Advertisement

روبرت غرين فن الإغواء 2



3
أرسل رسائل مختلطة
حالما يصبح الناس مدركين لوجود ك، وربما
مشدودين بشكل غامض، فالك بحاجة لأن تثير
اهتمامهم قبل أن يستقر على أحدٍ آخر. الشيء الواضح
والصارخ قد يشدّ انتباهنا للوهلة الأولى، لكنَ ذلك الانتباه غالباً
ما بعًمر قصيراً؛ في المدى الطويل، يكون الالتباس أكثر فعاليًةً
وقوة بكثير. معظمنا واضح أكثر من اللزوم - بدلاً من ذلك، كن
صعباً على التصور والفهم. أرسل إيماءات وإشارات مختلطة من
كلا النوعين: الناعم والخشن، المتسامي والفظا، البرية والخبيثة.
مزيجٌ من الخصائص يوحي بالعمق، الذي يُبهر ويفتن تماماً كما
يُربك. هالة من الألغاز المحيرة سوف تجعل الناس راغبين بمعرفة
المزيد، وتجتذبهم إلى داخل دائرتك. أخلق نفوذاً كهذا
من خلال التلميح إلى شيء متناقض بداخلك.


الطيّب والشرير
في عام 1806، عندما كانت بروسيا وفرنسا تتحاربان، أُسِرَ أوغست، أمير بروسيا الوسيم البالغ من العمر الرابعة والعشرين وابن أخ فريدريك العظيم، من قبل نابوليون. بدلاً من حبسه، فقد سمح له نابوليون بالتجوّل في الأراضي الفرنسية، لكن تحت مراقبة دقيقة من قبل جواسيس. كان الأمير مُكرَساً للملذَات وأمضى وقته في التنقَل من بلدة لبلدة، مُغوِياً الفتيات اليافعات. في عام 1807 قرّر أن يزور قصر دي كوبيه، في سويسرا، حيث كانت تعيش الكاتبة الفرنسية العظيمة مدام دي ستايل.
استُقبِل أوغست من قبل مضيفته بأكبر قدر استطاعت تدبَره من الكياسة والاحتفاليًة. بعد أن قدّمته إلى ضيوفها الآخرين، فقد انسحبوا إلى قاعة الاستقبال حيث تحدّثوا عن حرب نابوليون في إسبانيا والموضات الرائجة في باريس، وأشياء من هذا القبيل. فجأةُ أنفتح الباب ودخل ضيفٌ اخر، امرأةٌ كانت قد تدبَرت بطريقةٍ أو بأخرى البقاء في غرفتها خلال الهرج والمرج الذي رافق دخول الأمير. لقد كانت المدام ريكاميير البالغة ثلاثين عاماً من العمر والتي كانت أقرب صديقات المدام دي ستايل. قدّمت نفسها للأمير ومن ثمٌ تراجعت إلى غرفتها.
كان أوغست يعلم أنَ المدام ريكاميير كانت في القصر. في الواقع كان قد سمع العديد من القصص عن هذه المرأة الشائنة السمعة والتي كانت تُعتَبَر أجمل نساء فرنسا في السنوات التي تلت الثورة الفرنسيّة. جُنَ جنون الرجال بها وخاصَةً في الحفلات الراقصة عندما كانت تخلع شالها المسائي - مظهرةُ بذلك ثيابها البيضاء الشفًافة التي كانت قد أكسبتها شهرتها - وترقص باستسلامٍ وانعتاقٍ كاملين. الرسامان جيرارد ودافيد خلَدا وجهها
......................................
كان ريتشارد قد رأي جولييت في حفلةِ راقصةِ أخرى، وهي تؤكدَ بحياءِ متظاهر أنَها لن ترقص، وبعد برهة، قامت بخلع عباءتها المسائية الثقيلة، لتظهر تحتها ثوباً خفيفاً. سرت الهمهمات. والهمسات من كلَ الجهات عن غنجها وتصنعها. كانت ترتدي، كعهدها، ثوباً من الساتان الذي يتُصل بأسفل الظهر، مظهراً بذلك كتفيها الفاتنين ناشدها الرجال بأن ترقص لهم.. طافت على أنغام الموسيقي الهادئة في الغرفة بثوبها.


وأزياءها، بل وحتًى قدميها، اللتين اعتُبرَتا أجمل قدمين كان قد رآهما أحدٌ على الإطلاق؛ وكانت قد سحقت قلب لوشيان بونابرت، شقيق الإمبراطور نابوليون. كان أوغست يفضَل الفتيات اللواتي كنت أصغر سنّاً من المدام ريكاميير، وكان قد قدم إلى القصر ليستريح. لكن تلك اللحظات القليلة التي استحوذت فيها على المشهد بحضورها المباغت أخذته على حين غرّة: كانت بالجمال الذي تحدّث الناس عنه، لكن الشيء الذي كان أخَاذاً أكثر من جمالها كان نظرتها تلك التي كانت تبدو غايةً في العذوبة، وبالفعل ملائكيًة، وذات مسحةٍ من الحزن. تابع الضيوف الآخرون أحاديثهم، لكن أوغست لم يستطع سوى التفكير بالمدام ريكاميير.
راقبها على العشاء ذلك المساء. لم تتكلًم كثيراً، وأبقت عينيها خفيضتين، لكنها نظرت أمامها مرَةً أو اثنتين - مباشرةً إلى الأمير. بعد العشاء اجتمع الضيوف على الشرفة الخارجيًة، حيث أُحضِرَت قيثارة. من حسن حظ الأمير، أنَ المدام ريكاميير أخذت تعزف، صادحةً بأغنية حبَ. لكن عندئذٍ تغيَرت فجأةُ: كانت هنالك نظرةٌ خبيثةٌ في عينيها عندما كانت تنظر إليه (على عجل.) الصوت الملائكي، النظرات الخاطفة، الطاقة التي أفعمت وجهها بالحياة، جعلت عقله يدور. كان مضطربا. عندما حدث نفس الشيء في الليلة التالية، قرَر الأمير أن يمدّد إقامته في القصر.
في الأيام التي تلت، قام الأمير والمدام ريكاميير بنزهاتِ على الأقدام مع بعضهما البعض، جذًفا في البحيرة، وذهبا إلى حفلاتٍ راقصةٍ حيث ضمًها أخيراً بين ذراعيه. كانا يتحدّثان حتَى وقتٍ متأخَرٍ من الليل. لكن لم يتَضح شيء بالنسبة إليه: كانت تبدو غايةً في الروحانيًة، غايةً في النبل، وبعد ذلك كان هنالك لمسة يد، أو تعليقٌ مُغازِل. بعد أسبوعين من الإقامة في القصر، نسي أكثر عازي أوروبا جدارةً كل عاداته الفاسقة وطلب يد المدام ريكاميير للزواج. كان سيتحول إلى الكاثوليكية (دينها)، وكانت ستطلًق زوجها الأعمر منها بكثير. (كانت قد أخبرته أنَ زواجها لم يكتمل بالدخول عليها ولذا فإنَه بإمكان الكنيسة الكاثوليكيًة أن تبطله.) كانت بعدها ستقدم للعيش معه في بروسيا. وعدت المدام بأن تفعل ما يطلبه منها. هُرِعَ الأمير إلى بروسيا التماساً لموافقة عائلته، وعادت المدام إلى باريس لتضمن الإبطال المنشود، أغرقها أوغست برسائل الحبَ؛ وانتظر. انقضى
......................................
الإغريقي الشفَاف. كان رأسها مغطَىِ بشال من نسيج قطنيَّ رقيق. انحنت للجمهور بخفر، وبعد ذلك، دارت حول نفسها برشاقة، ولوَحت بوشاحِ أمسكته برؤوس أصابعها بحيث يتُخذ على التواني، شكل ستارة من الجوخ، خِمار، غيمة كلَ هذا بمزيج غريبٍ من الدقَة والتراخي. استخدمت عينيها بطريقةٍ خفيًةٍ ساحرة - «رقصت بعينيها» اعتقدت النساء أن كل ذلك التموَج لجسدها والشبيه بتموَج الأفعى، وكلَ ذلك التَمايل الإيقاعي واللامبالي للرأس، كانا حسسين، سبِق الرجال إلى عالمٍ من النعيم السماوي. كانت جولييت لابدَّ وأنَّها ملاك، وكانت أخطر بكثير من أن تبدو كملاك! خَفُفَت الموسيقي. فجأةُ. وبواسطة حيلةٍ رشيقة، انسدل شعر


الوقت؛ شعر بأنَّه كان على حافَة الحنون. وبعد ذلك، أحيراً، وصلته رسالة: مفادها أنَها قد عيّرت رأيها.
بعد ذلك بعدّة أشهر، أرسلت المدام ريكاميير هديًةً إلى أوغست: لوحة جيرارد المشهورة التي تصوّرها وهي مستلقية على صوفا. أمضى الأمير ساعاتِ أمامها، وهو يحاول إدراك الغموض الكامن وراء تحديقتها. كان قد انضمً إلى مجموعة فتوحاتها - من الرجال من أمثال الكاتب بنجامين كونستانت الدي قال عنها: «كانت حبَي الأخير. أصبحت لبقيًة حياتي كشجرةٍ ضربتها الصاعقة.»
التفسير. قائمة فتوحات اندام ريكاميير ازدادت إثارة للخشية والإعجاب بازديادها في السن: من ضمنها الأمير ميترنيش، دوق ويللينغتون، الكاتبان كونستانت وشاتويريان. كانت بالنسبة لكل هؤلاء الرجال هاجساً لم يزدد إلًا حدَةَ عندما كانوا بعيدين عنها. كان مصدر قوَتها مضاعفاً أوّلًا، كان لديها وجهٌ ملائكيً جذب الرَجال إليها. كان يخاطب العواطف الأبويّة، إذ يسحر ببراءته. لكن ومن ثمً كان هنالك خاصَيةٌ ثانية تظهر من خلال النظرات المغازلة، الرقص الجامح، المرح المفاجئ - كلَ هذا أخذ الرجال على حين غرّة. من الواضح أنَها كانت تتحلًى بصفاتٍ أكثر (بأغوارٍ أعمق) مًما ظنّوا، لقد كانت تتمتًع بتعقيدٌ آسر. عندما كانوا لوحدهم، كانوا يجدون أنفسهم وهم يفكًرون مليًاً بهذه الصفات، وكأنَ سمَاً كان يجري في عروقهم. كانت المدام ريكاميير لغزاً، أحجيةٌ تحتاج إلى حلً. أيًاً يكن الشيء الذي تريده أنت، أكان شيطانةٌ مغناجيًة أم إلهةً لا تُطال، فقد كان بإمكانها آن تبدو كذلك. بالتأكيد شجَعت هذا الوهم من خلال الإبقاء على مسافةٍ فاصلةٍ معيّنة ما بينها وبين الرجال، كي لا يكون بإمكانهم أبداً أن يتصوّروها. وكانت ملكة الأثر المَدبَّر، مثل دخولها المفاجئ في قصر دي كوبيه، الذي جعلها مركز الاهتمام، حتَى ولو لبضع ثوان.
تتضمَن العمليًة الإغوائيًة أن تملأ عقل الشخص بصورتك. وإلاَ فإنَ براءتك، أو جمالك، أو غنجك من الممكن أن تجذب انتباههم لكن ليس هوسهم. لكي تُعًمق الاهتمام، يجب عليك أن تلمَح إلى تعقيدِ لا يمكن
......................................
جولييت الكستنائي وغطَى وجهها. توارت عن الأنظار نحو حجرة لباسها الخافتة الإضاءة وهي تلهث قليلاُ.. ولحق بها الحشد إلى هناك فرؤوها مضطجعةً على سريرها الضيَق في ثوبِ فضفاض لا يُرتَدي أمام الرجال، وتبدو شاحبة على نحو أنيق، مثل الأميرة الخرافية، بسيشة في لوحة الرسَام جيرارد، بينما كانت خادماتها بيًردن جبيها بالكولونيا.
مارغريت تراونسر، المدام ريكاميير كانت يدا [أوسكار وايلد] سمينتين ورخوتين، إذ كانت مُصافحته تعوزها الشدَة، ولدى أوّل لقاءِ معه كان الشخص يرتدَ نافراً من ترهَلها المترف جدًاً، لكن سرعان ما كان يُتَخَطَى هذا البغض الشديد عندما يبداً بالكلام، لأنَ


ضربة الموسم الكبرى في برود واي في عام 1881 كانت أوربريت الصبر لجيلبير وسوليفان، وهي أهجُوّة (مقطوعة هجائية) للعاَلم البوهيمي الخاص بمحبَي الجمال والغنادير الذين أصبحوا غايةً في الرواج في لندن. للاستفادة من هذه الموضة (هذا الرواج) فقد قرّر متعهدو الاوبريت دعوة واحدٍ من أكثر محبَي الجمال في إنكلترا سوءاً في السمعة من أجل القيام بجولة من المحاضرات: أوسكار وايلد. وايلد الذي كان في السابعة والعشرين من العمر في ذلك الوقت كان مشهوراً بسبب الصورة أو الشخصية التي يتخذها أمام الجمهور أكثر مَما اشتُهِر من وراء مجموعة أعماله الصغيرة. كان المتعهّدون الأمريكيّون واثقين من أنّ جمهورهم كان سيُفتَن بهذا الرحل الذي تخيَلوه دائماً على أنَه يمشي وفي يده زهرة، لكنَهم لم يتوقَعوا أبداً أن يستمرّ هذا الافتتان؛ فهو كان سيلقي بضعة محاضرات قبل أن تَبلى جدّته ويرسلوه إلى منزله. كان العرض سخياً فقبل وايلد. لدى وصوله إلى نيويورك، سأله موظَفٌ في الجمارك عمَا إذا كان لديه شيء ليصرّح به، فأجاب: «ليس لديَ شيء لأصرّح به باستثناء عبقريّتي.»
انهمرت الدعوات - مجتمع نيويورك كان متلهّفاً لالتقاء غريب الأطوار هذا. النساء وجدنه ساحراً، لكن الصحافة كانت أقلً كرماً ولطفاً، أطلقت عليه صحيفة نيويورك تايمز لقب «محبَ الجمال الدجال.» ومن ثمً أعطى محاضرته الأولى بعد أسبوعٍ من وصوله. القاعة كانت مليئةً بالكامل؛ حيث قدم أكثر من ألف شخص، معظمهم قدموا لمجرّد رؤية كيف كان يبدو. لم يخبْ أملهم. لم يحمل وايلد زهرة، وكان أطول مَما توقَعوا، لكنَ شعره كان طويلاً ومسبلاً وارتدى بدّةً وربطة عنق من المحمل الأخضر، بالإضافة إلى بنطالٍ قصيرٍ (ينتهي عند الركبة) وجوارب من الحرير. أحسَ العديد من
......................................
لطافته الحقيقيًة ورغبته بالإرضاء كانتا تجعلان الشخص ينسى ما كان غير سارَ في مظهره الجسماني وفي عمليًة التعرَف عليه، وتضيفان سحراً على تصرَفاته، ورشاقةً على دَقة كلامه. كانت النظرة الأولى عنه تؤثَر في الناس بطرق متعدَدة كان البعض بالكاد يستطيعون لجم ضحكهم، شعر آخرون بالعدائية؛ قلَةً تأذَوا من «الشخص البغيض،» كان العديد مدركين لكونهم غير مرتاحين، لكن باستثناء قلَة قليلة لم تستطع أبداً أن نتعافي من الإحساس الأوّل بالنفور وظلًت بالتالي تتحاشاه، فإنَ كلا الجنسين وجدوه جذَاباً على نحوِ لا يُقاوم، وبالنسبة لسَبان عصره، يقول دابليو. بي ياتس، كان مثل رمز منتصرِ وجسور من عصرِ آخر.

استيعابه في أسبوعٍ أو اثنين. أنت غموضٌ محيًر، إغراءٌ لا يُقاوم، يُعدُ بلذَةِ ومتعةٍ عظمتين لو كان بالإمكان فقط تملَكه. ما إن يبدؤوا بالتخيًل عنك، حتَى يصبحوا على شفير منحدر الإغواء الزلق، ولن يكونوا قادرين على منع أنفسهم من الانزلاق.
المتصنَع والطبيعي
الجمهور بالنفور عندما تطلًعوا إليه ممن مقاعدهم، فق كانت هذه التركيبة من الجثَة الضخمة والملابس الجميلة منفَرة بعض الشيء. بعض الناس ضحكوا دوان تحفًظ، أخرون لم يستطيعوا إخفاء انزعاجهم وتقلقلهم.. توقَعوا أن يكرهوه. عندها بدأ بالتكلَم.
كان الموضوع «النهضة الإنكليزيًة» أي حركة «الفن لأجل الفن» في إنكلترا أواخر القرن التاسع عشر. أثبت صوت وايلد قدرته على التنويم المغناطيسي، تَحدّث بنوعٍ من البحور أو الأوزان، بطريقةٍ متكلًفة ومتصنًعة، وقلّةٌ فهموا حقًاً ما كان يقوله، لكن الخطاب كان ظريفاً جدّاً ومتدفقًاً. مظهره كان بالتأكيد غريباً، لكن ككلً، لم يكن نيويزر كيُّ قد رأى أو سمع في كلً حياته رجلاً آسراً كهذا، ولقيت المحاضرة نجاحاً كبيراً. حتى الصحافة تحمًست لها. في بوسطن بعد عدّة أسابيعٍ من ذلك، كان ستًون طالباً من هارفارد قد حضّروا كميناً: كانوا سيجعلون من هذا الشاعر المخنَث أضحوكةً من خلال ارتداء بنطالاتٍ قصيرة، وحمل أزهار، والتصفيق بشكلٍ مبالغٍ في علوّه لدى دخوله. لم يرتبك وايللد أو بهتاج مقدار أنملة. ضحك الجمهور على تعليقاته الارتجاليًة بشكلٍ هيستيريَّ، وعندما قاطعه التلاميذ بالصراخ والتعليقات الساخرة ظلَ محافظاً على وقاره، فلم يبدِ أيً غضبٍ على الإطلاق. مرّةً أخرى، فإنً التباين ما بين سلوكه وبين مظهره المادّي جعله يبدو استثنائياً. تولًد لدى العديدين انطباعٌ إيجابيَّ عميق، وكان وايلد في طريقه لأن يصبح ظاهرةً مثيرة. جولة المحاضرات القصيرة تحوّلت إلى شأنٍ أثار اهتمام البلد بأكمله. في سان فرانسيسكو، اُثبت هذا الزائر الحاضر في الفن والجماليًات أنَّه قادرٌ على بزَ الجميع في الشرب والبوكر، الأمر الذي جعله ضربة الموسم. في طريق عودته من الساحل الغربي، على وايلد أن يتوقًف عدّة مرَات في كولورادو، حيث حَذَّر من أنَّه إذا تجرأ الشاعر الُمتَصَبين الوسيم (أي وايلد) على الظهور في بلدة ليدفيل المليئة بالمناجم، فإنَّه سيعلق من أعلى شجرة. لقد كانت دعوة لم يكن من الممكن لوايلد أن يرفضها. تجاهل صرخات الاستهجان والنظرات الشريرة لدى وصوله إلى ليدفيل؛ زار المناجم، شرب ولعب الورق، ومن ثمّ حاضر عن بوتشيللي وسيليني في الحانات. وقع عمًال الناجم تحت سحره كسائر الناس، حتَى آنهم سمَوا منجماً باسمه. سُمِعَ
......................................
في يوم من الأيام كان يوجد مغناطيس، وفي محيطه القريب عاشت بضع برادات حديد. ذات يوم شعرت براد تان أو ثلاث برغبة مفاجئة بالذهاب وزيارة المغناطيس، وبدأت بالتكلَم كم أنَ فعل شيء كهذا سيكون ظريفاً. سمعت براداتٍ أخرى الحديث مصادفةَ، وعُدِيت أيضاً بنفس الرغبة. انضمَت أخريات، إلى أن بدأت كلَ الرادات في آخر الأمر تناقش المسألة، وشيئاً فشيئاً تحوّلت هذه الرغبة الغامضة إلى دافعٍ ملحً. «لماذا لا نذهب اليوم؟» قالت إحدى البرادات؛ لكنَ أخرياتٍ كان رأيهنَ أنَه من الأفضل الانتظار حتَي الغد. في تلك الأثناء، ومن


أحد رعاة البقر وهو يقول ذات مرّة، وذلك الرفيق هو رجل فنَ، لكنَه يستطيع أن يشرب معنا حتَى نسكر ومن ثمً يقلًنا اثنين اثنين إلى المنزل.)
التفسير. في خرافةٍ ألًفها بشكلٍ ارتجاليً على العشاء ذات مرة، تحدّث وايلد عن برادات حديدٍ تملًكتها رغبةٌ مفاجئة بزيارة مغناطيسٍ قريب. أثناء تحدّثهم مع بعضهم البعض عن هذا، فقد وجدوا أنفسهم وهم يقتربون من المغناطيس دون أن يعلموا كيف أو لماذا. في آخر المطاف وجدوا أنفسهم وقد اندفعوا ضربةٌ واحدةٌ إلى جانب المغناطيس. «ومن ثمً ابتسم المغناطيس - لأنَ برادات الحديد لم يساورها أدنى شك في أنَها قامت بتلك الزيارة بناء على محض ارادتها.» كذلك كان الاثر الذي حازه وايلد نفسه على جميع من حوله. كانت جاذبيًة وايلد أكثر من حصيلة ثانويًة لشخصيًته، لقد كانت مدروسة تماماً ومعدّة كي تخدم الغاية المنشودة منها. كمعجبٍ بالتناقض (بالمفارقات)، فقد شدَد عامداً على غرابته والتباسه، على التضارب ما بين مظهره المتكلًف وبين أدائه الظريف والعفويً. كان بالشكل الطبيعي دافئاً وعفويًاً، إلًا أنَه شكًل صورةً له مناقضةً لطبيعته. كان الناس يُنَفَّرون، يتشوَشون، يُؤسَرون، وفي آخر المطاف ينشدًون إلى هذا الرجل الذي بدأ من المستحيل تصوَره.
التناقض مغوٍ لأنَه يتلاعب بالمعنى. نحن نشعر سرّاً بالغمً إزاء العقلانيًة التي تحكم حياتنا، حيث أنَ كل شيء يُقْصَدّ منه أن يعنى شيئاً، أمَا الإغواء، على النقيض من هذا، فيزدهر على الغموض والالتباس، على الإشارات والرسائل المختلطة، على أيً شيءٍ يمتنع على التفسير ويروغ منه. معظم الناس واضحون بشكلٍ مزعج. لذا كانت شخصيًتهم استعراضيًة، فقد ننجذب وننشدُّ إليهم لحظيًاً، لكنَ الانجذاب يلي ويضعف، إذ لا يوجد عمق، ولا حركة مضادّة، كي تبقينا. المبدأ الرئيسي لكل من لَفْتِ الانتباه وبقائه يكون من خلال إشعاعك بالغموض. ولا أحد يكون غامضاً بالشكل الطبيعي، أقلًه ليس لمدًةٍ طويلة؛ الغموض هو شيءٌ يتوجًب عليك أن تعمل عليه، فهو حيلةٌ من قبلك، وشيءٌ يجب أن يستخدم من بداية الإغواء، دعْ جانباً من
......................................
دون أن يلاحظن ذلك، كنَ يقتربن على نحوِ لا إداريً من المغناطيس، الذي رقد هنالك بشكلٍ هاديً تماماً، دون أن يلتفت إليهنَ في الظاهر. وهكذا استمرَين بالنقاش، بينما كنَ يقتربن من جارهنَ دون أن يحسوا بذلك؛ وكلًما تكلًمن أكثر، كلًما شعرن بالدافع يزداد قوةً، إلى أن صرًحت البرادات الأقلً صبراً بأنَهنَ سيذهبن في ذلك اليوم، بغض النظر عمَا ستفعله البقيًة. ثمً سماع البعض وهنَ يقلن أنَه كان من واجبهًن زيارة المغناطيس، وأنَه كان ينبغي لهنَ أن يذهبن قبل ذلك بكثير. وبينما كنَ يتحًثن، فإنهنَ كنَ على الدوام يقتربن أكثر فأكثر، دون أن يدركن أنَهنً كنَ يتحرًكن. بعدئذِ. وأخيراً، هيمنت البرادات الأقلَ صبراً، وصاح المجموع


شخصيًتك يظهر، بحيث يلاحظه الجميع. (في المناف عن وايلد، ذلك كان تظاهرٌ متصنَع تعبَر عنه ثيابه ووضعاته.) لكن أرسل أيضاً رسالة مختلطة - إيماءةٌ أو إشارةٌ ما بأنَك لست ما تبدو عليه، بأنَك متناقض. لا تقلق إذا كانت هذه الخاصَية الثانويًة سلبيّة، كالخطر، القسوة، أو عدم الاكتراث بالمعايير الأخلاقيًة؛ فالناس سوف ينجذبون إلى الشخص الغامض بأيً حال، والطيبة الكاملة نادراً ما تكون إغوائية.
التناقض عنده كان مجرد الحقيقة وهي تقف على رأسها لتلفت الانتباه.
- ريتشارد لي جاليين، في معرض حديثِ له عن صديقه أوسكار وايلد
المفاتيح إلى الإغواء
لا شيء يمكن أن يبدأ في الإغواء ما لم يكن بإمكانك أن تلفت وتستبقي انتباه ضحيتك، بحيث يصبح حضورك الجسدي حضوراً دهنياً ملازماً. من السهل تماماً في الواقع أن تخلق ذلك الاضطراب الأول - من خلال أسلوب لباسٍ مغرٍ، نظرةٌ موحية، شيءٌ متطرَفٌ عنك. لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ عقولنا نُقصَف بوابلٍ من الصور - ليس فقط من الإعلام وإنَما من فوضى الحياة اليوميًة. والعديد من هذه الصور تكون أخَاذةً إلى حدٌ بعيد. فتصبح أنت مجرَد شيءٍ إضافيً يصرخ طلباً للانتباه؛ جاذبيتك سوف تمر مرور الكرام إلَا إذا أطلقت شرارة النوع الاكثر بقاءَ من التعويذة التي تجعل الناس يفكًرون فيك في غيابك. هذا يعني أن تشغل مخيلاتهم، وأن تجعلهم يعتقدون بأنًك تتحلى بمثيرات أكثر مَما يرون. ما إن يبدؤوا بتزيين صورتك بخيالاتهم، يكونوا قد عَلِقوا.
هذا على أيَ حال يجب أن يُفعَلَ منذ البداية، قبل أن تعرف أهدافك. أكثر من اللازم وتتبلور انطباعاتهم عنك. هذا يجب أن يحدث في اللحظة التي يقع عيونهم عليك. من خلال إرسال رسائل مختلطة في ذلك اللقاء الأول. تكون قد خلقت قليلاً من المفاجأة، قليلاً من التوتَر. فأنت تبدو على
......................................
بأكمله مدفوعاً بنزوة لا تُقاوم، «لا يوجد فائدة من الانتظار سنذهب اليوم سنذهب في الحال.» وبعدها اندفعن بقوة في كتلةِ مجمعة، وفي لحظةٍ أخرى كنَ يتتببن بإحكام بالمغناطيس من جميع الجوانب عندها ابتسم المغناطيس – لأنَ برادات الحديد لم يخامرها الظنَ إطلاقاً سوى أنَهنَ كنَ يقمن بالزيارة بناءَ على إرادتهنَ الخاصَة. – أوسكار وايلد، كما اقتبس من قبل ريتشارد لي جاليين في أوسكار وايلد، حياته وذكاؤه. هيسكيث بيرسون. الآن كانت المثاقفة الُمرتَجَلة [بالرماح] قد انتهت والفرسان يتفرَفون وكل يذهب في دربه إلى حيث أملت عليه أفكاره؛ صادف أنَ ريفالان كان متوجهاً حيث كانت بلا نشفلور.


أنك شيءٌ ما (بريء، وقح، ذكي، ساخر، لكنَك ترميهم أيضاً بلمحاتِ من شيءٍ آخر (شيطانيً، خجول، عفوي، حزين). أبقٍ الأشياء رقيقةْ وخفيّة: إذا كانت الخاصية الثانية أقوى من اللزوم، فسوف تبدو مصاباً بفصام الشخصية. لكن دعهم يتساءلون في تعجَب عن سبب احتمال كونك خجولاً أو حزيناً تحت سخريتك الذكية الوقحة، وستكون قد لفتَ انتباههم. امنحهم التباساً من شأنه أن يدعهم يرون ما يودّون رؤيته، واٍنسر مخيًلتهم بلمحاتٍ خاطفة مختلسة إلى روحك القاتمة.
الفيلسوف الإغريقي سقراط كان واحداً من أعظم مغوي التاريخ، الشبًان الذين اتًبعوه كطلاًب لم يفتتنوا بأفكاره وحسب، وإنَما وقعوا في حتِه. واحدٍ من هؤلاء الشبًان كان آلسيبيادس، الشاب السيئ الصيت المنغمس في الملًذات والذي أصبح شخصيًةً سياسية بارزةً قرابة نهاية القرن الخامس قبل الميلاد. في الندوة لأفلاطون، يصف ألسيبيادس القوى الإغوائية التي عند سقراط من خلال مقارنتها بالتماثيل الصغيرة لسايينوس (إله من آلهة الغابات) التي صُنِعَت في ذلك الوقت. في الأسطورة اليونانية، كان سايلينوس قبيحاً جدًاً، لكنه كان أيضا نبيًاً حكيماً. وبالتالي فقد كانت تماثيل سايلينوس مجوّفة، وعندما تفتحها، ستجد تماثيل صغيرة للآلهة بداخنها - الحقيقة والجمال الداخلتين تحت المظهر غير الجذًاب. ولذا، بالنسبة لألسيبيادس، فقد كان سقراط على نفس الشاكلة، إذ كان قبيحاً لدرجة التنفير لكنَ وجهه كان يشع بالجمال الداخلي والقناعة. الأثر كان مربكاً وجذًاباً. كليوباترا، وهي مغويةٌ عظيمةٌ أخرى من العصور القديمة، كانت ترسل أيضاً رسائل مختلطة. لقد كانت تبعاً لجميع المقاييس مغريةُ من الناحية المادية، وتجلًى ذلك في صوتها، وجهها، جسمها، وأسلوبها؛ وتحلّت أيضاً بعقلٍ نشطٍ والمعيً، جعلها تبدو ذات روحٍ ذكوريًة بالنسبة للعديد من كتًاب عصرها. هذه الخصائص المتناقضة أعطتها تعقيداً، والتعقيد أعطاها نفوذاً.
لكي تلفت وتأسر الانتباه، يتوجًب عليك أن تُظهِر صفاتِ تتناقض مظهرك الجسماني، الأمر الذي يخلق عمقاً وغموضاً. إذا كان لديك وجهٌ جميل وسيماءٌ من البراءة، فأطلق تلميحات عن شيءٍ قاتمٍ، بل وحتَى وحشيٌ بشكلٍ غامض في شخصيتك. هذا لا يتجلًى من خلال كلماتك، وإنَما من خلال سلوكك، كان لدى الممثّل إيرول فلين وجهٌ ملائكيَّ صبيانيَّ ومسحةً
......................................
المحببة تجلس. لدى رؤيته لهذا، فقد أسرع لعندها على صهوة حصان وحباها وهو ينظر في عبسها بمنتهي الحبور. *«فليحفظك الرب أيَتها، المرأة المحببة!».*«شكراً لك» فأنت الفتاة، وتابعت بمنتهى الحياء، «عسى الله القدير، الذي يجعل كل القلوب سعيدة، يُسعد قلبك وعقلك! وتشكراني الممتنة لك! ومع ذلك فلن أنسى عتبي عليك.»*«أه، أيَتها المرأة الرقيقة، ما الذي قد ارتكبتُه؟» كان ردً ريفالان الدمث.*«أنت قد أزعجتني من خلال صديق لي، أفضل صديق حظيت به في كلً حياتي.». *«يا للسماء،» فكًر بينه وين نفسه، «ما الذي يعينه هذا؟ ما الذي قد فعلته وأزعجها؟ ماذا تقول أنَني ارتكبت؟» وتخيل تلقائياً أنه لابدً ألحق أدًيةً بأحد أقاربها في وقتٍ ما في


خفيفةٌ من الحزن. تحت هذا المظهر الخارجي، من جهةِ ثانية، كانت النساء تستطيع استشعار قوةٍ كامنة، مسحةٌ إجراميًة، نوعٌ مثيرٌ من الخطورة. لعبة الخصائص المتناقضة هذه كانت تولًد اهتماماً هوسيًاً. المكافئ الأنثوي لهذا النمط تجسَده مارلين مونرو؛ كان لديها وجه وصوت فتاةٍ صغيرة، لكن شيئاً شهوانيًاً وفاحشاً كان ينبعث منها بقوّةٍ أيضاً. المدام ريكاميير كانت تفعل كلً ذلك بعينيها - فنظرة الملاك، كان يقاطعها فجأةً شيءٌ شهوانيً وغنجيً.
اللعب بأدوار الجنس (من حيث الذكورة والأنوثة) هو نوعٌ من المفارقة الآسرة التي كان لها تاريخٌ طويل في الإغواء. أعظم الدونجوانبين كان لديهم مسحةٌ من الحمال والانوثة، وأشد المحظيًات-جاذبيًة كان لديهم مسحةٌ من الذكورة. على الرغم من ذلك فإنَ الاستراتيجيًة لا تكتسب قوّتها إلًا عندما يُلمَّح إلى الخاصًية الثانوية مجرَد تلميح؛ إذا كان الخليط واضحاً أو صارخاً أكثر من اللازم فسوف يبدو غربياً أو حتَى مهدّداً. المحظيًة الفرنسيّة العظيمة من القرن السابع عشر نينون دي لانكلو كانت أنثويًة المظهر بلا ريب، ومع ذلك فقد صُدِم كل من التقى بها بلمسة العدوانيًة والاستقلالية التي لديها - لكن مجرّد لمسة. الروائي الإيطالي من أواخر القرن التاسع عشر جابريل دانونزيو كان بالتأكيد ذكوريًاً في مقارباته، لكن كان هنالك رفًةً ومراعاةً ممزوجتين مع رجولته، واهتمامٌ بالحليَ النسائية. من الممكن التلاعب بالتركيبات (من هذه الخصائص) ومزجها بجميع الطرق التي تخطر على البال: كان أوسكار وايلد أنثويًاً إلى حدّ بعيد شي مظهره وسلوكه، لكنَ الإيحاء الضمني بأنَه كان في الواقع رجلاً بحقً جذب كلاً من الرجال والنساء إليه.
دمج الحرارة الجسديًة مع البرودة العاطفيًة هو تنويعٌ فعًال على هذا الموضوع. الغنادير من أمثال بو برمل وآندي وارهول يجمعون ما بين المظهر الجسماني الصارخ وبين نوعٍ من البرود والجفاء في السلوك، إذ يحافظون على مسافةٍ تفصلهم عن كل الأشياء والاشخاص. هم لافتون ومحيرون معاً، والناس يمضون حياتهم وهم يسعون خلف رجالٍ كهؤلاء، محاولةً منهم لتحطيم مَنَعتُهم (صعوبة الوصول إليهم). (قوّة الناس صعبي المنال ظاهريًا تكون مغويةً بشكلٍ شيطاني؛ فتحن نريد أن نكون من يكسرهم.) هم أيضاً يلفًون أنفسهم بالالتباس والغموض، فإمَا يتكلًمون قليلاً جدًاً أو
......................................
رياضاتهم الفروسيًة وذلك كان سبب المتباظها منه. لكن لا. الصديق الذي أشارت إليه كان قلبها، والذي في صميمه جعلها تعاني: ذلك كان الصديق الذي كانت تتكلًم عنه. لكنًه لم يكن يعلم شيئاً عن ذلك. «أيَتها المرأة المحببة.» قال بكلً ما لديه من سحره المألوف «لا أريدك أن تكوني غاضبةُ مني أو تحملي ضدًي أيًة نوايا غير حسنة. لذا» إذا كان ما تقولينه لي صحيحاً، فانطقي بالحكم عليً بنفسك: سأقوم بأيً شيء تأمرين به.* «لا أكرهك أكثر مما ينبغي بسبب ما حصل،» كان جواب الفتاة الرقيقة، «ولا أحبك بسببه. لكن لتدرك الإصلاحات التي يجب أنتقوم بها للخطأ الذي ارتكبته بحقًي، فسوف أختبرك في وقت آخر.»* وهكذا انحنى كمن


يتكلًمون عن مسائل سطحيّة، فيلمِعون إلى أغوارٍ في الشخصيًة لا يمكنك أن تسيرها أبداً. عندما كانت مارلين ديتريتش تدخل إلى غرفة، أو تصل إلى حفلة، كانت كل العيون تنشدً بليها بشكلٍ حتميً. أوّلاً كانت هناك ثيابها المذهلة، الُمختارة بحيث تجعل الرؤوس تدور. ومن ثمً كانت هنالك مسحةٌ من عدم الاكتراث ورباطة الجأش. هُوِسَ الرجال بها وكذلك النساء، إذ كانوا يفكًرون بها طويلاً بعد أن تكون قد تلاشت ذكريات الأمسية الأخرى. تذكًر: ذلك الانطباع الأول، ذلك المدخل، هو أمرً جوهريً. أن تُظهِر رغبةُ زائدةُ بالحصول على الاهتمام هو أمرٌ يشير إلى عدم الأمان، وغالباً ما سيقود الناس بعيداً، إذا تصرًفت، من ناحيةٍ ثانية، بكثيرٍ من البرود وعدم الاهتمام فلن يتجشًم أحدٌ عناء الاقتراب. الخدعة هي في أن تجمعهذين الموقفين في نفس الوقت. هذا هو جوهر الغنج والدلال.
ربَما لديك سمعةٌ حسنة أو شهرة بالنسبة لخاصيّةٍ معيًنة، والتي تَرِد إلى الذهن عندما يراك الناس. من الأفضل أن تستبقي على اهتمامهم من خلال الإيحاء بأنَه وراء هذه السمعة يوجد خاصيّة أخرى كامنة. لم يكن لأحدٍ سمعةٌ أكثر قتامةً وإثماً من اللورد بايرون. ما جعل النساء تُجَنَ به هو أنَه خلف هذا المظهر الخارجي البارد بعض الشيء والازدرائي، استطعن أن يستشعرن بأنَه كان في الواقع رومانسيًاً إلى حدٌّ بعيد، بل وحتَى روحانيًاً. شدًد بايرون على هذا من خلال الأجواء السوداويًة وأفعاله النبيلة التي كان يفعلها بين الحين والآخر. بعد أن ينصعقن ويرتبكن، كانت العديد من النساء تعتقد بأنَهن من سيعدنه إلى جادة الصواب، وسيجعلن منه حبيباً مخلصاً. بمجرًد ما تعلًل المرأة نفسها بهكذا أمل، فإنَها تصبح تحت تأثير سحره بالكامل. ليس من الصعب خلق هكذا تأثير إغوائي. إذا كنت معروفاً بكونك عقلانيًاً إلى درجة كبيرة، على سبيل المثال، فلمًح إلى شيءٍ غير عقلانيٍ. جوهانز، القاص في مُؤَلْف كير كيجارد يوميات مغوي، في بادئ الأمر يعامل كورديليا الشابة بتهذيب عمليً، كما تقودها سمعته لأن تتوقًع. لكنها سرعان ما تسمعه مصادفةً وهو يدي ملاحظاتٍ تشير من طرفٍ خفيٌ إلى مسحةٍ شاعريًة وجامحة في شخصه؛ فتتشوًق وتُؤسَر.
هذه المبادئ لها تطبيقات تصل إلى ما وراء نطاق الإغواء الجنسي لكي تأسر انتباه جمهورٍ غفير، لكي تغويهم حتًى يفكروا فبك، فأنت تحتاج
......................................
يهمً بالانصراف، وهي، الفتاة المحببة، تنهًدت بشكلٍ غايةٍ في الخفاء بسبب رحيله وقالت برقة: *«آه، فليباركك الرب أيَها الصديق العزيز!» من ذلك الحين فصاعداً صارت أفكارهما تتقاطع. * انصرف رفالان وهو بفكر مليًاً بأشياء كثيرة تأمّل من جميع الأوجه السبب الذي من شأنه أن يجعل بلانشفور مغتاظًة منه، وما عساه أن يكمن وراء المسألة برمَنها. فكر في تريبها، في كلماتها، درس تنهُدها بدقًة. وداعها، سلوكها برمَته.. لكن بما أنَه لم يكن متأكداً من دافعها. أكانت تصرًفت بنافع من العداوة أم من الحبَ- فقد مشي مضطرباً وهو في حيرةٍ من أمره. اضطربت أفكاره ولم تستقرٌ على شيء في لحظةٍ كان يتوصَل إلى رأي، ثم فجأةً


لأن تَخلُطَ رسائلك وإشاراتك أظهر خاصَيةً واحدة أكثر من اللازم - حتَى ولو كانت خاصيّةً نبيلة، كالمعرفة أو الكفاءة – وسيشعر الناس بأنَك تفتقر إلى الإنسانية. جميعنا معهد ول وملتبسون ومليئون بالدوافع المتناقضة؛ إذا أظهرت جانباً يتيماً، حتى ولو كان جانبك الطيًب، فإنَك سوف تنهك أعصاب الناس. سوف يرتابون في كونك منافقاً. المهاتما غاندي، الدي كان رمزاً للقداسة، اعترف علانية بالشعور بالغضب وحبَ الانتقام. حون إف كينيدي، الشخصيًة، الأمريكية الوطنية الأكثر إغوائيًةً في العصور الحديثة. كان مفارقةً على قدمين: أرستقراطيَّ من الساحل الشرقي، لكن لديه شغف ومودًة الرجل العادي، رجلً واضح الرجولة - بطل حرب – لكن ذا هشاشةٍ كامنةٍ تستطيع ان ستشعرها تحت ذلك، مفكًرً يحب الثقافة الشعبية. انشدً الناس إلى كينيدي كما انشدًت برادات الحديد في الحرفة التي رواها وايلد. سطحٌ برًاق قد تحلًى بسحرٍ من ناحية الديكور والزينة، لكن ما يشدّ عيناك إلى لوحة هو عمق الأرضيًة، التباسً لا يمكن تفسيره، أو تعقيدٌ سرياليً.
الرمز: ستارة المسرح. على الخشبة، فإنَ طيًات الستارة القانية الحَمار والثقيلة تشدّ عينيك بسطحها المنوّم مغناطيسياً. لكن ما يسحرك ويشدًك حقًاً هو ما تعتقد أنَه قد يحصل وراء الستارة - الضوء الذي يتخلًل الستارة، الإيحاء بستر، شيءٌ ما على وشك الحصول. أنت تشعر برعشة مختلسٍ للنظر وهويهتمً بمشاهدة عرض.
فكرة أنّ عنصرين مختلفين قد اتحّدا بابتسامة الموناليزا هي فكرةّ صدمت عدّة نقّاد. فهم يجدون، كنتيجة منطقيّة، في السيماء الفلورنسية (نسبةّ إلى مدينة فلورنسا) خير تمثيّل للتناقضات التي
......................................
يتوصَل إلى رأي آخر، إلى أن أوقع نفسه في شرك رغبته الخاصَة لدرجة أنَه أصبح عاجزاً عن الإفلات.. *إنَ ارتباكه قد وضعه في ورطة، لأنَه لم يعلم عن كانت تريد له الخير أم الشر، لم يستطع أن يتبين أكانت تحبه أم تكرهه. كانت جميع بوادر الأمل واليأس التي فكر بهاد تقوده في أن معاً بين الإقدام والإحجام – فانشطر بين الأمل والقنوط اللذين تنازعاه سجالاً وبلا هوادة. حدَثه الأمر عن الحبَ، واليأس عن الكراهية. لم يستطع بسبب هذا الصراع الداخلي أن يُخبر اعتقاده الراسخ لا إلى الكراهية ولا حتى إلى الحبَ وهكذا انجرفت مشاعره كسفينةٍ في مرفأٍ غير آمن- قاده الأمل نحو المرسى، في حين قاده اليأس بعيداً عنه. لم يجد استقراراً في كلتا الحالتين. فلم


تسود الحياة الجنسيًة للنساء؛ التناقض ما بين التحفًظ والإغواء، وما بين الحنان الأكثر تفانياً والشهوانيًة المتطلبة بشكلٍ عديم الرحمة - فتستهلك الرجال كما لو أنَهم كائناتٌ ليست من هنا الكوكب.
- سيغموند فرويد، ليوناردو دافنشي وذكرى طفولته، ترجمة ألان تايسون
الانقلاب
التعقيد الذي تشير إليه للناس الآخرين لن يؤثًر في الناس بالشكل المناسب إلًا إذا كانت لديهم القدرة على الاستمتاع بالغموض. بعض الناس يحبًون أن تظلً الأشياء بسيطة، ويعوزهم الصبر اللازم لملاحقة شخصٍ يصيبهم بالاضطراب. هم يفضًلون أن ينبهروا ويجتاحًوا. المحظيًة العظيمة من الحقبة الجميلة (وهي حقبة امتازت برقيٌ واجتماعيً وأمن وازدهار عامًين، وامتدّت من العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر وحتَى السنين التي سبقت الحرب العالميّة الأولي: المترجم) المعروفة باسم لابلا أوتيرو (أوتيرو الجميلة) كانت تمارس سحراً مركًباً على الفنانين والسياسيين الذين وقعوا في حبًها، لكن عندما كانت تتعامل مع الرجال الأكثر بساطة وشهوانيًةً فإنَها كانت تذهلهم من خلال المشاهد اللافتة والجمال. عندما كان يلتقي بامرأة للمرة الأولى، كان كازانوفا يرتدي أروع الثياب بالإضافة إلى المجوهرات والالوان البرًاقة لكي يهر العين، كان يستخدم ردّة فعل الضحيًة ليقدّر فيما لو كانت تحتاج إلى إغواءٍ أكثر تعقيداً. بعض ضحاياه، وخاصَةً الفتيات اليافعات، لم يكنَ بحاجة لأكثر من المظهر البرًاق والآسر الذي كان ما يردنه حقًاً، والإغواء كان يظلً على ذلك المستوى.
كل شيء يعتمد على هدفك: لا تتجشًم عناء خلق العمق للناس الذين يفتقرون للحساسيًة بالنسبة لهذه الأشياء، أو الذين قد ينفرون حتَى أو ينزعجون بسببه. تستطيع التعرًف على هذه الأنماط من خلال تفضيلهم للملذًات البسيطة في الحياة، وقلّة صبرهم إزاء قصة أكثر غنىً بالتفاصيل. معهم، أبقٍ الأمور بسيطة.
......................................
يتَفق الأمل واليأس على أيً طريقٍ بسلكان بصاحبهما عندما دنا اليأس وأخبره أنض بلانشفلور كانت عدوَنه فقد ترنَح وسعى نحو الهرب: لكن في نفس اللحظة اقترب الأمل، حاملاً له حبَها، وطموحٌ أثير، وهكذا بقي بحكم الاضطراب. لم يعلم إلى أين يتَجه في وجه هذا التَضارب. لم يستطع أن يمضي إلى أيً مكان. كلًما جاهد من أجل الهرب، أجبره الجبَ على العودة بشكلٍ أكثر حزماً. بقدر ما ناضل من أجل الفرار، بقدر ما أرجعه الحبَ وبشكلٍ أكثر قوة.
جوتفريد فون ستراسبورغ، تريستان، ترجمة آي. تي هاتو.


4
أظهر كوضِعٍ للرغبة – أخلق مثلثات
قلةٌ تنجذب للشخص الذي يتحاشاه الآخرون أو
يتجاهلونه؛ الناس يتجمعون حول أولئك الذين! جتذبوا
الاهتمام من قبل. نحن نرغب بما يرغبه الناس. لكي تجتذب
ضحاياك على نحوٍ أقرب وتجعلهم مُتَعطشين لتملكك، يتوجب
عليك أن تخلق مالة من المرغوبية - أي كونك مرغوباً فيك ومتودداً
إليك من قبل الكثيرين سيكون من دواعي زهوهم آن يكونوا الموضعٍ
الأثير لاهتمامك، أن يفوزوا بانتزاعك بعيداً من جمهور المعجبين. فَبرِك
وهمْ الشعبية من خلال إحاطة نفسك بأفرادٍ من الجنس الآخر-
أصدقاء، عاشقين سابقين، متودًدين حاليًين. الخلق مثلًثات من
شأنها أن تثير التنافس وترفع قيمتك. ابن سمعة تسبقك. إذا
ان العليا قل? استسلموا لسحرك وفتنتك، فلابدً
من أن يكون هناك سبب.



خلق مثلًثات
في أمسيةٍ من عام 1882، زار الفيلسوف البروسي بأول ري، الذي كان يعيش في روما في ذلك الوقت، منزل سيًدة متقدّمة في السن كانت تأثير صالوناً للكتًاب والفنًانين. لاحظ ري قادمةً جديدة هناك، فتاة روسيّة تبلغ الحادي والعشرين من العمر واسمها لو فون سالوم، كانت قد قدمت إلى روما لتمضي عطلةٌ مع أمّها. قدّم ري نفسه وبدأ محادثة استمرّت حتَى وقتٍ متأخًرٍ من الليل. أفكارها عن الله والأخلاقيًات كانت مشابهة لأفكاره، كانت تتكلًم بشغفٍ وجدّيةٍ كبيرين، لكن في نفس الوقت كانت عيناها تبدوان أنَهما تغازلانه. عبر الأيام القليلة التي تلت صار ري وسألوم يتمشًيان مع بعضهما البعض عبر المدينة في نزهاتٍ طويلة. أسِر بطريقة تفكيرها (عقلها) ومع ذلك فقد اضطرب إزاء المشاعر التي أثارتها، لذا أراد أن يمضي معها وقتاً أكثر. ثمً ذات يوم، أذهلته باقتراح: علمت أنَه كان صديقاً مقرّباً للفيلسوف الألماني فريديريك نيتشة الذي كان أيضاً يزور إيطاليا في نفس الوقت. ثلاثتهم، هي قالت، يجب أن يسافروا مع بعضهم البعض - لا، بالأخرى يعيشوا مع بعضهم البعض، في نوعٍ من علاقةٍ جنسيّةٍ ثلاثيًة خاصَةٍ بالفلاسفة. كناقدٍ مرً للأخلاقيًات المسيحيًة، وجد ري أنَ الفكرة سارًةٌ جدّاً. كتب لصديقه عن سالوم، واصفاً كم كانت مستقتلةً للًقاء به. بعد عدّة رسائل كهذه، فرع نيتشة إلى روما.
كان ري قد دعا نيتشة ليرضي سالوم، وليثير إعجابها؛ أراد أيضاً أن يرى إذا كان نيتشة يشاركه حماسته حيال أفكار الفتاة اليافعة. لكن بمجرّد وصول نيتشة، فقد حدث شيءٌ غير سارً: كان من الواضح أنَ الفيلسوف العظيم، الذي لطالما أحبَ الوحدة، افتُتن بسالوم. بدلاً من أن يتشاركوا ثلاثتهم في مناقشاتِ فكريًة مع بعضهم البعض، فقد بدا أن نيتشة كان
......................................
دعوني أخبركم عن رجلٍ مرموقٍ عرفته ذات مرَة والذي، بالرغم من أنَه كان ذا مظهرِ مُرضِ وسلوكِ حَتيّ، وكذلك الأمر محارباً كفؤاً للغاية، إلَا أنَه لم يكن مميَزاً جدًاً فيما يتعلًق بأيً واحدةٍ من هذه الخصائص، إذ كان يوجد الكثير ممن كانوا مساوين له أو حتَى متفوّقين عليه. لكن، وكما شاءت الأقدار، فقد وقعت سيَدةٌ بعينها في حبه بشكلٍ شديدٍ جدًاً. اعتقدت بأنَه يبادلها الشعور، وبينما كان حبها له ينمو يوماً

يرسم خطًةً سريًةً ليستفرد بالفتاة. عندما ضبط ري نيتشة وسألوم وهما يتحادثان مع بعضهما البعض دون أن يشملاه، فقد شعر برعشات الغيرة. فلتذهب هذه العلاقة الجنسيًة الفلسفيّة الثلاثيًة إلى الجحيم: سالوم كانت له. هو كان من اكتشفها، ولن يشاركها، حتَى مع صديقه الحميم. عليه أن يستفرد بها بطريقةٍ أو بأخرى. فقط عندها سيكون بإمكانه أن يتودًد إليها ويفوز بها.
كانت المدام سالوم قد قرًرت أن ترجع هي وابنتها إلى روسيا، لكن سالوم أرادت أن تبقى في أوروبا. تدخَل ري، مقترحاً أن يسافر مع الأم وابنتها إلى ألمانيا ويقدّمهنً إلى أمًه، التي، وعد، بأن تعتني بالفتاة وتتصرًف كمشرفةٍ عليها. (علم ري أنَ والدته ستكون وصيًةٌ غير صارمة بأفضل الأحوال.) وافقت المدام سالوم على هذا الاقتراح، لكن زحزحة نيتشة كانت أصعب: قرًر أن ينضمً إليهم في رحلتهم نحو الشمال إلى بيت ري في بروسيا. في مرحلة من الرحلة، تمشَى نيتشة وسألوم لوحدهما، وعندما عادا، كان قد راود ري شعورٌ بأنّ شيئاً جنسيًاً قد حصل بينهما. غلت دماؤه، فقد كانت سالوم تفلت من يده.
أخيراً تفرًقت المجموعة، الأم عادت إلى روسيا، نيتشة إلى قصره الصيفي في تاوتنبرغ، ري وسألوم ظلًوا في منزل ري. لكن سالوم لم تبقَ طويلاً: فقد قبلت دعوةً من نيتشة لتزوره، بدون إشراف، في تاوتنبرغ. وغيابها تأكل الشك والغضب ري. رغب بها أكثر من أيً وقتٍ مضى، وكان مستعدّاً لمعاودة مضاعفة جهوده. عندما قدمت أخيراً، نفًس ري عن مرارته، صابًاً جام غضبه على نيتشة، منتقداً فلسفته، ومتسائلاً عن حقيقة دوافعه تجاه الفتاة. لكن سالوم وقفت إلى جانب نيتشة. ري كان في حالة يأس؛ فقد شعر بأنَه فقدها إلى الأبد. ومع ذلك فقد فاجأته مجدّداً بعد ذلك ببضعة أيًام: إذ كانت قد قرًرت أن تعيش معه ومعه لوحده.
أخيراً حصل ري على مراده أو هكذا ظنً. استقر الزوجان (أي الاثنان) في برلين، حيث استأجرا شقة. لكنً الآن ولسوء حظً ري، فقد تكرًر النمط القديم. عاشا مع بعضهما البعض لكن صار الشباب من كلً جانبٍ يتودًدون، إلى سالوم- أثيرة برلين، التي أثارت إعجابهم بروحها المستقلًة، ورفضها
......................................
بعد يوم، ولم يكن هناك أيً وسيلة متاحة لهما لبتكلما مع بعضهما البعض، فقد باحت بمشاعرها لسيًدة أخرى أمِلت بأن تكون عونا لها في هذه العلاقة. الآن هذه السيًدة لم تكن أدنى من الأولى بمثقال ذرًة لا بالمكانة ولا بالجمال؛ وحدث أنَه عندما سمعت الكلام عن الشاب (الذي لم تره قطَ) وبدأت تُدرِك أنَ المرأة الأخرى، التي علمت أنَها كانت غايةٌ في التحفَظ والذكاء، أحبَته بما تعجز الكلمات عن وصفه؛ فإنَها أخذت فوراً بالتخيل بأنَ لابدً وأنَه أوسم الرجال وأحكمهم وأعقلهم على الإطلاق، وباختصار، أكثر رجلٍ في العالم استحقاقاً لحبَها وهكذا وقعت في حبه، وهي التي لم تقع عيناها عليه قطً.


للتسوية، كانت محاطة على الدوام بحريمٍ من الرجال، الذين كانوا يشيرون إليها بـ«سعادتها».مرًةً أخرى وجد ري نفسه وهو ينافس من أجل الحصول على انتباهها. بعد أن وصل إلى حافًة اليأس، تركها بعد عدّة سنوات، وانتحر في نهاية المطاف.
في عام 1911، التقى سيغموند فرويد بسالوم (التي أصبحت معروفةً في ذلك الوقت باسم لو أندرياس - سالوم) في مؤتمر في ألمانيا. قالت أنَها تريد أن تكرًس نفسها لحركة التحليل النفسي، ووجدها فرويد ساحرةً، بالرًغم من أنَه كان يعرف، كالجميع، قصَة علاقتها الشائنة مع نيتشة (انظر الصفحة 105، «الغندور»). لم يكن لدى سالوم خلفيةٌ في التحليل النفسي أو في العلاج من أيً نوع، لكنَ فرويد قبلها في الحلقة الضيًقة من أتباعه الذين كانوا يحضرون محاضراته الخاصَة، بعد أن انضَمًت إلى الحلقة بفترة قصيرة، فقد وقع في حبها واحدٌ من أكثر طلاًب فرويد وعداً وألمعيّة، الدكتور فيكتورتاسك، الذي كان يصغرها بستًة عشر عاماً. كانت علاقة سالوم بفرويد أفلاطونية، لكنَه كان قد تولًع بها ولعاً شديداً. عندما كانت تفوّت محاضرة، فإنَه كان يُحبَط ويرسل لها زهوراً ورسائل قصيرة. ارتباطها بعلاقة حبٌ مع تاسك جعله غيوراً بشدّة، وبدأ بالتنافس للاستئثار باهتمامها. كان تاسك بمثابة ابنٍ له، لكنَ الابن كان يهدًد بسرقة محبوبة الاب الافلاطونيًة. سرعان ما هجرت تاسك على أيًة حال. الآن أصبحت صداقتها مع فرويد أقوى من أيً وقتِ مضى، وهكذا استمرًت حتى وفاتها في عام 1937.
التفسير. لم يقع الرجال في حب لو آندرياس - سالوم وحسب؛ وإنَما اجتاحتهم الرغبة أيضاً بتملكها وانتزاعها بعيداً من الآخرين، ليكونوا المالك الفخور لجسدها وروحها. نادراً ما رؤوها لوحدها؛ فقد كانت دائماً ما تحيط نفسها بطريقةٍ أو بأخرى برجالٍ آخرين. عندما رأت أنَ ري كان مهتماًَ بها، فقد أشارت إلى رغبتها بالتقاء نيتشة. هذا ألهب ري، وجعله يرغب بالزواج منها وبأن يحتفظ بها لنفسه، لكنها أصرّت على اللقاء بصديقه. وَشَت رسائله لنيتشة برغبته بهذه المرأة، وهذا بدوره أضرم رغبة نيتشة بها، حتَى قبل أن يكون قد التقاها. في كل مرًةٍ كان يختلي بها أحد الرجلين، يكون الرجل
......................................
بشكلٍ منسوب العاطفة لدرجة أنَها خطَطت لأن تفوز به ليس لصديقتها وإنّما لنفسها. ونجحت في هذا بقليلٍ من الجهد، لأنّها كانت بالفعل امرأةٌ أجدر بأن يُتَودًد إليها من أن تقوم هي بالتودًد. واستعموا الآن إلى التتمَة الرائعة: لم يمض وقتٌ طويل قبل أن تقع رسالةٌ كانت قد كتبتها إلى حبيبها في يد امرأة أخرى. تضاهيها في المنزلة والسحر والجمال؛ وكونها كانت، كمعظم النساء، محبَة للاطلاع ومتلهُفةَ لتعلًم الأسرار، فقد فتحت الرسالة وقرأتها كونها أدركت أنَها كانت مكتوبةُ من أعماق الشغف، وبأكثر المصطلحات اتَقاداً بالحبَ، فقد حركها التعاطف بدايةً، لأنَها كانت تعلم تماماً مصدر الرسالة ومن كانت


الآخر في خلفيًة الصورة. فيما بعد، فإنٌ معظم الرجال الذين التقوا بها كانوا يعرفون بعلاقتها الشائنة مع نيتشة، وهذا لم يؤدً إلَا إلى زيادة رغبتهم بتملكها، وبمزاحمة ذكرى نيتشة. ميل فرو?د لها، على نحوِ مشابه، تحوَل إلى رغبةٍ قويًة عندما اضطرً للتنافس مع تاسك للاستئثار بانتباهها. فيما يخصَ سالوم: فقد كانت ذكيًة وجذًابة بما فيه الكفاية، لكن استراتيجيًتها الدائمة في فرض مثلّثٍ من العلاقات على المتودّدين إليها جعل الرَغبة بها قويًة جدًاً، وبينما كانوا يتفاتلون عليها، كانت تمسك بزمام القوّة، لكونها مرغوبة من الجميع وغير خاضعةٍ لأحد.
رغبتنا بالشخص الآخر تتضمًن في جميع الأحوال تقريباً اعتباراتٍ اجتماعيًة: نحن ننجذب لهؤلاء الذين يُعتَبَرون جذاًبين في نظر الاخرين. نرغب في أن نتملكهم ونخطفهم بعيداً. تستطيع أن تصدّق كل الهراء العاطفي الذي ترغب في تصديقه عن الرغبة، لكن في النهاية، فإنَ معظم الرغبة تتعلّق بالغرور والطمع. لا تنتحب وتنظًر في مجال الأخلاق عن أنانيًة الناس، وإنَما ببساطة استخدمها لصالحك. الوهم بأنَك مرغوبٌ من قبل الآخرين سيجعلك أكثر جاذبيًةُ لضحاياك من وجهك الجميل أو جسمك المثالي. والطريقة الأكثر فاعليًة في خلق ذلك الوهم تكون من خلال خلق مثلًث: افرض شخصاً آخر، وبشكلٍ خفيً أجعل ضحيًتك تدرك كم أنَ هذا الشخص الآخر يريدك. النقطة الثالثة على المثلًث لا يجب بالضرورة أن تكون شخصاً واحداً فقط: أحِط نفسك بالمعجبين، أَظهِر فتوحاتك الغابرة - بكلمةٍ أخرى، غلًف نفسك بهالةٍ من المرغوبيًة. اجعل ضحاياك تتنافس مع ماضيك وحاضرك. سيتوقون لتملًكك كلّك لأنفسهم، مانحين إيًاك بذلك قوًةً عظيمة ما دمت تروغ من قبضتهم. افشَل. في أن تجعل نفسك موضعاً للرغبة مباشرةً من البداية، وست صبح في نهاية المطاف عبد نزوات وتقلًبات محبوبيك المثير للشفقة والسخرية - سيتخلّون عنك في اللحظة التي يفقدون فيها الاهتمام.
[الشخص] سيرغب بأيً شيءٍ ما دام مقتنعاً آنه مرغوبٌ من قبل شخصٍ آخر هو معجبٌ به.
-رينية جيرارد
......................................
تخاطب؛ لكن بعدئذٍ فإنَ سطوة الكلمات التي قرأت كانت كبيرةً لدرجة أنَها صارت تقلًبها في ذهنها وتتخيًل من أيً صنفٍ من الرجال هو حتَى كان قادراً على إيقاظ حبٌ عظيم كهذا، هي نفسها بدأت تحبَه في تلك اللحظة، ودون ريب أنَ الرسالة كانت مؤثرةً أكثر بكثير مَما لو كان الشاب قد كتبها لها بنفسه. وتماماً كما يحدث في بعض الأحيان أنض السَم الُمَدً لقتل الأمير يقتل من يتذوق طعامه، كذلك فإنَ المرأة المسكينة شربت من خلال جشعها إكسير الحبَ الُمعَدً لأخرى. ما عسانا أن نقول أكثر من هذا؟ العلاقة لم تكن سرّاً، وتطوّرت الأمور لدرجة أنَ العديد من النساء الأخريات إضافةٌ إلى هاتين بذلن غاية الجهد.


المفاتيح للإغواء
نحن مخلوقات اجتماعيًة، وتتأثًر بشكلٍ هائل بأذواق ورغبات الناس الآخرين. تخيّل تجمًعاً اجتماعيًاً كبيراً أنت ترى رجلاً لوحده، لم يكلًمه أحد مهما مرً من الوقت، والذي يهيم في المكان دون أن يرافقه أحد، ألا يوجد? نوعٌ من العزلة المتحقًقة ذاتيًاً بشأنه؟ لماذا هو لوحده، لماذا هو مُتجَنَب؟ لا بدّ أن يكون هنالك سبب. إلى أن يشفق أحدهم عليه ويبدأ محادثةً معه، فسيبدو مرفوضاً وغير مرغوب فيه. لكن يوجد هنالك في ركنٍ آخر من المكان امرأةٌ محاطةٌ بالناس. هم يضحكون على تعليقاتها، وعندما يضحكون، ينضم آخرون للمجموعة، بعد أن جذبهم المرح الدي يسودها. عندما تتنقَل في المكان، الناس يتبعونها. لا بدّ أن يكون هنالك سبب.
في كلتا الحالتين، بالطبع، فإنَه ليس بالضرورة حقا أن يكون هنالك سببٌ على الإطلاق. الرجل المتجاهَل قد يتحلَى بخصائص ساحرة بحق، هذا إن حدث وتكلًمت معه؛ لكنّك على الأرجح لن تتكلًم. المرغوبيًة هي وهم اجتماعي. هي لا تنبع مما تقوله أو تفعله، أو أيٌ نوعٍ من التباهي أو الترويج الذاتي، بقدر ما تنبع من الإحساس بأنَ الناس الآخرين يرغبون بك. لكي تحوّل اهتمام ضحاياك إلى شيءٍ أعمق، إلى الرغبة، يتوجًب عليك أن تجعلهم يرونك كشخصٍ يعزَه الآخرون ويشتهونه. تتَسم الرغبة بكلً من المحاكاة (نحبَ ما يحبَه الآخرون) والتنافس (نحبَ أن تأخذ من الآخرين ما لديهم). كأطفال، كنَا نريد أن نحتكر اهتمام والدينا، أن نسحبه بعيداً عن الإخوة الآخرين. حسً المنافسة هذا يتخلًل الرغبة البشريًة، ويتكرًر طوال حياتنا. أجعل الناس يتنافسون للحصول على انتباهك، اجعلهم يرونك على أنَكك مطلوبٌ من قبل جميع الآخرين. عندها ستلفَك هالة المرغوبيًة.
معجبوك قد يكونون أصدقاءك أو حتى مغازليك. سمٌ هذا الشيء أثر الحريم (الحر ملك). بأولين بونابرت، أخت نابوليون، رفعت قيمتها في أعين الرجال من خلال إحاطة نفسها على الدوام بمجموعةٍ من الرجال المُؤلَّهين في الراقصة والسهرات. إذا ذهبت لتتمشَى، فلم تكن تفعل ذلك أبداً برفقة رجلٍ واحد، وإنَما برفقة اثنين أو ثلاثة. لعلً هؤلاء الرجال كانوا
......................................
والعناية للظفر بحبَ هذا الرجلَ وذلك نكايةً بالأخريات من جهة واقتداءً بهنّ من جهةِ أخرى، فتشاجرن عليه للفترة كما يتشاجر الصبية على الكرز.
بلثرز كاستيفيوني كتاب رجل الحاشية ترجمة جورج بل سيكون من مصلحتك بشكلٍ كبير أن تسلًى الفتاة التي سوف تحظى بها بوصفٍ لعدد النساء اللواتي يجببنك، ولعروض الصداقة الواضحة التي قدًمنها لك؛ لأنَ هذا لن يثبت وحسب أنَك أثيٌر عظيم لدى السيًدات، ورجل مجدٍ حقيقيً، ولكن سبقنعها أيضاً بأنَها قد تحظى بشرف إدراجها في نفس القائمة، وبأنَها ستُطرى بنفس الطريقة، في حضرة


أصدقاءها ببساطة، أو حتَى مجرّد مساعدين وطفيليّات؛ رؤيتهم كانت كافية لتوحي بأنَها كانت مثمًنة ومرغوبة، امرأة تستحق التقاتل عليها. أندي وارهول، أيضاً، أحاط نفسه بأكثر الناس سحراً وإثارةً للاهتمام من الذين استطاع إيجادهم. أن تكون جزءاً من حلقته الداخليّة كان يعني أنَك أيضاً مرغوبٌ بك. من خلال وضع نفسه في المنتصف لكن إبقاء نفسه بعيداً عنها كلًها، فقد جعل الجميع يتنافس للحصول على انتباهه. أثار رغبة الناس بامتلاكه من خلال الانكفاء.
ممارساتً كهذه لن تحفًز رغباتٍ تنافسيًة وحسب، وإنَما تستهدف أيضاً نقطة الضعف الرئيسة لدى الناس: الغرور وتقدير الذات. نستطيع تحمًل الشعور بأنَ شخصاً آخر، يتحلًى بموهبة أكبر، أو مالٍ أكثر، لكنَ الإحساس بأنَ منافساً يتحلًى بقدرٍ أكبر من المرغوبيًة مما نتحلًى به - فذلك شيءٌ لايُحتمل. في بداية القرن الثامن عشر، تدبّر الدوق دي رايشليو، الخليع العظيم، أن يغوي شابًةً متديًنةً بعض الشيء لكنَ زوجها الأبله غالباً ما كان بعيداً عنها. بعد ذلك استأنف ليغوي جارتها في الطابق العلوي، والتي كانت أرملةً في مقتبل العمر. عندما اكتشفت المرأتان بأنَه كان يذهب من واحدةٍ إلى الأخرى في نفس الليلة، فقد واجهتاه. رجلٌ أقلٌ شأناً كان سيهرب، لكن ليس الدوق؛ فقد كان يفهم د?نام?ک?ة الغرور (الزهو) والرغبة. ولا واحدة من المرأتين كانت راغبةً بالشعور بأنَه يفضَل الأخرى. وهكذا تدبّر ترتيب علاقة جنسيًة ثلاثيًة على نحوٍ مصغًر، بعد أن عرف أنَهن الآن كانتا ستتصارعان فيما بينهما كي تكون كلً واحدةٍ الأثيرة عنده. عندما يكون زهو الناس وخيلاءهم على المحكً، فإنَك تستطيع أن تجعلهم يفعلون أيً شيءٍ تريده. تبعاً لستندال، إذا كان هنالك امرأة أنت مهتمُّ بها، فاهتمً بأختها. ذلك سيثير رغبةًْ مثلًثة.
صيتك - ماضيك المجيد كمغوٍ - هو طريقة فقالة في خلق هالةٍ منالمرغوبيًة. رمت النساء بأنفسهنً على قدميً إيرول فلين، ليس بسبب وجهه الوسيم، وبالتأكيد ليس بسبب مهاراته في التمثيل، وإنَما بسبب سمعته. علمن بأنَ النساء الأخريات وجدن أنَ جاذبيته لا تُقاوَم. ما إن أسَس تلك
......................................
صديقاتك الإناث الأخريات. هذا سوف بيهجها إلى حدً كبير، ولا بجدر بك أن تتفاجأ إن أظهرت إعجابها بشخصيًتك برمي ذراعيها على عنقك في النوء واللحظة.
لولا مونتيز، فنون وأسرار الجمال، مع إشارة إلى رجال في فن الإبهار. رغبة [ربنيه] جيرارد المتًسمةً بالتقليد والمحاكاة تحدث عندما يرغب عنصرٌ إفراديً بشيء لأنه مرغوبٌ من قبل عنصرٍ آخر والذي يُشارً إليه في هذا الموقع كمزاحمَ. تُصاغ الرغبة على غرار أماني وأفعال الآخر. يقول فيليب لاكولابارث أن «الفرضيًة الأساسيًة التي يستوي عليها تحليل جيرارد المشهور [هي أنَ] كلً رغبة


السمعة، حتَى لم يعد مضطرًاً لملاحقة الفتيات بعد ذلك، كنَ يأتين إليه. الرجال الذين يعتقدون بأنَ صيت الخلاعة سيجعل النساء تخافهم وترتاب بهم، وأنَ صيتاً كهذا يجب أن يُعَتم عليه، هم مخطئون تماماً. على النقيض من ذلك، فإنَ صيتاً كهذا يجعلهم أكثر جاذبيًة. دوقة دي مونبنسيير، المدموزيل العظمى، من فرنسا القرن السابع عشر، بدأت بالاستمتاع بصداقة الخليع لوزان، لكن سرعان ما عكًرت صفوها فكرة مزعجة: إذا لم يجدها رجلً بمثل ماضي لوزان كحبيبة محتملة، فهذا يعني بالضرورة أنه يوجد فيها خلٌل ما. هذا القلق وهذا الحصر دفعاها في النهاية إلى ما بين ذراعيه. ان تكون عضواً في نادي مغوٍ عظيم من الفتوحات يمكنه أن يكون مسألة خيلاء وكبرياء. تكون سعداء بهذه الصحية، بأن يذيع اسمنت كحبيبة هذا الرجل أو حبيب هذه المرأة. سمعتك الخاصَة قد لا تكون مغرية لهذه الدرجة، لكتَك يجب أن توجد طريقة لتوحي لضحيتك، بأنّ آخرين، آخرين كثر، قد وجدوا أنَك شخصٌ جذٌاب ومرغوبٌ فيه. هذا شيءٌ مطمئن. لا يوجد شيءٌ كمطعمٍ مليءٍ بالطاولات الفارغة أكثر قدرةً على إقناعك بعدم الدخول.
استخدام التباينات هو تنويعً على استراتيجيًة المثلًث: استغلالٌ مقتص للناس الأغبياء أو غير الجذَابين قد يعزًز مرغوبيتًك بالمقارنة. في حدثٍ اجتماعيً، على سبيل المثال، احرص على أن يضطرً هدفك للتحادث مع أكثر شخصٍ مملَّ في المتناول. تعال للإنقاذ وسيكون هدفك مبتهجاً لرؤيتك. في يومَيات المغوي، للكاتب سورين كير كيجارد، كان لدى جو هانز مخطًطات تجاه كورديليا اليافعة البريئة. شجًع صديقه إدوارد على التودُد إليها وملاطفتها كونه كان يعلم أنه خجولٌ وبليد بشكلٍ ميئوسٍ منه؛ عدّة أسابيع من مجاملة وملاطفة ادوارد ستجعل عينيها تطوفان بحثاً عن شخصٍ آخر، أيً شخصٍ آخر، وسيحرص جو هانز على أن تقع عيناها عليه. يعمد جو هانز للتخطيط الاستراتيجي والمناورة، لكنَ أيً وسطٍ اجتماعيٌّ تقريباً يحتوي على متناقضات تستطيع استخدامها والاستفادة منها بشكلٍ بكاد يكون طبيعيًاً. الممثًلة الإنكليزية نيل جوين من القرن السابع عشر أصبحت العشيقة الأساسيًة للملك تشارلز الثاني لأنَ ظرافتها وعدم تكلًفها جعلاها أكثر جاذبيًة ومرغويتًةً بما لا يقاس بالمقارنة مع العديد من سيَدات بلاط تشارلز
......................................
هي رغبة الآخر (وليست الرغبة بالشيء بشكلٍ مباشر). كل بنية من بني الرغبة هي بنية مثلًثية (تتضمَن الآخر – كوسيط أو مثال يُحتذي- والذي تحاكي رغبتك رغبته)، وبالتالي فإنَ كلً رغبة منذ استهلالها تكون موسوعةً بالكره والتزاحم، باختصار، فإن مصدر الرغبة هو التقليد- المحاكاة- ولم تشكًل على الإطلاق رغبةٌ من شأنها ألاً ترغب على الفور بموت أو اختفاء النموذج أو الرمز التمثيلي الذي كان السبب في نشوئها
جايمس ماندرل، دون جوان ونقطة الشرف من المزعج أنَ صديقا الجديد يحبَ الصبي. لكن أليست أفضل الأشياء في


المتشنًجات والمدّعيات. عندما التقت الممثًلة جيانغ كينغ (من شانغهاي) بماوتسي تونغ، في عام 1937، فإنَها لم تضطر لفعل الكثير حتَى تغويه؛ فالنساء الأخريات في معسكره الجبلي في ينان كن يرتدين كالرجال، وغير أنثويًات بلا جدال. النظر إليها لوحده كان كافياً لإغواء مأو، الذي سرعان ما هجر زوجته من أجلها. لكي تستخدم التباينات وتستفيد منها. فعليك إمَا أن تطوّر وتعرض تلك الصفات المميزة (حس الفكاهة، الحيوية، وهلمً جرً) التي تكون الأندر في مجموعتك الاجتماعيًة الحاصًة، أو أن تختار مجموعةً تكون فيها خصائصك الطبيعيًة نادرةً، وبالتالي ستشعً.
استخدام المتباينات لديه تشعَباتٌ واسعة في عالم السياسة، لأنَ الشخصيًة السياسيًة يجب عليها أيضاً أن تغوي وتبدو مرغوبة. تعلًم أن تشدًد على الخصائص التي يفتقر إليها منافسوك. بيتر الثاني الذي كان قيصر روسيا في القرن الثامن عشر، كان مغروراً وغير مسؤول، لذا فإنَ زوجته، كاثرين العظمى فعلت كلً ما بوسعها لكي تبدو متواضعة وجديرةٌ بالاعتماد عليها. عندما عاد فلاديمير لينين إلى روسيا في عام 1917 بعد الإطاحة بالقيصر نيكولاس الثاني، فقد أظهر الحسم والانضباط - وهذا بالضبط ما لم يكن يتمتًع به أيً قائدٍ في ذلك الوقت. في السباق الرئاسي الأمريكي في عام 1980، فإنَ حيرة (تردّد) جيمي كارتر جعلت رونالد ريغان الموطًد العزم يدو مرغوباً. تغوي المتباينات بشكلٍ هائل لأنها لا تعتمد على كلماتك أو ترويجك لنفسك. يقرؤها الجمهور بشكلٍ غير واعٍ، ويرى ما يريد رؤيته.
أخيراً، فإنّ ظهورك بمظهر المشتهى والمرغوب فيه سوف يرفع من قيمتك، لكن غالباً ما يكون بإمكان الكيفيّة التي تطرح بها نفسك أن تؤثَر على هذا أيضاً (على قيمتك.) لا تدع أهدافك تراك كثيراً، أبقِ على مسافتك، اظهر على أنَك شيءٌ لا يمكن بلوغه، وبعيدٌ عن متناولهم، الشيء النادر والذي لا يمكن الحصول عليه إلًا بصعوبة يُقدَّرُّ أكثر على وجه العموم
......................................
الحياة مُناحةً بالمجًان للجميع؟ الشمس تشرق على الجميع. القمر، برفقة عددٍ لا يُحصى من النجوم، يقود حتَى الوحوش إلى المرعى. هل يسعك أن تفكًر بشيءٍ أجمل من الماء؟ لكنَه يتدفَق للعالم بأسره. هل الحبَ لوحده إذن شيءً مُختَلس ومسروق بدلاً من أن يكون مصدر فخرٍ وسعادة؟ بالضبط، ذلك ما هو عليه تماماً – لا أريد أيًاً من الأشياء الحلوة في الحياة إن لم يكن الأناس الآخرين بحاسدين لها.
بيترونيوس، الساتيريكون، ترجمة جاي. بي. سوليفان


الرمز: المداليّة الشيء الذي
يجعلك ترغب بالفور بالمداليًة، وأن تنظر إليها
كشيءٍ يستحق الحصول عليه، هو مشهد- المتنافسين
الأخرين، البعض، بدافعٍ من روح الكرم، قد يرغبون في
أن يكافئوا الجميع على المحاولة، لكنَ المداليًة عندها
تخسر قيمتها. لا يجب أن تمثًل انتصارك وحسب
وإنَما خسارة كل الآخرين أيضا.
معظم الوقت تفضَل شيئاً على آخر لأن ذلك ما يفضَله أصدقاؤنا أساساً أو لأن ذلك الشيء قد وُسَم بأهميةٍ اجتماعيًة. الراشدون. عندما يكونون جائعين، يكونون تماماً مثل الأطفال في سعيهم وراء الطعام الذي بأخذه الآخرون. في علاقاتهم الغراميًة، هم يسعون وراء الرجال الذي أو المرأة التي يجده/ها الأخرون جذابا/ بةُ ويتركون أولئك الذين يُسعى وراءهم. عندما تقول عن رجلٍ أو امرأة انه جذَاب/ بةُ، فإنَ ما نعنيه بحقً هو ان الآخرين يرغبون بهم. ليس السبب هو انهم يتمتعون بخاصَيًةٍ محدًدة، وإنَما السبب هو أنَهم يسجمون مع طرازٍ مطابقٍ للزي الحديث في الوقت الحاضر.
- سيرج موسكوفينشي، زمن العامًة: بحث في علم نفس الجماهير. نرجمه جاي. سي وايتهاوس
الانقلاب
لا يوجد انقلاب. من الجوهري أن تبدو مرغوباً في عيون الاخرين.



5
أخلق حاجة- أثِر القلق وعدم الرضى
الشخص الراضي على نحو ٍ
كامل لا يمكن إغواؤه. التوتر وعدم الانسجام
لا بد أن يُغرَسا في عقول أهدافك. أثِر فيهم مشاعر
السخط وعدم السعادة حيال ظروفهم وحيال أنفسهم، حياتهم
تفتقر إلى المغامرة، لقد حادوا عن مثاليات صِباهم، قد أصبحوا
مملًين. مشاعر عدم الكفاءة التي تخلقها سوف تعطيك الحيًز
لِيدُس بنفسك، وتجعلهم يرون فيك الإجابة على مشاكلهم.
الألم والقلق هم المُوَطٌئان الصحيحان للَّذة.
تعلم أن تضع الحاجة التي تستطيع
أن تسدَّها.


فتح جرح
في بلدة التنجيم عن الفحم التي تُدعى إيستورد، في وسط إنكلترا، كان يُعتَبَر دافيد هربرت لورانس كنوع من الغلام غريب الاطوار. كان شاحباً ورقيق الصحٌة، ولم يكن لديه وقتٌ للألعاب أو الاهتمامات الصبيانيًة، بل كان مهتمًاً بالأدب، ويفضَل صحبة البنات اللاتي كان يشكًلن معظم أصدقائه. لورانس غالباً ما كان يزور أسرة شامبرز الذين كانوا جيرانه إلى أن انتقلوا من إيستوود إلى مزرعةٍ ليست بعيدة. كان يحبَ أن يدرس مع بنات أسرة شامبرز، وخاصًةً جيسي؛ كانت خجولة وجديّة، وحَملُها على الانفتاح (الإفصاح) والثقة به كان تحدّياً ممتعاً. تنامى تعلًق جيسي بلورانس إلى حدٌّ بعيد عبر السنين، وأصبحا صديقين عزيزين.
ذات يوم من عام 1906، لم يأتِ لورانس- الذي كان في الحادية والعشرين من عمره في ذلك الوقت – في الوقت المعتاد لدراسته مع جيسي. وصل أخيراً لكنْ متأخيراً جدًاً، وفي مزاجٍ لم تكن قد رأته فيه من قبل – مشغول البال وصامتاً الآن حان دورها لكي تجعله بفضي بسريرة نفسه.
تكلًم أحيراً. شعر بأنَها كانت تصبح قريبةً منه للغاية. ماذا عن مستقبلها؟ من كانت ستتزوًج؟ بالتأكيد ليس هو، هكذا قال، لأنَهم كانوا مجرّد أصدقاء. لكنَه ليس إنصافاً من قبله أن يمنع عنها رؤية الآخرين. يجب بالطبع أن يظلًوا أصدقاء وأن تظلً لهم أحاديثهم، لكن لعلَه من الأجدر بهم أن تكون (أي أحاديثهم) أقلً تواتراً. عند ما انتهى من كلامه وغادر، شعرت بفراغ غريب. لم تكن مضطرًةً بعد لأن تفكًر أو تعباً كثيراً بالحب أو الزواج. فجأةً صارت تنتابها الشكوك. كيف سيكون مستقبلها؟ لاذا لم تكن تفكًر به؟ شعرت بالقلق والانزعاج، دون أن تعرف لماذا.
......................................
لا يمكن لأحدٍ الوقوع في الحبَ إذا كان راضياً ولو جزئياً بما لديه أو عمً هو عليه. تجربة الوقوع في الحبَ تنشأ من إحباطٍ شديد، أي من عدم القدرة على إيجاد شيءٍ ذي قيمة في الحياة اليومَية. «عارض» القابلية للوقوع في الحبَ هو ليس رغبةً واعيةً لفعل هذا، أي الرغبة الشديدة بإفناء حياتنا؛ وإنَما هو الإحساس العميق بانعدام القيمة وبعدم امتلاك شيء ثمين وبالعار لعدم امتلاك شيءٍ كهذا.. لهذا السبب، يحدث الوقوع في الحبَ


استمرّ لورانس بالزيارة، لكن كلً شيءٍ كان قد تغيًر. انتقدها لكلَ شاردة وواردة. لم تكن جذًابةً جدّاً من الناحية الجسديًة. أيً نوعٍ من الزوجات ستكون على أيًة حال؟ الرجل يحتاج من المرأة إلى أكثر من مجرّد الكلام. شبًهها براهية. أخذا يلتقيان بشكلٍ أقلً. عندما، في وقتٍ لاحق، قبل لورانس وظيفةً كمعلًم في مدرسةٍ خارج لندن، فإنَها شعرت بن جزئيًاً للتخلًص منه لبعض الوقت. لكنَه عندما قال له: الوداع، ولمحَ إلى أنًه قد يكون الوداع الأخير، انهارت وبكت. بعدها بداً بإرسال رسائل أسبوعيّة لها. كان يكتب عن الفتيات اللاتي كان يلتقي به؛ لعلً إحداهنً ستكون زوجته. أخيراً، زارته في لندن بناءً على طلبه. انسجما مع بعضهما البعض بشكل حسن، كما في الأيًام الحوالي، لكنَه استمرّ بمضايقتها عن مستقبلها وعلى نحوٍ موصول، ناكئاً بذلك ذاك الجرح القديم. عاد إلى إيستوود في عيد الميلاد، وبدا متهلّلاً عندما زارها. كان قد قرًر أن جيسي هي من كان ينبغي عليه الزواج بها، وأنَه في الواقع كان منجذباً إليها من البداية. طلب منها أن يقيا الأمر سرّاً لبعض الوقت؛ فبالرغم من أنَ مسيرته المهنيًة ككاتب كانت آخذةً بالصعود (روايته الأولى كانت على وشك أن تُنشَر)، إلَا أنَه كان بحاجةٍ لجني مزيد من المال. أُخِدّت جيسي على حين غرًة بهذا الإعلان المفاجئ وغمرتها السعادة، فوافقت على كلً شيء وأصبحا عاشقين.
سرعان ما تكرًر النمط القديم على أيًة حال: الانتقادات، الانفصالات، التصريحات بأنَه كان مرتبطاً بفتاةٍ أخرى. هذا لم يؤدّ إلًا إلى زيادة إحكام سيطرته عليها. أخيراً قررت ألاً تراه أبداً وذلك في عام 1912 بعد أن انزعجت من تصويره (وصفه) إيًاها في روايته التي يتناول فيه سيرته الذاتيًة أبناء وأحبًاء. لكن لورانس ظلً هوساً وهاجساً رافقها مدى الحياة.
في عام 1913، بدأت شابة إنكليزيًةٌ تُدعى آيفي لو، كانت قد قرأت روايات لورانس، بالتراسل معه، وكانت رسائلها تتفجًر بالإعجاب. في ذلك الحين كان لورانس متزوّجاً من امرأةٍ ألمانيًة، البارونة فريدا فون رايختوفن. دعاها لنزوه وزوجته في إيطاليا، الأمر الذي فاجأ لو الرغم من ثمنًها له. علمت أنَه كان دونجواناً بشكلٍ أو بآخر، لكنّها كانت متلهَفةً للًقاء به،
......................................
بشكلٍ أكثر تكراراً عند الناس اليافعين، نظراً، لكونهم عرضة للشك على نحوٍ عميق، وغير واثقين من قيمتهم، وغالباً ما يخجلون من أنفسهم. نفس الشيءٍ ينطبق على الناس من الفئات العمريًة الأخرى عندما يفقدون شيئاً من حياتهم – عندما ينتهي شبابهم أو عندما يبدؤون بالتقدًم بالسن.
-فراانسيسكو البيوني، الوقوع في الحبَ، ترجمة لورانس فنوتي «ماذا يمكن للحبَ أن يكون إذا؟» قلت أنا. «شيءٌ فإنٍ؟» «هيهات.»«حسنٌ، ماذا؟» «كما في أمثلتي السابقة، هو في منتصف الطريق بين ما هو فإنٍ وما هو خالد» أيً نوعٍ من الكينونة يكون إذا، يا ديوتيما؟» «هو روحً عظيمة، يا سقراط، كلً شيءٍ ذي طبيعةٍ


فقبلت دعوته. لم يكن لورانس كما توقعته: فصوته كان حادّاً، وعيناه ثاقبتان، وكان فيه جانبٌ أنثويٌّ بشكلٍ غامض. سرعان ما أخذ يتنزهان سويّةً، وصار لورانس يثق بنو ويفضي بدخيلة نفسه إليها. شعرت بأنَهما كانا يصبحان صديقين، الأمر الذي أسعدها. ومن ثم فجأةً، قبل أن تهمً بالرحيل مباشرةً، شنَ عليها سلسلةً من الانتقادات - كانت غاية في اللا عفويًة، ويسهل التنبًؤ جدّاً بتصرّفاتها، وبشريًتها أقل من تلك التي عند الروبوت. اضطرًت للموافقة بالرًغم من أنَ هذا التهجًم غير المتوقًع أزعجها وصدمها للغاية - فقد كان ما قاله صحيحاً. ما الذي يمكن أن يكون قد رآه فيها في المقام الأوَل؟ من كانت هي على أيًة حال. غادرت أو إيطاليا وهي تشعر بالفراغ - نكن لورانس استمرّ بإرسال الرسائل نها، وكأنَ شيئاً لم يحصل. سرعان ما أدركت أنَها وقعت في حبه بجنون، بالرّغم من كل شيء كان قد قاله لها. أو لم يكن ذلك بالرغم مما قاله نها، وإنًما بسببه؟
في عام 1914، تلقى الكاتب جون ميدلتون - مَري رسالةً من لورانس الذي كان صديقه الحميم. في الرسالة، وبشكلٍ خارجٍ عن أيً سياق، انتقد لورانس ميدلتون - مَري لكونه عدم العاطفة وغير دمثِ بما فيه الكفاية مع زوجته، الروائية كائرين مانسفيلد. كتب ميدلتون - مَري فيما بعد، «لم أشعر أبداً حيال رجلٍ من قبل مثلما جعلتني هذه الرسالة أشعر تجاهه. لقد كانت شيئاً جديداً وفريداً بالنسبة لتجربتي؛ وكانت لتظلً كذلك». لقد شعر بأنَه تحت انتقادات لورانس يكمن نوعٌ غريبٌ من الحبً. كلًما رأي لورانس من ذلك الحين فصاعداً، كان يشعر بانجذابٍ جسديٌ غريب لم يستطع تفسيره.
......................................
روحية يكون نصف إله ونصف رجل».. «من أبويه؟» سألت أنا. «تلك قصَةٌ طويلة نوعاً ما،» أجابت هي، «لكنَني سأخبرك. في اليوم الذي ولدت فيه أفروديت، كانت الآلهة تقيم مأدبةً، ومن بينهم الحيلة الذي هو ابن الاختراع؛ وبعد العشاء، قدمت الفاقة كي تتوسَل، بعد أن رأت أنَ الحفلة كانت دائرة، ووقفت على الباب. الآن كان الحيلة سكراناً بالرحيق الإلهي – فيسعني أن أقول أنَ النبيل لم لكشَف بعد – فذهب إلى حديقة زبوس، وغلبه النوم. وهكذا فإنَ الفاقة نامت معه فحلبت بالحبَ، وذلك بقصد التخفيف من حالتها البائسة. بما أنَ الحبَ تكوَن في يوم ميلاد أفروديت، وبما أنَ لديه أيضاً شغفاً فطرياً بما هو جميل، وبالتالي بجمال


وتضرب وتراً حساساً. هذا كان حتماً سيحدث اضطراباً لدى ضحاياه، وإحساساً بالقلق والحصر، نتيجة الشعور بأنَهم يعانون من خللٍ ما. كانوا يشعرون بالتمزًق (الانقسام) الداخلي بعد أن زُلزِل إحساسهم المعتاد بالحالة السويّة (بأنهم أسوياء). فتارةً يتساءلون في تعجًبٍ عن سبب فعله لهذا، وتارةً يصدّقون أنَ كل ما قاله كان صحيحا. بعدئذٍ، في تلك اللحظات من الشك في أنفسهم ومقدراتهم، كانوا يتلقون رسالة أو زيارةً منه يكون فيها شخصه المعتاد الساحر.
الآن أصبحوا يرونه بعين مختلفة، وأصبحوا ضعفاء وهشَين وبحاجةٍ لشيءٍ ما؛ وهو يبدو غايةً في القوّة. عندها كان يشدّهم إليه، بعد أن تتحوّل مشاعر الصداقة إلى التعلًق والرغبة. بمجرّد ما يشعرون بعدم الثقة حيال أنفسهم، يكونون عرضة للوقوع بالحب.
معظمنا نحمي أنفسنا من قسوة الحياة من خلال الاستسلام للأعمال الروتينية والنمطيةً، ومن خلال إغلاق أنفسنا عن الآخرين. لكن يكمن تحت هذه العادات إحساس مروّع باللا أمان والدفاعيًة. نحن نشعر بأنَنا لا نعيش حقًاً. يجب على المغوي أن ينكأ هذا الجرح ويجلب هذه الأفكار نصف الواعية إلى خانة الوعي الكامل. هذا ما فعله لورانس: طعناته المفاجئة وغير المتوقعة والوحشيّة كانت تصيب الناس في نقطة ضعفهم.
بالرغم من أنَ لورانس حظي بنجاحٍ عظيم من خلال مقاربته الجبهيًة، إلًا أنَه في أغلب الأحيان يكون من الأفضل إثارة الأفكار عن عدم الكفاءة
واللا تأكًد (عدم الثقة) بشكلٍ غير مباشر، من خلال التلميح إلى مقارناتٍ بنفسك أو بالآخرين، ومن خلال الإيحاء بطريقةٍ ما أنّ حياة ضحاياك ليست بالعظمة التي هم يعتقدونها. أنت تريد أن تجعلهم يشعرون بحالة حربٍ وصراعٍ مع أنفسهم، مُمزَّقين في اتًجاهين، وقلقين حيال هذا. القلق أو الحصر، الذي هو شعورٌ بالقص والحاجة هو المُؤَهَب لكل الرغبة. هذه الهزًات والارتجاجات في عقل الضحيًة تخلق مجالاً لك لكي تَدُسَ بسُمًك، المشابه لنداء الحوريًة للمغامرة أو الإشباع الذي سيجعلهم يتبعونك إلى داخل
......................................
أفروديت نفسها، فقد أصبح تابعها وخادمها. مجدًداً، نظراً لأنَ الحيلة أبوه والفاقة أمَه، فإنَه يحمل هاتين الصفتين. هو دائماً فقير، وأبعد ما يكون عن كونه حسَاساً وجميلاً، كما يتخيًل معظم الناس، فهو كالح، حافٍ وشريد، ونتيجة عوزه للسرير فإنَه ينام دائماً في العراء، على الأرض، على عتبات الأبواب وفي الشارع. هو يَقفًي أثر أمَه لحدً الآن ويعيش في العوز. لكن، وبما أنَه ابن أبيه، فإنَه يخطَط دائماً ليحصل لنفسه على أيً شيءٍ جميلٍ وحسن؛ هو جريء وهجومي ومنًقد، إذ دائما ما ينكر الحيل مثل الصياد البارع»
أفلاطون، الندوة، ترجمة والتر هاميلتون نحن جميعاً مثل قطع النقود التي يقسمها الأطفال إلى نصفين لكي تصبح تذكاراً.


شبكتك. من دون القلق (الحصر) والإحساس بالنقص لا يمكن أن يكون هنالك إغواء.
الرغبة والحب يخبنان لمن يختبرهم أشياء أو خصائص لا يملكها المرء في الوقت الحاضر وإنَما يفتقر إليها.
- سقراط
المفاتيح للإغواء
الجميع يرتدي قناعاً في المجتمع، نحن ندّعي أنَنا أكثر ثقةً بأنفسنا مَما نحن عليه في الواقع. نحن لا نريد الناس الآخرين أن يلمحوا النفس المشكًكة التي في داخلنا. في الحقيقة، فأن أنواتنا (جمع أنا) وشخصيًاتنا هي أكثر هشاشةً بكثير مما تبدو عليه؛ هي تغطي مشاعر الارتباك والفراغ. كمغو، عليك ألاً تخلط أبداً ما بين مظهر الشخص وحقيقته. الناس دائماً عرضةٌ لأن يُغرّوا، لأن الجميع في الواقع يفتقر إلى حسً الكمال، ويشعر بأنَ شيئاً ما مفقودٌ في داخله. أخرج شكوكهم وأسباب قلقهم إلى السطح وعندها يمكن قيادتهم وإغراءهم حتى يتبعوك.
لا أحد يستطيع أن يراك كشخصٍ يمكن أتَباعه أو الوقوع في حبًه إلًا إذا فكًروا أوَلا ًبأنفسهم بطريقةٍ ما، وبما يفتقدونه. قيل أن يستأنف الإغواء، عليك أوّلاً أن تضع مرأة أمامهم كي يلمحوا من خلالها ذاك الفراغ الداخلي. كونهم قد أصبحوا مدركين لوجود نقص، فإنهم يستطيعون الآن أن يركزوا عليك بوصفك الشخص الذي يستطيع أن يملأ ذلك المكان الفارغ. تذكًر: معظمنا كسولون. أن نتخلًص لوحدنا (دون مساعدة) من مشاعر الضجر أو عدم الكفاءة يتطلب كثيراً من الجهد؛ أن تداع شخصاً آخر يقوم بالعمل هو أمرٌ أسهل وأكثر تشويقاً على حدَّ سواء. الرغبة بأن يكون لدينا شخصٌ يملاً فراغنا هو الضعف الذي يقتات عليه جميع المغوين. أجعل الناس قلقين حيال مستقبلهم، أجعلهم محبطين ومكتئبين، أجعلهم يتساءلون
......................................
صانعين اثنين من الواحدة، مثل السمك المفلطح – وكلً منَا يبحث أبد الدهر عن النصف الذي سوف يتمَمه.. وهكذا فإنَ كلً هذا اللغط هو تذكارً من حالتنا الأصليًة عندما كنَا كاملين، والآن، عندما نتوق لذلك الكمال البنائي ونسعى وراءه، فإنَنا نقول أنَنا في حالة حبَ.
-خطاب أريستوفان في الندوة لأفلاطون، مُقتبس في دونجوان ونقطة الشرف لجايمس ماندرل.
دون جون: سُعِدت بلقياك، أيَتها الفتاة الجميلة! ماذا! هل يوجد هنالك مخلوقاتٌ جميلة مثلك فيما بين هذه الحقول والأشجار والصخور؟ شارلوتا: أنا كما ترى يا سيَدي. دون جون: هل أنت من هذه القرية؟ شارلوتا: نعم.


عن هويّتهم، أجعلهم يستشعرون الضجر الذي ينخر حياتهم. الأرض مجهّزة. يمكن أن تُزرع بذور الإغواء.
في محاورة أفلاطون الندوة – وهي البحث الأٌدم في الغرب عن الحب، ونصٍّ ذي أثرٍ حاسمٍ على أفكارنا عن الرغبة – تشرح المحظيّة ديوتيما لسقراط نسب إيروس، إله الحبّ. والد إيروس كان الحيلة، أو المكر، ووالدته كانت الفقر، أو الحاجة. يحذو إيروس حذو والديه: فهو في حالة حاجةٍ دائمة، فيلجأ للمكر والتآمر كي يلبّيها. كإلهٍ للحبّ، يعلم أنّ الحب لا يمكن أن يُحدَثَ في الشخص الآخر إلّا إذا شعر أيضاً بالحاجة. وذلك ما كانت تفعله سهامه: باختراق لحم الناس، تجعلهم يشعرون بنقص، بألم، بجوع. هذا هو جوهر مهمّتك كمغوي. على غرار إيروس، عليك أن تخلق جرحاً في ضحيّتك، من خلال استهداف نقطة ضعفهم، أي الصدع في تقديرهم لذاتهم. إذا كانوا عالقين في وضعٍ مملّ، فاجعلهم يستشعرون هذا على نحوٍ أعمق، وذلك من خلال إثارة الموضوع والتحدّث عنه «ببراءة». ما تحتاج إليه هو جرح، شعورٌ باللا أمان تستطيع توسيعه قليلاً، قلقٌ يُستَطاع تلطيفه كأفضل ما يكون من خلال الارتباط مع شخصٍ آخر، هو أنت بالتحديد. يجب أن يحسّوا بالجرح قبل أن يقعوا في الحب. لاحظ كيف كان لورانس يثير القلق، من خلال الاستهداف الدائم لنقطة ضعف ضحاياه: بالنسبة لجيسي شامبرز، برودتها الجسديّة؛ بالنسبة لآيفي لو، افتقارها للعفويّة؛ بالنسبة لمدلتون – مَري، افتقاره للكياسة.
استطاعت كليوباترة أن تجعل قيصر ينام معها من أوّل ليلةٍ التقاها، لكنّ الإغواء الحقيقي، أي الإغواء الذي جعله عبداً لها، بدأ فيما بعد. في محادثاتهم اللاحقة تحدّثت بشكلٍ متكرّر عن الإسكندر العظيم، وهو البطل الذي من المفترض أنّها تنحدّر منه. لم يكن بإمكان أحد أن يُقارَن به. فبالتضمين، جُعِل قيصر يشهر بالدونيّة. من خلال فهمها أنّ قيصر كان غير آمنٍ تحت قناع بسالته، أيقظت كليوباترة فيه قلقاً وجوعاً كي يثبت عظمته. بمجرّد ما شعر بهذه الطريقة كان من السهل المضيّ في إغوائه. الشكوك حول رجولته كانت نقطة ضعفه.
......................................
سيّدي. *دون جون: ما اسمك. *شارلوتا: شارلوتا في خدمتك يا سيّدي. *دون جون: يا لها من شخصٍ رقيق! يا لها من عينين نفّاذتين!. *شارلوتا: لقد جعلتني أستحي يا سيّدي... *دون جون: يا شارلوتا الجميلة، أنت لست متزوّجة، هل أنت كذلك؟ *شارلوتا: لا يا سيّدي، لكنّي سأتزوّج قريباً، من بييرو، ابن جودي سيمونيتا. *دون جون: ماذا! هل يصحّ أن تصبح واحدةً مثلك زوجة فلّاح! كلّا، لا؛ ذلك تدنيسٌ لمثل هذا الجمال. أنت لم تُخلَقي لتعيشي في قرية. أنت بالتأكيد تستحقّين نصيباً أفضل، والسماء، التي تعرف ذلك بشكلٍ أفضل، أحضرتني إلى هنا بهدف منع هذا الزواج وإنصاف جمالك؛ لأنّني باختصار، يا شارلوتا


عندما اغتيل قيصر، حوّلت كليوباترة أنظارها نحو مارك أنتوني الذي كان أحد خلفاء قيصر على قيادة روما. أحبّ أنتوني المتعة والمشاهد الخلّابة، وذوقه كان فجّاً وغير صقيل. ظهرت له أوّل ما ظهرت على متن بارجةٍ ملكيّة، ومن ثمّ أقامت له مأدبة طعام وشراب. كلّ شيءٍ كان مجهّزاً ليوحي له بتفوّق الأسلوب المصري في الحياة على الروماني، أقلّه عندما كان يتعلّق الأمر بالمتعة. كان الرومانيون مملّين وبسطاء بالمقارنة. وبمجرّد ما جُعِل أنتوني يشعر بكم الأشياء التي كانت تفوته (كان يفتقدها) وهو في صحبة جنوده البليدين وزوجته الوقور، كان من الممكن جعله ينظر إلى كليوباترة كتجسيدٍ لكل ما هو مثير ومشوّق. أصبح عبداً لها.
هذا هو إغراء المجلوب أو الدخيل (الغريب). في دورك كمغوي، حاول أن تطرح نفسك كقادم من الخارج، كغريب إلى حدٍّ ما. أنت تمثّل التغيير، الاختلاف، كسر الروتين. أجعل ضحاياك يشعرون بأن حياتهم مملّة بالمقارنة وأنّ أصدقاءهم أقلّ إمتاعاً ممّا كانوا قد تصوّروا. جعل لورانس أهدافه يشعرون بأنّهم غير كفؤين على المستوى الشخصي؛ إذا وجدت أنّه من الصعب أن تكون بهذه القسوة، فركّز على أصدقائهم، ظروفهم، الجوانب الخارجيّة لحياتهم. هناك العديد من الأساطير عن دون جوان، لكنّها غالباً ما تصفه وهو يغوي فتاةً ريفيّة من خلال جعلها تشعر بأنّ حياتها قرويّة بشكلٍ مرعب. هو، في تلك الأثناء، كان يرتدي ثياباً برّاقة ويتصرّف بطريقة النبلاء. كان دائماً من مكانٍ آخر ما، فهو غريبٌ ومجلوب. أوّلاً كانت تستشعر الملل الذي في حياتها، ومن ثمّ كانت تراه كخلاصها. تذكّر: يفضّل الناس الشعور بأنّه إذا كانت حياتهم غير ممتعة، فذلك ليس بسببهم وإنّما بسبب ظروفهم، الناس البليدون الذين يعرفون، البلدة التي وُلِدوا فيها. ما إن تجعلهم يشعرون بإغراء الشيء الغريب (الدخيل)، حتى يصبح الإغواء سهلاً.
مجالٌ آخر يكون استهدافه مغوياً بطريقة شيطانيّة هو ماضي الضحيّة. أن تتقدّم في السّن يعني أن تتخلّى عن مثاليّات الشباب أو تضحّي بقسم منها، وأن تصبح أقلّ عفويّةً، وأقلّ حياةً بمعنى من المعاني. هذه المعرفة موجودة بشكل ساكن فينا جميعاً. كمغو يجب أن تُخرج هذه المعرفة إلى السطح، بأن توضح كم أنّ الناس قد انحرفوا عن أهدافهم ومثاليّاتهم
......................................
الرقيقة، أحبك من كلّ قلبي، وإذا قبلت فسوف أنجيك من هذا المكان البائس، وأضعك في المنزلة التي تستحقّين. هذا الحبّ هو بلا شكّ حبٌّ مفاجئ، لكنه نتيجة جمالك العظيم. لقد أحببتك في ربع ساعة بمقدار الحبّ الذي كنت سأحبّ فيه أخرى في ستّة أشهر.
-موليير، دون جون؛ أو الفاسق، ترجمة جون أوزل، في مسرح دون جون، تحرير أوسكار ماندل.
لأنّني أقف الليلة قبالة الغرب (الأمريكي) على ما كان ذات مرّة الحدّ أو التخم الأخير. من الأراضي التي تمتدّ لثلاثة آلاف ميل من خلفي، فإنّ الروّاد الأوائل (الأقدمين) تخلّوا عن سلامتهم، راحتهم، وفي بعض الأحيان أرواحهم ليبنوا عالماً جديداً هنا في الغرب. لم يكونوا


القديمة. أنت، بدورك، تقدّم نفسك كممثّل لتلك المثاليّات، كمقدّم الفرصة لاسترداد الشباب الضائع من خلال المغامرة – من خلال الإغواء. في سنواتها الأخيرة، ملكة إنكلترا (إليزابيث الأولى) كانت معروفةً بكونها حاكمةً متطلّبة وصارمة نوعاً ما. وضعت نصب عينيها ألّا تدع رجال بلاطها يرون أيّ شيءٍ ناعم أو ضعيفٍ فيها. لكن روبرت ديفيرو، إيرل إيسيكس الثاني، قدم إلى البلاط. كان أفتى بكثير من الملكة، وكان يوبّخها على فظاظتها. كانت الملكة تسامحه – فقد كان مليئاً للغاية بالحماسة والمرح والعفويّة، وبالتالي لم يكن يستطيع ضبط نفسه. لكنّ تعليقاته أثارت اهتمامها وانجذابها بشكلٍ كبير؛ في حضور الإيرل كانت تتذكّر كل مثاليّات الشباب - القوّة والنشاط، السحر الأنثوي – الذين كانوا قد اختفوا من حينه من حياتها. كانت تشعر أيضاً بقليل من الروح البنَاتية عندما كانت بقربه. الشيخوخة تُغوى دائماً من قبل الصّبا، لكن أوّلاً يجب على الشّباب أن يوضّحوا ما الّذي يفتقده المسنّون، وكيف صار وخسروا مثاليّاتهم. فقط عندها سيشعرون أنّ حضور الشباب سيجعلهم يستردّون تلك الشرارة، وتلك الروح الثائرة والمتمرّدة التي تآمر كل من العمر والمجتمع على قمعها.
هذا المفهوم لديه تطبيقاتٌ لا نهائيّة. المؤسّسات والسياسيّون يعلمون أنّهم لا يستطيعون استدراج جمهورهم نحو شراء ما يريدونهم أن يشتروا، أو فعلهم ما يريدون أن يفعلوا، إلّا إذا أيقظوا فيهم أوّلاً حسّاً من الحاجة وعدم الرضى. أجعل الجماهير غير متأكّدة من هويّتها وعندها تستطيع المساعدة على تحديدها من أجلهم. هذا الشيء صحيحٌ بالنسبة للمجموعات والأمم كما هو بالنسبة للأفراد: لا يمكن إغواؤهم إلّا إذا جُعِلوا يشعرون بنقصٍ ما. جزء من استراتيجيّة حملة جون إف كينيدي الانتخابية في عام 1960 كان جعل الأمريكيين يشعرون بعدم السعادة إزاء الخمسينات، فلم يذكر استقرار الأمّة الاقتصادي أو بروزها كقوّة عظمى. بدلاً من ذلك، أشار ضمناً إلى أن تلك الحقبة كانت موسومة بالامتثال، غياب المجازفة والمغامرة، وفقدان قيم الريادة. أن تصوّت لكينيدي كان أن تخوض مغامرةً جماعيّة، أن ترجع للمثاليّات التي كنت قد تخلّيت عنها. لكن قبل أن ينضمّ أيّ أحدٍ إلى حملته كان يجب أن يُجعَلَ مدركاً لمدى خسارته، ولما يفتقده. المجموعة، مثل الفرد، يمكن أن تغوص في وحل الروتين، وأن تتوه عن أهدافها الأصلية.
......................................
أسرى شكوكهم الخاصّة، لم يكونوا سجناء للثمن الذي يتوجّب أن يدفعوه هم أنفسهم. لم يكن شعارهم «كلّ رجلٍ يسعى فقط لصالحه الخاصّ» - وإنّما «الجميع مكرّسون لخدمة القضيّة المشتركة.» كانوا مصمّمين على جعل ذلك العالم قويّاً وحرّاً، وأن يقهروا أعداءهم الذين يهدّدونهم من الداخل والخارج... * في يومنا الحاضر قد يقول البعض أن تلك الصراعات قد ولّت كلّها – أنّ كلّ الآفاق قد اكتُشِفَت، أنّ كلّ المعارك قد رُبِحَت، أنّه لم يَعُد يوجَد حدٍّ أو تخم أمريكيّ. * لكنّني موقنٌ من أنّ ولا واحدٍ من هذا الجمع الغفير سيتّفق مع هذا الرأي... * أنا أنبئكم بأنّ التخم الجديد موجودٌ هنا إذا ما نشدناه أم لا... سيكون من الأسهل


كثيرٌ من الازدهار سيُضعِفُ من قوّتها. تستطيع أن تغوي أمّةً بكاملها من خلال استهداف لا أمانها الجمعي، ذلك الإحساس المستتر (الكامن) بأنّ ليس كلّ شيءٍ هو ما يبدو عليه. إثارة السخط تجاه الحاضر وتذكير الناس بماضيهم المجيد يمكنه أن يزعزع إحساسهم بالهويّة. عندها تستطيع أن تكون الشخص الذي سيعيد تحديدها وتعريفها – إنّه إغواءٌ جليل.
الرمز: سهم كيوبيد. إنّ ما يوقظ الرغبة في المَغوي هو ليس اللمسة الناعمة أو الإحساس السارّ؛ وإنّما الجرح. السهم يخلق ألماً، وجعاً، حاجةً للخلاص. قبل الرغبة يجب أن يكون هنالك الألم. سدّد السهم نحو أضعف نقطةٍ لدى الضحيّة، فتخلق بذلك جرحاً تستطيع نكأه وإعادة نكئه.
إنّ إيقاع الحياة العادي يتذبذب بالشكل العام ما بين الرضى المعتدل عن النفس وبين الانزعاج الطفيف منها، الناشئ من المعرفة بمواطن النقص الذاتيّة. نحن نحبّ أن نكون على نفس قدر وسامة، شباب، قوّة أو ذكاء الأناس الآخرين من معارفنا. نتمنّى أن نستطيع أن ننجز بمقدار ما ينجزون، نتوق لمزايا ومراكز مشابهة، ولنفس النجاح أو نجاح أكبر. أن تكون مسروراً من نفسك هو الاستثناء، وفي أحوالٍ كثيرة، يكون ستاراً دخانيّاً (مُعَمّياً) نصنعه لأنفسنا وبالطبع للآخرين. في مكانٍ ما منه يوجد شعورٌ مُتَخَلِّفٌ بالانزعاج من أنفسنا وقليلٌ من كره الذات. أنا أؤكّد بأنّ زيادة روحيّة عدم الرضى هذه تجعل الشخص عرضةً بشكلٍ خاصّ لِـ «الوقوع في الحبّ» ... في
......................................
الارتداد عن ذلك التخم، والنظر إلى عاديّة الماضي، وأن تهدهدنا النوايا الجيّدة والبلاغة المميّزة – وأولئك الذين يفضّلون ذلك المسار لا يجدر بهم منحي أصواتهم، بغضّ النظر عن حزبهم. * لكنّني أؤمن بأنّ العصر يتطلّب إبداعاً، ابتكاراً، مخيلةً، وقراراً. أنا أطلب منكم جميعاً أن تكونوا روّاداً جدداً في ذلك التخم الجديد. ندائي موجّه لذوي القلوب الشابّة، بغضّ النظر عن العمر.
- جون إف. كينيدي، خطاب القبول بوصفه المرشّح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي، مُقتَبَس في هوس كينيدي: أسطورة جون ظغف كينيدي الأمريكيّة لجون هِلمان.


معظم الأحوال يكون موقف القلق هذا غير واعٍ، لكن في بعض الأحوال يصل إلى عتبة الإدراك على شكل اضطراب طفيف، أو عدم رضى راكد، أو فهمٍ لكون المرء منزعجاً دون أن يدرك السبب.
ثيودور رأيك، عن الحبّ والشهوة
الانقلاب
إذا اشتططت (مضيت أبعد من اللازم) في تخفيض تقدير أهدافك لأنفسهم فقد يشعرون باللا أمان لدرجةٍ كبيرة فيحجمون عن دخول إغوائك. لا تكن ثقيل الوطأة؛ على غرار لورانس، أَتبع الهجوم الجارح بإيماءةٍ مسكّنة. وإلّا فسوف تنفّرهم ببساطة.
غالباً ما يكون السحر مسلكاً أكثر خفاءً وفعّاليّةً للإغواء. دائماً ما جعل رئيس الوزراء بنجامين دزرائيللّي من العصر الفيكتوري الناس يشعرون بشعورٍ أفضل حيال أنفسهم. كان ينزل عند رغباتهم ويجعلهم مركز الاهتمام، ويجعلهم يشعرون بأنّهم ظرفاء ونابضون بالحياة. كان نعمة على زهوّهم وكبريائهم، وتنامي إدمانهم عليه. هذا نوعٌ من الإغواء المنتشر أو المتخلّل (غير المكثّف)، أي إغواءٌ يفتقر إلى التوتّر والمشاعر العميقة التي يثيرها النوع الجنسي؛ إنّه يتجاوز تعطّش الناس، وحاجاتهم لنوعٍ ما من الإرضاء. لكنّك إذا كنت بارعاً وذكيّاً، فيمكنك أن تجعل من هذا الإغواء (المعمّم أو غير المكثّف) وسيلةً لتخفيض دفاعاتهم، وخلق صداقةٍ لا تنذر بشرّ (غير مهدّدة.) بمجرّد ما يصبحون تحت سحرك بهذه الطريقة، فإنّك تستطيع عندها أن تفتح جرحاً. بالفعل، فإنّ دزرائيللّي بعد أن كان قد سحر الملكة فيكتوريا وأسّس صداقةً معها، جعلها تشعر على نحوٍ غامض بأنّها غير كفؤةٍ أو ملائمةٍ لتأسيس إمبراطوريّةٍ ولتحقيق أهدافها المثاليّة. كلّ شيءٍ يعتمد على الهدف. الناس الذين تخترقهم من كلّ جانب مشاعر اللا أمان قد يتطلّبون نوعاً أرقٌ. سدّد سهامك لحظة شعورهم بالراحة تجاهك.


6
أتقن فن الإيحاء
أن تجعل أهدافك يشعرون بعدم الرضى وبحاجة لانتباهك هو شيءٌ جوهري، ولكن إذا كنت واضحاً أكثر من اللزوم، فإنَّهم سوف يتبيّنون طبيعتك الحقيقيّة ويصبحون دفاعيّين. لا يوجد دفاعٌ معروف، على أيّةِ حال، ضد الإيحاء – فن زرع الأفكار في عقول الناس بواسطة الرمي بتلميحات صعبة التحديد والتي تأخذ جذراً (تنغرس) بعد ذلك بعدّة أيام، بل وتظهر لهم وكأنها أفكارهم الخاصة. أخلق نوعاً من اللغة الضمنية – تصريحات جريئة متبوعة بتراجع واعتذار، تعليقات ملتبسة، أحاديث اعتيادية مُرفقة بتلميحات مُغرِية – التي تدخل لا وعي الهدف لتنقل قصدك الحقيقي. أجعل كلّ شيءٍ موحياً.


