Advertisement

دراسات في النفس الإنسانية










دراسات
في النفس الإنسانية


للشيخ
محمد قطب


مقدمة
في كتاب الله دعوة صريحة إلى التأمل في "النفس الإنسانية" وما تنطوي عليه من أسرار وآيات:
"وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ".
"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ...".
والكتاب حافل بالآيات التي تصف النفس الإنسانية في مختلف حالاتها: سوية وشاذة، صاعدة وهابطة، خيّرة وشريرة، مقبلة ومعرضة، مؤمنة وكافرة، لاصقة بالطين أو مرفرفة في عالم النور:
"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا".
"إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ".
"وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً".
"وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ".
"وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ"..
"وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ"..
"وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ"!
"وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً".
"وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ".
"وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً".
"وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ".
"وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ"..
والذي يتحدث عن النفس الإنسانية في القرآن هو خالقها العليم بأسرارها وخفاياها:
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ".
"أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"؟
ولقد خطر لي يوماً –وأنا في مبتدأ دراستي للقرآن وللإسلام- أن للإسلام نظرية معينة في النفس الإنسانية، تنبني عليها كل توجيهاته وتشريعاته، وطريقة معالجته لهذه النفس، وطريقة تربيتها وتقويمها؛ وأن هذه النظرية لا بد أن تكون موجودة في القرآن. أو في القرآن وفي أحاديث الرسول، إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو التفسير الواقعي للقرآن.
وحين قمت بتأليف كتاب "الإنسان بين المادية والإسلام" كان في نفسي هذا الخاطر.. ورحت أقارن بين نظرة المدارس الغربية في علم النفس ونظرة الإسلام؛ وبين ما ترتب على النظرة الغربية للنفس الإنسانية من شرائع ونظم وفلسفات وأفكار وسلوك، وما يترتب على النظرة الإسلامية للنفس في هذه المجالات جميعاً، واخترت بصفة خاصة مجال العلاقة بين الفرد والمجتمع، ومجال الجريمة والعقاب، والمسألة الجنسية، والقيم العليا.
وأحسست أن الخطوط العريضة لنظرية إسلامية في النفس الإنسانية ترتسم بين يدي وأنا أخط سطور الكتاب، وظننت أني قاب قوسين أو أدنى من استخلاص هذه النظرية ووضعها موضع المقابلة من انلظريات الغربية عن النفس..
ومضت سنوات...
ورحت أكتب مجموعة من الخواطر "في النفس والمجتمع" فيها معالجة لبعض الخطوط في النظرية الإسلامية، ولكنها معالجة خفيفة تأخذ سمة الخاطرة أكثر مما تأخذ سمة البحث العلمي الدقيق..
ومضت سنوات أخرى..
وكتبت كتابي في "منهج التربية الإسلامية".. واحتجت في وضع فكرة الكتاب إلى تخطيط صورة للنفس الإنسانية، إذ كان قد تبين لي أن منهج التربية الذي وضعه الله في كتابه، مطابق تماماً للنفس التي خلقها منزّل الكتاب، وأن أبرز ما في المنهج هو هذا التطابق الكامل بينه وبين النفس، بحيث لا يترك منها صغيرة ولا كبيرة إلا اشتمل عليها وعمل لها حسابها. فكان طبيعياً أن أوضح صورة النفس الإنسانية كما أراها، لأبين هذا التطابق بين المنهج المنزل والنفس التي تتلقاه.
وأحسست مرة أخرى وأنا أكتب الكتاب أن الخطوط العريضة للنفس الإنسانية ترتسم بين يدي في ثنايا السطور، وخاصة في فصل "خطوط متقابلة في النفس البشرية" الذي كان فكرة جديدة لم تخطر لي قبل هذا الكتاب..
ومرة أخرى اشتاقت نفسي إلى استخلاص نظرية شاملة عن النفس الإنسانية!
وهذا الكتاب محاولة في هذا السبيل!
وهي مجرد محاولة.. أتحمل مسئوليتها وحدي!
فالإسلام ليس مقيداً بما أقول.. وما أزعم أن هذه هي "النظرية الإسلامية".. وإنما أقول فقط إنها "نظرية" إسلامية.. اجتهدت فيها بمقدار ما فتح الله علي من طاقة المعرفة. وهو وحده الموفق إلى الصواب.
* * *
والقرآن ليس كتاب نظريات.. نفسية أو علمية أو فكرية.. ولكنه يحوي التوجيهات الكاملة الكافية لإنشاء هذه النظريات.
إنه كتاب تربية وتوجيه.. وفي سبيل هذا التوجيه يكشف للإنسان عن بعض أسرار نفسه وأسرار الكون من حوله، ويدعوه إلى دراسة هذه وتلك "ليعرف" و"يتعلم" ومن ثم يتجه الاتجاه الصحيح.
وأنا شديد النفور من الذين يقولون إن في القرآن نظريات طبيعية وكيميائية وطبية وفلكية وذرية وصاروخية..! ويروحون يجرون وراء كل كشف أو اختراع جديد، يحاولون أن يثبتوا أن القرآن قد أشار إليه أو تنبأ به.
إن القرآن غني عن كل هذا.. وهو آخذ مكانته في تربية البشرية وتوجيهها الوجهة الصحيحة بغير هذا التمحل كله.. ولا ينقص من قدره ذرة واحدة ألا يكون يكون فيه طب وطبيعة وكيمياء وفلك وذرة وصواريخ!
إنه كتاب تربية وتوجيه.. كتاي ينشئ النفوس على النهج المستقيم. وهو يؤدي مهمته هذه كاملة دون أن يتعرض لنظريات العلم المختلفة. وإنما كان ما ورد في ثناياه من "المعلومات" إشارات كونية للإنسان، ليفتح بصيرته على آيات الله في الكون، فيتصل بالخالق، ويحبه ويخشاه.
والذي يستحق الالتفات حقاً في هذا الباب –باب العلم- ليس هو المعلومات الواردة في القرآن على سبيل الإشارة إلى آيات الله، وإنما هو منهج التربية العقلية الذي يوجه العقل إلى استنباط أسرار الكون والاستفادة بها في كل منحى من مناحي الحياة. وهو المنهج الذي وعته الأمة المسلمة الأولى، فحولت اتجاه البشرية من التأمل النظري الفارغ الذي لا يؤدي إلى شيء، ووجهتها إلى المنهج التجريبي الذي نشأت عنه العلوم الحديثة، والذي استطاعت به أوربا –بعد أن قبسته من احتكاكها بالإسلام والمسلمين، وبعد أن استمدت ما استمدته من علوم المسلمين- أن تصل إلى فتح مغاليق العلم، واستخلاص الأسرار والطاقات.
* * *
ولكن الأمر في "النفس" قد يختلف بعض الشيء..
ليس في القرآن "نظرية نفسية" مخططة مبوبة مبلورة ذات فصول وتفصيلات. فليس من شأن القرآن وهو ينشئ النفوس ويربيها أن يضع "نظريات" من هذا القبيل.
ولكن فيه مع ذلك "معلومات" عن النفس الإنسانية كثيرة وشاملة، أكثر مما فيه عن أي "علم" آخر.
وقد كان هذا طبيعياً في كتاب مهمته الأولى هي التربية والتوجيه.. كتاب يخاطب "النفس" ويوجهها.
وهذه المعلومات –المنبثة في ثنايا القرآن- يمكن أن تُسْتَوْحى في استخلاص نظرية شاملة عن النفس.. تعمل المشاهدة والتجربة في توضيحها ووضع تفصيلاتها، كما تعمل في توضيح بقية الإشارات الكونية في القرآن.
فالقرآن مثلا يقول "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ".
ولكنه لم يقل كيف يختلف النهار والليل، وكيف تجري الفلك في البحر، وكيف ينزل الماء من السماء، وكيف تحيا به الأرض، وكيف تصرّف الرياح ويسخر السحاب بين السماء والأرض.. وترك للمشاهدة والتجربة أن يتحققا من سر هذه الآيات، ويعرفا –بقدر ما ييسر الله لهما- حقيقة النواميس التي تعمل بها القدرة الإلهية في الكون.
وكذلك وجّه الإنسان إلى استجلاء أسرار النفس، وذكر صفاتها وحالاتها، ولكنه ترك للمشاهدة والتجربة أن يتحققا مما وراء ذلك من النظريات والتفصيلات.
لذلك كان المشاهدة والتجربة عماداً لي في هذا البحث، أتفهم عن طريقهما إشارات القرآن.
* * *
ولست من أنصار وضع النفس الإنسانية في "المعمل" لاستخلاص حقيقتها..
وقد أشرت في كتاب "الإنسان بين المادية والإسلام" إلى رأيي في المدرسة التجريبية التي تستخلص معلوماتها عن طريق المعمل، وبينت أنها لا تحصل على أكثر من مزق متفرقة من النفس البشرية، لا تغني في الوصول إلى حقيقتها المتكاملة.
وعلم النفس التحليلي يدلي بدلوه في هذا المجال ولا شك.. ولكنها –وحده- لا يؤدي إلى الحقيقة الشاملة، لأنه بطبيعة منهجه الذي يفتت ويحلل، ويهبط من أعلى إلى أسفل، يفوته كثير من آفاق النفس العليا، ومن حركتها المتكاملة التي تتحرك بأجزائها جميعا وارتباطاتها جميعا..
وربما كان علم النفس التكاملي أقرب إلى الصواب في هذا الباب..
وفي دراستنا لنظرة الإسلام إلى النفس الإنسانية لن نمتنع من الاستفادة بكل ما نراه صالحا ومؤديا للحقيقة من مناهج البحث.. ولكن مرجعنا الأول والأخير هو القرآن.
وبالإضافة إلى ذلك نأخذ من مجالات المشاهدة في نطاق الواسع، ولا نتقيد بالدراسات النفسية "الرسمية".. فليس علم النفس وحده هو الذي يتحدث عن النفس، وليس حديثه هو أصدق حديث. وإنما الفن والأدب، والاجتماع والتاريخ.. والحياة الواقعية بأكملها.. هي الحديث الصادق عن النفس، لأنها تتحدث عنها في بيئتها الطبيعية.. بيئة "الحياة".. ولا تنشئ لها بيئة مصطنعة كحيوانات المعمل الموضوعة تحت الاختبار..
* * *
وهدفنا من استخلاص نظرية شاملة عن النفس الإنسانية هو معرفة مكونات هذه النفس –بقدر ما تتيسر لنا المعرفة- لنعرف بعد ذلك كيف تكون في صحتها ومرضها، واستوائها وانحرافها.. ونفيد من هذه المعرفة في معالجة هذه النفس على أساس سليم.
وهذا هو الهدف الذي ينبغي أن يهدف إليه علم النفس في الحقيقة.
إن المعرفة هدف يُنشَد من أجل ذاته. و"الحقيقة ضالة المؤمن" كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكنها تؤدي دائما إلى غاية وراءها، فقد ركبت فطرة الإنسان بحيث يسعى دائما إلى الاستفادة مما يعرفه، فيزداد به نماء وقوة وارتقاء نحو الكمال.
وحين نعرف حقيقة النفس الإنسانية –بقدر ما نستطيع- فسوف يساعدنا ذلك على إنشاء نظم وأفكار وسلوك ومشاعر، تتفق مع هذه الحقيقة ولا تصادمها ولا تتعارض معها.. وعلى تربية أجيال من الناس بمقتضى الفطرة الصحيحة كما خلقها الله.
فليست النظرية الإسلامية عن النفس الإنسانية نظرية معلقة في سماء البحث العلمي، تسكن في البرج العاجي ولا تفيد في واقع الأرض. وإنما هي جزء من هذا الواقع، يؤدي مهمته –بطريقته الخاصة- في دولاب الحياة الكبير.
وإذا استطعنا –نحن المسلمين- أن نصل إلى شيء من حقيقة النفس الإنسانية، تقوّم به سبيل الانحرافات الغربية في نظرتها إلى النفس وما ترتب عليها من فساد اجتماعي واقتصادي وخلقي وروحي.. فإننا جديرون أن نؤدي خدمة ما إلى البشرية التي ينهكها اليوم ما تعانيه من اختلال.
* * *
والبحث "العلمي" هو رائدي فيما أكتب هنا، وما كتبت من قبل..
ولكني بينت في كتاب "الإنسان" أن البحث العلمي –بمعناه الصحيح- لم يتعارض قط ولا يمكن أن يتعارض مع المفاهيم الإسلامية في عالم الواقع أو عالم النظريات.
فليس رجوعي إلى "الدين" انحرافا عن البحث العلمي، ولا رجوعي إلى البحث العلمي انحرافا عن الدين. فهما في حسي طريقان متلازمان، يؤديان إلى الحقيقة بإذن الله.
وإذا وفقني الله إلى شيء من "الحق" في هذا الكتاب، فأنا شاكر لأنعمه، وهو المتفضل الوهاب. وإلا فبحسبي أن أكون فتحت الطريق للبحث.. والله الموفق لما يريد.
محمد قطب

أولاً.. ما الإنسان؟
"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً"
صدق الله العظيم
ما الإنسان؟
ما وظيفته؟
ما دوره في الحياة؟
ما طاقاته؟ وما حدود هذه الطاقات؟
تلك أسئلة ينبغي أن نعرف جوابها قبل أن نبدأ البحث في "النفس الإنسانية"! لتكون هدى لنا في هذا البحث، ولنكون على بينة –قبل أن نبدأ التحليل والتركيب- أننا لا نشطح بعيداً عن الحدود التي يحددها وجود هذا "الإنسان" وطبيعته.
وقد تحاشت الدراسات النفسية الغربية هذه الأسئلة وأمثالها، بدعوى أنها من مباحث الفلسفة التي لا ينبغي أن يخوض فيها علم النفس. وأن علم النفس معني ببحث "الواقع" النفسي الذي يجده أمامه، غير ناظر إلى أي هدف آخر خارج عن نطاق هذا البحث.
ولكن ذلك أدى إلى عيبين كبيرين في تلك الدراسات:
الأول: أنه جعل هذه الدراسات على غير وعي "بالإنسان" المتكامل. الإنسان "الواقعي" الذي يعيش بحقيقته المتكاملة في دنيا الواقع. فانحرف معظمها إلى دراسة أجزاء متفرقة من الإنسان على أنها هي "الإنسان".. وأدت تلك الصور الجزئية إلى إعطاء صورة خاطئة ومشوهة عن الإنسان. كما ترتب عليها كذلك انتشار كثير من المفاهيم الخاطئة في الاقتصاد والاجتماع والآداب والفنون.. والتعامل الفردي والجماعي.. الخ.
الثاني: أنه جعل هذه الدراسات لا تميز كثيراً بين الحالات السوية والحالات المنحرفة، لأنها فقدت المقياس الذي ترجع إليه لمعرفة الاستواء والانحراف. وعاملت كل شيء على أنه هو "الواقع" النفسي الذي تستخلص منه النظريات والتطبيقات. ومن ثم صار الواقع المنحرف الذي يعيشه الناس في الغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين هو المقياس الذي تقاس به النفس الإنسانية، وتصاغ النظريات على أساسه، وهو الصورة الطبيعية السوية (normal) التي يتعامل معها "العلماء"!
هذان الخطآن المنهجيان يظللان معظم الأبحاث النفسية في الغرب، ويجعلان كثيراً من الحقائق الجزئية التي يتوصل إليها العلماء لا تصل إلى دلالتها الحقيقية التي كان يمكن أن تؤخذ منها لو ارتكزت هذه الأبحاث على القاعدة السليمة للبحث، وهي "الإنسان".
يقول ألكسيس كاريل في كتابه "الإنسان.. ذلك المجهول"، وهو عالم مثقف أتيحت له –كما يقول في مقدمة هذا الكتاب- فرص نادة للبحث والاطلاع في شتى فنون المعرفة، من طب وطبيعة وكيمياء، وعلم وظائف الأعضاء وعلم الحياة، والآداب والفنون1:
"هناك تفاوت عجيب بين علوم الجماد وعلوم الحياة.. وعلوم الفلك والميكانيكا والطبيعة، تقوم على آراء يمكن التعبير عنها بسداد وفصاحة باللغة الحسابية. وقد أنشأت هذه العلوم عالما متناسقا كتناسق آثار اليونان القديمة. إنها تنسج حول هذا العالم نسيجاً رائعاً من الإحصاءات والنظريات. إنها تبحث عن الحقيقة فيما وراء مملكة تمتد من الفكر الشائع إلى المعنويات غير المنطوقة التي تتكون من المعادلات الجبرية والرموز فقط.. بيد أن موقف علوم الحياة يختلف عن ذلك كل الاختلاف، حتى ليبدو كأن الذين يدرسون الحياة قد ضلوا طريقهم في غاب متشابك الأشجار. أو أنهم في قلب دغل سحري، لا تكف أشجاره التي لا عداد لها عن تغيير أماكنها وأحجامها. فهم يرزحون تحت عبء أكداس من الحقائق التي يستطيعون أن يصفوها، ولكنهم يعجزون عن تعريفها أو تحديدها في معادلات جبرية. فمن الأشياء التي تراها العين في عالم الماديات، سواء أكانت ذرات أم نجوما، صخورا أم سحبا، صلبا أم ماء.. أمكن استخلاص خواص معينة كالثقل والأبعاد والاتساعية.. وهذه المستخلصات –وليست الحقائق العلمية- هي مادة التفكير العلمي.. وملاحظة الأشياء تمدنا فقط بأقل صور العلم شأنا، ونعني بها الصورة الوصفية. فالعلم الوصفي يرتب الظواهر، بيد أن العلاقات التي لا تتغير بين الكميات غير القابلة للتغير –أي القوانين الطبيعية- تظهر فقد عندما يصبح العلم أكثر معنوية. وما ذلك النجاح العظيم الشريع الذي نراه في علمي الطبيعة والكيمياء إلا لأنهما علمان معنويان كميان... وبتعلمنا سر تركيب المادة وخواصها استطعنا الظفر بالسيادة تقريبا على كل شيء موجود على ظهر البسيطة.. فيما عدا أنفسنا.
".... ولكن علم الكائنات الحية بصفة عامة –والإنسان بصفة خاصة- لم يصب مثل هذا التقدم.. إنه لا يزال في المرحلة الوصفية.. فالإنسان كل لا يتجزأ، وفي غاية التعقيد، ومن غير الميسور الحصول على عرض بسيط له، وليست هناك طريقة لفهمه في مجموعه، أو في أجزائه، في وقت واحد. كما لا توجد طريقة لفهم علاقاته بالعالم الخارجي.
"ولكي نحلل أنفسنا بإننا نضطرون إلى الاستعانة بفنون مختلفة، وإلى استخدام علوم عديدة، ومن الطبيعي أن تصل كل هذه العلوم إلى رأي مختلف، في غايتها المشتركة، فإنها تستخلص من الإنسان ما تمكنها وسائلها الخاصة من بلوغه فقط. وبعد أن تضاف المستخلصات بعضها إلى بعض، فإنها تبقى أقل غناء من الحقيقة الصلبة.. إنها تخفي وراءها بقية عظيمة الأهمية بحيث لا يمكن إهمالها..
"...........
"وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهوداً جباراً لكي يعرف نفسه.. ولكن بالرغم من أننا نملك كنزاً من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا.. إننا لا نفهم الإنسان ككل.. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة. وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا. فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة..
"وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.
"... فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب".
ثم يعود فيشرح أثر هذا الجهل المطبق بحقيقة الإنسان على الحياة البشرية الاقتصادية والاجتماعية والحضارية والفكرية.. الخ فيقول:
"إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا. لقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم.. وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا.
"...
"وهؤلاء النظريون يبنون حضارات بالرغم من أنها رسمت لتحقيق خير الإنسان إلا أنها تلائم فقط صورة غير كاملة أو مهوشة للإنسان.
"يجب أن يكون الإنسان مقياساً لكل شيء. ولكن الواقع هو عكس ذلك. فهو غريب في العالم الذي ابتدعه. إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه لأنه لا يملك معرفة علمية بطبيعته. ومن ثم فإن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الإنسانية.. إننا قوم تعساء، لأننا ننحط أخلاقياً وعقلياً.. الخ.. الخ.."
ونكتفي هنا بهذا القدر من المقتطفات من كتاب ألكسيس كاريل، وإن كان الكتاب كله ذا دلالة عميقة فيما نحن بصدده في هذا البحث، ذلك أن هدفنا هنا أن نبين مدى الخطأ والخطورة في أخذ مزق متفرقة من الإنسان على أنها هي "الإنسان". كما نبين ضرورة أخذ الإنسان ككل، وجعله –في صورته المتكاملة- مقياساً لكل شيء يتعلق بالإنسان.
وحين ننظر في اتجاهات علم النفس الغربي ندرك على الفور كيف أدى هذه النظرة الجزئية إلى كثير من الاختلالات في تصور "الإنسان"، وكيف ضيّعت فرصة الاستفادة من الحقائق الجزئية التي توصل إليها العلماء..
فحين أدلى فرويد بنظريته في "العقل الباطن" وعالم "اللاشعور" كان ذلك كشفاً له قيمته ولا شك في محاولة تفهم النفس الإنسان والاهتداء إلى بعض أغوارها التي يكتنفها الظلام.. ولكن النظرة الجزئية –التي تصر في ذات الوقت على اعتبار أن الجزء الذي تهتدي إليه هو "الإنسان"- هذه النظرية الجزئية أدت بفرويد إلى تصوير خاطئ خطر للنفس الإنسانية؛ إذ صورها على أساس أن اللاشعور –أو العقل الباطن- هو "الإنسان الحقيقي".. وأن العقل الواعي هو إنسان مزوّر لا يمت بسبب إلى الحقيقة! إنسان مفروض على "الإنسان الحقيقي" من خارج نفسه وخارج كيانه! إنسان تتمثل فيه الموانع والكوابت التي يفرضها المجتمع أو القوى الخارجية –من دين وأخلاق وتقاليد وقوة وسلطان.. الخ- على الكيان الحقيقي للإنسان!
وكانت هذه هي البذور الخاطئة التي نبتت منها اختلالات شتى في فهم النفس الإنسانية والحياة البشرية!
فقد أغفل فرويد جملة من الحقائق النفسية "العلمية" كان قمينا أن يدركها ويعمل حسابها لولا هذا الإصرار المعيب على النظرة الجزئية للإنسان:
أغفل أولا- أن العقل الواعي جزء من بنية النفس الإنسانية كالعقل الباطن سواء. موجود في داخل كيانها وليس مفروضاً عليها من الخارج. فلا الدين والأخلاق والتقاليد، ولا المجتمع بما يملك من قوة وسلطان، ولا غيره من العوامل المادية أو المعنوية تملك أن "تنشئ" في النفس شيئا لم يكن في بنيتها من قبل2! وغاية ما قد تملكه هذه العوامل والقوى أن "تشكل" هذا الشيء الموجود بالفعل، ولكنها لا تنشئه إنشاء ما لم يكن موجوداً في الفطرة من قبل.
وأغفل ثانياً أن المجتمع والميل إليه والخضوع له كلها حقائق نابعة من داخل النفس وليس مفروضة عليها من خارجها! فالرغبة في الاجتماع بالآخرين هي التي تنشئ المجتمع، وهي التي تجعل الإنسان يضحي -أحياناً- ببعض رغباته وملذاته الفردية في سبيل الوجود في مجتمع. وهي رغبة فطرية موجودة في داخل النفس، ولا تملك قوة في الأرض أن تنشئها إنشاء –بمجرد الضغط- لو لم تكن موجودة بالفعل. ومن ثم فإنه على فرض أن العقل الواعي يتكون من ضغط المجتمع الخارجي –وهو أمر غير مسلّم!- فإنه ينبع في النهاية من جزء فطري في داخل النفس، هو الرغبة في الاجتماع بالآخرين!
وأغفل ثالثاً أن الموانع –أو حتى الكوابت كما يسميها!- التي تنشئ القيم العليا، ليست جزءاً خارجاً عن كيان الإنسان مفروضة عليه من الخارج بالضغط والقهر. فلولا وجود الاستعداد الفطري في النفس لتقبل هذه الموانع من جهة، وإنشاء القيم العليا على أساسها من جهة أخرى، لما أدى الضغط الخارجي إلى إنشائها البتة، مهما اشتد وطغى، لأنه ليس من طبيعة الضغط ولا في طاقته أن ينشئ شيئاً لا وجود له من قبل!
ومن هنا أعطى فرويد صورة مزورة للنفس الإنسانية، خلاصتها أن "الكيان الحقيقي للإنسان" هو الطاقة البهيمية البحتة، وأن كل تعديل لهذه الطاقة أو تشكيل أو تهذيب، ليس داخلا في هذا الكيان "الحقيقي!" وإنما هو مفروض عليه من الخارج من لدن قوى عدوانية لا همّ لها إلا تحطيم "الكيان الحقيقي للإنسان"!
ومرة أخرى حين كشف فرويد عمق الدافع الجنسي في الكيان البشري، وتشعب أطرافه وامتدادها، كان هذا كشفاً حيوياً ولا شك، قمينا أن يزيدنا علماً بأغوار النفس البشرية، لولا إصراره على النظرة الجزئية التي تصر على "تفسير "الكل الإنساني" بالجزء الذي تسلط عليه الأنوار.
فلم يكتف بما فعله في المرحلة السابقة من تفسير الإنسان على أساس حيواني بحت، وإقصاء كل عنصر "إنساني" في كيانه، بحجة أنه مفروض عليه من خارج نفسه، وليس أصيلا في كيانه الحقيقي! بل زاد على ذلك أن أعطى هذا الكيان الحيواني لوناً جنسياً صارخا، فلم يتركه حتى كالحيوان الحقيقي يأكل بلذة الأكل، ويشرب بلذة الشرب، ويجري بلذة الجري، ويصارع بدافع الصراع.. ثم يؤدي نشاطه الجنسي بلذة الجنس.. وإنما جعله يأكل ويشرب ويتحرك ويصارع، كل ذلك بلذة الجنس.. بالإضافة إلى النشاط الجنسي المتعارف على أنه نشاط جنسي!! فصار الطفل يرضع بلذة جنسية، ويتبول ويتبرز بلذة جنسية، ويحس نحو أمه بدافع جنسي.. إلى آخر هذا الخلط الدنس الذي لا يقوم عليه دليل.
ومن ثم ضاع الكشفان الأول والثاني في غمار هذه اللوثة المنحرفة النابعة من النظرة الجزئية الخاطئة، وقد كانا جديرين –في ظل النظرة المتكاملة للإنسان- أن يؤتيا ثمارا أطيب وأصدق مما وصل إليه فرويد بنظرته الجزئية المبتسرة التي تصر على تلويث "الكيان الحقيقي للإنسان"!
وحين راح تلميذاه أدار وبونج يحاولان تخفيف انحراف أستاذهما وشرهه الجنسي، بوضع "قاعدة" أخرى للحياة الإنسانية غير قاعدة الجنس، فقال أدار إن الدافع الجيوي للفرد هو شعوره بالتفوق في ناحية معينة إزاء الجماعة، وقال بونج إن هذا الدافع هو الشعور بالنقص ومحاولة التعويض.. كان كلاهما يضع إصبعه على حقيقة جزئية في النفس الإنسانية، قمينة بأن تفيد في إلقاء بعض الضوء على أغوارها البعيدة، ولكن كلتا الحقيقتين ضاعت ولم تؤت أكلها، لأنهما أصرا على تفسير "النفس" كلها بهذه الجزئية الصغيرة التي لا تفسر وحدها شيئاً في حقيقة الأمر!
وحين راحت المدرسة التجريبية تضع النفس الإنسانية في المعمل.. كانت تصل ولا شك إلى بعض الحقائق الجزئية النافعة. ولكنها أفسدت هذه الحقائق وأذهبت قيمتها بالإصرار على تفسير النفس كلها بهذه الجزئيات، في حين أنها ليست فقط عاجزة عن تفسير الكل الإنساني المعقد لأنها جزئيات، بل هي كذلك أبعد الجزئيات جميعاً عن تفسير النفس الإنسانية، بسبب أن الطريقة التجريبية ذاتها لا تستطيع أن تأخذ من النفس إلا جانبها "الجسدي" الذي تستطيع أن تقيسه بالمقاييس المادية وتدركه بالحواس، وتقف عاجزة عجزاً تاماً عن الوصول إلى أي شيء في النفس لا يقع في دائرة الآلات والحواس! ومن ثم تقف عاجزة في الحقيقة عن كل الكيان الأعلى في نفس الإنسان! فقد تستطيع أن تقيس "التعب" أو "النشاط" الجثماني وتأثير الغدد في مشاعر الإنسان وحالته النفسية، ولكن كيف تقيس إحساس الإنسان بالحق والعدل والجمال، وكيف تقيس إبداعه الفكري ونشاطه الروحي الطليق3؟!
وحين راحت المدرسة السلوكية تفسر الإنسان على أنه مجموعة من العادات، وردود الفعل الشرطية المنعكسة conditioned reflexesالتي تنميها البيئة (أو لا تنميها)، والتي لا يختلف بعضها عن بعض إلا باختلاف المؤثر.. لم تكن في الحقيقة تفسر "الإنسان" بقدر ما كانت تفسر "الحيوان"، ثم تحيل الإنسان على ما تتصوره من سلوك الحيوان، فترد السلوك كله إلى أسباب "فسيولوجية" (أي جسدية)، وترد "التعلم" إلى الأفعال وردود الأفعال ذات الطابع الحسي البحت.. وتضيق "مساحة" الإنسان بذلك إلى درجة مزرية، فلا فكر ولا إرادة ولا مثل ولا قيم عليا ولا مشاعر رفيعة.. وإنما هي الحيوانية الحسية وفي أضيق نطاق!
وحين راحت المدرسة الميكانيكية تشبّه الحياة كلها –بما فيها الحياة الإنسانية- بالجهاز الآلي، المحكوم بضرورات الآلة، والذي تفسر نشاطه كله قوانين الطبيعة والكيمياء.. لم تكن تكتفي بتجريد الإنسان من إنسانيته، ولا تكتفي حتى برده إلى صورة حيوانية محدود النطاق.. إنما كانت تهبط به إلى درك أسفل.. هو أن يصبح مجرد آلة تحكمه ضرورات الآلة.. وتنتفي عنه بطبيعة الحال كل إرادة موجّهة –إنسانية أو حتى حيوانية!- وتنتفي عنه، بصورة أبشع، كل رفرفة طليقة وكل شعور نبيل! كما تصبح كل تنظيماته الفكرية والروحية والمادية والاقتصادية والاجتماعية، أدنى حتى من تنظيمات الغريزة في خلية النحل أو بيت النمل، فقد صارت أجزاء من الآلة الكبرى.. الصماء الخرساء.. المحكومة بالضرورات!
وهكذا جرت معظم مدارس علم النفس الغربية في هذا الخلط المعيب بسبب نظرتها الجزئية وإصرارها على أن تفسر الكل الإنساني بالجزء الذي تهتدي إليه، فلا يقف خطؤها عند إعطاء صورة مشوهة مزورة للإنسان، بل تضيّع كذلك فرصة الاستفادة من الحقائق الجزئية في مكانها الصحيح. ويزيد الخطأ حين تُنشأ على أساس هذه النظرة الجزئية نظريات في الاقتصاد والاجتماع، والأخلاق والسلوك، والجريمة والعقاب.. وينتهي الأمر –كما قال ألكسيس كاريل- إلى تدمير الإنسان بسبب جهلنا المطبق بحقيقة الإنسان!
* * *
على أن هناك خطأ ثالثا تقع فيه كل المدارس الغربي. –بلا استثناء- هو دراسة النفس الإنسانية والحياة الإنسانية بمعزل عن الله!
وهذا الخطأ له في حياة الغربيين قصة.. طويلة تبلغ قرونا من الزمان!
فالحياة "الهيلينية" [اليونانية القديمة] التي يقدسها الغرب، ويستمد منها مفاهيمه منذ عصر النهضة، كانت حياة وثنية ذات طابع خاص، يصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة خصام دائم وصراع لا يفتر.. صراع وحشي في بعض الأحيان. وأسطورة بروميثيوس الشهيرة تصور لونا ذا دلالة معينة من ذلك الصراع:
"فبروميثيوس كائن أسطوري كان الإله زيوس يستخدمه في خلق الناس من الماء والطين. وقد أحس بالعطف نحو البشر، فسرق لهم النار المقدسة من السماء وأعطاها لهم. فعاقبه زيوس على ذلك بأن قيده بالسلاسل في جبال القوقاز حيث وكّل به نسر يرعى كبده طول النهار وتتجدد الكبد في أثناء الليل، ليتجدد عذابه في النهار. ولكي ينتقم زيوس من وجود النار المقدسة بين أيدي البشر أرسل إليهم "باندورا" –أول كائن أنثى على وجه الأرض- ومعها صندوق يشتمل على كافة أنواع الشرور ليدمر الجنس البشري!! فلما تزوجها إبيميثيوس –أخو بروميثيوس- وتقبل منها هدية "الإله!" فتح الصندوق فانتثرت الشرور وملأت وجه الأرض!!
"تلك طبيعة العلاقة بين البشر والله! النار المقدسة، نار "المعرفة" قد استولى عليها البشر سرقة واغتصابا من الآلهة، ليعروا أسرار الكون والحياة، ويصبحوا آلهة! والآلهة تنتقم منهم في وحشية وعنف، لتنفرد وحدها بالقوة، وتنرد دونهم بالسلطان!..."4.
ولقد دخلت أوربا في المسيحية في القرون الوسطى، فاختفت "الهيلينية"أو "الهيلنستية"5 مؤقتا تحت قشرة رقيقة من المسيحية، ما لبثت أن انزاحت في عصر النهضة، فعادت أوربا إلى وثنيتها القديمة كاملة، بنفس الروح التي تشعر بالصراع مع الله (الآلهة) أكثر مما نحس نحوه بالمودة والتطلع والرجاء..
وزاد الأمر سوءا أن الكنيسة كانت –قبل انصراف الناس عنها في عصرها الأخير- قد تحولت إلى غول بشع يهدد الناس في أمنهم وراحتهم وكيانهم الإنساني ذاته.. يفرض عليهم العشور المرهقة كما يفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين.. وأخيرا –وتلك كانت الطامة- يفرض عليهم معلومات "علمية" مزيفة، باسم أنها كلمة السماء! فلما أثبت العلم النظري والتجريبي فسادها راحت الكنيسة تحرّق العلماء وتعذبهم بتهمة المروق من الدين!
هذه العوامل مجتمعة أوجدت في الفكر الغربي –وفي اللاوعي كذلك- نفورا من الدين ونفورا من الله –سبحانه- ورغبة محمومة في البعد عن ذكر الله في كل مجال يتعلق بشئون "الإنسان"!!
ومن ثم لا تدرس النفس الإنسانية قط موصولة بالله خالقها ومحركها، ومودع ما فيها من طاقات!
ويدرس "العلماء" النفس الإنسانية في مجالات التأثر المختلفة.. وليس من بينها جميعها تأثير الإرادة الإلهية في حياة الإنسان!
فمرة يدرس الإنسان تحت التأثير الجغرافي والمناخي والبيئي والمادي..
ومرة يدرس تحت التأثير الاقتصادي..
ومرة يدرس تحت التأثير الاجتماعي..
ولكنه لا يدرس مرة واحدة متأثرا بقدر الله الذي يقرر مصير كل شيء بما في ذلك مصير الإنسان! الإنسان في مجموعه، وكل كائن فرد من بني الإنسان.
وينشأ من ذلك خطأ فاحش، بل جملة أخطاء..
فهذه المذاهب والنظريات كلها تغفل من حسابها توجه النفس البشرية توجها فطريا إلى خالقها، واستمدادها منه مكوّنات حياتها كلها، وقوانين حركتها، ومجالات تحركها، وطاقاتها، ومدى هذه الطاقات.. كما تهمل تأثير الديانات السماوية في رسم خطوط جوهرية وحاسمة في تاريخ البشر كله. وفوق ذلك تهمل حقيقة "كونية" هي تأثر الإنسان بقدر الله "المباشر" الذي يسيّر أحداث حياته ويشكلها، كما تغفل أن التأثير الجغرافي والمادي والاقتصادي والاجتماعي.. إلخ، هي كلها إطار لقدر الله، وليست شيئا مستقلا عن إرادة الله!
وهذا الإغفال المتعمد –الذي شرحنا في إيجاز أسبابه التاريخية- يحدث تشويها وتشويشا في الصورة المرسومة "للإنسان". فتارة يرسم كأنه يقوم في هذا الكون وحده، وكأنه هو الإله في هذا الكون! [وليس هذا حقيقة علمية، فهو إنما يقوم بالاستمداد من خالقه في كل شأن من شئونه، وفي الحدود التي رسمها له خالقه! وتارة يرسم عبدا لتلك الآلهة المزعومة: آلهة الاقتصاد والاجتماع والمادة [وفي ذلك إصغار لقيمته الحقيقية] وتارة يرسم كأنما المحرك له هو الأفعال المنعكسة. أو الجنس. أو الكيماويات. أو الميكانيكية الجسمية.. وحدها.. [وفي ذلك تشويه لحقيقة الكيان الداخلي للإنسان]، وفي جميع الحالات تنعكس تلك المفاهيم المنحرفة على الصورة المرسومة، ولا يكون الإنسان الذي ترسمه هو حقيقة "الإنسان"!
* * *
ولقد ظنت تلك المدارس الغربية أنها تستطيع أن تتجنب مجموعة الأسئلة التي صدّرنا بها هذا الفصل –أو أمثالها: ما الإنسان؟ ما وظيفته؟ ما دوره في الحياة؟ ما طاقاته؟ ما حدود هذه الطاقات؟
أو ظنت أنها ينبغي أن تتجنب هذه الأسئلة تجنبا، لكي لا "تتقيد" بشيء يقيد الوصول إلى النتيجة!
فكانت النتيجة الأخيرة –كما قال كاريل- هي الجهل المطبق بحقيقة الإنسان، وإنشاء نظم وحضارات ونظريات "علمية" من شأنها تدمير الإنسان!!
* * *
إن الدراسة الشاملة "للإنسان" لهي ضرورة أولية تسبق كل بحث تفصيلي في "النفس الإنسانية".. ومن جهة أخرى فإن هذه الدراسة الشاملة لن تعوق الدراسة التفصيلية ولن تفسد حريتها في الاستقصاء والبحث؛ بل إنها في الواقع ستنير لها الطريق، كما تنير الدراسة الشاملة لجسم الإنسان –مثلا- طريق البحث لمن يريد أن يتعمق في دراسة القلب أو غيره من الأعضاء.
وسنجد –في أثناء الدراسة التي يقوم بها هذا الكتاب- أن المعرفة الأولية بالإنسان، ووظيفته، ودوره في الحياة، وحدود طاقاته، ليست من صميم الدراسة النفسية فحسب، بل إنها كذلك هي الضمان الوحيد لعدم الوقوع في العيوب المنهجية التي وقعت فيها أبحاث الغرب. ففيها الوقاية من تجزئة الإنسان إلى مزق متفرقة تخالف الواقع المتكامل للإنسان الحقيقي الذي يعيش في الأرض. وفيها الضمان أن تؤدي الجزئيات دلالتها الحقيقية الصادقة حين توضع في مكانها الصحيح من الكيان المتكامل، فيبدو تناسق الجزئيات كما هو في حقيقته، وينتفي ما قد يبدو فيها من تعارض –في الوقت الحاضر- حين تدرس كل جزئية على حدتها، دون مراعاة للروابط التي يرتبط بها الكيان الموحد الأجزاء، وفيها الضمان للتمييز بين السوي والمنحرف من أنماط النفوس. كما أن فيها الضمان كذلك لتصور الصورة الحقيقية لمكان الإنسان في الكون ومكانته في الحياة.
* * *
"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"6.
هذه قصة "الإنسان" كما وردت في القرآن..
وفي غير هذا المجال7 تحدثنا عن الإيحاءات الفنية والتربوية لهذه القصة التي يرويها خالق الإنسان العليم وحده بما خلق: "مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ"8 القادر وحده على أن يحدثنا بأمر الغيب الذي لم يشهده أحد من بني الإنسان.
ولكننا هنا في مجال الدراسة النفسية نجتزئ منها بدلالاتها في شأن الأسئلة التي قدمنا بها لهذا الفصل: ما الإنسان؟ ما وظيفته؟ ما دوره في الحياة؟ ما طاقاته وما حدود هذه الطاقات؟
وفي هذه الآيات –على إيجازها- الإجابة الكاملة عن هذه الأسئلة التي ينبغي أن نحدد جوانبها قبل الدخول في تفصيلات "النفس الإنسانية" ومكوناتها المختلفة.
ما الإنسان؟ إنه خليفة الله في الأرض: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً".
وكلمة الخلافة كلمة ضخمة ذات إيحاءات.
فأول إيحاءاتها أن هذا الكائن الإنساني كائن عظيم القدر ذو أهمية بارزة في الحياة.
فهو خليفة.. الله!
خليفة الخالق المبدع المسيطر على كل قوى الكون.
ولا بد للخليفة أن يكون مزوداً بأدوات الخلافة. وإلا فلا معنى لخلافته ولا قيمة.
ولا بد كذلك أن يكون فيه قبس ممن منحه الخلافة. وإلا فما هو مستحق أن يكون له خليفة.
ولا بد أن يكون دوره في الحياة أكبر وأخطر من دور غيره من الكائنات. وإلا فلا معنى لإفراده وحده بالخلافة دون بقية الكائنات.
ورغم أننا هنا نلتزم الدراسة النفسية البحتة، إلا أننا لا نملك الإفلات من التأثير "الفني" للنص القرآني. فهذه الإيحاءات كلها الكامنة في كلمة الخلافة يبرزها النص إبرازاً ليعطيها مدلولها الكامل الصريح.
فهذا المخلوق تحتفل به السماوات والأرض. ويتولى الله سبحانه بنفسه إعلان مقدمه على الملأ الأعلى، والملائكة يفزعون للنبأ ويهتزون. ويراجعون ربهم، ويطلبون مزيداً من المعرفة عن حكمة خلق الإنسان واستخلافه، وهم الذين لا يراجعونه في أمر قط: "لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"9 ثم يسجد الملائكة لمعجزة خلق الإنسان، زيادة في إبراز أهميته، وتوكيداً لتفرد هذه المعجزة بين المعجزات.
كل ذلك يعطي إيحاء بتفرد الإنسان.
ثم تبين الآيات –هنا وفي أماكن أخرى من القرآن- أن دور هذا الإنسان في الأرض هو عمارتها. فالخلافة عن الله فيها معناها الإنشاء والابتكار والتعمير والتبديل والتغيير. وكلها من عمل الله، الذي أعطى قبسة منه للخليفة الذي استخلفه فيها، وزوده كذلك بالإمكانيات.
والإمكانية الكبرى هي المعرفة.. هي العلم.. " وَعَلَّمَ آدَمَ ..."
وهي إحدى المزايا التي يتفرد بها الإنسان. يتفرد بها حتى على الملائكة. فهو يقوم بدور في المعرفة والعلم يعجز عنه الملائكة، ويكون بمثابة "شهادة الاستحقاق" التي يمنحها الله للإنسان. فيقرّ بها الملائكة ويسجدون لله المبدع القدير.
ولكن الطاقات الضخمة الممنوحة للإنسان.. ومن أبرزها طاقة المعرفة التي يسخر الله له بها السماوات والأرض: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ"10.. لا تمنعه من نقطة ضعف أصيلة في كيانه هي حبه للشهوات: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"11. إن "الشجرة" التي نُهي عنها أصبحت شهوة بالنسبة إليه. ولا يعنينا هنا –بصدد الدراسة النفسية- أن ندخل في أي تفصيل عن هذه الشجرة: ما هي؟ وما المقصود بها؟ وأين مكانها.. الخ. إنما يعنينا فقط أنها كانت تجربة لإرادته الضابطة –وهي من بين الطاقات الممنوحة له- هل تستطيع أن تمتنع على "الشهوة" أم لا تستطيع. وفي هذه التجربة تبدو نقطة الضعف في كيان هذا الإنسان المتفرد! فهو لا يصمد في كل حالة، ولا تقوى إرادته الضابطة على المقاومة: "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً"12.
ولكنه ليس ضعفاً أبديا. ولا هي زلة لا قيام منها.
فهو يملك دائماً أن يفيق من زلته. بأن يرفع وجهه إلى خالقه: "فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ".
وتلك قيمة رئيسية من قيم حياته. فهو عرضة للضعف أمام الشهوات.
ولكنه كذلك مزود بالقدرة على الإفاقة من هذا الضعف بالتوجه إلى الله. وفي صميم فطرته أن يفعل هذه وتلك: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"13.
ثم هو مزود بالقدرة على الصراع: "قُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ".
وما دام هناك عداء، فهنا ولا شك صراع وقدرة على الصراع.
والعداء مع الشيطان. مع قوى الشر المتمثلة في شتى الصور والأشكال. ولكن الذي يعنينا هنا –مؤقتاً- ونحن نستعرض طاقات الإنسان، أن نثبت له هذه القدرة على الصراع. وأنها قيمة كذلك أساسية من قيم حياته، ضرورية له في أداء دوره على الأرض: "وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ"14.
ثم إن له في الأرض قسطاً من الاستقرار والمتاع: "وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ".
فالاستقرار المؤقت والمتاع قيمتان رئيسيتان في حياة الإنسان. مزود بهما كيانه، كما هو مزود من الجانب الآخر بالقدرة على الصراع.
وفي النهاية فإنه يقوم بدوره في الخلافة عن الله في الأرض مزوداً من الله الذي أخلفه، بدستور من الهدي الرباني: "فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ". وفي فطرته أن يستطيع التوجه إلى الله، والاستمداد من هداه. كما أن في فطرته أن يستطيع الابتعاد عن الله والكفر بآياته: "وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ".
* * *
تلك هي الخطوط العريضة "للإنسان".
فالآن نستطيع أن نأخذ فكرة عامة عن هذا المخلوق:
إنه مخلوق متفرد. فكل تفسير له يلحقه بغيره من الكائنات تفسير باطل من أساسه. سواء في ذلك من يفسره بالتفسير الحيواني أو التفسير الميكانيكي. أو يفسره بالتفسير الملائكي أو النوراني. أو غيرهما من التفاسير.
وهو مخلوق خطير الشأن في دورة الحياة. أولى آيات خطره أن الله بنفسه سبحانه هو الذي يعلن نبأ مولده. ومن آيات هذا الخطر أن تسجد لخلقه الملائكة. وأن يسخر الله له السماوات والأرض جميعا. وأن يجعل الله إرادته العليا سبحانه مقتضية عن طريق إرادة الإنسان ووجوده وأفعاله: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ15". "وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ16". "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَت أَيْدِي النَّاسِ17".
وهو مخلوق مزود بطاقات. من أبرزها طاقة المعرفة. وطاقة الإرادة الضابطة. وطاقة القوة الفاعلة المتضمنة في معنى الخلافة ومقتضياتها. وطاقة الصراع. والقدرة على التوجه إلى الله وتلقي كلماته وتتبع هداه.. والقدرة كذلك على الاستقرار والمتاع.
وهو مخلوق مشتمل على نقطة ضعف. هي حب الشهوات. ونسيان العهد ونسيان الهدى والكفر بآيات الله.
وهو مخلوق ذو طبيعة مزدوجة. فيه القدرة على الارتفاع إلى أقصى المدى، والقدرة على الهبوط إلى الحضيض.
* * *
من هذه الفكرة العامة نستطيع أن نبدأ في دراسة الإنسان..
ولكنا قبل أن نبدأ بالدراسة يحسن أن نلم ببعض ما يقوله "العلم" في باب تفرد الإنسان، لأنه ذو دلالة واضحة فيما نحن بصدده من هذا البحث.
يقول جوليان هكسلي في كتابه "الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World" في فصل بعنوان "تفرد الإنسان":
"لقد تأرجح رأي الإنسان كالخطّار (البندول) فيما يتعلق بمركزه بالنسبة لبقية الحيوانات، بين إعجابه الشديد أو القليل بنفسه. تفصل بينه وبين الحيوانات حيناً هوة سحيقة جداً، وحيناً آخر هوة صغيرة جداً..
"وبظهور نظرية دارون بدأ الخطّار يتأرجح عكسياً، واعتبر الإنسان حيواناً مرة أخرى، ولكن على ضوء العلم لا على الإحساس الساذج. وفي بادئ الأمر لم تتبين تماماً نتائج هذا الرأي الجديد.. إلا أن الخطّار وصل شيئاً فشيئاً إلى أقصى مدى تأرجحه، وظهر ما بدا أنه النتائج المنطقية لفروض دارون. فالإنسان (أي في رأي دارون) حيوان كغيره. ولذلك فإن آراءه في معنى الحياة الإنسانية، والمثل العليا الإنسانية، لا تستحق بالنسبة لباقي الكائنات تقديراً أكثر من آراء الدودة الشريطية أو بكتيريا الباشلس، والبقاء هو المقياس الوحيد للنجاح التطوري. ولذلك فكل الكائنات الحية الموجودة متساوية القيمة. وليس فكرة التقدم إلا فكرة إنسانية. ومن المسلم به أن الإنسان في الوقت الحاضر سيد المخلوقات. ولكن قد تحل محله النملة أو الفأر..
"ولم تصغر الهوة هنا بين الإنسان والحيوان نتيجة المبالغة في إعطاء الحيوان صفات إنسانية، وإنما نتيجة التقليل من الصفات الإنسانية في الإنسان.
ومع ذلك فقد ظهر منذ عهد قريب اتجاه جديد سببه في الغالب زيادة المعرفة واتساع نطاق التحليل العلمي.
"إن الخطار يتأرجح ثانية، وتتسع الهوة بين الإنسان والحيوان مرة أخرى. وبعد نظرية دارون لم يعد الإنسان مستطيعاً تجنب اعتبار نفسه حيواناً ولكنه بدأ يرى نفسه حيواناً غريباً جداً. وفي حالات كثيرة لا مثيل له. ولا يزال تحليل تفرد الإنسان من الناحية البيولوجية غير تام.
"وأولى خواص الإنسان الفذة وأعظمها وضوحاً، قدرته على التفكير التصويري، وإذا كانت تفضل استخدام عبارات موضوعية، فقل: استخدامه الكلام الواضح..
"ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة، وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة..
"ومن أهم نتائج تزايد التقاليد –أو إذا شئت- من أهم مظاهره الحقيقية ما يقوم به الإنسان من تحسين فيما لديه من عدد وآلات..
"وإن التقاليد والعُدد لهي الخواص التي هيأت للإنسان مركز السيادة بين الكائنات الحية. وهذه السيادة البيولوجية في الوقت الحاضر خاصية أخرى من خواص الإنسان الفذة.. ولم يتكاثر الإنسان فحسب، بل تطور، ومد نفوه، وزاد من تنوع سبله في الحياة.
"وهكذا يضع علم الحياة الإنسان في مركز مماثل لما أنعم به عليه كسيد المخلوقات، كما تقول الأديان. ومع ذلك هناك فروق، وفروق هامة بعض الشيء، بالنسبة لنظريتنا العامة. فمن وجهة النظر البيولوجية لم تخلق الحيوانات الأخرى لخدمة الإنسان، ولكن الإنسان تطور بصورة مكنته من التخلص من بعض الأنواع المنافسة، ومن استعباد أنواع أخرى بالاستئناس، ومن تعديل الأحوال الطبيعية والبيولوجية في معظم أجزاء اليابس من الكرة الأرضية. ولم تكن وجهة النظر الدينية صحيحة في تفاصيلها أو في كثير مما تضمنته. ولكن كان لها أساس جيولوجي متين18.
"ولقد أدى الكلام والتقاليد والعُدد إلى كثير من خواص الإنسان الأخرى، التي لا مثيل لها بين المخلوقات الأخرى. ومعظمها واضح معروف. ولذلك أرى عدم التعرض لها حتى أنتهي من التحدث عن الخواص غير المعروفة كثيراً، لأن الجنس البشري –كنوع- فريد في صفاته البيولوجية الخالصة. ولم تلق تلك الصفات من العناية ما تستحق، سواء من وجهة نظر علم الحيوان، أو من وجهة نظر علم الاجتماع.
"..... وأخيراً فإن الإنسان لا مثيل له بين الحيوانات الراقية في طريقة تطوره.
"... وإن خاصية الإنسان الجوهرية ككائن حي مسيطر لهي التفكير المعنوي.
"... يجب ألا يعزب عن بالنا أن الفرق بين الإنسان والحيوان في العقل أعظم بكثير مما يظن عادة.
"... ولهذه الزيادة في المرونة نتائج أخرى –سيكلوجية- يتناساها رجال الفلسفة العقلية. والإنسان فريد أيضاً في بعضها. وقد أدت هذه المرونة مثلا إلى حقيقة أن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي لا بد أن يتعرض للصراع النفسي.
"...وفي الحقيقة أن منع النزاع بين طرق العمل المتعارضة لظاهرة عامة جداً، وذات منفعة بيولوجية، وهي ليست إلا خاصية العقل البشري الذي مكن الإنسان من التخلص من هذا النزاع.
"... وعندما نصل إلى المستوى الإنساني نجد تعقيدات جديدة، لأن من خصائص الإنسان كما رأينا التغلب على شد الغريزة...
"... وهذه الخواص التي امتاز بها الإنسان –والتي يمكن تسميتها نفسية أكثر منها بيولوجية- تنشأ من خاصة أو أكثر من الخواص الثلاث الآتية:
الأولى: قدرته على التفكير الخاص والعام.
الثانية: التوحيد النسبي لعملياته العقلية بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان.
الثالثة: وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والكنيسة (الجماعة الدينية) وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها.
"... ولكن لا يكفي هنا أن نحصي بعض أوجه النشاط. ففي الحقيقة إن معظم أوجه نشاط الإنسان وخواصه نتائج ثانوية لخواصه الأصلية. ولذلم فهي مثلها فذة من الناحية البيولوجية.
"ثم إن التخاطب والألعاب المنظمة والتعليم والعمل بأجر وفلاحة البساتين والمسرح والضمير والواجب والخطيئة والذلة والرذيلة والندم، كلها نتائج ثانوية (لخصائص الأصلية) والصعوبة في الواقع هي إيجاد نشاط للإنسان لا يكون فريداً. بل إن الصفات الأساسية البيولوجية مثل الأكل والنوم والاختلاط الجنسي زينها الإنسان بكل المحسنات الفريدة.
"وقد يكون لتفرد الإنسان نتائج ثانوية أخرى لم تستغل بعد.... وبذلك قد يكون الإنسان فريداً في أحواله أكثر مما نظن الآن"19.
* * *
تلك كلمة "العلم" من فم رجل ملحد لا يؤمن بالله!
ويتضح فيها الإقرار العجيب بالحقائق التي يذكرها كتاب الله. فالعلم –يوما من بعد يوم- يكشف عن معان جديدة لتفرد الإنسان. وهي الحقيقة الكبرى التي قررها الدين عن الإنسان.
وقد أوردنا هذه المقتطفات الطويلة بعض الشيء لمعنى معين في منهج البحث نريد توضيحه.
إن "الحقيقة" هي كلمة الله.. والإقرار بها لا يمنع أن يأخذ البحث العلمي مجراه. بل إن البحث العلمي للكشف عن الحقيقة لهو الاستجابة لأمر الله للناس أن يفتشوا عن الآيات في كل شيء: " وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"20. "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ"21.. وفي النهاية تلتقي حقيقة الدين الكلية بحقائق العلم التفصيلية ويستقيم بذلك منهج الحياة.
* * *
والآن وقد عرفنا فكرة عامة عن "الإنسان" نستطيع أن نمضي في البحث التفصيلي مطمئنين أننا لن نضل الطريق في غمار الجزئيات والتفصيلات.
إن هذه الفكرة العامة لن تقيد حرية الباحث في البحث. ولن تلزمه بسلوك خط معين. ولكنها ستذكره فقط في كل خطوة بالمنهج الأصيل فلا يضل عن الطريق.
فحين يتذكر مثلا أن الإنسان كائن متفرد، فلن يخطئ بتفسيره بيولوجيا أو سيكلوجيا بالتفسير الحيواني كما جنحت الداروينية القديمة22 وجنح من ورائها فرويد، ولن تعمى عينه عن مظاهر التفرد الواضحة في تركيب الإنسان البيولوجي والنفسي ليعتسف تفسيرا معيناً على هواه.
وحين يتذكر سعة الأفق الإنساني وتعدد طاقاته وجوانبه فلن يخطئ بتفسيره بعامل واحد مفرد، كما فسره فرويد بالجنس، وأدار بالتفوق، وبونج بمركب النقص، والتجريبيون بالنشاط الجثماني، والشيوعيون بحتمية المادة أو حتمية الاقتصاد... إلخ. فالإنسان أوسع من كل واحد من هذه العوامل المفردة، لأنه يشملها جميعاً، ويشملها متشابكة متداخلة بحيث يستحيل فك بعضها من بعض إلا في نظريات الخيال!

طبيعة مزدوجة
"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ،
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ"
"صدق الله العظيم"
أبرز ما في الكيان البشري أنه كيان مزدوج الطبيعة.
وهو بهذا الازدواج كائن متفرد في كل ما نعلم من مخلوقات هذا الكون، التي تمثل طبيعة واحدة ذات وجهة واحدة.
فالحيوان من جانب والملك من جانب –وهما المخلوقان اللذان تجمعهما بالإنسان صلات- كلاهما ذو طبيعة واحدة ووجهة واحدة.
الحيوان –حتى أعلى درجاته التي تشابه الإنسان في تركيبه الجثماني- مخلوق ذو طبيعة واحدة، تتحدد بحدود الجسد والغرائز والتصرفات الغريزية. جسمه هو مصدر طاقته. وغرائزه هي الموجّه له. وتصرفاته الغريزية هي عالمه بأكمله.
يأكل ويشرب ويؤدي عملية الجنس بدافع جسدي بحت، لا إدراك فيه لهدف، ولا تصرف فيه في وسيلة.
يأكل حين يدفعه الجوع. ويمسك حين تقرر له الغريزة حد الاكتفاء. وينشط نشاطه الجنسي في موسم معين محدد، لا يختار هو وقته، ولا يحدد هدفه ولا يدركه، ولا يختار فيه سلوكاً معيناً غير ما توحيه له غريزته. ثم يكف عن هذا النشاط جملة في موعد كذلك محدد. لا يختاره هو ولا يدرك سره، ولا يملك كذلك مخالفته.
وكذلك كل "تصرف" من تصرفاته. ليس تصرفاً ذاتياً نابعاً من إدراك أو إرادة. وإنما هو تلبية مباشرة لدفعة لا يملك الحيوان مقاومتها، ولا يفكر في مقاومتها كذلك. فهو بطبيعة تكوينه مستسلم لكل ما تمليه الغريزة عليه.
إنه مخلوق ذو طبيعة واحدة، تعمل في اتجاه الجسم.
والمَلَك –من وصفه الذي نعرفه به وإن كنا لا نراه- مخلوق ذو طبيعة واحدة كذلك وذو اتجاه واحد. مخلوق يعيش في نطاق روحه ويطيع توجيهاتها بلا إرادة ذاتية ولا تصرف ذاتي. فالملائكة مخلوقات مفطورة على الطاعة المطلقة: "لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"23. وهي وإن لم يكن لها غرائز جسمية لأنها غير ذات أجسام مادية، فإن لها"غرائز روحية" تعمل بوحيها في كل أمر دون تفكير أو تصرف أو اختيار.
أي أنها ذات طبيعة واحدة تعمل في اتجاه الروح.
والإنسان وحده –فيما نعلم من الكائنات- هو الكائن المزدوج الطبيعية القادر على أكثر من اتجاه.
وهذا الازدواج هو طابع كيانه كله. وهو متغلغل في كل أعماقه. فلا يوجد عمل ولا شعور ولا فكر ولا تصرف لا تبدو فيه هذه الظاهرة الفذة المتميزة. وسنستعرض في الفصول التالية كثيراً من مظاهر هذا الازدواج وأثرها في حياة الإنسان وتصرفاته. ولكنا نبدأ هنا بأول مظاهره وأوضحها، وهو حقيقة الجسم والروح، التي قد تكون هي الأصل الذي ينشأ عنه كل ما في طبيعته من ازدواج.
* * *
"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ"24.
الإنسان قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله.
قبضة من طين الأرض تتمثل في حقيقة الجسد: عضلاته ووشائجه وأعضائه وأحشائه.
والعلم يقول إن جسم الإنسان مكون من ذات العناصر التي يتكون منها طين الأرض: الأكسجين والإيدروجين والكربون والحديد والنحاس والكلسيوم والزرنيخ والصوديوم والبوتاسيوم والمغنسيوم.. الخ.. الخ.
وتتمثل كذلك في مطالب الجسد وألوان نشاطه. فالعلم يقول إن الجوع والعطش أمران يرجعان إلى التركيب البيولوجي للجسم. وكذلك النشاط الجنسي وأنواع النشاط الجسمي الأخرى التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان من حيث الدافع، وإن لم يتماثلا في الصورة التي يتخذها النشاط، ولا الغاية التي يصل إليها.
و"الشهوات" كلها، أو الدوافع الفطرية، أو القوة الحيوية للإنسان، هي نشاط جثماني، أو نشاط قائم على قاعدة جسمية، بحيث تتعطل أو تزول لو أزيل العضو الذي يقوم بها أو الغدة التي تبعث نشاطها.
ونفخة من روح الله تتمثل في الجانب الروحي للإنسان. تتمثل في الوعي والإدراك والإرادة. تتمثل في كل "القيم" والمعنويات التي يمارسها الإنسان.
فالخير والبر والرحمة والتعاون والإخاء والمودة والحب والصدق والعدل والإيمان بالله والإيمان بالمثل العليا والعمل على تحقيقها في واقع الحياة.. كل ذلك نشاط روحي، أو نشاط قائم على قاعدة روحية. وهو –مثلها- أمر معنوي لا تدركه الحواس ولكن تدرك آثاره الظاهرة في الواقع المحسوس.
وهذان اللونان من النشاط البشري حقيقة واضحة مشهودة.
والحقيقة الجسدية لا تحتاج إلى توكيد. فهي ظاهرة أمامنا نراها ونلمسها، ولا نتعب في تحديد حدودها وقياس أبعادها وطاقاتها. وإن كانت العلوم التي تبحث فيها تقر بعجزها الكامل عن استكناه كنهها الحقيقي، وتكتفي بوصف مظاهرها ورسم أبعادها.
وإلا فأي سر يمنح الخلية الحياة بادئ ذي بدء، فتتحول من مادة ميتة إلى خلية حية؟
وأي سر يجعل تلك الحياة الممنوحة للخلية تتخذ نشاطاً معيناً منظما منسقاً مضبوطاً؟
وأي سر يجعل مجموعة من الخلايا الخية تتخصص لتكون الأنف، أو الفم، أو العين، أو القلب، أو المخ أو الذراع أو الساق.. إلخ. وهي كلها في الأصل متشابهة ومتماثلة؟
وأي سر يجعل تلك المجموعة التي كونت الأنف أو الفم أو العين.. تأخذ شكلا معينا ذا شبه معين قريب أو بعيد من الآباء والجدود؟
وأي سر يجعل العين –تلك المجموعة من الخلايا- ترى، والأنف يشم والأذن تسمع والجلد يحس والعقل يفكر؟
ومئات من الأسرار وألوف.. كلها مغلف بستار الغيب لا يصل "العلم" منها لغير المظاهر والسطوح!
أما الحقيقة الروحية فهي خفية. نعم. ولكن أي شيء في الإنسان ليس بالخفي؟ إنها مجهولة الكنه، ولكن.. أيزيد جهلنا بها عن جهلنا بسر الحياة في الخلية الحية، وسر النمو، وسر التخصص، وسر التشكل، وسر قيام الأعضاء بوظائفها المعقدة الشديدة التعقيد؟
نعم إنها غير ظاهرة، لا نستطيع تحديد حدودها ولا قياس أبعادها. ولكنا نرى آثارها وندركها. نراها متمثلة أحياناً في وقائع ملموسة وأحياناً في رغبات وأشواق. ومن ثم لا نستطيع أن نلغي من حسابنا وجود كيان معنوي للإنسان، نسميه "الروح" اصطلاحا، أو نسميه بأي اسم آخر. ولكنا نلتقي عند مفهوم معين واضح الحدود والسمات.
إن كان معنى من المعاني التي تعبر عن القيم العليا.. عن الحق والخير والجمال والحرية والإخاء والحب.. إلخ لهي دليل على هذا الكيان المعنوي للإنسان. وليس من الضروري أن يمارس الناس كلهم هذه المعاني في كل وقت. فيكفي أن يمارسها بعضهم في أية لحظة لتكون واقعاً بشرياً موجوداً في عالم الحقيقة. بل يكفي أن توجد في اللغة البشرية (واللغة ذاتها من المعنويات التي اختص بها الإنسان) لكي يثبت ذلك وجودها الواقعي. فحين توجد في اللغة البشرية كلمة "الحب" أو "العدل" أو "الجمال" فيستوي أن تكون هذه القيم وقائع محسوسة أو حلما يشتاق البشر إلى تحقيقه.. يستوي هذا وذاك في إثبات النشاط المعنوي للإنسان.. فالرغبة في هذه القيم هي ذاتها نشاط معنوي واقعي، سواء تحققت في عالم الحس أو لم تتحقق. كما أن الرغبة في الطعام مثلا دليل على وجود نشاط معين داخل الجسم، سواء أدت إلى تناول الطعام فعلا أم لم تؤد إليه.
غير أننا نقرر أن هذه المعاني لم توجد في قاموس البشرية إلا لأنها وجدت بالفعل –على درجة ما- في واقع البشرية. فلو لم يوجد شخص يتعاون مع شخص آخر في سبيل هدف مشترك لما وجدت كلمة "التعاون" ومشتقاتها في اللغة. ولو لم يوجد شخص صادق أو عادل أو رحيم.. ما وجد في القاموس البشري ما يدل على هذه الصفات. والأفراد يتفاوتون بطبيعة الحال في مدى وجود هذه الصفات في كيانهم، ولكن لا يوجد في الحالة السوية شخص لا رصيد له منها البتة بحيث يعجز عن فهم مدلولها اللغوي.
وإذا كان للطاقات الجسمية مقاييس محدودة تقاس بها، قوة وضعفا، فللروح كذلك –أو الطاقة المعنوية- مقاييس تقاس بها، ولكنها –مثلها- مقاييس معنوية. فهناك في أذهاننا صورة للعدل والرحمة والبر والتعاون.. إلخ. تكونت بصورة ما. وبمقتضى هذه الصورة نقيس أعمال الناس ونعطيها درجة من القوة أو الضعف.
والذي يهمنا على أي حال في هذا التمهيد أن نقرر وجود هذين اللونين من النشاط في كيان الإنسان، كمظهر من مظاهر الازدواج في طبيعته، وأن هذا الازدواج خصيصة تفرد بها الإنسان.
ولكن مجرد وجود هذا الازدواج لا يعطي صورة صحيحة عن الكيان البشري المتفرد بين جميع المخلوقات. فهناك مظهر آخر لهذا الكيان، تنبني عليه في الحقيقة كل حياة الإنسان.
إن هذا الكيان –مع ازدواجه- ليس مكوناً من عنصرين منفصلين، يعمل كل منهما وحده في اتجاه.
إنه ليس جسما وروحا منفصلين.
"فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي...".
إن هذه النفخة العلوية التي أعطت الإنسان روحه –وهي قبسة من روح الله- لم تظل عنصراً منفصلا عن الكيان المسوى من الطين، ولم تتحيز في حيز معين منه. وإنما سرت "فيه". فيه كله من أوله إلى آخره، وشملت كل كيانه، فأصبح كيانه جسمياً روحياً في ذات الوقت. لا ينفصل فيه عنصر عن عنصر، ولا يستقل فيه كيان عن كيان.
إنه لم يعد طيناً بحتاً.. ولا يمكن أن يعود كذلك.
ولا هو أيضاً روح بحت.. و يمكن أن يكون.
فالعنصران مختلطان ممتزجان مترابطان.. يتكون منهما كيان موحد مختلط الصفات، أو مزودج الصفات.
وتلك حقيقة كبرى في الكيان البشري، تنبني عليها كل أعمال الإنسان ومشاعره وتصرفاته في الحياة.
وقد انبنى عليها –باذئ ذي بدء- أن الإنسان –في حالته السوية- يؤدي نشاطه الجثماني على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان. ويؤدي نشاطه الروحاني على طريقة الإنسان كذلك لا على طريقة الملائكة.
أي أنه يؤدي كلا نشاطيه بكيانه المزدوج الموحد، لا بأي من عنصريه منفصلا عن الآخر ومستقلا عنه.
الإنسان يأكل.. وتلك عملية مشتركة بينه وبين الحيوان. عملية يقوم بها الجهاز الجثماني، وتحكمها تفاعلات الكيمياء وعناصر الطين.
ولكن الإنسان لا يأكل على الطريقة الحيوانية.
ولا ينحصر الفارق في تعدد أنواع الطعام التي يسيغها الإنسان وتنوعها، بينما الحيوان لا يسيغ إلا نوعا محدداً من الطعام، تحدده الغريزة لكل نوع معين على حدة، فلا يتجاوزه ولا يتعداه.. وإنما تختلف كذلك "طريقة" الطعام و"أهدافه".
أبرز وجوه الاختلاف أن الإنسان "يختار" سلوكه نحو الطعام.
صحيح أنه مدفوع إليه بدفعة الغريزة. دفعة المواد التي تتفاعل داخل الجسم. وأنه مضطر اضطراراً قاهراً أن يستجيب لهذا الدافع. ومع ذلك فهو "يملك" أشياء كثيرة في أثناء الاستجابة لهذا الدافع القهري. يملك أن ينظم مواعيد لتناول الطعام يختارها بمحض إرادته (فرداً أو جماعة). ويملك أن يمتنع باختياره عن الطعام فترة من الوقت تطول أو تقصر (كفترات الصيام أو الحمية. إلخ). ويملك أساليب شتى في تناول الطعام يختار من بينها ما يروق له: يتناوله –باختياره- التهاما شرها كالحيوان، أو تناولا مهذباً لطيفاً، أو تناولا متأنقا مبالغا فيه.. ويتناوله حراما أو حلالا. ويتناوله في عزلة أثِرَة أو في صحبة مُؤثِرَة. حسبما يتراءى له من "قيم" الحياة.
وإذن فهو يستجيب لنفس الدافع القهري الذي يدفع الحيوان لتناول الطعام. ولكنه –فيما بين الدافع والاستجابة- يعبر طريقا طويلاً مملوءاً "بالاختيارات".. نشأ من وجود الروح وامتزاجها بالطين وتلبسها به. "فالإرادة" و"الاختيار" صفتان من صفات الروح، تتمثلان في صورتهما المطلقة في ذات الله سبحانه، الذي نفخ في الإنسان من روحه. وتتمثلان في صورتهما المحدودة المقيدة في الإنسان، بمقدار ما تطيق قبضة الطين أن تقبس من روح الله.
ويستجيب الإنسان لدافع الجنس.. وهو نفس الدافع العنيف الملح الذي يستجيب له الحيوان.
ولكنه لا يستجيب له على طريقة الحيوان.
وليست المسألة هنا كذلك محصورة في اتساع موسم النشاط الجنسي عند الإنسان حتى يصل إلى العالم كله، بينما يقتصر على موسم محدد عند الحيوان.. وإنما تختلف كذلك الطريقة والأهداف.
فكما أن الإنسان يختار سلوكه نحو الطعام، فهو كذلك يختار سلوكه نحو الجنس، ويملك نطاقاً واسعاً للاختيار.
فالنفس الإنسانية –بادئ ذي بدء- تتسع لدرجات مختلفة من مشاعر الجنس لا تتسع لها نفس الحيوان التي لا تعرف إلا صورة واحدة من صور الإحساس الجنسي، متكررة عند كل فرد، ومتكررة في كل فرد.
يعرف الإنسان درجات تختلف بين الشدة واللطف، بين اللهفة والتمهل، بين الغلظ والرقة، بين العتامة والصفاء. أدناها شبيه بالحيوان، وأعلاها صاف رائق جميل. درجات تبدأ عند الطرف الحيواني من الإنساني، فتغلب عليها حركة الجسد الفائرة المتلمظة؛ وتنتهي عند الطرف الملائكي من الإنسان، فتغلب عليها رقة الروح ونورانية الشعاع:
"هناك الشهوة العارمة التي تتمثل في الجسد الهائج والجوارح الظامئة، والعيون التي تطل منها الرغبة الهائجة.
"وهناك الشهوة الهادئة المتدبرة، التي تعد العدة في ترتيب وأناة، حتى تظفر بما تريد على مهل ودون استعجال.
"وهناك الأشواق الحارة الملتهبة التي تنبع من الجسد، ولكنها تمر في طريقها على القلب، فيصفيها من بعض ما بها من "العكار" ويعطيها قسطاً من "العاطفة" تمتزج بصيحة الجسد الملهوف.
"وهناك الأشواق الطائرة المرفرفة التي تنبع من القلب، ولكنها قد تمر في طريقها على الجسد، فيمنحها بعض لهيبه المحرق، وقد يخلط بها بعض العكار، ولكنها تظل محتفظة بكثير من الصفاء.
"وهناك إشراقة الروح الحالمة، قد صفيت من العكار كله، وصارت صفاء مطلقاً لا يعرف الجسد، وإشعاعة لا تعرف القيود. تعشق الجمال خالصاً حتى من الإطار الذي يُصبّ فيه!
"وهناك ألوان أخرى لا تدركها الألفاظ، ولا يقدر عليها التعبير!"25.
ويختلف الناس بين هذين الطرفين البعيدين. بل يختلف الشخص الواحد من حالة إلى حالة في اللحظة الواحدة أو في اللحظات المتفرقة. ولكن يبقى بعد ذلك أن الجنس –في الحالة السوية- لا يمكن أن يخلو عند الإنسان من "مشاعر" نفسية مصاحبة لدفعة الجسم. وهذه المشاعر – قلّت أو كثرت- هي النتيجة لامتزاج الروح بالطين في كيان الإنسان.
وعلى ذلك يستجيب الإنسان لدفعة الجنس القاهرة، ولكنه –منذ البدء- لا يستجيب لها على طريقة الحيوان، الجسدية الخالصة، النابعة من الكيان الطيني وحده، والتفاعلات الكيميائية التي تحدث في ذلك الكيان.
ثم يملك الإنسان بعد ذلك اختيارات شتى في طريقة الاستحابة.
يملك أن يسرف وأن يخفف.
ويملك أن يشغل نفسه بالتفكير في شئون الجنس، أو ينصرف عن هذه المشغلة بأمور أخرى متصلة بكيانه الشامل المتكامل، المتعدد الجوانب المتعدد الأهداف.
ويملك أن يحيل مشاعر الجنس إلى حركة جسمية، يفرغ منها ويستريح، أو يحيلها إلى حركة نفسية وعاطفية، ينشئ بها فنوناً، وأفكاراً، ومشاعر، وسبحات، فتتسع رقعتها في نفسه، وفي الوقت ذاته تخف وتشف، وتخرج من كونها ضرورة تٌقْضى، إلى كونها جمالا يُحَسّ.
ويملك في النهاية أن يمنع نفسه منعاً من الاستجابة لهاتف الجنس، مهما ترتب على ذلك من مشقة وحرمان..
هذا إلى اختلاف السلوك من فرد إلى فرد، وإن اشتركت الأهداف وتشابهت الاتجاهات.
وهكذا يسير الإنسان بين الدفعة والاستجابة في طريق طويل مملوء بالاختيارات، أنشأه في كيانه تلبس الروح بقبضة الطين، وعدم انفراد الطين بالتصرف في أمر من الأمور.
وهكذا جميع الدوافع القاهرة المشتركة بين الإنسان والحيوان، يتعرض الإنسان لضغطها عليه بمثل ما يتعرض الحيوان، ولكنه يختلف عنه في طريقة الاستجابة، اختلافا توجهه" الإرادة" ويعمل فيه "الاختيار" وهما صفتان مميزتان من صفات الروح.
* * *
ذلك من الطرف الحيواني للإنسان.
والأمر من الطرف الملائكي بالمثل.
يحس الإنسان بأشواق عليا، وتنطلق روحه مرفرفة خفيفة مشعة رائقة.
يحس برغبة في الاتصال بالله، ويتعبد إليه راغباً في محبته ساعياً إلى رضاه. وقد تستغرقه العبادة في لحظة فينسى نفسه. ينسى أنه على الأرض، وأنه جسم ذو عضلات ووشائج وأعصاب، وذو مطالب لا يطول سكوتها عن الإلحاح، لأنه لا يحس في تلك اللحظة بحدود هذا الجسم، ولا يحس بما يفصل بينه وبين الله.
ويحس برغبة في الاتصال بالكون، وبروح يستجلى جمال الطبيعة، ويتنقل من زهرة جميلة إلى جدول، إلى جبل شامخ، إلى سحاب مسخر بين السماء والأرض. وقد يستغرقه الإعجاب بالطبيعة لحظة، فينسى أنه كائن ذو "حيز" محدود محسوس، لأنه لا يحس في تلك اللحظة بما يفصل هذا الحيز المحدود عن الكون الواسع الفسيح.
ويحس برغبة في الاتصال بغيره من بني الإنسان. يتعاون معهم ويتوادّ. ويقيم معهم موازين العدل والحق والإخاء والمساواة.. وقد تستغرقه هذه الرغبة لحظة فينسى كيانه الفردي، وما يحمله هذا الكيان من مطالب ذاتية ورغبات، لأنه لا يحس في تلك اللحظة فاصلا بينه وبين غيره من الأفراد.
ويحس رغبة في الاتصال بفرد من الجنس الآخر.. في غير نطاق الجسد.. في عاطفة شفيفة لا تتلامس فيها الأجسام، وإنما تنتقل العواطف من قلب إلى قلب، ومن كيان إلى كيان. وقد تستغرقه رفعة الحب لحظة فينسى كيان جسده وما يحمل من كيماويات وتفاعلات.. لأنه لا يحس في تلك اللحظة بحاجز الجسد يحجب روحه عن الانطلاق..
كل تلك لحظات من لحظات الروح.. تسبح فيها سبحات طليقة من القيود.
وتلتقي تلك اللحظات بنورانية الأملاك عند الطرف الملائكي للإنسان.
ولكنها مع ذلك لا تقلب الإنسان إلى مَلَك، حتى وهو يمارس تلك الانطلاقات.
أول فارق بينه وبين ملك أن هذه اللحظات من جانب الإنسان "اختيار".. بينما هي في ملك جزء من طبيعته التي لا يملك الحيد عنها: "لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"26. "يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ"27.
وإلى جانب الاختيار هي مسالك متباينة، يختلف فيها فرد عن فرد، ويختلف الفرد الواحد من لحظة إلى لحظة بين الإقبال والإعراض.
ولكن أبرز الفوارق أن الإنسان لا يصبر على هذه اللحظات أكثر من لحظات! ثم يعود إلى واقع الأرض المحدود المحسوس، بحكم الضرورات القاهرة التي تتوالى على حسه من جوع وعطش وإفرازات ومطالب ورغبات.. ومهما حاول الإنسان أن يتسامى بروحه على الضرورة، فإلى فترة محدودة من الوقت –تطول أو تقصر- ثم يعود. ولا محيص له من أن يعود..
وذلك أثر من آثار امتزاج الجسد بالروح، وعدم انفصاله عنها، فلا يمكن أن تنطلق انطلاقاً كاملا وهي مرتبطة في الأرض بقبضة الطين.
وهكذا لا يصدر عن الإنسان شيء في أية لحظة يكون فيه مماثلا تماماً للحيوان أو مماثلا للملك. وإنما هو في كل حالاته إنسان، يتصرف على طريقة الإنسان. وذلك أثر من آثار امتزاج الطين والروح في كيانه بحيث لا ينفصلان.
* * *
وصحيح أن الإنسان "يجنح" بأحد جانبيه في لحظة من اللحظات..
يجنح تارة بجسده في دفعات الحس الغليظة، ويجنح بروحه في لحظة الإشراق.
لحظات الضرورة القاهرة جنوح بجانب الجسد.. فالإنسان وهو يقضي ضروراته "البيولوجية": وهو يفرز إفرازاته أو ينهمك في حركات الجنس، يكون الجانب الجسدي هو المسيطر على نشاطه وحركاته، ويكون هو الجانب البارز من الكيان.
وكذلك حين يهتاج الإنسان فيغضب ويبطش.. أو حين يستجيب لنزعة من نزعاته الفطرية بعد فترة من التعطش والحرمان..
وكل متاع حسي هو نشاط يغلب عليه عنصر الجسد، ويستجيب لقبضة الطين.
ولحظات العزوف عن متاع الحس، والانصراف عن مطالب الجسد، هي من الجانب الآخر جنوح بجانب الروح.
والإنسان يصنع هذا وذاك.. ففي طبيعته أن يجنح أحياناً هنا ويجنح أحياناً هناك. وذلك مظهر من مظاهر الازدواج في تكوينه الأصيل.
ولكن علينا أن نلاحظ في ذلك ثلاثة أمور:
أولا: أنه في كلتا حالتيه –كما رأينا- إنسان. فما دام في حالته السوية –أي بريئاً من الخلل النفسي- فهو يمارس كل أنواع النشاط بكيانه المجتمع المترابط، حتى ولو غلب جانب من جوانبه على جانب آخر في لحظة من اللحظات. وفرق بين أن يبرز أحد الجوانب، وبين أن ينفصل ويعمل مستقلا عن بقية الكيان.
ثانياً: أن هذا الجنوح –في الحالة السوية- مؤقت لا يدوم. فالإنسان ينغمس في نشاط الجسد ساعة، ثم يعود إلى نشاطه الروحي أو المعنوي ساعة. ويتداول هذه الساعات على الدوام. فلا يظل جانحاً بجانب واحد إلا في حالات الاختلال.
ثالثاُ: أن هذا التداول الدائم بين نشاط الجسم ونشاط الروح، يساعد الإنسان على التوازن في نقطة الوسط التي يلتقي فيها الجسم والروح على استواء. فهو كالذي يسير على عارض دقيق، يميل مرة هنا ومرة هناك لكي يحفظ توازنه في كل مرة، ولا يمنعه الميل ها هنا وها هنا من الوصول إلى التوازن، بل قد يكون هو الذي يعاونه على الاتزان.
* * *
هذا الكيان الإنساني المتفرد، لا نصل إلى كل قراره في الحقيقة حين ندرك فقط أنه كيان مزدوج الطبيعة، ثم ندرك أن هناك امتزاجاً بين عنصريه المكوّنين له، يجعله وهو يجمع بين نشاط الملَك ونشاط الحيوان- يؤدي كلا منهما بطريقته الخاصة، طريقة الإنسان، التي تحمل مشابه من الملك ومشابه من الحيوان، ثم تفترق في النهاية عن الملك والحيوان.
ليس هذا هو القرار الأخير في كيان الإنسان!
وإنما نصل إلى قراره حين ندرك أنه في الحقيقة كيان موحد، برغم ما في طبيعته هذه من ازدواج.
كيان موحد. كل ما ينبعث عنه من نشاط فإنما يصدر عن كيانه الموحد المتشابك المعقد التركيب!
أعمال الإنسان كلها ذات ترابط وثيق وإن بدت منفصلة في بعض الأحيان.
النشاط المادي والنشاط المعنوي..
النشاط العملي والنشاط التعبدي..
النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والنشاط الفكري والروحي..
النشاط الفردي والنشاط الجماعي..
كل لون من ألوان النشاط هذه وما شابهها قد يبدو لأول وهلة نشاطاً منفصلا، متخصصاً، مستغرقاً، يقوم به الإنسان بجانب من جوانبه، ولا يتصل ببقية الجوانب أي اتصال..
وذلك وهم ظاهري، كوهم تجزؤ الإنسان إلى جسم وروح منفصلين.
وَهْمٌ يغرى به بروز أحد هذه الجوانب في لحظة وتَوراِي الجوانب الأخرى مؤقتاً وراء هذا البروز.
فحين يعمل الإنسان بجسمه، ويستغرقه العمل، يخيل إليه أن هذا النشاط المادي منفصل ومستقل، وأنه في لحظة الاستغراق هذه لا صلة له بأي شيء معنوي في نفسه أو في الحياة.
وحين يستغرق الإنسان في لحظة تعبد، فقد يخيل إليه أن هذا النشاط الروحي منفصل عن بقية كيانه، وأنه في لحظة الاستغراق هذه لا صلة له بشيء مادي في نفسه أو في الحياة.
والحقيقة أن هذا الانفصال لا يمكن أن يحدث.. وإن توارت الصلات أو نسيها الإنسان.
فهو حين يعمل بيديه ويستغرقه العمل.. قد ينسى "لماذا" يعمل. ولكن نسياته للهدف في لحظة الاستغراق لا يعني أن الهدف غير موجود، ولا أنه –حين بدأ العمل أول مرة- لم يكن عالماً بهذا الهدف ومدركا له. ومن ثم يرتبط العمل بالهدف في عالم الحقيقة، ويرتبط به كذلك في داخل نفسه، وإن نسي هو هذا الارتباط في بعض الأحيان. ويصبح العمل –المادي- أمراً مادياً ومعنوياً في ذات الوقت، محققاً لكيان الإنسان الموحد المجتمع المترابط، الذي لا يصدر فيه شيء عن الجسم وحده ولا عن الروح.
وحين يستغرق في لحظة عبادة.. فقد ينسى أثر هذه اللحظة في كيانه المادي –الجسمي- لأن جسمه في هذه اللحظة مستريح. والجسم مكّون بحيث لا يحس الإنسان بوجوده إلا إذا كان متألماً موجوعاً. أما في حالته الطبيعية التي لا يتألم فيها من جوع أو عطش أو مرض أو تهيج، فالإنسان لا يحس بوجوده على وجه التحقيق! ومع ذلك فالجسم موجود! وهو يتلقى وقع هذه اللحظة الروحية ويتأثر به نشاطاً وخفة إذا كانت في حدود ما يَحْتَمِلُ. ويتأثر به ألماً وإجهاداً وإنهاكا إذا كان فيها مشقة –ولو لم يتحرك الجسم من مكانه!- فالمشاعر ذاتها تجهد الجسم أحياناً إذا زادت عن احتماله. وهكذا يرتبط الجسم بالروح في لحظة العبادة.. يرتبطان في عالم الحقيقة وفي داخل النفس، وإن سها الإنسان لحظة عن هذا الارتباط!
وقياساً على هذين المثالين تجري الأمور كلها في حياة الإنسان.
فقد يخيل للإنسان وهو يضع خطة اقتصادية.. أو يخيل إليه وهو يشاهد النشاط الاقتصادي للبشر على الأرض.. أن "الاقتصاد" قوة منفصلة في كيان الإنسان، أو منفصلة عن كيان الإنسان. وأنه لا صلة لها بعالم الفكر وعالم الروح، ولا بالقيم الخلقية والمعنوية.
وهذا وهم مستحيل الحدوث. فالنشاط الاقتصادي تنشأ عنه علاقات معينة بين البشر بعضهم وبعض. علاقات مودة أو علاقات تنافس أو علاقات نضال وعداء. وفي كل حالة من هذه يرتبط النشاط الاقتصادي بالجانب "المعنوي" للإنسان، ويكيف مشاعره وأفكاره وطريقة تناوله لشئون الحياة. ومن جانب آخر تؤثر الرغبات والنوازع الفطرية، وما ينشأ عنها من أفكار وتصورات.. تؤثر في توجيه الاقتصاد وجهة معينة في أية لحظة من اللحظات. "فالرغبة" في الاستحواذ والتملك. و"الرغبة" في البروز. و"الرغبة" في الترف. و"الرغبة" في القوة والسلطان. و"الرغبة" في استعباد الآخرين أو "الرغبة" في التعاون مع الآخرين.. وما شابهها من رغبات سوية أو منحرفة، صاعدة أو هابطة، هي التي ترسم التوجيه الاقتصادي للمجتمع، وتجريه في حدودها وعلى مستواها. ومن ثم لا ينفصل الاقتصاد عن القيم الروحية والخلقية والمعنوية في واقع الحياة وفي واقع النفس، وإن خيل للناس أحياناً أنه قوة مستقلة عن كيان الإنسان.
وحين يتعبد الإنسان.. فهذه القيمة الروحية –البحتة في ظاهرها- لا تنفصل عن القيم الاجتاعية والاقتصادية والسياسية والمادية.. وكذلك حين ينفر من التعبد ويحيد عنه. ففي كلا الحالين يتأثر سلوكه العملي بهذه العبادة. فحين يكون صادقاً فيها فهو يتقن عمله المادي إرضاء لربه الذي يتعبد إليه، فيتأثر الإنتاج كمًّا ونوعاً بروح هذه العبادة. وكذلك تتأثر علاقات الاقتصاد. فالمؤمن المتعبد لا يحب أن يحرم غيره من ثمرة عمله، ولا أن يستأثر دونه بالكسب.. فتنشأ روح من التعاون والتكافل تسيّر الاقتصاد في طريق خاص. وحين لا يكون صادقاً في تعبده، أو يكون نافراً منه حائداً عنه، فلن يهتم بالإتقان –ما لم تكن هناك عوامل أخرى تدفعه إليه أو تجبره عليه- كالرغبة في الاستغلال أو الخوف من سلطان الدولة أو صاحب العمل- ولن تنبت في نفسه مشاعر التعاون والتكافل، ويسير الاقتصاد في خط السلب والنهب والاغتصاب الذي يأخذ صورة الإقطاع أو الرأسمالية.. أو يأخذ خط العبودية للدولة صاحبة السلطان.
وهكذا ترتبط القيمة الروحية بالقيم المادية والاجتماعية والسياسية بلا انفصال.
وحين ينهمك شخص فرد في نشاط جنسي حلال أو حرام في لحظة معينة، فقد يخيل إليه أن هذه اللحظة منفصلة عن كل "القيم" وأنها مجرد شهوة بدنية واستجابة لهذه الشهوة.
وقد مر بنا الحديث عن استحالة الانفصال بين الجسم والروح في العمل الجنسي –في الحالة السوية- ما دامت هناك "مشاعر" تربط بين الجنسين، وسع من دائرة العمل الجسدي.
ولكنا هنا نريد أن نعرض الأمر في نطاق أوسع.. فهذا النشاط الجنسي الفرد ليس فرداً في الحقيقة، ما دام واقع البشر أنهم يعيشون في مجتمع (وهذا المجتمع ذاته قد نشأ في الأصل نتيجة للنشاط الجنسي للأفراد!) فكل نشاط جنسي فرد، أيًّا كان نوعه يؤثر بالتالي في المجتمع، قيمه وأفكاره ومادياته ومعنوياته. ويتأثر به. فحين يحرص هذا الفرد على أن يكون نشاطه الجنسي حلالا –أي في الحدود المشروعة- فقد التزم منذ البدء "بقيمة" من القيم. وسواء تيقظ لهذه القيمة في كل مرة أو كمنت في حسه، فهي موجودة، وهو عالم بها ومدرك لها منذ أول الأمر. وحين لا يبالي بهذه القيمة، ويقوم بنشاط غير مشروع، فهنا كذلك لم ينفصل العمل عن القيمة المصاحبة له. وإنما الذي حدث أن هذا الشخص قد استبدل بالقيم العليا قيماً أخرى هابطة، استمدها من رأيه الخاص أو من المجتمع من وحوله. وسواء نسي قيمه الهابطة في أية مرة أو تذكرها، فهي موجودة في حسه، وهو عالم بها ومدرك لها منذ البدء. وعلى ذلك يرتبط هذا العمل الجسمي الخالص بالقيمة المصاحبة له. ولا ينفصلان.
ثم ينشأ عن كل من الأمرين آثار حتمية في كيان المجتمع كله. فالمجتمع هو مجموع الأفراد. وحصيلة تصرفات الأفراد، وأفكارهم ومشاعرهم، والقيم التي يؤمنون بها، والأعمال التي يقومون بها، هي في النهاية التي ترسم خط سير المجتمع وتحدد منهاجه. فحين يحرص الأفراد على أن يكون نشاطهم الجنسي في دائرة النظافة المشروعة، فإن المجتمع يأخذ صورة معينة من الترابط والقوة وانطلاق الطاقة الحيوية نحو العمل الصاعدة النظيف. وحين ينغمسون في نشاط دنس، فإن صورة المجتمع تتحول إلى التحلل والتفكك، وتنطلق الطاقة الحيوية في سبيل الانحراف. وحين يكون الأفراد خليطاً من هؤلاء وهؤلاء، فالمجتمع سائر في طريق الضعف أو طريق القوة بمقدار ما يشير إليه اتجاه الأفراد: وهل هم يتزايدون في طريق النظافة أو يتزايدون في طريق الهبوط.
وهكذا يرتبط الفرد بالجماعة في لحظة الجنس العابرة، ارتباط العمل الجسمي بالقيم والأفكار.
ومن حيث استعرض الإنسان حقائق الحياة البشرية فهو لا بد واصل إلى هذه النتيجة في النهاية، وهي ارتباط النشاط البشري كله بعض ببعض، وتأثره كله بعضه ببعض.
وهذه الحقيقة الواقعة في الحياة هي انعكاس للحقيقة النفسية الداخلية العميقة.. وهي توحُّد الكيان البشري وترابطه، برغم ما فيه طبيعته من ازدواج.
الأمور كلها مرتبطة في داخل النفس. وإشعاعاتها في الحياة قد تصل إلى آماد وسعة وآفاق مترامية بعيدة جدا عن منبعها في داخل النفس. ولكنها تظل مترابطة متشابكة، لأنها صادرة عن كيان موحد مترابط متشابك معقد التركيب!
كل ما في الأمر أنه يحدث في لحظة من اللحظات بروز في جانب من الجوانب في حياة الإنسان:
يبرز العامل الاقتصادي في لحظة..
ويبرز العامل الروحي في لحظة..
ويبرز العامل الجنسي في لحظة..
وذلك انعكاس طبيعي لبروز بعض الجوانب الإنسانية وتَواري بعضها الآخر. ولكن الحقائق الثلاث التي تصدق على عالم النفس تنعكس بدورها على الحياة البشرية: أن بروز هذا الجانب أو ذاك لا يفصله في أية لحظة عن بقية الجوانب. وأن النفس تتداول البروزات والانحسارات على الدوام، فلا تثبت على بروز واحد أو انحسار واحد إلا في حالات الاختلال.
وأن هذا التداول المستمر يساعد على إحداث التوازن في النفس.. وفي الحياة.
* * *
ومن ثم تبدو ضخامة الغلطة التي يرتكبها كل تفسير للنفس الإنسانية يأخذ في حسابه جانبا واحدا من كيان الإنسان.
التفسير الحيواني للإنسان.. والتفسير الروحاني الملائكي.. كلاهما مخطئ وبعيد عن الصواب.
التفسير الحيواني الذي يهمل جانب الروح، ويحاول أن يفسر الإنسان بجسده وحده: بلقمة الطعام ودفعة الجنس ومطالب المادة..
والتفسير الروحاني الذي يهمل حقيقة الجسد ودلالتها، ويحاول أن يفسر الإنسان بروحه وحدها: بإشعاعة النور والشفافية والطلاقة والإشراق..
كلاهما يتحدث عن كائن وهمي بالنسبة للإنسان!
وكلاهما يرتكب خطأ جسيما في حق الحياة وحق الإنسان!
وكل النظم التي لا تؤمن بوحدة النفس البشرية وامتزاج عنصريها الكبيرين تنحرف انحرافات خطيرة، تؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما كبت الجسد وإما كبت الروح. ثم تنعرج في انحرافات تفصيلية كثيرة تندرج تحت واحد من هذين الاختلالين الرئيسيين.
هناك نظم فصلت بين القيم الروحية والقيم المادية، فأهملت الجسد واحتقرته ونبذته، وكبتت نوازعه الفطرية وضروراته القاهرة، فلا تقضيها أصلا، أو تقضيها بتقزز ونفور. ونشأ من ذلك اختلال في داخل النفس واختلال في الحياة. فرانت السلبية على النفوس، وتأخر المجتمع وانحسر عن التقدم والانطلاق.
وهناك نظم فصلت بين القيم الروحية والقيم المادية، فأهملت الروح، ونبذت كل ما يتصل بها من قيم، فنشطت نشاطا جما في عالم المادة وعالم الجسد، ولكنها لفقرها الروحي انقلبت تتقاتل وتتنابذ، فلم تعد تعرف الراحة ولم تعد تعرف السلام.
الهندوكية والبوذية وما نحا نحوهما من الديانات والفلسفات والعقائد، كبتت الجسد لتعلي من شأن الروح، فوصلت إلى السلبية المريضة وإلى الهزال.
والمادية الأوربية كبتت الروح لتعلي من الإنتاج المادي والمتاع الجسدي، فوصلت إلى ما يشبه الحيوانية في صلات الناس بعضهم ببعض: من استعمار واستعباد واستغلال. وهبوط خلقي وروحي في أمور الجنس خاصة.. حيوانية لا تليق بالإنسان.
ثم إن أوربا المادية هي التي فصلت بين القيم المختلفة: فأقامت السياسة والاقتصاد بمعزل عن القيم الروحية. وأقامت شئون الجنس بمعزل عن الأخلاق. وشئون الدنيا بمعزل عن الآخرة. وشئون الحياة بمعزل عن الدين. وكانت النتيجة تصادم هذه القيم المقطوعة من جذورها المشتركة، والصراع المدمر العنيف، والشد والجذب في داخل النفس بصورة تتلف المشاعر وتُمْرِض الأعصاب. فوصلت حوادث الجنون والانتحار وضغط الدم والأمراض العصبية والنفسية إلى درجة لا مثيل لها في التاريخ.
وكل ذلك لأنها لم تتعرف على هذه الحقيقة النفسية ولم تُصِخ إليها: حقيقة توحد الكيان البشري، والترابط في داخل النفس الإنسانية بين الروح والجسد، والترابط فيما يصدر عنهما من إشعاعات.
والإسلام –كلمة الله إلى الأرض- هو وحده الذي تمشى مع الفطرة البشرية كما خلقها الله.
الفطرة البشرية هي قبضة الطين ونفخة الروح العلوية في ذلك الطين، وامتزاجها به وتوحدها فيه.
والإسلام هو النظام الذي يربط بين كل ألوان النشاط البشري، ويوحد بينها في الاتجاه.
يربط بين الروح والجسد ويوحد بينهما في كل ما يصدر عنهما من مشاعر وأفكار وأعمال.
الطعام والشراب يبيحه.. ثم يجعله باسم الله.. أي يجعل له قيمة روحية مصاحبة. وبهذا يجعل الطعام والشراب مسألة إنسانية لا حيوانية. ويقضيهما الإنسان على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان. ويكون بذلك متمشياً مع الفطرة السوية التي أودعها الله في الإنسان.
وحين يجعلهما باسم الله، فهي ليست كلمة تقال.. وإنما هي حقائق كثيرة تجعل الارتباط كاملا فيهما بين نشاط الجسم ونشاط الروح.
فالطعام ينبغي أن يكون من حلال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً"28. "وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً"29.
وأن يذكي هو ذاته قبل تناوله بقراءة اسم الله عليه، أي بربطه بالله في الوجدان: "وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ"30.
وألا يسرف الإنسان فيه بلا ضابط: "وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ"31.
وألا يستأثر به وحده: "فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ"32.
وألا يجعله همه الشاغل، ولا هدفاً في ذاته، وإنما وسيلة لهدف: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"33.
وبهذا كله يصبح الطعام مسألة جسمية روحية في ذات الوقت، وبتعبير آخر يصبح نشاطا إنسانياً صادرا عن الكيان الإنساني الواحد المجتمع المترابط، الذي لا ينفصل فيه كيان عن كيان.
والإسلام يبيح النشاط الجنسي.. ولكنه يجعله كذلك باسم الله.
فهو أولا يشترط أن يكون حلالاً طيباً لا عن طريق الفاحشة: "الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ... إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ..."34.
ثم جرت السنة على قراءة اسم الله قبل العمل الجنسي ذاته، أي ربط العمل بالعبادة والتوجه به إلى الله.
ثم يكون في ذاته نظيفاً وطاهراً: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ"35.
ثم لا يكون عملاً جسدياً خالصا على طريقة الحيوان:
فأولا: تصاحبه أقوال ومداعبات تلطف من غلظ الحس. وفيما روت عائشة رضي الله عنها من حال الرسول صلى الله عليه وسلم معها ما يثبت هذا المعنى ويؤكده، فقد روت من أنواع المداعبة الكثير.
وثانياً: يذكّر الإنسان بأن الجنس وسيلة لهدف، وليس هدفاً في ذاته: "نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ"36 والإشارة في الحرث واضحة إلى البذرة والإنبات.. أي النسل عن طريق المجاز.
وثالثاُ: يُجْعَل علاقة روحية ووجدانية إلى جانب كونه علاقة جسدية: "هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ"37. "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً"38.
وبهذا يصبح الجنس نشاطاً جسمياً روحياً، أو "إنسانياً" بتعبير آخر، صادراً عن الكيان المجتمع للإنسان.
* * *
ثم يجعل مختلف ألوان النشاط الإنساني في الحياة ممتزجة مترابطة على ما هي عليه في حقيقة النفس:
العمل والعبادة أمران مرتبطان:
فكل عمل يتوجه به الإنسان إلى الله فهو عبادة. بل هو العبادة: "لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ"39.
والعبادة عمل يشترك فيه الجسم إلى جانب الروح:
فالصلاة –وهي عنوان العقيدة ولبابها- حركة جسم متطهر إلى جانب حركة روح متطلعة تحاول في خشوعها أن تتصل بالله. وهي لا تصح بأحد العنصرين دون الآخر. لا تصح دون تهيؤ الجسم لها بالتطهر والوضوء واشتراكه في الحركات والسكنات في القيام والركوع والسجود؛ ولا تصح دون تهيؤ الروح بالوعي والخشوع والتطلع إلى الله: "فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ"40. " قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ"41.
والصيام امتناع جسمي عن الطعام والشراب، وتحمل للجوع والعطش، إلى جانب تقوى المشاعر وانطلاقة الروح. ولا يصح بأحد العنصرين دون الآخر. لا يصح دون اشتراك الجسم بالامتناع عن المباح من الطعام والشراب والمتاع. ولا يصح دون اشتراك الروح بالتقوى، والامتناع عما يفسد جو الصيام من قتال أو خصام أو فحش في القول أو فحش في النظر أو فحش في الفعل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"42.
"الصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، إني صائم"43.
"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"44.
والزكاة "أعمال" محسوسة تؤدّى إلى جانب التطهر الروحي، ولا تصح بأحد العنصرين دون الآخر. لا تصح بالنية الطيبة دون عمل حسي يؤدّى، من إنفاق للأموال وبر بالفقراء مما يملك الإنسان نقداً وعيناً. ولا تصح بالإنفاق دون طهارة النفس من الداخل والبذل عن طيب خاطر: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا"45. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ"46. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ"47.
والحج كذلك أعمال جسدية وحركة روحية. ولا يصح بأحد العنصرين دون الآخر. لا يصح بدون الحركة الجسدية من توجه وانتقال وسفر وتجرد من المخيط.. الخ. ولا يصح دون التزام التقوى والتطهر والخشوع: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ"48.
وبذلك يرتبط العمل والعبادة ويمتزجان، كامتزاج الجسم والروح في داخل الكيان.
والقيم المادية والقيم المعنوية مرتبطتان.
الإنتاج المادي والنظم الاقتصادية ليست منفصلة عن القيم المعنوية التي تحكمها:
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
والمال ينبغي أن يوزع على الناس: "كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ"49.
والأخلاق عنصر مرتبط بكل العمليات الاقتصادية من بيع وشراء وتملك وإنتاج: "رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى"50.
والربا يحرم تحريما شديدا لما يحمله في طياته من الظلم الاجتماعي والاقتصادي، ويرتبط تحريمه بغضب الله، بل بالحرب من الله ورسوله: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ، وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"51.
والاحتكار ملعون: "من احتكر فهو خاطئ"52.
وبهذا ترتبط المعاملات الاقتصادية بالقيم الخلقية والروحية، كما هي مرتبطة في داخل النفس وفي واقع الحياة.
* * *
وترتبط الدنيا بالآخرة والأرض بالسماء..
إن الدنيا ليست مملكة الجسم والآخرة مملكة الروح.. بل هما مملكة الجسم والروح في آن. وهي رحلة واحدة أولها في الدنيا ونهايتها في الآخرة بلا انفصال.. والإنسان يقطعها من أولها إلى آخرها وهو بذاته "الإنسان".
والإسلام في هذه النقطة بالذات واضح شديد الوضوح. فتوجيهات القرآن كلها إلى الناس في الأرض، ومشاهد القيامة التي تصف أحداث اليوم الآخر، كلتاهما تربط ربطاً شديداً بين الدنيا والآخرة بحيث يقرّ في قلب الإنسان أنهما شيء واحد متصل وليسا شيئين منفصلين:
كل عمل من أعمال الدنيا يقال للإنسان فيه اتق الله واليوم الآخر. وكل عمل في الأرض يذكّر الإنسان فيه بالآخرة:
"وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ"53.
" فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ"54.
"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً"55.
"أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ"56.
"يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ"57.
"سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"58.
"كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"59.
"قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"60.. الخ. الخ.
وحين يصنع الإسلام ذلك فهو يتمشى تمشياً كاملا مع الفطرة السوية التي خلق الله بها الإنسان. "فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ"61. ويكون مطابقاً –بدرجة معجزة- للكيان الإنساني الفذ، الذي خلقه الله متفرداً بين جميع الخلق، وأرسل له هذا المنهج المتفرد، المفصل على قده، المضبوط على كل دقائقه وتفصيلاته؛ والشامل في الوقت ذاته لكل نشاط في الحياة البشرية منبثق عن كيان الإنسان.

