للطبيعي تفعل أفضل فعلها في شخصٍ لا يزال شابًّا بما فيه الكفاية بالنسبة لهذه الميول كي يبدو طبيعيًّا. تحقيق هذه الميزات من قبل شخصٍ أكبر سنًّا يكون أصعب بكثير. لم تبدُ كورا بيرل غايةً في السحر عندما كانت لا تزال ترتدي ثيابها الزهرية




المكشكشة وهي في العقد السادس من عمرها. دوق بيكنغهام، الذي أغوى الجميع في البلاط الإنكليزي في عشرينات القرن السابع عشر (بمن فيهم الملك المُثليّ جايمس الأول نفسه)، كان طفوليًّا على نحوٍ رائع في الهيئة والسلوك: لكنّ هذا أصبح بغيضًا ومُنفّرًا مع تقدّمه في السن، وفي آخر الأمر صنع لنفسه أعداءِ بما فيه الكفاية مما أدّى إلى اغتياله. وأنتَ تتقدّم في السن، إذن، يجب أن توحي سماتك الطبيعية بروح الطفل المنفتحة أكثر مما توحي بالبراءة التي لن تقنع أحدًا بعد الآن.


المغناج
القدرة على تأجيل الرغبة هي مطلق فن الإغواء- خلال الانتظار تقبع الضحية في حالة عبودية. المغناجون هم أكبر أسياد اللعبة، يزاوجون في جيئةِ وذهاب ما بين الأمل والإحباط لتحقيق أقصى ما يمكن من التأثير. يزودون بطُعم الوعد بمكافأة- الأمل في لذة جسدية، سعادة، شهرة من خلال مرافقتهم، نفوذ- إلا أن كل هذه الوعود يتبين أنها محض وهم؛ ومع ذلك فهذا لا يعدو عن جعل أهدافهم تطاردهم أكثر من ذي قبل. المغناجون يبدون مكتفين ذاتيًا بالكامل: فهم لا يحتاجونك، هذا ما يقوله لسان حالهم، ويتبيّن أنّ نرجسيّتهم جذّابةٌ لأبعد درجات الحدود. أنت تريد أن تخضعهم لكنّهم من يُمسك بالأوراق. تكمن استراتيجيّة المغناج في عدم منح الإشباع الكامل أبدًا. حاك مناوبة الحرارة والبرودة للمغناج ولسوف تُبقي المَغوي راكعًا عند قدميك.


المغناج البارد والساخن
في خريف عام 1795، لفَّت باريس رعشةٌ غريبة. عهد الإرهاب الذي تلا الثورة الفرنسية كان قد انتهى؛ وصوت المقصلة كان قد ولّى. تنفّست المدينة الصعداء، وأفسحت المجال للحفلات الصاخبة ولمهرجاناتٍ وأعياد لا تنتهي.
نابليون بونابرت الشاب، الذي كان في السادسة والعشرين من العمر في ذلك الوقت، لم يكن لديه اهتمام بمثل هذه المظاهر من المرح الصاخب. كان قد صنع لنفسه اسمًا كقائدٍ وجريء ساعدَ على إنهاء العصيان في الأقاليم، لكنّ طموحه كان بلا حدود واشتعل رغبةٌ بالفتوحات الجديدة. وهكذا عندما زارته في مكتبه- في شهر أكتوبر من ذلك العام- الأرملة سيئة الصيت البالغة من العمر الثالثة والثلاثين جوزفين دي بوهارناي، لم يستطع إلّا أن يرتبك. كانت جوزفين مختلفةٌ جدًّا، وكلّ ما يتعلّق بها كان لا مباليًا وشهوانيًّا. (أفادت من كونها أجنبيّة- فهي أتت من جزيرة المارتينيك.) من ناحية أخرى كان لديها سمعةٌ كامرأةٍ فلتانة، ونابوليون الخجول كان يؤمن بالزواج. حتّى والحال كذلك، إلا أن نابوليون وجد نفسه وقد لبّى دعوة جوزفين إلى إحدى سهراتها الأسبوعية.
شعرَ في السهرة أنّه خارج وَسَطِه كلّيًا. كل كتّاب المدينة العظام ومفكّريها كانوا هنالك، بالإضافة إلى بعض النبلاء الذين كانوا قد بقوا على قيد الحياة (بعد الثورة الفرنسية) - جوزفين نفسها كانت ?ـيكونتيسة وبالكاد أفلتت من المقصلة. النساء كنّ باهرات الجمال، بعضهنّ أجمل من المضيفة نفسها، لكنّ كل الرجال تحلّقوا حول جوزفين، وقد جذبهم حضورها الرشيق وسلوكها الملكيّ. عدّة مرّات تركت الرجال خلفها وذهبت لعند
...........................
هناك بالفعل رجالٌ يولعون بالمقاومة أكثر مما يولعون بالمطاوعة والذين يفضّلون ومن غير قصدِ أو معرفة السماء المتقلّبة، في لحظةِ ساطعة وستية، وفي لحظة أخرى نسودَ ونكفهرَ بالبروق، لتصبح بعدها سماء الحبَ الزرقاء الصافية. دعونا لا ننسى أن جوزفين كان عليها أن تتعامل مع فاتح وأن الحبّ يشابه الحرب. لم تستسلم، تركت نفسها تُخضَع. لو كانت أكثر رقَةَ أو أكثر


نابوليون؛ لم يكن شيءٌ ليشبع كبرياء أناهُ الفاقد للشعورِ بالأمان أكثر من هذه العناية وهذا الانتباه.
أخذ يزورها. في بعض الأحيان كانت تتجاهله، فيغادر وهو يستشيط غضبًا. إلّا أنّه في اليوم التالي كانت تصله رسالةٌ مشبوبة العاطفة من جوزفين، فيهرع لرؤيتها. سرعان ما أصبح يمضي معظم وقته معها. إظهارها بين الحين والآخر للحزن، ونوبات غضبها وبكائها، لم تزد عن تعميق تعلّقه وارتباطه بها. في آذار من عام 1796، تزوّج نابوليون من جوزفين.
بعد يومين من الزفاف، غادر نابوليون ليقود حملةً في شمال إيطاليا ضد النمساويين. «أنت موضوع تفكيري الثابت،» كتب إلى زوجته من خارج البلاد. «مخيّلتي تضني نفسها في تخمين وحرز ما تفعلين.» رآه قادة جيشه مشتّت الانتباه: إذ كان يغادر الاجتماعات باكرًا، ويمضي ساعات في كتابة الرسائل، أو يحدّق في رسم جوزفين المُصغّر الذي ارتداه حول عنقه. كان قد وصل إلى هذه الحالة نتيجةً للبعد الذي لا يحتمل ما بينه وبين جوزفين ونتيجةً للبرود الطفيف الذي أخذ يستشعره عندها في ذلك الوقت- إذا كتبت بشكلٍ نادرٍ وغير منتظم، وافتقرت رسائلها إلى الشغف والعاطفة؛ ولم تنضم إليه في إيطاليا. كان عليه أن ينهي الحرب بسرعة، كي يستطيع أن يرجع إلى عندها. أخذ يرتكب الأخطاء نتيجةً لاشتباكه مع العدوّ بحماس غير عاديّ. «لأعش من أجل جوزفين!» كتب إليها. «أنا أعمل لأقترب منك؛ أقتل نفسي لأصل إليك.» أصبحت رسائله أكثر هيامًا وشهوانيّةً؛ كتب أحد أصدقاء جوزفين والذي رأى تلك الرسائل، «الكتابة بالكاد كانت تُقرأ، والكلمات رُسِمَت بشكلٍ مرتعش، والأسلوب كان غريبًا ومضطربًا.... يا له من موقعٍ بالنسبة إلى امرأة لتجد نفسها فيه- أن تكون القوة الدافعة وراء الزحف المنتصر لجيشٍ بأكمله.»
مضت أشهر ترجّى خلالها نابوليون جوزفين أن تأتي إلى إيطاليا إلّا أنّها انتحلت أعذارًا لا حصر لها. لكنها وافقت أخيرًا على المجيء، وغادرت من باريس نحو بريسيا، التي اتّخذها مركزًا للقيادة. ولكن مناوشةً للجيش حصلت على امتداد الطريق وأجبرتها على الانعطاف نحو ميلان. كان نابوليون في المعركة بعيدًا عن بريسيا؛ وعندما عاد ليجد أنها لاتزال غائبة، اعتبر أن خصمه (الجنرال ?ـورمسر) كان المسؤول عمّا حدث وأقسم على
..............................
ملاطفةً وحباً لرّبما أحبّها بونابرت بدرجة أقل.
- إيمبر دي سان- آمان. مُقْتَبَس في الإمبراطورة جوزفين: ساحرة نابليون، فيليب دابليو. سيرجان
هناك أيضًا وفي كل ليلة، على غير المطّلعين، / مخاطرة، ليست بالفعل مثل الحب أو الزواج، / لكن على الأقل لا يجب أن نقلّل من أهمّيتها:/ إنّها- قصدت وأقصد ألاّ أَذْمّ/ استعراض الفضيلة حتّى عند الفاسدين-/ إنه يضفي سموًّا خارجيًا على مشيتهم-/ لكن لنشجب الصّنف المزدوج الطبيعة من المومسات، اللون الزهري، الذي هو ليس بأبيض ولا قرمزي ولا قرمزي. / هكذا هو مغناجك البارد،


الانتقام. خلال الأشهر القليلة التالية بدا أنه يطارد هدفين وبنفس القوة: ?ـورمسر وجوزفين. زوجته لم تكن أبدًا حيثُ يُفْتَرَضُ بها أن تكون: «وصلتُ إلى ميلان، وهُرِعتُ إلى منزك بعد أن رميتُ كلّ شيء جانبًا لكي أتلقّفك بين ذراعيّ. لم تكوني هناك!» شعر نابوليون بالغضب والغيرة، لكنّه عندما حق بها أخيرًا، فإن أبسط مِنَاتها كانت تذيب قلبه. مضى معها في رحلاتٍ طويلة على متنِ عربةٍ مُعَتّمة، بينما كانت قادة جيشه يستشيطون غضبًا- إذ كان يتغيّب عن الاجتماعات، ويصدر الأوامر والاستراتيجيّات بشكلٍ ارتجاليّ. كتب إليها فيما بعد، «لم تكن امرأةً قط على هذه الدرجة من السيادة المطلقة على قلب رجل.» ومع ذلك فإن الوقت الذي أمضياه سويًّا كان قصيرًا جدًّا. خلال حملةً دامت حوالي السنة، فقد أمضى نابوليون مجرّد خمس عشرة ليلة مع عروسه الجديدة.
سمع نابوليون بعد اشاعات مفادها أنّ جوزفين كانت قد اتّخذت لنفسها عشيقًا عندما كان في إيطاليا. بَرُدَت مشاعره تجاهها، واتّخذ لنفسه سلسلةً لا تنتهي من العشيقات. ومع ذلك فإن جوزفين لم تعبأ حقيقةً بهذا التهديد لسطوتها على زوجها؛ قليلٌ من الدموع، وبعض التمثيل المسرحي، وقليلٌ من البرودة من جانبها، كفلوا أن يظلّ عبدها. في عام 1804، جعلها إمبراطورة مُتَوّجة، ولو ولدت له ابنً، لظلّت إمبراطورة حتّى النهاية. عندما استلقى نابوليون على فراش الموت، كانت آخر كلمةٍ تفوّه بها هي «جوزفين.».
خلال الثورة الفرنسية، كانت قاب قوسين أو أدنى من أن تخسر رأسها على المقصلة. تركتها التجربة دون أوهام، وأرست في ذهنها هدفين: أن تحيا حياةً من المتعة، وأن تجد الرجل الأقدر على تأمين هذه الحياة. وضعت أنظارها نُصبَ نابوليون منذ البداية. كان شابًّا ولديه مستقبلٌ لامع. تحت مظهره الهادئ، أحسّت جوزفين، بأنه كان عاطفيًّا بشدّة وعدوانيًّا، لكنّ هذا لم يُخِفها- إذ لم يُعد عن كشف ضعفه وقلّة شعوره بالأمان. كان من السهل استعباده. أولاً، كيّفت جوزفين نفسها وفقًا لطبعه ومزاجه، وسحرته بكياستها وحسنها الأنثوي، وطمأنته بدفءِ نظراتها وسلوكها. أراد أن يتملّكها. وبمجرّد ما أيقظت هذه الرغبة، فإنّ قوّتها كمُنت في تأجيل إشباعها، والتهرّب منه، وإحباطه وتخييبه. في الحقيقة فإن عذاب المطاردة
.................................
الذي لا يحس قول «لا،» / ولن يقول «نعم،» ويبقيك قرب اليابسة وفي عرض البحر/ على شاطئ تهبّ نحوه الريح. إلى أن تبدأ بالهبوب-/ ومن ثمّ ترى قلبك محطّمًا ومليئًا بالسخرية الذاتية.
هذا يصنع عالمًا من الحسرات والويلات والكوارث العاطفيّة، / ويرسل كلّ سنةِ كائناتٍ جديدة إلى الكفن/ لكنّه إلى الآن مجرّد غزلِ برئ، ليس زنى تمامًا، وإنّما غشّ.
- اللورد بايرون المعناج البارد هناك طريقة ليقدّم بها الشخص قضيّته وفي فعله هذا يتعامل مع الجمهور بأسلوبٍ هادئٍ ومُتّنازل لدرجة أنّهم سيلاحظون أن هذا الشخص لا يفعل هذا لإرضائهم. المبدأ يجب دائمًا أن يكون في ألاّ تعمل تنازلاتٍ


منح نابوليون لذّةً مازوشية. تاق لأن يُخضِعَ روحها المستقلّة، كما لو كانت عدوًّا في معركة.
الناس مشاكسون وفاسدون بشكل مُتأصّل. ففاحٌ سهل لديه قيمةٌ أدنى من واحد صعب؛ نحو نُثارُ فقط بما نُحرَمُ منه، بما لا نستطيع حيازته بشكل تام. قوّتك الأعظم في الإغواء هي قدرتك على أن تشيح بوجهك جانبًا وترفض، أن تجعل الآخرين يسعون وراءك، من خلال تأجيل إشباع رغباتهم وحاجاتهم. معظم الناس يخطئون التقدير والحسان ويستسلمون باكرًا جدًّا، خوفًا من أن يخسر الشخص الآخر الاهتمام، أو اعتقادًا منهم بأنّ إعطاء الآخر ما يريد أو تريد سوف يمنح المعطي نوعًا من القوة. الحقيقة هي النقيض من ذلك: بمجرّد ما تفي بمطالب ورغبات أحدهم، فإنك لن تتمتّع بعد ذلك بالأفضلية وإمكانيّة المبادرة، وستجعل من نفسك عرضةً لإمكانيّة أن يفقد أو تفقد الاهتمام لدى أبسط نزوة. تذكّر: الزّهو حاسمٌ في الحب. اجعل أهدافك خائفةً من أنذك قد تنسحب، من أنّك غير مهتمٍّ حقًا، وستوقظ شعورهم المتأصّل بعدم الأمان، وخوفهم من أنّهم أصبحوا أقلّ إثارةً لك بسبب معرفتك إيّاهم. هذه المشاعر بعدم الأمان تكون مدمّرة. ومن ثمّ، بمجرّد ما جعلتهم غير متأكّدين منك ومن أنفسهم، أَعِد إيقاظ أملهم، جاعلاً إيّاهم يشعرون بأنّهم مرغوبون مجدّدًا. ساخن وبارد- هكذا غنج يكون ممتعًا بشكل مناف للمنطق، إذ يُعمّق الاهتمام والولوع ويُبقيِ إمكانيّة المبادرة إلى جانبك. لا تُثَبّط بغضب هدفك؛ إنّه علامة أكيدة على الاستبعاد.
من تتوق للاحتفاظ بسطوتها لها أن تتلاعب بحبيبها.
- أو?ــيد
المغناج البارد
في العام 1952، بدأ الكاتب ترومان كابوت الذي لقي النجاح مؤخّرًا في الأوساط الأدبية والاجتماعية باستلام وابلِ من الرسائل على نحوٍ شبه

..............................
لأولئك الذين ليس لديهم شيء ليعطونه وإنّما للذين لديهم كل شَيءٍ ليكسبونه منّا. نستطيع أن ننتظر إلى أن يتوسّلوا وهم جاثون على ركبهم حتّى لو استغرق ذلك وقتًا طويلاً جدًّا.
- سيغموند فرويد وأتباعه لبول روزن عندما حان ميعادها، وضعت تلك الحوريّة الأكثر جمالاً ولدًا يستطيع المرء أن يعشقه حتّى وهو في مهده، وأسمته نارسيسيوس.... بلغ ولد سيفيسيوس سنته السادسة عشرة، وكان يمكن اعتباره صبّيًا ورجلاً في آنٍ معًا. وقع الكثير من الغلمات والفتيات في حبّه، لكنّ جسمه الناعم واليافع اختزن اعتدادًا عنيدًا لدرجة أنه لم يجرؤ أحدٌ من أولئك الصبية أو تلك الفتيات على لمسه.


يوميّ من شابَّ معجبِ يُدعى أندي وارهون الذي كان يزوّد مصمّمي الأحذية ومجلاّت الموضة والأشياء التي من هذا القبيل بالرسوم التوضيحيّة. عمِلَ وارهول رسوماتِ جميلةً ومبدعة كان قد أرسل بعضها إلى كابوت أملاً في أن يُضمنّنُها في أحد كتبه. لم يستجب كابوت. ذات يوم رجع إلى منزله ليجد وارهول وهو يتحدّث مع أمّه التي كانت كابوت يعيش معها. وبدأ وارهول يتّصل بشكلٍ شبه يوميّ. في النهاية وضع كابوت حدًّا لكلّ هذا: «يبدو واحدًا من أولئك الناس اليائسين الذين تعرف تمامًا أنّه لن يحصل شيءٌ لهم، مجرّد يائسٍ وخاسرٍ بالفطرة» قال الكاتب فيما بعد.
بعد عشر سنواتٍ من ذلك، حصل الفنّان الطامح آندي وارهول على أوّل عرضٍ منفرد له في معرض ستايبل للأعمال الفنية في مانهاتن. على الجدران كانت توجد سلسلة من الرسومات ذات الأرضية الحريرية والمشغولة على غرار علبة الحساء من نوع كامببل وزجاجة الكوكاكولا. لدى افتتاح الحقل ولدى نهايته، وقف وارهول جانبًا وهو يحدّق على نحو خالٍ من التعبير ومن دون أن يتحدّث كثيرًا. كم كان مختلفًا عن الجيل السابق من الفنانين، التعبيريّين التجريدييّن- الذين كانوا في المقام الأول فاسقين ومعاقرين للخمر مليئين بالتّبجَح والعدوان، ومُزايدين كانوا قد هيمنوا على المشهد الفني في الخمس عشرة سنة المنصرمة. وكم كان مغايرًا لوارهول الذي كان قد ضايق كابوت باستمرار، إضافةً إلى تجّار الفن ورعاته. النقّاد كانوا مُحَيّرين ومأسورين ببرودة عمل وارهول؛ لم يستطيعوا تصوّر كيفيّة شعور الفنان حيال موضوعات فنّه. ماذا كان موقعه؟ ماذا كان يحاول أن يقول؟ عندما كانوا يسألونه، كان يجيب ببساطة، «أنا أعمله فقط لأنّني أحبّه،» أو، «أحبُّ الحساء.» جمح المفسّرون في تفسيراتهم وتأويلاتهم: فكتب أحدهم «فنٍّ كفنّ وارهول هو طفيليِّ بالضرورة على أساطير عصره،» وكتب آخر، «القرار بألاّ تقرّر هو مفارقةٌ مساوية لفكرةٍ تعتبر عن لا شيء لكنّها تضفي عليه بعدًا بعد ذلك.» كان العرض نجاحًا كبيرًا رسّخ وارهول كرمزٍ متصدّرٍ في الاتجاه الجديد، الفن الشعبي (الذي دمج ما بين الثقافة الشعبية المعاصرة والإعلام وامتدّ ما بين خمسينات وسبعينات القرن الماضي: المترجم.)
في عام 1963، استأجر وارهول علّيّةً كبيرةً في مانهاتن أطلق عليها
.........................
ذات يوم، عندما كان يستدرج أيلاً خائفًا إلى شباكه، شوهِد من قبل تلك الحوريّة الكثيرةُ الكلام التي لا تستطيع البقاء صامتة عندما يتكلّم غيرها، لكن مع ذلك لم تتعلّم أن تبادر بالكلام. اسمها صدى، وتردّد الكلام دائمًا... • وهكذا عندما رأت نارسيسيوس يتجوّل عبر الرّيف الموحش، وقعت صدى في حبّه وتعقّبت خطواته في الخفاء. بقدر ما تبعته عن كثب بقدر ما أصبحت أقرب من النار التي حرقتها: تمامًا كما يضطّرم الكبريت، الذي يوضَع حول ذُرى المشاعل، بسرعة عندما يُقَرَّبُ منه اللهب. كم تمنّت أن تقوم بالمبادرات الإطرائية، أن تدنو منه بالالتماسات الرقيقة! • الصبي، بالصدفة، كان قد تاه بعيدًا عن زمرة رفاقه


اسم المصنع والتي سرعان ما أصبحت محورًا لحاشيةٍ كبيرة- الطفيليّين، الممثّلين، الفنّانين الطامحين. هنا وخاصّةً في الليل، كان وارهول يتجوّل، أو يقف في زاوية. الناس كانوا يتجمّعون من حوله، يناضلون من أجل اهتمامه، يمطرونه بالأسئلة؛ فيجيب بطريقته الملتبسة وغير الدالّة بوضوح على موقفه أو شعوره. لكن لم يستطع أحدٌ أن يدنو منه، جسديًّا أو معنويًّا؛ إذ لم يكن يسمح بهذا. في نفس الوقت، إذا مرّ بك دون أن يمنحك سلامة المعتاد: «آه، مرحبًا،» تكون قد دُمّرت. لم يلاحظك؛ لرّبما سيُستَغنى عنك وترحل.
نتيجةً لاهتمامه المتزايد بصناعة الأفلام، أخذ وارهول يُسند أدوارًا لأصدقائه في أفلامه. في الواقع كان يقدّم لهم نوعًا من الشهرة الفوريّة («الخمس عشرة دقيقة من الشهرة» الخاصّة بهم- والعبارة لوارهول). سرعان ما أصبح الناس يتزاحمون ويتنافسون من أجل الأدوار. هيّأ نساءً دون غيرهنّ من أجل النجوميّة: إدي سيدجويك، ?ـيـ?ـا، نيكو. مجرّد التواجد حوله يقدّم نوعًا من الشهرة بالمزاملة. المصنع أصبح محط الأنظار، وكانت نجماتٌ من أمثال جودي جارلند وتينيسي ويليامز يذهبن إلى الحفلات هناك حيث يختلطن ودون الرّسميّات المعتادة، مع سيدجويك، ?ـيـ?ـا، والشرائح البوهيمية الأدنى التي كان وارهول قد صادفها. بدأ الناس بإرسال سيّارات الليموزين لِتُقِلّه إلى حفلاتٍ من صنعهم؛ حضوره لوحده كان كافيًا ليحيل حدثًا اجتماعيًّا إلى مشهدٍ سينمائي- ومع ذلك فقد كان يشقُّ طريقه في صمت أو ما يقاربه، وهو منكفئٌ على نفسه ويغادر باكرًا.
في عام 1967، طُلِبَ من وارهول أن يُحاضر في عدّة جامعات. كان يكره الكلام وتحديدًا عن فنّه الخاص؛ فقد كان يشعر بأنّه «بقدر ما يكون الشَيء كاملاً، بقدر ما تكون الحاجة للتّكلّم عن قليلة.» لكنّ العرض كان سخيًّا من الناحية المادّية، ولطالما وجد وارهول صعوبةٍ في قولِ لا للمال. حلّه كان بسيطًا: من الممثّل آلن ميدجت أن ينتحل شخصه. ميدجت كان داكن الشعر، برونزيّ اللون، ونصف هندي أحمر. لم يكن يشبه وارهول بأدنى درجة. لكنّ وارهول وبعض الأصدقاء غطّوا وجهه بالبودرة، ورشّوا شعره البنّي باللون الفضّي، وأعطوه نظّاراتٍ داكنة، وألبسوه ثياب وارهول. نظرًا لأنّ ميدجت لم يكن يعرف شيئًا عن الفن، فقد جاءت أجوبته قصيرة
..................................
المخلصين، وصاح: «هل يوجد أحدٌ هنا؟» أجابت صدى: «هنا!» تستمر نارسيسيوس مشدوهًا وهو ينظر في جميع الاتّجاهات من حوله... نظر خلفه، فلمّا لم يّظهر أحد، صرخ ثانيةً: «لماذا تتجنّبينني؟» لكن كل ما سمعه كان صدى كلماته. ومع ذلك فقد أصرّ- كونه ضُلّلَ بما حسبه صوت شخص آخر- وقال، «تعالي إلى هنا، ودعينا نلتقي» أجابت صدى: «دعينا نلتقي!» ولم تُرجِع أبدًا بعدها أيّ صوت بهذه الرغبة وهذا الاستعداد. لتجعل كلماتها أوضح فقد خرجت من الغابة وهمّت برمي ذراعها حول العنق الذي أحبت: لكنّه فرّ منها وهو يصرخ: «إليك عنّي أنتِ وعناقاتك! أفضّل الموت على أن تلمسينني!» ... خُزِيَت وبالتالي


وملغّزة كأجوبة وارهول نفسه. لجح الانتحال. قد يكون وارهول رمزًا مشهورًا، لكن لم يعرفه أحد حق المعرفة، وبما أنّه غالبًا ما كان يرتدي نظّارات داكنة، فحتّى وجهه لم يكن مألوفًا بالتفاصيل. كان مستمعو المحاضرة بعيدين بما فيه الكفاية ليغتاظوا بفكرة حضوره، ولم يقترب أحدٌ بما فيه الكفاية ليكتشف الخدعة. لقد ظلّ محيّرًا.
من بداية حياته، كان اندي وارهول مبتليًا بمشاعر متصاربة: أراد الشهرة باستقتال، لكنّه كان بالشّكل الطبيعي سلبيًّا وخجولاً. قال وارهول: «لطالما عشتُ صراعًا، لأنني خجول ومع ذلك أود أن آخذ الكثير من المساحة الشخصية. أمي قالت لي دائمًا: لا تكن ملحاحًا، لكن دع الجميع يعرفون أنك موجد.» في البداية حاول وارهول أن يجعا نفسه أكثر توكيدًا واقتحامًا، مجهدًا نفسه كي يسترضى ويخطب الودّ. لكنّ هذا لم يكن ناجعًا. بعد عشر سنواتِ عقيمة تخلّى عن المحاولة وانكفأ لسلبيته الخاصّة- فقط عند ذلك اكتشف القوّة التي يستدعيها الانسحاب.
وارهول بدأ هذه المسرة (العمليّة) في أعماله الفنية، التي تغيّرت بشكل جذريٍّ ومفاجئ في بداية الستينات. فرسوماته الجديدة لعُلّب الحساء، والطوابع الخضراء، وصور أخرى معروفة على نطاقٍ واسع لم تصدمك بمعناها؛ في الواقع كان معناها محيّرًا بالكامل، الأمر الذي لم يؤدِّ إلّا إلى إبراز سحرها. كانت رسوماته تجتذبك بكونها مباشرةً، وبقوّتها المرئية وببرودها. بعد أن حوّر فنّه، قام وارهول أيضًا بتحوير نفسه: فأصبح، كلوحاته مجرّد سطح. مرّن نفسه على الانكفاء والصمت.
العالم مليءٌ بالناس الذين يحاولون، الذين يفرضون أنفسهم بطريقةٍ اقتحامية. قد يحرزون انتصاراتٍ مؤقّته، لكن كلّما طال تواجدهم، أراد الناس أن يدحضوهم ويفنّدوهم. لا يتركون أيّ مسافةٍ من حولهم، وبدون مسافة لا يمكن أن يكون هنالك إغواء. المغناجون الباردون يخلقون المسافة ببقائهم محيِّرين وبجعلهم الآخرين يسعون وراءهم. هدوؤهم يوحي بثقةٍ مطمئنة من المثير التّواجد بقربها، حتى لو لم تكن موجودةً حقًّا؛ صمتهم يجعلك ترغب بالتكلّم. اكتفاؤهم الذاتي وظهورهم على أنهم غير محتاجين للناس الآخرين، لا يؤدّي إلّا لجعلنا نرغب في عمل أشياءٍ لهم، ولأن نكون
................................
أخفقت نفسها في الغابات، مُخبئَةً وجهها المُمرّغ بالعار في ستر الأوراق، ومنذ ذلك اليوم تقطم في الكهوف المهجورة. ومع ذلك فإنّ حبّها له ظلّ مُتَجَذّرًا بقوّة في قلبها، وزاده ألمًا كونها رُفِضَت... • نارسيسيوس كان قد لعب بعواطفها، وعاملها كما كان قد عامل في السابق أرواح الماء والغابات الأخرى، وكذلك معجبيه من الذكور. ومن ثم رفع واحدٌ من أولئك الذين كان قد ازدراهم وسخر منهم يديه على السماء مصلّيًا: «يا ليته هو نفسه يقع بحب شخصٍ آخر، كما كنّا قد وقعنا في حبه! يا ليته أيضًا يكون عاجزًا عن الظفر بمحبوبه!» سمعة إلاهة الانتقام وأجابت دعاءه الصالح... • نارسيسيوس المُتَعب من الصيد في قيظ


متعطّشين لدنى علامات أو إيماءات الاعتراف والاستحسان. قد يكون التعامل مع المغناجين الباردين مثيرًا للغضب والجنون- فهم لا يكرِّسون أنفسهم لأحد، لكنهّم لا يقولون لا أبدًا، ولا يسمحون بالقرب أبدًا- إلّا أننا في أغلب الأحيان نجد أنفسنا وقد رجعنا إليهم، إذ أدمنَا الفتور الذي يظهروه. تذكّر: الإغواء هو عمليّة استدراج للناس وجعلهم يرغبون بمطاردتك وتملكك. اظهر على أنّك بعيدٌ ومتشامخ بعض الشيء وسيُجَنّ الناس في سعيهم لنيل حظوتك. البشر- كالطبيعة- يكرهون الخواء، والنّأْي (التباعد) العاطفي والصمت يجعلانهم يبذلون قصارى جهدهم لكي يملؤوا الفراغ بكلماتهم وحرارتهم الخاصة. ارجع خطوةً إلى الخلف مثل وارهول ودعهم يكافحون ويناضلون للحصول عليك.
النساء [النرجسيات] هنّ أكثر من يسحر ويفتن الرجال على الإطلاق... سحر الطفل يكمن ولحدُّ كبير في نرجسيّته واكتفائه الذاتي وعدم القدرة على بلوغه أو التأثير فيه أو الحصول عليه، تمامًا كسحر بعض الحيوانات التي تبدو أنها لا تكترث بنا، كالقطط.... الحال هو وكأنّنا نحسدهم على قدرتهم على الاحتفاظ بحالةٍ ذهنيةٍ سعيدة- حالة ليبيدو حصينة والتي كنا نحن أنفسنا قد تخلّينا عنها منذ ذلك الحين.
- سيغموند فرويد
المفاتيح إلى الشخصية
تبعًا للمفهوم الشعبي، فالمغناجون هم مغيظون ومستفزّون من الطراز الأول، خبراء في إيقاظ الرغبة من خلال مظهرٍ مثير أو سلوكٍ مُغري. لكن الجوهر الحقيقي للمغناجين هو في الواقع قدرتهم على احتجاز الناس عاطفيًّا، وإبقاء ضحاياهم في براثنهم طويلاً بعد دغدغة الرغبة الأولى. هذه هي المهارة التي تضعهم في مصافٌ المغوين الأكثر فاعليّة. قد يبدو نجاحهم شاذًّا وعرضيًّا بعض الشيء، بما أنهم مخلوقاتٌ باردة وبعيدة بشكلٍ أساسيّ؛ إذا
..............................
النهار، استلقى هنا [بجانب بركةٍ صافية]: فقد جذبه الربيع وجمال المكان. بينما كان يسعى لإطفاء عطشه، تنامى بداخله عطشٌ آخر، وبينما كان يشرب، انسحر بالانعكاس الجميل الذي رآه. وقع في حبّ أملٍ وهميّ، فحَسِبَ ما كان مجرّد صورةً منعكسة شخصًا حقيقيًّا. كونه سُحِرَ بذات نفسه، ظلّ هناك بلا حراك وفي عينيه تحديقةٌ ثابتةٌ، كتمثالٍ منحوتٍ من رخام جزيرة باروس... من دون قصدٍ أو وعي، رغب بنفسه مادّة أو موضوع استحسانه الخاص، في نفس الوقت كان القاصد والمقصود، هو نفسه أوقد اللهب الذي أحرقه. كم قبل ومن دون جدوى البركة الغزارة، كم غطّس يديه عميقًا في المياه، وهو يحاول أن يعانق


حدث وعرفت واحدًا منهم بشكل جيّد، فإنّك سوف تستشعر عنده أو عندها نواة عدم الارتباط وحبّ النفس. قد يبدو من المنطقي أنّك بمجرّد ما تصبح مدركًا لهذه الخاصيّة فإنّك سوف تميّز حقيقة تلاعبات المغناج وتفقد الاهتمام، إلّا أنّنا غالبًا ما نرى العكس من ذلك. بعد سنوات من ألعاب جوزفين المغناجيّة، فقد أصبح نابليون مدركًا بشكلٍ جيّد كم كانت متلاعبة. ومع ذلك فإن فاتح وقاهر الممالك هذا، هذا النزّاع إلى الشّك والساخر من الناس ودوافعهم، لم يستطع تركها.
لكي تفهم سطوة المغناج الفريدة، ينبغي عليك أوّلاً أن تفهم خاصّية جوهريّةً في الحب والرغبة: كلّما طاردت شخصًا ما بشكلٍ واضحٍ، كان تنفيرك لهم أمرًا أكثر ورودًا. الكثير من الاهتمام يمكن أن يكون مثيرًا لوهلة، لكن سرعان ما يزيد عن الحد المطلوب وفي النهاية يصبح خانقًا ومخيفًا. فهو مؤشّرٌ للضّعف والحاجة، اللذين يشكّلان مركّبًا منفّرًا. كم نرتكب هذا الخطأ عندما نعتقد أن حضورنا المتواصل هو شيءٌ مطمئن. لكنّ المغناجين لديهم فهمٌ متأصّل لهذه الديناميكيّة بالتحديد. كونهم سادة في الانسحاب الاختياري، فهم يُلمِعون إلى البرود، ويُغَيِّبون أنفسهم بين الحين والآخر ليبقوا ضحيّتهم متفاجئةً ومأسورة وفي حالة عدم توازن. انسحابهم وتراجعهم يجعلانهم غامضين، ويؤدّيان إلى تعظيمنا إيّاهم في مخيلتنا. (الألفة، من الناحية الأخرى، تقوِّض وتُضعف ما كنّا بنيناه). فترةٌ من البعد تُشاغِل العواصف على نحوٍ أعمق؛ وتجعلنا نشعر بعدم الأمان وليس بالغضب. لعلّهم لا يحبّوننا حقًّا، أو لربّما خسرنا اهتمامهم. بمجرّد ما يوضع غرورنا على المحكّ، فإنّنا نخضع للمغناج لنثبت وحسب أنّنا لا نزال مرغوبين. تذكّر: جوهر الإغواء لا يكمن في الإغاظة والإغراء وإنّما في خطوة الانسحاب اللاحقة، الانسحاب العاطفي. ذاك هو المفتاح لاستبعاد الرغبة.
كي تحظى بقوّة المغناج، عليك أن تفهم خاصّيَةً أخرى: النرجسيّة: وصّف سيغموند فرويد «المرأة النرجسيّة» (التي تكون مهووسةً في معظم الأحيان بمظهرها) كالنمط ذي الأثر الأعظم على الرجال. كأطفال، فَشَّر فرويد، فإنّنا نمرّ عبر مرحلةٍ نرجسيّة تكون ممتعةً بشكلٍ هائل. كوننا سعيدين باحتوائنا الذاتي وبانهماكنا بأنفسنا، فلا يكون لدينا حاجةٌ نفسيّةٌ للناس الآخرين إلّا بدرجة بسيطة. ومن ثمّ، ببطء، يتمُّ تكييفنا اجتماعيًّا ونُعَلَّمُ أن
........................
العنق الذي رآه! لكنّه لم يستطع أن يمسك بنفسه. لم يكن يعلم ما الذي كان ينظر إليه، لكنّ المشهد ألهب مشاعره، وأثاره نفس الوهم الذي خدع ناظريه. أيها الصبي الأحمق التّعس، لماذا تحاول عبثًا أن تمسك بالصورة العابرة المتلاشية التي تروغ منك؟ الشيء الذي تسعى وراءه غير موجود: فقد تلفّت جانبًا وستتخلّص مما تحب. ما تراه هو ليس سوى انعكاس صورتك؛ هو لا شيءٌ في حدّ ذاته. إنّه يجيء معك ويستمرُّ ما دمت أنت هناك؛ وسيذهب متى ذهبت، إذا ذهب تستطيع أن ... ? ألقى برأسه المُثقَل على العشب الأخضر، وأغلق الموت العينين اللتين أعْجِبَتا بجمال صاحبهما. حتّى في ذلك الحين، عندما استُقبِلَ في مقام الموتى، ظلّ ينظر إلى


ننتبه للآخرين- لكنّنا
استقلال الأنثى المغناج يشكّل أيضًا تحدّيًا للرجل- فهو يريد أن يكون الشخص الذي يجعلها تابعة، أن يُفَجِّرَ فقاعتها. لكنّ الأمر الأكثر ترجيحًا بكثير، على الرغم من ذلك، هو أن ينتهي به المطاف كعبدٍ لها، مانحًا إيّاها اهتمامًا متواصلاً حتى يظفر بحبّها، ويفشل. لأن المرأة النرجسيّة ليست محتاجة من الناحية العاطفيّة؛ فهي مكتفية ذاتيًّا. وهذا مغوٍ بشكلٍ مدهش. تقدير الذات جوهريٍّ في الإغواء. (موقفك تجاه نفسك يُقْرَأ من قبل الشخص الآخر بطرق غير واضحة وغير واعية.) التقدير المنخفض للنفس ينفّر، الثّقة والاكتفاء الذاتي يجذبان. بقدرِ ما تبدو محتاجًا للناس الآخرين بدرجةٍ أقل، بقدر ما يكون انجذاب الآخرين إليك أمرًا أكثر ترجيحيًا. افهم أهمّيّة هذا في جميع العلاقات وستجد أن قمع حاجتك أصبح أيسر وأسهل. لكن لا تخلط ما بين الانهماك الحصري بالنفس والنرجسية الإغوائية. التّكلم عن نفسك بدون توقّف هو غاية في التنفير واللا- إغواء، إذ لا ينمّ عن الاكتفاء الذاتي وإنّما عن عدم الثقة وعدم الشعور بالأمان.
تقليديًّا كان يُنظَر للمغناج على أنه أنثى، وبالتأكيد فإن هذه الاستراتيجيّة كانت لقرون واحدة من الأسلحة القليلة التي كان على النساء استخدامها كي يستعبدن رغبة الرجل. حيلة من حيل المغناج هي التّمتّع عن الاتّصال الجنسي، حيث نرى النساء يستخدمن هذه الخدعة عبر التاريخ: المخطيّة الفرنسية العظيمة من القرن السابع عشر نيون ديلانكو كانت مرغوبةً من كل الرجال البارزين في فرنسا، لكنها لم تحقّق سلطةً حقيقيّة إلّا عندما أوضحت أنها لن تعاود النوم مع أيّ رجلٍ كجزءٍ من واجبها. هذا دفع بمعجبيها إلى حافة اليأس والذي عرفت كيف تفاقمه من خلال تفضيل رجلٍ دون غيره بشكلٍ مؤقّت، مانحةً إيّاه إذنًا بالوصول إلى جسدها لبضعة أشهر، ثم تعيده إلى قطيع المحرومين. ملكة إنكلترا إليزابيث الأولى ذهبت بالغنج (المغناجيّة) إلى أقصاه حيث تعمّدت أن توقظ رغبات رجال بلاطها لكن دون أن تنام مع أيّ واحدٍ منهم.
..............................
نفسه في نهر الجحيم. أخواته، حوريّات الربيع، لدبنه، وقصّوا شعرهنّ تعبيرًا عن إجلالهنّ لأخيهم. حورّيات الغابة لدبنه أيضًا، وردّدت صدى اللازمة لندبهن. ? المحرقة، المشاعل والنعش، كان قد تمّ تحضيرهم، لكن جثّته لم تكن ليعثر عليها في أيّ مكان. بدلاً من جثّته، وجدوا زهرةً ذات دائرةٍ من البتلات البيض حول مركز أصفر.
- أو?ـيد، التّحوّلات، ترجمة ماري إم. إينّس
إنّ سقراط الذي ترى لديه ميلاً للوقوع في حبّ الشباب الوسيمين، وفي صحبتهم على الدوام وفي حالة نشوة حيالهم... لكن بمجرد ما تنظر تحت السطح فإنّك ستكتشف درجةً من


بعد أن كانت ولفترة طويلة وسيلةً للنفوذ الاجتماعيّ عند النساء، أخذت المغناجيّة تتَبَنّى وتُكيف من قبل الرجال، وبالتحديد مغوي القرنين السابع عشر والثامن عشر العظام الذين غبطوا سطوة نساءِ كهؤلاء. أحد مغوي القرن السابع عشر، دوق لوزان، كان أستاذًا في إثارة النساء، ثمّ وعلى نحوٍ مفاجئ يتصرّف بشكلٍ متحفّظ. تاقت النساء بشكلٍ جامح للحصول عليه. في يومنا هذا، الغنج مُتاحٌ للجنسين. في عالم يثني عن المواجهة المباشرة، تكون الإغاظة والبرود والتّحفّظ الانتقائي (الاختياري) شكلاً من القوّة غير المباشرة والتي تخفي بألمعيّة عدوانها الخاص.
المغناج يجب في المقام الأوّل أن يلفت انتباه الهدف. الجذب يمكن أن يكون جنسيًا إغراء الشهرة، أو أيّ شيء. في نفس الوقت، يرسل المغناج إشارات متناقضة من شأنها أن تولّد استجابات متناقضة، ممّا يدفع بالضحيّة نحو التشوش والارتباك. بطلة الرواية الفرنسية من القرن الثامن عشر للكاتب ماريـ?ـو والتي سُمِّيّت باسمها «ماريان» هي المغناج الكاملة. عندما كانت تذهب إلى الكنيسة كانت ترتدي بشكلٍ يدلّ على حسن الذوق، ولكن تترك شعرها غير مسرّح بعض الشيء. في منتصف الصلاة تبدو أنها لاحظت هذا الخطأ وتبدأ بإصلاحه، مظهرةً ذراعيها العاريتين أثناء قيامها بهذا- أشياءٌ كهذه لم تكن لتُرى في كنائس القرن الثامن عشر- فتتسمّر كل عيون الرجال عليها في تلك اللحظة. التوتّر يكون أقوى بكثير ممّا لو كانت في الخارج، أو ترتدي بشكلٍ سوقيٍّ ومزوّق. تذكّر: المغازلة الواضحة سوف تكشف عن نواياك بشكلٍ أوضح من اللازم. من الأفضل أن تكون غامضًا بل وحتّى متناقضًا، حيث تُخْبِط في نفس الوقت الذي تثير فيه.
القائد الروحي العظيم جيدو كريشنامورتي كان مغناجًا دون أن يدري. كونه كان مُوَقّرًا ومبجّلاً من قبل الثيوصوفيّين بوصفه «معلّمهم في الدنيا» (الثيوصوفيّة هي السعي إلى معرفة الله من طريق «الكشف الصوفي» والتأمل الفلسفي: المترجم)، فقد كان كريثنامورتي غندورًا أيضًا. أحبّ اللباس الأنيق وكان وسيمًا إلى حدٍّ بعيد. في نفس الوقت، نذر على نفسه ألاّ يتزوّج، وكان لديه رهابٌ من أن يُلْمَس. في عام 1929 صَعَق الثيوصوفيّين حول العالم بتصريحه أنه لم يكن إلهًا أو حتّى مرشدًا روحيًّا، وأنّه لم يعد يرى أيّ أتباع. هذا لم يزد عن جعل جاذبيّته أقوى: أعدادٌ كبيرة من النساء
......................
ضبط النفس بالكاد تستطيع أن تكون فكرةً عامةً عنها، سادتي... هو يمضي كل حياته بالادّعاء وباللعب بالناس، وأنا لا أعتقد أنّ أيّ أحدٍ كان قد لاحظ ولو مّرة الكنوز التي تُكْشَف عندما يصبح جدّيًا ويعرض ما يبقيه في الداخل. • ... إذا صدّقنا أنّه كان جادًّا بإعجابه بمفاتني، فأنا أعتقد أنّ قدرًا رائعًا من الحظّ قد حالفني؛ يتوجّب عليّ الآن أن أكون قادرًا، كمقابلٍ لخدماتي، على أن أكتشف كل ما يعرفه سقراط؛ لأنه يجب عليك أن تعرف أنه لم تعرف أنه لم يكن هنالك حد للفخر الذي شعرته حيال شكلي الحسن. مع هذه الخلاصة أرسلت خادمي بعيدًا، الذي إلى حدّ الآن لطالما كنت استبقيته معي في مواجهاتي مع سقراط، وتركت نفسي وحيدًا معه.


وقعن في حبّه، وأتباعه أصبحوا أكثر تكريسًا وتفانيًا من ذي قبل. جسديًّا ونفسيًّا، كان كريشنامورتي يرسل إشاراتٍ متناقضة. فبينما كان يعظ عن الحبّ والقبول ما بين الجميع، فإنّه كان يصدّ الناس بعيدًا عنه في حياته الشخصيّة. لرّبما تكون جاذبيته وهوسه بمظهره قد أكسبتاه الانتباه لكنّهما بحدّ ذاتهما ما كانا ليجعلا النساء تقعن في حبّه؛ دروسه في التّبتّل والفضيلة الروحيّة خلقت له أتباعًا وإنّما ما كانت لتخلق حبًّا مادّيًا. تراكب هذه النزعات، من ناحية ثانية، استدرج الناس وأحبطهم على حدٍّ سواء؛ شكّل هذه التراكب ديناميكيّة مغناجيّة كان من شأنها أن تخلق ارتباطًا عاطفيًّا ومادّيًا برجلٍ ينأى بنفسه عن أشياءٍ كهذه. انكفاؤه عن العالم كان لديه أثرٌ وحيد: زيادة وتعميق تفاني أتباعه.
الغنج يعتمد على تطوير نمطٍ لإبقاء الشخص الآخر في حالة عدم توازن. هذه الاستراتيجيّة فعّالة للغاية. فباختبارنا للمتعة لمرّة، فإنّنا نتوق لاستعادتها؛ وهكذا فالمغناج يقدّم لنا الملذّات، ثمّ يسحبها. تناوب الحرارة والبرودة هو النمط الأكثر شيوعًا، ولديه عدّة أشكال أو تنويعات. مغناج القرن الثامن الصينية يانغ كواي- فاي استبعدت كلّيًا الإمبراطور مينغ هوانغ من خلال نمطٍ من الكياسة والسخرية المُرّة: بعد أن تكون قد سحرته بلطفها، تنقلب غاضبةً بشكلٍ مفاجئ وتلومه بقسوة على أبسط غلط. كونه غير قادرٍ على أن يحيا بدون البهجة التي تقدّمها، فقد كان الإمبراطور يقلب البلاط رأسًا على عقب لكي يرضيها عندما كانت غاضبة أو منزعجة. كان لدموعها تأثيرٌ مشابه: يا ترى ما الذي كان قد ارتكبه، لماذا كانت حزينة لهذه الدرجة؟ دمّر نفسه ومملكته في آخر المطاف وهو يحاول إبقاءها سعيدة. الدموع، الغضب، وتوليد الشعور بالذنب جميعها أدوات المغناج. تظهر ديناميكيّة مشابهة في شجار العاشقين: عندما يتقاتل زوجان فيما بينهما، ثمّ يتصالحان، فإنّ مسرّات الصلح لا تؤدّي ألّا لجعل الارتباط والتّعلّق أقوى. الحزن من أيّ نوع من أيضًا مُغوٍ، وخاصّةً إذا بدا عميق الجذور أو حتّى روحانيًّا، وليس نابعًا عن احتياج أو مثيرًا للشفقة- إنه يجعل الناس تأتي إليك.
المغناجون ليسوا بغيورين قط- فذلك من شأنه أن يشوّه صورة الاكتفاء الذاتي الجوهري الذي عندهم. لكنّهم أساتذة في إثارة الغيرة: من خلال
.............................
يتوّجب عليّ أن أقول لكم الحقيقة بأكملها؛ أصغي جيّدًا، ووَبخني يا سقراط إذا كان أيٌّ شيءٍ مما أقوله لك كاذبًا. سمحت لنفسي بأن أكون لوحدي معه، أيّها السادة، وافترضت بطبيعة الحال أنه سيباشر محادثةً من النوع الذي يخاطب به المحِبّ محبوبه عندما يكونان على انفراد، وكنا سعيدًا، إذا لم يحدث شيءٌ من هذا القبيل. أمضى اليوم معي وهو يتحادث معي بطريقة اعتياديّة، ومن ثم تركني ومضى بعيدًا. دعوته لاحقًا ليتمرّن معي في حجرة الرياضة، معتقدًا أنّني سأنجح في غايتي معه الآن. تمرّن وصارعني بشكلٍ متكرّر، دون أن يكون هناك أيُّ شخصٍ آخر، لكنّني بالكاد أحتاج لأن أقول أنّني لم أكن أقرب إلى غايتي.


الانتباه لطرفٍ ثالث- خلق مثلّثٍ من الرغبة- يشيرون لضحاياهم بأنّهم قد لا يكونوا مهتمّين بهم للدرجة التي يحسبونها. هذا التّثليث مغوٍ للغاية، في الأوساط الاجتماعيّة كما الشهوانيّة. كونه كان مهتمًّا بالنساء النرجسيّات، فإنّ فرويد كان هو نفسه نرجسيًّا وتحفّظه (نأيه) دفع بأتباعه ومريديه إلى حافّة الجنون به. (بل وأطلقوا اسمًا على سلوكه هذا «عقدة أو مركّب الإله».) فقد كان يتصرّف كالمخلّص المنتظر، إذا كان يأنف من ويترفّع عن العواطف التافهة والضعيفة، وحافظ دائمًا على مسافةٍ ما بينه وبين طلاّبه، فتقريبًا لم يدعُهم ولا مرّة إلى العشاء على سبيل المثال، وأبقى حياته الخاصّة محاطةً بالغموض. ومع ذلك فقد كان يختار بين الحين والآخر مساعدًا ليثق به ويأتمنه على مسائله الشخصيّة- كارل يونغ، أوتو رانك، لو آندرياس- سالوم. النتيجة كانت أنّ أتباعه راحوا يحاولون بطريقةٍ مسعورة نيل حظوته وأن يكونوا ذلك الواحد الذي يختاره. غيرتهم نتيجةً لتفضيله فجأةً لواحدٍ منهم دون غيره لم تؤدّ إلّا لزيادة سطوته عليهم. مكامن اللاأمان الطبيعيّة أو الاعتياديّة عند الناس تزداد وضوحًا وعمقًا في الترتيبات الجمعيّة؛ من خلال الحفاظ على مسافة فاصلة وسلوكٍ متحفّظ، فإنّ المغناجين يجعلون غيرهم ينخرط في مسابقة لنيل حظوتهم. إذا كانت القدرة على استخدام أطراف ثالثة لجعل الأهداف تغار هي مهارة إغوائية أساسيّة، فقد كان سيغموند فرويد مغناجًا عظيمًا.
القادة السياسيين تهايؤوا مع كل تكتيكات المغناج وذلك لكي يجعلوا العامة تقع في حبذهم. فبينما كانوا يثيرون الجماهير، فإن هؤلاء القادة كانوا يظلّون غير مرتبطين ولا متعلّقين من الناحية (الوجدانيّة)، ممّا أبقى زمام السيطرة في يدهم. حتّى أنّ العالم السياسي روبرتو مايكلز أشار لهؤلاء السياسيّين بالمغناجين الباردين. لعب نابليون دور المغناج مع الفرنسييّن: بعد أن جعلته الانتصارات الكبيرة للحملة الإيطاليّة بطلاً محبوبًا، غادر فرنسا ليحتلّ مصر، عارفًا أنّه في غيابه ستتداعى الحكومة وتسقط، وسيتعطّش الناس لرجوعه، وسيشكّل جبّهم القاعدة لتوسيع نفوذه وسلطانه. بعد أن يثير الجماهير بخطاب استنهاضيّ، كان ماوتسي تونغ يختفي عن الأنظار لأيّام متواصلة، جاعلاً من نفسه موضوعًا لتقديسٍ طقوسيّ. ولم يكن أحدٌ مغناجًا
..................................
كوني وجودت أنّ هذا لم يجد نفعًا أيضًا، فقد قرّرت أن أنقضّ عليه بشكلٍ مباش، وألاّ أستسلم دون ما كنت قد أخذته على عاتقي ذات مرّة؛ شعرت أنّه ينبغي عليّ أن أصل إلى صلب الموضوع. لذا دعوته لأن يتعشّى معي، مُتَصَرِّفًا تمامًا كعاشقٍ لديه مخطّطات تجاه محبوبه. لم يكن مستعجلاً لقبول الدعوة، لكنّه أخيرًا وافق على تلبيتها. في أوّل مرّةٍ يأتي فيها همّ بالذهاب مباشرةً بعد العشاء، وفي تلك المناسبة كنت خجلاً وتركته يذهب. لكنّني عاودت الهجوم، وفي هذه المرّة شاغلته بمحادثة بعد العشاء امتدّت حتّى الليل، وعندها، عندما أراد الرحيل، أجبرته على البقاء، بحجّة أنّ الوقت كان متأخّرًا جدًّا للرحيل. ? لذا عمد إلى النوم بجانبي،






أكثر من قائد يوغوسلا?ـيا جوزيف تيتو، الذي ناوب ما بين البعد عن الجماهير والتماهي العاطفي معهم. كل هؤلاء القادة السياسيّين كانوا نرجسيّين بلا منازع. في أوقات المحن، عندما يشعر باللاأمان، فإنّ تأثير ذلك الغنج السياسي يكون أكثر قوةً حتّى. من المهم الإدراك أنّ الغنج يكون شديد الفعّالية وعظيم الأثر على الجماعة، إذ يثير الغيرة والحبّ والتفاني الشديد. إذا أردت أن تلعب هذا الدور مع جماعة، فتذكّر أن تحافظ على مسافةٍ عاطفيّة ومادّية. هذا سوف يسمح لك بأن تبكي وتضحك عند الطلب، وأن تُظْهِرَ الاكتفاء الذاتي، وبمثل هكذا انفصال وتَحلُّل ستكون قادرًا على أن تعزف على أوتار الناس العاطفيّة كالبيانو.
الرمز: الظل.
لا يمكن الإمساك به. طارد ظلّك وسوف يفرّ؛ أّدِر له ظهرك وسوف يلحق بك. إنّه أيضًا الجانب المظلم من الأشخاص، الشيء الذي يجعلهم غامضين. بعد أن يكونوا قد قدمّوا لنا المتعة، فإنّ ظلّ انسحابهم يجعلنا نتوق لعودتهم، الأمر الذي يشابه إلى حدٍّ بعيد الغيوم التي تجعلنا نتوق للشمس.
...........................
مستخدمًا الأريكة التي استلقى عليها بعد العشاء كسرير، حيث لم يكن هناك أحدٌ سوانا في الغرفة. ? ... أقسم بجميع آلهة السماء أنّه لم يحدث شيءٌ بيننا، وكأنّي كنت نائمًا مع أبي أو أخي الأكبر. ? كيف تتصوّر حالتي الذهنيّة بعد ذلك؟ من ناحية شعرتُ أنّه قد اسْتخِفّ بي، لكن من الناحية الأخرى شعرت بالإجلال لشخص سقراط، ضبطه لنفسه وشجاعته... النتيجة كانت أنّه لم أستطع أن أحمل نفسي على أن أغضب منه فأقتلع نفسي من عشرته، ولا أن أجد طريقةُ لأخضعه لإرادتي... أُرْبِكتُ بشكلٍ تامّ، وتُهتُ في حالةٍ من العبوديّة للرّجل الذي لم يُعرَف له مثيل. – ألسيبيادز، مٌقتَبَس في الندوة، أفلاطون


المخاطر
المغناجون يواجهون خطرًا واضحًا: فهم يلعبون بعواطف متفجّرة. ففي كلّ مرّة يتأرجح بها البندول، يتحوّل الحب إلى كره. لذلك يتوجّب عليهم أن ينسّقوا يتأرجح بها البندول، يتحوّل الحب إلى كره. لذلك يتوجّب عليهم أن ينسّقوا كلّ شيءٍ بعناية بحيث يحقّقون أقصى ما يمكن من التأثير. فلا يجوز لغياباتهم أن تكون أطول من اللازم، ويجب أن تُتبَع نوبات غضبهم وبسرعة بالابتسامات. والمغناجون بإمكانهم أن يبقوا ضحاياهم محتجِزين عاطفيًّا أو واقعين في شركٍ عاطفيّ لمدّة طويلة، لكن عبر الأشهر أو السنين فإن هذه الديناميكيّة بإمكانها أن تتكشّف عن كونها مُتعِبة ومُضجِرة. جيانغ كينغ التي عُرِفَت لاحقًا باسم المدام ماو، استخدمت مهاراتٍ مغناجيّة لتأسر قلب ماو تسي تونغ، لكن بعد عشر سنوات فإنّ الشجار والدموع والفتور صاروا مُزعجين ومُغضبين بشكلٍ شديد، وبمجرّد ما بيّن أن السخط والانزعاج أقوى من الحب، كان ماو قادرًا على التّحرّر والتّحلّل. جوزفين التي كانت على جانبٍ أكبر من الألمعيّة في الغنج، كانت قادرةٌ على التكيّف والتهايؤ، من خلال إمضاء سنة كاملة دون أن تلعب دور المتظاهر بالخجل أو تتهرّب من نابليون. التوقيت هو كل شيء. من جهةٍ أخرى، وعلى الرغم من ذلك، فإنّ المغناج يحرّك عواطف قويّة، وغالبًا ما يتبيّن أنّ الخصامات تكون مؤقّتة. المغناج يسبّب الإدمان: بعد أن فشل ماو في الخطّة الاجتماعيّة وأطلق الطفرة الكبرى إلى الأمام، كانت المدام ماو قادرةً على إعادة تأسيس وتوطيد سطوتها على زوجها المحطّم.
يستطيع المغناج البارد أن يحرّض كرهًا عميقًا على نحوٍ خاص. ?ـاليري سولانَس كانت امرأةً شابّة وقعت تحت سحر آندي وارهول. كانت قد كتبت مسرحيّةً نالت استحسانه، وأُعْطِيَت الانطباع بأنّه من الممكن أن يحوّلها إلى فيلم. تخيّلت أنّها ستصبح نجمةً. وكذلك انخرطت بالحركة النسائية، وعندما، في حزيران من عام 1968، توضّح لديها أن وارهول كان يلعب بها، صبّت نحوه كل غضبها المتنامي على الرّجال وأطلقت عليه النار ثلاثًا، فكادت أنر ترديه قتيلاً. المغناجون الباردون يمكن أن يثيروا مشاعر ليست جنسيّة بقدر ما هي عقلانيّة، شغفٌ أقل وانهارٌ أكبر. الكره الذي
..................................
غياب، رفض دعوة للعشاء، قسوة غير مُتعَمّدة وغير واعية تفيد أكثر من كل مستحضرات التجميل والثياب الأنيقة في العالم. – مارسيل براوست المغناجات تعلمن كيفيّة الإرضاء وليس كيفيّة الحبّ، وذلك هو سبب حبّ الرّجال لهنّ لهذه الدرجة. –بيير ماريـ?ـو الأنانية هي واحدة من الخصائص الجديرة بإلهام الحبّ – ناثانل هاوثورن







بإمكانهم أن يحرّكوه هو أكثر غدرًا وخطورةً، لأنه لا يمكن موازنته بحبٍّ عميق. عليهم أن يدركوا حدود اللعبة، والآثار المقلقة التي يمكن أن يجلبوها على الناس الأقل استقرارًا.


الساحر
الفتنة أو السحر هو إغواء دون جنس. الفاتنون هم متلاعبون من الطراز الأول، يقنّعون ذكاءهم من خلال خلق مزاج من المتعة والراحة. طريقتهم بسيطة: يحرفون الانتباه عن أنفسهم ويركزونه على هدفهم. يتفهمون شخصك، يحسون بألمك، ويتلاءمون مع طباعك وأمزجتك. في حضور الساحر أو الفاتن أنت تشعر بشعورٍ أفضل حيال نفسك. الساحرون لا يجادلون أو يقاتلون، يتذمّرون، أو يُضايِقون- ما الذي يسعه أكثر إغوائيّةً؟ هم يجعلونك معتمدًا عليهم من خلال اجتذابهم إيَاك بواسطة تساهلهم، فيتنامى سلطانهم.
تعلم أن ترمي بتعويذة الساحر من خلال استهداف نقطة الضعف الرئيسة لدى الناس: الغرور والخيلاء واحترام الذات.