دسّ الرغبة (لإيحاء بها)
ذات أمسية في سبعينات القرن الثامن عشر، ذهب شابٌّ إلى أوبرا باريس ليلتقي بحبيبته الكونتيسة دي ..... الزوجان (الثنائيّ) كانا يتشاجران، وكان متلهّفاً لرؤيتها مجدّداً. لم تكن الكونتيسة قد وصلت بعد إلى مقصورتها، لكن من مقصورةٍ مجاورة قامت صديقةٌ لها، المدام دي تي .....، بدعوة الشابّ لينضمّ إليها، منوّهةً أنّها كانت ضربة حظٍّ رائعة أن يلتقيا ذلك المساء- يجب عليه أن يظلّ بصحبتها في رحلةٍ كان عليها أن تقوم بها. كان الشابّ يريد على وجه السرعة أن يرى الكونتيسة، لكنّ المدام كانت ساحرةً وملحّة. لذا وافق على مرافقتها. قبل أن يستطيع سؤالها لماذا أو أين، فقد رافقته بسرعة إني عربتها في الخارج، التي انطلقت مسرعةً بعد ذلك.
عندها أمر الشاب مضيفته أن تخبره إلى أين كانت ستأخذه. في البداية لم تزد عن الضحك، لكنّهما قرّرا أن يتصالحا؛ لكنّ زوجها كان ثقيل الظل، وشعرت بأنّ شابّاً ساحراً مثل هذا الشاب من شأنه أن يطرّي الأمور وينفخ فيها الحياة. أُسِر الشاب: فقد كانت المدام أكبر سنّاً منه، وذات سمعةٍ بأنّها رسميّةٌ نوعاً ما، بالرغم من أنّه كان يعرف أيضاً أنّ لديها عشيقاً، ماركيزاً. لماذا كانت قد اختارته لهذه النزهة؟ لم تكن قصّتها جديرةً تماماً بالتصديق. بعد ذلك، أثناء سير العربة، اقترحت أن ينظر من النافذة إلى المنظر الطبيعي، بينما كانت تنظر هي أيضاً. كان عليه أن يميل باتجاهها كي يفعل هذا، وفي تمام اللحظة التي مال فيها، ارتجّت العربة. أمسكت بيده وارتمت بين ذراعيه.
......................................
بينما كنّا على وشك دخول حجرة النوم، أوقفتني وقالت بجدَيّة، وتذكّر أنّه لا يُفتَرض بك أبداً أن ترى أو حتّى تفكّر بأنّك يمكن أن ترى الحرم الذي أنت على وشك دخوله...» *.. كلّ ذلك كان أشبه بطقس إدخال. قادتني من يدي عبر رواقٍ ضيّقٍ ومظلم. كان قلبي يدقَ وكأنّني كنت شابّاً قد اهتدى حديثاً إلى مذهبٍ من المذاهب ووُضع تحت الامتحان قبل الاحتفال بالأسرار العظيمة... * «لكنّك
ظلّت هناك للحظة، ومن ثمّ انتفضت مبتعدةً عنه. بعد صمتٍ محرج، قالت، «هل تعتزم إقناعي بكوني تصرّفت بطيشٍ وحماقة بحقّك؟» احتجّ أنّ الحادثة كانت عرضيّة وطمأنها بأنّه سيتأدّب ويسلك سلوكاً حسناً. في الحقيقة فإنّ وجودها بين ذراعيه كان قد جعله يفكّر بطريقة أخرى.
وصلا إلى القصر. أتى الزوج لملاقاته، وعبّر الشابّ عن إعجابه بالمبنى: «ما تراه هو لا شيء،» قاطعت المدام، «عليّ أن آخذك إلى شقَة السيّد.» قبل أن يستطيع سؤالها ماذا عنت، كان الموضوع قد تغيّر بسرعة. الزوج كان بالفعل ثقيل الظلّ ومملاًّ، لكنّه انصرف معتذراً بعد العشاء. الآن المدام والشاب كانا لوحدهما. دعته ليتمشّى معها في الحدائق؛ لقد كانت أمسيةً رائعة، وبينما كانا يتمشّيان، دسّت بذراعها عند ذراعه. قالت أنّها لم تكن قلقةً من أنّه سيستلّها، لأنّها تعلم كم كان متعلّقاً بصديقتها العزيزة (الكونتيسة). تكلّما عن أشياءٍ أخرى، ومن ثمّ عادت إلى موضوع محبوبته: «هل تجعلك سعيداً حقاً؟ آه، أخشى أن يكون الحال على النقيض من هذا، وهذا يؤلمني... ألست غالباً ضحيّة نزواتها الغريبة؟» تفاجأ الشاب عندما بدأت المدام بالتكلّم عن الكونتيسة بطريقةٍ جعلتها تبدو غير مخلصةٍ له (الأمر الذي كان يخامره الشك إزاءه). تثاءبت المدام – ندمت لقولها هكذا أشياء عن صديقتها، وطلبت منه المغفرة؛ بعدئذٍ، وكأنّ فكرةً جديدةً خطرت ببالها، ذكرت سرادقاً مجاوراً، ونوّهت بأنّه مكانٌ مبهج ومليءٌ بالذكريات السعيدة. لكن المُخجِل في الموضوع أنّه كان مقفلاً ولم يكن بحوزتها المفتاح. ومع ذلك فقد وجدا طريقهما إلى السرادق، وإذا به كان الباب مفتوحاً. لقد كان مظلماً من الداخل، لكن الشاب استطاع أن يحسّ بأنّه كان مكاناً للقاءات العاشقين السريّة. دخلا وغرقا في صوفا، وقبل أن يعرف ما الذي أتى عليه، أخذها بين ذراعيه. بدت المدام وكأنّها تدفعه بعيداً، لكنّها استسلمت بعد ذلك. أخيراً عادت لرشدها: يجب عليهما أن يرجعا إلى المنزل. هل مضى بعيداً أكثر من اللازم؟ عليه أن يحاول ضبط نفسه.
بينما كانا يتمشّيان عائدين إلى المنزل، نوّهت المدام، «يا لها من ليلةٍ
......................................
يا أيّتها الكونتيسّة ...» قال لي ان أتوقّف. كنت أهمّ بالرّد عندما انفتحت الأبواب؛ فقاطع الإعجاب كلامي. كنت منشدهاً ومسروراً، ولم أعد أعلم ماذا حلّ بي، وبدأت أؤمن بالسحر بشكلٍ قويّ... في الحقيقة، وجدت نفسي في قفصٍ واسع من المرايا التي رُسِمَت عليها الصور بشكلٍ فَنيّ للغاية لدرجة أنّها ولّدت الوهم بوجود كلّ الأشياء التي تمثّلها.
- فيفانت دينون، «لا يوم غد»، في مجموعة الفاسق الأدبيّة المختارة، تحرير مايكل فيهير.
منذ عدّة سنوات خَلَت، في مدينتنا المحليّة، حيث يزدهر المكر والخداع أكثر من الحبِّ أو الوفاء، كان يوجد امرأةً نبيلة ذات جمال صارخ


سارّةٍ قضيناها لتوَنا.» هل كانت تشير إلى ما كان قد حدث في السرادق؟ «هناك في القصر غرفةٌ أكثر سحراً حتّى،» وتابعت الكلام، «لكنّني لا أستطيع أن أريك شيئاً،» مشيرةً ضمناً إلى أنّه كان جريئاً أكثر من اللازم. كانت قد ذكرت هذه الغرفة («شقّة السيد») عدّة مرّاتٍ من قبل؛ لم يستطع التخيّل ما الذي كان مثيراً فيها لهذه الدرجة، لكن في ذلك الحين كان مستقتلاً ليراها وأصرّ أن تريه إيّاها. «إذا وعدت بأن تكون عاقلاً،» أجابت، وعيناها تتوسّعان. قادته عبر عتمة المنزل إلى الغرفة التي ولحسن حظّه كانت نوعاً من معبدٍ للمتعة واللذة: كان هنالك مرايا على الجدران، رسوم ثلاثية الأبعاد تصوّر مشهد غابة، بل وحتّى غاراً مظلماً، وتمثالاً مكلّلاً بالزهر لإيروس. بعد أن غمره المزاج في المكان، استأنف الشابّ بسرعة ما كان قد بدأه في السرادق، وفقد كلّ إحساسٍ بالزمن لو لم يهرع خادمٌ لعندهما ويحذّرهما من أنّ الضوء كان يبزغ في الخارج – وبالتالي فالسيّد على وشك أن يفيق.
انفصلا بسرعة. في وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم، عندما كان الشابّ يستعدّ للرحيل، قالت مضيفته، «وداعاً، أيّها السيّد أنا مدينةً لك بالكثير من المسرّات؛ لكنّني قد أوفيتك بحلمٍ جميل. الآن حبّك يدعوك للعودة... لا تمنح الكونتيسّة سبباً للتشاجر معي.» بعد أن فكّر مليّاً بتجربته وهو في طريق عودته، لم يستطع التصوّر ماذا كانت تعني. راوده الإحساس الغامض بأنّه كان قد استُخدِم (استُغِلّ) لكنّ الملذّات التي استحضرها فاقت الشكوك.
التفسير. المدام دي تي ..... هي شخصيّة في القصّة الخلاعيّة القصيرة من القرن الثامن عشر «لا يوم غد»، التي ألّفها فيفانت دينون. الشاب هو رواية القصّة. بالرّغم من أنها خياليّة، إلّا أن تقنيّات المدام كانت تستند بوضوح على تقنيّات بعض الفاسقين المعروفين جيّداً في ذلك العصر، والذين كانوا سادةً في لعبة الإغواء. وأخطر أسلحتهم على الإطلاق كان الإيحاء – الوسيلة التي ألقت من خلالها المدام برقيتها على الشاب، جاعلةً إيّاه يظهر
......................................
وتربية لا تشوبها الأخطاء، والتي حبتها الطبيعة بأنبل طبع وبأحدّ ذكاءٍ يمكن أن يوجد لدى أيّ امرأةٍ أخرى في عصرها... * هذه المرأة، كونها ذات محتدٍ كريم وكونها وجدت نفسها وقد زُوِّجَت من تاجر ألبسةٍ صوفيّة لأنّه صادف أنّه غنيّ جدّاً، فإنّها لم تكن قادرة على كظم احتقارها الذي شعرت به في قلبها، لأنّها كانت وبشكلٍ راسخ ممّن يتبنّون الرأي القائل بأنّه لا رجل ذي منزلةٍ وضيعة يستحقّ زوجةً من النبلاء مهما كان غنيّاً. ولدى اكتشافها أنّ كلّ ما كان قادراً على فعله بالرغم من ثروته الطائلة، كان تمييز الصوف من القطن، أو الإشراف على تركيب نول، أو مناقشة مزايا خيط معيّن مع حائكة، فقد اعتزمت بقدر ما كان


بمظهر المعتدي، ويمنحها ليلة اللذة التي اشتهت، وصائنةً سمعتها البريئة، كلّ هذا بضربةٍ واحدة. فقد كان هو، برغم كل شيء، من بادر بالوصال، أو هكذا بدا. في الحقيقة، هي كانت من تدير الدفّة، فتزرع في ذهنه الأفكار التي كانت تريدها بالضبط. تلك المناوشة الجسديّة في العربة، على سبيل المثال، التي كانت قد دبّرتها من خلال دعوته للاقتراب: وبّخته فيما بعد لكونه جريئاً (صفيقاً)، لكن ما بقي في ذهنه كان إثارة اللحظة. حديثها عن الكونتيسة جعله يشعر بالتشوّش والذنب؛ لكنّها بعدئذٍ لمّحت إلى أنّ حبيبته لم تكن مخلصة، غارسةً بذرةً أخرى في ذهنه: الغضب، والرغبة بالانتقام. بعد ذلك طلبت منه أن ينسى ما قالته ويسامحها لقولها إيّاه، وهذا تكتيكٌ إيحائيٌ جوهريّ: «أنا أسألك أن تنسى ما قُلتُه، لكنّني أعلم أنّك لا تستطيع؛ الفكرة ستظلّ في ذهنك.» بعد أن حُرِّض واستُفِزّ بهذه الطريقة، كان محتوماً أنّه كان سيمسك بها في السرادق. ذكرت عدّة مرّات الغرفة في القصر – بالطبع أصرّ على الذهاب إلى هناك. غلّفت الأمسية بجوٍّ من الغموض والالتباس. حتّى كلماتها «إذا وعدت بأن تكون عاقلاً» يمكن أن تُفَسَّر بعدّة طرق. أُلهِب عقل الشاب وقلبه بكل المشاعر –السخط، الاضطراب، الرغبة– التي كانت قد غرستها في نفسه بشكل غير مباشر.
تعلّم أن تجعل كل شيء تقوله أو تفعله نوعاً من الإغواء وخاصّةً في المراحل الأولى من الإغواء. دُسّ (إغرس) الشك بتعليقٍ هنا وتعليقٍ هناك عن أناسٍ آخرين في حياة الضحيّة، جاعلاً الضحيّة بذلك تشعر بأنّها حسّاسة (سريعة التأثُر) وهشّة. تماسٌ جسديٌّ طفيف يوحي (يدسّ) بالرغبة، كما تفعل نظرة عابرة ولكن جديرة بالذكر، أو نبرة صوتٍ دافئةٍ بشكلٍ غير معتاد، وكلاهما لأوجز اللحظات. تعليقٌ عابر يوحي بأنّ شيئاً ما حول الضحيّة يثير اهتمامك؛ لكن أبق أسلوبك خفيّاً ومصقولاً، فكلماتك تكشف إمكانيّةً وتخلق شكّاً. أنت تزرع بذوراً ستتجذّر في الأسابيع التي ستقدم. عندما لا تكون هنالك، فإنّ أهدافك سوف يتخيّلون عن الأفكار التي قد أثرتها، وستعتريهم الشكوك. هم يُقتادونَ ببطءٍ إلى شبكتك، دون أن يدركوا أنّك أنت المسيطر. كيف سيتسنّى لهم أن يقاوموا أو يصبحوا دفاعيّين إذا لم يستطيعوا حتّى أن يروا ماذا يحصل؟
......................................
ذلك بمقدورها أن لا يكون لها علاقة من قريبٍ أو بعيد بملامساته الوحشيّة. علاوةً على ذلك فقد كانت مصمّمةً على التماس متعتها في مكانٍ آخر، بصحبة واحدٍ يبدو أنّه أكثر استحقاقاً لحبّها، وهذا كان ما حصل، إذ وقعت عميقاً في حبّ رجلٍ غايةٍ في الجدارة وفي منتصف الثلاثينات من العمر. وعندما كان يمرّ يومً دون أن تضع عيناها عليه، فإنّ القلق كان ينتابها طوال الليل. * لكنّ الرّجل لم يشتبه بأيّ شيءٍ من كلّ هذا؛ ولم يلحظها، وفيما يتعلّق بها، فإنّها لمّا كانت حذرةً جدّاً، فلم تغامر بالتصريح عن حبّها من خلال إرسال خادمةٍ أو كتابة رسالة، خوفاً من المخاطر التي قد يستتبعها هذا. لكنّها كونها لاحظت أنّه كان على علاقةٍ


ما يميَز الإيحاء عن الأنواع الأخرى من التأثير النفسي، كالأمر أو إعطاء جزءٍ من معلومة أو وصيًة، هو أنَ الفكرة في حالة الإيحاء تُثار في دماغ الشخص الآخر دون أن تُفحَص فيما يتعلّق بأصلها وإنَما تُقبَل تماماً كما لو أنَها كانت قد نشأت بشكلٍ عفويً في ذلك الدماغ
- سيغموند فرويد
المفاتيح فلإغواء
أنت لا تستطيع المرور عبر هذه الحياة دون أن تحاول بطريقة أو بآخري أن تقنع الناس بشيء ما اتَبع الطريق المباشر، من خلال قولك ما تريد بالضبط، وقد تجعلك صراحتك تشعر بأنَك جيًد لكنَك على لن تصل إلى أيً مكان. للناس مجموعات أفكارهم الخاصَة، التي تتقسًى وتتحجَر من خلال العادة؛ عندماتدخل كلماتك إلى عقولهم فإنَها تتنافس مع الآلاف من الأفكار المسبقة الموجودة هنالك أساساً ولا تؤدّي إلى أيًة نتيجة. علاوةً على ذلك، فإنّ الناس يمتعضون من محاولتك لإقناعهم، وكأنَهم غير قادرين على اتَخاذ القرار بأنفسهم - وكأنَك تعلم أكثر منهم. فكًر عوضاً عن ذلك في قوّة الدّس والإيحاء. إنَها تتطلًب قليلاً من الصبر والفن، لكن النتائج تستحق أكثر من ذلك بكثير.
الطريقة التي يعمل بها الدسُّ أو الإيحاء بسيطة: تُرمى بإشارة مُقَنَّعةٍ بتعليقٍ أو لقاءٍ عاديً. تكون هذه الإشارة حول مسألةٍ عاطفيًةٍ ما - متعة ممكنة لكن غير محقًقة بعد، غياب الإثارة في حياة الشخص. تُسَجَّل الإشارة (التلميح) في العقل الباطن للهدف كطعنةٍ خفيًةٍ في مكامن اللاأمان لديه أو لديها؛ وسرعان ما يُنسى مصدرها. إنَها أرقُّ وأخفى بكثير من أن تكون بارزةً في ذلك الوقت، وفيما بعد، عندما تتجذًر وتنمو، تبدو أنَها قد بزغت بشكلٍ طبيعيَّ من عقل الهدف بعينه، وكأنَها كانت هنالك من البداية. الدّس أو الإيحاء يدعك تتجاوز مقاومة الناس الطبيعيًة، لأنَهم يدون على أنَهم يستمعون فقط لما قد نشأ في أنفسهم. إنها لغةٌ قائمةٌ بحدّ ذاتها،
......................................
حميمةٍ جدًاً مع كاهنِ بعينه، ممتلئ الجسم وأحرق، إلًا أنَه كان يُعتَبر بالرغم من ذلك راهباً قديراً بشكلٍ استيائي بسبب أسلوبه الورع في الحياة لأبعد. درجات الحدود، فقد قَدرت أنَ هضا الشخص سيخدم كوسيطٍ مثاليً فيما بينها وبين الرجل الذي أحبت. وهكذا، بعد أن تأمَلت بالاستراتيجية التي ستتبنيً، قامت بزيارةٍ في ساعةٍ ملائمة من النهار، إلى الكنسية حيث كان يتواجد، وبعد أن وصلت إليه، قامت بسؤاله عمًا إذا كان يقبل بأن يسمع اعترافها. * نظراً لأنَه كان يستطيع أن يجزم من نظرةٍ واحدة بأنَها كانت سيًدة ذات منزلةٍ رفيعة، فقد أصغى الراهب بسرور إلى اعترافها، وعندما وصلت نهايته.


تتواصل مباشرةُ مع اللاوعي. لا يستطيع مغوٍ ولا مقنعٌ أن يأمل بالنجاح دون إتقان لغة وفنٌ الإيحاء.
وصل رجلٌ غريبٌ ذات مرًة إلى بلاط لويس الخامس عشر. لم يكن اُحدٌ يعلم شيئاً عنه، ولهجته وعمره كانا من غير الممكن تحديدهما. دعا نفسه الكونت سان - جرمان. كان يبدو عليه الثراء؛ فقد التمعت جميع أنواع الجواهر والأحجار الكريمة على جاكينًته، كمًيه، حدائه وأصابعه. كان يستطيع آن يعزف الكمان لدرجة الكمال، ويرسم بشكلٍ رائعٍ إلى حدَّ استثنائي. لكن أكثر شيءٍ مُسكر فيه كان حديثه.
في الحقيقة، كان الكونت أكبر دجًالٍ ومشعوذٍ في القرن الثامن عشر - رجلٌ أتقن فنً الإيحاء. عندما كان بتكلًم، كانت تنزلق منه كلمةٌ هنا وكلمةٌ هناك - تلميحٌ غامضٌ إلى إكسير الحياة أو إلى حجر الفلاسفة، الذي يحوّل المعادن الخسيسة إلى ذهب. لم يقل إنه كان يمتلك هذه الأشياء، لكنه جعلك تقرنه مع قواها. لو ادّعى بساطة أنه يمتلكها، فلم يكن أحدٌ ليصدّقه وكان الناس سيعرضون عنه. كان الکونت يشير إلى رجلٍ كان قد مات من أربعين عاماً كما لو أنَه كان يعرفه شخصياً، إذا كان الحالُ كذلك، فلا بدّ أن يكون الكونت في العقد التاسع من عمره، بالرغم من أنَه كان يدو في عقده الخامس. ذكر إكسبر الحياة.. بدا شابًاً للغاية..
المبدأ الرئيسي لكلمات الكونت كان الغموض والإبهام. كان دائماً يلقي بتلميحاته في قلب الأحاديث الرشيقة، كعلاماتٍ موسيقيًة جميلة في لحن سائر. فقط بعد انقضاء الحديث كان الناس يفكًرون فيما قاله. يعد فترة، بدأ الناس بالتوافد لعنده، وبالاستفسار منه عن حجر الفلاسفة واكسير الحياة، دون أن يدركوا أنَه كان هو من زرع هذه الأفكار في عقولهم. تذكرة لتزرع فكرة إغوائيًة عليك أن تُشاغِل مخيًلات الناس، أحلامهم، وأعمق أتواقهم. ما يجعل عجلة الأمور تدور هو الإيحاء بالأشياء التي يريد الناس سماعها أساساً - إمكانيًة المتعة، الثروة، الصحة، المغامرة. في النهاية، فإنَ هذه الأشياء يتبيًن بالضبط أنَها ما يبدو أنَك تقدّمها لهم. سيأتون عندك كما لو كان ذلك بملء إرادتهم واختيارهم، دون أن يدركوا أنَك دسست الفكرة في رؤوسهم.
في عام 1807، قرًر نابوليون بونابرت أنَه كان من الهام جدّاً أن
......................................
فإنَها تابعت كالآتي: *«أبًتي، كما سأشرح لك الآن، فإنَه يوجد مسألةٌ معًينةٌ، أجد نفسي مُجبرةُ إزاءها على التماس نصيحتك ومساعدتك. بعد أن أخبرتك باسمي قبلاً، فأنا متأكًدة من أنَك سوف تعرف من عائلتي ومن زوجي هو يحبني بهيام أكثر من الحياة نفسها، ومما أنَه غنيٌ بشكلٍ هائل، فإنَه لا يعاني من أدني صعوبة أو تردًد في تزويدي بكلً شيءٍ أظهر تجاهه توقاً وبالتالي، فإنَ حبي له غير محدود بحقً، وإذا كانت مجرًد أفكاري، ناهيك عن أفعالي، ستجري على نحوٍ متعارض مع أمانيه وشرفه، فسأكون أكثر استحقاقاً لنار جهنًم من ألام امرأةٍ عرفتها البسيطة الآن، هناك شخصٌ بعينه، ذو مظهرٍ محترم وهو»


يكسب القيصر الروسي ألكساندر الأول إلى صفًه. أراد شيئين من القيصر. معاهدة سلام يتًفقان من خلالها على اقتسام أوروبا والشرق الأوسط؛ وتحالف من طريق الزواج (المصاهرة)، يطلق من خلاله زوجته جوزفين ويتزوَج من عائلة القيصر. بدلاً من اقتراح هذه الأشياء بطريقة مباشرة، فقد قرر نابوليون أن يغوي القيصر. فمضى إلى التنفيذ مستخدماً اللقاءات الاجتماعية المهذبة والمحادثات الودّية كساحة معركته. زلَة لسان ظاهرية كشفت أن جوزفين لا تستطيع أن تنجب؛ غير نابوليود الحديث بسرعة. تعليقٌ من هنا وتعليقٌ من هناك بدا أنَه يوحي بربط مصير فرنسا وروسيا بعضهما البعض. ذات ليلة، تحدّث عن رغبته بأن يكون لديه أولاد وتنهد بحزن، وذلك مباشرةُ قبل أن يهمّا بالافتراق، ومن ثمً اعتذر ليذهب إلى السرير، تاركاً القيصر لينام على هذا. رافق القيصر لحضور مسرحيًةٍ تتحدّث عن المجد، الشرف، والإمبراطوريًة؛ في المحادثات اللاحقة، أستطاع أن يخفي إيحاءاته تحت قناع مناقشة المسرحيًة. خلال بضعة أسابيع، كان القيصر يتكلًم مع وزرائه عن تحالفٍ عن طريق الزواج ومعاهدة مع فرنسا كما لو كانت أفكاره الخاصًة.
زلاًت اللسان، التعليقات التي تبدو ظاهرياً على أنَها غير مقصودة وتأخذ وقتاً حتًى تختمر، الإشارات (من يشير) الإغرائية، التصريحات التي تعتذر عنها بسرعة - جميعها تتمتًع بقوّة إيحائيًة هائلة. هي تتسلًل إلى لاوعي الإنسان كالسمً، وتتًخذ شخصية مستقلًة خاصةً بها. المبدأ الأساسي للنجاح في إيحاءاتك يكمن في أن تقوم بها عندما تكون أهدافك في أكثر حالاتهم استرخاء وعدم انتباه، لكي لا يكونوا مدركين لما يحصل. الإغاظة المهدّية غالباً ما تكون الواجهة المثلى لهذا، فالناس يكونون مستغرقين فيما سيقولونه بعد، أو في أفكارهم الحاصًة. بالكاد ستُسَجًل ملاحظاتك، وهذا ما تريده.
في حملة من حملاته الأولى، خاطب جون إف. كينيدي مجموعة. من المحاريين القدامى. مآثر كينيدي الشجاعة خلال الحرب العالمية الثانية - حادثة بي تي - 109 كانت قد صنعت منه بطل حرب - كانت معروفةً من قبل الجميع؛ لكن في خطابه، كان يتحدّث عن الرجال الأخرين الذين
......................................
على معرفةٍ وثيقةٍ بك إن لم أكن مخطئة. أنا حقًاً لا أعرف أسمه. لكنَه طويل ووسيم، ثيابه بًتية اللون وأنيقة التصميم، ويبدو أنَه ضرب حصاراً حولي، ولعلً سبب ذلك أنَه غير مدرك لطبيعتي المصمًمة. دائماً وأبداً يلتفت إلىً كلًما نظرت من النافذة أو وفقت ببات بيتي أو غادرت المنزل، وأنا في الواقع متفاجئة لكونه ليس هذا الآن. لا داعي للقول أنَني منزعجة جدًاً حيال كلً هذا، لأنَ أسلوب تعاطيه كثيراً ما يَصِم المرأة الفاضلة بصيبً سيًء، حتى لو كانت بريئةً تماماً. *».. بمحبًة الله، إذن، أتوسَل إليك بأن تكلًمه بشدًة وتقنعه بأن يحجم عن إلحاحه المزعج، هنالك العديد من النساء الأخريات اللواتي من غير ريب


شاركوا، دون أن يذكر نفسه أبداً. كان يعلم، على أيًة حال، أنَ ما فعله كان حاضراً في ذهن الجميع، لأنَه في الواقع كان قد وضعه هناك. لم يؤدً وحسب صمت كينيدي إزاء ذلك الموضوع إلى جعلهم يفكرون فيه لوحدهم، بل وجعل كينيدي يبدو متواضعاً وحييًاً، وهي من الصفات التي تقترن بالبطولة. في الإغواء، كما نصحت المحظيًة الفرنسية نينون دي لانكلو، من الأفضل ألاً تتكلًم عن حبّك للشخص. دع هدفك يقرأ ذلك في سلوكك. صمتك عن الموضوع سيكون له قوّةٌ إيحائيًة أكبر مَما لو تحدّثت عنه مباشرةً.
ليست الكلمات هي وحدها التي تَدُسً وتوحي؛ أَعِر الانتباه للإيماءات والنظرات. التقنية المفضًلة لدى المدام ريكاميير كانت أن تبقي كلماتها عاديًة والنظرة التي في عينيها مغرية. تدفًق الحديث كان يمنع الرجال من التفكير عميقاً بهذه النظرات العرضيّة، إلًا أنَها كانت تلازمهم. اشتُهِر المورد بايرون بـ «نظرته التحتيًة»: فبينما كان الجميع يناقشون موضوعاً ما غير مثيرٍ للاهتمام، كان يحني رأسه إلى الأسفل، لكن عندها كانت تراه إحدى الفتيات (الهدف) وهو يسترق النظر إليها، بينما لا يزال رأسه منحنياً. تلك النظرة كانت تبدو خطيرةً، ومتحدّيةً لكنَها في نفس الوقت ملتبسة وغامضة؛ العديد من النساء وقعن في شباكها. الوجه يتكلًم لغته الخاصًة. نحن متعوّدون على قراءة وجوه الناس، التي غالباً ما تكون مؤشًراً أفضل عن مشاعرهم مَما يقولون، والذي (أي ما يقولون) يسهل التحكًم به. بما أنّ الناس يقرؤون نظراتك على الدوام، فاستخدمها لإرسال إشارات الدّس والإيحاء التي تختار?
أخيراً، سبب نجاعة الإيحاء أو الدًس لا يكمن فقط في أنَه يتجاوز مقاومة الناس الطبيعيةً، بل وأيضاً في أنَه لغة المتعة. يوجد قليلً جدّاً من الغموض في هذا العالم؛ السواد الأعظم من الناس يقولون بالضبط ما يشعرون أو يريدون. نحن نتوق لشيءٍ ملغًزٍ ومبهم، لشيءٍ يغذًي تخيًلاتنا. بسبب غياب الإيحاء والالتباس في الحياة اليومية، فإنَ الشخص الذكي يستخدمهما يبدو فجأةً على أنه يتحلًى بشيءٍ مغر ٍوواعد. إنًه نوعٌ من اللعبة
......................................
يجدن هذا النوع من التصرًف مسلًياً، واللواتي سيستمتعن بكونهنَ مرموقاتٍ بنظراتٍ غراميًة ومُتَجَسَسَ عليهنَ من قِبله، لكن أنا شخصًياً ليس لديَ ميلً لهذا الشيء البتًة، وأجد هذا النوعٍ من السلوك مزعجاً بشكلٍ استثنائي.» *وبعد أن فرغت من كلامها، قامت السيًدة بإحناء رأسها وكأنَها كانت علىوشك الانفجار بالبكاء. * أدرك الراهب الُموَقَر مباشرةً من كانت تشير إليه، وبعد أن دعا لها بحرارة بصفاء السريرة.. وقد وعد بأن يتًخذ كل الخطوات اللازمة ليضمن توقًف رفيقه عن إزعاجها.. * بعد ذلك بفترة قصيرة، قام الرجل الَمعني بإحدى زياراته المعتادة إلى الراهب، وبعد أن تحادثا سريًةً لبرهة عن مواضيع


المدغدغة - ما الجديد الذي عند هذا الشخص؟ ماذا يعنى أو تعنى؟ التلميحات، الإيحاءات، والدّس تخلق جوّاً إغوائيًاً، إذ تشير إلى أنَ ضحيتها لم يَعُد مشغولاً بالأعمال الروتينيًة للحياة اليوميًة وإنَما دخل عالماً جديداً.
الرمز: البذرة.
التربة مُحَضًرة بعناية. تُزرَع البذور قبل
شهور. بمجرّد ما تصبح في الأرض، فلا أحد
يعلم من اليد التي رمت بها هناك. فهنً جزٌء
من الأرض. أخفٍ تلاعباتك من خلال زرعِ
بذور تأخذ جذوراً لوحدها.
النظرات هي المدفعًية الثقيلة للغزل: فكلً شيءٍ يمكن أن ينقل من خلال نظرة، ومع ذلك فإنه من الممكن إنكار تلك النظرة، لأنَه لا يُمكن الاستشهاد بها كلمةُ بكلمة.
- ستندال، مُقتَبَس في النقيصة. مقتطفات أدبيًة مختارة، تحرير ريتشارد دافنبورت - هينس
......................................
عامَة، قام الراهب بأخذه إلى ركنِ من المكان وأنًبه بطريقةٍ رقيقةٍ جدًاً على النظرات الغراميًة التي، كما أفهمته السيًدة، كان يلقيها. * ذُهِل الرجل وذلك لم يكن أمراً غير طبيعيَّ، لأنَه لم ينظر أبداً بتلك الكثرة إلى السيًدة وكان من النادر جدًاً أن يمرً من عند منزلها..*بما أنَ الرجل نوعاً ما أحدً ملاحظةً من الراهب الُموقًر، فلم يكن بطيئاً تماماً بتقدير ذكاء السيًدة، فرسم على وجهه تعبيراً مرتبكاً بعض الشيء، ووعد بألاً يزعجها بعد ذلك. لكنَه بعد أنَ ودًع الراهب، فقد اتُجه نحو منزل السيًدة، التي كانت تقوم بمراقبة مستمرًة من نافذةٍ بالغة الصغر بحيث تراه إذا حدث ومرً بجانب المنزل.. ومن ذلك

الانقلاب
الخطر في الإيحاء يكمن في أنَه عندما تترك الأشياء ملتبسة فإنّ هدفك قد يسيء تفسيرها. هنالك لحظات، وخاصًةً في المراحل اللاحقة من الإغواء، عندما يكون من الأفضل أن تعتر عن فكرتك بشكل مباشر، وخاصًةً ما إنَ تعلم أنّ هدفك سيرحًب بها، غالباً ما تصرف كازانوفا بهذه الطريقة. عندما كان يحسً بأنً امرأةً ترغب به، وتحتاج إلى قليلٍ من التهيئة، فإنًه كان يستخدم تعليقاً مسرفاً في التعبير عن العاطفة وصادقاً ومباشراً كي يُفقِدها الاتًزان ويسكرها كدواءٍ مخدّر ويجعلها تقع تحت سحره. نادراً ما كان جابريل دانونزيو (الخليع والكاتب) يتوانى عندما يلتقي بامرأة يرغب بها. فالإطراء كان يتدفًق من فمه وقلمه. كان يسحر «بصدقه» (الصدق يمكن التظاهر به وادّعاؤه، وهو مجرّد استراتيجيًة واحدة من ضمن الأخريات). لكنً هذا يفلح فقط عندما تشعر بأنَ الهدف قد أصبح ملكك بسهولة. إذا لم يكن الحال كذلك، فإنَ الدفاعات والارتيابات التي يثيرها هجومك المباشر ستجعل إغواءك لهدفك مستحيلاً عندما يخامرك الشك، تكون المواربة (الأسلوب غير المباشر) هي الطريقة الأفضل.
......................................
اليوم فصاعداً. واصل بمنتهى التعقَل ما بدأه معطياً الانطباع بأنَه كان منهمكاً بالكامل بعملٍ آخر، وأصبح زائراً نظاميًاً للحتى.
-جيوفاني بوكاتشيو، عمل العشرة أيًام، ترجمة جاي. إتش ماك ويليام.


7
ادخل في نفسِيَّاتهم (روحهم)
معظم الناس
منغَلقون في عوالمهم
الخاصة، مما يجعلهم عنيدين
وعسيري الإقناع الطريقة لتستدرجهم
خارج قوقعتهم وتَنصُب إغواءك هي ان تدخل
أمزجتهم ونفسياتهم. اللعب وفقاً لقوانينهم واستمتع
بما يستمتعون به وكيف نفسك مع أمرجتهم بعملك لهذا سوف
تلاعب نرجسيتهم العميقة الجذور وتُخَفَّض دفاعاتهم. سيفتحون، ويصبحون
عرضةً لتأثيرك الحفي بعد أن توَمَتْهم مغناطيسيًاً صورة المرأة التي تقدًمها. سرعان
ما ستستطيع أن تبدّل الديناميكيًة. ما إن تكون قد دخلت نفسيًتهم حتًى
تستطيع أن تجعلهم بلجوا في نفستيك، في مرحلةٍ يكون عندها
التراجع قد فات أوانه. تساهل مع تقلَّباتهم ونزواتهم
وبذلك تكون قد حرمتهم من أي
شيء ليبدو ردَّ فعلٍ ازاءه
أو يقاوموه.


استراتيجية التساهل والتسامح
في أوكتوبر من عام 1961، مُنحَت الصحفية سيندي آدامز مقابلةً حصريًة مع رئيس إندونيسيا (سوكارنو). لقد كانت ضربةً موفقةً استثنائيًةً وغير متوقًعة، فآدامز كانت صحفيًةً مغمورةً في ذلك الوقت، بينما سوكارنو كان شخصيًةً عالميًةً بارزة في خضمً أزمة. كان قائداً للنضال من أجل استقلال إندونيسيا، ورئيسا لها منذ عام 1949، عندما تخلًى الهولًنديًون أخيراً عن المستعمرة. كانت قد جعلته سياسته الخارجيًة الجريئة مكروهاً لدى الولايات المتًحدة من بداية ستًينات القرن الماضي، وأخذ البعض ينادونه بهتلر آسيا.
قرًرت آدامز ألاً تُرَوَّع أو يُهَوّل عليها من قبل سوكارنو وذلك من أجل أن تُقَدّم مقابلةً رشيقة ومفعمة بالحياة، لذا بدأت المحادثة بممازحته. ممًا فاجأها وأسعدها أنَ أسلوبها في كسر الجليد قد فعل فعله: كان سوكارنو دافئاً معها. ترك المقابلة تستغرق أكثر من ساعة ونيٌف، وعندما انتهت حمًلها بالهدايا. كان نجاحها لافتاً بما فيه الكفاية، لكنَ النجاح الأكبر كان الرسائل الودّية التي أخذت تلقًاها منه بعد أن عادت هي وزوجها إلى نيويورك. بعد عدّة سنوات اقترح أن تتعاون معه في كتابة مذكًراته الذاتيًة.
ارتبكت آدامز التي كانت معتادةً على كتابة المقالات الإطنابيًة عن مشاهير الدرجة الثالثة. كانت تعلم صيت سوكارنو كدونجوانٍ شيطانيً – المغوي العظيم، كما كان يدعوه الفرنسيون. كان لديه أربع زوجات والمئات من الفتوحات الجنسية. كان وسيماً، ومن الواضح أنًه كان منجذباً إليها، لكن لم اختارها لهذه المهمًة ذات الاعتبار والهيبة؟ لعلً الليبيدو الذي لديه كان أقوى بكثير من أن يعبأ بهكذا أشياء. على الرغم من ذلك، فقد كان عرضاً لا تستطيع أن ترفضه.
......................................
هل أنت متلهَفٌ للاحتفاظ بخليلتك؟ / أقنعها بأنَها قد زلزلت كيانك/ بنظراتها المدوَخة. إذا كان الأرجوان هو ما ترتديه، فأثنى على الأرجوان/ عندما ترتدي ثوباً حريريًاً قل أنَ الحرير/ هو أكثر ما يناسبها على الإطلاق.. أبدٍ إعجابك/ بصوتها عندما تغنًي، وبحركاتها عندما ترقص، / أصرخ «ثانية!» عندما تتوقَف. يمكنك أن تطري. حتَى/ أداءها في السرير، موهبتها في ممارسة الحبَ/ تلفَظ بما أثار إعجابك. / بالرغم

في عام 1964، عادت آدامز إلى إندونيسيا. كانت قد قرًرت أن تحافظ على استراتيجيًتها: ستكون السيّدة الصريحة والجريئة التي بدت أنَها سحرت سوكارنو قبل ثلاث سنوات. خلال مقابلتها الأولى معه من أجل الكتاب، تذمًرت بلهجةٍ قويًةٍ نوعاً ما حيال الغرف التي خضضت لها من أجل السكنى. بعثت برسالةٍ له – كما لو كان سكرتيرها - من اجلا أن يوقًعها، حيث فصًلت فيها كيفيّة المعاملة الخاصًة التي كانت تتوقًعها من قبل الجميع بلا استثناء. وقًع الرسالة وعمل بما فيها، الأمر الذي أذهلها.
الأمر التالي على جدول أعمال آدامز كان رحلة في إندونيسيا لتجري مقابلاتٍ مع الناس الذين عرفوا سو كارنو في صباه وشبابه. لذا اشتكت له عن الطائرة التي كانت ستقلًها، وقالت عنها أنَها غير آمنة. «سأقول لك أمراً يا عزيزي،» قالت له، «أعتقد أنه يجب عليك أن تمنحني طائرة خاصة.» فأجاب وقد ظهر عليه الارتباك نوعاً ما: «حسنٌ». إلًا أنَها تابعت القول: واحدةً، على أيً حال، لا تكفي؛ وطالبت بعدّة طائرات وهليكوبتر وبطيّارٍ خاصٍ، كفؤ. وافق على كل شيء. لم يبدُ على قائد إندونيسيا الخوف من آدامز وحسب، لكته كان أيضاً تحت سحرها بالكامل. أطرى ذكاءها وظرافتها. اعترف لها في إحدى المرًات، «هل تعلمين لماذا أفعل هذه السيرة الذاتيّة؟ ... فقط بسببك، ذلك هو السبب». انتبه لثيابها وأثنى على أطقمها، ملاحظاً أيً تغيير طرأ عليهم. كان أشبه بمتودّدٍ متزلف منه بـ «هتلر أسيا.»
من المحتوم، بطبيعة الحال، أنَه حاول مواقعتها عدًة مرًات. فقد كانت امرأةٌ جذابةٌ. أوَلاً كان يضع يده على يدها، ومن ثمً يسرق قبلة. رفضته بازدراء في كلً مرّة، موضحةً أنَها كانت سعيدةً بزواجها، لكنَها قلقت: إذا كان كلً ما يريده هو علاقة غراميًة، فإنّ اتَفاق الكتاب بأكمله يمكن أن ينهار. مجدّداً، على الرغم من ذلك، بدت أنَ استراتيجيًة الصراحة والُمباشرة التي اتَبعتها على أنَها الاستراتيجيًة الصحيحة. من المفاجئ أنَه تراجعٍ من دون غضب أو امتعاض. وعد بأنَ تعلًقه بها سيبقى أفلاطونيًاً (عذريًاً). وَجَب عليها الاعتراف بأنَه لم يكن أبداً كما توقًعته، او كما وُصِفَ الها. لعلًه كان يحبَ ان يُسَيطَر عليه من قبل النساء.
استمرًت المقابلات لعدّة شهور، ولاحظت تغيراتٍ طفيفة عنده. ظلًت تخاطبه بألفة (بعدم كلفة)، مُتِبًلةٌ المحادثة بتعليقاتٍ جريئة، لكتَه الان كان يرد على هذه التعليقات بتعليقاتٍ مماثلة، مستمتعاً بهذا النوع من المشاكسة
......................................
من أنَها قد تظهر عنفاً في تصرًفاتها أكثر من أيًة ميدوسَا، / إلا أنَ حبيبها سيصفها دائماً على أنَها رقيقة/ ولطيفة لكن أحرص على ألاً تكشف نفسك بينما تقوم بمجاملات مَزوحة كهذه، لا تسمح/ لتعبيرك بأن يخرًب الرسالة. يكون الفنً غايةً في الفاعليًة/ عندما يُخفى. كشف أمرك سيفقدك مصداقيتك إلى الأبد.
-أوفيد، فن الحب، ترجمة بيتر غرين الصبي الصغير (أو البنت) يسعى لسحر والديه. في الأدب الشرقي، يُعتَبر التقليد واحداً من طرق الجذب. النصوص السسكريتية، على سبيل المثال، تعطى دوراً مهمًاً لحيلة المرأة التي تستنخ ثياب وتعابير حبيبها وطريقته في الكلام. هذا النوع من الدراما الُمتسم بالتقليد والمحاكاة يستحث المرأة التي، «كونها غير قادرة على الاتًحاد مع محبوبها، تحاكيه كي تثنًت أفكاره.»


(المضايقة) الأنيقة. تبنًى نفس المزاج المفعم بالحياة الذي فرضته على نفسها بشكل استراتيجيً. في البداية كان يلبس بذًته العسكريًة، أو بدلاته الإيطاليًة. الآن أصبح يلبس بشكلٍ اعتيادي، بل وحتَى يمشي حافياً، بعد أن انسجم مع أسلوب علاقتهما غير الرسمي. ذات ليلة أثنى على لون شعرها. فشرحت له أنَها كانت تصبغ شعرها باستخدام صبغة كليرول، اللون الأسود المزرقً. أراد أن يحصل على نفس اللون؛ لذا كان عليها أن تحضر له عبوة. عملت كما طلب منها، متخيًلةً أنَه كان يمزح، لكنَه بعد بضعة أيام طلب أن تتواجد في القصر لكي تصبغ شعره. فعلت كذلك، والآن أصبح لديهما نفس لون الشعر بالضبط.
الكتاب، سوكارنو: السيرة الذاتية كما روتها سيني آدامز، نُشِرَ في عام 1965. ما فاجأ القرًاء الأمريكيًين أنَ الكتاب حمل الانطباع بأنّ سو كارنو كان ساحراً ومحبوباً بشكل لافت، وتلك بالفعل كانت الكيفيًة التي وصفته بها آدامز للجميع. إذا جادلها أيً شخص، كانت تقول أنَهم لم يعرفوه كما عرفته. شُرَّ سوكارنو، وانتشر الكتاب على نطاقٍ واسع. ساعده الكتاب على كسب التأييد والتعاطف في اندونيسيا، حيث كان الآن مهدّداً بانقلاب عسكري. ولم يتفاجأ سوكارنو - إذ كان يعلم أن آدامز ستؤدّي عملاً أفضل بكثير (فيما يتعلق مذكًراته) من أيً صحفيٌّ «جادً».
التفسير. من كان يقوم بإغواء من؟ إنَه كان سو كارنو من قام بالإغواء، وإغواؤه لآدامز اتَبع نسلسلاً تقليديًاً. أوًلاً اختار الضحيًة المناسبة. صحفيًةً ذات خبرة كانت سترفض إغراء العلاقة الشخصيًة مع صاحب العمل، وصحفيٌّ رجل سيكون أقلً عرضةً لسحره. لذلك اختار امرأةً، والتي كانت خبراتها الصحفيًة تكمن في مكانٍ آخر. أرسل رسائل مختلطة. فقد كان ودوداً معها، لكنَه لمحٌ إلى نوعٍ آخر من الاهتمام أيضاً. بعد ذلك، أي بعد أن دسَ الشك في ذهنها (لعلَه كان يريد مجرّد علاقة؟)، انتقل لمحاكاتها (عكس صورة تصرفاتها). سايرها وتماشي مع كلً حالاتها، وانكفأ متراجعاً في كلً مرًة تذمًرت فيها. تدليل الأشخاص والتساهل معهم هو نمطً من دخول تقسيًتهم من خلال جعلهم يسيطرون في الوقت الراهن.
لربَما تودًدات (تحرًشات) سوكارنو لآدامز أظهرت شهوته التي لا يمكن
......................................
* الطفل أيضاً، مستخدماً أدوات السلوكيًات المقلًدة، يلبس، وإلى ما هنالك، سعياً منه إلى سحر الأب أو الأم إلى أن يحقًق مأربه السحري الذي هو إذن «تشتيت أفكارهما.» التماهي يعنى أنَ المرء يتخلًى ولا يتخلًى عن الرغبات العاشقة. إنَه إغراء يستخدمه الطفل ليأسر اهتمام والديه والذي، يجب أن نعترف، ينصاعان له. الشيء نفسه ينطبق على الجماهير، الذين يحاكمون قائدهم، يحملون اسمه ويكرًرون إيماءاته، هم ينحنون له، لكن في نفس الوقت وبشكل غير واع ينصبون فخاً لاحتجازه. الاحتفالات والتظاهرات العظيمة هي بالضبط مناسبات تسحر فيها العوامٌ القائد والعكس وبالعكس.
-سيرج موسكوفيتثي، عصر العامَة، ترجمة جاي. سي. وايتهاوس. أخي السادس، الذي


التحكًم بها أثناء العمل، أو لعلّها كانت أكثر دهاء ومكراً. كان لدى صيتٌ كدونجوان؛ أن يعجز عن التحرًش بها كان من شأنه أن يجرح مشاعرها. (النساء غالباً ما ينزعجن أقل مًما تتصوّر عندما يجدهن أحدهم جذًابات، وسوكارنو كان ذكيًاً بما فيه الكفاية ليعطي كلً واحدة منهنَ الانطباع بأنَها كانت الأثيرة عنده.) لذا قرًر أن يسلك طريقاً مختصراً كي يدخل في نفسيًتها بشكلٍ أعمق، وذلك من خلال محاكاة سيماء اللأ تكلًف التي لديها، بل وحتًى تأنيث نفسه بشكلٍ بسيط من خلال اتًخاذ لون شعرها. النتيجة كانت أنَها كوّنت عنه انطباعاً مغايراً لما توقًعت أو خشيت أن يكونه. أقلّه لم يكن مصدر تهديد، وفي النهاية فقد كانت هي من يمسك بزمام السيطرة. الأمر الذي فشلت آدامز في إدراكه كان أنَه ما إن تخلًت عن دفاعاتها حتَى أصبحت غافلةً عن مدى عمق مشاغلته لعواطفها. لم تكن هي من سحرته، بل كان هو من سحرها. ما أراده من البداية كان ما حصلٍ عليه: سيرة ذاتيًة بقلم أجنبيًة متعاطفة والتي قدّمت للعالم وصفاً (تصويراً) جذًاباً عن رجلٍ كان يرتاب في أمره الكثيرون.
من بين كل التكتيكات الإغوائيًة، لربَما يكون دخول روح الشخص هو أكثرها شيطانيًةً. فهذا التكتيك يعطي ضحاياك الشعور بأنَهم من يقوم بالإغواء. واقِعُ قيامك بإشباع رغباتهم ومحاكاتهم ودخولك نفسيّاتهم يوحي بأنَك تحت سحرهم. أنت لست مغوياً خطيراً كي يُحْذَّرَ منه، وإنَما ليَن العريكة وغير مُهَدّد. الانتباه الذي تعيرهم إيّاه يُسكِرُهم - بما أنَك تعكس صورتهم، فإن شيء يرونه ويسمعونه مثل يعكس أذواقهم والأنا الخاص بهم. وياله من دعمٍ لغرورهم. كل هذا يحضًر للإغواء، أي لسلسلة المناورات التي سوف تقلب الديناميكيًة رأساً على عقب. ما إن يتخلّوا عن دفاعاتهم حتَى يصبحوا عرضةً لتأثيرك. سرعان ما ستبدأ بقيادة الرقصة، ودون حتَى أن يلاحظوا، سيجدون أنفسهم وقد دخلوا نفسيًتك. هذه هي نهاية اللعبة.
النساء لا يشعرن بالطمأنينة والراحة إلاً مع أولئك الذين يجازفون معهنَ ويدخلون نفسيًاتهنَ.
-نينون دي لانكلو
......................................
قام أمير المؤمنين بقطع كلتا شفتيه، يُدعى شقاشقٍ. * كان فقيراً جدًاً خلال شبابه ذات يون، بينما كان يتوسُل في شوارع بغداد، مرً بقصرٍ سنسيً، حيث وقف ببوًابته صفٌ مهيًب من الخدم والحشم. أخبِر أخي لدى استعلامه بأنَ المنزل كان ملكاً لفردٍ من أسرة برمسيد الثريًة والمتنفَذة. دنا شقاشق من حراس الباب واستجدى صدقةً. *«أدخل،» قالوا له، «وسيعطيك سيَدنا كل ما تشتهيه.»* دخل أخي في الردهة السامقة وتابع سيره نحو قاعةٍ فسيحةٍ مُبَلًةٍ بالمرمر، مزدانةٍ بالسجف وتطلً على حديقةٍ جميلة. وقف مذهولاً للحظة. دون أن يعلم إلى حيث يتجه، وبعد ذلك تقدًم إلى النهاية البعيدة من القاعة. هنالك، بين الطنافس، اتًكأ رجلٌ عجوزٌ بهيً الطلعة وذو لحيةٍ طويلة، والذي مًيزه أخي مباشرةً كسيًد المنزل.*«ماذا أستطيع فعله لك يا»


المفاتيح للإغواء
واحد من أكبر مصادر الإحباط في حياتنا يكمن في عناد وتصلب الناس الآخرين. ما أصعب الوصول إليهم، وجعلهم يرون الأشياء كما نراها (وفقًا لمنظورنا). غالبًا ما يخامرنا الانطباع بأنه عندما يبدو أنهم يستمعون لنا، ويتفقون معنا ظاهريًا، فإن كل ذلك عبارة عن مظاهر سطحية- ففي اللحظة التي تغيب فيها، يرتدون إلى أفكارهم الخاصة، نمضي حاتنا ونحن نصطدم وننتاطح بالناس الآخرين، كما لو كانوا جدرانًا حجرية. لكن بدلاً من التذمر حيال مدى إساءة فهم الناس لك أو تجاهلهم إياك، لم لا تحاول شيئًا مختلفًا: عوضًا عن رؤية الناس كمصطفين وضيعين أو لا مباليين، عوضًا عن محاولة تصور سبب تصرفهم بالطريقة التي بها يتصرفون، انظر إليهم من خلال عيني المغوي. الطريقة لاستمالة (لاستدراج) الناس خارج عنادهم وهوسهم الذاتي الفطريين تكون من خلال دخول نفسياتهم.
كلنا نرجسيون. عندما كنا أطفالاً كانت نرجسيتنا مادية أو جسمانية: كنا مولعين بصورتنا الخاصة وجسمنا كما لو كان كائنًا مستقلاً عنا. عندما تتقدم في السن تنحو نرجسيتنا نحو أكثر سيكولوجية: نصبح مستغرقين بأذواقنا، آرائنا، خبراتنا. تتشكل من حولنا قوقعةٌ قاسية. المفارقة تكمن في أنَّ الطريقة لاستمالة الناس خارج هذه القوقعة تكون من خلال أن نصبح مثلهم، أي أن نصبح في الواقع كنوع من انعكاس لهم على المرأة. أنت لست مضطرًا لأن تنفق أيامًا في دراسة ذهنياتهم؛ ببساطة تكيّف مع أمزجتهم وأذواقهم، سايرهم وادّع الموافقة مع أيّ شيءٍ يقذفونه في وجهك. ستخفض دفاعيتهم الفطريّة من خلال فعلك لهذا. إحساسك بالتقدير الذاتي لن يشعر بأنَّه مهدد من قبل غرابتك أو عاداتك المختلفة. الناس يحبون أنفسهم بحق، لكن أكثر شيءٍ يحبونه على الإطلاق هو أن يروا أفكارهم وأذواقهم وقد انعكست عند شخص آخر. هذا يصادق عليهم وعلى آرائهم وأذواقهم. هم يسترخون بعد أن نوّمَتْهُم مغناطيسيًّا صورتهم المنعكسة. أما وأن جدارهم الداخلي قد تفوّض وانهار، تستطيع عندها أن تحملهم على الانفتاح، وأن تقلب في آخر المطاف الديناميكية رأسًا على عقب. ما إن يُصبحوا منفتحين لك، يصبح من السهل أن تعديهم بأمزجتك وحرارتك
......................................
صديقي؟» سأل الرجل المسن، بينما كان ينهض ليرحب بأخي. * عندما أجاب شقاشق بأنه متوسل جائع، فإن الرجل المسن عبر عن أعمق درجات التعاطف ومزق ثيابه الجميلة صارخًا: «هل من الممكن أن يكون هناك رجل بمثل جوعك في المدينة التي أقطن فيها؟ إنه بالفعل عارٌ لا يمكنني تحمله!» بعد ذلك طمأن أخي، مستطردًا: «أصر على أن تبقى معي وتشاطرني عشائي»
* لدى هذه العبارة قام سيد المنزل بتصفيقة بيديه واستدعى أحد العبيد: «اجلب الحوض والإبريق» بعد ذلك قال لأخي: «أقبل يا صديقي واغسل يديك» * نهض شقاشق ليهم بهذا، لكنه لم ير لا حوضًا ولا إبريقًا.
ارتبك لدى رؤيته لمضيفه وهو يقوم بإيماءات وكأنه يصب الماء على يديه من وعاء غير مرئي ومن ثمَّ يجفف يديه بمنشفة غير مرئية عندما انتهى، نادى


الخاصة. دخولك في روح الشخص الآخر هو نوع من التنويم المغناطيسي؛ إنّه الشكل الأكثر فاعليّة وغدرًا من الإقناع الذي يعرفه الإنسان.
في الرواية الصينية من القرن الثامن عشر حلم حجرة النوم الحمراء، كل فتيات منزل شيا المزدهر يحببن باو يو الخليع. هو وسيم من غير ريب، لكن ما يجعله لا يُقاوم هو قدرته الخارقة للطبيعة على دخول روح الفتاة اليافعة. أمضى باو يو شبابه حول الفتيات، اللواتي لطالما فضّل صحبتهم. كنتيجة لذلك لم يعط الانطباع بكونه عدوانيًا أو مصدر تهديد. كان يُمنح الدخول إلى غرف الفتيات اللواتي كن يرونه في كل مكان، وكلما رأينه وقعن تحت سخره. لا يمكن القول بأن باو يو كان أنثويًا، فهو يظل رجلاً، لكن رجلاً من شأنه أن يكون على قدرٍ متفاوتٍ من الرجولة تبعًا لما يقتضيه الموقف. الفته للفتيات منحته المرونة كي يدخل نفسياتهن.
هذا امتياز عظيم الاختلاف ما بين الجنسين هو ما يجعل الحب والإغواء ممكنين، لكنه يشمل أيضًا على عنصر الخوف وعدم الثقة. قد تخاف المرأة من عدوان الرجل وعنفه؛ والرجل غالبًا ما يكون غير قادر على ولوج روح المرأة، لذا يبقى غريبًا ومصدر تهديد. معظم المغوين في التاريخ، من كازانوفا لجوف إف. كينيدي، ترعرعوا وهم محاطون بالنساء وتحلوا بملسة أنثوية هم أنفسهم. الفيلسوف سورين كيركيجارد في روايته يوميات مغوي، ينصح بإمضاء وقت أكبر مع الجنس الآخر، من أجل معرفة «العدو» ونقاط ضعفه لكي تستطيع تحويل هذه المعرفة إلى صالحك.
نينون دي لانكلو، التي كانت واحدة من أعظم المُغويات اللاتي عشن على سطح المعمورة، تحلت بخصائص ذكورية واضحة. كانت تستطيع أن تُثير إعجاب الرجل بذكائها الفلسفيّ المتّقد، وتسحره من خلال ظهورها كمن يشاطره اهتمامه بالسياسة والحرب. طور العديد من الرجال صداقات عميقة معها، فقط ليقعوا بعدها في الحب بجنون. الرجولة لدى المرأة تسترضي الرجال تمامًا كما تفعل الأنوثة لدى الرجل مع الإناث. بالنسبة للرجل، يمكن لغرابة المرأة أن تخلق إحباطًا بل وحنّي عدوانيّةً. قد يُغري أو يُستدرَج لواقعةٍ حنسية، لكن رقية (سحرًا) أطول أمدًا لا يمكن أن تُخلق دون إغواء فكري مرافق. المفتاح هو أن تدخلي روحه. الرجال غالبًا ما يُغوون بالعنصر الرجولي في سلوك أو شخصية المرأة.
......................................
المضيف الخدم: «وأحضروا الطاولة!» * أسرع عدد من الخدم إلى داخل وخارج القاعة كما لو أنهم كانوا يحضرون لوجبة. كان أخي لا يزال لا يستطيع أن يرى شيئًا. ومع ذلك فقد دعاه مضيفه ليجلس على طاولةٍ تخيلية، بقوله: «شرفتني بتناولك لهذا اللحم» حرك الرجل المسن يديه وكأنه كان يلمس صحونًا غير مرئية» وكذلك حرك فكه وشفتيه كما لو أنه كان يمضغ. بعد ذلك قال لشقاشق: «كل قدر استطاعتك يا صديقي، لأنه لا بد وأنك جوعان» * بدأ أخي بتحريك فكه، ليمضغ ويبتلع، وكأنه كان يأكل، بينما استمر العجوز بملاطفته قائلاً: «كل يا صديقي، ولاحظ جودة الخبز وبياضه».
* «هذا الرجل» فكر شقاشق «لابد وأنه مولع بالمداعبات السمجة» لذا قال: «إنه يا يسدي أكبر بياضًا من أيّ خبز رأيته في كل حياتي ولم أتذوّق مثله في



في رواية كلاريسا (1748) التي كتبها سامويل ريتشاردسون، يتم التودد لكلاريسا اليافعة والورعة من قبل الخليع سيء الصيت لوفلايس. كلاريسا كانت تعلم بسمعة لوفلايس، لكنه لم يتصرف في معظم الأحيان كما توقعت منه أن يتصرف: فقد كان مهذبًا، وبدا حزينًا بعض الشيء ومضطربًا. في إحدى المرات كانت تكتشف أنه عمل عملاً في غاية النبل والإحسان مع عائلة تعاني من العَوَز، فيعطي مالاً للأب، ويساعد ابنه الرجل على الزواج، ويقدّم لهم النصيحة الحكيمة. في النهاية اعترف لوفلايس لكلاريسا بما كانت قد اشتبهت به: كان يريد أن يتوب وأن يغيّر طرائقه. رسائله لها كانت عاطفية، وتكاد تكون دينيّةْ في شغفها وهيامها. لعلها ستكون من يقوده إلى جادة الصواب والاستقامة؟ لكن لوفلايس كان قد أوقعها في شراكه: كان يستخدم تكنيك المغوي الخاص بعكس صورة (محاكاة) ميولها، في هذه الحالة روحانيتها. بمجرد ما تخلت عن دفاعاتها، بمجرد ما آمنت أنها تستطيع إصلاحه، فقد حُكِمَ عليها بالوقوع: الآن أصبح بإمكانه أن يدس بروجه في رسائله ولقاءاته معها. تذكر: الكلمة ذات المغزى أو التأثير هي «الروح»، وهي غالبًا ما تكون بالضبط المكان الذي يجب استهدافه. من خلال ظهورك كمن يعكس صورة مبادئ أحدهم الروحية تستطيع أن تؤسس تناغمًا عميق الجذور ما بينكما، والذي يمكن عندها أن ينتقل إلى المجال المادي (الجنسي).
عندما انتقلت جوزفين بايكر إلى باريس، في عام 1925، كجزء من عمل مسرحي غنائي وراقص يتكون بأكمله من السود، فإن فرادتها جعلتها نبأ مثير بين ليلة وضحاها. لكن الفرنسيين اشتهروا بتقلبهم، وأحست بايكر بان اهتمامهم بها سينتقل بسرعة إلى شخص آخر. دخلت إلى روحهم، وذلك لكي تغويهم إلى الأبد. تعلمت الفرنسية وبدأت تغني بها. بدأت تلبس وتتصرف كسيدة فرنسية أنيقة، وكأن لسان حالها يقول إنها تفضل أسلوب الحياة الفرنسي على الأمريكي. الدول مثل الناس: لديها مكامن لا أمان عديدة، وتشعر بأنها مهددة من قبل الأعراف والتقاليد الأخرى. غالبًا ما يكون مُغويًا بحق بالنسبة إلى شعب من الشعوب أن يروا غريبًا وقد تبنى طرائقهم وعاداتهم. بنجامين دزرائيللي وُلِدَ وعاش حياته كلها في إنكلترا، لكنه كان يهودي المنبت، وكان ذا ملامح غريبة؛ فاعتبره الإنكليز المحلّيون
......................................
عمري.» * «هذا الخبز» قال المضيف، يخبز من قبل عبدة كنت قد اشتريتا بخمسمائة دينار. بعدئذ نادى أحد عبيده: «أحضروا السجق، وضعوا فيها الكثير من الدهن!» *.... عندما حرك المضيف أصابعه وكأنه كان يلتقط لقمة من صحن حيالتي، ودس الطعام الشهي غير المرئي في فم أخي. * تابع العجوز بالإطناب عن مزايا الأطباق المتعددة، بينما أصبح أخي يتضور جوعًا لدرجة أنه كان مستعدًا لأن يموت من أجل كسرة خبز شعير. * «هل تذوقت في كل عمرك أي شيء أطيب من» تابع العجوز. «التوابل في هذه الأطباق» * «كلا إطلاقًا» أجاب شقاشق. * «كل بحماسة إذن» قال مضيفه، «ولا تخجل!» * «أشكرك يا سيدي» أجاب شقاشق، «لكنني أكلت أساسًا حتى التخمة» لكن الرجل المسن عند ذلك قام بالتصفيق مجددًا وصرخ:


دخيلاً. ومع ذلك فقد كان أكثر إنكليزية في سلوكه وذوقه من كثير من رجال الإنكليز، وكان هذا جزءًا من سحره، الذي برهنه من خلال ترغمه للحزب المحافظ. إذا كنت غريبًا أو دخيلاً (كحال معظمنا في نهاية المطاف)، فحول ذلك إلى ميزة: تلاعب بطبيعتك الأجنبية بطريقة تظهر للمجموعة مدى عمق تفضيلك لأذواقهم وعاداتهم على تلك الخاصة بك.
في عام 1752، قرر الخليع سالتيكوف الذائع الصيت أن يكون أول رجل في البلاط الروسي يغوي الدوقة الكبرى البالغة من العمر الثالثة والعشرين، إمبراطورة المستقبل كاثرين العظمى. علم أنها كانت متوحدة، زوجها بيتر تجاهلها، كالعديد من رجال البلاط الآخرين. ومع ذلك فقد كانت العقبات هائلة: كان يتم التجسس عليها ليل نهار. ومع ذلك فقد تدبر سالتيكوف مصادقتها، ودخول دائرتها (حلقتها) الصغيرة جدًا. استفرد بها أخيرًا، وأوضح لها مدى تفهمه لوحدتها، ومدى عمق كرهه لزوجها، وكم شاركها اهتمامها بالأفكار الجديدة التي كانت تجتاح أوروبا. سرعان ما وجد نفسه قادرًا على تدبير لقاءات أخرى، حيث أعطاها الانطباع بأنه عندما كان معها، فإنه لم يعد شيء أخر في العالم يهمه. وقعت كاثرين عميقًا في حبه، وأصبح في الواقع أوّل حبيب لها. كان سالتيكوف قد دخل روحها.
عندما تعكس صورة الناس، تكون قد ركزت اهتمامًا بالغًا عليهم. سيستشعرون الجهد الذي تجشمته، وسيجدون ذلك مطريًا. من الواضح أنك قد اخترتهم، وفصلتهم عن البقية. يبدو أنه لا يوجد شيء آخر في حياتك إلا هم- طباعهم، أذواقهم، روحهم (نفسياتهم). كلما ركزت عليهم، كان السحر الذي نولده، والأثر المُسكِر الذي تمارسه على غرورهم وخيلائهم أكثر عمقًا.
يعاني العديد منا صعوبة في التوفيق ما بين الشخص الذي نحن عليه الآن وما بين الشخص الذي نريد أن نكونه. نحن خائبو الأمل لكوننا تنازلنا عن مثاليات صبانا، ولا نزال نتصور أنفسنا كذلك الشخص الواعد الذي يُتوَسَّمُ فيه كثيرٌ من بشائر النجاح، لكن الظروف منعته من تحقيقه. عندما تعكس صورة شخص (تحاكيه)، لا تتوقف عند الشخص الذي أصبحه؛ وإنما
......................................
«أحضروا الخمر»* ... «سيدي» قال شقاشق «إن كرمك يغمرني!» ورفع القدح غير المرئي إلى شفتيه، وتظاهر بأنه رشفه دفعة واحدة. * «فلتنعم بالصحة والمرح!» هتف العجوز وهو يتظاهر بصب بعض النبيذ لنفسه وشربه. ناول قدحًا آخر لضيفه، واستمر الاثنان على هذا المنول إلى أن تظاهر شقاشق بأنه سكران وأخذ يدير رأسه من جهة إلى جهة.
عندئذ، أخذ مضيفه الكريم على حين غرة، إذ رفع ذراعه عاليًا حتى بان بياض إبطه وناوله ضربة على عنقه جعلت القاعة تردد صداها، وأتبع هذه الضربة بضربة ثانية. * نهض العجوز مغضبًا وصرخ: «ماذا تفعل أيها الكائن الحقير؟» * «ٍسيدي» رد أخي، «لقد استقبلت عبدك المتواضع في منزلك وأغدقته بكرمك؛ لقد أطعمته أفضل الطعام وأطفأت ظمأه بأقوى أنواع الخمور.
واحسرتاه، لقد أصبح سكرانًا، ونسى


ادخل روح ذلك الشخص المثالي الذي يريد أن يكونه هذه هي الكيفية التي تدبّر بها الكاتب الفرنسي شاتويريان أن يصبح مغويًا عظيمًا بالرغم من بشاعته الشكليّة. أثناء نشأته في أواخر القرن الثامن عشر، كانت الرومانتيكية (في الأدب) آخذةْ في الرواج، والعديد من الشابات شعرن بغمَّ عميق نتيجة غياب الرومانس في حياتهم. كان شاتوبريان يعيد إيقاظ الحلم الذي كان لديهم كفتياتٍ يافعات بأن يجرفهن الحبّ وأن يحقّقن مثالياتهن الرومانسية. هذا النوع من دخول روح الآخر لعله يكون الأكثر فاعلية، لأنه يجعل الناس يشعرن بشعور أفضل إزاء أنفسهم. أثناء حضورك، فإنّهم يعيشون حياة الشخص الذي أرادوا أن يكونوه- عاشق عظيم، بطلُ رومانسي، وما شاكل. اكتشف تلك المثاليات المحطمة وحاكِها، باعثًا فيها الحياة من جديد من خلال عكسها مجددًا على هدفك. قلَّةٌ تستطيع مقاومة هذا الإغراء.
الرمز: مرآة الصياد
القُبَّرة هو طائر لذيذ المذاق، لكن يَصعُب
الإمساك به. في الحقل، يضع الصياد مرآة على حامل.
القُبَّرة تحط أمام المرآة، وتخطو تارةٌ إلى الإمام وتارة إلى الخلف،
بعد أن انتشت بصورتها الخاصة المتحركة وبرقصة التزاوج الزائفة
التي ترى تأديتها أمام عينيها. الطائر يفقد كل الإحساس بمحيضه بعد أن نُوِّم مغناطسيًا، إلى أن تُحكِمَ شبكة الصياد الإمساك به قبالة المرآة.
الانقلاب
في عام 1897 في برلين، التقى الشاعر راينر ماريا رايلكة- الذي كانت سمعته ستعم العالم فيما بعد- بلو آندرياس سالوم، الكاتبة روسية المولد والحسناء التي اشتهرت بتحطيمها لقلب نيتشة. كانت الأثيرة عند مفكري برلين، وبالرغم من أن رايلكة كان في الثانية والعشرين وهي في السادسة
......................................
السلوك الحسن: لكنك غاية في النبل يا سيدي، وبالتأكيد أنك ستغفر إساءته».
* انفجر العجوز بالضحك عندما سمع هذه الكلمات وقال: «لقد مزحت لفترة طويلة مع جميع أنماط الرجال، لكن لم يتحل واحدٌ منهم بمثل صبرك أو ظرافتك ليساير فكاهتي كما سايرت أنت. سأغفر لك الآن بسبب ذلك، وأطلب منك حقيقة أن تأكل وتشرب معي، وأن تكون نديمي ما حييت» * بعد ذلك أمر الرجل المسن خدمه بتقديم كل خدمه بتقديم كل الأطباق التي تناولاها في الوهم، وبعد أن أكل وأخي حتى التخمة قاما بالذهاب إلى حجرة الشراب، حيث صدحت نساء جميلات بالغناء والموسيقى. العجوز من أسرة برمسيد أعطى شقاشق ثوب شرف وجعله نديمه الدائم.
- «حكاية شقاشق، الشقيق السادس للحلاق،» حكايًة من ألف ليلة وليلة،


والثلاثين، إلا أنه وقع في حبها بجنون. غمرها برسائل الحب، التي أظهرت أنه قد قرأ جميع كتبها وأطلع على ميولها اطلاعًا حميمًا. تصادق الاثنان سرعان ما كانت تحرر شعره، وهو تمسك بكل كلمة من كلماتها.
شعرت سالوم بالإطراء نتيجة محاكاة رايلكة لروحها (عكسه لصورتها) وأُسرت بالاهتمام المركز الذي توجهه لها وبالمشاركة الروحية التي بدأ بتنميتها. أصبحت عشيقته. لكنها كانت قلقة على مستقبله؛ كان من الصعب جني العيش كشاعر، لذا شجعته على تعلم لغتها الأصلية، الروسية، ويصبح مترجمًا. اتبع نصيحتها بحماس بالغ لدرجة أنه استطاع تكلم الروسية خلال بضعة شهور. زار روسيا سوية حيث انبهر بما رآه- الفلاحين، التقاليد الشعبية، الفن، العمارة. عندما عاد إلى برلين، حوّل مسكنه إلى نوع من المقام لروسيا، وبدأ يرتدي ثياب الفلاحين الروس ويقطم حديثه بعبارات روسية. الآن سرعان ما انطفأ سحر محاكاته. في البداية شعرت سالوم بالإطراء لكونه يشاركها اهتماماتها بهذه الحماسة، لكنها الآن أصبحت ترى هذا كشيء آخر: بدا أنه لا يتمتع بشخصية حقيقية. كان قد أصبح تابعًا لها فيما يخص احترامه وتقديره لذاته. كانت كل تصرفاته غاية في العبودية. في عام 1899، أنهت العلاقة، الأمر الذي شكل فاجعة له.
الدرس بسيط: دخولك إلى روح الشخص يجب أن يكون تكتيكًا، وسيلة لإخضاعه أو إخضاعها لسحرك. لا يمكنك أن تكون ببساطة إسفنجة تتشرب طباع الآخر وأمزجته. أحمل مرآة قبالتهم لفترة أطول من اللازم وسيتبينون حقيقتك وينفرون منك. تحت التشابه معهم الذي تجعلهم يرونه، يتوجب عليك أن تحتفظ بإحساس كامن بهويتك الخاصة. عندما يحين الوقت، فإنه يجب عليك أن تقودهم إلى روحك؛ إذ لا يمكنك أن تعيش على بساطهم. المغزى: إياك وأن تمضي في المحاكاة (حمل المرآة) أبعد من اللازم. فهي مفيدة فقط في المرحلة الأولى من الإغواء؛ في مرحلةٍ ما منه يجب أن تُعْكَس الديناميكية.
......................................
ترجمة إن. جاي. داوود
هذه الرغبة بمستنسخ عنا من الجنس الآخر والذي يشابهنا تمامًا على الرغم من أنه مختلف، الرغبة بمخلوق سحري والذي هو نحن، بينما يتمتع بميزة الموجود المستقل التي تفوق كل ما تتخيله... نجد آثارًا لهذه الرغبة حتى في أكثر ظروف الحبّ اعتياديًة: في الانجذاب المربوط لأيّ تغير، أيّ تنكر، كما في أهمية انسجام النفس مع الآخر وتكررها فيه...العواطف الغرامية الجياشة والتي لا سبيل إلى تهدئتها كلها مرتبطة بواقع أن الكائن يتخيل بأنه يرى أكثر جوانب نفسه خفاء تتجسس عليه من وراء حجاب أعين الآخر.
- روبرت موسيل، مقتبس في الحبّ المعلن، لديني سدي روجمون، ترجمة ريتشارد هاورد


أخلق الإغراء
استدرج الهدف بعمق إلى إغوائك من خلال خلق الإغراء المناسب: لمحة من المُتع القادمة. كما أغوت الأفعى حواء بوعد المعرفة المحترمة، يتوجَّب عليك أن توقظ رغبةُ في أهدافك لا يستطيعون التحكم بها. جد نقطة الضعف لديهم، الأمنية التي لم تتحقق بعد، وأشر من طرف خفي إلى أنك تستطيع قيادتهم نحوها.
قد تكون ثروةٌ، قد تكون مغامرة، قد تكون لذاتٌ مُحَرمة وآثمة؛ المفتاح هو أن تُبقى الأشياء ملفوفةٌ بالغموض. دلِّ بالجائزة أمام أعينهم، مرجئًا الإشباع، ودع عقولهم تقوم بالباقي.
المستقبل يبدو مكتنزًا بالفرص، أثر فضولاً أقوى من الشكوك والمخاوف التي ترافقه، وسوف يتبعونك.


الشيء المغري وبعيد المنال
في وقت ما من ثمانينات القرن التاسع عشر، كان رجلٌ نبيل يُدعي دون جوان دي توديلاس يتمشى في منتزه في مدريد عندما رأى امرأةٌ في بداية العشرينات وهي تنزل من عربة، متبوعة بطفلٍ في الثانية من عمره ومربية أطفال. كانت السيدة اليافعة أنيقة الملبس، لكن ما خطف أنفاس دون جوان كان شبهها بامرأة كان قد عرفها من حوالي الثلاث سنوات. بالتأكيد لم يكن من الجائز أن تكون نفس الشخص. المرأة التي كان يعرفها، كريستينا مورورويلا، كانت فتاة استعراض في مسارح الدرجة الثانية. كانت يتيمة وفقيرة جدًا- من المستبعد أن تكون ظروفها تغيرت لهذه الدرجة: اقترب منها: نفس الوجه الجميل. ومن ثم سمع صوتها. صُدم لدرجة أنه اضطرّ إلى الجلوس: كانت بالفعل نفس المرأة.
كان دون جوان مغويًا لا سبيل إلى تغييره، والذي كانت فتوحاته لا تُعدّ ولا تُحصى ومن جميع الألوان والأصناف. لكنّه تذكر علاقته مع كريستينا بشكل واضح تمامًا، لأنها كانت يافعةٌ للغاية- لقد كانت أكثر الفتيات التي التقى بهنّ سحرًا. كان قد رآها في المسرح، تودد إليها وراودها عن نفسها بشكل مواظب، وتدبر إقناعها بأن ترافقه في رحلة إلى بلدة على جانب البحر. بالرغم من أنهم نزلا في غرفتين منفصلتين، إلا أنه لم يكن هنالك شيءٌ ليوقف دون جوان: لفق قصّةْ عن متاعب العمل، كاسبًا بذلك تعاطفها، وفي لحظة من الرقة والحنان استغل ضعفها. تركها بعد عدّة أيام بذريعة الاضطرار لتولّي بعض الأعمال. اعتقد أنه لن يراها بعد ذلك أبدًا. نتيجة لشعوره بالذنب- وهو أمرٌ نادر الحصول بالنسبة له- فقد أرسل
......................................
بالنسبة لهاتين الجريمتين فإن تانتالوس عوقب بدمار مملكته، وبعد موته على يدي زيوس، بالعذاب الخالد برفقة إيكسيون، سيسيفوس، تيتيوس، الدانايديين، وآخرين. بينما كان الآن يتحرق عطشًا ويتضور جوعًا، فقد وقف أمام غصن من شجرة مثمرة تدلي على بحيرة ضحلة كانت أمواجها تصطدم بخصره، وتصل أحيانًا إلى ذقنه، ومع ذلك فإنه كلما انحنى ليشرب، فإن الماء كان يرتد بعيدًا عنه، ولم يبق سوى الوحل الأسود


لها 5000 بيزيتًا، مدّعيًا بأنه سيرجع إليها في آخر المطاف. ذهب إلى باريس بدلاً من ذلك. لم يكن قد رجع إلى مدريد إلا مؤخرًا.
أثناء جلوسه وتذكره لكل هذا، فإن فكرة عكرة صفوه: هل من الممكن أن يكون الولد ولده؟ إن لم يكن، فلا بد أنها تزوّجت بشكل شبه فوري بعد علاقتهما. كيف بإمكانهما أن تفعل شيئًا كهذا؟ من الواضح أنها كانت غيّة الآن. من زوجها يا ترى؟ هل يعلم عن ماضيها؟ خالطت اضطرابه رغبة شديدة. كانت غاية في الصبا والجمال. لماذا تخلى عنها بهذه السهولة؟ عليه أن يسترجعها بطريقة أو بأخرى، حتى ولو كانت متزوجة.
بدأ دون جوان بالتردد على المنتزه يوميًا. رآها عدة مرات أخرى؛ التفت عيناها، لكنها تظاهرت بعدم ملاحظته. تتبع المربية في أحد نزاهاتها القصيرة، وبدأ محادثة معها، وسألها عن زوج سيدتها، أخبرته أن اسم الرجل كان السينيور مارتينيز، وأنه كان في رحلة عمل طويلة؛ أخبرته أيضًا أين تعيش كريستينا. أعطاها دون جوان رسالة موجزةً لتسلمها إلى سيدتها بعدها تمشي حول منزل كريستينا- الذي كان عبارة عن قصر جميل. تأكدت أسوأ مخاوفه: كانت قد تزوجت من أجل المال.
رفضت كريستينا مقابلته. أصرّ، وأرسل مزيدًا من الرسائل. أخيرًا لتتجنب فضيحة وافقت على رؤيته، لكن لمرّة واحدة فقط، في المنتزه. استعد للقاء بعناية واحتراس: إغواؤها من جديد من شأنه أن يكون عملية دقيقة وحساسة. لكنه عندما رآها تتجه نحوه، وهي ترفل في ثيابها الجميلة، فإنّ أحاسيسه وشهوته أطاحتا به. أخبرها بأنها كانت له فقط دون غيره من الرجال. اعتبرت كريستينا هذا الكلام بمثابة إهانة لها؛ من الواضح أن ظروفها الراهنة كانت تمنعها من لقائه بعد ذلك حتى ولو لمرّة واحدةٍ فقط. مع ذلك، فقد استطاع أن يستشعر عواطف قوية تجاهه تحت برودتها (جفائها). توسل كي يراها مجددًا، لكنها ذهبت دون أن تعد بشيء. أرسل لها مزيدًا من الرسائل، بينما كان يشغل عقله بأقصى طاقاته لكي يجمع عناصر الصورة
......................................
عند قدميه أو، إذا نجح في عمره في غرف حفنة من الماء، فإنها كانت تنزلق من يده قبل أن يستطيع فعل أكثر من مجرد ترطيب شفتيه المتشققتين، الأمر الذي تركه أكثر ظمأَ من أيّ وقت مضى. كانت الشجرة محمّلة بالكمثرى والتفاح اليانع، التين الطيب، الزيتون الناضج والرمّان، اللواتي تدلت على كتفيه؛ لكنه كلما مدَّ يده ليتناول ثمرة حلوة المذاق، كانت عصفةٌ من الريح تدفعها بعيدًا عن متناوله.
- روبرت غرايفر، الأساطير الإغريقية، المجلد الثاني
دون جوان: آرمينتا، استمعي إلى الحقيقة- أفليست النساء صديقاتٍ للحقيقة؟ أنا رجلٌ من النبلاء، وريث أسرة تينوريوس العريقة، فاتحي سيفيل، إنّ أبي هو أكثر رجل نفوذًا


كلّها: من كان هذا السينيور مارتينيز؟ ما الذي يدعوه لأن يتزوج من فتاة استعراض؟ ما الذي جرى حتى انتُزِعت منه كريستينا؟
أخيرًا وافقت كريستينا على لقاء دون جوان مرّةٌ أخرى بعد، في المسرح، حيث لا يجرؤ على إثارة فضيحة. جلسا في مقصورةٍ حيث يستطيعان الكلام. طمأنته بأن الطفل لم يكن طفله. قالت بأنه الآن يريدها فقط لأنها ملكٌ لغيره، لأنه لا يستطيع الحصول عليها. قال أنه كان مستعدًا لفعل أي شيء لاستعادتها. بدت عيناها في بعض اللحظات وكأنهما تغازلانه، الأمر الذي أربكه. لكنها عندها بدت على وشك البكاء، وأراحت رأسها على كتفه- لكنها نهضت مباشرةُ، وكأنها أدركت أن ذلك كان خطأً. قالت أن هذا كان لقاءهما الأخير وفرت بسرعة. كان دون جوان مهتاجًا وقلقًا لأبعد درجات الحدود. كانت تلعب معه؛ كانت مغناجًا. كان يدعي وحسب أنه قد تغيّر، لكن لعل هذا كان صحيحًا: لم تعامله أيّ امرأة على الإطلاق بهذه الطريقة من قبل. لم يكن ليسمح بهذا أبدًا.
لم ينم دون جوان جيدًا في الليالي التي تلت. كلّ ما استطاع التفكير به كان كريستينا. راودته كوابيس حول قتله لزوجها، حوله هو وقد تقدم في السن وصار وحيدًا. كان ذلك أكثر مما يستطيع تحمله بكثير. صار لزامًا عليه أن يغادر البلدة. أرسل لها رسالة وداع، لكن ويا للمفاجأة، فقد أتاه جوابها: أرادت رؤيته، كان بجعبتها شيءٌ تريد البوح به له. أصبح الآن أضعف بكثير من أن يُقاوِم. التقى بها على جسر في الليل، كما طلبت منه. عندها لم تبذل أيّ جهدٍ للتحكم بنفسها: نعم لا زالت تحب دون جوان، وكانت جاهزة لأن تهرب معه. لكنه يجب أن يأتي إلى منزلها في الغد، في وضح النهار ويأخذها بعيدًا. لا يجوز أن يكون هنالك كتمانٌ أو سريًة.
وافق دون جوان على مطالبها، إذ كان سعيدًا لدرجة لا توصف. ذهب في اليوم التالي إلى القصر في الساعة المقررة، وسأل عن السنيورة مارتينيز. قالت المرأة التي وقفت الباب أنه لم يكن هناك أحدٌ بهذا الاسم. أصر دون جوان: اسمها هو كريستينا. آه، كريستينا، قالت المرأة: هي تعيش
......................................
واعتبارًا في البلاط بعد الملك... شاءت الصدفة أن أراك على هذا الطريق. يتصرف الحب أحيانًا بطريقة تفاجئ حتى الحب نفسه..... آرمينتا: لا أعلم إذا كان ما نقول هو الحقيقة أم لغة منمقة كاذبة. أنا متزوجة من باتريسيو، الجميع يعلم هذا. كيف يمكن للزواج أن يبلط، حتى لو هجرني؟ دون جوان: عندما لا يكتمل الزواج بالدخول على المرأة، أكان ذلك عن طريق المكر أو الخداع، فإنه يمكن إبطاله.... آرمينتا: أنت محق. لكن، فليساعدني الرب، ألن تتخلى عني في اللحظة التي تفترقني فيها عن زوجي؟ ... دون جوان: آرمينتا، يا ضوء عيوني، غدًا ستنزلق قدمك في خف من الفضة اللماعة وذي أزرار من الذهب الخالص، وسيطوق عنقك المرمري بقلادةٍ


في الخلف، مع النزلاء الآخرين. توجه دون جوان وهو مضطرب إلى الفناء الخلفي للقصر. هناك ظن أنه رأى ابنها وهو يلعب في الشارع في ثياب متسخة. لكن لا، قال لنفسه، لابد وأنه طفل آخر ما. توجه إلى باب كريستينا، ففتحت هي نفسها الباب بدلاً من خادمتها. دخل. لقد كانت غرفة شخص فقير. حيث تدلت ثياب كريستينا الأنيقة على مشاجب مجهزة كيفما أتفق. كما لو كان في حلم، جلس مشدوهًا وهو يستمع بينما كانت كريستينا تكشف الحقيقة.
لم تكن متزوجة، ولم يكن لديها ولد. بعد أن كان قد هجرها بأشهر، أدركت أنها كانت ضحية لمغو من الطراز الأول. كانت لا تزال مغرمةً بدونجوان، لكنها كانت مصمّمةً على عكس الآية. أخذت الخمسة آلاف بيزيّة التي كان قد أرسلها لها واشترت ثيابًا باهظة الثمن، بعد أن اكتشفت من خلال صديق مشترك أنه كان قد عاد إلى مدريد. استعارت ابن الجيران، وطلبت من نسيبتهم أن تلعب دور مربية الطفل، واستأجرت عربة- كلّ هذا لتخلق وهمًا محكمًا ومفصَّلا لم يعشعش سوى في ذهنه. لم تضطر كريستينا حتَّى إلى الكذب: في الواقع لم تقل أبدًا أنها كانت متزوجة أو أنه كان لديها طفلٌ. علمت أنّ كونه غير قادر على الحصول عليها سيجعله يرغب بها أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. لقد كانت الطريقة الوحيدة لتغوي رجلاً مثله.
مُربكًا بالمدى الذي وصلت إليه، وبالانفعالات التي أثارته فيه بشكل غاية في البراعة والحذق، فإن دون جوان سامح كريستينا وطلب يدها للزواج. إلا أنها رفضت بتهذيب، الأمر الذي فاجأه وربما أراحه. قالت إنهما في اللحظة التي سيتزوجان فيها فإن عينيه ستطوفان في مكان آخر. فقط إذا بقيا كما كانا فإنها تستطيع عندها أن تكون صاحبة اليد العليا. لم يكن لدون جوان من خيار سوى القبول.
التفسير: كريستينا ودون جوان هما شخصيتان في رواية دولتشي إي
......................................
جميلة؛ وستشغ على أصابعك خواتم الجمشت كالنجوم، وستتدلى من أذنيك الأقراط النفسية. آرمنيتا: أنا لك.
- تريسو دي مولينا فتى سيفيل اللعوب، ترجمة أدريين إم. سكيتزانو وأوسكار ماندل، في مسرح دون جوان، تحرير ماندل.
الآن كانت الأفعى الشيطان أكثر خبثًا من أيّ مخلوق بريء آخر كان الربّ قد خلقه، قال للمرأة، «هل قال الربّ، لا يجدر بك أن تأكلي من أي شجرة من الحديقة؟» وقالت المرأة للشيطان، «يمكننا أن نأكل من ثمار أشجار الحديقة؛ لكن الرب قال، «يجب ألا تأكلي من ثمار الشجرة التي في وسط الحديقة، ولا يجب أن تمسيها، لئلا تموتي» لكن الشيطان قال للمرأة «لن تموتي. لأن الله


سابروسا (حلوة ولذيذة 1891م)، التي ألفها الكاتب الإسباني خاسينتو أو كتافيو بيكون. معظم أعمال بيكون تعالج مغوين ذكورًا وضحاياهم من الإناث، وهذا موضوع درسه وعرف الكثير عنه. بعد أن تخلى عنها دون جوان، فقد فكرت مليّا بطبيعته وقرّرت أن تضرب عصفورين بحجر واحد: أن تنتقم وأن تستعيده. لكن كيف لها أن تغري هكذا راجل؟ ما إن يتذوق الفاكهة، حتى لا يعود يرغب بها. ما كان يأتيه بسهولة، أو يقع بين ذراعيه، لم يكن ليشكل إغراءٌ له. الأمر الذي من شأنه أن يدفع بدون جوان لكي يرغب بكريستينا مجددًا، ويسعى من أجلها، كان الإحساس بأن غيره قد سبقه إليها قبلاً، بأنها كانت ثمرة محرمة. تلك كانت نقطة ضعفه-ذلك كان سبب ملاحقته للعذراوات والنساء المتزوجات، أي النساء اللواتي لم يكن يُفترض به أن يحصل عليهن. فكرت منطقيًا في أنه بالنسبة للرجل فإن العشب دائمًا يبدو أكثر اخضرارًا في مكان آخر (مزمار الحي لا يطرب). لذا كانت ستجعل من نفسها ذلك الشيء البعيد والمغرى والمُتعذّر الحصول لعيه، كي تعذّبه من خلال إثارة رغبته دون إشباعها، وتحرك فيه انفعالاتٍ وأحاسيس لا يمكنه التحكّم بها. كان يعلم كم كانت ساحرة ومثيرة للرغبة بالنسبة إليه ذات مرة. فكرة تملكها مجددًا، واللذة التي تخيل أنه سيحصل عليها من وراء ذلك، كانتا أكثر بكثير مما يستطيع حمله أو التعامل معه: ابتلع الطعم.
الإغراء هو مسيرةٌ مزدوجة. أولاً أنت غينجٌ ومُغازل؛ أنت تثير الرغبة من خلال الوعد أو بالأحرى التلويح بالمتعة والإلهاء عن الحياة اليومية. في نفس الوقت، أنت توضح لأهدافك بأنهم لا يستطيعون الحصول عليك، أقله ليس مباشرة. أنت تؤسس حاجزًا، نوعًا من التوتر.
كان يسهل خلق هذه الحواجز في العصور السابقة، من خلال استغلال أو الإفادة من الحواجز الاجتماعية الموجودة أصلاً- الحواجز التي تفرضها الطبقة، العرق، الزواج، الدين. في العصر الراهن يجب أن تكون الحواجز نفسية: قلبك مأخوذٌ من قبل شخصٍ آخر؛ أنت حقًا لست مهتمًا بالهدف؛
......................................
يعرف أنك عندما تأكلين منها سوف تتفتح بصيرتك، وستصبحين مثل الله، تعلمين الخير من الشر، وهكذا فعندما رأت المرأة أن الشجرة كانت صالحة للأكل، وأنها كانت مسترة للناظر، وأن الشجرة تشتهي لجعلها المرء حكيمًا، فإنها أخذت من فاكهتها وأكلت؛ وكذلك أعطت بعضًا منها لزوجها، فأكل.
- سفر التكوين 3: 1، العهد القديم.
أيتها المغوية القوية، يا أيتها الفرصة
- جون درايدن
بينما كان ماسيتو يستمع، فقد راوده توق هائل ليذهب مع هؤلاء الراهبات ويبقى معهن لدرجة أن جسده بأكمله صارت تدغدغه الإثارة، لأنه كان واضحًا مما سمعه أنه كان بإمكانه أن


سرٍّ ما يجعلك تحجم؛ التوقيت سيءٍ؛ أنت لست جيدًا بما فيه الكفاية بالنسبة للشخص الآخر؛ الشخص الآخر ليس جيدًا بما فيه الكفاية بالنسبة لك؛ وأشياء من هذا القبيل. على نحوٍ معاكس، يمكن أن تختار شخصًا لديه حاجزٌ طبيعيً: كأن يكونوا مأخوذين، أو غير مُقّدّرٍ لهم أن يكونوا لك. هذه الحواجز (الموانع) أكثر خِفية من الحواجز الاجتماعية أو الدينية، لكنها تظل حواجز على الرغم من ذلك، والآلية النفسية التي تحكمها تبقى نفسها المفارقة هي أنَّ الناس يُثارون بما لا يستطيعون أو لا يحقُّ لهم الحصول عليه. أخلق هذا الصراع الداخلي- هنالك تشوقٌ واهتمام، لكنّك غير مُتاح- وستضمن بذلك استقتالهم للحصول عليك كما استقتل تانتالوس للحصول على الماء (تانتالوس: ملكٌ تزعم الأسطورة الإغريقية أنّه عوقِبَ بأن غُمِرَ إلى ذقنه في الماء وقد تدلّت الأغصان المثقلة بالفاكهة قرب شفتيه ولكن كلاً من الماء والفاكهة كان يرتد بعيدًا عنه كلّما حاول بلوغه: المترجم). وكحال دون جوان وكريستينا، كلما جعلت أهدافك تلاحقك أكثر، تخيلوا بأنهم المبادرون. إغواؤك مُقَنّعٌ بشكلٍ كامل.
الطريقة الوحيدة للتخلص من الإغراء هي أن تستلم له.
- أوسكار وايلد
المفاتيح للإغواء
الناس يناضلون معظم الوقت لكي يحافظوا على الأمان وعلى حس التوازن في حياتهم. إذا كانوا سيقتلعون أنفسهم من جذورهم في مطاردتهم لكلّ شخص جديد أو حلم يعبر أمامهم فإنهم لن يستطيعوا أن يصمدوا في وجه الكدح اليومي. هم عادة ما يفوزون في النضال، لكنه لا يأتي بسهولة. العالم ملئ بالإغراء. هم يقرؤون عن أناس يملكون أكثر مما هم يملكون. عن
......................................
يحقق ما بذهنه. لكن كونه أدرك أنه لن يصل إلى أي مكان إذا كشف عن نواياه الحقيقية لنوتو، فقد أجاب: «كم كنت محقًاً في تركك [لدير الراهبات]! ما هو نوع الحياة الذي يمكن للرجل أن يحظى به عندما يكون محاطً بالعديد من النساء؟ قد يكون أيضًا عائشًا مع عصابة من الشياطين. لماذا، لأنهن في أكثر الأحيان لا يعرفن ماذا يجول بخاطرهم، «لكنهما عندما فرغا من الكلام، فإن ماسيتو بدأ بالتفكير بالخطوات التي عليه أتباعها كي يمكنه الذهاب والبقاء معهن. كونه يعرف أنه قادرً تمامًا على تنفيذ المهام التي ذكرها نوتو، فإنه لم يساوره القلق حيال عدم الحصول على العمل على خلفية ذلك السبب بالتحديد، لكنه كان خائفًا من أن يُخذل


مغامراتٍ يخوضها آخرون، عن أناس وجدوا الثروة، الأمان الذي يكافحون من أجله، والذي يبدو أنه موجود في حياتهم، هو وهمٌ في الحقيقة. أنه يغطي توترًا دائمًا.
كمغوٍ، لا يجوز أبدًا أن تخلط ما بين مظهر الناس وبين حقيقتهم. أنت تعلم أن نضالهم لإبقاء النظام في حياتهم لأمرٌ مرهق، وأن الشّك والندم يتآكلهم. من الصعب أن تكون طيبًا وفاضلاً (مستقيمًا)، الأمر الذي يتطلب دائمًا أن تقمع أقوى الرغبات. بهذه المعرفة في الذهن يصبح الإغواء سهلاً. ليس الإغراء ما يريده الناس؛ فالإغراء يحصل كل يوم. ما يريده الناس هو أن يخضعوا للإغراء، أن يستسلموا. تلك هي الطريقة الوحيدة ليتخلصوا من التوتر في حياتهم. مقاومة الإغراء تكلف أكثر بكثير من الاستسلام له.
مهمّتك إذن، هي أن تخلق إغراء أقوى من الإغراء اليومي. يجب أن يكون مركزًا عليهم، ويستهدفهم كأفراد- يستهدف نقاط ضعفهم. افهم أمرًا: كل واحدٍ لديه نقطة ضعفٍ رئيسية، تنشأ عنها نقاط الضعف الأخرى. جِدْ مكمن اللاأمان ذاك الذي يعود إلى طفولتهم، ذلك النقص في حياتهم، وعندها يكون بيدك المفتاح لإغرائهم. قد يكون ضعفهم الطمع، الغرور، الضجر. رغبة مكبوتة ما، جوعٌ للثمرة المحرّمة. هم يشيرون إلى ذلك من خلال التفاصيل الصغيرة التي تروغ (تفلت) من تحكّمهم الواعي: أسلوبهم في اللباس، تعليقٌ مرتجل، ماضيهم، وبالتحديد غرامياتهم التي خلت ستكون مليئة بالأدلة والمعلومات. امنحهم إغراءٌ قويًا، مصممًا على قياس ضعفهم أو بما يتناسب معه، وعندما تستطيع أن تجعل أمل المتعة الذي تحركه فيهم يبرز بشكل أكبر من المخاوف والشكوك التي ترافقه.
في عام 1621، رغب ملك إسبانيا فيليب رغبةٌ شديدة في أن يَعقُدَ تحالفًا مع إنكلترا من خلال تزويج ابنته لابن الملك الإنكليزي، جايمس الأوّل. بدا جايمس متقبلاً للفكرة، لكنّه ماطل في الوقت. سفير إسبانيا في البلاط الإنكليزي، جوندومار، كُلِّف بمهمّة المضيّ قدمّا بخطة فيليب. وضع السفيرُ أثيرَ الملك نُصبَ عينيه، دوق بيكنغهام (الإيرل سابقًا).
......................................
بسبب فتوته ومظهره الجذاب بشكل غير اعتيادي، وهكذا، بعد أن رفض عددًا من الحيل الممكنة الأخرى، فإنه في آخر المطاف فكر بينه وبين نفسه: «المدير بعيدًا جدًا، وهنالك لا أحد يعرفني. إذا استطعت التظاهر بكوني مغفلاً أبكم، فسوف يأخذونني بالتأكيد» تشبث بإصرار بهذا الحدس، ولذا فقد لبس أسمال الفقراء وعلق فأسًا على كتفه، ووضع الدير نصب عينيه دون أن يخبر أحدًا إلى أين كان يتجه. لدى وصوله، فإنه صار يتجول في الفناء، حيث شاء الحظ أن يلتقي بالوكيل، وبفضل إيماءات كتلك التي يستخدمها البكم، فإنه أعطى الانطباع بأنه كان يتوسل من أجل الطعام، بمقابل أن يقوم بأيّ تقطيع حطب يطلب منه، قدم له الوكيل الطعام بسرور، وبعد ذلك


علم جوندومار نقطة ضعف الدوق الأساسية: الغرور (الزهو أو الخيلاء). كان بيكنغهام متعطشًا للمجد والمغامرة اللذين من شأنهما أن يعززا من شهرته؛ كانت مهماته المحدودة تسبب له الضجر، وكان يشكو مرّ الشكوى ومستاءً بسبب هذا. أوّل شيءٍ فعله السفير كان أن امتدحه (تملّقه) بإطناب- إذا قال أنّ الدوق كان أقدر رجلٍ في المملكة وكان من المخزي أن لا يُفَوَّض إلا بمهماتٍ محدودة. بعد ذلك، أخذ يهمس في أذنه عن مغامرة عظيمة الدوق، كما كان جوندومار يعرف، كان يؤيّد الزواج من الأميرة الإسبانية، لكن مفاوضات الزواج اللعينة هذه كانت تستغرق الكثير من الوقت، دون أن تؤدّي إلى نتيجة. ماذا لو كان الدوق سيرافق ابن الملك، صديقه الحميم الأمير تشارلز، إلى إسبانيا؟ بالطبع، هذا يجب أن يُعمل في السّر، دون حرسٍ أو مرافقين، لأن الحكومة الإنكليزية ووزراءها لم يجيزوا أبدًا هذه الرحلة. لكن هذا سيجعلها أكثر خطورةً ورومانسيةً بكثير. ما أن يصبح في مدريد، حتى يستطيع الأمير أن يلقي بنفسه عند قدميّ الأميرة ماريّا، معلنًا حبّه الخالد، ويرجع بها إلى إنكلترا مُظفرًا. كم سيكون عملاً شهمًا وفروسيًا وخالصًا من أجل الحبّ. كان كل الفضل سينسب إلى الدوق وسيذيع اسمه لقرون.
استخفت الفكرة الدوق، وأقنع تشارلز بالشروع بها؛ وأقنعا أيضًا الملك جايمس المُمانع بعد كثير من الجدال. كانت الرحلة كارثة أو كادت (كان على تشارلز أن يتحول إلى الكاثوليكية ليحظى بماريا)، والزواج لم يحصل أبدًا، لكن جوندومار كان قد قام بعمله. هو لم يرش الدوق بعروض من المال أو السلطة- وإنما استهدف الجزء الطفولي من شخصه والذي لم ينضج أبدًا. الطفل لا يتمتع بالقوة الكافية لكي يقاوم. هو يريد كل شيءٍ، وفي الحال، ونادرًا ما يفكر بالعواقب. الطفل يكمن مترصدًا لدى الجميع- من خلال لذة حُرِموا منها، أو رغبةٍ مقموعة. أضرب على ذلك الوتر، أغرهم بالدمية المناسبة (مغامرة، مال، مرح)، وسيحيدون عن عقلانيتهم الراشدة المعتادة. تعرف على ضعفهم من خلال أي سلوك طفولي يظهرونه في حياتهم اليومية- هذا
......................................
قدم له كومة من جذوع الأشجار التي لم يكن نوتو قادرًا على تحطيبها... بالروعة، عندما اكتشف الوكيل كم أنه كان حذائقيًا ممتازًا، فقد أومأ لماسيتو سائلاً إياه أن كان يريد البقاء هناك، وقام الأخير بإشارات مفادها أنه كان مستعدًا للقيام بأي شيء يريده الوكيل.... الآن، ذات يوم، عندما صادف أن ماسيتو كان يستريح بعد فترة من العمل المضني، فقد اقتربت منه راهبتان يافعتان واللتان كانتا تتمشيان في الحديقة. بما أنه أعطاهما الانطباع بأنه كان نائمًا، فقد بدأتا بالتحديق به، وقالت أجرأ الاثنتين لرفيقتها: إذا أمكنني التيقن من أنك ستبقين هذا سترًا، فسوف أخبرك عن فكرة لطالما جالت في ذهني والتي قد تخدم مصلحتنا المتبادلة.


هو رأس جبل الجليد.
عُين نابليون بونابرت قائدًا أعلى للجيش الفرنسي في عام 1798. مهمته كانت أن يهزم القوات النمساوية التي كانت قد استولت على شمال إيطاليا. كانت العقبات هائلة: كان نابليون يبلغ فقط السادسة والعشرين من العمر في ذلك الوقت؛ القادة الذين تحته كانوا يحسدونه على موقعه ويشككون في قدراته. كان جنوده منهكين، ويعانون من سوء التغذية، ولا تُدفّعُ لهم رواتب كما ينبغي، وكثيري التشكّي والتظلم. كيف له أن يحفظ هذه الجماعة أو يدفع بها لمقاتلة الجيش النمساوي المتمرس؟ بينما كان يستعد لاجتياز الألب إلى إيطاليا، قام نابليون بإلقاء خطاب لقواته لربما كان نقطة التحول في مسيرته المهنية، وفي حياته: «أيها الجنود، أنتم أنصاف جياع وأنصاف عراة. الحكومة تديم لكم بالكثير، لكنها لا تستطيع أن تفعل لكم أي شيء. إنّ صبركم وشجاعتكم يشرفانكم، لكنهما لا يمنحانكم المجد.... سأقودكم إلى أكثر سهول العالم خصوبة. هناك ستجدون مدنًا مزدهرة ومقاطعات مكتظة. هناك ستجنون العزّة والمجد والثروة» كان للخطاب أثرٌ قويٌ. أطل نفس هؤلاء الجنود على وادي بيدمونت بعد عدّة أيام من تسلّق الجبال الشاق. كان لكلمات نابليون صدى في آذانهم، وأصبحت عصابةٌ متذمرةٌ ورثة الملابس جيشًا ملهمًا اجتاح شمال إيطاليا في مطاردة النمساويين.
استخدام نابليون للإغراء كان ذا عنصرين: وراءكم كم يوجد ماضٍ كالحٌ ومقيت؛ أمامكم يوجد مستقبل من الثروة والمجد، إذا اتبعتموني. أن تُظهِر بوضوح أن الهدف ليس لديه شيءٌ ليخسره وكل شيء ليريحه هو شيءٌ متممٌ ومكملٌ لاستراتيجية الإغراء. الحاضر يحمل قليلاً من الأمل، المستقبل يمكن أن يكون مليئًا بالمتعة والإثارة. تذكر، على الرغم من ذلك، أن تبقى المكاسب المستقبلية غامضة وبعيدة المنال نوعًا ما. كن دقيقًا وواضحًا أكثر من اللزوم وستخيب الأمل؛ اجعل الوعد وشيك التحقق أكثر من اللازم، ولن تكون قادرًا على أن تؤجل الإرضاء بما فيه الكفاية لتحصل على مرادك.
......................................
«أخبريني بالله عليك» ردت الأخرى، «يمكن أن تتأكدي تمامًا من أنني لن أتحدث عن الأمر لأي شخص كان». بدأت الجريئة بالتكلم بشكل أكثر صراحة.
«أنا أتساءل في تعجب» قالت «فيما إذا كنت قد فكرت في عمرك بهذه الحياة المتزمتة التي يجب علينا أن نحياها، وكيف أن الرجال الوحيدين الذين يجرؤون على وطء هذا المكان هم الوكيل، الذي هو رجل كهل، وحذائقينا المغفل هذا. علاوة على ذلك فإنني غالبًا ما سمعت، من قبل عدة سيدات، كن قد قدمن لزيارتنا، أن كل الملذات الأخرى في العالم هي مجرد تفاهات بالمقارنة مع اللذة التي تختبرها المرأة عندما تكون بصحبة رجل. لذا فقد كنت أفكر نظرًا لأنه ليس لدي


وُجدت الحواجز والتوترات في الإغراء لتمنع الناس من الاستسلام بسهولة أو سطحية أكثر من اللازم. أنت تريدهم أن يناضلوا، أن يقاوموا، أن يكونوا قلقين. الملكة فيكتوريا وقعت بالتأكيد في حب رئيس وزرائها، بنجامين دزرائيللي، لكن هناك حواجز الدين (كان يهوديًا داكن البشرة)، الطبقة (هي بالطبع، كانت ملكة)، منظومة القيم الاجتماعية (كانت هي مثالاً للفضيلة، كان هو غندورًا مشهورًا). العلاقة لم تكتمل أبدًا، لكن يا لها من لذة أسبغتها هذه الحواجز على لقاءاتهم اليومية، التي كانت ملأي بالغزل المتواصل.
معظم الحواجز الاجتماعية كهذه زالت اليوم، لذا يجب عليك فبركتها- إنها الطريقة الوحيدة لإضافة البهارات إلى الإغواء. المحرّمات من أي نوع هي مصدر للتوتر، وهي في وقتنا الراهن حواجز نفسية، وليست دينية. أنت تبحث عن قليل من الكبت، رغبة سرية ما من شأنها أن تجعل الضحية تتضايق إذا ضربت على وترها، لكن في نفس الوقت تكون مصدر إغراء أكبر بكثير. ابحث في ماضيهم؛ أيّ شيءٍ يبدو أنهم يخافون أو يفرّون منه قد يحمل الإجابة. قد يكون توقٌ لرمز الأب أو الأم، أو رغبة مثلية كامنة. لعلك تستطيع إشباع تلك الرغبة من خلال تقديم نفسك كامرأة مسترجلة أو رجلٌ متأنث. لآخرين يمكنك أن تلعب دور لوليتا (ويقصد بها دور الفتاة المراهقة المرغوبة جنسيًا)، أو دور البابا- شخصٌ ليس من المفترض بهم أن يحوزوا عليه، الجانب المظلم من شخصيتهم. أبق الصلة غامضة- أنت تريدهم أن يحاولوا الوصول إلى شيءٍ محير، شيءٌ ينبثق من مخيلتهم الخاصّة.
في لندن في عام 1769، التقى كازانوا بامرأة شابة تدعي شاربيلون. كانت أصغر منه بكثير، وأجمل امرأة عرفها في حياته على الإطلاق، وذات سمعةٍ كمدمرةٍ للرجال. في أحد لقاءاتهم الأولى قالت له مباشرة أنه سيقع في حبها وأنها ستدمره. لم يصدق أحدٌ أنه كان سيطاردها، إلا أن هذا ما حصل. في كل لقاءٍ كانت تلمح إلى أنها قد تستسلم- ربما في المرّة القادمة،
......................................
شخص آخر في المتناول، بأنني أحب أن أكتشف بمساعدة هذا الرجل الأخرس فيما إذا كن يقلن الحقيقة. وبينما يحدث هذا، فإنه لا يمكن أن يكون هنالك رجل أفضل لهذه الغاية، لأنه حتى لو أراد البوح بالسر، فإنه لن يكون قادرًا على هذا. لن يعرف حتى كيفية الشرح، لأنه يمكنك أن تري بنفسك كم أن هذا الشخص عبارة عن شاب أخرق، متخلف عقليًا وأبله. سأكون مسرورةً بأن أعلم ما رأيك بالفكرة.، يا للهول! قالت الأخرى: ألا تدركين بأننا قد عاهدنا الله على صون عذريتنا؟ «أف!» قالت الأولى: نحن دائمًا نأخذ أمامه عهودًا لا نفي بها أبدًا! ماذا يهم إن أخفقنا بالحفاظ على هذا العهد؟ يستطيع دائمًا إيجاد فتيات أخريات يصنّ


إذا كان لطيفًا معها. أشعلت فضوله- كم كانت كبيرة اللذة التي كانت ستهبها؛ كان أوّل من سيروضها. كتب فيما بعد، «سم الرغبة اخترق كل كياني بشكل شامل، وكان باستطاعتها أن تسلبني كل شيءٍ أملكه لو أنها أرادت ذلك. كنت مستعدًا لأن أتصرف كمتسول من أجل مجرد قبلة واحدة». هذه «العلاقة» أدت إلى دماره بالفعل؛ فقد أذلته. قدرت شاربيلون بدقة أن نقطة ضعف كازانوفا الرئيسية كانت تعطشه لانتزاع الحبّ والإعجاب، لتخطي التحدّيات، ولاختيار ما لم يكن قد اختبره أيّ رجل آخر. تحت هذا كان يكمن نوعٌ من المازوشية، تلذذٌ بالألم الذي يمكن للمرأة أن تمنحه إياه. من خلال لعب دور المرأة المستحيلة، وإغرائه تارة ثم إحباطه، قدمت الإغراء المطلق. ما سيؤدي الغرض غالبًا هو إعطاء الهدف الإحساس بأنك تشكل تحديًا، جائزة يجب كسبها. من خلال امتلاكهم إياك سيحصلون على ما لم يحصل عليه أحد. قد يختبرون الأم حتى؛ لكن الألم قريب إلى اللذة، ويحمل إغراءاته الخاصة.
نقرأ في العهد القديم أن «دافيد نهض من أريكته ومشى على سطح بيت الملك.... [و] رأى من على السطح امرأة تستحم؛ والمرأة كانت آية في الجمال» المرأة كانت نانشبا.. استدعاها دافيد. أغواها (من المُفترض)، ومن ثم سار ليتخلص من زوجها، يورايا، في معركة. على أي حال فقد كان باثشبا من أغوت دافيد في واقع الحال. استحمت على سطحها في وقت كانت تعلم أن دافيد سيكون عنده واقفًا على شرفته. بعد أن أغرت رجلاً كانت تعلم أن لديه ضعفًا تجاه النساء، فإنها لعبت دور المغناج، مجبرة إياه بذلك على ملاحقتها. هذا ما يُعرف باستراتيجية الفرصة: امنح شخصًا ضعيفًا الفرصة للحصول على ما يتحرّق للحصول إليه وذلك من خلال مجرد وضع نفسك في متناول أيديهم، وكأن ذلك حدث عرضًا. غالبًا ما يكون الإغراء مسألة توقيت، أي عبور مسار الناس الضعفاء في اللحظة المناسبة، معطيًا إيّاهم بذلك الفرصة للاستسلام.
استخدمت باثشبا كامل جسدها كطُعم، لكن غالبًا ما يكون استخدام
......................................
عذريتهن له» .... قبل أن يحين وقت رحيلهن، فقد قامت كل واحدة منهم باختبارات متكررة لقدرة هذا المغفل على الامتطاء، وفيما بعد، عندما كانتا مشغولتين بتبادل الأقاصيص عن أمر برمته، فقد اتفقتا على أن كل لحظة منه كانت تجربة ممتعة بقدر ما تحملتا على الاعتقاد، وأكثر من ممتعة في الواقع. ومن ذلك الحين فصاعدًا، وكلما بزغت الفرصة، فإنهن كانتا تمضيان ما طاب لهن من الساعات السارة بين ذراعي الرجل المغفل.
ذات يوم على أي حال، فقد صادف أن رفيقة لهن نظرت من حجرتها، فرأت ما كان يجري، ولفتت انتباه اثنتين آخرتين لما كان يحدث. بعد أن تناقشن بالمسألة بين بعضهن البعض، فقد قررن في البداية أن يبلغن عن الراهبتين للراهبة الأمَّ. لكنهن


جزء من الجسم أكثر فاعلية، إذ يخلق أثرًا شبيهًا بالفتش. كانت المدام ريكاميير تدعك تلمح جسدها تحت الثياب الشفافة التي ترتديها، لكن فقط لبرهة، وذلك عندما كانت تخلع رداءها الخارجي لترقص. كان الرجال يرجعون من الأمسية وهم يحملون بالقليل الذي رؤوه. حرصت الإمبراطورة جوزفين على كشف ذراعيها الجميلين أمام الملأ. أعطِ الأهداف مجرد جزء منك ليتخيلوا (يحلموا) بصدده، خالقًا بذلك إغراء متواصلاً في أذهانهم.

الرمز: التفاحة
في جنّة عدن. الثمرة تبدو مغرية
بشكل، وأنت لا يُفترض بك أن تأكل منها
فهي محرمة. لكن ذلك بالضبط هو السبب
الذي يجعلك تفكر فيها ليلاً ونهارًا. أنت تراها
لكن لا يمكنك الحصول عليها. والطريقة
الوحيدة لتتخلص من هذا الإغراء تكون من
خلال الاستسلام وتذوق الثمرة
......................................
غيرن رأيهن بعد ذلك، وبالاتفاق المشترك مع الراهبتين الأخريتين، فمن يأخذ نصيبهن من ماسينو، وبسبب حماقات متعددة، فقد انضمت الثلاث المتبقيات فيما بعد، واحدة تلو الأخرى. وأخيرًا فإن الراهبة الأم التي كانت لا تزال لا تعلم بكل هذا، كانت تقوم بنزهة في الحديقة، ذات يوم حار جدًا، ودون رفقة أحد عندما رأت ماسيتو متمددًا في نوم عميق في ظل شجرة لوز. كثرة الامتطاء في الليل لم تترك له سوى القليل من القوة لأعمال النهار، وهكذا استلقى هنالك، بينما كانت الريح تداعب ثيابه تاركًا إياه مكشوفًا بالكامل. كونها وجدت نفسها لوحدها، فقد وقفت السيدة مثبتة العينين على هذا المشهد، وقد تملكتها نفس الرغبة التي كانت قد


الانقلاب
عكس الإغراء هو الأمان أو الرضى، وكلاهما مهلكٌ للإغواء. إذا لم يكن بإمكانك أن تستدرج (تغوي) الناس من راحتهم المعتادة، فلا يمكنك أن تغويهم.. إذا أشبعت الرغبة التي أيقظتها، يكون الإغواء قد انتهى. لا يوجد انقلابٌ للإغراء. بالرغم من أنه يمكن تخطي بعض المراحل، إلا أن الإغواء لا يمكن أن يسير دون شكل ما من الإغراء، لذا فإنه من الأفضل دائمًا أن تخطط له باهتمام، مصممًا إياه بما يتناسب تمامًا مع ضعف وطفولية هدفك بالتحديد.
......................................
استسلمت لها قبلاً الراهبات اللواتي تحت إشرافها. وهكذا، بعد أن أيقظت ماسيتو، فإنها أخذته إلى غرفتها، حيث استبقت لعدة أيام، مثيرة بذلك تشكيات مريرة من الراهبات بدعوى أن الحدائقي قد تعطل عن العمل في الحديقة. قبل أن تعيده إلى مأواه الخاص، فإنها استمتعت بشكل متكرر باللذة الوحيدة التي لطالما حظت بعنيف شجبها، ومن ذلك الحين فصاعدًا صارت تطالب بحصص إضافية، تبلغ بشكل معتبر أكثر من نصيبها العادل بكثير.
- جيوفاني بوكاتشيو، عمل العشرة أيم، ترجمة جاي. إتش ماك ويليام.







المرحلة الثانية
ضلّل-
أخلق المتعة والتشوّش
ضحاياك مهتّمون بالشكل الكافي ورغبتهم بك تتنامى، لكنّ تعلّقهم ضعيف وقد يقرّرون التراجع في أي لحظة. الهدف في هذه المرحلة هو أن تمعن في تضليل ضحاياك لدرجة- من خلال إبقائهم متهيّجين عاطفيًّا ومُّشَوَشين، مانحًا إيّاهم المتعة لكن جاعلاً إيّاهم راغبين في المزيد- لا يعود عندها التراجع ممكنًا. مُطالعَتهم بمفاجأةٍ سارّة سيجعلهم يرونك كشخص لا يمكن التنبؤ بتصرّفاته (وذلك أمرٌ يبعث على السرور)، لكنّه سيبقيهم أيضًا في حالة عدم توازن (9: أبقهم في حالة ترقَب- ماذا سيأتي بعد؟). الاستخدام البارع للكلمات الناعمة والمبهجة سيسكرهم وسيثير التخيّلات (10: استخدم القوة الشيطانية للكلمات لزرع الارتباك والفوضى). اللمسات الجماليّة والطقوسيّات البسيطة السارّة ستدغدغ حواسّهم، وتشتّت عقولهم (11: اهتّم بالتفاصيل).
أعظم خطر يحيق بك في هذه المرحلة هو مجرّد مسحةٍ من الروتين أو الاعتياد. يجب عليك أن تبقي على بعض الغموض، وبعض المسافة كي يصبح ضحاياك مهووسين بك لدى غيابك (12: أضفِ مسحة شاعرية على حضورك). قد يدركون أنّهم أخذوا في الوقوع في حبّك، لكنّهم يجب ألاّ يرتابوا أبدًا في مدى تأتّي هذا من تلاعبك. عرضٌ حَسَنُ التوقيت لضعفك،


لمدى العاطفيّة التي أصبحت عليها تحت تأثيرهم ستساعد على إخفاء آثار فعلتك (13: جرّد من السلاح من خلال الضعف والهشاشة الاستراتيجيّين.) لكي تثير ضحاياك وتجعلهم على درجة كبيرة من العاطفيّة، يجب عليك أن تمنحهم الإحساس بأنهم في الواقع يعيشون بعضًا من الأحلام التي أثرتها في مخيّلتهم (14: اخلط الأماني بالحقائق). من خلال منحك أو تحقيقك لمجرّد جزءٍ من الخيال، ستجعلهم يعودون طلبًا للمزيد. تركيزك للانتباه عليهم سوف يجعل العالم يتلاشى من حولهم، ومجرّد أخذهم في رحلة سوف يضلّلهم بعيدًا (15: اعزل ضحيّتك). لا مجال للعودة.


9
أبقهم في حالة ترقّب- ماذا سيأتي بعد؟
في اللحظة التي يشعر فيها الناس أنّهم يعرفون ماذا يتوقّعون منك، تكون تعويذتك السحريّة قد انحلّت. بل أكثر من هذا: تكون قد تنازلت لهم عن السلطة. الطريقة الوحيدة لتقود المغوي على طول الخط وتحتفظ باليد العليا تكون من خلال خلق التشوُّق والمفاجأة المُعَدّة مسبقًا. الناس يحبّون الغموض، وهذا هو المفتاح لاستدراجهم على نحوٍ أعمق نحو شبكتك. تصرّف بطريقةٍ تدعهم يتساءلون، ما آخر مستجدّاتك؟ أن تعمل شيئًا لا يتوقعونه منك سوف يعطيهم شعورًا سارًا بالعفوية- لن يكونوا قادرين على أن يستشرفوا ماذا سيأتي بعد. أنت دائمًا متحكّم ومتقدّم بخطوة. امنح الضحيّة الإثارة من خلال تغييرٍ مفاجئٍ للاتجاه.


