Advertisement

العقل الباطن


العقل الباطن




العقل الباطن

تأليف
سلامة موسى




العقل الباطن

سلامة موسى



مقدمة


موضوع هذا الكتاب جديد في اللغة العربية. وهو في اللغات الأوربية حديث العهد يقوم بزعامته فرويد العالم النمسوي يعاضده ويروج نظرياته وينقحها طائفة من العلماء مثل يونج في سويسرا وأدلر في ألمانيا وبودوان في فرنسا ورفرز في انجلترا. وربما كان هذا الأخير أكبر من نقح في نظريات فرويد. ولكن فضل الاختراع والابتكار لفرويد وحده.
وقد كان في ميسوري أن أنقل كتابًا من مؤلفات هؤلاء إلى العربية وأقنع بذلك ولكني وجدت أن لهجة التأليف تساعد القارئ على الفهم أكثر من لهجة الترجمة. وأنا مع ذلك في تأليفي إنما ألخص ما درسته عن هؤلاء وفي التلخيص تنقية وتنقية أراعي فيهما مصلحة القارئ العربي التي قد لا يساعدني النقل في بلوغها. وقد قرأت نحو عشرين كتابًا في هذا الموضوع ورأيت مصداق النظريات التي تقول بها في نفسي وفي غيري. ولذلك فأني سأعتمد في ضرب الأمثال على ما مرّ بي بالذات أو بأصدقائي. وقد توقيت فيه بقدر الإمكان ذكر الألفاظ العلمية لأنه موضوع لجمهور القراء كما توقيت فيه الألاعيب الأدبية الرخيصة مثل «رأي فيما يرى النائم» بدل حلم و«الجاثوم» بدل كابوس الخ.
ولما كان هذا الغرض نصب عيني فإني اضطررت أيضًا إلى عدم تأكيد الغريزة الجنسية مع خطورتها العظيمة في هذا البحث. وذلك لأن التبسط في هذا الموضوع يحتاج إلى عبارات قد لا تتفق والحياء. وليس هذا الكتاب موضوعًا للعلماء حتى يقال أنه لا حياء في العلم. ولكني مع ذلك لم أهمل هذا الموضوع كل الإهمال. ولم يكن الإهمال على كل حال مستطاعًا.
واعتقادي أن القارئ إذا قرأ هذا الكتاب بترتيب فصوله بدون تقديم فصل على آخر أمكنه في النهاية أن يعرف سريرة نفسه ويقف على ميوله ويفحصها ويفسر أحلامه ويعالج أمراضه النفسية.
ويمكن المستزيد أن يقرأ كتابي «اليوم والغد» ففيه فصول تتعلق بهذا الموضوع أما الذين يعرفون الإنجليزية فيمكن المبتدئ أن يقرأ: W. W. Atkinson’s The New Psychology.
W. W. Atkinson’s Suggestion & Auto–Suggestion.
C. Baudouin’s Suggestion & Auto–suggestion.
أما المتوسط فيمكنه أن يقرأ: S. Freud’s Introductory Lectures on Psycho–analysis.
وبعد ذلك يمكنه أن يتوسع بقراءة شيء من مؤلفات هؤلاء:
Freud, Rivers, Jung, Adler, Tansley & Varendonck.
فى ذكر العاملين


يبحث هذا الكتاب في العقل الباطن أي ذلك العقل الذي يعمل على غير وعي منا وبه نحلم ونحن نائمون وبه تخطر علينا الخواطر ونحن في اليقظة الغافية حين لا نكون متنبهين أي حين يكون العقل الواعي غير يقظ تمام اليقظة.
فهذا العقل الباطن يعمل كأنه مستقل عنا. وهو يقرر ميولنا وأمزجتنا بل هو الذي يكوّن أخلاقنا وكثيرًا ما تحدث لنا منه أمراض نفسية خطرة جدًا.
وأول من عمد إلى درس هذا العقل هو فرويد العالم النمسوي فهو المعلم الأول وسائر الباحثين تلاميذه المعلقين على نظريته أو المنقحين لها. وهو يعتقد أن أهم نوازع العقل الباطن التي تحدث لنا الخواطر والأحلام هو الغريزة الجنسية التي تتنكر فتبدو لنا بأشكال مختلفة. وأن الأحلام تظهرنا على الثقافة القديمة التي كانت فاشية منذ آلاف السنين بين آبائنا.
ويونج أستاذ سويسري يجري على أسلوب فرويد ولكنه يؤمن بغريزة الرقي المتسامية باعتبارها القوة الأصلية التي تبتعث الأحلام والخواطر وتحدث الأمراض النفسية ويرى أثرها في الأساطير الدينية والثقافة القديمة. وهو يختلف أيضًا عن فرويد لأنه يقسم الناس قسمين من حيث المزاج أحدهما ذلك الذي يستجيب للبيئة بالدخول إلى نفسه فيفكر ويجتر أفكاره. والآخر ذلك الذي ينشط للعمل ويؤثر في البيئة. وهذا التمييز ضروري عنده في معالجة المريض أو تفسير الحلم.
أما أدلر فهو أول تلاميذ فرويد وهو أحسنهم. وهو لا يؤمن بأن الغريزة الجنسية هي القوة الأصلية التي تحدث الخواطر والأحلام وتكون الأخلاق وإنما يكاد يقول برأي نيتشه بأن الرغبة في القوة والتوسع والاستعلاء هي الأصل أوهي الطاقة التي تتكون منها أخلاقنا وخواطرنا وأحلامنا وأمراضنا. (وقد قبلت أنا رأي يونج بتنقيح طفيف. فالقوة النفسية الدافعة لنا والمكونة لشخصياتنا هي في اعتقادي الرغبة في الرقي. وهذا ما نستقرئه من التطور. فإن الطبيعة ترمي إلى الإرتقاء). ولأدلر تنقيح آخر في النفسلوجية الحديثة وهو أنه يعزو إلى النقص الحادث في الجسم أو النفس أو الإحساس قوة تدفع الشخص إلى الاعتياض منه بكفاية أخرى. وقد سماه «مركب النقص» كالأعمى تجود ذاكرته والأعرج يتجمل في لباسه والألكن يتعود الخطابة. وهو يعتقد أن العبقرية ترجع إلى نقص ما.
إما بودوان فرجل فرنسي له فضل آخر وهو إبراز قوة الاستهواء في المعالجة وخاصة ذلك الاستهواء الذاتي حين يؤثر الشخص في نفسه ويجعل عقله الباطن طوع إرادته كأن يلهم نفسه النجاح فينجح أو الشفاء فيشفى.
وأخيرًا نذكر رفرز وهو إنجليزي استطاع أن يجعل النفسلوجية الحديثة علمًا متصلا بنظرية التطور فإننا إذا اعتبرنا فرويد المخترع الأول لهذا العلم والممارس لفنه وواضع أساليبه فإننا نعتبر يونج فيلسوف هذا العلم من حيث توسيع دائرته حتى يشمل ثقافة الإنسان كلها وأن هذه الثقافة كامنة في نفس كل منا. أما رفرز فإنه العالم الذي لا يطيق الفلسفة ولذلك فهو أبعد الناس عن يونج وهو ينكر أن الأحلام تعبر عن الثقافة القديمة بل يرى أن رموز الحلم تكتسب من تجارب الشخص فقط.
هؤلاء هم أقطاب النفسلوجية الحديثة. وطريقتهم كلهم تحليل النفس بالسؤال والجواب بحيث يذكر المريض حلمه أو خواطره فيأخذ المحلل في سؤاله عنها ويقرن كل معنى طارئ إلى غيره حتى يستشف العقل الباطن ويقف المريض على كنه مرضه فيشفى. ولكن بودوان يزيد على ذلك طريقة الاستهواء ويستعمل التحليل والاستهواء معًا. أما رفرز فأنه ينصح بتقييد الخواطر التي تمر بالعقل وقت الاستيقاظ عقب الحلم مباشرة ثم تقرن هذه الخواطر إلى مادة الحلم فيمكن عندئذ تفسيره.

الرقي طبيعة الإنسان


إن الهم الأكبر للنفس البشرية هو ارتقاؤها وتطورها من حسن إلى أحسن ومحاولتها الصعود ولو كان في ذلك فناؤها.
فالإنسان حيوان شريف بالطبع طموح إلى العلا دائب السعي في الرقي. وليس تطوره في الماضي هو الدليل الوحيد على ذلك إذ هو في عقله وجنونه كما في أحلامه وفي خواطره دائم الطموح إلى العلاء والرقي.
فنظرية التطور هي نظرية «النشوء والإرتقاء» وذلك لأن تاريخ الأحياء في الماضي يدل على أن الأحياء كانت في تطورها ترتقي من حال إلى حال. وهذه النزعة التي تتغشى تاريخه في الماضي لا يمكن إلا أن تكون مستسرة في نفسه نازعة به في المستقبل كما نزعت بأسلافه في الماضي إلى الارتقاء.
وقديمًا بحث الناس عن السعادة ولكننا الآن نكاد نتفق على أنها هي الشعور بالرقي. سواء أكان هذا الرقي بزيادة الصحة أو المال أو الجاه أو العلم. فما دمنا نزداد رقيًا فنحن سعداء. وذلك لأن الرقي هو في صميم طبائعنا كما هو في صميم تاريخ الأنواع أي تطورها. وإذا بدأنا نشعر بأننا قد وقفنا عن الارتقاء فذلك هو الشعور بالشقاء.
ويمكننا أن نتحسس هذه النزعة حين نغفو غفوة قصيرة فنستسلم لخواطر لذيذة كأن نعتقد أننا صرنا وزراء أو علماء أو ملوكًا. ونشعر بالسعادة تغمرنا لهذه الخواطر لأن هذه الخواطر تشبع في أنفسنا شهوة الرقي كما نفهمه من الظروف التي تحوطنا. فالمقامر يشعر أنه قد ربح مبلغًا جسيما يجعله في مركز من السيادة يطمح إليه. والنائب في البرلمان تخطر له خواطر لذيذة عن الوزارة التي سيترشح لها. والشحاذ تملأ ذهنه خواطر حلوة عن اللقطة التي سيلقاها فيغتني بها.
ففي هذه الخواطر نجد طموحًا وتوسعًا ورقيًا.
وهناك من يجن فيشعر أنه ملك وأن الملوكية من حقه فيأمر وينهي بلهجة الملوك. فهو في جنونه يطمح إلى الإرتقاء من حاله الوضيعة إلى حال قد تخيلها حتى صارت مرضًا في ذهنه.
ثم اعتبر هذا الرجل المنتحر كيف يرضى بقتل نفسه لأنه لا يرى أن الظروف المحيطة به تتفق ورغبته في الإرتقاء. فلو أن نفس الإنسان كانت بطبيعتها منحطة نازلة وليست راقية صاعدة لما رضي إنسان أن ينتحر لأنه إنما ينتحر لأنه يرغب في ذلك الرقي الذي يجلبه المال أو الجاه أو الشرف أو العرض أو الصحة.
وقد يخطئ المنتحر أو المجنون معنى الرقي. ولكن العبرة بالنزعة أما المعنى فإنه يكتسبه من الوسط.
فلب الحياة هو الرقي وفي صميم نفوسنا هذا الطموح إلى الإرتقاء. ونحن عندما نحب المرأة الجميلة ونشتهي أن نتزوجها إنما نفعل ذلك بفعل هذه النزعة التي تحملنا على أن نقرن ذاتنا بذات جميلة فنرتفع في ذريتنا بارتفاعها. وقد نخطئ هنا أيضًا معنى الرقي فنحب المرأة المثرية.
فالنفسلوجية الحديثة تقول إن الإنسان نزوع إلى الإرتقاء. ومن هنا فضلها على الأخلاق لأنها تجعل الرغبة في الخير أساسًا لهذا العلم وتفرض فرضًا أوليًا أن الإنسان راق بطبعه لا تتوافر له السعادة حتى يكون دائبا في الإرتقاء سواء أكان ذلك في الفرد أم في الجماعة. ولكن هذا النزوع نفسه هو علة همومه وجنونه بل أحيانًا انتحاره.

النفس وطبقاتها


كان العلماء قبل ?? أو ?? سنة إذا بحثوا في التفكير وطرقه استحال بحثهم إلى منطق أو قواعد منطقية تتوهم منها أن الإنسان حيوان عاقل يفكر بعقله ويعي ما يفكر فيه. ولكنهم الآن أكثر تواضعًا يستشفون الحيوان القديم تحت البشرة الإنسانية ويعرفون أننا بعيدون عن المنطق في تفكيرنا. ويعرفون أيضا أن العقل على سموه هو أضعف أدوات التفكير عندنا قلما يثبت على النظر في موضوع دون أن يشرد.
فقد أحاول أن أفكر في موضوع ما فلا أكاد أبدأ وأضع ترسيم البحث حتى أرى أن عقلي قد شرد وجمح فأتذكر على الرغم مني ميعادًا ضربته لصديق. أو قد أتجشأ من طعام ثقيل سابق فينحرف تفكيري ثم أرى الذكرى تنبعث على أثر هذا التجشؤ فأنشأ أفكر في الطعام وفي بعض عادات سيئة في الطبخ. ثم أعاود البحث فلا أكاد أقضي فيه دقيقتين أو ثلاثًا حتى يمر بذهني خاطر يذكرني بإهانة لحقتني منذ يوم أو منذ سنة ثم يخطر ببالي أن هذا الذي أهانني لم أقض معه حقي في توبيخه.
وهكذا. فلو تأملت نفسي في هذا التفكير وكيف يشرد فكري وكيف تطرأ عليه الخواطر بلا إرادة مني وكيف أتأثر أحيانا بحركة أمعائي عرفت من ذلك كله أني لا أفكر بعقلي. وإنما أفكر بشيء آخر أكبر من عقلي.
وهذا الشيءُ الآخر هو النفس. هذه المتألفة من غرائزي القديمة ومن هذا الجسم الذي يتأثر منها ويؤثر فيها ومن العقل الباطن الذي يحدث لي الأحلام وأنا نائم ويورد عليّ الخواطر وأنا في غفوة اليقظة ومن العقل الواعي الذي أفكر به أحيانًا وأنا أعي ما أفكر فيه.
فأنا أفكر بنفسي ولست أفكر بعقلي.
ولكن هذه النفس طبقات أقدمها وأرسخها هو تلك الغرائز القديمة التي نشترك فيها والحيوان القديم مثل الشهوة للطعام. يليها هذا العقل الباطن الذي يعمل في الحلم وأنا لا أعي بعمله وأخيرًا أي أن آخر طبقة فيها وأحدثها هو هذا العقل الواعي الذي نفكر به أحيانًا تفكيرًا مدبرًا منطقيًا.
وطبقات هذه النفس تثبت بنسبة قدمها ورسوخها. فنحن مثلا إذا عمدنا إلى مخدر ما فتناولناه كان أول ما يتخدر به في نفسنا هو هذا العقل الواعي لأنه أحدث ما في أنفسنا فهو بمثابة الشجرة حديثة الغرس أيما ريح تهب عليها تميلها أو تكسرها. فإذا ثملنا قليلا عزب عنا هذا العقل فلا نطيق أن نقرأ كتابا علميا ولا نطيق الجدل المنطقي. وفي هذه الفترة نجد أن العقل الباطن عقل الخواطر والأحلام ينتبه فنستسلم لخواطر لذيذة. وكل ذلك وغرائزنا القديمة باقية كما هي لم تتأثر بهذا المخدر لأنها أقدم ما في نفوسنا فهي لا تتزعزع بالسهولة التي يتزعزع بها عقلنا الواعي أو حتى عقلنا الباطن مع ثباته. ولكن إذا نحن أدمنا الشراب تزعزعت الغرائز القديمة فنقيء مثلا أو لا نستطيع المشي.
ففي كل منا عقلان: عقل واع حديث النشأة في نفوسنا سريع التعب هو عقل اليقظة والتدبير والعلم. وعقل باطن قديم لا نعي بما يفعل هو الأصل في خواطرنا وفي أحلامنا.
وعقلنا الواعي هو العقل الراقي الذي به ندبر تدابيرنا وهو أصل الاكتشاف والاختراع والبحث العلمي يمكننا أن نجادل ونناقش به. وما دمنا في يقظة تامة لا يعترينا الكلال أو النعاس فهو يسيطر على العقل الباطن فنضبط لساننا عن السهو والخطأ. ولكن إذا تعبنا كان هو أول ما يشعر بالتعب فيغير عليه العقل الباطن ويحشد رءوسنا بالخواطر اللذيذة. وأحيانًا إذا كانت لنا نية مخبوءة فإنها تبقى مستورة ما دمنا في يقظة وما دام عقلنا الواعي مسيطرًا. فإذا ثملنا بالخمر أفشينا هذه النية لأننا عندما نثمل تتراخي رقابة العقل الواعي على العقل الباطن فيعلن هذا نياتنا.
وموضوع هذا الكتاب هو العقل الباطن أي هذا العقل الذي نحلم به والذي يورد إلينا الخواطر اللذيذة. فقد أثبتت الأبحاث أنه هو الذي يقرر عقائدنا الدينية والسياسية ويكوّن الأخلاق والأمزجة للناس ويعمل لرقيهم أو انحطاطهم فدرسه هو درس للشخصية الإنسانية كلها.
وهذا العقل الباطن قديم في نفوسنا وطريقة اقناعه ليست المنطق بل الإيحاء. وهو يجري على أساليب قديمه في تفكيره. فهو لا يفهم مثلا الصور المجردة للمعاني. ولذلك فطريقة تفكيره هي الرموز أي أنه يضع للمعنى المجرد كالموت أو الشرف أو الحياة رمزًا مجسما كما نرى ذلك في الأحلام.
ثم هو في أغراضه يسير على الطرق الصبيانية فيطلب اللذة والسرور فقط. فنحن مثلا إذا تخاصمنا مع أحد الناس وتركنا الخواطر تجري بلا عائق من العقل الواعي أي بلا رقابة منه ألفينا أنفسنا نتخيل هذا الخصم وهو مقهور مهان أمامنا. فإذا نمنا وزالت سيطرة العقل الواعي تماما رأينا هذا الخصم ونحن نضربه أو نقتله مع أن موضوع الخصام قد لا يتطلب منا وقت وعينا ويقظتنا سوى أن نلوم هذا الخصم لومًا خفيفًا.
فعقلنا الباطن يجري على أساليب آبائنا المتوحشين وغرائزه كلها غشيمة في الحب والانتقام لم تتهذب. وهو يجري على الثقافة القديمة ويكتسب تجارب من حياة الصبا أو الشباب ثم يحيلها إلى رموز. وهذه الرموز التي نراها في الحلم تشبه كل الشبه بل قد تتفق أحيانًا كثيرة والرموز التي كان يرمز بها آباؤنا للمعاني حين شرعوا في تأليف اللغات ووضع الألفاظ وإيجاد الاستعارات والمجازات التي هي في الواقع رموز.
ويمكن أن نسمي العقل الواعي: عقل الثقافة الحديثة.
أما العقل الباطن فهو: عقل الثقافة القديمة.
ونحن في تفكيرنا نستعمل العقلين كما هو ظاهر مثلا من الشاعر الذي يؤلف القصيدة فإنه يدبر الأفكار أولًا ويرصد المعاني ويختار الألفاظ على وعي. ثم مع ذلك يستعين بما يلهمه إليه عقله الباطن من خواطر في المعني أو في اللفظ على غير وعي منه. وإذا أنت تأملت القصص القديمة والأشعار الجاهلية وأدب القدماء على وجه العموم ألفيته في أكثره من عمل العقل الباطن خواطر متوالية تنبئ عن أغراض وأمان صبيانية كما نرى في أساطير المصريين القدماء. أما العلم الحديث فقائم على العقل الواعي.
ويحدث أحيانًا أن هذا العقل الباطن يطمو بالعقل الواعي فيحدث من ذلك جنون بحيث يعمل المريض أعمالا لا يعي بها ويسلك مسالك صبيانية ويتخيل الخيالات أو يأتي بحركات هي كالرمز لأشياء ينويها في نفسه أو هو يستجيب للمنبهات استجابات قديمة كما يحدث في الكابوس مثلا.