خطوط متقابلة في النفس البشرية
في كتاب "منهج التربية الإسلامية" فصل بهذا العنوان يقع في 67 صفحة، كان موضعه في الحقيقة هنا في هذا الكتاب! ولكنه سبق مولد هذا الكتاب في نفسي، كما أنه يؤدي دوره الطبيعي هناك في "منهج التربية".. فالموضوعان متصلان ومتشابكان.
ولا أملك أن أعيد هنا ما قلته هناك بحذافيره! ولكني أعيد عرض الفكرة هنا بما يناسب الدراسة النفسية التي نحن بصددها في هذا الكتاب.
* * *
قلنا في الفصل السابق ونحن نستعرض الطبيعة المزدوجة للكيان البشري، إن هناك مظاهر كثيرة لهذا الازدواج. ثم بدأنا بأول هذه المظاهر وأوضحها وهو حقيقة الجسم والروح.
وهنا نتحدث عن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية. وهي مظهر آخر من مظهر الازدواج في تلك النفس.
"إن من عجائب التكوين البشري تلك الخطوط الدقيقة المتقابلة المتوازية، كل اثنين منها متجاوران في النفس وهما في الوقت ذاته مختلفان في الاتجاه: الخوف والرجاء.. الحب والكره.. الاتجاه إلى الواقع والاتجاه إلى الخيال.. الطاقة الحسية والطاقة المعنوية.. الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بما لا تدركه الحواس.. حب "الالتزام" والميل للتطوع.. الفردية والجماعية.. السلبية والإيجابية.. إلخ. كلها خطوط متوازية ومتقابلة. وهي –باختلافها ذلك وتقابلها- تؤدي مهمتها في ربط الكائن البشري بالحياة، كأنما هي أوتاد متفرقة متقابلة تشد الكيان كله، وتربطه من كل جانب يصلح للارتباط! وفي الوقت ذاته توسع أفقه وتعدد جوانبه وتفسح مجال حياته، فلا ينحصر في نطاق واحد ولا مستوى واحد. وبذلك يتحقق للإنسان كيان فريد في كل ما نعرف من مخلوقات الله. كيان يرجع في النهاية إلى النشأة الأولى العجيبة المعجزة: قبضة الطين ونفخة الروح"62...
* * *
هذه الخطوط المتقابلة عجيبة من عجائب التكوين البشري، وأعجب ما فيها هو الترابط القائم بين كل زوج منها رغم التقابل الكامل بينهما في الاتجاه.
كيف نشأت هذه الخطوط في نفس الإنسان؟
هل نستطيع أن نقول إنها نتيجة مباشرة لقبضة الطين ونفخة الروح؟
هل نستطيع أن نقول إن بعضها من طبيعة الطين وبعضها من طبيعة الروح؟
علم ذلك عند الله! وهو وحده الذي يعلم اليقين! وما نملك هنا القطع بشيء كما قطعنا بالحقيقة الأولى: حقيقة الجسم والروح. فهناك نستمد اليقين من كلام الله ذاته. أما هنا فهو مجرد حدس قد يخطئ وقد يصيب!
حسبنا إذن أن نصف هذه الخطوط وآثارها في كيان الإنسان وحياته.. دون أن نقطع في أمر نشأتها الأولى بيقين.
* * *
كل خطين متقابلان في الخلقة، متضادان في الاتجاه.. ومع ذلك فهما مترابطان، ويبلغ من ترابطهما أن يعملا معاً أحياناً في ذات الوقت وفي ذات المجال..
وقد التفت فرويد إلى خطين اثنين فقط من هذه الخطوط المتقابلة، هما خطا الحب والكره، وراح ينشئ حولهما نظرية بأكملها سماها نظرية "الازدواج العاطفي Ambivilence" ويقصد به على وجه التحديد أن الإنسان يحس بالحب والكره معا وفي ذات الوقت تجاه كل شيء وكل شخص في الوجود! وبلا سبب واع ولا سبب معقول! ففي اللحظة التي يولد فيها الحب في النفس تجاه أي شيء أو أي شخص، يولد معه الكره تلقائيا وبنفس القوة تجاه الشيء ذاته أو الشخص ذاته! ولما كان من المستحيل أن يظهر الإحساسان معاً في دائرة الشعور، فإن واحدا منهما فقط هو الذي يظهر على السطح وهو الحب –لأنه هو الذي يسمح المجتمع بظهوره! (ولم يقل لماذا!) – ويرسب الثاني –وهو الكره- في اللاشعور. ومن ثم يصبح كل حب ظاهر على السطح "تمويها" عن الكره الراسب في الأعماق! وبمقدار ما يكون الحب الظاهري قويا يكون الكره المكبوت في اللاشعور! وهكذا يكون ظاهر النفس الإنسانية هو الحب، بينما الباطن –بلا سبب- مملوء بالأحقاد!
وقد استبعد فرويد -في إصرار- كل حالة يكون فيها الكره المكبوت في اللاشعور ناشئا عن سبب –أي سبب!- كأن يكون الإنسان الذي تحبه قد تسبب في إغضابك أو إيلامك أو إزعاجك، فتكرهه لهذا السبب، ولكنك تغلب الحب على الكره، "فتكبت" الكره في اللاشعور..
كلا لا يقصد ذلك! فهنا "سبب".. واع أو غير واع.. ولكنه يصر على أن الازدواج العاطفي تجاه الشيء الواحد أو الشخص الواحد يحدث بلا سبب.. فهو هكذا في صميم الفطرة!
ومن هنا –وبلا سبب- يحب الولد أمه ويكرهها. ويحب أباه ويكرهه. والأم تحب ولدها وتكرهه. والوالد يحب ولده ويكرهه. والزوج يحب زوجته ويكرهها. والزوجة تحب زوجها وتكرهه.. إل.. إلخ!
ويقيم فرويد على هذه "النظرية" نصف تفسيره على الأقل للنفس البشرية! فهذا الكره المكبوت –بلا سبب- هو الذي يوجه مشاعر الأفراد والجماعات، ويؤثر كذلك في العمل والسلوك. ومن هذا الكره –أو بالأحرى من الصراع الدائر بين الحب الظاهري والكره المكبوت- نشأ الدين والحضارة وتقاليد المجتمع.. وكل مظهر من مظاهر البشرية!!
وهو تعسف وتعنت لا يحمل الدليل! وما كان ينبغي "لعالِم" أن يلقي القول هكذا على عواهنه بلا دليل!
ولقد كشف هو نفسه عن زيف هذه النظرية كلها في سطرين اثنين من كتابه "Totem and Taboo" حيث قال في ص 139 –دون انتباه منه لما سبق أن قرره في هذا الكتاب وفي كل كتاب سواه-: "إن الكراهية التي تنشأ في نفس الولد نحو أبيه بسبب منافسته على أمه، لا تستطيع أن تستولي على نفسه دون أن تتعرض للمنع والحجر، فإن عليها أن تصارع الحب والإعجاب اللذين شنآ قبل ذلك في نفسه تجاه الشخص ذاته" (أي تجاه الأب).
وهكذا يقر –من حيث لا يدري- بأن الحب والكره لا ينشآن نشوءا ذاتيا في نفس الوقت. فقد كان الحب موجودا قبل ذلك بمفرده دون أن يصحبه الكره. ثم إن الكره لا ينشأ هكذا بلا سبب. فقد نشأ في هذه الحالة –فيما يزعم فرويد- بسبب منافسة الأب للابن على شخص الأم!
ولو فتح فرويد بصيرته، وتخلى عن الأوهام التي سيطرت عليه في تفسير النفس الإنسانية، لكان حريا أن يرى أولا أن الخطوط المتقابلة ظاهرة عامة في الكياة النفسي، وليست خاصة بالحب والكره. فقد أحصينا منها ثمانية أزواج هنا، وربما يتسع البحث لمزيد! وأن يرى ثانيا أنها ليست متزاحمة –رغم تقابلها- بحيث يظهر أحدها على السطح فيختفي الآخر في اللاشعور، فمن الممكن –كما سنرى- أن تظهر كلها في دائرة الوعي بلا تعارض ولا اصطدام. وإن اصطدمت فلسبب يحملها على الاصطدام. وأن يرى أخيرا أنها في حاجة إلى تفسير أشمل من تفسيره الذي يقتصر على خطين اثنين من خطوط النفس، والذي يتعسف فيه كل هذا التعسف بلا دليل، ثم ينقضه كله دون أن يتنبه في سطرين من كتاب!
ولكنا مع ذلك نسجل الحقيقة الجزئية التي اهتدى إليها، وهي اتصال خطي الحب والكره في داخل النفس، ثم نقول إنه ليس الحب والكره وحدهما هما الخطين المتقابلين في النفس البشرية، فهناك مجموعات عدة من الخطوط المتقابلة. وليس الاتصال والترابط قائما بين هذين الخطين وحدهما، وإنما هي ظاهرة عامة تشمل كل الخطوط.

الخوف والرجاء
"خطان متقابلان من خطوط النفس، يوجدان فيها متجاورين مزدوجي الاتجاه.
"إن النفس –بطبيعتها- لتخاف وترجو. هكذا ركب في فطرتها.. يولد الطفل وفيه هذان الاستعدادان متجاورين. يخاف الظلمة ويخاف الوحدة ويخاف السقوط ويخاف الاصطدام ويخاف المناظر التي لم يألفها والأشخاص الذين لم يألفهم.. ويرجو.. يرجو الأمان والراحة والدفء والاستقرار في حضن أمه وهو يرضع، وبعد ذلك في حضن أمه وفي حجر أبيه وفي يد من يستريح إليهم من الناس. وينمو الطفل وينمو معه هذان الخطان المتقابلان. وتتنوع المخاوف ويتنوع الرجاء، ولكن الخطين هما هما، في تقابلهما وازدواجهما، يحددان له مشاعر الحياة واتجاهاتها. يخاف الموت، ويخاف الفقر، ويخاف العجز، ويخاف الخيبة، ويخاف الخزي، ويخاف الألم الحسي والمعنوي، ويخاف المجهول.. كلها مخاوف. كلها أنغام مختلفة تصدر عن هذا الوتر الواحد الذي يعتبر –كزميله المقابل له- أقوى الأوتار و"أوسعها" من القمة إلى القرار.. وهو كذلك يرجو الاستقرار والأمن والراحة كما كان يرجوها وهو طفل، ولكن على مستويات أعلى وأوسع، ويرجو التوفيق ويرجو القوة، ويرجو المكانة، ويرجو الجاه، ويرجو النعيم، ويرجو آمالا شتى لا تنقضي.. ولا تحصى. كلما تحقق أمل جدّ أمل جديد.
"والخوف والرجاء بقوتهما تلك وتشابكهما واختلاطهما بالكيان البشري كله في أعماقه، يوجهان في الواقع اتجاه الحياة ويحددان للإنسان أهدافه وسلوكه، ومشاعره وأفكاره، فعلى قدر ما يخاف ونوع ما يخاف.. وعلى قدر ما يرجو، ونوع ما يرجو.. يتخذ لنفسه منهج حياته، ويوفق بين سلوكه وبين ما يرجو وما يخاف"63.
* * *
هذان الخطان –فيما أرى- هما أسع وأعمق الخطوط المتقابلة في النفس البشرية. أوسع وأعمق من خطي الحب والكره الذين ركز فرويد عليهما انتباهه. فالطفل قبل أن يتعلم الحب والكره، وهما شعوران يتجهان نحو الخارج –نحو الآخرين- نحو العالم الخارجي – يحس إحساساً فطرياً بالخوف على ذاته، وإحساساً فطرياً آخر بالأمن على ذاته في حضن مرضعته- وهي أمه في الغالب. وهذا أمر منطقي فذاته –في مبدأ الأمر- هي عالمه كله، والخوف عليها وطلب الأمن لها هما أول شعورين "منطقيين" مع هذا الكيان المركز في الذات. وثدي الأم (أو المرضع) وحضنها، هما أقصى ما "يرجوه" في عالمه الصغير هذا المتصل اتصالا مباشراً بذاته، وذلك قبل أن "يعرف" من هي أمه أو مرضعته، أو ما هو الثدي الذي يطعم منه؛ وقبل أن يحس "بالحب" نحو شخص الأم.. والبعد عن الثدي أو الحضن هو أشد ما "يخافه" في تلك الفترة، قبل أن "يعرف" شيئاً يحس نحوه "بالكره".
وإنما يجيء الحب والكره تالبين في نفسه للرجاء والخوف.. حين يتسع عالمه قليلا، ويشرع في الخروج من ذاته، فينشئ صلات "نفسية" بمن حوله وما حوله، تَعْبُرُ على قنطرة الصلات "الجسمية" أولا، على قنطرة الثدي والحضن، ثم تستقل عنها، فتصاحبها أو لا تصاحبها.. حسب الأحوال.
ومن هنا كان خطا الخوف والرجاء أعمق الخطوط لأنهما أول الخطوط تميزاً في كيان النفس، ولأنهما ألصق الخطوط بالذات...
وبصرف النظر عن طبيعة الصلة بين حقيقة الجسم والروح وبين خطي الخوف والرجاء، ومدى نشوء الحقيقة الثانية من الحقيقة الأولى –وهي مسألة لا نقطع فيها بيقين- فإن الخطين –كما رأينا- يعملان معاً مترابطين ومتصلين، كالترابط القائم بين الجسم والروح!
يعملان معاً في نطاق واحد وفي "موضوع" واحد، هو في مبدأ الأمر الثدي والحضن.. أو هو من ناحية أخرى تلك العملية "البيولوجية" المتصلة بالغذاء.
وعلى ضوء هذه الحقيقة تتضح لنا جملة أخطاء في نظريات فرويد، يحسن أن نلم بها قبل أن نمضي في الطريق:
الخطأ الأول –وقد ذكرناه من قبل- أن خطي البشرية الأولين –قبل الحب والكره- هما الخوف والرجاء. ومن ثم لا يجوز تفسير النفس البشرية من خطي الحب والكره دون خطي الخوف والرجاء.. على أنه من الخطأ في الحقيقة تفسير النفس بأي من هذه الخطوط وحدها دون بقية الخطوط. فقد أكدنا هذه الحقيقة من قبل: أن النفس تعمل بمجموعها كله. وكل تفسير لها بجزء منها منفصل ومستقل، هو تفسير مشوه وخاطئ. وإذا كنا نضطر هنا "لتنصيص" النفس وتجزئتها، فتلك ضرورة من ضرورات البحث لا تعني مطلقاً أن النفس هكذا في حقيقتها. وكل الخطوط المتقابلة في النفس البشرية هي أجزاء من الكيان الشامل، ولكنها –رغم وضوحها وتميزها الذاتي- لا تعمل وحدها أبدا، ولا تعمل بمعزل عن بقية الخطوط. وإنما تعمل كلها متشابكة مترابطة متصلة –لا كل زوج بنفسه فحسب- بل كل الأزواج في وقت واحد وفي جميع الحالات، مع بروز مؤقت لبعض الخطوط وانحسار مؤقت لبعضها الآخر.. ولكن دون استقلال ولا انفصال.
والخطأ الثاني: أن الخطين المتقابلين يمكن أن يعملا معاً وفي ذات الوقت في دائرة الشعور والوعي –أو في دائرة اللاشعور- دون أن يستلزم ظهور أحدهما "كبت" الآخر ودفنه في اللاشعور! فمخاوف الرضيع وآماله -كما رأينا- تدور حول الثدي والحضن والراحة والأمن. وهو إذ يتشبث بالثدي فهو "يرجوه" و"يخاف" أن ينتزع منه في ذات الوقت بلا تعارض! فإذا اطمأن إلى وجوده في شفتيه وراح يمتص منه رحيق الحياة فقد ينسى –مؤقتاً- خوفه على ضياعه. ولكنه لا يحتاج أن "يكبت" هذا الخوف فهو موجود –مع الرجاء- في دائرة الشعور. ثم إن الرغبة في الثدي والخوف من انتزاعه، قد يهبطان معاً إلى دائرة اللاشعور حين يكبر الطفل، فيكونان معاً على درجة واحدة من الشعور أو اللاشعور.
وسنرى عند الحديث عن الحب والكره، كيف يمكن أن يتصل هذان الخطان في نطاق الشعور، ونطاق اللاشعور، على نسق ما ينصل خطا الرجاء والخوف سواء بسواؤ.
والخطأ الثالث: أن أول خطين يبرزان في النفس البشرية ويأخذان في العمل، وهما الخوف والرجاء، لا يتصلان أدنى اتصال بأسطورة الجنس التي بنى عليها فرويد كل أوهامه، وراح يفسر بها في تعسف كل كيان النفس وكيان الحياة! فهما متصلان بالعملية البيولوجية الأولى وهي حفظ الذات عن طريق الطعام. ولا يمكن بحال من الأحوال أن تكون "جنسية" ما دام يستوي فيها الرضيع الذكر والرضيع الأنثى بنفس الصورة ونفس التفاصيل. وحين يتمحل فرويد فيقول إن الإحساس البيولوجي عند الرضيع هو إحساس جنسي، وإن كل لذة بيولوجية من طعام أو شراب أو تبول أو تبرز هي لذة جنسية، فعليه وزر هذا التمحل وحده.. فليس له عليه من دليل! والحيوان ذاته -أبو الإنسان في رأي دارون وفرويد- لم يقل عنه أحد إنه يتناول طعامه بلذة جنسية، فما بال الإنسان وحده هو الذي تنصب عليه لعنة الجنس من المولد إلى الممات؟!
.. وإذ تبينا هذه الأخطاء في نظرية فرويد، نمضي في الحديث عن خطي الخوف والرجاء.
* * *
الطفل البشري شديد الشبه بالحيوان.. فهو يعيش في نطاق ذاته وفي نطاق جسمه.. ولكنه سرعان ما ينمو نفسياً وشعورياً، لأن في كيانه الاستعداد الفطري لهذا النمو.
ولا يعنى ذلك بطبيعة الحال أنه يكون جسماً خالصاً في أية لحظة من اللحظات عند مولده!
ولكنه يعنى على وجه التحديد أن الجانب الواعي منه –الناشئ في الفطرة من نفخة الروح في قبضة الطين- يكون "كامنا" في كيانه لم ينشط بعد، ولم يبرز إلى عالم العيان. كما تكون "الرؤية" كامنة في جهازه العصبي ولكنها غير ظاهرة في عينيه في الأيام الأولى من الميلاد64.
ومن ثم فإن خطّي الخوف والرجاء يعملان بادئ ذي بدء في نطاق الحس ثم يأخذان رويداً رويداً يعملان عل مستوى الكيان المتكامل الذي يشمل الجانب الحسي والمعنوي ممتزجين متحدين.
فهو في أيامه الأولى يخاف ويرجو –كما أسلفنا- في نطاق الثدي والحضن الآمن فحسب. أي في النطاق المحسوس وحده، وفي النطاق المباشر. ولكنه بعد فترة.. بعد أن يعمل "الوعي" في كيانه.. يأخذ يخاف من الظلمة.. ومن الوحدة.. ومن وجوه الآخرين! وهي أشياء لم يكن ليخاف منها في بادئ الأمر لأنه لم يكن على وعي بوجودها!
وإذا كانت هذه أموراً حسية، ولكن على نطاق أوسع من الثدي والحضن، فإنه بعد فترة أخرى يبدأ يخاف ويرجو على نطاق معنوي وإن كان –بعد- على مقربة من النطاق الحسي. فهو حين يخاف من الوقوع، أو من الصعود على شيء مرتفع لا يكون الأمر حسياً بحتاً، وإنما يصاحبه لون من "التصور" للمسافات والأبعاد، والآثار الحسية التي تنجم من السقوط. بينما كان الفزع من الظلمة أو الوحدة في المرحلة السابقة خوفا "غريزيا" لا ينشأ من تصور شيء معين بالذات (وهو يفترق طبعاً عن الخوف الذي يمارسه الأطفال الأكبر سناً من الظلمة والوحدة، والذي ينشط فيه الخيال فيهيء للطفل مئات من الكائنات المخيفة والحالات المفزعة تثير الفزع في حسه).
فإذا ارتقى درجة أخرى أصبح يخاف ويرجو في نطاق المعنويات إلى جانب الحسيات.. "فيخاف" من تعبير الناس له إذا أخطأ في أداء عمل معين. و"يرجو" أن يوفق فينال إعجابهم. ويخاف أن يحرم من رضا أبويه عنه إذا أتى عملاً معيناً ينهيانه عنه، ويرجو أن ينال رضاهما بإتيان ما يشجعانه عليه من الأعمال..
وهنا يبدأ في دخول عالم "القيم"..
لقد بدأ مرحلة حاسمة من مراحل نضوجه.. فلم يعد العمل –أيّ عمل- مستقلا في حسه وقائماً بذاته، وإنما أصبحت تصاحبه "قيمة" من القيم..
قيمة تبدأ على نطاق أشبه بنطاق الحيوان.. بطريقة الفعل الشرطي المنعكس.. طريقة التلازم اللاإرادي بين الفعل ورد الفعل [كما يُعَوَّدُ الكلب مثلا على أن يُدَقّ له جرس ثم يعطى الطعام. فيتلازم الجرس والطعام في جهازه العصبي. فإذا سمع الجرس بعد ذلك سال لعابه حتى ولو لم يكن هناك طعام]!
ولكنها سرعان ما تنتقل إلى دائرة الوعي.. و"يفكر" فيها الطفل تفكيراً ملياً.. و"يتعلم" أنه حين يقوم بعمل ممنوع يصيبه الأذى، وحين يقوم بعمل مرغوب يصيبه ما يسره ويبهجه.
وهذه الخطوة ذاتها تبدأ أولا على نطاق حسي.. فاللذة والألم اللذان يتعامل معهما أولا، واللذان يُنشئان "القيم" في نفسه هما لذة وألم حسيان. ولكنه بعد فترة يرتقي فتصبح اللذة المعنوية والألم المعنوي –كابتسام الأم وتشجيعها، أو عبوسها وتأنيبها- حافزين واقعيين لإنشاء القيم وتعميقها في النفس.
ثم تنمو نفسه وتتسع.. فيصبح الخوف والرجاء ملء عالمه كله، مشتبكين بكل حسياته ومعنوياته، بكل أعماله ومشاعره، بكل أفكاره ومبادئه.. بكل لحظة تمر عليه في هذه الحياة!
* * *
وسوف نتحدث بقدر من التفصيل عن بقية الخطوط المتقابلة في النفس البشرية. ولكن لا يفوتنا هنا أن نلاحظ ملاحظة هامة ورئيسية...
فقد رأينا ونحن نستعرض خطّي الخوف والرجاء، أننا لا نستعرضهما وحدهما في الحقيقة! فقد لمسنا معهما صراحة أو ضمنا أزواجاً أخرى من الخطوط المتقابلة في النفس.. دون أن نقصد!
لمسنا صراحة خطّي الحسية والمعنوية ونحن نشرح مراحل النمو في خطّي الخوف والرجاء! وكذلك خطّي الواقع والخيال وما تدركه الحواس وما لا تدركه الحواس! [سنعود إلى هذه الخطوط بالتفصيل لنبين ما بينها من فوارق دقيقة] ولمسنا ضمن خطّي الحب والكره وإن لم نشر إليهما إشارة واضحة. فالحب والكره شديدا الصلة بالرجاء والخوف. كل ما يرجوه الإنسان وكل من يرجوه فهو يحبه، وكل ما يخافه ومن يخافه فهو يكرهه (على وجه التقريب). و[وإن كانت هنا فروق مميزة بين الخطين سنشرحها في الفقرة التالية] كما أن كل الخطوط الأخرى التي ذكرناها في مقدمة الفصل من فردية وجماعية وسلبية وإيجابية والتزام وتطوع، متضمنّة في بعضها البعض، بحيث يستحيل فصل أيها عن الآخر رغم تميز بعضها عن بعض في "اختصاصاتها".. كما يستحيل فصل عضو من الجسم عن عضو آخر –رغم تميزه في اختصاصه- بسبب ترابط الأعضاء كلها في النهاية لتكوين جسم الإنسان.
وهذا دليل آخر نضيفه إلى ما سبق أن ذكرناه على توحد الكيان النفسي للإنسان بالرغم من ازدواج طبيعته، وما ينشأ عن هذا الازدواج من تشعب وتعدد واتساع!

الحب والكره
الحب والكره خطان شديدا العمق في النفس الإنسانية، حتى ليبدو لأول وهلة –كما بدا لفرويد- أنهما الخطان الأولان في كيان النفس. ولكنا رأينا في الفقرة السابقة ونحن نتدرج مع الطفل منذ مولده، أن خطي الخوف والرجاء أسبق ظهوراً، لأنهما ملتصقان بذات الطفل، قبل أن يعرف الحب والكره، اللذين يربطان بينه وبين عالم خارج عن كيان ذاته..
ومن ثم يبقى الخوف والرجاء –المتصلان بالذات- أعمق خطين في الكيان البشري وأوسع طين، رغم السعة والعمق اللذين يتصف بهما خطا الحب والكره في كيان الإنسان!
ويكاد الحب والكره يشملان نفس المجال الذي يشمله الخوف والرجاء، ولكن هناك فوارق في "الشكل" وفي "الموضوع".
فالدائرتان لا تنطبقان انطباقا كاملا، وإنما تشتتركان في جزء كبير منهما، ثم تختص كل منهما يجانب لا تشاركها فيه الأخرى. فالخوف والرجاء يشتركان مع الكره والحب في نطاق معين.. ولكنهما يفترقان بعد ذلك. فقد يحب الإنسان شيئاً أو شخصاً لا "يرجوه" لشيء معين. وقد يكره شيئاً أو شخصاً لا يخاف منه. وإنما يحبه لأن هناك "انسجاما" و"توافقاً" و"التقاء" و"امتزاجاً" بينهما. ويكرهه لأنه لا التقاء بينهما ولا انسجام. وفي الوقت ذاته قد يحب الإنسان شيئاً يخافه، كما يحب الإنسان المخاطر، وقد يكره شيئاً ويرجوه! كما يرجو لنفسه السلامة في موقف معين، ثم يكره ما يصيبه من خزي فيه! هذا إلى جانب أن هناك فارقاً أساسياً في "طعم" كل من الشعورين واتجاههما: الخوف والرجاء أمران لاصقان بالذات، متمركزان حولها، واتجاههما نحو الداخل. نحو المركز. أما الحب والكره فشعوران نابعان من الذات ولكن متجهان نحو الخارج.. نحو الآخرين.
* * *
ومن العسير وصف هذه المشاعر الأولية.. سواء الخوف والرجاء أو الحب والكره.. وهي من بديهيات النفس التي لا تحتاج إلى وصف، وإنما يدركها كل إنسان كما يدرك الجوع والعطش واللذة والألم بمجرد أن يمارسها في واقع كيانه. ولكن ربما كانت "الجاذبية" في الطبيعة، وهي ظاهرة تجاذب الأجسام [أو تنافرها]، هي أقرب الصور للحب والكره في النفس. وهناك –في هذا الشأن بالذات- مشابه عجيبة بين الجاذبية وقوانينها في الطبيعة، وبين الحب والكره ومظاهرهما في الإنسان:
فالذي يرقب قطعة الحديد الموضوعة أمام المغنطيس، كيف تهتز وتضطرب، ثم تتجه إلى المغنطيس في قوة متزايدة حتى تلتصق به.. ثم يرقب كيف تهتز نفس بشرية تجاه نفس اهتزازة الحب، ثم تتجه نحوها في قوة متزايدة حتى تلتصق بها ولا تريد أن تفارقها..
والذي يرقب تنافر القطبين المتماثلين في المغنطيسية.. كيف يهتز أحدهما أو كلاهما في حركة نفور وتباعد حتى ينتهي بهما الأمر على وضع من النفور.. ثم يرقب شعور الكراهية في نفسين بشريتين: كيف تهتز إحداهما أو كلتاهما في حركة نفور وتباعد حتى يستقر الأمر بينهما على النفور..
الذي يرقب هذه العملية وتلك يجب مشابه عجيبة بين هاتين العمليتين في عالم المادة وعالم النفس، حتى ليعجب بادئ ذي بدء: هل الحب والكره –في صورتهما الحسية على الأقل- ميراث ورثته النفس من مادة الكون؟!
والذي يدرس ظاهرة الجاذبية من داخلها [وإن كان لا يصل إلى كنهها، فتلك من المجاهيل التي لم تكشف للإنسان]، ويعرف سلوك الأمواج الكهرطيسية [الكهربائية المغنطيسية] التي تسبب التجاذب أو النفور، ثم يرقب "الأمواج الشعورية" التي تختلج بها النفوس فتكره أو تحب..
الذي يدرس هذه الظاهرة وتلك، يجد مشابه عجيبة بين عالم الإشعاع في الكون وبين النفوس البشرية، حتى ليعجب: هل الحب والكره –في صورتهما النفسية- ميراث ورثته النفس من عالم النور وعالم الإشعاع؟!
والذي يدرس التنويم المغنطيسي –وهو ظاهرة معترف بها- ويرقب كيف تنتقل الأفكار والمشاعر والأحاسيس من نفس إلى نفس مع الأمواج المحسوسة الصادرة من المنوِّم إلى المنوِّم.. يعجب لهذا الامتزاج بين الحسيّ والمعنوي في كيان الإنسان!
* * *
وكما ينشأ الخوف والرجاء في نطاق المحسوس أولا، ثم يرتقيان إلى نطاق المعنويات.. فكذلك ينشأ الحب والكره في نطاق المحسوس ثم يرتقيان إلى نطاق المعنويات.
وكما يَعْبُر الخوف والرجاء قنطرة الثدي والحضن، ليصلا من الحسيّ إلى المعنوي، فكذلك يعبر الحب والكره القنطرة ذاتها ليصلا من الحسيّ إلى المعنوي.
أول حب يحسه الطفل هو حبه لأمه.. التي ترضعه وتحتضنه. فالحب –كما ترى- متصل اتصالا كاملا في أول ظهوره بالثدي والحضن.
وقد زعم فرويد بطبيعة الحال أن هذا الحب جنسي! وتعسف وتمحل ليقول إن كل لذة بيولوجية –من طعام أو شراب أو تبول أو تبرز أو حركة عضلية – هي لذة جنسية، على أساس أن الكيان البيولوجي ذاته مصبوغ بصبغة جنسية، فكل ما يصدر عنه ملوث بلوثة الجنس!
وبصرف النظر عن هذا التعسف "الاستبدادي" الذي لا يحمل دليله في هذا الفرض.. فإننا نتمشى مع فرويد خطوة أخرى لنكشف زيف نظريته على نطاق أوسع..
فالحب –دون شك- يتعدى بعد قليل نطاق اللذة البيولوجية، فيتجه "لشخص" الأم ذاتها حتى في غير ساعات الثدي والحضن.. إنه يعبر القنطرة كما قلنا ويصل إلى نطاق "المشاعر".. والطفل يحب أمه قطعا لأنها هي التي ترضعه وتحتضنه.. ولكن امتداد الحب إلى ما بعد لحظة الرضاعة والاحتضان هو بدء الدخول في العالم المعنوي، الذي ينبني على أساس حسي ولكنه ليس حسيا خالصا على أي حال.
في هذه المرحلة.. التي لا يكون فيها الحب بيولوجيا بحتا... حين يبدأ الحب يصبح أمرا "نفسيا" أكبر من الكيان البيولوجي.. كيف يتجه الطفل الذكر والطفلة الأنثى نحو أمهما بالحب، إذا كان هذا الحب مسألة "جنسية" كما يزعم صاحب التفسير الجنسي للسلوك البشري؟!
ثم إن الذي يثبت لنا أن هذا الحب "حب" لا "جنس".. أن الطفل بعد فترة يأخذ في الارتياح إلى أشخاص آخرين غير أمه.. منهم الأب، ومنهم الأقرباء والأصدقاء.. فيلصق بهم ويهفو إليهم.. وإن كان أحد منهم لا يغني –بعد- عن الأم. وإنما هو مجرد مظهر لاتساع الحب في نفس الطفل مع اتساع إحساسه بالكون الخارجي، الذي يقع خارج نطاق ذاته. وفي هذا يستوي الطفل والطفلة بلا تمييز. مما يثبت أن أسطورة الجنس في هذه المرحلة من العمر غير قائمة على أساس!
إنما يجيء الحب الجنسي في مكانه الطبيعي من مراحل النمو، حيث تحتاج إليه البنية النفسية للكائن الحي، ليؤدي دوره البيولوجي المقسوم.
* * *
هل يظهر الحب وحده في عالم الطفل دون الكره في مبدأ الأمر؟
لقد قال فرويد نفسه في كتاب "Totem and Taboo" إن حب الطفل لأبيه يسيطر على نفسه وحده لفترة من الوقت، قبل أن يظهر الكره في عالمه الشعوري تجاه الأب –فيما يزعم- بسبب منافسته على الأم.
ويبدو على أي حال أن الحب –وهو في عام الطفل الرضيع عبارة عن "الالتصاق"- يكون أول الخطين المتقابلين في الظهور. ويكون الخلط المقابل له كامناً في النفس لأنه لا يجد بعد ما يثيره. ولكنه ولا شك موجود فهو يكره مثلا أي شخص يحاول أن ينتزع الثدي من فمه. ولو كانت أمه ذاتها التي يحبها. ويكره أي شخص يحاول أن ينتزعه هو من حضن أمه. ولو كان أباه الذي يحبه [حتى يألفه بالدرجة التي يستريح فيها إليه كما يستريح للأم، أو يكون راغباً من تلقاء نفسه في الذهاب إليه]. ثم هو في مبادئ مرحلة الوعي هذه يكره وجوهاً معينة وأشخاصاً معينين بغير سبب ظاهر.. ولو توددوا إليه. وكل ذلك يثبت وجود الكره في النفس في تلك المرحلة المبكرة، ملازما لظهور الحب أو لاحقاً له بقليل.
ولكن الأسطورة التي رددها فرويد في معظم كتبه عن الازدواج العاطفي Ambibilance بمعنى نشوء الحب والكره نشوءاً ذاتياً في وقت واحد تجاه كل شيء وكل شخص يقع في عالم الإنسان.. أسطورة لا دليل عليها من الواقع.. إلا هذه الظاهرة الخادعة، وهي أن الإنسان كثيراً ما يكره الشخص أو الشيء الذي يحبه دون أن يعي الأسباب الدافعة إلى هذا الكره.
وهي ظاهرة خادعة كما قلنا لأن الكره في كل حالة له سبب. وحين يحدث أن يختفي السبب في اللاشعور فليس معناه أنه لم يكن موجوداً بادئ ذي بدء في نطاق الشعور، أو أنه نشأ نشوءاً ذاتياً من الحب وبسبب الحب كما يزعم فرويد.
فالطفل يكره أمه –التي يحبها حباً لا شك فيه- لأنها تنزع الثدي من فمه [حين ترى أنه يحسن كفه عن الرضاعة- بينما يحس هو –من وجهة نظره- أن الثدي ملكه هو، وهو صاحب التصرف فيه، وهو الذي ينبغي أن يعلن الاكتفاء منه حين يريد! ويكرهها لأنها تنزع عنه ملابسه حين تتسخ وتلبسه ملابس غيرها، في حركات تضايقه وتحز في نفسه كما تحز في جسمه! ويكرهها لأنها تبل جسمه بالماء حين تحممه، ولا تصيخ لصراخه فتكف عنه هذه المهمة الثقيلة! ويكرهها لأنها تكفه عن لمس أشياء يرى هو أن من حقه أن يلمسها، أو قضم أشياء [ضارة] يرى هو أن من حقه أن يختبرها بأسنانه "ليعرفها".. إلخ.. إلخ.. وكلها أسباب تنشئ الكره. ويتبدى هذا الكره في ضرب الطفل لأمه على وجهها وما يطوله من جسمها في أثناء الرضاع أو في غير الرضاع. ولكن هذا الكره كله لا يقوى على مواجهة الحب العميق العنيف الذي يحس به نحو أمه. ومن ثم يكون مؤقتاً، وفي صورة نزوات، ويظل الحب –قبلها وبعدها- هو المسيطر على مشاعره تجاه أمه. وسواء رسب هذا الكره في اللاشعور أم بقي في دائرة الشعور [وهذا ممكن] فهو كره مسبب، وليس بلا سبب كما يزعم فرويد.
ويكره الطفل أباه –الذي يحبه حباً لا شك فيه- لأنه تتمثل فيه القوة الآمرة الناهية، التي تضع حداً لتصرفات الطفل السائبة بلا حدود. فهو يمنعه من الإمساك بهذا الشيء أو ذاك. أو يمنعه من قضمه. أو ينهره بشدة إذا أتى عملا لا يرضى عنه. أو يضربه. أو يمتنع عن حمله. أو يتركه ويخرج لعمله وهو متعلق بحضنه.. إلخ.. إلخ.. وكلها أسباب تنشئ الكره. ويتبدى الكره كذلك في ضرب الطفل لأبيه أو عضه له! ولكن هذا الكره كله لا يقوى على مواجهة الحب العميق العنيف الذي يحسه نحوه. ومن ثم يكون –ككرهه لأمه- مؤقتاً وفي صورة نزوات. ويظل الحب هو المسيطر. وسواء رسب الكره في اللاشعور أم بقي في دائرة الشعور فهو كره مسبب، ليس ناشئاً نشوءاً ذاتياً من الحب، وليست المشاعر الجنسية تجاه الأم داخلة كذلك في أسبابه.. إلا في مظهر واحد خادع.. فالطفل يغار على أمه حقاً لأنه يشعر بالامتلاك الكامل لها. فهو يكره أن ينافسه فيها أحد البتة. يستوي في ذلك أبوه أو أي أحد غيره.. ولكن أشد من يكره منافسته ليس أباه.. وإنما هو الطفل الوافد بعده، الذي يخلفه على الثدي والحضن، وينتزعه من مملكته وينزله من عرشه! ذلك هو الذي لا يطيقه الطفل بحال!
أما أسطورة العشق الجنسي للأم، وكراهية الأب بسبب منافسته عليها، فالذي يهدمها من أساسها أن الطفلة كذلك تشعر بالامتلاك الكامل للأم، وتكره كل من ينتزعها منها وبخاصة الوافد الجديد!
والحالات التي أفنى فرويد عمره في تحليلها ليثبت أن كراهية الطفل لأبيه عميقة جداً في لا شعوره، ومرتدة إلى أيام الطفولة الأولى. حالات نحن على استعداد كامل للتسليم بها، سواء كانت شاذة أو سوية.. ولكن الذي لا نسلم به –لأنه لا يحمل أي دليل علمي- هو أن سبب الكره هو العشق الجنسي للأم [عقدة أوديب] والشعور بمنافسة الأب –جنسياً- في الاستيلاء على الأم.
يقول فرويد إن الأحلام التي يرى فيها الطفل حيواناً مزعجاً يهجم عليه ويهم بافتراسه هي تعبير لا شعوري عن كراهية الأب..
ويروح "يتعمق" جداً في البحث، فيقول إن حلول الحيوان محل الأب في الرمز اللاشعوري الذي يستخدمه العقل الباطن في الحلم، سببه أن البشرية الأولى قتلت أباها لتستأثر بأمها (!!) ثم أحست بالندم على ذلك فقدست ذكرى الوالد وعبدته تكفيراً عن خطيئة القتل. ثم استبدلت به عبادة الحيوان. ومن ثم رسب في لا شعور البشرية استبدال الحيوان بالأب. وصار اللاشعور –حين يحب أن يرمز إلى كراهية الأب- يرمز لذلك بحيوان مفترس هاجم على الطفل.
وهذه اللفة الطويلة الملتوية التي يلفها فرويد.. سنفترض جدلا أنها صحيحة بحذافيرها!
فلماذا تحلم الطفلة الأنثى كذلك بحيوان مفترس هاجم عليها؟! بينما هي –في زعم فرويد تعشق أباها عشقاً جنسياً، وتكره الأم التي تنافسها في هذا العشق [عقدة إليكترا] والأم لم يقتلها أحد، ولم يقدس ذكراها أحد تكفيراً عن الخطيئة، ولم يستبدل بها أحد عبادة الحيوان؟!
* * *
أما الكره الموجه للناس عامة.. "للآخرين" كلهم.. فله كذلك أسباب!
سببه هو الوجود ذاته!
فالطفل –أو الإنسان عموماً- يكره الآخرين لأنه يحب ذاته! ويحب الخير لذاته: "وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ"65 "وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ"66. وما دام متمركزاً حول ذاته، شاعراً بوجودها شعورا مبالغاً فيه، فإنه يكره الآخرين لمجرد وجودهم! لأنه يحس وجودهم ضاغطاً على وجوده، مضيقا عليه.
وهذا هو "الغل" الذي يقول القرآن إن لله سينزعه من قلوب المؤمنين يوم القيامة [أي أنه موجود في قلوبهم في الدنيا!]: "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ"67.
وسنتحدث في نهاية الفصل عن "التهذيب" الذي يشمل الخطوط النفسية كلها، وبخاصة خطّي الخوف والرجاء، والحب والكره..
وهو تهذيب –كما سنتبين- ضروري للحياة البشرية في مجموعها.
ولكنا نود أن نشير هنا إلى أن الكره لا يكون وحده مسيطراً أبداً على النفس السوية.. ولا يتحول إلى حقد إلا في النفوس المريضة المنحرفة.. لأن الحب الذي يحسه الإنسان للناس عامة.. للآخرين كلهم. هو حب فطري وعميق. وهو يعمل على موازنة الكره فلا يطغى على الإنسان، حتى مع شعوره بذاته، وحب الخير لنفسه.
وإنما يعمل التهذيب على التقليل إلى آخر مدى من ذلك "الغل" الموجه للآخرين، بوسائل سنذكرها في أثناء التعقيب على الخطوط المتقابلة. ولكنه لا يفرض على الإنسان شيئاً من خارج نفسه، ولا "يكبت" طاقة الكره بحيث تحتدم –مكبوتة- في داخل النفس وتوجه خط سير الحياة من وراء الستار كما زعم فرويد في كتبه كلها، وخاصة كتاب "Totem & Taboo" الذي يصف فيه الحياة الاجتماعية والوجدانية والدينية والفكرية للبشرية من خلال عقدة أوديب والازدواج العاطفي الذي سبقت الإشارة إليه، والذي يزعم فيه أن الكره ناشئ من الحب –ضريبة مفروضة بغير أسباب!
* * *
هذا الحب.. الذي يبدأ متصلا بالثدي والحضن، ثم يعبر هذه القنطرة إلى عالم "المشاعر" والمعنويات... إنه عالم عجيب جدا.. رائع جدا.. ونبيل جدا:
إنه يظل يرتفع ويتسع.. من نقطة الثدي الصغيرة التي تكوّن عالم الطفل كله.. حتى يشمل العالم كله.. حقيقة لا مجازا.. يشمل الكون كله والحياة كلها والإنسان.. ويصل إلى الله.
إنها طاقة ضخمة جدا.. وذات استعداد عجيب للسعة والارتفاع..
فبعد أن يحب الطفل أمه كلها.. لا ثديها وحضنها فحسب.. بل هي كلها كذات مستقلة عنه، حبيبة إليه، وبعد أن يحب أباه كذلك، ويحب من حوله من الناس ممن يلاطفونه ويلاعبونه ويعاونونه على الحركة والسير والكلام والتفكير..
يتسع عالمه الحسي ويتسع معه كذلك نطاق الحب ومستواه.
لقد أصبح يحب أمكنة معينة وأشياء معينة.. و"مواقف" معينة.
يحب اللعب وأدوات التسلية والحلوى والطعام... إلخ.
ويحب أن يُحْمَل.. وأن يدلل.. وأن يناغى.. وأن يُبْتَسَم في وجهه. وأن يشجّع..
هذه ليست مسائل حسية.. أو ليست حسية خالصة.. فهي مواقف "معنوية". إنها –في عالمه- قيم وأعمال.. وليست أعمالا فحسب.
وطبيعي أن "القيم" التي يحبها بادئ ذي بدء هي القيم اللاصقة بذاته، التي تحدث له المتعة والسرور.
ولكن عملية النمو العجيبة التي وهبها الله للإنسان، تخرج به من حدود ذاته المفردة، على خط "الجماعية" الذي سنتكلم عنه فيما بعد، فيحب الآخرين، ويحب -بالتدريج- قيما تستلزمها الحياة مع الآخرين..
ونمو هذه القيم ليس أمرا هينا في مبدئه.. بل إنها لتكون كريهة في بادئ الأمر.. تقع في دائرة الكره لا في دائرة الحب..
ورويدا رويدا تنتقل.. فتنزلق من خط الكره.. حتى تصل إلى خط الحب.. ثم تصعد معه درجة درجة حتى تصل إلى أعلى الآفاق..
عندئذ يحب الإنسان "العدل" و"الرحمة" و"الصدق" و"الشجاعة" و"الإنسانية"..
ويحب الكون.. يحب "الطبيعة"..
ويحب الجمال.
ويحب الحياة والأحياء..
ثم يصل إلى القمة القصوى فيحب الله..
ويعود هذا الحب العلوي فينشر ظلاله على كل أنواع الحب.. فيربطها بالله..
وتلك قمة الحب في النفس البشرية حين تصل غايتها من الصفاء.. عند الطرف الملائكي من الإنسان..
ثم تحدث عجيبة من العجائب في خط الحب..
لقد قلنا إن خطّي الحب والكره هما الخطان الثانيان في تكوين النفس.. والخطّان الأولان هما الخوف والرجاء، اللصيقان بذات الإنسان.
ولكن الحب.. هذا العنصر النوراني الشفيف.. يصنع أحيانا المعجزة.. يرفع الإنسان على ذاته.. يرفعه على ذاته فيغيّر –مؤقتا على الأقل- تركيب نفسه.. ويصبح الحب هو الخط الأعمق والأوسع، حتى ليغلب في نفسه خط الخوف وخط الرجاء.. وعندذئ يضحّي الإنسان نفسه، اللصيقة بالخوف والرجاء، في سبيل "القيم".. في سبيل الله!
ليس هذا هو الإنسان "العادي".. ففي الإنسان العادي يكون ترتيب الخطوط كما ذكرنا؛ الخوف والرجاء أولا، ثم الكره والحب.. ولكن الإنسان الذي يرتفع على الخط العادي تتسع دائرة الحب في نفسه، ويكون ارتفاعه بمقدار اتساع هذه الدائرة، حتى تغلب في النهاية الخوف والرجاء الأرضي كله.. ويتبقي الخوف والرجاء من الله وحده..
والقمة البشرية في هذا الأمر هم الأنبياء.. الذين يغلب الحب في نفوسهم على كل ما يتصل بأشخاصهم من الخوف والرجاء..
* * *
وينبغي قبل أن نختم هذه الفقرة أن نسجل لفرويد الحقائق الجزئية التي اهتدى إليها بشأن هذين الخطين المتقابلين في النفس البشرية، وهما اللذان صرف إليهما كثيرا من جهده وأبحاثه، وإن كان قد تعسف كما رأينا في وضع الأساس الذي يفسر به هذه الجزئيات.
فقد اهتدى إلى الترابط الوثيق بين خطّي الحب والكره. وإن كان لم يدرك أنها ظارهة شاملة لكل خطوط النفس المتقابلة.
واهتدى إلى اجتماع الحب والكره أحيانا تجاه الشيء الواحد أو الشخص الواحد [Ambivilence] وإن كان أصر على أن هذه هي الحالة الدائمة، وأصر كذلك على تفسيرها بأنها ظاهرة طبيعية لا أسباب لها! وقد رأينا أنها حالة ذات أسباب، ومن ثم يمكن على الأقل تعديل المقادير بحيث يكون الحب هو الأقوى والأدوم والأعمق.
واهتدى أخيرا إلى أن الإنسان ينتقل أحيانا –بلا سبب ظاهر- من حب شيء أو شخص إلى كراهيته والنفور منه فجأة أو تدريجا. وتلك ملاحظة صادقة ولا شك. ولكنه اتخذ منها دليلا على وجود الكره تلقائيا مع الحب –بدون سبب- تجاه كل شيء وكل شخص [Ambivilence]، وقال إنها مجرد انقلاب للوضع، بحيث يتحول الكره الذي كان مكبوتا في اللاشعور إلى كره واع على السطح، ويكبت الحب المقابل له في اللاشعور!
ولا نستطيع أن نؤيده في هذا التفسير.. ففضلا على أنه لم يفسر الظاهرة ذاتها؛ لم يفسر سبب هذا الانقلاب المفاجئ أو التدريجي.. سبب تحول اللاشعور إلى شعور.. إذ أنها ليست ظاهرة دائمة ولا شاملة ولا عامة عند جميع الناس.. وإنما هي حالات فردية في المشاعر وفردية عند الأشخاص.. فضلا عن أنه لم يفسر الظاهرة ذاتها وإنما سجل حدوثها فقط، فإنه اتخذ منها دليلاً اعتسافياً لإثبات أمر لا تثبته بالضرورة.. فهو ككل شيء مما تناوله فرويد، يحتمل أكثر من تفسير.
أما نحن فلا نقول في هذه الظاهرة إلا ما قال الله سبحانه في كتابه: "وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ"68. وإلا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرّفها كيف يشاء69.
فكل شيء يمكن أن يفسر بالعلم والمنطق. إلا تحوّل القلوب!
* * *
الحسّية والمعنوية
هذان الخطان.. الطاقة الحسية والطاقة المعنوية في الإنسان ينبعان بصورة ظاهرة من حقيقة الجسد والروح التي بنينا عليها ازدواج الطبيعة البشرية.. وإن كان ينبغي أن يقر في أذهاننا دائماً أن الإنسان كيان موحد بالرغم من ذلك الازدواج.
"الطاقة الحسية هي طاقة الجسد المتصلة بالحواس والأعصاب والكيماويات والبيولوجيات والفسيولوجيات. والطاقة المعنوية لا يدري أحد على وجه التحديد "مكانها" و"ماهيتها" ولكنها هي التفكير التصوري التجريدي الذي يدرك "الكليات" و"المعنويات". يدرك "الفضيلة". يدرك "القيم العليا". يدرك "العدل". يدرك "الحق". يدرك "الجمال".. وما إلى ذلك من كليات ومعنويات وتجريدات"70.
يقول جوليان هكسلي في كتابه "الإنسان في العالم الحديث" في فصل "تفرد الإنسان": "أول خواص الإنسان الفذة وأعظمها وضوحاً قدرته على التفكير التصوري.. ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة، وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة.."
ويقول في موضع آخر من نفس الفصل: "وهذه الخواص التي امتاز بها الإنسان والتي يمكن تسميتها نفسية أكثر منها بيولوجية، تنشأ من خاصية أو أكثر من الخواص الثلاث الآتية:
"الأولى: قدرته على التفكير الخاص والعام.
"الثانية: التوحيد النسبي لعملياته العقلية، بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان.
"الثالثة: وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والكنيسة (الجماعة الدينية)، وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها.
"وهناك نتائج ثانوية كثيرة لتطور العقل من مرحلة ما قبل الإنسان إلى مرحلة الإنسان، وهي بلا شك فريدة من الناحية البيولوجية، ولنذكر منها العلوم الرياضية البحتة والمواهب الموسيقية والتذوق والإبداع الفنيين، والدين، والحب المثالي".
* * *
الطاقة الحسية هي طاقة الجسم.. المتمثلة في الطعام والشراب والجنس.. والطاقة العضلية المتحركة المنتجة في عالم الحس وعلم الماد.. طاقة "العمل".
وواضح أنها الطاقة الأولى التي تولد في الإنسان، والتي تكون –فيما عدا طاقة الجنس- قد نمت نمواً ظاهراً مطرداً ملموساً، قبل أن تأخذ الطاقة المعنوية في النمو..
وليس معنى ذلك –كما أشرنا آنفا- أن الإنسان يولد وهو طاقة حسية فحسب. أي يولد جسداً خالصاً. أو حيواناً خالصاً. وإنما توجد في داخل كيانه الطاقة المعنوية القابلة والمكملة للطاقة الحسية. ولكنها، كما مثلناها من قبل، تكون كامنة كالقدرة على الإبصار التي لا تنمو إلا بعد حين.
يولد الطفل بحواس –تقوى تدريجياً- وعضلات- تقوى كذلك تدريجياً- وأجهزة جثمانية تأكل وتشرب وتفرز.. وهذا هو الكيان الحسي للإنسان.
طاقة الجنس وحدها –من بين الطاقات الحسية- هي التي تتأخر في الظهور، فتظل كامنة في الجسم حتى يأتي دورها المقدور.
ولذلك حكمته عند الخالق المبدع القدير..
فالإنتاج الجنسي –حتى عند الحيوان- يستلزم قدراً معيناً من النمو الجسدي و"النفسي"71 ليتحمل الكائن –ذكراً كان أو أنثى- ما يتطلبه اللقاء الجنسي من جهاد وبحث وكد حتى يتم؛ ثم يحتمل ما يترتب عليه من نتائج: الذرية وما تستلزمه من إطعام وعناية وتربية ورعاية.. الخ.
ومن ثم ينبغي أن يكون الكائن قد نضج في المجال الجسدي والنفسي ليصبح صالحاً للإنسان. ولا يصلح أن يكون أداة للنسل، بينما هو طفل بعد يعوله غيره في أمور جسده، ونفسه، ولا يحتمل المشقة والجهد والتبعات.
ومن أجل ذلك يصبح ظهور الطاقة الجنسية في الطفولة الباكرة أمراً لا مقتضى له ولا مبرر.. لأنه لا يؤدى في ذلك الوقت أية وظيفة للكائن الحي.
والخالق المبدع القدير يضع كل شيء في مكانه المقدر المضبوط، حسب حكمته العليا التي لا يسبقها علم ولا يعلوها علم.. والتي تتنزه عن الخطأ والعبث والإسراف: "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ72" "مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ73".
والدقة المتناهية المضبوطة في الكون العريض كله، التي تنتظمه من أوله إلى آخره فلا يختل توازنه ولا يخرج عن مداره قيد شعرة ولا مترا من سرعة الشعاع! هذه الدقة هي التي تضع كل شيء في مكانه الصحيح، وتضع الجنس في مكانه الصحيح من كيان الإنسان وحياته.
لذلك كان عجباً ما زعمه فرويد من أن الكيان الجنسي يولد نشيطاً مع الطفل، ويتخذ صوراً متعددة حتى يصل إلى مرحلته الطبيعية. وهي الميل إلى الجنس الآخر في مرحلة البلوغ!
وكل الأدلة التي حشرها فرويد حشراً ليدلل على صحة قوله.. أدلة مردودة، لأن تفسير فرويد لها ليس هو التفسير الوحيد ولا التفسير الرشيد! وإنما التفسير الأصح هو الذي يشمل ظواهر أكثر والذي يكون أكثر تمشياً مع النواميس العامة. وهذه كلها تشير إلى أن ظهور طاقة الجنس في أية صورة في مرحلة الطفولة الباكرة أمر لا معنى له ولا ضرورة.
وسنتحدث بشيء من التفصيل عن طاقة الجنس في الفصل القادم، ونحن نتحدث عن "الدوافع والضوابط".. فنكتفي هنا بأن نقول إنها طاقة تظهر متأخرة في المجال الحسي –والنفسي كذلك- لأن دورها في حياة الإنسان يتأخر إلى ما بعد مرحلة الطفولة.. فلا قيمة لظهورها قبل الأوان.
ولا ينفي هذا أن الطفل الصغير يأخذ في "التعرف" على جسده وأعضائه الجنسية في مرحلة مبكرة.. ولكن هذه العملية –كما يقول علماء النفس جميعاً- لا تحمل طابع الجنس. وإنما هي كما قلنا عملية تعرّف.. وحتى حين يكتشف الطفل بعبثه الصبياني أن هذه المنطقة ذات حساسية خاصة، فيزداد عبثاً بها ليزداد إحساساً بما تحدثه من لذة.. فهي مسألة لا علاقة لها بمشاعر الجنس في تلك المرحلة التي لا يدرك فيها الطفل معنى الجنس.
وحتى حين ينحرف الطفل انحرافاً شاذاً بتأثير التوجيه الفاسد من الكبار أو الأقران، فيعرف عملية الجنس كلها قبل أوانها، ويعرف ما يستخدم فيها من الأعضاء، ويشير إلى ذلك في كلامه وألفاظه وحركاته، فكل ذلك إرهاص فقط وليس حقيقة.. إرهاص بالدور المقبل. لا يزيد عن لعبة "الفروسية" التي يستخدم فيها الطفل عصاه على أنها حصان.. لا تحمل من معاني الفروسية الحقة ومشاعرها أكثر من الإرهاص!
وليس معنى ذلك كله أن الطفل لا يدرك شيئاً من مشاعر الجنس حتى البلوغ. فالخالق المبدع القدير قد جعل عملية النمو كلها تدريجية بطيئة.. ولم يجعلها مفاجئة إلا في بعض "مظاهرها" دون حقيقتها.. ومن أجل ذلك يأخذ الطفل في لمحات متوالية يدرك مشاعر الجنس.. ولكن على غير طريقة فرويد التي تنسب كل شيء إلى مشاعر الجنس، من رضاعة وتبول وتبرز ومص إبهام وحركة عضلية وحب للأم!
حرام.. أن نلقي القول على عواهنه هكذا بغير دليل!74
يولد الطفل بطاقته الحسية –فيما عدا الجنس- مستعدة للعمل، إما مباشرة، وإما في الأيام أو الأسابيع الأولى على أكثر تقدير..
ومن طريقها يتصل بالحياة ويمارسها ويأخذ خبراتها..
فهو يرى الأشياء ويسمعها ويتحسسها ويذوقها –وقد يشمها- ليتعرف عليها. وتعرفه عليها يمنحه خبرة بها، ثم يجعله –بالتدريج البطيء- يدرك أنواعاً من الترابط بينها.
ومن هنا تبدأ الطاقة المعنوية في العمل، مستندة في أساسها على الطاقة الحسية.
وتلك نقطة الوسط.. نقطة التحول، أو القنطرة التي يعبرها الطفل ليصل إلى الطرف الآخر.. إلى الأمور المعنوية الخالصة.
وقد تتبعنا من قبل –ونحن نتحدث عن خطّي الخوف والرجاء والكره والحب- بعض أنواع النمو من الحسّي إلى المعنوي. وهنا نقول إنها ظاهرة عامة لا تختص بهذا الخط أو ذاك.. وإنما تشمل كل النشاط البشري. كله يبدأ في نطاق الحس.. ثم يعبر القنطرة ويصل إلى النطاق المعنوي.. ثم يظل في حياة الإنسان كلها يتأرجح بين هذه النقطة وتلك، ويعبر القنطرة ذاهباً وآبياً، في لحظات البروز ولانحسار الدائمة التداول في الكيان البشري.. ولكنها لا تكون قط حسية خالصة ولا معنوية خالصة إلا في ظاهرها.. أما حقيقتها فهي أنها مزيج تتعدد نسبه وأشكاله، ولكن لا تتغير حقيقته المكونة من عنصرين ممتزجين.
الطعام وهو ألصق الأشياء بالطاقة الحسية –الخالصة- يعبر القنطرة فيصبح "مواعيد" و"آدابا" و"معاني" مختلفة: من اختيار، ومشاركة، ونقصٍ للطيب والحلال..
والجنس –وهو ألصق الأشياء كذلك بالطاقة الحسية- يصبح مشاعر وعواطف و"مشاكل" نفسية وعاطفية وفكرية واجتماعية واقتصادية.. الخ.
وتلك هي معجزة هذا الكائن البشري! أنه يمارس كل نشاط الحيوان الحسي، ومع ذلك يمارسه على طريقة أخرى غير طريقة الحيوان.. يمارسه على طريقة الإنسان!
ولكن المعجزة الكبرى –التي أشار إليها جوليان هكسلي فيما نقلناه عنه في هذه الفقرة- هي ارتقاء الإنسان إلى مرحلة التفكير المجرد، وما ينشأ عنها من عقائد وأفكار وعلوم وفنون ومشاعر، وتنظيمات اجتماعية وسياسية واقتصادية وحضارية وثقفية.. إلخ. وارتقاؤه إلى إدراك "القيم" و"الفضائل" والإيمان بتلك القيم والفضائل، والتمسك بها.
حقاً إن هذه هي القمة البشرية..
هي أبدع ما في كيان الإنسان.
ولسنا نعلم شيئاً عن كنهها وماهيتها. كيف تنشأ؟ وكيف تعمل؟ في أي مكان تسكن في الكيان البشري؟!
وقد كان هذا الجهل بكنهها وماهيتها حافزاً لبعض المدارس النفسية [التجريبية والسلوكية والميكانيكية من بينها] وبعض المذاهب الحضارية إلى إغفالها جملة، أو تفسيرها بالتفسير المادي!
ولكن –كما سبق أن أشرنا- ما المعلوم في كيان الإنسان، حتى نلغي هذه لأنها مجهولة الكيان؟!
ما المعلوم في جهاز الهضم وجهاز التنفس وجهاز الحس وجهاز الإنسال؟
هل يتجاوز المعلوم عالم الظاهر إلى حقيقة الكيان؟
هل الخلية الحية الواحدة المفردة –حتى قبل أن تتخصص إلى فم أو معدة أو عصار هاضمة أو بويضة أو حيوان منوي- هل هي شيء معروف لنا إلا من الظاهر وحده؟
هل نعلم كيف تنشأ؟ وكيف تعمل؟ والسر في نشاطها، أو السر الذي جعل أوضاعا طبيعية أو كيميائية معينة تثير فيها نشاطها وحركتها؟!
كلا. لا نعلم!
فإذا كنا نجهل كذلك ماهية الطاقة المعنوية في الإنسان.. فلماذا نفرق بين جهل وجهل.. فننفي "الوجود" عما تجهله في ناحية، بينما تثبت الوجود لما تجهله في ناحية ثانية.. ومدى الجهل واحد في الحالتين؟!
كلا! وإنما قصارى ما نفعل أن نكف –حين نتعب- عن البحث في ماهيات الأشياء ونكتفي بدارسة مظاهرها.. وحينئذ نجد مظاهر الطاقة المعنوية ظاهرة حتى للماديين كجوليان هكسلي وغيره من العلماء "الواقعيين"!
وإنما يعنينا هنا –في هذا الاستعراض- أن نثبت اتصال الطاقتين في كيان الإنسان، وأنهما معاً يمسكان الإنسان من طرفيه، أو يمدان له جناحيه.. فيمشي بجسده على الأرض وروحه محلقة في السماء!
* * *
ما تدركه الحواس وما لا تدركه الحواس
أو الإيمان بالمحسوس، والإيمان بالغيب..
خطان آخران من الخطوط المتقابلة في النفس البشرية..
أحداهما يؤمن بما تدركه حواسه من سمع وبصر ولمس وشم وذوق.. والآخر يؤمن بما وراء الحس.. مما لا يُرى ولا يُسمع ولا يلمس ولا يلمس ولا يذاق ولا يشم..
وهما خطان يسيران مقاربين لخطّي الحسية والمعنوية.. ولكنهما ليسا هما بالضبط، وإنما شبيهان..
فهناك تحدثنا عن "طاقات" حسية ومعنوية.. عن طاقة عضلية جسمية، وطاقة فكرية معنوية.. وعن المجال الذي تعمل فيه تلك الطاقات.
وهنا نتحدث عن "الإيمان" بالمحسوس و"الإيمان" بالغيب..
إن "الإيمان" داخل كله من حيث الشكل في نطاق الطاقة المعنوية، فالطاقة الحسية "تمارس" النشاط، ولكنها ليست هي الموكلة "بالإيمان".. ولكنه من حيث الموضوع يمد جناحيه معاً فيشملان ما تدركه الحواس وما لا تدركه الحواس. وذلك –في أبسط صورة ممكنة- توضيح لمدى التعقد والتشابك والترابط في كيان النفس البشرية، وفي خطوطها المتقابلة بصفة خاصة.. إنه لا شيء من هذه جميعاً يوجد منعزلا بمفرده، أو يعمل منعزلا بمفرده.. وإنما تعمل كلها جميعاً بطريقة معقدة متشابكة، كما يعمل الجسم كله مترابطاً متكاملا، وإن سهل علينا التمييز –في العمل- بين عضو وعضو. ولكن على أساس الترابط لا على أساس العزلة والانفصال. حتى الأعضاء المتخصصة جداً، والتي لا تعمل –في الظاهر- بصفة دائمة كجهاز الإنسال.. حتى هذه تأخذ من الدم غذاءها لحظة لحظة.. وتصب في الدم هرموناتها لحظة لحظة.. فلا تنفصل عن بقية الجسم في أية لحظة، ولو كانت –في فترات- لا تمارس نشاطها الكبير!
والنفس كالجسم في ذلك ولكن على صورة أشد في الترابط والتشابك والتعقيد!
* * *
يؤمن الإنسان بما تدركه حواسه.. كذلك فطرته.
فهو –دون كدّ منه ولا بحث ولا سؤال- يؤمن بأن ما يراه وما يسمعه وما يلمسه وما يشمه وما يذوقه كله موجود.
ولا يتردد –إلا في الخبل الفلسفي الدائر في الأبراج العاجية لا في حقيقة الواقع!- لا يتردد في الإيمان بوجود هذه الأشياء كلها التي تدركها حواسه، والتي اصطلح على تسميتها بالكون المادي.
وقد يدور الجدل في مدى انضباط الحواس وهي تتلقى.. وهل ما تتلقاه هو "الحقيقة" كما هي موجودة في الواقع "المطلق".. أم هو صورة مشكّلة بحسب طبيعة الحواس وعلى صورتها.
ولكن الإنسان –فيما عدا الخبل الفلسفي الدائر في الأبراج العاجية- لا يساوره الشك في وجود الأشياء بالفعل، حتى وإن ساوره الشك في وجود فارق بين وجودها الحقيقي المطلق، ووجودها الذاتي النسبي كما يتشكل في داخل الحواس..
ولا يعنينا هنا –ولن نصل فيه إلى دليل قطعي- أن نبحث في كيفية إدراك الإنسان لما تدركه حواسه وكيفية إيمانه بما تدركه الحواس.. فقصارى ما نصل إليه في هذا الشأن هو تسجيل الظاهرة وتتبع مظاهرها. أما كنهها وماهيتها فأمر لم يصل العلم فيه إلى شيء، وما أظنه يصل في أي يوم.. وهو لم يصل إلى كنه المادة ولا الطاقة ولا الإشعاع!
يعنينا فقط أن نسجل أن في فطرة الإنسان أن يؤمن بوجود ما يصل إليه عن طريق الحواس.
وفي فطرته كذلك أن يؤمن بوجود أشياء لا تصل إليه عن طريق الحواس..
وتلك مزيته الكبرى على عالم الحيوان..
الحيوان يتعامل مع الوجود بحواسه وحدها –فيما نعلم نحن عن ظاهر حياته- ولا يتعامل معها فيما وراء الحس.
وقد تكون له أجهزة حسية لا نعلمها، يدرك بها حدوث الزلازل والعواصف وانفجار البراكين قبل أن يحسها الإنسان.. أجهزة تتلقى الأمواج الكهرطيسية لهذه الأحداث وتترجمها بصورة ما، كما تترجم العين إشعاعات الضوء، وكما تترجم الأذن اهتزازات الصوت.
ولكنه في هذه الحالة أيضاً يكون إدراكاً حسياً، وإن اختلفت الحاسة عما يعرف الإنسان في نفسه من حواس.
ولكن الإنسان بعد ذلك –يتميز بإدراك وجود لأشياء لا تصل إليها حواسه، والإيمان عن وعي بوجود هذه الأشياء.
والقرآن يستخدم لوصف هذا المفهوم لفظ الإيمان "بالغيب".
"الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..."75.
"لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ.."76.
"جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ"77.
"وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ"78.
وقمة الإيمان بالغيب هي الإيمان بالله..
وسنتحدث في فصل "الدين والفطرة" عن "الدلائل" التي تهدي الفطرة إلى وجود الله. الدلائل الحسية وغير الحسية..
ولكن وجود هذه الدلائل ليس هو الذي ينشئ تلك الطاقة التي نحن بصددها: طاقة الإيمان بالغيب..
فلو كانت هي بذاتها التي تنشئ الإيمان بالغيب، لتساوى الناس كلهم –بصورة آلية حتمية- في الإيمان بالغيب.
والواقع ليس كذلك.. فمن الناس من يزيد عنده الإيمان بالغيب ومنهم من ينقص.. ومنهم من يكون مهتدياً في الإيمان بالغيب ومنهم من يضل. فليست طاقة الإيمان بالغيب إذن مترتبة على وجود دلائل الإيمان الحسية أو غير الحسية..
إنما هي طاقة موجودة داخل الكيان البشري، سواء وجدت الدلائل أم لم توجد.. وهي تهتدي وتضل سواء وجدت الدلائل أم لم توجد.
إنها طاقة فطرية في الإنسان.. في كل إنسان! ولكنها ككل طاقاته الأخرى تهتدي وتضل.. وتزيد عند هذا الشخص وتنقص عند ذاك.
تهتدي فتؤمن إيماناً غيبياً بوجود الله. وهو غيب بطبيعة الحال. فالله لا تدركه الأبصار.. ولا أي حاسة من الحواس..
وتضل، فتؤمن –إيماناً غيبياً- بالطبيعة أو بأية قوة أخرى تسوس الكون وتدبره..
وفي كلتا الحالتين هي طاقة فطرية موجودة في كل إنسان.. تجعله يؤمن بأشياء لا تدركها حواسه، ولا يدركها عقله كذلك إلا في حدود.
ولقد كفرت بعض المذاهب والنظم بهذه الطاقة التي تؤمن بالغيب.. ولكنها نسيت أنها طاقة فطرية! وأنها حين لا تتوجه إلى الإيمان بالله –وهو مجالها الأكبر والأعلى- فإنها تتوجه وجهات أخرى ضالة منحرفة ولكنها لا تُكبت ولا تموت! ولو قاومتها الدولة وسخرت منها الدعايات!
ولطول ما هرب الأوربيون من الله.. إلى "الطبيعة".. أو بالأحرى من الكنيسة التي كانت تمارس معهم صنوفا من الاستبداد والإذلال والمهانة الروحية والفكرية والمادية.. لطول ما هربوا من فكرة الله الكنسية إلى فكرة الطبيعة، نسوا أن هذه الطبيعة ذاتها غيب.. وإلا فما هي على وجه التحديد؟! وكيف تعمل؟ وما كنه الطاقة التي تشتمل عليها؟ وما كنه "القوانين الطبيعية"؟.. كيف نشأت، وكيف التزم بتنفيذها الكون؟ وهل هي –هذه الطبيعة- قوة مسيطرة أو قوة مسيطرٌ عليها؟.. إلخ.. إلخ.
كل ذلك غيب.. إنه غيب ضال منحرف.. ولكنه غيب.. لا تُدْرَكُ حقيقته ولكن تدرك فقط آثاره. ومن ثم فهذا الإيمان الضال "بالطبيعة" هو –من حيث جوهره- إيمان بالغيب.. عن طريق تلك الطاقة الفطرية التي تؤمن بما لا تدركه الحواس!
وهكذا تظن أوربا أنها تهرب من "الغيبيات" فتلاحقها الغيبيات في مهربها.. ولكن في صورة ضالة تناسب ما هي عليه من ضلال وانحراف.
بهذه الطاقة الفكرية إذن يؤمن الإنسان بوجود الله.. ثم يعبده أو لا يعبده. تلك خطوة أخرى!
ويؤمن بالعبث واليوم الآخر.. حين تتفتح بصيرته للإيمان بالله.. بل لقد آمن بهما حتى وهو ينحرف في طريقة عبادته لله!
ويؤمن بوجود كائنات خفية عن حواسه: الملائكة والجن والشياطين.. وغيرها من الكائنات.
وبصرف النظر عن الاتجاه المادي الحالي في الغرب، الذي يريد أن يقصر الإنسان على ما تدركه حواسه فحسب –أي على الجانب المادي الحيواني منه- فإن البشرية في أعصرها كلها قد آمنت بوجود كائنات خفية لا تدركها الحواس، وتصورتها في صور شتى بما تملي لها طاقة الخيال79.
ويكفي أن نثبت أن هذا الاتجاه المادي ذاته لم يستطع أن يقتلع من كيان الإنسان إيمانه بما لا تدركه الحواس.. فقد لجأ إلى لون من ألوان الغيب يسد به الفراغ الناشئ من الإيمان بالله.. حين آمن بالطبيعة أو غيرها من القوى الغيبية التي تحكم الكون.
ويعنينا هنا فقط –ونحن نستعرض الخطوط المتقابلة في النفس- أن نثبت وجود الطاقتين في كيان الإنسان. ونثثبت أنهما متصلتان.
فنحن نؤمن بما لا تدركه الحواس ثم نحاول تفسيره أو تصوره في صورة تدركها الحواس!! نتصور صورة حسية للملاك والشيطان.. ونتصور صوراً شتى لليوم الآخر والقيام والبعث والحساب.
وفي مجال التنزيه المطلق يكف الإنسان عن التصور.. ولكن بجهد.. بأن يطرد من خياله كل صورة يتصورها لذات الله، سبحانه وتعالى عما يصفون! ليس كمثله شيء.
فالطاقتان إذن متصلتان من هذا الجانب.
ومتصلتان بالقنطرة التي تتصل عن طريقها كل الخطوط المتقابلة..
فعالم الحواس ينشأ أولا.. ثم تقوم القنطرة الحسية المعنوية التي ينتقل بها إلى عالم ما وراء الحواس..
ومتصلتان أيضاً بأنهما –معاً- توصلان إلى كيان الإنسان المجتمع المترابط مدركات متنوعة –حسية وغير حسية- يتكون منها في النهاية عالمه الشامل الكبير.
الواقع والخيال
خطان متقابلان في داخل النفس.. قريبان في ظاهرهما من خطّي الحسية والمعنوية، وخطّي الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بالغيب.. ومع ذلك فكل من هذه الأزواج الثلاثة ذو كيان متميز.
وقد رأينا في الفقرة السابقة الفارق بين خطّي الحسية والمعنوية وخطّي الإيمان بالمحسوس والإيمان بالغيب. وهنا نبين الفرق بين الأزواج الثلاثة المتقاربة:
الخطان الأولان طاقتان في الكيان البشري إحداهما الطاقة الحسية المتمثلة في الجسم: الطعام والشراب والجنس. وهي الطاقة العضلية المتحركة المنتجة.. طاقة "العمل". والأخرى الطاقة المعنوية التي تدرك المعاني الكلية والمعاني المجردة. تدرك الفضيلة والقيم العليا والحق والعدل... وتقوم على التفكير التصوري التجريدي.
والخطان الثانيان هما خطّا الإيمان بالمحسوس والإيمان بالغيب. الإيمان بأن ما يصل للنفس من طريق الحواس موجود في عالم الحقيقة. والإيمان كذلك بأن ما يصل للنفس من وراء الحس موجود أيضاً في عالم الحقيقة.
والخطان الثالثان اللذان نحن بصددهما في هذه الفقرة هما الطاقة التي تتصل بواقع الأرض المحسوس فتعمل فيه وتحقق إنتاجاً واقعياً ملموساً. والطاقة التي والطاقة التي تتخيل أشياء أخرى غير ما تراه في الواقع، وهي عالمة بأنه خيال.
ولا شك أن هناك تداخلا وتشابكا بين هذه الأزواج الثلاثة شديد التعقيد والتركيب.. ولكني أود أن أؤكد حقيقة تميزها رغم تشابكها وتشابهها.
فقد يبدو أن طاقة الواقع هي ذاتها الطاقة الحسية [في الزوج الأول] وهي ذاتها طاقة الإيمان بما تدركه الحواس [ في الزوج الثاني] وأن طاقة الخيال هي ذاتها الطاقة المعنوية في الزوج الأول وطاقة الإيمان بالغيب في الزوج الثاني.
وليست الحقيقة كذلك..
فطاقة الواقع تشمل –مع تميزها- الخطوط الأربعة الأولى جميعاً!
الطاقة الحسية بكاملها داخلة في طاقة الواقع. لأنها جزء من الواقع. والطاقة المعنوية القائمة على التفكير التصوري التجريدي، داخلة كذلك في طاقة الواقع. فحين يفكر الإنسان في العدالة. في الحق. في الصدق. في الفضيلة. في الشجاعة.. إلخ فإنه يفكر تفكيراً تجريدياً نعم. ولكن على أساس الواقع. على أساس أن العدالة واقع. والحق واقع. والصدق واقع. والفضيلة واقع. والشجاعة واقع.. الخ. إنه لا يفكر فيها على أنها خيالات. بل إنه في الحقيقة لم ينشئ الصورة التجريدية إلا من "الوقائع" التي مارسها أو شاهدها بالفعل، وجمع بعضها إلى بعض، وأنشأ منها صورة تجريدية. وهو "يتخيل" هذه الصورة التجريدية. نعم. ولكن دور الخيال فيها ليس هو إنشاءها إنشاءً من الخيال. وإنما تجميعها من الواقع. ولصق أجزائها بعضها إلى جوار بعض لتتكون منها "الفكرة" المجردة. وحين يطالب الناس في الأرض "بتحقيق" العدالة أو الفضيلة.. وحين يطالبون بعضهم بعضاً بأن يكونوا شجعانا أو صادقين أو ملتزمين للأخلاق.. الخ فهم لا يطالبون بخيالا مجردة يعلمون سلفاً إنها لا تقبل التحقيق في عالم الواقع، أو غير موجودة في عالم الأرض.. وإنما يطالبون بما يعتقدون أنه حقيقة قابلة للتطبيق.. وهم يعلمون أن الناس ليسوا سواء في هذه الفضائل والقيم.. وأنهم لا يثبتون عليها، وإنما يهبطون ويتعثرون في الطريق.. ولكنهم يعلمون كذلك أن في كل إنسان قدراً من الفضيلة يزيد أو ينقص، ولكنه موجود.. ومن ثم فالأمر كله –من حسي وتجريدي- يقع في نطاق الواقع لا في نطاق الخيال.
وكذلك الإيمان بالمحسوس والإيمان بالغيب.. كلاهما دخل في نطاق الواقع.
والخيال يعمل في تصوّر ما وراء الحواس. نعم. ولكن دوره مقصور على محاولة التصور. ولا يتعداه إلى إنشاء شيء من عالم الخيال.
وحين يؤمن إنسان بالله –بالغيب- فهو يؤمن به على أنه –سبحانه- حقيقة موجودة واقعة.
وحين يؤمن بوجود الملائكة، فهو يؤمن بأنهم موجودون حقاً في عالم الواقع، وإن كانت حواسه لا تدرك هذا الوجود، ولا تدرك حتى آثاره..
وكذلك إيمانه بأي شيء فيما وراء الحواس.. هو إيمان الواقع لا إيمان الخيال، ما دام يؤمن به بالفعل.
أما الخيال فيعمل في نطاق آخر..
إنه خيال يعلم أنه خيال..
إن الإنسان ابتداء.. يتخيل.. أي ينشئ صورا لا وجود لها في عالم الواقع.. لا في العالم الذي تدركه الحواس ولا العلم المغيّب عن الحواس.. ولا في نطاق الطاقة الحسية ولا الطاقة المعنوية [وإن كان متصلا بها جميعا كما سنرى بعد لحظة].. ويعلم –في أثناء عملية التخيل- أنه ينشئ هذه الصور إنشاء في عالم الخيال، وهو مدرك بأنها ليست حقيقة واقعة وأنها قد لا تتحقق أبدا في يوم من الأيام!
أعتقد أن الفروق قد صارت الآن واضحة بين كل من هذه الأزواج الثلاثة المتشابهة80.
فإذا كان ذلك.. فنعود الآن إلى ما بيان ما بينها من تشابك وتداخل وتعقيد!
لقد قلنا إن الخطوط الأربعة الأولى جميعا –الطاقة الحسية والطاقة المعنوية، والإيمان بالمحسوس والإيمان بالغيب- داخلة جميعها في نطاق الواقع.. فالآن نقول إنها –جميعا- متصلة كذلك بطاقة الخيال!
إن الخيال لا ينشئ شيئا من "العدم"! ولو أنه خيال!
إنه في صوره التي يتخيلها يستند أساسا على الموجود في عالم الواقع! ويزيد عليه أو ينقص منه أو يعدل فيه ويشكل، لكي ينشئ الصور الخيالية التي ينشئها! ولكنه لا يصنع شيئاً من "لا شيء"!
وهو –ككل الطاقات المعنوية الأخرى- يبدأ من عالم الحس.. ثم يعبر القنطرة.. ثم يصل إلى المعنويات..
حين يتخيل الطفل أن عصاه حصان، ويركب حصانه هذا الوهمي ويجري به، فهو يأخذ خياله من الصورة الواقعية التي تدركها حواسه، وهي الحصان الحقيقي والركوب الحقيقي. وحين يتصور الجن أو الغول أو العفريت.. الخ. فهو ينشئ من صورة واقعية بادئ ذي بدء ثم يزيد عليها. يزيد عليها اتساعا مرعبا في العينين. ولكن العينين ذاتهما حقيقة مستمدة من الواقع. وطولا بشعا في الشعر ولكن الشعر ذاته حقيقة مستمدة من الواقع. وضخامة رهيبة في الجثة. ولكن الجثة ذاتها حقيقة مستمدة من الواقع..
وحين يتخيل حيوانا يطير.. أو يتكلم.. أو يؤدي أعمالا أخرى فهو يركّب صورا جديدة من صور قديمة موجودة ومحسوسة في عالمه.
ثم يكبر الطفل ويصبح إنسانا ناضجا، ويتغير طابع خياله.. فيتخيل –مثلا- عالما مثاليا [يوتوبيا] كل ما فيه كامل وكل ما فيه جميل.. ولكن طريقة عمل الخيال لا تتغير. فما زال يركّب صورا جديدة من صور قديمة موجودة ومحسوسة في عالمه. وما زال يستند على الموجود في الواقع ويزيد عليه أو ينقص منه أو يعدل فيه.. ولكنه لا يصنع شيئا من لا شيء.
وهكذا يتصل الواقع والخيال أحدهما بالآخر كخطين متقابلين، ثم يتصلان معا ببقية الخطوط النفسية في تشابك وتداخل وتعقيد..
ولا يقف الاتصال والتداخل عند هذه النقطة التي تتصل بطبيعة الخطين..
وإنما يمتد الاتصال والتداخل في الواقع الحيوي للإنسان..
فطاقة الواقع هي التي تشتبك بالعالم المادي المحسوس، وبالعالم "الواقعي" على نطاق واسع [بما في ذلك من قيم –معنوية- وإيمان بالغيب على أنه واقع].
هي طاقة "العمل" و"الإنتاج" الواقعي.. سواء كان الإنتاج في عالم المادة أو عالم الروح.
الطاقة التي تتناول الواقع المادي فتحوله من مادة خامة إلى مادة مصنعة. الطاقة التي تزرع الأرض وتفلحها. الطاقة التي تحاول التعرف على أسرار الكون بما فيه من عناصر وطاقات، لتستفيد منها في استغلال الأرض وعمارتها.. وتتناول كذلك الواقع الروحي والمعنوي.. فتنشئ "النظم" الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وتنظم العلاقات بين الناس في الأرض. وتقيم حياتهم على مبادئ معينة تعتنقها وتعمل على تحقيقها في دنيا الواقع.
هي باختصار الطاقة التي "ينفّذ" بها الإنسان مهمة الخلافة عن الله في الأرض.
ولكن طاقة الخيال ليست بعيدة عن ذلك كله!
إن الإنسان وهو يتخيل –وهو عالم بأنه يتخيل- لا ينقطع في الحقيقة عن عالم الواقع!
فحين يتخيل الكمال المطلق.. بقدر ما يطيق خياله.. فهو يستعين بذلك على تصور الحقيقة الإلهية التي يتمثل فيها الكمال المطلق.. ومن ثم يدخل هذا التخيل في نطاق العقيدة.. التي هي جزء من الواقع!
وحين يتخيل الكمال في عالم الإنسان.. فهو يتمثل الصورة التي "ينبغي" –في تصوره- أن تكون موجودة بالفعل في عالم الواقع.. ويستعين بهذا الخيال على محاولة تحقيق هذه الصورة المثالية.. فيتحقق منها شيء بالفعل وترتقي البشرية صعدا، بمقدار ما تستطيع أن تتخيل الكمال.
وحتى حين يتخيل لذات التخيل.. في متعة الفن أو في ساعات الاسترخاء أو لحظات "الهروب" من الواقع.. فهو يصل إلى نتيجة "عملية" في عالم النفس. إنه يوسع حدود العالم الذي يعيش فيه. يوسعها "بالفعل".. فلا فارق في الإحساس النفسي بين الخيال والواقع حين يوجد كل منهما في النفس! كل خيال وجد بالفعل في النفس فهو حقيقة شعورية ونفسية.. تؤدي إلى نتيجة فعلية: من غم أو فرح أو نشاط أو تقاعس.. ومن ثم يعيش الإنسان –عن طريق الخيال- في عالم أوسع من العالم "الواقعي" المحدود.
هذا ولا نحتاج بطبيعة الحال أن نتحدث عن الخيال الذي يؤدي إلى اكتشاف الكشوف العلمية واختراع المخترعات.. فصلة هذا الخيال بالواقع واضحة لا تحتاج إلى بيان. وإنما الذي يحتاج إلى بيان وتوكيد أنه حتى الخيال الذي لا غاية له أبدا –في ظاهر الأمر- يتصل في النهاية بالواقع، فيختلطان ويمتزجان!
* * *
وطاقة الواقع –من حيث النشأة- هي السابقة في الظهور.
فالطفل الرضيع يعيش شهوره الأولى في عالم الواقع.. الواقع القريب الذي يتعامل معه.. واقع الثدي والحضن.. ولم تدخل بعد –بأجهزتنا الحالية- إلى عالمه النفسي لنعلم هل "يتخيل" وهو في هذه الشهور الأولى؟ وإن كان من الثابت أنه يحلم.. فيحرك شفتيه وهو نائم حركة الرضاعة. فهل يعمل الخيال في يقظته أيضاً فيتصور الثدي مثلا عالما ضخما لا أول له ولا آخر ولا حدود.. ويتصور الحضن جزءاً متصلا بكيانه لا منفصلا عنه؟! نحتاج في هذا الأمر إلى تليفزيون إلكتروني يصور الأفكار من داخل النفوس! [وهذا خيال "علمي" قد يتحقق في القريب!].
ولكن طاقة الخيال سرعان ما تنمو حتى تغطي في نفس الطفل على طاقة الواقع!
فهو في سنوات الطفولة الأولى واسع الخيال جداً.. يستطيع بسهولة أن يتخيل كل شيء وأي شيء.. ويعيش في خيالاته كأنها واقع.. بل هي الواقع الذي يأنس إليه أكثر مما يأنس إلى واقع الكبار ذي النطاق المحدود!
والخيال في هذه المرحلة يؤدي مهمة حيوية في حياة الطفل.. فمن طريقه ينمي الطفل مداركه الذهنية.. وكأنما يمهد الأسس التي تنبني عليها الوقائع فيما بعد.. فكل خيال طائر يرسم مكانا في الذهن يمكن أن يقام عليه في المستقبل بناء!
ورويداً رويدا تُلْقى "الحقائق" الواقعة في "بحار" الخيال فتَرْدِمُها، وتظهر جزر من اليابسة في غمار المحيط!
تُلْقى من العالم الخارجي الذي يزيد تعامل الطفل معه باستمرار، ويزيد وقعه المحسوس على فكره وحسه ومشاعره، كما تلقى بالتلقين والتعليم من جانب الكبار..
وفي عملية التشوق الدائم "للمعرفة".. تبرز هذه الجزر في المحيط، وتظل تنمو حتى تصبح قارات واسعة متشابكة. ولكنها قط لا تملأ المحيط!
ينمو الواقع.. ولا ينتهي الخيال.
ثم يعود الطفل في فترة المراهقة إلى موجة جديدة من الخيال، بعد أن كان قبل سنوات قد أصبح أميل إلى الواقعية. ولكنه هنا خيال من نوع جديد.. ليس خيال الجن والغيلان والطيور المتكلمة والحيوانات المتعلمة! وإنما هو خيال عاطفي شاعري وجداني.. يتصل بالقيم والعواطف والأحاسيس.
ولئن كانت دفعة الخيال الأولى تؤدي مهمتها في حياة الإنسانية بتنمية قوى الطفل الذهنية.. فهذه الدفعة الثانية تؤدي مهمتها بتنمية القوى العاطفية والوجدانية، التي يقوم عليها فيما بعد التعامل "المعنوي" بين بني الإنسان.
ثم تجيء موجة أخرى من الواقعية في مرحلة الشباب.. لمواجعة واقع الحياة ومشاكلها..
ورويداً رويداً ينضب الخيال وتظهر الصخور الناتنة في الماء الراكد الذي لا يمور.. صخور المشاكل والعقبات والتبعات والهموم..!
ولكن الماء لا ينضب أبداً على أي حال..
فحين يجف الماء تموت النفس ولا يعود لها بالحياة اتصال..
وبعض الناس تبقى طاقة الخيال عندهم على حالها من الحركة والإبداع.. أولئك الفنانون. أما بقية الناس.. فمهما نضب الخيال في نفوسهم، فهم على الأقل يقتانون أعمال الفن هذه ليشبعوا ما بقي فيهم من طاقة الخيال!
ويظل الخيال والواقع من البدء للنهاية متصلين أحدهما بالآخر.. ومشتبكين ببقية الخطوط.