فن السحر
الجنسانيّة هي شيءٌ في غاية التعطيل والفوضى. المشاعر ومواطن اللاأمان التي تثيرها غالبًا ما تؤدّي إلى بتر علاقةٍ كان من شأنها أن تكون أعمق وأكثر ديمومةً لولا الجنس. حل الساحر أو الفاتن هو أن يفي بأوجه الجنسانيّة التي تكون غايةً في الإغراء وتسبيب الإدمان- الاهتمام المركّز، تقدير الذات المعزّز، التودّد الممتع، التفهّم (حقيقيًّا كان أم وهميًّا) - لكن من دون الجنس بحدّ ذاته. ليس الأمر هو أنّ الساحر يكبت أو يعوق الجنسانيّة؛ فالإغاظة الجنسيّة وإمكانيّة الجنس تترصّدان تحت سطح كلٌ محاولةٍ للسحر. السحر أو الفتنة لا يمكن أن يوجد دون مسحةٍ من التوتّر الجنسي. لكنّه لا يمكن أن يستمر، من ناحية أخرى، إلّا إذا أُبقِيَ الجنس على مبعدة أو في الخلفيّة.
كلمة «السحر» تأتي من أغنية كارمن اللاتينيّة التي لم تكن أغنيةً وحسب وإنّما رُقيَةً لإلقاء تعويذةٍ سحريّ. الساحر يفهم هذا التاريخ بشكلٍ ضمنيّ، فهو يرمي بالتعويذة من خلال إعطاء الناس شيئًا يشدُّ انتباههم ويبهرهم. والسر وراء أسر اهتمام الناس، بينما تكون قوى المنطق لديهم مُضَعَّفة، يكون باستهداف الأشياء التي تكون سيطرتهم عليها أقل ما يمكن: الأنا الخاص بهم، زهوّهم، وتقديرهم لأنفسهم. كما قال بنجامين دزرائيلّي: «تحدّث إلى رجلٍ عن نفسه وسيستمع لساعات.» لا بجوز أن تكون الاستراتيجيّة واضحةً أبدًا؛ المداورة هي الساحر العظمى. إذا كنّا نريد الحؤول دون أن يتبيّن الهدف حقيقة جهود الساحر، ودون أن يتنامى لديه الارتياب، أو حتّى يملّ من الاهتمام، فلا بدّ من اللمسة الخفيفة. الساحر هو مثل حزمةٍ من الضوء التي لا تعمل على الهدف مباشرةً وإنّما ترمي عليه بضياءٍ سارًّ منتشرٍ.
..........................
العصافير تنشدّ نحو المزامير التي تحاكي أصواتها الخاصّة، والرجال نحو تلك الأقوال التي تكون منسجمةً كأكثر ما يكون الانسجام مع آرائهم الخاصّة.
- سامويل بتلر إذا سايرت الغصن، فستحنيه؛ أمّا إذا استخدمت القوّة الوحشيّة، فسوف ينكسر. / امشِ مع
السحر يمكن تطبيقه على المجموعة كما على الفرد: فالقائد يستطيع أن يسحر العامّة. الديناميكية أو الحركيّة مشابهة. ما يتلو هي قوانين السحر المختارة من قصص أنجح الساحرين في التاريخ.
اجعل هدفك مركز الاهتمام. الساحرون يتلاشون ويبهتون في الخلفيّة؛ حيث تبح أهدافهم موضوع اهتمامهم. لتكون ساحرًا عليك أن تتعلّم الاستماع والمراقبة. دع أهدافك تتكلّم، حتّى يُفصحوا عن أنفسهم خلال عمليّة التكلّم. أثناء اكتشافك للمزيد عنهم- نقاط قوّتهم، والأهم من ذلك نقاط ضعفهم- فإنّك تستطيع أن تخصّص وتكيّف اهتمامك، فتخاطب رغباتهم وحاجاتهم بالتحديد، وتُفصّل إطراءاتك على قياس مكامن اللاأمان لديهم. من خلال التهايؤ مع مزاجهم والتفهّم والتماهي العاطفيّين مع محنهم وأسباب بلواهم، تستطيع أن تجعلهم يشعرون بأنّهم أكبر وأفضل، مضفيًا الشرعيّة على إحساسهم بالقيمة الذاتيّة. اجعلهم نجم السهرة وسيصبحون مدمنين ومعتمدين عليك. على مستوى الجماهير، اعمل ايماءات من التضحية بالذات (مهما كانت مزيّفة) لتُرى العامّة أنّك تشاطرهم ألمهم وأنّك تعمل لصالحهم الصالح بوصفه الشكل الجماهيري من الغرور والأنانية.
كن مصدرًا للمتعة والبهجة. لا يريد أحدٌ أن يستمتع لمشاكلك ومتاعبك. استمع إلى تشكّيات أهدافك، لكن الأهم من ذلك، ألههم عن مشاكلهم من خلال منحهم المتعة واللذة. (افعل هذا بشكلٍ متكرّرٍ بما فيه الكفاية وسيقعون تحت سحرك) دائمًا ما تكون خفّة الظلِّ والمرح أكثر سحرًا من الجدّية والانتقاد. حضورٌ مفعمٌ بالنشاط هو بطريقة مماثلة أكثر سحرًا من البلادة والكسل، اللذين يحملان بذور الملل، المحظور الاجتماعي الشنيع؛ الأناقة والترف سيسودان على السوقيّة والفظاظة، بما أنّ معظم الناس يحبّون أن يقرنوا أنفسهم بأيّ شيءٍ يعتقدون أنّه سام وذو ثقافةٍ وتهذيب. في السياسة، قدّم الوهم والأسطورة عوضًا عن الحقيقة. تحدّث عن قضايا أخلاقيّة كبرى بدلاً من أن تطلب من الناس التضحية من أجل الخير الأكبر. مناشدةٌ تجعل الناس يشعرون بشعورٍ جيّد سوف تُتّرجَم إلى أصواتٍ وسلطة.
حوّل الخصومة والتنافر إلى انسجام وتناغم: البلاط هو مرجلٌ
..............................
التيّار: تلك هي طريقة السباحة عبر النهر-/ النضال عمس التيار لن يجدي نفعًا. ارفق بالنمور إذا كانت غايتك أن تروّضها؛ / الثّور يتعوّد على المحراث بالتدريج .... / لذا كن ليّنًا إذا أظْهَرَت هي المقاومة:/ بتلك الطريقة ستنتصر في النهاية. ليس عليك سوى أن تتأكّد من أنّك ستلعب/ الدور الذي ستخصّصه لك. استهجن ما تستهجنه، / صادق على ما تصادق عليه، ردّد كل كلمة من كلماتها، / صحيحةً كانت أم خاطئة، واضحك وقتما تضحك؛ تذكّر، / إذا انتَحَبَت، انتحب أنت أيضًا: خذ أدلّتك/ من جميع تعابيرها. فلنقل أنّها تلعب طاولة النرد، / عندها ارمِ به دون اكتراث، حرّك/ جميع قطعك بشكلٍ


للامتعاض والحسد، حيث يمكن أن تستحيل مرارة شخصٍ مُتَفَكّر ككاسيوس (كاسيوس قائد روماني تآمر لاغتيال يوليوس قيصر بعد أن كان ممثّلاً له: المترجم) بسرعة إلى مؤامرة. الساحر يعلم كيف بلطّف من الصراع. لا تُثرْ أبدًا عداوات يَثبت أنّها منيعةٌ لسحرك؛ في مواجهة العدوانتيين، تراجع، دعهم يحوزون انتصارات صغيرة. اللين والتساهل سيثنيان أيّ أَعداءٍ محتملين عن القتال وذلك عن طريق السحر والفتنة. إيّاك وانتقاد الناس صراحةً- فذلك سوف يشعرهم بعدم الأمان، ويجعلهم مقاومين للتغيير. اغرس الأفكار ودسّ بالإيحاءات. لن يلاحظ الناس قوّتك المتنامية كونهم قد
هَدْهِدْ ضحاياك إلى الطمأنينة والراحة. السحر شبيةٌ بالخدعة التي يقوم بها المنوّم مغناطيسيًّا باستخدام الساعة المتأرجحة. كلّما كان الهدف مرتاحًا أكثر، سَهُلَ توجيهه نحو إرادتك. المفتاح لجعل ضحاياك يشعرون بالراحة يكون من خلال جعل نفسك مرآةً لهم. اظهر على أنّك تشاطرهم قيمهم وأذواقهم، وتفهم أمزجتهم، وسوف يقعون تحت سحرك. هذا يفعل مفعوله بشكلٍ خاص إذا كنت دخيلاً: دخيلاً: إظهار أنّك تشاطر قيم المجموعة أو البلد الذي اخترت (قد تعلّمت لغتهم، وتفضّل أعرافهم وعاداتهم، إلخ.) هو شيءٌ ساحرٌ بشكلٍ هائل، بما أنّ هذا التفضيل بالنسبة إليك هو خيار وليس مسألة ولادة. إيّاك أن تكون مزعجًا أو ملحًّا أكثر مما ينبغي- هذه الخصائص غير الساحرة سوف تقلق الراحة التي تحتاجها لإلقاء تعويذتك.
أظهر الهدوء وتمالك النفس في مواجهة الشدائد والمحن. والعقبات في واقع الحال الترتيبة المثلى للسحر. إنّ عرض مظهرٍ خارجيّ هادئَ ورابطٍ للجأش في وجه الضرّاء يحرّر الناس من القلق والهم. أنت تبدو صبورًا. وكأنّك تنتظر القدر ليمنحك ورقةً أفضل- أو كأنّك واثقٌ من قدرتك على سحر الأقدار بحدّ ذاتها. إيّاك وإظهار العضب، سوء الطباع، أو حبّ الانتقام، والتي هي جميعها عواطف من شأنها أن تجعل الناس دفاعيّين. في السياسة التي هي على مستوى المجموعات الكبرى، كن مرحّبًا
.............................
خاطئ.. / لا تحرن إزاء مهمّةِ وضيعة كحمل/ مرآتها: أكانت وضيعةً أم لا، فإنّ هكذا انتباه يُسِرَ....
- أ?ـيد، في الحب، ترجمة بيتر غرين
دُعِيَ دزرائيلّي إلى العشاء، فقدم ببنطالٍ مخمليٍّ أخضر، مع صدريّة ذات لون أصفر فاتح، حذاءٍ ذا أزرار، وأطراف أكمامٍ ذات أشرطة. في بادئ الأمر تبيّن أنّ مظهره كان مزعجًا، لكن عند مغادرة المائدة علّق المدعوّون أنّ المتحدّث الأظرف في حفلة الغداء كان الرجل الصدريّة الصفراء. كان بنجامين قد أحرز تحسّنًا كبيرًا في المحادثة الاجتماعية منذ أيام حفلات عشاء آل مورّاي. كونه كان مخلصًا


بالشدائد والمحن كفرصةٍ لإظهار الخصائص الساحرة للشهامة ورباطة الجأش دع الآخرين يرتكبون ويهتاجون وينزعجون- سيرتدّ التباين إلى صالحك. إيّاك والنحيب، إيّاك والتذمّر، إيّاك أن تحاول تبرير نفسك.
اجعل نفسك ذا نفع وفائدة. إذا فعلت هذا بشكلٍ حاذقٍ، فستكون قدرتك على تعزيز حياة الآخرين غايةٌ في الإغواء. سيتبيّن أن مهاراتك الاجتماعيّة مهمّة في هذا المضمار. خلق شبكة واسعة من الحلفاء سيمنحك القدرة على ربط الناس ببعضهم البعض، ما سيجعلهم يشعرون أنه من خلال معرفتك سيكون باستطاعتهم جعل حياتهم أسهل. هذا شيءٌ لا يستطيع أحدٌ مقاومته. متابعة العمل حتى الإنجاز هو المفتاح: الكثير من الناس يستطيعون أن يسحروا من خلال وعدهم للشخص بأشياء عظيمة- عملٌ أفضل، صلةٌ جديدة، معروفٌ كبير- لكنّهم إذا لا يفون بوعودهم فإنّهم سيصنعون أعداءً بدلاً من الأصدقاء. أيٌّ واحد يستطيع أن يَعِد؛ فالشيء الذي يميّزك، ويجعلك ساحرًا، هو قدرتك على الوصول إلى الختام، أن تتبع وعدك بفعلٍ محدّد. إذا قدّم لك أحدهم معروفًا، من الناحية الأخرى، فأظهر عرفانك بالجميل بشكلٍ حقيقيٍّ ومحدّد. في عالمٍ من الخداع والوهم، فإنّ الفعل الحقيقي والمساعدة الصادقة لعلّهما يكونان السحر المطلق.
أمثلة عن الساحرين
/. في البداية العقد الثامن من القرن التاسع عشر، كان ?ـيكتوريا (ملكة بريطانيا) قد انحدرت إلى نقطةٍ بائسةٍ من حياتها. فقد مات زوجها المحبوب، الأمير ألبرت، في عام 1861، تاركًا إيّاها مفجوعةً وفي حالةٍ أسوأ من الأسى والحزن. كانت تعتمد على نصيحته في جميع قراراتها؛ إذ كانت أقلّ تعليمًا وخبرةً بكثير من أن تفعل خلاف ذلك، أو هذا ما كان الجميع قد دفعها إلى الشعور به. في الواقع، بموت ألبرت، صارت تضيق ذرعًا بالمناقشات والقضايا السياسية لدرجة البكاء، الآن أخذت ?ـيكتوريا تنسحب بالتدريج وتتوارى عن أعين العامّة. كنتيجةٍ لذلك أصبحت الملكة أقلّ شعبية وبالتالي أقلّ قوةً ونفوذًا.
........................................
لطريقته، فقد دوّن الملاحظات التالية: «لا تتكلّم كثيرًا في الوقت الحاضر؛ لا تحاول التكلّم. لكن عندما تتكلّم، تكلّم وأنت مالكٌ لنفسك تكلّم بنبرة مُلَطّفة، ودائمًا انظر إلى الشخص الذي تخاطب. قبل أن يستطيع شخصٌ ما الانخراط في محادثةٍ عامّة ذات أيّ تأثير، فلا بدّ أن يكون هناك اطّلاعٌ على مواضيع عبثية ولكن مسلّية والتي يجب أن تتَناول أوّلاً. سرعان ما ستفهم بشكلٍ كافٍ من خلال الاستماع والمراقبة. إيّاك والجدل. في المجتمع لا شيء يجب أن يُناقَش؛ أَعطِ نتائج وحسب. إذا اختلفت معك أيّ شخص، انحنِ وغيّر الموضوع. في المجتمع إيّاك والتفكير؛ كن مراقبًا على الدوام، وإلاّ ستُضَيّع العديد من


في عام 1874، استلم الحزب المحافظ زمام السلطة، فأصبح زعيمه، بنجامين دزرائيلّي البالغ من العمر سبعين عامًا، رئيس الوزراء. كان البروتوكول الناظم لتبؤّه مقعده يقتضي بأن يذهب إلى القصر ليلتقي في اجتماع خاص بالملكة، التي كانت في الخامسة والخمسين من العمر في ذلك الوقت. لم يكن من الممكن تخيّل وجود اثنين يُستَبعَد حدوث زمالةٍ أو صداقةٍ بينهما أكثر من هذين الاثنين: دزرائيلي، الذي كان يهوديًّا بالولادة، كان داكن البشرة وذا ملامح غريبة بالقياس إلى المعايير الإنكليزيّة؛ كان غندورًا في شبابه، ثيابه كانت تنحو للزخرفة الزائدة، وكان قد كتب رواياتٍ رائجة ذات أسلوبٍ رومانسيّ أو حتى قوطيّ. الملكة، من الناحية الأخرى، كانت صارمةً ومُتَصلِّبَةً، رسميّةً في السلوك وبسيطةٌ في الذوق. لكي يرضيها، نُصِحَ دزرائيلّي، بأنّه يجب أن يضبط أناقته العفويّة؛ لكنّه تجاهل كل ما قاله له الجميع وظهر أمامها كأميرٍ شهمٍ ونبيل، راكعًا أمامها على ركبةٍ واحدة، آخذًا يدها ومقتلاً إيّاها وهو يقول: «أتعهّد بالإخلاص لأكرم السيدات.» تعهّد دزرائيلّي بأن عمله الآن سيكون لتحقيق أحلام ?ـيكتوريا. مجّد صفاتها بكثير من الرياء لدرجة أنّها احمرّت خجلاً؛ ومع ذلك وبشكلٍ غريبٍ بما فيه الكفاية، فلم تجده هزليًّا أو مزعجًا، وإنّما خرجت من المقابلة وهي تبتسم. لعلّه يجدر بها أن تعطي هذا الغريب فرصة، هكذا فكّرت، ومن ثمّ تنتظر لترى ماذا سيفعل فيما بعد.
سرعان ما بدأت ?ـيكتوريا باستلام تقارير من دزرائيلّي- عن المناقشات البرلمانيّة، قضايا السياسة، وأشياء من هذا القبيل- والتي كانت مختلفة عن أي شيءٍ كان قد كتبه وزراءٌ آخرون. مخاطبًا إيّاها بلقب «الملكة الجنّية»، ومعطيًا مختلف أعداء الملكيّة كل أنواع الأسماء الشفرية الخسيسة، وملأ مفكّرته بالقيل والقال. في مدوّنةٍ عن عضو مجلس وزراءٍ جديد، كتب دزرائيلذي، «هو كقامة أطول من ستة أقدام وأربع إنشات؛ مثل تمثال القدّيس بيتر في روما لا أحد يدرك أبعاده في البداية. لكنّه يملك حصافة الفيل وكذلك هيئته.» روح رئيس الوزراء المرحة وغير المتكلفّة قاربت حد قلّة الاحترام، لكنّ الملكة سُحِرَت. قرأت تقاريره بنهم، وتجدّد اهتمامها بالسياسة تقريبًا دون أن تدرك ذلك.
في بداية علاقتهما، أرسل دزرائيلّي كل رواياته إلى الملكة كهديّة.
............................
الفرص وستقول العديد من الأشياء المزعجة. تحدّث إلى النساء، تحدّث إلى النساء قدر استطاعتك. فهذه أفضل مدرسة. هذه هي الطريقة لاكتساب الطلاقة، لأنّك لا تحتاج لأن تعبأ بما تقول، ومن الأفضل ألاّ تكون عاقلاً. هنّ، أيضًا، سوف يسخرن منك حول نقاطٍ عديدة، ولن تُجْرحَ مشاعرك نظرًا لأنّهنّ نساء. لا يوجد شيءٌ أكثر أهمّيةً ونفعًا لشابٍّ يستهلُّ حياته من أن يُنتَقَدَ جيّدًا من قبل النساء.»
- آندريه موروا درزائيلّي، ترجمة هاميش مايلز
هل تعلم ما هو السحر: طريقة للحصول على جواب بالإيجاب دون أن تكون قد


بالمقابل فقد أهدته الكتاب الوحيد الذي كانت قد كتبته، يوميّات حياتنا في الهضاب الإسكوتلنديّة. من ذلك الحين فصاعدًا أخذ يرمي في رسالاته لها ومحادثاته معها بعبارة «نحن المؤلّفين.» وكانت الملكة عندها تشعّ بالفخار. كانت تسترق السمع وهو يشيد بها أمام الآخرين، وقال أن أفكارها، حسّها السليم، وحدسها الأنثوي جعلوها مساويةً لإليزابيث الأولى. كان نادرًا ما يختلف بالرأي معها. في الاجتماعات مع الوزراء الآخرين، كان يلتفت نحوها فجأةً ويسألها النصيحة. في عام 1875، عندما تدبّر دزرائيلّي بالحيلة والأساليب الملتوية شراء قناة السويس من خديوي مصر الغارق بالديون، فقد قدّم إنجازه للملكة وكأنّه كان تحقيقًا لأفكارها الخاصةّ حول توسيع الإمبراطوريّة البريطانيّة. لم تدرِ ما السبب لكنّ ثقتها كانت تتنامى بسعة فائقة.
أرسلت ?ـيكتوريا في أحد المرّات زهورًا لرئيس وزرائها. ردّ البادرة في ما بعد، بإرساله زهور الربيع، وهي زهرةٌ مألوفةٌ واعتياديةٌ جدًّا لدرجة أنّ بعضًا مّمن يتلقّوها قد يشعر بالإهانة. لكنّ هديّته أرفِقت بملحوظةٍ نصّها: «من بين جميع الزهور، فإنّ الزهرة التي تحتفظ بجمالها لأطول مدّة، هي زهرة الربيع الجميلة.» كان دزرائيلّي يلفّ ?ـيكتوريا بجوٌ خياليٌ كلّ شيءٍ فيه كان رمزًا واستعارة، وبالطبع فإنّ بساطة الزهرة رمزت إلى الملكة- وأيضًا إلى العلاقة بين الزعيمين. ابتلعت ?ـيكتوريا الطعم؛ فسرعان ما أصبحت زهرة الربيع زهرتها المفضّلة. في الواقع أصبح كل ما يفعله دزرائيلّي يلاقي استحسانها. سمحت له أن يجبس في حضرتها، الامتياز الذي لم يُسمّع عنه من قبل. صار الاثنان يتبادلان هدايا عيد الـ?ـالنتاين في شهر سباط من كلّ سنة. كانت الملكة تسأل الناس عمّا كان دزرائيلّي يقول في الحفلات؛ وعندما أعار دزرائيلّي أوجوستا إمبراطورة ألمانيا قليلاً من الاهتمام، شعرت بالغيرة. تساءل رجال الحاشية في تعجّب عمّ حصل للمرأة المتمسّكة بالرسميّات والمتصلّبة التي كانوا يعرفون- كانت تتصرّف مثل فتاةٍ متيّمة خبّلها العشق.
في عام 1876، قاد دزرائيلّي مشروع قانون يعلن ?ـيكتوريا «ملكة- إمبراطورة.» لم تتمالك الملكة نفسها من السعادة والفرح. بدافع الامتنان وبالتأكيد الحب، قامت برفع هذا الغندور والروائي اليهودي إلى طبقة النبلاء،
...................................
سألت أيّ سؤالٍ واضح.
- آلبير كامو الخطاب الذي يُقِلُّ جمهوره معه ويُصَفَّقُ له استحسانًا غالبًا ما يكون أقلٌّ إيحائيةً وذلك ببساطة لأنّه مُخَطّطٌ له أن يكون مُقنعًا. الناس الذين يتحدّثون سويّةً يؤثّرون ببعضهم البعض عن قرب من خلال نغمة الصوت الذي يّتخذونه والطريقة التي ينظرون فيها إلى بعضهم البعض وليس فقط من خلال طبيعة اللغة التي يستخدمونها. نكون على صواب عندما نطلق على المتحدّث الجيّد اسم الساحر بالمعنى السحريِّ للكلمة.
- جوستا? تارد، رأي العامّة، الاقتباس لسيرج موسكو?ـيتشي، عصر العامّة


جاعلةً إيّاه إيرل بيكونسفيلد، الأمر الذي كان تحقيقًا لحلمٍ راود دزرائيلّي طوال حياته.
علم دزرائيلّي كم من الممكن أن تكون المظاهر خدّاعة: الناس كانوا دائمًا يحكمون عليه من خلال وجهه وثيابه، وكان قد تعلّم ألاّ يقابلهم بالشيء نفسه أبدًا. لذا لم يُخدع بالمظهر الخارجي الرصين والصارم للملكة ?ـيكتوريا. فقد أحسّ أنّ تحت ذلك المظهر كانت هناك امرأةً تتوق لرجلِ يخاطب جانبها الأنثوي، امرأةً كانت حنونةً ورقيقةً وحتى شهوانيّة. المدى الذي إليه كان قد كُبِت هذا الجانب أظهر فحسب قوّة المشاعر التي كان سيحرّكها بمجرّد ما يذيب تحفّظها.
مقاربة دزرائيلّي كانت بأن يخاطب جانبين من شخصية ?ـيكتوريا، واللذين كان الناس الآخرون قد سحقوهما: ثقتها وجنسانيّتها. كان أستاذًا في تملّق أنا الشخص. كما لاحظت إحدى الأميرات الإنكليزيّات، «عندما غادرت حجرة العشاء بعد الجلوس بجانب السيد غلادستون، حسبت أنه كان أذكى رجلٍ في إنكلترا. لكن بعد الجلوس بجانب السيد دزرائيلّي، حسبت أنني أذكر امرأة في إنكلترا.» مارس دزرائيلّي سحره بلمسةٍ مرهفة، موحيًا بجوٍّ من المتعة والاسترخاء، وخاصّةً فيما يتعلّق بالسياسة. بمجرّد ما كانت الملكة تتخلّى عن دفاعتها، فإنّه كان يجعل ذلك المزاج أكثر حرارةً وإيحائيّةً بقليل، وجنسيًّا بشكلٍ خفي- بالرغم من عدم اللجوء بالطبع للغزل الصريح. جعل دزرائيلّي ?ـيكتوريا تشعر أنها مرغوبةً كامرأة وموهوبةً كملكة. فكيف لها أن تقاوم؟ كيف لها أن تمنع عنه أيّ شيء؟
غالبًا ما تُصاغُ شخصيّاتنا وتُشَكّل بالكيفيّة التي نُعامَل بها: إذا كان أحد الوالدين أو الزوج دفاعيًّا أو ميّالاً إلى المماحكة والخلاف والجدل في تعامله معنا، فستنزع لأن نستجيب بالطريقة نفسها. لا تخلط أبدًا ما بين صفات الناس الخارجيّة وبين حقيقة هذه الصفات، لأن الشخصيّة التي يعرضونها على السطح قد تكون مجرّد انعكاسٍ للناس الذين يحتكّون معهم بأكبر قدر، أو مظهرًا خارجيًّا متكلّفًا يخفي نقيضه. مظهرٌ خارجيٌّ فظ قد يخفي شخصًا يستقتل من أجل الدفء والمودّة؛ النمط رصين المظهر والمكبوت قد يكون في الواقع يناضل لإخفاء عواطف لا يمكن التحكّم بها. هذا هو المفتاح للسحر- تغذية ما كان مقموعًا أو محرومًا.
..........................................
الشمع، مادةٌ تكون بالشكل الطبيعيّ قاسيةً وسريعة الانكسار، يمكن أن تُليَّن بتطبيق بعض الحرارة، بحيث يُتخذ أيّ شكل تريد. بنفس الطريقة، إذا كنت مهذّبًا وودودًا، فإنّك تستطيع أن تجعل الناس مطواعين وميّالين للمساعد، حتّى بالرّغم من كونهم ميّالين للنّكد والاضطغان. لذا فإنّ التهذيب بالنسبة للطبيعة البشرية هو كالحرارة للشمع.
-آرثر شوبنهاور، آراء وحقائق تي. بايلي ساندرز إيّاك أن تعلّل. إيّاك أن تتذّمر.
- بنجامين دزرائيلّي


من خلال تدليل الملكة وجعل نفسه مصدرًا للمتعة، كان دزرائيلّي قادرًا على تليين امرأةٍ كانت قد نشأت على القسوة والمشاكسة وحب الخصام. التدليل هو أداةٌ قويّةٌ للإغواء: من الصعب أن تغضب من أو تكون دفاعيّا حيال الشخص الذي يبدو أنّه يتّفق مع آرائك وأذواقك. الساحرون قد يبدو على أنّهم أضعف من أهدافهم لكن في النهاية هم الطرف الأقوى لأنهم قد استبلوا القدوة على المقاومة.
2. في عام 1971، رأى الرأسمالي الأمريكي ولاعب السلطة في الحزب الديمقراطي آ?ـيريل هاريمان أن حياته كانت تقترب من الختام. كان في التاسعة والسبعين، وزوجته لسنينٍ طوال، ماري، كانت قد توفّيت لتوّها، وبدا أن سيرته السياسيّة قد انتهت بخروج الديمقراطيين من الحكم. شاعرًا بالشيخوخة والاكتئاب، فقد هيّأ نفسه على أن يقضي آخر سني حياته مع أحفاده في تقاعدٍ هادئ.
بعد عدّة أشهر من وفاة ماري، أُقنِعَ هاريمان بحضور حفلة في واشنطن. هناك التقى بصديقةٍ قديمة، باميلا تشرشل، التي كان قد عرفها خلال الحرب العالميّة الثانية، في لندن، حيث كان قد أرسِل كممثّلٍ شخصيّ للرئيس فرانكلين دي. روزفلت. كانت في الحادية والعشرين من العمر في ذلك الوقت، وزوجة راندولف ابن وينستون تشرشل. بالتأكيد كان هناك نساءٌ أكثر جمالاً في المدينة، لكن ولا واحدة منهن كان التواجد بقربها بمبعثٍ على الحبور أكثر منها: كانت غايةً في المجاملة واللطف، تستمع إلى مشاكله، تصادق ابنته (كانتا في نفس العمر)، وتُطمئنه كلّما رآها. كانت ماري قد بقيت في الولايات المتحدة، وراندولف كان في الجيش، وبالتالي فبينما كانت القنابل تمطر لندن كان آ?ـيريل وباميلا قد بدأ علاقةً غراميّة. وخلال السنوات العديدة التي تلت الحرب، كانت قد بقيت على اتّصال معه: عَلِم عن انهيار زواجها، وعن سلسلة علاقاتها التي لا تنتهي مع أغنى لعوبي رجال أوروبا. ومع ذلك فلم يرها منذ عودته إلى أمريكا، وإلى زوجته. يا لها من مصادفةٍ غريبة أن يلتقي بها على نحوٍ غير متوقّع في هذه اللحظة بالتحديد من حياته.
في الحفلة سحبت باميلا هاريمان من قوقعته، من خلال الضحك على
نكاته وحمله على الحديث عن لندن في أيام الحرب المجيدة. شعر بأنّ قوته القديمة كانت تعود –الموقف كان كما لو أنّه هو من كان يسحرها وليس هي. بعد عدّة أيامٍ زارته دون موعد في أحد منازله المحصصة للعطل الأسبوعية. كان هاريمان من أغنى رجال العالم، لكنه لم يكن ينفق بسخاء؛ فقد عاش هو ومارس حياةً إسبارطية (نسبة إلى مدينة إسبارطة اليونانية التي كان سكانها يحيون حياةً صارمةً متقشّفقة: المترجم). لم تعلّق باميلا، لكنها عندما دعته إلى منزلها الخاص، لم يستطع إلا أن يلاحظ كم كانت حياتها براقة ونابضة- الزهور كانت في كل مكان، البياضات الجميلة على السرير ووجباتٌ رائعة (بدت أنها تعرف كلّ أكلاته المفضلة). كان قد سمع بصيتها كعشيقة لرجال الطبقة المترفة وفهم إغراء ثروته لها، ومع ذلك فقد كان التواجد حولها منعشًا ومنشطًا، وتزوجها بعد ثمانية أسابيع من تلك الحفلة.
لم تتوقف باميلا عند ذلك. فقد أقنعت زوجها بالتبرّع بالتحف الفنية التي كانت قد جمعتها ماري للمعرض الوطني للأعمال الفنية. حملته على التخلي عن قسم من ماله- وديعة استثمارية لابتها وينستون، بيوت جديدة وأعمال ديكور مستمرة. مقاربتها كانت حاذقةً ومتأنيةً وغير ملحوظة؛ جعلته بطريقة ما يشعر بالرضى حيال منحها ما تريد. خلال بضعة سنوات، لم يتبق بالكاد أية آثار لماري في حياتهما. أمضى هاريمان وقتًا أقل مع أبنائه وأحفاده. بدا أنه يخوض تجربة شبابٍ ثانية.
في واشنطن نظر السياسيون وزوجاتهم إلى باميلا بعين الريبة والشك. فقد أدركوا طبيعتها الحقيقية، وكانوا منيعين أمام سحرها، أو هكذا ظنوا.
ومع ذلك فقد كانوا يحضرون دائمًا إلى الحفلات المتكررة التي كانت تستضيف، مبررين أنفسهم بفكرة أن الأناس النافذين سيكونون هناك. كل شيءٍ ف الحفلات كان معايرًا ليخلق جوًا حميميًا ومريحًا. لم يشعر أحدق بأنه تم تجاهله: الناس الأقل أهمية كانوا يجدون أنفسهم وقد حدثتهم باميلا، فتنفرج أساريرهم لتلك النظرة المراعية والمنتبهة الخاصة بها. كانت تجعلهم يشعرون بأنهم نافذون ومحترمون. بعدئذٍ كانت ترسل لهم ملحوظةً أو هديّةً شخصية، غالبًا ما كانت تشير فيها إلى شيءٍ كانوا قد ذكروه في الحديث. الزوجات اللواتي كن قد سمينها المحظية وأسماء أسوأ غيّرن رأيهنّ



بالتدريج. الرجال لم يجدوها آسرةً وحسب وإنمّا ذات نفع- فصلتها العالميّة النطاق كانت لا تقدّر بثمن. كان باستطاعتها أن تصلهم بالشخص المناسب تمامًا دون أن يضطروا حتى للسؤال. سرعان ما تطوّرت حفلات هاريمان وزوجته لتصبح مناسباتٍ لجمع التبرعات للحزب الديمقراطي. أمّا وقد وُضِعوا موضع الراحة واليسر، وشعروا بالرقي نتيجة الجو الأرستوقراطي الذي خلقته باميلا والإحساس بالأهمية الذي منحتهم إياه، فإنّ الزوار كانوا يفرغون جيوبهم دون أن يُدركوا ما السبب تمامًا. هذا، بالطبع، كان ما قد فعله بالضبط كل الرجال الذين مروا في حياتها.
في عام 1986، مات آفيريل هاريمان. حينها كانت باميلا نافذةً وغنية بما فيه الكفاية لكي لا تحتاج إلى رجل بعد ذلك. في عام 1993، عُينت سفيرة الولايات المتّحدة إلى فرنسا، ونقلت بكل يسر سحرها الشخصي والاجتماعي إلى عالم الديبلوماسية السياسية. كانت لا تزال تعمل عندما ماتت، في عام1997.
نحن غالبًا ما نميز الساحرين من هذا النوع؛ نحس بذكائهم. (من المؤكد أن هاريمان قد أدرك بالضرورة أن لقاءه بباميلا تشرشل لم يكن من سبيل المصادقة). ومع ذلك، فنحن نقع تحت سحرهم. السبب بسيط: الشعور الذي يمنحنا إياه الساحرون هو من الندرة بحيث يستحق الثمن الذي ندفعه.
العالم يغص بالناس المستغرقين في أنفسهم. في حضرتهم، نحن نعلم أن كل شيءٍ في علاقتنا معهم موجهٌ نحوهم بالذات- مواطن اللاأمان وقلة الثقة بالنفس لديهم، احتياجاتهم، تعطشهم للانتباه. ذلك يعزز نزعات التمحور حول الأنا التي لدينا؛ فننغلق على أنفسنا ونخفي مشاعرنا بقصد الحماية. إنها متلازمة ل تعدو عن جعلنا أكثر عجزنا حيال الساحرين. أولًا، هم لا يتكلمون كثيرًا عن أنفسهم، الأمر الذي يعزز غموضهم ويخفي محدودياتهم. ثانيًا، هم يبدون أنهم مهتمون بنا، واهتمامهم يكون مركزًا لدرجة وبشكلٍ مبهج فنسترخي وتنفرج أساريرنا لهم. أخيرًا، من الممتع التواجد حول الساحرين. فليس لديهم أية خصلة بشعة من خصال معظم الناس –النق، التذمّر، التوكيد على الذات والاعتداد بها. هم يبدون أنهم




يعرفون ما الذي يرضي. الدفء المنتشر هو اختصاصهم؛ اتحادٌ بدون جنس. (قد تعتقد أن الغايشا «المغنية والراقصة اليابانية» شهوانية وجنسية بالإضافة لكونها ساحرة؛ إلا أن قوتها لا تتجسد في الخدمات الجنسيّة التي تقدّمها وإنما في تنبتهها النادر الذي يبقيها بعيدةً عن الأضواء بدافع من التواضع). فنضبح مدمنين ومعتمدين عليهم بشكلٍ حتميٍ. واعتماد الآخرين على الساحر هو مصدر قوته.
الأناس الجميلون من الناحية الشكلية، والذين يلعبون بجمالهم ليخلقوا حضورًا جنسيًا مشحونًا بسلطةٍ محدودة في آخر المطاف؛ فزهرة الشباب تذوي، ودائمًا يوجد هناك من هو أنضر شبابًا وأشد جمالًا، وفي جميع الحالات فإنّ الناس يسأمون من الجمال إذا افتقر إلى الكياسة الاجتماعية. لكنهم لا يملون أبدًا من الشعور بأن قيمتهم الذاتية قد قدرت حق قدرها. تعلم النفوذ الذي تستطيع أن تتدبره وتمارسه من خلال جعل الشخص الآخر يشعر مثل النجم. المفتاح هو أن تخفف من كثافة حضورك الجنسي: أخلق إحساسًا من الإثارة والتشويق أكثر غموضًا وأسرًا للاهتمام من خلال غزلٍ مُعّمَّم وجنسانية اجتماعية دائمة تسبّب الإدمان ولا تشبع بشكلٍ كاملٍ أبدًا.
3. في شهر كانون الأول من عام 1936، أُسِرَ شيانغ كاي- شك، قائد القوميين الصينيين، من قبل مجموعةٍ من جنوده الخاصّين الذين كانوا غاضبين إزاء سياسته: بدلًا من أن يحارب اليابانيين، الذين كانوا قد احتلوا الصين لتوّهم، فإنه كان يواصل حربه ضد جيوش ماوتسي تونغ. لم ر الجنود ماو كتهديد- فشيانغ كان قد قضى على الشيوعيين تقريبًا. في الواقع، اعتقدوا بأنه ينبغي له أن يوحد قواه مع ماز ضد العدو المشترك- فقد كان العمل الوطني الوحيد الممكن فعله ضد الجنود أنهم من خلال أسره يستطيعون أن يجبروا شيانغ على تغيير رأيه، لكنه كان رجلًا عنيدًا. بما أن شيانغ كان العائق الوحيد أمام حربٍ موّحدة ضد اليابانيين، فقد فكروا في إعدامه، أو تسليمه للشيوعيين.




أثناء إقامة شيانغ في السجن، لم يستطع سوى تخيّل الأسوأ. تلقّى بعد عدّة أيام زيارةً من زو إنلاي –صديق سابق والآن قيادي شيوعي. بتهذيب واحترام، ناقش زو في سبيل جبهةٍ موحّدة: الشيوعيون والقوميون ضد اليابانيين. لم يستطع شيانغ حتى أن يشرع في حديثٍ كهذا، إذ كان يشتعل كرهًا حيال الشيوعيين، وأصبح مهتاجًا عاطفيًا بشكل ميؤوس منه. وأعلن صارخًا أنّ توقيع اتّفاقٍ مع الشيوعيين في مثل هذه الظروف سيكون أمرًا مذلًا. وسيُجرِّدُه من شرفه العسكري أمام جيشه. إنّه أمرٌ لا يخضع للنقاش. اقتلني إذ توجّب عليك ذلك.
أنصت زو وابتسم وبالكاد تفوه بكلمة. عندما انتهت نوبة شيانغ من الوعيد والصراخ، قال له زو أن اعتبارات الشرف كانت شيئًا يفهمه، لكن الشيء المشرف لهم ليفعلوه كان في الواقع أن ينسوا اختلافاتهم ويحاربوا الغازي. بإمكان شيانغ أن يقود الجيشين سوية. أخيرًا، قال زو أنه لم يكن ليسمح تحت أي ظرفٍ لرفاقه الشيوعيين أو أي شخص ذي صلة، بأن يعدموا شخصًا عظيمًا كشيانغ كاي- شك. ذُهل قائد الوطنيين وتحركت مشاعره.
في اليوم التالي، تمّت مرافقة شيانغ إلى خارج السجن من قبل حراس شيوعيين ونُقل إلى واحدةٍ من طائرات جيشه الخاص وأُرجِعَ إلى مركز القيادة الخاص به. من الواضح أن زو كان قد تصرّف على هواه، لأنّه عندما وصل الخبر إلى القادة الشيوعيين الآخرين، اشتاطوا غضبًا: فباعتقادهم أنه كان ينبغي على زو أنّ يجبر شيانغ على محاربة اليابانيين، وإلا فعليه أن يأمر بإعدامه- أن يطلق شراحه بدون امتيازات وتنازلات كان قمة الجبن، وعلى زو أن يدفع ثمن غلطته. لم يقل زو شيئًا وانتظر. بد عدة أشهر، وقع شيانغ اتفاقًا لإيقاف الحرب الأهلية وتوحيد القوى مع الشيوعيين ضد اليابانيين. بدا أنّه توصّل إلى قراره بمحض إرادته، واحترم جيشه قراره هذا- لم يكن من الوارد أن يشكّكوا بدوافعه.
من خلال عملهم سويّةً، تمكن الوطنيون والشيوعيون من طرد اليابانيين من الصين. لكنّ الشيوعيين، الذين كان شيانغ قد دمّرهم تقريبًا، انتهزوا فترة التعاون هذه لاستعادة القوة. بمجرّد ما رحل اليابانيون، انقلبوا على الوطنيين،




الذين في عام 1949 أجبِروا على إخلاء أرض الصين الرئيسية والنزوح إلى جزيرة فورموزا، المعروفة الآن باسم تايوان.
في تلك الفترة زار ماو الاتحاد السوفيتي. كانت الصين في حالة يُرثى لها وفي حاجةٍ ماسّةٍ للمساعدة، لكنّ ستالين كان يرتاب من الصينيين، ووبّخ ماو على الأخطاء العديدة التي كان قد ارتكبها. ماو رد على كلام ستالين بكلام تفنيدي. قرر ستالين أن يلقن المُحدث النعمة الشاب درسًا؛ فلم يقدم للصين شيئًا. احتدّ الغضب وتوتّرت الأجواء. أرسل ماو بشكلٍ عاجلٍ وراء زو إنلاي الذي وصل في اليوم التالي وهم مباشرة بالعمل. خلال جلسات المفاوضات المضنية والطويلة، استعرض زو بطريقةٍ مسرحيةٍ استمتاعه بالفودكا التي قدمها له مضيفه. لم يجادل أبدًا، وفي الواقع سلم بأن الصينيين كانوا قد ارتكبوا العديد من الأخطاء، وأن لديهم الكثير ليتعلموه من السوفييت الأكثر خبرة، وقال: «نحن أول بلدٍ أسيوي كبير ينضم إلى المعسكر الاشتراكي تحت قيادتكم أيها الرفيق ستالين» كان زو قد قدم مجهزًا بكافة أنواع الرسوم البيانية والجداول المرسومة بدقة وإحكام، إذ كان يعلم أنّ الروس يحبون هذه الأشياء. تحمس له ستالين. استمرت المفاوضات، وبعد عدة أيام من قدوم زو، وقع الفريقان معاهدة تعاون مشترك- معاهدة كانت أكثر نفعًا بكثير للصينيين من السوفيت.
في عام 1959، كانت الصين مجدّدًا في ورطة عميقة. طفرة ماو الكبرى إلى الأمام- محاولة لإطلاق شرارة ثورة صناعية في الصين بين ليلةٍ وضحاها باءت بالفشل الذريع. كان الناس غاضبين: إذ كانوا يموتون جوعًا بينما عاش بيروقراطيو بيكين بشكلٍ مرفه. العديد من المسئولين الصينيين ومن ضمنهم زو، عادوا إلى بلدانهم الأصليّة ليحاولوا إعادة النظام. العديد منهم تدبروا الأمر عن طريق الرشاوي- من خلال الوعود بتقديم كل أنواع الخدمات- لكن زو سلك طريقًا مختلفًا: زار مقبرة أجداده، حيث دُفنت أجيالٌ من أسرته، وأمر بأن تزال شواهد القبور وأن تُطمَرَ التوابيت أعمق من ذي قبل. الآن أصبحت الأرض صالحةً للزراعة من أجل لغذاء. بالمفهوم الكونفوشيوسي (وزو كان كونفوشيوسيًا مخلصًا)، كان هذا الفعل تدنيسٌ للمقدّسات وانتهاكٌ لحرمته، لكنَّ الجميع علم ما عنى: كان زو مستعدًا لأن يعاني شخصيًا. كان لزامًا على كل واحدٍ أن يضحي، حتى القادة. كان لبادرته أثرٌ رمزيٌ هائل.




عندما مات زو في عام 1976، تفاجأت الحكومة بمظاهر الأسى والحزن غير المنظمة وغير المملاة من قبل السلطة والتي اجتاحت العامة. لم يستطيعوا أن يفهموا كيف لرجلٍ كان قد عمل خلف الكواليس، ونأى بنفسه عن هيام الجماهير به، أن يحظى بحبٍّ كهذا.
اعتقال شيانغ كاي- شك كان نقطة تحول في الحرب الأهلية. كان إعدامه بمثابة كارثة: فقد كان شيانغ من عقد لواء الجيش الوطنيّ، وبدونه كان من الممكن أن يتشرذم إلى رمزٍ، مما يمكّن اليابانيين من سحق البلد. إجباره على توقيع اتّفاقيّة لم يكن ليساعد أيضًا: إذ كان سيفقد ماء وجهه أمام جيشه، ولم يكن ليفي ببنود الاتفاقية قط، وكان سيفعل كل ما بوسعه ليثأر نتيجةً لذلّه ومهانته. علم زو أن إعدام أسيرٍ أو إخضاعه لن يؤدّي إلّا إلى جعل عدوك أكثر جرأة وجسارة، وسيكون لديه مضاعفات لن تستطيع التحكم بها. السحر، على العكس من ذلك، هو سلاحٌ تلاعبيٌ من شأنه أن يُقَنّعَ ويخفي تلاعبيته الخاصة، فيتيح لك أن تحرز النصر دون أن تثير الرغبة بالانتقام.
عمل زو على شيانغ بشكل مثالي، فوفّاه الاحترام ولعب دور الأقل شأنًا، تاركًا إياه يعبر من الخوف من الإعدام إلى فرج إطلاق السراح غير المتوقع. سُمح للجنرال بأن يُغادر مصون الكرامة. علم زو أنّ كل هذا كان من شأنه أن يخفف من تصلبه وأن يزرع بذرة الفكرة بأن الشيوعيين ربما لم يكونوا غايةً في السوء على أي حال، وأنه بإمكانه أن يُغَيّر رأيه بهم دون أن يبدو ضعيفًا، وخاصّةً إذا فعل ذلك بشكل مستقل وليس بينما كان في السجن. طبق زو نفس الحكمة في جميع المواقف: العب دور الأقل شأنًا، المتواضع والذي لا يشكل تهديدًا. ماذا سيهم إذا كنت ستحصل على ما تريد في النهاية: الوقت لتستعيد قواك بعد حرب أهلية، معاهدة، إرادة الجماهير الطيبة.
الوقت هو أعظم سلاح بحوزتك. بأناةٍ أبقِ في ذهنك هدفًا بعيد المدى وعندها لن يستطيع مقاومتك لا شخصٌ ولا جيش. والسحر هو أفضل




طريقة للعب من أجل اكتساب الوقت ولتوسيع خياراتك في أي موقف. من خلال السحر تستطيع أن تغري عدوّك بالانسحاب، ما يمنحك المجال النفسي لكي تدبر استراتيجيّة مضادّةً فعّالة. المفتاح هو أن تجعل الناس الآخرين عاطفيين بينما تبقى أنت في حلٍّ من أي ارتباط أو تعلّق. قد يشعرون بالامتنان، السعادة، التأثر، الغرور- لا يهم، ما داموا يشعرون. الشخص المستثار عاطفيًا هو شخصٌ مشتّت الانتباه. أعطهم ما يريدون خاطب مصلحتهم الذاتية، اجعلهم يشعرون بالتفوق عليك. عندما يمسك طفل بسكين حادة، لا تحاول أن تنزعها منه؛ بدلًا من ذلك، ابق هادئًا، قدم له الشوكولا، وسيترك الطفل المسكين ليلتقط اللقمة الطيّبة التي قدّمت.
4. في عام 1761، ماتت إمبراطورة روسيا، واعتلى ابن أخيها العرش تحت اسم القيصر بيتر الثالث. لطالما كان بيتر طفلًا صغيرًا من الداخل –استمر باللعب بالدمى التي على شكل جنود لفترة طويلة بعد السن المناسب- والآن كقيصر استطاع أخيرًا أن يفعل ما يحلو له وليحترق العالم. خلص بيتر إلى معاهدة مع فريدريك العظيم كانت تصب في صالح الحاكم الأجنبي لدرجة كبيرة (أُعجب بيتر بفريدريك إعجابًا كبيرًا، وخاصةً بالطريقة المنضبطة التي يمشي بها الجنود البروسيون مشية النظام المنضم). كانت هذه كارثة عمليًا، لكن بيتر كان حتى أكثر إزعاجًا في مسائل العواطف والإتيكيت: فقد رفض أن يقيم مراسم الحداد على عمته الإمبراطورة بالشكل المناسب، إذ استأنف ألعابه الحربية وحفلاته بعد عدة أيام من الجنازة. كم كان على النقيض من زوجته كاثرين. اتسمت بالاحترام خلال الجنازة وظلت متشحة بالسواد عدة أشهر بعدها، وكان بالإمكان رؤيتها على الدوام بجانب ضريح إليزابيث وهي تصلي وتبكي. لم تكن روسية حتى، وإنما أميرة ألمانية كانت قد قدمت شرقًا لتتزوج من بيتر في عام 1745 دون أن تتكلم كلمة واحدة من اللغة الروسية. حتى أقل فلاحٍ كان يعلم أن كاثرين كانت قد تحولت مذهبيًا إلى الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، وتعلمت التكلم بالروسية بسرعة لا تصدق وبأسلوبٍ جميل. اعتقدوا أنَّها كانت (من الداخل) أكثر روسيّة من كل أولئك الغنادير في البلاط.




خلال هذه الأشهر الصعبة، بينما أهان بيتر الجميع تقريبًا في البلاد، أبقت كاثرين على عشيقٍ في السر، غريغوري أورلوف الذي كان ملازمًا في الحرس الملكي. من خلال أورلوف أذيعت الأخبار عن تُقاها ووطنيتها وأحقيتّها بالحكم؛ كم كان من الأفضل إتباع امرأةٍ كهذه من خدمة بيتر. في وقتٍ متأخرٍ من الليل، كان أورلوف وكاثرين يتحدثان، وكان يخبرها أن الجيش يقف خلفها ويحثها على أن تقوم بانقلاب. كانت تصغي بانتباه، لكنها كانت تجيب دائمًا بأنه لم يحن لوقت لمثل هذه الأشياء. تعجب أورلوف بينه وبين نفسه: لعلها كانت أكثر رقّةً واستسلامًا من أن تقوم بمثل هذه الخطوة الجبّارة.
كان نظام بيتر قمعيًا، وعمّت الاعتقالات والإعدامات. ازداد تعسفًا وإساءةً لزوجته، وأخذ يهدّدها بتطليقها والزواج من عشيقته. في أحد أمسيات السكر، حيث كان مُختبلًا ومشتت الانتباه نتيجة صمت كاثرين وعدم قدرته على استفزازها، أمر باعتقالها. انتشرت الأخبار بسرعة، وهُرِعَ أورلوف ليحذر كاثرين من أنها ستُسجن وتُعدم إن لم تتصرف بسرعة. هذه المرة لم تجادل كاثرين؛ ارتدت أبسط عباءة حداد لديها وتركت شعرها نصف غير مسرح وتبعت أورلوف إلى عربة كانت بانتظارها وهُرعت إلى ثكنات الجيش. هنا خرّ الجنود ساجدين على الأرض وهم يقبلون حاشية ثوبها- إذ كانوا قد سمعوا الكثير عنها لكنّهم لم يروها شخصيًا، وبدت لهم كتمثال للعذراء مريم ينبعث للحياة. أعطوها زيًا عسكريًا وهم يتعجبون كم بدت جميلةً وهي في ثياب الرجال، وزحفوا تحت أمرة أورلوف نحو القصر الشتوي. تعاظم الموكب أثناء عبوره في شوارع سانت بطرسبرغ. الكل هلل لكاثرين، شعر الجميع بأنه يجب الإطاحة ببيتر. سرعان ما أخذ الكهنة يتوافدون ليمنحوا كاثرين بركتهم، فازدادوا حماسةً على حماسة. وعبر كل هذا، كانت صامتة ووقورة، وكأن كل شيءٍ كان في أيدي القدر.
عندما تناهت إلى سمع بيتر أنباء هذه الثورة السلمية، فقد انتابه غضبٌ هيستيريّ، ووافق على التخلي عن العرش في نفس تلك الليلة. أصبحت كاثرين الإمبراطورة دون أي معركة أو حتّى طلقةٍ واحدة.
كطفلةٍ، فقد كانت كاثرين ذكيّةً ومفعمة بالحيويّة. بما أنّ أمَها كانت




قد أرادت ابنةً مطيعةً وليس ابنةً مبهرة، والتي كانت بالتالي ستحظى بشريكٍ أفضل، فإنّ الطفلة كانت موضعًا لوابلٍ مستمر من الانتقاد، والذي طوّرت إزاءه دفاعًا: تعلمت أن تبدو أنها تذعن للآخرين بشكلٍ كامل وذلك كوسيلة لتحييد عدوانهم. إذا تحلّت بالصبر ولم تفرض المسألة بالقوة، فإنهم سوف يقعون تحت سحرها بدلًا من مهاجمتها.
عندما قدمت كاثرين إلى روسيا –في سن السادسة عشرة، دون صديق أو نصير في البلاد- فقد طبّقت المهارات التي كانت قد تعلمتها في التعامل مع أمّها الصعبة. في وجه كل وحوش البلاط -الإمبراطورة إليزابيث المهيبة، زوجها الطفالي، طغمة المتآمرين والخونة الذين لا حصر لهم- انحنت، أذعنت، انتظرت، وسحرت. لطالما أرادت الحكم كإمبراطورة، وعلمت كم كان زوجها ميؤوسًا منه. لكن ما جدوى أن تستولي على السلطة بالعنف، فندعي بذلك حقًا لابد أن يراه البعض على أنه غير شرعيّ، وعندها ستضطر لأن تقلق إلى ما لا نهاية من أنه سيُطاحُ بها بدورها؟ كلا، يجب أن تكون اللحظة مواتية، ويتعين عليها أن تجعل الناس يحملونها إلى السلطة. لقد كان أسلوبًا أنثويًا من الثورة: من خلال كونها مستسلمةً وصامتةً، أوحت كاثرين بأنه ليس لديها اهتمامٌ في السلطة. الأثر كان مطمئنًا- ساحرًا.
سنواجه دائمًا اناسًا صعابًا (شديدي المراس) –غير الآمنين بشكل مزمن، العنيدين بشكل ميؤوسٍ منه، المتذمرين الهستيريّين. قدرتك على تحييد وكسب ود هؤلاء الناس ستثبت أنها مهارة لا تقدر بثمن. لكن يجب أن تكون حذرًا على الرغم من ذلك: إذا كنت مذعنًا أو سلبيًا فسوف يطغّونَ عليك؛ إذا كنت ميّالًا للتوكيد والجزم فإنّك سوف تجعل خصائصهم المشوهة أسوأ. الإغواء والفتنة (السحر) هما السلاحان المضادان الأكثر فعالية. من الخارج، كن سموحًا ورؤوفًا. تكيف مع كلّ طباعهم وكل حالاتهم النفسية. ادخل صلب ذواتهم. من الداخل، فكر في النتائج وانتظر: استسلامك هو استراتيجية وليس طريقة للعيش. عندما يحين الوقت، وحتمًا سيحين، فستُقلب الطاولة. سيضعهم عدوانهم في ورطة، مما سيضعك في موضع من ينقذهم، فتستعيد التفوّق. (تستطيع أن تقرّر أنّك قد نلت بما فيه الكفاية، وتودعهم للنّسيان) سحرك قد منعهم من التنّبؤ بهذا




ومن الارتياب. يمكن لثورةٍ بأكملها أن تحدث دون أيّ عمل عنف، ببساطة من خلال انتظار التفاحة لتنضج وتقع.
الرمز: المرآة
روحك ترفع مرآة للآخرين. عندما يرونك فإنهم يرون أنفسهم: قيمهم، أذواقهم، حتى أخطاء علاقة الحب مع صورتهم الخاصَّة والمعمرة بعمر الحياة هي علاقة مريحة ومنوّمة؛ لذا غذّها. لا أحد يرى ما خلف المرآة.
المخاطر
هنالك من هم منيعون إزاء الساحر؛ وخاصّةً من يؤمنون بأنَّ السلوك البشري تهيمن عليه المصالح الذاتية وحدها، والأنماط الواثقة التي لا تحتاج إلى التقدير أو الاعتراف بها. هؤلاء الناس ينزعون لرؤية الساحرين كأناسٍ زلقين ومخادعين، ويستطيعون أن يخلقوا لك المشاكل. الحل هو أن تفعل ما يفعله معظم الساحرين بالفطرة: صادق واسحر أكبر عددٍ ممكن من الناس.




صُن قوّتك من خلال الأعداد ولن تضطر للقلق حيال القلة التي لا تستطيع إغوائها. كياسة كاثرين العظيمة مع كل التقت خلقت كمّيةً هائلة من النيّة الطيّبة التي أتت أُكلُها لاحقًا. بالإضافة إلى ذلك، يكون في بعض الأحيان من السحر أن تكشف عن خطأ استراتيجي. هنالك شخصٌ لا تحبه؟ اعترف بهذا صراحةً، لا تحاول أن تسحر هكذا عدو، وسوف يعتقد الناس أنك أكثر إنسانية وأقل زلاقة. دزرائيليّ كان لديه كبش فداءٍ كهذا مع خصمه الرهيب ويليام غلادستون.
التعاطي مع مخاطر السحر السياسي يكون أكثر صعوبة: تغييرك لاتجاهك بقصد التوفيق بين الأخصام، مقاربتك للسياسة المتسمة بالمرونة ستصنع عدوًا من كل من هو مؤمنٌ متصلّبٌ بقضيةٍ. المغوون الاجتماعيّون كبيل كلينتون وهنري كيسنجر استطاعا غالبًا أن يكسبوا لصفهم أكثر المناوئين تعنتًا بواسطة سحرهم الشخصي، لكنّهم لا يستطيعون أن يكونوا في كل الأمكنة في الوقت نفسه. العديد من أعضاء البرلمان الإنكليزي اعتقدوا أن دزرائيلي عبارة عن متآمر متذبذب؛ على المستوى الشخصي استطاع أسلوبه الجذاب أن يبدد هذه المشاعر، لكنه لا يستطيع أن يخاطب على انفراد البرلمان بأكمله. في الأوقات الصعبة، عندما يتوق الناس لشيءٍ حقيقي ووطيد، فإن الفاتن السياسي قد يكون في خطر.
كما أثبتت كاثرين العظيمة، التوقيت كلّ شيء. ينبغي على الساحرين أن يعلموا متى يخفّفوا من نشاطهم، ومتى يكون الوقت ملائمًا أمام قواهم المقنعة. يجب عليهم في بعض الأحيان أن يكونوا مرنين بما فيه الكفاية حتى يتصرفوا على نحو غير مرن. زو إنلاي، الحرباء من الطراز الأوّل، كان يستطيع لعب دور الشيوعي الملتزم والذي لا يقبل التسوية عندما كان ذلك يناسبه. إياك وأن تصبح عبدًا لقوى السحر والفتنة الخاصة بك؛ أبقها تحت السيطرة، كشيءٍ تستطيع تشغيله وإيقافه عند الطلب.




القيادي المُلهِم (الكاريزماتي)
الكاريزما أو المغناطيسية الشخصية هي حضور يثيرنا. إنها تنبع من خاصية داخلية- الثقة بالنفس، طاقة جنسية، إحساس بالغاية والتصميم، الرضا والاطمئنان- والتي يفتقر إليها ويريدها معظم الناس. هذه الخاصية تشع للخارج، وتتخلل إيماءات القيادي (الكاريزماتي)، مما يجعلها تبدو استثنائية وخارقة للمألوف، وتجعلنا نتخيل أن لديهم إمكانات ومواهب أكثر مما يبدو للعيان: فهم آلهة، قديسون، نجوم. الكاريزماتيون يتعلمون إبراز مغناطيسيتهم من خلال التحديق الثاقب والخطابة النارية وسيماء الغموض. هم يستطيعون الإغواء على نطاقٍ واسعٍ. أخلق الوهم الكاريزماتي من خلال الإشعاع بالحدة والشغف بينما تظل مستقلًا من الناحية العاطفية وغير آبهٍ.