المفاجأة المدبّرة
في عام 1753، التقى جيوفاني كازانوفا البالغ الثامنة والعشرين من العمر بفتاةٍ تُدعى كاترينا ووقع في حبّها. والدها كان يعلم أيّ نوع من الرجال كان كازانوفا، وليمنع حدوث نوعٍ من المنغّصات قبل أن يستطيع تزويجها، فقد أرسلها إلى ديرٍ بعيد في جزيرة مورانو التابعة للبندقيّة، حيث كانت ستبقى لأربع سنوات.
كازانوفا، من جهةٍ ثانية، لم يكن الشخص الذي يُرَوَّع أو تُثَبَّط همّته. هرّب رسائل إلى كاترينا. بدأ بحضور القدّاس في الدير عدّة مرّات في الأسبوع، حيث استطاع أن يسترق النظر إليها. بدأت الراهبات بالتحدث بين بعضهنّ البعض: من هذا الرجل الوسيم الذي يكثر التردّد؟ ذات صباح، عندما كان كازانوفا يغادر القدّاس وعلى وشك أن يستقلّ زورقًا، مرّت بجانبه خادمةٌ من الدير وألقت برسالةٍ عند قدميه. التقطها إذ اعتقد أنّها كانت من كاترينا؛ صاحبتها كانت راهبةً من الدير كانت قد لحظته في العديد من زياراته وأرادت التعرّف إليه. هل كان مهتمًّا؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فعليه أن يقدم إلى قاعة الاستقبال في وقت محدّد، عندما كانت الراهبة ستستقبل ضيفًا من العالم الخارجي؛ صديقتها والتي كانت كونتيسة. كان بإمكانه أن يقف على مبعدة ويراقبها كي يقرّر إذا ما كانت تروق له.
أثارت الرسالة اهتمام كازانوفا وأسرته كأشدّ ما يكون: فقد كان أسلوبها رزينًا وفخمًا، لكن في نفس الوقت كان هنالك شيءٌ ما شقيِّ ومشاكسٌ فيها. وخاصةً من راهبة. كان عليه أن يكتشف المزيد. في اليوم والوقت المحدّدين، وقف في جانب قاعة استقبال الدير ورأى امرأةٌ أنيقة الثياب وهي تتحدّث مع راهبةٍ تجلس خلف حاجزٍ مُشَبتك. دُهشَ لسماعه
...................
أنا موقّن من آني سأفاجئ [الشعب الفرنسي]. فالفعل الجسور يقلق راحة الناس، وهم ينشدهون إزاء الجدة اللافتة.
- نابوليون بونابرت، مُقتّبس في نابوليون لإميل لودفيج، ترجمة إيدين وسيدار بول
الهمّ الأوّل لدى أيّ غندور هو ألاّ يفعل أبدًا ما يتوقّعه منه الآخرون، وأن يمضي دائمًا لما هو أبعد... غير المُتَوقّع يمكنه ألاّ يعدو عن إيماءة أو بادرة، ولكنّه بادرة غير اعتيادّية بالكامل.


اسم الراهبة: فقد كانت ماتيلدا ألم، وهي فتاةٌ من البندقيّة وفي مطلع العشرينات من عمرها، كان قرارها في دخول الدير قد فاجأ المدينة بأكملها. لكنّه ذُهِل للغاية عندما استطاع رؤية أنّها كانت شابّةً جميلة الأوصاف تحت رداء الراهبة الذي كانت ترتديه وخاصّةً عيناها اللتان كانتا زرقاوين لامعتين. لعلّها كانت تحتاج لقضاء خدمة، واعتزمت أن تستخدمه كمخلب قط (مجرّد أداة لتحقيق مرادها).
غلبه الفضول. بعد عدّة أيّام عاد إلى الدير وطلب رؤيتها. تسارع نبض قلبه بينما كان ينتظرها- فلم يكن يعرف ماذا ينتظره. ظهرت أخيرًا وجلست خلف الحاجز المُشَبَّك. كانا لوحدهما في الغرفة، وقالت أنّها تستطيع أن ترتّب عشاءً خاصًّا بهما في فيلاً صغيرة مجاورة. ابتهج كازانوفا، لكنّه تساءل في تعجّب مع أيّ نوعٍ من الراهبات كان يتعامل. سألها «و- هل لديك عشيقٌ غيري؟». فأجابت، «لديّ صديق، وهو سيّدي بكل ما في الكلمة من معنى. وإنّه هو من أدين له بثروتي.» سألته إذا كان لديه حبيبة؛ فأجاب بنعم. أردفت بعد ذلك بنبرةٍ غامضة، «أنا أحذّرك بأنّه ما إن تسمح لي بأخذ مكانها في قلبك، فلا يوجد قوّةٌ على سطح الأرض تستطيع أن تنتزعني منه.» بعد ذلك أعطته مفتاح الفيلاّ وأخبرته أن يلتقي بها هناك بعد يومين، قبّلها من خلال الحاجز المُشَتبك وغادرها وهو دائخ. كتب كازانوفا، «انقضى اليومان التاليان وأنا في حالة تلهّفٍ محموم، الأمر الذي منعني من النوم والأكل. فقبل وبالإضافة إلى عراقة المحتد، الجمال والظرافة، فقد كانت معشوقتي الجديدة تمتلك سحرًا إضافيًّا: كانت ثمرة محرّمة. كنت على وشك أن أصبح منافسًا للكنيسة.« تخيّلها في رداء الرهبنة، وبرأسها الحليق.
وصل إلى الفيلاّ في الساعة المحدّدة. كانت ماتيلدا بانتظاره. كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا، الأمر الذي فاجأه، وكانت قد تدبّرت بطريقةٍ أو بأخرى ألاّ يُحلَقَ شعر رأسها الذي سرّحته عندئذٍ على شكل كعكةٍ كبيرة. أخذ كازانوفا يقبّلها. قاومت لكن بشكلٍ طفيفٍ فقط، ومن ثمّ انسحبت وهي تقول أنّ الوجبة كانت جاهزةً من أجلهما. قامت خلال العشاء بإيضاح بعض الحلقات المفقودة: خوّلها مالها بأن ترشي أناسًا معيّنين، لكي تستطيع الفرار من الدير بين الحين والآخر. كانت قد ذكرت كازانوفا لصديقها
...................
قام ألسيبايديس بقطع ذيل كلبه كي يفاجئ الناس. عندما رأى نظرات أصدقائه وهم يحدّقون في الحيوان الأبتر، فإنّه قال: «آه، ذلك بالضبط ما أردت حصوله: ما دام الأثيتيون يتهامسون عن هذا، فإنّهم لن يقولوا عنّي ما هو أسوأ.».
جذب الانتباه هو ليس الهدف الأوحد للغندور، فهو يريد أسره بواسطة أساليبٍ غير متوقّعة، بل وحتّى سخيفة. من بعد ألسيبايديس، كم من غندورٍ صاعدٍ قام بقطع ذيل كلبه! بارون ساينت- كريك، على سبيل المثال، وقصّة جزمته والبوظة: ذات يومٍ حائر جدًّا، طلب كوبين من البوظة من محلً تورتوني، وقام بتقديم الكوب ذي نكهة الفانيليا لجزمته اليمنى، والكوب ذي نكهة الفريز لجزمته اليسرى... أحبّ الكونت سانت-


وسيّدها، فوافق على علاقتهما السريّة. لابدّ أنّه متقدّمٌ في السن؟ سأل كازانوفا. فأجابت بالنفي وأضافت بينما كانت عيناها تتلألآن: هو في الأربعينات ووسيمٌ بحقّ. بعد العشاء، رنّ جرسٌ- الذي كان الإشارة التي تنبّهها لضرورة العودة بسرعة إلى الدير، وإلاّ فسوف يتمّ اكتشاف فعلتها. بدّلت ثيابها مرتديةً مجدّدًا رداء الراهبة وغادرت.
بدأ أنّ صورةً ذهنيّةً جميلة تمتدّ أمام ناظري كازانوفا، عن شهورٍ يقضيها في الفيلاّ مع هذا المخلوق الجميل، وكلّها بفضل هذا السيّد الغامض الذي دفع كلّ التكاليف. سرعان ما عاد إلى الدير من أجل أن يرتّب من أجل اللقاء التالي. كان سيتواعدان في ساحةٍ في البندقيّة، ومن ثمّ ينسحبان إلى الفيلاّ. في الزمان والمكان المحدّدين رأى كازانوفا رجلاً يقترب منه. تراجع كازانوفا مذعورًا خوفًا من أن يكون هذا الرجل هو صديقها الغامض، أو رجلٌ آخر ما أُرسل لقتله. حام الرجل خلفه ثمّ دنا منه: لقد كانت ماتيلدا، وهي ترتدي قناعًا وثيابًا رجّاليّة. ضحكت على حالة الرعب التي سبّبتها له. يا لها من راهبة شيطانيّة. كان عليه أن يعترف أنّها أثارته من خلال تنكُرها بثياب الرجل حتّى أكثر من ذي قبل.
بدأ كازانوفا يشكّ في أنّ الأمر برمّته لم يكن كما يبدو ظاهريًّا. فأوّلاّ، وجد مجموعةً من الروايات والكتيّبات الإباحيّة في منزل ماتيلدا. ثانيًا كانت تدلي بتعليقاتٍ تجديفيّة، عن المرح -على سبيل المثال- الذي سيعيشونه سويّةٌ خلال فترة الصوم عندما «يميتان شهواتهما.» أمّا وأنّها صارت تشير إلى صديقها الغامض على أنّه حبيبها فقد وضع خطّةٌ في ذهنه لينتزعها من هذا الرجل ومن الدير، فيفرّ معها وتصبح ملكه لوحده.
بعد ذلك بعدّة أيّام استلم رسالةً منها تحمل اعترافًا: خلال واحدةٍ من لقاءاتهم السريّة الشغوفة في الفيلاّ، كان حبيبها مختبئًا في الخزانة، وهو يشاهد كلّ شيء. أخبرته أن حبيبها كان السفير الفرنسي وأنّ كازانوفا كان قد أثار إعجابه. لم يكن كازانوفا من يُخدَع بمثل هذا، ومع ذلك فقد عاد صاغرًا إلى الدير كي يرتّب للقاءِ سرّيً آخر. هذه المرّة ظهرت في الساعة التي كانا قد اتّفقا عليها، وعانقها- فقط ليكتشف أنّه كان يعانق كاترينا التي كانت ترتدي ثياب ماتيلدا، كانت ماتيلدا قد صادقت كاترينا وعلمت
.....................
جرمان أن يأخذ أصدقاءه إلى المسرح، في عربته المبهجة للحواسّ والمخطّطة بالساتان الزهري والتي يقودها حصانات سوداوان ذوي ذيولٍ هائلة؛ فسألهم بنبرته تلك التي لا يمكن تقليدها: «أي فقرة من التسلية تحبّون مشاهدتها؟ الفودفيل، أم حفلة المنوّعات، أم مسرح بالايز الملكي؟ أمنح لنفسي الحقّ بأن أحجز مقصورةً لثلاثتهم معًا.» ما إن اتّخذ القرار، حتّى أخذ وبنظرة ازدراء شديد البطاقات غير المستعملة، لفّها، واستخدمها لإشعال سيجاره.
- مود دي ييليروش، الغندور اللعوب
بينما جلس شاهزمان على واحدةٍ من النوافذ المطلّة على حديقة الملك، فقد رأى بابًا ينفتح في القصر، ويخرج منه


قصّتها. من الواضح أنّها أشفقت عليها، لذا دبرّت الأمر بحيث تستطيع كاترينا أن تغادر الدير في المساء وتلتقي بكازانوفا، قبل ذلك ببضعة شهور كان كازانوفا متيّمًا بهذه الفتاة، لكنّه كان قد نسي بشأنها. مقارنةً بماتيلدا الذكيّة فقد كانت كاترينا عبارة عن إنسانة مُضجِرة ومُتَكَلّفة. لم يستطع إخفاء خيبة أمله. وكان يتحرّق لرؤية ماتيلدا.
كان كازانوفا غاضبًا من الخدعة التي حاكتها ماتيلدا. لكنّه غفر لها كلّ شيء عندما رآها مجدّدًا بعد بضعة أيّام. كما توقّعت خلال لقائهم الأوّل، فقد كانت سلطتها عليه كاملة. كان قد أصبح عبدها، ومدمنًا على أهوائها وعلى المُتَع الخطرة التي قدّمتها. من كان يعلم أيّ فعلِ متهوّر كان يمكن أن يقدم عليه لو لم تَحُل الظروف دون استمرار علاقتهما.
التفسير. كان كازانوفا من يمسك بزمام السيطرة في جميع إغواءاته (تقريبًا). كان هو من يقود؛ إذ يأخذ ضحيّته في رحلةٍ إلى مكانٍ مجهول، ويستدرجها إلى شبكته. من بين جميع مذاكّراته كانت قصّة ماتيلدا هي الإغواء الوحيد الذي- ولحسن حظّه- انعكست فيه الآية: فقد كان المَغويّ، الضحيّة المُربَكة والمُحَيَّرة.
ما جعل كازانوفا عبدًا لماتيلدا كان نفس التكتيك الذي كان قد استخدمه على عددٍ لا يُحصى من الفتيات: الإغراء الذي لا يُقاوَم لكون المرء مُقادًا من قبل شخصٍ آخر، ولرعشة المفاجأة ولقوّة الغموض. كلّ مرّةٍ غادر فيها ماتيلدا كان رأسه يدور بالأسئلة. قدرتها على الاستمرار في مفاجأته أبقاها دائمًا في ذهنه، الأمر الذي عمّق سحرها ومحا كاترينا من تفكيره. كلّ مفاجأةٍ كانت تُدرَسُ بعناية من ناحية الأثر الذي سوف تنتجه. الرسالة الأولى غير المتوقّعة أثارت فضوله، كما فعلت نظرتها الأولى تلك في غرفة الانتظار؛ ورؤيتها بشكلٍ مفاجئ وهي ترتدي كامرأةٍ أنيقة أثارت فيه رغبةً شديدة؛ بعد ذلك فإنّ رؤيتها وهي متنكّرة بثياب رجل عزّزت الطبيعة الانتهاكيّة المثيرة لعلاقتهم السريّة. زعزعت المفاجآت توازنه، إلاّ أنّها تركته يتحرّق شوقًا وهو ينتظر المفاجأة التالية. حتّى المفاجآت غير السارّة، كذلك
.....................
عشرون من العبدات الإناث وعشرون من الزنوج، وبينهم كانت امرأة أخيه [الملك شهريار]، وهي امرأةٌ ذات جمالٍ فائق. اتّجه الجمع نحو النافورة، حيث خلعوا ثيابهم جميعًا وجلسوا على العشب. عندئذٍ صاحت زوجة الملك: «تعال يا مسعود!» فأسرع إليها عبد أسود، وامتطاها بعد أن غمرها بالقبل والعناق. كذلك فعل الزنوخ مع العبدات، إذ عربدوا سوّيةً حتّى قارب الليل على الهبوط... ...
وهكذا أخبر شاهزمان شقيقه [الملك شهريار] بكلّ ما رآه في حديقة الملك ذلك اليوم...
عند ذلك أعلن شهريار عن عزمه على القيام بحملة أخرى. انطلق الجنود خارج المدينة بخيامهم، ولحق بهم الملك شهريار. وبعد أن مكث لبرهة في


اللقاء مع كاترينا والذي كانت ماتيلدا قد دبّرته، أبقته عاطفيًا وضعيفًا. لقاؤه مع كاترينا البايخة نوعًا ما في تلك اللحظة لم يؤدِّ إلّا إلى جعله يتوق بهذه الشدة إلى ماتيلدا.
في الإغواء، أنت تحتاج لأن تخلق حالة توتّر وترقّب دائمة، إحساسًا بأنّه معك لا يمكن التنبؤ بشيء. لا تفكّر بهذا كتحدٍّ شاقً. أنت تخلق نوعًا من الدراما في الحياة الحقيقيّة، لذا صبّ طاقاتك الخلاّقة فيها، واحظّ ببعض المتعة والفرح. هناك جميع أنواع المفاجآت المدبّرة التي تستطيع أن تباغت بها ضحاياك- كأن ترسل رسالةً دون سابق إنذار، أو أن تظهر بشكل غير متوقّع، أو تأخذهم إلى مكان لم يزوروه من قبل أبدًا. لكن أفضل المفاجآت هي التي تظهر شيئًا ما جديدًا عن شخصيّتك. وهذه يجب أن تُحَضَّر مسبقًا. في تلك الأسابيع الأولى، ستميل أهدافك لأن تطلق أحكامًا متسرّعة (مرتجلة) عنك وذلك بناءً على المظاهر. لعلّهم يرونك خجولاً، عمليًّا، أو متزمّتًا بعض الشيء. أنت تعلم أنّ انطباعهم هذا هو ليس حقيقة ما أنت عليه، وإنّما هو الكيفيّة التي تتصرّف بها في الأوضاع الاجتماعيّة. دعهم، على أيّة حال، يحملون هذه الانطباعات، بل وأبرزْها بعض الشيء، دون مبالغة: فعلى سبيل المثال، إِظْهَرْ أكثر تَحفّظًا من المعتاد بقليل. وعندما يكون عندك مجالٌ لتفاجئهم على نحوٍ مباغت بعملٍ جريء أو شاعريٍّ أو مشاغب. كما فعلت ماتيلدا مع كازانوفا- أولاً راهبة تريد علاقةً غراميّة، ومن ثمّ فاسقة (خليعة)، ومن ثمّ مغوية ذات مسحةٍ ساديّة. بينما يجهدون أنفسهم لمحاولة تصوّرك، فإنّهم سيفكّرون بك طوال الوقت، وسيرغبون بمعرفة المزيد عنك. سيقودهم فضولهم عميقًا إلى داخل شبكتك، إلى أن يكون الأوان قد فات بالنسبة إليهم كي يرجعوا.
هذا هو القانون دائمًا بالنسبة للشخص المثير للاهتمام... إذا كان الشخص يعرف فقط كيف يفاجئ، فإنّه سوف يربح اللعبة دائمًا. طاقة الشخص المعني تُعَلَّق بشكل مؤقّت، الأمر الذي يجعل من قدرته على التصرّف شيئًا متعذّرًا.
.....................
- سورين كيركيجارد المخيم، فقد أعطى الأوامر لعبيده بألاّ يُسمَح لأحدٍ بالدخول إلى خيمة الملك. تنكّر بعد ذلك وعاد إلى القصر دون أن يلاحظه أحد حيث كان أخوه بانتظاره. جلسا سوّيةً على واحدةٍ من النوافذ التي تطلَ على الحديقة؛ وبعد أن كانا جالسين هنالك لبرهة، فقد ظهرت الملكة ونساؤها مع العبيد السود، وتصرّفوا كما كان شاهزمان قد وصف... ما إن دخلوا إلى القصر، حتّى أمر الملك شهريار بإعدام زوجته مع نسائها والعبيد السود. ومن ذلك الحين فصاعدًا جعلها عادةً أن يأخذ عذراء (كزوجة) إلى سريره كلّ ليلة، ويقتلها في صبيحة اليوم التالي. تابع فعل هذا لثلاث سنوات، إلى أن سرت جَلَبة بين الناسّ، وفرّ قسم منهم مع بناتهم إلى


المفاتيح للإغواء
عادةً ما يكون الطفل مخلوقًا عنيدًا ومتصلّبًا يتعمّد فعل ما هو معاكسٌ لما نطلبه منه. لكن هنالك سيناريو يتيم يتخلّى الأطفال فيه عن عنادهم المعتاد: وذلك عندما يوعَدون بمفاجأة. لعلّها هديّة مخبّأة بصندوق، لعبةٌ ذات نهايةٍ لا يمكن التنبؤ بها، رحلةٌ إلى مكانٍ مجهول، قصّةٌ مشوّقةٌ ذات نهاية مفاجئة. في تلك اللحظات عندما يكون الأطفال منتظرين لمفاجأة، فإنّ قوّة إرادتهم تكون معطّلة (معلّقة). هم سيكونون تحت رحمتك (عبيدًا لك) ما دمت تدلّي بالإمكانيّة أمامهم. هذه العادة الطفوليّة عادةً ما تكون مطمورةً في أعماقنا، وهي مصدر سعادةٍ إنسانيّةٍ أوّليّة: سعادة كوننا نُحمَلُ من شخصٍ يعلم إلى أين يذهب، والذي يأخذنا في رحلة. (لربّما بهجتنا في كوننا نُحمَلُ على طول الرحلة تشتمل الذكرى الدفينة لكوننا كُنّا نُحمَلُ حرفيًّا، من قبل والد، عندما كنّا صغارًا.)
نحصل على رعشةٍ مشابهة عندما نشاهد فيلمًا أو نقرأ روايةً مثيرة: إذ نكون بين يدي المخرج أو الكاتب وهو يقودنا على طول الخط، آخذًا إيّانا من مفاجأة لمفاجأة ومن تطوّرٍ لآخر. نقبع في مقاعدنا، نقلب الصفحات، ونحن سعداء بحالة العبوديّة التي يسببّها لنا التشويق. إنّها اللذّة التي تنتاب المرأة لكونها تُقادُ من قبل راقصٍ واثق، مُتَخَلِّيَةً في تلك الأثناء عن أيّة فاعليّة قد تستشعرها وتاركةً الشخص الآخر يقوم بالعمل. الوقوع في الحبّ يتضمّن التوقّع أو الترقّب؛ نحن على وشك الانطلاق في اتّجاهِ جديد، دخول حياة جديدة، حيث سيكون كلّ شيء غريبًا. يحتاج المَغوي إلى أن يُقاد، إلى أن يُحمَلَ كطفل. إذا كان يمكن التنبؤ بتصرّفاتك، فإنّ السحر سوف يخبو؛ فالحياة اليوميّة يمكن التنبّؤ بها. كان الملك شهريار، في رواية ألف ليلة وليلة العربيّة، كلٌ ليلةٍ يتّخذ لنفسه عذراءً كزوجة، ومن ثمّ يقتلها في صبيحة اليوم التالي. إحدى هذه العذراوات، شهر زاد، تدبّرت الهروب من هذا المصير من خلال إجبار الملك قصّةًَ لا يمكن إكمالها إلّا في اليوم التالي. هي تفعل هذا ليلةً تلو الأخرى، مبقيةً بذلك الملك في حالة ترقّبٍ وتشوّقٍ دائمين. عندما تنتهي قصّة، كانت تسارع في إخبار أخرى. فعلت هذا لما يقارب الثلاث
.....................
خارج البلاد. الآن كان لدى الوزير ابنتان. الكبرى تُدعى شهر زاد والصغرى دنيازاد. تمتّعت شهرزاد بالعديد من المآثر وكانت ضليعةً في حكمة الشعراء وأساطير الملوك الأقدمين. لاحظت شهرزاد في ذلك اليوم قلق أبيها وسألته عمّا كان يعكّر صفوه. عندما أخبرها الوزير عن ورطته، فقد قالت: «أعطني كزوجةٍ إلى الملك؛ فإمّا أموت فداءً لبنات المسلمين، أو أحيا وأكون سبب خلاصهم.»
استحلفها جديًّا ألاّ تقوم بهكذا مخاطرة؛ إلّا أنّ شهرزاد كانت عاقدة العزم، ولم تكن لتذعن لاستعطافات أبيها...
* وهكذا ألبس الوزير ابنته ثياب العرس وزّينها بالجواهر واستعدّ لإعلان زفافها للملك.
* قبل أن تقول الوداع لأختها، فإنّ شهرزاد


سنوات، إلى أن قرّر الملك أخيرًا أن يوفّر حياتها. أنت مثل شهر زاد من دون قصص جديدة، ودون الإحساس بالترقّب والتوقّع، فإنّ إغواءك سيموت. واصل إذكاء النيران ليلةً بعد ليلة. أهدافك لن تعرف أبدًا ماذا سيأتي بعد- ما هي المفاجآت التي تخبّئها لهم. كما حصل مع الملك شهريار، فإنّهم سيكونون تحت سيطرتك ما دمت قادرًا على إبقائهم يحزرون ويخمّنون.
في عام 1765، التقى كازانوفا بكونتيسّةٍ إيطاليّة شابّة تُدعى كليمنتينا كانت تعيش مع شقيقتيها في قصرٍ ريفيّ. كانت كليمنتينا تحبّ القراءة، ولم تكن تهتم كثيرًا بالرجال الذين كانوا يحومون حولها. أضاف كازانوفا نفسه إلى مجموعهم، إذ أخذ يشتري لها الكتب، وينخرط معها في مناقشاتٍ أدبيّة، لكنّها لم تكن أكثر اكتراثًا بشأنه ممّا كانت بشأن الآخرين. لكنّه ذات يوم دعا الأسرة بأكملها في رحلةٍ قصيرة، ولم يخبرهم إلى أين كانوا ذاهبين. تكدّسوا في العربة وأخذوا يحزرون طوال الطريق إلى أين كانت الوجهة. بعد عدّة ساعاتٍ من ذلك دخلوا ميلان- ويا لها من فرحة، فالأخوات لم يكنّ قد ذهبن إلى هنالك قط. قادهم كازانوفا إلى شقّته، حيث عُرِضَت ثلاث أبواب- وهي أروع أثوابٍ كانت الفتيات قد رأينها في عمرهنّ. أخبرهنّ أنّه كان هنالك ثوبٌ لكلّ واحدةٍ من الأخوات، وأنّ الثوب الأخضر كان لكليمنتينا. ارتدت الثوب بينما كانت مذهولة وأضاء وجهها. لم تتوقّف المفاجآت- فقد كانت هناك الوجبات الشهيّة، الشامبانيا، والألعاب. في الوقت الذي وصلن فيه إلى القصر، في وقتٍ متأخّرٍ من عصر ذلك اليوم، كانت كليمنتينا قد وقعت في حبّ كازانوفا على نحوٍ لا شفاء منه.
كان السبب بسيطًا: المفاجأة تخلق لحظةً تكون فيها دفاعات الناس موضوعةً جانبًا بحيث يمكن لعواطف جديدة أن تدخل. إذا كانت المفاجأة سارّة، فسوف يسري السّم الإغوائيّ في عروقهم دون أن يدركوا ذلك. أيّ حدثٍ مفاجئ لديه أثرٌ مشابه، فهو يضرب (يمسُّ) عواطفنا مباشرةً قبل أن نتصرّف بطريقة دفاعيّة. الخليعون يعرفون هذه القوّة جيّدًا.
لاحظت امرأةٌ متزوّجة في بلاط لويس الخامس عشر، في فرنسا
.....................
أعطت أختها هذه التعليمات: «عندما أُستقبَل من قبل ذلك فإنّي سوف أرسل وراءك. وبعد أن يفرغ الملك من الدخول عليّ، يجب عليك أن تقولي: أخبريني يا أختي عن قصّةٍ خرافيّة لتزجية الليل." ومن ثمّ فسأحكي لك حكايةً ستكون، إن شاء الله، وسيلة خلاصنا.»
مضى الوزير مع ابنته لعند الملك. وعندما كان الملك قد أخذ العذراء شهرزاد إلى حجرة نومه وواقعها، فإنّها انتحبت وقالت: «لديّ أختّ صغيرة أريد أن أودّعها.» أرسل الملك وراء دنيازاد. عندما وصلت، فقد قامت برمي ذراعيها حول عنق أختها، وأجلست نفسها بقربها. بعد ذلك قالت دنيازاد لشهرزاد: «احكي لنا يا أختي حكايةً خرافية حتّى تمرّ الليلة بشكل سارّ.».


القرن الثامن عشر، رجل بلاطٍ شابّا ووسيمًا وهو يراقبها، في الأوبرا أوّلاً، وبعد ذلك في الكنسية. بعد أن أجرت تحرّياتها، وجدت أنّه كان الدوق دي رايشليو، الذي كان أشهر خليعٍ في فرنسا. لم تكن امرأةٌ بمأمنٍ من هذا الرجل، وحُذِّرَت من أنّه كان من المستحيل مقاومته، وأنّه ينبغي لها أن تتفاداه مهما كان الثمن. أجابت بأنّ هذا هراء، فهي سعيدةٌ بزواجها، ولا يمكن له أن يغويها. وضحكت على إصراره عندما رأته مرّةً ثانية. كان يتنكّر كمتسوّل ويدنو منها في المنتزه، أو يقود عربته بمحاذاة عربتها. لم يكن عداونيًّا أبدًا، وبدأ أنّه غير مؤذٍ بما فيه الكفاية. سمحت له بأن يتكلّم معها في البلاط؛ كان ساحرًا وظريفًا، وطلب حتّى أن يلتقي بزوجها.
مرّت الأسابيع، وأدركت المرأة أنّها كانت قد ارتكبت خطأً: تلهّفت لرؤية الماركيز. كانت قد وضعت دفاعاتها جانبًَا. هذا يجب أن يتوقّف. عندها أخذت تتجنّبه. وبدأ أنّه يحترم مشاعرها: فقد كفّ عن مضايقتها. ثمّ في أحد الأيّام، بعد أسابيع من ذلك، كانت في عِزبةِ صديقتها عندما ظهر الماركيز بشكلٍ مفاجئ. احمرّت وارتجفت وانسحبت، لكنّ ظهوره غير المتوقّع أخذها على حين غرّة- كان قد دفعها إلى حافّة الهاوية. بعد عدّة أيّام من ذلك أصبحت ضحيّةً أخرى من ضحايا رايشيو. بالطبع كان قد دبّر الأمر برمّته، بما فيه ما كان يُفتَرَض أنّه لقاءٌ مفاجئ.
المباغتة لا تخلق صدمةً إغوائيّةً وحسب، بل وتخفي التلاعبات أيضًا. اظهر في مكانٍ ما على نحوٍ غير متوقّع، قل أو افعل شيئًا مفاجئًا، وعندها لن يكون لدى الناس وقتٌ كي يتصوّروا أنّ حركتك كانت محسوبة ومُعَدّة مسبقًا. خذهم إلى مكانٍ جديدٍ ما وكأنّ ذلك خطر ببالك للتّو، بُح بشكلٍ مفاجئ بسرً ما. سيصبحون مربكين لدرجةٍ لا يمكنهم عندها تبيّن حقيقتك وحقيقة تصرّفاتك وذلك بعد أن جُعِلوا حسّاسين وهشّين من الناحية العاطفيّة. أيّ شيءٍ يحدث بشكلٍ مفاجئ يبدو طبيعيًّا، وأيّ شيءٍ يبدو طبيعيًّا يكون له سحرٌ اغوائيٌّ.
كانت جوزفين بايكر قد سحرت الجمهور الفرنسي بالكامل من خلال رقصها الجامح وذلك بعد أشهرٍ فقط من وصولها إلى باريس في عام 1926.
.....................
فأجابت «بكلّ سرور، إن كان الملك يسمح بذلك.» فاستمع الملك، الذي كان يعاني من الأرق، بتلّفٍ إلى حكاية شهرزاد: في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، في مدينة البصرة، عاش هناك خيّاطٌ ثريّ والذي كان مولعًا بالرياضة والمرح...
• [مرّت حوالي ثلاث سنوات.] خلال هذا الوقت كان شهرزاد قد أنجبت ثلاثة أبناء لشهريار. في الليلة الأولى بعد الألف، عندما كانت قد انتهت من قصّة معروف، فإنّها نهضت وقبّلت الأرض أمامه قائلةً: «أيّها الملك المُبّجل، لألف ليلةٍ وليلة كنت أسرد لك خرافات العصور الأولى وأساطير الملوك الأقدمين. هل أكون جريئةً لحدّ الصفاقة إن طلبت معروفًا من


لكنّها استطاعت بعد ذلك بأقلّ من سنة أن تحسّ بتضاؤل اهتمامهم. كانت قد كرهت منذ الطفولة الإحساس بأنّها لا تتحكّم بحياتها. لماذا تكون تحت رحمة الجمهور المتقلّب؟ تركت باريس وعادت بعد عام، لكن بسلوكِ مختلفٍ كلّيًا- فالآن أصبحت تلعب دور سيّدةِ فرنسيّة أنيقة، والتي صادف أنّها راقصةٌ ومؤّديةٌ مبدعة. وقع الفرنسيّون في حبّها مجدّدًا؛ وعادت موازين القوّة إلى صالحها. إذا كانت عين العامّة (الجمهور) مسلّطةٌ عليك، فعليك أن تتعلّم من خدعة المفاجأة هذه الناس يمنّون، ليس من حياتهم وحسب وإنّما من الناس الذين غايتهم أن يمنعوا عنهم الضجر. في اللحظة التي يستطيعون فيها أن يتوقّعوا خطوتك التالية، فسوف يأكلونك حيًّا. ظل الفنّان آندي وأرهول يتنقّل من تقمّص إلى تقمّص (شخصيّة)، ولم يكن أحدٌ بقادرٍ على توقّع التقمّص التالي- فنّان، صانع أفلام، رجل مجتمعٍ وعلاقات. احتفظ دائمًا بمفاجأةٍ تحت كمّك. لتحتفظ باهتمام العامّة، عليك أن تجعلهم يتحزّرون ويخمّنون بشكلٍ دائم. دع الأخلاقيّين يتّهمونك بالمراء، وبأنّك لا تتمتّع بجوهرٍ أو مركز (ثقل). هم في الواقع يغارون من الحريّة والروح المرحة واللعوبة اللتين تظهرهما في الجانب المرئي لشخصيتك (الذي تُريه للعالم الخارجي).
أخيرًا قد تعتقد أنّه من الحكمة أن تقدّم نفسك كشخصٍ يمكن الاعتماد عليه، وليس خاضعًا للأهواء والنزوات. إذا كان الأمر كذلك، فأنت في الواقع مجرّد رعديدٍ مخلوع الفؤاد. فالشروع بالإغواء يتطلب شجاعةً وجهدًا. كونك جديرٌ بأن يُعتَمَد عليك هو شيءٌ جيّد لاجتذاب الناس، لكن واظب على هذا وستصبح مملاًّ وثقيل الظل. الكلاب جديرةٌ بالاعتماد عليها، أمّا المغوي فلا. إذا كنت، من ناحيةٍ أخرى، تفضّل أنترتجل، ظنًّا منك أنّ أيّ نوعٍ من التخطيط أو الحسابات هو مناقضٌ لروح المفاجأة، فأنت ترتكب خطأ كبيرًا. الارتجال المتواصل يعني ببساطة أنّك كسول، ولا تفكّر إلّا بنفسك. ما يغوي الشخص في أغلب الأحيان هو الشعور بأنّك قد بذلت جهدًا من أجله. أنت لا يجب أن تتشدّق بهذا، لكن يجب أن توضّح ذلك من خلال الهدايا التي تقدّمها، النزهات الصغيرة التي تخطّطها، والإغاظات الصغيرة (هنا بمعنى إثارة الرغبة دون إشباعها) التي تغري الناس بواسطتها.
.....................
جلالتك؟» أجاب الملك: «اطلبي، وستُلبّى لك» نادت شهرزاد المرضعات قائلةً: «أحضروا لي أولادي.؟ .... «انظر إلى هؤلاء [الصبية الصغار] الثلاثة الذين وهبهنا إيّاهم الله. أتوسّل إليك من أجلهم أن تحفظ حياتي. لأنّك إذا قضيت على حياة أمّ هؤلاء الأطفال، فإنّهم لن يجدوا أيّ واحدةٍ من بين النساء تحبّهم كما أحبّهم.
• عانق الملك أبناءه الثلاثة وأغرورقت عيناه بالدموع وهو يجيبها: «أقسم بالله يا شهرزاد بأنّه قد غُفِر لك أساسًا وقبل مقدم هؤلاء الأطفال. أحببتك لأنّي وجدتك بسيطةً ورقية، حكيمةً وفصيحة. فليباركك الله، وليبارك أباك وأمّك، أسلافك وكلّ ذرّيتك. آهٍ يا شهرزاد، إنّ هذه الليلة الأولى بعد


جهودٌ صغيرة كهذه تكون مكافأتها أكثر من سخيّة، إذ ستُكافَأ بانتزاع قلب وإرادة المَغوي.
الرمز: الأفعوانيّة. السيّارة ترتفع ببطءٍ نحو الأعلى، ومن ثمّ تدفعك فجأةً بشكلٍ عنيف نحو الفضاء، تقذفك إلى الجانب، وترمي بك رأسًا على عقب، في كلّ اتّجاهٍ ممكن. الركاب يضحكون ويصرخون. ما يثيرهم هو الانعتاق، ومنح زمام السيطرة لشخصٍ آخر، والذي يسيّرهم باتّجاهاتٍ غير متوقّعة. ما هي الإثارة الجديدة التي تنتظرهم خلف المنعطف التالي؟
الانقلاب
يمكن للمفاجأة أن تكون غير مفاجِئة إذا تابعت فعل الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا. حاولت جيانغ كينغ أن تفاجئ زوجها ماوتسي تونغ من خلال تقلّبات مفاجئة في المزاج: من القسوة إلى اللطف ومن اللطف إلى القسوة. أُسِر وأُثيرَ اهتمامه في البداية؛ إذ أحبّ الشعور بعدم معرفة ماذا سيأتي. سرعان ما أصبحت تبدّلات مزاج زوجة ماو والتي يُفتَرَض أنّه لم يكن من الممكن التنبؤ بها لا تسبّب له غير الإزعاج. أنت تحتاج لأن تنوّع طرق مفاجآتك. عندما كانت المدام دي بومبادور عشيقةً للملك لويس الخامس عشر الدائم الملل، فإنّها كانت تقوم بكلّ مفاجأة بشكلٍ مختلف- تسليةٌ جديدة، لعبةٌ جديدة، موضة جديدة، مزاجٌ جديد. لم يكن بإمكانه أبدًا أن يتوقّع ماذا سيأتي بعد، وبينما كان ينتظر المفاجأة الجديدة، فإنّ ضبطه لنفسه كان يُعَطَّلُ مؤقّتًا. لم يكن رجلٌ بعبدِ لامرأة كما كان لويس للمدام دي بومبادور. عندما تسلك اتّجاهًا جديدًا اجعله جديدًا بحقّ.
.....................
الألف لأكثر ضياءً بالنسبة لنا من النهار!»
- حكايا من ألف ليلة وليلة، ترجمة إن. جاي. داوود


10
استخدم القوة الشيطانية
للكلمات لزرع الارتباك والفوضى
من الصعب جعل الناس يصغون؛ فهم مستهلَكون في أفكارهم ورغباتهم الخاصة، ولديهم قليلٌ من الوقت لتلك اتي تخصُّك. تكمن الخدعة في جعلهم يسمعون في أن تقول ما يودّون سماعه، أن تملأ آذانهم بأيِّ شيءٍ سارً لهم.
هذا هو جوهر اللغة الإغوائية. ألهب مشاعر الناس بالتعابير المُضَمّنة، أطرهم، خفّف من وطأَة عدم شعورهم بالأمان والثقة، طوِّقهم بالأحلام، بالكلمات العذبة والوعود، وعندها لن يصغوا إليك فحسب، لا بل وسيفقدون إرادتهم لمقاومتك. أَبقِ لغتك غامضة، ودعهم يستخلصون منها ما طاب لهم من المعنى. استخدم الكتابة لتثير التخيّلات ولتخلق صورةً مثاليّةً عن نفسك.


الخطابة الإغوائية
في الثالث عشر من أيّار في عام 1958، استولى رجالٌ فرنسيّون من الجناح الأيمن بالإضافة للمتعاطفين معهم من الجيش على السلطة في الجزائر، التي كانت في ذلك الوقت مستعمرةً فرنسيّة. كانوا يخشون من أن تمنح حكومة فرنسا الاشتراكية الاستقلال للجزائر. الآن، بعد أن أصبحت الجزائر تحت سيطرتهم، هدّدوا بأن يستولوا على كلّ فرنسا. بدت الحرب الأهليّة وشيكة الحدوث.
في هذه اللحظة المنذرة بالكارثة تحوّلت كل الأنظار إلى الجنرال شارل ديغول، بطل الحرب العالميّة الثانية الذي كان قد لعب دورًا أساسيًّا في تحرير فرنسا من النازيّين. كان ديغول قد اعتكف السياسة في السنوات العشر المنصرمة، بعد أن تقرّر من الاقتتال الداخلي ما بين الأحزاب المتنوّعة. ظلّ شعبيًّا (محبوبًا) جدًّا، وكان يُنظَرُ إليه على أنّه الرجل الأوحد القادر على توحيد البلاد، لكنّه كان محافظًا أيضًا، لذا شعر اليمينيّون بالثقة من أنّه إذا استلم زمام السلطة فإنّه سوف يخدم قضيّتهم. بعد أيّام من انقلاب 13 أيّار، انهارت الحكومة الفرنسيّة -الجمهورية الرابعة- وطلب البرلمان من ديغول أن يساعد في تشكيل حكومةٍ جديدة، الجمهوريّة الخامسة. طلب أن يمُنَحَ سلطاتٍ كاملة لأربعة أشهر فكان له ذلك. في 4 حزيران، أي بعد أيّام من تولّيه لمنصب رئيس الحكومة، طار ديغول إلى الجزائر.
غمرت النشوة سكّان المستعمرة الفرنسيّين. لقد كان انقلابهم هو ما أتى بشكلٍ غير مباشر بديغول إلى السلطة؛ وبالتأكيد، أو هكذا تصوّروا أنّه كان قادمًا ليشكرهم، وليطمئنهم أنّ الجزائر ستظلَ فرنسيّة. عندما وصل إلى الجزائر العاصمة، كان آلاف الناس قد احتشدوا في ساحة المدينة الرئيسيّة.
.....................
بعد أن فرغنا من التعامل مع عمليّة التحريض على العصيان، يجب علينا التعامل مع عمليّة الإغواء.
- موريس كريجل- فالريمون عن شارل ديغول، بعد فترةٍ قصيرة من تولّي الجنرال للسلطة قامت عشيقتي بإغلاق أبوابها في وجهي.../ فلجأت إلى الأشعار والإطراءات، / أي إلى أسلحتي الطبيعيّة. الكلمات العذبة/ تحطّم


الجوّ كان مهرجانيًّا للغاية- فقد كانت هنالك الأعلام والموسيقى وهتافاتٌ ل تُحصى بـِ «الجزائر فرنسيّة،» وهو شعار المستعمرين الفرنسيّين. فجأةً ظهر ديغول على شرفةٍ تطلّ على الساحة. هاج الحشد وماج. رفع الجنرال، الذي كان رجلاً طويلاً للغاية، ذراعيه فوق رأسه، فتضاعف حجم الهتافات. كان الجمهور يتوسّل إليه لينضمّ إليهم. عوضًا عن ذلك أنزل ذراعيه إلى أن حلَ الصمت، ومن ثمّ فتحهما باتّساع، وقال بصوته العميق وبشكلٍ يضيء وجدّي «لقد فهمتكم.» كانت هنالك لحظةٌ من الصمت، وبعد ذلك، أي بعد أن تشرّبت كلماته إلى أذهانهم، ساد هديرٌ يصمّ الآذان: لقد فهمهم. هذا كان كل ما يريدون سماعه.
استأنف ديغول بالتكلّم عن عظمة فرنسا. فانطلقت المزيد من الهتافات. وعد بأنّه سيكون هنالك انتخاباتٌ جديدة، وأنّه «سينظر كيف سيرتَب بقيّة الأمور مع أولئك الممثّلين المُنتَخَبين.» نعم، حكومة جديدة، هذا ما أراده الحشد بالضبط- مزيدٌ من الهتافات. كان «سيجد مكانًا للجزائر» في «الطقم» الفرنسي. يجب أن يكون هنالك «انضباطٌ تام، دون قيدِ أو شرط» - من يستطيع أن يجادل في هذا؟ أنهى خطابه بنداءٍ عالٍ: «عاشت الجمهوريّة! عاشت فرنسا!» وهو الشعار العاطفي الذي كان الصيحة التي استجمعت القوى لقتال النازيّين. الجميع ردّد النداء. في الأيّام التي تلت قام ديغول بخطاباتٍ مشابهة حول الجزائر، أمام حشودٍ مهتاجة بدرجة مساوية.
لم يتمّ فهم خطابات ديغول إلّا بعد أن عاد إلى فرنسا: فلم يعد ولو لمرّة واحدة بأن يبقي الجزائر فرنسيّة. في الواقع كان قد لمحّ بأنّه قد يعطي للعرب حقّ التصويت، وأنّه قد يمنح عفوًا للثوّار الجزائريّين الذين كانوا يقاتلون لإخراج الفرنسيّين عنوةً من البلاد. بطريقة ما -في خضمّ الإثارة التي خلقتها كلماته- فقد أخفق سكّان المستعمرة (الفرنسيّون) في التركيز على معناها الحقيقي. كان ديغول قد خدعهم. وبالفعل عمل في الأشهر التي تلت على منح الجزائر استقلالها- مهمّةٌ أنجزها أخيرًا في عام 1962.
التفسير. لم يكن ديغول ليعبأ بمستعمرةٍ فرنسيّة قديمة، ولا بما تمثّله لبعض الناس الفرنسيّين. ولم يكنّ أيّ تعاطفٍ مع أيّ شخصٍ يحرّض على
.....................
سلاسل الأبواب. هنالك سحرٌ في الشعر، بإمكان/ قواه أن تخسف القمر اللعين، / تردّ الشمس، وتقطّع الأفاعي إربًا/ أو تجعل الأنهار تمشي بعكس اتّجاهها. / الأبواب ليست بندًّ لسحر كهذا، فأعتى الأقفال يمكن أن تُفتّح بسحر افتح يا سمسم. / لكنّ القصائد الملحمّية هي محض خسارةٍ بالنسبة لي. فلن أصل إلى أيّ مكان من خلال أخيل/ السريع الخطو، أو أيٍّ من ابني أترِيوس. / أيًّا يكن اسمه ذلك الذي ضيّع عشرين عامًا على الحرب والترحال، / أو هيكتور المسكين الذي سُجل على الرمال-/ فإنّ كلّ هذا ليس جيّدًا. لكن أغدق الكلمات الجميلة في وصف فتاةٍ ما/ وبالمقابل فإنّها سترقَ عاجلاً أم آجلاً، / فتنال جائزةً


حربٍ أهليّة. وهكذا، عندما مضى إلى الجزائر العاصمة، فإنّه كان لديه خطّةٌ طويلة المدى: أن يضعف اليمينيّين من خلال على الاقتتال فيما بينهم، وأن يسعى لاستقلال الجزائر. هدفه قصير المدى كان أن يهدّئ التوتّر ويكسب لنفسه بعض الوقت. لم يكن ليكذب على سكان المستعمرة من خلال القول بأنّه كان يدعم قضيتهم- فذلك كان سيسبّب المتاعب في الوطن عندما يرجع. بدلاً من ذلك فقد ضلّلهم بواسطة الخطابة الإغوائيّة، وأسكرهم بالكلمات. عبارته المشهورة «لقد فهمتكم» كان يمكن أن تعني ببساطة، «أنا أفهم الخطر الذي تمثّلون.» نكنّ الجمهور المتهلّل (شديد الابتهاج) والمتوقّع لتأييده ودعمه فهمها بالطريقة التي أرادها. قام ديغول بإشاراتٍ إلى مواضيع عاطفيّة وذلك لكي يبقهم في حالة انفعالٍ بالغ- فأشار إلى المقاومة الفرنسيّة خلال الحرب العالميّة الثانية، على سبيل المثال، وللحاجة «للانضباط،» وهي كلمةٌ تروق لليمينيّين بشكل كبير. ملأ آذانهم بالوعود- حكومة جديدة، مستقبل مجيد. دفعهم إلى الهتاف، الأمر الذي رابطًا عاطفيًّا. تكلّم بنبرةٍ دراماتيكيّة وعاطفةٍ مرتعشة. خلقت كلماتُه نوعًا من الهياج.
لم يكن ديغول يحاول أن يعبّر عن مشاعره أو أن يتكلّم الحقيقة؛ وإنّما كان يحاول أن ينتج أثرًا. هذا هو مفتاح الخطابة الإغوائيّة. إذا كنت تتكلّم مع شخصٍ مفرد أو مع حشد، فحاول هذه التجربة الصغيرة: اكبح جماح رغبتك في التحدّث عمّا يجول في خاطرك. قبل أن تفتح فمك، اسأل نفسك هذا السؤال: ما الذي يمكن أن أقوله بحيث يُحدِث الأثر الأكثر إرضاءً باللاأمان، إعطاؤهم آمالاً مبهمة بالمستقبل، التعاطف مع عذابهم وكدحهم («لقد فهمتكم»). ابدأ بشيءٍ سارً وكلّ ما يلي سيكون سهلاً: ستتلاشى دفاعات الناس. سيصبحون سهلي الانقياد وعرضةً للإيحاء. فكّر بكلماتك كدواءٍ مسكرٍ من شأنه أن يجعل الناس عاطفيّين ومشوّشين. أَبقِ لغتك غامضة وملتبسة، فتدع بذلك أهدافك يملؤون الفجوات بتخيّلاتهم وتصوّراتهم. بدلاً من أن يجبروك على الرحيل، أو أن يصبحوا ساخطين أو دفاعيّين، أو أن ينفد صبرهم قبل أن تسكت، فسيكونون مطواعين وسعيدين بكلماتك ذات الوقع العذب.
.....................
سخيّة على جهودك.
لذا فالوداع يا أيّتها الرموز الأسطوريّة- فالمقابل الذي تعرضون لن يغريني. فما أريده هو سربٌٌ من الحسان/ المنتشيات جميعًا بسماعهنّ أغاني الحبّ الخاصّة بي.
- أوفيد، علاقات الحبّ، ترجمة بيتر غرين.
عندما تتلقّى رسالة، عندما يسري سمّها العذب في دمها، فعندها تكون الكلمة كافية لتوقظ حبّها وتلهبه... سوف يمنع حضوري الشخصي حالة النشوة. إذا كنت حاضرًا من خلال الرسالة فقط، فيمكنها بسهولة أن تتعامل معي؛ وسوف تخلط إلى حدَّ معيّن ما بيني وبين مخلوقٍ أكثر أفلاطونيةُ يهيم في حبّها. عندئذٍ، أيضًا، يستطيع المرء في الرسالة ييسرٍ أن


الكتابة الإغوائية
في عصر يوم ربيعيَّ في أواخر ثلاثينات القرن التاسع عشر، في شارع في كوبنهاغن، لمح رجلٌ يُدعى جوهانز شابّةٌ جميلةٌ بشكلٍ خاطف. لقد كانت مستغرقةٌ في نفسها، إلّا أنّها كانت بريئةً بشكلٍ يثير البهجة. سحرته فتبعها من بعيد حتّى اهتدى إلى مقرّ سكنها. قام بالاستعلام عنها عبر الأسابيع التي تلت فاكتشف المزيد عنها. اسمها كان كورديليا وول وكانت تعيش مع عمّتها. كانت الائنتان تعيشان بهدوء؛ كانت كورديليا تحبّ القراءة، وأن تكون لوحدها. إغواء الفتيات الصغيرات كان اختصاص جوهانز، لكنّ كورديليا كانت لقطة: كانت قد رفضت أساسًا عدّة متقدّمين لائقين (جديرين.)
قدّر جوهانز أنّ كورديليا كانت تنتظر (بتحرّق) من الحياة شيئًا أكثر، شيئًا رفيعًا ويشابه الكتب التي كانت تقرؤها وأحلام اليقظة التي كان من المفترض أنّها من خلالها تزجي عزلتها. تدبّر أن يقدّم نفسه وبدأ بالتردّد إلى منزلها، بصحبة صديقٍ له يُدعى إدوارد. هذا الشاب كان لديه مخطّطاته الخاصّة للتودّد من كورديليا، لكنّه كان أخرق، وكابد العناء كي يرضيها. أمّا جوهانز، من الجهة الأخرى، فقد تجاهلها عمليًّا، وصادق عمّتها بدلاً منها. كانا يتكلّمان عن أكثر الأشياء عاديّةً- حياة المزرعة، أيّ شيءٌ كان يدور في الأخبار. بين الحين والآخر كان جوهانز يغيّر مسار الحديث إلى شيءٍ أكثر فلسفيّة، لأنّه لاحظ، من طرف عينه، أنّ كورديليا كانت عندها تصغي إليه باهتمام، بينما لا تزال تتظاهر بأنّها تستمع إلى إدوارد.
استمرّ هذا لعدّة أسابيع. جوهانز وكورديليا بالكاد تكلّما، لكنّه كان بوسعه أن يؤكّد أنّه أسر اهتمامها، وأنّ إدوارد أزعجها إلى أبعد درجات الحدود. ذات صباح -بعد أن علم أنّ عمّتها كانت خارج المنزل- زارها في البيت. لقد كانت المرّة الأولى التي اجتمع فيها جوهانز مع كورديليا لوحدهما. واستهلّ زيارته بطلب يدها وذلك بأكبر قدرٍ ممكن من التحفّظ والتهذيب؟. لا حاجة للقول أنّها صُدمَت وأٌربِكَت. فرجلٌ لم يكن قد أظهر لها أدنى درجة من الاهتمام أصبح فجأةٌ يريد الزواج بها؟ كانت متفاجئةً جدًّا لدرجة أنّها أحالت المسألة إلى عمّتها التي، كما توقُع جوهانز، أعطتها
.....................
يطلق العنان لنفسه؛ ففي الرسالة أستطيع أن أرمي بنفسي عند قدميها بطريقةٍ فخمة، إلخ- وهذا شيءً من شأنه أن يبدو بسهولة كهراء إذا فعلته في الحقيقة، وسيضيع عندئذٍ الوهم...
بالإجمال، فإن الرسائل كانت وستظلّ وسيلةً لا تقدّر بثمن لإثارة إعجاب الفتيات اليافعات؛ غالبًا ما تتمتّع الرسالة البائدة بأثرٍ أكبر بكثير من الكلمة الحيّة. الرسالة هي تواصلٌ سرّي؛ فمن يكتبها يكون سيّد الموقف، ولا يشعر بالوطأة الناجمة عن الوجود الفعلي لأيّ شخص، وأعتقد جازمًا بأنّ الفتاة اليافعة تفضّل أن تكون لوحدها مع التصوّر المثالي لحبيبها.
- سورين
كير كيجارد، يوميّات


الموافقة. لو مانعت كورديليا، كانت عمّتها ستحترم رغبتها؛ إلّا أنّها لم تفعل.
من الناحية الخارجيّة، كان كلّ شيءٍ قد تغيّر. أصبح الاثنان مخطوبين. الآن أصبح جوهانز يذهب إلى المنزل لوحده، يجلس مع كورديليا، يمسك بيدها ويتحدّث معها. لكن من الداخل حرص على أن تبقى الأمور كما كانت. فقد ظلّ نائيًا (متحفّظًا) ومهذّبًا. كان في بعض الأحيان يتخلّى ن تحفّظه وبروده وخاصّةٌ عند الحديث عن الأدب (الذي كان الموضوع المفضّل لدى كورديليا)، لكنّه عند نقطةٍ معيّنة كان يرجع دائمًا إلى مواضيع أكثر اعتياديّةً. كان يعلم أنّ هذا من شأنه أن يحبط كورديليا التي كانت تتوقّع منه الآن أن يصبح مختلفًا. علاوةً على ذلك فقد كان يأخذها، عندما يخرجان سويّةً، إلى حفلاتٍ رسميّة مخصّصة للمرتبطين (المخطوبين). كم كان ذلك تقليديًّا ومملاً (مبتذلاً)! هل كان هذا ما يُفتَرَض بالحبّ والزواج أن يكونا عليه؟ أي هل هما هؤلاء الناس شاخوا قبل الأوان وهم يتحدّثون عن بيوتهم وعن مستقبلهم الكئيب والكالح؟ كورديليا التي كان أقل ما يمكن القول عنها هو أنّها كانت خجولة، طلبت من جوهانز أن يكفّ عن جرّها إلى هذه المناسبات. أرض المعركة كانت مهيّأة. فقد كانت كورديليا مشوّشة وقلقة. بعدئذٍ أرسل لها جوهانز رسالة وذلك بعد بضعة أسابيع من خطوبتهما. هنا وصف لها حالة روحه، ويقينه من أنّه كان يحبّها. تحدّث بلغة المجاز والاستعارة، ملمّحًا أنّه كان ينتظر لسنوات ظهور كورديليا بينما كانت المشكاة في يده؛ وأخذ يمزج ويزاوج ما بين المجاز والحقيقة في جيئةٍ وذهاب. كان الأسلوب شعريًّا والكلمات أَشَعَّت بالرغبة، لكنّ الرسالة بمجملها كانت غامضةً وملتبسةً بشكلٍ سارّ- فقد كانت كورديليا قادرةً على إعادة قراءة الرسالة عشر مرّات دون أن تكون متأكّدةً من فحواها. في اليوم التالي تلقّى جوهانز ردًّا. الكتابة بسيطةً ومباشرة، لكن مليئةً بالعاطفة: كتبت كورديليا أنّ رسالته كانت قد أسعدتها للغاية وأنّها لم تكن تتخيّل وجود هذا الجانبٍ في شخصيّته. ردّ عليها كتابةً بأنّه قد تغير. لم يقل كيف أو لماذا، لكنّ التضمين كان أنّ هذا حدث بسببها.
الآن أصبحت رسائله تَرِدُ بشكلٍ شبه يوميّ. كانت الرسائل من نفس الطول تقريبًا، وذات أسلوبٍ شعريّ تحدوه لمسةٌ من الجنون، كما لو أنّه كان
.....................
مغوي، ترجمة هارود في. هونغ وإدنا إتش. هونغ
دع الشمع المبسوط على ألواح رقيقة يمهّد الطريق لك، دع الشمع يمضي قبلك كشاهدٍ على رغبتك-/ أسمعها كلماتك المطرية، الكلمات التي تحاكي العاشق:/ وتذكّر مهما تكن أنت، أن تلقي ببعضٍ من الاستعطافات/ الرقيقة. الاستعطافات هي ما جعل أخيل يرجع جثمان هكتور إلى برايم؛ صوت الصلاة يؤثّر/ حتّى في الإله الغاضب. اقطع وعودًا، ما الضير بالوعود؟ هنا المضمار الذي يستطيع فيه أيّ واحدٍ أن يلعب دور الغني.../ الرسالة المُقنعة/ هي الشيء الذي يجب أن تبدأ به، اكتشف عقلها، / استطلع البيئة المحيطة. رسالةٌ حُفِرت على سطح تفّاحة وشت


سكرانًا بالحبّ. تحدّث عن الأساطير الإغريقيّة، مشبّهًا إيّاها بحوريّة ونفسه بنهرٍ وقع بحبّ عذراء. قال أنّ روحه كانت مجرّد انعكاسٍ لصورتها؛ فقد كانت كلّ ما يستطيع رؤيته أو التفكير به. في تلك الأثناء لاحظ تغيّراتٍ عند كورديليا: فرسائلها أصبحت أكثر شعريّة وأقلّ انكباحًا. من دون أن تدرك لذلك فقد كانت تكرّر أفكاره وتحاكي أسلوبه ولغته المجازيّة (التصويريّة) كما لو كانوا أفكارها وأسلوبها ولغتها. بالإضافة إلى ذلك فقد صارت عصبيّة المزاج عندما كانا يلتقيان شخصيًّا. حرص على أن ينحو النحو نفسه: متحفّظًا وفخمًا، لكن كان بمقدوره أن يؤكد أنّها كانت تراه بطريقةٍ مختلفة، وتستشعر في داخله أعماقًا لم يكن بإمكانها سبرها. أمام الملأ كانت تعلّق على كلّ كلمةٍ من كلماته. لابدّ أنّها كانت تتذكّر رسائله، لأنّها كانت تشير إليها بشكلٍ دائم في أحاديثهما. تلك الرسائل كانت حياةً سرّية تشاطروها. والآن عندما كانت تمسك بيده، فإنّها كانت تفعل هذا بشكل أكثر من ذي قبل. عبّرت عيناها عن نفاذ صبر، وكأنّها كانت تأُمل في أيّ لحظةٍ أن يقوم بعملٍ جريء.
جعل جوهانز رسائله أقصر لكن أكثر، فصار في بعض الأحيان يرسل عدّة رسائل في اليوم الواحد. اللغة المجازيّة أصبحت أكثر ماديّةً وإيحائيّةً، والأسلوب أكثر تفككًا، كما لو أنّه بالكاد يستطيع تنظيم أفكاره وترتيبها. في بعض الأحيان كان يرسل مفكّرةً مكوّنةً من مجرّد جملةٍ أو اثنتين. ذات مرّة، في حفلةٍ في منزل كورديليا، ألقى بمفكّرة في سلّة الحياكة التي لديها وراقبها وهي تُهرَع بعيدًا لقراءتها، تورّد وجهها خجلاً. رأى في رسائلها أماراتٍ لعاطفةٍ واهتياج عظيمين. كتبت أنّها كانت قد كرهت مسألة الخطبة برمّتها- فقد كانت دون مستوى حبّهما- فكانت بذلك تردّد صدى رأي كان قد لمحّ إليه في رسالةٍ سابقة.
كان كلّ شيء جاهزًا. سرعان ما كانت ستصبح له، بالطريقة التي أرادها. كانت ستفسخ الخطوبة. ترتيب موعدٍ في الريف كان أمرًا بسيطًا- في الواقع لقد كانت هي من اقترحه. لقد كان هذا هو أكثر إغواءاته براعةً.
التفسير. جوهانز وكورديليا هما شخصيّتان في رواية يوميّات مغوي (1843) التي تقوم مقام السيرة الذاتيّة (وإنّما بشكلٍ غير محكم وفضفاض)
.....................
بسيدايب: فقد وقعت في شرك كلماتها الحاصّة. / نصيحتي إذن، يا شبّان روما، هي أن تتعلّموا فنون المحامي النبيل- وذلك ليس فقط من أجل أن تُخَوّلوا/ الدفاع عن موكّلٍ مضطربٍ ما: فالمرأة ستستسلم للبلاغة، شأنها في ذلك شأن الجماهير، / أو عضو مجلس الشيوخ البارز، / أو القاضي الوقور. وبالرغم من ذلك، فعليك أن تخفي/ قواك، وتتفادى الكلمات الإطنائية، / ولا تبدو رفيع الثقافة أكثر من اللزوم. من عساه أن يتكلّم مع عشيقته بطريقةٍ خطائية سوى المغفّل الساذج؟ الأسلوب المُغرِق في الثقافة والأدب/ من شأنه أن ينفّر الفتيات أكثر ممّا يجذبهنّ. استخدم لغةً اعتيادّيةً، / كلماتٍ مألوفة ولكن مُلاطفةً في نفس الوقت- كما لو أنك


لكاتبها الفيلسوف الدانماركي سورين كيركيجارد. جوهانز هو مُغوٍ محنّكٌ لأبعد درجات الحدود، ومتخصّصٌ بالعمل على عقل ضحيته. وهذا هو بالتحديد المجال الذي فشل فيه طلاّب يد كورديليا السابقون: فقد بدؤوا بفرض أنفسهم، وهذا خطأ شائع. نحن نعتقد أنّه من خلال المواظبة والإصرار، ومن خلال غمر أهدافنا بالاهتمام الرومانسي، فإنّنا نقنعهم بحبّنا وعاطفتنا. بدلاً من ذلك فإنّنا نقنعهم بنفاد صبرنا وقلّة إحساسنا بالأمان (بالثقة). الاهتمام الهجوميّ والجامح ليس مُطريًا لأنّه ليس مُوَجّهًا للشخص المُراد فقط. وإنّما هو شهوةٌ مطلقة العنان في طور العمل؛ والهدف يستطيع تمييز حقيقتها. جوهانز أذكى بكثير من أن يبدأ بوضوحٍ أكثر من اللازم. عوضًا عن ذلك، فإنّه يرجع خطوةٌ إلى الوراء، فيأسر اهتمام كورديليا من خلال التصرّف بيرودٍ نوعًا ما، وخلق الانطباع بعناية بأنّه رجلٌ رسميّ ومتكتّمٌ بعض الشيء. عندئذٍ فقط فاجأها برسالته الأولى. من الواضح أنّه يوجد غنىّ في شخصيتّه أكثر ممّا ظنّت، وما إن أخذت تعتقد بهذا، حتى انفلتت مخيّلتها من عقالها. الآن يستطيع أن يُسكِرَها برسائله، وذلك عن طريق خلق حضورٍ يلازمها كشبح. كلماته بالإضافة إلى الصور التي تصفها ودلالاتها الشعريّة، كانت تدور في ذهنها بشكلٍ دائم. وهذا هو الإغواء المطلق: أن تمتلك عقلها قبل أن تُخْضِعِ جسدها.
قصّة جوهانز تُظهِر كم أنّ الرسالة هي سلاحٌ فعّال في جعبة المغوي. لكن من المهمّ تعلم كيفيّة دمج الرسائل في الإغواء. من الأفضل ألاّ تبدأ بكتابة الرسائل قبل مضيّ عدّة أسابيع على الأقل من الاتّصال (التعرّف) الأوّلي. دع ضحاياك تكوّن انطباعًا عنك: أنت تبدو مثيرًا للاهتمام، ومع ذلك فأنت لا تُبدي اهتمامًا بهم على نحوٍ خاصً. عندما تحسّ بأنّهم يفكّرون فيك، يكون عندها الوقت لتصدمهم برسالتك الأولى. أيّ رغبةٍ تعبّر عنها تجاههم ستأتي كمفاجأة؛ سيُدَغدَغ زهوّهم وسيرغبون بالمزيد. الآن اجعل رسائلك متكرّرة، في الواقع أكثر تواترًا (تكرارًا) من ظهورك الشخصي. هذا سوف يعطيهم الوقت والمجال ليضفوا عليك أبعادًا مثاليّة، الأمر الذي يكون أكثر صعوبةً إذا كنت أمام وجههم على الدوام. بعد أن يكونوا قد وقعوا تحت سحرك، تستطيع دائمًا أن ترجع خطوةً إلى الخلف، فتجعل الرسائل أقلّ- دعهم يعتقدون بأنّك تفقد الاهتمام وعندها سوف يتعطّشون للمزيد.
.....................
/ كنت هناك، في حضرتها. إذا رفضت رسالتك، / وأرجعتها غير مقروءة، فثابر على ما بدأته.
- أوفيد، فن الحب، ترجمة بيتر غرين
وبالتالي فإنّ الشخص غير القادر على كتابة الرسائل والمدَوّنات لن يصبح أبدًا مغويًا خطيرًا.
- سورين
كير كيجارد، إمّا/ أو، ترجمة هاورد في. هونغ وإدنا إتش. هونغ
وقفت هيرا ذات العرش الذهبي على جرفٍ شديد الانحدار/ في جبل الأوليمب فرأت أخاها، / الذي كان أخا زوجها أيضًا، منهمكًا في ميادين المجد الإنساني،/ فرقص قلبها طربًا. بعد ذلك رأت زيوس/ جالسًا على أعلى قمّة في جبال آيدا/


صمّم رسائلك كعربون إجلالٍ وتقدير لأهدافك. اجعل أيّ شيءٍ تكتبه يرتدّ إليهم، وكأنّهم كلّ ما تستطيع التفكير فيه- وهذا أثرٌ يسبّب الانفعال بشدّة. إذا رويت نادرةٌ (حكاية)، فاجعلها تتّصل بهم بطريقةٍ أو بأخرى. كتابتك للرسائل هي نوعٌ من المرآة التي تحملها أمامهم- سيرون أنفسهم منعكسين من خلال رغبتك. إذا كانوا لا يحبّونك لسببٍ من الأسباب، فاكتب لهم وكأنّهم يحبّونك. تذكّر: نغمة رسائلك هي ما سوف يثير اهتمامهم. إذا كانت لغتك رفيعة، شعريّة، وخلاّقةٌ في إطرائها، فستعديهم رغمًا عنهم. لا تجادل أبدًا، لا تدافع عن نفسك أبدًا، لا تتّهمهم أبدًا بكونهم متحجّري القلوب. فذلك سوف يُفسِد السحر.
الرسالة يمكن أن توحي بالعاطفة عندما تظهر في حالة عدم تنظيم، فتنتقل من موضوع لآخر. من الواضح أنّه من الصعب عليك أن تفكّر؛ فحبّك قد شوّشك. الأفكار غير المنظّمة هي أفكارٌ مثيرة. لا تُضِع وقتك على المعلومات الحقيقيّة؛ ركّز على المشاعر والأحاسيس، مستخدمًا التعابير المكتنزة بالتضامين. اغرس الأفكار من خلال إلقاء التلميحات، والكتابة بشكلٍ موحٍ دون أن تفسّر نفسك. إيّاك أن تُحاضِر، إيّاك أن تبدو مفكّرًا أو أرفع مقامًا- فإنّك لن تؤدي سوى إلى جعل نفسك متشامخًا ومغرورًا، وهذا أمرٌ مهلك. من الأفضل بكثير أن تتحدّث بلغةٍ عاميّة (غير فصيحة)، لكن مع مسحةٍ شاعريّة لكي ترتقي باللغة فوق مستوى الابتذال والشيء المألوف. لا تصبح عاطفيًّا- فهذا متعب، ومباشر أكثر من اللزوم. من الأفضل أن توحي بالأثر الذي يمارسه هدفك عليك من أن تتحدّث عن مشاعرك بشكلٍ متدفّق (متفجّر). ابقّ مبهمًا وملتبسًا، مفسحًا بذلك المجال للقارئ لكي يحلم ويتخيّل. هدف كتابتك هو ليس أن تعبّر عن نفسك وإنّما أن تخلق عاطفةٌ في القارئ، وأن تنثر الاضطراب (التشوّش) والرغبة.
ستعلم أنّ رسائلك تتمتّع بالأثر المناسب (المطلوب) عندما تبدأ أهدافك بمحاكاة أفكارك وإعادة الكلمات التي كتبتها، أكان ذلك كتابةً (في رسائلهم) أم شفاهًا. إنّه الوقت المناسب للانتقال إلى المرحلة الأكثر جسديّةً وشهوانيّةً. استخدم اللغة التي ترتعش بالتضمينات الجنسيّة، أو، خيرٌ من هذا حتّى، أَوح بالجنسانيّة من خلال جعل رسائلك أقصر وأكثر تواترًا، بل وأكثر فوضويّةً (أقلٌ تنظيمًا) من ذي قبل. لا يوجد شيءٌ أكثر إثارةً وشهوانيّةً من
.....................
وهو يتمّيز غيظًا. تأمّلت هيرا ذات عيون المها لبرهة في كيفيّة خداع/ عقل زيوس حامل الدرع، / وأفضل خطّةٍ تراءت لها/ كانت أن تنهض نفسها وتذهب إلى أيدا، / لتغويه، وتصبّ بعدها على أجفانه/ وعقله الماكر نومًا هنيئًا ودافئًا.../ عندما كان كلّ شيء. على ما يُرام، فإنّها خطت خارج غرفتها ونادت أفروديت/ وكلّمتها على انفراد:/ «يا طفلتي العزيزة، أنا أتساءل فيما إذا كنت ستؤدّين لي خدمةً، أو أنّك سترفضين غاضبةً لأنّني/ أفضّل الإغريق بينما تفضّلين أنت الطرواديّين؟» فردّت ابنة زيوس (أفروديت):/ «يا أيّتها الإلهة المبجّلة بوصفك ابنة كرونوس، / أفضي بدخيلتك. أخبريني ماذا تريدين/ وسألتبي طلبك إذا


الرسالة القصيرة المبتورة. أفكارك غير مُنجَزة وناقصة؛ إذ لا يمكن إكمالها إلّا من الشخص الآخر.
من سجاناريللاً إلى دونجوان: حسنٌ ما يجب عليّ قوله هو أنّ... لا أعلم ماذا أقول؛ فأنت تبدّل الحقائق من خلال كلماتك بطريقةٍ تجعلك تبدو أنّك محقِّ؛ إلّا أنّك، وهذه حقيقة الموضوع، لست كذلك. لديّ أصفى الأفكار في العالم، وكلماتك قد شوّشتها بالكامل.
المفاتيح للإغواء
نادرًا ما نفكّر قبل أن نتكلّم. فالطبيعة البشريّة تدفعنا إلى قول أوّل ما يخطر في ذهننا- وعادةً ما يخطر أوّلاً يكون شيئًا يتعلّق فينا. نحن نستخدم الكلمات بشكل أساسيّ لنعبّر عن أحاسيسنا، أفكارنا، وآرائنا. (كذلك لنتذمّر ونجادل.) هذا لأنّنا إجمالاً مُستَغرَقون بأنفسنا- أكثر شخصٍ يثير اهتمامنا على الإطلاق هو نفسنا. إلى حدَّ معيّن يكون هذا محتومًا ويتعذّر اجتنابه، وعبر معظم حياتنا لا يوجد ضيرٌ كبيرٌ فيه؛ نستطيع أن نؤدّي أعمالنا ووظائفنا بشكلٍ حسنٍ تمامًا بهذه الطريقة. في الإغواء، من جهةٍ ثانية، هذا يحدُّ من إمكانيّاتنا.
لا تستطيع الإغواء دون القدرة على الخروج من كيانك وولوج كيان الشخص الآخر، واختراق (فهم) نفسيّته. المبدأ الرئيس للّغة الإغوائيّة لا يكمن في الكلمات التي تتفوّه بها، أو في نبرة صوتك الإغوائيّة؛ وإنّما في التبديل الجذري للمنظور والعادات والطباع. عليك أن تكفّ عن قول أيّ شيءٍ يخطر ببالك- عليك أن تضبط الدافع الذي يدفعك لأن تثرثر ولأن تقذف بآرائك. المفتاح أو المبدأ الرئيسي هو أن ترى الكلمات كوسيلةٍ لا لإيصال الأفكار والمشاعر الحقيقيّة وإنّما لخلق الاضطراب، الغبطة والنشوة.
الفرق ما بين اللغة العاديّة واللغة الإغوائيّة هو مثل الفرق ما بين الضجيج والموسيقى. الضجيج موجودٌ دائم في الحياة العصريّة، وشيءٌ مزعج
.....................
كان ذلك بمقدوري.» / فأجابت هيرا، وكلّها نيةٌ للخداع: / «أعطني الآن الجنس والرغبة/ اللتين تستخدمين لإخضاع الفانين والبشر...» / فردّت أفروديت كثيرة الابتسام:/ «كيف لي، أو كيف يمكنني أن أرفض شخصًا ينام في دبر زيوس الكلّي القدرة؟» وقامت لدى قولها لهذا بنزع حزامٍ ومرصّع بالحلي الساحرة. / الجنس موجودٌ فيه، وكذلك الرغبة، والكلام/ العذب الإغوائيّ، اللذان يخدعان حتّى الرجل الحكيم.../ كانت هيرا تحثّ الخطى نحو جارجاروس، / أعلى قمّة في آيدا، عندما رآها زيوس. / وعندما رآها فقد غلّفته الشهوة،/ تمامًا كما غلّفته في أوّل مرّةٍ مارسا فيها الحبّ،/ وتسلّلا إلى


نتجاهله إذا كان ذلك باستطاعتنا. لغتنا العاديّة أشبه بالضجّة- فالناس قد يستمعون إلينا بأذنٍ واحدة بينما نكون منطلقين في الحديث عن أنفسنا، لكن في كلّ مرّة (نتحدّث فيها عن أنفسنا) تكون أفكارهم بعيدة كلّ البعد (عنّا وعن حديثنا.) بين الحين والآخر تنتصب آذانهم عندما يلامسهم شيءٌ ممّا نقول، لكن هذ يدوم فقط للّحظة التي نعود فيها إلى قصّةٍ أخرى إضافيّةٍ عن أنفسنا. منذ وقتٍ مبكّر كطفولتنا نحن نتعلّم أن نتجاهل هذا النوع من الضجيج (وخاصّةً عندما يأتي من والدينا).
الموسيقى، من الجهة الأخرى، تكون مُغوية، وتجذب بحقّ. القصد منها المتعة. اللحن أو الإيقاع يبقى في وجداننا لأيّام بعد سماعنا إيّاه، فيبدّل مزاجنا وعواطفنا، يسبّب لنا الاسترخاء أو الإثارة. لكي تعمل موسيقى عوضًا عن الضجّة، عليك أن تقول أشياء تسرّ- أشياءٌ ذات صلةٍ بحياة الناس، وتمسّ زهوّهم. إذا كان لديهم العديد من المشاكل، عندها تستطيع أن تُنتج الأثر نفسه من خلال صرف انتباههم، وتركيز انتباههم بعيدًا عن أنفسهم من خلال قول أشياء ظريفةٍ ومسلّية، أو أشياء تجعل المستقبل يبدو برّاقًا وواعدًا. الوعود والإطراء هي موسيقى بالنسبة لأذنيّ أيٍّ كان. هذه لغةٌ مصمّمةٌ لتحرّك الناس وتخفّض دفاعاتهم. إنّها لغةٌ مصمّمةٌ لهم، ليست موجّهةٌ عليهم.
كان الكاتب الإيطالي جابرييل دانونزيو غير جذّابٍ من الناحية الشكليّة، ومع ذلك فلم يكن بإمكان النساء مقاومته. حتّى أولئك اللواتي علمن بصيته كدونجوان ولم يحببنه لهذا السبب (الممثّلة إليانورا ديوز والراقصة إيزادورا دونكان، على سبيل المثال) وقعن تحت سحره. السرّ كان تدفّق الكلمات التي كان يغلّف المرأة فيها. كان صوته موسيقيًّا ولغته شعريّة، لكنّ أكثر شيءٍ يثير الإعجاب على الإطلاق كان أنّه يعرف كيف يطري. كان إطراؤه يستهدف نقطة ضعف المرأة بالتحديد، أي المجالات التي تحتاج فيها للتعزيز والتأييد ولإضفاء الشرعيّة. إذا كانت هنالك امرأةٌ جميلة، ومع ذلك تفتقر للثقة في حصافتها وفطنتها؟ وإنّما بعقلها. قد يقارنها ببطلةٍ في أثرٍ أدبيّ، أو لشخصيّةٍ مختارة بعناية. كان يتضاعف حجم الأنا لدى المرأة التي تتكلّم معه.
.....................
السرير من خلف ظهر أبويهما./ وقف بالقرب منها وقال:/ «لماذا تركت الأوليمب يا هبرا؟/ وأين أحصنتك وعربتك؟»/ فأجابت هيرا، وكلّها نيّةٌ للخداع:/ «أنا منطلقةٌ لأزور أقاصي الأرض/ وأبي أوقيانوس وأمي تيثس/ اللذان أحبّائي ورّبياني في منزلهما...»/ فأجاب زيوس والضباب يندفع من حوله:/ «كذلك يمكنك الذهاب إلى هنالك فيما بعد./ فلنذهب إلى الفراش الآن لكي نمارس الحبّ./ لم تشعرني أي ألهةٍ أو امرأةٍ أبدًا بأنّني مجتاحٌ بالشهوة لهذه الدرجة.../ لم أحبب أيّ شخص قطٍّ كما أحبك الآن،/ ولم أكن أبدًا في قبضة رغبةٍ بهكذا عذوبة.»/ فردّت هيرا، وكلّها تيةٌ للخداع:/ «هل تدرك ما تقول، يا


الإطراء هو لغةٌ إغوائية في أصفى أشكالها. غرضها أو القصد منها هو ليس أن تعبّر عن حقيقة أو شعورٍ حقيقيّ، وإنّما فقط أن تخلق أثرًا على المتلقّي. على غرار دانونزيو، تعلّم أن توجّه إطراءك مباشرةً نحو مكامن اللاأمان عند الشخص. على سبيل المثال، إذا كان هنالك رجلٌ يعمل كممثّلٍ بارع ويشعر بالثقة حيال مهاراته الاحترافيّة، فسيكون إطراؤه حول تمثيله ذا أثرٍ ضئيل، وقد يؤدّي حتّى إلى نتيجة معاكسة- فمن الممكن أن يشعر بأنّه فوق الحاجة لمداعبة الأنا الذي لديه، وسيظهر إغواؤك على أنّه يمشي بالعكس. لكنّنا دعنا نقول أنّ هذا المثّل هو موسيقيٌ أو رسّامٌ هاو. وهو يقوم بهذا العمل لوحده، دون دعم احترافيّ أو دعاية، وهو مدركٌ تمامًا أنّ آخرين يكسبون رزقهم من وراء هذا العمل. إطراء ادّعاءاته الفنّية سيستخفّه مباشرةً ويكسبك كمًّا مضاعفًا من النقاط. تعلّم أن تكتشف جوانب أنا الشخص التي تحتاج للمصادقة عليها والتأييد. اجعل ذلك مفاجأة، شيءٌ لم يكن أحدٌ آخر قد فكّر من قبل في امتداحه- شيءٌ تستطيع وصفه كموهبة أو خاصّية إيجابيّة لم يكن قد لاحظها الآخرون. تكلّم بقليلٍ من العرشة، كما لو أنّ مفاتن هدفك قد غمرتك وأربكتك وهيّجتك عاطفيًّا.
الإطراء يمكن أن يكون نوعًا من المداعبة التمهيديّة اللفظيّة. قوى الإغواء عند أفروديت، التي قيل عنها أنّها تنبع من الحزام الرائع الذي ترتديه، اشتملت عذوبةً في اللغة- وهي مهارةٌ تمهّد الطريق للأفكار الجنسيّة بمساعدة الكلمات الرقيقة والمطرية. الشعور باللاأمان والشكوك الذاتيّة التي تدفع للشكوى باستمرار يكون لديها أثرٌ مخمّدٌ على الليبيدو أو الشهوة. اجعل أهدافك تشعر بالأمان وبأنّهم مُغرُون من خلال كلماتك المغرية وعندها ستذهب مقاومتهم أدراج الرياح.
أحيانًا يكون أكثر شيءٍ تسمعه بعثًا على السرور هو الوعد بشيءٍ رائع، مستقبلٌ غامض ولكنّه ورديّ ينتظرك عند أوّل منعطف. كان فرانكلين ديلانو روزفلت، في خطاباته العامّة، قليلاً ما يتحدّث عن برامج محدّدة للتعامل مع الركود الاقتصادي؛ كان يستخدم بدلاً من ذلك بلاغةً وخطابةً تستنهض الهمم ليرسم صورةً عن مستقبل أمريكا المجيد. في الأساطير المتنوّعة عن دونجوان، كان المغوي العظيم يُرَكّز انتباه المرأة مباشرةً على المستقبل، على عالمٍ خياليّ كان يعدها بأن يخطفها إليه. صمّم كلماتك
.....................
مولاي المهيب. / فكرة أن نضطجع نحن هنا على آيدا/ ونمارس الحبّ في العراء وفي وضح النهار! / ماذا لو رآنا أحد الفانين/ ونحن نائمون، ومضى ليخبر جميع الآلهة الآخرين؟ عندها لن أستطيع أبدًا أن أشمخ بنفسي/ وأرجع إلى المنزل. سيكون ذلك مخزيًا. / لكنّك إذا كنت حقًّا تريد فعل هذا، / فهنالك غرفة النوم التي بناها لك ابنك العزيز هيفاستوس، ذات الأبواب المنيعة. دعنا نذهب/ إلى هنالك ونضطجع، بما أنّك في المزاج الملائم. «/ فردّ زيوس الذي يجمع الغيوم:/ «لا تقلقي يا هيرا إزاء رؤية أيّ إلهٍ أو رجل لنا. إذ سألفّك بغيمةٍ كثيفةٍ/ ولامعةٍ للغاية لدرجة أنّ حتّى هيليوس (إله الشمس) لن يتمكّن من التجسّس علينا، / وهو الذي نوره


العذبة بما يتناسب تمامًا مع أو على قياس مشاكل أهدافك وأحلامهم بالتحديد. عِدْ بشيءٍ قابلٍ للتحقيق، بشيءٍ ممكن، لكن لا تجعله محدّدًا أكثر من اللازم؛ فأنت تدعوهم إلى الحلم. إذا كانوا غارقين في وحل الروتين المملّ، فتحدّث عن المغامرة، ويُفَضَّل أن تكون هذه المغامرة معك. لا تناقش كيف سيُحَقّق الحلم؛ تحدّث عنه وكأنّه موجودٌ أساسًا وبشكلٍ سحريّ، في مكانٍ ما من المستقبل. ارفع أفكار الناس نحو الغيوم وسوف يسترخون، ستوضع دفاعاتهم جانبًا، وسيصبح من الأسهل بكثير أن تناور وأن تضلّهم عن الطريق المستقيم. كلماتك تصبح نوعًا من الدواء المنشّط والمنعش.
أشدّ أنماط اللغة تنفيرًا ومناقضةً للإغواء هو الجدال. كم من الأعداء الصامتين نخلق عن طريق الجدال؟ هنالك طريقةٌ أرقى لحمل الناس على الإصغاء والاقتناع: الدعابة واللمسة الخفيفة. السياسي الإنكليزي من القرن التاسع عشر بنجامين دزرائيللي كان أستاذًا في هذه اللعبة. في البرلمان، يكون الفشل في الرد على اتّهام أو تعليقٍ افترائيّ خطأً قائلاً: فالصمت يعني أنّ موجّه التهمة على حقّ. مع ذلك فإنّ الاستجابة بغضب، والانخراط في جدال، يساويان الظهور بشكلٍ قبيحٍ ودفاعيّ. كان دزرائيللي يستخدم تكتيكًا مختلفًا: كان يظلّ هادئًا. وعندما يحين الوقت للردّ على الهجوم، كان يشقّ طريقه ببطء نحو منصّة المتحدّث، يتوقّف للحظة، ومن ثمّ يتفوّه بردَّ حاسم هزليَّ أو تهكّميّ. كان الجميع يضحكون. أمّا وأنّه هيّأ الناس، فكان يتابع حديثه بدحض عدوّه وتفنيده، وهو لا يزال يضيف التعليقات المضحكة؛ أو لعلّه كان ينتقل لموضوع آخر، وكأنّه كان فوق الشبهات أو فوق مستوى الحديث. كان دعابته تجعل أيًّ هجوم عليه كليلاً. الضحك والتصفيق لديهما تأثيرٌ شبيهٌ بالدومينو: ما إن يضحك مستمعوك أوّل مرّة حتّى يصبحوا أكثر استعدادًا للضحك من جديد. في هذا الجو خفيف الظّل يصبحون أكثر ميلاً للاستماع. لمسةٌ حاذقةٌ وقليلٌ من السخرية يعطيانك المجال لتقنعهم وتأخذهم لصفّك وتهزأ من أعدائك. ذلك هو الشكل المغوي من الجدال.
بعد اغتيال يوليوس قيصر بفترة قصيرة، خاطب رئيس عصابة المتآمرين على قتله، بروتوس، حشدًا غاضبًا من الناس. حاول أن يحاجج الجماهير بالمنطق، شارحًا لهم أنّه كان يريد أن ينقذ الجمهوريّة الرومانيّة من
.....................
يشكَل أحدَّ إبصار على الإطلاق.»
- هوميروس، الإلياذة، ترجمة ستانلي لومباردو
أنتوني: يا أيّها الأصدقاء، يا أيّها الرومان، يا أهل الريف، أعيروني أسمعكم؛ / جئت لأدفن قيصر، لا لأمجّده. / الشر الذي يرتكبه الرجال يعيش بعد موتهم؛ / الخير غالبًا ما يكون مدفونًا مع عظامهم. / لذا فدع خير قيصر يندفن معه.../ أنا لا أتكلّم لأدحض كلام بروتوس، / ولكن أنا هنا لأقول ما أعرفه حقّ المعرفة. / أنتم جميعًا أحببتموه فيما مضى، / وذلك ليس دون سبب. / ما السبب الذي يمنعكم إذن من التفّجع عليه؟ / أوه ياللواقعة، أن تختفي أنت ما بين الوحوش البهيميّة، / وأن تفقد الرجال صوابها! صبرًا عليّ.


الديكتاتوريّة والطغيان. اقتنع الناس للحظة- نعم فقد كان بروتوس يبدو رجلاً شريفًا. ومن ثمّ أخذ مارك أنتوني المنصّة، وألقى بدوره تأببينًا لقيصر. بدا مغمورًا بالعاطفة. تحدّث عن حبّه لقيصر وعن حبّ قيصر للشعب الروماني. ذكر وصيّة قيصر؛ فطالب الحشد بصخبٍ بأن يسمعها، لكن أنتوني قال لا، لأنّه إذا قرأها فسيعرفون كم كان قيصر يحبّهم بعمق، وكم كانت الجريمة تتّسم بالجبن والغدر والخسّة. أصرّ الحشد مرّةً أخرى على أن يقرأ الوصيّة؛ بدلاً من ذلك فقد رفع عباءة قيصر الملطّخة بالدماء، ليلفت الانتباه إلى حيث ثُقِبَت وتمزّقت. هنا كان حيث طعن بروتوس القائد العظيم، قال أنتوني؛ وكاسيوس كان قد طعنه هنا. ومن ثمّ قرأ الوصيّة أخيرًا، التي أخبرت بمقدار الثروة التي كان قيصر قد تركها للشعب الروماني. كانت هذه طلقة الرحمة- انقلب الحشد ضد المتآمرين وأعدمهم دون محاكمةٍ قانونيّة.
كان أنتوني رجلاً ذكيًّا يعلم كيف يثير الحشود. تبعًا للمؤرّخ الإغريقي بلوتارك، «عندما رأى أنّ خطابته كانت قد ألقت بتعويذة على الناس وأنّ كلماته قد حرّكتهم بعمق، بدأ يدخل في تمجيده [لقيصر] لمسةً من الشفقة والنقمة على مصير قيصر.» اللغة الإغوائيّة تستهدف عواطف الناس، باعتبار أنّه من الأسهل خداع الناس العاطفيّين أو المتهيّجين عاطفيًّا. استخدم أنتوني أدواتٍ متنوّعة لإثارة الحشد: رعشةٌ في الصوت، نبرة ذهول ومن ثمّ غضب. الصوت المفعم بالعاطفة لديه أثرٌ مباشرٌ ومعدٍ على المستمع. إضافةً إلى ذلك فقد أغاظ أنتوني الحشد بالوصيّة، إذ أحجم عن قراءتها للنهاية، عالمًا أنّ ذلك من شأنه أن يُفقِدَ الناس صوابهم. ومن خلال رفعه للعباءة جعل الصورة مثيرةً للغرائز.
لعلّك لا تريد أن تدفع بالحشد إلى حافّة الجنون والاهتياج؛ وإنّما كلّ ما تريده هو أن تحملهم إلى صفّك. اختر استراتيجيتّك وكلماتك بعناية. قد تعتقد أنّه من الأفضل أن تقنع الناس بالحجّة والمنطق وأن تشرح أفكارك. لكن من الصعب على المستمعين أن يقرّروا إذا ما كان البرهان منطقيًّا أو لا بينما يستمعون إليك وأنت تتحدّث. يجب عليهم أن يركّزوا وأن يصغوا بإنصات، الأمر الذي يتطلّب جهدًا عظيمًا. منبّهاتٌ أخرى يمكنها أن تشتّت انتباه الناس بسهولة، وإذا غفلوا أو قصّروا عن فهم شيءٍ من حديثك أو حجّتك، فسوف يشعرون بالارتباك وبأنّهم أدنى من الناحية الفكريّة،
.....................
/ إنّ قلبي هنالك في الكفن مع قيصر، / ولابدّ لي من التوقّف حتّى يرجع إليّ.../ بليبيان: يا للمسكين! إنّ عينيه حمراوان كاللهب من شدّة البكاء. / بليبيان. لا يوجد في روما رجلٌ أنبل من أنتوني. / بليبيان: انتبهوا إليه الآن. فسيتأنف الكلام مجدّدّ. / أنتوني: لكن من الجائز أنّ إرادة قيصر تحدّت العالم في الأمس. أمّا الآن فهو يستلقي هنالك، دون أن يتواضع أيّ واحدٍ ويوفّيه التبجيل. / أوه يا أيّها السادة! لو كنت ميّالاً لأن أثير قلوبكم وعقولكم نحو التمرّد والغضب، / لكان يجدر بي أن أتّهم بروتوس، وكاسيوس، / وهما، كما تعلمون جميعًا، رجلان شريفان. / لن أتّهمهما.../ لكن هذه مخطوطة عليها ختم قيصر. /


وسينتابهم شعورٌ مبهمٌ بانعدام الأمان والثقة بالنفس. مخاطبة قلوب الناس هي أمرٌ أجدى (أكثر إقناعًا لهم) من مخاطبة عقولهم. الجميع يتشاطرون المشاعر، ولن يشعر أحدٌ بالدونيّة تجاه متحدّثٍ يحرّك مشاعرهم. ترتبط الحشود ببعضها البعض، حيث يختبر كلّ واحدٍ نفس الأحاسيس وبشكلٍ مثيرٍ للعدوى. تحدّث أنتوني عن قيصر كما لو كان هو والمستمعون يعيشون أو يحسّون بالجريمة من وجهة نظر قيصر. ما الذي يمكن أن يكون أكثر تحريضًا من هذا؟ استخدم هكذا تغييرات في المنظور لتجعل مستمعيك يشعرون بما تقول. نسّق ما بين غاياتك بحيث تُحقّق أقصى ما يمكن من التأثير. أن تنتقل من عاطفةٍ لأخرى هو أكثر فاعليّّةً من أن تضرب على مجرّد وترٍ واحد. التباين ما بين حبّ أنتوني لقيصر وبين سخطه ونقمته على القتلة كان أكثر قوّةً بكثير ممّا لو ثبت على هذا الشعور أو ذاك.
المشاعر التي تحاول إيقاظها وإثارتها يجب أن تكون مشاعر قويّة. لا تتحدّث عن الصداقة والخلاف؛ تحدّث عن الحبّ والكره. ومن الضروري جدًّا أن تشعر ببعض المشاعر التي تحاول إثارتها. بهذه الطريقة تصبح أكثر جديرًا بالتصديق. هذا لا يجب أن يكون صعبًا: تخيّل الأسباب الموجبة للحبّ أو الكره قبل أن تتكلّم. إذا كان ذلك ضروريًّا، ففكّر بشيءٍ ما من ماضيك يملؤك بالغضب. العواطف تنتقل بالعدوى؛ من الأسهل أن تجعل غيرك يبكي إذا كنت أنت نفسك تبكي. اجعل صوتك آلةً موسيقيّة، ودرّبها على أن تنقل العاطفة أو الانفعال. تعلّم أن تبدو مخلصًا وصادقًا. درس نابوليون ممثّلي عصره العظام، وعندما كان يخلو لنفسه فإنه كان يتمرّن على أن يُوَشّح صوته بالعاطفة.
غالبًا ما يكون هدف الخطاب الإغوائي هو خلق حالة من التنويم قابليّةً للإيحاء. تعلّم دروسَ التكرار والتنويم الخاصّة بالمنوّم المغناطيسي، والتي هي عناصر لا غنى عنها لتنويم الشخص. يتضمّن التكرار استخدام نفس الكلمات مرّة تلو الأخرى، وتُفَضّل الكلمات ذات المحتوى العاطفي: «ضرائب،» «تحرّريّون،» «متعصّبون.» يكون التكرار ذا أثرٍ منوّمٍ مغناطيسيًّا- الأفكار يمكن أن تُغرَس في لاوعي الناس بكل بساطة من خلال إعادتها بالكمّ الكافي. التوكيد هو ببساطة صنعٌ لتعابير إيجابيّة قويّة، مثل أوامر المنوّم المغناطيسي. يجب أن تتحلّى اللغة الإغوائيّة بنوعٍ من الجرأة التي ستغطّي
.....................
وجدتها في خزانته؛ إنّها وصيّته. / دعونا، ما عدا العامّة، نستمع إلى هذه الوصيّة، / التي (عذرًا منكم) لا أعتزم قراءتها، / وليذهبوا ليقبّلوا جراح قيصر المتوفّي/ ويغمسوا مناديلهم بدمه الطاهر.../ بليبيان: سنستمع إلى الوصيّة! اقرأها يا مارك أنتوني. / الجميع: الوصيّة، الوصيّة، الوصيّة! سنستمع إلى وصيّة قيصر! / أنتوني: تحلّوا بالصبر أيّها الأصدقاء النبلاء؛ لا ينبغي لي قراءتها. / ليس من المناسب أن تعلموا كم كان قيصر يحبكم. / أنتم لستم من الخشب، لستم من الحجارة، وإنّما بشر؛ / وكونكم بشر فستتأجّج مشاعركم لدى سماعكم الوصيّة، وستصيبكم بالعتة. / من الجيّد أنّكم لا تعلمون أنّكم ورثته؛ / لأنّكم إذا عرفتم، فماذا كان سيأتّي


عددًا وافرًا من الأخطاء. سيستغرق مستمعوك بلغتك الجريئة لدرجة أنّهم لن يكون عندهم الوقت ليفكّروا مليًّا فيما إذا كانت حقيقيّةً أم لا. لا تقل أبدًا «لا أظنّ أنّ الطرف الآخر قد اتّخذ قرارًا حكيمًا»؛ قل «نحن نستحقَ ما هو أفضل،» أو «لقد ارتكبوا حالةً من الفوضى واللخبطة.» اللغة التوكيديّة هي لغة فعّالة، مليئة بالأفعال، بصيغ الأمر، وبالجمل القصيرة. تخلّص من «أن أعتقد،» «نعلّ،» «برأيي.» توجّه رأسًا إلى قلب الموضوع.
أنت تتعلّم نوعًا جديدًا من اللغة. معظم الناس يوظّفون لغةً رمزيّة- كلماتهم تعني أو تمثّل شيئًا حقيقيًّا، المشاعر، الأفكار، والمعتقدات التي يعيشونها ويعتنقونها بحقّ. أو تمثّل أشياء ملموسة في العالم الحقيقي. (أصل الكلمة «رمزي»- في الإنكليزيّة «سيمبوليك»- يكمن في كنمةٍ إغريقيّة تعني «أن تجمع الأشياء مع بعضها البعض» - في هذه الحالة، كلمة مع شيء حقيقي.) كمغوٍ فأنت تستخدم النقيض: اللغة الشرّيرة. كلماتك لا تمثّل أيّ شيءٍ حقيقيّ؛ وقْعَها، والأحاسيس التي تثير، هي أكثر أهمّيةً ممّا يُفَترَض بها أن تمثّل. (الكلمة «شيطانيّة»- في الإنكليزيّة «ديابوليك»- تعني في النهاية «أن تفصل، أن ترمي بالأشياء بعيدًا عن بعضها البعض» - هنا، الكلمات والحقيقة.) كلّما جعلّت الناس يركّزون أكثر على لغتك الجميلة الوقع، وعلى الأوهام والأحلام التي تستحضرها، أضعفت صلتهم مع الحقيقة. أنت تقودهم نحو الغيوم، حيث يكون من الصعب تمييز الصدق من اللاصدق، والحقيقي من اللاحقيقي. أبقِ كلماتك غامضة وملتبسة، كي لا يكون الناس أبدًا متأكّدين تمامًا ممّا تعني. غلّفهم بلغةٍ شيطانيّة وشرّيرة وعندها لن يكونوا قادرين على التركيز على مناوراتك، أو على العواقب المحتملة لإغوائك. وكلّما أسلموا أنفسهم للوهم، كلّما كان من الأسهل تضليلهم وإغواؤهم.
.....................
من ذاك؟ .../ إذا كان لديكم دموع، فاستعدّوا لذرفها الآن. / أنتم جميعًا تعرفون هذه العباءة. أذكر/ أول مرّةٍ ارتداها فيها قيصر في عمره.../ انظروا، هنا جرى حنجر كاسيوس. / انظروا إلى الشق الذي أحدثه كاسكا الحسود. / خلال هذا الشق قام بروتوس الأثير بطعنته؛ / وعندما نزع خنجره اللعين بعيدًا، / لاحظوا كيف أنّ دم قيصر تبعه .../ فبروتوس، كما تعلمون، كان ملاك قيصر. / احكمي أيّتها الآلهة، كم كان قيصر بحبّه بمعزّة! / هذه كانت أبشع الطعنات على الإطلاق؛ لأنّ قيصر النبيل عندما رآه يطعن، / فإنّ جحود الجميل، الذي هو أقوى من أذرع الخونة، / هزمه تمامًا.../ آه، الآن تذرفون الدموع،


الانقلاب
لا تخلط ما بين اللغة المزخرفة وبين الإغواء: عند استخدامك للّغة المزخرفة فأنت تخاطر بأن تثير أعصاب الناس، وبأن تبدو مدّعيًا. فائضٌ من الحشو في الكلام هو دليلٌ على الأنانيّة، على عدم قدرتك على كبح ميولك الطبيعيّة. عندما يتعلّق الأمر بالكلام فغالبًا ما يكون القليل كثيرًا (زائدًا عن الحدّ)؛ العبارات المحيّرة والملتبسة تترك للمستمع مجالاً أكبر للتخيّل من جملةٍ ملأي بالكلام المنمّق الطنّان وبالانغماس في الذات.
عليك دائمًا أن تفكّر أوّلاً بأهدافك، وبما يسرُّ آذانهم. سيكون هنالك العديد من الأوقات حيث يكون الصمت هو الخيارُ الأفضل. ما لا تقوله يمكنه أن يكون موحيًا وفصيحًا، الأمر الذي يجعلك تبدو غامضًا. في كتاب الوسادة لساي شوناجون، الذي يؤرّخ يوميّات البلاط الياباني في القرن الحادي عشر، يفتتن المستشار يوشيشيكا بسيّدةٍ صامتة وجميلة يراها في عربة. يرسل لها رسالة، فترسل بواحدةٍ بالمقابل؛ كان الوحيد الذي قرأها، لكن من خلال ردّة فعله علم الجميع بشكلٍ أكيد أنّ الرسالة كانت ذات ذوقٍ رديء أو مكتوبة بشكلٍ سيّء. لقد أفسدت التأثير الذي ولّده جمالها. كتبت شوناجون، «لقد سمعت أناسًا يقترحون أنّ عدم الرّد على الإطلاق هو أفضل بكثير من ردَّ سيّء.» إذا لم تكن فصيحًا أو بليغًا، إذا لم يكن بإمكانك أن تتقن اللغة الإغوائيّة، فتعلّم على الأقلّ أن تضبط لسانك- استخدم الصمت لتعزّز حضورًا مُلَغّزًا.
أخيرًا للإغواء خطوٌ وإيقاع. في المرحلة الأولى، تكون حذرًا وغير مباشر. غالبًا ما يكون من الأفضل أن تخفي نواياك ومقاصدك، وأن تزيل شعور هدفك بالحرج من خلال تعمّدك استخدام الكلمات الحياديّة. محادثاتك يجب أن تكون عديمة الأذى، بل وحتّى بايخةً بعض الشيء. في المرحلة الثانية، أنت تتوجّه أكثر نحو الهجوم؛ هذا هو وقت اللغة الإغوائيّة. الآن عندما تلفّهم بكلماتك ورسائلك الإغوائيّة، فإنّ وقع ذلك يكون كمفاجأة سارّة. ذلك يمنحهم الشعور السار للغاية بأنّهم من ألهموك فجأةً بهذا الشعر وبهذه الكلمات المُسكِرة.
.....................
وأفهم أنّكم تشعرون/ بهول الفاجعة. هذه دموعٌ سَمِحة. / أيّتها الأنفس الكريمة، ما الذي يبكيكم سوى رؤية ثوبه وقد طُعِن؟ انظروا إلى هنا! / هو نفسه يرقد هنا بينما تنظرون أنتم إلى الخونة.
- ويليام شيكسبير يوليوس قيصر


11
اهتم بالتفاصيل
الكلمات النبيلة والإيماءات الجليلة التي يقصد بها التأثير يمكن أن تكو مدعاةٌ للشك: لماذا تحاول بكل هذا الجهد أن ترضي؟ تفاصيل الإغواء- الإيماءات والإشارات التي تفعلها بشكلٍ مرتجل- غالبًا ما تكون أكثر سحرًا وإفصاحًا. عليك أن تتعلّم أن تُلهي وتصرُف انتباه ضحاياك بكَمِّ هائل من الطقوسيات السارة والصغيرة- هدايا منتقاة بعناية ومُفصّلة على قياسهم وحدهم، ملابس وحِلى مصمّمة لإرضائهم، البوادر التي تُظْهِر الوقت والاهتمام اللذين تخصّصه لهم. كلّ حواسّهم تكون مشغولة بالتفاصيل التي تخرجها كقائد أوركسترا. أخلق المشاهد لتبهر أعينهم؛ فهم لن يلاحظوا- كونهم مسحورين كمن في حالةِ تنويم مغناطيسي- ما أنت حقيقةً بصدده.
تُعلّم أن توحي بالمشاعر والأمزجة المناسبة من خلال التفاصيل.