العقل الباطن


لنا عقل واع نعمل به أعمالنا على وعي بما نعمل ولنا عقل باطن يعمل وكأنه بعيد عنا. وذلك إذا غفونا أو نمنا. ففي الغفوة بعد الغداء مثلا نرى الخواطر تجري متلاحقة وفيها السخيف وفيها المعقول ونكاد لا نعي بها إلا إذا وقفنا في مجراها. وكذلك في النوم تجري أحلامنا على غير وعي منا وفيها من السخافات ما نضحك منه عند اليقظة.
ولسنا نشك في أنه ليس في الحلم وعي. وكذلك الخواطر تجري على غير وعي منا. ولكننا مع ذلك نشعر بأننا نتسلط عليها أكثر من تسلطنا على الأحلام. وهي لهذا السبب قليلة السخف إذا قوبلت بالأحلام لأن العقل الواعي الحديث يتغلب عليها ويجعل فيها شيئًا من المنطق.
والإنسان أكثر الحيوانات وعيًا بدليل أن له أمسه وغده. ولكن الحيوان ليس محرومًا كل الحرمان من الوعي. فإن أصل الوعي هو التردد. فنحن مثلا قد نمشي في الشارع ولا نعي بما حولنا أو بالطريق كل الوعي فإذا عثرنا وترددنا في الانحراف لاتخاذ خطوة مناسبة زاد وعينا بالطريق. ففي كل الحيوانات المترددة في مسلكها شيء من الوعي هو على أقل درجاته في تلك التي تتسلط الغريزة على مسلكها وعلى أعلى درجاته في ذلك الذي يتسلط العقل على مسلكه. وهو الإنسان.
وقد قلنا أن عقل الثقافة الحديثة لا يتحمل التعب كثيرًا. وهو أكثر ما في النفس وعيًا ولذلك قلما نستطيع الإقامة على الوعي التام إلا مدة قليلة. ونحن في حاجة إلى النوم لكي نريح هذا العقل بإزالة حالة الوعي. وأحيانًا نلجأ إلى الخواطر السائبة تنطلق كما تشاء لكي تخفف عنا التعب الذي يجلبه علينا الوعي. وإذا شغل بالنا هم عظيم يزيد حالة الوعي عندنا فإننا كثيرًا ما نهرب منه بشرب الخمر أو بالتدخين أو القهوة أو نحو ذلك.
وفي حالتي النوم والاستسلام للخواطر حين يغفو العقل الواعي ينتبه العقل الباطن ولا نعني بذلك أنه كان نائمًا فانتبه. بل نعني أنه في اليقظة يكون تحت سلطان العقل الواعي فهو مكبوت مقيد. فإذا نمنا أو غفونا انطلق يسير في مجراه فنراه عندئذ يفكر بعقل الحيوان أو الثقافة القديمة أو يستسلم للملاذ.
فقد أكون مغتاظًا من أحد الناس. فما دمت في اليقظة وفي الوعي التام فأنا أفكر في مصالحته والاتفاق معه وفي تغليب الخير على الشر وفي تقدير منفعتي من حيث مصالحته أو مقاطعته. وقد ترتفع نفسي إلى البر فأفكر أيضًا في اصلاحه ومطايبته وأراني ألتمس له المعاذير. فإذا نمت ذهب عني هذا العقل الحديث فأراني أقتله أو أضربه بقوة عقل الحيوان المنطلق الآن في نومي أو ربما شتمته بألفاظ فنية هي نتيجة الثقافة القديمة. وربما أكون صاحيًا ولكني في غفوة ذهنية فتجري الخواطر في رأسي حين أراه قد أتى متذللًا يطلب الصفح وأنا أتأبى عليه وأتدلل.
ففي النوم وفي خواطر اليقظة ينتبه العقل الباطن وينوي نياته الشريرة. ولكنها ليست كلها شريرة. فإن الإنسان القديم لم يكن رجل شر لا يعرف الخير بل الحيوان القديم نفسه الذي نشأنا منه لم يكن كله للشر.
ولذلك فإن هذا العقل الباطن يسمو بنا أحيانًا في الخواطر سموًا عظيمًا حين يوهمنا بأن نكون في مراكز عالية من الرياسة والعلم والرقي بل هو يعقل ذلك أحيانًا في الأحلام. وذلك لأن نزعة الرقي لن تفارقنا حتى في أمراضنا بل نحن عندما نفكر في الشر إنما نرمي بذلك إلى ترقية أنفسنا كما كان يفهم الإنسان القديم أو الحيوان القديم معنى الرقي.
وهنا يجب أن نلاحظ شيئين: الاول: أن المشاهد أن أحلام اليقظة أي الخواطر السائبة أكثر تمكنًا في الأطفال من الرجال. فقد نرى الطفل يكلم نفسه عن لعبه وألعابه على غير وعي منه ويبقى على ذلك مدة طويلة لا ينتبه فيها عقله الواعي.
والثانى: أننا في أحلامنا نسير على أساليب الطفولة وتخيلات الأطفال فنتصور أننا ركبنا بقرة وطارت بنا أو أننا رأينا رجلًا في ارتفاع المأذنة أو نحو ذلك من السخافات.
فما هي دلالة ذلك؟
دلالته أن الخواطر السائبة سبقت التفكير الواعي المنظم في تاريخ الإنسان. لأن الطفل يمثل الإنسان القديم بأفكاره كما يمثل الحيوان بحركاته عندما يسير على أربع. ونحن نجري على أساليب الأطفال في الأحلام لهذا السبب عينه لأن أسلوب الطفل هو أسلوب الإنسان القديم. فما دام عقلنا الحديث الواعي ينام فإن عقلنا القديم ينطلق ويفكر بأساليب أسلافنا القدماء أي بأساليب أطفالنا الراهنين.
فالعقل الباطن هو ذلك العقل الحيواني القديم امتزجت به ثقافة الإنسان الأول وهو يجري في أساليبه على طريقة التفكير الذي نراه عند الأطفال. ونحس نحن بوجوده في الخواطر وقت اليقظة الغافية أو في الأحلام. وهو في الأحلام أقوى مما هو في الخواطر. وقد تكون مادة الحلم أو الخاطر حديثة خاصة بحياتنا المعيشية بشأن الزواج أو المنصب أو الدرس ولكنها في الحلم تجري على أسلوب الأطفال وتسير على النسق الذي كان يجري عليه أسلافنا القدماء.
ولما كنا نحن نفكر بالنفس كلها أي بجملة عقولنا وغرائزنا فإن بين هذه العقول تعاونًا، الباطن منها والواعي والقديم منها والحديث، لمصلحة الشخص. فهي ترمي كلها إلى تحقيق الغاية التي يسعى صاحبها لتحقيقها كل منها بأسلوبه الخاص. فالعقل الحديث يحاول تحقيق غايات الشخص بالعلم والمنطق والطرق السلمية وهو يفعل ذلك على وعي أي دراية. والعقل القديم يحاول التحقيق بطرق قائمة على الأثرة والتهجم أو بطرق وحشية محضة وكل ذلك بلا وعي. ولكنهما يتعاونان. ولذلك كثيرًا ما يجد العالم حلًا لمعضلة علمية في الخواطر السائبة أو في الأحلام. على أن الإرادة القوية والعزم الصادق لا يكونان إلا باتحاد العقل الواعي والعقل الباطن كما سنرى بعد.

قوة الغريزة الجنسية


يجب أن نصرح للقارئ بأنه كان يجب علينا أن نخص نصف الكتاب لموضوع هذا الفصل فإن الغريزة الجنسية هي أهم ما يشغل العقل الباطن. ولكننا نتحامى التبسط في هذا الموضوع حياء من ذكر ألفاظ يمجها الذوق.
وقد يكون أكبر ما يبعث الناس على تفادي الكلام في موضوع هذه الغريزة الجنسية شعورهم بقوتها والحاحها كما يتفادى الإنسان الكلام عن الأمر المخطر. فنحن في معيشتنا واختلاطنا بالناس وخاصة في وقت الشباب نتواضع على الصمت في هذا الموضوع نروح ونغدو وفي أجسامنا غريزة تتأجج ثم يدعي كل منا للآخر أنه ليس به شيء. ومنا شبان يصابون بالجنون ونساء يقعن في الهستريا وتنشأ بين البعض عادات سرية تودي بعقولهم ومع ذلك كلنا يلزم الصمت كأنه ليس هناك ما يرغب فيه أو يخشاه. وهناك من ينجح في كبت هذه الغريزة أو التسامي بها وهناك من يكتمها فتستحيل شيطانًا في جسمه فلا يخطر بباله خاطر ولا يحلم في نومه إلا بها. وقد تلبس له لبوسًا تختفي فيه وعندئذ يكون الضرر والخطر.
ومن الناس وخاصة الشيوخ من يعتقد أن فورة الشباب نوع من الخلاعة التي تجلبها المدنية. وأن القسوة تحسمها ومنع المخالطة بين الجنسين تزيلها. ولكن الواقع الذي تشهد به النفسلوجية الحديثة أن كتم العاطفة الجنسية كثيرًا ما يئول إلى اختلالات عصبية ونفسية خطيرة. ولكن هناك نوعًا من كبت العاطفة يمكن أن يتسامى بصاحبه ويرفعه وسنراه بعد.
وقوة هذه العاطفة لا ترجع إلى الخلاعة التي تجلبها المدنية. فإن نظرة واحدة إلى الأحياء تكفي لأن يدرك الإنسان منها مقدار عناية الطبيعة بالنسل وتهيئة الأنثى لكي تلتقي بالذكر وإعداد الذكر بضروب الإغراء لكي يجذب الأنثى إليه. ثم هذه الغريزة نفسها هي الأصل في اختراع الصوت (واللغة) كما هي الأصل في وجود الأسرة والحياة الاجتماعية وهي الأصل في الجمال. فالحيوان لم تنشأ له أعضاء الصوت إلا لكي يجذب الأنثى إليه. ولم تنشأ له غريزة الجمال إلا إغراء للأنثي بالذكر والذكر بالأنثى. ومن الصوت نشأت اللغة. ومن الحب نشأت الأسرة. ومن الأسرة نشأ الاجتماع.
ولهذا السبب لم يبالغ فرويد إلا قليلًا حين زعم أن جميع أحلامنا تقريبًا ترجع إلى هذه الغريزة الجنسية. لأنه لم يقصد الغريزة الغشيمة وحدها بل قصد منها أيضًا إلى تطوراتها المهذبة.
ونحن مع اتفاقنا وتواضعنا على الصمت والمداراة في موضوع هذه الغريزة لا نزال نرى من الحوادث ما ينبه أذهاننا إلى قوتها. فهذا شاب قد اعتاد العادات السرية التي انتهت بجنونه. وهذه فتاة قد أصيبت بهستريا قد يعسر شفاؤها. وهذه جناية كبرى قد قتل فيها الزواج أو العاشق. وكل ذلك من أجل هذه الغريزة.
وحدث في ?? أكتوبر سنة ???? أن فتاه قتلت سبعة أنفس وهي مجموع أعضاء أسرتها لأنهم منعوها من الزواج. وقال المكاتب في آخر الخبر: «بنت عانس قتلت أخوتها الأربعة وأختيها ووالدتها لتشديدهم الرقابة عليها ولأنهم امتنعوا غير مرة من تزويجها من خاطبيها بدعوى عدم كفاءتهم لها فلم تجد بدًا من أن تجعل أسرتها ضحية آمالها لتكون حرة في الأمر».
فمثل هذا الخبر يفتح عيوننا ويجعلنا نعرف قيمة هذه الغريزة وشدة إلحاحها على الإنسان.
وللمدنية شيء من وزر هذا الشقاء لأنها تؤجل الزواج إلى ما بعد الثلاثين أو الأربعين. مع أن هذه الغريزة على أحدها في بلادنا فما بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين. وهذه سن يقضيها الشاب في عذاب المجاهدة وقد ينهزم في هذه المجاهدة وقد ينتصر إذا تسامى بعاطفته إلى خدمة فنه. ولكن قلما يخرج منها واحد لم يجرح ذهنه منها بجرح كبير أو صغير.
فقد تجد شابًا لا يطيق الانكباب على عمله لأن أفكاره تنقلب خواطر تسرح فلا يمكنه ضبطها وتسليطها على عمله. وهذه الخواطر كلها جنسية. وتجد آخر لا جلد له على العمل وذلك لأن هذه الغريزة قد استحالت في العقل الباطن قوة مضغوطة ليست على وفاق مع عقله الواعي. وقد تتخذ أشكالًا غامضة لا يدري هو أنها جنسية فيزيد ارتباكه. وقد تجد رجلًا آخر عصبي المزاج إلى درجة مخيفة فإذا حللت هذه العصبية ألفيتها قائمة على تناقض بين عقليه الواعي والباطن ومن هذا القبيل أحلام الشبان والفتيات فإن معظمها رموز لهذه الغريزة المضغوطة.
فيجب على القارئ أن يفرض وهو يقرأ هذا الكتاب أن الغريزة الجنسية هي أهم عوامل النشاط في العقل الباطن وهي أهم أصل للأحلام والخواطر وربما كانت أيضًا أكبر أسباب الجنون النفسي عند الرجال والنساء. وسنقتصد جدًا في ذكر الغريزة الجنسية أنفة. من ذكر ألفاظ يمجها الذوق.

فى الكبت


ليس شيء يمر بنا وتحس به حواسنا ثم ننساه إلا بسبب. وهذا النسيان مع ذلك ليس محوًا تامًا إذ يمكن استثارة ما نسيناه بالتحليل النفسي وبالاستهواء. نعني بذلك أن النسيان ليس مطلقًا وهو لو كان مطلقًا لما أمكننا أن نتذكر شيئًا قد نسيناه قبلًا.
والتذكر نفسه يدلنا على طريقة النسيان. فقد يسألنا أحد عن اسم شخص نعرفه فنحاول ان نتذكره ونجهد أنفسنا في ذلك بلا طائل ثم ننسى الموضوع وقد تمر ساعات أو أيام وإذا بالاسم يخطر على بالنا غير مدعو ولا مطلوب. فهو إذن قد «خطر» على بالنا. والخواطر كلها من العقل الباطن الذي لا يسيطر عليه العقل الواعي إلا وقت الانتباه واليقظة.
فكل ما يمر بنا في حياتنا منذ أن نولد وتحس به حواسنا أو تفكر فيه عقولنا إنما ننساه لا لأنه محي من ذاكرتنا بل لأنه كُبت أي منع من الظهور في العقل الواعي. فنحن في الحقيقة لا ننسى شيئًا البتة. وإنما كل ما يقع لنا، ولسنا في حاجة إلى أن يكون ماثلًا لذهننا في كل وقت، يندس في العقل الباطن ويحتبس فيه لأن العقل الواعي الذي نؤدي به أعمالنا في اليقظة يكبت هذه الذكرى. وأحيانا إذا غفل عنها في نوم أو غفوة أو مرض وكانت هذه الذكرى قوية فإنها تعود إلينا فنتذكر أشياء كنا نظن أننا نسيناها ومحيت من ذاكرتنا تمام المحو.
وهذا الكبت يحدث لنا في كل وقت وهو أحيانًا من مصلحة الشخص لأنه ليس من المفيد لنا أن نذكر كل شيء بعقلنا الواعي.
فلو كان الطفل مثلًا يذكر كل المخاوف التي كانت تعترضه وهو يتعلم المشي لما استطاع بعد ذلك أن يمشي. فهو يكبت هذه المخاوف واحدة بعد أخرى وينساها ويستطيع بذلك أن يمشي. وهو لو كان يتذكر على الدوام محاولاته الأولى في تلفظ الألفاظ لما استطاع أن ينطق بلغة الكبار لأن لسانه يتذكر على الدوام ألفاظ الطفولة. ولكن الواقع أن عقله الواعي يكبت هذه الذكرى عندما يتعلم النطق الجيد.
والكبت طبيعي وضروري في الحيوان. وخاصة منه تلك الأنواع التي تنسلخ كالضفدع حين تكون عُومة تسبح بزعانف ثم تنسلخ إلى ضفدع تثبت على اليابسة. فإنها لو كانت تذكر وهي على اليابسة طريقة السير وهي عُومة على الماء لاختلت أعصابها وارتبكت حركتها. فهي ما دامت عُومة تسبح بزعانفها كالسمك. فإذا انسلخت إلى ضفدع كتبت فيها ذاكرة السباحة بالزعانف وصارت تسبح بسيقانها وتمشي عليها. فالكبت في هذه الحالة مفيد لها. وكذلك اليرقة التي تأكل ورق الشجر وتزحف يجب عندما تنسلخ إلى فراشة أن تنسى طريقة الزحف وتطير بل يجب أن تغير مآكلها. وهي لو بقيت لها ذاكرتها الأولي لما استطاعت أن تعيش.
فالكبت ضروري كما يتبين من هذين المثلين. وهو ضروري في انتقال الطفل من الطفولة إلى الصبا ومن الصبا إلى الشباب. نعني بذلك أننا يجب أن ننسي لأن النسيان من مصلحتنا. ولكن النسيان لفظة عامية يقابلها في النفسلوجية الحديثة لفظة الكبت. وعند التحليل يتبين لنا أننا لا ننسى شيئًا البتة. وإنما ما نظن أننا قد نسيناه إنما هو مكبوت في العقل الباطن يمكن استثارته وهو إنما كبت لسبب.
فقد نرى ونحن نسير في الشارع رجلا يدوسه الترام ونرى الدم واللحم الممزق ونراه في حشرجته وآلامه. فننزعج أشد الانزعاج. فلو بقيت هذه الذاكرة ماثلة أمام أعيننا ونحن نؤدي أعمالنا اليومية لما استطعنا أن نعمل شيئًا لأن الحادثة تشغل أذهاننا وتقلق أعصابنا فمن مصلحتنا أن ننسى الحادثة وقت يقظتنا. ولكن هل نسياننا لها دليل على أنها محيت من أذهاننا؟
كلا. والبرهان على ذلك أنها من وقت لآخر تخطر في بالنا وتزعجنا. وأحيانًا نرى الحادثة على نصها الأصلي أو مشوهة في الحلم. ففي هاتين الحالتين نعرف أننا لم ننس الحادثة وإنما عقلنا الواعي كبتها لمصلحتنا لمعاشنا. فاندست الذكرى في العقل الباطن الذي لا نعي به وصارت «تخطر» لنا في الخواطر وقت الغفوة أو نراها في الحلم وقت نوم العقل الواعي.
وتدل التجارب على أننا بالاستهواء نستطيع أن نتذكر طفولتنا نفسها. والاستهواء حالة ينام فيها العقل الواعي. وهو شبيه بالنوم غير أن النائم في الاستهواء يمكنه أن يسمع ويتأثر بمن يخاطبه أكثر من النائم بالنوم الطبيعي ويكون المتسلط عليه وقتئذ عقله الباطن.
وقد ضربنا الأمثلة على فائدة الكبت. ولكن له أيضًا أضرارًا كبيرة. فإن عندنا من العواطف ما نأبى أو نخجل أن نصرح به كالغريزة الجنسية مثلًا. فقد تقوم بنا عاطفة الحب فنكبتها لأننا نعيش في حال من الحضارة تمنع التصريح بها. ولكن هذه العاطفة غاية في القوة والعنف فإذا كبتناها وتناسيناها حتى ظننا أننا نسيناها تغفلتنا وطرأت علينا خواطر جامحة تمنع تفكيرنا.
وقد يحدث أن نرى حادثًا مزعجًا في طفولتنا فنكتبه ولكنه يستحيل إلى كابوس عندما نكبر ويتشكل بجملة أشكال فيزعجنا وقت النوم مع أننا نظن أننا قد نسيناه حتى انمحى من ذهننا. ولكن الحقيقة أن العاطفة كانت شديدة فاندست في العقل الباطن وصارت تتراءى لنا بهيئة كابوس.
لما كان عمري سبع سنوات رأيت رجلًا مخنوقًا عاري الجسم أزرق الوجه منتفخه. وكان قد وضع في مكان من الكنيسة منفردًا لتهيئته للغسل والكفن. وكان معي رفيق أكبر مني سنًا مكر بي حتى أوصلني إلى الجثة وهو ورائي بعيد عني فما شعرت إلا وأنا أكاد أقع فوق الجثة. فرعبت من المنظر وتراجعت وبقيت الذكرى تخيفني أكثر من شهرين. ثم تنوسيت بمرور السنين.
وصرت بعد ذلك أنام وحدي في الغرفة بل أمشي في الظلام ولا أخاف وظننت أني نسيت الحادثة بل كنت أرويها أحيانًا بلا خوف. ولكن بقى ينتابني كابوس لازمني نحو عشرين سنة أو أكثر. وكان يتشكل بأشكال مختلفة فساعة أراه رجلًا ضخمًا يريد أن يقتلني وأخرى أراه يحاول أن يسرقني ويقتلني. ولم يكن لديّ أو لدى أي واحد علاج يقيني في نومي منه.
وأخيرًا عندما درست النفسلوجية الحديثة خطر في بالي أن أحلل هذا الكابوس وأعرف مأتاه. وكانت عادتي أني بعد أن أصرخ أستيقظ منهوك القوى خائفًا. فصرت عند اليقظة أمثل الكابوس كما رأيته لذهني وأستعيده وأنا ما أزال أتلمظ بالنوم السابق قبل أن ينتبه عقلي الواعي كل الانتباه. ثم جعلت أقيد في ذهني الخواطر التي تخطر لي في هذه الفترة. وما أشد ما كان استغرابي عندما وجدت أن الكابوس يذكرني على الدوام بذلك الرجل المخنوق الذي رأيته قبل عشرين سنة أو أكثر. وتكرر الكابوس وتكرر ظهور الجثة القديمة. ومن ذلك الوقت انقطع عني الكابوس أو كان يأتي فلا أخاف ولا أصرخ منه بل أحلم به حلمًا خفيفًا لا يؤذيني.
والتحليل هو كما يلي:
أني عندما رأيت الرجل المخنوق غمرتني عاطفة الخوف وبقيت مدة طويلة أي عدة أشهر تزعجني. ولكن عقلي الواعي الذي ينشد مصلحتي يرى أن هذا الرعب المستمر يمنعني من العيشة الصالحة فهو لذلك قد كبت الذكرى. فاندست في عقلي الباطن حتى توهمت أني قد نسيت كل شيء عن هذا الرجل. ولكن الواقع أن العاطفة كانت شديدة فهي قوة محبوسة ما دمت أنا في يقظة لا يمكنها أن تخرج إلى الوعي فأشعر بها وأنا يقظ. ولكني إذا نمت فإن أول ما ينام في نفسي هو العقل الواعي لأنه أحدث طبقات نفسي وأكثرها شعورًا بالتعب. ولكن العقل الباطن الذي لا يعي (والذي يحتوي على الثقافة القديمة والغرائز الحيوانية) يستيقظ. فتظهر فيه عاطفة الرعب مصورة لي في هيئة وحش يريد أن يأكلني أو هيئة رجل يريد أن يقتلني. وهذه التصورات هي طريقة التفكير القديمة التي كنا نفكر بها ونحن في طور الحيوان وفي بداية تاريخ الإنسان. فأنا لا أري الرجل المخنوق بصورته كما رأيتها في الأصل لأن عقلي الباطن ليس مشغولا بهذه الصورة بل هو مشغول بالرعب أي بعاطفة الخوف المستكنة فيه فهو يصور الخوف كما يفهمه بطرقه القديمة في رجل يبغي هلاكي أو وحش يريد التهامي.
ولكني عندما عرفت أن هذا الكابوس هو نفسه الرجل المخنوق القديم الذي رأيته زال عني كما قلت آنفًا. وذلك لأني نبهت عقلي الباطن إلى الحقيقة التي انخدع فيها. فكلما أهابت بي عاطفة الخوف تذكر هو الرجل المخنوق على حقيقته فيعرف أنه جثة عاجزة فلا يخاف.