الكاريزما والإغواء
الكاريزما هي إغواءٌ على النطاق الأوسع. الكاريزماتيون يجعلون حشودًا من الناس يقعون في حبهم، ومن ثم يقودونهم. عملية جعلهم يقعون في الحب بسيطة وتستبع مسارًا شبيهًا لذلك الخاص بإغواء شخص لشخص. الكاريزماتيون لديهم خصائص معينة تجذب بشكل قوي وتجعلهم يبرزون. هذه الخصائص قد تكون إيمانهم بأنفسهم، جسارتهم، أو صفائهم. هم يبقون مصدر هذه الخصائص غامضًا. إذ لا يفسرون من أين تنبع ثقتهم أو طمأنينتهم، لكن الجميع يستطيع استشعارها؛ فهي تشعُّ إلى الخارج، دون جهدٍ ظاهر أو مُتعمد. عادةً ما يكون وجه الكاريزماتي مفعمًا بالحياة ومليئًا بالطاقة والرغبة والتيقظ- مظهر العاشق، ذلك المظهر الذي يثير الإعجاب فورًا، بل وحتى يثير جنسيًا على نحو غامض. نحن نتبع الكاريزماتيين بسرور لأننا نحب أن نُقاد، وخاصة من قبل الناس الذين يعدون بالمغامرة أو الازدهار. نخسر أنفسنا في خدمة قضاياهم، ونصبح متعلقين بهم عاطفيًا، ونشعر بأننا مفعمون بالحياة أكثر عندما نؤمن بهم- نقع بالحب. الكاريزما تلعب على أوتار الجنسانية المقموعة، تخلق شحنةً شهوانيةً. بالرغم من ذلك فإن جذور الكلمة لا تكمن في الجنسانية وإنما في الدين، إذ أن الدين يبقى جزءًا لا يتجزأ من الكاريزما المعاصرة.
من آلاف السنين والناس تؤمن بالآلهة والأرواح، لكن قلةً قليلةً تستطيع القول بأنهم قد شهدوا معجزة على الإطلاق، أو برهانًا ماديًا على القدرة الإلهية. لكن الرجل الذي يبدو أنه متملك من قبل روح إلهية- فيتكلم بلغة غير مفهومة (نتيجة نشوة دينية)، وينتنشي بوجد صوفي، ويعبر عن رؤى كثيفة وقوية- يقف متفردًا كشخص اصطفته الآلهة. وهذا الرجل، كاهنًا كان أم نبيًا، يحظى بسلطانٍ كبير على الآخرين. فما الذي جعل اليهود.
.................................
مُراد القول أنّ «الكاريزما» تشير إلى خاصيّةٍ استثنائيّة في الشخص، بغض النظر عما إذا كانت هذه الخاصية حقيقية، مُدعاة أو مُفتَرضة.
«السلطة الكاريزماتية» تشير إذًا إلى سلطة على الرجال، أكانت خارجية بشكل رئيسيّ أم داخليّة، والتي ينصاع لها المحكومون بسبب إيمانهم بالخاصيّة الاستثنائية للشخص الذي يحملها بالتحديد.
- ماكس فيبر، من مقالات في علم


يؤمنون بموسى ويتبعونه إلى خارج مصر، ويبقون مخلصين له بالرغم من تطوافهم اللانهائي في الصحراء؟ النظرة في عينيه، كلماته المُلهَمة والمُلهِمة، الوجه الذي أضاء بالمعنى الحرفيّ عندما نزل من جبل سيناء –كل هذه الأشياء أعطته المظهر بأنه على تواصل مباشر مع الله، وكانت مصدر سلطته وهذه الأشياء كانت ما عُنِيَ بكلمة «كاريزيما» كلمة إغريقية تشير للأنبياء وللمسيح نفسه. في صدر المسيحية، الكاريزما كانت نعمة أو موهبةً تتلطف بها الرحمة الإلهية إظهارًا لوجود الله. معظم الديانات الكبرى أوجدت من قبل شخص كاريزماتي؛ شخصٌ يُظْهِر للعيان علامات الرعاية الإلهيّة.
عبر السنين، العالم أصبح أكثر عقلانيةً. أخيرًا صار الناس يتولّون زمام السلطة ليس عن طريق الحق الإلهي وإنما بسبب فوزهم بالأصوات، أو إثباتهم لجدارتهم. ومع ذلك فإن عالم الاجتماع الألماني العظيم في بدايات القرن العشرين ماكس فيبر لاحظ أنه بالرّغم من تقدّمنا المزعوم، فإنه كان هنالك كاريزماتيون أكثر من أيّ وقتٍ مضى. الأمر الذي ميّز الكاريزماتيّ المعاصر، تبعًا لفيبر، كان ظهور خاصّيةٍ استثنائيةٍ في شخصيّته، المكافئ لعلامة الرعاية الإلهية. بأيّ كيفيةٍ أخرى نفسّر إذًا سلطان روبسبيير أو لينين؟ ما جعل هؤلاء الرجال يبرزون وشكل مصدر قوتهم كان وفي المقام الأوّل قوّة شخصياتهم المغناطيسية. لم يتحدّثوا عن الله وإنّما عن قضيّة كبرى وعن رؤىّ لمجتمع الغد. نداؤهم كان عاطفيًا؛ وبدوا أنهم مُتَمَلَكون (ممسوسون). وتفاعل جمهورهم معهم بنفس النشوة والسعادة الغامرة التي كان يتفاعل بها الجمهور الأسبق مع نبيّ. عندما مات لينين في عام 1924، تشكّلت حول ذاكره جماعةٌ من المعجبين والأتباع المغالين، ممّا حوّل القائد الشيوعي إلى معبود.
في يومنا هذا، أيّ شخصٍ لديه حضور، ويلفت الانتباه عندما يدخل أو تدخل الغرفة، يُقال أنه يمتلك كاريزما. لكن حتّى هذه الأنماط الأقلّ رفعةً تُظْهِر أثرًا من الخاصيّة التي يقترحها المعنى الأصلي للكلمة. الكاريزما التي لديهم تكون غامضة وغير قابلة للتفسير، ولا تكون واضحة أبدًا. لديهم ثقة غير اعتياديّة. لديهم موهبة –غالبًا سلاسة في اللغة- تجعلهم يبرزون عن الجمهور. هم يعبّرون عن تصوّر. قد لا ندرك هذا، لكن في حضورهم فإنّنا نختبر نوعًا من التجربة الدينيّة: نحن نؤمن بهؤلاء الناس، من دون أن يكون
........................................
الاجتماع ناكس فيبر. تحرير هانز جيرث وسي. رايت ميلز.
وقال الرب لموسى، «اكتب هذه الكلمات؛ فإنّي قد عملت ميثاقًا معك ومع بني إسرائيل وفقًا لهذه الكلمات». وظلّ هنالك مع الرب لأربعين يومًا وليلة؛ لم يأكل فيها طعامًا ولم يشرب ماءً.
وكتب على الألواح كلمات الميثاق، الوصايا العشر. عندما نزل موسى من جبل سيناء، مع لوحَي الوصايا في يديه، فإنّه لم يعلم أنّ بشرةَ وجهه كانت تضيء لأنه كان يتكلّم مع الله. وعندما رآه هارون كل بني إسرائيل، فإنّهم لم يتجرّؤوا على الاقتراب منه، إذ أن بشرة وجهه كانت تضيء. لكنّ موسى


في حوزتنا أيّ دليلٍ عقلانيّ على موقفنا هذا. عندما تحاول أن تُعِد تأثير الكاريزما، إيَاك أن تنسى المصدر الديني لقوّتها. عليك أن تُشِعَّ بخاصّيةٍ داخليةٍ ذات مسحةٍ من القداسة أو الروحانية. عيناك يجب أن تضيئا ببريق نبيّ. الكاريزما التي لديك يجب أن تبدو طبيعيَةً، وكأنها تنبع من شيءٍ خارجٍ عن سيطرتك بشكلٍ غامض، هديّةٍ من الآلهة. في عالمنا العقلانيّ والمتحرر من السحر والوهم، فإنّ الناس يتوقعون لتجربةٍ دينيةٍ، وخاصةً على المستوى الجماعي. أيّ علامةٍ عن الكاريزما تدغدغ هذه الرغبة بالإيمان بشيء. ولا يوجد شيءٌ أكثر إغوائيّةً من إعطاء الناس شيئًا ليؤمنوا به ويتبعوه.
الكاريزما يجب أن تبدو ذات معنى روحي غير بادٍ للحواسّ أو مُدرَكٍ بالعقل، لكنّ هذا لا يعني أنّك لا تستطيع أن تتعلّم خدعًا معينة من شأنها أن تعزّز الكاريزما التي لديك أساسًا، أو تعطيك المظهر الخارجي لها. الصفات الرئيسة التي سوف تساعدك على خلق وهم الكاريزما هي كالآتي:
القصد أو الغاية. إذا شعر الناس بأنّ لديك خطّة، بأنك تعرف إلى أين تّتجه، فإنهم سوف يتبعونك بشكلٍ غريزيّ. لا يهمّ الاتّجاه: اختر قضيّةً، فكرةَ مثاليةً، تصورًا وبيّن أنّك لن تحيد عن هدفك. الناس سوف يتخيّلون أنّ ثقتك تنبع من شيء حقيقي –تمامًا كما آمن اليهود القدماء أنّ موسى كان على صلةٍ حميمةٍ مع الله، ببساطة لأنّه أظهر العلامات الخارجيّة.
وجود القصد والتصميم يكون ذا أثرٍ كاريزماتيّ مضاعف في أوقات المحن. بما أن معظم الناس يترددون قبل أن يُقدِموا على العمل الجسور (حتى عندما يكون العمل هو الشيء المطلوب)، فإنّ الثّقة بالنفس ذات الهدف الوحيد الذي يستقطب قوى المرء كلّها ستجعلك محور الاهتمام. سيؤمن بك الناس بسبب قوّة شخصيّتك الصِّرفة. عندما تبوّأ فرانكلين ديلانو روزفلت السلطة خلال الكساد العظيم، كان معظم العامّة غير مؤمنين بقدته على تغيير الأوضاع. لكنّه أظهر خلال أشهره الأولى في المكتب الرئاسي مستوى من الثقة والحسم والوضوح في تعامله مع مشاكل البلاد العديدة، ما جعل العامّة يرونه كمنقذهم، شخص ذو كاريزما شديدة.
الغموض. الغموض يكمن في قلب الكاريزما، لكنّه نوعٌ محدّدٌ من
...................................
ناداهم؛ فرجع إليه هارون وكلّ أعيان الرعية، وتحدث إليهم. وبعدها دنا كلّ بني إسرائيل، فأعطاهم كلّ الوصايا التي كلّمه الله بها على جبل سيناء.
وعندما انتهى موسى من كلامه معهم، قام بوضع خمارٍ على وجهه؛ لكنّه كلّما مثل أمام الله ليتكلّم معه فإنّه كان ينزعه؛ إلى أن ينزل؛ وعندما كان ينزل، ويخبر بني إسرائيل بما قد أُمر به، فإنّهم كانوا يرون وجهه، ويرون أنّ بشرة وجهه كانت تضيء؛ وعندها كان موسى يضع الخمار على وجهه مجدّدًا، إلى أن يمضي مرّةً أخرى للتكلّم معه.
- سفر الخروج 34: 27العهد القديم.
إن ذلك الرجل الشيطان يمارس عليّ


الغموض –غموض يجسّده التناقض ويعبر عنه. الكاريزماتيّ قد يكون بروليتاريًا وأرستقراطيًا في آنٍ معًا (ماوتسي تونغ)، قاسٍ وطيّب (بيتر العظيم)، سهل الاستثارة وباردٌ عاطفيًا كالجليد (شارل ديغول)، مُتسم بالدّفء وبالجفاء (سيغموند فرويد). بما أنّه يسهل التّنبؤ بتصرفات معظم الناس، فإنّ أثر هذه التناقضات يكون كاريزماتيًا بشكل جارف. هذه التناقضات تجعلك صعب الفهم وتضفي غنىً على شخصك وتجعل الناس يتحدّثون عنك. غالبًا ما يكون من الأفضل أن تكشف تناقضاتك بشكلٍ بطيء وخفيّ- إذا رميت بكل تناقضاتك إلى الملأ دفعةً واحدةً، فسوف يعتقد الناس أنك شخصٌ غريب الأطوار. أظهر غموضك بالتدريج وسوف يَكْثُر الكلام عنه. يجب أيضًا أن تُبقي الناس على مبعدة، للحؤول بينهم وبين تصوّرهم إيّاك.
لمسةٌ من الأشياء الخارقة للطبيعة تشكّل وجهًا آخر من الغموض. ظهور المواهب النّبوئية أو الخارقة للطبيعة سوف يعزّز من هالتك. تنبّأ الأشياء بشكل جازم وسيتخيّل الناس غالبًا أنّ ما قلته قد تحقّق.
القداسة. معظمنا يلجأ للتسويات والتنازلات باستمرار لكي يبقى على قيد الحياة؛ القدّيسون لا ينحون هذا النحو. يتعيّن عليهم أن يحيوا مثالياتهم دون أن يكترثوا بالنتائج. مظهر القداسة والورع يمنح الكاريزما.
القداسة تمضي لما هو أبعد من الدين: فسياسّيان على طرفي نقيض كجورج واشنطن ولينين حازا على سمعةٍ من القداسة من خلال العيش ببساطة، بالرّغم من نفوذهم –من خلال الانسجام ما بين قيمهم الشخصيّة وحياتهم الشخصية. الرّجلان ألها عمليًا بعد وفاتهما. آلبرت آينشتاين أيضًا كان لديه هالةً من القداسة- لقد كان شبيهًا بالأطفال وغير مستعدّ للتسوية وتائهًا في عالمه الخاص. المفتاح يكمن في أنّه من الضروري أن يكون لديك أساسًا قيمٌ تؤمن بها بشكل راسخ؛ ذلك الجزء لا يمكن تزييفه، على الأقل دون المخاطرة بالتعرّض للاتهام بالدّجل والشعوذة ممّا سيدمر الكاريزما التي لديك على المدى الطويل. الخطوة التالية تكون في أن تُظْهر، بأكبر قدر ممكن من البساطة والمواربة، أنّك تحيا (تمارس) ما تؤمن به. أخيرًا، فإنّ مظهر
..................................
سحرًا لا أستطيع تفسيره حتى لنفسي، ولدرجةٍ أصبح معها على وشك أن أرتعد في حضرته مثل طفل، بالرغم من أنني لا أخاف لا الله ولا الشيطان، وفي وسعه أن يجعلني أمّر في خرم الإبرة لأرمي نفسي في النار.
- الجنرال فاندام، عن نابليون بونابرت.
[الجماهير] لم تكن مطلقًا متعطشةً للحقيقة. هم يطالبون بالأوهام، ولا يستطيعون الاستغناء عنها. هم دائمًا يعطون الأولوّية لما هو غير حقيقي على ما هو حقيقي؛ إنّ تأثرّهم بما هو غير صحيح يكاد يبلغ قوة تأثّرهم بما هو صحيح. لدهم ميلٌ واضحٌ لئلّا يميزوا بين الاثنين.
- سيغموند فرويد، النسخة القياسيّة من الأعمال الكاملة.


الاعتدال والدماثة وعدم الادّعاء (التواضع) من الممكن أن يتحوّل في آخر المطاف إلى كاريزما، ما دمت تبدو مرتاحًا تمامًا به. مصدر الكاريزما التي كانت عند هاري ترومان وحتّى عند آبراهام لينكولن، كانت الظهور بمظهر الرجل العادي.
الفصاحة أو البلاغة. يعتمد الكاريزماتي على قوة الكلمات. السبب بسيط: الكلمات هي الطريقة الأسرع لخلق اضطرابٍ عاطفيّ. فالكلمات تستطيع أن تستنهض، تُهَذَّب، تثير الغضب، وذلك من دون الإشارة إلى أيّ شيءٍ حقيقيّ. خلال الحرب الأهليّة الإسبانية، ألقت دولوريس جوميز إيباروري المعروفة بالشغوفة خطبًا مناصرة للشيوعيّة والتي كانت من القوة الانفعالية والعاطفية لدرجة تحديد عدّة لحظاتٍ مفصليّة في الحرب. من المفيد للخطيب حتّى ينجح في مثل هذا النوع من الفصاحة أن يكون على شدّةٍ من العاطفة والتماهي مع الكلمات كجمهوره. ومع ذلك فغنّ الفصاحة مُمْكِن أن تُتَعَلم: الأدوات التي استخدمتها الشغوفة- الشعارات، النداءات، التكرارات الإيقاعيّة، العبارات التي يردّدها الجمهور- يمكن أن تُكْتَسب بسهولة. روزفلت الهادئ والمنتمي إلى فئة النبلاء، كان قادرًا على أن يصنع من نفسه خطيبًا فعّالًا، من خلال كلّ من أسلوبه في الإلقاء، الذي كان بطيئًا ويُحدثُ أثرًا كأثر التنويم المغناطيسي، واستخدمه الألمعي للصّور المجازيّة والجناس الاستهلاليّ والبلاغة الإنجيليّة. الحشود التي كانت تجتمع من أجله غالبًا ما كانت تتأثّر لدرجة البكاء. غالبًا ما يكون الأسلوب السّلطوي والبطيء أكثر فعّالية على المدى الطويل من الأسلوب العاطفي المتّقد، لأنّه أكثر سحرًا بشكلٍ خفي، وأقلُّ إتعابًا.
الأسلوب المسرحيّ. يكون الكاريزماتي شديد الثقة بالنّفس ومندفعًا واستعراضيًا، ولديه حضورٌ إضافيّ. انكبَ الممثلون على دراسة هذا النّوع من الحضور لقرون؛ علموا كيف يقفون على خشبة مسرح مكتظّة ويجذبون الانتباه بالرّغم من ذلك. من المفاجئ ألّا يكون الممثّل الذي يصرخ بأعلى صوت أو يومئ بأكثر الإيماءات هيجانًا وحماسةً هو الذي يجذب الانتباه،
.................................
ليغموند فرويد في علم النفس، المجلد 18.


وإنّما الممثّل الذي يبقى هادئًا ويشع بالثقة بالنفس. المحاولة بجهدٍ أكبر من اللازم من شأنها أن تُخَرِّبَ الأثر. من الضروري أن تكون مدركًا لذاتك، أن يكون لديك القدرة على أن ترى نفسك كما يراك الآخرين. فهم ديغول أن إدراك الذات كان عنصرًا جوهريًا في الكاريزما التي لديه؛ في أكثر الظروف اضطرابًا- الاحتلال النازي لفرنسا، إعادة إعمار البلاد بعد الحرب العالميّة الثانية، ثورة الجيش في الجزائر- حافظ على رباطة جأشٍ مهيبة خففت من وطأة الهيستريا التي انتابت زملاءه. عندما كان يتكلّم لم يستطع أحدٌ أن يرفع ناظريه عنه. بمجرّد ما تعرف كيف تنال الانتباه بهذه الطريقة، ضاعف الأثر من خلال الظهور في الوقائع الاحتفاليّة والشعائريّة المليئة بالصور المثيرة، ممّا يجعلك تبدو فخمًا وشبيهًا بالآلهة. لا تمت الزّرفة بصلة إلى الكاريزما – فهي تجذب النوع الخاطئ من الانتباه.
اللامكبوحية (التّحرر من الكبت والنهي). معظم الناس مكبوتون، ولديهم نفاذٌ محدود للاوعيهم- معضلة تخلق فرص للكاريزماتيين، الذين بإمكانهم أن يصبحوا نوعًا من الشاشة التي يسقط عليها الآخرون تخيّلاتهم وأتواقهم. عليك أولًا أن تُظهِر أنّك أقلّ كبحًا وتقيّدًا من جمهورك – أنّك تُشِعُّ بجنسانيةٍ خطيرة، لا تخاف الموت، وعفويٌّ بشكلٍ سارّ. مجرَد أثرٍ بسيط من هذه الخصائص سيجعل الناس تعتقد أنّك أكثر قوّةً ممّا أنت عليه. في خمسينات القرن التاسع عشر، عصفت ممثّلةٌ أمريكيّةٌ بوهيميّة بالدنيا تُدعى آداه إسحق منكن من خلال طاقتها الجنسيّة غير المكبوحة، وجسارتها التي لا تعرف الخوف. كانت تظهر على الخشبة نصف عارية، وهي تؤدّي حركاتٍ تتحدّى الموت؛ قلةٌ قليلةٌ من النساء كنّ يتجرّأن على فعل أشياء كهذه في العصر الفيكتوري، وممثّلةٌ عاديةٌ بامتياز أصبحت موضع هيامٍ وإعجاب يقارب العبادة.
امتدادٌ لكونك غير مقيّد يتجلّى بخاصيةٍ شبيهةٍ بالحلم في عملك وشخصك تُظْهِرُ انفتاحك على لاوعيك. لقد كان امتلاك خاصّيةٍ كهذه هو الأمر الذي حوّل فنانين مثل فاغنر وبيكاسو إلى معبودّين كاريزماتيين. السلاسة والرشاقة في الجسد والطبع هي الصفة المقترنة والمرادفة للأريحيّة؛


فبينما يكون المكبوتون متصلّبين، يتحلّى الكاريزماتيون باليسر والتكيف اللذين يظهران انفتاحهم للتجربة.
الاتقاد والحماسة. عليك أن تؤمن بشيءٍ، وأن تؤمن به بقوةٍ كافية حتّى ينفخ الحياة في كلّ إيماءاتك ويجعل عينيك تضيئان هذا لا يمكن تزييفه. السياسيّون يكذبون على العامّة حتمًا؛ ما يميز الكاريزماتيين هو أنّهم يصدّقون كِذباتهم الخاصّة، ممّا يجعل قابلية تصديقهم أكبر بكثير. شرطٌ لازمٌ للإيمان الملتهب هو قضيّةٌ كبرى للاحتشاد حولها- حملة. كن النقطة التي يحتشد حولها سخط الناس، وأظهر أنَّه لا يساورك أيّ شكٍّ من الشكوك التي تعتري الناس العاديّين وتزعجهم. في عام 1490 أدان فلورنتين جيرولامو سافونارولا لا أخلاقية البابا والكنيسة الكاثوليكية. بعد أن ادّعى أنّه ملهمٌ من الله، أصبح ملتهب الحماسة في عظاته لدرجة أن الهيستريا كانت تكتسح الحشد. لمّ سافونارولا الكثير من الأتباع لدرجةٍ مكنته من الاستيلاء على المدينة لفترة قصيرة إلى أن تدبّر البابا أمر إلقاء القبض عليه وحرقه على الخازوق. آمن الناسُ به بسبب عمق إيمانه الرّاسخ. مثاله وثيق الصّلة بيومنا الحاضر أكثر من أيّ وقتٍ مضى: النّاس ينحون أكثر فأكثر نحو العزلة، ويتوقعون للتّجارب ذات الصّبغة التّشاركيّة والجماعيّة. دع اتّقادك وتوهّجك وإيمانك المعدي، بأيّ شيءٍ تقريبًا، يمنحهم شيئًا ليؤمنوا به.
الهشاشة والحساسيّة. يبدي الكاريزماتيون حاجةً للحبِّ والعاطفة. فهم منفتحون إزاء جمهورهم، ويتغذّون من طاقته في الواقع؛ الجمهور بدوره يُشحّنُ من قبل الكاريزماتيّ، إذ أنّ التيّار يزداد شدّةً كلّما انتقل جيئةً وذهابًا. هذا الجانب الهش والحسّاس من الكاريزما يخفف من وطأة الجانب المتَّسم بالثقة بالنفس، الذي بإمكانه أن يبدو تعصّبيًا ومخيفًا.
بما أنّ الكاريزما تتضمّن مشاعر مشابهة للحب، فعليك بدورك أن تُظْهِر حبك لأتباعك. هذا كان مكونًا رئيسيًا للكاريزما التي تألقت بها مارلين مونرو أمام الكاميرا. كتبت في مذكّراتها «علمت أنني أنتمي للجمهور وإلى العالم، وذلك ليس لأنّني موهوبة أو حتّى جميلة لكن لأنّني


لم أنتمِ لأيِّ شيءٍ أو أي شخصٍ آخر. الجمهور كان الأسرة الوحيدة، فارس الأحلام الوحيد والبيت الوحيد الذي كنت قد حلمت به في كل حياتي». كانت الحياة تدبّ فجأةً في مارلين مونرو وهي أمام الكاميرا، فتشرع في مغازلة وإثارة جمهورها غير المرئي. إذا لم يستشعر الجمهور هذه الصّفة فيك فسوف يديرون لك ظهورهم ويبتعدون عنك. من ناحية أخرى، عليك ألّا تبدو متلاعبًا أو محتاجًا قط. تخيّل جمهورك كشخصٍ واحدٍ تحاول إغواءه- لا شيء أكثر إغواءٍ للجمهور من الشعور بأنهم مرغوبون.
حس المغامرة. الكاريزماتيون غير تقليديّين. لديهم مسحةٌ من المغامرة والمجازفة اللتان تجذبان السئمين والضّجرين. كن جريئًا بصفاقة وشجاعًا في أفعالك- يجب أن تتّم رؤيتك وأنت تقتحم الأخطار من أجل نفع الآخرين.
حرص نابليون على أن يشاهده جنوده وهو في قلب النيران في المعركة. مشى لينين في الشوارع دون حماية بالرّغم من التهديدات بالموت التي كان قد تلقّاها. الكاريزماتيون يدهرون في أوقات الشدّة والاضطراب؛ فالأزمة تسمح لهم بازدهاء جرأتهم، ممّا يعزز هالتهم. بُعِثَ جون إف كينيدي إلى الحياة لدى تعامله مع أزمة الصواريخ الكوبيّة، وشارل ديغول عندما واجه الثورة في الجزائر. هم احتاجوا إلى هذه الأزمات لكي يبدو كاريزماتيين، وفي الحقيقة فقد اتُهمهم البعض حتّى بإثارتهم لمواقف (كينيدي من خلال أسلوب سياسة الحافة الذي ميّز تعاطيه السياسي، على سبيل المثال) تدغدغ أوتار حبَهم للمغامرة. أظهر البطولة لتُسْيِغَ على نفسك كاريزما تدوم مدى الحياة. على نحوٍ معاكسٍ فإنّ أقلّ علامات الجبن أو التهيّب سوف تدمّر أيّة كاريزما كانت لديك.
المغناطيسية. إذا كانت أيّة خاصيّةٍ جسديةٍ مهمّةٌ في الإغواء- فهي العينان. هما يظهران الإثارة، التوتّر، النّأي واللااهتمام، دون أن يُتَلَفّظ بكلمة واحدة. التواصل غير المباشر حاسمٌ في الإغواء، وكذلك في الكاريزما. قد يكون سلوك الكاريزماتيين متّسمًا برباطة الجأش والهدوء، لكنّ عيونهم أشبه بالمغناطيس؛ إذ أنّ لديهم نظرة ثاقبة تُشوّش أحاسيس أهدافهم، وتمارس القوّة
...................................
في مثل ظروفٍ كهذه، حيث يكون أكثر من نصف المعركة على شكل اشتباكات مباشرة ومحصورة في حيّز ضيّق، فإنّ روحيّة القائد وقدوته يشكلان أهميّةً كبيرة. عندما نتذكر هذا، فإنه يَسهُل فهم الأثر المذهل لحضور جان على الجنود الفرنسيّين. موقعها كقائد كان موقعًا فريدًا. لم تكن جنديًا محترفًا؛ بل الحقّ أنّها لم تكن جندّيًا على الإطلاق؛ بل أنّها لم تكن حتّى رجلًا. لقد كانت جاهلةً بالحرب. لقدة كانت فتاةً في زي مقاتل لكنها آمنت وجعلت الآخرين مستعدّين للإيمان بأنها الناطق باسم الله. في يوم الجمعة الموافق لـــ 29 نيسان من عام 1429، ذاعت الأنباء بأنّ قوةً تقودها عذراء دومرمي، كانت في طريقها


دون مساعدة الكلمات أو الأفعال. النظرة العدوانية لدى فيدل كاسترو كان بمقدورها أن تُجبِرُ مناوئيه على الصمت. عندما كان يتعرّض بنيتو موسوليني للتحدّي فإنّه كان يقلب عينيه بحيث يُظهِر البياض على نحو الناس. كان لدى كوسناسورسو سوكارنو (رئيس إندونيسيا) تحديقةٌ تبدو وكأنّها قادرةٌ على قراءة الأفكار. كان بإمكان روفنت أن يوسّع بؤبؤي عينيه متى أراد، فتصبح بذلك تحديقته مخيفةٌ ومنومةٌ مغناطيسيًا. عينا الكاريزماتي لا تظهران أبدًا الخوف أو القلق.
كل هذه المهارات يمكن اكتسابها. أمضى نابليون ساعاتٍ أمام المرآة وهو يصوغ نظرته على غرار تلك التي عند تالما (الممثّل المعاصر العظيم) المفتاح هو تمالك النفس. ليس بالضرورة أن تكون النظرة عدائيّة؛ إذ يمكنها أن تُظهر الرضا والاطمئنان. تذكَر: عيناك تستطيعان أن تبتعثا الكاريزما، لكنّهما من الممكن أن يَشيا بكونك زائفًا. لا تدع للصدفة صفةً مهمةً كهذه. تدرّب على الأثر الذي ترغب به.
الكاريزما الأصيلة تعني إذًا القدرة على توليد التّحفيز الهائل داخليًا والتّعبير عنه خارجيًا، وهي قدرة تجعل من الشخص موضع انتباهٍ مركّز ومحاكاةٍ طائشةٍ من قبل الآخرين.
- لا يا غرينفيلد
الأنماط الكاريزماتية- أمثلة تاريخيّة
النبي المجترح للمعجزات. في عام 1425، تحقّقت لجان دارك -التي كانت فتاوً فلاحةً من قرية دومرمي الفرنسيّة- رؤيتها الأولى: «كنت في الثالثة عشرة عندما أرسل الله صوتًا ليهديني». الصّوت كان للقدّيس ميشيل الذي حمل رسالةً من الله: اختيرت جان لتخلّص فرنسا من الغزاة الإنكليز الذين حكموا عندها معظم البلاد، ومن الفوضى والحرب المترتّبة من وراء ذلك. كانت أيضًا ستعيد الأمير دوفان (المعروف لاحقًا باسم شارل السابع) إلى عرش فرنسا والذي كان الوريث الشرعي له. كذلك تكلّمت إلى جان
......................................
النجدة المدنية، وتبعًا للمؤرخ فإن هذه الأنباء طمأنت سكّان المدينة إلى حدٍّ كبير.
- فيتا ساكفيل- وست القدّيسة جان دارك.

القدّيسة كاثرين والقدّيسة مارغريت. رؤاها كانت واضحةً وقويةً بشكلٍ استثنائيّ: رأت القدّيس ميشيل، سمّته، لمسته.
في البداية لم تخبر جان أحدًا بما كانت قد رأته؛ لأنّها إذا أخبرت أحدًا فسيشيع الخبر، وهي مثال الفتاة الريفيّة الهادئة. لكنّ الرؤى أصبحت أكثر شدّةً من ذي قبل، وهكذا غادرت دومرمي في عام 1429 وهي عازمةٌ على تحقيق المهمّة التي من أجلها قد اختارها الله. هدفها كان أن تلتقي بالأمير شارل في مدينة شينون، حيث كان قد أسّس بلاطه في المنفى. كانت العقبات هائلة: شينون كانت بعيدة والرحلة خطرة وشارل، حتّى لو وصلت إليه، كان شابًا متقاعسًا وجبانًا ومن غير المحتمل أن يشنُّ حَملة على الإنكليز. مضت غير هيّابةٍ من قرية إلى قرية وهي تشرح مهمتها لجنود وتطلب منهم مرافقتها إلى شينون. الفتيات اليافعات اللواتي رأين رؤىً دينيّة كانوا أكثر من أن يمكن عدّهن في ذلك الوقت، ولم يكن هناك شيءٌ يوحي بالثقة في مظهر جان؛ على أيّ حال فإنّ أحد الجنود والذي اسمه جان دي ميتز تُيِّمَ بها. ما سحره كان كم التفاصيل في رؤاها: كانت ستحرّر بلدة أورليان المحاصرة، تضمن تتويج الملك في كاثدرائية رايم، تقود الجيش إلى باريس؛ علمت كيف وأين كانت ستُجرَح؛ الكلمات التي عَزَتها للقدّيس ميشيل كانت مختلفة تمامًا عن لهجة وكلمات فتاة ريفيّة؛ وكانت واثقةً على نحوٍ غايةٍ في الهدوء، وأضاءت بالإيمان الراسخ. وقع دي ميتز تحت سحرها، وأقسم على الولاء وانطلق معها نحو شينون. سرعان ما قدّم آخرون المساعدة أيضًا، ووصلت الأنباء إلى شارل عن الفتاة الغريبة التي كانت في طريقها لملاقاته.
على الطريق المؤدّي إلى شينون البالغ 350 ميلًا طولًا، وبمرافقة حفنة من الجنود، وعبر أرض مليئة بالعصابات المتناحرة، لم تُظْهِر جان لا الخوف ولا التردد. استغرقت الرحلة عدّة أشهر. عندما وصلت أخيرًا، قرّر دوفان أن يلتقي بالفتاة التي كانت قد وعدت بأن تعيده إلى عرشه، راميًا بذلك عرض الحائط بنصيحة مستشاريه؛ فقد كان ضجرًا وأراد أن يتسلى، وقرّر أن يلعب لعبةً صغيرة معها بقصد الخداع. كان من المقرّر أن تلتقيه في قاعةٍ مليئةٍ برجال البلاط؛ فتنكّر دوفان كواحدٍ من هؤلاء الرجال بقصد اختبار قواها التنبَؤيّة، وألبس رجلًا آخر ثياب الأمير. إلّا أن جان أذهلت الحشد عندما
....................................
من بين الفائض من السكّان الذين كانوا يعيشون على هامش المجتمع [في العصور الوسطى] فإنّه كان يوجد دائمًا ميلٌ قويٌ ليتّخذوا قائدًا من رجل عاديّ، أو راهب أو أخ مرتد عن أخوّية دينيّة، والذي لا يطرح نفسه ببساطة كرجلٍ مقدسٍ وإنما كنبيّ أو إله على الأرض. بناءً على قوة إلهاماته أو كشوفاته والتي يدّعي على أساسها أصله الإلهي فإنّ هذا القائد كان يكلّف أتباعه بمهمّةٍ جماعية ذات أبعاد ضخمة وأهميّةٍ تهز العالم. الإيمان الراسخ بأن لديهم مهمةً كهذه، وبأنّهم مكلّفون إلهيًا لتنفيذ هذا الواجب الاستثنائيّ، كان يزوّد الضالين والمحبطين بغاياتٍ جديدة وأملٍ جديد. هذا لم يكن يعطيهم مجرد مكانٍ في العالم وإنّما مكانًا متألقًا وفريدًا. أخوّيةٌ


وصلت، إذ توجّهت مباشرةً نحو شارل وانحنت باحترام قائلة: «لقد أرسلني ملك السماوات إليك لأنقل إليك الرّسالة بأنك ستكون قائم مقام ملك السماوات وملك فرنسا». في المحادثة التي تلت، بدت جان أنّها تردّد أفكار شارل الأكثر خصوصيّة، بينما كانت تسرد مجددًا وبتفصيل استثنائيّ الأعمال البطوليّة التي كانت ستنجزها. بعد بضعة أيّام، أعلن الأحمق المتردّد اقتناعه وأعطاها بركته لتقود جيش فرنسا ضد الإنكليز.
بمعزلٍ عن المعجزات وعن القداسة، فقد تمتعت جان بخصائص أساسيّة جعلتها استثنائية. رؤاها كانت كثيفة وشديدة؛ استطاعت وصف هذه الرؤى بقدرٍ من التفصيل ممّا أوحى بأنها لابدَّ أن تكون حقيقيّةً. التفاصيل تتحلّى بهذا التأثير: إذ تضفي حسًا من الواقعية على أكثر التصاريح منافاةً للمنطق. علاوةً على ذلك فقد كانت غاية في التركيز في وقتٍ سادته الفوضى والاضطراب وكأنّ قوتها كانت تُسْتَمَدّ من مكانٍ لا ينتمي إلى هذا العالم. تكلمت كرمز سلطةٍ ومرجعيّة، وتوقّعت أشياء يريدها الناس: أنّ الإنكليز كانوا سيُهزّمون والازدهار سيعود. تحلّت أيضًا بحسِّ فلاحةٍ سليم وعمليّ. كانت بالتأكيد قد سمعت أوصافًا عن شارل وهي في طريقها لشينون؛ وهكذا تمكنت من استشعار الحيلة التي كانت تُمارّس عليها فور وصولها إلى القاعة، واستطاعت بثقة أن تختار وجهه المدلّل من بين الحشد. في السنة التي تلت، تخلّت عنها رؤاها، وكذلك ثقتها- ارتكبت العديد من الأخطاء، ممّا أدى إلى اعتقالها من قبل الإنكليز. كانت بالفعل بشرًا.
من الجائز أنّنا لم نعد نؤمن بالمعجزات، لكنّ أيّ شيء يُشير ولو من طرفٍ خفيّ إلى القوى الغريبة، الروحية، وحتّى الخارقة للطبيعة من شأنه أنه يخلق الكاريزما. الآليّة النفسيّة هي ذاتها: لديك رؤى عن المستقبل، وعن الأشياء العجيبة والرائعة التي يمكنك أن تنجزها. صف هذه الأشياء بكثيرٍ من التفصيل، وبلمسةٍ من السلطة، وستبرز فجأة. وإذا كانت نبوءتك- عن الازدهار على سبيل المثال- هي بالضبط ما يريد أن يسمعه الناس، فسيقع الناس تحت سحرك على الأرجح ويروا الأحداث اللاحقة كتأكيدٍ لتنبؤاتك. أبدِ ثقتك وسيعتقد الناس أن ثقتك تنبع من معرفةٍ حقيقية. سوف تخلق نبوءةً تحقّق ذاتها بذاتها: إيمان الناس بك سيُتَرجَم إلى أفعالٍ من شأنها أن
....................................
من هذا النوع كانت تشعر بأنّها تخبويّة، ومتميزةٌ بالكامل عن الفانين العاديين وأرقى نهم، وأنّها تشاركه أيضًا قواه العجائبية.
- نورمان كوهن السعي وراء الألفيّة.
«كم كانت عينا [راسبوتين] خاصتين» اعترفت امرأة كانت قد بذلت جهودًا لتقاوم تأثيره. تتابع بالقول أنه في كلّ مرّة كانت تلتقيه فإنّها كانت تّذهَل من جديد إزاء قوّة تحديقته التي كان من المستحيل الصمود أمامها لأيّ فترةٍ معتبرة. كان هنالك شيءٌ مستندٌ في هذه النظرة الحنونة واللطيفة ولكن الماكرة والخبيثة في نفس الوقت؛ الناس كانوا عاجزين أمام سحر الإرادة القويّة التي كان يمكن


تساعد على تحقيق رؤاك. أي بارقة نجاح ستجعلهم يرون المعجزات والقوى الخارقة للطبيعة وتوهّج الكاريزما.
الحيوان الأصيل. ذات يوم من عام 1905، كان صالون الكونتيسة إيغناتيبف في سانت بطرسبرغ مليئًا على نحو غير عاديٍ. كان السياسيّون، سيدات المجتمع، ورجال الحاشية قد وصلوا كلّهم باكرًا انتظارًا لضيف الشرف الاستثنائي: غريغوري إيفوموفيتش راسبوتين، الراهب السيبيري البالغ الأربعين عامًا من العمر والذي كان قد صنع لنفسه صيتًا في كل أرجاء روسيا كشافٍ، ولربّما كان قديسًا. عندما وصل راسبوتين، قلّةٌ استطاعوا أن يخفوا خيبة أملهم: فقد كان وجهه قبيحًا وشعره على شكل خيوط، وكان طويلًا هزيلًا وسمجًا. تساءلوا متعجّبين عن سبب قدومهم. لكنّ راسبوتين آنذاك دنا منهم واحدًا واحدًا، وأحاط أصابعهم بيديه الكبيرتين وهو يحدّق عميقًا في أعينهم. في البداية كانت تحديقته تسبّب القلق والإرباك: إذ كان يبدو كمن يسبر أغوارهم ويحاكمهم أثناء تفحصهم بنظراته من الأعلى إلى الأسفل. ومع ذلك فقد كانت تعابير وجهه تتغيّر فجأة فيشعّ التفهم والطيبة والبهجة من وجهه. وعدّة سيّدات كان قد عانقهم في الواقع بأكثر الطرق إسرافًا في التعبير عن العاطفة. كان لهذا التضارب المذهل آثارٌ عميقة.
سرعان ما تغيرّ المزاج في الصالون من الخيبة إلى الإثارة. وجه راسبوتين كان غايةً في الهدوء والعمق؛ لغته كانت فظةً وغير مصقولة، ومع ذلك فقد كانت الأفكار التي تعبرّ عنها بسيطة بشكل سار، وكان لديها نبرة أو مسحة الحقيقة الرّوحية العظيمة. بعدئذٍ، بمجرد ما بدأ الضيوف بالاسترخاء بحضور هذا الفلّاح ذو المظهر القذر، تغيرّ مزاجه فجأةً نحو الغضب: «أنا أعرفكم، أستطيع قراءة أرواحكم. أنتم جميعًا مترفون.. ثيابكم الجميلة ومقتنياتكم الفنيّة كلّها عديمة النفع وضارّة. ينبغي لكم أن تتواضعوا! وأن تكونوا أكثر بساطة، أكثر، أكثر بساطةً بكثير. فقط عندها سيكون الله أقرب لكم». ضجّ وجه الراهب بالحياة وتوسّعت حدقتاه وبدا مختلفًا كلّيًا. كم كان ذلك المظهر الغاضب مثيرًا للخشية والإعجاب، ومذكرًا بيسوع وهو يطرد المرابين من المعبد. بعدها هدأ راسبوتين وعاد لكونه كريمًا وسمحًا. ومن ثمّ، في أداءٍ سرعان ما كان سيعيده مرارًا وتكرارًا في صالونات المدينة، قاد الضيوف في
.......................................
الشعور بها في كلّ كينونته. مهما تبرمت من هذا السحر، ومهما حاولت الهرب منه، فإنّك بطريقةٍ أو بأخرى تجد نفسك وقد أُرجعت وأُسرت. فتاةٌ يافعة كانت قد سمعت بالقديس الجديد الغريب قدمت من مقاطعتها إلى العاصمة، وزارته بحثًا عن التنوير والإرشاد الروحي. لم تكن قد شاهدته أو صورةً له من قبل أبدًا، والتقته لأول مرة في منزله عندما قدم إليها وتحدّث إليها، فإنّها طنته مثل المبشّرين القرويين الذين غالبًا ما شاهدتهم في موطنها في الريف. تحديقته اللطيفة والرهبانيّة وشعره البنيّ الفاتح المفروق بشكلٍ أملسٍ حول الوجه الحسن، كلّ ذلك أوحى لها بالثقة للوهلة الأولى. لكنّها عندما اقتربت منه أكثر، فقد شعرت


أغنية فولكلورية، وبينما كانوا يغنون، أخذ يرقص رقصةً غريبةً من تصميمه الخاص لا يكبحها شيء، وأثناء رقصه أخذ يدور حول النساء الأكثر جاذبيةً هناك، وعيناه تدعوانهن للانضمام. تحت الرّقصة نحو الشهوانية بشكل مبهم؛ ولدى وقوع شريكاته تحت سحره أخذ يهمس بتعليقاتٍ موحية ومثيرة. ومع ذلك فلم يبدُ على أيّة واحدةٍ منهن الانزعاج.
خلال الأشهر القليلة التي تلت، شرعت النساء من مختلف طبقات مجتمع سانت بطرسبرغ بالتوافد على شقّة راسبوتين. كان يتكلّم معهنّ عن مسائل روحيّة، نكته عندها وبدون إنذار يصبح شهوانيًا. ويأخذ يهمس ويدمدم بأشدّ عبارات الاستدراج الجنسي سوقيّة. كان يبرّر نفسه من خلال المبدأ الروحي القاتل: كيف يتسنّى لك أن تتوب إن لم تأثم؟ الخلاص يأتي فقط لأولئك الذين يضلون وينحرفون عن الصراط المستقيم. واحدة من القلّة اللاتي رفضن محاولته سُئلت من قبل صديقتها: «كيف بإمكان أي شخص أن يرفض أيّ شيء يطلبه منه قديس؟» فكان جوابها: «وهل يحتاج القديس إلى حب آثم؟». فردت عليها صديقتها «هو يجعل من أي شيء يدنو منه مقدسًا. لقد انتميت إليه أساسًا، وأنا فخورةٌ وسعيدة بفعلي هذا». «لكنك متزوجة! فما قول زوجك؟» «هو يعتبر هذا شرفًا عظيمًا. إذا رغب راسبوتين بامرأة فجميعنا ننظر لهذا الشيء كبركة وامتياز، أزواجنا وكذلك نحن».
سرعان ما انتدّ سحر راسبوتين ليشمل القيصر نيكولاس وبشكل أكثر تحديدًا زوجته القيصرة أليكساندرا، بعد أن أشفى ظاهريًا ابنهما من إصابة تتهدد الحياة. كان قد أصبح خلال بضعة سنوات الرّجل الأكثر قوةً ونفوذًا في كل روسيا، وذا سيطرةٍ كاملةٍ على الزوجين الملكيّين.
الناس أكثر تعقيدًا بكثير من الأقنعة التي يرتدونها في المجتمع. الرّجل الذي يبدو أنه غايةٌ في النبل والدماثة من المحتمل أن يخفي جانبًا مظلمًا والذي من شأنه أن يتجلى غالبًا بطرقٍ غريبةٍ؛ إذا كان نبله وتهذيبه في الواقع مجرّد مظهر خارجيٌ خداع، فستظهر الحقيقة عاجلًا أم آجلًا، وسينفّر نفاقه الناس منه ويخيّب الآمال به. من الناحية الأخرى فإنّنا ننجذب للناس الذين يبدون أنهم أكثر راحةً بكونهم بشر، الذين لا يتجشّمون عناء إخفاء
.................................
مباشرةً بأنّ رجلًا مختلفًا تمامًا، غامضًا وماكرًا ومُفسدًا، كان ينظر إليها من حلف العينين اللتين كانتا تشعّان بالطيبة واللطف. جلس قبالتها، واقترب منها للغاية، وغيرت عيناه ذاتا اللون الأزرق الفاتح لونهما، وأصبحتا عميقتي الغور وقاتمتين. وصلتها نظرةٌ حادةٌ من ركن عينيه، اخترقتها وسمّرتها مذهولة. وطأةً ثقيلةً كالرصاص شلّت أوصالها عندما دنا منها وجهه المتغضّن الهائل الذي غيّرت الشهوة ملامحه.
شعرت بأنفاسه الحارة تلفح وجنتيها، ورأت كيف اختلست عيناه المضطرمتان من أعماق محجريهما النظر إلى جسدها الذي لا حول له ولا قوة، إلى أن أرخى جفنيه في تعبيرٍ شهواني. كان صوته قد خفت حتّى صار


تناقضاتهم. هذا كان مصدر كاريزما راسبوتين. الرجل الذي يكون نفسه بشكل أصيل تمامًا –أي المجرد بالكامل من الوعي بنقائضه والانشغال بها أو النفاق- يكون جذابًا بشكل هائل. فطاعته وقداسته كانتا غايةً في التطرّف لدرجة بدا معها غاية في الثقة ومثيرًا للرّهبة والإعجاب. النتيجة كانت هالةٌ من الكاريزما الطاغية والعاقدة للسان؛ كانت تشعّ من عينيه، ومن لمسة يديه.
معظمنا عبارة عن مزيجٍ من شيطان وقدّيس، نبيلٍ ووضيع، ونقضّي حياتنا ونحن نحاول أن نقمع الجانب المظلم. قلّةٌ منّا تستطيع أن تطلق العنان لكلا الجانبين، كما فعل راسبوتين، لكنّنا نستطيع أن نُبدع درجةً أقل من الكاريزما من خلال تخليص أنفسنا من الوعي بالذات وهفواتها، ومن الانزعاج الذي يشعر به معظمنا إزاء طبيعته المعقّدة. أنت لا تملك إلّا أن تكون أنت، فكن حقيقيًا وغير زائف. هذا ما يجذبنا نحو الحيوانات: فهي جميلة ووحشيّة، ولا يخامرها الشّك إزاء ذواتها وقدراتها. تكون هذه الخاصيّة ساحرةً بشكل مضاعف عند البشر. ظاهريًا قد يدين النّاس جانبك المظلم، لكن ليست الفضيلة وحدها ما يخلق الكاريزما؛ أيّ شيءٍ استثنائيّ سيؤدّي الغرض ذاته. لا تعتذر أو تُحجم عند منتصف الطريق. كلّما بدوت أقلّ تقيدا، كان الأثر أكثر مغناطيسيّة.
الممثّل الشيطاني. خلال طفولته كان يُعْتقد أنّ إلفيس برسلي كان صبيًا غريب الأطوار ومنكفئًا على ذاته. في المدرسة الثانويّة في ممفيس، تينيسي، لفت الانتباه من خلال قصة البومادور وسوالفه الطويلة وثيابه الزهرية والسوداء، لكنّ الناس الذين حاولوا التكلم معه لم يجدوا أيّ شيءٍ عنده –فقد كان إمّا بايخًا بشكلٍ رهيب أو خجولًا بشكل ميؤوس منه. كان الشاب الوحيد الذي لم يرقص في حفلة تخرج المدرسة الثانويّة. بدا ضائعًا في عالم خاص ومغرمًا بالغيتار الذي حمله معه حيثما ذهب. في مسرح مقاطعة إليس، لدى نهاية أمسيةٍ من الأغاني الإنجيلية أو المصارعة، كان مدير الحفلات غالبًا ما يرى إلفيس على الخشبة وهو يحاكي أداءً ما وينحني أمام جمهورٍ وهمي. وكان يغادر بهدوء عندما يُطْلَب منه ذلك، إذ كان شابًا غايةً في التهذيب.
في عام 1935، سجّل إلفيس أغنيته الأولى في استديو محلّى عندما
.....................................
همسًا مشبوب العاطفة، ودمدم في أذنها بكلمات غريبةٍ شهوانية. في تمام اللحظة التي كانت فيها على وشك الاستسلام لمغويها، تحرّكت فيها ذكرى باهتة كما لو أنها كانت قادمة من بعيد؛ فتذّكرت أنّها كانت قد قدمت لتسأله عن الله.
- رينية فولو- ميلو راسبوتين: الشيطان المقدس.
في صلب طبيعتها، فإنّ وجود السلطة الكاريزماتية غير مستقرّ على نحوٍ خاصّ. فحاملها قد يُضيّعها؛ قد يشعر أنّ! «الله تخلّى عنه»، كما شعر المسيح على الصليب؛ قد يُبين لأتباعه أنّ «الفضيلة قد نضبت منه» وعندها تكون المهمّة قد انطفأت، فيرجَأ الأمل وينتظر


كان قد تخرّج لتّوه من المدرسة الثانوية. التسجيل كان تجربةً، فرصةً له ليسمع صوته الخاص. بعد سنةٍ من ذلك دعاه مالك الاستديو (سام فيليبس) لكي يسجّل أغنيتين على نمط البلور مع ثنائيٍّ من العازفين المحترفين. عملًا لساعات، لكن بلا جدوى؛ فقد كان إلفيس عصبيًا ومتشنّجًا. بعدها، عندما شارفت الأمسية على الانتهاء وشعر إلفيس بالدّوار نتيجة الإرهاق، انطلق وأخذ يقفز حول المكان كالأطفال، في حظةٍ من الاستسلام الكامل والتحرّر من جميع القيود. انضمّ الموسيقيّان الآخران وازدادت الأغنية حماسًا على حماس. أضاءت عينا فيليبس –فقد علم أنه كان لديه شيءٌ ما هنا.
بعد شهرٍ من ذلك قدم إلفيس أداءه العلنيّ الأول في الهواء الطلق في منتزه ممفيس. كان على نفس القدر من العصبيّة والتوتر الذي كان عليه في جلسة التسجيل، ولم يستطع إلّا أن يُتأتئ عندما كان يتعينّ عليه أن يتكلّم؛ لكن بمجرّد دخوله في الأغنية، فقد انطلقت الكلمات. استجاب الحشد بحماسةٍ وصلت في لحظات معينةٍ إلى الذروة. لم يستطع إلفيس أن يتصوّر السبّب. وقال فيما بعد: «ذهبت إلى عند المدير بعد الأغنية وسألته عمّا كان يجعل الحشد يفقد صوابه. فأجابني، لست متأكدًا تمامًا، لكننّي أعتقد أنّك في كلّ مرة تهزهز رجلك اليسرى، يبدؤون بالصراخ. أيّا يكن السبب، فقط لا تتوقف».
في عام 1954 سجّل إلفيس أغنيةً منفردةً حققت نجاحًا باهرًا. وسرعان ما أصبح مطلوبًا. كان الصعود على الخشبة يملأه بالتلهف والعاطفة، بشكلٍ مفرط لدرجة أنّه كان يصبح شخصًا آخر، وكأنّه مموس. «لقد تناقشت مع بعض المغنّين وهم أيضًا يتوتّرون قليلًا لكنهم قالوا أنّ أعصابهم تهدأ نوعًا ما بعد أن ينخرطوا بالغناء. لكنّ أعصابي لا تهدأ أبدًا. إنها نوعٌ من الطاقة...... شيءٌ لربما يشبه الجنس». خلال الأشهر القليلة التي تلت اكتشف إلفيس المزيد من الحركات والأصوات- حركات راقصة منتفضة، صوتًا أكثر رجفانًا- التي جعلت الحشود تُجّنّ، وخاصّةً المراهقات. خلال سنة كان قد أصبح الموسيقى الأكثر نجاحًا وشعبيةً في أمريكا. حفلاته كانت بمثابة تمارين للهيستريا الجماعيّة.
كان لدى إلفيس برسلي جانبٌ مظلم، حياةٌ سرّية. (البعض كان قد
.................................
المتلمسون لحاملٍ جديد للكاريزما.
- ماكس فيبر، من مقالات في علم الاجتماع لمكس فيبر. تحرير هانز جيرث وسي. رايت ميلز.
هو إلههم. يقودهم كما يقود شيئًا من الأشياء/ صنعته ألوهية أخرى غير ألوهية الطبيعة، / فذلك يشكل الإنسان بشكل أفضل؛ ويتبعونه/ ضدنا نحن الغلمان المزعجين بإيمانٍ لا يقلّ/ عن إيمان الصبية في مطارتهم لفراشات الصيف/ أو الجزّارين في قتلهم للذباب.....
- ويليام شكسبير، كوريولانوس
السقف ارتفع حقًا عندما اعتلى بريسلي خشبة المسرح. غنّى


عزوه لموت شقيقه التوأم عند الولادة). قمع إلفيس هذا الجانب وكبته بقوّة عندما كان شابًا؛ شمل هذا الجانب جميع أنواع التّخيّلات التي لم يكن بوسعه الاستسلام لها إلّا عندما كان وحيدًا، بالرّغم من أنّ طريقته غير التقليديّة في اللباس يمكن أيضًا أن تكون عارضًا لهذا الجانب. مع ذلك فقد كان قادرًا على إفلات هذه الشياطين من عقالها عندما كان يؤديّ. كانت هذه الشياطين تنطلق كطاقةٍ جنسيةٍ خطيرةٍ. كان مرتعشًا، مخنثًا، وغير مقيّد، كان رجلًا يمثّل تخيّلاتٍ غريبةٍ أمام الجمهور. أحسّ الجمهور بهذا وكان متحمّسًا بسببه. لم يكن الأسلوب والمظهر المتوهّجان والمزخرفان بإشراف الأمر الذي أسبغ عليه الكاريزما، وإنّما التعبير المُكَهرِب لاضطرابه الداخلي.
يكون لدى الحشد أو الجماعة من أيّ نوع طاقة مميّزة. تحت السطح تمامًا تكون الرّغبة، استثارةٌ جنسية دائمة يتعين كبتها لأنّها غير مقبولة اجتماعيًا. إذا كانت لديك القدرة على إيقاظ تلك الرغبات، فسيراك الجمهور كشخص لديه كاريزما. المفتاح يكون من خلال تعلّم النفاذ أو الوصول إلى لاوعيك الخاص، كما فعل إلفيس عندما كان يطلق العنان لنفسه. أنت ملئٌ بالإثارة التي تبدو أنها تنبع من مصدرٍ داخليٍ غامضٍ ما. تحررك من القيود والكوابح سيدعو الناس الآخرين للانفتاح، ممّا يطلق شرارة تفاعل متسلسل: إثارتهم بدورها سوف تبعث فيك الحياة حتّى أكثر من ذي قبل. الخيالات التي تكشف العطاء عنها لا يتوجّب بالضرورة أن تكون جنسيّة- أي محظور اجتماعيّ، أي شيءٍ مقموع ويتوق لمُتَنَفّس سيفي بالغرض. اجعل هذا الشيء محسوسًا في تسجيلاتك، أعمالك الفنّية، كتبك. الضغط الاجتماعي يبقي الناس غايةً في الخضوع والكبت لدرجة أنهم سينجذبون إلى الكاريزما التي لديك حتّى قبل أن يكونوا قد التقوا بك شخصيًا.
المخلّص. في آذار من عام 1917، أجبر البرلمان الروسي حاكم البلاد، القيصر نيكولاس، على التخلّي عن الحكم وأسّس حكومةً مؤقتةً. كانت روسيا في وضعٍ صعبٍ وخطرٍ جدًا. مشاركتها في الحرب العالميّة الأولى كانت كارثةّ؛ كانت المجاعة تنتشر على نطاقٍ واسع، منطقة الريف الضخمة
.................................
لخمسٍ وعشرين دقيقة بينما ثار الجمهور كبركان فيزوف. «لم أشاهد قطر في كلّ حياتي مثل هذه الإثارة والصراخ، لا قبل هذه الحفلة ولا بعدها»، قال [المخرج هال كانتر].
كمراقبٍ، وصف كونه مذهولًا بـــ«عرض هيستريا الجمهور الجماعية... موجة عارمة من الإعجاب اندفعت من 9000 شخص عابرةً طوق الشرطة المحيط بالمنصّة إلى بقعة الضوء ومنها إلى المؤدّي وما وراءه، ناقلةً إيّاه إلى مستويات جنونية من الاستجابة».
- وصف لحفلة إلفيس برسلي في مسرح هايرايد، شريفيبورت، لويزيانا، 17 ديسمبر، 1956، من كتاب بيتر وايتمر، إلفيس من


كان يسودها النهب وغرف الإعدام من غير محاكمة قانونيّة، وكان الجنود يفرّون من الجيش بالجملة. سياسيًا كان البلد مقسمًا بشكلٍ مرير؛ الأحزاب الرئيسة كانت اليمين، الديمقراطيون الاجتماعيون، والثوريّون المتطرفون، وكلّ واحدٍ من هذه المجموعات كان مبتليًا بدوره بالنزاع والشقاق.
في خضم هذه الفوضى ظهر فلاديمير إيليش لينين البالغ سبعًا وأربعين عامًا من العمر. لقد كان ثوريًا ماركسيًا وقائدًا للحزب الشيوعي البلشفي؛ كان قد عانى من النفي لاثني عشر عامًا في أوربا إلى أن هرع عائدًا إلى وطنه بعد أن أدرك أنّ الفوضى التي تجتاح روسيا هي الفرصة التي لطالما كان قد انتظرها. الآن دعا إلى إنهاء مشاركة روسيا في الحرب وإلى ثورةٍ اشتراكيةٍ فوريةٍ. في الأسابيع القليلة التي تلت قدومه، لم يكن شيءٌ ليبدو أكثر سخافةً من هذا. لم يكن لينين مثيرًا للإعجاب كرجلٍ؛ فقد كان قصيرًا وغير جذاب الملامح. كان معزولًا عن شعبه ومنغمسًا في القراءة والجدالات الفكريّة نتيجة قضائه سنوات وهو بعيدٌ في أوربا. والأهم من هذا كلّه أنّ حزبه كان صغيرًا ويمثّل فقط جماعة منشقة من ضمن الائتلاف اليساريّ المُنَّظم على نحوٍ سائب ومتقلقل.
مضى لينين إلى العمل غير خائفٍ أو آبهٍ. حيثما ذهب كان يكرّر نفس الرسالة البسيطة: أنهوا الحرب، أسسوا حكم البروليتاريا، اقضوا على الملكية الخاصّة، أعيدوا الثروة. بدأ الناس بالاستماع بعد أن أرهِقوا نتيجة الاقتتال السياسي الداخلي المتواصل للأمة ونتيجة تعقيد مشكلاتها. لينين كان غايةً في التصميم والثقة. لم يفقد أبدًا هدوءه ورباطة جأشه. في خضم المماحكات الخشنة؛ كان يفضح الزيف في مواقف كل واحد من خصومه ببساطة ومنطقية. أُعْجِب العمّال والجنود بحزمه. ذات مرة، في وسط أعمال شغبٍ متفاقمة، أذهل لينين سائقه الخاص عندما قفز على عتبة سيّارته الجانبيّة وأخذ يوجّه السيارة عبر الحشود، معرضًا سلامته الشخصية لخطرٍ حقيقيّ. عندما كان يُقال له أنّ أفكاره لا تمت بصلة إلى الواقع كان يجيب: «ويا للواقعة لهذا الواقع!».
وقد جمع بالإضافة إلى الثقة بقضيّته الأشبه بثقة المخلّصين المنتظرين قدرةً على التنظيم. كان لينين قد طوّر مهارات عمليّة هائلة ليلمّ شعث حزبه المُبَعثَر والمضمحلّ عندما كان منفيًا في أوربا. كان أيضًا خطيبًا مُفوّهًا في
..................................
الداخل، السيرة الذاتية النفسيّة لإلفيس أرون بريسلي.
لا يستطيع أحدٌ أن يلهب الآخرين بخططه، لا يستطيع أحدٌ أن يفرض إرادته ويُخضع بقوة شخصيته كما استطاع هذا الرجل الذي يبدو غايةً في الاعتيادية وفضًا بعض الشيء والذي يفتقر لأيّ مصادر ملموسة للسحر... لا بليكانوف ولا مارتوف ولا أيّ شخص آخر امتلك سر التأثير المغناطيسي الإيجابي على الناس –بل وحتّى السيطرة عليهم- والذي كان يشعّ من لينين. كان بليكانوف يُعامَل بإجلال ومارتوف كان محبوبًا، لكنّ لينين وحده من كان يُتبع دون تردّد بوصفه القائد بلا منازع. لأنّ لينين وحده كان يمثل تلك


وجه أيّ حشدٍ كبير. كان لخطابه في المؤتمر السوفيتي الأوّل (الذي كان مشتملًا على الرّوس فقط) وقعٌ كبير؛ فقد نادى بشعار: إمّا الثورة أو حكومةُ برجوازية، لكن ليس أيّ شيءٌ بينهما –فلننته من هذه التسوية التي كان يشارك بها اليسار. في الوقت لذي كان فيه السياسيّون الآخرون يتدافعون بشكلٍ يائس حتّى يتكيفوا مع الأزمة الوطنية، وبدوا ضعفاء في تدافعهم وتزاحمهم هذا، كان لينين ثابتًا وصلبًا كالطود. حلّق نجمه ومقامه، وكذلك عضوية الحزب البلشفي.
أكثر ما كان يذهل ويصعق كان تأثير لينين على العمّال والجنود والفلاّحين. كان يتوجّه بالكلام إلى هؤلاء الناس العاديّين حيثما وجدهم –كان يقف على كرسيّ في الشارع وإبهاماه في طيّة صدر السترة ويخطب بمزيجٍ غريب من الأيديولوجيا وأقوال الفلاحين المأثورة والشعارات الثوريّة. كانوا يستمعون وهم مبتهجون إلى أقصى حدّ. عندما مات لينين، في عام 1924- بعد سبع سنوات من إفساحه المجال ومن دون مساعدة أحد أمام ثورة 1917، التي كانت قد وضعته هو والبلشفيين على رأس السلطة وبضربة كاسحة- لبس نفس هؤلاء الناس العاديين ثوب الحداد. وتفجّعوا عليه. قدّسوا ضريحه، حيث حُنِّطَ جسده كي يتمكن الناس من مشاهدته؛ أخبروا الروايات عنه، مطوّرين بذلك قوامًا أو جسمًا من الفولكلور الللينيني؛ سُميت الآلاف من البنات المولودات حديثًا «نينيل»، لينين عندما نهجئه عكسيًا. هذه العبادات للينين اتّخذت أبعادًا دينية.
هناك جميع أنواع المفاهيم الخاطئة حول الكاريزما، لكنّ المفارقة هي أنّ هذا لا يؤدي إلّا إلى زياتها غموضًا. العلاقة بين الكاريزما وبين المظهر الجسدي المثير أو الشخصيّة البرّاقة هي علاقة ضعيفة، فهذه الخصائص تثير اهتمامًا قصير الأمد. الناس لا يبحثون عن التسلية وخاصّةً في أوقات الشّدة –فهم يريدون الأمن، نوعيةً أفضل من الحياة وتماسكًا اجتماعيًا. صدّق أو لا تصدّق، رجل أو امرأة ذو/ ذات ملامح جرداء أو قبيحة لكن برؤيةٍ واضحة ويتّبع/ تتبع هدفًا مفردًا يستقطب قواه/ ها كلّها، ويتحلى/ تتحلّى بمهاراتٍ عمليةٍ بإمكانه/ ها أن يكون/ تكون كاريزماتيًا أو كاريزماتية بشكلٍ كاسح، بشرط اقتران هذه الخصائص ببعض النجاح. إيّاك والاستخفاف بقدرة
..................................
الظاهرة النادرة، وعلى الأخص (نادرة) في روسيا، ظاهرة الرجل ذي الإرادة الحديدية والطاقة التي لا تُقهر والذي يجمع ما بين الإيمان المتعصّب بالحركة والإيمان بالقضيّة والإيمان بنفسه والذي لا يقل درجةً عن سابِقَيه.
- آ. إن. بوتريسوف، مُستَشهَد به في فلاسفة وملوك: دراسات في القيادة، تحرير دانكوارت آي. روستو.
«كنت قد أملت بأن أرى النسر الشامخ لحزبنا، الرجل العظيم، العظيم من الناحيّة الجسديّة كما السياسية. كنت تخيلت لينين كعملاقٍ جليلٍ مهيب. كم كانت خيبة أملي عظيمة عندما رأيت رجلًا ذا مظهرٍ غايةٍ في


النجاح على تعزيز هالة الشخص. لكن في عالم يغصُّ بأصحاب التسويات والمراوغين الذين عدم قدرتهم على اتخاذ القرار لا تؤدّي إلّا لمزيد من الاضطراب والفوضى، فإنّ روحًا واحدةً ذات عقلٍ صافٍ ستكون مغناطيس الاهتمام- سيكون لديها كاريزما.
على المستوى الشخصي، أو في مقهى زيوريخ قبل الثورة، كانّ للينين القليل من الكاريزما هذا إنّ كانّ عنده كاريزما. (ثقته كانت جذابة، لكن وجدوا أسلوبه الحاد مزعجًا) حاز على الكاريزما عندما نُظِرَ إليه على أنه الرجل الذي أنقذ البلاد. الكاريزما هي ليست خاصيّةً غامضةً تسكن فيك خارج سيطرتك؛ بل هي وهم في عيون أولئك الذين يرون أنك تتحلى بما ليس عندهم. تستطيع أنّ تعزز ذلك الوهم من خلال الهدوء، التصميم، والعملانية الواضحة الهدف وخاصة في أوقات الشدة. هذا أيضًا يساعد على إيصال رسالة إغوائية بسيطة. سمّها متلازمة المخلص: بمجرّد ما يتخيل الناس أنك تستطيع أنّ تنقذهم من الاختلاط والشواش، فسوف يقعون في غرامك، مثل الشخص الذي يذوب في ذراعي مخلّصه أو مخلّصها. وحب الجماهير يساوي الكاريزما. كيف إذن تستطيع أنّ تفسر الحب الذي شعر به المواطنون الروس العاديون تجاه رجل خال من المشاعر وغير مشوق فلاديمير لينين.
المرشد الروحي. تبعًا لمعتقدات المجتمع الثيوصوفي (المجتمع الثيوصوفي هو حركة ينية نشأت في نيويورك في عام 1879وبُنِيَت في المقام الأوّل على أساس من التعاليم البوذيّة والإبراهيمية: المترجم) فإنّ روح معلِّم العالم، السيد مايتريا، تسكن جسم إنسانّ وذلك كل ألفي عام أو ما يقارب. أوّلًا كانّ هناك سري كريشنا المولود قبل المسيح بألفيّ عام؛ ثمّ كانّ المسيح نفسه؛ وفي مطلع القرن العشرين كانّ سيحدث تقمصٌ آخر. ذات يوم من عام 1909، رأى الثيوصوفي تشارلز ليدبياتر (الثيوصوفيّة هي معرفة الله من طريق الكشف الصوفي والتأمل الفلسفي: المترجم) صبيًا على شاطئٍ هنديّ. وطرأ له هذا التبصر المفاجئ: هذا الغلام البالغ من العمر الرابعة عشرة واسمه جيدو كريشنامورتي، سيكون الأداة القادمة لحمل معلّم العالم. صُدِمَ ليدبياتر ببساطة الصبي، الذي بدا خاليًا من أدنى أثرٍ للأنانيّة. اتّفق المجتمع الثيوصوفي
.........................................
الاعتيادية، وذا طول أقل من المعدل، لم يكن بأي شكل من الأشكال، أي حرفيًا بأي شكل من الأشكال مميزًا عن الفانين العاديين»
- مُقتَبس عن جوزيف ستالين، لدى لقائه لينين لأول مرة في عام 1905، من لينين: الرجل خلف القناع، رونالد دابليو. كلارك
في المقام الأول وقبل كل شيء فإنه لا يمكن أنّ يكون هنالك اعتبار وهيبة دون غموض، لأنّ الألفة تجلب قلة الاحترام... في التصميم الخاص بالقائد وسلوكه وعملياته العقلية فإنه يجب دائمًا أنّ يكون هنالك «شيءٌ ما» لا يستطيع الآخرون سبره تمامًا، والذي يحيرهم، يثيرهم، ويأسر اهتمامهم...

