Advertisement

تنشئة الأطفال في القرن الحادي والعشرين


تنشئة الأطفال في القرن الحادي والعشرين




تنشئة الأطفال في القرن الحادي والعشرين

علم الصحة النفسية للأطفال

تأليف
شارون كيه هول

ترجمة
أحمد الشيهي
مراجعة
مروة عبد الفتاح شحاتة



تنشئة الأطفال في القرن الحادي والعشرين

Raising Kids in the 21st Century

شارون كيه هول

Sharon K. Hall

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ??????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????


??
هول، شارون كيه.
تنشئة الأطفال في القرن الحادي والعشرين: علم الصحة النفسية للأطفال/تأليف شارون كيه هول.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ??
?
     ?- الأطفال، علم النفس
     ?- الأطفال – تربية
          أ- العنوان

?????




هذا الكتاب مُهدًى إلى أليكس، الذي يستكشف العالم بصدر رحب، ويعطيني الأمل في أطفال القرن الحادي والعشرين.


تمهيد


عندما أتحدَّث عن الأطفال والنمو مع طلابي، يسألونني كثيرًا عن مقدار الوقت الذي انقضى منذ معرفة علماء النفس ببعض الجوانب المعيَّنة، وعن سبب جهلهم «هم» بمثل هذه المعلومات القيمة. أُخبرهم أنني أرى أن علماء النفس والموجِّهين التربويين عليهم أن يعملوا على أن تصل أبحاثهم إلى أيدي عامة الناس بصورة أكبر؛ فهذا المجال العلمي يزخر بالكثير ليقدِّمه للآباء والمعلمين من الناحية العملية. ومن النقاط الأخرى التي يطرحها طلابي كثيرًا في حجرة الدراسة أن قراءة الأبحاث في الكتب لا تكفي لترجمة هذه المعرفة بسهولة إلى تطبيقات للمادة. كلامٌ سديدٌ! هناك العديد من الكتب الدراسية القيِّمة التي تتحدَّث عن نموِّ المراهقين والأطفال، لكنَّ المعلومات التي يمكن تطبيقها يوميًّا تحتاج إلى جسر، حلقة وصل بين علم النفس الشعبي والعلمي؛ مما سيكون ذا فائدة للآباء والمعلمين والطلَّاب.
هناك قاعدةُ بياناتٍ ثريةٌ بالأبحاث المتعلِّقة بكيفية تَنْشئةِ أطفالٍ أصحَّاء نفسيًّا. والهدف من هذا الكتاب استخلاص تلك النتائج من أجل حديثي العهد بعلم النفس أو مِن أجل عامة الناس؛ لمساعدتهم على تطبيق هذه المعرفة لنفع أسرهم. في أغلب الأحيان، لا تعتمد الكتب الأخرى التي تركِّز على تطبيقات تربية الأطفال ودراسة الأسرة على العلم. وفي الوقت الذي تكون فيه بعضٌ من هذه الكتب رائجةً و/أو مشوِّقةً، فإنها كثيرًا ما تقوم على بضع دراسات لحالات سريرية أو على تجارب الطفولة الخاصة بالمؤلِّفين أنفسهم. يتمتع الأكاديميون بدراية كبيرة عن التنشئة الاجتماعية للأطفال الأصحاء، لكن هذه الأفكار نادرًا ما تُطرَح بلغةٍ أبسط ليتسنَّى لجمهورٍ أكبر من القراء الإفادةُ منها.
كان تصوُّري لتأليف هذا الكتاب أنْ أُفسِّر للآخرين ما هو معروف عن التنشئة الاجتماعية للأطفال الأصحاء؛ ففي هذا الكتاب، ربطتُ بين علم تنشئة أطفال أصحَّاء نفسيًّا وبين ممارسته والاستمتاع به. وأَمَلي أن يستمتع الأفراد من الآباء والأمهات والأساتذة — أو من سيصيرون كذلك — بأجزاء الكتاب، وأن يتحمَّسوا لهذا العلم، وأن يشعروا بتمكُّنهم من الاستفادة منه في حيواتهم اليومية بمساعدة الخطوط العريضة التي أقدِّمها.
ستقرأ داخل هذا الكتاب عن أبحاثٍ قَدَّمها بعض عظماء الكتابة عن الأطفال والنمو. فلدى الباحثين أمثال جيمس كومر، ودايان هالبيرن، وريد لارسن، وآن ماستن، الكثيرُ ليخبرونا به عن الصحة النفسية للأطفال وكيف أن المجتمعات بأكملها يمكن أن تكون مسئولة عن رفاهية الأطفال. تخبرنا كونستانس فلاناجان أنه في الوقت الذي نعمل فيه على توجيه الأطفال كي يصيروا أطفالًا سعداءَ فاعلين، فإننا نخلق حلقة مثمرة. فسوف يصبح هؤلاء الأطفال الناشطين الاجتماعيين، وسيعملون في إطار مجتمعاتهم والكونِ كله لإثراء عالمنا.
أودُّ أن أتقدَّم بالشكر إلى كافة الباحثين الذين شجَّعتني أعمالهم على تبادل قدر كبير من الأمور المعروفة في مؤلَّفات علم نفس النمو مع الطلاب والآباء والمعلِّمين والراشدين كافةً الذين تُثرَى حياتهم بالأطفال. وأتوجَّه بشكر خاص إلى طلابي الذين يُبدون شغفهم واهتمامهم بالأطفال، والذين دَفَعتْني أسئلتهم لترجمة هذا البحث لكي يستفيد منه الكثيرون.
أتقدَّم بالشكر كذلك لكلٍّ من كريس كاردون وسارة كولمان وكيلي باسنر من دار بلاكويل لدعمهم اللامحدود ومساعدتهم التحريرية. كما أَدين بالشكر والتقدير إلى المراجعين ممَّن قدموا لي تعليقاتهم بتأنٍّ وثقة، وأشكر لورا هارتريك وفرجينيا راندال لمساعدتهما إياي في إعداد المسودة، كما أشكر جيم، الذي يدعمني في كل يوم.

الفصل الأول
تنشئة الأطفال في القرن الحادي والعشرين


يُفتتح المشهد في الفيديو المنزلي بطفلة عمرها عامان ترقص وتغني مع الاستعراض الغنائي «ارقصوا على إيقاع الموسيقى» من فيلم «ماري بوبينز». الشخصيات التي تشاهدها الطفلة في الاستعراض نابضة بالحياة ومثيرة للحماس ومضحكة. تتوقَّف الطفلة الدارجة عن الرقص لتبتسم أمام الكاميرا قائلة: «أبي، وقت الرقص!» وتشير إلى أبيها أن ينضم إليها. تستمر الكاميرا التي تحملها الأم في التسجيل عندما يدخل الأب إلى المشهد ليحتضن طفلته ويقبِّلها ثم يشرع في الرقص والغناء. يضحك ثلاثتهم وينعمون معًا بلحظة البهجة هذه. كيف أصبحت هذه الطفلة شخصًا نشيطًا وسعيدًا ومرتبطًا على ما يبدو بشخصين بالغَين يعشقانها؟ سأصطحبكم في رحلة استكشافية ستساعد في الإجابة على هذا السؤال وتوضِّح لكم إمكانية تحقُّق هذا المشهد الأُسَري مع الجميع.
إن تنشئة أطفال أصحَّاء هي غايتنا، ولكنَّ هناك نوعين من الصحة ينبغي لنا الاهتمام بهما؛ ألا وهما: الصحة البدنية والصحة النفسية. العديد من الآباء والأمهات يدركون أهمية أن يتمتع الطفل بصحة بدنية جيدة. فنحن نعلم، على سبيل المثال، أن الحَمْل يقتضي أن تعتني السيدات بأجسادهن لكي يتمتع الطفل بصحة جيدة. وبعد الولادة، نراقب نمو الطفل عن كثب لرصد سلوكيات مثل خطواتهم الأولى وكلماتهم الأولى. ويُذكِّرنا الأطباء ومقدِّمو الرعاية الصحية الآخرون بأهمية التطعيمات والفحوصات الطبية السنوية. يهتم الكثير من الناس بصحة الأطفال. فنحن نرى فيهم مستقبلنا.
غير أن تعزيز الصحة «النفسية» للأطفال يحظى بتقديرٍ أقل بين الناس. فغايات الصحة النفسية أو أهدافها لا تُناقَش بالدرجة التي تُناقَش بها متطلبات الصحة البدنية داخل الأسر. وبينما قد يعلم معظم الآباء والأمهات أن الأطفال الصغار بحاجة إلى ما يقدِّمونه لهم من رعاية بدنية، فإن العلاقات والروابط العاطفية بين الآباء والأطفال تمثل القاعدة التي تُقام عليها الصحة النفسية للأطفال. وتعني لَبِنات البناء الأساسية هذه أن البالغين يساعدون الأطفال في التطور حتى يصيروا آباءً وأمهاتٍ ومعلِّمين وقادةً للمجتمع في المستقبل؛ فالصحة النفسية تسهم في تشكيل مستقبلهم ومستقبل عالمنا. والمجتمعات القوية تعوِّل على أفراد يتميزون بالفاعلية والانتماء والالتزام، ويدركون أن العلاقات هي سبيل التقدم، وأن مسئولية المستقبل تبدأ بالفرد.
ما تصوراتك حول ما تبدو عليه الصحة النفسية لدى الأطفال؟ ربما يمكنك أن تفكِّر في هدفين أو ثلاثة أهداف جيدة؛ فأنت تعرف على الأرجح أننا يمكن أن نتوقَّع أن ينسجم الأطفال جيدًا مع الآخرين، وأن يتمكَّنوا من الذهاب إلى المدرسة دون الشعور بكثير من الأسى، وأنهم في نهاية الأمر سيتحمَّلون قدْرًا من المسئولية عن أفعالهم. تجسِّد كل هذه الأمور أهدافًا رائعة يدركها الكثير من الأطفال، ولكن هل تعرف كيفية تعزيز هذه الأهداف؟ إن تعزيزَ هذا النوع من الصحة النفسية ممكنٌ ويحتاج مناقشةً بحيث يكون البالغون على دراية كاملة بالتحديات القادمة وعلى استعداد لها. هل هناك أهداف أخرى لبناء المهارات العاطفية والاجتماعية التي ترتبط بالصحة النفسية؟ نعم، فالأشخاص البالغون، مثل الآباء والأمهات والمعلِّمين، يبيِّنون للأطفال كيفية المضيِّ قُدُمًا في بيئاتهم بمهارة ورغبة في التواصل مع الآخرين يوميًّا. يُطلِق علماء النفس على هذه المهارة أيضًا «الكفاءة الاجتماعية»، وتشير ببساطة إلى مجموعة من السلوكيات الاجتماعية الإيجابية، التي أتقنها الطفل، مع إمكانية استخدام الطفل هذه المهارةَ في المستقبل أيضًا. ومثلما تجسِّد الخطواتُ الأولى للطفل في أرجاء الغرفة دلالاتٍ على الصحة البدنية للطفل، فإن الخطواتِ الصغيرةَ صَوْب اكتساب «الكفاءة الاجتماعية» في إطارٍ من التشجيع والدفء شديدةُ الأهمية لدعم الصحة النفسية للطفل.
إن غرضي من تأليف هذا الكتاب هو أن أوضِّح للقارئ أن إقامة علاقات صحية مع الأطفال الموجودين في حياتنا تساعدهم على أن يصيروا أناسًا أصحَّاء نفسيًّا. يُطلَق أيضًا على عمليةِ تيسيرِ التنميةِ الصحيةِ هذه «توفيرُ الدعائم»، وهو المصطلح الذي استخدمه عالم النفس الروسي ليف فيجوتسكي (????) لوصف دعم تعلُّم الأطفال. تخيَّلْ مبنًى قَيْد الإنشاء، ولاحِظْ دور الدعائم المُستخدمة في تيسير عملية البناء في ذلك الموقع. يلعب البالغون الدور نفسه أيضًا؛ حيث يقومون بدور الدعائم التي تسانِد تطوُّر الأطفال من خلال توفير إطار يمكن أن يَستخدمه الأطفال للنمو في البيئات التي يعيشون بها؛ فالتطور إلى أفرادٍ أصحاءَ سعداءَ يمكنهم إجادة التواصل مع الآخرين وفَهْم وجهات نظرهم بتسامحٍ والاهتمام بعالمهم؛ أمرٌ ممكن مع الأساس الصحيح، ويمكن أن يساعدنا علم النفس في إنجاز هذا العمل المهم.
ستتردَّد عبارة «الصحة النفسية الجيدة» في هذا الكتاب، والمراد بها ذلك التوازنُ الخاص ببناء علاقات تقترن بمسئولية شخصية، شأنها شأن ذلك التوازن بين الأحماض والقلويات في العالم المادي. وهذا يذكِّرنا بأن الصحة النفسية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصحتنا البدنية. يشير مفهوم «الصحة النفسية الجيدة» ببساطةٍ إلى أن يرعى البالغون الأطفالَ بصفة يومية، ويشمل ذلك تلقين الأطفالِ ضرورةَ تحمُّل مسئولية أفعالهم، وأن هذه الأفعال لها عواقب، وأننا نتوقَّع منهم أن يتطوروا في حدود هذا الإطار لمساعدتهم في أن يصيروا أطفالًا أصحَّاءَ نفسيًّا.
أحد المعايير الأخرى التي ستُستخدم في هذا الكتاب يتعلَّق باستخدام صيغة التذكير والتأنيث عند التحدث عن الأطفال. سأستخدم هاتين الصيغتين بالتبادل بين فصول الكتاب؛ لذلك، مثلًا، عند الإشارة إلى طفل في الفصل الأول، سيُستخدم الضمير «هي»، في حين سيُستخدم الضمير «هو» في الفصل الثاني، وهكذا. وهذا الأمر مهمٌّ للغاية حتى يتمكَّن القارئ من التفكير في هذه المفاهيم الخاصة بالصحة النفسية الجيدة لكلٍّ من الفتيات والأولاد. وفي حالة اكتشاف علماء النفس أن الفتيات والأولاد يختلفون اختلافًا ملحوظًا، سيُراعى توضيح ذلك بالتفصيل.
ثمة أمرٌ يجب أن ينتبه إليه القارئ جيدًا يخصُّ مفهومَ «التطور الطبيعي»؛ فقد درس علماءُ النفس الأطفالَ إلى الحد الذي أصبحنا نعلم فيه أي مرحلة عمرية يُفترض أن تتطوَّر بها بعض المهارات أو تُتقَن؛ وهذا يعني أن غالبية الأطفال الذين خضعوا لهذه الدراسات قادرون على استخدام المهارة في المرحلة العمرية التي نذكرها. لكن لا يعني ذلك أن هذا النموذج سيلائم جميع الأطفال؛ فالفئات العمرية وُضعت ببساطة كي تساعدنا في فهم التطور لدى العديد من الأطفال. ويحدِّد علماءُ النفس هذا المتوسطَ عبر دراسات عديدة ثم ينقلون النتائج التي توصَّلوا إليها. مع ذلك، ثمة توضيح آخر من المهم للغاية أَخْذه في الاعتبار في البداية؛ وهو أن القدر الأكبر مما نعرفه عن مفهوم التطور الطبيعي وعن الأُسَر مستمَدٌّ من دراسة الأشخاص ذوي البَشَرة البيضاء المنتمين إلى الطبقات الوسطى.
لم يخضع التفاعل بين عوامل مثل الخلفيات الثقافية والعرقية والقدرة الاقتصادية والبدنية والتوجه الجنسي للدراسة الجيدة. وعلى الرغم من أن عبارة «التطور الطبيعي» تُستخدم في وصف جميع الأطفال عامةً، فإننا لم نُجْرِ — إلا الآن فقط — دراساتٍ تشمل كافة الجوانب الحياتية لأطفالٍ ينتمون إلى خلفيات متنوعة؛ وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من هذا الكتاب يتعلَّق بالتوقعات الخاصة بالأطفال المنتمين إلى الأُسَر ذات البَشَرة البيضاء المنتميةِ إلى الطبقات الوسطى وتطورهم. كما سنُجري بعض النقاشات حول الدراسات الأكثر ثراءً في أبعاد مثل تلك الخاصة بالانتماء العرقي. ولكن بشكل عام، يجب أن يضع كل قارئ للكتاب هذا التنبيهَ في اعتباره أثناء تقدُّمه في قراءة هذا الكتاب. ولْيتذكَّرِ القارئ أيضًا أن التنوع الإنساني هو ما يجعل البشر يتسمون بالتعقيد والجمال، وأن قسطًا كبيرًا من علم النفس يسعى لاكتشاف هذا التنوع.
(?) اللَّبنات الأساسية للصحة النفسية

رَكَّزَ علماء النفس في الماضي عند دراسة السنوات الأولى مِن تطور الطفل على مفهومَين جديرَين بالمناقشة هنا؛ فقد اكتُشف أن كلًّا من «الحالة المزاجية» و«الانضباط الذاتي» مؤشران جيدان يتكهَّنان بالنتائج اللاحقة التي يحقِّقها الأطفال. ونحن نشير إلى مصطلح «الحالة المزاجية» في علم النفس باعتباره مفهومًا يضم السمات المُمَيِّزة للأطفال عندما يستجيبون مع البيئة المحيطة. وتشتمل السمات التي كثيرًا ما تخضع للدراسة لدى الرُّضَّع على سرعة الانفعال ومستوى النشاط والاستجابة الاجتماعية والدافعية. ويعتقد العديد من علماء النفس أن الأطفال يُولَدون بمَيْل إما نحو الهدوء أو سرعة الانفعال والاهتمام ببيئاتهم. ونحن نضع تقديرات حول حالتهم المزاجية من خلال ملاحظة مستويات النشاط البدني والرغبة في ملازمة الآخرين. وعلى مُقدِّمي الرعاية البالغين الأصحاء الاستجابة لكلٍّ من «الأطفال الهادئين» و«الأطفال سريعي الانفعال» واضعين في اعتبارهم أهدافَ تنشئةِ أطفالٍ أصحاء في النهاية. ويمثِّل مفهومًا آخر يرتبط بالحالة المزاجية الحدُّ الذي يصل إليه الأطفال صغيرو السن للغاية في تعلُّم تنظيم استجاباتهم البدنية والعاطفية والاجتماعية مع بيئاتهم. يعني مصطلح «الانضباط الذاتي» أن الأطفال لديهم مجموعة من المهارات مثل التحكُّمِ في درجة تركيزهم أو انتباههم، والقدرةِ على تهدئة أنفسهم عند رعاية البالغين لهم، ولاحقًا التحكمِ في سلوكياتهم.
وبينما قد يبدو أن هذه المناقشة حول الحالة المزاجية والانضباط الذاتي تضع الطفل في بؤرة الاهتمام، فإن العلاقات الصحية مع مقدِّمي الرعاية البالغين تمثِّل دليل الأطفال للسيطرة على بيئاتهم. تبدأ هذه التفاعلات من خلال مفهومٍ يُطلِق عليه علماءُ النفس «جودة التوافق»؛ ويعني هذا المفهوم أن التفاعلات بين الآباء والأطفال يبدو أنها تَحدث تلقائيًّا نوعًا ما. وعندما يكون البالغون مقدِّمي رعايةٍ أَكْفاءَ وقادرين على أداء وظائفهم، يمكنهم حينئذٍ الاستجابةُ بالصورة المناسبة للأطفال «الهادئين» أو الأطفال «سريعي الانفعال»، ومساعدةُ الأطفال في تطورهم. على سبيل المثال، قد تلاحظ إحدى الأمهات ممن يتَّسِمْن بالنشاط والحيوية عادةً أنه يجب أن تُخفض من صوتها أثناء تقديمها للرعاية لطفلتها الرضيعة التي تَتَّسم بسرعة الانفعال والنشاط البدني بهدف المساعدة في تهدئة الطفلة. وعلى النقيض، فقد تُدْرك الأم الهادئة للغاية أنها يجب أن ترفع من مستوى نشاطها البدني مع طفلتها التي تتسم بالاسترخاء والهدوء الشديدين؛ وذلك لتحفيز اهتمام الطفلة بالبيئة. يثبت مفهوم جودة التوافق في كلتا الحالتين أنه رغم تَناقُض سمات والدتَي الطفلتين مع احتياجات الرضيعتين بشكل تلقائي، فإنهما على استعداد للتغير لمساعدة طفلتيهما على التطور. وتعتمد الصحة النفسية الجيدة للأطفال على التحفيز الحثيث من ناحية البالغين الذين يهتمون بالطفل منذ الولادة وما بعدها.
ستجدون أدناه القوائمَ الخاصةَ باللَّبِنات الأساسية للصحة النفسية الجيدة. يَعْلم علماء النفس أن تطوُّر بناء المهارات يَحدث عادة على مدار سنوات العمر، وأن هذا يُعد تطورًا طبيعيًّا. وتُدرَج هذه التوقعات الخاصة بكل فئة عمرية بالترتيب الذي اكتشف علماء النفس أنها تتطور به لدى الأطفال، بدايةً من الميلاد. تظهر المجموعة الأولى من مهارات بناء العلاقات والمسئولية الشخصية منذ الولادة وحتى عمر عامين. وتضم هذه المجموعةُ ببساطةٍ السلوكياتِ التي يجب أن يمارسها الأطفالُ ويجيدونها على مدار أول عامين.
قائمة الصحة النفسية لأول عامين من العمر

(?) تستدعي الطفلةُ مقدِّمَ الرعاية إليها من خلال البكاء عادةً، وذلك عندما تكون بحاجة إلى الطعام والشعور بالراحة والأمان.
(?) تستجيب الطفلة من خلال التواصل بالعين والأصوات الواضحة التي تنُمُّ عن السعادة أو الارتياح عند الشعور بالطمأنينة أو الشبع.
(?) تهدأ الحركات الجسدية للطفلة بعد لَفْت الانتباه.
(?) تبذل الطفلة جهدًا لتقريب الأشياء المرغوبة منها لِلَّهو بها.
(?) تبذل الطفلة جهدًا لتكرار الأصوات وتبدأ عملية تناوب الأدوار بأصوات شفهية.
(?) تبدأ أصوات الغمغمة والثرثرة التي تُصدرها الطفلة في أن تبدو كالكلام.
(?) ترغب الطفلة في التواصل مع الآخرين وتحاول ذلك. وتبدأ في التواصل ? «عبارات» مكونة من كلمة واحدة في عمر عام واحد تتطور إلى عبارات مكونة من كلمتين وثلاث كلمات ببلوغها ثمانية عشر شهرًا.
(?) تتكون ثقةٌ لدى الطفلة في شخص أو شخصين من مقدِّمي الرعاية وتشعر بالخجل أو الخوف من الآخرين، وتَعتبر الطفلة مقدِّم الرعاية «قاعدة آمنة» للاستكشاف، ويرتفع مستوى ارتياحها للآخرين عندما تبلغ العامين من عمرها.
(?) تتعلم قواعد المنزل من حيث الأشياء المسموح بها والحدود وتَبعات أفعالها كشخصية مستقلة عن الآخرين.
(??) تلاحظ الآخرين كنماذج سلوكية: الآباء والأشقَّاء والمعلمين والأقران وغيرهم.
يحدث هذا التطور عندما تبلغ الطفلة عمر العامين!
لنتأمَّلِ الآن الأمور التي تطوَّرت في السنوات التي يُطلَق عليها مرحلة «الطفولة المبكرة». ويُشار إلى هذه الفترة أيضًا ? «سنوات ما قبل الدراسة»، وهي الفترة من عمر سنتين وحتى خمس أو ست سنوات.
قائمة الصحة النفسية لمرحلة الطفولة المبكرة

(?) يتطوَّر التنسيق بين العينين واليدين بحيث يمكن أداء المهام اليسيرة. ومن أمثلة تلك المهام اليسيرة قدرة الطفلة على ارتداء ملابسها بنفسها وحَمْل الأطباق الخاصة بها إلى الحوض؛ وهي مهام تعكس قدرًا من الاستقلالية والكفاءة.
(?) تسعى الطفلة إلى إجادة المهارات المكتسبة. وينشأ لديها قَدْر من الوعي بأن الاستقلالية والكفاءة تُشعرها بالسعادة.
(?) تزداد حصيلة المفردات لديها كثيرًا أثناء هذه الفترة. وتُصقَل مهارات التواصل لدى وصولها إلى سن المدرسة.
(?) تتطور القدرة على التركيز على المهام الأطول؛ أي إن وقت الانتباه يزداد.
(?) تنتبه الطفلة إلى زملاء اللعب وترغب في اللعب معهم. في عمر العامين تقريبًا، يقتصر اللعب على الجلوس بجوار أحد الأصدقاء بحثًا عن الصحبة. وعندما تبلغ الخامسة أو السادسة، ترغب في ممارسة الألعاب التي تتطلب نوعًا من التنسيق مع صديقة أخرى. وتبدأ الألعاب المركَّبة في الظهور.
(?) تتعزز العلاقات الاجتماعية؛ وتراقب الطفلة نموذج الأهل الخاص بروابط الاهتمام وتحاكيه.
(?) تظهر بوادر المهارة الخاصة بتسوية الخلافات، ولكن السيطرة الانفعالية للطفلة لا تزال بحاجة إلى تدخُّل البالغين من آنٍ لآخر. وينبغي أن يتراجع معدل الخلافات بحلول السنة السادسة.
(?) تشعر الطفلة بقدر معقول من الارتياح مع العالم الاجتماعي الذي أصبح يتضمن الآن أفرادًا بالغين آخرين وأطفالًا آخرين أيضًا. وتعني هذه الشبكة الكبرى من الأفراد أن الطفلة يجب أن تبدأ في تعميمِ ما تعرفه عن الانسجام في المنزل على النطاق الأكبر في المدرسة والملاعب وما إلى ذلك.
(?) يزداد نضج التحكم في الانفعالات بحلول العام السادس. مع ذلك قد تستجيب الطفلة إلى إصابتها بجرح صغير أو إيذاء البعض لمشاعرها بالبكاء قليلًا. ولكن بشكل عام، تستطيع الطفلة في سن المدرسة مراقبة مشاعرها والتحكم بها إلى حدٍّ ما.
(??) تتعزز الرغبة في إسعاد البالغين والشعور بالتقدير كشخص صالح.
ها هي الطفلة التي بلغت سن المدرسة أصبحت على استعداد للتعامل مع العالم.
لننتقلِ الآن إلى السنوات المتوسطة من الطفولة التي تتضمن تلك السنوات الأولى من المدرسة الابتدائية، وهي المرحلة العمرية الممتدة من عمر ست سنوات وحتى اثنتي عشرة سنة.
قائمة الصحة النفسية لمرحلة الطفولة المتوسطة

(?) يتطور فَهْم العالم المادي بمعدل سريع، وتقترن المهارات الاجتماعية بذلك التطور. كما تساعد المفاهيم الجديدة والروابط الجديدة الطفلةَ في تصور ذاتها في العديد من المواقف والعلاقات.
(?) إن تطور مفاهيم مثل «إدراك وجهات نظر الآخرين» يساعد الطفلة في تعلُّم أن للآخرين أفكارًا ومشاعرَ مختلفة يجب مراعاتها لإنشاء علاقات.
(?) يرتبط تطوير قدرة التركيز على أكثر من بُعد واحد للموقف في الوقت نفسه بمفهوم «إدراك وجهات نظر الآخرين».
(?) تنظر الطفلة إلى نفسها باعتبارها شخصًا يتمتع بالكفاءة ويمتلك القدرة على اتخاذ القرارات.
(?) تتطور المهارة اللغوية وكيفية توظيفها بشكل فعَّال. وتستمتع الطفلة بالألعاب التي تعتمد على توظيف الكلمات والتلاعب بالألفاظ!
(?) تعني الزيادات في حجم الذاكرة أن تنظيم المعلومات والتحلي بالقدرة على استخدامها عند الحاجة يمثلان أداتين مؤثرتين في إقامة العلاقات في المنزل والمدرسة والمحافظة عليها.
(?) تشمل مجموعات الأقران الأولاد والفتيات، ولكن كل نوع عادةً ما يفضل تكوين صداقات مع النوع المماثل له.
(?) يبدأ ظهور التفكير في المستقبل مثل التفكير في الحياة المهنية والزواج.
(?) تسعى الطفلة جاهدةً إلى استيعاب الأمور التي تجعل منها صديقة مخلصة. وتتطور في هذه المرحلة سمات مثل الولاء والالتزام والتلطف مع صديقاتها المقرَّبات.
(??) تختفي مظاهر العنف الجسدي مع الأقران بشكل عام، ولكن العداء اللفظي قد يزيد.
يُطلَق مصطلح «المراهقة» على المرحلة التالية من التطور، وتشمل الشريحة العمرية الممتدة من الثانية عشرة وحتى عشرين عامًا. ومع اكتساب علماء النفس لمعلومات أكثر عن مرحلة المراهقة، وجدنا أنه من الأيسر تحديد مجموعتين متمايزتين من السمات عوضًا عن الاكتفاء بوضع السمات جميعها في مجموعة واحدة وحسب؛ ونطلق على المجموعتين «المراهقة المبكرة» و«المراهقة المتأخرة».
تأمَّلِ القائمة الواردة أدناه حسب الترتيب الزمني كما هو متبع عادةً. ولكن يُرجَّح أن تظهر المهام الخمس الأولى في مرحلة المراهقة المبكرة، وتتضمَّن المراهقة المتأخرة المهام الخمس الأخيرة. وكما هي الحال مع كافة المناقشات المطروحة حتى الآن، فقد يُطوِّر الأطفالُ بعضَ المهارات قبل الفترة المحدَّدة في هذه النقاط الإرشادية أو بعدها. ولكن غالبية الأطفال يكتسبون المهارات طبقًا للتقديرات المذكورة أدناه.
قائمة الصحة النفسية لمرحلة المراهقة

(?) تحدث في هذه المرحلة التغيُّرات الجسدية المرتبطة بالبلوغ، والتي تتضمَّن تغييرات في الهرمونات. وتدل هذه التغيُّرات الجسدية على عدم الاستقرار الانفعالي أيضًا.
(?) تصبح مهارة التفكير أكثر تعقيدًا بحيث يحدث التأمُّل الذاتي يوميًّا.
(?) يجري التفكير باستمرار في أمور مثل المسئولية والعلاقات.
(?) يساعد مستوى الكفاءة المتزايد في المجالات كافة في تزايد الرضا عن الذات.
(?) تظهر القدرة على التفكير في العديد من الحلول البديلة بشكل منهجي.
(?) يتضمن إدراك الذات الإمكانيات والرغبات الهادفة إلى تحقيق مزيد من التطور.
(?) تتحول مجموعات الصداقة المكونة من الذكور والإناث إلى مجموعات ثنائية تتألف من ولد وفتاة يلتقيان في مواعيد غرامية.
(?) تُعد علاقات المواعدة انعكاسات للسلوك المبكر مع الأصدقاء. وتظهر سمات مثل الأمانة والولاء.
(?) يتضمن التخطيط للمستقبل أهدافًا أُسَرية ومهنية ستستمر في التطور على مدار العَقد القادم.
(??) يتجلى تحمل المسئولية تجاه العلاقة ويظهر في التفاعلات كافة في إطار المجموعات المدرسية والعمل والمجتمع وما إلى ذلك.
إن هذه التوقعات الخاصة بتطور المهارات ليست شاملة، ولكنها تُقدِّم صورة عامة للمهارات التي يحتاجها الأطفال حتى يصيروا أشخاصًا بالغين أَكْفاء. إن طريق الصحة النفسية الجيدة يبدأ في مرحلة مبكرة. ولا بد من إيجاد التوازن بين العلاقات والمسئولية الشخصية لتحقيق نتائج صحية، ولكن لن يحقق كلُّ الأطفال هذه القدرات لأسباب متعددة؛ فقد تعاني الأُسَر من مشكلات مزمنة مثل الفقر والبطالة وإدمان الكحوليات وغيرها، أو قد تمر بصدمات شديدة لمرة واحدة فقط ولكن يكون لها تأثير طويل المدى على تطور الأطفال. وبالنسبة إلى هؤلاء الأطفال الذين بدءوا حياتهم في محيط أُسَر معرَّضة لتلك المشكلات، لا يزال هناك أمل كبير للتغلُّب على الأمر؛ نظرًا لإمكانية إقامة علاقات مبكِّرة إيجابية مع مقدِّمي الرعاية على الرغم من المعوِّقات. ويعد تقديم استعراض عام لمفهوم القدرة على التكيف مع الصعاب نقطة جيدة لبدء هذه المناقشة.
(?) القدرة على التكيف والصحة النفسية

القدرة على التكيف هي تلك السمة التي يُزعم أن الأشخاص الذين يتطورون بصورة جيدة يمتلكونها بالرغم من تعرُّضهم للمِحن أو حتى للصعوبات الهائلة. بدأ ما يُعرف عن القدرة على التكيف مع دراسة علم النفس الإيجابي كمفهوم في العقود القليلة الأخيرة من القرن العشرين. بدأ عالما النفس مارتن سليجمان (????) وميهاي تشيكسنتميهاي (تشيكسنتميهاي وبيتي ????) يفهمان أن البحوث السابقة قد ركَّزت في الأغلب على علم الأمراض أو السلوك البشري الذي كان يستدعي التدخل العلاجي. وهذا الأمر ليس مثيرًا للدهشة كثيرًا بالنظر إلى طبيعة المجال بصفة عامة؛ إذ تطلَّع علماء النفس إلى فهم السلوك البشري بحيث يتسنَّى علاج الأمراض الاجتماعية أو الشخصية. وبدايةً من سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، كَتَبَ باحثون أمثال مايكل راتر (????) ونورمان جارميزي (????) عن الحاجة لفحص هؤلاء الأطفال الأصحَّاء نفسيًّا، على الرغم من تعرُّضهم لمخاطر مثل الفقر. وفي أبحاثهما المبكرة، اكتشف الباحثان أن هناك بضعة عوامل ارتبطت بالأطفال الذين واجهوا مخاطر ولكنهم حقَّقوا نتائج طيبة. تمثَّلت هذه العوامل في تمتع الطفل بطبيعة مزاجية إيجابية، ومستوَى ذكاءٍ طبيعي، ووجود أبٍ صالح أو أم صالحة، وعامل خارجي واحد جيد مثل معلِّم جيد، وسياق واحد إيجابي خارج المنزل مثل مَدرسة جيدة. يُطلِق العديد من الباحثين على هذه العوامل «العوامل الوقائية» المؤدية إلى القدرة على التكيف.
وفي عهد قريب، واصلَت المتخصصة في علم نفس التطور آن ماستن (ماستن وكوتسورث ????) وزملاؤها وآخرون العملَ على هذه النتائج الأولية بحيث أصبح لدينا الآن إطارَ عملٍ للعوامل المرتبطة بالأطفال الذين لديهم القدرة على التكيف. وبفضل هذه البحوث التي أُجريت مؤخرًا، نعلم أنه — علاوةً على مستوى الذكاء الطبيعي والسلامة البيولوجية — تتضمَّن جوانبُ الطبيعة المزاجية المقترنة بالقدرة على التكيف التمتعَ بنزعةٍ اجتماعيةٍ وهادئةٍ، والإيمانِ بقدرة النفس على السيطرة على البيئة، والانسجامِ مع الآخرين، والتحلي بقَدْرٍ جيد من الاحترام الذاتي. وعادةً ما يكون لدى الأطفال الذين يتحلَّون بقدرة على التكيف أُسَر بها والد صالح يتَّسم بالحنان، ولَدَيه تطلعات عالية، كما يتمتعون بعلاقات إيجابية مع الأقارب. علاوة على ذلك، ترتبط ميزة الاستقرار الاجتماعي الاقتصادي بالأُسَر التي لديها أطفال يتسمون بقدرة على التكيف على الرغم من الصعوبات. وخارج إطار الأسرة، ارتبط وجودُ شخص بالغ إيجابي، ومهتم بالطفل، بتحقيقِ الطفل لنتيجة إيجابية على مستوى المدرسة والمؤسسات الدينية أو المدنية. لخَّصَت ماستن وكوتسورث هذه التفاصيلَ الخاصة بمفهوم القدرة على التكيف في عام ????م، ولا تزال هذه العوامل قَيْد الدراسة في الوقت الحالي. لاحِظْ أنه نظرًا لطبيعة البحث، لم يَجْرِ تحديد خط سببي يبدأ بالعوامل الوقائية ويقود إلى القدرة على التكيف. على الرغم من ذلك، فنحن نعلم العوامل «المرتبطة» بالنتائج الجيدة؛ فقد يتمكَّن الأطفال من التكيف مع التحديات في بيئاتهم. وهذه المرونة التي نطلق عليها «القدرة على التكيف» تعتمد تمامًا على العلاقات الاجتماعية. ويبدو أن للوالدَين دورًا هائلًا في بناء هذه القدرة على التكيف، ولكن قد يكون للعوامل الأخرى خارجَ إطار الأسرة تأثيراتٌ إيجابية على الأطفال أيضًا؛ فالمدرِّسون الأَكْفاء في البيئات المدرسية الإيجابية هم سبيل الصحة النفسية الجيدة للأطفال أيضًا.
يمثِّل الآباء أساس العلاقات الاجتماعية كافة. وبالفعل، تَذْكر ماستن وكوتسورث أن تعزيز الرابطة بين الأبناء والآباء «إحدى الاستراتيجيات الأساسية للتدخل» عندما نرغب في تعزيز مهارة التكيف لدى الأطفال. بمقدور الأطفال التغلب على المِحَن من خلال القدرة على التكيف، وترتبط النتائج الصحيحة بتدعيم العلاقات الإيجابية القائمة. وهذه هي الحال أيضًا مع الأُسَر التي تواجه العقبات الحادة والمشكلات المزمنة، والتي ترتبط بالنتائج التي يحقِّقها الطفل. ويُطلِق علماء النفس على هذه العقبات مصطلح «مخاطر». على سبيل المثال، يمثِّل الفقرُ أحدَ المخاطر المزمنة التي يتعرَّض لها الأطفال، في حين أن اختبار الطفل لكارثة طبيعية، كالأعاصير، قد يمثِّل عاملَ خطورةٍ حادًّا يُسْفر عن نتائج سيئة. وتعني عوامل الخطورة هذه بالنسبة إلى التطور الطبيعي أن الأطفال قد يكونون عرضةً لتحقيق نتائج سيئة.
عندما تتعرَّض الأُسَر لمخاطرَ، سواء أكانت حادة أو مزمنة، يراقب الأطفال ردَّ فِعل الآباء ويعتبرونه إشارات لكيفية إبداء ردود أفعالهم الخاصة. وقد أجرى علماء النفس دراسات على الآباء والأمهات الذين يتولَّوْن تربية أطفال معرَّضين لمخاطر ملازِمة للأسرة، مثل الفقر المزمن أو الطلاق، ومع ذلك حقَّقَ أطفالهم النجاح والازدهار في حياتهم كبالغين. تتضمَّن السماتُ المميزةُ لهذه الأُسَر العملَ على غرس قِيَم معينة مثل أهمية العلاقات الأسرية والمسئولية الفردية والطموحات الدراسية الكبرى. على سبيل المثال، اكتشف أستاذ الطب النفسي للأطفال جيمس كومر، الذي يعمل في جامعة ييل، من خلال دراساته التي أجراها على أطفال الأقليات العرقية؛ أن الأُسَر المترابطة والمدارس الجيدة يمكنها أن تساعد الأطفال في التغلُّب على عوامل الخطورة المرتفعة للغاية، مثل التحيز والتمييز (انظر كومر ????). علاوةً على ذلك، نَعْلم أيضًا أنه عندما تُواجِه الأُسَر عواملَ خطورةٍ تؤثِّر في الصحة النفسية الجيدة للأطفال، والتي تتضمَّن صدماتٍ أو أحداثًا تُمثِّل تهديدًا لحياتهم، فإن العديد من الأطفال يمكنهم التأقلم بمساعدة أُسَرهم أيضًا.
إن الأبحاث الخاصة بالأطفال الذين تعرَّضوا لصدمة لمرة واحدة فقط أو صدمة حادة، لا تزال حديثة العهد. على الرغم من ذلك، تكرَّرت في هذه الأبحاث نتيجة واحدة تشير إلى أن قدرة الوالدَيْن على توفير مشاعر الدفء والأمان لأطفالهما بعدَ التعرض لصدمةٍ ما تُعَد مؤشرًا ينبئ بقدرة الأطفال على التأقلم؛ ولذلك، يُعتقد أن قدرة الآباء على التأقلم تُعَدُّ أفضل مؤشر لقدرة الأطفال على التأقلم بعد التعرض لحدث صادم. على سبيل المثال، قام عالِم النفس إيه سي ماكفرلاين (????) بمتابعة مجموعة من الأطفال ممن تعرَّضوا لكارثة طبيعية في أستراليا، واكتشف العالِم أن ردود أفعال الأم نحو الحدث كانت مؤشرات أفضل على ردود أفعال الأطفال مقارنةً حتى بعامل قُرْب الأطفال من الحدث المدمِّر. وقد تم التوصل لنتائج مماثلة مع أطفال من الشرق الأوسط والولايات المتحدة ممن تعرَّضوا لصدمات شديدة أيضًا. ولِحُسن الحظ، اكتشف الباحثون المهتمون بدراسة آثار الصدمات أن البالغين الآخرين من مقدِّمي الرعاية قد يوفِّرون هذا النوع من العوامل الوقائية أيضًا. ويشير عالم النفس جورج إيه بونانو، الذي أجرى العديد من الدراسات حول القدرة على التكيف بعد الصدمات، إلى وجود العديد من مسارات التعافي بعد التعرض لصدمةٍ ما (انظر بونانو ????). وتُعَدُّ القدرة الفردية على التكيف أحد هذه المسارات التي تبدو في الواقع كمظاهر تعاون بين الأشخاص في نهاية الأمر.
يمكن دعم التطور النفسي الصحي لدى الأطفال من خلال تركيز الأُسَر والمجتمعات ككلٍّ على العوامل الوقائية التي تَصنع فارقًا في حياة الأطفال. نحن ندرك أن تعزيزَ قدرة الأطفال على التكيف مع المخاطر أمرٌ ممكنٌ، وأن عددًا كبيرًا من الأطفال يمكن أن يتمتعوا بصحة نفسية جيدة. إن التركيز على تطور الصحة المعرفية والاجتماعية والعاطفية لدى الأطفال سيُترجَم إلى صحة نفسية، والتي ينبغي أن تكون هدفًا يحظى بنفس الاهتمام الذي تحظى به الصحة البدنية للأطفال في الولايات المتحدة. وبينما تتنوع المهام مع تطور الأطفال، فإن دور البالغين كمقدِّمي رعاية وكمعلمين يظل بارزًا لتنشئة أطفالٍ أصحاءَ نفسيًّا.
(?) استعراض عام للكتاب

ينصبُّ التركيز في هذا الكتاب على بناءِ العلاقات وتطوُّرِ المسئولية الشخصية من أجل الصحة النفسية الجيدة وكيفية ارتباط هذين العاملين بمحصِّلات إيجابية للأطفال كأفراد بالغين. سنبدأ بفحص النمو المعرفي في المنزل وفي بيئات خارج المنزل، مثل مؤسسات الرعاية الرسمية والمدارس، وسيسير النمو الاجتماعي في المنزل ومع الأقران في مسار مشابه. كما سنفحص أيضًا كيفية تطوير الأطفال لقِيَمهم وعلاقتهم بالآخرين إلى جانب تطويرهم لحسِّ الدعابة. في الفصل الأخير، سنطرح دور النمو المعرفي والنمو الاجتماعي، بما في ذلك دور القِيَم وحس الفكاهة في العلاقات، كمؤشرات جيدة لحياة صحية على المستوى النفسي وزاخرة بالنشاط الاجتماعي. كما سيَجري الربط بين هذه المفاهيم وبين جدل دائر حول تعزيز التسامح كجزء من الصحة النفسية الجيدة.
تبدو الطفلة الدارجة التي تتراقص في المشهد الافتتاحي كما لو كان مسار تطورها تَأسَّس على قاعدة راسخة تتضمَّن عوامل وقائية ستساعدها على مدار نموها. ويوضح والداها لها كيف تؤدِّي العلاقات الصحية إلى صحة نفسية جيدة ستعود بالنفع على الآخرين في المستقبل؛ فالصحة النفسية الجيدة تبدأ بالنمو المعرفي والاجتماعي في المنزل.

الفصل الثاني
النمو المعرفي المبكر


يبدو الطفل الرضيع ذو العينين الجميلتين غيرِ القادرتين على التركيز بعدُ، متأهِّبًا للرضاعة. تستعد الأم لإرضاع طفلها، وتُهَمْهِم معه وتتحدَّث إليه في حنان بينما تتمدَّد على المقعد للاسترخاء وتبدأ في إرضاعه. ينظر الطفل إليها، ينظر إليها بالفعل ويتأمَّل وجهها ويغلق عينيه لِيَنْعم بالهدوء استعدادًا للرضاعة. تشعر الأم بسعادة غامرة؛ فهذه لحظة جديدة ورائعة. يتضح للأم أن تركيز الرضيع لا ينصبُّ إلا عليها؛ فحضورها يوفر له الطمأنينة والرضا. وتدرك الأم أن رضيعها قد بدأ سلسلةً من التغيرات المعرفية، التي من شأنها أن تربطه بها وبالعالم الخارجي.
سنتناول في هذا الفصل المعيار الأول للصحة النفسية الجيدة؛ ألا وهو تطوُّر المهارات المعرفية في الطفولة المبكرة. إن التطور أو النمو المعرفي يعني ببساطةٍ تطوُّرَ تفكيرِ الطفل بمرور الوقت. يعتمد مستوى جودة تفاعُل الناس مع بيئاتهم — إلى حدٍّ كبير — على مدى تذكُّرهم للأشياء المكتسَبة في الماضي، وكيف يستخدمون ما لديهم من معرفة في تسيير أمور حياتهم اليومية بنجاح، وإلى أي مدًى يمكنهم التحقُّق من المعلومات الجديدة ودمج الجديد منها داخل مخزونهم المعرفي. سأستكشف مؤشرات النمو المعرفي الطبيعي من ناحية ارتباطها بالصحة النفسية الجيدة والتربية الجيدة للأبناء. وكما ناقشنا في الفصل الأول، يشير النمو الطبيعي إلى اكتساب المهارات التي أثبتت الأبحاث أن معظم الأطفال يمكنهم إتقانها لدى وصولهم إلى سنٍّ معينة.
تُعزَّز الصحة النفسية الجيدة إذا حظي الأطفال ببداية قوية في بيئات تعلُّمهم الأولى. ويكتسب الأطفال المعلومات الخاصة بالسمات المميزة لبيئاتهم بوجه عام من خلال التفاعلات الأولى لَهُم مع البالغين في حياتهم، كما تُمثِّل طريقةُ استجابة البالغين للأطفال الرُّضع مؤشرًا غاية في الأهمية لكيفية نمو الأطفال في السنوات المقبلة. قد يكون نطاقُ استجابات البالغين من مقدِّمي الرعاية نحو الأطفال شديدَ الاتساع في الواقع؛ فيحظى بعض الأطفال الرُّضع بمقدِّمي رعاية يُلَبُّون كافة احتياجاتهم بعناية وحب؛ وثمة أطفال رُضع آخرون لا يحظون بأي اهتمام من جانب البالغين. ويحظى العديد من الأطفال الرُّضع الآخرين بمستوى رعاية من البالغين يقع في المنتصف بين هذين الحدَّين من العناية والتواصل.
يبدأ تفكير الأطفال في التطور في بيئاتهم المادية منذ يوم ولادتهم. وحتى قبل الولادة، يعتقد الباحثون أن مداركَ الأطفال تكون انعكاسيةً في الغالب، ولكنهم يستجيبون بالفعل للبيئة الخارجية. تتطلَّب الاحتياجاتُ الجسديةُ للطفلِ حديثِ الولادة تفاعلاتٍ ثنائيةً على الفور، وتتشابك هذه التفاعلات بصورة مطلقة مع التطور المعرفي والاجتماعي. يَستدعي الطفلُ الرضيعُ الطبيعيُّ البالغين لرعايته من خلال البكاء، ويسترخي في حالة شعوره بالشبع ويرغب في التواصل مع البشر. يَظهر التواصل البصري جليًّا ببلوغه الشهر الثالث من العمر، ويُعد — جنبًا إلى جنب مع البكاء والابتسام والهمهمة — مؤشرًا على الاهتمام والرعاية الجسدية المتوقَّعَيْن والمرغوبَيْن من جانب مقدِّمي الرعاية. تبدأ رحلة العلاقات البشرية مبكرًا وتستمر على مدار تطور الطفل. وهذا النمو المعرفي المبكر أمر بالغ الأهمية للصحة النفسية الجيدة.
أَهدِف في هذا الفصل إلى توضيح سَيْر التطور المعرفي لدى الأطفال الصغار، إضافة إلى كيفية تحفيز البالغين لهذا التطور. سنبدأ باستكشاف التفاعلات بين البالغين والأطفال الرُّضع، ثم نستطلع ما يمكن أن يحدث عندما تكون هذه الرابطةُ ضعيفةً أو غيرَ موجودةٍ تقريبًا. يتطور النمو المعرفي بالتزامن مع المهارة الاجتماعية، ولا يُعد هذا التفاعل بين مجالات التطور مفاجئًا؛ إذ يرتبط أداء الوظائف الاجتماعية بأداء الوظائف المعرفية، وكلاهما من مقومات الصحة النفسية الجيدة؛ فالصحة النفسية تتطلَّب وجودَ قاعدةٍ متينةٍ قوامُها اهتمامُ البالغين لكي يطوِّر الأطفال اهتمامًا ببيئاتهم ويعزِّزون ذلك الاهتمام. ويُترجَم هذا الاهتمامُ في نهاية الأمر إلى تعامل الأطفال الرُّضع النشيطين مع العالم المادي، الذي يساعد في تطورهم المعرفي. يضع الأطفال الرُّضع لَبِنات تطورهم بأنفسهم بفاعلية، وإن كان يتم هذا جنبًا إلى جنب مع المساعدة الكبيرة من البالغين الموجودين في حياتهم.
(?) الخلفية والأبحاث

يهتم الطفل الرضيع كثيرًا بالعالم من حوله، ويُحْرِز مقدِّمو الرعاية القادرون على توفير التحفيز لأطفالهم نتائجَ رائعةً. وقد يكون هذا التحفيز في صورة ألعاب وكتب وموسيقى ومداعبة باللمس ووجوه وأصوات بشرية أخرى؛ فالطفل الرضيع الذي يلهو بدميةٍ ما، يتعلَّم العديد من الأشياء الجديدة. ولعل تحفيز النمو المعرفي عند الأطفال الرُّضع أحد الموضوعات الأكثر نشرًا في وسائل الإعلام الشائعة التي قد يستفيد منها الآباء.
في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، انصبَّ اهتمامُ وسائل الإعلام كثيرًا على مدى قدرة الآباء المنتمين إلى الطبقتين الوسطى والعليا على تحفيز النمو المعرفي لدى أطفالهم. وقد كانت المعلومات في وسائل الإعلام المألوفة عن كيفية تقديم التحفيز المعرفي للأطفال صحيحة غالبًا، ولكنها كانت تميل إلى المبالغة في الأمر. كان هناك تركيزٌ هائلٌ على تطوير المهارات؛ مثل التعرُّف البصري على الأشكال، وترتيب الأشياء في فئاتٍ، كأحد أشكال التحفيز المعرفي؛ بهدف تنشئة أطفال «أذكياء». وقد قُدِّمت أُطُر زمنية وجداول إلى الآباء بصفتها المناهج المثالية للتحفيز اللازمة لتنشئة أطفال موهوبين فكريًّا. وعلى الرغم من أن بعض الأطفال ربما استفادوا من هذه الحماسة المفرطة، ثمة إشارة تحذيرية تتعلَّق بطبيعة التطور الكلي لدى الأطفال، وقَدْر التحفيز الذي يمكن أن يتحمَّله الأطفال.
إن الوالد الحنون الذي يحفِّز طفله، آخذًا في الاعتبار توفير الراحة لهذا الطفل، يعطيه في الوقت نفسه معلومات عن بيئته والأشخاص الآخرين ذوي الأهمية في هذه البيئة. وينبغي أن ينصبَّ تركيز الشخص البالغ عند تعامُله مع الطفل على راحة الطفل واهتماماته في لحظات التحفيز بدلًا من التركيز على الجانب المتعلِّق بتنشئة أطفال عباقرة؛ إذ إن تطوير المهارة الاجتماعية والمعرفية يَحدث بالتزامن. يعتمد الأطفال الرُّضع على مقدِّمي الرعاية لتوفير بيئة تفاعلية تتضمَّن مستوياتِ تحفيزٍ مناسِبةً للنمو المعرفي؛ فمقدِّم الرعاية الذي يتضمَّن تركيزُهُ على التطور المثالي للطفل الرضيع عنصرَي التفاعل والتنشئة جنبًا إلى جنب مع التحفيز المعرفي، يساعد بذلك في تعزيز الصحة النفسية بصفة عامة.
ماذا نعرف عن الإدراك المعرفي لدى الأطفال الرُّضع؟ اكتشفت عالمة النفس المتخصِّصة في الإدراك المعرفي لدى الرُّضع — إليزابيث إس سبيلكي (????) — أن الإدراك المعرفي لدى الرُّضع يتسم بالتعقيد، بصرف النظر عن الصعوبات المقترنة بإجراء الأبحاث على فكر الأطفال دون القدرة على الاستفادة من استخدامهم للُّغة الكلامية؛ ومثل هذا «التمثيل غير اللُّغوي» لدى الطفل الرضيع يعني أن إجراء الأبحاث على هذه المرحلة التطورية من الحياة قد يمثِّل تحديًا. ولكنَّ سبيلكي وباحثين آخرين مثلها اكتشفوا أن الأطفال الرُّضع لديهم مفاهيم عن الأشياء ومفهوم أوَّلي عن السبب والنتيجة، كما يمكنهم التعرف على مَن يهتمون بشئونهم، بل ويمكنهم تمييز شيءٍ ما مِن بين العديد من الأشياء، وهذه ليست إلا أمثلة للمفاهيم التي يدركونها قبل بلوغهم عامًا واحدًا وليست على سبيل الحصر. وعلى الرغم من عدم وجود إجماع بين علماء النفس على عمق الإدراك المعرفي لدى الأطفال الرضَّع، تثبت هذه النتائج — إضافةً إلى نتائج أخرى — أن عالَم الإدراك المعرفي الخاص بالطفل الرضيع يتضمَّن الكثير من التفاصيل. في هذا الصدد، يتميز الإدراك المعرفي لدى الأطفال في هذه المرحلة بالثراء، إضافةً لتعدد جوانبه.
(?) الصحة البدنية

من الأهمية بمكان أن نتذكَّر اعتماد الأطفال الرضَّع على عالَم البالغين لتلبية احتياجاتهم البيولوجية أيضًا. بدايةً يجب أن يشتمل العالَم المادي للطفل الرضيع على الغذاء والدفء والراحة، ويلبِّي البالغون هذه الحاجات الأساسية حتى يسلك التطور البدني للطفل مسارًا صحيًّا. علاوةً على ذلك، يعني عدمُ وجود علَّة بدنية لدى الطفل إمكانيةَ مجاراته للتحفيز البيئي. وقد أثبتت الأبحاث التي أُجريت على مدار عدة عقود في علم النفس وتطور الأطفال الرُّضع أن الأطفال الأصحَّاء بدنيًّا يؤدُّون وظائفهم المعرفية بصورة جيدة مقارنةً بالأطفال الرُّضع الذين تأثرت صحتهم البدنية بمشكلات؛ مثل نقصان الوزن عند الولادة، أو ضعف التغذية، أو الإهمال المرتبط بعوامل نفسية مثل الحمل غير المرغوب فيه مثلًا.
في الواقع، أثبت باحثون متخصصون في مجال الإدراك المعرفي لدى الأطفال الرُّضع، مثل سوزان إيه روز (????)، أن سلوكياتٍ مثل الإدراك البصري وتنسيق المحفِّزات البصرية المرتبطة باللمس لدى الأطفال الرضَّع الذين يعانون من نقصان الوزن؛ تتطوَّر بصورة أقل مقارنةً بالسلوكيات نفسها لدى الأطفال الأكثر وزنًا، ويبدو هذا الفرق واضحًا في مرحلة مبكرة منذ أن يبلغ الطفل خمسة أشهر من العمر؛ فالطفل الرضيع الذي يتمتع بصحة بدنية لديه فرصة جيدة للتكيف بصورة ملائمة مع البيئة بمساعدة العلاقات الاجتماعية، والطفل الرضيع الذي يولد بوزن متوسط ويحصل على احتياجاته الغذائية من البالغين من مقدِّمي الرعاية يتفوق عادةً في هذا التكيف. يحتاج الأطفال الرضَّع كافة إلى أساس قوي من الصحة البدنية لكي يتطوروا اجتماعيًّا ومعرفيًّا. هل تَذْكر الملاحظاتِ الواردةَ في الفصل الأول عن التفاعل بين العالَم المادي والعالَم النفسي؟ يحتاج التطور الطبيعي إلى كلا العالَمين كي يسير قُدُمًا. وتُعزَّز الصحة النفسية الجيدة من خلال التفاعل بين الصحة البدنية والمعرفية والاجتماعية الانفعالية.
(?) خطوات الإدراك المعرفي

سنذكر هنا مثالًا واحدًا للمحاولات التي يقوم بها طفل رضيع للتعامل يدويًّا مع البيئة ليكون نقطة انطلاق جيدة لمناقشة سلوكيات محدَّدة لازمة لكي يسير التطور المعرفي قُدمًا لدى الطفل الرضيع. يرى طفلٌ رضيعٌ شيئًا ما في محيطه البصري. وبالزحف وحركات الذراع غير المتناسقة، يحاول أن يجذب هذا الشيءَ نحوه. وفي يومٍ ما، وبعد عدة محاولات، ينجح الطفل في جرِّ هذا الشيءِ نحوه. والشيء الذي جَذَبَه الطفل بالقرب منه يمكن أن يراه الآن بشكل أوضح ويحرِّكه بيده. ومع تكرار المحاولات، يتمكَّن الطفل من التقاط شيءٍ ما جَذَبَه بالقرب منه. يتيح ذلك فرصةً للطفل للتعامل بيده مع الشيء الذي يحمله بصورة أكثر من ذي قبل. ويمكن للطفل أن يُلقي هذا الشيءَ من يده، وأن يُنْعِم النظر فيه أكثر، وقد يلتقطه ثانية. وبينما يحدث هذا التقدم على مدار الشهور التسعة الأولى من حياة الطفل، فإنه جدير بالملاحظة، كما أنه يحدث في الواقع بوتيرة سريعة للغاية.
خلال تعلُّم الطفل التحكمَ في شيءٍ ما، فإنه يلاحِظ القواعد الأوَّلية المرتبطة بهذا الشيء؛ فعندما يقوم الطفل بِرَجِّ الشخشيخة، فإنها تُصدِر أصواتًا تدفع الطفل لهزِّها ثانيةً. يستمتع الطفل المذكور في المثال بالتعامل بيده مع اللعبة وربما يقوم بقذفها بعيدًا عن جسده، سواء أكان ذلك بدافع الإثارة أو لغرضٍ ما في نفسه. وبالرغم من أن علماء النفس لا يمكنهم تحديدُ إلى أي مدًى يمكن أن يشتمل التمثيل المعرفي لحدثٍ ما على معنًى ضمنيٍّ عند الطفل — مثل «لا أستطيع أحيانًا التقاط الشيء الذي قذفته» — فإن الطفل قد يشعر بالإحباط ويدعو مقدِّمَ الرعاية لمساعدته. وينطوي هذا الحدث غالبًا على ضرورة اشتراك شخص بالغ في لعبة التقاط ذلك الشيء وتقريبه من الطفل ثانية، وربما مرارًا وتكرارًا.
ثمة العديد من الأسس الرائعة لمحاولات الإجادة هذه — التي يبدو أنها تحدث يوميًّا في حياة الأطفال — تحدث على نحو سابق لهذه التعاملات الأولى للطفل مع البيئة. تَظهر هذه الأسس أو التقديرات التقريبية الخاصة بتطور المهارات بترتيبٍ يمكن توقُّعه إلى حدٍّ ما، كما أنها تعكس جوهر الطفل الآخذ في النمو.
(?) الوصول إلى مرحلة الإجادة

لكي يتمكَّن الطفل الرضيع من «الإقدام» على سَحْب شيء جذَّاب بالقرب من جسده، مثل الطفل المذكور في مثالنا، ينبغي أن تتوافر لديه مجموعة من السلوكيات، تستوجب جميعُها جهودًا تنسيقية في إطار نمط سلوكي يمكن أن نطلق عليه «مجموعة المهارات الخاصة بالإجادة». إن السلوكياتِ العديدةَ التي تَظهر لدى الطفل الرضيع المقدام كثيرةٌ للغاية، بل وربما تكون مفاجِئة لغير الدارسين لتطور الأطفال. فالتدرج الذي يحدث من الاعتماد التام للطفل حديث الولادة الذي لا يستطيع التحرك أو القيام بحركات متناسقة، وصولًا إلى مرحلة التعامل اليدوي مع البيئة، يَحدث على مدار السنة الأولى من العمر. وتعكس القائمة التالية تلخيصًا للوظائف التي تظهر لدى الطفل الذي ينجح في تعلُّم كيفية التعامل بيديه مع الأشياء واستقطاب مقدِّم الرعاية لمشاركته في لعبة «التقطْ دميتي».
مجموعة المهارات اللازمة لإجادة الاستكشاف المبكر

(?) التركيز البصري.
(?) الانتباه.
(?) الإجادة الجسدية للمهارات الحركية الكبرى.
(?) تحفيز الاهتمام/الرغبات.
(?) التعرف على شيء مرغوب.
(?) الشعور بالإثارة من الأشياء الجديدة.
(?) ثبات التركيز والمثابرة على الفعل.
(?) تنسيق السلوكيات البصرية واللمسية والحركية.
(?) قَدْر من التنسيق بين الإبهام والأصابع المقابلة لها.
(??) الأصوات الانفعالية التي تسبق الكلام، والتي تجذب انتباه مقدِّمي الرعاية للطفل الرضيع؛ مثل الأصوات التي تنمُّ عن الإثارة أو الإحباط.
إذن يمسك الطفل بالدمية ويلقيها ويصدر أصواتًا ليدرك البالغون أنه قد حان وقت المساعدة ومشاركته في اللعب. وهكذا تبدأ لعبة «التقطْ دميتي». وتتجلَّى مجموعة المهارات التي تنم عن إجادة الطفل الرضيع وتقترن بإشراك مقدِّم الرعاية أو الشخص الآخر في المحيط الاجتماعي في اللعبة.
(?) لغة الانفعالات

يتعلَّق قَدْر كبير من استعداد البالغين للمشاركة في هذا السلوك التبادلي بمدى تضمُّن سلوكياتِ الطفل الرضيع رغبةً في الاتصال بالأفراد. عندما يخرج الأطفال الرُّضع الأصحَّاء إلى العالم، يمكنهم إبداء تعبيرات بالوجه وإصدار أصوات، ويمكنهم رؤية أشخاص وأشياء، ويمكنهم الاستماع والشم واللمس. تتفاوت حدة هذه الحواس، ولكنها موجودة لدى كل الأطفال حديثي الولادة، وتساعد جميعُ هذه الوظائفِ الأطفالَ الرُّضعَ في التكيف مع بيئاتهم الجديدة. ويَذْكر علماء نفس، أمثال الباحث المتخصص في الأطفال الرُّضع روبرت إيمدي (????)، أن التفاعلَ بين السمات البيولوجية والتطور الاجتماعي أمرٌ شديد الأهمية للتكيف المعرفي. وتُعَدُّ قدرة الطفل الرضيع على التعبير عن انفعالاته سلوكًا تكيُّفيًّا عامًّا يساعد البالغين على الاهتمام بحديث الولادة. وفي مختلف الثقافات والظروف الاجتماعية السكانية، يتطلَّب انفعال الطفل الرضيع استجابةً من البالغين مقدِّمي الرعاية في حياته. وعندما يبلغ الأطفال الرُّضع شهرين، فإنهم يهتمون أيضًا بالبالغين ويستغرقون في تفحُّص وجوه مقدِّمي الرعاية بقدر كبير. وعند هذا المنعطف بمرور شهرين من العمر، يكون الأطفال قد انتقلوا من الاستجابات الانفعالية تجاه شئونهم الداخلية فقط إلى الاستجابة للبيئة وما بها من أفراد أيضًا. وقد يكون الطفل الرضيع الذي ذكرناه في الفقرة الافتتاحية لهذا الفصل قد حقَّق هذا التحول في التركيز الانفعالي؛ إذ إن تركيزه على أمِّه، حتى وإن كان لثوانٍ معدودة، قد دلَّ على أنه كان يستجيب لشيءٍ ما في بيئته.
تشمل التعبيراتُ الانفعاليةُ الواضحةُ لدى الطفل الرضيع بحلول شهره السادس البكاءَ والابتسامَ والاهتمامَ والدهشةَ والخوفَ والغضبَ والحزنَ. ويا لها من مجموعة كبيرة من التعبيرات التي تبدو على مثل هذا الشخص الصغير! وعلى الرغم من أن اللغة ستصبح عما قريبٍ وسيلةَ تواصُلٍ أخرى، تُعَدُّ هذه الإشارات المبكرة التي تَصدر عن الطفل الرضيع نحو مقدِّم الرعاية شديدةَ الأهمية لتطور الصحة النفسية الجيدة. تتطور الرابطة بين الوالدَيْن والطفل الرضيع من خلال لغة التعبير الانفعالي. وتجسِّد هذه العملياتُ المبكرةُ لتبادل المعلومات بوادرَ اللغةِ وجوانبَ التطورِ المعرفيِّ والاجتماعيِّ الأخرى.
تعتقد الخبيرتان في مجال التعبير الانفعالي والإدراك المعرفي لدى الأطفال الرُّضع، هانوس وميشتيلد بابوزيك (????)، أن قدرةَ البالغين على تحفيز أطفالهم مبرمجةٌ وراثيًّا، أو أنها قدرة تكيُّفية ولا إرادية؛ إذ يكون لدى البالغين رسائل تكيُّفية وراثية حول رعاية أطفالهم، وأغلب مقدِّمي الرعاية يؤدُّون هذه الوظيفة. وتتعزَّز الرابطة النفسية بين ثنائي الوالد والطفل اللذين تجمع بينهما علاقات صحية. مع ذلك، تذكر الخبيرتان هانوس وميشتيلد بابوزيك أن تحفيز الأطفال الرُّضع يجب أن يَحدث في حدودٍ ضيِّقةٍ إلى حدٍّ ما لكي يتطوَّر الإدراك المعرفي لدى الطفل الرضيع. ولكي يستجيب الأطفال الرُّضع للمحفِّزات، نَذْكر لكم فيما يلي الحدود التي توفِّر إطارَ عملٍ إيجابيٍّ للنمو:تحفيز الإدراك المعرفي لدى الطفل الرضيع

(?) يجب تقديم محفِّزات بسيطة إلى حدٍّ ما للأطفال الرُّضع: شيء واحد في كل مرة من خلال شخص واحد في كل مرة.
(?) يحتاج الأطفال إلى تكرار المحفِّزات البسيطة.
(?) ينبغي التعرف على مدى تحمُّل الأطفال للمحفِّزات ومراعاة ذلك من أجل توفير القَدْر الأمثل من الراحة والاهتمام لهم.
(?) يستجيب الأطفال الرُّضع في إطارِ تدرُّج هرمي من تطور المهارات؛ فقد يستجيب الأب أو الأم مثلًا عندما يُخرِج طفلٌ رضيعٌ صوتًا مثل حرف «ب». وقد يحفزه الأب أو الأم لنطق هذا الحرف مقترنًا بحرف متحرك من خلال قول عبارة مثل: «قُل با، بابا.»
(?) يجب متابعة استجابة الطفل الرضيع تجاه تطور المهارات؛ على سبيل المثال، عندما يُظهر الطفلُ بعضَ الإتقان لأحد الأصوات، يجب على مقدِّمي الرعاية تحفيز إصدار أصوات أخرى بصورة منهجية.
ويُعتقد أن سلوكياتِ الآباءِ هذه شائعةٌ بين مختلف الثقافات والأعمار والجنسين. وبخلاف الآباء الفعليين، ينجح الأشخاص الآخرون الذين يمارسون السلوكيات المذكورة سابقًا في تيسير الإدراك المعرفي للأطفال الرُّضع. ويمكن اعتبار هذه السلوكيات ركائزَ أو دعائمَ للتطور المعرفي للأطفال الرُّضع. وقد يُقدَّم هذا الدعم من خلال الأشقاء الأكبر سنًّا أو الأقارب الآخرين أو العاملين في مجال رعاية الأطفال أيضًا.
(?) العلاقة التبادلية بين الآباء والطفل

يتولَّى البالغون، الذين يتمثلون غالبًا في الآباء والعاملين في مجال رعاية الأطفال الموجودين في عالم الأطفال الرُّضع، تهيئةَ البيئةِ التي سيتطوَّر بها الأطفال. وتُنبِّئ التفاعلاتُ التي تَحدث بين البالغين والأطفال — سواءٌ أكانت من خلال التواصل وجهًا لوجه، أو من خلال وضع الأشياء المثيرة للاهتمام ببساطة في بيئة الأطفال — بمستوى كفاءة الطفل فيما بعد؛ لذلك لا يمكن التقليل من شأن الدور الذي يلعبه الشخصُ البالغُ مقدِّمُ الرعاية. ذكرتْ مجموعة من الباحثين، ممن كُلِّفوا بدراسة رعاية الوالدين للطفل ورعاية الطفل من جانب أطراف أخرى نيابة عن المعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية، ما يلي: تُعَدُّ رعايةُ الوالدَيْن للطفل أحدَ العوامل الرئيسية التي تتنبَّأ بالتطور المعرفي والاجتماعي لدى الأطفال؛ نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه الأسرة في السنوات الأولى في عمر الأطفال، ونظرًا لأنها تحمل تأثيرات وراثية وبيئية إيجابية للأطفال (نتورك ????: ???).
تابَعَ علماء النفس هؤلاء بقول إن الرعاية الجيدة للطفل خارج المنزل ترتبط أيضًا بمكاسب إيجابية على صعيد اللغة وجوانب التطور المعرفي والاجتماعي الأخرى (سأناقش رعاية الطفل والتطور المعرفي بصورة أكثر تفصيلًا في الفصل الثالث). من الجدير بالملاحظة أن المجموعة البحثية التابعة للمعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية تؤكِّد على أهمية كلٍّ من العوامل الوراثية من الآباء والتأثيرات البيئية التي يصنعها الآباء في إطار تركيزهم على أهمية الوالدين في تطور الأطفال. وتشير «التأثيرات الوراثية الإيجابية» إلى التعبير الجيني لدى الأطفال الرُّضع الأصحَّاء، الذي يساعد في تهيئة مسار التطور الخاص بهم. على سبيل المثال، يُعتقد أن الأطفال الرُّضع المهتمين ببيئاتهم ومَن يستطيعون تهدئة أنفسهم من خلال بعض المساعدة من مقدِّمي الرعاية؛ يتميزون بطبيعة مزاجية إيجابية، وهي سمة مقترنة بنزعة وراثية للاستجابة للبيئة المحيطة. تَذَكَّرْ أننا ناقشنا سلوك الانضباط الذاتي هذا في الفصل الأول، وجرى ربطه بكلٍّ من التفاعلات المعرفية والاجتماعية أيضًا.
يُرجَّح للطفل الرضيع المعافى الذي يستطيع استدعاء مقدِّم الرعاية إليه، والذي يجري إرضاعه وتهدئته وإرضاء رغباته في خلال فترة زمنية معقولة؛ أن يتكيَّف جيدًا مع البيئة كطفل رضيع وفي مراحل التطور المستقبلية. تسهم هذه العلاقة التبادلية أو تبادل المعلومات هذا بين الأطفال الرُّضع ومقدِّمي الرعاية في ضمان أن الطفل يتطور بصورة طبيعية. تَذكَّرْ أن الميل الوراثي لدى الوالدين لتنشئة أولادهم يُعد وظيفة تكيُّفية تشترك فيها كافة الرئيسيات الأخرى في المملكة الحيوانية أيضًا. فهؤلاء البالغون الذي يُشرِكون أطفالهم الرُّضع في العالم مع مراعاة احتياجات الأطفال يحفِّزون بذلك نموهم المعرفي. لكن لا تبدأ كل العلاقات الثنائية بين الوالدين والأطفال على هذا النحو الإيجابي؛ لذا يُعد إجراء الأبحاث على التطور المُعرَّض للخطر مهمًّا أيضًا.
(?) المخاطر والقدرة على التكيف