الالتزام والتحرر
"في الكائن البشري خطان متناقضان متقابلان، يعجب الإنسان لأول وهلة كيف يوجدان بتناقضهما ذلك متجاورين في النفس الواحدة. والواقع أن الازدواج هو السمة العامة للكيان البشري كله، الناشئة في الأصل من ازدواج منشئه من قبضة الطين ونفخة الروح، ومن ثم فلا موجب للعجب مما يحويه الإنسان في كيانه من متناقضات ظاهرية...
"في الإنسان ميل للالتزام. ميل لأن يلتزم بأشياء معينة وينفذها. ولو وجد نفسه طليقا من كل التزام خارجي لفرض على نفسه أموراً معينة والتزم بها.. إرضاء لما في طبيعته من ميل للالتزام! ومن ثم فالفوضى المطلقة لا وجود لها، ولا يمكن أن توجد. لأنها ليست جزءا من طبيعة الإنسان!
"ومع عمق هذا الميل للالتزام في الطبع البشري، فإن فيه إلى جانب ذلك ميلا للإحساس بأنه غير ملتزم! وأنه يؤدي الأشياء لأنه هو يريد أن يؤديها لا لأنها مفروضة عليه!
"كلا الخطين أصيل وعميق. وكلاهما يؤدي دوره في فطرة النفس وواقع الحياة"81.
* * *
كلاهما يؤدي دوره في حياة البشرية..
لا شيء مما أودعه الله في فطرة الإنسان قد أودع عبثا بلا غاية! "مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ"82 "رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ"83 "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً"84 "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ"85.
الالتزام هو الذي "ينظم" حياة البشرية..
فحياة الفرد لا تنتظم إلا بالتزامه نظاما معينا في معيشته.. نظاما يشمل كل شيء وكل سلوك. يشمل موعد اليقظة وموعد النوم. وموعد تناول الطعام. وموعد العمل. وموعد الراحة.. إلخ. وبشمل طريقة أداء كل عمل من هذه الأعمال.. ويشمل إنشاء علاقات منظمة بأفراد الأسرة وأفراد المجتمع.. والتزام هذه العلاقات..
وحياة المجتمع لا تستقيم كذلك إلا بالتزام نظام معين، يشمل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسلوكية والخلقية والروحية.. إلخ.
ولأن هذه بديهيات في حياة البشرية فالإنسان لا يحس بقيمتها ولا بضخامتها!
ولكن عليه –لكي يحس بحقيقتها- أن يتصور الحياة بغير هذا الالتزام!
فليتصور حياة فرد لا ضابط له ولا نظام في نومه وصحوه وطعامه وملبسه ومسكنه وعمله وعلاقاته بالأفراد!
مرة ينام بالنهار ومرة ينام بالليل! مرة يذهب إلى عمله ومرة لا يعمل! مرة يأكل ومرة يمتنع عن الطعام! مرة يسكن في مسكن ومرة يأوي إلى غير مكان! مرة يوادّ أصحابه ومرة يثور في وجههم بلا أسباب! مرة يتعبد إلى الله ومرة يفجر ويفسق! مرة يطيع أوامر الدولة ومرة يخرج عليها بلا سبب مفهوم!.. إلخ.. إلخ..
كيف تصبح صورة الحياة بالنسبة لهذا الفرد؟
وليتصور الإنسان مجتمعاً بلا نظام ولا رابط.. مرة ينشئ نظاماً للزواج ومرة يفك الروابط ويطلق الناس يقضون حوائج الجنس بلا قانون. مرة يقيم حكومة ومرة يفك روابط السياسة ويترك كل إنسان على هواه. مرة ينظم علاقات العمل وعلاقات الاقتصاد، ومرة يترك الناس يقتتلون بلا نظام!
كيف تصبح صورة الحياة بالنسبة لهذا المجتمع؟
وحقيقة إن قدرا من هذه الفوضى تحدث بالفعل في حياة بعض الأفراد وبعض المجتمعات.. ولكن هذه حالات اختلال منحرفة.. نتحدث عنها فيما بعد.. ولكن الذي لا مراء فيه أن الفرد أو المجتمع الذي يحدث هذا الاختلال في كيانه، مهدد بالدمار.. وعلى قدر ما تكون الفوضى يحدث الدمار.
فالميل للالتزام إذن يؤدي مهمته الحيوية في تنظيم الحياة..
والميل للتحرر يؤدي كذلك مهمته الحيوية في الحياة.. وهي ليست مهمة واحدة وإنما جملة مهام:
يؤدي مهمته أولا في أن يَحول بين الالتزام وبين الآلية الجوفاء.. التي تحيل الحياة إلى جمود وتحجر، وتفقد التصرفات والأعمال والمشاعر حيويتها ودلالتها، وتحول البشر إلى آلات [كما صنعت الحضارة المادية الحديثة حين قتلت الجانب الروحي في الإنسان، وهو الجانب الذي ينشأ عنه الميل للتحرر والانطلاق!].
ويؤدي مهمته ثانياً في تطوير الحياة.. فالالتزام الدائم يقف بالحياة عند نقطة لا تغادرها.. كما يقف عالم المادة وعالم الحيوان.. وليست هذه إرادة الله بالإنسان، خليفته في الأرض، المكلف بتطويرها وعمارتها.. فلا بد –إلى جانب الالتزام- من عنصر آخر يمنع الوقفة الآسنة، ويحرك الحياة باستمرار، لنصل إلى جديد في عالم الإنتاج المادي، وجديد كذلك في عالم الفكر والروح، يضيف رصيداً جديداً إلى الرصيد الموجود، ويزيد من سعة الحياة وثرائها، واستمتاع الإنسان بما فيها من ثمرات.
ويؤدي مهمته ثالثاً في إعطاء الحياة –مع تطويرها- دفعة حية متحركة تزيد من حيويتها، وتضمن لهذا التطور ذاته ألا يذبل ويضمر ويموت.. فليس يكفي أن يحدث الإنسان في حياته جديداً كل حين. وإنما ينبغي أن يكون لهذا الجديد من القوة الدافعة ما يمكّن له في الوجود.
وهكذا يتصل الالتزام والتحرر في داخل النفس وفي واقع الحياة، ويتعاونان معاً في أداء مهمة مشتركة،ولو بدا لأول وهلة أنهما متضادان ومتناقضان!
* * *
ينشأ الالتزام أولا في نفس الطفل.. فعالم الطفل هو عالم الضرورة.. والضرورة تعنى الالتزام.
ضرورة الطعام –بالرضاعة- وضرورة الإفراز، وضرورة النوم.. إلخ.
كلها ضرورات يلتزم بها الطفل.. ويتعود الالتزام بها.. فالجهاز العصبي مكوّن بحيث يترك كل عمل أثراً معيناً فيه.. وبتراكم هذه الآثار تتكون "عادة" يلتزمها بالجهاز العصبي ويرتاح إلى أدائها، ويتعب من تغييرها..
ولكن الالتزام لا يظل وحده المسيطر على عالم الطفل.
فما إن يبدأ القدرة على الحركة، حتى يحس باللرغبة في التحرر من القيد!
يحرك يديه ورجليه، وبوده لو يتخلص من قيد ضعفه الذي يجعل يديه لا تطولان شيئاً، ورجليه عاجزتين عن حمله والتحرك به حيث يريد!
ويلاحظ هنا –كما رأينا في الخطوط السابقة- أن كلا من خطّي الالتزام والتحرر يبدأ في عالم الحس، ثم يعبر الفنطرة إلى عالم المعنويات.
الالتزام جثماني كله في مبدأ الأمر.. ثم تتكون عنه "عادات".. جثمانية نفسية.. ثم عادات نفسية في نهاية الخط.. كعداة الصدق وعادة الشجاعة وعادة الإيثار.. أو ما يقابلها من الكذب والجبن والأنانية.. إلخ.
والتحرر يبدأ انطلاقه من عضلات الجسم.. ثم تتسع دائرته حتى يصبح في نهاية الخلط تحرراً روحياً وفكرياً شاملا لكل المعنويات..
ومن هنا يلتقي الخطان بخطي الحسية والمعنوية، كما يلتقيان مرة أخرى بخطّي الواقع والخيال. فيلتقي لالتزام بالواقع، ويلتقي التحرر بالخيال. ثم تعود الخطوط لها فتشتبك وتتداخل، فيدخل الالتزام والتحرر كلاهما في دنيا الواقع، ينظمانه من ناحية، ويدفعانه إلى الحيوية والتطور من ناحية؛ ويدخلان كلاهما في عالم الخيال.. فيلتزم الخيال –بحكم العادة- بأخيلة معينة من جهة، وينطلق متحرراً من جهة أخرى؛ كما يبدو في إنتاج الفنانين، حيث تتلازم الصور والأخيلة وتتكرر في إنتاج كل فنان، ومن ناحية أخرى يأتي بأخيلة خاصة لا تشبه أخيلة غيره من الناس لأنها تتحرر من تقليد الآخرين!
وهذا لون من التشابك والتداخل والتعقيد في كل كيان الإنسان!

السلبية والإيجابية
خطان متقابلان في النفس قريبا الشبه بخطي الالتزام والتحرر.. ولكنهما لا يتطابقان. فالالتزام قد يكون سلبياً [آليا] وقد يكون إيجابيا نتيجة تصميم وإصرار. كما أن التحرر –وإن غلبت عليه صفة الإيجابية- قد يكون أحياناً تحررا ظاهريا من القيد، رغبة في الانسياق السلبي وراء الشهوات!
وهكذا تتداخل الخطوط وتتشابك، حتى لا يتميز أحدها عن الآخر إلا بجهد جهيد!
والأقرب إلى الظن أن تكون السلبية ناشئة من حقيقة الجسد، والإيجابية ناشئة من حقيقة الروح. فقبضة الطين سلبية تخضع للقوانين المادية خضوعا كاملا –إلا ما شاء الله- ولا تملك التغيير ولا تفكر فيه. ونفخة الروح إيجابية.. فهي نفخة من روح الخالق المنشئ المدبر المبدع المريد.. تحمل إلى الإنسان من مظاهر الإرادة والإبداع والإنشاء والحرية والاختيار والتوجه والفعالية... بقدر ما قسم الله للإنسان.
ومع ذلك فليس في كيان الإنسان شيء باق على "خامته" الأولى، دون امتزاج وترابط وتشابك وتعقيد!
الخط –في ظاهره- ينبع من هنا أو ينبع من هناك. ولكنه لا يسير خطوة واحدة حتى يكون قد امتزج بهذا الخط أو ذاك. لأنه لم يعد يوجد في الواقع "هنا" خالصة أو "هناك" خالصة.. وإنما كل شيء من هنا ومن هناك في ذات الوقت!
وقد قلت عن هذين الخطين في كتاب "منهج التربية الإسلامية" ما يأتي:
"ولولا أننا مشغولون هنا بمبحث تربوي لا سيكلوجي ولا بيولوجي، لوقفنا طويلا عند تلك الحقيقة العجيبة في الخلقة، وهي أن الجنين يتكون من التقاء خليتين: البويضة الأنثوية والحيوان المنوي. وأن لكل من هذين طريقة في السلوك مخالفة للأخرى. فالبويضة في مسارها من المبيض إلى الرحم تسير "مع التيار"، بينما الحيوان المنوي في مساره من عنق الرحم إلى الأغشية الداخلية ليلتقي بالبويضة ويلقحها، يسير "ضد التيار"، وفي فطرته القدرة على المغالبة والاقتحام والمسير ضد التيار ليؤدي مهمته. والجنين هو خلاصة هاتين الطاقتين! خلاصة السلبية والإيجابية معاً وفي ذات الوقت!
"إنها حقيقة عجيبة في الخلقة.. توحي بالظن أنها هي منشأ هذين الاستعدادين النفسيين المتناقضين! والله أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير".
إنها فعلا حقيقة تلفت النظر...
ولا يمتنع أن تكون حقيقة السلبية والإيجابية ناشئة من حقيقة الجسد والروح، ثم تكون حقيقة البويضة والحيوان المنوي توكيداً آخر لها، يحمل في ذاته مزيجا من الجسد والروح، لأنه صدى لحقيقة "الإنسان" المكون من قبضة الطين ونفخة الروح! الإنسان الذي لا ينشأ فقط من التقاء البويضة والحيوان المنوي، بل يحمل كل جنس من جنسيه كذلك أعضاء الذكر والأنثى، وطبيعة الذكر والأنثى، وإن كانت إحداهما تغلب فتقرر صورة الجنس، والأخرى تظل ضامرة في صورتها الجنينية.. تشير فقط إلى حقيقة التكوين!
الله أعلم من خلق..
ليس لنا سبيل إلى اليقين القاطع.. وإنما نستعرض الظواهر بقدر ما تنكشف للإدراك البشري المحدود.
* * *
السلبية والإيجابية استعدادان فطريان يؤدىيكل منهما مهمة معينة للحياة.
ونحن في حديثنا هنا كله نتحدث عن الصورة الفطرية السوية ولا نصف الانحرافات –التي سنفرد لها حديثاً خاصاً. وكل الخطوط المتقايلة.. وكل شيء في النفس البشرية.. قابل للانحراف كما هو قابل للاستواء [وهذا نفسه مظهر من مظاهر الطبيعة المزدوجة في كيان الإنسان] ولكنا حين نتحدث عن المهمة التي يؤديها كل خط من الخطوط وكل طاقة في النفس فإننا نتحدث بطبيعة الحال عن الصورة الصحيحة السوية، لأنها هي الأصل، وليس الأصل هو الانحراف86!
وعلى هذا الأساس نقول إن السلبية تؤدي مهمتها في الحياة البشرية كالإيجابية سواء.
السلبية –بمعنى الطاعة- ضرورية في حياة الطفل ليمتثل لتوجيهات الكبار، التي لا يمكن بدونها أن تنمو في نفسه القيم المختلفة، فينشأ وقد غلبت عليه الأنانية والاستجابة السريعة للنزوات –الحسية أو المعنوية- أي أنه ينشأ على مقربة من عالم الحيوان!
وهي –بمعنى الطاعة كذلك- ضرورية في حياة الإنسان البالغ ليستطيع الحياة في المجتمع ذي الأوضاع المنظمة والقواعد الثابتة والأركان الراسخة.. وإلا ظل ناشزا لا يطيع نظاما ولا يخضع لقانون، فتضطرب الأمور في المجتمع وينتهي إلى الدمار.
وهي –بمعنى حب الخضوع والاستسلام- ضرورية كذلك في حياة الطفل وحياة الإنسان البالغ، لتعطف قلبه للآخرين.. فيحبهم.. ويسلم عواطفه لهم: فتنشأ الروابط الضرورية بينه وبين الآخرين.. الروابط التي لا تقوم بدونها الحياة.
أما الإيجابية –بمعنى الإرادة والإقدام والفعالية والإبداع والإنشاء والتوجّه- فتؤدّى مهامها في حياة الإنسان بما يشبه مهام "التحرر" التي ذكرناها من قبل.. وإن كانت متميزة عنها في الموضوع والاتجاه.
أولى المهام هي موازنة لسلبية فلا تصل إلى الضعف المعيب وانعدام الشخصية [أي منعها من الانحراف].
وثانية المهام مقاومة الشر في النفس والمجتمع.. فلو كان الإنسان سلبياً لكل شيء، لتفشت الأمراض والشرور دون أن يقاومها أو يغيّر ما فيها من منكر. وتخضع النفوس للفساد وللظلم. وينتهي الأمر بالبوار والدمار.
وثالثة المهام إبداع النظم الجديدة التي تدفع البشرية إلى الأمام، دون خوف من الخروج على "مألوف" الناس حين يفسد هذا المألوف ويصبح مصدراً للفساد.
وكلها أمور حيوية بالنسبة للفرد والمجتمع والحياة..
ويلتقي الخطان –من طرفيهما- بخطي الالتزام والتحرر.. وإن كان في كل منهما من التخصص ما يجعلهما استعدادين متميزين.
فالالتزام كما قلنا قد يكون سلبيا وقد يكون عن رغبة وتصميم.
والتحرر قد يكون انسياقا سلبيا مع الشهوة وقد يكون عن إرادة وإيجابية واقتحام.
والالتزام رغبة في اتخاذ سلوك معين محدد مكرر.. بينما السلبية رغبة في عدم المقاومة للقوى الخارجية (أو الداخلية) التي تفرض وجودها على النفس.
والتحرر رغبة في الانفكاك من القيد.. بينما الإيجابية رغبة في البروز إلى الأمام.
ويكفي هذا للتمييز بين الخطين المتشابهين.. وإن كانت بعد ذلك تشتبك الخطوط كلها وتتعقد أشد تعقيد!
* * *
السلبية هي الطور الأول من أطوار النفس..
فالطفل في أيامه الأولى مسلوب الإرادة، خاضع لكل ما يملى عليه من الداخل أو الخارج سواء.
يجوع فيرضع الثدي.. عملية سلبية.
يُرْفَع أو يُحَطّ.. فلا يملك أمره.
ولكن بعد فترة بسيطة تنمو الإيجابية التي كانت كامنة –أو عاجزة- من قبل.
يجوع فيطلب الثدي بنفسه أو يطلب الطعام.. ويصرخ حين لا يعطى ما يريد..
ويرفع أو يحط.. فيقاوم حين لا يريد.
وفي هذه المرحلة تكون السلبية والإيجابية كلتاهما في نطاق المحسوسات.
ثم تعبران القنطرة إلى الشاطئ الآخر..
يكون سلبياً في إطاعة الأوامر الصادرة إليه من الكبار..
ويكون إيجابياً في التصرف بما يهديه إليه تفكيره ومزاجه الخاص..
وسنتكلم في نهاية الفصل عن التهذيب الضروري للسلبية والإيجابية.. ولجميع الخطوط والطاقات.. فنكتفي هنا ببيان أنهما خطان فطريان في الخلقة، وأنهما –في صورتهما السوية- يؤديان مهمة ضرورية في الحياة.
الفردية والجماعية
هذان الخطان من أخطر الخطوط في حياة البشرية..
فعليهما –في صورتهما الصحيحة أو المنحرفة- تقوم نظم الحياة كلها، صالحها أو فاسدها، وعلاقات الحياة كلها، سويها أو منحرفها، وسلوك الأفراد والجماعات..
وعنهما وحولهما دارت مناقشات كثيرة فلسفية واجتماعية ونفسانية، وانبنت مذاهب فكرية وسياسية واقتصادية.. بل بتأثيرهما قامت في البشرية حروب وحدثت اهتزازات واصطدامات ورجات!
والخطان فطريان..
ففي كل نفس سوية ميل للشعور بالفردية المتميزة.. بالكيان الذاتي. وميل مقابل للاندماج في الجماعة والحياة معها وفي داخلها.
ومن هذين المَيْلَيْن معا تتكون الحياة!
ومن ثم لا يكون الإنسان فرداً خالصا، ولا يكون أيضاً جزءاً منبهما في كيان المجموع.
إنه يحس بفرديته دون شك. يحس بحدود كيانه. يحس "بالأنا" التي يشتمل عليها. يحس برغباته الخاصة وأشواقه الخاصة ومطالبه الخاصة وضروراته الخاصة. يحس بها إحساسا واضحا محدداً لا لبس فيه ولا انبهام.
فحين يجوع فهو الجائع. وحين يتألم فهو المتألم. وحين يفرح فهو الفرحان. وحين يؤدي عملا فهو بشخصه بفكره بعضلاته بكيانه المحدد الذي يقوم بالعمل. وفي كل حالة يحدث تياران من المشاعر: من الإنسان وإليه، كما يحدث تياران في الأعصاب من المخ وإليه.. ينشأ نتيجتهما إحساس الإنسان بما يشتمل عليه كيانه في تلك اللحظة من فكر أو عمل أو شعور..
وهذا هو الكيان الفردي المحدد الحدود.
ومع ذلك فليس هذا هو كل الإنسان، وإنما هو واضحد فقط من جانبي الإنسان.
والجانب الآخر أنه من أعمق فرديته هذه، المحددة الواضحة الحدود البارزة السمات، يهفو إلى الآخرين.
يهفو إلى الجنس الآخر بدافع الجنس..
ويهفو إلى الذرية..
ويهفو إلى الأصدقاء..
ويهفو إلى الزملاء..
بل يهفو كذلك إلى وجود أعداء أو منافسين يصارعهم ويتغلب عليهم!!
وكل هذه روابط جماعية.. تعبر عن رغبته في الارتباط بالآخرين بأنواع مختلفة من الرباط..
وهي رغبة أصيلة جداً وعميقة جداً في باطن النفس.. نابعة من الكيان المفرد للإنسان!
وهي –في النهاية- التي تنشئ المجتمع وتنظم ما فيه من روابط ونظم وصلات.
ومن هنا يختلط الفرد والمجتمع في كيان النفس وفي كيان الحياة!
* * *
لا تمر على الإنسان لحظة واحدة يكون فيها فرداً خالص الفردية قائماً بذاته.
ولا تمر عليه لحظة واحدة يكون جزءاً من الثقطيع غير متميز الكيان.
عملية مستحيلة.. غير قابلة للتحقيق..
في أشد اللحظات فردية يحمل الإنسان في قلبه "مشاعر" تربطه بالآخرين.
وفي أشد اللحظات جماعية يحس بأنه –على الأقل- هو الذي ينفذ رغبة الجماعة بذاته.. بكيانه الفردي.
كل ما في الأمر أن هذه النزعة أو تلك تبرز في لحظة –أو يُسْمح لها بالبروز- فتتوارى الأخرى حتى تبرز من جديد. في عملية مستمرة التداول بين البروز والانحسار.
والإنسان بفطرته تلك –بطبيعته المزدوجة- يعيش. يعيش حياة سوية طبيعية صالحة نافعة.
يستمد من نزعته الفردية.. من إحساسه بذاته.. من حبه للبروز بكيانه.. من حب الخير لنفسه "وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ87".. من حرصه على منفعته.. من سعيه لتحقيق رغباته وإثبات ذاته.. يستمد من ذلك جميعاً دافعاً للحركة والنشاط والإنتاج، والتقدم إلى الأمام.
ويستمد من نزعته الجماعية.. من ميله للوجود مع الآخرين، والفناء فيهم أحياناً.. من سلبيته إزاءهم.. من ضعفه إليهم وحاجته إلى معاونتهم والأنس بهم.. يستمد من ذلك كله معيناً له على قطع بيداء الحياة الموحشة –لو انعزل كل إنسان عن الآخر- وعلى أداء الأعمال التي لا يقدر عليها بمفرده. وعلى التقدم بالحياة كلها إلى الأمام.
ومن ثم تؤدي النزعتان معاً دورهما في الحياة البشرية، وتكونان معاً ضروريتين لكيان الإنسان.
* * *
"ولقد اضطربت كثير من النظم وكثير من الفلسفات بين هذه النزعة وتلك. بعضها يوسع دائرة الفردية حتى تصل إلى الأنانية المرذولة، وتفكيك روابط المجتمع، وتشتيت طاقاته. وبعضها يوسع الدائرة الجماعية حتى تقضي على كيان الفرد وتكاد تلغي وجوده إذ تعتبره ذرة ضئيلة تافهة لا يستمد كيانه إلا بوصفه فرداً في القطيع.
"ونحن نرى في هذه اللحظة على وجه الأرض مذهبين متنافرين، كل منهما يقوم على اتجاه.
"الرأسمالية في الغرب قائمة على أساس فردية الإنسان، فتوسع له في حدود فرديته، وتترك له حرية التصرف في كثير من الأمر، حتى يصل إلى حد إيذاء نفسه وإيذاء الآخرين، فلا تحرّج على نشاطه الزائد عن الحد، ولا تقفه عند حد معقول. يطلق لنفسه عنان الشهوات والأهواء.. ويحطم الأخلاق والتقاليد.. ولا يعترف بحق أحد في توجيهه وضبط تصرفاته.. ويحول أمواله إلى أداة لاستغلال الآخرين، وامتصاص جهدهم ودمائهم وتحويلها إلى ترف فاجر ومتاع حسيّ غليظ.. ويفسد سياسة الحكم وسياسة المجتمع، ويفسد تصور الناس للحياة.. ومع ذلك فهو يمارس "حريته الشخصية" وليس لأحد عليه سلطان!
"والشيوعية في الشرق قائمة على أٍاس جماعية الإنسان. فتوسع في دائرة الجماعة –أو في الحقيقة الدولة- وتحجر على كل نشاط للأفراد- اللهم إلا نشاطهم الحسيّ الغليظ فتتركه لهم مباحا للتنفيس عن الطاقة المكبوتة!- فتمنع اشتراك الناس الفعلي في سياسة الحكم وسياسة المجتمع، وتفرض عليهم النظم والترتيبات بحجة أنها أعرف منهم بمصالحهم. فتعيّن لهم أعمالهم، وأماكن إقامتهم، كما تعيّن لهم أفكارهم ومشاعرهم وطريقة إحساسهم.. بالأمر. ولا تترك لهم سبيلا للاختيار. وتحكمهم بالحديد والنار والتجسس. وتعتبر كل نصيحة للدولة أو القائم عليها خيانة تعاقب "بالتطهير" لأنها نزعة فردية آثمة، موجهة ضد كيان الجماعة المقدس، من فرد لا قداسة له في ذاته ولا كيان!
"والفلسفات كذلك تخبطت كثيراً في هذه الأمور. ولم يستطع كثير منها أن يَخْلُص إلى حقيقة بديهية بسيطة يؤيدها الواقع المشهود.
"إن هذه الفلسفات تفترض أنه إذا كان الإنسان فردى النزعة فالمجتمع إذن مفروض عليه من خارج نفسه، متحكم فيه بغير إرادته، ضاغط على كيانه، محطم لشخصيته، ومن ثم فهو مكروه. وتفتيته وتفكيكه حلال!
"أو.. أن النزعة الجماعية هي الأصل. فالطفل يولد ضعيفاً لا حول له ولا قوة. ولا كيان.. ولولا وجوده في الجماعة ما استطاع أن ينمو وأن يعيش.. وهو في حاجة دائمة للجماعة لكي يستمر في وجوده، وإذن فالنزعة الفردية رجس ينبغي أن يقاوم.. ينبغي أن تُسحق هذه الرغبة وأن تُزال!
"لماذا؟!
"إن هذه الفلسفات لا تنتبه إلى الطبيعة المزدوجة في هذا الكيان البشري. التي تبدو متناقضة حين ينظر إليها من السطح. ولكنها مع ذلك مترابطة. وهي تؤدي مهمتها في حياة الكائن البشري بتناقضها ذلك وترابطها. كما يؤدي مهمته الحب والكره، والرجاء والخوف، والسلبية والإيجابية، والحسية والمعنوية والإيمان بالواقع والإيمان بما وراء الواقع.. ويخرج لنا في النهاية مخلوق متعدد الجوانب موحد الكيان!
"إن في صميم الفطرة هذين الخطين.. كل منهما حقيقة. وكل منهما أصيل. والتناقض يحدث في باطن النفس كما يحدث الاضطراب في واقع الحياة، حين تزيد النسبة المقررة لكل واحد فينحرف عن مساره، ويعتدي على مسار الآخر ويشده إليه. أما حين يأخذ كل منهما مداره الصحيح، فلن يحدث التنافر بين الفرد والجامعة أو يحدث الشقاق.
"... وهذه فطرة الإنسان: فرد داخل في المجموع. أصيل الفردية، أصيل في الميل للمجموع، وهو دائم التقلب بين نزعتيه المتناقضتين، كما ينقلب في نومه من جنب لجنب ليستريح! ولكنه في كل لحظة شامل لجانبيه معاً على اختلاف في النسبة والمقدار"88.
والمعقول أن تكون الفردية هي الإحساس الأول الذي يخطر في النفس..
فالطفل يحس –حين يبدأ في الإحساس- بأنه موجود كفرد محدد الكيان. وهو إحساس مبهم بكل تأكيد في مبدأ الأمر. فكل أجهزة الإحساس عند الطفل لا تكون عند مولده تامة التكوين. ولكنه يحس أنه جائع. ويحس هذا الجوع في داخل كيانه الفردي المحدد. ويحس حين يرضع بلذة في الرضاعة، ورضا واكتفاء. ويحس آلاما في جسمه من تأثير الجو أو من تأثير وضع غير مريح فيصرخ.. حتى يجاب إلى ما يريد.. وهكذا يتضح له كيانه الفردي رويدا رويدا وتتحدد معالمه وتبين..
ومع ذلك فهو منذ اللحظة الأولى عاجز عن الاستقلال بكيانه الفردي! محتاج أشد الحاجة إلى مدد من الخارج يأتيه في صورة الثدي والحضن.. وهما كل ما يتبينه من معنى "الأم"!
فهو إذن –بحكم الضرورة ذاتها- محتاج إلى "المجتمع" الخارجي في شخص الأم.
وإحساسه بهذه الحاجة مبهم في مبدأ الأمر كإحساسه بذاته! فربما يخيل إليه أن الثدي قطعة منه هو لا من شخص آخر! تنفصل عنه وتتصل به لأسباب لا يدركها، ولكنها مكملة لكيانه غير منفصلة عنه! وربما خيل إليه كذلك أن حضن أمه إطار خارجي لكيانه هو، وليس قطعة من شخص آخر. ويكون "المجتمع" المتمثل في شخص الأم قطعة حقيقية من نفسه لا شيئا منفصلا عنه!
ويكبر إدراكه بعد فترة ويتحدد.. فيحس بكيانه المفرد على حقيقته، ويحس بأن الأم كيان منفصل عنه، يروح ويجيء، ويبعد ويقترب.. ولكن تشبثه بهذا "المجتمع" المتمثل في شخص الأم يظل على شدته..
ثم تزداد رغبته في رؤية الآخرين والأنس بهم.. حتى تقوى رجلاه على حمله فينتقل هو إليهم ليشعر "بوجوده" معهم.. ويكون كيانه الفردي عندئذ ممتزجا بكيانه الجماعي غير متميزين.
واللعب.. وهو نشاط الطفولة، مظهر بارز لاختلاط الفردية والجماعية في نفس الطفل. فهو يلعب مع الآخرين ليثبت ذاته ويكمل وجوده الفردي بوجودهم.. وحتى حين يلعب وحده فهو ينشئ في خياله مجتمعا من الناس يتحدث إليهم ويتخيل أنهم يتحدثون إليه ويشاركونه مشاعره وأفكاره. فهو في "مجتمع" دائم لا ينعزل بشخصه في لحظة من اللحظات..
وحين يشتد إحساسه بذاتيته المفردة.. وحين يأخذ في العناد مع أبويه ومع الآخرين لإثبات ذاته.. وحين يصل الأمر إلى الأنانية الشديدة أحيانا.. "أنا" أريد كذا.. لا بد من كذا لأنني "أنا" أريده.. حتى في هذه الفترة من العمر فلا انفصال بين نزعتي الطفل –الممثلتين لنزعتي الإنسان كله- وإنما هناك فقط بروز في إحدى النزعتين يلونهما كليهما! فحين تبرز النزعة الفردية إلى هذا الحد فهي لا تقتل النزعة الجماعية وإنما تلونها بالصراع! فهو يريد المجتمع.. ولكنه يريده خاضعا لنزعاته، ملبيا لطلباته.. ولا يحب أن ينعزل عنه ليبقى فردا بلا زملاء وأصدقاء.. أو بلا منافسين وخصماء!
وهذه المرحلة طبيعية في حياة الطفل وإن كانت في حاجة إلى الرعاية الدائمة والتوجيه لكيلا تزيد عن الحد، ولكيلا يثبت عليها الطفل فينشأ منحرفا.. جانحا بأحد جانبيه..
وهي تؤدي مهمتها في حياته..
فكما رأيناه من قبل يتداول الحسية والمعنوية في حياته، لينمو كل جانب منهما في فترة من الوقت استعدادا للحياة المقبلة..
وكما رأيناه يتداول الحب والكره والخوف والرجاء لينمو كل منهما في فترة معينة استعداداً للمستقبل..
وكما رأيناه يتداول الواقع والخيال.. والسلبية والإيجابية.. كل منها تبرز في فترة معينة لتتدرب للمستقبل..
فكذلك الفردية والجماعية تتداولان البروز في كيانه.. تنمو هذه مرة وتنمو الأخرى مرة ليكون عند نضجه قد تدرب على جميع المشاعر وجميع الاتجاهات!
فهو يعود في فترة المراهقة جماعيا بصورة بارزة، بعد فترة الفردية السابقة.. وإن كان –كما سبق أن بينا- لا يفقد أياً من عنصريه في لحظة بروز العنصر الآخر. وإنما ينحسر الآخر انحساراً مؤقتا ولا يزول.
ثم يستوي في مرحلة الشباب والنضج على وضعه الطبيعي الذي يقضي به بقية حياته بعد أن تدريت كل جوانبه من قبل.. وفي هذا الوضع الطبيعي تعمل النزعتان معا.. ولكن على صورتهما الطبيعية التي تجعل هذا الجانب يبرز في لحظة وذاك في لحظة.. في تداول مستمر مدى الحياة.
وفي كل شأن من شئون الحياة يواجه الإنسان الأمر بكيانه كله.. أياً كان الجانب البارز منه في هذه اللحظة أو تلك.. ولا يواجهه مرة واحدة بجزء واحد من كيانه، فهذا أمر مستحيل!
يكبر الإنسان.. ويتزوج ويكوّن أسرة.. ويشارك في تسيير دفة المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وفكريا وروحيا بصورة من الصور.. وهو في كل ذلك إنسان ذو نزعتين، فردية وجماعية.. متشابكتين ومجتمعتين.. لا تنفصل إحداهما عن الأخرى ما دامت الحياة..
* * *
لذلك كان عجبا ما يراه فرويد وغيره من التحليليين.. من أن الفرد هو الضحية الدائمة للمجتمع.. وأن المجتمع شيء مفروض على الإنسان من خارج كيانه، وضاغط عليه وكابت لرغباته، ومعوّق لنموه الأصيل!
عجب.. وقد تبينا كيف ينشأ المجتمع من داخل كيان الفرد.. من أعمق أعماقه.. من رغبته في الاجتماع بالآخرين!
ولا نتحدث هنا عن المجتمع المنحرف الذي يضغط كيان الفرد ضغطا زائدا عن الحد [وفرويد لا يتحدث عن المجتمع المنحرف، وإنما يتحدث عن كل مجتمع.. عن المجتمع إطلاقا!] وإنما تتحدث عن المجتمع "الطبيعي" الذي ينشأ حتما من تلاقي الأفراد، والذي يعيش فيه الفرد بالقدر المعقول من الحرية والانطلاق [في الحدود التي لا تدمر المجتمع، لأن تدمير المجتمع هو بالتالي تدمير للأفراد!] هذا المجتمع ليس مفروضا على الإنسان من خارج نفسه، وليس راغبا في قتله، وليس معوّقا لنموه الطبيعي.. بل هو التكملة الطبيعية للفرد [ما دامت نابعة من داخل نفسه] وهو الامتداد الطبيعي الذي يجد فيه الفرد وجوده المتكامل السليم.
وعجب كذلك ما يراه علماء الاجتماع –الجماعيون [دركايم وأمثاله] الذين يرون المجتمع قوة قائمة بذتها، غير نابعة من كيان الأفراد، ومؤثرة في الأفراد بإرادة مستقلة عن إرادتهم! أين توجد هذه القوة إذن؟! في أي فراغ مطلق تقيم، ومن أي فضاء تؤثر في حياة الأفراد وتوجههم؟!
هؤلاء وهؤلاء ينحرفون في تصورهم للأمر، لأنهم يأخذون الإنسان من أحد جانبيه دون الآخر، وينظرون للحياة من زاوية رصد منحرفة لا ترى إلا جانباً واحدا من الجانبين..
ولو رأوا الإنسان على طبيعته.. الفردية الجماعية معاً في ذات الوقت.. ولو لاحظوا أن هذا الازدواج طبيعة شاملة.. وأن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية ظاهرة تشملها كلها.. إذن لعرفوا أن الفرد أصيل كالمجتمع سواء!
* * *
هذه الخطوط المتقابلة التي استعرضناها تفصيلا من قبل.. إنها مجتمعة تؤدي مهمة معينة في حياة الإنسان! إنها تمتد –متقابلة- على جانبي نفسه، وتشتبك وتختلط في داخلها، كما تشتبك الأعصاب وتمتد في داخل الجسم والأطراف، لتؤدي في كيان النفس مهمة شبيهة بمهمة الأعصاب في كيان الجسم!
إن امتداد الأعصاب في الجسم كله وتداخلها واشتباكها مهمته أن ينقل "الحس" من المخ إلى جميع أجزاء الجسم ومن جميع الأجزاء إلى المخ، فيحس الإنسان "بكل شيء" يقع في نطاق حسه، ويدرك عن هذا الطريق- كل ما يتاح له إدراكه.
و"الأعصاب النفسية" إذا جاز لنا استخدام هذا اللفظ.. وهي الخوف والرجاء، والحب والكره، والحسية والمعنوية.. الخ.. الخ.. تمتد إلى كل جزء من أجزاء النفس، ثم تتجمع في الكيان النفسي الموحد، لكي تنقل الإشارات من هذا الكيان الموحد إلى الأجزاء، ومن الأجزاء إلى الكيان الموحد، فيحس الإنسان بكل شيء في نطاق شعوره، ويدرك –من هذا الطريق- كل ما يتاح له إدراكه.
تلك هي المهمة الأولى لهذه الأعصاب النفسية..
ومن هنا يتضح أنها –بتعددها، واختلاف أنواعها، وامتدادها، وتشابكها- تعطي سعة عظيمة للنفس الإنسانية، هي مظهر من مظاهر القدرة التي وهبها الله للإنسان وهو يمنحه الخلافة عنه في الأرض: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً"89..
فقد لمحنا –في أثناء الاستعراض التفصيلي لكل زوج من الخطوط- أنها تتداخل، فينتج من تداخلها مزيج جديد غير المزيج الأصلي لكل زوج من الأزواج بمفرده!
الخوف والرجاء زوجان من الخطوط.. يعطيان –منفردين- لونا معينا من الشعور.
ثم يختلط الخوف والرجاء بالحسية والمعنوية.. فينتج خوف حسي –يتصل بالجسم وبالمحسوس- وخوف معنوي يتصل بالمشاعر والقيم والأفكار.. ورجاء حسي يتصل بنعيم الجسم ولذائذه، ورجاء معنوي يتصل بالسعادة الشعورية والفكرية والروحية.
ويختلطان بالحب والكره.. فإذا هناك خوف مكروه.. وخوف محبوب! خوف مكروه يخافه الإنسان ويكرهه في ذات الوقت، كما يخاف الموت ويكرهه. ويخاف الألم ويكرهه.. وخوف محبوب، كالمخاطر، والمغامرات التي يخشاها الإنسان ومع ذلك يحبها ويقبل عليها.. بل قد يندفع إليها ولو أدت إلى الموت! وإذا هناك رجاء محبوب ورجاء مكروه! رجاء محبوب يرجوه الإنسان ويحبه، كما يرجو النعيم ويحبه.. وكما يرجو لقاء الأحباب ويحبه.. ورجاء مكروه.. كما يرجو الإنسان النجاة والأمن لنفسه أحيانا ببذل شيء من كرامته أو إنسانيته أو حريته.. فهو يحب النجاة ولكنه يكره مجيئها إليه بهذه التضحية المزرية، ويختلط الشعوران معاً فإذا هو رجاء مكروه!
ويختلطان بالواقع والخيال.. فإذا هناك خوف واقعي، ناشئ من شيء موجود في عالم الواقع، وخوف خيالي ناشئ من أشياء متخيلة أو موهومة.. وإذا هناك رجاء واقعي، متصل بأمر واقعي، ورجاء خيالي يعيش في عالم الوهم!
ويختلطان بما تدركه الحواس وما لا تدركه الحواس.. فإذا هناك خوف متصل بالعالم المحسوس، وخوف متصل بالغيب.. خوف متصل بالله، وخشيته وتقواه.. وإذا هناك رجاء متصل بالعالم الأرضي المحسوس، ورجاء متصل بعالم الغيب.. رجاء في الله.
ويختلطان بالسلبية والإيجابية.. فإذا هناك خوف سلبي.. يجعل الإنسان يجمد مكانه ولا يتحرك.. وخوف إيجابي، يجعل الإنسان يقتحم الأمر المخيف المرهوب.. وإذا هناك رجاء سلبي.. رجاء الاسترخاء والتواكل البليد.. ورجاء إيجابي يسعى لتحقيق ما يريد.
ويختلطان بالفردية والجماعية.. فإذا هناك خوف فردي يتصل بذات الإنسان المفرد.. وخوف جماعي يتصل بإحساس الإنسان بالجماعة التي يعيش فيها وخوفه عليها من أن يصيبها مكروه. وإذا هناك رجاء فردي يتصل بذات الإنسان وحده.. ورجاء جماعي، حين يرجو الإنسان الخير للجماعة التي يعيش فيها ولها.
وهكذا.. وهكذا ينشأ مزيج جديد في كل مرة يختلط فيها خطا الخوف والرجاء بخطين آخرين من خطوط النفس!
وذلك مثل واحد.. يتكرر مع كل زوج من الخطوط نبدأ منه ونركب الآخرين عليه! وهو مثل بسيط لا تعقيد فيه.. مكون من زوجين اثنين في كل مرة.. يمكن أن نتدرج معه بمزج ثلاثة أزواج مرة واحدة. كما يختلط خطّا الخوف والرجاء بالفردية والجماعية بالحسية والمعنوية.. فيخاف الإنسان على نفسه فرداً في محيط الحس، ويخاف على نفسه فرداً في نطاق المعنويات. ثم يخاف على الجماعة في محيط الحس، ويخاف على الجماعة في محيط المعنويات!
ثم نظل نتدرج حتى نصل –إذا استطعنا- إلى تصور الخطوط كلها ممتزجة متشابكة تعمل في وقت واحد وفي نطاق واحد.. فهذه إذن هي النفس الإنسانية!!
* * *
بهذه "الأعصاب النفسية" المتداخلة المتشابكة المتعددة المتنوعة، "يتذوق" الإنسان عدداً لا يحصى من مشاعر الوجود!
وتلك إحدى نعم الخالق عليه.. إحدى المواهب التي كرمه بها وفضله على كثير ممن خلق: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً"90.
هذه السعة النفسية –الفريدة في كل ما نعلم من خلق الله- هي التي تعطي الحياة البشرية تلك السعة والتنويع الذين تتميز بهما حياة الإنسان عن غيره من المخلوقات.
هي التي تعطيه موهب الحياة على مستويات متعددة وفي اتجاهات متعددة: حسية ومعنوية، مادية وروحية، فردية واجتماعية، اقتصادية وسياسية وفكرية وفنية وعلمية وعملية..
هي التي تجعله ينشئ الحضارات، بكل ما تشتمل عليه الحضارة من إنتاج في عالم المادة وعالم الفكر وعالم الروح..
هي التي تجعل يديه تعملان في المادة، ونفسه تعمل في القيم، وروحه تعمل في العقيدة..
هي التي تجعله يأكل ويشرب ويقضي ضروراته كلها في عالم الحس، ثم يسبح بروحه في ملكوت الله الواسع، ثم تنبض مشاعره بأحاسيس فنية يسجلها في قصيدة أو لوحة أو لحن أو ما شاء من الفنون..
هي التي تجعله يدخل الحرب ويعقد السلم.. يقتل ويسفك الدماء، ثم تشف روحه بالحب كأنها شعاع من النور..
هي التي تجعله يكشف ويخترع ويصل كل يوم إلى جديد..
وهي موهبة موهوبة له من الخالق.. لأمر أراده يوم خلق الله الأرض والسماوات!
* * *
والمهمة الثانية لهذه الخطوط المتقابلة –غير توسيع الحياة وتلوينها وتعديد مذاقاتها ومنتجاتها- هي إنشاء "روابط" متعددة بين الإنسان والحياة.
إن الخالق المبدع –سبحانه- وقد شاء للإنسان أن يؤدي دوره الضخم في حياة الكون- قد شاء له أن يرتبط بالحياة بأكثر من رباط. وسنتحدث في الفصل التالي "الدوافع والضوابط" عن كثير من هذه الرباطات. ولكنا هنا نكتفي بأن نقول إن هذه الخطوط المتعددة تعتبر نقط اتصال –أو "مشابك"- تشتبك النفس عن طريقها بالحياة. تتصل بها خوفاً ورجاء، وحباً وكرهاً، وحساً ومعنى، واقعاً وخيالا، وفردية وجماعية.. الخ فتنفذ الحياة إلى النفس من هذه المنافذة المتعددة، وتخرج النفس إلى الحياة من هذه المنافذ كذلك.. فتتعمق الصلات بين الإنسان والحياة، وبين الإنسان والكون.. وتكون هذه الصلات العميقة الوثيقة أداة من أدوات الخلافة في الأرض، إذ ينبغي –في علم الله- أن تكون الصلات عميقة جداً ومتعددة ومرتبطة بأوثق الحبال وأمتنها، لكي يستطيع الإنسان أن يقاوم العقبات الكثيرة في طريقه، وينتصر في معركة "الكدح" الدائم الذي يمثل الحياة: "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ"91. "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ"92.
وعلى قدر ما تشتبك نفس الإنسان بالحياة والكون بهذه المشابك المختلفة تزداد قيمته في الحياة ويعظم الدور الذي يؤديه فيها. وعلى قدر ما تنفصم الرباطات يتضاءل دوره في الحياة!
* * *
أما المهمة الكبرى –الملحوظة في تقابل الخطوط على جانبي النفس- فهي إنشاء التوازن في كيان الإنسان.
إن كل خطين متقابلين هما رباطان يربطان الكيان النفسي من الجانبين.
وبقدر تعدد الخطوط تتعدد الرباطات.. وتقابل كذلك من الجانبين.
وقد أحصينا منها ثمانية أزواج متقابلة [أو تسعة]93 في هذا الفصل –وقد يكشف البحث عن مزيد0 فإذا تخيلنا ثمانية أزواج من الأوتاد المربوطة ثمانية من هنا وثمانية من هناك، في نقط متفرقة، مرسومة رسماً هندسياً دقيقاً، استطعنا أن نتخيل الكيان الذي تربطه هذه الأوتاد متوازناً توازناً كاملا لا يميل من هنا ولا يميل من هناك.
وتلك إرادة الله لهذا المخلوق.. التوازن الذي يجعله يمشي على الصراط!
إن التوازن سمة عامة للكون كله الذي خلقه الله..
السماوات والأرض.. الكواكب والنجوم.. المادة والإشعاع.. كل شيء في خلق الله ملحوظ فيه التناسق الدقيق والتوازن المضبوط.. التوازن الذي يدير الأفلاك في فضائها الهائل في مدارات مضبوطة لا تختل ولا تصطدم ولا تخرج عن خطها قيد شعرة في هذا الفضاء الرهيب..
والأرض ملحوظ فيها التوازن في عناصرها، في برها ومائها، في جوها، في كائناتها الحية: "وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ"94.
والإنسان بضعة من هذا الكون تحكمه نواميسه..
وفي فطرة الإنسان هذا التوازن.. تنشئه هنا هذه الخطوط المتقابلة في النس البشرية- حين تكون كلها في وضعها الصحيح ونسبها الصحيحة- فتشده من الجانبين بنسب متساوية، وتجعله في النهاية يقوم متوازناً في نقطة الوسط الموزون.
* * *
تلك بعض الأسرار في تركيب النفس المعقد المتشابك الدقيق.
وما نزعم، وما يزعم أحد، أنه يحيط بكل أسرار النفس، ويصل إلى كل أغوارها.. وإنما استجيب لأمر الله حين يقول الناس: "وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"95 فنحاول أن نبصر منها بقدر ما تطيق البصائر والأبصار!
ثم ننتقل من استعراض الخطوط المتقابلة وما نكشف عنه من مهامها.. إلى الطرق التي تتبعها نظم التربية في "تهذيب" هذه الطاقات والاستعدادات والخطوط..
إنها –بادئ ذي بدء- لا بد لها من تهذيب!
حقيقة إنها فطرية كلها، وإنها تؤدي –بالفطرة- إلى التوازن الصحيح في نهاية المطاف.
ولكن من حقيقة الفطرة كذلك أنها تحتاج إلى "التربية" و"التعليم".
إن الإنسان ليس أُحاديّ النزعة في أي شأن من شئون كيانه..
ومن ألوان الازدواج في طبيعته أن في كيانه استعداداً للاستواء واستعداداً للانحراف96.
ومن أجل ذلك يحتاج إلى التقويم والتهذيب ليستقيم.. وإلا مال مع الاستعداد الآخر.. استعداد الانحراف!
وسنتكلم في فصل الشذوذ والانحراف عن بضعة من ألوان الشذوذ بعد أن نستكمل الحديث عن النفس السوية في كل مجالاتها.
ولكنا هنا –فيما يتعلق بالخطوط المتقابلة في النفس البشرية- تذكر أننا في أثناء استعراضها لحظنا طريقة نموها من الطفولة الباكرة إلى مرحلة النضوج، فرأيناها تنمو في دفعات، كل دفعة تكاد تختص بأحد الجانبين حتى ينضج الخطان معاً في نهاية المطاف.
مرة يبرز الحب لينضج.. ومرة يبرز الكره.
مرة يبرز الخوف.. وميرة يبرز الرجاء.
كرة يبرز الحسي.. ومرة يبرز المعنوي.
مرة يبرز الواقع.. وميرة يبرز الخيال.
مرة تبرز الفردية.. ومرة تبرز الجماعية.. الخ.
وفي النهاية يكونان قد نضجا كلاهما، فيتداولان البروز والانحسار في النفس –على نضج- فيبرز هذا وينحسر ذاك مع وجودهما كليهما على مستوى واحد من النضوج.
تلك المرحلة الطويلة من النمو عرضة للانحراف في كل مرة إذا لم يلاحقها التقويم والتهذيب.
الطفل عرضة مثلا لأن ينضج فيه جانب السلبية ولا ينضج جانب الإيجابية فينشأ ضعيف الشخصية خامل الكيان.
وعرضة لأن ينمو فيه الجانب الحسي ولا ينمو الجانب المعنوي الذي يوازنه فينشأ منغمساً في لذائذ الحس، لا يرتقي إلى عالم القيم والأفكار والعقائد.. ويظل على مقربة من عالم الحيوان.
وعرضة لأن ينمو فيه جانب الواقع ولا ينمو جانب الخيال [أو العكس بطبيعة الحال] فينشأ مسرفاً في أحد الجانبين وناقصاً في الجانب الآخر..واقعياً ضيق الأفق لا يقوى على التفكير خارج نطاق الواقع الصغير الذي يحيط بشخصه أو مجتمعه.. أو خيالياً لا يحسن مواقعة الحياة، يتعثر في مشكلاتها على الدوام.
وعرضة لأن ينمو فيه جانب الفردية فيطغى، ويظلم، وتنضب في نفسه مشاعر الإنسانية والمودة والإخاء.. أو جانب الجماعية فيذوب في كيان الآخرين ويصبح بلا كيان..
هذه واحدة..
ثم هو عرضة لأن يغذي هذه المشاعر والطاقات بغذاء خاطئ.. نتيجة تنمية بعض الأزواج دون بعضها الآخر.
قد ينمو فيه خطا الفردية والجماعية معاً.. وليس أحدهما دون الآخر.. ولكنهما ينموان في محيط ما تدركه الحواس فحسب، دون أن ينمو في محيط الإيمان بالغيب. وهنا ينشأ اختلال من نوع آخر. فليس منشأ الاختلال أن النزعة الفردية قد غلبت أو النزعة الجماعية.. ولكن منشأه أن هذا التوازن الجزئي بين الفردية والجماعية قد اختل بكامله لأنه جنح إلى جانب الإيمان بالمحسوس دون الإيمان بالغيب. وأقرب مثال لذلك "الديمقراطيات" الغربية حتى المتوازن منها، التي تدع مجالا معقولا للفرد ومجالا معقولا للجماعة. ولكنها في الوقت ذاته تعيش –فرداً وجماعة- على مستوى الحيوان لا على مستوى الإنسان. على مستوى اللذائذ الحسية والمنافع القريبة، بعيداً عن القيم العليا، وبعيداً عن الله.
وذلك يكفي لإعطائنا فكرة عن مجالات الانحراف في هذه الخطوط..
والطريقة التي تتبعها نظم التربية والتهذيب يتوقف عليها مصير الإنسان في مرحلة النضوج.
وكثير من الاختلالات التي تعانيها البشرية اليوم في الشرق والغرب.. سببها اختلال في طريقة التهذيب.
إن البشرية كلها تمارس نوعا من التهذيب بالضرورة.. يستوي في ذلك سكان الكهوف وسكان أرقى المدن في أرقى الحضارات. فالتهذيب من اللوازم الأولى للبشرية. ومن بديهياتها التي تفترق بها عن الحيوان.
ولكن نظم التهذيب تفترق فروقاً شاسعة من أقصى اليسار لأقصى اليمين.
والغرب –الذي تغلب حضارته اليوم على الأرض- يمارس ألوانا من التهذيب، رائعة جداً في بعض جزئياتها، ولكنها في مجموعها منحرفة أشد الانحراف.
والسبب كما قلنا هو العناية ببعض الخطوط البشرية دون بعضها الآخر، أو تغذيتها بغذاء فاسد من هنا أو هناك.
ولا تستقيم الفطرة ولا تتوازن إلا حين تُهذّب الخطوط كلها في ذات الوقت، وتغذى بالغذاء الصالح السليم.
وهذا ما يصنعه الإسلام.. دين الفطرة: "فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.. ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ"97.
وقد تحدثت بتفصيل في كتاب "منهج التربية الإسلامية" عن طريقة معالجة الإسلام للخطوط المتقابلة في النفس البشرية.. بما لا أملك نقله هنا ولا تكراره في هذا الكتاب.
ولكن لا بأس من بعض فقرات:
"ومزية الإسلام –في مسايرته للفطرة- أنهلا يترك وترا من أوتار النفس لا يوقع عليه. ثم هو لا يوقع على وتر أكثر من طاقته، أو يبخسه قدره فلا يوقع عليه ما يستحق من نغمات! وبذلك يشمل الكيان الإنساني كله، وفوق ذلك يحدث التوازن في داخل النفس بشدها إلى أوتادها جميعاً فلا تميل من هنا ولا تميل من هناك، والتوقيع على أوتارها جميعاً فلا تتعلق من جانب وتظل في الجانب الآخر صماء!"
"والإسلام يعمد إلى خطّي الخوف والرجاء، فينفض عنهما أولا كل خوف فاسد وكل رجاء منحرف، ثم يعمد إليهما بعد ذلك فيوقع عليهما الإيقاع الصحيح الذي يصدر عن نفس بشرية سوية ينبغي لها أن ترجو وينبغي لها أن تخاف.
"ينفض من وتر الخوف أولا كل ما يرهق كاهل البشر من مخاوف زائفة.. زائفة لأنه لا طائل وراءها: لا تقدم ولا تؤخر.. ولا تغير شيئاً من واقع الأمر!
"ينفض عنه الخوف من الموت! إذ أنه.. ما قيمته؟ هل يؤخر الأجل، أو يغيّر المكتوب؟ كلا! وما دام لا يغيّر شيئاً من الواقع فهو إذن أمر لا يليق.. إنه تبديد للطاقة وتدمير للكيان.. بلا نتيجة.
"لذلك يكرر القرآن هذه الحقيقة في صور شتى وإيقاعات متنوعة.
"إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ".. إلخ.. إلخ..
"والخوف على الرزق كذلك:
"قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ"؟؟ إلخ.. إلخ.
"وكذلك الخوف من أذى الناس ومن أي ضرر توقعه بالإنسان قوى الأرض...
"وكذلك الخوف من النتائج المجهولة المبنية على حاضر معلوم...
"وهكذا يتناول القرآن كل المخاوف البشرية الزائفة واحداً واحداً فينفضها عن النفس، ويرفع عنها إصرها، ليطلقها تواجه الحياة قوية عزيزة متمكنة متطلعة، مطمئنة إلى قدر الله.
"ثم يمسك وتر الخوف –الفطري في النفس البشرية- فيوقع عليه نغمة الخوف القويمة الأصيلة التي ينبغي أن تصدر عن هذا الكيان.
"إن قوى الأرض كلها لا تخيف –أو لا ينبغي أن تخيف- لأنها قوى مسخرة. لا تستمد من نفسها، ولا تملك لنفسها ضراً ولا نفعا. والقوة التي ينبغي أن تخاف حقاً هي القوة التي بيدها كل شيء. هي المانحة حقا والمانعة حقاً. وإذن فخوفها هو الخوف الواجب. وخشيتها هي السبيل.
"الخوف ينبغي أن يكون من الله. ومما يُخَوّف به الله".
* * *
"من أجل ذلك يضع الإسلام "ضوابط" لشهوة الحب والكره. ضوابط تتصل بالروح، وضوابط تتصل بالعقل، وجميعها يتصل بالله...
"ولكي يصل الإسلام إلى ذلك فإنه يوقع على وتر الحب أنغاما جميلة شفيفة رائقة تنتهي في النهاية إلى أن يحب الإنسان نفسه في وضعها الصحيح!
"يوقع أولا نغمة الحب لله.. وإنها لتوقيعات شتى...
"ويوقع نعمة الحب للكون الذي خلقه الله.. فالإسلام –كما قلنا من قبل- يعقد صداقة قوية بين الكون والإنسان...
"ثم يوقع نغمة الحب لبني الإنسان..
"وحين يوقع الإسلام أنغام الحب هذه كلها، فإنها –بطبيعتها- توازن حب الإنسان لنفسه، وتضعه في وضعه الصحيح، الذي لا يظلم ولا يجور، ولا يغتصب لنفسه حقوق الآخرين.
"أما الكره فيوجهه إلى قوى الشر في الأرض..."
* * *
"الإسلام يساير الفطرة بشقيها، فيعطي الطاقة الحسية غذاءها، ويمنح الطاقة المعنوبة مجال العمل والإبداع.
"كل لذائذ الحس مباحة ما دامت في الدائرة المأمونة النظيفة التي لا تضر بالفرد ولا تضر بالمجموع. لذائذ الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس.. وما يبتدعه الإنسان من أدوات تيسر حياته وتوفر جهده وتمتع حسه المتعة الحلال.. وفي ذلك غذاء كامل لطاقة الحس.
"أما الطاقة المعنوية.. الطاقة التي هي إنسانية أصيلة.. الطاقة التي تميز بها الإنسان عن الحيوان.. فالإسلام يحتفل بها احتفالا ضخماً، ويجعلها هي أساس الحياة الإنسانية، بما أنها هي أساس إنسانية الإنسان.
"أول ما يحتفل بها يمنحها العقيدة. العقيدة على شمولها واتساعها وطلاقتها. العقيدة بمعنى الإيمان بوجود الله ووحدانيته. وبمعنى العبادة لله وإخلاص الدين له. وبمعنى تصور الكون والحياة على أساس هذا الإيمان بالله. وبمعنى الإيمان بالحق الذي خلق به الله السماوات والأرض. وبمعنى إحقاق هذا الحق على ظهر الأرض. وبمعنى إقامة المجتمع الإنساني على أساس الحق الإلهي الذي نزل به القرآن. وبمعنى الجهاد في سبيل الله، وفي سبيل الحق وفي سبيل الإسلام.. الجهاد في سبيل إقامة مجتمع نظيف متوازن يؤمن بما أنزل الله، ويحكم بما أنزل الله.. تلك هي العقيدة التي يبذرها الإسلام في النفوس، ويغذي بها الطاقة المعنوية في الإنسان".
* * *
"والإسلام يتناول هاتين الطاقتين [السلبية والإيجابية] فيضع كلاّ منهما في مكانه الصحيح، وفي التو تنطلق النفس صحيحة البنيان قوية الكيان.. كما تدور الساعة في اللحظ التي يتم فيها وضع المسامير و"التروس" في مكانها الصحيح.
"يجعل الإسلام سلبية كاملة إزاء الله..
"وإيجابية كاملة إزاء كل قوى الكون.
"وبذلك تصلح النفس وتسقيم الحياة.
"سلبية كاملة إزاء الله.. فالله هو الخالق، والله هو المدبر، والله هو مالك الملك ومصرف كل أمر. هو الذي يحيي ويميت ويبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر. وهو القاهر فوق عباده. وهو الفعال لما يريد. وهو الذي يملك حقاً أن ينفذ ما يريد، حيث لا يملك أحد غيره من البشر لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فضلا عن أن يملكوا للآخرين...
"... وهو تسليم الحب! وليس تسليم القهر!
" إن الله هو القاهر فوق عباده حقاً. وهو يملك كل وسائل القهر، وبيده ملكوت كل شيء. ولكن الله ذاته هو الذي يحب عباده ويرضى عنهم، ويدعوهم إلى حبه "والرضى عنه".
"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ.
"رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
"وهو تسليم الاطمئنان: ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب.
"ومن هذا التسليم الخالص لله يستمد الإنسان إيجابيته الكاملة تجاه الأشياء والأشخاص والأحداث!
"إنها العجيبة التي تحدث في النفس المؤمنة! عجيبة الإيمان التي تملؤها فتطلقها بانية منشئة هادية، مكافحة معتزة مجاهدة مستعلية!
"وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" تلك هي العزة إزاء الأشخاص.
"وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" وتلك هي العزة إزاء الأحداث.
"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ". وتلك هي العزة إزاء الأشياء.
"عزة كاملة في كل اتجاه.
وهذه معجزة الإيمان. التسليم الكامل لله يعطي النفس هذه القوة العجيبة التي تكافح بها كل شيء وتستعلي بها على كل شيء، وتنشئ بها ما تريد.
"إنه لا عبودية لقوة المادة ولا قوة الاقتصاد ولا قوة الدولة ولا قوة المجتمع ولا قوة العادة ولا قوة التقاليد.. لا "حتمية" لشيء على وجه الأرض إلا سنة الله: "وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً". ومن سنة الله أن تكون النفس المؤمنة قوة كونية قادرة، تسير مع الناموس الأكبر، وتفهم عنه أسراره، وتستغل قواه وطاقاته.. لأن هذه القوى والطاقات كلها مسخرة للإنسان بإذن من الله.
"ومن ثم كان المسلمون الأوائل الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان حقاً ينشئون نظاما غير مسبوق في كل الأرض: نظاماً سياسياً واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وروحياً لا توحي به ضرورة من ضرورات الأرض، وليس نتيجة "حتمية" لشيء من ظروف الأرض. إنما يُنْشَأ إنشاء، إرادة واقتداراً، بدافع الإيمان".
* * *
تلك نماذج متفرقة من معالجة الإسلام للخطوط المتقابلة في النفس البشرية تكفي لتنير الطريق..
وخلاصتها في النهاية أنها تساير الفطرة بما فيها من شمول وتكامل، وما هلي عليه من ازدواج الطبيعة وتوحد الكيان.
ومن ثم تصل هذه الطريقة إلى التوازن في كيان الإنسان، الذي هو سمة في الوقت ذاته من سمات الكون والحياة. كما تصل إلى تعميق الحياة في نفس الكائن البشري، وإثرائها بعديد من المشاعر وعديد من "المذاقات".