مع تقييمه وتبنّوا هذا الشاب المهزول نتيجة سوء التغذية، والذي ضربه معلّموه مرارًا بسبب غبائه. أطعموه وألبسوه وبدؤوا إرشاده الروحي. تحول الولد الفقير الخسيس إلى شلب وسيم بطريقة شيطانيّة.
في عام 1911 شكل الثيوصوفيون رهبنة النجم في الشرق، وهي مجموعة أريد بها تمهيد الطريق من أجل قدوم روح العالم. جُعِل كريشنامورتي على رأس الرهبنة. أُخِذَ إلى انكلترا حيث تابع تعليمه، وحيثما ذهب أُحِيطَ بالعناية والإجلال. سيماء البساطة والقناعة التب لديه لم يكن من الممكن سوى أنّ تثير الإعجاب.
سرعانّ ما بدأ كريشنامورتي برؤية الرؤى. في عام 1922 صرّح: «لقد شربت من ينبوع الفرح والجمال الخالد. أنا سكرانّ بالله.» عبر السنوات القليلة التي تلت انتابته عدّة تجارب خارقة للطبيعة جيرها الثيوصوفيّون كزيارات من معلم العالم. لكن كريشنامورتي في الحقيقة كانّ قد اختبر نوعًا مختلفًا من الوحي والإلهام: حقيقة الكون نبعث من الداخل. لم يكن أبدًا بإمكانّ أيّ إله أو أي مرشد أو أيّ عقيدة إنّ يجعل المرء يدرك هذا. هو نفسه لم يكن إلهًا أو مخلصًا منتظرًا، وإنما مجرد رجلٍ عاديٍّ آخر. الإجلال الذي كانّ يُعَامَلُ به جعله يتقزّز. في عام 1929، ترك رهبنة النجم واستقال من المجتمع الثيوصوفي ما شكل صدمةً كبيرةً لأتباعه.
وهكذا أصبح كريشناموتي فيلسوفًا، وصمم على نشر الحقيقة التي كانّ قد اكتشفها: يجب عليك أنّ تكون بسيطًا، وأنّ تزيل حجاب اللغة والتجارب السابقة. هذا يعني أنّ أي أحد يستطيع من خلال هذا أنّ يبلغ رضا من النوع الذي كانّ يشع من كريشنامورتي. هجره الثيوصوفيون وتخلو عنه إلا أنّ أتباعه صاروا أكثر من أيّ وقتٍ مضى. في كاليفورنيا حيث أمضى معظم وقته، قارب الاهتمام به حد الهيام والعبادة. الشاعر روبنسون جيفرز قال أنه عندما كانّ كريشنامورتي يدخل إلى غرفة فإنك تستطيع أنّ تستشعر بريقًا يملأ المكان. الكاتب الدوس هكسلي التقى به في لوس أنجلوس ووقع تحت تأثيره. وكتب عقب سماعه: «لقد كانّ كالاستماع إلى بوذا – نفس القوة ونفس السلطة المتأصلة» كانّ يشع بالتنور. طلب الممثل جون باريمور منه أنّ يلعب دور بوذا في فيلم؛ إلا أنّ كريشنامورتي.
..................................
أنّ يحتفظ القائد بجانب ما من معرفة سرية والذي يمكن أنّ يظهر في أي لحظة، وأكثر شيء فاعلية لهذا الظهور هو أنّ يكون بصيغة مفاجأة. الإيمانّ الكامن للجماهير سيقوم بالباقي. ما أنّ يصبح القائد قادرًا على إضافة وزن شخصيته، عن طريق التلاعب، إلى العوامل المعروفة لأي موقف، فإنّ الأمل والثقة الناجمين سيعززانّ بشكل هائل من الإيمانّ الموضوع فيه.
- شارل ديغول، حافة السيف، في الحيوات الثلاثة لشارل ديغول، دافيد شونبرُن
بعد شهرٍ واحدٍ فقط من وفاة إيفيتا، فإنّ اتحاد بائعي الصحف اقترح اسمها للتطويب، وبالرغم من أنّ هذه المبادرة.

رفض الطلب بلباقة. عندما زار الهند، فقد امتدّت أيدي الجمهور محاولةً منها أنّ تلمسه من خلال شباك النافذة المفتوح. سجد الناس أمامه.
كانّ كريشنامورتي شيئًا فشيئًا يزداد نأيًا وانفصالًا واستقلاليّة كونه كانّ ينفر من التوقير والهيام. وصل لدرجة أنه كانّ يتكلم عن نفسه بصيغة الغائب. في الواقع، فإنّ قدرة المرء على أنّ يتحرر من ماضيه ويرى العالم بعيون جديدة كانت جزءًا من فلسفته، ومع ذلك فقد كانّ التأثير مرة أخرى معاكسًا لما توقعه: العاطفة والتبجيل اللذانّ أحس بهما الناس نحوه لم يكونا إلا ليزدادا. تنازع أتباعه بغيرة فيما بينهم لنيل أي إيماءة تشير أنّ أحدًا دون غيره كانّ ذا حظوة عنده. النساء بالتحديد وقعن في حبه بشدة، بالرغم من أنه كانّ قد أقسم بألا يتزوج أو يمارس الجنس ما ظل حيًا.
لم تكن لدى كريشنامورتي رغبة في أنّ يكون معلمًا أو كاريزماتيًا، لكنه ومن دون قصد اكتشف قانونًا يحكم النفس البشرية كانّ قد أزعجه. الناس لا يريدون أنّ يسمعوا أنّ قوتك تأتت من سنوات من السعي المجهد والانضباط. هم يفضلون الاعتقاد أنها تنبع من شخصيتك، خلقك، أو أنها شيء تمتلكه بالفطرة. هم أيضًا يأملون بأنّ القرب من المعلم أو الكاريزماتي سيجعل بعضًا من هذه القوة ينتقل إليهم. لم يريدوا أنّ يضطروا لقراءة كتب كريشنامورتي، أو لقضاء سنوات في تطبيق دروسه –هم أرادوا ببساطة أنّ يكونوا قربه، يتشربوا هالته، يسمعوه وهو يتكلم، يستشعرون الضوء الذي يدخل الغرفة عند دخوله إياها. نادي كريشنامورتي بالبساطة كطريقة للانفتاح على الحقيقة، لكن بساطته سمحت للناس فقط بأنّ يروا ما يريدونه فيه، وأنّ ينسبوا إليه قوى لم يكن ينكرها وحسب بل ويسخر منها.
هذا هو أثر المرشد، ومن المفاجئ أنّ خلقه هو أمر بسيط. الهالة التي تسعى وراءها ليست كتلك النارية والمضطرمة التي يختص بها معظم الكاريزماتيين، لكنها هالة تتسم بالتنوير والتوهج. الشخص المتنور هو شخص قد فهم شيئًا ما جعله/ ها مكتفيًا ومطمئنًا، وهذه القناعة والاطمئنانّ تشع إلى الخارج. ذلك هو المظهر الذي تبتغي: أنت لا تحتاج إلى أي شيء أو أي أحد، أنت قانع بما تعمل. الناس ينجذبون بشكل طبيعي إلى أولئك الذين يبتعثون السعادة؛ لعلهم يستطيعون التقاطها منك. كلما كنت أقل وضوحًا
...................................
كانت مبادرة يتيمة ولم يحملها الفاتيكانّ أبدًا على محل الجد، إلا أنّ فكرة قداسة إيفيتا ظلت تراود الكثيرين وتعززت نتيجة نشر أدب على نفقة الحكومة غايته تكريس صورتها؛ ونتيجة إعادة تسمية مدن ومدارس ومحطات مترو باسمها؛ ونتيجة صك الميداليات على شرفها ونحت تماثيل نصفية لها، وإصدار طوابع تذكارية تحمل صورتها. غير وقت بث نشرة الأخبار المسائية من الساعة 30:8 إلى الساعة 25:8، وهو الوقت الذي «انتقلت فيه إيفيتا إلى الخلود،» وكل شهر كانّ هنالك مسيرات تحمل المشاعل في اليوم السادس والعشرين من الشهر، وهو يوم وفاتها. في الذكرى الأولى لوفاتها، قامت

كانّ أفضل: دع الناس يستنتجون أنّك سعيد، بدلًا من أنّ يسمعوها منك. دعهم يروها في أسلوبك المتروّي، ابتسامتك العذبة، طمأنينتك وارتياحك. أبق كلماتك غامضة، فتدع الناس يتخيلون ما يشاءون. تذكّر: التحفظ والنأّي لا يؤديانّ إلّا لزيادة الأثر. الناس سوف يناضلون من أجل أدنى علامةٍ لاهتمامك. المرشد يكون راضيًا وغير مرتبط عاطفيًا –الأمر الذي يشكل تركيبة كاريزماتيةً فتّاكة.
قدّيس الدراما. بدأ الأمر على الراديو. خلال أواخر ثلاثينات وأوائل أربعينات القرن الماضي، كانت النساء الأرجنتينيّات تستمع إلى صوت إيفا دوارت الحزين والموسيقى في أحد مسلسلاتها المُنتَجة بكثرة والتي كانت –أي هذه المسلسلات- تحظى بشعبية كبيرة في ذلك الوقت. لم تُضحك أحدًا قط، ولكن كم كانّ باستطاعتها أنّ تجعلك تبكي –متأثرًا بتشكّيات عاشقة تمت خيانتها، أو بالكلمات الأخيرة لماري أنطوانيت. مجرّد التفكير بصوتها يجعلك تجيش بالعواطف. وكانت جميلة، بشعرها الأشقر المنسدل ووجهها الجدي، الذي كانّ يحتل غالبًا أغلفة مجلات الإشاعات.
في عام 1943، نشرت تلك المجلات قصّة غايةً في الإثارة: شرعت إيفا في علاقة مع واحد من أكثر الرجال بسالةً في الحكومة العسكرية الجديدة، الكولونيل خوانّ بيرون. الآنّ أصبح الأرجنتينيون يسمعونها وهي تقوم ببيانات دعائية (بروباغاندا) للحكومة، ممجدة «الأرجنتين الجديدة» التي ستتلألأ في المستقبل. وأخيرًا، وصلت هذه القصة الأشبه بالخيالية إلى نهايتها السعيدة: في عام 1945 تزوج خوانّ من إيفا، وفي السنة التي تلت، انتُخب الكولونيل الوسيم رئيسًا بعد العديد من المحاولات والمحن (بما فيها فترة قصيرة في السجن، والذي تحرر منه بفضل جهود زوجته المتفانية). كانّ بطلًا لما يُعرف ب الديساميسادوس- أي «الذين لا يملكون قميصًا» أو أصحاب الأسمال، العمال والفقراء، تمامًا كما كانت زوجته. كانت في السادسة والعشرين فقط في ذلك الوقت، كانت هي نفسها قد شبت في الفقر.
أمّا وقد أصبحت هذه النجمة السيّدة الأولى للجمهوريّة، فقد بدا عليها التّغيير. نَحِفت، وأصبحت بذّاتها بلا ريب أقل زخرفة، بل وحتى متقشفة بكل ما للكلمة من معنى؛ وذلك الشعر الجميل المنسدل صار
..................................
الصحافة بنشر قصة مفادها أنّ أحد قرائها قد شاهد زجه إيفيتا على صفحة القمر، وبعد هذه القصة فقد كانّ هنالك الكثير من مثل هذه المشاهدات في الصحف. في معظم الحالات فإنّ المنشورات الرسمية أحجمت عن المطالبة لها بالقداسة، لكن إحجامهم لم يكن دائمًا مقنعًا... ففي عام 1953 قام تجار الصحف في بوينس آيرس، كما في صور أخرى غير رسمية بتصويرها بالأثواب الزرق التقليدية للعذراء، ويديها متشابكتين، ورأسها الحزين مائل ومُحاطٌ بهالة.
- نيكولاس فرايزر وماريسا نيارو. إيفيتا بالنسبة إلي فأنا أتمتع بموهبة شحن الرجال.
- نابليو بونابرت،

مشدودًا إلى الخلف، وبصرامة نوعًا ما. لقد كانّ مشينًا (مظهرها القديم) – إذ أنّ النجمة الشابة كانت قد كبرت (نضجت). لكن بينما كانّ الأرجنتينيون يطلعون أكثر على إيفيتا الجديدة، كما أصبحت تُعرف الآن، فإنّ طلعتها الجديد حركت مشاعرهم بقوة أكبر. لقد كانت طلعة امرأة جدية طاهرة كقديسة، امرأة كانت بالفعل كما لقبها زوجها «جسر الحب» الذي يصل بينه وبين شعبه. كانت الآنّ على الراديو في جميع الأوقات، والاستماع إليها يشحن بالعاطفة كما في أي وقت مضى، لكنها أيضًا كانت تمجد بالشعب وتعظمه. أصبح صوتها أخفض وإلقاؤها أبطأ؛ كانت تطعن الهواء بأصابعها وتمد يدها كما لو أنها ستلمس الجمهور. وكانت كلماتها تخترقك حتى الصميم: «تركت أحلامي على جانب الطريق حتى أسهر على أحلام الآخرين... الآنّ أضع روحي إلى جانب روح شعبي. أقدّم لهم كل طاقاتي لعل جسدي يكون جسرًا مشيدًّا من أجل سعادة الجميع. اعبروا عليه.... نحو القدر الأسمى للوطن الجديد.»
لم تكن بعد ذلك المجلات والراديو هي الوسيلة الوحيدة التي من خلالها جعلت إيفيتا الناس يشعرون بها. بطريقةٍ أو بأخرى كانت قد لامست الجميع تقريبًا على نحو شخصيّ. بدا أنّ كلّ واحدٍ كانّ يعرف شخصًا ما كانّ قد التقاها شخصيًا، أو زارها في مكتبها، حيثُ كانّ صفَّ من المتضرعين يشق طريقه عبر الأروقة نحو بابها. كانت تجلس خلف مكتبها وهي غاية في الهدوء ومليئة بالحب. دونت الأفلام أعمالها الخيرية: كانت إيفيتا تمنح بيتًا لامرأة كانت قد خسرت كل شيء؛ ورعاية مجانية في أرقى المستشفيات لأم طفل مريض. عملت بجهد كبير، فلا عجب من سريانّ إشاعة مفادها أنها كانت مريضة. والكل سمع عن زياراتها لبلدات منازل الصفيح ولمشافي الفقراء، حيث كانت تُقبل الناس على اختلاف أمراضهم (الجذام، رجال مصابون بالسفلس، إلخ.) على خدهم، وبالرغم من تمني طاقمها ألا تفعل ذلك. ذات مرة حاولت مساعدة لها كانت قد رُوِّعَت بهذه العادة أنّ تمسح شفتي إيفيتا بالكحول بغية تعقيمهما. إلا أنّ هذه القديسة انتزعت القنّينة وقذفتها بعنف نحو الحائط.
نعم، إيفيتا كانت قديسة، مادونا على قيد الحياة (مادونا= مريم العذراء). مظهرها لوحده كانّ من الممكن أنّ يُشفي العليل. وعندما توفيت بالسرطانّ في عام 1952، لم يكن من الممكن لأي غريبٍ عن الأرجنتين أنّ
...................................
في نابليون: مع وضد، بيتر حايل
أنا لا أدعى بأنني رجل إلهي، لكني أؤمن بالهدي الإلهي، القوة الإلهية، والنبوة الإلهية. أنا لست متعلماً، ولا خبيرًا في أي حقل محدد –لكنني مخلص وإخلاصي هو اعتمادي.
- مقتبس عن مالكولم إكس من ضحايا الديمقراطية: مالكولم إكس وهذه الثورة السوداء، يوجين فيكتور فولفنشتاين

يفهم مدى الإحساس بالأسى والخسارة اللذين خلّفتهما وراءها. بالنسبة للبعض، فإنّ الأرجنتين لم تستعد عافيتها مطلقًا.
معظمنا يعيش في حالةٍ أشبه بالسير خلال النوم: نقوم بمهماّتنا اليوميّة حتى يطير اليوم (يتبدّد). الاستثناءانّ لهذا هما الطفولة وتلك اللحظات التي نعيش فيها الحب. في كلتا الحالتين، تكون عواطفنا أكثر مشاركة وانفتاحًا وفاعلية. ونحن نساوي ما بين الشعور بالعاطفة والشعور بالحياة. شخصية عامة بارزة تستطيع أنّ تؤثر في عواطف الناس وأنّ تجعلهم يشعرون بحزن، فرح، أمل جماعي، يكون لديها أثر مشابه. مخاطبة العواطف هي أمر أكثر قوة بكثير من مخاطبة المنطق.
فهمت إيفا بيرون وأدركت هذه القوة باكرًا، عندما كانت تعمل كممثلة في الراديو. كانّ صوتها المرتعش بإمكانه أنّ يجعل المستمعين ينتحبون؛ بسبب هذا، رأى فيها الناس كاريزما عظيمة. لم تنس أبدًا هذه التجربة. كل عمل عملته أمام العامة كانّ يُؤطر ببواعث أو يُصاغ بقوالب دراماتيكية ودينية. الدراما هي عاطفة مركزة، والدين الكاثوليكي هو قوة تصل إلى طفولتك وتمسك أو تهزك من حيث لا تستطيع أنّ تفعل شيئًا. ذراعا إيفيتا المرفوعان، أعمالها الخيرية المخرجة مسرحيًا، تضحياتها في سبيل الناس العاديين –كل هذا مضى مباشرة نحو شغاف القلب. لم تكن مجرد طيبتها هي ما اتصف بالكاريزماتية، بالرغم من أنّ مظهر الطيبة مُغو بشكل كاف. لقد كانت قدرتها على إضفاء بعد درامي على طيبتها.
عليك أنّ تتعلم استغلال مكوني العاطفة الأعظم: الدراما والدين. الدراما تستأصل ما هو عديم النفع ومبتذل في الحياة، وذلك من خلال التركيز على لحظات الرثاء والرعب؛ الدين يتعامل مع مسائل الحياة والموت. اجعل أعمالك الخيرية دراماتيكية (مسرحية)، أعط كلماتك المحبة معنى دينيًا، اغمر كل شيء بالطقوس والخرافات التي ترجع إلى عهد الطفولة. من خلال تماهيك بالمشاعر التي تثيرها، سيرى الناس هالة الكاريزما فوق رأسك.
الخطيب المحاضر. في هارلم في بدايات العقد السادس من القرن العشرين، قليل من الأمريكيين من ذوي الأصول الإفريقية كانوا على علم بأمة الإسلام (وهي حركة إسلامية قوامها من الأمريكيين السود، تأسّست في

أمريكا في عام 1930ويعتقد أتباعها أنّ الأمريكيين السود ينحدرون من أصول إسلاميّة: المترجم)، أو وطئوا معبدها ولو لمرة واحدة. كانت الأمة تنادي بأنّ الناس البيض كانوا من سلالة الشيطانّ وأنّ الله سيحرر العرق الأسود ذات يوم. هذا المبدأ لم يكن ليعني كثيرًا للهارلميين، الذين كانوا يذهبون إلى الكنيسة التماسًا للعزاء الروحي ويلجئون في المسائل العملية إلى سياسيهم المحليين. لكن في عام 1954، قدم ممثل جديد لأمة الإسلام إلى هارلم.
اسم الممثل كانّ مالكولم إكس، وكانّ واسع الإطلاع (عن طريق المطالعة) وفصيحًا، ومع ذلك فقد كانت إيماءاته وكلماته تتميز غضبًا. سرت الأنباء: البيض كانوا قد أعدموا والد مالكولم من غير محاكمة قانونية. كانّ قد نشأ في مؤسسة لرعاية الأحداث، ومن ثم كسب عيشه كمجرم صغير وقليل الأهمية قبل أنّ يتم اعتقاله لارتكابه السطو حيث أمضى ست سنوات في السجن. حياته القصيرة (كانّ في التاسعة والعشرين فقط في ذلك العمر) كانت عبارة عن شجار واحد طويل مع القانون، ومع ذلك فعندما تنظر إليه الآنّ فإنك ترى رجلًا واثقًا ومتعلمًا. لم يكن أحد قد مد له يد المساعدة؛ كالن قد بنى نفسه بنفسه. الهارلميون بدءوا يرون مالكولم في كل مكان، موزعًا النشرات الإعلانية ومخاطبًا اليافعين. كانّ يقف خارج كنائسهم، وعند انتهاء القداس، كانّ يشير إلى الواعظ ويقول: «هو يمثل إله البيض وأنا أمثل إله السود.» بدأ الفضوليون بالاستماع إليه وهو يعظ في معبد لأمة الإسلام. كانّ يطلب منهم أنّ يمنعوا النظر في الظروف الواقعية لحياتهم: «عندما تفرغون من النظر إلى مكانّ عيشكم، عندها... تمشوا عبر المتنزه المركزي،» كانّ يقول لهم «انظروا إلى شقق الرجل الأبيض. انظروا إلى وال ستريت الخاصة به!» (شارع في مانهاتن في مدينة نيويورك حيث تتوضع بورصة نيويورك والعديد من المؤسسات المالية الكبرى في أمريكا: المترجم.) كلماته كانت قوية، وخاصة بالنسبة لممثل (وكيل).
في عام 1957، شهد شاب مسلم في هارلم عدة رجال شرطة وهم ينهالون بالضرب على رجل أسود سكران. عندما احتج المسلم، شرع رجال الشرطة بضربه حتى أفقدوه الوعي واقتادوه بخشونة إلى السجن. فاحتشد جمع غاضب خارج مركز الشرطة، استعدادًا للقيام بأعمال شغب. طلب مفوض الشرطة من مالكولم أنّ يفض الحشد بعد أن أخبر أنّ مالكولم هو

الوحيد القادر على منع العنف. رفض مالكولم. صار المفوّض يتكلّم باعتدال وأخذ يتوسّل إلى مالكولم أنّ يعيد النظر في موقفه. حدّد مالكولم ببرودة أعصاب الشروط اللازمة كي يتعاون: عناية طبّية للمسلم المضروب، وعقابٌ ملائم لضباط الشرطة. وافق المفوّض بفتور. شرح مالكولم الاتفاق خارج المحطة وتفرق الحشد. أصبح بطلًا بين ليلة وضحاها في هارلم وفي أنحاء البلاد – أخيرًا أخذ رجلٌ زمام المبادرة. ارتفعت العضوية في معبده بشكلٍ كبير.
بدأ مالكولم بالتكلم في كل الولايات الأمريكية. لم يقرأ أبدًا من نص مكتوب؛ كانّ ينظر إلى أعين الجمهور مباشرة، ويؤشر بإصبعه. غضبه كانّ جليًا في نبرة صوته لكن ليس كما تجلى في طاقته الجبارة والعروق المنتفخة في عنقه- فقد كانّ دائمًا متمالكًا لنفسه وفصيحًا. كانّ العديد من القادة السود السابقين قد استخدموا كلمات حذرة، وطلبوا من أتباعهم أنّ يتعاملوا بصبر وتهذيب مع واقعهم الاجتماعي، مهما كانّ هذا الواقع غير منصف. كم شكل مالكولم راحة وفرجًا. سخر من الذين يميزون عنصريًا، سخر من الليبراليين، سخر من الرئيس؛ لم ينج شخص أبيض من ازدرائه. إذا كانّ البيض عنيفين، قال مالكولم، فيجب أنّ يُرد عليهم بلغة العنف، فهي اللغة الوحيدة التي يفهمون. «العدائية هي شيء جيد!» صرخ مالكولم. «فقد احتُجزت وكبتت لمدة طويلة جدًا.» قال مالكولم ردًا على الشعبية المتزايدة للقائد مارتن لوثر كينغ جونيور الذي لم يكن يؤمن بالعنف: «أي شخص يستطيع الجلوس. امرأة عجوز تستطيع الجلوس. حشد يستطيع الجلوس.... الوقوف والتصدي يحتاجانّ رجلًا.»
كانّ لمالكولم إكس أثر مقو على العديد من الذين شعروا بنفس الغضب الذي شعر به لكن لم يجرؤوا على التعبير عنه. في جنازته –اغتيل في عام 1965، في أحد خطاباته – ألقى الممثل أوزي دايفيس بكلمة التأبين أمام حشد كبير ومتهيج عاطفيًا: «كانّ مالكولم أميرنا الأسود المتألق.»
كانّ مالكولم إكس كاريزماتيًا من نمط النبي موسى: كانّ خطيبًا. قوة هذا النوع من الكاريزما يتأتى من تعبيره عن عواطف قاتمة وسوداوية كانت قد تنامت عبر سنوات من الاضطهاد. إنّ الخطيب من خلال عمله هذا يمنح

فرصة لإطلاق المشاعر الكظيمة والمحبوسة لدى الناس الآخرين- لإطلاق العدائية المقنعة بالتهذيب القسري والابتسامات. الخطباء يجب أنّ يكونوا جزءًا من الحشد الذي يعاني، لكن بدرجة أكبر: إذ أنّ ألمهم يجب أنّ يكون مثلًا يقتدي به ونموذجًا لآلام غيرهم. تاريخ مالكولم الشخصي كانّ جزءًا لا يتجزأ من الكاريزما التي لديه. درسه –إنّ السود يجب أنّ يساعدوا أنفسهم، بدلًا من أنّ ينتظروا البيض حتى ينهضوا بهم- عني أكثر بكثير بسبب السنوات التي قضاها هو نفسه في السجن، ولأنه كانّ قد اتبع مبدأه الخاص القاضي بتعليم نفسه بنفسه، وبانتشال نفسه من الحضيض. الخطيب يجب أنّ يكون مثلًا حيًا للإصلاح الشخصي.
جوهر الكاريزما هو عاطفة طاغية تعبر عن نفسها من خلال إيماءاتك، نبرة صوتك، والإشارات الخفية التي تكون أقوى لكونها لا يُعبَر عنها صراحة. أنت تشعر بشيء على نحو أعمق من الآخرين، ولا يوجد شيء أكثر قوة وأكثر قدرة على خلق التفاعل الكاريزماتي من الكره، وخاصة عندما ينبع من مشاعر ظلم واضطهاد عميقة الجذور. عبر عما يخشى الآخرون التعبير عنه وسوف يرون قوة عظيمة فيك. قل ما يريدون قوله لكن لا يستطيعون. إياك والخوف من المضي بعيدًا جدًا. إذا كنت تمثل انعتاقًا من الظلم والقمع، فإنه يكون لديك هامش إضافي لأنّ تمضي وتتوغل إلى ما هو أبعد حتى. تكلم موسى عن العنف، عن تدمير أعدائه عن بكرة أبيهم. لغة كهذه توحد صفوف المقموعين وتجعلهم يشعرون بأنهم أحياء أكثر. لكن هذا لا يعني أنه شيء لا تستطيع التحكم به من ناحيتك. شعر مالكولم إكس بالغضب منذ البداية، لكن فقط في السجن علم نفسه فن الخطابة، وكيف يبث انفعالاته. لا يوجد شيء أكثر كاريزماتية من الإحساس بأنّ شخصًا ما يناضل بعاطفة عظيمة بدلًا من أنّ يستسلم لها ببساطة.
الممثل الأوليمبي. في 24 كانون الثاني من عام 1960 اندلع عصيانّ مسلّحٌ في الجزائر، التي كانت عندها لا تزال مستعمرةً فرنسيّة. العصيانّ كانّ يقوده جنود فرنسيون من الجناح الأيمن، وهدفه كانّ إحباط اقتراح الرئيس شارل ديغول القاضي بمنح الجزائر حق تقرير المصير. كانّ العصاة سيستولون على الجزائر باسم فرنسا إذا لزم الأمر.

لعدّة أيّام عصيبة، التزم ديغول البالغ السبعين عامًا من العمر صمتًا غريبًا. بعدها في 29 كانون الثاني، في الثامنة صباحًا ظهر على التليفزيون الفرنسي. كانّ الجمهور مشدوهًا حتى قبل أنّ يتفوه بكلمة واحدة، فقد كانّ يرتدي بزته القديمة من الحرب العالمية الثانية، بزة كانّ يعرفها الجميع والتي كانت تخلق استجابة عاطفية قوية. ديغول كانّ بطل المقاومة ومنقذ الوطن في أحلك لحظاته. لكن تلك البزة لم تُر منذ وقت غير قصير. بعدها تكلم ديغول، مذكرًا شعبه، بأسلوبه الهادئ والواثق، بكل ما كانوا قد أنجزوه سوية خلال تحرير فرنسا من الألمان. بالتدريج انتقل من هذه القضايا المشحونة وطنيًا إلى الثورة في الجزائر، والإهانة التي وجهتها إلى روح التحرر. أنهى خطابه بتكرير كلماته المشهورة التي ألقاها في 18 حزيرانّ من عام 1940: «مرة أخرى أدعوا جميع الفرنسيين، أينما كانوا، ومهما كانوا، ليتحدوا من جديد مع فرنسا. عاشت الجمهورية! عاشت فرنسا!»
كانّ الخطاب يخدم غايتين. أظهر أنّ ديغول كانّ عازمًا تمامًا على ألا يتساهل أبدًا مع المتمردين. ثانيًا أنّ يمس قلوب كل الفرنسيين الوطنيين، وخاصة في الجيش. سرعانّ ما مات العصيان، ولم يشك أحد في الصلة ما بين فشل العصيانّ وأداء ديغول على التليفزيون.
في السنة التي تلت، صوت الفرنسيون بشكل طاغ لصالح حق الجزائر في تقرير مصيرها. في عام 1961 عقد ديغول مؤتمرًا صحفيًا أوضح فيه أنّ فرنسا كانت ستمنح الجزائر قريبًا الاستقلال الكامل. بعد أحد عشر يومًا من ذلك، أصدر جنرالات فرنسيون في الجزائر بلاغًا رسميًا ينص على أنهم قد استولوا على البلاد ويعلن حالة الحصار. هذه كانت اللحظة الأخطر على الإطلاق: هؤلاء الجنرالات الذين ينتمون إلى اليمين المتطرف كانوا مستعدين لأنّ يذهبوا إلى أبعد مدى بعد أنّ ووجهوا باستقلال الجزائر الوشيك. كانّ من الممكن أنّ تندلع حرب أهلية، وتطيح بحكومة ديغول.
في الليلة التالية، ظهر ديغول على التليفزيون من جديد، وهو يرتدي بزته القديمة مرة أخرى. هزأ من الجنرالات، من خلال مقارنته إياهم بحكام أمريكا الجنوبية الإنقلابييّن. تكلم برباطة جأش وصرامة. بعدها، وبشكل مفاجئ، لدى نهاية خطابه الأخيرة، ارتفع صوته بل وحتى تهدج عندما استصرخ الجماهير: «أيتها الفرنسيات، أيها الفرنسيون، ساعدوني!» لقد

كانت اللحظة الأكثر تحريكًا للمشاعر من بين كل ظهوراته على التليفزيون. غمرت العاطفة الجنود الفرنسيون الذين كانوا يستمعون إلى الراديو. في اليوم التالي قاموا بمظاهرة كبرى تأييدًا لديغول. استسلم الجنرالات بعد يومين من المظاهرة. في 1 تموز من عام 1962 أعلن ديغول استقلال الجزائر.
في عام 1940 بعد الاجتياح الألماني لفرنسا، هرب ديغول إلى إنكلترا من أجل أنّ يجند جيشًا من شأنه أنّ يعود في نهاية الأمر إلى فرنسا من أجل التحرير. في البداية كانّ لوحده، وبدت أنّ مهمته يائسة. لكنه حظي بمساعدة وينستون تشرشل، وبمباركة هذا الأخير أعطى سلسلة من الحوارات على الراديو والتي بثتها البي بي سي إلى فرنسا. صوته الغريب والمنوم مغناطيسيًا، ذو الاهتزازات الدرامية، كانّ يلج غرف المعيشة الفرنسية في الأمسيات. قلة من مستمعيه كانوا يعرفون كيف كانّ يبدو، لكن نبرته كانت غاية في الثقة وإلهاب المشاعر، حيث أنه جند جيشًا صامتًا من المؤمنين. على المستوى الشخصي، كانّ ديغول رجلًا غريبًا يطيل التفكير والذي سلوكه الواثق يمكن أنّ يثير الإزعاج بنفس السهولة التي يمكنه فيها أنّ يستميل الآخرين. لكن ذاك الصوت عبر الراديو كانّ يتحلى بكاريزما شديدة. كانّ ديغول أول أستاذ عظيم للإعلام الحديث، لأنه استطاع بيسر وسهولة أنّ ينقل مهاراته الدرامية إلى التليفزيون، حيث كانّ بروده الثلجي، رباطة جأشه، تمالكه الكامل لنفسه يجعل المستمعين يشعرون بأنهم مرتاحون ومُلهمون على حد سواء.
لقد أصبح العالم أكثر تشظيًا. فالأمة لا تلتف بعد الآنّ في الشوارع أو في الساحات؛ يُلم شمل الأمة في غرف المعيشة، حيث يكون بمقدور الناس الذين يشاهدون التليفزيون في كافة أنحاء البلاد أنّ يكونوا لوحدهم ومع الآخرين في آنّ معًا. يجب أنّ تكون الكاريزما قابلة للنقل عبر موجات البث وإلا فلن يكون لها قيمة. لكنه يكون من الأسهل إبرازها في بعض الأحيانّ من خلال التليفزيون، لأنّ التليفزيون يصنع مناشدة شخصية (إذ يبدو أنّ الكاريزماتي يخاطبك أنت) ولأنه من السهل اصطناع الكاريزما للحظات القليلة التي تقضيها أمام الكاميرا. أفضل شيء عند الظهور على التليفزيون هو، كما فهم ديغول، أنّ تشع بالرزانة والثقة، وأنّ تستخدم المؤثرات

الدراماتيكية باقتصاد. برودة ديغول الإجمالية جعلت اللحظات القصيرة التي كانّ يمرر فيها نكتة لاذعة أو يرفع صوته مؤثرة بشكل مضاعف. من خلال البقاء رصينًا وعدم التوكيد على هذا الشيء، فقد نوم مستمعيه مغناطيسيًا. (يستطيع وجهك إنّ يعبر بشكل أكبر بكثير إذا كانّ صوتك أقل حدة.) كانّ ينقل الأحاسيس والعواطف مرئيًا –البزة، الخلفية- ومن خلال استخدام كلمات مشحونة بعينها: التحرير، جانّ دارك. كلما أجهد نفسه بدرجة أقل ابتغاء للأثر، بدا صادقًا بشكل أكبر.
كل هذا يجب أنّ يُنسق بحذر بحيث يحقق أقصى ما يمكن من التأثير. وشح أو طعم هدوءك بالمفاجآت؛ اصعد نحو الذروة؛ أبق الأشياء مختصرة ومحكمة وجامعة. الشيء الوحيد الذي لا يمكن التظاهر به هو الثقة بالنفس، التي هي المكون الجوهري للكاريزما من أيام موسى. إذا فضحت أضواء الكاميرا شعورك باللا أمان، فلن تُفلح كل خدع العالم في إعادة تركيب (تصليح) الكاريزما التي كانت لديك مجددًا.
الرمز: المصباح. غير مرئيّ للعين، مرور التيار خلال السلك في الوعاء الزجاجي يولد حرارة تتحول إلى وهج. كل ما نراه هو الضياء. في الظلمة الحالكة، المصباح ينير الدرب.

المخاطر
في يوم سار من شهر أيار من عام 1794، تجمع مواطنوا باريس في متنزه من أجل إقامة مهرجانّ الكائن الأسمى. كانّ اهتمامهم مركزًا على ماكسيميليانّ دي روبيسسبيير الذي كانّ رئيس لجنة السلالة العامة، والرجل الذي كانّ قد جاء بفكرة المهرجانّ في المقام الأول. الفكرة كانت بسيطة: من أجل مقاتلة الإلحاد، «الاعتراف بوجود كائن أسمى وبخلود الروح كقوتين موجهتين للكون.»
كانّ يوم انتصار لروبيسسبيير. استهل الاحتفالات وهو يقف أمام الجماهير مرتديًا بزته ذات اللون الأزرق السماوي وجوربيه الأبيضين. كانّ الحشد يهيم به؛ ففي النهاية، كانّ قد صانّ أهداف الثورة الفرنسية في غمرة النشاطات والنقاشات السياسية الحادة التي كانت قد تبعتها. في السنة السابقة، كانّ قد استهل عهد الإرهاب، الذي طهر الثورة من أعدائها من خلال إرسالهم إلى المقصلة. كانّ قد ساعد أيضًا على توجيه البلاد خلال الحرب مع النمساويين والبروسيين. ما جعل الحشود تحبه، وخاصة من النساء، كانّ طهارته المنزهة عن الفساد (عاش حياة في غاية التواضع والبساطة)، رفضه للتسويات، شغفه بالثورة الذي كانّ واضحًا في كل أفعاله، ولغة خطاباته الرومانسية، والتي لم يكن من الممكن ألا تلهم. لقد كانّ إلهًا. ذلك اليوم جميلًا وينبئ بمستقبل عظيم للثورة.
بعد شهرين من ذلك، ألقى روبيسسبيير خطابًا كانّ يحسبه أنه سيضمن مكانته في التاريخ، لأنه اعتزم التلميح إلى نهاية الإرهاب وبداية حقبة جديدة لفرنسا. سرت إشاعة مفادها أنه سيستدعي آخر حفنة من الناس من أجل إرسالهم إلى المقصلة؛ المجموعة الأخيرة التي كانت تهدد سلامة الثورة. صعد على المنبر ليخاطب المؤتمر الحاكم للبلاد، وهو يرتدي نفس الثياب التي كانّ قد لبسها في يوم المهرجان. الخطاب كانّ مطولًا (استمر ثلاث ساعات تقريبًا)، وتضمن وصفًا مشبوب العاطفة للقيم والفضائل التي كانّ قد ساعد على صونها. كانّ هنالك أيضًا حديث عن مؤامرات، خيانة، وأعداء لم تتم تسميتهم.
الاستجابة كانت حماسية، لكن بدرجة أقل نوعًا ما من المعتاد.

الخطاب كانّ قد أرهق العديد من الممثلين. ومن ثم سُمع صوت وحيد، صوت رجل يُدعى بوردون، الذي عارض فكرة أنّ تتم طباعة خطاب روبيسسبيير، الأمر الذي شكل رفضًا مستترًا. بشكل مفاجئ نهض آخرون من جميع الجوانب، واتهموه بالالتباس والغموض: كانّ قد تكلم عن مؤامرات وتهديدات دون أنّ يسمي المذنبين. رفض أنّ يكون محددًا عندما طلب منه ذلك، مفضلًا أنّ يسمي الأسماء فيما بعد. في اليوم التالي وقف روبيسسبيير ليدافع عن خطابه إلا أنّ الممثلين أخرسوه بالصراخ عليه. بعد عدة ساعات، كانّ هو من أُرسل إلى المقصلة. في 28 تموز، وسط تجمع من المواطنين الذين بدا أنهم في مزاج أكثر احتفالية حتى من المزاج الذي كانوا عليه في مهرجانّ الكائن الأسمى. وقع رأس روبيسسبيير في السلة، متبوعًا بالهتافات المدوية. انتهى عهد الإرهاب.
العديد من أولئك الذين بدوا أنهم معجبون بروبيسسبيير كانّ يُضمرون له في الواقع امتعاضًا من الشدة بحيث كانّ يتآكلهم –لقد كانّ غاية في الاستقامة والعفة، غاية في التفوق، هذا الأمر كانّ ثقيل الوطأة عليهم. بعض هؤلاء الرجال كانوا قد تآمروا ضده، وكانوا ينتظرون أقل علامة ضعف- والتي ظهرت في ذلك اليوم المُقدر عندما أدلى بخطابه الأخير. من خلال رفضه لتسمية أعدائه، كانّ قد أظهر إما رغبة لإنهاء إراقة الدماء أو رهبة من أنهم سينقضون عليه قبل أنّ يتسنى له أمر قتلهم. غذى المتآمرون هذه الشرارة فاستحالت لهبًا. خلال يومين، أولًا جهاز الحكم ومن ثم أمة انقلبت ضد شخص كاريزماتي كانّ يُبجل ويُوقر قبل شهرين.
الكاريزما هي من سرعة الزوال والتطاير كالانفعالات التي تثيرها. إنها تحرك عواطف الحب في معظم الأحيان. لكن من الصعب المحافظة على مشاعر كهذه. علماء النفس يتحدثون عن «الإعياء الجنسي أو الشهواني» - وهي اللحظات التالية للحب والتي تشعر فيها أنك متعب منه وممتعض. الواقع يتسلل، الحب يتحول إلى كره. الإعياء الجنسي أو الشهواني هو تهديد يحيق بكل الكاريزماتيين. غالبًا ما يحوز الكاريزماتي على الحب بواسطة لعب دور المخلّص، أي من خلال إنقاذ الناس من ظرفٍ صعبٍ ما، لكن

بمجرّد ما يشعرون بالأمان، تصبح الكاريزما أقلّ إغوائية لهم. يحتاج الكاريزماتيون إلى الخطر والمجازفة. هم ليسوا بيروقراطيين متهادين؛ بعضهم يبقى الخطر مستمرًا بشكل متعمد، مثلما تعود كل من ديغول وكينيدي، أو كما فعل روبيسسبيير في عهد الإرهاب. لكن الناس يسأمون من هذا، وينقلبون ضدك عندما تند عنك أو هي علامة ضعف. وكرههم الآنّ سوف يضاهي الحب الذي أظهروه من قبل.
الدفاع الوحيد هو أنّ تفهم الكاريزما التي لديك فهمًا كاملًا. ولعُك، غضبك، ثقتك تجعلك كاريزماتيًا، لكن الكثير من الكاريزما ولمدة طويلة يخلق التعب والإجهاد، ورغبة بالسكينة والنظام. النوع الأفضل من الكاريزما يُبتدع بشكل واع ومتعمد ويُحتفظ به تحت السيطرة. تستطيع أنّ تتوهج ثقة واتقادًا عندما تحتاج إلى ذلك، فتلهب الحشود وتلهمهم. لكن عندما تنتهي المغامرة، تستطيع أنّ تركن إلى الروتين، فتُضعف الحرارة، لكن دون أنّ تُطفئها. (لربما روبيسسبير كانّ يخطط من أجل هذه الخطوة، لكن تخطيطه هذا جاء متأخرًا يومًا واحدًا.) سوف يُعجب الناس بضبطك لنفسك وقدرتك على التكيف. علاقة الحب التي تربطهم بك سوف تدنو من الشعور الاعتيادي الذي يشعر به الزوج والزوجة نحو بعضهما البعض. حتى أنه سيُتاح لك مجال أنّ تبدو مملًا وبسيطًا بعض الشيء –الدور الذي بإمكانه أيضًا أنّ يبدو كاريزماتيًا، إذا لُعب بالشكل الصحيح. تذكر: الكاريزما تعتمد على النجاح، وأفضل طريقة لمواصلة النجاح، بعد الهجمة الكاريزماتية المبدئية، هي أنّ تكون عمليًا بل وحتى حذرًا. ماوتسي تونغ كانّ رجلًا مُلغزًا ومتشامخًا، والذي كانّ لديه بالنسبة إلى الكثيرين كاريزما تبعث على الرهبة. عانى العديد من النكسات التي كانت ستشكل نهاية أي رجل آخر أقل ذكاء، لكنه كانّ يتراجع بعد كل هزيمة، فيصبح عمليًا، حليمًا، مرنًا؛ أقله لبرهة من الزمن. هذا حماه من ردة فعل عكسية.
هناك بديل آخر: أنّ تلعب دور النبي المزود بالسلاح. تبعًا لماكيافيللي، بالرغم من أنّ النبي قد يكتسب القوة من خلال شخصيته الكاريزماتية، إلا أنه لن تستطيع أنّ يصمد طويلًا دون القوة اللازمة لدعمها. هو يحتاج إلى جيش. العامة سوف تمله وتسأم منه؛ فهم بحاجة إلى أنّ يُجبروا. كون النبي مسلحًا لا يستلزم أسلحة بالمعنى الحرفي، وإنما يتطلب جانبًا قويًا من

الشخصية، والذي بإمكانك أنّ تدعمه بالفعل (أي بالعمل). لسوء الحظ فإنّ هذا يعني أنّ تكون عديم الرحمة مع أعدائك ما دمت ممسكًا بالسلطة. ولا أحد يخلق أعداء ألد مما يخلقه الكاريزماتي.
أخيرًا، لا يوجد شيءٌ أكثر خطورةً من أنّ تخلف شخصًا كاريزماتيًا. هذه الشخصيات غير تقليدية، وأسلوبهم في الحكم يكون شخصيًا، وموسومًا بجموح وتطرف شخصياتهم. غالبًا ما يخلفون فوضى في أثرهم. الشخص الذي يخلف الكاريزماتي يجد نفسه في ورطة، والتي لا يراها الناس على أية حال. هم يُغفلون ملهمهم ويلومون الخلف. تجنب هذا الوضع مهما كانّ الثمن. إذا لم يكن بالإمكانّ تفاديه، فلا تحاول أنّ تتابع ما قد بدأه الكاريزماتي؛ اذهب في اتجاه آخر. من خلال كونك عمليًا، جديرًا بالثقة، وصريحًا، فإنّك غالبًا ما تستطيع أنّ تولد نوعًا غريبًا من الكاريزما عن طريق التباين. تلك كانت الطريقة التي تدبر من خلالها هاري ترومان ليس أنّ يصمد وحسب إزاء إرث روزفلت بل ويؤسس أيضًا نمطه الخاص من الكاريزما.

النجم
الحياة اليومية قاسية، ومعظمنا يسعى للهروب منها من خلال أحلام اليقظة والمنام. النجوم يتغذون على هذا الضعف؛ ويبرزون عن الآخرين من خلال أسلوب جذاب ومميز، فهم يجعلوننا نرغب في مشاهدتهم ومراقبتهم. وفي نفس الوقت يكونون غامضين وأثيريين، محافظين على بعدهم وتَحَفُظِهم، بحيث يدعوننا نتخيل عنهم أكثر مما يوجد في الحقيقة. خاصيتهم الشبيهة بالأحلام تعمل على اللاوعي لدينا؛ نحن لسنا مدركين حتى لمدى تقليدنا لهم. تعلم أنّ تصبح محط إعجاب وانبهار بواسطة إظهار حضور النجم البراق ولكن المحيّر والمراوغ.

النجم المستبد بالشهوة
ذات يوم من عام 1922 في برلين ألمانيا، جرى إعلانٌ عن الحاجة لممثلة للقيام بدور شابة شهوانية في فيلم يُدعى مأساة الحب. من بين مئات الممثلات المستقتلات اللواتي ظهرن، فإنّ معظمهن كن على استعداد للقيام بأي شيء للحصول على انتباه المخرج، بما في ذلك عرضن أنفسهن عليه. على أي حال فقد كانت هنالك امرأة شابة في الرتل، والتي كانت ترتدي بشكل بسيط، ولم تقم بأية واحدة من التصرفات اليائسة والغريبة اللاتي قامت بها الفتيات الأخريات. ومع ذلك فقد برزت بأية حال.
الفتاة كانت تحمل جروًا يرتدي الطوق، وكانت قد زينت عنق الجرو بقلادة أنيقة. لاحظها على الفور المخرج المسئول عن توزيع الأدوار. راقبها بينما كانت تقف في الصف، وهي تحمل الجرو بهدوء بين ذراعيها منكفئة على نفسها. عندما كانت تدخن، فإنها كانت تفعل ذلك ببطء وبطريقة موحية. افتُتن بساقيها وجهها، والطريقة المتلوية التي كانت تمشي بها، ولمسة البرودة في عينيها. في الوقت الذي وصلت فيه إلى المقدمة، كانّ قد اختارها أساسًا. كانّ مارلين ديتريتش.
بحلول عام 1929، عندما قدم المخرج النمساوي –الأمريكي جوزيف فون شتيرنبرغ إلى برلين ليبدأ العمل بفيلم الملاك الأزرق، كانت ديترتيش البالغة من العمر السابعة والعشرين ذائعة الصيت في عالم السينما والمسرح في برلين. فيلم الملاك الأزرق كانّ عن امرأة تدعى لولا- لولا والتي كانت تنقض على الرجال بطريقة سادية؛ كل صفوة ممثلات برلين أردن الدور- باستثناء (وذلك في الظاهر) ديتريتش التي حرصت على أنّ يعرف الغير أنها.
................................
الوجه الهادئ الوضاء الذي لم يكن يطلب أي شيء، الذي كانّ ببساطة موجودًا ومنتظرًا –هو اعتقد أنه كانّ وجهًا خاليًا؛ وجهًا يمكن أنّ تغيره أي نسمة تعبير. كانّ المرء يستطيع أنّ يتخيل فيه أي شيء. لقد كانّ أشبه بمنزل خاو جميل ينتظر السجادات والصور. كانّ يتحلى بجميع الإمكانات- كانّ يمكن أنّ يصبح قصرًا أو ماخورًا. كانّ ذلك يعتمد على الشخص الذي يملؤه. كم كانّ محدودًا

تنظر إلى الدور على أنّه يحطّ من القدر؛ لذا كانّ على فون شتيرنبرغ أنّ يختار من الممثلات الأخريات اللاتي كن في ذهنه. بعد وصوله إلى برلين بفترة قصيرة، على أي حال، فقد حضر فون شتيرنبرغ مسرحية موسيقية لكي يشاهد ممثلًا (رجلًا) كانّ يفكر في أنّ يسند له دورًا في الملاك الأزرق. كانت ديتريتش نجمة المسرحية، وحالما ظهرت على الخشبة، فقد وجد فون شتيرنبرغ أنه لا يستطيع يرفع ناظريه عنها. حدقت فيه بشكل مباشر ووقح، كتحديقة الرجال؛ ومن ثم كانت هناك تلك الساقان، والطريقة التي اتكأت فيها بشكل مثير على الحائط. نسى فون شتيرنبرغ أمر الممثل الذي كانّ قد قدم لرؤيته. كانّ قد وجد ضالته (لولا- لولاه.)
تدبر فون شتيرنبرغ أنّ يقنع ديتريتش بأنّ تأخذ الدور، وباشر العمل على الفور، مشكلًا إياها على شاكلى لولا التي صورها في مخيلته. غير شعرها ورسم خطًا فضيًا على أنفها ليجعلها تبدو أنحف، وعلمها أنّ تنظر إلى الكاميرا بنفس الوقاحة والغطرسة اللتين كانّ قد رآهما على الخشبة. عندما بدأ التصوير، فقد خلق نظام إضاءة خاصًا بها لوحدها- ضوء يتعقبها أينما ذهبت، ووُضح هذا الضوء بشكل استراتيجي بواسطة الضباب والدخان. إذ كانّ مهووسًا «بصنيعته»، فقد تبعها حيثما ذهبت. لم يكن يسمح لأي شخص بالاقتراب منها.
حقق الملاك الأزرق نجاحًا باهرًا في ألمانيا. افتتن الجمهور بديتريتش: بتلك النظرة القاسية الباردة التي تلوح في عينيها وهي تباعد ما بين ساقيها على الكرسي، كاشفة بذلك ثوبها التحتي؛ بطريقتها في نيل الانتباه على الشاشة ودون أدنى مشقة. هُوس بها آخرون عدا ع فون شتيرنبرغ. كانت الأمنية الأخيرة لرجل يحتضر من السرطان، الكونت ساشا كولوفرات، أنّ يرى ساقي مارلين شخصيًا. لبت ديتريتش طلبه، إذ زارته في المستشفى ورفعت تنورتها؛ تنهد وقال «شكرًا لك. أستطيع الآنّ أموت وأنا سعيد.» سرعان ما أحضرت ستوديوهات باراماونت ديتريتش إلى هيوليود، حيث ما لبث الجميع أنّ تحدث عنها. في الحفلات، كانت جميع العيون تتجه إليها عندما تدخل إلى الغرفة. كانت ترافق من قبل أشد الرجال وسامة في
..........................................
بالمقارنة كل ما كانّ منجزًا ومصنفًا أساسًا.
- إيريك ماريا ريمارك، عن مارلين ديتريتش، قوس النصر مارلين ديتريتش ليست ممثلة، على شاكلة سارة برناردت؛ وإنما أسطورة، على غرار فراين.
- مقتبس عن آندريه مالرو من النجوم، إدجار مورين، ترجمة ريتشارد هارود عندما رأى بيجماليون هؤلاء النسوة، وهن يعشن هكذا حياة مولعة بالأذى، فقد ثارت ثائرته ضد العيوب الكثيرة التي غرستها الطبيعة في الجنس الأنثوي، وكانّ قد عاش لمدة طويلة كأعزب، دون أن

هوليوود، وكانت ترتدي ثيابًا جميلةً وغير اعتياديّة في آنٍ معًا –بيجامةً من نسيج تتخلله خيوطٌ من الذهب، بذلة بّحار مع قبعةٍ على شكل يخت. في اليوم التالي كانّ ذلك الزي أو المظهر يُستنسخ من قبل جميع نساء المدينة؛ ثم كانّ يمت إلى المجلات، حيث تبدأ صيحة جديدة كليًا في عالم الموضة.
لكن موضع الافتتانّ الحقيقي كانّ وجهها بلا ريب. الأمر الذي أسر فون شتيرنبرغ كانّ خلو وجهها من التعبير والانفعال- حيث كانّ يستطيع بالاعتماد على خدعة إضاءة بسيطة أنّ يصنع من ذلك الوجه أي شيء يريد. توقفت ديتريتش أخيرًا عن العمل مع فون شتبرنبرغ، لكنها لم تنس ما كانّ قد علمها. ذات ليلة في عام 1951، كانّ المخرج فريتز لانغ- الذي كانّ بصدد أنّ يوجهها في فيلم المزرعة السيئة الصيت- يقود سيارته بمحاذاة مكتبه عندما رأى وميض ضوء من النافذة. فترجل من سيارته، مخافة السطو، ثم صعد على الدرج ببطء وحذر واختلس النظر من شق في الباب: لقد كانت ديتريتش تلتقط صورًا لنفسها في المرآة وتدرس وجهها من جميع الزوايا.
كانت مارلين ديتريتش تقف على مسافة من نفسها: أيّ أنها كانت تستطيع أنّ تدرس وجهها، رجليها، جسمها، كما لو كانت شخصًا آخر. هذا أعطاها القدرة على صياغة شكلها، محولة مظهرها للتأثير في الآخرين. كانت تستطيع التوضع تماما بالطريقة التي من شأنها أنّ تثير الرجال كأشد ما تكون الإثارة، خلو وجهها من التعبير كانّ يدع الرجل يراها وفقًا لأهوائه ونزواته، أكانت هذه النزوات تتمحور حول السادية، الحسية، أو الخطر. وكانّ كل رجل يلتقي بها أو يشاهدها على الشاشة، يستغرق في خيالات متصلة عنها. فعل الأثر مفعوله مع النساء أيضًا؛ فقد كانت تُظهر خصائص «الجنس دون أنّ يكون لها جنس.» تبعًا لتعبير أحد الكتاب. لكن هذه المسافة ما بينها وبين نفسها أضفت عليها برودًا (جفاء) معينًا، أكانّ على الشاشة أو على المستوى الشخصيّ. كانت مثل شيءٍ جميل، شيء يثير الهوس به ويستبد هو وحده دون غيره بالرغبة ونُعجب به بالطريقة التي نُعجب بعمل فنيّ.
الفتش أو البد هو غرض أو شيء يولد استجابة عاطفية ويجعلنا ننفخ
.............................
تشاركه منزله أية زوجة. لكنه في تلك الأثناء، واعتمادًا على موهبة فنية رائعة، قام ببراعة بنحت تمثال من العاج الثلجي البياض. جعله محببًا إلى النفس أكثر من أيّ امرأة ٍعلى وجه البسيطة، ووقع في حب إبداعه الخاص. تمتع التمثال بكل مظاهر الفتاة الحقيقية، حيث أنه بدا حيًا، ويريد التحرك، إنّ لم يمنعنا الحياء من قول ذلك. كانت تحفته تخفي بذكاء بالغ أنها تحفة. حدق بيجماليون بتعجب، وبزغ في قلبه حب شغوف لهذه الصورة ذات الشكل البشري. كثيرًا ما مرر يديه على التحفة، متحسسًا إياها ليرى فيما إذا كانت من اللحم أو العاج، ومع ذلك فإنه لم يكن ليعترف أنها كانت بأكملها من العاج. كانّ يقبّل التمثال،