اللبيد والطاقة المكبوتة


كيف نفكر؟
للتفكير ثلاث درجات: (?) فنحن أولا «نعرف» الشيء بحواسنا أو بذهننا.
(?) ثم تتكون عنه «عاطفة» ضعيفة أو قوية.
(?) ثم بعد ذلك تتكون الرغبة التي تتجسم في الإرادة. فأنا أرى الطعام أو يخطر في بالي أولا. ثم تحدث عاطفة الجوع ثانيًا. ثم أرغب في الأكل أو انزع إليه ثالثًا. فأهم به وهذه هي الإرادة.
أو أري ثورًا ناطحًا فهذه هي المعرفة. ثم أشعر بعاطفة الخوف ثم تقوم في نفسي رغبة الهرب فأجري.
ولكن يحدث أحيانًا كثيرة أن ظروفنا تمنعنا من إشباع الرغبة فأين تذهب هذه الرغبة؟
إن هذه الرغبة قوة من قوى نفسنا إذا لم تنصرف إلى إرادة اندست في العقل الباطن فتبقى عندئذ طاقة مكبوتة أي قوة كامنة تتحين الفرص للخروج والعمل.
مثال ذلك أني أكون مريضًا قد منع عني الطبيب الطعام. فأنا بالطبع أجوع وتقوم في نفسي عاطفة الجوع. وتنشأ منها الرغبة في الطعام. ولكني لا أحقق هذه الرغبة. فهي عندئذ تندس في عقلي الباطن. فما دمت أنا يقظًا فإن عقلي الواعي يُفهمني ضرورة الجوع بغية الشفاء ولكني إذا نمت حلمت بالطعام الشهي يبسط أمامي. وذلك لأن هذه الرغبة قوة اندست في عقلي وتحينت فرصة النوم الذي طرأ على عقلي الواعي فجعلت عقلي الباطن يتخيل ألوان الطعام.
فهذه القوة المكبوتة التي يكبتها العقل الواعي وقت اليقظة تندس وتكمن في العقل الباطن وتحاول تحقيق أغراضها وقت النوم بالأحلام أو وقت الغفوة الطارئة بالخواطر. فإني قد أكون صاحيًا أو شبه الصاحي فأفكر في ألوان الطعام تفكيرًا سائبًا هو الخواطر الطارئة علينا والتي أحيانًا لا نستطيع ضبطها إذا كانت العاطفة شديدة حتى تدعونا إلى أن نكلم أنفسنا بصوت مسموع.
وهذه القوة المكبوتة هي قوة اللبيد. فاللبيد هو الطاقة الإنسانية التي تجد منفرجا من حبسها في الخواطر أو الأحلام. ولهذا السبب يحلم الجوعان بالخبز، ويحلم الفقير بالثروة، ويحلم الشاب المراهق بالزواج وكل خواطره تقريبًا تكون في تلك السن خاصة بالعاطفة الجنسية.
وإذا كانت العاطفة قوية جدًا زادت قوة اللبيد فيحدث عندئذ الجنون.
وكل منا يصاب أحيانًا بشيء من هذا الجنون كما إذا اغتظنا من أحد الناس فالغيظ عندنا يسلك هذه المسالك الآتية: (?) قد تستحيل عاطفة الغيظ إلى الرغبة ثم الإرادة فنضربه فنستريح بذلك ولا نحتاج بعد ذلك إلى التفكير فيه فلا نحلم به ولا يخطر ذكره ببالنا.
(?) قد لا نستطيع أن نضربه، فتستحيل عاطفة الغيظ إلى خواطر نتخيل فيها أننا نضربه أو نقتله.
(?) نراه في الحلم مهانًا أو مقتولا أو قد جاء ليتذلل إلينا وفي هذه الحالات الثلاث يريد عقلنا الباطن أن ينفس عن هذه العاطفة المكبوتة في نفوسنا، فهو صامت ما دام العقل الواعي مستيقظًا ولكنه يختلس منه فترات فيبدو لنا خواطر تمثل لنا خصمنا وهو مقهور أمامنا أو ينتهز فرصة النوم فيمثله لنا في الأحلام مقهورًا.
ولكن إذا كانت عاطفة الغيظ شديدة جدًا فإننا نجد أنفسنا نتكلم حتى ونحن مع الناس ولا نستطيع السكوت. وكم من رجل رأيناه يفعل ذلك وهو لا يعي بمن حوله! فإذا زادت قوة اللبيد المحتبس صار هذا الذي يكلم نفسه بصوت منخفض يتكلم بصوت عالٍ، وصارت خواطره التي تطرأ على عقله فيرى فيها خصمه مقهورًا مضروبًا مهانًا حقائق يؤمن بها. وهذا هو الجنون.
فهناك من يجن للإفلاس أو للإهانة العظمى أو للحرمان الشديد وخاصة ذلك الحرمان الناتج من كبت الغريزة الجنسية. فهذا الذي يفلس تقوم في نفسه عقيدة أنه غني كبير جدًا، وهذه العقيدة تشبه الحلم. فكما أن الجائع يرى الخبز في نومه كذلك المفلس يرى أنه غني في حلمه، فإذا جن أشبه جنونه حلمه. وذلك لأن كليهما من عمل العقل الباطن. فالمفلس الذي يجن يتغلب عقله الباطن على عقله الواعي لأن اللبيد المحتبس قوي جدًا أي أن العاطفة المكبوتة تريد أن تنفجر فهو يسير بين الناس أشبه بالنائم يرى في يقظته ما يراه في حلمه أي أنه غني جدًا. وهذا الرجل الذي أهين إهانة كبرى يحلم أنه ملك ولكنه قد يزداد عنده احتباس اللبيد أي القوة المكبوتة فيعتقد وهو يقظان أنه ملك لأن عقله الواعي قد هزم أمام عقله الباطن.
ولكن هناك حلًا آخر غير الجنون نعني به التسامي.
فقد سبق أن قلنا أن طبيعة النفس البشرية هي الرقي. وهذا المفلس الذي يحسب نفسه غنيًا وهذا المهان الذي يحسب نفسه ملكًا إنما يريد أن يرقى كما يفهم عقله الباطن معنى الرقي وعلى مقدار ما يفهم. وقد سبق أن قلنا أن هذا العقل الباطن قديم يجري على طرق الثقافة القديمة، فهو لا يفهم الرقي إلا في معنى الغنى أو الملوكية مثلًا.
ولكن العقل الواعي أحيانًا يدخل في موضوع النزاع بينه وبين العقل الباطن ويحله كلاهما بالتسامي (من السمو) كأن يحاول المحروم من إشباع الغريزة الجنسية أن يصير راهبًا يخدم الله أو عالمًا ناسكًا يرصد نفسه للعلم أو الفنون الجميلة أو نحو ذلك مما سنشرحه بعد.
•••

وقبل أن أترك هذا الفصل يجب أن أثبت هنا اختلاف ثلاثة من أساطين النفسلوجية الحديثة في معنى اللبيد. فهو في رأي فرويد تلك الغريزة الجنسية التي تنشد لذتها ولا تبالي بالعرف والعادة. فإذا احتبست فهي إما أن تتسامى وإما أن تنكفئ إلى طرق الأطفال وفي هذه الحالة الثانية تحدث الانحرافات والأمراض.
ولكن أدلر يقول أن اللبيد هو النزوع إلى القوة على طريقة نيتشه وأن هذا النزوع إذا احتبس أحدث الأمراض النفسية المألوفة أو هو قد يحدث عكس ذلك من الجهة المقابلة بأن يجعل صاحبه نابغة.
ولكن يونج يجمع بين الرأيين فيقول بأن اللبيد هو تلك الغريزة الجنسية قد امتزجت بالنزوع إلى الرقي.
والثلاثة يقولون بإمكان التسامي باللبيد، أو بإمكان عكس ذلك أي المرض والانحراف.
وقد نظرت أنا إلى اللبيد فاعتبرته طاقة في النفس، ولم أكترث بعد ذلك لطبيعته هل هو النزوع إلى القوة أم الرقي أم الحب وإن كنت أرى أن الرقي هو طبيعة الإنسان. ونحن لا نشعر بقوته إلا إذا احتبس في النفس بعض الاحتباس أي إذا كُبت بعض الكبت.
أما إذا كان يجد منصرفًا طبيعيًا له في اليقظة تتكون منه تلك المادة التي تعمل للرقي أو الانحطاط. وقد بلغ من غموض هذه اللفظة وكثرة الاختلاف فيها أن رفرز رفض بتاتًا استعمالها.

السأم والهم والعصبية


من الناس من يقبل على عمله متحمسًا راضيًا به مؤملًا فيه النجاح ومنهم من يعمل عمله وهو سئم متراخٍ دائم التشاؤم.
ومن الناس من يشكو الهم وأنه يأرق في الليل منه. ثم منهم العصبي المتردد الذي يحسب لكل شيء ويخاف من كل شيء.
وإذا نظرنا إلى هذه الحالات من وجهة النظر التي نتبعها في هذا الكتاب لم نجد لها جميعها غير علة واحدة هي النزاع بين العقل الباطن والعقل الواعي. فإذا اتفق الاثنان شعرنا بالحماسة والإقبال على العمل ولكنهما إذا اختلفا شعرنا بالسأم والهم والعصبية.
ولكي نوضح ذلك يجب أن نفرض أنه وضع على الأرض لوح طويل من الخشب وطلب منا أن نمشي عليه. فكلنا عندئذ يمشي عليه بدون أي عناء ولا يخشى السقوط منه. ولماذا نخشى السقوط؟ فإنه هو نفسه على الأرض فلو سقطنا لما جرى لنا شيء من السقوط.
ولكن هب أن هذا اللوح نفسه قد وضع على ارتفاع ?? مترًا بين جدارين وطلب منا بعد ذلك أن نمشي عليه. فهنا نصاب بعصبية منشأها النزاع بين العقل الباطن والعقل الواعي. فبعقلي الواعي الحديث أجد أنه ليس هناك ما يدعو إلى الخوف وأن المنطق يقضي بأنه ما دام اللوح هو نفسه الذي مشيت عليه وهو على الأرض وما دامت رجلاي كما هما صحيحتين فأني يمكنني أن أمشي عليه وهو بين الجدارين ولكني في هذا الوقت أتذكر الارتفاع وقدره ?? مترًا فأحسب للسقوط. ويندس هذا الخوف في عقلي الباطن، فأقف موقف التردد. وهذا التردد نفسه هو الحال العصبية التي اشعر بها وما دام عقلي الباطن يفكر في السقوط فالأغلب أني أسقط بالفعل. وذلك لأن كل أعمالنا ترجع إلى الأعصاب بما فيها المخ. فإذا فكرنا في السقوط أو بالأحرى إذا خطر السقوط في بالنا فان أعصابنا تحرك أعضاءنا في ناحية السقوط لأنها توحي إلينا هذا الخاطر.
فهذا مثال محسوس على هذه العصبية التي تصيبنا. وشبيه بها تلك العصبية التي نشعر بها في الامتحان حين تكمن عاطفة الخوف في العقل الباطن فتربكنا وتنسينا ما حفظناه. أو تلك العصبية التي نشعر بها حين نقابل رئيسًا محترمًا أو حين نكون في حضرة قاض محقق أمام خصومنا. وأحيانًا تشتد بنا العصبية لأن اللبيد المحتبس أي العاطفة المكبوتة في العقل الباطن تقوى وتعنف فلا تجد منفرجًا فننفس عنها على غير وعي منا بحركة في القدم أو اليد أو الشفة لأن هذه الحركة تحتاج إلى طاقة تصرف إليها فتخفف الضغط للعقل الباطن. وقلما تجد رجلا قد اشتد الجدال معه وغضب منه وحبس غضبه إلا وهو يحرك أحد أعضائه حركة غير واعية قد تكون أحيانًا في عضلات الوجه أو اللعب بسلسلة الساعة أو تحريك الساق أو القدم. وكل عصبية دليل على أن في العقل الباطن عاطفة مكبوتة فإذا توجهنا لعمل ما لم نتوجه بكل نفسنا إليه فتكثر أخطاؤنا. ويبدو هذا الخطأ لنا كأنه سهو طارئ بلا علة. ولكن الواقع أنه ليس في جميع أعمالنا عمل واحد نعمله بلا سبب.
وهناك مثالا آخر للعصبية: فقد يقوم في نفسي أن أذهب لزيارة صديق وأنظر للوقت فأجد أنه ما يزال بيني وبين الميعاد نحو ساعة فأقعد وأنكب على عملي منتظرًا نهاية الساعة. ولكن عاطفة الشوق إلى الزيارة قد اندست في عقلي الباطن فهي تغافلني من وقت لآخر وتخطر في بالي وتحدث لي أغلاطًا في الكتابة منشؤها الرغبة في العجلة. وأخيرًا ما يزال يطمو بي العقل الباطن حتى يغمرني ويبرر لي القيام قبل الميعاد وأكبر ما يبرر ذلك في نظري أن أغلاطي كثيرة وأني عصبي وعندئذ تصير النتيجة سببًا.
والعقل الواعي ما دام تام اليقظة فإنه يكبت العقل الباطن ولكنه يغفل أحيانًا من الاعياء مثلا فتهجم علينا الخواطر من العقل الباطن فتحدث لنا هذه العصبية. ولكن إذا كثرت الخواطر علينا صرنا نسأم العمل وصرنا نشعر بالهمّ الذي يحول دون الانكباب على العمل.
فهذا الهم يجعلنا وقت العمل عصبيين لأن عقلنا الباطن ليس على وفاق معنا. فهو يريد أن ينفس عن العاطفة المكبوتة وما يزال يختلس أوقات الغفلة من العقل الواعي فيُخطر لنا الخواطر الخاصة بهذه العاطفة. وإذا انكفأنا إلى فراشنا وحدثت الغفوة الأولى السابقة للنوم أخذ العقل الباطن يخيل لنا الخيالات المختلفة عن هذه العاطفة فنأرق، ونشعر عندئذ أن الهم قد تملكنا حتى صرنا لا ننام. فإذا اتفق أننا نمنا بعد عناء الأرق اشتد نشاط العقل الباطن فيأخذ في أحلام مروّعة قد تبلغ من الشدة أن توقظنا، وعندئذ يشمل الإعياء الجسم كله فتنحط الصحة ويسير الشخص من سيئ إلى أسوأ.
وهذا هو السبب في أنك تجد الرجل الناجح يحب عمله وربما كان يهواه وهو صغير فهو يقبل عليه كما يقبل على اللعب فيعمل بحرارة ولذة. وذلك لأن هذا الحب يجعل العقل الباطن على وفاق مع العقل الواعي فلا يحدث بينهما هذا الاختلاف الذي يحدث العصبية والتردد.
ولكن ليس كل منا قادرًا على أن يجعل مهواته التي يهواها عمله الذي يعمله ويعيش منه. وعلى ذلك يمكن كل إنسان أن يعرف هوى نفسه ويسلم لعقله الباطن بشيء من نشاطه حتى يخفف ضغطه للعقل الواعي. وقد يكون ذلك بممارسة الرياضة أو الرسم أو القراءة أو التجارة أو نحو ذلك. فإذا خصص كل إنسان برهة من يومه لكي يعمل عملا يهواه في لباب نفسه فإن العصبية والهموم تقل إن لم تنتف بتة.
ولكن هناك همومًا لا بد من حدوثها ولا مفر منها، وخير علاج لها هو الفصل فيها بسرعة، ومتي فُصل فيها فصلا حاسمًا انتهي منها العقل الباطن. لأنه إنما يعمل أكثر عمله في المعضلات الراهنة فإذا كان شقاق بين زوجين لا ينقطع وجب الفصل فيه والانتهاء منه وإذا كان خصام مع أحد الناس يتمادى ويطول وجب البت فيه ولو بخسارة، فإن الذي يقلق كثيرًا هو الحاضر الراهن، أما الماضي فإن الظروف الجديدة تعفيه والنجاح الجديد يزيل أثره.
وقد ينفع هنا الاستهواء الذاتي في إزالة الهم وذلك بأن يوحي الشخص لنفسه قبيل النوم معنى النوم وأنه يوشك أن يغمر الجسم فإنه ما من لفظة نسمعها حتى تؤثر فينا وما من خاطر يمر برءوسنا حتى يترك أثره فيها. فكما أن خاطر السقوط يجعلنا نسقط إذا كنا نمشي على جسر دقيق عال كذلك كلمة «السقوط» نسمعها من أحد الناس تخطر لنا هذا الخاطر وتهيئ أعضاؤنا للسقوط بالفعل. وكذلك كلمة النجاح تُخطر لنا النجاح، فإذا كرر المؤرَّق عبارة توهمه النوم مثل قوله «سأنام الآن» وقالها وهو مسترخي الأعضاء في غفوة مصطنعة لم يلبث أن ينام بعد تكرارها نحو عشرين مرة يعدها وهو لا يحرك عضوا من أعضائه. وإذا لم تنجح التجربة في الليلة الأولي فالأغلب أنها تنجح في الليالي التالية.