الدوافع والضوابط
تحدثنا في الفصل السابق عن "الأعصاب النفسية".. أو الخطوط المتقابلة في النفس البشرية. وقلنا إنها "منافذ" متعددة –متشابكة متداخلة- تنفذ منها الحياة الخارجية إلى داخل النفس، وينفذ منها باطن النفس إلى الحياة.. كما قلنا إنها تقوم في النفس بما يشبه دور الأعصاب في الجسم. فإذا كانت هذه تنقل الأحاسيس من جميع أجزاء الجسم إلى المخ، ومن المخ إلى جميع الأجزاء.. فتلك تنقل المشاعر من أجزاء النفس كلها إلى الكيان النفسي المتجمع –إلى مركز الوجدان أياً كان موضعه- ومن هذا الكيان المركزي المتجمع إلى جميع أجزاء النفس...
من خلال هذه المنافذ تنطلق الطاقة الحيوية للإنسان.. الطاقة الدافعة، فتتلون بألوانها، كما تأخذ الأحاسيس لون العصب الذي تمر فيه، فتصبح إحساساً بالألم أو اللذة أو الحرارة أو البرودة.. إلخ بحسب نوع العصب الذي تمر فيه، ثم تصبح في مركز الإحساس في المخ مزياً مختلطاً من أحاسيس متباينة في وقت واحد.. وكذلك تتلون الطاقة الدافعة بلون "العصب النفسي" الذي تمر فيه، فتصبح شعوراً بالحب أو شعوراً بالكره، أو شعوراً بالخوف أو شعوراً بالرجاء... الخ ثم تصبح في الكيان النفسي المتجمع مزيجاً مختلطاً من مشاعر متباينة في وقت واحد، يختلف في مجموعه عن المفردات..
ولكن هذه الطاقة الحيوية ذاتها.. ما هي؟
أهي تفاعل كيميائي؟ أهي كهرباء؟ أهي طاقة كطاقة المادة؟ وما طاقة المادة؟!
وأين تسكن؟
أفي أعضاء الجسم وخلاياه؟
أم في "شيء" اسمه النفس؟
ومر مركز تجمعها؟
أهو المخ؟ أم جهاز "نفسي" يقابل المخ من الجسم؟
وإذا كان الجسم هو القاعدة التي تنبعث منها الطاقة الحيوية.. فما هي الصلة بين "الجسم" و"النفس"؟ ما الصلة بين "العضو" أو الغدة وبين "الشعور" الذي يصاحب نشاط العضو أو الغدة. كيف ينشأ هذا عن ذاك؟ أكما ينشأ الشعاع من المادة؟
"الشعور" الجنسي مثلا.. "الحنين" إلى الجنس الآخر.. "الرغبة" في القرب منه و"السرور" الذي يصاحب هذا القرب و"الألم" الناشئ من الحرمان منه.. و"الإحساس" بالجمال، و"الابتهاج" به و"الأنس" إليه...
هذه المشاعر كلها أين هي من "هرمونات" الجنس، من العصارة الكيميائية التي تفرزها الغدد الجنسية في خلايا الجسم؟ وكيف ينشأ "الشعور" من "الكيمياء"؟ كيف تنشأ "النفس" من "الجسم"؟
أم هما طاقتان متوازيتان ومتصلتان، إحداهما تنبع من الجسم، والأخرى تنبع من "النفس" ويسيران في خط واحد ويتلازمان؟
والرغبة في الملك مثلا.. أين تنبع من كيان الجسم؟ في أي أعضائه وفي أي غدده تكمن الرغبة في تملك الأشياء والاستحواذ عليها؟
أم هي في "النفس" فقط؟ وما "النفس" على وجه التحديد؟
وكيف تتحول هذه الرغبة "النفسية" إلى حركة "جسدية".. حركة الجمع والاستحواذ؟
وحين يتعطل المخ عن العمل، تتعطل الوظائف النفسية من وعي وإدراك ونوازع ورغبات.. فهل معنى ذلك أن المخ هو النفس؟ أو أن النفس "تسكن" المخ؟ أو أن النفس تعمل عن طريق المخ؟!
مئات من الأسئلة لا يصل فيها الإنسان إلى يقين!
وقد تناولت الفلسفة من قديم موضوع النفس والجسم، وأبعدت في التيه.. ولم تصل إلى يقين.
ثم انفصلت الأبحاث النفسية عن الفلسفة –التي كانت جزءاً منها- وأخذت تتجه اتجاهاً متزايداً إلى البحث التجريبي المعملي.. وكانت لها في هذا الموضوع آراء متفاوتة.. ولم تصل كذلك إلى يقين.
قالت المدرسة التجريبية –المعملية- إن "النفس" انعكاس لنشاط الجسم، وإن النشاط الحيوي والشعوري جسدي كله: كيميائي وكهربي. وإن ما نسميه المشاعر هو نتيجة التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الغدد والأعضاء، ونتيجة النشاط الكهربي الذي يحدث في المخ..
وقالت مدارس علم النفس النظري إن هناك "غرائز" أو "دوافع فطرية" أو ما يكون من الأسماء.. وإنها نفسية في أساسها، وإن لها مظاهر جسمية هي التعبير المحسوس عن الطاقة النفسية الأصيلة.
وتتردد بين هذا الطرف وذاك آراء..
وما نملك أن نصل في هذا الأمر إلى يقين..
هناك مظاهر تؤيد كلا من الرأيين، وتنقض كلا من الرأيين!
النشاط الجنسي كله.. بما فيه من مشاعر وأحاسيس ورغبات و"تهويمات" وانطلاقات واندفاعات.. وما يصاحبه من ميول فنية وأحاسيس جمالية.. ينقطع انقطاعاً تاماً إذا نزعت الهرمونات الجنسية من الجسم في وقت نموها الطبيعي.. ! وينشأ الفتى أو الفتاة بلا دوافع ولا ميول! كأنما هذه المشاعر كلها نابعة من الهرمونات!
والعقيدة في الله، وما تبعثه في النفس من مشاعر، وما تغرسه فيها من قيم ومبادئ، وما تدفع إليه من سلوك معين في الحياة.. توجد مع الجسم السليم والجسم غير السليم. الجسم المكتمل الأعضاء والجسم المبتور الأعضاء. الجسم النامي والجسم الضامر. وتظل موجودة طالما كان الجسم واعياً فقط ومدركاً.. أي ما دام الإنسان لم يغب عن الوعي. فإذا غاب عن الوعي فإنه لا يدرك شيئاً مما يوجد حتى في داخله، ولا يدرك وجود العقيدة بالتالي، لا لأنها لم تعد توجد، ولكن لأنه هو لا يدرك.. فكأنما الجسم الواعي المدرك هو مجرد وعاء للعقيدة.. أما هي، والمصدر الذي تنبعث منه فلا علاقة لها بالجسم إلا حلولها فيه!
وبين هذا الطرف وذاك ألوان مختلفة من المشاعر والأحاسيس، بعضها ينبع من الجسم فيؤثر في النفس، وبعضها ينبع من النفس فيؤثر في الجسم، وبعضها يصدر عن الكيانين معاً في ذات الوقت..
وقد يستطيع التليفزيون الإلكتروني في المستقبل أن يصور ما يدور في داخل النفس من نشاط في صور مرئية تبين من أين تنبعث المشاعر وكيف تنبعث.. أما الآن.. فلا يقين!
ربما كان أقرب تشبيه –وهو مجرد تشبيه لا نستطيع أن نحكم بصحته- هو المادة والإشعاع.. وهي حقيقة من حقائق الكون الكبير: أن المادة تتحول إلى إشعاع، والإشعاع يتحول إلى مادة. وأن الخلية الكونية –وهي الذرة فيما نعلم- مكونة من مادة وإشعاع. ولكنها تأخذ أحد الشكلين فقط في الوقت الواحد: فإما أن تكون مادة وإما أن تتحول إلى شعاع. أما الأجسام المشعة كالراديوم واليورانيوم والبلوتونيوم والأسترنشيوم وأمثالها، التي تجمع في ظاهرها بين المادة والإشعاع، فحقيقة الأمر فيها أن جزءاً من المادة يتحول باستمرار إلى إشعاع ويفقد مادته98..
أما الإنسان –المزدوج الطبيعة الموحد الكيان- فهو الكائن الوحيد –فيما نعلم- الذي يشمل المادة والإشعاع معا، متصلين ممتزجين، عاملين معاً دون أن يُفْقَد أحدهما ليتحول إلى الآخر..
يشمل هرمون الجنس الكيماوي –الذي تصحبه مشاعر الجنس النفسية من حنين وحب ورغب وسرور وابتهاج وإحساس بالجمال.
ويشمل العقيدة الروحية –التي تصاحبها حركات جسدية من التعبد والسلوك..
وذلك مظهر من مظاهر الازدواج في طبيعته، ناشئ من الحقيقة العظمى في كيانه: أنه قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله.
* * *
الدوافع كلها يمكن تلخيصها في كلمة واحدة هي حب الحياة!
ذلك هو العنوان الذي يجمعها. ولكنها بعد ذلك تتفرع وتتشعب في أكثر من اتجاه.. بل في كل اتجاه!
تتفرع وتتشعب فتصبح دافعاً لحفظ الذات، ودافعاً لحفظ النوع، ودافعاً للقتال عن الذات أو القتال عن النوع، ودافعاً للملك، ودافعاً للتميز والبروز.. وكلها مظاهر لحب الحياة والتشبت بها والذود عنها والاستحواذ عليها والاستكثار منها والامتداد فيها..
وسنتكلم بشيء من التفصيل عن كل واحد من هذه الدوافع بمفرده، وعن مهمتها مجتمعة، كما صنعنا في الحديث عن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية.
ولكنا هنا –في مقدمة الفصل- نريد أن نقول كلمة عابرة عن الجهاز الآخر في النفس، المقابل لقوة الدفع في كيان الإنسان.. وهو جهاز "الضبط".. جهاز "الفرامل" المقابل "للمحرك".
إن القوى الدافعة ليست هي وحدها التي تكوّن بناء النفس.. ولا يمكن أن تكون كذلك!
لقد تعلم الإنسان وهو يخترع الآلة المتحركة أنه لا بد لها من جهازين اثنين: أحدهما ينشئ الحركة الدافعة، والآخر يوقف الاندفاع!
ثم لاحظ وجود هذه الحقيقة في تركيب نفسه.. في صميم بنيانه.. فأدرك وجود طاقتين مختلفتين في كيانه: قوة دافعة تحركه في شتى اتجاهاته، وقوة ضابطة تضبط حركة الاندفاع!
وكلتا القوتين من صميم الفطرة..
ليست إحداهما أصيلة والأخرى مفروضة عليها من الخارج كما يرى علم النفس التحليلي، الذي ينظر –بطبيعة منهجه- إلى الدوافع المحركة، ويكره الضوابط التي تحد الاندفاع!
ليس المجتمع، أو الدين أو الأخلاق والتقاليد، أو دكتاتورية الأب، هي التي تنشئ الضوابط في نفس الإنسان! إنها –كما سنرى في البحث- استعداد فطري يولد مع الطفل. ولكنه يكون كامنا. كما تكون الرؤية كامنة في جهاز الإبصار في الأيام الأولى لم تنضج بعد.. ولكنها تنضج –فطريا- بعد قليل. وكما تكون الحركة كامنة في عضلات الجسم والأطراف في الأيام والشهور الأولى، لم تكتمل بعد (فالطفل مثلا لا يستطيع المشي إلا بعد تجاوز السنة الأولى)، ويحتاج إلى معونة خارجية لمساعدة هذه الطاقة الكامنة في الظهور.. ولكنها في النهاية تظهر. وكذلك التوجيه والتهذيب والرعاية تنضج القوة الضابطة في كيان الطفل، وتساعدها –من الخارج- على استكمال نموها، ولكنها لا تنشئها من لا شيء. كما أن المساعدة ليست هي التي تنشئ حركة المشي من لا شيء!
ووجود الضوابط في داخل النفس –مع الدوافع- لا يزيد على أن يكون مظهر آخر من مظاهر الازدواج في الكيان البشري، الملحوظ في كل شيء يشتمل عليه ذلك الكيان!
الدوافع
"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.."
[صدق الله العظيم]
حب الحياة والاستمتاع بها، هو الدافع الأكبر في الكيان البشري. والمحرك الأكبر لما يصدر عنه من نشاط.
وهو يشمل –كما قلنا في مقدمة الفصل- دوافع جزئية أو فرعية، تظل تتفرع بدورها وتتشعب حتى تصل إلى دقائق صغيرة عميقة.. وكل منها يتصل في النهاية بالأعصاب النفسية التي سبق الحديث عنها، في تشابك معقد شديد التعقيد.
هذا الدافع الأكبر يشمل فرعين رئيسيين –فطريين- هما حفظ الذات وحفظ النوع.
ثم تتفرع عن كل منهما –أو عنهما معاً- فروع أخرى.
فالطعام والشراب والملبس والمسكن.. ورغبة الملك.. ورغبة البروز والتميز.. والقتال ذوداً عن النفس، كلها أمور تتصل اتصالا وثيقاً بالرغبة في حفظ الذات، والاستمتاع بحفظ الذات.
أما حفظ النوع فأداته الكبرى هي الطاقة الجنسية.. ولكن الفروع السابقة كلها تشتبك بهذه الطاقة، فيصبح كل منها مزوداً بشعبتين: شعبة تتصل بالذات، وشعبة تتصل بالجنس.
وهذان الدافعان معاً، بكل ما يتفرع عنهما من فروع وما يشتبك بهما من اشتباكات، واللذان هما في الأصل مظهران لحب الحياة والاستمتاع بها.. يؤديان مهمة ضخمة في حياة الإنسان.
لقد اقتضت حكمة الخالق أن يكون هذا المخلوق المندوب للخلافة عن الله في الأرض، مزوداً بطاقة هائلة تعينه على أداء دوره في الأرض ودوره في الحياة.
طاقة تدفعه للعمل..
فالعمل في الأرض.. والإنشاء والتعمير.. والبناء والتغيير.. هي المهمة الكبرى لهذا المخلوق. وهي معنى الخلافة عن الله في الأرض..
كان الإنسان قبضة من طين الأرض، لا إرادة لها ولا تَوَجّه ولا مهمة محدودة.. ثم نفخ الله فيها من روحه، ليعطيها من مظاهر قدرته –سبحانه- ما تقدر على حمله قبضة الطين، وما يكفي –في تقدير العزيز العليم- لمهمة الخلافة المنوطة بهذا الكائن الفريد.
ومن نفخة الروح صار "الإنسان" خليفة.. وصارت فيه القدرة على الإنشاء والإبداع والتغيير والتطوير.. التي هي قبس من إرادة "الخلق" في ذات الخالق المبدع المصور القدير.. بمقدار ما تطبق قبضة الطين.
وزود الله الإنسان بصفات ضرورية له في الخلافة عن الله:
زوده "بالعلم": "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا.."99.
وزوده "بالإدراك": "قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ.."100.
وزوده "بالإرادة والاختيار": "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"101. "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"102.
وهكذا أصبح الإنسان –بهذه الطاقات- مهيأ لدور الخلاقة في الأرض، كفئاً للقيام بأعبائها الجسام.
ولكن.. كان لا بد من وقود يشعل "الرغبة" في هذا الكيان ليتحرك!
إنه لا يتحرك بذاته ولا يعمل بذاته –كما تعمل الذات الإلهية التي نفخت فيه من روحها، بطريقة لا ندركها نحن البشر الفانين، ولكنا نعلم فقط أن الله يقول للشيء كن فيكون. وأنه مريد وفعال لما يريد، بلا واسطة ولا معين.
أما الإنسان، فعلى الرغم من نفخة الله فيه من روحه، فهو ليس إلها.. وما ينبغي له أن يكون.. وإنما هو قبضة من طين الأرض محدودة الكيان، محدودة الطاقة، محدودة الصفات. وكل ما منحه الله للإنسان من القدرة أو العلم أو الإرادة.. إلخ. فهو محدود بحدود قبضة الطين.. ومحدود بحدود دور الخلافة عن الله في الأرض.. الخلافة بكيان "الإنسان".
وفي هذا الكيان المكون من الطين والروح.. لا بد من وقود مشتعل ليتحرك ويبدع وينشئ، ويستغل الطاقات التي أودعتها النفخة العلوية في كيانه، للقيام بدور الخلافة عن الله.
هذا الوقود المشتعل هو الدوافع التي يشتمل عليها كيان الإنسان..
ولا نسأل نحن: لماذا؟ لماذا كانت هذه هي الفطرة البشرية؟ لماذا لم يكن الإنسان مفطورا على أن يعمل بلا وقود ولا اشتعال ولا دوافع؟
لا تسأل لأنه ليس من شأننا أن نسأل. ولأن الله "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ"103 سبحانه وتعالى علوا كبيرا.
وإنما نعرف فقط.. ونتتبع مظاهر الإرادة الإلهية في هذا الكيان.
كان لا بد له من دوافع تدفعه إلى العمل.. وتعينه على تحمل المشاق.
لقد خُلق الإنسان في كبد..
كل خطوة من خطاه على الأرض يتمثل فيها التعب والجهد والمشقة..
الحركة الجسدية ذاتها عليها أن تقاوم جاذبية الأرض، فتبذل جهدا معينا في كل حركة حتى رفع الأصبع، حتى اندفاع الدم في داخل العروق..
وتحويل المادة الخامة المحيطة بالإنسان في الأرض إلى مادة مشكّلة.. إلى بناء وزرع وصناعة.. تحتاج إلى الجهد المضني والعمل المتعب الطويل..
وتعمير وجه الأرض بالنسل يحمّل الوالدين جهداً مضنيا، كل في دائرة اختصاصه. الأم تحمل جنينها وهنا على وهن، وفصاله في عامين.. وما تنتهي من واحد حتى تستعد لحمل جديد وجهد جديد. والأب يحمل تبعة إطعام هذا النسل بعد مرحلة الرضاع، وتبعة كسوته وإسكانه وحمايته وتوفير الراحة له، ثم إعداده وتربيته حتى يصبح قادرا على تسلم الدور، والإنشاء من جديد..
وهكذا كل حركة من حركات الخلافة التي نيطت بالإنسان تحتاج إلى بذل الجهد وتحمل المشقة..
فما الذي "يدفع" الإنسان إلى هذا الجهد كله، ويعينه على تحمل المشاق؟
لا بد له من دافع! لا بد له من وقود مشتعل ينفث فيه الحركة والاندفاع..!
لا بد من دفعة تكافئ الجهد المبذول..
ولكن لا.. فلو تكافأت قوة الدفع مع المشقة المبذولة لوقف الإنسان عند نقطة الصفر لا يتحرك ولا يعمل ولا يسير!
كل جسم تتولاه قوتان متساويتان متضادتان في الاتجاه فهو ساكن ثابت لا يريم!
لا بد أن تغلب إحدى القوتين لتدفع الجسم إلى الحركة في الطريق الذي تريد.
لا بد أن تزيد القوة الدافعة عن المقاومة ليحدث التحرك المطلوب.
ومن هنا كان لا بد أن تكون الدوافع قوية قوية.. ليتحرك الإنسان ويعمل ويسير في الطريق..
كان لا بد له من وقود مشتعل شديد الاشتعال، ينفث فيه الحرارة المتوقدة التي تستحث خطاه على الأرض. ومن ثم كانت "الشهوات"...
* * *
كل دافع من الدوافع الفطرية يحمل معه قوته الدافعة.. ولكنه يحملها بطريقة فذة فيها كل "الضمانات" التي تضمن ألا يتعطل الدافع أو تغلبه العقبات!
لا يكفي أن يكون الدافع "من الخلف" .. بل يصحبه الجذب من الأمام! حتى إذا ضعفت إحدى القوتين لسبب من الأسباب كانت الأخرى كفيلة بأداء الدور المطلوب!
جذب من الأمام هو اللذة.. ودفع من الخلف هو الألم. وهما معاً مرتبطان بكل نزعة فطرية في الإنسان.
اللذة هي الحداء الذي يشد الإنسان إلى الأمام.. فيتحرك لتحقيق هذه اللذة، التي ركب في طبيعته أن يستجيب لها ويسعى إليها، كما ركب في قطعة الحديد أن تنجذب إلى المغنطيس.
والألم هو المهماز الذي يدفع الإنسان من الخلف.. فيتحرك ليبعد عنه. فقد ركب في طبيعته أن ينفر منه ويسعى بعيداً عنه، كما ركب في القطبين المتشابهين أن يحدث بينهما النفور والابتعاد.
وكل نزعة فطرية مزودة بهذين العاملين المساعدين.. لضمان تحركها دائماً إلى الأمام.
الطعام والشراب ضرورة لحفظ الذات.. فكان لا بد من ربطهما بالألم واللذة من الخلف والأمام.
والجوع والعطش هما المهماز الذي يدفع الإنسان –بالألم- فيسعى إلى الطعام والشراب لإسكان هذا الألم الذي لا يهدأ ولا يكف حتى يستجاب له.
ولكن الألم لا يكفي!
فهناك لذة الشبع والري.. وهما معاً: اللذة من الأمام والألم من الخلف يدفعان إلى طلب الطعام والشراب محافظة على كيان الذات!
والملبس ضرورة كذلك..
والألم الذي تحدثه عوارض الجو من البرد الشديد والحر.. الخ. دافع من الخلف للتزود باللباس.
واللذة التي يحدثها الدفء وتحدثها الوقاية من عوارض الجو جاذب يجذب من الأمام.
والجنس أداة حفظ النوع..
ولا بد كذلك من اللذة والألم لضمان القيام بالدور المطلوب، حتى لا تقعد المتاعب والمشاكل المترتبة على النسل عن أداء هذا الدور من جانب الذكر أو الأنثى سواء.
ولأن المتاعب كثيرة جداً، والمشاكل شديدة التعقيد.. كان لا بد أن يكون الجذب عنيفاً جداً والألم لا يطاق الاصطبار عليه.. حتى يوجد الضمان الكافي للتنفيذ!
ولضمان حفظ الذات وحفظ النوع كان لا بد من الاستحواذ على أشياء.. أشياء من الطعام والشراب والملبس وغيرها من الحاجات.. خوفاً من نفادها وتعرض الإنسان للهلاك.
وكان لا بد كذلك من الحداء من الأمام والألم من الخلف.. الحداء باللذة المترتبة على الملك.. لذة رؤية الأشياء ولمسها وشمها وذوقها، والاستحواذ المادي عليها.. والألم من عدم التملك.. الألم من "الحرمان".
ولضمان حفظ الذات وحفظ النوع كان لا بد من الذود عنهما ضد الأخطار.. أي القتال.. وكان لا بد للقتال كذلك من الرباطين من الأمام والخلف.. فمن الخلف كان الألم من التعدي على كيان الإنسان –فرداً أو جماعة- التعدي على الذات أو ما يتصل بها من ممتلكات. ومن الأمام كانت لذة الانتصار على الآخرين..
ولضمان حفظ الذات وحفظ النوع كذلك كان لا بد من دافع التميز والبروز، كعامل مساعد، يغري بأن يندفع كل إنسان إلى الأمام في أداء هذه المهمة وتلك، ولا ينكص على عقبيه.. وكان لا بد من رباطين لدافع البروز.. الألم الذي يحسه الإنسان من تخلفه وبروز غيره عليه، واللذة التي يحسها في أن يسبق غيره ويفوز..
تلك هي الدوافع الفطرية.. وتلك مهمتها في كيان الإنسان ودوره في الحياة.
* * *
لا شيء منها يوجد جزافاً في كيان الإنسان..
ولا شيء يتصل بمفرده..
إنما تعمل كلها جميعاً لتصب في المرجل الرئيسي الأكبر.. في الدافع الأول في الكيان البشري، وهو حب الحياة والاستمتع بالحياة.. وهذا بدوره هو الذي يدفع الإنسان للعمل والإنتاج والإنشاء والإبداع والتعمير.. الذي هو مهمة الخلافة عن الله..
وكل تفسير للنفس الإنسانية بدافع واحد من دوافع الحياة، هو تفسير ناقص قصير النظر محدود الرؤية عاجز عن التفسير!
التفسير الجنسي للسلوك البشري الذي قال به فرويد..
التفسير المادي الذي يقول إن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام، والذي قال به ماركس وإنجلز، وغيرهم من دعاة التفسير المادي والتفسير الاقتصادي للتاريخ.
والتفسير السيكلوجي الجزئي الذي يقول إن رغبة البروز هي الدافع الأصيل للإنسان، سواء في صورة رغبة في التفوق كما أدلى بها "أدار" أو شعور بالنقص ومحاولة للتعويض كما أدلى بها "يونج" تلميذا فرويد..
كل هذه التفسيرات ترتكب خطأ رئيسياً فاضحاً.. هو أخذ جانب واحد من الإنسان، والقول بأن هذا الجانب هو "الإنسان"..
وما من دافع هناك لهذا الاعتساف في التفسير.. حين يضع الباحث الكيان البشري كله على مائدة بحثه، ويراه على حقيقته الشاملة المتكاملة، التي تشمل هذه الجزئيات كلها وتضيف إليها التشابك فيما بينها والتداخل والارتباط.
وكذلك كل تفسير يأخذ في حسابه الدوافع وحدها، ولا يعمل حساب القوة الضابطة في كيان الإنسان!
الضوابط
"وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ"
[صدق الله العظيم]
هل كان يصلح الإنسان –بالدوافع التي أشرنا إليها من قبل- لأن يكون خليفة الله؟
أو ليست هي ذاتها دوافع الحيوان؟!
الطعام والشراب والجنس والقتال.. أو ليست كلها من دوافع الحيوان؟
ويزيد عليها أنها دوافع "مفتوحة"! ففي الحيوان توجد هذه الدوافع، ولكن لها صمامها الذي يغلقها إغلاقاً غريزيا عند حد الامتلاء.. أو الحد المناسب الذي تدركه غريزة الحيوان. أما الإنسان فلم يكن في فطرته صمام الغريزة.. ويستطيع –لو أراد- أن يمضي مع هذه الدوافع إلى أكثر من حد الامتلاء، أو أكثر من الحد "المناسب" الذي تدركه –بطريقة غريزية- فطرة الحيوان..
فهل يصلح بذلك أن يكون خليفة لله في الأرض، مكرما، مفضلا، تناط به المسئوليات الجسام؟
بل هل يصلح أصلا أن يكون كائنا حيا يكتب له الاستمرار في البقاء، ولا تدمره الدوافع العنيفة التي تدفعه بلا ضابط ولا انتهاء؟
كلا! ما هكذا تكون صنعة الخالق الحكيم! الخالق الذي خلق الإنسان فأحسن صورته: "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ"104.
لا بد من صمام.. ولكنه صمام يناسب طبيعة الإنسان.. صمام يتمثل فيه ما في طبيعة الإنسان من وعي وعلم وإرادة وحرية اختيار..
ومن ثم كانت "الضوابط" في كيان الإنسان.
* * *
الضوابط قوة فطرية تولد مع الإنسان. تولد كامنة في كيانه. ولكنها لا تظهر في مبدأ الأمر كما تظهر الدوافع.. ثم إنها في حاجة إلى مساعدة خارجية ليتم لها النماء والنضج، وإلا بقيت ضامرة لا تؤدي وظيفتها كاملة في حياة الإنسان.
وقد أغرى ذلك بعض "العلماء" فظنوا أنها ليست جزءا فطريا من كيان الإنسان. ظنوا أنها دخيلة عليه، تصنعها القوى الخارجية التي تعوّد الطفل على عملية الضبط، بالضغط أحيانا أو بالتحبيب والترغيب. ثم اختلف هذا البعض فيما بينهم –مع اتفاقهم على أنها تنشأ من العوامل الخارجية!- فحبذ بعضهم تنميتها وأقر بضرورة وجودها. ونفر منها بعضهم وود أن يحطمها!
وكان فرويد بطبيعة الحال من الفريق الآخر!
قال في كتاب "Three Contributions to the Sexual Theory" ص82 تحت عنوان "التسامي": "أما ثالث أنواع الشذوذ فإنه يحدث نتيجة عملية التسامي (!) حيث تصرّف الطاقة الشهوية الصادرة من منابع جنسية فردية، في مجالات أخرى (أي غير المجال الجنسي) وينتفع بها في هذه المجالات. وهكذا يحصل الإنسان على قوة نفسية كبيرة، من استعداد نفسي هو في ذاته خطير"!!
وفي ص 85 من نفس الكتاب يتحدث عن "التعارض القائم بين الحضارة وبين النمو الحر للطاقة الجنسية"!!
وفي كتاب "The ego & the id" ص80 يقول: "إن الأخلاق تتسم بطابع القسوة حتى في درجتها الطبيعية العادية"!!
ولكن هؤلاء وهؤلاء معا مخطئون.. فليست الضوابط قوة أجنبية عن كيان الإنسان. وهناك حقيقة بديهية ينبغي أن يدركها "العلماء" جميعا.. لأنها بديهية! هي أن الضغط الخارجي لا يمكن أبدا أن ينشئ شيئاً في كيان الإنسان، ما لم يكن هناك استعداد فطري للاستجابة إليه!
الجوع مثلا جزء من كيان الإنسان.. ولا يمكن بأي نوع من أنواع الضغط الخارجي إنشاء إنسان لا يجوع! وقد يتعود الإنسان –بالضغط الخارجي أو الذاتي- أن يمتنع عن الطعام فترة من الوقت [لأن هذا موجود في فطرته!] ولكن لا يمكن أن يمتنع البتة عن الطعام مهما اشتد الضغط عليه [لأن هذا ليس من فطرته!].
والدافع الجنسي جزء من كيان الإنسان.. ولا يمكن بأي نوع من أنواع الضغط الخارجي إيجاد إنسان سوي لا يحس بهذا الدافع [نتكلم عن الإحساس لا عن التنفيذ. فقد يوجد الإحساس ويمتنع الإنسان عن التنفيذ] وهذا الإحساس يهذّب فيتسامى ويرتفع [لأن ذلك في فطرة الإنسان] ولكنه لا يزول بالتهذيب ولا بالضغط [لأن إزالته ليست من الفطرة السوية!]
وهكذا لا يمكن أن ينشئ الضغط الخارجي شيئا غير موجود بالفعل، ولا يمكن أن يزيل إزالة تامة شيئا موجودا بالفعل. وإنما يفلح الضغط فقط حيث يوجد الاستعداد للاستجابة إليه، وبمقدار هذا الاستعداد. ويفشل حيث لا يوجد استعداد للاستجابة مهما يكن شديدا وقاسيا ومستديما..
"فالضوابط" لا ينشئها الضغط الخارجي، ولا التوجيه والتهذيب، ولا يمكن أن تنشئها. وإنما فقط تنميها..
والتنمية قضية أخرى غير قضية الإنشاء!
الطفل يولد عاجزا عن الحركة، ويحتاج إلى معونة خارجية ليتحرك، وخاصة حركة المشي. وإذا فقد هذه المعونة فربما ينشأ كسيحا لا يمشي مدى العمر على رجليه.. فهل معنى هذا أن المعونة الخارجية هي التي تنشئ المشي؟! كلا وإنما معناه أنها قدرة كامنة، تحتاج إلى معونة لتظهر وتشتد.
ويولد الطفل عاجزا عن الكلام. ويحتاج إلى مناغاة وملاغاة طويلة دؤوبة صابرة لكي يتعلم النطق، ويتعلم دلالة اللغة [وهي إحدى معجزات الخلق التي أشار إليها القرآن في خلقة آدم: "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا"] ثم يأخذ في استخدام اللغة بما تعلمه من دلالتها. وإذا لم يجد هذه المعونة فقد لا ينطق أبدا [كما لا ينطق الصم الذين لم يسمعوا اللغة فلم يدركوها وبالتالي لم يستخدموها] أو قد يقتصر نطقه على عواء أبكم كعواء الحيوان. فهل معنى ذلك أن المعونة الخارجية هي التي تنشئ النطق؟! كلا! وإنما معناه أن النطق قدرة كامنة، تحتاج إلى معونة لتظهر وتشتد.
فإذا كان هذا شأن القدرات الجسدية البحتة [كالمشي] أو الحسية المعنوية [كاللغة والنطق] فهو كذلك شأن القوى الضابطة في كيان الإنسان. لا تنشأ من الضغط. ولا تنشأ من التوجيه والتهذيب. وإنما تنشأ فطرية في كيان الإنسان. والضغط أو التوجيه والتهذيب هي العوامل المساعدة لنمائها وتطورها.
* * *
يقول جوليان هكسلي –العالم الدارويني الذي أشرنا إليه من قبل- في كتابه "الإنسان في العالم الحديث":
"ولذلك فالإنسان أذكى بكثير من الحيوانات، لأن تركيب مخه أكثر مرونة...
"ولهذه الزيادة في المرونة نتائج أخرى سيكلوجية يتناساها رجال الفلسفة العقلية. والإنسان فريد في بعضها. ولقد أدت هذه المرونة مثلا إلى كون الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي لا بد أن يتعرض للصراع النفسي.
"وفي الحقيقة أن منع النزاع بين طرق العمل المتعارضة هو ظاهرة عامة جداً، وذات منفعة بيولوجية، وهي ليست إلا خاصية العقل البشري الذي مكن الإنسان من التخلص من هذا النزاع..
"وعندما نصل إلى المستوى الإنساني نجد تعقيدات جديدة [أي أكثر مما يوجد في الحيوان] لأن من خصائص الإنسان كما رأينا التغلب على شدة الغريزة، وتهيئة أجهزة الاتصال التي بها يمكن أن يتصل أي نشاط للعقل سواء في دائرة المعرفة أو الحس أو الإرادة بأي نشاط آخر، وبهذا حصل الإنسان على حياة عقلية موحدة. وإن كان الباب قد فتح بهذا أيضاً لعوامل الانشقاق التي قد تقضي على الوحدة، بل وتمنع من التمتع بالحياة، لأن الجهاز العصبي كما يقول شرنجتون يشبه القمع، مدخله أوسع من مخرجه. ويشبه مدخل القمع الأعصاب المستقبلة التي توصل البواعث من أعضاء الحس إلى الجهاز العصبي المركزي، ومخرج القمع يوصل البواعث بواسطة الأعصاب الناقلة إلى العضلات... ومع ذلك، فطبقا للآراء الحديثة، توجد أجهزة لتقليل النزاع إلى أقصى حد، وهي التي يعرفها علماء النفس بالكبت والقمع. والقمع أهم من وجهة نظرنا، وهو عبارة عن حبس أحد المؤثرين المتنازعين في ظلمات العقل الباطن [هذا الذي سماه فرويد بالكبت]. ومع ذلك فهذه الاستعارة غير تامة، لأن السجين في ظلمات العقل يمكنه أن يستمر مؤثراً في الشخص في ضوء الوعي. وعلاوة على الاضطراب العصبي العام يضطر الإنسان إلى بعض الأفكار والأعمال. ولذلك فالقمع [الكبت في تسمية فرويد] ضار. إلا أنه قد يعتبر ضرورة بيولوجية لفض النزاع الذي لا بد من وجوده في السنين الأولى من حياة الإنسان قبل سداد الرأي المبني على العقل. ومن الخير أن يكون الإنسان قادراً على القيام بعمل ما دون قيد، حتى ولو أدى ذلك إلى اضطراب عصبي، عن أن يكون عاجزاً عن الحركة مثل الحمار بين حزمتين من البرسيم المجفف، فإن حيرته بينهما متكافئة.
"وفي القمع لا ينفي الباعث المنهزم إلى اللاشعور فحسب، بل إن عملية النفي ذاتها لا شعورية. وإن الأجهزة التي قامت بذلك لا بد أن تكون قد تطورت لتمنع الإمكانيات الظاهرة للنزاع –وبخاصة في السنين الأولى من الحياة- ذلك النزاع الذي نشأ كنتيجة ثانوية لعقل الإنسان.
"وفي الكبت [نؤثر نحن أن نسمي هذه العملية بعملية الضبط] ينفي الباعث عن وعي، ولذلك فليس من المحتمل ظهور اضطراب عصبي. وأخيراً عند سداد الرأي لا ينفي أحد الباعثين المتعارضين إلى اللاشعور، ولكنهما يوزنان على ضوء العقل والخبرة ثم يؤدّي العمل عن وعي"105.
* * *
أخذنا هذه المقتطفات المطولة شيئاً ما، لأنها تفيدنا –من رجل ملحد لا يؤمن بالله ولا بالقيم الخلقية106- في إثبات هذه المجموعة من الحقائق:
أولا: إن أجهزة "الضبط" سواء منها اللاشعوري أو الشعوري هي أجهزة بيولوجية تنشأ عنه أجهزة سيكلوجية. ومعنى كونها بيولوجية أنها من صميم الفطرة. فالكيان البيولوجي للإنسان فطري يولد معه، ويُوَرّثُ عن طريق البويضة الملقحة.. ولا يكتسب من عمل الظروف الخارجية!
ثانياً: إن من خصائص الإنسان التغلب على شدة الغريزة. فهذه خاصية له. فطرية. من صميم كيانه. ليست مفروضة عليه من خارج نفسه.
ثالثاً: إن عملية الضبط تعمل لا شعوريا في سنوات الطفولة الأولى، ثم تعمل شعورياً بعد ذلك. أي أنها تتبع نفس خط النمو الذي تتبعه جميع العمليات النفسية الأخرى وجميع القدرات.
وهذا يكفي فيما نحن بصدده من إثبات هذه الحقيقة الكبيرة، وهي أن الضوابط فطرية في كيان الإنسان!
* * *
فطرية ولكنها في حاجة إلى معونة خارجية..
وتلك مهمة التوجيه والتهذيب.. وهي عملية ضرورية بالنسبة لحياة الإنسان.
ولكنا سنفترض أن طفلا من الأطفال لم يُرَبِّ أبداً.. وترك هكذا "على فطرته".. فهل ينشأ بلا ضوابط؟!
كلا!.. إن الطفل يتعلم ضبط إفرازاته بمفرده بعد فترة من الوقت ولو لم يعوده على ذلك أحد. وإنما تتأخر هذه العملية فقط حين لا يوجد التوجيه.
وهكذا لو تركناه بلا توجيه فسيحدث أن تتأخر جميع الضوابط في الظهور. وأن تنمو نمواً ناقصاً ومضطرباً غير متناسق. وقد يحدث أن يبقى الكثير منها ضامراً.. ولكن لا يحدث أبداً أن تكون كلها غير موجودة!
يذكر فرويد أن الملل طبيعة إنسانية. وأن هذا الملل يحول دون استمرار الإنسان في عمل واحد أو اتجاه واحد إلى ما لا نهاية، ويحوّله إلى عمل جديد أو اتجاه جديد. وأن هذا الملل ينمو تدريجياً.. فالطفل الصغير يكاد لا يمل من تكرار العمل الواحد أو اللفظ الواحد، ولكنه كلما كبر أسرع إليه الملل وطلب التغيير..
وتلك ملاحظة صادقة، كان ينبغي أن يصل معها فرويد إلى آخر دلالتها! فالملل إذن فرملة لا إرادية تمنع الشطط في أي اتجاه! وهي تنمو تدريجياً مع نمو الطفل.. والتوجيه والتهذيب يعملان على أن يكون منع الشطط عملية واعية، مبنية على أسس ومبادئ، ولكن حتى في حالة عدم وجود التوجيه والتهذيب فهناك "أجهزة" كما قال جوليان هكسلي تقوم بعملية الضبط..
أجهزة من الفطرة...
* * *
في كيان الإنسان إذن قوة ضابطة تمنع الشطط في أي دافع من الدوافع الفطرية. وهذه القوة تنحرف أحياناً وتكف عن العمل أحياناً.. ولا نتحدث عن ذلك هنا. إنما نتحدث حتى الآن عن الفطرة السوية.
وهي تؤدي مهمة رئيسية في حياة الإنسان.
إنها الصمام الذي لا بد منه في كيان الكائن الحي.. الصمام الذي يمنع الدمار.
إنها المقابل الواعي لعمل الغريزة في الحيوان. هي التي تحدد حد الاكتفاء.
ثم هي –في حياة الإنسان- تقوم بمهمة أخرى لا تقل في حيويتها عن تحديد حد الاكتفاء الذي يمنع الدمار.
إنها تقوم بتوجيه الطاقة الحيوية إلى مستويات أعلى وأرفع من مجرد الاستجابة المباشرة لدفعة "الغريزة".
إن قوة الإنسان قوة فائضة عن "الضرورة". وليست كقوة الحيوان على قدر الضرورة. وهذا الفائض هو الذي تمنع القوة الضابطة استهلاكه في محيط الضرورة، وترفعه إلى المستوى الأعلى. تحوّله إلى عمل. إلى إنتاج. إلى إنشاء وتعمير.. وتغيير وتطوير.. أي إلى القيام بمهمة الخلافة عن الله في الأرض.
هذا الفائض هو الذي ينشئ به الإنسان الحضارات، ويكافح به في سبيل العقائد والمثل، وينتج به الإنتاج المادي، والمخترعات والمكتشفات، والفنون والعلوم.. هو مجد الإنسان في الأرض، الذي هيأه الله للإنسان. وهو ينشأ من الدوافع والضوابط معاً في حياة الإنسان!
الدوافع والضوابط معاً في حياة الإنسان
كما يعمل الإنسان بكيانه المتكامل في كل نشاط يصدر عنه، فكذلك تعمل الدوافع والضوابط معاً في ذات الوقت..
ولقد يجنح الإنسان بالدوافع تارة –مفردة أو مجتمعة- أو يجنح بالضوابط تارة –مفردة أو مجتمعة- ولكنه في كل لحظة يعمل بطاقتيه جميعاً- ما دام في حالته السوية لم يطرأ على تركيبه خلل أو انحراف.
وهذا الكيان المتجمع من الدوافع والضوابط [الإرادية] هو الذي يجعل حياة الإنسان تفترق عن حياة الحيوان، الذي لا يعرف الضوابط الإرادية، ولا تشمل حياته إلا الدوافع وحدها، وضوابط الغريزة اللاإرادية التي لا تبقي فائضاً من النشاط تدخره لشيء من الإنتاج والإبداع. كما تفترق حياته عن حياة الملَك، الذي لا يعرف الدوافع البشرية أو الحيوانية، وليس في كيانه وقود مشتعل من الرغبات يؤزه ويدفعه إلى أي عمل أو إنتاج، سوى العبادة المفطورة نفوسهم عليها، بمعناها الملائكي: "يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ"107.
وهذا الكيان المتجمع من الدوافع والضوابط معاً هو الذي يسمح بوجود "غاية" للحياة الإنسانية.. غاية واعية مدركة تشمل كل دافع على حدة، والدوافع كلها مجتمعة [بل الغاية الواعية المدركة هي ذاتها لون من الضوابط يضع حداً للاندفاع وراء الدوافع أو الشهوات] وهو الذي يجعل "حب الحياة" عند الإنسان يتبدى في ألوان وأشكال تختلف عن حب الكائنات الأخرى للحياة.
* * *
حفظ الذات هدف لكل كائن حي.. يؤديه بدافع الغريزة.. ولكن الإنسان يضيف إليه الوعي والإدراك، فيصبح شيئاً آخر غير حفظ الحيوان لذاته. يختلف عنه في الطريقة وفي الهدف سواء.
فالحيوان يأكل ويشرب، ويتقي البرد والحر، ويتخذ المأوى، ويقاتل ويحب الغلبة والبروز..
فأي فرق هائل بين هذا وذاك..؟!
لذعة الجوع تدفع الحيوان للطعام. فيتجه تواً إليه. ويأكل أنواعاً معينة من الطعام لا يغيرها [وهو لم يخترها لنفسه اختيارً حراً] ويأكل حتى تقرر له الغريزة حد الاكتفاء فيكف عن الطعام. ويأكل بطريقة واحدة لا يغيرها، وهي طريقة مكرورة في كل فرد مع فروق فردية بسيطة لا تبلغ أن تكون اختلافاً في "السلوك".
ولذعة الجوع تدفع الإنسان إلى الطعام.. وربما مرت على البشرية عصور كانت فيها أقرب إلى الحيوان في السلوك، ولكنها لم تكن قط كالحيوان!
وأول اختلاف –منذ البدء- كان في سعة المجال الذي يختار منه الإنسان طعامه: "وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا"108. وقابليته لهذا التنوع في الطعام. وذلك تناسق عجيب في الفطرة. فكل شيء في حياة الإنسان متعدد متنوع. حتى الماديات. حتى الضرورات. وليست المشاعر وحدها ولا الأفكار!
والاختلاف الثاني أنه هو الذي يحدد لنفسه حد الاكتفاء.. فلا يوجد ضابط غريزي يجعله يتوقف. وفي مكانه يوجد ضابط مدرك واع مريد متصرف. يستطيع أن يحدد مكان التوقف ابتداء من نقطة الصفر [لفترة من الوقت على الأقل] إلى ما بعد حد الاكتفاء المعقول [وهو الإسراف الذي لا يقدر عليه إلا الإنسان!].
والاختلاف الثالث أنه لم يكتف بتناول الطعام على حالته الخامة التي وجده عليها، بل أخذ يتدخل بالصنعة في إعداده. فما إن اكتشف النار حتى راح ينضج عليها الطعام، ثم فتحت له النار أبواباً لا نهاية لها من فنون الطعام، من بسيطة ومركبة، جعلت في استطاعته أن يستحدث طعوماً جديدة للأشياء وطعوماً متنوعة. وكان هذا استجابة لما في فطرته من التجدد والتنوع، وهو طابع عام للإنسان يشمل كل شيء في حياته ولا يقتصر على الطعام.
والاختلاف الرابع أنه لم يتخذ سلوكاً واحداً نحوه. فليس يختلف فرد عن فرد في سلوكه نحو الطعام فحسب، بل يختلف الفرد الواحد ما بين مرة ومرة، وبين حالة وحالة.. فهو تارة معجل يأكل طعامه نهشاً وتارة مستأن يأكل على مهل وروية. وتارة يتأنق فيه تأنقاً، فيأكل بأدوات أنيقة وصحاف مزخرفة، وعلى مائدة منسقة، بعد عناية زائدة بالغسل والإعداد وطريقة التقديم.. الخ حتى يصبح ذلك "فناً" تؤلف فيه المؤلفات ويتعلمه الناس..
والاختلاف الخامس أنه جعل له هدفاً.. ثم لم يجعله هدفاً واحداً، وإنما اختلف الناس في هدفهم من الطعام. فبعضهم يأكل للضرورة. لحفظ الحياة. يأكل ليعيش. وبعضهم يجعل الطعام هدفاً في ذاته فيعيش ليأكل. وبعضهم يأكل لسد الجوعة وبعضهم للتلذذ من كل أصناف الطعام.. وقد تختلط هذه الأهداف.. وقد يتنقل الفرد الواحد من حالة إلى حالة.. فقد يأكل لحفظ الحياة فقط ولكنه يتلذذ بما يأكل. وقد يجعل الطعام هدفاً في ذاته، ولكنه لنهمه وبطنته يلتهم الأكل التهاماً فتفوته لذة التذوق والتفنن في الإعداد أو التقديم أو التناول... ثم يختلف الهدف مرة أخرى: هل هو اللذة الفردية الأنانية فيأكل وحده، ويبخل بطعامه على الناس، ويذودهم عنه. أم لذة جماعية. فيأكل مع الآخرين، ويجود بالطعام على الناس ويدعوهم إليه، ويجعل لهم حقاً فيه.. الخ ثم يختلف مرة أخرى: هل يتحرى فيه "النظافة" الحسية والمعنوية. نظافة المأخذ، فلا يأكل إلا النظيف والطيب والحلال، أم لا يبالي بالنظافة فيأكل القذر من الطعام حساً ومعنى، فيبذل فيه كرامته، أو يغتصب ويسرق وينهب ويأكل المأكل الحرام؟
والاختلاف السادس أنه لا يحس بالقهر الكامل إزاءه. حقيقة إنه لا بد أن يستجيب في النهاية. فقد شاءت الحكمة العليا –التي جعلت الطعام ضرورة لحفظ الكيان- أن تجعل دافعيه من اللذة والألم، من الشدة والإلحاح بحيث يستحيل على الإنسان ألا يستجيب. ولكن هناك "مسافة" زمنية وشعورية وسلوكية بين الدفعة والاستجابة. مسافة تطول أو تقصر. ولكنها تمثل الاختيار الحر الذي هو سمة الإنسان. وصحيح أن الحرية في الاختيار هنا محدودة. فالإنسان لم توهب له الحرية المطلقة. التي لا تتمثل إلا في ذات الخالق وحده. وإنما وُهِبَ له قدر من الحرية، بمقدار ما تطيق قبضة الطين من نفخة الروح. ولكن هذا القدر قد ميزه لتوه عن الحيوان. وجعله حراً نسبياً في اختيار سلوكه واختيار موقفه من الدافع الملح الذي لا بد من إطاعته في نهاية المطاف. ومن ثم يملك الإنسان أن يستجيب في الحال –بإرادته- أو يستجيب بعد فترة من الوقت. وأن ينظم مواعيد طعامه بحريته. وأن يمتنع عن أنواع معينة ويقبل على أخرى. وأن يصوم فترة من الوقت إذا أراد..
كل تلك الفروق بين استجابة الإنسان لدافع الطعام واستجابة الحيوان، قد ميّزته عنه منذ اللحظة الأولى، وجعلت تاريخه –منذ اللحظة الأولى كذلك- أوسع من البحث عن الطعام!!
إن التفسير المادي للتاريخ الذي يزعم أن تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام تفسير جاهل أو مغالط.. يرى الحقائق ثم يغضي عنها لشهوة مذهبية، تريد أن تلوي الحقائق ليًّا لتؤدي إلى هدف معين موضوع قبل المقدمات!
فعلى فرض أن البحث عن الطعام هو تاريخ البشرية [وهذه مغالطة مكشوفة لأنها –بصرف النظر عن "القيم" كلها- تغفل دافع الجنس ومدى تدخله في تاريخ البشرية، على الأٌقل بإنتاج نسل يتكون منه "المجتمع"، وما يقتضيه هذا المجتمع من تنظيمات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية وروحية.. إلخ] فقد دخلت في هذا البحث عناصر أخرى لم تجعله بحثاً خالصاً عن الطام.. إنما جعلته –إلى جانب ذلك- بحثا عن القيم! هل يتعاون الناس في البحث عن الطعام أم يتقاتلون ويتنازعون؟ هل يأخذ كل إنسان كفايته وحدها أم يتاح له أن يخزن ما يزيد على حاجته؟ هل يملك الطعام ملكية فردية أم ملكية جماعية؟ وهل يوزع بالتساوي أم يحسب الحاجة؟ وما مقياس الحاجة؟
كل هذه قيم.. اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية وروحية.. نشأت في أثناء هذا البحث عن الطعام –على زعم أنه البحث الأوحد الذي قام به الإنسان [وليس ذلك حقيقة!]- ومن ثم لم يعد البحث عن الطعام هو وحده الذي يكتب تاريخ البشرية [حتى لو كان هو الدافع الأوحد!] وإنما صارت هذه القيم كلها مجتمعة هي التي تكتب تاريخ البشرية. وكان هذا نتيجة طبيعية –وحتمية- لتعدد جوانب الإنسان وتداخل مساربه وطاقاته ومكوّناته، وعدم انفراد أي جانب منها أو طاقة بالعمل في لحظة من اللحظات.. ومن ثم يصبح "الإنسان" بكامله هو الذي يكتب تاريخ الإنسان!
وتلك بديهية لم يكن ينبغي أن "يتعب" في فهمها هواه التفسير المادي للتاريخ!
* * *
والحيوان يتقي البرد والحر بطريقته الغريزية التي وهبها له الله. فبعضه –بلا وعي ولا إرادة- ينتف شعره إذا جاء الحر، وينمو له فرو دفئ إذا جاء البرد. وبعضه يبيت بياتاً شتوياً لا يتحرك فيه البتة لكي لا يستهلك كيانه في البرد. وبعضه يأوي إلى الكهوف. وبعضه ينتقل من ماء إلى ماء مختلف في الحرارة.. الخ.
كل نوع بطريقته.. لا إرادة له فيها ولا اختيار ولا تنوع بين الأفراد.
والإنسان يتقي البرد والحر بوسائل شتى واسعة النطاق.. تبدأ باتخاذ الملابس وتنتهي –اليوم- بتكييف الهواء في الأماكن المحدودة.. وقد تنتهي غداً بتكييف الهواء في الأجواء!
وكلها تتمثل فيها الصفات الستة التي تمثلت من قبل في الطعام.
فهناك أولا: سعة المجال وتعدد الطرائق.
وهناك ثانياً: أن الإنسان هو الذي يحدد بنفسه حد الاكتفاء. ما بين العري أو ما يشبه العري، وتكديس الملابس بعضها فوق بعض طبقات!
وهناك ثالثاً: أنه لا يأخذ الأمور على حالتها الخامة إنما يصنعها.. سواء في الملابس أو الأدوات والأشياء.
وهناك رابعاً: أنه يختلف في سلوكه نحوها بين الأناقة المفرطة وعدم المبالاة.
وهناك خامساً: وجود هدف ثم اختلاف هذا الهدف بين فرد وفرد، واختلافه في الفرد الواحد بين حالة وحالة.
وهناك سادساً: أنه لا يحس بالقهر الكامل إزاء الضرورة. فهو يملك –بِقَدَر- أن يستجيب أو لا يستجيب، وأن يختار طريقة الاستجابة وينظمها.
وتلك كلها صفات "الإنسان" التي تلازمه في كل ما يفعل، وتميز نشاطه عن نشاط الحيوان.
* * *
والحيوان يتخذ المأوى.. بصورة غريزية مكرورة ولا اختيار فيها..
والإنسان يتخذ المأوى.. على نفس النسق "الإنساني" ذي الصفات الست التي تسم كل نشاط الإنسان. فتتعدد الطرائق من الكوخ إلى القصر إلى الحصن إلى ناطحات السحاب [وقد توجد جميعاً في بلد واحد وفي زمن واحد!] ويحدد الإنسان بنفسه حد الاكتفاء. فهذا يكفيه الكوخ، وذلك لا يكفيه القصر! ولا يأخذ الأمور على حالتها الخامة التي وجدها عليها [وهي الكهوف بادئ ذي بدء] وإنما يصنع لنفسه ما يريد منها وما تمكنه إمكانياته المادية والعقلية والآلية من صنعه. ويختلف سلوكه نحوها بين الاكتفاء بالمطالب "العملية" أو التأنق والتفنن. وأن هناك هدفا واعيا، يختلف من فرد إلى فرد. وأنه لا يحس بالقهر الكامل إزاء الضرورة. فيبيت في العراء إذا شاء ويلزم المأوى إذا شاء.
وفي كل ذلك يعمل بكيانه المتكامل المجتمع المترابط لا بجزء واحد من الأجزاء.
* * *
والحيوان يقاتل.. مدفوعا إلى ذلك دفعا بصورة لا يمكن اتقاؤها. ويقاتل بطريقة واحدة مكرورة في كل فرد من كل نوع. ثم يقاتل لغير هدف واع في حس الحيوان. حتى لو قاتل دفاعا عن النفس أو دفاعا عن الصغار، أو دفاعا عن "المجموع" فهو لا يفكر في شيء من ذلك. وإنما يترك حركة غريزية لا تتدبر الوسائل ولا الأهداف!
والإنسان يقاتل.. فيختلف عن الحيوان تلك الاختلافات الست التي ذكرناها من قبل.
ففنون القتال.. ما أوسعها في عالم الإنسان! من أول الصخرة المسنونة وقطعة الحجر الثقيلة والرمح والسهم إلى القنبلة الذرية والصاروخ وأشعة النوم وقنابل المكروب!
ثم الإنسان هو الذي يحدد لنفسه حد الاكتفاء من أول الصفر إلى ما بعد المدى "المعقول"! فيجنح إلى السلم إذا أراد.. وهذا ما لا تعرفه صنوف الحيوان! ويتجاوز المدى إذا أراد فيفجر ويغدر ويمعن في القتل والتعذيب شفاء لغليل لا يعرفه كذلك الحيوان!
وهو لم يأخذ القتال على حالته الخامة! من القتال البدني المباشر على طريقة الحيوان. وإنما "صنع" أدوات القتال وفنونه، ووضع خططه وعدل فيها وأضاف عليها.. حتى لكأن صناعته الأولى هي الحرب!!
واختلف سلوكه فيها بين التنظيم وعدم التنظيم، وقوة "التكتيك" وضعفه.. الخ.
وجعل له هدفا واعيا.. واختلف بعد ذلك في الأهداف. فمن صراع شخصي على الغلبة. إلى نزاع على الممتلكات. إلى رغبة في التوسع والمجد الشخصي. إلى صراع على عقيدة. إلى قتال لضرورة العيش.. الخ الخ.
ثم إنه لا يحس بالقهر الكامل إزاءه كما يحس الحيوان. فحيثما تلاقى نوعان متقاتلان من الحيوان فلا محل لشيء سوى القتال.. حتى يفر أحدهما أو يموت أو يثخن بالجراح. ولكن الإنسان لا يحس بدافع القتال على هذا النحو القهري. فهو يختار أن يقاتل أو يجنح إلى السلم. ويختار موعد القتال وطرائقه. ويختار أن يثبت فيه أو ينهزم.. حسب الظروف والأحوال.
ويصبح القتال بذلك هو قتال الإنسان لا قتال الحيوان!
* * *
وينزع الحيوان إلى التميز والبروز.. بعضه على الأقل! ولكن بطريقة واحدة وهدف واحد على مدار العصور.
فهو إما أن يبرز لقيادة القطيع. أو يبرز للحصول على أنثاه. أو يبرز للاستئثار بالطعام أو المأوى..
وفي كل مرة يتخذ سلوكا واحدا وقواعد ثابتة..
فالحيوانات ذات القيادة المنظمة كقطيع الغزلان والبقر الوحشي والقرود.. الخ تتصارع حتى يبرز الأقوى جسما وحجما فيتولى قيادة القطيع، ولا يعود ينازعه أحد حتى يهرم ويشيخ فتثور المعركة من جديد.
وحين يبرز الذكر للحصول على أنثاه فهو يأتي حركات معينة محدودة مكرورة.. ثم يقوم النزاع بين الذكور –في الغالب- حتى يظفر أحد الذكور.. وتتنحى الأخرى أو تموت في الصراع.
وحين يتقاتل حيوان مع حيوان على الطعام أو المأوى فهما يستخدمان بطبيعة الحال الجسد والعضلات!
وفي كل مرة لا يكون السلوك إراديا، ولا الهدف واعيا في كيان الحيوان.
أما الإنسان فينزع إلى التميز والبروز بطرائق شتى وأحوال شتى وأهداف لا حصر لها ولا حدود!
فمرة يبرز بعضلات جسمه واكتمال قوامه.
ومرة يبرز بقوة فكرة وعبقرية ذهنه.
ومرة يبرز بقوة أخلاقه.
ومرة يبرز بقوته الروحية ومقدار تأثيرها على الآخرين.
ومرة يبرز بجاذبية شخصيته.. أو جمال قسماته..
ومرة يبرز بأناقة ملبسه.
ومرة يبرز بخبثه ومكره ودهائه.
ومرة –في حالات الشذوذ والانحراف- يبرز بالعدوان والبطش والإجرام.
ويبرز في مجالات شتى ولأهداف شتى.. في مجال القيادة ومجال الجنس ومجال النزاع على الطعام والمأوى.. ومجال العلم ومجال الفن ومجال الخير [ومجال الشر!] ويبرز ليثبت ذاته فحسب. أو ليثبت ذاته ويحطم الآخرين. أو ليثبت ذاته بتحطيم الآخرين!
ويبرز بروزاً "معقولا" أو بروزاً مسرفا يتجاوز الحد [أو ينزوي في حالات المرض النفسي والشذوذ].
ويبرو بروزاً جاداً، لأهداف جادة، أو بروزاً لاهياً عابثا غير جاد [كما يبرز بالأناقة المسرفة في الملبس أو الزينة أو التميع والرقاعة- ذكراً أو أنثى]!
وهكذا وهكذا.. ألوان من البروز وأشكال.
وحب البروز دافع ضخم جداً في حياة الإنسان. دافع يشتبك بالدوافع كلها ويخدمها، وفي الوقت ذاته يلونها بلونه ويعطيها من طبيعته..
وإلى حد ما كان أدلر ويونج محقين في إبراز هذا الدافع واعتباره مسيطراً في الحياة. ولكن خطأهما –كخطأ كل نظرية جزئية- أنهما يُؤخذان بقوة أحد الدوافع فيلغيان كل شيء سواه.
وهذا إسراف معيب يفقد الحقائق الجزئية التي يصل إليها "العلماء" دلالتها الحقيقية.. ويفسد الصورة التي يرسمون بها الإنسان.
والحقيقة أن حب البروز دافع قوي عميق. وله مهمة خطيرة في حياة الإنسان. فإعجاب الإنسان بذاته وتفضيله لكيانه، ورغبته في إبرازه، هو الذي يجعله –مع الدوافع الأخرى- ينشط ويعمل وينتج ويكافح، ويتحمل المشقة والأذى في سبيل الوصول إلى هدفه المنشود.
وهو ككل دافع بشري يحتاج إلى تهذيب لكي لا ينحرف عن نطاقه السوي. ولكن المهم أن له هدفاً وغاية وضرورة في حياة الإنسان. بحيث يصبح الإنسان الذي ضعف فيه هذا الدافع منحرفاً ومريض الكيان. ثم إنه كذلك –في حالته السوية- يأخذ صورة الإنسان وسمات الإنسان، التي تفترق افتراقاً أساسياً عن سمات الحيوان.
* * *
تلك كلها دوافع تتصل بحفظ الذات يشترك فيها الإنسان والحيوان. ويتميز فيها الإنسان عن الحيوان.
ثم يبقى للإنسان دافع ضخم هو حب التملك.. لا يشاركه فيه الحيوان. أو على الأقل لا يشاركه في كل صوره وحالاته.
بعض الحيوانات "تمتلك" إناثها فلا تقبل عدوان الذكور الآخرين عليها.
وبعضها يمتلك مأواه فلا يقبل دخيلا عليه.
وهي تتقاتل على ملكية الطعام [ولكنها لا تدخره على طريقة الإنسان].
وبعضها القليل جداً يدخر.. كالنمل والنحل..
أما الإنسان فيمارس الملكية على نطاق واسع جداً لا مثيل له في الكائنات.
فهو يمتلك الأرض. ويمتلك ما تنتجه الأرض من زرع وخامات. ويمتلك أحياناً الناس الموجودين على الأرض. ويمتلك المأوى. ويمتلك الأوطان. ويمتلك النساء والبنين. ويمتلك الذهب والفضة.. كل ما على الأرض وكل من عليها قابل للتملك في نظر الإنسان.
والملك رغبة عنيفة جداً في حس الإنسان. فهو يجد لذة كبرى في أن يمتلك. سواء كان الملك حسياً أو معنوياً.. أرضا وأناسيّ وحيوانات ومعادن.. إلخ أو علماً وأفكاراً وقوة وسيطرة.. إلخ. كما يجد ألماً عنيفاً في الحرمان، سواء كان حسياً أو معنوياً.. حرماناً من الأرض والمال والناس، أو حرماناً من القوة والعلم والسلطان.. إلخ..
وقد أرادت الشيوعية –لشهوة مذهبية- أن تجادل جدالا عنيفاً في أن حب الملكية الفردية نزعة فطرية. وزعمت أن التطورات الاقتصادية والمادية هي التي علمت الإنسان حب الملكية الفردية أو أنشأته إنشاء في نفسه، ولم يكن موجوداً يوم كانت الملكية شائعة وكل إنسان يأخذ بقدر حاجته.
وقد ناقشت أمر الملكية الفردية في كتاب "شبهات حول الإسلام" في فصل "الإسلام والملكية الفردية" وقلت إنه مع التسليم بهذا الفرض النظري وهو أنه قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن الأفراد يملكون ملكية فردية.. فمعنى ذلك أن الرغبة "الكامنة" في التملك لم تكن تجد ما يثيرها في تلك الفترة. ولكن في اللحظة التي وجد فيها المثير [وهو اكتشاف الزراعة فيما تزعم المادية الجدلية] برز حب التملك وأصبح مسيطراً على البشرية. وقلت إنه حتى على فرض أن التملك ليس نزعة فطرية قائمة بذاتها، فإنه قد لصق منذ أدهار سحيقة بنزعة فطرية قوية وعميقة في كيان النفس وهي حب التميز والبروز. وصار التملك هو أحد وسائل التميز والبروز الأساسية في عالم الإنسان.
وأضيف هنا ما أشرت إليه من قبل، وهو أن الظروف الخارجية لا يمكن أن "تنشئ" شيئاً لا وجود له في فطرة الإنسان. إنما كل عملها أن تنمي شيئاً موجوداً بالفعل، حتى وإن كان في حالة كمون.
والملكية –ككل دافع إنساني- تأخذ صورة الإنسان وسماته.. تأخذ الصفات الإنسانية الست التي ذكرناها من قبل.
فهي واسعة النطاق جداً: تشمل الناس والأشياء والأحياء.
والإنسان هو الذي يحدد كفايته منها.
وهو لا يأخذ الممتلكات على حالتها الخامة وإنما يصنع منها أشياء جديدة.
ويختلف سلوكه نحوها بين الشَره والاعتدال.
ويجعل لها هدفاً.. ثم تختلف أهدافه ما بين الارتفاع والهبوط.
ولا يحس بالقهر الكامل إزاءها، بل يتصرف ما بين التنازل عنها، زهداً فيها وارتفاعاً عليها، وبين الإقبال عليها والاشتداد فيها..
وفي كل ذلك يمارس الأمر بكيان الإنسان المتجمع المترابط المحكم الرباط.
* * *
والجنس.. طاقة عظمى من طاقات الإنسان، ودافع من أكبر دوافعه. هو الدافع الثاني في الحقيقة بعد حب الذات والمحافظة عليها. وهو يؤدي كذلك مهمة ضخمة في حياة الإنسان.
لحكمة عليا كانت طاقة الجنس.. ولحكمة عليا كانت بهذا العنف في الكيان البشري.. وبهذا الاتساع.
لقد اقتضت سنة الله في بناء الكون أن تكون بنية الكون كلها أزواجاً حتى في الجماد!
"سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ"109.
وقد كشف العلم الحديث عن جوانب مما كان مجهولا في بنية الكون –وما يزال أمامه أن يكشف عن كثير. وكان من بين ما كشف عنه أن بنية الذرة مكونة من كهارب موجبة وكهارب سالبة- أي أزواج متقابلة في الخلقة- وأن التفاعلات الكيميائية تتم في الكون في صورة أزواج. ففي ذرة كل عنصر نواع موجبة. [بروتون] وحلقات متوالية من الكهارب السالية [إلكترونات] كل حلقة منها مكتملة إلا الحلقة الأخيرة فهي ناقصة. ولا تتفاعل العناصر إلا مع عناصر أخرى ينتج عن امتزاجهما معها أن تكمل الحلقة الأخيرة من الإلكترونات! أي أنه يتم نوع من التزاوج في التفاعلات الكيميائية في "المادة" يشبه ما يحدث في عالم النبات والحيوان.
والإنسان قمة الحياة وخلاصة بنية الكون.. يسير على الناموس ذاته الذي يسير عليه الكون. وتتمثل فيه ظاهرة "الأزواج" بكل عمقها وكل دلالتها. فالحياة كلها بجميع مظاهرها متصلة في كيانه بالجنس.. حتى الأعماق.
ولا يذكر الجنس دون أن ذكر فرويد!
ولقد كان فرويد محقاً ولا شك في الإشارة إلى عمق الظاهرة الجنسية في حياة الإنسان، وتشعبها واتساع نطاقها، وتداخلها مع النشاط الحيوي كله، ومع المشاعر والأفكار.
ولكن الشطط يفسد كل الحقائق التي اهتدى إليها فرويد أو أشار إليها.. لأنه يعطي صورة مزورة عن حقيقة الإنسان. صورة لا تمثله في الحقيقة.
من البديهيات التي لا تحتاج إلى جدل أن الجنس ليس الإنسان. وإنما الجنس جزء من الإنسان!
وقد اعترف فرويد –اعترافاً عابراً- بأن الجنس ليس هو الطاقة الأولى في كيان الإنسان. ولكنه قال إن "المدنيات" تؤمّن الإنسان على نفسه، فيطمئن على ذاته، ولا يعود مشغولا بحفظ الذات [التي هي الشاغل الأول] ومن ثم يتسع نطاق الجنس في حياته فيحتل المكان الأول110.
وتلك ملاحظة قيمة. ولها دلالتها. ولكنه نسيها في اندفاعه الشديد لتلويث الحياة كلها بصبغة الجنس. نسي أنه قال إن هناك عملية إحلال تصنعها المدنية التي تؤمّن الإنسان على ذاته، فيتجه اهتمامه ونشاطه إلى الجنس، بمعنى أن هذا ليس شأن الفطرة الداخلية، وإنما هو نتيجة لعارض قد يوجد في حياة الإنسان وقد لا يوجد. قد يطمئن الناس على ذواتهم فينصرفون إلى الجنس.. أو لا يطمئنون فيصبح الشاغل الأول لهم هو ذواتهم والحفاظ عليها..
نسي كل هذا وراح يؤكد في حماسة مجنونة أن هذا هو تركيب الفطرة الأصيل! فالنفس جنسية في صميمها. مصبوغة بصبغة الجنس. وكل نشاطها الحيوي [اللبيدLibido] نشاط جنسي. حتى الطعام. حتى الشراب. حتى التبول والتبرز والإفراز. حتى الحركة العضلية. حتى التنظيم الاجتماعي. حتى الدين. حتى التفكير.. يستوي في ذلك الطفل والشاب والمسن. والمتوحش والمتمدن على مر العصور!
ولا نحتاج بطبيعة الحال إلى هذا السفه لكي نثبت حقيقة الجنس وعمقها في كيان الإنسان!
إنها حقيقة عميقة واسعة متشابكة مع الكيان كله.. ولكنها جزء من ذلك الكيان وليست كل الكيان!
أما التشابك والتداخل فظاهرة عامة في بنية النفس. ليست خاصة بالجنس حتى تقول إنها فريدة، وإنها تستدعي دراسة خاصة. وقد بينا في الخطوط المتقابلة –وسنبين هنا مرة أخرى في الدوافع والضوابط –أن كل شيء في كيان الإنسان متداخل متشابك معقد أشد التعقيد. فما بال الجنس وحده في نظر فرويد هو الذي يتسم بهذه السمة، ويستأهل الإفراد والتخصيص؟!
كلا! وما يستطيع عاقل أن ينفي أن الاهتمام الأول للإنسان هو ذاته. وأنه من خلال ذاته تصدر الاهتمامات الأخرى –ومن بينها مشاعر الجنس. ومن بينها كذك المشاعر الجماعية التي تهدف إلى التجمع والترابط مع الآخرين.
أما أن يكون الإنسان كله منبعثاً من إحدى طاقاته.. ! فتصوّر عجيب لا يخطر إلا على بال عالم من "كبار" العلماء!
الطاقة الجنسية تشتبك بكل النشاط الإنساني، ولكنها لا تلونه بلونها المفرد. ولا تصنع ذلك أية طاقة أخرى في كيان الإنسان. فلا يمكن أن يكون الدين جنسا. والنظام الاقتصادي جنسا. والطعام والشراب جنسا. وقطع الأحجار لإقامة البيوت جنسا. ومراقبة الفلك ومعرفة أسراره جنسا..!! وكل ذلك في دائرة اللاشعور!!
إنما يمكن أن يقال –في اعتدال- إن حقيقة الجنس ينبثق منها التزاوج والتناسل.. فينشأ "الناس" والمجتمعات: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء"111 فيحتاج هذا المجتمع إلى تنظيم: اجتماعي واقتصادي وسياسي.. وفكري وروحي. فتنشأ القواعد والنظم والأفكار والفلسفات.. ويحتاج الإنسان إلى إعالة بنيه الناتجين من حقيقة الجنس، فيبحث عن طعامهم وشرابهم وملبسهم ومأواهم –كما يبحث لنفسه- فيكون السعي إلى الرزق. ويكون "العمل" وتكون عمارة الأرض. ويكون "العلم" الذي يبحث به الإنسان في كنوز السماوات والأرض ويحاول معرفة أسرارها ليستطيع استغلالها.. الخ.. الخ.
ولكن ذلك كله –على أنه حقيقة مشهودة- لا يعني أن الجنس هو الحياة البشرية!! الجنس كشعور أو دافع. يدفع إلى لقاء الجنس الآخر والاتصال به...
إنما يعني –وتلك هي الحقيقة الكبرى- أن الإنسان يمارس نشاطه الجنسي بكيانه كله لا بالطاقة الجنسية المحدودة المتخصصة. كما يمارس نشاطه كله بكيانه كله. فهو لا يبحث عن الطعام بمعدته. أو بدافع الجوع وحد. ولكن بكيانه كله. رضي أم أبى! لأنه يحتاج إلى تشغيل جسده وفكره في البحث عن الطعام. ثم يصطدم بوجود آخرين معه في الأرض يبحثون عن طعامهم، فيتعامل معهم بكلا جانبيه: الفردي والجماعي، وينشئ "قيما" من التعاون والمشاركة. وينشئ "نظما" اجتماعية واقتصادية وسياسية وروحية وفكرية.. الخ.
وهكذا.. فمن حيث بدأ الإنسان.. من دافع الجوع. أو من دافع الملك. أو من دافع البروز.. فهو في النهاية واصل إلى حيث يلقى الحياة بكيانه المجتمع، وتلقاه الحياة من خلال هذا الكيان!
والجنس –في ذلك- ليس بدعا في طاقات الإنسان..
* * *
وفي حديثنا السابق عن الدوافع بيناً كيف تفترق دوافع الإنسان عن دوافع الحيوان.
وهنا في ميدان الجنس، سنجد الفوارق ذاتها التي يتميز بها النشاط الإنساني عن النشاط الحيواني، منطبقة بتمامها على النشاط الجنسي.. بل ربما كانت أكثر انطباقا هنا مما هي هناك!
فالغريب أن هذه الطاقة التي يبدو لأول وهلة أنها أقرب الطاقات شبها بالحيوان، هي –في صورتها الإنسانية- أشدها لصوقا "بالإنسان" وأبعدها من الحيوان!
ولم يفت فرويد –وهو يبحث في شئون الجنس هذا البحث المتخصص الذي استغرق كل حياته العملية- أن يدرك ما في النشاط الإنساني من فروق شاسعة عن نشاط الحيوان، ولكنه في حماسته المجنونة لتقرير حيوانية الإنسان لم يعجبه من نشاط الإنسان كل ما يتميز به عن نشاط الحيوان.. فسماه شذوذا [!!!]. وقد مرت بنا الفقرة التي نقلناها من كتابه "Three Contributions to the Sexual Theory" والتي قال فيها إن "التسامي" نوع من أنواع الشذوذ، تُصَرّف فيه الطاقة الشهوية الصادرة من منابع جنسية، في مجالات أخرى غير المجال الجنسي، وينتفع بها في هذه المجالات!!!
أي أنه إما أن يكون الإنسان حيواناً.. وإما أن يكون قد أصابه الشذوذ!
وتلك نظرية "عالم" من كبار العلماء!
* * *
أول فرق بين نشاط الإنسان الجنسي ونشاط الحيوان هو امتداد موسم النشاط والإخصاب بغير حدود طيلة العام. وهذه أول سمة من سمات التحرر في بنية الإنسان الجنسية لا مثيل لها في عالم الحيوان.. حيث الموسم محدود. والرغبة لا توجد عند الذكر أو الأنثى إلا خلال الموسم وحده. وبعد ذلك يصوم الذكر والأنثى كلاهما قد يحدث تقارب ولا يحدث اتصال. بل يصومان [أو تصوم الأنثى على الأقل] في لحظة حدوث الإخصاب.
وقد ترتب على هذه الحقيقة أن الجنس أصبح مشاعر دائمة في نفس الإنسان. لا تتحدد بحدود الاتصال الجنسي ذاته كما يحدث في الحيوان. وإنما تسبقه وتلحقه وتلازمه.. ومن ثم أصبح الجنس في حياة الإنسان أوسع من اتصال الأجساد في ساعة من الساعات!
ومن أبرز الفروق تنوع مشاعر الجنس مع السعة الهائلة في المجال.
وقد أثبتّ من قبل فقرة في هذا الشأن من كتاب "الإنسان بين المادية والإسلام" تصلح لإثباتها مرة أخرى في هذا المجال:
"هناك الشهوة العارمة التي تتمثل في الجسد الهائج والجوارح الظامئة، والعيون التي تطل منها الرغبة الهائجة المجنونة.
"وهناك الشهوة الهادئة المتدبرة، التي تعد العدة في ترتيب وأناة، حتى تظفر بما تريد على مهل ودون استعجال.
"وهناك الأشواق الحارة الملتهبة التي تنبع من الجسد، ولكنها تمر في طريقها على القلب، فيصفيها من بعض ما بها من "العكار"، ويعطيها قسطا من "العاطفة" تمتزج بصيحة الجسد الملهوف.
"وهناك الأشواق الطائرة المرفرفة التي تنبع من القلب، ولكنها قد تمر في طريقها على الجسد، فيمنحها بعض لهيبه المحرق، وقد يخلط بها بعض العكار، ولكنها تظل محتفظة بكثير من الصفاء.
"وهنا إشراقة الروح الحالمة، قد صفّيت من العكار كله، وصارت صفاء مطلقاً لا يعرف الجسد، وإشعاعة لا تعرف القيود. تعشق الجمال خالصاً حتى من الإطار الذي يصبّ فيه!
"وهناك ألوان أخرى لا تدركها الألأفاظ، ولا يقدر عليها التعبير!
"وبين هذه الألوان المختلفة مئات من الأحاسيس، تشترك في الأصل، ولكنها تختلف فيما بينها أشد اختلاف".
وهذا الاتساع والتنوع في مجال الجنس مزية فريدة تفرد بها الإنسان.
والاختلاف الثاني أن الإنسان هو الذي يحدد لنفسه حد الاكتفاء. فليس هناك القيد الغريزي الذي يغلق الصمام في لحظة معينة.. وإنما هناك الحرية المفتوحة.. التي تبدأ من التوقف الكامل.. إلى ما بعد حد الاكتفاء المعقول.. أي إلى حد الإسراف!
والاختلاف الثالث أن الإنسان لم يأخذ الجنس على حالته الخامة! حالته الجسدية الخالصة التي تتلخص في حركات معينة تصل إلى الهدف بطريقة مباشرة.. فليس ذلك حال الإنسان في أي نشاط من نشاطاته..
فكما أبى أن يأخذ الطعام على ما هو عليه.. وصنع منه ألواناً وأشكالا وطعوماً مختلفة المذاق.. وكما صنع ذلك في الملبس والمسكن والملك.. فكذلك يصنع في الجنس. فهو يأبى أن يقف به عند خاماته الجسدية الأولى. وإنما ينشئ منه "صناعات" مختلفة واسعة النطاق.
وإذا كان قد "تفنن" في المأكل والمشرب والملبس والمسكن.. الخ فأكبر "فنونه" هي فنون الجنس!
فنون واسعة المجال جداً: في الأدب والموسيقى والغناء والرسم والرقص والنحت.. وكل ما يخطر على البال!
وقد أغرت هذه السعة الفنية في مجال الجنس [أو السعة الجنسية في مجال الفن!] أغرت فرويد بأن يقول إن الفن كله طاقة جنسية! وليس ذلك صحيحا بطبيعة الحال. فالفن طاقة "إنسانية" شاملة.. تشمل –كما رأينا- الطعام والشراب والملبس والمسكن والملك وحب البروز.. وتشمل الجنس كذلك فيما تشمله. وإذا كان مجالها في الجنس واسعاً، فلأن الجنس طاقة واسعة. ولكن عمل الفن في دنيا الجنس هو مجرد امتداد لعمله في كل مجالات النشاط الحيوي للإنسان.
والاختلاف الرابع أن الإنسان –كما نرى من الفقرة التي نقلناها من كتاب "الإنسان بين المادية والإسلام"- لم يتخذ سلوكاً واحداً نحوه. وإنما يختلف فرد عن فرد، كما يختلف الفرد ذاته في حالة عن حالة..
والاختلاف الخامس أن الإنسان قد جعل له هدفاً.. ثم اختلفت الأهداف.. فمن الناس من يراه في نطاق الضرورة ويقضيه في نطاق الضرورة. ومنهم من يجعله هم حياته الشاغل.. ومنهم من يجعله وسيلة النسل.. ومنهم من يطلب فيه السكن النفسي والهدوء والراحة.. ومنهم من يجمع بينها جميعاً.. الخ.
والاختلاف السادس أنه لا يحس بالقهر الكامل إزاءه..!
فعلى كل ما فيه من سعة وتنوع وعمق.. و"ضراوة" أحياناً.. فالإنسان "يملك" إزاءه أشياء كثيرة! يملك الامتناع عنه [ولو لفترة من الوقت].. الامتناع عن مبدأ أو عقيدة أو ضرورة.. يملك "التسامي" الذي سماه فرويد نوعاً من أنواع الشذوذ! ويملك اختيار السلوك الذي يسلكه فيه، ويملك تحديد الهدف الذي يريده منه. وهي كلها تمثل حرية الاختيار في مقابل القهر والإجبار!
* * *
هذه الضوابط الفطرية –كما رأينا- ليست نوعاً واحداً بل أنواع.
وليست متجهة إلى المنع.. وإنما هي أقرب إلى التنظيم.
إنها كلها حواجز تقف في طريق التيار المندفع.. ولكن لا لتمنعه بل لتضبط انطلاقه. وحتى إذا منعت جانباً منه، فلكي ترفع مستواه لينطلق في أفق أعلى..
إنها كالخزانات والقناطر المقامة على مجرى الماء لتنظم انطلاقه.. إنها –بادئ ذي بدء- تحجزه قليلا حتى يرتفع مستواه. ثم تسمح لجانب منه بالمرور مباشرة في مجراه الأصلي. وتستفيد ببعضه في نطاق آخر لم يكن ليصل إليه لو ترك بلا حواجز ولا رفع.. وتشتد أحيانا في حجز جانب منه.. لنستخرج منه طاقة الكهرباء!
وهذه الضوابط التي رأيناها، والتي تميز بين نشاط الإنسان ونشاط الحيوان تحجز الدوافع الفطرية –قليلا- لترفع مستواها كله. ثم تسمح بقدر منها ينطلق في مجاله الأصلي: مجال الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس والقتال والملك والبروز.. وإن كان ينطلق على مستوى أعلى مما كان في منبعه. وتحول قدراً منها –بعد أن رفعته- إلى مجالات جديدة غير مجالاته الأصلية المباشرة [وهي عملية "التسامي" التي قال فرويد إنها شذوذ.. وهي فطرة لا شذوذ فيها إلا من زاوية النظر الحيوانية التي نظر بها فرويد إلى الإنسان!] ثم تشتد في منع جانب منها لتكوّن منه طاقة هائلة كطاقة الكهرباء.. هي الطاقة المتصلة بالكفاح في سبيل العقيدة والمثل العليا!
هذه العمليات الثلاث التي تقوم بها الفرامل المنظمة لانطلاق "الشهوات".. تقوم بها فرادى ومجتمعة في ذات الوقت.. كما تعمل الدوافع ذاتها فرادى ومجتمعة في ذات الوقت!
فهي –مجتمعة- تحجز تيار الدوافع.. قليلا.. فلا يأخذ منه البدء صورة انطلاق الحيوان.
ثم يسمح بعضها بتمرير الدوافع –التي ارتفع مستواها- في نطاقها الأصلي، ولكن مع التنويع وتوسيع نطاق الانطلاق.. ففرملة التنويع هي التي نوعت ألوان الطعام، ونوعت سلوك الإنسان نحوه. وهي التي نوعت الملابس وتفننت في تفصيلها. وهي التي نوعت المسكن وزخرفته. وهي التي نوعت مشاعر الجنس. ونوعت آفاق البروز.. إن عملها هو التنويع. هو تلقي الدفعة الحيوية وتوزيعها من عيون مختلفة وعلى مستويات مختلفة.. وهي المتصلة "بالفن" في عالم الإنسان.
وفرملة تكوين الهدف هي التي تحول الدافع عن مجراه الأصلي –بعد رفعه- إلى مجالات جديدة لم يكن ليصل إليها لو ترك في مجراه الأصلي وعلى مستواه الأصلي. وهي التي حولت الطعام من شهوة بطن –وهي صورته الحيوانية الأصلية- إلى "قيم" أخرى. منها التعاون والإيثار والرحمة والتعاطف.. حين أوحت للإنسان –في مجال الطعام- أن يتعاون مع أخيه في سبيل الحصول عليه، ثم يتعاطف معه بإشراكه فيما يحصل عليه من طعام.. وأنشأت بذلك نظما اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية وروحية.. الخ. وهي التي حولت الجنس من شهوة جسد خالصة –وهي صورته الحيوانية الأصلية- إلى قيم أخرى. منها الرحمة والمودة والسكن: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً"112 ومنها المصاهرة والنسب.. ومنها التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية.. الخ. وعلى هذا النسق تدخلت في مجرى كل دافع من الدوافع الفطرية فحولته إلى قيم وتنظيمات..
وفرملة الاختيار الحر قد استغلت عمل الفرملة المنوّعة والفرملة المكوّنة للأهداف.. وإن كانت تعمل –بعد ذلك- في نطاق أعلى. فهي التي تملك حجز الدافع حجزاً تاماً لفترة من الوقت.. لتولد منه فيما بعد طاقة الكهرباء!!
* * *
وهذه الضوابط –مجتمعة ومتداخلة- هي التي جعلت الإنسان هو "الإنسان" وحياته هي حياة الإنسان!
إنها هي التي جعلت الإنسان –وحده في كل ما نعلم من صنوف الخلق- هو الذي ينشئ ويبني ويعمر.. ويقوم بدور الخلافة عن الله..
إنها هي التي جعلت "حب الحياة" –الذي يشترك فيه الإنسان مع كل الأحياء- يتحول إلى "تجميل الحياة"!
الإنسان يحب الحياة فيجملها.. ويتجمل هو في أثناء تجميلها!
يجملها في عالم المادة وعالم الروح.. في النطاق المحسوس ونطاق المعنويات.
يجملها فيستخرج كنوزها وينشئ منها صناعات تيسر لها لحياة.. ينشئ منها مساكن مريحة وأدوات للإنتاج مريجة.. ينشئ القطار والسيارة والطائرة والصاروخ.. وينشئ المنسوجات المتعددة ليلبسها.. وينشئ الأطعمة المختلفة ليأكلها.. وينشئ الحدائق ليستمتع بما فيها من جمال.
ويجملها فينشئ فيها قيما جميلة.. ينشئ فيها العدل والحق والإخاء والمساواة.. والنظم والتنظيمات.
ويتجمل هو في أثناء تجميلها.. يتجمل في عالم المادة وعالم الروح.. في النطاق المحسوس ونطاق المعنويات.
يتجمل باللباس والزينة.. ويتجمل بالمطعم والمشرب والمسكن..
ويتجمل بالأخلاق والمشاعر والأفكار والعقائد..
كلها ألوان من الجمال الحسي والمعنوي، يصنعها الإنسان في نفسه وفي الحياة من حوله.. نتيجة لوجود هذه الضوابط الفطرية في كيانه، التي ترفع مستوى الدوافع وتمدها في الآفاق..
إنها تصون الطاقة البشرية أن تتبدد في مستوى الحيوان. فتستهلك بلا إنتاج..
الحيوان يستهلك طاقته كلها في شهواته. ولا يُبقى فائضاً. ولا يملك فائضاً يحوّله للإنتاج. والإنتاج الوحيد الذي اقتضت حكمة الله أن تمنحه إياه، هو الإنتاج الجنسي.. إنتاج نسل جديد يحل محل القديم حين يموت.. أي أنه في الحقيقة يقوم بمجرد الاستمرار.. لا الإنتاج الحقيقي الذي يزيد حجم الحياة.
أما الإنسان فلغير ذلك خلقه الله..
لم يخلقه ليستهلك نشاطه بلا إنتاج..
بل خلقه لينتج.. لينشئ.. ليبدع.. بما أودعه الله فيه من قدرة الإنشاء حين نفخ في قبضة الطين من روحه.. بقدر ما تطيق قبضة الطين، وبقدر ما يرى الله –بحكمته وعلمه- أنه يصلح للدور الذي ناطه بالإنسان.
ولكي ينتج لا بد أن يحجز جانبا من الطاقة لا يتبدد في نشاط الحيوان!
يحجزه بهذه الفرامل المختلفة.. ويأخذ الفائض فيحوله إلى إنتاج.. إنتاج في عالم المادة وعالم الروح.. في الزراعة والصناعة والبناء والتعمير.. وفي المشاعر والأفكار والفنون.
إنتاج يجعل الحياة جميلة، ويجعله هو جميلا في تجميلها..
ويجعله –بذلك- موصول القلب بالكون الأعظم ونواميسه الكبرى، وبالجمال الذي تشتمل عليه هذه النواميس.
ويكون بذلك جديراً بأن يكون خليفة لله. وجديراً بالتكريم الذي منحه لله إياه.
* * *
ليست هذه الضوابط إذن معوّقا للإنسان عن إتمام نموه.. ولا معوّقا للإنسان عن الحياة!
وقد جاهد فرويد جهاداً عنيفاً ليشوه صورة الضوابط بكل وسيلة من وسائل التشويه.
وقد أثبتنا فيما سبق من هذا الفصل كلامه عن الأخلاق بأنها تتسم بطابع القسوة حتى في صورتها الطبيعية العادية. وكلامه عن التعارض بين الحضارة وبين النمو الحر للطاقة الجنسية. وكلامه عن "التسامي" بأنه شذوذ!!!
وقد أنفق سنوات من عمره ليثبت أنه ليس هناك إلا أحد طريقين اثنين: إما انطلاق الطاقة الشهوية –الجنسية في أساسها- انطلاقا "حراً" أي حيوانيا لا شذوذ فيه! وإما الكبت المدمر للأعصاب المبدد للطاقات المفسد للحياة!
وليس هناك طريق ثالث..!
وأنت أيتها البشرية فاختاري إما انطلاق الحيوان وإما الشقاء وفساد الأعصاب!
أما عملية "الضبط" فلم يشر فرويد إليها!
ليس في عرفه "ضوابط".. وكل شيء في عرفه كوابت.. ضارة مفسدة كريهة!
ثم إن الكبت –وهو الصورة الوحيدة عنده للمنع والضبط- عملية مفروضة على الإنسان من الخارج. تبدأ أول ما تبدأ بلوثة العشق الجنسي الذي يحسه الطفل نحو أمه، ثم يجد أباه الضخم الهائل الحاكم بأمره وجبروته حائلا بينه وبين الوصول إلى هذا العشق "فيكبته"!! وحين يكبته أي يمنعه البتة يتحول إلى قيم ومبادئ.. وإلى دين!!
وقد ناقشنا من قبل أسطورة العشق الجنسي في حياة الطفل.. ولا نحتاج إلى مناقشتها مرة أخرى فهي مجرد أسطورة! ولكنا نقول هنا إن عملية الحجز كما رأيناها ليست كلها منعا. وإنما هي أقرب للتنظيم والضبط. وأن الجانب الذي يُمنَع لتتكون من حصيلته مبادئ ومُثُل هو جانب واحد فقط من الطاقة. وهو لا يسبب فساداً للأعصاب ولا تدميراً للحياة.. ما دام الجانب الآخر يأخذ منطلقه الطبيعي في مجراه الأصيل..
ونقول كذلك إن عملية الضبط فطرية طبيعية داخلية بما أنها تستخدم أجهزة فطرية واستعدادات فطرية.. فالتنويع، وتكوين الأهداف، والاختيار الحر.. وهي المجموعات الثلاثة الكبرى من الضوابط، استعدادات وطاقات تنشأ من داخل الكيان النفسي، ولا تنشأ –ولا يمكن أن تنشأ- من أي ضغط خارجي. والإنسان يستخدمها استخداماً حراً في كل مجالات النشاط الحيوي من طعام وشراب ومسكن وملبس.. وجنس!
ثم إنها –فوق ذلك- هي المقابل الواعي المدرك المفكر للصمام الغريزي عند الحيوان.. فهي تتناسب مع طبيعة الإنسان كما يتناسب الصمام الغريزي مع طبيعة الحيوان. أم كان يريد فرويد أن يكون الإنسان بلا ضوابط أصلا، فلا يصبح حتى كالحيوان؟!
وبعد ذلك كله.. من ذا الذي يقول إن عملية الإنتاج الهائلة التي تنشأ من وجود الضوابط الفطرية في كيان الإنسان.. الإنتاج المادي والروحي.. الذي يتمثل في الإنشاء والتعمير والبناء والحضارة.. والفنون والأفكار.. من يقول إن كل ذلك إفساد للحياة البشرية وتدمير لكيان الإنسان؟!
* * *
ولكن هذه الضوابط مع كونها فطرية.. ومع كونها تؤدي هذه المهمة الضخمة في حياة الإنسان.. فهي لا تنمو بمفردها دون معونة خارجية!
وقد بينا من قبل أن هذا لا يعني أنها مفروضة على الكيان البشري من خارجه! وإنما شأنها في ذلك شأن القدرة على المشي والقدرة على النطق.. ما لم تنميّا من الخارج فلن تنموا نموهما الطبيعي، مع أنهما في ذاتهما طبيعيتان وفطريتان..
وقد شاءت حكمة الله أن يرعى الإنسان صغاره لينمي فيهم هذه الضوابط وإلا فلن تأخذ صورتها السوية الكاملة.. كما شاءت حكمته –سبحانه- أن يرعى هو البشرية كلها لينمي فيها هذه الضوابط.. بالرسل والرسالات.. وإلا فلن تأخذ صورتها السوية الكاملة، مع أنها موجودة في صميم الفطرة البشرية!
وحين لا تنمو هذه الضوابط فالنتيجة الحتمية هي انطلاق الشهوات بلا ضابط.. وهبوط الإنسان عن مستواه الرفيع الذي خلق من أجله.. مستوى الخلافة والرفعة والتكريم.
وسنتحدث في الفصول القادمة عن كيفية نمو القيم العليا. وعن الشذوذ والانحراف. وعن الخير والشر. وكلها متصل بالضوابط وعملها في كيان الإنسان. والفساد الذي يصيب هذا الكيان حين لا تنمو الضوابط نموها الطبيعي كما خلقه الله.
ونكتفي هنا بتوكيد هذه الحقيقة: وهي أن التربية والرعاية والتهذيب والتوجيه ركن أصيل من حياة الإنسان لا يصلح أمره بدونه. ومن ثم يتولاه الله سبحانه بالنسبة للبشرية كلها، ويأمرهم أن يتولوه بالنسبة لبعضهم بعضا، وبالنسبة لصغارهم خاصة: "وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ"113.