الحياة فيه. بما أنّه غرض فإنّنا نستطيع أن نتخيّل أيّ شيءٍ بصدده. إنّ معظم الناس متقلّبو المزاج، وتحكمهم ردّات فعلهم بشكلٍ كبير بحيث لا نستطيع أن نراهم كأشياء نستطيع الهوس والولعِ بها (لا نستطيع أن نُضفي عليها بعدًا فَتِشيًّا) قوّة النجم المستبد بالشهوة (كَفِتش) تأتي من القدرة على أن يصبح غرضًا أو شيئًا، وليس أيّ غرض وإنّما غرضٌ نتعلّق به تعلّقًا شديدًا ويستبدّ لوحده بإعجابنا وهوسنا، غرضٌ يحفّز تخيّلاتٍ ونزواتٍ عدّة. النّجوم الفَتشيّون (المستبدّون بالشهوة) هم مثال الكمال، كتمثال إلهِ أو إلهةٍ يونانيّة. الأثر يكون مذهلاً ومغويًا. شرطه الأساسي هو البعد عن الذات (المسافة الفاصلة ما بين الشخص ونفسه). إذا كنت ترى نفسك كغرض، فسيراك الآخرون كذلك. مظهرٌ أثيريّ وشبيهٌ بالأحلام سوف يعزّز الأثر.
أنت شاشةٌ بيضاء. اطفُ عبر الحياة دون التزامات أو عهود ولسوف يرغب الناس بالاستيلاء عليك والاستغراق فيك والتهامك، من بين جميع أعضاء جسمك التي تسترعي انتباهًا هوسيًا (فتشيًا)، فإنٌ أقواها هو الوجه؛ لذا تعلّم أن تُدَوزِن وجهك كأداة موسيقيّة، جاعلاً إيّاه يشعّ بغموض ساحر للتأثير في الآخرين. ونظرًا لأنّك ستضطرَ إلى أن تبزّ النجوم الآخرين أو تبرز أكثر منهم، فأنت تحتاج لأن تطوّر أسلوبًا يتّسم بلفت الانتباه. كانت ديتريتش ممارسِةً فذّةً لهذا الفن، أسلوبها كان أنيقًا بما فيه الكفاية حتّى يُبهِر، غريبًا بما فيه الكفاية حتّى يستعبد ويأسر. تذَكر، صورتك وحضورك الخاصّين هما موادً تستطيع التّحكُم بها. الإحساس بأنك منخرطٌ بهذه النوع من اللعب سيجعل الناس يرونك على أنَك متفوّقٌ وأسمى منزلةً، وأنّك جديرٌ بالتقليد.
كان لديها هكذا طريقة طبيعّية في المشي والقعود... هكذا اقتصادٌ بالإيماءات، بحيث أصبحت تستحوذ على الانتباه كمودجيلياني (الرّسام والنحّات الإيطالي) ... كان لديها خاصّية النجومّية الأساسّية والأولى: كان بإمكانها أن تكون مهيبة وفخمةُ من خلال عدم فعلها لأي شيء.
- الممثَلة البرلينية ليلى دارفاس في معرض حديثها عن مارلين ديتريتش
......................................
ويتخيل أنّ التمثال يردّ له القبلة، ويتحدّث إليه ويعانقه، وظنّ بأنّه كان يشعر بأصابعه تغوصُ في الأوصال التي يلمسها، لذا فقد كان يخشى من أن تظهر كدماتٌ حيث كان يضغط اللحم. في بعض الأحيان كان يخاطبه مطريًا، وفي أحيانِ أخرى كان يجلب له هدايا من النوع الذي تستمتع به الفتيات... كان يُلبس التمثال بأثواب النساء، ويضع الخواتم في أصابعه، وقلاداتٍ طويلة حول عنقه..... كل هذه الحليّ أصبحت أيضًا جزءًا من الصورة، التي لم تكن أقلَ جمالاً بدونها. وضع بيجماليون التحفة بعدئذِ على أريكة مغّطاةٍ بأقمشةٍ أرجوانيّة، وأسند رأسها على وساداتٍ ناعمة كي يرتاح، كما لو أنّه كان

النجم الأسطوري
في 2 تموز من عام 1960، قبل عدّة أسابيع من مؤتمر تلك السنة القومي الديمقراطي، أعلن الرئيس السابق هاري ترومان على الملأ أن جون إف كينيدي- الذي كان قد حصل على دعم عددِ كافِ من المندوبين لكي يتمّ اختياره كمرشّح حزبه للرئاسة- كان غرًّا وقليل الخبرة جدًّا بالنسبة لهذا المنصب. استجابة كينيدي كانت مذهلة: دعا إلى مؤتمر صحفيّ يُبَثُّ على الهواء مباشرة وفي كلّ أرجاء الأمّة، في 4 حزيران. أُبرِزَت دراميّة لمؤتمر من خلال واقع أنّه كان في إجازة، ولذلك فلم يره أو يتّصل به أيّ شخصِ إلى أن آن أوان الحدث نفسه. عندها، في الموعد المقرّر، دخل كينيدي غرفة المؤتمر بخطىّ واسعة كعمدةِ يدخل مدينة دودج. بدأ بذكر أنّه كان قد خاض في جميع الانتخابات الخاصّة باختيار مرشَحين للرئاسة عن حزبه، بكلفة معتبرة من المال والجهد، وأنّه قد هزم خصومه على نحو عادل وقاطع. فمن يكون ترومان حتّى يدور حول العمليّة الديمقراطيّة؟ »هذا البلد بلد فتيّ، مضى كينيدي في حديثه، وأصبح صوته أكثر ارتفاعًا، »أوجِد من قبل رجالٍ يافعين... ولا يزال فتيّ القلب... العالم متغير، الأساليب القديمة لن تجدي نفعًا،... حان الوقت من أجل جيلِ جديدِ من القادة يكون بمستوى المشكلات الجديدة والفرص الجديدة.»حتّى أعداء كينيدي وافقوا على أنّ خطابه ذلك اليوم كان محرّكًا للمشاعر. أدار تحدّي ترومان رأسًا على عقب: المشكلة لم تكن قلّة خبرته وإنّما احتكار الجيل القديم للسلطة. كان أسلوبه بنفس بلاغة كلماته، فأداؤه استدعى إلى الذهن أفلامًا من تلك الحقبة- ألان لاد في شان وهو يواجه أصحاب مربى الماشية الفاسدين الأكبر سنًّا، أو جيمس دين في ثورةٌ بلا قضيّة. كان كينيدي يشابه دين حتّى، وخاصّةً بسيماء الاستقلاليّة والتحفّظ الهادئ.
بعد عدّة أشهر، بعد أن تّمت الموافقة عليه كمرشّح الديمقراطيّين، اتّخذ كينيدي وضعيّة القتال ضد خصمه الجمهوري، ريتشارد نيكسون. كان نيكسون حادّ الذهن؛ وعلم الإجابات اللازمة للأسئلة التي كانت ستطرح وحاور باعتدادِ بالنّفس، وهو يورد إحصاءاتِ لإنجازات إدارة آيزنهاور، التي خدم فيها كنائب رئيس. لكن تحت أضواء الكاميرات، على شاشات الأبيض والأسود، فقد كانت صورته كالأشباح- ذقنه التي كانت تحتاج إلى حلاقةِ
..................................
بمقدورها أن تقدّرها، ودعاها رفيقة سريره.
• مهرجان فينوس، الذي لا يُحتفل بغيره بمثل هكذا أبّهة في كلّ قبرص، كان يجري عندئذِ، والبقرات الصغيرات، ذوات القرون المعقوفة والمطلية بالذهب من أجل المناسبة، كانت تتساقط عند المذبح بينما كان الفأس يدقّ أعناقهنّ الثلجيّة البياض. كان الدخان يتصاعد من البخّور عندما كان بيجماليون واقفًا عند المذبح، بعد أن قدم قربانه، وهو يصلّي بخشوع، قائلاً: «إذا كنتم أيّها الآلهة قادرين على وهب كلّ الأشياء، فأنا أدعو أن تكون زوجتي» -لم يجرؤ على القول: «العذراء العاجيّة،» بل أنهى بقوله: «واحدةٌ مثل العذراء العاجيّة.» إلّا أنّ فينوس الشقراء، التي كانت حاضرةً شخصيًّا في عيدها،

أخرى في المساء (لسرعة نموّها وكثافتها) كانت مغطٌاةٌ بالبودرة، آثارٌ من العرق كانت على حاجبيه وخدّيه، كان وجهه ينضح بالتعب وعينيه تَطرُفان وتنظران في كل الاتّجاهات، وجسده متصلّبًا. ما الذي كان يقلقه لهذه الدرجة؟ التباين بينه وبين كينيدي كان مروّعًا. كم كان حريٌّ بنيكسون أن ينظر إلى خصمه كينيدي الذي نظر في عيون جمهوره مباشرةٌ وخاطبهم في غرف نومهم كما لم يفعل أيّ سياسيّ من قبل. إذا تكلّم نيكسون بلغة الأرقام والتفاصيل، فإنّ كينيدي تكلّم عن الحرّية، عن بناء مجتمع جديد، عن استعادة روح أمريكا الطليعيّة الرياديّة. أسلوبه كان صادقًا وتوكيديًّا. لم تكن كلماته محدّدة، لكنّه جعل مستمعيه يتخيّلون مستقبلاً باهرًا.
في اليوم التالي للمناظرة، حلّقت أسهم كينيدي في استطلاعات الرأي بطريقةِ عجائبيّة، وحيثما ذهب كانت تستقبله حشود الفتيات بهتافات الاستحسان والتهليل وهنّ يقفزن ويصرخن. زوجته الجميلة جاكي كينيدي كانت بجانبه، لقد كان أميرًا ديمقراطيًّا إن جاز التعبير. الآن أصبحت ظهوراته المتلفزة عبارة عن أحداث. انتُخِبَ رئيسًا في تلك الدورة الانتخابية، وكان خطاب التولية الذي قام به –الذي بُثَّ أيضًا على التلفزيون- محرّكًا للمشاعر. كان يومًا شتويًّا وباردًا. في الخلفيّة جلس آيزنهاور متكوّرًا بمعطفِ ووشاح، وقد بدا مسنًّا ومهزومًا. لكنّ كينيدي وقف حاسر الرأس ودون معطف ليخاطب الأمٌة: «لا أعتقد أنّ أيّ واحدٍ منّا على استعداد لتبادل المواقع مع أيَّ جيل ٍ آخر. الطاقة، الإيمان، التفاني الذين نستحضرهم في هذا المسعى ستنير بلدنا وكل الذين يخدموه- ووهج تلك النار يستطيع بحق أن ينير العالم.»
عبر الشهور التي تلت، قام كينيدي بمؤتمرات صحفيّة لا تُعّد ولا تُحصى أمام كاميرات التلفزة، الأمر الذي لم يجرؤ على فعله أيّ رئيس سابق. لم يكن خائفًا في مواجهة وابل العدسات والأسئلة، بل تحدّث ببرودة أعصاب وبقليل من السخرية. ما الذي كان يدور خلف تلك العينين وتلك الابتسامة؟ أراد الناس معرفة المزيد عنه. أغاظت المجلاّت قرّاءها بالمعلومات- صور لكينيدي مع زوجته وأطفاله، أو وهو يلعب كرة القدم على مرج البيت الأبيض، خلقت المقابلات الإحساس بأنّه رجلٌ كرّس نفسه لأسرته، وبأنّه على الرّغم من ذلك، رجلٌ يختلط مع النجوم الساحرين كندِّ لهم. انصهرت
..............................
فهمت مغزى الصلاة وكإشارةِ إلى أنّ الآلهة كانت مطبوعة على الكرم والرقّة، فإنّ النار اشتعلت ثلاثًا، مطلقةً لسانًا من النار عبر الهواء. عندما عاد بيجماليون إلى بيته فقد توجّه مباشرةً إلى تمثال الفتاة التي أحبّ، انحنى فوق الأريكة، وقبلها. بدت دافئة: وضع شفتيه عليها ثانيةً، ولمس ثديها بيديه- فقد العاج قساوته لدى لمسته وأصبح طريًّا.
- أوفيد، التحوّل، ترجمة ماريم. إنس
جلب جون إف كينيدي إلى الأخبار المتلفزة والصحافة المصوّرة المكونين الأكثر تفشّيًا في عالم الأفلام: صفة النجوميّة والقصّة الأسطورّية. مع الشكل الملائم للعرض على

جميع الصور في بوتقةٍ واحدة- سباق الفضاء، وكالة السلام، مواجهة كينيدي للسوفييت بشجاعة أثناء أزمة الصواريخ الكوبيّة، تمامًا كما كان قد واجه ترومان.
بعد اغتيال كينيدي: قالت جاكي في مقابلة أنّه كان يستمع قبل ذهابه إلى النوم إلى مسرحيّات برودواي الموسيقيّة، والمسرحيّة المفضّلة بالنسبة إليه كانت كاميلوت، وبالتحديد المقطع الذي يقول: «لا تدع للنسيان/ أنّه كان هنالك ذات مرّة مكان/ للحظةٍ قصيرةٍ ساطعةٍ/ كان ذلك المكان يُعرَفُ باسم كاميلوت. سيكون هنالك مجدّدًا رؤساء عظماء، قالت جاكي، لكن لن يكون هنالك أبدًا كاميلوت آخر.» بدا أنّ اسم كاميلوت» قد تشبّث بالأذهان، جاعلاً من الألف اليوم التي قضاها كينيدي في المكتب ترنّ كالأسطورة.
إغواء كينيدي للشعب الأمريكي كان مُتَعَمَدًا ومدروسًا. هذا الإغواء غلب عليه أيضًا الطابع الهوليوودي أكثر من الواشنطني، الأمر الذي لم يكن ليفاجئ: فوالد كينيدي، جوزيف، كان منتج أفلام ذات مرّة، وكينيدي نفسه كان قد أمضى بعض الوقت في هوليوود، وهو يعاشر الممثّلين دون كلفة محاولاً أن يتصوّر ما الذي جعلهم نجومًا. افتُتِن بشكلِ خاص بكلَ من، غاري كوبر، مونتغمري كليفت، وكاري غرانت؛ وغالبًا ما كان يتّصل بغرانت طلبًا للنصيحة.
هوليوود كانت قد وجدت طريقةً لتوحيد البلد بأكمله حول مواضيع، أو أساطير معيّنة- غالبًا الأسطورة الأمريكيّة العظيمة عن الغرب. جسّد النجوم العظام أنماطًا خرافيّة (أسطوريّة): جون واين جسّد البطريرك، كليفت الثائر البروميثيوسي (نسبةً إلى بروميثيوس الذي سرق النار من السماء وعلّم البشر استعمالها: المترجم)، جيمي ستيوارت البطل النبيل، مارلين مونرو الحوريّة. هؤلاء لم يكونوا مجرّد بشر فانين وإنّما آلهةً والآهاتٍ تتمحور حولهم الأحلام والخيالات. كانت كل أفعال وحركات كينيدي قد أُطِّرّت بأعراف هوليوود وأُفْرِغَت في قوالبها. لم يتجادل مع خصومه، وإنّما واجههم بطريقة دراماتيكيّة (مسرحيّة). كان يتّخذ وضعيّاتٍ (أي يقف أو يجلس
..............................
التلفزيون، مهارات تقديم النفس، الفانتازيات البطولية، والذكاء الإبداعي، فإنّ كينيدي كان جاهزًا بألمعّية لإظهار شخصيّة تلفزيونيّة مهمة. أخذ من غير إذنِ لغة ومواضيع ثقافة الجماهير، وخاصّةً من هوليوود، ونقلها إلى الأخبار. من خلال هذه الاستراتيجيّة فقد جعل الأخبار أشبه بالأحلام والأفلام- والأخيرة هي حقل تمثّل فيه الصور السيناريوهات التي تنسجم مع أعمق أتواق المُشاهد... لم يظهر أبدًا في فيلمِ حقيقيّ، لكنّه بالأحرى حوّل جهاز التلفزيون إلى شاشة السينما الخاصّة به، فأصبح أعظم نجم سينمائيّ في القرن العشرين.
-جون هِلمان، هوس كينيدي: أسطورة

بطريقة معينة للفت النظر) وبطرقٍ تسحر الناظر- أكان مع زوجته، مع أطفاله، أم لوحده على المنصّة. كان يستنسخ التعابير الوجهيّة، الحضور، لعميدٍ أو صانع براميل. لم يناقش تفاصيل السياسة ولكنّه كان يصبح فصيحًا حيال المواضيع الأسطوريّة الكبرى، من النوع الذي من شأنه أن يوحّد أمة منقسمة. وكل هذا كان مُعَدًّا للتلفزيون، فكينيدي وُجِدَ في المقام الأوّل كصورةٍ على التلفاز. تلك الصورة لازمت أحلامنا. حرك كينيدي قبل اغتياله بوقتٍ غير قليل أحلامًا عن براءة أمريكا الضائعة من خلال ندائه لاستنهاض الروح الرياديّة، وتجلّى نداؤه هذا من خلال ما يعرف بالتخم الجديد (وهو برنامجٌ تشريعيّ قُدم في عهد الرئيس كينيدي ويتضمّن تشريعاتٍ اجتماعيّة واقتصاديّة وقوانين الإسكان والحد الأدنى من الأجور وإنشاء وكالة السلام: المترجم.)
من بين جميع أنماط الشخصيّة، لرّبما يكون النجم الأسطوري هو الأقوى على الإطلاق. ينقسم الناس وفقًا لجميع الفئات المُدرَكة بشكلِ واع -العرق، الجنس، الطبقة، الدين، التوجّه السياسي. لذا فإنّه من المستحيل أن تحرز السلطة على نطاقِ واسع، أو أن تفوز بالانتخابات، من خلال الاعتماد على إدراكِ واع؛ فمناشدة أيّ فئةِ بعينها لن تؤدّي سوى إلى إقصاء أخرى. لكن في اللاوعي فهنالك الكثير مما نشترك به. كلّنا فاتون، كلّنا نعلم الخوف، كلّنا قد وُسِمنا بوسمة آبائنا وشخصيّاتهم؛ ولا شيء يناشد ويستحضر هذه التجربة المشتركة أكثر من الأسطورة. أنماط الأسطورة- التي تلد نتيجة الصراع ما بين مشاعر العجز من جهة والتعطّش للخلود من جهةِ أخرى- تكون مطبوعة في أعماق ذهن كلّ واحدِ فينا.
النجوم الأسطوريّون هم رموز أسطورة وقد بُعثَت فيها (في الرموز) الحياة. لكي تنتحل قواهم، فعليك أوّلاً أن تدرس حضورهم الجسماني- كيف يتبنّون أسلوبًا مميّزًا، وكيف يكونون باردي الأعصاب ويأسرون الأبصار. ومن ثمّ عليك أن تنتحل وضعة (وقفة) الشخصيّة الأسطوريّة: الثائر، البطريرك الحكيم، المغامر. (وضعة النجم الذي اتّخذ أحد هذه الوقفات الأسطوريّة قد تفي بالمطلوب.) اجعل هذه الصلات خفيّة؛ فلا يجب أبدًا أن تكون واضحةً بالنسبة للعقل الواعي. كلماتك وأفعالك يجب أن تستدعي تأويلاتٍ أبعد من مظهرها السطحي؛ يجب أن تبدو أنّك تتعامل
...................................
جون إف كينيدي الأمريكية
لكننا قد رأينا أنّ تاريخ النجوم، إذا اعتبرناه كظاهرةٍ إجمالية، يكرر، بما يتناسب مع مداه وحجمه، تاريخ الآلهة. فأمام الآلهة (أمام النجوم) فإنّ الكون الأسطوريّ (الشاشة) كان مأهولاً بالأشباح أو الأطياف المحبّبة بسحر وفتنة القرين عند الآلهة (البديل عند النجم.)
- عدّةٌ من هذه التجلّيات قد اتّخذت بالتدريج هيئةً وقوامًا، أخذت شكلاً وتضخّمت وأزهرت لتصبح آلهةً وإلاهات. وبينما كانت بعض آلهة الهيكل الرئيسية تقوم بتحويل نفسها إلى آلهة الخلاص الأبطال، فإنّ الإلاهات- النجمات

ليس مع قضايا محدّدة وأساسيّة وتفاصيل وإنّما مع قضايا حياةٍ وموت، حب وكره، سلطانٌ وفوضى. خصمك، على نحو مشابه، يجب أن يُؤطَّر ليس كمجرّد عدوّ لأسباب تتصل بالأيديولوجيا أو المنافسة وإنّما كنذلِ ووغدِ وشيطان. الناس سريعو التأثّر جدًّا بالأسطورة، لذا فاجعل نفسك بطل دراما عظيمة. واحتفظ بمسافتك –دع الناس يتماهون معك دون أن يكونون قادرين عل لمسك. هم يستطيعون فقط أن يشاهدوا ويحلموا.
حياة جاك كانت على علاقةِ بالخرافة، السحر، الأسطورة، القصص البطوليّة، والرواية، أكثر مّما كانت مع النظريّات والعلوم السياسيّة.
- جاكلين كينيدي، بعد أسبوع من وفاة جون كينيدي
المفاتيح إلى الشخصية
الإغواء هو نوع من الإغواء الذي يسعى لأن يتجاوز الوعي، وأن يحرّك العقل اللاواعي بدلاً من ذلك. السبب من وراء ذلك بسيط: نحن محاطون كثيرًا بالحوافز التي تتنافس لنيل انتباهنا، وتُمطرنا برسائل واضحة، وبالناس المتلاعبين والسياسيّين بشكل علني وصريح، والذين نادرًا ما نُسخَرُ أو نُخدَع بهم. لقد أصبحنا بشكل متزايد أكثر تشكيكًا بنبل الدوافع الإنسانيّة وغيريّتها. حاولْ أن تقنع شخصًا من خلال مخاطبة وعيه، من خلال قول ما تريد بصراحة ومن دون تحفظ، من خلال كشف كل أوراقك، وعلى ماذا تأمل أن تحصل؟ أنت مجرّد إزعاج آخر يجب تجاهله.
لكي تتحاشى هذا المصير عليك أن تتعلّم فن الإيحاء، أي فن الوصول إلى اللاوعي. التعبير الأكثر إفصاحًا عن اللاوعي هو الحلم، الذي يتّصل بطريقة معقّدة بالأسطورة؛ عندما نستيقظ من حلم، فإنّه غالبًا ما تلازمنا صوره ورسائله الملتبسة. تشكّل الأحلام هاجسًا لنا وتستبد بأفكارنا لأنّها تمزج الحقيقي مع غير الحقيقي. هي مليئة بالأشخاص الحقيقيّين، وغالبًا ما تتعامل مع أوضاع حقيقيّة، ومع ذلك فهي غير عقلانيّة بطريقة سارّة، حيث
................................
يقمن بأنسنة أنفسهن ليصبحن وسيطات جدد ما بين عالم الأحلام الخيالي وبين حياة الرجل اليوميّة على الأرض... أبطال الأفلام... هم، وبطريقة هزلية، أبطال أسطوريّون من ناحية أنّهم يصبحون ذوي صفاتِ أسمى من صفات البشر. النجم هو ممثّل/ لة يتشرب بعضًا من الجوهر البطولي لبطل/ لة الفيلم- أي الجوهر السماوي والأسطوري- والذي يغني بدوره هذه المادّة أو الجوهر من خلال مساهمته/ ها الخاصّة. عندما نتكلّم عن أسطورة النجم، فإنّ أوّل شيءِ نعنيه هو عملية التأليه التي يخضع لها الممثّل، وهي العملية التي تجعله معبود الجماهير.
- إدجار مورين، النجوم. ترجمة ريتشارد هاورد

تدفع بالحقائق إلى أقاصي الإثارة والتشويق. إذا كان كلّ شيءٍ في الحلم حقيقيًّا، فلن يكون له قوّةٌ علينا؛ إذا كان كلّ شيٍ غير حقيقيّ، فسنشعر بأنّنا أقل تعلقًا وانشغالاً بمسرّاته ومخاوفه. صهره للعنصرين (الحقيقي وغير الحقيقي) هو ما يجعله ينتابنا ويطاردنا. هذا ما أطلق عليه فرويد اسم الخارق للطبيعة«: شيءٌ يبدو غريبًا ومألوفًا في آنٍ معًا.
نحن نختبر أحيانًا الخارق للطبيعة في حياة اليقظة –في الديجافو (وهو شعور المرء بأنّه قد اختبر تجربةً ما من قبل بالرغم من أنّه في الحقيقة يختبر هذه التجربة للمرّة الأولى: المترجم)، مصادفة عجائبيّة، حدثٌ غريب يعيد إلى الذهن تجربةً من الطفولة. بإمكان الناس أن يكون لهم تأثيرٌ مشابه. الإيماءات، الكلمات، وجود رجال مثل كينيدي وآندي وارهول، على سبيل المثال، يستدعون ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي على حدِّ سواء: قد لا ندرك هذا (وكيف يمكننا حقًّا؟)، لكنّهم مثل رموز الأحلام وشخوصها بالنسبة لنا. لديهم خصائص تُرسيهم في الواقع –إخلاصهم، مرحهم، شهوانيتهم – لكن في نفس الوقت فإن تحفّظهم (عدم إبدائهم اهتمامًا أو عطفًا)، تشامخهم، وخاصيّاتهم التي تكاد تكون سرياليّة (غير مألوفة وعجيبة بحيث تبدو أنّها لا تنتمي للواقع) تجعلهم يبدون كشيء يخرج من عالم الأفلام.
لهذه الأنماط أثرٌ استحواذيّ ومستبدٌّ على الناس. سواءٌ على المستوى العام أم الخاص، فهم يُغووننا ويجعلوننا نرغب بتملّكهم من كلتا الناحيتين الجسديّة والنفسيّة. لكنّنا كيف يمكن أن نتملّك شخصًا من عالم الأحلام، أو نجمًا سينمائيًّا أو سياسيًّا، أو حتّى واحدًا من فاتني وساحري الحياة الحقيقيّة، مثل وارهول، الذين قد يعبرون مسارنا؟ نصبح مهووسين بهم كوننا غير قادرين على الحصول عليهم –هم ينتابون أفكارنا، أحلامنا وتخيّلاتنا. نحن نقلّدهم باللاوعي. عالم النفس ساندور فيرينتزي يسمّى هذه الظاهرة بـِ «تبنّي قيم الغير»: شخصٌ آخر يصبح جزءًا من الأنا الخاص بنا، نحن ندمج شخصه في نفسنا بحيث يصبح مبدأ هاديًا. تلك هي القوّة الإغوائيّة الغادرة للنجم، قوّةٌ تستطيع انتحالها من خلال تحويل نفسك إلى شيفرة، أي إلى مزيج من الحقيقي وغير الحقيقي. معظم الناس عاديّون ومبتذلون وتافهون
........................................
العمر: 22، الجنس: أنثى، الجنسيّة بريطانيّة، المهنة: طالبة طب «[ديانا دوربين] أصبحت معبودتي السينمائية الأولى والوحيدة. أردت أن أشبهها قدر الإمكان، بكل من سلوكي وثيابي. كلّما كنت بصدد جلب ثوب جديد، فإنّي كنت أبحث في مجموعتي عن صورةٍ جميلةٍ على نحوٍ خاصّ لديانا وأطلب ثوبًا مشابهًا للذي ترتديه. كنت أسرح شعري بحيث يصبح شبيهًا بشعرها قدر استطاعتي. إذا وجدت نفسي في أيّ موقفٍ مزعجٍ أو مثير فإنّي كنت أتساءل عمّا كانت ديانا لتفعل وأعدّل ردود فعلي الخاصّة تبعًا لذلك...»
العمر: 26، الجنس: الأنثى، الجنسيّة: بريطانية. »لقد وقعت مرّةً واحدةً فقط في جبّ ممثّل سينمائي.

على نحو ميئوس منه؛ وهذا شيءٌ مغرقٌ في كونه حقيقيًّا. ما تحتاج لأن فعله هو أن تجعل نفسك أثيريًّا أو بالغ الرقة. كلماتك وأفعالك يجب أن تنبع من لا وعيك- أن تكون فضفاضة بدرجةٍ معيّنة. يجب أن تُحجِم قليلاً، ثمّ تكشف بين الحين والآخر عن سمة في شخصك مما سيجعل الناس يتساءلون عمّا إذا كانوا يعرفونك حقّ المعرفة.
النجم هو إبداعٌ من إبداعات السينما المعاصرة. هذا ليس مفاجئًا: الفيلم يعيد خلق عالم الأحلام. نحن نشاهد الفيلم في الظلام، ونحن نصف نائمين. الصور حقيقيّة بما فيه الكفاية، وتصوّر بدرجات متفاوتة مواقف واقعيّة، ولكنّها إسقاطات، أضواءٌ مترجرجة، صور- نعلم أنّها ليست حقيقيّة. كما لو كنّا نشاهد حلم شخص آخر. لقد كانت السينما، وليس المسرح، من خلقت النجم.
على خشبة المسرح، فإنّ الممثّلين يكونون بعيدين وضائعين بين الحشود، وحقيقيّين أكثر من اللازم نتيجة تواجدهم جسديًّا. الأمر الذي مكّن السينما من تصنيع النجم وتشكيله هو اللقطات السينمائيّة المأخوذة عن قرب، والتي تفصل الممثّلين بشكل مفاجئ عن السياق والبيئة المحيطة، ممّا يملأ ذهنك بصورتهم. اللقطات المأخوذة عن قرب تبدو أنّها لا تكشف الشيء الكثير عن الشخصيّات التي يلعبونها وإنما عنهم أنفسهم. نستطيع أن نلمح شيئًا عن جريتا جاربو نفسها عندما ننظر عن كثب إلى وجهها. إيّاك أن تنسى هذا وأنت تشكّل نفسك كنجم. أوّلاً، يجب أن يكون لديك حضورٌ عريضٌ كهذا يخولك من أن تملأ عقل المستهدف بنفس الطريقة التي تملأ بها اللقطة المأخوذة عن قرب الشاشة. عليك أن تتحلّى بأسلوب أو حضور يجعلك تبرز وتتفوّق على أيّ واحدٍ آخر. كن غامضًا وشبيهًا بالحلم، لكن دون أن تكون بعيدًا أو غائبًا- أنت لا تريد الناس أن يكونوا غير قادرين على التركيز عليك أو تذكّرك. يجب أن يروك في عقولهم عندما لا تكون أمامهم.
ثانيًا، نمّ وجهًا غامضًا وخاليًا من التعبير، فهو النقطة التي تشعّ نجوميّة. هذا يسمح للناس بأن يقرؤوا فيك أيّ شيء يريدون، وأن يتخيّلوا بأنّهم يستطيعون أن يروا شخصيتك، بل وحتّى روحك. بدلاً من أن يشير لأمزجة
.............................
لقد كان كونراد فايدت، جاذبيته المغناطيسيّة وشخصيّته نالتا مني. صوته وإيماءاته سحروني. كرهته، خفت منه، أحببته. عندما مات فقد بدا بالنسبة إلي أنّ جزءًا حيويًّا من ذاكرتي قد مات أيضًا، وأنّ عالم أحلامي قد أصبح ضحلاً. «
- جاي. بي. ماير، السينما البريطانيّة وجمهورها
الإنسان البدائي يبجّل أوثانًا من الخشب والحجر؛ أما الإنسان المتحضّر فأوثانًا من اللحم والدم.
- جورج برنارد شو
عندما تصادف أشعّة العين شيئًا صافيًا وحسن الصقل- أكان حديدًا مصقولاً

وعواطف، بدلاً من أن يُسرِف ويسفّ في التعبير عن العواطف، فإنّ النجم يستدعي التفسيرات والتأويلات. تلك كانت القوّة الاستحواذيّة في وجه جاربو أو ديتريتش، أو حتى كينيدي الذي شكّل تعبيراته وصاغها على غرار تلك التي عند جايمس دين.
يكون الشخص الحي ديناميكيًّا ومتغيّرًا بينما يكون الشيء أو الصورة هامدًا ومنفعلاً، لكنّه يحفّز تخيّلاتنا من خلال سلبيّته. يستطيع الشخص أن يظفر بتلك القوّة من خلال أن يصبح نوعًا من الشيء أو الغرض. دجّال القرن الثامن عشر العظيم الكونت سان- جرمان كان من نواح عديدة مشروع نجم. كان يظهر بشكلٍ مفاجئ في أحد البلدات- لم يكن أحدٌ يعلم من أين أتى- وكان يتكلم بلغاتٍ عديدة، لكنّ لهجته لم تكن تنتمي لبلد بعينه. ولم يكن واضحًا كم كان عمره- من الجليّ أنّه ليس شابًا، لكنّ وجهه كان يتمتّع بضياءٍ ينمّ عن الصّحة. كان الكونت يخرج في الليل فقط. كان دائمًا يتشح بالسواد، ويرتدي مجوهراتٍ مذهلة. شكّل وصوله إلى بلاط لويس الخامس عشر حدثًا مثيرًا على الفور، فقد كان يرشح بالثروة، لكن لم يكن أحد يعلم ما مصدرها. جعل الملك ومدام بومبادور يؤمنان بأنّ لديه قوىّ خارقة، من ضمنها القدرة على تحويل المواد البخسة إلى ذهب (هبة حجر الفلاسفة)، لكنّه لم يقم بأيّ ادّعاءاتٍ عظيمة عن نفسه؛ كان كله إيحاءً بإيحاء. لم يقل أبدًا نعم أو لا، فقط ربّما. كان يجلس على العشاء لكن لم يره أحدٌ قط وهو يأكل. أعطى ذات مرّة المدام بومبادور هديّةً من الحلوى في صندوقٍ تتغير ألوانه وملامحه تبعًا للطريقة التي تحمله بها؛ قالت أنّ هذا الشيء الخلاّب ذكّرها بالكونت نفسه. لم يكن أحدّ قد رأى قط لوحات أغرب من اللوحات التي كان يرسمها الكونت- الألوان كانت جدُّ نابضةً بالحياة لدرجة أنّه عندما كان يرسم الجواهر، فإنّ الناس كانوا يعتقدون بأنّها حقيقيّة، استقتل الرسّامون ليعرفوا أسراره لكنّه لم يكشفها قط. كان يغادر البلدة كما دخلها، بشكلٍ هادئٍ ومفاجئ. لم يبارح أبدًا ذهن كازانوفا- الذي كان أكبر معجبيه- مذ التقاه. عندما توفّي فلم يصدّق أحدٌ هذا؛ بعد مضي سنينٍ وعقود بل وقرنٍ على وفاته، فقد كان الناس لا
.................................
أم زجاجًا أم ماء، حجرًا براقًا، أو أيّ مادة أخرى لماعة ووضّاءة ومتمتعة بالرونق، التألّق، والتلألؤ... فإنّ أشعّة العين تلك تنعكس عائدة، والمشاهد عندئذٍ يرى نفسه ويحصل على رؤية عيانية لشخصه بالذات. هذا ما تراه عندما تنظر إلى المرآة؛ في ذلك الموقف أنت تكون كما لو أنّك تنظر إلى نفسك من خلال عيني شخص آخر.
- ابن حزم، طوق الحمام. بحث في فنّ وممارسة الحبّ عند العرب، ترجمة آي. جاي. اريري
إنّ المجموعة الوحيدة المهمّة من الإغواء الجماعي التي أنتجتها العصور الحديثة [هي] جماعة نجوم الأفلام أو معبودي الشاشة... لقد كانوا

يزالون متأكّدين من أنّه يختبئ في مكان ما. شخصٌ بمثل قواه لا يموت أبدًا.
تمتّع الكونت بكلّ مواصفات النجم. كلّ ما يتعلّق به كان غامضًا وعرضةً للتفاسير. برز من بين الحشد كونه كان استثنائيًّا ونابضًا بالحياة. اعتقد الناس بأنّه لا يموت، تمامًا كالنجم الذي لا يبدو أنّه يعمّر أو يتلاشى. كلماته كانت كحضوره- ساحرة، متنوعة، غريبة، وذات معنى غير واضح. هكذا هي القوّة التي تستطيع نيلها من خلال تحويل نفسك إلى شيء متألّق.
شكّل آندي وارهول أيضًا هاجسًا لكلّ من عرفه. كان لديه أسلوبٌ مميّز- ذلك الشعر المستعار الفضّي- ووجهه كان خاليًا من التعبير وغامضًا. لم يعرف الناس أبدًا بما كان يفكّر؛ فقد كان كلوحاته مجرّد سطح. إن وارهول وسان- جرمان يذكّروننا من خلال طبيعة حضورهم باللوحات العظيمة من القرن السابع عشر والتي تعتمد تقنيّة الأبعاد الثلاثيّة، أو بصور إم سي إيشر- مزيجاتٌ ساحرة من الواقعيّة والاستحالة، والتي تجعل الناس يتساءلون بتعجّب عمّا إذا كانوا حقيقيّين أو من محض الخيال.
ينبغي للنجم أن يبرز، وهذا قد يستلزم ميلاً معينًا إلى الدراما، من النوع الذي كانت ديتريتش تظهره عندما تحضر إلى الحفلات. ولو أنّه في بعض الأحيان يمكن خلق أثرٍ أكثر ملازمةً للذهن وشبيه بالحلم من خلال لمساتٍ خفيّة: الطريقة التي تدخن بها السيجارة، تغير في مقام الصوت أو ارتفاعه، طريقةٌ في المشي. إنّ الأشياء الصغيرة في أغلب الأحيان هي ما يجذب الناس ويثير اهتمامهم بشكل كبير، وتجعلهم يقلّدونك- خصلة الشع فوق عين فيرونيكا لايك اليمنى، صوت كاري غرانت، ابتسامة كينيدي الساخرة. بالرّغم من أنّ هذه الفوارق الدقيقة لا تكاد تُسَجّل في العقل الظاهر، إلا أنّها يمكن أن تكون في اللاوعي بمثل جاذبيّة شيء ذي شكلٍ ملفتٍ للنظر أو لونٍ أخّاذ. في اللاوعي فإنّنا ننجذب على نحو غريب للأشياء التي ليس لها معنى سوى مظهرها الساحر.
النجوم يجعلوننا نرغب بمعرفة المزيد عنهم. عليك أن تتعلّم كيف تثير فضول الناس من خلال أن تدعهم يلمحون شيئًا من حياتك الخاصّة، شيئًا يبدو أنّه يكشف عنصرًا أو جانبًا من شخصيّتك. دعهم يتخيّلون ويتصوّرون. السمة التي غالبًا ما تطلق هذا التفاعل هي مسحةٌ من الروحانيّة
...................................
أسطورتنا الوحيدة في عصر غير قادر على توليد أساطير أو رموز إغواء عظام بالمقارنة مع أساطير ورموز الميثيولوجيا أو الفنّ.
- تكمن قوّة السينما في أسطورتها. أمّا حجارتها، صورها النفسيّة، خياليتها، أو واقعيتها، الانطباعات ذات المعنى التي تتركها- فكلّها أشياء ثانويّة. الأسطورة فقط هي القويّة، وفي قلب التصوير السينمائي يكمن الإغواء- الخاصّ بشخصيّة إغوائية شهيرة، رجل أو امرأة (لكن امرأة في المقام الأوّل) - المتّصل تحديدًا بقوّة الصورة السينمائية السالبة للّب ولكن الغزارة..
- النجمة ليست كائنًا ساميًا أو مثاليًا بأيّ شكل من الأشكال: فهي مصطنعة.. إنّ حضورها يخدم غاية غمر كلّ الإدراك والتعبير تحت افتتانٍ

التي يمكنها أن تكون إغوائيّةً بشكلٍ شيطانيّ، مثل اهتمام جايمس دين بالفلسفة الشرقيّة ومسائل السحر والتنجيم. أثرٌ من الطيبة أو سعة الصدر يمكن أن يكون لديه أثرٌ مشابه. النجوم هم مثل آلهة جبل الأولمب الذين يعيشون من أجل الحب واللهو. الأشياء التي تحبّها أنت- الناس، الهوايات، الحيوانات- تكشف نوع الجمال المعنوي الذي يحبّ الناس أن يروه في النجم. استثمر هذه الرّغبة من خلال إظهارك للناس لمحات خاطفةً عن حياتك الخاصّة، القضايا التي تناضل من أجلها، الشخص الذي تربطك معه علاقة حبّ (في الوقت الراهن).
طريقةٌ أخرى في الإغواء يتّبعها النجوم تكون من خلال جعلهم إيّانا نتمثّلهم ونتماهى بهم، ممّا يمنحنا إثارة بالوكالة (بالنيابة). هذا كان ما فعله كينيدي في مؤتمره الصحفي عن ترومان: من خلال وضع نفسه موضع الشّاب الذي ظلمه وأخطأ بحقّه رجلٌ أكبر سنًّا، فإنّه أثار صراع أجيالٍ نموذجيًّا، وجعل الشباب يتماهون به. (ساعدته شعبيّة ورواج شخصيّة المراهق المظلوم والمتمرّد في أفلام هوليوود.) المفتاح هو أن تمثّل طرازًا أو نمطًا، كما مثّل جيمي ستيوارت عصارة الإنسان الأمريكي النموذجي، وكاري غرانت الأريستقراطي الصقيل. الناس الذين من فئتك أو نمطك سوف ينجذبون إليك، يتمثّلون بك، ويشاطرونك بهجتك أو ألمك. الجاذبيّة يجب أن تكون في اللاوعي، وتُنْقَلَ ليس من خلال الكلمات وإنّما من خلال المواقف والطروحات. يشعر الناس الآن وأكثر من أيّ وقتً مضى باللاأمان، وهويّاتهم في حالة تدفق وتغيّر متواصل. ساعدهم على أن يثبتوا على دور في الحياة وسوف يتقاطرون للتماهي بك. ببساطة ـجعل نمطك دراماتيكيًّا، ملحوظًا، وسهل المحاكاة. القوّة التي تتمتّع بها في التأثير على إحساس الناس بأنفسهم في هذا الصدد هي قوّة ماكرة وعميقة.
تذكّر: كلّ شخص هو صاحب دور يؤدّيه أمام الناس. الناس لا تعرف بالضبط بماذا تفكّر أنت أو تشعر؛ هم يحكمون عليك من خلال مظهرك. أنت ممثّل. وأكثر الممثّلين كفاءةً يتمتعون بمسافةٍ داخليّة: هم يستطيعون، مثل ديتريتش، أن ينمّطوا مظهرهم الفيزيائي وكأنّهم يستقبلونه من الخارج. هذه المسافة الداخليّة تسحرنا. يكون النجوم مرحين ولعوبين تجاه أنفسهم، فهم
...................................
طقوسي بالفراغ، تحت وجد نظرتها وزيف ابتسامتها. هذه هي الكيفية التي تتبوّأ من خلالها مرتبة الأسطورة وتصبح محطّ طقوس تزلّف وانبهار جماعية.
إنّ صعود معبودي السينما وآلهة الجماهير، كان وسيبقى قصّة محوريّةً في العصور الحديثة... لا يوجد جدوى من غضّ النظر عنه كمجرد أحلام الجماهير المعميّة. إنّه لحدوثٌ إغوائيّ... تأكد من أنّ الإغواء في عصر الجماهير لم يَعُد مثل ذلك الذي في... علاقات سريّة خطرة أو يوميات مغوي ولا، فيما يتعلّق بهذا الخصوص، مثل الإغواء الموجود في الميثيولوجيا القديمة، والذي من غير شكّ يحتوي على أغنى القصص بالإغواء. كان الإغواء حارًّا في

دائمًا يعدّلون من صورتهم، ويكيّفونها بما يتناسب وروح العصر. لا شيءٌ يدعو للضّحك أكثر من أنموذج كان يتماشى مع الموضة من عشر سنوات ولم يعد كذلك. النجوم يجب أن يجددوا دائمًا لمعانهم وبريقهم أو فليواجهوا أسوأ مصير ممكن: النسيان.
الرمز: الوثن. قطعةٌ من الحجر منحوتةٌ على شكل إله، ربّما تتلألأ بالذهب والجواهر. عيون العابدين تملأ الحجر بالحياة، متخيّلةً أنّه يمتلك قوىّ حقيقيّة. شكله يسمح لهم بأن يروا ما يريدون رؤيته- إلهٌ- لكنّه في الواقع مجرّد قطعةٍ من الحجر. الإله يعيش في مخيّلاتهم.
المخاطر
النجوم يخلقون أوهامًا من الممتع رؤيتها. تكمن الخطورة في أنّ الناس يسأمون منهم- فالوهم لا يعود بسحر- ويتحوّلون إلى نجم آخر. دع هذا يحصل وسوف تجد أنّه من الصعب جدًا أن تستعيد مكانك في المجرّة. يجب أن تبقي الأنظار عليك مهما كان الثمن.
لا تقلق من سوء السمعة، أو من شوائب على صورتك؛ فنحن متسامحون بشكل ملفت إزاء نجومنا. بعد موت الرئيس كينيدي، انبلجت كل أنواع الحقائق غير السارة عنه- العلاقات الغراميّة غير المحدودة، الإدمان على المجازفة والخطر. ولا واحدة من هذه الحقائق قلّلت من جاذبيته. وفي
...............................
هذه العصور، أمّا لدى معبودينا المعاصرين فإنّه بارد، نتيجة لكونه تقاطعًا لوسطين باردين، الأوّل هو الصورة والثاني هو الجمهور... • لا يتأتّى الانبهار بالنجمات أو المغويات العظيمات من موهبتهنّ أو ذكائهن أبدًا، وإنّما من غيابهن. هن يُبهرن من خلال زيفهن وبرودتهن- برودة الماكياج التي تشبه برودة الكلمات التي شكّلت الأساطير... 0 هذه الدمى الإغوائية العظيمة هي أقنعتنا وتماثيل الجزيرة الشرقية (من الميثيولوجيا الإغريقيّة).
- جان بودريلارد الإغواء، ترجمة برايان سينجر
إذا أردت أن تعرف

الواقع فلا تزال العامّةُ تعتبره واحدًا من أعظم رؤساء أمريكا. واجه إيرول فلين العديد من الفضائح، بما فيها قضيّة اغتصاب مشهورة؛ إلاّ أنّ هذه الفضائح لم تؤدٍّ إلاّ إلى تعزيز صورته الخليعة. بمجرّد ما يتعرّف الناس على نجم، فإنّ أيّ نوع من الدعاية، حتّى ولو كان سيئًا- سيغذّي الهوس ببساطة. بالطبع تستطيع أن تشتطّ وتمضي إلى أبعد مدى: فالناس يحبّون أن يتمتّع النجم بجمالٍ خارق، وكثيرٌ من الهشاشة البشريّة ستقود في نهاية المطاف إلى تحريرهم من الوهم. لكن الدعاية السيئة أقلّ خطرًا من الاختفاء لمدّة أطول من اللازم، أو من أن تُغرق في نأيك وبعدك. لا تستطيع أن تلازم أحلام الناس إذا لم يرَوك أبدًا. في نفس الوقت، لا يمكنك أن تدع الناس يألفونك أكثر من اللازم، أو أن تدع صورتك تصبح قابلةً لأن يُتَنّبأ بها. سوف ينقلب الناس ضدّك في لحظة إذا أخذت في إضجارهم، فالضجر هو الشرّ الاجتماعيّ المطلق.
لعلّ أكبر خطر يواجهه النجوم هو الانتباه المتواصل الذي يثيرونه. الانتباه الاستحواذي أو المفرط يمكن أن يصبح مربكًا إن لم يكن أسوأ. كما تستطيع أيّ امرأةٍ جذّابةٍ أن تشهد، فإنّه من المتعب أن تكون موضعًا للتّحديق والنظرات المتفرّسة طوال الوقت، ويمكن أن يكون الأثر مدمّرًا، كما يظهر في قصّة مارلين مونرو. يكون الحل في أن تطوّر (تنمّى) ذلك النوع من المسافة التي ما بينك وبين نفسك والذي كان عند ديتريتش- تناول الاتنباه والإعجاب الأعمى بمقدار ضئيل، وحافظ على حدّ معيّن من الانفصال (عدم التعلّق) والتجرّد عنهما. قارب صورتك الخاصة وادنُ منها بطريقة لعوبة ومرحة. الأهم من هذا كلّه، هو ألاّ تصبح مهووسًا أبدًا بالخاصّية الاستحواذيّة لاهتمام الناس بك.
......................................
كلّ شيءٍ عن آندي وارهول، فما عليك إلاّ أن تنظر إلى سطح رسوماتي وأفلامي وشخصي، فهنالك أنا. إذ لا يوجد شيءٌ وراءه.
- آندي وارهول، مُقتَبس في المُحدّق في النجوم: حياة وعالم وأفلام آندي وارهول، ستيفين كوخ

نقيض المغوي
المُغوون يجتذبونك بواسطة الاهتمام المركز المميز الذي يوجهونه نحوك دون غيرك. نقيضو المُغوين هم المعاكس التام لذلك؛ غير آمنين، مُستَغرقين في ذواتهم، وغير قادرين على فهم نفسية الشخص الآخر، فهم يُنَفون بالمعني الحرفي للكلمة. نقيضو المُغوين لا يتحلون بنظرة متوازنة وصادقة عن شخصياتِهم، ولا يُدركون أبدًا متى يضايقون ويتطفلون ويكثرون من الكلام.
هم يفتقرون إلى الحذاقة والرقة لخلق وعد اللذة الذي يتطلّبه الإغواء. اجتثّ واستأصل الخصائص الضد- إغوائية (المنفرة) من شخصك وأدركها في الآخرين- لا يوجد أي متعة أو منعة في التعامل مع نقيض المغوي.

التصنيف المنهجي للمنفرين
المنفّرون (نقيضو- المغوين) يأتون بمختلف الأشكال والأنواع، لكن جميعهم تقريبًا يتشاركون بصفة مميّزة واحدة، وهي مصدر التنفير لديهم: اللاأمان (أو الشعور به). كلّنا غير آمنين، ونعاني لهذا السبب. ومع ذلك فإنّنا نستطيع التغلّب على هذه المشاعر في بعض الأحيان؛ مشاغلة إغوائيّة بإمكانها أن تنشلنا من استغراقنا المعتاد بذواتنا، فنشعر أنّنا مشحونون (بالطاقة والحياة) وواثقون للدرجة التي نغوي أو نُغوى بها. لكنّ المنفّرين لا يشعرون بالأمان لدرجة لا يستطيعون معها الانخراط في العمليّة الإغوائيّة. حاجاتهم، حصرهم النفسي، إدراكهم لنقائصهم وخوفهم من ملاحظة الناس لها تجعلهم منغلقين. هم يفسّرون أقلّ التباس من قبلك كاستخفاف وازدراء لأناهم (الأنا الخاص بهم)؛ وينظرون لادنى إشارة انسحاب كخيانة، ومن المرجّح أن يشتكوا ويتذمّروا بمرارة حيال هذا.
هذا يبدو سهلاً: المنفّرون ينفّرون، لذا فانفر- تحاشاهم. ولكن لسوء الحظ فإنّ العديد من المنفّرين لا يمكن اكتشاف أنّهم هكذا للوهلة الأولى. هم أكثر خفيةً. وإن لم تكن حذرًا فسوف يوقعونك في شرك أكثر العلاقات إزعاجًا. يجب أن تبحث عن أدلّة عن انهماكهم بذواتهم وعدم الشعور بالأمان: لعلّهم غير كريميين، أو يجادلون بتشبَثٍ وعنادٍ غير معهودّين، أو ميّالون بشكل مفرط لإصدار الأحكام. لعلّهم يجودون عليك بمديح لا تستحقّه، أو يعلنون حبّهم قبل أن يعرفوا أيّ شيءٍ عنك. أو، الأهمّ من هذا كلّه، لا ينتبهون للتفاصيل. نظرًا لأنهم لا يستطيعون رؤية ما يجعلك مختلفًا، فهم لا يستطيعون مفاجأتك باهتمام دقيق (أي تتناسب دقّته ومدى اختلافك).
من الضروري جدًّا التعرّف على الخصائص الضد- إغوائيّة ليس فقط
......................................
علّق الكونت لودوفيكو مبتسمًا: «أعدك بأنّ متوددنا العاقل لن يتصرّف بمثل هذا الغباء ليظفر بالحظوة عند امرأة.»
فردّ سيزار جونزاجا: «ولا أذكر أنّ رجلاً تصرّف بمثل هذا الغباء سوى نبيل ذي سمعةٍ حسنة، لن أذكر اسمه كي لا أُخزيه.» 0 فقالت الدوقة: «حسنٌ، أخبرنا على الأقلّ ماذا فعل.»
فاستأنف سيزار عندئذ: «كان محبوبًا من قبل سيّدةٍ عظيمة المقام، وقدم سرًّا إلى البلدة التي كانت

في الآخرين وإنّما في أنفسنا أيضًا. جميعنا تقريبًا لديه واحدةٌ أو اثنتان من الخصائص التنفيريّة بشكل مستتر وكامن في شخصه، وللمدى الذي نستطيع إليه اقتلاعها، نصبح أكثر إغوائيّةً. غياب الكرم، على سبيل المثال، لا يشير بالضرورة إلى أن الشخص منفر إذا كان ذلك خطؤه الوحيد، لكن الشخص غير الكريم نادرًا ما يكون جذّابًا بحق. الإغواء يقتضي ضمنًا أن تنفتح على الآخرين، حتّى لو لم يكن هذا لغايات سوى التضليل والخداع، أن تكون غير قادرٍ على الإعطاء من خلال إنفاق المال يعني عادة عدم القدرة على العطاء بشكل عام. استأصل البخل. إنّه عائقٌ أمام القوّة وخطيئة عظمى في الإغواء.
من الأفضل أن تُحِلّ نفسك من المنفّرين باكرًا، قبل أن يبثوا مجسّاتهم المحتاجة فيك، لذا تعلّم أن تقرأ الإشارات. هذه هي الأنماط الرئيسية.
الفجّ. إذا كان الإغواء نوعًا من المراسم والطقوس، فجزءٌ من المتعة يكون في مدته- الوقت الذي يستغرقه، الانتظار الذي يزيد التوقّع والتشوّق. ذوو الرّغبات البهيميّة ليس لديهم صبر لهذه الأشياء؛ هم يُعنَون فقط بمتعتهم الخاصّة، وليس أبدًا بمتعتك. أن تكون صبورًا يعني أنك تفكر بالشخص الآخر، الأمر الذي لا يكفّ عن إثارة الإعجاب. عدم الصبر لديه أثرٌ معاكس: الفجّون يؤذونك بغرورهم وأنانيتهم، فهم يفترضون أنّك غايةٌ في الاهتمام بهم لدرجة أنّك لا تملك سببًا للانتظار. مباشرةً تحت ذلك الغرور، أيضًا، يوجد إحساسٌ طاحن بالدونية، وهم يبالغون في ردّة فعلهم إذ رفضتهم بازدراء أو جعلتهم ينتظرون. إذا اشتبهت أنّك تتعامل مع فجّ، فقُمْ بإجراء فحص- أجعل ذلك الشخص ينتظر. ستخبرك ردّة فعلها أو فعله عن كلّ شيءٍ تحتاج لمعرفته.
الخنّاق. الخنّاقون يقعون في حبّك قبل أن تكون حتّى نصف مدرك لوجودهم. هذه السمة تكون خدّاعة- قد تعتقد أنّهم قد وجدوا أنّك تتمتّع بتأثير عظيم بحيث لا يمكن مقاومتك- لكن الواقع هو أنّهم يعانون من فراغ داخلي، حفرة عميقة من الحاجة لا يمكن ملأها. إيّاك والتورّط مع الخنّاقين؛
.................................
فيها بناء على طلبها بعد أن رآها واستمتع بصحبتها إلى أقصى حدّ سمحت له به، أخذ يتنهد ويندُب بمرارة، ليُظهر الكرب الذي كان يعاني منه لدى اضطراره لمغادرتها، وتوسّل إليها كي لا تنساه أبدًا؛ وبعدئذٍ أضاف أنّه يجب عليها أن تدفع تكاليف إقامته في النزل، نظرًا لأنّها من طلبت مجيئه، ولذلك، فقد اعتقد أنّه ليس من الخطأ أبدًا ألاّ يكون مسؤولاً عن أية نفقات للرحلة. « عند هذه الجملة، صارت كلّ النساء تضحك وتقول أنّ الرجل بالكاد يستحقّ صفة الجنتلمان؛ وشعر العديد من الرجال بالخزي الذي كان حريًّا به أن يستشعره، هذا إذا حدث وصار عنده الوعي لإدراك كم كان هذا السلوك مشينًا في حقيقته.