الأحلام


لا بد أن قارئ الفصول الماضية قد أدرك نظر النفسلوجية الحديثة للأحلام وللعقل الباطن ونشاطه مدة النوم أو الغفوة. ولكن قليلا من الإعادة والتلخيص يهيئ ذهن القارئ لفهم الأحلام.
فالنفسلوجية هي علم النفس. وهي تقول أننا نفكر بنفسنا. وهذه النفس مؤلفة من عقلين هما: (?) العقل القديم وهو ما ورثناه من أسلافنا وهو عقل الشهوات والنزوات التي ترمي إلى اللذة والسرور وهو غير واع ويجري في أساليبه على طرق الثقافة القديمة حين بدأ الإنسان يدخل في طور الإنسانية ويفهم السيادة والملوكية والامتلاك.
(?) العقل الحديث الواعي الذي نعرف به الأمس والغد وندبر به ونفكر. وفيه بذور المنطق العلمي وهو واع أي نعي بأعماله أو قل هو عقل اليقظة.
وقد اصطلحنا على أن نسمي الأول العقل الباطن أي الذي يعمل أعماله على غير وعي منا في الخواطر التي يمكن أن تسمى أحلام اليقظة وفي الأحلام أي وقت النوم.
والنوم يلحق بالعقل الواعي وحده. وذلك لأنه عقل حديث ولحداثته في أجسامنا لم يتأصل فهو كالشجرة الحديثة العهد بالغرس إذا هبت الريح زعزعتها في حين أن الأشجار القديمة لا تتزعزع بالعواصف. فالكلال يعتريه بسرعة. ولذلك فهو أول ما ينام وأول ما يُجن وأول ما تصيبه الخمر.
وليس معنى هذا أن العقل الباطن لا ينام البتة ولا يجن ولا يسكر. فإننا نعرف أننا إذا كنا في حاجة شديدة إلى النوم وقد أخذ منا الكلال والإعياء فإننا ننام نومًا «عميقًا» أي أننا لا نحلم أي أن كلا عقلينا قد نام لشدة الإعياء الذي شملهما كليهما. وهذا شبيه بالجنون حين يشتد فيأكل المجنون التراب أو الطين لأن عقله الغريزي الذي كان يميز به الطعام قد جُن أيضًا. بل في تناول الخمر نشعر بدرجات الجنون تصيب طبقات عقولنا الواحدة بعد الأخرى حتى يختل فينا العقل الغريزي. ولكنه مع ذلك آخر ما يسكر ويختل.
ولكن لا يتفق لنا ذلك إلا قليلًا. وأغلب حياتنا تقضى في نوم عادي أي أن الذي ينام فينا هو العقل الواعي فقط. بل أحيانًا يكون الإعياء منبهًا للعقل الباطن فنرى الأحلام تتوارد كثيرًا.
وقد قلنا أن العقل الباطن يبقى مكبوتًا مدة اليقظة لأن العقل الواعي يكبته ويمنعه من الظهور. فإذا نشأت فينا وقت اليقظة عاطفة شوق أو جوع أو غضب أو كرامة أو طمع وكبتها عقلنا الواعي لأن الحضارة لا تؤاتينا على أن نترجم هذه العاطفة إلى رغبة ثم إرادة فعمل أو أن ظروفنا الخصوصية لا تساعدنا على ذلك فإن هذه العاطفة تندس في العقل الباطن وتبقي قوة مضغوطة إذا نمنا أو غفونا ظهرت بمظهر الحلم أو الخاطر.
وما دام العقل الباطن هو الذي يُظهرها لنا فهو يظهرها على أسلوبه القديم. فنحن في النوم ننتقل من إنسان القرن العشرين المهذب المتحضر إلى إنسان الثقافة القديمة قبل ???? سنة أو إلى حالتنا البهيمية السابقة قبل عشرات الألوف من السنين. ولما كان الطفل يمثل الإنسان بل الحيوان القديم كما هو واضح من أنه يمشي على أربع ويغضب كثيرًا ويرعَب كثيرًا فإن الأحلام تجري على أسلوب الطفولة أي الأسلوب الذي كان يسلكه الإنسان في العصور القديمة.
وقد رأينا أن العاطفة المكبوتة أي اللبيد المحتبس إذا اندست في العقل الباطن حاول هذا أن يفرّج عنها بالخواطر. فالجائع الذي كبت عاطفة الجوع تخطر في باله ألوان الطعام وهو في غفوة اليقظة أو يرى الطعام ويأكله في الحلم.
فنرى من هذا المثال أن الحلم هو تحقيق رغبة قامت في النفس ولم تحقق في اليقظة، ولكن ليست كل الأحلام كذلك.
فمعظم الأحلام هي في الواقع صراع يحاول فيه الشخص أن يحقق رغبته فإن نجح فذاك. وإلا فقد يستيقظ وهو ما يزال في صراع وكل ذلك يجري بأسلوب النفس القديمة أي بذلك العقل الباطن الذي لا يعرف الطرق الحديثة لحل المعضلات التي تعترضنا.
فالجائع الذي حرم من الطعام قد: (?) يرى الخبز ويأكله في الحلم فيحقق بذلك رغبته. وقد: (?) يرى الخبز في الحلم ويحاول أن يأكله فلا يقدر، وهنا صراع بين الشهوة للطعام والامتناع منه.
وذلك لأن العقل الباطن كما اندست فيه الشهوة للطعام كذلك اندست فيه الرغبة في الامتناع عنه لمصلحة الشخص حتى يشفى من المرض الذي يصوم من أجله. فالعقل الباطن يرغب في بلوغ مصلحتنا على أسلوب قديم وقد يستطيع أحيانًا أن يبلغ حلًا موافقًا.
وهذا هو علة خروجنا من الحلم بحيرة نقف عندها لا نعرف وجه الحل فيها للمعضلة التي حاول العقل الباطن أن يحلها. فهذا العقل يرغب في نجاحنا فهو يخيل لنا النجاح بتحقيق الرغبة ثم يرى الصعوبة في التحقيق فيقف حائرًا.
وهنا يجب أن نلاحظ: (?) أنه إذا كان النوم خفيفًا فإننا نشعر بالصراع في الحلم والحيرة وعدم تحقيق الرغبة.
(?) وإذا كان النوم تامًا (أي غير خفيف) شعرنا بتحقيق الرغبة.
وعلة ذلك أننا في حالة النوم الخفيف يتصل العقل الواعي بالعقل الباطن فلا يشطح العقل الباطن في أسلوبه القديم ويحقق كل رغبة فيقتل الخصم ويركب البقرة. فإن العقل الواعي لخفة النوم ينبهه إلى سخافة ذلك فتحدث الحيرة والصراع بين تحقيق الرغبة وعدم تحقيقها.
أما إذا كان النوم تامًا فإن العقل الواعي يكون نائمًا وعندئذ يحقق العقل الباطن رغبته كما يشاء على أي طرق قديمة شاء.
وهذا الصراع يبدو لنا على أوضحه في الكابوس. فإنه من الواضح أن الكابوس لا يحقق شهوة من شهواتنا. وهو نقيض للخبز الذي يراه الجائع ويأكله في النوم، فكيف نفسر الكابوس؟
قد يحدث أن تقع بي حادثة مفزعة جدًا ولكني أنجو منها، فبعقلي الواعي أعرف أني قد نجوت وأكبت عاطفة الرعب التي لحقتني والتي لا أذكرها حتى يخفق قلبي ويذهل عقلي. ولكني أكبت هذه العاطفة. وكل عاطفة لم تترجم إلى عمل أنما هي قوة تندس في العقل الباطن.
فهذا الرعب الذي يدركني في اليقظة من وقت لآخر فيخفق قلبي له ويذهل عقلي يدركني في النوم عن سبيل العقل الباطن كابوسًا أي رعبًا قديمًا كما كان يلحق آبائي منذ نحو مائة ألف سنة. فمعنى الخوف أتخيله في سقف سينقض عليَّ أو ترام سيدوسني أو وحش سيفترسني. فأحاول أن أجري فلا أقدر.
ولكن لماذا لا أقدر؟
لأن الإنسان القديم الذي يجري عقلي الباطن على طرقه كان يستجيب للخوف في الغابة بالسكون التام كما يفعل بعض الحيوان الآن كالثعلب. لأن هذا السكون كان طريقًا من طرق النجاة.
فإذا أغار وحش على جماعة من الناس وانزوى واحد منهم وسكنت جميع حركاته بحيث لا يقدر هو نفسه على الصراخ أو الحركة لاستطاع بذلك أن ينجو من الوحش الذي قد لا يلتفت إليه ولا يعرف مكانه. أما إذا تحرك أو صرخ فإنه يلتفت إليه فيدركه ويقتله.
فهذا الجمود الذي نجده في الكابوس هو طريقة العقل الباطن في الاستجابة للرعب. لأن طريقة العقل الباطن هي طريقة الأسلاف القدماء. ولكن عندما نقترب من اليقظة يحدث صراع بين العقل الواعي الذي يوشك أن يستيقظ والعقل الباطن. ولذلك نصرخ ثم نستيقظ تمامًا. فالصراخ يأتي في الآخر عندما تقترب اليقظة. وهذا ينساق مع كلامنا من أن الحلم يكون في النوم الخفيف صراع وفي النوم التام تحقيق رغبة.
بقي أن نقول أن الكابوس يدل على أن الخوف كان عند آبائنا أشد مما هو عندنا وأنه كان رعبًا تجمد منه أعضاؤهم. ثم خف في أيامنا. ولعله صائر إلى المحو التام من طبائعنا بحيث ان الخلف القادم سوف لا يخاف البتة من أي شيء وذلك حين يسيطر العقل الواعي سيطرة تامة على الجسم.

الرموز في الأحلام


منذ شرع الناس يؤلون الأحلام عرفوا أن في الحلم رموزًا.
ومنذ شرع الإنسان يؤلف اللغات اعتمد على الرموز في تأليف اللفظة فعرف المجاز والاستعارة وهما من الرموز وهما قوام اللغات كلها.
ولذلك فإننا يمكننا أن نفسر الرموز التي نجدها في الأحلام برموز اللغات أي بمجازاتها واستعاراتها. وقد استطاع فرويد أن يطابق بين رموز الأحلام وبين لغة المصريين القدماء.
وفي هذا الفصل وفيما يليه سنعالج عدة أحلام وسنكثر منها لكي يألف القارئ طريقة النظر للحلم. وهي تنحصر في أن العقل الباطن ينظر للدنيا بواسطة الحلم نظر القدماء ويسير على ثقافتهم وأحيانًا يرد إلى ما قبل ذلك من ثقافة الغابة ويجري في كل ذلك على أسلوب طفلي.
ومما يجب التنبيه إليه أن الحلم لا ينبئ بالمستقبل وإنما يعبر عن هموم صاحبه وقد يجهل صاحبه نفسه هذه الهموم. فقد تقوم في نفوسنا عواطف بشأن الخوف أو الجوع أو الحب أو الغلبة فنكبت هذه العواطف ونحن في وعينا وقد ننساها تمامًا ولكنها قد اندست في العقل الباطن فهي تظهر في الأحلام بأشكال مختلفة بعد مضي السنوات على قيام العاطفة في النفس.
ومما يلاحظ في الأحلام أن العقل الباطن يعبر فيها عن المعاني المجردة بأشياء مجسمة فنحن لا نرى في الحلم الطول أو الجمال ولكننا نرى رجلًا طويلا أو امرأة جميلة نعني أن العقل الباطن يرمز إلى المعني المجرد بالشيء المجسم. وهذا يتسق وما نقوله من أن العقل الباطن يجري على أساليب التفكير القديمة أو أساليب الطفولة.
•••

«ح» شاب في نحو الثلاثين مضى عليه نحو سبع سنوات وهو يحلم هذا الحلم: يرى أنه يذهب إلى المحطة ويشتري تذكرة القطار ثم يقصد إلى القطار ويحاول أن يدركه فلا يمكنه لأنه يقوم ويسافر قبل إدراكه.
وهذا الحلم يتكرر. وأنا أعرف ظروفه فيسهل عليّ الحل بدون أن أسأله كثيرًا. فهو يتطلع إلى الرقي ولكنه لا يثق بنفسه. وقد رسخت في عقله الباطن فكرة العجز حتى صار لا يؤمل بأنه سيحقق أغراضه في النجاح. وعقله الباطن يرمز له عن فشله بأن القطار يفوته على الدوام.
ومثل «ح» يحتاج لكي تشفى نفسه من هذا الوهم إلى استهواء وإلى أن يلقن نفسه قبيل النوم بأنه ناجح في الحياة. وهذا ما قلته له.
•••

«ر» شاب في العشرين تتغلب خواطره على وعيه وقت اليقظة وهو يحلم حلمًا يتكرر منذ سنوات. وهو أن يرى نفسه يطير فوق النيل.
ولكي أقف على كنه هذا الحلم وأعرف نيته المكبوتة في نفسه استعنت بخواطره وأحلامه الأخرى. فسألته أن يذكر لي ما خطر بباله عندما أسأله عن مكان الطيران في النيل فذكر لي مكان مولد لأحد الأولياء وفيه قصف وأفراح ولعب ولهو.
ثم سألته أن يذكر لي حلمًا آخر. فذكر حلمًا حديثًا وهو أنه كان مع الملك يدفع عنه زحام الناس.
فالطيران عنده رمز إلى رغبته في الرقي فإنه لا يفكر في أقل من الوزارة وما يتبعها من لذة وسرور وسعادة.
•••

«ج» يحلم أنه يسير على طريق واضح معبد ثم يرى خاله قاعدًا إلى جنب الطريق وبعد ذلك يرى طريقًا ضيقًا متعرجًا فيسير فيه في تعب وخوف حين يبلغ جدارًا عاليًا فيقف عنده حائرًا ويستيقظ.
وأنا أعرف «ج» فلا أسأله كثيرا عن حياته. ولكني أسأله عن خاله لأني لا أعرفه فيقول لي أنه رجل عاطل لا يربح قرشًا وأنه يكرهه.
و«ج» هذا كما أعرفه رجل كان موظفًا في الحكومة يعيش آمنًا له مرتب يتقاضاه آخر الشهر. ثم لأمر ما فصل عن وظيفته. فاشتغل بالسمسرة ولكنه لم ينجح فيها وهو أبدًا في قلق عن المستقبل وما يخبئه له.
فالطريق الواضح يمثل له توظفه في الحكومة وأنه لا يخشى شيئًا ثم يرى خاله وهو رمز للخيبة في الحياة ثم تتعوج أمامه الطريق وتضيق. وهذا رمز لأعمال السمسرة التي لا يربح منها ثم يرى الحائط يسد الطريق لأنه قد دب الخوف في قلبه منذ زمن بأن السمسرة ستقفل في وجهه.
فهذا هو طريق «الحياة» كما يتوهمه عقله الباطن. والحلم صراع يريد هو أن ينجح فيقف عقله الباطن ويبين له أن الطريق ضيق وأنه قد ينتهي بجدار يسده.
فهنا يدرك القارئ جملة أشياء: (?) أن الحلم يعبر عن همومه والعقل الباطن يحاول أن يحل الموضوع ولكنه لا يقدر.
(?) أن العقل الباطن عبّر عن الخيبة بشخص. وهذا يتسق مع طرق القدماء في التفكير حين كانوا يعبرون عن الأفكار المجردة بأشخاص. فللشر شخص إبليس وللخير شخص الإله وهلم جرا.
•••

«ح» فتاة في الثامنة عشرة تحلم أن المصور جاء لكي يصورها وكانت في أحسن ملابسها.
فالحلم في ظاهره بريء. ولكن الفتاة تتهم بالنسبة لسنها. ولما كان الموضوع دقيقًا فأنا أسألها أسئلة أحاول أن أظفر منها بكلمة تفلت منها. والكلمة إنما تفلت على غير وعيها إذا كانت خاطرًا لا سلطان للعقل الواعي عليه.
فأسألها: يأخذ صورتك بكل جسمك؟
فتقول وهي لا تعي ما تقول: يأخذ وجهي.
فالمصور هو رمز للزوج.
•••

هذا الحلم لي بشأن أحد أصدقائي يدعى «س».
حلمت أني رأيته قد طرد زوجته وكانت طويلة وتزوج أخرى قصيرة فقصدت إليه ألومه وأبين له خطأه فنحاني بيده وقال لي أن هذا ليس شغلي.
هذا هو الحلم. وطريقتي أنا في تفسير أحلامي هي الطريقة التي ينصح بها رفرز. وهو أني عند اليقظة أو بوادي اليقظة أفكر في الحلم وأقيد الخواطر الواردة بشأنه. وبهذه الطريقة تمكنت من التفسير الآتي: في النهار أي قبل المساء الذي حدث فيه الحلم كنت عند صديقي. «س» فرأيته يخرج كاتبه وهو رجل طويل كنت آنس بحديثه ويجيء بكاتب قصير بدلًا منه. ولم يرقني هذا العمل وأخبرته بذلك ولكن لماذا رمز العقل الباطن بالزوجة إلى الكاتب؟
لأنه يجري على الطريقة القديمة في اعتبار الزوجة خادمًا في البيت يمكن طردها كما يمكن طرد الكاتب المستخدم.
•••

هذا الحلم التالي لي: رأيتني في طيارة عمومية تسوقها امرأة وفيها امرأة أخرى تقتضي من الركاب ثمن التذاكر وتعطيها إياهم. والطيارة مستطيلة وفيها مقاعد على الجانبين. فلما قعدت لاحظت أن أحد الداخلين يحمل مجلة «…» في يده. ثم طارت الطيارة وكانت في طيرانها ترتفع كأنها في خط عمودي فدب في قلبي الخوف وأمسكت بمسند المقعد الذي أمامي ووضعت رأسي بين يدي وأنا خائف. ثم صحت بصوت مرتعش وأنا لا أرفع رأسي من الخوف: انزلوا بقى.
وكان الذي في خلفي وهو الذي يحمل مجلة «…» يضحك مني ضحكًا خافتًا وسمعتني السيدة التي تجمع التذاكر فقالت للسيدة التي تسوق الطيارة: بيقول انزلوا بقى.
وهذا الحلم يحتاج إلى شرح طويل ويحتاج إلى أن أكاشف القارئ عن نفسي فإنني أحرر مجلة «…» وأعني بعض العناية بالمقالة الافتتاحية فأحاول أن أسمو فيها إلى الأفكار والخواطر العالية وكثيرًا ما ذكرت فيها التقدم مقرونًا إلى فكرة تقدم المرأة وسياقتها للطيارات وإدارتها للأعمال الكبيرة وكثيرًا أيضًا ما ذكرت فيها الطيران وأنه رمز للحضارة الراقية. فاقترنت فكرة الرقي والتقدم في عقلي الباطن بفكرة الطيران وتقدم المرأة.
هذا من جهة. ومن جهة أخرى قام في نفسي صراع بشأن تحرير المجلة. فنفسي تسمو إلى أن أجعلها مجلة علمية جدية وهذا في نظري معنى الرقي. ولكني في اليوم الذي حلمت في مسائه هذا الحلم كنت أجادل أحد الصحفيين بشأن المجلات وما يجب أن تكون لكي تروج فاضطررت إلى الإذعان لرأيه وهو أن المجلة الجدية العلمية لا تروج. وأن الجمهور يحتاج إلى مادة خفيفة.
ومع إذعاني فقد كان في نفسي صراع بين شيئين: (?) أن تكون المجلة علمية جدية راقية ولكن قليلة الربح.
(?) أن تكون خفيفة المادة على قدر الجمهور ولكن كثيرة الربح فجاء عقلي الباطن يمثل لي هذا الصراع في تلك الليلة. فجعل الطيارة والمرأة التي تسوقها رمزًا للرقي. ثم جعلني لا أطيق هذا الرقي. وجاء بواحد من خلفي يحمل مجلة «…» ويضحك مني. والرقي المعنوي الذي أقصده جعله عقلي الباطن رقيًا محسوسًا بارتفاع الطيارة كما يفهم الطفل معنى الرقي.
•••

«ي» يرى هذا الحلم خاصًا بصديقه «ح».
يرى أن قريبًا لصديقه «ح» يركب أتوسيكلًا ويجري به في سرعة فائقة. ثم يلتقي بصديقه «ح» فيحمله على الأتوسيكل ويجري به.
هذا هو الحلم وهاك تفسيره:
«ي» و«ح» معلمان لا يربحان كثيرًا. وكل منهما ينظر إلى قريب «ح» باعتباره رجلًا ناجحًا في الحياة. وكان «ح» يؤمل أن يساعده قريبه هذا ويعتقد «ي» أنه يجب عليه أن يساعده.
فالنجاح رمز عنه العقل الباطن بالسرعة لأنها في نظره تدل على النشاط والحياة. والأتوسيكل رمز للسرعة. فقريب «ح» يجري بالأتوسيكل ويحمل معه «ح» أي أنه يعبر عن رغبة صديقه في أن يساعده.
فأما أن السرعة تدل على الحياة فهذا واضح في جملة لغات. ففي الأغريقية القديمة تشتق اللفظتان من أصل واحد.
•••

«ا» طفل في الثامنة من عمره يحلم ما يأتي: يحلم أن في يده قرشًا يوشك أن يضيع منه فهو يقبض عليه بشدة ولكنه يستيقظ فلا يجده.
ويحلم مرة أخرى أنه يتردى من مكان شاهق فلا يزال يهوي حتى يكاد يصطدم ويموت ولكنه يستيقظ قبل ذلك.
ويحلم أن البيت ينخسف به أرضًا وسقفًا وبناء ويهوي نحو الأرض فهذه أحلام كنا كلنا نحلمها ونحن صغار، وليس فيها رموز فإنها صريحة والأول منها يدل على أكبر هموم الطفل وهو القرش الذي سيشتري به الحلوى، وكثيرًا ما يطلبه في اليقظة فلا يجده وكما يجد الجائع الخبز في النوم كذلك يجد الطفل هذا القرش في يده وهو نائم.
ولكنه في الحلمين الآخرين يعود بنا إلى الثقافة القديمة إلى أيام الغابة حين كنا نفر من الحيوان إلى أعلى الغصون في الأشجار ونتعلق بها فيكون همنا في ذلك الوقت ألا نسقط منها. وتنشأ فينا عاطفة الخوف من السقوط فتتمثل لنا سقوطًا حقيقيًا في أحلامنا. ثم هذا البيت الذي يوشك أن ينخسف هو أيضًا عاطفة الخوف قد تمثلت في سقوط الشجرة التي كنا نتعلق بها من ريح أو عاصفة.
والطفل أذكر لثقافة الغابة من الشاب. ولذلك فلست تجد شابًا أو رجلًا يحلم هذين الحلمين لأن الطفل أقرب وأكثر تمثيلًا للطور الحيواني من الشاب. بل هو يمثله في السنتين الأوليين في يقظته حين يمشي على أربع.
•••

«ص» يحلم هذا الحلم: يرى صديقين أخوين له أحدهما ميت أو يشبه الميت على جنازة محمولة ووراءه أخوه يبكيه. ويقول هذا الأخ لـ«ص» إن أخاه لم يمت ولكن نسرًا فقأ عينه.
فجيب «ص» إجابة قبيحة إذ يقول: يا ليته قتله وأجهز عليه. هذا هو الحلم وهاك تفسيره: إن هذين الأخوين صديقان لـ«ص» والكل طلبة في كلية الطب. ولكن هذا الميت يوشك أن يتقدم للإمتحان النهائي. أما أخوه الذي يبكيه فطالب بعيد عن الإمتحان النهائي.
ولكن هذين الأخوين غير مقصودين بالذات في الحلم. وإنما هما يقومان مقام اثنين آخرين طالبين من أولاد عم «ص» فهما في الحقيقة رمز لهما. والمشابهة بينهما تكاد تكون تامة فإن أحدهما يوشك أن يتقدم للإمتحان النهائي والآخر ما يزال بعيدًا عن هذا الإمتحان في الفرقة الأولي.
والذي ابتعث هذا الحلم أن «ص» دخله شك في أن ابن عمه سينجح في الإمتحان. فرمز إلى السقوط بالموت.
ولكن أخاه لا يرى أن السقوط في الامتحان النهائي على خطورته وفداحته موتًا تامًا بل هو فقء عين فقط.
فيرد «ص» ويقول أن الموت أحسن … أي أحسن من السقوط في الإمتحان النهائي.
ولكن لماذا دخل النسر في هذا الموت؟
لما كان «ص» صغيرًا كانت أمه تحكي له قصة عن قريب له قصد إلى بيروت والتحق بكلية الطب فمات هناك. وشاع وقتئذ أن نسرًا قتله على قمة جبل لبنان. والإشاعة سخيفة بالطبع. ولكنها للجهل الفاشي في عائلاتنا كانت تحكى بهذا الأسلوب للأطفال وتحكى لـ«ص».
وكون النسر يقتل إنسانًا من الأشياء التي يفهمها العقل الباطن وتتفق وطريقته ولذلك فـ«ص» يرى النسر الذي سمع في طفولته أنه قتل قريبًا له كان يطلب الطب في الحلم ويرمز بالموت إلى السقوط. حتى أن ابن عمه الآخر عندما ينبهه إلى أن السقوط فقء عين فقط يرد عليه هذا غاضبًا بأنه لو كان قد مات لكان هذا أحسن وذلك لأنه كان يجب أن يرى ابن عمه ناجحًا.
ففي الحلم جملة أشياء: (?) رمز للسقوط في الإمتحان بالموت أو بفقءالعين.
(?) جرى على أسلوب الطفولة في أن النسور تقتل الناس وربما كان هذا يتفق والثقافة القديمة للإنسان.
ولكن في الحلم شيئًا آخر وهو «النقل» وذلك أن «ص» لم ير موضوع حلمه بالذات بل نقل الموضوع إلى أخوين آخرين وهذا كثير في الأحلام وهو ضرب من الرمز أيضًا.