تناول الباحثون في علم النفس بالدراسة مجموعاتٍ من الأطفال ممن تعرَّضوا في بداية حياتهم لمخاطر؛ أي إن مراحل تطورهم المبكِّرة أُحبِطَت بما أدَّى إلى عدم حدوث تتابع مراحل التطور الطبيعي. تتعلَّق اثنتان من هذه الدراسات بأطفال من جزيرة كاواي، إحدى جزر هاواي، وأطفال من رومانيا. وعلى الرغم من ذلك، سندرك من خلال الدراستين أيضًا أن بعض الأطفال يعانون صعوبات جرَّاء عوامل خطورة عند الولادة وفي محيط أُسَرهم، في حين أن أطفالًا آخرين نجدهم يتمتعون بقدرة على التكيف مع الظروف والنمو بصورة جيدة.
ترتفع احتمالات تعرُّض الأطفال الرُّضع للمخاطر بصورة كبيرة نظرًا لاعتمادهم بقدر كبير أيضًا على مقدِّمي الرعاية من البالغين. وقد يفتقد هؤلاء البالغون القدرة على القيام بوظائفهم بسبب عوامل مثل الفقر أو المرض العقلي أو إدمان الكحول أو الخسارة الناجمة عن الأحداث الصادمة. كان أطفال كاواي — ممن تعرَّضوا لمثل عوامل الخطر الأُسَري هذه — أكثر عرضةً لخطورة تدنِّي مستوياتهم في أداء الوظائف عن المستوى الطبيعي كأفراد بالغين. وقد حظي بعضٌ من هؤلاء الأطفال من دُور الأيتام في رومانيا برعاية قليلة للغاية من قِبَل أي أشخاص بالغين، وذلك حتى جرى تبنِّيهم. وعلى الرغم من ذلك، يمتلك الأطفالُ الرضَّعُ الصغارُ للغاية حصانةً أيضًا ضد العوامل الحياتية السلبية المبكرة بطريقة أو بأخرى؛ وذلك لعدم تَذَكُّرهم الأحداث السلبية وفَهْمها. علاوةً على ذلك، يتمكَّن العديد من الأطفال المعرَّضين لمخاطرِ ضَعف المحصِّلة المعرفية مِن «تدارُك الوضع». ولكن فحص العقبات التي يواجهها بعض الأطفال الرُّضع وعواقبها يساعدنا في فهم التطور الطبيعي بصورة أفضل.
أُجريت دراسة على أطفال رضَّع من كاواي من قِبَل عالمتا النفس إيمي إي ورنر وَروث إس سميث (????) على مدار فترة امتدت لثلاثين عامًا. عادةً ما تسفر مثل هذه الدراسة «طويلةِ المدى» — حيث أُجري البحث على مدار فترةٍ من الوقت على مجموعة واحدة من الأشخاص — عن بعض البيانات الاستثنائية. جرت متابعة الأطفال منذ أن كانوا أطفالًا رُضَّعًا، وجرت دراستهم على فترات زمنية مختلفة حتى بلغوا ?? عامًا تقريبًا. عانى ما يقرب من ??? من هؤلاء الأطفال الرضَّع إعاقةً عند ولادتهم أو صعوبةً ما أثناء عملية الميلاد أفادت بأن تطورهم كان يمكن أن يعاق، أو أنه يتطلَّب شكلًا من التدخل؛ كمعالجة معرفية في المدرسة مثلًا. وقد اشتملت حالات قصور النمو هذه على تشوهات بدنية أو مستوى ذكاء متدهور. ومن بين هؤلاء الأطفال الرُّضع الذين تعرَّضوا لمخاطر عالية عند الولادة، عانى الثلثان تقريبًا من مشكلاتِ تعلُّمٍ أو مشكلاتٍ سلوكيةٍ عندما بلغوا من العمر عشر سنوات. ورغم ذلك، فقد اتسمت حياة هؤلاء الأطفال أيضًا بعوامل خطورة أخرى إضافةً إلى إعاقاتهم المعرفية أو الجسدية. وكان عاملُ الخطورةِ الآخرُ هذا في أغلب الأحوال البيئةَ الأُسَريةَ.
إن الأُسَر التي تعيش في فقر مدقع فضلًا عن وجود حالة من عدم الاستقرار في محيط الأسرة — بما في ذلك إصابة أحد الوالدَيْن بمرض عقلي — كانت على الأرجح هي من لديها أطفال معاقون لم يتمكنوا من التأقلم جيدًا مع مرحلة البلوغ عندما بلغوا ?? عامًا؛ فقد دلَّت ظروف التربية التي لازمت حياة هؤلاء الأطفال على أن نجاحهم في المدرسة قد أُعيق، وأن صحتهم العقلية قد تعرَّضت لمخاطر، وأن قدرتهم على أن يصبحوا أشخاصًا بالغين فعَّالين قد تضاءلت. وقد أصبح النمو المعرفي والاجتماعي لهؤلاء الأطفال معرَّضًا للخطر ببلوغهم سنتين؛ نظرًا لعوامل الخطر البيئية في حياتهم. وقد ساهمت عواملُ، مثل عدم التوافق بين الوالدَيْن أو الطلاق أو إدمان الكحوليات أو المرض العقلي، في إصابة هؤلاء الأطفال بحالاتِ عجز دراسي أو سلوكي خطيرةٍ عند وصولهم إلى سن العاشرة. وقد دلَّت هذه المؤشرات نفسها على أن هؤلاء الأطفال كانت لديهم معدلات أعلى للجنوح للإجرام أو الفشل الدراسي أو مشكلات الصحة العقلية أو حالات الحمل في فترة المراهقة في سن الثامنة عشرة؛ فَلَمْ تَحدث التفاعلات المبكِّرة الإيجابية بين الوالدَيْن والأطفال ذات الأهمية البالغة للتطور بصفة عامة، ولم يكن مقدار التحفيز والتنشئة الذي تلقَّاه بعض الأطفال من والديهم كافيًا لمساعدتهم في تجاوز التحديات التي تعرَّضوا لها عند الولادة وفي بيئاتهم الأُسَرية.
ومن الأمور المثيرة للاهتمام أن ثلث أطفال كاواي هؤلاء ممَّن تعرَّضوا لمخاطر تحقيق نتائج سيئة تحلَّوا بقدرة على التكيف من حيث التعامل مع العقبات التي واجهوها. فكيف أصبح الأطفال الذين يتمتعون بقدرة على التكيف مع الظروف هكذا؟ اكتشفت ورنر وَسميث أن تلك السمات أو عوامل الوقاية نفسها التي نوقشت في الفصل الأول والمتعلقة بالقدرة على التكيف تنطبق في هذه الحالة؛ فالأطفال الذين تمتعوا بالنشاط واليقظة على المستوى البدني، ومَن تسنَّى تهدئتهم من قِبل مقدِّم الرعاية؛ اعتُقد أنهم يتميزون بتوجُّه اجتماعي إيجابي. وقد دلَّ هذا التوجه الاجتماعي على إمكانية تأسيس ارتباط وثيق مع مقدِّم الرعاية. وقد حرص الآباء على مراعاة احتياجات أطفالهم، واعتُبرت هذه الرابطة المماثلة بين الوالدين وطفلهما الرضيع كنقطة انطلاق جيدة لتأسيس البِنى والقواعد والوظائف المنوطة بالأطفال على مدار تطورهم. حظي هؤلاء الأطفال أيضًا بدعم خارجي قوي أثناء سنوات المراهقة، سواء أكان من خلال المدارس أو الأحياء أو السياق الديني. وقد تمكَّن الآباء والأمهات الأَكْفاء الذين وفروا حياة أُسَرية مستقرَّة لطفلهم المعاق، حتى في مواجهة المِحَن، من مساعدة أطفالهم على مدار رحلتهم الناجحة إلى مرحلة البلوغ. ووفقًا لهذه النتائج الخاصة بأطفال كاواي وآبائهم وأمهاتهم الأَكْفاء، فإن القدرة على التكيف ممكنة في مواجهة المِحَن.
ماذا عن الأطفال الذين تربَّوا في دُور أيتام رومانية؟ جرى التخلي عن العديد من هؤلاء الأطفال من قِبل آبائهم وأمهاتهم أثناء فترة عصيبة من التاريخ في رومانيا. طَلَبَت الحكومة من البالغين تكوين أُسر كبيرة العدد، ولكنها لم تقدِّم في المقابل استقرارًا اقتصاديًّا يكفل الرفاهية لهذه الأسر. وبدلًا من ذلك كانت الأُسر تتضوَّر جوعًا. تُرك الأطفال في دور أيتام لم تكن مُهيَّأة على صعيد التجهيزات أو الموارد المالية لتلبية احتياجات التطور الخاصة بهم. كان لدى هؤلاء الأطفال في أغلب الأحيان مكانًا للعيش فقط بدون وسائل تدفئة أو تغذية مناسبة أو اهتمام ورعاية من أفراد بالغين. يمكن وصف عوامل الخطورة هذه مجتمعةً تحت عنوان «الحرمان الشديد المبكر»؛ إذ لم تُلبَّ احتياجات الأطفال الأساسية، وانعدمت الرابطة بين الوالد والطفل الرضيع اللازمة لتطور الصحة النفسية الجيدة.
لهذا الحرمان الشديد المبكر أثر بالغ على التطور الجسدي والمعرفي والاجتماعي للأطفال. انحصرت مستويات الذكاء لنصف الأطفال تقريبًا الذين جرى تبنِّيهم من رومانيا بداية في نطاق التخلف عند فحص مستوى نموهم المعرفي في فترة التبنِّي. وأَسْهَمَ غياب التنشئة والتحفيز في افتقارهم إلى إجادة المهارات، وكلما زادت الفترة التي قضاها الأطفال في دار الأيتام قبل التبني، ساءت النتائج. على الرغم من ذلك، تظهر قصة مذهلة أخرى عن القدرة على التكيف البشري عندما ندرس الأطفال الرومانيين الذين جرى تبنِّيهم. اكتَشف الطبيب النفسي البريطاني الشهير مايكل راتر أنه بوصولهم إلى الرابعة من عمرهم، فإن هؤلاء الأطفال الذين جرى تبنِّيهم قَبل الشهر السادس من عمرهم كانت لديهم قدرة أكبر على أداء الوظائف المعرفية المنوطة بهم مقارنةً بأدائهم الوظيفي عند التبنِّي؛ فقد بدا أن هذه المجموعة من الأطفال «تلحق بركب» أطفال آخرين في نفس العمر (انظر راتر وأوكونر ????). تعكس هذه البيانات لمحة عن فاعلية البيئات الخصبة التي تتضمن آباءً وأمهات يقدِّمون الرعاية، حتى وإن بدأ الأطفال حياتهم بحرمان شديد الوطأة.
وعلى الرغم من ذلك، حقَّق الأطفالُ الرومانيون في سن السادسة — والذين جرى تبنِّيهم بعد عامهم الثاني — نتائجَ أقل في اختبارات الذكاء من الأطفال البريطانيين الذين لم يَجْرِ وضعهم في مؤسسات قَبل التبنِّي. ومن ثم، ارتبط طول فترة الإقامة في بيئة مؤسسية يسودها حرمان شديد الوطأة ارتباطًا وثيقًا بالتدهور المستمر. ويبدو أن أي حرمان شديد الوطأة وطويل المدى للأطفال الصغار يعيق تطوُّرهم الطبيعي إلى حدٍّ كبير؛ إذ إن صِلاتهم بالبالغين — أو افتقاد تلك الصلات — لم تكن كافيةً لتعزيز نموهم؛ لذا، لا يمكننا التقليل من أهمية هذه الرابطة الاجتماعية للتطور المعرفي.
(?) التعلُّق

إجمالًا، للآراء القائلة بأهمية التنشئة والرعاية المبكرة للوصول إلى الصحة النفسية الجيدة ما يدعمها؛ فالتطور المعرفي للأطفال يبدأ منذ الولادة ويعتمد بدرجة بالغة على الاستجابات الإيجابية لمقدِّمي الرعاية البالغين. وتشكِّل الصلاتُ المتبادلة بين مقدِّمي الرعاية والأطفال الأساسَ لبيئة التعلُّم الأولى. عادة ما يُطلَق على روابط الاتصال المبكرة هذه مصطلح «التعلق»، الذي يعني ببساطةٍ أن مجموعة من السلوكيات تنشأ بين الأطفال الرُّضع ومقدِّمي الرعاية وتتنبأ بتطور الأطفال؛ إذ تَحْدث تفاعلات بين هؤلاء الأطفال الرُّضع ومقدِّمي الرعاية ممن تجمعهم رابطة نفسية جيدة من شأنها تعزيز الشعور بالراحة واستعداد الطفل لاستكشاف عالمه.
وتظهر هذه التفاعلات بين الطفل الرضيع ومقدِّم الرعاية بصورة واضحة عندما يتراوح عمر الطفل بين ستة وثمانية أشهر. ينظر الطفل الرضيع في هذه المرحلة إلى مقدِّم الرعاية باعتباره «قاعدة آمنة» لاستكشاف بيئته؛ فقد يستكشف الطفلُ الرضيعُ العديدَ من الدُّمَى القريبة منه، ولكنَّ تَواصُله مع مقدِّم الرعاية الأساسي أو قاعدته الآمنة يبدو واضحًا في الوقت نفسه. ويعني هذا الدورُ الذي يلعبه مقدِّم الرعاية أنه عندما يَحْدث انفصال بين الطفل الرضيع وبين مقدِّم الرعاية، يعبِّر الطفل الرضيع عادةً عن ضيقه من خلال البكاء أو الأنين. وقد يعود مقدِّم الرعاية للطفل ويحاول تهدئته بإشارات بدنية أو لفظية من قبيل: «لا داعي للخوف، فلْتلعبْ وسيبقى والدك بجوارك هنا.» وهذا التفاعل بين شخصين يشتركان في عمليات متبادلة وصحية من الناحية النفسية يساعد في تهدئة الطفل بحيث يمكنه العودة إلى ممارسة النشاط الاستكشافي الذي كان يمارسه قبل هذا الانفصال بينه وبين مقدِّم الرعاية. وتُعَدُّ قدرة الطفل الرضيع على العودة إلى نشاط سابق مؤشرًا على قوة العلاقة الاجتماعية بينهما — التعلق — ومدى فاعليتها بشكل عام.
مع ذلك، لم يسلم مفهوم التعلق من الانتقادات. بدايةً، خلصت التوقعات الخاصة بالنجاح المستقبلي، التي تعتمد على بيانات التعلق، إلى نتائج متباينة؛ فقد كشفت بعض الدراسات عن صلات جيدة بين تصنيفات التعلُّق المبكر والنتائج اللاحقة، بينما لم تَخْلص دراسات أخرى إلى النتائج نفسها. ومن خلال إلقاء نظرة عبر الثقافات المختلفة، يبدو أن الأطفال الخاضعين للدراسة في ألمانيا (جروسمان وجروسمان ????) واليابان (فان إيجندورن وكروننبيرج ????) مختلفون عن الأطفال الذين خضعوا للدراسة في الولايات المتحدة. ومن خلال هذه الدراسات، كانت لدى الأطفال الألمان قيود أكثر من قِبل البالغين مقارنةً بأطفال الولايات المتحدة، وحظي الأطفال اليابانيون بمرونة أكبر من قِبل البالغين مقارنةً بأطفال الولايات المتحدة. وتدل هذه البيانات على مقدار العلاقة بين سلوكيات التعلُّق بين الأطفال ومقدِّمي الرعاية وبين الممارسات الثقافية في تربية الأطفال.
وقد اكتشف باحثون آخرون أن فكرة وجود مقدِّم رعاية واحد أساسي — عادةً ما تكون الأم — يعزِّز كافة جوانب النمو، هي فكرة معادية للنساء أو عنصرية أو مضلِّلة. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة وفي أوساط العديد من الأُسَر الأمريكية ذات الأصول الأفريقية، من الممكن أن يكون هناك العديد من مقدِّمي الرعاية «الأساسيين». وعادةً ما تقع على عاتق الأشقاء والأقارب الآخرين مسئوليةٌ كبرى لرعاية الأطفال الرُّضع الصغار؛ حيث يمكن اعتبار الصلاتِ بين هؤلاء الأطفال الرُّضع وجميع مقدِّمي الرعاية مظاهرَ تعلُّقٍ صحيةً (انظر هاركنيس وسوبر ????). وليس هناك دعم كامل للمفهوم التقليدي للتعلُّق كمؤشر على التطور اللاحق ببيانات نفسية. على الرغم من ذلك، نجد أن مفهوم أهمية الاهتمام والتفاعلات المتبادلة بين الأطفال الرُّضع ومقدِّمي الرعاية لهم راسخٌ في مختلف الجماعات العرقية والعديد من الثقافات. ويتمثَّل دور هذا التفاعل في تعزيز تكيُّف الأطفال الرُّضع مع البيئات الجديدة، سواءٌ في البيت أو في أي مكان آخر، وهذه الروابط المبكرة تعمل على تعزيز النمو المعرفي.
(?) استكشاف المنزل والعلاقات به

عندما يبلغ الطفل الرضيع سنةً واحدة أو سنتين من العمر، يتسع عالمه بشدة؛ فخروجه من النطاق الضيق للمهد أو بين ذراعَي مقدِّم الرعاية الحنونَين إلى نطاق الشقة أو المنزل يشكِّل اختلافًا هائلًا في بيئة الطفل الرضيع. ومع تحرك الطفل في أرجاء البيئة المحيطة به، من خلال الزحف ثم الوقوف والمشي في النهاية، فإنه يدرك إمكانيات استكشاف أشياء جديدة كل يوم؛ إذ تتطور الصحة النفسية الجيدة في الوقت نفسه مع النمو المعرفي.
إن الامتثال للأوامر والحدود المرتبطة بتوقعات السلوك تساعد الطفل الصغير في رؤية كيف يرتبط سلوكه بالأشخاص الآخرين في المنزل. ولاعتبارات السلامة والمخاوف الخاصة بالتطور الصحي، فقد يضع البالغون حدودًا مادية «لمنطقة الاستكشاف». وبهذه الطريقة، يبدأ الطفل الرضيع في إدراك معيار سلوكي مُتوقَّع لمن يقوم على رعايته. وإلى جانب القواعد والمحظورات الخاصة بالحدود، يتعلم الطفل الرضيع أيضًا الطاعة وعواقب سلوكه. على سبيل المثال، قد تُعرِّض وحداتُ التدفئة في منزلٍ ما الأطفالَ الصغارَ لخطر؛ لذا يجب على مقدِّمي الرعاية الالتزامُ بحدودٍ ومحظورات واضحة، ويجب أن يكون ردُّ فعل مقدِّم الرعاية محدَّدًا وحازمًا؛ ومن ثم يُعَد نقل الطفل القريب من المدفأة إلى مكان آخر به دُمًى مثيرة للاهتمام أيضًا نوعًا من التأديب يتعلَّق بإعادة توجيه اهتمامات الطفل، بدلًا من المعاقبة على الفور. ولكن، في حالة مواصلة الطفل استكشاف المدفأة، فقد حان الوقت لمقدِّمي الرعاية لاتخاذ إجراء آخر.
إن أسلوب «العزل المؤقت» (ويقضي بجلوس الطفل بمفرده في مكان محدَّد لمدة زمنية محددة على سبيل العقاب) حلٌّ مُجرَّب ووجيه للتعامل مع سلوك عدم إذعان الأطفال الصغار. يطبِّق مقدِّمو الرعاية هذا الأسلوبَ كنتيجة للسلوك الصادر عن الطفل بطرق مختلفة، علاوةً على تطبيق حدود زمنية مناسبة بناءً على عمر الطفل. إذَنْ، كيف يوظِّف مقدِّم الرعاية أسلوبَ العزل المؤقت في المثال الخاص بالمدفأة؟ يُجدي ذِكر بعض القواعد البسيطة نفعًا. ولْنبدأ بمراعاة عمر الطفل؛ بالنسبة إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام واحد وعامين، يمكن أن يكون وضْعُ الطفل في بيئة تكون الحركةُ بها محدودةً مجديًا؛ مثل المهد أو قفص اللعب الآمن. وعلى الرغم من أن إجادة الأطفال الصغار للُّغة تكون محدودة، فمن الممكن أن يقول مقدِّمو الرعاية بعضَ الجمل المختصرة مثل: «كلا، لا يمكنك الجلوس فوق المدفأة. امكث في مهدك لدقيقتين. ستحصل على فرصة أخرى للعب.» ويجب أن تحدد التوقيت بوضوح كأن تستخدم ساعة توقيت مزوَّدة بجرس أو جهاز طنان. وعندما تُصدر ساعةُ التوقيت الصوتَ المحدد، قُمْ بنقل الطفل من المكان المحدود. أعدْ وضع الطفل في الجزء الآمن من الحجرة الذي يتضمن أشياءَ مثيرة للاهتمام يُسمح له باللعب بها. وربما يتطلَّب الأمر من مقدِّمي الرعاية تكرار هذا الفعل مرتين أو ثلاثًا. إذا لم يكن الطفل قادرًا على تنظيم ذاته والامتثال للأوامر في هذه النقطة، ربما بسبب افتقاده لمهارة التذكُّر أو التركيز، ينبغي في هذا الوقت أن يلجأ البالغون إلى أسلوب آخر. ويُنصح دائمًا بتأمين المنزل من المخاطر التي يمكن أن تهدِّد الطفل أثناء تجوُّله بصورة مُسبقة.
ينبغي وضع حواجز وقائية حول المدفأة أو تركيب أبواب عند حجرة المدفأة، وكذلك من الضروري الانتباه إلى مدى أمانها. وبالطبع، لا بد أن يلجأ مقدِّمو الرعاية إلى الحسِّ السليم فيما يتعلَّق بمحاذير السلامة؛ فقد لا يَأْبَه البالغون بالأطفال الذين يزحفون نحو مدفأة أو يلعبون حولها عندما لا تكون المدفأة قيد الاستخدام أثناء الشهور الدافئة من السنة. وهذا التصرف غير حكيم؛ إذ سيتعيَّن على الطفل الالتزام بقاعدة السلامة في شهور الشتاء. ويتعلَّق الدرس المستفاد هنا المرتبط بكيفية استخدام أسلوب العزل المؤقت بتقدير الشخص البالغ لمهارات الانضباط الذاتي لدى الطفل، إلى جانب تغيير أسلوب العقاب من قِبل الفرد البالغ إذا كان أسلوب العزل المؤقت معقَّدًا بدرجة لا يستطيع الطفل أن يتعامل معها من الناحية الإدراكية. وعندما يبلغ الطفل عامين من عمره، من المحتمل أن يكون أسلوب العزل المؤقت القصير المدى فعالًا مع الطفل الذي أَظْهَرَ سلوكيات تنمُّ عن استعداد أكبر لطاعة الأوامر. على الجانب الآخر، يُنصح دائمًا ? «تأمين بيئات الأطفال من المخاطر»؛ على غرار وضع أغطية على مقابس الكهرباء، أو أقفال خاصة على أبواب خزانات الملابس، أو أقفال حماية على أبواب الغرف التي تتضمَّن أشياء غير آمنة. ويجب أن تحظى سلامة الأطفال الصغار في المنزل بالأولوية القصوى نفسها التي يحظى بها تحفيز تطورهم المعرفي والاجتماعي. وتقع على كاهل البالغين في حياة الأطفال مسئوليةُ تلبية رغبتهم في الاستكشاف ومسئولية سلامتهم.
وعلى الرغم من عدم تحقُّق علماء النفس من المعالجة المعرفية لمَطالب الامتثال لدى الأطفال الرُّضع، فإننا ندرك أن المكافآت والعقوبات على السلوكيات تُعد وسائل فعالة لتغيير سلوكيات الأطفال الصغار. وقد يكون العزلُ المؤقتُ لوقتٍ وجيز داخلَ المهد أو قفص اللعب مع الإشراف طريقةً فعالةً لتغيير السلوكيات مع الأطفال الصغار للغاية. ولكن، وكما هي الحال دائمًا، فإن المكافآت أو الثناء على السلوك الجيد تُعد أقوى تأثيرًا من العقاب على سلوك عدم الطاعة؛ فعندما يلاحِظ البالغون مثلًا أن أحد الأطفال كان يلعب جيدًا في بيئة آمنة، فإن التعبير بجملة واضحة عن هذا النشاط يمثل نوعًا من الثناء؛ فقد يقول مقدِّم الرعاية مثلًا: «إنك تصنع أشكالًا رائعة بالمكعبات. يمكنني أن أُعِدَّ طعام العشاء. شكرًا لك.» ويحبِّذ الأطفالُ الرُّضع والأطفالُ الأكبرُ الآخرون الاستجاباتِ الإيجابيةَ من مقدِّمي الرعاية. إن الاستعداد للثناء على السلوك الجيد لَمِنَ المهارات التي يمكن أن يكتسبها البالغون للمساهمة في ضمان تطور الأطفال بالشكل الأمثل، والذي يشمل الصحة النفسية الجيدة. وعندما يبذل البالغون بعض الوقت لتطوير مهارةٍ مثل الثناء على السلوك الجيد، ستعم الفائدة على الجميع.
إن استخدام أسلوب العزل المؤقت مع الأطفال الصغار يعلِّمهم أن البالغين لديهم قواعد لسلامتهم ورعايتهم، وأن تصرفاتهم لها عواقب. وعلى الرغم من استمرار تطور الانضباط الذاتي وطاعة الأوامر لفترة طويلة تمتد إلى سنوات المراهقة، فإن الممارسة المبكرة تدلُّ على أنَّ تعلُّم قواعد المنزل قد بدأ. سيحتاج الأطفال هذه الممارسة المبكرة حتى يتمكنوا من تحقيق النجاح في بيئات أخرى مثل المدرسة، حتى يستطيع جميع أفراد الأسرة أداء أدوارهم بيسر.
أصبح الطفل الرضيع، الذي يبدأ استكشاف عالمه مبكرًا بمساعدة البالغين ذوي الأهمية في حياته والأطفال الأكبر سنًّا، مهيَّأً للاكتشاف، وتظهر عليه علامات النمو المعرفي المبكر، الذي يمثِّل حجر الزاوية القوي الأول نحو مرحلة الدرْج. إن تعلُّم الحدود والعواقب المرتبطة بالسلوك يساعد الأطفال في تعلُّم المسئولية الشخصية، وتصبح هذه الحدود والعواقب عوامل أساسية في الصحة النفسية للأسرة. ومع تطور القليل من المجموعات البالغة الأهمية الخاصة باللغة والحركة، تبدو السنوات الأولى في عمر الطفل الدارج مشوِّقة لتناولها بالدراسة أيضًا.
(??) من السنة الأولى إلى الثانية وما بعدها

يحدث قدر كبير من التطور المعرفي أيضًا بداية من السنة الأولى وحتى السنة الثانية؛ فمثلًا، يبلغ وزن مخ الطفل في العام الثاني من حياته ??? من وزن مخِّه عندما يكون شخصًا بالغًا. وعلاوةً على حجم المخ المتنامي هذا، تسير عملياتُ الإدراكِ المعرفيِّ الأكثرُ تعقيدًا قُدمًا. وتتسارع وتيرة التطور اللغوي كثيرًا بين العامين الأول والثاني. ويحاول الطفلُ نُطْقَ كلمات، بما في ذلك الكلمات التي تَعني عبارات كاملة؛ فقد تعني كلمةٌ مثل «أعلى» عبارةَ «أريدك أن ترفعني إلى أعلى»، أو «انظر لأعلى».
يعتمد أولُ عامين من التطور المعرفي للأطفال اعتمادًا هائلًا على المعاملة الحسنة والتربية الحسنة من المحيطين به، ولكن عندما يصل الطفل إلى عامه الثاني، يتضمَّن تعاملُه مع البيئة تحركاتِه التي تتميز بالمهارة الشديدة وفضوله تجاه العالم. وفي ظل النمو المعرفي المتراكم منذ الميلاد وحتى العامين من عمره، يسير الطفل بخطًى ثابتة نحو اكتساب المزيد من المهارة المعرفية بمرور الوقت. فما الذي يمكن أن نتوقعه فيما يتعلق بالتطور المعرفي للأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين عامين وأربعة؟ علينا أن نتوقع أن يكون التفكير أكثر تعقيدًا من تفكير الطفل الرضيع، ولكنه ليس متطورًا كتفكير الطفل في سنوات المرحلة الابتدائية. ويتميز تسلسل التطور هذا بأنه منهجي ويمكن التنبؤ به إلى حدٍّ ما.
يظل التطور المعرفي للطفل غاية في الوضوح في المرحلة من عمر عامين إلى أربعة أعوام؛ إذ يمكنه التعامل بيديه مع الأشياء، وزيادة مخزونه اللغوي المتنامي، إضافةً إلى قدرته على الركض بِحُرية في بيئته. ينطوي النمو المعرفي في أثناء هذه الفترة على زيادة في مهارات الذاكرة القصيرة المدى؛ مثل القدرة على تذكُّر آخِر مكان تَرك فيه الدُّمى الخاصة به، أو أيُّ الدُّمى تُشعره بأقصى سعادة. كما تتحسَّن سعة انتباهه بحيث يكون اللعب المعقَّد ككلٍّ بالقرب من الآخرين أساسًا للَّعب التعاوني فيما بعد مع الأقران والأطفال الأكبر سنًّا والبالغين. ففي عامه الثاني مثلًا، يُعد رصُّ الفناجين وأطباقها البلاستيكية في غرفة مع أطفال آخرين نشاطًا جذابًا للطفل، وبحلول العام الرابع يهتم الطفل نفسه بالتظاهر بإقامة حفل شاي مع زميل اللعب.
قد تظل رؤية الطفل الصغير للعالم الاجتماعي متركِّزة حول ذاته بحيث لا يتيسر له إدراك رؤى الآخرين أو وجهات نظرهم. ولكن على الرغم من وجود بعض هذه القيود، فإن الأطفال الصغار يُنمُّون هذه المهارة. على سبيل المثال، سيتحدَّث الطفل الذي يبلغ من العمر أربع سنوات مع الطفل الرضيع بطريقة تختلف عن حديثه مع طفل آخر في نفس عمره. ويُظهر لنا هذا النوعُ من السلوك أن الطفل في هذه السن لديه قدرةٌ ما على التحول بين المواقف الاجتماعية المختلفة. وتكون لديه رؤية يُدرِك من خلالها ضرورةَ أن يتغيَّر مثلما يتغير الناس في بيئته.
يتحسَّن التآزر الحركي لدى الطفل الذي يتراوح عمره من عامين لأربعة أعوام؛ حيث يكون الركضُ عادةً نمطَ الحركة المفضَّل له. ومن الناحية المادية، يصبح البيتُ بأكمله والأفنيةُ بيئاتٍ للاستكشاف المعرفي. يعني التآزر الحركي لليدين أن بمقدوره ارتداء ملابسه بنفسه مع قليل من المساعدة في البداية؛ حيث إنه يطور المزيد من المهارة بوصوله للعام الرابع. وعلى الأرجح تتحوَّل كل الأشياء الواقعة في بيئته إلى فرص تعليمية أخرى للطفل. يمكن أن يدير الطفلُ العجلاتِ ويضع عربات اللعب في وضع مقلوب لاستخدامها كطاولة لحفلات الشاي، أو لاستخدامها كسطح لكرة واثبة. ولا يتوقَّف الاستكشاف عند حدٍّ معين؛ إذ تتطور المهارات البدنية والمعرفية والاجتماعية بشكل متناغم مع اطِّلاع الطفل على عالمه. يكتسب الطفل بين عامين وأربعة أعوام قدرًا كبيرًا من المعلومات الجديدة، ومن المتوقَّع أن يتصرَّف بقدر من الاستقلالية عن البالغين، على الرغم من استمرار خضوعه لإشرافهم. ولْنتناول أحد الأمثلة البارزة لهذا التفاعل بين التطور البدني والمعرفي والاجتماعي؛ ألا وهو تطوُّر تحكُّم الطفل في إخراج البول والبراز. هناك بضعة توجيهات جيدة يجب أن يراعيها البالغون في التعامل مع تدريب الطفل على استخدام المرحاض بصفة عامة. يمثِّل تدريب الطفل على استخدام المرحاض عملية أخرى تتطلَّب إجادتُها مجموعةً أخرى من المهارات تنطوي على العديد من الركائز التطوُّرية قبل أن يتسنَّى تطبيقها.
عادةً ما يحاول الوالدان أن يؤسِّسا لتدريب الأطفال على استخدام المرحاض في مرحلة مبكرة، أو قبل أن يتمكَّن الأطفال من اكتساب هذه المهارة. تعكس الثقافة السائدة في الولايات المتحدة أن عددًا كبيرًا من البالغين يُمضون أوقاتًا طويلة في محاولة السيطرة على هذه المهارة تحديدًا، في حين أننا لسنا مضطرين لفعل ذلك. فمن الناحيتين المعرفية والبدنية، هناك الكثير من المهام التي ينبغي تحقيقها قبل أن يسعى البالغون لتدريب الطفل على استخدام المرحاض. تقضي النصائح المعتادة بضرورة تدريب الطفل على استخدام المرحاض عندما يصل الطفل إلى الشهر الرابع والعشرين تقريبًا. ولكن، لا ينطبق هذا الأمر، كما هي الحال دومًا، على جميع الأطفال؛ لذلك يجب على البالغين بدايةً مواءمةُ القرار مع المعلومات الواردة بالقائمة التالية. يمكن أن تقدِّم هذه التوجيهاتُ قائمةَ مراجعةٍ خاصةً بمدى استعداد الأطفال الصغار للتدريب على استخدام المرحاض.
التدريب على استخدام المرحاض وإجادة هذه المهارة

(?) هل الطفل مستعد؟ يجب أن يُبدي الطفل بعض المؤشرات الضرورية؛ مثل القدرة على استيعاب التوجيهات وتنفيذها. يعني الامتثال إلى أوامر شخص بالغ أن الأطفال يمكنهم استيعاب ما يُطلَب منهم والتصرف بناءً على ذلك. فإذا لم يكن الطفل قد تلقَّى أوامر كهذه من أشخاص بالغين سابقًا، فقد لا ينصاع الطفل للأوامر. يحتاج الأطفال إلى التدريب على الأمر من خلال بعض المطالب الصغيرة التي تحثُّهم على الطاعة في مرحلة مبكرة لكي يتمكَّنوا من اكتساب المهارات العديدة المطلوبة للتدريب على استخدام المرحاض.
(?) إن المعالجةَ المعرفيةَ لدى الطفل الصغير الخاصةَ بملاحظة الإشارات الصادرة من جسده واتخاذ قرار بشأنِ ما يجب فعله ثم التصرف بناءً عليه؛ تُعد عمليةً معقَّدةً لطفل في مثل هذا العمر، حتى بمساعدة البالغين.
(?) من الناحية الجسدية، قد لا تكون مثانة الطفل تامة النمو بما يكفي بحيث يتبول الطفل من أربع إلى خمس مرات يوميًّا في المرحاض. فإذا كان الطفل يتبول أكثر من ست مرات يوميًّا، فمن المرجح أن المثانة ليست تامة النمو بما يكفي للتدريب على استخدام المرحاض.
(?) ينبغي أن يتوافق التآزر الحركي لليدين لدى الطفل وقدرته على ارتداء ملابسه والوصول إلى المرحاض معًا.
(?) هل الوالدان مستعدَّان؟ ربما يكون وضعُ النونية في متناول الطفل المهمةَ الأسهلَ للوالدين. افعل ذلك قبل الشروع في التدريب بحيث يتعزز لدى الطفل قَدْرٌ من الفضول والراحة لوجودها في المنزل. اقرأ للطفل كتابًا أو كتابين عن التدريب على استخدام المرحاض بصفته إنجازًا يمكن أن يحققه الطفل. تزخر المكتبات العامة والخاصة بكتب من هذا النوع، اقرأ واحدًا للطفل قبل الشروع في هذا التدريب بيوم واحد. وإذا أثير فضول الطفل إزاء التدريب على استخدام المرحاض بمجرد وجود النونية، فلْتجرِّبِ الأمر بأي حال من الأحوال في تلك اللحظة التي يبدي فيها الطفل اهتمامًا بالنونية.
(?) كَرِّسْ يومًا تصبُّ فيه تركيزك التام على الطفل. وكُنْ مستعدًّا لتشجيع الطفل على مدار اليوم، وأظهِرْ له الدعم إذا قام الطفل بالسلوك المرجوِّ. لا تجعلِ اليوم كله يتمحور حول التدريب على استخدام المرحاض؛ حيث إن هذا لا يمثل إلا جانبًا واحدًا من الأنشطة التي يقوم بها الطفل الصغير.
(?) اجعل البيئة هادئة وخالية من أي توتر. في حالة شعور البالغين بزيادة التوتر، فمن المرجح أن ينتقل هذا الشعور للطفل أيضًا. تذكَّرْ أن الطفل باستطاعته إتقان اكتساب هذه المهارات بمساعدة البالغين؛ فعادةً ما يرجو الأطفال إسعاد البالغين، ويمنح اكتسابُ المهارات الأطفالَ شعورًا بالإنجاز.
(?) أَضِفْ قيمة إيجابية إلى التلميحات اللفظية، على سبيل المثال، عند مساعدة الطفل على ارتداء السراويل التحتية المخصصة للتدريب على المرحاض، أَضِفْ عبارة «أنا واثق أنك تستطيع جذب السروال لأعلى.» وساعدِ الطفلَ عند الحاجة. أظهِرِ الثناء إذا اقترب الطفل من تحقيق النجاح المرجوِّ.
(?) اجلسْ أمام الطفل في هدوء من ثلاث إلى خمس دقائق حتى يحاكيك. وأَثْنِ على أي محاولة يبذلها الطفل لاستخدام النونية؛ كأنْ تقول: «فلْتجلسْ بهدوء حتى تستطيع الإصغاء إلى إشارات جسدك. هذا رائع.»
(??) بعد أسبوع أو اثنين، إذا ازداد التوتر نتيجة عدم تجاوب الطفل، فربما يكون الطفل غير جاهز للتدريب على استخدام المرحاض. ويُنصح بعدم إجراء محاولة أخرى قبل مرور شهر أو شهرين. دَرِّب الطفل على أن تطلب منه أمورًا صغيرة تحثه على طاعة الأوامر، كأنْ تطلب منه وضْع الدمى أو الكوب في مكانه. أَظهِر الثناء على أي إشارة يصدرها الطفل عن التبول أو التبرز؛ إذ إن هذا يدلُّ على أنه أصبح ينتبه إلى وظائفه الجسدية، وهذا قد يشكل في حد ذاته إدراكًا معرفيًّا جديدًا للطفل.
إذا كان الطفل يتلقَّى الرعاية في مكان آخر خارج نطاق المنزل، فهناك حاجة لجهود مُنسَّقة مع مقدِّمي الرعاية الآخرين كافة. كما أن تعاوُن جميع البالغين والأطفال الأكبر سنًّا في المنزل سيساعد في جعل مهمةِ تعليم الطفل الأمر أسهلَ. إذا كان البالغون والأطفال الأكبر سنًّا في المنزل تروق لهم فكرة كونهم نموذجًا للسلوكيات الجيدة بدورات المياه، فعليك إتاحة الفرصة أمام الطفل الأصغر لملاحظة هذا؛ فعادةً ما تكون محاكاة الأطفال الصغار لسلوكيات الأشخاص الأكبر سنًّا الواضحة ذاتَ أهمية لهم؛ فهذا يجعلهم يشعرون بأنهم يتصرفون «كالكبار».
وعلى الرغم من أن التدريب على استخدام المرحاض لا يعتمد على المهارة المعرفية وحدها، فإنه يمثل بالفعل إحدى مجموعات المهارات السلوكية التي يتقنها الأطفال بفضل ارتقاء النضج المعرفي والبدني والاجتماعي في هذا العمر. إن ملاحظة الاستعداد المعرفي والبدني للأطفال لهذا التدريب يجعل من البالغين معلِّمين أفضل. ويمكن أن يخبرك أي معلم أن نقطة الانطلاق المُثلى للنجاح تتمثل في فهم طلابه.
(??) الاستعداد لبيئات التعلم الأوسع نطاقًا

يتحلَّى الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين أربع وست سنوات بمهارات التعامل مع الأدوات التي يحتاجونها في روضة الأطفال والمدرسة الابتدائية. كما أنهم يتعلَّمون المزيد عن كيفية استخدام اللغة ليفهمهم الآخرون، ومن الناحية الأخرى، يكونون أكثر قدرةً على إدراك ما يقصده الآخرون مقارنةً بالأطفال الأصغر سنًّا. يستطيع هؤلاء الأطفال الإمساك بالطبشور أو القلم الملوَّن لرسم خطوط وأشكال علاوةً على قدرتهم عادةً على سرد القصة المقترنة بالرسم التي يتخيلونها للآخرين. وتتجلَّى قدرة الأطفال على التركيز في الجلوس لمشاهدة حلقة من برنامج «عالم سمسم»، أو حتى فيلم أطفال طويل بأقل قدر من الحركة. وبمقدور الأطفال في هذه الفئة العمرية متابعةُ أحداثِ قصةٍ سواءٌ أكانت مرئية أو مكتوبة. وعند هذه المرحلة، يمكنهم التعرف جيدًا على بعض الكلمات القصيرة، مثل «قطة» أو «كلب»، التي تمثِّل بوادر القدرة على القراءة فيما بعد، حتى قبل دخول الروضة أو مرحلة ما قبل المدرسة. ومن المتوقَّع أن يصير الطفل، الذي قرئ له، قارئًا جيدًا فيما بعد؛ إذ إن اهتمام البالغين باللغة والكتب يُعد أحد النماذج الرائعة الأولى التي نقدِّمها للأطفال أيضًا.
من المحبَّذ إجراء مناقشات ثرية مع الأطفال ذوي السنوات الخمس؛ ومن شأن تحدُّث الطفل بجمل عديدة متصلة معًا أن يجعل البالغين يدركون أن تفكير الطفل يتطور سريعًا. فأثناء الحوار تتوالى الفقرات الكاملة، وتبدو الأسئلةُ حول العالم وما به من أشخاص بلا نهاية. يتمتع الأطفال بذاكرة ضخمة تتسع للمعلومات والأحداث؛ بحيث يكون بمقدورهم بالتأكيد تصحيحُ أي أخطاء قد تصدر عن البالغين. فعندما يصيح أحد البالغين مثلًا: «لقد قلت لك أرجوك أن تتوقَّف عن فعل ذلك»، قد يردُّ عليه الطفل قائلًا: «هذا غير صحيح، فإنك لم تقل «أرجوك».»
يصبح التلاعب بالألفاظ جزءًا مُسليًا من تطور حصيلة المفردات لدى الأطفال، وسيَسعد الطفل كثيرًا في هذه المرحلة السِّنية بألعاب «مَن بالباب؟» الفكاهية. فحينما يقول البالغ: «طق طق طق» يرد الطفل: «من بالباب؟» فيقول الشخص البالغ «أنا الموزة» لمرتين متتاليتين بنبرة مترددة، وفي المرة الثالثة التي يتوقع أن يقول فيها البالغ «أنا الموزة»، يكون الرد البديل «ألم أخبرك بأنني العنزة؟» ولا يقتصر الأمر عند استمتاع الأطفال بالألعاب الكلامية، بل يمكنهم أيضًا ابتكارها بقدرٍ من البراعة.
انظر إلى هذا المثال للتلاعب بالكلمات لطفل يبلغ من العمر أربع سنوات. يتوجَّه الطفل برفقة أبيه إلى مبنًى إداري حديث. وعلى طول الطريق، يغني الطفل في سعادة: «أنا في الخارج. أنا في الخارج. أنا أمشي في الخارج مع أبي.» وبمجرد دخولهما إلى المبنى يبدأ الطفل في الغناء: «أنا في الداخل. أنا في الداخل …» إلى أن يلمح الطفل ردهة كبيرة مزدانة بأشجار كثيرة. يتطلع الطفل إلى أبيه ويُطلِق ضحكة خافتة، ويقول: «إن الأشياء التي بالخارج أصبحت بالداخل!» تزخر المكتبات العامة والخاصة بالكتب التي تعزِّز التلاعب بالكلمات. اقرءوا هذه الكتب مع الأطفال لتعزيز تطور المهارة اللغوية.
يتضمَّن ضبطُ النفس لدى الأطفال ببلوغ العام الخامس عادةً القدرةَ على التركيز لمدةٍ من الزمن بحيث إن التحفيز في شكل وسائل إعلامية أو التلاعب اليدوي بشيءٍ ما يسترعي انتباههم. ويعني هذا التركيز أن الطفل يتعلَّم الجلوس ببساطة في هدوء أيضًا، وعلينا ألا نقلل من أهمية هذه القدرة على الانضباط الذاتي في حياة الأطفال؛ فالتدرب على التركيز والسكون يعني أن السنوات الأولى للأطفال في البيئة المدرسية ستمرُّ بسلاسة على الأرجح. وسواء طلب البالغون من الأطفال قراءة كتاب معهم أو الجلوس بهدوء في ظروف أخرى، فإن هذه الممارسة تُعد أداةً جيدة لإعداد الأطفال للتعليم الرسمي فيما بعدُ. كما أن مراقبة مستوى الراحة التي يشعر بها الطفل مع زيادة وقت التركيز سيساعد الطفل الصغير بصورة مذهلة.
غالبًا ما ترتبط «الأنشطة» التي يمارسها الأطفال في الولايات المتحدة بتحقيقهم النجاحَ في المدرسة؛ فالطفل المستعد للتركيز في حال تعرُّضه لمحفِّزات جديدة ومعارف محتملة في البيئة المدرسية تنفتح أمامه العديد من الآفاق الجديدة. وإلى جانب فوائد التطور المعرفي الناجمة عن هذه القدرة على التركيز، فعلى الأرجح يستطيع الطفل الذي يحقِّق نجاحًا مبكرًا في الصف الدراسي من التميز على المستوى الاجتماعي أيضًا، حتى إن الأطفال الصغار يميلون للتفاعل مع غيرهم من الأطفال الصغار الناجحين. وفي هذه السن، يتمثَّل هذا الأمر ببساطة في التصرف بطرق مقبولة اجتماعيًّا في الصف الدراسي؛ فالإصغاء للتعليمات ومحاولة اتباعها والجلوس على مقعد لفترة طويلة؛ تمثِّل كلها نماذج من المهارات التي تثبت مدى استعداد الطفل الصغير للتعلُّم.
(??) التكرار وتقليد السلوك

أثناء تطور كل طفل، يضع البالغون نموذجًا للسلوكيات التي سيكرِّرها الطفل. وهذا التكرارُ للسلوكياتِ آليةٌ بارعة للتأقلم. لكنْ هل ثمة شخص بالغ يستطيع القول صراحة إنه ليس قلقًا من تكرار الأطفال لبعض سلوكياته؟ وبقدرِ ما قد يبدو ذلك طريفًا، يجب أن يضع البالغون هذا في اعتبارهم عند القيام بسلوكياتهم اليومية أمام الأطفال الصغار؛ فمهارات الملاحظة لدى الأطفال جيدة للغاية مع بلوغ الطفل عامين أو ثلاثة من العمر؛ فإن رأى الأطفالُ البالغينَ يقرءون ويمارسون التمارين الرياضية ويعملون ويلعبون ويعزِّزون علاقاتٍ قوامُها الرعاية، تصبح هذه الرسائلُ أدواتٍ شديدةَ الفعالية في تطور الأطفال. وعندما يكرِّر الأطفال الصغار نشاطًا حركيًّا لاحَظوا قيام البالغين به، مثل «تقليب الطعام في الإناء» أو القفز فرحًا لإحراز الفريق الرياضي المفضل لهدف على شاشة التلفاز، يعلِّق البالغون على مدى دهشتهم من ذلك السلوك. يبدو الأطفال صغارًا وبارعين للغاية وهم يقلِّدون سلوكيات البالغين! إنهم صغار وقادرون على التكرار على نحوٍ رائع.
يعني هذا التعودُ على التكرار ضرورةَ مراقبةِ البالغين لسلوكياتهم أمام الأطفال الصغار إلى حدٍّ بعيد. وقد كتبتُ آنفًا في هذا الفصل عن مدى أهمية القراءة للأطفال وإتاحة الفرصة للأطفال لملاحظة الآخرين وهم يقرءون. وعلى البالغين الذين يسعون إلى تحفيز التطور المعرفي لدى الأطفال أن يحاولوا الاستمتاع بتطورهم المعرفي هم أيضًا؛ وفي الوقت الحاضر تضع جامعاتٌ عديدةٌ التعلمَ مدى الحياة هدفًا لطلاب كلياتها. ويمكن إدراج المكتبات والمتاحف والمعارض الفنية والموسيقى في جداول الأنشطة الأسبوعية للأُسَر بقدر إدراج التلفاز والأحداث الرياضية. فجميع ما سبق له دوره في تطورنا المعرفي، ولكن تحفيز حواسنا كافة يتطلَّب تنوعًا وبدائل لاستكشاف الجديد. وعندما يجد البالغون متعةً في التعلم والنمو المعرفي لديهم، فإنهم يقدِّمون نموذجًا رائعًا يحتذي به الأطفال.
يتسم التطور المعرفي على مدار السنوات الخمس أو الست الأولى من عمر الأطفال بأنه منهجي ورائع. لقد أوضحتُ أن النمو المعرفي في المنزل يجسِّد المعيار الأول للصحة النفسية الجيدة، ولكنَّ هناك تداخلًا واضحًا بين أنماط النمو المختلفة. إن العلاقات الاجتماعية بين البالغين والأطفال تضع الأطفال على طريق التطور مع الآخرين خارج المنزل. وتعمل الجوانب المعرفية والاجتماعية للتطور في تناغم، حتى إن اكتساب مهارة في أحد الجوانب يعكس بدوره عادةً اكتسابَ مهارة أخرى في الجانب الآخر. وقد ألقينا نظرة على مجموعتين من المهارات تتطلَّب إجادتُهما تنسيقًا بارعًا بين المهارة البدنية والمعرفية والاجتماعية لدى الطفل. وتتجسَّد لَبِنات البناء القوية — التي ستثمر شخصًا يتمتع بصحة نفسية جيدة في السنوات اللاحقة — في طفل يتمتع ببنية جسدية جيدة، ويحظى بمقدِّمي رعاية يتفهمون احتياجاته ويهتمون بتهيئة بيئات خصبة ومحفِّزة لنموه المعرفي. فإذا توافرت المهارات المعرفية والبدنية والاجتماعية السليمة مبكرًا، فسيكون الطفل على استعداد للنمو المعرفي خارج إطار بيئة المنزل.

الفصل الثالث
النمو المعرفي خارج المنزل


تُوجِّه المعلمةُ في مركز رعاية الأطفال تحيةً ودودةً إلى الأم وتدعوها كي تجلس في المنتصف. تجلس الأم في هدوء وترقب آملةً أن يكون هذا التقرير الأول الخاص بطفلتها إيجابيًّا. تبدأ المعلمة اللقاء بتقرير عام رائع حول التطور الذي تحرزه الطفلة ذات الثلاثة أعوام، فتذكر أن الطفلة تبدو سعيدة ونشطة ومتعاونة مع الآخرين. تشعر الأم بارتياح بالغ! إنها الملاحظات المثالية التي يتمنى أن يسمعها أي أب أو أم. ولكنْ هل هناك شيء آخر؟ نعم؛ إذ إن تركيز الطفلة أقل قليلًا من التركيز اللازم لإنهاء نشاط واحد وهي جالسة إلى الطاولة. تؤكِّد المعلمة للأم أن العديد من الأطفال ذوي الأعوام الثلاثة يحتاجون إلى تشجيع وتدريب على التركيز، وتوضِّح لها الجهود التي يبذلها العاملون مع الطفلة لزيادة نسبة التركيز لديها، وأنهم يلاحظون قدرًا من التحسُّن بالفعل. وتتجاوب الطفلة مع تشجيعهم الرقيق. تسأل الأم عن الطريقة التي يمكن بها أن تساعد طفلتها. تقدِّم المعلمة للأم بعض النصائح، تتضمَّن عدة طرق من شأنها تحفيز تطور عملية التركيز لدى الطفلة من ?? إلى ?? دقيقة في المنزل. وتختتم كلامها مع الأم بملحوظة إيجابية؛ إذ تخبرها المعلمة مبتسمة: «إنها فتاة رائعة تحب الوجود بالخارج والغناء كذلك. إنها لن تملَّ من اللعب بالخارج طوال اليوم، وعندما تدخل إلى الصف تقوم بالغناء والدندنة أثناء كل نشاط.» فتخرج الأم وقلبها يكاد يطير فرحًا.
استند تأليف هذا السيناريو إلى ثلاث نقاط إيجابية ينبغي مراعاتها؛ أولًا: يعقد العاملون في مركز رعاية الأطفال اجتماعاتٍ منتظمةً مع الوالدَيْن في صورة لقاءات قصيرة تتمحور حول الأطفال. ثانيًا: يناقش المعلمون نقاط القوة وفرص النمو الخاصة بالطفل. ثالثًا: يتحدَّث الوالد بصراحة مع المعلم ويتجاوب معه بصورة تعاونية. وتعني هذه الجوانب الثلاثة لهذا السيناريو أن رفاهية الطفلة ونموَّها هما محور التركيز الأساسي للبالغين. وعندما يعمل جميع البالغين المسئولين عن تطور الأطفال داخل المنزل وخارجه بشكل تعاوني، فهذا من شأنه تيسير نمو الأطفال.
يتعلَّق معيارِي الثاني للصحة النفسية الجيدة بالتركيز على البيئات المتعددة التي يُحفَّز في إطارها النمو المعرفي للأطفال خارج المنزل. يحدث النمو المعرفي للأطفال في الواقع في كل بيئة يتعرَّضون لها؛ ففي الولايات المتحدة، يمرُّ الأطفال بمجموعة متنوعة من المحفِّزات المعرفية والمرتبطة بالرعاية. تتضمَّن المراحل الأولى من الطفولة المبكرة رعايةً من قِبَل أفراد الأسرة والآخرين بداخل المنزل، علاوةً على الرعاية التي يحظى الأطفال بها خارج المنزل من قِبل أفراد خصوصيين أو ممَّن يقدِّمون الرعاية على مستوًى رسمي أكثر داخل مؤسسة أو مركز رعاية مقابل أجر. هذا إضافةً إلى التحفيز المعرفي، الذي تبعث عليه ظواهرُ مثل وسائل الإعلام، ويدخل إلى حياة الطفل بصفة يومية أيضًا.
مع نمو الأطفال، تقع على كواهلهم الأعباء التعليمية؛ مما يعني قضاءهم لعدة ساعات خارج المنزل في بيئة مدرسية، فمعظم الأطفال في الولايات المتحدة يُدرَجون في نظام مدرسي تُشرِّعه أو تُلزم به كل ولاية عند بلوغهم عامهم الخامس أو السادس. وتُعد المكتبات العامة أو المراكز التابعة للأحياء السكنية أو المراكز الترفيهية في المناطق الحضرية وفي الضواحي من الأماكن التي توفِّر فرصًا تعليمية للأطفال الصغار في فترةِ ما بعد الدوام المدرسي أو في فصل الصيف. وتوفِّر أيضًا بعض المناطق الريفية هذا النوع من التجارب بعد الدوام المدرسي أو في المراكز الصيفية. تقدِّم هذه المراكز مناهج مثل القراءة والرسم والسباحة وما إلى ذلك للأطفال الصغار، ويقدِّم العديدُ منها مناهجَ مفصلةً جدًّا في شهور الصيف. كما توفر بعض المنظمات الدينية خدمات رعاية الأطفال وبرامج لفترةِ ما بعد الدوام المدرسي وفي الإجازة الصيفية أيضًا، التي تجمع بين تطوير المهارات والمتعة. تقدم الأحياءُ والتجمعاتُ السكنيةُ بيئاتٍ أخرى للتعلم كما في ساحات اللعب وفي إطار البرامج الرياضية ومنظمات مثل «فتيان الكشافة»، و«فتيات الكشافة»، و«جمعية الشبان المسيحيين».
تتَّسم بعض أشكال التحفيز المعرفي التي تتولد خارج المنزل بأنها واسعة الانتشار إلى حدٍّ كبير؛ إذ تدخل منازل غالبية الأمريكيين، ووسائلُ الإعلام كالتلفاز والأفلام والراديو والإنترنت مثال لذلك. وتمتلك كل هذه المؤثرات القدرة على تحفيز النمو المعرفي الإيجابي للأطفال. سأركز في هذا الفصل على العوامل المحفِّزة للتطور المعرفي لدى الأطفال في مؤسسات رعاية الأطفال وفي البيئة المدرسية الرسمية، فضلًا عن التأثيرات الإعلامية. تُصنع الوسائل الإعلامية خارج المنزل ولكنها تدخل إلى عوالم الأطفال يوميًّا، سواء أكان ذلك في المنزل أم في سياق مؤسسات رعاية الأطفال والبيئات المدرسية الأخرى. وسنتحدث عن دور الآباء بصفتهم الأشخاص البالغين الذين من المرجَّح تولِّيهم رعاية الطفل واتخاذ كافة القرارات المتعلقة بالتجارب التعليمية نيابةً عن الأطفال، إلى جانب دورهم مع المعلمين في فرز القَدْر الهائل من التأثيرات التي يتعرض لها الأطفال. يحتاج الأطفال لأشخاصٍ بالغين مسئولين لرصد فرص التعلُّم العديدة المحتملة التي يمكن أن تؤثر في نموهم وغربلتها؛ إذ قد يثبت أن بعض الفرص لا تساهم في تعزيز نمو الأطفال الصغار. سنحدد بعض التوجيهات المتعلقة بكيفية اتخاذنا قراراتٍ مسئولة عن التحفيز المعرفي للأطفال خارج المنزل، وكيف نعمل جيدًا على انتقاء التأثيرات بشكل عام. يتحمل الأشخاص البالغون في حياة الأطفال مسئولية انتقاء التأثيرات الواردة من البيئة؛ أملًا في أن تساعد هذه الاحتياطاتُ المبكرةُ الأطفالَ على مدار نموِّهم.
تذكَّرْ أننا تناولنا في الفصل الثاني كيفية تحفيز الأشخاص البالغين للتطور المعرفي المبكر لدى الأطفال من خلال الرعاية والاعتناء برفاهيتهم بصفة عامة. وقد تَركَّزتْ تلك المناقشات على تطور الطفل في بيئة المنزل على مدار السنوات الأربعة الأولى. سنتحدث في هذا الفصل عن التأثيرات التي تُلقي بظلالها على النمو المعرفي للأطفال خارج البيئة الأُسَرية، والخيارات التي يتخذها الأشخاص البالغون المسئولون فيما يتعلق بتطورِ الأطفال الناتجِ عن هذه التأثيرات.
(?) الخيارات في مجال رعاية الأطفال

تملك الأُسَر في الولايات المتحدة عددًا من الخيارات فيما يتعلَّق برعاية الأطفال الصغار للغاية قبل التحاقهم بالمدرسة. أثناء نمو الأطفال، تظهر بعض الخيارات مثل التعليم في الطفولة المبكرة من خلال برامجِ ما قبل المدرسة أو رياض الأطفال الحكومية أو الخاصة، وبعد ذلك يبدأ الأطفال في الدخول إلى بيئات مدرسية خاصة أو حكومية لمدة اثني عشر عامًا تقريبًا. لكن على الرغم من اتساع نطاق الفرص المتاحة للرعاية المبكرة للأطفال، وذلك بناءً على ظروف الأسرة، لا تُتاح جميع الخيارات أمام كل أسرة. ويُعد إلقاءُ الضوء على نطاق الخيارات المتاحة في مجال رعاية الأطفال نقطةً جيدةً لبدء المناقشة. تتضمن بدائل رعاية الأطفال: (?) التواجد في المنزل مع الآباء أو الأمهات.
(?) التواجد في المنزل مع أقارب آخرين أو مع مقدِّمي رعاية يعملون بأجر.
(?) التواجد في دار خاصة أو وكالة رسمية أو في مركز لرعاية الأطفال؛ سواء أكان ذلك لبعض الوقت، كما في المراكز المخصصة لرعاية الأطفال الصغار لبضع ساعات يوميًّا، أم طوال الوقت.
(?) التواجد في المراكز التابعة للأحياء السكنية، أو الاشتراك في البرامج اليومية التي تنظمها المؤسسات الدينية، أو في الفرق الرياضية الشبابية، أو في منشآت الأندية الاجتماعية.
(?) أي توليفة من تلك الخيارات تناسب الأسرة!
لنفحصْ هذه الخيارات؛ بدايةً، على الرغم من تزايد مشاركة الآباء حاليًّا في رعاية الأطفال، مقارنةً بالوضع منذ ثلاثين عامًا في الولايات المتحدة، لا تزال الأمهات يقدِّمْنَ القَدْر الأكبر من الرعاية لأطفالهن، كما أن الأمهات عادةً مَن يتخذْنَ القرارات المتعلقة بالرعاية الخارجية والخيارات التعليمية لأطفالهن. ولكن عندما يشارك جميع الأشخاص البالغين المسئولين عن الأطفال في المنزل في تلك الخيارات المتعلقة برعاية الأطفال وتعليمهم، يتجلَّى التزامٌ واضحٌ نحو تزويد الأطفال الصغار بأفضل الموارد. عندما يجري النظر في قراراتٍ من قبيل ما إذا كان ينبغي أن يستمر كلا الوالدَيْن في وظيفته ذات الدوام الكامل، يجب أن يركز البالغون على هذا السؤال: «كيف يمكن توفير أفضل نموذج لتربية الطفل؟» تذكَّرْ أن الوالدين لهما تأثير هائل في حياة الأطفال؛ حيث ينعكس تأثيرهما الإيجابي على الصحة النفسية للأطفال وعلى مآلهم كأفراد بالغين فعَّالين. ينبغي أن تقوم عملية اتخاذ القرارات على أشخاص بالغين يبذلون الجهد من أجل المساهمة على أفضل نحو في تنمية الأطفال والارتقاء بصحتهم النفسية.
والآن، وبناءً على موقفك تجاه عمل الأم والطفولة المبكرة ورعاية الأطفال، فإن هذه السطور الأخيرة يمكن تأويلها لدعم أية موقف، أيًّا كان. فأي خيار من الخيارات المتعلقة برعاية الأطفال قد يناسب أسرةً بينما لا يناسب أخرى. تُقرِّر كلُّ أسرة الخيارَ الأصلحَ لها واضعةً في الاعتبار هدف تقديم «أفضل نموذج ممكن لتربية الطفل». بالنسبة لبعض الأُسَر التي تضم أبًا وأمًّا، تمثل وظيفتا الأب والأم ضرورة مالية لا يمكن الاستغناء عنها. وفي أُسَر أخرى، يمثل عمل الأم ضرورة لأسباب تتعلق بالاستقلالية المالية أو بالتطور الشخصي للبالغين أو لأهداف متعلقة بالتعلم على مدار الحياة. وبالنسبة لأُسَر أخرى، يمثِّل تولِّي الأم رعاية الأبناء على مدار السنوات الدراسية أفضل نموذج ممكن لتربية الأبناء في ذلك المنزل. وعلى الرغم من عدم سهولة اختزال هذا القرار في صورة قائمة مرجعية، يجب على الأشخاص البالغين في الأسرة تَدبُّر العوامل التي يرون أنها ذات أهمية قصوى للنمو الصحي للأسرة بأكملها، وفي الوقت نفسه توفِّر أفضل نموذج ممكن لتربية الأطفال. في حالة اتخاذ قرار بالبحث عن رعاية خارجية للأطفال، ينبغي مراعاة البدائل المتاحة والعثور على أكثر بيئة إيجابية للأطفال لضمان تطورهم النفسي والبدني المستمر.
ينبغي كذلك مراعاة المتطلبات المالية والأسباب العملية الأخرى أثناء التفكير في القرارات المتعلقة برفاهية الأطفال وتوفير النموذج الأمثل للتنشئة من قِبل البالغين. علاوةً على ذلك، فإن مثل هذه القرارات يُفضَّل أن تناقَش بين الأفراد البالغين عند التفكير في شريك الحياة، وحتى قَبل مناقشة القرارات المتعلقة بالتنشئة. تخرج غالبية النساء في الولايات المتحدة ممن لديهن أطفال صغار إلى العمل، شأنهن شأن غالبية الرجال. ثمة توجيهات، على الأشخاص البالغين — الذين يَرَوْن ضرورة توفير نوع من الرعاية لأطفالهم قبل وصول الأطفال إلى سن الالتحاق بالمدرسة (من خمس إلى ست سنوات) — اتباعُها، وهذه التوجيهات تدعمها ثلاثة عقود على الأقل من البحث في علم النفس؛ بهدف تحديد الرعاية الجيدة للأطفال، وكيفية استغلالها على النحو الأمثل كمنظومة دعم إيجابية للأسرة.
التوجيهات الخاصة برعاية الأطفال

(?) تَفَحَّصْ قدرات الطفلة، راقبْ مستوى نشاطها وتجاوُبها مع التحفيز. هل يبدو أداؤها الوظيفي مع الأطفال الرُّضع والأطفال الصغار الآخرين كافيًا بدرجة تتيح إمكانية وضْعها في محيط أوسع لرعاية الأطفال؟ استنادًا إلى عمر الطفلة، ما مدى انفتاحها على الآخرين؟ وهل سيكون وضعها في منزل صغير خاص أفضل بالنسبة لها؟
(?) ادرُسْ كافة الخيارات الخاصة برعاية الأطفال، وانْتَهِ من هذا الأمر قبل الاحتياج إلى البحث عن بدائل لرعاية الطفلة. ناقِشِ الخيارات مع أفراد بالغين آخرين ممن تعاملوا مع أنماط متعددة لرعاية الأطفال. ابحثْ عن ترشيحات من الأشخاص الذين خاضوا التجربة نفسها. زُرْ مراكز رعاية الأطفال وتَفقَّدِ البيئتين الداخلية والخارجية. اعقِدْ مقابلات مع العاملين المرتقبين في الرعاية الصحية، وابحثْ عن خطابات التزكية أو الأشخاص المستعدِّين لتلقِّي الاتصالات. ابحثْ عن مقدِّمي الرعاية المعتمدين ممن يمكنهم إظهار التراخيص الخاصة بهم إذا طُلب منهم ذلك. راجِعِ المعلومات الخاصة بالتراخيص على مستوى الولاية؛ إما عبر الهاتف أو الإنترنت.
(?) حدِّدْ جودة الرعاية، بما في ذلك عدد الأطفال في المكان؛ فسواء أكانت منشأة الرعاية المعتمَدة في منزل خاص أم في مركز كبير، تنص القوانين المعمول بها في كل ولاية على تحديد نسبة عدد الأطفال إلى عدد مقدِّمي الرعاية، والتي تتراوح عادةً بين ثمانية واثني عشر طفلًا في عمرِ ما قبل المدرسة لكلِّ شخص من مقدِّمي الرعاية. وتقلُّ النسبة في رعاية الأطفال الرُّضع عادة؛ بحيث يتولى كلُّ مقدِّمٍ للرعاية مجموعةً تتراوح بين طفلين وأربعة من الأطفال الرُّضع. وجِّهْ أسئلة إلى العاملين عن النِّسب المعمول بها في المركز، وشاهد بنفسك من أجل التحقق من صحة ذلك العدد؛ فإذا كان المنزل أو المركز يعمل بأقصى نسبة مسموح بها، فتَحقَّقْ مما إذا كان الأطفال يلقَوْن الاهتمام والرعاية، وما إذا كان يبدو عليهم النشاط والسعادة، وما إذا كان مقدِّمو الرعاية أنفسهم تبدو عليهم السعادة والهدوء أيضًا. إضافة إلى ذلك، قَيِّمِ الأمور على النحو نفسه في تلك المراكز ذات النِّسب الأقل، وَزُرْ تلك الأماكنَ في أوقات متفرقة من اليوم. على سبيل المثال، تَعرَّفْ على كيفية تعامُل مقدِّمي الرعاية مع مواعيد توصيل الأطفال واصطحابهم في السيارات، ولاحِظِ الحالات المزاجية للأطفال في نهاية اليوم وكيفية مراعاة مقدِّمي الرعاية للأطفال المُنهَكين. اطلُبْ معلوماتٍ عن الدورات التدريبية والخبرات الخاصة بالعاملين. وعلى الرغم من أن الدرجات العلمية أو الشهادات الأكاديمية في مجال رعاية الأطفال لا تضمن أن يتمتع مقدِّم الرعاية بالحكمة والاهتمام الكافي بالأطفال، فإن التدريب والخبرات يسهمان في نجاح موظف رعاية الأطفال.
(?) فحص إمكانيات الوالدين. ينبغي وضع الأمور المالية في الاعتبار علاوةً على مراعاة مجموعة من العوامل الأخرى، مثل تقليل عدد الساعات التي يقضيها الأطفال في مراكز الرعاية يوميًّا. وفي بعض الدراسات، يُعد مقدارُ الوقت الذي تقضيه الطفلة في مركز الرعاية أحدَ العوامل المقترنة بالنتائج السلبية التي تُحقِّقُها الطفلة. ورغم ذلك، عادةً ما تقلل الرعايةُ الرفيعةُ المستوى أو تحدُّ من تأثير العوامل السلبية الأخرى المتوقعة، بما في ذلك مقدار الوقت الذي يقضيه الأطفال في مركز الرعاية. تستطيع الأُسَر اتخاذ قرارات لتقليل حجم الرعاية الخارجية المُقدَّمة للأطفال. على سبيل المثال، من الممكن وضع الجداول اليومية لأولياء الأمور؛ بحيث يوضع الأطفال في مراكز الرعاية لسبع ساعات يوميًّا بدلًا من تسع ساعات يوميًّا، وذلك في حالة تعاوُنِ الجميع في إدارة النقل من المركز وإليه، وتميُّزِ ساعات العمل الخاصة بأولياء الأمور ببعض المرونة. وفي حالة تنشئة الأطفال في أُسَرٍ بها كلا الأبوين، فإن مشاركة الآباء في الأمر تَضْمن تطوُّرَ الطفلِ صحيًّا بشكل أفضل بوجه عام، وترابُطًا أُسَريًّا متزايدًا، وتقليلَ الضغوط على الأم فضلًا عن ارتفاع مستوى السعادة لدى الآباء.
(?) راقِبْ تطوُّر الأطفال في أيٍّ من أنماط الرعاية. واظِبْ على حضورِ الاجتماعات المحددة المواعيد، والتي تُعقَد بين الوالدَين والمعلمين، ومناقشةِ الأهداف التطورية المتناسبة مع عمر الطفلة. ناقِشِ الوسائل المتعددة للتحفيز المعرفي والاجتماعي والبدني والسياقات التي يوفرها مقدِّمو الرعاية للأطفال. على سبيل المثال، هل يَشْغَل الرسم جزءًا واحدًا من اليوم، أم يمتد لليوم كله؟ وهل يقضي الأطفال جزءًا من اليوم في الخارج؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فتَعَرَّفْ على الطريقة التي تلبَّى بها متطلبات الأنشطة البدنية للأطفال. ما هي الأطعمة التي تقدَّم للأطفال؟ وكيف تُعد؟ كما تخضع مثل هذه الأمور عادةً لسيطرة الجهات المسئولة عن مَنْح التراخيص على مستوى الولاية، والتي يمكن أن تكون مصادر رائعة للمعلومات لأولياء الأمور؛ أيْ إن الأطفال السعداء الذين يتمتعون بالنشاط وينعمون برعاية راقية المستوى يتطورون بصورة جيدة على صعيدِ تطوُّر المهارة المعرفية والاجتماعية.
باختصار، ينبغي للأشخاص البالغين التأكد من جودةِ الرعاية المقدَّمة للأطفال، والوقتِ الذي يقضونه في مراكز الرعاية، علاوة على الشكل الأمثل للرعاية الذي يتناسب مع ظروف الأطفال وأُسَرهم. كما تُعد عواملُ، مثل التزام الأب نحو الأبناء ووجود أقارب داعمين، جزءًا مهمًّا من الخروج من هذا الموقف المحير الخاص بقرارات رعاية الأطفال ومحصلات التطور اللاحقة. ويمكن أن تساعِد هذه التوجيهاتُ جميعَ الأُسَر في اتخاذ قرارات جيدة متعلقة برعاية الأطفال، بشرط امتلاكها للوسائل المالية التي تَكفُل لها دراسةَ كافَّة البدائل واختيار أفضل مركز لرعاية الأطفال في المنطقة. وللمزيد من التفاصيل والاطلاع على المعلومات المفيدة حَوْل القرارات الخاصة برعاية الأطفال، يرجى الاطلاع على الملاحظات والمواقع الإلكترونية الواردة في نهاية هذا الفصل.
(?) الجدل الدائر حول عمل الأم

عادةً ما يُثار موضوع عمل الأم بطرق عامة على نحو يبدو كصراع للبحث عن الطرف الذي ينبغي أن يُلقى عليه بلائمة العواقب الوخيمة المختلفة التي يكون الأطفال عرضةً لها. ولاحِظْ عدم التطرق إلى حالة عمل الأب أثناء احتدام هذه المناقشات. في الواقع، ليس هناك أسلوب «مثالي» يمكن أن تتبعه الأُسَر في تربية أبنائها، ولكن الأمر يتعلق بالسعي لاتباع «أفضل نموذج ممكن للتنشئة»؛ فالنتائج الجيدة على صعيد الصحة النفسية تتطلب وجود أفراد بالغين مهتمين للغاية بتنشئة أبنائهم.
هل توجد اختلافات بارزة بين الأطفال الذين يَنشئون في رعاية الأم فقط في المنزل، وبين الأطفال الذين تتولى أطرافٌ أخرى رعايتَهم أو لا يحظون برعاية الأم؟ يبدو هذا موضوعًا معقدًا؛ نظرًا لمدى تنوُّع العوامل المهمة الأخرى بتنوع تطبيق نموذج رعاية الأطفال. على سبيل المثال، تتميز الأُسَر التي يوجد بها أشخاص بالغون متعلمون ممن يتعاملون مع مراكز لرعاية الأطفال بمهاراتٍ تربويةٍ أفضل من الأُسَر التي تختار الاعتماد على الأم فقط في رعاية الأطفال، ومن المرجح أنه كلما زاد مستوى تعليم الأشخاص البالغين في الأسرة، ازداد علمهم بالتنشئة الجيدة، سواء من خلال خبراتهم التعليمية أو من خلال المتخصصين في مجال رعاية الأطفال ممن يعلمونهم مهارات التربية. وربما تختار الأُسَر ذات الدخولِ الماديَّةِ الأقلِّ في أغلب الأحوال رعاية أطفالها في المنزل؛ نظرًا لعدم قدرتها ماليًّا على تلبية التزامات الرعاية الخارجية. إن التعليم والدخل من العوامل غير المفهومة جيدًا؛ حيث إنهما يتفاوتان فيما بينهما. تتمثل الإجابة الموجزة في أن الأطفال في مؤسسات الرعاية الرسمية يحظون بمحفزات معرفية واجتماعية أكثر، ويكون لديهم استعداد أكبر للدراسة مقارنة بالأطفال الذين ينشئون في ظل رعاية الأم فقط (انظر نتورك ????).
رغم ذلك، كَشَفَ عدد قليل من الدراسات إلى نتيجةٍ تفيد بتزايد السلوك الاجتماعي السلبي لدى الأطفال الذين يُنَشَّئون في مؤسسات رعاية الأطفال، مقارنةً بالأطفال الذين يُنَشَّئون في المنزل فقط (نتورك ????). لا يبدو هذا الأمر مفاجئًا تمامًا من الناحية المنطقية. تَجْمع مؤسساتُ رعاية الأطفال عادةً بين مجموعة متنوعة من الأطفال، على الأقل من ناحية تنوُّع البيئات الأسرية والقواعد السلوكية. تُعد الدُّمى والأشياء التحفيزية الأخرى مِلكية مشتركة؛ ومن ثَمَّ فإن وقت اللعب يَعني عادة تعلُّم مهارات التفاوض. إن عدد الأطفال الذين يلعبون معًا في محيط الرعاية الرسمية يتيح مزيدًا من فرص الخلاف مقارنةً بالأطفال الذين يتمتعون برعاية أمهاتهم. إن تقديم الرعاية بواسطة مؤسسات الرعاية الرسمية أو بواسطة الأم فقط له قيمته للأسرة. ولكنَّ الجدل الدائر حول عمل الأم يُعدُّ لغوًا فارغًا؛ لأن معظم الأسر في الولايات المتحدة تحتاج إلى مؤسسات رعاية الأطفال. وما يجب أن نتجادل بشأنه هو كيفية توفير الدعم الأمثل للأُسَر بصفة عامة، وتعزيز أفضل نموذج للتربية، والتصرف وفقًا للأبحاث المتوفرة لدينا.
(?) متطلبات رعاية الأطفال والتعليم المبكر في الولايات المتحدة