فمن المستحيل تقريبًا أن تحرّر نفسك منهم دون صدمة. هم يتشبثون ويلتصقون بك إلى أن تُجبر على الانسحاب، وعندئذٍ يغرقونك في الذنب. نحن نميل لأن ننسب صفات مثاليّةً لمن نحب، لكن الحب يستغرق وقتًا حتّى ينمو ويتطوّر. ميز الخنّاقين من خلال مدى سرعة هيامهم بك. أن تكون موضع إعجاب كبير قد يمنح دفعةً خاطفة للأنا الذي عندك، لكنّك في قرارة نفسك تحسّ بأنّ عواطفهم الشديدة لا تتصل بأيّ شيءٍ عملته. ثق بهذه الغرائز.
نموذجٌ آخر مختلفٌ قليلاً يندرج تحت عنوان الخنّاق هو الخاضع، وهو الشخص الذي يقلدك بطريقةٍ صاغرة وخانعة. اكتشف هذه الأنماط من البداية من خلال رؤية إذا ما كانوا قادرين على أن يكوّنوا فكرة ما خاصّة بهم. عدم القدرة على الاختلاف بالرأي معك هو علامة سيئة.
المنظّر في الأخلاق. الإغواء لعبة، ويجب تولّيه بخفة ظلً ومرح، كلّ شيءٍ مشروع في الحبّ والإغواء؛ الأخلاقيّات لا تدخل أبدًا في الصورة. من ناحيةٍ ثانية فإنّ شخصيّة المنظّر في الأخلاق تتّسم بالتصلّب. هؤلاء هم أناسٌ يتبعون أفكارًا ثابتةً ويحاولون أن يجعلوك تخضع لمعاييرهم. هم يريدون تغييرك، أن يجعلوا منك شخصًا أفضل، لذلك فهم ينتقدون ويصدرون الأحكام بشكلٍ متواصل- تلك هي متعتهم في الحياة. في الحقيقة فإنّ أفكارهم الأخلاقيّة تنبع من تعاستهم الخاصّة، وتقنّع رغبتهم بالسيطرة على من حولهم. عدم قدرتهم على التكيّف والاستمتاع تجعل من التعرّف إليهم أمرًا سهلاً؛ تصلّبهم العقلي قد يُرافَقُ أيضًا بتصلّبٍ جسديّ. من الصعب عدم أخذ انتقاداتهم على محملٍ شخصيّ لذا فمن الأفضل تجنّب حضورهم وتعليقاتهم المسمومة.
البخيل. البخل يشير إلى أكثر مّما هو مشكلة مع المال. هو علامةٌ على شيءٍ مقيّدٍ في شخصيّة الإنسان- شيءٌ يمنعهم من الاسترخاء والانطلاق لأخذ المجازفات. هي الخصلة الأكثر تنفيرًا على الإطلاق، ولا يجوز أن تسمح لنفسك بالاستسلام إليها. معظم البخيلين لا يدركون بأنّ لديهم مشكلة؛ هم في الواقع يتخيّلون أنّهم كرماء عندما يعطون أحدهم شيئًا
................................
- بلثزار كاستيليوني، كتاب رجل البلاط، ترجمة جورج بُل دعونا نرى كيف يتناقص الحبّ، هذا يحدث من خلال سهولة الوصول إلى سلوانه، ومن خلال كون الشخص قادرًا على التحدّث مطوّلاً مع من يحبّ، ومن خلال الملابس والمشية غير المناسبة للمحبوب، ومن خلال الحلول المفاجئ للفقر... سببّ آخر لتناقض الحبّ هو الإدراك لسوء سمعة الحبيب ومعرفة حوادث عن بخله، شخصيّته السيّئة، وعن ولعه بالأذى بشكل عام؛ وكذلك أيّة علاقة مع امرأة أخرى، حتّى لو لم تتضمّن أيّة مشاعر حبّ. يتناقض الحبّ أيضًا إذا أدركت المرأة أنّ حبيبها أحمق وغير فَطِن، أو إذا رأت أنّه يشتط

ككسرة خسيسة. انظر بقسوة إلى نفسك- لعلّك أبخل ممّا تعتقد. جرّب أن تعطي بحرّية أكبر من مالك ومن نفسك على حدًّ سواء وسوف ترى الإغواء الكامن في الكرم الانتقائي. بالطبع يجب أن تبقي كرمك تحت السيطرة. إعطاء الكثير يمكن أن يكون علامة يأس، وكأنّك تحاول أن تشتري أحدهم.
الأخرق. الخرقي هم أشخاص واعون ومشغولون بنقصهم وضعفهم، ويؤدّي وعيهم هذا إلى تركيز وعيك بنقصك الخاص. في البداية قد تعتقد أنّهم يفكّرون فيك وبشدّة، الأمر الذي يجعلهم مرتبكين. في الواقع هم لا يفكّرون إلاّ بأنفسهم- فهم قلقون حيال كيف يبدون، أو حيال العواقب المترتّبة عن محاولة إغوائهم إيّاك. عادةً ما يكون قلقهم معديًا: إذ سرعان ما تبدأ أنت أيضًا بالقلق حيال نفسك. نادرًا ما يصل الخرقى إلى آخر مراحل الإغواء، لكنّهم حتّى لو ساروا كل تلك المسافة، فإنّهم يفسدونها أيضًا. السلاح الأساسي في الإغواء هو الجرأة، أي أن تحرم الهدف من الوقت اللازم للتوقّف والتفكير. الخرقي ليس لديهم إحساس بالتوقيت. قد تجد أنّه من المسلّي أن تحاول تدريبهم أو تعليمهم، لكنّهم إذا ظلّوا خرقى بعد سنً معينة، فالقضيّة على الأرجح ميئوسٌ منها- هم غير قادرين على الخروج من أنفسهم (النظر أو الاهتمام خارج أنفسهم.)
المتبجّح. أكثر الإغواءات فعّاليّةً هي تلك التي تقودها النظرات، الأعمال غير المباشرة، الإغراءات المادّية. الكلمات لها المكان، لكنّ كثيرًا من الكلام سيؤدّي عمومًا لكسر السحر، إذ يُبرز الخلافات السطحيّة ويخفّف من قيمة الأشياء. الناس الذين يتكلّمون كثيرًا في أغلب الأحيان يتكلّمون عن أنفسهم. لم يحوزوا أبدًا ذلك الصوت الداخلي الذي يتساءل، هل أنا أُضجِرُكَ؟ أن تكون متبجّحًا يعني أنّك تعاني من أنانيّةٍ عميقة الجذور. إيّاك أن تقاطع أو تناقش هذه الأنماط- فهذا لا يؤدّي سوى إلى تغذية تبجّحهم. تعلّم أن تتحكّم بلسانك مهما كان الثمن.
المرتكس (الانفعالي). المرتكسون (ويُقصَد بهذا من تغلبُ ردود
...................................
في مطالباته بالحبّ، غير آبه بحياء شريكته ولا راغب في أن يغفر لها ارتباكاتها. يَجدُر بالعاشق المخلص أن يختار أقسى آلام الحبّ ولا أن يسبّب لها الحرج من خلال مطالباته، أو يتلذذ في رفض وازدراء احتشامها، لأنّ الشخص الذي يفكر حصرًا في حصيلة متمته الخاصّة، ويتجاهل صالح الشريك، يجب أن يُدعى خائنًا وليس عاشقًا.
الحبّ يعاني من التناقض أيضًا إذا أدركت المرأة أنّ حبيبها جبان في الحرب، أو رأت أنّه لا يتحلّى بالصبر، أو موصومٌ برذيلة الغرور. لا يوجد شيءٌ يبدو أنّه أكثر ملاءمة لشخصيّة أيّ عاشق من أن يكون مرتديًا لزينة التواضع، وغير ممسوسٍ أبدًا بعريّ الغرور. علاوة على ذلك أيضًا فإنّ

الأفعال على تصرّفاتهم) يكونون مفرطي الحساسيّة، ليس تجاهك وإنّما تجاه الأنا الخاص بهم. هم يمشّطون كلّ كلمةٍ من كلماتك وكلّ فعلٍ من أفعالك بحثًا عن علامات استخفافٍ بزهوّهم وغرورهم. إذا تراجعت بشكلٍ استراتيجيّ، كما يجب في بعض الأحيان أن تفعل في الإغواء، فسوف تنتابهم الأفكار السوداويّة ويتهجّمون عليك كلاميًّا. هم ميّالون إلى الانتحاب والشكوى، اللتين تعتبران خصلتين ضد –إغوائيّيّن (منفّرتين) بشكل كبيرٍ جدًّا. اختبرهم من خلال إلقاء نكتةٍ ظريفةٍ عنهم أو قصّةٍ يكونون هما موضوعها: ينبغي لنا كلّنا أن نكون قادرين على أن نضحك على أنفسنا بعض الشيء، كلن المرتكس لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً. تستطيع أن تقرأ الامتعاض في عيونهم. امحُ أيّة خصائص تتّسم بردّ الفعل من شخصك- فهي تنفّر الناس بشكلٍ غير واعي.
السوقيّ. السوقيّون لا يراعون ولا ينتبهون للتفاصيل التي هي للإغواء في غاية الأهمّية. تستطيع أن ترى ذلك سواءٌ في مظهرهم الشخصي –ثيابهم عديمة الذوق تبعًا لجميع المقاييس- أم في أفعالهم: هم لا يعلمون أنّه من الأفضل أحيانًا أن يتحكّم المرء بنفسه وأن يرفض الإذعان لنزواته ودوافعه الخاصّة. السوقيّون سوف يثرثرون ويقولون أيّ شيءٍ على الملأ. ليس لديهم إحساسٌ بالتوقيت وقلّما يكونون على انسجامٍ مع ذوقك. اللا تحفّظ هو علامةٌ أكيدة للسوقيّة (أكن تتكلّم للآخرين عن علاقاتك الجنسيّة، على سبيل المثال)؛ قد يبدوا هذا الشيء نتيجة الاندفاع لكنّ مصدره الحقيقي هو أنانيّتهم الفطريّة، وعدم قدرتهم على رؤية أنفسهم كما يراهم الآخرون. عدا عن تفادي السوقيّين، يجب أن تجعل نفسك على النقيض منهم- فاللباقة، الأناقة، والاهتمام بالتفاصيل كلّها مُتَطَلّباتٌ أساسيّة للمغوي.
أمثلة عن نقيض- المغوي
1- كلاوديوس حفيد زوجة الإمبراطور الروماني العظيم أغسطس، كان يُعتَبَر كمعتوهٍ كان شابًّا، وكان يُعامَلُ على نحوٍ سيء من قبل
...............................
الإسهاب الذي يتكلّم به الأحمق أو العصابيّ غالبًا ما يُنقص من الحبّ.
هناك العديد من المتحمّسين لإطالة كلماتهم المجنونة في حضرة المرأة، اعتقادًا منهم بأنهم يرضونها إذا وظّفوا لغةً حمقاء وغير حكيمة، لكنّهم في الواقع مخدوعون بشكل غريب.
بالفعل، إنّ من يعتقد أنّ سلوكه الأحمق يرضي المرأة الحكيمة يعاني من أشدّ درجات فقر العقل والحسّ.
- آندرياس كابيلانوس، «كيف يتناقص الحبّ»، ترجمة بي. جاي. والش
الرجال الحقيقيّون/ لا يجدر بهم أن يبالغوا بالعناية بمظهرهم الحسن.... / حافظ على نظافتك بشكل مرض، مارس

كلّ أفراد أسرته تقريبًا. ابن أخيه كاليغولا، الذي أصبح إمبراطورًا في عام 37 للميلاد، جعل من تعذيبه رياضةً، فكان يجعله يركض حول القصر بالسرعة القصوى كتكفير عن غبائه، وجعله يرتدي بيديه خفّين ملوّثين عند العشاء، وهكذا. عندما تقدّم كلاوديوس في السن، بدا أنّه أصبح أكثر غباءً حتّى (بطيء الفهم)، وبينما كان جميع أقربائه يعيشون تحت التهديد الدائم بالاغتيال، فإنّه كان متروكًا وشأنه. لذا فعندما اغتالت عصبةٌ من الجنود كاليغولا في عام 41 للميلاد وأعلنت كلاوديوس إمبراطورًا، شكّل ذلك مفاجأةٌ كبرى للجميع بما فيهم كلاوديوس ذاته. كونه لم تكن لديه رغبةٌ بالحكم، فقد فوّض معظم صلاحيّات الحكم لنساءٍ كان يثق بهنّ ويأتمنهنّ على أسراره (مجموعة من العبدات المُعتَقات) وأمضى وقته يفعل ما كان يحلو له أكثر من أيّ شيء: الأكل، شرب النبيذ، القمار، والفسق.
زوجة كلاوديوس، فاليريا ميسالينا، كانت واحدة من أجمل نساء روما على الإطلاق. بالرّغم من أنّ كلاوديوس بدا مولعًا بها، إلّا أنّه لم يُعرها اهتمامًا، فبدأت هي بإقامة العلاقات الغراميّة. في البداية كانت متكتّمة، لكن عبر السنين، كونها استُفِزَّت بتجاهل زوجها لها وإهماله، فقد أصبحت أكثر فأكثر فسوقًا. أمرت ببناء لها في القصر حيث استمتعت بعددٍ لا حصر له من الرجال، باذلةً أفضل ما بوسعها كي تبدو مثل أشهر عاهرة في روما، والتي كُتِبَ اسمها على الباب. أيّ شخص كان يرفض مبادرتها أو تحرّشها كان يُعْدَم. كان كل من في روما تقريبًا يعلم بحفلات اللهو والسمر هذه، لكنّ كلاوديوس لم يقل شيئًا؛ لقد بدا غافلاً عمّا يحدث.
عظيمًا كان شغف ميسالينا بعشيقها المفضّل، جايوس سيليوس، لدرجة أنها قرّرت الزواج به، بالرّغم من أنّ كليهما كان متزوّجًا أساسًا. بينما كان كلاوديوس بعيدًا، عقدا حفل زفافٍ مرخّصٍ بصكِّ زواج كان كلاوديوس قد وقّعه بالحيلة (أي احتالوا عليه). بعد الحفل، انتقل جايوس إلى القصر.
الآن فإنّ صدمة وتقزّز المدينة بأكملها أجبرا كلاوديوس أخيرًا على التصرّف، فأمر بإعدام جايوس وعشّاق ميسالينا الآخرين- لكن ليس ميسالينا نفسها.
ومع ذلك فقد تعقّبتها جماعةٌ من الجنود الغاضبين بسبب الفضيحة وطعنوها حتى الموت. عندما بُلِّغَ الإمبراطور بهذا، ما كان منه إلّا أن طلب مزيدًا من
...............................
الرياضة، تمرّن في الهواء الطلق/ تَشَمّس كي تكتسب السمرة؛ احرص بشكلٍ دقيق على أن ينطبق لباسك على مقاسك/ وعل أن يكون غير ملطّخٍ؛ لا تشدّ رباط حذائك أكثر من اللازم/ أو تتجاهل أيّة أزرار صدئة، أو تتبختر/ في ثيابٍ أكبر من مقاسك. لا تدع حلاّقًا غير كفؤ/ يدمّر لك منظرك؛ فكّلٍّ من الشعر واللحية يتطلّب/ اهتمام خبير. أبقِ أظافرك مقلّمة، وخاليةٌ من الأوساخ؛ / لا تدع تلك الشعرات الطويلة تنبت/ من منخريك، احرص على أن تكون رائحة أنفاسك غير مزعجة أبدًا، / تفادي رائحة الرجل النتنة/ فذلك يغضّن الأنوف تقزّزًا.... / كانت على وشك أن أحذّر كن أيّها


النبيذ وأستأنف وجبته. بعد ذلك بعدّة ليالي سأل عن سبب عدم مشاركة الإمبراطورة إيّاه طعام العشاء؛ الأمر الذي أذهل عبيده.
لا شيء أكثر استفزازًا من أنّ لا تُعارَ اهتمامًا. خلال عمليّة الإغواء، قد تضطرّ لأن تنسحب بعض الأحيان، كي تُخضِعَ هدفك للحظاتٍ من الشك. لكنّ إهمالًا مطولًا لن يؤدي إلى كثر التعويذة الإغوائيّة وحسب، وإنمّا بإمكانه أنّ يولّد الكره. كان كلاوديوس متطرّف ًا في هذا السلوك. عدم حساسيّته كانت وليدة الضرورة: من خلال التصرّف كأبله، فقد أخفى طموحه وحمى نفسه من بين متنافسين خطرين. لكنّ تبلدّ إحساسه أصبح طبيعةً ثانية في شخصه. أصبح كلاوديوس قذرًا، ولم يعد يلاحظ ما كان يجري من حوله. كان لعدم انتباهه وعدم اكتراثه بزوجته أثرٌ عميق: كيف- هي تساءلت- يمكن لرجلٌ، وخاصّةً غير جذّابٍ من الناحية الجسديّة مثل كلاوديوس ألا يلاحظني، أو يعبأ بعلاقاتي مع الرجال الآخرين. لكنّه بدا أنّ أيّ شيء تفعله لم يكن ذا أهميةٍ بالنسبة إليه.
بلغ كلاوديوس الحد الأقصى، لكنّ طيف قلّة الانتباه والإهمال واسع. كثيرٌ من الناس لا يعيرون التفاصيل والإشارات التي يرسلها الشخص الآخر سوى قليلٍ من الاهتمام. تبلّدت حواسهم نتيجة العمل ومشقة الحياة والاستغراق بالذات. نحن غالبًا ما نلاحظ هذا الانطفاء في الشحنة الإغوائية بين شخصين، وخاصةً ما بين زوجين مقترنين ببعضهما البعض منذ سنين. والإمعان في هذا يثير الغضب ومشاعر مريرة. غالبًا لدى الشخص الذي قد خدع من قبل الشريك الذي بدأ الآليّة بأنماط اللا انتباه.
2. في عام 1639، حاصر الجيش الفرنسي مدينة تورين الإيطالية. ضابطان فرنسيّان، الفارس (والكونت لاحقًا) دي جرامنت وصديقه متّى، قررا أنّ يحوّلا انتباههما نحو نساء المدينة الجميلات. نساء بعض ألمع رجال تورين كنَّ أكثر من قابلات - أزواجهن كانوا مشغولين، واحتفظوا بعشيقات لهم. شرط النساء الوحيد كان أن يلعب المطارد وفقًا لأصول النبالة والكياسة.
....................................
[النسوة] من الآباط النتنة المشعرة كالمعزاة/ والشعر القاسي على سيقانكّن/ لكننّي لست أقوم بإرشاد فتيات قرويّات من القوقاز، / أو نساءٍ مستهتراتٍ وصخّابات من حوض نهر ميز - لذا فما يجب/ علىّ ألا أذكّركّن به هو ألا تدعن أسنانكن تصفّر بالكامل/ نتيجة الإهمال، أو تنسين غسل أيديكنّ كلّ صباح. أنتنّ تعلمن كيفيّة تلميع بشرتكنّ/ بالبودرة وبإضافة الحمرة إلى الوجه الشاحب، / ظلّلوا ببراعة خطّ الحاجب غير المصقول، / ألصقوا لصوقًا تجميليًا على خدٍّ لا تشوبه شائبة. / لن تجفلن من تكحيل أعينكن بالمسكرة الغامقة/ أو بلمسةٍ من الزعفران الصقّلي.../ لكنّ لا تدعي حبيبك يرى كل تلك المرطبانات والعبوات/ على

الفارس ومتّى كانا سريعين في إيجاد شريكتين، حيث اختار الفارس الآنسة دي سانتا -جرمان الجميلة والتي كانت ستُخطَب عن قريب، وقدّم متّى خدماته لسيّدة أكبر عمرًا وأكثر حنكة، مدام دي سينانت. أخذ الفارس يلبس اللون الأخضر، ومتّى اللون الأزرق، كونهما اللونان المفضّلان عند سيّدتيهما. في اليوم الثاني من المغازلة زار الثنائيّان قصرًا خارج المدينة. الفارس كان ساحرًا بالكامل، حيث جعل الآنسة دي سانتا -جرمان تضحك بصخب على نكاته، لكنّ متّى لم يصب هذا النجاح؛ لم يكن له صبر لموضوع التودّد والكياسة هذا، وعندما أخذت مدام سينانت تتمشى، فقد ضغط يدها وعبرّ عن لواعج نفسه. ذُعِرَت السيّدة بالطبع، وعندما عادا إلى تورين تركته دون إنّ تنظر إليه. كونه غير مدركٍ أنّه كان قد أزعجها، فقد اعتقد أنّها قد اجتاحتها العواطف، وسُرّ من نفسه بعض الشيء. لكنّ الفارس دي جرامونت الذي تساءل عن سبب افتراق الثنائيّين، زار مدام دي سينانت وسألها كيف جرى اللقاء. أخبرته الحقيقة- متّى كان قد استغنى عن الشكليات وكان جاهزًا لمضاجعتها. ضحك الفارس وفكّر بينه وبين نفسه كم كان سيدير الأمور بشكلٍ مختلف لو كان هو من يتودّد إلى المدام المُحبّبة.
عبر الأيام القليلة التي تلت تابع متّى إساءة الإشارات. لم يقم بزيارة زوج المدام دي سينانت، كما كانت تقتضي العادة. عندما ذهبا الاثنان لامتطاء الخيل سويًا، فقد أخذ يطارد الأرانب البريّة، وكأنّها كانت الفريسة الأكثر للاهتمام، وعندما تناول مسحوق التبغ غفل عن أنّ يقدّم لها بعضًا منه. في تلك الأثناء استمرّ بالقيام بمبادرته الجريئة أكثر من اللازم. أخير ًا قد رأت المدام بما فيه من الكفاية، وتذمّرت منه مباشرةً. اعتذر متّى؛ إذ لم يكن مدركًا لأخطائه. بعد أنّ تأثّرت باعتذاره، أصبحت السيدة أكثر من مستعدة لاستئناف الغزل -لكنّ بعد عدّة أيام من ذلك، بعد عدّة محاولات عبثية لخطب الودّ، افترض متّى مجدد ًا أنها كانت جاهزةً للفراش. لخيبة أمله. فقد رفضته كما من قبل. قال متّى للفارس: «لا أعتقد أنّ [النساء] ممكن إنّ ينزعجن بشكل كبير إذا امتنع أحدهم عن العبث المضيّع للوقت وتوجه مباشرة إلى غايته(المواقعة)». لكنّ السبل كانت قد تقطعت ما بين المدام دي سينانت وما بينه، والفارس دي جرامونت، بعد إنّ رأى فرصةً
......................................
طاولة زينتك:
فأفضل/ المكياج هو ما يبقى غير واضح. الوجه المطلي بالبودرة بكثافة سوف يُقَصّر عنقك المتعّرّق/ وسيخلق النفور يشكلٍ مؤكّد. وتلك المادّة اللزجة من الصوف غير المغسول- / المصنوعة ربّما في أثينا، لكنّ يا عزيزتي، الرائحة! - / المُستَخدمة ككريم للوجه: تحاشي استعمالها. عندما تكونين برفقة أحدهم/ لا تضعي موادّ على بثورك، ولا تشرعي في تنظيف أسنانك:/ فالنتيجة قد تكون جذّابة، لكنّ العمليّة مقزّزة....
- أوفيد، فن الحب، ترجمة بيتر غرين.
لكن إذا تشبّث العاشق عندما يُصرّف، كقطٍّ في الشتاء أمام مدفأة، ولم يكن يستطيع إنّ يتحمّل الرحيل،






لا يستطيع تفويتها، انتهز فرصة استيائها من خلال ملاطفتها سر ًا وبالشكل المناسب، فظفر في آخر الأمر بالوصال الذي حاول متّى إنّ يفرضه.
لا يوجد شيءٌ أكثر مناقضة للإغواء(تنفيرًا) من الشعور بأنّ أحدهم يفترض بأنك خاصته أو ملكه (أي أنك أمرٌ مسّلمٌ به)، وأنّه ليس من الممكن أنّ يكون بمقدورك مقاومتهم. أدنى مظهر لهذا النوع من الغرور يكون مميتًا للإغواء؛ يجب أنّ تثبت نفسك، تأخذ وقتك، وتفوز بقلب هدفك. لعلّك تخاف من أنّ معدّل سيرٍ أبطأ سيؤدي إلى جرح مشاعره، أو جعله يفقد الاهتمام. لكنّ من المرجّح أكثر أنّ يعكس الخوف حالة اللا أمان التي عنك وشعورك بها، واللا أمان ينفر دائمًا. في الحقيقة، فكلما استغرقت وقتًا أكثر، كلما أظهرت عمق اهتمامك، وكلّما كانت التعويذة(السحر) التي تخلقها أعمق.
في عالم ذي شكلياتٍ وطقوس قليلة، فإن الإغواء هو واحدٌ من بقايا أو آثار الماضي القليلة التي تحتفظ بالأنماط القديمة. إنّه طقس، وشعائره يجب أن تُطاع ويُحتَفَل بها. تُظهر العجلة ليس عمق مشاعرك وإنّما درجة استغراقك وانهماكك بذاتك. قد يكون من الممكن في بعض الأحيان أنّ تُعَجّل شخصًا ما نحو الحب، لكن لن تكون مكافأتك سوى غياب المتعة الذي ينتجه هذا النوع من الحب. إذا كنت مندفعًا ومتهورًا يشكل طبيعيّ، فافعل ما بوسعك لإخفاء هذا. من الغريب بما فيه الكفاية إنّ يُقْرَأ الجهد الذي تبذله لِلَجم نفسك من قبل هدفك على أنه شيءٌ شديد الإغواء.
3. في باريس في ثلاثينات القرن الثامن عشر عاش شابٍّ يدعى ميليكور، الذي كان تمامًا في السن الذي يخوّله إنّ يحظى بعلاقته الأولى. صديقة أمّه المدام دي لورساى، كانت أرملةً في حوالي الأربعين، جميلةً وساحرةً، لكنّ كان لها سمعة بأنها لا تُمسّ، كصبيّ، كان ميليكور متيمًا بها، لكنّ لم يتوقع أبدًا إنّ تبادله الحبّ. لذا كانت مفاجأته وفرحته عظيمتين بأن يدرك أمّا وقد أصبح كبيرًا بما فيه الكفاية، أنّ نظرات مدام دي لوساى الحنونة بدت أنها تشير إلى أكثر مما هو مجرد اهتمام أموميٍّ به.
.....................................
فيجب إنّ تتُّخذ وسائل معيّنة لجعله يفهم؛ وهذه الوسائل يجب إنّ تكون فظّة أكثر فأكثر، إلى أنّ تمسّه في الصميم. عليها أنّ تمنع عنه السرير، وتسخر منه، وتُغضِبه؛ وعليها إنّ تستعدي أمّها عليه؛ عليها إنّ تعامله بقلّة صدقٍ واضحة، وأن تسعى كلّ المساعي لتحطيمه؛ يجب أنّ يُستبق رحيله بشكل علنيّ، ويجب أنّ يُعارَض ذوقه وتُحبط رغباته، ويُزدَري فقره؛ يجب عليها إنّ تدعه يرى أنها متعاطفةٌ مع رجلٍ آخر، وأن توجّه إليه اللوم بكلماتٍ قاسية في جميع المناسبات؛ وأن تُخبر عنه الأكاذيب لأصدقائها الطفيليين، وأن تقاطع كلامه وترسله في مهمات متكررة بعيدًا عن المنزل. ينبغي لها إنّ تلتمس مناسباتٍ للشجار، وأن تجعله ضحيةً لألف خيانةٍ



لأكثر من شهرين كان ميليكور يرتعد في حضرة دي لورساى. كان يخاف منها، ولا يعلم ما العمل. ذات أمسيةٍ كانوا يناقشون مسرحيةً عُرِضَت مؤخرًا. فأشادت المدام بحسن الطريقة التي من خلالها صرّح أحد أبطال المسرحية بحبّه للامرأة. ثم استأنفت بعد أنّ لاحظت قلق ميليكور الواضح: «إذا لم أكن مخطئة فالاعتراف بالحب لا يمكن أنّ يبدو كمسألةٍ بهذا الإحراج إلّا إذا كان لديك أنت نفسك اعترافٌ لتدلي به». علمت المدام دى لوسارى تمامًا أنّها كانت سبب ارتباك الشاب، لكنّها استأنفت قائلة -بقصد إغاظة الشاب- عليك أنّ تخبرني بمن تحبّ. اعترف مليكور أخيرًا: لقد كانت المدام بالفعل هي من يتوق إليها. نصحته صديقة أمّه بألا يفكّر بها بتلك الطريقة، لكنها تنهّدت أيضًا، وأعطته نظرةً طويلةً وواهنةً. كلماتها قالت شيئًا، بينما عينها قالت شيئا آخر -لعلها لم تكن لا تُمَسّ أو متعذّرة المنال كما كان قد ظنّ. ومع ذلك فعندما انتهت الأمسية، قالت المدام دي لورساى أنّها تشك أنّ مشاعره ستستمرّ، وتركت الشاب معكرًا كونها لم تقل شيئا عن مبادلتها حبّه.
عبر الأيّام القليلة التي تلت، طلب ميليكور من المدام دي لورساى بشكل متكرر أنّ تعلن عن حبّها له، فرفضت بنفس التكرار. في آخر الأمر قرر الشاب إنّ قضيته ميؤوس منها، واستسلم؛ لكنّ بعد عدّة ليالٍ من ذلك، في سهرة في بيتها، بدا فستانها أكثر إغراءًا من المعتاد، ونظراتها له جعلت الدم يغلي في عروقه. بادلها النظرات، وتبعها في أرجاء المكان، بينما حرصت على ترك مقدارٍ بسيطٍ من المسافة، مخافة أنّ يحسّ الآخرون بما كان يجري. ومع ذلك فقد استطاعت تدّبر إمكانيّة بقائه دون إنّ تثير الشكوك بعد أنّ يغادر الضيوف الآخرون.
عندما أصبحا أخيرًا لوحديهما، أجلست بقربها على الأريكة. بالكاد استطاع التكلم؛ والصمت كان غير مريح. لكي تحمله على الكلام، فقد أثارت نفس الموضوع القديم: يفاعته كانت ستجعل من حبّه لها نزوة ًعابرة. بدلا من إنكار ذلك بدا مغتمًا، واستمر بالحفاظ على مسافةٍ مهذّبة، حتّي صرخت أخيرًا، وبسخرية واضحة، «إذا كان معروفًا أنك هنا بموافقتي، وأنّني قد رتبت ذلك معك طوعًا... فما عسى الناس ألّا يقولوا؟ ومع ذلك فكم
.......................................
منزليّة متعمّدة؛ عليها إنّ تُرهِق دماغها في استنباط الأفعال التي تغيظه؛ وأن تتبادل النظرات مع رجل آخر في حضوره، وأن تنغمس في تهتّكٍ منكرٍ أمام عينيه؛ وأن تغادر المنزل ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، وتجعل الأمر يبدو على أنه لا يوجد حاجةٌ حقيقيّة لفعل ذلك. كل هذه الوسائل ناجحة لإرشاد الرجل إلى باب الخروج.
- الحبّ الشرقي، المجلد الثاني: موجز كشيمندرا للمومسات، ترجمة إي. بوريس ماثرز
تمامًا كما تحبّ النساء الرجال الذين يتحلّون أثناء الحرب بالبسالة والجسارة، فإنّهنّ بطريقة مماثلة يحببن الرجال الذين من هذا الصنف في الحبّ، والرجل الجبان والذي

هم مخطئون، لأنه لا يمكن أنّ يكون هناك شخصٌ أكثر احتراما منك».
فأمسك بيدها ونظر في عينيها كونه حُرّض على عمل شيء. احمرت خجلًت وأخبرته بأن عليه الانصراف. لكنّ الطريقة التي تجس بها على الأريكة وتنظر إليه اقترحتا أنه يجب أنّ يفعل عكس ذلك. ومع ذلك فقد ظل ميليكور مترددًا: أخبرته بأن عليه الذهاب، وإذا عصى فمن الممكن أنّ تثير فضيحة، وألّا تسامحه أبدًا؛ كان سيجعل من نفسه أحمقًا، وسيسمع الجميع بالحادثة بمن فيهم أمّه. سرعان ما نهض وهو يعتذر عن جرأته اللحظيّة أو الخاطفة. نظرتها المشدوهة والباردة نوعًا ما عَنَت أنّه كان بالفعل قد مضى أبعد بكثيرٍ من اللازم، أو هكذا خُيّل إليه، وقال الوداع وانصرف.
يظهر مليكور والمدام دي لورساى في رواية الرأس المعاند والقلب، التي كتبها في عام 1738 كريبيلون فيل الذي استمد شخصياتّه من أناسٍ فاسقين كان يعرفهم في فرنسا في ذلك العصر. بالنسبة لكريبيلون فيل، فالإغواء كلّه عبارة عن إشارات أو يتمحور حولها -حول القدرة على إرسالها وقراءتها. هذا ليس بسبب أنّ الجنسانية مكبوتة وتحتاج إلى إنّ تُتكلم عن طريق الشفرة. وإنما لأنّ التواصل غير المحكي (من خلال الثياب، الإيماءات، الأفعال) هو الشكل الأكثر متعةً وإثارةً وإغوائيةً في اللغة.
في رواية كريبيلون فيل، فإنّ المدام دي لورساى هي مغويةٌ ذكية كانت تجد متعةً وإثارة في إدخال الشباب اليافعين في عالم الغواية والجنس. ومع ذلك فهي لا تستطيع أنّ تتخطى غباوة الشباب التي عند ميليكور، غير القادر على قراءة إشارتها لأنه مُستَغرقٌ في أفكاره الخاصّة. لاحقًا في القصة تتدبرّ تعليمه، لكنّ في الحياة الحقيقية يوجد الكثيرون ممن لا يمكن تعليمهم. هم حرفيّون أكثر من اللازم وغير حساسين للتفاصيل التي تحتوي على القوة الإغوائية. هم لا ينفّرونك أكثر مما يضايقونك ويستفزونك بقراءتهم الخاطئة على الدوام، دائمًا يرون الحياة من خلف حجاب الأنا الخاص بهم وغير قادرين على رؤية الأشياء كما هي. ميليكور عالقٌ جدًا في نفسه لدرجة أنه لا يستطيع رؤية أنّ المدام تتوقع منه أنّ يقوم بالخطوة الجريئة التي ستضطر للاستسلام لها. يظهر تردده أنه يفكر في نفسه، وليس فيها؛ أنه قلقٌ حيال
...........................................
يفرط أو يفرط في احترام المرأة لن يظفر أبدًا بالخطوة عندهن. ليس مُراد القول أنّهن يردن الرجال إنّ يكونوا غايةً في الصلب والجرأة والوقاحة، لدرجة أنّ يطرحونهن أرضا باستخدامك القوّة المحضة؛ بل بالأحرى أنهن يشتهين فيهم نوعًا معينًا من التواضع الصلب، أو صلابةً متواضعة والتي لربما كانت أفضل. ففي حين أنّ النساء في أنفسهن لسن داعرات، ولن يتحرشن بالرجال أو يقمن حقيقةً بعرض الوصال، إلا أنّهن يعلمن بشكلٍ جيد كيف يوقظن الشهوات والأهواء، ويقمن بالاستدراج إلى المناوشة على نحو ظريف وحصيف بحيث يكون الرجل الذي لا يخطف الفرصة من ناصيتها وينضم إلى المناوشة، وذلك دون أيّ رهبةٍ

كيف يبدو، بدلًا من الشعور بأن فتنتها وسحرها قد استبدتا به. لا شيء قد يكون منفرًا أو على النقيض من الإغواء أكثر من هذا. تعرّف على هذه الأنماط، وإذا كانوا قد تخطوا سن اليفاعة والشباب الذي من شأنه أنّ يَعذُرَهم، فلا توقع بنفسك في شرك ارتباكهم وخرقهم- إذ سوف يُعْدونك بالشك.
4. في البلط الهاياني في اليابان أوخر القرن العاشر، النبيل الشاب كارو -الابن المزعوم للمغوي العظيم جنجي نفسه- لم يجني شيئًا سوى سوء الحظ في الحب. كان قد أصبح متيمًا بأميرة شابّة، أويجيمي، التي كانت تعيش في بيت خرب متهدم في الريف، فأبوها كان قد وقع في ظروف صعبة، ثم في أحد الأيام صادف لأخت أويجيمي، ناكانو كيمي، التي أقنعته بأنهّا هي كانت في الواقع من يحبّ. عاد إلى البلاط كون كان مشوشا، ولم يقم بزيارة الأختين لبعض الوقت. ومن ثم مات أبوهما، متبوعًا بعد ذلك بفترة قصيرة بأويجيمي نفسها.
الآن أدرك كارو خطأه: كان يحبّ أويجيمي منذ البداية، وكانت قد ماتت من القنوط من أنّه سيهتم أو سيعبأ بها. لم يكن ليلتقي بمثلها ثانيةً قطّ؛ كانت كل ما يستطيع التفكير به. عندما أتت ناكانو كيمي للعيش في البلاط بعد أنّ مات أبوها وأختها، حوّل كارو البيت الذي عاشت في أويجيمي وأسرتها إلى مقام.
ذات يوم، بعد إنّ رأت ناكونو كيمي السوداوية التي كان كارو قد انحدر إليها، أخبرته بأن هناك أختًا ثالثة، يوكيفون، والتي تشابه محبوبته أويجيمي وأنها عاشت مختبةٌ في مكانٍ بعيد في الريف. دبّت الحياة في كارو-لعله يحظى بفرصة ليخلص نفسه من الخطيئة التي ارتكبها، وليغيّر الماضي. لكنّ كيف يتسنى له أنّ يقابل هذه المرأة؟ أتى وقتٌ زار فيه الضريح كي يقدم فروض الولاء والاحترام لأويجيمي الراحلة، وسمع أنّ يوكيفون الغامضة كانت هناك أيضًا. فتدبر أنّ يلقي نظرةً خاطفة عليها من شق الباب وهو مهتاجٌ ومتشوّق. رؤيته لها خطفت أنفاسه: بالرّغم من أنهّا كانت فتاةً ريفيّة عاديةً الجمال جدًا، إلا أنها كانت في عيني كارو التجسيد الحي
.......................................
للمقام الرفيع أو لعظمة الشأن، ودون أيّ وازعٍ من ضمير أو خوف أو أيّ نوع ٍمن التردد، أحمق غير ريب ورعديدًا مخلوع الفؤاد، وشخصًا جديرًا بأن يتخلى عنه الحظّ الطيب إلى الأبد. سمعت عن صديقين نبيلين ومرموقين كانت سيّدتان جديرتان بالاحترام وليستا بأي شكلٍ من الأشكال من نوعية متواضعة، قد دبّرتا معهما موعدًا سريًا في باريس ذات يوم للتنزّه في حديقة. ابتعدت السيدتان عن بعضهما البعض حتى انفصلتا، كلٌ على حدة مع مرافقها في ممشي مختلف.
وكان كلّ ممشي مُغَطّى بشكلٍ كثيفٍ للغاية بتعريشةٍ من الأغصان لدرجة أنّ ضوء النهار كان بالكاد يستطيع النفاذ إلى هنالك، وبرودة المكان كانت


لأويجيمي. صوتها، في هذه الأثناء، كان مثل صوت ناكانو كيمي، التي أحبها أيضًا. اغرورقت عيناه بالدّموع.
بعد عدّة أشهر من ذلك تدبّر كارو أنّ يحد البيت في الجبال حيث كانت يوكيفون تسكن. زارها هناك، ولم تخيبه. قال لها: «كنت قد لمحتك لمرة واحدة من خلال تصدع في الباب ولم تفارقي ذهني منذ ذلك الحين». ومن ثمّ رفعها بدراعيه وحملها إلى عربةٍ كانت بالانتظار. كان سيقلّها إلى المزار ثانيةً، وأعادت الرحلة له صورة أويجيمي؛ فاغرورقت عيناه محددا بالدموع. نظر إلى يوكيفون وأخذ يقارنها في صمت مع أويجيمي- ثيابها كانت أقل حلاوةً لكنّ شعرها كان جميلًا.
عندما كانت أويجيمي حيةً، كانت تلعب وكارو الكوتو سويةً، لذا أخرج الكوتو بمجرّد وصوله إلى المقام. يوكيفون لم تكن تلعب بنفس مستوى أويجيمي، وتصرّفاتها كانت أقل تشذيبًا وصقلًا. هذا لم يكن يقلقه -إذ كان سيعطيها دروسًا، محوًلًا إياها بذلك إلى سيّدة راقية. لكنّ عندها - كما كان قد فعل مع أويجيمي- عاد إلى القصر تاركًا وراءه يوكيفوين في المقام وهي ملتاعة ٌمن الأسى والشوق. مضى بعض الوقت قبل إنّ يزورها مجددًا؛ كانت قد تحسنت وأصبحت أكثر جمالًا من ذي قبل، لكنه لم يستطيع إنّ يتوقف عن التفكير في أويجيمي. تركها مرةً أخرى بعد أن وعدها بإحضارها إلى القصر، لكن انقضت أسابيعٌ أكثر هذه المرة، وأخيرًا تلقّى أنباء مفادها أنّ يوكيفون كانت قد اختفت، بعد أنّ شوهدت آخر مرّة وهي تتوجّه نحو النهر. كانت قد انتحرت على الأرجح.
في حفل الجنازة الذي أقيم من أجل يوكيفون، كان كارو قد دمرّه الإحساس بالذنب: لماذا لم يذهب عندها في وقتٍ أبكر؟ إنهّا تستحق مصيرًا أفضل.
كارو والأخريات يظهرون في الرواية اليابانية من القرن الحادي عشر قصة جنجي، التي ألفتها النبيلة موراساكي شيكيبو. الشخصيات مستمدة من أشخاص كانت الكاتبة تعرفهم، لكنّ نمط كارو يظهر في كل الثقافات والعصور: هؤلاء هم رجال ونساء يبدو أنهم يبحثون عن شريكٍ مثاليّ.
..........................................
مُستحبة للغاية. وعندها كان واحدٌ من الرفيقين رجلا جريئا، عرف جيدًا أنّ الجمعة كانت قد عُمِلَت لغرضٍ آخر غير مجرد المشي وتنسم الهواء. وقدّر من وجه سيدته الذي رأى أنّه كان يشتعل بالرغبة أنّها كان لديها أتواقًا لتذوّق طعام آخر غير زبيب المُسكّات الذي تدلى من التعريشة، كما قدر من خطابها الساخن، اللعوب. وشديد التوق. أنّ هنالك فرصة غايةٌ في الروعة يجب انتهازها. لذا قام بإمساكها دون أنّ يتكلف أية رسميّات فارغة، وطرحها على مضجعٍ صغير مصنوع من الأعشاب وتراب الأرض، وقام بشكل سارٍ جدًا بممارسة اشتهائه لها، دون إنّ تتفوّه أبدًا بأية كلمة ماعدا: «يا للسماء! يا سيدي، ماذا فاعلٌ




الشريك الذي لديهم لا يكون أبد ًا حسنًا تمامًا؛ الشخص يمتعهم ويثيرهم للوهلة الأولى، لكنّ سرعان ما يرون الأغلاط، وعندما يعبر شخصٌ جديدٌ مسارهم، وهو أو هي يبدو/ تبدو أفضل من الشخص الذي يعرفون فإن هذا الشخص يصبح في طي النسيان. غالبًا ما تحاول هذه الأنماط أنّ تعمل على البشري غير الكامل الذي أثارهم وشوّقهم، من أجل تحسينه ثقافيًا وأخلاقيًا. لكنّ هذا يتكشف عن كونه أمرًا غير مرضٍ أبدًا لكلا الطرفين. الحقيقة عن هذا النمط أو الفئة هي ليست أنهم يبحثون عن مثال بل أنهم غير سعداءٍ تجاه أنفسهم بشكل يصعب إصلاحه. قد تحسب خطأ أنّ عدم رضاهم هو عبارة عن معايير مثاليةٍ عالية، لكنّ في ضوء الواقع فلا شيء يمكنه إرضاؤهم حقًا، لأن عدم سعادتهم تكون عميقة الجذور. تستطيع تمييزهم من خلال ماضيهم، المحفوف بقصص رومانسية ٍعاصفةٍ لم تعمّر طويلًا. أيضًا، هم يميلون لمقارنتك بالآخرين، ولمحاولة صنعك من جديد. قد لا تدرك في البداية ما قد أقحمت نفسك فيه، لكنّ أناسًا كهؤلاء سيتكشّفون في آخر المطاف عن كونهم منفّرين بشكل عضال لأنّهم لا يستطيعون رؤية خصائصك الفذة. اقطع شأفة الرومانس قبل أنّ يبدأ. هؤلاء الأنماط هم ساديّون في الخفاء وسيعذبونك بأهدافهم التي لا يمكن الوصول إليها.
5. في عام 1762، في مدينة تورين الإيطالية، التقي جيوفاني جياكومو كازانفوفا لأوّل مرّة بكونت (أ.ب.) ، وهو سيّدٌ نبيل من ميلانو بدا أنُه يحبه (يحب كازانوفا) بشكلٍ هائل. كان قد عانى الكونت أوقاتًا عصيبة وأقرضه كازانوفا بعض المال. كعرفان بالجميل، دعا الكونت كازانوفا ليمكث معه وزوجته في ميلانو. قال الكونت أنّ زوجته كانت من برشلونة وأن جمالها كان محط إعجابٍ كبير وواسع النطاق. أرى الكونت رسائلها لكازانوفا، والتي كانت مكتوبةً بخفّة دمّ آسرة؛ تخيّلها كازانوفا كجائزةٍ تستحق الإغواء. فمضى إلى ميلانو.
لدى وصوله إلى منزل الكونت، وجد كازانوفا أنّ السيدة الإسبانية كانت جميلةً بالتأكيد، لكنها كانت أيضًا هادئة وجدية. شيءٌ بصددها كان قد أزعجه. عندما أفرغ حقيبته من الثياب، رأت الكونتيسة رداءً أحمرًا رائعًا،
..........................................
أنت؟ أنت بالتأكيد الرجل الأكثر جنونًا وغرابة في تاريخ البشرية! إذا قدم أي شخص، فماذا سيقول؟ اذهب بحق السماء!، لكنّ الرجل من دون إنّ يزعج نفسه وبشكلٍ حسن للغاية ما كان قد بدأه إلى أنّ انتهى، وهي أيضًا، في حالة من الرضى الشديد لدرجة أنهما عاودا الكرة من جديد بعد إنّ طافا بالممشى ثلاث أو أربع مرات. بعد ذلك ببرهة، بينما كانا يتمشيان في ممشى آخر مفتوح، فقد رأيا في مكانٍ آخر من الحديقة الاثنين الأخرين وهما يتمشيان مع بعضهما البعض دونما وجهة أو غاية تمامًا كما تركاهما في البداية. وعندئذ قالت السيدة التي حصلت على مرادها للرجل الذي يشاطرها نفس الحالة، «أنا موقنة تمامًا من أنّ




مزّينًا بفرو السمّور الأسود، من بين مقتنياته. شرح كازانوفا أنه كان هديةً لأي سيدةٍ من ميلان تفوز بقلبه.
في الليلة الثانية على العشاء، صارت الكونتيسة فجأةً أكثر ودًا، إذ أخذت تمازح وتغيظ كازانوفا. وصفت الرداء بالرشوة -كان يستخدمه حتى يقنع المرأة بالاستسلام له. بل على العكس من ذلك، قال كازانوفا، فأنا لا أعطي إلا بعد نيل المراد، كعربون تقدير. في تلك الأمسية، وهم في عربة تقلّهم على طريق العودة من الأوبرا، سألته إذا كان بإمكان صديقةٍ غنيةٍ لها إنّ تشتري الثواب، وعندما أجاب بلا، انزعجت بشكلٍ واضح. كونه أحسّ بلعبتها، فقد اقتراح كازانوفا إنّ يقدم لها رداء فرو السمّور إذا كانت لطيفة معه. هذا لم يؤد إلا لإغضابها، فتشاجرا.
أخيرًا كان كازنوفا قد سئم من تقلب مزاج الكونتيسة: باع الرداء مقابل 15000 لصديقتها الغنية، التي بدورها أعطتها إياه، كما كانت قد خطّطت منذ البداية. لكنّ ليثبت عدم اهتمامه بالمال، فقد أخبر كازانوفا الكونتيسة أنه على استعداد ليعطيها ال 15000، دون قيد أو شرط. قالت له: «أنت رجلٌ سيءٌ للغاية لكنك تستطيع البقاء فأنت تسليني. واستأنفت أسلوبها المتّسم بالغنج، لكنّ كازانوفا لم يُخدَع. قال لها: «ليس ذنبي، يا سيدتي، إذا كان لسحرك تأثيرٌ محدودٌ للغاية علىّ». هذه هي الـ15000 إذا كان ذلك يرضيك». وضع المال على الطاولة وانصرف، تاركًا الكونتيسة تستشيط غضبًا وهي تهدد وتتوعّد.
عندما التقي كازنوفا لأول مرة الكونتيسة، فقد نفره منها عاملان. الأول، اعتدادها بنفسها: فبدلًا من أنّ تنخرط في عملية أخذ ورد للإغواء، فقد طالبت بإخضاع الرجل. الاعتداد بالنفس يمكنه إنّ يعكس ثقة بالنفس، مشيرا إلى أنك لن تذل نفسك أمام الآخرين، تمامًا كما يمكنه إنّ ينبع- وعلى الرغم من ذلك- من مركب نقص، والذي يتطلب أنّ يذلّ الآخرون أنفسهم أمامك. يتطلب الإغواء انفتاحًا على الشخص الآخر، واستعدادًا للانحناء والتكّيف. العنفوان او الكبرياء الزائد، دون أي شيءٍ يبرره هو أمرٌ منفر بشكلٍ كبير.
.....................................
فلانًا قد لعب دور المتزمّت السخيف، ولم يمنح سيدته أي تسلية سوى الكلمات، الخُطَب الحسية، والتنزه، عندما اجتمع الأربعة مع بعضهم البعض فيما بعد، فقد سارعت كلّ سيدةٍ لتسأل رفيقتها عن الطريقة التي سارت بها الأمور معها. عندها فقد أجابت السيدة التي أُشبِعَت رغباتها بأنها كانت على خير ما يُرام وبصورة استثنائية، بالفعل لقد كانت كذلك؛ بالفعل أنه بالكاد يمكنها إنّ تكون أفضل حالًا مما كانت عليه عندئذ. الأخرى التي كانت ساخطةً، أكدت من ناحيتها أنها اضطرت للتعاطي مع أكبر مغفل وأجبن عاشقٍ كانت قد رأته على الإطلاق؛ وخلال ذلك كله كان بإمكان الرجلين إنّ يريانهنّ وهما


الصفة الثانية التي أثارت اشمئزاز كازانوفا كانت طمع الكونتيسة: ألعابها الصغيرة المغناجية كانت مصمِّمةً فقط للحصول على الثوب -لم يكن لديها اهتمامٌ بالرومانس. كان الأغواء بالنسبة لكازانوفا عبارة عن لعبةٍ خفيفة الظل وممتعة يلعبها الناس من أجل تسليتهم المتبادلة. لم يكن هنالك ضير، في منظومة الأشياء لديه، إذا كانت المرأة تريد المال والهدايا أيضًا؛ فتلك رغبة يستطيع فهمها، وكان رجلًا كريمًا. لكنه شعر أيضًا أنّ هذه رغبة يتعين على المرأة إخفائها -إذ يجب عليها أنّ تخلق الانطباع بأن ما تسعى وراءه هو المتعة. الشخص الذي يحتال بشكلٍ واضح للحصول على المال أو جائزة ماديةٍ أخرى لا يسعه إلا إنّ يوقع النفور والاشمئزاز في النفوس. إذا كانت تلك نيتك، إذا كنت تبحث عن شيءٍ عدا اللذة -عن المال، السلطة- فلا تظهر ذلك أبد ًا. مسحة من الدوافع الخفية هي شيءٌ منفر. إيّاك وأن تدع أيّ شيء يحطّم الوهم.
6. في عام 1868، استضافت الملكة فيكتوريا (ملكة بريطانيا) اجتماعها الخاص الأوّل برئيس وزراء البلاد الجديد، ويليام غلادستون. كانت قد التقت به من قبل، وعلمت بصيته كشخص يؤمن بالأخلاق إيمانًا مطلقًا، لكنّ هذا الاجتماع كان يُرادُ منه أنّ يكون مراسميًا، وأن يتمّ فيه تبادل المجاملات والأحاديث الخفيفة. لكنّ غلادستون لم يكن لدية صبرٌ لهذه الأشياء. في ذلك الاجتماع الأول شرح للملكة نظريته في الملكية: آمن بأن على الملكة إنّ تلعب دورًا يُقتدَى به في إنجلترا -دورًا كانت قد فشلت مؤخرا في الارتقاء إليه، لأنها كانت انعزالية بشكلٍ مفرط.
صبغت هذه المحاضرة المستقبل بصبغة سيئة، والأشياء لم تتجه إلا نحو الأسوأ: سرعان ما بدأت فكتوريا بتلقي الرسائل من غلادستون الذي مضى في معالجة الموضوع بشكلٍ أكثر عمقًا. نصف تلك الرسائل لم تتجشم عناء قراءتها، وسرعان ما أخذت تفعل أي شيءٍ باستطاعتها لتفادي الاحتكاك مع زعيم حكومتها؛ إذا اضطرت لأن تراه، فإنها كانت تحرص على جعل اللقاء أقصر ما يمكن. لتحقيق هذه الغاية، فإنها لم تكن تسمح له بالجلوس في حضرتها، أملًا منها في أنّ رجلًا في مثل عمره سرعان ما سيمل ويغادر. لأنه بمجرد ما كان يشرع بالكلام عن موضوعٍ عزيزٍ على قلبه، فإنّه لم يكن
.........................................
تضحكان وتصيحان مع بعضهما البعض أثناء المشي: «أوه! أيها المغفل السخيف! يا أيها الرعديد الجبان المخبول!» عندئذ قال الزير الناجح لرفيقه: «أصغِ إلى سيّدتينا اللتين تصيحان عليك، وتهزآن بك بشكلٍ مؤلم. وستكتشف أنك بالغت بلعب دور المتزمت والمغرور في هذه الواقعة». أقر بصحة ذلك لأبعد الحدود؛ لكنّ الأوان كان قد فات على إصلاح خطئه، لأن الفرصة لم تعطه مسكة أخرى ليمسك بها بواسطتها.
- سيجنور دي برانتوم، حيوات السيدات الجميلات والمهيبات، ترجمة آي. آر ألينسون




يلاحظ نظرة عدم الاهتمام لديك أو الدموع في عينيك نتيجة التثاؤب. مذكراته الدبلوماسية أو حتى أبسط القضايا (التي يكتب عنها) كان يحب إنّ تترجم إلى إنكليزية بسيطة (واضحة) من قبل أحد أعضاء طاقمها كي تتمكن من قراءتها. لكنّ الأسوأ من هذا كله كانت الطريقة التي يجادلها بها، فقد كانت لمناقشته طريقة في جعلها تشعر أنها غبية. تعلمت سريعًا أنّ تومئ برأسها كي تظهر على أنها تتفق مع أي وجهة نظر مجردة كان يحاول إنّ يوضحها. كتبت في رسالة إلى أمين سرها- مشيرة إلى نفسها بصيغة الغائب، «ولطالما استشعرت عنادًا وتعجرفًا تسلطيين في السلوك [غلادستون]... واللذين لم تعان منهما من أي شخص آخر، واللذين كانا أكثر ما كرهته فيه». تقست هذه المشاعر عبر السنين حتى أصبحت كرهًا لا يلين.
كرئيسٍ لحزب الأحرار، كان لغلادستون خصمٌ رهيبٌ اسمه بنجامين دزرائيللى الذي كان رئيس حزب المحافظين. كان ينظر لدزرائيللي كشخص لا يقيم وزنًا للاعتبارات الأخلاقية، كيهودي شيطاني. في إحدى جلسات البرلمان، هاجم غلادستون منافسه كلاميًا، مسجلًا نقطةً بعد نقطة وهو يصف النتائج التي ستؤدي إليها سياسات خصمه. تصاعد غضبه أثناء كلامه (كما كان يحدث عادة عندما يتحدث عن دزرائيللي)، فلكم الطاولة بقوّة جعلت الأقلام والأوراق تطير. أثناء كل هذا بدا دزرائيللي نصف نائم. عندما انتهى غلادستون من الكلام، فتح عينيه ونهض على قدميه ومشى بهدوء نحو الطاولة. وقال: «السيد المستقيم الجدير بالاحترام قد تكلم بكثيرٍ من الانفعال، كثيرٍ من الفصاحة، وكثيرٍ من -أحم- العنف». ثمّ استأنف بعد توقفٍ تعمّد إطالته، «لكنّ يمكن إصلاح الضرر» -وباشر بلمّ الأشياء التي كانت قد وقعت من الطاولة وأعادها إلى مكانها. الخطاب الذي تلا كان غايةً في البراعة في تباينه الهادئ والساخر مع خطاب غلادستون. سُحِرَ أعضاء البرلمان، واتفقوا جميعًا أنه قد فاز في ذلك اليوم.
إذا كان دزرائيللي مثال الساحر والمغوي الاجتماعي، فغلادستون كان مثال المنفر أو نقيض المغوي. بالطبع كان له مؤيّدون، معظمهم من العناصر الأكثر تزمتًا في المجتمع -فاز مرتين على دزرائيللي في الانتخابات العامة.


لكنه وجد من الصعب أنّ يوسّع جاذبيته إلى ما بعد حلقة المؤمنين. النساء تحديدا وجدن أنه لا يُطاق. بالطبع لم يكن لهنّ حق التصويت في ذلك الزمن، لذا لم يشكّلوا من الناحية السياسية سوى عائقٍ بسيط؛ لكنّ غلادستون كان يضيق ذرعًا بوجهة النظر النسائيّة. كان يشعر أنّ المرأة يجب أنّ تتعلم رؤية الأشياء كما يراها الرجل، وكان هدفه في الحياة أنّ يعلّم أولئك الذين شعر أنهم غير عقلانيين أو الذين قد تخلّى عنهم الله.
لم يكن يلزم غلادستون وقتًا طويلًا قبل إنّ يرهق أعصاب أيّ شخصٍ كان. فتلك هي طبيعة الأشخاص المقتنعين بحقيقةٍ ما، لكن ليس لديهم سعة صدر أو حلمٌ إزاء منظورٍ آخر أو للتعامل مع نفسية شخصٍ آخر. هؤلاء الأشخاص هم متنمرون على من هم أضعف منه، وغالبًا ما ينالون مرادهم على المدى القصير، وخاصةً عند الأشخاص الأقل عدوانيةً. لكنهم يثيرون الكثير من الامتعاض والمشاعر السلبية (البغض) الكظمية، والتي تؤدي إلى إيقاعهم في آخر الأمر. الناس يميزون الطبيعة الحقيقية الكامنة تحت موقفهم الأخلاقي والقويم، الذي غالبًا يكون غطاء للعبة القوة - فالأخلاقية هي شكلٌ من أشكال القوّة. لا يسعى المغوي أبدًا لأن يقنع بشكلٍ مباشر، لا يستعرض أبدًا أخلاقياته/ها، لا يحاضر أو يفرض نفسه أبدًا. كل شيءٍ مصقولٌ، يستهدف سيكولوجية الإنسان، وغير مباشر.
الزمر: السرطان. في عالمٍ قاسٍ، يبقي السرطان على قيد الحياة بواسطة قوقعته المتقسيّة، بواسطة تهديد كلاّبيه، وبواسطة الاختباء في الرمال. لا أحد يجرأ على الاقتراب أكثر من اللازم. لكنّ السرطان لا يستطيع مفاجأة عدوه ويتمتع بالقليل من الحركيّة. قوته الدفاعية هي محدوديّته المطلقة.




استخدامات عكس- الإغواء
أفضل طريقة لتفادي الوقوع في شرك نقيض المغوي تكون من خلال تمييزهم حالا وتجنبهم، لكنهم غالبًا ما يخدعوننا. يكون التورط مع هذه الأنماط مؤلماً، ومن الصعب التحرّر منه، لأنّه كلما كانت ردّة الفعل التي تظهرها أكثر عاطفيّة، بدوت أكثر ارتباطًا وتورطًا. لا تغضب - فهذا قد لا يؤدي سوى لتشجيعهم أو لمفاقمة ميولهم المنفّرة. بدلًا من ذلك، تصرّف بقلة ود وعدم اكتراث، لا تُعِرهم اهتمامًا واجعلهم يشعرون بمدى قلّة أهميتهم لك. أفضل ترياق مضاد للمنفر هو أنّ تكون أنت نفسك منفرًا.
كان لكليوبترا أثرٌ مدمرٌ على كلّ رجلٍ عّبَرَ طريقها. أوكتافيوس- الذي أصبح الإمبراطور أغسطس فيما بعد، والرجل الذي سيهزم ويدمّر عشيق كليوباترا مارك أنتوني- كان مدركًا تمامًا لقوتها، وصان نفسه تجاه هذه القوة من خلال كونه دائمًا غايةً في اللطف والودّ معها، ودمثًا لأقصى درجات الحدود، لكنّ دون أنّ يظهر أبدًا أدنى عاطفة، أكانت عاطفة حب أو كره. بكلمة أخرى، عاملها كما لو كانت أي إمارةٍ أخرى. لم تستطع أنّ تصطاده بشباكها بعد أنّ ووجِهَت بهذا المسلك. جعل أوكتافيوس من عكس-الإغواء دفاعه ضد لأكثر امرأةٍ جذابةٍ على نحوٍ لا يُقاوَم في التاريخ. تذكّر: الإغواء هو لعبة انتباه، أي لعبة ملأ عقل الشخص الآخر تدريجيًا بحضورك. البعد وعدم الانتباه أو الاهتمام سيخلقان التأثير المعاكس، ويمكن استخدامهم كوسيلةٍ تكتيكيةٍ عندما تبرز الحاجة.
أخيرًا إذا أردت حقًا أنّ «تنفر»، فادع الخصائص المدرجة في بداية الفصل. نقّ، تكلم كثيرًا، وخاصةً عن نفسك؛ البس بطريقة تتنافى وذوق الشخص الآخر؛ لا تهتم بالتفاصيل؛ اخنق، وهكذا. تحذير: إيّاك أنّ تردّ بفظاظة أكثر من اللازم مع النمط المجادل والمتبجح. الكلمات لن تكون إلا مثل النار للهشيم. تبنَّ استراتيجية الملكة فكتوريا: أومئ برأسك، اظهرْ كمن يوافق، ثم ّجِدْ عذرًا لإنهاء المحادثة بشكلٍ مختصر. فهذا هو الدفاع الوحيد.

ضحايا المغوي
الأنماط الثمانية عشر
كل الناس الذين من حولك هم ضحايا محتملة للإغواء، لكنّ أولًا يجب
أنّ تعرف مع أي نمطٍ من الضحية أنت تتعامل. الضحايا يُصَنفون
من خلال ما يحسون أنهم يفتقدوه في حياتهم- مغامرة، انتباه،
رومانس، تجربة شقيّة، تحفيز فكري أو جسدي، إلخ. بمجرّد
ما تتعرّف على نمطهم، تكون قد حصلت على المكوّنات
الضرورية للإغواء: ستكون الشخص الذي سيمنحهم
ما يعوزونه ولا يستطيعون أنّ يستحصلوه بمفردهم.
لدى دراسة الضحايا المحتملة، تعلم إنّ ترى
الحقيقة الكامنة خلف المظهر. فالشخص
الهّياب قد ينوق للعب دور النجم؛
المتزمت قد يتوق لإثارة تتّسم
بالانتهاك والإثم. وإياك
أنّ تحاول إغواء
نمطك الخاص.
؟؟؟؟


نظريّة الضحيّة
لا أحد في هذا العالم يشعر بأنه كاملٌ متكامل، كلّنا نشعر بوجود فجوةٍ ما في شخصيتنا، شيءٌ نحتاجه أو نريده لكننا لا نستطيع الحصول عليه بمفردنا. عندما نقع في الحب، فغالبًا ما يكون ذلك مع شخصٌ يبدو أنه يملأ تلك الفجوة. عادةً ما تحدث العملية في اللاوعي وتعتمد على الحظ: نحن ننتظر أنّ يمر الشخص المناسب في طريقنا، وعندما نقع في حبهم فإننا نأمل لأن يبادلونا الحب. لكنّ المُغوي لا يترك هذه الأشياء للصدفة أو الحظ.
انظر إلى الناس من حولك. إنسَ ظاهرهم الاجتماعي، سماتهم الشخصية البينّة؛ انظر إلى ما وراء كل هذا، مركّزًا على الثغرات، الحلقات المفقودة في أنفسهم وعقولهم. تلك هي المادة الخام لأي إغواء. أَعِر الانتباه وعن قرب لثيابهم، إيماءتهم، تعليقاتهم المرتجلة، الأشياء التي في بيوتهم، نظراتٌ معينة إلى أعينهم؛ احملهم على الكلام عن ماضيهم، وخاصة عن غرامياتهم القديمة. وشيئًا فشيئًا سوف يبرز للعيان مخطط تلك الأشياء المفقودة. افهم شيئا: يرسل للناس باستمرار إشاراتٍ عمّا ينقصهم. هم يتوقون للكمال، أكان وهمًا أم حقيقة، وإذا تأتّى من شخصٍ آخر، فسيكون لذلك الشخص سلطانٌ هائلٌ عليهم. قد ندعوهم ضحايا للإغواء، لكنهم ضحايا طوعيّون (أي اختاروا أنّ يكونوا كذلك) في معظم الأحوال إنّ لم يكن كلها.
هذا الفصل يرسم إطار الثمانية عشر نمطًا من الضحايا، حيث يعاني كل واحدٍ منها من نقصٍ رئيسيٍ. بالرغم من إنّ هدفك قد يتكشّف عن خصائص أكثر من نمطٍ واحد، إلّا أنّه يكون هنالك في المعتاد حاجةٌ مشتركةٌ تربط هذه الخصائص ببعضها البعض. لعلّك ترى شخصًا على أنه «متزمّتٌ


معاصر» و «نجم محطم» على حدّ سواء، لكنّ القاسم المشترك ما بين هذين النمطين هو الشعور بالقمع والكبح، وبالتالي رغبةٌ في إنّ يكون شق ومشاكسًا، مترافقةَّ مع الخوف من إنّ لا يكون قادرًا أو جريئًا بما فيه الكفاية، عند التعرف على نمط ضحيتك، فكن حريصًا على ألا تَغُرّك المظاهر الخارجية. إذ غالبًا ما ننمي- وبشكلٍ مُتَعَمَد وغير واعٍ على حدّ سواء مظهرًا اجتماعيًا (خارجيًا) مصممًا خصيصًا لكي يخفي مكامن الضعف والنقص لدينا. على سبيل المثال، قد تظن أنك تتعامل مع أشخاص جلفين وساخرين، دون إنّ تدرك إنّ لديهم في أعماقهم نواة عاطفية رقيقة. هم يتوقون توقًا شديدًا للرومانس. وستضيع الفرصة بأن تغويهم بحق إلا إذا تعرفت على نمطهم والعواطف الراقدة تحت جلافتهم وقسوتهم، أهم شيء على الإطلاق هو إنّ تتخلّص بالكامل من الطبع المقرف الذي يحملك على الاعتقاد بأنّ الناس الآخرين يعانون من نفس النقص الذي تعانيه. قد تلتمس الراحة والأمن، لكنّك من خلال منح الراحة والأمن لشخص آخر، استنادًا على الافتراض بأنّهم لابدّ وأن يرغبوا بهما أيضًا، فإنّك ستؤدّي على الأرجح إلى خنقهم (عاطفيًا) ودفعهم بعيدًا عنك.
لا تحاول أبدًا إنّ تعوي شخصًا ما من نفس نمطك، فستكونان مثل أحجيتين تنقصهما نفس الأجزاء.
الأنماط الثمانية عشر
الخليع التائب (المُصْلَح) أو الحوريّة التائبة. الناس من هذا الطراز كانوا فيما مضى مغوين سعداء محظوظين، والذين كان طريقهم سالكًا مع الجنس الآخر. لكنّ أتى اليوم الذي أُجْبروا فيه على التخلي عن هذا –شخصٌ ما حشرهم في علاقة، كانوا يواجهون الكثير من العدائية الاجتماعية، كانوا يتقدّمون في السن وقرّروا الاستقرار. وحسّ الخسارة، وكأنهم خسروا أحد أوصالهم. نحن نحاول دائمًا إنّ نسترد الملذّات التي اختبرناها في الماضي، لكنّ الإغواء يكون كبيرًا بشكلٍ خاص للخليع أو الحوريّة التائبين لأنّ الملذّات التي وجدوها في الإغواء كانت كبيرة. هذه الأنماط جاهزة للقطاف: كل المطلوب هو إنّ تعبر طريقهم وتعرض عليهم فرصة استئناف طرق الخليع


والحورية الخاصة بهم ستغلي الدماء في عروقهم وسيجتاحهم نداء شبابهم.
من الضروري جدًا، على الرغم من ذلك، إنّ تمنح هؤلاء الأنماط الوهم بأنّهم من يقوم بالإغواء. مع الخليع التائب، يجب إنّ تطلق شرارة اهتمامه بشكلٍ غير مباشر، ومن ثم تدعه يحترق ويتوهّج بالرغبة. مع الحوريّة التائبة، أنت تحتاج إلى إنّ تعطيها الانطباع بأنّها لا تزال تملك القدرة التي لا يمكن مقاومتها على اجتذاب الرجل وجعله يتخلّى عن كل شيءٍ من أجلها. تذكر أنّ ما تقدّمه لهذه الأنماط هو ليس علاقة أخرى، تقييد أخر، وإنمّا الفرصة للهرب من الزريبة والانطلاق بعض الشيء لا تدع همّتك تثبط إذا كانوا مرتبطين بعلاقةٍ ما؛ فارتباط أو التزام موجودّ سابقًا غائبًا ما يكون النقيض الأمثل الذي من شأنه إنّ يبرز ميزاتك. إذا كانت غايتك إنّ تشبكهم بعلاقة، فأخفِ ذبلك قدر استطاعتك وأدرك إنّ ذلك قد لا يكون ممكنًا. الخليع أو الحوريّة ليسا مخلصين بالطبيعة؛ قدرتك على إنّ تُشغل المشاعر القديمة ستمنحك القوة، لكنّ عندها سوف تضطر لأن تتعايش مع تبعات طرقهم اللامبالية.
الحالم الخائب. هؤلاء الأنماط قضوا على الأرجح كثيرًا من الوقت وحدهم عندما كانوا أطفالًا. لكي يروّحوا عن أنفسهم فقد طوّروا حياة خيالية غنية، تغذّت بالكتب والأفلام وبأنواع أخرى من الثقافة الشعبية. وكلّما تقدموا بالسن صار من الصعب التوفيق ما بين حياتهم التخيلية وبين الحقيقة، ولذا فهم غالبًا ما يخيب أملهم بما يحصلون عليه. هذا صحيح بشكل خاص في العلاقات. لقد كانوا يحملون بالأبطال الرومانسيين، بالخطر والتشويق، لكنّ ما يحصلون عليه هو عاشقون بعيوبٍ وزلاتٍ بشرية، أي النقائص ونقاط الضعف التافهة واليت تجدها في حياتنا اليوميّة. بمرور السنين، قد يجبرون أنفسهم على التنازل والقبول بالتسويات، وإلا فسوف يضطرون لأن يقضوا حياتهم وحيدين، لكنهم يشعرون- تحت قشرة المظاهر السطحية- بالمرارة ويظلّون متعطشين لشيءٍ مهيبٍ ورومانسيّ.
تستطيع التعرّف على هذا النمط من خلال الكتب التي يقرؤون والأفلام التي يشاهدون، ومن خلال الطريقة التي تنتصب بها أذناهم عندما يَخْتَبرون بمغامراتٍ من الحياة الحقيقية تدبّر بعض الناس إنّ يحقّقوها. في


ثيابهم ومفروشات منازلهم تستطيع إنّ تستشفّ ذائقةٌ الوفير أو الدراما. غالبًا ما يكونون عالقين في علاقاتٍ رتيبة وكئيبة، حيث يُظهر بعضٌ من التعليقات هنا وهناك خيبة أملهم وتوتّرهم الداخلي.
تشكل هذه الأنماط ضحايا ممتازة ومرضية. أولًا، عادة ما يكون لديهم كمٌ كبير من الشغف والطاقة المكبوتين، والذي يمكن أنّ تحرّره وتركّزه على نفسك. ولديهم أيضًا مخيلاتٌ عظيمة وسيستجيبون لأيّ شيء تقدّمه لهم إذا كان يلفّه الغموض أو الرومانس حتّى ولو بشكل غير واضح. كل ما تحتاج لفعله هو أنّ تخفي بعضًا من خصائصك الأقلّ سموًا وأن تعطيها (للخصائص) دورًا في أحلامهم. هذه قد تكون الفرصة لتحقيق مغامراتهم أو لأن يغازلوا من قبل نفس فارسةٍ شهمة. إذا أعطيتهم جزءًا مما يريدون فسوف يتخيّلون الباقي. لا تدع الواقع يحطم الوهم الذي تبدعه مهما كلّف الأمر. لحظةّ واحدةٌ أو الحقارة وسيذهبون إلى غير رجعة، وهم مخيَّبو الأمل على نحو أكثر مرارة من أيَّ وقتٍ مضى.
الملكي المُدَلَّل هؤلاء الناس كانوا النموذج التقليدي للأطفال المدلّلين. كل طلباتهم ورغباتهم كانت تلَبّي من قبل والد يهيم بهم- تسالي لا تنتهي، موكب من الألعاب، أيّ شيء يبقيهم سعداء ليوم أو اثنين. بينما يتعلّم العديد من الأطفال أنّ يسلّوا أنفسهم من خلال ابتكار الألعاب وإيجاد الأصدقاء، فإنّ الملكتين المدلّلين يُعّلَّمون إنّ الآخرين سيقومون بتسليتهم. يصبحون كسالى نتيجة الدلال، وبينما يتقدّمون بالسن ولا يعود الوالد موجودًا لتدليلهم، فإنّهم يميلون للشعور بالشجر والتّململ إلى حدَّ بعيد. حلّهم يكون في إيجاد المتعة من خلال التنوّع، أي من خلال الانتقال بسرعة من شخص لشخص، عمل لعمل، أو مكان لمكان قبل إنّ يبدأ السّأم والضجر. هم لا يقيمون علاقات طويلة المدى لأنّ العادة والروتين لا مفرَّ منهما في هذه العلاقات. لكنّ بحثهم المتواصل عن التنوّع يُتْعبُهُم ولا يأتي دون ثمن: مشاكل في العمل، مسلسلات من الغراميّات غير المرضية، أصدقاء مُبَعثَرون في أنحاء المعمورة كافّة. لا تحسب أنّ تململهم وعدم إخلاصهم هما صفتان حقيقتان- إنّ ما يبحث عنه الأمير المدلّل أو الأميرة المدلّلة حقًا هو شخصٌ واحد، رمز الوالد، الذي سيمنحهم الدلال الذي يلتمسونه.