حلم الانتحار


هذا الحلم التالي سأنقله كما كتبه صاحبه بنفسه وقدمه للدكتور رفرز. وصاحب الحلم نفسه طبيب كان يعمل في الحرب وراء الخنادق. وحدث أن جاءه جندي جريح وكانت جروحه غاية في الفظاعة ولم تمض عليه مدة طويلة حتى مات بين يديه وهو يصرخ ويئن من الألم. ولم يطق الطبيب المسكين هذا المنظر فصار يحلم أحلاما مفزعة انتهت أولا بأنه كره الطب وممارسته وانتهت ثانيًا بأنه فكر في الانتحار. وكان متزوجًا بامرأة من كندا وله أولاد منها فكان إذا خاطبهم في شأن تركه للطب منعوه لأنهم يعرفون أنه يعيش من هذه الحرفة وهم بالطبع لا يعرفون ما في سريرة نفسه لأن من يفكر في الانتحار قلما يبوح بسره.
والآن ننظر في الحلم كما كتبه هو للدكتور رفرز: أنا قاعد على مقعد أمامي في دار للتمثيل. وكان عليَّ أن ألقي خطبة عنوانها «الكفاح الحاضر» فشعرت أن أعصابي تتهيج لأني لم أكن مستقرًا على رأي في هذا الموضوع إذ كان لي رأيان متناقضان وكنت أنت على المسرح حينما دعيت انا للخطابة وصعدت إلى المسرح وكنت أنظر في الجمع فأرى أن كل من أعرفهم أو عرفتهم كانوا بين هذا الجمع. فتشجعت وقلت: «أيتهاالسيدات. أيها السادة.إني أريد أن أخطبكم بشأن الكفاح الحاضر».
ولكني ما كدت أبدأ خطبتي حتى رأيت أن مقعدي الذي تركته بين الجمع حين صعدت إلى المسرح قد قعد فيه رجل لم أره قبل ذلك. وشعرت بضرورة توجيه خطبتي إلى هذا الرجل بالذات وكان يبدو لي غريبًا ولكن مع ذلك كان فيه شيء يُشعرني كأني أعرفه. وكان أحمر الوجه والشعر والعينين. ولكن كانت حدقة عينيه زرقاء قاسية في حين أن شعره كان يتوهج كالذهب.
وعدت إلى خطبتي وقلت: «يجب أن نقاتل حتى آخر رجل منا. وخير لنا أن نموت من أن نفقد رجولتنا واستقلالنا ونصير عبيدًا لشعب أجنبي».
ولما قلت هذا رأيت الرجل القاعد في مقعدي قد تولاه حزن عميق. ومع أنه كان موافقًا لأقوالي فإني سمعت حركة في الجمع تدل على المخالفة ولاحظت عندئذ أن للدار بابين قد وقف على كل منهما رجل. وكان الباب الذي على يساري قد وقف عليه رجل من كندا يشبه والد زوجتي والباب الذي على يميني قد وقف عليه رجل يشبه الدكتور «س» وعليه السترة الخاصة بفحص الجثث. ثم أخذت في خطبتي فأشرت إلى أن كل شيء يتوقف على استعمالنا قوانا.
وهنا رأيت الرجل الذي في مقعدي قد هتف لي وأبرقت عيناه.
وهنا صاح به الرجل الكندي الموكل بالباب الأيسر «اسكت أنت هناك. اسكت وإلا جئت لك» ولوح في وجهه بالعصا. ولاحظت عندئذ أن حول هذه العصا ثعبانًا يزحف عليها ويهدد الرجل الذي في مقعدي. فامتلأت رعبًا ولاحظت أن الرجل الذي في مقعدي قد تغير. فإنه عندما نظر إلى الرجل الكندي أظلمت عيناه واكتسى وجهه بملامح الألم حتى كاد يكون رجلًا آخر وحتي أن شعره إسوَدّ وزال من وجهه البياض. وتأثرت من منظره حتى نقصت ثقتي.
ثم قلت: «إني أعرف أننا قد تألمنا وأننا لا نزال نتألم ونقاسي» وهنا رأيت الرجل الذي في مقعدي قد أظلم وجهه وأنَّ أنينًا عاليًا.
وعدت إلى خطبتي فقلت: «ما أعظم الراحة التي سيعيدها إلينا السلام» وهنا بدا على وجه الرجل الذي في مقعدي ألم فظيع حتى أني شعرت أنه من الرحمة أن أقتله. وكان الدكتور «س» الذي بالباب الأيمن قد قرأ نيتي فأنه ابتسم لي. ولكن الرجل الكندي الذي بالباب الأيسر وضع العصا وبها الثعبان على الأرض. ثم رفع كورسيه وقال: «هذا كورسيه أشد به وسطه»
وعندئذ رأيتك أنت قد دخلت وصحت: «النظام النظام. دع الرجل. استمر يا دكتور في خطبتك. الرجل مريض. مريض جدًا».
فعدت إلى كلامي وأخبرت الحضور بأنه على الرغم من آلامنا العظيمة يجب أن نستمر في الحرب وقلت: «يجب ألا نسلم يجب ألا نخضع» ورأيت الذي في مقعدي قد تغير ثانيًا. فرأيته كأن قامته قد ازدادت والتمعت عيناه كأن الشرر يقدح منهما وعاد شعره ذهبيًا وصاح يهتف لي. ولكن هتافه غاظ الرجل الكندي الذي رفع العصا والثعبان يتلوى حولها وصاح به قائلًا: «سأذيقه طعم هذا». وهنا تضاءل الرجل الذي في مقعدي ثانيًا وتكمش. ورأيته يتألم آلامًا فظيعة لم أستطع أن أتحمل رؤيتها وبدت لي آلامه من عينيه حتى شعرت أني يجب أن أقتله. وهنا ابتسم لي الدكتور «س» موافقًا لي على قتله وقال: «هذه هي الطريق لملائكة السلام» ثم تدخلت أنت وقلت أن الرجل مريض جدًا. فقلت أنا: «سأريحه من شقائه» وتناولت مسدسًا كان على المنضدة وقلت: «إنه لن يحس بالموت ولن يراق منه دم وسيقف تنفسه للحظته».
فقلت أنت لي: «لا تفعل. الرجل مريض جدًا ولكنه سيشفى» ولكني لم أقوَ على رؤية الرجل وصممت على أن أطلق عليه المسدس. وبينما أنا أرفع المسدس سمعت صوت ابني وهو يقول: «لا تفعل يا أبي. لئلا تؤذيني أنا أيضًا».
واستيقظت وأنا في غاية المرض والشقاء. وكان هذا الحلم أفظع ما مر بي في حياتي.
•••

انتهي ما كتبه هذا الطبيب إلى الدكتور رفزز. ونحن فيما يلي سنسير مع الدكتور رفرز في تفسيره الذي مهدنا له قبل أن ننقل هذا الحلم.
فهذا الطبيب كان يعمل في الخنادق مدة الحرب وكان يرى جثث الجرحى والقتلى فيتألم. وأخيرًا رأى جثة رجل ممزقة وسمعه وهو يئن أنينًا فظيعًا. فدب الرعب في قلبه وقام في عقله الباطن كره شديد لهذه الصناعة التي تضطره إلى رؤية هذه المناظر كل يوم.
ولكنه يعرف أن له عائلة يجب أن تعيش وأنه يجهل أي صناعة أخرى. فهو في صراع بين أن يترك الطب مع أنه مأمون الدخل وبين أن يبحث عن صناعة أخرى غير مأمونة الدخل.
وقد فاوض عائلة زوجته في هذا الموضوع. فأبدى أعضاء العائلة كلهم استنكارهم لتركه الطب. ولكن آلامه كانت شديدة ففكر في الخلاص من كل ذلك بالانتحار ولم يكن يمنعه غير الخوف على مصير أولاده. فالحلم صراع بين جملة أشياء: (?) كراهته للطب مع الثقة من الربح منه.
(?) ميله إلى عمل آخر مع عدم الثقة من الربح منه.
(?) تفكيره في الانتحار للخلاص من هذا التردد.
(?) خوفه على مصير أولاده إذا انتحر.
(?) رغبته في ان تنتهي الحرب حتى يعود السلام.
(?) رغبته في أن تنتصر أمته ولو طال الحرب
فهذا كله اندمج في حلمه. فهو يخطب خطبة وطنية ولكنه يشعر بالتردد فيها. ويرى رجلا يقعد في مقعده. وهذا الرجل الأحمر الوجه الذهبي الشعر هو نفسه قد تمثل أمامه. وقد حدث ما سميناه في الفصل السابق بأنه «نقل» أي أنه نقل شخصه إلى شخص آخر.
ولكن لماذا يكون الرجل أحمر الوجه ذهبي الشعر؟
كان هذا الطبيب في صغره يحب أن ينشأ رجلا بهذا الشكل.
فاندست هذه الرغبة القديمة في عقله الباطن حتى رآها في الحلم ممثلة في الرجل الذي يقوم مقامه ويقعد في مقعده.
ورأى على الباب الأيسر رجلا كنديًا يشبه والد زوجته ويحمل عصا يتلوى عليها ثعبان. وهذا الرجل يمثل عائلة زوجته. لأن زوجته كندية. والعصا والثعبان يمثلان شارة الطبيب التي توضع على الكم: وعائلته تطلب منه أن يلزم الطب ولا يتركه. ثم عاد هذا الرجل فهدده بالكورسيه الذي تلبسه زوجته. والكورسيه رمز للزوجة. وعلى الباب الأيمن الدكتور «س» وقد ستر جسمه بالسترة التي تستعمل عند فحص الجثث. وكان الدكتور «س» قد انتحر منذ أشهر. فهو يقف على الباب الآخر لكي يحبب إليه الانتحار ويذكر ملائكة السلام أي الموت الذي يختم هذا القلق والشقاء.
وبينما الخطيب يهم بقتل الرجل أي بقتل نفسه يخرج ابنه ويمنعه ويقول أن الانتحار يؤذيه أيضًا. فيكف عن الانتحار.
والتفسير واضح. وقد اقتنع به الطبيب وعمل بمشورة الدكتور رفرز الذي نصح له بترك ميدان الحرب والانخراط في السلك الخاص بصحة المدن حيث لا يرى جثة ما في حياته وحيث يقتصر عمله على ما يشبه الهندسة من نظام الماء والبالوعات ونحو ذلك.

الأحلام والتنبؤ بالمستقبل


من يقرأ شيئًا عن الأحلام القديمة وتفسيرها يجد أن القدماء كانوا يرون في الأحلام علامات وإشارات يمكن التنبؤ بها عن المستقبل وهذا أيضًا رأي العامة الآن في الأحلام.
وليس ذلك بمستغرب إذا عرفنا أننا نحلم بهمومنا التي نطردها عنا وقت اليقظة لأننا نكره الاشتغال بها في حالة الوعي فإذا نمنا انطلقت من حبسها وأعادت إلينا همومنا المكبوتة في هيئة رموز يسهل تعرف أصلها أحيانًا. فإذا كنا نخشى شيئًا نظن أنه سيقع لنا يومًا ما فإن رؤيتنا له في النوم تتكرر بأشكال مختلفة. فإذا اتفق أن ما نخشاه وقع بالفعل فإننا نعزو إلى الحلم صفة التنبؤ.
ولكي نوضح ذلك يمكننا أن نفرض أن أمًا مشتغلة البال على الدوام بسلامة ابنها وتخشى عليه من أن يدوسه الترام أو الأتومبيل وتعرف من خصاله أنه كثير اللعب والجري في الشوارع ولكنه لا ينتهي بزجرها. فتبقى مهمومة بشأنه. ولكن الهم مؤلم. فما دامت يقظه فهي تطرد هذا الهم لما يحدثه من الألم. ولكنها إذا نامت رأت ابنها وقد داسه الترام وجرحه. ويحدث أن ابنها يجرح في اليوم أو الأسبوع الثاني للحلم فترى هي صدق التنبؤ من الحلم. ولكن الواقع أن أي إنسان آخر يعرف انطلاق ابنها في الشوارع ويقدر متوسطًا للحوادث كان يمكنه أن يتنبأ أيضًا بأنه لا بد أن تحدث حادثة لهذا الولد.
حدث منذ أعوام أن باخرة خرجت من استراليا تقصد إلى انجلترا. فلما كانت في الطريق قبل أن تبلغ أحد المواني الآسيوية نزل اثنان من المسافرين لأن كلًا منهما حلم أنها غرقت. فتشاءم من الحلم وترك الباخرة وانتظر باخرة أخرى. وما كادت الباخرة الأولي تبلغ سواحل أفريقية حتى غرقت هي ومن فيها.
والقارئ لهذا الخبر يتوهم أن ما رآه الرجلان في الحلم قد تحقق وأن في هذا حجة وبرهانًا على صحة التنبؤ في الأحلام. ولكن قليلًا من التأمل يبين عكس ذلك. فإن الباخرة بالطبع لم تغرق إلا لخلل في آلاتها. وهذا الخلل لا يحدث فجأة وإنما تكون له علامات مثل اضطراب الحركة أو الميل الزائد أو نحو ذلك. فالأغلب أن أحد هذين الرجلين لاحظ على الباخرة شيئًا من ذلك ودب في عقله الباطن خوف عليها. والبحر كالظلمة يزيد المخاوف. فربما حادث رفيقه فيما رآه غريبًا في مسلك الباخرة. ولكن عادة الإنسان أن يكبت العواطف المؤلمة. ولذلك فهما يسكتان عن بحث الموضوع بصراحة. فإذا ناما رأى كل منهما هذا الخوف متجسمًا في غرق الباخرة. ولذلك فهما يتركانها وتغرق هي بعد ذلك بأسبوعين.
وفي الحلم التالي يرى القارئ شيئًا يشبه التنبؤ. ولكنه ليس في الواقع تنبؤًا بل هو عند التحليل شيء آخر لا يقل غرابة عن التنبؤ يثبت لنا فائدة الأحلام أحيانا لأنها تنبهنا إلى أشياء نجهلها.
فقد حدث أن رجلًا انجليزيًا يدعى «ج» كان راكبًا للقطار. فاصطدم القطار ووقع «ج» وكسرت له عدة أضلاع. وعولج من الكسر وشفي منه حسب الظاهر ومضت على ذلك سنتان والرجل لا يرى ما يشكو منه في جسمه. ثم حدث أنه أصيب بذات الجنب التي انتهت بخراج لم يعرف موضعه. فكان يتألم فإذا فحصه الطبيب لم يستطع الاهتداء إلى مكان الخراج.
وفي أحد الأيام بينما هو راقد في سريره زاره صديق فطلب منه أن يخبر الطبيب بحادثة القطار التي مضى عليها سنتان لعل لها علاقة بما يتألم منه. ولكن المريض ضحك وهزأ بهذه النصيحة.
ونام المريض بعد ذلك ولكنه استيقظ وهو يصرخ. فلما جاءته الممرضة تسأله عن علة صراخه أخبرها بأنه حلم بحادثة القطار التي حدثت له قبل سنتين وأخذ يشرحها لها. فلما جاء الطبيب أخبرته الممرضة كما أخبره هو بالحادثة. فعمد الطبيب إلى مكان الصدمة القديمة وفتحه وأخرج منه أكثر من رطل من الصديد. وشفي الرجل بعد ذلك.
فما هي دلالة هذا الحلم؟
دلالته أن العقل الباطن كان يدري بمكان الخراج في حين أن العقل الواعي كان يجهله. ولذلك ما كاد العقل الباطن ينتبه قليلًا إلى الحديث في حادثة القطار حتى استعاد الذكرى ومثلها وكأنه بذلك قد أرشد صاحبه إلى مكان الخراج.
ومن هذا المثل الأخير يمكننا أن نعزو إلى العقل الباطن ميزة الوقوف على تلك العلل الخفية في الجسم فإذا حلمنا بأننا سنمرض فالأغلب أن في جسمنا خللًا قد شعر به العقل الباطن ودلنا عليه عن سبيل الحلم.
وبهذه المناسبة نذكر حلمًا يخشاه كثير من الناس ويظنون أن فيه تنبؤًا قد يتحقق فقد يحلم شاب أن أمه قد ماتت فيشتغل باله كثيرًا وخاصة إذا كانت بعيدة عنه. ولكن ليس في هذا الحلم سوى تحقيق شهوة. ولا نعني بذلك أن الشاب كان يشتهي موت أمه عندما حلم هذا الحلم. وإنما نعني أن هذا الحلم هو استعادة لشهوة قامت في نفسه وهو صبي عندما كان لا يقدّر معنى الموت ويدرك نتيجته إدراك الشاب له. فكثيرًا ما يدعو الصبي على أمه بأن تموت ولكنه في دعائه لا يقدّر معنى الموت. وأحيانًا ونحن في الشباب نستعيد شهوات الصبا فنراها محققه ونجزع لها.