الأثر المنوّم مغناطيسيًا
في شهر كانون الأوّل من عام 1898، تلقّت زوجات سفراء الدول الغربيّة الرئيسيّة دعوةً غريبة: كانت الإمبراطورة دووايجر تسو هسي تقيم مأدبةً على شرفهم في المدينة المحرّمة في بكين. السفراء أنفسهم كانوا مستائين حيال الإمبراطورة دووايجر، لعدّة أسباب. كانت من المانشو، وهو عرقٌ من أهل الشمال الذين احتلّوا الصين في بدايات القرن السابع عشر، مؤسّسين بذلك سلالة شينغ التي حكمت البلد لما يقارب الثلاثمئة سنة. بحلول العقد الأخير من القرن التاسع عشر أخذت القوى الغربيّة تقتطع أجزاءً من الصين التي اعتبروها متخلّفةً. أرادوا من الصين أن تلتحق بركب الحداثة، لكنّ المانشو كانوا محافظين، وقاوموا كلّ أشكال الإصلاح. في وقتٍ سابق في عام 1898 كان الإمبراطور الصيني كوانغ هسو، والذي كان ابن أخ الإمبراطورة دووايجر ويبلغ من العمر السابعة والعشرين، قد بدأ سلسلةً من الإصلاحات، وبمباركة الغرب. بعدئذٍ، أي بعد مئة يوم من بدء فترة الإصلاحات هذه، تسرّبت الأنباء من المدينة المحرّمة إلى الديبلوماسيين الغربيّين بأنّ الإمبراطور كان مريضًا جدًّا، وبأنّ الإمبراطورة دووايجر قد استولت على السلطة. لقد ارتابوا بحدوث لعبةٍ قذرة؛ على الأرجح فإنّ الإمبراطورة قد تدخّلت لإيقاف الإصلاحات. كان الإمبراطور قد أُسيئَت معاملته، وعلى الأرجح قد سُمّم- لعله كان ميتًا أساسًا. عندما كانت زوجات السفراء السبع يتحضّرن للذهاب إلى الزيارة غير العاديّة، فقد حذّرهنّ أزواجهنّ: لا تثقن بالإمبراطورة دووايجر. لقد كانت امرأةً ماكرة ذات مسحةٍ وحشيّة؛ قد نهضت من كونها مغمورة لتصبح محظيّة الإمبراطور السابق وكانت قد تدبّرت عبر السنين أن تُراكِم سلطةً عظيمة.
.....................
كان المركب الذي جلست فيه مثل عرشٍ مصقولٍ/ يتوهّج على الماء: مؤخّرته مرصّعة بالذهب؛ / وأشرعته أرجوانّية ومعطرة إلى درجة أن/ الرياح أعياها حبها. وكانت المجاذيف فضية/ تواصل تجذيفها على أنغام آلات الفلوت، وتجعل/ الماء الذي تضربه يجري بشكلٍ أسرع/ وكأنّه وقع في حبّ تجذيفها. فيما يتعلّق بشخصها، / فلقد تجاوز كلّ الوصف: فهي تستلقي/ في خيمتها بثياب


لقد كانت أكثر شخصٍ مرهوب الجانب على الإطلاق في الصين كلّها، حتّى أكثر من الإمبراطور بكثير.
في اليوم المقرّر- حُمِلَت النسوة إلى المدينة المحرّمة في موكبٍ من المِجفّات المحمولة من قبل خصيان البلاط الذين كانوا يرتدون زيًّا موحدًّا مبهرًا. النساء أنفسهن، كيلا يُتَفوّق عليهنّ، ارتدين آخر صيحات الموضة الغربيّة- مشدّات ضيّفة، أثواب طويلة من المحمل ذات أكمام مثلَثبّة الشكل، أثواب نسائيّة منفوخة، قبّعات طويلة من الريش. نظر سكّان المدينة المحرّمة إلى ثيابهنّ بانشداه، وخاصّةً للطريقة التي كانت ثيابهنَ تُظهر صدورهنَ البارزة. شعرت الزوجات وعلى نحوٍ مؤكد بأنّهن كنّ قد أثرن إعجاب مضيفيهنّ. تمّت تحيّتهن في قاعة النظارة من قبل الأمراء والأميرات، وكذلك من قبل أفراد الطبقة النبيلة الأقل أبّهةً وشأنًا. كانت النساء الصينيّات ترتدي أزياء مانشوويّة رائعة بغطاء الرأس التقليدي الأسود والمرصّع بالجواهر؛ زنبت النساء (الصينيّات) بشكلٍ هرميّ تجلّى أو انعكس في لون أزيائهنّ، ما شكل قوس قزحٍ غايةٌ في الروعة.
قُدِّم الشاي للزوجات في أجمل وأدقّ الفناجين المصنوعة من أجود أنواع الخزف الصيني، بعدئذٍ تمّت مرافقتهنّ إلى حضرة الإمبراطورة دووايجر. خطف المنظر أنفاسهنّ. فقد كانت الإمبراطورة تجلس على عرش التنين المُرَصَع بالجواهر. ارتدت أثوابًا مُطَرّزة بشكلٍ كثيف، وغطاء رأس رائع تعلوه الألماسات، اللآلئ، واليشب (حجر كريم)، وقلادةً هائلة من اللآلئ المتماثلة تمامًا. لقد كانت امرأةٌ صغيرة الحجم، لكن على العرش، وفي ذلك الثوب، فقد بدت عملاقة. ابتسمت للسيّدات بكثيرٍ من الدفء والإخلاص. كان يجلس على عرشٍ أصغر وأدنى من عرشها ابن أخيها الإمبراطور، الأمر الذي طمأنهنّ وأراحهنّ. بدا شاحبًا. لكنّه حيّاهنّ بحماس وبدا أنّ معنويّاته كانت عالية. لعلّه كان بالفعل مريضًا ببساطة.
صافحت الإمبراطورة يد كلّ واحدةٍ من السيّدات. أثناء قيامها بهذا، كان مرافقٌ مخصيَّ يسلّمها خاتمًا كبيرًا من الذهب عليه لؤلؤة كبيرة، أزلفته في يد كلَ واحدةٍ من النساء. بعد هذه المقدّمة، تمّت مرافقة الزوجات إلى غرفةٍ أُخرى، حيث تناولن الشاي مجدّدًا، وبعدها اقتدن إلى الردهة المخصَصة للمأدبة، حيث كانت الإمبراطورة عندئذٍ تجلس على كرسيً من الساتان
.....................
نسيجها من الذهب، / تفوق صورة فينوس التي نراها جمالاً/ حيث يتفوّق الخيال على الطبيعة. وعلى كل من جانبيها/ يقف أولادّ وسيمون مثل آلهة الحب المبتسمين، / يحملون مراوح متعدّدة الألوان، والتي يبدو أنّ هؤاءها / يزيد من احمرار خدّيها بدلاً من أن يتردهما، / فبدوا وكأنهم يقومون بعكس ما يُفترض بهم فعله.../ وجواريها مثل حورّيات البحر، / كلهن شبيهات بالحوريات، يخدمنها بأشفار عيونهنّ، / وتخلق حركاتهن الرشيقة زينة حولها. وعند الدفة/ تقف امرأة أشبه بالحورية، والأشرعة الحريرية/ تنتفخ زهرًّا بلمسات تلك الأيدي الناعمة كالزهور/ والتي تؤدي عملها برشاقة. ومن السفينة/ ينبعث عطر خفي يسيطر


الأصفر- الأصفر كان اللون الإمبراطوري. تحدّثت معهن لبرهة؛ كان لديها صوتٌ جميل. (قيل أنّ صوتها كان قادرًا بالمعنى الحرفي على أن يسحر الطيور على أشجارها.) في نهاية المحادثة، أخذت يد كل امرأةٍ من جديد، وبكثير من العاطفة، قالت لهم، «أسرة واحدة- الجميع أسرة واحدة.» شاهدت النساء بعد ذلك مسرحيّةً في المسرح الإمبراطوري. في النهاية استقبلتهنّ الإمبراطورة لآخر مرّة. اعتذرت عن العرض الذي كنّ قد فرغن من مشاهدته للتّو، والذي كان بالتأكيد أدنى ممّا كنّ قد اعتدن عليه في الغرب. كان هنالك جولةً أخرى من الشاي، وفي هذه المرّة، كما أفادت أو رَوَت زوجة السفير الأمريكي، فإنّ الإمبراطورة «خطت إلى الأمام وأمالت كلّ فنجانٍ نحو شفتيها وأخذت رشفة، ومن ثمّ رفعت الفنجان من الناحية الأخرى، نحو شفاهنا، وقالت مرّةٌ أخرى، أسرة واحدة- الجميع أسرة واحدة» أُعطيَت النساء المزيد من الهدايا، ومن ثمّ تمّت مرافقتهنّ عودةً إلى مِحفّاتهنّ حيثُ حُمِلن إلى خارج المدينة المحرّمة.
نقلت النسوة إلى أزواجهنّ أصدق الإيمان بأنّهم جميعًا كانوا على خطأ فيما يتعلّق بالإمبراطورة. زوَت زوجة السفير الأمريكي، «كانت وضّاءةً وسعيدةً وشع وجهها بالنيّة الطيّبة. لم يكن من الممكن مشاهدة أدنى أثر من القسوة... تصرّفاتها كانت مليئةً بالحرّية والدفء... [غادرنا] ونحن مفعمات بالإعجاب لجلالتها وبالآمال للصين.» أفاد الأزواج بدورهم إلى حكوماتهم: الإمبراطور كان بخير، ويمكن الثقة بالإمبراطورة.
التفسير. لم يكن لدى الفريق الديبلوماسي الأجنبي فكرةٌ عمّا كان يحصل حقيقةً داخل المدينة المحرّمة. في الواقع، كان الإمبراطور قد تآمر ليعتقل وربمّا يغتال عمّته. بعد أن اكتشفت المكيدة، التي تُعتَبَر جريمةً شنيعةً في منظومة القيم الكونفوشيوسيّة، فقد أجبرته على أن يوقّع على تخلَيه عن عرشه، وأمرت باحتجازه، وأخبرت العالم الخارجي بأنّه كان مريضًا. كجزءٍ من عقابه، كان عليه أن يظهر في المناسبات الرسميّة ويتصرّف وكأنَ شيئًا لم يحدث.
كرهت الإمبراطورة دووايجر الغربيّين كرهًا شديدًا، وكانت تعتبرهم برابرة. لم تحبّ زوجات السفراء، ذوات القبيحة والأساليب التي
.....................
على أحاسيس الناس/ في الأرصفة المجاورة. دفعت المدينة بسكانها خارجًا لتأمّلها وأنطوني/ المتوّح في ساحة السوق جلس وحيدًا/ وهو يصفّر في الهواء الذي لولا الفراغ الذي سيحدثه/ لذهب وحدّق بكليوباترا أيضًا/ وترك مراعًا في الطبيعة.
- ويليام شيكسبير أنطوني وكليوباترا
في الأيّام المزدهرة للأحياء الزاهية لمدينة إيدو كان هناك خبيرٌ في الموضة اسمه ساكاكورا والذي كان على علاقةٍ حميمة بالمحظيّة العظيمة تشيتوزي. هذه المرأة كانت منقادةً لشرب الخمر؛ والذي كانت تستطيبه مع مقبّلٍ أيعرّف بسرطانات


تتكلّف الحياء. كانت المأدبة استعراضًا، إغواءً، لكي تسترضي القوى الغربيّة التي كانت تهدّد بالاجتياح فيما لو كان الإمبراطور قد اغتيل. هدف الإغواء كان بسيطًا: إبهار الزوجات بالألوان، بالمشاهد وبالمسرح. طبّقت الإمبراطورة كل خبرتها وإطّلاعها لتخدم المهمّة، وكانت عبقريّةً في التفاصيل. كانت قد رتّبت المشاهد بشكلٍ متصاعد- الخصيان في الزّي الموحّد أوّلاً، ومن ثمّ السيّدات المانشوويّات المرتديات لغطاء الرأس، وأخيرًا الإمبراطورة نفسها. لقد كان (الاستعراض) مسرحًا خالصًا، وكان غامرًا (ساحقًا). بعد ذلك خفّفت الإمبراطورة قليلاً من درجة وأبّهة المشهد، إذ أضفت عليه بعدًا إنسانيًّا من خلال الهدايا، التحيّات الحارّة، الحضور المطمئن للإمبراطورة، تقديم الشاي، والتسالي، التي لم تكن بأيّ شكلٍ من الأشكال أدنى من أيّ شيءٍ في الغرب. أنهت المأدبة بعد أن رفعتها (أي رفعت الجوّ الذي سادها) إلى ذروةٍ أخرى- القليل من الدراما عندما تشاركن فناجين الشاي، متبوعةً بهدايا أكثر روعةً حتّى من تلك التي سبقتها. كانت رؤوس النسوة تدور عندما غادرن. في الواقع لم يكنّ قد رأين أبدًا فخامةً فريدةً كهذه- ولم يفهمن أبدًا مدى العناية التي نسّقت من خلالها الإمبراطورة تفاصيلها لتحقيق أقصى ما يمكن من التأثير. كونهن سُحِرن بالمشهد، فقد نقلن مشاعرهن السعيدة إلى الإمبراطورة وأعطينها موافقتهنّ- وكان هذا كلّ ما تريده.
المفتاح لإلهاء الناس أو صرف انتباههم (الإغواء هو إلهاء) يكون من خلال ملء أعينهم وآذانهم بالتفاصيل والطقوسيّات الصغيرة والأشياء الغنيّة بالألوان. التفصيل هو ما يجعل الأشياء تبدو حقيقيّةً وجوهريّة. هديّة منتقاة بعد تفكير لا تبدو أنّها تغطّي دوافع خفيّة. طقسٌ مليءٌ بالتصرّفات الصغيرة الساحرة يكون من الممتع جدًّا مشاهدته. المجوهرات، الأثاث الجميل، اللمسات (المسحات) اللونيّة في الثياب، تدوّخ العين وتسحرها. هذه نقطة ضعفٍ طفوليّةٍ فينا: نحن نفضّل أن نركّز على التفاصيل الصغيرة السارّة عوضًا عن الصورة الإجماليّة. الأشياء التي تستخدمها في إغوائك (هدايا، ثياب، إلخ.) تتحدّث لغتها الخاصّة، وهي لغةٌ قويّة. لا تتجاهل أبدًا أيّ تفصيل أو تتركه للصّدفة. زاوج ما بين التفاصيل لتخلق مشهدًا لافتًا ولن يلاحظ أحدٌ كم كنت متلاعبًا خلال ذلك.
.....................
الزهر التي توجد في نهر موجامي في الشرق، والتي كانت تتلذّذ بها بعد أن تحفظها في الملح. بما أنّ ساكوكورا كان يعرف هذا، فقد فوّض رسّامًا من مدرسة كانو ليغلّف قمّة الخيزران بغبار الذهب ويضعه على القواقع الصغيرة لهذه السرطانات؛ وحدّد سعر كل قوقعةٍ بقطعةٍ مربعةٍ واحدةٍ من الذهب، وقدّمها لتشيتوزي طوال السنة، بحيث لم تنقصنها أبدًا.
- إبهارًا سايكاكو، حياة امرأةٍ عاشقة، وكتابات أخرى، ترجمة إيفان موريس
للرجال الذين مارسوا الحبّ، أو حملوا الاعتقاد ولو لمّرة بأنّ لا شيء يُمقارنُ بامرأةٍ في ثيابها. مجدّدًا، عندما نتأمّل كيف أنّ أحد الرجال يتحدّى،


الأثر الحسّي
ذات يوم أخبر رسولٌ الأمير جنجي- المتقدّم في السن لكن الذي لا يزال مغويًا من الطراز الأوّل في البلاط الهاياني في يابان من القرن العاشر- أنّ واحدةً من اللواتي كان قد انتزع إعجابهن وحبّهن قد ماتت على نحوٍ مفاجئ، تاركةً وراءها يتيمةً (امرأة شابّة تُدعى تامًا كازورا). لم يكن جنجي والد تاما كازورا لكنّه قرّر أن يحضرها إلى البلاط وأن يكون حاميها بأيّة حال. بعد وصولها بفترة وجيزة، بدأ الرجال من أعلى المراتب بالتودّد إليها. كان جنجي قد أخبر الجميع بأنّها كانت ابنةً ضائعةً له؛ كنتيجة لذلك، فقد افترضوا أنّها كانت جميلة، لأنّ جنجي كان الرجل الأكثر وسامةً في البلاط. (في ذلك العصر، كان الرجال نادرًا ما يرون وجه فتاة قبل الزواج؛ نظريًّا، كان يُسمَحُ لهم بالتحدّث إليها فقط إذا كانت على الجانب الآخر من البارافان.) أمطرها جنجي بالاهتمام، وساعدها على فرز وتصنيف كل رسائل الحبّ التي كانت تتلقّاها، وأشار عليها فيما يتعلّق بالاختيار المناسب.
كحامي تاماكازورا، كان يمكن لجنجي رؤية وجهها، وبالفعل كانت جميلة. وقع في حبّها. يا له من عار- فكر جنجي- لو تخلّى عن هذا المخلوق المحبّب لرجلٍ آخر. ذات ليلة، بعد أن غُمِرَ بمفاتنها، أمسك بيدها وأخبرها كم كانت تشبه أمّها، التي كان يحبّها فيما مضى. ارتعدت- ليس من التشوّق والإثارة، وإنّما من الخوف، لأنّه بالرغم من أنّه لم يكن أباها، إلّا أنّه كان يُفتَرَضُ به أن يكون حاميها وليس طالب يدها. مرافقوها كانوا بعيدون وكانت ليلةً جميلة. خلع جنجي رداءه المُعَطّر بهدوء وسحبها إلى جانبه. بدأت بالبكاء والمقاومة. جنجي الذي كان راقيًا على الدوام أخبرها بأنّه يحترم إرادتها، وأنّه سيرعاها دائمًا، وأنّه لا يوجد شيءٌ لتخاف منه. بعد ذلك انصرف بتهذيب.
بعد عدّة أيّام من ذلك كان جنجي يساعد تاماكازورا لعدم سماحه له بالاقتراب منها جسديًّا بما فيه الكفاية ليتكلّم معها ويخبرها بمشاعره. لم تردّ تاماكازورا؛ فقد كانت تشعر بالخوف والرهبة لعدم اعتيادها على سلوكيّات البلاط. أمر جنجي واحدًا من خدّامه بأن يكتب رسالةً إلى هوتارو باسم تاماكازورا وذلك بقصد مساعدتها. الرسالة
.....................
يجعّد، يعصر ويستهين بملابس امرأته، وكيف أنّه يسبّب تخريب وضياع الأقمشة الفخمة المصنوعة من الذهب ونسيج الفضّة، والبهرجان والأشياء الحريريّة، واللالئ والأحجار الكريمة، فإنّه من الواضح كيف أنّ حماسته ورضاه يتضاعفان- أكثر بكثير من عندما يفعل ذلك مع راعيةٍ بسيطة أو امرأةٍ أخرى من نوعيّة مشابهة، مهما بلغ جمالها. ولماذا في الماضي كانت فينوس تُعتبر جميلةً ومرغوبةً جدًّا؟ إذا لم يكن ذلك بسبب جمالها فقد كان بسبب أنّها كانت دائمًا ترتدي أكثر الثياب فخامةً، وتفوح منها رائحةٌ زكيّة، لدرجة أنّه كان من الممكن دائمًا وأبدًا أن تشتم شذاها الطيّب على بعد مئة خطوة. لأنّه


التي كُتِبَت على ورقٍ معطّرٍ وجميل دعت الأمير بحرارة إلى زيارتها.
ظهر هوتارو في الساعة المحدّدة. اشتمّ رائحةٌ زكيّة، غامضة ومغوية. (لقد كان عطر جنجي ممزوجًا بهذا الشذا.) شعر الأمير بموجةٍ من التشوّق والإثارة. اقترب من الشاشة التي كانت تجلس خلفها تاماكازورا، واعترف لها بحبّه. من دون أن تُحِدثَ صوتًا، تراجعت إلى شاشةٍ أخرى بعيدة. فجأةً كان هنالك لمعانٌ من الضوء وكأنّ مشعلاً قد توهّج، ورأى هوتارو صورةً جانبيّةً لها من خلف الشاشة: كانت أكثر جمالاً ممّا كان قد تخيّل. شيئان أبهجا الأمير: اللمعان المفاجئ للضوء، واللمحة الخاطفة لمحبوبته. لقد كان الآن عاشقًا بحقّ.
أخذ هوتارو إليها بشكل مواظب. في هذه الأثناء أصبحت تاماكازورا ترى حاميها بشكلٍ أكثر تكرارًا، كونها شعرت بالاطمئنان بأنّه لم يعد يلاحقها. والآن لم يكن بإمكانها ألاّ تلاحظ التفاصيل الصغيرة: بدا أنّ أردية جنجي تضيءُ بألوانٍ سارّة ونابضة، كما لو أنّ أيادي لا تنتمي إلى هذا العالم كانت قد صبغتها. بدت أردية هوتارو باهتةً وكئيبةً بالمقارنة. وكانت أثواب جنجي تشتعل (تعبق) بالروائح العطرة، وكم كانت هذه الروائح آسرةً. لم يحمل أحدٌ عبيرًا كهذا. رسائل هوتارو كانت مهذّبةً ومكتوبةً بعناية، لكن الرسائل التي أرسلها جنجي كانت على ورقٍ مهيب مُعَطّرِ ومصبوغ، وكان يطعّمها باقتباساتٍ من الشعر الذي كان مفاجئًا على الدوام ومع ذلك فهو ملائمٌ للمناسبة. كان جنجي يربّي ويجمع الزهور- القرنفل البرّي، على سبيل المثال- ويقدّمه كهدايا وبدا أنّ ذلك كان يرمز لسحره المميز.
ذات أمسية اقترح جنجي أن يعلّم تاماكازورا كيف تعزف على الكوتو. فابتهجت لذلك. أحبّت قراءة الروايات الرومانسيّة، وكلّما عزف جنجي على الكوتو كانت تشعر كما لو أنها انتقلت إلى واحدٍ من كتبها. لم يعزف أحدً على آلة الكوتو أفضل من جنجي؛ لذا فقد كان لها الشرف بأن تتعلّم منه. أصبح الآن يراها بشكلٍ أكثر تكرارًا، وطريقة دروسه كانت بسيطة: كانت تختار له أغنيةً لكي يعزفها، ومن ثمّ تحاول أن تقلّده. بعد أن يعزفا كانا يستلقيان جنبًا إلى جنب ويُلقيان برأسيهما على الكوتو كي يتأمّلا القمر. كان لدى جنجي مشاعل تُنارُ في الحديقة فتضيء المشهد بوهجٍ خفيف.
.....................
لطالما كان اعتقادًا شائعًا كم أنّ العطور هي محرّضٌ عظيمٌ على الحبّ. هذا هو السبب الذي جعل زوجات الأباطرة في روما وسيّداتها العظيمات يقمن باستخدامها بشكلٍ مفرط، مثلهنّ في ذلك مثل سيّداتنا الفرنسيات العظيمات- وقبلهنّ سيّدات اسبانيا وإيطاليا، اللواتي كنّ منذ أقدم العصور أكثر فضوليّةً ورهافةً في الترف من السيّدات الفرنسيّات؛ في العطور كما في الأزياء والملابس الرائعة، وانطلاقًا من هذه النقطة بدأت الجميلات في فرنسا باستعارة الأنماط واستنساخ الحرفية الأنيقة. إنّ السيّدات الإيطاليّات والفرنسيّات، وأكثر من غيرهنّ، كنّ قد تعلّمن الشيء نفسه من النماذج القديمة والتماثيل العتيقة


كلّما رأت تاماكازورا من البلاط أو اطّلعت عليه- من الأمير هوتارو، من طلاّب يدها الآخرين، من الإمبراطور نفسه- أدركت أنّ لا أحد يُقارَنُ بجنجي. كان من المُفتَرَض أن يكون حاميها، أجل، ذلك كان لا يزال صحيحًا، لكن هل لوقوع في حبّه يشكّل إثمًا عظيمًا؟ نتيجةً لتشوّشها وارتباكها وجدت نفسها تستسلم للّمسات والقبلات التي أخذ يفاجئها بها. الآن أصبحت أضعف من أن تقاوم.
التفسير. جنجي هو بطل رواية حكاية جنجي التي كتبتها في القرن الحادي عشر موراساكي شيكيبو التي كانت امرأةً في البلاط الهاياني. من المرجّح أنّ الشخصية كانت مستقاة أو مستوحاة من المغوي الحقيقي (وليس القصصي) فواجيوارا نو كوريتشيكا.
كانت استراتيجيّة جنجي في إغوائه لتاما كازورا بسيطةً: كان يجعلها تدرك بشكل غير مباشر كم أنّه كان ساحرًا ولا يمكن مقاومته من خلال إحاطتها بتفاصيل غير محكيّة. خلق أيضًا اتّصالاً بينها وبين أخيه؛ فالمقارنة مع هذه الشخصيّة الرتيبة والمتصلّبة ستجعل تفوُق جنجي جليًّا. في الليلة التي زارها فيها هوتارو أوّل مرّة، كان جنجي قد حضّر كلّ شيء، كما لو أنّه كان يساعد هوتاررو على الإغواء- العبير الغامض، ومن ثمّ وميض الضوء عند الشاشة. (أتى الضوء بفعل مبتكر: في وقتٍ سابقٍ من المساء، كان جنجي قد جمع المئات من اليراعات التي تضيئ في الليل في حقيبة ثياب. في اللحظة المناسبة أُطلق سراحها كلّها دفعةً واحدة.) لكن عندما رأت تاماكازورا جنجي يشجّع أخاه على السعي وراءها، فلم تَعُد دفاعاتها في حالة تحفّز، ما سمح لحواسّها بأن تُملأ من قبل أستاذ التأثيرات الإغوائيّة هذا. نسّق جنجي وزاوج ما بين كلّ التفاصيل الممكنة- الورق المُعَطّر الأردية الملوّنة، الأضواء في الحديقة، القرنفل البرّي، الشعر المناسب، دروس الكوتو التي أحدثت شعورًا لا يُقاوَم بالتناغم. وجدت تاماكازورا نفسها مسحوبةً إلى دوّامةٍ حسّية. تجاوز جنجي الحياء وقلّة الثقة اللتان لم تكن الكلمات أو الأفعال إلّا لتفاقمهما إلى إحاطة تاماكازورا الموضوعة تحت وصايته بالأشياء والأصوات والروائح التي رمزت لمتعة مرافقته أكثر ممّا كان يتمتّع به حضوره الجسدي الفعلي- في الواقع فإنّ حضوره لم يكن ليؤدّي إلّا إلى
.....................
لنساء روما، التي تُرى ما بين الآثار المتعدّدة للعصور القديمة والباقية بالرغم من ذلك في اسبانيا وإيطاليا، والتي، إذا تأمّلها أيّ رجل جيّدًا، فسيرى أنّها كانت بالغةً حدّ الكمال فيما يتعلّق بنمط تسريح الشعر وأسلوب الثياب، ومناسبةٌ جدًّا لتوليد الحبّ.
- سيجنور دي برانتوم، حيوات السيّدات الجميلات والمهيبات، ترجمة أي. أر ألينسون لسنوات بعد دخولها القصر، فقد خُصَّص عددٌ كبيرٌ من بنات القصر لتحضير ثياب كواي- فاي، التي كانت تُختار وتُصَمّم وفقًا لأزهار الفصل. على سبيل المثال، بالنسبة لبداية السنة الجديدة (الربيع) فقد


تشكيل مصدر تهديد. علم أنّ حواسّ الفتاة اليافعة تشكّل أكثر نقاط ضعفها قابليّةٌ للاختراق.
المفتاح لإدارة جنجي البارعة للتفاصيل كانت انتباهه لموضوع إغوائه. على غرار جنجي، عليك أن تولّف حواسّك بما يناسب أهدافك، فتراقبهم بعناية، وتتألف مع طباعهم وأمزجتهم. فتستشعر متى يكونوا دفاعيّين ويتراجعوا. وتستشعر أيضًا متى يستسلموا ويُقبلوا. ما بين الوضعيّتين، تكون التفاصيل التي تُعدُّها- الهدايا، التسالي، الثياب التي ترتديها، الأزهار التي تختارها- مُوَجّهةً بالتحديد بحيث ترضي أذواقهم وتوقّعاتهم. علم جنجي أنّه كان يتعامل مع فتاةٍ يافعة تحبّ الروايات الرومانسيّة؛ أزهاره البرّيّة، عزف الكوتو، والشعر نفخت الحياة في عوالم الروايات التي كانت تقرؤها. أصغ لكلّ خطوةٍ ورغبةٍ من خطوات ورغبات أهدافك، وأظهر تنبّهك ومراعاتك من خلال التفاصيل والأشياء التي تحيطهم بها، فتملأ حواسّهم بالحالة النفسيّة الذي تريد خلقها. يستطيعون أن يتجادلوا مع كلماتك، لكن ليس مع الأثر الذي تمارسه على حواسّهم.
بناءً على هذا فإنّه -في نظري- عندما يرغب رجلٌ من البلاط بالإفصاح عن حبّه فعليه أن يفعل هذا من خلال أفعاله وليس من خلال أقواله، لأنّ مشاعر الرجل تتجلّى بصورةٍ أكثر وضوحًا من خلال... بادرة احترام أو شكلٍ معيّنٍ من الحياء أكثر ممّا تتجلّى من خلال كمّيةٍ هائلةٍ من الكلمات.
- بلدازار كاستيليوني
المفاتيح للإغواء
عندما كنّا أطفالاً، كانت حواسّنا أكثر فاعليّةً بكثير. ألوان لعبةٍ جديدة، أو مشهدٍ لافت كسيرك، كانوا يضعوننا في حالة عبوديّة؛ كان بإمكان رائحةٍ أو صوت أن تسحرنا. العديد من الألعاب التي خلقناها تعيد إنتاج شيءٍ في عالم الراشدين على نطاقٍ أصغر. كم أحسسنا بالمتعة ونحن ننسّق كل تفصيل ونلاحظ كلّ شيء.
.....................
كانت ترتدي أزهار المشمس، الخوخ والنرجس؛ للصيف، كانت تلبس النيلوفر؛ للخريف، فإنّها كانت تنّمط ثيابها على غرار زهرة الفاونيا؛ للشتاء، فإنّها كانت تستخدم الأقحوان. بالنسبة للمجوهرات فقد كان اللؤلؤ هو أكثر ما يثير ولعها، ووجدت أبهى حليّ العالم طريقها إلى مخدعها وكانت كثيرًا ما تُطرَّز على أثوابها العديدة. كانت كواي- فاي تجسيدًا لكلّ ما هو مُحَبب ونابضٌ بالحياة. لا عجب أنّه لم يستطيع مقاومة سحر مفاتنها أيًّا مّمن التقوا بها على الإطلاق أكانوا ملوكًا، أمراءً، رجال بلاطٍ أم خدم متواضعين. علاوةً على ذلك، فقد كنت أكثر النساء دهاءً وعلمت كيف تستخدم مواهبها


أثناء تقدّمنا في العمر فإنّ حواسّنا تتبلّد (تصبح كليلة). لا نعود نلاحظ بنفس الكميّة التي كنّا نلاحظها من قبل، لأننّا في حالة إسراع دائم لإنجاز الأمور، وللانتقال للمهمة التالية. في الإغواء أنت تحاول بشكلٍ دائم أن تُرجعَ الهدف إلى لحظات الطفولة الذهبيّة. الطفل أقلُّ عقلانيّة وأسهل انخداعًا. الطفل أيضًا أكثر إنصاتًا لمتع الحواسَ. لذا فعندما تكون أهدافك معك، فإنّه يجب عليك ألاّ تمنحهم أبدًا الشعور الذي ينتابهم عادةً في عالم الواقع، حيث نكون جميعًا في حالة سباقٍ محموم ومتحجّري القلوب وخارج أنفسنا. يجب عليك أن تُبطِئ بشكل مُتَغمّد من سير الأمور، وأن تعيدها إلى أوقات الصبا الأكثر بساطة. التفاصيل التي تنسّقها- الألوان، الهدايا، الشكليّات البسيطة- تستهدف حواسّهم، والبهجة الطفوليّة التي يستشعرونها إزاء المفاتن المباشرة للعالم الطبيعي. بعد أن تُملأ حواسّهم بالأشياء السارّة، يصبحون أقلّ قدرةً على المحاكمة والعقلانيّة. أعِر الاهتمام للتفاصيل وستجد نفسك وقد اتّخذت سيرًا أبطأ؛ أهدافك لن تركّز على ما قد تكون تسعى وراءه (وصال جنسي، نفوذ، إلخ.) لأنّك تبدو غايةٌ في المراعاة والملاطفة. في عالم الأحاسيس الطفولي الذي تغلّفهم فيه، يتكوّن لديهم إحساسٌ واضحٌ بأنّك تشملهم في شيء مميّزٍ عن العالم الحقيقي- وهذا مكوّنٌ أساسيٌّ في الإغواء. تذكّر: كلّما حملت الناس على التركيز على الأشياء الصغيرة والبسيطة، ضَعفت ملاحظتهم لاتّجاهك الإجمالي. سيتّخذ الإغواء السّير البطيء والمنوّم (مغناطيسيًّا المميَّز للطقوسيّات التي تكون فيها التفاصيل ذات أهمّية مضاعفة واللحظات مليئةً بالشكليّات.
في صين القرن الثامن، لمح الإمبراطور مينغ هوانغ لمحةً خاطفةً من شابّةٍ جميلةٍ وهي تمشّط شعرها بجانب البركة الإمبراطوريّة. اسمها كان يانغ كواي- فاي، وبالرّغم من أنّها كانت محظيّة ابن الإمبراطور، إلّا أنّه لم يكن يسعه إلّا أن يحوزها لنفسه. كونه كان الإمبراطور، فلم يكن بإمكان أحد أن يوقفه. كان الإمبراطور رجلاً عمليًّا- كان لديه العديد من المحظيّات، وكلّ واحدةٍ منهنّ كان لديها سحرها الخاص، لكنّه لم يفقد صوابه يومًا بسبب النساء. إلّا أنّ يانغ كواي- فاي كانت مختلفة، كان جسدها ينضح بأطيب الروائح. كانت ترتدي عباءاتٍ مصنوعةً من نسيج الحرير الخالص، وكلّ عباءةٍ منها كانت مطرّزة بنوعٍ مختلفٍ من الأزهار باختلاف الفصول.
.....................
الفطرّية لتحقيق أبعد المآرب... الإمبراطور مينغ هوانغ، الذي كان الحاكم الأعلى على أرضه ومحاطًا بالآلاف من أجمل العذارى ليختار من بينهّن، أصبح عبدًا بالكامل لقواها المغناطيسيّة... ممضيًا ليله ونهاره في صحبتها ومتخلّيًا عن مملكته بالكامل من أجلها.
- شو- شيونغ، يانغ كواي- فاي: أشهر حسان الصين
عندئذٍ استدعى [باو- يو] [التصميم البرّاق] وقال لها، «اذهبي وانظري ماذا تفعل [اليشب الأسود]. إذا سألت عنّي، قولي فقط بأنّني على خير ما يُرام الآن.»
«سيتوجَب عليك أن نفكّر بعذرٍ أفضل من ذلك،» قالت


عندما كانت تمشي كانت تبدو أنّها تطوف، وذلك لأن خطواتها الصغيرة كانت غير مرئيّة تحت العباءة. كانت تتقن الرقص لدرجة الكمال، وتكتب أغاني على شرفه وتغنّيها بشكلٍ رائع، وكان لديها طريقةٌ في النظر إليه تجعل الدم يغلي في عروقه من الرغبة. سرعان ما أصبحت الأثيرة عنده.
دفعت يانغ كواي- فاي الإمبراطور إلى الخبل والعته. بنى قصورًا من أجلها، قضى كل وقته معها، وأرضى كلّ أهوائها ونزواتها. لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتّى أفلست مملكته وتدمّرت. كانت يانغ كواي- فاي مُغْوِيةً داهية ذات أثرٍ مدمّرٍ على كلّ الرجال الذين عبروا دربها. كان حضورها يسحر بطرقٍ عديدةٍ للغاية- الروائح، الصوت، الحركات، المحادثة الظريفة، النظرات الماكرة، العباءات المطرّزة. هذه التفاصيل اللذيذة حوّلت ملكًا جبّارًا إلى طفلٍ مخبول.
منذ قديم الزمان، عرفت النساء أنّه يوجد داخل أكثر الرجال تمالكًا لنفسه حيوانٌ يمكنهنّ قيادته من خلال ملء حواسّه بالإغراءات الماديّة المناسبة. المفتاح يكون من خلال فتح أكبر عددٍ ممكن من الجبهات. لا تتجاهلي صوتك، إيماءاتك، مشيتك، ثيابك، نظراتك. بعض أكثر النساء إغراءٌ في التاريخ ألهين ضحاياهنّ بالتفاصيل الحسيّة لدرجةٍ أخفق عندها الرجال في ملاحظة أنّ الأمر برمّته كان وهمًا.
من أربعينات القرن العشرين حتّى بداية ستّيناته، كان لباميلا تشرشل هاريمان سلسلة من العلاقات مع بعضٍ من أبرز وأثرى الرجال في العالم- آفريل هاريمان (الذي تزوّجته بعد تلك الفترة بعدّة سنوات)، جياني آجنللي (وريث ثروة معامل فيات للسيّارات)، البارون إيلي دي روتشيلد. لم يكن جمالها أو نسبها أو شخصيّتها المفعمة بالحياة هو ما جذب هؤلاء الرجال وأبقاهم في حالة عبوديّة، وإنّما اهتمامها الاستثنائي بالتفاصيل. كان اهتمامها يبدأ من نظرتها المُتَنَبّهة والمُلاطِفة أثناء استماعها لكلّ كلمةٍ من كلماتك، وتشرّبها لذوقك. ما إن تجد طريقها إلى منزلك، حتّى تملأه بأزهارك المفضّلة، وتجعل طبّاخك يطهو ذلك الطبق الذي لم تتذوّقه إلّا في أرقى المطاعم. إذا ذكرت اسم فنّانٍ تحبّه؟ كان هذا الفنّان يحضر أحد حفلاتك بعد عدّة أيّام. كانت تجد لك التحف القديمة المثلى، وتلبس بأكثر الطرق إرضاءً وإثارةً لك، وكانت تفعل هذا من دون قولك أنت كلمةً واحدة- كانت تتجسّس، تجمع المعلومات من طرفٍ ثالث، تسترق السمع وأنت تتحدّث مع شخصٍ
.....................
التصميم البرّاق. «ألا يوجد أيّ شيءٍ يمكنك إرساله أو تريد استعارته؟ لا أريد الذهاب إلى هناك والشعور كمغفّلةٍ ليس لديها شيءٌ لتقوله.» فكّر باو- يو للحظة ومن ثمّ أخذ محرمتين من تحت وسادته وأعطاهما للخادمة، قائلاً، «حسنٌ إذن، أخبريها بأنّني أرسلتك مع هاتين المحرمتين،» «يا لها من هديًةِ غريبةٍ لتُرسّل» قالت الخادمة وهي تبتسم. «ما عساها أن تفعل بمحرمتين قديمتين؟ ستغضب مجدّدًا ونقول بأنّك تحاول أن تجعل منها أضحوكة.» «لا تقلقي» طمأنها باو- يو. «سوف تفهم.» اليشب الأسود كانت قد أوت إلى فراشها قبلاً عندما وصلت التصميم المتألّق إلى مُعَتَزل الخيزران. «ما الذي


آخر. كان لاهتمام هاريمان بالتفاصيل أثرٌ مسكرٌ على كلّ الرجال الذين مرّوا في حياتها. كان هنالك قاسمٌ مشتركٌ بينها وبين تدليل الأم، فهي موجودةٌ (كالأم) من أجل إحلال الترتيب والراحة في حياتهم (الرجال) وتولّي أمر احتياجاتهم كلّها. الحياة قاسية وتنافسيّة. العناية بالتفاصيل بحيث تُخَفّف عن الشخص الآخر وتهدّئه تجعله معتمدًا عليك. المفتاح يكون من خلال سبر أو جسٌ احتياجاتهم بطريقةٍ غير واضحةٍ أكثر من اللزوم، بحيث أنّك عندما تقوم بالبادرة الصحيحة تمامًا، فإنّها تبدو خارقة للطبيعة، كما لو أنّك قد قرأت أفكارهم. هذه هي طريقة أخرى لإرجاع أهدافك إلى الطفولة، عندما كانت تُلَبّى كل احتياجاتهم.
في نظر النساء في كلّ أرجاء العالم، فإنّ رودولف فالنتينو تربّع على العرش كعاشقٍ عظيم خلال أغلب عشرينات القرن الماضي. الخصائص والصفات التي وقفت وراء جاذبيّته اشتملت بالتأكيد وجهه الوسيم والجميل على نحوٍ متصنّع تقريبًا، مهاراته في الرقص، ومسحة القسوة المثيرة بشكلٍ غريب في سلوكه. لكن لعلّ أكثر صفاته المحبّبة كانت مقاربته للمغازلة التي (أي المقاربة) تأخذ وقتًا طويلاً. أفلامه كانت تُظهِره وهو يغوي امرأةً ببطء، وكيف كان يُعنى بالتفاصيل- إذ يرسل لها أزهارًا (مختارًا التشكيلة التي تلائم المزاج الذي يريد إحداثه)، يأخذ يدها، يشعل لها سيجارتها، يرافقها إلى الأماكن الرومانسيّة، يقودها في الرقص. هذه كانت أفلامًا صامتة، ولم يتسنَّ لجمهوره أبدًا أن يسمعه وهو يتكلّم- لقد كان كلّ هذا من خلال إيماءاته. أخذ الرجال يكرهونه، لأنّ زوجاتهم وصديقاتهم صِرن يتوقّعن وينتظرن المعاملة البطيئة والشديدة الحرص التي عُرِفَ بها فالنتينو.
اتّصف فالنتينو بمسحةٍ أنثويّة؛ قيل أنّه كان يتودّد إلى المرأة بالطريقة التي تتودّد بها امرأةٌ إلى أخرى. لكن الأنثويّة لا يجب أن تُستَهجَن في هذه المقاربة للإغواء. في بدايات العقد الثامن من القرن الثامن عشر، بدأ الأمير غريغوري بوتمكين علاقةً مع كاثرين العظمى امبراطورة روسيا كان من شأنها أن تستمرّ لسنواتٍ عديدة. كان بوتمكين رجلاً متمتّعًا بصفات الرجل الحقّ، وليس وسيمًا على الإطلاق. لكنّه تدبّر الظفر بقلب الإمبراطورة من خلال العديد من الأشياء البسيطة التي فعلها، واستمرّ في فعلها بعد شروع العلاقة بوقتٍ طويل. دلّلها بهدايا رائعة، ولم يملّ أبدًا من كتابة رسائل طويلة لها، ورتّب لها كل أنواع التسلية، وألّف أغنياتٍ تمجيدًا لجمالها. ومع ذلك فقد
.....................
أتى بك في هذه الساعة؟» سألت اليشب الأسود. «طلب منّي [باو- يو] أن أخذ هاتين المحرمتين إلى عمد [اليشب الأسود].» للحظةٍ كانت اليشب الأسود في حيرةٍ من أمرها وهي تفكر في السبب الذي جعل باو- يو يرسل لها هديّةٍ كهذه في ذلك الوقت بالتحديد. قالت، «افترض أنّه لابدّ وأنّهما شيءٌ غير اعتياديّ كان قد أعطاه إيّاه شخصٌ ما أخبريه بأن يحتفظ بهما لنفسه أو يعطيهما لشخصٍ من شأنه أن يقدّرهما. لا حاجة لي بهما.» «هما ليسنا شيئًا غير عاديّ،» قالت التصميم البرّاق. «مجرّد محرمتين عاديّتين حدث وأنّه رآهما من حوله.» كانت اليشب الأسود أكثر حيرةً حتّى، ومن ثمّ اتّضح


كان يظهر أمامها وهو عار القدمين وشعره غير مُمَشّط، وثيابه مُجَعّدة. لم يكن هنالك أيّ نوعٍ من الزخرفة أو التنميق في انتباهه، لكن هذا ما جعل من الواضح أنّه سيذهب إلى أقاصي الأرض من أجلها. حواسّ المرأة تكون أكثر إرهافًا من حواسّ الرجل؛ بالنسبة إلى المرأة، فإنّ جاذبيّة يانغ كواي- فاي الصريحة من شأنها أن تبدو صاخبة ومباشَرة أكثر من اللزوم، ما يعني ذلك هو أنّ كل ما يتوجّب على الرجل فعله هو أن يتأنّى، فيجعل الإغواء طقسًا مليئًا بكل أنواع الأشياء الصغيرة التي يجب أن يفعلها من أجل هدفه. إذا أخذ الرجل ما يكفي من الوقت، فسوف يضمن أنّها ستقبع أمامه منتظرةً لما يقدّمه لها.
كلّ شيءٍ في الإغواء هو إشارة أو علامة، ولا شيء ينطبق عليه هذا أكثر من الثياب. هذا لا يعني أنّه يجب عليك أن تلبس بشكلٍ ملفت للانتباه، أنيقٍ، أو مُثير، وإنّما أن تلبس لهدفك- أي يجب أن تُعجِب ذوق هدفك. عندما كانت كليوباترا تغوي مارك أنتوني، فإنّ ثوبها لم يكن مثيرًا بصورةٍ صفيقة؛ فقد ارتدت كإلهةٍ إغريقيّة، إذ كانت تعلم ضعفه أمام تلك الرموز الخياليّة. المدام دي بومبادور، عشيقة الملك لويس الخامس عشر، علمت نقطة ضعف الملك، ألا وهي ضجره المزمن؛ لذا كانت ترتدي باستمرار ثيابًا مختلفة، فلا تغيّر لون الثياب وحسب وإنّما أسلوبها، مزوّدة بذلك الملك بمتعةٍ بالغةٍ ودائمة. كانت باميلا هاريمان تتقمّص الأزياء التي ترتديها بحيث تتلاءم مع دورها كغانيةٍ للطبقة الرفيعة وتعكس الذوق الرصين للرجال الذين أغوتهم. التباين ينجح هنا: في العمل أو في المنزل، يمكنك أن ترتدي بطريقةٍ لا مبالية- فمارلين مونرو، على سبيل المثال، كانت ترتدي جينزًا وكنزةً في المنزل- لكن عندما تكون مع هدفك فإنّك ترتدي شيئًا مُنَمّقًا، كما لو كنت تضع ثيابًا مسرحيّة. تحوّلك الشبيه بالسندريلا سيسبّب الإثارة والتشوّق، وسيولّد الشعور بأنّك قد فعلت شيئًا خصّيصًا من أجل الشخص الذي أنت معه. ما إن تخصّص انتباهك لشخصٍ بعينه (أنت لن تلبس كهذا من أجل أيّ شخصٍ آخر)، حتّى يصبح (انتباهك) أكثر إغواءً بما لا يُقاس.
في العقد الثامن من القرن التاسع عشر وجدت الملكة فيكتوريا أنّ بنجامين دزرائيللي الذي كان رئيس وزرائها يتودّد إليها. لقد كانت كلمات درزائيللي مطرية وأسلوبه موحيًا؛ وأرسل لها الأزهار أيضًا والهدايا في عيد
.....................
لها الأمر فجأةً: علم بو- يو أنّها كانت ستبكي عليه ولذا فقد أرسل محرمتين من محارمه. «يمكنك أن تتركيهما،» قالت للتصميم البرّاق، التي كانت متفاجئةً بدورها لعدم رؤية اليشب الأسود إهانةً فيما بدأ لها مزحةً سمجة. أثناء تفكير اليشب الأسود بأهمّية المحرمتين فإنّها كانت سعيدةً وحزينةً بالتناوب؛ سعيدةً لأنّ باو- يو قرأ أعمق أفكارها وحزينةً لأنّها تساءلت في تعجّب فيما إذا كانت أسمى أفكارها ستتحقّق يومًا. مفكّرةً بالتالي فيما بينها وبين نفسها بالمستقبل والماضي، فإنّها لم تستطع أن تغفو. بالرغم من احتجاجات الوقواق، فإنّها أعادت إشعال قنديلها وبدأت بتأليف سلسلةٍ من الرباعيّات، التي كتبتها رأسًا على


الفالنتاين وغيره- لكن ليس أيّة أزهار أو هدايا، من النوع الذي يرسله معظم الرجال. الأزهار كانت من نوع زهرة الربيع. وترمز إلى صداقتهم البسيطة ولكن الجميلة بالرغم من ذلك. من ذلك الحين فصاعدًا، كانت فيكتوريا تفكّر بدزرئيللي كلّما رأت زهرة ربيع. أو كان يكتب على بطاقة فالنتاين أنّه، «ليس بعد الآن في المغيب، وإنّما في فجر حياته، يجب أن يواجه حياةً من القلق والكدح؛ لكن هذا أيضًا، يتمتّع برومانسيّته الخاصّة، عندما يتذكّر أنّه يجهد نفسه أجل أكثر الكائنات كرمًا ووقارًا!» أو كان يرسل لها صندوقًا صغيرًا، دون إهداء، لكن مع قلب يخترقه سهمٌ على جانب الصندوق وكلمة «المخلص،» أو «بإخلاص،» على الجانب الآخر. وقعت فيكتوريا في حبّ دزرائيللي.
تتمتّع الهديّة بقدرة إغوائية هائلة، لكن الشيء المُهدى بحدّ ذاته هو أقلّ أهميةٌ من البادرة، ومن الفكرة أو العاطفة الخفيّة التي توصلها. لعلّ الخيار يتّصل بشيءٍ من ماضي الهدف، أو يرمز إلى شيءٍ ما بينكما، أو يمثّل فحسب المدى الذي يمكن أن تذهب إليه من أجل أن تُرضي. لم يكن المال الذي أنفقه دزرائيللي هو ما أثار إعجاب فيكتوريا، لكن الوقت الذي استغرقه ليجد الشيء المناسب أو يقوم بالبادرة المناسبة. الهدايا المُكلِفة لا تحمل عاطفة؛ قد تثير المتلقّي مؤقّتًا لكنّها سرعان ما تُنسى، كما ينسى الطفل لعبةً جديدة. الغرض الذي يعكس مراعاة مهديه وتنبّهه يتمتّع بقوّةٍ عاطفيّةٍ ذات أثرٍ مديد والذي (أي الأثر) يعود إلى السطح في كلّ مرّةٍ ينظر المتلقّي إلى هذا الغرض.
في عام 1919، تدبّر الكاتب وبطل الحرب الإيطالي جابرييل دانونزيو أن يجمع زمرةٌ من التابعين ويستولي على بلدة فيوم على الساحل الأدرياتيكي (الآن هي جزء من سلوفينيا). أسّسوا حكومتهم الخاصّة هنالك والتي استمرّت لعامٍ ونيّف. استهلّ دانونزيو سلسلةً من المشاهد العامّة التي من شأنها أن تكون عميقة التأثير على السياسيّين من خارج البلدة. كان يخاطب الجمهور من على شرفةٍ تطلّ على ساحة البلدة الرئيسيّة التي كانت تعجّ بالرايات الملوّنة والأعلام والرموز الدينيّة الوثنيّة، وفي الليل، بالمشاعل. كانت الخطابات تُتبَع بالمواكب. بالرغم من أنّ دانونزيو لم يكن فاشيًّا على الإطلاق، إلّا أنّ ما فعله أثّر بشكلٍ جوهريٍ على بنيتو موسوليني الذي استعار طريقته الرومانيّة في التحيّة، واستخدامه للرموز، وطريقته في
.....................
المحرمتين اللتين أرسلهما باو- يو.
- تساو هسوه تشين، حلم الحجرة الحمراء، ترجمة تشي- تشن وانغ


الخطابات العامّة. المشاهد الشبيهة بهذه المشاهد صارت تُستَخدّم من ذلك الحين من قبل الحكومات في كلّ مكان، وحتّى من قبل الحكومات الديمقراطيّة. قد يكون الانطباع العام الذي يثيرونه مهيبًا، إلّا أنّ التفاصيل المُنَسّقة بإحكام هي ما يجعلها تنجح- عدد الحواسّ التي تخاطبها، وتنوّع العواطف التي تثيرها. أنت تهدف إلى الهاء الناس، ولا شيء يلهي أكثر من ثروةٍ من التفاصيل- الألعاب الناريّة، الأعلام، الموسيقى، البذلات الموحّدة، الجنود الذي يمشون بطريقة النظام المنضمّ، الشعور بأن الحشود متراصّة مع بعضها البعض. يصبح من الصعب التفكير بشكلٍ صحيح، وخاصّةً إذا كانت الرموز والتفاصيل تثير مشاعر وطنيّة.
أخيرًا، فإنّ الكلمات مهمّةٌ في الإغواء، وتتمتّع بكميّةٍ كبيرة من القدرة على الإرباك، الإلهاء، وتعزيز زهوّ الهدف. لكن أكثر شيءٍ يغوي على الإطلاق في المدى الطويل هو ما لا تقوله، وإنّما ما توصله بشكلٍ غير مباشر. الكلمات تتأتّى بسهولة، والناس لا تثق بها. أيّ شخصٍ يستطيع أن يقول الكلمات الصحيحة؛ وما إن تُقال، فلا شيء ملزم، ومن الممكن حتّى أن تُنسى برمّتها. البادرة، الهديّة المُتَرَوّى فيها، والتفاصيل الصغيرة تبدو أكثر حقيقيّةً وجوهريّةً بكثير. هي أيضًا أكثر سحرًا بكثير من كلمات الحبّ النبيلة، وذلك بالتحديد لأنّها تروّج لنفسها وتجعل المُغوي يستخرج معانيّ إضافيّة أكثر ممّا يوجد هنالك حقيقةً. إيّاك أن تخبر أحدًا بما تشعر؛ دعه يخمّن ذلك من خلال نظراتك وإيماءاتك. فتلك هي اللغة الأكثر إقناعًا.
الرمز: المأدبة. حُضِّرَت وليمةٌ على شرفك، نُسّقَ كل شيء بشكلٍ مدروس- الزهور، الديكورات، اختيار الضيوف، الراقصون، الموسيقى، الوجبات الشهيّة، النبيذ المُقَدّم بغير حساب. المأدبة تُحلّ لسانك، وكذلك موانعك وكوابحك.
الانقلاب
لا يوجد انقلاب. التفاصيل ضروريّة لأي إغواء ناجح، ولا يمكن تجاهلها.

12
أضفِ مسحة شاعرية على حضورك
الأشياء المهمة تحدث عندما تختلي أهدافك بنفسها. لدى أو هي إحساس بالراحة لكونك غير موجود سينتهي كل شيء الألفة والتّعرّض الزائد سيسبّبان ردّة الفعل هذه. فابقّ إذن مُحَيُّرًا ومتملّصًا، وذلك لكي يتوقوا لرؤيتك مجدّدًا، ويقرنوك بالأفكار السارّة فقط عندما تكون بعيدًا. احتلّ أذهانهم من خلال المناوبة ما بين الحضور اللافت والتحفظ البارد، اللحظات المليئة بالحيوية والمرح متبوعةً بالغيابات المُتَعَمَدة والمُعَد لها سلفًا. اقرن نفسك بالصور والموضوعات الشعرية، لكي يبدؤوا برؤيتك من خلال هالةٍ مثالية عندما يفكّرون فيك. كلّما برزت في أذهانهم كصورةٍ ذات شأنٍ وأهمية، لفّوك بتخيّلاتٍ مغوية. غذّ تخيّلاتهم من خلال التناقضات الذاتّية الخفيّة والتغيّرات في سلوكك.


الحضور/ الغياب الشاعري
في عام 1943، أطاح الجيش الأرجنتيني بالحكومة. عُيِّنَ العقيد خوان بيرون الذي كان يتمتّع بشعبيّة كبيرة والبالغ الثامنة والأربعين من العمر وزيرًا للعمل والشؤون الاجتماعيّة. كان بيرون أرملاً مولعًا بالفتيات اليافعات؛ كان لدى تعيينه على علاقةٍ بمراهقةٍ قدّمها للناس أجمعين على أنّها ابنته.
ذات أمسيةٍ في كانون الثاني من عام 1944، جلس بيرون مع القادة العسكريّين الآخرين في مدرّج بوينس آيريس لكي يحضر مهرجانًا فنّيًّا. كان الوقت متأخّرًا وكان هنالك بعض المقاعد الفارغة حوله؛ برزت ممثّلتان جميلتان وشابّتّان دون سابق إنذار وسألتاه الإذن في الجلوس. هل كانتا تمزحان؟ فهو سيكون مسرورًا لجلوسهما. ميّز واحدة من الممثّلتين- لقد كانت إيفا دواريت، نجمة المسرحيّات الإذاعيّة التي غالبًا ما كانت صورتها تتصدّر أغلفة الصحف المُصَغّرة. الممثّلة الأخرى كانت أصبى وأجمل، لكن لم يستطع أن يرفع عينيه عن إيفا التي كانت تتحدّث مع عقيدٍ آخر. لم تكن على الإطلاق من النمط الذي يثير إعجابه. كانت في الرابعة والعشرين من العمر، أي أكبر سنًّا بكثير ممّا يعجب ذوقه؛ وكانت ترتدي بشكلٍ مبهرج بعض الشيء؛ وكان تصرّفها يشوبه شيءٌ من البرود الجليدي. لكن نظرت إليه عدّة مرّات، وأثارته نظراتها الخاطفة. نظر بعيدًا للحظة، فكان أوّل شيءٍ اكتشفه هو أنّها بدّلت مكان جلوسها لتجلس بقربه. بدأ بالتحدّث. أنصتت وعلّقت على كل كلمة من كلماته. نعم، لقد كان كل ما قاله يعبّر بالضبط عن كيفيّة شعورها- الفقراء والعمّال كانوا مستقبل الأرجنتين. كانت قد عرفت الفقر هي نفسها. كادت عيناها أن تغرورقا بالدموع عندما قالت له في نهاية الحديث، «شكرًا لكونك موجودٌ في هذه الحياة.»
.....................
إنّ من لا يعرف كيف يطوّق الفتاة بحيث لا تعود ترى شيئًا ممّا لا يريدها أن تراه، إنّ من لا يعرف كيف يطرح نفسه للفتاة بمسحةٍ شعرّية بحيث يسير كلّ شيء كما يريده منها- هو عبارة عن شخص أخرق وسيظلّ كذلك.. فطرح المرء نفسه للفتاة بمسحةٍ شعرّية هو فنٍّ بحدّ ذاته.
- سورين
كير كيجارد، يوميّات مغوي، ترجمة هاورد في. هونغ؛ وادنا إتش. هونغ
ماذا أيضًا؟ إذا كانت مستلقيةً في الخارج


في الأيام القليلة التي تلت، تدبّرت إيفا أمر التخلّص من ابنة بيرون وتوطيد نفسها ف ي شقّته. حيثما التفت، كانت هناك، تعدّ له الوجبات، تعتني به عندما كان مريضًا، وتنصحه في أمور السياسة. لماذا تركها تبقى؟ عادةً ما كان ينغمس في علاقةٍ جنسيّةٍ قصيرة الأجل مع فتاةٍ سطحيّة، ومن ثمّ يتخلّص منها عندما تبدو أنّها قد ظلّت أكثر من اللازم. لكن لم يكن هناك أيّ شيءٍ سطحيّ عند ايفان. بمرور الوقت وجد نفسه يدمن على الشعور الذي منحته إيّاه. لقد كانت مخلصةً للغاية، وتعتنق وتعكس كل أفكاره، وتنفخه (تملأ غرورًا) بشكلٍ متواصل. شعر بأنّه أكثر رجولةً وقوّةً لدى حضورها، هذا ما كان الأمر عليه- آمنت بأنّه سيشكّل القائد المثالي للبلد، وأثّر فيه إيمانها هذا. لقد كانت شبيهةً بالنساء في أغاني التانغو الراقصة التي أحبّها للغاية- نساء الشارع المعذّبات والشقيّات اللاتي أصبحن رموزًا مُقّدًسة للأمومة واعتنين برجالهنّ. كان بيرون يراها كل يوم، ومع ذلك فقد شعر بأنّه لا يعرفها بشكلٍ كامل؛ فيومًا تكون تعليقاتها فاحشة بعض الشيء، وفي اليوم التالي تكون السيّدة المثاليّة. كان لديه مصدر قلقٍ واحد: كانت تختال للزواج، ولم يكن من الوارد أن يتزوّجها- فقد كانت ممثّلةً ذات ماضٍ مريب. العقداء الآخرون كانوا مصدومين أساسًا بعلاقته معها. مع ذلك فقد استمرّت العلاقة.
في عام 1945، سُرِّح بيرون من منصبه وأودع السجن. خاف العقداء من شعبيّته المتنامية وتوجّسوا شرًّا من عشيقته التي بدت أنّها تتمتّع بسلطانٍ كاملٍ عليه. لقد كانت أوّل مرّةٍ خلال سنتين تقريبًا يكون فيها وحيدًا بحقً، ومعزولاً تمامًا عن ايفا. فجأةً شعر بمشاعر جديدة تجتاحه: علّق صورها على كلّ الجدران. أمّا في الخارج، فقد نُظِّمَت تظاهرات حاشدة احتجاجًا على سجنه، لكن كلّ ما استطاع أن يفكّر فيه كان إيفا. لقد كانت قدّيسةً، امرأةً بعثها القدر، بطلة. كتب إليها، «لا نستطيع أن نقيس تعلّقنا بمن نحبّ إلّا عندما نكون بعيدين عنهم. من اليوم الذي تركتك فيه... لم أكن قادرًا على تهدئة قلبي الحزين... وحدتي الشديدة ملأى بذكراك.» الآن وعدها بالزواج.
زادت حدّة الإضرابات. أُطلِقَ سراح بيرون بعد ثمانية أيّام؛ وتزوّج من
.....................
على مِحَفّنها، / فاجعل مقاربتك حذرة، / ولغّز بذكاءٍ كلّ عبارة/ بموارباتٍ ملتبسة وذلك لتخدع الآذان المنصتة لأولئك الذين حولك. إذا كانت تقوم بنزهةٍ متمهّلة. / بمحاذاة صفِّ من الأشجار، فعليك إذن أن تتمشّى هناك أيضًا-/ كيف سرعة سيرك تبعًا لسرعة سيرها، فاسبقها، وتخلّف عنها، / مناوبًا ما بين التواني والإسراع. كن جريئًا، / تنقّل ما بين الأشجار التي تفصل ما بينكما، ودع جسدك يحتك/ مطوّلاً بجسدها. عليك ألاّ تتقاعس أبدًا/ عن حضور المسرح عندما تحضر هي، تفرّس في جمالها- فهي فيما يعلو الكتفين عبارةٌ عن وقت/ مُنفَقٍ بتلذّذ ومتعة للنظرات الهائمة، / في فصاحة الحاجبين الأبلغ من الكلام. / صفّق عندما يتبختر الراقص الذكر وهو يؤدّي دور البطلة، / هلّل لكلا دوري العاشقين. / عندما تغادر هي،


إيفا على الفور. وانتُخِبَ رئيسًا بعد عدّة أشهر من ذلك. بوصفها السيّدة الأولى، صارت إيفا تحضر المناسبات الحكوميّة بجواهرها وثيابها المبهرجة والمُزَوّقة بعض الشيء؛ نُظِرَ إليها كممثّلةٍ سابقة لديها خزانة ثيابٍ كبيرة. بعد ذلك، في عام 1947، غادرت لتقوم برحلةٍ في أوروبا، حيث تتبّع الأرجنتيّون كلّ خطوةٍ من خطواتها- الحشود المنشية التي استقبلتها في اسبانيا، مقابلتها الرسميّة مع البابا- في غيابها تغيّر رأيهم عنها. كم أجادت تمثيل الروح الأرجنتينيّة، بنبالتها البسيطة، ونزوعها للدراما. عندما عادت بعد عدّة أسابيع، غمرها الأرجنتنيّون بالانتباه والاهتمام.
إيفا ايضًا كانت قد تغيّرت خلال رحلتها إلى أوروبا: الآن أصبح شعرها الأشقر المصبوغ مشدودًا بصرامة وتزمّت إلى الخلف وملفوفًا على شكل كرة صغيرة على مؤخّر عنقها، وصارت ترتدي أطقمًا مُخَيّطة. لقد كان مظهرًا جديًّا، يلائم المرأة التي كانت ستصبح منقذة الفقراء ومخلّصتهم. سرعان ما صار بالإمكان رؤية صورتها في كلّ مكان- الأحرف الاستهلاليّة من اسمها صارت تُنقَش على الجدران والمجلاّت ومناشف مستشفيات الفقراء؛ وُضِعَت صورتها على قمصان فريق كرة قدم من أفقر جزءٍ من الأرجنتين كانت قد رعت ناديه؛ وجهها المبتسم العملاق صار يغطّي جوانب الأبنية. نظرًا لأنّ إيجاد أيّ شيءٍ شخصيًّ عنها كان قد صار ضربًا من المستحيل، فقد أخذت تظهر وتنبثق حيالها جميع أنواع الخيالات والأوهام المُحكمة والمفصّلة. وعندما سرق السرطان حياتها باكرًا، في عام 1952، في عمر الثالثة والثلاثين (عمر المسيح عندما تُوُفّي)، لبست البلاد ثوب الحداد. شيّع الملايين جثمانها المحنّط. لم تَعُد ممثّلة راديو ولا زوجة ولا سيّدةً أولى، وإنّما إيفينا القدّيسة.
التفسير. كانت إيفا دواريت طفلةً غير شرعيّة ترعرعت بالفقر، هربت إلى بوينس آيريس لتصبح ممثّلة، وأُجبرَت على القيام بالعديد من الأشياء الخسيسة لكي تبقى على قيد الحياة وتنجح في عالم المسرح. حلمها كان أن تُفِلت وتنجو من كل القيود والكوابح على مستقبلها، فقد كانت طموحةً للغاية. بيرون كان الضحيّة الأمثل. تخيّل نفسه كقائدٍ عظيم، لكنّ الواقع هو
.....................
غادر أنت أيضًا- لكن اجلس هنالك ما دامت هي جالسة: / ضيّع وقتك خدمةً لنزوات عشيقتك .../ اجعلها تعتاد عليك؛ / فالعادة هي المفتاح، لا تألً جهدًا حتّى يتحقّق هذا. / دعها تراك حولها على الدوام، وتسمعك دائمًا وأنت تتكلّم، / أرِها وجهك ليلاً ونهارًا. / عندما تكون واثقًا من أنّه سيُفتقَد إليك، عندما يبدو أنّ/ غيابك سيسبّب لها اللوعة بالتأكيد، / عندئذ امنحها: قليلاً من الراحة: فالحقل يتحسّن عندما يُراح، / فالتربة العطشى تتشرّب المطر تشرّبًا. / حضور ديموفون لم يعطِ فيليس أكثر من إثارةٍ معتدلة؛ / لقد كان إبحاره هو ما سبّب الحرقة في قلبها. / تدمّرت بينيلوبة لدى غياب أوليبس الحاذق، / رحيل بروتيسيلاوس جعل لاودوميا تحترق/ الفراقات القصيرة تنجع كأفضل ما يكون، بالرغم من أنّ الوقت يبلي.


أنّه كان يسير بخطى حثيثة لأن يصبح رجلاً مسنًّا داعرًا وأضعف بكثير من أن ينهض بنفسه. حقنت إيفا الشعر في حياته. لغتها كانت منمّقة (مزخرفة) ومسرحيّة؛ أحاطته بالاهتمام، وفي الواقع لدرجة الكتم على أنفاسه، لكنّ خدمة امرأة ذات إحساسٍ عالٍ بالواجب لرجلٍ عظيم كانت صورةً تقليديّة، ومُمجّدة في عددٍ لا يُحصى من رقصات التانغو الشعبيّة. ومع ذلك فقد تدبّرت أن تظلّ محيّرةً وغامضة، مثل نجمة سينما تراها كلّ الوقت على الشاشة لكن لا تعرفها أبدًا بحقّ. وعندما أصبح بيرون في آخر المطاف وحيدًا في السجن، فقد تداعت هذه الصور والارتباطات الشعريّة في ذهنه وعلى نحوٍ متفجّر. نسب إليها صفاتٍ مثاليّة بشكلٍ جنونيّ؛ وفي حدود ما كان يعنيه ويهمّه، فإنّها لم تعد ممثّلةً ذات ماضٍ وضيع. أغوت أمّةً بكاملها بنفس الطريقة. السرّ كان حضورها الشعري والدراماتيكي، ممزوجًا بلمسةٍ من البعد المراوغ والمتملّص؛ بمرور الوقت، تكون مستعدًّا لأن ترى فيها ما تودّ رؤيته. لا زال الناس حتّى يومنا هذا يحاولون تخيّل ماهيّة إيفا الحقيقيّة.
الألفة تدمّر الإغواء. هذا نادرًا ما يحدث في البداية؛ فهناك الكثير لتتعلّمه عن الشخص الجديد. لكن قد يصل هدفك إلى مفترق طرق عندما يبدأ بإضفاء أبعادٍ مثاليّة عليك، وذلك فقط ليكتشف أنّك لست كما يظنّ أو تظنّ. إنّها ليست مسألةً متعلّقةً بكونك تُرى أكثر من اللازم أو متوافرٌ أكثر من اللازم، كما يعتقد البعض. في الحقيقة، فإنّ أهدافك لن يكون لديهم شيءً ليغذّوا مخيّلتهم عليه إذا لم يروك إلّا بشكلٍ نادرٍ جدًّا؛ وقد يلفت انتباههم شخصٌ آخر؛ لذا فعليك أن تحتلّ وتشغل أَذهانهم. فالمسألة متعلّقة بكونك ثابتٌ (يسهل التوقّع بتصرّفاتك) أكثر من اللازم، وواضحٌ أكثر من اللازم، وبشريِّ وحقيقيِّ أكثر من اللازم. لا تستطيع أهدافك إضفاء أبعاد مثاليّةٍ عليك إذا علموا عنك أكثر ممّا ينبغي، وإذا بدؤوا برؤيتك كمحض بشر. لا يجب عليك أن تحافظ على درجةٍ من البعد وحسب، بل وأيضًا لابدّ أن يكون هنالك شيءٌ خياليٌّ وساحرٌ فيك، الأمر الذي يطلق شرارة كلّ الاحتمالات السارّة في عقولهم. الإمكانيّة التي رفعتها إيفا كانت الإمكانيّة بكونها ما يُعتَبَر في الثقافة الأرجنتينيّة المرأة المثاليّة- متفانية، عطوفة، طاهرة كالقدّيسة- لكن هنالك العديد من المثاليّات الشاعريّة التي تستطيع
.....................
العواطف، / الحبّ الغائب يتلاشى، ويحلّ محلّه حبِّ جديد. / في غياب مينيلاوس فإنّ عدم ميل هيلين للنوم/ وحدها قادها ليلاً إلى سرير/ ضيفها الدافئ. هل كنت مجنونًا يا ميلانوس؟
- أوفيد، فنّ الحبّ، ترجمة بيتر غرين
فيما يتعلّق بولادة الحبّ- هذا ما يحصل في الروح: 1. الإعجاب. 2. أنت تفكّر، «كم سيكون مبهجًا أن تقبّلها، وتُقَبّل من قبلها، وأشياء من هذا القبيل... 3. الأمل. أنت تراقب مواطن الكمال لديها، وفي هذه اللحظة يجدر بالمرأة حقًّا أن تستسلم، فعندها تتحقّق أعظم لذّةٍ جسديّة. حتّى أكثر النساء تحفّظًا سيحمرون خجلاً للغاية في لحظة الأمل هذه. يكون التوق قوّيًا للغاية، واللذة صارخة لدرجة أنّهما


تجسيدها، الفروسيّة، المغامرة، الرومانس، وأشياء من هذا القبيل، لا تقلّ قوّةً عن غيرها من المثاليّات، وإذا كان لديك أثرٌ ضئيلٌ منها، فستستطيع أن تنشر في الأجواء ما يكفي من الشعر لتملأ أذهان الناس بالخيالات والأحلام. عليك أن تجسّد شيئًا ما مهما كان الثمن، حتّى لو كان اللؤم والشر. أيّ شيءٍ لتتفادى وصمة الاعتياديّة والابتذال.
ما أحتاجه هو امرأة تشكّل شيئًا ما، أيّ شيء؛ إمّا جميلة جدًّا أو لطيفة جدًّا أو لئيمةً جدًّا كاحتمالٍ أخير؛ ذكيّة جدًّا أو غبّية جدًّا، لكن شيءٌ ما.
- ألفريد دي موسيه
المفاتيح للإغواء
جميعنا لدينا صورةٌ عن ذاتنا أكثر مجاملةً من الحقيقة: نحن نعتقد أنفسنا أكثر كرمًا، غيريّةً، صدقًا، لطفًا، ذكاءً، أو وسامةً ممّا نحن في الواقع، من الصعوبة جدًّا بمكان أن نكون صادقين مع أنفسنا فيما يتعلّق بمحدوديّاتنا؛ لدينا حاجة ماسّة لأن ننسب إلى أنفسنا صفاتٍ مثاليّة. كما نوّهت الكاتبة آنجيلا كارتر، فإنّنا نفضّل أن نصطف بين الملائكة وليس بين القردة العليا التي ننحدّر منها في الواقع. (مقولة داروين بأنّ أصل المرء قرد دُحِضَت عليمًّا بالاستناد إلى أدلّة تشريحيّة قاطعة وهي نتيجةً لهذا لم تعد تُدَرّس في العديد من الولايات الأمريكيّة: المترجم.)
هذه الحاجة للمثنة (لإضفاء الصفات المثاليّة) تمتدّ لتشمل علاقاتنا الرومانسيّة، لأنّنا عندما نقع في الحب، أو تحت سحر شخص آخر، فإنّنا نرى انعكاسًا لأنفسنا. الخيار الذي نتّخذه عندما نقرّر أن نقيم علاقة مع شخصٍ آخر يكشف شيئًا مهمّا وحميميًّا عنّا: نحن نقاوم رؤية أنفسنا على أنّنا وقعنا في حبّ شخصٍ رخيصٍ أو لزج أو عديم الذوق، لأنّ هذا ينعكس سلبًا على من نكون. عدا عن ذلك، فإنّنا غالبًا ما نقع في حبّ شخصٍ يشابهنا بطريقةٍ أو بأخرى، إذا كان ذلك الشخص ناقصًا، أو عاديًّا (وهذا أسوأ شيءٍ على
.....................
يكشفان أنفسهما على نحوٍ لا يقبل الخطأ. 4. الحبّ يولد. أن تحبّ هو أن تستمتع برؤية ولمس الإحساس بكلّ ما أوتيت من إحساس وبكلّ حواسّك بشيءٍ مُحبّب والذي يبادلك الحبّ. 5. تبدأ عمليّة التبلور الأولى. إذا كنت متأكّدًا من أنّ امرأةً تحبّك، فسيكون من الممتع أن تنسب إليها كمًّا لا يُحصى من صفات الكمال وأن تعدّد نعمك بامتنانٍ لا متناه. في آخر المطاف ستكون قد بالغت على نحوٍ جامح، فتعتبرها كشيءٍ نزل من السماء، ومجهولاً إلى حدّ الآن، ولكن المؤكّد هو أنّها لك أنت. دع عاشقًا مع أفكاره لأربع وعشرين ساعة، وهذا ما سيحصل: في مناجم الملح في سالزبورغ، يقوم الناس في الشتاء برمي غصنٍ عديم الأوراق في أحد أماكن الحفريّات


الإطلاق)، فهذا يعني أنّه يوجد شيءٌ ناقصٌ أو عاديٌّ فينا. كلاّ، مهما كان الثمن فإنّ المحبوب يجب أن يُقَيَّم بأكثر ممّا يستحقّ ويُمَثلَن، أقلّه من أجل تقديرنا لأنفسنا. علاوةً على ذلك، أن تكون قادرًا على الحلم عن شخصٍ أنت على علاقة معه في عالمٍ قاسٍ ومليءٍ بخيبات الأمل، هو مصدر سرورٍ عظيم.
هذا يجعل مهمّة المغوي سهلة: الناس يستقتلون لكي يُمنَحوا الفرصة لكي يحلموا ويتخيّلوا عنك. لا تفسد هذه الفرصة الذهبيّة من خلال كشفك الزائد عن نفسك، أو من خلال أن تصبح مألوفًا وعاديًّا لدرجة أن يراك الهدف كما أنت بالضبط. ليس مطلوبًا منك أن تكون ملاكًا أو مثالاً للفضيلة- فذلك سوف يكون مملاًّ بحقّ. يمكنك أن تكون خطيرًا، شقيًّا، بل وحتّى سوقيًّا بعض الشيء، تبعًا لذوق ضحيّتك. لكن إيّاك أن تكون عاديًّا أو محدودًا. في الشعر (إذا وضعناه بمقابلة الحقيقة)، فإنّ كلّ شيءٍ ممكن.
بعد أن نقع تحت سحر شخص، فسرعان ما نبدأ بتشكيل صورةٍ في أذهاننا عمّن يكون وعن الملذّات والمباهج التي قد يقدّمها. عندما نفكّر فيه ونحن لوحدنا، فإنّنا نميل لأن نجعل هذه الصورة مثاليةً أكثر فأكثر. الروائي ستندال، في كتابه عن الحب، يدعو هذه الظاهرة بـ«التبلور،» بعد أن يخبرنا كيف اعتاد أهل سالزبورغ في النمسا على رمي غصن عديم الأوراق في الأعماق المنسيّة لمنجم ملحٍ في عزّ الشتاء. عندما يُرفَعُ الغصن بعد عدّة أشهر، يكون مغطّى ببلّوراتٍ رائعة. هذا ما يحصل للمحبوب في أذهاننا.
تبعًا لستندال، علي أيّة حال، يوجد نوعان من التبلور. الأوّل يحصل عندما نلتقي بالشخص لأوّل مرّة. النوع الثاني والأهم يحصل لاحقًا، عندما يتسلّل قليلٌ من الشك- أنت ترغب بالشخص الآخر، لكنّه يروغ منك، وأنت لست متأكّدًا من أنّه لك. هذا القليل من الشك يكون حاسمًا- فهو يجعل مخيّلتك تعمل بشكلٍ مضاعف، ويعمّق العمليّة المُضفية لمسحة الشعر. في القرن السابع عشر، حقّق الخليع العظيم دوق دي لوزان رغم الصعوبات واحدًا من أكثر الإغواءات إذهالاً في التاريخ- ذلك الذي كانت ضحيّته المدموزيل العظمى، نسبية الملك لويس الرابع عشر، والمرأة الأغنى والأكبر نفوذًا في كلّ فرنسا. داعب مخيّلتها من خلال عدّة لقاءاتٍ قصيرةٍ
.....................
المهجورة. ويسحبونه بعد شهرين أو ثلاثة بعد أن غُطي بترسّبات الكريستال اللمّاعة. أصغر أملود (غصين)، والذي لا يكون أكبر من محلبٍ مكسور، يكون مرصَعًا بكوكبةٍ من الألماسات المتلألئة. والغصن الأصليّ لا يعود ممكنًا تمييزه. ما دعوته بالتبلور هو عمليّة عقليّة تنشأ من كلّ ما يُحدِث أدلّةً جديدة على كمال المحبوب... الرجل الواقع في الحبّ يرى أنّ كل صفات الكمال قد تجسّدت في مبعث حبّه، لكنّ انتباهه عرضةٌ للتشتّت بعد فترة من الزمن لأنّ المرء يملّ من أيّ شيءٍ على وتيرةٍ واحدة، حتّى لو كان سعادةً كاملة. هذا ما يحدث بعد ذلك ليثبت الانتباه: 6. يتسلّل الشك... الرجل يُقابل باللامبالاة، البرود، أو حتّى الغضب إذا بدأ واثقًا أكثر من


في البلاط، سامحًا لها خلال ذلك بأن تلمح نظراتٍ خاطفة عن ذكائه، جرأته، سلوكه الهادئ (رابط الجأش). صارت تفكر به عندما كانت لوحدها. بعد ذلك أخذت تلتقي به صدفةً في البلاط بشكلٍ أكثر تكرارًا، وكانا عندها يتبادلان أحاديث قصيرة أو يتمشّان سويّةً. عندما كانت تنتهي هذه اللقاءات، كان يخامرها الشك: هل هو مهتمٌ بي أو ليس مهتمًّا بي؟ هذا جعلها ترغب برؤيته أكثر، لتهدّئ من حدّة شكوكها. بدأت بمثلنته بشكلٍ لا يتناسب أبدًا مع الواقع (أكبر منه)، إذ أنّ الدوق كان وغدًا لا سبيل إلى إصلاحه.
تذكّر: إذا كان الحصول عليك أمرًا سهلاً، فمن المستبعد أن تكون مساويًا للكثير (ذا قيمة كبيرة). من الصعب صياغة الشعر عن شخص يُطرح بهذا الرخص. إذا أوضحت، بعد الاهتمام المبدئي، أنّه لا يمكن التعامل معك كأمرٌ مسلّم به، أو إذا أثرت قليلاً من الشك، فسوف يتخيّل الهدف أنّه يوجد لديك شيءٌ خاصّ ورفيع وصعب المنال. ستتبلور صورتك في ذهن الشخص الآخر.
علمت كليوباترة بأنّها حقيقةً لم تكن مختلفةً عن أيّ امرأةٍ أخرى، وأنّ وجهها بشكلٍ خاصّ لم يكن جميلاً. لكنّها كانت تعرف أنّ الرجال لديهم ميلٌ لتقدير المرأة بأكثر ممّا تستحقّ. كل المطلوب لجعلهم يقرنونك بشيءٍ مهيب أو شاعريّ هو أن تلمّح إلى أنَّ هنالك شيئًا مختلفًا فيك. جعلت قيصر مدركًا لصلتها بملوك وملكات ماضي مصر العظام؛ مع أنتوني، خلقت الوهم بأنّها تتحدّر من أفروديت نفسها. هؤلاء الرجال كانوا يلهون ويمرحون ليس مع مجرّد امرأةٍ قويّة الإرادة وإنّما مع نوعٍ من الإلهة. من الصعب تحقيق هكذا اقترانات في عصرنا الراهن، لكن الناس لا يزالون يستمتعون بشكلٍ بالغ من خلال قرن الآخرين بنوعٍ من شخوص (رموز) ساحر. بابلو بيكاسو لم يكن مجرّد رسّام عظيم ذي تعطّش للفتيات اليافعات، بل كان وحش المينوطور من الأسطورة الإغريقيّة (المينوطور هو وحشٌ ذو رأس ثور وجسد إنسان كان يقتات على الأضحيات البشريّة وخاصّةً الفتيات الصغيرات: المترجم)، أو رمزًا للمخادع الشيطاني المغوي للنساء بشكلٍ كبير. هذه الارتباطات أو الاقترانات لا يجب أن تُعمَل أبكر
.....................
اللازم.. يصبح العاشق أقلّ تأكّدًا من الحظ الطيّب الذي كان يستبقه ويخضع الأسباب التي دفعته إلى الأمل إلى تمحيص شديد. يحاول أن يستعيد الأمل من خلال الانخراط في متع أخرى لكنّه يجدها بلا طائل. يستولي عليه رعبٌ من فاجعةٍ مروّعة فيركّز الآن بشكل كامل. وهكذا يبدأ: 7. التبلور الثاني، الذي يرسّب طبقات الإثبات الألماسيّة بأنّها «حبني.» كلّ بضع دقائق طوال الليل الذي يتبع ولادة الشك. فإنّ العاشق تنتابه لحظةٌ من الهواجس المفزعة، وبعدها يطمئن نفسه «إنّها تحبّني»؛ ويبدأ التبلور بإظهار مفاتن جديدة. بعدئذٍ فإنّ عين الشك الثاقبة كعين الصقر تخترقه مجدّدًا فيقف مشلولاً. ينسى أن يلتقط أنفاسه ويدمدم، «لكن هل تجبّني؟» ممزّقًا ما بين


من اللازم؛ فهي فعّالة وقويّة فقط عندما يبدأ الهدف بالوقوع تحت سحرك، ويكون قابلاً للإيحاء. كان الرجل الذي يلتقي لتوّه بكليوباترة يجد أنّ الاقتران بأفروديت أمرٌ مثيرٌ لنضحك والسخرية. لكن الشخص الذي يقع في الحبّ أو يكون في طريقه لهذا سوف يصدّق أي شيء تقريبًا. تكمن اللعبة أو الخدعة في أن تربط صورتك بشيءٍ أسطوريّ، من خلال الملابس التي ترتديها، الأشياء التي تقولها، الأماكن التي تذهب إليها.
في رواية تذكّر الأشياء الماضية، لمارسيل براوست، يجد سوان (أحد شخصيّات الرواية) نفسه يُغوى بشكلٍ تدريجي من قبل امرأة هي ليست حقًّا من النمط الذي يعجبه. هو محبّ للجمال، ويحبّ الأشياء المترفة والمرهفة في الحياة. أمّا هي فمن طبقة أدنى، أقلّ تشذيبًا، بل وحتّى قليلة الذوق بعض الشيء. ما يضفي عليها مسحةً شاعريّة في ذهنه هو سلسلة من اللحظات المليئة بالحماسة والمرح والتي يتشاركانها سويّةً، لحظاتٌ صار يربطها بهذه المرأة من ذلك الحين فصاعدًا. واحدة من هذه اللحظات تكون عندما يرتادان حفلةً في صالون، حيث يسحر كيانه مقطعٌ (عبارة) صغير يسمعه في مقطوعة سوناتا. فيتذكّر هذا المقطع الصغير كلّما فكّر بها. الهدايا الصغيرة التي أهدته إيّاها، الأشياء التي لمست أو ناولت، بدأت باتّخاذ حياةٍ خاصّةٍ بها. أيّ نوعٍ من التجربة العميقة والمركّزة، أكانت فنيّة أم روحيّة، تبقى في الذهن أكثّر بكثير ممّا تبقى التجربة العاديّة. عليك أن تجد طريقةً لتشاطر لحظاتٍ كهذه مع أهدافك- حفلة، مسرحيّة، حادثة ذات مغزى روحي، أيّ شيءٍ يقتضيه الأمر- وذلك كي يقرنوا بك أشياء متسامية. لحظات الحيويّة والمرح المُتشاركة تتمتّع بجاذبٍ إغوائيٍّ هائل. أيضًا، فإنّ أيّ نوع من الأشياء يمكن أن يُشَرّب برنينٍ شاعريّ وارتباطات عاطفيّة، كما وُضُح في الفصل السابق. الهدايا التي تهديها والأشياء الأخرى يمكنها أن تصبح مصطبغةً بحضورك؛ وإذا كانت مرتبطةً بذكرياتٍ سارّة، فإنّ رؤيتها ستبقيك في الذهن وتسرّع عمليّة إضفاء البعد الشاعري.
بالرّغم من أنّ الغياب يزيد القلب ولوعًا، فإنّ الغياب المبكّر أكثر من اللزوم يَثبتُ أنّه مهلكٌ لعمليّة التبلور. على غرار إيفا بيرون، عليك أن تحيط أهدافك باهتمامٍ مركّز، وبالتالي فإنّ عقولهم في تلك اللحظات الحاسمة التي يكونون فيها لوحدهم ستدور بنوعٍ من الشعور الجميل الذي
.....................
الشك والسرور، فإنّ العاشق المسكين يقنع نفسه بأنّه يمكنها أن تمنحه لذّةً لا يمكنه أن يجدها في أيّ مكانٍ آخر على وجه الأرض.
- ستندال، الحبّ، ترجمة جيلبرت وسوزان سايل
الوقع في الحبّ يتّجه تلقائيًا نحو الجنون. إذا تُرِك وشأنه فسيذهب إلى أقصى درجات الحدود. هذا الشيء معروفً جيدًا من قبل «الفاتحين» من كلا الجنسين. ما إن يصبح انتباه المرأة منصبًّا على رجلٍ، حتّى يصبح من السهل عليه جدًّا أن يهيمن على أفكارها بالكامل. كلّ ما هو مطلوب هو لعبةٌ بسيطة من المناوبة ما بين الحرارة والبرودة، المراعاة والازدراء، الحضور والغياب. إيقاع تلك التقنية يفعل فعله على اهتمام المرأة كحفّارةٍ وينتهي به المطاف بإفراغها من سائر الناس والأشياء. كم أحسن الناس في صياغتهم


يبقى بعد انقضاء تجربةٍ جميلة. افعل كلّ ما بوسعك كي يظلّ الهدف يفكّر بك. الرسائل، التذكارات، اللقاءات غير المتوقّعة- كلّها تعطيك حضورًا كليًّا. كل شيء يجب أن يذكّرهم بك.
أخيرًا، إذا كان ينبغي لأهدافك أن تراك على أنّك سام وشاعري، فهناك الكثير ممّا يمكن كسبه من خلال جعلهم يشعرون بأنّهم سامون وشاعريّون بدورهم. الكاتب الفرنسي شاتوبريان كان يجعل المرأة تشعر كما لو كانت آلهة، وأنّها تتمتّع بتأثيرٍ كبيرٍ عليه. كان يرسل لها أشعارًا يُفتَرَض بها أنّها من إلهامها له. لكي يجعل الملكة فيكتوريا تشعر كما لو كانت امرأةً مغوية وقائدةً عظيمة، كان بنجامين دزرائيللي يقارنها بالرموز الأسطوريّة والأسلاف العظام، من أمثال الملكة إليزابيث الأولى. من خلال مثلنة أهدافك (إسباغ الصفات المثاليّة عليهم) بهذا الشكل، سوف تجعلهم يضفون عليك بدورهم صفاتٍ مثاليّة، نظرًا لأنّه لابدّ وأن تكون عظيمًا بصورة مكافئة لكي يمكنك أن تقدّر وترى كل خصائصهم النبيلة. سوف يصبحون مدمنين بالتدريج على الشعور السامي الذي تمنحهم.
الرمز: الهالة. بالتدريج، عندما يكون الهدف لوحده، سوف يبدأ أو تبدأ بتخيّل نوعٍ من الوهج الخافت حول رأسك، والمُشَكَّل من كّل المسرّات الممكنة التي قد تقدّمها، وإشعاع حضورك المشحون، وخصائصك النبيلة. الهالة سوف تميّزك عن الناس الآخرين. لا تجعلها تختفي من خلال تحوّلك لشيءٍ مألوفٍ وعاديً.
.....................
هذه: «يمتصّ حواسّ المرء»! في الواقع: فإنّ المرء يُمتصّ- يُمتصّ من قبل شيء! معظم «علاقات الحبّ» تُختَزَل إلى هذه اللعبة الميكانيكيّة التي يمارسها المعشوق على انتباه واهتمام العاشق. الشيء الوحيد الذي يمكنه أن ينقذ العاشق هو صدمةٌ عنيفة من الخارج، معالجةٌ تُفرض عليه فرضًا. يعتقد العديدون بأنّ الغياب والرحلات الطويلة هي علاجٌ ناجعٌ للعاشقين. لاحظ أنّ هذه هي علاجاتٌ لانتباه الشخص واهتمامه. البعد عن المحبوب يميت الاهتمام به جوعًا! ويمنع أيّ شيءٍ من الإمعان في إعادة إشعال الاهتمام الرحلات، من خلال إجبارنا على الخروج من أنفسنا وحلّ المئات من المشاكل الصغيرة، ومن خلال انتزاعنا من البيئة المعتادة وفرض المئات من الأشياء غير المتوقّعة علينا، تنجح في تحطيم ملاذٍ الممسوس وفتح أقنية.


الانقلاب
قد يبدو أنّ التكتيك المعاكس هو أن تكشف كلّ شيءٍ عن نفسك، وأن تكون صريحًا وصادقًا بالكامل فيما يتعلّق بسيّئاتك وحسناتك. هذا النوع من الصدق والصراحة كان خاصيّةٌ امتاز بها اللورد بايرون- كان تقريبًا يستخرج رعشةً وإثارةً من خلال الإفصاح عن كلّ صفاته القبيحة والمقرفة، بل ومضى إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وذلك في آخر حياته، كأن يجبر الناس عن علاقة السِّفاح التي جمعته بأخته غير الشقيقة. هذا النوع من الحميميّة الخطرة يمكنه أن يكون مغويًا بشكلٍ هائل. سوف يضفي الهدف بعدًا شاعريًّا على عيوبك وعلى صدقك وصراحتك إزاءها؛ سوف يبدؤون برؤية أكثر ممّا يوجد. بعبارةٍ أخرى فإنّ عمليّة المثلنة لا مفرّ منها. الشيء الوحيد الذي لا يُمكن أن يُمَثلَن هو التوَسّط (عدم التميّز، سلبًا كان أم إيجابًا)، لكن لا يوجد شيءٌ مغوٍ حيال التوسّط. لا يوجد وسيلةٌ ممكنةٌ للإغواء دون خلق نوعٍ من الفانتازيا والصبغة الشاعريّة.
.....................
في اداركه المسدود، والتي يدخل من خلالها الهواء النظيف والمنظور السليم.
- خوسيه أورتيجا واي جازيت، عن الحب: ملامح عن موضوع واحد، ترجمة ثوبي تالبو
يمكن للألفة الزائدة أن نخرّب التبلور. فتاةً في السادسة عشر من عمرها كان يزداد ولوعها بشكلٍ شديد بشابً من نفس العمر، والذي جعل من المرور تحت شبّاكها كلّ ليلةٍ عند المغيب عادةً له. دعته أمّها ليمضي أسبوعًا معهما في الريف. أنا أقرّ بأنّ هذا كان علاجًا جريئًا، لكنّ الفتاة كانت ذات نزعةٍ رومانسيّة، والشاب غييٌ تافه؛ احتقرته خلال ثلاثة أيّام.
- ستندال، الحبّ، ترجمة جيلبرت وسوزان سايل


13
جرّد من السلاح من خلال
الضعف والهشاشية الاستراتيجيين
كثيرٌ من المناورة من قبلك قد يبعث الشكوك. أفضل طريقة لتُغطّي آثارك ومسالكك هي أن تجعل الشخص الآخر يحس بأنّه الأقوى والأرفع منزلةً. إذا بدوت ضعيفًا وهشًّا ومسحورًا بالشخص الآخر وغيرّ قادرٍ على أن تتحكّم بنفسك، فإنّك ستجعل تصرّفاتك تبدو أكثر طبيعيّةً وأقل تدبيرًا وتكلّفًا. الضعف الجسماني- الدموع، الخجل والشحوب- سوف تساعد على خلق الأثر. لكي تُمعِن في كسب الثقة، استبدل بالفضيلة الصراحة: أسّس «صراحتك» الخاصّة من خلال الاعتراف بذنبٍ ما من ناحيتك- ليس بالضرورة أن يكون حقيقيًّا. الصراحة أكثر أهميّةً من الصلاح. العب دور الضحية، ثمّ حوّل عطف الهدف إلى حب.


سياسة الضحيّة
في ذلك الآب (الشهر) القائظ من ثمانينات العقد الثامن عشر، عندما كانت المدام دي تورفيل تزور القصر الريفي الخاصّ بصديقتها القديمة المدام دي روزيموند، تاركةً زوجها في البيت، فإنّها كانت تتوقّع أن تستمتع وحدها (أي دون رفقة إضافيّة) بالهدوء والسكينة المميّزين للحياة الريفيّة. لكنّها كانت تحبّ المسرّات البسيطة، وسرعان ما اتّخذت حياتها اليوميّة في القصر نمطًا مريحًا- القدّاس اليومي، نزهات في أحضان الطبيعة، أعمال خيريّة في القرى المجاورة، ألعاب ورق في المساء. فقط عندما وصل ابن أخ المدام ديروزيموند بقصد الزيارة صارت تشعر بعدم الارتياح- لكن أيضًا بالفضول.
ابن الأخ، الفيكونت دي فالمون كان الخليع الأشهر في كل باريس. كان وسيمًا بلا ريب، لكنّه لم يكن كما توقّعت: فقد بدأ حزينًا، مُضطّهَدًا بعض الشيء، والأغرب على الإطلاق، أنّه بالكاد أعارها أيّة انتباه. المدام لم تكن مغناجًا؛ فقد كانت ترتدي ببساطة، ولا تكترث بالموضة، وتحبّ زوجها. ومع ذلك، فقد كانت لا تزال شابّةً وجميلةٌ، ومعتادةٌ على صدّ الرجال المعجبين وصون نفسها منهم. شعرت بقليلٍ من الانزعاج في قرارة نفسها كونه لم يلاحظها. بعدئذٍ، ذات يومٍ في القدّاس، لمحت فالمون وهو مستغرقٌ ظاهريًّا في الصلاة. الفكرة التي خطرت ببالها أنّه كان في خضمّ فترةٍ من البحث عن الذات.
ما إن تسرّبت الأنباء بأنّ فالمون كان في القصر، حتّى تلقّت المدام رسالةً من صديقةٍ لها تحذّرها فيها من هذا الرجل الخطير. لكنّها حسبت
.....................
الضعفاء لديهم بالفعل نفوذٌ علينا. أنا أستطيع أن أستغني عن الواثقين والأقوياء. أنا ضعيفة ومتردّدة بالفطرة، والمرأة التي تكون هادئة ومنكفئة وتتبع طلبات الرجل ولو إلى درجة ترك نفسها تُستغل، يكون لديها جاذبيّة أكبر بكثير. يستطيع الرجل أن يشكّلها ويصوغها كما يحلو له، ويصبح أكثر ولعًا بها على طول المدى.
- مواراساكي شيكيبو، حكاية جنجي، ترجمة إدوارد جي، سايدنستيكر


نفسها آخر امرأةٍ في العالم من شأنها أن تكون عرضةً لإغوائه. عدا عن ذلك فقد بدا على شفا التوبة عن ماضيه الشرير؛ لعلّها كان بإمكانها مساعدته على التحرّك في هذا الاتّجاه. كم سيكون هذا انتصارًا عظيمًا للّه. لذا صارت المدام تراقب غدواته وروحاته، كي تحاول أن تفهم ماذا كان يجول في رأسه. لقد كان من الغريب، على سبيل المثال، أنّه كان غالبًا ما يغادر في الصباح بقصد الصيد، ومع ذلك لا يعود بأيّ صيدٍ أبدًا. ذات يوم، قرّرت أن تجعل خادمها يقوم ببعض التجسّس الحميد، وذُهِلّت وسُرَّت بمعرفتها أنّ فالمون لم يذهب إلى الصيد على الإطلاق؛ وإنّما زار قريةٌ محليّة، حيث تصدّق بالمال لعائلةٍ فقيرة كانت على وشك أن تُطرَد من مسكنها. نعم، لقد كانت محقّةً، إنّ روحه مشبوبة العاطفة كانت تتحرّك من الشهوانيّة إلى الفضيلة. كم جعلها ذلك تشعر بالسعادة.
ذلك المساء، وجد فالمون والمدام نفسيهما لوحدهما للمرّة الأولى، حيث صرخ فالمون فجأةً باعترافٍ مدوَّ. لقد كان غارقًا حتّى أذنيه في حبّ المدام، وكان هذا الحبّ من نوعٍ لم يعهده من قبل: فضيلتها، طيبتها، جمالها، أساليبها الرقيقة كانت قد غمرته بشكلٍ تامّ. كرمه مع العائلة الفقيرة في ذلك العصر كان من أجلها- لعلّه مُلهَمٌ منها، أو لعلّه شيءٌ شرّير: كأن يكون القصد منه إثارة إعجابها. لم يكن أبدًا ليعترف بهذا، لكنّه وجد نفسه وحيدًا معها، فلم يستطع التحكّم بعواطفه. بعد ذلك ركع على ركبتيه وتوسّل إليها أن تساعده، وأن تهديه في شقائه.
أُخِذَت المدام على حين غرّة، وبدأت بالبكاء. هربت من الغرفة كونها شعرت بالحرج الشديد، وتظاهرت في الأيّام القليلة التي تلت بالمرض. لم تعلم كيف تكون ردّة فعلها إزاء الرسائل التي بدأ فالمون بإرسالها لها، والتي رجاها فيها أن تسامحه. أشاد بوجهها الجميل ومجّد روحها الجميلة، وادّعى أنّها جعلته يعيد النظر والتفكير في كلّ حياته. أثارت هذه الرسائل المشبوبة العاطفة مشاعر مقلقة، وهنّأت تورفيل نفسها على هدوئها وحصافتها. علمت أنّه ينبغي لها أن تصرّ على أن يغادر القصر، وكتبت له بهذا الخصوص؛ وافق بتردّد، لكن بشرطٍ واحد- أن تسمح له بأن يرسل لها
.....................
هيرا، ابنة كرونوس وريا، كونها وُلِدَت على جزيرة ساموس أو، كما يقول البعض، على آرغوس، أُنشِأت في أركاديا من قبل تيمينيوس، ابن بيلاجوس. كانت الفصول الأربعة ممرّضاتها. بعد أن تخلّص من والدهما كرونوس، فإنّ شقيقها التوأم زيوس سعى وراءها في كنوسوس في كريت أو، كما يقول البعض، على جبل ثورناكس (الآن يُعرَف باسم جبل الوقواق) في أرجوليس حيث تودّد إليها، بشكلٍ غير ناجح في البداية. لم تأخذها به شفقةٌ إلّا عندما اتّخذ هيئة وقواقٍ متّسخ بالوحل فدفّأته بين ثدييها بحنان. هناك استردّ رأسًا هيئته الحقيقيّة واغتصبها، لذا تزوّجته غسلاً للعار.
- روبرت جرايفز، الأساطير الأغريقيّة
في استراتيجيةٍ


الرسائل من باريس، وافقت، ما دامت الرسائل غير مزعجة. عندما أخبر المدام دي روزيموند بأنّه سيغادر، شعرت المدام بوخزةٍ من الذنب: فمضيفته وعمّته سوف تفتقده، وبدأ شاحبًا للغاية. من الواضح أنّه كان يعاني.
الآن بدأت رسائل فالمون بالوصول، وسرعان ما ندمت دي تورفيل على سماحه له بهذا الامتياز أو الاجتراء. تجاهل طلبها بأن يتفادى موضوع الحبّ- بالفعل لقد أخذ على نفسه عهدًا بأن يحبّها إلى الأبد. وبّخها على برودتها وقلّة إحساسها. شرح له مساره السيءّ في الحياة- لم يكن ذنبه، إذ كان فاقدًا للاتّجاه. وضُلِّل من قبل الآخرين. من دون مساعدتها سوف يرجع إلى ذلك العالم. قال لها، «لا تكوني قاسيةً فأنت من أغواني.» أنا عبدك، ضحيّة مفاتنك وطيبتك؛ بما أنّك قويّة، ولا تشعرين كما أشعر، فلا يوجد لديك شيءٌ لتخافي منه. بالفعل صارت المدام دي تورفيل تشفق على فالمون- بدأ غايةٌ في الضعف وعدم القدرة على التحكّم. كيف يمكنها أن تساعده؟ ولماذا كانت أصلاً تفكّر فيه، الأمر الذي صارت تفعله أكثر فأكثر؟ لقد كانت امرأةً سعيدةً بزواجها. كلاً، عليها على الأقلّ أن تضع حدًّا لتبادل الرسائل المتعب هذا. كتبت له بأن يكفّ عن الحديث عن الحب وإلاّ فلن تردّ. توقّفت رسائله عن القدوم. شعرت بالراحة. وأخيرًا قليلٌ من السلام والهدوء.
لكن ذات مساء بينما كانت تجلس على طاولة عشاء، سمعت فجأةً صوت فالمون من خلفها وهو يخاطب المدام دي روزيموند. قال إنّه قرّر بشكلٍ تلقائي ودون تخطيط أن يرجع من أجل زيارةٍ قصيرة. شعرت برعشةٍ سرت في كلّ عمودها الفقري، واحمرّ وجهها؛ اقترب منها وجلس بجانبها. نظر إليها، فأشاحت بوجهها، وسرعان ما استأذنت بالانصراف عن الطاولة وذهبت إلى غرفتها. لكنّها لم تستطع أن تتجنّبه بالكامل خلال الأيّام القليلة التي تلت، ورأت أنّه قد صار أكثر شحوبًا من أيّ وقتٍ مضى. بدأ مهذّبًا، وكان اليوم ينقضي بأكمله دون أن تراه، لكن تأثير هذه الغيابات الموجزة كان سيفًا ذا حدّين: الآن أدركت المدام ما كان يحصل. اشتاقت له، أرادت أن تراه. نموذج الفضيلة والشرف هذا كان قد وقع بطريقةٍ ما في حبّ خليعٍ
.....................
للإغواء فإنّ زيدًا يستدرج عمرًا نحو منطقة ضعف زيد، والتي هي أيضًا نقطة ضعف عمر. أكان ضعفًا محسوبًا أم ضعفًا لا يمكن التنبؤ به: فالواحد يتحدّى الآخر في الدخول...
• أن تغوي هو أن تظهر بمظهر الضعيف. أن تغوي هو أن تُضعِف. نحن نغوي بضعفنا، وليس أبدًا بإمارات القوّة أو النقود. في الإغواء فإنّنا نمثّل هذا الضعف، وهذا ما يعطي الإغواء قوّته. نحن نضعف بفنائنا بهشاشيّتنا، وبالفراغ الذي ينتابنا. السر هو أن تعرف كيف تلعب بالموت في غياب التحديقة أو الإيماءة، في غياب المعرفة أو المعنى. يخبرنا التحليل النفسي بأن نعتنق هشاشتيتنا وسلبّيتنا، ولكن بعد أن نحوّلهما إلى شكل من التسليم والقبول بمعنى دينيّ تقريبًا وذلك بقصد تعزيز توازنٍ نفسيٌ متّسمِ


لا سبيل إلى إصلاحه، اشمأزّت من نفسها وممّا سمحت بحصوله، فغادرت القصر الريفي في منتصف الليل دون أن تخبر أحدًا، وتوجّهت إلى باريس حيث خطّطت أن تتخلّص من هذا الإثم الشنيع بطريقةٍ ما.
التفسير. شخصيّة فالمون في رواية الكاتب شوديرلو دي لاكلو علاقات سريّة خطرة المكتوبة على شكل رسائل، مستمدّة من قصص عدّة خليعين كبار من الحياة الواقعيّة في فرنسا القرن الثامن عشر. كلّ شيءٍ يقوم به فالمون يكون محسوبًا من أجل تحقيق أثرٍ بعينه- الحركات الملتبسة التي تجعل تورفيل فضوليّةً بشأنه، عمل الإحسان الذي قام به في القرية (علم أنّه كان يُلاحَق)، زيارة العودة إلى القصر، شحوب وجهه (كان على علاقةٍ مع فتاةٍ من القصر، وكانت احتفالاتهم المعربدة التي تمتد بطول الليل تعطيه هذا المظهر المرهق). لكن التكتيك الأبرز والأكثر إثارةً للإعجاب على الإطلاق كان وضع نفسه في خانة الضعيف، المَغويّ، الضحيّة. كيف يمكن للمدام أن تتخيّل أنّه يتلاعب بها بينما كلّ شيءٍ يوحي بأنّه ببساطة مرتبكٌ إزاء جمالها. أكان جمالها الجسدي أم الروحي؟ لا يمكنه أن يكون مخادعًا عندما يحرص بشكلٍ متكرّر على الاعتراف «بالحقيقة» عن نفسه: يعترف بأنّ هنالك إشارة استفهام حول الدافع لإحسانه، ويشرح لماذا كان قد ضلّ وانحرف، ويدعها تلج إلى قلب مشاعره. (كمل هذه «الصراحة» هي بالطبع محسوبة ومدبّرة.) في الجوهر هو مثل امرأة، أو على الأقل مثل امرأةٍ من تلك الأيّام- عاطفي، غير قادرٍ على التحكّم بنفسه، متقلّب المزاج، غير آمن. هي من يتّصف بالبرود والقسوة، أي مثل الرجل. من خلال وضع نفسه في موقع الضحيّة لتورفيل، فإنّ فالمون لا ينجح وحسب في إخفاء تلاعباته ولكنّه أيضًا يثير الشفقة والقلق. من خلال لعب دور الضحيّة يستطيع أن يثير المشاعر الحنونة التي تتولّد إزاء طفلٍ مريض أو حيوانٍ جريح. وهذه المشاعر يمكن أن تسلك بسهولة طريق الحبّ- كما تكتشف المدام لسوء حظّها.
الإغواء هو لعبة تخفيضٍ للارتياب والمقاومة. أذكى طريقة لفعل هذا تكون من خلال جعل الشخص الآخر يشعر بأنّه الأقوى، وأنّه أكثر إمساكًا بزمام السيطرة على الأشياء. الارتياب والشك ينبعان عادةً من قلّة الشعور
.....................
بالاعتدال. الإغواء، بالمقارنة، يتلاعب بشكلٍ منتصر بالضعف، جاعلاً منه لعبةً، لها قوانينها الخاصّة.
- جان بودريلار، الإغواء، ترجمة براين سينغر.
يقول المثل الأمريكي القديم أنّه إذا أردت أن تخدع شخصًا ما، فعليك أوّلاً أن تحمله على الثقة بك، أو على الأقل تُشعِره بالتفوّق عليك (هاتان الفكرتان مرتبطتان)، فتحمله بذلك على تخفيض دفاعاته. يفسّر المثل الشيء الكثير عن الإعلانات المتلفزة. إذا افترضنا بأنّ الناس لبسوا أغبياء، فلابدّ أنّهم سيتفاعلون مع الإعلانات المتلفزة بشعورٍ من التفوّق والذي سيخوّلهم الاعتقاد بأنّهم ممسكون بزمام السيطرة. ما دام هذا الشعور بالقدرة على الاختبار موجودًا، فلن يكون لديهم


بالأمان؛ إذا كانت أهدافك تشعر بالتفوّق والأمان في حضورك، فمن المستبعد أن يشكّكوا في دوافعك. أنت أضعف بكثير وأكثر عاطفيّةً بكثير من أن يستجدّ عندك شيء. امضِ في هذه اللعبة إلى أبعد حدّ. تباهى بعواطفك وبمدى عمق تأثيرها عليك. أن تجعل الناس يستشعرون النفوذ الذي يحوزونه عليك هو شيءٌ مُطرٍ بشكلٍ هائل. اعترف لهم بأمرٍ سيّء، أو حتّى بشيءٍ سيّء، كنت قد ارتكبته، أو فعل تعتزم تنفيذه. الصراحة أكثر أهميّةً من الفضيلة، وبادرة صراحةٍ وصدقٍ واحدة سوف تعميهم عن كثير من الأفعال المخادعة. أخلق انطباعًا بالضعف- جسدي، فكري، عاطفي. القوّةُ والثقة بإمكانهما أن تكونا مخيفتين. اجعل من ضعفك ملاذًا، والعب دور الضحيّة- ضحيّة سطوتهم عليك، ضحيّة الظروف، ضحيّة الحياة بشكلٍ عامّ. هذه أفضل طريقة لتغطية مناوراتك.
أنت تعلمين، الرجل لا يساوي شيئًا إذا كان لا يستطيع البكاء في الوقت المناسب
- ليندون باينس جونسون.
المفاتيح للإغواء
جميعنا نعاني من نقاط ضعفٍ وحساسيّة وهشاشة في بنيتنا العقليّة. لعلّنا خجولون أو مفرطو الحساسيّة، أو نحتاج للانتباه- أيًّا يكن ذلك الضعف، فإنّه شيءٌ لا نستطيع التحكّم به. قد نحاول أن نعوّض عنه، أو نخفيه، لكن هذا غالبًا ما يكون خطًأ: فالنسا يحسّون أنّ هنالك شيئًا غير أصيلٍ أو غير طبيعيٍّ. تذكّر: ما هو طبيعيٍّ في شخصك يكون مغويًا بشكلٍ متأصّلٍ وفطريّ. حساسيّة الشخص وهشاشته، ما يبدو أنّه غير قادرٍ على التحكّم به، غالبًا ما يكون أكثر شيءٍ مغويًا حياله. الناس الذين لا يظهرون أيّة نقطة ضعفٍ، من ناحيةٍ أخرى، غالبًا ما يثيرون الحسد، الخوف، والغضب- نحن نريد أن ندمّرهم لننال منهم فقط وننزل من شأنهم.
.....................
شيءٌ ليخافوه من الإعلانات على المستوى الواعي. الناس محرضةٌ للثقة بأيّ شيءٍ يعتقدون بأنّ لديهم سيطرةٌ عليه... الإعلانات المتلفزة تظهر على أنّها سخيفة، حرقاء، وغير محدية فيما يتعلّق بالقصد منها. هي صمّمت لتبدو بهذه الطريقة في المستوى الواعي من أجل أن تُستَسخَف وتُرفَض بشكلٍ واعٍ... معظم رجال الإعّلانات سيؤكّدون وعبر السنين أنّ الإعلانات التي تبدو على أنّها الأسوأ قد حقّقت أعلى المبيعات. الإعلان المتلفز الفعّال مصمّمّ خصّيصًا بحيث يهين الذكاء الواعي للمشاهد، وبذلك يخترق دفاعاته.
- ويلسون برايان كي، الإغواء الدووّعيي.
استخدام الحياء يتطلّب قنًا عظيمًا، لكنّ الشخص يحقّق


لا تناضل ضد نقاط هشاشتك وحساسيّتك، أو تحاول قمعها، وإنّما فعّلها. تعلّم أن تحوّلها إلى قوّة. يجب أن تكون اللعبة خفيّة وحاذقة. إذا تمرّغت بضعفك، مددت يدك (كمن يتسوّل)، فسوف يُنظَر لك على أنّك تحتال للحصول على التعاطف، أو، ما هو أسوأ، أنّك مثيرٌ للشفقة. كلاّ، ما يفعل مفعوله على أكمل وجه هو أن تسمح للناس بأن يلمحوا بين الحين والآخر الجانب الهش والناعم من شخصيّتك، وعادةً فقط بعد أن يكونوا قد عرفوك لفترة من الزمن. تلك اللمحة سوف تُؤَنسِنُك، تقلّل من ارتيابهم، وتمهّد الطريق لارتباطِ أعمق. بالشكل العادي، أنت قويِّ وممسكٌ بزمام التحكّم، وفي لحظات معيّنة تتخلّى عن هذا الزمام، فتركن لضعفك وتدعهم يرونه.
استخدم فالمون ضعفه بهذه الطريقة. كان قد خسر براءته منذ زمنٍ طويل، ومع ذلك، فإنّ الحسرة إزاء هذا الفقدان كانت تعتمل في مكانٍ ما بداخله. كان حسّاسًا وسريع التأثّر إزاء الشخص البريء بحقّ. إغواؤه للمدام كان ناجحًا لأنّه لم يكن محض تمثيلٍ أو افتعال؛ كان هنالك ضعفٌ أصيلٌ من جانبه، الأمر الذي سمح له بأن يبكي في بعض الأوقات. سمح للمدام برؤية هذا الجانب فيه في لحظاتٍ حاسمة، وذلك لكي يكسب المدام إلى صفّة ويجعلها أقلّ ارتيابًا. على غرار فالمون، تستطيع أن تكون ممثّلاً ومخلصًا (صادقًا) في الوقت نفسه. على فرض أنّك خجولٌ بشكلٍ أصيلٍ وحقيقيّ- فيمكن لك في لحظاتٍ معيّنة أن تمنح خجلك بعض الوزن (توكّد عليه)، وأن تمارسه بوفرة بعض الشيء. ينبغي أن يكون من السهل عليك تزيين خاصّةٍ تتمتّع بها أصلاً.
بعد أن نشر اللورد بايرون أوّل مجموعةٍ شعريةٌ مهمّة له، في عام 1812، أصبح شخصيّةً مشهورة بين ليلةٍ وضحاها. عدا عن كونه كاتبًا موهوبًا- فقد كان أيضًا وسيمًا، بل وحتّى رائع الجمال، وكان متأملاً ومُلَغَّزًا بقدر الشخصيّات التي يكتب عنها. جُنّ جنون النساء عليه. اشتُهِر «بنظرته التحتيّة» التي كان يقوم بها بواسطة إخفاض رأسه قليلاً ومن ثمّ النظر إلى الأعلى نحو المرأة بطريقة خاطفة، فيجعلها ترتجف. لكن كان لدى بايرون
.....................
من ورائه الكثير. كم من مرّةٍ استخدمت فيها الحياء لأحتال على آنسةٍ صغيرة! عادةً فإنّ الفتيات اليافعات يتحدّثن بقسوةٍ بالغة عن الرجال الخجولين، نكنّهم يحببنهم سرًّا. فقليلٌ من الخجل يداعب غرور الفتاة المراهقة، ويجعلها تشعر بالتفوّق؛ إنّه عربونها. عندما يُهَدهَدن إلى النوم، عندئذٍ تمامًا يعتقدن أنّك على وشك أن تموت من الخجل، فتريهن أنّك أبعد ما يكون عن ذلك لدرجة أنّك معتمدٌ على نفسك تمامًا. الحياء يجعل الرجل يفقد دلالته الذكوريّة، ولذلك فإنّه وسيلةً جيّدةً نسبّيًا لتحييد العلاقة الجنسيّة.
- سورين
كيركيجارد، يوميّات مغوي، ترجمة هاورد في. هونغ وإدنا إتش. هونغ.
يوجد أيضًا شكلً


مواصفاتٌ أخرى: عندما كنت تلتقي به لأوّل مرّة، لم يكن يسعك إلّا وأن تلاحظ حركاته القلقة والمتململة، وثيابه غير المتناسقة، خجله الغريب، وعرجه الواضح. هذا الرجل الذائع الصيت، والذي هزء بكل الأعراف والتقاليد وبدأ خطرًا للغاية، كان يفتقد للشعور بالأمان على المستوى الشخصي وكان هشًّا.
في شعر بايرون الدون جوان، البطل هو عبارة عن رجلٍ مطارَدٍ من قبل النساء باستمرار أكثر ممّا هو مغوي لهنّ. الشعر كان سيرةً ذاتيّة لمؤلّفة: أرادت النسوة أن يتولّين العناية بهذا الرجل الهش والرقيق بعض الشيء، والذي بدأ أنّه لا يتمتّع إلّا بقليلٍ من السيطرة على عواطفه. بعد أكثر من قرن، أصبح جون كينيدي كصبي مهووسًا ببايرون الذي كان أكثر رجلٍ يريد كينيدي أن يحاكيه ويضاهيه. حاول حتّى أن يستعير «نظرته التحتيّة.» كان كينيدي نفسه فتىً واهنًا يعاني باستمرار من مشاكل صحيّة. كان جميلاً بعض الشيء، ولاحظ أصدقاؤه فيه جانبًا أنثويًّا بعض الشيء. نقاط ضعف كينيدي- الجسدية والفكرية، حيث أنّه كان أيضًا يعاني من الشعور بعدم الأمان، خجولاً، ومفرط الحساسّة- كانت بالضبط ما جذب النساء إليه. لو أنّ بايرون وكينيدي حاولا أن يغطّيا حساسيّتهما وهشاشتهما بتبجّحٍ رجوليّ فما كانا ليتمتّعا بسحرٍ إغوائيّ. عوضًا عن ذلك، تعلّما كيف يعرضان جوانب ضعفهم بطريقةٍ حاذقة وخفيّة، جاعلين النساء بذلك تستشعرن هذا الجانب الناعم الذي فيهما.
هناك مخاوف ومكامن لا أمان مميّزةٌ لكلّ جنس؛ استخدامك لضعفك الاستراتيجي يجب أن يأخذ دائمًا هذه الخلافات في الحسبان. المرأة، على سبيل المثال، قد تجذبها قوّة الرجل وثقته بنفسه، لكنّ كثيرًا منها يمكن أن يخلق الخوف، ويجعل صاحبها يبدو غير طبيعيٍّ، بل وحتّى بشعًا. فالإحساس بأنّ الرجل باردٌ وتعوزه المشاعر يوصَف بالتحديد على أنّه مخيفٌ. قد تشعر باللاأمان من ناحية أنّه لا يسعى إلّا وراء الجنس، ولا شيء آخر. المغوون الرجال تعلّموا منذ زمنٍ بعيد أن يصبحوا أكثر أنثويّةً- أن يظهروا عواطفهم، وأن يبدوا مهتمّين بحيوات أهدافهم. الشعراء الغنائيّون
.....................
إضافيٍّ من الإحسان، الذي يُمارس في معظم الأوقات تجاه السجناء المساكين الذين يُسجَنون في زنازين ويُحرمون من جميع أنواع الاستمتاء بالنساء. في حالاتٍ كهذه فإنّ زوجات السجَانين والنساء اللواتي يتمتّعن بسلطةٍ عليهنّ، أو آمرات القلعة اللواتي لديهنّ سجناء حرب في قلعتهنّ، تأخذهنّ الشفقة فيعطينهم جزءًا من حبّهن بدافع من محض الإحسان والرحمة...
• هكذا تعامل زوجات السجّانين، وآمرات القلعة النبيلات وأخريات سجنائهنّ الذين بالرغم من كونهم أسرى وغير سعداء، فإنّهم لا يتوقّفون عن الشعور بوخزات الرغبة، تمامًا مثلما هو حالهم في أفضل أيّامهم... لأوّكّد ما أقوله فسأستشهد بهذه الحكاية التي أخبرني بها الكابتن بيوليو، قائد سفن


(التروبادور) في العصور الوسطى كانوا أوّل من أتقن هذه الاستراتيجيّة؛ كتبوا أشعارًا على شرف النساء، عبّروا عن مشاعرهم وأحاسيسهم بشكلٍ مفرط، وأمضوا ساعاتٍ في مَخادِع معشوقاتهنّ، وهم يستمعون لشكاوي النساء ويتشرّبون روحيّتهنّ. بمقابل استعدادهم لأن يلعبوا دور الضعيف، استحقّ التروبادور حقّ الحبّ.
لم يتغيّر مذ ذلك الحين سوى القليل. بعضٌ من المغوين العظاء في التاريخ الحديث- جابرييل دانونزيو، الدوق إللينغتون، فهموا قيمة التصرّف بطريقةٍ عبوديّة إزاء المرأة، مثل التروبادور الذي يركع على ركبةِ واحدة. المفتاح يكون من خلال أن تطلق العنان لجانبك الأنعم بينما تظلّ رجوليًّا قدر الإمكان. هذا قد يتضمّن عرضًا للحياء بين الحين والآخر، والذي (أي الحياء) اعتبره الفيلسوف سورين كيركيجارد كتكتيكٍ مغوٍ للغاية بالنسبة للرجل- فهو يمنح المرأة إحساسًا بالراحة، بل وحتّى بالتفوّق. تذكّر- على الرغم من ذلك أن تبقي كلّ شيءٍ معتدلاً. لمحةٌ من الخجل ستفي بالمطلوب؛ كثيرٌ منه وسييئس الهدف، خوفًا من أنّها ستضطر في نهاية المطاف لأن تقوم بالعمل بأكمله.
مخاوف الرجل ومكامن اللاأمان عنده غالبًا ما تتعلّق بإحساسه بالرجولة؛ فهو عادةً ما يشعر بأنّه مهدّدٌ من قبل المرأة التي تكون متلاعبةً بشكلٍ واضحٍ وطاغٍ، والتي تكون ممسكةً بزمام السيطرة أكثر من اللازم. عرفت أعظم المغويات في التاريخ كيف يغطّين تلاعباتهنّ من خلال لعب دور الفتاة الصغيرة التي تحتاج للحماية الرجوليّة. المحظيّة المشهورة سو شو في صين العصور القديمة، اعتادت على وضع الماكياج على وجهها بطريقةٍ تجعلها تبدو بالتحديد شاحبةً وضعيفة. كانت أيضًا تمشي بطريقةٍ من شأنها أن تجعلها تبدو ضعيفةً. المحظيّة العظيمة كورا بيرل من القرن التاسع عشر كانت تلبس وتتصرّف حرفيًّا كطفلةٍ صغيرة. علمت مارلين مونرو كيف تعطي الانطباع بأنّها تعتمد على قوّة الرجل من أجل البقاء والاستمرار في الحياة. في كل هذه الأمثلة، كانت النساء هنّ من يتحكّم بالديناميكيّة، فيرفعن إحساس الرجل برجولته من أجل استعباده في آخر الأمر. لجعل هذا التكتيك
.....................
الملك الشراعيّة، والذي كنت قد تحدّثت عنه أكثر من مرّة. لقد كان في خدمة الحاكم الأكبر السابق لفرنسا الذي كان من عائلة لوراين والذي كان متعلّقًا به بشدّة. بينما كان يبحر ذات مرّة ليقلّ سيّده من مالطة على متن سفينةٍ شراعيّة حرنية، فقد خُطِف من قبل سفنٍ صقلّية، وحُمِل كأسير إلى قلعة أماري في باليرمو، حيث سُجِن في زنزانةِ حقيرة ومظلمة وضيّقة فوق العادة، وتوسّل بشكل شديد خلال ثلاثة أشهر (كي يتّم إطلاق سراحه). بفضل الحظّ السعيد فإنّ حاكم القلعة، الذي كان اسبانيًّا، كان لديه ابنتين جميلتين جدًّا، واللتان، بعد أن سمعتاه وهو يتذمّر ويئنّ، طلبتا ذات يومٍ إذنًا من والدهما ليزوراه، إكرامًا لله الرحيم؛ فأعطاهما الإذن للقيام بهذا عن طيب خاطر. ونظرًا


فعّالاً على أكمل وجه، ينبغي للمرأة أن تبدو في حاجةٍ للحماية وسريعة الاهتياج الجنسي على حدٍّ سواء، فتمنح بذلك الرجل حلمه (هواه أو نزوته) الأقصى.
الإمبراطورة جوزفين، زوجة نابوليون، أحرزت السيطرة على زوجها باكرًا من خلال غنج مدروس ومحسوب. احتفظت لاحقًا بتلك السلطة من خلال استخدامها الدائم -وليس الغاية في البراءة- للدموع. عادةً ما تكون رؤية أحدهم يبكي ذات أثرٍ مباشر على مشاعرنا: لا نستطيع أن نبقى على الحياد. نحن نشعر بالتعاطف، وغالبًا ما سنفعل أيّ شيء لإيقاف الدموع- بما في ذلك الأشياء التي لا نفعلها عادةً. النحيب هو تكتيكٌ فعّالٌ بشكلٍ لا يُصَدّق، لكنّ المنتحب لا يكون دائمًا بريئًا للغاية. يوجد عادةً شيءٌ حقيقيٌّ خلف الدموع، لكن من الممكن أن يوجد أيضًا عنصرٌ من التمثيل، والتلاعب من أجل تحقيق تأثيرٍ معيّن. (وإذا أحسّ الهدف بهذا فالتكتيك يكون قد قُضِي عليه.) عدا عن الصدمة العاطفيّة للدموع، فإنّه يوجد شيءٌ مغوٍ حول الحزن. نحن نريد أن نعزّي الشخص، وكما اكتشفت تورقيل، فإنّ تلك الرغبة سرعان ما تتحوّل إلى حبّ. اصطناع الحزن، أو حتّى البكاء في بعض الأوقات، لديه قيمةٌ استراتيجيّةٍ عظيمة، حتّى بالنسبة للرجل. إنّها مهارة تستطيع تعلّمها. الشخصيّة المركزيّة في الرواية الفرنسيّة ماريان التي كتبها ماريفو في القرن الثامن عشر، كانت تفكّر بشيءٍ حزينٍ من ماضيها لتجعل نفسها تبكي أو تبدو حزينة في الحاضر.
استخدم الدموع بشكلٍ مقتصد، وادّخرها للحظة المناسبة. لربّما تحين هذه اللحظة عندما يبدو الهدف أنّه مشكٌكٌ بدوافعك، أو عندما تقلق حيال كونك لا تتمتّع بتأثيرٍ عليه أو عليها. الدموع هي مؤشّرٌ أكيد المدى عمق انجذاب الشخص الآخر لك ووقوعه في حبّك. إذا بدأ أنّهم متضايقون، أو أنّهم يقاومون الطعم، فإنّ قضيّتك على الأرجح ميئوسٌ منها.
في الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة، يؤدّي الظهور بمظهر الطّموح أكثر من اللازم، أو المتمالك نفسه أكثر من اللازم إلى جعل الناس تخافك؛ لذا فإنّه من الجوهري أن تُري جانبك الناعم. إظهار نقطة ضعفٍ واحدة سيخفي
.....................
لأنّ الكابتن كان بالتأكيد نبيلاً وزير نساءٍ حقيقيّ، وحاضر البديهة واللسان كأشد ما يكون، فقد كان قادرًا على كسبهم إلى صفّه؛ إذ كانت أوّل زيارةٍ قامتا بها له على الإطلاق قد أحرزت إذن أبيهما له بأن يغادر زنزانته البائسة وأن يوضع في جناح لائقٍ إلى حدَّ مقبول وأن يتلقّى معاملةً أفضلٍ. ولم يكن هذا كلّ شيء، فقد توسّلتا وحصلتا على الإذن لتأتيا وترياه كلّ يوم وتتحادثا معه. وحدث كلّ شيءٍ بشكلٍ حسنٍ للغاية لدرجة أنّه في تلك الأثناء أصبحت كلتا الاثنتين واقعةً في حبّه، ولو أنّه لم يكن وسيمًا عند النظر إليه، وهما كانتا سيّدتين جميلتين جدًّا. وهكذا، دون أن يفكر بإمكانية حدوث فترة سجنٍ إضافية قاسية أو حتّى الموت، بل بالأحرى شاعرًا بالإغراء إزاء


العديد من التلاعبات. العاطفة أو حتى الدموع ستنجح أيضًا. أعظم التكتيكات إغواءٌ على الإطلاق هو أن تلعب دور الضحيّة. في أوّل خطابٍ له في البرلمان، حضّر ذزرائيللي خبطةً مُوَسّعة، لكنّه عندما ألقاها صاحت المعارضة وضحكت بصخبٍ شديد لدرجة أنّه بالكاد أمكن سماع أيّ شيءٍ منها. شقَّ طريقه وأدلى بالخطاب بأكمله، لكن عندما انتهى وجلس في مقعده شعر بأنّه قد أخفق بشكلٍ مُخزٍ. إلّا أنّ زملاءه أخبروه بأنّ الخطاب كان نجاحًا باهرًا، الأمر الذي أذهله بشدّة. الخطاب كان سيفشل لو تذمّر أو استسلم؛ لكن من خلال مضيّه قدمًا كما فعل، وضع نفسه في موقع الضحيّةٍ لعصبةٍ قاسيةٍ ولا عقلانيّة. الجميع تقريبًا تعاطفوا معه في حينه، الأمر الذي خدمه بشكلٍ جيّدٍ في المستقبل. مهاجمتك لخصومك ذوي الأنفس اللئيمة يمكن أن يجعلك تبدو قبيحًا أيضًا؛ عوضًا عن ذلك امتصّ صدماتهم، والعبْ دورَ الضحيّة. العامّةُ ستصطفّ إلى جانبك، في استجابةٍ عاطفيّة من شأنها أن تضع الأساس لإغواءٍ سياسيّ على نطاقٍ كبير.
الرمز: الشائبة. إنّ النظر إلى الوجه الجميل لمسّرة، لكن إذا كان مثاليًّا أكثر من اللزوم فسوف يخلّف لدينا شعورًا بالبرود. بل وحتّى قليلاً من الرهبة. إنّه الشامة الصغيرة، علامة التجميل، ما يجعل الوجه إنسانيًا ومحبوبًا. لذا لا تخفي كلّ شوائبك. أنت تحتاجها لتُلَطّف ملامحك وتثير المشاعر الرقيقة والحنونة.
.....................
هذه المخاطرات، فإنّه وضع نصب عينيه امتاع الفتاتين بتيةٍ طيبة وشهوةٍ حماسيّة. واستمرّت هذه المُتع دون أيّ فضيحة، إذ كان محظوظً للغاية في فتحه هذا لمدّة ثمانية أشهرٍ بكاملها، بحيث لم تحدث أيّة فضيحة البتة خلال ذلك الوقت، ولا مرض، ولا إزعاج، ولا أيّة مفاجأة أو تُكشّف على الإطلاق. لأنّ الشقيقتين كانتا بالفعل على تفاهم جيدٍ جدًّا فيما بينهما وقدّمتا بكرمٍ بالغ يد العون لبعضهما البعض ولعبت كلّ واحدةٍ منهما بسرور دور الحارس للأخرى، بحيث لم تحدث أبدًا أيّة مصادفة سيّئة. وأقسم لي، كونه كان صديقي الحميم، بأنّه لم يستمتع مطلقًا في أكثر أيّامه حرّيةً بمثل تسليةٍ عظيمة كهذه أو يشعر بحماسةٍ أكثر حرارة أو شهوةٍ أفضل لها ممّا هو عليه
الانقلاب
التوقيت هو كلّ شيء في الإغواء؛ عليك دائمًا أن تبحث عن العلامات التي تشير إلى وقوع هدفك تحت سحرك. الشخص الذي يقع في الحبّ يميل لأن يتغاضى عن نقاط ضعف الشخص الآخر، أو لأن يراها كشيءٍ مُحَبّب. الشخص غير المغوي، العقلاني، من ناحيةٍ أخرى، قد يجد أنّ الحياء أو الانفجارات العاطفيّة مثيرة للشفقة. هنالك أيضًا نقاط ضعفٍ معيّنة لا تتحلّى بأيّ قيمةٍ إغوائيّة، مهما كان الهدف واقعًا في الحبّ.
المحظيّة العظيمة نينون دي لانكلو من القرن السابع عشر أحبّت الرجال الذين يتمتّعون بجانب طريٍّ (رقيقٍ) من شخصيتهم. لكن في بعض الأحيان كان الرجل يشتطّ أكثر من اللزوم، فيشتكي من كونها لا تحبّه بالشكل الكافي، أو من كونها متقلّبةً ومستقلّةً جدًّا، أو من كونه قد أُسيئت معاملته وظُلِم. بالنسبة لنينون فإنّ تصرّفًا كهذا من شأنه أن يكسر التعويذة (السحر)، وكانت عندها تنُهي العلاقة على وجه السرعة. التذمّر، الأنين، الاحتياج، واستدرار العطف بصورة واعية ستتكشّف لأهدافك ليس كنقاط ضعفٍ ساحرة وإنّما كمحاولاتٍ تلاعبيّة لتحقيق نوعٍ من القوّة السلبيّة. لذا فإنّك عندما تلعب دور الضحيّة، افعل هذا بشكلٍ خفيًّ وحاذق، دون أن تُفرِط في الإعلان عنه. نقاط الضعف الوحيدة التي تستحقّ التوكيد هي تلك التي تجعلك تبدو محبوبًا. كل نقاط الضعف الأخرى يجب أن تُقمَع وتُجتَثّ مهما كلّف الأمر.
.....................
الحال في السجن المذكور آنفًا- الذي كان بحقٌ سجنًا جيدًا ومناسبًا، ولو أنّ الناس يقولون أنّه لا يمكن لسجنٍ أن يكون جيّدًا. وهذا الوقت السعيد استمرّ بالفعل لمدّة ثمانية أشهر. إلى أن عُقِدَت الهدنة ما بين الإمبراطور وهنري الثاني، ملك فرنسا، التي غادر بموجبها جميع المساجين زنزاناتهم وأطلِق سراحهم. أقسم بأنّه لم يحزن في كلّ حياته أكثر ممّا حزن لدى مغادرته سجنه الجميل هذا، غير أنّه كان حزينًا بصورةٍ استثنائيّة لمغادرة هاتين الفتاتين الجميلتين، اللتين كان مدينًا لهما بالكثير، واللتان عبّرتا عن كلّ أشكال اللوعة الممكنة لرحيله.
- سيغنور دي برانتوم، حيوات السيّدات الجميلات، والمهيبات، ترجمة أي. آر ألينسون


14
اخلط الأماني بالحقائق- الوهم المثالي
لكن يعاوض الناس عن الصعوبات في حياتهم، يقضي الناس كثيرًا من وقتهم في أحلام اليقظة وهم يتخيّلون مستقبلاً مليئًا بالمغامرة والنجاح والقصص الغرامية. إذا كان بمقدورك خلق الوهم بأنه من خلالك يستطيعون تحقيق أحلامهم، فعندها تكون قد وضعتهم تحت رحمتك. من المهمّ أن تبدأ بتأنً، فتكسب ثقتهم، وتشكّل بالتدريج الخيال الذي يُضارع رغباتهم. استهدف الأماني السرية اليت قد تم إحباطها أو قمعها، مُحرّكًا بذلك مشاعرّ لا يمكن التحكم بها، ومُغشّيًا قدرتهم على المحاكمة. الوهم المثالي هو ذلك الذي لا يحيد كثيرًا عن الحقيقة، وإنّما لديه أثر ممّا هو غير حقيقي، فهو يشبه السير أثناء الحلم. أوصِل المُغويّين إلى درجة من الارتباك والتّخَبّط بحيث لا يعودون عندها قادرين على التمييز ما بين الحَقيقةِ والوهم.