الدين والفطرة
"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا"
صدق الله العظيم
الدين من صميم الفطرة..
ففي صميم الفطرة أن تحس بالله على نحو من الأنحاء.
وقد لا نهتدي دائماً إلى الصورة الصحيحة للعقيدة.. وقد تمزج بها كثيرا من الخرافات والأساطير.. وقد تتصور الحقيقة الإلهية تصورا منحرفا.. بل قد تلحد بالله إلحادا.. ومع ذلك يظل في صميمها هذا الإدراك لوجود خالق لهذا الكون.. خالق قوي جبار..
والكون كله مفطور على عبادة الله.
والتفسير "العلمي" لأحد مظاهر هذه العبادة أن الكون يطيع القوانين التي سنها الله لوجوده وحركته ومبدئه ومنتهاه. ولا يخرج على قانون واحد منها، ولا يتجه إلى الخروج عليها.
الذرة في تكوّنها من مادة وطاقة، بترتيب معين وصورة معينة، وما تحمله في طياتها من حركة وتجاذب ونظام.. هي الذرة.. لا تملك أن تكون غير ذلك. لا تملك أن تتكون من شيء آخر غير مكوّناتها الحالية.. ولا تملك أن تغير نظامها الذي خلقت به وفطرت عليه.. وهي بذلك "تعبد" الله.
والكون في تكوّنه من هذه الذرات، أو من المادة والطاقة على نحو معين وصورة معينة، وما في كيانه من حركة وتجاذب ونظام.. وما يقوم بين أجرامه من أبعاد ونسب ومسافات.. هو الكون.. لا يملك أن يكون غير ذلك.. لا يملك أن يغيّر نظامه، فيقترب بعضه من بعض أو يبتعد بعضه عن بعض، أو يتناثر أو يتجمع.. إلا على النحو الذي خلقه به الله وفطره عليه.. وهو بذلك يعبد الله.
والأرض في تكوّنها من مجموعة العناصر التي تحتويها، على نظام معين وصورة معينة، وما تحمله في كيانها من طاقة كهربائية مغنطيسية تحدد مكانها في المجموعة الشمسية وتحدد مسارها وطريقة دورانها.. وما تشتمل عليه من إمكانيات الحياة سواء في باطنها أو على سطحها أو فيما يحيط بها من غلاف جوي، وما تتلقاه من إشعاعات من الكون كله، ومن الشمس خاصة.. هي الأرض.. لا تملك أن تكون غير الأرض، ولا أن تغيّر شيئاً من صفاتها ولا إمكانياتها.. وهي بذلك تعبد الله..
والحياة على ظهر الأرض، من الكائن الوحيد الخلية إلى النبات إلى الحيوان.. في مختلف صورها وحالاتها وأنماطها وعاداتها وسلوكها.. لا تملك أن تكون غير ما هي عليه، ولا أن تؤدي دورا غير دورها المقدور، ولا أن تخرج على القوانين التي تحكمها في كل نمط من أنماطها.. وهي بذلك تعبد الله..
ولقد يقول العلم إن الحياة على ظهر الأرض قد "تطورت"، فارتقت وتعقدت، وجدّت فيها وظائف وأعضاء، وجدّت لها وسائل وأهداف.. فإذا كان ذلك حقا، فهو يجري كذلك على الناموس الذي وضعه الله لتلك الكائنات، وجعلها تسير بحسبه في ارتقائها وتعقدها، وما يجد عليها من أمور.. ويكون تطورها ذلك جزءاً من العبادة التي تتوجه بها إلى خالقها، ملبية مطيعة لما فطرها عليه من اتجاهات واستعدادات.
وذلك هو التفسير "العلمي" لمعنى من معاني قوله تعالى: "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ"114.
* * *
ثم يجيء دور الإنسان..
والإنسان كائن متفرد في كل الخلق.. لا يشبهه في تفرده شيء، ولا يشاركه في التفرد كائن من الكائنات.
إنه –كما رأينا من قبل- قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله.
وهو –بتفرده ذلك- يعبد الله على نحو يختلف عن عبادة الآخرين، وإن كان –في النهاية- يلتقي بها في الاتجاه.
العبادة –بمعنى الطاعة- مظهر من مظاهر اكلون كله، لا يفترق فيه جماد عن نبات عن حيوان.
والإنسان داخل في ناموس الكون الأكبر لا يتخطاه..
غير أن الناموس –بالنسبة للإنسان- قد أعطاه كياناً متفرداً في أمرين عظيمين، يتميز بهما عن غيره من الخلق:
الأمر الأول: أنه بالنفخة الإلهية التي تشتمل عليها روحه قد صار "مدركا" لنفسه وما حوله.
والأمر الثاني: أنه بهذه النفخة ذاتها قد صار "مريداً" لما يقوم به من أعمال وتصرفات.
وهذان العنصران: الإدراك والإرادة، المستمدان من النفخة العلوية، هما في الإنسان محدودان بحدود، وهذه الحدود قد قدرها الخالق بما يناسب المهمة التي خلق لها الإنسان وهي الخلافة عن الله في الأرض.. بلا زيادة عن ذلك القدر ولا نقصان. فهو سبحانه يخلق بِقَدَر ما يشاء.
وبهاتين الصفتين تختلف كل أعمال الإنسان عن أعمال الكائنات الأخرى، في أنها أعمال "واعية" يدرك الإنسان غايتها وأهدافها. وأنها أعمال "إرادية" يريدها الإنسان ويقصدها.
ومن بين ذلك العبادة..
فعبادة الإنسان إرادية وواعية، في جانب منها على الأقل، بخلاف عبادة غيره من الكائنات [هناك جانب غير إرادي وغير واع من العبادة –بمعنى الطاعة- هو خضوع الإنسان في محياه ومماته ونموه وصحته ومرضه، وهضمه وتنفسه.. الخ.. الخ لقوانين الله التي فطره عليها. وفي هذا الجانب يشابه الإنسان بقية الكون. ولكن يبقى له –فوق ذلك- جانبه المدرك المريد، وما يصدر عنه من عبادة إرادية وواعية].
فإذا كانت الذرة تعبد الله بالطاعة التي لا إرادة لها فيها ولا وعي. وإذا كان الكون، والأرض وما عليها من نبات وحيوان تعبد الله على نفس الطريقة، فإن الإنسان [إلى جانب هذا اللون من الطاعة] قد أُلهِمَ طريقين لا طريقاً واحداً: طريقة الطاعة وطريق العصيان، وأعطى القدرة على التمييز بين الطريقين واختيار أحدهما والمضي فيه: "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"115. "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً"116. "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"117.
ومن ثم فهو المخلوق الوحيد –من مخلوقات الأرض- الذي يعبد الله عن وعي وفهم وإدراك. وهو كذلك المخلوق الوحيد في الأرض الذي يعصي الله، حين ينحرف عن طريق الهداية ويختار طريق العصيان.
وهو إذ يعصي، يخالف أوامر الله إليه باتباع طريق الهدى والاستقامة والنظافة والارتفاع. ولكنه –مع ذلك- لا يخالف الناموس المقرر له من لدن الله. إذ الناموس المقرر له هو استعداده للهدى والضلال، وحرية اختياره بين طريق الهدى وطريق الضلال..
* * *
ولكنه في الحالين "يدرك" وجود الله.
ويدركه بالفطرة.. "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا"118.
والفطرة طريقة خفية في إدراك وجود الله، والإيمان بوجوده، والاتصال به، والاستعانة به، والتزود من زاده..
ولا نتحدث هنا عن تلك الطريقة الخفية، لأن كل حديث عنها لن يوضح ماهيتها.. ما دامت خفية الكنه.. ككل شيء في هذا الكون الهائل العجيب!
إنما نتحدث فقط عن بعض الوسائل المدرَكة التي "توقظ" الفطرة الكامنة، وتوجهها إلى الله.
وكما قلنا إن القدرة على النطق كامنة في كيان الطفل، ولكنها تحتاج إلى معونة خارجية لإيقاظها.. فكذلك مقدرة الفطرة على الاهتداء لوجود الخالق كامنة في داخلها، ولكن أموراً خارجية توقظها وتحركها وتنميها.. أو على أقل تقدير تعطيها الوعي والإرادة اللذين تتسم بهما بقية أعمال الإنسان.
* * *
يحس الإنسان "بالعجز" إزاء الكيان الكوني من حوله..
يبدأ العجز من لحظة الميلاد.. ويستمر إلى لحظة الموت.. ولا ينقطع فيما بين الميلاد والموت وإن كان يأخذ صوراً مختلفة في كل سن وكل طور من أطوار النمو الجسمي والنفسي.
هو في الطفل عجز كامل عن الحياة بغير مدد دائم ومعونة دائمة ممن حوله: بالإرضاع والرعاية في كل لحظة من النهار والليل.
ويكبر الطفل، ويكبر معه "مستوى" العجز ومجاله.
لم يعد هو العجز عن الحركة –فقد صار يتحرك- ولا العجز عن تناول الطعام –فقد صار يتناوله بنفسه- ولا العجز عن الإمساك بالأشياء وتحريكها طوع إرادته- فقد صار يصنع الكثير من ذلك..
وإنما هو عجز على مستوى آخر. فهو عاجز عن أن ينمو بالدرجة وبالسرعة التي يريدها لنفسه. وعاجز عن أن يسيطر على هذا الشيء أو هذا النبات أو الحيوان أو الإنسان كما يشتهي.. وعاجز عن الطيران في الجو كالطيور.. وعاجز عن أن يدرك الشمس والقمر والنجوم ويمسكها بيديه.. أو يلمس السماء!
إن العجز لم يعد حسيا بحتا كما كان في المراحل الأولى من العمر –حين كان الكيان كله حسيا- وإنما صار حسيا تارة ومعنويا تارة، أو حسيا معنويا معاً في بعض الحالات.
ويظل يكبر.. ويكبر معه العجز.
حتى يستوي على أشده، وما يزال يحس بالعجز في أكبر مجالاته: العجز عن تحقيق كل ما يريد تحقيقه، والعجز عن معرفة كل ما يريد معرفته، والعجز عن السيطرة على كل ما يريد السيطرة عليه..
حقا إنه يحقق أشياء كثيرة ويعرف أشياء كثيرة ويسيطر على أشياء كثيرة. ولكن هذا لا يغنيه، ولا ينفي عن خاطره شعور العجز. فهو يريد أن يحقق كل شيء. ويعرف كل شيء. ويسيطر على كل شيء.
وأشد ما يقف أمامه عاجزا: رغبة الخلود. والرغبة في معرفة الغيب الذي لم يحدث بعد..
إنهما ذاتهما الرغبتان العنيفتان اللتان أزلنا آدم من الجنة، وأمسكه بهما الشيطان من خطامه، بسلطان الإغراء!: "وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ"119. "قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى"120.
..ولقد حقق الإنسان معجزات كثيرة في هذا الكون. وأطلق طاقة الذرة وأطلق الصاروخ، وانطلق معهما يرتاد الفضاء.. ولكن.. هل حقق شيئا من عقدتيه الأزليتين اللتين تؤرقان باله:
هل استطاع أن يحقق الخلود في الأرض.. ألا يموت أبداً ولا يغادر الحياة أبداً؟
هل استطاع أن يعرف الغيب؟ لا الغيب البعيد الذي يقع بعد سنوات. بل الغيب الذي يقع بعد لحظات. بل غيب هذه اللحظة الداخلة عليه من كل باب، اللحظة التي لا يكاد يفصلها عنه زمن، ومع ذلك تفصلها عن علمه" الآماد والآباد؟!
كلا!
ولقد أدى هذا العجز في تاريخ البشرية إلى كثير من ألوان العبادة.. المهتدية والضالة.
أدى إلى عبادة الوالد.. وعبادة قوى الطبيعة.. وعبادة الطوطم.. وعبادة الوثن.. وعبادة الله.
الطفل العاجز ينظر إلى ولده نظرة تبجيل شديد واحترام، يصلان إلى حد التقديس.. إلى حد العبادة الخفية.. ومرد ذلك إلى ضآلة حجمه بالقياس إلى حجم والده، وضآلة قدرته إلى جانب قدراته. وقد كانت البشرية الأولى –في فترات ضلاله وجاهليتها- تعيش بحس الطفل ومشاعره واتجاهاته وتصوراته. ومن ثم اتجهت –في فترة من فتراتها- إلى عبادة الأب وتقديسه بمختلف صور العبادة والتقديس.
والإنسان العاجز إزاء قوى الطبيعة.. إزاء البرق والرعد والمطر والعواصف والسيول.. يحس في هذه الطبيعة بالهول.. ويحس إزاءها بالضآلة. ويحاول –في طفولته- أن يترضاها، لأنه يتصور لها نفسا، ويتخيل لها مشاعر، تغضب وتعطف، وتقسو وترق. فيستعطفها لترحمه ولا تناله بالأذى.
وقد كانت البشرية الأولى –في بعض فترات انحرافها- تتعبد الطبيعة بهذا الدافع، وتقدم لها القرابين! وتتصور إلها للبرق وإلها للرعد وإلها للمطر وإلها للريح وإلها للنار.. ثم تنصب لكل إله من هؤلاء معبداً تحاول فيه أن تتقرب إليه وترضيه!
وإذا كان الرمز أحد مواهب البشرية وخصائصها، وهو الذي كوّن لها اللغة بما تشتمل عليه من رموز واصطلاحات، فالنقلة من عبادة الولد وعبادة الطبيعة، إلى عبادة الطوطم وعبادة الوثن نقلة قريبة في نفس الإنسان!
وقد كانت هذه كلها انحرافات عن العبادة الحقيقي، مارستها البشرية في مختلف مراحل ضلالها.. وإن كانت في وسط ذلك التيه –بين الحين والحين- قد قامت إلى عبادة الله الواحد على أيدي الرسل والرسالات.
والذي يهمنا هنا –من الوجهة النفسية- أن النفس البشرية- ضالة أو مهتدية- تحس إحساساً فطريا بالعجز إزاء قوة أكبر منها.. ويكون هذا العجز لديها عنصراً من عناصر "الدين".
* * *
ويحس الإنسان –غير العجز- بالرهبة إزاء روعة الكون..
وتأخذه هذه الرهبة فيبحث عن الخالق!
إن الكون هائل رائع واسع فسيح الأبعاد..
ولهذا كله وقعه في الحس البشري.. لا يمكن أن يهرب منه ولو أراد الهروب!
إنها روعة تبدهه في كل اتجاه.. أياً كان الاتجاه.. وتبدهه في كل مستوى وفي كل نطاق.
السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم.. تلك الأجرام الهائلة المعلقة في الفضاء بغير عمد..
وتوالى الليل والنهار والضوء والظلام..
ودورة القمر من الهلال البازغ في الأفق صغيراً ضئيلا كالخيط المنير.. إلى البدر الكامل.. ثم يعود أدراجه حتى يصير كالعرجون القديم.
والرعد والبرق والصواعق والمطر والسحاب..
والأرض وما عليها من جبال رواس، ووديان وأنهار..
والكائنات التي لا عدد لها ولا حصر على اليابسة وفي جوف الماء وفي وسط السماء، كل منها يختلف عن الآخرين..
والدقة المعجزة في كل الخلق..
في انتظام الفلك في دورته.. لا يختل قيد شعرة في الفضاء الرهيب..
في الشطأة الصغيرة النابتة من الأرض تفلق الطين لتبرز إلى النور..
في الطائر الصغير الناقف من البيضة يتحرك ويسقسق ويتناول من فم أمه الحب..
في الريشة الدقيقة الزاهية الألوان الدقيقة التركيب..
في كل شيء تقع عليه العين أو يدركه الحس..
وأياً كان مستوى الإنسان من العلم والثقافة والمدنية والرقي.. فالكون يوقّع على حسه توقيعات شتى تناسب مداركه ومعلوماته.. وفي كل حالة يروعه ويهزه من الأعماق..
يروعه فيبحث عن الخالق!
هكذا بالفطرة..
إنه يدرك من تجاربه أو يدرك بالبديهة أن كل شيء له صانع. ومن ثم يبحث عن صانع الكون الأعظم الرائع الفسيح.
وقد يهتدي في بحثه وقد يضل..
قد يهتدي إلى أن الله هو الصانع.. وقد يضل فيعبد الكون ذاته بدلا من أن يعبد الله..
ولكنه في كلتا حالتيه يؤخذ بروعة الكون، لأن في فطرته أن يؤخذ بالجمال والروعة والجلال.
وفي كلتا حالتيه تكون هذه الروعة لديه عنصراً من عناصر الدين.
* * *
ويروعه الموت..
فهو بالنسبة إليه حدث ضخم هائل مروّع..
إن الطفل –لشدة ألفته للحياة، ورغبته فيها، وتشبثه بها –يحسب أن الحياة هي القانون الطبيعي للوجود من حوله، ويتصور أنها الأمر الدائم للأحياء.. بل إنه لفرط حيويته وتشبثه بالحياة ليضفي الحياة حتى على الجوامد المحيطة به، فيتصورها حية تحس وتتحرك كالأحياء.
ثم يفجؤه الموت.. يراه يقع أمامه.. فيرتاع.
هذا الكائن الذي كان حياً أمامه يأكل ويشرب، وينمو ويتحرك، ويتعاطف معه ويستجيب.. هذا الطائر أو الحيوان الأليف.. أو الإنسان.. إنه –في لحظة- يقع أمامه ميتاً لا حراك به.. ساكنا لا ينطق ولا يقدر على شيء.. ولا يتعاطف ولا يستجيب.
وتصيبه هزة عنيفة تهزه من أعماقه..
ما معنى هذا؟ ما معنى "الموت"؟ ما معنى الفناء؟
والوجود إذن.. هذا الذي كان من قبل بديهية لا تحتاج إلى سؤال.. ما معناه؟ ما حدوده؟ ومن الذي يرسم هذه الحدود؟
هنا نافذة إلى الله..!
نافذة إلى القدرة التي تخلق وتمنح الحياة.. ثم تأخذ الحياة وتردها إلى العدم الذي لا وجود له.
وقد يهتدي الإنسان في هزته تلك إلى الله.. وقد يضل فيحسب أن الطبيعة أو الدهر أو ما شابهها هي التي تسلب الكائن الحياة.. أو يتصور الموت ذاته إلها في مقابل إله الحياة!
ولكنه في كلتا حالتيه يروعه الموت.. ويقوده إلى الدين.
* * *
وتروعه "الأحداث".. أي "حدوث" الأشياء..
كيف تحدث؟ بأي قوة عجيبة قادرة منشئة مبدعة؟
الميلاد والموت.. الصحة والمرض.. القوة والضعف.. الرزق والمكانة.. الذهاب والمجيء.. وشتى الأحداث التي تصيب الإنسان في حياته أو يراها تقع أمامه ناظريه..
من الذي يحدثها؟ وكيف يحدثها؟
وهنا كذلك تتفتح نافذة إلى الله.. إلى القدرة القادرة التي تُحدث الأشياء. القدرة التي تقزل للشيء كن، فيكون.
ولقد يهتدي إلى الخالق الحق.. أو يتصور آلهة شتى تدبر الكون وتحدث الأحداث.
ولكنه في كلتا الحالتين يؤخذ "بحدوث" الأشياء.. ويقوده ذلك إلى الدين.
* * *
تلك كلها عوامل تفتح في القلب البشري نوافذ إلى الخالق المدبر المبدع القدير. وتوقظ العقيدة الكامنة في صميم الفطرة.. توقظها ولكنها لا تنشئها إنشاء من لا شيء!
إن الكون الخارجي لا يُحدث في النفس شيئاً لا يكون موجوداً فيها من قبل!
الأصوات التي تحدث في الكون ليست هي التي تنشئ القدرة على السمع! فهي موجودة سواء سمعها الإنسان أم لم يسمعها.. وهي موجودة ومع ذلك لا تسمعها الكائنات غير ذوات الآذان؟
والأضواء التي تحدث في الكون ليست هي التي تنشئ القدرة على الإبصار! فهي موجودة سواء رآها الإنسان أم لم يرها.. وهي موجودة وإن كانت لا تراها الكائنات التي ليس لها عيون!
وكذلك بقية الأشياء..
ولكن حين توجد الحاسة فهي تستطيع أن تميز الأصوات والأضواء والأشياء، وتتأثر بها، ثم تتكيف بهذه التأثرات تكيّفات شتى، تناسب فطرتها واستعداداتها.
فالحيوان يرى ويسمع.. والإنسان يرى ويسمع.. ثم يتأثر كل منهما بالشيء ذاته تأثراً خاصاً، وينتج عنه في حياة كل منهما أثر مختلف.
وكذلك الأمر في فطرة الدين..
إن التوقيعات الكونية على الحس البشري توقظ الفطرة وتوجهها إلى الخالق.. ولكنها لا تنشئ هذا التوجه ابتداء.. فهو من صميم الفطرة.. منذ لحظة الميلاد: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا" صدق الله العظيم.
والقاعدة العامة في كيان الحياة كلها أن الخارج لا ينشئ شيئاً، ما لم يكن الاستعداد له موجوداً في الداخل من قبل!
وهذا التوجّه موجود في داخل النفس. وإنما ينتظر –كالقدرة على النطق- أن توقظه من الخارج شتى المؤثرات.
والطفل، منذ يأخذ في الإدراك، يأخذ في هذا التوجه.
يأخذ يسأل سؤالا ملحا عن عشرات وعشرات من الأمور.
من الذي "عمل" السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم؟
من الذي يعمل النور والظلام؟ والبرق والرعد والمطر والسحاب؟
كيف ماتت القطة العزيزة أو الكلب أو الأرنب أو العصفور؟
وما معنى الموت؟ ولماذا تموت الأشياء؟
ما اتساع الكون؟ ما آخر مداه؟
متى أكبر؟
كيف جئت إلى هذا العالم؟ ومن الذي جاء بي؟
ثم يأخذ الطفل في النضج.. وتزداد معارفه.. ويزداد بحثه في الكون والحياة والأحياء.
وفي كل مرحلة يتكوّن في نفسه تصور جديد من تصورات الدين.
* * *
والكبت.. وعقدة أوديب.. وكل هذه الأساطير التي ابتدعها فرويد بلا دليل علمي.. لا علاقة لها البتة بفطرة الدين. فالدين لا ينشأ من الكبت، ولا صلة له بالجنس أو العشق المزعوم.
وإنما هو شيء من صميم الفطرة، ينمو معها كلما نمت. ينمو نمواً فطرياً "طبيعياً" دون تدخل من أحد. وإنما التدخل الخارجي ينظمه ويوجهه الوجهة الصالحة، ويقيمه على أساسه الصحيح.
والمنع أو الكبت ليس هو الذي ينشئ الدين في النفوس. وإنما الأجدر أن يكون الدين هو الذي يساعد على نمو "الحواجز" التي تنظم انطلاق الطاقة الحيوية وتحدد لها مجالها النظيف.
فالدين تتبعه حتما وتلازمه "قيم" معينة..
يتبعه قيام حواجز في النفس تضبط السلوك والمشاعر، وتقول للإنسان هذا جائز وذاك أمر لا يجوز.
وارتباط الدين بهذه الحواجز قديم قدم البشرية..
فإحساس الإنسان الفطري بضآلته إزاء القوة الخالقة، وإحساسه بالروعة والجلال، وإحساسه بأنه مأخوذ بمظاهر القدرة المختلفة، هو الذي يجعله يخرّ ساجدا يتعبد..
ثم يحس –إحساسا فطريا- بغير ضغط خارجي- أنه ينبغي له أن يلتزم بحركات معينة وأفعال معينة وسلوك معين إزاء هذه القوة التي يتعبدها، لكي ينال رضاها ويتقي غضبها. وهو يلمس في حسه دائماً مظاهر هذا الغضب وهذا الرضى.. على نحو من الأنحاء.
والخوف والرجاء.. أكبر خطين متقابلين في النفس البشرية.. هما اللذان ينظمان هذا الالتزام إزاء القوة الخالقة ويجعلانه دستوراً مفصلا من المشاعر والسلوك والأعمال والأفكار والطقوس والشعائر..
ومع هذا الالتزام تنشأ "القيم" المختلفة.. أو تتبلور.
والقيم معناها [كما سنبين بالتفصيل في الفصل القادم] أن هناك حواجز تحجز الطاقة الحيوية لتضبط منطلقاتها، وترفعها إلى أفق أعلى.
ومن ثم يرتبط الدين برغبة الالتزام الفطرية في النفس البشرية121، ثم بالقيم والضوابط، ارتباط متسلسلا، طبيعيا، فطريا، لا ضغط فيه من الخارج ولا إكراه.
وإنما الديانات السماوية تنظم هذا كله وتوجهه الوجهة الصحيحة.
تنظم التوجّه المبهم إلى القدرة الخالقة، فتجعله توجّهاً واعيا صريحا خالصا إلى الله.
وتنظم الالتزام فتجعله التزاما بعبادات وشعائر محددة يعلم الله حكمتها فيفرضها على الناس.
وتنظم القيم، فتجعلها قيما عليا راشدة بريئة من الميل والهوى والنقص والانحراف.
والذي تفرضه الديانات السماوية وتلزم الناس به ليس هو الدين. ولا العقيدة. ولا التزامات العقيدة. ولا القيم المرتبطة بالعقيدة. وإنما هو النهج الصحيح في كل هذه الأمور.
وإذا لم يُفرض هذا المنهج، فسيكون هناك دين وعقيدة وقيم والتزامات. ولكنها تكون كلها عرضة للانحراف، كما ينحرف كل شيء في الفطرة البشرية لا يتلقى توجيهه الصحيح.
والنفوس المنحرفة تنفر من قيود الدين السماوي والتزاماته، لا لأن الدين ليس فطرة، أو أن الالتزام ليس فطرة، ولكن لأن انحرافات هذه النفوس تجعلها معوجّة، فلذلك تحس أن "الاعتدال" و"الاستواء" و"الاستقامة" الموجودة في دين الله تضغطها وترهق كيانها الذي لا يصبر على الاستواء!
* * *
والملحدون في الجاهلية الحديثة في الغرب يتمردون على الله لأسباب محلية في الكنيسة الأوربية نفّرت الناس من الدين!
فقد تولت الكنيسة –بادئ ذي بدء- وضع صورة من عندها للعقيدة المسيحية المنزلة، لم تكن خالية من شوائب الوثنية المحيطة بها، ولا أساطير الأمم المجاورة لمنبت العقيدة الأصلية. وقد نشأ ذلك من أن أول داعية للمسيحية لم يكن هو ذاته رأي المسيح ولا سمع تعاليمه مباشرة، وإنما هو أخذها بالسماع ممن تداولوها خلال قرن كامل بعد السيد المسيح، دون كتاب مدون، وفي ظل العسف والاضطهاد الرومانيين اللذين كانا يمنعان المؤمنين الأوائل بالمسيحية من الالتقاء والتدارس فيما لديهم من أمور العقيدة وتعاليمها.
ثم نشرت الكنيسة الرهبانية –بعد دخول الإمبراطورية الرومانية في المسيحية- بقصد مقاومة الترف الروماني الوثني الفاجر والانحلال الخلقي الذريع. ولكنها اشتطت في هذه الرهبانية إلى درجة تعطل دفعة الحياة وتقاوم الفطرة البشرية ودوافعها الحية، وتحولها إلى سلبية هزيلة لا تنتج ولا تعمر ولا تتقدم، فضلا عما تحمله من كبت مرهق للأعصاب.
ثم إنها هي ذاتها لم تمتثل لهذه الرهبانية التي فرضتها على الناس! فسرعان ما اكتشف الناس أن رجال الدين –الذين يزجرون الناس وينهرونهم عن كل متاع أرضي، ولو كان حلالا طيبا- يغرقون هم في ألوان من المتاع الفاجر الدنس الذي تأباه نفوس الناس العاديين فضلا عن رجال الدين المتنطسين! وكانت الأديرة والصوامع مباءات للفاحشة المنكرة التي يأباها الحس السليم!
ثم جعلت الكنيسة من دينها هزواً ولعباً حين أخذت تبيع صكوك الغفران للناس، وتجعلها تجارة فاسقة، تثرى هي من روائها، بينما تؤدي إلى إفلاس العقيدة في النفوس!
ثم لم تكتف الكنيسة بكل ذلك، بل فرضت على الناس سلطانا بشعا يطاردهم في يقظتهم ومنامهم، يفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين، ويفرض عليهم الإتاوات والعشور، والخدمة المجانية التي تشبه السخرة في إقطاعيات الكنيسة الشاسعة، ويفرض عليهم فوق ذلك كله أساطير الكنيسة باسم كلمة السماء!
لقد كانت الطامة الكبرى –بعد كل هذا الفساد والانحراف في التصور العقيدي والسلوك العملي- أن الكنيسة فرضت نظريات "علمية" معينة، عن شكل الأرض وطبيعة الكون وعمر الإنسان.. الخ قالت عنها إنها مقدسة لأنها كلمة السماء، من خرج عليها فهو كافر مستحق للحرمان.
فلما أثبت العلم النظري والتجريبي فساد هذه النظريات، وأعلن العلماء فسادها، قامت قيامة الكنيسة، التي فزعت من نور العلم، ومن ضياع الجهل الذي تستعبد الناس عن طريقه، فهي حريصة على بقائه واستمراره.. قامت قيامة الكنيسة تحرق العلماء وتعذبهم وتقتلهم، لأنهم –مثلا- قالوا بكروية الأرض، أو بأنها ليست مركز الكون..
ولقي علماء مثل جاليليو وكوبرنيكوس وجوردانو برونو من التعذيب الوحشي البشع على أيدي رجال الدين ما قطع في نفوس الناس ومشاعرهم كل مودة للدين ورجال الدين، وأنشأ بدلا منها في نفوسهم بغضا بشعا لا يتعقل ولا يتلبث وهو يلقى عن كاهله الدين وكل ما يتعلق به من قيم والتزامات وعقائد وتعاليم.
فلم يكن الناس –في نفرتهم هذه- في حالة نفسية تسمح بالبحث والتأني، لفرز الحق من الباطل، وإلقاء الباطل واتباع الحق.. وإنما كانوا كالملسوع الذي يصيح هاربا من كل لمسة ولو كانت لمسة الدواء!
وبسبب من ذلك التاريخ الفاسد المنحرف كله قامت الحضارة الغربية الحديثة على أساس معاد للدين، نافر منه، منسلخ من كل ما يتصل به من عقيدة أو تصور أو سلوك أو شعور أو فكر.. وانتشرت العدوى مع الحضارة الغالبة حيثما وطئت قدماها، فأصبح النفور من الدين في هذا العصر الحديث كأنه "ظاهرة" بشرية! وهو لا يزيد على أن يكون مرضا أصاب جيلا من البشرية أو عدة أجيال!
والبشرية اليوم في طريقها للعودة إلى الله!
في طريقها أن تعود إلى فطرتها، بعد هذه الجولة التائهة في شعاب الجاهلية المنحرفة.. التي لم تجد فيها الأمن والراحة.. بل وجدت من الشقاء النفسي والفكري والروحي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ما لم تجد مثله في تاريخها الطويل..
* * *
والدين الذي فرضه الله يلتقي بالفطرة التقاء كاملا.. ولكنه يلتقي بها على استوائها، في صورتها الصحيحة التي ينبغي أن تكون عليها.. ثم هو يقوّمها من انحرافها الذي تتعرض له في أثناء نموها وتطورها.
وفي الفصول السابقة بينا خطوط النفس البشرية ومكوناتها وطبيعة فطرتها.
فهنا نبين كيف يلتقي الدين الذي فرضه الله -الإسلام122- بهذه الفطرة ويقوّمها:
بادئ ذي بدء يوقع القرآن على الحس البشري، على ذات الأوتار التي يتجه بها هذا الحس فطريا إلى العقيدة..
فإذا كان الإحساس بقوة الخالق المطلقة، والإحساس بروعة الكون، والإحساس بالموت والحياة، والإحساس بحدوث الأشياء، هي الأوتار الفطرية –الظاهرة- التي توجه الإنسان إلى العقيدة، فالقرآن يوقظ هذه الإحساسات وينبهها، لكي لا تتبلد بحكم الإلف والعادة اللذين يبلدان الحس بهذه الأمور.
وقد تحدثت في كتاب "منهج التربية الإسلامية" عن هذه الظاهرة في القرآن في فصل "تربية الروح" بتفصيل لا أملك هنا إعادته، فهو ألصق بموضوع التربية منه بدراسة النفس الإنسانية. ويكفي هنا أن نثبت هذه الحقيقة، ثم نأتي بنماذج قليلة لهذه التوقيعات المتعددة في القرآن:
"الروح.. تلك الطاقة المجهولة التي لا نعرف كنهها ولا طريقة عملها.. هي وسيلتنا للاتصال بالله.
"وهي مهتدية إلى الله بفطرتها. إنها من روح الله التي أودعها قبضة الطين: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ". ومن ثم فهي بذاتها تهتدي إلى خالقها، وتتصل به على طريقتها. تهتدي إليه كما يهتدي كل شيء من خلق الله، بفطرته، دون كد ولا تعب ولا جهد في الاهتداء "رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى".. ومع ذلك فالإنسان يضل.. يضل حين تنحرف فطرته ويصيبها المرض.. يضل فلا يهتدي إلى الله، ولا يصل بروحه إليه، ولا يستمد منه، ولا يلجأ إلى حماه.
"على أنه حتى حين يضل، حين تنغبش روحه فلا تستطيع أن تشف، حين يغشيها ركام الشهوات فيحجب عنها النور، حتى حينئذ تظل بقية من الفطرة –برغم ضلالها- تتجه إلى خالقها، كما تتجه العين الكليلة إلى الضوء، لا تراه كله، ولكنها لا تعمى عنه. فيعبد الناس الله ويشركون به غيره من الكائنات "مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى". "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ". أو يعبدون قوة –ما- يزعمون أنها الله. ولكنهم –فيما عدا الشذوذ الذي لا يحسب له حساب- لا ينكرون وجود خالق لهذا الكون قوي مسيطر مريد.
"ومهمة العقيدة هي مساندة الفطرة وتوجيهها وجهتها. مهمتها أن تساعد الفطرة في الاهتداء إلى الله.. الاهتداء الذي هو كامن في كيانها ولو حجبتها عنه الأمراض.
"مهمتها أن تطلق الروح من إسارها.. لكي ترى الله.
* * *
"طريقة الإسلام في تربية الروح هي أن يعقد صلة دائمة بينها وبين الله، في كل لحظة وكل عمل وكل فكرة وكل شعور.
"....
"ويستخدم لذلك وسائل شتى.
"فهو من ناحية يثير حساسية القلب بيد الله المبدعة في صفحة الكون، لتحس دائماً بوجود الله، وقدرته المطلقة التي ليست لها حدود.
"ومن ناحية يثير حساسية القلب برقابة الله الدائمة عليه. فهو مع الإنسان أينما كان، وهو مطلع على فؤاده، عالم بكل أسراره، وبما هو أخفى من الأسرار.
"ومن ناحية يثير في القلب وجدان التقوى والخشية الدائمة لله، ومراقبته في كل عمل وكل فكرة وكل شعور.
"ومن ناحية يثير فيه الحب لله، والتطلع الدائم إلى رضاه.
"ومن ناحية يبعث فيه الطمأنينة إلى الله في السراء والضراء، وتقبل قدره بالتسليم والرضاء. والهدف في النهاية واحد: هو وصل القلب البشري بالله"123.
* * *
وهذه بعض التوقيعات على وتر الإحساس بقدرة الله المطلقة في شتى مجالاتها:
"وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ، وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ"..124
"اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ"125.
"وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"126.
وهذه بعض التوقيعات على وتر الإحساس بروعة الكون:
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"127.
" هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ"128.
وتلك بعض التوقيعات على وتر الإحساس بالحياة والموت.
"يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ"129.
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ"130.
"وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ"131.
"اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى"132.
"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً"133.
"أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ"134.
"قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ"135.
وتلك توقيعات على وتر الإحساس بحدوث الأشياء:
"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"136.
"سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ"137.
"قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"138.
"وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"139.
"أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ، أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"140.
وهكذا.. من التوجيهات التي يفيض بها كتاب الله الكريم..
ومن هذه التوقيعات كلها ينتهي إلى توجيه القلب البشري إلى الله الحق، الخالق المدبر المنشئ المريد..
* * *
ثم يخطو الإسلام مع الفطرة البشرية خطوة أخرى، فيلتقي بالطبية المزدوجة والكيان الموحد في الإنسان.
يلتقي بهذا الكيان الموحد المشتمل على طبيعة مزدوجة، فيرسم له منهجا مزدوج الطبيعة موحد الاتجاه.
فهناك جسم وروح. ونشاط للجسم ونشاط للروح. ولكنهما في النهاية يلتقيان.
وهناك دنيا وآخرة. وعمل للدنيا وعمل للآخرة. ولكنهما طريق واحد لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل، ما دام كلاهما موجها إلى الله.
وحيث تضل النظم الأخرى كلها، فتفصل بين نشاط الجسم ونشاط الروح، وتجعل لكل منهما دستورا ومنهجا مختلفا عن الآخر.. وتفصل بين الدنيا والآخرة، فتجعل اتجاه كل منهما مخالفا لاتجاه الأخرى.. فإن الإسلام يلتقي مع الفطرة على طبيعتها، فلا يفصل بين أجزاء الكيان المترابط، ويراعي –في الوقت ذاته- ما فيه من ازدواج.
فالإنسان يأكل ويشرب.. ويقوم بنشاطه الجنسي.. الخ، ليرضي جانب الجسد من كيانه.. ولكن الإسلام يوجهه ألا يقضي ضروراته بجسده وحده، وإنما بالمزاج المترابط من الجسم والروح [وإن برز فيها الجانب الجسدي] فيجعل الأكل عبادة والجنس عبادة، إذ يربطهما باسم الله، وبالقيم المستمدة من التوجه إلى الله. قيم النظافة والطهارة والترفع عن مستوى الحيوان. فلا يصبح شيء من هذا النشاط ضرورة غليظة يقضيها الإنسان بمبعدة من إشراقة الروح التي تلطفها وتمنحها معناها الإنساني اللطيف الشفيف.
والإنسان يتعبد ويرتفع ويرفرف.. ليرضي جانب الروح من كيانه.. ولكن الإسلام يوجهه أن يقضي نشاطه الروحي بكيانه المجتمع المترابط.. فيرسم له عبادات تشمل كيانه كله [وإن برز فيها الجانب الروحي] كالصلاة والصيام والزكاة والحج.. فلا ينعزل بروحه –حتى في عبادته- عن واقعه الجسدي، ولا يجعل العبادة رهبانية وعزلة عن الحياة!
ويعيش الإنسان حياته، ويعيش للآخرة.. ولكن الإسلام يوجهه أنّهما طريق واحد وطريقة واحدة.. ليست هناك أعمال خاصة بالدنيا ينعزل فيها الإنسان عن الآخرة، حتى الطعام والشراب والجنس والقتال والبروز والملك.. الخ. وليست هناك أعمال خاصة بالآخرة ينعزل فيها الإنسان عن الدنيا، حتى العبادة والتهجد. وإنما العمل الواحد –وكل عمل- هو للدنيا والآخرة في آن واحد: يأكل بنظافة واعتدال وطهارة وباسم الله، فيأخذ نصيبه من الدنيا، وهو في الوقت ذاته متوجه بهذه "المعاني" كلها للآخرة في ذات العمل وفي ذات الللحظة. ويمارس نشاطه الجنسي بنظافة وطهارة، وباسم الله، فيأخذ متعته الدنيوية وهو في الوقت ذاته متوجه إلى الآخرة بما التزم في هذا النشاط من طهارة.. ويسعى إلى الملك أو البروز أو القتال.. بنظافة واعتدال وطهارة وباسم الله وفي سبيل الله.. فيمارس نشاطه الدنيوي كله، وهو في الوقت ذاته متوجه إلى الآخرة عامل لها شاعر بها ملء كيانه. فتلتقي الدنيا والآخرة في كيانه المزدوج الطبيعة الموحد الاتجاه.
يقول الله في كتابه: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"141.
ويقول: "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"142.
فيجمع الدنيا والآخرة في الآية الواحدة والعمل الواحد.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها، فله بذلك أجر"143.
فيجعل طريق العمل في الدنيا هو ذاته الطريق إلى الآخرة.. العمل إلى آخر لحظة من الحياة الدنيا.. حتى والقيامة تقوم144!
* * *
ثم يخطو الإسلام مع الفطرة خطوة أخرى، فيلتقي بالخطوط المتقابلة في النفس البشرية.
وقد تحدثت بالتفصيل في كتاب "منهج التربية الإسلامية" كذلك عن طريقة معالجة الإسلام للخطوط المتقابلة في النفس البشرية بما لا أملك إعاداته في هذا الكتاب.. فيكفي أن نسجل هنا هذه الحقيقة مع إشارة سريعة إلى طريقة الإسلام في معالجة تلك الخطوط المتقابلة.
"ومزية الإسلام –في مسايرته للفطرة- أنه لا يترك وترا من أوتار النفس لا يوقع عليه. ثم هو لا يوقع على وتر أكثر من طاقته، أو يبخسه قدره فلا يوقع عليه ما يستحق من نغمات! وبذلك يشمل الكيان الإنساني كله، وفوق ذلك يحدث التوازن في داخل النفس بشدها إلى أوتادها جميعاً فلا تميل من هنا ولا تميل من هناك، والتوقيع على أوتارها جميعاً فلا تنطلق من جانب وتظل في الجانب الآخر صماء!"145.
يوقع الإسلام على خطّي الخوف والرجاء –أكبر الخطوط المتقابلة في النفس البشرية- فينفي عنهما أولا كل خوف خاطئ وكل رجاء منحرف، ثم يوقع عليهما نغمات الخوف والرجاء الصالحين لكيان الإنسان: الخوف من الله ومما يخوّف به الله.. والرجاء في الله الذي يملك وحده كل شيء في هذا الوجود.
وفي أثناء هذه التوقيعات يكون قد بنى الكيان الصالح للنفس البشرية!
فهو إذ ينفي عنها الخوف الخاطئ من قوى الأرض- البشرية أو المادية أو المعنوية- والرجاء الخاطئ في قوى الأرض الزائلة أو متاعها الزائل أو قيمها الزائفة.. يكون قد أعطاها قوة ذاتية عظمى، قوة تتغلب بها على كل قوى الأرض ومغريات الأرض..
وإذ يوقع عليها الخوف الصائب من الله ومن غضب الله وعذابه، والرجاء الصائب في الله ومرضاته وثوابه، يكون قد ربطها بالعروة الوثقة ومنع عنها الميل والانحراف..
وفي الوقت ذاته يكون قد رسم لها قيمها وأهدافها وخطط لها نشاطها السوي، وهو يفصّل لها ما يحبه الله وما يكرهه، وما يرضى عنه وما يأباه من الأقوال والأفعال والمشاعر والأفكار..
ويوقع على خطّي الحب والكره، فينفي عنهما كل حب باطل وكل كره منحرف، ويوقع عليها نغمات الحب والكره الصالحين لكيان الإنسان.
فكل حب للشر أو الطغيان أو الفاحشة أو الانحراف فهو حب باطل ينبغي أن تتطهر منه النفس.. وكل كره للخير وللناس وللأحياء ولما أمر الله به من أمر فهو كره باطل ولا ينبغي أن تشتمل عليه نفس سوية. والحب الصحيح ينبغي أن يكون حباً لله وللكون وللحياة وللأحياء وللإنسانية والقيم الفاضلة التي رسمها الله. والكره الصحيح ينبغي أن يكون للشر والطغيان والانحراف.
وهو إذ يوقع عليهما أنغامهما الصحيحة يكون كذلك قد بنى –من جانب آخر- الكيان الصالح للنفس البشرية!
فحين تتوجه طاقة الحب والكره –الفطرية- إلى مجالها الصحيح تكون النفس قد اعتدلت، ويكون سلوكها العملي والشعوري قد استقام على النهج، وأصبحت النفس خيّرة كما ينبغي للإنسان الكريم.
ويستغل الطاقة الحسية والطاقة المعنوية فيعطي كلاً منهما غذاءه الحق. يعطي الطاقة الحسية مجالها الطبيعي من طعام شراب وجنس.. الخ ويعطي الطاقة المعنوية مجالها من عقيدة وفنون وعلم وتفكير. ثم يراعي ما بين الطاقتين من اتصال فطري، فيربط ما بين النشاط الحسي والنشاط المعنوي، ويوحد بينهما في الاتجاه.
ويستغل الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بالغيب.. فيعطي الكون المادي حسابه الكامل، وينعى العقيدة في الله –الذي يؤمن به الإنسان بالغيب- تنمية كاملة تجعلها تسيطر على كل نشاط الإنسان.
ويستغل طاقة الواقع وطاقة الخيال.. فيطلق النشاط البشري في عالم الواقع يعمل وينشئ ويبني ويعمر، ويقيم النظم المادية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والروحية.. ويطلق الخيال يتخيل الكمال المطلق في الله، ويتملى الجمال، ومشاهد اليوم الآخر، والثواب والعقاب.. ويربط ذلك كله ربطاً محكماً كما هو متربط في كيان الإنسان. فينطلق الإنسان في نشاطه الأرضي المعمّر، وفي حسه من الجانب الآخر "ما ينبغي" أن يكون عليه هذا النشاط، فيتكامل بذلك نشاطه، وتكون هذه هي الخلافة الحقة عن الله في الأرض...
ويستغل الالتزام والتحرر.. فيفرض على الإنسان –من جانب الالتزام- ما فيه صلاح حياته، وما لا بد من فرضه لتستقيم الحياة في مستواها الأدنى، ويترك لجانب التحرر –أو التطوع- أن يعمل حراً فيما يزيد على الحد الأدنى المفروض، وما يرفع الحياة إلى مستواها الأعلى المطلوب ["فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ146"].
ويستغل السلبية والإيجابية.. فينشئ سلبية صحيحة إزاء الله، الذي يملك –وحده- كل أمر في هذا الوجود، وإيجابية صحيحة إزاء كل قوى الكون ["وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ147"]، ويجعل هذه الإيجابية الكاملة إزاء الكون وقواه، مستمدة من السلبية الكاملة إزاء الله.
ويستغل النزعة الفردية والنزعة الجماعية، فيتعامل تعاملا مباشرا مع "الفرد" الإنساني: يخاطبه، ويربط بينه وبين الله رباطاً ذاتياً فردياً محكماً، ويشعره كأنما هو وحده في الكون والله يرعاه في فرديته الكاملة تلك، ثم يتعامل معه على أنه "مجتمع" إنساني مسئول عن إقامة حكم صالح وحياة رشيدة، ومسئول عن تقدير القيم والفضائل ومقاومة الشر والطغيان والانحراف. وبذلك يجمع نزعتيه معاً في هذا الرباط مع الله.
* * *
ثم يخطو الإسلام مع الفطرة الإنسانية خطوة أخرى، فيعالج الإنسان من حيث هو دوافع وضوابط كل منهما قائم وكل منهما أصيل..
فهو يعترف بدوافعه الفطرية كلها بل ينميها ويقويها ويجعلها مطلوبة جميعاً. إنه يريد للإنسان أن يأكل ويشرب، ويأمره بذلك أمراً ["كُلُواْ وَاشْرَبُواْ"148] ويأمره أن يقضي ضرورة الجنس [فمن رغب عن سنتي فليس مني149] ويبيح له أن يتملك وأن يقاتل وأن يبرز.. كل دوافعه مباحة ونظيفة ومعترف بها، بل هو مدعو إلى تنميتها وتقويتها.. فهذا هو سبيل الكائن البشري إلى الخلافة عن الله في الأرض.. ولن يستطيع أن يبني ويعمر، ويمشي في مناكب الأرض، ويستغل طاقاتها المذخورة ويتعرف على قوانين الكون وينتفع بها إلا أن يكون قوى الكيان قوى الدوافع مقبلا كل الإقبال على الحياة..
وفي الوقت ذاته ينسى الضوابط جميعاً، ويستغل طاقاتها الكاملة، ويربطها بالعقيدة في الله. لكي يجعل انطلاق الدوافع الفطرية نظيفاً بما ينبغي للإنسان الذي كرمه الله. ذلك أنه لن يستطيع القيام بالخلافة عن الله في الأرض إذا انطلقت دوافعه –القوية- بلا ضابط ولا دليل. إنها عندئذ تصبح قوة مدمرة بدل ما هي قوة منشئة بانية. مدمرة للفرد الذي تتملكه، وللمجتمع الذي تنطلق فيه.
ولكن الإسلام لا يجوز على هذه ولا تلك، ولا ينعى إحداهما على حساب الأخرى.
لا ينعى الدوافع بالصورة التي تجعلها صعبة الضبط عسيرة القياد.. ولا ينعى الضوابط بالصورة التي تجعلها قوة كابتة تغل للنشاط الإنساني عن الانطلاق.
وإنما هو ينميمها معا، فيضمن قيام كل منهما بمهتها، ويضمن كذلك بينهما التوازن والاعتدال.
ومع ذلك كله يراعي الإسلام ما في الفطرة البشرية من الضعف إزاء الشهوات –رغم وجود الضوابط الفطرية، ورغم العمل على تقويتها- فيعترف للإنسان بضعفه ["يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً150"] ويعامله على أساس هذا الضعف، فيغفر له زلاته ما دام لا يصر عليها: ["وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ151"].
* * *
وأخيرا.. يتمشى الإسلام مع الفطرة البشرية في كيانها الشامل المترابط، إذ يجعل دستوره –المفصل في القرآن وسنة الرسول- شاملا للعقيدة والواقع. للحياة الفردية بجميع تفصيلاتها والحياة الجماعية في كل نواحيها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والروحية.. كلها تنبع من منبع واحد، وتتجه وجهة واحدة.. فلا يختص بالحياة الواقعية دستور، وبالحياة التعبدية دستور.. ولا يختص "بالأحوال الشخصية" قانون وبالأحوال العامة قانون.. وإنما هو دستور واحد يشمل هؤلاء جميعاً، وتصدر عنه التشريعات جميعا، فلا يتفرق الإنسان مزقا بين واقعه وخياله.. بين فرديته وجماعيته.. بين أخلاقه وسلوكه.. بين دنياه وآخرته.. وإنما يكون شخصا واحدا في هؤلاء جميعا، يتعامل مع القوى كلها بكيانه المجتمع المترابط، ويسلك سلوكه كله بذلك الكيان.
وبذلك يكون الدين من الفطرة..
ودين الفطرة هو الإسلام..