كي تعوي هذا النمط، كن مستعدًا منحهم الكثير من ضروب الإلهاء والتسلية- أماكن جديدة للزيارة، خبرات غير مألوفة، مشاهد وألوان لافتة. يجب أنّ تحّافظ على مسحةٍ من الغموض، بحيث تفاجئ هدفك بشكل مستمرّ بجانب جديد من شخصيتك. التنوع هو المفتاح. بمجرّد ما يقع الملكيّون المدلّلون في الشرك، تصبح الأشياء أسهل لأنّهم سرعان ما يصبحون معتمدين عليك فتستطيع أنّ تبذل مجهودًا أقل. هذه الأنماط تشكل ضحايا ممتازة- سيكونون أوفياء ومخلصين لك بنفس القدر الذي كانوا عليه فيما مضى تجاه أمّهم أو أبيهم. لكنّك ستضطر للقيام بمعظم العمل. إذا كنت تسعى وراء علاقة طويلة المدى، فأخفِ ذلك. قدّم أمنًا طويل الأجل للملكيّ المدلّل وسيهرب من مذعورًا والهلع ينتابه. تعرّف على هذه الأنماط من خلال الاضطراب العظيم الذي لوّن ماضيهم- تغيراتٌ في العمل، سفر، علاقات قصيرة الأجل- ومن خلال سيماء الارستقراطية، أيّا تكن طبقتهم الاجتماعية، التي تتأتى من كون المرء قد عومل فيما مضى كملك.
المتزمّت المعاصر. التزمّت الجنسي لا يزال موجودًا، لكنه أقلّ شيوعًا ممّا كان عليه في السابق. التزمّت، على أيّةَ حال لا يقتصر أبدًا على الجنس فقط؛ المتزمّت هو شخصٌ مفرط الاهتمام بالمظاهر، وبما يعتبره المجتمع سلوكًا مناسبًا ومقبولًا. المتزمّتون يبقون بشكل صارم ودقيق جدًا ضمن حدود الصواب لأنّهم يخافون من حكم المجتمع أكثر من أيّ شيء. بالنظر إليه في ضوء هذا العّرض، يكون التزمّت على نفس القدر من التفشي والانتشار كما كان دائمًا.
المتزمّت المعاصر هو شخصٌ شديد الاهتمام بمعايير الصلاح، العدل، ما يُعْتَبَر حسّاسًا من الناحية السياسيّة، الذوق، إلخ. ما يميز نمط المتزمّت المعاصر، على الرغم من ذلك، بالإضافة إلى المتزمّت القديم، هو أنّهم في قراره أنفسهم يستمتعون ويُؤسَرون حقًا بالمتَع والمذّات التي تتّسم بالانتهاك والذنب. كونهم يخافون من هذا الجذّب، فهم يركضون في الاتجاه المعاكس ويصبحون أكثر الناس على الإطلاق صوابيّة وصلاحًا. هم يميلون لارتداء الألوان الكئيبة والباهتة؛ وبالتأكيد لا يجازفون بارتداء أخر صيحات الموضة. بإمكانهم أنّ يكونوا ميّالين لإصدار الأحكام القاسية والمبرمة بحق الآخرين ونقّادين للأناس الأقل صوابيّةً والذين يتولّون المجازفات. هم أيضًا مدمنون


على الروتين، الذي يمنحهم وسيلةً لرصّ اهتياجهم واضطرابهم الداخليّين.
يشعر المتزمّتون الجدد سرًّا مقموعون باستقامتهم ويتوفون للتجاوز والانتهاك. تمامًا كما يشكل المتزمّتون جنسيًا أهدافًا رئيسيّة للخليع أو الحوريّة، فإنّ المتزمّت المعاصر غالبًا ما يُغْرى بالدرجة الأولى بشخص ذي جانب خطير أو مشاكس. إذا رغبت بنمط المتزمّت الجديد، فلا تغرّنك انتقاداتهم أو أحكامهم بحقّك. فهي لا تعدو عن كونها علامة لمدى عمق انسحارهم وافتتانهم بك؛ فأنت تشغل ذهنهم. أنت غالبًا ما تستطيع استدراج المتزمّتين الجدد نحو الإغواء في الواقع، من خلال منحهم فرصة لانتقادك أو حّتى لمحاولة إصلاحك. بالطبع لا يجب أنّ تدع شيئًا ممّا يقولون بتغلغل إلى أعماقك، لكنّ الآن لديك العذر الأمثل لقضاء الوقت معهم- والمتزمّتون المعاصرون يمكن اغواؤُهم ببساطة من خلال كونهم على تماس معك. هذه الأنماط تشكل في الواقع ضحايا ممتازة ومجزية. سيفيضون بالمشاعر والطاقات بمجرّد ما تجعلهم ينفتحون ويتخلّون عن صوابيتهم. وقد يغرقونك حتى. لعلّهم على علاقة مع شخص على نفس القدر من الرتابة والكآبة التي هم أنفسهم يبدون عليها. لا تدع همّتك تثبط. فهم ببساطة نائمون وينتظرون ببساطة أني تم إيقاظهم.
النجم المحطم. كلّنا الانتباه، كلّنا نريد أنّ نسطع، لكنّ هذه الرغبات بالنسبة لمعظمنا تكون عابرة وسهلة الإسكات. المشكلة مع النجوم المحطّين هي أنهّم في مرحلةٍ بعينها من حياتهم وجدوا أنفسهم مركز الاهتمام- لربّما كانوا جميلين، ساحرين ومفعمين بالحياة، لعلّهم كانوا رياضيّين، أو كان لديهم موهبة أخرى- لكنّ هذه الأيّام قد ولّت. قد يبدون ظاهريًا أنهم قد قبلوا بهذا الواقع، لكنّ من الصعب تخطّي ذكرى كون المرء في تألّق ولمع في يوم من الأيّام. على العموم، فإن الظهور بمظهر من يريد الاهتمام، أو من يحاول البروز، لا يُنْظَرُ إليه بكثير من الاستحسان في المجتمع الراقي أو في مكان العمل. لذا فَلِكي ينسجموا مع من حولهم، يتعلم النجوم المحطَّمون أنّ يرصّوا رغباتهم؛ لكنّهم يمتعضون أيضًا نتيجة فشلهم في الحصول على الانتباه الذي يشعرون أنّهم يستحقونه. تستطيع التعرّف على النجوم المحطّمين في لحظات عفويّةٍ معيّنة يكونون قد تخلّوا فيها عن حذرهم:


يتلقون فجأةً بعض الانتباه في محيطٍ اجتماعيّ معيّن، مما يجعلهم يتوهّجون؛ إذ يذكرون أيّام مجدهم، فيلوح بريقّ في عيونهم. هذا الانتباه بمثابة النبيذ: قليل منه في الجسم، ويصبح مفعمًا بالحيويّة.
إغواء هذا النمط بسيط: فقط اجعلهم مركز الاهتمام. عندما تكون برفقتهم، تصرّف كما لو كانوا نجومًا وأنت تنعم بضيائهم. أحملهم على الحديث وخاصّةً عن أنفسهم. في الواقف الاجتماعية، عَتْم على مزاياك ودعهم يبدون طريفين ومشرقين بالقياس بك. على العموم ألعب دور الساحر. المكافأة التي تجنبها من إغواء النجوم المحطّمين هي أنّك تحرّك مشاعر قويّة. سيشعرون بامتنان بالغ لك لأنك جعلتهم يسطعون. إلى المدى الذي يشعرون إليه أنّهم كانوا قد حُطَّموا أو كُظِمَت مشاعرهم، فإنّ تخفيف ذلك الألم يطلق كثافة عاطفيّة وشغفًا، كلّها موجّهة نحوك. سوف يقعون في حبّك بجنون. إذا كان لديك أنت نفسك نزعات نجومية أو غندورية فمن الحكمة أنّ تتفادة ضحايا كهؤلاء. عاجلًا أم آجلًا ستظهر هذه الميول، وستكون المنافسة بشعة فيما بينكما.
المبتدئ مات يميز المبتدئين عن البريئين المعتادين من اليافعين هي أنّهم فضوليّون على نحو لا يقاوم. لديهم تجربة قليلة في هذا العالم هذا إنّ كان لديهم تجربة، لكنّهم كانوا معرّضين له بطريقةٍ غير مباشرة- من خلال الصحف، الأفلام والكتب. كونهم يجدون براءتهم كعبءٍ ثقيل، فهم يتوقون لأن يُلَقّنوا طرائق الحياة. الجميع يراهم غايةً في العذوبة والبراءة، لكنّهم يعرفون أنّ هذا ليس صحيحًا- لا يمكنهم أنّ يكونوا ملائكيّين للدّرجة التي يعتقدها الناس.
إغواء المبتدئ سهل. لكنّ تطبيقه بشكل حسن، يحتاج قليلًا من الفن. المبتدئون يهتمّون بالناس ذوي الخبرة، وخاصّة الناس الذين لديهم لمسة من الفساد والشر. لكنّك، وعلى الرغم من ذلك، إذا جعلت تلك اللمسة قويّة أكثر من اللازم، فسوف يخافون ويرتعبون. الأمر الذي يفعل أفضل مفعول مع المبتدئ هو مزيجٌ من الخصائص. أنت نفسك شبيه بالأطفال نوعًا ما، وذو روح مرحة. في نفس الوقت، من الواضح أنّ لديك أغوارًا مخَبّأة، بل وحتّى شرَيرة. (هذا كان سر نجاح اللورد بايرون مع العديد من النساء


البريئات.) أنت تُدخِل مبتدئيك ليس فقط في عالم الجنس وإنّما في عالم التجربة، إذ تعرضهم لأفكار جديدة وتأخذهم إلى أماكن وعوالم جديدة وذلك من الناحية الحرفية والمجازية على حد سواء. لا تجعل إغواءك بشعًا أو قذرًا- فكلّ شيء يجب أنّ يكون رومانسيًا، حتّى بما في ذلك الجانب الشرير والمظلم من الحياة. الأناس اليافعون لديهم مثالياتهم؛ لذلك فإنّه من الأفضل أنّ تبادرهم بلمسة جماليّة. اللغة الإغوائيّة- كما الاهتمام بالتفاصيل- يصنع المعجزات مع المبتدئين. المشاهد اللافتة والأحداث النابضة بالحياة تروق لحواستهم المرهفة. هذه التكتيكات تضلّلهم بسهولة، لأنّهم تعوزهم الخبرة اللازمة لتبيّن الطبيعة الحقيقيّة لهذه التكتيكات.
في بعض الأحيان يكون المبتدئون قد تقدّموا بالعمر قليل ًا وتعلّموا على الأقل بعضًا من أساليب هذه الحياة. ومع ذلك يضعون قناعًا من البراءة، لأنّهم يرون القوّة التي تحوزها على الناس الأكبر سنًا. هؤلاء هم المبتدؤون المتظاهرون بالخجل الذين يدركون اللعبة التي يلعبونها- لكنهم يظلّون مبتدئين. قد يكون تضليلهم أمرًا أقلّ سهولة من المبتدئين الأنقى، لكنّ طريقة إغوائهم هي نفسها إلى حدّ كبير- إمزاج البراءة والفساد وسوف تسحرهم.
الفاتح. هؤلاء الأنماط لديهم كميّة غير اعتيادية من الطاقة، والتي يجدون أنّه من الصعب التحكم بها. هم دائمًا في حالة طوافٍ وبحثٍ عن أناسٍ للتغلّب عليهم، وعقبات للتذّليل. لن يكون بإمكانك التعرّف دائمًا على الفاتحين مهن خلال مظهرهم- من الجائز أنّ يبدوا خجولين بعض الشيء في المواقف الاجتماعية وأن يبدوا درجة معينة من التحفّظ. لا تنظر إلى كلماتهم أو مظهرهم وإنّما إلى أفعالهم، في العمل والعلاقات. هم يعشقون السلطة، ويحصلون عليها بطريقة أو بأخرى.
يميل الفاتحون لأن يكونوا عاطفيتين، لكنّ عواطفهم لا تتجلى إلّا على شكل انفجارات وذلك عندما يتعرّضون للضغط. أسوأ شيء تستطيع أنّ تفعله معهم في مسائل الغرام هو أنّ تظلّ سلبيًا وتجعل من نفسك فريسةّ سهلة؛ قد يستغلون ضعفك، لكنّهم سرعان ما سيرمونك ويرتكونك بعد أنّ ملّوا من استخدامك. يجب أنّ تمنح الفاتحين فرصةّ ليكونوا عدوانيين وليتخطوا مقاومة أو عائقًا ما، قبل أنّ تدعهم يعتقدون أنّهم قد تغلّبوا عليك.


يتعين عليك أنّ تقدّم لهم مطاردة جيّدة. تستطيع تحقيق هذا من خلال التصرّف على أنّك صعب المنال ومزاجيّ ومن خلال استخدام الغنج. لا تهولك عدائيتهم وطاقتهم- فذلك بالتحديد هو ما تستطيع أنّ تديره لصالحك. كي تكسر شوكتهم، دعهم يصولوا ويجولوا مثل الثور. في آخر المطاف سيصبحون ضعيفين ومعتمدين، مثلما أصبح نابوليون عبدًا لجوزفين.
يكون الفاتح رجًلا على العموم لكنّ هناك الكثير من الفاتحات الإناث- لو أندرياس سالوم وناتالي بارني هما فاتحات مشهورات. الفاتحات الإناث سوف يخضعن للغنج تمامًا مثلما يخضع الفاتحون الذكور.
عابد الغرائب. الأشياء الغريبة تثير وتأسر اهتمام معظمنا. ما يميز عابد الغرائب عن بقيتنا هو درجة هذا الاهتمام، الذي يبدو أنّه يحكم كلّ خياراتهم في الحياة. في الحقيقة يشعرون بالفراغ الداخلي ولديهم جرعة قويّة من مقت الذات. هم لا يحبّون المكان الذي ينحدرون منه أيّا يكن هذا المكان، ولا طبقتهم الاجتماعية (عادة طبقة وسطى أو أعلى)، ولا ثقافتهم لأنهم لا يحبون أنفسهم.
هذه الأنماط يسهل التعرّف إليها. هم يحبّون السفر؛ بيوتهم ملآى بأشياء من أماكن بعيدة؛ هم يقدّسون موسيقى أو فن هذه الثقافة الأجنبية أو تلك. غالبًا ما يكون لديهم مسحةٌ تمرّدية قوية. م الواضح أنّ طريقة إغوائهم تكون من خلال وضع نفسك موضع الشيء الغريب- إذا لم تظهر على الأقل أنّك تنحدر من خلفيّة أو عرقٍ مختلفين، أو أنك تتحلّى بهالة غريبةّ ما، فلا يجب أنّ تجشّم نفسك حتّى عناء المحاولة. لكنّه من الممكن دائمًا أنّ تؤكد وتشدّد على ما يجعلك غريبًا، وأن تجعل من غرابتك نوعًا من المسرح لتسليتهم، ثيابك، الأشياء التي تتكلّم عنها، الأماكن التي تأخذهم إليها، كلّها تشير إلى اختلافك. بالغ قليلًا وسوف يتخيلون الباقي، لأنّ هذه الأنماط تنزع إلى تضليل وخداع الذات. عابدو الغرائب، على أيّة حال، لا يشكلون ضحايا مميزّين بشكل خاص. أيّا تكن الغرابة أو الفرادة التي تتحلّى بها فسرعان ما ستبدو مبتذلة وتافهة بالنسبة لهم، وسيرغبون بشيء آخر. أنّ تحافظ على شوقهم هو صراع بحد ذاته. الشعور الكامن باللاأمان سيبقيك على حافّة الهاوية.


أحد تنويعات هذا النمط هو الرجل أو المرأة العالقان في علاقة مملّة وسخيفة، مهنة غير مميزّة، بلدة نائبة. إنّها الظروف، بالمقارنة مع العصاب الشخصين الذي يجعل هؤلاء الناس يقدّسون ما هو دخيل وغريب؛ وهذا النوع من عابدي الغرائب أفضل كضحايا من النمط المتّسم بكره الذات، لأنّك تستطيع أنّ تقدّم لهم هروبًا مؤقتًا من أيّا يكن الشيء الذي يغمّهم ويحزنهم، لكنّ لا شيء سوف يمنح عابدي الغرائب الأصيلين هروبًا من ذواتهم.
ملكة الدراما. هنالك أشخاص لا يستطيعون الاستغناء عن دراما متواصلة في حياتهم- إنّها طريقتهم في إبعاد الضجر. أكبر خطأ يمكن أنّ ترتكبه لدى إغواء مُفتَعِلي الدراما هؤلاء هو أنّ تأتي حاملًا الاستقرار والأمن. فهذا لن يؤدي إلّا لجعلهم يسعون وراء الأزمات. تحبّ ملكات الدراما في أغلب الأحيان (وهنالك الكثير من الرجال في هذه الفئة) لعب دور الضحيّة. هو يريدون موضوعًا ليشتكوا ويتذمّروا منه، هم يريدون الألم. الألم هو مصدر سعادة بالنسبة لهم. مع هذا النمط، يجب أنّ تكون مستعدًا وقادرًا على إعطائهم العلاج الذهنيّ القاسي الذي يرغبون. ذلك هو الأسلوب الوحيد لإغوائهم على نحو عميق. في اللحظة التي تصبح فيها لطيفًا أكثر من اللازم، سوف يجدون سببًا ما للعراك أو يتخلصون منك.
تستطيع أنّ تتعرف على ملكات الدراما نمن خلال عدد الناس الذين قد آذوهم، المأسي والصدمات التي حلّت عليهم، في الحالات المتطرفة، يمكنهم أنّ يكونوا أنانيين على نحو ميئوس منه ومنفّرين، لكنّ معظمهم غير مؤذ نسبيًا ويشكّلون ضحايا حسنة إذا كان بمقدورك أنّ تتعايش مع الاضطراب والاهتياج العاطفيتين. إذا كنت تريد لسبب ما أنّ تكون على علاقة طويلة الأمد مع هذا النمط، فستكون مضطرًا باستمرار لأن تُدْخِل أو تحقن الدراما في علاقتك. هذا يمكن أنّ يكون تحديًا مثيرًا للبعض ومصدرًا لتجديد العلاقة باستمرار. لكنّ يتوجّب عليك عمومًا أنّ ترى الارتباط مع ملكة الدراما كشيء زائلٍ أو عابر وكطريقة لإدخال قليلٍ من الدراما إلى حياتك الخاصّة.
البروفيسور. هذه الأنماط لا تستطيع الخروج من فخ التحليل والّنقد لكلّ
ما يعبر طريقهم. عقولهم مفرطة لنمو والتنبه. حتى عندما يتكلّمون عن الحب أو الجنس، فإنّهم يفعلون هذا بمقدار عظيم من التفكير والتحليل. كونهم قد طوّروا عقولهم على حساب أجسامهم، فالعديد منهم يشعرون بأنّهم أدنى من الآخرين جسديًا ويعوضون عن ذلك من خلال التباهي بتفوّقهم الفكري على الآخرين. أسلوبهم في الحديث غالبًا ما يتّسم بالتشبّث بالرّأي والسخرية- أنت لا تعرف حقًا ماذا يقولون، لكنّهم تحسّ بأنّهم ينظرون إليك نظرة استعلاء. هم يحبّون أنّ يخرجوا من سجونهم العقلية، هم يحبّون المادّية البحتة، دون أيّ خليل، لكنّهم لا يستطيعون الذهاب إلى هناك دون مساعدة. تنخرط الأنماط البروفيسوريّة أحيانًا في علاقات مع أنماط بروفيسوريّة أيضًا، أو مع أناس يستطيعون التعامل معهم على أنّهم أقلّ شأنًا وقيمةُ. لكنّهم يتوقون في أعماق نفسهم لأن يُخْضَعوا نم قبل شخص ما ذي حضور جسمتاني- خليع أو حريّة، على سبيل المثال.
الأنماط البروفيسورية تّصلُح لأن تكون ضحايا مثالية، لأنّه يكمن تحت قوّتهم الفكريّة شعورٌ طاحنٌ باللاأمان. دعهم يشعرون بأنّهم دونجوانتيون (جمع دونجوان) أو حوريّات، حتّى ولو لأبسط الدرجات، وسيصبحون عبيدًا لك. العديد منهم لديه مسحةٌ مازوشيّة ستظهر بمجرّد ما تحرّك حواسّهم النائمة. أنت تمنحهم هروبًا من العقل، لذا أجعل ذلك كاملًا قدر استطاعتك: إذا كان لديك إنّ نفسك ميول فكريّة، فأخفها. فإنّها لن تؤدّي إلّا إلى إثارة عصارة التنافس عند أهدافك وجعل عقولهم تعمل. دع أساتذتك البرفيسوريين يحتفظون بحس تفوّقهم الفكري، دعهم يحكمون عليك. ستعلم ما يحاولون إخفاءه: أنّك من يمسك بزمام السيطرة، لأنكّ تقدّم لهم الشيء الذي لا يستطيع أحدٌ تقديمه لهم- التحفيز الجسدي.
الحسناء. من بداية حياتها، تتعرّض الحسناء للتحديق من قبل الآخرين. رغبتهم بالنظر إليها هي مصدر قوتها، لكنّها أيضًا مصدر لكثير من التعاسة: هي تقلق دائمًا مخافة انحسار قواها، ومخافة ألاّ تجذب الاهتمام بعد الآن. إذا كانت صادقّة مع نفسها، فستشعر أيضًا إنّ كون المرء مبجّلًا بسبب جماله فقط هو شيء رتيبٌ وغير مرضي- وموحش. العديد من الرجال يخافون من الحسناء ويفضّلون تبجيلها من بعيد، ينجذب إليها آخرون، لكنّ ليس بقصد المحادثة. الحسناء تعاني من العزلة.


بما أنّ لديها الكثير من النقص، فإنّ إغواء الحسناء يكون أمرًا سهل ًا نسبيًا، وإذا عملت ذلك بشكل صحيح، تكون قد ظفرت ليس بلقطة مُثمَنة جدًا وحسب وإنّما بشخص سوف يصبح معتمدًا على ما تقدّمه. أهم شيء في هذا الباب ن الإغواء هو أنّ تقدر تلك الجوانب لدى الحسناء والتي لا يُقدّرها أي شخص آخر- ذكاؤها (الذي عادةُ ما يكون أعلى مما يتخيل الناس)، مهاراتها، شخصيتها. بالتأكيد عليك أنّ تهيم بجسدها- لا يجوز أنّ تثير أيّ شعورٍ
باللاأمان في المجال الأوحد الذي تعرف فيه قوتها، تلك القوّة التي تعتمد عليها أكبر اعتماد- لكنّك أيضًا يجب أنّ تهيم بعقلها وروحها. التحفيز الفكري سوف يفعل مفعوله مع الحسناء، إذ يلهيها عن شكوكها وعن الأشياء التي تشعر حيالها باللاأمان، ويجعلك تبدو على أنّك تقدّر ذلك الجانب من شخصيّتها.
بما أنّ الجمال دائمًا يُنْظَرُ إليه، فهي تنزع لأن تكون سلبيّة. على الرغم من ذلك فغالبًا ما يكمن الإحباط تحت سلبيّتها وانكفائها: الحسناء تحبّ أنّ تكون أكثر فاعليّة وأن تأخذ في الواقع بعضًا من المطاردة على عاتقها. قليل من الغنجيّة يمكن أنّ تفعل مفعولها هنا: في مرحلةٍ ما في خصمّ هيامك، يمكنك أنّ تصبح باردًا بعض الشيء، داعيًا إيّاها بذلك لأن تسعى وراءك. درّبها على أنّ تكون أكثر فاعلية وسيكون لديك ضحيةٌ ممتازة. الجانب السلبي الوحيد يكمن في أنّ مواطن الشعور باللاأمان العديدة عندها تتطّلب انتباه ومراعاةّ دائمين.
طفل المعّمر. بعض الناس يرفضون أنّ ينضجوا. لعلُهم يحافون من الموت أو من يصبحوا مسنّين، لعلّهم مرتبطون شغفًا بالحياة التي عاشوها كأطفال. كونهم لا يحبّون المسؤولية، فهم يناضلون لتحويل كل شيء إلى لعب واستجمام. في عقدهم الثالث يمكنهم أنّ يكونوا ساحرين، في الرابع مثيرين للاهتمام، لكنّ في الوقت الذي يبلغون فيه عقدهم الخامس يبدؤون في أنّ يصبحوا غير مقبولين.
على النقض مما قد تتصور، فالطفل المعمّر لا يريد أنّ يكون على علاقة مع طفل معمّر آخر، بالرغم من أنّ المركّب قد يبدو أنّه يزيد من فرص اللعب والعبث. الطفل المعمّر لا يريد منافسةّ، وإنما رمزًا أبويًا، إذا رغبت في أنّ


تغوي هذا النمط، فيجب عليك أنّ تكون مستعدًا لتكون الشخص المسؤول والرصين. تلك قد تكون طريقة غريبة للإغواء، لكنّها تنجع في هذه الحالة، يجب أنّ تظهر على أنّك تحب روح الطفل المعمّر العضّة (ويكون أفضل إذا كنت تحبّها حقًا)، وأنّك تستطيع التعاطي ولانشغال معها، لكنّك تظلّ الرائد المتساهل. من خلال كونك مسؤولًا فأنت تطلق وتحرّر الطفل كي يلعب. ألعب دور الراشد المحبّ لأقصى حدّ، الذي لا يصدر الأحكام على سلوكهم أو ينتقدهم قطّ. وستتشكل عندها رابطة قوية. الأطفال المعمّرون قد يكونوا مسلّين لبعض الوقت لكنّهم، مثل جميع الأطفال، غالبًا ما يكونون نرجسيّين بشكل طاغ. هذا يحدّ المتعة التي تستطيع الحصول عليها وأنت معهم. يجب أنّ تنظر إليهم كتسالٍ (تزجيهٍ) قصيرة أو منافذ مؤقتة لغرائزك الأبويّة المحبّطة.
المنقذ. غالبًا ما ننجذب للناس الذين يبدون هشاشة أو ضعفًا- حزنهم أو اكتئباهم يمكن أنّ يكون في الواقع مغويًا بحقّ. هناك أناسٌ، من جهة ثانية، يمضون في هذا إلى حدّ أبعد بكثير، إذ يبدو أنّهم ينجذبون فقط للناس الذين يعانون من المشاكل. قد يبدو هذا نبيل ًا، لكنّ المنقذين عادة ما يكون لديهم دوافع معقدة: غالبًا ما يكون لديهم سجايا حساسة ويريدون أنّ يساعدوا بحقّ. في نفس الوقت، فإنّ حل مشاكل الناس يعطيهم نوعًا من القوة التي يستسيغون- إنّها تجعلهم يشعرون بأنّهم أعلى مقامًا وبأنّهم مسيطرون. إنّها أيضًا الطريقة المثلى لإلهائهم عن مشاكلهم الخاصّة- هم ينصتون بشكل حسن ويحاولون حضَك على أنّ تُسِرّ بمكنونات نفسك وتتكلّم. ستلاحظ أيضًا أنّ لديهم سجل ًا من العلاقات مع الناس الاتكاليّين ومع الناس الذين يعانون من الاضطرابات والمشاكل.
المنقذون بإمكانهم أنّ يشكلوا ضحايا من الطراز الأول، وخاصّة إذا كنت تستمع بالاهتمام الفروسي أو الأمومي. إذا كنت امرأة، فالعبي دور الآنسة التي في قلب الخطر أو المحنة، معطية بذلك الرجل الفرصة التي يتوق إليها السواد الأعظم من الرجال- أنّ يقوموا بدور الفارس. إذا كنت رجلًا فالعب دور الصبي الذي لا يُحس التعامل مع هذا العالم الفظّ، المنفذة
الأنثوية سوف نحيطك باهتمام أموميّ، فتحقّق بذلك لنفسها الإرضاء الإضافي الناجم عن الشعور بأنّها أكثر قوّة وإمساكًا بزمام الأمور من الرجل. مسحة من الحزن سوف تستدرج أحد الجنسين. بالغّ بضعفك، لكنّ ليس من خلال الكلمات أو الإيماءات الصريحة- دعهم يحسّون بأنّك قد حظيت بقليل جدًا من الحب، بأنّك مررت بسلسلة من العلاقات السيئة، بأنّك قد تلقّيت معاملةّ غير عادلة ولا منصفة في الحياة. بعد أنّ استدرجت المنقذ بفرصة أنّ يقوم بمساعدتك، فإنّك تستطيع أنّ تُذكي نيران العلاقة بإمداد متواصلٍ من الاحتياجات ومن التذكير بكونك سهل العطب وتحتاج بالتالي إلى الحماية. تستطيع أيضًا أنّ تستدعي إنقاذًا أخلاقيًا: أنت سيء. قد ارتكبت أشياء سيئة. أنت تحتاج إلى يد صارمة ولكن محبّة. في هذه الحالة فإنّ المنقذ ينحو للشعور بأنّه أسمى أخلاقيًا، لكنّه يشعر أيضًا برعشةِ بالوكالة نتيجة الارتباط مع شخص شقي.
المتهتك. هذه الأنماط قد عاشت حياةّ رغيدة واختبرت العديد من الملذّات. لديهم على الأرجح، أو كان لديهم فيما مضي، كمّيةً معتبرة من المال ليموّلوا عيشهم المتمحور حول المتعة واستقصائها. في الظاهر يبدو أنهم ساخرون وسئمون نتيجة لفرط حصولهم على ما يريدون، لكنّ دنيويّتهم غالبًا ما تخفي وجدانته حاولوا قمعها. المتهتكون هم مغوون من الطراز الأوّل، لكنّ هنالك نمطّ وحيد يستطيع إغوائهم- اليافع والبريء. عندما يتقدّمون في العمر، فإنّهم يتوقون توقًا شديدًا لشبابهم الضائع، ويفتقدون براءتهم التي ضاعت منذ زمن طويل، فيأخذون في اشتهائها لدى الآخرين.
إذا أردت إغواءهم ولا بدّ، فيجب على الأرجح أنّ تكون شابًا وأن تحتفظ على الأقل بمظهر البراءة. من السهل إبراز هذا- أظْهِر مدى قلة خبرتك في الحياة، وكيف لازلت ترى الأشياء كطفل. من الجيد أيضًا أنّ تبدو على أنّك أنّ يطاردوك. تستطيع حتى أنّ تبدو على أنّك لا تحبهم أو تثق بهم- فهذا سوف يحفزهم حقًا. من خلال كونك الشخص الذي يقاوم، تكون أنت من يتحكم بالديناميكية. ونظرًا لأنّك تتمتّع بالشباب الذي يفتقدون، فإنّك تستطيع أنّ تظلّ صاحب اليد العليا وتجعلهم يقعون في


حبّك بجنون. غالبًا ما سيكونون عرضة لسقوط كهذا، لأنهم كبحوا ورصوا ميولهم الرومانسية لفترة طويلة جدًا لدرجة أنهم يفقدون السيطرة عندما تنطلق أو تنفجر. إيّاك أنّ تستسلم أبكر من اللازم، وإيّاك أنّ تتخلّى عن احتراسك- فهذه الأنماط يمكن أنّ تكون خطرة.
عابد الصورة (المثالية) أو الوثن. الكلّ يشعر بنقص داخليّ لكنّ عابدي الصورة لديهم فراغ أكبر من معظم الناس. لا يمكنهم أنّ يرضوا عن أنفسهم، لذلك يجوبون العالم بحثًا عن شيء ليؤلهوه، شيء ليملأ فراغهم الداخلي. هذا غالبًا ما يتّخذ شكل اهتمام وولع كبيرين بالشؤون الروحيّة أو في قضيّة ذات شأن؛ من خلال التركيز على شيء يُفتَرَضُ أنّه متسام، فإنّهم يُلهون أنفسهم عن فراغهم الداخلي الخاصّ، وعما لا يحبّونه بأنفسهم. عابدو الصورة يسهل اكتشافهم- هم أولئك الذين يصبّون طاقاتهم في قضيته أو دين ما. هم غالبًا ما يرتحلون بمرور السنين، تاركين طائفة لينتموا إلى أخرى.
الوسيلة لإغواء هذه الأنماط تكون في أنّ تصبح ببساطة موضوع تأليههم، أنّ تأخذ مكان القضيّة أو الدين الذين هم من أجله غاية في التكريس والإخلاص. في البداية قد تضطر لأن تبدو كأنّك تشاركهم اهتماماتهم الروحية، فتنضم لهم في عبادتهم، أو ربمّا تعرّضهم لقضيته جديدة؛ والتي ستحل محلّها في آخر المطاف. مع أو ربما تعرضهم لقضية جديدة؛ والتي ستحل محلها في أخر المطاف. مع هذا النمط يجب عليك أنّ تخفي عيوبك، أو على الأقل تضفي عليها بريقًا من الطهر والورع كالذي عند القدّيسين. كن عاديًا وسيمرّ بك عابدو الصورة مرور الكرام. لكنّ أعكس صورة الصفات التي يتطلّعون لأن يتحلّوا بها هم أنفسهم وسوف يسبغون هيامهم عليك بالتدريج. أبق كلّ شيء على مستوىّ راقٍ ورفيع- دع الرومانس والدين يتدفقان كشيء واحد.
أبقِ شيئين في ذهنك عندما تغوي هذا النمط. أوّلًا عقولهم تميل نحو النشاط الزائد، مما يجعلهم شكاكين إلى حد بعيد. بما أنهم غالبًا ما يفتقرون إلى التحفيز الجسدي، ونظرًا لأنّ التحفيز الجسدي سوف يصرف اهتمامهم، فأعطهم قليلًا منه: رحلة جبلية، رحلة في القارب، أو الجنس سوف يفي بالمطلوب. لكنّ هذا يتطلّب الكثير من العمل، لأنّ عقولهم دائمة العمل. ثانيًا، هم غالبًا ما يعانون من تقدير منخفض للنفس. لا تحاول أنّ تره؛


لأنهم سيبينون حقيقة نواياك، ولأنّ جهودك للثناء عليهم ستصطدم بصورتهم الخاصة عن أنفسهم. هم من سيقومون بتأليهك؛ ولست أنت من سيقوم بتأليههم. عابدو المثل الأعلى يشكلون ضحايا وافية بالمراد بشكل ممتاز في المدى القصير، لكنّ حاجتهم اللانهائية للبحث ستقودهم في نهاية المطاف ليبحثوا عن شيء جديد ليعبدوه ويهيموا به.
الحسي الشهواني. ما يسم هؤلاء الأنماط هو ليس حبّهم لذة وإنما حواسهم المفرطة النشاط. يظهرون هذه الخاصية أحيانًا في مظهرهم –من خلال اهتمامهم بالموضة، الألوان، الأسلوب. لكنّ في بعض الأحيان يكون الأمر أكثر مداورة. لأنهم غاية في الحساسيّة، فهم غالبًا ما يكونون خجولين إلى حدًّ بعيد، وسينفرون من البروز والاستعراض. ستتعرّف إليهم من خلال مدى استجابتهم لبيئتهم، فهم لا يستطيعون احتمال غرفةٍ يعوزها ضوء الشمس، ويكتئبون نتيجة لرؤيتهم ألوانًا معيّنة، أو يستثارون ببعض الروائح، حدث وأنهم يعيشون في ثقافة لا تولي أهمّية للخبرة الحسّبية (اللهم باستثناء حاسّة البصر). لذا فما ينقص الحسي هو بالضبط تجارب وخبرات حسية كافية ليقدرها ويستسيغها.
المبدأ الرئيسي لإغوائهم يكون في أنّ تستهدف حواسهم، كأن تأخذهم إلى أماكن جميلة وتهتم بالتفاصيل، وتحيطهم بالمشاهد اللافتة، وبالطبع أنّ تستخدم كثيرًا، من المغريات الجسدية والماغدية، الحسيون كالحيوانات، يمكن أنّ يُستَدرَجوا بطعم الألوان والروائح. ناشد أكبر عدد ممكنٍ من الحواس، مما يبقى أهدافك مشتتين وضعفاء. غالبًا ما يكون إغواء الحسييّن سهل ًا وسريعًا، وتستطيع أنّ تستخدم نفس التكتيكات (الوسائل) مرارًا وتكرارًا لتبقِ على اهتمامهم، بالرغم من أنه من الحكمة أنّ تنوع إغراءاتك الحسية بعض الشيء، في النوع إنّ لم يكن في النوعية. تلك كانت الكيفية التي عملت بها كليوباترا على مارك أنتوني، الذي كان متأصّل الحسّية. هذه الضحايا تشكل ضحايا رائعة لأنّهم سهلو الانقياد نسبيًا إذا أعطيتهم ما يريدون.
القائد المستوحد. الناس الأقوياء ليسوا مختلفين بالضرورة عن أيّ
شخصٍ آخر، لكتّهم يُعامَلون بشكلٍ مختلف، وهذا لديه أثرٌ كبيرٌ علىشخصيَاتهم. الجميع من حولهم ينزع لأن يكون متزلَفاً وشبيهاً برجال البلاط، ولان يكون مُغرضا، ولأن برغب بالحصول على شيءٍ ما منهم. هذا يجعلهم شكَاكين وقليلي الثقة بمن حولهم، وغير مدوّري الزوايا بعض الشيء (متصلًبين)، لكن لا تخلط ما بين مظهر الأمر وحقيقته: يتوق القادة المستوحدون لأن يُغْرَوا، لأن يحظوا بشخصٍ يكسر عزلتهم ويخضعهم. المشكلة هي أنَ معظم الناس يخافون حتَى من المحاولة، أو يستخدمون أنواع التكتيكات - الإطراء، السحر - التي يعرفون طبيعتها الحقيقيّة ويحتقرون. حتى تغوي هذه الأنماط، فمن الأفضل أن تتصرَف كندَّ لهم أو حتَى كأعلى منهم - فهذه هو النوع من المعاملة الذي لا يحصلون عليه أبداً. إذا كنت صريحاً معهم لدرجة الفظاظة فستبدو خالياً من الرباء والتكلف، وسوف يتأثرون - أنت تهتم بما فيه الكفاية لأن تكون صادقاً، حتى لو عرَضك هذا لبعض المخاطرة. (أن تكون صريحاً لدرجة الفظاظة مع أصحاب النفوذ يمكن أن يكون خطراً.) يمكن أن يُجعَل القادة المستوحدون عاطفتين من خلالإنزال الألم بهم متبوعاً بالحنان.
هذا هو واحد من أصعب الأنماط إغواءً، ليس فقط لأنهم شكَا كون وإنمٌا لأنَ عقولهم تكون مُثقلةً بالهموم والمسؤوليًات. لديهم مساحةٌ فكريَة أقل للإغواء. ستضطرَ لأن تكون صبوراً وذكياً، حتى تملأ أذهانهم تدريجيَاً بأفكارٍ عنك. أنجح، على الرغم من هذا، وستستطيع أن تحوز على نفوذٍ عظيم في المقابل، لأنَهم سيصبحون معتمدين عليك في وحدتهم.
الجنس العائم. جميعنا لديه مزيجٌ مما هو ذكوري وما هو أنثوي في شخصيًاتنا، لكن معظمنا يتعلّم أن ينمًي ويُظهِر الجانب المقبول اجتماعيّاً بينما يقمع الآخر. الناس الذين ينتمون إلى نمط الجنس العائم يشعرون أنَ الفصل ما بين الجنسين في فئتين متميزتين هو عبءٌ ثقيل. يعتقد البعض أنَهم مكبوتون أو مثليَون مستترون، لكن هذا مفهومٌ خاطئ: قد يكونون مشتهين للجنس المغاير بصورة قاطعة لكنَ جوانبهم المذكَرة والمؤنَثة تكون في حالة تدفَق، ولأنَ هذا قد يربك البعض أظهروه، فهم يتعلمون قمعه، ربَما من



خلال الذهاب إلى أحد الطرفين. هم في الواقع يحبون أن يكونوا قادرين على التلاعب بجنسهم، وأن يُعطوا تعبيراً كاملاً لكلا الجانبين. العديد من الناس يمكن تصنيفهم ضمن هذا النمط دون أن يكون ذلك جليًاً: امرأةٌ ما يمكن أن تتمتًع بطاقة ذكوريٌة، رجلٌ ما يمكن أن يتمتًع بجانبِ جماليَّ متطوّر. لا تبحث عن العلامات الظاهرة، لأنَ هذه الأنماط غالباً ما يعترون عن ميولهم هذه بشكلٍ سرّي، فيبقونها وراء حُجُبِ. هذا يجعلهم عرضةً للإغواء القويً.
ما يبحث عنه نمط الجنس العائم حقاً هو شخصٌ آخر غير متأكَدِ من جنسه، نظيرهم من الجنس الآخر. أرِهم أنَهم يستطيعون الاسترخاء في حضورك والتعبير عن الجانب المقموع من شخصيًاتهم. إذا كان لديك ميول كهذه، فهذه هي الحالة الوحيدة التي يكون فيها من الأفضل أن تغوي نفس نمطك من الجنس الآخر. كلَ شخصٍ سيحرَك الرغبات المكبوتة في الآخر وسيحوز بشكلٍ مفاجئ على رخصةٍ لاكتشاف جميع الانواع من التراكيب والتوليفات الجنسيًة (من ناحية الذكورة والأنوثة)، دون الخوف من أن تصدر بحقًه الأحكام. إذا لم تكن تنتمي لفئة الجنس العائم، فدع هذا النمط وشأنه. لأنَك لن تفعل شيئاً سوى تقييدهم وخلق مزيد من الإزعاج.


القسم الثاني
العملية الإغوائية


معظمنا يدرك أنَ تصرّفاتِ معيّة من قبلنا يكون لها تأثير سارَ وإغوائي على الشخص الذي نحبَ أن نغوي. المشكلة هي أنَنا عموماً غارقون في أنفسنا حتَى الأذنين: نحن نفكَر بما نريد من الآخرين أكثر ممًا يمكن أن يريدونه منًا. قد نفعل شيئاً مغوياً في بعض الأحيان، لكننا غالباً ما نتبع هذا بتصرَفٍ أنانيَّ أو عدوانيً (فتحن مستعجلون كي نحصل على ما نريد)؛ أو، ودون إدراكٍ لما تفعل، تظهر جانباً وضيعاً ومبتذلا من أنفسنا، فنحطًم أيًة أوهامٍ أو تخيَلاتٍ كان من الممكن أن تكون لدى الشخص عنًا. محاولاتنا في الإغواء عادةً لا تستمرً طويلاً بما فيه الكفاية لتخلق أثراً.
أنت لن تغوي أيً أحد بالاعتماد بساطة على شخصيَتك الساحرة، أو من خلال القيام بين الحين والآخر بشيءٍ نبيل أو مغرٍ. الإغواء هو عمليًة أو مسيرة تحدث عبر فترةٍ زمنيًة - كلَما استغرقت وقتاً أطول وتقدًمت بشكل أبطأ، نفذت إلى عقول ضحيَتك على نحوِ أعمق. إنه فنَّ يتطلب صبراً، تركيزاً، وتفكيراً استراتيجيًاً.أن تكون متقدًماً دائماً على ضحيًتك بخطوة واحدة، فتذرّ الغبار في عيونهم، وترمي تعويذ تلك، وتبقيهم في حالة عدم توازن.
الفصول الأربعة والعشرون في هذا القسم ستسلّحك بسلسلةٍ من التكتيكات (الوسائل) التي ستساعدك على أن تخرج من نفسك لتدخل عقل ضحيًتك، وذلك لكي تستطيع أن تعزف على أوتار الإغواء كما تعزف على آلة موسيقية. الفصول مرتًبة وفق تسلسلي فضفاض أو غير محكم، فتمضي من الاتصال الأوّلي مع ضحيًتك إلى الخاتمة الموقًفة. هذا التسلسل أو الترتيب يستند إلى قوانين سرمديّة تحكم نفس الإنسان. نظراً لأنَ أفكار الناس


تدور حول اهتماماتهم اليوميًة ومكامن اللا أمان عندهم، فإنًك لا تستطيع تشرع في الإغواء إلًا إذا هدهدت ضروب قلقهم بالتدريج وملأت عقولهم المشتًتة بأفكار ٍعنك. ستساعدك الفصول الافتتاحيًة على تحقيق هذا. هناك ميلٌ طبيعيٌّ في العلاقات يفضي إلى أن يألف الناس بعضهم بعضاً إلى الدرجة التي يبدأ عندها الضجر والركود بالحلول. الغموض هو الدم الذي يمد الإغواء بالحياة والحفاظ عليه يستلزم أن يفاجئ ضحاياك باستمرار، وأن تصعًد الأمور، بل وحتًى أن تصدمهم. لا يجب أن يستقرً الإغواء أبداً في روتينٍ مريح. الفصول الوسطى والأخيرة سترشدك في فن المناوبة ما بين الأمل واليأس، اللذة والألم، إلى أن تضعف ضحاياك وتستسلم. في كلً مرحلة، يمهَّد أحد التكتيكات للذي يليه، ممًا يخوَلك بأن تدفع بالأمور إلى مراحل أبعد بالاعتماد على ما هو أكثر جسارة وعنفاً. لا يجوز للمغوي أن يكون هبًاباً أو رحيماً.
لمساعدتك كي تمضي بالإغواء قدماً، فقد رُتَّبَت الفصول في أربعة مراحل، كلَ ذات هدفٍ محدًد يُسعى وراءه: حمل الضحيًة على التفكير بك؛ إحراز النفاذ إلى مشاعرهم من خلال خلق لحظابٍ من المتعة والارتباك؛ النفاذ إلى مستوياتِ أعمق من خلال العمل على لا وعيهم، رمان خلال إثارة الرغبات المكبوتة؛ وأخيراً، إحداث الاستسلام الجسدي. (المراحل مُعَلّمة ومُفَسًرة بمقدّمة موجزة وبشكلٍ واضح) من خلال اتًباع هذه المراحل سوف تعمل بشكلٍ أكثر فعاليًة على عقل ضحيّتك وستخلق الطقس ذي الإيقاع المتنامي على نحوٍ بطيء ومنوّمٍ مغناطيسيًاً. في الواقع، يمكن النظر إلى العمليًة الإغوائيًة كنوع من طقس الإدخال إلى شيءٍ جديد أو طقس التلقين، والذي تقتلع فيه الناس من عاداتهم، وتعطيهم (تلقٌتهم) خبراتٍ جديدة، وتخضعهم لامتحانات، قبل أن تجعلهم يستهلّون (تُدخِلَهم) حياةً جديدة.
من الأفضل أن تقراً كل الفصول كي تحظى بأكبر قدرٍ ممكن من المعرفة. عندما يحين وقت تطبيق هذه التكتيكات، ستحتاج لأن تنتقي وتختار التكتيكات الملائمة لضحيتك دون غيرها؛ بضعةٌ فقط من هذه التكتيكات تكفي في بعض الأحيان، وذلك تبعاً لمستوى المقاومة الذي تواجهه وللتعقيد مشاكل ضحيَتك. هذه التكتيكات يمكن تطبيقها بدرجة
مساوية في الإغواءات الاجتماعية والسياسيّة، لكن باستثناء المكوّن الجنسي في المرحلة الرابعة.
مهما كلّف الأمر، قاوم الإغراء بأن نُسرعٍ نحو ذروة إغوائك، أو بأن ترتجل. ففي هذه الحالة أنت لا تكون إغوائيَاًَ وإنما أنانياً. كلَ شيءٍ في الحياة اليوميًة يُفعلُ على نحوِ متسرَع وارتجالي، فمن الضروري إذن أن تقدّم شيئاً مختلفاً. من خلال احترام عامل الوقت واحترام العمليًة الإغوائيًة فإنَك لن تكسر وحسب فقط مقاومة ضحاياك، بل وستجعلهم يقعون في الحب.






المرحلة الأولى
الفصل-
إثارة الاهتمام والرغبة
تعيش ضحاياك في عوالمهم الخاصَة، عضولهم مشغولة بضروب القلق والحصر وبالهموم اليومية. هدفك في هذه المرحلة الأولية هو أن تفصلهم ببطء عن ذلك العالم المغلق وتملاً أذهانهم أفكار ِعنك. بمجرد ما تكون قد قرَرت من ستغوي :1) اختر الضحية المناسبة)، تكون مهمَتك الأولى هي أن تلمت انتباه ضحيك، أن تشير الاهتمام بك. بالنسبة لأولئك الذين قد يكونون أكثر مقاومة أو صعوبة، فإنَّه يتعيّن عليك أن تلحاً إلى مقاربةِ أكثر بطاً ومكراً، فتكسب صداقتهم أوّلاً :2) بحلق شعوراً زائفاً بالأمان - ادنُ بشكل غير مباشر)؛ بالنسبة لأولئك الضجرين والدين لا يصعب الوصول إليهم، ستفلح معهم مقارنة أكثر دراماتيكية، فإمّا أن تسحرهم بحضورٍ غامض :3)أرسل إشارات مختلطة) أو أن تبدو شخصاً يشتهيه ويقاتل عليه الآخرون :4) الظهر كموضِع الرغبة).
بمجرد ما يُؤسر اهتمام الشخص بالشكل المناسب، يتوجَب عليك أن تحوَل اهتمامهم إلى شيءٍ أقوى - الرغبة. الرغبة يسبقها عموماً الشعور بالفراغ، بشيءٍ مفقودٍ من الداخل يحتاج إلى تلبية. يجب أن تعرس عامداً هكذا مشاعر، أجعل ضحاياك مدركةَ للمغامرة والرومانس المفقودين في حياتهم



:5)خلق حاجة - أثر القلق وعدم الرضى). إذا روك على أنك الشخص الذي سيملأ فراغهم، فسوف يُزهر الاهتمام رغبة. الرغبة يجب أن تُذكى من خلال غرس أفكارٍ في ذهنهم بطريقةٍ غير مباشرة، تلميحاتٍ عن الملفات الإغرائية التي تنتظرهم :6) أتقن فن الإيحاء). مماثلة قيم ضحاياك. إشباع رغباتهم وأمزجتهم سوف يسحرهم ويبهجهم (7. إدخال نفسيَاتهم). المزيد المزيد من أفكارهم تدور حولك الآن دون أن يدركوا كيف حصل ذلك. آن الأوان من أجل شيءٍ أقوى. استدرجهم بمتعة أو مغامرة لا يمكن مقاومتها
:8) إخلق الإغراء) وسوف يتبعون قيادتك.




1
اختر الضحية المناسبة
كل شيء يعتمد على هدف
إغوائك. ادرس فريستك بشكل شامل،
وانتقِ فقط. أولئك الذين بشت نه. قابلون للتأثر
يسحرك وفتك. الضحايا المناسبون هم أولئك الذين تستطيع
أن تملاً فراغاً لديهم. أولئك الذين يرون فيك شيئاً مميزاً. هم غالباً
ما يكونون معزولين أو على الأقل غير سعداء نوعاً ما (ربما بسبب
ظروف غير مؤاتيه حدثت مؤخَراً)، أو يمكن بسهولة جعلهم كذلك –
لأن الشخص الراضي والقانع بشكل كامل يكاد يكون إغواؤه
مستحيلاً. الضحية المثالية لديها خاصية طبيعية معية تجذبك.
العواطف القوية التي تلهيها هذه الخاصية ستساعد على
جعل مناوراتك الإغوائية تبدو أكثر طبيعية وفعاليةً.
الضحية المثالية تتيح المجال المطاردة
الأمثل.