شَكَّلَت دايان إف هالبيرن — الرئيسة السابقة للجمعية الأمريكية لعلم النفس — فريقَ عملٍ في عام ????م تَابِعًا للجمعية؛ بهدف دراسة الدليل البحثي المتعلق بالصلة بين العمل والأسرة وتأثيرها على الأُسَر الأمريكية (انظر هالبيرن ????). وقد اكتشف فريق العمل أن الخصائص السكانية المتغيرة، إضافةً إلى التغيُّر الثقافي والاجتماعي على مدار فترةٍ امتدت لثلاثة أجيال، أدَّت إلى وجود اختلاف شديد بين الحياة اليومية للأُسَر التي تعيش في مطلع القرن الحادي والعشرين والأُسَر التي عاشت في الفترات السابقة؛ حيث تَزايَد عدد السيدات العاملات، وتَزايَد عدد الأطفال الملتحقين بمؤسسات رعاية الأطفال، مقارنةً بالوضع في خمسينيات القرن العشرين. كان الوضع السائد أن غالبية الأُسَر الأمريكية في مطلع القرن الحادي والعشرين تتضمن أمَّهات عاملات ممن يذهب أطفالهن إلى مراكز الرعاية. وقد اكتشف فريق العمل حقيقتين مهمتين ترتبطان بشكل وثيق بهذه المناقشة حول الصلة بين عمل الأبوين ورعاية الطفل والعواقب المعرفية عند الأطفال. بعبارة بسيطة، اتفق أفرادُ فريقِ العمل التابع للجمعية الأمريكية لعلم النفس بشدة على أن الفقر هو أكثر العوامل التي تَضر بالتطور المعرفي للأطفال. كما ذكروا أن عمل الوالدين لا يمثل أي خطورة على ما يحققه الأطفال فيما بعد، ولكنهم اكتشفوا أن العجز عن إيجاد بدائل لرعاية الأطفال يُمثِّل مشكلة كبيرة للأسر. علاوةً على ذلك، لا تتوفر غالبية البدائل الخاصة برعاية الأطفال أمام الأُسَر التي تُضطر إلى اختيار إلحاق أبنائها بمراكز رعاية الأطفال بناءً على التكلفة المنخفضة فقط.
إن «فقراءَ الطبقة العاملة» أو الأُسَر التي يعمل بها شخص أو شخصان بالغان في وظيفتين أو أكثر من الوظائف ذات «الأجور المتدنية»؛ لا تتوفر لديهم العديد من الخيارات الخاصة برعاية الأطفال، علاوةً على أن هذه الأُسَر ليست مؤهلة للحصول على الدعم الحكومي الخاص برعاية الأطفال. وعادةً ما يجب على الأُسَر ذات الدخل المتدني الاعتمادُ على مراكز الرعاية المنخفضة المستوى، التي يعمل بها معلمون منهكون واقعون تحت ضغوط، ولا تُوفِّر محفزاتٍ كافيةً للأطفال وغير ذلك من الأمور الأخرى. يحقق الأطفالُ الذين يحظَوْن برعاية منخفضة المستوى نتائجَ سيئةً. وتُعد الولايات المتحدة الدولة الوحيدة من بين دول الغرب الصناعية التي لا يُطبَّق بها نظام دعم رعاية الأطفال على الجميع، علاوة على عدم وجود تشريعات بمنح إجازات رعاية مدفوعة الأجر للأم أو للأب بعد ولادة الطفل. ويشير العديد من علماء النفس إلى أن رعاية الأطفال في الولايات المتحدة تمثل الأزمة الكبرى التي تواجه الأُسَر والمجتمع الأمريكي بوجه عام.
تُشكِّل الأُسَر التي تُعيلها الأمُ فقط نسبةً كبيرةً من الأُسَر ذات الدخل المنخفض التي لديها خيارات قليلة لرعاية الأطفال. ماذا عن التطور المعرفي لدى هؤلاء الأطفال الذين ينشئون في أُسَر تعيلها الأم فقط؟ على الرغم من أن نتائجهم تتفاوت مثل بقية الأطفال في الأنماط الأُسَرية الأخرى، فإن تطورهم أيضًا يتعرض عادة للعديد من المخاطر. لِنُلْقِ نظرةً على هؤلاء الأطفال لإدراك الصلة بين الآباء والأمهات العاملين والأُسَر وبين السياسة العامة.
ينشأ قُرابة ??? من إجمالي الأطفال في الولايات المتحدة في أُسَر يُعيلها الأب أو الأم فقط، وتُشكِّل الأمهات نسبة ??? من هذه الأُسَر (هالبيرن ????). لا تَحْصل الأغلبية من بين هؤلاء الأطفال على الاهتمام أو الإنفاق من جانب الأب؛ حيث يعيش معظمهم في فقر مدقع. تُعيق البيئاتُ الفقيرةُ التطورَ المعرفيَّ لدى الأطفال وتُعرِّضهم بقوةٍ لمخاطر التسرُّب من التعليم والسلوكيات الإجرامية لاحقًا. وعندما تحاول الأمهاتُ المُعيلاتُ اللاتي تَلقَّينَ سابقًا إعانات فيدرالية ومحلية الاستغناءَ عن الدعم الحكومي، فإن قدراتهنَّ وسجلاتهنَّ المهنية غالبًا ما تؤدي إلى حصولهنَّ على أقل الوظائف أجورًا، وعادةً ما تكون بدون تأمين صحي أو دعم لرعاية الأطفال؛ ومن ثَمَّ تنضم هذه الأمهات إلى عِداد فقراء الطبقة العاملة، إن جاز التعبير. أَضِفْ إلى هذه العوامل افتقادَ الخيارات الخاصة برعاية الأطفال، وخاصةً عندما يُصاب الأطفال بأمراض، ونلاحظ المعدلات المرتفعة للسيدات اللائي يعاودن الحصول على الدعم الحكومي. على الرغم من ذلك، يمثل مشروعُ «البداية المبكرة» أحدَ برامج رعاية الأطفال التي حققت نجاحًا هائلًا على صعيد التحفيز المعرفي والاجتماعي للأطفال الفقراء.
يوفر مشروعُ «البداية المبكرة» بيئةً ثريةً تُقدم رعاية مجانية لأطفال الأُسَر الفقيرة، والتي تعيلها أم عزباء في الغالب. تتولى الحكومة الفيدرالية تمويل هذه البرامج في الأحياء ذات الدخول المتدنية. وعلى الرغم من أن بعض المراكز التابعة لمشروع «البداية المبكرة» لا تتميز بالجودة العالية، فإن المراكز المتميزة بالفعل توفر الرعاية المطلوبة ومهارات الاستعداد التعليمي لأطفال الأُسَر ذات الدخول المنخفضة. وعندما يتمكن الأطفال الصغار من الالتحاق برياض الأطفال وهم يمتلكون مهارات معرفية (مثل القدرة على التعرف على الحروف والأعداد) ومهارات اجتماعية (مثل أخذ الأدوار بالتتابع والبقاء على المقعد لفترات زمنية قصيرة)؛ يحقق الأطفال نتائج معرفية إيجابية. ويُرجَّح أن يستكمل هؤلاء الأطفالُ المرحلةَ الثانويةَ، ويميلوا إلى تأجيل الزواج والإنجاب وتجنُّب السلوك الإجرامي والتميُّز بفاعلية أكبر، مقارنةً بالأطفال الذين يفتقدون هذه المهارات لدى بدئهم في التعليم المدرسي الرسمي (هالبيرن ????). يُطلَق عادةً على مثل هذه البيئات الثرية المُحفِّزة للأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين عامين وخمسة أعوام «التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة». وعندما يصل الأطفال إلى أربع سنوات تقريبًا، يُطلَق عادةً على هذه البيئات «مرحلة ما قبل المدرسة»، أو «مرحلة ما قبل رياض الأطفال».
لا تختلف مراكز التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة عن بعض مراكز رعاية الأطفال، وفي أغلب الأحوال لا تُعَد إلا استكمالًا على نحو نظامي أكثر للمهارات المكتسَبة في البيئة المماثلة لمركز رعاية الأطفال الذين يبلغون عامًا واحدًا أو عامين. وبالنسبة للتطور الصحي للمهارة المعرفية للأطفال، تُقدِّم مراكزُ التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة ومراكزُ مرحلةِ ما قبلَ المدرسة إسهاماتٍ هائلةً للأُسَر. أما الأُسَر التي يمكنها تحمُّل مصروفات مراكز التعليم المتميزة في مرحلة الطفولة المبكرة، فمن المؤكد أنها ستُحقق فوائد هائلة. رغم ذلك، يتحتم على الأطفال الفقراء — وفيهم مَن يُدرجون في عداد فقراء الطبقة العاملة — في أغلب الأحوال الاعتمادُ على أقارب لهم آخرين من ناحية الرعاية، أو على مراكزِ رعاية الأطفال ذاتِ المستوى المتدني. وقد ذَكَرَ عالِم الاقتصاد الشهير جيه جيه هيكمان أن مسئولية المجتمع تتجسد في تعزيز رفاهية رأس ماله البشري، ويُعد حقُّ جميع المواطنين في الالتحاق بالمراكز الجيدة لمرحلةِ ما قبل المدرسة الطريقةَ المُثلى لتعزيز رفاهية رأس المال البشري هذا. كما يَرى عالم الاقتصاد هذا، الحائز على جائزة نوبل، أنَّ دعْم تطور الأطفال سيضمن في النهاية استغلال قدرات رأس المال البشري لصالح المجتمع (انظر كارنيرو وهيكمان ????). انظر إلى هذه البيانات الصادرة عن وزارة التعليم الأمريكية في عام ????م: إن الْتحاق أطفال الأُسَر ذات الدخول المتدنية بمراكزِ رعاية الأطفال ومراكزِ التعليم ما قبل المدرسي الرفيعةِ المستوى؛ يؤدي إلى الحد مِن وضعهم في البرامج التعليمية الخاصة وإعادة الدورات الدراسية نتيجة للرسوب بنسبة ??? مقارنة بالمجموعة الضابطة، وذلك بوصولهم إلى عامهم الخامس عشر؛ وعند بلوغهم العام الحادي والعشرين، يلتحق ما يزيد عن ضِعف النسبة بالكليات التي تستمر فيها الدراسة لأربع سنوات؛ مما يقلل من أعداد الآباء المراهقين بنسبة ??? (دينارسكي وآخرون ????: ?).
يرتبط التطور المعرفي للأطفال ارتباطًا وثيقًا بمستقبلهم ومستقبل أولادهم بعد ذلك. وتُعد البيئات الخارجية لرعاية الطفل والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة من العوامل المساهمة بقوة في الصحة العامة للأطفال. ويجب على الأشخاص البالغين المسئولين عن الصحة النفسية الجيدة للأطفال دراسةُ جميع العوامل عند اتخاذ قرارات متعلقة برعاية الأطفال، إضافةً إلى العوامل الأخرى التي تدعم الأسرة بهدف تقديم أفضل نموذج لتربية الأبناء. وسواءٌ أحظي الأطفال بإعداد جيد لمرحلة التعليم الرسمي أم لا، يجب على الجميع الالتحاقُ بهذا النوع من التعليم كما تفرض السلطات التشريعية للولايات في الولايات المتحدة.
لِننتقلِ الآن إلى تأثير البيئة المدرسية الرسمية على الأطفال والأُسَر.
(?) إنها ابتدائية يا عزيزي واطسون

فَسَّر شيرلوك هولمز قدراتِه الفذةَ في الاستدلال لصديقه الدكتور واطسون باستخدام العبارة المُعَنوَن بها هذا الجزء، وقد قصد هولمز بهذا أن استدلالاته كانت مبسطة ويَسهل فهْمُها وإدراكها من الوهلة الأولى، وهذا هو التعريف الذي نجده في المعاجم لكلمة «ابتدائي». وعلى الرغم من أننا جميعًا كنا سنأمل أن تَعني سنواتُ الدراسة الابتدائية تراكمَ المهارات التي يدركها جميع الأطفال من الوهلة الأولى، فإننا نَعلم أن هذا الأمر لا ينطبق على كافة الأطفال. على الرغم من ذلك، يتحمل الأشخاص البالغون في حياة الأطفال مسئولية البحث عما يتوافق على النحو الأمثل مع استعداد الأطفال للمدرسة والخبرة المدرسية والنتائج بشكل عام.
إن التحفيز المعرفي والاجتماعي الجيد في المنزل وفي مراكز رعاية الأطفال يرسِّخ العديد من العناصر الأساسية للتطور اللاحق لدى الأطفال. سيحقِّق الأطفالُ ممن لديهم خبرات قوية عن المهارات التعليمية الخاصة بمرحلة الطفولة المبكرة نجاحًا في المدرسة؛ فالأطفال المُهيَّئون للتعامل مع موضوعات القراءة والمسائل الحسابية بتركيزٍ وبسلوكٍ لائقٍ اجتماعيًّا، سيكونون من ألمع الطلاب في الصف الدراسي. ولِسوء الحظ، إن التزام مجتمعنا بتطوير هذه المهارات المرتبطة بالاستعداد المدرسي مُتَرَدٍّ مقارنةً بالمستوى المطلوب، وهو ما يؤكده افتقار فرص التعليم ما قبل المدرسي في الولايات المتحدة؛ ويعني هذا الافتقارُ إلى سياسة عامة متسقة أن أداء بعض الأطفال سيَتَّسم بالسوء مع بدء الدراسة الرسمية. غالبًا ما يكون معلمو المرحلة الابتدائية المُكلَّفون بتعليم الأطفال الصغار أولَ أفراد بالغين في حياة الطفل يقومون بوضع أساس التطور المعرفي لهؤلاء الأطفال؛ فالأطفال الذين ليس لديهم خبرة في مرحلةِ ما قبل الدراسة يبدءون المدرسة وَهُم يعانون شيئًا من القصور.
تعرضت المدارس الحكومية بالأحياء لانتقادات واسعة من العديد من الأطراف على مدار العشرين عامًا الأخيرة. ينقسم السياسيون حول كيفية دعم المدارس الحكومية في الولايات المتحدة؛ إذ ينادي البعض بالمزيد من الدعم المالي، وينادي آخرون بتطبيق أنظمة القسائم التعليمية التي تتيح للأطفال المقيمين في مناطق ذات مدارس فقيرة الالتحاقَ بمدرسة من اختيار أُسَرهم، بما في ذلك المدارس الخاصة. وفي ظل استمرار هذا الجدل، يحظى الأطفال في الولايات المتحدة بأقلَّ مما يستحقونه؛ فتطورهم لا يدعمه الأفراد البالغون المسئولون عن مستقبلهم. يمتلك علماء النفس والتربويون البياناتِ التي توضِّح سُبل دعم الأطفال والمدارس، ولا يمكن تحقيق أي تقدُّم في هذا الشأن إلا عندما يتقرر الجمع بين هذه السُّبل وبين جهود حكومات الولايات والحكومة الفيدرالية. علاوةً على ذلك، يوجد في الولايات المتحدة مدارس تحقِّق النجاح رغم القيود التي يضعها المجتمع على كاهلها.
(?) الثقافة المدرسية الفعالة

إن الاعتقاد السائد في الولايات المتحدة هو أن كل الأطفال يستحقون التعليم كأحد الحقوق الأساسية؛ فنحن نُصْدر تشريعات خاصة بالتعليم، ولكننا نقدِّم غالبًا دعمًا زائفًا فحسب فيما يخص حق الوصول المتكافئ إلى البيئات التعليمية الجيدة. ونحن نوفر التعليم في جميع الولايات الخمسين، ولكن بمستوياتِ جودةٍ ونجاحٍ متفاوتة. أجرى جيمس كومر، الطبيب النفسي والأستاذ بجامعة ييل، دراسةً على المدارس في المناطق الحضرية، ثم صاغ ثقافة مدرسية تتجسد في تخطيطٍ تعاونيٍّ يتضمن كافة الأطراف المعنية. يدعم هذه الأفكار سنوات من البحث عن سبل الارتقاء بالمدارس بصفة عامة. لِتُلقِ نظرة على بعض أفكار كومر الجوهرية: (?) التركيز على تطوير الطفل. يجب أن يكون البالغون المسئولون عن تعليم الأطفال على دراية بالمهارات البدنية والنفسية الضرورية لتطور الأطفال.
(?) التركيز على تطوير فريق العاملين بالمدرسة؛ حيث إن الإداريين والمعلِّمين والمستشارين المُدرَّبين جيدًا والمتعاونين يستطيعون تهيئة البيئات المُثلى للأطفال.
(?) التركيز على تطوير المجتمع. تحقيق التواصل بين فريق العاملين في المدارس والآباء والأمهات والأطراف الأخرى في المجتمع (مثل أمناء المكتبات والعاملين في مجال رعاية الأطفال وغيرهم)؛ بحيث تتمكن جميع الفئات من العمل جنبًا إلى جنب بهدف تطوير مدارس ناجحة.
(?) الالتزام من قِبل جميع الأشخاص البالغين المعنيين من شأنه تعزيز السلوكيات الجديرة بالثقة والمدفوعة بهدف محدَّد لدى الأطفال. (راجع الملاحظات الختامية الواردة في هذا الفصل عن الأسئلة التي يجب التفكير بها عند تقييم الخيارات المدرسية.)
إن ما يقترحه كومر (????) يعكس مفهوم مسئولية البالغين نحو الأطفال الذي نوقِشَ بالفعل. كما أنه يُعد أحدَ أشدِّ المؤيدين لضرورة تعزيز علاقة بين جميع الأفراد البالغين المسئولين عن الطفل. فعندما يفي المتخصصون في التعليم باحتياجات الأطفال التطورية، وذلك بالتعاون مع الآباء والأمهات والأفراد البالغين الآخرين في المجتمع، يتعزز نمو الأطفال. يلاحِظ الأطفالُ هذا الالتزامَ والتعاونَ البنَّاءَ بين الأفراد البالغين ويستجيبون من خلال سلوكياتهم الإيجابية، وهذا هو نموذج المدرسة الحكومية الذي يتمناه جميع الأفراد البالغين في الولايات المتحدة لأطفالهم، وهو أمر يسيرٌ يمكن تحقيقه. في الواقع، جرى تطبيق أفكار كومر في أكثر من ??? مدرسة في الولايات المتحدة، وتحققت نتائج إيجابية.
عندما يضع الأشخاص البالغون المسئولون معايير مرتفعة لأنفسهم ولأطفالهم مع تطبيق إجراءات مساءلة لكلٍّ من البالغين والأطفال، سيعود ذلك بالنفع على أطفالنا. وهذا لا يعني أن الحلول «البسيطة» لإصلاح المدارس مثل الاختبارات القياسية هي الحل، بل على النقيض تمامًا. يمكن تحقيق المساءلة الشخصية والعامة من خلال قياس مؤشرات النمو لدى كل طفل، مع التركيز على الحفاظ على استمرار الأطفال في المدرسة من خلال تعريفهم بميزة الدراسة على مدار الحياة وفوائدها. تعزِّز الجهودُ التعاونيةُ الجيدةُ التي يبذلها كافة الأشخاص البالغين المسئولين عن الأطفال العلاقاتِ الإيجابيةَ بين المعلمين والأطفال في الصف الدراسي. ينجح المعلمون الذين يشعرون أنهم تَلَقَّوا مستوًى تعليميًّا جيدًا ونالوا دعمًا جيدًا في إطار جهودهم لتهيئة بيئة دراسية قائمة على العلاقات التعاونية في مهمتهم. وبمقدور جميع الأطفال الملتحقين بفصول هؤلاء المعلمين تحقيق النجاح، ومع مرور كل عام دراسي يصبحون مفكرين أفضل يتمتعون بالوعي والثقافة.
من المؤكد أن هناك سؤالًا قد يثار حول القدرة الفكرية لجميع الطلاب على تحقيق النجاح الدراسي، حتى ولو كان ذلك في «مدرسة فعالة». وسيقول منتقدو منهج المساواة هذا إن موضوع القدرة على التعلم لا ينطبق على الأطفال كافة. على الرغم من أننا نعلم أن بعض الأطفال قد يبدءون التعليم المدرسي بقدرات عقلية ربما تُصنَّف داخل نطاق التخلف، فإن هذا الأمر لا ينطبق على غالبية الشباب في الولايات المتحدة. وعادةً ما نجد لدينا مجموعات من الأطفال ممن يجري تصنيفهم بأنهم يتعذر تعليمهم نظرًا لافتقادهم للسلوكيات والميول التي تنُمُّ عن الاستعداد للدراسة. وسواء أكان هذا الميل متأصلًا في النفس أو لا إراديًّا، فإن له تأثيرًا بالغًا على الآلاف من الأطفال. وقد أُجريَتْ أبحاث على معايير التفوق الخاصة بجميع الأطفال إلى جانب المفهوم الذي يُطلق عليه «تهديد الصورة النمطية» من قِبل اثنين من أبرز العلماء المتخصصين في علم النفس الاجتماعي في الولايات المتحدة؛ كلود ستيل وجوشوا أرنسون (????)، وكلاهما من الخبراء في مجال التوقُّع والأداء.
(?) الالتحاق بالمدرسة والتهديد المرتبط بالتنميط

في تسعينيات القرن العشرين، بدأ كلود ستيل وزملاؤه دراسة مجموعات من الطلاب لم يكن أداؤهم جيدًا في الفصل، ولكنهم رغم ذلك يتمتعون بقدرة فكرية فائقة. ركَّز ستيل عمله في البداية على الطالبات اللاتي كُنَّ يحاوِلْنَ أن يطْرُقْنَ مجالاتٍ هَيْمَنَ عليها الطلابُ الذكورُ في السابق مثل الهندسة، والطلاب الزنوج الذين كانوا يلتحقون بجامعاتٍ ذات تنافسية عالية. وقد اكتشف أنه عندما شعر الطلاب بتهديد وضعهم في الصور النمطية بأنهم أشخاص لا يمتلكون المهارات اللازمة للدخول في بيئات جديدة، رسب الطلاب أو انسحبوا لإنقاذ ما تبقَّى من تقديرهم الذاتي. كانت تهديدات الصورة النمطية هذه واسعة الانتشار.
ثمة مثال يرتبط كثيرًا بهذه المناقشة ويتعلق بالممارسة التي اتبعتها إحدى الجامعات الكبرى من إدراج الطلبة الزنوج المستجدين بالجامعة في دورة تقوية في إطار تأهيلهم للدراسة في الكلية. ويتعارض هذا النمط من التوقعات مع توصية جيمس كومر الخاصة بتطبيق معايير عالية على جميع الطلبة ومساندتهم في جهودهم. وقد حقق هؤلاء الطلبة المستجدون بالجامعة معدلات مرتفعة في الاختبارات القياسية في المدرسة الثانوية، وكان أداؤهم مثار إعجاب قبل التحاقهم بالجامعة. وقد شرع ستيل في تقديم نصيحة متعقلة مستمدة من أبحاثه.
إذا كان هدف التعليم يتمثل في تعزيز التعلم للجميع، فمن غير المُجدي التمييزُ بين الطلاب؛ إذ إن مثل هذا الإقصاء يساعد في ترسيخ الصورة النمطية لهؤلاء الطلبة. فإذا كان بعض الطلبة المستجدين بالكليات لديهم صعوبات انتقالية تحتاج إلى التعامل معها، فعلى الجامعة تقديم «دورات تدريبية لرفع القدرات» أو «مساعدات انتقالية» لجميع الطلبة المستجدين. وبهذه الطريقة، يُتاح لجميع الطلبة خيار الاستفادة من هذا المنهج، ولا تُصنَّف مجموعة واحدة من الطلبة بأنها بحاجة إلى تقوية المهارات. طبق جوشوا أرنسون (????) هذه النتائج على مدارس ابتدائية وثانوية علاوةً على مخاطبة تهديد الصورة النمطية في هذه الأُطر أيضًا.
يرى جوشوا أرنسون أنَّ نَقْل التوقعات العالية بالنجاح للجميع يُعد أحد الأركان الجوهرية التي لا غنى عنها في عملية التعلم في الفصل المدرسي. ويتفق أرنسون مع جيمس كومر وكلود ستيل في أن هذا المعيار يُطوَّر ويُنقَل من خلال العلاقات الاجتماعية الطيبة بين المعلمين والطلبة. إن التطور المعرفي مسعًى اجتماعيٌّ، كما أن الإدراك نفسه يتميز بالمرونة الشديدة. وباستطاعة الأشخاص البالغين المتعاونين إيجاد أساليب هادفة تتيح لكافة الطلبة إمكانية التطور من الناحية المعرفية وتحقيق النجاح المدرسي. على الرغم من ذلك، عندما تَظهر أمور مثل الارتياب والصورة النمطية والممارسات الإقصائية في الصف الدراسي، لا يستطيع الأطفال التعلُّم. كذلك تنتقل توقعات الأشخاص البالغين، إيجابيةً كانت أو سلبيةً، إلى الأطفال الذين يستجيبون إما على نحو متبادل أو ينسحبون بصورة كاملة.
(?) الحد من التحامل

يُعزَّز التطور المعرفي والتفوق الدراسي لدى جميع الطلبة عندما يركز الأشخاص البالغون المهتمُّون بالمدارس الناجحة على العديد من العوامل النفسية؛ إذ تسهم عوامل مثل الذكاء والتقدير الذاتي والاندماج وتقليل التحامل في النتائج المعرفية للأطفال في المحيط المدرسي؛ الأمر الذي يعزز الصحة النفسية الجيدة. وقد حدد خبراءُ مثل جيمس كومر طُرُقَ تخطيط مدرسة فعَّالة وتطبيقها، ولكن يُلاحَظ أن الكثرةَ من مدارسنا في الولايات المتحدة تسعى جاهدة لتوفير نظامٍ تعليميٍّ خالٍ من التحامل وملائمٍ للاندماج. على سبيل المثال، تفشل نسبة كبيرة من أبناء الأقليات العرقية في إنهاء مرحلة التعليم الثانوي مقارنة بالأطفال ذوي الأصول القوقازية (سانتروك ????). وعلى الرغم من مساهمة عدة عوامل مثل الفقر في الوصول إلى هذه النتيجة، يمكن أن تكون مدارسنا ملاذًا متينًا يترعرع فيه جميع الأطفال. سيستمر الأطفال المنتمون إلى أقليات عرقية في المدرسة في حالة تعزيز العلاقات بينهم وبين جميع الأشخاص البالغين الذين يتعاملون معهم ممن يأملون أن يحقق الأطفالُ النجاح.
يتزايد تنوُّع الخلفيات والخبرات بين صفوف المعلمين في الولايات المتحدة، ولكن تظل الغالبية منهم من أصول قوقازية. كما يبدي غالبية المعلِّمين التزامًا بمساعدة جميع الأطفال في تطوير مهارات معرفية واجتماعية جيدة، ويأملون في فعل ذلك دون تحامل. يحتاج المعلمون ذوو الخلفيات المتنوعة إلى تدريب في التعددية الثقافية سعيًا لتطوُّرهم مهنيًّا؛ الأمر الذي سيُترجَم إلى نجاح مدرسي للأطفال. توفر الجهاتُ التي تقدم هذا النوع من المناهج دوراتٍ تدريبيةً على التعددية الثقافية، ولكن لا تقوم مناطق تعليمية عديدة بتدريب العاملين بها من المستوى الأعلى إلى الأدنى، والعكس بالعكس؛ بحيث يستفيدون من التدريب على نحو فعال. يجب أن يتحلَّى الموظفون الإداريون بحسِّ التعددية الثقافية الذي ينتظرون أن يُظهره المعلمون لديهم، وينبغي أن تنطوي الرؤية الشاملة الخاصة للمعلمين على توقُّعٍ بأن جميع الطلبة لديهم ميول للتعلم عندما يَصِلون إلى بيئة المدرسة. ويجب أن تلتزم المجتمعات ككلٍّ بالعمل معًا بهدف رفع مستوى المدارس؛ إذ يتطلب الأمر متابعة خلال فترةِ ما بعد الدوام المدرسي، علاوة على تحفيز الطلبة من خلال المكتبات والجهات الأخرى التي تركِّز على الطفل؛ وذلك لضمان عدم تعرُّض الطلبة الذين لم يحظوا بالتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة للتأثيرات السلبية المحيطة. وينبغي أن يكون هدفُ المجتمعات بأكملها البحثَ عن سبل التواصل مع كل طالب. ومثلما ذكر أرنسون، يستند النمو المعرفي إلى العلاقات الاجتماعية ويتميز بالمرونة الشديدة. وتستطيع المدارس بالتعاون مع الأشخاص البالغين الآخرين في المجتمع تحفيز النمو المعرفي الإيجابي لدى جميع الأطفال؛ حيث يجري تعزيز عملية الاندماج والآراء المنادية بالمساواة بين كافة البشر، وهذا بمنزلة جوهر الإصلاح المدرسي.
(?) الاستعداد للخطوة التالية

يتعلم الأطفالُ في سنواتهم الأولى في المدارس مهاراتٍ معقدةً على مدار فترة زمنية قصيرة إلى حدٍّ ما، وعلى الرغم من أن سنواتهم الابتدائية تتراوح عادةً بين ست سنوات وسبعٍ فقط من حياتهم، يتطور نموهم المعرفي من مرحلة التعرف المبدئي على الحروف والأرقام إلى قدرتهم على التعامل معها لِفَهم العالم من حولهم. وعندما يصل الأطفال إلى الصف الثالث الابتدائي، فإنهم يجيدون مهارات التفكير المركَّب، مثل القراءة وحل المسائل الحسابية. وعندما يبلغ الأطفال الحادية عشرة أو الثانية عشرة، فإنهم يكونون على استعداد للتعامل مع العمليات الأكثر تعقيدًا للكلمات والأعداد التي تتضمن «الأفكار المجردة» و«ما وراء المعرفة». يعني مصطلحُ «الأفكار المجردة» التفكيرَ في الكلمات والأعداد بصورة افتراضية، حتى في المستقبل، ويشير مصطلحُ «ما وراء المعرفة» إلى التفكير في عملية التفكير ذاتها. سيساعدنا المثالان التاليان في إدراك معنى هذين المصطلحين.
عندما تفكر طفلة في حل مسألة حسابية، فإنها تفكر في الطرق المحتملة اللازمة لحل المعادلة، ومع تطور الطفلة، يمكنها التفكير في بعض الطرق في عقلها دون الحاجة إلى تدوينها كتابةً على الورق، ومن المرجَّح أنها ستفكر في العديد من البدائل لحل المسألة واختيار أحدها. يُعد هذا أحد أمثلة التفكير المجرد. وقد تبدأ الطفلة نفسها في حل المسألة الحسابية ولكنها تفشل، وبعد بضع دقائق، قد تقول لنفسها: «لقد قمتُ بحل هذه المسائل سابقًا دون صعوبة كبيرة، ولكنني أستغرق وقتًا طويلًا بالفعل في حل هذه المسألة تحديدًا، تُرى هل ثمة سبب لتَشَتُّتِ تركيزي، أم أنني استغرقت في التفكير في هذه المسألة أكثر من اللازم؟» تحاول هذه الطفلة تدبُّر أسلوبها في حل المشكلات؛ أي إنها تفكر في أسلوب التفكير، ومن المرجح أن تساعدها مهاراتُ «ما وراء المعرفة» في اتخاذ قرارٍ ما ينبغي لها فعله كخطوة تالية. تبدو أسس هذه المهارات جديدة بالنسبة للطفلة التي على وشك إنهاء المرحلة الابتدائية، ومع دخولها المحيط الأوسع نطاقًا للمدرسة الإعدادية، ستستمر مثل هذه المهارات في التطوُّر.
(?) المرحلة الإعدادية

عندما يكون الأطفال مستعدين للالتحاق بالمدرسة الإعدادية، التي يُطلق عليها «المرحلة المتوسطة»، فإن قدرتهم الناشئة على استخدام الأفكار المجردة تساعدهم في التركيز على أكثر من مسألة وحل في وقت واحد، ومن شأن هذه القدرة المتزايدة أيضًا المساهمةُ في تعزيز علاقاتهم الاجتماعية. على سبيل المثال، تزداد قدرة الأطفال في هذه المرحلة على التفكير في وجهة نظر الآخر. وبحلول سن الثانية عشرة، تكون هذه التغييرات النوعية في ذاكرة الأطفال قد بدأت ويصاحبها اكتسابُهم مهاراتٍ جديدةً تساعدهم في تنظيم المعلومات واستذكارها. ويعني تزايد مهارات الذاكرة والقدرة على رؤية الموضوع من زاويتين مختلفتين أن التفكير النقدي لدى الأطفال يتطور. وعلى الرغم من أن هذه المهارات ليست متطورة بالدرجة التي ستكون عليها عندما يتخرج الأطفال في المدرسة الثانوية، فإن بوادر هذه المهارات الجديدة تتجلى بوضوح.
وبحلول العام الثاني عشر تقريبًا، من المتوقع أن يتمتع الأطفال بقَدْر أعلى من الاستقلالية عن المعلمين والوالدين فيما يتعلق بنموهم المعرفي، مقارنةً بمستوى الاستقلالية المتوقع منهم أثناء سنوات الدراسة الابتدائية. يتبع المعلِّمون في المدارس الإعدادية أسلوبًا ينطوي على قَدْر أكبر من الاستقلالية في الدراسة، وذلك في صورة واجبات مدرسية أو مشروعات يترقبون تنفيذها في محيط المنزل نظير الحصول على درجات في المدرسة. وكالعادة، يحقق الأطفال الذين ينشئون في بيئاتٍ منزليةٍ داعمةٍ النجاحَ في المدرسة. إن التواصل بين الأشخاص البالغين العاملين في المدارس وبين الآباء يُعد أحد أهم جوانب مسئولية الأشخاص البالغين تجاه الأطفال على مدار هذه السنوات. ويحظى العاملون في المدارس الذين يسعون إلى التعاون مع الآباء والأمهات بطلاب أكثر تفوقًا. وعلى الرغم من أن هذه السمات قد تكون واضحة في إطار المدرسة الابتدائية، فإنها تظل مهمة أيضًا مع تطور الأطفال أثناء سنوات المراهقة.
يجب أن يبحث مقدِّمو الرعاية البالغون الذين يجدون معلمين وإداريين ودودين في المدرسة الابتدائية عن الروح التعاونية والاهتمام أنفسهما لدى العاملين في المدارس الإعدادية والثانوية. يشهد انتقالُ الأطفال إلى سنوات المدرسة الإعدادية مرورَهم ببعض الأمور المعقدة التي ينبغي التعامل معها، علاوة على استمرار حاجتهم إلى مؤازرة البالغين لتحقيق النجاح. ويُعد النمو البدني للأطفال أحد العوامل التي تسهم في هذا التعقيد إضافة إلى التغيرات المقترنة بمرحلة البلوغ التي تؤثر في التطور المعرفي.
(??) التغيرات البيولوجية والبيئية

في الولايات المتحدة، نطلب من الأطفال الانتقال إلى بيئات مدرسية جديدة في الوقت الذي تتغير فيه أجسادهم نحو اكتساب القدرة على التكاثر. في الفترة بين المرحلتين الابتدائية والإعدادية، من المنتظر أن يمر الأطفال بعدة تغيرات كبيرة وسريعة. ومثلما أشرنا سابقًا، من المتوقع أن يُظهر الأطفال مهارات أكثر فيما يتعلق بتزايد مستوى الاستقلالية على صعيد التعلُّم. عادةً ما تكون بيئة المدرسة الإعدادية أكبر، وبها أعداد أكثر من الطلبة، مقارنة بالمدرسة الابتدائية؛ ولذلك ثمة أشياء كثيرة متوقعة من الأطفال على صعيد العلاقات الاجتماعية؛ فالأطفال غالبًا يجب أن يتعلموا كيفية العمل مع ما يتراوح بين سبعة مُعلِّمين وثمانية على مدار اليوم بدلًا من مُعلمَيْن أو ثلاثة عادة في المرحلة الابتدائية. وتعني هذه التغيرات التي تحدث داخل الحجرة الدراسية أيضًا أن أنماط علاقة الأقران يُرجح أن تتغير من ساعة لأخرى على مدار اليوم. تحتاج أنماط التفكير الجديدة والمعارف الكثيرة الجديدة التي يكتسبها الطفل إلى التعامل معها ودمجها في المخزون المعرفي للطفل لتحقيق النجاح في المدرسة الإعدادية. وفوق هذا وذاك، هناك زيادة في نشاط الغدة النخامية والنشاط الهرموني، ومع ذلك ماذا أعددنا لهذه المرحلة؟ إنها لمرحلةٌ انتقاليةٌ شديدةُ التعقيد للعديد من الأطفال، ولحُسن الحظ، يتكيف غالبية الأطفال مع جميع هذه التغيرات بمساعدة الأشخاص البالغين المتعاونين.
تعني التغيُّرات الجسدية أسئلة جديدة لدى الأطفال الذين تبلغ أعمارهم نحو اثني عشر عامًا؛ فقد يشعر الأطفال أنهم يَبدون كالحمقى أو قُبَحاء على مدار فترة النمو البدني، ويفكر الأطفال في كيفية تأثير التغيرات التي تطرأ على مظهرهم في علاقاتهم، وما إذا كان الآخرون يرونهم ذوي جاذبية ويفضلون صحبتهم. نادرًا ما يفكر الأطفال الصغار في مثل هذه الأسئلة؛ نظرًا لمحدودية تفكيرهم في وجهات نظر الآخرين، ولكن الطفل في مقتبل مرحلة البلوغ المبكر لديه عالَم أكثر تعقيدًا للتفكير به، وقد تطرأ تغيرات في أجساد الأطفال وتغيرات في توقعاتهم وتغيرات في البيئات بشكل مفاجئ على ما يبدو.
لحسن الحظ، ينجح غالبية الأطفال في تجاوز هذه التغيرات التي قد تسفر عن نتائج سيئة، ويتحول تأثُّرهم المفرط بالنقد إلى قدرةٍ على تحقيق النجاح من خلال قدرتهم الخاصة على الاحتمال ومهاراتهم علاوةً على مؤازرة المعلمين والوالدين. كما يُعد الأقران أحد العناصر المهمة للغاية في هذه المعادلة (سنركز على هذه النقطة في الفصل الخامس). وفي الواقع، إن قدر التركيز الإعلامي على الأطفال شديدي التأثر بالنقد، الذين لا يحققون النجاح ونتائجُهم سيئة، يعطي انطباعًا مضلِّلًا؛ إذ ينجح غالبية الأطفال في تجاوز سنوات المراهقة بمساعدة الأشخاص البالغين الداعمين، فكيف أصبحنا نَصبُّ تركيزنا على النتائج السيئة التي يحققها قرابة ??? تقريبًا من شبابنا؟ إن هذا التركيز جاء نتيجةً لعوامل عدة. تذكَّرْ أن علم النفس كمنهج سعى بداية للحد من تأثيرات الأمراض الاجتماعية، بما في ذلك النتائج السيئة التي يحققها الأطفال، وهذا أمر جدير بالثناء، ولكننا أغفلنا دراسة الأطفال الذين يتمتعون بقدرة على التكيف على مدار عقود، فالإعلام عادة ما يتناول النتائج السيئة التي يحققها الأطفال كأخبار جديرة بالتغطية أو تجذب الانتباه؛ فدور وسائل الإعلام في نهاية المطاف يتمثل في إبلاغنا بجميع الأخبار على اختلافها. وربما يكون علماء النفس قد فشلوا في تعريف العامة أن غالبية الأطفال ينجحون في المدرسة وأنهم لا ينتهكون القانون. وأيًّا كانت العوامل التي أسهمت في مفهوم عامة الناس عن المراهقين، فإننا أخفقنا في نقل الصورة الكاملة لتجارب المراهقين.
عندما يعمم الأفرادُ البالغون النتائجَ السيئةَ التي يحققها بضعة مراهقين ممن يحظون بتركيز إعلامي كبير على جميع المراهقين، فإننا بذلك لا نغفل فقط حق الغالبية العظمى من المراهقين ممن ينجحون في تجاوز هذه المرحلة بالفعل، بل إننا نحط من قدْر المراهقين ممن يحتاجون أكثر إلى أشخاص بالغين مؤازرين ومتعاونين. عادةً ما نَصِف المراهقين الذين يواجهون تحديات جمَّة بأنهم غير أسوياء بالفطرة. ثمة أمر مهم أتمنى أن يَعِيَه الجميع جيدًا: لا يولد أيٌّ من أبنائنا «مجرمًا بالفطرة»، ولا تولد أيٌّ من بناتنا أنانيةً ومتكبرةً بالفطرة. إن أطفالنا يتبعون نماذج الأشخاص الذين نختلط بهم على المستوى الاجتماعي، ويجب أن يتأكد الأشخاص البالغون المسئولون عن المراهقين أن السنوات التي نُمضيها في تيسير النمو المعرفي والاجتماعي لدى الأطفال لن تذهب هباءً؛ فالدروس المبكرة التي يتعلمها الأطفال لا ينسونها، حتى إذا تعين علينا الحرص على إبراز بعض الدروس المهمة من آن لآخر أثناء تعاملنا معهم، وهو ما يؤكده جميع الآباء والمعلمين الذين يتعاملون مع المراهقين؛ فالأطفال يحتاجون تحفيزًا إيجابيًّا ومؤازرة من قِبَل مقدِّمي الرعاية البالغين. وهناك عامل آخر أثبت جدواه في تحقيق نتائج معرفية جيدة في كلٍّ من المدرسة والمنزل؛ ألا وهو الأنشطة اللامنهجية.
(??) الأنشطة اللامنهجية

رغم إدراك مسئولي المدارس لهذا الأمر منذ عقود، لدينا حاليًّا بيانات توضح أن الأنشطة المرتبطة بالوقت غير الدراسي في المدرسة تُعد دلالات على النجاح الدراسي للأطفال (جيلمان، مايرز، بيريز ????)؛ فالأطفال الذين يشتركون في أنشطة مثل الفنون الجميلة أو الألعاب الرياضية يتميزون بأداء معرفي أفضل، مقارنةً بزملائهم ممن لا يمارسون تلك الأنشطة. علاوة على ذلك، تسهم أنشطة «المنتديات»، مثل منتديات محبي الرياضيات أو اللغات الأجنبية أو الشطرنج، في تحقيق الفوائد نفسها؛ فما السبب في ذلك؟ لِمَ يحقق الأطفال الذين يقضون وقتًا أطول في المدرسة معدلات نجاح أعلى بشكل عام؟ استنادًا إلى نتائج الأبحاث النفسية، ثمة مؤشرات توضح لنا كيفية إسهام الأنشطة اللامنهجية في تحقيق النتائج الإيجابية، وهي ليست مفاجِئة على الإطلاق.
يحقق الأطفال المداومون على ممارسة الأنشطة اللامنهجية نتائج إيجابية نظرًا لعدة أسباب، فما الذي يعزز هذا الاهتمام؟
(?) يريد الآباء أن يتطور أطفالهم على النحو الأمثل قدر الإمكان.
(?) يحتاج الآباء العاملون إلى توفير رعاية لأطفالهم قبل الدوام المدرسي أو بعده.
(?) يتمنى أعضاء هيئة التدريس في المدارس أن يتطور الطلبة بشكل متكامل قدر الإمكان.
(?) يسهم نجاح العاملين في المدرسة في مستقبلهم المهني ونجاح المدرسة. إن وجود فرقة موسيقية أو فرق ناجحة وسعيدة يساعد في الارتقاء بالمستقبل المهني للمعلمين، علاوةً على زيادة اعتزاز المعلمين والطلبة بالمدرسة.
(?) يستمتع الأطفال بالوجود مع أقرانهم.
(?) يستفيد الأطفال من تطوير العلاقات مع المعلمين خارج الفصل الدراسي.
(?) يتطور مستوى بعض الأطفال مع ممارسة الأنشطة البدنية أو الفنون الجميلة أو الأجواء التنافسية بصفة عامة.
(?) يتعاون الأشخاص البالغون بعضهم مع بعض لإنجاح البرنامج الخاص بالأنشطة اللامنهجية.
(?) ينظر الأطفال إلى تعاون البالغين كنموذج للسلوك التعاوني مع أقرانهم ومع البالغين.
(??) تتعزز المجتمعات ككلٍّ من خلال المدارس الناجحة.
تعزِّز الأفكارُ المذكورةُ اهتمامَ الأطفال بالأنشطة اللامنهجية، والأسس التي بُنيت عليها هذه الأفكار منطقية؛ فعلى الرغم من أن بعض الأطفال لن يطوروا مهارة لا منهجية إلى درجة الوصول إلى الاحترافية في الموسيقى أو الرياضة، فإن المتعة المجردة التي تتحقق من تكوين العلاقات وفَهْم الذَّات في بيئات داعمة تقع «خارج» إطار خبرات الفصل المدرسي، شيءٌ ثمينٌ. نرى أشخاصًا بالغين جديرين بالثقة يعملون معًا للارتقاء بالنمو العام للأطفال، بما في ذلك صحتهم النفسية الجيدة. تقترن هذه الأنشطة بتعزيز قدرات الأطفال وبتحقيق نتائج إيجابية.
رغم ذلك، لا يحظى بعض الأطفال بفرص لممارسة الأنشطة اللامنهجية، كذلك لا يكتسب جميع الأطفال ممن حَظُوا بتلك الفرص تجارب إيجابية، وهنا يجب على الأشخاص البالغين المسئولين عن الأطفال مراقبة هذه الاحتمالات أيضًا.
لا يحظى جميع الأطفال بأُسَر يمكنها دعم اهتماماتهم بالأنشطة اللامنهجية ماليًّا؛ فقد تكون الآلات الموسيقية باهظة الثمن، وقد تمثل الانتقالات من المدرسة وإليها غاية المشقة، وما إلى ذلك. ويجب أن يضع البالغون المسئولون عن الأطفال في اعتبارهم سبل دعم مشاركة جميع الأطفال في الحياة المدرسية خارج الفصل الدراسي وداخله؛ ولذلك، من ناحية الآلات الموسيقية باهظة الثمن، يجب دراسة سبل توفير المدارس للآلات الموسيقية المستعملة لهؤلاء الأطفال الذين لا يملكون الإمكانيات المادية لشراء الآلات الجديدة. في حين أن بعض المناطق التعليمية لا تضع مثل هذا النوع من الدعم ضمن ميزانياتها، هناك مناطق تعليمية أخرى تضعه بندًا في الميزانية. وعادة لا توفر المناطق التعليمية دعمًا للانتقالات للأطفال الذين يمارسون الأنشطة اللامنهجية؛ إذ لا تكفي الميزانيات المحدودة المخصصة لها لتغطية هذه الأنشطة «الخارجية». تمثل هذه التحديات فرصة أخرى لجميع البالغين للعمل معًا لمعالجة المشكلات المرتبطة بمشاركة الأطفال في الأنشطة اللامنهجية؛ إذ يمكن أن يتكاتف الآباء والمعلمون والشركاء الآخرون في المجتمع للتباحث في أفكار تهدف إلى تذليل العقبات التي تعترض سبيل الأنشطة اللامنهجية، بما في ذلك اشتراك الجيران بعضهم مع بعض في نقل الأطفال بسياراتهم وغير ذلك؛ بهدف مساعدة الأطفال في اختبار مجموعة من المحفزات المعرفية والاجتماعية والبدنية.
بعض الأطفال الأوفر حظًّا ممن تتسنى لهم المشاركة في الأنشطة اللامنهجية لا يحصلون على خبرات إيجابية؛ فالبعض منهم قد يجد نفسه مجبرًا على التفوق في أنشطة لا يتحمس لها بسبب نجاح الأسرة سابقًا في مجال بعينه (كأن يكون الأب عازفَ بيانو ماهرًا أو تكون الأم قد حصلت على بطولات في كرة السلة، وما إلى ذلك). كما يُتوقع أن يشترك أطفال آخرون في أنشطة كثيرة جدًّا في وقت واحد؛ الأمر الذي قد يصيبهم بالإنهاك. وعلى الرغم من عدم إجراء أبحاث كافية في موضوع «المغالاة في الانخراط» في الأنشطة اللامنهجية، فإن حُسن التمييز ومراقبة مستويات التحصيل المدرسي والنشاط والاهتمام يجب أن يساعد الأشخاص البالغين في تحديد قدر الأنشطة الذي يسهم في تعزيز النمو العام للأطفال. يمكن أيضًا أن يشارك الأطفال في أنشطة لا منهجية تضم مجموعات الأقران ممن هم معرَّضون لمخاطر إدمان الكحوليات أو تعاطي المخدرات (إيندرسن وأولويس ????)، فإذا كانت إحدى المجموعات التي تمارِس أنشطة لا منهجية تشتهر في المدرسة بممارسة سلوك خطر، ينبغي للأشخاص البالغين الذين يراقبون الأطفال أن يدركوا هذا، وأن يتخذوا الخطوات الكفيلة بالحد من المشكلة. وقد تُسْفر مجموعات الأقران عن تأثيرات إيجابية أو سلبية، سنتطرق إلى هذا الأمر على نحو أكثر تفصيلًا في الفصل الخامس.
ويجب أن يراعي البالغون الداعمون للأنشطة اللامنهجية أن الأطفال كافة يحظون بفرصة للمشاركة، وأن جهودهم محل اهتمام وتقدير، وتطورهم العام محل تشجيع. تَحدُث عملية بناء العلاقات عندما يتعاون الأطفال كفريق لتحقيق هدف مشترك. ثمة بِضع ملاحظاتٍ على الأشخاص البالغين وَضْعُها في الاعتبار عند تقييم البرامج اللامنهجية المتاحة؛ على سبيل المثال: سواء اشترك الطفل في مجموعات الفنون الجميلة أو مجموعات فرق الكرة، كيف يجري التعامل مع مشاركة كل طفل على حدة؟ هل يضع البالغون المسئولون عن البرامج في الأذهان نتائج جيدة مرجوة على صعيد الصحة النفسية عند تعليم الأطفال أو تدريبهم؟ كيف يجري التعامل مع حالات الإخفاق؟ المعروف أن تحقيق نتائج سيئة في مسابقة موسيقية أو خسارة فريق الكرة في الملعب يَحْمل دروسًا وعِبرًا يتعلمها الأطفال. إن أسلوب تعامل الأشخاص البالغين المسئولين مع هذه المهام الشاقة لا تقتصر فوائده على أنه يرسي نماذج سلوكية الأطفال، ولكنه يمكن أن يسهم أيضًا في تدعيم الصحة النفسية العامة للأطفال. يتعزز نمو الأطفال عندما يتنبَّه جميع الأشخاص البالغين المسئولين عن الأطفال إلى ظهور جانب آخر من جوانب النمو الإيجابي جنبًا إلى جنب مع تطوُّر مهارات النشاط اللامنهجي الذي يمارسه الطفل. في غالب الأمر يمكن نقل المهارات المرتبطة بالأنشطة اللامنهجية في المدرسة الإعدادية إلى بيئة المدرسة الثانوية؛ إذ يمكن أن تلعب هذه المهارات دورًا كسبيلٍ انتقاليٍّ للأطفال المقبلين على بيئة أخرى أكبر في الكثير من المناطق التعليمية. وفي أغلب الأحيان تستمر علاقات الأقران التي تكوَّنت في سياق الأنشطة اللامنهجية، بل وتساعد في تيسير الانتقال إلى المدرسة الثانوية أيضًا.
(??) المدرسة الثانوية

يختلف التطور المعرفي للأبناء في المدرسة الثانوية تمامًا عن تطورهم في السنوات الدراسية الأولى في المدارس الابتدائية. تتميز الكثرة من المدارس الثانوية في الولايات المتحدة بضخامتها وتشبه حرم الكليات الصغيرة، ويُطلَق على هذه المدارس حرفيًّا «المدارس الثانوية المقامة على طراز حرم الجامعات»؛ للإشارة إلى مساحتها الواسعة والأعداد الكبيرة للطلبة الملتحقين بها. بعض المدن أو الضواحي لا تضم مثل تلك المدارس الثانوية الضخمة، وهو الأمر الذي يشكل معيارًا آخر للتقييم يجب أن يراعيه البالغون المسئولون عن الأطفال أثناء تفكيرهم في مكان الإقامة وطرق توفير أفضل تجارب مدرسية للأبناء. على سبيل المثال، في حالة إدراك المناطق التعليمية الكبيرة في الضواحي أن أعداد الطلبة بها ضخمة، كيف يمكنها مساعدة الطلبة في تحقيق الكفاءة المعرفية وبناء العلاقات في مثل هذه البيئة؟
تكتسب استراتيجياتٌ مثل «فِرق المعلمين» أو «مجموعات التعلُّم الصغيرة» شعبيةً في الولايات المتحدة حاليًّا؛ فالمعلمون في مختلف المجالات المعرفية عندما يتواصلون معًا يتسنى لهم التعرف أكثر على مجموعات الطلبة في صفوفهم؛ على سبيل المثال، يمكن أن يتواصل معلم الرياضيات الخاص بطالبٍ ما مع معلم العلوم للطالب نفسه لمقارنة الملاحظات الرامية للتوصل إلى الأسلوب الأمثل لتحفيزه أو التعامل معه؛ فعندما يُتاح للمعلمين العملُ كفريق متماسك، يتسنى حينها للمدارس الثانوية الكبيرة أن تسهم بصورة إيجابية في تطور الأبناء المعرفي والاجتماعي.
تشير عبارة «مجموعات التعلُّم الصغيرة» إلى قدرة الطلبة على اختيار مجال محل اهتمام، وتجريب هذا المجال على مدار عام كامل أو أكثر في المدرسة الثانوية. وعادةً ما تحدِّد هيئةُ التدريس في المدارس المجموعاتِ أو الاختياراتِ المُقدَّمةَ للطلبة. يُرجح أن يختار الطلبةُ المهتمون بمجال الطب مثلًا كمهنة محتملة مجموعةَ تعلُّمٍ ذاتَ صلة بذلك المجال. وعلى ما يبدو فإن الطلبة الذين يختارون مسارًا محددًا في مجموعات التعلُّم سيتشاركون الاهتمامات نفسها، ويدعمون بعضهم بعضًا، ويختارون معلمين لديهم اهتمامٌ شديدٌ في تلك المجالات بعينها أيضًا. يتولى المعلمون المشاركون في مجموعات التعلُّم هذه تصميم مناهج تتمحور حول اهتمامات طلابهم واهتماماتهم الشخصيَّة؛ على سبيل المثال، تشترط معظم المدارس الثانوية أن يَدْرس الطلبةُ مقرراتٍ علميةً متعددةً تُحسب لهم كساعات معتمدة عند التخرج. ومن المرجح أن يُنْصح الطلبة الذين يختارون مجال الطب كمجموعة تعلُّمٍ بالالتحاق بإحدى دورات المواد العلمية، مثل التشريح والفسيولوجيا، بدلًا من دراسةٍ مقدَّمةٍ لهندسة الحاسبات مثلًا. وقد ثبتت فاعلية استراتيجيات مثل فِرق المعلمين أو مجموعات التعلُّم الصغيرة لدى هيئة التدريس في المدارس في تعزيز التطور المعرفي لأعداد كبيرة من الطلبة.
وبينما يُحدِّد الأشخاص البالغون سُبل دعم الأبناء في البيئات المتنوعة للمدارس الثانوية، فإن الالتزام ببناء العلاقات ووضع توقُّعات عالية لجميع الأبناء من شأنه مساعدتهم في تجاوز سنوات المراهقة المتأخرة؛ فالأبناء الذين يتمتعون بصحة نفسية جيدة يمكنهم الانتقال من بيئة المنزل إلى السياقات الأوسع للعمل أو الجامعة بأساس متين. وسيستمر التطور المعرفي خارج المنزل مع انتقال الأبناء نحو مرحلة البلوغ.
يشير عنوان هذا الفصل إلى تعلُّم الأبناء في بيئات خارج نطاق المنزل. مع ذلك، وكما وعدتكم، أودُّ فحص تأثيرٍ واحد على الأبناء يتولد خارج المنزل، ولكنه يدخل إلى منازلنا ومدارسنا ومنشآتنا الخاصة برعاية الأطفال وأماكن العمل بصورة دائمة؛ ألا وهو الإعلام.
(??) الإعلام وتأثيره في الأبناء ومساعي البالغين لانتقاء التأثيرات

يشير مصطلح الإعلام إلى كافة أشكال التواصل العامة التي تهدف إلى نقل الأنباء أو تقديم التسلية؛ ومن ثَمَّ قد يكون الإعلام في صورة مطبوعة أو مرئية أو مسموعة. قد تسفر وسائل الإعلام عن تأثيرات إيجابية أو سلبية أو غير مهمة أو مضلِّلة إلى حدٍّ بعيد، ويمكن أن يعمل البالغون المسئولون عن الأطفال على غربلة هذه التأثيرات بحيث تتعزز الصحة النفسية للأطفال. أحد نماذج وسائل الإعلام الواسعة الانتشار للغاية في الولايات المتحدة هو البرامج التليفزيونية.
في أواخر ستينيات القرن العشرين، خضعت البرامج التليفزيونية المُقدَّمة للأطفال في الولايات المتحدة للمراجعة عندما قرر مجموعة من الأشخاص البالغين الناشطين مراقبةَ ما كان يُعرض للأطفال، والمناداةَ بإتاحة المزيد من فرص التعلُّم من خلال البرامج التليفزيونية، وبهذا ظهرت برامج مثل «عالم سمسم» و«تليفزيون الأطفال». لا يستطيع العديد من الأطفال الأمريكيين في القرن الحادي والعشرين أن ينكروا أنهم يعرفون شخصيات مثل «كيرميت» و«ميس بيجي» و«بيج بيرد» و«إلمو» و«إيرني»؛ فقد أحدثت الشخصياتُ التي جسَّدها الممثلون في البرامجِ والعرائسُ المتحركةُ ثورةً في عالم برامج الأطفال؛ إذ صوَّرت قصصًا عن القراءة أو الأعداد أو عن صفات الصديق في إطار الرعاية والتنشئة، جنبًا إلى جنب مع قدر كبير من الفكاهة المستمَدة من الكلمات والفنون المرئية والموسيقى والرقص. وفي الوقت الذي قد نعتبر فيه أن «عالم سمسم» يُعد البرنامج الرائد الذي سبق برنامجَي «مغامرات دورا» و«بلوز كلوز» العصريَّيْن، فإن غالبية البرامج التليفزيونية اليوم لا تهدف إلى التعليم، أو ليست مناسبة للأطفال؛ فالبرامج ذات المحتوى الثري، التي تعلِّم الأطفال بالفعل، قليلةٌ للغاية، ويقتصر عرضها في محطات التليفزيون العامة، بدلًا من عرضها في محطات التليفزيون ودور العرض السينمائية الهادفة للربح وما شابهها. وقد زادت البرامج التعليمية والترفيهية المخصصة للأطفال على مدار العقدين السابقين بحيث تتخصص الآن بضع شبكات تليفزيونية في بث برامج الأطفال فقط، هذا أمر سارٌّ للأطفال ومقدِّمي الرعاية البالغين، ولكن لا يزال يتعين على البالغين تحديد تأثيرات غالبية البرامج الإعلامية التي يتعرض لها الناس بكثرة (سميث ودونرشتاين ????).
إن الأشخاص البالغين الذين يحددون تأثيرات وسائل الإعلام على الأطفال يُسدُون للمجتمع بأكمله خدمة جليلة. إن المسئولين الإعلاميين أنفسهم يقولون إن ما ينتجونه من برامج لا يناسب الأطفال على الدوام، وإن مسئولية مراقبة البرامج الإعلامية تقع على عاتق الأفراد البالغين في حياة الأطفال. لا يوفِّر التليفزيون أو الفيديو أو الكمبيوتر الرعايةَ المناسبةَ للأطفال؛ بل لا يستطيع توفيرَها سوى الأفراد البالغين الذين يراقبون التأثيرات الإعلامية ويحددونها للأطفال الذين في كنفهم. ويمكن استغلال جميع الوسائل الإعلامية لتعزيز نمو الأطفال والارتقاء بصحتهم النفسية الجيدة، وهناك العديد من الوسائل الكفيلة بمساعدة الأشخاص البالغين المنوطة بهم مراقبة التأثيرات الإعلامية والتصرف إزاءها.
وسائل البالغين لتحديد التأثيرات الإعلامية

(?) استعِنْ بالإعلام المناسب لأعمار الأطفال لعرض الأنشطة التعليمية والترفيهية بصورة معتدلة.
(?) انتبِهْ دائمًا إلى وسائل الإعلام المتاحة في حضور الأطفال، بغضِّ النظر عن المحيط، واحرصْ على مراعاة المحتوى وتساءلْ عن مدى إيجابية التأثير، وأَجْرِ هذه المناقشات في حضور الأطفال.
(?) غيِّر البرنامج الإعلامي محل الاعتراض أو غيْر المناسب لعمر الطفلة التي تشاهده، أو انقُلِ الطفلة بعيدًا عن ذلك المحيط.
(?) عليك تفسير هذا السلوك للطفلة؛ فإذا عُرض البرنامج بالفعل وكانت الصور أو الأصوات مزعجة للطفلة، فناقشْ ذلك. على سبيل المثال، إذا عُرضت مَشاهد عنف على شاشة التليفزيون أمام طفلة في سنِّ ما قبل المدرسة، فقمْ بإصدار عبارات تعكس ردَّ فعل الطفلة إزاء هذه اللقطات والمعنى الذي يمكن استنتاجه من اللقطات، قلْ مثلًا: «إن هذه اللقطات مزعجة للغاية وتُسبب لي الضيق، هل تريدين التحدث عنها؟ يجب أن يتعلم الناس كيفية التعاون بعضهم مع بعض ليسعدَ الجميع. لِنشاهدْ شيئًا يُظهر سبلًا للتعايش معًا.» وبناءً على عمر الطفلة، قد لا يكون مثل هذا الحوار ممكنًا، ولكن يمكن أن يقوم الأشخاص البالغون ببناء ردود أفعالهم بما يتناسب مع البرنامج الذي يُبَثُّ ومستوى المهارات المعرفية للطفلة.
(?) يجب أن تكون نموذجًا للمتلقي المطَّلع؛ فالبالغون الذين ينتقون التحفيز الإعلامي المناسب يقدمون للأبناء نموذجًا يُقتدى به في سلوكياتهم، وينطوي ذلك على تحفيزٍ لهم بأن ينتقوا لأنفسهم التأثيرات الإيجابية فيما بعد. وبحلول العام الثالث أو الرابع، إذا نطقت الطفلة عبارةً مِن قبيل «إن هذه المناظر تخيفني، من فضلك أطفئ الجهاز»، فإن البالغين يكونون بهذا قد نجحوا في أداء المهمة.
قد تكون هذه النصائحُ القليلة ذاتَ أهمية بالغة في إطار محاولة البالغين انتقاء تأثيرات الوسائل الإعلامية، وقد تَحْدث المواقف نفسها مع أجهزة الكمبيوتر والأفلام السينمائية، وحتى الصحفِ أو الكتبِ التي يَختار الأطفال قراءتها؛ فالبالغون الذين يقدِّمون للأطفال معلومات عن تأثير وسائل الإعلام يمكن أن يساعدوهم في الحرص على القِيَم التي يؤمن بها هؤلاء البالغون، وفي حالة عرض محتوًى إعلاميٍّ لا يتناسب مع الأطفال عند الجيران أو الأقارب أو في أماكن عامة، يجب أن تتحلى بالجرأة لكي تعلن بصراحة أن «هذا المحتوى لا يتناسب مع هذه الطفلة.» وعلى الرغم من عدم قدرة أيٍّ منا على السيطرة على البالغين الآخرين، فإن التحدث عن القِيَم التي نؤمن بها يتيح للأطفال الخاضعين لرعايتنا أن يدركوا التزامنا واتساقنا معها؛ وهذا يعني أن هناك جيرانًا بالفعل يسمحون لأطفالهم ممن لم يتجاوزوا ثلاث سنوات بمشاهدة الأفلام المُصنَّفة بأن بها مشاهد عنف أو مشاهد جنسية، أو مشاهدة قناة إم تي في. ورغم ذلك، فالأشخاص البالغون المدافعون عن الأطفال وعن البرامج الإعلامية الجديرة بالثقة ينقلون قِيَمهم هذه إلى الأطفال الذين في كنفهم، وعادة ما ترتبط مثل هذه القِيَم بالأطفال على مدار نموهم.
ولكنْ ما المحتوى الإعلامي الذي يسعى الأشخاص البالغون إلى حَجْبه؟ يمثل العنف ورهاب المثلية الجنسية والعنصرية والتمييز الجنسي والمحتوى الجنسي الصريح في وسائل الإعلام مثاراتِ تخوُّفٍ لدى الأشخاص البالغين المسئولين. قد يساعدنا تقديرنا الحكيم لمستوى النمو لدى الأطفال في انتقاء المحتوى الإعلامي بشكل جيد، ولكن إذا ألقينا نظرة على مَشاهد العنف والجنس في وسائل الإعلام، فسنكتشف المخاوف المرتبطة بشأن الإعلام عامة.
دارت مناقشات حول العنف المنتشر في الإعلام وآثاره على الأطفال على مدار الثلاثين عامًا السابقة تقريبًا، وقد حاولتْ لجانٌ رئاسية وباحثون في مجال علم النفس وفي مجالات أخرى دراسةَ هذا الموضوع، ولدينا قدر كبير من الأبحاث التي أُجريت على مدار عدة عقود، والتي تثبت أن العنف الذي يُعرض من خلال وسائل الإعلام يشكِّل أحد العوامل السلبية في حياة الأطفال. ويرى اثنان من علماء النفس المتخصصين في مجال العنف في وسائل الإعلام، وهما ستايسي إل سميث وإدوارد دونرشتاين (????)، أن العنف في وسائل الإعلام يقترن بالسلوكيات السلبية لدى الأطفال، ولكن لم تُعيَّن بعدُ حدودُ هذه العلاقة حقًّا. يواصل علماءُ النفس دراسةَ ارتباط العنف في وسائل الإعلام بالعدوانية لدى الأطفال، وقد اكتُشف العديد من العوامل المرتبطة بردود الأفعال العدوانية عند الأطفال؛ فعلى سبيل المثال، وُجد أن معدل ردود الأفعال العدوانية يرتفع في حالة عدم تصوير معاناة ضحية العنف، وأيضًا في حالة تصوير مرتكبي الجريمة بأنهم أشخاص يتمتعون بالجاذبية ولا يتحملون عواقب أفعالهم؛ بمعنى أن نموذج «الأبطال» الذين يتَّسمون بالجاذبية والعنف ولا يعانون عواقب سلبية والضحايا الذين ليست لهم أهمية؛ هو «الأمثل» لتعزيز العدوانية لدى الأطفال. كما ترى مؤسساتٌ مثل الجمعية الأمريكية للطب النفسي والجمعية الطبية الأمريكية بأن العنف السائد في برامج التليفزيون والأفلام وألعاب الفيديو يُعد أحد العوامل المساعدة على العنف في الولايات المتحدة. وفي الواقع، تَعتبر مراكزُ مكافحة الأمراض أن العنف السائد في وسائل الإعلام يمثِّل أحد العوامل المساهمة في الانتشار الوبائي للعنف بين النشء على مستوى الولايات المتحدة. هذا وقد زاد مقدار العنف وحدَّته في وسائل الإعلام مقارنة بعشرين عامًا مضت؛ ومن ثَمَّ يحتاج الأطفال إلى أشخاص بالغين يتصرفون على نحو مسئول. ومن المفترض أن تساعد البياناتُ الواردةُ أعلاه البالغين الذين يسعون إلى رقابة هذه التأثيرات وتحديدها.
يُمثِّل المحتوى الجنسي المنتشر في وسائل الإعلام إحدى النقاط المثيرة للقلق عند مقدِّمي الرعاية البالغين. وبالنسبة لموضوع المحتوى الجنسي، يندر وجود بيانات طولية تُثبت وجود علاقة بين هذا المحتوى وسلوكيات الأطفال بمرور الوقت، وقد نُشرت دراسة حديثة أجراها ستيفن مارتينو وزملاؤه في معهد راند في مجلة بيدياتريكس المتخصصة في طب الأطفال (مارتينو وآخرون ????)، وقد خَلَصَ الباحثون إلى أن الاستماع إلى كلمات الأغاني التي تشير إلى تجارب جنسية مهينة، مثل إيذاء الإناث والاعتداء الجنسي على الذكور، قد ارتبط بصورة ملحوظة بالعلاقة الجنسية الأولى للمراهقين والممارسات الجنسية الأخرى، وكلما ارتفع مستوى سلبية الرسائل الجنسية التي استمع إليها المراهقون، انخرطوا في علاقات جنسية مبكرة. يتمكن الأطفال بسهولة من الوصول إلى المحتوى الجنسي في وسائل الإعلام بمجرد تشغيل الراديو أو الكمبيوتر أو التليفزيون في أي وقت على مدار اليوم.
على مدار أغلب سنوات الثمانينيات، كانت شبكات التليفزيون ملتزمة بقواعد الرقابة الذاتية، وكانت البرامج التي تتضمن مشاهد جنسية تُعرض بعد التاسعة أو العاشرة مساءً؛ بحيث يُتاح للبالغين منع الأطفال من مشاهدة هذا المحتوى، ولكنَّ هذا الأمر لم يستمر طويلًا؛ ففي ظل انتشار التليفزيون الكَبْلي وإمكانية الوصول إلى المحتوى الجنسي بواسطة الإنترنت والسلوكيات الجنسية غير المسئولة، يُعد الأطفال في الوقت الراهن مستهلكين لهذا النوع من الإعلام، ويظهر العديد من النماذج في إطار هذا المحتوى.
يُصوِّر التليفزيون سلوكيات المراهقين والبالغين غالبًا على أنها شديدة التركيز على النشاط الجنسي دون ارتباط أو التزام، وقد خرجت روايات أو أفلام كاملة تتمحور حول الشريك الجنسي لكل شخصية من الشخصيات، وقلَّما وجدنا نماذج تتضمن حوارات بين الشركاء الجنسيين يتحدثون فيها عن الممارسة المسئولة للجنس، أو عن تحديد النسل، أو نماذج لأشخاص عَانَوا العواقب الوخيمة الناجمة عن السلوك الجنسي غير المسئول. وفي مقالها المختصر المنشور في مجلة سكس ريسيرتش، والذي يدور حول تأثير وسائل الإعلام في التوجه الجنسي للمراهق، أوردتْ جين دي براون النتائج التي توصلت إليها من خلال عدة دراسات، والتي تُوضِّح أن المراهقين يستخدمون وسائل الإعلام للحصول على المعلومات الجنسية، ويعتبرون ما يُعرض في هذه الوسائل نماذج يُحتذى بها في سلوكياتهم الجنسية الشخصية (براون ????). فعلى سبيل المثال، ثبت أن ترحيب المراهقين بالسلوك الجنسي خارج إطار الزواج يرتفع مع زيادة تعرضهم للمحتوى الجنسي المعروض في وسائل الإعلام. كما يرتبط التعرض الزائد للمناظر الجنسية الإباحية بمعتقدات المراهقين عن النشاط الجنسي الشاذِّ (مثل ممارسة الجنس الجماعي والتوحش الجنسي وعدم الارتباط بشريك واحد). تسهم أيضًا الأفلام الجنسية الصريحة في تكوين رؤًى قاسية لدى الشباب حول الاغتصاب، كما لو أن هذا الاعتداء الوحشي ليس شديد الفظاعة نتيجةً لتصويره في هذه الأفلام على أنه «ممارسة جنسية تتم بغير تراضٍ بين الطرفين»؛ حيث لا يحدث اعتداء دموي على الضحية التي لا تعاني من أي عواقب سيئة. ويجب أن يحرص الأشخاص البالغون على التأكيد للأطفال أن تلك الممارسات الجنسية التي تتم بغير تراضٍ على ما يبدو هي جريمة اغتصاب. وقد كشفت الدراسات التبادلية عن وجود علاقة بين التعرُّض للمحتوى الجنسي بالتليفزيون وممارسة الجنس للمرة الأولى لدى المراهقين؛ بمعنى أنه كلما شاهد الأبناءُ المزيد من المحتوى الجنسي، مارسوا الجنس في وقت مبكر (براون ????).
إن الممارسات الجنسية الخالية من أي مخاطر لا تمتُّ للواقع بصلة؛ فعلى الرغم من أن النشاط الجنسي يمثل أحد المحاور الطبيعية للنمو — بل وأحد الأركان المهمة في حياة البشر — فإن رسائل البالغين الموثوقة عن الالتزام والمخاطر تُعد غاية في الأهمية، ونادرًا ما توجِّه وسائلُ الإعلام مثلَ هذه الرسائل. ونظرًا لتصوير الإعلام للممارسات الجنسية دائمًا بأنها خالية من أي مخاطر، يتعين على الأشخاص البالغين المسئولين إقامةُ حوار مع الأطفال حول السلوك الجنسي بصفته عمليةً طبيعيةً جميلةً، فضلًا عن كونها أحد مظاهر الالتزام في علاقات الأشخاص مع غيرهم على مدار تطوُّرنا.
ثمة ملاحظة تحذيرية أخيرة تتعلق بانتشار شبكات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع بين الأطفال من كافة الفئات العمرية في الوقت الحالي؛ ففي الوقت الذي قد لا يلاحِظ فيه البالغون محتوى العنف أو المحتوى الجنسي بداخل هذه الشبكات الاجتماعية، قد ثبت وجود كلا المحتويين. يَنشر الأطفال صور العنف والصور الجنسية والمحتوى اللفظي أيضًا في المساحات الخاصة بهم في هذه المواقع الاجتماعية، ويفعل البالغون الذين يتظاهرون بأنهم أطفال على الشبكات الاجتماعية الأمر نفسه. ويجب أن يدرك الآباءُ والمعلمون المسئولون عن رقابة هذه المحتوياتِ الإعلاميةِ والحدِّ منها أن جهاز الكمبيوتر ما هو إلا أحد مصادر التأثيرات السلبية المحتملة. وبشكل عام، يجب على الأشخاص البالغين غير الملمِّين بكيفية استخدام أجهزة الكمبيوتر، على النقيض من أطفالهم، أن يحصلوا على بعض النصح من الأشخاص المتمرسين؛ حتى يتعلموا كيفية مراقبة استخدام أطفالهم للكمبيوتر. يمكن مراقبة تفاعلات الطفلة على شبكات التواصل الاجتماعية على نحوٍ معلَن، بل وينبغي أن يُحاط الأطفال علمًا بأن البالغين هم من يقومون في الواقع بهذه الإجراءات، وهناك قاعدتان من القواعد العامة التي ينبغي على الأطفال الالتزام بها: (?) الحد من وضع المعلومات الشخصية؛ فالعناوين وأرقام الهاتف وحتى أسماء المدارس أو المواقع قد تؤدي إلى تعريض الأبناء لمخاطر المواجهات المباشرة غير المرغوب بها. (?) استخدام مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح للطفلة تحديد الأشخاص الذين يمكنهم الدخول إلى الموقع وترك رسائل؛ ويُشار إلى هذه باسم «ملاحظات الخصوصية». ويجب على البالغين أن يتفقدوا «الأصدقاء» في الحساب الخاص بالطفلة ومعرفة هؤلاء الأصدقاء، علاوة على مناقشة الأمور الخاصة بصديق للطفلة على الشبكة، تمامًا مثلما يحدث مع علاقات الصداقة الواقعية. ويوصى بالصراحة والوضوح والاهتمام فيما يتعلق بالمراقبة، كما يحدث في كافة التفاعلات مع الأطفال.
إن طول هذا الفصل لا يَترك لنا المجال لطرح ملخصٍ لمفاهيم رهاب المثلية الجنسية والتمييز العنصري والجنسي، التي يجري تداولها في وسائل الإعلام، رغم ورود قدر كبير من هذا المحتوى على مدار الفصل أيضًا، ونحن نعلم أن معتقدات الأطفال حول هذه الموضوعات ترتبط بالإعلام، ويذكر المراهقون أنهم يستخدمون وسائل الإعلام كواحدة من أهم ثلاثة أو أربعة مصادر للمعلومات من أي نوع، كما تمثل عملياتُ الانتقاء التي يقوم بها الأشخاص البالغون لوسائل الإعلام أحدَ الموارد التي يستفيد منها الأطفال أيضًا. إن إجراء حوار مع الأطفال حول موضوعات يهتمون بها عندما يكونون مستعدِّين، إلى جانب انتقاء التأثيرات الإعلامية من قِبل البالغين، هو «خط الدفاع الأمثل» ضد تأثيرات البرامج غير الملائمة. كذلك يستطيع البالغون أن يشرحوا للأطفال كيف يمكن لوسائل الإعلام أن تكون قوة إيجابية تسهم في تعزيز الصحة النفسية الجيدة. هناك مواد إيجابية بالفعل على الساحة الإعلامية.
بدأت المواد الإعلامية التعليمية من خلال برنامج «عالم سمسم» منذ ما يقرب من أربعة عقود على شاشات التليفزيون الحكومي، ولكننا لا نعرف إلا القليل عن هذا التأثير الإيجابي. وتشير الأبحاث إلى أن البرامج التعليمية الإيجابية المخصصة للأطفال لها تأثيراتٌ تَفُوق تأثير برامج العنف (هيرولد ????)، وتدل هذه الإحصاءات ببساطة على أن الباحثين اكتشفوا أن بمقدورهم تعزيز المزيد من السلوك الاجتماعي الإيجابي لدى الأطفال من خلال البرامج الإيجابية من خلال دراسة السلوك العدواني بين الأطفال بعد مشاهدتهم لبرامج العنف. لكن لسوء الحظ، مثلما ذكرتُ في بداية هذا الجزء الخاص بوسائل الإعلام، فإن غالبية البرامج المعروضة في وسائل الإعلام لا تُنتَج بهدف الارتقاء بالتطور المعرفي والاجتماعي لدى الأطفال؛ ومن ثَمَّ يتعين على البالغين المسئولين المناداةُ بالارتقاء بالبرامج الخاصة بالأطفال — بل بجميع البرامج في هذا الصدد — وانتقاء المحتوى في الوقت نفسه. إنها مسئولية ضخمة بالفعل، لكنها ضرورية للغاية.
استعرضنا في هذا الفصل العديد من مصادر التأثير والتعليم فيما يتعلق بالأطفال على مدار نموهم خارج المنزل. تبدأ الصحة النفسية الجيدة من المنزل، ولكن المؤثرات الخارجية تُلقي بظلالها بدرجة كبيرة أيضًا على حياة الأطفال. ويمكن للأشخاص البالغين المتعاونين أن يصنعوا الفارق في النمو المعرفي للأطفال؛ فالتحفيز المعرفي والاجتماعي الذي يوفره مقدِّمو الرعاية والمعلمون للأطفال يساعدهم في التطور الإيجابي المستمر في جميع مسارات الصحة النفسية. ويتحمل مقدِّمو الرعاية البالغون قدرًا كبيرًا من المسئولية في حياة الأطفال لمساعدتهم في تشكيل بيئات يتحقق فيها النمو الأمثل في مراكز رعاية الأطفال والبيئات التعليمية الأخرى. ويشكل البالغون الذين يعملون على انتقاء التأثيرات الإعلامية جزءًا من إطار العمل البيئي هذا، الذي يساعد في تعزيز نمو الأطفال.
(??) الملاحظات المتعلقة برعاية الأطفال