القيم العليا
القيم العليا.. كيف تنشأ؟
ما صلتها بالفطرة البشرية؟ ما مكانتها في كيان الإنسان؟
هل هي أصيلة في الكيان البشري أم مفروضة عليه من خارج نفسه؟
وإن كانت أصيلة فكيف تنمو؟ ولماذا تنمو في بعض النفوس ولا تنمو في بعضها الآخر؟ أو تنمو في بعضها أكثر مما تنمو في بعضها الآخر؟
وما دورها في حياة الإنسان؟
هل هي ذات دور أصيل في حياته، أم إنها شيء على هامش الحياة.. "للزينة" لا للاستعمال؟!
* * *
حين واجه النقاد فرويد بأنه يحقر الإنسان، ويرسمه في مستواه الأدنى، وينفي القيم العليا من حياته.. قال إنه لم يصنع ذلك! وإنه لم ينف قط وجود القيم العليا في حياة الإنسان!
وحقا إنه لم ينف وجودها..
ولكنه اعترف بها اعترافا أسوأ من النفي!
فقد اعترف بها –من ناحية- على أنها شذوذ [وقد مر بنا نص كلامه في هذا الشأن] وعلى أنها قسوة! وعلى أنها تتعارض مع النمو "الحر" للطاقة الجنسية! [التي هي –في نظره- محو الطاقة الحيوية!].
واعترف بها –من ناحية أخرى- على أن الوسيلة الوحيدة لتكوينها هي الكبت. ثم أنفق حياته العلمية كلها يقول إن الكبت عملية ضارة مدمرة لكيان الإنسان!
وفي كلا الحالين يراها أمورا مفروضة على كيان الإنسان من الخارج، وليست أصيلة في ذلك الكيان!
* * *
ثم أطلق –وهو يشرح كيفية نمو القيم العليا [الدين والضمير والأخلاق والتقاليد.. الخ]- أطلق أسطورته الكريهة المبنية على العشق الجنسي الذي يحسه الأولاد نحو الأم:
ذات يوم في الماضي السحيق الموغل في الظلمات ارتكبت البشرية جريمة مروعة:
أحس الأولاد برغبة جنسية نحو أمهم. ولكنهم وجدوا أباهم حائلا دون الوصول إلى هذه الشهوة، فقرروا أن يقتلوا أباهم ليخلو لهم الطريق.. وبالفعل قتلوه..
وما إن أتموا فعلتهم الشنيعة حتى أحسوا بالندم على ما قدمت أيديهم.. فأقسموا ليقدسُنّ ذكراه.. فعبدوه. ونشأت بذلك أول عبادة في الأرض.. عبادة الأب.. [التي تحولت فيما بعد إلى عبادة الطوطم، وهو حيوان تعبده القبيلة كلها وتعتقد أن دماءه تجري في دمائها، ويحرمون ذبحه إلا في مناسبات دينية خاصة حيث يحتفل بذبحه ويأكل منه الجميع لتجري دماءه في دمائهم من جديد]!
ثم وجدوا أنهم سيتقاتلون فيما بينهم على أمهم فلا ينالها أحد منهم.. فحرموها عليهم جميعا.. ونشأ بذلك أول تحريم [جنسي] وصارت الأم منذئذ محرمة على الأبناء!
هذا في البشرية الأولى..
ولكن هذا الحدث –منذ حدوثه- لم يترك البشرية في راحة!
"وكل الديانات التي جاءت بعد ذلك هي محاولات لحل المشكلة ذاتها [إحساس الأبناء بالجريمة] وهي تختلف بحسب مستوى الحضارة التي ظهرت فيها والوسائل التي تطبقها، ولكنها جميعاً تهدف إلى شيء واحد، وهي رد فعل لنفس الحدث العظيم [قتل الأب] الذي نشأت عنه الحضارة، والذي لم يدع للإنسانية منذ حدوثه لحظة واحدة للراحة"!152
فالطفل –الذكر- يكرر هذه الجولة على مدار التاريخ!
كل طفل ذكر يولد، يحس نحو أمه بعشق جنسي. ثم يجد أباه حائلا.. [ولكنه في هذه المرة لا يقتله لأنه صغير! فيكتفي بكراهيته!] فيكبت شهوته الجنسية نحو أمه. وتنشأ بذلك عقدة أوديب!
ومن هذا الكبت ينشأ الضمير!
فإن الطفل يتلبس بشخصية والده في لا شعوره، ليحل محله –لا شعوريا [ولا واقعيا!]- مع الأم! فيصنع بنفسه ما يصنعه أبوه به [وبغيره] من المنع والزجر. فيزجر نفسه ويمنعها عن الأشياء التي يقوم أبوه بمنعه عنها. فينشأ هذا الضمير الداخلي الذي يزجر الإنسان ويمنعه. وبهذه الطريقة تنشأ القيم العليا كلها في حياة الإنسان.. بما فيها الدين!
* * *
تلك الأسطورة الملوثة بلوثة الجنس.. ما دليل فرويد عليها؟
وكيف يسمح عالم لنفسه أن يقيم كل تفسيره للحياة الإنسانية.. على أسطورة؟
ومع ذلك فقد أفلتت منه –دون أن يدري- وهو يروي هذه الأسطورة البشعة- اعترافات ضمنية خطيرة!
أفلت منه اعتراف بأن الأولاد أحسوا بالندم على قتل أبيهم!
وتلك "قيمة" من القيم الإنسانية.. وجدت في نفوس الأبناء من تلقاء أنفسهم، لم يوح بها أحد من الخارج ولم يضغط عليهم أحد للإحساس بها!
فالندم على فعل من الأفعال معناه الإحساس بأنه لم يكن يجوز أن يعمل. معناه إدراك أن هناك ما ينبغي وما لا ينبغي. معناه التمييز بين الأعمال، وتقدير أن هذا حسن وهذا رديء.
إنه إذن قيمة خلقية..!
وأفلت منه ثانيا أن الأبناء قرروا التعاون فيما بينهم –بدل الاقتتال على الأم كما تصنع ثيران البقر مع أمها، حيث تقتتل حتى يبقى أحدها، وهو أقواها، فيفوز وحده بالأم- وحرّموا أمهم عليهم.
وتلك "قيمة" أخرى من القيم الإنسانية.. وجدت تلقائيا في نفوس الأبناء!
وإذن، فعلى زعم أن هذه السطورة قائمة على أي أساس –وهو زعم لا سند له على الإطلاق- فإن البشرية الأولى قد اهتدت اهتداء تلقائيا إلى "القيم الإنسانية".. ومعنى ذلك أن القيم جزء أصيل من كيان الإنسان!
ثم.. إذا كانت هذه هي طريقة ميلاد الضمير في الأولاد الذكور.. فكيف ينمو الضمير في نفوس الإناث؟!
إن الطفلة الأنثى –في زعم فرويد- تصاب بعقدة إليكترا.. عشق الأب!
إنها تريد أن تأخذ مكان أمها من أبيها، ولكنها تجد الأم حائلا.. فتكبت هذا العشق [وتكره الأم!].
نعم!.. وتتلبس بشخصية الأم لتحل محلها –لا شعوريا ولا واقعيا!- مع الأب!
ولكن.. الضمير ينبت من التلبس بشخصية الأب الآمر الناهي في البيت والمجتمع! والبنت تأخذ شخصية الأم.. فكيف ينشأ الضمير في نفس الأنثى؟.. أم إنها تنشأ بلا ضمير؟!
* * *
على هذا النحو من التفكير الأسطوري تُنْشأ نظريات كاملة في علم النفس، ويقال عنها إنها نظريات "علمية" مبنية على البحث والدراسة، وتأخذ دورتها فتدخل في عقول جيل كامل من البشرية أو جيلين متتابعين، وتدخل في كثير من فروع المعرفة وأنواع الفنون!
وما من شك في أن حقائق جزئية تَرِدُ في أثناء هذا اللون من التفكير.. ولكنها تضيع في غمار اللوثة الجنسية العاتية، وفي موجة الاعتساف الشديد في التفسير والتصوير.
"فحجز" الدوافع الفطرية هو الذي يساعد على تنمية القيم العليا.. هذه حقيقة.
ولكنها حقيقة على غير النهج الذي انتهجه فرويد، واختلق فيه ما اختلق من أساطير..
فالدوافع الفطرية ليست جنسا بحتا كما يزعم فرويد..
و"الحجز" أو "الضبط" عملية مختلفة عن "الكبت"..
وأسطورة العشق الجنسي للأم هي مجرد أسطورة لا يقوم عليها دليل.
والتصاق الطفل والطفلة بالأم في فترة الرضاعة وما بعدها التصاق متماثل، فلا بد له من تفسير واحد، يسقط من حسابه أسطورة العشق الجنسي الذي يتجه نحو الأم تارة ونحو الأب تارة.. ووضعهما مختلف في الحياة..
* * *
القيم العليا وثيقة الصلة بالجانب الروحي في الإنسان.. هي الانبثاق الطبيعي لهذا الجانب.. وهي التحقيق الواقعي له في كيان الإنسان.. ومن ثم فهي أصيلة أصيلة في أعماق هذا الكيان.
من أين تأتي أحلام البطولة؟
وأحلام الكمال؟
وإحساس الإنسان بالجمال؟
إن أحلام البطولة تستهوي الطفل الصغير كما تستهوي الإنسان الراشد. وقد كانت تستهوي البشرية في طفولتها وما تزال تستهوي البشرية اليوم، وإن اتخلفت مقاييس البطولة من عمر لعمر، ومن عصر لعصر..
وهي مسألة ذات دلالة لا تخفى..
فالبطل.. حتى في صورته الحسية الغالبة التي قد تستهوي الطفل الصغير والبشرية للطفلة، صورة القوة الجسدية الفائقة التي لا تُغلب ولا تُهزم، وإنما تنتصر دائماً في كل معركة.. وبأيسر الأسباب.. هذه الصورة ليست حسية بحتة حتى في هذا الوضع. فهي تضيف إلى القوة الجسدية الفائقة صفة "الشجاعة".. وهي صفة نفسية لا تلتبس بالصفة الجسدية [فقد توجد إحداهما دون أن توجد الأخرى] وإن كانت تتلبس بها وتقوم عليها. ثم هي في أغلب الأحيان تضيف إلى صفة الشجاعة "قيما" أخرى.. فالبطل ليس "شجاعا" فحسب، ولكنه كذلك "نبيل"، لا يستخدم شجاعته في سفك الدماء والسرقة والنهب.. ولكن في إغاثة الملهوف وإعانة الضعيف ودفع الظلم عن المظلوم؛ وكلها قيم "إنسانية" لأنها خاصة بعالم الإنسان لا وجود لها في عالم الحيوان.
وحقيقة إنه ليست كل أحلام البطولة كذلك. فقد يوجد فيها المجرم سفاك الدماء المعتدي الأثيم.. ويندرج في سلك البطولة في عالم الطفل أو في عالم الكبار سواء. ولكنه انحراف ككل انحراف يصيب البشرية فلا ينفي كيانها الأصيل ولا كيانها السوي.. وإنما يشير فقط إلى موضع الانحراف..
والذي يعنينا على أي حال هو الدلالة المستمدة من أحلام البطولة السوية- وهي موجودة دائماً في كل عصور البشرية وفي كل مراحل الفرد الإنساني.. فما دلالتها؟
إن أحداً لا يفرض الإعجاب بها في نفس الطفل. وأحدا لا يفرض على البشرية الاستهواء لها والتوفر لإنتاجها في أدبها وأساطيرها ومختلف فنونها..
ليست مفروضة عليها من الخارج..
وإنما هي نابعة من أعماق الكيان البشري.. منبثقة منه انبثاقاً ذاتياً كاملا.. بمجرد التلويح لها من بعيد.
وإذن ففي أعماق الكيان البشري "رصيد" لأحلام البطولة.. رصيد "للقيم" العليا في حياة الإنسان.
وينبغي هنا أن نفرق –مؤقتا- بين الحلم والتطبيق الواقعي..
فلا يصح لنا أن نقول: إن هذه أحلام، لا رصيد لها من الواقع، ومن ثم فهي غير ذات دلالة في كيان الإنسان!
هذه النظرة التي قد تسمي نفسها "واقعية"153 هي نظرة مخطئة من الوجهة النفسية، فضلا على أنها نظرة مغرضة! فحين نبحث التركيب النفسي للإنسان لا ينبغي أن نفرق بين طاقة الشعور وطاقة السلوك إلا من حيث اختلافهما في الصورة الخارجية. أي في أن إحداهما طاقة كامنة والأخرى طاقة ظاهرة. وحقيقة إننا –من ناحية أخرى- نقول إن الرصيد الشعوري الذي لا يتحول إلى سلوك واقعي هو رصيد مضيع لا قيمة له في عالم الواقع.. ولكن هذا لا ينفي أنه رصيد موجود في عالما لنفس. كل عيبه أنه لا يأخذ مجراه الطبيعي. لا يكتمل نموه. لا يأخذ طريقه إلى التنفيذ.. فيكون مستغرقاً لشِقّ من النفس دون سائرها. ومن ثم يكون اختلالا عن الصورة السوية للنفس، التي تعمل بكيانها المتكامل لا بشق واحد مبتور.. والذي نريد أن نثبته الآن –مؤقتاً- هو وجود هذا الرصيد في النفس، وأنه أصيل غير مَأْتِيّ به من الخارج، وإنما نابع من الكيان الأصيل.
ثم إن هذه النظرة –الواقعية (!)- هي كما قلنا نظرة مغرضة..
فأصحابها –سواء في علم النفس أو في عالم الفنون أو في علم الاجتماع- يحسبون على "الإنسان" نواياه السيئة وميوله الشريرة.. حتى ولو ظلت ميولا كامنة لا تأخذ سبيلها إلى التحقيق.
ففرويد يقرر –في كتاب Totem & Tabooوكتبه الأخرى- أن "الشيطان" هو انعكاس فكرة الشر في كيان الإنسان!
كذلك...!
فما بال "المَلك"؟!
ما بال صورة الخير الخالص والنظافة الكاملة والرقة الشفيفة والانطلاق من كل حقد أو غل أو طمع أو كيد شرّير؟
أو ليس يقتضي الفرض الذي افترضه فرويد أن يكمل الصورة فيقول إن الملك هو انعكاس فكرة الخير في كيان الإنسان؟ أم نستخدم الفرض الواحد حين يكون في سبيل تلويث صورة الإنسان وتشويهها، وترفض استخدامه هو ذاته حين يؤدي –بنفس المنطق- إلى إضفاء النظافة والشفافية على كيان الإنسان؟!
وفرويد –مرة أخرى- يحسب على الإنسان كل نية "مكبوتة" بسبب عجزها عن الظهور على السطح واتخاذها مجراها العملي في السلوك. يحسبها عليه عنصراً مكوّناً للنفس مع أنها كامنة لم تظهر. فيحسب على الطفل الذكر –في زعمه- كراهيته لأبيه مع أن هذه الطراهية تُكبت –كما يقول- بفعل الحب السابق الذي يتوجه به الطفل إلى أبيه [كتاب Totem & Taboo ص129]، وكذلك كراهية الطفلة الأنثى –في زعمه- لأمها. ويحسب عليه الرغبة الكامنة في تحطيم المجتمع [الذي يمثل –في زعمه- كل القيود المقيّدة لنشاط الفرد] حتى ولو لم تتخذ –بسبب العجز- أي خطوة في سبيل التنفيذ العملي، وبقيت كامنة في اللاشعور! ويحسب عليه الرغبة في تحطيم الدين والأخلاق والتقاليد [التي تقف حائلا دون النمو "الحر" للطاقة الجنسية] ولو بقيت رغبة كامنة في اللاشعور بسبب العجز عن التنفيذ.
أوليست تقتضي الاستقامة الفكرية "العلمية" –إذا حسبنا على الإنسان نواياه السيئة وميوله الشريرة وهي كامنة لا تأخذ سبيلها إلى التنفيذ- أن تحسب له نواياه الطيبة وميوله الخيّرة حتى إن كانت –بسبب العجز- لا تأخذ سبيلها إلى التنفيذ؟! أم نستخدم الفكرة حين "تخدمنا" في تلويث صورة الإنسان وتشويهها، وترفض استخدامها –هي ذاتها- حين تؤدي -بنفس المنطق- إلى إضفاء النظافة والشفافية على كيان الإنسان؟!
وبعض الفنون "الواقعية!" ترسم الإنسان في صورة سافلة منحطة دنيئة، أسوأ بكثير حتى من "الواقع" المنحرف الذي يعيش فيه هذا الجيل من البشرية، بحجة أنه لو خلّيَ بينه وبين هذا الشر كله لفعله! لأنه مفطور على الدناءة والخسة والانتهازية والطمع والأنانية والبغض والإيذاء.. لو لم تحل دونه القيود المفروضة عليه من الخارج. أفلا تقتضي "الواقعية" كذلك أن ترسم الإنسان في الصورة المقابلة لأنه لو قوينا ضوابطه وأقمنا بنيانه النفسي على أساس متين لفعل كثيراً من ألوان الخير؟!
وعلم الاجتماع "التقدمي" يقيم بنيانه كله على أساس أن القوى المحركة لسلوك الإنسان هي قواه الجسدية: البحث عن الطعام. والبحث عن المسكن. والبحث عن الجنس.. وأن "الحق والعدل الأزليين" وغيرهما من القيم العليا أحلام تخديرية تخدر الناس عن الواقع السيء الذي يعيشون فيه.. ثم..؟! ثم يزعم أصحاب هذا المذهب أنه حين تقوم الطبقة الكادحة بتحطيم الطبقات الأخرى كلها وإلغاء الملكية وإلغاء الفروق بين الناس.. تقوم "العدالة" في المجتمع ويستقر "الحق" الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أي.. ماذا؟!
أي أنه هناك حق وعدل أزليان.. وهناك قيم عليا في كيان الإنسان!!
* * *
وأحلام "البطولة" تشبهها أحلام "الكمال"..
إنها انبثاق ذاتي للكيان الإنساني لم يفرضها أحد من الخارج، ولا يملك أحد من الخارج أن يفرضها على كيان الإنسان!
و"الكمال" لا يتحقق أبدا في واقع الإنسان..
ومع ذلك فدلالة هذه الأحلام قائمة رغم استحالة التحقيق..
دلالتها قائمة فيما تنطوي عليه الفطرة البشرية من حب للارتفاع، فلولا هذه الرغبة الفطرية في الارتفاع ما وجدت أصلاً صورة الكمال في خيال البشرية، ولا سعت البشرية إلى محاولة تحقيق ما يمكن تحقيقه منها في واقع الحياة..
هذه الرغبة في الكمال –الذي لا يتحقق أبداً في واقع الأرض- هي الدافع الأكبر لكل حركات التاريخ وكل حضارت الإنسان..
حتى الصورة الدنيئة المزرية التي يرسمها علم الاجتماع "التقدمي" للإنسان، الذي يزعم أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام.. حتى هذا "العلم!" لم يستطع أن ينكر هذه الحقيقة.. فمن بعد أن زعم زعمه هذا المنكر، قال إن الإنسان لم يكتف بالحصول على الطعام، وإنما سعى إلى "تحسين" الطعام ذاته وتحسين وسائل الحصول عليه..
وهنا رانت الغشاوة على أصحاب المذهب فلم يبصروا الحقيقة وهي أمامهم يلمسونها لمس العين ولو تفتحت منهم البصائر والقلوب! الحقيقة "الإنسانية" ليست هي البحث عن الطعام.. فالحيوان كذلك يبحث عن الطعام.. ولكنها هي السعي إلى "تحسين" الطعام ووسائل الحصول على الطعام.. هي الرغبة في "الكمال"!
وكل "التطور" البشري –سواء منه التطور السوي والتطور المنحرف –كان الدافع من ورائه هو هذه الرغبة الكامنة في أعماق الإنسان أن يصل إلى أقصى ما يستطيع من "الارتفاع".. أن يحقق أقصى ما يستطيع من "الكمال". وإنما ينحرف الإنسان في تطوره –كما يصيب الانحراف كل نشاط بشري- حين تنقلب "القيم" في حسه، فتنقلب بصيرته، ويرى الهبوط والنكسة هما التطور والارتفاع! فيحسب أنه مرتفع حين يتخلى عن دينه وأخلاقه، وأنه متطور حين يتخلى عن قيود "الإنسان". ولكنه لا يصنع ذلك وفي حسه أنه هبوط وانتكاس [إلا في الفطرة المريضة التي تلجأ إلى الجريمة على وعي بأنها جريمة، لترضي في نفسها نزعة البغض والإيذاء]: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً"154.
وكل التقدم الآلي والعلمي والحضاري والفكري كان وراءه هذا الدافع.. الرغبة في الكمال.. الشعور بأن هناك نقصا يجب إكماله.. في هذا العلم.. أو في تلك الآلة.. أو في ذلك النظام.. أو في تلك الفكرة.. وكلما خطا الإنسان في ذلك كله خطوة، استشرف أفقا أعلى، وبانت له إمكانيات جديدة، وتطلع إلى "كمال" جديد. والكمال لا يتحقق أبدا في عالم الواقع، ولكن الرغبة الدائمة فيه تظل تدفع الإنسان وتدفعه ليحصل كل يوم على نصر جديد!
وبذلك تصبح هذه القيمة "الخيالية" قيمة حقيقية واقعية.. بل تصبح أعظم القيم في حياة الإنسان!
* * *
والجمال...
الإحسال بالجمال من أعجب الأعاجيب في كيان الإنسان..
كيف يحدث؟!
كيف يحدث التوافق بين الحس البشري وبين الجمال الخارجي؟
إن "العلم" كله يعجز عن تفسير "ماهية" هذا الإحساس، كما يعجز عن تفسير كل الظواهر النفسية الأخرى، ويكتفي بتسجيلها، وتصويرها "من الظاهر" وتتبع مظاهرها. وإلا فالعلم لا يعرف كيف يحدث الإدراك. وكيف يحدث التذكر. وكيف يحدث التفكير... ولا يعرف كذلك كيف يحدث الإحساس بالجمال. ولكنه يسجله فقط ويتتبع مظاهره المختلفة.. والفن كذلك.. يسجل مظاهر هذا الإحساس دون أن يتعرض لماهيته أو يدرك منشأه.. ولكن العلم والفن يلتقيان في أمر واحد.. هو أنه إحساس فطري –يزيد في بعض النفوس أو ينقص- ولكنه لا يفرض على النفس من الخارج، ولا يملك أحد أن يفرضه على النفوس!
فما الدلالة وراء هذا الإحساس؟
إن الإنسان يحس بالجمال ألوانا مختلفة من الأحاسيس..
يحس بالجمال الحسي.. في المنظر الجميل، والوجه الجميل والجسم الجميل واللون الجميل والصوت الجميل.. إلى آخر هذه المجالات، وهي مجالات واسعة متعددة الدرجات والآفاق..
ويحس بالجمال المعنوي.. في الفكرة الجميلة والإحساس الجميل والسلوك الجميل.. إلى آخر هذه المجالات، وهي كذلك مجالات واسعة متعددة الدرجات والآفاق..
وهو إحساس فطري..
والدلالة واضحة..
إن هنا "قيما" في حياة الإنسان أعلى من الطعام والشراب والجنس.. أعلى من عالم الضرورة القاهرة.. وهي قيم ذات أثر واقعي في حياة الإنسان!
* * *
والإحساس بالجمال موكل بأمور عظيمة الخطر في حياة الإنسان..
إنه الركن الأكبر في عالم الفنون.. وهو كذلك ركيزة كبرى للعقيدة.
وقيام الفنون على الحس الجمالي أمر واضح لا يحتاج إلى بيان. فالفنون كلها –من زواياها الخاصة- تعالج ألوانا مختلفة من الجمال ومن الإحساس بالجمال: الصورة المعبرة بالألوان والأضواء والظلال. واللحن المعبر بالأصوات والأنغام. والأدب المعبر بالألفاظ. كلها تبحث عن الجمال، وتعبر عنه في صورة جميلة.
أما ارتباط الجمال بالعقيدة فبيانه أن العقيدة تعتمد –فيما تعتمد- على إحساس الإنسان بأن هذا التصرف أو هذا الإحساس أو هذه الفكرة تصرف جميل أو إحساس جميل أو فكرة جميلة.. ومن ثم يستجيب لها الإنسان، استجابة لحاسة الجمال، وتلبية للدافع الذي يدفع الإنسان أن يحب الجمال ويصنع الجميل!
ومن ثم يؤدي الإحساس بالجمال دوره الخطير في حياة الإنسان..
وكلما ارتفعت الفطرة السوية في مجالاتها العليا، زادت قيمة هذا الإحساس في النفس، وزاد دوره التوجيهي في الحياة..
ففي الآفاق العليا تدرك النفس السوية نواميس الكون الأكبر وما تشتمل عليه من تناسق وتوافق وجمال. وتحس أنها جزء من ذلك الناموس.
جزء متناسق متجاوب متناغم.. لا جزء متنافر منحرف عن الناموس..
وعندئذ تجعل سلوكها متناسقا مع فطرة الكون.. متناسقا مع الجمال الذي يشتمل عليه..!
وعندئذ تترفع عن النكسة والهبوط إلى عالم الضرورة، وهي تستمتع بالجمال في أففها الطليق.
تترفع عن الجريمة. وتترفع عن الرذيلة. وتترفع عن الخضوع المذل للضرورة القاهرة.. لأن الجمال انطلاق من الضرورة، وانعتاق من القيود155..
وتلك هي القمة التي ينتهي إليها الإحساس بالجمال.. القمة التي يلتقي فيها الجمال بالكمال. والتي تصل الإنسان في أفقه الأعلى بالله.
* * *
وفي جميع تلك الآفاق رأينا حقيقة واحدة..
إن القيم العليا جزء من كيان الإنسان الداخلي، ليست مفروضة عليه من خارج نفسه، ولا تملك قوة أن تفرضها فرضا على النفوس!
إنها انبثاق ذاتي من كيان الإنسان..
ومع ذلك فهي في حاجة إلى معاونة من الخارج لكي تأخذ مجالها الصحيح.. ولو لم تحدث هذه المعاونة الخارجية فهي عرضة لأن يتأخر نموها في النفس.. أو ينحرف عن سواء السبيل.
فلننظر إذن ما الذي يعوقها عن النمو الذاتي ويحوجها إلى عون الآخرين..
* * *
القدرة على الكلام والقدرة على المشي قدرتان فطريتان يولد بهما الإنسان، ومع ذلك لا تتم إحداهما إلا بمعاونة الآخرين.
والقيم العليا كذلك جزء من كيان الفطرة ولكنه يحتاج إلى معونة الآخرين.. وإن اختلف في كل حالة نوع العائق ونوع العون الذي يبذل للتغلب عليه..
في حالة المشي يحتاج جسم الطفل اللين العضلات إلى "قوة" رافعة توازن ثقل الجسم ثم تتغلب عليه.. ريثما تشتد هذه العضلات فتؤدي هذه المهمة بذاتها دون معونة من الآخرين. وإذا لم توجد هذه القوة الرافعة سواء كانت يد الأب أو الأم أو أحد القريبين من الطفل.. أو المقعد أو المنضدة أو الحائط أو الباب أو السور.. فالأرجح أن يظل الطفل قعيداً كسيحا، يزداد ثقل جسمه وتزداد رخاوة عضلاته، فلا تحمل الثقل المتزايد، وتعجز عن النهوض..
وفي حالة الكلام يحتاج الطفل أن يسمع أولا أصواتا مختلفة ترتبط في حسه بمدركات معينة، ثم يحاول تقليدها ليتغلب على "الثقل" الموجود في لسانه وحنجرته وحباله الصوتية. فتأتي "القوة الرافعة" في هذه الحالة من الآخرين عن طريق أذني الطفل، وتحاول في جهد بطيء دائب أن "تشد" في كل مرة حبلا من حبال الصوت، وعقدة من عقد اللسان.
ومع ذلك لا ينكر أحد أن القدرة على المشي والقدرة على الكلام قدرتان فطريتان، وهما في حاجة لتحقيقهما في عالم الواقع إلى كل هذه الجهود!
والقيم العليا –الفطرية- تواجه "ثقلا" ضخما جدا في كيان الإنسان.. تواجه النوازع الفطرية كلها، بكل شدتها وعرامتها، وكل ضروراتها القاهرة التي لا قبل للإنسان –وحده- بموازنتها فضلا عن التغلب عليها. ولو لم يتدخل الآخرون لضبطها وقيادتها فهي –كنقلة الجسم التي تمنع الطفل من المشي، وثقلة اللسان التي تمنعه من النطق- كفيلة بأن تقعد بالإنسان على الأرض، لا يرفرف بروحه في السماء!
ومن ثم فهي في حاجة إلى جهد دائب لتنميتها وتدريبها وتقويتها.. وإلا كانت هزيلة ممسوخة، لا تعبر عن وجودها في عالم الواقع، ولا تسجل حقيقتها في عالم العيان..
وهذا الجهد هو الذي تقوم به التربية في حياة الإنسان.
* * *
مهمة التربية هي إقامة الحواجز أمام الدوافع الفطرية.. لا لكبتها من منبعها، ولكن لرفع مستواها، وتحويل طاقتها إلى عمل وإنتاج.. أي إلى "قيم" مختلفة المجالات والدرجات.
وهذه القيم –ككل شيء في حياة الإنسان- تبدأ في النطاق الحسيي، ثم تعبر الجسر إلى النطاق المعنوي، ثم تظل طيلة حياة الإنسان تتراوح بين هذا وذاك، وتجمع بين هذا وذاك.
عالم الطفل –في فترة من الفترات- هو الثدي والحضن.. ولا زيادة.
واشتهاؤه الثدي والحضن هو اشتهاء بيولوجي.. وضرورة لحفظ كيان الطفل من الجوع، ومن أي أذى يصيبه إذا لم يكن في حضن أمه الحنون.
وفي الأسابيع الأولى يكون إدراك الطفل ضئيلاً جداً.. ولا فرصة هناك لنمو أية قيمة نفسية في وجدانه.. لأنه يعيش عندئذ في محيط جسمه بطريقة مباشرة..
ثم تنشأ الضوابط رويدا رويدا في هذا العالم الصغير الذي يعيش فيه..
إنه في مبدأ الأمر يطلب الثدي ويعطاه.. ويطلب الحضن ويعطاه.
ولكن الأم ترى بعد فترة أنه "يحسن" تعويد الطفل الاكتفاء بعدد معين من الرضعات، وزمن معين في كل رضعة.. كما ترى أنه يحسن تركه بعيداً عن الحضن فترة من الوقت..
ولا شك أن هذا لا يكون على هوى الطفل! فهو أمر لا يسير في تيار شهواته، بل يقف حاجزاً في طريق هذه الشهوات..
إنه في الحقيقة أول خطوة في سبيل إبراز الحاجز الداخلي الكامن في باطن النفس!
لقد جاء المنع من الخارج.. نعم.. ولكنه –طوعاً أو كرها، وبوعي أو غير وعي- ينشئ عادة في داخل النفس. عادة الامتناع عن شيء مطلوب ومرغوب ومحبوب.
وهي عملية يصاحبها الألم..
ولكن الألم ليس منشؤه أنها مفروضة عليه من الخارج دون استعداد لها من الداخل! فنمو الأسنان يصاحبه الألم! ولم يقل أحد إن نمو الأسنان مفروض على الإنسان من خارج كيانه!
ولو لم يكن هناك رصيد في الفطرة لتقبل هذا المنع، والرضوخ له، والتعود عليه، لما حدث ذلك أبداً! ولظل الطفل يبكي وقته كله من الألم دون أن يتعود قط على الامتناع!
ولكن الذي يحدث أن فترة الألم الأولى يتبعها التعود على هذا المنع بحيث يخف الألم تدريجياً ثم يزول.
عند ذلك يكون الحاجز قد ارتفع فعلاً في داخل النفس وقام بعملية الحجز لشهوة الثدي وشهوة الحضن. ولكنه حجز غير كامل. حجز جزئي لفترة من الوقت.
ورويداً رويداً يعطى الطفل طعاماً آخر غير الثدي، ويتعود على التنوع. أي تنمو في نفسه الفرملة التي تقوم بتنويع مسار الدافع الفطري، فلا يعود مساراً واحداً محدداً على طريقة الحيوان!
ورويداً رويداً كذلك يعطى الطفل حضناً آخر غير حضن الأم.. ويتعود على التنوع هناك!
ثم يأتي دور الفطام..
وهو أشد صدمة يصاب بها الطفل وأقساها.. وأعظمها أثراً في نفسه. ويحسن بطبيعة الحال أن تكون تدريجية جداً، وطويلة الأمد، حتى لا تترك هزة في نفس الطفل.
ولكنها تحدث في النهاية على أي حال..
وحين يتعودها الطفل في النهاية يكون قد نما حاجز مرتفع في داخل النفس، يحوّل شهوة الثدي نهائياً إلى طريق جديد!
ويماثلها دور الفطام "النفسي" من الأم، حين يفد وافد جديد.. وهي صدمة كذلك شاقة وعنيفة وقاسية، وينبغي أن يخفف وقعها على نفس الطفل بكل وسيلة ممكنة.. ولكنها تحدث على أي حال بصورة من الصور. ويتعود الطفل في النهاية ألا ينظر إلى أمه على أنها الملك الخاص الذي يتصرف فيه وحده بلا شريك!
وحين يتعود ذلك يكون قد نما في نفسه حاجز مرتفع، يحوّل شهوة الحضن –الحسي والمعنوي- في طريق جديد..
وفي هذا الأمر يستوي الطفل الذكر والطفل الأنثى بغير فارق ملحوظ.. ولا يوجد ظل لقصة العشق الجنسي المزعوم، ولا تتجه الغيرة إلى الأب أو الأم وإنما إلى الوافد الجديد!
* * *
ثم تندرج الحواجز وتتنوع..
يكبر الطفل ويأخذ في الحركة والمشي.. ويأتي بأفعال لا عداد لها، بعضها صالح وبعضها ضار. فهو بعدُ قليل الإدراك لا يعرف ما ينفع وما يضر.. ثم إن هذه الأفعال هي طريقه الذي لا طريق غيره إلى المعرفة. معرفة باللمس. ومعرفة بالذوق. ومعرفة بالنظر. ومعرفة بالسمع. ومعرفة بالشم.
ولكن أمه وأباه ينهرانه عن بعض تلك الأعمال المحببة إليه.. وهذا النهر يؤلمه ولا شك وخاصة في بادئ الأمر، فيغضب ويبكي ويحتج. ولكنه بعد قليل يتعود. ومع كل نهرة أو زجرة ينمو في داخل النفس حاجز جديد.
وفي هذه الأثناء يتم بين الوعي واللاوعي أمر ذو أهمية بالغة في حياة الإنسان.. فالطفل الذي يتلقى هذا الزجر والنهي من والديه [والتشجيع على الأعمال المستحسنة من جانب آخر] يتلبس –بلا وعي في بادئ الأمر، ثم بوعي وإرادة بعد ذلك- بشخصية والديه اللذين ينهرانه أو يقدمان له التشجيع، فتنمو في داخل نفسه شخصية جديدة آمرة ناهية، مشجعة مستحسنة، تزين له بعض الأعمال وتمنعه من بعضها الآخر، هي مزيج من شخصيته هو الذاتية وشخصية الوالدين [أحدهما أو كليهما].. وفي هذه الشخصية المزودة تنبت النوابت الأولى من الضمير..
* * *
ويخرج الطفل من نطاق ذاته رويداً رويداً إلى العالم الخارجي.. إلى المجتمع.. "فيتعامل" مع الناس. مع الوالدين أولا، ثم مع الإخوة إن وجدوا. ومع الأقوياء والأصدقاء.. ثم مع الغرباء.
وفي كل نوع من أنواع هذا التعامل تنمو حواجز جديدة وضوابط. فهي يتعلم –بالتجربة- أنه ليس كل ما يريده يحصل عليه. أو يمكن أن يحصل عليه. فقد يريد أمراً مستحيلا لا سبيل إلى تحقيقه: كأن يريد بقوته الصغيرة زحزحة الحائط من مكانه، أو إنزال القمر من السماء ليلمسه بيديه! وحين يتعود أن يرضى بهذه الأمور تكون الموانع الداخلية قد نبتت بالفعل واستقر بها المقام.
وفي كل مرى تكون عملية شاقة ومجهدة ومؤلمة. ويسبقها في كل مرة بكاء طويل وعويل. ولكنها في النهاية تتم.. لأن هناك استعداداً سابقاً في النفس لإقامة الحواجز في طريق الشهوات!
ثم إنه في تعامله مع الناس تصطدم أنانيته بأنانيتهم، ويتعلم بعد فترة أنه لا يستطيع في كل مرة أن يفرض أنانيته هو على الآخرين.
وفي مبدأ الأمر يتألم ويصرخ ويبكي.. ثم يتعود.. وحين يتعود بالفعل.. ثم حين يتعلم –بعد مرحلة أخرى من النمو- أنه لا يجوز له أن يفرض أنانيته على اللآخرين، لا لأنه لا يستطيع، ولكن لأن هذا أمر غير جائز وغير لائق.. تكون الضوابط قد قطعت شوطاً هاماً في طريق النمو، وتكون في هذه المرة ضوابط "خلقية" بمعناه المباشر الذي يعرفه الكبار.
وفي أثناء ذلك كله تقوم التربية على عنصرين في آن واحد: التوجيه المباشر الذي يزين بعض الأعمال وينهى عن بعضها الآخر. والقدوة التي يقتديها من أبويه والمحيطين به. وهذه القدوة عامل مهم جداً في التربية والتوجيه وعظيم الخطورة إلى أقصى حد. والقدوة المباشرة –من الأبوين والأقرباء والأصدقاء- لها الأثر الأكبر ولا شك. ولكن المجتمع كله قدوة على نطاق واسع، يلتقط منه الطفل قيمه وأخلاقه وتقاليده على غير وعي منه. ويؤثر ذلك كله في بناء الضوابط الداخلية وبناء الضمير.
وفي مرة من المرات يبدأ التفكير في الخلق والخالق. يبدأ التفكير في الله والعقيدة.
وقد سبق الحديث عن هذا الموضوع. في فصل "الدين والفطرة".
ولكنا نلاحظ هنا فقط أنها عملية فطرية. وأن العقيدة –حين تأخذ وضعها الفطري في نفس الطفل –تروح تنمّي هي الضوابط في داخل النفس وتقويها، وتستغل ما تجمّع من طاقة حيوية وراء الحواجز في مستويات أعلى من الدفعة الغريزية المياشرة..
* * *
ويأتي يوم.. بطيء وتدريجي... ينضج فيه الإنسان..
تكون الضوابط والحواجز قد أخذت بنيتها الكاملة، وراحت تؤدي عملها الكامل في داخل النفس.
عندئذ تكون قد التقطت التوجيه الكامل والتهذيب الصحيح من البيئة من حولها: من الأم والأب. ومن غيرهما من المحيطين بالطفل، ثم غيرهم ممن يحتك بهم الإنسان. [وحتى الآن نفترض في كل بحثنا أن التوجيه كامل والتهذيب صحيح والنفس سوية.. وفي الفصل القادم نتحدث عن الانحراف والشذوذ].
عندئذ تعمل الضوابط عملها الفطري على نسقه الأعلى..
عندئذ لا يكون الطعام شهوة.. وإنما يكون رغبة تحفّها الضوابط من كل مكان.
الضوابط التي بدأت غير واعية، ثم تحولت رويداً رويدا إلى دائرة الوعي.
من سلوك وآداب في تناول الطعام تمنعه أن يكون شرها وحيوانية وبطنة.
وأهداف تمنع التناول الحرام، والأثرة البغيضة، وتتحرى الحلال الطيب وتؤثر الآخرين.
وحرية لا تجعل الطعام ضرورة قاهرة. إنما تتيح للإنسان –فترة من الوقت على الأقل- أن يستعلي على الضرورة ويتحرر من القيد.
ولا يكون الجنس شهوة.. إنما يكون رغبة تحفّها الضوابط من كل مكان.
ضوابط السلوك والآداب، التي تمنع الفوضى الجنسية في المجتمع. وتمنع ممارسة الجنس –حتى في النطاق المشروع- على طريقة البهائم: دفعة جسدية بلا مشاعر ولا عواطف ولا وجدان.
وضوابط الأهداف التي تمنع الإسراف فيه وتمنع أن يكون هو هدفاً في ذاته. وترتب عليه نظما خلقية واجتماعية وسياسية وفكرية وروحية ["وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً"156].
والحرية التي تجعل الإنسان –لفترة من الوقت على الأقل- يستعلي على ضرورة الجنس ويتحرر من القيد.
ولا يكون القتال شهوة.. وإنما رغبة تحفّها الضوابط من كل مكان.
ضوابط السلوك والآداب التي تمنع الغدر والخيانة والتعذيب والتمثيل ["إن الله كتب الإحسان على كل شيء.. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته157"].
وضوابط الأهداف التي تحوّل القتال إلى صراع نبيل لإقرار الحق والعدل والإنسانية الكريمة، صراع الشر والطغيان والانحراف..
والحرية التي تجعل الإنسان –على مقدرة- يكظم الغيط ويعفو عن الناس ["وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ158"].
ولا يكون الملك شهوة. وإنما يكون رغبة تحفها الضوابط من كل مكان.
ضوابط الآداب والسلوك التي لا تجعلها مباهاة مؤذية للناس..
وضوابط الأهداف التي تحول بينها وبين الترف الفاجر الحرام.. وبينها وبين الغصب والنهب والسلب والطريق الحرام. وتحوّلها إلى إيثار جميل نبيل [ "وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ159" ].
والحرية التي تكفل للإنسان أن يستعلي على شهوة الملك دون أن يحس بالمذلة أو الهوان..
وهكذا تتحول الطاقات كلها إلى طاقات رفيعة وقيم عليا.
ولا يحدث الحرمان..
فالضوابط بأنواعها الثلاثة التي ذكرناها، لا تهدف إلى حرمان النفس من المتاع، ولا تهدف –كما حسب فرويد- إلى إشقاء البشرية!
إنها على العكس –تهدف –فطرياً- إلى سعادة البشرية.
فالنمو "الحر" للدوافع الفطرية.. التي هي في حساب فرويد دوافع كلها جنسية.. هذا النمو الحر لا يسعد البشرية إطلاقاً، حين يمضي هكذا بلا صمام!
والحيوان له صمامه الفطري الذي يحول دون الدمار. فيدرك الحيوان قبل نقطة الخطر ويقفه عن نشاطه..
أفكان يريد فرويد أن يحرم الإنسان من صمام الأمن؟! أو كان يريد أن يكون النمو "الحر" ممتداً حتى يدمر كيان الإنسان كله ويتلفه.. لأنه لا يعرف حد الاكتفاء؟!
إن الله في عليائه قد أراد للبشرية الخير، حيثما أراد فرويد لها الدمار!
أراد أن يرفع مستواها وفي الوقت ذاته لا يحرمها من المتاع. فالمتاع الطيب كله مباح: "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ160". الطيبات من الشيء: من المأكل والمشرب والملبس والمسكن ومن الجنس ومن الملك ومن القتال ومن حب البروز..
ثم أراد أن يمنع الطاقة الفطرية الحيوية من الاستهلاك كلها في مستوى الحيوان فلا تنتج شيئاً.. فرفع مستواها ثم حول جانباً منها إلى "الخلافة".. إلى العمل المثمر الطيب النظيف.
وأراد أن يكون ذلك كله فطرة في نفوس الناس.
ولكنه –هكذا شاءت حكمته- أراد أن يكون الأمر كدحاً: "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ"161 فتنمية الضوابط –الفطرية- تحتاج إلى الكدح والجهاد والمغالبة لتيار الشهوات الدافق.. المغالبة الدائمة التي لا تفتر..
وإلا.. فالشهوة العنيفة عرضة لأن تهدم الحواجز الضعيفة، وتغرق القيم العليا، وتردمها في الأوحال!.. وعند ذلك ينشأ الشر في حياة الإنسان!