الوهم الذي في الجسد
في عام 1964، وصل شابٍّ فرنسيّ يبلغ من العمر العشرين ويُدعى برنارد بوريسكو إلى بكين، الصين، ليعمل كمحاسبٍ في السفارة الفرنسيّة أسابيعه الأولى هنالك لم تكن كما تصوّر. كان قد نشأ في الريف الفرنسي، وهو يحلم بالسفر والمغامرة. عندما كُلَّف بالذهاب إلى الصين، أخذت تتراقص في ذهنه صورٌ عن المدينة المحرّمة، وعن أوكار القمار في ماكاو. لكن هذه كانت الصين الشيوعيّة، حيث كان الاحتكاك بين الغربيّين والصينيّين شبه مستحيل في تلك المرحلة. لذا كان بوريسكو مضطرًّا للاختلاط بالأوروبيين الآخرين المقيمين في المدينة، وكم كانوا مجموعة إقصائيّةً (لا تختلط بمن تحسبهم دونها منزلةً أو ثروة) ومملّة. تعاظمت وحدته، وندم لقبوله بالتكليف (الوظيفة)، وبدأ بوضع الخطط للرحيل.
عندئذٍ، في حفلة عيد ميلاد تلك السنة، انشدّت عينا بوريسكو إلى شابًّ صينيًّ في ركن الغرفة. لم يكن قد رأى أيّ صينيٍّ في أيًّ من هذه المناسبات. كان الرجل أسرًا للانتباه: كان أهيف القدّ، وقصيرًا، متحفّظًا بعض الشيء، لكنّه كان يتمتّع بحضورٍ جذّاب. مضى بوريسكو وقدّم نفسه. تبيّن أنّ الرجل، شاي باي بو، كان كاتبًا لنصوص الأوبرا الصينيّة ويعلّم الصينيّة لأعضاء من السفارة الفرنسيّة. كان في السادسة والعشرين من العمر، ويتحدّث الفرنسيّة بمنتهى الطلاقة. كلّ ما يتعلّق به سحر بوريسكو؛ صوته كان شبيهًا بالموسيقى، ناعمًا وهامسًا، وكان يتركك وأنت ترغب بمعرفة المزيد عنه. بالرّغم من أنّ بوريسكو كان خجولاً عادةً، إلّا أنّه أصرّ على تبادل أرقام التليفونات. لعلّ باي بو يمكن أن يكون مدرّسه الخصوصي في اللغة الصينيّة.
.....................
العاشقون والمجانين لديهم أدمغة مهتاجة، / وخيالات خصبة لدرجة أنّه تحسّ/ أكثر ممّا يستطيع المنطق الهادئ أن يستوعب في عمره.
- ويليام شيكسبير، حلم ليلة منتصف صيف
لم يكن شخصًا شهوانيًا. لقد كان مثل... شخصٍ كان قد نزل من الغيوم. لم يكن بشرًا. لا تستطيع أن تقول أنّه


التقيا بعد عدّة أيّام في مطعم. بوريسكو كان الغربي الوحيد هناك- أخيرًا يوجد نكهةٌ من شيءٍ حقيقيًّ وغريب. تبيّن أنّ باي بو كان ممثّلاً مشهورًا في الأوبرات الصينيّة ويتحدّر من أسرةٍ ذات صلاتٍ مع السلالة الحاكمة السابقة. الآن أصبح يكتب أوبراتٍ عن العمّال، لكنّه قال هذا بنظرةٍ من السخرية. بدأ بالالتقاء بشكلٍ منتظم، حيث كان باي بو يريه معالم بكين، أحبّ بوريسكو قصصه- فقد كان باي بو يتكلّم ببطء، وكانت التفاصيل التاريخيّة تبدو وكأنّها تخرج حيّةً أثناء كلامه عنها، وأثناء تحريك يديه لتزيين كلماته. هنا، كان يقول على سبيل المثال، المكان الذي شنق فيه آخر إمبراطور من سلالة مينغ نفسه، بينما كان يشير إلى البقعة ويخبر قصّةً في نفس الوقت. أو، الطبّاخ الذي يعمل في المطعم الذي أكلنا فيه لتوّنا خدم ذات مرّة في قصر الإمبراطور الأخير، ومن ثمّ كان يُتبعُ ذلك بقصّةٍ أخرى رائعة. كان باي بو يتحدّث أيضًا عن الحياة في أوبرا بكين، حيث غالبًا ما كان الرجال يقومون بأداء أدوار النساء، وفي بعض الأحيان يشتهرون بها.
أصبح الرجلان صديقين. كان اتصال الصينيّين بالأجانب مفيّدًا. لكنّهما تدبّرا طرقًا للالتقاء. ذات أمسيةٍ ذهب باي بو إلى منزل مسؤولٍ فرنسيّ ليدرّس أطفاله، فرافقه بوريسكو. استمع بينما كان باي بو يخبرهم بـ «قصّة الفراشة،» وهي قصّةً من الأوبرا الصينيّة: تتوق فتاةٌ يافعة لدخول مدرسةٍ امبراطوريّة، لكنّ الفتيات لا يُقبلن هناك. تنكّرت كصبي، واجتازت الامتحانات، ودخلت المدرسة. يقع زميلٌ لها في حبّها، وتنجذب هي نحوه، لذا تخبره بأنّها في واقع الأمر فتاة. تنتهي هذه القصّة بشكلٍ مأساويً (تراجيديّ) على شاكلة معظم هذه القصص. روى باي بو القصّة بانفعالٍ غير عاديّ؛ في الواقع كان قد لعب دور الفتاة في الأوبرا.
بعد عدّة ليالي، بينما كانا يتحدّثان أمام بوّابات المدينة المحرّمة، عاد باي بو إلى «قصّة الفراشة». إذ قال له، «انظر إلى يديّ، انظر إلى وجهي. قصّة الفراشة تلك، هي قصّتي أنا أيضًا.» شرح له بأسلوبه البطيء والدراماتيكي في الإلقاء أنّ أوّل طفلين رزقت بهما أمّه كانا بنتين. وفي الصين كان الأبناء أكثر أهميّةً بكثير؛ إذا كان الولد الثالث طفلاً، فسيضطرّ الأب لأن يتّخذ زوجةً ثانية. قَدِمَ الطفل الثالث: بنتٌ أخرى. لكن الأمّ كانت خائفةً لدرجة لم تستطع معها كشف الحقيقة، وقامت بعقد اتَفاقٍ مع المُوَلّدة (الداية):
.....................
صديقٌ أو صديقة؛ لقد كان شخصًا مختلفًا على أيّ حال... تحسّ أنّه كان فقط صديقًا كان قد قدم من كوكب آخر ولطيفٌ جدًّا أيضًا، وغامّر للغاية ومنفصلٌ عن حياة أهل الأرض.
- برنارد بوريسكو، في علاقة غرامّية قصيرة الأجل، جويس وادلر
عبر الرومانس طريقها ثانيةً وذلك مجسّدًا بشخص ضابط ألمانيً شابً ووسيم، الملازم كونراد فريديريك، الذي طلب مساعدتها في مدينة نيوللّي. أراد من باولين [بونابرتٍ أن تستخدم تأثيرها على نابليون فيما يتعلّق بتزويد الجنود الفرنسيّين باحتياجاتهم في المدن البابوّية. أثار


سيقولان أنّ الطفل كان صبيًّا، وسيُربّى على هذا الأساس، الطفل الثالث كان باي بو.
اضطرّت باي بو عبر السين لأن تقوم بأشياء غايةٌ في الغرابة والتطرّف لتخفي جنسها. لم تستخدم أبدًا الحمّامات العموميّة، نتفت شعرها لتبدو كما لو أنّها كانت تَصلَع. انسحر بوريسكو بالقصّة، وتنفّس الصعداء، لأنّه كان يشعر بقرارة نفسه بالانجذاب لباي بو، على غرار الصبي في قصّة الفراشة. الآن صار كلّ شيءٍ منطقيًّا ومفهومًا، اليدان الصغيرتان، الصوت ذو النبرة العالية، العنق الرقيق. كان قد وقع في حبّها، وبدأ أنّ المشاعر متبادلة.
بدأت باي بو بالتردّد على شقّة بوريسكو، وسرعان ما صارا ينامان مع بعضهما البعض. ظلّت تلبس كرجل، حتّى في شقّته. لكن النساء في الصين كنّ يرتدين ملابس الرجال على أيّ حال، وكانت باي بو تتصرّف كامرأة أكثر من جميع النساء الصينيّات التي كان قد رآهنّ. في السرير كانت تتحلّى بحياءٍ ولها أسلوبٌ في توجيه يديه يتّصف بالإثارة والأنوثة على حدّ سواء. جعلت كلّ شيءٍ رومانسيًّا ومعمّقًا. عندما لم يكن معها، فإنّ كلّ كلمة من كلماتها وكلّ إيماءة كانت ترنّ في ذهنه. ما جعل العلاقة تتّسم بكلّ هذه الإثارة كان الواقع بأنّه يتوجّب عليهما أن يبقياها سرًّا.
في شهر ديسمبر من عام 1965، غادر بوريسكو بكين وعاد إلى باريس. أقام علاقاتٍ أخرى، لكن ظلّت أفكاره ترجع وتدور حول باي بو. اندلعت الثورة الثقافيّة في الصين، وفقد الاتّصال معها. قبل أن يكون قد غادر، أخبرته بأنّها كانت حاملةٌ بطفلهما. لم يكن لديه أدنى فكرة فيما إذا المولود كان قد وُلِدّ أم لا. ازداد هوسه بها، وفي عام 1969 دبّر عن طريق الحيلة وظيفةً حكوميّةً أخرى في بكّين.
كان الاتّصال بالأجانب الآن مقيّدًا أكثر ممّا كان عليه لدى زيارته الأولى، لكنّه تدبّر أمر تعقّب أثر باي بو. أخبرته بأنّها كانت قد ولدت صبيًّا في عام 1966، لكنّه كان يشبه بوريسكو، ونظرًا للكره المتنامي للأجانب في الصين، والحاجة لإبقاء جنسها سرًّا، فقد أرسلته إلى منطقةٍ معزولةٍ ونائية قرب روسيا. لقد كانت تلك المنطقة باردة للغاية- لعلّه يكون قد مات. أرت بوريسكو صورًا عن الصبي، ورأى بالفعل بعض التشابه. تدبّرًا أن يلتقيا هنا
.....................
على الفور إعجاب الأميرة التي مسّت معه حول الحديقة إلى أن وصلوا إلى الحديقة الصحرّية. توقّفت هناك وأمرته، وهي تنظر في عينيه بغموض، بأن يرجع إلى نفس هذا المكان في نفس الساعة في اليوم التالي حيث يمكن أن يكون بجعبتها أخبارًا طيّبة له. انحنى الضابط الشاب واستأذن منصرفًا... كشف في مذكّراته وبالتفصيل ما حدث بعد لقائه الأوّل مع باولين: «في الساعة المُتفق عليها، سرتُ مجدّدًا إلى نويلي، ومشيت في طريقي نحو المكان المقرّر في الحديقة ووقفت منتظرًا عند الحديقة الصخريّة. لم يكن قد مضى وقتٌ طويلً عندما ظهرت سيّدةٌ أمامي وحيّتني بشكلٍ لطيف وقادتني عبر بابٍ جانبيّ إلى قلب الحديقة الصخريّة


وهناك عبر الأسابيع القليلة التي تلت، ومن ثمّ خطرت لبوريسكو فكرة: كان متعاطفًا مع الثورة الثقافيّة، وأراد التحايل على الموانع التي كانت تمنعه عن رؤية باي بو، لذا اقترح القيام ببعض التجسّس. مُرّر الاقتراح للأشخاص المناسبين، وسرعان ما أصبح بوريسكو يسرق وثائق لصالح الشيوعيّين. استُدعِيّ الابن، المدعو بيرتران، إلى بكين، حيث التقاه بوريسكو أخيرًا. الآن ملأت مغامرةٌ ثلاثيّة الأوجه حياة بوريسكو: باي بو المغرية، رعشة كونه جاسوسًا، والطفل غير الشرعي، الذي أراد أن يأخذه معه إلى فرنسا.
غادر بوريسكو بكين في عام 1972، وعبر السنوات التي تلت حاول بشكلٍ متكرّر أن يجلب باي بو وابنه إلى فرنسا، ونجح في ذلك أخيرًا بعد عقدٍ من الزمن؛ حيث أصبح الثلاثة عائلة في عام 1983، إلّا أنّ السلطات الفرنسيّة ارتابت في أمر هذه العلاقة ما بين مسؤولٍ في الخارجيّة الفرنسيّة وبين رجلٍ صينيّ، وبقليلٍ من التحرّيات والتحقيقات اكتشفوا تجسّس بوريسكو. اعتُقِل، وسرعان ما أدلى باعترافٍ مروّع: الرجل الذي كان يسكن معه كان في الواقع امرأة. ارتبكت السلطات الفرنسيّة فأمرت بفحص باي بو؛ كان رجلاً ولا شيء غير ذلك، أي كما ظنّوا أساسًا. وُضِع بوريسكو في السجن.
حتّى بعد سماع بوريسكو لاعتراف عشيقه السابق، إلّا أنّه ظلّ مقتنعًا بأنّ باي بو كان امرأة. فجسدها الناعم، وعلاقتهما الحميمة- كيف له أن يكون مخطئًا؟ فقط عندما أراهُ باي بو، الذي أودع في نفس السجن، الدليل القاطع لجنسه حتّى قبل بالأمر أخيرًا.
التفسير. في اللحظة التي التقى فيها باي بو بيوريسكو، أدرك أنّه قد وجد الضحيّة المثاليّة. فبوريسكو كان مستوحدًا، سئمًا، ويائسًا. الطريقة التي تجاوب فيها مع باي بو أوحت أنّه من المحتمل أيضًا أن يكون مثليًّا، أو ثنائيّ الميول الجنسيّة- أي أنّه على أقلّ تقدير يعاني من التشوّش فيما يخص هذه الناحية. (في الواقع فإنّ بوريسكو كان له مواقعاتٌ مثليّة في صباه؛ وكان يحاول أن يكبت هذا الجانب من نفسه، كونه كان يشعر بالذنب حيال هذه الممارسات. كان باي بو قد أدّى أدوارًا نسائيّة من قبل، وكان بارعًا بحقّ في
.....................
حيث كان يوجد هنالك عدّة غرفٍ وأروقة، وحمّام فاخر في صالونٍ رائع. كانت المغامرة آخذةً في النفاد إليّ كشيءٍ رومانسيً للغاية، تقريبًا مثل حكايةٍ خرافيّة، وفي اللحظة التي كنت أتساءل فيها في تعجّب عمّا ستكون الحصيلة دخلت امرأةٌ مرتديةً ثوبًا قطنّيًا شفّافًا للغاية من باب جانبيّ، واقتربت منّي، وسألتني بابتسامة عمّا إذا أحببت كوني هناك. ميّزت على الفور شقيقة نابوليون الجميلة، التي كان شكل جسمها المثالي يُرسََم من قبل كلّ حركة من حركات الثوب. مدّت يدها لي لكي أقبلها وقالت لي بأن أجلس على الأريكة بجانبها. بالتأكيد لم أكن المُغوي في هذه الحادثة... بعد ذلك ببرهة قامت باولين


أدائه لها؛ كان نحيلاً ومخنّثًا؛ لذا لم يكن هذا ليشكّل صعوبةٌ له من الناحية الجسديّة. لكن من عساه أن يصدّق قصّة كهذه، أو على الأقلّ لا يخامره الشك تجاهها؟
المكوّن الجوهري في إغواء باي بو، والذي نفخ من خلاله الحياة في حلم المغامرة لدى الفرنسي، كان أن يبدأ ببطء ويغرس فكرةٌ في ذهن الضحيّة. من خلال فرنسيّته الممتازة (التي كانت، على أيّة حال، مليئةً بالتعابير الصينيّة المثيرة)، جعل بوريسكو معتادًا على سماع القصص والروايات، التي كان بعضها صحيحًا، والبعض الآخر لم يكن، إلّا أنّ جميعها أُلقِيّ بتلك النغمة الدراماتيكيّة والجديرة بالتصديق مع ذلك. بعدئذٍ غرس فكرة تقليد أو ادّعاء الجنس (من ناحية الذكورة والأنوثة) من خلال «قصّة الفراشة.» في الوقت الذي اعترف فيه «بحقيقة جنسه»، كان بوريسكو أصلاً قد سُحِر به بالكامل.
تجاهل بوريسكو كل الأفكار المشكّكة وتعامى عنها لأنّه أراد أن يصدّق قصّة باي بو. منذ ذلك الحين فصاعدًا أصبح الأمر سهلاً على باي بو: فصار يمثّل مروره بالدورة الشهريّة؛ ولم يكن يلزم كثيرًا من المال ليحصل على طفلٍ يمكن تقديمه بشكلٍ معقول على أنّه ابنهما. لكن الأهمّ من هذا أنّه لعب دور الوهم حتّى الثمالة؛ فقد ظلّ مراوغًا ومتملّصًا وغامضًا (وهذا ما يتوقّعه الغربي بالضبط من امرأةٍ آسيويّة)، بينما غلّف ماضيه أو بالأحرى كلّ تجربتهما بنُتَفٍ مدغدغة ومثيرة من التاريخ. كما شرح بوريسكو فيما بعد، «خدعني باي بو حتّى النخاع... كنت على علاقةٍ جنسيّة معه، إلّا إنّني في أفكاري وأحلامي كنت بعيدًا عن الحقيقة سنةً ضوئيّة.»
ظنّ بوريسكو أنّه حظي بمغامرةٍ فريدة، والتي كانت حلمًا راوده طويلاً. وفي اللاوعي أو نصف الوعي، فقد حصل على مُتَنَفّسٍ لمثليّته المكبوتة. جسّد باي بو حلمه وأعطاه البعد المادي، من خلال العمل أوّلاً على العقل. العقل يسوده تيّاران: فهو يريد أن يصدّق الأشياء التي من المُسرّ تصديقها، ومع ذلك فإنّه يتمتّع بحاجة للارتياب بالناس، غايتها الحماية الذاتيّة. إذا انطلقت بشكلٍ مسرحيٍّ مفرط، أو حاولت قصارى جهدك أن تخلق الحلم، فستغذّي ذلك الجانب الشكّاك في العقل، الذي ما إن يُغَذّى
.....................
بقرع جرسٍ وأمرت المرأة التي أجابت بتحضير الحمّام الذي طلبت منّي مشاركتها إيّاه. بقينا في المياه الزرقاء الصافية صفاء الكريستال لما يقارب الساعة ونحن مرتدون لثياب الاستحمام. بعدئذٍ تناولنا عشاءً فاخرًا قُدّم إلينا في غرفةٍ أخرى وتسكعنا مع بعضنا البعض حتّى الغسق. عندما غادرت كان عليّ أن أعد بأن أعود مجدّدًا عن قريب وأمضيت العديد من الأمسيات مع الأميرة بنفس الطريقة.»
- هاريسون برنت، باولين بونابرت: امرأة علاقاتٍ غراميّة.
إنّ المومس مقدّرّ عليها أن تكون رمزًا عائمًا وغير معّرفٍ بالكامل فلا تثبت


حتّى يستحيل زوال الشكوك. يجب عليك، بدلاً من ذلك، أن تبدأ ببطء. فتبني الثقة، بينما تدع الناس (إذا أردت) يرون لمسةً طفيفة من شيءٍ غريبٍ (فريد) أو مثير بشأنك لكي تستفزّ اهتمامهم. ثمّ تبني قصّتك: مثل أيّ رواية أدبيّة. قد أسّست قاعدةً من الثقة- فتصبح الآن الخيالات والأحلام التي غلّفتهم بها جديرةً بالتصديق فجأةً.
تذكّر: الناس يرغبون بتصديق ما هو استثنائيّ وخارقٌ للمألوف؛ فبقليلٍ من التحضير، وقليل من المداعبة الذهنيّة، سوف ينخدعون بالوهم الذي صنعته. إذا طرأ أيّ شيءٍ لم يكن في الحسبان: فاستخدم أدوات حقيقيّة (مثل الطفل الذي أرته باي بو لبوريسكو) وأضف اللمسات السحرية في كلماتك، أو بادراتٍ عرضيّة من شأنها أن تضفي عليك قليلاً ممّا هو غير واقعي. ما إن تشعر بأنّهم وقعوا في الشرك، حتّى يصبح بإمكانك أن تعمّق السحر، وتمضي أبعد فأبعد في الحلم. في تلك المرحلة يكونون قد دخلوا عميقًا جدًّا في أذهانهم ومخيّلاتهم الخاصّة لدرجة لا تعود معها مضطرًّا لأن تُقِلق نفسك بالاحتمالات.
تحقيق الأماني
في عام 1762، قامت كاثرين زوجة القيصر بيتر الثالث، بانقلابٍ على زوجها غير الكفؤ وأعلنت نفسها إمبراطورة. روسيا. حكمت كاثرين لوحدها، لكنّها احتفظت بسلسلة من العشّاق. دعا الروس هؤلاء الرجال بـ الفريمبِنتشيكي، «رجال اللحظة،» وفي عام 1774 رجل اللحظة كان غريغوري بوتيمكين، وهو ملازمٌ في الخامسة والثلاثين من العمر، وأصغر بعشر سنوات من كاثرين، وأكثر مرشّح مستبعد بالنسبة لهذا الدور. كان بوتيمكين جِلفًا وغير وسيم على الإطلاق (فقد كان قد خسر عينًا إثر حادث). لكنّه كان يعلم كيف يجعل كاثرين تضحك، وبجّلها بشدّة إلى درجة أنّها لستسلمت في آخر المطاف. سرعان ما أصبح حبّ حياتها.
رفّعت كاثرين بوتيمكين أعلى فأعلى في هرميّة السلطة، حتّى جعلته في نهاية المطاف حاكم روسيا البيضاء، وهي منطقة كبيرة تقع في جنوب غرب البلاد وتتضمّن أوكرانيا. كحاكم، كان على بوتيمكين أن يغادر سان
.....................
نفسها في المحيّلة بشكلٍ أكيدٍ أبدًا. هي ذكرى تجربة، النقطة التي يتحوّل عندها الحلم إلى الحقيقة أو الحقيقة إلى حلم. الأضواء البرّاقة تتلاشى، اسمها يصبح مجرد صدى- صدى للصدى، بما أنّها على الأرجح قد أخذته من سلفٍ قديم. فكمرة المومس هي أنّها حديقةً للمباهج حيث يمشي فيها العاشق، وهو يشتم هذه الزهرة وتلك لكن دون أن يفهم تمامًا من أين يأتي العبير الذي أسكره. لماذا لا يجدر بالمومس ألاّ تروغ من التحليل؟ هي لا تريد أن تُعرّف لما هي عليه، وإنّما أن يُسمَح لها بأن تكون قويّة وفعّالة. هي تقدّم حقيقة نفسها- أو، بالأحرى حقيقة الهيامات التي تصبح موجّهةً نحوها. وما تردّه هو ذات الشخص أو نفسه


بطرسبرغ ويذهب للعيش في الجنوب. علم أنّ كاثرين لا تستطيع أن تستغني عن صحبة الرجال، لذا أخذ على عاتقه أن يسمّي رجل اللحظة التالي لكاثرين. لم توافق وحسب على هذا الترتيب (الإجراء)، بل وأوضحت أنّ بوتيمكين سيظلّ دائمًا الأثير عندها.
كان حلم كاثرين أن تشنّ حربًا مع تركيّا، وتستعيد القسطنطينيّة لصالح الكنيسة الأورثوذكسيّة، وتُخرِج الأتراك من أوروبا، عرضت أن تشارك هذه الحملة مع إمبراطور الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة جوزيف الثاني الذي ينتمي لآل هابسبورغ، لكنّ جوزيف لم يحمل نفسه على توقيع المعاهدة التي من شأنها أن توحّدهم في الحرب. بعد أن نفذ صبرها، قامت كاثرين بضمّ شبه جزيرة القرم في عام 1783، التي تقع في الجنوب ويشكل المسلمون التتار معظم قاطنيها. طلبت من بوتيمكين أن يفعل ما كان قد تدبّر فعله في أوكرانيا أصلاً- يخلّص المنطقة من قطّاع الطرق، يشقّ الطرقات، يُحَدّث المرافئ، يجلب الازدهار للفقراء. ما إن يطهّرها، حتّى تصبح شبه جزيرة القرم الموقع الأمثل لشنّ حربٍ على تركيّا.
كانت القرم منطقة فاحلة متخلّفة، لكن كان بوتيمكين يحبّ التحدّ]. نتيجةٌ لاضطراره للعمل على العديد من الجبهات والمشاريع المختلفة، فقد انتشى بالرؤى عن المعجزات التي سوف يحقّقها هنالك. كان سيؤسّس عاصمةً على نهر الدنيبر، ويسمّيها إيكاترينوسلاف («لمجد كاثرين»)، من شأنها أن تضارع سان بطرسبرغ وستحتضن جامعة تفوق بهاءً أيّ شيءٍ في أوروبا. سيأوي الريف حقول ذرة مترامية الأطراف، بساتين من الفاكهة النادرة المجلوبة من الشرق، مزارع دود القزّ، بلداتٍ جديدة ذات أسواقٍ عامرة. في زيارة للإمبراطورة في عام 1785، تحدّث بوتيمكين عن هذه الأشياء كما لو كانت موجودةً أساسًا- فقد كان وصفه لها مفعمًا للغاية بالحياة. ابتهجت الإمبراطورة، لكنّ وزراءها كانوا مشكّكين- رؤوا أنّ بوتيمكين كان يحبّ الكلام. إلّا أنّ كاثرين تجاهلت إنذاراتهم وقامت بتنظيم رحلةٍ إلى المنطقة في عام 1787. طلبت من جوزيف الثاني أن يرافقها- باعتقاد أنّه سينبهر للغاية بعمليّة تحديث القرم إلى درجة أنّه سيوقّع فوريًّا على الحرب ضد تركيّا. بوتيمكين، بطبيعة الحال، كان من سينظّم المسألة برمّتها.
.....................
وساعة من النعيم في حضورها. الحبّ يزدهر من جديد عندما تنظر إليها: أليس ذلك كافيًا؟ هي القوّة المولّدة للوهم، ونقطة ولادة الرغبة، وعتبة التأمّل في جمال الجسد.
- لين لاونر، حياة المومسات: وصوفات لعصر النهضة
لقد كان يوم 16 آذار، نفس اليوم الذي كتب فيه دوق جلاوستر للسير ويليام، هو اليوم الذي سجّل فيه جوتة الأداء المعروف الأوّل لما كان مقدّرًا له أن يُدعى مواقف إيما. ما كانت هذه المواقف بالضبط، فسنتعلّم بعد قليل. أوّلاً، يجب أن نشدّد على أنّ المواقف كانت عرضًا موجّهًا للنظارة الموهوبين والمحظوظين فقط.... جوتة.


وهكذا، في شهر أيّار من ذلك العام، بعد أن ذاب نهر الدنيبر، حضّرت كاثرين لرحلةٍ من كييف، في أوكرانيا، إلى سيباستوبول، في القرم. حضّر بوتيمكين سبع قصورٍ عامئة لتقلّ كاثرين وحاشيتها على طول النهر. بدأت الرحلة، وبينما كانت كاثرين وجوزيف ورجال البلاط ينظرون إلى الضفاف على كلا الجانبين، فقد رؤوا أقواس نصر في مداخل بلداتٍ نظيفة المظهر، وذات جدرانٍ مطليّة حديثًا بالدهان؛ وقطعان بادية الصحّة ترعى في المراعي؛ وأفواج من الجنود الذين يسيرون في الطرقات بطريقة النظام لمنضمّ؛ وعمليّات التشييد والبناء كانت تتمّ في كلّ مكان. في الغسق نسلّوا برؤية الفلاّحين الذين يرتدون الملابس البرّاقة، والفتيات المبتسمات اللواتي يضعن الزهور في شعرهنّ، ويرقصن على الضفاف. كانت قد سافرت كاثرين عبر هذه المنطقة من سنواتٍ عديدة، حيث أحزنها فقر الفلاّحين هناك- قرّرت عندها أنّها ستغيّر قسمتهم بطريقةٍ أو بأخرى. لذا فقد غمرتها رؤية بشائر التغيير (التحويل)، وعنّفت نقّاد بوتيمكين: أنظروا إلى ما فعله رجلي (المحسوب عليّ)، أنظروا إلى هذه المعجزات!
رسا الموكب العائم في ثلاث بلداتٍ على طول الطريق، حيث نزلوا في كلّ مرّة في قصرٍ رائع بمنيًّ حديثًا ذي شلالاتٍ اصطناعية ضمن حدائق معمولة على الطراز الإنكليزي. على البرّ تنقّلوا عبر قرىّ ذات أسواقٍ نابضة بالحياة؛ والفلاّحون كانوا يعملون بسعادة، فيبنون ويصلّحون. وحيثما أمضوا السهرة، كانت أنظارهم تُتحَف بعرضٍ ما- الرقصات، الاستعراضات العسكريّة، لوحاتٍ حيّة لرموزٍ أسطوريّة، براكين صناعيّة تنير حدائق على الطراز المغربي. أخيرًا، في نهاية الرحلة، في القصر في سيباستوبول، بحثت كاثرين الحرب على تركيّا مع جوزيف. أعاد جوزيف شرح مخاوفه. فجأةً قاطعه بوتيمكين بقوله: لديّ 100.000 جنديّ ينتظرون منّي أن أقول لهم «انطلقوا!» في نفس اللحظة شُرَّعَت نوافذ القصر فجأة، فرؤوا على دويّ المدافع صفوفًا من الجند على مدّ النظر، وأسطولاً من السفن يملأ الميناء. بعد أن ملأه هذا المنظر بالرهبة، وتراقصت في ذهنه صور المدن الأوروبية الشرقيّة وهي تُنتَزَع من الأتراك، فقد وقّع أخيرًا جوزيف الثاني على المعاهدة. كانت كاثرين في حالةٍ من البحران والنشوة الغامرة، وبلغ حبّها لبوتيمكين ذريّ جديدة. كان قد حقّق أحلامها.
.....................
تلميذ وينكلمان، كان مطروبًا إزاء القالب البشري، كتب أحد معاصريه هنا كان المشاهد النموذجي للدراما التقليديّة التي كانت إيما والسير ويليام قد كتباها في أمسيات الشتاء الطويلة. دعونا نجلس بقرب جوتة ونركن لمشاهدة العرض كما يصفه. «اجلس يا ويلياء هاميلتون... قد وجد ويليام بعد سنينٍ عديدة من التكرّس للفنون أوج هذه المباهج في شخص فتاةٍ انكليزيّة في العشرين من عمرها، ذات وجهٍ جميل وشكل جسم مثاليّ. كان قد أوصى بتصميم زيٌ اغريقيٌ لها خصّيصًا والذي أصبح هي (نقمّصها). تنثر شعرها على هذا الزي بعد أن ترتديه، وباستخدام بضعة شالات، فإنّها تضفي كثيرًا من التنوّع


لم تشتبه كاثرين أبدًا في أنّ كلّ ما رأته تقريبًا كان محض زيف، ولربمّا لم يستطع رجلٌ لوحده عبر التاريخ كلّه أن يصمّم وهمًا بهذا التفصيل والإتقان.
التفسير. في السنوات الأربعة التي كان فيها حاكمًا للقرم، كان بوتيمكين قد أنجز القليل، لأنّ هذا المكان المتخلّف والمنعزل يستلزم عقودًا كي يتحسّن. لكن في الأشهر القليلة التي سبقت زيارة كاثرين كان قد فعل كالتالي: كلّ بناءٍ مواجهٍ للطريق أو الضفة طُلِىّ بطبقةٍ جديدةٍ من الدهان؛ ووُضِعَت أشجارٌ صناعيّة لتغطّي البقع غير اللائقة التي تشوب المنظر؛ وأُصلِحَت السقوق الخَربة باستخدام ألواحٍ مهلهلة دُهِنَت لتبدو مثل القرميد؛ كلّ من رآهم الموكب الإمبراطوري كانوا قد أُمِروا بأن يرتدوا أفضل ثيابٍ عندهم وأن يبدوا سعيدين؛ كلّ العجزة والمسنّين أُمِروا بأن يلازموا منازلهم. أثناء تطواف الحاشية الإمبراطوريّة في القصور العائمة نزولاً عبر الدنيبر، فقد رأت قرى جديدة بالكامل، لكن معظم هذه المباني كانت مجرّد واجهاتٍ وحسب. قطعان الماشية كانت قد شُحِنَت أو استُقدِمَت من أماكن قصيّة، وكانت تُنقَل خلال الليل إلى حقول جديدة بمحاذاة مسار الرحلة. الفلاّحون الراقصون كانوا مُمَرّنين على أمور التسلية والترفيه؛ بعد كلّ عرض كانوا يُعَبّؤون في عربات ويُنقَلون على وجه السرعة إلى موقعٍ جديدٍ بجانب النهر، تمامًا كالجنود الذين كانوا يمشون المشية العسكريّة والذّين بدوا أنّهم في كلّ مكان. حدائق القصور الجديدة كانت مملوءةً بأشجار منقولة من أماكن أخرى والتي ماتت بعد عدّة أيّامٍ من انتهاء الرحلة. القصور نفسها كانت قد بُيِنَت بشكلٍ مستعجل وسيًء، لكنّها فُرِشَت بأثاثٍ رائع للغاية لدرجةٍ أنّ أحدًا لم يلاحظ. قلعةٌ على جانب الطريق كانت قد بُيِنَت من الرمل، ودُمَّرَت بعد فترة وجيزة إثر عاصفة رعديّة.
كلفة هذا الوهم المهول كانت هائلة، وفشلت الحرب مع تركيّا، لكنّ بوتيمكين كان قد حقّق هدفه. بالطبع كان هنالك بالنسبة للشخص شديد الانتباه علاماتٌ على طول الطريق تشير إلى أنّ كلّ شيءٍ لم يكن كما يبدو، لكن عندما أصرّت الإمبراطورة نفسها على أنّ كلّ شيءٍ كان حقيقيًّا
.....................
لوضعانها، إيماءاتها، تعابيرها، إلخ. إلى درجة أنّ المشاهد لا يكاد يصدّق عينيه. إذ يرى ما أراد آلاف الفنانون أن يعبّروا عنه وقد تجسّد أمامه بالحركات والتحوّلات المفاجئة- واقفةٌ، راكعة، جالسة، متّكئة، جدّية، حزبية، مرحة، منتشية، نادمة، مغرية، مهدّدة، قلقة، وضعةٌ تتبع الأخرى دون توقّف. عرفت كيف تتسّق خمارها بحيث يناسب كلّ مزاجٍ من الامزجة، وكانّ لديها مئة طريقة لتحويله إلى غطاءٍ زينيّ للرأس. ألّهها الفارس المسنّ وكان متحمّسًا جدًّا إزاء كلّ ما كانت تقوم به. وجد فيها كل آثار العصور القديمة، وكلّ الوجوه المصكوكة على العُملات الصقلّية، بل وحتّى تمثال أبولو، إنّ كلّ ما تقدّم لشيءٌ أكيد: أنت لم


ومجيدًا، فلم يكن بوسع رجال البلاط إلا أن يوافقوا. هذا كان جوهر الإغواء: كاثرين كانت قد أرادت باستقتال أن يُنظَر إليها كحاكمةٍ محبّةٍ وتقدّميّة، كحاكمةٍ من شأنها أن تهزم الأتراك وتحرّر أوروبا، لذا فعندما رأت علامات التغيير في القرم، فإنّ ذهنها قام بتعبئة الفراغات التي في الصورة.
عندما تتدخّل عواطفنا، فإنّنا غالبًا ما نعاني من مشكلة في رؤية الأشياء كما هي. مشاعر الحبّ تضع غشاوةٌ على أبصارنا، فتجعلنا نلوّن الأحداث بحيث تتوافق مع رغباتنا. لكي تجعل الناس يصدّقون الأوهام التي خلقتها، يجب عليك أن تغذّي المشاعر التي لا يملكون إزاءها سوى أقلّ قدرٍ من التحكّم. غالبًا ما تكون أفضل طريقة لفعل هذا هي تحقيق رغباتهم غير المُلبّاة، وأمانيهم التي تصرخ لكي تُحَقّق. لعلّهم يريدون أن يروا أنفسهم كنبلاءٍ أو رومانسيّين، لكنّ الحياة كانت قد خذلتهم وأحبطتهم وحالت دون نموّهم. لعلّهم يريدون مغامرة. وإذا طرأ شيءٌ يبدو أنّه يعلن شرعيّة هذه المغامرة، فإنّهم يصبحون عاطفيّين وغير عقلانيّين، تقريبًا إلى مرحلة الهلوسة والهذيان.
تذكّر أن تغلّفهم بوهمك بتمهّل. لم يبدأ بوتيمكين بالمشاهد الضخمة، وإنّما بمشاهد بسيطة على طول الطريق، كالماشية التي ترعى. بعد ذلك أنزلهم البرّ، وضاعف من حدّة الدراما، وصولاً إلى الذروة المدروسة والمُعدّة مسبقًا عندما شَرَّعَت النوافذ لتُظهِر آلة الحرب العظيمة- كانت في الواقع عبارة عن عدّة آلافٍ من الرجال ومراكب صُفَّت بحيث توحي بأنّها أكثر من ذلك بكثير. على غرار بوتيمكين، غلّف الهدف بنوعٍ من الرحلة، أكانت بالمعنى المادّي للكلمة أو بمعنىّ آخر. الإحساس بأنّ هنالك مغامرةً مشتركة يكون حافلاً بالارتباطات الحالمة. اجعل الناس يشعرون بأنّهم على وشك أن يروا ويعيشوا شيئًا يتّصل بأعمق أتواقهم، وعندها سيرون قرى مزدهرة وسعيدة حيث لا يوجد سوى الواجهات والمظاهر الخدّاعة.
هنا بدأت الرحلة الحقيقيّة عبر أرض بوتيمكين الخياليّة. لقد كانت مثل الحلم- الحلم المستيقظ لساحرٍ ما كان قد اكتشف سرّ تحقيق رؤاه... [كاثرين] ومرافقيها كانوا قد تركوا عالم
.....................
تشاهد في كلّ حياتك أداءً مثل هذا. لقد استمتعنا به قبلاً لليلتين.»
- فلورا فرايزر، إيما، السيّدة هاميلتون
فيما يتعلّق بهذا فالخارق للطبيعة أو غير المعهود هو في الواقع ليس شيئًا جديدًا أو غريبًا. وإنّما شيءٌ مألوفّ وقديم الرسوخ في الذهن والذي أُقِصي عنه فقط من خلال عمليّة الكبت. علاوةً على ذلك فإنّ هذه الإشارة إلى عامل الكبت تمكّننا من فهم تعريف شيلنغ للخارق للطبيعة كشيءٍ يُفتَرضُ أنّه ظلّ مخبأ ولكنّه برز للضوء.... ... هناك نقطةٌ إضافيةٌ أخرى تنطبق على مجمل المواقف أحبّ أن أضيفها... هي أنّ الأثر الخارق للطبيعة غالبًا مال يُنتَج


الحقيقة خلفهم... حديثهم كان عن إيفجنيا (البطلة من الميثيولوجيا الإغريقيّة) والآلهة الأقدمين، وكاثرين شعرت أنّها كانت كلاً من الإسكندر وكليوباترة.
- جينا كاوس
المفاتيح للإغواء
يمكن للعالم الحقيقي أن يكون غير متسامح (لا يرحم): تطرأ أحداثٌ لا نمنك إزاءها سوى القليل من السيطرة والتحكّم، الناس الآخرون يتجاهدون مشاعرنا أثناء سعيهم لتحقيق ما يريدون، الوقت ينفد قبل أن ننجز ما كنّا نريده. إذا حدث وتوقّفنا في أيّ وقت للنظر بطريقةٍ موضوعيّةٍ تمامًا إلى الحاضر والمستقبل، فإنّنا سوف نُصاب باليأس. لحسن الحظّ فإنّنا نطوّر باكرًا عادة الحلم. في هذا العالم الآخر أو العالم الذهني الذي نستوطن، يكون المستقبل مليئًا بالاحتمالات والإمكانات الورديّة. ربّما غدًا ستحظى فكرةٌ لامعةٌ لنا بالقبول، أو نلتقي بالشخص الذي سيغيّر حياتنا. ثقافتنا تحفّز أو تعزّز هذه التخيّلات والأحلام بصورٍ وقصصٍ متواصلة عن أحداث أو مصادفاتٍ رائعة وغراميّاتٍ سعيدة.
المشكلة تكمن في أنّ هذه الصور والتخيّلات لا توجد إلّا في عقولنا، أو على الشاشة. وهذا حقيقةً لا يكفي- نحن نتوق إلى الشيء الحقيقي، وليس إلى أحلام اليقظة المستمرّة ولا إلى الدغدغة هذه. مهمّتك كمغوي تكمن في أن تضفي قليلاً من البعد المادّي في عالم أحلام الشخص وذلك من خلال تجسيد رمز من الخيال، أو خلق سيناريو يشابه أحلام ذلك الشخص. لا يستطيع أحد أن يقاوم جاذب الرغبة السريّة التي قد نُفِخَت فيها الحياة أمام أعينهم. عليك أوّلاً أن تختار الأهداف التي لديها كبتٌ ما أو حلمٌ غير محقّق- هؤلاء هم دائمًا الأكثر ترجيحًا لأن يكونوا ضحايا للإغواء. ببطءٍ وبالتدريج، سوف تشيّد الوهم الذي يبدؤون برؤيته والإحساس به وعيشه كما لو كان حلمهم الخاصّ. ما إن ينتابهم هذا الإحساس حتّى يفقدوا الاتصال بالواقع، ويبدؤوا برؤية الحلم كأمرٍ حقيقيًّ أكثر من أيّ شيءٍ آخر. وما أن يفقدوا الاتّصال بالحقيقة حتّى يصبحوا
.....................
وبسهولة عندما يمَحي الخطّ الفاصل ما بين المخيّلة والواقع، كما عندما يظهر شيءٌ أمامنا في الواقع كنّا قد تخيّلناه لحدّ الآن كشيءٍ خياليّ، أو عندما يستولي رمزٌ على كامل وظائف الشيء الذي يرمز إليه، وهكذا. إنّ هذا العامل هو الذي يسهم على نحوٍ غير قليل في الأثر الخارق للطبيعة المرتبط بالممارسات السحريّة. العنصر الطفولي في هذا. والذي يهيمن أيضًا على عقول العصابّيين، هو الإفراط في التأكيد على الحقيقة الفيزيائية مقارنةً بالحقيقة المادّية- وهذا مقوّمٌ مرتبطٌ على نحوٍ وثيق بالاعتقاد بالقدرة الكلّيّة الأفكار.
- سيغموند فرويد، «الخارق للطبيعة،» في كتابات ورسائل في علم النفس



(اقتباسًا لقول ستندال عن ضحايا اللورد بايرون من النساء) مثل طيور قُبَرةٍ مشويّة تتساقط في فمك.
معظم الناس لديهم فكرة خاطئة عن الوهم. فكما يعرف أيّ ساحر، فإنّه لا يحتاج لأن يُشَكّل أو يُبنى من أيّ شيءٍ ضخم أو مسرحيّ؛ فالشيء الضخم والمسرحي يمكنه في الواقع أن يكون مدمّرًا، إذ إنّه يسترعي كثيرًا من الانتباه لك ولمخططاتك. أخلق مظهر الحالة السويّة بدلاً من ذلك. ما إن تشعر أهدافك بالأمان -وهذا ليس أمرًا خارجًا عن المألوف- حتّى يصبح لديك المجال لتخدعهم. لم يبدأ باي بو بحياكة الكذبة عن جنسه فورًا؛ بل أخذ وقته، وجعل بوريسكو يأتي إليه ولمّا ابتلع بوريسكو الطعم، فقد ظلّ باي بو يرتدي ثياب الرجال. عندما تريد أن تنفخ الحياة في حلم، فإنّ أكبر خطأٍ هو أن تتخيّل أنّه يجب أن يكون أكبر من الحياة. هذا يقارب حدّ الإفراط، الذي يسلّي لكن نادرًا ما يغوي. بدلاً من ذلك فإنّ ما تروم أو تسعى إليه هو ما يدعوه فرويد «غير المعهود أو الغريب»، وهو شيءٌ غريبٌ ومألوف في آنٍ معًا، مثل الديجافو، أو ذكرى من الطفولة- أيّ شيءٍ لا عقلانيّ بشكلٍ طفيف وشبيه بالحلم. الشيء غير المعهود، المزيج ما بين الحقيقي وغير الحقيقي، يتمتّع بنفوذٍ أو تأثيرٍ هائل على مخيّلاتنا. التخيّلات والأحلام التي تحييها لدى أهدافك يجب ألاّ تكون غريبةٌ (شاذّةً) أو استثنائيّة؛ وإنّما يجب أن تكون متجذّرةً في الحقيقة، ومع لمسةٍ ممّا هو غريبٌ ومسرحيّ وسحريّ (في الحديث عن القدر، على سبيل المثال). أنت تذكّر الناس بشكلٍ غامض بشيءٍ من طفولتهم، أو شخصيّةٍ في فيلم أو كتاب. حتّى قبل أنّ يسمع بوريسكو بقصّة باي بو، فقد راوده شعورٌ غريب بشيءٍ ملفتٍ وخياليّ في هذا الرجل ذي المظهر العادي. يكمن سرّ خلق الأثر غير المعهود أو الخارق للطبيعة في إبقائه غامضًا وموحيًا.
تحدّرت إيما هارت من بيئةٍ بسيطةٍ ويعوزها البريق، فقد كان أبوها حدّادًا ريفيًّا في إنكلترا القرن الثامن عشر. إيما كانت جميلةً، لكن هذه كانت موهبتها الوحيدة. ومع ذلك فقد صعدت لتصبح واحدةً من أعظم المُغويات في التاريخ، فبدايةً أغوت السير ويليام هاميلتون، السفير الإنكليزي في بلاط نابولي، وبعد ذلك أغوت (بوصفها السيّدة هاميلتون، أي زوجة السير ويليام) الضابط البحري اللورد نيلسون. عندما كنت تلتقيها فإنّ أغرب


شيءٍ كان الإحساس الغريب بأنّها رمزٌ من الماضي، امرأةً انبجست من الأسطورة الإغريقيّة أو التاريخ القديم. كان السير ويليام جامعًا للتحف الأثريّة الإغريقيّة والرومانيّة؛ لكي تغويه، فقد حوّلت إيما نفسها بذكاء لتشبه تمثالاً إغريقيًّا، ورموزًا أسطوريّة في رسومات ذلك الزمان. لم يتجلَّ ذلك في مجرّد الطريقة التي تسرّح بها شعرها، أو تلبس ثيابها، وإنّما في الوضعيات التي تتّخذها، والطريقة التي تحمل نفسها بها (طريقة تنقّلها). كان الأمر كما لو أنّ أحد الرسوم التي اقتناها قد نُفِخَت فيها الروح. سرعان ما بدأ السير ويليام باستضافة الحفلات في منزله في نابولي والتي كانت فيها إيما ترتدي أزياءٌ وتقف (تتوضّع)، بحيث تعيد خلق الصور من الميثيولوجيا والتاريخ. وقع العديد من الرجال في حبّها، كونها كانت تجسّد صورةً من طفولتهم، صورة عن الجمال والكمال. المفتاح لخلق الفانتازيا هذا يكمن في بعض الارتباطات والاقترانات الثقافيّة المشتركة- الميثيولوجيا، والمُغويات التاريخيّات مثل كليوباترا. كلّ ثقافة لديها موردٌ مشترك لهذه الرموز من التاريخ المُغرِق في القِدَم وغير المُغرِق. أنت تُشير إلى تشابه، في المضمون والشكل- لكنّك من لحم ودمً. ما الذي يمكنه أن يكون أكثر إثارةً من الإحساس بكونك في حضرة رمزٍ (شخص) خياليٍّ ما يَرجع إلى ذكرياتك الأولى؟
ذات ليلة أقامت باولين بونابرت، أخت نابوليون، حفلةً في منزلها. بعدها، دنا منها ضابطٌ ألمانيٍّ وسيم في الحديقة وطلب منها أن تساعده في تمرير طلبٍ للإمبراطور. قالت باولين أنّها ستفعل ما بوسعها، ومن ثمّ، طلبت منه بنظرة عينٍ غامضةً بعض الشيء أن يعود إلى نفس البقعة في الليلة التالية. عاد الضابط، فاستقبلته امرأةٌ شابّة قادته إلى غرفةٍ ما بقرب الحديقة ومنها إلى صالونٍ مهيب، يُتَوّج بحمّام مترف. بعد برهة، دخلت امرأةٌ أخرى من خلال باب جانبيّ، وهي ترتدي أثوابًا غايةً في الشفافيّة. لقد كانت باولين. قُرِعَت الأجراس، ورُفِعَت الستائر فظهرت الوصيفات وهنّ يحضّرن الحمّام، ثمّ أعطوا الضابط برنسًا قبل أن يختفين. لاحقًا وصف الضابط الأمسية كشيءٍ من قصّةٍ خرافيّة، وراوده الشعور بأنّ باولين كانت تمثّل عن عمد دور مغويةٍ أسطوريّةٍ ما. كانت باولين جميلةً وقويّةً بما فيه الكفاية لكي تحصل تقريبًا على أيّ رجلٍ تريد، ولم تكن مهتمّةً بمجرّد استدراج الرجل إلى السرير؛ بل أرادت أن تغلَّفه (تحيطه) بمغامرةٍ رومانسيّة، أن تُغويّ عقله. جزءٌ من المغامرة


كان الشعور بأنّها تؤدّي دورًا، وأنّها كانت تدعو هدفها ليدخل معها هذه الفانتازيا المشتركة.
لعبُ الأدوار ممتعٌ بشكلٍ هائل. جاذبيّته تعود إلى الطفولة، حيث تعلّمنا لأوّل مرّة الإثارة المتأتيّة عن تجربة أدوارٍ مختلفة، أي عندما كنّا نقلّد الكبار أو شخصيّات من الخيال. عندما ننضج ويوكل إلينا المجتمع دورًا ثابتًا ومحدّدًا، فإنّ جزءًا منّا يتوق لهذه المقاربة اللعوبة (المرحة) التي تحلّينا بها فيما مضى، وللأقنعة التي كنّا قادرين على ارتدائها. لا نزال نرغب بلعب تلك اللعبة، بأن نؤدّي دورًا مختلفًا في الحياة. لبِّ أمنية أهدافك هذه من خلال التوضيح أوّلاً بأنّك تلعب دورًا، ومن ثمّ تدعوهم لينضمّوا إليك في هذه الفانتازيا (الحلم) المشتركة. كلّما أعددت الأمور بطريقةٍ مشابهة لمسرحيّة أو جزءٍ من رواية، كان ذلك أفضل. لاحظ كيف بدأت باولين الإغواء بطلبٍ غامضٍ بأن يُعاوِد الضابط الظهور في الليلة التالية؛ وبعدها قادته إلى سلسلةٍ من الغرف السحريّة. باولين نفسها كانت قد أخّرت دخولها، وعندما ظهرت، فإنّها لم تذكر عمله مع نابوليون، أو أيّ شيءٍ عاديٍّ ومبتذل ولو من طرف بعيد. كان لديها هالةٌ أثيريّةٌ من حولها؛ وهو كان مَدعُوًّا لدخول قصّةٍ خرافيّة. الأمسية كانت حقيقيّة، لكنّها اتّصفت بتشابهٍ غريب مع حلم جنسيّ أو شهوانيّ.
مضى كازانوفا في لعب الأدوار إلى ما هو أبعد. فقد كان يسافر بحقيبة ثيابٍ هائلة الحجم وصندوقٍ مليءٍ بالأغراض التي كان معظمها عبارة عن هدايا لأهدافه- مراوح، مجوهرات، اكسسوارات. وبعضًا من الأشياء التي قالها وفعلها كانت مُستَعارَةً من الروايات التي كان قد قرأ والقصص اليت كان قد سمع. كان يلفّ النساء بجوٍّ رومانسيٍّ عميق ومع ذلك حقيقيٍّ إلى حدٍّ بعيد بالنسبة إلى حواسّهم. على غرار كازانوفا. عليك أن ترى العالم كنوعٍ من المسرح. أدخِل خفّةً معيّنة إلى الأدوار التي تلعبها؛ حاول أن تخلق إحساسًا بالدراما والوهم؛ شوّش الناس وأربكهم من خلال قليلٍ من لا واقعيّة الكلمات والإيماءات التي يخلقها الخيال؛ في الحياة اليوميّة، كن ممثّلاً خالصًا (شديد البراعة.) ثقافتنا تجلّ الممثّلين بسبب حريّتهم في لعب الأدوار. جميعنا نغبطهم على هذه الحريّة.
ظلّ الكاردينال دي روهان خائفًا لسنوات من كونه قد أزعج الملكة ماري أنطوانيت بطريقةٍ أو بأخرى. فهي كانت تتحاشى النظر إليه. بعدئذٍ، في عام 1784، لمّحت له الكونتيسّة دي لاموت- قالوا بأنّ الملكة لم تكن مستعدّةً لتغيير موقفها وحسب، لا بل ولمصادقته أيضًا. قالت الكونتيسّة دي لاموت بأنّ الملكة ستشير إلى هذا في استقبالها الرسمي التالي- إذ أنّها ستومئ له برأسها بطريقةٍ معيّنة.
لاحظ روهان بالفعل، خلال الاستقبال، تغيّرًا طفيفًا في طريقة تصرّف الملكة نحوه، ونضرةً خاطفةً تجاهه بالكاد يمكن رؤيتها. غمرته البهجة. الآن اقترحت الكونتيسّة أن يتبادلا الرسائل، وأمضى روهان أيّامًا في كتابة وإعادة كتابة رسالته الأولى إلى الملكة. تلقّى ردًّا على رسالته، الأمر الذي أسرّه. بعد ذلك طلبت منه الملكة لقاءً خاصًّا معه في حدائق فيرساي. كاد روهان أن يطير من فرط السعادة والتلهّف. لدى هبوط الليل التقى بالملكة في الحديقة، خرّ على الأرض، وقبّل طرف ثوبها. قالت له، «تستطيع الأمل بأنّ الماضي سوف يُنسى.» في تلك اللحظة سمعوا أصواتًا تقترب، فلاذت الملكة بالفرار بسرعة مع خدمها خوفًا من أن يراهما أحدٌ ما سويّةً. لكنّ روهان سرعان ما تلقّى طلبًا منها عبر الكونتيسة مجدّدًا: أرادت باستقتال أن تحوز على أروع قلادةٍ من الألماس صنعها الإنسان في تاريخه. ونظرًا لأن الملك اعتقد أنّ القلادة كانت باهظة الثمن جدًّا فقد احتاجت إلى وسيط ليشتري لها القلادة. كانت قد اختارت روهان من أجل المهمّة. كان الكاردينال مجرّد كتلةٍ من الاستعداد والرغبة للتلبيّة؛ من خلال تأدية هذه المهمّة فإنّه سوف يثبت ولاءه وستصبح الملكة مدينةً له إلى الأبد. حاز روهان على القلادة. والكونتيسة كانت من سيسلّمها إلى الملكة. الآن انتظر روهان من الملكة أن تشكره وتردُ له المبلغ على مهلها.
إلاّ أنّ هذا لم يحصل أبدًا. الكونتسية كانت في الحقيقة محتالةً كبيرة؛ فالملكة لم تكن قد أومأت له أبدًا، بل كان هذا من محض خياله. الرسائل التي تلقّاها منها كانت مزوّرة، وليست حتّى مزوّرةً بشكلٍ بارع. المرأة التي التقاها في الحديقة كانت مومسًا مأجورةً لكي ترتدي وتتصرّف كالملكة. القلادة كانت حقيقيّةً بالطبع، لكن ما إن دفع روهان ثمنها، وسلّمها إلى الكونتيسّة، حتّى اختفت. فُرَّقَت إلى أجزاء وعُرِضَت هذه الأجزاء للبيع في


كلّ أنحاء أوروبا مقابل مبالغ طائلة. ولمّا اشتكى روهان أخيرًا للملكة، فإنّ الأنباء عن عمليّة الشراء الباهظة (الفاحشة) هذه سرت سريان النار في الهشيم. صدّقت العامّة قصّة روهان- أنّ الملكة كانت بالفعل قد اشترت القلادة، وأنّها كانت تدّعي خلاف ذلك. هذه القصّة كانت الخطوة الأولى في دمار سمعتها.
الجميع قد خسر شيئًا في الحياة، وشعر بمرارة الخيبة. فكرة أنّنا نستطيع أن نسترجع شيئًا (كان قد فُقِد)، وأنّ خطأ يمكن تصويبه وإصلاحه، هي فكرةٌ مغويةٌ بشكل هائل. نتيجة الانطباع بأنّ الملكة كانت مستعدّةً لمسامحته عن خطأٍ ما كان قد ارتكبه، صار روهان يهلوس ويهذي بمختلف ضروب الأشياء- إيماءاتٍ لم تَحدُث، رسائل كانت عبارةً عن أردأ أنواع التزوير، بأنّ مومسًا كانت ماري أنطوانيت. العقل عرضةٌ للإيحاء بشكل غير متناهٍ، وتزداد قابليّته للإبحاء عندما تتدخّل الرغبات. ولا يوجد رغبةٌ أقوى من رغبة تغيير الماضي، وتصحيح الخطأ، والتعويض عن خيبة الأمل. أوجِد هذه الرغبات عند ضحاياك، وسيكون خلق حلمٍ جديرٍ بالتصديق أمرًا بسيطًا بالنسبة لك: قلّةً تتمتّع لتبيّن حقيقة وهمٍ تريد تصديقه والإيمان به بشدّة (باستقتال).
الرمز: اليوتوبيا. جميع الناس لديهم رؤيةٌ في ذهنهم عن المكان المثالي حيث يكون الناس لطيفين ونبلاء، وحيث يمكن لأحلامهم أن تتحقّق ولأمانيهم أن تُلَتبى، وحيث تكون الحياة مليئةً بالمغامرة والرومانس. قُد الهدف في رحلةٍ هناك، وامنحهم نظرةٌ خاطفةُ إلى اليوتوبيا عبر الضباب الذي يكتنف الجبال، وسوف يقعون في الحب.
الانقلاب
لا يوجد انقلابٌ لهذا الفصل. إذ لا يمكن لإغواء أن يسير دون خلقٍ وهمٍ، أي خلق إحساسٍ بعالمٍ حقيقيّ لكن منفصل عن الحقيقة.


15
اعزل الضحية
الشخص المعزول هو شخصٌ ضعيف. من خلال عزلٍ ضحاياك ببطء، فإنّك تجعلهم أكثر عرضةً لتأثيرك. قد تكون عزلتهم نفسيّة: من خلال ملء حقل رؤيتهم بالاهتمام الممتع الذي تعيرهم إيّاه، فأنت تُخرِجُ من أذهانهم أيّ شيءٍ آخر. فلا يرون ولا يفكّرون إلّا بك. وقد تكون العزلة مادّيةً أيضًا: فتأخذهم بعيدًا عن أوساطهم الاجتماعية المعهودة- الأصدقاء، العائلة، المنزل. أعطهم الإحساس بكونهم مُهَمَّمشين ومهملين ومنسيّين- فهم يغادرون عالمًا من ورائهم ويلجون عالمًا آخر. ما إن يُعزلوا بهذه الطريقة حتّى يفقدوا الدعم الخارجي، ولدى تشوّشهم يصبح تضليلهم سهلاً. استدرج المُغويَّ إلى عرينك، حيث لا يكون أيّ شيءٍ مألوفًا.


العزل- تأثير الشيء المجلوب
في بداية القرن الخامس قبل الميلاد، هزم فو تشاي، ملك وو الصيني، عدوّه اللدود، كو تشين، ملك يوويه، في سلسلةٍ من المعارك. أُسِر كو تشين وأُجبِر على العمل كسائس خيل في اسطبلات فو تشاي. سُمِحَ له بالعودة أخيرًا إلى الوطن، لكن كان عليه أن يدفع كلّ عام جزيةً كبيرةً من المال والهدايا لفوتشاي. تراكمت هذه الجزية عبر السنين، فازدهرت مملكة وو واغتنى فو تشاي.
أرسل كو تشين في أحد السنين مفوّضيّةً إلى فو تشاي: أرادوا أن يعرفوا إذا كان سيقبل هديّة مكوّنةً من عذراوتين حسناوتين كجزءٍ من الجزية. كان فو تشاي فضوليًّا، فقبل العرض. وصلت الفتاتان بعد ذلك بعدّة أيّام، وسط تلهّفِ شديد، واستقبلهما الملك في قصره. دنت الاثنتان من العرش- كان شعرهنّ مُسَرّحًا بشكلٍ رائع، فيما كان يُعرَف باسم تسريحة «عناقيد الغيوم»، ومزيّنًا بحليّ من اللؤلؤ وأرياش طير الرفراف. أثناء مشيهنّ صارت أقراط اليشب (حجر كريم) المتدليّة من أثوابهنّ تصدر أجمل الأصوات. الهواء كان مليئًا بنوعٍ من العبير المنهج. كان الملك مسرورًا لأقصى درجات الحدود. كانت إحدى الفتاتين تفوق الأخرى جمالاً بمراحل؛ واسمها هسي شه. نظرت في عينيه مباشرةً دون أدنى خجل؛ في الواقع كانت واثقةً ومغناجةً، الشيء الذي لم يكن معتادًا على رؤيته لدى فتاة في مثل هذا السن.
أقام فو تشاي الاحتفالات تخليدًا لهذه المناسبة. امتلأت قاعات القصر بالقاصفين والمعربدين؛ واشتعلت بالنبيذ، ورقصت هسي شيه أمام الملك. غنّت، فكان صوتها جميلاً، اتّكأت على أريكةٍ من اليشب الأبيض فبدت
.....................
في دولة وو كانت تُتخذ إجراءاتٌ عظيمة من أجل استقبال الحسناوتين استقبلهما الملك رسميًّا وهو محاط بوزرائه وكلّ رجال حاشيته. بينما كانتا تقتربان منه فإنّ قلادات اليشب المعلّقة على مشدّيهما أصدرت صوتًا موسيقيًا وكان الهواء عابقًا بعطر عباءتيهما. زيّنت شعرهنّ حليّ اللؤلؤ وريش طائر الرفراف.
• نظر فو تشاي، ملك وو، في عيني هسي شيه المحبّبتين
كإلهة. لم يستطع الملك أن يبارح جانبها. في اليوم التالي صار يتبعها حيثما ذهبت. ويا للدهشة، فقد كانت ظريفةً، حادّة الذهن، وواسعة الاطّلاع، وكانت تستطيع الاستشهاد بمقاطع من الأدب الكلاسيكي على نحوٍ أفضل منه. عندما كان يتركها لينصرف إلى شؤون الملك، فإنّ عقله كان مُعبّأ بصورتها. سرعان ما صار يجلبها لتحضر مداولاته (اجتماعاته)، ويطلب نصيحتها فيما يخصّ الشؤون الهامّة. أشارت عليه بأن يصغي بشكل أقلّ لوزرائه؛ فقد كان أحكم منهم، ومحاكمته للأمور أرجح وأرفع مقامًا من محاكمتهم.
تنامت سطوة شيه يومًا بعد يوم. إلّا أنّ كل هذا لم يجعل من إرضائها أمرًا سهلاً؛ إذا قعد الملك عن تلبية أمنيةٍ ما لها، فإنّ عينيها كانت تغرورقان بالدموع، الأمر الذي كان يفطر قلبه، فيضطرّ للإذعان. في أحد الأيّام ترجّته أن يبني لها قصرًا خارج العاصمة. بالطبع، التي لها طلبها. وذُهِل بروعة القصر عندما زاره، وبالرغم من أنّه من قام بدفع التكاليف إلّا أنّ هسي شيه هي من قامت بملئه بأبهظ الأثاث. احتوت الأرض المحيطة بالقصر على بحيرة صناعيّة تَصِل بين أطرافها جسورٌ من الرخام. صار فو تشاي يمضي وقته هناك أكثر فأكثر، فيجلس بجانب المسبح ويراقب هسي شيه وهي تمشّط شعرها، مستخدمةً المسبح كمرآة. كان يراقبها وهي تلاعب عصافيرها في أقفاصها المطرّزة بالمجوهرات، أو ببساطة وهي تمشي عبر القصر مثل صفصافةٍ يداعبها النسيم. انقضت الأشهر وهو قابعٌ في القصر. فوّت الاجتماعات، تجاهل عائلته وأصدقاءه، وأهمل الشأن العام. وفقد الإحساس بالزمن. عندما قدمت إليه مفوّضيّةٌ للتحدّث معه عن أمورٍ طارئة، كان مشتّتًا أكثر بكثير من أن يسمع. إذا كان أيّ شيءٍ ما خلا هسي شيه يشغل وقته، فإنّه كان يعصف به القلق إلى درجة غير محمولة خوفًا من أن يكون قد غضبت.
أخيرًا ذاعت الأنباء عن أزمة متفاقمة: الثروة التي كان قد أنفقها على القصر قد أفلَسَت الخزينة، ما أثار سخط الشعب. عاد إلى العاصمة، لكن بعد فوات الأوان: كان جيشٌ من مملكة يوويه قد غزا وو، وبلغ العاصمة. ضاع كلّ شيء. لم يكن لدى فو تشاي الوقت ليرجع إلى عند معبودته
.....................
(472-945 ق.م.) ونسي شعبه ودولته. الآن فإنّها لم تُشَح بوجهها وتتورّد خجلاً كما كانت قد فعلت قبل ثلاث سنوات قرب الجدول الصغير. كانت أستاذة كاملةً في فنّ الإغواء وعلمت كيف نشجّع الملك كي ينظر ثانيةٌ بالكاد لاحظ فوتشاي الفتاة الأخرى، التي لم تشدّه مفاتنها الهادئة. لم ينظر إلّا إلىّ هسي شيه، وقبل أن ينصرف الحضور فإنّ أولئك الذين في البلاط أدركوا أنّ الفتاة ستكون قوّةً يُحتسبُ لها حساب وأنّها ستكون قادرةٌ على التأثير في الملك أكان ذلك التأثير حميدًا أم خبيثًا... من بين جميع القاصفين في قصور وو، فإنّ هسي شيه رمت بشباك سحرها على قلب الملك القابل للانسحار...


هسي شيه. أثر الانتحار بدلاً من أن يدع نفسه يُؤسَر من قبل ملك يوويه، الرجل الذي خدم فيما مضى في اسطبلاته.
لم يكن يعلم أنّ كو تشين كان يحيك هذا الغزو لسنوات، وأنّ إغواء هسي شيه المُحكَم والمدروس كان الجزء الرئيس في خطّته.
التفسير. أراد كوتشين التأكّد من أنّ لوو لن يفشل. عدوّه لم يكن جيوش فو تشاي، أو ثروته وموارده، وإنّما عقله. إذا أمكن إلهاؤه لدرجة كبيرة، أي أن يُملأ عقله بشيءٍ غير شؤون الدولة، فإنّه سيسقط مثل ثمرةٍ يانعة.
وجد كو تشين أجمل فتاةٍ على الإطلاق في كلّ مملكته. ودرّبها لمدّة ثلاث سنوات في جميع الفنون- ليس على مجرّد الغناء، والرقص، والكتابة بخطًّ جميل، وإنّما على كيفيّة اللباس والتحدّث ولعب دور المغناج. ففعل الأمر فعله: لم تترك هسي شيه لفو تشاي لحظةً من الراحة. كلّ شيءٍ فيها كان غريبًا وغير مألوف. كان كلّما ازداد اهتمامًا بشعرها وتقلّباتها ونظراتها وبطريقة مشيهًا، نقص تفكيرًا وعنايةً بالسياسة والحرب.
جميعنا اليوم ملوكٌ نحمي ممالك حيواتنا البالغة الصّغر، ومُثقَلون بجميع أنواع المسؤوليّات، ومُحاطونَ بالوزراء والمستشارين. يتشكّل جدارٌ من حولنا- نحن منيعون وحصينون أمام تأثير الناس الآخرين، لأنّنا مشغولون للغاية. عليك إذن وعلى غرار هسي شيه أن تستدرج أهدافك بلطفٍ وبطءٍ بعيدًا عن الأمور التي تملأ أذهانهم. وأكثر شيءٍ سيستدرجهم إلى خارج قلاعهم هو نفحة الغرابة أو الفرادة. قدّم شيئًا غير مألوف من شأنه أن يسحرهم ويأسر انتباههم. كن مختلفًا في سلوكك ومظهرك، وغلّفهم بعالمك المختلف هذا. أبقِ أهدافك في حالة عدم توازن من خلال تغييرات مزاجٍ مغناجيّة. لا تقلق من كون الفوضى (الاضطراب) التي تمثّلها تجعلهم عاطّفيّين- فهذا علامةٌ لضعفهم المتزايد. معظم الناس متأرجحون ومتناقضون: فمن ناحيةٍ هم يشعرون بالراحة إزاء عاداتهم وواجباتهم، ونمن ناحيةٍ أخرى فقد سئموا منها، وجاهزين لأيّ شيءٍ يبدو دخيلاً، أي يبدو أنّه فقد جُلِبَ من مكانٍ آخر. قد يقاومون أو تنتابهم الشكوك لكن الملذّات
.....................
«بعد أن أسكرها الخمر، فقد بدأت بغناء/ أغاني وو لترضي الملك الأحمق؛ ومزجت بخفاءٍ في رقصة التسو ما بين الحركات الإيقاعية وغاياتها الحسيّة.» ... لكن كان بإمكانها أن تفعل أكثر من مجرّد الغناء والرقص لتسلّي الملك. كانت تتمتّع بالدهاء، وأذهله فهمها لشؤون السياسة. عندما كانت تريد أيّ شيء فإنّه كان يمكنها أن تذرف الدموع التي كانت تحرّك مشاعر عاشقها لدرجة أنّه لم يكن بإمكانه أن يرفض لها شيئًا. لأنّها كانت، كما قال فإن لي، الأثيرة والوحيدة، هسي تشي التي لا تُضاهى، والتي جذبت شخصيّتها المغناطيسيّة الجميع، والعديد رغمًا عن إرادتهم حتُى...


الغريبة لا يمكن مقاومتها. بقدر ما تستطيع إدخالهم إلى عالمك، بقدر ما يصبحون ضعفاء. وكما حدث مع ملك وو: في الوقت الذي يدركون فيه ما حصل، يكون قد فات الأوان.
العزل- تأثير «أنت وحدك»
في عام 1948، كانت الممثّلة الأمريكيّة ريتا هيوورت البالغة من العمر التاسعة والعشرين، والمعروفة بإلهة الحب في هوليوود، تمرّ في فترةٌ صعبةٌ من حياتها. كان زواجها من أورسون ويليّس ينهار، وأمّها قد توفيّت، وبدت مسيرتها الفنيّة في حالة توقّف. توجّهت في ذلك الصيف إلى أوروبا. ويلّيس كان في إيطاليا في ذلك الوقت، وفي قرارة نفسها كانت تحلم بالمصالحة.
توقّفت ريتا أوّلاً في الريفييرا الفرنسيّة (الريفييرا هي المنطقة الساحليّة من جنوب شرق فرنسا وشمال غرب إيطاليا والمحاذية للبحر المتوسّط: المترجم) انهمرت الدعوات، وخاصّةً من الرجال الأثرياء، كونها كانت تُعتَبَر في ذلك الزمان المرأة الأجمل على سطح الأرض. أرسطو أوناسيس وشاه إيران اتّصلاً بها هاتفيًّا كلّ يومٍ تقريبًا، التماسًا (توسّلاً) لموعد. خذلتهم جميعًا. بعد وصولها بعدّة أيّام، تلقّت دعوةً من إلسا ماكسويل، المضيفة البارزة في المجتمع، التي كانت تقيم حفلةٌ صغيرة في كان. تردّدت ريتا في القبول لكن ماكسويل أصرّت، وطلبت منها أن تشتري ثوبًا جديدًا، وتأتي متأخّرةً بعض الشيء، وتدخل بطريقة مهيبة.
سايرت ريتا، فوصلت إلى الحفلة وهي ترتدي عباءةً إغريقيّة بيضاء، بينما انسدل شعرها الأحمر على كتفيها العاريين. تمّ استقبالها بردّ فعلٍ كانت قد اعتادت عليه: توقّفت كلّ المحادثات بما أنّ كلاًّ من الرجال والنساء التفتوا في كراسيهم نحوها، حدّق الرجال بذهول، والنساء بغيرة. أسرع رجلٌ إلى جانبها ورافقها إلى الطاولة. لقد كان الأمير علي خان البالغ من العمر السابعة والثلاثين، ابن الإمام آغا خان الثالث، الذي كان زعيم الطائفة الاسماعيليّة في العالم وواحدًا من أغنى الرجال في العالم. حُذِّرَت ريتا بشأن علي خان، زير النساء الذائع الصيت. وياللخيبة، فقد أُجلِسا بجانب بعضهما البعض، ولم يبارح جانبها قطّ. سألها مليون سؤال- عن هوليوود، عن
.....................
ستارات الحرير المطرّزة بالمرجان والجواهر، الأثاث الذي يبتعث الشذا والبارافانات المرصّعة باليشب وعرق اللؤلؤ كانت من بين وسائل الترف التي أحاطت المحظيّة... على واحدةٍ من الهضاب قرب القصر كان يوجد بركةٌ مشهورة من المياه الصافية اليت صارت تُعرّف من ذلك الحين فصاعدًا ببركة ملك وو. هنا، لتسلّي عاشقها، كانت هسي شيه تقوم بتبرّجها، مستخدمةً البركة كمرآة بينما كان الملك المتيم يمشّط شعرها...
- إلواز تالكوت هيبرت، الشاش المطرّز: لوحات عن سيّدات صيّيات شهيرات
في القاهرة التقى علي


اهتماماتها، وهلّم جرًّا. بدأت بالاسترخاء قليلاً وانفتحت. كان هنالك نساءً جميلاتٌ أخريات، أميرات، ممثَلات، لكن علي خان تجاهلهم جميعًا، وتصرّف وكأنّ ريتا كانت المرأة الوحيدة هناك. راقصها، وبالرغم من أنّه كان راقصًا محترفًا، إلّا أنّها لم تشعر بالارتياح معه- فقد أمسك بها على نحوٍ أقرب من اللازم بقليل. ومع ذلك، فقد وافقت على أن يقلها إلى الفندق الذي كانت تنزل فيه عندما عرض ذلك. قاد السيارة بسرعة على طريق الكورنيش الرئيسي؛ وكانت ليلةً جميلة. لليلةِ واحدةٍ تدبّرت أن تنسى مشاكلها العديدة، وكانت ممتنّةً لذلك، لكنّها كانت لا تزال مغرمةً بويلّيس، وعلاقةٌ مع زير نساء مثل علي خان لم تكن الشيء الذي يلزمها.
اضطرّ علي خان للسفر (جوًّا) لبضعة أيّام بخصوص عمل؛ فتوسّل إليها كي تبقى في الريفييرا إلى حين عودته. بينما كان بعيدًا، هاتفها بشكلٍ مستمرّ. كلّ صباح كانت تصلها باقة أزهار عملاقة. بدأ منزعجًا على الهاتف بشكلٍ خاصّ من كون شاه إيران كان يحاول جاهدًا أن يلتقي بها، وجعلها تقطع وعدًا بأن تلغي موعدًا (مع الشاه) كانت قد وافقت عليه أخيرًا. خلال هذا الوقت، زار عرّافٌ غجريّ الفندق، ووافقت ريتا على أن يتنبّأ لها بمستقبلها. أخبرها، «أنت على وشك أن تخوضي أعظم تجربة غراميّة في حياتك. هو شخصٌ أنت تعرفينه مسبقًا... عليك أن تَليني وتستسلمي له بشكل كلّي. فقط إذا فعلتِ هذا، فستجدين السعادة بعد
طول انتظار.» كونها لم تكن تعرف من يمكن أن يكون هذا الرجل فإنّ ريتا، التي لديها ضعف إزاء مسائل السحر والتنجيم، قرّرت أن تمدّد إقامتها. رجع علي خان؛ وأخبرها أنّ قصره الريفي المُطِلّ على البحر المتوسّط كان المكان الأمثل لتهرب من الصحافة وتنسى متاعبها، وأنّه مستعدٍّ لأن يتأدّب ويسلك سلوكًا حسنًا. لانت ريتا وقبلت. الحياة في القصر كانت أشبه بقصّةٍ خرافيّة؛ فحيثما التفتت، كان هنالك مساعدوه الهنود ليُعنوا بكلّ مطالبها وأمنياتها. في الليل كان يأخذها إلى قاعة الرقص الهائلة الخاصّة به، حيث كانا يرقصان لوحدهما. هل من الممكن أن يكون هو الرجل الذي قصده العرّاف.
دعا علي خان أصدقاءه ليلتقوا بها. ضمن هذه العشرة الأجنبيّة (الغريبة) شعرت بالوحدة مجدّدًا، وبالاكتئاب؛ قرّرت أن تغادر القصر. عندئذٍ فقط، كما لو أنّه كان قد قرأ أفكارها، انطلق بها علي خان نحو
.....................
بالصدفة بجوليبت جريكو [المعنّية] ثانيةً. طلب منها أن يراقصها. «لديك سمعة سيّئة للغاية،» كان ردّها. أصرّ بقوله، «سنجلس بشكلٍ بعيدٍ جدًا عن بعضنا البعض.» «ماذا تفعلين غدًا؟» غدًا سأستقلّ طائرةً نحو بيروت.» عندما صعدت على متن الطائرة. كان علي على متنها قبلاً، وهو يبتسم لتفاجئها ابتسامةً عريضة... جلست [جريكو] بتراخٍ على كرسيها ذي الذراعين في منزلها الباريسيّ وهي ترتدي بنطلونها الضيّق المصنوع من الجلد الأسود وكنزةً سوداء وأبدت هذه الملاحظة: «يقولون أنّني امرأةٌ خطيرة. حسنٌ، إنّ علي رجلٌ خطير. كان ساحرًا بطريقةٍ خاصّةٍ للغاية. هنالك نوعٌ من الرجال يتّصف بذكاءٍ حادً جدًّا مع


اسبانيا، البلد الذي سحرها أكثر من أيّ بلدٍ آخر. سمعت الصحافة بالعلاقة، وبدأت بتعقّبهم في اسبانيا: ريتا كان لديها ابنة من ويلّيس- فهل هذه كانت الطريقة التي تتصرّف بها الأمّهات؟ سمعة علي خان لم تساعد، لكنّه وقف بجانبها، وحماها من الصحافة بقدر استطاعته.
طلب يدها للزواج قبل نهاية الرحلة بقليل. رفضته؛ إذ أنّها لم تعتقد أنّه كان من ذلك الصنف من الرجال الذي يجدر الزواج بهم. لحق بها إلى هوليوود، حيث كان أصدقاؤها السابقون أقلّ ودًّا من ذي قبل- حمدًا لله أنّه كان لديه علي خان ليساعدها. بعد سنةٍ من ذلك استسلمت أخيرًا، وتخلّت عن مهنتها، وانتقلت إلى قصر علي خان وتزوّجته.
التفسير. علي خان، كالعديد من الرجال، وقع في حبّ ريتا هيوورت لحظة مشاهدته لفيلم جيلدا، في عام 1948، صمّم على أن يغويها بطريقةٍ أو بأخرى، ما إن سمع بأنّها قادمةٌ إلى الريفييرا، حتّى حمل صديقته إلسا ماكسويل على استدراجها للحفلة وإجلاسها بجانبه. علم عن انهيار زواجها، وكم أنّها كانت حسّاسةً في ذلك الوقت. كانت استرتيجيّته أن يخرج من ذهنها كلّ الأشياء الأخرى في عالمها- المشاكل، الرجال الآخرين، الارتياب فيه وبدوافعه، إلخ. بدأت حملته بإظهار الاهتمام البالغ بحياتها- اتّصالات مستمرّة، أزهار، هدايا، كلّها لتبقيه في ذهنها. رتّب موضوع العرّاف لكي يغرس البذرة. قدّمها إلى أصدقائه، وذلك عندما بدأت تميل نحوه، علمًا منه بأنّها ستشعر بالغربة (العزلة) بينهم، وبالتالي ستصبح معتمدةً عليه. توضّح اعتمادها عليه في الرحلة إلى اسبانيا، حيث كانت على أرضٍ غير مألوفة، ومحاصرة من قبل الصحفيّين، ومُجبَرةً على التشبّت أو التعلّق به من أجل المساعدة. صار يسيطر على أفكارها بالتدريج. حيثما التفتت، كان هنالك. استسلمت أخيرًا، بدافعٍ من الضعف والدعم الذي مثّله اهتمامه لغرورها. نسيت، بعد أن وقعت تحت سحره، بشأن سمعته الرديئة، وتخلّت عن الشكوك التي كانت الشيء الوحيد الذي يحميها منه.
لم يكن شكل علي خان أو ثروته ما جعله مغويًا عظيمًا. لم يكن في
.....................
النساء. هو يأخذك إلى المطعم وإذا دخلت أكثر النساء جمالاً فإنّه لا ينظر إليها. يجعلك تشعرين أنّك ملكة. بالطبع أنا أفهم هذا. ولا أصدّقه. سأضحك وأشير إلى المرأة الجميلة. لكن هذا ما أنا عليه... معظم النساء يشعرن بسعادة بالغة نتيجة ذلك النوع من الانتباه. إنّه محض زهوً وخُيَلاء. إذ تفكّر، سأكون الوحيدة وستغادر الأخريات: «... مع علي، فإنّ كيفيّة شعور المرأة كان أهمّ شيء... لقد كان ساحرًا عظيمًا، ومغويًا عظيمًا. كان يجعلك تشعرين بأنّك على ما يُرام وأنّ كلّ شيءٍ كان سهلاً. ما من مشاكل. لا شيء لتقلقي بشأنه. أو تأسفي عليه. لقد كان الأمر دائمًا، «ماذا أستطيع أن


الواقع وسيمًا جدًّا، وكانت كفّة سمعته السيئة أكثر من راجحة على كفّة ثروته. كان نجاحه استراتيجيًّا: عزل ضحاياه، وعمل ببطءٍ وخفاءٍ شديدين لدرجة أنّهم لم يلاحظوا ذلك. عندما كان يهتمّ بالمرأة فإنّه كان يفعل ذلك بشدّةٍ تجعل المرأة تشعر بأنّها الوحيدة في العالم بالنسبة له. هذا العزل كان يُعاشُ كمتعة؛ لم تكن المرأة تلاحظ اعتمادها المتنامي عليه، وكيف أنّ الطريقة التي يشغل بها عقلها باهتمامه، تعزلها ببطء عن أصدقائها ووسطها. كان تأثيره المسكر على الأنا الخاصّ بالمرأة يطغى على شكوكها الطبيعيّة بالرجل. كان علي خان في كلّ الأحيان تقريبًا يتوّج إغواءاته بأخذ المرأة إلى مكانٍ ما ساحر من أرجاء المعمورة- إلى مكانٍ كان يعلمه جيّدًا، لكن حيث كانت المرأة تشعر بالضياع.
لا تمنح أهدافك الزمان أو المكان ليقلقوا بشأنك، أو يشتبهوا بك، أو يقاوموك، اغمرهم بنوع الاهتمام الذي يطرد ويُبعد جميع الأفكار، الهموم، والمشاكل. تذكّر- الناس يتوقون سرًّا لأن يُضَلّلوا من قبل شخصٍ يعلم إلى أين هم ذاهبون. قد يكون شيئًا ممتعًا أن تطلق لنفسك العنان، وحتّى أن تشعر بأنّك معزولٌ وضعيف، وذلك إذا عُمِلَ الإغواء ببطء ولباقة.
ضعهم في بقعةٍ حيث لا يكون عندهم مكانٌ ليفزعوا إليه، وسيموتون قبل أن يفرّوا.
- سن- تسو
المفاتيح للإغواء
الناس من حولك قد يبدون أقوياء ومتحكّمين بحياتهم بدرجةٍ تزيد أو تنقص قليلاً، لكن هذا مجرّد مظهر كاذب. تحت ذلك المظهر مباشرةً، يكون الناس أكثر هشاشةً ممّا يدّعون. ما يجعلهم يبدون أقوياء هو سلسلة الأعشاش وشبكات الأمان التي يحيطون أنفسهم بها- أصدقاءهم، أسرهم، روتينهم اليومي، التي تمنحهم شعورًا بالاستمراريّة، الأمان، والتحكم. اسحب بشكلٍ مفاجئ البساط من تحتهم، ارمهم لوحدهم في مكانٍ ما أجنبيٍّ حيث تكون
.....................
أعمل لأجلك؟ ماذا تحتاجين؟ بطاقات سفرٍ بالطائرة، سيّارات، زوارق؛ تشعرين وكأنّك على غيمةِ زهريّة.»
- ليونارد سلاتر، علي: سيرة ذاتّية
أن: ألم تقتل هذا الملك [هنري الرابع]؟ / أسلّم بذلك.../ آن: وأنت غير جديرٍ بأيّ مكانٍ سوى الجحيم. / ريتشارد: نعم، ومكانٌ آخر، إذا سمحت لي بتسميته. / آن: زنزانةٍ ما. / حجرة نومك، آن: سأنام خارج الغرفة! / ريتشارد: فليكن يا أيّتها المدام، إلى أن أنام معك... لكن يا سيّدتي الرقيقة آن .../ أليس سبّب الميتات السرمديّة/ لفردّي أسرة بلانتجينيت الحاكمة، هنري وإدوارد، / بمستحقٌ


نقاط العلاّم المألوفة قد ذهبت أو اختلطت، وسوف ترى شخصًا مختلفًا بالكامل.
من الصعب إغواء الهدف القوي والمستقرّ. لكن حتّى أقوى الناس يمكن أن يُجعَلوا هشّين إذا استطعت عزلهم عن أعشاشهم وشبكات أمانهم، احجب عنهم أصدقاءهم وأسرتهم بوجودك المتواصل، أبعدهم عن العالم المعتادين عليه، وخذهم إلى أماكن لا يعرفوها. احملهم على إمضاء الوقت في بيئتك. تعمّد تشويش عاداتهم، واحملهم على عمل أشياء لم يفعلوها من قبل. سيتهيّجون عاطفيًّا، الأمر الذي يسهّل عمليّة تضليلهم. أخفِ كلّ هذا في قالبٍ من التجربة الممتعة، وستستيقظ أهدافك ذات يوم وقد أُبعدت عن كلّ شيءٍ يريحهم عادةً. عندها سيلجؤون إليك من أجل المساعدة، كطفلٍ يبكي طلبًا لأمّه عندما تُطفَأ الأضواء. في الإغواء، كما في الحرب، يكون الهدف المعزول ضعيفًا وعرضةً للسقوط.
في رواية كلاريسّا لسامويل ريتشاردسون، التي كُتِبَت في عام 1748، يحاول الخليع لوقلايس إغواء البطلة الجميلة للرواية. كانت كلاريسّا يافعة، عفيفة، ومُصانةً جدًّا من قبل عائلتها. لكنّ لوقلايس مغوٍ ماكر ومخادع. يتودّد بدايةً إلى أخت كلاريسّا، آرابيلاّ. القران بين الاثنين يبدو جائزًا. بعد ذلك يحوّل انتباهه فجأةً نحو كلاريسّا، لاعبًا بهذا على أوتار التنافس ما بين الأخوة ليجعل أرابيلاً تتميّز غيظًا. يغضب أخوهم جايمس من تقلّب عواطف لومقلايس؛ فيتقاتل معه، ويصاب. تصبح العائلة كلّها في حالة هياج وتتّحد ضد لوقلايس، الذي يتدبّر مع ذلك تهريب رسائل إلى كلاريسّا، وزيارتها عندما كانت في منزل صديقتها. تكتشف الأسرة الأمر، وتتّهمها بعدم الولاء والإخلاص. إلّا أنّ كلاريسّا بريئة؛ فهي لم تشجّع لوقلايس على إرسال الرسائل أو القيام بالزيارات. لكنّ أسرتها تقرّر الآن تزويجها من رجلٍ مسنًّ وغنيّ. وحيدةً في هذا العالم، وعلى وشك الزواج من رجلٍ تجده منفّرًا، لذا تلجأ إلى لوفلايس بوصفه الشخص الوحيد الذي يستطيع إنقاذها من هذه الورطة. ينقذها في آخر المطاف بأخذها إلى لندن، حيث تستطيع الإفلات من هذا الزواج المقيت، لكن حيث تكون أيضًا معزولةً بشكلٍ شديد وميئوسٍ منه. ترقّ عواطفها نحوه في مثل هذه الظروف. كلّ هذا كان مُنَشّقًا ببراعة
.....................
اللّوم مثل الجلاّد؟ / آن: أنت كنت السبب والنتيجة الملعونة بالمطلق. / ريتشارد: جمالك كان سبب تلك النتيجة-/ جمالك، الذي انتابني في نومي/ أنا مستعدًّ لأن أتولّى موت كلّ العالم، مقابل أن أحيا ساعةً واحدةً في حضنك الرقيق.
- ويليام شيكسبير، مأساة الملك ريتشارد الثالث
يا طفلي، يا شقيقتي، احلموا/ كم ستبدو كلّ الأشياء جميلةً/ إذا عشنا سوّيةً في تلك الأرض الطيّبة، / وأحببنا على نحوٍ متمهّل ومديد، / وأحببنا ومتنا بين/ تلك المشاهد التي تصوّرك، يا ذلك الطقس الرائع. / الشموس المحجوبة التي تضيء بوهنٍ


من قبل لوفلايس نفسه- الاضطراب الذي أصاب العائلة في الصميم، إقصاء كلاريسّا في آخر الأمر عن أسرتها، السيناريو بأكمله.
غالبًا ما يكون أسوأ أعدائك في الإغواء هم عائلات أهدافك وأصدقاؤهم. هم يكونون خارج دائرتك ومنيعين لسحرك؛ وقد يقدّمون صوت منطقٍ للمَغويّ. عليك أن تعمل بصمتٍ وخفاء كي تبعد الهدف عنهم. دسّ في ذهنهم بطريقةٍ غير مباشرة بأنّهم غيارى من حظِّ هدفك في إيجادك، أو بأنّهم أشبه بالآباء والأمّهات (رموز سلطةٍ أبويّة) الذي خسروا حسّ المغامرة. الحجّة الثانية تكون فعّالةً للغاية مع الأشخاص اليافعين، الذين تكون شخصيّاتهم في حالة تدفّق والذين يكونون أكثر من جاهزين لأن يتمرّدوا ويثوروا ضدّ أيّ رمزٍ للسلطة، وخاصّةً آباؤهم. أنت تمثّل الإثارة والحياة؛ الأصدقاء والآباء يمثّلون العادة والضجر.
في رواية شكسبير، مأساة الملك ريتشارد الثالث، يقوم ريتشارد باغتيال الملك هنري السادس وابنه الأمير إدوارد، وذلك عندما كان لا يزال دوقًا لغلاوسستر. بعد ذلك بفترةٍ قصيرة يبادر اللايدي آن بالكلام، وهي أرملة الأمير إدوارد، التي تعرف بما كان قد فعله بحقّ أقرب رجلين إليها، والتي تكرهه بأقصى ما تستطيع المرأة أن تكره. ومع ذلك يحاول ريتشارد إغواءها. طريقته بسيطة: يخبرها أنّ ما فعله كان بسبب حبّه لها. أراد ألاّ يوجد أيّ شخصٍ في حياتها إلاّه. مشاعره كان قويّةً لدرجةٍ دفعته إلى القتل. بالطبع فإنّ اللايدي آن لم ترفض طريقة المنطق هذا وحسب، لا بل واشمأزّت منه ومقتته. لكنّه يثابر. آن تكون في لحظةٍ من الضعف والهشاشة الشديدين- فهي لوحدها في هذا العالم، من دون أيّ شخصٍ ليساعدها وهي في قمّة حزنها. وصار لكلماته أثر، الأمر الذي لا يمكن أن يُصدّق.
القتل ليس تكتيكًا إغوائيًا، لكنّ المُغوي يمثّل نوعًا من القتل- قتلاً نفسيًّا. ارتباطاتنا الماضية تشكّل حاجزًا أمام الحاضر. حتّى الناس الذين تركناهم خلفنا يمكنهم أن يستمرّوا بتقييدنا وكبحنا. كمُغوي سيتمّ المناظرة ما بينك وبين الماضي، أي ستُقارَن بالمتودّدين السابقين، ولربّما يجدك هدفك أدنى مرتبةً. لا تدع الأمر يصل إلى ذلك الحدّ. أقصِ الماضي وأبعده من خلال انتباهك واهتمامك في الحاضر. جد طريقةً للحطّ من قدر أحبّائهم
.....................
هنالك/ عبر السماء المكفهرّة بالغيوم/ تؤثّر بي بغموضٍ كهذا الذي يظهر/ في تلك السماوات الأخرى لعينيك الغرّارتين/ عندما أنظر إليهما وهما تشعّان عبر دموعهما. هناك، لا يوجد شيءٌ غير الرحمة والاعتدال، / الغنى، الهدوء، والمتعة ... / انظر، في تلك القنوات الساكنة/ تلك السفن النعسانة المحتمية من الأمواج/ التي تحلم بالإبحار قدمًا؛ / من أجل أن ترضي/ أقلّ أمانيك، فإنّها تجيء إلى هنا عبر كلّ مياه الأرض. / الشمس في نهاية النهار/ تكسو حقول القشّ، / بعدئذٍ القنوات، وأخيرًا كامل البلدة/ يلون الياقوت الأزرق والذهب: / رويدًا فإنّ الأرض تترنّح/ نحو النوم تحت بحرٍ من النار اللطيفة. / هناك، هناك، لا


السابقين إذا كان ذلك ضروريًّا- بخفيةٍ أو ليس بكثيرٍ من الخفية، تبعًا للموقف. بل وامضِ في ذلك كلّ البعد كأن تنكأ الجروح القديمة، فتجعلهم يشعرون بالآلام القديمة ويرون بالمقارنة كم أنّ الحاضر أفضل. بقدر ما تعزلهم عن ماضيهم، بقدر ما سيغوصون معك بعمق في الحاضر.
يمكن أن يُؤخَذ مبدأ العزل بحرفيّة من خلال أخذ الهدف إلى مكانٍ غريب. هذه كانت طريقة علي خان؛ جزيرةً معزولةٌ كانت تؤدّي الغرض كأفضل ما يكون، وبالفعل فإنّ الجزر، المعزولة عن بقيّة العالم، لطالما اقترنت بالسعي وراء الملذّات الحسيّة. انحطّ الإمبراطور الروماني تيبيريوس إلى مستوى الفسوق بمجرّد أن بنى بيته على جزيرة كابري. خطر السفر هو أنّ أهدافك يكونون مُعرّضين لك (مكشوفين) بشكلٍ حميم- من الصعب أن تحافظ على سيماء الغموض. لكنّك إذا أخذتهم إلى مكانٍ مغرٍ بما فيه الكفاية ليصرف انتباههم، فستمنعهم عنده من رؤية أيّ شيءٍ عاديٍّ أو مبتذلٍ في شخصيتّك. استدرجت كليوباترة يوليوس قيصر ليقوم برحلةٍ نهريّة باتّجاه مصبّ النيل. ازدادت عزلته عن روما بازدياد توغّله في مصر، وكانت كليوباترة أكثر إغواءً من أيّ وقتٍ مضى. المغوية السحاقيّة ناتالي بارني في بداية القرن العشرين كان لديها علاقة متقطّعة مع الشاعرة رينيه فيفيين، لكي تكسب ودّها مجدّدًا، أخذت رينيه إلى جزيرة ليزيوس التي كانت ناتالي قد زارتها العديد من المرّات. من خلال فعلها هذا لم تعزل رينيه وحسب لا بل ونالت حظوتها وصرفت انتباهها من خلال الارتباطات التي يحملها المكان (اشتُقَّت من اسم الجزيرة كلمة ليزبيان في الإنكليزيّة والتي تعني السحاقيّة، إذ زُعَم أنّ السحاق كان شائعًا بين نسائها: المترجم)، الذي كان موطنًا لسافو، الشاعرة السحاقيّة الأسطوريّة. بلغ الأمر حدًّا صارت معه فيفيين تتخيّل أنّ ناتالي كانت سافو نفسها. لا تأخذ الهدف إلى مجرّد أي مكان؛ وإنّما اختر المكان الذي يحمل الارتباطات الأكثر فعّاليّة.
السطوة الإغوائيّة للعزل تمتدّ إلى ما بعد العالم الجنسي. عندما كان موالون ومشايعون جدد ينضمّون إلى حلقة الأتباع المتفانين لغاندي، فقد كانوا يُشَجْعَون على قطع صلاتهم بالماضي- بعائلاتهم وأصدقائهم. هذا النوع من النكران كان شرطًا للعديد من الفرق الدينيّة عبر القرون. الناس الذين يعزلون أنفسهم بهذه الطريقة يكونون أكثر عرضةً بكثير للتأثّر
.....................
يوجد شيءً غير الرحمة والاعتدال، / الغنى، الهدوء، والمتعة.
- شارل بودلير، «دعوة إلى رحلة بحريّة،» زهور الشر، ترجمة ريتشارد ويلبر


والاقتناع. السياسي الكاريزماتي يتغذّى على بل وحتّى يشجّع شعور الناس بالإبعاد والإقصاء. فعل جون إف. كينيدي هذا إلى درجة كبيرة عندما دمّ سنوات حكم آيزنهاور بشكلٍ خفيّ؛ فقد أشار إلى أنّ الرخاء الذي امتازت به الخمسينات قد أدّى إلى التنازل عن بعض المثاليّات الأمريكيّة. دعا الأمريكيّين لينضمّوا إليه في حياةٍ جديدة مليئة بالمخاطرة والإثارة، فيما يُعرّف «بالحدّ أو التخم الجديد». لقد كانت تلك الدعوة إغراءٍ مغويًا للغاية، وخاصّةً للشباب، الذين كانوا داعمي كينيدي الأكثر حماسةً.
أخيرًا، في مرحلةٍ ما من الإغواء يجب أن يكون هناك أثرٌ من الخطر في المزيج. يجب أن تَشعُر أهدافك بأنّها تكسب مغامرةً عظيمة من خلال لحاقها بك، ولكنّهم في نفس الوقت أيضًا يخسرون شيئًا- جزءًا من ماضيهم، وراحتهم العزيزة على قلوبهم. شجّع بشكلٍ فعّال هذه المشاعر المتضاربة. عنصرٌ من الخوف يؤدّي دور التوابل الملائمة؛ بالرغم من أنّ كثيرًا من الخوف يؤدّي إلى الضعف والعجز، إلّا أنّ جرعاتٍ قليلةٌ منه تجعلنا نشعر بأنّنا أحياء. مثل القفز من الطائرة، فهو شيءٌ مثيرٌ ومشوّق، لكن في نفس الوقت مخيفٌ قليلاً. والشخص الوحيد هنالك ليضع حدًّا للسقوط، أو يمسكهم، هو أنت.
الرمز: عازف المزمار متعدّد الألوان. رجلٌ مرحٌ في عباءته الحمراء والصفراء، يستدرج الأطفال من منازلهم بواسطة النغمات السارّة للفلوت الخاصّ به. ينسحر الأطفال، فلا يعودون يلاحظون كم ابتعدوا في مشيهم، وكيف أنّهم تركوا عائلاتهم من خلفهم. هم لا يلاحظون حتّى الكهف الذي يقودهم إليه في آخر المطاف، والذي ينغلق عليهم إلى الأبد.


الانقلاب
إنّ مخاطر هذه الاستراتيجية بسيطة: اعزل شخصًا بسرعة أكبر من اللازم وسوف تُحدِث إحساسًا بالهلع قد يؤدي إلى لجوء الهدف للهرب. العزل الذي تجيء به يجب أن يكون تدريجيًّا ومُقنّعًا بقناع المتعة- متعة معرفتهم إيّاك، وتركهم للعالم خلفهم. في جميع الأحوال، فإنّ بعض الناس يكونون أكثر هشاشةً من أن يُبتَروا من قاعدة دعمهم. المحظيّة العظيمة المعاصرة باميلا هاريمان كان لديها حلٍّ لهذه المشكلة: عزلت ضحاياها عن عوائلهم، وعن زوجاتهم السابقات أو الحاليّات، وأحلّت بسرعة في محلّ تلك الصلات القديمة أسباب راحةٍ ورفاهيّةٍ جديدة لعشّاقها. غمرتهم بالاهتمام، واعتنت بكلّ حاجاتهم. في حالة آفريل هاريمان، الملياردير الذي تزوّجها في آخر المطاف، فإنّها أسّست بالمعنى الحرفي منزلاً جديدًا له، منزلاً لم يكن يحمل أيّ ارتباطاتٍ بالماضي ومليئًا بمُتَعِ الحاضر. ليس من الحكمة أن تبقيّ المَغويّ معلّقًا ما بين السماء والأرض لفترةٍ أطول من اللازم، دون وجود أيّ شيء مألوفٍ أو مريح في مرمى النظر. بدلاً من ذلك استبدل بالأشياء المألوفة التي كنت قد قطعتهم عنها منزلاً جديدًا، وسلسلة جديدة من أسباب الاطمئنان والراحة والرفاه.


المرحلة الثالثة
الجرف-
تعميق الأثر من خلال
الإجراءات المتطرّفة
الهدف في هذه المرحلة هو أن تجعل كلّ شيءٍ أعمق- التأثير الذي تتمتّع به على عقولهم، مشاعر الحبّ والتعلّق، التوتّر الذي يعتمل ضمن ضحاياك. بعد أن غرست كلاّباتك فيهم عميقًا، تستطيع أن تزلزلهم، ما بين الأمل واليأس، إلى أن يضعفوا وينهاروا. إظهارك كم أنت مستعدٌّ لأن تمضي بعيدًا من أجل ضحاياك، وفعلك لعملٍ نبيل وفروستي (16: أثبت نفسك) سيخلق هزّةً شديدة، ويطلق شرارة تفاعلٍ إيجابيًّ للغاية. الجميع لديهم ندبات، رغبات مكبوتة، وأعمال غير مُنجَزة من الطفولة. استخرج هذه الرغبات والجروح إلى السطح، اجعل ضحاياك يشعرون بأنّهم ينالون ما لم ينالوه قطّ وهم أطفال وسوف تنفذ إلى أعماق عقولهم، وتثير عواطف لا يمكن التحكّم بها (17: أحدِث رجعة). الآن تستطيع أن تأخذ ضحاياك إلى ما بعد محدودّياتهم، وتحملهم على أن يعبّروا عن جوانبهم المظلمة، الأمر الذي يضفي إحساسًا بالخطر إلى إغوائك (18: اصطدم بالخطيئة والمحظور).
أنت بحاجةٍ لأن تُعَمّق الرقية، ولا شيء سوف يُربك ويسبي ضحاياك


أكثر من إضفاء صبغةٍ روحيّةٍ على إغوائك. ليست الشهوة هي ما يدفعك، وإنّما القدر، والأفكار الإلهيّة، وكلّ ما هو سامٍ (19: استخدم المُغرّيات الروحيّة). فالشيء الشهواني يتوارى خلف الروحاني. الآن ضحاياك أصبحوا مُحَضّرين بشكلٍ جيّد. من خلال إيذائهم بشكلٍ متعمّد، وغرس المخاوف وأسباب القلق، ستقودهم إلى حافّة الجرف حيث يَكون من السهل دفعهم وجعلهم يقعون (20: امزج المتعة بالألم). هم يشعرون بألمٍ عظيم ويتوقون للخلاص.
















16
أثبت نفسك
معظم الناس يريدون أن تتَّم غوايتهم.
أما إذا قاوموا جهودك، فمَردُّ ذلك على الأرجح هو أنّك لم تمضِ بما فيه الكفاية لتحييد شكوكهم –حيال دوافعك، عمق مشاعرك، وهلمّ جرًّا. عمل واحدٌ حسن التوقيت ومن شأنه أن يظهر مدى استعدادك لأن تمضي بعيدًا كي تكسبهم إلى صفّك، كفيلٌ بتبديد شكوكهم. لا تقلق لناحية ظهورك بمظهر السخيف أو ارتكابك خطأ –أي نوع من الأعمال التي تتُخذ طابع التضحية بالذات ومن أجل أهدافك، سوف تُؤثرّ بمشاعرهم تأثيرًا بالغًا لدرجة أنهم لن يلاحظون لأي شيء آخر. إيّاك أن تتذمّر أو تظهر بمظهر المُثبَّط الهمّة نتيجة مقاومة الناس. بدلًا من ذلك انهض لمستوى التحدّي من خلال فعل شيء متطرّف أو فروسيّ. بصورة معاكسة، حفّز الآخرين ليثبتوا أنفسهم من خلال جعل نفسك صعب البلوغ والمنال، وتستحقٌ التقاتل من أجلك.




الدليل الإغوائي

جميع الأشخاص يستطيعون التكلّم بكبير الكلام (بالشعارات)، ويقولون أشياء نبيلة عن مشاعرهم، ويصرّون على مدى اهتمامهم بنا، وكذلك الأمر بجميع الناس المضُطهدين في أقاصي الأرض لكنّهم عندما لا يتصرّفون أبدًا بطريقة تسند أقوالهم، فإنّنا نبدأ بالتشكيك بصدقهم –لعلّنا نتعامل مع دجّال، منافق أو جبان. الإطراء والكلمات الرقيقة لا يمكنها المضيّ إلى أبعد من هذا. في آخر المطاف، سيأتي الوقت الذي ستضطرّ فيه لتُري فيه ضحيتك دليلًا ما، لتقرن كلماتك بالأفعال.
هذا النوع من الأدلّة، لديه وظيفتان، أوّلًا: يحيّد أيّة شكوك متبقّية بشأنك. ثانيًا: الفعل الذي يُظهرُ خاصّيّة إيجابيةّ ما فيك يكون مُغويًا بشكل هائل بحدّ ذاته. الأعمال الغيريّة أو الشجاعة تخلق ردّة فعلٍ عاطفية تتّسم بالقوة والإيجابيّة. لا تقلق، ليس بالضرورة أن تكون أعمالك شجاعةّ وغيريّة لدرجة أن تفقد كلّ شيء في المحصّلة. مظهر النبل لوحده غالبًا ما سيفي بالغرض. في الواقع، في عالم يُفرطُ فيه الناس في التحليل والكلام، فإنّ أيّ نوع من الفعل يتحلّى بتأثيرٍ محي ومغو.
من الطبيعي أن تلقى مقاومةَّ خلال الإغواء. بالطبع فإنه بقدر ما تتخطّى من العوائق، بقدر ما تكون اللذة التي تنتظرك عظيمةْ، لكن العديد من الإغواءات تفشل نظرًا لأنّ المُغوي لا يقرأ بشكل صحيح مقاومة الهدف. في أغلب الأحيان، أنت تستسلم بسهولة فائقة (قبل الأوان). بدايةَّ، أفهم قانونًا رئيسيّاً في الإغواء: المقاومة هي علامةٌ على أن عواطف الشخص الآخر متورّطة (آخذةٌ دورًا) بالعمليّة. الشخص الوحيد الذي لاغ يمكنك إغواؤه هو
.......................................
الحبّ هو نوٌع من الحرب. فليذهب الجنود المتوالون إلى مكان آخرا/ حماية هذه المعايير تتطلب/ أكثر ممّا عند الجبناء. المرابطة ليلًا في الشتاء، تجوال في الطرق الطويلة، ك/ أنواع المشقّة، كل أشكال المعاناة: تنتظر/ المجنّدين الذين ينتظرون الخيار الأسهل. غالبًا ما ستجدون أنفسكم تحت/ وابل من الأمطار، وفي معسكر في/ العراء ... إذا كان الحبّ/ الذي يدوم هو طموحك؟ فضع إذن كلّ الكبرياء جانبًا. / قد لا تتُاح لك الطريقة


القَصِيّ (البعيد) والبارد. المقاومة هي شيءٌ عاطفتي، ويمكن أن تُحّول إلى نقيضها، تمامًا كما في الجوجيتسو، المقاومة الفيزيائية للخصم يمكن أن تستخدم لجعله يقع. إذا قاومك الناس بدافع من عدم ثقتهم بك، فإن عملًا ظاهره غيريّ، ويُري مدى استعدادك للمضيّ بعيدًا في إثبات نفسك سيخدم كعلاج فعّال. إذا قاوموا بدافع من العفّة أو الفضيلة، أو بدافع من إخلاصهم لشخص آخر، فهذا أفضل بكثير –فالعفّة والرغبات المكبوتة يسهل تخطّيها بالعمل (الفعل). كما كتبت المُغوية العظيمة ناتالي بارني، «جلّ العفّة هي تطلّبٌ لإغواء أكبر.»
هناك طريقتان لتثبيت نفسك. أوّلًا، الفعل العفوي: تنشأ حالةٌ يحتاج فيها الهدف إلى المساعدة، أو مشكلةٌ بحاجة إلى حلّ، أو ببساطة، يحتاجك الهدف أو تحتاجك في خدمة. لا تستطيع التنبؤ بهذه المواقف، لكنّك يجب أن تكون جاهزًا لها، لأنّه من الممكن أن تنشأ في أيّ وقت. أثّر إعجاب الهدف من خلال الذهاب إلى ما هو أبعد من اللازم أو الضروري –ضخّ بوقت أكثر، ماٍ أكثر، جهدٍ أكبر ممّا يتوقّعون. هدفك سيستخدم هذه اللحظات، بل وحتّى يختلقها، كنوع من الامتحان: هل ستتراجع؟ أو هل ستنهض لمستوى الحدث (تتصدّى له)؟ لا يسعك أن تتردّد أو أن تُحجم وتجفل، حتّى ولو للحظة، وإلاّ فسيضيع كلّ شيء. إذا كان ذلك ضروريّاً، أجعل العمل يبدو على أنّه كلّفك أكثر ممّا كان قد كلّف في الواقع، لكن إيّاك أن تعمل هذا عن طريق الكلام (جهارًا)، وإنّما بشكل غير مباشر –النظرات المُرهَقة، نشر القصّة والخبر من خلال طرف ثالث، أو أيّشيء يلزم لهذا الغرض.
الطريقة الثانية لتثبت نفسك هي العمل المقدام أو الشجاع الذي تخطّط له بنفسك وتنفّذه مقدّمًا، وفي اللحظة المناسبة –يُفَضَّل أن تكون هذه اللحظة في مرحلة من الإغواء، حيث تكون أيّة شكوك لا تزال تعتمل عند الضحيّة بشأنك أكثر خطورةً من ذي قبل. أختر عملًا
صعبًا ودراماتيكيّاً من شأنه أن يُظهر الوقت والجهد المُضنييّن اللذين أستلزمهما العمل. يمكن للخطر أن يكون مُغويًا لأقصى درجات الحدود. قُد ضحاياك بذكاء نحو
.................................
البسيطة المباشرة، / الأبواب المقفلة قد تُغلق في وجهك- / فكن مستعدًا لكي تنسل من السقف من خلال مدخنة، / أو تسلّل من خلال نافذة في الطابق العلويّ. ستكون سعيدة/ لمعرفتها أنّك تخاطر بحياتك، ومن أجلها: ذلك سيقدّم/ لأيّ خليلة إثباتُا أكيدًا على حبك.
- أوفيد، فنّ الحبّ، ترجمة بيتر غرين.
يقول الرجل: «... الثمرة المقطوفة من بستان المرء الخاصّ لا بدّ أن تكون أطيب مذاقّا من الثمرة المأخوذة من شجرة تعود لغريب، وما قد اسُتحصل بجهد أكبر يُقدّر ويُعزّ أكثر ممّا كُسب بقليل من العناء. كما يقول المثل: ُالغنائم الكبيرة لا يمكن أت تُحرز دون بذل بعض من العمل الشاقّ.». تقول المرأة: «إذا كان لا يمكن إحراز الغنائم الكبيرة دون بعض من العمل الشاق، فلا بدّ


أزمة، أو لحظة خطر، أو ضعهم بطريقة غير مباشرة في وضع غير مريح، ويستطيع عندها أن تلعب دور المنقذ، الفارس الشهم. المشاعر والعواطف القويّة التي يثيرها هذا يمكن أن تُوَجّه بسهولة نحو الحبّ.
بعض الأمثلة
1. في أربعينات القرن السابع عشر في فرنسا، كانت ماريون دي لورم أكثر محظيّةٍ يشتهيها ويسعى وراءها الرجال على الإطلاق. كونها اشتٌهرت بجمالها، فقد كانت عشيقة الكاردينال رايشليو، من بين شخصيّات فذّة. أخرى سياسيّة وعسكريّة. أن تحظى بمضجعها (مواقعتها) كان علامة إنجاز.
كان الكونت جرامونت قد خطب ودّ دي لورم لأسابيع قبل أن تمنحه أخيرًا موعدًا في أمسية محدّدة. حضّر الكونت نفسه للقاء سارّ، لكن في يوم الموعد تلقّى منها رسالةّ تعبّر فيها بعبارات مهذّبة ورقيقة عن اعتذاراها الشديد –فقد عانت من صداع شنيع للغاية، اضطرّها لأن تلازم الفراش في ذلك المساء، لذا فإن موعدهما يجب ان يُوجّل. كان الكونت متأكّدًا من أنّه أُزيح جانبًا (استُغنيَ عنه) إفساحًا للمجال لشخص آخر، فدي لورم كانت متقلّبة ومزاجيّةَّ بقدر ما كانت جميلة.
لم يتردّد جرامونت. لدى هبوط الليل توجّه على ظهر الخيل إلى ماراي، حيث كانت دي لورم تسكن، واستطلع المنطقة. في ساحة قرب المنزل لَحِظ رجلًا يقترب سيرًا على الأقدام. بعد أن ميّز أنّه كان الدوق دي بريزاك، علم فوريّاً أنّ هذا الرجل كان من سيحلّ محلّه (غدرًا) في سرير المحظيّة. بدا بريزاك غير مسرور لرؤية الكونت، لذا دنا منه جرامونت على عجل وقال، «بريزاك، يا صديقي، عيك أن تسدي خدمة لي وذلك لأمر غايةٍ في الأهميّة: لديّ موعدٌ، للمرّة الأولى مع فتاة تسكن قرب هذا المكان؛ وبما أنّ هذه الزيارة يُرادُ منها فقط الاتٌفاق على التدابير (تدابير اللقاء فيما بعد)، فإنّني لن أمكث إلّا لوقتٍ قصيرٍ جدّاً. تفضّل عليّ وأعزني عباءتك، وسَيّر حصاني قليلًا، ريثما أعود؛ لكن الأهمّ من هذا كلّه هو ألا تبارح هذا
......................................
من أن تعاني من إنهاك الكثير من الكدح لتكون قادرًا على الحصول على الوصال الذي تسعى إليه، نظرًا لأن ما تسعى إليه هو غنيمة عظيمة.» ويقول الرجل: «أقدّم لك كل التشكرات التي أستطيع التعبير عنها لوعدك إيّاي بشكل غاية في التعقّل بحبّك عندما أكون قد أنجزت الأعمال الشاقّة. معاذ الله أن يتسنى لي أو لأيّ شخص آخر الظفر بحبّ امرأة نفيسة للغاية دون بلوغه أوّلًا عن طريق العديد من الأعمال المضنية.»
- آندرياس
كابيلانوس عن الحبّ، ترجمة يي. جي. والش
ذات يوم، [القدّيس- برويل] استجدى بشكل أكثر من المعتاد أن تمنحه [المدام دي لا مايزونفورت] الامتياز الأقصى الذي يمكن للمرأة أن تقدّمه، وتجاوز في توسّله حدود الكلمات المشروعة.