(?) تتفاوت تكلفة رعاية الأطفال بصورة هائلة حسب أنماط الرعاية وجَوْدتها، وأيضًا حسب المنطقة بالبلاد، وقد تتراوح تكاليف الرعاية المنزلية من قِبل أفرادٍ غير الأم بين أجور بسيطة يتقاضاها أقارب، وحتى الأفراد المُرخَّص لهم بإدارة مراكز للرعاية من داخل منازلهم؛ وبهذا فإن تكاليف الرعاية المتخصصة للأطفال الرُّضع من قِبَل أفرادٍ تتراوح عادةً بين ??? و??? دولار أسبوعيًّا. وتتفاوت أيضًا تكاليف مراكز رعاية الأطفال الدارجين إلى حدٍّ كبير؛ فقد تصل التكلفة في المراكز المتميزة إلى ??? دولار أسبوعيًّا، وقد تصل التكلفة الأسبوعية في المراكز التي تهدف إلى تطوير الإبداع والابتكار لدى الأطفال إلى ??? دولارًا. وقد تتميز المراكز الأخرى التابعة لإرسالية خاصة بمؤسسة دينية أو التابعة لنشاط مجتمعي بمستوًى هائلٍ من الجودة وتكلفةٍ زهيدةٍ في الوقت نفسه، وقد تحظى المناطق الحضرية، التي بها معدلات فقر مرتفعة، بمراكز لرعاية الأطفال حكومية أو مُدعَّمة، وبعض هذه المراكز يقدِّم خدمةً عاليةَ المستوى للأُسَر ذات الدخول المنخفضة (مثل مشروع «البداية المبكرة»).
(?) تَقْبل بعضُ مراكزِ الرعايةِ الأطفالَ الرُّضَّع من عمر ستة أسابيع فقط، وقد يقبل بعض الأفراد المستقلين أطفالًا أصغر. عليك أن تقيِّم بحذر كيف يشكل هذا القرار جزءًا من مفهوم «أفضل نموذج ممكن لتربية الأبناء».
(?) على الرغم من أننا لا نَوَدُّ أن نثير مخاوف الآباء الجدد، فإن الوضع القائم الآن في الولايات المتحدة هو أن العديد من المراكز المتميزة لرعاية الأطفال، والأفراد المتميزين العاملين بشكل مستقل في هذا المجال، لديهم قوائم انتظار؛ لذا يتعين عليك، بَعْد فحص البدائل الخاصة برعاية الأطفال، أنْ تُدرِج اسم طفلتك في إحدى قوائم الانتظار عندما يكون الحمل في المرحلة الثانية أو الأخيرة. وبهذه الطريقة، إذا كانت فترة الانتظار تتراوح بين ستة أشهر وسنة، فقد تتوفر لها فرصة يمكن استغلالها عند احتياج الأسرة لها؛ لذلك فالأسلوب الأمثل المتَّبَع في هذه الحالة يتمثل في استكشافِ فترة الانتظار لبيئةِ رعايةٍ جيدةٍ، والتصرفِ وفقًا لذلك في أقرب وقت ممكن. ويرجى العلم أن بعض مقدِّمي رعاية الأطفال يطلبون رسومًا أو إيداعًا مسبقًا في مقابل إدراج الطفل في قوائم الانتظار الخاصة بهم.
(?) يمثل الإنترنت أحد الموارد المفيدة فيما يتعلق بالبدائل الخاصة برعاية الأطفال، ولكن تذكَّرْ أن هناك أشخاصًا بالغين يفتقدون مهارة رعاية الأطفال قد يَصِفون أنفسهم على الإنترنت بأنهم خبراء في مجال رعاية الأطفال؛ ولذلك تَحقَّقْ من الشهادات المعتمدة للمعلِن عبر الإنترنت أو صاحب الموقع الإلكتروني. ويمكن أن يكون الآباء الآخرون مَوْردًا للمعلومات لغيرهم من الآباء المنتظِرين قدوم المولود. وفي حين أن آراء الآباء والأمهات ثمينة، فإنها عادةً ما تكون انعكاسًا لخبراتهم الشخصية؛ ولذلك حاوِلِ الحصول أيضًا على معلومات أخرى مفيدة. على سبيل المثال، يتضمن الموقعُ الإلكترونيُّ الخاصُّ بكل ولاية العديدَ من الصفحات عن إجراءات ترخيص مراكز رعاية الأطفال والأمور الخاصة برعاية الأطفال بوجه عام.
(?) يمكن العثور على معلومات عامة حول تربية الأبناء على العديد من المواقع الإلكترونية، وهذا قد يكون على مستوى منطقة معينة مثل شبكة «بيريكلي بيرَنتس نتورك» في كاليفورنيا، أو على مستوًى وطني كتلك التي تقدمها مؤسسة «بيو تشاريتابل تراست» الخيرية والمعهد الوطني لأبحاث التعليم المبكر.
(??) الملاحظات الخاصة باختيار المدرسة

عندما يفكِّر الأشخاص البالغون في الخيارات المحتملة للمدارس، سواءٌ أكانت حكومية أم خاصة، كبيرة أم صغيرة، فقد تفيد الأسئلة التالية في تقييم هذه الخيارات.
(?) كيف يتواصل إداريُّو المدرسة والمعلِّمون مع الآباء؟ وهل يمكن الوصول بسهولة إلى أرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني؟ وهل يجري إرسال الرسائل الإخبارية الخاصة بالمدرسة إلى المنزل أو عبر البريد؟
(?) هل يُنظر إلى الوالدَين باعتبارهما طرفين متعاونين لهما دورٌ في لجان التخطيط على سبيل المثال؟
(?) هل تُتاح فرص للآباء الموظفين لمقابلة أعضاء هيئة التدريس؟
(?) إلى أي مدًى يتجلى تأثير الالتزامات المجتمعية نحو المدارس وأشكال التعاون مع المدارس (مثل الوعاء الضريبي ومصادر التمويل الأخرى)؟

الفصل الرابع
كيف تعزِّز مشاعرُ الانتماءِ الأُسَري النموَّ؟


هلا تذكر على الفور أحد المسلسلات التليفزيونية، التي تتحدث عن الحياة الأسرية، استمر عرضه عشر سنوات متتالية. لا تقُلْ: «أسرة والتون» أو «عرض كوسبي». إذا فكرتَ في مسلسل «السماء السابعة»، الذي يُعد أطول مسلسل درامي أُسَري في تاريخ التليفزيون، فإنَّ تخمينك في محله. يقول الممثل ستيفن كولنز، الذي قام بأداء دور الكاهن كامدين الأب لسبعة أولاد، إن نجاح المسلسل يُعزى إلى فكرة بسيطة من نسج خيال مؤلِّفي المسلسل، وهي الإشادة بالحياة الأُسَرية؛ فقد تضمنت كلُّ حلقة نظرةً واقعيةً إلى حدٍّ ما للعلاقات بين الآباء والأبناء والأشقاء. اطَّلع المُشاهد بلمحة خاطفة على مَواطن القوة والضعف الكامنة لدى كل شخصية، وكيف أثرت هذه العلاقات في نمو كل فرد من أفراد هذه الأسرة. كان التعقيد واضحًا، ولم تَكُن الحلول يسيرة على الدوام، ولكنْ ظَلَّ الانتماءُ والترابطُ الأُسَري هو جوهرَ الحوارِ؛ فقد أَدْرَكَ كل فرد من أفراد الأسرة أهميةَ دوره لأفراد الأسرة الآخرين.
تذكَّرْ أننا تطرقنا في الفصلين الثاني والثالث إلى النمو المعرفي بداخل البيئة المنزلية وخارجها، بصفتهما المعيارَين الأساسيَّين اللذين يشيران إلى مستوى الصحة النفسية المرتقَب لدى الأطفال. ويتعلق المعيار الثالث المقترن بتحقيق نتائج إيجابية على صعيد الصحة النفسية بالأساس القوي الذي يمكن أن توفِّره الأسرة للأطفال من كافة الخلفيات الثقافية. يبدأ التطور الاجتماعي للأطفال بين جدران المنزل، وجوهر هذا الفصل هو الأبحاث المتعلقة بأساليب التربية الفعالة والعلاقات التبادلية بين الآباء وأبنائهم في إطار البيئة الأُسَرية وفي النُّظم الاجتماعية الأخرى. إن إرساء مبادئ الأخذ والعطاء في العلاقات الأُسَرية يُعد مؤشرًا للمسئولية الشخصية والعلاقات الإيجابية في الحياة لاحقًا؛ فالأطفال الذين يشاركون في نجاح الأسرة من خلال القيام بالمهام المنزلية أو من خلال المساعدة في التخطيط لنشاط ترفيهي يشعرون بأنهم جزء لا يتجزأ من الأسرة. ومن الوسائل البسيطة الأخرى التي تسهم في تعزيز شعور الطفل بالانتماء للأسرة التواصلُ بشكل فعَّال مع الأطفال، وتحديد التوقعات والمسئوليات المنتظرة منهم بشكل واضح، واستغلال دفء العلاقات في نقل هذه التوقعات إليهم. كما أن الأطفال الذين يشعرون أنهم ينتمون إلى أسرة ناجحة يتكون بداخلهم شعور بالذات، من شأنه مساعدتهم في البيئات المهمة الأخرى كالبيئة المدرسية؛ ومن ثَمَّ فإن الأساس الأُسَري المتين الذي يتضمن الدفء الأسري والحدود أمر يمكن تحقيقه. وهذا هو المفهوم الذي أطلق عليه «الانتماء».
يدرك علماء النفس أنه عند وصول الأطفال إلى مرحلة البلوغ أو سنوات المراهقة، يكون لديهم حسٌّ أُسري يمكن أن يحصِّنهم من اتخاذ بعض القرارات السيئة التي تتعلق على سبيل المثال بالتدخين وتعاطي المخدرات والممارسات الجنسية. تُعد السلوكيات المحفوفة بالمخاطر هذه أمرًا من الأمور التي على المراهقين التغلبُ عليها، ربما بصفة يومية؛ فالترابط الأسري يشبه التحصين الذي يؤدي إلى تعزيز الإيجابيات وتفادي السلوكيات التي قد تُعرِّض الأطفال لتداعيات سيئة؛ والهدف من كل هذا أن يتمتع الأطفال بصحة نفسية جيدة. فإذا ما شعر الأطفال برابطة أو انتماء شخصي لأُسَرهم، فمِن المؤكد أن شعورهم بالمسئولية نحو أنفسهم ونحو أُسَرهم سيتجسد في الارتقاء بسلوكياتهم وصحتهم النفسية.
يدرك علماء النفس أيضًا أن هذا الترابط يتطلب بعض التوجيه الهادف من جانب البالغين في مرحلة مبكرة من حياة هؤلاء الأطفال. إن تدعيمَ عملية بناء المهارات الارتباطية هذه أمرٌ ممكن، بل وفي متناوَل كل شخص، ولكن يجب أن نشير هنا إلى أن العلاقات الأسرية معقدة ولا تأتي من العدم. جدير بالذكر أن تطوير الأطفال للعلاقات يتأثر بأفراد وأحداث أخرى خارج نطاق الأسرة.
(?) الأسرة كمنظومة في السياق

يمكننا النظر إلى الأسرة باعتبارها منظومة علاقات معقدة؛ إذ يُعتقد أن السمات المميِّزة للطفل وتطوُّره ترتبط بالسمات المميزة لبقية أفراد الأسرة وتطوُّرهم. علاوة على ذلك، تقترن هذه المنظومة الأُسَرية المتطورة بإطار زمني، له أنماط تاريخية مصاحبة ذات صلة بالثقافة السائدة؛ فالمؤسسات العاملة في المجتمع لديها القدرة على إمداد الأُسَر بالمبادئ الثقافية الخاصة بالقِيَم والسلوكيات التي يُفترض أن تمثل النموذج السائد في المجتمع.
وقد تناوَل يوري برونفينبرينر — الرائد في مجال تطور الأطفال — بالدراسة صعوباتِ تطوُّرِ الطفل من حيث ما يحيط بحياة الطفل من أحداث وأشخاص آخرين. وقد أَطلَق يوري على إطار العمل هذا «النظرية البيئية للتطور»، وهو ما يشير إلى أن العديد من مستويات التأثير أو «النُّظُم» أجزاء لا يتجزأ بعضها عن بعض وتبادلية بحكم طبيعتها؛ أيْ إن كلًّا يؤثر في الآخر (انظر برونفينبرينر ????). يَطرح (شكل ?-?) مثالًا للمنظومة الأُسَرية من منظور طفل واحد، وذلك حسب ارتباطها بالنُّظم الأخرى التي تتأثر من خلالها عملية تكوين المهارات على الصعيد الاجتماعي. شكل ?-?: النظرية البيئية للتطور لبرونفينبرينر (سانتروك ????).
ينضم الطفل إلى الأسرة منذ لحظة ولادته أو تبنِّيه، ويتفاعل مع بقية أفراد الأسرة، وفي نهاية الأمر يلتحق الطفل بالمدرسة التي تمثِّل بالنسبة إليه بيئة جديدة تتضمن أناسًا جُدُدًا سيتعامل معهم، بما فيهم المعلمون والأقران. وتتميز هذه المدرسة بقواعد تحدد المؤهَّلِين للالتحاق بها والشركاء التربويين، إضافة إلى ما تقدمه من محتوًى تعليميٍّ، وغير ذلك من الأمور التي تحددها الأعراف الثقافية. فهناك في الولايات المتحدة على سبيل المثال عُرف ثقافي، أو اعتقاد عالي التقدير إن شئت تسميته، يقضي بأن من حق الأطفال كافة التمتع بتعليم حكومي، وأن أولياء الأمور شركاء في هذه العملية التعليمية. وقد نُقل هذا العرف الثقافي عن تعليم الأطفال إلى منظومة المدارس لتنفيذه، ويتضمن هذا العُرف الثقافي والأمل المنشود منه أن يَحدث نوع من التفاعل بين المعلمين وأولياء الأمور للارتقاء بتعليم الطفل. وفي الوقت نفسه، قد تؤدي بعض الظروف التاريخية، مثل الأزمات الاقتصادية التي يواجهها المجتمع، إلى تدنِّي الموارد المالية المخصصة للمدارس أو بطالة الآباء، ومن المتوقع أن يؤثر كلا الأمرين الناتجين عن الأزمات الاقتصادية في تعليم الأطفال أيضًا. وقد تُخفض المدارسُ التمويلَ أو تعيد ترتيب أولوياتها التمويلية؛ فقد لا يستطيع الآباء العاطلون عن العمل توفير وسائل للانتقال إلى المدرسة مثلًا، أو قد لا يستطيعون أداء أدوارهم كآباء نتيجة للبطالة. وترتبط هذه الأنماط المجتمعية التاريخية بالنتائج التي يحققها الأطفال لاحقًا.
يشير مفهوم العمليات التبادلية إلى أن الأطفال أنفسهم الذين نُخضعهم للدراسة ونأمل أن يتأثروا إيجابيًّا مسئولون عن نِصف تفاعلاتنا الثنائية معهم. عند انتقال الأطفال من مرحلة الطفولة المبكرة إلى مرحلة المراهقة تتغير احتياجاتهم؛ مما يقتضي تغيير أسلوب التربية أيضًا، وتتغير أنماط الرقابة الأبوية أيضًا مع تطوير الأطفال لمزيد من الاستقلالية. وبالنسبة للآباء، يمكن أن تُمثِّل الموازنةُ بين الرقابة واستقلالية الأبناء مهمةً شاقةً.
وفيما يتعلق بالمثال السابق الخاص بتأثير بطالة الآباء، عندما يصل الطفل إلى مرحلة المراهقة، قد يبدو له أن اهتمام الوالدَين بأدائه الدراسي يمثل تدخلًا في شئونه الخاصة. وقد يدفع الوالدَ العاطلَ عن العمل قلقُهُ على الأداء الدراسي للطفل إلى التفاعل كثيرًا مع المعلمين للتحقق من أدائه، وقد يتشاجر الطفل مع الوالد احتجاجًا على هذا التفاعل مع المعلمين. ومع ذلك، عندما يكون الأبناء في سن صغيرة أو مسئولين من الوالدين كأطفال صغار، يحتفظ الوالدان حينئذٍ بمسئولية اتخاذ القرار الخاص بحجم التأثير الذي يجب أن يطالهم في السياقات الخارجية — مثل سياق المدرسة — أثناء تطورهم؛ ولذلك، يجب مراجعةُ قرار الوالدين المتعلق بحجم الرقابة التي سيخضع الطفل لها، ومنحُه في الوقت نفسه قدرًا من الاستقلالية من منظور بيئي؛ بمعنى: إلى أي مدًى يمكن أن يتدخل الوالدان في البيئة المدرسية للمراهق؟
وقد يسفر مستوى النظام البيئي الذي يتضمن تفاعل الوالدين مع المعلمين في المدرسة عن تحقيق نتيجة إيجابية للأطفال، ويجب أن يراعي الآباء ممن لديهم أبناءٌ مراهقون احتياج أبنائهم للشعور بالاستقلالية؛ إذ يستطيع الآباء المحافظة على علاقة إيجابية مع المراهقين، وكذلك بوسعهم التحديد بفطنة المدى الذي يمكن أن يكون فيه الحوار مع المعلمين حول العوامل الدراسية في صالح تطور الطفل، حتى ولو كانت المشكلاتُ التي يعاني منها البالغون مثل البطالة جسيمةً. تقيم المنظومة الأُسَرية تفاعلات تبادلية مع كيانات مثل البيئة المدرسية ومع الاستقرار الاقتصادي، ويُوصَى بوجود تواصُل بين أولياء الأمور والمعلمين في كافة الظروف تقريبًا؛ إذ يتفاعل أفراد الأسرة وموظفو المدرسة لمساعدة الطفل في مراحل تطوره.
يتمتع الأطفال الذين يَنعمون بأسرة يعتمدون عليها في صغرهم بالروابط الأُسَرية نفسها عندما يَصِلون إلى مرحلة المراهقة، وعادةً ما تختلف الأسئلة أو المشكلات التي تحتاج إلى حلول مع نمو الأطفال، ولكن مفهوم الانتماء يظل كما هو؛ فالانتماء يمكن أن يُنظر إليه باعتباره حجر الزاوية للصحة النفسية الجيدة؛ نظرًا لطبيعة النمو المعرفي والاجتماعي في إطار البيئة الأُسَرية.
(?) تطوُّر عملية الانتماء والاستقراء

بمقدور البالغين غرْسُ حالة الانتماء الصحية هذه وتعزيزها بدايةً مِن السنوات الأولى في عُمر الطفل، ومواصلةُ هذه العملية على مدار مراحل التطور. ويمكن تعليم الأطفال بعضَ المهارات الاجتماعية، مثل التفكير في اتخاذ القرارات والمساومة؛ بحيث يدركون مسئوليتهم الشخصية عن سلوكياتهم والتوقعات الأُسَرية الخاصة بكيفية تأثير سلوكياتهم في الآخرين. تساعد هذه المعرفةُ الأطفالَ في التفكير على نحو مستقل في غياب البالغين، كما تُقدِّم هذه الاستراتيجيات الفعالة نموذجًا للأطفال عن الصبر والاهتمام. إن الاشتراك مع الأطفال في التفكير في توقعات الأسرة وتوضيح عواقب تصرفاتهم والقرارات التأديبية سيساعدهم في السيطرة على سلوكياتهم لاحقًا، ويُطلَق على استراتيجية التفكير هذه «الاستقراء».
يشير مفهوم الاستقراء ببساطة إلى أن مقدِّمي الرعاية البالغين يستخدمون التفكير المنطقي في شئون التربية، وتتضمن عمليةُ التفكيرِ المنطقيِّ هذه تلقينَ الأطفال فكرةَ العواقب المترتبة على أفعالهم، آملين أن يبدأ الأطفال في إدراك هذا التفكير المنطقي واستخدامه بأنفسهم عند غياب البالغين.
(?) تطور الوالد

كيف نبدأ؟ يحتاج الأفراد البالغون في الأسرة إلى معلومات حول رؤاهم الخاصة بتربية الأطفال، يمكن أن يبدأ الآباء هذه الرحلة بإجراء تقييم لمهاراتهم وأفكارهم عن عملية تربية الأبناء ومصدر هذه الأفكار. وإذا اشترك الآباء المنتظرون قدومَ مولود في مثل هذه الأحاديث أو عمليات التقييم الذاتي، فمن المؤكد أن الأمور ستكون أفضل بكثير. نَشرَت الباحثة دايانا باومريند المتخصصة في علم نفس الأطفال نتائجَ الأبحاث التي أجرتها على مدار سنوات في أوائل سبعينيات القرن العشرين؛ حيث أثبتت هذه الأبحاث أن استخدام كلٍّ من التفكير المنطقي في التوقعات السلوكية والدفء الأُسري يمثل الأساس القوي الذي يساعد الأطفال على التحلي بمستوى الاستقلالية المتناسب مع أعمارهم، وأن يصيروا أفرادًا بالغين ناجحين في نهاية المطاف (باومريند ????). وبشكل عام، هناك بُعْدان ينبغي مراعاتهما في عملية تربية الأبناء: قبول سلوكيات معينة مقابل رفض سلوكيات أخرى، والسلوكيات المُلحَّة في مقابل السلوكيات غير المُلحَّة. ويشير البُعد الأول إلى الدفء الذي يقدِّمه الوالد في ثنائية الوالد والطفل، ويشير البعد الثاني إلى مستوى ومرونة المطالب التي يُلزِم الوالدان أبناءهم بها، كما يمكن اعتبار هذه المطالب توقعات أو معايير سلوكية.
يوصي الباحثون على غرار باومريند بأن يتبع الوالدان أسلوب التربية الذي يقوم على معاملة الأبناء كأشخاص ذوي قيمة يستحقون الاحترام والحب، وفي الوقت نفسه يفرض معايير سلوكية تتميز بقدر من المرونة. إن التوقعات الخاصة بنمط سلوكي محدد، والتي يجري توصيلها إلى الطفل بطريقة ودودة، علاوةً على إيضاح أسباب توافق هذه التوقعات مع قِيَم الأسرة للطفل؛ من شأنها أن تضع الطفل على الطريق الصحيح للتمتُّع بصحة نفسية جيدة. كما أن العبارات الإيجابية، التي ترجِّح قدرة الطفل على الوصول إلى معيارٍ سلوكيٍّ ما بمساعدة مقدِّمي الرعاية البالغين، تقدِّم رسائل عن الانتماء والكفاءة ستنفع الأطفال في كافة سياقات التطور؛ ولذلك، أعتقد أن المزج الدقيق بين المسئولية الشخصية والعلاقات يمكن إكسابه للأطفال مبكرًا، علاوةً على أهميته الشديدة للأُسَر الناجحة.
ولكننا ينبغي أن ندرك أنَّ إيجاد المزيج المناسب بين قبول الطفل وبين المستوى المناسب من التوقعات الخاصة بسلوكياته ليس مهمة يسيرة على البالغين دائمًا. على سبيل المثال، ينبغي الالتزام تمامًا بقواعد السلامة بشتى الأساليب لمساعدة الأطفال الصغار على النمو؛ الأمر الذي يتطلب في الغالب وضْع معايير عالية لا تهاوُنَ فيها للأطفال الصغار. مع ذلك، علينا أن ندرك أن قواعد السلامة الصارمة يمكن تحقيقها عند تطبيقها على نحو منطقي وودود.
مثال لقواعد السلامة

لا يجب السماح للأطفال باللعب في شوارع العديد من الأحياء السكنية المزدحمة، وخاصة في المناطق الحضرية التي تمثِّل فيها المركباتُ الخاصة وسيلةَ الانتقال الأساسية. تمثل عبارةُ «لا تلعبوا في الشارع» الأمرَ الذي يردده الآباء كثيرًا لأطفالهم الصغار، ولكن يمكن إصدار هذا الأمر الخاص بالسلامة للأطفال بِوُدٍّ وتعقُّل، على نحو يوحي بتقبُّل الطفل كإنسان مستقل ذي قيمة بصرف النظر عن سلوكياته. ولكن في حالة رفض الأطفال الصغار اتباع هذه القاعدة، لا بد أن يحرص الآباء على إعطاء رسائل لفظية وسلوكية قوية للأطفال. في هذا المثال، يجب أن تُعطَى الأولوية لمطالب الوالدين المتعلقة بالسلامة عن السماح للأطفال باكتشاف السلوكيات الآمنة بأنفسهم؛ فلَعِبُ الأطفال في الشارع قد يؤدي إلى إصابتهم بأذًى جسديٍّ؛ فقد لا يرى قائدو السيارات الأطفال نظرًا لضآلة أحجامهم، علاوةً على عدم قدرة هؤلاء الأطفال على التفكير جيدًا في سلوكيات الآخرين؛ بمعنى أن الأطفال الصغار عادةً لا يمكنهم إدراك كيفية التصرف في المواقف الخطيرة. ويُعد هذا أحد الأمثلة على القواعد التي يُوصَى بعدم التهاوُن فيها، ولكن يمكن تقديم الرسائل اللفظية الصارمة حول التزام اللعب داخل فناء المنزل على نحو ينُمُّ عن الاهتمام، حتى ولو جرى تطبيق أسلوب «العزل المؤقت» داخل المنزل.
(?) العقاب البدني

قد يرى بعض الآباء أن عقاب الطفلِ غيرِ المطيع بصفعه عدة مرات على المؤخرة نظيرَ قيامه بسلوكيات خطرة أمرٌ ملائمٌ؛ لذلك من الضرورة بمكان مناقشة العقاب البدني هنا. يَستخدم الباحثون، في مختلف الدراسات بمجال علم النفس، تعريفاتٍ مختلفةً للعقاب البدني، ولكن من المتفق عليه بصفة عامة أن العقاب البدني يتضمن مجموعة من التصرفات، بداية من ضرب الطفل على أردافه براحة اليد وهي مفتوحة، إلى الاعتداء البدني الذي قد يفضي إلى إصابة الطفل بجرح؛ لذلك يصعب وضع تعريف للعقاب البدني يراعي الفصل بين أنواع الأذى — سواء كان نفسيًّا أو جسمانيًّا — علاوة على أنه يرتبط بعوامل اجتماعية تاريخية. وهنا تبرز النظرية البيئية للتطور لبرونفينبرينر (????) ثانيةً لتكون إطار العمل المناسب لدراسة هذه العوامل أو مستويات التأثير في الأسرة. وترتبط الظروف التاريخية والاجتماعية لأسلوب العقاب البدني في الولايات المتحدة، علاوة على القرارات التي يتخذها الأشخاص البالغون حول استخدام أسلوب العقاب البدني من عدمه، بالنتائج التي يحققها الأطفال وصحتهم النفسية.
أنماط تاريخية

من المنظور التاريخي، يمارِس العديد من الأمريكيين أسلوب العقاب البدني بصفته جزءًا من العادات الأنجلو أوروبية التي عززتها التعاليم الدينية؛ فقد سمح القانون العام الإنجليزي للرجال في بريطانيا باستخدام العقاب البدني للسيطرة على زوجاتهم وأولادهم، كما لو كانوا ممتلكات خاصة للرجال؛ وقد ساعدت هذه القوانين في تشكيل أسس النظام القانوني في الولايات المتحدة. في مستعمرات أمريكا الشمالية في القرن الثامن عشر، كان العقاب البدني هو الأسلوب السائد في محاولات الآباء للسيطرة على أبنائهم وتعليمهم، وكان هذا العقاب البدني يعني أيَّ نوع من التأديب البدني، ويتضمن مجموعةً مختلفةً من التصرفات التي تبدأ من الضرب والجَلد أمام العامة إلى إحداث عاهات مستديمة للأطفال.
ظل أسلوب العقاب البدني سائدًا بين الأُسَر في القرن التاسع عشر وفي حقبة كبيرة من القرن العشرين. ولكن، بفضل نشأة حركتين اجتماعيتين كبيرتين في الولايات المتحدة — حركة الحقوق المدنية في ستينيات القرن العشرين والحركة النسائية في السبعينيات — توجَّهت الأنظار إلى الأسرة والاضطهاد أيًّا كان نوعه. وقد حظيت حقوق الأطفال بقدر أكبر من الانتباه وبأساليب لم يَجْرِ التطرُّق لها قبل ذلك. خضع العقاب البدني للفحص الدقيق من جانب الدولة، فسُنَّت تشريعات لحماية الأطفال من مقدِّمي الرعاية الذين قد يُلْحِقون بهم الأذى، سواء كانوا الوالدين أو أفرادًا من غير الأقرباء مثل المعلِّمين. وقد اقترن العقاب البدني منذ ذلك الحين بمفهوم إساءة معاملة الأطفال.
كانت حوادث العقاب البدني للأطفال في سبعينيات القرن العشرين مرتفعة للغاية، وفي إحدى الدراسات المرجعية التي نشرها كلٌّ من شتراوس وجيليس وشتاينميتز عام ????، وُجد أن ?? بالمائة من الآباء الذين شملتهم الدراسة ذَكروا أنهم يضربون أولادهم، بينما ذكر ?? بالمائة منهم أنهم يفعلون ذلك باستخدام أشياء مادية. وقد أفادت ربع الأمهات المشتركات في الدراسة أنهن يضربْنَ أبناءهنَّ قبل أن يبلغوا الشهر السادس من عمرهم، وترتفع هذه النسبة لتشمل نصف الأمهات تقريبًا عندما يُتمُّ الأبناء ?? شهرًا.
العقاب البدني ومسئولية البالغين

لا تزال القوانين في الولايات المتحدة تسمح بممارسة العقاب البدني للأطفال، ولكن الخط الفاصل بين التعليم وإساءة المعاملة يصعُب تمييزه في أغلب الأحيان. قد يبدأ الآباء الذين يؤمنون بأن العقاب البدني وسيلة تأديبية فعَّالة في ضرب الأبناء بحجة التربية الصحيحة، ولكن الأمور تخرج عن السيطرة لدرجة إيذاء الطفل جسمانيًّا أو نفسيًّا وهم يتبعون نهجًا للسيطرة يقوم على الترهيب.
وقد يتعرض الآباء الذين يمارسون العقاب البدني لمساءلة من قِبل المسئولين عن تنفيذ القانون أو مِن أي مسئولين حكوميين آخرين لتفسير أساليبهم في التربية، وقد تُوجِّه الدولة إليهم التُّهم. وإذا ثبت وقوع إساءة معاملة للطفل، فمن الجائز أن يترتب على ذلك الكثير من العواقب، وقد يتخذ القائمون على دراسة مثل هذه الحالات ممن عيَّنَتهم الجهات الحكومية قراراتٍ بالعمل مع الأُسَر المتضررة من هذه التصرفات للارتقاء بمستوى مهارة تعامُل الآباء مع أبنائهم، وقد يصل الأمر لنقل الأطفال من المنزل إذا كان من المرجح تعرُّضهم للإصابة في المستقبل.
ومن الناحية القانونية، يتحتم على كل مواطن بالغ في الولايات المتحدة الإبلاغ عن أي حالات مشتبه بها لإساءة معاملة الأطفال. ولاحِظْ أن عبارة «حالات مشتبه بها» تعني أن هؤلاء المواطنين لا يُنتظَر منهم التأكد أو التحقق من هذه الحالات. وبالتأكيد، فإن مجرد الاتصال بالخط الساخن المخصص للإبلاغ عن حالات إساءة معاملة الأطفال سيؤدي إلى توجُّه أحد المختصين الخبراء في التعامل مع الحالات المشتبه بها إلى المنزل المبلَّغ عنه. وتعمل الجهات الحكومية على بقاء هوية مقدِّم البلاغ مجهولة وتؤكد على هذا الحق، ولكن لا يمكن ضمان هذا الأمر في جميع الحالات؛ فقد يسأل أحدُ الجيران الآخرين مثلًا عمَّن قام بالإبلاغ عن حالة إساءة المعاملة المشتبه بها. ولكن، على مستوى الأخلاقيات الشخصية، فإن الدفاع عن الأطفال أمر مهم للمجتمعات كافة.
في أواخر القرن العشرين، شكَّل العقاب البدني في المنزل ?? بالمائة من حالات إساءة معاملة الأطفال المثبتة على مستوى الولايات المتحدة، وفي أحد استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة جالوب في عام ????، اتفقت نسبة ?? بالمائة من البالغين على أن الأطفال في بعض الأحيان يحتاجون إلى «عقاب بالصفع القوي على الأرداف» (هول ????). ولكن، بحلول عام ????م، تراجع عددُ المؤمنين بفاعلية العقاب البدني على مستوى الولايات المتحدة؛ فعلى سبيل المثال، اكتشف طبيب الأطفال مايكل ريجالادو وزملاؤه أن نسبة ?? بالمائة من العينة التي أخضعوها للدراسة ذكروا أنهم عاقبوا أبناءهم البالغين ثلاثَ وأربعَ سنوات بالضرب على الأرداف، ولكنهم فعلوا ذلك باستمرار (ريجالادو وآخرون ????). وبمقارنة هذه البيانات بمثيلاتها من ثلاثين عامًا، يمكننا أن نخلص إلى أن الاعتقاد بفاعلية العقاب البدني في الولايات المتحدة آخذٌ في التضاؤل، ويبدو أيضًا أنَّ توجهًا ثقافيًّا للتأديب يعتمد على التفكير المنطقي والدفء الأسري آخذٌ في الصعود، ولكن نظرًا لأن القواعد القياسية البحثية نادرًا ما تُتبع في مختلف الدراسات، فقد يكون هذا التوجهُ الظاهرُ نتيجةً غيرَ دقيقةٍ لمناهج بحثية مختلفة. وإذا كانت هذه البيانات تشير إلى توجه شائع، فإنَّ تغيُّر المواقف الاجتماعية تجاه العقاب البدني يدل على أن الآباء الذين اعتقدوا في السابق أن حقوقهم التأديبية تشتمل على حق ضرب أبنائهم أو صفعهم أو معاقبتهم، سيتعين عليهم أن يتحولوا إلى وسائل أخرى للتأديب بهدف تعليم الأطفال وعقابهم. ونظرًا لأن العقاب البدني له إرث طويل من الدعم الاجتماعي في الولايات المتحدة، فقد يصعب على الآباء اتباع أساليب تربوية أخرى. وقد يحاول جيلُ الآباء الذين دأبوا على استخدام العقاب البدني تقويضَ جهود الآباء الجدد الرامية إلى تطبيق أساليب تأديبية جديدة. على الرغم من ذلك، يمكن للآباء الذين لا يعرفون أساليب تأديبية أخرى بخلاف العقاب البدني أن يكتسبوا مهارات جديدة.
مؤشرات استخدام العقاب البدني

كيف يتطور استخدام العقاب البدني؟ قد ينذر الاضطراب في العلاقات الأُسَرية القائمة عند ولادة الأطفال بعواقب سلبية بالنسبة للأطفال؛ إذ إن وجود صراعات بين أفراد الأسرة الواحدة يرجح استخدام العقاب البدني مع أبنائهم. على سبيل المثال، كشفت دراسة لكوريل كانوي وزميلاتها في مجلة «جورنال أوف فاميلي سيكولوجي» عن أن الصراعات الزوجية والعداء بين الأزواج قبل ولادة الطفل يرتبطان باستخدام هؤلاء الأزواج للعقاب البدني بعد ولادة الطفل. كما يرتبط ارتفاع مستوى العداء بين الأزواج بالاستخدام المفرط للعقاب البدني لأطفالهم (كانوي وأخريات ????).
على الرغم من أن القِيَم الاجتماعية للثقافة المعاصرة قد ترفض إيذاء الأطفال وتؤكد على ضرورة عدم استخدام معظم أشكال العقاب البدني، لا يزال العديد من الأشخاص البالغين يرَوْن أن من حقهم كآباء استخدام وسيلة العقاب البدني، ولا يعتبرون أن هذه الممارسات تعكس إساءةً لمعاملة الأطفال بأي صورة. على سبيل المثال، تبيح بعض الطوائف الدينية العقاب البدني للأطفال، بل وتشجع الأفراد البالغين على اتباع ذلك في المنزل، وتستغل تأويلها لبعض النصوص الدينية لدعم هذا السلوك. في الولايات المتحدة، ثمة اعتقاد بأن بعض الأفراد البالغين الذين يمكن تصنيفهم في فئة محددة على غرار الطبقة الاجتماعية أو الأصول العرقية؛ يستخدمون العقاب البدني أكثر من غيرهم؛ على سبيل المثال، اكتشفت فوني مكلويد، الخبيرة في دراسة الأطفال المعرضين لمخاطر تحقيق نتائج سلبية، أن بعض الأُسَر التي تضطر إلى تربية أبنائها في بيئات فقيرة قد تلجأ إلى العقاب البدني فيما يخص الأمور التي تتعلق بالسلامة؛ نظرًا للطبيعة الخطيرة المتأصلة للحي الذي يعيشون فيه؛ من ثَمَّ قد يُستخدم العقاب البدني للتكيُّف مع البيئات القاسية (انظر هاريسون-هايل وآخرين ????).
تسهم عوامل اجتماعية أخرى خارج المنزل في إدراكنا لمفهوم العقاب البدني؛ فمَشاهد العنف في وسائل الإعلام، سواء أكانت خيالية أم واقعية، يشاهدها بصفةٍ يوميةٍ البالغون والأطفال على حدٍّ سواء. وتُقدِّم هذه الرسائل، جنبًا إلى جنب مع العقاب البدني الممارَس في المنزل، نموذجًا واحدًا للتفاعل الاجتماعي للأطفال، وهو ما قد يؤثر في تطورهم.
إن القوانين الخاصة بكل دولة يمكن أن تمنع العقاب البدني أو تشجِّعه، وإذا ما نظرنا إلى الثقافات المختلفة، فسنَجِد مجموعات تتفاوت وجهات نظرها حول العقاب البدني عن القوانين المعمول بها في الولايات المتحدة. على سبيل المثال، تعاملت الدول الاسكندنافية مع العقاب البدني كفعل محظور قانونًا لعدة عقود، والأسباب المنطقية التي تستند إليها في ذلك أنه نظرًا لأن الاعتداء البدني على أحد الجيران محظور قانونًا، فإن سلوكيات البالغين نحو أطفالهم يجب أن تخضع لنفس المستوى من المساءلة. وعلى الرغم من تفاوت وجهات النظر في موضوع العقاب البدني، ثمة أبحاث تشير إلى ارتباط العقاب البدني سلبيًّا بالنتائج التي يحققها الأطفال أو بصحتهم النفسية.
تداعيات العقاب البدني

تشير البيانات الخاصة بتطور الأطفال إلى تأثُّر الأطفال سلبًا بالعقاب البدني؛ فالأطفال يقلِّدون مقدِّمي الرعاية؛ إذ إنهم يلاحظون سلوكيات الكبار، ومن المُرجح كثيرًا أن يحذوا حذوهم في هذه السلوكيات. وقد أثبت باحثون، أمثال ألبرت باندورا (????)، أن اتباع مثل هذه السلوكيات العدوانية يُظهر للأطفال الصلات المنطقية المختلفة بالعواقب الوخيمة؛ إذ إن اتباع أسلوب العدوان البدني يحمل للأطفال رسائل مفادها أنهم في حالة شعورهم بالغضب يجوز أن يضربوا الآخرين؛ وعندما يكونون أكبر سنًّا، يجوز أن يضربوا الآخرين ويفلتوا من العقاب؛ وأن العدوان البدني هو نمط سلوكي يمكن تكراره لتحقيق نتيجة مرغوبة؛ مثل تنفيذ رغباته وفرض سيطرته على الآخرين وما إلى ذلك. وبهذا، يصبح العدوان البدني أحد وسائل التواصل مع الآخرين.
يؤكد كثير من الباحثين (مثل كازدين وبينجيت ????) أن الأطفال الذين يمارِس آباؤهم أسلوب العقاب البدني معهم يصبحون الأكثر عدوانية مع أقرانهم. يُعد تقليد السلوكيات إحدى وسائل التعليم الأكثر فعالية التي يملكها البالغون، ويرتبط تقليد سلوك العقاب البدني بتطور السلوك العدواني لدى الأطفال. يمكن أن يُظهر الأطفالُ الذين نَشَئوا في هذه المنازل تفاعلاتٍ سلبيةً في المدرسة، علاوة على افتقادهم للأساليب التعاونية في تفاعلهم في السياقات الاجتماعية الأخرى. وقد يترتب على ذلك رفض الأقران والمعلمين لهم، وهو ما قد يعرِّض هؤلاء الأطفال لمخاطر تَفاقُم هذه المشكلات؛ ولذلك من المتوقع أن يفشل الأطفال الذين تعرضوا للصفع والضرب من آبائهم في البيئة المدرسية. رَبَطَ العديدُ من الأبحاث بين الفشل المدرسي والاضطرابات المعادية للمجتمع؛ مثل انحراف الأطفال الأحداث والتسرب من التعليم، والإجرام فيما بعدُ وهم أفراد بالغون؛ لهذه الأسباب، يتفق غالبية علماء النفس على أنه من الأهمية بمكان للآباء الجدد والأزواج الذين يفكرون في الإنجاب فَحْص تجارب الطفولة الخاصة بهم ومناقشة أنماط التأديب التي لا تتضمن العقاب البدني. ولكن يجدر الانتباه إلى أمر يتعلق بهذه البيانات؛ ألا وهو طبيعة الأبحاث ذات الارتباط المتبادل؛ حيث إن الارتباط المتبادل بين عاملَين يدل ببساطة على أنهما متصلَين بطريقة أو بأخرى.
ينبِّه عالِمَا النفس آلان كازدين وكورينا بينجيت إلى أن التأثيرات السببية للعقاب البدني غير معلومة، بل ما جرى إثباته هو العلاقات بين عوامل مثل العقاب البدني والسلوك العدواني بين الأقران. رغم أننا قد نفترض أن العقاب البدني في المنزل يبدأ قبل السلوكيات العدوانية التي تنشأ بين الأقران في المدرسة، فمِن المحتمل أيضًا أن يؤدي العدوان بين الأقران في المدرسة إلى تلقِّي الطفل عقابًا بدنيًّا في المنزل نظير هذه السلوكيات. يتضح من ذلك أن هذين العاملين يتفاوتان معًا؛ فعندما يزيد سلوكٌ منهما، يزيد السلوك الآخر أيضًا. ولكن عند النظر إلى هذه البيانات نظرة شاملة، ينبغي أن يدور التساؤل التالي عن سبل دعم الآباء بحيث يتجنبون استخدام العقاب البدني.
(?) أساليب التأديب البديلة

تتضمن أهدافُ الكثير من الآباء المحافظةَ على صحة أُسَرهم وسعادتها، ويعزِّز حسُّ الانتماء من العلاقات الاجتماعية داخل إطار الأسرة وخارجها. يتوفر أمام الآباء، الذين يأملون تعزيز حسِّ الانتماء هذا، العديدُ من أساليب التأديب التي لا تشمل ضرب الطفل. وتؤيد أبحاثُ علمِ النفسِ هذه الأساليبَ غيرَ البدنية تأييدًا واسعًا؛ نظرًا لفاعليتها. من بين الأساليب البديلة إظهار الثناء على السلوكيات الحميدة بصورة مسبقة حتى قبل إتيان الطفل بسلوك يستحق العقاب عليه، كما أن التحدث مع الطفل بصورة عقلانية عن تأثير السلوكيات الطيبة عليه وعلى الآخرين على نحو إيجابي يوضح له الارتباط بين السلوكيات الشخصية والعلاقات مع الآخرين. ومن بين البدائل الأخرى للعقاب البدني التحدثُ مع الطفل بعقلانية عن آثار السلوكيات السيئة عند عدم امتثاله للأوامر.
كما يمكن استخدام استراتيجية إبعاد الطفل عن البيئة التي تعزِّز هذه السلوكيات ومناقشة ذلك مع الطفل؛ على سبيل المثال، قد يؤدي منع الطفل من اللعب مع أقرانه، نتيجةً للعنف الذي يمارسه، إلى إتاحة الفرصة للطفل للتفكير والهدوء. (انظر الفصل الثاني حول الملاحظات الخاصة باستخدام أسلوب العزل المؤقت.) كما يمكن استخدام جداول متابعة السلوك التي تتضمن عقوبات مختلفة للطفل أو تقييد حرية الطفل؛ على سبيل المثال، قد يتيح أيضًا منعُ الطفل مثلًا من الخروج من المنزل لفترة من الوقت، نظرًا لعدم طاعة الأوامر، فرصةً لتدبُّر سلوكه، ومن المرجح أنه سيرغب في العودة للعب مع أقرانه واضعًا في اعتباره مراقبة سلوكياته العدوانية والتحكم بها في المستقبل. إجمالًا، تتميز هذه الاستراتيجيات الخاصة بالتعامل مع سلوكيات الأطفال بفاعليتها الكبيرة، دون القلق من إحداث أي إصابة بدنية أو نفسية للطفل.
هناك مؤسسات يمكنها مساعدة الأفراد البالغين على أداء أدوارهم كآباء بنجاح دون استخدام العقاب البدني، ومن بين هذه المؤسسات قسم الأطفال التابع للجمعية الإنسانية الأمريكية، التي تساهم في تقديم الدعم والتثقيف التربوي للأشخاص الراغبين في عدم استخدام أساليب العقاب البدني. ويُطلق على هذا المورد المتاح على الإنترنت «مشروع لا للضرب على المؤخرة»، ويمكن الوصول إليه من خلال الرابط التالي: www.nospank.net/toc/htm. كما يمكن أن تقدِّم المراكزُ الاستشارية في الجامعات الدعمَ التربوي أو تُحِيلَ الآباء إلى جهات أخرى، كما تُعد جهاتُ تقديم الرعاية النفسية على المستوى المحلي مصدرًا متميزًا للمعلومات. إن العثور على جهة واحدة تقدم الدعم للأسرة يشير عادة إلى أن الكوادر المتخصصة في هذه الجهة لديها علاقات مع العديد من المجموعات الاستشارية والتعليمية المحلية المعنية بمساعدة الآباء. لا شك أن الوالد الذي يحظى بالدعم يتحلى بالكفاءة وبالقدرة على تعزيز حس المسئولية الشخصية والعلاقات وحس الانتماء، كما أن الآباء الذين لا يعرفون سوى أسلوب العقاب البدني في التربية يمكنهم اكتساب مهارات جديدة؛ فالتربية الفعالة للأبناء دون استخدام العقاب البدني أمرٌ يمكن تحقيقه، وخاصة عندما يحظى الآباء بدعم من الأشخاص المهمين في حياتهم ومن المجتمع بصفة عامة. (?) أساليب التربية الفعَّالة

نعود إلى صورة الوالد الماهر الذي بمقدوره تعزيز مشاعر الانتماء، ولْنتذكَّرْ أن هذا الوالد يتعامل مع الطفل كفرد جدير بالحب والتقدير، ولكنه في الوقت نفسه ينتظر من هذا الطفل الالتزام بالقواعد المناسبة لعمره. تعتقد باومريند وأمثالها من الباحثين أن الآباء الذين يتعاملون مع الطفل بمودة ويطبقون معيارًا سلوكيًّا يمارسون أيضًا سلوكيات تربوية إيجابية أخرى؛ فالآباء يعزِّزون مشاعر الانتماء لدى أطفالهم من خلال الاستراتيجيات التالية. الإرشادات التالية تدعمها بيانات من علم النفس.
إرشادات تعزيز حس الانتماء

(?) تحقيق التوازن بين الرقابة الأبوية واستقلالية الطفل؛ إذ ينبغي أن تُتاح الفرص للأطفال لاتخاذ القرارات المتعلقة بالسلوك، ولكنَّ مَنْحَ الطفل هذا الاستقلال يجب أن يكون ملائمًا لعمر الطفل، وأنْ يخضع للرقابة في الوقت نفسه.
(?) وضوح المعايير السلوكية، ووجوب تقديم النصح الذي يساعد الأطفال على إدراك تلك المعايير.
(?) السماح بإجراء مناقشات حول القرارات، حتى التأديبية منها. تساعد هذه المناقشات في تقديم نموذج للعلاقات الاجتماعية الأخرى.
(?) تَوَافُق عواقب سوء السلوك مع السلوك نفسه. يُعد شرح العلاقة بين الفعل وعواقبه إحدى وسائل التفكير المنطقي الأخرى التي سيستخدمها الأطفال لاحقًا.
(?) حنان الوالدين في عملية تعليم الأبناء الحدود السلوكية يعزِّز استجابة الطفل للتعلم، كذلك يجب توضيح الالتزامات المتبادلة.
(?) يعزِّز توجيهُ الطفل لحل المشكلات — من خلال الاستفادة من قرار خاطئ أخذه في السابق — من مهارة التفكير المنطقي هذه (كأنْ تسأل الطفل: «ما الذي يمكن أن تحاول فعله في المرة القادمة عند حدوث خلاف بينك وبين صديقك؟») عليك تقديم اقتراحات تتناسب مع عمر الطفل.
(?) الثناء والدعم الصريح للسلوكيات الطيبة التي يبديها الأطفال.
(?) يلاحِظُ الأطفالُ صراع الوالد مع الآخرين، ويجب ألا يُلقي هذا الأمرُ بظلاله على الطفل (مثل الصراعات الزوجية).
(?) ينطوي دور الوالد كقدوة للطفل على ضرورة مراعاة مقدِّم الرعاية البالغ لسلوكياته والتصرف بنزاهة. وينبغي عليه أيضًا إظهار الاتساق بين المعايير التي يذكرها والسلوكيات التي يمارسها.
(??) يجب أن يكون توجيهُ الآباء لأبنائهم استباقيًّا؛ بحيث يتم تفادي المشكلات المرتقبة ومناقشتها.
وبالرغم من أن القائمة السابقة لا تشتمل على كافة الأمور المتعلقة بسمات الوالد الكفء، تعكس هذه الإرشاداتُ العديدَ من نماذج مشكلات وأحداث الحياة اليومية السائدة بين الأُسَر. من المتوقع أن يعمل استعداد الوالدين لممارسة هذه السلوكيات على مساعدة الأبناء في أن يكونوا أفرادًا بالغين أَكْفاء، وانطلاقًا من هذا الأساس القوي، سيتمكن الأطفال من نقل مشاعر الانتماء هذه إلى أولادهم في المستقبل. أما الأفراد البالغون الذين يرغبون في اتباع هذه الإرشادات، فيجب أن يتذكروا أن محاكاة السلوكيات الإيجابية في العلاقات إحدى الوسائل الرائعة.
مع ذلك ربما حظي القراء الذين كانوا يجهلون في السابق هذه الإرشادات ببداية طيبة مع أبنائهم، ومن شأن هذه الإرشادات تعزيز ذلك، وقد تساعد الأمثلة التالية على التطبيق العملي لهذه الإرشادات.
(?) الممارسة في الحياة اليومية

تحمل الأُسَر على عاتقها مسئوليات يومية لا بد لها من الوفاء بها، وفي الوقت الذي يحتاج فيه الأطفال إلى وقت فراغ يتضمن فرصًا للَّعب والابتكار، يحتاجون أيضًا إلى التدرُّب على أداء دور فعَّال في أُسَرهم، ولا يمثِّل ذلك ضوءًا أخضر لإرهاق الأطفال بالمهام المتعددة الخاصة بالبالغين، ولكنَّ جهودهم قد تصنع الفارق في إطار تيسير أداء الأُسَر للمهام المنوطة بها. على الرغم من ذلك، قد تُحمِّل بعضُ الأُسَر أطفالَها العديدَ من المهام الأخرى نظرًا للظروف الاقتصادية، ولا يملك العديدُ من الأُسَر ترفَ إكساب أبنائها المسئوليات الأُسَرية برَوِيَّة، ولكن التوقعات التي يجري التعبير عنها بطريقة ودودة تجعل عملية بناء العلاقات ذات أهمية بالغة لنجاح الأُسَر كافة؛ وفي ظل الود والنصح، يستطيع الأطفال المثقلون بالمهام تحقيقَ النجاح أيضًا.
وإذا تمكَّنت إحدى الأُسَر من تكليف الأطفال بالمهام باعتدال، ينبغي أن تبدأ تلك العملية بالمهام البسيطة ثم تزداد صعوبة المهام مع تطور الأطفال؛ حيث يُطلَق أيضًا على هذه المهام مصطلح «الأعمال الروتينية» أو «الأعمال المنزلية»، ويمكننا الشروع في هذه العملية من خلال بيان أهمية جداول العمل للأطفال وكيف يمكن لهم المساعدة في المنزل. كما أنَّ مَنْحَهم بعضَ اختيارات المهام المنزلية يُعد ممارسةً تعزِّز مستوى كفاءتهم وعملية بناء الثقة. ابدأ هذه الدروس عندما يكون الطفل قادرًا على التحرك، وعليك التعاون مع الطفل ومحاكاة السلوك المرغوب أمامه. يَسْهل تعليمُ الأطفالِ الدارجين وَضْعَ الدمى في المكان المخصص لها ووَضْعَ الأكواب الخاصة بهم في المطبخ ومثل هذه الأعمال المنزلية الروتينية. وقد يقاوم الأطفال في البداية اتباع هذه السلوكيات، لكنِ اشرح له في هدوء أنه كي تسير الأمور في سلاسة يجب أن يتعاون جميع أفراد الأسرة. يمكنك مثلًا مخاطبة الطفل قائلًا: «أنت جزء من هذه الأسرة، ونحن بحاجة إلى مشاركة الجميع، سأساعدك في أداء مهامك اليوم.» ومن خلال تعليم الطفل أن هناك العديد من المهام التي يمكن أداؤها على مدار اليوم، والتي لا تستغرق وقتًا هائلًا ولكنها تسهم في تسهيل الأمور قليلًا على الجميع؛ يمنح الأفراد البالغون لذلك الطفل فرصة للمشاركة في حياة الأسرة بشكل ملموس.
عندما يبلغ الطفل أربعة أو خمسة أعوام، يكون بمقدوره إدراك الواجبات الأسبوعية، وقد يرتفع مستوى هذا الإدراك عندما يكون الأشخاص البالغون يتبعون السلوكيات نفسها. ويستطيع الطفل في هذه المرحلة العمرية وضع الأشياء في مكانها الصحيح وتنظيف الغبار وما إلى ذلك. وتتوقف هذه المهام على قرارات الوالدين، ولكن تَذكَّرْ أنه إذا أُتيحت للأطفال بدائل للاختيار من بينها، فسيتعزز لديهم أيضًا شعورهم بالقدرة على التحكم والانتماء. ونظرًا لصغر سن الطفل، فقد لا تُنفَّذ المهمة على الوجه الأكمل، وقد تَستغرق عمليةُ مساعدة الأطفال في اكتساب مهارات جديدة لأداء الأعمال المنزلية من الآباء وقتًا أطول منه إذا قاموا بجميع المهام بأنفسهم ببساطة، ورغم ذلك، يرتبط تعليم هذه المهام بتعزيز العلاقة بين الوالد والطفل أيضًا.
إن ملاحظة مَواطن القوة والضعف لدى الأطفال من شأنها مساعدة الأشخاص البالغين في إدراك أنواع المهام التي ينبغي تكليف الأطفال بها أو طرحها كاختيارات أمامهم؛ على سبيل المثال، الطفل الذي يعاني صعوبة في القيام بالحركات الصغيرة باليد والأصابع (المهارات الحركية الدقيقة) قد يستفيد من طي أشياء بسيطة مثل مناشف الوجه. إن التشجيع والصبر أمران مهمَّان في مساعدة الأطفال في إتقان هذه المهارات الجديدة؛ ولذلك ينبغي إتاحة اختيارات أمام الطفل وفرصة لتحسين أدائه، كما يجب توجيه الشكر للأطفال على المساعدة التي يقدمونها، فجميعنا يسعد بالثناء على مهمة أحسنَ أداءها، والأطفال لا يختلفون عنَّا.
يدرك علماء النفس أن دعوة الأطفال لأداء مهام منزلية تتناسب مع أعمارهم من شأنها تعزيز حسِّ الارتباط بالأسرة؛ فاللعب والعمل في المنزل ضروريان لنجاح أية أسرة. ومع تطور الأطفال، تصبح مشاركة الأطفال في المشكلات التي تواجهها الأسرة أداة تعليمية أخرى في متناول الأفراد البالغين.
(?) ممارسة حل المشكلات

إنَّ حلَّ المشكلات وإيجاد حلول وسط وإظهار الارتباط في نطاق الأسرة أجزاءٌ لا تتجزأ من الانتماء إلى الأسرة. يحتاج أفراد الأسرة الواحدة بعضهم بعضًا لإنجاز المهام الأُسَرية، وللاستمتاع بالأنشطة الترفيهية معًا أيضًا، ولا يعني مفهومُ حل المشكلات الأُسَرية بالضرورة وجودَ مشكلة سلبية، بل يشير ببساطة إلى أنه بتكاتف أفراد الأسرة معًا، ستعمل الأسرة نحو إدراك هدف متفَق عليه. وكالعادة، ينبغي الشروع في هذه الممارسة في مرحلة مبكرة قدر المستطاع؛ حيث يجب إشراك الأبناء في مرحلة عمرية مبكرة في حل المشكلات الأُسَرية، سواء أكانت متعلقة بأنشطة العمل أو الأنشطة الترفيهية. وفي الوقت الذي قد تركز فيه الأسرة على تلبية احتياجات أحد الأطفال، ينبغي مراعاة احتياجات الوالدين والأطفال الآخرين أيضًا، فضلًا عن أفراد الأسرة المقربين أو الأصدقاء؛ فمنظومة كل أسرة يمكن أن تكون ضخمة ومعقدة.
يمثل حلُّ المشكلات أحدَ الجوانب الجوهرية للعديد من القرارات التي تتخذها الأسرة، وعلى الرغم من أن الطفل في عمر المرحلة الإعدادية يتميز بقَدْرٍ من المهارة إزاء كيفية التفكير في الخيارات التي تبدو الأنسبَ له، فإن توجيهَه نحو التفكير في ارتباط الأسرة بتلك الخيارات أمرٌ بالغ الضرورة على مدار تطوره في مرحلتَي الطفولة والمراهقة أيضًا. قد يشترك العديد من أفراد الأسرة في عملية اتخاذ القرار، وهذا يتوقف على عدد الأطفال والآباء والأجداد الذين يعيشون معًا في الأسرة الواحدة، وهذا يمثل جوهرَ أن تكون جزءًا من أسرة؛ أن تهتم بمراعاة احتياجات جميع أفراد الأسرة، وتسعى لإيجاد الحلول الأصلح للأسرة كلها، وتقبل الحلول الوسط صراحة. ومن آن لآخر، تُدعَّم احتياجات كل فرد من أفراد الأسرة أو يُلبَّى جزء منها. وبإتاحة فرصة المشاركة أمام جميع أفراد الأسرة، يقوى حسُّ الانتماء.
(?) الممارسة في وقت اللعب

عندما يتحدث الأفراد البالغون مع الأبناء وهم لا يزالون أطفالًا رُضَّعًا، يدرك الأبناء تدريجيًّا أن هناك أشخاصًا آخرين مهمين يهتمون برفاهيتهم؛ إذ إن الاستجابة لاحتياجاتهم في هدوءٍ مع تقديم شرح للأمور توضِّح لهم رسالةً مفادُها أن هؤلاء الكبار يرغبون أيضًا في توفير سبل الراحة لهم، وفي مساعدتهم في مراحل نموهم. إن رعاية الأطفال الرضَّع في جوٍّ مِن الدفء والاهتمام تمثل نموذجًا لأول علاقة تنشأ في حياتهم. يمكن أن يبدأ البالغون في عرض الاختيارات أمام الأطفال عندما يقتربون من إتمام عامهم الأول، ويجب أن تكون هذه الاختيارات بسيطة ولكن متاحة. وعندما يبلغ الطفل ?? شهرًا، تمثل إتاحة الفرصة له للاختيار بين قصتين للاستماع إلى إحداهما أسلوبًا رائعًا يوضِّح للطفل أنه صاحب قرار في الأمور المتعلقة برفاهيته. يَذكر علماء النفس أن هذا النمط من إتاحة الاختيارات أمام الطفل يعلِّم الطفل أن له تأثيرًا، أو نفوذًا، في البيئة التي يعيش بها. لا شك أن احتياجات الطفل لها أهمية، لكن يجب تلبية رغباته ودعمها في حدود المعقول. وبالنسبة للطفل الذي يبلغ عامين أو ثلاثة، قد تتسم الخيارات التي يقدمها له الأشخاص البالغون بقدر أكبر من التعقيد؛ على سبيل المثال، يمكن أن يقترح البالغون على الطفل خيارين من الأنشطة الترفيهية بما يتلاءم مع عمر الطفل. وبالطبع، عند وضع اختيارات أمام الطفل، يجب أن يلتزم الأفراد البالغون بتنفيذ النشاط الذي اقُترح على الطفل. يمثل نمط الاختيار هذا سبيلًا رائعًا لتعزيز الشعور بالانتماء لدى الطفل، كما أنه يزود الطفل برؤية مبكرة عن جوهر الانتماء للأسرة.
مثال على الأنشطة الفوضوية

إذا كان الوالد يرى أن اللهو مع الطفل على نحو فوضوي أمرٌ مُسلٍّ، يمكنه أن يسأل الطفل عما يفضله أكثر: الرسم بالأصابع أم صنع أشكال بالطين. نؤكد ثانية على ضرورة أن يكون الخياران المطروحان متاحين للفرد البالغ بحيث يستطيع الالتزام بهما. وبمجرد أن يتخذ الطفل قراره حول النشاط الذي يستمتع به، ينبغي الشروع فيه في أسرع وقت، ويُفضل أن تكون مهيَّأً بشكل مسبق للبدء في التحضير للنشاط المسلي مع الطفل حالما يتخذ الطفل قراره. استمتع بممارسة النشاط مع الطفل؛ فالتفاعلات التي تحدث أثناء اللعب تمثل غالبًا فرصة للآباء للتعرف على مصادر البهجة والخوف التي لم يعبِّر عنها الطفل من قبل. أَثْنِ على مجهودات الطفل، ووَجِّهْهُ في أمور وأمور؛ على سبيل المثال، قد يكون من الضروري ترك الأشياء مبعثرة على الطاولة، كذلك يمكن السماح للطفل بتكوين الأشكال وهدمها، وبناءً على عمر الطفل، فقد يسأم من اللهو سريعًا ويطلب ممارسة نشاط آخر. كما أن حث الطفل على التركيز درسٌ مفيد آخر؛ فعلى الوالد أن يحاول توجيه اهتمام الطفل إلى جوانب أخرى في النشاط الذي يمارسه؛ على سبيل المثال، عادة ما يؤدي رسم صورة واحدة بالإصبع إلى رسم ثلاث أو أربع صور أخرى، وقد تظهر الصور متطابقة أو مختلفة بعضها عن بعض، وإذا استحوذ النشاط على اهتمام الطفل، فعلى الأرجح أنه يجده ممتعًا.
بالنسبة للفئة العمرية الخاصة بمرحلة الطفولة المبكرة، يعتبر النشاط الذي يستمر الطفل في ممارسته لعشرين دقيقة أو أكثر نشاطًا ناجحًا، وإذا ما أصرَّ الطفل على الانتقال لممارسة نشاط آخر، وكان وقت اللعب مع الطفل محدودًا، فهذه فرصة جيدة للأفراد البالغين لتعليم الطفل نتائج اختياراته (عواقب السلوك) والاعتدال في الأمور. قد ينتهي الوقت المخصص للنشاط، ولكن بمقدور البالغين تنظيم الجداول اليومية بحيث تشتمل على وقتٍ للَّعبِ الفوضويِّ. وفي المرة التالية، ينبغي أن يوجِّه البالغون سؤالًا للطفل به قدر من النصح: «هل تريد اللعب بالطين هذه المرة؟ في المرة السابقة كنا نرسم بالأصابع وذكرتَ أنكَ ترغب في اللعب بالطين.» وبناءً على مدى نضوج تفكير الطفل، قد يطلب ممارسة لعبة الرسم بالأصابع ثانية؛ إذ إن التكرار جزء من تعامل الطفل مع العالم، والدرس المستخلص من هذا الأمر أن الطفل يحظى ببعض السيطرة على الأمور، ويستطيع اختيار نشاط ليمارسه، ويتفاعل مع الشخص البالغ علاوة على أنه يستمتع بنتيجة اختياره.
وفي حالة اشتراك أكثر من طفل واحد في عملية اتخاذ القرار واختيار النشاط الترفيهي، ربما يجب التوصل إلى حل وسطي من البداية، فإذا جرى تلبية رغبات طفل في المرة الأولى عند ممارسة النشاط الفوضوي، يجب تلبية الاختيار الأول للطفل الآخر في المرة التالية، وبهذا يدرك الأطفال فاعلية الحلول الوسطية وأن احتياجاتهم لها أهميتها. عليك توضيح هذه الروابط للطفل؛ اذكر الاتفاق الذي توصلتم إليه بوضوح، وذَكِّر الأطفال به، وامْضِ في تنفيذه. أَخبِر الأطفال أن الحلول الوسطية هي جزء لا يتجزأ من العلاقات مع الآخرين، وأن رغبات كل شخص لها أهميتها. يَضرب التزامُ الأشخاص البالغين بتنفيذ هذه الاتفاقيات مثالًا على سلوك يحتاج الأطفال إلى ترسيخه كجزء من سلوكياتهم.
(??) تطوُّر المهارات الاجتماعية لمرحلة النضج

ينطوي الانتماء الأُسَري على مراعاة أهمية رغبات جميع أفراد الأسرة؛ إذ تُعزِّز هذه العمليةُ المسئوليةَ الفرديةَ والعلاقات الشخصية؛ مما يعمل على تعزيز الصحة النفسية الجيدة. وعندما يهتم الأشخاص البالغون باحتياجات الأطفال على نحو يوازن بين التنظيم والحرية، يدرك الأطفال أن الكبار يهتمون لأمرهم، وأن عملية حل المشكلات وعرض الاختيارات يمكن أن تكون مسلية، وأنهم يتمتعون بقدر من النفوذ في بيئاتهم. ويدل هذا النمط من اتخاذ القرارات، والذي يخلو من المجازفة، على أن دروسَ القرارات المستقبلية، بمعزل عن الأفراد البالغين، ستعتمد على الدروس الأولى. وبوصول الأطفال إلى مرحلة المراهقة، ستكون مناقشة الخيارات والتفكير في البدائل والنتائج جزأين لا يتجزآن من سلوكياتهم. ولْننظرْ إلى هذا المثال الخاص بطفل صغير أُتيحت له الفرصة لاتخاذ قرار يتعلق بمعسكر صيفي.
اختيار سيئ!

سمحت إحدى الأمهات لابنها البالغ من العمر خمسة أعوام أن يختار النشاط الصباحي بمعسكر صيفي لمدة أسبوع واحد. ناقشَت الأم مع طفلها الاختيار بين برنامج المكتبة المحلية وبرنامج الشاطئ، وذكرت الأم لطفلها أنه ذهب إلى معسكر المكتبة في الصيف الماضي، وسيكون التعرف على الكائنات الشاطئية نشاطًا جديدًا له. اختار الطفلُ في سرورٍ المعسكرَ الشاطئيَّ الصيفيَّ وقضى أسبوعًا رائعًا. تضمنت الجولات الشاطئية أنشطة متنوعة مثل جمع الأصداف والتعامل مع الأسماك الصغيرة والكبيرة، وفي اليوم الأخير من المعسكر، ذهبت الأم لاصطحاب طفلها الذي كانت ملابسه كلها مغطاةً بالوحل وسألته عن حاله، أجابها الفتى الغاضب قائلًا: «كنت أتمنى لو ذهبت إلى معسكر المكتبة!» يبدو أن البيئة الاستكشافية لذلك الصباح كانت المستنقع ولم يراعِ مسئولو المعسكر الإشراف على تنظيف الأطفال للوحل الذي تراكم على أجسادهم على مدار عدة ساعات. كتمت الأم ضحكها وقالت له برفق: «ستغتسل قريبًا وربما ستشعر بتحسن.» وفي وقت لاحق من اليوم، قال الطفل لأمه: «لقد أحببت المعسكر الشاطئي!»
اختار الولد في هذا المثال نشاطًا، ولكنه تَعرَّضَ لتجربة مزعجة دفعته لإعادة التفكير في خياراته، وهذا الأمر مفهوم بالطبع؛ حيث يمكن أن يتعرض كلٌّ منَّا لمثل هذه المواقف. ورغم ذلك، بالنسبة لطفل يبلغ من العمر خمس سنوات، فقد أدى الاغتسال ببساطة لراحته البدنية؛ مما دفعه لإجراء تقييم آخر لاختياره في وقت لاحق من اليوم نفسه. كان بمقدور الأم استغلال الفرصة لمناقشة طبيعة الخيارات التي تنطوي في أغلب الأحيان على جوانب إيجابية وأخرى سلبية، ولكن في مثال هذا الطفل ذي السنوات الخمس، فإن إتاحة الفرصة له لإعادة تقييم الأمور بنفسه مهمَّةٌ أيضًا.
إن إتاحة الفرصة للأبناء للاختيار من بين عدة بدائل تساعدهم أيضًا في فهم الاختيارات السيئة أو تلك التي لم تُسفر عن نتائج جيدة. ويتيح هذا الدرس المهم للأطفال إدراك عواقب اختياراتهم وسلوكياتهم، وفي حالة اختيار الطفل لنشاط لم يُسْفر عن نتيجة طيبة، أَخبِر الطفلَ أن هناك مجالًا لفرص أخرى، وأنه ليس مضمونًا انتقاء الخيار الأفضل في كل مرة. ينبغي تذكير الطفل أننا كبشر لا نستطيع معرفة نتائج كل اختيار قبل ممارسة نشاطٍ ما بوقت طويل؛ فنحن نفهم العالم من حولنا من خلال تجربة أشياء جديدة. ولا ينبغي أن يُثقل الكبار أطفالهم بعبارات مكررة حول ما قد يعتبرونه «خيارًا سيئًا»، ولكنَّ إحجام الكبار عن هذا السلوك السلبي يحمل رسالةً مفادُها أنَّ تعلُّم الأمور الجديدة ينطوي على قدرٍ من المخاطرة.
استخدم أسلوب حل المشكلات في مساعي التعامل مع وقت اللعب أو النشاط التالي على نحو أفضل. ناقِشْ مع الطفل سُبُل دراسة البدائل المتاحة. إن إتاحة الفرصة للأطفال لتحمُّل نتائج القرارات التي اتخذوها ستلقِّنهم العديد من الدروس القيِّمة، وتساعدهم ممارسة هذا الأمر في إدراك عواقب اختياراتهم. يتعلم الأطفال من خلال هذه العملية أنَّ الانتقاء من بين مجموعة من الخيارات قد يكون صعبًا ولكنه مُجزٍ، فهو يجعل الآخرين ينظرون إلى الطفل كفرد كفء آخذ في التطور يتمتع بمهارات التعلم. يتضمن هذا النوع من التفويض بالاختيار تأكيدًا صريحًا للغاية بأنهم جزء من الأسرة؛ فالجانب الأكثر إيجابية للانتماء على الأرجح يتمثل في تقبُّل الآخرين لأخطائنا ونقاط ضعفنا جنبًا إلى جنب مع نجاحاتنا.
ومثلما ذكرنا في المثال الخاص بوقت اللعب الفوضوي، فإن التوصل إلى حلول وسطية بين أفراد الأسرة الواحدة يُعد إحدى الاستراتيجيات الأخرى التي تطبقها الأُسَر المتماسكة لتعزيز حس الانتماء. نؤكد مجددًا على إمكانية تعليم الأطفال كيفية استخدام هذه الوسيلة القيِّمة منذ نعومة أظفارهم لمساعدتهم في تكوين علاقات إيجابية مع الآخرين والمحافظة عليها. وإذا ما نظرنا للأمثلة المذكورة سابقًا، فقد يطلب الطفل الصغير ممارسة نشاطَي اللعب بالطين والرسم بالأصابع في يوم واحد. إن مراعاة الأفراد البالغين لاحتياجات الآخرين في الأسرة قد تفرض عليهم تقسيم وقتهم بين العديد من أفراد الأسرة؛ فقد يقول الأب: «لِنتَّفقْ على حل وسط ونمارس نشاطًا واحدًا الآن، وأَعِدُكَ أننا سنحظى بفرصة أخرى للَّعب هكذا في القريب العاجل.» إن استخدام عبارات طويلة مثل «حل وسط» مع طفل دارج قد يبدو غريبًا، ولكن استخدام مثل هذه الكلمات المهمة في مرحلة مبكرة يساعد الأطفال في إدراك الأمور المهمة من وجهة نظر الكبار في الأسرة. ومع تطور الأطفال، يتحول البحث عن حلول وسطية إلى إحدى سمات التفاعل مع الآخرين، ويتوقعون فيما بعد أن العلاقات تقوم على الأخذ والعطاء بما يحقق مصالح جميع الأطراف. ويؤدي عنصر التبادلية في هذه العلاقات إلى تعزيز حس الانتماء في الأُسَر؛ الأمر الذي يساعد أيضًا في تيسير عملية التطور الاجتماعي لدى الأطفال.
عندما يصل الأطفال إلى مرحلة المراهقة، قد تتخذ عمليةُ التوصلِ إلى حلول وسطية والمفاوضات الأُسَرية منحًى جديدًا من التعقيد لجميع أفراد الأسرة، ورغم ذلك، تبقى مقوماتُ الانتماء الأساسية هذه حاضرةً، ويدرك الأطفال التزام الأسرة نحوهم.
(??) الممارسة في مرحلة المراهقة

على مدار سنوات المراهقة، ربما يتطلب الالتزام بالانتماء إلى الأسرة قدرًا أكبر من المرونة مع توقع المراهق لدرجة أكبر من الاستقلالية، وفضلًا عن توقعات المراهق نفسه، يتوقع الآباء تزايدَ اتخاذ القرارات المسئولة، وزيادةَ الالتزام بالذات وبالآخرين كأولويات للمراهقين. إن استخدام أسلوب حل المشكلات عند الاختيار من بين عدة بدائل للمساعدة في التوصل إلى قرارٍ، ربما يتطلب مساهمة أكبر من المراهق؛ وذلك بهدف أن يشعر بأنه شخص كفء ويحظى بتقدير الآخرين. ويُعد مفهوم «العصف الذهني» إحدى الوسائل الفعالة مع المراهقين التي تُستخدم أثناء الاختيار من بين عدة خيارات للوصول إلى قرار مهم. ويمكن استخدام أسلوب العصف الذهني للتعامل أيضًا مع الأطفال في المرحلة الابتدائية، ولكن المراهقين يستطيعون استخدامه بمهارة أعلى؛ فالمراهقون يتميزون بقدر أعلى كثيرًا من الكفاءة عن الأطفال الأصغر سنًّا من ناحية القدرة على التفكير في عدة اختيارات في الوقت نفسه وفي النتائج المتوقعة لكلٍّ منها. ويُعد هذا أحد عناصر مهارات التفكير الأكثر تقدمًا لدى المراهقين.
ربما يجد المراهقون صعوبات في التعامل مع غيرهم في المنزل؛ إذ ربما لا يراعي أشقاؤهم الحدودَ المتعلقة بالملكية وكيفية استخدام الأشياء الثمينة مثل الأجهزة الإلكترونية الخاصة بهم. وفي خارج المنزل، قد تتجسد الصعوبات التي يتعرض لها المراهقون مع الآخرين في الأمور الخاصة بعلاقة الصداقة، أو في اتخاذ القرارات المدرسية المتعلقة مثلًا بكيفية الاختيار من بين نشاطَي الرياضة البدنية والموسيقى في المنهج المدرسي. ويجب على الآباء في أغلب الأحيان توجيه أبنائهم في اتخاذ القرارات حول موضوعات على هذا القدر من الأهمية، ولكن ممارسة «العصف الذهني» ربما تساعد جميع المشاركين في الأمر، بما فيهم الأشخاص البالغون. وفيما يلي القواعد الخاصة بأسلوب العصف الذهني مع الأطفال: (?) مشاركة الأسرة جزءٌ لا يتجزأ من هذه العملية، ويجب تقييم كلٍّ من المشكلات ومستويات نضوج الأطفال ورصدها؛ لكي يتسنى للبالغين تحديد المشاركين.
(?) الحرص على التزام كافة المشاركين بهذه العملية قبل بدايتها.
(?) توضيح كافة قواعد عملية «العصف الذهني» التي تتمثل في: الاتفاق على المشكلة المطروحة، واقتراح كلِّ فردٍ الحلَّ الذي يراه مناسبًا للتعامل مع المشكلة، وتجنُّب المقاطعات والردود السلبية. وقد يرغب البالغون في الاحتفاظ بقائمة مكتوبة، وخاصة إذا كان الأطفال الصغار بحاجة إلى مواد مساعدة.
(?) يقول أحد البالغين حينئذٍ: «لديكم الآن قائمة بالتدابير التي يمكن اتخاذها، فلْنناقشْ إيجابيات وسلبيات كلٍّ منها.» ويجب أن تسير المناقشة على نحو نظامي بناءً على أعمار كافة الأفراد المشاركين بها.
(?) يقول أحد البالغين: «في ظل وجود هذه الخيارات، أيها ستختار؟» وإذا لم يتمكن الطفل من الاستقرار على اختيار محدد، يمكن أن يقول الشخص البالغ: «فلْتفكِّرْ في هذه الاختيارات واتَّخِذْ قرارك في [وقت يُتفق عليه]، وبحلول هذا الوقت، يمكننا مناقشة الخيار الذي توصلتَ إليه وكيف ستنفذه.»
(?) وَضِّحْ للطفل أن الاتفاق على اختيار محدد يستوجب الالتزام بتنفيذه.
(?) يحق للآباء الإعرابُ عن اعتقادهم بأن الحل الذي اختاره الطفل خاطئ، ويُفضَّل ذِكر ذلك بوضوح شديد وعلى نحو ودود.
(?) أَتِحِ الفرصة للطفل لتجربة الخيار الذي حدده ما دامت عوامل السلامة والاعتبارات المهمة الأخرى تمت مراعاتها أو لم تكن جزءًا من المشكلة.
(?) تَحدَّثْ مع الطفل عن النتائج وناقِشْه في ذلك، وتَجنَّبْ تكرار عبارة «قرار خاطئ.» بدلًا من ذلك، ذكِّر الطفل بقيمة التجربة والتعلم.
(??) في حالة اشتراك أكثر من فرد واحد من أفراد الأسرة في تحديد اختيار بعينه ولم يُنفَّذ الإجراء أو جرت إعاقته، يُفضل عقد لقاء آخر لمناقشة الالتزام السابق.
(??) تطوُّر الأسرة

تساعدنا الدروس المهمة المستفادة من الاستخدام المبكر لأساليب صنع القرار والبحث عن حلول وسطية في الأسرة في التطور بعدة طرق. عندما يمر الأشخاص بالتجارب المعرفية والاجتماعية والعاطفية والسلوكية، التي تُترجَم إلى قدرةٍ على التحكم في البيئة المحيطة بهم والحفاظ على التواصل مع الآخرين، تتعزَّز صحتهم النفسية. وتمثل الصحة النفسية الجيدة للأطفال والمراهقين عادة انعكاسًا للصحة النفسية التي يتمتع بها الأشخاص البالغون في الأسرة أيضًا.
يستطيع جميع الأشخاص البالغين تعزيز مهارات التربية؛ فالأُسَر تُبنى وترتقي من خلال أساليب التربية الفعَّالة والتركيز على تنمية العلاقات. وعندما يشعر الأطفال بالانتماء إلى الأسرة، سيكون لديهم قدرة أكبر على اتخاذ قرارات في حالة غياب الأشخاص البالغين، ولعل المواقف الأكثر خطورة لن تواجههم حتى يبلغوا مرحلة المراهقة. تقترن فترة المراهقة هذه بهامش حرية أكبر يمنحه البالغون للأبناء، بل قد يمثل اعتيادُهم تدبُّر الخيارات باستقلالية طوقَ النجاة فعليًّا لبعض المراهقين؛ إذ تحمل مواقفُ من قبيل الأنشطة الجنسية وتناول المشروبات الكحولية دون السن القانونية والسلامة أثناء قيادة السيارات فُرَصًا تتيح للأطفال الذين يتمتعون بالاستقلالية والكفاءة استغلالَ قدراتهم — التي اكتسبوها من الكبار — في حل المشكلات، ولا ينبغي التقليل من شأن هذه القدرات؛ إذ إنها تمثل قاعدة إيجابية أخرى يمكن الاستفادة منها في كافة جوانب التطور، كما سيُسْهِم الطفل في الارتقاء بالرفاهية العامة للأسرة بصفته أحد العناصر الفاعلة والعاقلة في الأسرة.
إن اللهو والعمل في المنزل أمران مهمان لنجاح الأسرة، والانتماء يعني المشاركة الكاملة في الأنشطة الأُسَرية، بدءًا من الأطفال الرضع والدارجين. كما أن تعليم الأطفال كيف أن المسئوليات والعلاقات تعملان بالتوافق معًا يمنحهم أساسًا قويًّا لتَطَوُّرهم لاحقًا. إن توقعات الآباء بشأن المعاييرِ السلوكيةِ ومهاراتِ حل المشكلات والبحثِ عن حلول وسطية والالتزامِ، والتي يجري تعريفهم بها بطريقة ودودة ومشجِّعة، تساعد الأطفال في إدراك إمكانياتهم وعلاقاتهم بالآخرين. خلاصة القول أن تمتُّع الأطفال بصحة نفسية جيدة يرتبط بشعورهم بالانتماء.
قد تختلف الأُسَر لأسباب تتعلق بالمستوى الاقتصادي أو الخلفية الدينية أو العرقية، ولكن يبقى الشعورُ بالانتماء إلى الأسرة أمرًا بالغَ الأهمية للجميع. يتعين على الأفراد البالغين تحقيق التوازن بين الرقابة والاستقلالية في عملية تنشئة الأبناء، ويرى علماء النفس أنَّ مَنْح الأبناء قدرًا من الاستقلالية إلى جانب التوجيه المبكر وتقديم النماذج السلوكية يمثل استراتيجيات جيدة لتعزيز الكفاءة لدى الأطفال، والتي ستنعكس على مجالات خارج نطاق الأسرة. إن الصحة النفسية الجيدة التي تبدأ في المنزل ترتبط بعلاقة تبادلية مع التطور الاجتماعي الصحي للأطفال مع أقرانهم.