الانحراف والشذوذ
هذه المراحل الطويلة من النمو التي وصفناها في الفصول السابقة، وهذه الجوانب الكثيرة المتعدد المتقابلة في كيان الإنسان.. كلها عرضة للانحراف!
وقد كنا –حتى الآن- نتحدث عن النفس السوية المتكاملة، التي نمت نموها الطبيعي، وتكاملت كل جوانبها، فقامت –على قواعدها الصحيحة- كالبنيان الراسخ، ثم انطلقت تعمل بكل طاقتها في مجالها الصحيح.
وكنا نشير –بين الحين والحين- إشارات عابرة إلى الانحراف والشذوذ، وأنهما يفسدان هذا البنيان الراسخ، ويجعلان طاقته بعيدة عن مجالها الصحيح.
فهنا نتتبع النفس في مراحل نموها المختلفة، وفي جوانبها المتعددة، لنرى كيف يحدث الانحراف عن سواء السبيل.
* * *
وينبغي قبل أن نبدأ في بيان الحالات المختلفة للانحراف والشذوذ، أن نقرر حقيقة إنسانية جديرة بالتسجيل، هي تعدد الأنماط البشرية، وعدم انحصارها في صورة معينة مكرورة.
لقد ميز الله الإنسان بخصال كثيرة، من بينها هذه السعة العجيبة في أنماط البشرية.. تتشابه كلها دون أن تتماثل. حتى لنستطيع أن نقول إنه لا يوجد فردان من البشرية يتماثلان تماثلا كاملا على مدار الأجيال، كما لا تتماثل بصمات الأصابع بين أي فردين على مدار التاريخ!
هذا التعدد في الأنماط يعطي الحياة البشرية ولا شك ثراء لا يعرفه عالم الحيوان.. ثراء يجعل الحياة أوسع بكثير وأعمق بكثير من صورتها الظاهرة. فكل إنسان عالم وحده، مع تشابه هذه العوالم وتقاربها. والتقاء إنسان بإنسان، هو التقاء بين عالمين مختلفين، مع تشابه "اللغة" الشعورية والفكرية والجسدية في نهاية المطاف.
وتلك نعمة كبرى من نعم الخالق على الإنسان. وإلا فلو أن هذا الإنسان –مع ما وهبه الله من قوة الإدراك والمعرفة والإنتاج المادي والفكري والروحي- كان صورة واحدة مكرورة.. ألا ما أضيق الحياة عندئذ وما أبعثها على الضجر والملال..! ولكنها، بهذا الثراء الناشئ من تعدد الأنماط، جديرة حقا بهذا المخلوق الذي كرمه الله ورعاه..
وثمت نعمة أخرى أخص من هذه، هي تعدد الأنماط السوية للإنسان..
إن الله لم يكتب على الإنسان صورة واحدة من السواء، بحيث تحتاج البشرية إلى الانحراف والشذوذ لتعدّد أنماطها وتُثري حياتها! بل بسط نعمته كاملة.. فجعل السواء أنماطا متعددة، كلها سويّ، ومع ذلك لا يتماثل سواء وسواء، ولا شخص سوي وشخص سوي. بل يظل كل إنسان سويّ عالما وحده يلتقي بغيره من العوالم على سواء وعلى اختلاف في ذات الوقت، في البنية النفسية وطريقة التصرف وطريقة الإحساس.
وربما تكون المسألة أقرب إلى التصور لو تذكرنا تعدد أنماط الجمال.. كلها جميلة، ومع ذلك فكل جمال صورة وحده لا تختلط بغيرها من صور الجمال. وكذلك النفوس السوية.. جميلة.. ولكنها "متخصصة" في جمالها، كل واحدة منها ذات طابع واتجاه.
فلسنا نحتاج إذن إلى الانحراف والشذوذ لتعديد أنماط الحياة وإزائها، والثراء متوفر مع الاستواء. ولكن حكمة الله قد خلقت مع ذلك أنماط أخرى شاذة ومنحرفة، ليتبين الفرق بين هذا الاتجاه وذاك!
* * *
ثم ننتقل خطوة أخرى فنقرر أن السواء الكامل نادر الوجود.. ولا بد من انحرافة –ولو بسيطة- من هنا ومن هناك! فهل نقول إذن أن البشرية كلها منحرفة كما قال فرويد، ونلغي عندئذ جميع المقاييس؟!162.
كلا!
ونعود ثانية إلى التشبيه بالجسم لأنه يقرب الصورة إلى الأذهان:
الجسم"الكامل" نادر الوجود. سواء من الظاهر أو من الباطن. فالجسم الذي يتساوى فيه الشّقان المتقابلان تساويا كاملا، فلا تختلف عينه اليمنى عن اليسرى أدنى اختلاف، ولا أذنه اليمنى عن اليسرى، ولا طاقة أنفه اليمنى عن اليسرى، ولا كتفه ولا ذراعه ولا يده ولا رجله ولا قدمه ولا أصابعه.. جسم نادر الوجود حقا إن لم يكن مستحيل الوجود! وذلك مع افتراض أن هذا الجسم سائر على المقاييس الأصولية في نسبة الطول ونسبة العرض ونسبة الأعضاء بعضها إلى بعض، بحيث لا يختل مقياس واحد من هذه المقاييس!
والجسم الذي سلمت أحشاؤه كلها سلامة كاملة، فلا يختل منه قلب ولا كبد ولا معدة ولا أمعاء في ليل أو نهار، ولا ينبض قلبه نبضة زائدة أو نبضة ناقصة، ولا يصاب بإمساك ولا إسهال ولا عسر هضم ولا صداع ولا ألم.. هو جسم مستحيل الوجود في واقع الحياة..
ومع ذلك لم يقل خبراء "الجمال" إن أجسام البشرية كلها منحرفة، ولم يقل خبراء الطب إن البشر جميعا مرضى ليس بينهم سليم!
وإنما اصطلحوا على كلام معقول: فهناك دائرة من الانحرافات البسيطة نقصاً وزيادة لا تحسب في عالم الانحراف وإنما تحسب في عالم الاستواء، ما دامت لا تشوه مظهر الجسم أو لا تفسد دورة الحياة فيه.
فحين تكون كتف أعلى قليلا من كتف، أو ساق أقصر قليلا من ساق، بحيث لا يظهر ذلك إلا للفاحص المدقق الذي يتعمد الفحص والتدقيق، فهذا الجسم سويّ رغم ما فيه من انحراف بسيط.
وحين يوجد قلب يخفق أحياناً بسرعة زائدة عن المعدل، أو كبد تكسل أحياناً عن الإفراز، وأمعاء تمسك أحياناً عن العمل، فهذا الجسم "طبيعي" وليس مريضاً، رغم ما فيه من اختلال بسيط.
أما حين يصل الأمر إلى النشوء الظاهر أو الاختلال الدائم في وظيفة من وظائف الأعضاء، فعندئذ يقال إن هذا الجسم مختل أو مريض.
وكذلك الأمر في عالم النفوس. هناك دائرة من الانحرافات البسيطة نقصاً وزيادة لا تحسب في عالم الانحراف وإنما تحسب في عالم الاستواء، ما دامت لا تشوّه النفس ولا تفسد دورة الحياة فيها.. وما دام لا يمكن أن تخلو منها نفس من النفوس. وإنما يدخل الأمر دائرة الانحراف حين يزيد الاختلال عن حده البسيط.
وليست هناك بطبيعة الحال خطوط حاسمة للسواء والانحراف في عالم النفوس، كما لا توجد خطوط حاسمة للصحة والمرض في عالم الأجسام. ولكن هناك أموراً معينة يكون من المؤكد أنها داخلة في دائرة الانحراف، وأموراً أخرى داخلة في دائرة الاستواء. وبينهما متشابهات، قد تحسب هنا مرة ومرة هناك.
ويبقى بعد ذلك بيان الفرق بين ما يسمى بالانحراف وما يسمى بالشذوذ.
كلاهما خارج بطبيعة الحال عن دائرة الاستواء، ولكنهما يختلفان في درجة الخروج. فأما الانحراف فهو الشوط الأول من الخلل، وأما الشذوذ فهو شوطه الأخير.
ولكن المسألة ليست مجرد الاختلاف في الدرجة.. فهناك قانون من قوانين الطبيعة يقول إن التغير الكمي إذا زاد عن درجة معينة ينقلب إلى تغير نوعي. فالإنسان مثلا يسرع في المشي، فيظل يسمى ماشياً إلى درجة معينة. فإذا زادت سرعته بعد ذلك فإن حركته لا تعود تسمى مشياً، وإنما تتحول إلى جري، فليست "كمية" الحركة وحدها هي التي تغيرت. وإنما "نوع" الحركة كذلك تغير.
وفي عالم النفوس ينطبق كذلك هذا القانون. فحين يزيد الانحراف عن درجة معينة فإن وضعه في النفس يتغير، ويصبح عملية أخرى مختلفة، وتوصف بأنها شذوذ.
وكما أنه لا توجد خطوط حاسمة تفصل بين الاستواء والانحراف، فكذلك لا توجد خطوط حاسمة تفصل بين الانحراف والشذوذ، فهما دائرتان –إلى حد ما- متداخلتان، نهاية هذه في بداية تلك. ولكن "العملية النفسية" مختلفة في الحالتين رغم وجود هذه المنطقة المشتركة عند الطرفين. فالانحراف يحدث خللا في دورة الحياة السوية ولكنه لا يعطلها تعطيلا كاملا ولا يقلب وظيفتها في النفس، بينما الشذوذ يحدث هذا القلب والتعطيل.
مرة أخرى مثال من الجسم:
قد تكسل المرارة مثلا عن وظيفتها، فلا تفرز السائل الذي يهضم المواد الدهنية، فيحدث من ذلك خلل –يتراوح مقداره- في عملية الهضم. ولكن في مرحلة معينة من مراحل المرض قد تفرز المرارة سائلها الأصفر في الدم. فيحدث تسمم سريع. هذه عملية غير تلك.. وهكذا بقية الأمراض.
وكذلك الأمر في النفوس.. فالأنانية الزائدة انحراف.. وهي تظل في دائرة الانحراف ما دامت لا تصل إلى حد الجريمة. فإذا وصلت إلى الجريمة: إلى العدوان على الآخرين وعدم الاكتفاء بالموقف السلبي منهم، فهي شذوذ.
والانحراف كما قلنا لا يعطل دورة الحياة.. كما قد يعيش إنسان حياته كلها بقلب مريض أو كلية مريضة. وتكون حياته مهددة دائماً وناقصة النشاط، ولكنه يعيش. غير أنه لا يستطيع أن يعيش حين تزيد نسبة البولينا في الدم، أو حين يعجز الدم عن تغذية عضلة القلب ذاتها.. وكذلك قد يعيش الإنسان بانحراف نفسي مدى حياته كلها، ويكون مريضاً بلا شك، ونشاطه السوي محدود. ولكنه –بطريقة ما- يعيش. أما حين تصل المسألة إلى الشذوذ فالأمر مختلف. ولن "يموت" الإنسان بطبيعة الحال حين تختل نفسه إلى درجة الشذوذ، ولكنه يعيش في اضطراب دائم وإيذاء دائم للآخرين.
* * *
والآن نبدأ الحديث عن ألوان الانحراف المتلفة وألوان الشذوذ.
قلنا بادئ ذي بدء إن الإنسان ذو طبيعة مزدوجة وكيان موحد.
هذا هو الوصف الشامل للإنسان. وهذه كذلك أول نقطة يمكن أن يبدأ عندها الانحراف والشذوذ.
الإنسان على فطرته السوية كيان متعادل متوازن.. قبضة الطين ونفخة الروح يكوّنان مزاجه الممتزج المترابط الموحد.. الذي يختلط فيه العنصران ويمتزجان، فلا يعود هناك انفصال بينهما ولا اثنينية متميزة.. وإنما يصير الإنسان جسماً وروحاً معاً في كل حالة من حالاته، مع اختلاف النسب بين مختلف الحالات..
نعم، هما عنصران متداخلان. لا يوجد أيهما بمفرده على الحال التي كان عليها قبل الامتزاج. ولكنهما لا يظهران بنسبة واحدة في جميع حالات الإنسان. فأحياناً تغلب نسبة هذا العنصر أو ذاك. ولكن لا يحدث أبداً أن يكون أحدهما موجوداً بمفرده والآخر غائباً عن الوجود. وما بين الطرفين المتطرفين توجد آلاف من النسب المختلفة، كل منها يمكن أن يكوّن حالة من حالات الإنسان. وهو يتدرج ما بين هذه النسب المختلفة المتفاوتة تدرجاً طبيعياً سوياً فيما سميناه من قبل "الجنوح" ناحية الجسد أو ناحية الروح.. ولكنا لاحظنا في هذا الشأن أمرين: أن النفس السوية تتداول هذا الجنوح بصفة مستمرة، فتجنح مرة هنا ومرة هناك، ولا تثبت على جنوح واحد [إلا في الحالة المرضية] وأنها تصل بهذا التداول المستمر إلى التوازن في نهاية الأمر.. كما يميل الإنسان الواقف على عارضة رفيعة مرة ذات اليمين ومرة ذات اليسار ليحفظ توازنه، فيكون هذا الميل من هنا ومن هناك هو المعين له على التوازن المنشود.
فالآن نصل إلى بيان أول نقطة يمكن أن يحدث فيها لونان من الانحراف والشذوذ.
هذه النسب المتفاوتة التي أشرنا إليها من قبل، وقلنا إنها تتسع لآلاف من الحالات المختلفة، ينبغي في الحالة السوية ألا تقترب من الأطراف التي تقع عندها نقطة الصفر في هذا الاتجاه أو ذاك: لا صفر الجسد ولا صفر الروح!
وقد لا يحدث أبداً –مهما كانت شدة المرض النفسي- أن تصل إلى نقطة الصفر. ولكن الحالات التي تصغر فيها نسبة أحد العنصرين إلى ما يقرب من نقطة الصفر هي حالات غير سوية إذا زادت عن لحظات عارضة من هنا أو من هناك. وهي تدخل في دائرة الانحراف أو دائرة الشذوذ بمقدار ما تقترب من نقطة الصفر، وبمقدار ما تثبت على هذا الاقتراب.
حقاً إن هناك ساعات يغلب فيها الجسد، وساعات تغلب فيها الروح.
فساعة المتاع الجنسي –حتى في أنظف حالاته- هي من غير شك ساعة متاع جسدي غالب ظاهر صريح.
وساعة العبادة المستغرقة هي من غير شك ساعة متاع روحي غالب صريح.
ولكنا بيّنا في فصل "طبيعة مزدوجة" أنه لا يمكن في الحالة السوية أن يكون الجنس متاعاً جسدياً خالصاً ولا أن تكون العبادة متاعا روحياً خالصاً، فلا بد من امتزاج العنصرين في كل حالة.
أما في حالة المرض فإن النسبة تقترب كما قلنا من نقطة الصفر اقتراباً يزيد أو ينقص بحسب درجة المرض، فيكون الانحراف أو يكون الشذوذ.
هناك شخص همه هو جسده وملذاته وشهواته.. لا يكاد يفيق منها، ولا يكاد يذكر أن له طاقة روحية مودعة في كيانه ليحقق بها هدفاً أسمى من نشاط الحيوان. هدفاً يتمثل في "الإنتاج" المادي والفكري والروحي جميعاً.. يتمثل في إقامة الحياة البشرية على أسس نظيفة وعادلة، بريئة من الظلم والفساد.
فهذا بلا شك شخص منحرف. يعمل بجانب واحد من كيانه ويعطل الجانب الآخر أو يكاد. فهو كالشخص الذي يميل بكتف واحدة من كتفيه على الدوام، في مشيته وحركته ومنامه..
وبصرف النظر عن وضع هذا الانحراف في ميزان الأخلاق [سنعالج هذا الأمر في الفصل القادم: الخير والشر في النفس البشرية] فإننا نتكلم هنا عن الناحية النفسية البحتة [بغرض البحث التفصيلي فقط. وإلا فالإنسان وحدة متراكبة كما أكدنا في الفصول السابقة، لا يمكن فصل بعضه عن بعض].. ومثل هذا الشخص –من الناحية النفسية- منحرف كذي الكتف الواحدة المائلة.
وهناك شخص همه نظافة روحه.. فيقلل من متاع جسده إلى أقصى حد.. بل ينقلب على جسده يعذبه ويهينه.. يجيعه ويظمئه ويؤلمه ويؤذيه.. ليظفر –في وهمه- برفعة الروح.
وهذا أيضاً شخص منحرف. يعمل بجانب واحد من كيانه ويعطل الجانب الآخر أو يكاد. ولا يفترق عن الأول إلا بأنه يميل بكتفه الأخرى. وفي كلتا الحالتين لا استواء.
الشخص الأول انحرف ناحية الحيوان. لا لأنه يستمتع بمتاع الجسد، فهذا نشاط إنساني أصيل، مطلوب في حالته السوية. ولكن لأنه جنح جنوحا ثابتاً ناحية الحيوان، فثبت على الحالة التي ينبغي –في الحالة السوية- أن يمر بها مروراً ولا يثبت عليها.
والشخص الثاني انحرف ناحية الملَك. لا لأنه يستمتع بمتاع الروح. فهذا نشاط إنساني أصيل، مطلوب في حالته السوية. ولكن لأنه جنح جنوحاً ثابتاً ناحية الملك. فثبت على حالة كان ينبغي –في الحالة السوية- أن يمر بها مروراً ولا يثبت عليها.
ومن ثم فأي مخالفة للوضع الطبيعي للإنسان تسبب الانحراف. فليس الانحراف هو الجنوح الثابت نحو الحيوانية وحده كما قد يخيل الكثير من الناس [وإن كان هذا هو الأكثر حدوثا] ولكن الجنوح الدائم نحو الملائكية هو كذلك انحراف بالنسبة للإنسان.
وليس الأمر هنا أمر هبوط أو رفعة. فالذي يعذب جسده لتصفو روحه يهدف في وهم نفسه إلى الرفعة.. ولكنه يخالف طبيعة "الإنسان". ومن ثم فهو منحرف عن الوضع السوي الذي ينبغي أن يكون عليه. والمحك في ذلك ينبغي أن يكون هو الإنسان ذاته كما خلقه الله. فهو لم يخلقه حيوانا ولا ملكا. ومن ثم فالجنوح الدائم نحو الحيوانية أو الملائكية انحراف عن طبيعة الإنسان ووظيفة الإنسان.
وكما قلنا لن نتحدث في هذا الفصل عن القيم الخلقية رغم استحالة تجزئة الإنسان ونشاطه وقيمه، وسنتحدث فقط عن القيم النفسية [كل القيم تلتقي في النهاية على سواء. ولكنا نفصل بينها هنا لضرورة البحث].
الإنسان الجانح نحو الحيوانية قد نما جانب من جوانب نفسه نمواً زائداً عن الحد، بينما ضمر في نفسه الجانب المقابل. فهو إذن ليس في حالته السوية التي تنمو فيها كل أجزاء النفس بنسب متعادلة متوازنة. فهو كالمصاب بتضخم عضو من أعضائه، أو بورم خبيث في مكان من جسمه: لا يحسب له هذا التضخم في جانب الصحة، بل يحسب في جانب المرض الذي يهلك الجسم ويدمره إذا لم يعالج في وقته المناسب.
والإنسان الجانح نحو الملائكية مثله تماماً من الناحية المقابلة. لقد نما جانب من نفسه نمواً زائداً عن الحد وضمر في نفسه الجانب المقابل. ولا عبرة بأن هذا الجانب مشرق في ذاته ومضيء ورفيع.. فهو متصف بهذه الصفات كلها وهو في وضعه الطبيعي، أي على ركيزته الفطرية السوية التي ترتكز على بناء جسدي روحيّ في ذات الوقت. ولكنه حين يزيد عن حده يدمر القاعدة التي يرتكز عليها. وينشأ عن ذلك تعطيل الكيان البشري في مجموعه. تعطيل بالسلبية.. وتعطيل بعدم الإنتاج. وتعطيل بصرف الطاقة في مناوأة الجسم ومتاعه [السويّ] بدلا من صرفها في مقاومة شرور المجتمع الخارجي، والتعرف على قوانين الكون والحياة، والاستفادة بها في إقامة الحياة على أسس نظيفة جميلة وعادلة.
* * *
ذلك هو اللون الأول من ألوان الانحراف: الجنوح الدائم نحو الملك أو الحيوان.
أما اللون الثاني فهو جنوح مؤقت ولكنه شديد نحو هذا الجانب أو ذاك.
هذا إنسان يتداول في نفسه نشاط الجسد ونشاط الروح. ولكنه حين يقوم بنشاط الجسد يقوم به صرفا [تقريباً] فلا يمزج به إشراقة الروح . وحين يقوم بنشاط الروح يقوم به صرفاً تقريباً فلا يمزج به نشاط الجسد المعقول.
مثل أولئك الناس فيهم اختلال ولا شك. وهم متطرفون في تصرفاتهم وإن كانوا يمارسون كل نشاط الإنسان. ففي ساعة المتاع الجسدي يقبلون عليه كالحيوان. يأكلون بشراهة لا تلطفها إشراقة الروح التي تجعل للطعام هدفاً، وتخلط به قيما، وتهذب من شراهته. ويمارسون نشاطهم الجنسي في تلمظ حيواني غليظ، لا تلطفه إشراقة الروح التي تمزج به عواطف جميلة وفنوناً رقيقة وتهذيبا في السلوك.. وفي ساعة المتاع الروحي يغرقون فيه إلى حد نسيان أنفسهم.. إلى حد التصوف والتزهد! ثم يعودون.
وقد يبدو لأول وهلة أن ذلك شيء نادر الحدوق في بني الإنسان! ولكنه –على درجات متفاوتة- كثير الحدوث جدا.. إلى درجة لا تخطر على البال!
لقد كان المصريون الفراعنة يغرقون في متاع الجسد فيسكرون ويرقصون، ويغرقون في حمأة الجنس.. ثم يخرجون إلى المعبد يبكون وينوحون ويتذكرون الموت، وينقطعون –فترة- عن الحياة!
وما زال أبناؤهم حتى اليوم يقولون في أمثالهم: "ساعة لربك وساعة لقلبك..!" بمعنى انفصال هذه الساعة عن تلك. ساعة الرب لا مجال فيها للقلب –أي للمتاع "الدنيوي". وساعة القلب لا مجال فيها للرب- أي لتذكر الآخرة وعبادة الله!
ومن ثم تتفكك شخصية الإنسان وتنحل.. لا "المبادئ" والعقائد تحكم السلوك.. ولا السلوك يرتبط بشيء من المبادئ والمثل.. ويبدو الإنسان كأنه شخصيتان منفصلتان، إحداهما حيوان أو قريب من الحيوان. والآخر زاهد متصوف منصرف عن متاع الأرض!
وكذلك –على طريقة أخرى- كانت أوربا في عصورها الوسطى تعيش بشخصيتين منفصلتين: إحداهما الشخصية المسيحية المتعبدة المتصوفة الزاهدة –في داخل الكنيسة!- تسمو أراوحها على التراتيل الشجية والأنغام الرائقة.. والأخرى هي الشخصية الرومانية الإغريقية التي تعيش في حدود ما تدركه الحواس فحسب.. ومن ثم تظل الحياة "الواقعية" غير محكومة بمبادئ المسيحية ومثلها المترفعة التي تقول: "أحب أعداءك". والتي تقول: "إذا ضربك أحدهم على خدك الأيمن فأدر له الأيسر". والتي تقول: "إذا أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك، فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك من أن يلقى بدنك كله في جهنم". وتظل المسيحية تابعة في داخل المعبد لا تنشر لواءها على واقع الحياة.
وظلت أوربا بذلك مفككة مجزأة الشخصية، حتى جنحت في عصرها الحديث نحو عالم الجسد، فاستبدلت انحرافا بانحراف، وشذوذا بشذوذ! فضلا عن أنها لم تفق بعد من آثار انحرافها الأول. فكأنها تضيف هذا إلى ذاك!
والإنسان الذي يعيش على هذا النحو المزدوج، لا ينحرف لأنه يجنح جنوحا مؤقتا نحو عالم الجسد أو نحو عالم الروح. فتلك عملية سوية فطرية. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب..."163. ولكن الانحراف نشأ من التطرف في هذا الجنوح المؤقت، بصورة تكاد تفصل الجسد عن الروح، وتجعل لكل منهما عالما غير متصل بالآخر أي اتصال.
والإنسان في فطرته السوية لا يعرف هذا الانفصال –الدائم أو المؤقت. ومن ثم فنشاطه الفطري السوي نشاط متكامل مترابط.. السلوك مرتبط بالقيم. والقيم تحكم السلوك. فإذا انفصل السلوك عن القيم كما هو منفصل في حياة البشرية اليوم –شرقها وغربها- فصار لها سلوك "واقعي" تحكمه الضرورة القاهرة ودفعة الغريزة، وقيم معلقة في الفضاء تُبحث وتُفَلْسَف بمعزل عن الحياة الواقعة.. فذلك انحراف خطر على كيان البشرية لأنه غير أصيل في كيانها ولا يتمشى مع فطرتها. إنه تمزيق للشخصية وتفتيت.. لا ينتج عنه إلا الضعف والتفكك والانحلال.. وفي نهاية الأمر يصل إلى البوار.
والأفراد في ذلك كالشعوب. فهي عملية واحدة تصيب الفرد فتدمر كيانه. وتصيب الأمة فتدمرها. و"علم النفس" القائم اليوم في الغرب لا يحسب هذا انحرافا ولا شذوذا إلا حين يتم اختلال الجهاز النفسي، فيعجز عجزا تاما عن "التكيف" أو التفاهم مع البيئة الخارجية.. ولكن الواقع أن هناك درجات كثيرة من الاختلال تسبق هذه الصورة الحادة. وهي إن كانت لا تُعجز الكيان النفسي عجزا كاملا، فذلك لا ينفي عنها صفة الانحراف. كما يمرض الجسد –لفترات طويلة أحيانا- دون أن يعجز عجزا كاملا عن العمل. ولكن أحدا من الأطباء لا يقول عنه عندئذ إنه سليم! أو يسكت عن علاجه بحجة أنه لم يعجز تماما عن القيام بشيء من النشاط.
والبشرية اليوم تعاني هذا المرض النفسي على درجاته المختلفة من الانحراف إلى الشذوذ. فنجد الشخص الواحد –في حالات الانحراف- يعيش حياتين منفصلتين، إحداهما أشبه بالآلة أو البهيمة، والأخرى متعلقة بمثل جوفاء لا رصيد لها من الواقع. وتجد الأمة الواحدة –في حالات الشذوذ- تتغنى بالحرية والعدالة والإخاء- ثم تسل قواتها لتبيد ألوفا من البشر لأنهم يطلبون الحرية والعدالة والإخاء!
وأوربا لا ترى ذلك انحرافا ولا شذوذا لأنها غارقة فيه قد أعماها الدوار. ولكن المقاييس السوية أمامنا، وهي المرجع الذي ينبغي أن تقاس به الأمور!
* * *
وننتقل مع التركيب النفسي للإنسان خطوة أخرى، فنتحدث عن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية، وكيف يحدث فيها الانحراف والشذوذ.
إن من المهام الرئيسية لهذه الخطوط إحداث التوازن في نفس الإنسان بتوازيها وتقابلها، ومع ذلك فهي عرضة للانحراف والشذوذ، وعندئذ تصبح سببا من أسباب الخلل بدلا من أن تكون عامل اتزان! مثلها في ذلك مثل الساقين أو الذراعين والكتفين، المفروض فيهما أن يمنحا الجسم اعتداله وتوازنه. ولكن حين يحدث الخلل في ذات الساق أو الذراع أو الكتف فإنها تخل بتوازن الجسم كله وتصبح من أسباب التشويه بعد أن كانت من عوامل الجمال.
وهنا لونان من الخلل يمكن أن يصيبا الخطوط النفسية المتقابلة فينتج عن كل منهما انحراف أو شذوذ:
الخلل الأول هو انحراف أي خط من الخطوط [أو أي زوج] عن مساره السويّ الذي كان ينبغي أن يسير فيه. كما تعوجّ في الجسم الساق أو القدم أو الذراع أو الكتف [أو الزوجان معا] فلا تكون في وضعها الصحيح ولا تؤدي مهمتها الأصيلة. والخلل الثاني هو زيادة أي من الخطين المتقابلين عن زميله المقابل له، بما يفقدهما توازنهما بالنسبة لبعضهما البعض، ويفقد النفس كلها توازنها تبعا لذلك. كما تطول في الجسم ساق عن ساق، أو كتف عن كتف.. فتختل حركة الجسم جميعا..
وقدر من هذا الانحراف يحدث في كل نفس سوية كما بينا من قبل. ولن توجد النفس التي تتوازن توازنها الكامل في كل لحظة وإزاء كل حدث من الأحداث [وليس مطلوبا أن توجد!] وإنما نسميه انحرافا أو شذوذا حين يزيد عن القدر المعقول.
وسنتتبع الخطوط المتقابلة كلها لنستعرض في كل منها ألوان الاختلال.
* * *
الخوف والرجاء أكبر خطوط النفس البشرية وأوسعها مجالا164.. وفي الوقت ذاته [أو لهذا السبب ذاته] هي أشدها عرضة لاتساع مجالات الانحراف والشذوذ!
وقد يتنافى فصل "الخطوط المتقابلة" أن الخوف والرجاء يؤديان مهمة رئيسية في حياة الإنسان. فكل منهما لازم للحياة لا تستقيم بدونه النفس. ولكن على شرط أن يكون كل منهما في وضعه الصحيح ويؤدي مهمته الصحيحة.
الخوف مهمته الأولى صيانة حياة الإنسان من الخطر والتلف اللذين يمكن أن يقضيا عليه لو لم يكن في تركيبه هذا الشعور الفطري بالخوف.
ولكن حين ينحرف خط الخوف عن مساره فإنه هو ذاته يعرض الإنسان للتلف والبوار!
الإنسان الذي يخاف كل شيء لا يقدم على عمل ولا يتقدم من مكانه خطوة مخافة الأخطار في الطريق! وبهذا يتعطل قدر كبير من نشاطه وإنتاجه الذي كان يمكن أن يؤديه في حالته السوية، فضلا عن القلق الدائم والاضطراب النفسي الذي يصيبه من التوقع الدائم للأخطار. وفوق ذلك فهو شخص جبان حياته كلها خوف ولا إقدام. فلا هو يدفع عن نفسه أذى ولا يذود ظلما، ولا يسعى للمشاركة في أمر من الأمور العامة التي تعرض الإنسان لشيء من المشقة. وبذلك يفقد نفسه ويفقده مجتمعه على قدر ما يعمل في نفسه هذا الانحراف أو ذلك الشذوذ.
وقد يكون الخوف عاما وقد يكون متخصصا.. فبعض "المرضى" يخافون كل شيء. وبعضهم يخاف شيئاً معينا كالذي يخاف الوحدة. أو الظلام. أو الموت. أو الفقر. أ و المرض. أو الحوادث.. أو الصرصار! وليس من غرضنا في هذا البحث أن نشرح الأسباب الشعورية أو اللاشعورية التي تحدث هذه الانحرافات. فذلك مبحث متخصص، ونحن هنا بصدد نظرية عامة عن النفس الإنسانية. فبحسنا هنا أن نصف هذه الظاهرة، وأن نذكر أنه لا بد لها من أسباب تحدثها [فالأصل هو الاستواء، والانحراف لا بد له من سبب] سواء كانت هذه الأسباب استعداداً وراثياً أو اكتساباً في أثناء الطفولة بصفة خاصة. كما تذكر كذلك أن التربية السليمة –في فترة الطفولة خاصة- هي الموكلة بتقويم هذا الاعوجاج، وتوجيه طاقة الخوف الفطرية في مسارها السليم165.
وقد تحدثنا عن الخوف حين ينحرف بالزيادة عن قدره الطبيعي. وقد ينحرف كذلك بالنقصان! وقد يبدو لأول وهلة أن نقصان الخوف فضيلة جميلة لا عيب فيها ولا داعي لعلاجها، بل هي شيء يسعى الإنسان لأن يناله!
وليس الأمر كذلك! فالشخص الذي ينقص الخوف في نفسه عن مقداره الطبيعي قد يبدو جريئا مقداما. ولكنه في الحقيقة متبجح معتد أثيم.. لأنه لا يخاف! لا يخاف الله، ولا يخاف الحق، ولا يخاف العواقب.. وحتى إذا لم ينحرف في طريق الشر والإيذاء، فقد يخاطر بلا مبالاة فيتعرض للعطب والهلاك.
ولا يوجد بطبيعة الحال مقياس دقيق للسواء والانحراف.. وقد يكون الإقدام في موقف ضرورة لازمة ويكون في موقف آخر مخاطرة غير متعلقة.. ولا يمكن الحكم على إنسان بأنه سوي أو منحرف بموقف واحد أو تصرف واحد، وإنما يكون الحكم بمجموعة من المواقف ومجموعة من التصرفات.
والرجاء من الجانب الآخر.. مهمته موازنة الخوف من ناحية، وإغراء البشرية بالتقدم والإنتاج والبناء من ناحية أخرى. وهو في حالته السوية يؤدي دوراً رئيسياً في حياة الإنسان. ولكنه عرضة للانحراف بالنقص والزيادة كالخوف سواء.
حين ينقص الرجاء عن معدله الطبيعي يصبح الشخص متشائماً والحياة في عينيه قائمة. والتشاؤم مرض يصيب النفس فتنكمش وتنحسر عن مجالات نشاطها الحيوي، فضلا عن أنه شعور مؤذ يفسد متاع الحياة ويفوّت على النفس طيباتها، فضلا عن الأسى والحزن والألم الذي يصيب النفوس المتشائمة، ويكيف كل تصرف وكل شعور.
وحين يزيد عن معدله الطبيعي يصبح خيالا أجوف وأحلاما فارغة! وهو مرض كذلك وإن كان مرضاً براقا في ظاهره، كالذي يتورد خداء نتيجة الحمى لا من السلامة والنشاط!
والمصابون بالتفاؤل الزائد عن الحد ينفقون حياتهم في أوهام لا تعود عليهم بطائل، وتبدد نشاطهم الحيوي في غير إنتاج نافع. كإناء البخار المثقوب، يتسرب منه البخار أولا بأول بدلا من أن يتحول إلى طاقة محركة في عالم الواقع.
وهذا غير ما يصيب هذا الخط من انحرافات في "نوع" الرجاء. فقد يرجو باطلا، وقد يتعلق بأمر لا يصيبه منها إلا الضرر والبوار. وفي الجملة هو اختلال يفقد التوازن ويبدد الطاقات.
تلك ألوان من الانحراف والشذوذ تصيب كل خط بمفرده من الخطين المتقابلين. ثم يوجد انحراف آخر حين لا يتوازن الخطان بالنسبة لبعضهما البعض، والمفروض فيهما في الحالة السوية أن يتوازنا ليعادل كل منهما الآخر. فإذا زاد الخوف على الرجاء، أو زاد الرجاء على الخوف حدث جنوح مرضيّ شبهناه من قبل بذي الكتف الواحدة الماثلة من اليمين أو من اليسار.
وكما قلنا من قبل لا يحكم على الإنسان بموقف واحد ولا تصرف واحد.. وإنما بمجموعة كاملة من المواقف والتصرفات.
* * *
والحب والكره هما الخطان التالين في النفس البشرية، اللذان تكاد مساحتهما تساوي مساحة الخوف والرجاء.
وهما عرضة لألوان شتى من الانحراف والشذوذ.
وقد تحدث فرويد بتفصيل شديد عن هذه الانحرافات لأنه اعتبرهما الخطين الرئيسيين في النفس البشرية بل الخطين الوحيدين، ومن هنا صب فيهما كل انحرافات البشرية!
والواقع –بصرف النظر عن فرويد –أن انحرافاتهما شديدة وكثيرة. ومع أن مساحتهما في النفس ليست أكبر من مساخة الخوف والرجاء ولا مقدمة عليهما كما ظن فرويد، إلا أن هذه المساحة مملوءة بخيوط أدق ومن ثم فهي أكثر!
الانحراف الأكبر في الحب أن يتوجه إلى شيء أو شخص لا يستحق الحب! والانحراف الثاني أن يتوجه إلى شيء أو شخص –ولو كان مستحقاً للحب- بقدر أكبر مما ينبغي! وكلا الأمرين يفقد الإنسان التوازن المطلوب.
حين يتوجه الإنسان بطاقة الحب إلى شخص أو شيء أو فكرة أو نظام أو موقف أو تصرف لا يستحق الحب، فهو ينحرف وراء هذا الحب في اتجاه باطل، ولا يكون مستخدماً لطاقة الحب الفطرية في مجالها الصحيح. وعلى قدر ما يكون الفساد في ذلك الشخص أو الشيء أو الفكرة أو النظام أو الموقف أو التصرف تكون خطورة الانحراف أو خطورة الشذوذ.
وحين يتوجه الإنسان إلى شيء من ذلك كله توجهاً عنيفاً يفقده ضوابطه، فلا يملك نفسه،ولا يملك رشده، ولا يعرف أين ينبغي أن يقف ولا متى ينبغي أن يرجع.. فهذا اختلال ظاهر ملموس.
ولا نريد أن نخوض في ألوان الحب الفاسد ولا مظاهر الانحراف فيه، فهي ظاهرة. ولكنا نشير فقط إلى أن فرويد –الذي تخصص في الكتابة عن شذوذات الحب- لم يجعل في حسابه أن حب القيم الفاسدة لون من الانحراف.. لأنه لا يُدْخِل القيم في حسابه!ّ ولم يجعل في حسابه أن مشاعر الحب المحرمة لون من الشذوذ، لأنه يعتبر "النظافة" وحدها هي الشذوذ! [قال فرويد صراحة في كتاب Three Contributionsص82 إن التسامي لون من الشذوذ!!] ومن ثم يضيع كثير من الجهد العلمي الذي بذله فرويد هباء بسبب ما في نظريته من انحراف وشذوذ!
والكره صنو الحب في انحرافاته وشذوذاته. فهو عرضة لانحرافين رئيسيين: التوجه إلى شخص أو شيء أو فكرة أو نظام أو موقف أو تصرف لا يستحق الكره [بل يستحق الحب] والتوجه إلى شيء من ذلك كله [ولو كان مستحقاً للكره حقاً] بدرجة من العنف تفقد الإنسان تعقّله واتزانه.
ومرة أخرى لا ينبغي الجري وراء فرويد في نظريته الخاطئة عن الكره [وقد شرحنا ذلك من قبل في الحديث عن الحب والكره في فصل الخطوط المتقابلة في النفس البشرية] ولا يجوز أن نصدق أسطورته القائلة بأن الإنسان يتوجه تلقائياً بشعور الكره إلى كل شخص أو شيء يتوجه إليه بشعور الحب! [أسطورة الازدواج العاطفي Ambivilence].
ثم يأتي الانحراف الآخر من زيادة نسبة أحد الخطين إلى الآخر، والمفروض فيهما أنهما متوازيان ومتعادلان.
فالشخص الذي تزيد فيه نسبة الحب عن الكره شخص لطيف حقاً، متسامح، ودود. وكل ذلك جميل في ظاهره. ولكنه حين يزيد عن مقداره شخص سلبي وغير واقعي. وغير منتج. فهو حين لا يكره الشر ولا يقاومه. ولا يكره الظلم والفساد. ولا يكره انحرافات الناس ولا يقوّمها.. فماذا تكون النتيجة؟! وما القيمة العملية لكل الصفاء الذي يصنعه الحب؟! وماذا صنعت الهندوكية على كل ما فيها من صفاء ومودة ولطف، في تحسين حال البشرية وإقامتها على منهج صحيح؟!
أما الشخص الذي تزيد فيه نسبة الكره فهو شخص حقود لا يحب الخير للناس لأنه لا يحب الناس. وهو شخص مريض لأنه "يفرز" إفرازاً زائداً من إحدى "غدده النفسية" التي ينبغي أن يظل إفرازها في حدود المعدل المطلوب.
ولا ينبغي أن ننسى أن قدراً من الحب والكره لا إرادة للإنسان فيه ولا حيلة! ولذلك لا يعتبر في دائرة الانحراف. ولكن المطلوب من الإنسان أن يستخدم فرامله الضابطة ليصبح هذا الحب أو الكره في نطاق المعقول [أحبب حبيبك هوناً ما.. وابغض عدوك هونا ما..!]166 ولا يعتبر في دائرة الانحراف على أي حال إلا القدر الزائد عن المعقول. والإنسان المتوازن –بحكم توازنه- يضبط هذه الانفعالات ويوجهها الوجهة الصحيحة بقدر ما يستطيع. ولكنه منحرف حين لا يحاول الوصول إلى هذا الاتزان.
* * *
الحسية والمعنوية.. والواقع والخيال.. والإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بالغيب.. تلك الأزواج الثلاثة المتداخلة، وإن كانت –كما بينا من قبل- متميزة ومستقلة، يصيبها الانحراف والشذوذ كما يصيب بقية الخطوط.
حين تزيد الحسية عن معدلها يغرق الإنسان في المتاع الحسي ويصبح كل همه وكل مشتهاه.
وحين تزيد المعنوية عن معدلها ينسى الإنسان متاعه الحسي ويصبح كل همه القيم والمعنويات. ولا شك أنه يبدو لنا –لأول وهلة- أن هذا شيء جميل لا عيب فيه. ولكنا لو تدبرنا الأمر لم نجده كذلك.
"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها! فقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني"167.
وتدبر هذه الواقعة يعطينا مفتاح الموقف: ليس الاهتمام بالمعنويات أمراً مذموماً في ذاته. بل هو طلبة الإنسانية الراشدة الجديرة بالخلافة عن الله. ولكن الأمور لا تستقيم حين يهمل الإنسان عالم الحس ويترهبن. فأبسط النتائج لذلك توقف عملية الحياة وتوقف الإنتاج! وإنما نحمد من إنسان معين أن يغلّب معنوياته على حسياته ليضرب المثل للناس. ولكنا لا نحمد له أن يبالغ في ذلك كما صنع أولئك الرهط الثلاثة، لأنه يعطي مثلاً سيئاً لا ينفع الحياة. [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا]168.
والواقع والخيال طاقتان فطريتان متوازنتان.. وضروريتان.
فإذا زادت الواقعية فذلك انحراف.. وهو انحراف شديد الظهور في هذا الجيل من البشرية الذي يعيش اليوم في ظل التقدم العلمي وفتوحاته الباهرة.
وفي غير هذا الكتاب تحدثنا عن هذه الواقعية المريضة التي أصابت الغرب في "نهضته" الحديثة169. ولن نعيد هنا ما كتبناه هناك. وإنما نتحدث عن هذا المرض كظاهرة نفسية.
الشخص الذي ينهمك في عالم "الواقع" ينتج فيه ولا شك إنتاجاً ظاهراً، ويزداد قوة في حساب المادة. ولكنه يضيّق أفقه إلى أقصى مدى حين يحصر اهتمامه في هذا الواقع الضيق المحصور. ومهما يكن من إضافته للحياة بهذه الواقعية فهو ينقص منها بتضييق آفاقها. والشعب الأمريكي مثل بارز لهذا الانحراف، فهو –من شدة حياته في دائرة الواقع- قد صار يشبه الآلة في انتظامها ودقتها.. وعدم إحساسها.
والأزمة التي تمر بها الفنون في العصر الحديث أزمة ذات دلالة. فهي تدل على نضوب جانب من جوانب الإنسان وجفافه، وهي ظاهرة خطيرة حين تصل إلى مداها، لأنها تقف النمو البشري وتحصره في محيط الآلة ومحيط الحيوان.
وعلى كل "العلم" الذي تعلمه أمريكا وروسيا، وتبدو ظواهره في سباق الفضاء الجبار، فإن "إنسانية" هذين الشعبين في طريقها إلى الهبوط الدائم بسبب إغراقها في الواقع المحصور.
والخيال هو الذي يوازن الواقع ويوسع آفاقه. وهو –كما بينا من قبل- عنصر ضروري للحياة. فلن يحسّن الإنسان نظمه وأفكاره ومشاعره إلا إذا "تخيل" ما هو خير منها. والإحساس بالجمال وتصور الكمال- وهما دافعان أصيلان من دوافع البشرية إلى التقدم –لا يتمان إلا عن طريق القدرة على التخيل والإبداع. وتلك مهمة الخيال في حياة البشرية..
ولكن الزيادة في نسبة الخيال تضر ولا تنفع.. فالشخص أو الأمة اللذان يعيشان في الخيال لا ينتجان شيئاً لعالم الواقع، ويبددان طاقتهما في لا شيء.
والشخص الذي يعيش في أوهام دائمة من الخيال شخص مريض.. وعرضة لكثير من ألوان الشذوذ، الجنسي بصفة خاصة، وعرضة للانطواء والسلبية. وليس من الضروري أن يصاب بكل هذه الانحرافات، ولكنه كما نقول عرضة لها، لأنه لا يوجه طاقته نحو الواقع ليوازن خيالاته، ولأنه يتعود أن يحقق وجوده –نظرياً- في عالم الخيال فيصاب بأحلام اليقظة، وتصبح تلك بديلا من النشاط الواقعي المثمر.. وهو في كل حالاته شخص غير موزون.
وقريب من ذلك –وليس الشيء ذاته- الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بالغيب.
فالذي يحصر عالمه فيما تدركه الحواس فحسب، يلغي من حسابه الله والعقيدة وما يتصل بها من قيم ونظم ومشاعر وأفكار، وهذا الانحراف الخطر هو الذي يستولي على الغرب في وقته الحاضر، ويتسبب عنه كل ما يعانيه الغرب من اختلالات في النظم والعقائد والأفكار.
إن الإيمان بالله واليوم الآخر –وهو إيمان بالغيب- يعدّل كثيراً من ألوان السلوك البشري، ويوازن كثيراً من الطاقات والتصرفات. أما إنكار الله واليوم الآخر فأقل ما ينتج عنه هذه المظالم التي تملأ وجه الأرض، والتي يرتكبها من يرتكبها لأنه ليس في حسابه أنه سيلقى الله. وهذا التكالب البشع على متاع الأرض –وما ينتج عنه من انحرافات- هو تكالب العامل الأساسي فيه عدم إيمان الناس بوجود يوم آخر خالد النعيم، يعوض الإنسان عن متاعه الزائل الذي لا يشبع منه بنعيم خالد لا يزول. ولو آمن الناس بالله واليوم الآخر لانصلح حال البشرية وزال ما تعانيه اليوم من القلق والاضطراب النفسي والعصبي الذي لا مثيل له في كل تاريخ البشرية.
والغرب بطبيعة الحال لا يسمي هذا مرضاً، ولا انحرافاً ولا شذوذاً.. حتى وهو يرى ما ينشأ عنه من أمراض وانحرافات وشذوذات!
ولكن الإيمان بالغيب ينبغي أن يظل في حدود معدله المطلوب. وإلا فإن زيادته عن المعدل السوي تصيب الإنسان بألوان أخرى من الانحراف.
الإيمان الزائد بالغيب –على حساب الإيمان بما تدركه الحواس- يعرض الإنسان لإهمال عقله وفكره، والنتائج العملية التي يجنيها من إعمال عقله وفكره.
يعرضه لإهمال "العلم" النظري والتجريبي القائم كله على ما تدركه الحواس، فيفسر الحياة كلها بعوامل غيبية لا سبيل إلى السيطرة عليها ولا التحكم فيها [إلا بأعمال السحر.. وهذا منشأ الخرافة].
ويعرضه كذلك للوسواس.. فما دام كل شيء نابعا مما وراء الحس [ولا شيء في عالم الحس] فلا يقين بشيء، وكل شيء عرضة للتغير بلا سبب ظاهر ولا مفهوم، وكل حركة وكل سانحة قد تكون رمزا لشيء مجهول.. [وهذا منشأ الوسواس]
وحقيقة إن ما وراء الحس هو المنبع الحقيقي لكل شيء. وإن العوامل الغيبية هي التي تسيطر على الكون والحياة. ولكن الله –من وراء الغيب- قد أعطى الإنسان عالما محسوسا يعيش فيه، وأعطاه الأداة التي تتفاهم مع هذا العالم المحسوس وتتعرف قوانينه لتستخدمها وتنتفع بها –وهي العقل- وسخر للإنسان كل ما في السماوات والأرض ["وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ"170]. فأصبح متعينا على الإنسان أن يستخدم ما تدركه حواسه ويؤمن به –مع إيمانه بالغيب- ليتوازن هذا وذاك.
أما الإيمان بالغيب وحده، أو بنسبة زائدة عن المعدل، فهو إهدار للواقع الحسي وتعطيل عن الإنتاج المثمر وقلق كذلك في النفس واضطراب.
والتوازن هو الإيمان بالعالمين معاً، والعمل بمقتضى هذا الإيمان. ["كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ"171].
* * *
الفردية والجماعية نزعتان فطريتان، متعادلتان متوازنتان، وهما تؤديان دورهما في حياة الإنسان بهذا التعادل والتوازن. فإذا زادت إحدى النزعتين على حساب الأخرى فذلك انحراف يخل بتوازن النفس.
فحين تزيد النزعة الفردية فهي إما فردية انعزالية انطوائية، وإما فردية أنانية عدوانية. وفي كلتا الحالتين هي مرض وانحراف عما ينبغي للنفس السوية.
الفردية الانطوائية [وهي في الغالب مزيج من مرضين معا: الفردية والسلبية172] تقبع داخل ذاتها ولا تخرج إلى المجتمع ولا واقع الحياة. لقد تجسم فيها جانب الفرد وانحسر جانب الجماعة. وهي ليست شريرة [في الغالب] بل قد يكون منها علماء وفنانون يخدمون البشرية بعلمهم وفنهم. ولكنهم لا يحبون التعامل المباشر مع الحياة ولا يطيقونه.. معاملاتهم ضيقة ومحصورة، وفي حدود الأفراد لا الجماعات. وقد يعطفون على المجتمع جدا، ولكنهم يهربون منه، لأن جهاز التعامل المباشر مع الآخرين معطل في نفوسهم، لا يحدث النشوة الطبيعية التي يحدثها في النفوس السوية.. ولأنهم [في الغالب] طيبون ونافعون بإنتاجهم الفكري، فالناس تتجاوز عن انحرافهم أو شذوذهم، أو تتسلى بالحديث عنه! ولكنه في مقياس النفس اختلال! وهو ليس فريضة على الفنانين والمفكرين! فالاستواء لا يمنع المواهب من الظهور. بل على العكس يوسع مساحتها ويزيد ثمرتها. والمفكرون والفنانون الأسوياء في تركيبهم النفسي أبعد أثرا في الحياة من الانعزاليين الانطوائيين الذين يقدمون للبشرية أفكارهم دون أن يجاهدوا في عالم الواقع لتحقيق هذه الأفكار. ولكل درجات مما عملوا. ولكن بعضهم أفضل من بعض بجميع المقاييس..
أما الفردية العدوانية فهي التي يحس الناس فيها بالانحراف واضحا، لأن العدوان يظهره ويجسمه. والمصاب بهذا المرض شخص أناني لا يحس بوجود أحد إلا ذاته. وحين يحس بالآخرين، فهو يحس بهم كأن وجودهم يضغط وجوده هو المنتفش الزائد عن حقه! فيكرههم ويعتدي عليهم.
والطغاة كلهم من ذوي الفردية الأنانية العدوانية. ولذلك فالطغيان مرض نفسي. ولا يمكن أن يلجأ إليه شخص سوي. وهنا الفرق بين الزعامة والطغيان. فالزعيم شخص "عظيم" أي أنه ضخم الشخصية، ولكنه ليس فرديا أنانيا. بل هو محب للجماعة متجاوب معها مخلص لها حسن المعاملة لها. وإنما عظم شخصيته هو الذي يجعله في مكان القيادة، وليس أنانيته الطاغية التي تميل إلى استعباد الآخرين وإخضاعهم. وربما كان المحك الواضح للفرق بين التركيب النفسي للزعيم والتركيب النفسي للطاغية، أن الزعيم يبحث عن القوى والطاقات في الجماعة فينميها، ويفرح كلما وقع على طاقة نافعة فيستعين بها ويدفعها إلى الأمام، بينما الطاغية لا يطيق إلا نفسه، فكلما وجد طاقة بارزة سعى إلى التخلص منها ولو بطريق الغدر الخسيس! ولا يعنيه أن تكون نافعة للمجموع. فنفع نفسه عنده هو الأول والآخر، ولا مصلحة لأحد سواه.
وكما أن الفردية الانطوائية مزيج من مرضين معا: الفردية والسلبية الزائدة، فكذلك الفردية العدوانية مزيج من مرضين: الفردية والإيجابية الزائدة. وفي كلا الحالين ينحسر الجانب الجماعي من النفس ويبرز الكيان الفردي في صورة من الصور. وتختلف درجة السوء من فردية لأخرى، ولكنها في جميع الحالات انحراف عن الاستواء الفطري الجميل.
أما النزعة الجماعية الزائدة.. أو الانسياح في الجماعة.. فهي مرض يذهب بالشخصية أو يضعفها. فالإمعة الذي لا رأي له ولا شخصية، الذي ينساق وراء كل رأي، ويهتف وراء كل ناعق، ويسير تارة إلى الشمال وتارة إلى اليمين.. هو شخص ضاعت فرديته فأمحت شخصيته، وأصبح كماً مهملا لا حساب له ولا وزن. وهذا مرض خطر. . فإن الله لم يخلق الناس ليذيبوا ذواتهم ويعدموا شخصيتهم على هذا النحو. فضلا عن أن إقامة الحياة الراشدة التي أمر بها الله تحتاج إلى أشخاص ذوي شخصية ورأي وقدرة على احتمال التبعات. أما هؤلاء الإمعات فلا يقيمون شيئاً ولا ينقضون شيئا. وهم هم الوقود الذي يأكله الطغاة، بل هم الذين يشجعون الطغاة على طغيانهم. فالعبيد يصنعون الطاغية. ["فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ"173].
وجميل أن يخدم الإنسان الجماعة ويحبها ويتجاوب معها. وهي نزعة سوية مطلوبة تؤدي دورها في الحياة. أما أن يفنى فيها، فيسايرها وهي صاعدة، ويسايرها وهي هابطة سيان، ولا يفكر في تقويمها حين تخطئ، ولو بالقلب، وهو أضعف الإيمان.. فأمر لا جميل ولا مفيد، فضلا عن الضعف والخزي والهوان.
* * *
والسلبية والإيجابية نزعتان فطريتان متعادلتان، فإذا زادت إحداهما أو نقصت حدث في النفس الاختلال.
وقد بينا من قبل دور السلبية السوية، وكيف أنها ضرورية في حياة الإنسان. فأما السلبية الزائدة، سواء كانت انعزالا انطوائياً عن الحياة، أو انسياحاً في الجماهة تضيع فيه الشخصية وتمحّى.. فهي مرض يبدد طاقة الإنسان الحية ويضيعها بغير ثمرة، أو بغير ثمرتها الكاملة التي كان يمكن أن تؤدى إليها في الحالة السوية. وهي من الأمراض التي تصيب "الشخصية". فالشخص السلبي لا يمكن أن يكون ذا شخصية قوية، ولا يمكن أن يكون له تأثير على الآخرين. [قلنا في الفقرة السابقة إن بعض الانطوائين يكونون علماء وفنانين ينفعون البشرية بإنتاجهم الفكري. ولكن ليس كلهم بطبيعة الحال! وهؤلاء الانطوائيون المنتجون ليسوا سلبيين إلى درجة المرض] فالنفع والتأثير، يحتاجان إلى قدر من الإيجابية يجعل الناس يحسون "بوجود" الشخصية فيحترمونها. ولا يمكن أن يتأثر الناس بشخص لا احترام له في نفوسهم!
أما الإيحابية الزائدة فانحراف مقابل، يؤدي إلى التبجح والعناد والطغيان والعدوان وعدم احترام حقوق الآخرين ووجودهم.
وقد يبدو لأول وهلة أن الإيجابية الزائدة مزية وفضيلة، فهي تورث الشجاعة وبروز الشخصية واحترام الآخرين لصاحبها. وذلك كله صحيح في الحدود السوية المعقولة. أما حين تزيد عن حدودها فهي مرض متعب! متعب لصاحبه وللآخرين. فصاحب هذا المرض صعب الانقياد جداً.. حتى للحق! فهو يظن الخضوع للحق حطة ومذلة! وصعب الانقياد للجماعة. فهو نافر ناشز. ولا تستقيم أمور الجماعة حين ينشز أفرادها على هذا النحو. وفوق ذلك كله فهو ذاته لا يعيش في راحة، فهو لا يفتأ يحس أن افتياتا وقع عليه من هنا أو من هنا. وهو إما أن يصل إلى القيادة والزعامة ليتصرف في الناس على هواه، وإما أن ينشز ويشغب على النظام، ولذلك فهو دائم الاحتكاك بالناس حتى يقهرهم أو يقهروه. ولكنه لا يحسن أن يعيش في سلام ومودة مع الآخرين.
وتلك ليست فضيلة بطبيعة الحال.. وإنما هي مرض متعب خطير!
* * *
والزوج الأخير من الخطوط المتقابلة التي أثبتناها في هذا الكتاب هو الالتزام والتحرر. وقد بينا من قبل وظيفة كل من الخطين وطريقة تعادلهما في الحياة السوية. فأما حين تزيد النسبة أو تنقص عن معدلها السوي فلا بد أن يحدث انحراف.
حين يزيد الميل إلى الالتزام فإنه يوشك أن يستعبد الإنسان حتى لا يملك التصرف في أبسط الأمور. ويصبح الإنسان بالفعل أقرب إلى العبد منه إلى الشخص الحر.. ولو كان رسمياً من الأحرار!
والموظفون في دواوين الحكومة مثل من أمثلة هذا الانحراف. فقد انطبعوا على الالتزام "بالأوامر" و"الروتين" حتى صارو أدوات عاجزة، تعجز حتى عن التنفيذ السليم للروتين!
والطغيان في أي بلد يسعى إلى بذر هذا اللون من المرض في نفوس الشعب الذي يحكمه، ليأمن على وجوده، ويضمن أن تنفذ أوامره بلا معارضة ولا سؤال.
ولسنا هنا نتحدث عن أسباب الانحراف وإنما نصف مظاهره. ومظاهره هي هذه العبودية الصريحة أو المقنعة التي تتملك المصابين بهذا المرض، فتعجزهم عن التصرف في المواقف التي لا تسعفهم فيها القوالب المحفوظة، ويتعين عليهم فيها أن يتصرفوا من ذات أنفسهم.
وهو –ككل مرض نفسي- درجات مختلفة، تبدأ من الانحراف البسيط إلى الشذوذ. والشذوذ في هذه الحالة يصل إلى العجز الكامل عن التصرف، والنفور من الحرية حين يعطي المريض الحرية. لأنه يحس كأنما الجن والغيلان ستتلقفه في كل خطوة لو خرج عن الروتين المرسوم، أو لو وجد في موقف ليس له روتين سابق محفوظ!
وطبيعي أن مثل هؤلاء الأشخاص -أو الشعوب- يرفضون كل فكرة جديدة ولو كانت صائبة، ويرفضون كل تقدم ولو كان إلى الخير: ["إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ"]174.
وعندئذ يكون الالتزام قد جاوز غايته السوية، التي مؤداها إطاعة النظم والقوانين الصالحة على وعي وبصيرة ورشد، وليست الطاعة العمياء التي لا تضيف شيئاً إلى رصيد الحياة وتحول الناس إلا آلات.
أما التحرر الزائد عن الحد فعيبه أنه مرض يجعل صاحبه يستنكف الالتزام بأي أمر من الأمور، وينفر من القيود إطلاقاً ولو كانت قيوداً ضرورية وصالحة. لأنه يرى في الالتزام مساساً بكرامته، وفي التقيد حداً من كيانه الذاتي. وهذا مرض ولا شك. فالشخص السوي لا يستنكف الالتزام بالأوامر الصالحة، ولا يحس فيها ما يجرح كرامته. بل على العكس يجد راحة حقيقية في إطاعة داعي الخير والالتزام بأوامره. أما المريض بالرغبة الزائدة في التحرر فقد يتعمد مخالفة كل أمر رغبة في المخالفة ليس غير، لا عن اقتناع حقيقي بأن المخالفة أصوب من الالتزام!
والغرب اليوم مصاب هذا المرض إلى درجة الشذوذ.. فهو يستنكف أن يعبد الله، وينفر من القيود الخلقية في سلوكه الجنسي، ويحسب هذا "تحرراً" سوياً، وهو مرض بالتحرر الزائد عن الحد..
وفي كتاب "الإنسان" وكتاب "معركة التقاليد" وكتاب "منهج الفن الإسلامي" تحدثت عن الأسباب التي أدت بالغرب إلى الإصابة بهذا المرض الذي وصل هناك إلى درجة الشذوذ. ونكتفي هنا بأن نذكر أن "العقلاء" في الغرب، من الساسة والزعماء والمفكرين قد بدأوا يحسون بخطر هذا المرض المدمر، فيدقون لشعوبهم أجراس الخطر، وينذرون هذه الشعوب بأنها معرضة للانحلال والانهيار..
والغرب –مع ذلك- لم يضع يده على موطن الداء كله.. ولكنه بدأ يحس على أي حال أن ما أصابه لم يكن تحرراً سوياً وإنما هو مرض يحتاج إلى علاج.
أما علم النفس في الغرب فلعله لم يفق بعد من النكسة التي أصابته على يد فرويد.. ولكنه سيئوب حتماً إلى رشده ويرى الأمر في وضعه الصحيح.
* * *
تحدثنا حتى الآن عن الخطوط المتقابلة في النفس البشرية ومظاهر الاختلال التي تتعرض لها في أثناء النمو. ولعلنا لاحظنا أن بعض مظاهر الاختلال متداخلة بعضها في بعض. فالسلبية الزائدة والالتزام الزائد عن الحد مرضان متشابهان من بعض الوجوه ومتداخلان. وكذلك من الجانب الآخر الإيجابية الزائدة والتحرر الزائد عن الحد. كما تتداخل الواقعية الزائدة مع الإيمان المفرط بما تدركه الحواس، وتتداخل من الجانب الآخر النزعة الخيالية المسرفة مع الإيمان المفرط بما لا تدركه الحواس.. الخ.
وليس منشأ هذا التداخل أن هذه الخطوط –في أصلها السوي- غير متميز بعضها عن بعض. فهي –كما رأينا في حديثنا السابق عنها- متميزة ومستقلة. ولكنها متشابكة كشبكة الأعصاب في الجسم يتصل بعضها ببعض. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن المرض قلما يصيب "عضواً نفسياً" واحداً، وإنما يصيب مجموعة الأعضاء المتشابكة، وتنتقل العدوى انتقالاً طبيعياً من عضو إلى عضو. كما تحدث –في حالة الجسم- إضابة بالدوسنتاريا في الأمعاء وتتلف الكبد بعد ذلك أو تتلف الزائدة الدودية!
وفضلا عن ذلك فإن العمليات النفسية –كما بينا في فصل "الخطوط المتقابلة"- معقدة شديدة التعقيد. ولا توجد عملية واحدة تصدر عن جزء واحد من النفس، وإنما تصدر عن النفس في مجموعها، مع "تخصص" في أحد الجوانب، لذلك يكون طبيعياً أن تتعدد مصادر المرض وتتشابه بعض الأعراض.
* * *
وننتقل مع الانحرافات خطوة أخرى فنتحدث عما يحدث بالنسبة للدوافع والضوابط من أمراض. وسنجد –مرة أخرى- تشابهاً مع بعض الأمراض التي ذكرناها من قبل، بسبب ما أشرنا إليه منذ هنيهة من تشابك وتعقد في بناء النفس البشرية.
الدوافع والضوابط –في حدودها السوية- تؤدي –كما ذكرنا في الفصل الخاص بها- مهمة المحرك والفرملة في النفس. ولنا ان نتصور ما يمكن أن يحدث حين يكون المحرك أقوى من طاقة السيارة –والفرامل ضعيفة- أو تكون الفرامل لاصقة بالعجلات تمنعها من الاستجابة لدفعة المحرك.. وما أشبه ذلك من اختلالات.
وقد قلنا إن الدوافع بصفة عامة يمكن أن تختصر في دافع أصلي شامل، هو حب الحياة. وهو دافع ضروري وأساسي في مهمة الخلافة التي يقوم بها الإنسان في الحياة. ولكنه دافع خطر حين يزيد عن الحد. فالتعلق الشديد بالحياة مصيره إلى إفساد الحياة ذاتها باللهفة الدائمة التي لا تشبع، والقلق الدائم والاضطراب.
وقد خرجت أوربا من رهبانية القرون الوسطى متلهفة إلى الحياة، ممسكة فيها بأنيابها. وحدث تقدم عظيم في العلوم والإنتاج المادي بهر العيون وزاد القوم تشبثاً بالحياة. وظن الناس أن هذا هو الطريق! وأن التقدم العلمي والمادي لا يأتي إلا من هذا الطريق.
ثم مر جيل أو جيلان.. وبدأت الموجة المندفعة تكشف عن مخاطرها.. إن هذا التشبث الزائد بالحياة هو ذاته الذي يصيب النفوس هناك بالقلق والاضطراب النفسي والعصبي وضغط الدم والجنون والإحساس الدائم بالفراغ والخواء، والمحاولة الدائمة للهروب من هذا الفراغ والخواء بالبحث عن متعة جديدة.. أو بالانتحار..!
وتلك نتيجة طبيعية –غير مستغربة ولا مفاجئة- للتشبث الزائد بالحياة.
فالدوافع الفطرية بصفة عامة –سواء الأصل أو الفروع- خلقت هكذا: لا تشبع بالغذاء الزائد عن الحد، وإنما تنفلت من حيزها المعقول؛ ولا تعود تشبع مهما قدم إليها من الغذاء! وهذا مبدأ الانحراف الذي ينتهي بالشذوذ. وقد استفحل المرض في الغرب ونشأ عنه كل ما هو مشاهد اليوم من انحرافات خلقية واقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية وروحية.. الفوضى الجنسية. وتفكك روابط الأسرة. والرأسمالية. والشيوعية. والشقاء الفردي والجماعي الذي يظلل الأرض بوجهه البشع كما لم تعرفه البشرية قط في تاريخها الطويل.. ثم الحروب المدمرة الكافرة: حربان في ربع قرن والثالثة تهدد العالم بالدمار المفزع الرهيب.
من أجل ماذا؟
من أجل التشبث الزائد بالحياة.
وليس معنى ذلك أن ينصرف الناس عن الحياة لينجوا من هذه الأمراض والاختلالات..
فالانصراف عن الحياة.. أو ضعف الدفعة الحيوية.. هو الانحراف المقابل. وهو مرض كذلك. لأنه يعطل وظيفة الإنسان الرئيسية التي خلق من أجلها. وظيفة الخلافة عن الله في الأرض. ويؤدي إلى سلبية مريضة لا تنتج ولا تتقدم، ولا تضيف في عالم الواقع جديداً ينفع الأحياء [كالهندوكية والرهبانية].
وكلاهما اختلال يصيب الدوافع الفطرية بصفة عامة، ويصدق كذلك على كل دافع بالتفصيل.
* * *
قسمنا الدوافع من قبل إلى: حفظ الذات، وحفظ النوع، والملك والقتال، وحب البروز.
ونتحدث الآن عن كل واحد من هذه الدوافع، وما يصيبها –بالنقص والزيادة- من انحرافات.
حفظ الذات، بما يشمله من طعام وشراب، وما يتبعه من حب للراحة والاستمتاع، دافع طبيعي فطري يؤدي مهمته السوية في حياة البشرية.
ولكنه حين يزيد عن حده المرسوم تنشأ عنه ألوان مختلفة من الأمراض والانحرافات..
الأنانية التي تبحث عن خيرها وحدها على حساب الآخرين. والاستعباد لشهوة الطعام والشراب والملبس والمسكن. والترف والاسترخاء. والقعود عن الجهاد في سبيل الحق ودفع الظلم، حرصاً على سلامة الذات من التعرض للأخطار. وقد جاء في تصريح للرئيس الأمريكي أن مستقبل أمريكا في خطر، لأنه من بين كل سبعة شبان يطلبون للتجنيد لا يوجد إلا سنة يصلحون للتجنيد، والآخرون أفسدهم الترف والإغراق في الشهوات. فضلا عن فرار المجندين من الجيش بنسبة ذريعة، إذ فر في سنة واحدة مائة وعشرون ألفاً من الجيش الأمريكي إيثاراً للراحة وابتعاداً عن الأخطار!
ومن جهة أخرى حين ينقص هذا الدافع تنشأ السلبية المترهبنة التي لا تبالي بالحياة.. فلا تتقدم عن طريقها الحياة.
وقد أشرت في كتاب "منهج التربية الإسلامية" إلى وجوب التفريق بين الزهادة في متاع الأرض، التي يتصف بها المصلحون، والرهبانية السالبة التي لا تهتم بأمر الحياة والأحياء. فهذه الزهادة ليست ضعفا في الدافع الحيوي، وإنما هي ضبط فائق لهذا الدافع، في سبيل القيم العليا في الحياة. وينبغي على أي حال ألا تصل إلى الانصراف الكامل الذي يعطل دفعة الحياة.
وحفظ النوع يتمثل في الدافع الجنسي..
والزيادة فيه تؤدي إلى أمراض وانحرافات غنية عن الإشارة. والمجتمع الغربي الذي أصيب في نكسته الأخيرة بالسعار الجنسي، يعرض أمثلة شتى لهذا الانحراف.. بما في ذلك الشذوذ الجنسي بمعناه المعروف، والذي ينشأ كنتيحة فرعية لهذا السعار! [جاء في الأخبار أن أمريكا –وهي من أشد البلاد إباحية وفوضى في المسألة الجنسية- طردت ثلاثة وثلاثين من موظفي خارجيتها لإصابتهم بالشذوذ الجنسي، ولأنهم –بهذه الصفة- لا يؤتمنون على أسرار الدولة!]
أما النقص في هذا الدافع فيولد أمراضا أخرى، منها البلادة والسلبية والرهبانية وعدم الإقبال الجاد على الحياة.
وقد تحدث فرويد حديثا مستفيضا –مسرفاً- عن الدافع الجنسي في جميع صوره وأشكاله، وانحرافاته وشذوذاته، وليس من همنا هنا استقضاء هذه الصور وتتبعها. فذلك مبحث متخصص. وسنعود إلى بعض هذا الحديث عند الكلام عن الضوابط وأثرها الزائد بالنسبة للدافع الجنسي. ولكنا نكرر ما أشرنا إليه مراراً من شذوذ فرويد وانحرافاته وهو يتكلم عن دافع الجنس بهذا الإسراف المعيب.
والملك دافع فطري يؤدي مهمته في الحياة البشرية..
ولكنه حين يزيد ينقلب إلى أثرة بغيضة لا تشبع، وعدوان على حقوق الآخرين. وهو مرض يصيب الأفراد والشعوب والدول فلا يتركها في راحة، ولا يسلم من عدوانها الآخرون. والاستعمار بكل جرائمه لون من هذا الانحراف يقول علماء الاقتصاد إنه نتيجة "حتمية" وحقيقته أنه انحراف في النفوس.
أما نقص هذا الدافع فنتيجته السلبية والخنوع لعدوان الآخرين الراغبين في مزيد من التملك والاستحواذ!
والقتال دافع فطري ضروري للحياة..
ولكنه يزيد فينقلب إلى رغبة في العدوان وتلذذ بإذلال الآخرين. ويصل في حالات الشذوذ إلى شهوة في القسوة والتعذيب [سادزم] تلتذ بمنظر الدم، ومشاهدة الألم.. كتلذذ الحيوان المفترس، بل أشد من الحيوان. فمعظم الوحوش لا تفتك إلا في حالة الجوع، ولا تلتذ بتعذيب الفريسة إلا من أجل الحصول على الطعام. وهي وحوش على أي حال.
وينقص هذا الدافع فيتحول إلى خنوع واستسلام وضعف وسلبية ورضا بالمذلة والهوان.. ويصل في حالات الشذوذ إلى تلذذ بالألم الذي يحدثه الآخرون [ماسوشزم] وإلى الاستمتاع بالحياة كلها عن طريق الألم والعذاب!
وأخيراً حب البروز..
إنه دافع خطير من دوافع البشرية.. ضروري جداً. وخطر جداً في ذات الوقت!
فهو المسئول –في الحياة السوية- عن كثير من ألوان التقدم البشري، وكثير من ألوان الإنتاج، المادي والفكري والروحي سواء..
وهو المسئول –في حالات المرض- عن كثير من انحرافات البشرية!
حين يزيد حب البروز فهو يتخذ صوراً مختلفة، تتشكل غالباً بشكل الدافع –أو الدوافع- الأقوى في النفس. فحين يكون حفظ الذات هو الدافع الأقوى يتخذ حب البروز صورة الإسراف في الطعام والشراب والملبس والمسكن. وحين يكون الجنس هو الأقوى يتخذ صورة الإسراف الجنسي والتباهي به. وحين يكون الملك هو الأقوى يتخذ صورة الإسراف في الملك والتباهي بالاقتناء. وحين يكون القتال هو الأقوى يتخذ صورة التباهي بالعدوان.
ولا يمتنع أن تكون الدوافع كلها قوية في وقت واحد، فيتخذ حب البروز صورة الإسراف فيها جميعاً في وقت واحد، على اختلاف في الدرجات.. وفي حالات الشذوذ يصل الأمر إلى "جنون" العظمة.. وهو آخر الطريق!
وفي جميع الدوافع يختلف الجنسان قليلا أو كثيرا في طريقة الانحراف. ولكنهما أشد اختلافا في دافع البروز. فقد يتشابهان –أو يتماثلان- في انحراف الطعام والشراب أو الملك. ولكنهما يختلفان حتما في طريقة البروز. فالرجل يبرز بخصائص الرجولة، والمرأة تبرز بخصائص الأنوثة [إلا إذا حدث اختلال جنسي إضافي يجعل الرجل مخنثا والأنثى مسترجلة]..
وأشد ما تختلف فيه المرأة عن الرجل في مرض البروز، أنها تحب البروز بملابسها، وفتنتها الجسدية.. ويصل الأمر في حالات الشذوذ إلى مرض حب الاستعراض.. سواء بالملابس الشاذة أو المغرية.. أو بالعري لاستعراض اللحم العريان.
وقدر من حب البروز فطري كما قدمنا. وقدر من رغبة المرأة في نيل الإعجاب فطري كذلك ونظيف. ولكنا هنا نتحدث عن القدر الزائد عن الحد السوي. فحب الاستعراض ليس فطرة سوية. بل مرض. وحب التعري للفتنة الجنسية ليس فطرة [ففي الفطرة حياء جنسي] وإنما هو مرض. وهو مرض مستفحل في "الحضارة" الحديثة بصفة خاصة. وفرويد صاحب نصيب وافر في نشر هذا المرض، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت الثورة الصناعية والحربين العالميتين. وانتشر الوباء إلى حد أن الإصابة به صارت شيئا عاديا لا يلفت النظر ولا يثير الإنكار. بل وصل الشذوذ إلى درجة أن الحالة السوية السليمة هي التي صارت تلفت النظر وتثير الاستنكار! ولكن انتشار الأمراض لم يكن قط مبررا لاعتبارها حالة سوية، ولا للقعود عن العلاج!
وقد بدأت الحضارة الغربية –كما قلنا- تتنبه إلى أمراضها. وفي مقدمة هذه الأمراض العمل الدائم بكل الوسائل: السينما والإذاعة والتلفزيون، على إفساد فطرة المرأة، وإقناعها بأن دورها الأصيل في الحياة هو الإغراء!
أما النقص في هذا الدافع فيؤدي إلى سلبية مريضة وانطوائية ونفور من العمل المثمر وانحسار عن الحياة.
* * *
أما الانحراف من جهة الضوابط فمتعدد الألوان.
وقد لا نحتاج إلى الحديث عن ضعف الضوابط.. فهو شبيه بالحديث عن زيادة الدوافع عن قدرها السوي. فلن تصل الدوافع إلى حد الإسراف في الحقيقة إلا بسبب ضعف الضوابط التي تضبطها وتحدد لها مسالكها.
أما الإسراف في عملية الضبط فهو الذي يحتاج إلى بيان.
وقد أسرف فرويد في الحديث عن الكبت حتى خيّل للناس أن كل عملية ضبط هي عملية ضارة مدمرة للكيان البشري، معطلة للدفعة الحيوية عن الانطلاق.. وأحسب أننا نتحدث بما فيه الكفاية عن هذا الأمر. ولكن لا بأس هنا من الاستشهاد بفرويد ذاته في التفريق بين الضبط والكبت في كتابه "Three Contributions" حيث يقول إن الكبت هو استقذار الدافع الغريزي، وعدم اعتراف الإنسان فيما بينه وبين نفسه أن هذا الدفع يحق له أن يوجد في نفسه. ثم قال: "وفرق بين هذا الكبت (اللاشعوري) وبين الامتناع عن إتيان العمل الغريزي. فهذا مجرد تعليق للعمل".
فليس كل ضبط إذن كبتا ضارا مقلقا للأعصاب. فضلا عن كون الضبط عملية ضرورية للحياة البشرية لا تستقيم بدونها هذه الحياة. وفضلا عن أنها –كما بينا- عملية فطرية، نابعة من كيان النفس ذاته وليست مفروضة عليها من الخارج.
إنما يحدث المرض من زيادة الضبط عن الحد المقرر، بحيث يغلق مصارف الدافع الفطري أو يضيّق عليها الخناق. وذلك أمر لم يأمر به الله الذي خلق الدوافع والضوابط معا ليعملا –متساندين- في إرساء الحياة البشرية على قواعدها السليمة بلا تفريط ولا إفراط.
حين يشتد الضبط عن قدره الضروري فإنه يمنع تدفق الحياة في مساربها الفطرية كما ينبغي لها.. وهذا يؤدي إلى أحد شيئين: إما أن يضعف الدافع الفطري ويذبل.. وإما أن يتفجر في غير سبيله الطبيعي.. في مسارب منحرفة عن الغاية الأصيلة، أو منقلبة عليها.. وقد بيّن علم النفس التحليلي أن كثيرا من الجرائم متصل بالكبت. أي بالقمع اللاشعوري للدوافع الفطرية، وسد المنافذ النظيفة أمامها. وإن كنا لا نؤمن بكل ما يقول به التحليليون الفرويديون كما سنبين بعد قليل.
حب الحياة هو الدافع الأكبر في كيان الإنسان [كما هو في كيان كل كائن حي]. هو السيل المتدفق في مسارب النفس ومسارب الحياة. والضبط المسرف الذي يخنق الدوافع الفطرية قد يفلح في إضعاف هذا الدافع الأكبر حتى ليوشك أن يذبل ويموت. وينصرف الإنسان عندئذ عن الحياة في زهادة يائسة لا تقبل على شيء من متاع الدنيا ولا نشاطها المعقول. وتصير الحياة في نظر صاحبها أياما تقضى حيثما اتفق، بلا هدف محدد ولا غاية مأمولة. ولا يخفى ما في ذلك من تبديد للنشاط وتضييع للطاقة.. ووقف كذلك لدفعة الحياة. فالآمال في الحياة لا تتحقق إلا بالكدح المتواصل. ولا يكدح الإنسان إلا لأنه يريد شيئا فيسعى إلى تحقيقه. فإذا كان لا يريد، فَلِمً يكدح إلا مضطرا لمجرد المحافظة على الحياة في أضيق نطاقاتها؟
والفلسفة الهندوكية المتصوفة المترهبنة قائمة على ذلك: تقوية الضوابط إلى أقصى حد ممكن، وإضعاف الدوافع كذلك إلى أقصى حد. ويقولون إنهم ينعمون بمتاع الروح.. نعم. ولكنهم يغالبون الفطرة البشرية ويحاولون أن يصنعوا منها ما لم تخلق له. فتفسد حياتهم في النهاية وتتوقف عن العمل والإنتاج والامتداد. فضلا عن عملية التعذيب الدائمة للجسد، يمنعه من الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس [إلا قطرات من الشراب وكسر من الطعام وخرق من الملبس لا تقيم حياة إنسان] وتعذيب النفس بمنعها من رغباتها جميعاً في الاستمتاع بالملك والاستمتاع بالبروز [النظيف]...
وهؤلاء الرهبان الفلاسفة مع ذلك خير بكثير من الأفراد العاديين المرضى بالإسراف في الضبط. فإن لهم إرادة هادفة.. وإن كانوا قد ضلوا الطريق ولكن كثيراً من المرضى العاديين يفقدون حتى إرادتهم، ويصيرون إلى سلبية ميتة لا خير فيها للحياة.
فأما حين يقوم الصراع العنيف بين القوة الضابطة والدوافع الفطرية، ثم لا تقدر القوة الضابطة على إماتة الدوافع أو إضعافها، وهي مع ذلك لا تصرح لها بالانطلاق في مجراها الطبيعي، فحينئذ تحدث تلك الانحرافات العديدة التي تخصص في كشفها علم النفس التحليلي: من سلوك منحرف [سيكوباتي] وتصرفات شاذة. تصل إلى الجريمة الصريحة في نهاية الشوط.
والكبت الجنسي خاصة مسئول عن كثير من السلوك المنحرف والتصرفات الشاذة، وعن كثير من الجرائم. ولكن ليس على النحو الذي بالغ فرويد في وصفه وتحليله وادعائه. فعقدة أوديب التي ألصقها بالبشرية كلها لا يوجد عليها دليل علمي. وإنما هي حالية مرضية شاذة تنشأ من التعلق الشديد بالأم لأسباب فردية -لا أسباب بشرية عامة. وأياً كانت الأسباب –وليس هذا مبحثنا هنا- سواء كانت قسوة الأب الشديدة، أو تدليل الأم الزائد، أو عدم وجود الأب، أو نفور الطفل من سلوك شائن يتعلق به.. إلخ.. فهي حالة فردية شاذة، قد تمنع الطفل الذكر من الاتجاه الجنسي الصحيح، وقد تدفعه لاستقذار الجنس في لاشعوره. وقد تدفع به إلى الشذوذ، أو ألوان أخرى من الانحراف. كما أن التربية التي تصب في نفوس الأطفال النفور من الجنس واستقذاره تؤدي إلى انحرافات من هذا النوع. ولكن فرويد وأتباعه قد بالغوا في ذلك إلا حد يفهم منه أي ضبط للمشاعر الجنسية أو توجيه بشأنها سيؤدي إلى تلك الانحرافات. وذلك غير صحيح. فلا بد من الضبط في شئون الجنس كما لا بد منه في كل تصرف إنساني. في الطعام والشراب والملك والقتال والبروز.. وإلا فكيف نتصور الإنسان في هذه الأمور كلها بغير ضبط؟ ولماذ نجيز الضبط في الأمور كلها إلا في الجنس؟!
هذا هو الإسراف الذي ينبغي أن نحذره ونحن نتحدث عن الكبت الجنسي.
الكبت ضار. نعم.. في كل شيء، وفي الجنس كذلك. ولكن الضبط ضروري في كل شيء. وفي الجنس ككل شيء.. لأنه لا يزيد عن كونه دافعا فطريا في حاجة دائمة للتهذيب.
ثم إن كثيراً من الجرائم والانحرافات التي أصر فرويد على تفسيرها تفسيراً جنسيا، تحتمل تفسيرات أخرى لا جنسية. ولكنها –في إصراراه على تلويث البشرية كلها بلوثة الجنس- كان يرفض أي تفسير لا يدخل فيه الجنس!
فكراهية الأب –المكبوتة- التي قد تؤدي في نهاية الشوط إلى جريمة القتل، ليس من الضروري على الإطلاق أن ترتبط بعشق الأم! فهي وحدها تحمل مبرراتها وخط سيرها الذاتي! وقد تقترن بالالتصاق بالأم، نعم. ولكنها كذلك قد لا تقترن. ولا تحتاج إلى دافع إضافي لتصل إلى الجريمة! ولكن كيف يترك فرويد فرصة لإدخال الجنس في الموضوع ولا يستغلها؟! وكيف يؤدي إذن مهمته الأصيلة في تلويث البشرية؟
ثم.. لقد أغفل الكبت الاقتصادي والكبت السياسي والكبت الاجتماعي إغفالا كاملا من الموضوع! وهي –كالكبت الجنسي- مسئولة عن كثير من الجرائم وكثير من الانحرافات.
أو ليس الفقر –وهو كبت قهري لرغبة الملك- مسئولا عن انحرافات كثيرة فيها الحسد والحقد، والسرقة والنهب والغصب والقتل والتشرد النفسي.. أي إباء الاندماج في الجماعة والسلوك الصالح معها؟
والكبت الاجتماعي أو السياسي –أي كبت الرغبة السوية في البروز- أليس مسئولا عن انحرافات كثيرة منها الميوعة والتفاهة والتعلق "بالتقاليع" الفارغة لتحقيق البروز من غير طريقه السليم. ثم الجريمة كذلك لتحقيق نفس الهدف.. للوصول إلى الشهرة والذكر بين الناس؟!
نعم. إن كل أنواع الكبت ضارة. سواء كان العامل فيها أمراً خارجا عن الإرادة –كالقوة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو سلطة الوالدين- أو كانت عوامل شخصية يقوم بها صاحبها نتيجة اقتناع خاطئ. ولكن القول بأن كل الكبت كبت جنسي، أو بأن الكبت الجنسي وحده هو المسئول عن كل انحرافات الأرض.. فقول لا يصدر إلا عن شخص شاذ مريض!
ومن نتائج الكبت كذلك –أحيانا- الصراع الدائم في باطن النفس، الذي يجعلها كمناطق البراكين والزلازل عرضة للهزات الدائمة والانفجارات.. وعرضة للتشقق والانفصال أحيانا كما يحدث في حالة الفصام [الشيزوفرينيا] وازدواج الشخصية، الذي يجعل الإنسان شخصين منفصلين ليس بينهما ارتباط.
* * *
وأخيرا نتحدث عن النوع الأخير من المرض النفسي الذي ينشأ من توقف النمو عند مرحلة نفسية معينة، أو عدم تكامل النضوج في جميع أجزاء النفس.
المفروض أن تنمو النفس نموا دائماً حتى تصل إلى مرحلة النضوج والاستقرار، كما يستمر نمو الجسم إلى أقصى درجات الاكتمال المتاحة له، ثم يثبت على ذلك فترة طويلة لا تصيبه إلا تغيرات طفيفة، حتى تصيبه الشيخوخة في نهاية المطاف. ولو تصورنا جسما لا ينمو مع السن فيقف عند مرحلة الطفولة أو المراهقة أو الشباب المبكر غير المكتمل.. أو تصورنا جسما ينمو في جميع أجزائه إلا جزءاً واحداً أو بضعة أجزاء تظل على حالة الطفولة [كالمصابين بشلل الأطفال في عضو من أعضائهم].. إذا تصورنا هذه الصورة أمكن أن نتصور ما يقابلها في عالم النفس، إذا توقف النمو النفسي كله عند مرحلة معينة، أو تكامل النمو في أجزاء من النفس دون أجزاء.
والنفس تتعرض لهذين المرضين لأسباب مختلفة، قد يكون من بينها قسوة المعاملة في أثناء الطفولة وقد يكون التدليل الشديد! فكلا الطرفين المتطرفين يعرض النفس للاختلال! أحدهما يضيق مجاري الدفعة الحيوية ويضع لها قيودا حديدية فتظل ضامرة [كأقدام الصينيات في الأجيال الماضية التي كانت توضع في قوالب معدنية منذ الطفولة فتظل على وضع الطفولة مدى الحياة، وتعجز بطبيعة الحال عن حمل الجسم!] والثاني –وهو التدليل- يعوّد النفس الاسترخاء فتترهل ولا تنمو.. كالطفل الذي يحمله أبواه باستمرار، لا تنمو عضلات رجليه ولا يشتد عوده ولا يتعود المشي وتحمل المشاق. وقد يكون السبب –بغير تدليل- حمل المسئوليات كلها عن الطفل، وتعويده على أن يقوم غيره بأمره باستمرار، فلا تعركه التجربة الذاتية التي هي الوسيلة الوحيدة لتدريب "عضلات النفس" وتقويتها.. أو قد تكون صدمات نفسية عنيفة تجعل الشخص يتشبث –لا شعوريا- بفترة نفسية معينة لا يريد أن يغادرها، أو يرتد إليها بعد أن يكون قد غادرها، ليهرب من مواجهة واقع سيء لا يقدر على مواجهته أو تغييره..
وأيا كانت الأسباب –ولسنا هنا بصدد بسطها وشرحها- فهي تحدث وقفا كاملا أو جزئيا في النمو النفسي. فتجد إنسانا بالغا يتصرف تصرفات الأطفال أو تصرفات المراهقين.. فلا يقدر المسئولية في أعماله، أو يعبث عبثا صبيانيا لا يليق بالكبار، أو يندفع اندفاعات عاطفية مفاجئة كأيام المراهقة.
أو قد تجد إنسانا يتصنع التعب أو المرض أو الحزن أو الألم لتدللـه وتعطف عليه.. وتراه يستبقي دائماً سبباً لاستدرار العطف، فإذا مرض لا يحب أن يشفى من قريب! وإذا وقع في أزمة يحب أن تطول إلى أقصى مدى –ولو ضايقته!- لأنها تثير عطف الناس عليه!
أو تجد رجلا همه –كالمراهقة المنحرفة- أن يوقع الفتيات في هواه! وينفق جهده وماله في تجميعهن حوله بالهدايا والتزين في الملبس ليبدو وجيها في أنظارهن! أو امرأة همها إيقاع الشبان.. تتزين لهم وتستعرض نفسها أمامهم لتعجبهم.. إلى غير ذلك من أمثال هذه التصرفات.
ثم.. قد تجد إنسانا عاقلا راشدا في كل تصرفاته إلا نقطة معينة، هي نقطة مرضه التي يشابه فيها الطفل أو المراهق.. وغالبا ما يكون في هذه الحالة واعيا لنقطة المرض فيه، فيحاول أن يداريها، أو يواجهها بصراحة على أنها "نقطة ضعف" فيه! وغالبا ما يستطيع كذلك أن يحافظ على اتزانه –رغم وجود نقطة الضعف هذه- لأن القوة الواعية الضابطة تكون في مجموعها أكبر من دفعة الانحراف.
وأخيراً قد تجد إنسانا كان سويا في كل شيء، ثم أصابته صدمة نفسية عنيفة فأفقدته توازنه.. فعاد –من حيث لا يشعر ومن حيث لا يَقْدِر- إلى حالة طفولة أو حالة مراهقة.. ولا تدخل هذه الحالة في نطاق المرض الواعي الذي يملك الإنسان تغييره أو "ينبغي" عليه تغييره. إنما تحتاج إلى علاج نفسي خاص..
* * *
تلك جملة الانحرافات التي تتعرض لها النفس الإنسانية في مراحل نموها المختلفة.. وقد تحدثنا عن أعراضها ولم نتحدث عن أسبابها إلا في إشارات عابرة، لأن ذلك مبحث متخصص ليس مكانه الكلام عن نظرية عامة في النفس الإنسانية.. ولكنا نردف تلك الإشارات العابرة بكلمة أخرى موجزة عن أسباب الانحراف بصفة عامة، وهي أربعة أنواع من الأسباب.
* * *
أول الأسباب وأكبرها هو سوء النظام الذي يحكم المجتمع، ويعدى –بالقدوة السيئة- في أثناء مراحل النمو والالتقاط.. يدخل في ذلك النظام الروحي والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.. على الاتساع.
وكل فساد في النظام ينعكس حتما على الأفراد، وعلى الأطفال بصفة خاصة في مرحلة التكوين. وما دامت العزلة غير مستطاعة، فلا يمكن حماية الطفل من انعكاسات الفساد في المجتمع إلا بجهد تبذله التربية المنزلية. فإذا لم تقم التربية بهذا الجهد، وهي غالبا لا تقوم ما دام الفساد هو الغالب على النظام، فلا مناص إذن من العدوى والمرض والانحراف.
* * *
النظام الفكري والروحي الذي لا يؤمن بالله ولا يسير وفق هدى الله. الذي يعبّد البشر للبشر، ولا يدعهم يعبدون الله وحده ويستمدون منه وحده، فيحرمهم من فطرتهم الطبيعية في عبادة الله ويستبدل بها عبادة العباد.. الذي لا يؤمن بالقيم العليا ولا يؤمن بضرورة الضوابط في حياة الإنسان.. والذي يبيح الفوضى الجنسية على أنها انطلاق وتحرر، ويبيح الأنانية والأثرة على أنها حرية شخصية..
النظام الاقتصادي الذي ينشر الفقر في جانب والترف في جانب آخر..
النظام الاجتماعي الذي لا يعطي الفرد وضعه الصحيح في المجتمع، فيضخم كيانه على حساب المجتمع أو كيان المجتمع على حسابه..
كل هذه الأنظمة الفاسدة لا بد أن تطبع بطابعها المنحرف كيان الأفراد.. ولا بد أن يلتقط الطفل توجيهها الفاسد بغير وعي، وينشأ على أنها وضع طبيعي لا انحراف فيه..
صحيح أن الفطرة البشرية –بقوتها الذاتية التي أودعها الله فيها- تثور بعد أمد على هذه الانحرافات، حين تذوق نتائجها الفاسدة، وتحس بالتعارض القائم بينها وبين هذه الانحرافات.. ولكن هذه عملية طويلة بطيئة الأمد، قد تستغرق أجيالا بعد أجيال.. وفي أثناء هذه الأجيال كلها يكون الناس عرضة للانحرافات ما لم يعصمهم عاصم من اقتناع شخصي بخط الفطرة الأصيل.
* * *
وسوء التربية من أكبر أسباب الانحراف. فالتربية هي الوسيلة الوحيدة للتقويم. وحين يترك الطفل بلا تقويم فهو عرضة على الدوام لأن يصيبه أي انحراف من تلك الانحرافات المتعددة التي بيناها في هذا الفصل.. حتى بدون أسباب خارجية أو قاهرة.. فالدفعات الفطرية ذاتها إذا لم تنظمها الحواجز والضوابط ستنشأ طاغية لا محالة.. لأنها لم تتعود على الضبط، ولأن جهاز الضبط لم ينمُ ليقوم بمهمته. وقد بينا بوضوح أن الضوابط –ولو أنها فطرية- في حاجة إلى معونة خارجية لتنميتها. كما يحتاج المشي والنطق. وتلك مهمة التربية. فإذا لم تقم التربية بمهمتها في تنمية الضوابط، فكل انحرافات الدوافع يمكن أن توجد بصورة تلقائية ودون أي سبب إضافي! كالأشجار التي لا بد أن تقلم وتشذب لكي تثمر.. إذا تركت بلا تقليم ولا تشذيب فلن تحمل الثمار..
وذلك أبسط ما يمكن أن ينشأ من سوء التربية.. أو في الحقيقة من عدم التربية! ولكنه ليس النتيجة الوحيدة. ففي إمكان سوء التربية أن يزرع في النفس أمراضا لم تكن لتوجد بطبيعتها لولا سوء التوجيه.
فعن طريق القدوة السيئة أو التوجيه الفاسد يمكن تنمية الحسية المفرطة أو السلبية المفرطة أو الفردية المفرطة.. أو العكس. ويمكن تربية الطفل على الانطوائية المريضة أو الجرأة المتبجحة. ويمكن أن يوقف نموه عند درجة معينة لا يتعداها، أو يُشل جزء من نفسه عن النمو والنضوج.
وهكذا وهكذا.. كل الانحرافات يمكن أن تحدث عن سوء التربية، كما أن كل الانحرافات يمكن أن تقوّم عن طريق التربية السليمة الراشدة الواعية الدائبة.. وهي المهمة الحقيقية للوالدين.
* * *
وهناك الاستعداد الوراثي للانحراف.. فقد يولد الطفل باستعداد وراثي لعنف الدوافع الفطرية أو عنف الضوابط، أو عنف الحسية أو المعنوية، أو عنف السلبية أو الإيجابية، أو عنف الواقعية أو الخيالية، أو الفردية أو الجماعية.. الخ.. الخ.. وهذا الاستعداد الوراثي لا حيلة للطفل فيه.. فهو مفروض عليه، يحمله في "جينات" الوراثة من قبل الميلاد. ولكنه مع ذلك ليس أمرا حتميا. والتربية هي صمام الأمن ضد هذا الاستعداد. وهي كفيلة بتصحيحه وتوجيهه الوجهة الصحيحة، بشيء من التعب والدأب واليقظة الدائمة والانتباه.
فالمعروف طبيا أن أبناء المدخنين أو المدمنين على الشراب يولدون وفيهم استعداد وراثي للتدخين أو تعاطي الشراب. ولكنه ليس حتما أن يصبحو كذلك! ومن الممكن جدا أن ينجوا من الخطر ويصبحوا أشخاصا عاديين أسوياء، حين يجدون التوجيه السليم، أو فقط حين لا يجدون المغريات التي تدفع بهم في هذا السبيل.
والاستعداد النفسي للمرض شأنه شأن هذا الاستعداد سواء. ليس حتماً أن يصيب الطفل لو وجد التوجيه والتصحيح.
* * *
والسبب الأخير هو العيوب الجسمية الخِلْقية والتشوهات التي تشعر الطفل بالنقص فيحاول التعويض فينحرف في محاولة التعويض. ومنذ القدم لاحظ الناس الناس أن "كل ذي عاهة جبار". وهو قول صحيح وإن لم يكن على إطلاقه.. فمحاولة التعويض عن النقص مسألة فطرية يقوم بها الجسم ذاته –آليا- كما تقوم بها النفس. فالذي تنقصه إحدى الحواس يعوضها –في الغالب- بحاسة أخرى. الأذن تعوض العين. والعين تعوض النطق.. وهكذا. ثم وجد أنه حين تسأصل إحدى الكليتين لمرض يصيبها يتضاعف نشاط الكلية الأخرى لتعوضها، وحين تستأصل اللوزتان تنمو الغدد الصغيرة القريبة منها كأنما لتعوض مكانها. وهكذا.
والنفس كذلك تتجه -بلا وعي تقريباً- إلى تعويض النقص. ومن هنا يتجبر ذو العاهة ليشعر الناس أنه قوي، وأن عاته لم تنقصه عن البشر العاديين! ويبالغ في ذلك –لأن النقص يوجعه- فيصل إلى التطرف المريض.
ولكن ذلك ليس حتما.. فليست هناك وسيلة واحدة حتمية للتعويض هي الانحراف. بل هناك عشرات الوسائل النظيفة الخيّرة المستعلية التي يعوض بها الناقصون نقصهم. فقد يصبح فناناً. وقد يصبح عالماً بارعاً. أو عاملاً ماهراً. أو شخصاً نبيل العواطف حي المروءة، يعوض بفيض مروءته ما يحس به من نقص، فينال من حب الناس واحترامهم وإعزازهم ما يكفل له التعويض المطلوب.. أو يكون قوي الشخصية –في غير انحراف- ينال بالمهابة –السوية- ما يعوض عن ضآلة الحجم –مثلا- أو عن عيب خلقي فيه، فتكون المهابة وقاية له من تفحّص الناس للعيب وتقحّمهم له.
والتوجيه السليم في التربية هو المعين الأكبر على توقي مثل هذه الانحرافات، وإتاحة الفرصة للتعويض الخيّر السليم.
* * *
تلك جملة الانحرافات وأسبابها العامة.. وطريقة الوقاية منها –وكذلك طريقة علاجها- هي تتبع خط الفطرة السوية وتقويم النفس- في مرحلة الطفولة خاصة- على هدى الفطرة السليمة السوية.
وليس هذا كتاباً في التربية.. وإنما نحن هنا ندرس فقط ظواهر النفس المختلفة في حالة السواء وحالة الانحراف175.
وينبغي –قبل أن نختتم هذا الفصل- أن نشير إلى موقف علم النفس الغربي من موضوع الانحراف والشذوذ.
لقد بالغ علم النفس الغربي مبالغة شديدة في تصوير بعض أنواع الانحراف، بينما أغفل إغفالا معيبا أنواعا أخرى من المرض تبلغ أحيانا درجة الشذوذ، لأن الغرب لا يحسها على أنها أمراض، وهو غارق فيها إلى الأذقان. كما أضاف إلى قائمة المرض حالات سوية لأنها لا تعجبه في انتكاسه الحاضر ولا ينظر إليها بعين الارتياح!
لقد بالغ علم النفس الغربي مثلا في تصوير الانحرافات التي تنشأ عن شدة الضبط –أو الكبت- حتى كاد يوحي بأن الضبط ذاته عملية ضارة لا ينبغي القيام بها، وأن الأطفال لا ينبغي أن يوجّهوا خوفا من العقد النفسية التي يمكن أن تصيبهم، وإنما يكون التوجيه –إذا لزم الأمر- من بعيد جداً وعلى حذر شديد!
ثم خرج على ضوء هذا "العلم" جيل مائع رخو متحلل من الأمريكان، هو الذي شكا منه كنيدي خشية على مستقبل أمريكا، وطلب تربية جادة تزيل هذا الترهل الخطر والميوعة المتحللة!
وفي الوقت ذاته أغفل علم النفس الغربي إغفالا يكاد يكون تاما كل الانحرافات التي تنشأ من عدم الضبط، أو من الإفراط في مسايرة الدوافع الفطرية! ولم ير فيها انحرافاً على الإطلاق!
وثمت ظروف محلية كثيرة في أوربا قد أدت إلى هذا الوضع. وكان فرويد أحد العوامل الرئيسية في هذا الاتجاه، كما أن الثورة الصناعية والحربين العالميتين وما أحدثتا من تدمير للقيم والمعتقدات، و"انفلات" من القيود، كانت كلها أسباب لتبرير هذا الانحراف في نظر الغربيين.. ولكن هذا كله قد يفسر ولكنه لا يبرر! فلا شيء يبرر الانحراف!
كذلك لم يضع علم النفس الغربي في حسابه وهو يشخص الأمراض النفسية أن نقص الاتجاه الروحي أو انعدامه، هو من الأمراض التي تصيب النفس! لأن الغرب كله واقع في هذا المرض حتى لم يعد ينكر وقوعه!
ولم يضع حسابه كذلك أن الواقعية المفرطة، أو الإيمان المفرط بما تدركه الحواس أمراض نفسية ينبغي أن تعالج.. لأن الغرب واقع لقمته في هذا الانحراف!
ولم يضع في حسابه أن إيمان الإنسان بمثل وقيم مثالية معلقة في الفضاء، وجريان سلوكه الواقعي بعيداً عن تلك المثل والقيم مرض يفكك الشخصية في النهاية.. لأن الغرب كله مصاب بهذا التفكك الوبيل!
ولم يضع في حسابه أن الابتعاد عن الله، والاستنكاف عن عبادته، و"التحرر" من التزامات العقيدة أمراض نفسية لا وجود لها في الفطرة السوية.. لأن الغرب كله واقع في هذا الداء176!
ولم يضع في حسابه أن السعار الجنسي مرض، وأن خروج المرأة للفتنة والإغراء شذوذ بالنسبة للفطرة.. لأن الغرب صار يرى –في نكسته المقلوبة- أن هذه هي الفطرة وما عداها شذوذ!
وفي الوقت ذاته صار ينظر إلى الإيمان بالغيب على أنه انحراف عن الواقعية لا ينبغي أن يقع فيه الأسوياء! وإلى العفة الجنسية على أنها انحراف وكبت لا يلجأ إليه الشخص السوي فتى كان أو فتاة!
وهكذا تنقلب الموازين في حساب "العلم الموضوعي" الذي لا يتحيز ولا يتأثر بالمسائل الشخصية والاتجاهات الذاتية!!
* * *
إن عيب هذا العلم أنه لا يتتبع الفطرة البشرية ذاتها ليتخذ منها الأوزان والمقاييس.. وإنما يأخذ أحكامه وقيمه وموازينه من واقع جيل منحرف أثرت فيه عوامل محلية –ومؤقتة- فأخرجته عن صوابه وانحرفت به عن السبيل.
والعلم –نور الإنسانية الهادي!- ينبغي أن يكون أوسع أفقاً من واقع جيل.. أي جيل. ينبغي أن يجعل في حسابه الأجيال كلها، والبشرية كلها.. وأن يتجاوز النكسة الحاضرة ويخرج من إسارها، إن كان في مكنته حقاً أن يفعل، ويكون "موضوعياً" حقاً كما يقول.
إن مرجع الحكم على الإنسان.. هو الإنسان! الإنسان في واقعه الأكبر الشامل المحيط، الذي يشمل كل جوانب النفس لا يهمل منها شيئاً ولا يستصغر منها جانباً، ولا يتحيز لجانب دون جانب177.
والانحراف والشذوذ ينبغي أن يقاسا بمقياس الفطرة السوية المتكاملة، لا بمقياس جيل معين، منحرف شديد الانحراف...
وحين نهتدي إلى الفطرة –كما خلقها الله- في تكاملها العجيب وتناسقها الدقيق، ستتبين لنا على الفور أماكن الانحراف والشذوذ، وطريقة التقويم، بغير كد ولا افتعال ولا تزوير..

الخير والشر في النفس البشرية
"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا".
صدق الله العظيم
ما الخير وما الشر في حقيقة الواقع؟
وما المقياس الذي تقاس به هذه القيم في حياة الإنسان؟
إن هذا الموضوع بالذات طالما تخبطت فيه الفلسفات المختلفة منذ بدء التفكير البشري إلى اليوم، واختلف فيه الفلاسفة والمفكرون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وأدلى بدلوهم فيه الفلاسفة المثاليون والواقعيون والتجريبيون والماديون والروحيون.. وكان من بين من أدلى فيه بدلوه: التفسير المادي للتاريخ، الذي زعم أن "القيم" غير ثابتة، ولا يمكن أن تكون ثابتة.. لأنها تُستمد من "الطور" الاقتصادي والاجتماعي الذي يكون فيه الإنسان؛ وما دامت الحياة الاقتصادية والاجتماعية متطورة على الدوام، فالقيم لا بد أن تكون متطورة معها، غير ثابتة على وضع من الأوضاع. وأن ما يعتبر خيراً في لحظة قد يصبح شراً في لحظة أخرى. وما يكون "قيمة" في طور من الأطوار قد يصبح لا قيمة له، حين يفقد الرصيد الاقتصادي والاجتماعي الذي أعطاه قيمته. فالطور الإقطاعي مثلا ينشئ قيمه الخاصة، الخلقية والفكرية والروحية، ومن بينها التدين والمحافظة الشديدة على كيان الأسرة، والتعاون والتكافل في المجتمع، والفروسية وما حولها من تقاليد وأخلاق، وسيطرة الأب والزوج وتشددهما في وضع "القيود" الخلقية على المرأة.. الخ.. الخ. وذلك كله ناشئ –في نظر التفسير المادي للتاريخ- عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الزراعي الإقطاعي، لا لأن شيئاً من ذلك ذو قيمة ذاتية ثابتة.. ثم يتطور المجتمع فينتقل من الإقطاع إلى الرأسمالية فتذوب "القيم" السابقة كلها وتنشأ قيم جديدة متمشية مع الطور الاقتصادي الجديد.. فيذهب عن الناس تدينهم، ويصبح عدم التدين "قيمة" ناشئة من المجتمع الجديد ومتمشية مع تطوراته! ويذهب عنهم المحافظة على تقاليد الأسرة، ويصبح تفكك الأسرة وانحلال روابطها قيمة جديدة "تطورية" وتقدمية! وتذهب عنهم أخلاق الفروسية ويحل محلها شعور فردي أناني يبحث عن صالح نفسه في عزلة عن الآخرين، ولا يؤمن بالمروءة والنخوة والبذل.. ويصبح ذلك كله قيمة اجتماعية جديدة، تطورية تقدمية! وهكذا! وإن كان فلاسفتهم يزعمون أن الطور الأخير للبشرية –حين تصل إليه- وهو الطور الشيوعي، سيكون طورا ثابتا (لِمَ؟) وستكون قيمه ثابتة!
وأدلى بدلوه كذلك التفسير الجنسي للسلوك البشري، الذي أقامه فرويد وحواريوه، والمستمد في الأصل من التفسير المادي الحيواني للإنسان الذي أقامه دارون من قبل.. وزعم هذا التفسير أنه لا توجد قيم على الإطلاق في نفس الفرد! فهو محكوم بغرائزه أبدا [وبغريزة الجنس بصفة خاصة في نظر فرويد] وأن هذه الغريزة تسعى إلى الحصول على اللذة والهروب من الألم.. وأن هذه هي "القيمة" الوحيدة في كيان الفرد.. وهي قيمة غير خلقية. وإنما الأخلاق والتقاليد والقيم الخلقية كلها مفروضة على الإنسان من الخارج –من المجتمع- ومن سلطة الأقوياء الذين يريدون أن يخضعوا الضعفاء لسلطانهم، فينشئون لهم قيودا قهرية يحددون بها سلوكهم، وتلك هي القيم الاجتماعية والخلقية والدينية!
وأدلى بدلوه كذلك التفسير الجمعي للسلوك البشري –يمثّله دركايم وحواريوه- وهو قريب من التفسير المادي للتاريخ من إحدى نواحيه.. وهي زعمه أن القيم كلها ينشئها "العقل الجمعي" دون أن يستشير فيها الأفراد أو يخضع لميولهم ورغباتهم، أو يرتكز بالضرورة على شيء في داخل كيانهم. وأن هذا "العقل الجمعي" متطور على الدوام متغير، ومن ثم فهو يغيّر قيمه باستمرار، ويُخْضِع لها الأفراد بالقوة القاهرة، الناشئة من أن الفرد بمفرده لا يستطيع أن يقف أمام سطوة المجتمع، وأنه ينشأ مطبوعا بطابعه أراد أم لم يرد.. والقيم على أي حال غير ثابتة، لأن العقل الجمعي لا يثبت على شيء إلا ريثما يتحول عنه إلى وضع جديد..!
وثمت مذاهب أخرى شتى.. متشعبة حسب مزاج أصحابها وتصورهم لحقائق الحياة.
وقد ناقشت هذه المذاهب كلها أو بعضها في الكتب الأخرى178، ولن أناقشها هنا تفصيلا.. ولكني أكتفي بأن أقول إن موضع الخلل فيها جميعاً أنها تنشئ أفكارها بعيداً عن الفطرة البشرية في واقعها الحقيقي، وتتخيل أشياء لا صلة لها بهذا الواقع.. أو تتخيل صورة منحرفة لهذه الفطرة تبني عليها أفكارها ومذاهبها.. أو قد تهتدي إلى حقيقة جزئية في الكيان البشري، فترسم على أساسها صورة جزئية غير شاملة للكيان كله، ومن ثم تخرج صورة مشوهة لا تعبر عن حقيقة الإنسان.
ومعظم هذه المذاهب يركز على حقيقة الجسد، وينفي أو يستصغر حقيقة الروح، وحقيقة ارتباط الروح بالجسد في كل نشاط يقوم به الإنسان.
التفسير المادي والتفسير الاقتصادي للتاريخ يريان الحياة كلها من خلال ضرورات الجسد القاهرة، من خلال حاجة الإنسان إلى المأكل والمسكن والجنس، وسيطرة هذه الحاجات على سلوك الإنسان. ومع ذلك فهما –بعد هنيهة- ينسيان وجود الإنسان كلية، ويقيسان الحياة من خلال القيم الاقتصادية "المستقلة عن إرادة الإنسان" [كما يقول ماركس] والتي تفرض نفسها فرضا على حياة الناس. وكأنما يتصورونها قائمة بذاتها، وإنما تتخذ الناس فقط إطارا لقوتها ومظهراً لتحققها!! [كما يتصور المؤمنون قوة الله!].
والتفسير الجنسي للسلوك البشري كذلك يرى الحياة كلها من خلال ضرورات الجسد، ولكنه يحصرها في ضرورة الجنس، ويجعل الحياة كلها تنبثق من هذه الضرورة. وينفي حتى تأثير العوامل الاقتصادية والبيئية وتطور أساليب الإنتاج.. التي هي عماد التفسير المادي للتاريخ.
والتفسير الجمعي يتخيل –مثل التفسير المادي- وجود قوة مستقلة عن كيان الفرد قائمة بذاتها، كأنما بغير إطار!! وكأنما تتخذ الأفراد مجرد إطار لقدرتها! وهو بذلك يلغي ما للإنسان الفرد من حرية واختيار.. أي أنه في الحقيقة يشارك التفسيرين الآخرين في إهمال الجانب الروحي من الإنسان، الذي تتمثل فيه الإرادة والإيجابية والاختيار..
كلها اختلالات..
ولا تقل عنها اختلالا تلك المذهب المثالية التي تركز على حقيقة الروح وحدها، وتنفي أو تستصغر حقيقة الجسد، وحقيقة ارتباط الروح بالجسد في كل نشاط يقوم به الإنسان.
المذاهب البوذية والهندوكية وما شابهها، التي ترى أن "الخير" هو سحق الجسد أو كبته وحرمانه، بحجة تطهيره، وأن القيم الروحية وحدها هي الحقيقة الجديرة بالاتباع.. تنسى كلها أنه لا وجود في كيان الإنسان للروح الخالصة الصافية التي يتخيلونا؛ وأن كل حركات التجويع والإنهاك والتحكم في الجسم –على كل ما تأتي به من "معجزات" روحية، كأولئك الذين يدخلون النار فلا يحترقون، أو يظلون بلا طعام شهورا ولا يموتون، أو يسيطرون بقوتهم الروحية على قوانين المادة- كل ذلك لا ينشئ مذهبا اجتماعيا، ولا يصلح للتطبيق في الحياة البشرية "على الاتساع". ومن ثم فكل ما تحمله تلك المذاهب من "القيم" لا يعيش في عالم الواقع، وليس له رصيد من الحق يعطيه قيمة في الحياة.
والمذهب الحق هو الذي يتمشى مع الفطرة الحقيقية للإنسان، ويعيش كذلك في واقع الإنسان.
فطرة الإنسان جسم وروح مترابطان ممتزجان. ومن ثم فكل مذهب يريد أن يتمشى مع الفطرة ينبغي أن يكون شاملا لهذين العنصرين، وشاملا لهما في حالة ارتباط وامتزاج.
ولكن..
من الذي يحكم هذا المزاج المترابط من قبضة الطين ونفخة الروح؟
تحكمه قبضة الطين؟ أم تحكمه نفخة الروح؟
هذه هي المسألة التي تحدد "القيم" كلها في حياة الإنسان.
إنها ليست –بادئ ذي بدء- مسألة الفصل بين الجسم والروح..
إن الله قد خلق الإنسان على هذه الصورة، لأنه –سبحانه- يريده على هذه الصورة! وجعل الخير كل الخير بالنسبة للوجود الإنساني أن يعمل الإنسان بكيانه المجتمع المترابط، لا بأي من عنصريه دون الآخر، ولا بالعنصرين منفصلين كل يسير في اتجاه.
إنما هي فقط مسألة من يحكم هذا المزاج المترابط المكون من الطين والروح..
وهنا ترجع المسألة إلى "النشأة التاريخية" للإنسان.. كيف صار إنساناً، ومتى صار..
"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ".
هذه أولا قبضة الطين تُسوّى جسدا. ثم تنفخ فيه الروح العلوية. وهنا.. هنا فقط يلتزم الملائكة بالسجود –خضوعا لأمر الله- ولم يأمرهم بالسجود للجسد المسوّى على هيئة الإنسان.. وإنما بعد نفخة الروح العلوية فيه..
"فالقيمة" إذن في كيان الإنسان لم تنشأ من قبضة الطين. لم تنشأ من الوجود الجسدي..
وإنما نشأت القيمة حين تلبست نفخة الروح بقبضة الطين فغيّرت طبيعتها، فشفّت بالمعرفة والإدراك والإرادة والاختيار.. ولم يعد فيها ما كان فيها من قبل من صفاقة وعتامة وانطماس.
تلك هي النشأة التاريخية..
أي أن الإنسان يكون على فطرته الحقة –وهو مزاج مترابط من الجسد والروح- حين تمنحه الروح المعرفة والإدراك والإرادة والاختيار.. أي حين تحكمه الروح.
ولا يكون على فطرته السوية –وهو مزاج مترابط من الجسد والروح- حين يكون الجسد هو الحاكم، فيطمس إشعاعة الروح وشفافيتها، ويحجب المعرفة والإدراك والإرادة والاختيار.
هو في كلتا حالتيه مزاج مجتمع مترابط.. غير منفصل الأجزاء [ولا يحدث هذا الانفصال أبدا إلا إذا حدث اختلال في كيان الإنسان] ولكن هذا المزاج يكون محكوما بالجسد تارة، وتارة يكون محكوما بالروح.
ونعبر عن ذلك بقولنا إنه يكون شريرا تارة وخيّرا تارة.
شريرا حين يحكم الجسد مزاجه المجتمع المترابط، وخيّرا حين تحكم الروح هذا المزاج.
وليس هذا حكما تعسفيا مفروضا على الإنسان من خارج كيانه. وإنما هو الحكم الذي يتمشى مع حقيقة الفطرة، ومع النشأة التاريخية للإنسان.
والخير والشر بذلك يصبحان ذَوَيْ مفهومين واضحين محددين لا يلتبسان ولا يحار فيهما الإنسان.
حين يحكم الجسد هذا المزاج المجتمع المترابط فما الذي يحدث؟
إنه لا يلغي وجود الروح. ولكنه يطمس عليها بعتامة الطين، فتختنق وتُكْبتُ إشعاعاتها التي تمنح الطين خفة وشفافية وانطلاقاً.
الجسد يريد يأكل ويشرب و "يستمتع"..
وليس هذا "حراما" في ذاته. ولكنه، حين يصير الجسد هو المسيطر، ينقلب إلى "فاحشة" لأنه يزيد على القدر السليم المعقول الذي لا يعطب الكيان ولا يفسد "الجمال" الواجب في حياة الإنسان.
فما دام الجسد هو المسيطر، فسوف يسعى إلى الطعام إسرافا، وبغير تَوَخّ للنظافة والطهارة في اكتسابه، وبغير تحرز من ظلم الآخرين في سبيل الحصول عليه.. فينشأ عن ذلك الشر.
وما دام الجسد هو المسيطر فسوف يسعى إلى الجنس إسرافا وبغير تَوَخّ للنظافة والطهارة في الحصول عليه، وبغير تحرز من الاعتداء على أعراض الآخرن خلسة أو جهارا. فينشأ عن ذلك الشر179.
وما دام الجسد –بنوازعه- هو المسيطر فسوف يسعى إلى السلطان إسرافا ليحقق لنفسه المتاع، وليضمن لنفسه الفائدة، دون توقٍ لظلم الآخرين وسحقهم إذا وقفوا في الطريق.. فينشأ عن ذلك الشر.
وصحيح أن شهوة السلطان تبدو أحياناً شهوة "نفسية" لا صلة لها "بالجسد" إذ تستولي على أفراد لا همّ لهم في الطعام والشراب أو الجنس، أو المتاع الجسدي على وجه العموم.. كما يحدث في الطغاة "المتقشفين" من أمثال هتلر وستالين.. وأن هذه الشهوة هي تضخيم "للإرادة" في كيان فرد يختل، أي تضخيم لسمة هي أصلا من سمات الروح.
ولكن هذا الذي يبدو في الظاهر ليس صحيحا في الحقيقة، فعلى الرغم من أن الإنسان يعمل دائماً –حتى في حالات اختلاله- بمزاجه المجتمع من الجسم والروح، إلا أن "السيطرة" على هذا النحو غريزة حيوانية، يمارسها الحيوان بكاملها، ويمارسها الإنسان المختل على صورة قريبة من الحيوان. و"الإرادة" التي تكوّن الطغيان هي إرادة النوازع المرتبطة بالكيان الحيواني وليست إرادة النوازع المرتبطة بكيان الروح. والحيوان يحب أن يسيطر بأن يقتل الآخرين أو يسلبهم غذاءهم أو أرضهم أو أمنهم وراحتهم.. ومن ثم تصبح السيطرة الطغيانية عملية حيوانية في أساسها، تجرجر الروح في ركابها، مقهورة مسلوبة مطموسة الإشعاع. ويستوي أن يكون الطغيان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا.. فرديا أو جماعيا.. فهو أصل واحد متعدد الأشكال.
وفي كل ذلك ينشأ الشر.. وينشأ من خضوع الكيان المجتمع المترابط لسيطرة الجسد.. ويكون شرا في جميع الأوضاع والبيئات، وجميع الأجيال و"الأطوار".. لأنه اختلال في ميزان "الإنسان".
* * *
أما حين تحكم الروح هذا الكيان المجتمع المترابط فإنه يحدث شيء آخر.
إن هذا أولا يكون الوضع "الطبيعي" للإنسان، الذي يتمشى مع نشأته التاريخية، ويحققها في كمالها.
وهو ثانيا لا يكبت الجسد ولا النشاط الجسدي [إلا في حالات الاختلال التي تحدثنا عنها في الفصل السابق، ونحن هنا نتحدث عن الأوضاع السوية] وإنما ينظم فقط منطلقات هذا النشاط وينظفها ويضبطها.
إن حكم الروح للكيان الإنساني المترابط لا يمنع الإنسان من الطعام والشراب والجنس، والمتاع الحسي بكل أنواعه، وإنما يضيف إليه فقط متاعا روحيا لطيفا، يجعله شفافا رائقا، متحررا –إلى حد ما- من الضرورة القاهرة والقيد المتحكم.
إنه يأكل ويشرب –كما مر بنا- ولكن بلا إسراف. فسيطرة الروح تضبط هذا الإسراف وتنظمه، وإن كانت لا تكبته من أساسه. ثم لا يجعل الطعام والشراب هدفا في ذاته، وإنما وسيلة لحفظ الأود؛ وسيطرة الروح هي التي توقظ الإنسان للهدف من كل عمله يعمله، لأنها هي المنوطة بالوعي والإدراك. ثم يتحرى النظافة والطهارة في طعامه وشرابه؛ وسيطرة الروح هي التي تتحرز من القذارة الحسية والمعنوية، وتختار السلوك النظيف لأنها هي المنوطة بالاختيار. ثم هو يبعد عن نفسه الأثرة البغيضة، فيشرك معه غيره في طعامه وشرابه ["وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ"] وسيطرة الروح هي التي تدفع إلى هذا البذل والإيثار، لأنها هي المنوطة "بالحب" الذي يتوجه للغير.
وينشأ من ذلك الخير...
خير لا يفوت الفرد ذاته –فهو يستمتع بالقسط المعقول من الطعام والشراب- ثم يصل كذلك للآخرين.
وهو يستمتع بمتاع الجنس بلا إسراف ولا فاحشة، ويستمتع به على مستوى المشاعر والعواطف لا على مستوى الجسد وحده، فيوسع مساحته في النفس، ويضيف إليه ألواناً من الجمال.
وينشأ من ذلك الخير..
الخير الفردي، بتمتيع كل فرد بنصيب معقول من المتاع. والخير الجماعي بحفظ المجتمع من الجريمة والتفكك والانحلال والهبوط والتفاهة، التي تصاحب دائماً الانفلات والإباحية في شئون الجنس.
وهو يملك.. ولكنه يتحرى النظافة فيما يملك، ويتحرى عدم إيقاع الظلم بالآخرين، ويتحرى التزكية لما يملك بإشراك الآخرين فيه.
وينشأ عن ذلك الخير..
الخير الفردي في الاستجابة لنزعة التملك الفطرية في الإنسان. والخير الجماعي بتكافل المجتمع وتعاونه، واشتراكه في الجهد والجزاء.
وهو يبرُز ويسيطر.. ولكنه يتحرى البروز النظيف والسيطرة في سبيل الخير: ["وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً"180. "وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ"181] البروز الذي لا يتم بتحطيم الآخرين وسحقهم، وإخضاعهم لنزوات إنسان. والسيطرة التي توجّه إلى الحق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر..
وينشأ عن ذلك الخير..
خير فردي بإعطاء الإنسان شخصية إيجابية فاعلة متحركة نشيطة منتجة، مستمتعة راضية. وخير جماعي، بتوجيه المجتمع نحو الخير، وتقليل فرصة الظلم والطغيان التي تنشأ من وجود مجتمع خانع سلبي يستسلم لكل طغيان.
وسيطرة الروح هي المنظم لكل ذلك، والضامن له في داخل النفس وواقع الحياة.
وفي كل ذلك لا يكبت نشاط الجسم، ولا تمتنع لحظات "الجنوح" الطبيعية التي يجنح فيها الإنسان بجسده في لذة أو متاع.. وإنما ينطلق الجسم والروح ما تزال ممسكة بالقياد، فتسمح بالمتاع ولكنها تمنع الفحش والإسراف.
وفي كل ذلك يكون الخير صادراً عن الكيان الطبيعي للإنسان.. حسب تركيبه الأول الذي خلق به بادئ ذي بدء ["لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"]182 ويكون متمشياً مع الفطرة السوية التي ليس فيها اختلال، ولا هي مضغوط عليها من الخارج بشيء لا يناسب طبيعتها.
ويكون ذلك الخير خيراً في جميع الأحوال والملابسات، والأطوار والبيئات.. لأنه ناشئ عن الحقيقة الطبيعية "للإنسان".. الإنسان عامة في كل زمان ومكان.
* * *
والإنسان –بطبيعته المزدوجة- قابل قبولا طبيعياً أن يتخذ هذا الوضع أو ذاك: وضع سيطرة الجسم على الكيان الممتزج، أو سيطرة الروح. أي أنه مشتمل –بصورة طبيعية- على استعداد للخير واستعداد للشر: ["وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"183. "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً"184. "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"]185.
بل إنه –حين يترك وشأنه- أكثر ميلا لأن يستجيب لثقلة الطين: ["وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً"186. "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ"187].
ومن ذلك ينشأ الشر في حياة الإنسان ويملأ وجه الأرض: ["ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ"]188.
وليس هذا الشر ناشئاً من الاستجابة إلى دوافع الجسم. فهذا بذاته لا ينشئ شرا، بل ينشأ عنه الخير حين يكون في الصورة التي وصفناها من قبل.
إن الجسم ليس شريراً بذاته، ولا منبوذاً ولا محتقراً ولا ساقطاً من الحساب. فهو لم يخلق عبثاً.. تعالى الله عن العبث وعن عدم القصد.. وإنما الجسم هو وعاء الطاقة الحيوية العاملة النشيطة التي تعمّر الأرض، وتستخرج كنوزها وتستغل طاقاتها، وتنشئ وتبني وتنتج، فتسمح للحياة الإنسانية بالوجود والبقاء، والامتداد والارتقاء..
والاستجابة لدوافع الجسم هي التي ينشأ عنها الوجود والحركة والعمل والإنتاج.. وكل ذلك مطلوب ومقصود، لأنه الأداة التي تقوم عليها خلافة الإنسان عن الله في الأرض، والتي بغيرها لا يكون لهذه الخلافة معنى ولا وجود.
فليس الجسم ولا الاستجابة لدوافعه هما منبع الشر في حياة الإنسان.
إنما الشر –كما أسلفنا- ينشأ من تولي الجسم قيادة الكيان المجتمع المترابط الذي ينبغي أن تتولى قياده الروح، بحكم النشأة الطبيعية التي جعلت الإنسان إنساناً، ورفعته عن الحيوان، وقد كان قمينا أن يكون حيوانا لولا تلك النفخة العلوية في قبضة الطين.
وحين يلغي الإنسان كيانه الروحي [وهو تعبير مجازي، لأنه لا يحدث –بغير خلل وظيفي- أن يصبح الإنسان جسدا خالصا بغير روح] أي حين يجعل الجسم هو صاحب القياد، فتنطمس إشعاعة الروح المضيئة وتبو في عتامة الطين.. فحينذاك ينشأ الشر، وحينذاك يهبط الإنسان إلى مستوى أسوأ من مستوى الحيوان رغم أنه ما زال محتويا على عنصر الروح!
يهبط.. لأنه لا يستخدم طاقات روحه:
"لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ"189.
والإشارة إلى القلوب والأعين والآذان ليس المقصود بها الحواس الظاهرة بطبيعة الحال، وإنما المقصود ما وراءها من وعي وفهم وإدراك، والاستفادة بما يُرى ويُسمع ويُحس، في انتهاج النهج السوي واتخاذ الطريق المستقيم.
عندئذ يصبح الإنسان كالأنعام [أي كالحيوان] بل أضل.
أضل لأن الحيوان من ناحية ليس مطالبا بالارتفاع ولا قادرا عليه. وإنما هو على فطرته الطبيعية حين يأتي ما يأتي من أعمال. وليس من شأنه أن يقدّر "قيما" لأعماله. ومن ثم فهو لا يخالف عن طبيعته ولا عن الدور المقدر له في الحياة. والحيوان من ناحية أخرى له غريزة تضبط أعماله وتقف بها عند الحد الملائم لفطرته، فتمنع عنه الإسراف والشطط بالنسبة للمقاييس الحيوانية وبالنسبة للقصد الذي يقصده الخالق منه، وإن كان الحيوان ذاته يأتيه بلا عي ولا اختيار.
أما الإنسان الذي لا يستفيد بطاقات روحه –مع أنه ما زال محتويا على عنصر الروح- فهو أضل. لأنه يخالف فطرته السوية ويهبط عنها، وفي الوقت ذاته يسرف ويشتط، لأنه –وقد عطّل الضابط الإرادي الذي وهبه له الله متمثلا في نفخة الروح- لا يملك الضابط الغريزي الذي يضبط تصرفات الحيوان.
ويكون ذلك شرا لا شك فيه، وانحرافا عما ينبغي أن يكون عليه الإنسان.
ولكنه كما قلنا انحراف "طبيعي" إذا ترك الإنسان وشأنه، لأنه –وهو مشتمل على استعداد الخير واستعداد الشر- قمين في هذه الحالة أن ينقلب وينتكس إلى أسفل، بسبب ثقلة الطين.. وعندئذ تصدق عليه كل التفسيرات المنحرفة التي تصور الحياة البشرية في صورة حيوانية، كالتفسير المادي للتاريخ، والتفسير الجنسي للسلوك البشري..
ولكن الله لا يترك الإنسان وشأنه..!
لقد خلقه. وهو يحبه ويعطف عليه ويريد له الخير..
ولذلك يرسل الرسل يعرّفونه المنهج الصحيح ويردونه إليه..
والرسالات إذن ذات مهمة رئيسية في حياة البشرية، وليست نافلة تستغني عنها حين تريد.
والإنسان إما أن يهتدي بهذا الهدي الإلهي، فيجعل لروحه قياد كيانه الممتزج المترابط، ويكون في وضعه الصحيح بالنسبة للفطرة، وإما أن يرفض الهدى، ويجعل القياد لجسمه وشهواته، فهو كالأنعام بل هو أضل. وهو منتكس بروحه إلى أسفل، وغارق بكيانه في الطين.
وهذا هو التفسير "النفسي" للخير والشر في كيان الإنسان.. وهو تفسير واضح بسيط، لا يتخبط تخبط "الفلسفات" التي تشطح هنا وتشطح هناك، وتتجافى المنبع الأصيل الذي ينبغي أن ترجع إليه في قياس الخير والشر في كيان الإنسان.. وهو فطرة ذلك الإنسان!