المكان.» دون أن ينتظر الجواب، أخذ جرامونت عباءة الدوق وسلّمه لجام حصانه. نظر إلى الخلف، فرأي أنّ بريزاك كان يراقبه، لذا تظاهر بأنّه يدخل بيتًا، ومن ثمّ انسلّ من الخلف، ولفّ حول البيت وصولًا إلى منزل دي لورم دون أن يُرى.
قرع جرامونت الباب، فسمحت له الخادمة الدخول، بعد أن حسبته الدوق. توجّه مباشرةَّ إلى حجرة نوم السيّدة، حيث وجدها مستلقيةّ على أريكة وهي ترتدي ثوبًا مسائيًا شفّافًا. خلع عباءة بريزاك بسرعة فشهقت من الخوف. سألها، «ما المشكلة، يا عزيزتي الشقراء؟ فمن الواضح للجميع أنّ صداعك قد زال؟» بدا عليها السخط والانزعاج، وصاحت بأنّها لا تزال تعاني من الصداع، وأصرّت على أن يرحل. وقالت أنّها هي من يقرّر عمل المواعيد أو إلغاءها. قال جرامونت بهدوء «مدام، أنا أعلم ما الذي يقلقك ويربكك: أنت خائفةٌ من أن يلتقي بي بريزاك هنا؛ لكن يمكنك أن تطمئنّي بهذا الخصوص.» فتح عندئذ النافذة فظهر بريزاك في الساحة، وهو يذرع الطريق جيئةً وذهابًا مع الحصان، على نحو مطيع مثل صبي إسطبل. بدا سخيفًا؛ فانفجرت دي لورم بالضحك، ورمت ذراعيها حول الكونت وصاحت بقوّة، «يا فارسي العزيز، لا أستطيع الانتظار أكثر؛ أنت ودودٌ وغريب الأطوار لدرجة لا يمكن معها ألّا تُعذَر.» أخبرها القصّة بأكملها، ووعدته بأنّه يمكن للدوق أن يمرّن الأحصنة الليل بطوله، لكن دون أن تسمح له بالدخول. اتّفقنا على موعد في مساء اليوم التالي. في الخارج، أعاد الكونت العباءة، واعتذر لأخذه كلّ هذا الوقت، وشكر الدوق. بريزاك كان غايةً في اللباقة، حتّى أنّه أمسك بحصان جرامونت ليساعده على امتطائه، وصار يلوّح له مودّعًا بينما كان راجعًا على ظهر حصانه.
التفسير. كان الكونت جرامونت يعلم أنّ معظم الذين يتطلّعون لأن يكونوا مُغوين يستسلمون بمنتهى السهولة، ويسيؤون فهم التقلّب أو البرود الظاهر على أنّه علامةٌ على نقص حقيقيٌ في الاهتمام. في الواقع فإن التقلّب يمكن أن يعني الكثير من الأشياء: لعلّ هذا الشخص يختبرك، ويتساءل فيما
.............................
المدام، كونها ارتأت أنّه كان قد جاوز كلّ الحدود، فقد أمرته بألًا يريها وجهه مطلقًا. غادر غرفتها. بعد ساعة فقط، كانت المدام تقوم بنزهتها المعتادة بمحاذاة واحدة من تلك القنوات الجميلة في باجنولت، عندما قفز القدّيس- برويل من وراء سياج من الشجيرات، وهّو عارِ تمامًا، وصرخ وهو واقفٌ أمام سيّدته في هذه الحالة، «لآخر مرّة يا سيّدتي، الوداعّ» وبناءً عليه، فقد رمى بنفسه في القناة ورأسه إلى الأسفل. أخذت السيّدة، بعد أن رُوّعت بهذا المنظر، بالبكاء والركض باتّجاه منزلها، حيث أُغمي عليها بمجرد وصولها. ما إن استطاعت أن تتكلّم حتّى أمرت بأن يذهب شخصّ ما ويرى ما قد حصل للقدّيس- برويل الذي في الحقيقة لم يكن قد مكث لوثتِ طويل جدًا في القناة، وأسرع إلى باريس بعد أن ارتدى ثيابه


إذا كنت جدّيًا بحقّ. السلوك المغُيظ والمُضايق هو بالضبط هذا النوع من الاختبارات –فإذا استسلمت لدى أوّل إشارة للصعوبة، فمن الواضح أنّك لا تريدهم بذلك القدر. أو يمكن أن يعني أنّهم أنفسهم غير متأكّدين بشأنك، أو يحاولون أن يختاروا ما بينك وما بين شخص آخر. على جميع الأحوال فإنه من السخف أن تستسلم. إثباتٌ وحيدٌ قاطعٌ (لا يقبل الجدل) لمدى استعداداك للذهاب بعيدًا من أجلهم سوف يجتاح كلّ الشكوك. وسيهزم منافسيك، نظرًا لأنّ معظم الناس هيّابون وقلقون من أن يجعلوا أنفسهم موضع سخرية او احتقار، ولذا فنادرًا ما يقومون بأيّ مجازفة.
عند التعامل مع أهداف صعبة أو مقاومة، فمن الأفضل عادةً أن ترتجل، كما ارتجل جرامونت. إذا بدت أفعالك مفاجئة ومباغتة، فإنّها سوف تجعلهم أكثر عاطفيّةً، وأقلّ صرامةّ. جمعٌ بسيطٌ للمعلومات بطريقة ملتوية –قليلٌ من التجسّس- هو دائمًا فكرة حسنة. أهمّ شيء على الإطلاق هو الروحيّة التي تقوم بها بإثباتك. إذا كنت خفيف الظّل ولعوبًا، إذا جعلت الهدف يضحك، مثبتًا نفسك ومسلّيًا إيّاهم في نفس الوقت، فلن يهمّ إذا أخفقت، أو إذا رؤوا أن أنّك وظّفت (استخدمت) قليلًا من الخداع. سيستسمون إلى المزاج السار الذي خلقته أنت. لاحظ أنّ الكونت لم يتذمّر أو يتصرّف بطريقةٍ غاضبة أو دفاعيّة. كل ما توجّب عليه فعله هو أن يسحب الستارة ويُظهر الدوق وهو يسيّر حصانه، مليّنًا بذلك قلب دي لورم بالضحك. من خلال عملٍ واحدٍ مُنَفّذ. بإتقان، أظهر ما هو مستعدٌّ لفعله من أجل ليلة من وصالها.
2. حظيت باولين بونابرت، أخت نابوليون، بالعديد من العلاقات مع العديد من الرجال عبر السنين لدرجة خاف معها الأطباء على صحّتها. لم تكن تستطيع البقاء مع رجل واحد أكثر من بضعة أسابيع؛ الجدّة كانت لذّتها الوحيدة. بعد أن زوّجها نابوليون من الأمير كاميلو بورجيز، في عام 1804، فإن التغيّر الوحيد الذي طرأ على علاقاتها كان أن تضاعف عدّة مرّات. وهكذا، فعندما التقت بالرائد الجريء والمندفع يولس دي كانوفيل، في
........................
على عجل، حيث خبأ نفسه لعدّة أيام. في هذه الأثناء سرت إشاعةٌ بأنّه قد مات. تأثرّت المدام بشكل عميق بالإجراءات المتطرّفة التي كان قد لجأ إليها ليثبت صدق عواطفه. فعله هذا تراءى لها كعلامة حبٌ استثنائيّ؛ وربّما كونها لاحظت بعض المفاتن في عريّه التي لم تكن قد راتها وهو مرتد ثيابه، فقد ندمت بعمق على قسوتها، وصرّحت أمام الملأ بإحساسها بالخسارة. تناهى بعضٌ من هذا إلى سمع القدّيس- برويل؛ فبعث بنفسه على الفور ولم يُضع الوقت في استغلال شعور مؤات كهذا لدى سيّدته.
-انكونت بوسي- رابوتين، تواريخ المحبّين في بلاد الغال.
لكي يصبح خادم السيّدة ... كان يُتَوَقّع من التروبادور أن يمرّبأربع مراحل، وهي: الطامح، المتوسّل، المرشّح، والعاشق.


عام 1810، افترض الجميع أن العلاقة لن تدوم أكثر من الأخريات. بالطبع لقد كان الرائد جنديًا حائزًا على عدّة أوسمة، حسن التعليم، راقصًا بارعًا، وواحدًا من أكثر الرجال وسامةٌ في الجيش. لكنّ باولين، التي كانت في الثلاثين من عمرها في ذلك الوقت، كانت قد أقامت علاقات مع العديد من الرجال الذين يمكنهم أن يضاهوا هذه الجملة من المزايا.
بعد عدّة أيّام من بداية العلاقة، وصل طبيب الأسنان الخاصّ بالإمبراطور إلى منزل باولين. كانت تعاني من ألم في السن حرمها النوم، ورأى الطبيب أنّه يجب أن يقلع السن المسوّس فوريّاً ودون أيّ إبطاء. لم تكن قد استُخدمت بعد مسكّنات الألم في ذلك العصر، وارتعبت باولين بينما كان الرجل يخرج أدواته المتنوّعة. بالرغم من الألم الذي تعانيه في سنّها، إلّا أنّها غيّرت رأيها ورفضت أن يُقلَع.
الرائد كانوفيل كان متكئًا على أريكةٍ وهو يرتدي رداءً حريريّاً. بعد أن استوعب الصورة جيّدًا، حاول أن يشجّعها لكي تنتهي من الأمر: «لحظةٌ أو لحظتين من الألم وسيزول إلى الأبد ... يستطيع طفلٌ أن يتحمّل هذا دون أن تندّ عنه آهة.» فقالت له، «أحبّ أن أراك وقد اختبرت هذا.» فنهض كانوفيل، وذهب إلى عند طبيب الأسنان، واختار ضرسًا في مؤخّرة فمه، وطلب منه أن يقلعه له. الضرس الذي اقتُلِع كان سليمًا بالكامل، وبالكاد رفّ لكانوفيل جفن. بعد هذا لم تسمح باولين لطبيب الأسنان بانتزاع سنّها وحسب، بل أنّ رأيها بكانوفيل تغيّر: إذ لم يكن رجلٌ قد فعل لها أيّ شيء مثل هذا من قبل.
العلاقة لم تكن لتدوم أكثر من عدّة أسابيع؛ أمّا الآن فقد امتدّت. نابوليون لم يكن مسرورًا. فباولين كانت امرأةً متزوّجة؛ لذا فالعلاقات العابرة كانت مسموحة، أمّا الارتباط العميق فقد كان محرجًا. أرسل كانوفيل إلى إسبانيا، ليوصل رسالة إلى القائد هناك. كانت المهمّة ستستغرق أسابيع، وفي تلك الأثناء كانت باولين ستجد شخصًا آخر.
إلّا انّ كانوفيل لم يكن عاشقًا عاديّاً. فقد انطلق على ظهر حصانه في
.............................
عندما يكون قد بلغ المرحلة الخيرة من الإدخال أو التلقين الغرامي فإنّه يأخذ على نفسه عهدا بالوفاء وتُقر البيعة بقبلة. وفي هذه الصيغة المثاليّة لحبّ الفرسان للنبيلات المخصّص للنخبة الأرستقراطية من الفرسان، فإنّ ظاهرة الحبّ كانت تُعتَبر كحالة من الفضيلة والنعمة، بينما طقوس الإدخال التي تبعت، والإقرار النهائي للمعاهدة –أو حفلة الاحتضان المناظرة التي تُقام عند منح المرء رتبة فارس- كانت تتصل بسائر تمرين النبلاء ومآثرهم الباسلة. العلامات الفارقة للعاشق الحقيقي وللفارس النموذجي كانت متطابقة تقريبًا. كان العاشق ملزمًا بأن يطيع سيّدته كما كان الفارس بخدمة سيّده الإقطاعي. في كلتا الحالتين فإن العهد كان ذا طبيعة مقدّسة.
-نينا إبتون، الحبّ والفرنسيّون.


الليل وفي النهار، دون أن يتوقّف للأكل أو الشرب، فوصل إلى سلمانكا في غضون عدّة أيّام. فوجد هنالك أنّه لا يستطيع التقدّم أكثر، نظرًا لكون الاتّصالات مقطوعة، وهكذا، ودون الانتظار لأوامر أخرى، انطلق على صهوة حصانه عائدًا إلى باريس، دون مرافقة، وعبر أراضي العدوّ، لم يستطيع الالتقاء بباولين إلّا لبرهة؛ فقد أعاده نابوليون مباشرة إلى إسبانيا. مضت شهورٌ قبل أن يُسمَحَ له بالعودة أخيرًا، لكنّه عندما عاد، فإنّ باولين استأنفت معه علاقتها على الفور –وهو عمل ولاء وإخلاص لم يكن أحدٌ قد سمع بمثله من قبَلها. هذه المرّة أرسل نابوليون كانوفيل إلى ألمانيا وأخيرًا إلى روسيا، حيث لاقى حتفه ببسالة في عام 1812. لقد كان العاشق الوحيد على الإطلاق الذي انتظرته باولين، والوحيد الذي لبست من أجله ثوب الحداد في كلّ حياتها.
التفسير. في الإغواء، غالبًا ما يأتي الوقت الذي يبدأ فيه الهدف بالميل لك، لكنّه ينسحب أو يتراجع فجأة. صارت دوافعك تبدو مريبة –لعلّ كل ما تسعى وراءه هو الاتصال الجنسي، أو القوّة، أو المال. معظم الناس يعانون من الشعور بعدم المان وشكوكٌ مثل هذه يمكنها أن تدمّر الوهم الإغوائيّ. في حالة باولين بونابرت، فإنّها كانت معتادة على استخدام الرجال بقصد المتعة، وكانت تعرف حقّ المعرفة أنّها كانت تُستَخدمُ أيضًا بالمقُابل. لقد كانت ساخرةٌ وشكّاكةَّ بطيبة الدوافع البشريّة إلى أقصى درجات الحدود. لكنّ الناس غالبًا ما يستخدمون هذا النوع من السخرية والشك ليغطّوا شعورهم بعدم الأمان. الحصر النفسي الذي كانت تعاني منه باولين سرّاً كان أن أحدًا من عشّاقها لم يحبّها بحقّ –أنّهم جميعًا لم يريدوا منها حقّاً سوى الجنس أو المصلحة السياسيّة. عندما أظهر لها كانوفيل التضحيات التي كان مُستعدّاً للقيام بها من أجلها، وذلك من خلال الأفعال الملموسة –ضرسه، مسيرته المهنيّة، حياته- فإنّه حوّل امرأة شديدة الأنانيّة إلى عاشقة مخلصة. لم يكن تجاوبها غير أنانيَّ بالكامل: فأفعاله كانت تعزّز غرورها وخُيلاءها. إذا كانت تلهمه بمثل هذه الأعمال، فلا بدّ وأنّها تستحقّها. لكن إذا كان يريد
...............................
في إحدى البلدات الكبيرة في المملكة الفرنسيّة كان يقطن رجلٌ نبيلٌ كريم المحتد، وانذي ارتاد المدارس التي من شأنها أن تعلّمه كيف يكون اكتساب الفضيلة والشرف عند الرجال الفاضلين. لكن بالرغم من أنه كان غاية في الكياسة بحيث أنّه في سن السابعة عشرة أو الثامنة عشرة شكّل مثالًا للآخرين ومبدأ يقتدون به على حد سواء، إلاّ أن الحبّ لم يعجز عن إضافة درسه إلى باقي الدروس والعبر؛ وربمّا كان الحبّ هو أحقّ تلك الدروس بالإصغاء إليها وتلقّيها، وهكذا خبّأ الحبّ نفسه في وجه وعيني أجل امرأة في كلّ أرجاء البلد، والتي كانت قد قدمت إلى المدينة من أجل أن تتابع دعوة قضائيّة. لكن قبل أن يسعى الحبّ إلى إخضاع الشاب بواسطة جمال هذه السيّدة، فقد ظفر أوّلًا بقلبها من خلال جعلها ترى أوجه


أن يناشد الجانب النبيل من طبيعتها، فعليها أن تنهض لذلك المستوى أيضًا، وتثبت نفسها من خلال البقاء مخلصةّ له.
جعل أعمالك جريئةَّ وشهمةَّ قدر المستطاع سيرتقي بالإغواء إلى مستوى جديد، ويحرّك مشاعر مدفونة، ويغطّي أيّة دوافع خفيّة قد تكون لديك. التضحيات التي تقوم بها يجب أن تكون مرئيّة؛ والحديث عنها، أو شرح ما قد كلّفتك، سيجعلك تبدو وكأنّك تتبجّح وتتفاخر. انحرم النوم، قع فريسةَّ للمرض، أخسر وقتًا ثمينًا، ضع مسيرتك المهنيّة على المحكّ، وأنفق مالًا أكثر ممّا تستطيع تحمّله. تستطيع أن تبالغ وأن تضخّم كلّ هذا من أجل التأثير في الآخرين، لكن لا تدعهم يلمحونك وأنت تتبجّح بشأن ما فعلت أو وأنت ترثي لنفسك: أنزل بنفسك الألم ودعهم يرون ذلك. بما أنّ كلّ شخص في العالم تقريبًا يبدو أنّه يحتال للحصول على منفعة شخصيّة، فإنّ عملك النبيل والغيري (الإيثاري) لن يكون من الممكن مقاومته.
3. طوال تسعينات القرن التاسع عشر وحتّى بداية القرن العشرين، كان جابرييل دانونزيو يُعتَبَر واحدًا من أفضل روائيّي إيطاليا وكتّابها المسرحيّين. ومع ذلك فقد كان العديد من الإيطاليّين لا يطيقونه. كتابته كانت مزخرفة، وعلى المستوى الشخصي كان يبدو محتفيًا ومشغولًا بنفسه ودراماتيكيّاً بشكل مفرد –كان يركب الحصان على الشاطئ وهو عار، ويدّعي أنّه رجل نهضة، وأشياء من هذا القبيل. رواياته في الغالب كانت عن الحرب، وعن المجد المتأتّي عن مواجهة وقهر الموت- وهذا موضوعٌ مسلٌ لشخص لم يكن قد فعل هذا قطّ في الواقع. وهكذا، لدى بداية الحرب العالميّة الأولى، لم يتفاجأ أحد عندما كان دانونزيو في طليعة المنادين بوقوف إيطاليا بجانب الحلفاء ودخولها النزاع. أينما التفتّ، فقد كان هناك، يلقي خطابًا يؤيّد فيه دخول الحرب –في حملة نجحت في عام 1915، عندما اْعلنت إيطاليا الحرب أخيرًا على ألمانيا والنمسا. الدور الذي قام به دانونزيو إلى حدّ الآن كان مُتَوَقّعًا تمامًا. لكن ما فاجأ عموم الإيطالييّن بحق كان ما فعله هذا الرجل البالغ من العمر الثانية والخمسين بعد ذلك: انضمّ إلى
..................................
الكمال في هذا اللورد الشاب؛ إذ لم يتفوّق عليه أحد لا في الشكل الحسن ولا في الكياسة ولا في الوعي ولا في قوّة البيان. • أنت، الذي تعرف الطريق السريع الذي تسلكه نيران الحبّ ما إن تتشّبث بالقلب والخيال، ستتخيل حالًا أنّه ما بين شخصين ممتازين كهذين فلن يعرف الحبّ استراحة قبل أن يخضعهما لإرادته، ويملؤهما بنوره الصافي، بحيث تصبح الأفكار والأماني والكلمات كلّها مشتعلةّ بلهيبه. الصبا، مولّدًا الخوف لدى اللورد الشاب، دفعه لأن يطلب يدها بكل التهذيب واللطف الممكن تخليهما؛ لكن كونها قد اجتاحها الحبّ فلم يكن من حاجة للقوّة للظفر بها. على الرغم من ذلك فإنّ الخجل الذي يبقى عند الفتيات لأطول وقت ممكن، قد كبحها عن البوح عمّا في ذهنها. لكن أخيرًا فإن قلعة القلب التي هي مقر للشرف،


الجيش. لم يكن قد خدم أبدًا في الجيش، والسفن كانت تصيبه بدوار البحر، لكن لم يكن من الممكن ثنيه عن قراره. في آخر المطاف منحته السلطات وظيفةً في سلاح الفرسان، أملًا منها بأن يبقى خارج القتال.
كانت خبرة إيطاليا في الحرب ضعيفةّ، وجيشها كان فوضويّاً بعض الشيء. فَقَد القادة العسكريّون أثر دانونزيو –الذي كان قد قرّر في جميع الأحوال أن يترك سلاح الفرسان ويشكّل وحدات خاصّةٌ به. (في النهاية كان فنٌانًا، ولم يكن من الممكن إخضاعه للنظام العسكري.) أطلق على نفسه اسم القائد، وتخطّى عارضه المألوف (دوار البحر) وشنّ سلسلةٌ من الغارات الباسلة، على رأس مجموعة من الزوارق السريعة في أوقات متأخّرة من الليل على المرافئ النمساويّة، ومُطلقًا الطوربيدات على السفن الراسية. تعلّم الطيران أيضًا، وبدأ بقيادة مهمّات جويّة خطرة. في آب من عام 1915، طار فوق مدينة تِرييستة، التي كانت عندئذ في أيدي الأعداء، ورمى بالأعلام الإيطاليّة والآلاف من المنشورات التي تحضّ على الأمل، والمكتوبة بأسلوبه الذي لا يُضاهي: «نهاية استشهاداتكم (تضحياتكم) أمست قريبة! وفجر بهجتكم وشيك. من أعالي السماء، على أجنحة إيطاليا، أرمي لكم بهذا العهد، بهذه الرسالة التي من قلب.» طار على ارتفاعات لم يُسمَع بها (عير مسبوقة) في ذلك الزمان، وعبر نيران كثيفة للأعداء، وضع النمساويّون جائزةّ ماليّة لمن يضع حدّاً لحياته.
في مهمّة في عام 1916، اصطدام دانونزيو بمسدّيه الرشاش، ما أدّى إلى أذيّة دائمة في أحد عينيه، وضرر بالغ في العين الأخرى. قبع في منزله في البندقيّة كي يتماثل للشفاء بعد أن أُخير بأنّ أيّام تحليقه قد ولّت. في ذلك الزمان، كانت الكونتيسّة موروسيني التي كانت عشيقةّ سابقةّ للقيصر الألماني، تُعتَبَر على وجه الإجمال على أنّها المرأة الأكثر جمالًا وأناقةّ في كلّ إيطاليا. قصرها كان على القناة الرئيسيّة، ومقابلًا لمنزل دانونزيو. الآن وجدت نفسها محاصرة بالرسائل والأشعار من الكاتب –الجنديّ، التي تمزج ما بين التفاصيل الخاصّة بمآثر عمليّاته الجويّة وبين تصريحاته بالحبّ. كان يعبر القناة في خضمّ الغارات الجويّة على البندقيّة، وهو بالكاد يستطيع أن
....................
كانت قد حْطَّمَت بطريقة جعلت السيّدة المسكينة توافق على ما لم تكن ميّالة أبدًا إلى رفضه. • لكن من أجل ان تجرّب صبر حبيبها وإخلاصه وحبّه، فقد منحته ما كان يسعى وراءه ولكن بشرط صعب جدّا، مؤكّدة له بأنّه إذا نفّذه فإنّها سوف تذوب فيه حبّاً إلى الأبد؛ في حين أنّه إذا أخفق فيه، فمن المؤكّد أنّه لن يحظى بها ما حيي. والشرط كان الآتي: ستتكلّم معه بينما يكون كلاهما في السرير وهما مرتديان لثيابهما التحتية فقط، لكن لا يحقّ له أن يطلب منها شيئًا عدا الكلمات والقبلات.
• وافق على اقتراحها بعد أن فكّر فيما بينه وبين نفسه بأنّه ما من فرحة تُقارن بما وعدته به، وفي تلك الليلة تم صون الوعد بحيث أنّه لم يحنث بقسمه بالرغم من جميع اللمسات التي وهبته إيّاها والإغراءات التي اكتنفته. ولو أنّ عذابه تبدّى له كشيء ليس بأقل من عذاب


يرى بعينه الواحدة، ليسلّمها آخر أشعاره. منزلة دانونزيو الاجتماعيّة كانت أدنى بكثير من منزلة موروسيني، فهو مجرّد كاتب، لكنّ استعداده لمواجهة كلّ شيء بشجاعة من أجلها استمالها وظفر بها. واقع أنّ سلوكه المتهوّر كان يمكنه أن يودي بحياته في أيّ يوم لم يؤدٌ إلا إلى تسريع الإغواء.
تجاهل دانونزيو نصيحة الأطبّاء وعاد على الطيران، فشنّ غارات أكثر جرأةّ حتّى من ذي قبل. في نهاية الحرب كان بطل إيطاليا الأكثر ألقًا والأكثر نيلًا للأوسمة. الآن، حيثما ظهر في أنحاء الأمّة، كانت الجماهير تملأ الميادين لتسمع خطاباته. بعد الحرب، قاد مسيرة إلى مدينة فيوم، على ساحل الأدرياتيك. في المفاوضات على تسوية الحرب، آمن الإيطاليون بأنّهم يجب أن يُمنَحوا المدينة، لكنّ الحلفاء لم يوافقوا على ذلك. قوّات دانونزيو استولت على المدينة فأصبح الشاعر قائدًا، حيث حكم فيوم كجمهوريّة مستقلّة لأكثر من سنة. عندئذٍ، كان الجميع قد نسي ماضيه الأقل من مجيد ككاتب منحطّ أخلاقيًا ومتدهور. الآن لم يكن من الممكن أن يرتكب خطأً (كان معصومًا).
التفسير. جاذب الإغواء يكمن في كوننا ننفصل عن أنماطنا الروتينيّة المعتادة، واختبارنا لرعشة المجهول. الموت هو المجهول المطلق والأقصى. في فترات الفوضى والاضطراب والموت –موجات الطاعون التي اجتاحت أوروبا في العصور الوسطى، عهد الإرهاب في الثورة الفرنسيّة (ما بين أيلول 1793، وتموز 1794 حيث أُعدِمَ الآلاف بوصفهم أعداءً للثورة: المترجم)، الغارات الجويّة على لندن خلال الحرب العالميّة الثانية –فإنّ الناس غالبًا ما يتخلّون عن حذرهم المعتاد ويفعلون أشياء ما كانوا ليفعلوها أبدًا في الأحوال (الفترات) الأُخرى. هم يختبرون نوعًا من الهذيان والاهتياج. هنالك شيءٌ مغو للغاية بشأن الخطر، وبشأن المضيّ إلى المجهول. أَظهِر أنّك تتمتّع بمسحةٍ من التهوّر وبطبيعةٍ جسورة، وأنّه لا يوجد عندك الخوف المعتاد من الموت، وعندها ستسحر في الحال السواد الأعظم من الناس.
.............................
الحاجز الذي بين الجنّة والنار، فقد كان حبّه عظيمًا وامله قويّاً وراسخًا، أثناء شعوره بالإرجاء المتواصل للحبّ الذي ظفر به بمنتهى الألم، إلى درجة أنّه احتفظ بصبره ونهض من جانبها دون أن يكون قد فعل أيّ شيء مخالف لرغبتها المعلنة. أعتقد أنّ السيّدة كانت مذهولة أكثر منها مسرورة إزاء عفّة كهذه؛ ودون أن تلتفت إلى أو تبالي بالشرف والصبر والإخلاص الدين كان قد أظهرهم حبيبها في الوفاء بقسمه، فقد اشتبهت على الفور بأنّ حبّه لم يكن عظيمًا كما اعتقدت، أو أنّه كان قد وجدها أقلّ إثارة للإعجاب ممّا توقّع. • بناءً عليه فإنّها صمّمت على أن تقوم باختيار إضافي للحبّ الذي يكنّه لها؛ وسعيًا وراء هذه الغاية فقد ترجّته أن يتكلّم مع فتاة تعمل كخادمة لها، والتي كانت أصغر منها عمرًا وأيةً في الجمال، داعيةُ إيّاه أن


إنّ ما تثبته في هذه الحالة هو ليس كيف تشعر نحو الشخص الآخر وإنّما شيءٌ يتعلٌق بك: أنت مستعدٌّ لأن تضع نفسك في موقع حرج ودون أيّ سند. فأنت لست مجرّد ثرثارٍ أو متبجّحٍ. هذه وصفةٌ للكاريزما الفوريّة. أيّ شخصيّة سياسيّة –تشرشل، ديغول، كينيدي- كانت قد أثبتت نفسها في ميدان المعركة تتمتُع بجادب لا يُضارَع. الجميع كانوا يعتقدون أنّ دانونزيو عبارة عن فاسق غندور؛ إلى أن اختبر الحرب، الأمر الذي أضفى عليه بريقًا بطوليّاً، وهالةّ نابوليونيّة. لطالما كان في الواقع عبارة عن مغو ناجح، لكنّه كان الآن أكثر جاذبيّة حتّى وبشكل شيطانيّ. أنت لست مضطرّاً لأن تواجه خطر الموت، لكن وضع نفسك في جواره سيمنحك شحنةّ إغوائيّة. (من الأفضل أن تفعل هذا في مرحلة ما من الإغواء تلي البداية، فتجعله يحدث كمفاجأة سارّة.) أنت مستعدٌّ لاقتحام المجهول. لا يوجد أحدٌ أكثر إغوائيّة من الشخص الذي احتكّ بالموت. الناس سوف ينجذبون إليك؛ فلربمّا يأملون بأن ينتقل إليهم قليل من روحك المغامرة.
4. تبعًا لأحد روايات الأسطورة الآرثريّة، فإن الفارس العظيم السير لانسلوت لمح ذات مرّة الملكة جوينيفير، كانت قد خُطفَت من قبل فارس شرّير –تناسى واجباته الفروسيّة الأخرى وأسرع لمطاردة الفارس الشرير. انهار حصانه من طول المطاردة، لذا تابع سيرًا على الأقدام. أخيرًا بدا أنّه كان قريبًا، لكنّه كان مرهقًا ولم يستطع التقدّم أكثر. مرّت بقربه عربة تجرّها الخيول؛ العربة كانت مليئة برجال كريهي المنظر ومقيّدين بشكل جماعيّ. في تلك الأيّام كان من الدارج وضع المجرمين- القتلة، الخونة، القوّادين، اللصوص –في مثل هكذا عربة، والتي كانت تجوب بعد ذلك كلّ شوارع البلدة بحيث يتمكّن الناس من مشاهدتها. بمجرّد ركوبك في العربة، تكون قد خسرت جميع حقوقك الإقطاعيّة لبقيّة حياتك. العربة كانت رمزًا كريهًا للغاية بحيث أنّ رؤية واحدة فارغة كان كفيلًا بأن يجعلك ترتعد من الخوف
................................
يتحدث إليها بكلام الحبّ، كي يعتقد أولئك الذين رؤوه يتردّد كثيرًا إلى المنزل بأنّ زياراته كانت من أجل الفتاة وليس من أجلها هي. • اللورد الشاب، كونه متأكَدّ من أنها كانت تبادله حبّه بمقدار مساو. فقد كان مطيعًا بالكامل لأوامرها، ومن أجل حبّه لها فقد أجير نفسه على اصطناع الحبّ للفتاة؛ وهي كونها وجدته وسيما وعذب الحديث للغاية فقد صدّقت أكاذيبه أكثر من الحقيقة الأخرى، وأحبّته بمقدار ما اعتقدت أنّه أحبها بشدّة. • بعد أن وجدت السيّدة بأنّ الأمور كانت تسير بشكل حسن، ولو أنّ اللورد الشاب لم يتوقّف عن التصريح بوعده، فقد منحته الإذن بأن يأتي ويراها في ساعة محدّدة بعد منتصف الليل، قائلةّ بأنّها بعد أن اختبرت بالكامل الحب. والامتثال اللذين كان قد أظهرهما نحوها، فإنه كان من العدل تمامًا أن يُكافَّا على


وترسم إشارة الصليب. بالرغم من هذا، فقد اقترب السير لانسلوت من سائق العربة، الذي كان قزمًا، وخاطبه: «بالله عليك أخبرني إذا كنت رأيت سيّدتي الملكة وهي تمرّ من هذا الطريق؟» فأجابه القزم، «إذا كنت راغبًا في الركوب في هذه العربة التي أقود، فستعرف غدًا ماذا حلّ بالملكة.» بعد ذلك انطلق بالعربة إلى الأمام. لم تكن الأحصنة قد مشت أكثر من خطوتين قبل أن يحسم لانسلوت تردّده؛ إذا ركض خلف العربة وتسلّقها.
حيثما ذهبت العربة، كان سكّان البلدة يصيحون ويصرخون. وأكثر ما أثار فضولهم كان الفارس من بين الركّاب. ماذا كانت جريمته؟ كيف سيُعدَم –بسلخ الجلد؟ أم بالتغريق بالماء. أم بالحرق على الأشواك؟ أطلق القزم سراحه أخيرًا، دون أن يقول له أيّ كلمة عن مكان الملكة. ممّا جعل المور أسوأ، أنّ أحدًا لم يكن ليقترب منه الآن أو يتكلّم معه، كونه كان بالعربة، ظلّ يسعى خلف الملكة، وكان طوال الطريق يُشتَم، ويبصق عليه، ويتَحدّى من قبل الفرسان الآخرين. كان قد ألحق العار بطبقة الفرسان بركوبه في العربة. لكن لم يكن بإمكان أحد أن يوقفه أو يُبطئ من سيره الحثيث، واكتشف اخيرًا أنّ خاطف الملكة كان ميليغانت الشرير. استطاع إدراك ميليغانت فخاض الأثنان مبارزةّ. بدا لانسلوت على وشك الانهزام، كونه كان لا يزال ضعيفًا من أثر المطاردة، لكن عندما علم أنّ الملكة كانت تشاهد المعركة، استعاد قوّته وكان على وشك أن يقتل ميليغانت عندما تمّ إنهاء القتال بهدنة. سُلمَت جوينيفير له.
بالكاد استطاع لانسلوت تمالك نفسه من الفرد إزاء فكرة كونه أخيرًا في حضرة شيّدته. لكنّ صُدِم، إذ أنّها بدت غاضبةَّ، ولم تنظر إلى منقذها. قالت لأب ميليغانت، «مولاي، لقد ضيّع جهوده في الواقع. سأنكر دومًا أننّي أشعر بأيّ امتنانٍ نحوه.» خُزِيَ لانسلوت وجُرحَت مشاعره لكنّه لم يشتك. بعد مضيّ فترة طويلة، وخضوعه لعدد لا يُحصى من الاختبارات، لانت أخيرًا وأصبحا عاشقين. سألها ذات يوم: عندما خطفَت من قبل ميليغانت، هل سَمِعَت بقصّة العربة، وكيف أنّ ه كان قد ألحق العار بجماعة الفرسان؟ هل كان ذلك سبب معاملتها له بذلك القدر من الحفاء في ذلك
..................................
صبره الطويل. لا يجب أن يراودك الشك إزاء الفرحة العارمة التي اجتاحته عند سماعه لهذا، ولم يخفق في الوصول عند الساعة المقررة. • لكنّ السيّدة، كونها كانت لا تزال راغبةّ بتجريب قوّة حبّه، فقد قالت لفتاتها الجميلة –وأنا مطّلعةٌ تمامًا على الحبّ الذي يكنّه لك أحد النبلاء بالتحديد، وأعتقد بأنّك لست بأقلّ منه غرقًا في الحب؛ وإنّي لأشفق على كليكما، لذا فقد عقدت العزم على تزويدكما بالوقت والمكان لكي يتسنّى لكما الحديث دونما إزعاج.» • ابتهجت الفتاة لدرجة لم تستطع معها إخفاء أتواقها، وأجابت بأنّهالن تتوانى عن الحضور. • امتثالًا منها لنصيحة وأمر سيّدتها فقد قامت بخلع ثيابها وتمدّدت على سرير جميل في غرفة تركت السيّدة بأبها نصف مفتوح، في حين أنّها جهّزت من الداخل ضواءً بحيث يُتَمكن من رؤية جمال الفتاة.


اليوم؟ أجابت الملكة، «من خلال التوالي لخطوتين أظهرت عدم رغبتك بصعود العربة. ذلك، صراحة، سبب عدم رغبتي في رؤيك أو التحدّث معك.
التفسير. غلبًا ما تأتيك الفرصة للقيام بعملك الغيري بشكل مفاجئ عليك أن تثبت جدارتك وقيمتك فوريًا ودون أيّ إبطاء. من الممكن أن يكون موقف إغاثة (إنقاذ)، أو هديّةٌ يمكنك أن تقدّمها أو خدمةٌ يمكنك أن تؤدّيها، أو طلبٌ مباغت لتترك كل ما بين يديك وتهرع لمساعدتهم. ما يهمّ أكثر من أيّ شيء هو ليس إذا ما تصرّفت بشكل طائش، وارتكبت خطأ، وقمت بشيء غبي، وإنّما ظهورك على أنّك تتصرّف من أجلهم دون التفكير بنفسك أو بالعواقب.
في لحظات كهذه، يمكن للتردّد، حتّى لو كان لبضع ثوان، أن يدمّر كل العمل المضني الذي استلزمه إغواؤك، إذ يظهرك بمظهر المنهمك كليّاً في نفسه ومصالحه، وغير الشهم والوضيع. هذا، على أيّة حال، هو مغزى رواية كريستيان دي تروييه في القرن الثاني عشر لقصّة لانسلوت. تذكّر: ليس ما تعمله وحسب هو ما يهمّ، وإنمّا كيف تعمله مهمَّ أيضًا. إذا كنت مستغرقًا في ذاتك بالفطرة، فتعلّم إخفاء هذا. تصّرف بأكبر قدرٍ ممكن من العفويّة، مضخمًا الأثر من خلال ظهورك بمظهر المرتبك والمتحمّس لدرجة الاهتياج بل وحتّى الأحمق –فالحبّ قد دفعك إلى هذه النقطة. إذا توجّب عليك أن تقفز على العربة من أجل جوينيفير فاحرص على أن تراك وأنت تقوم بهذا دون أدنى تردّد.
5. في روما في حوالي عام 1531، ذاعت الأخبار عن شابّة مثيرة تُدعى توليا داراجونا. لم تكن توليا حسناءً بالمعنى التقليدي تبعًا لمقاييس ذلك العصر؛ فقد كانت طويلةَّ ونحيفة، في وقت كانت فيه المرأة السمينة والشهوانية تٌعتَبر مثال الجمال. ولم يكن عندها ذلك الأسلوب في الإفراط
..........................
بعدئذ تظاهرت السيّدة بالذهاب، غير أنّها خبأت نفسها قرب السرير بحذر شديد بحيث لا يمكن رؤيتها. • حبيبها المسكين، الذي حست أنّه سيراها تبعًا لوعدها، لم يعجز عن دخول الغرفة في الساعة المتفق عليها وبأكبر قدر من الهدوء؛ وبعد أن أغلق الباب وخلع معطفه وحذاءه المصنوع من الفرو، فقد أسرع إلى السرير، حيث نظر لكي يرى ما رغب به. لكن قبل أن يضع ذراعيه ليعانق من اعتقد أنّها خليلته، فقد وضعت الفتاة المسكينة، التي صدّقت بأنّه لها لوحدها، ذراعيها حول عنقه، وصارت تتحدّث معه بكلمات مُفعمة جدّاً بالغرام وبوجه جميل للغاية، لدرجة أنّه لم يكن يمكن لناسك متعبّد مهما بلغت تقواه ألاّ ينسى سُبحَته حبّاً لها. • لكن عندما ميّزها الجنتلمان من خلال كل من السمع والبصر، ووجد أنّه لم


في الضحك الذي اتّسمت به معظم الفتيات اللواتي أردن لفت انتباه الرجال. كلًا فقد كانت من طبيعة ونوعيّة أرقى. كانت تتكلّم اللاتينية بطلاقة تامّة، وتستطيع أن تناقش آخر موضوعات الأدب، وتجيد العزف على العود والغناء. بكلمة أخرى، كانت شيئًا جديدًا وغير مألوف، وبما انّ ذلك كان كلّ ما يبحث عنه معظم الرجال، فقد بدؤوا بزيارتها بأعداد هائلة. كان لديها عاشق، يشتعل بالديبلوماسيةّ، وفكرة أنّ واحدًا من الرجال كان قط ظفر بوصالها أفقدتهم صوابهم جميعًا. بدأ زوّارها الذكور بالتنافس على لفت انتباهها، فأخذوا يكتبون الشعر على شرفها، ويتزاحمون كي يصبح كلَّ منهم الأثير عندها. لم ينجح ولا واحدٌ منهم، لكنّهم استمرّوا بالمحاولة.
بالطبع كان هنالك البعض ممّن استاؤوا منها، حيث صرّحوا علانيّة أنّها لم تكن أكثر من مومس للطبقة الراقية. ردّدوا إشاعة مفادها (ولعلّها صحيحة) بأنّها كانت تجعل الرجال المسنّين يرقصون بينما تعزف على العود. وإذا نال رقصهم رضاها، فإنّها كانت تدعهم يضمّونها بين ذراعيهم. أمّا بالنسبة لأتباع توليا المخلصين، وجميعهم نبيلو المحتد، فإنّ هذا كان افتراءً وتشويهًا للسمعة. كتبوا وُزَّعَت على أوسع نطاق: «سيّدتنا المحترمة، اللايدي توليا داراجونا، تتفوّق بحقّ على كلّ سيّدات الماضي والحاضر والمستقبل من خلال صفاتها الباهرة ... أيّ واحدٍ يرفض العمل وفقًا لهذا البيان فإنّه سيُؤمرَ بموجب هذه الوثيقة بأن يدخل الحلبة في مواجهة واحد من الفرسان الموقّعين أدناه، والذي سوف يقنعه بالطريقة المعتادة.»
غادرت توليا روما في عام 1535، حيث ذهبت أوّلًا إلى البندقيّة، وهناك أصبح الشاعر تاسو حبيبها، وفي آخر المطاف إلى فيرّارا، التي لعلّها كانت تحتوي في ذلك العصر على البلاط الأكثر تمدّنا في كلّ إيطاليا. وكم كانت كبيرة الضجَة التي سببّتها هناك. صوتها، غناؤها، وحتّى أشعارها نالت الثناء من كلّ حدب وصوب. افتتحت أكاديمية للأدب مكرّسةٌ لمِثُل التفكير الحرّ. سمّت نفسها عروس الشعر وتجمّع حولها، كما في روما، مجموعةٌ من الشبّان. كانوا يلحقون بها في المدينة، وينقشون اسمها على الشجر، ويكتبون قصائد على شرفها، ويغنّونها لأيّ واحدٍ مستعدّ لأن يسمع.
...........................
يكن مع من عانى من أجلها كل هذا العناء، فإنّ الحبّ الذي كان قد جعله يلج السرير بتلك السرعة، جعله ينهض منه بسرعةِ أكبر حتّى. وقال وهو غاضٌب من السيّدة والفتاة على حد سواء - «لن تفلح حماقتك ولا خبث من وضعك هنا في جعلي غير ما أنا عليه. لكن حاولي بجدّ أن تكوني امرأة صادقة، لأنك لن تخسري أبدًا ذلك الصيت الطيب من خلالي.» • قال هذا واندفع خارج الغرفة بكلّ غضب الدنيا، ومرّ وقتٌ طويل قبل أن يعود ليرى سيّدته. لكنّ الحب، الذي لا يكون أبدًا دون أمل، طمأنه بأنّه كلّما تبيّن أنّ وفاءه أعظم وأكثر وضوحا من خلال كل هذه الاختبارات، كان نعيمه أطول وأكثر بهجَة. • السيّدة التي رأت وسمعت كل ما تقدّم، كانت مسرورةّ ومذهولة للغاية لدى النظر إلى مدى عمق وثبات حبّه، إلى درجة أنّها كانت شديدة التوق كي


شابٌّ من النبلاء كانت قد خبّلته وأذهلته طائفة الهائمين هذه: فقد بدا أنّ الجميع قد أحبّوا توليا لكن لك يتلقَّ أحدٌ حبّها بالمقابل. احتال عليها هذا الشاب لتسمح له بزيارتها ليلًا، بدافع من تصميمه على خطفها وتزوّجها. صرّح بحبّه (تفانيه) الخالد، أمطرها بالمجوهرات والهدايا، وطلب يدها للزواج. رفضت. فأشهر سكّينًا، ومع ذلك لا زالت رافضة، لذا طعن نفسه. لم يمت، لكنّ صيت توليا كان أكبر حتّى من ذي قبل: حتّى المال لم يكن بمقدوره أن يشتريها، أو هكذا بدا الأمر. بينما مرّت السنون وذوي جمالها، كان يأتي دائمًا شاعرٌ أو مفكّرٌ ليدافع عنها ويحميها. قلّةٌ منهم فكّرت مليّاً في الحقيقة ولو لمرّة واحدة: أنّ توليا كانت بالفعل مومسًا، واحدةً من الأكثر شعبيّة والأعلى أجرًا في المهنة.
التفسير. جميعنا لدينا عيوبٌ من نوع ما. بعض هذه العيوب تولد معنا، ولا نستطيع أن نداويها. كان لدى توليا العديد من مثل هذه العيوب. فمن الناحية الجسديّة هي لم تكن بمثال الجمال في عصر النهضة. كذلك، فإن أمّها كانت مومسًا، وكانت هي طفلة غير شرعيّة. ومع ذلك فإنّ الرجال الذين وقعوا تحت سحرها لم يأبهوا لذلك. لقد كانوا مذهولين أكثر من اللازم بصورتها –صورة المرأة الراقية، المرأة التي عليك أن تقاتل لتظفر بها. وضعيّتها (طرحها لنفسها) جاء مباشرة من العصور الوسطى؛ أيّام الفرسان والتروبادوريّون (الشعراء الغنائيّون). في ذلك الزمان، امرأةٌ، متزوّجةٌ في أغلب الأحيان، كانت قادرة على أن تتحكّم بديناميكيّة القوّة ما بين الجنسين من خلال الامتناع عن الوصال إلى أن يثبت الفارس بطريقة أو بأخرى جدارته وصدق مشاعره. كان من الممكن إرساله في مطلب أو بحث، أو يُفرّضُ عليه القيام بهذا دون تذمّر. بالرغم من أنّ أيّام التروبادورييّن قد ولّت منذ زمن بعيد، إلاّ أنّ الأنماط تستمرّ: يحب الرجل في الحقيقة أن يكون قادرًا على إثبات نفسه، أن يُتَحّدّى، ويتنافس، ويخضع للامتحانات والاختبارات ويبزغ منها منتصرًا. فلديه مسحةٌ من المازوشيّة؛ قسم منه يعشق
...................................
تراه مجدّدًا من أجل أن تطلب منه أن يسامحها على الأسى الذي سبّبته له. وبمجرد ما استطاعت لقياه فإنّها لم تنوانّ عن التحدّث إليه بكلام سائر وممتاز كهذا، إلى درجة أنّه لم ينس وحسب كلّ انزعاجه بل ورآه حتّى كشيء سائر، كونه رأى أنّ العاقبة كانت تمجيدًا لإخلاصه وتأكيدًا كاملًا لحبّه، فقد استمتع بثمرته من ذلك الوقت ما طاب له من الاستمتاع.
-مارغريت ملكة نافار، عمل السبعة أيام، مقتبس في الرذيلة، مقتطفات أدبيّة مختارة، تحرير ريتشارد دافنبورت- هينز.
يضرب الجنديّ حصارًا حول المدن، والعاشق حول منازل الفتيات، / الأوّل يهاجم بوّابات المدينة، الثاني أبواب المنازل. / الحبّ، مثل الحرب، هو لعبة طرّةٍ ونقش.


الألم. وممّا يثير الاستغراب بما فيه الكفاية، أنّه بقدر ما تطلب المرأة منه أن يتألّم، بقدر ما تبدو أكثر قيمةَّ وجدارةَّ. المرأة السهلة المنال لا يمكن أن تساوي الكثير.
أجعل الناس يتنافسون للفت انتباهك واهتمامك، أجعلهم يثبتون أنفسهم بطريقة ما، وستجدهم وقد نهضوا للتحدّي. حرارة الإغواء ترتفع بهذه التحدّيات –أثبت لي بأنك تحبّني حقًا. عندما يرتفع الشخص (من أحد الجنسين) إلى مستوى الحدث، فغالبًا ما يصبح الشخص الآخر مُنتظرا منه الآن أن يتصرّف بالطريقة ذاتها، فيتعمّق الإغواء. من خلال جعل الناس يثبتون أنفسهم، فإنّك ترفع قيمتك أيضًا وتغطّي على عيوبك. تكون أهدافك مشغولةّ في إثبات أنفسهم لدرجة تمنعهم عن ملاحظة شوائبك وأخطائك.

الرمز: مباراة المسايفة. تراقب
اللايدي الفرسان في الميدان بأعلامهم البرّاقة وأحصنتهم ذات الأغطية المزركشة وهم يتقاتلون للزواج بها. قد سمعتهم وهم يعلنون حبّهم وهم راكعون على ركبة واحدة، وأغانيهم التي لا تنتهي ووعودهم الجميلة. جميعهم بارعون بهذه الأشياء. لكن عندئذ ينطلق صوت البوق معلنًا بداية القتال. في المبارزة لا يمكن أن يكون هناك زيفٌ أو تردّد. الفارس الذي تختاره يجب أن يكون وجهه ملطّخٌا بالدم، ولديه عدّة أطراف مكسورة.
..................................
يمكن للمهزوم أن يستعيد عافيته، / بينما ينهار الذي قد يعتبره البعض بأنّه لا يُقهّر؛ / فإذا كنتم قد حكمتم بأنّ الحبّ هو خيار سهل/ فمن الأفضل أن تعيدوا النظر. يستدعي الحبّ الشجاعة وروح المبادرة. عبس أخيل العظيم في وجه برايزيس- /الطروادّيون الأذكياء حطّموا واخترقوا جدار آرغوس! / نهض هكتور من بين ذراعي زوجته/ ومضى إلى المعركة بعد أن ألبسته الخوذة/ آغاممنون نفسه، القائد الأعلى، أصابه الطرب والنشوة/ لدى رؤية شعر كاساندرا الثائر؛ حتّى مارس ضُبط وهو يقوم بالعمل/ ووقع في شرك الحدّاد- /فكانت أكبر فضيحة في السماء. خذوا بعدئذ/ حالتي الخاصّة. كنت عاطلًا عن العمل، مفطورا على التبطّل في ثياب البيت، / وعقلي أصبح كليلًا من الخربشة في الظل. / لكنّ حبّ فتاةٍ جميلة


الانقلاب
عندما تحاول أن تثبت أنّك جديرٌ بهدفك، تذكّر أنّ كلّ هدف يرى الأمور بشكل مختلف. إظهارٌ للبسالة الجسديّة؛ لن يثير إعجاب شخص لا يقدّر البسالة الجسديّة؛ لن يُظهر سوى أنّك تسعى للفت الانتباه، وللازدهاء بنفسك. المُغوون يجب أن يهايئوا (يكيّفوا) طريقتهم لإثبات أنفسهم بما يتناسب مع شكوك ونقاط ضعف المغَوتين. بالنسبة للبعض فإن الكلمات الرقيقة وخاصّةّ إذا كانت مكتوبة تشكّل براهين أفضل من الأعمال التي تتحدّى الخطر. مع هؤلاء الناس أظهر عواطفك على رسالة- نوعٌ مختلفٌ من البرهان المادّي، وإثباتٌ ذو جاذبيّةٌ شعريّة أكثر من عمل استعراضيَّ ما. أعرف هدفك جيّدًا، واستهدف بدليلك الإغوائي واستهدف بدليلك الإغوائي مصدر شكوكه أو مقاومته.
...............................
سرعان ما دفع بالكسول إلى العمل، وجعله يلتحق بالقوّات المسلحة. / والآن فقط انظروا التي الآن – جاهزّ للقتال، وشديد الحماس في التمارين الليلية: / إذا أردتم علاجًا للخمول، فقعوا في الحبّ!
-أوفيد، الرومانس، ترجمة بيتر غرين.


17
أحدث رجعةً (ارتدادًا إلى مستوى شعوري وسلوكي سابق: المترجم)

الناس الذين اختبروا نوعًا مُعَيّنًا من المتعة في الماضي سوف يحاولون أن يكرّروها أو يعاودوا عيشها. الذكريات الأكثر سرورًا والأكثر تجذّرًا تكون تلك المتّصلة بالطفولة الأولى، وغالبًا ما تكون مرتبطة برمزٌ أبويّ. أرجع أهدافك إلى تلك النقطة من خلال وضع نفسك في المثلث الأوديبي ووضعهم في موقع الطفل المحتاج. سيقعون في حبّك وذلك لعدم إدراكهم لسبب استجابتهم العاطفية. كبديل لذلك، تستطيع أنت أيضًا ان تنكص، فتدعهم يلعبون دور الوالد الراعي والحامي. في كلتا الحالتين أنت تقدّم النزوة المطلقة: فرصة إقامة علاقة حميمة مع الماما أو البابا، الابن أو الابنة.


الرّجعة الشهوانيّة
نميل كراشدين لأن نغالي في تقدير طفولتنا. فالأطفال، من خلال اعتمادهم وعجزهم، يعانون بشكل حقيقيّ. ومع ذلك فإننا ننسى ذلك بكلّ راحة وننظر بطريقة عاطفيّة إلى ما افترضنا أنّه الجنّة التي تركناها خلفنا. نتناسى الألم ولا نتذكّر سوى المتعة. لماذا؟ لأنّ مسؤوليّات الحياة الراشدة هي بمثابة حمل شديد الوطأة في وقت نحنّ فيه سرّاً إلى اتكاليّة الطفولة، وإلى ذلك الشخص الذي اعتنى بكل احتياجاتنا، وأخذ على عاتقه همومنا ومخاوفنا. حلم اليقظة هذا الذي نحلمه لديه مكوّنٌ جنسيّ قوي، لأنّ شعور الطفل بكونه معتمدًا على والده يكون مشحونًا بشحنات جنسيّة خفيّة. أمنح الناس إحساسًا شبيهًا بذلك الإحساس بالحماية والاتّكاليّة الخاصّ بالطفولة وسوف يسقطون عليك كل أنواع التخيّلات والأهواء، بما في ذلك مشاعر الحب أو الانجذاب الجنسي التي سوف يعزونها إلى شيء آخر. نحن لا نعترف بهذا، لكنّنا نتوق لأن ننكص (نرجع إلى مستوى عقلي أو سلوكي سابق، كنزعة العودة إلى أنماط السلوك الطفلي: المترجم)، ولأن نتخلّص من مظهر الراشدين الذي يغلّفنا وننفّس عن مشاعرنا الطفوليّة التي تظلّ تحت السطح.
واجه سيغموند فرويد مشكلة غريبة في بداية مهنته: العديد من مرضاته الإناث كنّ يقعن في حبّه. طنّ أنّه عرف ما كان يحدث: كانت المريضة، بتشجيع من فرويد، تنقٌب في طفولتها التي كانت بالطبع مصدر مرضها أو عصابها. كانت تتحدّث عن علاقتها مع أبيها، وعن أولى تجاربها مع الحنان والحبّ، وكذلك مع التجاهل والهجر. كانت العمليّة تثير عواطف وذكريات قويّة. بطريقة ما، كانت ترتدّ إلى طفولتها. ما عمّق هذا الأثر هو أنّ فرويد نفسه كان يقلّل من الكلام ويتصرّف بقليل من البرود والتحفّظ،
...................................
[في اليابان]، فإنّ كثيرًا من الطريقة التقليدّية في تربية الطفل يبدو أنّه يعزّز اعتمادًا سلبيّاً. نادرًا ما يُترّك الطفل لوحده، أكان في الليل أم في النهار، لأنه عادة ينام مع أمّه. عندما يخرج الطفل (من البيت) فإنّه لا يُدفَع (أمام أمّه) في عربة، فيواجه العالم وحيدًا، وإنّما يُشّدّ بإحكام على ظهر أمّه في حقيبة مفصّلة على قدر


بالرغم من ظهوره بمظهر المتهمّ- بكلمة أخرى، كان تمامًا مثل صورة الأب التقليديّة. في تلك الأثناء كانت المريضة تستلقي على الأريكة، وفي وضعيّة عاجزة أو سلبية، بحيث أنّ الموقف يعيد إنتاج (وبشكل مطابق) أدوار الأب والطفل. في آخر المطاف كانت تبدأ بتوجيه بعض من المشاعر المشوشة التي كانت تختبرها نحو فرويد نفسه. كانت تتعاطى معه كما تتعاطى مع أبيها دون أن تدرك لما كان يحصل. كانت تنكص وتقع في الحبّ. أطلق فرويد على هذه الظاهرة اسم «التحويل»، وأصبحت هذه الظاهرة تشكّل جزءًا فعالًا من علاجه. من خلال جعل المرضى يحوّلون بعضًا من مشاعرهم المكبوتة نحو المعالج، كان يضع مشاكلهم في خانة المكشوف، حيث يمكن معالجتها في مستوى الوعي.
إلاّ أنّ أثر التحويل كان قويًا لدرجة أنّ فرويد غالبًا ما كان غير قادر على جعل مرضاه يتخطّون حالة التّيم والافتتان. في الواقع فإنّ التحويل هو وسيلة فعّالة لخلق ارتباط عاطفي –وهو هدف أيّ إغواء. هذه الطريقة لها تطبيقات لا حصر لها خارج نطاق التحليل النفسي. لكي تطبّق هذه الطريقة في الحياة الواقعيّة، عليك أن تلعب دور المعالج، فتشجّع الناس على الحديث عن طفولتهم. معظمنا لا نكون إلاّ بمنتهى السعادة لانصياعنا لهذا؛ وذكرياتنا تكون مفعمة بالحيويّة والعاطفة لدرجة أنّ جزءًا منّا ينكص لمجرّد الحديث عن سنوات طفولتنا. كذلك الأمر، فإنّ بعض الأسرار تنزلق في سياق الكلام: إذ إنّنا نكشف كل أنواع المعلومات القيّمة عن نقاط ضعفنا وتركيبتنا العقليّة، وهي معلوماتٌ يجب أن تهتمّ بها وتتذكّرها. لا تأخذ كلام أهدافك بالمعنى الظاهري؛ فهم غالبًا ما سيخفّفون من بشاعة الأحداث في طفولتهم أو يزيدون من دراميّتها. وإنّما انتبه جيّدًا لنبرة صوتهم، لأيّ عَرّةٍ عصبيّة (تقلّص لا إرادي في عضلات الوجه بخاصة وعادةً ما يكون عارضًا للعصبية أو الحالة نفسيّة: المترجم) أثناء كلامهم، وخاصّة لأيّ شيء لا يريدون الحديث عنه، لأيّ شيء ينكرونه أو يجعلهم متهيّجين عاطفيًا. العديد من التصريحات لا تعني سوى نقائضها في الواقع: فإذا قالوا أنّهم يكرهون أباهم، على سبيل المثال، فتستطيع أن تراهن أنّهم يخبّئون الكثير من خيبة الأمل –أي أنّهم لم يكونوا يكنّون لأبيهم سوى الكثير من الحبّ، ولربمّا لم يحصلوا تمامًا على ما
.................................
الجسم. عندما تنحني الأمّ، فإنّ الطفل ينحني أيضًا، وهكذا تُكتسَب اللياقات الاجتماعية بشكل تلقائي بينما يكون شاعرًا بدقٌات قلب أمّة. وبالتالي فإنّ الأمان العاطفي ينحو لأن يعتمد بشكل سبه كلّي على الوجود الفيزيائي للأم. • .... يتعلّم الأطفال أنّ عرض الاعتماد السلبي هو أفضل طريقة للحصول على الامتيازات وكذلك على الحبّ. هناك فعلٌ يعبّر عن هذا في اللغة اليابانيّة: (آمارو)، ويُتَرجَم بـِ «أن تستغلّ حبّ الآخر، أن تلعب دور الطفل الرضيع.» تبعًا للطبيب النفساني دوي تاكيو فإنّ هذا هو المفتاح الرئيسي لفهم الشخصيّة اليابانيّة. وينطبق هذا على الراشدين في الشركات، أو أيّة مجموعة أخرى،


أردوه منه. أنصت بدقّة للمواضيع والقصص المتكرّرة. الأهم من هذا، تعلّم أن تحلّل الاستجابات العاطفيّة وتنظر إلى ما يمكن وراءها.
احتفظ بينما يتكلّمون بوضعيّة المعالج –متنبّهًا لكنْ هادئًا، ومدليًا بين الحين والآخر بتعليقات لا تتّسم بسمة الانتقاد أو إصدار الإحكام. كن مهتمّاً ولكن متحفظًا- أو بالأحرى خاليًا من التعبير والانفعال –وسيبدؤون بتحويل المشاعر نحوك وإسقاط الأحلام عليك. من خلال المعلومات التي جمعتها عن طفولتهم، ورابطة الثقة التي شكّلتها، تستطيع الآن أن تُحدث الرجعة أو الانكفاء. لعلّك قد اكتشفت ارتباطًا قويّاً بوافد، أخ، معلّم، أو أيّ افتتان مبكّر بشخص لا يزال يلقي بظلال على حياتهم الراهنة. بعد أن تعرف كنه الشيء في هذا الشخص، الذي أثّر فيهم لهذه الدرجة، تستطيع الآن أن تأخذ ذلك الدور. أو لعلّك قد اكتشفت فجوةً هائلةً في طفولتهم –كأب مُهمِل على سبيل المثال. فتأخذ الآن ذلك الدور، لكنّك تستبدل بالإهمال السابق الاهتمام والعاطفة اللذين لم يؤمّنهما الوالد الحقيقي أبدًا. الجميع لديه أعماٌل غير مُنته منها من الطفولة- خيبات أمل، حرمان، ذكريات أليمة. أنِه ما هو غير منتهٍ. أكتشف الشيء الذي لم يكن هدفك قد حصل عليه قطّ وعندها سيكون عندك المقوّمات لإغواء عميق الجذور.
المفتاح لا يكون من خلال مجرّد التحدّث عن الذكريات –فهذا يتّسم بالضعف. ما تريده هو أن تحمل الناس على أن يعبّروا في حاضرهم عن مشاكلهم القديمة من ماضيهم، دون أن يدركوا لما يحصل. الرجعات أو النكوصات التي تستطيع إحداثها تنصبّ في أربعة أنماط رئيسيّة.
النكوص الطفلي. الرابطة الأولى –الرابطة ما بين أمّ ووليدها- هي أقوى الروابط على الإطلاق. الرضيعون من البشر، وعلى خلاف الحيوانات الأخرى، يعيشون فترة طويلة من الضعف والعجز، ويكونون خلال هذه الفترة معتمدين على أمّهاتهم، الأمر الذي يخلق رابطًا يؤثّر على بقيّة حياتهم. المفتاح لإحداث هذا النكوص أو الارتداد يكون من خلال إعادة إنتاج الإحساس بالحبّ غير المشروط الذي تغدقه الأمّ على وليدها. إيّاك أن تنتقد أهدافك أو تصدر أحكامًا بحقّهم –دعهم يفعلون ما يحلو لهم، بما في
...................................
النساء تفعل هذا للرجال، الرجال يفعلون هذا لأمّهاتهم، وفي بعض الأحيان لزوجاتهم ... • .... مجلّةّ تُدعى السيّدة الشابّة نشرت مقالةّ (كانون الثاني 1982) عن «كيف نجعل أنفسنا جميلات.» أو، بكلمةِ أخرى، كيف نجذب الرجال. مجلة أمريكية أو أوروبية كانت ستمضي لتحدّث القارئة عن كيف تكون مشتهاةُ جنسيّاً، فتقترح بلا ريب عدّة أنواع من نفّات الشعر، الكريمات، والبخّاخات. وذلك ليس كما هو الحال مع السيدة الشابة التي تخبرنا بأنّ «النساء الأكثر جاذبيّة هنّ النساء المليئات بالحبّ الأمومي. النساء اللواتي ليس عندهّن حبٌّ أمومتٌي هنّ الأنماط التي لا يريد الرجال الاقتران


ذلك التصرّف بشقاوة؛ وفي نفس الوقت أحطهم باهتمام مُحبّ، واغمرهم بالراحة. جزءٌ منهم سوف ينكص لتلك السنوات الأولى عندما كانت أمّهم تهتّم بكلّ شيء ونادرًا ما تركتهم لوحدهم. هذا يُفلح مع الجميع تقريبًا، لأنّ الحب غير المشروط هو الشكل الأندر والأعزّ من أشكال الحب. أنت لست مضطرّاً حتّى لأن تكيّف سلوكك بما يتناسب مع أيّ شيء محدّد في طفولتهم؛ معظمنا قد اختبر هذا النوع من الاهتمام. في هذه الأثناء، أخلق أجواءً تعزّز الإحساس الذي تولّده أنت –بيئات تتَسم بالدفء، أنشطة مرحة، أولوان سعيدة وبرّاقة.
النكوص الأوديبي. بعد الصلة ما بين الأم ووليدها يأتي المثلّث الأوديبي المكوّن من الأم، الأب، والطفل. يتشكّل هذا المثلّث خلال الفترة التي تبدأ فيها أولى تخيّلات الطفل الجنسيّة. الصبي يريد أمّه لنفسه، البنت تنحو النحو نفسه مع أبيها، لكنّهم لا يحصلون على مرادهم أبدًا بتلك الطريقة، لأنّ الوالد أو الوالدة سيكون لديه دومًا صلاتٌ مع قرينه أو مع راشدين آخرين، تنافس تلك التي بينه وبين ابنه أو ابنته. الحبّ غير المشروط قد ولّي؛ الآن لابدّ للوالد أو الوالدة من أن يحرم الطفل في بعض الأحيان ممّا يرغب. أرجه ضحاياك إلى تلك الفترة. ألعب الدور الأبوي، كن محبّاً، لكن وبّخ في بعض الأحيان وافرض بالتدريج بعض النظام (الانضباط). فالأطفال يحبّون في الواقع القليل من القصاص –فهو يشعرهم بأنّ الراشد يهتّم بأمرهم. والراشدون الأطفال سيُسَرّون إذا مزجت حنانك بقليل من الصرامة والعقاب.
على خلاف النكوص الطفلي، فإن النكوص الأوديبي أن يُصَمّم على قياس هدفك. وهو يعتمد على المعلومات التي جمعتها. من دون القدر الكافي من المعرفة، قد تجد نفسك وأنت تعامل الأشخاص مثل الأطفال، معنّفًا إيّاهم ما طاب لك، فقط لتكتشف أنّك تثير ذكريات بغيضة –فقد قاسوا كثيرًا من التأديب والتأنيب عندما كانوا أطفالًا. أو قد تثير ذكريات عن والدة يكرهون، وعندها سوف يحوّلون تلك المشاعر نحوك. لا تمض
..............................................
بها مطلقًا ... يجب على المرأة أن تنظر إلى الرجال من خلال عيون أمّ.
-إيان بوروما، خلف القناع: عن الشياطين الجنسيّة، الأمّهات المقدّسات، المخّنثين والمسترجلات، رجال العصابات، الهائمون وأبطال آخرون من الثقافة اليابانيّة.
قد شدّدت على حقيقة أنّ الشخص المحبوب هو بديلٌ عن الأنا المثاليّة. إنّ الشخصين اللذين يحبّان بعضهما البعض يتبادلان مثاليّات أناهم. أن يحبّوا بعضهم بعضًا يعني أنّهم يحبّون مثاليّاتهم في الشخص الآخر. لن يكون هنالك حبٌ على الأرض لو لم يكن هذا الوهم موجودًا. نحن نقع في الحبّ لأنّنا لا


بالنكوص قبل أن تكون قد تعلّمت كل ما تستطيع تعلّمه عن طفولتهم –الأشياء التي حصلوا على كمّ مفرط منها، الأشياء التي افتقروا إليها، وأشياء من هذه القبيل. إذا كان الهدف متعلّقًا بشدّة بأحد الأبوين، لكن ذلك التعلّق كان سلبيّاً بشكل جزئيّ، فإن استراتيجيّة النكوص الأوديبي يمكن أن تظلّ فعاّلة إلى حدّ بعيد. نحن نشعر دائمًا بمشاعر متضاربة تجاه الأبوين؛ حتّى عندما نحبّهم، فإنّنا نمتعض من كوننا قد اضطررنا للاعتماد عليهم ذات يوم. لا تقلق إزاء إثارة هذه التناقضات (التضاربات)، التي لا تحول بيننا وبين التعلّق بأبوينا. تذكٌر أنّ سلوكك الأبوي يجب أن يشتمل على مكوّن جنسيّ. أهدافك الآن لا يحصلون وحسب على أمّهم أو أبيهم لأنفسهم ودون منازع، بل ويحصلون أيضًا على شيء إضافيّ، شيء كان محرومًا في السابق، لكنه الآن مُباح.
النكوص إلى الأنا المثاليّة. كأطفال، فإنّنا غالبًا ما نصوغ شخصًا مثاليًا (مثلًا أعلى) من أحلامنا وطموحاتنا. أوّلًا، فإن ذلك الشخص المثاليّ هو الشخص الذي نريد أن نكونه. نحن نتخيّل أنفسنا كمغامرين شجعان، ورموز رومانسيّة. بعد ذلك، أي في مراهقتنا، فإنّنا نحوّل انتباهنا نحو الآخرين، ونسقط عليهم مثاليّاتنا في كثير من الأحيان. قد يبدو أنّ أوّل فتى نقع في غرامه أو أوّل فتاة نقع في غرامها يتحلّى/ تتحلّى بالخصائص المثاليّة التي نريدها لأنفسنا، أو قد يجعلنا/ تجعلنا نشعر من ناحية أحرى بأنّنا نستطيع أن نلعب ذلك الدور المثالي بالنسبة لهم. معظمنا نحمل هذه المثاليّات معنا، حيث تكون مدفونةٌ (مطمورةَّ) تحت السطح مباشرةَّ. نحن نشعر سرّاً بخيبة الأمل نتيجةَّ لكمّ الأشياء التي اضطررنا للتنازل عنها وللتسويّة بشأنها، ونتيجة لمدى انحدارنا عن مُثُلنا وأهدافنا أثناء تقدّمنا في السّن. أجعل أهدافك يشعرون بأنّهم يعيشون مثاليّة الشباب هذه، وأنّهم يقتربون من كونهم الشخص الذي أرادوا أن يكونوه، وعندها ستُحدثُ نوعًا مختلفًا من النكوص، وتخلق شعورًا يعبق بذكريات المراهقة. العلاقة ما بينك وبين المّغوي في هذه الحالة تكون أكثر تكافؤًا ممّا هو الحال في الأنواع
....................................
نستطيع بلوغ المثال الذي هو نفسنا الأفضل وأفضل ما في ذاتنا. انطلاقًا من هذا المفهوم يكون من الواضح أنّ الحبّ نفسه لا يكون ممكنًا إلًا عند سويّة ثقافية معينة أو بعد الوصول إلى مرحلة معيّنة في تطوّر الشخصيّة. إنّ خلق مثال –الأنا بحدّ نفسه يسم التقدّم الإنساني. عندما يكون الناس راضين بالكامل عن أنفسهم الفعليّة فإنّ الحبّ يكون مستحيلًا. • تحويل مثال –الأنا إلى شخص آخر هو النزعة الأكثر تمييزًا للحبّ.
-ثيودور رايك، عن الحبّ والشهوة.
أعطيت [سيلفايد] عينا أحد الفتيات القرويّات، والبشرة النضرة لفتاة أخرى.


السابقة من النكوص -تكون العلاقة أشبه بانعاطفة ما بين الأخوين. في الواقع فإنّ المثل الأعلى كثيرًا ما يصاغ على غرار أخ أو أخت. لكي تخلق هذا الأثر، عليك أن تكافح لإعادة إنتاج الحالة النفسيّة البريئة والعاطفيّة المميّزة لافتتان الصبا.
النكوص الوالدي المعكوس. هنا أنت الشخص الذي سينكص: أنت تلعب عن قصد دور الطفل المُحبّب والفاتن، ولكن المشحون جنسيّاً في نفس الوقت. الناس الأكبر سنّاً (نسبيّاً) دائمًا ما يجدون الناس الأفتى مُغويين بشكل لا يوصّف. في حضرة الشباب، فإنّهم يشعرون بعودة قليل من شبابهم الخاصّ؛ لكنّهم في واقع الحال أكبر سنّاً، ويخالط شعورهم بالانتعاش في حضرة الشباب متعة لعب دور أمّهم أو أبيهم. إذا كان لدى الطفل مشاعر جنسيّة تجاه والد (أب أو أم)، وهي مشاعرٌ سرعان ما تُكبَت، فإنّه لزامٌ على الوالد أن يتعامل مع نفس المشكلة بالمقابل. اتُخذ دور الطفل بالنسبة لأهدافك، بأيّة طريقة كانت، وعندها سيبدؤون بالتعبير عن بعض تلك المشاعر الجنسيّة المكبوتة. قد تبدو هذه الاستراتيجيّة أنّها تستلزم فارقًا في السن، لكن هذا ليس عاملًا حاسمًا في الواقع. الصفات المضخّمة لبنت الصغير عند مارلين مونور فعلت مفعولها بشكل حسن بكل ما للكلمة من معنى على الرجال الذين من سنّها. التوكيد على نقطة ضعف أو هشاشة من قبلك سوف تمنح الهدف فرصة للعب دور الحامي.
بعض الأمثلة
1. انفصل والدي فيكتور هوجو عن بعضهما البعض بعد فترة وجيزة من مولد الروائي، في عام 1802، أمّ هوجو، صوفي، كانت على علاقة بالضابط المسؤول عن زوجها، والذي كان جنرالًا. انتزعت صبيانهما الثلاثة من أبيهم وذهبت إلى باريس لتربيّهم لوحدها. الآن عاش الصبية حياة مضطربة، ميّزتها فتراتٌ من الفقر، والتنقّلاتٌ المتكرّرة، وعلاقة أمّهم التي استمرّت مع الجنرال. من بين جميع الصبية، كان فيكتور أكثر واحد تعّلقًا بأمّه، وكان يتبنّى جميع أفكارها ويشتكي لشكواها، وخاصّة كرهها لأبيه.
.................................
لوحات السيّدات العظيمات من عصر فرانسيس الأوّل، هنري الرابع، ولويس الرابع عشر، المعلّقة في غرفة رسمنا، ألهمتني بملامح أخرى، واستعرت حتّى أوجه جمال من صور العذراء في الكنائس. هذا المخلوق السحري لحق يي في كلّ مكان بشكل غير مرئّي، تحادثت معها كما لو كانت شخصًا حقيقيّاً؛ غيّرت مظهرها تبعًا لدرجة جنوني؛ أفروديت دون خمار، ديانا مغطّاة باللازورد والورد، تاليا بقناع ضاحك، هيب بكأس الشباب –أو أصبحت حّيةً، واهبةً إياي سلطانًا على الطبيعة ... استمرّ الوهم لسنتين كاملتين، بلغت روحي في غضونهما قمّة الصفاء.
-شاتوبريان،


لكنّه نتيجةّ لكلّ ذلك الاضطراب والاهتياج فإنّه لم يشعر أبدًا بأنّه نال كفايته من الحب والاهتمام من الأم التي عبدها. دُمَّر قيكتور وحُطَّم عندما ماتت، في عام 1821، وهي فقيرةٌ ومُثقلةٌ بالديون.
تزوّج هوجو في السنة التالية من حبيبته، أديلّي، التي كانت تشبه أمّه من الناحية الشكليّة. لقد كان زواجًا سعيدًا لبرهة، لكن سرعان ما أخذت آديلّي تشابه أمّه بغير طريقة: في عام 1832، اكتشف أنّها كانت تقيم علاقةّ مع الناقد الأدبي الفرنسي سان- بوف، الذي صادف أنّه كان أيضًا أعزٌ صديق لهوجو في ذلك الوقت. كان هوجو الآن كاتبًا مشهورًا، لكنّه لم يكن من النمط الأناني والانتهازي. لقد كان بالإجمال شخصًا شفّافًا (أي يُعلِن ظاهره ما يخفيه باطنه.) ومع ذلك فلم يكن يمكنه أن يُفضي ببلواه (علاقة آديلّي) لأحد؛ فقد كان أمرًا غاية في الإذلال. حلّه الوحيد كان أن يحظى بعلاقاته الخاصّة، مع الممثّلات، المومسات، النساء المتزوّجات. كان لدى هوجو شهوة استثنائيّة، إذ كان يمرّ في بعض الأحيان على ثلاث نساء في اليوم الواحد.
قرابة آخر عام 1832، بدأ إنتاج أحد مسرحيّات هوجو، وكان هو من سيشرف على توزيع الأدوار على الممثّلين. قامت ممثّلةٌ تبلغ السادسة والعشرين من العمر تُدعى جولييت دراوت بتجربة الأداء لأحد الأدوار الثانويّة. هوجو الذي كان داهية بحقّ مع النساء في الأحوال العاديّة وجد نفسه وهو يتأتى في حضرة جولييت. كانت ببساطة أجمل امرأة كان قد رآها على الإطلاق في حياته، وأخافه هذا الاعتبار بالإضافة إلى سلوكها الرابط الجأش. بالطبع فازت جولييت بالدور. وجد نفسه وهو يفكّر بها طوال الوقت. بدت دائمةَّ مُحاطةَّ بمجموعة من الرجال الهائمين بها. من الواضح أنّها لم تكن مهتمّةٌ به، أو هكذا تراءى له. على الرغم من ذلك، فقد تبعها ذات مساء إلى بيتها بعد أداء المسرحيّة، ليجد أنّها لم تكن لا غاضبةٌ ولا متفاجئة –بالفعل لقد دعته ليصعد إلى شقّتها. أمضى الليلة هناك، وسرعان ما أصبح يمضي هنالك كلّ الليالي تقريبًا.
أصبح هوجو سعيدًا من جديد. ممّا أسرّه أنّ جولييت اعتزلت مهنتها في عالم المسرح، وقطعت صلتها بأصدقائها السابقين، وتعلّمت الطبخ. في
................................
مذكًرات من ما وراء القبر، مُقتبَس في شاتوبريان لفريدريك سايبورغ، ترجمة فيوليت إم. ماكدونالد.


السابق كانت تحبّ الملابس الفاخرة والعلاقات الاجتماعيّة؛ أمّا الآن فقد أصبحت سكرتيرة هوجو، التي نادرًا ما تغادر الشقة التي فيها كان قد أقام ووطّد علاقته معها وبدت أنّها تعيش فقط من أجل زياراته. على أيّة حال، فقد عاد هوجو بعد مدّة قصيرة إلى عاداته القديمة وبدأ بإقامة علاقات عابرة على الهامش. لم تشتك أو تتذمّر –طالما أنّها بقيت المرأة الوحيدة التي يظلّ يعود إليها. وفي الواقع فإنّ هوجو كان قد أصبح معتمدًا عليها إلى حدَّ بعيد.
في عام 1843، توفّيت ابنة هوجو العزيزة على قلبه إثر حادث فغرق بالاكتئاب. الطريقة الوحيدة التي عرفها لتخطّي حزنه كانت أن يحظى بعلاقة مع امرأة جديدة. وهكذا، بعد فترة قصيرة من ذلك، وقع في حبّ امرأة أرستقراطيّة متزوّجة تُدعى ليوني دونت. صار يرى جولييت على نحو أقلّ فأقلّ. بعد ذلك بعدّة سنوات وجّهت له ليوني إنذارًا بعد أن شعرت بالتأكّد من كونها المفُضّلة عنده: توقّف عن رؤية جولييت تمامًا، وإلاّ فستنتهي العلاقة بيننا. رفض هوجو. وبدلًا من ذلك قرّر أن ينظّم مسابقة: كان سيستمرّ برؤية المرأتين، وخلال بضعة أشهر سينبئه قلبه بمن كان يفضّل بينهما. تميّزت ليوني غيظًا، لكنّه لم يكن لديها خيار. كانت علاقتها مع هوجو قد دمّرت أصلّا زواجها ومكانتها الاجتماعيّة؛ لذا فقد كانت خاضعة له. لكن كيف كان يمكن لها أن تخسر على أيّة حال –فقد كانت في ربيع عمرها، في حين أنّ جولييت كان قد شاب شعرها الآن. لذا تظاهرت بقبول المسابقة ومسايرتها، لكن بمرور الوقت، تعاظم امتعاضها باطّراد حيالها، وتذمّرت. أمّا جولييت، من ناحية أخرى، فقد تصّرفت وكأنّ شيئًا لم يتغيّر. في أيّ وقت زارها، كانت تعامله كما كانت تعامله دائمًا: تترك كلُ شيء لتريحه وتعتني به عناية الأمّ بأولادها.
دامت المسابقة عدّة سنوات. في عام 1851، كان هنالك مشكلة ما بين هوجو ولويس –نابوليون، ابن أخ نابوليون بونابرت ورئيس فرنسا في ذلك الوقت (والكلام عائد إلى لويس- نابوليون). كان هوجو قد هاجم في الصحافة نزعاته الديكتاتوريّة، بقسوة ولربّما بطيش وتهوّر، لأن لويس- نابوليون كان رجلًا توّاقًا للانتقام. تدبّرت جولييت أمر تخبئته في منزل صديق لها، بعد أن خافت على حياة الكاتب، واتُخذت الإجراءات الضروريّة لاستحصال جواز سفر مزيّف، ولتنكّره بحيث لا يمكن التعرف


على شخصيّته الحقيقيّة، وأمّنت له مرورًا أمنًا إلى بروكسل. سار كلّ شيء؟ حسب الخطّة؛ انضمَت إليه جولييت بعد عدّة أيّا، وهي تحمل أثمن مقتنياته. من الواضح أنّ أفعالها البطوليّة كانت قد جعلتها تربح المسابقة.
ومع ذلك، فقد استأنف هوجو علاقاته بعد أن بَليَت جدّة حياته الجديدة. في آخر المطاف، بدافع من الخوف على صحّته، ومن القلق من كونها لا تستطيع بعد الآن منافسة مغناج إضافيّة في العشرين من عمرها، فقد قامت جولييت بمطلب هادئ ولكن صارم: لا مزيد من النساء، وإلاّ فإنّها ستهجره. كون المفاجأة أخذته تمامًا على حين غرّة، وكونه كان متأكّدًا، بالرغم من ذلك، من أنّها تعني كلّ كلمة ممّا قالت، فقد أنهار هوجو وصار ينشج بالبكاء. ركع هوجو، الذي كان الآن رجلًا مسنّاً، على ركبتيه وأقسم على الإنجيل ومن ثمّ على نسخةّ من روايته الشهيرة البؤساء، بأنّه لن يأثم أو يضلّ بعد الآن. صار سلطان جولييت عليه كاملًا حتّى وفاتها في عام 1883.
التفسير. علاقة هوجو بأمّه حدّدت شكل وتفاصيل حياته العاطفيّة. لم يشعر أبدًا بأنّها أحبّته بما فيه الكفاية. تقريبًا كلّ النساء اللواتي أقام علاقةً معهن كنّ يحملن شبهًا مع أمّه من ناحية الشكل؛ بطريقة أو بأخرى كان يعوّض عن نقص حبّها له بمجرّد الكمّ (كمّ العلاقات). لم يكن يمكن لجولييت أن تعرف كلّ هذا عندما التقت به، لكن لا بدّ أنّها أحسّت بشيئين: كان خائب الأمل بزوجته لأقصى درجات الحدود، ولم يكن قد نضج أبدًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. جيشاناته العاطفية وحاجته للاهتمام جعلته أشبه بصبي صغير منه برجل. حازت سطوةَّ وهيمنةَّ عليه لبقيّة حياته من خلال تأمين الشيء الوحيد الذي لم يحصل عليه قطّ: حبّ أمومي كامل وغير مشروط.
لم تحَكّم جولييت أبدًا على هوجو، أو تنتقده لأساليبه الشقيّة. غمرته بالاهتمام بغير حساب؛ زيارته لها كانت أشبه بالعودة إلى الرحم. في الواقع فإنّه كان في حضرتها طفلًا صغيرًا أكثر من أيّ وقت. كيف يمكن له أن
يرفض أداء خدمة لها أو يتركها ما حيي؟ وعندما هدّدته أخيرًا بأن تتركه، كان قد اختُزل بطفل منتخب يبكي طالبًا لأمّه. حازت في النهاية على نفوذ كامل عليه.
الحبّ غير المشروط هو شيءٌ نادر ومن الصعب إيجاده، ومع ذلك فإنّه ما نتوق إليه جميعًا، بما أنّنا إمّا اختبرناه ذات مرّة أو نتمنّى لو كنّا قد فعلنا. أنت لست مضطرًا لأن تمضي للبعد الذي مضت إليه جولييت؛ مجرّد الإشارة لاهتمام مُكرّس، لقبول أحبّائك لما هم عليه، لتلبية احتياجاتهم، ستضعهم في موقع طفليّ. قد يخيفهم قليلًا الإحساس بالاتّكالية والتبعيّة، وقد يشعرون بتيّار خفيَّ من الازدواجيّة، وبحاجة لتوكيد أنفسهم بشكل دوريّ، كما فعل هوجو من خلال علاقاته. لكنّ صلاتهم بك ستكون قويّة وسيظلّون يرجعون طلبًا للمزيد، كونهم مُكبّلون بالوهم بأنّهم يستعيدون حنان الأم الذي يبدو أنّهم فقدوه إلى الأبد، أو الذي لم يحصلوا عليه قطّ.
2. حوالي مطلع القرن العشرين، بدأ البروفيسور مَت الذي كان أستاذ مدرسة (كليّة) في جامعةٍ للشباب في بلدة ألمانيّة. صغيرة بتنمية كره حادّ لطلاّبه. فقد كان مّت في أواخر الخمسينات، وكان قد عمل في نفس المدرسة لسنوات عديدة. علّم الإغريقيّة واللاتينيّة وكان مميزّاً من بين الأكاديميّين المختصّين بأدب الاغريق والرومان. كان يشعر دائمًا بحاجةٍ لفرض النظام، لكنّ الأمور صارت تتّخذ طابع القباحة: فالطلاّب ببساطة لم يعودوا مهتمّين بهوميروس. وكانوا يستمعون إلى الموسيقى الرديئة ولم يكونوا يحبّون سوى الأدب الحديث. بالرغم من أنّهم كانوا عصاةً إلاّ أنّ مَت اعتبرهم رخوين وغير منضبطين. أراد أن يلقّنهم درسًا ويجعل حياتهم بائسة؛ طريقته المعتادة للتعامل مع نوبات شغبهم كانت التنمّر المحض، وكثيرًا جدّاً ما أفلحت.
وقف ذات يوم طالبٌ كان مَت يكرهه بشدٌة –شابٌّ متعجرف، أنيق اللباس يدُعى لونمان- في الصف وقال، «لا أستطيع متابعة العمل في هذه الغرفة، أيّها البروفيسور. فهناك رائحة وحل قويّةٌ.» مَد (مَد يعني وحل في الإنكليزيّة) كان اللقب الذي اختاره الطلاّب للبروفيسور مَت. أمسك


البروفيسور بذراع لونمان ولواها بشدّة، ومن ثمّ طرده من الصف، لاحظ فيما بعد أنّ لونمان كان قد ترك كتاب التمارين وراءه، وبعد أن قلّب بين صفحاته وجد مقطعّا عن ممثّلة تُدعى روزا فروليش. برزت مكيدة في ذهن مَد: كان سيمسك بلونمام وهو يمجن مع ممثّلته التي لا شكّ وأنّها امرأةٌ سيئة الصيت، وبالتالي فسيُطرَد الصبي من المدرسة.
أوَلًا كان عليه أن يجد أين كانت تؤدّي. بحث في كلّ مكان، فوجد اسمها أخيرًا أمام نادٍ يُدعى الملاك الأزرق. دخل. كان مكانًا مليئًا بالدخان، ومليئًا بأنماط الطبقة العاملة التي كان يزدريها. كانت روزا على الخشبة. كانت تغنّي أغنيةَّ؛ الطريقة التي حدّقت فيها بأعين الحضور كانت وقحةّ بعض الشيء، لكنّ مَت لسبب أو لآخر وجد هذا ساحرًا (مُزيلًا لحالة التحفّز). استرخى قليلًا، وتناول بعض النبيذ. شقّ طريقه إلى غرفة ملابسها بعد أن فرغت من أدائها، وهو عازمٌ على أن يستجوبها عن لونمان بطريقة قاسية. ما إن دخل إلى هناك حتّى رواده شعورٌ غريب بالارتباك والقلق، لكّنه استجمع شجاعته، واتّهمها بأنّها تحرف (تُضِلّ) صبية المدارس، وهدّدها بأنّه سيجعل الشرطة تغلق المكان. روزا، من ناحيةٍ ثانية، لم تُهَوّل. ردّت على كلّ ما قاله مَت: لربّما كان هو من يُضلّ الطلاّب. نبرتها كانت مُداهنة ومُلاطفة. نعم، لقد أحضر لها لونمان الزهور والشامبانيا –فماذا إذن؟ لم يكن أحدٌ قد تكلّم مع مَت بهذه الطريقة من قبل؛ نبرته الآمرة عادةّ ما كانت تجعل الناس يبتعدون من طريقه. لا بدّ وأنّه شعر بأنّه أُسيءَ إليه: فقد كانت من الطبقة الدنيا وامرأة، في حين كان هو أستاذ مدرسة، لكنّها كانت تتحدّث إليه كما لو ندّين. لكنّه لم يغضب ولم يغادر –شيءٌ ما أجبره على البقاء.
الآن كانت صامتةٌ. التقطت جوربًا وبدأت برتقه، متجاهلةٌ إيّاه، تتبّعت عيناه كلّ ما قامت به، وخاصّةٌ الطريقة التي فركت بهار كبتها العارية. أخيرًا أثار موضوع لونمان والشرطة ثانيةٌ. فقالت له، «ليس لديك فكرة عن ماهيّة هذه الحياة؛ فكلّ من يأتي إلى هنا يعتقد أنّه محور الكون. إن لم تعطهم ما يريدون فإنّهم يهدّدونك بالشرطة!» فردّ بخجل وارتباك، «أنا نادمٌ بالتأكيد لكوني جرحت مشاعر امرأة محترمة.» احتكّت ركبتاهما ببعضهما البعض وهي تنهض من الكرسي، فشعر برعشة تسري في عموده الفقري. الآن


كانت لطيفةَّ معه ثانيةَّ، وصبّت له مزيدًا من النبيذ. دعته للقدوم مرّة ثانيةَّ، ثمّ غادرت بشكل فجّ لتؤدّي فقرةً أخرى.
في اليوم التالي ظلّ يفكّر بكلماتها ونظراتها. تفكيره بها بينما كان يقوم بالتدريس منحه نوعًا من الإثارة الشقيّة. في تلك الليلة عاد إلى النادي، وهولا يزال مصمّمًا على ضبط لونمان بالجرم المشهود، مرّةً أخرة وجد نفسه في غرفة ملابس روزا، وهو يحتسي النبيذ ويتصرّف باستسلام وإذعان على نحو غريب. طلبت منه أن يساعدها في ارتداء ملابسها؛ الأمر الذي بدا كامتياز مشرّف بالنسبة له فلبّى طلبها. بينما كان يساعدها بارتداء المشدّ ووضع الماكياج، فقد نسي بشأن لونمان، شعر بأنّه كان يُدَخَل إلى عالم جديد. قرصت خدّيه ورتّبت على ذقنه، وتركته بين الحين والآخر يلقي نظرةّ خاطفةً على ساقها العارية بينما كانت ترتدي جوربها.
صار البروفيسور مَت الآن يذهب كلّ ليلة، فيساعدها باللباس، ويشاهد أداءها؛ بينما يراوده نوعٌ غريبٌ من الفخر والاعتزاز أثناء قيامه بكلّ هذا. كان كثير التردّد إلى ذلك المكان لدرجة أنّ لونمان ورفاقه لم يعودوا يأتون. كان قد حلّ محلّهم –صار هو من يجلب نها الأزهار، ويدفع ثمن الشامبانيا التي تشرب، ومن يخدمها. نعم، رجلٌ مسنٌّ مثله كان قد تفوّق على لونمان المُفعم بالشباب والذي ظنّ نفسه غايةَّ في السحر والأناقة! راقه الأمر عندما كانت تربّت على ذقنه (استحسانًا)، وتُطريه لقيامه بالأشياء على النحو الصحيح، بل وكان يشعر بإثارة أكبر عندما كانت توبّخه، فترميه بفرشاة البودرة، أو تدفعه من على الكرسي. فهذا يعني أنّها كانت تحبّه. وهكذا، بالتدريج، صار يتكّفل بكلّ نزواتها وأهوائها. لقد كلّفه هذا مبالغ لا يُستَهانُ بها من المال ولكنّه أبقاها بعيدًا عن متناول الرجال الآخرين. طلب يدها للزواج في آخر الأمر. تزوّجا، فكانت الفضيحة: خسر عمله، وبعده بفترة وجيزة كلّ ماله؛ وفي آخر المطاف حلّ في السجن. إلى آخر المشوار، لم يكن يسعه أبدًا أن يغضب من روزا، بالرغم من كل ما حصل. فقد كان يشعر بالذنب بدلًا من ذلك: لم يكن قط قد فعل بما فيه الكفاية من أجلها.
التفسير. البروفيسور مَت وروزا فروليش هما شخصيّتان في رواية


الملاك الأزرق، التي كتبها هنريش مان في عام 1905، والتي أُخرجَت فيما بعد كفيلم لعبت فيه مارلين ديتريتش دور البطولة، إغواء روزا لمَت تبع نمط النكوص الأوديبي التقليدي. أوّلًا، تعامل المرأة الرجل بالطريقة التي تعامل فيها أمَّ صبيّاً صغيرًا. توبّخه، لكن بطريقة لا تنذر بشرّ؛ وإنُما بنعومة وبمسحة من الملاطفة. هي تعلم، كالأم، أنّها تتعامل مع شخص ضعيف لا يستطيع أن يكفّ عن سلوكه المشاغب. لذا فهي تمزج كثيرًا من الإطراء والاستحسان مع توبيخاتها الساخرة. ما إن يبدأ الرجل بالنكوص، حتّى تضيف الإثارة الجسديّة –قليلٌ من الاحتكاك الجسدي لكي تثيره، تضمينات جنسيّة خفيّة. كمكافأة على نكوصه، قد يحصل الرجل على إثارة النوم مع والدته أخيرًا (أي مع المرأة التي تذكّر بها). لكنّ عنصر المنافسة موجوٌد هنالك دومًا، والذي لا بدّ وأن تبرزه المرأة التي تشبه الأم. يبدأ الرجل بامتلاكها لوحده (دون منازع)، وهو شيءٌ لم يكن يستطيع فعله بوجود أبيه كعقبة في الطريق، لكن يجب عليه أوّلًا أن ينتزعها من الرجال الآخرين.
المفتاح لهذا النوع من الإغواء يكون من خلال رؤية أهدافك ومعاملتهم كأطفال. فلا شيء فيهم يخيفك، مهما كانوا يتمتّعون بسلطة أو بمكانةٍ اجتماعيّة. سلوكك يجعل من الواضح أنّك تشعر بأنّك الطرف الأقوى. قد يكون من المفيد لإنجاز هذا أن تتخيّل وتتصوّر كيف كانوا أطفالًا فيما مضى؛ فجأةً، الأناس النافذون لا يبدون بهكذا قوّةأو كمصدر للخطر عندما ترجعهم في مخيّلتك. أبقِ في ذهنك أنّ أنماطًا معيّنة تكون أكثر قابليةَّ للنكوص الأوديبي. أبحث عن أولئك الذين، على غرار البروفيسور مَت، يبدون من الخارج على أنّهم مثال الرّشد –متزمّتين، جدّيين، ومُحتَفين (مليئين) بأنفسهم بعض الشيء. هم يناضلون لكبت نزعاتهم النكوصيّة، ويُغالون في الُمعاوضة عن ضعفهم. غالبًا فإنّ أولئك الذين يبدون أكثر الناس سيطرةَّ على أنفسهم يكونون الأكثر استعدادًا للنكوص. في الواقع هم يتلهّفون سرّاً للنكوص، لأنّ نفوذهم، مركزهم، ومسؤوليّاتهم تشكل عبئًا أكثر ممّا تشكّل متعة.
3. ترعرع الكاتب الفرنسي فرانسوا رينيه شاتوبريان الذي ولد في عام 1768 في قلعة تعود إلى القرون الوسطى، في مدينة بريتِني. القلعة كانت


باردة ومظلمة وكئيبة، كما لو أنّها كانت مسكونةّ بأشباح ماضيها. عاشت الأسرة هناك في حالة أشبه بالعزلة. أمضى شاتوبريان معظم وقته مع شقيقته لوسيل، وكان ارتباطه بها قويًا كفايةَّ لتسري الشائعات بوجود علاقة سفح ما بينهما. لكنّه عندما كان ف حوالي الخامسة عشر من عمره، دخلت امرأة جديدةَّ حياته، تُدعى سيلفيد- امرأة خلقها في مخيّلته، وهي عبارة عن تركيبة من كلّ البطلات، الإلاهات، والمحظيّات التي كان قد قرأ عنهنّ في كتبه. كان يرى ملامحها في ذهنه باستمرار، ويسمع صوتها. سرعان ما صارت ترافقه في نزهات، وتنخرط معه في محادثات. تخيّلها بريئةَّ وساميةَّ، بالرغم من أنّهم كانوا يقومون في بعض الأحيان بأشياء ليست غاية في البراءة. استمرّ في هذه العلاقة لسنتين كاملتين، إلى أن غادر نهائيًا إلى باريس، واستبدل بسيلفيد نساءً من لحم ودمّ.
الشعب الفرنسي الذي أُرهقَ نتيجة الفظائع والأهوال التي ارتُكبَت في تسعينات القرن الثامن عشر (سنيّ الثورة الفرنسيّة)، رحّب بحماسة بأولى كتب شاتوبريان، بعد أن أحسّ (أي الشعب) بروح جديدة فيها. رواياته كانت مليئة بقلاع تذروها الرياح، وأبطال مكتئبين، وبطلات شغوفات. كانت الرومانتيكيّة في بداية نشوئها. شاتوبريان نفسه كان يشابه شخصيّات رواياته، وبالرغم من مظهره غير الجذّاب، إلاّ أنّ النساء جُنِنّ للحصول عليه- معه كنّ يستطعن الهروب من زيجاتهنّ المملّة وعيش ذلك النوع من الغرام العنيف الذي كتب عنه. لقب شاتوبريان (اسم الدلع) كان الساحر، وبالرغم من أنّه كان متزوّجًا، وكاثوليكيّا متحمّسًا، إلاّ أنّ عدد علاقاته ازداد بشكل مطّرد عبر السنين. لكنّه كان يتّسم بطبيعة لا تهدأ (متململة) – فقد سافر إلى الشرق الأوسط، إلى الولايات المتّحدة، وإلى كلّ أنحاء أوروبا. لم يكن باستطاعته إيجاد ما كان يبحث عنه في أيّ مكان، ولا حتّى المرأة المناسبة: كان يهجر بعد أن تبلى جَدّة العلاقة. بحلول عام 1807 كان قد حظي بالعديد من العلاقات، ومع ذلك فقد ظلّ يشعر بعدم الرضى، لذا قرّر أن يعتزل في عزبته الريفيّة، التي تُدعى فالاي أولوب. ملأ المكان بأشجار من كلّ أنحاء العالم، محوّلًا الأراضي التابعة للعزبة إلى شيء تجسّد وانبعث من أحد رواياته. هناك بدأ بكتابة مذكّراته التي رأى أنّها ستكون رائعته الأدبيّة.
بحلول عام 1817، على أيّة حال، كانت حياة شاتوبريان قد انهارت.


فالمشاكل الماديّة كانت قد أجبرته على بيع فالاي أولوب؛ وشعر فجأةَّ عندما قارب الخمسين بأنّ إلهامه (الأدبي) قد نضب. في تلك السنة زار الكاتبة المدام دو ستايل، التي كانت الآن مريضة وعلى حافّة الموت. أمضى عدّة أيّام بجانب سريرها، برفقة أقرب صديقاتها، جولييت ريكاميير. علاقات المدام ريكاميير كانت سيّئة الصيت. كانت متزوّجة من رجل أكبر منها سنّاً بكثير، لكنّهما لم يكونا يعيشان مع بعضها البعض منذ فترة؛ كانت قد حطّمت قلوب ألمع الرجال وأشهرهم في أوروبا، بمن فيهم الأمير ميترنيش، دوق ويللينغتون، والكاتب بنجامين كونستانت. وكانت قد أطلقَت شائعة بأنّها بالرغم من كلّ عبثها ألّا أنّها كانت لا تزال عذراء. كانت عندئذ قد بلغت الأربعين تقريبًا من العمر، لكنّها كانت من ذلك النمط من النساء الذي يبدو فتيّاً في أيّ عمر. هي وشاتوبريان أصبحا صديقين بعد أن جمعهما حزنهما المشترك عل وفاة ستايل. كانت تستمع إليه بغاية الانتباه واللطف، متبنّيةَّ حالاته النفسيّة ومردّدةَّ صدى عواطفه لدرجة شعر معها أخيرًا بأنّه التقى بامرأة تفهمه. كان هنالك شيءٌّ أثيريٌّ (غير مادّي) حول المدام ريكاميير. مشيتها، صوتها، عيناها –أكثر من رجل كانوا قد شبّهوها بملاك سماويّ. سرعان ما اشتعل شاتوبريان رغبةَّ لكي يتملّكها جسديّاً.
في السنة التي تلت صداقتهما، كان بجعبتها مفاجأةٌ له: كانت قد أقنعت صديقًا لها بشراء فالاي أولوب. الصديق كان مسافرًا لبضعة أسابيع، فدعت شاتوبريان لقضاء بعض الوقت معها في عزبته السابقة. فقبل بسرور. أراها أنحاء العزبة، شارحًا لها ما كانت تعني له كلّ قطعة أرض، والذكريات التي استحضرها المكان. شعر بمشاعر يافعة تجيش وتتفجّر بداخله، مشاعر كان قد نسيها. نقبّ في الماضي أكثر، واصفًا أحداثًا من طفولته. في بعض اللحظات، عندما كان يمشي مع المدام ريكاميير وينظر في تلك العينين الحنونتين، كان يراوده شهورٌ بأنّه قد اختبر هذت من قبل، لكنّه لم يستطع أن يحدّد تمامًا مع من كلّ ما عرفه أنّه كان عليه أن يرجع إلى المذكّرات التي كان قد وضعها جانبًا. قال، «أعتزم أن أوظّف الوقت القليل المتبقّي لديّ في وصف يفاعتي ما دام جوهرها واضحًا وملموسًا بالنسبة إليّ.»
بدا أنّ المدام ريكاميير كانت تبادل شاتوبريان الحبّ، لكنّها كعادتها ناضلت لإبقائه علاقة روحيّة. الساحر، من جهة ثانية، كان يستحق لقبه.


فشعره، ولمسة السوداويّة التي لديه، وإصراره أدّوا إلى فوزه في المباراة إذ خضعت، وربّما لأوّل مرّة في حياتها. الآن، كحبيبين، كانا لا يفترقان. لكن شاتوبريان وكأبد عهده، لم يكن ليكتفي بامرأة واحدة بعد انقضاء مدّة من الزمن. عادت الروح المتململة. بدأ بإقامة علاقات مجدّدًا. سرعان ما توقّف شاتوبريان وريكاميير عن رؤية بعضهما البعض بعد ذلك.
في عام 1832، كان شاتوبريان يسافر عبر سويسرا. مرة ثانيةً كانت حياته قد سلكت منعطفا نحو الأسفل؛ إلاّ أنّه كان هذه المرّة مسنّاً بحقّ، في الجسم والروح. في جبال الألب، أخذت تنتابه (تُغير عليه) أفكارٌ عن صباه، وبالتحديد ذكريات القلعة في بريتني. تناهى إلى سمعه أنّ المدام ريكاميير كانت في المنطقة. لم يكن قد رآها منذ سنوات، فهُرع إلى النزل الذي كانت تقيم فيه. كانت ودودةَّ وحنونةَّ معه تمامًا كما كانت في أبد عهدها معه؛ تنزّها مع بعضها البعض خلال النهار، وفي الليل سهرا حتّى وقتِ متأخّر وهما يتحدّثان.
ذات يوم، أخبر شاتوبريان ريكاميير أنّه كان قد قرّر أن ينهي مذكّراته أخيرًا. وأنّه كان عليه أن يقوم باعتراف: أخبرها بقصّة سيلفيد، حبيبته الخياليّة عندما كان حدثًا. كان قد أمل أن يلتقي ذات يوم بسيلفيد في الحياة الحقيقيّة، لكنّ النساء اللواتي كان قد عرفهنّ كنّ عديمات الألق والأهميّة مقارنةَّ معها. كان قد نسي عبر السنين بشأن حبيبته الخياليّة، لكن بعد أن أصبح الآن رجلًا مسنّاً، فإنّه لم يفكّر فيها مجدّدًا وحسب، بل وصار بإمكانه رؤية وجهها وسماع صوتها أيضًا. وبهذه الذكريات أدرك أنّه كان حقيقة قد التقى بسيلفيد في الحياة الواقعيّة. لقد كانت المدام ريكاميير. الوجه والصوت كانا قريبين (لوجه وصوت سيلفيد). الأهمّ من هذا، أنّه كان لديها الروح الهادئة، والخاصيّة البريئة والطاهرة. بعد أن قرأ لها التضرّع إلى سيلفيد الذي كان قد كتبه لتوّه، أخبرها بأنّه يريد أن يصبح شابّاً من جديد، وأنّ رؤيتها كانت قد أعادت له شبابه. بعد أن تصالح مع المدام ريكاميير، بدأ بالعمل على مذكّراته من جديد، والتي نُشِرَت في آخر الأمر تحت عنوان مذكّرات من ما وراء القبر. أجمع معظم النقّاد انّ هذا الكتاب كان رائعته
الأدبيّة. كانت المذُكّرات مُهداةّ إلى المدام ريكاميير التي ظلّ مخلصًا إليها حتّى مماته، في عام 1848.
التفسير. جميعنا نحمل في داخلنا صورةّ عن النموذج المثالي للشخص الذي نتوق لأن نلتقي ونحبّ. في أغلب الأحيان يكون هذا النموذج عبارة عن مركّب من أجزاء شتّى من أناس مختلفين من عهد صبانا، بل وحتّى من الشخصيّات التي في الكتب والأفلام. والأناس الذين أثّروا فينا بشكل متطرّف- أستاذٌ على سبيل المثال- قد يُؤخَذون في عين الاعتبار أيضًا. الصفات والميزات (المثاليّة) لا تمتّ بصلة للاهتمامات الظاهريّة. وإنّما تكون غير واعية ومن الصعب التعبير عنها بالكلمات.
بحثنا بكلّ ما أوتينا من القوّة عن هذا النموذج المثالي في فترة مراهقتنا، عندما كنّا مثالييّن كأشدّ ما يكون. غالبًا ما تتحلّى أولى علاقات الحبّ لدينا بقدر أكبر من هذه الصفات ممّا هو الحال بالنسبة لعلاقاتنا اللاحقة.
بالنسبة لشاتوبريان الذي كان يعيش مع عائلته في قلعتهم المنعزلة، فإنّ حبّه الأوّل كانت أخته لوسيل التي هام بها وأضفى عليها أبعادًا مثاليّة. لكن بما أنّ هذا كان حبّاً مستحيلًا، فقد خلق من مخيّلته شخصيّة تتحلّى بكل صفاتها الإيجابيّة –نبل الروح، البراءة، الشجاعة.
لم يكن من الممكن للمدام ريكاميير أن تعرف بصدد نمط شاتوبريان المثالي، لكنّها كانت تعرف شيئًا عنه حقّ المعرفة، وحتّى قبل أن تلتقي به لأوّل مرّة بفترة طويلة. كانت قد قرأت كلّ كتبه، حيث كانت كلّ الشخصيّات متعلّقة بسيرته الذاتيّة إلى حدّ بعيد. عرفت بهوسه بشبابه الضائع؛ والجميع عرف عن علاقاته التي لا تُحصى مع النساء والتي لم تحقّق له الرضى، وعن روحه التي لا تهدأ أبدًا والمفرطة في التململ. عرفت المدام ريكاميير كيف تعكس صورة الناس (تحاكيهم)، وكيف تدخل (تلج في) نفسيّاتهم، وواحدًا من أوائل أعمالها (صنائعها) كان أن تأخذ شاتوبريان إلى فالاي أولوب، حيث شعر أنّه كان قد ترك جزءًا من شبابه. المكان كان حافلًا بالذكريات فأمعن في النكوص في طفولته، وصولًا إلى أيّامه في
القلعة. هي شجّعت هذا بشكل فعّال. الأهم على الإطلاق كان أنّها جسّدت روحيّةَّ كانت تتأتّى لها بشكل طبيعيّ، لكن تلك الروحيّة كانت تنسجم مع الصورة المثاليّة التي تخيّلها: بريئة، نبيلة، حنونة. (واقع أنّ كمّاً هائلًا من الرجال وقعوا في حبّها يقترح أنّ العديد من الرجال لديهم نفس المثاليّات.) المدام ريكاميير كانت لوسيل/ سيلفيد. لزمته سنواتٌ ليدرك هذا، لكنّه عندما أدرك، فقد صار سلطانه عليه كاملًا (طاغيًا.)
من المستحيل تقريبًا تجسيد المثل الأعلى لأحدهم بشكل كامل. لكنّك إذا اقتربت منه بما فيه الكفاية، إذا استدعيت بعضًا من تلك الروح المثاليّة، فستستطيع أن تقود ذلك الشخص نحو إغواء عميق. عليك أن تلعب دور المعالج لتحدث هذا النكوص. حُضّ أهدافك على الانفتاح حيال ماضيهم، وخاصّةً فيما يتعلّق بقصص حبّهم السابقة وعلى الأخصّ حبّهم الأوّل. أعر الاهتمام لأيّة تعبيرات عن خيبة الأمل الناتجة عن أنّ هذا الشخص أو ذاك لم يعطهم ما يريدون. خذهم إلى أماكن تستحضر ذكريات شبابهم. في هذا النكوص أنت لا تخلق علاقة تبعيّة وعدم نضج أكثر ممّا تخلق الروح المراهقة للحبّ الأوّل. هناك لمسة براءة في العلاقة. الكثير من حياة الراشدين تتضمّن التسوية (التنازل)، التآمر، وبعضًا من القسوة. أخلق الجوّ المثالي من خلال إبقاء هذه الأشياء بعيدًا، جاذبًا الشخص الآخر إلى نوع من الضعف المشترك، ومستحضرًا عذريّةٌ ثانيةّ. يجب أن يكون هنالك خاصيّةٌ شبيهةٌ بالحلم في العلاقة، كما لو أنّ الهدف كان يعاود عيش الحبّ الأول لكنّه لا يستطيع تصديق هذا تمامًا. دع كلّ هذا يتفتّق ويتكشّف ببطء، بحيث يظهر كلّ لقاء مزيدًا من الصفات المثاليّة. الإحساس بإعادة عيش لذّة ماضية هو ببساطة إحساسٌ تستحيل مقاومته.
4. في وقتِ ما من صيف عام 1614، اجتمع عدّة أعضاء من وجهاء النبلاء، بمن فيهم رئيس أساقفة كانتربيري، ليقرّروا ما سيتصرّفون بشأن إيرل سومرست، الأثير عند الملك جايمس الأوّل،الذي كان في الثامنة والأربعين في ذلك الوقت. بعد مرور ثماني سنوات على كونه الأثير، كان الإيرل الشاب قد جمع كثيرًا من المال والنفوذ، وكثيرًا للغاية من الألقاب، بحيث


لم يبق شيء لأيّ شخص آخر. لكن كيف يمكن التخلّص من هذا الرجل النافذ؟ لم يكن لدى المتآمرين جواب في الوقت الحاضر.
بعد عدّة أسابيع من ذلك كان الملك يتفقّد الإسطبلات الملكيّة عندما لمح شابّاً كان قد انضمّ مؤخّرًا إلى البلاط: جورج فيلير البالغ من العمر الثانية والعشرين والذي كان ينتمي إلى الدرجة الثانية أو الثالثة من النبلاء. رجال البلاط الذين رافقوا الملك في ذلك اليوم راقبوا عيني الملك وهما تتبعان فيلير، ورأوا مدى الاهتمام الذي سأل به عن هذا الشاب. بالفعل كان على الجميع أن يوافقوا أنّه كان شابّاً وسيمًا لأبعد درجات الحدود، فقد كان ذا وجه ملائكيّ وأسلوب طفوليّ بشكل ساحر. عندما تناهت إلى سمع المتآمرين الأنباء عن اهتمام الملك بفيلير، علموا فورًا أنّهم وجدوا ما كانوا يبحثون عنه (ضالّتهم المنشودة): شابٌَ يمكنه إغواء الملك والحلول محلّ الأثير المخيف. إلاّ أنّ الإغواء لن يحصل أبدًا لو تُركَ للطبيعة. كان عليهم أن يدفعوا بالإغواء قُدُمًا. وهكذا صادقوا فيلير دون أن يخبروه بخطّتهم.
الملك جايمس كان ابن ماري، ملكة اسكوتلندا. طفولته كانت عبارةّ عن كابوس: أبوه، والأثير عند أمّه، والأوصياء على عرشه كلّهم كانوا قد اغتيلوا؛ نُفيَت أمّه في بادئ الأمر، وأعدُمت فيما بعد. لعب جايمس عندما كان شابّاً دور المغفّل ليفلت من الشبهات. كان يكره رؤية السيف ولم يكن باستطاعته تحمّل أدنى إشارة للنزاع. عندما ماتت نسيبته الملكة إليزابيث الأولى في عام 1603، دون أن تترك وريثًا للعرش، أصبح ملك إنكلترا.
أحاط جايمس نفسه بشبّان لامعين وسعيدين، وبدا انّه يفضّل عشرة الصبيان. في عام 1612، توفّي ابنه، الأمير هنري. الملك لم يكن من الممكن مواساته. احتاج إلى الإلهاء والتشجيع؛ وأثيره، إيرل سومرست، لم يعد غايةَّ في الصبا أو الجاذبيّة. توقيت الإغواء كان مثاليّا. وهكذا باشر المتآمرون العمل على فيلير، تحت المظهر الكاذب لمحاولة مساعدته على شقّ طريقه في البلاط. زوّدوه بخزانة ثياب مهيبة، مجوهرات، عربة برّاقة، أي بنوع الأشياء التي يلاحظها الملك. اشتغلوا على مهارته في ركوب الخيل، المسايفة، التنس، الرقص، وعلى مهاراته مع الطيور والكلاب. أُرشد في فنّ الحديث –كيف يطري، ويلقي نكتة، ويتنهّد في اللحظة المناسبة. لحسن الحظّ كان من


السهل العمل مع فيلير؛ كان يتمتّع بشكل طبيعيّ بأسلوب مرح وبدا أنّه لا ينزعج من شيء في نفس تلك السنة تدبّر المتآمرون تعيينه كحامل الفنجان الملكي: كلّ ليلة كان يصبّ النبيذ للملك، وذلك لكي يراه عن كثب. بعد عدّة أسابيع، كان الملك مغرمًا. بدا أنّ الصبي يستدرّ الاهتمام والحنان. وهذا بالضبط ما كان يتوق الملك لمنحه. كم كان من الرائع قولبته وتعليمه. وكم كانت بنيته جميلة!
أقنع المتآمرون فيلير بأن يفسخ خطوبته مع خطيبته الشابّة؛ فالملك كان مخلصًا في عواطفه، ولم يكن يُطيق المنافسة. سرعان ما أراد جايمس أن يكون قرب فيلير طوال الوقت، لأنّه يتحلّى بالخصائص التي تثير إعجاب الملك: البراءة والروح الخفيفة الظل. عيّن الملك فيلير كوصيفِ لحجرة النوم، بحيث يتسنّى لهما أن يختليا ببعضهما البعض. ما سحر جايمس بشكل خاصّ كان أنّ فيلير لم يكن ليطلب أيّ شيء أبدًا، ممّا جعل تدليله أمرًا سارّاً لأقصى درجات الحدود.
بحلول عام 1616، كان فيلير قد حلّ الأثير السابق بالكامل. كان الآن إيرل بيكينغهام، وعضوًا في مجلس الملك السّري. لكنّه سرعان ما كدّس كمّاً من الامتيازات أكثر حتّى من تلك التي جمعها إيرل سومرست، الأمر الذي يشكل خيبة أمل كبيرة للمتآمرين. الملك كان يناديه يا حبيبي أمام الملأ، ويُعَدّل سترته، ويمشّط شعره. كان جايمس يحمي أثيره ويصونه بمنتهى الحماس، فقد كان متلهّفاً للحفاظ على براءة الشاب. لبّى كل نزوات الفتى، وباختصار فقد أصبح عبده. في الواقع بدا أنّ الملك ينكص؛ فكلّما كان ستيني، وهو اسم الدلع الذي اختاره لفيلير، يدخل الغرفة، كان الملك يبدأ بالتصرّف كالطفل. لم يكن من الممكن فصل الاثنين عن بعضهما البعض وذلك إلى أن توفّي الملك في عام 1625.
التفسير. من المؤكّد تمامًا أنّ أهلنا قد تركوا بصماتهم علينا بطرق لا نستطيع أن نفهمها أبدًا بشكل كامل. لكنّ الوالدين يتأثّران ويُغوَيان من قبل الطفل بشكل مكافئ. قد يلعبون دور الحامي، لكنّهم يتشرّبون خلال العمليّة روح الطفل وطاقته، ويحيون ثانيةً جزءًا من طفولتهم الخاصّة. وتمامًا كما
يناضل الولد ضدّ المشاعر الجنسيّة تجاه الوالد، فإنّه على الوالد أن يقمع مشاعر جنسيّة مشابهة والتي تكمن مباشرةَّ تحت الحنان الذي يشعرون به. أفضل الطرق لإغواء الناس وأكثرها غدرًا ومكرًا غالبًا ما تكون من خلال وضع نفسك في موضع الطفل. سيُستَدرجون إلى شبكتك بعد أن تصوّروا أنفسهم على أنّهم الأقوى والأكثر تحكّمًا. سيشعرون أنّه لا يوجد شيءٌ ليخافوه. شدّد على عدم نضجك، وعلى ضعفك، وعندها ستطلق لهم العنان لينغمسوا في تخيّلات عن حمايتهم لك وعنايتهم بك كما يعتني أحد الوالدين بولده –وهي رغبةٌ تزداد بتقدّم الناس في السن. ما لا يدركونه هو أنّك تتغلغل في أعماقهم، وتدسّ بنفسك في أذهانهم. إنّ الطفل هو من يتحّكم بالراشد. براءتك تجعلهم يرغبون بحمايتك، لكنّها أيضًا براءةٌ مشحونةٌ بشحنة جنسيّة. البراءة مغويةٌ بشكل كبير؛ وبعض الناس يتوقون حتّى للعب دور مخرّب البراءة. أثر مشاعرهم الجنسية الكامنة وعندها ستستطيع تضليلهم على أمل تحقيق خيال قويَّ ولكن مكبوتٌ مع ذلك: النوم مع شخصيّة طفوليّة. في حضرتك سيبدؤون بالنكوص أيضًا، بعد أن أعدوا بروحك الطفوليّة والمرحة.
تأتّى معظم هذا لفيلير بشكل طبيعيّ، لكنّك قد تضطرُّ على الأرجح لإجراء بعض الحسابات والتدابير المتعمّدة. معظمنا لحسن الحظّ لديه ميولٌ طفوليّةٌ قويّةٌ تعتمل بداخله ومن السهل النفاذ إليها وتضخيمها. أجعل إيماءاتك وبادراتك تبدو عفويّة وغير مخطّط لها. أيّ عنصر جنسيّ في سلوكك يجب أن يبدو بريئًا وغير مقصود. على غرار فيلير، لا تضغط للحصول على خدمات أو على امتيازات. الأهالي يفضّلون تدليل الأولاد الذين لا يطلبون أيّ شيء والذين يدعونهم لفعل هذا من خلال تصرّفاتهم. أن تبدو غير ميّال لإصدار الحكام بحقّ من حولك وغير نَقّاد لهم سيجعل كلّ شيء يبدو أكثر طبيعيّة وسذاجة. تحلَّ بسلوك سعيد ومبتهج، لكن مع لمسة من المزاح واللعب. أكّد على أيّة نقاط ضعف قد تكون لديك، وعلى الأشياء التي لا يمكنك التحكّم بها. تذكّر: معظمنا يتذكّر سنواته الأولى بولع، لكنّ المفارقة تكمن في أنّ غالبيّة الناس الذين لديهم أشدّ الارتباط


بتلك الأوقات هم أكثر من عانى من طفولة صعبة. في الواقع، فإنّ الظروف منعتهم من أن يكونوا أطفالًا، فهم لم ينضجوا أبدًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهم يتلهّفون للفردوس الذي لم يختبروه أبدًا. جايمس الأوّل يندرج في هذه الفئة. هذه الأنماط تكون جاهزة لنكوص معكوس.
الرمز: السرير. باستلقائه بالسرير وحيدًا فإنّ الطفل يبدو غير محمي، خائفًا، ومحتاجًا. في غرفة مجاورة يوجد سرير الأهل. إنّه كبير وخطير، وموقع أحداث لا يُفتَرَضُ بك أن تعلم عنها. أعط المغويّ كلا الشعورين –العجز، والانتهاك- بينما تضعهم في السرير كي يناموا.
الانقلاب
لعكس استراتيجيّات النكوص، فإنّه يتوجّب على أطراف الإغواء أن يظلّوا راشدين خلال العمليّة. هذا ليس نادرًا وحسب، وإنّما ليس شديد الإمتاع أيضًا. الإغواء يعني تحقيق بعض الأحلام والأهواء. ليس حلمًا أن تكون ناضجًا وراشدًا مسؤولًا، وإنّما واجب. عدا عن ذلك، فإنّ الشخص الذي يبقى راشدًا بالنسبة لك أو في العلاقة معك يكون إغواؤه صعبًا. في جميع أنواع الإغواء –السياسي- الإعلامي، الشخصي- فإنّ الهدف يجب أن ينكص. الخطر الوحيد يكمن في أنّ الطفل قد ينقلب ضدّ أبيه ويثور بعد أن سئم من الاتّكال والتبعيّة. عليك أن تكون متحضرًا لهذا، وإيّاك أن تأخذ ثورته على محمل شخصيّ كما يفعل الأب أو الأمّ.