التحضير للاصطياد
كان الفيكونت دي فالمون خليعاً سيٌئ الصيت في باريس العقد الثامن من القرن الثامن عشر، وسالب عذريًة العديد من الفتيات والمغوي البارع لزوجات الارستقراطيًين اللامعين. لكن بعد فترة أخذ التكرار يُشعِره بالسأم؛ كانت نجاحاته تتأتَى بسهولة بالغة لذا قرَر ذات سنة، خلال شهر آب القائظ والطويل، أن يأخذ إجازةً من باريس ويزور عمَته في قصرها الواقع في الأرياف. لم تكن الحياة هناك كما اعتاد عليه - كان هناك نزهاتً ريفيّة، دردشات مع القس المحلًي، لعب بالورق. أصدقاؤه في المدينة، وخاصّةً رفيقته الفاسقة والمؤتمنة على أسراره الماركيزة دي ميرتويل، توقًعوه أن يُهرّع عائداً.
على أيًة حال فقد كان هنالك ضيوف آخرون في القصر بمن فيهم المدام دي تورفيل، البالغة من العمر الثانية والعشرين والتي كان زوجها غائبا بشكلٍ مؤقًت لقضاء عمل في مكانٍ آخر. كانت المدام قابعةً في القصر وهي تذبل شوقاً انتظاراً لعودة زوجها إليها. كان فالمون قد التقاها من قبل، كانت جميلةً بالتأكيد، لكن كان لها صيتٌ كامرأةٍ متزمًتة ومخلصةٍ لزوجها للغاية. لم تكن سيدة بلاط؛ ذوقها في اللباس كان شنيعاً (كانت تغطًي عنقها دائماً بكشكش ضخم) وافتقد حديثها للظرافة. لكن لسببٍ ما - بعيداً عن باريس - فقد بدأ فالمون يرى هذه السمات بطريقة مختلفة. تبعها إلى الكنيسة حيث كانت تذهب كل صباح للصلاة. ألقى نظراتٍ خاطفة عليها على العشاء وعندما كانت تلعب الورق. على خلاف نساء باريس، فإنَها بدت غير مدركةٍ لمفاتنها وسحرها؛ الأمر الذي آثاره. بسبب الحرارة، ارتدت ثوباً بسيطاً من الكتًان أظهر شكل جسمها. غطَت صدرها قطعة من النسيج القطني الرقيق، ما جعله يمضي إلى ما هو أبعد من تخيّله. شعرها الذي لم يكن متماشياً مع الموضة نتيجة بعثرته الخفيفة، كان يستدعي إلى الذهن
......................................
اليوم التاسع * هل أصبحت أعمى؟ هل فقدت عيد الروح الباطنية قواها؟ كنت قد رأيتها، لكن الأمر كان كما لو أنَني رأيت شيئاً من الفردوس وقد تجسّد. بشكلٍ كليَّ تماماً كانت صورتها قد اختفت من ذهني مجدّداً، بلا جدوى أحاول استجماع كلَ قواي النفسيَة من أجل استحضار هذه الصورة. إذا حدث ورأيتها في أيّ وقت، فسأكون قادراً على تمييزها حالاً، حَتى ولو وفقت بين المئات. لقد اختفت


صورة غرفة النوم. ووجهها - لم يكن قد لاحظ كم كان وجهها معترا. كانت ملامحها تضيء عندما تعطي صدقة لمتسوٌل؛ وتحمرّ خجلاً إثر أبسط مديح. كانت غاية في العفويّة والانعتاق من مراقبة الذات. وعندما كانت تتكلًم عن زوجها، أو عن مسائل دينية، فإنَّه كان يستطيع أن يحس بعمق مشاعرها. ماذا لو فيض لهذه الضبيعة الشغوفة أن تخرج عن مسارها ذات يوم وتصبً في علاقة حبً...
مدّد فالمون إقامته في القصر، ما أبهج عمٌته التي لم تستطع أن تحرَر سبب ذلك.. وكتب إلى الماركيزة دي ميرتويل، مفترا مطمحه الجديد: إغواء المدام دي تورفيل. لم تستطع الماركيزة التصديق. هل هو بريد إغواء هذه المتزمَتة والمتحشّمة؟ إذا نجح، فكم ستكون اللذة التي ستمنحه إيّاها قليلة، وإذا فشل فيا له من عار - الخليع والفاسق العظيم غير قادر على إغواء زوجة كان زوجها بعيداً عنها! كتبت رسالة ساخرة لم تؤدٌ إلّا إلى زيادة لهيب فالمون. إخضاع امرأةٍ مشهورةٍ بفضيلتها كهذه كان سيتكشَف عن كونه أعظم إغواءاته. لم يكن صيته إلَا ليتعزَز.
على الرغم من ذلك فقد كان هنالك عائقٌ بدا أنَّه سيجعل النجاح شبه مستحيل: الجميع كان يعرف بصيت فالمون، بمن فيهم المدام. علمت كم كان خطراً أن تكون معه لوحدها في أيً وقت، وكيف كان الناس سيتحدّثون عن أدنى تزاملٍ معه. فعل فالمون كل شيء ليناقض سمعته، لا بل وحتًى اشتطً في ذلك لدرجة أنه صار يرتاد مراسم الكنيسة وبدا أنَّه تائبٌ عن أساليبه القديمة. لاحظت المدام هذا، لكنَها أبقت على مسافة فاصلة. كان التحدّي الذي قدَمته لفالمون لا يُقاوم، لكن هل كان بإمكانه آن يكون بمستوى التحدّي؟
قرر فالمون أن يجسً النبض. تدبّر في أحد الأيام نزهةً على الأقدام مع المدام وعمًته. اختار طريقاً مبهجاً لم يكونوا قد أخذوه من قبل، لكنْهم في نقطةٍ معيًنة وصلوا خندقاً غير ملائم لأن تعبره سيدة دون مساعدة. إلَا أنَ فالمون قال أنَ بقيّة من الطريق كان أجمل بكثير من أن يقفلوا عائدين، ورفع عمَته بأناقة من ذراعيه وحملها عبر الخندق، ما جعل المدام تضحك بصخب. لكن عندها كان دورها قد حان، حيث تعتمد فالمون أن يرفعها بأسلوبٍ تعوزه الرشاقة نوعاً ما، لكي تمسك بذراعيه، وبينما كان يحملها
......................................
الآن، وعين روحي تحاول بلا طائل أن تظفر بها وبأتواقها. كنت أمشي بمحاذاة شارع لانجليني، بشكلٍ لا مبالٍ في الظاهر ودون الانتباه إلى البيئة المحيطة، بالرغم من أنَ نظرتي المستكشفة الخاطفة لم تترك شيئاً إلَا ولَحِظَتهُ – وعندما وقعت عيناي عليها. تسمرت عيناي عليها بثبات دون أن تطرفا. لم تعودا تطيعان إرادة صاحبهما؛ لقد كان من المستحيل بالنسبة إلى أن أشبح بنظري وبالتالي أغضَ الطرف عن الشيء الذي أردت مشاهدته – لم أنظر، بل حدًقت. كما يتجمَد الُمثاقف وهو يُحكم طعنته، كذلك كانت عيناي مُثبنتين، ومشلولتين في الاتجَاه الذي اتَخذتاه في البداية. لقد كان من المستحيل أن أنظر إلى الأسفل، أو أسحب نظرتي، أو أرى،


قبالته نقد استطاع أن يحسَ بقلبها وهو ينبض على نحو أسرع، ورأى وجهها وقد تورّد. رأت عمَته هذا أيضاً، وصاحبت، (الطفلة خائفة!) لكن الشعور الذي راود فالمون كان من نوع آخر. لآن صار يعلم أنّ بالإمكان مواجهة التحدّي. الإغواء يمكن الشروع به.
التفسير. فالمون، ملام دي تورفيل، وما ركيزة دي ميرتويل كلَها شخصيات في الرواية الفرنسية من القرن الثامن عشر علاقات سرًية حضرة، التي ألفها شودير لو دي لاكلو. (شخصيًة فالمون كانت مستمدّة من عدّة خليعين من الحياة الحقيقيًة في ذلك الزمن، أبرزهم على الإطلاق كان الدوق دي رابشيليو) في القصَة، ينتاب فالمون القلق من أنَ إغواءاته قد أصبحت ميكانيكية؛ اذ كان يبادر بحركة أو خطوة، والنساء كنَ يستجبن في جميع الأحوال تقرياً بنفس الطريقة. لكن لا يجب أن يسلك إغواءان نفس المسار - فهدفٌ مختلف يُفتَرَضُ به أن يغيًر الديناميكيًة بأكملها. تلخًصت مشكلة فالمون في أنّه كان دائماً يغوي الطراز نفسه - الطراز الخاطئ. أدرك هذا عندما التقى بمدام تورفيل.
لم يقرَر إغواءها يدافعٍ من كون زوجها كونتاً، أو بدافع من كونها أنيقة اللباس، أو مشتهاةً من الرجال الآخرين - الأسباب المعتادة. اختارها لأنَها كانت قد أغوته أساساً بأسلوبها غير المقصود. ذراعٌ مكشوف، ضحكةٌ غير مُتَمَرًنٍ عليها، أسلوبٌ مرح - كل هذه الأمور أسرت انتباهه، لأنَ. لا واحدةً منها كانت مُتَصَنًعة. بمجرَد ما وقع تحت سحرها، أصبحت رعيته من القوة بحيث جعلت مناوراته اللاحقة تبدو أقلَ تعمًداً وتدبيراً، فمن الواضح أنَّه غير قادرٍ على ضبط نفسه. وعواطفه القوية سوف تعديها بالتدريج.
عدا عن الأثر الذي كان للمدام على فالمون، فقد كان لديها صفاتٌ أخرى جعلت منها الضحية المثالية. إنَها ضجرة، الأمر الذي يشدّها نحو المغامرة. هي ساذجة، وغير قادرة على أن تتبيًن طبيعة حيله الحقيقيًة. أخيراً، كعب أخيل: هي تعتقد أنّها منيعةٌ أمام الإغواء. كلَنا تقريباً عرضةٌ لجاذبيًة وفتنة الناس الآخرين، وتأخذ احتياطاتنا إزاء زلاًب غير مرغوبٍ بها. لم تأخذ المدام دي تورفيل أيّة احتياطاتٍ. ما إن اختبرها فالمون عند الخندق ورأى أنَها غير حصينة جسديّاً، حتى علم أنها ستقع في آخر المطاف.
......................................
لأنّني رأيت أكثر من اللازم بكثير. الشيء الوحيد الذي احتفظت به هو أنَها كانت ترتدي عباءةَ خضراء – يمكن للمرء أن يسمَي هذه الظاهرة بالتمسَكِ بقطرة المطر بدلاً من الغمام؛ قد أفلتت منّي.. وتركت خلفها عباءتها فقط.. تركت الفتاة انطباعاً قويَاً لديَ.* اليوم السادس عشر * لا أشعر بنفاذ الصبر، لأنَّه لابدَّ وأنَها تعيش هنا في المدنية، وهذا كافٍ بالنسبة إلى في الوقت الراهن. هذه الإمكانية هي الشرط اللازم للظهور المناسب لصورتها – سُيستُمتَعُ بكلً شيء بجرعاتٍ بطيئة.*. اليوم التاسع عشر. * إنَ اسمها إذن هو كورديليا! إنَّه اسم جميل، وذلك مهمٌ أيضاً، لأنَّه غالباً ما يكون في غاية الإزعاج أن تضطر


الحياة قصيرة، ولا يجب أن نضيع في مطاردة وإغواء الناس الخطأ اختيار الهدف هو عاملٌ حاسم، فهو الذي يحضَر للإغواء وهو الذي سيحدّد كل شيءٍ أحر سيتبع. الضحيًة المثاليًة ليست هي تلك التي تتحلَى بملامح وجهيًة معيّة، أو بنفس الذوق في الموسيقى، أو تشاركك نفس الأهداف بالحياة. هذه هي الكيفيّة التي من خلالها يختار المغوي /ية المتبدل/ لة (العادي/ية) أهدافه أو أهدافها. الضحية المثالية هي الشخص الذي يترك ويحرَكك بطريقةٍ لا يمكن تفسيرها بالكلمات، والذي تأثيره عليك لا يمتَ بصلة للأمور السطحيًة. هو أو هي غالباً ما يتمتع وتتمتع بخاصَيةٍ أنت نفسك تفتقد ها، وربَما حتى تحسدها سرَاً. المدام، على سبيل المثال، تمتَعت براءة كان فالمون قد خسرها منذ زمنٍ بعيد هذا إن كان عنده براءة من الأساس. يجب أن يكون هناك مقدار بسيطٌ من التوتٌر - الضحيّة قد تخافك قتيلاً، أو حتى تكرهك بعض الشيء. توتَرٌ كهذا يكون مليئاً بالشهوانيًة الكامنة وسيجعل الإغواء مفعماً بالحياة أكثر. لكن خلاقاً أكثر في انتقائك لفريستك وستُكافأ بإغواءٍ أكثر إثارةً وتشويقاً. بالطبع، كل ما تقدّم لا يعني شيئاً إذ كانت ضحيَتك المحتملة غير منفتحةٍ لتأثيرك. اختبر الشخص أوَلاً. ما إن تشعر بأنَّه أو بأنًها أيضاً عرضةٌ لإغرائك وسحرك حتًى يصبح من الممكن عندها للاصطياد أن بداً.
إنًه ضربةٌ من الحظ السعيد أن تجد شخصاً يستحق الإغواء... معظم الناس يدفعون رأساً، يصبحون مرتبطين (منخرطين) أو يفعلون أشياء أخرى غية، وفي طرفة عين ينتهي كل شيء، دون أن يعرفوا ما ربحوا وما خسروا.
- سورين كير كيجارد
المفاتيح إلى الإغواء
خلال الحياة نجد أنفسنا مضطرين لإقناع الناس - لإغوائهم. سيكون البعض منفتحين نسبيّا لتأثيرنا، حتى ولو بطرق خفيّة، بينما يكون الآخرون منيعين أمام سحرنا وفتنينا. ربّما نجد هذا على أنَّه شيءٌ غامضٌ ووراء قدرتنا
......................................
لأن تلقَب الاسم القبيح بألطف الصفات وأجملها على الإطلاق.
- سورين كير كيجارد، يومَيات مغوي، ترجمة هاورد في هونغ وإدنا إتش هونغ. الحبَ، كما يُفهَم من قبل دون جوان، هو عبارة عن شعور قريبٍ من الولوع بالصيد هو توق إلى نشاطٍ محتاجٍ إلى تنوٌعٍ لا ينقطع من الحوافز لتحدّي المهارة.
- ستندال، الحبَ، ترجمة جيلبرت وسوزان سايل ليست نوعية الشيء الُمشتَهي هي ما يُعطينا المتعة، وإنًما طاقة شهواتنا.
- شارل بودلير، نهاية دون جوان ابنة الرغبة يجب أن تكافح، ليكون لديها


على الفهم، لكن تلك ليست طريقة فعالة للتعامل مع الحياة المفوون، أكانوا مغوين اجتماعيَين أم جنسيًين، يفضَلون أن يختاروا الممزتين، هم يقصدون في أغلب الأحيان الناس الذين يبدون بعضاً من القابلية تجاههم، وبتفادون أولئك الذين لا يمكن زحزحتهم أو تحريك مشاعرهم. أن تترك الناس الذين لا يمكنك بلوغهم أو التأثير فيهم هي لوحدها طريقة حكيمة؛ فأنت لا تستطيع أن تغوي الجميع. من ناحيةٍ أخرى، يجب عليك أن تفتَش بشكلٍ فقال عن الفريسة التي تستجيب بالشكل الصحيح، هذا سيجعل إغواء أتلك أكثر متعة وإرضاءً بكثير.
كيف تتعرّف على ضحاياك؟ بالطريقة التي يتجاوبون من خلالها معك. عليك ألاَ تعبر الانتباه أكثر من اللازم لاستجاباتهم الواعية - إنّ الشخص الذي يحاول بشكلِ واضح أن يرضيك أو يسحرك يفعل ذلك على الأرجح بقصد مداعبة أوتار غرورك، لأنَه يريد شيئاً ما منك. عوضاً عن ذلك، أعِر انتباهاً أكبر لتلك الاستجابات التي تقع خارج نطاق السيطرة الواعية - احمرارٌ في الوجه، محاكاةٌ لا إراديًة لبعض إيماءاتك، خجلٌ غبر اعتياديَ، وحتَى ربما التماعةٌ من الغضب أو الامتعاض. كل هذه تُظهِر أنَّه لديك أثرٌ على الشخص وأنَّه عرضةٌ لتأثيريتك.
مثل قانون، تستطيع أيضاً التعرّف على الأهداف الصحيحة من خلال أثرهم أو تأثيرهم عليك. ربَما يجعلونك مضطرباً - لعلَهم ينسجمون مع فكرةٍ مثاليًةٍ عميقة الجذور في طفولتك، أو يمثَلون نوعاً ما من المحظور الشخصي الذي يثيرك، أو يوحون بأنَهم الشخص الذي تتخيًل أن تكونه إذا كنت من الجنس الآخر. عندما يكون للشخص هذا الأثر العميق عليك، فهذا من شأنه أن يحوّل كل مناوراتك اللاحقة. وجهك وإيماءاتك يصبحون أكثر حيويًة. تصبح لديك طاقةٌ أكبره عندما تقاومك ضحاياك (كما ينبغي لنضحيًة الجيًدة أن تفعل) ستصبح أنت بدورك خلاًقاً أكثر، ومدفوعاً أكثر لتخطَي مقاومتهم. سيمضي الإغواء قدماً مثل مسرحيًةٍ جيدة. رغبتك القويًة ستعدي الهدف وتعطيه الإحساس الخطير بأنَ لديه نفوذاً عليك. بالطبع، أنت في النهاية من يمسك بزمام السلطة بما أنَك تحرَك عواطف ضحاياك في اللحظات المناسبة، فتقودهم بين إقدامٍ وإحجام. المغوون الجيًدون يختارون الاهداف التي تلهمهم لكنًهم يعلمون كيف ومتى يضبطون أنفسهم.
......................................
العشَاق التالون. كلَّ بدوره، بحيث يكونون مطمئنًين بشكل متبادل: صبيَّ حَّرَر قبل الأوان بكثير من سلطة أبيه ومشورته، كاتبٌ يتمتَع بمنصبه مع أميرٍ بسيطٍ نوعاً ما، ابن تاجرٍ كبرياؤه بمزاحمة العشَاق الآخرين، ناسكٌ عبدٌ للحبً في الخفاء، ابن ملكِ ذي حماقاتِ لا تُعدُّ ولا تُحصى والذي لديه ميلُ للندالة، الابن الريفي لأحد أفراد طبقة الكهنوت العليا عند الهندوس، عشيق امرأةٍ متزوَجة مغَّن قد وضعٍ في جيبه للتو مبلغاً كبيراً من المال، صاحب قافلةٍ من العربات لكن الذي أصبح كذلك مؤخَراً... هذه التعليمات الموجزة تقبل كمَاً لا نهائَياً من التأويلات، يا طفلي العزيز، وذلك تبعاً للظروف، وتتطلًب ذكاءً،


إيَّاك وأن تتدفع إلى الذراعين المنتظرين لأوَل شخصٌ يبدو أنَك تروق له. فذلك ليس إغواءَ وإنَما قلَة ثقةٍ بالنفس ناجمةٌ عن عدم الشعور بالأمان. الحاجة التي تشدّك سوف تفضي إلى ارتباطٍ ضعيف المستوى، وسيدبل الاهتمام عند كلا الطرفين. انظر إلى الأنماط التي لم تأخذها في عين الاعتبار من قبل - ذلك هو المكان الذي ستجد فيه التحدّي والمغامرة. الصيّادون المتمرًسون لا يختارون فريستهم تبعاً لمدى سهولة الإمساك بها؛ هم يسعون وراء الإثارة الخاصة بالمطاردة، صراع حياةٍ أو موت - كلما كان أعنف كان أفضل. بالرّغم من أنَ كون الضحيًة مثاليًةً بالنسبة لك هو أمرٌ يتوقًف عليك، إلَا أنّ بعض الأنماط يكونون ملائمين لإغواءٍ أكثر إرضاءً. كازانوفا كان يحب الفتيات غير السعيدات، أو اللواتي كان قد عانين من محنةٍ مؤخَراً. هذه الأنماط راقوا لرغبته بأن يلعب دور المنقذ، لكن تفضيله هذا كان من مقتضيات الضرورة أيضاً: فإغواء الناس السعداء يكون أكثر صعوبةً بكثير. حالة الرضى والقناعة التي لديهم تجعل المتعذّر الحصول عليهم أو التأثير فيهم. من الأسهل دائماً الاصطياد في الماء العكر. كذلك الأمر، فإنّ مسحةً من الحزن تكون مغويةً بحقً بحدً ذاتها - جنجي، بطل الرواية اليابانيًة حكاية جنجي، لم يكن بإمكانه أن يقاوم المرأة ذات المسحة السوداويًة. في كتاب كير كيجارد يومَيات مغوي، فإن القاض جوهانس لديه شرطٌ أساسيَّ في ضحيتَه: يجب أن يكون لديها مخيًلة. لذلك فهو يختار امرأةً تعيش في عالم خياليَ، امرأةً سوف تغلَف كل إيماءة من إيماءاته بالشعر، وتتخيًل أكثر بكثير ممًا هو هنالك (موجودٌ حقًاً). إنَ إغواء الشخص الذي ليس لديه مخيًلة هو صعبٌ تماماً كصعوبة إغواء الشخص السعيد.
بالنسبة للنساء، فغالباً ما يكون الرجل المتمتًع بصفات الرجل الحقً هو الضحيًة المثاليًة. كان مارك أنتوني من هذا النوع - أحبً المتعة، كان عاطفيًاً إلى حدَّ بعيد، وعندما كان الأمر يتعلق بالمرأة، فإنَه كان من الصعب عليه أن يفكًر بوضوح. سَهُل على كليوباترة التلاعب به. ما إن استحوذت على مشاعره، حتَى أبقته بشكلٍ دائمٍ تحت السيطرة. المرأة لا يجب أبداً أن تُحبَطَ أمام الرجل الذي يبدو عدوانيَاً بشكلٍ زائد. هو غالباً ما يكون الضحيّة المثاليًة. من السهل، باستخدام بعض الخدع المغناجيًة، أن تديري العدوانيًة
......................................
تَبصٌراً وتأمَلاً للتعامل على أفضل وجه مع كلً حالةِ بعينها.
- الحبَ الشرقي، المجلَد الثاني: موجز كشمندرا عن المومسات، ترجمة إي. بوويز مائرز النساء اللواتي يمكن الظفر بوصالهَن بسهولة هنَ.. المرأة التي تتلفًت نحوك يميناً وشمالاً.. المرأة التي تكره زوجها، أو التي يكرهها زوجها،.. المرأة التي لم تحظَ بأيَ أولاد؛.. المرأة التي تكون مولعة جدَاَ بالمجتمع الراقي؛ المرأة لتي تبدو ظاهريًاً على أنَها شديدة الحنوَ على زوجها؛ زوجة الممثًلٍ؛ الأرملةٍ. المرأة المولعة بالُمَتَع؛ المرأة الفارغة، المرأة التي يكون زوجها أدنى منها شأناً أو مقدرةً؛ المرأة التي تكون معتدَةُ


رأساً على عقب وتجعليه عبدك. هؤلاء الرجال يستعمون في الواقع بأن يُجْعَلوا الساعين وراء المرأة.
كن حذراً فيما يتعلَق بالمظاهر. الشخص الذي يبدو شغوفاً بشكلٍ بركانيَ غالباً ما يخفي شعوراً باللا أمان وانشغالاً بالذات. هذا ما فشل معظم الرجال في ملاحظته عند محظيَة القرن التاسع عشر لولا مولتيز. بدت غاية في الدراماتيكية والإثارة. لكنها في الواقع كانت امرأةُ مضطربةُ ومهووسةُ بنفسها، لكن في الوقت الذي اكتشفوا فيه ذلك كان قد فات الأوان - إذ كانوا قد أصبحوا متورَطين معها ولم يستطيعوا أن يخلصو أنفسهم قبل شهورٍ من الدراما والعذاب. الناس الذين يبدون ظاهريًاً على أنَهم متحفَظون (ينؤون بأنفسهم) أو خجولون غالباً ما يكونون أهدافاً أفضل من المبسطين (أي المنفتحون). هم مستقتلون لأن يُخرجوا من فوقعتهم، والمياه الساكنة تكون عميقة الغور.
الناس الذين لديهم الكثير من الوقت بين أيديهم يكونون قابلين جدّاً للإغواء. إذ يكون لديهم مساحةٌ عقليًة لتملأها. توليا دار جونا، المحظيًة الإيطاليًة السيئة الصيت من القرن السادس عشر، كانت تفضَل الشباب اليافعين كضحايا لها؛ بالإضافة للأسباب الجسديًة لهذا التفضيل، فقد كانوا أكثر تبطلًاً من الرجال العاملين ذوي المهن، وبالتالي أقلً قدرةَ على الدفاع عن أنفسهم أمام مغويةٍ حاذقةٍ كهذه. من ناحيةٍ أخرى، عليك أن تتجنًب عموماً الناس مشغولي البال بالأعمال والتجارة - فالإغواء يتطلًب الانتباه، والأناس المشغولون يكون لديهم مساحةٌ قليلةٌ جدّاً في أذهانهم لتشغلها أنت.
تبعا لفرويد، الإغواء يبداً في مرحلةٍ مبكَرةٍ من الحياة، في علاقتنا مع والدينا. هم يغووننا مادًياً من خلال كلَّ من الاتصال الجسدي ومن خلال إشباع الرغبات مثل الجوع، ونحن بالمقابل نحاول أن نغويهم كي يعيرونا الانتباه. نحن مخلوقاتٌ قابلةٌ بالفطرة (بالطبيعة) للإغواء طوال حياتنا. نحن كلًنا نريد أن تُغْوى؛ نتوق لأن ننشدً خارج أنفسنا، خارج روتينا وإلى دراما الحب الشهواني والجنسي. والشيء الذي يشدّنا أكثر من أيً شيء آخر هو الشعور بأنَ شخصاً ما يتمتًع بشيءٍ ليس عندنا، خاصًيةٌ تنمنًاها. ضحاياك
......................................
بمهارتها في الفنون؛.. المرأة التي يستخفّ بها زوجها دون أيَ سبب؛.. المرأة التي يكون زوجها مكترساً للسفر؛ زوجة تاجر الجواهر؛ المرأة الغيورة، المرأة المشتهية لما هو ملك لغيرها.
- فن الحب الهندوسي، تحرير إدوار ويندسور الفراغ يحفز الحبَ، الفراغ يراقب المحروم من الحبَ/ الفراغ هو سبب الشر اللطيف/ وسنده تخلَص من الفراغ وسينكسر قوس كيوبيد/ سينطفئ مشاعله وتصبح موضع ازدراء/ كما يتمتَع العنب بالخمر، والحور بالماء/ وقصب السبخات بالأراضي المستنقعيَة، كذلك تحبّ/ فينوس/ الفراغ.. / لماذا تعتقد أنَ آجييسثوس/ قد


المثاليون هم غالباً الأناس الذين يعتقدون أنَ لديك شيئاً لا يملكونه، والذين سوف يُسْحَرون عندما يُمْنَحونَه. ضحايا كهؤلاء قد يتَصفون بمزاج معا كسِ. تماماً لمزاجك، وهذا الاختلاف سوف يخلق توتراً مثيراً.
عندما التقت جيانغ كينغ، المعروفة لاحقاً باسم المدام ماو، بماوتسي تونغ في عام 1937 في انسحابه الجبليّ في غرب الصين، فقد استطاعت أن تحس بمدى تعطَشه لقليل من الألوان في حباته: جميع نساء المعسكر كنَ يرتدين مثل الرجال، ويتجنًين بالكامل أيًة حلي نسائيًة. كانت جيانغ ممثَلةً في شانغهاي، وكانت يمكن أن توصَفَ بأيً شيء إلَا التقشَف، أمَنت له ما كان ينقصه، وأعطته أيضاً المتعة المُضافة لكونه قادراً على تثقيفها في الشيوعيًة، الشيء الذي كان يروق لعقدة بيجماليون التي لديه - الرغبة بالهيمنة والسيطرة وإعادة صنع الشخص من جديد. في الواقع لقد كانت جيانغ كينغ من تحكم بزوجها المستقبلي.
أعظم نقصٍ على الإطلاق هو نقص الإثارة والمغامرة، واللتين هما بالضبط ما يقدّمه الإغواء. في عام 1964، التقى الممثًل الصيني شي باي بو الذي كان قد أحرز شهرةً كممثًلٍ للشخصيًات النسائيًة، برنارد يوريسكو الذي كان ديبلوماسيًاً شابًاً يعملٍ في السفارة الفرنسية في الصين. كان يوريسكو قد قدم إلى الصين بحثاً عن المغامرة، وخيب ظنَه لكونه لم يحظَ إلَا بقليلٍ من الاحتكاك مع المواطنين الصينيًين. بادّعائه كونه امرأةً وأنَه أجْبِرَ عندما كان لايزال طفلاً على أن يعيش كصبي - من المُفتَرَض أنَ عائلته كان لديها أساساً الكثير من البنات - استغلّ شي باي بو ضجر الشاب الفرنسي واستياءه كي يتلاعب به. استدرج يوريسكو ببطء إلى علافةٍ دامت لسنوات (يوريسكو كان قد حظي سابقاً بتجارب مثليًة، لكنَه اعتبر نفسه مشتهياً للمغاير) وذلك من خلال تلفيق قصَة عن الأضاليل والخدع التي اضطرّ لأن يخوضها. في آخر المطاف اقتيد الديبلوماسي للتجسّس لصالح الصينيًين. في كل تلك الأثناء كان يعتقد بشكل راسخ بأنّ شي باي بو كان امرأة - توقه للمغامرة كان قد جعل منه قابلاً للسقوط لهذه الدرجة. الأنماط المكبوتة هي الضحايا المثلى للإغواء العميق.
الناس الذين يكبتون شهوة اللذة يشكلون ضحايا مؤاتبة وخاصَةً في
......................................
أصبح زانياً؟ الجواب سهل: لقد كان عاطلاً عن العمل – وسئماً. كان كلَ الآخرين يثنَون حملةً/ بعيداً في طروادة: كانت كلَ انيونان قد نقلت/ قواتها إلى هنالك. افترض أنَه ناق إلى الحرب توفاً شديداً؟ لم يكن لدى مدينة آرجوس/ حروباً لتقدَمها. افترض أنَه أولع بالمحاكم؟ / لم يكن لدى آرجوس دعاوى. كان الحبَ أفضل من عدم القيام بشيءٍ. / تلك هي الطريقة التي ينسلً بها كيوبيد ويلبث.
أوفيد، علاجات للحبَ، ترجمة يبتر غرين الصينيون لديهم مثلً سائر: «عندما يكون اليانغ في صعود، فإنَ البن يولد» والذي يعني، بعد أن يُترجم إلى لغتنا أنّه عندما يكون الرجل قد


أواخر حياتهم، أمضى الإمبراطور الصيني مينغ هوانغ معظم عهده وهو يحاول أن يخلًص بلاطه من إدمانه لمكلف للترف والبذخ، وكان هو نفسه مثالا للتقشف والفضيلة. لكن تغيًر كل شيء في اللحظة التي رأى فيها المحظيًة يانغ كواي - فاي وهي تستحمً في بحيرة القصر. كانت أكثر النساء سحراً وفتنةً في المملكة وكانت عشيقة ابنه. فاز بها الإمبراطور باستخدام نفوذه - ليصبح من بعدها مجرّد عبدها الذليل.
اختيار الضحيًة المناسبة هو على نفس الدرجة من الأهمًية في مجال السياسة. مغوو الجماهير مثل نابوليون أو جون إف. كينيدي يقدّمون لجمهورهم ما ينقصه بالضبط. عندما استلم نابوليون زمام السلطة، كان حس الاعتزاز والافتخار لدى الفرنسيًين منكسراً نتيجة تبعات الثورة الفرنسيًة الدمويًة. قدّم لهم المجد والفتح. أدرك كينيدي أنً الأمريكيًين كانوا سئمين إزاء الراحة المُسَخفة لسنوات آيزنهاور، أعطاهم المغامرة والمجازفة. الأهم من هذا، أنَّه كيّف جاذبيًته بحيث تروق للشريحة الأكثر تأثًراً بها: الجيل الشاب. يعلم السياسيًون الناجحون أنَّه لن يتأثًر الجميع بسِحرهم، لكنًهم إذا استطاعوا أن يجدوا مجموعةً من المؤمنين وذوي حاجةٍ يمكنهم تلبيها، فإنَّهم يكونون قد حصلوا على مؤيًدين سوف يدعمونهم مهما كانت الظروف.
الرمز لعبة كبيرة. الأسُود خطرون - آن تصطادهم يعني أن تعرف رعشة المجازفة. النمور ذكيًة وسريعة، فتقدّم بالتالي إثارة المطاردة الصعبة. إيَّاك أن تندفع بعجلة نحو الصيد. أعرف فريستك واخترها بعناية. لا تضيًع الوقت في الألعاب الصغيرة - الأرانب التي تقع في الأشراك، ابن عرس الذي يدخل الفخ المُعَطَّر. التحدّي متعة.
......................................
كترس الجانب الأفضل من حياته من أجل شؤون العيش العاديًة، فإنَ الين أو الجانب العاطفي من طبيعته، يصعد إلى السطح ويطالب بحقوقه. عندما تحدث هذه الفترة، فإنَ كل ما كان يبدو مهمًاً في السابق يفقد دلالته. أمل الوهم الخادع يقود الرجل في اتَجاهاتِ شتًى، آخذاً إيَاه في انحرافاتٍ غريبةٍ ومعقًدةٍ عن مساره الأصلي في الحياة. مينغ هوانغ، «الإمبراطور اللامع» من سلالة تانغ الحاكمة، كان مثالاً على الحقيقة العميقة لهذه النظريًة. من اللحظة التي رأي فيها يانغ كواي- فاي وهي تستحمً في البحيرة قريباً من قصره في جبال لي، كان مُقَدًراً عليه بأن يجلس عند قدميها، كي يتعلًم منها الأسرار العاطفيًة لما


الانقلاب
لا يوجد انقلابٌ ممكن لهذا التكتيك. لا يمكن ربح شيء من محاولة إغواء الشخص المنغلق تجاهك، أو الذي لا يمكنه أن يمنح المتعة والمطاردة التي تحتاجها.
.........................
يدعوه الصينيًون بالين.
إلواز تالكوت هيبرت، الشاش الُمطَرّز: وُصوفات لنساء صينيًات مشهوات.


2
أخلق شعوراً زائفاً بالأمان- ادنُ بشكل غير مباشر
إذا كنت مباشراً أكثر
من اللازم من البداية فإنك تخاطر
بأن تشير مقاومة لن تضعف أبداً. في
البداية لا يجب أن يكون هناك أي أثر من سلوك
الُمغوي أو سيمائه في تصرفاتك. الإغواء يجب أن يسير
في البداية في خط مائل، أي بشكل غير مباشر، حتى لا
يشعر بك الهدف إلا بشكلٍ تدريجي. إرم الحدود الخارجية
لحياة هدفك - اقترب من خلال طرف ثالت، أو اظهرُ بمظهر من
يسعى لعلاقة حيادية نسبياً، متنقلاً بذلك تدريجياً من الصديق إلى
الحبيب. رتًب للقاء حيني «تصادفي»، وكأنك أنت وهدفك كان
مقدًراً لكما أن تكون متآلفين - لا شيء أكثر إغوائيًة من الإحساس
بتدخًل القدر. هدهد. الهدف إلى أن يشعر بالأمان، ثم أهجم.


من الصديق إلى الحبيب
أنا ماري لويس دور ليانز، التي كانت دوقة مونتبنسيير، المعروفة في فرنسا القرن السابع عشر باسم المدموزيل العظمى، لم تكن قد عرفت الحبً أبداً في حياتها. كانت والدتها قد ماتت عندما كانت لا تزال يافعة؛ تزوّج أبوها من جديد وتجاهلها. انحدرت من واحدة من ألمع عائلات أوروبا: فقد كان جدّها الملك هنري الرابع وكان الملك المستقبلي لويس الرابع عشر نسيبها. عندما كانت شابًة تمً اقتراح عقد قرانها على ملك إسبانيا المترمًل، وعلى ابن إمبراطور الإمبراطوريًة الرومانيًة المقدّسة، وحتًى على نسيبها لويس نفسه، من ضمن آخرين كثر. لكن كل هذه القرانات كانت مصمًمة لتخدم أهدافاً سياسيًة، أو بسبب ثروة أسرتها الهائلة. لم يتجشًم أحدٌ عناء التودّد إليها؛ فقد كان حتًى لقاؤها بطالبي يدها أمراً نادراً. لجعل الأمور أسوأ، كانت المدام العظمى مثاليًةً آمنت يقيم الفروسيّة عتيقة الطراز: الشجاعة، الصدق، الفضيلة. كانت نكره وتشمئزً من المتآمرين الذين دوافعهم لمغازلتها كانت مريبةً في أفضل الأحوال. يمن كانت تستطيع أن تثق؟ وجدت سبيا لترفضهم بازدراء واحداً تلو الأخر. بدا أنَ العنوسة ستكون مصيرها.
في شهر نيسان من عام 1669، التقت الأنسة العظمى التي كانت عندها في الثانية والأربعين بواحدٍ من أغرب الرجال في البلاط: الماركيز انطون بيجيلان، المعروف لاحقاً باسم الدوق دي لوزان. الماركيز الذي كان أثير الملك لويس ويبلغ من العمر السادسة والثلاثون، كان جنديًا شجاعا وذا خفٌة دمٌ لاذعة. كان أيضاً دون جواناً يتعذًر شفاؤه. بالرغم من أنَّه كان قصيراً، وبالتأكيد لم يكن وسيماً، إلا أنَ سلوكه الصفيق ومآثره العسكريًة جعلوه لا يُقاوم بالنسبة للنساء. المدموزيل العظمى كانت قد لاحظته قبل
......................................
العديد من النساء يهمن بما هو مرواغ/ ويكرهن التلهَف الزائد. لذا فالعب دور الصعب المنال/ أمنع الضجر من التنامي. ولا تدع استعطافاتك تبدو واثقةً من تملكها لما تنبغي. أوح بالجنس/ مموهاً بالصداقة. لقد رأيت كائناتِ غايةً في العناد/ وقد خُدِعن بهذه المناورة، التحوّل من الرفقة إلى الُمواقعة.
أوفيد/ فن الحب، ترجمة بيتر غرين في الشارع، لا أوقفها، أو إنَني


بضعة سنين، وأُعجِبَت بأناقته وجسارته. لكنَها لم تحظَ بمحادثةٍ حقيقيًةِ معه. ولو قصيرة - إلَا في هذه المرَة، وبالرغم من أنَها كانت تعلم بسمعته كقاهرٍ للنساء، إلَا أنَها وجدته ساحراً. بعد بضعة أيام التقيا ببعضهما البعض بالصدفة مجدّداً، في هذه المرَة كانت المحادثة أطول، وأثبت دوق لوزان أنَّه. كان أذكى ممًا كانت قد تخيًلت - تحدَثا عن الكاتب كورنيل (المفضَل عندها)، عن البطولة، وعن مواضيع راقية أخرى. الآن أصبحت لقاءاتهم أكثر تكراراً. كانوا قد أصبحوا أصدقاء. دوّنت آنا ماري في دفتر يومياتها أنَ محادثاتها مع لوزان - عندما كانت تحدث - كانت الجزء الأكثر إشراقاً في يومها، وأنَها كانت تشعر بغيابه عندما لم يكن في البلاط. بالتأكيد لقاءاتها معه كانت من التكرار بما فيه الكفاية بحيث لم يكن من الممكن أن يتموا دون قصدٍ منه (لم يكونوا عرضتين)، لكنًه دائماً بدا متفاجئاً برؤيتها. في نفس الوقت، أشارت إلى أنَها شعرت بأحاسيس غريبة ومربكة كانت تتسلًل إليها، لم تعرف ما السبب.
انقضى بعض الزمن وكانت المدوزيل العظمى ستغادر باريس لأسبوعٍ أو اثنين. عندها دنا منها لوزان بدون إنذار وقدّم التماساً عاطفيًاً كي تعتبره المؤتمن على أسرارها، الصديق العظيمٍ المستعد لتنفيذ أيً تكليفٍ تحتاج أن يُنجَز بينما كانت بعيدة. كان شاعريًاًَ وفروسيًاً، لكن ماذا كان يعني حقًاً؟ في دفتر يوميًاتها واجهت أنا ماري أخيراً الأحاسيس التي كانت نجيش بداخلها منذ محادثتهما الأولى: «قلت لنفسي، هذه ليست تأمَلات مبهمة، لا بدّ أن يكون هنالك باعثٌ لكل هذه الأحاسيس، ولم أستطع تصوّر ما كان هذا الباعث.... أخيراً، بعد أن أقلقت نفسي بهذا لعدّة أيًام، أدركت أنَّه كان م. دي لوزان من أحبت، أنَّه كان هو من أنسلَ إلى قلبي بطريقةٍ ما وأسره.»
بعد أن أدركت مصدر أحاسيسها، أصبحت المدموزيل العظمى أكثر مباشرةً. إذا كان لوزان سيصبح موضع ثقتها والمؤتمن على أسرارها، فبإمكانها إذن أن تتحدًث معه عن الزواج، عن عروض الزواج التي لا تزال تُقًدّم لها. الموضوع قد يعطيه فرصة للتعبير عن مشاعره؛ لعلّه يُظهِر الغيرة. لسوء الحاظ فلم يبدُ أنً لوزان فهم التلميح. بدلاً من ذل سألها عن سبب تفكيرها بالزواج أصلاً، فقد بدت سعيدةً جدًاً. إضافةٌ إلى ذلك، فمن يا
......................................
أتبادل معها التحية لكن من دون أن أقترب أبداً، وإنَما أكامح دائماً حفاظاً على مسافة فاصلة من الُمفتَرض أنَ لقاءاتنا المتكرَرة تلفت نظرها بشكلٍ واضح؛ من الواضح أنَها تلاحظ كوكباً جديداً يلوح في أفقها، والذي تعدَي مساره بشكلٍ مزعجٍ مسارها ولكن من الملفت أنّها لم تجد تعدَيه هذا مزعجاً، وإنَما لم يكن لديها أدنى فكرة عن القانون الذي يحكم هذه الحركيَة.. قبل أن أبداً هجومي، يجب عليّ أوّلاً أن أتعرَف عليها وعلى مجمل حالتها العقليًة.
سورين كير كيجارد، يومَيات مغوي، ترجمة هاورد في. هونغ وإدنا إتش هونغ لم يكن قد تكلَم قبل


ترى عساه أن يستحقًها؟ استمرّ هذا لأسابيع. لم تستطع أن تنتزع منه أيَة معلوماتٍ شخصيّة. لكنها تفهمَت نوعاً ما - كان هنالك المارق في المنزلة (كانت أعلى منه بكثير) والعمر (كانت أعمر منه بست سنوات). بعد ذلك بعدّة أشهر توفَيت زوجة شقيق الملك، واقترح الملك لويس على المدموزيل العظمى أن تحل محل امرأة أخيه الراحلة - أي أن تتزوّج أخاه. تفرّزت أنا ماري؛ من الواضح أنَ أخاه كان يحاول وضع يده على ثروتها. سألت لوزان عن رأيه. ولما كان من أتباع الملك ألمخلصين، أجاب، بأنَهم يجب أن يضيعوا الرغبة الملكيَة. لم يُسِرّها جوابه، ولجعل الأمور أسوأ، فقد كفَ عن زيارتها، وكأنَه لم يكن من اللائق لهما أن يكونا صديقين. تلك كانت القشّة التي كسرت ظهر البعير. أخبرت المدموزيل العظمى الملك أنَها لن تتزوَج من أخيه، وذلك كان ما كان.
الآن قابلت آنا ماري لوزان، وأخبرته آنها ستكتب على قطعة ورق اسم الرجل الذي كانت تريد الزواج منه من البداية. كان يتعيَن عليه أن يضع الورقة تحت وسادته ويقرأها في صباح اليوم التالي. عند ما فعل ذلك، وجد? الكلمات «إنَّه أنت». عندما رأى المدموزيل العظمى في مساء اليوم التالي، قال لوزان أنَها لا بدّ كانت تمزح، وأنَها ستجعله أضحوكة البلاط. أصرَت على أنَها كانت جدّية. بدا مصدوماً ومتفاجئاً - لكن ليس بمقدار تفاجؤ بقيّة البلاط بعد بضعة أسابيع من ذلك، عندما تم إعلان الخطوبة ما بيرن هذا الدون جوان المنخفض المنزلة نسبيًاً والسيّدة التي تحتل ثاني أعلى مكانة بين النساء في فرنسا، هذه السيّدة المعروفة بعفًتها ومهارتها في الدفاع عن هذه العقة.
التفسير. كان الدوق دي لوزان واحداً من أعظم المغوين في التاريخ، وإغواؤه البطيء والمطرد للمدموزيل العظمى كان رائعة إغواءاته. طريقته كانت بسيطة: المواربة (كون الشيء غير مباشرٍ). عندما أحسً باهتمامها به في تلك المحادثة الأولى، فقد قرًر أن يعتها ويحظى بانتباهها عن طريق الصداقة. كان سيصبح صديقها الأكثر تفانياً. في البداية كان ذلك ساحراً، رجل يأخذ من وقته ليتحدّث إليها، عن الشعر، التاريخ، مآثر الحروب - مواضيعها المفضًلة. أخذت بالتدريج تثق به وتفضي بدخيلة نفسها إليه. ومن ثم، تقريباً دون أن تدرك ذلك، تغيرت مشاعرها إلى اتًجاه آخر كلًياً: رجل
......................................
النيران التي كانت في طريقها إلى الشاطئ من مراعيها الحبليًة، وذلك كما أمر جوبيتر؛ كانت نتُجه إلى الرمال التي اعتادت أن تلعب عليها ابنة الملك العظيم [أوربا] مع بنات صور اليافعات اللواتي كنّ وصيفاتها.. *متحلًياً عن حلال سلطته، قام أب وحاكم الآلهة، الذي تسيطر يده على الصاعقة الملتهبة ذات الأفرع الثلاث، والذي تهزَ إيماءة رأسه الكون، باتَخاذ هيئة ثور، وانخرط بالخوار بعد أن امتزج مع بقية الثيران، وسار متمهّلاً على العشب الغضيض؛ فكان بذلك مشهداً جميلاً للناظر. جلده كان أبيضاً كالثلج غير الموطوء، كالثلج الذي لم تُذِبه بعد رباح الجنوب الماطرة. برزت عضلات عنقه، وتدلًت طيًاتٌ عميقة من الجلد على


النساء المطلق كان مهتمًاً فقط بالصداقة؟ لم يكن منجذباً إليها كامرأة؟ هذه الأفكار جعلتها تدرك أنَها كانت قد وقعت في حبَه. هذا، جزئيًاً، كان ما جعلها في آخر المطاف ترفض الزواج من شقيق الملك - وذلك كان قرار سببًه لوزان نفسه بذكاءٍ ومواربة، عندما كفً عن زيارتها. وكيف له أن يكون ساعياً وراء المال أو الموقع أو الجنس، في حين أنَّه لم يقم بأيً مبادرةٍ أو خطوة من أيً نوع؟ كلاً، لقد كان إغواء لوزان من الألمعيّة بحيث جعل المدموزيل العظمى تعتقد بأنَها كانت هي من يقوم بالخطوات كلّها.
بمجرّد ما تكون قد اخترْت الضحيّة المناسبة، يتعيَن عليك أن تحظى بانتباهه أو انتباهها. الانتقال من الصداقة إلى الحبَ يمكنه أن يحرز النجاح دون أن يلفت النظر إليه كمناورة. أوّلا فإنَ محادثاتك الودّية (المتَخذة طابع الصداقة) أهدافك ستجلب لك معلوماتٍ قيمة عن شخصيًاتهم، أذواقهم، نقاط ضعفهم، أنواق طفولتهم التي تحكم سلوكهم كراشدين. (لوزان، على سبيل المثال، استطاع أن يتكيّف بذكاء ذوق ماري ما إن درسها عن كثب.) ثانياً، من خلال قضاء الوقت مع أهدافك فإنك تستطيع أن تجعلهم مرتاحين معك. عندما يعتقدون بأنك مهتمٌّ فقط بأفكارهم، بعشرتهم، فسوف يُخَفّضون مقاومتهم، ما يدّد التوتَر المعتاد ما بين الجنسين. هم الآن حسَاسون وسريعو التأثّر، لأنَ صداقتك معهم كانت قد فتحت البوّابة الذهبيًة لأجسامهم: أي عقولهم. في هذه المرحلة فإنَ أيَ تعليقي مرتجل، أيّ تماس جسدي طفيف، سوف يطلق شرارة فكرة مختلفة، الأمر الذي سيباغتهم على حين غرّة: من الممكن ربَما أن يكون هنالك شيءٌ أخر بينكما. ما إن يتحرًك ذلك الاحساس، فسوف يتساءلون في تعجًب عن سبب عدم إقدامك على خطوة، وسيأخذون زمام المبادرة هم أنفسهم، مستمتعين بالوهم بأنهم من يسيطر على مجريات الأحداث. لا يوجد شيء أكثر فعاليةً في الإغواء من جعل المُغْوين يعتقدون بأنَهم من يقوم بالإغواء.
أنا لا أدنو منها، أنا فقط أطرف حول محيط وجودها... هذه هي الشبكة الأولى التي يجب أن تُغزَلَ حولها.
- سورين كير كيجارد
......................................
جَنَبيه. صحيحٌ أنَ قرنيه كانا صغيرين، لكنهما كانا معمولين بشكلٍ غايةٍ في الجمال لدرجة تجعلك تُقسم بأنّهما من صنع فنَان، إذ كانا أكثر صقلاً ولمعاناً من أيًة جوهرة. لم يكن هنالك وعيدٌ في خاطره أو عينيه؛ فقد بدا رائقاً تماماً.* امتلأت ابنة أجنور [أوروبا] بالإعجاب بالثور الذي كان غايةً في الجمال والودً. وبالرغمٍ من أنَّه بدا لطيفاً، إلا أنَّها كانت خائَفةً في البداية من لمسه؛ بعدئذِ اقتربت منه، وأدنت أزهاراً من شفتيه اللامعتين، ابتهج العاشق، قبل أن يستطيع تحقيق لذَته الَمرجوَة، فقبل بديها بالكاد استطاع انتظار التتمًة، ولم يستطع كبح جماع نفسه إلا بشقً الأنفس.* الآن صار يمرح ويلعب على المرج الأخضر، ثم اضطجع فغطَى


المفتاح للإغواء
ما تسعى أنت وراءه كمغوي هو القدرة على تحريك الناس في الاتَجاه الذي ترغبهم أن يذهبوا فيه. لكنَ اللعبة محفوفة بالمخاطر، ففي اللحظة التي يشعرون فيها أنّهم يتصرّفون خت تأثيرك. فسوف يصبحون ممتعضين. نحن مخلوقاتٌ لا تطيق الشعور بأنن نضيع إرادة شخصٍ آخر. إذا ما لاحظ أهدافك هذا، فسوف ينقلبون ضدّك عاجلاً أم آجلاً. لكن ماذا لو كان بإمكانك أن تجعلهم يفعلون ما تريد دون أن يدركوا ذلك؟ ماذا لو ظنوا أنّهم من يدير الدفَة؟ تلك هي قوّة المواربة (الأسلوب غير المباشر) ولا يستطيع مغوِ أن يرمي بتعويذته دونها.
أوًل خطوة يجب إتقانها هي خطوةٌ بسيطة: ما إن تختار الشخص المناسب، فيجب عليك أن تجعل هذا الشخص يأتي إليك. إذ استطعت، في المراحل الابتدائية، أن تجعل أهدافك يظنون بأنَهم من يقوم بالخطوة الأولى، تكون قد ربحت اللعبة. لن يكون هنالك امتعاض، ولا ردّ فعل مشاكس ولا بارانويا (جنون الاضطهاد).
أن تجعلهم يأتون إليك يتطلّب إعطاؤهم مسافة. هذا يمكن إنجازه من خلال عدّة طرق. تستطيع أن تلازم محيط تواجدهم، فتدعهم يلاحظونك في عدة أماكن لكن دون أن تدنو منهم أبداً. ستلفت انتباههم بهذه الطريقة، وإذا أرادوا أن يسدّوا الثغرة (أن يتواصلوا معك)، فيجب عليهم أن يأتوا إليك. تستطيعٍ أن تصادقهمٍ، كما فعل لوزان مع المدموزيل العظمى، إذْ أخذ يقترب منها باطراد بينما ظل محافظاً في نفس الوقت على المسافة الملائمة للأصدقاء من الجنس الآخر. تستطيع أن تلعب معهمٍ أيضاً لعبة القط والفأر، فتبدو للوهلة الأولى مهتماًً، ومن ثم تخطو متراجعاً - فتستدرجهم بشكلٍ فعال إلى شبكتك. أيًاً كان ما تفعله، ومهما يكن نوع الإغواء الذي تمارس، فعليك مهما كان الثمن آن تتفادى الميل الطبيعي للضغط على أهدافك. لا ترتكب خطاً الاعتقاد بأنَهم سوف يفقدون الاهتمام إن لم تمارس ضغطاً، أو أنَهم سيستمتعون بفيض من الاهتمام. الاهتمام الزائد في بداية العلاقة سيوحي فقط باللا أمان، وسيوقظ الشكوك حيال دوافعك. لكن الأسوأ من هذا كلًه، هو أنَّه لن يعطي أهدافك أيَ مجال لكي يتخيًلوا. خذ خطوةً إلى الوراء؛
......................................
الأبيض الثلجيَ الرمل الأصفر. تحرَرت الأميرة من خوفها بالتدريج ورتبت بيديها البرتتين على صدره عندما قدَمه لكي تداعيه، وعلَقت أكاليل زهر باضرةٍ على قرنيه: إلى أن غامرت أحيراً بامتطاء النور، دون أن تعلم أنَها كانت على ظهره. بعدئذَ انسحبت الآلهة من الشاطئ بتمهَل، بعد أن غرسوا أوّلاً الحوافر التي كانت حزناً من هيئته عند الأمواج المتكسَرة على الشاطئ، وبعدها تابعوا بمخرون عتاب البحر، إلى أن حمل غنيمته عبر أصقاع البحار.
أوفيد، التحوّل، ترجمة ماري إم، إنس. بضعة التأمَلات هذه تقودنا إلى الفهم بأنَ – نظراً لأنَّه في محاولة الإغواء يكون


ودع الأفكار التي تثيرها أنت تَحضُرهم وكأنَها أفكارهم الخاصًة. هذا يكتسب أهمَيةً مضاعفة إذا كنت تعامل مع شخصٍ لديه أثرٌ عميقٌ عليك.
لا نستطيع أبداً أن نفهم الجنس الآخر حق الفهم. هم دائماً غامضون بالنسبة إلينا، والغموض هو الذي يمنح التوتَر المبهج جدّاً في الإغواء؛ لكنَه أيضاً مصدرٌ للارتباك والتقلقل. مشهورٌ تساؤل فرويد المتعجًب عمّا تريده النساء حقًاً، حتَى بالنسبة لأكثر المفكًرين النفسيًين تبصًراً، كان الجنس الآخر أرضاً أجنبيًة (مجهولة). بالنسبة لكلً من الرجال والنساء، يوجد هنالك مشاعر عميقة الجذور بالحرف والقلق فيما يتعلًق بالجنس الآخر. عليك في المراحل الأوَليًة للإغواء، إذن، أن تجد أساليب لتهدّئ أيً إحساسٍ بالارتياب (سوء الظن) والذي قد يختبره الشخص الآخر. (الإحساس بالخطر والخوف يمكنه أن يقوّي الإغواء في مراحل لاحقة، لكنك إذا أثرت هذه المشاعر في المراحل الاولى، فالمرجًح هو أن تخيف الهدف وتبعده.) أسّس مسافةً حياديًة، ابدُ على أنَّك غير مؤذٍ، فتعطي بذلك لنفسك مجالا ً كي تتحرّك. نمي كازانوفا أنوثةً طفيفةً في شخصه – اهتمامً بالملابس؛ المسرح، الأمور المنزلية - الأمر الذي تجده الفتيات اليافعات مريحاً. تكلًمت المحظيًة تونيا دار جونا من عصر النهضة، التي طوّرت صداقاتٍ مع مفكًري وشعراء عصرها العظام، عن الأدب والسياسة - أيً شيءٍ عدا المخدع (وأيً شيءٍ ما عدا المال الذي كان أيضاً هدفها). جوهانس، القاصً في مؤلف سورين كير كيجارد يومَيات مغوي، يتبع هدفه، کورديليا من مسافةً؛ عندما يتقاطع طريقاهما، فإنَّه يتصرًف بتهذيب وخجلٍ ظاهريً. وبينما بدأت كورديليا بالتعرًف عليه أكثر فإنَّه لم يخفها. في الواقع لقد كان وديعاً (غير مؤذٍ) لدرجة أخذت عندها تتمنًى لو أنَه كان أقلً وداعةً.
الدوق إلينغتون الذي كان قتًان جازٍ عظيم ومغوياً من الطراز الأوّل، في أوّل الأمر يدوَخ السيّدات بشكله الحسن، ثيابه العصرية، والكاريزما التي لديه. لكن ما إن يكون لوحده مع امرأة، فإنَّه كان يرجع خطوةً إلى الحلف، ويصبح مفرط التهذيب، ولا يتكلًم إلَا قليلاً. المحادثة العاديًة بإمكانها ان تكون تكتيكاً لامعاً، فهي تنوّم الهدف مغناطيسيًاً. بهوتُ وفتور ملامحك مظهرك يضفي قوّةُ مضخًمة على أخفى كلمةٍ إيحائيًة وأقلً نظرة.
لا تذكر الحبَ أبداً وستجعل غيابه أبلغ من أيٌ كلامٍ – سنتساءل ضحاياك
......................................
رهناً على الرجل القيام بالخطوات الأولى – الإغواء بالنسبة للمغوي لا يعدو عن كونه اختصاراً للمسافة، التي هي الاختلاف بين الجنسين في هذه الحالة، ومن أجل تحقيق هذا فأنَّه من الضروري أن يؤنًث نفسه أو يتمثًل على الأقل بموضوع إغوائه.. كما كتب ألان روجر: «إذا كان هنالك إغواء، فإنً المغوي هو من يَضلً أوّلاً، بمعنى أنَّه يتخلًى عن جنسه الخاصً.. ممًا لا شكَ فيه أنَ الإغواء يسعى نحو الخاتمة الجنسيًة، لكنًه لا يصل إلى هناك إلًا من خلال خلق نوعٍ من الصورة الزائفة عن المكان المتَسم بالانحلال والفساد إنَ الُمغوي ليس إلَا سحاقيًاً»
-فريد يريك مونيرون، الُمغوي: تخيل إغواء دون جيوفاني لميك جاغر.


في تعجب عن سبب عدم تحدّثك أبداً عن مشاعرك وأثناء مراودة هذه الأفكار لهم، فإنهم سوف ب?شتطون في ذلك، ويحاولون تخيًل ما يدور في ذهنك غير ذلك. هم سيكونون من يذكر موضوع الحب أو العاطفة. الفتور (التبلد) المتعمًد لديه تطبيقاتٌ عديدة. في العلاج النفسي يقوم الدكتور باستجاباتٍ أو إجاباتٍ أحاديًة المقطع اللفظي كي يستدرج المرضى، ويجعلهم يسترخون وينفتحون. في المفاوضات الدوليّة، كان هنري كيسنجر يُضجِر الديبلوماسيين لدرجة النعاس بالتفاصيل المملًة، ومن نمً ينقضً بمطاً لب جريئة. في بداية الإغواء فإنه غالباً ما تكون الكلمات الأقل حيويًة أكثرُ فعاليًةُ
من الكلمات المفعمة بالمعاني –فالهدف يتجاهلها، وينظر إلى وجهك، ويبداً بالتخيل والاستغراق في أحلام اليقظة، فيقع تحت سحرك.
الوصول إلى أهدافك من خلال أناسٍ آخرين هو أسلوبٌ في غاية الفاعليّة؛ احترق دائرتهم ولن يُنظَر إليك كغريب بعد الآن. كان الكونت دي جرامونت (المُغوي من القرن السابع عشر) قبل أن يقدم على أي خطوة، يصادق خادمة مُستَهدفَته المسؤولة عن غرف نومها، خادمها الخاصٌ، صديقتها، أو حتًى حبيبها. بهذه الطريقة كان يستطيع أن يجمع المعلومات، بحيث يجد طريقةً لكي يقترب منها بطريقةٍ لا توحي بالخطر، كان يستطيع أيضاً أن بغرس الأفكار، فبقول أشياء من الممكن أن يوصلها الطرف الثالث، أشياء من شأنها أن تأسر اهتمام المُرأة، وخاصًةً عندما تسمعها من شخصٍ تعرفه.
آمنت نينون دي لانكلو (محظيّة القرن السابع عشر والمحطًطة الاستراتيجيًة للإغواء) بأنَ إخفاء المرء لمقاصده لم يكن ضرورةً وحسب، وإنَما أمراً من شأنه أن يضيف لمتعة اللعبة. شَعَرَت بأنَ الرجل لا يجب أيداً أن يصرّح بمشاعره وخاصَةً في البداية. فهذا أمرٌ يثير السخط والارتياب. «تقتنع المرأة بشكل أفضل بكثير بأنَها محبوبة من خلال ما تخمًنه أكثر ممَا تقتنع من خلال ما تسمعه،» علًقت نينون ذات مرَة. غالباً ما ينبع تعجًل المرء في التصريح عن مشاعره أو مشاعرها من رغبةٍ مزيفةٍ للإرضاء، معتقداً أنَ هذا سوف يطري الشخص الأخر. لكن الرغبة بالإرضاء بإمكانها أن تضايق وتغيظ. الأطفال، القطط، والمغناجون يجذبوننا من خلال عدم المحاولة
......................................
بينما كان [جوبيتر] بمضي جبًةً وذهاباً وهو منشغل، فقد توقف لدى رؤيته لعذراء أو كاديًة. طال لهيب الشغف كيانه حتَى أعمق أعماقه. هذه الفتاة لم تكن ممن يقضين وفتهَن في حياكة الصوف الناعم او في تجريب تسريحاتٍ مختلفة لشعرها. لقد كانت واحدةً من محاربات إلهة الصيد ديانا. والتي ترتدي رداءها العسكري المزر بواسطة الدبوس، وتعقد ضفائر شعرها الثائرة بشريطٍ أبيض، وتحمل بيدها رمحاً خفيفاً أو قوساً.. *الشمس في عليائها كانت في كبد السماء عندما دخلت بستاناً لم تكن أشجاره قد مسَها فأسً. هنا تنولت كنانتها من على كتفيها، أرخت قوسها الميطواع، واستلفت على المرح، ساندةً رأسها على كنانتها المطلبة.


ظاهريًاً، وحتًى من خلال الظهور على أنَهم غير مهتمًين. تعلّم أن تخفي مشاعرك وتدع الناس يتصوّرون ما الذي يحصل لوحدهم.
في كل مجالات الحياة، عليك ألاً تعطي الانطباع أيداً بأنَك تحتال للحصول على شيء - فذلك سوف يثير مقاومةً لن تستطيع تحييدها أبداً. تعلّم أن تدنو من الناس بشكلٍ جانيَّ. عتَم ألوانك، انخرطْ، أظهرْ على أنَّه لا يصدر منك تهديدٌ أو خطر، وعندها سيكون لديك مجالٌ أكبر للمناورة فيما بعد. هذا المبدأ صحيحٌ أيضاً في مجال السياسة، حيث أنَ الطموح العلني غالباً ما يخيف الناس. كان فلاديمير إيليش لينين يبدو للوهلة الأولى كأيَ روسيٌّ عاديٌ؛ كان يرتدي كعامل، يتكلًم بلهجةٍ فلاَحيًة، ولم يكن لديه سيماءٌ من العظمة. هذا ما حدا بالجماهير للشعور بالراحة والتماهي معه ومع ذلك فقد كان بطبيعة الحال، يكمن تحت هذا الشكل الرقيق ظاهريًاً شخص شديد الذكاء ودائم المناورة. في الوقت الذي أدرك فيه الناس هذا كان قد فات الأوان.
الرمز: شبكة العنكبوت. يجد العنكبوت زاويةً حميدةً ليعزل فيها شبكته كلًما استغرقت الشبكة وقتاً أطول، كلًما كانت بنيتها أكثر روعة، ومع ذلك فقلًةٌ تلاحظها - فخيوطها الشفافة بالكاد تكون مرئيًة. العنكبوت لا يحتاج لأن يتصيًد الطعام، أو حتَى لأن يتحرَك. يقبع بهدوءِ في الزاوية، منتظراً ضحاياه كي يقدموا بملء إرادتهم، ويزجوا أنفسهم في شرك الشبكة.
......................................
عندما رآها جوبيتر هكذا، متعبة وغير محميًة، قال: «إليك سرّاً لت تعرفه زوجتي أبداً، أو إذا اطَلعت عليه فإنَّه سيستحقَ لومها وتأنبيها!» ودون أن يضيع الوقت فقد أتخذ مظهر ديانا وزيًها وخاطب الفتاة بقوله، «أين كنت تصطادين يا أعز رفيقاتي؟ عند أيَة سلسلةٍ جبليًة؟» نهضت نفسها من على العشب وصاحت: «تحياتي يا سيًدتي المقدًسة، يا من أنت في نظري أعظم من جويبتر نفسه – ولا آيه إن سمعني!» ضحك جويبتر لسماعه كلماتها. ابتهج لكونه مُفَضَلاً على نفسه، فقبَلها – لكن من دون التحفَظ الذي يميز قبلات العذراوات: وبينما شرعت بإخباره عن مآثرها في الصيد، منعها بعناق، وكشف عن نفسه الحقيقيًة من خلال
أعلم عن رجلٍ لديه حبيبة غايةٌ في الودً والانشراح معه؛ لكن إذا . . . أفصح عن أنَه يحبها ولو بأدنى إيماءة، فإن المحبوبة تصبح بعيدةً عنه بُعد الثريًا، التي نجومها معلًقة في مكانِ عالٍ جدًاً من السماء. المطلوب في هذه الحالات هو نوٌع مجب فنً الحكم؛ فالطرف المعني كان يتمتًع بصحية حبيبته بشدًة ولأقصى درجة، لكنًه إذا لمحً مجرّد تلميح بمكنونات مشاعره. فإنَّه أمن يحصل إلًا على كسرةٍ بائسةٍ من الحظوة لدى – محبوبته، ولن ينوبه من المقايضة سوى تحمًل كلً الغرور والتقلًب اللذين يقدر الحبَ على إحدائهما.
- ابن حرم، طوق الحمام: بحث في فتى وممارسة الحبَ عند العرب، ترجمة أي. جاي. أربيري.
الانقلاب
في الحرب، أنت تحتاج إلى مساحة لتنظًم فِرَقِك، ومجالاً للمناورة. كلًما كان بحوزتك حيًزٌ أكبر، كان بإمكان استراتيجيتك أن تكون معقًدةً أكثر. لكنًه في بعض الأحيان يكون من الأفضل أن تربك العدوّ، من خلال عدم إعطائه وقتاً للتفكير أو للمقاومة. بالرغم من آن كازانوفا كيًف استراتيجيًاته بما يتناسب مع المرأة صاحبة العلاقة، إلَا أنَّه غالباً ما كان يحاول أن يولّد انطباعاً فوريًاً، من خلال إثارة رغبتها من اللقاء الأوّل. لربَما كان يمارس بعض البسالة، فينقذ امرأةً من خطر يهدًدها، لعلّه كان يلبس بطريقة تجعل هدفه يلاحظه من بين الحشود. في كلتا الحالتين، فإنَّه كان يتحرّك بسرعةٍ خاطفة بمجرّد ما يلفت انتباه المرأة. حوريًة مثل كليوباترة كانت تحاول أن تحرز أثراً جسمانيًاً فوريًاً على الرجال، فلا تمنح ضحاياها الوقت أو المجال للتراجع. كانت تستخدم عنصر المفاجأة. الفترة الأولى من احتكاكك بأحدهم يمكنها أن تتضمًن مستوىً من الرغبة لن يتكرًر أبداً، الجسارة ستقوم بالباقي.
......................................
عملِ مُخزِ. كونها أبعد ما تكون عن الُمطاوعة، فقد قاومته كأشدً ما تستطيع المرأة.. لكن كيف يمكن لفتاةِ أن تتغلَب على رجلٍ ومن تستطيع أن تهزم جويبتر؟ كان له ما أراد، وعاد إلى السماء.
أوفيد، التحوّل، ترجمة ماري إم، إنس.
أفضًل أن أسمع كلبي وهو ينبح على غراب من أن يقسم رحلً بأنَّه يحبَني. بباريس، في كثيرٌ من اللغط حول شيءٍ تافه، ويليام شكسبير
لكنَ هذه إغواءاتً قصيرة. الحوريًات والكازانوفات يستحصلون على اللذة فقط من خلال كمً أو عدد ضحاياهم، إذ يتحرًكون بسرعة من فتح إلى فتحٍ، وهذا بإمكانه أن يكون متعباً. استنزف كازانوفا نفسه؛ الحوريًات لا تُشيّعُ رغبتهنَ أبداً فهنَ نهمات. الإغواء غير المباشر والُمشَيّد بعناية قد يُخفّض عدد فتوحاتك، لكن بنسبة أقلً من نسبة تحسين نوعيًتها.