الثقافة القديمة في الأحلام


قلما يحلم الإنسان حلمًا يشبه حلم هذا الطبيب الذي ذكرناه فيما تقدم تحتوي مادته على لغة وكلام. وإنما الأكثر أن «يُرى» الحلم ولا يسمع. وهو لذلك يسمى «رؤيا» وقلما تغيب عن الحلم مادة الثقافة القديمة كما هي غائبة في حلم الطبيب الذي ليس به من علامات الأحلام سوى الرموز وذكرى الطفولة في رغبة الطبيب وهو صبي أن يكون رجلا ذهبي الشعر أزرق العينين.
فنحن في معظم أحلامنا خرس لا نتكلم وإنما نرى فقط. وهذا يتفق ونظرية العقل الباطن من حيث أنه خزانة الثقافة القديمة. فقد كان الإنسان في بدء حياته الإنسانية عقب خروجه من طوره الحيواني أخرس لا يتكلم وكان يخترع الرموز للأشياء.
ففي هذا الحلم كما قلنا: (?) رموز وهي كثيرة في الأحلام.
(?) واستعادة رغبات الطفولة وهي كثيرة في الأحلام.
ولكن فيه شيئًا لم نذكره للآن وهو أن الأفكار مجسمة. وتجسيم الأفكار هو الأصل في هذه الرموز. فالطب مجسم في شارة الطبيب في الجيش أي عصا وثعبان. والواجب الزوجي مجسم في الكورسيه التي تشد المرأة به وسطها. والانتحار مجسم في رجل كان قد انتحر.
فالأفكار والآراء تتجسم لنا في الحلم أشخاصًا أو أشياء. فكلنا نحلم بنوع من الهيروغليفية المصرية. ولكننا نعرف أن الهيروغليفية المصرية نشأت صورًا كل صورة تدل على أصلها. ثم تطورت فخرجت عن هذا الأصل حتى صارت رمزًا له أو لجملة أفكار أخرى قريبة منه.
وعلى هذه الوتيرة نشأت اللغات كلها. ولذلك فإننا إذا أردنا أن نعرف معنى الرموز التي في الأحلام وجب علينا أن ندرس اللغات القديمة وأيضًا يجب أن ندرس رموز الشعر والفكاهة. وذلك لأن هذه الرموز تأتي في الشعر أو الفكاهة خواطر غير مقصودة فيكون العقل الباطن هو العامل الأكبر منها. والعقل الباطن هو نفسه الذي يحدث الأحلام.
ويمكن بتحليل الألفاظ في اللغات الحديثة أن نرى فيها الرموز العامة التي تستعمل في الحلم. وهذه الرموز العامة قليلة بالطبع لأنها لعموميتها تشمل جميع الناس من أي الشعوب واللغات ولكن لكل أمة رموزًا خاصة تخرج من بيئتها فالجمل مثلًا رمز عند العربي لا يمكنه أن يراه الأوربي في حلمه. وللقبعة رمز عند الأوربي لا يفهمه العربي.
فمن الرموز العامة أن نرى السفينة أو الزورق في الحلم ويكون معناه عندئذ المرأة. وهذا واضح في تأنيث السفينة عند الانجليز مع أن الجمادات في لغتهم لا جنس لها. وواضح أيضًا في أننا نسمي السفينة في لغتنا «جارية» أي امرأة فنقول «الجواري المنشآت».
والعرب تسمي المرأة كما سمتها التوراة «ماعونًا» فإذا رأينا ماعونًا في الحلم أدركنا منه أنه رمز للمرأة.
وأحيانًا يكون المنزل رمزًا للجسم. وفي الأغلب جسم المرأة إذا لم تكن قرائن الحلم منافية لهذا الغرض. ونحن في لغتنا العربية قد قرأنا هذين المعنيين فنقول «بنية» الرجل أو المرأة بمعنى جسمه وهي مشتقة من البناء. ونقول «العمود» الفقري. والأعمدة من البناء. ونقول لبطنه «جوفه» كما نقول جوف المغارة.
والملابس التحتية رمز للمرأة كما رأينا في حلم سابق حين وضع الكورسيه رمزًا للزوجة واستخرجنا منه معنى الواجب الزوجي.
ونحن نقول عن الموت أنه «الرحلة الأخيرة» أو «السفر البعيد» وكذلك نرى هذا المعنى رمزًا للموت في الأحلام. وهذا المعنى رآه قدماء المصريين حين شرعوا يفكرون في الموت. وليس «كتاب الموتى» الذي كانوا يضعونه مع الميت سوى الدليل الذي يهديه في ذلك السفر البعيد. ونحن عندما نريد أن نعبر عن الموت للطفل وننزل إلى المعنى الذي يفهمه نقول له عن الشخص الميت الذي يسأل عنه أنه «راح بعيدًا» ومن هنا نفهم الاتفاق الواقع بين لغة الطفل وأفكاره ولغة الحلم ولغة الإنسان القديم.
ونعبر عن الولادة بالخروج من الماء وذلك لأن عقلنا الباطن يفهم أن هذه هي الحقيقة الأصلية التي يعرفها. فإننا نعيش تسعة أشهر في بطون أمهاتنا في سائل نخرج منه وقت الولادة. والأسطورة القديمة عن موسى والنهر تدل على هذا الخاطر. فالخروج من الماء رمز في أحلامنا إلى الولادة.
ومعظم الرموز في الأحلام تخص الغريزة الجنسية ولكننا لا يمكننا هنا أن نتوسع في ذكرها. ويمكننا أن نختصرها في القول بأن الفواكه ترمز إلى المرأة عند الشاب. وأن الولائم ترمز إلى الرغبة في الزواج.
وإلي القارئ حلمين يمكنه أن يحاول حلهما قبل أن يقرأ الحل: (?) «أ» فتاة تحلم أنها يعرض عليها معطف مثل المعطف الذي لأختها المتزوجة فترفض وتطلب معطفًا أوسع وأكبر.
(?) «س» تحلم أن وحشًا قد هجم عليها يريد أن يشق بطنها فاشتد رعبها حتى شعرت بالكابوس.
فالمعطف في حلم الفتاة الأولي هو الزوج فهي ترفض أن تتزوج رجلا يشبه زوج أختها وتطلب زوجا أرفع منه.
والوحش في حلم الفتاة الثانية هو الرجل في حالة التهيج الجنسي. وقد كان الرجل في الأزمنة البعيدة يخطف المرأة من بين أهلها. وليس شك في أن المرأة في ذلك الوقت مع رغبتها في الزواج كانت ترعب رعبًا شديدًا من هذه الحادثة. ولذلك فإن عقلها الباطن الذي اختبر هذه الاختبارات القديمة يصور لها الرغبة في الزواج كما يفهمها من اختباراته.
وإذا كنا نحن في أحلامنا نستعمل الرموز فإن استعمالنا لها يتفق وطريقة التفكير عند الإنسان الأول. فقد رمز إلى قوى الطبيعة المعنوية بالآلهة. والإِله شخص. فالإنسان القديم شخص قوي الطبيعة. فكما نرمز نحن في الأحلام إلى الواجبات الزوجية بالكورسيه وكما نرمز إلى التسامي بركوب الطيارة كذلك رمز هو إلى الموت والحياة والمرض والزراعة بأشخاص هي الآلهة القديمة. وكذلك نشأت اللغات في الأصل رموزًا وما زلنا نحن نرى في الاستعارة والمجاز معنى الرمز. ومعظم فكاهاتنا لا تزال قائمة على هذا الأصل.

العقل الباطن في الخواطر


لكي نفهم طبيعة الخواطر يجب أن نذكر شيئين عن رفرز وفرويد. فكل منهما قطب من أقطاب النفسلوجية الحديثة.
فالأول يقول أن خير طريقة يمكن استعمالها لتفسير الأحلام أن يبقى صاحب الحلم عقب حلمه واستيقاظه منه في فراشه مسترخيًا يتذكر وقائع الحلم ثم يقرن إلى هذه الوقائع ما يخطر في باله عنها ويقيد كل ذلك في ذاكرته ثم يقابل خواطره بوقائع الحلم فيستطيع عندئذ التفسير.
وطريقة فرويد هي أن يطلب من صاحب الحلم أن يترك خواطره تنساب كما تشاء فلا يقيدها بأي قيد بشأن هذا الحلم. فإذا حلم مثلًا أن كلبًا قد عضه فإنه يذكر لفظة «كلب» ثم يكتب كل ما يخطر في باله عن هذه اللفظة. وكذلك لفظة «عض» فإنه يذكر جميع الألفاظ التي تمر بذهنه عندما يذكرها.
فكل من فرويد ورفرز يستعمل الخواطر لتفسير الأحلام. والسبب في ذلك أن العاطفة المكبوتة في العقل الباطن وهي التي تحدث الأحلام وقت النوم هي نفسها التي تحدث الخواطر وقت الإغفاء حين يكون العقل الواعي غافلًا غير منتبه.
فالخواطر هي في الحقيقة أحلام اليقظة. فإذا كان الحلم الذي رأيناه في النوم قد أشكل علينا فهمه فلا بأس من أن نكمله ونفسره بالخواطر. لأن كليهما ينبع من معين واحد هو العقل الباطن.
ولكن الخواطر تمتاز من الأحلام بأنها لا تفارق المحسوس كل المفارقة ولا يعدو خيالها المستحيل. فإذا كان لي خصم قد أهانني ولم أستطع رد إهانته حتى احتبست عاطفة الغيظ في نفسي وكمنت في العقل الباطن فإني في الأحلام أجد أني قتلته أو أراه كناسًا في الشارع أو أن وحشًا يأكله. ولكني في الخواطر لا أتمادى إلى هذا الحد في الخيال لأن عقلي الواعي ما يزال صاحيًا بعض الصحو ولم ينم كل النوم فهو لذلك يقيد خواطري ويجعلها تجري وفق الواقع أو قريبًا منه. فأنا في خواطري وأنا قاعد أفكر في خصمي لا أرى وحشًا يأكله ولكني أراني أشتمه وأضربه وأشرح له وقاحته وغلطته وأتخيله يتذلل لي ونحو ذلك. فالخواطر هي أحلام مخففة قد شابها العقل الواعي.
والعقل الباطن يجري في الأحلام والخواطر على وتيرة واحدة وهو تداعي العواطف. فالعاطفة تدعو العاطفة وتمثل الرغبة في شخص أو شيء. وكلما كانت العاطفة قوية زادت الخواطر عنها.
والعقل الباطن أكثر تصريحًا بنياتنا من عقلنا الواعي. ولذلك كثيرًا ما تكون فلتة اللسان أكشف للنية من الكلام المدبر الموزون. لأن الكلام الموزون يصدر عن العقل الواعي وهذا إنما يعبر عن نياته بحساب وتوقٍّ من الغلط وتقدير للظروف فلا تخرج النية صريحة. أما العقل الباطن فإنه يصرح بها لأنه لا يحسب لشيء ما فهو يعبر عن رغباته بسذاجة الطفل أو أحيانًا بسذاجة الحيوان.
منذ أيام كنت في مجلس وبه فتاة مريضة. وكان بين الحاضرين اثنان رجل وسيدة بينهما خصومة قديمة. فلما همَّ الرجل يريد الخروج أراد أن يودع هذه السيدة فقال «سلامتك» يريد لها السلامة كأنها مريضة مع أن السلامة كان يجب أن توجه إلى الفتاة المريضة. ولكن لأنه يرغب في مرض السيدة نسي أن يودعها الوداع العادي الذي تودع به سائر السيدات، فسبب نسيانه أو سبب هذه الفلتة من لسانه هو نية السوء التي يضمرها لهذه السيدة. وهذه النية صرح بها عقله الباطن على غفلة من عقله الواعي. وحدثت هذه الفلتة.
وأراني في هذا الكتاب قد أخطأت جملة أخطاء يطلق عليها عادة اسم «زلة القلم» وهذه الزلة تتسم عندي في الغالب بنسيان حرف أو حرفين من الكلمة فبدلًا من أن أكتب «العقل الباطن» أكتبها هكذا «العقاطن» والسبب في هذه الزلة أنه تقوم بنفسي الرغبة في إنهاء الفصل بسرعة. فيتوهم عقلي الباطن لسخافته أن السرعة تقتضي أن أثب من كلمة إلى أخرى كما يثب الإنسان في المشي إذا أراد العجلة. فإذا سنحت له فرصة من غفلة عقلي الواعي اندفع هو وأحدث هذه الزلة طلبًا للتعجل.
ففي هاتين الحالتين نرى أن النسيان الذي هو أصل فلتة اللسان وزلة القلم كان له سبب معقول. وهكذا الحالة في كل نسيان. فنحن لا ننسى شيئا إلا ولهذا النسيان سبب.
أعرف صديقًا لي خطب فتاة وأحبها. فكان إذا أراد الذهاب إلى منزله ساقته قدماه وهو لا يدري إلى الشارع التي تسكن فيه خطيبته. وهو لا ينتبه إلا وهو على الباب فيتعجب لنفسه كيف جاء مع أنه لم يقصد المجيء.
وهو إنما فعل ذلك لأن عاطفة الحب قوية في عقله الباطن فهي تسارق عقله الواعي وتنتهز غلفته ثم تسوق القدمين إلى غرضها. وهو بالطبع لو كان عقله الواعي منتبهًا لما انساق لهذه العاطفة. ولكننا حين نمشي في الشارع لا نكون في كامل وعينا فيجد العقل الباطن الفرصة في إنفاذ غرضه. ولذلك كثيرًا ما تخطر لنا الخواطر وقت مشينا وكثيرًا ما نرى ناسًا يكلمون أنفسهم ويشيرون بأيديهم وهم سائرون في الطريق.
وقد رأينا في حلم الانتحار كيف تنشأ الرغبة في الانتحار وتندس كامنة في العقل الباطن حتى يفشيها الحلم. ولكن من الناس من يبلغ به الشقاء أن تشتد عنده الرغبة في الانتحار حتى يجد العقل الباطن فرصة في غفلة العقل الواعي فينتهزها. وقد يكون المسكين ماشيًا في شارع فتزل قدمه به حتى يدوسه أتومبيل ويموت. فالحادثة أمام الناس قضاء وقدر أو إهمال من السائق ولكنها في الواقع انتحار قد انساق إليه المنتحر بعقله الباطن وهو لا يدري. وهو في هذا الانتحار كالمحب الذي انساق إلى بيت خطيبته وهو لا يدري إلا أنه أمام منزلها.
وتسمع أحيانًا عن رجل لطم آخر لطمة واحدة فقتله. فالحادثة ضرب أدى إلى قتل حسب الظاهر ولكنها في الواقع قتل صحيح لا غش فيه. فإن الضارب قد نوى القتل في عقله الباطن وأراد الضرب بعقله الواعي ولكن النية الباطنة تغلبت على الإرادة الظاهرة وجعلت اليد تقع حيث يكون الموت نتيجة اللطمة.
ففي زلة اللسان والقلم والقدم واليد ترى النية المكبوتة في العقل الباطن تخرج وتنتهز غفلتنا حين يضعف وعينا فتحدث هذه الزلة التي نظنها خطأ بريئًا. ولكن النفسلوجية الحديثة تثبت بالتحليل أنه ما من خطأ نخطئه يكون سببه النسيان إلا وله أصل في عقلنا الباطن.
ولكن ليست خواطرنا كلها زللًا. فنحن طول النهار تخطر ببالنا الخواطر وهي تتسق والأحلام في الطريقة وتعبر عن شهوة كامنة أو عن صراع بين النية الكامنة في أعماق نفوسنا وبين الظروف المحيطة بنا وتجري في كل ذلك على طريقة الحلم من حيث الطفولة في الأسلوب. فإن مطامعنا في الخواطر لا تحد ومبالغاتنا كثيرة تشبه ما يتخيله الصبي ولكنها مع ذلك دون الحلم في الدرجة ثم هي خلو من الرموز.
ولكن يحدث فيها «النقل» أحيانًا فقد رأينا في حلم الطبيب الذي رغب في الانتحار أنه نقل شخصه إلى شخص آخر قعد في مقعده. وقد حدث لي مرة أن دعاني صديق إلى الغداء في الريف وكان يرافقني آخر. فجعلنا نجول بين الحقول حتى شعرت بالجوع فقلت لرفيقي: لا بد أنك جعت جدًا.
والحقيقة أن الذي جاع هو أنا ولكني نقلت شخصي إلى شخصه. وليس من الواضح للآن لماذا يحدث النقل في الحلم وهو أندر وأقل وضوحًا في الخواطر.
وقد رأينا في الأحلام كيف يحاول العقل الباطن أن يسمو بصاحبه ويرقى. وكذلك في الخواطر يحاول عقلنا الباطن أن يخيل لنا الرقي ويدفعنا إليه ويعمل لتطورنا من حالتنا الراهنة إلى حالة أرقى. فإن نحن أردنا ان نقف على كنه نفوسنا وميولنا وجب علينا أن نفحص خواطرنا وأحلامنا فهما يمثلان لنا أطماعنا في الدنيا ومشكلاتنا الخفية وأخلاقنا الأصيلة في نفوسنا
ولكن تحدث لنا فترات تنحط فيها خواطرنا وأحلامنا. فالشاب المراهق ليس له من الخواطر والأحلام سوى ما يتصل بالغريزة الجنسية وليس للجائع منهما سوى ما يتصل بالطعام. وهذه فترات أشبه بالمرض منها بالصحة كالسجين يحلم بالانطلاق من السجن فيرى الملائكة في نومه تحمله إلى النافذة وتخرجه منها ويتخيل في خواطره مئات الوسائل التي يستطيع أن يفر بها من السجن فهذه فترات وقتية يكون فيها الشخص أشبه بالمريض فيعمد عقله الباطن إلى تخصيص كل قواه لإنقاذه. فالعقل الباطن عند المسجون لا يفكر إلا في إنقاذه فيخيل له الإنطلاق والحرية ووسائل الإنقاذ. وعند الجوعان يخيل له الأطعمة وعند المراهقة تخفف العاطفة الجنسية المحبوسة بتشخيص الحالة.
ولكن كلا منا يعرف أنه يمكن بشيء قليل من العزيمة أن نوجه خواطرنا إلى معان وأغراض أخرى غير تلك التي يسلكها عقلنا الباطن. فبدلًا من أن نتخيل الطعام يمكن أن نتخيل قصرًا نملكه أو غنى نبلغه أو نحو ذلك مما تطمح إليه نفوسنا وفيه من القوة ما يغمر العاطفة السابقة عاطفة الجوع. وإذا كانت أحلامنا مريضة فإننا يمكننا بتهيئة العقل الباطن قبيل النوم أن نوجهها إلى الأغراض التي نريدها. وقد كان ابن عربي الصوفي الأندلسي يقول: «ينبغي للعبد أن يستعمل همته في الحضور في مناماته بحيث يكون حاكما على خياله يصرّفه بعقله نومًا كما كان يحكم عليه يقظة».
وليس ذلك بالصعب إذا عمدنا إلى أنفسنا قبيل النوم ساعة الاسترخاء وغفوة الوسن الأولي فنتخيل أشياء سامية نحب أن يشتغل بها عقلنا الباطن وقت النوم. ولا عبرة بما نشعر به عند اليقظة في الصباح حين لا نذكر أننا حلمنا بما أردنا أن نحلم به. فالأغلب أننا حلمنا ونسينا.
وإنما ننسي معظم أحلامنا لأن العقل الواعي يكبتها عند اليقظة لأنها تنافي أغراضه ومسالكه كما تنافي الواقع الذي يعرفه هو. ولذلك فإن أحسن الأوقات لاستذكار الحلم هو تلك الفترة التي بين النوم واليقظة حين يكون العقل الواعي ما يزال في غفوته لم ينتبه تمام الانتباه.