18
اصطدام بالخطيئة والمحظور

هناك دائمًا قيودٌ اجتماعية على ما يستطيع المرء القيام به. بعضها –الأكثر جوهريّةَّ وأساسيّة- يعود لقرون خلت؛ والبعض الآخر أكثر سطحيّة ويحدّد ببساطة السلوك المهذّب والمقبول. إن جعلك أهدافك يشعرون بأنك تقودهم لتخطّي أحد نوعي القيود هو شيء في غاية الإغواء. الناس يتوقون لاكتشاف جانبهم المظلم. ليس كلّ شيء في الحبّ الرومانسيّ يُفتَرّضُ به أن يكون رقيقًا وناعمًا؛ لحّْ إلى أنّ لديك مسحةّ من القسوة، بل وحتّى من الساديّة. أنت لا تحترك الفروقات العمرّية، ولا عهود الزواج، ولا الروابط العائليّة. بمجرّد ما تقوم الرغبة بالانتهاك والإثم باجتذاب أهدافك نحوك، يصبح من الصعب عليهم أن يتوقفوا. خذهم إلى أبعد مما يتخيلون –الشعور المشترك بالذنب والاشتراك بالجريمة سوف يخلق رابطًا قوّيًا.


النفس الضائعة
في شهر آذار من عام 1812، قام جوردون بايرون بنشر أوّل قسم رئيسيَّ من قصيدته الطويلة هارولد الطفل الكريم المحتد. القصيدة كانت مليئة بالمجازات القوطيّة –ديرًا خربًا، الفسوق، أسفارٌ إلى الشرق المُكتَنَف بالأسرار- لكن ما جعلها مختلفة أنّ بطل القصيدة كان أيضًا وغدها: هارولد كان رجلًا يعيش حياةّ من الرذيلة، ويزدري أعراف المجتمع ومع ذلك فإنّه يمضي بطريقة أو بأخرى دون عقاب. كذلك، فالقصيدة لم تجر أحداثها في أرض ما نائية وإنّما في إنكلترا ذلك العصر. هارولد الطفل الكريم المحتد خلقت جدلًا ولغطاّ فوريّين، وأصبحت حديث لندن. سرعان ما بيعت الطبعة الأولى بالكامل. في غضون أيّام سرت إشاعة مفادها أنّ القصيدة التي كانت عن شابَّ نبيل فاسق، كانت في الواقع سير ذاتيّة (تتناول سيرة حياة كاتبها.)
الآن تدافعت صفوة المجتمع واصطبحت للالتقاء باللورد بايرون، وترك العديد منهم بطاقاتهم الشخصيّة في مقرّ إقامته في لندن. سرعان ما بدأ بالتردّد إلى منازلهم. ويكفي غرابةّ أنّه فاق توقّعاتهم. كان وسيمًا بشكل شيطانيّ، وذا شعر مجعّد ووجه ملاك. ثيابه السوداء غطّت على أو عوّضت عن بشرته الشاحبة. لم يكن يتكّلم كثيرًا، الأمر الذي كان مثيرًا للإعجاب بحدّ ذاته، وعندما كان يتكلّم فإنّه كان يفعل ذلك بصوت خفيض ينوّمُ مغناطيسيّاً وبنبرة مُزدَريَة بعض الشيء. كان يعرج (فقد كانت قدمه مشوّهةَّ خِلقةَّ)، لذا فعندما كانت الأوركسترا تبدأ بعزف الفالس (وهي آخر صرعة في الرقص في عام 1812)، فإنّه كان يقف جانبًا، بينما تلوح في عينيه نظرةَُ إلى البعيد. جُنّ جنون النساء للحصول على بايرون. عندما التقت ناجمًا عن مزيج من الخوف والإثارة) لدرجة اضطرّت معها للابتعاد. تقاتلت النسوة
.................................
إنّها مسألة نوع معيّن من الشعور: الشعور بكونك معمور. هنالك العديد ممّن لديهم خوفّ كبير من أن يُغمّروا من قبل شخص ما؛ على سبيل المثال، شخصٌ يجعلهم يضحكون رغمًا عنهم، أو يبهجهم للغاية، أو ما هو أسوأ، يخبرهم بأشياء يحسّون بأنّها صحيحة لكن لا يستطيعون أن يفهموها تمامًا، أشياء تتجاوز أحكامهم المسبقة وحكمتهم المتداولة، بكلمةِ أخرى، هم لا


للجلوس بجانبه، ولنيل انتباهه، وللغواية من قبله. هل كان صحيحًا أنّه كان مقترفًا لإثم سرّي، كبطل قصيدته؟
اللايدي كارولين لامب –زوجة ويليام لامب الذي كان ابن لورد ولايدي ملبورن- كانت شابّة متألّقةَّ على الساحة الاجتماعية، لكنّها في قرارة نفسها لم تكن سعيدةَّ. عندما كانت فتاة صغيرة كانت قد حلمت بالمغامرة، الرومانس، والسفر. الآن كان يُتَوّقّع منها أن تلعب دور الزوجة الشابّة المهذّبة، وهذا الدور لم يكن يناسبها. اللايدي كارولين كانت واحدةّ من أوائل الذين قرؤوا الطفل هارولد، وعدا عن جدّتها فإنّه كان هنالك شيءٌ في الرواية حرّك مشاعرها. عندما رأت اللورد بايرون في حفلة عشاء وهو مُحاطّ بالنساء، فإنّها نظرت إلى وجهه، ومن ثمّ انسحبت؛ وفي تك الليلة كتبت عنه في مجلّتها، «مجنونٌ، سيّءٌ، ومن الخطر التعرّف عليه.» وأضافت، «ذلك الوجه الشاحب الجميل هو قدري.»
زارها اللورد بايرون في اليوم التالي، الأمر الذي شكّل مفاجأة لها. من الواضح أنّه كان قد رآها وهي تبتعد عنه، وكان حياؤها قد آثار فضوله واهتمامه –إذ كان يأنف من النساء الهجوميّات أو المقتحمات اللواتي كنّ يترامين باستمرار عند قدميه، بنفس الطريقة التي كان يبدو بها أنّه يأنف من كلّ شيء، بما في ذلك نجاحه. وصار بعد ذلك بفترة وجيزة يتردّد يوميّاً إلى عند اللايدي كارولين. كان يطيل الجلوس في غرفة ملابسها، ويلعب مع أولادها، ويساعدها غي اختيار الثياب في كلّ يوم بيومه. ضغطت عليه لتحدّث عن حياته: فوصف أباه القاسي، والميتات المبكّرة التي بدت أنّها لعنة العائلة، والدير المتهدّم الذي كان قد ورثه، ومغامراته في تركيّا واليونان. حياته اتّسمت بالفعل بنفس القدر من القوطيّة الذي اتّسمت به حياة الطفل هارولد. (أي أنّ حياته كانت شبيهةٌ جدّاُ بهذا النوع من القصص [القوطيّة] المتّسم بالكآبة والقتامة والذي تتكشّف فيه تفاصيل مؤامرة بشعة أو خارقه للطبيعة في موقع حفيٌّ أو معزول كقلعة مهدّمة: المترجم.)
بالفعل أصبح الاثنان عاشقين في غضون أيّام. لكن الآية انعكست: إذ أنّ اللايدي كارولين لاحقت بايرون بهجوميّة وشراسة قلّ مثيلهما عند السيّدات. ارتدت ثياب خادم وتسلّلت إلى عربته، وكتبت له رسائل مغرقةّ في العاطفة، وازدهت بالعلاقة باعتزاز. أخيرًا، تسنّت لها فرصة لتلعب الدور
..............................
يريدون أن يُعروا، نظرًا لأنّ الإغواء يعني مواجهة الناس بمحدوديّاتهم، بالحدود التي يُفترض أنّها محدّدة ومستقرّة لكن التي بسبّب المغوي ترنّحها فجأةّ. الإغواء هو رغبة المرء بأن يُغمَر ويُجتاح، ويأخذ إلى ما هو أبعد.
-دانييل سيبوني، الحب غي الواعي.
حديثًا فقط، رأيت حصانًا مُلجمًا بإحكام/ بعضّ على الشكيمة بأسنانه ويندفع مثل البرق- ومع ذلك ففي اللحظة التي يرتخي فيها اللجام، / فإنّ شعرات عنقه المنتصبة تلين، / يتوقّف عن الحراك كما لو أنّه مات. نحن نغضب ضمنيًا إزاء القيود، ونشتهي/ كل ما هو ممّنوع. (أنظر كيف


الرومانسي العظيم الذي لطالما راود أحلامها كفتاة صغيرة. بدأ بايرون بالانقلاب ضدّها. كان أساسًا يحبّ أن يصدم؛ الآن اعترف لها بطبيعة الإثم السري الذي أشار له مداورةّ في الطفل هارولد كريم المحتد –علاقاته المثليّة خلال أسفاره. كان يقوم بتعليقات جارحة، ويتصرّف بطريقة تنمّ عن اللامبالاة. لكن هذا بدا أنّه فقط يُقحم بها أكثر. أرسلت له خصلة الشعر المعروفة، ولكن ليس من شعر رأسها وإنما من عانتها؛ صارت تلحق به في الشوارع، وتقوم بتصرّفات محرجة أمام الملأ (تجلب الفضيحة) –في آخر الأمر قامت أسرتها بإرسالها إلى الخارج لتجنّب مزيد من الخزي والفضيحة. بعد أن أوضح بايرون أنّ العلاقة انتهت، فقد انحدرت إلى جنون رافقها عدّة سنوات.
في عام 1813، قام صديقٌ قديم لبايرون، جايمس وبستر، بدعوة الشاعر إلى عزبته الريفيّة. كان لدى وبستر زوجة شابّة وجميلة، اللايدي فرانسيس، وكان يعلم بسمعة بايرون كمغوي، لكنّ زوجته كانت هادئة وعفيفة –لذا فإنها بالتأكيد ستقاوم إغراء رجل مثل بايرون. بالكاد تكّلم بايرون مع فرانسيس التي بدت غير مهتمّة فيه بدرجة مساوية، الأمر الذي أراح وبستر. إلّا أنّها بعد مرور عدّة أيّام على إقامة بايرون احتالت لكي تكون وحدها معه في غرفة البيلياردو، حيث سألته سؤالًا: كيف يمكن لامرأة تحبّ رجلًا أن تخبره بهذا عندما لا يكون ملاحظًا؟ خربش بايرون جوابًا غير محتشم على قطعة من الورق جعلها تحمرّ خجلًا أثناء قراءته. بعد ذلك بفترة وجيزة دعا بايرون الزوجين إلى ديره السيّءالسمعة. هناك، رأته اللايدي فرانسيس المتزمّتة والرزينة وهو يشرب النبيذ من جمجمة بشريّة. ظلّا سهرانين حتّى وقت متأخّر في أحد حجرات الدير السريّة وهم يقرآن الشعر ويتبادلان القبل. مع بايرون، فقد بدا أنّ اللايدي فرانسيس لم تكن إلاّ متلهّفةٌ جدّاً لاكتشاف الزنى.
في نفس تلك السنة، وصلت أخت بايرون غير الشقيقة أوغوستا إلى لندن لتبتعد عن زوجها الذي كان يعاني من مشاكل ماديّة. لم يكن بايرون قد رأى أوغوستا لبعض الوقت. الاثنان كانا متشابهين من الناحية الشكليّة- نفس الوجه، نفس الطريقة المميَّزة في الكلام والتصرّفات؛ لقد كانت النسخة النسائيّة من اللورد بايرون. وسلوكه نحوها تخطّى حاجز الأخوّة. فقد
...........................
أنّ الرجل المريض الذي يوصى/ بألاّ يغمر نفسه في الماء يتسكّع حول الحمّامات العموميّة.) / ... تتعاظم الرغبة إزاء ما يبقى بعيدًا عن المتاول. ينجذب اللعس/ للمباني المنيعة أمام السطو. كم كثيرةٌ هي الأحيان التي يزدهر فيها الحبّ عند وجود المنافس؟ إنّه ليس جمال زوجتك، وإنّما شغفك/ بها هو الذي يحرّضنا –فلا بدّ أنّها/ تتحلّى بشيء ما حتّى أسَرتك. الفتاة التي يحبسها/ زوجها لا تكون عفيفةّ وإنّما هدفٌ يُناضَل من أجله، يكون الخوف جاذبًا أكبر من شكلها. الحبّ المحرّم –إن أحببت هذا/ أم لا- أكثر عذوبةّ. عندما تقول الفتاة، / «أنا خائفة.» فذلك لا يؤدّي إلاّ إلى جعلي منجذبًا.


أخذها إلى المسرح، إلى الحفلات الراقصة، واستقبلها في منزله، مُعاملًا إيّاها بروحيّة حميمة سرعان ما قابلتها بالمثل. بالفعل فإنّ الاهتمام الحنون واللطيف الذي أمطرها به سرعان ما تحوّل إلى الناحية الجسديّة.
أوغوستا كانت زوجةّ مخلصةّ وأمّا لثلاثة أطفال، ومع ذلك فقد استسلمت لتحرَش أخيها غير الشقيق بها. كيف لها أن تحول دون ذلك؟ وهو الذي يحرّك فيها شغفًا مبهمًا وهيامًا أقوى من أيّ هيام شعرت به نحو أيّ رجل آخر، بمن في ذلك زوجها. بالنسبة لبايرون، فإنّ علاقته مع أوغوستا كانت قمّة الخطيئة التي توّج بها سيرته. وسرعان ما صار يكتب لأصدقائه ليقرّ صراحةّ بفعلته. لقد كان مبتهجًا بالفعل إزاء ردود فعلهم المصعوقة، واتّخذت قصيدته القصصيّة المسمّاة عروس أبيدوس سفاح الأخ مع الأخت كموضوع لها. بدأت الإشاعات بالسريان عن علاقة بايرون الجنسيّة بأخته، التي كانت الآن حاملةّ بطفله. اجتنبه المجتمع الراقي- لكنّ النساء انشددن إليه أكثر، وصارت كتبه أكثر رواجًا وشعبيّة من أيّ وقت سبق.
آنابيلا ميلبانك التي كانت نسيبةّ للايدي كارولين لامب، كانت قد التقت ببايرون في تلك الأشهر الأولى من عام 1812 عندما كان معبود الجماهير في لندن. كانت آنابيلًا تتّسم بالاعتدال وضبط النفس والواقعيّة، واهتماماتها كانت العلم والدين. لكن بايرون كان فيه شيءٌ قد جذبها. بدا انّ المشاعر مُتَبادلة: فالاثنان لم يصبحا أصدقاءً وحسب، لكنّه أيضًا كشف عن نوع آخر من الاهتمام بها، وعرض عليها الزواج حتّى في إحدى المراحل. كان هذا في خضمّ الفضيحة التي تناولت بايرون وكارولين لامب، وآنابيلًا لم تأخذ العرض على محمل الجدّ. تتبّعت سيرته عن بعد عبر الأشهر القليلة التي تلت، وسمعت الإشاعات المزعجة عن السفاح. ومع ذلك فقد كتبت في عام 1813، رسالةَّ لخالتها تقول فيها، «أنا أعتبر أنّ معرفته أمرٌ مرغوبٌ فيه جدّاً لدرجة أنّني مستعدّة لأن أجلب على نفسي المخاطرة بأن أُدعى عابثةٌ من أجل الاستمتاع بها.» بعد أن قرأت أشعاره الجديدة كتبت أنّ «وصفه للحبّ يكاد يجعلني أنا في حالة حبّ.» كانت تنمّي هوسًا ببايرون الذي سرعان ما سمع بهذا الهوس. جدّدا صداقتما، وفي عام 1814 تقدّم بطلب الزواج ثانية؛ فقلبت هذه المرّة. بايرون كان ملاكًا ساقطًا وكانت هي من سيصلحه.
.................................
-أوفيد، الرومانس، ترجمة بيتر غرين.
في المراحل اللاحقة فإنه غالبًا ما يكون غير ممكن [بالنسبة للنساء] أن يفكوا الصلة التي بالتالي تكوّنت في أذهانهم ما بين الأنشطة الحسيّة والشيء المحترم، ويتّضح أنّهن عاجزات من الناحية الجنسيّة، أي باردات، عندما تصبح هذه الأنشطة مسموحةُ في آخر المطاف. هذا هو مصدر الرغبة لدى العديد من النساء، الأمر الذي يجعلهّن يبقين حّتى أكثر العلاقات شرعيّة سرّية لبعض الوقت؛ ومصدر مظهر القدرة على الإحساس الطبيعي في العلاقات الأخرى ما إن يُستَعاد شرط المنع بواسطة علاقة غراميّة غير شرعيّة –إذ يستطعن استبقاء نوع ثان من


تبيّن أنّ الأمور لم تّيسر بهذه الطريقة. فبايرون كان يأمل بأنّ حياة الزوجيّة ستكبح من جماحه، لكنّه بعد المراسم أدرك أنّ زواجه كان غلطة. قال لأنابيلاّ، «الآن ستكتشفين أنّك قد تروّجت شيطانًا.» انهارت الزيجة في غضون بضعة سنوات.
في عام 1816، غادر بايرون إنكلترا إلى غير رجعة. سافر عبر إيطاليا لفترة من الزمن؛ الجميع كانوا يعلمون بقضّته –العلاقات الجنسيّة، السفاح، الوحشيّة والقسوة اللتان يعامل بهما حبييباته. لكن النساء الإيطاليّات لاحقنه حيثما حلّ، وخاصّةّ، المتزوّجات منهنّ واللواتي ينتمين للطبقة الراقية، موضّحات بذلك بطريقتهنّ الخاصّة مدى استعداد كلّ واحدة منهنّ لتكون الضحيّة البايرونيّة التالية. في الحقيقة فإنّ النساء كنّ من قام بالهجوم (بالمبادرة). مثلما قال بايرون للشاعر شيلي، «لم يُسبَ أحدٌ أكثر من المسكين الغالي الذي هو أنا –لقد اغتّصبتُ أكثر من أيّ شخص منذ حرب طروادة.»
التفسير. النساء في عصر بايرون كنّ يتلهّفن للعب دور مختلف عمّا سمح لهنّ المجتمع به. كان يُفتّرَض بهنّ أن يكنّ القوّة التي تدعو إلى الأخلاق والشرف في الحضارة؛ الرجال فقط كان لديهم منافذٌ (مُتَنَفّس) لدوافعهم الشرّيرة. قد يكون الخوف من دور أكثر لا أخلاقيّة وانفلاتًا لنفسيّة (عقل) المرأة هو ما شكّل الأساس الكامن وراء القيود الاجتماعيّة المفروضة على النساء.
نتيجةَّ لشعورهنّ بالتململ والكبت، فقد التهمت النساء في ذلك العصر الروايات والقصص الغراميّة القوطيّة التي كانت تلعب فيها النساء دور المغامّرة، والتي كانت تتحلّى فيها النساء بنفس القدرة على الخير والشر كالرجال. كتبٌ كهذه ساعدت على إطلاق شرارة ثورة مسموح بها إلى حدٌّ ما عند نساء من أمثال اللايدي كارولين، واللواتي كنّ يَتُقن لعيش قليل من حياة الأحلام التي كانت لديهنّ وهنّ بناتٌ صغيرات. وصل بايرون إلى الساحة في الوقت المناسب. صار البؤرة التي تتمحور حولها رغبات النساء غير الُعَبّر عنها؛ معه كان باستطاعتهنّ الذهاب إلى ما بعد الحدود التي كان المجتمع قد فرضها. الإغراء (الطعم) بالنسبة للبعض كان الزنى، وللبعض الآخر كان الثورة الرومانسيّة، أو فرصة ليصبحن غير عقلانيّات وغير
............................
الإخلاص للعشيق، وهذا ما لا يطبق على الزوج. • برأيي فإنّ الشرط اللازم للممنوعيّة في الحياة الجنسيّة للنساء يحتل نفس المكان كحاجة الرجال لتخفيض دافعهم الجنسي ... النساء اللاتي ينتمين للمستويات الأعلى من المدنيّة والثقافة عادةً لا ينتهكن الحظر القائم على الأنشطة الجنسيّة خلال فترة الانتظار، وبالتالي فإنّهنّ يكتسبن هذا الرابط الوثيق بين ما هو محظور وما هو جنسيّ ... • النتائج الضارّة للحرمان من الاستمتاع الجنسي لدى بداية العلاقة تتجلّى في نقص الإشباع الكامل عندما يُطلّق للرغبة الجنسيّة العنان لاحقًا في الزواج. لكن، من ناحية أخرى، فإن الحريّة الجنسية غير المفيّدة لا تقود إلى نتائج أفضل. من


متمدّنات. (الرغبة بإصلاحه كانت مجرّد غطاء للحقيقة –الرغبة بأن يجتاحهنّ عاطفيّاً.) لقد كان إغواء الممنوع في جميع الحالات، وفي هذه الحالة كان أكثر من إغراء سحطيّ: فما أن تُصبح متورّطًا مع اللورد بايرون حتّى يأخذك إلى أبعد ممّا كنت تتخيّل أو تريد، كونه كان لا يعترف بالحدود. لم تقع النساء في حبّه وحسب، وإنّما تركنه أيضًا يقلب حياتهنّ رأسًا على عقب، بل وحتّى يدمّرها. فضّلن ذلك المصير على القيود الآمنة للزواج.
بطريقة أو بأخرى، فقد أصبح وضع النساء في القرن الثامن عشر معمّمًا في بداية القرن الحادي والعشرين. قد تلاشت المنافذ أو المخارج للسلوك السيّء للرجل –الحرب، السياسة القذرة، مؤسّسات العشيقات والمحظيّات. فاليوم، لا يُفتَرَض بالنساء فقط أن يكنّ متحضّرات وعقلانيّات بل وبالرجال أيضًا وبشكل جليّ. ويعاني العديد من صعوبات في العيش بمستوى هذه التوقّعات. نستطيع كأطفال أن ننفّس عن الجانب المظلم من شخصيّاتنا، وهو جانبٌ موجودٌ لدينا جميعًا. لكن تحت الضغط الذي يمارسه علينا المجتمع (في البداية بصيغة أبوينا) فإنّنا نكبت بالتدريج نزعات الشر والعصيان وسوء السلوك في شخصيّاتنا. لكي ننسجم فإننا نتعلّم أن نقمع جوانبنا المظلمة التي تصبح نوعًا من النفس الضائعة أو المفقودة، أو جزءًا من نفسنا وعقلنا مدفونًا تحت مظهرنا المهذّب.
نرغب سرّاً كراشدين أن نستردّ تلك النفس الضائعة –الجزء الطفولي (منّا) الأكثر مغامرةّ والأقلّ احترامًا. نحن ننشدّ لأولئك الذين يعيشون أنفسهم الضائعة كراشدين، حتّى لو تضمّن ذلك بعض الشر أو التدمير. تستطيع أن تصبح، على غرار بايرون، بؤرة تلك الرغبات. من ناحية ثانية، عليك أن تتعلّم أن تبقي هذه الإمكانيّة تحت السيطرة، وأن تستخدمها على نحو استراتيجيّ. بينما تكون هالة الممنوع التي من حولك آخذة في جذب أهدافك إلى شبكتك، فلا تحاول أن تبالغ في التأكيد على كونك خطيرًا وإلاّ فسوف يبتعدون وهم خائفون. ما إن تشعر بأنّهم يقعون تحت سحرك حتّى يُطلَق لك العنان أكثر. إذا بدؤوا بتقليدك، كما قلّدت اللايدي كارولين بايرون، فعندئذ امض في اللعبة إلى ما هو أبعد- أَضِف بعض القسوة، ورّطهم في إثم، جريمة، أو نشاط محظور، أو أيّ شيء تقتضيه الحاجة. أطلق العنان للنقس الضائعة التي فيهم؛ بقدر ما يعبّرون عنها أكثر، بقدر ما تصبح
................................
السهل إثبات أنّ القيمة التي يضعها الذهن على الحاجات الجنسيّة تهبط بشكل فوريّ ما إن يمكن الحصول على الإرضاء بسهولة. بعض العقبات تكون ضروريّة للدفع بتياّر الشهوة إلى أقصاه؛ وفي كل حقب التاريخ؛ فإنّه عندما لا تفي الحواجز الطبيعيّة في وجه إشباع الرغبة بالمطلوب، تقوم البشريّة بتشييد حواجز اصطناعيّة من أجل أن تكون قادرة على الاستمتاع بالحبّ. هذا ينطبق على كلَّ من الأمم والأفراد. في الأوقات التي لم توجد فيها عوائق في وجه الإرضاء الجنسيّ، كإثناء انحدار حضارات العالم القديم، فإنّ الحبّ يصبح عديم القيمة، ويصبح من اللازم القيام بإصلاحات قوّية في الاتّجاه المعاكس قبل أن


سلطتك عليهم أعمق. توقّفك بمنتصف الطريق سوف يخلق إحساسًا غير مريح بأنّ الغير يلاحظ ما هم يرتكبون واهتمامًا مفرطًا بالمظاهر. اشططّ فيما أنت تفعله إلى أقصى حدّ ممكن.
الانحطاط يجذب الجميع.
- جوهان وولفغانغ جوته
المفاتيح للإغواء
المجتمع والثقافة (الحضارة) يستندان إلى القيود –هذا النوع من السلوك مقبول، ذلك غير مقبول. هذه القيود مرنة وتتغيّر مع الأيّام، لكن دائمًا يوجد هنالك قيود. البديل هو الفوضى، ولا قانونيّة الطبيعة، الأمر الذي نخاف منه. لكننّا حيواناتٌ غريبة الأطوار: ففي اللحظة التي يُفرَضُ بها أيّ نوع من القيود، أكان ماديّاً أم معنويّاً (نفسيّاً)، فإنّنا نصبح فضولييّن على الفور. يريد جزٌء منّا أن يذهب إلى ما بعد ذلك القيد والحدّ، وأن يكتشف ما هو الممنوع.
إذا أخبرنا، كأطفال، ألاّ نذهب إلى ما وراء نقطة معيّنة في الغابة، فذلك المكان هو حيث نريد أن نذهب بالضبط. كمٌّ متزايدٌ من الحدودٌ يعوق حياتنا ويثقلها. لا تخلط على أيّة حال ما بين التهذيب والسعادة. فالتهذيب يغطّي الإحباط والتسويات غير المرغوبة. كيف لنا أن نكتشف الجانب السرّي (المظلم) من شخصيّاتنا دون أن نجلب على أنفسنا العقاب أو النبذ؟ هذا الجانب يتسرّب إلى أحلامنا. نستيقظ أحيانًا ونحن نكابد شعورًا بالذنب إزاء الجريمة، السفاح، الزنى، والأذى المتعمّد الذين يجولون ويعتملون في أحلامنا، إلى أن ندرك أنّه ليس من الضرورة أن يعلم أحدٌ سوانا بذلك. لكن أعطِ الناس الإحساس بأنّه معك سيكون لديهم الفرصة ليكتشفوا التخوم القصوى للسلوك المهذّب والمقبول، وأنّه معك يستطيعون أن ينفّسوا عن جانب من شخصيّاتهم المحجور عليها، وستخلق عندها المقوّمات اللازمة لإغواء عميق وقويّ.
........................................
يمكن استعادة القيمة العاطفيّة للحبّ التي لا غنى عنها.
- سيغموند فرويد، «مقالاتٌ في سيكولوجيا الحبّ» النسائيّة.
وسيكولوجيا الحبّ، ترجمة جون ريفير.
هذه هي الطريقة التي حّلل بها السيّد موكلير موقف الرجال إزاء المومسات: «لا حبّ المومسة الشغوفة ولكن حسنة التنشئة، ولا زواجه من امرأة يحترمها، يمكن أن يحلّ محلّ المومس بالنسبة للحيوان البشري في تلك اللحظات المنحرفة عندما يشتهي أن يحطّ من قدره دون أن يؤثّر على مكانته الاجتماعيّة. لا شيء يمكن أن يحلّ محلّ هذه المتعة الغربية ولكن القوّية بكون


سيكون عليك الذهاب إلى ما بعد مرحلة مجرّد إغاظتهم بحلمّ محيرّ. الصدمة والقوّة الإغوائيّة ستتأتّيان من واقعية ما تقدّمه لهم. تستطيع في مرحلة معيّنة، مثل بايرون، أن تضغط حتّى للذهاب إلى أبعد ممّا قد يرغبون بالذهاب إليه. إذا تبعوك بدافع من الفضول المحض، فقد يشعرون ببعض الخوف والتردّد، لكن ما إن يقعوا في الشرك حتّى يجدوا أنّه من الصعب مقاومتك، لأنّه ما إن تنتهك حدّاً وتتخطّاه حتّى يصبح من الصعب أن ترجع إليه. الإنسان يصرخ طلبًا للمزيد، ولا يعلم متى يتوقّف. ستحدّد لهم أنت متى يحين الوقت للتوقّف.
في اللحظة التي يشعر فيها الناس بأنّ شيئًا ما مُحظّرٌ عليهم، فسوف يرغب فيه جانب منهم. ذاك ما يجعل الرجل المتزوّج أو المرأة المتزوّجة هدفًا بهذه اللذّة. كلّما كان الشخص ممنوعًا، كانت الرغبة أعظم. كان جورج فيلير، إيرل بيكنغهام، أثير الملك جايمس الأوّل في البداية، ومن ثمّ أثير ابن جايمس، الملك تشارلز الأوّل. لم يمُنع عنه شيء أبدًا. في عام 1625، في زيارة لفرنسا، التقى بالملكة الجميلة أن ووقع في حبّها بشكل يائس. ما الذي يمكنه أن يكون أكثر استحالة، وأكثر بُعدَ منال، من ملكة قوّة منافسة؟ كان باستطاعته الحصول تقريبًا على أيَّة امرأة أخرى، لكنّ الطبيعة المحرّمة للملكة ألهبته بالكامل، إلى أن أحرج نفسه وبلده من خلال محاولة تقبيلها أمام الملأ.
نظرًا لكون الممنوع مرغوب، عليك بطريقة ما أن تجعل نفسك تبدو مُحَرّمًا. الطريقة الأكثر سماجة وصخباّ لفعل هذا هي أن تنخرط في سلوك من شأنه أن يمنحك هالة من الشر والمنع. فنظريّاً أنت شخصٌ يجب تحاشيه، أمّا عمليّا فأنت مغويَّ لدرجة لا تُقاوَم. ذاك كان إغراء الممثّل إيرول فلين، الذي، على غرار بايرون، وجد أنّه المُطارَد وليس المُطارد. فلين كان وسيمًا بشكل شيطانيّ، لكنّه كان يتمتّع أيضًا بشيء آخر؛ مسحةٌ إجراميّة أكيدة. انخرط خلال شبابه الجامح في كلّ أنواع الأنشطة المشبوهة. في خمسينات القرن الماضي كان قد أتّهم بجريمة اغتصاب، وهي وصمة أبديّةٌ على سمعته بالرغم من أنّه وُجد بريئًا؛ إلاّ أنّ هذه التهمة لم تؤد إلاّ إلى زيادة شعبيّته بين النساء. شدّد على جانبك المظلم (ضخّمه) وسيكون لديك نفس الأثر. بالنسبة لأهدافك فإنّ الانخراط معك يعني المضيّ والتوغّل إلى ما بعد حدودهم، وفعل شيء شقيّ وغير مقبول –إزاء المجتمع، إزاء أقرانهم. بالنسبة للعديد فإنّ ذلك سببٌ (كاف) لابتلاع الطعم.
المرء قادرًا على قول كلّ شيء، وفعل كلّ شيء، مهما كان دنسًا أو مثيرًا للسخرية دون أيّ خوف من جزاء، ندامة، أو مسؤوليّة. إنّها ثورة كاملةٌ ضدّ المجتمع المنظّم، وضدّ شخصه المتعلّم والكفوّ وضد دينه بخاصّة.» السيّد موكلير يسمع نداء الشيطان في هذه العاطفة القائمة التي عبّر عنها بودلير في شعره. «تمثّل المومس اللاوعي الذي يمكّننا من وضع مسؤوليّاتنا جانبًا.»
-نينا إبتون، الحب والفرنسيّون.
العين والقلوب تمضي مسافرةّ على طول المسارات التي طالما جلبت لهم المسرّة؛ وإذا حاول أيّ شخص أن يفسد لعبتهم، فلن يعدو


في رواية الرمال المتحرّكة التي كتبها حينيشيرو تانازاكي في عام 1928، تشعر سونوكو كاكيوتشي، وهي زوجة محام محترم، بالملل فتقرّر أن تتّبع دورةّ في الفنون لقتل الوقت. هنالك، تجد نفسها مفتتنةّ بطالبة زميلة، ميتسوكو الجميلة، التي تصادقها، ومن ثمّ تغويها. تضطرُّ كاكيوتشي لأن تخبر زوجها بكمّ لا حصر له من الأكاذيب عن صلتها مع ميتسوكو وعن لقاراتهما السريّة. نورَّطها ميتسوكو بالتدريج في جميع أنواع الأنشطة الشائنة، بما في ذلك علاقة حبّ ثلاثيّة الأطراف مع شابَّ غريب الأطوار. في كلّ مرّة تُساق فيها كاكيوتشي لاكتشاف لذة محرّمةّ ما، تتحدّاها ميتسوكو لتتوغّل أبعد فأبعد. تتردّد كاكيوتشي وتشعر بالندم –إذ تعرف أنّها بين برائن مغوية شابّة شيطانيّة كانت قد لعبت على أوتار ضجرها لتحرفها وتضلّلها. لكن في النهاية، فإنها لا تستطيع أن تمنع نفسها عن إتّباع قيادة ميتسوكو –فكلّ عمل انتهاكيّ يجعلها ترغب بالمزيد. بمجرّد ما تنجذب أهدافك بإغراء ما هو ممنوع، تحدّاهم على أن يضاهوك بالسلوك الانتهاكي. أيّ نوع من التحدّي هو شيء مغو. سر به ببطء فلا تزيد قوّة التحدّي إلا بعد أنّ يظهروا علامات الاستسلام لك. بمجرّد أن يصبحوا تحت سحرك وسلطانك، فلن يعودوا يلاحظوا حتّى مدى حرج وعزلة الموقف الذي وضعتهم فيه.
خليع القرن الثامن عشر العظيم، الدوق رايشليو، كان لديه ولعٌ بالفتيات اليافعات وغالبًا ما كان يزيد من حدّة الإغواء من خلال إحاطتهم بسلوكِ انتهاكيّ، وهو السلوك الذي تعاني تجّاهه الناشئة بالتحديد من ضعف خاصّ. على سبيل المثال، كان يجد وسيلة ليدخل بيت الفتاة ويستدرجها إلى سريرها؛ في حين يكون والداها جالسين في حجرة الطعام وهما يتبّلان الأكل بالتوابل المناسبة. في بعض الأحيان كان يتصرّف كما لو كانا على وشك أن يُكتَشَفا، مُضفيًا بذلك الرعب الذي يزيد من وقع (حدّة) الرعشة والإثارة بالإجمال. في جميع الحالات، كان يحاول أن يحرّض الفتاة ضد أهلها، وذلك من خلال السخرية من حماستهم الدينيّة أو تزمَتهم أو سلوكهم الورع. استراتيجيّة الدوق كانت بأن يهاجم أو ينال من القيم الأعزّ على أهدافه وأثمنها لديهم –وخاصةّ القيم التي تمثّل حدّاً أو قيدًا. لدى الشخص اليافع تكون الروابط العائلية والدينيّة وما شابه ذات نفع للمغوي؛ فاليافعون بالكاد يحتاجون إلى سبب ليثورا ضدّها. إلّا أنّ الاستراتيجيّة يمكن
...............................
عن جعلهم أكثر تعلّقًا بها، يعلم الله ... هكذا كان الحال مع تربستان وآيزولد. بمجرد ما حُرموا رغباتهم، ومُنعوا من الاستمتاع ببعضهم البعض من خلال الجواسيس والحرّاس، فإنّهم أخذوا يعانون بشدّة. صارت الرغبة تعذّبهم الآن بشكل جدّي، وعلى نحو أسوأ بكثير من ذي قبل؛ أصبحت حاجة أحدهم للآخر أكثر إيلامًا وإلحاحًا من أيّ وقت مضى. • ... السماء يقمن بالكثير من الأشياء فقط لأنّها ممنوعة، والتي لم يكّن ليفعلنها إن لم تكن ممنوعة ... ربّنا منح حوّاء الحريّة لتفعل ما تريد بكّل الثمار والأزهار والنباتات التي كانت في الجنّة، باستثناء واحدة فقط، والتي منعها من مسّها تحت طائلة العقوبة بالموت ... أخذت


تطبيقها بالرغم من ذلك على الشخص بغض النظر عن عمره: لأنّه لكلّ قيمة أخلاقيّة مُعتَنّقَة. بشدّة جانبها المعتم، شكّ، رغبةٌ باكتشاف ما الذي تحرّمه وتحظره تلك القيم.
في إيطاليا عصر النهضة، كانت المومسة تلبس كسيّدة محترمة وتذهب إلى الكنيسة. لم يكن شيءٌ أكثر إثارةٌ للرجل من تبادل النظرات مع امرأة كان يعلم أنّها عاهرة بينما كان محاطًا بزوجته، عائلته، أقرانه، ومسؤولي الكنيسة. كلّ دين أو منظومة قيم لديه جانبه المظلم، مملكة الظل أو عالمه المكوّن من كلّ ما يحظره ويحرّمه. أغظ أهدافك، أجعلهم يعبثون بأيّ شيء ينتهم قيمهم العائليّة التي غالبًا ما تكون سطحيّة بالرغم من كونها عاطفيّة، نظرًا لأنّها مفروضة من الخارج.
واحدٌ من أكثر الرجال إغواءً في القرن العشرين، رودولف فالنتينو، كان يعرف باسم وعيد (خطر) الجنس. جاذبيّته للنساء كانت ذات شقّين: كان باستطاعته أن يكون رقيقًا ومجاملًا، لكنّه كان يُلمِعُ أيضًا إلى جانب من القسوة. في أيّة لحظة كان يمكنه أن يكون جريئًا ووقحًا بشكل خطير، أو حتّى عنيفًا بعض الشيء. ضخّمت دور صناعة الأفلام السينمائيّة هذه الصورة المزدوجة بأقصى استطاعتها –فعندما سرت التقارير الصحفيّة بأنّه كان يسيء معاملة زوجته، على سبيل المثال، فقد استغلّت هذه القصّة. مزيجّ من الذكّر ومن المؤنّث، من العنيف والرقيق، سيبدو دائمًا انتهاكيّاً (آثمًا) وجذّابًا. يُفَتَرض بالحبّ أن يكون حنونًا ورقيقًا، لكن يمكنه في الواقع أن يُطلق عواطف عنيفة ومدمّرة؛ والعنف المحتمل للحبّ، والطريقة التي يهدّم بها حصافتنا ومنطقيّتنا المعتادة، هما بالضبط ما يجذبنا. قارب الجانب العنيف للرومانس من خلال إضفاء مسحة من القسوة إلى أفعالك الرقيقة، وخاصّة في المراحل الأخيرة من الإغواء، عندما يكون الهدف بين براتنك. عُرفّ عن المحظيّة لولا مونتيز أنّها كانت تلجأ للعنف، فتستخدم السوط بين الحين والآخر، وكان بوسع لو آندرياس –سالوم أن تكون وحشيّة بشكل استثنائي مع رجالها، فتلعب ألعابًا مغناجيّة، وتنقلب لتصبح باردةّ كالجليد ومتطلّبة. لم تؤدَّ وحشيّتها إلاّ لجعل أهدافها يرجعون طلبًا للمزيد. العلاقة المازوشيّة يمكن أن تمثّل تحرّرًا (انعتاقًا) انتهاكيّاً عظيمًا.
كلّما ولدّ إغواؤك الإحساس بأنّه محرّم وغير مشروع، كان تأثيره أكثر
................................
الثمرة وعصت أمر الله ... لكّنني الآن أعتقد جازمًا بأنّ حوّاء لم تكن لتفعل هذا أبدًا لو لم تكن منهيّة عنه.
- جوتفريد فون ستراسبورغ، تريستان وآيزولد، مقتبس في كتاب حبّ الفرسان والسيّدات لآندريا هوبكينز.
واحدٌ من أصدقاء السيّد ليوبولد شتيرن استأجر مسكن عازبين مؤقّت حيث استقبل زوجته كعشيقة، وقدّم لها النبيذ البرتغالي والبتي فور و «اختبر كل الإثارة المدغدغة للزنى.» أخبر شتيرن بأنّه كان إحساسًا جميلًا أن يُدَيث نفسه.
- نينا إبتون، الحبّ والفرنسيّون


قوّةّ. أعط أهدافك الشعور بأنّهم يرتكبون نوعًا من الجرم، فعلًا يتشاطرون تبعاته معك. أخلق لحظات أمام العامّة بحيث تكونان أنتما فيها تعرفان شيئًا لا يعرفه أولئك المحيطون بكما. قد تكون عباراتٌ أو نظراتٌ لا يعرفها أحدّ غيركما، أو سرّ. جاذب بايرون الإغوائي للايدي فرانسيس كان متّصلًا ومرتبطًا بقرب زوجها –فلدى وجوده، على سبيل المثال، تلقّت رسالة حبّ من بايرون مخبّأةً في حمّالة الصدر التي ترتديها. جوهانس، بطل رواية سورين كير كيجارد يوميّات مغوي، أرسل رسالةّ إلى هدفه، كورديليا الشابّة، في خضمّ حفلة عشاء كان كلاهما يرتادانها؛ لم تستطيع أن تكشف للضيوف الآخرين أنّها كانت منه، لأنّها ستضطر عندئذ لتقديم بعض التفسيرات والشروحات. من الممكن أيضًا أنّه كان يقول لها أمام الملأ شيئًا ذا معنى خاصّ بالنسبة لها، كونه كان يشير إلى شيء في إحدى رسائله. كلّ هذا أضاف نكهةّ للعلاقة من خلال إعطائه الشعور بوجود سرّ مشترك، أو حتّى ذنب مُقتَرف. من الحاسم أن تلعب على مكامن توتّر كهذه أمام الملأ، فتخلق إحساسًا بالتورّط بشيء خاطئ وبالتواطؤ ضدّ العالم.
في أسطورة تريستان وآيزولد، يصل العاشقان المشهوران إلى منتهى السعادة والابتهاج وكان ذلك بالضبط نتيجةُ للمحرّمات التي خرقوها. آيزولد تكون مخطوبةَّ للملك مارك؛ وستصبح قريبًا امرأةّ متزوّجة. تريستان هو تابعٌ مخلص ومحاربٌ يعمل في خدمة الملك مارك، الذي يعادل أباه في السن. العلاقة بأكملها مصبوغة بصبغة سرقة العروس من الأب. كان لهذه الأسطورة تأثيرٌ هائل عبر العصور كونها تمثّل أو تلخّص مفهوم الحبّ في العالم الغربي، وقسمّ كبيرٌ منها يتمحور حول فكرة أنّه دون عقبات، ودون الشعور بالانتهاك والخطيئة، فإنّ الحبّ ضعيفّ وعديم النكهة.
في عالمنا الراهن قد يكون الناس باذلين غاية الجهد إزالة القيود على السلوك الشخصي، ولجعل كلّ شيء أكثر حريّة، لكنّ ذلك لا يؤدّي سوى إلى جعل الإغواء أكثر صعوبةّ وأقلّ إثارةَّ. أفعل ما بوسعك لتعيد إدخال الشعور بالانتهاك والجريمة، حتّى لو كان ذلك مجرّد وهم أو تصوّر نفسيّ. لا بدّ من أن يكون هنالك عقباتٌ لتُتَخَطّى، أعراف اجتماعيّة ليُهزأ بها، قوانين لتُخرَق، قبل أن يمكن إتمام الإغواء. إذا بدا أنّ المجتمع المتساهل يفرض عددًا محدودًا من القيود؛ فعليك أن توجد المزيد منها. دائمًا سيكون هنالك قيود،


بقرات مقدّسة (بمعنى أشخاص فوق النقد)، معايير سلوكيّة –الأشياء التي تشكّل ذخيرة دائمة للاصطدام بما هو انتهاكيّ ومحظور.
الرمز: الغابة. يُطلَب من الأطفال ألاّ يدخلوا إلى الغابة التي تقع تمامًا وراء الحدود الآمنة لمنزلهم. هناك لا يوجد قانون، وإنّما مجرّد بريّة، حيوانات وحشيّة، ومجرمون. لكن الفرصة للاكتشاف، والظلمة المستدرجة، وواقع أنّها محظورة هي أشياءٌ تستحيل مقاومتها. وما أن يصبحوا في الداخل، حتّى يرغبوا في التوغّل أبعد فأبعد.


الانقلاب
نقيض الاصطدام بالمحظورات (الانقلاب عليها) هو أن تظلّ ضمن حدود التصّرف المقبول. وهذا سوف يؤدّي بالنتيجة إلى إغواء فاتر للغاية. لكن ليس المراد من القول أنّ ما يغوي هو الشرّ وحده أو السلوك غير المشذّب؛ فالطيبة، الرقّة، وهالةٌ من الروحانيّة يمكن أن تكون جذّابة بشكل هائل، نظرًا لأنّها صفاتٌ نادرة. لكن الحظ أنّ اللعبة هي نفسها. الشخص اللطيف أو الطيّب أو الروحاني ضمن الحدود التي يفرضها المجتمع يتمتّع بجاذب ضعيف. إنّ أولئك الذين يذهبون إلى أبعد مدى –أشباه غاندي، والكريشنامورتيّون (نسبة إلى الإله فيشنو في الأساطير الهندوسيّة، الذي ظهر بين البشر باسم كريشنا ليخلّصهم من ملك طاغية: المترجم) –هم من يغووننا. هم لا يدافعون وحسب عن أسلوب حياة روحانيّ، وإنّما يتخلّصون تمامًا من كلّ الوسائل المادّية للراحة الشخصيّة ليعيشوا مثاليّاتهم الزهديّة والتنسّكيّة. هم أيضًا يذهبون إلى ما بعد الحدود، فينتهكون السلوك المقبول، لأنّ المجتمعات تجد أنّه من الصعب تأدية وظيفتها إذا اشتطّ الجميع إلى هذه الحدود. ممّا لا ريب فيه أنّه في الإغواء لا تتأتّى أيّ قوّة أو سطوة من احترام الحدود والقيود.


19
استخدام الُمغريات الروحية
الجميع لديه شكوك ومكامن في شخصه للشعور بعدم الأمان وقلّة الثقة –حيال جسمهم، حيال إيمانهم بنفسهم وقيمتها وحيال جنسائيّتهم. فإذا كان إغواءك يخاطب الناحية المادية والجسدية بشكل حصري، فإنك سوف تثير هذه الشكوك وتجعل أهدافك شاعرين بمّواطن الضعف لديهم وبأنّ غيرهم يلاحظ ويدرك هذه المواطن. عّوضًا عن ذلك استدرجهم بعيدًا عن قلّة ثقتهم بأنفسهم وشعورهم بانعدام الأمان، وذلك من خلال جعلهم يركّزون على شيء سام وروحانْيّ: تجربة دينية، عمل فني رفيع، الأشياء الغامضة والمكتَنَفة بالأسرار. أكد على صفاتك الملائكية؛ تكلّف سيماءّ من عدم الرضى إزاء الأشياء الدنيويّة؛ تحدّث عن النجوم، القدر، الخيوط الحفيّة التي ترّبطك بموضوع الإغواء. الهدف سوف يشعر بأنّه خفيف وغير مقيّد كونه غارقٌ في سديمّ روحِيّْ. عمّق أثر إغوائك بجعل ذروته الجنسية تبدو شبيهة بالاتحاد الروحي بين روحين أو نفسين.


موضع العبادة
كانت ليان دي بوجي مومس (محظيّة) باريس المتوّجة طوال تسعينات القرن التاسع عشر. بقدّها الأهيف وخنوثتها كانت شيئًا جديدًا وغير مألوف، فتنافس الرجال على الاستئثار بها. في أواخر العقد، على أيّة حال، كانت قد سئمت من الأمر برمّته. «يا لها من حياة عقيمة»، كتبت في رسالة لأحد أصدقائها. «دائمًا نفس الروتين؛ منتزه البوا دي بولون، السباقات، تجريب الثياب؛ وكنهاية لكلّ يوم تافه: العشاء!» أكثر ما أرهق المحظيّة وأضجرها على الإطلاق كان الاهتمام الدائم لمعجبيها الرجال الذين سعوا لاحتكار مفاتنها الأنثويّة.
في يوم ريعيّ من عام 1899، كانت ليان تركب في عربة مفتوحة عبر البوا دي بولون. كالعادة، فقد رفع الرجال قبّعاتهم تحيّة لها أثناء مرورها. لكن أحد هؤلاء المعجبين أخذها أو بالأحرى أخذتها على حين غرّة: شابّةٌ ذات شعر طويل أشقر، كانت قد أعطتها تحديقة مبجَّلة قويّة. ابتسمت ليان للمرأة، التي ابتسمت وانحنت بالمقابل.
بعد ذلك بعدّة أيّام صارت ليان تتلقّى بطاقات وأزهار من شابّة أمريكيّة تبلغ من العمر الثالثة والعشرين اسمها ناتالي بارني التي عرّفت عن نفسها على أنّها المعجبة الشقراء في البوادي بولون، وطلبت موعدًا. قامت ليان بدعوة ناتالي للزيارة، لكنّها قرّرت القيام بمزحة صغيرة بقصد التسليّة: كانت صديقةٌ بها ستأخذ مكانها، فتستلقي على سريرها في غرفة نومها المعتمة، بينما تكون ليان مختبئة خلف ستارة. وصلت ناتالي في الساعة المحدّدة ارتدت ثياب وصيفة فلورنسيّة وحملت باقة من الأزهار. ركعت أمام السرير وبدأت بتمجيد المحظيّة وإطرائها، مشبّهة إياها بلوحة لفرا آنجيليكو. لم يمرّ
...................................
آه! أن تكون قادرًا دائمًا على أن تحبّ من تحبّ بحرّية! أن أمضي حياتي عند قدميك مثل آخر أيّامنا سوّية. أن أحميك من آلهة الغابات المتخيّلة لكي أكون الشخص الوحيد الذي يرميك على سرير من الطحالب ... سنجد بعضنا بعضًا مجدّدًا في جزيرة لزبوس، وعندما يحلّ الغسق، فسنتوغّل في الغابة لكي نضيّع الطرق التي تؤدّي إلى هذا القرن. أريد أن أتخيّلنا في جزيرة الخالدين المسحورة هذه. أتصوّر أنّها جميلةٌ للغاية. تعالى، سأصف لك أولئك


سوى وقت قصير جدّاً قبل أن تسمع صوت ضحك أحدهم –فأدركت وهي تنهض المزحة التي طُبَّقُت عليها. احمرّت خجلًا وتوجّهت نحو الباب. وعندما هُرعَت ليان من خلف الستارة (لتوقفها)، قامت ناتالي بتوبيخها: المحظيّة لديها وجه ملاك، ولكن من الواضح دون أن يكون لديها روحه. همست لها ليان بدافع من الندم، «أرجعي في صباح الغد. سأكون لوحدي.»
أتت الأمريكيّة الشابة في صباح اليوم التالي وهي ترتدي نفس الثوب. كانت ظريفةّ ومفعمةَّ بالحياة؛ استرخت ليان في حضرتها، ودعتها لكي تبقى أثناء طقس المحظيّة الصباحي –الماكياج المعقّد، الثياب، والمجوهرات التي ترتديها قبل أن تتوجّه إلى العالم الخارجي. نوّهت ناتالي بينما كانت تراقب بإجلال أنّها كانت تعبد الجمال، وأنّ ليان كانت أجمل امرأة رأتها في حياتها على الإطلاق. لعبت ناتالي دور الوصيفة أو الخادمة، فتبعت ليان إلى العربة، فتحت لها الباب مع انحناءة، ورافقتها في نزهتها المعتادة عبر البوا دي بولون. ما إن أصبحوا داخل المنتزه حتّى ركعت ناتالي على الأرض، بحيث لا تلفت نظر المارّة الذين رفعوا قبّعاتهم تحيّة لليان. تلت أشعارًا كانت قد كتبتها على شرف ليان، وأخبرت المحظيّة أنّها اعتبرت أنّ إنقاذها من المهنة الوسخة التي كانت قد انحطّت إليها بمثابة مهمّة أو رسالة لها.
في تلك الأمسية أخذتها ناتالي إلى المسرح لترى سارة برنارد وهي تؤدّي دور هاملت. خلال الاستراحة، أخبرت ليان أنّها تتماهى مع هاملت- تعطّشه لما هو سام، كرهه للاستبداد –الذي كان بالنسبة لها استبداد الرجال بالنساء. خلال الأيّام القليلة التي تلت تلفّت ليان سيلّا متواصلاّ من الأزهار من ناتالي، وبرقيّات تتضمّن أشعارًا كُتِبَت على شرفها. بالتدريج صارت الكلمات والنظرات التبجيليّة تتّخذ الطابع المادّي (الجسدي)، مع لمسات عرضيّة، ومن ثمّ ربتة، وحتّى قبلة –قبلةٌ ولّدت إحساسًا مختلفًا عن أيّة قبلة كانت ليان قد خبرتها من قبل. ذات صباح، وبينما كانت ناتالي حاضرة لتقوم بالخدمة، استعدّت ليان لتأخذ حمّامًا. بينما كانت ليان تخلع قميص النوم، قامت ناتالي برمي نفسها عند قدمي صديقتها، وأخذت تقبّل كاحليها. حرّرت المحظيّة نفسها وأسرعت نحو حوض الاستحمام، فقط لتخلع ناتالي ثيابها وتنضم إليها. خلال بضعة أيّام، عملت كلّ باريس بأنّ
..................................
الأزواج المرهفين من الإناث، وبعيدًا عن المدن وجلبتها، سننسى كلّ شيء ما عدا أخلاق الجمال.
- ناتالي بارني، رسالة إلى ليان دي بوجي، مقتبس في وصف لغوية: عالم ناتالي بارني لجان شالون، ترجمة كارول باركو.
ناتالي الرهيبة، التي اعتادت أن تنهب أرض الحبّ. ناتالي الهائلة، المهابة من قبل الأزواج نظرًا لأنّ لا أحد يستطيع مقاومة إغوئيّتها. وكان باستطاعة المرء ان يرى كيف أنّ النسوة كنّ يتخلّين عن أزواجهن وبيوتهن وأطفالهن ليلحقن بساحرة ليزبوس الإغريقيّة هذه. • فضّلت ناتالي كتابة الأشعار؛ علمت دائمًا كيف تمزج ما بين الجسدي والروحاني.
- جان شالون، وصفّ لمغوية: عالم


ليان دي بوجي حصلت على عاشق جديد (أو بالأحرى عاشقة): ناتالي بارني.
لم تتجشّم ليان عناءّ لتخفي أو لتتكتّم على العلاقة الجديدة؛ بل قامت بنشر قصّة، رومانس السحاق، تحتوي على تفاصيل كلّ وجوه الإغواء لدى ناتالي (أي إغواء ناتالي لليان). لم تكن قد حظيت من قبل أبدا على علاقة مع امرأة، ووصفت علاقتها بناتالي كشيء أشبه بتجربة غامضة وذات معنى روحيّ غير باد للحواسّ أو مدرك بالعقل. وحتّى في آخر حياتها الطويلة، فقد تذكّرت العلاقة على أنّها، وبما لا يُقاس، أكثر علاقاتها قوّة وعاطفيّة.
رينيه فيفيين كانت شابّةّ إنكليزيّة قدمت إلى باريس لتكتب الشعر وتهرب من الزوج الذي كان أبوها يحاول ترتيبه لها. كانت رينية تنتابها هواجس الموت؛ وكانت أيضًا تشعر أنّ هنالك خطأٌ ما فيها، فتختبر لحظات من الكره الشديد للذات. في عام 1900، التقت ناتالي برينية في المسرح. شيءٌ ما في العينين الأمريكيّتين الطيّبتين أذاب تحفّظ رينية المعتاد، فبدأت بإرسال القصائد لناتالي التي ردّت بقصائد من تأليفها. سرعان ما أصبحتا صديقتين. اعترفت رينيه بأنّها كانت على علاقة صداقة قويّة جدّاً مع امرأة أخرى، لكنّها ظلّت علاقةّ أفلاطونيّة (عذريّة) – كانت تنفر من فكرة العلاقة الجسديّة. أخبرتها ناتالي عن الشاعرة الإغريقية القديمة سافو التي مجّدت الحبّ ما بين النساء بوصفه الحب الوحيد المتّسم بالبراءة والنقاء. ذات ليلة قامت رينية، بدافع من مناقشاتهما، بدعوة ناتالي إلى شقّتها التي كانت قد حوّلتها إلى نوع من المصَلّى. الغرفة كانت مليئةّ بالشموع وبالزنبق الأبيض، وهو الزهر الذي كانت تقرنه بناتالي. في تلك الليلة أصبحت المرأتان عشيقتين. وسكتنا مع بعضهما البعض بعد ذلك بفترة قصيرة، لكنعندما أدركت رينية أنّ ناتالي لا يسعها أن تكون مخلصةّ لأحد، فقد تحوّل حبّها إلى كره. قطعت العلاقة، وتركت المسكن المشترك، وأخذت على نفسها عهدًا بألّا تراها مجدّدًا.
قامت ناتالي في الأشهر القليلة التي تلت بإرسال رسائل وأشعار لها، وذهبت إلى منزلها الجديد –لكن كلّ ذلك لم يجد نفعًا. أرادت رينية ألاّ يجمعها أيّ شيء بها. ذات أمسية في الأوبرا، مع ذلك، جلست ناتالي
.............................
ناتالي بارني، ترجمة كارول باركو.
فيما مضى كان يعيش في بلدة قفصة، في منطقة البرابرة، رجل غنٌّي جدّاً لديه أولادٌ عديدون، من بينهم فتاةّ محببّة وجميلة تُدعى أليبك. هي نفسها لم تكن مسيحيّة، ولكن كان هنالك العديد من المسيحييّن في البلدة، وذات يوم، بعد أن سمعتهم بالصدفة وهم يمجّدون العقيّدة المسيحيّة وخدمة الله، سألت واحدًا منهم عن رأيه في أفضل وأسهل طريقة للشخص كي «يخدم بها الله،» على حدّ تعبيرهم. أجابها بقوله أنّ الذين يخدمون الله كأفضل ما يكون كانوا أولئك الذين يضعون أعظم مسافة ما بينهم وبين المتع الدنيويّة، كما هو الحال عند الناس الذين يرحلون للسكن في الأجزاء النائية من الصحراء. • لم تقل أيّ شيء ممّا سمعت لأيّ أحد، غير أنّها في الصباح التالي، كونها مخلوقٌ بسيط


بجانبها وأعطتها شعرًا كانت قد كتبته على شرفها. عبّرت عن ندمها وأسفها عن الماضي، بالإضافة إلى طلب صغير: على المرأتين أن تحجّا إلى جزيرة ليزبوس اليونانيّة، موطن سافو. هنالك فقط يمكنها أن تطهّرا نفسيهما وعلاقتهما. لم تستطيع رينية المقاومة. على الجزيرة قامتا بتتبّع خطوات الشاعرة، وتخيّلتا أنّهما قد رجعتا إلى الأيّام الوثنيّة والبريئة لبلاد الإغريق القديمة. بالنسبة لرينية فإن ناتالي كانت قد أصبحت سافو نفسها، عندما عادتا أخيرًا إلى باريس، فإنّ رينية كتبت لها، «يا حوريّتي الشقراء، لا أريدك أن تصبحي مثل أولئك الذين يقطنون الأرض .... أريدك أن تبقي كما أنت، لأنّها هذه هي الطريقة التي قمت من خلالها بإلقاء رقيتك عليّ.» استمرّت العلاقة حتّى وفاة رينية في عام 1909.
التفسير. كانت ليان دي بوجي ورينية فيفيين تعانيان على حدَّ سواء من كبتٍ متشابه. كانتا مستغرقتين في ذاتيهما، ومفرطتي الإدراك لنفسيهما. مصدر هذه العادة في حالة ليان كان اهتمام الرجال الدائم بجسدها. لم تستطيع أبدًا الإفلات من نظراتهم التي سببّت لها شعورًا بالغمّ. رينية، في تلك الأثناء، كانت تفكّر أكثر من اللزوم في مشاكلها الشخصيّة – كبتها لميلها للسحاق، وكونها فانية. شعرت بأنّها مستهلكة بكره الذات.
ناتالي بارني، من الجهة أخرى، كانت مرحة، خفيفة الظل، وذائبة في العالم الذي من حولها. إغواءاتها- تخطّى عددها في نهاية حياتها عتبة البضعة مئات- تمتعّت جميعها بخاصيّة متشابهة: أخذت الضحيّة إلى خارج نفسها، حيث وجّهت انتباهها إلى الجمال، الشعر، براءة الحب السافوي (نسبةً إلى سافو) أو السحاقي. دعت نساءها للمشاركة في نوع من الطائفة الدينيّة التي يعبدون فيها هكذا أمور سامية. لتعميق الشعور بوجود شيء أشبه بالطائفة، قامت بإشراكهم ببعض الطقوسيّات الصغيرة: كنّ ينادين بعضهنّ البعض بأسماء جديدة، ويتبادلن الأشعار يوميّاً من خلال البرقيّات، ويرتدين أزياء خاصّة، ويقمن بالحجّ إلى الأماكن المقدّسة. شيئان كانا سيحصلان حتمّا: كانت النساء تبدأ بتوجيه بعض مشاعر التقديس التي يعشنها نحو
..................................
الفطرة للغاية يبلغ من العمر الرابعة عشر أو ما يقرب من ذلك، فقد انطلقت أليبك في رحلتها لوحدها، في السر، ومضت في طريقها نحو الصحراء في حين لم يكن يحثّها في سيرها هذا شيء أكثر منطقيّة من دافع مراهقة قويّ. بعد عدّة أيّام، بعد أن أعياها التعب والجوع، فقد وصلت إلى قلب القفر، حيث رأت كوخًا صغيرًا يلوح في الأفق، فمشت نحوه باضطراب، وفي المدخل رأت رجلًا تقيّاً، والذي ذُهل لرؤيتها في تلك الأرجاء فسألها ماذا كانت تفعل هناك. أخبرته بأنّها كانت ملهمة من قبل الله، وأنّها لم تكن تحاول خدمته وحسب، بل وأن تجد شخصًا ما يمكنه أن يعلّمها كيف ينبغي لها أن تمضي في ذلك. •لدى ملاحظته كم أنّها كانت يافعّة وجميلةّ فوق العادة، خاف الرجل الطيّب من أن يأخذها تحت جناحه خشية أن يغرّر


ناتالي، التي بدت نبيلةّ وجميلةّ بقدر نبل وجمال الأشياء التي كانت تنادي بأن تُوَقّر وتُعبّد؛ وبعد أن ينحرفن بسرور ورضى إلى هذا العالم الروحاني، كنّ أيضًا يتخلّصن من أيّ همَّ كنّ يشعرنه إزاء أجسادهنّ، أنفسهنّ، هويّاتهنّ. كان كبتهنّ لجنسانيتهنّ يذوب بعيدًا. في الوقت الذي تكون فيه ناتالي قد فبّلتهنّ أو لمستهنّ، فإنّ هذه القبلة أو اللمسة كانت تولّد الإحساس بأنّها شيٌء بريٌء ونقيّ، كما لو أنّهنّ كنّ قد عدن إلى جنّة عدن قبل السقوط.
الدين هو بسلم الوجود الشافي، لأنّه يأخذنا إلى خارج أنفسنا، ويصلنا بشيء أكبر. أثناء تأمّلنا في موضوع العبادة (الله، الطبيعة)، فإنّ أعباءنا تُرفعُ عن كاهلنا. من الرائع الشعور بأنّنا ارتفعنا عن الأرض، وتجربة ذلك النوع من الخفّة. مهما كان العصر تقدّميّاً، فإنّ العديد منّا يشعر بعدم الراحة إزاء أجسامهم، ودوافعهم الحيوانيّة. المغوي الذي يركّز كثيرًا من الاهتمام (أكثر ممّا ينبغي) على الجانب الجسدي سوف يثير وعيًا بالذات وهفواتها وشعورًا بأنّ الآخرين يلاحظون هذه الهفوات، وبقيّة من شعور بالقرف. لذا ركّز الاهتمام على شيء آخر. إدعُ الشخص الآخر إلى تقديس شيء جميل في العالم. هذا الشيء يمكنه أن يكون الطبيعة، عملًا فنيّاً، الله حتّى (أو الآلهة- فالوثنيّة لا تبطل موضتها أبدًا)؛ الناس يستقتلون للإيمان بشيء. أضف بعض الطقوسيّات. إذا استطعت أن تجعل نفسك تبدو مشابهًا للشيء الذي تقدّسه –أي إذا كنت طبيعيًا، محبّاً للجمال، نبيلًا، وساميًا- فإنّ أهدافك سوف يحوّلون تقديسهم إليك. الدين والروحانيّة مليئان بالمسحات الجنسيّة الخفيّة التي يمكن إبرازها وإظهارها ما إن تجعل أهدافك تتخلّى عن إدراكها الذاتي. من النشوة الروحيّة إلى النشوة الجنسيّة لا يفصل سوى خطوة صغيرة.
أرجعي لتأخذيني، بسرعة، وقوديني بعيدًا. طهّريني بنار عظيمة من الحب السماوي، الذي لا يمتّ بأيّ صلة للنوع الحيواني. أنت كلّك روح عندما ترغبين بأن تكوني كذلك، عندما تشعرين بهذا، خذيني بعيدًا عن جسدي.
- ليان دي بوجي.
....................................
به الشيطان. لذا فقد أثنى على نواياها الحسنة، وبعد أن أعطاها كميّة من جذور الأعشاب والتفاح البرّي والبلح لتأكلها، وبعضًا من الماء لتشربه، قال لها: • «يا بنيتي، في مكان ليس بعيدًا جدًا من هنا يوجد رجلّ تقيّ أقدر منّي بكثير على تعليمك ما تريدين أن تعلمي. أمضي لعنده» وأرسلها في طريقها. • عندما وصلت لعند هذا الرجل الثاني، فقد أخبرّت بالضبط بنفس الشيء، وهكذا واصلت سيرها إلى أن وصلت إلى صومعة ناسك شاب، ورع للغاية ولطيف اسمه رستيكو، توجّهت له بنفس السؤال الذي كانت قد خاطبت به الآخرين. كونه متلهّفّ ليثبت لنفسه أنّه يمتلك إرادةّ من حديد، فلم يرسلها بعيدًا، على غرار الآخرين، أو يرشدها إلى مكان آخر، وإنّما أبقاها في صومعته، في ركن جهّزه، عندما هبط الليل، من سعف النخيل ليصبح


المفاتيح للإغواء
الدين هو أكثر منظومة إغوائيةّ كانت قد ابتدعتها البشريّة على الإطلاق. الموت هو أعظم مخاوفنا، والدين يمنحنا الوهم بأنّنا خالدون، بأنّ شيئًا منّا سيبقى حيّاً. الفكرة بأنّنا جزٌء متناه في الصغر في كون شاسع وغير مكترث هي فكرة مرعبة؛ الدين يضفي بعدًا إنسانيّاً على الكون، ويجعلنا نشعر بأنّنا مهمّون ومحبوبون. وأنّنا لسنا حيوانات محكومة بغرائز لا يمكن التحّكم بها، حيوانات تموت بلا سبب ظاهر، وإنّما مخلوقاتٌ معمولةٌ على صورة كائن أسمى. فنحن أيضًا يمكننا أن نكون سامين، عقلانيّين، وطيّبين. أيّ شيء يغذّي رغبة أو وهمٌ مُتَمَنّى هو شيءٌ مغو، ولا شيء يمكنه أن يضاهي الدين في هذا الميدان.
اللذة هي الطعم الذي تستخدمه لتستدرج الشخص إلى شبكتك. لكن مهما بلغ ذكاؤك كمغو، فإنّ أهدافك يدركون في قرارة أنفسهم نهاية اللعبة؛ أي الخاتمة الجسديّة (الجماع) التي تتوجّه إليها. قد تظنّ أنّ هدفك غير مكبوت ومتعّطشَّ للذة، لكن جميعنا تقريبًا نعاني من عدم الراحة وارتباك كامنين إزاء طبيعتنا الحيوانيّة. ما لم تتعامل مع عدم الراحة هذه فإنّ إغواءك حتّى لو كان ناجحًا في المدى القصير، إلّا أنّه سيكون سطحيًا ومؤقّتًا. بدلًا من ذلك، حاول وعلى غرار ناتالي بارني أن تأسر روح هدفك، وأن تبني أساس إغواء عميق ومستمرّ. استدرج الضحيّة إلى قلب شبكتك بواسطة الروحانيّة، جاعلًا اللذة الجسديّة تبدو ساميةّ وكائنةّ فوق الوجود المادّي. الروحانيّة سوف تخفي تلاعباتك، إذا أنّها توحي بأنّ العلاقة معك سرمديّة، وتخلق مساحةّ للنشوة في عقل الضحيّة. تذكّر أنّ الإغواء هو عمليةٌ ذهنيّة، ولا شيء يُسكِر ذهنيّاً أكثر من الدين، الروحانيّة، والمسائل المكتّنّفة بالأسرار (كالسحر والتنجيم).
في رواية غوستاف فلوبير مدام بوفاري، يقوم رودولف بولانجر بزيارة الطبيب الريفيّ بوفاري ويجد نفسه مهتمّاً بزوجة الطبيب الجميلة، إيما. بولانجر كان قاسيًا ومحنكًا. كان أشبه بخبير: فقد كان هنالك العديد من النساء في حياته. يحسّ بأنّ إيما ضجرة. يتدبّر بعد ذلك بعدّة أسابيع أن
....................................
سريرًا مؤقتًا، ودعاها لتستلقي عليه وترتاح. • بمجرّد قيامه بهذه الخطوة، فإنّه لم ينقض ألاّ وقتٌ قليلٌ جدّاً قبل أن يشنّ الإغواء حربًا ضدّ قوّة إرادته، وبعد الغارات القليلة الأولى، وجد نفسه مهزومًا ضعيف المناورة على جميع الجبهات، لذا فقد أنزل يديه واستسلم. بعد أن رمى جانبًا بالأفكار التقيّة والصلوات والممارسات التكفيريّة، أخذ يركّز قدراته العقليّة على صبا وجمال الفتاة، وعلى استنباط طرق للاقتراب منها بأسلوب لا يجعلها تفكّر بأنّها. بذاءةٌ منه ان يقوم بهذا النوع من الاقتراح الذي في ذهنه. من خلال توجيه أسئلة محدّدة لها، فإنّه سرعان ما اكتشف أنّها لم تكن مطلقًا في وضع حميم مع شخص من الجنسّ الآخر وكانت من جميع النواحي على قدر البراءة التي بدت عليها؛ ولذلك فقد فكّر في طريقة ممكنة لإقناعها بأن


يلتقي بها بالصدفة في سوق موسميّة للمزارعين، حيث يستفرد بها. يصطنع سيماءً من الحزن والكآبة ويقول: «كثيرةٌ هي المرّات التي أمرّ فيها بمقبرة تحت ضوء القمر وأسأل نفسي إذا ما كنت أفضل حالًا لو كنت موضوعًا بين البقيّة ....» يذكر سمعته السيّئة؛ هو يستحقّها، وهكذا يقول، لكن هل هذا خطأه؟ «هل أنت حقًاّ لا تعرفين أنّ هنالك أرواحًا في حالة عذاب لا ينقطع؟» أخذ يد إيما عدّة مرّات لكنّها سحبتها بتهذيب. تحدّث عن الحبّ، عن القوّة المغناطيسيّة التي تجمع شخصين مع بعضهما البعض. ربمّا هذا الانجذاب لديه جذورٌ في وجود سابق ما، في تجسّد سابق لروحيهما. «خذينا نحن على سبيل المثال. لماذا كان علينا ان نلتقي؟ كيف حدث ذلك؟ لا يمكن أن يكون سوى أنّ شيئًا ما في أهوائنا بالتحديد جعلنا ندنو من بعض أكثر فأكثر عبر المسافة التي تفصلنا، بنفس الطريقة التي يتدفّق بها نهران مع بعضهما البعض.» أخذ يدها ثانيةُ وفي هذه المرّة تركته يمسك بها. تجنّبها لعدّة أسابيع بعد السوق الموسميّة، ومن ثمّ ظهر فجأةً، زاعمًا أنّه حاول أن يبقى بعيدًا لكنّ القضاء والقدر قد أرجعاه إليها. أخذ إيما في نزهات على ظهر الخيل. عندما قام بخطوته أخيرًا، في الغابة، بدت مذعورة ورفضت محاولاته (للتقرّب). احتجّ بقوله: «لا بدّ أنّك تحملين فكرة خاطئة ما، إنّ موطئك في قلبي كموطئ العذراء على منصّة .... أتضرّع إليك: كوني صديقتي، أختي، ملاكي!» تركته، وهي تحت سحر كلماته، يتوغّل بها إلى مكان أعمق في الغابة، حيث استسلمت.
استراتيجيّة رودولف كانت ثلاثيّة الوجوه. أوّلًا تحدّث عن الحزن، السوداويّة، عدم الرضى، وهو حديثٌ يجعله يبدو أنبل من الناس الآخرين، كما لو أنّ الغايات المادّية الشائعة لا يمكن أن ترضيه. لاحقًا تحدّث عن القدر، عن التجاذب المغناطيسي ما بين روحين، هذا جعل اهتمامه بإيما يبدو شيئًا سرمديّاً وخالدًا أكثر منه نزوةّ لحظيّة، شيئًا مرتبطًا بحركة النجوم. في آخر الأمر تحدّث عن الملائكة، وعن الأشياء السامية والرفيعة. من خلال وضع كلّ شيء على المستوى الروحي، فقد شتّت انتباه إيما عمّا هو مادّي. وجعلها تشعر بالدوار، وأتمّ إغواءّ كان يمكن أن يأخذ شهورًا في بضعة لقاءات.
الأمور التي يشير إليها رودولف قد تبدو مُبتَذلةّ بمقاييس اليوم، لكن
..............................
تلبّي رغباته تحت ستار أو ذريعة خدمة الله. بدأ بإلقاء خطبة طويلة أظهر لها فيها كم أنّ الشيطان هو عدود لدود لله القدير، واتبع هذا بأن طبع في ذهنها أنّه من بين جميع الطرق لخدمة الله، فإنّ أكثر طريقة يرضى عنها الله تكمن في إرجاع الشيطان إلى جهنّم، التي كان القدير قد أودعه بها منذ البداية. • سألته الفتاة كيف ينمّ فعل هذا، فأجاب رستيكو: • «ستكتشفين عمّا قريب، لكن فقط أفعلي كل ما تريني أقوم به في الوقت الحاضر.» ولدى قوله هذا، بدأ بتجريد نفسه من الثياب القليلة التي كان يرتدي، تاركًا نفسه عاريًا بالكامل. حذت الفتاة حذوه، وجثا على ركبتيه وكأنّه كان على وشك الصلاة، حاملّا إيّاها على الركوع قبالته تمامًا. • في هذه الوضعية، كان جمال الفتاة معروضًا لرستيكو بكامل بهائه، فتأجّجت


الاستراتيجيةّ نفسها لن تبلى أو تصبح عتيقةَّ أبدًا. ببساطة كيّفها مع آخر بدع العصر من غامض الأمور ومُكتّنّفها بالأسرار. تكلّف مظهرًا روحانيّاً من خلال إظهار عدم الرضى إزاء الأمور المبتذلة للحياة. ليس المال أو الجنس أو النجاح هو ما يحرّكك؛ دوافعك ليست أبدًا بهذا الانحطاط والدناءة. كلاّ، شيٌء أعمق بكثير يدفعك. أبق دافعك غامضًا، أيّاّ يكن، كي تترك الهدف يتخيّل أعماقك المخبّأة. النجوم، التنجيم، القدر دائمًا جذّابة وفاتنة؛ أخلق الإحساس بأنّ القدر قد جمع ما بينك وبين هدفك. ذلك سيجعل إغواءك يبدو اكثر طبيعيّة في عالم الكثير منه مُصَنّع ومضبوط (تحت السيطرة)، فإنّ الإحساس بأنّ القدر، الضرورة، أو قوةٌ ما سامية توجّه علاقتك هو شيٌء مغو بشكل مضاعف. إذا أردت أن تُفرغ مواضيع دينيّة في إغوائك (تُطعّم إغواءك بهذه المواضيع)، فمن الأفضل دائمًا أن تختار دينًا بعيدًا غريبًا ذا طابع طفيف من الوثنيّة. من السهل الانتقال من الروحانيّة الوثنية إلى الفظاظة (الماديّة) الأرضيّة. التوقيت مهمّ: ما إن تكون قد أثرت أرواح أهدافك، فإنه يجب عليك أن تتقدّم بسرعة إلى الجانب الجسدي، فتجعل الجنس يبدو مجرّد امتدادًا للنبضات الروحيّة التي تختبرها. بكلمة أخرى، وظّف الاستراتيجيّة الروحيّة بحيث تكون أقرب ما يمكن من الوقت الذي ستقوم فيه بخطوتك الجريئة (الجسورة.)
الأمور الروحيّة لا تنحصر بالدين أو المسائل الغامضة كالسحر والتنجيم. بل هي أيّ شيء من شأنه أن يضفي خاصيّة من السموّ والخلود على إغوائك. في عالمنا اليوم فإنّ الثقافة والفنّ قامتا بطريقة أو بأخرى بأخذ مكان الدين. هنالك طريقتان لاستخدام الفنّ في إغوائك: أوّلًا، أخلقه بنفسك، إكرامًا للهدف. كتبت ناتالي بارني القصائد، وامطرت أهدافها بها. نصف جاذبيّة بيكاسو للعديد من النساء كانت الأمل بأنّه سوف يخلدهنّ في لوحاته –لأنّ (الفنّ طويل البقاء، الحياة قصيرة)، كما كانوا يقولون في روما. حتّى لو كان حبّك عبارة عن هوى عابر، فإنّ تصويره في عمل فنّي يمنحه الوهم الإغوائي الخاصّ بالخلود. الطريقة الثانية لاستخدام الفنّ هي أن تجعله يضفي على العلاقة أبعادًا نبيلة، فتمنح إغواءك إطارًا ساميًا.
....................................
أتواقه بشكل أكثر ضراوةّ من أيّ وقت مضى، فانبعث الجسد. حدّقت ألبيك بذهول وقالت: • «رستيكو، ما ذلك الذي أراه وقد نتأ من أمامك، والذي لا أملك مثله؟» • «آه يا بنّيتي،» قال رستيكو، «هذا هو الشيطان الذي كنت أخبرك عنه. هل ترين ما يفعل؟ أّنه يؤذيني كثيرًا لدرجة أنّني بالكاد أستطيع تحمّله.» • «آه، حمدًا لله،» قالت الفتاة، «أستطيع أن أرى أنّني أفضل حالًا منك، لأنّه ليس عندي شيطان لا تنافس معه.» • «أنت محقّةّ في هذه النقطة؛» قال رستيكو. «لكن لديك شيٌء آخر بدلًا من ذلك، والذي ليس لديّ إيّاه.» • «آه؟» قالت أليبك. «وما هذا؟» • «أنت لديك الجحيم،» قال رستيكو. «وأنا أعتقد بصدق أنّ الله قد أرسلك إلى هنا لأجل خلاص روحي، لأنّه إذا استمرّ هذا الشيطان بتعذيب حياتي، وإذا كنت


كانت ناتالي بارني تأخذ أهدافها إلى المسرح، الأوبرا، المتاحف، وإلى الأماكن التي تعبق بالتاريخ والأجواء المثيرة. في هذه الأماكن تستطيع روحاكما أن تهتزّا (تنبضا) بنفس طول الموجة الروحيّة. بالطبع عليك أن تتجنّب الأعمال الفنيّة التي تتّسم بالفظاظة والسوقيّة، فتسترعي الانتباه إلى نواياك. المسرحيّة، الفيلم، أو الكتاب يمكنه أن يكون معاصرًا، أو حتّى فجّاّ بعض الشيء، ما دام يحمل رسالةُ نبيلة ومرتبطًا بقضيّة عادلة. حتّى حركةٌ سياسيّةٌ يمكنها أن تستنهض روحيًاّ تذكّر أن تصمّم إغراءاتك الروحيّة على قياس هدفك. إذا كان الهدف عمليّاً وساخرًا من حقيقة الدوافع الإنسانيّة، فإنّ الوثنيّة أو الفنّ سيكونان أكثر نجاعةّ من الأمور الممتنعة عن الفهم والورع الديني.
أُجلّ المتصوّف الروسي راسبوتين لقداسته وقدراته على الإشفاء. النساء بالتحديد افتُتنّ براسبوتين وكنّ يزرنه في شقّته في مدينة سان بطرسبرغ من أجل الإرشاد الروحي. كان يحدّثهنّ عن طيبة الفلاّحين الروس البسيطة، مغفرة الله، ومسائل أخرى رفيعة المستوى. لكنّه بعد عدّة دقائق من هذا، كان يُلقي بتعليق أو اثنين من طبيعة مختلفة جدّاً –شيٌء عن جمال المرأة، عن شفتيها اللتين كانت تدعوان الرائي لتقبيلهما، عن الرغبات التي كانت تلهبها بالرجل. كان يتكلّم عن أنواع مختلفة من الحبّ- حبّ الله، الحب ما بين الأصدقاء، الحبّ ما بين الرجل والمرأة- لكنّه كان يخلط جميع هذه الأنواع كما لو كانت شيئًا واحدًا. بعدئذ أي عند عودته لمناقشة المسائل الدينيّة، كان يأخذ يد المرأة فجأةّ، أو يهمس في أذنها. كلّ هذا كان لديه أترٌ مُسكِر –كانت النساء يجدن أنفسهنّ وقد جُررن إلى نوع من الاضطرابات العظيم الذي يجمع ما بين الارتقاء الروحي والإثارة الجنسيّة. استسلمت المئات من النساء خلال هذه الزيارات الروحيّة، لأنّه أيضًا كان يقول لهن أنّهن لا يستطعن أن يتبن ما لم يأثمن، ومن أفضل من راسبوتين للإثم معه.
فهم راسبوتين الصلة الحميمة بين ما هو جنسي وما هو روحاني. الروحانيّة، أو حبّ الله، هي نسخة مصقولة ومُهذّبة من الحبّ الجنسي. لغة المتصوّفين الدينيّين في العصور الوسطى ملأى بالصور الجنسيّة؛ التأمّل بالله
.................................
مستعدّة لأن ترافي بي بما فيه الكفاية فتدعيني أرجعه إلى الجحيم، فستكونين قد أعطيتي فرجًا رائعًا، وكذلك تقدّمين خدمةّ لا تقدّر بثمن وإرضاء لله، الذي تقولين أنّك جئت إلى هنا من أجله في المقام الأوّل.» • «آه، يا أبي،» ردّت الفتاة بكل براءة، «إذا كان لدّي الجحيّم حقّاً، فدعنا نفعل كما اقترحت بمجرّد ما تكون جاهزًا.» • «فليباركك الله، يا بنيتي،» قال رستيكو. «دعينا نمضي ونرجعه إلى مكانه، وعندها ربُما سيتركني وشأني.» في تلك المرحلة فإنّه أخذ الفتاة إلى أحد السريرين، حيث أرشدها في دفنّ حصر ذلك الشيطان الملعون. • كونها لم تكن قد وضعت من قبل أبدًا ولا شيطان في الجحيم، فإنّ الفتاة وجدت التجربة الأولى مؤلمةّ قليلًا، فقالت لرستيكو: • «لا بدّ أنّ هذا الشيطان من صنف سيء، يا أبي، وعدٌّو


وبما هو سام وجليل يمكنه أن يقدّم نوعًا من الأورجازم (هزّة الجماع) الذهني. لا يوجد خليطٌ أكثر إغوائيّة من اتحّاد ما هو روحاني مع ما هو جنسي، الرفيع والواطئ. عندما تتلّكم عن المسائل الروحيّة، عندئذ، دع نظراتك وحضورك الجسماني في نفس الوقت تشير من طرف خفي إلى الجنس. أجعل تناغم الكون والاتحّاد مع الله يبدوان من الصعب تفريقهما عن الانسجام الجسدي والاتحّاد ما بين شخصين أو يُخلَطُ ما بينهما وبين هذين الأخيرين. إذا استطعت أن تجعل خاتمة لعبتك الإغوائية تبدو كتجربة روحيّة، فإنك سوف تعمّق اللذة الجسديّة وتخلق إغواء ذا أثر عميق ومستديم.
الرمز: النجوم في السماء. هي موضع العبادة لقرون، ورموز لما هو سام ومقدّس. بتأمّلنا فيها، فإنّ انتباهنا ينصرف لحظيّاً عن كلّ ما هو أرضيَّ وفان. فنشعر بخفّة الوزن. أرفع أذهان أهدافك إلى النجوم ولن يلاحظوا ماذا يجري هنا على الأرض.

.....................................
حقيقيٌّ لله، لأنّه بالإضافة إلى تعذيب البشرية، فإنّه يؤلم الجحيم عندما يُقاد مجدّدًا إلى داخله.» • «بنيّتي» قال رستيكو، «لن يكون الأمر دائمًا على هذه الحال.» ومن أجل أن يضمنوا ذلك، فقد وضعوه مجدّدًا عدّة مرّات قبل أن يغادروا السرير، كابحين بذلك غروره إلى حدّ كبير حيث أنّه كان سعيدًا بشكل إيجابيّ ليبقى منخفضًا لبقيّة النهار. • خلال الأيّام القليلة التي تلت، على أيّة حال، فإنّ كبرياء الشيطان أطلّ برأسه من جديد بشكل متكرّر، والفتاة، التي كانت جاهزةّ أبدًا لتلبّي نداء الواجب وتضعه تحت السيطرة، حدث وأنّها نمّت ذائقة للرياضة، وصارت تقول لرستيكو: • «يسعني بالتأكيد أن أرى ما عنوه أولئك الرجال الفاضلون في قفصة عندما قالوا أن خدمة الله هي شيٌء سائغّ للغاية. أنا صدقًا لا أذكر بأنني في كلّ حياتي قد فعلت شيئًا


الانقلاب
تركُ أهدافك تشعر بأنّ عاطفتك ليست مؤقّتة ولا سطحيةّ غالبًا ما ستجعلهم يقعون بشكل أعمق تحت سحرك وسلطانك. على الرّغم من ذلك فإنّ هذا الشيء يمكنه أن يوقظ القلق والحصر لدى البعض: الخوف من الالتزام، ومن علاقة مُقيَّدة دون مخارج وتثير رهاب الاحتجاز. فإيّاك إذن وان تدع إغراءاتك الروحيّة تبدو أنّها تقود في ذلك الاتّجاه. تركيز الاهتمام على المستقبل البعيد قد يقيّد حريتّهم ضمنًا؛ فأنت عليك أن تغويهم، وليس أن تعرض عليهم الزواج. ما تريده وتحتاج إليه هو أن تجعلهم يفقدون ويضيّعون أنفسهم في اللحظة، ويختبرون العمق السرمديّ لمشاعرك في خضمّ التوتّر الحالي. النشوة الدينيّة هي أمرّ يتعلّق بالكثافة والشدّة، وليس بالامتداد الزمني.
استخدم جيوفاني كازانوفا العديد من المغريات الروحيّة في إغواءاته –مسائل السحر والتنجيم، وأيّ شيء قد يثير شيء قد يثير أو يحيى مشاعر نبيلة. في الوقت الذي كان فيه مرتبطًا مع امرأة، فإنّها كانت تشعر أنّه على استعداد لفعل أيّ شيء من أجلها، وأنّه لم يكن فقط يستخدمها ليتخلّى عنها. لكنّها علمت أيضًا أنّه عندما كان يحين الوقت لإنهاء العلاقة، فإنّه كان يبكي، ويقدّم لها هديّة رائعة، ثمّ يغادر بصمت. هذا كان بالضبط ما أرادته العديد من النساء الشابّات- تحوّلٌ ولهوٌ مؤقّتٌ عن زواج أو أسرة مستبدّة وثقيلة الوطأة. في بعض الأحيان أفضل ما تكون اللذة عندما نعرف أنّها عابرة وسريعة الزوال.
......................................
أعطاني متعة كبيرةّ ورضىّ كالذي أحصل عليه من إرجاع الشيطان إني الجحيم. بالنسبة إلى طريقة تفكيري، فإن أيّ شخص يكرّس طاقاته لأيّ شيء غير خدمة الله هو أبلهّ بالكامل.» •... وهكذا يا سيّداتي الشابّات، إذا كنتم بحاجة لنعمة الله، فاحرصن على تعلّم إرجاع الشيطان إلى الجحيم، لأنّ هذا يروق له إلى حدّ كبير وممتٌع بالنسبة إلى الأطراف المعنّية، والشيء الكثير من الخير يمكن أن يبزغ ويتدفّق أثناء العمليّة.
-جيوفاني بوكاتشيو، عمل العشرة أيّام، ترجمة جاي. إتش ماك ويليام.
20
امزج المتعة بالألم

الخطأ الأكبر في الإغواء هو أن تكون ألطف من اللازم. في البداية، قد يكون، لطفك ساحرًا، لكنّه سرعان ما يصبح رتيبًا ومُملٌّا؛ فأنت تحاول جاهدًا أن تُرضي وتبدو غير آمن وغير واثق بنفسك. بدلًا من إغراق أهدافك باللطافة، حاول أن تُنزل بهم بعض الألم. لاستدرجهم من خلال الاهتمام المركّز، بعدئذ غيّر الاتّجاه بحيث تبدو بشكل مفاجئ على أنّك غير مهتٌّم. أشعرهم بالذنب وعدم الأمان. بل وأحدث قطيعة حتى، بحيث تُخضعهم للفراغ والألم اللذين سوف يمنحانك المجال للمناورة –والآن فإنّ إعادة إقامة العلاقات الودّية، اعتذارًا، عودةّ إلى لطفك السابق ستُحيلهم ضعافًا وجاثين على ركبهم. فكلّما ازدادت الانخفاضات التي تخلقها انخفاضًا، ازدادت الارتفاعات ارتفاعًا. أخلق إثارة الخوف، لكي تضاعف الشحنة الشهوانية.


الأفعوانيّة العاطفيّة
ذات أمسية صيفيّة حارّة من عام 1894، قرّر الدون ماتيو دياز، البالغ الثامنة والثلاثين من العمر والمقيم في سيفيل، أن يزور معملًا محليّاً للتبغ. سُمح له بالتجوّل بالمكان بسبب علاقاته، لكنّ اهتمامه لم يكن منصبًا في جانب العمل. كان دون ماتيو يحبّ الفتيات اليافعات، وكانت المئات منهنّ تعمل في المعمل. تمامًا مثلما توقّع، فقد كان العديد منهنّ في حالة شبه عريّ بسبب الحرّ –لقد كان مشهدًا لافتًا بحقّ. استمتع بالمنظر لبرهة، لكنّه سرعان ما نال نصيبه من الإزعاج الناجم عن الضجّة والحرارة. إلاّ أنّه بينما كان يتوجّه إلى الباب، نادته عاملةٌ لا يتجاوز عمرها السادسة عشرة: «يا أيّها الكاباليرو (السيّد بالإسبانيّة)، إذا أعطيني بنساّ فسوف أغنّي لك أغنيةَّ صغيرة.»
اسم الفتاة كان كونشيتا بيريز، وكانت تبدو يافعةّ وبريئة، بل وجميلةّ في الواقع، وفي عينيها بريقٌ يوحي بميل للمغامرة. الفريسة المثاليّة. استمع لأغنيتها (التي بدت موحيةّ يمعان جنسيّة على نحو غامض)، ورمى لها بقطعة نقديّة كانت تعادل راتب شهر، رفع قبّعته (مودّعا)، ثمّ انصرف. ليس من الجيّد أبدًا أن يُقبل المرء بقوّة زائدة قبل الأوان. بينما كان يمشي بمحاذاة الشارع، أخذ يخططّ للكيفيّة التي سيستدرجها بها إلى العلاقة. فجأة شعر بيد تمسّ ذراعه فالتفت ليراها تمشي بجانبه. لقد كان الجوّ حارّاً لدرجة لا يمكن معها العمل –فهلّا تفضّل بوصفه جنتلمانًا بمرافقتها إلى المنزل؟ بالطبع. هل لديك حبيب؟ سألها. فكان الجواب كلّا، إذ قالت، «أنا موزيتا» -نقيّة وعذراء.
كانت كونشيتا تعيش مع أمّها في مكان خّرب (رديء) من البلدة.
........................................
بقدر ما يرضي الشخص بشكل عامّ، بقدر ما يكون إرضاؤه أقلّ عمقًا.
- ستندال، الحبّ، ترجمة جيلبرت وسوزان سايل.
عليك أن توشّحي مرحك المبتهج/ بصدَّ عرضيّ. أغلقي الباب في وجهه، دعيه ينتظر هناك/ لاعنًا ذلك الباب الأماميّ الموصّد، دعيه يتوسّل/ ويطلق كلّ التوعّدات التي في باله. الحلاوة تتخم حاسّة الذوق،


تبادل دون ماتيو المجاملات، ودسّ بيد الأم بعض المال (إذ كان يعرف من الممارسة والخبرة مدى أهميّة إبقاء الأم سعيدة)، ثمّ غادر. فكّر مليّاً في أن ينتظر لبضعة أيّام، لكنّه كان غير صبور، فعاد في صبيحة اليوم التالي. الأم كانت خارج المنزل. استأنف وكونشيتا مزاحهما المرح من اليوم السابق، وفجأة جلست في حضنه واحاطته بذراعيها وقبّلته، الأمر الذي فاجأه فطارت استراتيجيّته من النافذة (تلاشت)، وامسك بها وردّ لها القبلة. قفزت على الفور، والغضب يلتمع في عينيها وهي تقول: أنت تعبث بي وتستخدمني لكي تحصل على رعشة سريعة وزائلة. أنكر دون ماتيو أن يكون له أيّة نوايا كهذه، واعتذر عن شططه. شعر بالاضطراب والتشوّش عندما غادر: فقد كانت هي من بدأ الأمر برمّته؛ فلماذا عليه أن يشعر بالذنب؟ ومع ذلك فقد شعر بالذنب. في بعض الأحيان لا يمكن التنبّؤ أبدًا بتصرّفات وردود أفعال الفتيات اليافعات؛ لذا فمن الأفضل الدخول إلى حياتهنّ ببطء وحذر.
خلال الأيّام القليلة التي تلت كان دون جوان مثال الرجل اللبق والراقي. زارها بشكل يوميّ، وأمطر الأمّ والبنت بالهدايا، ولم يقم بأيّ تقرّب جنسيّ –أقلّه في البداية. الفتاة اللعينة كانت قد ألفته جدّاً لدرجة أنّها صارت ترتدي ثيابها أمامه، أو تستقبله وهي في ثياب النوم. هذه اللمحات الخاطفة من جسدها جعلته يفقد صوابه، وكان يحاول في بعض الأحيان أن يسرق قبلة أو لمسة، فقط لتدفعه عنها وتعنّفه. مرّت الأسابيع؛ وكان من الواضح أنّه برهن أنّ حبّه لم يكن نزوةّ عابرة. بعد أن تعب من عمليّة التودّد والمغازلة التي لم تَلُح لها نهاية، قام ذات يوم بأخذ أمّها جانبًا واقترح أن يُسكن الفتاة في منزل خاص بها. كان سيعاملها كملكة؛ وستحصل على كلّ ما تريد. (لذا، بالطبع، وأمّها كذلك.) بالتأكيد كان اقتراحه سيرضي كلتيهما –لكن في اليوم التالي، أتته مذكّرة من كونشيتا، تُعرب فيها ليس عن الامتنان وإنّما عن الاتّهام: بأنّه كان يحاول أن يشتري حبّها. «لن تراني أبدًا بعد الآن. هُرعَ لمنزلها ليكتشف فقط أنّ المرأتين كانتا قد غادرتا في نفس ذلك الصباح بالتحديد، دون أن يتركن ملاحظةّ تقيد إلى أين كانتا ذاهبتين.
شعر دون ماتيو بشعور مريع. أجل، لقد تصرّف كشخص فظَّ وجلف. في المرّة القادمة كان سينتظر لأشهر، أو سنوات إذا لزم الأمر، قبل
...................................
/أمّا العصير المرّ فينعش. غالبًا ما تُغرق الرياح المواتية/ الركب الشراعي الصغير: إنّ قدرة الأزواج علة الوصول إليهّن، / عند الطلب، هي ما يحرم العديد من النساء من الحبّ. / دعها تضع أمام الباب بوّابًا ذا وجه كالح ليقول له/ «أبقّ خارجًا،» وسرعان ما ستمسّه الرغبة/ من خلال الإحباط. ضع جانبًا سيوفك الكليلة، وقاتل بالأسلحة الماضية، (لا شك أنّ رماحي الخاصّة/ ستُداُر في وجهي). عندما يتعثّر مغرمّ حديث العهد/ بالشرك، فدعيه يعتقد/ بأنه الوحيد الذي لديه الحقٌّ في فراشك –لكن لاحقًا، اجعليه مدركًا/ لمنافسيه الذين يشاركوه مسرّاته. تجاهلي/ هذه النصائح- وستضعف حماسته. حصان السباق


أن يكون بهذه الجرأة. إلاّ أنّه سرعان ما انتابته فكرةٌ أخرى: لن يرى كونشيتا ثانيةّ ما حيي. عندئذ فقط أدرك كم كان يحبّها.
مرّ الشتاء، الأسوأ في حياة ماتيو. ذات يوم ربيعيّ كان يمشي نزولًا في شارع عندما سمع أحدهم ينادي اسمه. رفع ناظريه: لقد كانت كونشيتا تقف وراء نافذة مفتوحة، وهي تشعّ بالابتسام والشوق. انحنت إلى الأسفل (باتجاهه) فقبّل يدها، وهو يتقافز فرحًا. لماذا اختفت على هذا النحو المفاجئ جدّاً؟ فأجابت بأنّ كلّ شيء كان يسير بسرعة فائقة جدّاً. لقد كانت خائفةّ –من نواياه، ومن مشاعرها الخاصّة. لكن برؤيته من جديد، تأكّدت من أنّها تحبّه. نعم، لقد كانت مستعدةّ لتكون خليلته. وستثبت هذا، إذ ستذهب لعنده. بعدهما عن بعضهما البعض كان قد غيّر كلّا منهما، أو هكذا اعتقد.
بعد ذلك بعدّة ليالي، قدمت إلى منزله مثلما وعدت. تبادلا القبل وبداّ بنزع ثيابهما. أراد أن يستمتع بكلّ دقيقة، أن يسير (بالعمليّة) ببطء، لكنّه شعر كثور حبيس في قفص وقد أُطلق سراحه أخيرًا. لحق بها إلى السرير وهو لا يستطيع أن يرفع يديه عنها. بدأ بنزع ثوبها الداخلي لكنّه كان مشدودًا ومربوطًا بطريقة ما معقّدة. في آخر الأمر كان عليه أن يجلس ويلقي نظرة: لقد كانت ترتدي بدعةّ غريبةّ معقّدةّ من قماش القنّب (حزام عفّة)، من نوع لم يكن قد رآه من قبل أبدًا. لم يكن ليتزحزح من مكانه مهما شدّ وسحب بقوّة. شعر برغبة بضرب كونشيتا، وكان غايةّ في الاهتياج والانزعاج، لكّنه بدلًا من أن يضربها طفق باكيًا. فسّرت: أرادت أن تفعل كلّ شيء معه، ومع ذلك أن تبقى موزيتا. هذا كان حمايتها. شعر بالسخط والغضب، فأرسلها إلى منزلها.
خلال الأسابيع القليلة التي تلت، بدأ دون ماتيو بإعادة النظر في رأيه (تقييمه) بكونشيتا. رآها وهي تغازل رجالًا آخرين، وترقص رقصة الفلامينكو في بار بطريقة تنضح بالجنس: لم تكن موزيتا، هذا ما توصّل إليه، وأنّها كانت تتلاعب به من أجل المال. ومع ذلك فلم يكن باستطاعته أن يتركها أن يأخذ رجلٌ آخر مكانه –كانت فكرةّ لا تُحتمّل. كانت تدعوه لقضاء الليلة في سريرها، ما دام يعد بأن لا يفرض نفسه عليها؛ وعندها، كما لو أنّها تريد أن تعذّبه بشكل غير معقول، كانت تستلقي على سريرها وهي
..............................
يركض بأعلى سرعة/ عندما يتوجّب عليه أن يسبق الأحصنة ويجتاز الميدان. وهكذا فإن جذوات الهوى يمكن أن تتّقد/ بلهب جديد من خلال استفزاز ما –أنا أعترف بأنّي لا أستطيع أن أحبّ/ نفس إلاّ عندما تتعرّض للظلم. لكن لا تدعي سبب/ الألم يكون واضحًا أكثر من اللزوم: دعي العاشق يشتبه/ أكثر ممّا يتيقّن. اخترعي عبدا يراقب كلّ/ حركاتك، أوضحي كم أنّ رجلك عبارةٌ عن ضابط صارم غيور –أشياءٌ كهذّه سوف تشوّقه. المتعة/ التي يُستمتع بها بشكل آمن أكثر من اللزوم تفتقد إلى النكهة. هل تريدين أن تكوني حرّة/ كمحظيّة إغريقيّة؟ إذن تظاهري بالخوف. حتّى لو كان الباب أمنًا تمامًا، فدعيه يدخل/ من


عارية (من المفترض بسبب الحر). تحمّل كلّ هذا بدعوى أنّه لم يحظ رجلٌ آخر بهذه الامتيازات. لكنّه انفجر غضبًا ذات ليلة بعد أن دُفع إلى أقصى حدود الإحباط، فأصدر إنذارًا: إمّا تعطيني ما أريد وإلاّ فلن تريني ثانية. فجأةَّ بدأت كونشيتا بالبكاء. لم يكن أبدًا قد رآها وهي تبكي، فتحرّكت مشاعره. هي أيضًا كان قد تعبت من كلّ هذا وقالت بصوت متهدّج؛ إنّه إن لم يكن الأوان قد فات، فإنها كانت جاهزةّ لتقبل بالعرض الذي كانت قد رفضته ذات يوم. فليسكنها في بيت، وليزكم ستكون عشيقةّ مخلصة.
لم يُضع ماتيو وقتًا. اشترى لها قيلاّ، وأعطاها الكثير من المال لتزينّها. بعد ثمانية أيّام كان البيت جاهزًا. ستستقبله هناك منتصف الليل. يا للبهجة التي تنتظره.
قدم دون ماتيو في الساعة المحدّدة. كان الباب المُكّوّن من قضبان والذي يطلّ على ساحة الدار مغلقًا. رنّ الجرس. فقدمت من الجهة الأخرى للباب وقالت من وراء القضبان، «قبّل يدي، والآن قبّل طرف تنّورتي، وطرف قدمي وهي في الخفّ.» فعل كما طلبت. فقالت، «هذا جيّد. يمكنك الرحيل الآن.» تعبيره المصدوم لم يزد عن جعلها تضحك. سَخرَت منه، ومن ثمّ أدلت باعتراف: كانت تنفر منه. أمّا وأنّ الفيلاّ باسمها، فإنّها أصبحت أخيرًا في حلٌّ منه. نادت، فظهر شابٌّ من بين ظلمات ساحة الفناء. بينما كان دون ماتيو يشاهد وهو مشلولٌ من الصدمة، فقد بدأ الاثنان بممارسة الجنس على الأرض، أمام عينيه مباشرةٌ.
في صبيحة اليوم التالي ذهبت كونشيتا إلى منزل دون ماثيو، وذلك (هكذا يُفتّرَض) بقصد معرفة فيما إذا كان قد انتحر. ما فاجأها أنّه لم يكن قد انتحر –في الواقع فقد صفعها بقوّة شديدة لدرجة أنّها وقعت على الأرض. وقال، «لقد جعلتني يا كونشيتا أعاني ما لا طاقة للبشر بتحمّله. لقد اخترعت تعذيبات معنويّة لتجرّبيها على الشخص الوحيد الذي أحبّك بشغف. أعلن الآن أنّني سأحوزك بالقوّة.» صرخت كونشيتا بأنّها لن تكون أبدًا له، لكنّه ضربها مرارًا وتكرارًا. توقّف أخيرًا بعد أن أثّرت دموعها بمشاعره. عندها رفعت ناظريها إليه بمحبّة وقالت: إنسَ الماضي، إنسَ كلّ ما
....................................
النافذة. تظاهري بأنّك متوتّرة. دعي خادمةّ/ ذكيّة تهرع صارخةّ «لقد ضُبطنا!» بينما تُوارين الفتى/ المرتعد بعيدًا عن الأنظار. لكن احرصي على/ أن توارني رعبه ببعض اللحظات من المتعة الخالية من الهموم- /وإلاّ فسيعتقد بأنّ ليلةّ معك لا تستحقّ المجازفة.
- أوفيد، فن الحبّ، ترجمة بيتر غرين.
«بالتأكيد،» أنا قلت، «لقد قلت لك مرارًا بأنّ الألم يحمل جادبًا خاصًا بالنسبة إليّ، وأنّه لا شيء يشعل شغفي تمامًا كالطغيان والقسوة وقبل كلّ شيء عدم الإخلاص عند المرأة الجميلة.»