الفصل الخامس
النمو الاجتماعي وعلاقات الأقران


كولين طفلة تبلغ من العمر اثني عشر عامًا، تستقل السيارة مع أمِّها وتقول لها: «إنني محظوظة للغاية لأن لديَّ عددًا كبيرًا من الأصدقاء الرائعين!» فتطلُب الأم من ابنتها أن تحدثها أكثر في هذا الموضوع، آملةً أن تحصل على قدر أكبر من المعلومات والأفكار حول الرأي الرائع الذي شاركته الطفلة معها توًّا:
كولين: «حسنًا، لدي أكثر من عشرة أصدقاء من مدرستين مختلفتين. الفتيات والأولاد يحبونني على حد السواء.»الأم: «وما هو وجه حُسن الحظ في هذا الأمر؟»كولين (وقد بدت ساخطة إلى حدٍّ ما): «لا أعرف!»الأم: «أعتقد أن صداقاتك إنما تدل على شخصك.»كولين: «ماذا تقصدين؟»الأم: «إنك ودودة وجديرة بالثقة ومرحة وذكية، والأطفال الآخرون يفضلون صحبتك للعديد من الأسباب. إنك بالنسبة إليهم صديقة جيدة.»كولين: «ربما.» بنهاية هذا الحوار، تبدو كولين مستغرقة في التفكير ولكنها مستعدة للانتقال إلى موضوع آخر. ربما كان توجيه أمها الراقي لها نحو التفكُّر الذاتي هو ما احتاجت الطفلة إلى سماعه تحديدًا في تلك اللحظة، وربما تَطلَّب الأمر منها بعض الوقت للتفكير في وجهة نظر أمها عنها، وإذا ما كانت تتوافق مع وجهات نظرها عن نفسها كصديقة. يُلاحَظ أن ردود كولين كانت تفتقد التفكُّر الذاتي الذي لم يتعدَّ إحصاء أصدقائها وتصنيفهم فحسب، وهذا الأمر يبدو طبيعيًّا تمامًا بالنسبة لطفلة لم تتعدَّ اثني عشر عامًا، ولكن من المؤكد أن «كولين المحظوظة» أسهمت في حظها الطيب وصداقاتها الجيدة.
سأتناول في هذا الفصل كيفية مساهمة العلاقات بين الأقران في تطوُّر الأطفال وتحسين مستوى الصحة النفسية لهم. يتعلق المقياس الرابع للأطفال الذين يتمتعون بصحة نفسية جيدة بعلاقات الصداقة وقبول الأقران أو رفضهم. إن النمو الاجتماعي والنمو المعرفي لدى الأطفال متداخلان بصورة مذهلة كما ذكرنا في الفصول السابقة، وتجسد العلاقة الثنائية بين الأب والابن النموذج الأول للعلاقات في حياتهم، والتي تكون بمنزلة النمط أو إطار العمل للعلاقات اللاحقة. توفِّر التنشئةُ الاجتماعية المبكرة في كنف الأسرة بيئةً جيدةً يتعلم الأطفال من خلالها أمورًا عن الذات وعن الآخرين، علاوة على أنها تساعد الأطفال في التعامل جيدًا في السياقات الأوسع للعلاقات اللاحقة مع الأقران. وللأشخاص البالغين في حياة هؤلاء الأطفال دور بالغ الأهمية في عملية النمو هذه، ولكن الأقران يمثلون سبيلًا آخر للارتباط بالآخرين وبالعالم بشكل عام.
يبدأ النمو الاجتماعي للطفل منذ نعومة أظفاره، هل تذكرون المرة الأولى التي ركَّز فيها الطفل الرضيع الوارد في الفصل الثاني على أمه، وكيف بدا أنه يلاحِظ وجودها بصورة لم تلحظها الأم من قبل؟ إن تركيز هذا الطفل الرضيع كان دليلًا على نموه المعرفي والاجتماعي في تلك اللحظة، فمع تطور الأطفال، يبدءون أيضًا في إدراك أنهم كيانات منفصلة عن الآخرين؛ ويعني هذا الإدراكُ المبكرُ ? «الآخر الاجتماعي» ببساطةٍ إمكانيةَ إدراك الطفل لتمتُّعه بإرادة شخصية منفصلة عن سلوكيات الآخرين؛ على سبيل المثال، يبدأ الأطفال الصغار في إدراك أن بمقدورهم التأثير في البيئة المحيطة بهم، بما في ذلك القدرة على لفت انتباه مقدِّم الرعاية للاقتراب منهم بغرض الرعاية أو اللعب.
إن العلاقات الاجتماعية المبكرة في الأسرة تزوِّد الأطفال بمعلومات عن التفاعلات الاجتماعية بوجه عام، كما تعمل هذه العلاقات المبكِّرة على مساعدة الأشخاص في الارتقاء بقدراتهم على التواصل وإنشاء علاقات مع الآخرين والمحافظة عليها، ويُطلق على هذه المهارة كفاءة العلاقات الاجتماعية أو الكفاءة الاجتماعية، جدير بالذكر أن كفاءة العلاقات الاجتماعية هذه تضع الأطفال على طريق إيجابي لتحقيق النجاح المستقبلي في المدرسة والعمل، وعلى مدار مرحلة البلوغ أيضًا. وتشير عالمة النفس سوزان هارتر — الخبيرة في دراسة دور الآخر الاجتماعي والتقدير الذاتي الشخصي — إلى أن التقييمات الإيجابية للآخرين تعكس التقدير الذاتي الإيجابي للشخص نفسه (انظر هارتر ????)، كذلك يرتبط التقدير الذاتي بالصحة النفسية الجيدة.
إن الإنسان كائن اجتماعي يعتمد استمراره ونجاحه أيَّما اعتماد على قدرته على الكفاءة الاجتماعية، كذلك يستغل كلٌّ من الأطفال والأشخاص البالغين المعلومات الواردة إليهم من الآخرين لمساعدتهم في إدراك ذواتهم، على الأقل من منظور مختلف عن رؤيتهم الذاتية. يبعث هذا المنظور أو «التصديق الاجتماعي» بمعلومات إلى الفرد عن العديد من الموضوعات. كيف يراني الآخرون؟ ما مدى الاتفاق بين وجهات نظر الآخرين ووجهة نظري؟ كيف أرتبط بالآخرين؟ ما هي مكانتي في هذا العالم؟ وكيف أشارك به؟ يساعدنا الآخرون الاجتماعيون في التوصل إلى إجابات على هذه الأسئلة الفلسفية المعقدة التي يصارعها البشر، علاوةً على ذلك، يوفر الأقران والأصدقاء للأطفال فرصة للتفاعل على نحو أكثر تكافؤًا منه في التفاعل مع الأشخاص البالغين في حياتهم. يدرك الأطفال أن الأشخاص البالغين يتمتعون بنفوذ أكبر في العلاقات القائمة بينهما؛ ولذلك، فإن العلاقات مع الأقران تجسد الخطوة الأولى في عملية إدراك الذات في العلاقات المتبادلة المتكافئة النفوذ.
سأستخدم في هذا الفصل مصطلح «الآخرون الاجتماعيون» للإشارة إلى كافة الأفراد الموجودين في البيئة الاجتماعية للفرد. سيشير مصطلح «الأقران» إلى مجموعة أصغر من الأطفال الذين يجمعهم قاسم مشترك على غرار فئة عمرية أو اجتماعية واحدة، بينما سيشير مصطلح «الأصدقاء» إلى الأفراد الذين نتشارك معهم المعلومات الشخصية المهمة والوقت أيضًا. يدل مصطلح الصداقة على سمة التبادلية أو الجهود الواعية المتساوية لتكوين علاقة صداقة قائمة على تبادلية تقود إلى الألفة، أما في حالة الأطفال الصغار، فإن الصداقة تشير على الأغلب إلى هؤلاء الأطفال الذين يلعبون ويستمتعون بالأنشطة المماثلة، إما معًا وإما مع أطفال آخرين، ويتطور الأمر لاحقًا إلى تكوين علاقات ثنائية أو ثلاثية منسقة ومعقَّدة. وفي سنوات المراهقة المبكرة، يواصل الأطفال سعيهم لاكتساب أصدقاء يشتركون معهم في ممارسة الأنشطة الممتعة، ولكنهم يبدءون أيضًا في السعي لاكتساب صداقات حميمة بهدف تعلُّم أشياء عن الذات وعن الآخرين في ثنائياتٍ قوامُها الثقة. ومثلما هي الحال مع كولين ذات الاثني عشر عامًا، لا يستطيع غالبية المراهقين الصغار ذِكْر الأسباب المعقَّدة لاكتساب الأصدقاء، ولكنهم يشرعون في التساؤل عن كيفية تكوين علاقات الصداقة والمحافظة عليها وكيف يمكنهم تعزيز هذه العلاقات على مدار مراحل نموهم. يعتمد النمو والصحة النفسية الجيدة الكلية للأطفال إلى حدٍّ كبيرٍ على مهاراتهم الاجتماعية؛ ولهذا سأستخدم مصطلحَي «الكفاءة الاجتماعية» و«كفاءة العلاقات الاجتماعية» بصورة تبادلية ليعكسا المهارات الإيجابية التي تظهر أثناء التواصل مع الآخرين.
(?) إطار العلاقة بين الآباء والأبناء

إن العلاقة الأولى التي تنشأ بين الآباء والأبناء تقدِّم أُطُرًا عامةً لكافة العلاقات التي تنشأ على مدار حياة الفرد، ورغم أننا ندرك إمكانية تغيُّر هذه الأطر نتيجةً لعدة عوامل، يتفق علماء النفس على أن النموذج السلوكي الذي يحاكيه الأطفال للتعامل مع الآخرين يبدأ عند الآباء. وقد تَطرَّقْنا في الفصل الرابع لمناقشة مدى أهمية الانتماء الأُسَري وتأثيره في حياة الأطفال الصغار، فلْنتناوَلِ الآن كيف تتكهن العلاقة بين الآباء والأطفال بالعلاقات التي تنشأ بين الأقران بوجه عام.
من منظور المحاكاة السلوكية الخالصة — بمعنى أن «الأطفال يكررون ما يرونه» — للآباء تأثير بالغ على العلاقات الخاصة بالأبناء. سيسترشد الأطفال في تعاملهم مع الآخرين بالنموذج أو الإطار الخاص لعلاقاتهم مع الآباء؛ على سبيل المثال، الأطفال المعتادون على حنان الآباء ومراعاة الحدود والتوقعات السلوكية ستتأثر علاقاتهم مع الأقران بالتوقعات الإيجابية نفسها، وينظر الأقران والآخر الاجتماعي — كالمعلمين — إلى هؤلاء الأطفال باعتبارهم أَكْفاءً اجتماعيًّا، وعادة ما تنجح محاولات هؤلاء الأطفال نحو التفاعل.
يشير مصطلح الكفاءة الاجتماعية إلى أن الأطفال لديهم مجموعة من المهارات التي تعمل على تيسير تفاعلاتهم مع الآخرين؛ بحيث ترتكز علاقاتهم على أساس متين ومباشر للتواصل يعكس الاهتمام بالنفس وبالآخرين، وتشير هذه الكفاءة في كثير من الأحيان إلى أن الأطفال يتمتعون على الأرجح بتقدير ذاتي كبير وأقل عرضة للإصابة بأعراض الإحباط أو القلق، علاوة على تمتعهم بمستوًى أعلى من الرضا عن الحياة مقارنة بالأطفال الذين لا يتمتعون بهذه الكفاءة (انظر باومايستر وآخرين ????). كما يتميز المراهقون الذين يتمتعون بكفاءة العلاقات الاجتماعية بأنهم أقل عدوانية وأكثر استقلالية وتعاطفًا مع الآخرين مقارنة بأقرانهم الذين يفتقدون هذه المهارة (انظر دودج ????). وفي حين أن معظم النتائج المتعلقة بالكفاءة الاجتماعية مستمَدة من دراسات أُجرِيَت على أطفال من أُسَر قوقازية متوسطة الدخل في الولايات المتحدة، فقد ظهرت نتائج مماثلة على نطاق متعدد الثقافات في مجموعات متنوعة مثل الأطفال الألمان والأتراك (انظر وينستيد ????).
ورغم ذلك، يذكر الخبراء المتخصصون في دور الآباء والكفاءة الاجتماعية للأطفال والتطور العام أن افتقاد المعلومات حول أطفال الأقليات العرقية في الولايات المتحدة يعني أن الصورة التي لدينا حول علاقات الأطفال مع أقرانهم ليست مكتملة. وعلى الرغم من أن انخفاض الدخل والأقليات العرقية لا يرتبطان دومًا أحدهما بالآخر، يجب أن نتذكر أن نسبةً أعلى من الأطفال المنتمين إلى أقليات عرقية تعاني من الفقر مقارنة بالأطفال القوقازيين في الولايات المتحدة. هناك عدد محدود من الدراسات المتوفرة حول أطفال الأقليات العرقية ممن يدرسون في مدارس حضرية منخفضة الدخل، وحول علاقة هؤلاء الأطفال بالآباء والأقران، وفيما يلي بضعة أمور نعرفها استنادًا إلى هذه الأبحاث. تعكس مشاركة الآباء في المدرسة نجاح العلاقة بين أولادهم وأقران أولادهم (انظر كوكرن ودافيلا ????). يُخرج الآباءُ الحازمون أو من يطبقون قواعد صارمة أبناءً ذوي سلوكيات إيجابية في الفصول الدراسية. كما تتطابق تقديرات الآباء والمعلمين حول كفاءة العلاقات الاجتماعية عند الأطفال في المدرسة في أغلب الأحيان؛ الأمر الذي يدل على اتفاق الأشخاص البالغين الموجودين في حياة الأطفال حول مستوى كفاءة العلاقات الاجتماعية عند الأطفال.
أظهرتْ مقارناتٌ بحثيةٌ حول كفاءة إقامة العلاقات عند الأطفال الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية والأطفال المنتمين إلى الأقليات العرقية «نتائجَ متباينةً»، وهذا يدل ببساطة على أن الأطفال يَبْدون في بعض الأحيان متشابهين للغاية، وفي أحيان أخرى يَبْدون مختلفين؛ على سبيل المثال، أظهرت نتائج الأبحاث التي أُجريت على كلٍّ من الأطفال الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية والأطفال المنتمين للأقليات العرقية أن المشاركة العالية للآباء مع أبنائهم تقترن بنجاح الأبناء في علاقاتهم مع أقرانهم، ورغم ذلك قد تكون هناك اختلافات بارزة بين هاتين الفئتين في دراسات أخرى؛ على سبيل المثال، يتميز الأطفال الأمريكيون من ذوي الأصول الأفريقية بقدرات أفضل في إقامة علاقات مع الأقران في حالة تطبيق آبائهم لقواعد صارمة مقارنة بالأطفال الأمريكيين من ذوي الأصول الأوروبية (كوكرن ودافيلا ????). نحن لا نعرف إلا أقل القليل عن تطور الكفاءة الاجتماعية لدى الأطفال المنتمين إلى أقليات عرقية، وينبغي أن يدرك الأشخاص البالغون المهتمون بمفهوم توافق العلاقة مع الآباء والأقران أن تعميم الأحكام على كافة الأطفال الأمريكيين هو أمر غير مستحب إلى أن يكون لدينا قاعدة بيانات أفضل نعتمد عليها.
إن إجراء الأبحاث حول الفقر وعلاقته بالكفاءة الاجتماعية عند الأطفال شيء حديث العهد إلى حدٍّ ما، ولكنَّ هناك بعضَ النتائج التي تنطبق على جميع الأطفال. تذكُر جودي دَن — عالمة النفس الخبيرة في علاقات الصداقة لدى الأطفال — أن الحالة الاجتماعية المتدنية أو الفقر يمكن أن تكون لهما نتائج سلبية على الأطفال بطرق يمكن توقعها. يمكن أن ينعكس الضغط الذي تتعرض له الأُسَر نتيجة الفقر بعدة طرق ترتبط بعلاقات الصداقة الخاصة بالأطفال؛ على سبيل المثال، قد ينتقل الأطفال الذين نشئُوا في الفقر كثيرًا لتجنب التشرد، ويؤدي افتقاد الاستقرار السكني إلى عدم إتاحة فرص كثيرة للأطفال لتكوين صداقات. كما أن الأحياء غير المستقرة قد تُعرِّض الأطفال لمخاطر تتعلق بسلامتهم؛ مما يؤدي إلى منعهم من اللعب مع أقرانهم. وقد يواجه مقدِّمو الرعاية البالغون صعوبة في مراقبة علاقات الأطفال مع الأقران لدواعٍ اقتصادية تفرض على البالغين الاشتغال في عملين أو أكثر من الأعمال ذات الأجور المنخفضة. ويمثِّل افتقادُ الأطفال وسيلةَ الانتقال التي تجمعهم بالأصدقاء أحدَ الاعتبارات العملية الأخرى التي قد تعاني منها الأُسَر الفقيرة. إذا ربطنا أيًّا من هذه العوامل بالأحداث السلبية التي قد تكون قد تسببت في الفقر (مثل البطالة أو التفكك الأسري وما إلى ذلك)، فستتجلى الصعوبات التي يواجهها الأطفال المنتمون إلى أُسَر ذات دخل منخفض في إطار سعيهم لإقامة علاقات قوية وإيجابية مع الأقران والمحافظة عليها (دَن ????).
وعلى الرغم من الصعوبات الجوهرية لدى بعض الأطفال، يستمتع الكثير من الأطفال بصحبة أقرانهم، وتُعد هذه العلاقات المبكرة مع الأقران تدريبًا جيدًا على العلاقات اللاحقة، بما في ذلك علاقات الصداقة والزواج. ويعتقد علماء النفس أن الطفل الذي يتمتع بالكفاءة الاجتماعية يسير على الطريق الصحيح للصحة النفسية الجيدة.
(?) الأقران

يختلف مفهوم قبول الأقران عن مفهوم الصداقة؛ حيث يمكن أن يكون الأطفال محبوبين بين زملائهم في الصف الدراسي أو أقرانهم، ولكن يكون لديهم زميلٌ واحدٌ فقط أو زميلان في الصف ممن يرتقون لمرتبة الأصدقاء. ولكننا ينبغي أن نشير إلى أن مفهوم قبول الأقران له تأثير كبير على تطور الأطفال، بل ويستحق أن نُفْرِد له مساحة مستقلة لمناقشته. تمثل التفاعلاتُ الإيجابيةُ مع الأقران اللَّبِنةَ الثانيةَ في التطور الاجتماعي للأطفال بعد العلاقة بين الآباء والأطفال، ومن المتوقع أن تؤدي هذه التفاعلات الإيجابية إلى تكوين صداقات، وستتحول لاحقًا إلى روابط وثيقة تعزِّز التزاماتِ التزاوج والصداقة الطويلة المدى، ويمثل قبول الأقران أحد تلك العناصر التي تدل على الاندماج بين تطور المهارات المعرفية والاجتماعية لدى الأطفال. أجرى مختصو علم النفس التنمَوِي بحوثًا حول التفاعلات بين الأقران مع وضع عوامل المهارات الاجتماعية والمعرفية في الاعتبار عند دراستهم للأطفال الصغار. يتسم هذا المجال بالتعقيد شأنه شأن سائر التفاعلات الإنسانية الأخرى، علاوةً على ذلك، يتحمل الأشخاص البالغون في حياة الأطفال مسئولية تعزيز النمو الاجتماعي لهم، وذلك من خلال تدخلات بسيطة مثل جمْعِ مجموعة من الأطفال للَّعب معًا، وحتى مراقبةِ تفاعلات المراهقين مع أقرانهم وانتقائها.
إن عملية قبول الأقران أو رفضهم بين الأطفال تعكس التطور العام كما أنها تشير إلى كفاءة الأفراد البالغين أيضًا، فالكفاءة الاجتماعية لا يمكن اختزالها بسهولة في مجموعة من السلوكيات، ولكننا نعرف بالفعل عدة مهارات تتجلى لدى الأطفال الصغار ممن يُنَمُّون علاقات إيجابية مع الأقران. وعلى الرغم من أن قائمة المهارات هذه لا تشتمل على جميع التفاصيل، فإنها تقدم فكرة سريعة جيدة عن المهارات الاجتماعية المتنامية اللازمة للصحة النفسية الجيدة. يُلاحَظ أيضًا أن المهارة المعرفية تقترن بكل مهارة اجتماعية واردة في القائمة.
المهارات الاجتماعية اللازمة لقبول الأقران

(?) الاهتمام بالآخرين والاستعداد للمشاركة.
(?) الانضباط الذاتي بما يتناسب مع المرحلة السِّنِّية (مثل القدرة على التركيز والانتظار).
(?) التحكم في السلوك العدواني، سواء العدوان الوسيلي (مثل أخذ دمية طفل آخر) أو العدوان البدني (مثل ضرب طفل آخر).
(?) إدراك وجهات نظر الآخرين؛ أيْ ملاحظة أن رؤى الآخرين قد تختلف عن رؤيتنا الشخصية.
(?) حس الإنصاف في السلوكيات مثل المشاركة وتناوب الأدوار.
(?) فهم الانفعالات؛ أي القدرة على ملاحظة الانفعالات المتنوعة والربط بينها في النهاية وبين الأحداث السابقة أو الحالات الشعورية.
(?) الفهم الذاتي الإيجابي (مثل المعتقدات الخاصة بالكفاءة الاجتماعية الشخصية والقدرة على تطويعها لممارسة الأنشطة مع الآخرين).
(?) الاستجابة الاجتماعية التي تُعد مؤشرًا على التعاون ومراعاة آراء الآخرين والتجاوب معها.
(?) المرونة السلوكية التي تُعد مؤشرًا على التعاون والاستعداد لتغيير السلوكيات.
(??) حل المشكلات الاجتماعية؛ أي القدرة على ملاحظة الخلافات واستخدام المهارات اللازمة لحلها.
إنه عدد كبير من المهارات التي يجب على الأطفال تطويرها لإقامة علاقات إيجابية مع الأقران، تتضمن مجموعةُ مهاراتِ الإجادةِ هذه عناصرَ معقدةً أخرى؛ فمن ناحية تطور الأطفال، يتمكن الأطفال عادة من رفع مستوى المهارات مع تقدمهم في العمر. وفي أغلب الأحيان، يُظهر الأطفالُ الأكبر سنًّا أو الأطفال الذين يتميزون بدرجة نضج أعلى من الأطفال الآخرين في إحدى المجموعات مهارةً اجتماعيةً أكبر مع الأقران منها مع الأطفال الأصغر سنًّا. وما يزيد الأمور تعقيدًا أن علاقات الأقران متغيرة ومتطورة، وترتبط في الأغلب بمجموعات الأطفال الذين يختلف أداؤهم من بيئة إلى أخرى. على سبيل المثال، فإن الطفلة التي تميل للخجل في مرحلةِ ما قبل المدرسة قد تلعب في المنزل مع أقرانها من أطفال الجيران بطمأنينة، ورغم ذلك، فعندما تدخل الطفلة نفسُها بيئة المدرسة الجديدة بالنسبة إليها، قد تستغرق الطفلة الخجولة أسابيع للانضمام إلى مجموعات اللعب التي تضم أقرانها من أطفال الجيران أنفسهم.
تُعزى المهارات الاجتماعية مع الأقران إلى عوامل أخرى مثل القدرات البدنية وكفاءة التواصل؛ فقد يعاني الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة من مستويات إعاقة متعددة في نطاق أو آخر؛ مما يتنبأ بصعوبات تحقيق الكفاءة الاجتماعية. سأناقش بعضًا من هذه الاحتمالات أثناء دراستنا لقائمة المهارات الاجتماعية عن كثب أكثر.
الاهتمام

من المتوقع أن يبدي الأطفال الذين يشعرون بالراحة في بيئاتهم — أولئك الذين يستكشفون الأشياء والأشخاص باستمتاع واضح — اهتمامًا بمخاطبة أقرانهم، حتى إن الأطفال الرضَّع الذين تتراوح أعمارهم بين ستة وتسعة أشهر يستجيبون للأطفال الآخرين بشكل مختلف عن استجابتهم للأشخاص البالغين. كيف عرفوا أن هذا سيثمر عن متعة أكبر؟ نحن لا نعرف! ورغم ذلك، يمثل هذا الأمر مؤشرًا جيدًا على اهتمامهم بالأطفال الآخرين وبوادر العلاقات مع الأقران. لا يبدي جميع الأطفال هذا النوع من الاهتمام؛ وذلك نظرًا لمجموعة متنوعة من العوامل مثل حالات القصور العصبي أو افتقاد العلاقات مع الوالدين؛ على سبيل المثال، يبدي بعض الأطفال المصابين بالتوحُّد رغبةً ضئيلةً في التفاعل مع الأطفال أو الأشخاص البالغين. وللعلم، فإن الأطفال الذين افتقدوا العلاقات الأبوية المبكرة — مثل بعض الأطفال الرومانيين ممن جرى تَبَنِّيهم في دور أيتام في بريطانيا العظمى (انظر راتر وأوكونور ????) — غالبًا ما يعانون من ضعف علاقاتهم بأقرانهم على مدار مراحل النمو. ورغم ذلك، فالغالبية العظمى من الأطفال بوجه عام تحرص على التفاعل مع الأطفال الآخرين؛ حيث يدفعهم هذا الاهتمام للبحث عن الأشخاص الآخرين المحيطين بهم.
الانضباط الذاتي

يجب أن نذكر أن الانضباط الذاتي يبدأ في مرحلة مبكرة من تطور الأطفال؛ فالأطفال الرضَّع يستجيبون عندما يتضاءل الشعور بالقلق أو يزيد مستوى الاهتمام مبكرًا أثناء اعتناء مقدِّمي الرعاية بهم. ومنذ فترة الرضاعة وحتى عمر السنتين، تتضمن توقعاتُ مقدِّمي الرعاية لسلوكيات الأطفال الصغار تعلُّمَ التركيز على نشاط واحد لفترات زمنية قصيرة، أو الانتظار للحصول على شيء مرغوب على سبيل المثال. تساعد مثلُ هذه التوقعات الأطفالَ الصغارَ على تطوير مهارات الانضباط الذاتي التي ستساعدهم على التفاعل مع الأطفال الآخرين أو عند التحاقهم بالمدرسة؛ على سبيل المثال، الطفلة نفسها التي لم تلتحق بالمدرسة بعدُ، والتي يمكنها أن تُنصت في المنزل لقراءة كتاب كامل للأطفال دون تملمُل، يمكنها على الأرجح أن تقوم بالشيء نفسه في محيط المدرسة؛ فالأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة يمكنهم التفكير في طرق الشعور والتصرف بشكل مختلف عن وضعهم الحالي، وتوليد انفعالات إيجابية عند وقوع أحداث سلبية علاوة على التحكم في السلوكيات العدوانية (انظر كول ومارتن ودينيس ????). إن تنظيم الانفعالات مهارة معقدة، ولكن يرى الباحثون أن الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة ينبغي أن يتمتعوا بقدر هائل من التحكم في المرحلة العمرية المبكرة.
التحكم في السلوك العدواني

يجب أن يدرك الأطفال الصغار أن احتياجاتهم ليس لها حق الأولوية دائمًا، وأن إيذاء الآخرين يُعد من السلوكيات غير المقبولة اجتماعيًّا. تشير عبارة «العدوان الوسيلي» إلى سلوكيات مثل انتزاع دمية من طفل آخر، فكل ما يريده الطفل المعتدي هو اللعب بتلك الدمية الآن! دون تعمُّد إلحاق الأذى على الأرجح، ولكن هذا التصرف يشكل سلوكًا عدوانيًّا بلا شك. ويشير مصطلح «العدوان البدني» إلى ضرب طفل آخر أو صفعه أو دفعه بُغْية تحقيق نتيجة متعمدة. مع ذلك من الصعب أحيانًا تحديد مدى تدبُّر الأطفال الصغار الشديد لهذه النتائج، ورغم ذلك، عندما يقوم الأطفال بهذه التصرفات، فإنهم بحاجة إلى توجيه اجتماعي من قِبل مقدِّمي الرعاية البالغين لكي يبدي الأطفال انسجامًا مع الآخرين؛ بحيث يكون ذلك هو نمط التفاعل الغالب لهم. وعندما يصل الأطفال الصغار إلى مرحلة الدراسة الرسمية مثل مرحلة رياض الأطفال، يجب أن يكون العدوان الوسيلي والعدوان البدني قد اختفيا تقريبًا كي يَحدث القبول الاجتماعي.
إدراك وجهات نظر الآخرين

منذ ثلاثين عامًا مضت، كان علماء النفس يعتقدون أن الأطفال في مرحلةِ ما قبل الالتحاق بالمدرسة لا يمكنهم التمييز بين وجهات نظر أو احتياجات الأشخاص المختلفين، وبين وجهات نظرهم واحتياجاتهم الخاصة، ولكننا أدركنا الآن أن الأطفال من عمر أربع سنوات تقريبًا يمكنهم التمييز بالفعل بين الاختلافات لدى الأشخاص، بل ويمكنهم في أغلب الأحيان تغيير سلوكياتهم للتوافق مع الأشخاص الآخرين المحيطين بهم (انظر شاتز وجيلمان ????). ويُعد المثالُ الوارد في الفصل الثاني عن الأطفال الصغار الذين يقومون بتغيير تواصلهم اللفظي للتوافق مع المتلقي أحدَ الأمثلة الرائعة في هذا الشأن. يوضح لنا هذا المثال أن تغيير الكلمات ونغمة الحديث يعتمد على ما إذا كان الأطفال يتحدثون إلى طفل أصغر منهم أو إلى شخص بالغ؛ إذ إنهم يستطيعون تغيير زاوية رؤيتهم للأمور. كم هذا رائع! تستمر مهارة إدراك وجهات نظر الآخرين في التطور يومًا بعد يوم حتى مرحلة المراهقة. ويتزايد مستوى الوعي الذاتي لدى الأطفال في مرحلة المراهقة فيما يتعلق بتطابق أو اختلاف وجهات نظرهم مع وجهات نظر الآخر الاجتماعي. يفحص المراهقون وجهات نظرهم في مقابل وجهات نظر الآخرين بصفة يومية، ويمثل هذا تدريبًا رائعًا على ممارسة إدراك وجهات نظر الآخرين، سيساعدهم على أن يكونوا أشخاصًا أَكْفاءً يتمتعون بصحة نفسية جيدة عندما يكبرون.
حس الإنصاف

يتمكن الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة من التصرف بطرق تُشير إلى حس الإنصاف (مثل مشاركة الدمى وتطبيق تناوب الأدوار)؛ وذلك لتحقيق التوافق مع أقرانهم. يصعب إلى حدٍّ ما أن نعزو «حس» الإنصاف هذا إلى فئة عمرية واحدة أو ندرك توقيت ظهوره عند الأطفال بالضبط. رغم ذلك، يشير مفهوم الحث إلى أن الأشخاص البالغين الذين يطلبون من الأطفال الصغار اتباع القواعد مع إيضاح أهمية الإنصاف سيساعدونهم في تطوير حس الإنصاف؛ على سبيل المثال، يُعد قيامُ العاملين في مراكز رعاية الأطفال بالتوضيح للأطفال كيف أن المشاركة وتناوُب الأدوار يساهمان في مساعدة كل طفل في الصف على الانسجام مع أقرانه؛ وسيلةً جيدةً لِغَرْس حس الإنصاف والمساواة في نفوس الأطفال الصغار.
فهم الانفعالات

يتمتع الأطفال القادرون على إنشاء علاقات إيجابية مع أقرانهم بمهارة جيدة في ملاحظة انفعالات الآخرين وانفعالاتهم الشخصية (انظر سارني ????)، فعندما يرى طفلٌ صغيرٌ طفلًا آخرَ يبكي ويسأله قائلًا: «هل أنت حزين؟» يكون ذلك الطفل قد لاحظ انفعالات الآخر الاجتماعي وصنَّفَها واستجاب بقَدْرٍ من الاهتمام. تعمل مهارة فهْم الانفعالات هذه على مساعدة جميع الأطفال على الشعور بالارتباط بالآخرين، كما أنها تدعم تأويلاتهم للأحداث الاجتماعية.
الإدراك الإيجابي للذات

يعتقد الأطفال الذين يتمتعون بإدراك إيجابي لِلذَّات أنهم يمثلون قيمة للآخرين، وأنهم قادرون على إنجاز المهام، ويُشار إلى الأطفال الذين يعتقدون أن لهم سيطرة على البيئة المحيطة بهم بعض الشيء بأنهم يملكون «قدرة على التأثير». تعكس القدرة على التأثير ببساطةٍ اعتقادًا بأن ما نفعله له قيمة وباستطاعتنا التأثير في عالمنا الاجتماعي بغية تحقيق النتائج المرجوَّة. وتتميز مثل هذه النظرة الإيجابية لِلذَّات بأنها عامة بطبيعتها، ولكن هناك بعض مجالات التطور التي يشعر الأطفال أنهم أكثر كفاءة بها عن غيرها؛ على سبيل المثال، ربما يتميز الأطفال في المدرسة الابتدائية بإدراك إيجابي لقدراتهم المعرفية، ولكنهم يتشككون في الوقت نفسه في قدراتهم الاجتماعية، ورغم أن هذه القدرات تتطور على الأرجح بصورة متوازية، فقد اكتشفتْ سوزان هارتر (????) أن الإدراك الذاتي لدى الأطفال يمكن أن يختلف بحسب المجالات المختلفة. ورغم ذلك، يمثل الإدراكُ الذاتيُّ الإيجابيُّ الشاملُ ميزةً رائعةً للأطفال على مدار تطويرهم لعملية قبول الأقران.
لِنتخَيَّلِ الفتاة التي تتسم بالخجل عندما تدخل إلى بيئة المدرسة، عندما يتجمع الأطفال والفتيات الصغار في مجموعات ثنائية للتعاون واللعب، قد تحتاج الفتاة إلى قدْرٍ من التشجيع الرقيق من قِبل البالغين من مقدِّمي الرعاية والمعلمين للاستفادة من المزايا الإيجابية التي تتمتع بها؛ لمساعدتها في محاولة دعوة طفل آخر للعب معها. قد يكون السؤالان «هل يمكن أن ألعب معك؟» أو «هل ستلعب معي؟» من أصعب الأسئلة التي يجب أن يتعلمها الأطفال الصغار، وعادةً ما يتحلى الأطفال الذين يَدْعون أطفالًا آخرين للَّعب معهم بالإدراك الذاتي الإيجابي أثناء تفاعلهم مع أقرانهم؛ فالإدراك الذاتي الإيجابي الذي ينطوي على مشاعر القدرة على التأثير والجدارة يساعد الأطفال في التعامل مع الآخرين بكفاءة اجتماعية.
الاستجابة الاجتماعية

يشير هذا المفهوم إلى ملاحظة الطفل لردود الأفعال الانفعالية واللفظية للآخرين والاستجابة بالصورة المناسبة لتيسير التعاون؛ فالأطفال بحاجة إلى التحلي بصفات مثل العطف والاستعداد لتقديم مقترحات للَّعب، مع بعض المعرفة الاجتماعية التي تنطوي على أن احتياجات الآخرين لها الأهميةُ نفسُها التي تحظى بها احتياجاتُنا الشخصية؛ على سبيل المثال، قد تَذكُر طفلةٌ ما في عمرِ ما قبل المدرسة أنها تريد أن تلعب بالقطارات ولكنها تلاحظ أن زميلتها متجهمة، فتسأل الطفلةُ صديقتَها: «ألا ترغبين في اللعب معي بالقطارات؟» إن ملاحظةَ ردود أفعال الآخر الاجتماعي والاستجابةَ لها تُعدَّان ضروريَّتَين للمحافظة على استمرار فرص التواصل وأنشطة الأقران.
المرونة السلوكية

إن الأطفال الذين يفطنون على المستوى الاجتماعي لانفعالات الآخرين واحتياجاتهم يمكنهم اكتساب مهارات تنطوي على المرونة السلوكية. يمثِّل الاستعداد للانتقال إلى نشاط أو سلوك يفضله الآخرون أحد أشكال المرونة السلوكية؛ فالطفلة الصغيرة التي دعت زميلتها للَّعب بالقطارات ولكنها قطَّبت وجهها قد توجه السؤال التالي لزميلتها: «ما اللعبة التي تفضلينها؟» فهذه الطفلة الصغيرة التي يمكنها الانتقال بسهولة لممارسة نشاط آخر تُظهر نضجًا لا نراه عادةً في الأطفال الأصغر سنًّا. وقد تشير المرونة السلوكية أيضًا إلى استجابة الطفلة للأشخاص البالغين الذين قد يطالبونها بتغيير سلوكٍ ما؛ فعندما يقول المدرسون في رياض الأطفال مثلًا: «حسنًا، فلْيَضَعِ الفصلُ كلُّه كتابَ الأرقام جانبًا ويفتحْ كتاب الحروف»، فإن هؤلاء المدرسين يتوقعون أن غالبية أطفال الفصل يمكنهم تنفيذ هذا التغيير دونما حاجة لكثير من التوجيه. تتجلى هذه المرونة في الأغلب لدى الأطفال الذين عاشوا تجربة إيجابية في مرحلةِ ما قبل المدرسة، ولكن قد لا يتحلى بعض الأطفال بهذه المرونة السلوكية — وذلك وفقًا لمزايا أخرى؛ كطول وقت التركيز أو الانتباه للآخرين — عندما يلتحقون بالسنوات الأولى بالمرحلة الابتدائية وسيحتاجون إلى مساعدة لاكتساب هذه المهارة؛ فالقدرة على تغيير السلوكيات مطلوبة بصورة كبيرة لإقامة علاقات إيجابية وتحقيق النجاح في البيئات الاجتماعية خارج المنزل.
حل المشكلات الاجتماعية

يجب على الأطفال الذين يتمتعون بالمهارات المطلوبة لقبول الأقران أن يشتركوا أيضًا في ممارسة حل المشكلات، ولْنتذكرِ المناقشة التي طرحناها في الفصل الرابع حول مدى حاجة الأُسَر كثيرًا لتطبيق ممارسة حل المشكلات. إن التعقيد الذي يميز التفاعلات البشرية إنما يشير إلى أن التعامل مع الخلافات لتجاوزها بما يصب في صالح تحقيق نتائج جيدة للذَّات وللآخرين قد تكتنفه الصعوبة في بعض الأحيان. كثيرًا ما يساعد التوسط لحل النزاعات أو ممارسة حل المشكلات في الحد من هذه الصعوبات. تُعد ممارسة حل المشكلات إحدى المهارات المعقدة ولكن يُلاحظ أن العناصر الأولى في قائمة المهارات الاجتماعية التي أوردناها تمثل لَبِنَات البناء المطلوبة لهذا العنصر الأخير. خلاصة القول أن الأطفال الذين يمكنهم تحديد مشكلةٍ ما، والتفكر في الحلول، وإجراء مفاوضات مع أقرانهم، وإعداد خطة والتصرف وفقًا لها، فضلًا عن إعادة النظر في أفكارهم وخططهم مع أقرانهم؛ هم أطفالٌ مَهَرة للغاية. ولْتتأملْ هذا المثال الذي يسعى فيه أحد الكبار إلى توجيه الطفلة نحو ممارسة حل المشكلات: طفلتان تبلغان أربعة أعوام تلعبان في منزل إحداهما، وتتناقش الطفلتان حول كيفية اللعب معًا، أتلعبان بالقطارات أم بفناجين الشاي. يصير الحوار انفعاليًّا ويشوبه الإحباط والغضب، تقول الطفلة المستضيفة: «إنني حتى لا أمتلك طقم فناجين الشاي!» تهبُّ الطفلة الضيفة على قدميها في استياء وتخبرها أنها ستذهب إلى منزلها لإحضار طقم فناجين الشاي الخاص بها وتخرج في لمح البصر وتغلق الباب خلفها بعنف. تسمع الأم صاحبة المنزل صوت إغلاق الباب وتسعى لفهم الموقف، فتقول لطفلتها: «ما الذي حدث؟» تدرك الأم القصة بأكملها بأن ابنتها أبدت رغبتها في اللعب بالقطارات، بينما أبدت ضيفتها رغبة في إقامة حفل شاي. تحاول الأم توجيه طفلتها بلطف من خلال طرح مجموعة من الأسئلة عليها، من بينها: «ما شعوركِ إزاء ما حدث للتوِّ؟ ما شعور صديقتكِ في رأيكِ؟ هل ترغبين في التصالح معها ولمِّ شمل الصداقة ثانية؟ ما التصرف المختلف الذي ستقومين به في المرة القادمة لتَفادي خروج صديقتكِ من منزلكِ بهذه الطريقة؟» تُفكِّر الطفلة الصغيرة مليًّا في المقترحات مع أمها وتهدِّئ من روعها، وتتفق مع أمها على أنه لا بأس في إقامة حفل الشاي. ولحُسن الحظ، تعود الطفلة الضيفة مصطحبة الدمى الخاصة بها على افتراض أنها وصديقتها ستقيمان حفل الشاي، ويبدو أنها على حق؛ إذ تَحدَّثَت أم الطفلة صاحبة المنزل مع ابنتها لمساعدتها في تعلُّم أشياء عن الانفعالات والانضباط الذاتي وفهْم وجهات نظر الآخرين وإجراء مفاوضات معهم. وعندما تَدْخل الطفلة الضيفة إلى المشهد ثانية، تقول الطفلة صاحبة المنزل بأسلوب ودِّي: «فلْنُقِمْ حفل الشاي الآن، وربما نستطيع لاحقًا أن نلعب بالقطار معًا!» وهو العرض الذي تُبدي الطفلة الضيفة موافقتها عليه.
يحتاج الأطفال مثل هذه المحاولات المبكرة للتفاوض وحل المشكلات الاجتماعية لاكتساب المهارات اللازمة للاستفادة منها طوال حياتهم؛ فالأشخاص البالغون الذين يساعدون الأطفال في هذا الإطار إنما يساعدونهم لكي يتمكنوا من اجتياز مواقف اجتماعية أخرى في بيئات أكثر تعقيدًا مثل مراكز رعاية الأطفال والمدرسة. ومثلما ذَكَرْنا في الفصل الثالث، فالأطفال الذين يتمتعون بمهارات معرفية واجتماعية جيدة عند دخولهم إلى بيئة الصف المدرسي سيكونون أكثر مَن يَنْشُد الجميعُ صداقتَه ومشاركة اللعب معه على مدار مراحل النمو. وعلى الرغم من أن أهمية المهارات الاجتماعية المبكرة أصبحت واضحة لَكُم الآن، يعاني بعض الأطفال من صعوبات جمَّة في تكوين علاقات مع أقرانهم. ومن الأهمية بمكان أيضًا أن نتناول بالدراسة هؤلاء الأطفال ممن تتَّسم عوالمهم الاجتماعية بالكآبة بسبب العزلة.
(?) العزلة الاجتماعية

لِسوء الحظ، يعاني ما يقرب من ??? من تعداد أطفالنا من أحد أشكال العزلة الاجتماعية مع أقرانهم، وسواء أكانت هذه العزلة ناجمة عن الإهمال أم ناجمة عن النبذ، فإن هؤلاء الأطفال معرَّضون لمخاطر تكبُّد نتائج سلبية أخرى إذا لم يتمكنوا من اكتساب قدر أكبر من الكفاءة الاجتماعية. ترتفع درجة الشعور بالسخط بين الأطفال الذين يفتقدون الكفاءة الاجتماعية في مجالات التطور الأخرى (بييرمان ????). يتملك هؤلاء الأطفالَ مشاعرُ سلبيةٌ تجاه أنفسهم، وكثيرًا ما تظهر عليهم مشاعر الغضب والإحباط، ويُبعدون أنفسَهم عن مجموعات الأقران من خلال عزلة اجتماعية «مفروضة ذاتيًّا»، ويلاحَظ أنني وضعت عبارة «مفروضة ذاتيًّا» بين علامتَي تنصيص؛ نظرًا لصعوبة تحديد المرحلة التي يُخرِج فيها الأطفال أنفسهم من دائرة السخرية المحتملة أو الفشل الاجتماعي وسياق رفض أو تجاهل الأقران. من الصعب للغاية على الباحثين أن يحددوا الزمان والمكان اللذين أصبح فيهما الطفل المعزول اجتماعيًّا على هذه الحالة، ولكننا ندرك أن حالة العزلة هذه تجعل الحياة قاسية بالنسبة لهؤلاء الأطفال؛ على سبيل المثال، الأطفال الذين يفتقدون الكفاءة الاجتماعية يُرجَّح أن يكونوا أكثر عرضة من أقرانهم الذين يتمتعون بهذا النوع من الكفاءة لمواجهة صعوبات في الصف المدرسي وصعوبات في السيطرة على السلوكيات العدوانية، بل قد يفتقد هؤلاء الأطفال المهارات اللازمة للتطور الكامل كأشخاص بالغين في العلاقات الوطيدة. إن الأطفال الذين يفتقدون المهارة الاجتماعية معرَّضون للانزلاق نحو دوامة مفرغة يعانون فيها من التقدير السلبي للذَّات والإحساس بالعجز واليأس، وإعاقة النمو على مدار الحياة.
ينبغي أن نتذكر أن الكفاءةَ الاجتماعية دائمةُ التغير بطبيعتها؛ فالسياقات تتغير ويتغير الأشخاص بها. يتميز التفاعل الاجتماعي بأنه علاقة تبادلية، وقد تتعلق ردود أفعال الأقران نحو الأطفال بالأقران أنفسهم أكثر من الطفل المحدَّد الذي يبدو أنه يفتقد المهارة الاجتماعية. يستجيب الآخر الاجتماعي إلى أي «اختلاف» بالطفل المعني؛ على سبيل المثال، قد لا يهتم بعض الأطفال الفقراء بنظافتهم الشخصية أو ارتداء الملابس المُجَارِيَة للموضة. يعاني أطفال آخرون ممن لا يتمتعون بالجاذبية أو ممن يعانون من إعاقةٍ ما تَزيد من صعوبة التفاعل مع الأقران، ويأمل غالبية الأشخاص البالغين في تنشئة الأطفال المنوطة بهم رعايتهم بعطف وحرص، ولكن الأطفال جميعهم ليسوا بمؤيِّدين لمبدأ المساواة بين البشر، أو منفتحين على الأطفال الآخرين الذين يَبدون مختلفين عنهم. ومن المؤكد أن الأطفال ذوي الإعاقات يتعرضون لمخاطر رفض الأقران لهم بصورة كبيرة (بييرمان ????).
تنتشر بين الأطفال مجموعة متنوعة من حالات الإعاقة؛ ففي الولايات المتحدة، يتلقى حوالي ??? من الأطفال في المدارس الحكومية مساعدة تعليمية؛ نظرًا لمعاناتهم من إعاقة. وقد يفتقد الأطفال مهارة التواصل التي ستساعد في إظهار اهتمامهم بالآخرين، وتنطوي الإعاقة الجسدية على تقييد الحركة اللازمة للَّعب والتفاعل مع الأقران، وقد يعاني بعض الأطفال من صعوبة التركيز أو يكون لديهم حالات صحية تتطلب مراقبتهم بصفة دائمة. وبالنسبة للأطفال الذين يعانون من حالات إعاقة في المدارس الحكومية، فقد يكون تطور الكفاءة الاجتماعية لديهم في خطر. وفي ظل تطور القوانين التي تنظِّم إلحاق الأطفال ذوي الإعاقات بالمدارس الحكومية، هناك مهمة أخرى يتولاها الأشخاص البالغون المسئولون عن رفاهية هؤلاء الأطفال؛ ألا وهي مساعدتهم للوصول إلى الكفاءة الاجتماعية. وبمساعدة الخبراء المتخصصين في هذا المجال، يمكن إدراج الأطفال في البيئة المدرسية الأقل تقييدًا لتطورهم، وبهذا يمكن أن يطوِّر هؤلاء الأطفالُ ذوو الإعاقات كفاءتَهم الاجتماعية وسط الأقران وضمن دائرة أصغر من الأصدقاء بمساعدة الأشخاص البالغين المحيطين بهم.
مع ذلك قد يعاني الأطفال الواقعون داخل نطاق التطور الطبيعي وَفْق مؤشرات مثل القدرة البدنية والمعرفية من صعوبات في التعامل مع أقرانهم، ونظرًا لأن غالبية الأطفال يرغبون في التفاعل مع الآخرين، فقد يتعرض التطور السلوكي والمعرفي والانفعالي للخطر مع انعدام الاهتمام من قِبل الآخر الاجتماعي، وقد يقع المعلمون والآباء في حيرة من أمرهم إزاء تحديد طريقة شروعهم في مساعدة الطفل في هذا النوع من المِحَن.
وبالنسبة للأطفال الخجولين وغيرهم ممن يعانون من صعوبات أخرى في التحلِّي بالكفاءة الاجتماعية، ثمة تدخلات يمكن اتباعها لمساعدتهم. على الرغم من عدم التوصل بعدُ إلى حل شافٍ؛ فقد قَدَّم العديدُ من الأبحاث أساسًا قويًّا لاستخدام تدخلات الكفاءة الاجتماعية (بييرمان ????)، وتنطوي هذه التدخلات على البناء الإيجابي للمهارات المعرفية والانفعالية والسلوكية التي يحتاجها الأطفال للتحلي بالكفاءة الاجتماعية. وتمثل القواعدُ الخاصة بالسياقات والسيناريوهات، أو ما هو متوقع في البيئات الاجتماعية المتنوعة، أحدَ أركان عملية التفاعل الاجتماعي.
وتذكُر كارين بييرمان — عالمة النفس المتخصصة في دراسة الأطفال المُهمَلين والمنبوذين — أن هذه التدخلات يجب أن تُستخدم مع الشركاء الاجتماعيين للأطفال المنبوذين أو المهملين أيضًا. وقد اكتشفت بييرمان من خلال بحوثها أن الاختلافات بين الأطفال تنشأ بسبب الصعوبات التي يواجهونها مع أقرانهم؛ على سبيل المثال، الأطفال الذين يُنظر إليهم باعتبارهم معاندين أو فوضويين سيحتاجون مجموعاتٍ لتطوير المهارات تختلف عن تلك التي يحتاجها الأطفال الذين يتَّسمون بالخجل المفرط. وتشير بييرمان أيضًا إلى أنه عند تعليم الأطفال مهارات جديدة، يجب أن تجري هذه العملية بشكل منفصل على أن يجيدوها في النهاية كمجموعة مهارات سلوكية ستُمارس مع الأقران مع اكتساب الأطفال للمهارة والثقة. لِنتناوَلِ الآن إحدى حالات التدخل التي ابتكرتها بييرمان وزملاؤها (انظر بييرمان ????).
بالنسبة للأطفال المعاندين، بدأتْ بييرمان ومجموعتها البحثية في تعليمهم ممارسات «توقَّفْ وتأمَّلْ» و«حدِّد المشكلة وشعورك إزاءها»، ثم تعليمهم ممارسة التفاوض التي أُطلق عليها «عقد اتفاق». يتعلم الأطفال أيضًا كيفية دمج هذه الخطوات الثلاث وممارسة المهارات مع أقرانهم، وقد جرى ابتكار مثل هذه التدخلات، وكثيرٌ منها — شأنه شأن التدخلات التي ابتكرها الفريق البحثي لبييرمان — يستند إلى بيانات موثَّقة تدعم تطبيقه، ورغم ذلك فإننا لا نعرف جيدًا مدى توفر مثل هذا النوع من التدخل للأطفال. وفي ظل إدراكنا للمزيد من المعلومات حول أهمية تطوُّر المهارات الاجتماعية لدى الأطفال، ربما سنرجح استخدام مثل هذه التدخلات. إن الأفراد البالغين في بيئاتٍ على غرار مراكز رعاية الأطفال والروضة وبيئات التعليم الرسمية، فضلًا عن المنازل، يمكنهم توفير فرص لتطوير المهارات الاجتماعية للأطفال على أمل توفير تجربة دراسية أكثر فعالية، وكذلك بناء أفراد أكثر فعالية؛ فالأطفال الذين يتمكنون من التوافق جيدًا مع أقرانهم بوسعهم تكوين صداقات تمتد على مدار حياتهم. لِننظرْ إلى مجموعات الأصدقاء بصفتها مستوًى آخر للمهارات الاجتماعية التي يتعين على الأطفال الصغار اكتسابها جيدًا، ربما تتغير مجموعات الأصدقاء، ولكن الالتزام بالمعاملة الطيبة والولاء للأصدقاء والثقة هي القِيَم التي نكتسبها وتنتقل معنا إلى مجموعة الأصدقاء الجديدة المحتملة.
(?) الصداقة

نحن ندرك أن الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة بحاجة إلى مهارات معينة تتيح لهم التوافق مع أقرانهم، وأن هذه المهارات تسهم في عمليات التطور الأخرى، ورغم ذلك، يجب أن يُطوِّر الأطفالُ مهاراتِهم في تكوين علاقات مع أقرانهم أثناء سنوات الدراسة الابتدائية. عند التحاقهم بالمدرسة الابتدائية، يدرك الأطفال أن الأقران يمكن أن يمثلوا مصدرًا للمتعة وكذلك الدعم؛ إذ يساعدونهم على مدار اليوم، فأن يحظى الطفل بقرين يشاركه ممارسة الأنشطة أو يجلس معه لتناوُل وجبة الغداء هو شيء ثمين بالنسبة للأطفال، حتى في سنوات الدراسة الابتدائية الأولى. ونظرًا لأن علاقات الصداقة تبادلية بطبعها، فهي هبة نمنحها لأنفسنا أيضًا، ويستطيع الأفراد البالغون مساعدة الأطفال في اكتسابها.
تبدأ بوادر الصداقة مع أفراد المنزل، الأشقاء والآباء، حتى إن الأطفال الرضَّع الذين لم يتجاوزوا اثني عشر شهرًا يستطيعون ملاحظة غياب الأشقاء وتَصدر عنهم ردود أفعال انفعالية لذلك، وما بين عمر الاثني عشر شهرًا والأربعة والعشرين شهرًا، يَستمد الأطفال قدرًا هائلًا من السعادة من أشقائهم الأكبر سنًّا، وقد يتطور الأمر بين الطفل الصغير والشقيق الأكبر إلى علاقة وثيقة لا يمكن لأي فرد في الأسرة أن يحل محلها. وعلى الرغم من أننا نعرف أن العلاقات بين الأشقاء لها سمات إيجابية وأخرى سلبية، يُعتقد أن هذه الأواصر المبكرة بين الأشقاء تعكس الطريقة التي سيتفاعل بها الأطفال مع من هم خارج المنزل. وعندما يشعر الأطفال بالسعادة في صورة مرح أو راحة مع أشقائهم، سيكون لديهم نموذج آخر للعلاقات سيساعدهم في إنشاء علاقات صداقة أخرى (انظر دَن ????).
وعلى غرار البيانات البحثية المتعلقة بالأطفال الصغار وأشقائهم، يستطيع الأطفال الرضَّع أيضًا إنشاء علاقات مع أشخاص غرباء إلى الحد الذي قد يؤدي إلى شعور الطفل بالتبلد أو الغضب أو كليهما في حالة غياب الصديق. انظر هذا المثال: تلتحق طفلتان في سن الرابعة بالحضانة نفسها، ترتبطان بشدة لدرجة أن كلًّا منهما تكمل كلامَ الأخرى، وكذلك الأغاني. كما أنهما تتشاركان الضحك واللعب التظاهري والسلوكيات المشاكسة أيضًا. تقول إحداهما للأخرى: «لِنتدحرجْ من أسفل الأرجوحة ونَرَ ما سيحدث!» فترد الطفلة الأخرى: «لا بأس!» وبحلول مرحلة رياض الأطفال تشتهر الطفلتان بأنهما تؤثران كلٌّ منهما على الأخرى بصورة سلبية، ويتم إبلاغ أُمَّيْهِما أنه سيجري وضع كلٍّ منهما في صف دراسي منفصل، وبالفعل يجري الفصل بين الطفلتين، وتستجيب كلتاهما لهذا الوضع على نحو غير متوقَّع لكثير من الكبار. تَظهر الطفلتان في حالة من التبلُّد ولا تبدو عليهما السعادة إلا في وقت اللعب خارج الفصل الدراسي حيث تلتقي إحداهما الأخرى، ويُلاحَظ أن انتباههما في الفصل يتراجع فضلًا عن تَرَدِّي المستوى العام لنشاطهما. بعد مرور أسبوعين من العام الدراسي، تتشاور أُمَّا الطفلتين بشأن ذلك؛ إذ إن كلتا الطفلتين تعانيان من صعوبةِ التكيف مع اليوم الدراسي نفسِها في غياب صديقتها الحميمة، وذلك على الرغم من جهود الأُمَّيْنِ للمِّ شملهما بعد اليوم الدراسي وفي عطلات نهاية الأسبوع. تتوجه الأُمَّانِ، اللتان تعمل إحداهما طبيبة أطفال والأخرى طبيبة نفسية، إلى المدرسة وتناقشان بقدرٍ كبيرٍ من الحسم المِحنةَ التي تمرُّ بها الفتاتان. تصيح طبيبة الأطفال: «إن وضعهما معًا أصبح يمثل ضرورة نفسية.» ويوافقها مسئولو المدرسة الرأي ويضعون الصديقتين معًا في فصل واحد. تعود البهجة إلى الطفلتين مرة أخرى؛ فوجود كلٍّ منهما على مقربةٍ من الأخرى يحفز طاقاتهما وتطوُّرَهما المعرفي، فضلًا عن شعورهما بالسكينة العاطفية.
يستطيع الأطفال إنشاء علاقات صداقة هادفة للغاية في سن مبكِّرة، وقد تؤدي هذه العلاقات إلى تعزيز أو إعاقة المشاعر الإيجابية نحو الذَّات والتطور المعرفي والسلوكي. وعلى غرار ما أوردتْه دراسات الأقران، يُعد تكوين الصداقات أحد المقومات الجوهرية للتنشئة المقترنة بصحة نفسية جيدة، كما أن الأساس الذي توفره العلاقات بين الطفل والوالدين وبين الإخوة والأخوات وبين الأقران يضع الأطفال على بداية الطريق الصحيح في سعيهم لإنشاء علاقات هادفة خارج نطاق المنزل.
تتميز طبيعة الأبحاث التي تُجرى في هذا المجال بأنها ذات ارتباط متبادل، ويجب أن نتذكر هنا أن مثل هذه النتائج البحثية تشير إلى أنه في حالة اختلاف أحد متغيرات البحث يختلف المتغير الآخر بالمعدل نفسه تقريبًا، فما الذي يعنيه هذا في دراستنا للطفلة الماهرة على المستوى الاجتماعي وعلاقات الصداقة الخاصة بها والنتائج المترتبة فيما بعد؟ تتفاوت علاقات الصداقة حسب السياقات الأسرية، والموقع الجغرافي، والجنس، والأصول العرقية وما إلى ذلك؛ ومن ثَمَّ فإننا لا نستطيع أن نحدد مسارًا سببيًّا مباشرًا يبدأ من العلاقات الإيجابية المبكرة ويؤدي إلى العلاقات السليمة اللاحقة، ورغم ذلك، فإن ما نعرفه أن الأطفال ممن لديهم علاقاتُ صداقةٍ إيجابية قوية يتمتعون أيضًا في أغلب الأحوال بعلاقات إيجابية مع الوالدين والإخوة والأخوات والأقران، فهل ينطبق بالفعل هذا الرابط بين العلاقات في جميع الأحوال؟ كلا، يُظهر بعض الأطفال من الأسرة الواحدة مهاراتٍ اجتماعيةً فائقةً مع الأشخاص الآخرين الذين يروقون لهم، فيما قد يعاني أطفال آخرون من الأسرة نفسها ممن اختبروا نفس العلاقات مع الوالدين والأشقاء من صعوبات في التعامل مع أقرانهم. ومن المرجح أن تسهم التعقيدات الخاصة بالعلاقات الأسرية والحالة المزاجية المبكرة لكل طفل في إفراز هذه النتائج المختلفة.
يذكر بعض علماء النفس، مثلما ذكرت جودي دَن في كتابها «علاقات الصداقة بين الأطفال (????)»، أننا لا نزال في بداية عملية فحص المسارات التي تتطور فيها علاقات الصداقة. والاختلافات بين الأشقاء الذين ينشئون في منزل واحد تمثل جانبًا بسيطًا فيما يتعلق بفهم التعقيدات التي تنطوي عليها العلاقات البشرية. وتقدم دَن أيضًا توضيحًا بارعًا للمهتمين بدراسة هذا المجال أو مَن يتحملون مسئولية مساعدة الأطفال المنوطة بهم رعايتهم لتطوير الكفاءة الاجتماعية.
ليس بالضرورة أن يتحمل الكبار وحدهم مسئولية علاقات الصداقة بحيث تمثِّل لهم الصعوباتُ البسيطة مع الأقران أو تطوُّرُ الصداقة مشكلةً تُشعِرهم بالذنب. يمكن أن يؤدي العديد من العوامل إلى إعاقة تطور علاقات الصداقة للأطفال، بينما قد يؤدي تشجيع الكبار إلى إصلاح الكثير من هذه العوامل، ولكن الأشخاص الذين يساورهم القلق تجاه الأطفال الذين يعانون على ما يبدو من صعوبة خطيرة مع أقرانهم، ينبغي لهم البحث عن مساعدة المختصين. يمكن أن يمثل المعلمون للآباء مصدرًا محبذًا للمعلومات، ويمكن أن يقدم الآباء أو المشرفون المساعدةَ في أغلب الأحوال، كما يمكن أن يساعِد المتخصصون — الذين يعملون في مؤسسات رعاية الأطفال أو مراكز دعم الأسرة التي تتواجد بأشكال متعددة في بعض المجتمعات — الآباء القلقين. لا تمتلك جميعُ الأُسَر الوسائلَ أو الحَزْم الذي تميزت به طبيبة الأطفال أو الطبيبة النفسية في المثال السابق الخاص بالفتاتين اللتين جرى الفصل بينهما في روضة الأطفال، وقد تلاحِظ مجموعة من الأُسَر وجود صعوبات بسيطة ولا تعرف كيفية التعامل معها. كثيرًا ما ينجح التعاون بين الأفراد البالغين في مساعدة الأطفال الذين يعانون من صعوبات بسيطة في التعامل مع أقرانهم ووضعهم على طريق أكثر إيجابية مع الآخر الاجتماعي، وقد تؤدي مظاهر التعاون هذه إلى التخفيف من واحدةٍ من هذه الصعوبات البسيطة بحيث لا يتطور الأمر إلى عجز اجتماعي خطير.
(?) دور الكبار في تيسير إقامة علاقات الصداقة للأطفال

يمكن أن يؤثر البالغون ذوو الأهمية في حياة الأطفال تأثيرًا إيجابيًّا في الكفاءة الاجتماعية للأطفال وتفاعلاتهم مع أقرانهم؛ فالمعلمون والآباء على حد السواء يعلِّمون الأطفال ممارسة التفاوض، وسبل مقاومة ضغط الأقران، وسبل التحلي بالحزم دون عدوانية، وما إلى ذلك، ويعتمد تطور هذه المهارات المهمة للغاية على العلاقات الإيجابية بين الأطفال والأشخاص البالغين. يساعد هؤلاء الأشخاص أيضًا في تعزيز تطور علاقة الصداقة، بل ويبثُّون مجموعة متنوعة من الرسائل حول أهمية علاقات الصداقة إلى الأطفال. علاوةً على ذلك، يقدِّم الأشخاص البالغون، الذين يتولَّون مراقبة العلاقات الخاصة بالأطفال وانتقاءها، آراءهم التي تساعد الأطفال في هذا الصدد. لِنتناوَلِ الآن بعض المقترحات المتعلقة بالمراقبة والفرز وتقديم الآراء: (?) معرفة أصدقاء الطفلة.
(?) معرفة آباء الأصدقاء.
(?) معرفة مكان الأطفال في أي وقت نهارًا أو ليلًا.
(?) مساعدة الأطفال في ممارسة الأنشطة.
(?) مراقبة الأنشطة.
(?) فرز علاقات الصداقة.
(?) تقديم الآراء للأطفال.
قد لا يتيسر لنا أحيانًا تطبيق هذه المقترحات القليلة التي تبدو بسيطة؛ فالأطفال يحظون في كثير من الأحيان بالعديد من الفرص لتكوين علاقات صداقة في مختلف البيئات (كالمدرسة والمؤسسات الدينية والفرق الرياضية وما إلى ذلك). ورغم ذلك، يجب على الأشخاص البالغين المسئولين عن الأطفال أن يعرفوا أصدقاء الأطفال إلى الحد الذي يمكِّنهم من إدراك سلوكياتهم ومستوى كفاءتهم بشكل عام. ثمة طريقة جيدة للحصول على هذه المعلومات تعتمد على المقترح الثاني: معرفة آباء الأصدقاء، فمن المرجح أن يكون الآباءُ الراغبون في أن يعرفوا أصدقاءَ أبنائهم وآباءَهم؛ مهتمين بتنشئة أطفالٍ سعداءَ وأَكْفاءٍ.
يتعلق المقترح الثالث بالآباء الذين يعرفون المكان الذي يتواجد فيه أبناؤهم. وبالفعل، إن معرفةَ أماكن تواجد الأطفال، سواء كانوا بصحبة أفراد بالغين أو كانوا وحدهم، مسألةٌ مهمةٌ تتطلب مراقبة مستمرة. تقتضي اعتبارات السلامة والصحة، فضلًا عن الصحة النفسية للأطفال، قيامَ البالغين بهذا الأمر. يتعلق المقترح الرابع بتسهيل الأشخاص البالغين للأنشطة المرتبطة بالصداقة الخاصة بالأطفال، سواء في المنزل أو في البيئات الأوسع نطاقًا، ويساعد هذا السلوك من جانب الأشخاص البالغين في تمهيد الطريق لتكوين علاقات صداقة قوية للأطفال تحت وصايتهم. وبالنسبة للآباء المضطرين للعمل في أكثر من وظيفة أو مراقبة العديد من الأطفال، فإن الدعوات — التي لا توجَّه كثيرًا ولكنها مخططة جيدًا — للَّعب بعد المدرسة في منزل أحد الأصدقاء يمكن أن تكون مشوقة للأطفال بالمثل. ومثلما هي الحال مع الأطفال، يجب أن يراقِب الأشخاصُ البالغون سلوكياتِهم الخاصة، وأن يحاولوا تحقيق مبدأ التبادلية في الالتزامات المرتبطة بالأنشطة الخاصة بالأطفال وأصدقائهم؛ بعبارة بسيطة، ينبغي أن يوجِّه الآباءُ الدعواتِ لأصدقاء الأطفال كي يتفاعلوا مع الآخرين مثلما يتلقونها. وعلى الرغم من أن مبدأ التبادلية هذا ليس دائمًا سهل التطبيق، فمن الأهمية بمكان الانتباه إليه، ولْنتناوَلِ الآن مثالين عن كيفية تولِّي الآباء هذه المسئولية بهدف دعم الصداقات الخاصة بالأبناء والمعاملة التبادلية.
اعتاد أبوان من الطبقة المتوسطة لفتاة تبلغ من العمر ثمانيَ سنوات استِضافة صديقتها المقرَّبة لممارسة أنشطة الصيد والسباحة والأنشطة الممتعة العامة في منزلهما الواقع على الخليج، وهما يدركان أن والدَي هذه الصديقة المقربة لابنتهما من ذوِي الدخول المنخفضة، وأنهما من الأفراد الكادحين، نجحا في تربية طفلة رائعة. وفي يومٍ ما، حضر والد هذه الصديقة المقرَّبة لاصطحاب طفلته وأبلغ والدَي الطفلة المستضيفَيْن لابنته عن مدى تقديره للأنشطة الرائعة التي يوفرانِها لطفلته، عبَّر الأب عن امتنانه الصادق هذا بكبرياء شديدة ثم قام بتوجيه دعوة قائلًا: «هل يمكن لابنتكما أن تنضم إلينا في اجتماعنا الأُسَري يوم الأحد القادم؟ نبدأ يومنا بالذهاب إلى الكنيسة ثم تجتمع الأسرة كلها لتناول طعامٍ طيبٍ، ونقضي بقية اليوم معًا.» ويا لها من متعة لكلتا الطفلتين! قَبِل والدا الطفلة الدعوة وأدركت الطفلتان ما يمكن أن يوفره الآباء العطوفون لأطفالهم بطرق مختلفة. علاوة على ذلك، قدمت الأسرتان نموذجًا متكاملًا لمبدأ التبادلية.
قارن بين المثال السابق المفعم بالحب والمثال التالي:
نشأتْ صداقة سريعة في المدرسة بين فتاتين في الصف السادس، وفي نهاية الأسبوع الدراسي، أسرعت إحدى الفتاتين، وهي كولين، نحو السيارة مصطحِبةً صديقتها قائلةً لأمها: «هل يمكنني اصطحاب سارة لقضاء الليلة معي؟» وافقت الأم وأخبرت الفتاتين أن عليهما التحدث مع والدة سارة للتأكد من موافقتها على ما خططت له الفتاتان، ولكن لم يتسنَّ التواصل مع والدة سارة، مع ذلك طمأنتْ سارة كولين وأمَّها بأنه لا بأس في ذلك، وكانت والدة كولين تأمل أن تتعرف بوالدة سارة؛ بحيث يَطْمئن قلبها وتَعْرف المكان الذي يمكن أن تذهب إليه ابنتها ومع من ستكون. اصطحبت والدةُ كولين الفتاتين إلى منزلها واستمرت في سعيها للوصول إلى والدة سارة، أدركتْ والدة كولين أنها ربما تكون قد ارتكبت خطأً بسماحها لقدوم سارة إلى منزلها دون أخْذ إذن مسبق من والدتها، ولكنها واصلت محاولاتها للوصول إلى أم الطفلة، وعلى الرغم من توفر الهواتف الخلوية، لم تردَّ والدة سارة على أي مكالمة هاتفية حتى الثامنة مساءً، وحينئذٍ بدا أن والدة سارة لا ترى مشكلة فيما حدث، وحتى عندما تتلقى والدة سارة دعوة لزيارة منزل كولين ترفض الدعوة، بل إنها تخبر والدة كولين أن توصيل ابنتها سارة إلى منزلها في أي وقت من اليوم التالي سيلائمها.
إذا ما تأملنا الفروق بين مشهدَي الصداقة، فسنلاحظ أن الآباء في المثال الأول يهتمون بأمر أطفالهم، ويسعون إلى إسعادهم، رغم اختلاف الطرق، ولكن النوايا الطيبة لوالدة كولين في المثال الثاني لم تُسْفِر عن نتائج جيدة؛ من حيث دخول ابنتها في علاقة صداقة مع طفلة لا تهتم والدتها بمعرفة المكان الذي تتواجد به، أو مع من، أو كيفية مساعدة الطفلتين في تطوير صداقتهما. من المحتمل كثيرًا أن والدة سارة تحمل على عاتقها مسئوليات عديدة لا يمكن تجاهلها، وأنها تدرك ارتفاع مستوى كفاءة ابنتها، ولكنَّ رفْضَها المشاركةَ في أي حديث تستمد منه معلومات بخلاف التوصيات المقتضبة بتوصيل ابنتها في اليوم التالي؛ يجب أن يدفع والدة كولين إلى التفكير مليًّا في المرة التالية التي سترغب فيها كولين في التعامل مع سارة في أيٍّ من المنزلين.
ويمثل ما حدث تذكرةً جيدةً لوالدة كولين كي تشرع في مراقبة الصداقات الناشئة وفرزها (المقترحان الخامس والسادس المذكوران أعلاه). يمكن أن تتحدث الأم إلى طفلتها بعبارات رقيقة على غرار: «إنني أشعر بالقلق لأن والدة سارة لا تحرص على معرفة مكان ابنتها أو مع من تكون؛ من ثَمَّ قد لا يكون هناك فرد بالغ يشرف عليكِ في حالة وجودكِ معها بمنزلها. دعيني أتحدث مع والدة سارة قبل أن تعتزمي التوجُّه لمنزلها.» وعلى العكس، إذا كانت كولين ترغب في استضافة سارة في منزلها ثانية، يمكن أن تقول لها والدتها: «دعيني أتحدث مع والدة سارة قبل أن توجهي لها دعوة؛ فقد شعرتُ بالانزعاج الشديد لوجود سارة في منزلنا لوقت طويل قبل أن ترد أمها على مكالماتنا.» وللأسف، لا يستطيع الأطفالُ ممن لديهم آباء لا يُبالون بأمرهم أو دائمو الانشغال إقناعَهم بالمشاركة في أنشطة مع الآباء الآخرين، وإذا نجحوا في إقناعهم فربما يبدو عليهم الاستياء أو عدم الاهتمام برفاهية أطفالهم. ونكرر أنه على الرغم من أن غالبية الآباء لا يتجاهلون أولادهم عمدًا، عليهم الانتباه إلى خطورة نَقْص الاهتمام بالأطفال، ما داموا مهتمين بالفعل بتطور الأطفال العام، بما في ذلك علاقات الصداقة.
لا يعني ذلك أنني أقترح مراقبة أو فرز كل تفاعل يحدث بين الأطفال، ولكنَّ فَرْضَ قَدْرٍ من المراقبة والفرز سيساعد الأطفال في تطورهم السليم؛ إذ يمكن أن تكون مراقبةُ علاقات الصداقة الخاصة بالأطفال وفرزها في حدود ضيقة أو واسعة النطاق، وذلك بناءً على السياقات ومستوى التطور لدى الأطفال. ورغم ذلك، عندما يتولى الآباء والمعلمون مراقبةَ علاقات الصداقة التي تنشأ والتي تنتهي، يمكنهم مساعدة الأطفال في التعامل مع العالم الاجتماعي المعقَّد. وكما هي الحال دائمًا، فعندما يتجاوز الأطفال المرحلة الابتدائية وتزيد تحركاتهم واستقلاليتهم، يصعب إخضاعهم لمثل هذا النوع من المراقبة، وأيًّا كان حجم المراقبة أو الفرز الذي يمكن أن يوفره البالغون، عليهم ألا يترددوا في تطبيقه. طَبِّقِ المقترحاتِ السبعةَ لمتابعة العالم الاجتماعي للأطفال، كذلك ينبغي تطبيق المقترح السابع الخاص بتقديم الرأي للأطفال جنبًا إلى جنب مع كل مقترح من المقترحات الأخرى؛ بمعنى أن الآباء ينبغي لهم إطْلاع أبنائهم على اهتمامهم بمعرفة أصدقائهم، مثل معرفة القِيَم التي يؤمنون بها والسلوكيات التي يتبعونها، وأنهم يرغبون في مساعدة الأبناء في الالتقاء بأصدقائهم ودعْم علاقاتهم الإيجابية. تُزوِّد مثلُ هذه التعليقاتِ الأطفالَ بمعلوماتٍ مهمةٍ حول مدى اهتمام الكبار برفاهيتهم، فضلًا عن رفاهية الأطفال الآخرين. أثناء مرحلة المراهقة، سيستنكر العديدُ من الأطفال في هذه الفئة العمرية بشدةٍ مثلَ هذه المراقبة التي تمثِّل تدخُّلًا في شئونهم، وسيعتبرونها حطًّا من قَدْرهم أو شيئًا سخيفًا. للمراهقين مشكلات جديدة عديدة، أو ربما تكون القضايا نفسها ولكن بأبعاد جديدة.
(?) علاقات الصداقة بين المراهقين