الكبت والتسامي


أرغب الناس في وصف الأطعمة وألوانها هو الجائع أما الشبعان فليس أسأم لنفسه من ذلك.
وكذلك أرغب الناس في وصف الجمال ولذات العشق هو المحروم من الحب أو المقهور في عواطفه الجنسية.
ومعنى هذا أن عاطفة الجوع المكبوتة قد تستحيل عند الجائع إلى نوع من الفن الوصفي وتستحيل عاطفة الحب عند العاشق إلى نوع من الأدب الغرامي.
وهذا هو التسامي. أي أننا نتسامى بالعاطفة إلى فن من الفنون العليا فنصرفها إليه فإذا وجدت مُنصرفًا إليه خف اللبيد المحتبس من جهة ونبغنا نحن في الفن من جهة أخرى.
فالنبوغ في الفنون يحتاج إلى عواطف مكبوتة قد استحالت ممارسة للفن. وذلك لأن العاطفة المكبوتة في العقل الباطن طاقة أي قوة تحاول أن تستحيل إلى إرادة فعمل. ولكنها لا تجد ذلك فتنتهز فرصة النوم وتستحيل حلمًا أو تنتهز فرصة السهو والغفلة فتخرج على سبيل الفلتة أو الزلة أو تجري خواطر سائبة تتخيل فيها الخيالات.
ولكن هذه الطرق لا تكفي العاطفة المكبوتة إذا كانت قوية. ولذلك يحدث كثيرًا أو يتفق لنا لحسن الخط أن نتسامى بهذه العاطفة إلى خدمة قريبة في المعنى لهذه العاطفة وبهذا يخف اللبيد (أي العاطفة المكبوتة) ونستطيع خدمة الهيئة الاجتماعية بخدمة الفن الذي نمارسه.
ولذلك يجب أن نعرف أنه إذا كانت العواطف المكبوتة تحدث الجنون أحيانًا فإنها أحيانًا أخرى تحدث النبوغ.
منذ أكثر من ثلاثة قرون كان يعيش في اجرة بالهند أمير مسلم وكانت له زوجة تدعى نور محل. وكان يعشقها عشق المتيم. ثم ماتت فماذا يفعل بهذه العاطفة المتأججة في صدره عاطفة الحب؟
كان أمامه طريقان: (?) إما أن يخيلها له عقله الباطن شخصًا قائمًا حيًا يخاطبه في وعيه ويقظته كما نرى نحن شخص الميت العزيز في أحلامنا. وهذا هو الجنون.
(?) وإما أن يتسامى هو بهذه العاطفة إلى عمل فني فيصرف عاطفة الحب إلى هذا العمل وبذلك لا يطغى العقل الباطن على وعيه.
وهذا الطريق الثاني هو ما اختاره. فإن حبه الماضي لزوجته كان مؤلفًا من جملة عناصر هي الإعجاب بالجمال والافتتان به والولاء والإخلاص للزوجة والإقامة على الحب.
وهذه العناصر نفسها قد تمت له في إقامة أثر فني مصنوع من المرمر الناصع يدفنها فيه. وقد قضى عشرين سنة وهو يبني هذا الضريح الذي يسمى الآن «تاج محل». فالإعجاب بالجمال الذي كان للزوجة قد استحال إعجابًا بجمال البناء. والولاء للزوجة والثبات على حبها قد استحالا إلى ولاء وثبات على حب هذا الأثر وبذل المال في تكاليفه حتى كان راضيًا بأن يقوم على بنائه ????? عامل في اليوم.
فعاطفة الحب للمرأة قد تسامت في هذا الأمير إلى عاطفة الحب للبناء.
وكذلك يمكن الشاب أن يتسامى بالعاطفة الجنسية المتأججة فيه إلى خدمة فن من الفنون الجميلة كالمثالة أو التصوير أو أي عمل آخر يحتاج إلى ما يشبه عواطف الحب. ومعظم الأعمال بل كلها تقريبًا تحتاج إلى ذلك.
كان لويولا مؤسس اليسوعية يعشق فتاة ثم قُهرت فيه عاطفة الحب. فوجد منصرفًا لها في خدمة الدين المسيحي لأن الولاء للدين وحب التضحية وبذل المال والمجهود لخدمة الدين يشبه في عناصره الحب للمرأة والولاء لها لأن في الاثنين معنى العبادة.
وبهذا التسامي ينجو الشخص من الجنون. وكثيرًا ما يحدث الجنون لأن الشخص لا يرى سبيلا للتسامي. فقد تفقد أم وحيدها فهو لا يفارقها في خواطرها. وهو حي أمامها في أحلامها وقت النوم.
وكل هذا شيء عادي قد يحدث لنا مثله إذا فقدنا عزيزًا. ولكن الطاقة المكبوتة عندها شديدة فما تتخيله في الأحلام يتجسم لها وقت اليقظة فلا تصدق أنه مات ويطغى العقل الباطن فلا تزال تخاطبه وتحادثه كأنه أمامها. وهذا هو الجنون.
ولكن إذا وجدت طريقًا للتسامي نجت من ذلك. وهذا السبيل إنما يكون بشيء قريب من الحب السابق لابنها كأن يوجه نظرها إلى العناية بالأيتام الذين يشبهون ابنها في السن. أو كأن تتبني صبيًا يشبه ابنها فتكسوه بالحب الذي كانت تشعر به لابنها وتنصرف عاطفتها إليه.
وأنت بالطبع قد سمعت عن «مجنون ليلى» كيف حرم من حبيبته فجن. والقصة في الأغلب موضوعة لا أصل لها. ولكنها تدل على السبيل الذي تتخذه العاطفة المكبوتة إذا لم تجد سبيلا إلى التسامي. ولكنه هو تسامي إلى الشعر ولم يكن لذلك مجنونا كل الجنون.
وفي بعض الأحيان تجد فتاة أو سيدة قد أسنت ولكنها تغرم بالكلاب أو القطط غرامًا فظيعًا إذا بحثت عن أصله لم يطل بك البحث حتى تجد أن هذه الفتاة أو السيدة اشتاقت أن يكون لها أولاد واشتدت بها هذه العاطفة. ولكنها كبتتها ثم اتفق أن أهدي إليها كلب أو قط فوجدت هذه العاطفة المكبوتة مُنصرفا إلى هذا الحيوان. فهذه الأمومة الجائعة قد وجدت مقنعًا في تربية القطة أو تربية الكلب.
ولكن ليس في تربية الكلب شيء من التسامي. وإنما يحدث هذا التسامي إذا عمدت الفتاة أو السيدة إلى العناية بالأيتام من الأطفال أو التصدق على الفقراء أو نحو ذلك لأنها في هذه الأعمال تصرف حنوها إلى الصبيان وتصرف ما فيها من عناصر للبذل والخدمة إلى المجموع.
وعلي هذا المبدأ يجب أن نقول أن الحماسة في خدمة الفنون أو خدمة الهيئة الاجتماعية لا تكون إلا مع شيء من الكبت حتى تتجمع القوة في العقل الباطن وتنصرف إلى عمل شبيه في عناصره بعناصر العاطفة المكبوتة.
والتسامي إما أنه يأتي عمدًا وإما عفوًا. وهو كثيرًا ما يأتي عفوًا في الخواطر. فإننا حين نفكر في زيادة سلطاننا أو زيادة أدبنا أو علمنا أو جاهنا نتسامى بعاطفة مكبوتة.
ولعلك الآن قد فقهت إلى العلاقة بين الغرام والأدب وفطنت إلى العلة التي جعلت الأدب قائمًا على القصص الغرامية حتى أن ?? في المائة من الكتب الأدبية هي قصص خاصة بالغرام. وكل هذا الآن في الأديب عاطفة مكبوتة هي العاطفة الجنسية. وهذا التسامي الذي يحدث عند الأديب يحدث مثله عند العالم والطبيب والمهندس ورجل الدين فإن في العاطفة الجنسية من العناصر ما نجهله إذا نظرنا إلى ظاهرها فقط. ولكن إذا تعمقنا في فحصها وجدنا أن فيها عنصر الولاء والأمانة وحب الجمال والرغبة في الخدمة وروح النظافة والطهارة وحب الأولاد والتبصر للمستقبل وتكوين العائلة وما يتصل بالعائلة من رغبة في اقتناء الثروة ونحو ذلك. ولذلك فإن الأديب أو العالم أو المهندس أو أي إنسان يمكنه أن يتسامى بعاطفته الجنسية إلى واحد من هذه الوجوه. ولعلك أيضًا قد فقهت إلى العلاقة بين معاني الحب والغرام وبين الابتهال والحب لله عند الصوفيين القدماء حتى أننا نقرأ ابن الفارض فلا ندري موضوع حبه أهو الله أم الخمر والمرأة.
وكما أن العاطفة الجنسية كانت الطريق في تطور الأحياء إلى وجود العائلة والعناية بالأولاد واجتماع القطيع وبناء العش كذلك هي الآن السبيل إلى المعاني السامية في الاجتماع البشري.

العقل والجسم


ليس شك في تأثير العقل في الجسم. فالفتاة إذا خجلت احمرت وجنتاها. ومعنى هذا أن خاطر الحياء الذي خطر بذهنها قد أثر في القلب وفي ناحية عروق الوجنتين حتى أحدث توردهما. والطفل إذا خاف يبول أحيانًا على نفسه. وإذا تسلط علينا الحزن العميق ساء هضمنا فأحيانًا نقيء وأحيانًا لا نستطيع أن نأكل كما أن السرور يحسن الهضم.
ومعنى هذا كله أن الأفكار والخواطر التي تمر بأذهاننا يتأثر بها جسمنا. وكذلك عقلنا يتأثر من جسمنا.
فقد سبق أن قلنا أن التفكير يبدأ بالمعرفة ثم العاطفة ثم الرغبة.
وكل عواطفنا تؤثر في أجسامنا. ولكن يمكننا استحداث العاطفة بتحريك العضو الخاص بها. فإذا تضاحكنا مثلا وليس هناك ما يضحكنا، فإن هذا التضاحك يحدث سرورًا عندنا وينتهي بنا إلى الضحك الحقيقي. وإذا تباكينا انتهى التباكي المصطنع ببكاء حقيقي نشعر فيه بالحزن.
ومعنى هذا أن الجسم يؤثر أيضًا في العقل. والواقع أن الجسم والعقل كتلة واحدة لا يمكننا فصل أحدهما من الآخر فالتفكير يحتاج إلى الاثنين معًا.
وكل خاطر أو فكرة تمر بذهننا مهما كان مرورها خفيفًا لا بد لها من أن تحدث لنا عاطفة تؤثر فينا. وهذه العاطفة تنتهي برغبة وإرادة. وقد تدق علينا هذه الرغبات فلا نستطيع ان نتبينها في أنفسنا. ولكن وجودها لا يمكن الشك فيه.
مثال ذلك أننا نسمع قصة يقصها علينا أحد الناس ولا نظن أننا سمعنا أسخف منها ونقوم وكأننا قد نسيناها. فإذا نمنا في الليل حلمنا بشيء عنها يدلنا على أننا لم ننس شيئًا منها. وذلك لأن القصة أحدثت عاطفة اندست في العقل الباطن واتصلت بعواطف أخرى لا يسمح لنا وعينا بإظهارها. ثم انتهزت فرصة النوم فبرزت.
ولهذا العقل سلطان علينا فهو الذي يقرر ميولنا وأمزجتنا ويعمل لرقينا أو انحطاطنا وسدادنا أو خطئنا ولكن لنا نحن عليه سلطانًا أيضًا. فنحن نستطيع أن نجعله يخدم أغراضنا بما نوحيه إليه من الخواطر والأفكار. وقد نتوهم أنه لا يطيعنا إذ أنه خارج عن وعينا ولكن خروجه عن وعينا لا يدل على أنه خارج عن رقابتنا كل الخروج ثم للتمرين فائدته أيضًا في تذليله لمصالحنا.
وهناك أمثلة عديدة تدلنا على طاعته. فقد تكون عادتنا مثلا أن نستيقظ كل يوم في الساعة السادسة. ثم يحدث أن نحتاج إلى الاستيقاظ في الساعة الرابعة حتى ندرك قطارًا يقوم في الساعة الخامسة. فكل ما نعمله أننا قبل النوم ننوي النهوض الساعة الرابعة ثم ننام. فالرغبة في النهوض قد اندست في العقل الباطن الذي لا يهمل تنفيذها. فنحن ننام مرتاحين ولكنه هو يقظ فلا نبلغ الساعة المعينة للنهوض وهي التي تخالف عادتنا حتى نتقلب ونقوم هاجسين بالميعاد. وقد يعين لنا ميعاد نلتقي فيه بأحد أصدقائنا بعد خمسة أو ستة أيام. وهذا الميعاد ننساه بالطبع لأنه لو بقي ماثلًا في ذاكرتنا هذه المدة الطويلة لأخل بأعمالنا وتفكيرنا. ولكننا عندما نقترب من ساعة الميعاد يطفر عقلنا الباطن إلى الأمام ويذكرنا.
وخلاصة كلامنا: (?) أن العقل الباطن يختزن ذكرياتنا لكيلا تعوق العقل الواعي في عمله ثم يقدمها لنا عند الحاجة.
(?) أنه يطيعنا فيؤدي ما نطلبه منه وتزداد هذه الطاعة بالتمرين حتى أن ابن عربي قال إنه يمكننا أن نحلم ما نشاء في النوم.
(?) أن جميع الخواطر والأفكار تؤثر في أجسامنا كخاطر الحياء يجعل الدم يذهب إلى الوجنتين.
فما هي عبرة ذلك كله؟
عبرته أنه يمكننا أن نتسلط بأفكارنا على أجسامنا فنوحي مثلًا إلى عقلنا خواطر عن الصحة والنجاح فيصح جسمنا وننجح في عملنا. فأنت تعرف مثلًا أن الخوف يقتل بعض الناس. والخوف فكر أو خاطر. فكونه يقتل الناس برهان قوي جدًا على أن العقل يؤثر في الجسم إلى حد الموت. فقد حدث مثلًا في اليابان عند حدوث الزلزال الأخير أن وُجد ناس قد ماتوا لا لأنهم جرحوا بل لشدة ما استولى عليهم من الرعب. وبعبارة أخرى نقول أنهم ماتوا بالوهم.
فإذا كان توهم الموت يحدث الموت وإذا كان الفكر يقتل الجسم فلماذا لا يحدث توهم الصحة هذه الصحة المرغوب فيها ولماذا لا يحدث توهم النجاح هذا النجاح الذي نرغب فيه؟
يروى عن امرأة أنها كانت تخاف الضفادع. فعمد صديق إلى خرقة فلفها ثم ألقاها على صدرها صائحًا: هذه ضفدع. فماتت المرأة.
ومعنى هذا أنه أوحي إليها أن هذه الخرقة ضفدع فصدقت وعمل الفكر في الجسم فأوقف حركة القلب فقتلها.
ومما يروى عن شفاء المرضى الذين يذهبون إلى الكنائس ويتشفعون بالأولياء والقديسين أنهم لا يشفون فقط من أمراضهم بل أيضًا يجدون على أجسادهم شارة الصليب مرسومة على الجسم كالجرح أو كندب الجرح. وهذا يحدث بإيحاء سابق يوحيه الكاهن إلى المريض بأنه بعد الصلاة والشفاء سيجد صليبًا في هذا المكان أو ذاك من جسمه. فيتأثر المريض ويعمل عقله الباطن في إحداث هذا الجرح. وهذا بالطبع شيء يجب ألا يصدق حتى يرى عيانًا إذا لا تكفي فيه الرواية. ولكن يجب مع ذلك أن نعرف أن إحداث الجرح على الجلد بقوة الإيحاء الذاتي ليس أخطر من إحداث القيء أو الإسهال أو الموت من إيحاء الخوف أو الاشمئزاز. وإذا كان هناك فرق فهو فرق في الدرجة وليس في النوع.
وحادثة الفتاة تريزا نومان الألمانية من أغرب ما ذكر وحقق من هذا النوع. وأقول «حُقق» لأن جامعة أيرلانجن أوفدت لجنة من الأطباء والأساتذة لتحقيق ما يجري لهذه الفتاة التي ما تزال حية فلم يجدوا في كل ما يحدث لها غشًا أو خداعًا منها أو من أحد أقاربها.
وخلاصة قصة هذه الفتاة أنها أصيبت عقب حريق شب في المصنع الذي كانت تعمل فيه بغيبوبة دامت معها عدة أشهر وخرجت منها وهي مصابة بالشلل في الساقين وبالعمى. ودام العمى ثلاث سنوات ثم شفيت منه ورأت رؤيا غريبة فهمت منها أنها شفيت من الشلل ولكنها ستتألم آلامًا عظيمة. ونهضت من فراشها بالفعل وسارت على قدميها.
وفي يوم الجمعة الكبيرة السابقة لعيد القيامة أخذت تمثل في جسمها محاكمة المسيح وصلبه فبدت في يديها وقدميها جروح عميقة نافذة كانت تتألم منها كثيرا وكانت الدموع تنزل من عينيها وهي دم خالص. وأخيرًا يتكون تحت القلب جرح واسع يدمي ولا تزال كذلك حتى يوم السبت حين تشرع الجروح تلتئم وتستفيق الفتاة وتعود إلى نفسها. وبعد ذلك صارت تمثل هذه الآلام كل يوم جمعة على طول السنة.
وتفسير هذه الحادثة أن الفتاة مدة مرضها السابق عقب الحريق أوحت إلى نفسها أن المسيح سيشفيها ولشدة رغبتها في الشفاء أحبت المسيح حبًا عظيمًا ثم لشدة هذا الحب تمثلته في نفسها فصار عقلها الباطن يحكي ما حدث له مما تعلمته وقرأته عن حياته في جسمها هي نفسها. واشتد إيحاء العقل الباطن حتى مثل في جسمها آلام الصلب.
ومن هنا نفهم معنى الكرامات التي تنسب إلى الأولياء والصالحين والآثار المقدسة والرقي والطلاسم المكتوبة ونحو ذلك. فإن كثيرين من المرضى يشفون لأنهم يؤمنون بالشفاء إذا تمسحوا بقبر هذا الولي أو إذا حملوا طلسما مكتوبًا أو إذا رقاهم رجل له شهرة أو مقام. وشفاؤهم يرجع في الحقيقة إلى إيمانهم أي إلى أنهم قد أوحوا إلى أنفسهم هذا الشفاء إذا هم تمسحوا. وهذه الإيحاء اندس إلى العقل الباطن الذي تسلط على العضو المريض ووجهه نحو البرء.
ولكن هذا الإيحاء يمكننا كلنا أن نعمله لأنفسنا أو لغيرنا.
وكان كويه النفسلوجي الفرنسي يعمل هذا الإيحاء ويجعل المريض يمارسه بنفسه كما سنرى في الفصل الثاني.

طريقة الإيحاء أو التلقين


لو قلنا لرجل صحيح الجسم سليم الأعضاء أنه مريض وكان لقولنا من الوجاهة وصدق اللهجة ما يؤثر فيه ويمنع عنه الشك بالمزاح لاعتقد بمرضه وشعر بعد قليل بالمرض الذي عيناه له. وخاصة إذا كان المتكلم طبيبًا له نفوذ الحرفة.
ولو قلنا لرجل مريض أن وجهه كل يوم يتورد بالدم وأن قوته تزداد ونور الصحة يتألق في محياه وكررنا له ذلك في لهجة صادقة لكان لكلامنا تأثير فيه من حيث شفاؤه وخاصة إذا كان المتكلم طبيبًا أيضًا.
فالعقائد تقوم في النفس بالتلقين والإيحاء. وهي في ذلك تختلف من المعارف. فالمعرفة عقل وتجربة واختبار. ولكن العقيدة تلقين وإيحاء وتكرار. فالناس ينشئون على عقائد آبائهم لأنهم يلقنونها وهم صغار وتكرر أمامهم مرات حتى ترسخ في عقولهم الباطنة ويصير نزعها أشق عليهم من الموت. وإذا أردت أن تغري أحدًا بأحد فليس سبيلك إلى ذلك العقل وإنما التكرار. وكذلك إذا أردت أن تقنع أحدًا برأيك فسبيلك إلى ذلك التكرار وليس المناقشة المنطقية.
وليست إعلانات التجار التي نراها كل يوم في الصحف سوى نوع من التلقين والإيحاء غايته إيجاد العقيدة بالتكرار في نفس القارئ بأن الشيء المعلن عنه هو أحسن الأشياء لكي يشتريها.
وقد نبتت النفسلوجية الحديثة من طريقة الاستهواء أي التنويم المغنطيسي. فقد وجد الذين مارسوا هذا التنويم أن المريض إذا قيل له وهو نائم: أنت شفيت. قام وهو يتوهم شفاءه ويؤمن به وينتهي إيمانه بأنه يشفى شفاءً حقيقًا في كثير من الحالات.
وقد شاع الاستهواء منذ خمسين سنة ولحظ من الذين مارسوه أن للإنسان عقلين: عقل واع، وعقل باطن. وأنه مدة الاستهواء يكون العقل الواعي نائمًا ويستيقظ العقل الباطن. وهذا العقل يصدق كل ما يقال له. فلو قيل للنائم أنت في بحر. عمد إلى نفسه فحرك أعضاءه وضرب بذراعيه يشق الموج. وإذا قيل له والوقت بارد: أن الحر قد اشتد. صدق ذلك حتى يلهث ويعرق وينفخ مع أن الحقيقة أن الوقت بارد. وليس فعل الإيحاء مقصورًا على وقت الاستهواء. فقد يحدث مثلًا أن تقول للنائم: غدًا تقصد إلى فلان لزيارته. فلا تأتي الساعة المضروبة للزيارة حتى يكون قد ذهب وتعلل بأية علة للذهاب.
ومما حدث في نانسي بفرنسا حيث يمارس الاستهواء بكثرة أن قيل لأحد النائمين أنه نابليون. وقد توهم بالطبع طول مده نومه أنه نابليون. وليس في هذا غرابة إذا عرفنا أن العقل الباطن يصدق كل ما يقال له وقت الاستهواء. ولكنه بعد ما استيقظ ونسي بالطبع كل ما قيل له مدة النوم وقف فجأة بين اخوانه بهيئة نابليون كما ترى في الصور ووضع احدى ذراعيه داخل صدرته كما كان يفعل نابليون ثم تعلل لهذا الموقف بقوله كأنه يستغرب: وماذا نفعل الآن؟
ففي التنويم المغنطيسي نصدق كل ما يقال لنا ويستمر التصديق حتى بعد التنويم. وإذا نظرنا إلى الطريقة التي كانت تتبع في هذا التنويم عرفنا أنه يمكن أن نجعل الاستهواء (أي التنويم المغنطيسي) ذاتيًا.
فقد كان الممارس للتنويم يأتي بالشخص المراد تنويمه أي استهواؤه ثم يجعله ينطرح ثم يجعله ينظر إلى جسم لامع مثل كرة من البلور أو نحو ذلك ثم يلقنه هذه العبارة: أنت نائم. أنت نمت.
ويكرر ذلك عليه نحو ?? أو ?? مرة فينام العقل الواعي. ولكن العقل الباطن يبقى منتبهًا. فمهما قاله المنوم يصدقه النائم.
وقد مارس كويه طريقة الاستهواء الذاتي. فبدلًا من أن يقول للمريض بعد أن ينومه: أنت شفيت. يجعل المريض نفسه يقول لنفسه: أنا شفيت.
وقد شاع الاستهواء الذاتي وهو يقوم على تكرار التلقين بعد أن يضع الإنسان نفسه في حال استرخاء ينظر فيها إلى جسم لامع حتى يتخدر العقل الواعي وينطلق العقل الباطن. ويكون ذلك أوفق قبيل النوم أو بعده. فيقول الإنسان لنفسه! أنا سليم ليس بي مرض. ويكرر هذا القول نحو ?? مرة.
فإذا واظب على ذلك اعتقد العقل الباطن هذه العقيدة وصار يؤثر في أعضائه أثرًا حسنًا ويوجهها كلها نحو الصحة. ثم هو في الوقت نفسه يوجه الشخص نحو كل ما من شأنه يرفع الصحة ويقويها في الطعام والنوم والشراب والعمل.
إنما يجب هنا أن نلاحظ أنه عند استهواء أنفسنا يجب أن نتوقى الأمر والمنع والكبت فلا نقول: يجب أن أكون سليمًا. بل نقول: أنا سليم فنضع الإثبات والتصوير مكان الأمر. أي أن الاستهواء يكون بالتوهم أي نتوهم مكان المرض.
ولكي ندرك قيمة ذلك يمكننا أن نتذكر الضحك. فإنه إذا اشتدت بنا عاطفة السرور ومنعناها من أن تستحيل إلى ضحك انفجرت بنا فنقهقه بدل الضحك. ولكن إذا توهمنا شيئًا غير السرور كالحزن أو الغضب زالت عنا الرغبة في الضحك.
فلكي نستهوي أنفسنا يجب ألا نلجأ إلى الجبر والحبس والكبت وإنما نعمد إلى التخيل والتوهم فنضع في ذهننا صورة الصحة مكان المرض. ونتخيل أنفسنا أصحاء أقوياء.
ولنفرض أن شابًا وقع في عادة سيئة تملكته. فسبيل خلاصه منها أن يستهوي نفسه في كل فرصة يستطيع أن يسترخي فيها ويلقن نفسه عبارة مؤداها: أنا أكره هذه العادة عادة … (وهنا يعينها) ولا يزال يكرر ذلك حتى تنطبع في ذهنه عقيدة تتملكه بكراهة هذه العادة.