ارتكبتُه أنا. أمّا وأنّه ضربها، أمّا وأنّها استطاعت رؤية ألمه، فقد شعرت بأنّها متأكّدة من أنه كان يحبّها بحقّ. كانت لا تزال موزيتا –فالعلاقة مع الشاب في الليلة السابقة كانت فقط بقصد الاستعراض، وانتهت فور مغادرة ماتيو- ولا تزال تنتمي إليه. «أنت لن تأخذني بالقوّة. فأنا أنتظرك بين ذراعيّ.» أخيرًا كانت صادقة. واكتشف أنّها كانت بالفعل لا تزان عذراء، الأمر الذي ولّد لديه بهجةَّ عارمة.
التفسير. دون ماتيو وكونشيتا بيريز هما شخصيّتان في رواية قصيرة كتبها بيير لويس في عام 1896 تحت عنوان امرأة ودمية متحرّكة. وهي مستندة على قصّة حقيقيّة –قصّة أو حادثة «الآنسة شاربيلون» في مذكّرات كازانوفا –استُخدمَت القصّة كأساس لفيلمين: الشيطان هو امرأة، لجوزيف فون شتيرنبرغ، من بطولة مارلين ديتريتش، وموضع الرغبة العويص ذاك للويس بونويل. في قصّة لويس، تقوم كونشيتا بالاستحواذ على رجل أكبر منها سنّاً، مُعتدَّ بنفسه وعدوانيّ وتحوّله في غضون أشهر إلى عبد ذليل. طريقتها بسيطة: تثير أكبر عددٍ ممكن من المشاعر، بما في ذلك جرعات ثقيلة من الألم. تثير شهوته، ومن ثمّ تجعله يشعر بالدناءة لقيامه باستغلالها. تحمله على لعب دور الحامي، ومن ثمّ تجعله يشعر بالذنب لمحاولة شرائها. اختفاؤها المباغت سبّب له كربًا شديدًا –إذ أنّه قد خسرها- لذا فعندما تعاود الظهور (هذا لم يكن أبدًا من قبيل المصادفة) فإنّه يشعر بفرح غامر؛ الذي، ومع ذلك، سرعان ما تحوّله إلى دموع. الغيرة والإذلال يسبقان إذن اللحظة النهائيّة عندما تمنحه عذريّتها. (حتّى بعد هذا، تبعًا للقصّة، فإنّها توجد طرقًا للاستمرار في تعذيبه.) كلّ منخّفّض (حضيض) تُحدثه يخلق مكانًا لارتفاع (ذروة) أشدّ. يصبح مدمنًا، وواقعًا في شرك مناوبة الإقبالوالإدبار.
لا ينبغي أبدًا لإغوائك أن يتّبع مسارًا بسيطًا صاعدًا نحو اللذة والانسجام. فعندها ستأتي الذروة قبل الأوان، وستكون اللذة ضعيفة. ما يجعلنا نقدّر شيئًا بشدة هي المعاناة السابقة. احتكاكٌ مع الموت يجعلنا نقع في حبّ الحياة؛ رحلةٌ طويلةٌ تجعل العودة إلى المنزل شيئًا أكثر لإمتاعًا بكثير. مهمّتك هي أن تخلق لحظات من الحزن، اليأس، والكرب، أن تخلق التوترّ
...................................
- ليوبولد فون زاشر- مازوخ، فينوس في الفراء، ترجمة جان ماك نيل.
أودرنيت، دام ميتوانت (هذا في اللاتينية) [دعهم يكرهوني ما داموا يخافوني]، وكْانّ الحوف والكراهية فقط ينتميان لبعضهما البعض، في حين أنّ الخوف والحبّ لا يمتّان بصلةٍ إلى بعضهما البعض، وكأنّ الخوف هو ليس ما يجعل الحبّ مثيرًا. بأيّ نوع من الحبّ نعانق الطبيعة؟ ألا يوجد قلقٌ ورعبّ سريّين فيه، لأنّ تناعمه الجميل يشقّ طريقه من خلال الفوضى والاضطراب الوحشيّ، وأمانه من خلال غدره؟ لكن هذا القلق بالتحديد يأسرنا أكثر من أيّ شيء آخر. وكذلك الأمر مع الحبّ، إذا


الذي يؤهّب أو يسمح بتفريج وإعتاق عظيمين. لا تقلق إزاء جعل الناس غاضبين؛ فالغضب علامة أكيدة على أنّ شراكك تمسك بهم. ولا يجب عليك أن تكون خائفًا من أنّك إذا جعلت نفسك صعبًا فإنّ الناس سوف يفرّون –نحن نهجر فقط أولئك الذين يضُجروننا. قد يكون الطريق الذي تأخذ فيها ضحاياك متعرّجًا، ولكن ليس مملاّ أبدًا. مهما كلّف الثمن، فعليك أن تبقي أهدافك متهيّجين عاطفيًا وعلى الحافّة. أخلق ما يكفي من نقاط الأوج والحضيض وستمحو آخر آثار قوّة إرادتهم.
القسوة والرقّة
في عام 1972، تلقّى هنري كيسنجر الذي كان مساعد الرئيس ريتشارد نيكسون لشؤون الأمن القومي طلب مقابلة صحافيّة من الصحفيّة الإيطاليّة المشهورة أوريانا فلاّتشي. نادرًا ما كان كيسنجر يمنح مقابلات؛ إذ انّه لم يكن يحظى (فيها) بتحكم على المنتج النهائي، وكان رجلّا يحتاج لأن يتحكّم. لكنّه كان قد قرأ مقابلة فلاّتشي مع الجنرال الفييتنامي الشمالي، وكانت مقابلةَّ غنيّة بالمعلومات. كانت شديدة الاطّلاع على حرب فييتنام؛ ولعلّه يستطيع استقاء بعض المعلومات منها. قرّر طلب إجراء مقابلة تمهيديّة، لقاء أوّلي. حيث كان سيستجوبها بقسوة؛ فإذا اجتازت الامتحان فإنّه سوف يمنحها مقابلة لائقة. التقيا، فأُثير إعجابه؛ كانت ذكيّةً للغاية –وصلبة العود سيكون تحدّيًا ممتعًا أن يفوقها فطنةَّ ودهاءَّ ويثبت أنّه كان أصعب مراسًا. وافق على مقابلة قصيرة بعد عدّة أيّام.
ممّا أزعج كيسنجر، أنّ فلاّتشي بدأت المقابلة بسؤاله فيما إذا كان مُخَيّبًا إزاء التقدّم البطيء لمفاوضات السلام مع فييتنام الشماليّة. لم يكن ليناقش المفاوضات- كان قد أوضح ذلك في المقابلة التمهيديّة. ومع ذلك فقد تابعت نفس خطّ الاستجواب. غضب قليلًا وقال، «هذا يكفي، لا أريد التحدّث أكثر عن فييتنام.» بالرغم من أنّها لم تُقلع عن الموضوع مباشرةّ إلاّ أنّ أسئلتها صارت ألطف: ما هي مشاعره الشخصيّة تجاه قادة فييتنام الجنوبيّة والشماليّة. ومع ذلك تملصّ بقوله: «أنا لست من ذلك النوع من الأشخاص الذي تتحكّم به العاطفة. العواطف لا تخدم هدفًا.» انتقلت لمواضيع فلسفيّة
............................
كان مقيّضًا له أن يكون مشوّقًا. في الخفاء يجب أن يحضن الليلة العميقة والقلقة التي تنشأ منها زهرة الحبّ.
- سورين كير كيجارد، يوميّات مغوي، ترجمة هاورد فيز هونغ وإدنا إتش. هونغ.
سعلت الكائنة الرخاميّة المحّببة وأعادت ترتيب شال الفرو على كتفيها. • «شكرًا لك على الدرس في الكلاسيكيّات،» أجبت، «لكنّني لا أستطيع أن أنكر أنّه في عالمك المسالم والمشمس تمامًا كما في عالمنا الضبابيّ فإنّ الرجل والمرأة هم أعدّاء بالفطرة. قد يوحّدهم الحبّ لبرهة فيشكّلان عقلًا واحدًا وقلبًا واحدًا وإرادة واحدة، لكن


أوسع- الحرب، السلام. أطرته على دوره في إقامة العلاقات الوديّة مع الصين. بدأ كيسينجر بالانفتاح دون إدراك منه لذلك. تكلّم عن الألم الذي شعر به لدى التعامل مع مسألة فييتنام، ومتعة استخدام النفوذ. بعد ذلك وعلى نحو مفاجئ عادت الأسئلة الأقسى –هل كان ببساطة تابعًا خنوعًا لنيكسون، كما كان يظنّ العديدون؟ تارةّ تصعّد من الوتيرة وتارةّ تخفّض، حيث أنّها كانت تناوب ما بين الإيقاع به ولإطرائه. هدفه كان أن ينتزع المعلومات منها دون أن يكشف عن نفسه شيئًا؛ في النهاية، على الرغم من هذا، لم تكن قد أعطته شيئًا، في حين أنّه كان قد كشف طائفةّ من الآراء المحرجة –نظرته عن النساء كأشياء للّعب، على سبيل المثال، واعتقاده أنّه كان محبوبًا من قبل الشعب لأنّهم رؤوه كنوع من رعاة البقر المستوحدين؛ أي البطل الذي يتصدّى للأمور السيئة لوحده. عندما نُشرَِت المقابلة فإنّ نيكسون، رئيس كيسينجر، غضب بسببها عضبًا شديدًا.
في عام 1973، منح شاه إيران، محمّد رضا بهلوي، فلّاتشي مقابلة. كان يعلم كيفيّة التعامل مع الصحافة –كن ملتبسًا، تحدّث بالعموميّات، أظهر بمظهر الحازم، ولكن المهذّب في نفس الوقت. هذه المقاربة كانت قد فعلت فعلها في العديد من المرّات السابقة. بدأت فلاّتشي المقابلة على المستوى الشخصي، حيث أنّها سألته عن كيفيّة شعوره كملك، وكهدف لمحاولات الاغتيال، ولماذا كان الشاه يبدو دائمًا في غاية الحزن. تكلّم عن أعباء منصبه، عن الألم والوحدة اللذين كان يشعر بهما. لقد بدا الحديث عن مشاكله المهنيّة بمثابة تفريج له إلى حدّ ما. أثناء حديثه لم تتكلّم فلاّتشي إلاّ قليلًا، حيث حثّه صمتها على الاستطراد. بعدئذ غيّرت الموضوع بشكل مفاجئ: لقد كان يعاني من صعوبات مع زوجته الثانية. لا بدّ أنّ هذا قد آ لمه. ثار غضب بهلوي فهذه كانت نقطةَّ حسّاسة. حاول تغيير الموضوع، لكنّها ظلّت تعود إليه. فقال لها: لماذا نضيع الوقت في التحدّث عن الزوجات والأطفال؟ بعدئذ تطرّف لدرجة انتقاد النساء بالإجمال –افتقارهنّ للإبداع، قسوتهنّ، استمرّت فلاّتشي بمضايقته: كان لديه نزعاتٌ ديكتاتوريّة وبلده كان يفتقر للحرّيات الأساسيّة. الكتب التي من تأليف فلاّتشي كانت على القائمة السوداء لحكومته. بدا الشاه متفاجئًا نوعًا ما لسماعه هذا –لعلّه كان يتعامل مع كاتبة هدّامة (تسعى للإطاحة بحكمه.) لكنّها عندئذ لطّفت
..................................
سرعان ما سيتباعدان عن بعضهما البعض. وأنت تعرفين هذا أفضل منّي: لا بدّ أن يُخضع أحدهما الآخر لإرادته، وإلاّ فيجب أن يدع نفسه يُداس بالأقدام.» • تحت قدمي المرأة بالطبع،» قاطعت السيّدة فينوس بوقاحة. «وأنت تعرف ذلك خيرًا مني.» • «هذا شيٌء أكيد، ولذلك ليس لدىّ أوهام.» • «بعبارة أخرى أنت الآن عبدي دون أوهام، وسأسحقك بقدمّي دون رحمة.» • «يا مدام!» • «أنت لا تعرفني بعد. أعترف بأننّي قاسية –نظرًا لأنّ الكلمة تعطيك الكثير من البهجة- لكّنني ألست مخوّلةّ لأن أكون كذلك؟ إنّ الرجل هو من يرغب، والمرأة هي من يُرغّب بها؛ هذه هي أفضليّة المرأة الوحيدة، لكّنها


نبرتها (لهجتها) ثانيةّ، حيث أنّها سألته عن إنجازاته العديدة. تكرّر النمط: في اللحظة التي كان يسترخي فيها، كانت تباغته فيها (تأخذه على حين غرّة) بسؤال قاطع؛ وعندما يمتعض كانت تلطّف الأجواء. على غرار كيسينجر، وجد نفسه ينفتح رغمًا عنه ويذكر أشياءً كان سيندم لذكرها لاحقًا، كاعتزامه على رفع سعر النفط. وقع تحت سحرها وسلطانها، بل وبدأ حتّى بمغازلتها. وقال لها في نهاية المقابلة، «حتّى لو كنت على اللائحة السوداء لحكومتي، فسأضعك على اللائحة البيضاء لقلبي.»
التفسير. معظم مقابلات فلاّتشي كانت مع قادة أقوياء ونافذين، رجاٌل ونساءٌ ذوي حاجة طاغية للتحكّم بالموقف، تفاديًا للكشف عن أيّ شيء محرج. هذا وضعها في حالة خلاف وتضارب مع من كانت تجري معهم المقابلات، نظرًا لأنّ حملهم على الانفتاح –جعلهم عاطفيّين، وتخلّيهم عن التحكّم- كان ما تريده بالضبط. المقاربة الإغوائية الكلاسيكيّة التي تعتمد على السحر والإطراء كانت لن تحقّق أيّ نتيجة لها مع هؤلاء الناس؛ فهم كانوا سيتبيّنون فورًا حقيقة هذه المقاربة. بدلًا من ذلك، فقد استهدفت فلاّتشي عواطفهم، من خلال المناوبة ما بين القسوة والرقّة. كانت تسأل سؤالًا قاسيًا يمسّ أعمق مكامن الشعور بعدم الأمان عند من تسأله، فيهتاج عاطفيّاً وصبح دفاعيّاً؛ إلاّ أنّ شيئًا آخر كان يتحرّك في قرارة نفسه بالرغم من هذا –الرغبة بأن يبُرهن لفلاّتشي بأنّه لم يكن يستحقّ انتقاداتها الضمنيّة. في اللاوعي، كانوا يريدون أن يرضوها، وأن يجعلوها تحبّهم. عندما كانت تبدّل لهجتها، فتمدحهم بشكل غير مباشر، كانوا يشعرون بأنّهم قد كسبوها إلى جانبهم أو كسبوا ودّها فيتشجّعون على الانفتاح. كانوا يطلقون العنان لعواطفهم بشكل أكثر حريّة دون إدراك منهم لذلك.
جميعنا نرتدي الأقنعة في المواقف الاجتماعيّة، ونبقي دفاعاتنا في حالة تأهّب. وعلى أيّة حال فإنّه من المحرج أن يٌظهر المرء عواطفه الحقيقيّة. كمغو عليك أن تجد طريقةّ لتخفّض أشكال المقاومة هذه. مقاربة الساحر التي تعتمد على الإطراء وإعارة الانتباه والاهتمام يمكنها أن تكون فعّالةْ هنا، وخاصّة مع الشخص الذي يعاني من الشعور بعدم الأمان وقلّة الثقة بالنفس،
.........................................
أفضلية حاسمة. من خلال جعل الرجل عرضةّ للشغف للغاية، فإنّ الطبيعة قد وضعته تحت رحمة المرأة، ومن لا تتمتّع بالوعي لتعامله كتابع وضيع، كعبد، كألعوبة، وفي آخر المطاف تخونه وهي تضحك –حسٌن، تكون امرأةّ قليلة الحكمة.» • «يا عزيزتي، إنّ مبادئك..» احتججت. • «مبنيّة على خبرة ألف عام،» قاطعتني بأسلوب عابث، وهي تمرّر أصابعها البيض في الفرو الأسود. «كلمّا كانت المرأة أكثر إذعانًا، كلّما استعاد الرجل تمالكه لنفسه بسهولة أكبر وأصبح متسلّطًا؛ لكن كلّما كانت أكثر قسوةّ وأقلّ إخلاصًا، وكلّما أساءت معاملته وتلاعبت به على نحو غاشم وكانت أكثر إيلامًا، أذكت رغبته وضمنت حبّه


لكن من الممكن أن تستغرق شهورًا، وأن تعطي عكس النتائج المرجوّة. لكي تحصل على نتيجة أسرع، وتحرّك عواطف (تضعف مقاومة) الناس الأقلُّ تأثّرًا والأبعد منالًا، فإنّه غالبًا ما يكون من الأفضل أن تناوب ما بين القسوة والرقّة. فأنت تخلق توتّرات داخليّة من خلال كونك قاسيًا –أهدافك قد ينزعجون منك، لكنّهم أيضًا سيتساءلون بينهم وبين أنفسهم. ما الذي قد ارتكبوه ليستحقّوا عدم محبّتك؟ فعندما تكون بعد ذلك لطيفًا، فإنّهم يشعرون بالراحة والفرج، لكنّهم يشعرون بالقلق أيضًا من أنّهم قد يثيرون استياءك مجددّاً في أيّة لحظة. أفد من هذا النمط لتبقيهم في حالة ترقّب وحيرة- خائفين من قسوتك وشديدي التوق لإبقائك ودودًا ورقيقًا. رقّتك وقسوتك يجب أن تكونا خفيّتين: الملاحظات الساحرة والمجاملات هي الأفضل. ألعب دور المحلل النفسي: أدل بتعليقات جارحة تخصّ دوافعهم الخفيّة (أنت لا تعدو عن كونك صادقًا)، وبعدها أنكفئ واستمع. سيحثّهم صمتك على الإدلاء باعترافات محرجة. خففّ من وطأة أحكامك ولطّف منها من خلال إطراءات وثناءات عرضيّة وسيناضلون لإرضائك، مثل الكلاب.
الحبُّ هو زهرةٌ نفسية، لكن ينبغي للمرء أن يتحلّى بالرغبة لقطفها من خافّة الجرف.
- ستندال
المفاتيح للإغواء
كلّ الناس تقريبًا مهذّبون بدرجة تزيد أو تنقض قليلًا. نتعلّم باكرًا ألاّ نخبر الناس بما نعتقده حقّاً عنهم؛ نبتسم لدعاباتهم، ونصطنع الاهتمام بقصصهم ومشاكلهم. إنّها الطريقة الوحيدة للعيش معهم. هذا يصبح طبعًا وعادة في آخر الأمر؛ نكون لطيفين حتّى عندما لا يكون ذلك ضروريّاً حقّاً. نحاول أن نرضي الناس الآخرين، ألاّ نزعجهم (من خلال التدخّل في شيء يُعتَبرُ ضمن نطاق مسؤوليّاتهم الخاصّة)، أن نتفادى الخلافات والنزاع. لكنّ
.................................
وإعجابه. لطالما كان لسان الحال على هذا النحو، من عصر هيلين ودليلة وصولًا إلى كاثرين العظمى ولولا مونتيز.»
- ليوبولد فون زاشر- مازوخ، فينوس في الفراء، ترجمة جان ماك نيل.
في الجوهر، فإنّ مجال الشهوانيّة هو محال العنف والانتهاك ... مسألة الشهوانيّة أو الجنسانيّة برمّتها هي أن تضرب أعمق نواة لدى الكائن الحيّ، بحيث يتوقّف القلب عن النبض ... مسألة الشهوانيّة برمّتها هي أن تدمّر الشخصيّة المكتفية بذاتها للمشاركين كما هم في حيواتهم الطبيعيّة ... لا يجدر بنا أبدًا أن ننسى أنّه بالرغم من النعيم الذي يعد به الحبّ


اللطف في الإغواء بالرغم من أنّه قد يشدّ الشخص إليك في البداية (كونه مهدّئَّاً ومطمئنًا)، إلاّ أنّه سرعان ما يخسر كلّ فاعليّته. الإفراط في اللطف يمكنه حرفيّاً أن ينفّر الهدف منك. المشاعر الجنسيّة تعتمد على خلق التوتّر. دون التوترّ، دون التلهّف والترقّب، لا يمكن أن يكون هناك شعوٌر بالانعتاق والفرج، وباللذة والفرح الحقيقييّن. مهمّتك هي أن تخلق ذلك التوتُر في الهدف، أن تثير مشاعر القلق، أن تقودهم جيئةّ وذهابًا، لكي يكون لأوج (ذروة) الإغواء وزن وكثافة حقيقيّان. لذا خلّص نفسك من عادة تفادي النزاع المقرفة، والتي هي غير طبيعيّة في جميع الأحوال. أنت غالبًا ما تكون لطيفًا ليس بدافع من طيبتك الداخليّة وإنّما من خوفك من عدم الإرضاء، وبدافع من عدم الشعور بالأمان. تخطَّ ذلك الخوف وفجأةّ سيصبح لديك خيارات –حريّة خلق الألم، وبعد ذلك وبشكل سحريّ تبديده. ستزداد قواك الإغوائيّة عشرة أضعاف.
الناس سيكونون أقلّ انزعاجًا من أفعالك المؤذية ممّا قد تتخيّل. في عالم اليوم، فإنّه غالبًا ما نشعر بأنّنا متعطّشون بشدّة للتجربة والخبرة. نحن نتوق إلى العاطفة، حتّى لو كانت عاطفةَّ سلبيّة. الألم الذي تسبّبه لأهدافك هو شيء منعشٌ إذن- فهو يزيد من شعورهم بأنهّم أحياء. لديهم شيءٌ ليشتكوا منه، فيبدؤون بلعب دور الضحيّة. بالنتيجة، فإنّك ما إن تحوّل الألم إلى لذةّ حتّى يسامحوك وعن طيب نفس. أثر غيرتهم، أجعلهم يشعرون بعدم الأمان، وستكون المصادقة (الاعتراف) التي تسبغها على الأنا الخاصّ بهم من خلال تفضيلهم على مزاحميهم مبهجةَّ بشكل مضاعف. تذكّر: إنّ إثارة ملل أهدافك يجب تولّد فيك الخوف أكثر ممّا يولّده تعكيرك لهم. جرحك لمشاعر الناس يربطهم بك على نحو أعمق ممّا تفعل طيبتك. أخلق توتّرًا كي يمكنك أن تزيله. إذا احتجت للإلهام، فجد الجزء من الضحيّة الذي يسخطك أكثر من أيّ شيء آخر واستخدمه كنقطة انطلاق لصدام علاجيّ (أي صدام شبيه بذلك الذي يخلقه المحلّل النفسي مع مريضه بغية علاجه وذلك بواسطة استفزازه كي يظهر مكنونات نفسه الحقيقيّة). كلّما كانت قسوتك حقيقيّة أكثر كانت فعّالة أكثر.
في عام 1818، التقى الكاتب الفرنسي ستندال الذي كان يعيش وقتئذ في ميلان بالكونتيسّة ماتيلدا فيسكونتيني. بالنسبة له، فقد كان حبّاً من
...............................
فإنّ أوّل أثر له هو الاضطراب والكرب. الشغف المُلبّي يحرّص بذاته اهتياجًا عنيفًا كهذا لدرجة أنّ السعادة المرجوّة، قبل أن تكون سعادةّ مُستحصّلة، تكون عظيمة لدرجة تكون معها أشبه بنقيضها من العناء .... أرجحية العناء تكون أكبر بكثير نظرًا لأنّ العناء لوحده يظهر الأهميّة الكاملة للشيء المحبوب.
- جورج باتايل، الشهوانيّة: الموت والحسيّة، ترجمة ماري دالوود.
دائمًا يجب أن يوجد شكٌ في حالة كمون –ذلك ما يجعل المرء يتوق إلى الحبّ الشغوف. مُتعه لا تصبح مضجرةّ أبدًا لأنّ أقوى الهواجس تظلّ موجودةّ. • القدّيس سيمون،


النظرة الأولى. كانت معتدّةً بنفسها، وامرأةّ صعبة المراس نوعًا ما، فأخافت ستندال الذي كان يخشى على نحو مريع من أن يسخطها بتعليق غبيّ أو بفعل يعوزه الوقار. أخيرًا، بعد أن عجز عن الاحتمال أكثر، أمسك بيدها ذات يوم واعترف لها بحبّه. رُوًّعَت الكونّتيسّة، فأخبرته بأن يغادر وألاّ يعود أبدًا.
غمر ستندال فيسكونتيني بالرسائل، متوسّلًا إيّاها أن تسامحه. رقّت أخيرًا: ستقبل بأن تراه مجدّدًا، لكن بشرط واحد –يستطيع أن يزورها مرّة واحدةَّ فقط كل أسبوعين، ولمدّة لا تتجاوز الساعة الواحدة، وحصرًا بحضور زائرين آخرين. وافق ستندال؛ فلم يكن لديه خيار. صار يعيش الآن من أجل تلك الزيارات القصيرة التي تحين كلّ أربعة عشر يومًا، والتي أصبحت مناسبات لقلق وخوف عظيمين، نظرًا لأنّه لم يكن أبدًا متأكّدًا تمامًا فيما إذا كانت ستغيّر رأيها وتطرده (من حياتها) إلى الأبد. استمرّ هذا لما يزيد عن سنتين، وخلال هذه الفترة لم تظهر الكونتيسّة له أدنى علامة استحسان أو حظوة. لم يكتشف ستندال أبدًا لماذا كانت قد أصرّت على هذا الترتيب- لعلّها أرادت أن تلعب به أو تبقيه على مبعدة. كلّ ما عرفه كان أنّ حبّه لها لم يزدد إلاّ قوّةً، حيث صار شديدًا على نحو لا يُحتَمل، إلى أن اضطرّ أخيرًا لمغادرة ميلان.
لكي يتجاوز هذه العلاقة المحزنة، كتب ستندال كتابه الشهير، عن الحبّ، الذي وصف فيه تأثير الخوف على الرغبة. أوّلًا، إذا كنت تخاف من تحبّ، فإنّك لن تستطيع أبدًا أن تدنو كفايةّ أو أن تألفه/ ها. فالمحبوب عندئذ يستبقي عنصرًا من الغموض الذي لا يؤدّي إلاّ إلى زيادة حبّك شدّةً. ثانيًا، هنالك شيء منعشٌ فيما يتعلّق بالخوف. فهو يجعلك تنبض بالإحساس، يقوّي إدراكك، ويثير الشهوة الجنسيّة بشدّة. تبعًا لستندال فإنّه كلّما اقترب بك المحبوب أكثر من حافّة الجرف، أي إلى الشعور بأنّه قد يتركك، أصبحت دائخًا وضائعًا أكثر. الوقوع في الحبّ يعني حرفيّاً الوقوع- فقدان السيطرة، مزيجٌ من الخوف والإثارة.
طبّق هذه الحكمة بشكل عكسيّ: لا تجعل أهدافك أبدًا تشعر بالراحة معك أكثر من اللازم. هم يحتاجون للشعور بالخوف والإثارة. أظهر لهم
...................................
المؤرخ الوحيد في كلّ تاريخ فرنسا، يقول: «بعد العديد من العلاقات العابرة فإنّ دوقة بيري وقعت عميقًا في حت ريوم وهو شابٌ من أسرة دايدي وابن واحدة من شقيقات المدام دي بيرون. لم يكن يتمتّع لا بالشكل السحن ولا بالعقل الراجح؛ كان سمينًا، قصيرًا، منتفخ الحدّين، شاحبًا، وكان لديه مجموعة من البثرات بحيق أنّه بدا خرّاجًا واحدًا كبيرًا؛ كانت أسنانه جميلة، لكن لم يخطر ببال أحد أنّه كان سيلهب شغفًا جامحًا، أو عاطفةّ من شأنها أن تدوم مدى الحياة، بالرغم من بضعة مغازلات وعلاقات ثانويّة كان قد حظي بها ... • أثار رغبة الأميرة لكّنه لم يقابلها بمثلها؛ وكان يبتهج في جعلها غيورةّ، أو يتظاهر هو بكونه


بعض البرود، أو انفجار غضب لم يكونوا يتوقّعونه. كن غير عقلانيَّ إذا لزم الأمر. هناك دائمًا ورقة الطرنيب (ورقة رابحة): إنهاء العلاقة. دعهم يشعرون بأنّهم قد خسروك إلى الأبد، دعهم يشعرون بأنّهم قد خسروا القدوة على سحرك. دع هذه المشاعر ترافقهم لفترة من الزمن، وبعدها أرجعهم من حاقّة الجرف. ستكون المصالحة شديدة العاطفة والانفعال.
في عام 33 ق.م سمع مارك أنتوني إشاعةّ مفادها أنّ كليوباترة، وهي عشيقته لسنوات، كانت قد قرّرت أن تغوي منافسه، أو كتافيوس، وأنّها كانت تخطّط لتسميم أنتوني. كانت كليوباترة قد سمّمت أناسًا من قبل؛ في الواقع لقد كانت خبيرةّ في هذا الفنٌ. تعاظم شكّ أنتوني وريبته، وأخيرًا واجهها في أحد الأيّام. لم تؤكّد كليوباترة براءتها. أجل، ذلك كان صحيحًا، لقد كان بمقدورها تمامًا أن تسمّم أنتوني في أيّة لحظة؛ لم يكن هنالك احتياطات يمكنه اتّخاذها. الحبّ الذي تكنّه له كان الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحميه. لتقيم الدليل على هذا، فقد أخذت بعض الأزهار وألقتها في كأسه المملوء بالنبيذ. تردّد أنتوني، ثمّ رفع الكأس إلى شفتيه؛ أمسكت كليوباترة بذراعه وأوقفته. أمرت بإحضار سجين لشرب النبيذ، فسقط السجين ميتًا على الفور. خرّ أنتوني عند قدمي كليوباترة واعترف بأنّه صار يحبّها الآن أكثر من أيّ وقت مضى. لم يقل هذا بدافع من الجبن؛ فلم يكن هنالك رجلٌ أشجع منه، وإذا كان بمقدور كليوباترة أن تسمّمه، فإنّه من جانبه كان يستطيع أن يتركها ويرجع لروما. كلّا، ما دفع به من على الحافّة (ما هوى به) كان الشعور بأنّ لديها زمام السيطرة على عواطفه، على حياته وموته. لقد كان عبدها. إظهارها لسلطانها عليه لم يكن فعّالًا وحسب، بل ومثيرًا جنسيّاً أيضًا.
العديد منّا، على غرار أنتوني، لديهم أتواقٌ مازوشيّة دون إدراك منهم لذلك. يستلزم الأمر أن يُنزل بنا شخصٌ ما الألم لكي تخرج إلى السطح هذه الرغبات المدفونة عميقًا. عليك أن تميّز أنماط المازوشيّين المستثمرين في العالم الخارجي، لأنّ كلّ نمط يستمتع بنوع معيّن من الألم. فمثلًا، يوجد أناسٌ يشعرون بأنّهم لا يستحقّون شيئًا جيّدًا في الحياة والذين ينالون من أنفسهم باستمرار، كونهم غير قادرين على التعامل مع النجاح. كن لطيفًا معهم، اعترف بأنّك معجب بهم، وسيكونون غير مطمئنّين، كونهم يشعرون
.....................................
غيور. غالبًا ما كان يدفعها للبكاء. حشرها بالتدريج في موقع لا تفعل منه شيئًا دون إذنه، حتّى الأشياء التافهة عديمة القيمة. في بعض الأحيان، عندما تكون جاهزةّ للذهاب إلى الأوبرا، فإنّه يصرّ على أن تبقى في المنزل؛ وفي أحيان أخرى كان يجبرها على أن تذهب إلى هناك رغمًا عنها. أجبرها على أن تؤدّي خدمات لسيّدات لم تكن تحبّهن أو كانت منهّن تغار. لم تتمتّع حتّى بالحرّية لأن تلبس كما تشاء؛ كان يتسلّى من خلال جعلها تغيّر تسريحتها أو ثوبها في آخر لحظة؛ كان يفعل هذا مرارًا وعلنًا إلى درجة أنّها أصبحت معتادةً على تلقّي أوامره في المساء فيما يخصّ ما ستفعل وتلبس في اليوم التالي؛ بعدئذ فإنّه


بأنّه ليس من الممكن أن يكون باستطاعتهم مضاهاة الصورة المثاليّة التي تخيّلتهم بها. هكذا هدّامين –لأنفسهم يتحسّن أداؤهم بقليل من القصاص؛ عنّفهم، دعهم يدركون مواطن عدم كفاءتهم. هم يشعرون بأنّهم يستحقّون انتقادًا كهذا، لذا فعندما يأتي الانتقاد فإنّه يحمل معه إحساسًا بالراحة. من السهل أيضًا أن تجعلهم يشعرون بالذنب، وهو الشعور الذي يستمتعون به في قرارة أنفسهم.
هنالك أناسٌ آخرون يلاقون مسؤوليّات وواجبات الحياة العصريّة كنوع من العبء الثقيل، لذا فهم يتوقون للتخلّي عن كلّ شيء. هؤلاء الناس غالبًا ما يبحثون عن شخص أو شيء ما لتبجيله –قضيّة، دين، مرشد روحي. أجعلهم يعبدونك. وهنالك، علاوةّ على ذلك، أولئك الذين يريدون لعب دور الشهيد. تعرّف عليهم وميّزهم من خلال البهجة التي تستحوذ عليهم عندما يشتكون، وعندما يشعرون بأنّهم بررة ومُعتدى عليهم؛ ومن ثمّ أعطهم سببًا للشكوى. تذكّر: المظاهر خدّاعة. غالبًا فأنّ الناس الذين يبدون الأقوى- أشباه كيسينجر ودون ماتيو- قد يرغبون سرّاً بأن يُعاقَبوا. في أيّ حدث، أتبع الألم باللذة وستخلق حالة اعتماد واتّكاليّة من شأنها أن تدوم لوقت طويل.
الرمز: الجرف. عند حافّة الجرف، غالبًا ما يشعر الناس بالدوار، بالخوف والدوخة على حدَّ سواء. للحظة يمكنهم تخيّل أنفسهم وهم يقعون بينما يكون رأسهم إلى الأسفل. في نفس الوقت، يشعر جانبٌ منهم بالإغراء. قُدْ أهدافك كأقرب ما يمكن إلى الحافّة، وبعدها أرجعهم. لا توجد إثارةٌ دون خوف.
.....................................
كان يبدّل كلّ شيء في صبيحة اليوم التالي، فتغرق الأميرة في الدموع. في آخر المطاف صارت ترسل له رسائل من خلال خدم موثوقين، من أوّل إقامته في اللوكسمبورغ؛ رسائل كانت تتتالى طوال تزيّنها، كي تعلم ما سترتدي من الأوشحة والأثواب والحليّ الأخرى؛ كان يجعلها بشكل شبه دائم ترتدي أشياء لا تحب! ارتداءها. عندما كانت تجرؤ بين الحين والآخر على فعل أيّ شيء؛ مهما كان صغيرًا، دون إذنه، فإنه كان يعاملها كخادمة، فتنهمر دموعها لأيّام. • ... كان يردّ عليها أمام الرفاق بردود فظّة إلى درجة أنّ الجميع كانوا يخفضون طرفهم، والدوقة تتصّبب خجلًا، ومع ذلك فإنّ شغفها تجاهه لم ينقص بأيّ


الانقلاب
الناس الذين اختبروا مؤخرًا كثيرًا من الألم والخسارة سوف يفرّون إذا حاولت إنزال المزيد بهم. فهم أساسًا لديهم ما يكفي في حياتهم. من الأفضل بكثير أن تطوّق هؤلاء الأنماط بالمتعة –هذا سيضعهم تحت سحرك. تقنيّة إنزال الألم تفعل أفضل مفعول لها على أولئك الذين حظوا بحياة سهلة، الذين لديهم سُلطة وقلّةٌ من المشاكل. الأناس ذوو الحياة المريحة قد يشعرون أيضًا بإحساس طاحنٍ بالذنب، وكأنّهم قد أفلتوا من عقوبة على شيء ما (خاطئ) كانوا قد ارتكّبوه. قد لا يعرفون هذا بشكل واع، لكّنهم سرّاً يتوقون لبعض القصاص، لجلّد فكريّ واف، لشيء ما من شأنه أن يعيد إليهم واقعيتّهم.
إضافةّ إلى ذلك، تذكّر ألّا تستخدم تكتيك اللذة –من خلال- الألم قبل الأوان. بعض أعظم المغوين في التاريخ –بايرون، جيانغ كينغ (مدام ماو)، بيكاسو- كانت لديهم مسحةٌ من الساديّة، قدرةٌ على إنزال التعذيب الذهني. لو أنّ ضحاياهم علموا بما كانوا يقحمون أنفسهم فيه، لكانوا ركضوا هربًا حتّى اختفوا عن الأنظار. في الحقيقية، فإنّ معظم هؤلاء المغوين استدرجوا أهدافهم إلى شباكهم من خلال ظهورهم على أنّهم مثال العذوبة والوجدان. حتّى بايرون كان يبدو كملاك عندما كان يلتقي بامرأة لأوّل مرّة، وبالتالي فإنّها كانت تميل للتشكيك بشمعته الشيطانيّة –شكٌّ إغوائيّ، لأنه كان يسمح لها بأن تفكّر على أنّها الوحيدة التي تفهّمته حقّاً. كانت قسوته تظهر لاحقًا، لكن عندئذ يكون قد فات الأوان. عواطف الضحيّة تكون مشاركةّ ومُشاغّلة، لذا فإنّ قسوته لن تؤدّي إلاّ إلى إذكاء مشاعرها.
في البداية، إذن، ارتدِ قناع الحمل، جاعلًا من المتعة والمجاملة الطعم الذي تستخدمه. أوّلاً أئسِر انتباههم واجذبهم، وبعدها قدهم في رحلةٍ مجنونة.
........................................
شكل من الأشكال.» بالنسبة للأميرة، فقد كان يوم علاجًا فعالًا للضجر.
- ستندال، الحبّ، ترجمة جيلبرت وسوزان سايل
المرحلة الرابعة
انقضّ للضربة القاتلة
أوّلاً عملت على عقولهم –الإغواء الفكري. بعد ذلك أربكتهم وهيّجتهم- الإغواء العاطفي. الآن حان الوقت لمعركة إلتحاميّة –الإغواء الجسدي. في هذه المرحلة تكون ضحاياك ضعيفة ومكتنزةّ بالرغبة: ستثير الذعر من خلال إظهار قليل من البرود أو عدم الاهتمام –سيسعون وراءك بنفاد صبر وطاقة شهوانيّة (21: أعطهم مسافةّ للسقوط –المُطارِد يُطارَد). لكي تدفعهم إلى نقطة الغليان، عليك أن تُنيم عقولهم وتحمّي حواسّهم. من الأفضل أن تستدرجهم نحو الشبق من خلال إرسال إشارات مُلَغّمةَّ محدّدة من شأنها أن تأسر اهتمامهم وتجذبهم وتنشر الرغبة الجنسيّة كالسم (22: استخدم المغريات المادية). تحين لحظة الهجوم والانقضاض للضربة القاتلة عندما تكون ضحيّتك تنضح بالرغبة، لكن دون أن تتوقّع بشكلٍ واعٍ أن تحين الذروة (23: أتقن فن الإقدام الجسور).
ما إن ينتهي الإغواء، حتّى يبرز خطر أن يحلّ فقدان الاهتمام فيخرّب كل عملك الشاق (24: كن على حذر من الآثار اللاحقة). إذا كنت تسعى لعلاقة، فعليك إذن أن تعيد إغواء الضحيّة دائمًا، فتخلق التوتّر ثمّ تخفّف من حدّته. إذا كانت ضحيّتك سيُضَحّى بها، فيجب إذن فعل هذا بسرعة ونظافة، ممّا يتركك حرّاً (جسديّاً ونفسيّاً) لتنتقل إلى الضحيّة التالية. حيث تبدأ اللعبة من جديد.


21
أعطهم مساحة للسقوط – المُطارد هو المُطارَد

إذا اعتادتك أهدافك أكثر مما ينبغي مهاجمًا،
فسوف يقلّلون من منح طاقتهم الخاصة، وسيَضْعُفُ التوتر.
أنت تحتاج إلى أن توقظهم، إلى أن تعكس الآية. بمجرّد
وقوعهم تحت سحرك، اخطُ خطوّةَّ إلى الوراء، وسيبدؤون
بملاحقتك. ابدأ بلمسة من التحفّظ، بعدم ظهورِ غير مُتَوقّع، بتلميحة
إلى الضّجر ينتابك تدريجيًا. عكّر المياه من خلال ظهورك على أنّك
مُهْتَمٌّ بشخص آخر. لا تجعل أيّاً من هذا شيئًا جليّاً؛ دعهم فقط
يحسّونه وستقوم مخيّلتهم بالباقي، خالقةّ الشك الذي تريد. سرعان
ما سيريدون تملّكك جسديّاً، وستتبخّر الكوابح والتّحفّظات من
النافذة. الهدف هو أن يسقطوا بين ذراعيك بوحي من إرادتهم
الخاصّة. أخلق الوهم بأنّ المُغوي يتمّ إغواؤه.


الجاذبيّة الإغوائيّة
في بداية العقد الخامس من القرن التاسع عشر، سيّدة شابّة تّدعى آبولين ساباتيير كانت محطّ أنظار عالم الفن الفرنسي. كانت مثال الجمال الطبيعي لدرجة أنّ النحّاتين والرسّامين تنافسوا لتخليدها في أعمالهم، وكانت أيضًا ساحرةّ، ويَسهُل الاقتراب منها والتحدّث معها، ومكتفيةّ ذاتيّاً على نحو مغو –فانشدَّ الرجال إليها- أضحت شقّتها في باريس نقطة تجمّع للكتّاب والفنّانين، وسرعان ما أصبحت المدام ساباتيير- كما صارت تُعرَف، بالرغم من أنّها لم تكن متزوّجة –تستضيف واحدًا من أهمّ الصالونات الأدبيّة في فرنسا. كتّابٌ من أمثال غوستاف فلوبير، ألكساندر دوماس الأكبر سنّاً، وثيوفيل جوتيير كانوا من بين زوّارها النظامييّن.
قرابة نهاية عام 1852، عندما كانت في الثلاثين من عمرها، تلقّت المدام ساباتيير رسالةّ مجهولة المصدر. اعترف كاتبها بأنّه كان يحبّها بعمق. وبالرغم من أنّه لن يكشف اسمه خوفّا من أن تجد عواطفه سخيفةّ، إلاّ أنّه كان عليه أن يدعها تعرف أنّه كان يهيم بها. كانت ساباتيير معتادةّ على مبادرات تودّديّة كهذه –فقد وقع الرجال في حبّها واحدًا تلو الآخر- لكن هذه الرسالة كانت مختلفة: فيبدو أنّها قد ألهبت في هذا الرجل شغفًا متّقدًا شبه دينيّ. الرسالة، المكتوبة بخطّ يد ممُوّه، تضمّنت قصيدةّ مهداةّ لها؛ تحت عنوان «إلى من هي كثيرة المرح»، تبدأ القصيدة بتمجيد جمالها، لكن تنتهي بالأسطر التالية:
وهكذا، ذات ليلة، أردت أن أتسلّل، عندما يقرع ناقوس الليل ساعة اللذة،
..........................
الاهتمامات، الإنكارات، الانحرافات، الخدع، الإلهاءات، التواضع كلّها تستهدف إثارة هذه الحالة الثانية، التي هي سرّ الإغواء الحقيقي. قد يسير الإغواء المبتذل من خلال الإصرار، لكنّ الإغواء الحقيقي ينبثق من خلال الغياب ... إنّه مثل المسايفة: المرء يحتاج إلى مجال كي يقوم بالهجوم المضلّل. طوال هذه المدّة، فإنّ المغوي [جوهانز]، وبعيدًا عن السعي وراء الإطباق عليها،
كلصَّ جبان (يتّجه) نحو الكنز الذي هو شخصك، ريّانة وملساء .... و، أكثرُ بهجة تُصيبُ بالدوار! هي الدنوّ من تلك الشفتين وتقبيلهما، اللتين تصعقان للغاية بعذوبتهماويصبح يومًا بعد يوم أحبّ إلى ولوعي –أن أنفث سمّ حقدي.
من الواضح أنّ هيام معجبها خالطه نوعٌ غريبٌ من الشبق الذي تحدوه لمسةٌ من الوحشيّة. القصيدة أسَرَت اهتمامها وأزعجتها على حدَّ سواء- فلم يكن لديها أدنى فكرة عن هويّة كاتبها.
وصلت رسالةٌ أخرى بعد عدّة أسابيع. كما في السابق، فقد غلّف الكاتب ساباتيير بإعجاب يقارب العبادة، مازجًا المادّي مع المعنوي أو الروحي. وكما في السابق، كان هنالك قصيدة، «الكلّ في شيء واحد»، كتب فيها:
لا يمكن لجمالِ أن يكون الأجمل لوحده، نظرًا لأنّها مجرّد زهرةٍ واحدةٍ من السماء – آه يا للتحوّل الغامض والملغز! فقد فاضت كلّ حواسّي في إحساس واحد- صوتها ينشر شذا عندما تتكلّم، أنفاسها بمثابة موسيقى خافتة وضعيفة!
من الواضح أنّ الكاتب كانت تنتابه صورة ساباتيير، وأنّه كان يفكّر فيها باستمرار – أمّا الآن فقد صار هو من ينتابها، حيث أنّها صارت تفكّر فيه ليل نهار، وتتساءل في تعجّب من تُراه يكون. رسائله اللاحقة لم تؤدَّ إلاّ إلى تعميق السحر. من المطري أن تسمع أنّه كان مفتونًا بما هو أكثر من جمالها، ومع ذلك فقد كان من المطري أيضًا أن تعلم أنّه لم يكن منيعًا أمام مفاتنها الجسديّة.
...................................
يحاول الحفاظ على مسافته من خلال حيل متعدّدة: لا يتكلّم معها مباشرةً وإنّما فقط مع عّمتها، وفي مسائل تافهة وغبيّة؛ ويحيَد كلّ شيء من خلال السخرية والحذلقة المتصنّعة؛ يتوانى عن الاستجابة لأيّ حركة أنثويّة أو جنسيّة، وحتىّ يجد لها طالب يد هزليّ لكي يُفقدها الاهتمام ويخدعها، إلى المرحلة التي تقوم فيها هي نفسها بأخذ زمام المبادرة وتفسخ الخطوبة، مكملةّ الإغواء بالتالي وخالقّة الوضع المثالي لانغماسها الكامل في الملذّات.
- جان بودريلار، الإغواء، ترجمة براين سينغر.
سرت الشائعة في كلّ مكان. بل وحتّى أخبرت للملكة [جوينيفر]، التي


خطرت فكرةٌ ذات يوم ببال المدام ساباتيير فيما يتعلّق بمن قد يكون الكاتب: شاعرٌ شاب كان قد تردّد على صالونها لعدّة سنوات، شارل بودلير. بدا خجولًا، وفي الواقع كان بالكاد ثد تكلّم إليها، لكنّها كانت قد قرأت بعضًا من شعره، وبالرغم من أنّ الأشعار في الرسائل كانت مصقولةّ أكثر، إلاّ أنّ الأسلوب كان مشابهًا. في شقّتها كان بودلير يجلس دائمًا بأدب في أحد الزوايا، لكن أمّا وأنّها فكّرت بالموضوع، فقد لاحظت أنّه صار يبتسم لها بغرابة وعصبيّة. لقد كانت نظرة شابٌ مغرم. أخذت الآن تراقبه بدقّة عندما كان يزورها، وكلّما شاهدته، ازدادت تأكّدًا بأنّه كان الكاتب، لكنّها لم تتيقّن أبدًا من حدسها، لأنّها لم تُرد مواجهته –قد يكون خجولًا، لكنّه رجل، وفي مرحلة معيّنة كان هو من يجب أن يأتي إليها. وكانت واثقةَّ من أنّه كان سيأتي. بعدئذ، توقّفت الرسائل فجأةْ عن القدوم- ولم تستطع المدام ساباتيير أن تفهم السبب، وخاصّةْ أنّ الرسالة الأخيرة كانت أكثر هيامًا من كلّ سابقاتها.
مضت عدّة سنين دون قدوم أيّة رسالة، وغالبًا ما كانت تفكّر خلال هذه السنين برسائل معجبها مجهول الاسم. في عام 1857، على أيّة حال، نشر بودلير ديوان شعر تحت عنوان زهور الشر، وميّزت المدام ساباتيير عدّة أبيات –لقد كانت الأبيات التي كُتِبَت لها، والتي أصبحت الآن منشورة على الملأ ليراها الجميع. بعد ذلك بفترة قصيرة أرسل الشاعر لها هديّة: نسخةٌ من الكتاب مُجلّدة خصّيصاً لها، ورسالةٌ ممهورةٌ باسمه هذه المرّة. أجل، لقد كتب لها، لقد كان هو الكاتب مجهول الاسم- هلّا سامحته لكونه كان شديد الغموض في الماضي؟ عدا عن ذلك، فقد كانت مشاعره تجاهها قويّةً كطول عهدها: «أنت لم تفكّري للحظة واحدة أنّني قد أكون نسيتك؟ ... أنت بالنسبة لي أكثر من صورة عزيزة تحضر أحلامي، أنت خرافتي ... رفيقتي الدائمة، سرّى! وداعًا، أيّتها المدام العزيزة. أقبّل يديك بإخلاص عميق.»
كان لهذه الرسالة أثرٌ أقوى على المدام ساباتيير ممّا كان لدى الأخريات. لعّل السبب كان صدقه الشبيه بصدق الأطفال، وحقيقة أنّه كان أخيرًا قد كتب لها مباشرةّ، لعلّ السبب كان أنّه أحبّها لكن دون أن يطلب
...............................
كانت تجلس على العشاء. كادت أن تقتل نفسها عندما سمعت الشائعة المغرضة عن موت لانسلوت. ظنّت أنّها كانت صحيحة وانزعجت بصورة عظيمة إلى درجة أنّها بالكاد كانت قادرةّ على التكلّم ... هبّت دفعةّ واحدة من على الطاولة، واستطاعت أن تنفّس عن أساها دون أن يلاحظها أو يسمعها أحد. كانت ممسوسةّ للغاية بفكرة قتل نفسها إلى درجة أنّها قبضت عدّة مرّات على حنجرتها. ومع ذلك فقد تابت فور اعترافها بما يمليه الضمير، وطلبت مغفرة الله؛ واتّهمت نفسها بأنّها أخطأت بحقّ من علمت أنّه كان دائمًا مخلصًا لها، ومن كان سيظلّ كذلك، لو كان حيّاً ... عدّت كل الفظاظات وتذكّرت كلّ فظاظة بعينها؛


شيئًا منها، وذلك على خلاف الرجال الآخرين الذين عرفتهم والذين اتُضح دائمًا في مرحلة ما أنّهم كانوا يريدون شيئًا. أيّاً يكن السبب، فقد كان لديها رغبةٌ لا يمكن التحكّم بها برؤيته. في اليوم التالي دعته إلى شقّتها، لوحده. ظهر بودلير في الساعة المحدّدة. جلس في مقعده بعصبيّة، وهو يحدّق إليها بعينيه الكبيرتين، ودون أن يقول سوى القليل، وما قاله كان بإطار الرسميّة والتهذيب. بدا متحفّظًا وغير مبد لاهتمام أو عطف. بعد أن غادر فقد استولى نوعٌ من الهلع على المدام ساباتيير، وفي اليوم التالي كتبت له أوّل رسالة تقوم هي بكتابتها: «اليوم أنا أكثر هدوءًا، وأستطيع الشعور على نحو أكثر وضوحًا بالانطباع الذي ولّدته أمسية الثلاثاء التي أمضيناها معًا. أستطيع أن أخبرك، دون أن أواجه احتمال اعتقادك بأنّي أبالغ، بأنّني أسعد امرأة على وجه الأرض، وأنّني لم أشعر أبدًا بأننّي أحبّك بشكل أكثر صدقًا (ممّا أحبّك الآن)، وأنّني لم أرك أبدًأ أجمل، أو أجدر بأن تُحَبّ وتُعبّد (ممّا أنت الآن)، يا صديقي الرائع جدّاً!»
لم تكن المدام ساباتيير قد كتبت أبدًا مثل هذه الرسالة؛ فقد كانت دائمًا من يُطارَد. الآن كانت قد خسرت تمالكها المعهود لنفسها. والأمر لم يزدد إلاّ تفاقمًا: إذا أنّ بودلير لم يجب حالًا. عندما رأته بعد ذلك، كان أكثر برودًا من قبل. راودها الشعور بأنّه كان هنالك شخصٌ آخر، بأنّ عشيقته السابقة، جيان دوفال، قد عاودت الظهور في حياته فجأةّ وأنّها كانت تأخذه منها. ذات ليلة تصرّفت بطريقة هجوميّة، فعانقته، وحاولت أن تقبّله، إلاّ أنّه لم يستجب، وسرعان ما وجد عذرًا للمغادرة. لماذا صار فجأة متعذّر البلوغ إليه والتأثير فيه؟ بدأت تغمره بالرسائل، متوسّلةّ إيّاه كي يأتي لعندها؟. لم تقدر على النوم وصارت تنتظر ظهوره الليل بطوله. لم تكن قد اختبرت أبدًا يأسًا كهذا. بطريقة أو بأخرى كان عليها أن تغويه، تتملّكه، وتحصل عليه كلّه لنفسها. حاولت كلّ شيء- الرسائل، الغنج، جميع أنواع الوعود- إلى أن كتب أخيرًا أنّه لم يَعُد يحبّها والسلام.
التفسير. كان بودلير مغويًا فكريّاً. أراد أن يقهر المدام ساباتيير ويربكها
.................................
ولاحظت بعناية كلّ واحدة منها، وكرّرت: «يا للتعاسة! بماذا كنت أفكّر عندما مَثُل حبيبي أمامي ولم أتنازل بالترحيب به، أو حتّى أهتم بأن أستمع له! ألم أكن حمقاء بأن أرفض التكلّم معه أو حتّى النظر إليه؟ حمقاء؟ لا، ساعدني يا إلهي، لقد كنت قاسيّة ومخادعة! ... أعتقد بأنّني لوحدي كنت من وجّه إليه تلك الضربة القاتلة. عندما مَثُل أمامي متوقّعًا منّي أن أستقبله بفرح في حين أنّني اجتنبته ولم أنظر إليه أبدًا حتّى، ألم تكن هذه ضربة قاتلة؟ في تلك اللحظة، عندما رفضت أن أتكلّم، أعتقد أنّني مزّقت كلاّ من قلبه وحياته. أعتقد أنّ ما قتله هو تلك الضربتان وليس أيّة قتلة مأجورين.» • «آه يا إلهي! هل ستُغفَر لي هذه


بالكلمات، وأن يسيطر على أفكارها، وأن يجعلها تقع في حبّه. من الناحية الجسمانيّة، كان يعلم، أنّه لم يكن بمقدوره التنافس مع معجبيها العديدين الآخرين- فقد كان خجولًا، مرتبكًا، وليس وسيمًا بصورة خاصّة. لذا لجأ إلى نقطة قوّته الوحيدة وهي الشعر. إقلاق راحتها بالرسائل مجهولة المصدر أسبغ عليه إثارةّ مشاكسة. لا بدّ أنّه كان يعلم أنّها ستدرك، في آخر المطاف، أنّه هو كان من يرسل لها الرسائل- فلم يكن أحدٌ يكتب مثله –لكنّه أرادها أن تتوصّل إلى هذا لوحدها. توقّف عن الكتابة لها لأنّه كان قد أضحى مهتمّاً بشخص آخر، لكنّه علم أنّها ستظلّ تفكّر به، تتعجّب، وربمّا تنتظره. وعندما نشر كتابه، قرّر أن يكتب لها مجدّدًا، لكن بشكل مباشر هذه المرّة، فيثير السمّ القديم الذي كان قد حقنها به. عندما كانا لوحدهما، كان يستطيع أن يلاحظ أنّها كانت تنتظر منه القيام بشيء، أن يمسك بها (بين ذراعيه)، لكنّه لم يكن من ذاك النوع من المغوين. إضافةّ إلى ذلك، فقد كان ممّا يمنحه المتعة أن يتحفّظ ويحجم، وأن يحسّ بسلطانه على امرأة كان يشتهيها الكثيرون. عندما تحوّلت إلى الجانب المادّي والهجومي، كان الإغواء قد انتهى بالنسبة إليه. جعلها تقع في حبّه؛ وذلك كان كافيًا.
الأثر المدمّر لجذب وصدّ بودلير على المدام ساباتيير يعطينا درسًا رائعًا في الإغواء. أوّلًا، من الأفضل دائمًا أن تبقى على بعض المسافة الفاصلة ما بينك وبين أهدافك. ليس لزامًا عليك أن تشتطّ في هذا لدرجة بقائك مجهول الاسم، لكنّك لا يجب أن تّشاهد أكثر من اللازم، أو أن يُنظّر إليك كمتطفّل. إذا كنت دائمًا في وجههم، ودائمًا من يقوم بالهجوم، فسيصبحون معتادين على كونهم منفعلين، وسيضعف التوتّر في إغوائك. استخدام الرسائل لجعلهم يفكّرون بك طوال الوقت، لتغذّي مخيّلتهم. شجّع الغموض- لا تدعهم يتصوّرونك. كانت رسائل بودلير ملتبسةّ بشكل سارّ، إذ تجمع ما بين الجانب المادّي والجانب المعنوي، فتغيظ ساباتيير بتعدّديّة التفاسير الممكنة.
بعدئذ في المرحلة التي يمتلئون فيها بالرغبة والاهتمام، عندما قد يتوقٌعون منك أنك تقوم بالخطوة –كما توقّعت المدام ساباتيير ذلك اليوم في شقّتها- أرجع خطوةً إلى الخلف. أنت بعيدٌ (متحفّظ) على نحو غير متوقّع،
................................
الحريمة، هذه الخطيئة؟ أبدًا! ستحفّ كلّ الأنهر والبحار قبل ذلك! آه، يا للأسى! كم كان ذلك سيجلب لي العزاء والشفاء لو أتي حضنته بين ذراعيّ لمرّة واحدة قبل أن يموت. كم؟ نعم، عاريةّ تمامًا بجانبه، من أجل أن أستمتع به بشكل كامل ...» • ... عندما قدموا في ستّ أوسع فرق إلى القلعة التي كان يقيم فيها الملك بادماجو، فقد وردت إليه أنباءّ سارّة عن لانسلوت – أنباءّ سُرّ لسماعها؛ لانسلوت كان حيّاً وسيعود، سليمًا معافى. تصرّف بشكل لائق جدّاً في ذهابه لإعلام الملكة. «أيّها السيّد المحترم،» أخبرته، «إنّي أصدّق الخبر، بما أنّك من أخبرني به. لكنّه لو كان ميّتًا، فإنّي أوكّد لك أنّني لن أكون سعيدةّ ما حييت.» • ... حظي


ودور لكن لا شيء أكثر من ذلك –وبالتأكيد لست جنسيًّا. دع ذلك يتغلغل ليوم أو اثنين. سيطلق انسحابك شرارة القلق؛ والسبيل الوحيد لتلطيف هذا القلق يكون من خلال مطاردتك وتملّكك. تراجع الآن وستجعل أهدافك تسقط بين ذراعيك كثمرة يانعة، وهم عميانٌ عن قوّة الجاذبيّة التي تشدهم إليك. بقدر ما تزداد مشاركتهم، بقدر ما تنخرط قوّة إرادتهم، ويزداد التأثير الشهواني عمقًا. لقد تحدّيتهم ليستخدموا قواهم الإغوائيّة الخاصّة عليك،وعندما يستجيبون، ستنعكس الآية وسيطاردونك بطاقة مستميتة.
أنا أتراجع وهكذا أعلّمها أن تشعر بأنّها المنتصرة بمطاردتي. أنسحب باستمرار، وبهذه الحركة العكسيّة أعلّمها أن تعرف من خلالي كلّ قوى الحب الجنسي، أفكاره الهائجة، شغفه، ماهيّة التوق، والترقّب النافذ الصبر.
- سورين كير كيجارد
المفاتيح للإغواء
بما أنّ البشر هم مخلوقاتٌ عنيدة ومتصلّبة، وميّالةٌ للشك بدوافع الناس، فإنّ مقاومة الهدف لك بطريقة أو بأخرى، خلال سير أي إغواء، هي أمرّ لا يعدو عن كونه طبيعيّاً. فالإغواءات إذن نادرًا ما تكون يسيرةّ أو بدون عقبات. لكن ما إن تتخطّى ضحاياك بعضًا من شكوكهم، ويبدؤون بالوقوع تحت سحرك، حتّى يصلوا إلى نقطة حيث يبدؤون بإطلاق العنان لأنفسهم. قد يحّون بأنّك تقودهم على طول الخطّ، لكنّهم يستمتعون بذلك. لا أحد يحبّ أن تصبح الأمور معقّدةّ وصعبة، وهدفك يتوقّع أن يحين الختام بسرعة. لكن تلك هي النقطة التي يجب أن تمرّن نفسك عندها على أن تحجم وتنكفئ. أمنح الذروة الممتعة التي ينتظرونها على أحرّ من الجمر، استسلم للميل الطبيعي لإيصال الإغواء إلى نهاية سريعة، وستكون قد فوّتّ فرصة ان تزيد تدريجيّاً من حدّة التوتّر، وأن تجعل العلاقة أكثر سخونةٌ. ففي النهاية أنت لا تريد ضحيّة صغيرةّ منفعلة لتلعب بها؛ بل تريد المغَويّين أن
....................................
لانسلوت الآن بجميع أمنياته: الملكة سعت برغبة وراء صحبته وحبّه بينما كان يطوّقها بذراعيه وهي تطوّقه بذراعيها. لعبة- حبّها، بما فيها من قبلات وعناقات، بدت بالنسبة له رقيقةّ وملائمةّ للغاية، أو بالأحرى فإنّ كليهما شعر في الحقيقة بفرح وروعة لم يكن أحدّ قد عرف مثليهما أو سمع به. لكنّني سأتركه يظلّ سرًا إلى الأبد، انظرًا لأنّه لن يُكتب عنه: إنّ أفضل متعةِ وأكثرها إبهاجًا هي تلك التي يُلمَعُ إليها، لكن دون أن يُصَرّح بها.
- كريتيان دي تروي، الغراميّات الآرثريّة، ترجمة ويليام دابليو. كيبلر.
في بعض الأحيان كان ميّالًا إلى الأمور الفكريّة إلى درجةِ


ينخرطوا بكامل قوّة إرادتهم، وأن يصبحوا مشاركين فعّالين في الإغواء. أنت تريدهم أن يطاردوك، الأمر الذي يؤدي بهم في آخر المطاف إلى إيقاع أنفسهم في شرك حبالك على نحو لا فكاك منه. السبيل الوحيد لإنجاز هذا يكون من خلال أخذ خطوة إلى الوراء وجعلهم قلقين.
كنت قد تراجعت بشكل استراتيجيّ في السابق (أنظر الفصل 12)، لكنّ هذا مختلف. فالهدف الآن يبدأ بالوقوع في حبّك، وسيؤدّي انسحابك إلى أفكار مرتاعة: أنت تفقد الاهتمام، هذا خطئي بطريقة أو بأخرى، لعلّه شيءٌ كنت قد ارتكبته. إنّ أهدافك سيريدون القيام بتأويل كهذا بدلًا من أن يفكّروا أنّك ترفضهم لأسبابك الخاصّة، بما أنّه إذا كان سبب المشكلة هو شيءٌ ارتكبوه، فستكون لهم القدرة على استعادتك من خلال تغيير سلوكهم. إذا كنت من ناحية أخرى ترفضهم وحسب، فلن يكون لديهم تحكّمٌ على الأمر. الناس يريدون دائمًا أن يحتفظوا بالأمل. الآن سيأتون إليك، ويتحوّلون إلى الهجوم، اعتقادًا منهم بأنّ هذا سيؤدي الغرض. سيرفعون الحرارة الشهوانيّة. أفهم: قوّة إرادة الأشخاص مرتبطة مباشرةّ مع الليبيدو الذي لديهم، ومع شهوتهم الجنسيّة. عندما تكون ضحاياك منتظرةّ إيّاك بشكل سلبيّ، فإن مستوى شهوتهم الجنسيّة يكون ضعيفًا. عندما يتحوّلون إلى دور المُطارد، وينخرطون في العمليّة، ويطفحون بالتوتّر واللهفة، فسترتفع الحرارة. لذا أرفعها قدر ما تستطيع.
عندما تنسحب، أفعل ذلك بطريقة حاذقة وخفية؛ كي تغرس الاستياء والتململ. برودك أو بعدك يجب أن يتضّح لأهدافك عندما يكونون لوحدهم، ويبزغ على شكل شكَّ سامَّ يتسلّل إلى عقولهم. حالة البارانويا (جنون الارتياب) التي تصيبهم ستضحي مولّدةَّ لنفسها بنفسها. خطوتك الحفيّة إلى الخلف ستجعلهم يرغبون بامتلاكك، لذا فسيندفعون طواعيّة إلى ذراعيك دون أن يدفع بهم أحد. هذه الاستراتيجيّة مختلفة عن استراتيجيّة الفصل 20، التي تنزل بموجبها أو من خلالها جراحًا عميقة، فتخلق نمطًا من الألم واللذة. الهدف هناك هو أن تجعل ضحاياك ضعيفةً ومعتمدة، أمّا هنا فهو أن تجعلهم فاعلين وهجومييّن. أيّ الاستراتيجيّتين تفضّل أن تستخدم (لا يمكن جمع الاثنين) هو أمرٌ يعتمد على ما تريد وعلى ميول ضحيّتك.
.............................
شعرت معها بأننّي انمحقت كامرأة؛ في أحيان أخرى كان جامحًا، ومشتهيًا إلى درجة كدت معها أن أرتعد أمامه. في بعض الأوقات كنت مثل غريبة بالنسبة له؛ في أحيان أخرى كان يستسلم بالكامل. بعدئذ عندما رميت بذراعيّ نحوه، تغيّر كلّ شيء، إذ عانقت غيمة.
- كورديليا تصف جوهانز، في يوميّات مغوي لسورين كير كيجارد، ترجمة هاورد في. هونغ وإدنا في. هونغ.
إنّه لأمرّ حقيقيٌّ أنّنا لا نستطيع أن نحبّ إن لم يكن لدينا ذكرى –وفي الدرجة الأولى ذكرى غير واعية- بأنّنا كنّا محبوبين ذات مرّة. لكنّنا لا نستطيع أن نحبّ إن لم يخامر


في يوميّات مغوي لسورين كير كيجارد، فإنّ جوهانز يستهدف إغواء كورديليا اليافعة والجميلة. يبدأ بكونه ميّالًا في علاقته معها إلى الأمور الفكريّة، ويأسر اهتمامها ببطء. بعد ذلك يرسل لها رسائل تتّسم بالرومانسيّة والإغواء. الآن يُزهر افتتانها حبّاً. بالرغم من أنّه يبقى بعيدًا نوعًا ما على المستوى الشخصي، إلّا أنّها تستشعر أنّ فيه أغوارًا عميقةّ جدّاً وتكون متأكّدةّ من أنّه يحبّها. ثمّ ذات يوم، بينما كانا يتحدّثان، راود كورديليا شعورٌ غريب: كان فيه شيءٌ مختلف. فقد بدا مهتمّاً بالأفكار أكثر منه بها. خلال الأيّام القليلة التي تلت، ازدادت شكوكها قوّةَّ –فالرسائل اتّسمت بقدر أقلّ من الرومانسيّة، شيءٌ ما كان مفقودًا. نتيجةَّ لشعورها بالقلق فقد تحوّلت بالتدريج إلى الهجوميّة، فأصبحت المُطاردة بدلًا من المُطارّدة. أصبح الإغواء الآن أكثر إثارة بكثير، أقلّه بالنسبة إلى جوهانز.
كانت خطوة جوهانز التراجعيّة خفيّة؛ فهو يعطي كورديليا الانطباع بأنّ اهتمامه أقلّ رومانسيّة بقليل من اليوم السابق، لا أكثر. يعود لكونه المفكّر. هذا يثير الفكرة المقلقة بأنّ جمالها وفتنتها الطبيعيّين لا يعودان يتمتٌعان بذلك التأثير عليه. عليها أن تحاول بجد أكبر، أن تثيره جنسيًا، وتثبت لنفسها أنّ لديها بعض السلطان عليه. هي تطفح الآن بالرغبة الجنسيّة، وما أوصلها إلى هذه النقطة كان تنصّل جوهانز الخفي من عاطفته.
لكلّ جنسٍ جاذبيته الخاصّة والتي تتأتّى له بشكل طبيعيّ. عندما تبدو مهتمّاً بشخص ما لكن دون أن تستجيب جنسيّاً، فإنّ هذا يكون مزعجًا، ويقدّم تحدّيًا: سوف يجدون وسيلةّ لإغوائك. لكي تحدث هذا الأثر، عليك أوّلًا أن تُظهر اهتمامًا بأهدافك، من خلال الرسائل أو الإيحاء الخفي. لكن اتّخذ نوعًا من الحياديّة معدومة الجنس عندما تكون في حضرتهم. كن ودودًا، وحتّى دافئًا، لكن لا أكثر. أنت تدفعهم لتسليح أنفسهم بالمفاتن الإغوائيّة المتأتية فطريّاً بالنسبة لجنسهم- هذا بالضبط ما تريده.
في المراحل الأخيرة من الإغواء، دع أهدافك تحسّ بأنّك مهتمٌّ بشخص آخر- هذا شكلٌ آخر من أخذ خطوة إلى الخلف. عندما التقى نابوليون بونابرت لأوّل مرّة بالأرملة الشابّة جوزفين دي بوهارنياس في
...............................
الشك في بعض الأحيان هذا الشعور بأنّنا محبوبون؛ أي إذا كنّا متأكّدين دائمًا منه. بعبارة أخرى، فإنّ الحبّ لن يكون ممكنًا دون أن يكون الشخص محبوبًا ومن ثمّ افتقاده للتأكّد من كونه محبوبًا ... • حاجة الشخص لأن يُحَبّ ليست حاجةّ أوّليّة. إنّ هذه الحاجة بالتأكيد مكتسبة من خلال التجربة في المراحل اللاحقة من الطفولة. من الأفضل أن نقول: من خلال تجارب عديدة أو من خلال تكرار تجارب متشابهة. أعتقد أنّ هذه التجارب هي ذات طبيعة سلبيّة. يصبح الطفل مدركًا بأنه غير محبوب أو أن حبّ أمّه غير مشروط. يتعلّم الطفل أنّ أمّه يمكن أن تصبح غير راضية عليه، أنّها يمكن أن تمنع عنه حبّها إن لم يتصرّف كما تريد،


عام 1795، كان متحمّسًا بسبب جمالها الفريد والنظرات التي منحته إيّاها. بدأ بارتياد سهراتها الأسبوعيّة، حيث كانت تتجاهل الرجال الآخرين وتلزم جانبه وهي تصغي إليه بشكل شديد التيقّظ، الأمر الذي أسرّه. وجد نفسه وقد أخذ في الوقوع في حبّ جوزفين، وكان لديه جميع الأسباب التي تدفعه للاعتقاد بأنّها شعرت بنفس الشعور.
بعدئذ، في أحد السهرات، كانت ودودةّ ومجاملة، كعادتها –استثناء أنّها كانت ودودةّ بنفس القدر مع رجل آخر هناك، أرستقراطيَّ سابق، كجوزفين، أي من صنف الرجال الذي لا يمكن لنابوليون أبدًا أن يتنافس معه عندما يتعلّق الأمر بالسلوك وخفّة الدّم. بدأت الشكوك والغيرة تعتمل في داخله. كرجل عسكريَّ، كان يعلم أهميّة القيام بالهجوم، وبعد عدّة أسابيع من حملة خاطفة وعدوانيّة ظفر بها بالكامل لنفسه، متزوجًا إيّاها في آخر المطاف. بالطبع كانت جوزفين، المغوية الذكيّة، قد رتّبت الأمر برمّته. لم تقل أنّها كانت مهتمةّ برجل آخر، لكّن مجرّد حضوره في منزلها، نظرةٌ هنا ونظرةٌ هناك، ولإيماءاتٌ خفيّة، جعل الأمر يبدو كذلك. لا يوجد طريقةٌ أفضل لتلمّح إلى أنّك تفقد اهتمامك. إذا جعلت اهتمامك بالآخر واضحًا أكثر من اللزوم، فقد تحصل، بالرغم من ذلك، على نتائج عكسيّة. ليس هذا هو الموقف الذي تريد أن تبدو فيه قاسيًا؛ الشك والقلق هما الآثار التي تسعى وراءها. أجعل اهتمامك المُحتمل بالآخر بالكاد يكون ملحوظًا للعين المجرّدة.
ما إن يُتّيّم بك الشخص الآخر، حتّى يخلق أيّ غياب مادّي الاستياء والاضطراب. كانت المغوية الروسيّة لو آندرياس –سالوم تتمتّع بحضور قويّ؛ عندما كان يجلس رجلٌ معها، فإنّه كان يشعر بأنّ عينيها تخترقانه، وغالبًا ما يصبح مسلوب اللب نتيجة أساليبها وروحها المغناجيّة. لكن عندئذ. وبشكل شبه دائم، يطرأ شيءٌ ما –كأن يتوجّب عليها مغادرة البلدة لفترة من الزمن، أو تنشغل لدرجة لا تعود معها قادرة على رؤيته. لقد كانت غياباتها هي الفترة التي يقع خلالها الرجال في حبّها على نحو يائس، ويأخذون على نفسهم عهدًا بأن يكونوا أكثر هجوميّةّ في المرّة القادمة التي سيكونون فيها معها غياباتك في هذه المرحلة الختاميّة من الإغواء يجب أن تبدو على الأقل
......................................
أنّها يمكنها ان تكون غاضبةّ أو مقطّبة الجبين. أعتقد أنّ هذه التجربة توقظ مشاعر بالحصر والقلق لدى الطفل. إنّ إمكانيّة خسارة حبّ أمّه تضرب الولد بالتأكيد بقوّة لا تقلّ عن قوّة الزلزال ... • الطفل الذي يختبر سخط أمّه والسحب الظاهريّ للحبّ بتفاعل في بادئ الأمر مع هذا التهديد بخوف. يحاول أن يستعيد ما يبدو أنّه ضاع من خلال التعبير عن الخصومة والعدائيّة .... التغيّر في شخصيّته يحدث فقط بعد الإخفاق؛ عندما يدرك الطفل أنّ الجهد المبذول عبارة عن إخفاق. والآن يحدث شيءٌ في غايةٌ العرابة، شيءٌ دخيلٌ على تفكيرنا الواعي غير أنّه قربت جدّاً للطريقة الطفوليّة. بدلًا من الإمساك بالشيء بطريقة مباشرة


مبرّرةَّ بعض الشيء. فأنت لا تدسّ برفض فظَّ ووقح وإنّما بشكَّ طفيف: لعنهّ كان يمكنك أن تجد سببًا لتبقى، لعلّك فقدت الاهتمام، لربمّا يوجد هنالك شخصٌ آخر. في غيابك، سيتنامى تقديرهم لك. سيبسون نقائصك، ويغفرون لك ذنوبك. في اللحظة التي تعود فيها، سوف يطاردونك كما تشتهي. سيكون الأمر كما لو أنّك عدت من بين الأموات.
تبعًا لعالم النفس ثيودور رايك، فإننا لا نتعلّم الحبّ إلاّ من خلال الرفض. كرُضّع، يُغدَق علينا الحبّ من قبل أمّهاتنا –لا نعرف شيئًا آخر. لكن عندما نتقدّم قليلًا بالسن، فإنّنا نبدأ نحسّ بأنّ حبّها ليس غير مشروط. فإذا لم نسلك سلوكًا حسنًا، وإذا لم نرضها، فإنه بإمكانها أن تسحبه. فكرة أنّها ستسحب حبّها وعاطفتها تملوّنا بالقلق، وبدايةّ، بالغض –سوف نريها، سنلقي بنوبة غضب طفوليّة. لكنّ ذلك لا يؤديّ الغرض المطلوب أبدًا، فندرك ببطء أنّ الوسيلة الوحيدة للحؤول بها دون أن ترفضنا مجدّدًا هي أن نقلدّها- أن نكون على نفس القدر من المحبّة واللطف والرقّة التي هي عليه. هذا سيربطها بنا كأعمق ما يكون. ينغرس النمط في نفوسنا لبقيّة حياتنا: من خلال اختبارنا للرفض أو الجفاء، نتعلّم أن نتودّد ونطارد، أن نحبّ.
أَعِد خلق هذا النمط البدائي في إغوائك. بدايةَّ، أَغدِق العاطفة على أهدافك. سوف لن يكونوا متأكّدين من أين يأتي هذا، لكنّه شعورٌ سارٌ، ولن يريدوا أبدًا أن يخسروه. عندما يزول الإغداق، من خلال خطوتك التراجعيّة الاستراتيجيّة، فسيعانون من لحظات من القلق والغضب، وربّما يلقون في وجهك بنوبة غضب، ولكن بعدئذ تأتي نفس ردّة الفعل الطفوليّة: الطريقة الوحيدة لاستعادتك، للحصول عليك بشكل مؤكّد، تكون من خلال عكس الأسلوب، فيحاكونك، ويقومون بدور الشخص المُحببّ والمعطاء. إنّه رعب الرفض الذي يعكس الآية.
هذا النمط غالبًا ما سيكرّر نفسه بشكل طبيعيّ أكان ذلك في العلاقة الغراميّة أم الجنسيّة. يتصرّف أحد الطرفين بفتور، فيطارده الآخر الذي بعدئذ يتصرّف بفتور بدوره، جاعلًا الشخص الأوّل المُطارد، وهكذا دواليك. كمغو لا تترك هذا للصدفة. أجعله يحدث. أنت تعلّم الشخص الآخر أن
...................................
وتملكه بطريقة عدائيّة، فإنّ الطفل يتماهى مع الشيء كما كان من قبل. يفعل الطفل نفس الشيء الذي كانت أمّه تفعله له في ذلك الوقت السعيد الذي انقضى. نكشف العمليّة الكثير من الحقائق لأنّها تشكّل نمط الحبّ بالإجمال. يظهر الطفل إذن من خلال سلوكه الخاصّ ما يريد من أمّه أن تفعل له، وكيف يجب أن تتصرّف إزاءه. يصرّح عن هذه الأمنية من خلال عرض حنانه وحبه إزاء أمّه التي منحته إيّاهما قبلًا. إنّها محاولةٌ لتخطيّ اليأس والاحساس بالفقدان من خلال أخذ دور الأم. يحاول الصبي أن يوضّح ما يريد من خلال القيام به بنفسه: أنظري، أريدك أن تتصرّفي نحوي بهذا الشكل، أن تكوني حنونّة


يصبح مغوياً، تمامًا كما علّمت الأم بطريقتها الخاصّة الطفل أن يبادلها الحبّ من خلال تقليدها. من أجل مصلحتك الخاصّة تعلّم أن تستمتع بانقلاب الأدوار هذا. لا تتظاهر بدور الُمطارَد وحَسب، بل واستمتع به بانقلاب الأدوار هذا. لا تتَظاهر بدور المطارَد وحسب، بل واستمتع به واقبل شروطه أيضًا. لذّة كونك مُطاردًا من قبل ضحيّتك غالبًا ما يمكنها أن تفوق لذّة الاصطياد.
الرمز: الرمّان بعد أن يُتَعَهّد بالعناية والرعاية، يبدأ الرمان بالنضوج. لا تقطفه أبكر من اللازم أو تحاول انتزاعه بالقوّة عن الساق- فسيكون قاسيًا ومرّاً دع الثمرة تنمو حتّى تصبح ثقيلةَّ ومليئة بالعصير، بعد ذلك أرجع إلى الوراء- إذ ستسقط لوحدها. ذلك هو التوقيت الذي يكون فيه لبّها ألذّ ما يكون.
............................
ومحّبةّ معي إلى هذا الحدّ. من المؤكّد أنّ هذا السلوك ليس نتيجة تفكير أو تخطيط منطقيّ وإنّما عمليّة تماه عاطفتي، وتبادلٌ طبيعتّي للأدوار يستهدف بشكل غير واع إغواء الأمّ نحو تحقيق أمنيته. هو يوضحّ من خلال أفعاله الخاصّة كيف يريد أن يُحَبّ. إنّه تمثيلٌ بدائيٌ من خلال الانعكاس، مثالٌ عن كيفيّة عمل الشيء الذي يتمنّى أن يُعمل من قبلها. في هذا التمثيل تعيش ذكرى الاهتمامات، الأفعال الحنونة، والربتات التحبّبيّة التي أخذت ذات مرّة من الأمّ أو الأشخاص المحّبين.
- ثيودور رايك، عن الحبّ والشهوة.


الانقلاب
ستحين لحظاتٌ ينفجر فيها خلق المسافة (البعد) والغياب في وجهك. يمكن لغياب في لحظة حاسمة من الإغواء أن يجعل الهدف يفقد الاهتمام بك. إنّه أيضًا يترك الكثير للصدفة –بينما تكون بعيدًا، يمكنهم أن يجدوا شخصًا آخر من شأنه أن يصرف أفكارهم عنك. أغوت كليوباترا مارك أنتوني بسهولة، لكنّه عاد إلى روما بعد لقاءاتهم الأولى. كانت كليوباترا غامضة ومغرية، لكنّها لو تركت كثيرًا من الوقت يمضي، لكان نسي مفاتنها. لذا تخلّت عن غنجها المعتاد وسعت وراءه عندما كان في أحد حملاته العسكريّة. علمت أنّه سوف يقع تحت سحرها ثانية ويطاردها بمجرّد رؤيته لها.
استخدام الغيات فقط عندما تكون متأكّدًا من تعلّق الهدف بك، وإيّاك أن تدع الغياب يستمرّ أكثر من اللزوم. الغياب يكون أكثر فاعليّة بكثير في المراحل الختاميّة من الإغواء. أيضًا، إيّاك أن تخلق مسافةّ (فاصلة) أكثر من اللازم –لا تكتب بشكل مفرط الندرة، لا تتصرّف بشكل مفرط البرود، لا تظهر اهتمامًا بشخص آخر أكثر ممّا يلزم. تلك هي استراتيجيّة مزج الألم بالمتعة، المُفَصَّلة في الفصل 20، وستخلق ضحيّةّ تابعةّ، او حتّى ستجعله/ ها يفقد الأمل ويستسلم بالكامل. بعض الناس، أيضًا، يكونون منفعلين وسلبيّين بشكل متأصّل: هم ينتظرونك كي تقوم بالخطوة الجسورة، وإذا لم تقم بها، فسوف يعتقدون بأنّك ضعيف. اللذة المتأتيّة من ضحيّة كهذه تكون أقلّ من اللذّة التي ستحصل عليها من شخص أكثر فاعليّة. لكنّك إذا كنت على صلة مع هذا النمط، فافعل ما يلزم إذاً كنت تريد أن يكون طريقك سالكًا، بعد ذلك أنه العلاقة وانطلق لعلاقةٍ أخرى.


22
استخدم المغريات المادية

الأهداف ذوو العقول النّشطة يكونون خطيرين:
إذا تبيّنوا حقيقة تلاعباتك ومناوراتك، فقد
يطوّرون شكوكًا. أحل برفق عقولهم للراحة، وأيقظ
حواسهم الساكنة، من خلال الجمع ما بين سلوك غير
دفاعيّْ وحضور جنسيّ مشحون. فبينما سيساء الهدوء
وعدم الاكتراث لديك تهدّئ عقولهم وتُخلّص
ضوابطهم وموانعهم، فإنّ تلميحاتك، صوتك،
وطريقتك في المشي والكلام-
التي ترشح بالجنس والرغبة – تتغلغل في
مساماتهم، فتهيّج حواسّهم وترفع حرارتهم. إيّاك
أن تفرض الناحية الجنسية؛ عوضًا عن ذلك اعد
أهدافك بالحماوة، واستدرجهم نحو الشهوة.
قًدهم إلى اللحظة – أي إلى حاضر مُكثّف تذوب فيه
وتتلاشى كلّ الأخلاقيات، المحاكمات العقلية، والقلق
من المستقبل، ويستسلم الجسد للذّة.


رفع الحرارة
في عام 1889، زار أرقى مدير مسرحيَّ في نيويورك، إيرنست جورجنز، فرنسا في واحدة من رحلاته الاستطلاعيّة العديدة. عُرفَ جورجنز بنزاهته، وهي سلعة نادرة في عالم الترفيه المشبوه، وبقدرته على إيجاد مواهب تمثيليّة استثنائية. كان عليه أن يقضي الليلة في مارسيليا، وبينما كان يتجول بمحاذاة رصيف الميناء القديم، سمع صيحات متحمّسة تصدر من ملهى خاصٌ بالطبقة العاملة، فقرّر الدخول. كانت رقصةٌ إسبانيّة تبلغ من العمر الحادية والعشرين وتُدعى كارولين أوتيرو تؤدّي رقصتها، وفي اللحظة التي وقعت فيها عينا جورجنز عليها صار شخصًا آخر. مظهرها كان مذهلًا – فقد كانت تبلغ من الطول خمسة أقدام وعشرة إنشات (178 سم)، وذات عينين سوداوين ناريّتين، وشعرٌ أسود يصل إلى عند خصرها، وجسدها ضمن الكورسيت الذي ارتدته (مشدّ نسوي للخصر والردفين) كان تمامًا على شكل ساعة رمليّة. لكنّ الطريقة التي رقصت بها كانت ما جعل قلبه يخفق بقوّة- كان كلّ جسدها ينبض بالحياة، ويتلوّى كحيوان مُستَثارِ جنسيّاً، أثناء أدائها لرقصة الفاندانجو. بالكاد كان رقصها احترافيّاً، لكنّها كانت مستمتعةَّ جدّاً بما تفعله وغايةّ في العفويّة وعدم الانكباح درجة أنّه لم يكن شيءٌ من ذلك يهمّ. كذلك فإنّ جورجنز لم يستطيع إلاّ أن يلاحظ كيف كان الرجال الآخرين في الملهى يراقبونها، وهم فاغرون أفواههم.
بعد انتهاء العرض، ذهب جورجنز إلى الحجرة الخاصّة بتبديل الملابس ليقدّم نفسه. التمعت عينا أوتيرو بينما كان يتحدّث عن عمله في نيويورك. شعر بحرارة ورعشة تجتاح جسده بينما كانت تنظر إليه من الأعلى إلى
....................................
السنة كانت 1907 والجميلة [أوتيرو]، وقتئذ، كانت رمزًا عالميًا لما يناهز الاثني عشر عامًا. أخبرت القصة من قبل السيّد موريس شيفاليير. • «كنت نجمًا صاعدًا على وشك أن أقوم بظهوري الأوّل على مسرح فوليز. كانت أوتيرو نجمة المسرح لعدّة أسابيع وبالرغم من أنّني كنت أعرف من تكون إلاّ أنّني لم أكن قد رأيتها من قبل أبدًا لا على المسرح ولا خارجه.» • «كنت أمشي مسرعًا وحاني الرأس وأنا أفكّر بأشياء


الأسفل. صوتها كان عميقًا وخشنًا، ولسانها كان يتراقص باستمرار عندما كانت تردّد حرف الراء على طريقة الإسبان. أغلقت أوتيرو الباب متجاهلة بذلك قرعات وتوسَلات المعجبين المستقتلين للتكلّم معها. قالت أنّ طريقتها في الرقص كانت طبيعيّة- فأمّها كانت من الغجر. وبعد ذلك ببرهة قصيرة طلبت من جورجنز أن يكون مرافقها في تلك المسية، وبينما كان يساعدها على ارتداء سترتها، مالت نحوه (إلى الخلف) بشكل طفيف كما لو أنّها فقدت توازنها. بينما كانا يتمشيّان في أرجاء المدينة، وذراعها تمسك بذراعه، كانت تهمس في أذنه بين الحين والآخر. شعر جورجنز بأنّ تحفّظه المعتاد يذوب ويتلاشى. فأمسك بها على نحو أشدّ. كان رجل أسرة، ولم يكن قد فكّر أبدًا بخيانة زوجته، لكّنه جاء بأوتيرو إلى غرفته في الفندق دون تفكير. بدأت بخلع بعض ثيابها- المعطف، القفّازات، القبّعة- وهذا أمرٌ طبيعيٌّ تمامًا، لكنّ الطريقة التي قامت بها بذلك جعلته يفقد كلّ الضوابط والتحفّظات. جورجنز الذي كان هيّابا ورعديدًا بالشكل العادي قام بالهجوم.
في الصباح التالي قام جورجنز بتوقيع عقد مربح لصالح أوتيرو- تلك كانت مجازفةَّ عظيمة، إذا ما أُخذَ بعين الاعتبار أنّها كّانت هاويةَّ في أفضل الأحوال. جلبها إلى باريس وعيّن لها مدرّبًا مسرحيّاً من الطراز الأوّل. هُرعَ إلى نيويورك ليغذّي الصحف بتقارير عن حسنائه الإسبانيّة الغامضة والجاهزة بالكامل لاجتياح المدينة وانتزاع حبّها. سرعان ما أخذت الصحف المنافسة تزعم بأنّها كانت كونتيسّة أندلسيّة، فناةٌ هربت من الحرملك، أرملة شيخ وأشياء من هذا القبيل. قام بزيارات متكرّرة إلى باريس ليكون معها، ناسيًا بشأن اسرته، ومنفقًا عليها المال والهدايا بغير حساب.
شكّل الظهور المسرحي الأوّل لأوتيرو نجاحًا صاعقًا. كتبت مقالةٌ في جريدة النيويورك تايمز/ «أوتيرو ترقص بانعتاق وجسمها الرشيق واللدن يبدو كجسد أفعى وهي تتلوّى بانحناءات رشيقة وسريعة.» خلال بضعة أسابيع قصيرة أصبحت معبودة الجماهير في مجتمع نيويورك، وصارت تؤدّي استعراضاتها في الحفلات الخاصّة حتّى أوقات متأخرةٍ من الليل. مَلِكُ المال ويليام فاندربيلت خطب ودّها من خلال المجوهرات الباهظة الثمن
..................................
شتّى، عندما رفعت ناظريّ. هناك كانت الجميلة، برفقة امرأة أخرى، وهي تمشي باتّجاهي. كانت أوتيرو عندئذ في حوالي الأربعين من العمر ولم أكن قد بلغت العشرين بعد لكنّها- آه!- كانت غايةَّ في الجمال!» • «كانت طويلةّ، داكنة الشعر، وذات جسم رائع كبير، مثل أجسام النساء من الأيّام الخوالي، وليس مثل الأجسام النحلة نُتساء اليوم.» • ابتسم شيفاليير. • «بالطبع أنا أحبّ النساء المعاصرات أيضًا، لكن كان هنالك شيءٌ ذو سحر قّتاك لدى أوتيرو. وقفنا ثلاثتنا هناك للحظة أو اثنتين، دون أن نتفوّه بكلمة، وحدّقت بالجميلة التي لم تكن بمثل الصبا الذي كانت عليه يومًا وربمّا لم تكن غايّة في الجمال، لكنّها كانت لاتزال امرأةّ بكلّ معنى الكلمة.» • «نظرت إليّ مباشرةّ،


والأمسيات على متن بخته. تنافس مليونيريّون آخرون للفت انتباهها. في هذه الأثناء كان جورجنز يسحب المال من خزينة الشركة ليشتري الهدايا لها –كان مستعدّاً لفعل أيّ شيء ليحتفظ بها، وهي مهمّةٌ كان يواجه فيها منافسة ثقيلة الوطأة. بعد عدّة أشهر، بعد أن أصبحت اختلاساته علنيّة، كان رجلًا محطّمًا. وانتحر في آخر المطاف.
رجعت أوتيرو إلى فرنسا، وصعد نجمها خلال السنوات القليلة التي تلت لتصبح المحظيّة الأشهر على الإطلاق في الحقبة الجميلة (راجع ص320). سرت الأنباء بسرعة: ليلةٌ مع أوتيرو الجميلة (كما كانت تعُرّف الآن) كانت أكثر فاعليّة من كلّ العقاقير المثيرة للشهوة الجنسيّة. كان لديها ميلٌ للغضب ومتطلّبة، لكنّ هذا كان مُتوَقّعًا. أمير موناكو، آلبرت، كان رجلًا تعذّبه الشكوك حيال فحولته، شعر مثل نمر لا يرتوي بعد ليلة مع أوتيرو. أصبحت عشيقته. تبعته في ذلك شخصيّاتٌ ملكيّة أخرى- أمير ويلز، آلبرت، (الملك إدوارد السابغ لاحقًا)، شاه إيران، دوق روسيا الكبير، نيكولاس. قام رجالٌ آخرون أقلّ ثروةّ بإفراغ أرصدتهم المصرفيّة، وجورجنز كان مجرّد أوّل رحل من سلسلة رجال دفعتهم أوتيرو إلى الانتحار.
خلال الحرب العالميّة الأولى، فاز جنديَّ أمريكيَّ يبلغ من العمر التاسعة والعشرين ويُدعى فريديريك بـ 37000 $ في لعبة قمار (تُلعّب بنردين) دامت أربعة أيّام. ذهب في لإجازته التالية إلى نيس حيث نزل في أفخم فندق. في أوّل ليلة له في مطعم الفندق، استطاع تمييز أوتيرو وهي تجلس لوحدها على طاولة. رآها وهي تؤدي عرضًا في باريس قبل عشر سنوات، فأصبح مهووسًا بها. كانت الآن في قرابة الخمسين من العمر، إلاّ أنّها كانت أكثر إغراءً من أيّ وقتٍ مضى. قام برشوة البعض كي يتمكّن من الجلوس على طاولتها. بالكاد استطاع التكلّم: الطريقة التي اخترقته بها عيناها، تعديٌل بسيطٌ في قعدتها، الطريقة التي احتكّ بها جسمها بجسمه أثناء قيامها، الطريقة التي تدبّرت فيها المشي أمامه وعرض نفسها. بعد ذلك، بينما كانا يتمشّيان في طريقهما على الجادّة، مرّا بمتجر مجوهرات. مضى إلى داخله، وبعد لحظات وجد نفسه وقد رمى بـ31000 $ ثمنًا لقلادة من الألماس. كانت أوتيرو له
.................................
ومن ثمّ التفتت إلى السيّدة التي كانت معها –صديقةٌ ما، على حدّ اعتقادي- وخاطبتها بالإنكليزّية، التي اعتقدت بأننّي لا أفهمها. إلاّ أنّني كنت أفهمها.» • «من يكون هذا الرجل الشديد الوسامة؟ سألت أوتيرو.» • «أجابت الأخرى، إنّه شيفاليير.» • «لديه عينان في غاية الجمال، قالت الجميلة، وهي تنظر إلّي مباشرةً، من الأعلى إلى الأسفل.» • «وبعدها كادت أن تطرحني أرضًا بصراحتها.» • «ُإنّي أتساءل فيما إ1ا كان يحبّ أن ينام معي. أظنّ أنّه يجب أن أسألهّ، إلاّ أنّها كانت أكثر فظاظةّ بكثير وأكثر مباشرةً من أن تقول ذلك بأسلوب ذي كياسة.» • «في تلك اللحظة كان عليّ أن أحسم أمري وعلى نحو سريع بعض الشيء. اتجّهت


لثلاث ليالٍ. يم يعشر في كلّ حياته بمثل هكذا رجولة واندفاع. بعد مرور سنوات من ذلك الوقت، كان لا يزال مؤمنًا بأنّها تستحق تمامًا الثمن الذي كان قد دفعه.
التفسير. بالرغم من أنّ أوتيرو الجميلة كانت جميلة، إلّا أنّ المئات من النساء كنّ أجمل منها، أو كنّ أكثر سحرًا وموهبةّ. لكنّ أوتيرو كانت دائمًا على نارٍ مضطرمة. استطاع الرجال قراءة هذا في عينيها، وفي الطريقة التي كان يتحرّك جسمها بها، وفي العديد من الإشارات الأخرى. الحرارة التي شعّت منها إلى الخارج كانت تنبع من رغباتها الداخليّة الخاصّة: كانت لا ترتوي من الجنس. لكنّها كانت أيضًا مومسًا خبيرةُ وماكرة، علمت كيف تفعّل شهوانيّتها بحيث تحقّق أثرًا. على المسرح كانت تبعث الحياة في كلّ رجل من الجمهور، وتنغمس في الرقصة. كشخص كانت أكثر فتورًا، أو باردةَّ بشكل طفيف. يحبّ الرجل أن يشعر بأنّ المرأة تتهيّج ليس بسبب أنّ لديها شهوةّ لا تشبع، وإنّما بسببه؛ لذا فإنّ أوتيرو شخصنت رغبتها، مستخدمةّ النظرات، واحتكاك البشرة، ونبرة صوتٍ مُتراخية ووهلة، وتعليقات راشحةً بالجنس، لتوحي بأنّ الرجل كان يرفع من حرارتها. كشفت في مذكرّاتها أنّ الأمير آلبرت كان عاشقًا غايةّ في العنانة. ومع ذلك فقد صدّق، من بين رجالٍ عديدين، أنّه كان هرّقل نفسه. في الواقع فإنّ شهوانيّتها كانت تنبع منها، لكنّها خلقت الوهم بأنّ الرجل كان البادئ.
المفتاح لاستدراج الهدف إلى الفصل الأخير من إغوائك لا يكون من خلال جعله واضحًا، أو أن تعلن أنّك جاهزٌ (أن تنقضّ أو يُنقَضَّ عليك). كلّ شيءٍ يجب أن يُهَيّأ، ليس بحيث يكون ملائمًا للعقل الواعي، وإنّما للحواسّ. فأنت تريد الهدف أن يقرأ الدلالات من جسمك وليس من كلماتك أو أفعالك. عليك أن تجعل جسدك يتوهّج بالرغبة- بالنسبة للهدف. يجب أن تُقرّاْ الرغبة التي لديك في عينيك، وفي رعشة صوتك، وفي ردّة فعلك عندما يتقارب جسدًا كما.
أنت لا تستطيع أن تمرّن جسدك على التصرّف بهذه الطريقة، لكن من
.............................
الجميلة نحوي. بدلًا من تقديم نفسي والاستسلام للعواقب، فقد تظاهرت بأنّني لم أفهم ما قالته، ودمدمت بضعة مجاملاتِ بالفرنسيّة وانسحبت إلى غرفة الملابس الخاصّة بي.» • «استطعت رؤية الجميلة وهي تبتسم بطريقة غريبة عندما تجاوزتها؛ مثل نمرةٍ ملساء تشاهد عشاءها يفلت منها. ظننت للحظة عابرةٍ أنّها قد تلتفت وتلحق بي.» • ماذا كان سيفعل شيفاليير لو أنّها لاحقته؟ تدلّت شفته السفلى مشكّلة نصف التبويزة تلك، التي تعود حصرًا للفرنسيّين. وبعد ذلك ابتسم ابتسامةّ عريضة. • «كنت سأبطئ وأدعها تبلغني.»
- آرثر إتش. لويس، أوتيرو الجميلة.
أنت تتوقّعين منّي بتلهّف أن أرافقك/


خلال اختيار ضحيّة (أنظر الفصل 1) تتمتّع بهذا التأثير عليك، فإنّ كل الدلالات سوف تتدفّق بشكل طبيعي. خلال الإغواء، كان قد توجّب عليك أن تكبح نفسك، وأن تأسُر اهتمام الضحيّة وتحبطها. ستكون قد أحبطت نفسك خلال العمليّة، وبلغ الشوق فيك مداه في ذلك الحين. بمجرّد ما تشعر أنّ الهدف قد تُيَّم بك ولا يستطيع الرجوع، أترك تلك الرغبات المُحبطَة تسري في دمك كي تدفّئك وتنفخ فيك الحياة. أنت لست مضطرّاً لأن تلمس هدفك، أو تتحرّش به. كما فهمت أوتيرو الجميلة، فإن الرغبة الجنسيّة مُعدِية. سيلتقطون حرارتك ويتوهَجون بدورهم. دعهم يقومون بالخطوة الأولى. هذا سيخفي ما قمت به من مناورات. الخطوة الثانية والثالثة لك.
هجّئ كلمة الجنس بحروفٍ كبيرة عندما تتحدّث عن أوتيرو فهي تنضج به.
- موريس شيفاليير
تخفيض الموانع
ذات يوم من عام 1931، في قرية في غينيا الجديدة، وصلت أخبارٌ طيبّة إلى مسمع فتاة يافعة تُدعى توبرسيلاي: أبوها، آلمان، الذي كان قد غادر قبل عدّة أشهر ليعمل في مزرعة تبغ، رجع بقصد الزيارة. هُرعَت توبرسيلاي لتستقبله. كان يرافق أباها رجلٌ أبيض، وهذا منظرٌ غير مألوف في تلك المناطق. كان أستراليّاً من جزيرة تاسمانيا، يبلغ من العمر الثانية والعشرين، وكان مالكًا للمزرعة واسمه إيرول فلين.
ابتسم فلين بدفء لتوبرسيلاي، وبدا مهتمّاً بشكل خاصّ بنهديها العاريين. (ارتدت تنّورةّ من الأعشاب؛ لماّ كان ذلك الزيّ السائد في غينيا الجديدة في ذلك الوقت.) قال بإنكليزيّة مبسّطة أنّها كانت جميلةّ جدّاً، وظلّ يردّد اسمها الذي لفظه بشكلٍ جيّد لدرجةٍ لافتة. لم يزُد على ذلك
.......................................
إلى الحفلات: اسأليني النصح هنا أيضًا. / صلي متأخّرة، قومي بدخول رشيق عندما تُضاء المصابيح - / التأخير يزيد السحر، التأخير هو كمومس عظيمة. / قد تكونين قبيحةّ، لكنّك ستبدين جميلةّ في نظر السكارى: / الأضواء الخافتة والظلال ستغطّي عيوبك. / تناولي طعامك بأصابع تيّقة: فعادات الطاولة الجيّدة تهمّ: / لا تلطّخي كامل وجهك بيد ملوّثة بالشحم. / لا تأكلي في البيت قبل أن تأتي، وتلوكي مصغّرة لقمتك- لكن على نحو مكافئ، لا تشبعي شهوتك بالطعام إلى أقصى حدّ، اتركي شيئًا في الصحن. / لو أنّ باريس رأى هيلين وهي تأكل حتّى التخمة/ لكرهها، وشعر أنّ اختطافها كان/ خطأ غبيّاً ... / يجب على كلّ امرأة أن


كثيرًا، لكن ضع في ذهنك أنّه لم يكن يتكلّم لغتها. لذا ودّعته ومضت مع أبيها. لكن ويا للهول، فقد اكتشفت في وقت لاحق من ذلك أنّ السيّد فلين كان قد وُلع بها فاشتراها من أبيها مقابل خنزيرين، بضعة جنيهات أسترلينيّة، وقليلٌ من صدف البحر (الذي كان يُستخَدم كّمال.) الأسرة كانت فقيرة وراق السعر للأب. كان لتوبرسيلاي خليلٌ في القرية لم تكن تريد أن تتركه، لكنّها لم تكن لتجرؤ على أن تعصي والدها. من ناحية أخرى، فلم يكن في نيّتها أن تكون ودودة مع هذا الرجل الذي توقّعت منه أسوأ معاملة.
في الأيّام الأولى القليلة التي تلت، افتقدت توبرسيلاي قريتها بصورة مرعبة، وشعرت بالعبيّة وتعكّر المزاج. لكنّ السيّد فلين كان مهذّبًا، وتكلّم بلهجة تضمينيّة. أخذت تتحرّر من التوتّر، وارتأت أنّه كان من الأمن الاقتراب منه نظرًا لكونه حافظ على مسافة فاصلة. كانت بشرته لذيذةّ بالنسبة للبعوض، لذا بدأت بدهنه يوميّاً بأعشاب دغليّة فوّاحة الرائحة لإبقائهم بعيدًا. خطرت لها فكرة بعد ذلك بفترة قصيرة: السيّد فلين كان وحيدًا، ويريد رفيقًا. وذلك كان سبب إحضاره لها. كان يقرأ في الليل عادةً؛ عوضاَّ عن ذلك، صارت تسلّيه بالغناء والرقص. في بعض الأحيان كان يحاول أن يتواصل بالكلمات والإيماءات، فلا تسعفه الإنكليزيّة المبسّطة. لم يكن لديها فكرةٌ عمّا كان يحاول قوله، لكنّه جعلها تضحك. وذات يوم فهمت شيئًا: كلمة «يسبح.» كان يدعوها للسباحة معه في نهر لالو كي. كانت سعيدةّ بمسايرته، لكنّ النهر كان مليئًا بالتماسيح، لذا قامت بإحضار رمحها من باب الاحتياط.
لدى رؤية النهر، بدا أنّ السيّد فلين قد انبعث فيه الحياة- إذ مزّق ثيابه وغطس. تبعته وسبحت وراءه. وضع ذراعيه حولها وقبّلها. انجرفا مع التيّار، حيث تشبّثت به. كانت قد نسيت بشأن التماسيح؛ كما قد نسيت بشأن أبيها، خليلها، قريتها، وكلّ شيء آخر هناك كان بحكم المنّسي. عند منعطف في النهر، قام بحملها إلى غيضة (أيكة) معزولة بقرب النهر. كلّ شيء حدث بشكل مفاجئ نوعًا ما، الأمر الذي كان مناسبًا لتوبرسيلاي. من ذلك الحين فصاعدًا كان هذا طقسًا يوميّاً- النهر، الغيضة- إلى أن جاء
..................................
تعرف نفسها، وتختار طرقاّ / لتكسو جسدها: موضةٌ واحدةٌ لن تلائم الجميع. / دع الفتاة ذات الوجه الجميل تستلقي على ظهرها، دع السيّدة/ التي تتباهى بمؤخّرة جميلة تُرى/ من الخلف. حمل ميلانيون ساقي أتلانتا على/ كتفيه: الساقين الجميلتين يجب دائمًا أن تُستخَدما بهذه الطريقة/ حريٌّ بالمرأة صغيرة الحجم أن تمتطي حصانًا (أندروماك، عروس هيكتور/ الشيبّية، كانت أطول من أن تقوم بهذه الألعاب: لم تكن فارسةّ)؛ / إذا كانت بنيتك كعارضة ازياء، ذات قوام ممشوق، / فاجثي إذن على السرير، واثني/ عنقك بعض الشيء؛ المرأة التي لديها ساقان مثاليّتان وصدٌر مثاليّ/ يجب أن تستلقي على جنبها، وتجعل حبيبها يقف. / لا تخجلي من


الوقت الذي لم تَعُد فيه مزرعة التبغ تدرّ كما ينبغي، ممّا اضطرّ السيّد فلين لمغادرة غينيا الجديدة.
ذات يوم بعد حوالي عشرة سنوات من ذلك، ذهبت فتاةٌ يافعة تُدعى بلانكا روزا ولتر إلى حفلة في فندق ريتز في مدينة مكسيكو. بينما كانت تتجوّل في البار باحثةّ عن أصدقائها، اعترض رجلٌ طويلٌ أكبر سنًاّ طريقها وقال بنبرة ساحرة، «لا بدّ أنّك بلانكا روزا.» كان بغنى عن التعريف بنفسه- فقد كان ممثّل هوليوود المشهور إيرول فلين. وجهه كان مُلصَقاْ على الإعلانات في كلّ مكان، وصديقًا لمضيفي الحفلة. الزوجان دايفيس، وكان قد سمعهما وهما يثنيان على جمال بلانكا روزا، التي كانت ستبلغ الثامنة عشرة في اليوم التالي. أخذها إلى طاولة في الزاوية. أسلوبه كان لبقًا وواثقًا، وباستماعها إليه نسيت بشأن أصدقائها. تكلّم عن جمالها، كرّر اسمها، قال أنّه يستطيع أن يجعلها نجمة. قبل أن تدري ما كان يحدث، كان قد دعاها للانضمام إليه في أكابولكو، حيث كان يمضي إجازته. الزوجان دايفيس، صديقيهما المشتركين، كان يمكنهم الانضمام بوصفهم مرافقين مشرفين. قالت أنّ ذلك سيكون رائعًا، إلاّ أنّ أمّها لن توافق أبدًا. لا تقلقي بشأن ذلك ردّ فلين؛ وفي اليوم التالي ظهر في منزلهم وبحوزته هديّةٌ جميلةٌ لبلانكا، خاتمٌ مع جوهرة مولدها (حجر كرم بينه وبين الشهر الذي وُلد فيه صاحبه ارتباطٌ رمزيّ ويُعتَقَد بأنّه يحمل الحظّ السعيد له: المترجم.) وافقت أمّها على خطّته بعد أن وقعت تحت سحر ابتسامته التي تذيب القلوب. في وقت لاحق من ذلك اليوم، وجدت بلانكا نفسها على متن طائرة تتجّه نحو أكابولكو. كان الأمر برمّته بمثابة حلم.
آل دايفيس، بتوجيه من أمّ بلانكا، حاولا ألاّ تغيب بلانكا عن نظرهم، لذا وضعها فلين عل متن طوف خشبيّ وتوجّها إلى قلب المحيط، بعيدًا عن الشاطئ. كلماته المطرية ملأت أذنيها، وتركته يمسك يدها ويقبّل خدّها. رقصا سويّة في تلك الليلة، ورافقها إلى غرفتها عندما انتهت وودّعها بسيريناد (لحنٌ يُغَنّي ليلًا في الهواء الطلق وبخاصّة من قبل عاشق) عندما افترقا أخيرًا. لقد كانت نهاية يوم رائع. استيقظت في منتصف الليل لتسمعه وهو يناديها من شرفة فندقها. كّيف وصل إلى هناك؟ غرفته كانت أعلى
..............................
فلت شعرك مثل امرأة قاصفة منتشية/وألقاء ضفائر طويلة حول/ عنقك المكشوف.
- أوفيد، فن الحب، ترجمة بيتر غرين.
«كيف تجذبين الرجل.» سألت مراسلة جريدة أفتونبلادت الستوكهوليّة في باريس، الجميلة (أوتيرو) في 3 تموز، من عام 1910. • «أجعلي نفسك أنثويّة قدر المستطاع؛ البسي بحيث تركّين على الأجزاء الأكثر إثارة من جسدك؛ ودعي الرجال بطريقة خفيّة يعلمون بأنّك مستعدّةٌ للاستسلام في الوقت المناسب ...» • «طريقة أسر اهتمام الرجل» باحّت أوتيرو بعد ذلك بقليل لكاتبة مساعدة من جريدة الصباح الواقعة في جوهانسبورغ، «تكون من خلال مواصلة التصرّف في


بطابق؛ لا بدّ وأنّه قفز بطريقة ما أو تدلّى على حبل، الأمر الذي كان يشكّل حركة خطيرة. دنت، بدافع الفضول، وليس بدافع الخوف مطلقًا، شدّها برفق إلى صدره واحاطها بذراعيه وقبّلها. انتفض جسدها الذي اجتاحته أحاسيسٌ جديدة، وصارت تبكي نتيجةَّ لاضطرابها- وقالت أنّ ذلك كان بسبب السعادة. طمأنها فلين بقبلة وعاد إلى غرفته في الأعلى، وبنفس الطريقة غير القابلة للتفسير التي وصل بها. الآن كانت بلانكا واقعةَّ في حبّه بشكل يائس ومستعدّة لفعل أيّ شيء يطلبه منها. في الحقيقة فقد تبعته إلى هوليوود حيث مضت لتصبح ممثّلة ناجحة، معروفةَّ باسم ليندا كريستيان.
في عام 1942، حصلت فتاةٌ تبلغ من العمر الثامنة عشرة واسمها نورا إيدينغتون على عمل مؤقّت كبائعة للسجائر في دار عدل مقاطعة لوسي آنجلس. كانت المحكمة أشيه بمستشفى للمجانين في ذلك الوقت، إذ كانت تعجّ بصحفيّي الصحف المصغّرة (التي تركّز على القصص التي تُحدث صدمة): كانت فتاتان قد اتّهمتا إيرول فلين بالاغتصاب. بالطبع كانت نورا قد لاحظت فلين، الرجل الطويل والجريء الذي كان يشتري منها السجائر بين الحين والآخر، لكنّ أفكارها كانت عند خليلها البحّار. بُرَّئ فلين بعد عدّة أسابيع، وانتهت المحاكمة، وهدأ المكان. ذات يوم ناداها رجل كانت قد التقت به أثناء المحكمة: لقد كان اليد اليمنى لفلين، وأراد أن يدعوها بالنيابة عن فلين إلى منزل الممثّل الواقع في جادّة مولهولاّند. لم تكن نورا مهتمةّ بفلين، وفي الواقع فقد كانت خائفة منه بعض الشيء، لكنّ صديقتها التي كانت مستميتةّ للقائه أقنعتها بالذهاب وبإحضارها معها. ما الذي كان لديها لتخسره؟ وافقت نورا على الذهاب. في ذلك اليوم، قدم صديق فلين وأخذهم في السيارة إلى منزل رائع على قمّة هضبة. عندما وصلتا، كان فلين يقف عاري الصدر بقرب مسبحه. أتى ليرحّب بها وبصديقتها، ماشيًا بأسلوب في غاية السلاسة- كقطّةٍ رشيقة- ومتصرّفاَّ بطريقة في غاية الاسترخاء، فشعرت بأنّ نرفزتها تتلاشى. طاف بهم في أرجاء المنزل الذي كان مليئًا بالتحف التي جمعها في رحلاته البحريّة العديدة. تكلّم بابتهاج شديد عن حبّه للمغامرة لدرجة تمنّت معها لو أنّه كان لديها مغامراتها الخاصّة. كان مثال الرجل الراقي، حتّى أنّه تركها تتكلّم عن خليلها دون أن تبدو عليه أدنى أمارات الغيرة.
.....................................
كلّ مرّة تلتقينه فيها وكأنّ حماسًا جديدًا قد اجتاحك، ومن خلال انتظار اندفاعه وطيشه بتلهّف يكاد يكون منفلتًا».
- آرثر إتش. لويس، أوتيرو الجميلة.
«افتقدت إلى التحفيز العقليّ عندما كنت أصغر سنّاً،» أجاب. «لكن من الوقت الذي بدأت فيه بالحصول على النساء على أساس متتالٍ، إذا قلنا، فقد اكتشفت أنّ الشيء الوحيد الذي تحتاجه أو تريده أو يجدر بك أن تتمتّع به هو الشيء المادّي أو الجسدي الصرف. الجسدي ببساطة. دون عقل على الإطلاق. عقلّ المرأة سوف يعترض الطريق.» • «حقّاً؟» • «بالنسبة لي ... أنا أتكلّم عن نفسي. لا أتكلّم عن جنس الرجال. أننّي أتكلّم عمّا أحتاج: الجسم، الوجه، الحركة الجسديّة، الصوت،


حظيت نورا بزيارة من خليلها في اليوم التالي. بطريقة ما لم يعد يبدو أنّه مثيرٌ للاهتمام بعد الآن؛ تشاجرا وانفصلا على الفور. أخذها فلين في تلك الليلة إلى البلدة، إلى نادي مو كامبو الليلي الشهير. كان يشرب ويمازح، فانتقلت العدوى إليها، وتركته يلمس يدها بسرور. بعد ذلك اعتراها الهلع وبشكل مفاجئ. وقالت دون تفكير، «أنا كاثوليكيّة وعذراء، وسأتزوّج ذات يوم في الكنيسة وأنا مرتدية الخمار- وإذا تعتقد بأنّك سوف تنام معي فأنت مخطئ.» ظلّ فلين هادئًا ومتّزنًا، وقال أنّه لم يكن لديها شيءّ لتخاف منه. هو ببساطة يحبّ أن يكون معها. استرخت، وطلبت منه بأدب أن يُرجع يده. صارت تراه بشكل شبه يوميّ في الأسابيع القليلة التي تلت. أصبحت سكرتيرته. بعد ذلك بفترة قصيرة صارت تقضي ليالي نهايات الأسبوع في منزله المخصّص للضيوف. أخدها في رحلات تزلّج وركوب زوارق. ظلّ مثال الرجل الراقي، لكنّه عندما كان ينظر إليها أو يلّمس يدها فإنّ إحساسًا بالسعادة والإثارة كان يغمرها، فتشعر بدغدغة في بشرتها شبّهتها بالوقوف تحت دشَّ بارد لدرجة الوخز في يوم قائظ. سرعات ما صارت تردّداتها إلى الكنيسة أقلّ تواترًا، وأخذت تنجرف بعيدًا عن الحياة التي عرفت. بالرّغم من أنّ شيئًا لم يتغيّر في الظاهر، إلا أنّ كلّ أشكال مقاومتها له كانت قد تلاشت باطنيًا. ذات ليلة، إثر حفلة، استسلمت. هي وفلين ارتبطا في زواجٍ عاصف دام عدّة سنوات.
التفسير. النساء اللواتي أقمن علاقةً مع إيرول فلين (ولدى نهاية حياته قُدَّر عددهنّ بالآلاف) كان لديهنّ عددٌ لا يُحصى من الأسباب التي تدفعهنّ للشعور نحوه بالارتياب: كان أقرب شيء في الحياة الواقعيّة إلى الدونجوان. (في الواقع كان قد لعب دور المغوي الأسطوري في فيلم.) كان محاطًا بالنساء دائمًا. واللواتي عرفن أنّه لا يمكن لعلاقةِ معه أن تستمرّ. علاوةً على ذلك فقد سرت شائعاتَّ عن كونه انفعاليّاً، وعن حبّه للخطر والمغامرة. لم يكن لدى امرأةِ أسبابٌ أوجه لمقاومته من تلك التي كانت لدى نورا إيدينغتون: عندما التقته كان متّهمًا بالاغتصاب؛ كانت على علاقةٍ مع رجلٍ آخر؛ وكانت كاثوليكيّةَّ تخاف الله. ومع ذلك فقد وقعت تحت
.......................................
الأنثويّة، الحضور الأنثوي ... كليّاً عن ذلك، ولا شيء آخر. ذلك هو الأفضل. لا يوجد نزعةّ للتملّك في ذلك.» • راقبته عن كثب. • «أنا جدّي،» قال هو. «ذلك هو منظوري وشعوري. مجرّد الأنثى الجسديّة الأوّلية. لا شيء أكثر من ذلك. عندما تحصل على ذلك- تمسّك به، لفترة قصيرة.»
- إيرل كونراد، إيرول فلين: مذكّرات.
عدم انتظام خفيف في الثياب/ يُشعل في الثياب شهوانيّة: / شالّ حول الكنفين مرمِّي/ بحيث يلهي بشكل محبب: رباط حذاء غير مشدود، سوف يفتن غطاء البطن القرمزيّ: طرف كمَّ مثنيَّ بإهمال، وفيما يتّصل بذلك/ أشرطةّ ثائرة: / موجة ظافرة (تستحق الملاحظة) / في تنّورة عاصفة: /


سحره، تمامًا كالبقيّة. بعض المغوين –دي. إتش. لورنس على سبيل المثال- يعملون على العقل في المقام الأوّل، فيخلقون الافتتان، ويحرّكون الحاجة لامتلاكهم. عمل فلين على الجسد. سلوكه الهادئ ورابط الجأش كان يعدي النساء، فتنخفض مقاومتهم. كان هذا يحصل تقريبًا في لحظة لقائهم به، كالمخدّر: كان مرتاحًا مع النساء، لبقًا وواثقًا. كانوا يقعون في غرام هذه الشخصيّة، وينساقون مع التيّار الذي خلقه، فيتركون وراءهم العالم وكابته –لم يكن هنالك سوى أنت وهو. بعدئذ- ربمّا في نفس اليوم، ربمّا بعد بضعة أسابيع- كانت تأتي لمسةٌ من يده، نظرةٌ معيّنة، من شأنها أن تشعرهم بالقشعريرة والدغدغة وبإثارة جسديّة كبيرة. تلك اللحظة كانت تتكشّف من خلال أعينهم، أو من خلال احمرارهم خجلًا والضحك بشكل عصبيّ، وعندها كان ينقضّ ليضرب الضربة القاضية. لم يكن أحد يتحرّك أسرع من إيرول فلين.
أكبر عائق أمام الجانب المادّي من الإغواء هو الدرجة التعليميّة للهدف، أي درجة التمدّن والتأهيل الاجتماعي التي وصل إليها. هذا التعليم يتأمر لكبح الجسد وتبليد الحواسّ وملأ العقل بالشكوك والمخاوف. كان فلين يتمتّع بالقدرة على إرجاع المرأة إلى حالةٍ أكثر طبيعيّة، حيث لا تقترن الرغبة، اللذة، والجنس بأيّ شيء سلبيَّ. استدرجَ النساء نحو المغامرة، ليس من خلال الحجج وإنّما من خلال موقف منفتح أعدى عقولهنّ. أفهم: كلّ شيء يبدأ من عندك. عندما يحين الوقت لجعل الإغواء جنسيّاً، درّب نفسك على التخلّي عن كوابحك وشكوكك ومشاعر الذنب والقلق المتبقّية لديك. ثقتك وانشراحك ستتمتّعان بالقدرة على إسكار ضحيّتك أكثر من كل الكحول الذي تستطيع استعماله. أظهِر خفّة الروح –فلا شيء يضايقك، ولا شيء يثبّط همّتك، ولا تأخذ شيئًا على محملٍ شخصيّ. أنت تدعو أهدافك لأن يرموا أحمال الحضارة والمدنيّة الخاصّة بهم، وأن يتبعوا قيادتك وينساقوا لك. لا تتكلّم عن العمل، الواجب، الزواج، الماضي أو المستقبل. الكثير من الناس الآخرين سوف يقومون بهذا. بدلًا من ذلك، قدّم الإثارة النادرة المتأتيّة من فقدان المرء لنفسه في اللحظة (توهانه فيها)، حيث تندفع الحواسّ وتترك العقل وراءها.
....................................
شريط حذاء لا مبالي، والذي في ربطه/ أرى كياسةً جامحةّ: / يخبلون لتبي، أكثر من عندما يكون الفنّ دقيقًا جدّاً في جميع أوجهه.
- روبرت هيريك، البهجة في الفوضى،» مقتبس في أشعار شهوانّية، تحرير بيتر واشنطن.
ساتني، ابن الفرعون يوزيمارس، رأى امرأةّ جميلةّ جدّاً على صخور المعبد المسطّحة. استدعى خادمه، وقال، «أذهب وأخبرها أنّني، ابن فرعون، سأعطيها عشر قطع من الذهب لتمضي ساعةً معي.» «أنا طاهرة، ولست شخصًا وضيعًا،» أجابت السيّدة ثبوبت. «إذا كنت تريد أن تحصل على لذّتك معي، فعليك أن تأتي إلى منزلي في بوباستيس. سيكون كلّ شيء جاهزًا هناك.» مضى ساتني


عندما قبّلني، فقد أثارت قبلته استجابةّ لم أكن قد عرفتها من قبل، دوارّ أصاب كلّ حواسّي. لقد كان فرحًا فطريًا لم يجدِ إزاءه نفعًا إنذار أو رقيب المنطق الذي في داخلي. لقد كان فرحًا جديدًا ولا يمكن مقاومته وفي آخر الأمر مستبدّاً. الإغواء –الكلمة تعني ضمنًا أن تُقاد- وبشكل في غاية الرقّة وفي غاية الحنان.
- ليندا كريستيان
المفاتيح للإغواء
في هذه الأيّام وأكثر من أيّ وقت مضى، فإنّ عقولنا في حالة تشتّت مستمرّ، إذ تُقذَف بوابل لا نهاية له من المعلومات، وتُسحَب في جميع الاتّجاهات. الكثيرون منّا أدركوا المشكلة: فالمقالات تُكتّب، والدراسات تُنجَز، إلاّ أنّها ببساطة تصبح معلومات إضافيّةَّ يجب استيعابها. من شبه المستحيل أن توقف عقلًا مفرط النشاط عن العمل؛ فالمحاولة تُطلِق ببساطة شرارةً لأفكار إضافيّة- كقاعة مرايا لا يمكن الفرار منها. قد نلجأ للكحول، للمخدّرات، للأنشطة الجسمانيّة- أيّ شيءٍ من شأنه أن يساعد على إبطاء الوتيرة الذهنيّة، وجعلنا أكثر حضورًا في اللحظة الراهنة. عدم رضانا يمنح المغوي البارع فرصًا غير متناهية. المياه من حولك تعجّ بالناس الذين يبحثون عن نوع ما من الانعتاق من التحفيز الفكري المفرط. الإغراء باللذة الجسديّة غير المقيّدة سيجعلهم يبتلعون الطعم، لكنّك أثناء طوافك بحثًا عن فريسة يجب أن تفهم شيئًا: السبيل الأوحد لإراحة عقلٍ مشتّت الانتباه هو أن تجعله يركّز على شيء واحد. يطلب المنوّم المغناطيسي من المريض أن يركّز على ساعة بينما يلوّح بها جيئةَّ وذهابًا. ما إن يركّز المريض، حتّى يسترخي الذهن وتستيقظ الحواسّ، فيصبح الجسم عرضةً لكلّ أنواع الاحساسات والايحاءات الجديدة. بضفتك مغو، فأنت منوّمٌ مغناطيسيّ، والشيء الذي تجعل الهدف يركّز عليه هو أنت.
خلال العمليّة الإغوائيّة كنت تعبّئ ذهن الهدف. الرسائل، التذكارات، والخبرات المشتركة تبقيك حاضرًا على الدوام، حتّى عندما
.................................
إلى بوباستيس بواسطة القارب. «أستحلفك بحياتي،» قالت ثبويت، «أن تصعد إلى الطابق العلويّ معي.» في الطابق العلويّ المغطّى باللازورد والفيروز، رأى ساتني عدّة أسرّة مغطّاة ببياضات فخمة والعديد من الزبزيّات على طاولة. «قالت ثبويت. «ليس هذا ما جئت لفعله،» اجاب ساتني، بينما كان العبيد يضعون خشبًا عطريًا على الخشب وينثرون العطر في أرجاء المكان. «أفعلي ذاك الذي جئنا من أجله،» كرّر ساتني. «أوّلًا عليك أن تفعل شيئًا من أجل المحافظة عليّ» ردّت ثبويت، «وستعيّن لي كتابةّ مهرًا قوامه كلّ الأشياء والسلع التي تعود إليك.» أذعن ساتني، قائلًا، «أحضري لي مخطاط المدرسة.» • عندما قعل ما طلبته منه، نهضت ثبويت وارتدت رداءّ من


لا تكون هناك. الآن، بينما تنتقل إلى الجانب الجسدي من الإغواء، يتوجّب عليك أن ترى أهدافك أكثر. يجب أن يكون اهتمامك أكثر تركيزًا. إيرول فلين كان أستاذًا في هذه اللعبة. عندما كان يحطّ على الضحيّة (كما تحظّ النحلة على الرحيق)، فإنّه كان يتخلّى عن كلّ شيءٍ آخر. كان يجعل المرأة تشعر بأنّ كلّ شيءٍ يحلّ في المرتبة الثانية مقارنةُ بها –عمله، أصدقاؤه، كلّ شيء. بعدئذٍ كان يأخذها في رحلة قصيرة، ومن الأفضل أن تكون المياه على مقربة. سرعان ما كانت بقيّة العالم تتلاشى وتختفي بعيدًا عن الأضواء، فيحين يأخذ الاهتمام ينصبّ على فلين. كلّما ازداد تفكير أهدافك بك، حفّ انصرافهم للأفكار المتعلّقة بالعمل والواجب. العقل يسترخي عندما يركّز على شيء واحد، وعندما يسترخي العقل، فإنّ جميع الأفكار التافهة التي تترافق مع الإحساس بالاضطهاد والميل للشّك بالآخرين والتي نحن عرضة لها- هل أنت تجبّني حقّاً، هل أنا ذكيّ أو جميلة بما فيه الكفاية، ماذا يخبّى المستقبل- تختفي من الواجهة. تذكّر: كلّ شيءٍ يبدأ بك. كن غير مشتّت الانتباه، وحاضرًا في اللحظة الراهنة، وسيحذو الهدف حذوك. التحديقة المركّزة للمنوّم المغناطيسي تخلق ردّة فعلٍ مشابهة عند المريض.
ما إن يبدأ عقل الهدف المفرط النشاط بإبطاء وتيرته، حتّى تنبعث الحياة في حواسّهم، وتتضاعف قوّة إغراءاتك الماديّة. الآن فإنّ نظرةً خاطفةْ ساخنة سوف تجعلهم يحمرّون خجلًا. سيكون لديك نزوعٌ لأن توظّف الإغراءات الماديّة التي تعمل في المقام الأوّل على حاسّة النظر، وهي أكثر حاسّة نعتمد عليها في ثقافتنا. المظاهر الجسديّة تلعب دورًا حاسمًا، لكنّك تسعى وراء تهيّج عامُّ للحواسّ. حرصت أوتيرو الجميلة على أن تجعل الرجال يلاحظون ثدييهاّ، شكل جسمها، عطرها، مشيتها؛ لم يكن يُسمّح بجزءٍ بأن يطغى. الحواسُّ متّصلةٌ فيما بينها- ما يروق لحاسّة الشم سوف ينبّه حاسّة اللمس، وما يروق للّمس سوف يثير البصر: احتكاكٌ عرضيّ أو «غير مقصود» - تلامس البشرة برفق هذه المرحلة يكون أفضل من شيء آخر أكثر قوّة- سوف يخلق رجّةَّ ويثير العينين. عدّل طبقة الصوت بشكل خفيّ، جاعلًا إيّاها أبطأ وأعمق. الحواسّ النشطة سوف تقصى التفكير العقلاني.
في رواية العقل والقلب المتمرّدين الإباحيّة التي ألّفها كريبيليون فيلز في القرن الثامن عشر، تحاول المدام دي لورساي أن تغوي شابّاً أصغر سنّاً،
...............................
الكتان الناعم الذي استطاع ساتني من خلاله أن يتبيّن كلّ أوصالها. ازداد شغفه، لكنّها قالت، «إذا كان صحيحًا أنّك تريد أن تقضي وطرك منّي، فعليك أن تجعل أطفالك يقرّون على صنيعي، فلا يجوز لهم أن يلتمسوا الشجار مع أطفالي.» أرسل ساتني من يستدعي أولاده. «إذا كان صحيحًا أنّك تريد أن تقضي وطرك منّي، فعليك أن تسبّب مقتل أطفالك، فلا يمكنهم أن يلتمسوا الشجار مع أطفالي.» وافق ساتني مرّة أخرى: «دعي أيّ جريمة يتمنّاها قلبك تحصل لهم.» أذهب إلى تلك الغرفة،» فالت ثبويت؛ وبينما كانت الجثث الصغيرة تُرمى خارجًا للكلاب والقطط الضاّلة، فقد تمدّد ساتني أخيرًا على سرير من العاج والأبنوس، عسى أن يُكافأ حبّه، وتمدّدت ثبويت بجانبه.


ميليكور. أسلحتها متعدّدة. ذات ليلة في حفلة تستضيفها، تقوم بارتداء ثوب يُظهر مفاتن الجسد؛ يكون شعرها شّعثاّ بعض الشيء؛ ترميه بنظرات ساخنة، يرتعش صوتها قليلًا. عندما يكونان لوحدهما، تحمله براءة على الجلوس بجانبها، وتتكلّم بشكل أبطأ؛ وفي لحظة معينّة تبدأ بالبكاء. ميليكور لديه العديد من الأسباب لمقاومتها؛ إذ كان واقعًا في حبّ فتاةٍ في مثل سنّه، وكان قد سمع لإشاعات عن المدام دي لورساي من شأنها أن تجعله لا يثق بها. لكنّ الثياب، النظرات، العطر، الصوت، قرب جسدها، الدموع –كلّها مجتمع أخذت تجتاحه وتعمره. «اهتياجٌ لا يمكن وصفه أثار حواسّي.» استسلم ميليكور.
فاسقو (خليعو) القرن الثامن عشر الفرنسيّين دعوا هذا بـ«اللحظة.» المغوي يقود الضحيّة إلى نقطة تُظهر أو يُظهر فيها علامات لا إراديّة للاستثارة الجسديّة التي يمكن أن تُقرَأ من خلال عوارض متنوّعة. يجب على المغوي أن يعمل بسرعة ما إن تُستَبيَن تلك الإشارات، فيطبّق ضغطًا على الهدف كي يجعله يتوه في اللحظة –الماضي، المستقبل، كلّ الاعتبارات الأخلاقيّة المقيَّدة تتبخٌر في الهواء. ما إن تتوه ضحاياك في اللحظة، حتّى ينتهي كلّ شيء- عقلهم وضميرهم لا يعودان يكبحانهم بعد الآن. يستسلم الجسد للمتعة. استدرجت المدام دي لورساي ميليكور إلى اللحظة من خلال خلق فوضى معمّمة للحواسّ، فجعلته غير قادر على التفكير بشكل سليم.
لدى قيادتك لأهدافك إلى اللحظة، تذكّر بضعة أشياء. أوّلًا، المظهر غير المرتّب (شعر المدام دي لورساي الأشعث، ثيابها المجعّدة) لديه أثرٌ أكبر علة الحواسّ من المظهر الأنيق. فهو يوحي بغرفة النوم. ثانيًا، كن متنبّهًا لعلامات الإثارة الجسديّة. التورّد، رعشة الصوت، الدموع، الضحك الأقوى من المعتاد، حركات جسديّة تتّسم بالاسترخاء (أيّ نوع من التقليد اللاإرادي، كأن تحاكي إيماءاتهم إيماءاتك)، زلّة لسان كاشفة- هذه هي العلامات الداّلة على أن الضحيّة تنساب إلى اللحظة، والضغط يجب أن يُطَبّق.
في عام 1943، لاعب كرة قدم صينيّ يُدعى «لي» التقى في شانغهاي بممثّلة شابّة تُدعى لان بينع. بدأ يراها بشكل متكرّر في مبارياته هي تهتف
..................................
«إذن،» تقول النصوص بتواضع، «السحر والإله أمون فعلا الكثير.» • لا بدّ أنّ مفاتن النساء الكهنونيّات كانت لا تقاوّم، إذا كان حتّى «أكثر الرجال حكمةُ» مستعدّون لفعل كلّ شيء ترغبن به من أجلّ أن يُسلموا أنفسهم، ولو للحظات قليلة، لعناقاتهن المُتدّرّب عليها.
- جاي. آر. تابوي، الحياة الخاصة لتوت عنخ آمون، ترجمة إم. آر. دوبي.
سيلي: ما هي اللحظة، وكيف تعرّفها؟ لأنّه ينبغي لي أن أقرّ وبمنتهى الصراحة بأنّني لا أفهمك. •الدوق: نزعةٌ معيّنةٌ للحواسّ، غير متوقّعة بقدر ما هي لا إراديّة، والتي يمكن للمرأة أن تخفيها، لكن التي أكان قد تمّ إدراكها أو الإحساس بها من قبل شخص ما قد يستفيد منها، تضعها


له. كانا يلتقيان في المناسبات العامّة، وكان يلاحظ كيف كانت تنظر إليه «بعينيها التوّاقتين والغريبتين،» ثمّ تشيح بناظريها. ذات ليلة وجدها جالسةّ بقربه في حفل استقبال. لامست ساقها ساقه. دردشا، ودعته لأن يحضر فيلمً