يتسم المراهقون بالحركة الدائبة، ويرغب الكثيرون منهم في التمتع بقدر أكبر من الاستقلالية عن الآباء مقارنة بما كان يحدث في السنوات السابقة. وبوصول الأطفال إلى مرحلة المراهقة، يُرجَّح أن يتوجهوا للمدرسة مبكِّرين ويبقَوْا خارج المنزل حتى وقت متأخر ويشتركوا في الأنشطة الرياضية أو الفنية، علاوةً على إقامة علاقة مع أصدقاء جدد في أماكن جديدة كل أسبوع. وعادةً ما يقضي المراهقون أوقاتهم مع أصدقائهم في المشي وقيادة الدراجات واستقلال السيارات مع أشخاص بالغين، وبوصولهم إلى سن السادسة عشرة، يُخوَّل لهم قيادة السيارات وحدهم في معظم الولايات. ونظرًا لطول الوقت الذي تُمضيه الطفلة المراهقة خارج المنزل، فقد يتعذر على الآباء معرفة جميع رفاقها، أما الكبار المسئولون عن المراهقين، فلا تزال المقترحات السبعة الخاصة بتتبُّع علاقات الصداقة سارية. ورغم ذلك، وبناءً على قِيَم الاستقلالية المعمول بها في الأسرة، فقد يُسمح بدرجات استقلالية متفاوتة من شأنها التأثير على تطبيق المقترحات الخاصة بمساعدة الأبناء في علاقات الصداقة؛ فقد تَسمح بعضُ الأُسَر مثلًا لأبنائها المراهقين ممن حصلوا على رخصة القيادة بالسفر إلى أي مكان يريدون التوجُّه إليه دون إشراف من الأشخاص البالغين، ودون معرفة الزميل أو مجموعة الأصدقاء الذين يصطحبهم المراهق في مغامرته، بينما لا تسمح أُسَر أخرى لأبنائها المراهقين الحاصلين على رخصة القيادة بالسفر بالسيارة وحدهم دون معرفة الآباء بوجهتهم ورفقائهم على وجه الدقة.
وبالطبع يجوز تطبيق أي مزيج من المعايير يتفق عليه الآباء والأبناء، مع الوضع في الاعتبار حقيقة أن المراهقين سيتجاوزون المعايير إلى حدٍّ بعيد على غرار أن تكون المعلومات التي يذكرونها عن الأصدقاء الذين يتعاملون معهم ربما ليس لها أساس من الصحة، كما قد لا يَذكر المراهقون الحقيقة أو الحقائق الكاملة (كاصطحاب خمسة أصدقاء بدلًا من صديقين). ومن الأهمية بمكانٍ أن نبقى على اطِّلاع بالأمور قدر الإمكان بما لا يمس قِيَم الأسرة. وبالطبع يمكنني القول إن المثال الأول الوارد أعلاه للمراهق الذي يقود سيارة في غياب إشراف أو رقابة الآباء خطأ جسيم، ولكن إدراك مستويات النضج التي وصل إليها الأبناء ومدى ميلهم للقيام بتصرفات تُعرِّضهم لمخاطر، وما إلى ذلك، يساعد الأشخاص البالغين في تقرير حجم الاستقلالية التي سيمنحونها لأبنائهم في سن معينة، فضلًا عن أن تطبيق المقترحات السبعة الخاصة بمراقبة علاقات الصداقة الخاصة بالأبناء سيساعد الأشخاص البالغين على مدار مراحل تطور الأبناء، كما ستساعد إجراءاتُ المراقبة والفرز هذه التي يتبعها الأفراد البالغون الأطفالَ على البقاء في مسار الصحة النفسية الجيدة. يمكن أن تتفاوت الطريقة التي تُقرِّر بها الأُسَر الحدودَ الخاصة باستقلالية الأبناء المراهقين كثيرًا، وذلك بناءً على خلفيات الأسرة والقِيَم التي تُطبِّقها.
(?) الاستقلالية وتأثير الأقران

هناك عُرف قوي للغاية سائد في الولايات المتحدة بين أوساط الطبقة الوسطى البيضاء يشير إلى أن الأبناء يبدءُون في التخلص من القيود الأبوية ويتحملون قدرًا كبيرًا من مسئولية أنفسهم لدى وصولهم إلى مرحلة المراهقة المتأخرة، ورغم أن السن المقترنة بتحمُّل المسئولية أَخَذت تزداد في ظل التحاق الأبناء بالتعليم الجامعي وتأخُّر الاستقلالية الاقتصادية في العقود الثلاثة الأخيرة، فلا تزال المشكلة تتمثل في أن توقُّع استقلالية المراهقين في عملية صنع القرارات اليومية قوي جدًّا. تتجلى قوة هذا التوقع في الاعتقاد الخاص بمدى تأثير الأقران في مرحلة المراهقة.
يُصوَّر الأقرانُ عادة في وسائل الإعلام الشائعة بشكل سلبي بأنهم الأطفال «الأشرار» الذين يَفرضون سيطرتهم على الأطفال الآخرين، وأنه ينبغي مقاومة أساليبهم المقنعة لإفساد الأطفال «الطيبين» بصفة يومية. يتسم تأثير الأقران أثناء سنوات المراهقة المبكرة والمتأخرة بأنه قوي للغاية، وبعضٌ منه يكون سلبيًّا، ولكنَّ الباحثين الذين أجرَوْا دراسات حول تأثير الأقران وتأثير الآباء وجدوا أن تأثير الآباء يتساوى مع تأثير الأقران في قوته، بل إن المراهقين في الواقع يختارون الأصدقاء الذين يطبقون المبادئ نفسها التي تعلموها من آبائهم. علاوة على ذلك، يمكن أن يتسم تأثير الأقران والأصدقاء بالإيجابية إلى حد بعيد (انظر سانتروك ????)، ورغم ذلك ينبغي ألا يتخلى الكبار المسئولون عن المراهقين عن دورهم المؤثر فيما يتعلق بالأقران مثلما كان الأمر في مراحل الطفولة المبكرة. وتتفاوت الكيفية التي تُقرِّر بها كلُّ أسرة تخفيفَ حدة الرقابة ومَنْح هامش استقلالية أكبر للأبناء مع أقرانهم.
رغم أن العديد من الأشخاص البالغين يتفقون على أهمية علاقات الصداقة بالنسبة لأبنائهم، لا تهتم كافة الثقافات أو الأُسَر بقيمة الصداقة مثلما هو الأمر لدى الأُسَر البيضاء من ذوي الدخول المتوسطة في الولايات المتحدة؛ فالمفاهيم المتعلقة بالاستقلالية عن الأسرة والتقارب مع الأقران لا تحظى بالدعم عمومًا. وتتفاوت درجات مَنْح الاستقلالية للمراهقين في مختلف الثقافات حول العالم وحَسَب الخلفيات العرقية للأُسَر على مستوى الولايات المتحدة (انظر سانتروك ????). في بعض الثقافات يكون الانصياع للسلطة الأبوية متأصلًا، ويمكن أن يتجسد في بعض السلوكيات مثل اختيار الأشخاص البالغين الزوجَ أو الزوجةَ للأبناء المراهقين. في الولايات المتحدة، يتسم المراهقون الأمريكيون من ذوي الأصول الآسيوية عادةً بطاعة السلطة الأبوية بصورة تفوق المراهقين الأمريكيين من ذوي الأصول الأوروبية. وترتبط درجة الاستقلالية التي يمنحها الآباء الأمريكيون من ذوي الأصول الآسيوية لأبنائهم بما إذا كان مَنْحُ هذه الاستقلالية سيؤدي إلى دعم الأسرة أو الجماعة؛ على سبيل المثال، يسعد بعض الآباء الأمريكيين من ذوي الأصول الآسيوية بعلاقات الصداقة التي تضم المجموعات الدراسية؛ إذ إن مثل هذه الصداقات يمكنها أن تساعد في نجاح المراهقين في البيئة المدرسية مما يجلب الفخر للأسرة، وبالمثل تشجع الأُسَر الأمريكية ذات الأصول اللاتينية القِيَم الجماعية.
بالنسبة للأُسَر الأمريكية ذات الأصول اللاتينية، تَسُود بينها قِيَم توقير الكبار والسلوك القويم بدرجة كبيرة للغاية (تريانديس ????)؛ فالأسرة تلعب دورًا حيويًّا في تشكيل السلوكيات، ومن المنتظر أن يتوخى الجميع السلوك القويم في كافة العلاقات. وهناك بعض الأدلة التي تشير إلى تأثُّر بعض الأُسَر الأمريكية ذات الأصول اللاتينية ثقافيًّا بالتقاليد الغربية للطبقة الوسطى البيضاء في الولايات المتحدة أو اعتناقها؛ الأمر الذي يؤدي إلى تراجع أهمية هذه القِيَم لدى هذه الأُسَر. ورغم ذلك، في الكثير من الأُسَر اللاتينية هذه تترسخ هذه القيمة الجماعية، أو التأكيد على أهمية الأسرة، بقوة كما أنها تساعد الآباء في توجيه أبنائهم. على الرغم من ترحيب الأُسَر الأمريكية ذات الأصول اللاتينية باكتساب أبنائها للأصدقاء، يَعتقد الكثير منها أن علاقات الصداقة هذه لا يجب أن تنتقص من العلاقات والمسئوليات الأُسَرية، وعادةً ما تختلف القواعد التي تطبِّقها هذه الأُسَر بخصوص الاستقلالية عن القِيَم الفردية التي تؤمن بها أُسَر الطبقة الوسطى البيضاء في الولايات المتحدة.
ثمة توضيح من الأهمية وضعه في الأذهان، وهو يتعلق بحقيقة أن الأُسَر التي تنتمي إلى أي أصول عرقية يمكن أن تختلف عن النمط الاعتيادي للأُسَر في تلك الفئة العرقية؛ إذ إن توقُّع التطابق أو افتقاد التنوع بين مجموعة من الأُسَر بسبب عامل واحد، كالأصل العرقي المشترك بينها، إنما يؤدي إلى تصنيف هذه الأُسَر أو وَصْمها على نحو لا يعزِّز فَهْم جميع البشر؛ على سبيل المثال، يشير مصطلح «ذوو الأصول اللاتينية» إلى الأشخاص الذين تعود أصولهم إلى منطقة الكاريبي والمكسيك ووسط وجنوب أمريكا، الذين يتحدثون الإسبانية، ولكنَّ هناك قدرًا هائلًا من التنوع والاختلاف بين هذه الشعوب، وذلك رغم الأصول المشتركة. وعلى الرغم من عدم وجود قدرٍ كافٍ من البحوث التي تعكس وجهات نظر الأُسَر ذات الأصول اللاتينية حول علاقات الصداقة، فإن الاختلافات التاريخية والموطن الأصلي والحالة الاجتماعية الاقتصادية والمكتسبات الثقافية في الولايات المتحدة ترتبط جميعها على الأرجح بالأهمية التي تُوليها كل أسرة للصداقة.
(?) مسار الكفاءة الاجتماعية

تمثل الكفاءة الاجتماعية للأطفال أحد المسارات التي تؤدي إلى تمتع الأطفال بالصحة النفسية الجيدة، كما أن قدراتهم في البحث عن الآخَر الاجتماعي والتفاعل جيدًا معه تُعد مؤشرات على تطورهم العام ونجاحهم لاحقًا كأشخاص بالغين. إن التدرُّب على قِيَم الولاء والالتزام في العلاقات بين الأصدقاء يساعد الأطفال على مدار مراحل النمو والنضوج فيما يتعلق بعلاقات الشراكة التي ستظهر في مرحلة المراهقة والشباب. تعتمد الصحة النفسية للأطفال إلى حدٍّ بعيدٍ على علاقاتهم بصفة عامة، بما في ذلك تفاعلاتهم في البيئات الاجتماعية خارج المنزل؛ فالأقران والأصدقاء يعكسون للأطفال معلومات عن أنفسهم والعالم، علاوةً على ذلك، لا تَحِل هذه العلاقات محل الروابط الأُسَرية، وتكون هذه الروابط بمنزلة أدوات رقابية وانتقائية لعلاقات الصداقة الخاصة بالأطفال. في كثير من الأحيان تتوافق قِيَم الأقران مع قِيَم الأسرة وتعمل كلها في تناغم أثناء نمو الأطفال. سنتحدث في الفصل السادس عن كيفية انتقال القِيَم الأُسَرية عبر الكلمات والطقوس، وكيف يمكن لهذه النماذج الجيلية أن تعزِّز من نمو الأطفال أو تُثبِّطه.

الفصل السادس
نقل القِيَم والتسلح بها


يرى الأب في منامه مشهدًا لمعركة محتدمة بين قوًى متنافرة تستهدف عقول المراهقين الخاوية ووجدانهم، ويبدو الأطفال المحاربون ثابتِين على الرغم من ضآلتهم في هذا الموقف الطاغي.
يصيح القائد «ضوء المعارك» في قواته: «جَهِّزوا دروع القِيَم! راوغوا! صُدُّوا الهجمات! تفرقوا! فُضُّوا الاشتباك!»
تُدوِّي أصوات الضجيج وصليل السيوف وتتصاعد الأدخنة. يستيقظ الأب وهو يتصبب عرقًا ويهز رأسه من طرافة هذا «الكابوس».
يعلم هذا الأبُ مكانَ تواجُد أبنائه المراهقين، الذين ينامون بسلام في أَسِرَّتهم. إنه يدرك أنه وغيره من الأشخاص القائمين على رعاية الأطفال ساعدوا الأطفال في تعلُّم مجموعة من القِيَم يمكنهم الاستفادة منها جيدًا، وخاصة في سنوات المرحلة العمرية هذه التي تشهد بداية تشكُّل استقلالية الفكر والفعل. يقول الأب لنفسه: «دروع القِيَم في موضعها الصحيح، آمل أن تعود عليهم بالنفع!»
يتمثل المقياس الخامس للصحة النفسية الجيدة في قوة تسلُّح الأطفال بالقِيَم التي تتوافق مع الحياة التي من المتوقَّع أن يعيشوها؛ فالأشخاص البالغون المسئولون عن الأطفال يُعلِّمونهم كيفية تصرُّف بعضهم مع بعضٍ وكيفية الإنجاز والمثابرة، على الرغم من المِحَن المحتملة، وكيفية المحافظة على سلامتهم البدنية والنفسية. يبدو التشبيهُ الخاص بالمعركة التي في مقدِّمة هذا الفصل والتي تجسِّد الفكرة الرئيسية في المثال ملائمًا؛ إذ ينبغي غربلة الأشخاص والأحداث والبيئات المحفِّزة للأطفال أو محاربتها من آنٍ لآخر. ورغم أن الأب الوارد في هذا المثال ليس واثقًا أن أطفاله يستخدمون القِيَم التي تعلموها منه بصفة يومية، فإنه مُطْمئن أنه هو والأشخاص الآخرين القائمين على رعاية الأطفال قد علموهم بصورة جيدة، وتُثبِت هذه العلاقات الاجتماعية مرة أخرى أنها جزءٌ لا يتجزأ من التطور النفسي الصحي للأطفال؛ فالصحة النفسية الجيدة في إطار هذا الفصل تعني تعليم الأطفال قِيمًا مهمةً تمثل أساسًا لتَطَورهم على مدار حياتهم.
يرمز اسم القائد «ضوء المعارك» في المثال الوارد إلى دور القِيَم كمنارة للأطفال عندما يواجهون قرارات حاسمة خاصة بسلوكهم؛ فهذه القِيَم تلعب دور الدليل ونقطة الانطلاق عندما يواجه الأطفال مشكلات عسيرة ومعقدة أحيانًا. يمكن أن تكون الحدودُ والتوقعات السلوكية، التي غُرست في الأطفال بأسلوب ودود، الدرعَ الواقية للأطفال أمام التأثيرات السلبية، ولكن هذا يتوقف على مدى تطبيقهم لهذه القِيَم. وفي ظل تعلُّم الأطفال لجوانب الحياة التي يقدِّرها مقدِّمو الرعاية البالغون، فإنهم يصبحون أكثر قدرة على تقييم المعلومات المهمة المتعلقة بتطورهم، وتذكَّرْ ما ورد في الفصل الرابع أن جزءًا من الانتماء الأُسَري ينطوي على مساعدة الأطفال في إدراك مسئوليتهم نحو الآخرين ونحو أنفسهم، والمشاركة بفعالية في تعلُّم اتخاذ القرار باستقلالية؛ فالقِيَم الواضحة التي تنتقل في مودة من جيل لآخر تساعد الأطفال في صنع القرارات. يتمثل أحد المحاور المهمة في هذا الفصل في التطبيع الاجتماعي لِقِيَم الآباء المنقولة إلى الأبناء. ونتطرق أيضًا إلى سمة الديناميكية والتبادلية في نطاق علاقة الوالد والطفل، وتشير الديناميكية إلى عملية نقل القِيَم وسمات المتلقي أو الطفل؛ فالأطفال إما يَقْبلون قِيَم الآخرين أو يرفضونها. تتميز هذه التفاعلات بالتبادلية؛ حيث يَنْقل الأطفالُ بدورهم القِيَمَ التي يؤمنون بها للوالدَين والأشخاص الآخرين.
سنتناول في هذا الفصل بالدراسة الطبيعةَ التبادليةَ للتطبيع الاجتماعي للقِيَم، وعلى الرغم من ندرة البيانات المتعلقة بنقل القِيَم من الأطفال للآباء، فإنها مثيرة للاهتمام بلا شك. يَنْقل الأطفال والآباء التأثيرات الاجتماعية بعضهم إلى بعضٍ، وتمثل ردود أفعال الأطفال نحو قِيَم الآباء أحد الجوانب الجوهرية في التفاعلات الخاصة بالتطبيع الاجتماعي للقِيَم، كما يلعب الأقران دورًا مهمًّا في التطبيع الاجتماعي للقِيَم الخاصة بالأطفال، وسنتفحص الأبحاث المتعلقة بدرجة التوافق بين القِيَم الخاصة بالأقران والآباء.
سنتطرق أيضًا إلى أهمية البيئات والخلفيات الأُسَرية ذات الصلة بنقل القِيَم وتطبيقها، كما أن البيانات المتوفرة حول التطبيع الاجتماعي للقِيَم الأبوية وتجسيدها مستمَدة بلا ريب من قاعدة الأبحاث الخاصة بأُسَر الطبقة الوسطى الأمريكية ذات الأصول الأوروبية. وعلى مدار الفصل، سنناقش بيانات متعددة الثقافات فيما يتعلق بالقِيَم والأفراد المختلفين عندما يتسنى ذلك. إن صعوبات تفسير الأبحاث المتعلقة بنقل القِيَم بين أفرادٍ ذوي خلفيات ثقافية متنوعة أحدُ الجوانب المهمة الأخرى لهذه المناقشة.
استخدمتُ مصطلح «التحصين» في الفصل الرابع لتوضيح أن عمل الأفراد البالغين على تيسير عملية اتخاذ القرارات أمام الأطفال في بيئات آمنة يُعد تدريبًا جيدًا يؤهلهم لسنوات المراهقة؛ فالقرارات الخاصة بصحتهم البدنية والنفسية يمكن اتخاذها مع وضع قِيَم الأسرة في الاعتبار. تتميز عملية نقل القِيَم الخاصة بالآباء إلى الأبناء بأن لها قاعدة بيانات هائلة في علم النفس، وعلى الرغم من أن الأبحاث المتعلقة بتأثير الأفراد البالغين المهمين من غير الآباء ليست مدعومة بالقدر نفسه، يؤكد عدد من الباحثين على أهمية الدور الذي يلعبه هؤلاء الأفراد أيضًا في حياة الأطفال.
يقدم المعلمون والزعماء الدينيون والمجتمعيون نماذجَ يُقتدى بها، فضلًا عن التوجيه المباشر لكيفية تطور الأطفال إلى أشخاص ذوي قِيَم متأصلة؛ الأمر الذي يساعد على ضمان صحتهم وصحة الآخرين. كما سنتطرق لبعض الأبحاث المرتبطة بمفهوم الأشخاص البالغين الأَكْفاء الذين يقومون بأدوار المعلمين وينقلون القِيَم في بيئات خارج المنزل.
سنتناول أيضًا كيفية قيام الأشخاص البالغين بتعليم معايير الصواب والخطأ وتجسيد نماذج لها، وكيف تعزِّز هذه المعايير العلاقات وتُيَسر التمتع بحياة مثمرة. تذكَّرْ أن وضع النماذج للاقتداء بها والحثَّ عليها يُعدَّان من ضمن الوسائل الرائعة لتعليم الأطفال. كما سنتطرق في هذا الفصل لمجالَين من مجالات نقل القِيَم: الاستقلالية والتحصيل الدراسي.
(?) القِيَم انعكاس لنا

يُحكم على الناس في كثير من الأحيان وفقًا لمجموعة القِيَم التي يتبعونها في حياتهم، فما المقصود بكلمة «قِيَم»؟ يستطيع أغلب الناس على الأرجح الإتيان بتعريف للقِيَم، بل وربما يأتون ببعض الأمثلة للقِيَم التي يرون أنها جديرة بتناقلها بين الأجيال. ويأتي تعريف القيمة في إطار هذا الكتاب كالآتي: «تعبِّر القيمة عن أي توجُّه أو سلوك يُعتقد أنه يعزِّز من نمو الذَّات والآخرين؛ أي إنها نموذج أو معيار للسلوك.» إن القِيَم تشبه كثيرًا سيناريو للحياة؛ فالقِيَم تساعد الإنسان في تحديد كيفية الاستمتاع بحياة مثمرة. كما أن الأشخاص البالغين ممن يدركون القِيَم المساعدة في عملية اتخاذ القرارات يكونون أكثر قدرة على توجيه الأطفال في حياتهم وتعليمهم. ما الأشياء التي يَعتبرها البالغون ذات قيمة؟ سنطرح فيما يلي قائمة من الاحتمالات قبل أن نتحدث بالتفصيل عن الأبحاث المتعلقة بمجالين من مجالات نقل القِيَم: الاستقلالية والتحصيل الدراسي.
ما الأشياء التي نوليها القيمة؟

(?) مراعاة مشاعر الآخرين.
(?) الإنجاز.
(?) الاستقلالية.
(?) التقاليد.
(?) التديُّن.
(?) الأمن (سلامة النفس والآخرين).
هل ما زلتَ تُصيغ قائمة القِيَم الخاصة بك؟ رائع! تختلف قِيَم الأشخاص من أسرة لأخرى ومن دولة لأخرى، بل وحسب ظروف كل شخص. يؤمن الناس بالقِيَم نتيجة لعدة عوامل، مثل تأثير الآباء، وكثيرًا ما تقترن هذه التأثيرات بالعوامل التي يُطلِق عليها علماء النفس «الخصائص السكانية». وتشير المعلومات السكانية إلى الموطن الأصلي للأشخاص — الذي يمثِّل أهميةً تاريخيةً في ماضي الأجيال وحاضرها — والحالة الاجتماعية الاقتصادية؛ بمعنى الدخل والمستوى الاقتصادي المحقق، والمستوى التعليمي والنوع البيولوجي، فضلًا عن الفئة العمرية، بما في ذلك الجماعات التاريخية. تشير عبارة «الجماعات التاريخية» إلى أولئك الأشخاص الذين يشهدون أنماط الأحداث نفسها بسبب تواريخ ميلادهم؛ فالأشخاص البالغون في الولايات المتحدة مثلًا ممن شهدوا حرب فيتنام، سواء كمجندين أو كمراقبين، يشتركون في تلك الحقبة التاريخية مع جميع الأشخاص الآخرين في فئاتهم العمرية، وربما طوَّرت هذه الجماعة التي عاصرت حرب فيتنام قِيَمًا تتضمن مثلًا حسًّا مُلِحًّا بمساعدة الآخرين على الصعيد الدولي، أو أهمية الحرية التي تكفل انتقاد الحكومة في نظام ديمقراطي.
هناك عدد كبير من العوامل التي تؤثر في قِيَم الأشخاص، ولتيسير عقد المقارنة مع قائمة القِيَم المذكورة أعلاه، قارِن العوامل التالية بقائمة القِيَم السابقة:العوامل المرتبطة بالقِيَم

(?) عوامل أسرية، من بينها نمط تربية الأبناء والتعليم.
(?) العوامل السكانية، الموطن الأصلي الحالي والخاص بكبار السن، والحالة الاجتماعية الاقتصادية والمستوى التعليمي والنوع البيولوجي والفئة العمرية والجماعة التاريخية.
(?) الآخر الاجتماعي ذو الأهمية، مثل الأقارب والأقران والمعلمين وأصحاب العمل.
(?) الخبرة والتطور الشخصيَّان.
لكننا لا ندرك جيدًا كيفية ارتباط هذه المؤشرات أو العوامل بتطور قِيَمٍ معينةٍ على حساب قِيَمٍ أخرى، سيساعدنا أحد الأمثلة الواردة في البحث في إدراك هذا التعقيد. انظر إلى القائمة الأولى من القِيَم المحتملة التي سيكتسبها الأشخاص، تشير القيمة السادسة إلى «الأمن (سلامة النفس والآخرين)»، ولْتُلْقِ نظرةً الآن على القائمة الخاصة بالعوامل التي يمكن أن ترتبط بمثل هذه القيمة. انظر إلى العامل الثاني في هذه القائمة التي تتضمن «العوامل السكانية؛ الموطن الأصلي الحالي والخاص بكبار السن …» فهل تمثل السلامة قِيمة يهتم بها المواطنون في الولايات المتحدة بصفة يومية؟ ربما تستحوذ على الاهتمام بدرجة كبيرة الآن مقارنةً بما قبل مأساة الحادي عشر من سبتمبر ????م، ولكن أَيَصِلُ هذا الاهتمام إلى الحد الذي يجعل معظم الناس ينظرون إلى السلامة كَقِيمة؟ هذا بعيد الاحتمال، إلا أنه خضعت هذه القيمة للدراسة، ووُجد أنها تمثل أهمية بالغة للشباب الذين يعيشون في إسرائيل، وذلك في الدراسة التي أجراها أحد خبراء علم النفس في مجال القِيَم الأُسَرية لدى الإسرائيليين، ويدعى أرييل نافو (????).
اكتشف نافو في دراسته أن هذه القيمة تأتي من ضمن أبرز ثلاث قِيَم لدى الآباء والمراهقين الإسرائيليين. إن السياق التاريخي والحالي للحياة في إسرائيل يجعل من السلامة قيمة عملية ويومية تؤثر في أسلوب حياة الناس، ورغم أن الأشخاص في الولايات المتحدة اليوم قد ينتابهم بعض القلق إزاء استقلال طائرة للسفر، فإن المواطنين الإسرائيليين يدركون قيمة السلامة في كل يوم؛ إذ يتطلب السياق التاريخي والحالي حالة من اليقظة ووضع السلامة كأولوية تأتي قبل العديد من القِيَم الأخرى.
وقد يساعدنا ذِكر مثال آخر عن التعقيدات التي ينطوي عليها تشكيل القِيَم عند الأطفال في فهمنا للقِيَم الخاصة بالآباء كعوامل مرتبطة بتطورهم.
يَدخل أحد المراهقين مع والديه إلى متجر لبيع القمصان القصيرة الأكمام (تي شيرت) أثناء إحدى الرحلات، يختار الفتى قميصًا مطبوعةً عليه صورة أربعة من كبار زعماء السكان الأمريكيين الأصليين، وهناك عبارة مكتوبة على القميص تقول كلماتها: «الأمن الوطني: مكافحة الإرهاب منذ عام ????.» يقول الأب للمراهق: «هل أنت متأكد أنك تريد شراء هذا القميص؟ إنه قد يمثل إساءة لبعض الأشخاص.» يردُّ الفتى المراهق قائلًا: «نعم، إنني أدرك ما تَعْنيه هذه العبارة، وأعلم أيضًا أن حكومتنا أخطأت في التعامل مع السكان الأصليين لأمريكا.» فيحاول الأب أن يُثْني الابن عن قراره مرة أخرى قائلًا: «إنني أتفق معك يا بُنيَّ؛ فرغم أنني أعتقد أنه يُفترض بنا أن نعبِّر عن آرائنا بصراحة عندما نرى أوضاعًا خاطئة، فقد يَحْكم عليك المعلمون أو الأشخاص البالغون الآخرون بشكل سلبي عندما يقرءون ما هو مكتوب على القميص دون أن يعرفوا حقيقتك.» فيجيب الفتى المراهق بأنه يدرك وجهة نظر والده، ولكن هذا لم يَزِدْه إلا إصرارًا على شراء القميص وارتدائه، ويشتري الفتى القميص ويرتديه بكل فخر.
ما القِيَم التي تقدِّرها هذه الأسرة المكونة من ثلاثة أفراد؟ قِيَم عديدة، على الأرجح غُرس بعضها بواسطة الوالدَين، ويمكن استنتاج هذه القِيَم التي يؤمنان بها من النقاش الذي دار بين الأب والابن: (?) يجب على المواطنين التحدث علانية عن الأخطاء التي ترتكبها حكومتهم؛ حرية التعبير عن الرأي.
(?) التورية اللفظية يمكن أن تُشيع المرح؛ روح الدعابة لها قيمة.
(?) السماح بإبداء وجهات النظر المختلفة مع الأكبر سنًّا؛ ينطوي الحثُّ على مَنْح الأطفال فرصةَ التعبير عن موقفهم.
(?) يحتاج المراهقون إلى درجات استقلالية متفاوتة في عملية اتخاذ القرار؛ الاستقلالية تفوق في أهميتها وجهات نظر الأشخاص الأكبر سنًّا.
لا يؤمن كل مواطني الولايات المتحدة بهذه القِيَم الأربع، فربما لا تسمح بعض الأُسَر للمراهقين باتخاذ هذا النوع من القرارات؛ فالجدال مع أحد الوالدَين قد يُنظر إليه باعتباره وقاحة، أو عدم التزام بمبدأ بِر الوالدين. وربما لا يرى بعض الأمريكيين من السكان الأصليين في العبارة المكتوبة على القميص أيَّ شكل من روح الدعابة، بل وقد يمتعضون من تصوير زعمائهم الكبار على هذا النحو الكسبي. إنَّ نَقْل القِيَم عمليةٌ معقدة تناوَلَها علماء النفس بالدراسة منذ بضعة عقود فقط، ولكننا لدينا بالفعل بعض البيانات التي تساعدنا في إدراك هذا الجانب المهم المقترن بأن نكون أفرادًا جديرين بالثقة تجاه الأطفال في حياتنا.
(?) التطبيع الاجتماعي للقِيَم الأبوية

يبعث الآباء برسائل يومية إلى أطفالهم حول القِيَم التي يؤمنون بها، ويكتسب الأبناء قِيَم الآباء من خلال محاكاة السلوك والتفكير المنطقي والتوجيه المباشر. ساد اعتقاد تاريخي في علم النفس يشير إلى أن الوالد الحازم أو الوالد الذي يستخدم الود والمنطق في التعامل مع أبنائه يُرجَّح أن يتحلى أبناؤه بنفس نَسَقِ القِيَم الذي يؤمن به. ظهرت في الوقت الحالي نظريات أكثر تعقيدًا حول الطرق التي يجري من خلالها نقل القِيَم، ولكن تؤكد الأبحاث على الأهمية الشديدة للتعامل الودود مع الأبناء.
تَصِفُ جرازينا كوتشانسكا (????)، المتخصصة في علم النفس التنموي، الروابطَ بين الوالدين والأطفال التي من شأنها تعزيز اتساق القِيَم. واكتشفت كوتشانسكا من خلال البحوث التي أجرتها أن الآباء المتجاوبين الذين يتمنون تحقيق السعادة لأطفالهم من المرجح أن يعتنق أبناؤهم القِيَم نفسها التي يؤمنون بها. إن علاقة الأخذ والعطاء التي تقترن بمراعاة الوالدين لمستويات التطور الخاصة بالأطفال وحالاتهم المزاجية وسلوكياتهم — بما في ذلك المخالفات — يُعتقد أنها تسهم في عملية اتساق قِيَم الآباء والأبناء. وتشير الدراسة إلى أن الأطفال الذين يشعرون بأنهم محبوبون وفي الوقت نفسه مطَّلعون على المعايير السلوكية مع توفر وسائل تحفيز مناسبة عند الحاجة، سيلتزمون بالقِيَم التي يؤمن بها آباؤهم كأنها قِيَمهم الخاصة، وتطلق كوتشانسكا على هذه العملية «التوجيه المتجاوب المتبادل»؛ فالآباء يدركون احتياجات الأطفال أثناء إكسابهم القِيَم والمعايير السلوكية الخاصة بهم. ويُعتقد أن هذه المرونة أو الديناميكية المتأصلة في مثل هذا التفاعل الإيجابي ستعزِّز القِيَم المشتركة بين الآباء والأبناء.
توحي هذه الرؤية عن إدراك الآباء لاستجابات الأطفال تجاه وصاياهم بوجود نوع من «التبادل الثنائي الاتجاه» فيما يتعلق بالتطبيع الاجتماعي للقِيَم. يشير التبادل الثنائي الاتجاه ببساطة إلى أن الأطفال ليسوا مطلقًا صفحاتٍ بيضاءَ أو قِطَعَ إسفنجٍ تَمتص كل التوجيهات، ولكن هذا التبادل الثنائي الاتجاه يعني أن الأطفال يستجيبون للرسائل المتعلقة بالقِيَم التي يبعث بها الأشخاص البالغون استنادًا إلى عدة عوامل.
تشير عالمة النفس جوان إي جروزيك، الخبيرة في مجال التطبيع الاجتماعي الخاص بالقِيَم، إلى أنه يجب على الأطفال إدراك الرسائل الواردة من الوالدين حول القِيَم بدقة، فضلًا عن الالتزام بها باعتبارها القِيَم الخاصة بهم؛ بحيث يحدث التطبيع الاجتماعي الخاص بالقِيَم؛ وهذا يعني أن التوجيه المباشر من قِبَل الآباء وتجسيد القِيَم التي يتمنون أن يتحلى بها أطفالهم يجب أن يتَّسما بالتوافق أو الاتساق مع قِيَمهم الخاصة. وفي هذا الصدد، أعتقد أن القاعدة البديهية القديمة التي تشير إلى أهمية «أن نفعل ما نقول» تتصل بهذا الطرح (انظر جروزيك وكوتشينسكي ????).
أشار أحد الأمثلة الواردة في الفصل الخامس إلى استعداد الأم لمساعدة ابنتها بعد خلاف مع رفيقتها؛ فالفتاتان الصغيرتان لم تتمكَّنا من التوصل إلى اتفاق حول النشاط الذي ستمارسانه، وخرجت الفتاة الضيفة من المنزل، وبدا أنها لن تعود. استغلت الأم الفرصة لمناقشة الموقف مع ابنتها، ومن خلال عباراتها وأسئلتها فضلًا عن أسلوبها، تمكَّنت الأم من توصيل عدة رسائل لابنتها عن الموقف محل الخلاف وأهمية التوصُّل لحلولٍ للنزاعات ومراعاة شعور الآخرين. وقد دعَّمت الأم مشاعر ابنتها ومشاعر الفتاة الضيفة في الوقت نفسه؛ الأمر الذي أسهم في إبراز أهمية قِيمَة المعاملة الحسنة. وقد طلبت الأم من الفتاة أن تطرح رؤيتها حول ما يمكن أن يحدث في المرة القادمة؛ مما يُظهر قيمة التعاون والمسئولية الشخصية. استخلصت الفتاة من هذه المناقشة الطويلة نصائح حول حُسن التصرف، وهذا يشتمل على التحكم في الذات والأمل في المستقبل. ولِحُسن حظ كافة الأطراف الواردة في المثال، فقد تمكَّنَت الفتاة المضيفة من الالتزام بملاحظات والدتها لدى عودة الفتاة الضيفة لممارسة اللعب ثانية. ذَكَرَت الأم القِيَم الخاصة بها بوضوح وطرحتها للنقاش بأسلوب ودِّي، وأنصتت الفتاة للقِيَم الخاصة بوالدتها، بل وتمكنت من تطبيقها حالما انتهت المناقشة.
استفادت الأم من واقعةٍ حدثت في حياة الفتاتين الصغيرتين ويمكن أن تحدث بصفة يومية. إن المحاولات الصعبة لمعالجة الخلافات يمكن أن تعود علينا بنتائج بنَّاءة إذا ما استخدمنا قِيَم المسئولية والاهتمام. يتساءل الباحثون عما يجب أن تفعله هذه الأم أيضًا للمساعدة في نقل القِيَم الخاصة بها، يجب على هذه الأم تجسيد سلوكيات المسئولية الشخصية والاهتمام عندما تواجِه صعوبات وصراعات في حياتها الشخصية. وسواء كان الأمر متعلقًا بالتوصل لحل وسط بسيط مع الأصدقاء بشأن اختيار أحد الأفلام لمشاهدتها، أو كان الأمر متعلقًا بقرار أكثر صعوبة مع الزوج حول الموارد المالية للأسرة؛ فعندما تقوم الأم بتجسيد القِيَم التي طرحتها عندما كانت توجِّه ابنتها، فإنها بذلك تزوِّد الفتاة بحلقة أخرى مهمة تربط بين توجيهات الأم وما تجسده من سلوكيات من حيث الاتساق.
ولكي يتبنى الأطفال القِيَم الخاصة بالوالدين كقِيَمهم الخاصة، يجب أن تُقدَّم لهم رسائل واضحة من خلال وسائل متعددة للتوجيه ومحاكاة السلوكيات تعكس المعايير الحياتية المتوقعة، يسهم هذا الوضوح في تعزيز فَهْم القيمة وإدراكها بدقة. وقد يؤدي عدم الاتساق بين هذه المعايير إلى اختلاط الأمر على الأطفال إزاء القِيَم الخاصة بالوالدين، وقد يواجهون صعوبات في تمييز القِيَم التي يؤمن الوالدان بأهميتها. عند توصيل رسالة واضحة عن القيمة المتوقعة، تسهم عوامل أخرى في تثبيط أو تعزيز تقبُّل الأبناء للقِيَم الخاصة بالآباء.
تتفق جروزيك مع كوتشانسكا في أن الأشخاص البالغين الذين يقدمون إشارات سلوكية للقِيَم، مع مراعاة وجهة نظر الطفل ومستوى تطوره، يهيئون بذلك بيئة قوامها الود والاهتمام يتجاوب الأطفال معها. وفي ظل هذه الظروف، من المُتوقَّع أنْ يتقبل الأطفال القِيَم الخاصة بالأشخاص البالغين ذوي الأهمية في حياتهم؛ فالأطفال الذين يتمتعون بالقدرة على تنظيم سلوكياتهم مع مراعاة القِيَم الخاصة بالآباء، إنما يفعلون ذلك بفضل التفاعلات الإيجابية مع هؤلاء الأشخاص البالغين.
(?) أبحاث حول قيمة الاستقلالية

مع نمو الأطفال، يمنحهم الكبار قدْرًا متزايدًا من الحرية لاستكشاف عوالمهم واكتساب مفاهيم وسلوكيات جديدة، ودون وجود قَدْر من حرية الاستكشاف، لا يمكن اكتساب مهارات أساسية مثل المشي، فضلًا عن اكتساب القِيَم. تعمل الخبرات الجديدة على تيسير تطورنا، وهذا جزء لا يتجزأ من الطبيعة الإنسانية، وقد وصف العالم الشهير جان بياجيه هذه العملية بأنها تَبْني تطورنا الشخصي في البيئة (انظر جروبر وفونيش ????). يَمنح الأشخاصُ البالغون الاستقلالية للأطفال لاستكشاف العوالم المحيطة بهم، استنادًا إلى درايتهم بالأطفال والعالم والقِيَم الخاصة بهم، ولكن القواعد الاجتماعية المرتبطة بقيمة الاستقلالية تتفاوت بحسب الثقافات المختلفة.
لا يؤمن جميع الناس بقِيَم الاستقلالية نفسها، ويَعتبر العديدُ من الثقافات أن الأسرة أو الجماعة التي ينتمي إليها الفرد تحظى بتقدير أعلى من الاستقلالية الفردية. ستمنحنا دراسةُ القِيَم المعمول بها في مختلف الثقافات رؤيةً متعددة الثقافات حول أية ظاهرة، وعلى الرغم من أن المراهقين حول العالم كثيرًا ما يُمنحون حرية ومسئولية أكبر من الأطفال، حسب كل ثقافة، فإن مَنْحَهم الاستقلالية يتفاوت؛ على سبيل المثال، تختلف السن التي يسعى فيها المراهقون للاستقلالية، بمعزل عن فكر الآباء وأفعالهم. ومن المتوقع أن يسعى الأطفال الذين نشئُوا في سياق ثقافات جماعية أكثر، مثل الثقافات الآسيوية، إلى الاستقلالية في سنٍّ متأخرة مقارنة بالأطفال الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية، وذلك عندما يصلون إلى مرحلة المراهقة، كما يُرجح أن يُعبِّروا عن التزامهم نحو آبائهم وأُسَرهم، ويحافظوا على هذا الالتزام على مدًى طويل حتى سنوات البلوغ.
وقد حاول الباحثون تفسير كيفية التزام العديد من الشباب البالغ بالقِيَم والمطالب السلوكية التي يؤمن بها الآباء، حتى على مدار حياتهم؛ على سبيل المثال، يشير أستاذ علم النفس المتعدد الثقافات هاري سي تريانديس إلى أن الآباء في الثقافات التي تؤكد على الولاء للأسرة، مثل الهند واليابان، هم من يختارون في أغلب الأحيان شركاء الحياة لأبنائهم المراهقين، ويؤكد أيضًا أن الزواج من شخص آخر يمثل زواجًا من الجماعة، بل ويعكس قدرة الأسرة على الحكم السديد والنجاح والأمل في المستقبل. وتُلقَّب الثقافات التي تتسم بهذا النوع من الولاء للمجموعة بالثقافات «الجماعية»؛ فكل شخص له قيمة، ولكن المحكَّ الحقيقي لأي شخص يتجسد في ولائِه للجماعة ومراعاتِه للأشخاص الآخرين في جماعته. ولْتقارِنْ بين مستوى الاستقلالية هذا أو تبعية القِيَم الفردية للقِيَم الخاصة بالآباء، وبين الثقافة «الفردية» مثل الثقافة السائدة في الولايات المتحدة (انظر تريانديس ????).
يشير تريانديس إلى أن مذهب الفردية هو مفهوم يجعل الفرد محور التطوير، وغالبًا ما ينتشر هذا المفهوم في الثقافات التي تتسم بالثراء والتعقيد وانتشار المبادئ الصناعية على مدار فترة زمنية طويلة. يحظى الناس في الثقافات الفردية بالعديد من الخيارات لتطوُّرهم ويتنافسون في سبيل تحقيق النجاح المادي، كما يجري التأكيد على قيمة الاستقلالية بشكل عام، وتخضع رغبات الجماعة لرغبات الفرد، وتُعدُّ هذه هي طبيعة العديد من المجموعات الأُسَرية في الولايات المتحدة. ورغم ذلك، يوجِّه تريانديس تحذيرًا بأنه من الخطأ افتراض وجود سمة موحدة لدولة أو ثقافة أو ثقافة فرعية بعينها، وعلى الرغم من أنه يمكن اعتبار أن ثقافة واحدة تنطوي إما على قِيَم فردية أو جماعية، يمكن أن تكون هناك أيضًا اختلافات قائمة على عوامل مثل الأوطان الأصلية للأُسَر.
إن استيعاب العديد من الجماعات للثقافة السائدة في الولايات المتحدة يمثل أحد العوامل التي ظهرت أهميتها عند دراسة قِيَم الاستقلالية. يشير مفهوم «التلاقح الثقافي» ببساطةٍ إلى عمليةِ تقبُّل الناس لمعتقدات وقِيَم الثقافة التي يعيشون بها؛ على سبيل المثال، يَذْكر تريانديس أن الأشخاص من ذوي الأصول الإسبانية في الولايات المتحدة، ممن تأثروا بالقِيَم الأمريكية الأوروبية، يميلون للفردية أكثر من نظرائهم ممن هاجروا إلى الولايات المتحدة مؤخرًا ولم يتأثروا ثقافيًّا بالقدْر نفسه، فكيف نطبِّق هذه النتيجة على المثال المذكور آنفًا الخاص بشريك الحياة؟ قد يطلب بعض الأشخاص البالغين في الهند أو اليابان أن يتزوج أبناؤهم من شركاء الحياة الذين يختارونهم لهم. في السابق، كان المواطنون من ذوي الأصول الإسبانية في الولايات المتحدة يطلبون الأمر نفسه من أبنائهم، ولكن يُرجَّح أن يتبنى الجيلان الثاني والثالث من العائلات التي تُربي أبناءها في الولايات المتحدة توافقًا بين الثقافتين الفردية والجماعية، وذلك حسب تواريخ هجرتهم إلى الولايات المتحدة أو تواريخ ميلادهم بها، ومن الممكن أن يُعبِّر المواطنون الأمريكيون ذوو الأصول الآسيوية أو الإسبانية في الوقت الحاضر عن التزامهم نحو الأسرة واهتمامهم بأزواج الأبناء، ولكن في الوقت نفسه يسمحون للأبناء باختيار أزواجهم بقدر كبير من الاستقلالية.
ما القيمة المثلى؟ يرى تريانديس أنه لا يمكننا البت في ذلك؛ إذ تتخذ كلُّ ثقافة أو مجموعة أُسَرية قراراتٍ حول المطالب الخاصة بالاستقلالية بناءً على ماضيها والأمورِ التي صبَّت في صالحها منذ زمن بعيد، ولكن تريانديس يعتقد أيضًا أن التطرُّف في الثقافة الجماعية أو الفردية يحمل بين طياته مخاطر؛ فالجماعية الشديدة قد تتسبب في اندلاع حرب مثلًا بسبب القِيَم المتعلقة باعتبار الجماعة المفضلة متفوقةً على كافة الجماعات الأخرى التي لا تستحق الحياة. وعلى النقيض، قد تؤدي النظرة الفردية المتشددة إلى إهمال الأشخاص الضعاف للدفاع عن أنفسهم دون ردِّ فعل من الجماعة التي ينتمون إليها. يبدو أن هذه التنبيهات توضح أن تريانديس يؤيد التوازن بين النزعتين الفردية والجماعية لدى الأُسَر؛ فالأسرة الأصلية والموطن الأصلي والتعددية الثقافية تمثل اللبِنات التي تساعدنا في إدراك تطور القِيَم المتعلقة بالاستقلالية، وقد ثبت أن العوامل الأخرى المؤثرة في الأُسَر تؤثر أيضًا في التطبيع الاجتماعي للقِيَم.
وفي دراسة أخرى مهمة أجراها عالِمُ الاجتماع هونج شياو في الولايات المتحدة (????)، وُجِد أن جنسَ الوالد القائم بالتربية، والقِيَمَ — في أغلب الأحيان — التي تؤمن بها الأم والطبقةَ الاجتماعيةَ التي تنتمي إليها، هي أمور تتنبأ بالقيم الأبوية المنقولة للأبناء. وعند فحص البيانات التي تضمها دراسته، سنجد أن الآباء المنتمين إلى الطبقة الوسطى يقدِّرون قيمة الاستقلالية، ولكنْ من المرجح أكثر أن يثمِّن الآباء من الطبقة العاملة الامتثال إلى سلطة الجماعة على حساب الاستقلالية الفردية. ويمكننا إدراك الفروق بين الطبقات الاجتماعية بناءً على قدر الاستقلالية الذي يُعتقد أن العاملين يتمتعون به، سواء أكان ذلك في بيئات العمل المكتبية أو اليدوية.
تناوَلَ شياو أيضًا بالدراسة الفروقَ بين الذكور والإناث فيما يتعلق بالاستقلالية. خَلَصَت البحوث السابقة الخاصة بالتطبيع الاجتماعي لقيمة الاستقلالية على مستوى الولايات المتحدة إلى أن الأولاد تُوجَّه إليهم رسائل خاصة بالاستقلالية أكثر من الفتيات؛ بمعنى أن الأولاد جرى تشجيعهم على استكشاف بيئاتهم بشكل مستقل، بينما جرى تشجيع الفتيات على الالتزام أو الارتباط بأشخاص آخرين في سلوكياتهنَّ. يُرجِّح شياو أنه منذ الحركة النسائية في سبعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة، بدأت هذه الرسائل المتعلقة بالاستقلالية في التغيُّر، واكتشف أن السيدات المنتميات إلى الطبقة المتوسطة قدَّرْن قيمة الاستقلالية أكثر من الرجال المنتمين للطبقة نفسها؛ مما يرجح اختلاف الرسائل التي يتلقاها الأولاد والفتيات اليوم عما كان عليه الوضع قبل بداية هذا القرن. وتوضِّح هذه النتيجة الجديدة مدى أهمية النماذج التاريخية المتعلقة بالتطبيع الاجتماعي للقِيَم. وتثير تغيُّرات تاريخية أخرى أسئلة جديدة تتعلق بالمقارنة بين الاستقلالية في مقابل الارتباط بالآخرين.
يقوم معهد بحوث التعليم العالي التابع لجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس بدراسة البيانات الخاصة بالطلاب المستجدين كل عام على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال الفترة الزمنية القصيرة التي شملت العامين ???? و????م، بدا أن العديد من الطلاب الملتحقين المستجدين طرأ عليهم تغيُّر من حيث القِيَم الخاصة بمساعدة الآخرين. وبحلول عام ????م، أفاد ??? من مجموع طلاب السنة الأولى أنهم سيعملون على الأرجح في مجتمعاتهم بهدف إصلاح أحوال الآخرين. تشير هذه الزيادة، على الرغم من أنها تُقدَّر ? ??? في المائة فقط عن العام السابق، إلى أن ?? ألفًا من الطلبة المستجدين على المستوى الوطني أعربوا عن استعدادهم لمساعدة الآخرين مقارنة بالعام السابق. ويَعتقد القائمون على الدراسة أن هذه الزيادة قد ترجع بصورة أو بأخرى إلى الأحداث العالمية التي تتمثل في إعصار تسونامي في المحيط الهندي في عام ????م والأعاصير التي حدثت في خليج المكسيك في عام ????م. وعندما يجري التعبير عن احتياجات الآخرين، يستجيب العديد من الشباب في العصر الحالي في الولايات المتحدة على نحو يعكس القِيَم الجماعية في الولايات المتحدة (معهد بحوث التعليم العالي ????).
تَتعزَّز الاستقلالية كقيمة من خلال عوامل أُسَرية مثل تأكيد الآباء عليها، والمتغيرات السكانية مثل محل الميلاد والطبقة الاجتماعية والجنس، علاوة على ارتباطها أيضًا بأحداث تاريخية تحدث خارج نطاق الأسرة. يتلقى الأطفالُ العديدَ من الرسائل عن قيمة الاستقلالية، ويجب عليهم إدراك الأمور ذات الأهمية للآخرين وقبول القِيَم التي يؤمن بها الآخرون أو رفضها، وذلك على مدار تطورهم الشخصي في العديد من السياقات التي تتضمن أحداثًا تاريخية. ولْننتقلِ الآن إلى مناقشة التطبيع الاجتماعي لإحدى القِيَم، والتي يُطلق عليها «التحصيل الدراسي».
(?) التحصيل الدراسي

التحصيل الدراسي تعبير شائع نسبيًّا يشير إلى درجة النجاح التي يحققها الأطفال على مدار سنوات الدراسة، واكتشف الباحثون أن تقدير الوالدين لقيمة النجاح المدرسي يؤدي إلى تبنِّي الأبناء للقيمة نفسها عادة بصفتها قيمة خاصة بهم.
قد تكون قيمة التحصيل الدراسي التي يقدِّرها الآباء واحدةً من أقوى القِيَم التي تدعمها المؤلفات البحثية، وعادةً ما يصنِّف الآباء هذه القيمة باعتبارها أهم قيمة ينقلونها لأطفالهم، علاوةً على ذلك، تبشِّر هذه القيمة بالنجاح الدراسي أفضل من أي قيمة أخرى جرت دراستها. وفي دراسة أجرتها ميشيل إم إنجلاند، المتخصصة في علم النفس التنموي وزملاؤها (????)، وُجد أن القِيَم التي تؤمن بها الأم فيما يتعلق بالنجاح الدراسي للأبناء في السنة الدراسية الأولى تتنبأ بما إذا كان هؤلاء الأطفال سيلتحقون بالتعليم الجامعي عندما يبلغون من العمر ?? عامًا؛ وتعني هذه النتائج أن الأمهات اللاتي يؤمنَّ بقيمة النجاح الدراسي يلتحق أبناؤهن بالكليات الجامعية، كما أكد العديد من الباحثين على وجود صلة بين المستوى التعليمي للأمهات والتحاق أبنائهن بالكليات الجامعية. واستنادًا إلى هذه البيانات، تتضح الصلة بين أهمية وجهات نظر الأمهات المتعلقة بالتحصيل الدراسي، والتي يعبِّرْنَ عنها في صورة القِيَم التي يؤمِنَّ بها، وبين التحاقهنَّ بالتعليم الجامعي. ومن المرجَّح أن تُنقَل هذه القِيَم إلى الأبناء عن طريق الاهتمام والتوجيه وتجسيد النماذج السلوكية، ونذكر في هذا المقام جيمس كومر ثانية.
عندما كتب جيمس كومر الطبيب النفسي الذائع الصيت عن رحلته حتى أتم تعليمه، أقرَّ بفضل قيمة التحصيل الدراسي التي أولتها والدته تقديرًا خاصًّا باعتبارها واحدةً من أهم القوى المحفِّزة في حياته (انظر كومر ????). وكَتَبَ كومر عن قيمة التحصيل الدراسي التي كانت والدته تؤمن بها في كتابه «الحلم الأمريكي لماجي: حياة أسرة سوداء ويومياتها». يروي كومر في هذا الكتاب أن والدته كانت ترى أن من بين أسباب التمتع بحياة سعيدة أن يكون الشخص متعلمًا، وعلى الرغم من عدم التحاقها بالتعليم الجامعي، فقد غرست ماجي كومر في أطفالها كيف أن التعليم يمكن أن يساعدهم على تحقيق النجاح في المجال الذي يحلمون به. استكمل كومر مسيرته حتى صار من أبرز رُوَّاد إصلاح التعليم على مستوى الولايات المتحدة، فضلًا عن كونه أحد أكثر الأطباء النفسيين تبجيلًا في جيله. واستنادًا إلى سنواتٍ من البحث، إلى جانب تجربته الشخصية، يدرك كومر حتمية اعتبار التحصيل الدراسي قيمة يجب أن ينقلها الآباء من الأصول كافة إلى أطفالهم.
تناوَلَ باحثون آخرون المؤثرات السلبية على التحصيل الدراسي للأطفال، مثل العوز الاقتصادي. ورغم ذلك، كثيرًا ما تَنسب البحوثُ الفضلَ إلى تقديرِ الآباء لقيمة التعليم باعتباره أبلغ أثرًا من الحالة الاقتصادية والاجتماعية، أو دعْمِ الأقران. ومن المؤكد أن هذا الوضع انطبق على والدَي جيمس كومر اللذين عَمِلَا بكدٍّ ولكنهما عانيا وضعًا اقتصاديًّا سيئًا. وفي البحث الذي أُجري في عام ????م، قام كلٌّ من أندريا سميث وباري إتش شنايدر ومارتن دي راك بدراسة المراهقين الذين حققوا نجاحًا في المدرسة، وقد اكتشفوا أن آباء هؤلاء المراهقين من ذوي الدخول المختلفة قدَّروا قيمة التحصيل الدراسي ودعَّموه؛ ومن ثَمَّ خلص البحث إلى أن تقدير الآباء لقيمة التعليم ودعمَهم إياها يمثلان مؤشرَين أقوى تأثيرًا من الحالة الاقتصادية الاجتماعية للأسرة أو الدعم الذي يتلقاه الأطفال من أقرانهم؛ فالأطفال الذين ينتمون إلى أُسَر تعاني ظروفًا اقتصادية سيئة يمكن أن يحققوا نجاحًا دراسيًّا في حالةِ أن يهتم آباؤهم بشدةٍ بقيمة التحصيل الدراسي.
نحن نعلم أن العديد من الآباء في الولايات المتحدة ينقلون قيمة التحصيل الدراسي لأطفالهم، ولكن الدراسة الشهيرة التي أجراها عالما النفس هارولد ستيفنسون وشين ينج لي وزملاؤهما تفيد بأن هناك ثقافاتٍ أخرى يُعد التحصيل الدراسي فيها القيمةَ «الأقوى» عند الآباء، والتي ينقلونها إلى أبنائهم (انظر ستيفنسون وَلي ????). وقد اكتشف الباحثون أن الأمهات في الصين واليابان قدَّرْنَ قيمة التحصيل الدراسي أكثر من الأمهات الأمريكيات، كما ثبت أن الأمهات الآسيويات كُنَّ أكثر صرامةً وإلحاحًا فيما يتعلق بالتحصيل الدراسي مقارنة بالأمهات الأمريكيات. ورغم أن الأمهات الأمريكيات يؤمنَّ أيضًا بأهمية النمو المعرفي لأطفالهنَّ، فإن هذا المنظور كان مختلفًا عن «التحصيل الدراسي» الذي يعرِّفه هؤلاء الباحثون على نحو أكثر تحديدًا. ويعتقد هؤلاء الباحثون أن هذا الاختلاف في القيَم يلقي الضوء على التفوق الذي يحققه الأطفال الأمريكيون من ذوي الأصول الصينية واليابانية في مدارس الولايات المتحدة أكثر من زملائهم الأمريكيين ذوي الأصول الأوروبية.
هناك قاعدة هائلة من البحوث التي أُجريت حول قيمة التحصيل الدراسي التي تُنقَل من الآباء إلى الأبناء؛ فالطبقة الاجتماعية والنوع البيولوجي والنماذج التاريخية والنماذج السائدة في ثقافة بعينها، تسهم في استيعابنا لكيفية نَقْل القِيَم للأطفال. على الجانب الآخر، هناك بحوث أخرى تدعم فكرة الارتباط الإيجابي بين القِيَم الخاصة بالأقران والأشخاص البالغين ذوي الأهمية خارج المنزل وبين نجاح الأطفال في المدرسة. وعلى الرغم من أنها أقل قدرًا من الأبحاث الخاصة بالعلاقة بين الآباء والأطفال، يسهم عدد محدود من الدراسات في إدراك أهمية الأشخاص الآخرين غير الوالدين في التطور الصحي للأطفال.
(?) الأقران

هل تذكُرُ المثال الوارد في الفصل الخامس حول الصديقتين اللتين بدا أنهما ستَتَسبَّبان كلٌّ منهما في متاعبَ للأخرى في المدرسة وقرَّر مسئولو المدرسة فصلهما؟ شعرَت الفتاتان بسعادة وتركيز أكبر عندما لُمَّ شملُهما ثانية. هذه هي الطبيعة الإيجابية للعلاقات الاجتماعية ذات الأهمية الموجودة خارج المنزل؛ فعلى مدار عملية نمو الأطفال، ترتبط القِيَم الخاصة بالأقران بالقِيَم التي يتقبلها الأطفال باعتبارها القِيَم الخاصة بهم. ويُعتقد أن تأثير الأقران يبلغ أقصى مداه في عمر الرابعة عشرة وحتى الخامسة عشرة للأطفال، ويبدأ في الانحسار عند وصولهم إلى سن الثامنة عشرة. ورغم أن العديد من الأشخاص البالغين يعبِّرون عن حزنهم لتأثير بعض الأقران على بعض، فإن الأقران يساعدون الأطفال في التواصل مع عالم اجتماعي أقل هرمية من ذاك الذي عليهم اجتيازه عند التعامل مع الأفراد الكبار. وقد أَخذَت الأبحاث المتعلقة بقِيَم الأقران مقابل قِيَم الآباء منعطفًا مفاجئًا في السنوات الأخيرة؛ إذ تشير هذه الأبحاث إلى وجود نوع من الاتساق بين قِيَم الآباء وبين الأقران.
لا تدعم البياناتُ المعتقدَ الشائعَ في الولايات المتحدة بأن تأثير الأقران سلبيٌّ في أغلب الأحيان، ولكن ما يراه علماء النفس هو أن الآباء الأَكْفاء يهيِّئون حياة أطفالهم بحيث يتمثل دور الآباء في تيسير اختيار رفاقِ الأطفال وأصدقائهم. وكما ناقشْنَا في الفصل الخامس، يَضْمن الآباء الذين يراقبون علاقات الصداقة الخاصة بأطفالهم وينتقونها زيادةَ فرصِ التوافق بين القِيَم الخاصة بهم وقِيَم أطفالهم وبين القِيَم الخاصة برفاق أطفالهم، بل إن عالم النفس أرييل نافو (????) اكتشف أن الآباء يختارون المدارس التي يلتحق بها أطفالهم بناءً على القِيَم الخاصة بهم؛ على سبيل المثال، من المرجح أن يختار الآباء الذين يؤمنون أكثر بالقِيَم الدينية التقليدية مدارسَ دينيةً تقليديةً لأطفالهم. يتضح من ذلك أنه مع اتباع عدد أكبر من الآباء لهذا السلوك، فإنهم يؤثِّرون رسميًّا في البيئات المدرسية لأطفالهم باختياراتهم هذه، كما يختار الآباء الآخرون الذين يريدون أن يظل أطفالهم في بيئةٍ تقليديةٍ المدارسَ نفسَها.
تتفق في الغالب القِيَم التي يؤمن بها الآباء مع القِيَم الخاصة بالأقران على مدار حياة الأطفال، وفي حين أن المراهقين قد يتفاعلون بالتوافق مع الأقران، فيما يتعلق بموضوعات مثل صيحات الملابس، فإن القِيَم الجوهرية (مثل الاهتمام بالآخرين أو التحصيل الدراسي) يؤمن بها في أغلب الأحيان مجموعاتُ الأصدقاء الخاصة بالمراهقين أيضًا. ربما تتسم تأثيرات الأقران بالإيجابية أو بالسلبية، ولكن قاعدة القِيَم الراسخة التي ينقلها الآباء لأطفالهم كثيرًا ما تَظهر وسط أقران هؤلاء الأطفال أيضًا؛ فالأطفال يختارون الانضمام إلى أطفال آخرين متشابهين معهم في صغرهم، كما تؤثِّر توجيهات الآباء في هذه الخيارات أيضًا. وعلى الرغم من الميل إلى «التجريب» في سنوات المراهقة، فإن المراهقين المتشابهين يجدون بعضهم بعضًا في أغلب الأحيان ويكوِّنون مجموعات صداقة تحترم العديد من القِيَم الجوهرية التي اكتسبوها من المنزل.
قد يؤثر الأقران في الأطفال من خلال قِيَمهم المتعلقة بأمور مثل الملابس أو المظهر إلى الحد الذي قد يَشعر فيه الآباء بالانزعاج، وقد يرغب الأطفال الذين يَشْرَعون في تقدير قيمة الاستقلال عن البالغين، ولكنهم لا يزالون متأثرين بالأقران، في «مجاراة الاتجاه السائد»؛ فقد يكون الشعر الطويل بالنسبة للأولاد أو سراويل الجينز الممزقة تعبيرًا عن الاستقلالية عن الأشخاص البالغين، ورغم ذلك لا يُرجح أن يُسفِر هذا التأثير عن نتائج سلبية للأطفال؛ ففي ظِل استيعاب القِيَم الجوهرية جيدًا، تُعد هذه «التجارب» طبيعية، بل ولها ميزات تتمثل في أنَّ تمتُّعَ الأطفال ببعض الحريات يساعدهم على التعرف على العالم؛ فعندما يقرر المراهق البحث عن عمل مثلًا، قد يصادف أصحابَ عملٍ محتملين يقولون له بكل صراحةٍ: «إذا أردت أن تعمل هنا، يجب أن يكون مظهرك لائقًا، فيُحظر عليك إطالة الشعر أو ارتداء سراويل جينز ممزقة.» وحينئذٍ، يمكن أن يراجع المراهقُ أيُّ الكفتين ذات أولوية عنده؛ قيمة «المظهر العصري» أم الحصول على عمل. وتتحول هذه الموازنة إلى نموذج توجيهي للعمل على مدار حياته.
وبينما نتحدث عن الأزياء الرائجة بين الأطفال، فإن هذا يمثل أحد المجالات التي يُعتقد أن الأطفال يؤثِّرون بها في القِيَم الخاصة بالآباء. في بداية هذا الفصل، أشرت إلى حدوث نوع من التطبيع الاجتماعي المتبادل للقِيَم بين الأطفال والآباء؛ إذ يمكن أن تنتقل القِيَم الخاصة بأزياء الملابس أو الموسيقى من الأطفال إلى الوالدين، ونؤكِّد ثانية أن اهتمام الأطفال بالأفكار الجديدة والثقافة الشعبية يمكن أن يعكس تركيز الأطفال على الأفكار الجديدة والثقافة الشعبية في قِيَم بعض الآباء، على الرغم من أن هذا التركيز ليس بالأهمية نفسها التي تمثلها قيمةٌ مثل التحصيل الدراسي في حياة الفرد.
(?) تأثير البالغين الآخرين من غير الآباء في القِيَم

من المحتمل أن يؤثِّر المعلِّمون وقادة المجتمع والأقارب الآخرون إيجابيًّا في تطور القِيَم الخاصة بالأطفال؛ فالمعلمون الذين يقدِّرون قيمة التحصيل الدراسي ولديهم توقعات عالية للأطفال يساهمون في النجاح المدرسي للأطفال. ويرى عالِما النفس كلود إم ستيل وجوشوا أرنسون أن النظم المدرسية ككلٍّ لا بد أن تعكس قيمة التحصيل الدراسي في سلوكياتها، بما في ذلك سلوكيات المعلمين؛ لكي يتمكن جميع الأطفال من تحقيق النجاح المدرسي. وثبتت فاعلية هذه الأفكار بالنسبة للأطفال من كافة الأعمار، وذلك من خلال التجارب المعملية وفي البيئات التعليمية العملية؛ فالمعلِّمون والإداريون الذين يؤمنون بقيمةٍ تنطوي على أن النجاح الدراسي لكل طفل هو مسيرة متتابعة تتميز بالمرونة، يوفرون بيئات مدرسية فعالة. تنتقل هذه المعلومات والتوقعات الإيجابية إلى الأطفال الذين سيطوِّرون بدورهم هذه القيمةَ بصفتها قيمة نابعة منهم؛ فالقيمة التي تراعي قدرات كل طفل ستُترجم إلى نتائج إيجابية للأطفال ومدارسهم ومجتمعاتهم ككلٍّ (انظر ستيل وأرنسون ????).
ومثلما اكتشف أرييل نافو، على الأغلب يختار الآباء مدارس أطفالهم بناءً على القِيَم التي تُبَثُّ هناك؛ فالمعلمون والإداريون الذين يؤمنون بقِيَمٍ مماثلةٍ للقِيَم الخاصة بالآباء يوجِّهون الأطفالَ عدة مرات على مدار الأسبوع فيما يتعلق بالمقرر الدراسي، وينقلون القِيَم إليهم أيضًا. يقترح العديد من التربويين في الولايات المتحدة أن تعكس طبيعةُ الفصل الدراسي في الولايات المتحدة في حد ذاتها قِيَمَ الاستقلالية والديمقراطية، وأن يُحترَم التحصيل الفردي ويحظى كل طفل بفرص تحصيل متساوية. ورغم أننا نعلم أن الظروف الاقتصادية غير المواتية قد تجعل تجارب العديد من الأطفال في المدارس غير إيجابية، فإن الأطفال يقدِّرون قيمة التحصيل الدراسي إذا رأوا أن المعلمين والإداريين يقدِّرون هذه القيمة إلى جانب الوالدين أيضًا.
(?) القِيَم والشخص

لخَّص عالم النفس الشهير لورانس شتاينبرج أهمية كلٍّ مِن نَقْل القِيَم والطفل في طريق النمو (انظر شتاينبرج ????). يتأثر الأطفال على مدار نموهم بالأشخاص ذوي الأهمية في حياتهم. كما تساعدهم خلفياتهم، بما في ذلك تجاربهم وسلوكياتهم الشخصية وأساليب الحياة الخاصة بالآباء، في تشكيل نُظُم القِيَم الخاصة بهم. ولْنتذكَّرِ الملحوظات الواردة في بداية هذا الفصل، التي تضمنت معلومات حول الطبيعة الديناميكية المتأصلة لعملية نقل القِيَم؛ فقد يتقبل متلقُّو المعلومات الخاصة بالقِيَمِ هذه القِيَمَ أو يرفضونها. ورغم أن غالبية القِيَم الخاصة بالمراهقين تبدو متشابهة للغاية مع القِيَم الخاصة بآبائهم، فإنهم يتمكنون من استخدام مهاراتهم المعرفية والاجتماعية المتطورة لدراسة قِيَم الوالدين بموضوعية أكثر؛ إذ إن خبرات المراهقين تمنحهم معلومات عن العالَم ربما تكون مختلفة عن تلك الخاصة بآبائهم، وبذلك يتسنى لهم التحققُ من القِيَم التي تربَّوا عليها، وتحديدُ القِيَم التي سيحافظون عليها باعتبارها جزءًا منهم.
يستطيع الأشخاصُ البالغون المسئولون عن تعزيز الصحة النفسية لدى الأطفال الشعورَ بالارتياح؛ لأنَّ الكثير من القِيَم الخاصة بهم سيتقبلها الأطفال الذين ساعدوا في تربيتهم. في الولايات المتحدة، تحظى قيمتَا الاستقلال الشخصي واستقلال الفكر بالتقدير، وبالنسبة للمراهقين الذين يستكشفون عوالمهم والقِيَم الخاصة بهم حديثًا، نرجو أن تقترن استقلاليتهم بتبنِّي تقدير أعمق بكثير لتلك الجوانب الحياتية التي تعزز تطور الجميع. وربما تزداد مشاعر الاهتمام بالآخرين مع مرور الوقت، وذلك كما رأينا في دفعة طلاب السنة الأولى بالجامعة لعام ????م. وفي هذه الثقافة التي تَسُودُها النزعة الفردية، ربما ستؤدي احتياجات الآخرين إلى توطيد قِيَم أقوى تتعلق بترابطنا واستغلال الطاقات لمساعدة الآخرين. إن الأطفال الأصحاء نفسيًّا يحملون قِيَمًا تتضمن عناصر النزعة الفردية والجماعية، فهم يثمِّنون الإنجاز الشخصي ومساعدة الآخرين. ومرة أخرى، نتذكر مدى اعتماد الصحة النفسية الجيدة على العلاقات.