الثابت والمتطور في كيان الإنسان
علم النفس يرسم الإنسان في صورة ثابتة كأنه ذو كيان ثابت لا يتغير على مدار القرون والأجيال.. فهل هذه حقيقة؟
هل إنسان الغابات كإنسان المراعي كإنسان الزراعة كإنسان الصناعة كإنسان العصر الذري والسفر بين الكواكب؟ وهل من المعقول أن ما ينطبق على واحد من هذه الأناسي ينطبق على الآخرين؟
وما قيمة التقدم والتطور إذن؟ وما دوره في حياة البشرية، إذا كانت البشرية ستظل ثابتة على ما هي عليه في كل التاريخ؟
هذا السؤال –أو هذا الاعتراض- تعترض به المذاهب الاجتماعية الحديثة التي تبنى مباحثها كلها على أساس فكرة التطور، وتصل –من زاوية نظرها الخاصة- إلى أنه لا وجود لشيء ثابت في حياة الإنسان، ومن ثم فلا توجد –في رأيها- أية مقاييس ثابتة يقاس بها نشاطه العقلي أو النفسي أو المادي.. ولا يصح أن ترسم له صورة ثابتة. وإنما ترسم صورة للوجه الموجود في هذه اللحظة –أو في هذا الجيل- وهي عرضة لأن تتبدل غدا، وتصبح غير ذات موضوع
هذه النظرة "الحديث" للموضوع متأثرة دون شك بنظرية دارون، الذي ألغى فكرة الثبات إطلاقا، والذي قال إن الأصل الذي نشأ عنه الإنسان بمفهومه الحالي مختلف أشد الاختلاف عن "الإنسان". وإن ما يسمى بالإنسان فعلا، قد تطور تطورات شتى حتى صار إلى ما هو عليه اليوم. وإنه بناء على ذلك لا ينبغي أن يُنظر إلى الإنسان الحالي بأكثر من أنه طور انتقالي في حياة هذا المخلوق، يمكن أت يتطور غدا إلى شيء آخر مختلف عنه.
وقد أخذت المذاهب الاجتماعية والاقتصادية الحديثة عن هذه النظرية بلا تحفظ.. لأنها أُخِذَت بها بادئ ذي بدء على أنها الكلمة النهائية في الموضوع! ولأن هذه المذاهب ولدت في عصر الانقلاب الصناعي في الغرب، الذي غيّر صورة الحياة تغييرا شاملا، وغيّر علاقات الناس بعضهم ببعض، كما غير تقاليدهم وأخلاقهم وعقائدهم في هزات عنيفة متوالية، خيّلت لمن يشاهدها من الظاهر أنها تنشئ الإنسان إنشاء من جديد، وتبت ما بينه وبين ماضيه، وتعده في الوقت ذاته لمستقبل قد يكون مقطوع الصلة بحاضره!
ثم كانت الفتوح العلمية المتوالية التي ساعدت من جانبها على تغيير صورة الحياة تغييرا شاملا، حتى خيّلت للناس أن "العلم يعيد إنشاء الحياة" كما يقولون، وأن الإنسان، صاحب هذا العلم وصانعه، لم يعد مقيدا بشيء.. ولا بذات نفسه! وأنه غدا سيصنع نفسه! [ Man Makes Himselfعنوان كتاب من تأليف جوردون تشايلد V. Gordon Childe] وسيكيف دوافعه وأهدافه غير متقيد بما كان يسميه من قبل "الطبيعة" وينسب إليه الإبداع والخلق.. فقد سيطر الإنسان على الطبيعة، وصار –كما يقول جوليان هكسلي في كتابه "الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World– صار الإنسان هو الله المنشيء المريد! [ص224 من الترجمة العربية].
بمثل هذه النظرية المبهورة اللاهثة نظر الإنسان إلى "التطور".. ففقد نفسه وفقد رشده! وظن أنه لا يوجد مقياس ثابت للنفس الإنسانية، ولا لشيء البتة في حياة الإنسان..
ولكنه –لأكثر من سبب، وفي أكثر من جانب- بدأ يفيق! وبدأ يعدل نظرياته.. وإن كان لم يفق بعد إفاقة كاملة، ولم يستطع التغلب الكامل على البهر الذي أصابه في القرن الماضي وبداية القرن العشرين.
فالداروينية الحديثة –التي يمثلها جوليان هكسلي وغيره من العلماء- لم تعد تؤمن –رغم إلحادها بالله- أن الإنسان مجرد حيوان متطور بلا زيادة، يتطور على قاعدته الحيوانية التي صدر عنها [في رأي دارون] وإنما تؤمن بأنه ذو خصائص منفردة متميزة. وأنه يتطور على قاعدته الإنسانية الواضحة الخطوط والسمات، التي تتميز بخصائص معينة أهمها:
"قدرته على التفكير الخاص والعام –التوحيد النسبي لعملياته العقلية بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان- وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والكنيسة (الجماعة الدينية) وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها" ثم "أنه لا مثيل له بين الحيوانات الراقية في طريقة تطوره190".
وليس يهمنا هنا أن نناقش فكرة التطور من أساسها، ومدى صحتها العلمية. فالعلماء البيولوجيون يتولون ذلك، ويناقشون بالفعل أسس النظرية على ضوء الأبحاث العلمية الحديثة.
وإنما يهمنا أن نثبت نقطة واحدة من كلام الداروينية الحديثة هي القاعدة الإنسانية للإنسان التي يتطور على أساسها. فهناك إذن على أقل تقدير خطوط عريضة ثابتة في الكيان الإنساني، يزيدها التطور ثباتا ورسوخا وتعمقا نحو الإنسانية، ولا ينحرف بها خارج نطاق الإنسان..
تلك نقطة رئيسية في البحث..
ثم هناك مجموعة من الحقائق الهامة في الموضوع.
إن التغير الاقتصادي والاجتماعي والحضاري والعلمي الذي حدث في القرنين الأخيرين، والذي ظل مستمراً في الحقيقة منذ بداية عهد الإنسان إلى العصر الحاضر، قد غبّر "صورة" الحياة ولم يغبر جوهرها...
ولنأخذ مثلا رغبة اتخاذ السكن..
إنها رغبة فطرية.. يحققها إنسان الغابات باتخاذ "عش" معلق في الشجرة، وإنسان المراعي باتخاذ مثابة من البوص والغاب، وإنسان الزراعة بكوخ من الطين، وإنسان المدينة ببيت مشيد أو عمارة.. وقد يتخذ إنسان الفضاء غدا سفينة فضاء يسكن فيها وينتقل بها بين الكواكب.. فما الذي تغيّر؟
تغيرت "الصورة" التي تتحقق بها الرغبة الفطرية. تغيرت بتغير الإمكانيات المادية والعلمية، وتطور قدرات الإنسان العقلية والفنية. ولكنها ظلت في خطها الأصيل. وحين تطورت، تطورت على قاعدتها الإنسانية المتخصصة، لا على أي قاعدة أخرى [الحيوان لا يطور مسكنه!] والقاعدة الإنسانية هنا ترتكز على ركائز إنسانية متفردة هي القدرة على استخدام الأدوات والاستفادة من "الأفكار" السابقة، ثم النزعة إلى "الجمال"، التي تسعى دائماً لتجميل ما هو كائن بالفعل، لتصل به إلى "الكمال" بقدر ما يتحقق في عالم الإنسان.
الجوهر إذن لم يتغير، وإنما "تطور" على خط امتداده الأصيل، الذي ترسم إمكانياته فطرة الإنسان ذاتها، وليست هناك عوامل أخرى غير فطرة الإنسان هي التي أحدثت التطور. فالكون المادي.. أو القوى المادية التي يعزو إليها التفسير المادي للتاريخ كل تطور في حياة الإنسان.. هذه القوى موجودة بالنسبة للحيوان.. والحيوان يتطور فيما يقول دارون.. ولكنه –على فرض صحة النظرية- يتطور على قاعدة حيوانية لا تشبه في شيء تطور الإنسان..
ومن ثم فالعنصر الفعال في الأمر هو الإنسان. الإنسان بفطرته المنفردة، المتطورة في حدود هذه الفطرة وعلى خطوطها الأصيلة، والتي تزداد –كلما تطورت- رسوخاً وتعمقاً في القاعدة الإنسانية، لا تحيد عنها إلى فطرة أخرى، أو تسير بلا هدى من خطوط الفطرة الأصيلة!
ولنأخذ رغبة اللبس..
إنها رغبة أخرى فطرية.. يحققها سكان الغابات بمنطقة من الجلد أو الريش تستر العورة، ويحققها البدوي غزلا خشناً من الصوف، ويحققها المدني نسيجا متقنا وأزياء متفننة.. فما الذي تغيّر؟
تغيرت الصورة التي تتحقق بها الرغبة الفطرية بتغير الإمكانيات المادية والعلمية وتطور قدرات الإنسان.. ولكنها تتغير وتتطور على قاعدتها الإنسانية المتخصصة المتفردة، المرتكزة على ذات الركائز الإنسانية: القدرة على استخدام الأدوات، والاستفادة من الأفكار السابقة، والنزعة إلى الجمال...
ثم تنحرف هذه الفطرة في العالم الغربي فتنتكس نحو العرى.. فهل يعتبر ذلك إلغاء للفطرة أو إعلانا عملياً بعدم وجودها؛ وأن الأمر في مسألة اللبس متروك "للتطور" الاجتماعي الذي لا يرتكز على أساس ثابت؟!
هذا هو الوهم الذي يقع فيه بعض "علماء" الغرب الحديث..
فهذا "التطور" المزعوم –رغم انحرافه عن الفطرة وانتكاسه- لم يغادر ركيزته الإنسانية المتخصصة مغادرة كاملة. فالمرأة التي تتعرى في الغرب الحديث تظن أنها هكذا أجمل.. فهي إذن نزعة جمالية.. لكنها منحرفة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فما زالت –فيما عدا حالات الشذوذ المرضي- تستر ذات الأماكن التي اتجهت الفطرة إلى سترها منذ بدء التاريخ الإنساني ["فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ"]191.
والأمر الثالث –الذي سنتحدث عنه في النقطة التالية- هو أن هذا الانحراف عن الفطرة لم يسعد البشرية.. وإنما أحدث لها القلق والاضطراب.. لأنه خروج على الفطرة، وكل خروج على الفطرة لا بد أن يحدث في النهاية الشقاء!
إنما نريد أن نقول قبل الانتقال إلى هذه النقطة، إن الدوافع الفطرية كلها التي تحدثنا عنها على أنها "مكونات" النفس الإنسانية لم ينلها أي تغيير جذري حين تغيرت صورة الحياة في القرنين الأخيرين هذا التغير الشامل.. وإنما تغيرت فقط الصورة التي تتحقق بها الرغبة الفطرية دون تغيير في منبعها ولا في خط تطورها المرسوم من لدن الفطرة التي فطرها الله.
فما زالت الرغبة الدافعة الأولى هي حب الحياة.. يتخذ صوراً شتى ولكنه هو هو حب الحياة والتشبث بها والرغبة بالاستمتاع بما فيها من متاع.
وما زالت الرغبة في حفظ الذات، وما يتفرع عنها تفرعاً مباشراً من مطعم ومشرب وملبس ومسكن.. هي ذاتها لم تتحور، ولم تتحول عن وجهتها، وإنما تغيرت الصور التي يحفظ بها الإنسان ذاته..
وما زالت رغبة الجنس هي رغبة الجنس الفطرية العميقة في كيان الجنسين..
وما زالت رغبة الاقتناء والملك هي رغبة الاقتناء والملك. وحين حاربتها الدول الشيوعية وحاولت استئصالها من النفوس تغلبت الفطرة في نهاية الأمر، واضطرت الدول الشيوعية إلى التزحزح عن موقفها المعاند، فأباحت اقتناء بعض الأشياء، وأباحت اختلاف الأجور بين الطبقة الواحدة، لمن شاء من العمال والصناع أن يبذل مزيداً من الجهد ليحصل على مزيد من الأجر "يقتني" به ما يباح اقتناؤه من الأشياء!
وما زالت نزعة القتال هي نزعة القتال.. تتخذ صوراً شتى.. من أول المباريات الرياضية إلى التهديد بتدمير العالم كله بالصواريخ!!
وما زال حب البروز هو حب البروز.. يتخذ صوراً شتى.. من "خدمة الجماعة" إلى الدكتاتورية والطغيان!!
فحين نقول إن هذه هي "الدوافع الفطرية" في كيان الإنسان، فما الذي تغيّر إذن في كيان الإنسان حين انتقل من حياة الغابة إلى غزو الفضاء؟!!
والنقطة الثالثة التي أشرنا إليها آنفاً هي أن الفطرة قد تنحرف انحرافاً قاسياً عن خط سيرها الأصيل.. ولكنا نخطئ إذا ظننا أن هذا الانحراف "تطور" أصاب الفطرة في جوهرها فغيّر مسارها.. والأمر ليس متروكا لأوهامنا نتخيل كيف نشاء.
ففي الفطرة مثلا حياء جنسي يجعل الأنثى تظهر ثم تختفي ليبحث عنها الرجل ويتعب في البحث عنها حتى يملكها في النهاية. ولهذه الفطرة حكمتها.. فهي تضمن للأنثى –فطرياً- أن تحصل على رجل يستحق أن تكل إليه أمرها وتهبه نفسها، بعد أن يثبت أنه أهل لذلك. وتضمن لها فطرياً كذلك ألا ينصرف عنها حين يجدها سهلة بين يديه يحصل عليها بأقل الجهد. وقد تدرك الأنثى هذه الفطرة إدراكا واعيا وقد لا ندرك.. ولكنها –على فطرتها السوية- تنصرف دائما بموجب هذه الفطرة وعلى خطوطها المرسومة.
ثم جاء العصر الحديث "فحرر" المرأة..
وقد تحدثت في كتاب "معركة التقاليد" عن قصة التحرر هذه، فلن أعيدها في هذا المكان. وإنما نأخذ الأمر من واقعه الحالي.. تحررت المرأة وتعرت في ذات الوقت. وفقدت –في الغرب المتحضر- حياءها الجنسي، فصارت في كل ملبسها وحركاتها وتصرفاتها تعمل –علانية- على إغراء الرجل، ودعوته –بشتى السبل- أن يقضي معها دافع الجنس.
فما الذي حدث؟!
حدثت نتائج عظيمة الخطورة من وجهة النظر التي نبحث فيها..
حدث أن الرجل –في أمريكا المتحررة إلى أقصى حد، وفي دول الشمال في أوربا كذلك –صار هو الذي يتدلل و"يتعزز!" والأنثى تجري وراءة وترتمي في أحضانه. ليقبّلها.. ذلك أنه انصرف عنها حين ابتذلت نفسها له وخلعت حياءها الفطري، الذي كان يضمن لها –فطريا- أن يكون الرجل هو الذي يسعى إليها!
وصارت الفتاة –في حلبات الرقص هناك- تتودد وتتظرف لتحصل على رقصة من شاب، فإذا أخفقت كل محاولات الإثارة والإغراء انكفأت تبكي في مرارة.. علنا في المرقص.. لأنها لم تنل أحد الشبان!
فهي إذن لم تسعد حين غادرت خط فطرتها الأصيل، وإن توهمت أنها تحصل على متاع بغير حد!
وحدث أن خرج جيل من الأولاد الذكور مخنثين ومصابين بنسبة عالية من الشذوذ الجنسي في ذات البلاد التي خلعت المرأة فيها حياءها ونزلت إلى السوق تصطاد هي الرجال! والعلاقة دقيقة ومتشابكة بين خروج المرأة هكذا وانتشار الشذوذ الجنسي في الأجيال الحديثة في أوربا وأمريكا.. فالطفل الذكر يتلبس لا شعوريا بشخصية أبيه بوصفه الجنس الغالب. وذلك جزء من الفطرة! فلما تحررت المرأة، وخلعت –فيما خلعت- حياءها، وصارت تشبه الرجل أو تريد أن تشبهه في كل شيء، تشوش الأمر في نفس الطفل الذكر، وصار يتلبس –لا شعوريا- بشخصية أمه بوصفها الجنس الغالب على الوضع الجديد! فينشأ –من الوجهة النفسية- خليطا شاذا من شخصيته المذكرة الأصيلة وشخصية أمه المؤنثة، فيصبح شديد الاستهداف للشذوذ الجنسي192!
فالأجيال الناشئة لم تسعد إذن حين غادرت الأم خط فطرتها الأصيل..
وحدث أن فسدت الحياة الأسرية فارتفعت نسبة الطلاق في أمريكا إلى 40%، وهي نسبة بشعة جدا، معناها تهدم الأسرة وانحلال روابطها وشقاء زيجاتها وعدم استقرارها. وهو أمر شديد الاتصال بالفتنة الدائمة التي تقدمها المرأة للرجل [والرجل للمرأة] الفتنة التي تجعل متاع الحس هو مقياس الحياة، وتجعل الزواج يبدو شيئا بليدا خامدا لا فتنة فيه ولا إغراء! فما أسرع ما تنفصم العرى ويبحث كل من الزوجين عن صيد جديد. فإذا حالت قوانين الدولة دون الطلاق –كما في الدول الكاثوليكية- حدث ما هو أشنع من الطلاق، وهو المحافظة على الرباط الرسمي مع اتخاذ العشاق والعشيقات للهرب من جحيم الأسرة المفككة العواطف النافرة القلوب!
فالرجل والمرأة كلاهما لم يسعدا إذن حين خرجت المرأة عن خط فطرتها الأصيل!
وبعد ذلك ومعه، ذلك الاضطراب والقلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية وضغط الدم والانتحار والجنون.. أعراض مصاحبة كلها للخروج على الفطرة السوية، تدل دلالة واضحة على شيئين معا: الأول أن هناك فطرة يشقى الإنسان شقاء بالغا حين يخالفها. والثاني أن الانحراف عن الفطرة لا يكوّن فطرة جديدة للإنسان.. ولا يلغي واقع الفطرة الأصيلة، أو يجعل الإنسان بلا فطرة على الإطلاق!
وفوق ذلك جميعا.. فلا ينبغي أن ننسى أن هذا الانحراف كله لم يأت به "التقدم" الصناعي، ولم تأت به الحتمية التاريخية والاقتصادية ولا المادية.. وإنما جاء من أن دفعة فطرية أصيلة هي دفعة الجنس قد انحل عقدها وانفلتت من القيد! أي أن انحراف الفطرة قد جاء من داخل الفطرة لا من خارجها كما يحب أن يزعم التطوريون وهواة التفسير المادي والاقتصادي للتاريخ! وقد سبق أن بينا في فصل الانحراف والشذوذ كيف يحدث انحراف الفطرة حين يساء توجيهها أو لا توجّه على الإطلاق!!
فالفطرة إذن شيء حقيقي واقعي له وزن وثقل.. حتى في حالات الانحراف.
والأمر الأخير أن في الإنسان قدرا ضخما من المرونة يخيّل لمن يأخذ الأمر من ظاهره أنه ليس للإنسان كيان ثابت، وأن التطور المادي والاقتصادي هو الذي يصنع الإنسان، على غير قواعد ثابتة ولا نمط معروف.
ولسنا هنا نتحدث عن الانحرافات. بل نتحدث عن حالات نفترض أنها كلها سوية طبيعية.. فما الذي يحدث في حقيقة الأمر حين ينتقل الإنسان من طور اجتماعي إلى طور؟
قلنا من قبل إنه يغيّر فقط صورة الدافع الفطري لا حقيقته الجوهرية.
ونزيد هنا أن في الإنسان جوانب كثيرة متعددة وطاقات مختلفة قد لا تعمل كلها في وقت واحد، لأن الإمكانيات الحضارية، ولأن التوجيه القائم لا يحركانها للعمل جميعا.
ونشبه الأمر بما يحدث في الجسم لتتضح الصورة..
في الجسم مئات من الأعضاء والأحشاء المفروض فيها أن تعمل جميعا في وقت واحد. ولا يكتمل نشاط الجسم وقيامه بوظائفه الحيوية إلا بعملها جميعا في مجالاتها المقررة. ولكن يحدث في عالم الواقع أن يدرب الإنسان بعض عضلاته فتنمو نموا بارزا، ويهمل أخرى فتضر عن حجمها "الطبيعي". أو يكسل عضو من الأعضاء الداخلية فلا يفرز إفرازه الكامل، أو ينشط نشاطا زائدا فيفرز زيادة عن المقرر.. فهذا كله لا يعني أنه لا توجد مقاييس ثابتة لمكونات الجسم البشري ووظائفه ونشاطاته! وإنما يعني فقط تلك الحقيقة: وهي النمو البارز هنا والضمور هناك.. وحقيقة إن الظروف الخارجية هي التي تصنع ذلك بالجسم. ولكن لا يقول أحد إن هذه الظروف قد خلقت عضوا جديدا أو أزالت أحد الأعضاء!
ونعود إلى عالم النفس..
هناك جوانب متعددة في النفس ووظائف متعددة..
وهناك مرونة تسمح ببروز أحد الجوانب بروزا ثابتا أو مؤقتا، وانحسار أحد الجوانب كذلك.. وهناك ظروف خارجية دائمة تؤثر في حياة الإنسان.. وتوجيهات خارجية دائمة..
ويحدث أن تعمل هذه الظروف والتوجيهات على إبراز جانب معين من الإنسان وإخفاء جانب أو إضعافه..
فعندئذ لا ينبغي أن يقال: إنه لا يوجد كيان ثابت للإنسان، ولا مقاييس يقاس بها نشاط الإنسان!
وإنما تقال فقط هذه الحقيقة: وهي بروز جانب هنا، وانحسار جانب هناك!
وعندئذ لا ينبغي أن يقال إن الظروف الخارجية هي التي تنشئ هذا الجانب في النفس أو تزيله من الوجود، إنما يقال فقط إنها تقويه أو تضعفه.. ولكنه كائن في صميم الفطرة، كامن أو في حالة بروز!
وهناك محك بسيط لهذه الحقيقة.. إن الظروف الخارجية لا يمكنها مهما أوتيت من سطوة وضغط أن تنشئ في كيان الإنسان شيئا ليس فيه استعداد سابق إليه!
والتجربة الشيوعية تنبت ذلك..
لقد حاولت القضاء على رغبة الملك، بكل ما تملك من سطوة وقوة وطغيان. حاولت أن تنشئ كيانا نفسيا ليست فيه هذه الرغبة.. ولكن لأن هذه نزعة فطرية، لم تستطع القوة القاهرة كلها أن تنزعها من النفوس!
وحاولت الرهبانية من قبل قتل الدفعة الفطرية للجنس.. ولكن لأن هذه نزعة فطرية، لم تستطع الرهبانية أن تنزعها من النفوس. ثم انتكست الرهبانية ذاتها إلى جرائم جنسية بشعة في داخل الأديرة والصوامع، ترتكب فيها المحرمات كلها من سوية وشاذة.. الرهبان والراهبات سواء!
وحاولت الدكتاتوريات النازية والفاشيّة والشيوعية أن تقتل النزعة الفردية في النفوس لحساب النزعة الجماعية.. ولكن لأنها نزعة فطرية، أخفقت هذه المحاولات كلها، وعمدت هذه الدول إلى التنفيس عن النزعة الفردية المكبوتة –وإن يكن في غير الميدان السياسي!- فأفسحت المجال للهو والعبث تنساق فيه الشعوب من ناحية، وخلقت اهتماما مصطنعا زائدا بالألعاب الرياضية والمباريات يجد فيه الأفراد منطلقا لنزعتهم الحبيسة!
وحاولت الهندوكية أن تنشئ إنسانا بلا دوافع! إنسانا بلا جسد! إنسانا يعبر عن إشراقة الروح الصافية منفصلة عن قبضة الطين.. ولكن، لأنه لا يوجد استعداد في نفس الإنسان لأن يكون كذلك، أخفقت هذه المحاولة ولم تصنع شيئا إلا السلبية المريضة في نهاية المطاف!
وهكذا تغلب الفطرة دائماً جميع التوجيهات والظروف المضادة لاتجاهها، المنافية لطبيعتها، ولو خضعت لضغطها القاهر فترة من الوقت تقصر أو تطول! وإنما الظروف والتوجيهات كما قلنا تعمل في حدود تقوية بعض الجوانب الموجودة بالفعل وإضعاف بعضها الآخر.. فما الدلالة التاريخية والإنسانية لهذا الأمر؟
دلالته أن وجود جوانب ناقصة أو ضامرة في العهود التاريخية التي سبقت فترة الرشد في حياة الإنسان، ليس معناه أن هذه الجوانب لم تكن موجودة أصلا، فاستحدثتها الظروف المادية والاقتصادية والاجتماعية والتقدم العلمي، وإنما معناه أنها كانت كامنة فأظهرتها هذه الظروف، أو غير مكتملة النمو فأكملت الظروف تنميتها. وليس معناه كذلك أن كيان البشرية يتغير في جوهره بتغير الظروف. فالخطوط الرئيسية لم تتغير. وإنما تغيرت الصور التي تعبر عنها، وتغير كذلك مدى القوة في التعبير.
ودلالته –بعد أن بلغت الإنسانية رشدها- أن ينبغي لها أن تنظر في نظمها وتوجيهاتها، فتجعلها شاملة للكيان النفسي كله، وعلى وضعه الفطري الصحيح. فلا تبيح الانحراف على أنه تطور، ولا تبيح وجود فراغ في جانب من جوانب الإنسان الفطرية ونشاطاته المتعددة، بحجة أن التطور قد أبطله فلم يعد له وجود. ولا تحلم حلما فارغا بأن في استطاعتها أن تخرج على خطوط الفطرة، أو تنشئ فطرة جديدة، أو تنشئ إنسانا لا فطرة له.. فكل هذه أوهام أنشأتها البهرة بالعلم، والتغير الظاهري الذي حدث في صورة الحياة في القرنين السابقين. ولكن التجارب ذاتها التي حدثت في هذين الجيلين تثبت عمق الفطرة وثقل واقعها، ورسوخها في كيان الإنسان.
* * *
وخلاصة هذا الحديث كله أن علم النفس حين يرسم صورة ثابتة للكيان النفسي للإنسان، فهو لا يخالف الحقيقة.
وهو كذلك لا يمنع احتمالات التطور ولا ينفيها من حسابه..
إنما يجعل في حسابه أن هذا التطور يشمل الصورة ولا يؤثر في الجوهر. وعلم النفس ليس موكلا بالصورة إلا بمقدار ما تعبر عن الجوهر. فلا يهمه أن تكون الصورة التي يرسمها صورة الأمس أو اليوم أو الغد.. إنما يهمه في كل حالة أن يرى إلى أي حد تعبر هذه الصورة عن الجوهر السوي، وإلى أي حد تنحرف عن مسارها الصحيح.
ومرجعه في ذلك هو الفطرة.. كما هي في شمولها وانفساح جوانبها. الفطرة التي تستمد من حياة الأجيال كلها، لا من جيل واحد معين، والتي تدل الدلائل على وجودها وثقل واقعها، والتي تثبت التجربة أن الخروج عليها لا يسعد البشرية ولا يريحها، وإنما يشقيها ويعذبها.. ثم تثبت التجربة أخيرا أنها تغلب كل محاولة للقضاء عليها أو إساءة توجيهها، وترتد –ولو بعد أجيال عدة ومحاولات قاسية- إلى أصلها الحقيقي، في ثورات سلمية أو دموية، ترفع فيها ما وقع عليها من ضغط، وتنفض عنها ما وقع من انحراف!

التفسير الإنساني للإنسان
يقول جوليان هكسلي في كتابه "الإنسان في العالم الحديث": إنه "بعد دارون لم يعد في وسع الإنسان ألا يعتبر نفسه حيواناً"!.. وتلك ملاحظة صادقة بالنسبة للداروينية ونظرتها للإنسان. فمما لا شك فيه أن دارون قد رد الإنسان حيوانا، ثم لم يرفعه من وهدة الحيوانية التي أنزلها إليها، برغم أن إيحاء نظرة "التطور" ذاتها كان يقتضي إعطاء الإنسان مكانة متميزة، بفضل خصائصه المتميزة التي حصل عليها في أثناء التطور، وذلك بفرض أن النظرية كلها صحيحة من الألف للياء! فالحيوان ذو العينين، المتطور –فرضاً- عن حيوان غير ذي عينين، يصبح من لحظته الأولى كائنا متميزا، لا ينطبق عليه ما كان ينطبق على سالفه، ويؤخذ من جانب تميزه، أكثر مما يؤخذ من جانب مشابهته لما سبقه من الأحياء!
ولكن الرغبة المجنونة في مكايدة الكنيسة بتحقير الإنسان قد أنست الداروينيين أنفسهم، فمضوا يقررون حيوانية الإنسان في حماسة، بل يعتزون بحيوانية الإنسان!
ومضت إيحاءات الداروينية تنفث سمومها على نطاق واسع، فتتشربها مذاهب الاجتماع والاقتصاد وعلم النفس.. والآداب والفنون.. وكل الإنتاج الفكري الغربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين!193
التفسير المادي للتاريخ..
التفسير الجنسي للسلوك..
التفسير الجثماني للمشاعر..
الاتجاهات الواقعية والطبيعية في الآداب والفنون.. الخ.. الخ.
كلها انعكاسات للداروينية.. وكلها توكيد لحيوانية الإنسان!
إن "القيم العليا" و"الضوابط" هي المميز النهائي للإنسان عن الحيوان.. والقيم العليا والضوابط، هي بالذات الأشياء التي تحقرها هذه المذاهب جميعا، وتشكك في قيمتها، وتأبى –في جميع الأحوال- أن تردها إلى الجانب الروحي في الإنسان، لأنها –بادئ ذي بدء- لا تؤمن بوجود جانب روحي في الإنسان!
التفسير المادي للتاريخ يقول: إن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام!
ويقول: إن "القيم" كلها مجرد انعكاس للوضع المادي –أو الاقتصادي- وليست شيئاً قائماً بذاته، ولا رصيد لها في "الفطرة" البشرية.. فالفطرة البشرية ذاتها شيء لا وجود له في عرف هذا التفسير!
ويقول: إن هذه القيم، فوق أنها ليست أمراً "إنسانيا" ذاتيا، وإنما انعكاس للوضع المادي أو الطور الاقتصادي، فإنها لا ثبات لها، ولا مقياس. فهي "متطورة" مع التطور المادي، وخاضعة له. فإذا اقتضى الوضع الاقتصادي في وقت من الأوقات أن تكون المرأة عفيفة ومخلصة لزوجها، فهذا انعكاس البيئة الزراعية، وليس "قيمة" إنسانية. فإذا جاء طور اقتصادي آخر كالطور الصناعي يستلزم "تحرير" المرأة اقتصاديا، فهو كذلك "يحررها!" خلقيا وجنسيا.. ويستتبع ذلك أن تكون العفة الجنسية قيدا سخيفا لا مبرر له: فقد كانت تستوجبه تبعية المرأة للرجل اقتصاديا (!!) فما دامت مستقلة، لا تعتمد عليه في الرزق، فهي كذلك لا تتعفف من أجله.. وإنما تصنع بنفسها ما تشاء. وتصبح "القيمة" الخلقية الجديدة المنعكسة عن الوضع الاقتصادي هي الإباحية الجنسية!!
ويقول فوق ذلك: إن هذا التطور المادي –أو الاقتصادي- الذي يصنع القيم، ويقلّبها كيف يشاء، هو أمر خارج عن إرادة الإنسان! فالإنسان لا يستشار في وضع قيمه. لا يستشار فكره ولا روحه، ولا تستشار فطرته –اللاوجود لها!- وإنما التطور يفرض نفسه –سبحانه!- على الخلائق، فيصوغهم بجبروته، وينشئ لهم قيمهم، ثم يسلبها منهم ويبدلهم بها غيرها، على هواه هو، وبمقتضى قوانينه هو "الحتمية"، وليس للخلائق إلا أن تتلقى، وتعكس في ذواتها جبروت هذا الجبار وحتميته، فتكيف نفسها بمقتضاها، راضية خانعة ذليلة مستعبدة.. لا حول لها ولا طول!
ثم.. ثم يقول إن الطعام والكساء والجنس هي غاية غايات الإنسان، ومحور حياته، ومحور تأثراته من لدن هذا الجبار المهيمن في العلياء! أي.. في النهاية.. أنه حيوان!
وهو مع ذلك حيوان ذليل.. أذل من الحيوان الحقيقي.. فالحيوان لا يقهر على شيء ليس في "طبيعته"! ولا بد –في التعامل معه- من إطاعة كيانه والسير معه على مزاجه هو دون تعديل.. أو بأبسط التعديلات.. إذا "قبل" الحيوان! و"التطور" لا يُفرض عليه رغم أنفه. وإذا تطور بقهر "الطبيعة" فعلى آماد متطاولة تبلغ ملايين السنين! أما الإنسان.. بسبب مرونته الفذة التي أفرد بها الله.. فالتفسير المادي بسلبه كيانه الذاتي كله، وإيجابيته الفاعلة كلها، ويفرض عليها في جيل واحد أن يتطور من حال إلى حال، تطورا –كما يقول ماركس وإنجلز- خارجا عن إرادته، لا يَدَ له في وضعه، ولا قدرة له على تعديله، وليس له فيه أكثر من الطاعة العمياء!
* * *
والتفسير الجنسي للسلوك، تفوح منه "الحيوانية" نفاذة الرائحة!
إن أحداً لم يلوث الإنسان بمقدار ما لوثه فرويد.. حين أصر على تفسير كل نشاطه بالتفسير الجنسي.. المغرق في الحيوانية..
أسطورته الكبرى التي جعلها المحور الرئيسي لكل نظرياته.. أسطورة العشق الجنسي للأم.. أخذها –باعترافه [في كتاب Totem &Taboo]- من مثال أورده دارون من عالم البقر! ففي عالم البقر تهيج الثيران في موسم الإخصاب، فتقتل أباها الشيخ، ثم تقتتل فيما بينها على الأم، كل يريد أن يفوز بها لنفسه، فتموت الثيران الضعيفة أو تخور قواها مما تنزف من الدم. ويبقى الثور الأقوى، يفوز وحده بالأم، ويلبي معها داعي الجنس! وفرويد.. في بساطة.. بلا تحرج ولا تأثم.. ولا تأنيب ضمير.. ينقل هذه الظاهرة الحيوانية إلى عالم الإنسان.. وينسبها إلى البشرية الأولى، كأنما قد شهد مولدها وعاين تحركاتها، وسجل ما جرى لها من الأحداث!.. ويغفل.. في بساطة.. بلا تحرج ولا تأثم ولا تأنيب ضمير.. أن بعض الحيوانات ذاتها يأبى الولد منها أن يطأ أمه ولو دفع إلى ذلك دفعا وعوقب على الامتناع بالضرب الأليم!
ذلك.. لأنه "عالم" كبير!!
ثم لا يكتفي بأن تكون تلك اللوثة المجنونة قد أصابت البشرية الأولى مرة.. بل يصر على تلويث الأجيال البشرية كلها، فيزعم –على هدى الأسطورة ذاتها التي لا دليل عليها!- أن كل ولد ذكر في التاريخ يعشق أمه بعشق الجنس، وكل بنت تعشق أباها بنفس العشق!
ثم لا يكتفي بهذا القدر.. فما تزال في نفسه بقية من شهوة التلويث.. فيفسر السلوك كله.. كله.. بتلك اللوثة المجنونة. فإذا الطعام جنس والشراب جنس والنوم جنس والصحو جنس. والتبول والتبرز جنس. والرضاعة جنس. ومص الإبهام جنس. والنشاط الفكري والنفسي كله نابع من هذه الفوهة المجنونة الثائرة كالبرهان!
أما "القيم".. فهي الكبت لذلك الجنس! هي الوقوف في طريق "النمو الحر للطاقة الجنسية"! هي المتسمة "بطابع القسوة حتى في صورتها الطبيعية العادية"! هي التي ينشأ عنها القلق والاضطراب والعقد النفسية والانحراف والشذوذ!!
والإنسان بذلك كله حيوان.. ولكنه في وضع أسوأ من الحيوان الحقيقي.. فهذا الأخير يصرف طاقته في نشاط "سوي" بالقياس إليه.. فلا يصاب بالعقد والاضطراب النفسي والعصبي.. ولا يشكو الاختلالات في كيانه. أما الإنسان.. بما وهبه الله من قدرة على الرفعة، ففرويد يسلبه كيانه الرفيع كله، بل يقول صراحة وضمناً، إن الإنسان كان يمكن أن يكون أفضل من ذلك وأحسن لو كان طاقة حيوانية "حرة" لا يقف في سبيل نموها قيم ولا "كبت".. فكأن الإنسان في الواقع لا يطول حتى مقام الحيوان!
* * *
والتفسير الجثماني للمشاعر تفسير "علمي" معملي" (!) يريد أن يفسر الإنسان على قاعدته الجسمية وحدها، على أساس أن "النفس" بمشاعرها وانفعالاتها وأفكارها مجرد انبثاق جسمي.. ينبع من الجسد ويحكمه الجسد.
فهذه الغدة تصنع الدافع الجنسي. فيقوى أو يضعف. ويكون الإنسان واضح الذكورة أو الأنوثة أو مختلط الصفات.
وتلك الغدة تصنع الأمومة. فتقوى أو تضعف. أو تموت.
وإفراز الغدة الكظرية [الأدرينالين] يصنع الشجاعة [أو الجبن!].
وإفراز الغدة الدرقية الزائد يصنع المزاج العصبي. والناقص يصنع البلادة.
وهكذا يفسر الإنسان كله من داخل جسده.. ويفسر –في الحقيقة- على أساس حيواني! فالحيوان هو الذي يحكمه جسده بإفرازاته، وطبيعاته وكيماوياته وكهربياته، فلا يحيد يمنة أو يسرة عن حكم هذه الإفرازات، لأنه لا توجد في كيانه قوة أخرى غيرها تحكم تصرفاته..! فهم إذن يريدون تفسير الإنسان في نطاق "حيوانيته" وحدها، ويحذفون حذفاً "علمياً!" كل ما يخرج عن ذلك النطاق.
وإذ كانت القيم العليا من ضير وعقيدة وإيمان بالحق والعدل والجمال والكمال.. لا تدخل المعمل، أو لم يكتشف المعمل حتى اليوم موطنها الجثماني أو الغُدّي.. فلا بأس بإغفالها إغفالا كاملا ليظل الإنسان في داخل النطاق المطلوب صبه فيه، وهو نطاق الحيوان!
* * *
والمذاهب "الواقعية" في الأدب والفنون توجه همها إلى رسم الإنسان في صورته الدنيا.. صورته الهابطة إلى عالم الضرورة والقيد.. بحجة أن هذا هو "الواقع".
وتختلف هذه المذاهب، ثم تلتقي في نقطة الالتقاء، التي تجمع ما بين المذاهب الاجتماعية والاقتصادية والفكرية المعاصرة، وهي حيوانية الإنسان وماديته.
الأدب "الاجتماعي" يرسم الإنسان محكوماً بالحتميات الاقتصادية والاجتماعية، يولد فيها، ويصطرع معها فينهزم –في كل مرة- أو يسايرها فتطبعه بطابعها الحتمي.. فإذا تشبث بالقيم العليا تحطم [وإلى هنا لا ضير!] ولكنه يتحطم وهو موضع السخرية والزراية لأنه يتشبث بشيء غير ذي وجود!
ثم هو في صراعه مع القوى الاجتماعية والاقتصادية التي تحطمه أو يسير معها، يصارع بجسده.. أو بضروراته.. بالطعام والمسكن والجنس. هذا إذا أراد أن يتحطم تحطماً شريفاً! أما إذا أراد أن يكون موضع السخرية والهزء والزراية.. فليصارع بالعقيدة، أو بالضمير، أو بالحق والعدل الأزليين، أو بحاسة الجمال أو حاسة الكمال! فعندئذ ينال ما ينال من تحطم واستخفاف!
والأدب الجنسي يصور الحياة كلها كأنها لحظة جنس مسعور.. فلا شيء في الحياة غير الجنس. الخطوط كلها تتفرع لتلتقي عنده، والعقد كلها تنمو لتنعقد فيه.. ولا يتحقق كيان الإنسان إلا في لحظة الجنس الفاجرة التي يلبي فيها جسد صراخ جسد آخر.. وينتهيان في لذة الجسد الحيوان.
والصراع في الأدب الجنسي هو صراع الأجساد.. الفتاة تقول لنفسها: هل أمنح جسدي لهذا الولد أم لذاك؟ أيهما أكثر استحقاقا لأن أحقق كياني معه في لحظة جنس طاغية؟ والولد يقول لنفسه: إنني أريد هذا الجسد المثير، ولا بد أن أناله. لا بد أن "أجاهد" بشتى الطرق للوصول إليه، لأحقق وجودي في لحظة معه.. لا بد أن أحطم جميع العقبات.
وفي عالم الأدب الجنسي تحدث "المأساة" الدرامية.. تحدث حين تقف "قيمة" من القيم في وجه لحظة الجنس المسعورة، التي يحقق فيها كيانهما الولد والبنت.. وعندئذ تكون "القيمة" هي الغلطانة.. والولد والبنت على صواب!
والمذهب "الطبيعي" لون من الأدب الواقعي أشد "واقعية".. أي أشد حيوانية..
إنه يرسم الإنسان –فيما يرى- على "طبيعته".. أي سافلا دنيئاً مخاتلا مخادعا نهازاً للفرص منافقاً وصولياً لا يعبأ بالقيم، بل يدوسها تحت قدميه في تلذذ، ويعلن –حين ينتهي من خنقها- لحظة الانتصار!
وفي هذا المذهب يقوم الصراع.. صراع بين سفالة وسفالة.. ومخاتلة ومخاتلة.. ويغلب الأقوى بطبيعة الحال.. أي الأشد سفالة وأشد حيوانية [وإلى هنا لا ضير] ولكنه يغلب عن جدارة تستحق الإعجاب!
وقد يحدث الصراع بين القيم وبين "طبيعة" الإنسان.. لتنهزم القيم بالطبع، وتنتصر الطبيعة السافلة الدنيئة المنحطة.. طبيعة الحيوان. وتنهزم القيم بعد أن تفقد احترامها، وتصبح من ناحية أضحوكة، ومن ناحية أخرى معطلة للحياة.
وفي هذا المذهب كذلك تحدث المأساة.. حين يتحطم شخص سافل جداً لدرجة أنه كان ينبغي أن ينجح وينتصر ويتمكن.. يتحطم لأن الحظ خانه.. أو لأن منافقاً من الذين يتظاهرون بالإيمان بالقيم قد وقف له في الطريق. ولا بد أن يكون منافقاً لأنه لا يوجد مؤمنون حقيقيون بالقيم.. لأن القيم ذاتها كلها نفاق! وفي تلك اللحظة يكون السافل الأكبر موضع العطف، ويكون المنافق موضع السخط والسخرية.. لا لأنه منافق والنفاق عيب، ولكن لأنه ليس صريحاً في مواجهة الناس بما يشتمل عليه اشتمالا "طبيعياً" من السفالة والدناءات194!
وهكذا تلتقي هذه الآداب "الواقعية" كلها عند نقطة مركزية واحدة.. هي حيوانية الإنسان.
* * *
هذه المذاهب كلها في الاجتماع وعلم النفس والأدب والفن.. تعجز جميعها عن تفسير "حقيقة" الإنسان..
التفسير المادي للتاريخ، حين يقول إن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام، يغفل عن الحقيقة "الإنسانية" الأصيلة، وهي أن الإنسان حين يبحث عن الطعام يبحث عنه "كإنسان".. يبحث عنه بكيانه المجتمع كله، الذي يشمل فيما يشمل الأهداف والقيم، والإحساس بالجمال والرغبة في الكمال.. فيظل "يحسّن" طعامه، ويحسن وسائل الحصول عليه، وفي الطريق ينشئ نظماً وحضارات وتشريعات وقوانين ومذاهب وأفكاراً ونظريات.. أي أنه يواجه الحياة كإنسان، ويتأثر بها ويؤثر فيها كإنسان. وتلك هي الحقيقة المركزية التي ينبغي التوكيد عليها، لا حقيقة البحث عن الطعام، التي لا يختص الإنسان بها، بل يشترك فيها مع الحيوان.
وحين يقول إن تغير وسائل الإنتاج هو الذي يغير حياة الناس من طور إلى طور، وهو الذي ينشئ لهم أفكارهم وعقائدهم، يعجز عن أن يفسر لنا: كيف ظهر الإسلام، وهو أضخم حركة ثورية في التاريخ.. الحركة التي أخرجت الناس من ظلمات الجهل والخراقة والعبودية للقيم الأرضية والقوى الأرضية والناس، إلى نور المعرفة ويقين الحق والتحرر من كل عبودية في الأرض لقيمة أو قوة أو بشر، بالعبودية لله وحده، واستمداد القوة الإيجابية من هذه العبودية الصحيحة لله المعبود، الحقق وحده بالعبادة، والسيطرة بهذه القوة على كل نظم الأرض الزائفة، اجتماعية كانت أو اقتصادية أو فكرية أو سياسية.. الحركة التي أبدعت في عالم السياسة فكرة وحدة الدولة وكانت –في غير الإسلام- إقطاعيات متفرقة يقوم الإقطاعي فيها بالسلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية.. واستعباد الناس. وفكرة مسئولية الحاكم أمام الأمة عن تنفيذ الدستور، الدستور الإلهي الذي يمثل الحق والعدل، وإلا سقط حقه في السمع والطاعة وحق الناس أن يخرجوا عليه. وفكرة مسئولية الدولة عن كل فرد فيها بإيجاد عمل له أو إعالته من بيت المال. وأبدعت في عالم الاجتماع فكرة التكافل في المجتمع. كله مسئول عن بعض، وكله متكافل في حمل المغانم والمغارم سواء. وأبدعت في عالم العلم المذهب التجريبي الذي تقوم عليه حضارة الغرب كله في العصر الحديث..
كيف قامت هذه الحركة؟ وكيف امتدت في الزمان والمكان، وانتشرت إيحاءتها في كل البشرية، حتى التي لم تعتنق الإسلام، بل حتى تلك التي عادت الإسلام؟
أين هو التغير الذي حدث في أدوات الإنتاج أو أسلوب الإنتاج لتكون من نتيجته "الحتمية" بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بالدين الجديد؟!
وحين ينفي وجود "فطرة" للإنسان سابقة على النظم والقواعد، ثابتة على مدار الأجيال، ملزِمة للتطور لا ملزّمة به، يعجز عن تفسير ارتداد الشيوعية في روسيا عن فكرة الأجر الموحد، وإباحة التفاوت في الأجور في الطبقة الواحدة، وارتدادها عن محاربة فطرة الاقتناء والتملك، بإباحة إنفاق الأجر الإضافي في اقتناء بعض الأشياء.
وحين ينفي أن "القيم" شيء له وزنه وحسابه؛ شيء ينبغي توجيه الطاقة –إليه لتنميته في النفوس وتقويم مساره، بصرف النظر عن النظام الاقتصادي وعدالته؛ ويصر على أن القيم مجرد انعكاس للتطور الاقتصادي.. يعجز عن تفسير صرخة خروشوف الخطيرة في عام 1962 حين قال إن الشباب الروسي مائع متحلل غارق في الشهوات، ينبغي تقويمه وإلا فمستقبل روسيا مهدد بالضياع! مع أن اقتصادياتها تسير حسب "المذهب" المرسوم!
وفي الجملة يعجز عن تفسير الإنسان.. لأنه يصر على تفسيره في نطاق الحيوان!
* * *
والتفسير الجنسي للسلوك تفسير واضح البطلان.
ففضلا عن أساطير فرويد التي أقام عليها بلا دليل كل بناء البشرية.. فهذا التفسير يعجز عن بيان أي سبب لتقدم البشرية وتعقد أساليب حياتها واشتباكاتها المختلفة. فالعشق الجنسي واحد. وعقدة أوديب [وإليكترا] واحدة. والكبت واحد. ونتائج الكبت واحدة. فلماذا "تتطور" البشرية وتتغير؟ لماذا تقوم النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية؟ لماذا تنشأ الحضارات وتزدهر ثم تنهار؟ لماذا تحدث كل حركات التاريخ؟ والدين كله كبت.. فلماذا تتعدد أنواع الكبت، أي لماذا تتعدد مذاهب الدين؟! والفن كله كبت.. فلماذا يختلف فن عن فن وفنان عن فنان؟ وليوناردو دافنشي الذي شرح هو فنه شرحاً جنسياً كبتياً عقدياً.. لماذا لم يكن موسيقياً بدل أن يكون رساماً؟ بل.. لماذا لا يصبح كل من تصيبهم هذه العقد دافنشيين مثل دافنشي؟ وما التفسير الجنسي للعبقرية ذاتها، فضلا عن توجهها هذه الوجهة أو تلك؟
وفي الجملة يعجز عن تفسير الإنسان.. لأنه يصر على تفسيره في نطاق الحيوان، وفي جانب واحد من جوانب الحيوان!
* * *
والتفسير الجثماني للمشاعر يعجز عن تفسير الجانب "الإنساني" كله من الإنسان.
الجنس ينبع من الغدد الجنسية. نعم، ولا شك. وكذلك هو في الحيوان. فلماذا يمارس الإنسان نشاطه الجنسي على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان؟ لماذا ينشئ له عواطف؟ وأهدافاً" وقيما؟ ونظما؟ ومذاهب؟
لماذا "يتزوج" الإنسان ويقيم للزواج مراسم ومواثيق؟ وأين مكان ذلك في غدة الجنس؟
ولماذا ينشئ حول الجنس فنونا.. نظيفة أو ملوثة، رفيعة أو هابطة؟
ولماذا يختلف اثنان دفعتهما الجنسية واحدة، فينطلق هذا كالبهيمة، ويتعفف الآخر كالإنسان؟!
والأمومة تنبع من غدة الأمومة..
وهي كذلك في الحيوان.
فلماذا تختلف أمومة الإنسان عن أمومة الحيوان؟ لماذا تتعهد الأم الإنسانة بأكثر من "التربية الحسية": الإرضاع والحضانة والحنوّ.. لماذا تربي طفلها على قيم معينة وأخلاق معينة؟ ثم لماذا تختلف قيم هذه الأم وأخلاقها عن قيم الأم الأخرى، بينما لا تختلف أم عن أم في النوع الواحد من أنواع الحيوان؟! وأين مكان هذا كله في غدة الأمومة التي يراد بها تفسير الإنسان؟
وإفراز الغدة الكظرية يصنع الشجاعة [أو الجبن]!
كذلك..؟!
فما الذي يفسر دور التربية في حياة الإنسان، وتنشئتها قومها على الشجاعة وقوما على المذلة والهوان؟ بل ما تفسير أن الشخص الواحد الشجاع بالفطرة يدرب على الجبن والمذلة فيذل، والشخص الجبان يدرب على الشجاعة فيتشجع؟ وما مكان هذا كله في إفراز الغدرة الكظرية أو في كل جسم الإنسان؟!
وإفراد الغدة الدرقية يحدث المزاج العصبي أو البلادة الهادئة..
نعم..
فما بال هذا الشخص يستسلم لمزاجه العصبي والآخر يكظمه ويدرب نفسه على الهدوء؟ وما مكان ذلك في إفراز الغدة التي تصنع المزاج؟
بل الطعام ذاته.. جوع المعدة هو الدافع لشهوة الطعام.. فأين مكان الشوكة والسكين والملعقة في شهوة المعدة، وأين مكان مفارش المائدة وأناقة الحفلات؟!!
إن التفسير الجثماني للمشاعر تفسير ساذج جداً على كل عمليته ومعمليته! وهو أكثر المذاهب العلمية عجزا عن تفسير الإنسان!
* * *
أما الأدب فله موضع آخر195..
ولكن يعنينا هنا فقط أن نبين كيف تخفق هذه المذاهب "الواقعية" في تفسير الإنسان..
إنها كلها لا تبين –إذا كانت القيم العليا بهذا الهوان وهذه الضآلة وهذه التفاهة –لماذا تتشبث بها البشرية كل هذا التشبث؟ ولماذا تصر –حتى وهي تخفق في تحقيقها المرة بعد المرة- على أن تحاول من جديد تحقيقها والارتفاع إليه؟! بل.. لماذا "تنافق" بهذه القيم؟ إن هذا النفاق –رغم سوئه- أدل على هذا التشبث! فالبشرية قد لا تقدر على الارتفاع، ومع ذلك تحب أن تظهر وكأنما ارتفعت بالفعل! ألا يدل ذلك على شيء؟ ألا يدل على أن هذه الرغبة في الارتفاع رغبة فطرية في "الإنسان"؟! رغبة يتميز بها على الحيوان؟
ثم.. هل هي حقيقة أن البشرية لا تنجح أبدا في تحقيق القيم العليا؟ وهذه النماذج العالية من البشرية، هل كلها خرافة؟ من يقول إن هذا هو "الواقع" الذي ينبغي أن تدور حوله الفنون؟!
كلا! إن "الواقعية" التي تصر على تفسير الإنسان في نطاق الحيوان، تعجز عن تفسير الواقع الإنساني الأكبر، ثم تغفل بالتدريج عالمه الأكبر، لتحصره في الطعام والشراب والجنس، وعالم القيد والضرورة، حتى ليصبح في النهاية كائنا مشوها ممسوخا، غريبا على عالم الإنسان!196
* * *
هل معنى ذلك أن هذه المذاهب كلها خواء من العقيدة؟
كلا! ففيها ولا شك جانب من الحق هو الذي جعلها "تعيش" رغم كل ما فيها من انحرافات واختلالات.
ولكنه حق جزئي لا يفسر كل الإنسان.
وعيبها الرئيسي أنها تصر كلها على تفسير الإنسان من جانب الحيوان.
ولا بد من تفسير "إنساني" للإنسان!
فكل التفسيرات "الحيوانية" قد عجزت عن تفسيره. عجزت عن الإحاطة به كله، ورسمه على حقيقته. وبدت كالخرق المهلهلة لا تستر كيانه!
لا بد من تفسير يشمل الإنسان كله ولا يغفل جانبا من جوانبه. ويفسره في حالات رفعته وحالات هبوطه، ولكن على قاعدته الإنسانية المتميزة، التي يختلف فيها عن الحيوان، حتى وهو يقضي ضرورة الحيوان.
وقد مر بنا من كلام جوليان هكسلي ما يثبت تفرد الإنسان حتى في كيانه البيولوجي الذي خدع دارون من قبل، وظنه مشابها تمام المشابهة لكيان الحيوان. وذلك فضلا عن الخصائص العقلية والمعنوية التي اختصه الله بها وحده، وأدار حياته كلها عليها. وفضلا عما يقرر جوليان هسكلي من حقيقة جوهرية هامة هي تفرد الإنسان في طريقة تطوره ذاتها، فلا يتطور على القاعدة الحيوانية، وإنما يتطور على قاعدة "الإنسان"!
وجوليان هكسلي –كما مر بنا- رجل ملحد لا يبدي أي توقير للمفاهيم الدينية أو المقدسات الروحية.
فإذا قال ذلك فما يدفعه إلا الحقائق العلمية وحدها، دون انفعال سابق، ولا وجدان ديني يؤثر في تفكيره، فيجعله يرفع الإنسان ويكرمه عن الارتكاس في عالم الحيوان.
وهو –بعد- لا يؤمن بالإنسان كله، فما زال مقيدا في أغلال من رواسب الجيلين السابقين، تأخذ العزة بالإثم أن يعترف بالله، أو باستمداد الجانب الروحي في الإنسان من قوة الله حين يهتدي إليه، ويعرف طريقه إلى الوجود الأكبر السائر على ناموس الله.
ولسنا نستشهد به لنقف عند أو نسير في حدوده.. ولكنا نقول فقط إن الحق قد بدأ يتجلى حتى للمنكرين المتشبثين بالإنكار..
* * *
والتفسير الإنساني للإنسان لن يرسم له صورة مزورة مزوقة خداعة! فالعلم الصحيح لا ينبغي أن يزوّر بالزيادة أو النقصان.
بل يرسم له صورة حقيقية دقيقة، تشمل الأبيض والأسود. تشمل عوامل الرفعة وعوامل الهبوط.
لن يرسمه مَلَكاً منزها عن الأخطاء. فليست هذه حقيقة. ولا حيوانا محكوما بضروراته. فليست هذه حقيقة كذلك.
إنما الحقيقة شيء بين هذا وذاك.
الحقيقة تشمل جانبا من التفسير المادي للتاريخ، والتفسير الجنسي للسلوك، والتفسير الجثماني للمشاعر، والواقعية التي ترسمها الفنون والآداب المعاصرة.. ثم تضيف إلى ذلك كله جوانب أخرى، حقيقية الوجود حقيقية التأثير في الحياة.
الدوافع الفطرية من طعام وشراب وملبس ومسكن، وجنس وقتال وتملك وبروز.. كلها حقيقة. فلتأخذ مكانها في الصورة بمساحتها الحقيقية، لا ينقص منها ولا يزاد.
والقدرة الفطرية على الضبط حقيقة كذلك. فلتأخذ مكانها في الصورة بمساحتها الحقيقية، لا ينقص منها ولا يزاد.
والمساحة الحقيقية للدوافع الفطرية أنها قوية ملحة. وأنها غير قابلة للقمع من منبتها، ولا خير للإنسان في ذلك القمع. وأنها صعبة الضبط، ما لم تُعَوَّد ذلك من طفولتها. وأنها –مع ضبطها وتعويدها على الضبط- تفلت بين الحين والحين، فيقع الخطأ أو الخطيئة.. ثم يتوب الإنسان.
والمساحة الحقيقية للضوابط الفطرية أنها –مع كونها فطرية- تحتاج إلى معونة خارجية لتنيمتها وتقويتها، كالقدرة على المشي والقدرة على الكلام. وأنها ما لم تتلق هذه المعونة الخارجية –بالتربية- تنشأ ضعيفة مهزولة ممسوخة، لا تقوى على ضبط الدوافع الفطرية القوية العنيفة الملحة. وأنها –عند تنميتها وتقويتها- تقوم بدور حاسم في حياة البشرية. تقوم برفع مستوى الطاقة المحركة كلها من أساسها، وحجز جانب منها لتحويله إلى إنتاج مادي وفكري وروحي، وإن كانت تعجز أحيانا عن الضبط، فيقع الخطأ أو الخطيئة.. ثم يتوب الإنسان.
تلك هي الحقيقة الواقعية للإنسان السوي.
ثم تقع الانحرافات.. انحرافات من كل لون وفي جميع الاتجاهات..
ولكنها انحرافات.. فلا يأتي يوم تصبح فيه هي الحقيقة البشرية، ويصبح السواء هو الشذوذ!
وكما تصيب الأمراض الجسم وتشفى، فكذلك انحرافات النفس تشفى بالعلاج. وتلك حقيقة إنسانية هامة، ترفع عنها لعنة الانحراف الدائم والشذوذ المقيم!
ونعود إلى حقائق النفس البشرية:
دفعة الجسم القاهرة حقيقة. فيجب أن تأخذ مكانها الحقيقي في الصورة.
وإشراقة الروح المرفرفة حقيقة كذلك. فيجب أن تأخذ مكانها الحقيقي في الصورة.
والمكان الحقيقي لدفعة الجسم أنها هي التي تمد الإنسان بالطاقة الحية التي تعمل في واقع الأرض، وتمده بالرغبات التي تحرك مشاعره في شتى الاتجاهات.
والمكان الحقيقي لإشراقة الروح أنها هي التي تمد الإنسان –فطريا- بعقائده وقيمه العليا، التي توجّه الدوافع في أثناء اندفاعها، فتمنعها أو تحاول أن تمنعها –من الشطط والإسراف.
وهذه المحاولة الدائمة هي رسالة البشرية. وهي رسالة حقيقية يشهد بها كل التقدم الذي أحرزته البشرية في نظمها وعقائدها وعلاقاتها. ولا ينقص منها شيئا أن ترتد البشرية عنها أحيانا وتنتكس. فذلك جانب من الاحتمالات الطبيعية البشرية. ولكنه ليس الاحتمال الدائم ولا الاحتمال الوحيد.
ثم.. حقيقة أخرى في كيان الإنسان: هي تعدد جوانبه. ومن هذا التعدد تنشأ حقيقتان:
إحدى الحقيقتين أنه لا يحدث في أية لحظة من اللحظات أن ينحصر كيان الإنسان في جانب واحد: الجانب الجسدي أو الروحي أو الفكري.. أو الاقتصادي أو المادي.. وإنما هو دائما شامل لأكثر من جانب. شامل لكيانه كله في الحقيقة.
والحقيقة الثانية أن الإنسان لا يمارس أي نشاط من نشاطاته بجانب واحد من جوانبه ولو كان نشاطا متخصصا إلى أقصى حد.. فلا يقوم بنشاطه الجنسي بدافع الجنس وحده، وإنما بمجموع كيانه، ولا يقوم بنشاطه الاقتصادي أو الاجتماعي أو الفكري أو السياسي بمعزل عن بقية الكيان. ومن ثم تمتزج منه الروح بالجسد، والقيم العليا بالضرورة القاهرة.. ويخرج من ذلك كيان ممتزج هو الإنسان..
والتاريخ الإنساني هو مصداق هذه الحقائق..
هو مصداق عمل الدوافع والضوابط معاً في حياة الإنسان. ومصداق عمل الجسم والروح معاً. ومصداق تعدد الجوانب وشمول الكيان..
ثم مصداق الانحرافات الدائمة، والاستعداد الدائم للشفاء من الانحرافات..
وهذا الجيل من البشرية من أشد أجيالها انحرافا، وأشدها عتواً في الانحراف.. ولكنه ليس الوضع الدائم البشرية، ولا وضعها الأخير.. إلا إذا كانت إرادة الخالق سبحانه قد اقتضت تدمير البشرية والقضاء عليها.
وهذا الجيل من البشرية، متأثراً بواقعه الضيق، قد سجل انحرافاته على أنها هي الحقيقة البشرية الدائمة في جميع الأجيال، وسمّى ما يخالفها شذوذاَ يخالف الواقع.
ولكن البشرية –ما لم يرد الله لها الدمار النهائي- ستفيق من غشيتها، وتعود إلى فطرتها. تعود إلى "الواقع" الأكبر الذي يمثل حقيقة الإنسان. الواقع الذي يشمل الدوافع والضوابط. يشمل قبضة الطين ونفخة الروح. يشمل الجوانب المتعددة التي تعمل معا في كل وقت وفي كل اتجاه.
عندئذ ستنكر ما وصمتها به الداروينية القديمة من حيوانية هابطة. وستنكر ما تسربت إليه إيحاءات الداروينية المسمومة من مذاهب فكرية واجتماعية واقتصادية ونفسية وأدبية وفنية..
ستنكر التفسير الحيواني للإنسان..
وستسعى إلى إيجاد تفسير شامل للإنسان كله، في جميع جوانبه وجميع مجالاته. تفسير يسجل ساعة الرفعة وساعة الهبوط، ولكنها يسجلها على قاعدتها الإنسانية الأصيلة المتميزة.. حتى في حالة الانحراف!
ستسعى إلى إيجاد "التفسير الإنساني للإنسان".
وهذا الكتاب كله، بجميع فصوله وتفصيلاته، هو محاولة لتقديم التفسير الإنساني للإنسان.

بين الواقع والمثال
هل نرسم الإنسان كما هو في الواقع، أم نرسمه كما ينبغي أن يكون؟
وما قيمة الصورة المثالية التي لا يمكن –في عالم الواقع- أن تكون؟
أما في هذا الكتاب فقد رسمنا الصورتين معاً. صورة الواقع وصورة المثال.
رسمنا الصورة الكاملة للكيان الإنساني ونشاطاته. الصورة السوية الموزونة المتعادلة بلا اختلال. ورسمنا إلى جانبها صوراً شتى للانحراف والشذوذ الذي يصيب ذلك الكيان.
وقلنا إن الصورة الكاملة لا توجد في واقع الحياة! فلماذا إذن نرسمها، ونتعب أنفسنا في تخيلها وتملّيها؟!
لن نقول إن النزوع إلى الكمال فطرة بشرية، وإن هذه الصورة المثالية تحقيق لذلك النزوع!
إنما نقول إن هذه الصورة المثالية ضرورة!
إن الجسم الكامل المتعادل المتزن بلا اختلال لا وجود له في عالم الواقع. ومع ذلك فنحن في الفن أو التشريح أو الطلب نرسم الصورة المثالية الكاملة لجسم الإنسان ونشاطه الجسدي. فلماذا نرسمها؟
قد يكون الفن نزوعا "خيالياً".. أما التشريح والطب فهما "علمان" "واقعيان" لا يتهمان بالخيال. فلا بد إذن أن تكون هناك ضرورة لما يرسمانه من صور الكمال.
والضرورة واضحة..
إن الأصل في الكيان –الجسدي أو النفسي- هو الصحة. والمرض هو الطارئ، وهو الانحراف.
وكون الإنسان –بكيانه الجسدي والنفسي- عرضة دائماً للإصابة بالأمراض، لا ينفي أن الأصل هو الصحة. ولا ينفي وجوب المحاولة الدائمة للرجوع إلى حالة الصحة.. بقدر الإمكان.
ومن ثم ضرورة الصورة الكاملة!
فكي نعود إلى الصحة –أو نحاول العودة- يجب أن نعرف ما هي الصورة الصحيحة التي ينبغي أن نعود إليها، ونعرف درجة الانحراف.. لنشخص المرض ونرسم العلاج.
في الطب نرسم صورة كاملة للقلب المثالي، والكبد المثالية والمعدة المثالية.. إلخ. ونعرف في الوقت ذاته أنها صورة لا توجد في واقع الأجسام.
وفي علم النفس نرسم صورة كاملة للدوافع السوية والضوابط السوية، والتوازن الكامل والاعتدال. ونعرف في الوقت ذاته أنها صورة لا توجد في واقع النفوس..
ونرسمها لأننا في حاجة إليها..
فلكي نعالج القلب المريض ينبغي أن نعرف فيم اختل عن وظيفته المثالية، وبأي قدر كان الاختلال.
ولكي نعالج النفس المريضة ينبغي كذلك أن نعرف فيم اختلت عن وظيفتها المثالية، وبأي قدر كان الاختلال.
ولكن هناك حقيقة ينبغي أن نلتفت إليها..
من أين جئنا بالصورة المثالية؟ وكيف قررنا أن "هذا" هو المثال؟
ذلك سؤال له أهميته.. لنضمن لأنفسنا أننا لا نزوّر من عندنا مثالا زائفاً لا يتحقق أبداً في جزئية من جزئياته، وعندئذ يفقد هذا المثال قيمته ولا يصلح مرجعاً تقاس إليه الأشياء.
فأما في عالم الجسم فقد اتّخذ المثال من جزئيات متعددة، متفرقة في أجسام كثيرة، كل جزئية منها قد بلغت الكمال..
حقيقة أنها لا تجتمع كلها، بمثاليتها هذه، في جسم واحد. ولكن يحدث في عالم الواقع أن يوجد قلب مثالي في شخص، وكبد مثالية في شخص، ومعدة مثالية في شخص.. ومن هذه الجزئيات المثالية المتفرقة عرفنا الوظيفة المثالية لكل عضو، وجمعنا الصورة المثالية للجسم كله لتكون مرجعاً لنا في علم الصحة وعلم الأمراض.
وفي عالم النفس كذلك..
تتفرق المثاليات في نفوس شتى.. ولا تجتمع في نفس واحدة كل المثاليات.
ولكن توجد مع ذلك نفس بشرية كاملة هي مرجع القياس.. هي نفس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. أكمل نفسه خلقها الله، على النموذج الرباني الذي ارتضاه الله للإنسان، وطلب من الناس تحقيقه، كل وما يستطيع..
وكما أننا لا نتطلب من أي جسم أن يكون مثالياً خالصاً، ولكنا نتطلب منه أن يحاول ذلك دائماً بقدر ما يستطيع، فكذلك لا نتطلب من أي نفس أن تكون منطبقة على النموذج الأعلى الذي رسمه الله للناس، ولكنا نتطلب منها أن تحاول ذلك دائماً بقدر ما تستطيع.
وكما أننا نعتبر بعض الانحرافات البسيطة عن الحالة المثالية للجسم انحرافات طبيعية لا تحتاج إلى علاج، فكذلك نعتبر بعض الانحرافات النفسية البسيطة أمراً سوياً لا يحتاج إلى علاج.
ولكنا نحتاج إلى العلاج حتما حين يصل المرض إلى تعطيل دورة الحياة، سواء في عالم الأجسام أو في عالم النفوس.
* * *
مهمة الصورة المثالية إذن أنها تساعدنا في العلاج.. وهي عملية لا غنى للإنسان عنها على مدار النفوس ومدار الأجيال.
ولكنها تؤدي مهمة أخرى في الحياة السوية، قبل المرض والعلاج!
مهمة في التربية..
مهمتنا الأولى في تربيةالجسم ليست علاجه، وإنما وقايته من الأمراض! وقد تكون الوقاية الكاملة مستحيلة. ولكنا مع ذلك نحاولها دائماً، ويجب أن نحاولها، لنقلل فرصة المرض إلى أقصى حد ممكن، ونصل إلى أقرب نقطة نستطيعها من الكيان السليم.
ومهمتنا الأولى في تربية النفس هي وقايتها من الانحراف. وستكون الوقاية الكاملة مستحيلة. ومع ذلك ينبغي أن نحاولها، لنقلل فرصة المرض إلى أقصى حد ممكن، ونصل إلى أٌقرب نقطة مستطاعة من الكيان السليم.
ولكي نصل إلى الوقاية الجسمية –على استحالة كمالها- نرسم دستوراً للنشاط الجسمي الكامل، مستمداً من الصورة المثالية وقائماً على أساسها، ونحاول تنفيذ هذا الدستور في عالم الواقع بقدر ما نستطيع.
ولكي نصل إلى الوقاية النفسية –على استحالة كمالها- نرسم دستوراً للنشاط النفسي الكامل، مستمداً من الصورة المثالية وقائما على أساسها، ونحاول تنفيذ هذا الدستور في عالم الواقع بقدر ما نستطيع.
وحين لا نرسم هذا الدستور للنشاط الجسمي أو النفسي، يضل نشاطنا عن أصوله الواجبة، ولا نعرف المقياس الصحيح للأشياء..
وإلى هنا كنا نتحدث عن "الضرورة".. ضرورة الصورة المثالية للحياة البشرية..
ولكن الحياة لا تقف عند نقطة الضرورة.. وتحاول بفطرتها أن تصل إلى الجمال والكمال.. إلى مجالات زائدة على الضرورة.. مترفعة على الضرورة..
ومن أجل هذه الفطرة النزاعة إلى الجمال والكمال –وإن كانت نزاعة كذلك للارتكاس والهبوط!- من أجلها نرسم الصورة المثالية الكاملة، ليحاول من يحاول أن يصل إلى الكمال..
وفي ذلك كسب مؤكد للبشرية..
فهي حين ترفع وجهها إلى أعلى، وتحاول الصعود، ستصعد –بمجموعها- عن الدرك الهابط المرتكس. وتصبح الحالات الشاذة المرتكسة أقل في العدد وأقل في درجة الهبوط..
ثم.. تتوزع البشرية على القمة الصاعدة.. بعضها ينتهي جهده عند أول الطريق. وبعضها يصعد درجات ثم يتعب. وبعضها يمضي قدما إلى أقصى حد مستطاع..
ولن يثبت الناس –حتى الصاعدون منهم- عند أقصى نقطة يصلون إليها. ففي طبيعة البشرية أن تهبط في لحظة الضعف عن المستوى الذي تقدر على الصعود إليه. ولكن في طبيعتها كذلك أن تعود إلى الصعود.
والصورة المثالية هي المشجع لهم على الصعود أولا، ثم على العودة إلى الصعود بعد كل انتكاس..
ومن هنا يلتقي الواقع بالمثال في حقيقة الحياة كما يلتقيان في حقيقة الفطرة.. ويكمل كل منهما الآخر في حلقة محكمة الاتصال.
والإسلام دين الفطرة.. لا يفصل من ثم بين الواقع والمثال.. بل يمزجهما مزجا محكما في دستوره الرفيع.
ومن أجل ذلك رسمنا في هذا الكتاب الذي يتبع دستور الفطرة في كل تفصيلاته، صورة الواقع وصورة المثال، ممتزجتين متداخلتين، كما ينبغي أن يكون الأمر في التفسير الإنساني للإنسان.




الفهرس
مقدمة
أولا.. ما الإنسان؟
طبيعة مزدوجة
خطوط متقابلة في النفس البشرية
الخوف والرجاء
الحب والكره
الحسية والمعنوية
ما تدركه الحواس وما لا تدركه الحواس
الواقع والخيال
الالتزام والتحرر
السلبية والإيجابية
الفردية والجماعية
الدوافع والضوابط
الدوافع
الضوابط
الدوافع والضوابط معاً في حياة الإنسان
الدين والفطرة
القيم العليا
الانحراف والشذوذ
الخير والشر في النفس البشرية
الثابت والمتطور في كيان الإنسان
التفسير الإنساني للإنسان
بين الواقع والمثال
(1) تعريب شقيق أسعد فريد. منشورات مكتبة المعارف ببيروت.
(2) أقر فرويد –دون شك- بأن النفس الواعية أي الذات، والذات العليا، ego & super ego موجودتان في النفس كجزء منها. ولكنه أصر على أنهما ينشآن من ضغط العوامل الخارجية! ولم يعترف بشيء موجود في النفس وجودا فطريا إلا الذات السفلى id التي هي القوة المحركة للإنسان –وهي غير واعية! راجع كتابه: (The Ego & the Id).
(3) في كتاب "الإنسان بين المادية والإسلام" فصل عن التجريبيين أكثر تفصيلا لمن أراد.
(4) من كتاب "منهج الفن الإسلامي" ص31-32.
(5) اليونانية المتأخرة.
(6) سورة البقرة [30-39].
(7) في كتاب "منهج التربية الإسلامية" وكتاب "منهج الفن الإسلامي".
(8) سورة الكهف [50].
(9) سورة التحريم [6].
(10) سورة الجاثية [13].
(11) سورة آل عمران [14].
(12) سورة طه [115].
(13) سورة الشمس [7-10].
(14) سورة البقرة [251].
(15) سورة الرعد [11].
(16) سورة البقرة [251].
(17) سورة الروم [41].
(18) جوليان هكسلي عالم ملحد، لا يقر بوجود الله! وهو يرى الحق أمامه ويكاد يسلم به، ولكن تأخذه العزة بالإثم فيحاول التكوص عما يفرضه الحق الواضح المبين. ولكن يكفي على أي حال أن يقر بأن وجهة النظر الدينية لها أساس جيولوجي متين! فما ينتظر من رجل ملحد أن يذهب إلى أبعد من هذا المدى في الاعتراف بحقائق الدين!
(19) ترجمة حسن خطاب ومراجعة الدكتور عبد الحليم منتصر، مقتطفات متفرقة من ص1- ص36.
(20) سورة الذاريات [20-21].
(21) سورة فصلت [53].
(22) تمييزا لها من الداروينية الحديثة Neo Darwinism التي تبرز ما بين الحيوان والإنسان من خلاف، والتي من علمائها جوليان هكسلي الذي اقتطفنا منه المقتطفات في هذا الفصل.
(23) سورة التحريم [6].
(24) سورة ص [71-72].
(25) من كتاب "الإنسان بين المادية والإسلام".
(26) سورة التحريم [6].
(27) سورة الأنبياء [20].
(28) سورة البقرة [168].
(29) سورة المائدة [88].
(30) سورة الأنعام [121].
(31) سورة الأعراف [31].
(32) سورة الحج [28].
(33) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم.
(34) سورة المائدة [5].
(35) سورة البقرة [222].
(36) سورة البقرة [223].
(37) سورة البقرة [187].
(38) سورة الروم [21].
(39) سورة البقرة [177].
(40) سورة الماعون [4].
(41) سورة المؤمنون [1-2].
(42) سورة البقرة [183].
(43) أخرجه السنة.
(44) رواه البخاري.
(45) سورة التوبة [103].
(46) سورة البقرة [264].
(47) سورة البقرة [267].
(48) سورة البقرة [197].
(49) سورة الحشر [7].
(50) رواه البخاري والترمذي.
(51) سورة البقرة [275-280].
(52) رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
(53) سورة الحشر [18].
(54) سورة آل عمران [25].
(55) سورة آل عمران [30].
(56) سورة البقرة [254].
(57) سورة آل عمران [114].
(58) سورة آل عمران [180].
(59) سورة آل عمران [185].
(60) سورة الأعراف [32].
(61) سورة الروم [30].
(62) من كتاب "منهج التربية الإسلامية".
(63) من كتاب "منهج التربية الإسلامية".
(64) رغم أن الطفل البشري يولد بعينيه مفتوحتين إلا أنه لا يرى بهما شيئاً على الإطلاق في الأيام الأولى، ثم يأخذ في الرؤية بالتدريج، ولكنه لا يستطيع أن يركز بصره بعينيه الاثنتين معا قبل نهاية الشهر الأول، حيث يستطيع أن يرى أمه بوضوح ويعرفها.
(65) سورة العاديات [8].
(66) سورة النساء [128].
(67) سورة الحجر [47].
(68) سورة الأنفال [24].
(69) حديث رواه الإمام أحمد في مسنده.
(70) من كتاب "منهج التربية الإسلامية".
(71) نستخدم النفس عند الحيوان مجازا، وعند الإنسان حقيقة.
(72) سورة القمر [49].
(73) سورة الملك [2].
(74) حالات الشذوذ النفسي التي اتخذها فرويد دليله الأوحد في متاهة الجنس هذه، سنناقشها في الفصل القادم.
(75) سورة البقرة [1-3].
(76) سورة المائدة [94].
(77) سورة مريم [61].
(78) سورة الحديد [25].
(79) نتحدث في الفقرة التالية عن خطي الواقع والخيال.
(80) يمكن أن نضيف هنا زوجا آخر من الخطوط المتقابلة قريبي الشبه بهذه الأزواج الثلاثة ولكنهما متميزان عنها، هما خطا "الاعتقاد والتجربة" أو "الاعتقاد والتعلم". وقد يبدو لأول وهلة أنهما هما خطا "الإيمان بالغيب والإيمان بالمحسوس". وحقاً إنهما يتداخلان معهما بعض الشيء، ولكنهما يتميزان بعد ذلك. ففي الناس ميل إلى "الاعتقاد" بطريق غير طريق التجربة والتعلم، وميل آخر إلى المعرفة عن طريق التعلم والتجربة. وهما في النفس السوية متوازنان، فهي "تعتقد" فيما هو موضوع اعتقاد، كالإيمان بالله. وتطلب التجربة فيما مجاله التجربة كمعرفة أحسن الطرق لزرع نبات أو إقامة بناء.. أو معرفة عناصر الكون المادي وشكله وظواهره. وكلاهما أمر ضروري لحياة الإنسان، ونشاط سوي من مناشطه.
(81) من كتاب "منهج التربية الإسلامية".
(82) سورة الملك [4].
(83) سورة آل عمران [191].
(84) سورة ص [27].
(85) سورة الدخان [38].
(86) سنعالج هذه الفكرة في فصل "الانحراف والشذوذ" وفصل "الخير والشر".
(87) سورة العاديات [8].
(88) من كتاب "منهج التربية الإسلامية".
(89) سورة البقرة [30].
(90) سورة الإسراء [70].
(91) سورة الانشقاق [6].
(92) سورة البلد [4].
(93) انظر الهامشة في ص114.
(94) سورة الحجر [19].
(95) سورة الذاريات [21].
(96) انظر بعد ذلك فصل "الشذوذ والانحراف" وفصل "الخير والشر".
(97) سورة الروم [30].
(98) إلى أن يخمد نشاطه فيصبح مادة لا إشعاع فيها ويتحول إلى عنصر آخر: كما يتحول الراديوم إلى رصاص عديم الإشعاع.
(99) سورة البقرة [31].
(100) سورة الملك [23].
(101) سورة الشمس [7-10].
(102) سورة البلد [10].
(103) سورة الأنبياء [23].
(104) سورة التغابن [2].
(105) ترجمة حسن خطاب ومراجعة الدكتور عبد الحليم منتصر ص26-ص30.
(106) في الفصل الثاني من الكتاب يدعو إلى "تحسين النسل" بانتخاب ذكور ممتازة من الإنسان لتلقيح الإناث.. دون عائق من التنظيمات الاجتماعية والأخلاقية!
(107) سورة الأنبياء [20].
(108) سورة البقرة [35].
(109) سورة يس [36].
(110) كتاب "Totem and Taboo".
(111) سورة النساء [1].
(112) سورة الروم [21].
(113) سورة البقرة [251].
(114) سورة فصلت [11].
(115) سورة البلد [10].
(116) سورة الإنسان [3].
(117) سورة الشمس [7-10].
(118) سورة الأعراف [172].
(119) سورة الأعراف [20].
(120) سورة طه [120].
(121) انظر فصل "الخطوط المتقابلة في النفس البشرية".
(122) قال تعالى: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ" سورة آل عمران [19].
(123) من كتاب "منهج التربية الإسلامية" ص43-48.
(124) سورة النحل (78-81).
(125) سورة البقرة [255].
(126) سورة الأنعام [59-60].
(127) سورة البقرة [164].
(128) سورة النحل [10-17].
(129) سورة الروم [19-20].
(130) سورة الحج [5].
(131) سورة لقمان [34].
(132) سورة الزمر [42].
(133) سورة الملك [2].
(134) سورة النساء [87].
(135) سورة آل عمران [54].
(136) سورة آل عمران [26].
(137) سورة مريم [35].
(138) سورة التوبة [51].
(139) سورة البقرة [245].
(140) سورة النمل [62-64].
(141) سورة القصص [77].
(142) سورة الأعراف [32].
(143) ذكره علي بن عبد العزيز في المنتخب عن أنس رضي الله عنه.
(144) انظر الكلام هذا الحديث العجيب في كتاب "قبسات من الرسول" فصل: "فليغرسها!".
(145) من كتاب "منهج التربية الإسلامية" ص155.
(146) سورة البقرة [184].
(147) سورة الجاثية [12].
(148) سورة البقرة [60].
(149) عن أنس رضي الله عنه.
(150) سورة النساء [28].
(151) سورة آل عمران [134-136].
(152) كتاب Totem & Taboo ص145.
(153) انظر فصل "الواقعية في التصور الإسلامي" في كتاب "منهج الفن الإسلامي".
(154) سورة الكهف [103-104].
(155) انظر فصل "الجمال في التصور الإسلامي" من كتاب "منهج الفن الإسلامي".
(156) سورة الروم [21].
(157) انظر فصل "وليرح ذبيحته" في كتاب "قبسات من الرسول".
(158) سورة آل عمران [133-134].
(159) سورة الحشر [9].
(160) سورة الأعراف [32].
(161) سورة الانشقاق [6].
(162) في كتابه Three Contributions to the Sexual Theoryص22 يقول: إننا جميعا مصابون بالهستريا إلى حد ما: "We are all hysterical to some extent" انظر بعد ذلك الفصل الأخير من هذا الكتاب: "بين الواقع والمثال".
(163) رواه ابن حبان والحاكم عن أبي ذر.
(164) راجع فصل "الخطوط المتقابلة في النفس البشرية" في هذا الكتاب.
(165) راجع كتاب "منهج التربية الإسلامية" فصل "خطوط متقابلة في النفس البشرية" بصفة خاصة.
(166) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(167) عن أنس رضي الله عنه.
(168) سورة القصص [77].
|(169) كتاب "الإنسان بين المادية والإسلام" و"معركة التقاليد" و"منهج الدين الإسلامي" بصفة خاصة.
(170) سورة الجاثية [13].
(171) سورة آل عمران [110].
(172)سنتحدث في آخر الفصل عن امتزاج الأمراض وتداخلها.
(173) سورة الزخرف [54].
(174) سورة الزخرف [23].
(175) انظر في موضوع التربية كتاب "منهج التربية الإسلامية".
(176) راجع فصل "الدين والفطرة" في هذا الكتاب.
(177) انظر في أواخر الكتاب فصل "التفسير الإنساني للإنسان".
(178) كتاب "الإنسان بين المادية والإسلام" وكتاب "معركة التقاليد" وكتاب "منهج الفن الإسلامي".
(179) الجدل كله حول القيم الأخلاقية كامن في هذه النقطة. إذ يرى التطوريون والتقدميون أنه لا شر في الانطلاق الجنسي ولو وصل إلى آخر الحدود! والمسألة –فيما أرى- لم تعد في حاجة إلى جدل! فالأمم التي أباحت هذا الانطلاق الجنسي هي ذاتها التي بدأت تصرخ اليوم محذرة من نتائجه الخطيرة. وفي سنة واحدة [1962] صدر تصريحان خطيران أحدهما من خروشوف زعيم روسيا الشيوعية يقول إن الشباب الروسي مائع منحل متفكك غارق في الانحراف، وأنه لا يؤتمن –بذلك- على مستقبل روسيا! والآخر من كنيدي حاكم الولايات المتحدة يقول فيه إن الشباب الأمريكي شباب تافه تأكله المتع الجسدية الزائدة عن الحد وتفسد أخلاقه وتشيه فيه الطراوة والنعومة والشذوذ، فهو بذلك يشكل خطرا على مستقبل أمريكا! وكلا التصريحين ذو دلالة خطيرة في شأن "الحرية" الجنسية التي يراها هذا الجيل من البشرية خيرا، وتصرخ الوقائع بأنها شر لا خير فيه! [انظر بالتفصيل كتاب "التطور والثبات في حياة البشرية"].
(180) سورة الفرقان [74].
(181) سورة المطففين [26].
(182) سورة التين [4].
(183) سورة البلد [10].
(184) سورة الإنسان [3].
(185) سورة الشمس [7-10].
(186) سورة النساء [28].
(187) سورة التين [4-5].
(188) سورة الروم [41].
(189) سورة الأعراف [179].
(190) من كتاب "الإنسان في العالم الحديث" تأليف جوليان هكسلي، ترجمة حسن خطاب ومراجعة عبد الحليم منتصر.
(191) سورة طه [121].
(192) هذه التجربة الجديدة في الغرب لم تبحث هناك بحثا كافيا من الوجهة النفسية. ولكنها حكمة قديمة يعرفها الشرق، حين يقول عن الولد المائع المخنث إنه "تربية أمه"! وهي حقيقة نفسية عميقة.. مع اختلاف الظروف الظاهرية في الموضوع!
(193) انظر فصل "اليهود الثلاثة" في كتاب "التطور والثبات في حياة البشرية".
(194) انظر بالتفصيل كتاب "منهج الفن الإسلامي" فصل "الواقعية في التصور الإسلامي".
(195) انظر كتاب "منهج الفن الإسلامي".
(196) انظر كتاب "منهج الفن الإسلامي"
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------






(1)