الفصل السابع
تعزيز المرح


تجلس طفلتان على دَرَج مدخل المبنى، الذي جرى تجديده حديثًا ليكون مأوًى للنساء بالمنطقة، لتناوُل وجبة العشاء، وتقضمان الأكل بصوتٍ عالٍ. لقد بذلت الطفلتان جهدًا تطوعيًّا هائلًا طوال اليوم للمساعدة في تحضيرات حفل جمع التبرعات ذلك المساء، وبإشرافٍ من الأفراد البالغين المهتمين، قامت الطفلتان بتنظيف الفناء وجمع النُّفايات التي خلَّفتها بعض أعمال الإنشاء الجديدة، وبشكل عام، كان يوم هاتين الطفلتين اللتين تبلغان عشرة أعوام حافلًا. تبدو الطفلتان في حالة مزاجية رائعة، حتى مع شعورهما بالإرهاق والجوع. وفي لحظة تأمُّل، تقول إحدى الطفلتين لصديقتها: «كان يجب أن يطلقوا على هذا حفل «جمع المرح»!»
حقًّا إنه حفل جمع المرح! فقد استمتعت الطفلة بصحبة صديقتها علاوة على شعورها بالفخر للعمل الذي قامت به، بل وتدرك أنها قدمت إسهامًا في ذلك اليوم. ويبدو أن والديها والأشخاص البالغين الآخرين ذوي الأهمية في حياتها قد علَّموها السعادة الكامنة في خدمة الآخرين والصحبة والمرح. لقد اكتسبت الطفلة حسَّ فكاهةٍ رائعًا، وفي إحدى اللحظات الإيجابية، صرَّحت بعبارةٍ تعكس شخصيتها؛ فهي شخص يهتم بالآخرين ويتحلى بحسِّ الفكاهة.
يتعلق المقياس السادس الخاص بالصحة النفسية الجيدة بكيفية مساعدةِ عواملَ مثل المرح وروح الفكاهة والضحك جميعَ الأفراد في اجتياز يوم حافل أو حتى يوم مرهق. إن روح الدعابة الجيدة أو الاستعداد لأخذ الأمور ببساطة أكثر، من آنٍ لآخر، تساعد الأشخاص في التطور بشكل عام وإقامة علاقات ذات أهمية شديدة للصحة النفسية والمحافظة عليها. إن الأفراد البالغين في حياة الأطفال ممن يُظهرون الاهتمام يساعدونهم في تعزيز هذه المهارة بحيث يتسنى لهم التعويل على مشاعر أكثر إيجابية في مواقف التطور العادية أو عندما يجابهون ظروفًا عسيرة؛ فالصحة النفسية الجيدة تقترن بالفكاهة في حياة الأطفال.
وقد حظِيَت بحوث علم النفس المتعلقة بالفكاهة بقدْر من الزخم في سبعينيات القرن العشرين مع ظهور الاهتمام بعلم النفس الإيجابي. تَذكَّرْ أننا ناقشنا في الفصل الأول علمَ النفس الإيجابي بصفته حركة حديثة نسبيًّا تتضمن باحثين وأطباء سريريين يسعون لإدراك كيفية تطوير الأشخاص للكفاءة والمحافظة عليها في الظروف العسيرة. وعلى مستوى الموضوعات البحثية، لا يمثِّل موضوع الفكاهة سوى نسبة ضئيلة من الأبحاث في الوقت الحاضر. لدينا بعض البيانات مثلًا في البحوث الخاصة بالبالغين عن كيفية ارتباط الضحك بقدرة الجسد على إفراز الإندورفين أو المواد الكيماوية المسئولة عن «الشعور بالسعادة». وهناك عدد محدود من الدراسات التي تثبت، على سبيل المثال، أن استخدام الدعابة قد يخفِّف من أعراض الاكتئاب لدى الأشخاص البالغين. وعند إجراء دراسات على الأطفال، لم تتوفر بيانات بالقدر نفسه الذي توفرت به عند إجراء الدراسات الخاصة بالبالغين. ولا توجد تقريبًا أيُّ بحوث تساعد في إدراك الدور الذي يقوم به البالغون في تعليم الأطفال قيمة الفكاهة في الارتقاء بالصحة. وقد أهمل علماء النفس تقريبًا موضوع تعزيز المرح، ولكنَّ جذورَ الفوائد التي تتحقق من خلال علاقات المودة ومحاكاة سلوك المرح موجودةٌ بالفعل في تلك الدراسات، بل وتعطي الأُسَر والمعلمين أفكارًا عن كيفية تعزيز المرح أثناء مساعدة الأطفال في التطور. وسنُلقي نظرة أيضًا على البحوث التي تناولت الارتباط بين المرح والفكاهة لدى الأشخاص البالغين وبين تطور الأطفال أيضًا.
سيُستخدم مصطلح «المرح» في هذا الفصل بمعناه المألوف لنا جميعًا: بأنه تجربة تثير فينا الشعور بالسعادة أو التسلية، وعلى الرغم من الارتباط المؤكد بين الضحك والفكاهة، فإنهما يمثلان مجالين مختلفين للدراسة في العلوم؛ فالضحك تعبير عن الشعور العميق الذي ينبع من الأعماق وينبهنا نحن والآخرين إلى حدوث شيء يبعث على التسلية. وفي أثناء الضحك، يَخرج هواء من الفم ويُصدر الجسم حركةً أو صوتًا أو كليهما. يُعرِّف علماء النفس الضحك بأنه: «تمثيل عاطفي»؛ وهذا يعني ببساطة أن المشاعر الإيجابية تنعكس على وجوهنا، بل وأحيانًا على أجسادنا بالكامل. وعلى الرغم من اختلاف القواعد الخاصة بكل ثقافة بشأن المقدار المسموح به من الضحك في البيئات العامة والخاصة، فإننا ندرك أن جميع مجموعات البشر على سطح الأرض تُمارس الضحك.
يمكن وصف «الفكاهة»، بصفتها أحد المجالات المرتبطة بالضحك، بأنها تجربة تحفِّز مشاعر الإثارة أو التوتر بشيء من التناقض يستوقفنا لإعادة النظر في الأمور. تساعدنا إعادة النظر أو الوقفة في محاولة حل ذلك التناقض والاستمتاع بلحظة التسلية؛ ولذلك يتعين على الإنسان الاستمتاع بفرصة المشاركة في هذا النوع من «الرياضة الذهنية»؛ لأنه عندما يَظهر ذلك التباين بين ما هو متوقَّع وبين الواقع الفعلي في مناخ غير تهديدي، نَنْعَم بلحظة من الاستمتاع! فالطفلة التي تظهر في المشهد الافتتاحي لهذا الفصل أدركتْ أنها أدَّت ما عليها من الْتزامات بالعمل الشاق، وقد شعرت بالرضا عن نفسها واستمتعت بمساعدة الكبار في جمع التبرعات من أجل الأشخاص الأقل حظًّا في الحياة منها. وقد ساعدتها تلك العبارة، التي تنطوي على تلاعب بالألفاظ، في وصف ذلك التناقض الذي كانت تشعر به حتمًا؛ فالمجهود الشاق الذي بَذَلَته في حفل جمع التبرعات بدا مسليًا لها، استمتعت الفتاة بهذه المفارقة التهكمية. نوقش استخدام التهكم على مدار خمسين عامًا في مجال علم النفس باعتباره وسيلة للتعبير عن الطرافة أو العبثية التي تعكس التناقض بين حدثين أو كيانين (انظر ليفكورت ????؛ مارتن وليفكورت ????). يستمتع الأفراد بالدعابة التهكمية إذا جرى التعبير عنها بأسلوب ودود وفي مواقف تسودها الثقة المتبادلة، مثلما رأينا في حالة الطفلة الصغيرة التي بذلت مجهودًا شاقًّا ولكنها استمتعت به. ولْنتناوَلْ فيما يلي بعض البحوث التي أُجريت في هذا المجال، وعلاقتها بالصحة النفسية لكلٍّ من الأشخاص البالغين والأطفال.
(?) الأبحاث الخاصة بحس الفكاهة

يشتهر عالم النفس هيربرت إم ليفكورت بأبحاثه التي أجراها حول حس الفكاهة والصحة النفسية؛ فقد أجرى العديد من الدراسات على مدار ثلاثين عامًا حول الفكاهة والضحك، وكانت لديه بعض الرؤى حول كيفية اختياره لمجال الدراسة هذا؛ وهو يقول: لقد قمتُ بوصف ما بدا لي أنه ابتعادٌ عن هيبة الموقف في جنازة والدي؛ فقد اتضح أنَّ لمَّ شَمْل أفراد الأسرة من كل حدَب وصوب يمثل فرصة للتآلف والمرح معًا. ولم يكن ذلك يعكس بأي حالٍ عدمَ احترامٍ للمتوفَّى، بل كان لتكريمه إلى حدٍّ بعيد؛ فقد كان والدي دائمًا يتميز بالقدرة على الاستهانة بأحلك المواقف من خلال إلقاء دعابة أو طُرفة في أغلب الأحيان تتناسب — إلى حدٍّ ما — مع الموقف، تجعل الآخرين يتعاملون مع الأمر بشكل أقل حدة؛ فقد كانت روح الفكاهة التي سادت هذه الجنازة تتناسب تمامًا مع شخصية المتوفى الذي كان سيتصرف بالطريقة نفسها لو كان مشاركًا بها. الأهم من هذا وذاك، أَنِ استمتع الأقارب بروح الفكاهة تلك؛ الأمر الذي جعل الجميع يغادرون مراسم الجنازة وهم يحملون مشاعر طيبة بعضُهم تجاه بعضٍ. (ليفكورت ????: ?-?).
يواصل ليفكورت حديثه ليعطيَنا مثالًا عن جملة تهكمية قيلت في ذلك اليوم؛ فقد قال أحدهم إن جسد إيرف — والد ليفكورت الذي كان يعشق الاعتناء بالحدائق — ستتكالب عليه الآن ديدان الأرض! لاحظ أن ليفكورت قد ذَكَرَ أن والده كان يتمتع بحسِّ دعابةٍ رائعٍ، واستفادت الأسرة من هذه السمة كثيرًا؛ فقد تعززت العلاقات بين أفراد هذه الأسرة بفضل أجواء الدعابة والمرح التي كانت سائدة في جنازة والده. وذكر ليفكورت أيضًا أن الجوانب الإيجابية المقترنة باستخدام الناس للفكاهة من أجل الشعور بالمرح والتأقلم قد أثارت اهتمامه في مرحلة مبكرة من حياته المهنية؛ ففي أثناء عمله السريري في ستينيات القرن العشرين، حاول ليفكورت أن يدرك الجوانب الإنسانية المقترنة بسهولة التكيُّف أو القدرة على اجتياز المواقف العسيرة. وبعد دراسة المفاهيم المتعلقة بقدرة الناس على التأقلم مع المواقف العسيرة لأكثر من عَقد، قرر ليفكورت تغيير موضوع تركيزه بناءً على إلحاح من أحد الطلاب، وهو كارل سوردوني؛ فقد طلب منه سوردوني دراسة الفكاهة باعتبارها استراتيجيةً للتأقلم، وشرع كلاهما في إجراءِ بحثٍ حول روح الفكاهة ونشرِهِ معًا. ومنذ ذلك الحين، انصبَّ تركيز ليفكورت البحثي على الفكاهة وتأثيرها الإيجابي على الإنسان.
وقد أُجريت معظم البحوث المتعلقة بالفكاهة على أشخاص بالغين؛ فقد دَرَسَ ليفكورت وزملاؤه الفكاهة، واكتشفوا العديد من الجوانب المقترنة بقيمتها كآليَّة للتأقلم ودلالة على القدرة على التكيُّف، واكتشف ليفكورت أن الأشخاص الذين يتمتعون بقدرٍ جيدٍ من روح الفكاهة ينعمون بالرضا عن النفس؛ فهُم لديهم قدرة على التأثير أو مشاعر إيجابية فيما يتعلق بقدرتهم على توجيه حياتهم وترسيخ أقدامهم في العالم، كما أنه ليس من السهل أن يغضبوا، حتى وإن كانت الدعابة موجَّهةً إليهم؛ فمِن سمات الشخص الذي يتمتع بالصحة النفسية قدرتُهُ على الضحك رغم إدراكه أنه وَقَعَ فريسةً لمفارقةٍ تهكميةٍ ما. وهذا الضحك إنما هو إشارة للأفراد الآخرين على أن هذا النمط من التواصل مقبول، كما أنه ردُّ فعلٍّ اجتماعي مشجع يُظهر الاهتمام بالعلاقات. مع ذلك يحذِّر ليفكورت من أنه ثمة طُرُق يمكن أن تُستخدم بها الفكاهةُ بطريقة سلبية تمامًا ضد الآخرين، فإذا استُخدِمت الفكاهة للسخرية من الآخرين ولإيذائهم، يُطلق عليها «الفكاهة العدائية». وعلى الرغم من وجود بحوث تتعلق بالاستخدام السلبي للفكاهة، فإن التركيز الأساسي لهذا الفصل يبقى منصبًّا على الاستخدامات الإيجابية للفكاهة، والتي قد يعتبرها الأشخاص البالغون والأطفال وسيلةً لتعزيز المرح. ويعتمد قَدْرٌ من إقامة العلاقات على استخدام الفكاهة.
بشكل عام، يَعتبر العديدُ من هذه البحوث الفكاهةَ قوًى إيجابيةً في حياة الإنسان؛ ففي البحث الذي أجراه كلٌّ مِن رود إيه مارتن وهيربرت إم ليفكورت في عام ????م حول الفكاهة كوسيلة للارتقاء بالصحة النفسية، وجدا أن الأشخاص البالغين الذين يتمتعون بقدرٍ جيدٍ من روح الفكاهة كانوا أقدر على التعامل مع الأحداث السلبية والتحكم في حالاتهم المزاجية بشكل إيجابي، ويعتقد الباحثان أن هذه النتائج توضِّح أن الفكاهة تمثل مَصَدًّا أمام الشدائد؛ إذ تتحسن الصحة النفسية للأشخاص البالغين بفضل الفكاهة السائدة في حياتهم. ويمثل استخدامُ الفكاهة دلالةً للآخرين على أن العلاقات الاجتماعية قائمة، ومن المهم المحافظة عليها، وهي مرتبطة بالصحة النفسية للأفراد. وتوضح بعض الدراسات البحثية كيف يمكن أن تكون روح الفكاهة أحد العوامل المرتبطة بالصحة البدنية أيضًا؛ ففي العديد من الدراسات المتعلقة بالعلاقة بين التوتر وضعف الاستجابة المناعية مثلًا، اكتشف الباحثون أن الفكاهة تمثل أحد أفضل المؤشرات على النتائج الإيجابية، حتى في ظل ظروف عصيبة مثل تلقي علاج السرطان. ولْتتأمَّلْ هذا المثال الخاص بليفكورت.
نشر ليفكورت وزملاؤه دراسة قاموا فيها بأخذ عينات من الجهاز المناعي من خلال أخذ عينات من دم المشاركين، وذلك قبل الاستماع لحوار فكاهي وبعده. اتضح أن المشاركين الذين استمعوا إلى الحوار الفكاهي كانت لديهم في دمائهم نسبة أعلى من المواد الكيميائية الخاصة بالجهاز المناعي القوي عن المشاركين الآخرين في الدراسة ممن لم يستمعوا إلى الحوار الفكاهي (انظر ليفكورت وديفيدسون-كاتز وكوينيمان ????). وقد دفعت هذه النتائج وغيرها علماء النفس للاعتقاد بأن الأشخاص عندما يكونون متفائلين ويتمتعون بروح الفكاهة، تزداد قدرتهم على المحافظة على أجهزتهم المناعية؛ الأمر الذي يؤدي من ثَمَّ إلى تعزيز صحتهم البدنية. كم هي نتيجة رائعة حول التفاعل بين الروح والجسد!
(?) الأبحاث الخاصة بالضحك

هناك علاقة أيضًا بين الضحك والنتائج البدنية الإيجابية، وثمة تقارير تاريخية تثبت أن الفلاسفة كانوا يُشِيدون بالفوائد البدنية للضحك، وذلك منذ القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، ويشير ليفكورت (????) في هذا الشأن إلى العمل الذي قام به طبيب أمريكي كان يعمل في جامعة فوردهام في عام ????م: وضع الدكتور جيه جيه والش نظريةً مفادها أن الحالة النفسية هي المؤشر الأمثل لصحة المريض، وأن الضحك والصحة يرتبطان أحدهما بالآخر؛ فإذا ضحك المرء واستغرق في الضحك لوقت من الزمن، فإن ذلك ينبئ بأنه يتمتع بصحة أفضل من وجهة نظر الدكتور والش. ولكن لم تُجْرَ أبحاثٌ كافية عن الضحك ? «علاج» على مدار عدة عقود في الولايات المتحدة حتى ظهرت حركة علم النفس الإيجابي. وصاحَبَ زيادةَ أبحاث علم النفس الإيجابي تزايدُ الاهتمام بالضحك كأحد المؤشرات الدالة على الصحة.
بحلول ثمانينيات القرن العشرين، بدأ الارتباط بين الصحة البدنية للإنسان والضحك يتجلَّى أمام الباحثين. كان لديهم بيانات تدعم هذه المزاعم بفضل الدراسات الخاصة بمعدل ضربات القلب والمعالجات البحثية الأخرى في العلوم. على سبيل المثال، يتسبب الضحك في زيادة معدل ضربات القلب والتنفس، وهما أمران يُعتقد أنهما يمثلان مؤشرًا للصحة البدنية. وبحلول تسعينيات القرن العشرين ومع ظهور التصوير بالرنين المغناطيسي، تَمكَّن الباحثون من رؤية النشاط الطبيعي للمخ بسهولة أكبر، ودون الاضطرار إلى فتح الجمجمة أو إجراء أي معاينات تدخلية أخرى. وقد أتاح التصوير بالرنين المغناطيسي إمكانية مشاهدة نشاط المخ أثناء الضحك فعليًّا، وهو ما يشكل تطورًا كبيرًا مقارنة بالدراسات السابقة. ومثلما هي الحال مع سائر الاستجابات الفسيولوجية الأخرى لدى الإنسان، اتضح ارتباط الضحك بردود الأفعال العصبية والكيميائية الأخرى في المخ، وذلك بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي.
اكتشف ويليام إف فراي، الطبيب النفسي والباحث في مجال الضحك وكيمياء المخ، في دراساته أدلةً تَدْعم النظريات المبكرة التي ترجِّح أن الضحك يعزِّز العديد من أجهزة الجسم (انظر فراي ????)؛ فعندما يضحك الإنسان تزداد معدلات ضربات القلب والتنفس والوظيفة المناعية، علاوة على إفراز الإندورفينات، وهي المواد الكيميائية المسئولة عن «الشعور بالسعادة» في جسم الإنسان. تخيل أن المخ يمثل محطة التشغيل الأساسية لجميع هذه الأنشطة. ويرى فراي أن المخ يساعد الأشخاص في ملاحظة وإدراك موطن الغموض أو التناقض الذي سيجري استيعابه وترجمته على أنه دعابة، كما أن المخ يُصدر الإشارة بردِّ الفعل الفسيولوجي الذي يتمثل في الضحك. ويستطرد فراي قائلًا إن الباحثين لا يزالون في طَوْر استكشاف كيفية ارتباط الضحك بالاستجابات الفسيولوجية الأخرى. ينبهنا فراي مثلًا أن الباحثين، بصفتهم مجتمعًا علميًّا، لا يدركون حتى الآن ما إذا كان الأشخاص الذين لا يضحكون إلا نادرًا لا يتمتعون بالقدْر نفسه من الصحة التي ينعم بها من يضحكون كثيرًا. وهناك عدد محدود من الدراسات التي قامت بإجراء مقارنات بين هذه المجموعات وكان بها أوجُه خلل في التصميم، مثل قياس المشاركين في وقت واحد وليس على مدار فترة زمنية طويلة. ولا توجد بيانات طولية تدعم هذه النتائج، ويكفينا أن نقول في هذا الشأن إننا ندرك أن فسيولوجيا الضحك يمكن أن تظهر من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي، وأن المخ يحفِّز استجابات أخرى في الجسم يُعتقد أنها إيجابية ومعززة للصحة.
يتميز الضحك بفوائد نفسية أيضًا؛ فعلاوة على فوائد المساعدة في إقامة علاقات وتوطيدها، يمكن للضحك أن يساعد الناس في اجتياز المواقف العصيبة في الحياة والتخفيف من أعراض الاكتئاب بعد تكبُّد خسارة. وقد أجرى عالما النفس داشر كيلتنر وجورج إيه بونانو، الخبيران في دراسة التأقلم مع الخسارة، دراسةً على الأقارب المكلومين بعد فقدان شخص عزيز، وخلص العالمان إلى أن مَن تمكَّنوا من الضحك في موقف فكاهي في غضون ستة أشهر من وفاة القريب كانوا أقدر على التأقلم مع خسارتهم عن غيرهم ممن كانوا أكثر كمدًا في تلك الأشهر الأولى (كيلتنر وبونانو ????). يَعتقد هذان الباحثان أن استعداد الأشخاص المفجوعين على فقدان شخص عزيز للتواصل مع الآخرين على نحو إيجابي يشير إلى استعدادهم للمضي قُدُمًا، والانخراط في شئون حياتهم، بدلًا من التركيز على خسارة الشخص العزيز. وعندما أفاد المشتركون في دراستهما أنهم انخرطوا في الضحك الذي انطوي على تحريك الفم وعضلات العين، أيْ ضحكة صادقة ونابعة من الأعماق، فإن هذا الضحك اقترن بانخفاض معدلات التوتر، مقارنة بمن لم ينخرطوا في الضحك بالقدر نفسه، وفي خضمِّ هذه الضحكات كانت الانفعالات الإيجابية والمتعة الكلية عاليتين. اكتشف كيلتنر وبونانو أيضًا أن مَن ضحكوا أكثر تمتعوا بروابط اجتماعية أفضل مع الآخرين، ويعتقد الباحثان أن الأشخاص الذين يمكنهم الضحك هم أقدر على المحافظة على العلاقات الاجتماعية. وتدعم هذه البيانات وجود علاقات بين الفكاهة والضحك والأداء السليم لدى الأشخاص البالغين.
نتطرق في القسم التالي من هذا الفصل إلى كيفية نقل هذه النزعة لرؤية الجوانب الإيجابية للمواقف والاستمتاع بلحظات البهجة من الأشخاص البالغين إلى الأطفال، وكيفية تطوير الأطفال لهذه المَلَكة.
(?) تطوير الأطفال لِحِسِّ الفكاهة

آن إس ماستن عالمةُ نفسٍ متخصصةٌ في مجال القدرة على التكيُّف مع الصِّعاب لدى الأطفال، الذي ناقشناه في الفصل الأول. أَجْرت ماستن دراسات على تطور حس الفكاهة لدى الأطفال كمؤشر على قدرتهم على التكيُّف مع الصعاب. ودوَّنت ماستن في عام ???? ملخصًا بالأشياء المعروفة آنذاك فيما يتعلق بتطوير الأطفال لِحِسِّ الفكاهة وعلاقته بالسلوكيات الإيجابية الأخرى. بالنسبة للأطفال الصغار أو الرُّضَّع، فإن حسَّ الفكاهة يساعد في تعزيز العلاقة بين الأم والطفل الرضيع؛ أي إن العلاقة الاجتماعية الأولى تَتعزَّز من خلال حسِّ الفكاهة؛ فالأطفال الرُّضَّع من عمر ستة أشهر يستمتعون بمداعبة الأمهات لأقدامهم أو عند ممارسة أفعال اللهو الأخرى؛ حيث تظهر ابتساماتهم وضحكاتهم العالية أمام الجميع. وكما هي الحال مع كافة سلوكيات البالغين، تمثِّل الدعوة لممارسة اللعب نموذجًا يَحتذي به الأطفال، حتى الصغار للغاية. ومع التحاق الأطفال بمرحلة رياض الأطفال، ينظر الباحثون إلى الفكاهة باعتبارها أحد الأساليب الاجتماعية للتكيف مع الآخرين، كما اكتشفوا أيضًا أن الأطفال يستخدمون الدعابة للتأقلم؛ فقد يتعثَّر الطفل على الأرض ثم يقفز مُسرعًا لاستعادة وضعه الصحيح ويبتسم قائلًا: «من فعل ذلك؟!» تمثِّل مشاركة الدعابات والابتسامات تشجيعًا متبادلًا؛ حيث إنها تضفي المتعة على التفاعل الاجتماعي وتبقى مرغوبةً في المستقبل، ويدرك الأطفال في وقت مبكر للغاية كيفية استخدام الفكاهة لمساعدتهم في علاقاتهم الاجتماعية.
أَجْرت ماستن عام ????م دراسة حول مدى ارتباط السلوكيات الإيجابية الأخرى، أو الكفاءة، بالفكاهة لدى الأطفال بين العاشرة والرابعة عشرة من عمرهم. اكتشفت ماستن ارتباط كلٍّ من الكفاءة الاجتماعية والمعرفية باستخدام الأطفال لِحِسِّ الفكاهة. يَسعد الأطفال برفاقهم الذين يتمتعون بِحسِّ فكاهة جيد؛ إذ يُنظر إليهم كأشخاص أَكْفاء بشكل عام ويسعى الجميع لمصادقتهم. وقبل أن يتمكن الأطفال من استخدام حسِّ الفكاهة مع الآخر، يجب أن يكونوا قادرين على الوصول إلى معلومات معينة والتعامل معها بطريقة رمزية، وإصدار تجسيد لفظي للمزاح (كدعابة أو تعليق ساخر) أو إطلاق ضحكة تدل على إدراك الدعابة التي ذكرها شخص آخر. ولْنتناوَلِ الآن مثالًا من مجموعة من الفتيات في مرحلةِ ما قبل المراهقة.
يقود الأب سيارته وبصحبته ست فتيات يَبْلُغْنَ اثنَي عشر عامًا يصطحبهن لإحدى مباريات كرة القدم، ويلاحِظ أن هناك مناقشة دائرة بينهن عن الأشخاص الأتراك. كان حديثهنَّ يميل نحو تنميط الأتراك كما لو كانوا جميعًا مؤيدين للعنف، وكما لو أن الفتيات عَرَفْنَ العديد من مُواطني الدولة. يقاطع الأب الفتيات ليوجِّهَ إليهنَّ سؤالًا: «مهلًا مهلًا، أنتنَّ تخاطرْنَ الآن بتنميط جميع المواطنين الأتراك؛ فهل تعرف أيٌّ منكن أيَّ شخص من تركيا؟» فتردُّ الفتيات: «كلا.» ولكنهنَّ يفسِّرْنَ الأمر بأنهنَّ كنَّ يدرسْنَ تاريخ الحروب التركية في المدرسة. وفي محاولة لتجميع أفكار أخرى يقولها للفتيات، استدرجهُنَّ الأب للحديث أكثر حول الحروب التركية. استطاعت الفتيات بالفعل وَصْف العديد من الحروب والمعارك التي بدا أنها اندلعت من تركيا وصراعاتها مع الدول الأخرى، وحينئذٍ خطرت للأب فكرة؛ نظرًا لأن هذه الواقعة حدثت في عام ????م، الذي شهد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، وبعد بضع سنوات من دخول الولايات المتحدة وحلفائها إلى أفغانستان، يقول الأب: «حسنًا، إنكنَّ مطَّلعاتٌ بالفعل على العديد من الحروب التي خاضتها الحكومات التركية، فهي على النقيض من الولايات المتحدة التي لم تشترك في أي صراعات دولية!» وهنا تنفجر كل الفتيات في السيارة في ضحكات مدوِّية، وتعلق بضع فتيات على «الحقيقة» التي وردت في ثنايا المفارقة واستخدام الأب للتهكم للتخفيف من أسلوبهنَّ في التنميط.
هناك العديد من الدروس المستفادة في هذا الحوار الذي جرى بين الأب وابنته وصديقاتها؛ بدايةً أراد الأب مَحْقَ نزعتهنَّ لتنميط الأتراك، وبعد أن أفسح أمامهنَّ المجال للحديث أكثر عن أسباب تكوُّن هذه الأفكار لديهنَّ، طرأت له فكرة؛ فبالنسبة لمواطني الولايات المتحدة، شهدت السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين صراعًا دوليًّا؛ فهؤلاء الفتيات أثناء توجُّههن لمباراة كرة القدم أظهرْنَ العديد من السمات الداخلية والخارجية بِبِيئاتهنَّ، والتي تُعد ضرورية للاشتراك في الدعابة على هذا المستوى.
بداية، قرر أحد الأشخاص البالغين المهتمين أن يساعد الفتيات في مراجعةِ وجهات نظرهنَّ، ثم دفْعِهن برفق نحو اكتشاف تنميطهنَّ للآخر بقدرٍ من الدعابة. وكان استخدام التهكُّم لمساعدة الفتيات في إدراك مدى سخافة التنميط الذي يَنتهجْنَه قد أثبت فاعليته في نهاية الأمر، وعلى المستوى التطوري للفتيات، فهنَّ يدركْنَ الحقائق. كانت هؤلاء الفتيات اللائي يَبْلغْنَ اثني عشر عامًا يُدركْنَ أن كلًّا من تركيا والولايات المتحدة خاضتا صراعات، وعلى الصعيد المعرفي فقد جرى تحفيزهنَّ بمناقشتهنَّ للتاريخ التركي قبل أن يعبِّرْنَ لفظيًّا عن التصوير النمطي للأشخاص. كانت الفتيات مستمتعاتٍ بجوِّ الأُلفة وتبادُل المعلومات معًا، وأدركْنَ أيضًا أن استخدام الأب لمصطلح «التنميط» يشير إلى أنهنَّ يصنِّفْنَ الغير بصورة غير عادلة؛ مما يشكِّل غَبنًا لهم. كانت الفتيات مستعداتٍ للإنصات إلى الأب، وهو ما يعكس قدرًا من الثقة وقدرًا من الالتزام الاجتماعي نحوه في أثناء حديثه؛ أيِ استعدادًا لتوطيد علاقة اجتماعية. كما كان مستوى اهتمامهنَّ المعرفي والاجتماعي مرتفعًا عندما تدخَّل الأب في الحديث.
وعندما عقد الأب مقارنة بين الشعبين التركي والأمريكي، أدركت الفتيات المفارقة، والتنافر الكامن في حديثه عن الولايات المتحدة؛ ومن ثَمَّ تمكنت الفتيات من التعامل مع الموضوع بأسلوب مجرد إلى حدٍّ ما؛ فقد أثار الأمر فضولهنَّ وأدركْنَ أن تصنيف جميع الأشخاص الأتراك معًا أمرٌ سخيفٌ؛ لأن الشيء نفسه ينطبق عليهنَّ أيضًا. وقد حفز التعليق الساخر للأب «على النقيض من الولايات المتحدة» عقولهنَّ للتفكير لجزءٍ من الثانية؛ مما أدى إلى انفجارهنَّ في ضحكات مُدوِّية عندما أدركْنَ تناقُض الحديث. تَمتَّعَت الفتيات بمستوًى عالٍ، إلى حدٍّ ما، من إدراك المعلومات الواقعية، أتاحَ لهنَّ استيعاب تناقُض الحديث بالشكل المناسب، وسَخِرْنَ من أنفسهنَّ بالضحك وأدركْنَ نزعة التنميط التي أظهرْنَها؛ ومن ثَمَّ كُسرت حدة التوتر التي سادت المناقشة. تَحقَّقَ كل هذا بفضل استخدام قدر يسير من الدعابة التي غلَّفت الدرس الذي لقَّنه الأب للفتيات.
ومثلما رجحت ماستن في عام ????م، فالأطفال الذين يدركون الحقائق ويمكنهم استخدام المعلومات بصورة مجردة، من المحتمل أنهم سيتمكنون من استخدام الفكاهة بأساليب معقدة لإقامة علاقات والمحافظة عليها. وعندما ناقشت ماستن نتائج بحثها، ذكرت بعض التنبيهات التي ينبغي الانتباه إليها؛ فالبيانات لا تسمح لنا بالتأكيد على أن الأطفال الذين يستخدمون حِسَّ الفكاهة سيكونون أكثر ذكاءً أو سعادةً من الأطفال الآخرين. وبشكل عام، ترتبط الكفاءة المعرفية والاجتماعية بحسِّ الفكاهة لدى الأطفال، وبرغم ذلك، لم يتمكن الباحثون من تحديد أيهما يؤثر في الآخر.
تعتقد ماستن وزملاؤها بوجود صلة بين العلاقات الإيجابية مع الأقران والنجاح الدراسي، وأن حس الفكاهة له دور في هذه العلاقات أيضًا. وفي الدراسة التي أَجْرتها في عام ????م، اكتشفت ماستن أن معلمِي الأطفال الذين كانوا يتمتعون بحسِّ فكاهة عالٍ ذكروا أنهم يتمتعون بالكفاءة في الصف الدراسي. وعلى الرغم من عدم تحديد كيفية تطوير الأطفال لِحِسِّ الفكاهة ومدى تبايُن هذه البيانات تمامًا، يبقى حسُّ الفكاهة أحدَ العوامل المهمة في تطور الأطفال. يشير حِسُّ الفكاهة إلى أن الأطفال يتمتعون بقدر من الوعي المعرفي والاجتماعي، وهذا ما نعرفه، وكلاهما مؤشران للصحة النفسية الجيدة. ولدينا بعض البيانات أيضًا حول استخدام الآباء لِحِسِّ الفكاهة في قيامهم بدورهم في تيسير نمو أطفالهم.
(?) نقل الوالدين لِحِسِّ الفكاهة

كما هي الحال مع المقاييس الأخرى الواردة في هذا الكتاب للارتقاء بتطور الصحة النفسية لدى الأطفال، يعتمد الأطفال، إلى حدٍّ كبير، على مقدِّمي الرعاية البالغين في حياتهم لاستخدام الدعابة والمرح بأسلوب إيجابي؛ فالصحة النفسية الجيدة يمكن أن تتَعزَّز من خلال حسِّ الفكاهة والمرح؛ فالأب الذي وَرَدَ في الرواية السابقة يُعد مثالًا جيدًا لنموذج الشخص البالغ الذي يمكن أن يلاحظه الأطفال ويقتدوا به. وقد اكتشف باحثون بعض الروابط بين سلوكيات الآباء مع أطفالهم وبين تطور حسِّ الفكاهة لدى الأطفال.
اكتشف عالما النفس البارزان جاك بلوك وناثان كوجان (لقاء شخصي، يناير ????) أن نزعة المزاح لدى الآباء أنبأت بالاستقلالية لدى الأولاد واستخدامهم لِحِسِّ الفكاهة. أجرى بلوك وكوجان دراسة طولية على الأطفال بدايةً من عمر ثلاث سنوات أثناء تفاعلهم مع آبائهم، وقاموا بمتابعة هؤلاء الأطفال حتى بلغوا ثمانية عشر عامًا. كان عالما النفس هذان مهتمَّيْن بدراسة احتمالية الارتباط بين سلوكيات الوالدين في مرحلة الطفولة المبكرة وبين تطور أطفالهم في مرحلة أوائل البلوغ، وخلصت الدراسة إلى أن الأمهات والآباء الذين استخدموا كثيرًا المزاح والمرح مع الأولاد في عمر الثلاث سنوات كان لديهم أولاد يتميزون بالاستقلالية وروح الدعابة في سن الثامنة عشرة؛ فالأولاد الذين يتميز آباؤهم وأمهاتهم بحب المرح حققوا نتائج نفسية طيبة عند بلوغهم ثمانية عشر عامًا.
وبعد إجراء الباحثين لدراساتٍ على هؤلاء الأولاد ذوي الثمانية عشر عامًا على مدار عدة سنوات، بدا أنهم استفادوا بشدةٍ من تلك السمة الرائعة للآباء. تَذكَّرْ أننا قمنا في الفصل السادس بدراسة الاختلافات الثقافية فيما يتعلق بالأعراف السلوكية التي تتضمن مقارنة النزعة الفردية بالنزعة الجماعية. اكتشف بلوك وكوجان أن هؤلاء الأولاد قد اكتسبوا بالفعل العُرفَ الثقافي السائد للغاية في الولايات المتحدة؛ حيث بدا إعلاؤهم لقيمتَي الفردية والاستقلالية؛ فقد كان هؤلاء الأولاد البيض المنتمون إلى الطبقة المتوسطة غالبًا يتمتعون بالاستقلالية؛ مما يدل على أن الآباء قد نجحوا في تنشئة أولادهم وفقًا للعُرف الثقافي. إضافة إلى ذلك، حظي هؤلاء الأولاد الذين نشئوا بين آباء يتمتعون بِحِسِّ الفكاهة بمستوًى أعلى من المرح في حياتهم مقارنة بالأولاد الذين تَولَّى تربيتَهم آباءٌ يتسمون بقدر أقل من حسِّ الفكاهة. وتدعم هذه البيانات الفرضية التي تُرجِّح أن يكون استخدام الآباء لِحِسِّ الفكاهة مع أطفالهم نموذجًا يَحتذي به الأطفال. إن تجسيد النموذج السلوكي يُعد أداة تعليمية شديدة الفعالية لتطوير الصحة النفسية الجيدة، وهناك بيانات توضح كيفية استخدام الآباء لِحِسِّ الفكاهة جنبًا إلى جنب مع أساليب التأديب أيضًا.
تَذكَّرْ أننا قمنا في الفصل الرابع بدراسة أساليب التأديب الخاصة بالآباء، فالجهود التي يبذلها الآباء لوضع قواعد واضحة عن المعايير السلوكية تساعد أطفالهم في فهم توقعاتهم. علاوة على ذلك، تَذكَّرْ أن البالغين الذين يأملون في اتباع الأطفال معاييرَهم السلوكية ينبغي أن يستخدموا أسلوب الحث لتوجيههم؛ بمعنى أنه عند تشجيع الأطفال لمناقشة المعايير السلوكية التي يضعها الوالدان معهم، يُرجح أن يقوم الأطفال بتبنِّي هذه المعايير بصفتها المعايير الخاصة بهم. ويرتبط هذا النوع من مرونة الآباء بالمحافظة على المودة في العلاقات بين الآباء والأطفال، ومن المرجح أن يستوعب الأطفال الرسائل الواردة من البالغين. فلْنستعرِضْ إحدى الدراسات القليلة التي تناولت استخدام الآباء لِحِسِّ الفكاهة في أساليبهم التأديبية التي تساعد في المحافظة على المودة مع الأطفال.
في عام ????م، نشرت أليسيا ريجر دراسة عن استخدام الآباء لِحِسِّ الفكاهة في الأُسَر التي لديها أطفال ذوو إعاقات (ريجر ورينداك ????). قامت أليسيا ريجر بدراسة الأُسَر التي انطوت ظروفها الحياتية على ضرورة أن تتضمن أساليب التربية المستخدمة مراعاةً لطفل واحد يعاني حالة إعاقة. اكتشفت ريجر أن هذه الأُسَر استخدمت حِسَّ الفكاهة لأسباب متنوعة، من بينها استخدامه كاستراتيجية للاستجابة إلى السلوكيات السلبية أو العدوانية من الأطفال. وقد وَصَفَت ريجر هذه الأُسَر على أنها أُسَر «متمكنة»، وقصدت بهذا أن الوالدين اللذين لديهما منظور خاص بمراعاة نقاط القوة عند التعامل مع جميع أبنائهما لا تقتصر قدراتهما على التأقلم مع حالة الإعاقة فقط، بل يمكنهما مساعدة الأسرة في الحفاظ على تماسكها وإيجابية علاقاتها. كان حِسُّ الفكاهة أحدَ مواطن القوة الإيجابية للغاية في ذلك الإطار لهذه الأُسَر؛ فقد اعتبر هؤلاء الآباءُ الفكاهةَ أحدَ أساليب تعليم أطفالهم، بما في ذلك الحد من السلوكيات السلبية، وأنها أداة لحل المشكلات إلى جانب أنها وسيلة للمحافظة على استقرار العلاقات الأُسَرية.
في عام ????، ابتكرت عالمتا النفس المتخصصتان في مجال التطور، جوان إي جروزيك وجاكلين جيه جودناو، نموذجًا لأساليب التربية الفعالة باستخدام العديد من العوامل البارزة في نظريتهما، وقد لَخَّصَتا العديد من سنوات البحث فيما يتعلق بأساليب التأديب التي يطبقها الوالدان، والتي تساعد الأطفال في اعتناق القِيَم التي يؤمن بها الوالدان. تؤيد هاتان الباحثتان استخدام الحث والمودة في الأساليب التأديبية التي يستخدمها الوالدان، وأشارتا في عام ????م إلى ضرورة إجراء أبحاث عن العلاقة بين حِسِّ الفكاهة والوسائل التأديبية التي يتبعها الآباء، ولكن تم تجاهل هذا الجانب في مجال النفس تقريبًا. وقد ذكرت جروزيك في لقاء شخصي جرى في يونيو من عام ????م أن علماء النفس لم يَدْرسوا استخدام الآباء لِحِسِّ الفكاهة مع أطفالهم جيدًا، وأن مثل هذه الدراسات مطلوبة بصورة ملحَّة. وفي ظل تزايد الاهتمام بعلم النفس الإيجابي، ربما يُجرى المزيد من البحوث المتعلقة باستخدام حِسِّ الفكاهة لاحقًا؛ فعملٌ كالذي قامت به أليسيا ريجر يحمل في طياته وعدًا بإجراء المزيد من البحوث، كما أنه يمثل دعمًا لعمل رود إيه مارتن، الذي نوقش سابقًا بصفته أحد علماء النفس الخبراء في مجال دراسة حِسِّ الفكاهة والتأقلم لدى الأشخاص البالغين.
(?) حِسُّ الفكاهة وتأقلم الأطفال

أفرد مارتن أيضًا فصلًا كاملًا للحديث عن فوائد الفكاهة في حياة الأطفال (مارتن ????). يَصِف مارتن استخدام الأطفال لِحِسِّ الفكاهة كوسيلة للتأقلم أثناء النمو، ويذكر أن الطفلة التي يمكنها مواجهة المواقف العسيرة بِحِسٍّ فكاهيٍّ وضحكٍ تتميز بمهارة رائعة في منهجية التأقلم الخاصة بها. إن النزاع والاكتئاب والتوترات الأُسَرية وضغوط الأقران في محيط الحي أو المدرسة قد تشجع الأطفال على الإقدام على سلوكياتٍ غير مقبولة لدى الأشخاص البالغين، ورغم أن ذلك يتوقف على تطوير الأطفال للمهارات المعرفية والاجتماعية، يَذكر مارتن أن استخدام الدعابة للتخفيف من حدة النزاع أو المساعدة في حل المشكلات يعطي الطفلة فرصة للتأمل في المشكلة من «منظور مختلف». وهنا ندرك ثانية أهمية استخدام التهكم أو الحديث المتناقض.
تَذكَّرْ أن تعريف حِسِّ الفكاهة ينطوي على وجود تناقُض ممتع؛ فقد وصفتُ في بداية هذا الفصل قدرة لاعبات كرة القدم اللاتي يَبلغْنَ اثني عشر عامًا على ملاحظة وإدراك الحقائق والتناقض الكامن في تعليقاتهنَّ التنميطية للشعب التركي، وقد ساعدهنَّ إدراك هذا التناقض، الذي اتضح في المقارنة بين الأشخاص المختلفين من تركيا والولايات المتحدة، في تغيير وجهات نظرهنَّ، كما أتاح هذا «المنظورُ المختلف»، أو تغير الإطار المرجعي لهنَّ، الفرصةَ للتأملِ وإدراك سخافة ما كُنَّ يؤمنَّ به، والتخلصِ من حالة التوتر بينهنَّ. وفي مثل هذه الظروف، يتمكن الأطفال من ملاحظة حِسِّ الفكاهة واستيعاب قدرته على حسم النزاع من خلال الحد من أي تهديد لهم أو للآخرين؛ فَحِسُّ الفكاهة يساعد الأطفال في التأقلم مع الآخرين.
ويستطرد مارتن قائلًا إن مثل هؤلاء الأطفال ممن يتمتعون بِحِسٍّ فكاهيٍّ جيدٍ، أيِ القدرة على تغيير إطارهم المرجعي، يُنظر إليهم بصورة إيجابية من قِبل أقرانهم ومن قِبل الأشخاص البالغين، كما يُرجح أن يتمتعوا بصحة نفسية أفضل كبالغين. كما يرى مارتن أن الاستخدام الصحيح لِحِسِّ الفكاهة يساعد الأشخاص في المحافظة على أواصر العلاقات القائمة بينهم. وبشكل عام، فالطفلة التي تتمتع بصحة نفسية جيدة بمقدورها استخدام حِسِّ الفكاهة على نحو ملائم، كما يمثل حِسُّ الفكاهة الجيد إشارة للآخرين بأن التفاعلات مع الطفلة ستكون مصدرًا للسعادة؛ وستتجلى علامات الصحة النفسية الجيدة للطفلة أمام الجميع.
وَضَعَ عالم النفس بول إيه ماجي مؤلَّفًا حول تطور حِسِّ الفكاهة لدى الأطفال (ماجي ????). ذَكَر ماجي الجهود المبكرة آنذاك لمجموعة من علماء النفس وأخصائيِّي التربية الهادفة إلى فَهْم تطور حِسِّ الفكاهة لدى الأطفال والتطبيقات العملية المحتملة لهذه المهارة على مناحي التطور الأخرى، وذكر ماجي أن تطوُّر حِسِّ الفكاهة يرتبط بعملية اكتساب المهارات الأخرى، وهو ما يتطابق تمامًا مع طرح كلٍّ من ماستن ومارتن. هذه المهارات تتضمن مهارات معرفية واجتماعية، ولكن لم يتوصل أحد حتى الآن لمعرفة كيف يترجم حس الفكاهة إلى عملية اكتساب مهارات أخرى. وذكر ماجي أن حس الفكاهة يُعزِّز تطور الأطفال من خلال تشجيعهم على التعلُّم وتحفيز الانفعالات الإيجابية لديهم، ويُعزز العلاقات الاجتماعية بالطريقة نفسها. ومن المرجح أن يساعد حس الفكاهة لدى المعلمين في تعزيز قدرة الأطفال على التعلم، ولكن لا يتوفر لدينا في الوقت نفسه الكثير من البيانات التي تدعم هذه المزاعم، وربما يصعب توفير بيانات إحصائية لهذه النظرية، ولكنها رغم ذلك تُمثِّل إحدى الأطروحات البحثية الجيدة. وقد أفرزتْ دراساتٌ أُجريت مؤخرًا بياناتٍ تَدعم استخدام حس الفكاهة في الصف الدراسي، ولْنَستعرضْ بعضًا منها فيما يلي.
(?) حس الفكاهة والمعلمون

أجرت عالمة النفس هيلين باتريك وزملاؤها دراسةً على الأيام الأولى في المدرسة لمجموعة من الأطفال الذين تبلغ أعمارهم اثنَي عشر عامًا (باتريك وآخرون ????). اكتشف الباحثون أن المعلمين الذين استخدموا حس الفكاهة كانوا أكثر قدرة على توفير بيئات داعمة في فصولهم الدراسية، وأشار الأطفال في هذه الفصول إلى أنهم أكثر التزامًا بالمنهج الدراسي في نهاية العام الدراسي؛ فقد نُقلت الرؤى والتوقعات الإيجابية لهؤلاء المعلمين نحو طلابهم إلى الطلاب جنبًا إلى جنب مع جرعات من الفكاهة الملائمة؛ مما ساعد هؤلاء الأطفال في النجاح.
واكتشف العالمان في مجال الصحة العامة، كاتي باستن ودانييل وايت، من واقع دراساتهما في المملكة المتحدة أن الأطفال يشاركون بصورة أكثر فاعلية في الحجرات الدراسية عندما يكون معلموهم يتمتعون بحس فكاهي واضح، واكتشف هذان الباحثان أن الأطفال وجَّهوا إلى المعلمين أسئلة أكثر وقلَّت ممارستهم للسلوكيات المزعجة عندما كان لديهم معلمون يتميزون بحس فكاهة أكثر من زملائهم ممن يكون لديهم معلمون أكثر جدية. كانت الحماسة أيضًا أحد العوامل المرتبطة بنجاح الأطفال، ولكنهما لخَّصا نتائجهما بقولهما: إنه وبشكل عام يحظى المعلمون المتميزون بحس فكاهي كبير بصفوف دراسية أكثر نجاحًا (باستن ووايت ????).
ظهرت في تايوان أيضًا بيانات توضح ارتباط حس الفكاهة لدى المعلمين بالتعليم الإبداعي؛ فقد خلصت جيو شيان هورنج وزملاؤها إلى نتائج مفادها أن المعلمين الذين كانت لديهم أفكار إبداعية واستعداد لاستكشاف وسائل تعليم جديدة وثقة في قدراتهم التعليمية تميزوا بحس فكاهي قوي أيضًا. ويعتقد هؤلاء الباحثون أن التوجيه الناجح والإبداعي يتوقف على العديد من العوامل، ولكن حس الفكاهة يمثل أحد أهم العوامل المرتبطة بهذا التوجيه (هورنج وزملاؤها ????). وهناك العديد من البحوث التي تشير إلى العلاقات التطورية المتبادلة الأخرى بين مرح الأطفال واستخدام حس الفكاهة.
(?) العلاقة بين حس الفكاهة وأوجُه التطور المتبادلة الأخرى

أجرت إفثيميوس تريفلاس وزميلتاها، الخبيرات في مجال التربية البدنية (تريفلاس وماتسوكا وزاكوبولولو ????)، دراسةً في اليونان حول مرح الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة وتطور النشاط الحركي لديهم. لم تتطرق هذه الدراسة لاستخدام المعلمين لِحِسِّ الفكاهة، ولكن طلبت الباحثات اليونانيات من المعلمين أن يتحدثوا إليهنَّ عن مرح الأطفال والتطور العام لديهم. وخلصت الباحثات إلى صلة بين التلقائية البدنية والاجتماعية والمعرفية لدى الأطفال وبين المرح عندهم؛ فالأطفال الذين اتسموا بالمرح الشديد، كان التفكير الإبداعي والنقدي لديهم عاليًا أيضًا. كما ذكرت الباحثات أن الأطفال الذين يتميزون بهذه القدرات كانوا يتمتعون بالصحة النفسية؛ من حيث أن سمات حس الفكاهة وحب الاستطلاع والتسامح والابتكار لدى هؤلاء الأطفال كانت قوية أيضًا. وتكشف هذه البيانات أن الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة يستخدمون النشاط الحركي للتعرف على العالم من حولهم، وهؤلاء الذين يجدون متعة في الحركة تتطور لديهم مهارات أخرى في الوقت نفسه؛ وهو ما يشكل دعمًا هائلًا لأهمية تطوير الأطفال لاستخدام المرح.
ذكرت ريبيكا بوتشيه نافارو الباحثة الكولومبية في مجال التطور المعرفي لدى الأطفال دراساتها التي أثبتت من خلالها وجود علاقة بين القدرة العامة للأطفال على التفكير وبين حس الفكاهة؛ إذ اكتشفت بوتشيه نافارو أن الأطفال بين عامين وأربعة أعوام يتميزون بنقلة ملحوظة في «التفكير التمثيلي» لديهم؛ وهذا يعني ببساطة أن الأطفال عندما يبلغون أربع سنوات يتسنَّى لهم في غالب الأمر استخدام عملية معرفية تساعدهم إما في عمل موقف فكاهي أو استيعابه؛ بمعنى أنهم يستطيعون استخدام أمرٍ ما لتجسيد أمرٍ آخر، ولْنذكُرْ مثالًا يساعدنا في تفسير هذه النقطة. تلاحظ طفلة تبلغ من العمر أربعة أعوام لا تفضل عادة تناول الخضراوات أن أمها تتحدث إليها في قلق عن عدم تناولها للخضراوات. تُخرج الطفلة موزة من إناء فاكهة وتقشرها وتقول لأمها مبتسمة: «انظري، إنني أتناول جزرة يا أمي!» إن هذا النوع من الاستبدال أو صنع المفارقة هو أحد أشكال التفكير التمثيلي، ويستدل من خلاله باحثون أمثال بوتشيه نافارو أن تطوُّر حسِّ الفكاهة يمثل طريقة رائعة لدراسةِ كيفية تفكير الأطفال. ومن خلال دراسة تطور حس الفكاهة لدى الأطفال، يتمكن الباحثون من استنتاج جوانب أخرى تتعلق بتطورهم المعرفي. ذكرت بوتشيه نافارو في عام ????م أيضًا أن هذا المجال البحثي جديد تمامًا في علم النفس، ولكنه من المرجح أن يُثرِيَه العديد من الدراسات في المستقبل.
من المُجدي هنا إعداد قائمة ملخصة بالجوانب الإيجابية في عملية النمو النفسي لدى الأطفال وعلاقتها بحس الفكاهة. بصفة عامة، يتميز الأطفال الذين ترعرعوا بين آباء ومعلمين في مناخ مرح بالنشاط على المستوى البدني والاجتماعي والمعرفي. ويُعتقد أن الأطفال الذين يطوِّرون حسًّا فكاهيًّا جيدًا وكذلك يقدِّرونه ويُظهرونه يتمتعون بصحة نفسية جيدة. ويعتقد الباحثون أن حس الفكاهة والمرح لدى الأطفال يرتبط بما يلي: (?) الانفعال الإيجابي.
(?) إقامة العلاقات وتوطيدها.
(?) النجاح الدراسي.
(?) الاستقلالية.
(?) التأقلم.
(?) المهارة البدنية/الحركية.
(?) التفكير التمثيلي.
ويسهم الأفراد البالغون في حياة الأطفال والمهتمون بهم في هذا النجاح من خلال التشجيع على استخدام حس الفكاهة بطرق إيجابية؛ ومن ثَمَّ يقدِّمون للأطفال وسيلة لتعزيز الصحة النفسية الجيدة يمكن أن تبقى معهم على مدار حياتهم.
(?) التنبيهات والمقترحات العملية

ينبِّه باحثون، أمثال فراي ومارتن، إلى أن إدراك الفكاهة في حياة الكبار والأطفال من منظور نفسي لا يزال مجالًا ناشئًا، بدأ يحظى بالاهتمام مؤخرًا، ولا يزال أمامنا كثير من العمل فيه. وعندما يناقش علماء النفس «العلاقات» بين المتغيرات، تَذكَّرْ أن ذلك يخبر القارئ بعدم إمكانية تحديد رابط سببي. ويذكِّرنا هؤلاء الباحثون أن تطورَ حس الفكاهة وعلاقتَه بالصحة البدنية والنفسية أمرٌ معقَّد؛ فنحن لا نستطيع الجزم بأن حس الفكاهة يتسبب في الارتقاء بالصحة البدنية أو الذكاء أو السعادة لدى الأشخاص المرحين أكثر من الأشخاص الذين لا يتميزون بحس الفكاهة؛ حيث لا تتوفر على الأقل بيانات تدعم هذه الادعاءات، ولكننا يجب أن نعتمد على ما لدينا من بيانات ونواصل البحث، مع ذلك يمكننا مناقشة الاستخدامات الفلسفية والموحية لِحِسِّ الفكاهة وتقييمها ? «قيمة اسمية»؛ فمَن منَّا لا يمكنه القول بأن حياتنا قد أُثريت بفضل استخدام الآخرين لِحِسِّ الفكاهة أو لِحِسِّ الفكاهة الناضج بداخلنا؟ عدد قليل على الأرجح. وقد ألقينا نظرة على البيانات المتعلقة بحس الفكاهة في حياة الكبار والصغار وعلاقتها بالصحة البدنية والنفسية، ولكننا ليس لدينا إلا بيانات ضئيلة حول طرق نقل مقدِّمي الرعاية البالغين للمرح والفكاهة إلى الأطفال.
تطرقنا في موضع سابق من هذا الفصل إلى وجهة نظر عالِمتَي النفس جوان جروزيك وجاكلين جودناو عن حس الفكاهة والتربية، وقد أعربت كلٌّ من جروزيك وجودناو عن حزنهما لعدم وجود بيانات كافية عن حس الفكاهة ومكانته في نموذجيهما. ومثلما هي الحال غالبًا عند إجراء أبحاث حول تعقيدات السلوك البشري، فنحن ما زلنا بحاجة إلى مزيد من البحث. إن المنظور العلمي في هذا الفصل منظور سليم، ولكنَّ تذكُّر طبيعة الأبحاث ذات العلاقات المتبادلة تعود بالقارئ إلى السؤال المتعلق بالارتباط بين المرح والصحة النفسية الجيدة للأطفال.
وعلى الرغم من أن علم النفس كفرع من فروع العلم لا يوجد به سوى قدر ضئيل من البيانات التي تدعم جدوى حس الفكاهة في حياة الأطفال، فمن المرجح أن يتفق غالبية الأشخاص البالغين على أن مثل سبل تعزيز المرح في حياة الأطفال جديرة بالاهتمام؛ إذ يمكن أن تؤدي إلى إضفاء السعادة على الجميع وتساعد الناس في توطيد علاقاتهم. يرتبط التطور المعرفي والاجتماعي والبدني للأطفال بتعزيز المرح، كما يمكن أن يساعد استخدام الأشخاص البالغين للتحفيز والمودَّة والمرح على الارتقاء بنمو جميع أفراد الأسرة. تَذكَّرْ أننا ناقشنا في الفصل الرابع كيف أنَّ وقت اللعب، الذي يتضمن قدرًا من الفوضى ونشاطًا غير تقليدي، على غرار اللعب في الطين والرسم بالأصابع؛ يمكنه أن يضفي المرح والسعادة على الصغار والكبار؛ إذ إن مثل هذه الأنشطة تتيح فرصًا استكشافية جديدة للأطفال.
وفي إطار التفكير في أهمية تعزيز المرح في حياة الأطفال، ذكرنا العديد من النماذج التي يمكنها أن تضفي سعادة على حياة الأسرة. سأتحدث فيما يلي أيضًا عن الإجازة الأُسَرية، ينبغي أن يكون تعزيز المرح سببًا في سعادة جميع أفراد الأسرة، ولكن حتى هذا الأمر يمكن أن يمثل هدفًا عسيرًا للآباء؛ فعندما يخرج الأفراد عن وتيرة الأعمال الروتينية، ربما لا يقتصر الأمر على كونهم عرضة لاستكشاف آفاق جديدة فحسب، بل قد يتعرضون أيضًا لمسبِّبات ضغط لم يفكروا فيها مسبقًا، لكن الآباء الذين يمكنهم التعامل مع حدث جديد بحس فكاهي جيد، واضعين نُصب أعينهم هدفَ تعزيز المرح، باستطاعتهم إضفاء المتعة على أي يوم، وتوفير فرص للتعلم والضحك الصادق لجميع أفراد الأسرة. ونورد فيما يلي بعض النصائح التي من شأنها تيسير إجازات الأسرة لقضاء الوقت معًا بحيث تتحول إلى تجربة إيجابية وممتعة.
(?) الإجازة الأُسَرية: فرصة مثالية لتعزيز المرح

عندما يرغب الأشخاص البالغون في الأسرة في إضفاء قليل من المرح على حياتهم وحياة أطفالهم، عادة ما يَلجئون إلى تنظيم إجازة قصيرة تخرج بهم عن إطار الحياة الروتينية، كسبيل لكسر الملل، ولكنْ تأملوا عدد الأفلام الكوميدية التي دارت عن الإجازات الأُسَرية التي تحولت إلى كوارث. أدرَك القائمون على صناعة الأفلام بهوليوود ما يتكبده الآباء من مشقة، وأضفوا عليها الطابع الفكاهي الخاص في التأويلات المختلفة للإجازة الأُسَرية؛ فالسفر مع الأطفال قد يكون صعبًا، ولكن فوائد الإجازة المخططة جيدًا والملائمة للأطفال يمكن أن تكون هائلة لكلٍّ من الكبار والصغار. وعلاوة على بُعد المسافات والتكاليف، هناك عوامل أخرى يمكن وضعها في الاعتبار لمساعدة الأشخاص البالغين في التخطيط لإجازاتهم. والقواعد الثماني التالية يمكنها أن تكفل مشاركة جميع أفراد الأسرة في تعزيز المرح.
(?) ناقش الخطط الخاصة بنشاطٍ ما مع كل فرد في الأسرة يتناسب عمره مع هذا الأمر، وهذا يمثل دلالة للأطفال على أنهم ينتمون للأسرة وأن آراءهم يُعتد بها. أما الأطفال الصغار للغاية فيمكنهم فقط المساعدة في اتخاذ القرار الخاص بأيٍّ من المتنزهات التي ستتوجه إليها الأسرة في يومٍ ما في الرحلة، ولكن الأطفال الذين يبلغون سبعَ أو ثمانيَ سنوات فأكثر يمكن أن يكونوا مساعدين جيِّدين في التخطيط. ولا تقتصر فوائد الأخذ بأفكار الأطفال على الارتقاء بحس الانتماء الذي طُرح في الفصل الرابع، ولكنه يساعد أيضًا في ضمان استمتاع الأطفال بوقت الإجازة. إن التخطيط المشترك يبعث برسالة إلى الأطفال مفادها أن التفاوض والتوصل إلى حلول وسط أمران مهمَّان، ويمثلان نموذجًا جيدًا في الأمور الأخرى التي قد تنشأ في حياة الأطفال وترتبط بمجموعات الأفراد.
(?) ضع في اعتبارك عُمْر كل طفل عند وضع خطط للأنشطة وفترات الراحة، فإذا كانت الأسرة لديها أكثر من طفل واحد، ينبغي توفير خيارات لقضاء الإجازة حسب جميع الأعمار. وإذا كان بالأسرة أكثر من والد واحد، يمكن تقسيم أفراد الأسرة حسب العمر والاهتمامات في أثناء الإجازة، ولكن قضاء الوقت معًا مهم أيضًا. وفي حالة قيام الآباء بتقسيم الأنشطة، احرص على تناوب الأدوار في مرافقة الأبناء المختلفين. ويتمثل أحد أسباب قيام الأُسَر بالرحلات في إعادة التفاعل بين أفرادها دون تأثير من المهام اليومية الشاقة، وننصح الأمهات بعدم تفويت فرصة مشاهدة مباراة لكرة القدم ليس من المعتاد أن يخترْنَ مشاهدتها. وما رأي الآباء في التوجه إلى أحد متاحف الفنون؟ إذا لم يكن الأبوان متمسكَيْن في تعصب بأدوارهما التقليدية، فهذا أمرٌ رائعٌ! كل ما عليهما تبديل الأدوار للخروج عن المألوف. وإذا كان بمقدور الجميع المشاركة معًا في كل نشاط ترفيهي، فهذا أمر رائع، وإذا أراد أي شخص أن يمضي الوقت بعيدًا عن أحد أفراد الأسرة، يجدر بك تدبُّر ذلك الأمر أيضًا.
(?) حاوِلْ أن تعثر على شيء مسلٍّ لكل شخص يوميًّا، بالنسبة للأطفال قد يكون هذا الأمر بسيطًا في صورة مطعم يرتدي العاملون فيه أزياءً بأشكال الحيوانات، فالأطفال بحاجة إلى أنشطة تتناسب مع أعمارهم لمساعدتهم في المحافظة على حالة مزاجية إيجابية. ومن المؤكد أن الأنشطة التي تتضمن حركةً ستكون مصدرَ سعادةٍ للأطفال في عمرِ ما قبل المدرسة والأطفال في بداية المرحلة الابتدائية. ويمكن أن يشترك مَن هم في مراحلِ ما قبل المراهقة والمراهقة والبلوغ دائمًا في نشاط بدني أيضًا.
(?) إذا بدأ الأفراد البالغون يشعرون بالتوتر، يجب الإشارة إلى ذلك، وبإمكان الآباء إرساء نماذج لِحِسِّ الفكاهة والتفاؤل كوسيلة لحل المنازعات أو المشكلات. قل بصوتٍ عالٍ: «إننا في إجازة، ويمكننا حل الأمر»؛ إذ يمكن التغلب على فقدان حقيبةٍ ما أو عندما يضل مستقلو السيارة طريقهم بشيء من المزاح؛ فالبالغون الذين يتميزون بالقدرة على التأقلم يساعدون الأطفال في اكتساب مهارة غاية في الأهمية.
(?) إذا لوحظ أن البالغين أو الأطفال بدءوا يشعرون بالحنين للعودة إلى الوطن، فربما يكون هذا هو الوقت الأمثل للعودة للمنزل. فإذا كان قرار العودة مرهونًا بعوامل غير قابلة للنقاش مثل حجز تذاكر الطيران أو غيرها، يمكن أن يبحث البالغون عن وسائل تزيل الشعور بالملل؛ يمكنك العودة إلى المطعم الذي يرتدي العاملون فيه أزياء الحيوانات، ابحث عن مزار جميل أو مكان جديد للاستمتاع به، شجع الأطفال على التحدث عن الأمور التي أعجبتهم في الرحلة، اسمح لهم بإجراء مكالمة هاتفية مع أحد الأصدقاء أو الأقارب. ويتمثل أحد عناصر متعة السفر في اكتساب رؤية جديدة وتقدير للوطن.
(?) ينبغي عدم الإسراف في الرحلات سواء من الناحية المادية أو ناحية الوقت؛ إذ يمكن الاستمتاع بمجرد إقامة «مخيَّم» في الفناء الخلفي للمنزل، أو زيارة أحد الأماكن الجديدة التي لا تبعد عن المنزل سوى بضعة أميال، أو قضاء ليلة واحدة خارج المنزل يقضي من خلالها أفراد الأسرة وقتًا طيبًا معًا؛ فتعزيز المرح يمكن أن يتحقق من خلال وسائل بسيطة أو معقدة.
(?) تضعُ قدرةُ الأفراد البالغين على استخدام حس الفكاهة والضحك، كوسيلة لتواصل بعضهم مع بعض في الأيام الطيبة والعصيبة، على حد السواء؛ نموذجًا رائعًا يقتدي به الأطفال. يُقدِّر الأطفال جميع أشكال المرح والمشاعر الإيجابية والودودة، ويمكن أن يقوم الأشخاص البالغون الذين يدركون هذا بالارتقاء بسبل تعزيز المرح والصحة النفسية الجيدة في الوقت نفسه.
(?) استمتعوا بأوقاتكم!
(??) ملخص الفصل وتأملات

في بداية الفيلم الوثائقي «الحقيقة المزعجة»، يُعرِّف آل جور نفسه قائلًا: «اعتدتُ أن أُلقَّب بمرشح الرئاسة الأمريكية السابق!» بدأ جور بهذه العبارة التهكمية كي يسرِّب إلى جمهوره شعورًا بالارتياح. يا له من أسلوب رائع لبدء الحديث عن موضوع غاية في الخطورة كظاهرة الاحتباس الحراري! لا يستحضر جور ماضيَهُ مرة أخرى في الفيلم الوثائقي إلا في الجزء المتعلق بمنزله في مرحلة الطفولة، الذي كان يعتبره جنة ريفية مُعرَّضة للكثير من المخاطر البيئية في الوقت الحالي. ويبدو أن جور قد وجد وسيلة أخرى لخدمة مجتمعه ويخبر المشاهدين سريعًا أنه قَلِق حيال المستقبل. ويمثل استخدامُه في الواقع لشيء من حس الفكاهة في العبارة التي يقدِّم نفسه من خلالها إشارةً للمشاهدين إلى أنه كان يعاني من أزمةٍ ما ولكنه عازم على تجاوزها، تمامًا مثلما جاء في الوصف الذي استخدمه كلٌّ من كيلتنر وبونانو في عام ????م في دراستهما للأشخاص الذين فقدوا عزيزًا لديهم.
يَشْرع علماء النفس في الوقت الحالي في تكوين حُزْمة أفضل من البيانات حول فوائد حس الفكاهة لصحة البالغين. نحن بحاجة ماسَّة إلى مناقشة مختلف أشكال تعزيز المرح في علم النفس، ولكن لا تزال قاعدةُ البيانات الداعمة بشدة لأهمية حس الفكاهة والضحك في حياة الأطفال صغيرةً. وتشير نقطة التأمل غير الفكاهية تمامًا إلى أن علماء النفس لا بد أن يجمعوا بين الجدية والقدرة على استخدام قدرٍ خاصٍّ من سبل تعزيز المرح!
في علم النفس، ستجدون بحوثًا دقيقة وذات صلة عن المودَّة والرعاية في عملية تنشئة الأطفال، وبفضل قاعدة المؤلفات الخاصة بالبالغين، لدينا في الوقت الحالي الكثير من المعلومات حول الضحك والتصوير بالرنين المغناطيسي والعلاقة بين الصحة البدنية وحس الفكاهة وما إلى ذلك، مقارنة بالوضع منذ عشرين عامًا، ولكننا لا نستطيع قول الأمر نفسه على دور حس الفكاهة في إطار مسئولية الأشخاص البالغين عن الأطفال. ويبدو أن العديد من علماء النفس يؤكدون على أهمية مسئولية الأشخاص البالغين تجاه الأطفال، ولكن دون تركيز كبير على موضوع تعزيز المرح، فلْنحاوِلْ تغيير هذه النظرة.
ذكر العديد من الفلاسفة أن الأشخاص يجب أن يركِّزوا على الاستمتاع بالحياة وتحقيق الاستفادة القصوى من كل يوم، ويجب أن تشمل هذه الحياة الناضجة والمتكاملة الفكاهة والضحك والمرح. يتميز تعزيز المرح في حياة الأطفال بالعديد من الفوائد من عدة جوانب. إن عناصر الارتباط المتبادل بين الفكاهة والضحك تحمل إسهامات إيجابية في العلاقات بين الأشخاص ولأَوجُه التطور الأخرى أيضًا، وعندما تذكر عالمتا نفس شهيرتان مثل جوان إي جروزيك وجاكلين جيه جودناو أن العلاقات بين حس الفكاهة وتربية الأبناء تحتاج إلى مزيد من البحوث، يجب علينا أن نُوليَ الأمر اهتمامًا. ويذكر علماء النفس المتخصصون في فوائد الفكاهة كوسيلة لتخفيف التوتر، مثل رود إيه مارتن وهيربرت إم ليفكورت، أن هذه البيانات معروفة لدى الأشخاص البالغين، ولكن يمكننا تعميم النتائج نفسها على الأطفال.
هذه الأمور تنبهنا إلى العمل الشاق الذي ينتظرنا، قد تكون البياناتُ التي تؤكد على الحاجة إلى تعزيز المرح قليلةً إلى حدٍّ ما في هذه الآونة، ولكنْ هناك قدر كافٍ من البيانات التي تشجع البالغين على تعزيز المرح في حياة الأطفال وصحتهم النفسية الجيدة. يمثل تعزيزُ المرح المقياسَ السادس للصحة النفسية الجيدة؛ فالأشخاص البالغون في حياة الأطفال يمكنهم إضفاء المتعة على حياتهم، وضرْب نماذج عن فوائد الفكاهة، فضلًا عن تدعيم هذا الجانب من التطور عند الأطفال. يتضح لنا أن تعزيز المرح قد يكون أحد الجوانب الشديدة الأهمية في حياة الأطفال، علاوة على قدرته على إثراء حياة الأشخاص البالغين في حياة الأطفال. هناك ارتباط متبادل بين التطور الكلي والعلاقات الاجتماعية والمرح يتطلب من علماء النفس إجراءَ مزيدٍ من البحوث حول هذا الأمر؛ ومن ثَمَّ نخلص إلى أن استخدام الأشخاص البالغين للمرح في علاقاتهم بالأطفال يعزِّز النتائج الإيجابية والصحة النفسية الجيدة.
والأسس الراسخة في العلاقات المهمة التي تدل على الاهتمام بالآخرين على نطاق أوسع هي موضوع الفصل التالي.

الفصل الثامن
التسامح والنشاط الاجتماعي


يتجول المعلمون في مطعم المدرسة وبصحبتهم رؤساءُ الطلبةِ المنتخبون من أقرانهم، لإقناع الأطفال الآخرين بتجربة الجلوس إلى طاولة جديدة، بعيدًا عن مجموعة الأصدقاء المألوفين لهم. يُطلق على هذا اليوم «يوم الاختلاط بالآخر وقت استراحة الغداء»، ويُنظَّم بهدف أن يتعامل الأطفال مع أشخاص جدد من أقرانهم. يتيح هذا الحدث الفرصة أمام الأطفال الأكثر انفتاحًا لإلقاء التحية على غيرهم الذين يمكنهم الاستفادةُ من هذه الفرصة لتقليل الشعور بالعزلة والارتباطُ أكثر بأقرانهم. وعلى الرغم من أن إلقاء التحية ليس سوى قول عبارة صغيرة، فإن هذا الحدث يهدف أيضًا إلى تشجيع الأطفال على تناول غدائهم مع أطفال آخرين لا يعرفونهم. وتتمثل الغاية في أن يتناول الأطفال المنتمون إلى فئات اجتماعية مختلفة غداءهم معًا كأقران، وأن يتعرفوا بعضهم على بعضٍ؛ بحيث يمكن إقامة علاقات جديدة أو على الأقل اكتساب فهم جديد عن «الآخر»، وقد جرى إعداد رؤساء الطلبة في المدرسة للقيام بدورهم كنماذج يَقتدي بها الأطفال الآخرون. وفي نهاية فترة الغداء، يتحرَّك رؤساء الطلبة الذين تُحددهم إدارة المدرسة من طاولاتهم المعتادة، ويُلاحظ أنهم يتجهون بمودة نحو الأطفال الذين لم يسبق لهم التعرف عليهم، ومن هنا تأتي البداية!
يتمثل المقياس السابع للصحة النفسية الجيدة في تنمية سمة التسامح مع الآخرين الذين يعتبرهم الأطفال مختلفين عنهم، وإدراك أن كل شخص يستحق فرصة متكافئة للاستمتاع بمباهج الحياة، بما في ذلك العمل والمدرسة، وهذا يمثل جوهر مفهوم «العدالة الاجتماعية». يمكننا العثور على هذه العبارة ضمن القواعد الأخلاقية الخاصة بالمهن المساعدة، مثل علم النفس والعمل الاجتماعي، والتي تتطلب من العاملين بها التزامًا بالعمل يُعرف ? «النشاط الاجتماعي». هناك حاجة ماسة للقيام بأمور تؤدي إلى الارتقاء برفاهية كافة أفراد المجتمع الذي تسود فيه سمات الطبقية واللامساواة. ويشير مصطلح «السلوكيات الاجتماعية الإيجابية» إلى تلك السلوكيات التي تعود بالنفع على كل الأطراف المعنية، والتي يمكن تعليمها للأطفال وتطويرها لديهم بتوجيه الأشخاص البالغين المسئولين عن رعايتهم. ومع توالي الأحداث في القرن الحادي والعشرين، يبدو أننا في حاجة ماسة لهذه الروابط الإيجابية أكثر من القرن الماضي.
يمكن أن يشجع الأشخاصُ البالغون المسئولون عن رعاية الأطفال السلوكياتِ الاجتماعيةَ الإيجابيةَ والتسامح والنشاط الاجتماعي ويعلِّموها للأطفال؛ بحيث يتمكنون من قضاء تجربة مثل «يوم الاختلاط بالآخر وقت استراحة الغداء» بسلاسة وانفتاح والتزام نحو الآخرين. ويجب أن يبدأ مبكرًا اكتسابُ الدروس الخاصة بالتسامح الذي يساعد في توجيه معتقدات الناس وتصرفاتهم، والخاصة بالنشاط الاجتماعي والتي تساعد في إثراء حياة الناس على المستوى الشخصي وعلى مستوى المجتمع ككلٍّ؛ فالأطفال المنفتحون على الآخرين والملتزمون بأهداف خارج إطارهم الشخصي يتمتعون بمستوًى أفضل من الصحة النفسية، وسيساعدون في تحويل العالم إلى مكان أفضل للجميع. ويتركز موضوع هذا الفصل في كيفية تحقيق هذه الأهداف الكبرى للارتقاء بمستوى الصحة النفسية الجيدة لدى الأطفال ولدى الآخرين. إنها أهداف كبرى بلا شك، ولكنها ستكون سهلة المنال بمساعدة مقدِّمي الرعاية البالغين.
هناك بحوث قليلة للغاية في مجال علم النفس حول الارتقاء بالتسامح والنشاط الاجتماعي لدى الأطفال، سنتناول بعض الدراسات التي ترجع إلى الكتابات الأولى عن السلوكيات الاجتماعية الإيجابية، علاوةً على بعض البيانات الحديثة المحددة عن تعزيز التسامح والنشاط الاجتماعي لدى الأطفال في هذه الآونة، وسأعتمد في هذا الإطار على الكثير من الأعمال التي وردت بالفعل في هذا الكتاب؛ وذلك بهدف وضع خارطة يتسنى للأفراد البالغين بواسطتها توجيه الأطفال، وسأعتمد أيضًا على التوجُّه النظري الخاص بي عن النظم البيئية والنظرية المعرفية الاجتماعية؛ لإظهار الارتباط بين ما هو معروف وبين الارتقاء بالصحة النفسية الجيدة لدى الأطفال الذين يؤمنون بمبادئ التسامح ويعملون لصالح الآخرين.
لنبدأ بدراسة المثال الخاص بمطعم المدرسة الوارد أعلاه. استخدمتُ في الفصول السابقة أمثلة سعيدة وإيجابية لتهيئة الأجواء للمعايير التي تعزِّز تطوُّر الصحة النفسية لدى الأطفال. يُعد المثال المذكور أعلاه أقل إيجابية من حيث أن هناك صعوبة ظاهرة يواجهها الأطفال في تكوين علاقات مع أشخاص ذوي مستويات مختلفة؛ إذ إن مقابلة أشخاص جدد أو التحاور مع أشخاص لا يعرفهم الأطفال جيدًا قد بدا أنها مهمة مستحيلة بالنسبة إليهم، وقد شعر هؤلاء الأطفال مع ذلك بالانزعاج وعدم الاستعداد للاستجابة إلى مناشدات المعلمين وزملائهم رؤساء الطلبة، فما الأحداث والتطورات التي وقعت في السابق وأفرزت أطفالًا واجمين وغير مطيعين بهذا القدر؟ هناك بعض البحوث في مجال علم النفس تساعدنا في استيعاب تردُّد الأطفال تجاه مخالطة زملائهم أثناء الغداء.
بدايةً يُعد هذا اليوم الاستثنائي يومًا واحدًا من بين أكثر من مائتي يوم في العام الدراسي، ومن المحتمل ألا يكون الأطفال قد مارسوا الكثير من الأنشطة في هذا اليوم، أو لم يُتَحْ لهم العديد من الفرص لملاحظة أشخاص بالغين يقومون بإرساء نموذج لهذا السلوك؛ فالأشخاص البالغون نادرًا ما يقدمون هذه الفرص المنظمة للأطفال. وعادة ما يقسِّم الناس أنفسهم إلى فئات من خلال عناصر مثل السمات البدنية أو الاهتمامات؛ فالدوافعُ غير الأنانية لمقابلة أشخاص جدد والتعاملُ مع مَن لا تعرفهم باهتمامٍ ولباقةٍ يمثِّلان أحد المطالب الشديدة الصعوبة بالنسبة للبالغين، فضلًا عن الأطفال.
يدور جزء كبير من هذا الكتاب حول مراعاة البالغين لسلوكياتهم كي تتعزَّز قدرتهم على الارتقاء بالنمو الإيجابي للأطفال، ولا يختلف هذا الفصل عمَّا سبقه؛ فالأشخاص البالغون الذين يشجِّعون الأطفال على ممارسة سلوكيات اجتماعية إيجابية، وذلك في أماكن مثل مطاعم المدارس، أو على نطاق مجتمعي كامل، أو حتى على مستوًى عالميٍّ؛ يحتاجون عادة إلى تطوير هذه المهارة أيضًا، فكَمْ عدد الأشخاص البالغين الذين يمكنهم أن يقولوا إنهم يحاولون مقابلة شخص جديد يبدو «مختلفًا» عنهم بصفة منتظمة، أو حتى مرة واحدة سنويًّا؟ فالاختلاف من حيث القدرة البدنية أو المعرفية أو لون البشرة أو خصائص الوجه أو الطبقة الاجتماعية أو التوجه الجنسي أو حتى الاهتمامات؛ قد يؤدي إلى تردد الأشخاص البالغين في تعامل بعضهم مع بعض على المستوى الاجتماعي؛ فالعديد من الأشخاص البالغين لا يبحثون عن تجارب من شأنها أن تساعدهم في فهْم الآخرين؛ ولهذا فنحن بحاجة إلى أن يكون مقدمو الرعاية البالغون أنفسهم نماذج في الانفتاح والتفاعلات الاجتماعية مع أشخاص آخرين مختلفين.
إن انتقاء بضعة أطفال ليكونوا رؤساء للطلبة يعني أن هؤلاء الأطفال فقط هم من يستطيع تحمُّل هذا النوع من المسئولية الخاصة، ولْنتأمَّلْ هذه الدراسة التي أجراها جيفري ماروياما (ماروياما وفرايزر وميلر ????)، تظل هذه الدراسة أحد أفضل الأمثلة عن الحاجة إلى التكليف بالمسئولية من أجل أن يأتي الأطفال للسلوكيات الاجتماعية الإيجابية. أجرى علماءُ النفس الاجتماعي هؤلاء تجربتَهم في الغرفة الأمامية بأحد المنازل في عشية عيد القديسين، طلب الباحثون من مجموعات من الأطفال الذين يَطْرقون أبواب المنازل للحصول على الحلوى في عيد القديسين أن يتبرعوا بما لديهم من حلوى للأطفال المرضى في المستشفيات، وعندما قال الباحثون لأحد الأطفال: «أنت قائد المجموعة»، وضع هذا الطفل الحلوى في صندوق التبرعات بالمستشفى، وتَبِعه عدد قليل من الأطفال، ولكن عندما أشار الباحثون إلى كل طفل بوضوح وقالوا: «إننا نعتمد عليك أنت وأنت وأنت وأنت.» تبرَّع جميع الأطفال تقريبًا ببعضٍ من الحلوى التي لديهم. يتضح لنا أنه عندما لم تُسند مسئولية التبرع لأي طفل، تبرَّع عدد قليل من الأطفال بما لديهم من حلوى، ولكن عندما وُكِّلت المسئولية الشخصية إليهم، استجابوا بطُرق اجتماعية إيجابية.
وإذا ما تأملنا المثال الخاص بمطعم المدرسة، يتضح لنا أن للأشخاص البالغين دورًا هائلًا في عملية الارتقاء بقِيَم التسامح والعدالة الاجتماعية. إن تقديم نماذجَ سلوكية للأطفال وفرصٍ للممارسة، وإكسابَهم المسئولية الشخصية للتصرف بإيجابية، يُعزِّزان السلوكيات الإيجابية لدى الأطفال. تَذكَّرْ أن الفصل السابع بدأ بمشهد الطفلتين اللتين تتناولان وجبتَي العشاء معًا بعد أن بذلتا جهدًا شاقًّا على مدار اليوم في مأوى النساء. كان المكان يعج أيضًا بالأشخاص البالغين الذين كانوا مسئولين عن تطورهما؛ حيث كانوا يعملون بأنفسهم ويشرفون عليهما ليجسدوا قِيَمهم الخاصة بخدمة المجتمع في صورة جلية أمام أعين الطفلتين. وكانت وجهة النظر التي خلصت إليها الطفلتان للتعبير عن الوقت الذي قضتاه في هذه المناسبة أنه كان وقتًا لتعزيز مشاعر المرح أكثر منه لجمع التبرعات، وكان واضحًا للغاية مدى شعورهما بالسعادة لخدمة المجتمع؛ فقد كَلَّف الأشخاصُ البالغون القائمون بالرعاية هؤلاء الأطفالَ بالمسئولية الشخصية، وجسَّدوا النماذج السلوكية بأنفسهم في سياقٍ مجتمعيٍّ، علاوة على إتاحة الفرصة بوضوح لمشاركة الأطفال. وكانت النتيجة التي تحقَّقت إيجابيةً لجميع الأطراف المعنية.
تتمثل العناصر الواجب توفرها لدى البالغين لضمان التزام الأطفال نحو الآخرين وبناء مجتمعات متكاملة في الآتي: (?) استخدام التحفيز، وتوضيح الحاجة للتسامح والنشاط الاجتماعي وفوائدهما.
(?) تقبُّل أسئلة الأطفال عن الاختلاف والترحيب بها.
(?) تكليف الأطفال بمسئولية بناء العلاقات مع الآخرين.
(?) توفير فرص للأطفال للمشاركة في النشاط الاجتماعي.
(?) تقديم نماذج للسلوكيات الإيجابية في التعامل مع الآخرين.
(?) إيضاح قِيَمهم حول التسامح والعدالة الاجتماعية صراحةً.
لا تقتصر فائدة القِيَم في أنها تحصِّن الأطفال من التأثيرات السلبية فحسب، بل إنها تعمل أيضًا على الارتقاء بالسلوكيات الإيجابية لدى الأطفال. إن الأفراد «الآخرين» ذوي الأهمية في حياة الأطفال، مثل الآباء والمعلمين وقادة المجتمع والمؤسسات الدينية، يمكنهم أن يدعموا هذه المعتقدات والأنشطة، وسنتناول أولًا دور الآباء في تعليم الأطفال قيمتَي التسامح والنشاط الاجتماعي.
(?) أقوال الآباء وأفعالهم

هناك دراستان بارزتان في مجال علم النفس أُجريَتا منذ وقت طويل حول الكيفية التي يمكن أن ترتقي بها معتقداتُ الآباء وتصرفاتُهم برفاهية الآخرين. أجرى بيري لندن في عام ????م دراسةً حول المسيحيين الذين قاموا بمساعدة اليهود في الهروب من ويلات النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، كما دَرَسَ ديفيد روزنهان في عام ????م الحقوقَ المدنية للعمال البيض في الولايات المتحدة، في الوقت الذي بدأت فيه حركة الحقوق المدنية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين في تحقيق المكاسب، وقد أراد هذان الباحثان أن يتعرفا على العوامل التي دفعت الناس إلى المخاطرة بحياتهم من أجل «الآخر الاجتماعي»، أو أولئك المختلفين عنهم سواء على صعيد الأصول العرقية أو المكانة المجتمعية. اكتشف بيري لندن ثلاثَ سمات رئيسية محفِّزة لدى الأشخاص الذين قام بدراستهم. كان لدى هؤلاء الأفراد المسيحيين حسُّ المغامرة، وإحساس بالتواجد على هامش مجتمعهم، علاوة على أنهم ترعرعوا في كنف والد شجاع رفيع الخلق، علَّم أبناءه وتصرَّف بأساليب داعمة للمجتمع لتعزيز رفاهية الآخرين. وذَكَرَ لندن في بحثه: «ما عبَّر عنه المشاركون في الدراسة مرارًا وتكرارًا، وعلى نحو صريح، هو الإعجاب بأحد الوالدين أو الالتزام بالمبادئ الأخلاقية الراقية التي كان الوالدان يؤمنان بها» (لندن ????: ???).
خلص ديفيد روزنهان إلى نتائج مماثلة من خلال دراسته للمشاركين في حركة الحقوق المدنية الأولى، وفيما يلي الوصف المثير للحماسة الذي أورده روزنهان عن أساليب النشطاء والأهداف التي كانوا يَصْبُون إليها: كان غاندي هو النموذج الذي وضعه المدافعون عن الحقوق المدنية نُصب أعينهم، وكان المبدأ الأساسي لحملتهم يتمثل في الابتعاد تمامًا عن العنف … وتمثلت الأهداف الجوهرية في الحقوق المتساوية والاندماج في المجتمع، وكانت المساواة في التعليم أيضًا من ضمن الأهداف [الجوهرية]، ثم جاء بعدها حق الاقتراع ومحاربة الفقر وحقوق العمل والحقوق الخاصة بحُرية التنقل. كانت ساحة المعركة الأساسية لا تزال في الجنوب، وكان من الصعب حينها توقُّع أن تمتد إلى الشمال؛ بحيث تشمل كل المدن والأحياء العشوائية والجامعات (روزنهان ????: ???).
تشابهت النتائج التي توصَّل إليها كلٌّ من لندن وروزنهان، اتضح أن النشطاء الذين قضوا أطول وقت وبذلوا أقصى جهد لدعم حركة الحقوق المدنية كانوا يتمتعون بعلاقات إيجابية مع الآباء، وكانوا ينتمون إلى أُسَر تتميز بصحة نفسية جيدة. علاوة على ذلك، ذَكَرَ هؤلاء الشباب الصغار أنهم حَظُوا بعلاقات ودية وظروف أُسَرية جيدة، كما ذكروا أن أحد الوالدين على الأقل كان ناشطًا في المجال نفسه أيضًا. ومثلما ذَكَرَ روزنهان، فإن هؤلاء الآباء، الذين «كانوا هم أنفسهم ملتزمين تمامًا بقضية إيثارية على مدار فترة طويلة من السنوات التي شهدت تشكيل وجدان أبنائهم المشتركين في الدراسة» (ص???)؛ قد عززوا فاعليات النشاط الاجتماعي. وقد وصف روزنهان هؤلاء الآباء بأنهم لم يكتفوا بتعليم أبنائهم السلوكيات الاجتماعية الإيجابية أو إكسابهم قيمة حب الغير، بل عايشوا القِيَم الخاصة بهم أيضًا. كان لدى هؤلاء الشباب الصغار نماذج أبوية تدعم السلوكيات الاجتماعية الإيجابية، علاوة على رسائل لفظية عن مراعاة الآخرين وأهمية التصرف وفقًا للمعتقدات الشخصية، وقد جسَّد هؤلاء الآباء القِيَم التي يؤمنون بها بشكل صريح أمام أطفالهم.
تَذكَّرْ أنني أشرت في الفصول السابقة إلى أهمية التعليم بأسلوب يعتمد على الحث والمودَّة، إضافة إلى أهمية إرساء نماذج للسلوكيات الإيجابية التي نرجو أن يطبقها الأطفال الخاضعون لرعايتنا. تُقدِّم النظريةُ المعرفية الاجتماعية التي صاغها ألبرت باندورا (????) للأشخاص البالغين إطارَ عملٍ جيدًا لتربية أطفال يتحملون مسئولية شخصية تجاه تصرفاتهم الخاصة وتجاه رفاهية الآخرين. ينبغي أن يُلقَّن الأطفال دروسًا عن السلوك الاجتماعي الإيجابي، والتسامح والمشاركة الاجتماعية؛ بحيث تتاح لهم فرصةُ وضْعِها في الاعتبار، كذلك يجب أن يشاهدوا الأفراد البالغين في عالمهم ينخرطون في هذه الممارسات الدالة على حب الغير؛ بحيث تتجلى النماذج أمامهم. يحتاج الأطفال إلى فرص لتطبيق هذه الدروس؛ بحيث يمكنهم إدراك أهميتها في التطور الإيجابي للجميع. ويحتاج الأطفال إلى هذه الرسائل على مدار مراحل طفولتهم؛ بحيث يَظهر التزامهم نحو النشاط الاجتماعي عندما يَصِلون إلى مرحلة المراهقة.
(?) التأثيرات الأبوية الأخرى

عندما يتعرف الأطفال في البداية على بيئاتهم في المنزل، ينشأ التعاطف مع الغير لديهم بالتوازي مع التعبيرات اللفظية والسلوكيات الودِّية الصادرة عن آبائهم. تبدأ العناية والاهتمام بالآخرين من خلال الآباء؛ فمع نمو الأطفال والتعامل مع الأفراد الآخرين في المجتمع في مواقف مختلفة، ترتبط هذه الاستجابات التعاطفية نفسها بالسلوك الاجتماعي الإيجابي للأطفال تجاه الآخر. وفي دراسةٍ أجراها عالِما النفس جانيت ستراير وويليام روبرتس (????)، سُئل الآباء عن تعاطفهم مع مشاعر أطفالهم، وفي الوقت نفسه سُئل الأطفال، ممن تتراوح أعمارهم بين خمسة أعوام وثلاثة عشر عامًا، عن أسلوب تنشئتهم، وقد بدا أن الأطفال الذين ذكروا أن آباءهم كانوا أصحاء على المستوى العاطفي أظهروا تعاطفًا مع الآخر، وسلوكًا اجتماعيًّا إيجابيًّا أيضًا. تشير عبارة «أصحاء على المستوى العاطفي» إلى أن الآباء قد وطَّدوا روابط تعاطفية مع أبنائهم، الذين حاكَوْا بدورهم السلوكَ الاجتماعيَّ الإيجابيَّ تجاه الآخر. ترجِّح هذه الدراسةُ الحاجةَ إلى وجود مهاراتِ تنشئة مبكرة تقوم على تفهُّم المشاعر لدى الآباء، سترتبط لاحقًا بسلوكيات الأطفال على مدار تطوُّرهم، وقد ثبت أيضًا ارتباط بضعة متغيرات ديموغرافية خاصة بالآباء بالسلوك الاجتماعي الإيجابي الأشمل لدى الأطفال، كما سيتجلى في الدراسات التالية.
كونستانس فلاناجان خبيرةٌ نفسيةٌ في مجال تعزيز المشاركة المدنية للأطفال، نشرت هي وزميلها سي جيه تاكر دراسةً في عام ????م، خَلَصَا من خلالها إلى أنه كلما ارتفع المستوى التعليمي للأم ودخل الأسرة في إحدى المناطق التعليمية، زادت احتمالية تمتُّع المراهقين بمسئولية مجتمعية لمكافحة الفقر والتشرد في الولايات المتحدة. وقد ذكر المراهقون أنفسهم أنهم كانوا ينتمون إلى أُسَر مهتمة بالتعاطف مع الآخر، وأنهم كانوا يعتقدون أن المجتمع لا يزال بحاجة إلى المزيد من الأهداف التي تعمل على تعزيز القِيَم المجتمعية. يدرك العديد من الشباب المسئوليات المجتمعية المنوطة بهم. تَذكَّرْ أننا قمنا في الفصل السادس بتناول الدراسة التي جاءت تحت عنوان «الطلاب الأمريكيون في السنة الأولى»، وأصدرها معهد بحوث التعليم العالي في عام ????م، حول طلاب السنة الأولى في الكليات كل عام على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي اكتشفنا من خلالها أن طلاب السنة الأولى بالتعليم الجامعي في عام ????م قد أعربوا عن تقديرهم لقيمة العمل في مجتمعاتهم لصالح الآخرين بمعدل أعلى من الدفعة السابقة. وأعرب هؤلاء الطلبة الجدد بالتعليم الجامعي عن استعدادهم لتلبية حاجة المجتمع بالصور التي تُعزِّز قِيَمه؛ خلاصة القول أن نزعة النشاط الاجتماعي لديهم كانت واضحة.
تعكس هذه البيانات أملًا بأن القِيَم والمعتقدات والممارسات الداعمة للمجتمع، والخاصة بالبالغين ذوي الأهمية في حياة الأطفال، تحرز تقدمًا في هذه الآونة على مستوى الولايات المتحدة؛ فكيف نستفيد من النتائج التي توصلت إليها فلاناجان وتاكر. ربما يتيح لنا التمتُّعُ بقدر أكبر من التعليم مراجعةَ معتقداتنا ومعتقدات الآخرين جيدًا، مثلما يتيح الدخل الأكبر الفرصة لإدراك المزايا التي يتمتع بها البعض عن غيرهم. وفي الواقع، فإن علماء النفس الذين يدعمون السلام بشدة يؤكدون أن قِيَم التسامح وحقوق الإنسان تُعزَّز عندما يكتسب الناس معلومات عن الثقافات وأنماط الحياة المتنوعة في العالم (انظر بيشيزنسكي وجرينبيرج وسولمن ????).
ما المجالات الأخرى التي يمكن أن يجد فيها الآباءُ الدعمَ لنشاطهم الاجتماعي، والتي يرغبون في إرساء نماذج لها يَحتذي بها أطفالهم؟ تُمثِّل التعاليم والنصوص الدينية عادةً أحدَ الموارد للأشخاص البالغين. تَأمَّلْ هذه الكلمات التي ذكرها جون ويزلي، أحد مؤسسي الكنيسة الميثودية: افعل ما تَقدر عليه من خيرٍ بكافة الوسائل والطرق الممكنة، وفي كل الأماكن، وفي جميع الأوقات، ومن أجل جميع الأشخاص، وذلك طالما كان بمقدورك فعل ذلك (ويزلي ????: ???).
وتتردد كلمات ويزلي حتى يومنا هذا بين الكثير من الأُسَر.
أجرت جوديث سميتانا، عالمة النفس الخبيرة في دراسة العلاقات لدى الشباب الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية، دراسةً حول المشاركة المدنية للمراهقين، واكتشفت أن التعاليم المبكرة للأم والتصرفات المرتبطة بالأنشطة الدينية قد أثَّرت في درجة التعلُّق بالقِيَم الروحانية لدى المراهقين (انظر سميتانا وميتزجر ????). ارتبط هذا التعلُّق بالقِيَم الروحانية أيضًا بالمشاركة اللاحقة للمراهقين في الأنشطة المدنية، وذلك حسب قولهم؛ فالمراهقون الذين ينتمون إلى أُسَر تسود بها القِيَم الروحانية يُرجَّح أن يشاركوا في مساعدة المجتمع الأكبر بأنفسهم. إن جميع الأديان الكبرى في العالم تُشجِّع أتباعها على التواصل مع الآخرين وتقديم المساعدة لمن هم أقل حظًّا، فضلًا عن تعزيز السلام. إن التعليم والتعاليم الدينية ما هما إلا مساران يؤديان إلى النشاط الاجتماعي.
إذا لخَّصنا هذه البيانات، بدا أن المنظور الثقافي في الولايات المتحدة الذي يشدد على النجاح والاستقلالية الفردية ربما يكون آخذًا في التغيُّر، ومقارنةً بالقرن العشرين، ربما أخذ في الوقت الحاضر عددٌ أكبر من الأفراد البالغين على عاتقهم مسئوليةَ نقلِ الحاجة إلى تطوير حس المسئولية الشخصية نحو الآخر للأطفال. ويحدونا الأمل أن تزداد الرسائل المتعلقة بالتواصل مع الآخرين، مثل الأشخاص الذين يواجهون ظروفًا حياتية عصيبة للغاية، وكذلك المتعلقة بالحاجة إلى دعم الآخرين الأوفر حظًّا في الحياة وتفاعلهم. وربما تكون الروح الجماعية، التي يكتب عنها عالم النفس هاري تريانديس (????) بشكل بليغ، قد رسخت جذورها الآن في الولايات المتحدة. تبدأ هذه الرؤية الشاملة عند الأطفال الذين يدركون أن تواصلهم مع الآخرين يرتقي بمستوى الفهم والعدالة الاجتماعية في هذا العالم.
(?) المعلمون والتسامح

مثلما حدث في الفصول السابقة، يحدوني الأمل في تشجيع كل الأشخاص البالغين المسئولين عن أطفالهم على المشاركة في تيسير اكتساب الأطفال للصحة النفسية؛ فالصحة النفسية للطفل تعتمد على جميع الأشخاص البالغين الموجودين في حياته، ويمثل المعلمون أحدَ الأركان الجوهرية في عملية الارتقاء بقِيَم التسامح والنشاط الاجتماعي.
تَذكَّرْ أننا ناقشنا في الفصل الرابع أهمية الأسرة كبيئة للانتماء؛ فالعلاقات التي تسودها الثقة والاحترام تساعد في الارتقاء بالعلاقات المستقبلية. وبالمثل، فالمعلمون الذين يعزِّزون المسئولية الاجتماعية في فصولهم الدراسية يعزِّزون أيضًا السلوك الاجتماعي الإيجابي. إن حسَّ الانتماء إلى مجموعة اجتماعية أكبر يقترن بأفكار المسئولية الفردية والاستعداد لمراعاة رفاهية الآخرين إلى جانب الرفاهية الشخصية؛ فالبيئة المدرسية توفر فرصة أخرى للانتماء والتواصل مع الآخرين.
وبحلول مرحلة المراهقة المتأخرة، أو عمر الأربعة عشر أو الخمسة عشر عامًا، قد تطغى مشاعر الأطفال بالانتماء إلى مجموعات الأقران في المدرسة على حس الانتماء في البيت. وعلى أقل تقدير، فإن لدينا بعض البيانات التي توضح الارتباط بين مشاعر الانتماء في المدرسة، أيِ الشعور بأن المدرسة تمثل مجتمعًا في حد ذاته، وبين الصحة النفسية الجيدة لدى الأطفال. وقد ذكرت عالمة النفس هيذر إم إم شيبير، في الدراسة التي أجرتها في عام ????م، أن شعور الأطفال بالانتماء إلى مدارسهم كان فعالًا في مساعدتهم في تجنب الوحدة والانفتاح أكثر على الآخرين. وذكرت شيبير أن الأداء الاجتماعي للأطفال كان سليمًا من منظور الصحة النفسية في حالة شعورهم بالارتباط بالمجتمعات المدرسية، وأن هذا الارتباط قد يمهد الطريق أمام السلوك الاجتماعي الإيجابي على مستوًى أوسع نطاقًا في المستقبل، وكان للمعلمين دور مؤثر في هذا الصدد. كيف يتسنى للمدارس الاستفادة من هذه النتيجة لتعزيز المزيد من المشاعر الإيجابية والارتقاء بالنشاط الاجتماعي بوجه عام؟
شرعت عدة مدارس على مستوى الولايات المتحدة في طلب مشروعات «التعلُّم الخدمي» من طلابها في المرحلة الثانوية. يتضمن التعلُّم الخدمي جزءًا منهجيًّا وجزءًا مرتبطًا بخدمة المجتمع للارتقاء بفهم الطلاب للمادة؛ على سبيل المثال، قد يَدْرس طلابُ المدارس الثانوية ممن يأملون في العمل كمعلمين تطوُّرَ الطفل في الفصل الدراسي، ويُطلب منهم التطوع في مدرسة ابتدائية خلال الأسبوع. ويُعد التعلُّم الخدمي الإلزامي على الطلبة جديدًا نسبيًّا في الولايات المتحدة، ولكننا لدينا بالفعل بعض البيانات التي توضح أنه يمثل إضافة إيجابية للغاية إلى مناهج المدارس. وقد ظهرت نتائج له مثل الإسهامات الإيجابية في المجتمع والصحة النفسية للطلاب، وحتى تعزيز تعلُّم المنهج المحدد الذي ينطوي عليه عنصر الخدمة. (يُعد مقال عالمة النفس آمي ستراج الذي نُشر في ????م ملخصًا جيدًا لهذه النتائج.)
وبحلول عام ????م، وضعت ثلث المدارس تقريبًا في الولايات المتحدة عناصر التعلُّم الخدمي في مناهجها (بيليج ????)، وقد تضمَّنت الفوائد الاجتماعية الإيجابية التي حصدها هؤلاء الصغار مزيدًا من الرؤى غير الأنانية، وزيادةً في التسامح والالتزام بالتعددية الثقافية، علاوة على طغيان روح انطوت على خدمة الآخرين كهدف مهم. ويبدو أن دمج التعلُّم الخدمي في جميع المدارس مهمة هائلة، ولكنها ملحة للغاية، بناءً على هذه النتائج الخاصة بالصحة النفسية للأطفال والمجتمع بوجه عام.
كتب ريد إيه لارسن، عالم النفس الشهير والخبير في مجال تطور المراهقين، في عام ????م أن المعلمين يجب أن يبحثوا عن سبل لتعزيز التحفيز المتأصل داخل الطلاب، الذي يتضمن التركيز على مدار فترة زمنية طويلة، ويعتقد لارسن أن «التطور الإيجابي» للأطفال يمكن أن يُعزَّز بالتركيز على التحفيز المتأصل. ويعبر لارسن عن حزنه لأن قدرًا هائلًا من مناهج المدارس الثانوية لا يراعي هذا الأمر، وأن التحدي أمام المعلمين والآباء، على حدٍّ سواء، يتمثل في إتاحة حرية اختيار أكبر للمراهقين في تعلُّمهم. وعندما يقوم البالغون وحدهم بتخطيط مسار التعلم الخاص بالمراهقين، يعتمد المراهقون على التحفيز الصادر عن «الآخر»، وغالبًا ما يؤدون للحصول على الجوائز التي وضعها البالغون دون التزام أصيل بتحقيق الإجادة. ويشير لارسن إلى الردود التي قام بتجميعها من بحوثه مع المراهقين عن يومهم المدرسي قائلًا: «كانت ردودهم تفتقد إلى الحماسة تمامًا على غرار شخصية بارت سيمبسون الكارتونية» (لارسن ????: ???). كذلك تحدث المراهقون عن مشاعر الضجر وافتقاد الارتباط بعملهم المدرسي، كما لو كانوا ينتظرون شخصًا ما يُظهر لهم متع التعلُّم.
يستطرد لارسن قائلًا إن جون ديوي كان على صواب عندما كتب في عام ????م أن البالغين يجب أن «يسمحوا» للأطفال بتطبيق ما تعلموه حديثًا، وأن إتقان المهارات والمشاركة الحقيقية يمكن تحقيقه فقط بالممارسة. ويؤكد لارسن أن الأنشطة التطوعية المُنظمة تُعد إحدى الوسائل الهادفة لتيسير التحفيز المتأصل العالي مع التركيز على مدار فترة زمنية. وأسوةً بمفهوم التعلم الخدمي، قد يوفر هذا النشاطُ التطوعيُّ غيرُ المنهجي، بما في ذلك الأنشطة الخدمية المجتمعية والدينية، مثلَ هذه البيئات لتعزيز الدافعية المتأصلة للتسامح والنشاط الاجتماعي. ويعتقد لارسن أن الأشخاص البالغين المهتمين بالتطور الكلي للأطفال يجب عليهم توفير المزيد من الأنشطة التطوعية التي تحقق لهم السعادة والتحفيز المتأصل.
(?) البيئات الاجتماعية الأكبر

ناقشنا في الفصل الثالث أهمية الأنشطة اللامنهجية كأحد عوامل التنشئة الاجتماعية للأطفال، ويَذكر ريد لارسن أن طبيعة هذه المجموعات تعني أن التحفيز المتأصل لدى الأطفال يحظى بالدعم؛ نظرًا لأن كثيرًا من الأمور اليومية لهذه المجموعات ينبع من الأطفال أنفسهم، وسواء كانوا في فرق المناظرة أو يقومون بتنظيم أنشطة دينية لخدمة مجتمعاتهم، فإنهم يشتركون في تخطيط قدر كبير من مسارهم مع الأشخاص البالغين الذين يساعدون في هذا التطور. ويَظهر دعم الأشخاص البالغين، ويتسم التعلُّم بالنزعة التعاونية، وقد اقترنت نتائج مثل ارتفاع معدل الدرجات أثناء مرحلة المراهقة، وزيادة الأنشطة التطوعية في مراحل عمرية لاحقة، بالأطفال الذين شاركوا بفاعلية في مجتمعاتهم الكبرى طلابَ المدرسة الثانوية. تُلقي هذه البيانات نظرة على أهمية تعزيز القدرة على التأثير داخل الأطفال، بينما يحاول البالغون تيسير وتدعيم الأنشطة الاجتماعية الإيجابية التي قد يشترك بها الأطفال. ويقول لارسن إن فهم أهمية التحفيز المتأصل لدى الأطفال للتصرف بكفاءة يمكن أن يكون جزءًا من تطورهم الإيجابي الكلي.
نعود إلى عمل كونستانس فلاناجان؛ ذكرت كونستانس في الفصل الخاص بها في «كُتيِّب علم النفس للمراهقين» (????) أن الطبيعةَ التبادليةَ للأشخاص البالغين، الذين يتطوعون بوقتهم للمشاركة في الأنشطة غير المنهجية مع الأطفال، وانشغالَ وقت الأطفال بالأنشطة المدنية لاحقًا «حلقةٌ مثمرة»؛ فالأشخاص البالغون الذين يُعلِّمون الأطفال الانخراط في الأنشطة الاجتماعية الإيجابية يعززونها مع الأطفال الذين يثقون بهم. وفي الوقت نفسه، يكتسب هؤلاء الأطفال المزيد من وجهات النظر الإيجابية عن الآخرين بشكل عام مقارنةً بالزملاء غير المشاركين. وتعني الأهداف الجماعية التي يحددها الأطفال لمجموعاتهم بمساعدة الأشخاص البالغين القائمين برعايتهم أن تطور الأطفال يتحسن؛ فالأطفال يتعلمون كيفية تحديد الأهداف وتحقيقها لصالح المجتمع. وكذلك تتعزز صحتهم النفسية الجيدة وتستفيد الجماعة والمجتمع الأكبر من عملهم.
تعود بنا مناقشة فلاناجان إلى أهمية الآباء، تَذْكُر فلاناجان أن المراهقين المشاركين بفاعلية في مجتمعاتهم لديهم آباء مشاركون في المجتمع أيضًا، ورغم أن الطبقة الاجتماعية تُعد أحد العوامل التي تنبئ بالمشاركة المدنية — إذ يرتبط دخل الآباء الأعلى بزيادة المشاركة المدنية — يسود النشاط الاجتماعي في جميع الطبقات عند وضع الانتماءات الدينية في الاعتبار؛ وأعني بذلك أن الأُسَر ذات الأحوال الاقتصادية السيئة غالبًا ما تشارك في النشاط الاجتماعي عندما يتعلق بالعمل الاجتماعي الخاص بمؤسساتهم الدينية، وإذا ما أُتيحت لهم الفرص، يمكن أن يطوِّر جميع الأطفال المشاركة المدنية. ويدعم عمل سميتانا وميتزجر (????) هذه البيانات.
يجري تعزيز التسامح والالتزام بالنشاط الاجتماعي عندما يكون الأطفال قادرين على مساعدة الآخرين المحتاجين، أو عندما ينتهزون الفرص للتعرف على الآخرين الاجتماعيين الذين لم يصادفوهم من قَبل، وينطوي مثل هذا التصرف أيضًا على فرص للتناقش مع الأشخاص البالغين القائمين بالرعاية حول معنى النشاط الاجتماعي. ويجب أن يكون الأشخاص البالغون متاحين عندما يبدأ الأطفال طرح أسئلة عن أنفسهم ومجتمعهم؛ فالمراهق المذكور في الفصل السادس الذي اشترى القميص ذا الأكمام القصيرة، الذي صوَّر كبار الزعماء من السكان الأمريكيين الأصليين بعبارة تقول كلماتُها: «مكافحة الإرهاب منذ عام ????»؛ قد مُنح فرصة لإبداء بُغضه لمعاملة حكومة الولايات المتحدة لسكان أمريكا الأصليين، وقد كانت المناقشة بين الأب والابن ضرورية لمساعدته في مراجعة قِيَمِه وتحديد موقفه من قضية العدالة الاجتماعية هذه. أعلن الأب موافقته الصريحة على توجيه الطفل للأسئلة وسَمح للطفل بالتصرف وفقًا لمعتقداته. ويجب أن يتعلم الأشخاصُ البالغون، الذين يريدون تعزيز التسامح والعدالة الاجتماعية بين الأطفال، تدبُّرَ تحيزاتهم الشخصية والتصرفات الخاصة بالعدالة الاجتماعية أيضًا، وهذا هو الموضوع الذي سنتناوله في الجزء التالي.
(?) تعليم التسامح والنشاط الاجتماعي

عندما يحاول الأشخاص البالغون القائمون بالرعاية أن يُعلِّموا الأطفال القِيَم الخاصة بهم — بما في ذلك التسامح مع الآخرين وكيفية التصرف وفقًا لمعتقداتهم — فقد يمثل الأمر صراعًا لهم؛ فالأشخاص البالغون في حياة الأطفال يحتاجون غالبًا بعض المساعدة عند مجابهة دورهم في المجتمع وتحيزاتهم الشخصية؛ إذ إن هذه التحيزات الشخصية يمكن أن تجعل تعليم التسامح للأطفال أكثر صعوبة. ويُعد العمل الخاص باثنين من المدافعين عن أهمية توجيه المعلمين نحو العمل في إطار عمل خاص بالعدالة الاجتماعية نقطةً جيدةً للبدء. في عام ????م، قدَّم جيرالد وينشتاين وكاثي أوبير للمعلمين استراتيجيات ليصبحوا أكثر كفاءة في تعليم مفاهيم العدالة الاجتماعية، طلب هذان الأستاذان الجامعيان من المعلمين أن يفكروا كيف أسهم تطورهم (أي المُعلِّمين) في تعليمهم التسامح، ونورد فيما يلي ملخصًا باستراتيجياتهما.
يجب على المعلمين

(?) أن يكون لديهم وعي بهوياتهم الاجتماعية، بما في ذلك الأصل العرقي والديانة والطبقة الاجتماعية والتمييز بناءً على القدرات الجسمانية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
(?) أن يتصدَّوْا لتحيُّزاتهم، وأن يتساءلوا عن مدى تأثر ظروفهم بمفاهيمَ مثل «امتياز البيض» أو «التمييز على أساس الجنس» وما إلى ذلك.
(?) أن يراجعوا استجاباتهم تجاه التحيز الذي يعبر عنه الأفراد البارزون في جماعةٍ ما عن مجموعات مُستهدفة؛ على سبيل المثال، التفكير فيما ينبغي قوله عن استخدام الأطفال لكلمات «مُعاق» أو «مثليِّ الجنس» أو «أعرج» كصفات تحطُّ من قَدْر الآخرين.
(?) أن يتذكروا أن جميع الأفراد البالغين لا يزالون يتعلمون كيفية التصدي لتحيُّزاتهم والاستجابة للآخرين.
(?) أن يتذكروا أن تأييد الطلاب (الأطفال) أمر شديد الأهمية، ولكن يجب أن يوازَن مع أهمية الموضوعات الخاصة بالعدالة الاجتماعية، ويمكن التعامل مع ذلك بأسلوب ودِّي.
(?) أن يتعلموا التعامل مع الحدَّة الانفعالية المحيطة بهذه الموضوعات التي يُظهرها في بعض الأحيان الأطفالُ، إلى جانب الحدة الانفعالية الخاصة بهم. وعندما يخشى الأشخاص البالغون من فقدان السيطرة على الفصل الدراسي أو يخشون من فقدان صلة المودة مع أطفالهم، يمكن أن تُعطَى ردود غير مؤكدة. انتبه عندما يحدث هذا وتَعَاملْ معه أيضًا. خُذ استراحة، واستأنِف ثانية.
فلْنراجِعْ ما طلب وينشتاين وأوبير (????) من المعلمين أن يفعلوه. يمكن أن تكون هذه النقاط صالحة للتطبيق أيضًا مع الآباء أو أي أشخاص بالغين آخرين لديهم أطفال خاضعون لرعايتهم. بدايةً ينبغي أن يراجِع الأشخاص البالغون الفئات الاجتماعية التي ساعدت في تطورهم الإيجابي أو أعاقته، ويجب أن يضع الأشخاص البالغون في اعتبارهم خلفياتهم الأُسَرية وأصولهم العرقية ومعتقداتهم الدينية وقدراتهم البدنية أو حيويتهم الجسدية والتصنيفات الأخرى التي لا تتجزأ من هويتهم؛ على سبيل المثال، بصفتِي مُعلمة، لديَّ عادةً طلابٌ أمريكيون ذوو أصول أوروبية ممن يقولون إنه ليس لديهم أصل عرقي عندما أطلب منهم أن يشتركوا في هذه المناقشة في الفصل. ويعتقد هؤلاء الطلاب البيض الذين يلتحقون بكليات جامعية في الولايات المتحدة بفضل أوضاعهم كأغلبية، من ناحيتَي العدد والنفوذ، أن مجموعتهم العرقية ذات نفوذ وليست في حاجة إلى تخطيط أو مراجعة، إنهم يَختبرون ما يُطلق عليه «امتياز البيض»، وأنا أطلب من هؤلاء الطلاب التصدِّي لهذا التحيُّز من خلال توجيه القول لهم بشكل لَبِقٍ ولكنه مباشر: «أعتقد أنكم تتحدثون من منظور امتياز البيض.» والطلبة الذين لا يألفون هذه العبارة — وهم كُثُر — يعملون معي بهدف التخلص من هذا التحيز، الذي لم يكونوا يعرفونه سابقًا. إن مواجهة التحيزات تساعد في جعل الأشخاص البالغين أكثر انفتاحًا على تلقي الأسئلة من الطلبة عندما نرغب في تعليم التسامح. إن الصحة النفسية للأشخاص البالغين تساعد في الارتقاء بالأمر نفسه لدى الأطفال.
إن كيفية استجابة الأشخاص البالغين للأقوال أو الأفعال التي تنمُّ عن تحيزٍ تمثِّل أهمية لتعليم الأطفال، تَذكَّرِ «الأب الذي كان يصطحب ابنته وزميلاتها لاعبات الكرة»، الذي تصدى لتنميط الشعب التركي من قِبل الفتيات اللاتي كنَّ يستقلِلْنَ سيارته، وقد واصل تشجعيهنَّ بطريقة لبقة لإعادة النظر في مواقفهنَّ، وأضفى بعض المرح على الدرس من خلال ارتياحه الشخصي للموقف. أظهر الأب للفتيات اللاتي في رعايته أنه بالفعل يهتم بهنَّ من خلال تصدِّيه لوجهات نظرهنَّ التنميطية للآخرين، ويُعد هذا مثالًا لمواجهة ناجحة للغاية، ولكن لا يتميز كلٌّ منَّا بهذه المهارة الفائقة مع كل حالة مواجهة محتملة؛ إذ ينبغي أن يتذكر البالغون أنهم يتعلمون عن التسامح والنشاط المجتمعي كل يوم، تمامًا مثل الأطفال. يصعب على الأشخاص البالغين المخاطرةُ بِسِمةِ حُسن النية لدى الأطفال الخاضعين لرعايتهم، وذلك بإيقاف النقاش وإشراكهم في حوار عن التحيز، ولكن سواء كانوا طلابًا في فصل دراسي أو مجموعة من لاعبات كرة القدم في سيارة، يتحمل الأشخاص البالغون مسئولية المساعدة في تشكيل أفكار الأطفال والطلبة عن الآخر الاجتماعي، وإضفاء مزيد من التسامح على العالم.
وأخيرًا، يقترن موضوعا التسامح والعدالة الاجتماعية عادةً بدرجة عالية من الحدَّة الانفعالية؛ فعندما يشعر الناس بأن مواقفهم يُستخفُّ بها، أو أنهم في موقف دفاعي، قد يبدو أن قدراتهم المعرفية تنحسر وتحل محلها المشاعر الانفعالية. يواجه غالبية الناس صعوبة في التفكير على نحوٍ سديدٍ عندما يعتقدون أنهم يُهاجَمون، ويحتاج الأطفال للأشخاص البالغين كي يساعدوهم في رؤية هذه المواجهة مع التحيزات على أنها نابعة من منطلق الاهتمام بهم، وأن الكلمات التي تُقال أو الإجراءات التي تُتخذ تَصبُّ في صالحهم، والأشخاص البالغون لا يختلفون عن الأطفال في هذا الأمر كثيرًا. إن النضج الذي يأتي مع التقدم في العمر لا يضمن إصدار رد فعل مدروس ومكتمل الجوانب إزاء عدم التسامح أو افتقاد العدالة الاجتماعية؛ فكلٌّ منَّا قد يواجه صعوبة مع المحتوى الانفعالي المتأصل غالبًا في دعوات الآخرين للتغيير. وعندما يجد الأشخاص البالغون أن فصولهم الدراسية أو منازلهم يسودها التوتر الناجم عن عدم التسامح، يمكن أن يطلب الأشخاص البالغون من الجميع أن يأخذوا استراحة ويلتقطوا أنفاسهم، ويفكروا بهدوء فيما أفرزه عدم التسامح، وربما يمكننا أن نطلب من الأطفال أن يكتبوا أو يرسموا عن تجربتهم كطريقة لإعادتهم إلى حالة معرفية أوضح ذات محتوًى انفعالي أقل، وقد يحتاج الأشخاص البالغون القيام بالأمر نفسه، وهذا لا يعني أن المحتوى الانفعالي بلا قيمة، بل العكس تمامًا! إن الأمر يتلخص فقط في أن التفكير العقلي في مواقف الآخرين عن التسامح قد يتطلب قدرًا هائلًا من الفكر والتركيز.
وكأشخاص بالغين، نحن نسأل أنفسنا بشأن المعارك التي نختار خوضها مع الأطفال الخاضعين لرعايتنا. وتُعد القضايا التي تثير مخاوف للأشخاص البالغين في غالب الأمر هي تلك القضايا نفسها التي تثير مخاوف الأطفال أيضًا. لقد استمع الأب، الذي يصطحب لاعبات الكرة في سيارته، إلى الفتيات وهنَّ يتحدثْنَ بشكل سلبي عن الأتراك، واختار أن يوقف مثل هذا التنميط من خلال تسمية التصرف، طالبًا منهنَّ أن يحدِّثْنَه أكثر عن الأمر. أدرك الأب أنه كان بحاجة إلى بضع ثوانٍ لتهدئة نفسه، وقد منحه هذا الطلبُ أيضًا المزيدَ من المعلومات عمَّا أثار هذا الحديث السلبي، كما منحه وقتًا لترتيب حديثه عن التحذير والتسامح الذي عرف أنه يجب أن يَصِل إلى الفتيات الصغيرات بأسلوب ودود. استخدم الأب حس الفكاهة لمساعدته في التعبير عن فكرته، وتمكنت الفتيات الصغيرات من الربط بين توجيهه وبين وجهات نظرهنَّ السابقة. وقد جرى تعزيز التسامح والعدالة الاجتماعية من خلال الإيجابية الاجتماعية للأب والتزامه بالحديث عندما استمع إلى حوار ينطوي على ازدراء للآخر.
(?) تطوُّر الطفل والصحة النفسية الجيدة والتسامح والعدالة الاجتماعية

تطرقنا في هذا الكتاب إلى الأدوار العديدة المنوطة بالأشخاص البالغين في حياة الأطفال. إن السياقات المتعددة للمنزل والمدرسة والمجتمعات هي أماكن يحدث بها تطور الأطفال، وفي داخل بيئات التعليم هذه، يتضح أن هوياتِ الأطفال المعرفية والاجتماعية والسياسية الأكبر مهمةٌ للصحة النفسية الجيدة للأطفال. إن الصحة النفسية الجيدة للأطفال تعطينا الأمل في بناء مجتمعات أفضل للجميع في المستقبل. ومثلما تَذكُر كونستانس فلاناجان (????)، سيكون لكل جيل من الأطفال أحداث ونماذج تاريخية مختلفة للتعامل معها، وسيتغير بالضرورة تطويرهم للمسئولية والمشاركة المدنية من جيل إلى جيل نظرًا لهذه التحديات المختلفة.
ومثلما تفترض النظرية البيئية للتطور لِيوري برونفينبرينر (????)، يجب أن يتعامل كل جيل مع السياق التاريخي الذي ترعرع في إطاره؛ فتطوُّر الأطفال يعتمد على التفاعلات مع الأشخاص البالغين والأطفال الآخرين؛ وهو ما يعزز الصحة النفسية الجيدة. إن الإشكاليات العالمية تؤثر على هذا التطور، ونحن في حاجة إلى أفراد بالغين يحرصون على التسامح في وقتنا الحاضر أكثر من أي وقت مضى. إن القرن الحادي والعشرين حافل بالنزاعات وثمة افتقاد واضح لقيمة التسامح بين الناس المتحاربين في كافة أنحاء العالم، وهذا يفرض على الأشخاص البالغين في المجتمع الحر، بل وربما حول العالم في المجتمعات الأقل حرية، أن يعملوا على الارتقاء بتطور الأطفال في جميع هذه المجالات المهمة.
يحدث التطور المعرفي والاجتماعي عندما يشترك الأطفال بفاعلية في عوالمهم بمساعدة الأشخاص البالغين القائمين بالرعاية. وتعتمد الصحة النفسية الجيدة للأطفال على الأشخاص البالغين الذين يبحثون عن التسامح والعدالة للجميع، ويعتمد التسامح العالمي والعدالة الاجتماعية على الجيل التالي. علينا ألا نلقيَ بهذا العبء على أطفالنا دون أن نزوِّدهم بوسائل تعمل ? «منارات ودروع للقِيَم» التي ناقشناها في الفصل السادس؛ فالنشاط الاجتماعي هو جائزة لأطفالنا.
إن الصلات المبكرة مع الآباء والأشخاص الآخرين القائمين بالرعاية تضع الأطفال على مسار تطور العلاقة التي ستخدمهم جيدًا على مدار حياتهم. كذلك الالتزامات الاجتماعية والتعاطف مع الآخرين والبيئة التي تحتاج إلى تدخل أو إصلاح من قِبل الإنسان تُعزَّز على أيدي أشخاص بالغين مهتمين بالتطور المبكر للأطفال. وتُعد هذه الصلات المبكرة، بما في ذلك الصلات مع الأطفال الآخرين، هي لَبِنات البناء للصحة النفسية الجيدة التي تساعد الأطفال في النظر خارج نطاق أنفسهم؛ ومن ثَمَّ المشاركة في المسئولية المدنية وخدمة الآخرين. وعندما يتحمل الأشخاص البالغون المهمُّون في حياة الأطفال مسئولية تربية الجيل التالي بشكل جدِّي وبأساليب تنمُّ عن حسن الاطلاع، مثل تلك الأساليب التي يمكن أن توفرها البحوث النفسية؛ ستتحسن حينئذٍ قدرتنا على مساعدة جميع الأطفال في أن يكونوا نشطاء المستقبل. كما توفر التطبيقات العملية للبحوث النفسية التي نوقشت في هذا الكتاب العديد من الفرص للأشخاص البالغين لمساعدة الأطفال في بناء صحتهم النفسية الجيدة.
بينما أنت عاكف على اكتساب المزيد من المعلومات لمؤازرة نموك ونمو الأطفال الخاضعين لرعايتك، أمضِ مزيدًا من الوقت في البحث عن موارد أخرى ستجعلك والدًا أفضل ومعلمًا أفضل. وتعتمد معظم قائمة القراءة الخاصة بتطوير التسامح لدى الأطفال والبالغين على مؤلفات أستاذة علم النفس الاجتماعي التي تشتهر بعملها في تعزيز التسامح؛ وهي الدكتورة كيم كايس. صمَّمت كايس وأجرت أبحاثًا على مجموعات نقاش أُطلق عليها: «نساء بِيضٌ ضد العنصرية» طوال سنوات عديدة، وتمثل نموذجًا لكيفية استطاعة الأشخاص ذوي الامتيازات مراجعةَ تحيزاتهم الشخصية والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية. وتحتفظ كايس وزوجها كينت كايس أيضًا بمكتبة رائعة من كتب الأطفال الخاصة بتعزيز التسامح (انظر الملحق).
يمكننا كأفراد أن نصنع فارقًا لأنفسنا وفارقًا في حياة أطفالنا. انظر إلى هذه الكلمات المؤججة للمشاعر من مارجريت ميد: «لا يعتريك أدنى شكٍّ في أن مجموعة صغيرة من الناس يمكنها أن تُحدِث تغييرًا. في الواقع، إنها الطريقة الوحيدة التي تُثبت نجاحها دائمًا.» كما أنني أَجْريت مقابلة مع أحد الناشطين في مجال الحقوق المدنية للإعداد لهذا الكتاب، ولفتت نظري ثلاث ملاحظات منه. أخبرني الدكتور بروس بالمر، وهو مؤرخ ذائع الصيت (لقاء شخصي، ? مارس ????م) عن تجربته في ستينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة. لقد بدأ كأحد الناشطين في مجال الحقوق المدنية؛ نظرًا لأنه كان في علاقة ذات أهمية بالنسبة له وكانت شريكته ناشطة في الحركة. كان لدى والديه ضمير اجتماعي، وعندما اقترح عليهما أنه سينضم للحركة، دعمته والدته تمامًا، بل وقالت له إنها تحسده على هذا الأمر. وفي نهاية الأمر، ذكَّرني أن حركة الحقوق المدنية أُطلقت من خلال عدد محدود للغاية من الأشخاص. كان نبوغهم جليًّا لبالمر، ولكن أعدادهم كانت صغيرة؛ فالولايات المتحدة تغيرت بفضل مجموعة صغيرة من أشخاصٍ نابغين كانوا ناشطين اجتماعيين. وللأشخاص البالغين تأثير في حياة الأطفال وتحتاج مجتمعاتهم الحالية من مختلف الأجيال أن يعملوا من أجل التسامح والعدالة الاجتماعية، وتبدأ هذه الأمور مع علاقاتنا الأولى.
في هذا الكتاب، ركزتُ على العلاقات بصفتها سبيل بناء مستقبل الأطفال، ويمكن تعزيز صحتهم النفسية الجيدة من خلال المقاييس السبعة التي ناقشناها. والأشخاص البالغون الذين يعزِّزون تطور الأطفال باهتمام وودٍّ يؤدون أدوارهم بفعالية في شتى مجالات المهارة؛ بمعنى أن الآباء والمعلمين والأشخاص البالغين الآخرين ذوي الأهمية في حياة الطفل يساعدون في الارتقاء بالنمو الشامل للأطفال. والأشخاص البالغون الذين يحفزون التطور المعرفي والاجتماعي والبدني للأطفال، مع وضع صحتهم النفسية الجيدة كهدف، إنما يعززون نمو جميع الأفراد.
إن هذه الأهداف يمكن تحقيقها. احرصْ على بناء علاقات في إطار بيئتَي الأسرة والمدرسة من شأنها أن تعزِّز مشاعر الانتماء والثقة في الآخرين. ساعِد الأطفال في تطوير علاقات صداقة دائمة ستساعدهم على مدار حياتهم. علِّم الأطفال القِيَم الخاصة بك والتزمْ بها. راقِب التأثيرات الأخرى في حياتهم. استمتعْ بالوقت! تفحَّصْ صحتك النفسية وراجع تحيزاتك أيضًا. ساعِد الأطفال في رؤية مكانتهم في العالم كعوامل تغيير لتحقيق المصلحة للجميع؛ فالتسامح والعدالة الاجتماعية لهما بداياتٌ مبكرة عند أطفالنا.
سأستعين بتعبير كونستانس فلاناجان وأقول إن «الحلقة المثمرة» تبدأ عندما يتولى الكبار تربية أطفال أصحاء نفسيًّا، وهؤلاء يردُّون بدورهم الجميل لمجتمعاتهم. تبدأ الحلقة المثمرة وتنتهي عند الأفراد البالغين المهتمين والمستعدين لأداء هذا العمل الهام؛ فأطفال القرن الحادي والعشرين بحاجة إلينا، وتربيتُهم على أن يتمتعوا بصحة نفسية جيدة أمرٌ في الإمكان، وسيعود ذلك بالنفع عليهم وعلى الآخرين. كذلك ستساعدهم الصحة النفسية الجيدة في الاستمتاع بحياة سعيدة وناجحة، وتباعًا سيعملون في صالح هذا العالم.

ملحق


مصادر لموضوع التسامح والعدالة الاجتماعية
(?) مصادر عامة

There are many great resources for adults to use with children.(1) I recommend becoming a member of an activist organization that promotes tolerance and social justice. One great organization of this kind is the Southern Poverty Law Center (SPLC). You can access this organization online at www.splcenter.org. This nonprofit educational and legal foundation functions as a clearing house and activist leader for social good in the United States. This is the group that designed “Mix-It-Up-At-Lunch Day.” They publish a magazine that members receive titled Teaching Tolerance. Every issue is full of sound tips for promoting tolerance and social activism in children. I learn something new about my fellow travelers on this Earth from every issue. The SPLC also makes free curriculum kits available to teachers. One example is “Responding to Hate at School: A Guide for Teachers, Counselors and Administrators.”(2) When children are seeking activities to engage in, assist them in finding one that includes social activism. Many opportunities for service exist in all of our communities. One example is the Girl Scouts/Boy Scouts organization. Service to others is a hallmark of the work they ask of children. If you encounter a troop that is intolerant of some groups of children, seek another troop. Often, the Scout leaders’ views prevail and we are all on the journey of overcoming bias at different levels. One recent book published about Eagle Scouts was written to detail some of the service engaged in by those who have attained this level of Scouting. They have gone on to achieve national office, become members of the astronaut corps, save natural habitats, lead colleges, and serve as camp counselors as adults. Alvin Townley’s Legacy of Honor: The Values and Influence of America’s Eagle Scouts was published in 2007 by Thomas Dunne Books.(3) Youth Communication is a nonprofit youth development program that sells resource books for adults and adolescents, written by adolescents. Examples of some of their available titles are “Helping Others,” “Growing up Black, Asian, Latino” (three titles), “Resilience,” and “Mental Health.” Find them at www.youthcomm.org.(4) The Anti-Defamation League (ADL), in conjunction with Barnes and Noble publish a list of books that address social justice. The pamphlet they produce is called “Close the Book on Hate” and can be downloaded at the ADL’s website: www.adl.org/prejudice/default/asp. This list contains books for children and adults.(?) كتب للأطفال

The children’s book collection of Kim and Kent Case includes the following titles:(1) King and King. Linda de Haan and Stern Nijland. Two males become a couple.(2) King and King and Family. Linda de Hann and Stern Nijland. A male couple adopts a child.(3) And Tango Makes Three. Justin Richardson and Peter Parnell. The true story of two male penguins at the Central Park Zoo who become a couple and raise a baby penguin together.(4) Heather Has Two Mommies. Leslea Newman.(5) Molly’s Family. Nancy Garden. A kindergarten child with two moms who attend Parents’ Night together.(6) We Adopted You, Benjamin Koo. Linda Walvoord Girard. First person account of a child from Korea adopted in the United States.(7) New Moon is a magazine for girls about embracing girlhood and promotes tolerance and activism.(8) William’s Doll. Charlotte Zolotow. William’s grandmother buys him a doll so that he will learn nurturing skills.(9) The Sissy Duckling. Harvey Fierstein. Elmer the duck enjoys traditionally feminine activities and perseveres when his friends deride him.(10) My Name was Hussein. Hristo Kyuchukov. Ethnic violence means that children must adopt new beliefs or even change their names to survive.(11) What if the Zebras Lost Their Stripes? John Reitano. Black, white, or striped, we are all in the animal kingdom together.(12) Zack’s Story: Growing Up with Same Sex Parents. Keith Greenberg. A first person account of Zack, who has two moms.(13) Happy to Be Nappy. bell hooks (author bell hooks does not capitalize her name). Be proud of who you are.(14) Let’s Talk About Race. Julius Lester. Inside we are all the same.(15) Black is Brown is Tan. Arnold Adoff. A multi-ethnic family has many beautiful skin-tones.(16) Spotty. Margaret Rey. A spotted bunny leaves his all white bunny family only to find a spotted bunny family who is skeptical of a white bunny in their midst.(17) Tusk Tusk. David McKee. White and black elephants fight to their deaths while the peace loving ones escape. Generations later the surviving elephants emerge and are all gray.(18) White Socks Only. Evelyn Coleman. A young African-American girl drinks from an “All White” fountain and brings others to social activism as well.(19) Why Should I Recycle? Jen Green. Mr. Jones, a teacher, shows his students the benefit of recycling.(20) ABC A Family Alphabet Book. Bobbie Combs. Families are diverse.(?) كتب للكبار

This booklist was generated in part by the members of Kim Case’s groups titled “White Women Against Racism.”الأطفال/التربية

Critical Multiculturalism: Rethinking Multicultural and Antiracist Education, Stephen May.
Diversity in the Classroom, 2nd edition, Frances E. Kendall.
Everyday Acts Against Racism: Raising Children in a Multiracial World, Maureen T. Reddy.
Lies My Teacher Told Me, James Loewen.
Open Minds to Equality, Nancy Schniedewind and Ellen Davidson, activity book.
Prejudice and Your Child, Kenneth B. Clark and Stuart W. Cook.
Teaching for Diversity and Social Justice: A Sourcebook for Teachers and Trainers, Maurianne Adams, Lee Ann Bell, and Pat Griffin.
Teaching Tolerance: Raising Open-Minded, Empathetic Children, Sam Bullard.
Why Are All the Black Kids Sitting Together in the Cafeteria? Beverly Tatum.
أعمال غير قصصية

Black Feminist Thought: Knowledge, Consciousness, & the Politics of Empowerment, Patricia Hill Collins.
Black Men on Race, Gender, and Sexuality, Devon Carbado.
Black Reconstruction in America, W. E. B. DuBois.
Black Wealth/White Wealth, Melvin Oliver and Thomas Shapiro.
The Damascus Affair, Jonathon Frankel, anti-Semitism.
Divided Sisters: Bridging the Gap Between Black Women and White Women, Kathy Wilson and Midge Russell.
Fighting Racism in World War II, George Breitmann, C. L. R. James, Fred Stanton, and Ed Keemer.
Home Girls: A Black Feminist Anthology, Barbara Smith.
Inequality By Design: Cracking the Bell Myth Curve, Claude Fischer et al.
Jews Against Prejudices: American Jews and the Fight for Civil Liberties, Stuart Svonkin.
Let’s Talk About Racism (The Let’s Talk Library), Diane Shaughnessy.
Life, Death, and In-Between on the U.S.-Mexico Border: Asi Es La Vida, Martha Oehmke Loustaunau and Mary-Sanchez Bane.
Our Feet Walk the Sky: Women of the South Asian Diaspora, Women of South Asian Descent (Eds.).
Quarantine! Howard Markel, anti-Semitism.
Racial Healing: Confronting the Fear Between Blacks and Whites, Harlon L. Dalton.
Racial Politics and the Pedagogy of Whiteness, Henry A. Giroux.
Racism Explained to My Daughter, Tahar Ben Jelloun et al.
Sister Outsider, Audre Lorde.
Turning Back: The Retreat From Racial Justice in American Thought and Policy, Stephen Steinberg.
Women, Race, and Class, Angela Davis.
Yo’ Mama’s Disfunktional: Fighting the Culture Wars in Urban America, Robin D. G. Kelly.
البشرة البيضاء والعنصرية

A Race is a Nice Thing to Have: A Guide to Being a White Person or Understanding the White Persons in Your Life, Janet Helms.
The Universalization of Whiteness: Racism and Enlightenment, Warren Montag.
The Wages of Whiteness, David Roediger.
White Awareness, Judy Katz.
White Women, Race Matters: The Social Construction of Whiteness, Ruth Frankenberg.
الروحانية وعلاج العنصرية

Beyond Fear: Twelve Spiritual Keys to Racial Healing, Aeeshah Ababio Clottey et al.
Enter the River: Healing Steps From White Privilege Toward Racial Reconciliation, Jody Miller Shearer.
Pastoral Care: An Antiracist/Multicultural Perspective (Blackwell Studies in Personal and Social Education and Pastoral Care), Carlton G. Duncan.
مناهضة العنصرية

Anti-Racism (Key Ideas), Alastair Bonnett.
Dismantling Racism: The Continuing Challenge to White America, Joseph R. Barndt.
Fighting Words: Black Women and the Search for Justice, Patricia Hill-Collins.
Killing Rage: End Racism, bell hooks.
Uprooting Racism: How White People Can Work for Racial Justice, Paul Kivel.
سير ذاتية

The Autobiography of Malcolm X, Malcolm X and Alex Haley.
Invisible Privilege: A Memoir About Race, Class, and Gender, Paula S. Rothenberg.
Long Time Coming: An Insider’s Story of the Birmingham Church Bombing That Rocked the World, Elizabeth H. Cobbs, Petric J. Smith, and Fred L. Shuttlesworth.
Narrative of the Life of Frederick Douglass, Frederick Douglass.
Night, Elie Weisel, Holocaust.
Rising Voices: Writings of Young Native Americans, Arlene B. Hirschfelder and Beverly R. Singer.
أعمال قصصية

A Lesson Before Dying, Ernest J. Gaines.
A Woman of Her Tribe, Margaret Robinson.
Beloved, Toni Morrison.
Black Boy, Richard Wright.
The Bluest Eve, Toni Morrison.
The Color Purple, Alice Walker.
Dust Tracks on a Road, Zora Neale Hurston.
Goodbye Vietnam, Gloria Whelan.
Growing Up Chicana/o, Tiffany A. Lopez.
I Know Why the Caged Bird Sings, Maya Angelou.
Invisible Man, Ralph Ellison.
The Joy Luck Club, Amy Tan.
The Kitchen God’s Wife, Amy Tan.
The Latin Deli, Judith Ortiz Cofer.
Latina, Lillian Castillo-Speed.
Love Medicine, Louise Erdrich.
Makes Me Wanna Holler, Nathan McCall.
Possessing the Secret of Joy, Alice Walker.
Puro Teatro: A Latina Anthology, Alberto Sandoval-Sanchez and Nancy Saporta Sternbach.
Their Eyes Were Watching God, Zora Neale Hurston.
Things Fall Apart, Chinua Achebe.
The Things They Carried, Tim O’Brien.
The Wedding, Dorothy West.

مراجع


Aronson, J. (2002). Improving academic achievement: Impact of psychological factors on education. Amsterdam: Academic Press.
Bandura, A. (1965). Influence of models’ reinforcement contingencies on the acquisition of imitative responses. Journal of Personality & Social Psychology, 1, 589–596.
Bandura, A. (2001). Social cognitive theory: An agentic perspective. Annual Review of Psychology, 52, 1–26.
Baumeister, R. E, Campbell, J. D., Krueger, J. I., & Vohs, K. D. (2003). Does high self-esteem cause better performance, interpersonal success, happiness, or healthier lifestyles? Psychological Science in the Public Interest, 4(1), 1–44.
Baumrind, D. (1971). Current patterns of parental authority. Developmental Psychology, 4(1), 1–103.
Bierman, K. L. (2004). Peer rejection: Developmental processes and intervention strategies. New York: Guilford Press.
Billig, S. H. (2000). Research on K-12 school-based service-learning. Phi Delta Kappan, 81(9), 658–664.
Bonanno, G. A. (2004). Loss, trauma, and human resilience: Have we underestimated the human capacity to thrive after extremely aversive events? American Psychologist, 59(1), 20–28.
Brofenbrenner, U. (1986). Ecology of the family as a context for human development: Resaerch perspectives. Developmental Psychology, 22, 723–742.
Brown, J. D. (2002). Mass media influences on sexuality. Journal of Sex Research, 39(1), 42.
Buston, K., & Wight, D. (2004). Pupils’ participation in sex education lessons: Understanding variation across classes. Sex Education, 4(3), 285–301.
Carneiro, P., & Heckman, J. J. (2003). Human capital policy. In J. J. Heckman & A. B. Kruger (Eds.), Inequality in America: What role for human capital policies? Cambridge, MA: MIT Press.
Chipuer, H. M. (2001). Dyadic attachments and community connectedness: Links with youths’ loneliness experiences. Journal of Community Psychology, 29(4), 429–446.
Cochran, M., & Davila, V. (1992). Societal influences on children’s peer relationships. In R. D. Parke & G. W. Ladd (Eds.), Family-peer relationships: Modes of linkage. (pp. 191–212). Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum Associates.
Cole, P. M., Martin, S. E., & Dennis, T. A. (2004). Emotion regulation as a scientific construct: Methodological challenges and directions for child development research. Child Development, 75(2), 317–333.
Comer, J. P. (2004). Leave no child behind. New Haven, CT: Yale University Press.
Csikszentmihalyi, M., & Beattie, O. V. (1979). Life themes: A theoretical and empirical exploration of their origins and effects. Journal of Humanistic Psychology, 19(1), 677–693.
Dodge, K. A. (1993). Social cognitive mechanisms in the development of conduct disorder and depression. Annual Review of Psychology, 44, 559–584.
Dunn, J. (2004). Children’s friendships: The beginnings of intimacy. Oxford: Blackwell.
Dynarski, M., Moore, M., Mullens, J., Gleason, P., James-Burdumy, S., Rosenberg, L. et al. (2003). When schools stay open late: The national evaluation of the 21st-Century Community Learning Centers Program. First year findings. U.S. Department of Education.
Emde, R. N. (1980). Levels of meaning for infant emotions: A biosocial view. In W. A. Collins (Ed.), Development of cognition, affect, and social relations. Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum Associates.
Endresen, I. M., & Olweus, D. (2005). Participation in power sports and antisocial involvement in preadolescent and adolescent boys. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 46(5), 468–478.
Englund, M. M., Luckner, A. E., Whaley, G. J. L., & Egeland, B. (2004). Children’s achievement in early elementary school: Longitudinal effects of parental involvement, expectations, and quality of assistance. Journal of Educational Psychology, 96(4), 723–730.
Flanagan, C. A., (2004). Volunteerism, leadership, political socialization, and civic engagement. In R. M. Lerner & L. Steinberg (Eds.), Handbook of adolescent psychology (2nd edn.). Hoboken, NJ: Jonn Wiley & Sons.
Flanagan, C. A., & Tucker, C. J. (1999). Adolescents’ explanations for political issues: Concordance with their views of self and society. Developmental Psychology, 35(5), 1198–1209.
Fry, W. F. (2002). Humor and the brain: A selective review. Humor: International Journal of Humor Research, 15(3), 305–333.
Garmezy, N. (1985). Stress-resistant children: The search for protective factors. In J. E. Stevenson (Ed.), Recent research in developmental psychopathology (pp. 213–233). Elsmsford, NY: Pergamon Press.
Gilman, R., Meyers, J., & Perez, L. (2004). Structured extracurricular activities among adolescents: Findings and implications for school psychologists. Psychology in the Schools, 41 (1), 31–41.
Gniewosz, B., & Noack, P. (2006). Intergenerational transmission and projection processes of intolerant familial attitudes towards foreigners. Zeitschrift fur Entwicklungspsychologie und Padagogische Psychologie, 38(1), 33–42.
Grossman, K., & Grossman, K. E. (1985). Maternal sensitivity and newborns’ orientation responses as related to quality of attachment in northern Germany. In 1. Bretherton & E. Waters (Eds.), Growing points of attachment: theory and research. Chicago: University of Chicago Press.
Gruber, H. E., & Voneche, J. J. (Eds.). (1977). The essential Piaget. New York: Basic Books.
Grusec, J. E., & Goodnow, J. J. (1994). Impact of parental discipline methods on the child’s internalization of values: A reconceptualization of current points of view. Developmental Psychology, 30(1), 4–19.
Grusec, J. E., & Kuczynski, L., (Eds.). (1997). Parenting and children’s internalization of values: A handbook of contemporary theory. New York: John Wiley & Sons, Inc.
Guggenheim, D. (Writer) (2006). An inconvenient truth [video recording]. In L. David, L. Bender, & S. Z. Burns (Producer): Paramount Classics and Participant Productions.
Hall, S. K. (1998). Corporal punishment and the family. Family Life, 1, 313–316.
Halpern, D. F. (2005). Psychology at the intersection of work and family: Recommendations for employers, working families, and policymakers. American Psychologist, 60(5), 397–409.
Harkness, S., & Super, C. M. (1995). Culture and parenting. In M. H. Bornstein (Ed.), Handbook of parenting (Vol. 3). Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum Associates.
Harrison-Hale, A. O., McLoyd, V. C., & Smedley, B. (2004). Racial and ethnic status: Risk and protective processes among African American families. In K. I. Maton, C. J. Schellenbach, B. J. Leadbeater, & A. L. E. Solarz (Eds.), Investing in children, youth, families, and communities: Strengths-based research and policy. Washington, DC: American Psychological Association.
Harter, S. (1989). Self-perception profile for adolescents. Denver: University of Denver, Department of Psychology.
Harter, S. (1999). The construction of the self. New York: Guilford Press.
Hearold, S. (1986). A synthesis of 1043 effects of television on social behavior. In G. Comstock (Ed.), Public communication and behavior (Vol. 1). New York: Academic Press.
Higher Education Research Institute. (2005). The American Freshman national norms for Fall 2005. Los Angeles: Higher Education Research Institute, University of California.
Horng, J.-S., Hong, J.-C., ChanLin, L.-J., Chang, S.-H., & Chu, H.-C. (2005). Creative teachers and creative teaching strategies. International Journal of Consumer Studies, 29(4), 352–358.
Kanoy, K., Ulku-Steiner, B., Cox, M., & Burchinal, M. (2003). Marital relationship and individual psychological characteristics that predict physical punishment of children. Journal of Family Psychology, 17(1), 20–28.
Kazdin, A. E., & Benjet, C. (2003). Spanking children: Evidence and issues. Current Directions in Psychological Science, 12(3), 99–103.
Keltner, D., & Bonanno, G. A. (1997). A study of laughter and dissociation: Distinct correlates of laughter and smiling during bereavement. Journal of Personality and Social Psychology, 73(4), 687–702.
Knafo, A. (2003). Contexts, relationship quality, and family value socialization: The case of parent-school ideological fit in Israel. Personal Relationships, 10(3), 371–388.
Kochanska, G. (2002). Mutually responsive orientation between mothers and their young children: A context for the early development of conscience. Current Directions in Psychological Science, 11(6), 191–195.
Larson, R. W. (2000). Toward a psychology of positive youth development. American Psychologist, 55(1), 170–183.
Lefcourt, H. M. (2001). Humor: The psychology of living buoyantly. New York: Kluwer Academic.
Lefcourt, H. M., Davidson-Katz, K., & Kueneman, K. (1990). Humor and immune-system functioning. Humor: International Journal of Humor Research, 3(3), 305–321.
London, P. (1970). The rescuers: Motivational hypotheses about Christians who saved Jews from the Nazis. In J. Macaulay & L. Berkowitz (Eds.), Altruism and helping behavior. New York: Academic Press.
McFarlane, A. C. (1988). Recent life events and psychiatric disorder in children: The interaction with preceding extreme adversity. Journal of Child Psychology & Psychiatry & Allied Disciplines, 29(5), 677–690.
McGee, P. E. (1989). Humor and children’s development: A guide to practical applications. New York: Haworth Press.
Martin, R. A. (1989). Humor and the mastery of living: Using humor to cope with the daily stresses of growing up. In P. E. McGee (Ed.), Humor and children’s development: A guide to practical applications. New York: Haworth Press.
Martin, R. A. (2001). Humor, laughter, and physical health: Methodological issues and research findings. Psychological Bulletin, 127(4), 504–519.
Martin, R. A., & Lefcourt, H. M. (1983). Sense of humor as a moderator of the relation between stressors and moods. Journal of Personality and Social Psychology, 45(6), 1313–1324.
Martino, S. C., Collins, R. L., Elliott, M. N., Strachman, A., Kanouse, D. E., & Berry, S. H. (2006). Exposure to degrading versus nondegrading music lyrics and sexual behavior among youth. Pediatrics, 118(2), 430–441.
Maruyama, G., Fraser, S. C., & Miller, N. (1982). Personal responsibility and altruism in children. Journal of Personality and Social Psychology, 42(4), 658–664.
Masten, A. S., (1986). Humor and competence in school-aged children. Child Development, 57(2), 461–473.
Masten, A. S., & Coatsworth, J. D. (1998). The development of competence in favorable and unfavorable environments: Lessons from research on successful children. American Psychologist, 53(2), 205–220.
Network, NECCR. (2006). Child-care effect sizes for the NICHD Study of Early Child Care and Youth Development. American Psychologist, 61(2), 99–116.
Papousek, H., & Papousek, M. (1992). Beyond emotional bonding: The role of preverbal communication in mental growth and health. Infant Mental Health Journal, 13(1), 43–53.
Patrick, H., Turner, J. C., Meyer, D. K., & Midgley, C. (2003). How teachers establish psychological environments during the first days of school: Associations with avoidance in mathematics. Teachers College Record, 105(8), 1521–1558.
Puche-Navarro, R. (2004). Graphic jokes and children’s mind: An unusual way to approach children’s representational activity. Scandinavian Journal of Psychology, 45(4), 343–355.
Pyszczynski, T. A., Greenberg, J., Solomon, S., & American Psychological Association. (2003). In the wake of 9/11: The psychology of terror (1st edn.). Washington, DC: American Psychological Association.
Regalado, M., Sareen, H., Inkelas, M., Wissow, L. S., & Halfon, N. (2004). Parents’ discipline of young children: Results from the national survey of early childhood health. Pediatrics, 113, 1952–1958.
Rieger, A., & Ryndak, D. (2004). Explorations of the functions of humor and other types of fun among families of children with disabilities. Research & Practice for Persons with Severe Disabilities, 29(3), 194–209.
Rose, S. A. (1994). Relation between physical growth and information processing in infants born in India. Child Development, 65(3), 889–902.
Rosenhan, D. (1970). The natural socialization of altruistic autonomy. In J. Macaulay & L. Berkowitz (Eds.), Altruism and helping behavior. New York: Academic Press.
Rutter, M. (1979). Protective factors in children’s response to stress and disadvantage. In M. W. K. J. E. Rolf (Ed.), Primary prevention in psychopathology (Vol. 3). Hanover: University of New Hampshire Press.
Rutter, M., & O’Connor, T. G. (2004). Are there biological programming effects for psychological development? Findings from a study of Romanian adoptees. Developmental Psychology, 40(1), 81–94.
Saarni, C. (1999). The development of emotional competence. New York: Guilford Press.
Santrock, J. W. (2007). Adolescence (11th edn.). Boston: McGraw Hill.
Seligman, M. E. P. (1991). Learned optimism. New York: Knopf.
Shatz, M., & Gelman, R. (1973). The development of communication skills: Modifications in the speech of young children as a function of listener. Monographs of the Society for Research in Child Development, 38(5), 1–37.
Smetana, J. G., & Metzger, A. (2005). Family and religious antecedents of civic involvement in middle class African American late adolescents. Journal of Research on Adolescence, 15(3), 325–352.
Smith, A., Schneider, B., & Ruck, M. (2005). “Thinking About Makin’ It”: Black Canadian students’ beliefs regarding education and academic achievement. Journal of Youth & Adolescence, 34(4), 347–359.
Smith, S. L., & Donnerstein, E. (1998). Harmful effects of exposure to media violence: Learning of aggression, emotional desensitization, and fear. In R. Green & E. Donnerstein (Eds.), Human aggression: Theories, research and implications for social policy. New York: Academic Press.
Spelke, E. S. (2002). Developmental neuroimaging: A developmental psychologist looks ahead. Developmental Science, 5(3), 392–396.
Steele, C. M., & Aronson, J. (1995). Stereotype threat and the intellectual test performance of African Americans. Journal of Personality and Social Psychology, 69(5), 797–811.
Steinberg, L. (2004). The ten basic principles of good parenting. New York: Simon & Schuster.
Stevenson, H. W., & Lee, S.-Y. (1990). Contexts of achievement: A study of American, Chinese, and Japanese children. Monographs of the Society for Research in Child Development, 55.
Strage, A. (2004). Long-term academic benefits of service-learning: When and where do they manifest themselves? College Student Journal, 38(2), 257–261.
Straus, M., Gelles, R., & Steinmetz, S. (1980). Behind closed doors: Violence in the American family. New York: Doubleday.
Strayer, J., & Roberts, W. (2004). Children’s anger, emotional expressiveness, and empathy: Relations with parents’ empathy, emotional expressiveness, and parenting practices. Social Development, 13(2), 229–254.
Trevlas, E., Matsouka, O., & Zachopoulou, E. (2003). Relationship between playfulness and motor creativity in preschool children. Early Child Development & Care, 173(5), 535–543.
Triandis, H. C. (1994). Culture and social behavior. New York: McGraw-Hill.
Van Ijzendoorn, M. H., & Kroonenberg, P. M. (1988). Cross-cultural patterns of attachment: A meta-analysis of Strange Situation. Child Development, 59(1), 147–156.
Vygotsky, L. S. (1962). Thought and language. Cambridge, MA: MIT Press.
Weinstein, G., & Obear, K. (1992). Bias issues in the classroom: Encounters with the teaching self. In M. E. Adams (Ed.), Promoting diversity in college classrooms: Innovative responses for the curriculum, faculty, and institutions, New Directions for Teaching and Learning, no. 52. (pp. 39–50). San Francisco: Jossey-Bass.
Werner, E. E., & Smith, R. S. (1982). Vulnerable but invincible longitudinal study of resilient children and youth. New York: McGraw-Hill.
Wesley, J. (1915). Letters of John Wesley. London: Hodder and Stoughton.
Winstead, B. A. (2004). Social networks and social support in childhood and adolescence. PsycCritiques.
Xiao, H. (2000). Class, gender, and parental values in the 1990s. Gender and Society, 14(6), 785–803.