الاستهواء والتحليل


لكل جديد طلاوته ولكل اكتشاف مبالغات تنسب إليه عند البداية. والنفسلوجية الحديثة جديدة والإقبال عليها عظيم والإيمان بها أعظم. ففيها الآن كتب أميركية يباع الكتاب منها بأقل من خمسة قروش وفيها كتب أخرى ثقيلة عليها وقار الدرس يباع الكتاب بها بأكثر من جنيه.
وقد شاعت المعالجة بطرقها أو بالأحرى بطريقتها: طريقة الاستهواء القديمة التي تعتمد على التلقين والإيحاء وطريقة التحليل التي تعتمد على السؤال والجواب حتى يستخرج المحلل ما في العقل الباطن للمريض من النيات والأغراض التي يخفيها.
ولكن الآمال الأولى التي كانت معقودة بهذا العلم الحديث قد عراها الاعتدال بعد الغلو. فمن يقرأ ما كتبه كويه أو بودوان يعتقد أن النفسلوجية قادرة على شفاء كل مرض. ولكن الذين مارسوا التحليل والاستهواء يرون أنفسهم أميل إلى التوسط والاعتدال مما كانوا قبلا.
فهناك أمراض عضوية مثل الحصاة في الكلية لا يمكن أي استهواء أو تحليل أن يزيلها. وإذا بلغ التدرن درجته الأخيرة فمن العبث أن ينصح للمريض بأن يعتمد على الاستهواء.
فالمرض إذا كان عضويا أي أنه محسوس متحيز في عضو فالأرجح أن الاستهواء يزيله إذا كان مبتدئًا ولكنه لا يؤثر فيه البتة إذا تقدم. وعندئذ يصبح من اختصاص الطبيب. ولكن الابتداء والتقدم لفظتان تقبلان المط فإن الورم قد يتقدم ومع ذلك يخضع للاستهواء ويزول. والصحة قد تعتل اعتلالًا عموميًا ثم يصح الجسم وينشط بالإيحاء.
ولكن الأمراض التي ينجح فيها الاستهواء والتحليل هي تلك الأمراض النفسية التي تنتج عن عقيدة رسخت في العقل الباطن وأصابت النفس فأثرت هذه في الجسم. وذلك كالصبي يعتقد أنه لا يفهم الحساب ويفشل كل مرة في الإمتحان. أو كالرجل يريد أن ينتحر ويشعر بهذه الشهوة تتملكه أو الفتاة تتوهم أن أحد الناس قد انتهك حرمتها أو أي واحد منا يصاب بالكابوس أو يتوهم أنه ملك أو نحو ذلك.
فمن حيث المعالجة تقتصر النفسلوجية الحديثة على الأمراض النفسية التي تصيب النفس. ولا يهمنا بعد ذلك أن تؤثر النفس في الجسم إلا من حيث البحث عن ماهية المرض هل هو جسماني في الأصل كمكروب السفلس إذا بلغ الدماغ وأحدث فيه الجروح أم هل هو نفساني حدث بعقيدة سابقة قد نسيها المريض نفسه وأحدث هذا التأثير في العقل ثم في الجسم.
ولكن الأمراض الجسمانية نفسها كما أوضحناه آنفًا من تأثير العقل في الجسم تنقاد إلى حد كبير للاستهواء بالإيحاء والتلقين.
والآن يجب أن ننظر في الطريقتين: (?) طريقة الاستهواء تنحصر في أن يلقن أحد الناس المريض أو يلقن المريض نفسه. فإذا كان يصاب بكابوس مزعج فإنه يقال له أو يقول لنفسه قبل النوم: أنا أنام نومًا هادئًا لا أحلم فيه البتة. ويكرر هذا القول نحو ?? مرة.وتعليل هذا العلاج أن الكابوس هو نتيجة عقيدة سابقة لحادثة حدثت ربما يكون المريض نفسه قد نسيها أو نتيجة هموم غالبة في الوقت الحاضر. فهو يحاربها بعقيدة أخرى تكافحها.
(?) أما الطريقة الثانية فهي التحليل وذلك بأن يحلل الكابوس وتذكر تفاصيله ثم يذكر صاحبه ما يمر بذهنه من الخواطر وهو يذكر التفاصيل وأية عواطف يستثيرها هذا الذكر. فإذا وقف على أصل الكابوس — والأغلب أنه يجد هذا الأصل في همومه الراهنة أو في حادثة قديمة وقعت في صباه — فإنه يشفى منه.
والفرق بين الطريقتين أن الأولى أي الاستهواء أشبه شيء بالصباغ نصبغ به الحائط فوق الصبغة القذرة السابقة. والصباغ الجديد يخفي الصبغة القديمة مدة غير قليلة. ولكنه قد يجف ويقع وتعود الصبغة القديمة إلى الظهور. أما في التحليل فإننا نمحو الصبغة القديمة ولا نضع شيئًا في مكانها. ولذلك فإن الكابوس قد يعود بعد الاستهواء ولكنه لا يعود بعد التحليل.
وإنما نلجأ إلى الاستهواء إذا عجزنا عن التحليل.
ومع ذلك ليس التحليل ترياقًا لكل داء نفساني. وقد رأى القارئ في فصل «حلم الانتحار» أن الدكتور رفرز قد حلل هذا الحلم تحليلًا وافيًا ثم بعد ذلك لم يقنع بهذا التحليل بل نصح للمريض بأن يترك الطب ويشتغل بصحة المدن وصيانة أنابيب الماء وبالوعات الكنف حتى لا يرى جثة.
ولا بد أن القارئ قد لحظ أن المعالجة بالاستهواء تنحصر في الإلتجاء إلى العقل الباطن. أما المعالجة بالتحليل فتنحصر في الإلتجاء إلى العقل الواعي. ففي الأولى نحاول أن نوهم المريض بأنه شفي وشفاؤه يتوقف على قوة إيهامنا وإيحائنا له بالشفاء. أما في التحليل فإننا نواجه مع المريض حقيقة مرضه ونكشفه له ونشركه معنا في فهم علته وذلك باستثارة خواطره التي نعرف منها الصلات الخفية التي تربط تفاصيل الحلم.
فالطريقة الأولى تنفع المريض الجاهل أما الثانية فيمكن استعمالها مع الشاب الراقي. وإذا أخفقت الثانية عدنا إلى الأولى.

كيف ننتفع بالعقل الباطن


إن درسنا للعقل الباطن في أنفسنا وفي غيرنا يقفنا على كنه النفس البشرية ماضيها وحاضرها ويجعلنا نفهم أنفسنا ونعرف مكنوناتها. فبالأحلام نعرف الهموم السخيفة والجدية التي نهتم بها ولا ندري أحيانًا أننا نهتم بها. وبالخواطر الطارئة علينا في يقظتنا نعرف آمالنا وما تتشوف إليه نفوسنا.
وفي الأحلام والخواطر نرى قوة اللبيد وتساميه ومحاولته أن يرقى فندرك من ذلك أن الرقي حاجة من حاجات النفس البشرية وأننا لن نكون سعداء حتى ندأب في ترقية أنفسنا. فما دمنا كل يوم نتدرج نحو الرقي فنحن نشعر بهناءة العيش فإذا ما ركدنا بدأت نفوسنا تمرض حتى لقد تحب الموت عندئذ وتفكر في الانتحار.
والرقي هو الطبيعة الغالبة للنفس البشرية كما أنه الطبيعة الغالبة لتطور الأحياء. فإن التطور هو الإرتقاء كما سبق أن ذكرنا في أول هذا الكتاب. ولكن كما يحدث في التطور أن الحيوان ينحط وينقرض كذلك يحدث للنفس البشرية أن تمرض وتموت: وذلك لأنها تأبى أن تتطور.
فالطبيعة الغالبة لنفوسنا التي يثبتها التطور كما يثبتها العقل الباطن في أحلامه وخواطره هي الرقي. فنحن أبدًا نتسامى نحو الجمال والعلم والأدب والثروة والقوة والشرف. فما دمنا في هذا التسامي فنحن سعداء لأننا نجري على مقتضى طبيعتنا التي إذا خالفناها وركدنا بدأنا نحس بالشقاء.
فالركود علة الشقاء. وقد يأتي عفوًا كما يأتي التسامي عفوًا. فذلك الطبيب الذي كان يحلم بأنه يهم بأن يقتل نفسه كان يشعر بشقائه لأنه لم يستطع أن ينزع عن نفسه ذكرى الدماء والجروح والآلام في الحرب ولكن بذرة التسامي ظهرت له في آخر الحلم حين خرج له ابنه وذكره بالواجب الأبوي فكف عن الانتحار. فالطفل رمز للمستقبل الذي يجب أن نعيش كلنا له وننسى الماضي من أجله.
وكما نعرف كنه أنفسنا وكنه مطامعنا وآمالنا كذلك نعرف نيات الآخرين نحونا والعلل التي يرجع إليها مسلكهم. فإنه ما من كلمة أو حركة نفعلها على غير وعي منا إلا ولها سبب في العقل الباطن. وما من زلة يزل فيها القلم أوالقدم أو اللسان إلا ولها علة ترجع إلى عاطفة ما في العقل الباطن.
وبهذه المناسبة نروي قصة لفرويد عمدة هذا العلم. قال ما خلاصته: لغرفة العيادة عندي بابان بينهما فراغ. وذلك لكي يحجز الصوت بين من في العيادة ومن في خارجها. فإذا جاءتني سيدة تسمع عن اسمي وعن هذا العلم الذي اشتهرت به فإن الاحترام لي يملأ صدرها فهي تفتح الباب الأول بعناية وتقفله بهدوء. ثم تفتح الباب الثاني الذي يفضي إلى الغرفة فلا تجد من الأثاث ما يحقق ظنها في الفخامة والضخامة فتترك الباب الثاني دون أن تقفله حتى أحتاج إلى تنبيهها إلى إقفاله. وإنما أهملت إقفال هذا الباب لما سبق إلى عقلها الباطن من احترام الناس باحترام الوسط المحيط بهم.
وهذا هو ما يجده كل منا في معاملات الناس ففي حركاتهم نتوسم الإحترام لنا أو الإحتقار إذا كنا نجيد ملاحظة ملامحهم التي هي عنوان العقل الباطن وما يضمره لنا. فهذا يسمع عن نكبة وقعت بنا فيضحك وآخر يسمع القصة نفسها فيتأسف. وكل منهما يعبر عن نيته نحونا. وقد لا يتضح الضحك أو الأسف بعلامات ظاهرة ولكنه يستشف في الملامح.
وكثيرًا ما «نحس» بقلوبنا أن فلانًا هذا يحبنا أو يكرهنا لأول رؤيته وإنما يأتي هذا الإحساس من إشارات وحركات في تقاسيم الوجه تدلنا دلالة خفية على ما يكنه في عقله الباطن من الحب أو الكره لنا. وهي دلالة لا يستطيع إخفاءها إلا بالتفات كبير. وعندئذ تبدو زلات وهفوات تدل على أنه يتكلف.
ونحن نعرف أيضًا أن العقل الباطن إذا لم يكن على وفاق في أغراضه مع العقل الواعي حدثت لنا العصبية وكثرت الزلات والفلتات. وبتحليل خواطرنا وأحلامنا نقف على أصل الخلاف. ولكننا بالتسامي نستطيع أن نرفع أغراض العقل الباطن إلى ما يوافق عقلنا الواعي ونزيل بذلك هذا الخلاف. وبالتلقين نجعل العقل الباطن في خدمتنا ونجنده حتى يسعى لتحقيق أغراضنا.

الاستهواء والنجاح


كان فرح أنطون فقيد الأدب المصري يتوهم أنه لا بد يومًا ما من أن يعثر بعربة تكسر له ساقًا أو تفعل به ما هو شر من ذلك. وقد تحقق وهمه في أحد الأيام كما شاء عقله الباطن. وذلك لأن هذا الوهم كان قد اندس في عقله الباطن ولهذا العقل سلطان على أعضاء الحركة حتى تمكن مع الوعي واليقظة أن يُزل القدم نحو العربة. كما لو قلنا للبهلوان الذي يمشي على الحبل أنه سيقع. فإن هذا الوهم يتسرب إلى عقله الباطن ويخيل له السقوط. وبعد الفكرة أي الخيال تنشأ الرغبة وإن كانت رغبة غير واعية. وعندئذ يغلب على هذا البهلوان المدرب أن يسقط.
وقد سبق أن قلنا إن العقل الباطن يعبر عن المعاني المجردة بخيالات محسوسة. ففي الحلم يكون الرجل العظيم ضخمًا والرجل الحقير صغير الجسم. فإذا قلنا للماشي على الحبل أنه سيسقط تخيل العقل الباطن هيئة السقوط فيما يحدث للساقين من الزلل والتخبل. ولما كان من طبيعة الإنسان أن يحاكي الصورة التي يراها وهو لا يدري فإننا نحاكي صورة السقوط في حركتنا ونسقط بالفعل.
وهذه المحاكاة كثيرة كلنا يفاجئ نفسه وهو يحاكي غيره على غير وعي منه. مثال ذلك أننا نرى رجلًا يسير على حبل أو سور دقيق فنفاجئ أنفسنا ونحن نتحرك حركاته كأننا نحن القائمون دونه بالسير على الحبل أو السور. ونحن لا نحاكيه على وعي ودراية بل على غير وعي. أي أن العقل الباطن هو الذي يقوم بهذه المحاكاة.
وقد سبق أن فهمنا أن العقل الباطن يصور لنا المعاني والأفكار المجردة في خيال محسوس. فالسقوط في نظره ليس مصدرًا معنويًا بل هو رجل يسقط. فإذا تخيلنا هذا الرجل يسقط حاكيناه في السقوط على غير وعي فنسقط بالفعل.
ومن هنا نعرف أن الرجل الذي يتخيل النجاح ينجح والرجل الذي يتخيل الفشل يفشل لأن كلًا منهما يرسم صورة في عقله الباطن يبقى طول حياته يحاكيها وهو لا يدري. فالرجل الناجح يرسم في عقله الباطن صور النجاح من استقامة في المعاملة واعتدال في المطعم والمشرب واقتصاد في النفقات ومجاملة مع الاصدقاء. وهو لرغبته في النجاح يستهوي نفسه على غير وعي منه حتى يحب هذه الصفات نفسها فيمارسها بلا أدنى تكلف أو مشقة. أما الرجل الذي يتخيل الفشل فإنه يرسم في عقله الباطن صورًا للخوف الاستهتار والإهمال فيستهوي نفسه على غير وعي منه حتى يحب هذه الصفات ويمارسها.
ولكن قد يسأل القارئ هنا: كيف نحب صفات مكروهة وكيف يشتغل العقل بها مع أنها مكروهة؟
وهنا نحتاج إلى أن نعود إلى أطوار التفكير فهي كما سبق أن قلنا: معرفة ثم عاطفة ثم نزوع أي رغبة.
وهذه المعرفة قد تأتي عن طريق الحواس أو عن طريق الخواطر. فأنا أشعر بالخوف إذا رأت عيناي رجلًا مقتولًا أو إذا خطر هذا الخاطر في بالي (عقلي الباطن) فأنا أكره الخوف ولكني لا أتمالك من أن تخطر ببالي الخواطر عن الحادثة التي رأيتها فتحدث فيَّ عاطفة الخوف. وتبقى الخواطر تجري برأسي على غير رغبتي.
وعلي هذا النسق يحدث الفشل. فإنه غرسٌ قد نبت في العقل الباطن وأخذ ينمو ويزكو خواطر عفوية تهيئ صاحبها للفشل. فكما كان فرح أنطون يخشى الزلل أمام احدى العربات ثم زلت قدمه بالعقل الباطن وكما أن البهلوان يقع إذا أوهمته أنه سيقع كذلك من توهم الفشل فقد دخل في أول درجات الفشل.
فالبهلوان يقع لأنه قد أوحي إليه الوقوع.
ونحن نفشل أو ننجح لأننا قد أوحينا إلى أنفسنا الفشل أو النجاح.
وهذا هو معنى الإيمان وقوته. ولأن الإيمان يوحي إلى النفس الثقة والنجاح فهي تسير على هذه الهداية إلى الغاية. وليس الإيمان سوى العقيدة التي تندس إلى العقل الباطن. وعلى ذلك يجب علينا إذا أردنا أن ننجح أن نوحي إلى أنفسنا هذه العقيدة.
ونحن نعرف أننا نحدث في الناس عقائد مختلفة بما نقوله لهم فلماذا لا نحدث هذه العقائد لأنفسنا بما نقوله ونكرره لأنفسنا؟
إن كل كلمة ننطق بها لن تذهب هباء لأنها قوة من قوى هذا الكون. فهي تحدث معرفة ثم عاطفة ثم رغبة. فإذا كررنا على أنفسنا عبارة كويه: «أنا في تحسن مستمر كل يوم من كل ناحية».
وخاصة في أوقات الغفوة الأولى التي قبل النوم أو الغفوة الأخيرة بعد النوم أو عندما نسترخي أي حين يكون العقل الباطن متنبهًا حتى تنطبع عليه هذه الخواطر حدثت في نفوسنا الرغبة في التحسن والإرتقاء وطبعت أذواقنا بهذه الرغبة فلا نمارس من الأعمال إلا ما وافق نجاحنا.
ومعنى ذلك أننا نستهوي أنفسنا إلى النجاح بالإيحاء والتلقين لأنه ما دام الاستهواء حقيقة نراها في غيرنا كذلك هو حقيقة نراها في أنفسنا. فبالاستهواء الذاتي يمكننا أن نوجه جهودنا إلى الغاية التي نرجو تحقيقها. وقد يكون هذا الاستهواء إيحاء بالتلقين أو إيحاء بالخيال حين نترك الخواطر تنساب فنتخيل أنفسنا في مراكز سامية من حيث المال والوجاهة ونحو ذلك.
وهذا الاستهواء يأتي عفوًا عند العظماء. فنابليون لم يكن يفكر قط في الهزيمة وهو لو فعل لحدث له ما يحدث للماشي على الحبل إذا خطر بباله السقوط. وقد دب في قلبه الشك مرة واحدة وكان ذلك في معركة واترلو التي انهزم فيها. ونجاح الأنبياء يعزى إلى قوة عقيدتهم التي لا يعتريها الشك أصلا فجميع خواطرهم لذلك عن النجاح. ولذلك فهم أعرف الناس بقوة العقيدة.
وقد قيل أن أماني الصبا هي حقائق الرجولة. وهذه الأماني هي بالطبع الخواطر الطارئة مدة الصبا تستحيل إلى خيالات في العقل الباطل تحدث رغبات تؤدي بأدني مجهود.
ولسنا نعني أن الاستهواء هو كل من تحتاج إليه للنبوغ والعبقرية فإن لذلك شروطًا أخرى سيراها القارئ في فصل قادم. ولكننا نعني أن الاستهواء من أهم هذه الشروط.
ومجرد الرغبة الواعية في النجاح لا تؤدي إلى النجاح وإنما العبرة بأن تندس هذه الرغبة إلى العقل الباطن حتى يكون عملها عفوًا لا تكلف فيه. ولا بأس من أن نبتدئ بوعي ودراية ولكن يجب أن نحدث للعقل الباطن خيالات وخواطر وتلقينات حتى تتجه قواه نحو تحقيق النجاح لأنه عندئذ لا يكلفنا أدنى مجهود محسوس كالرجل الذي يعزف على أوتار الكمنجة يبتدئ واعيًا يدري ما يعمل ويتعثر ويراجع نفسه حتى إذا أتقن العزف صار عزفه عفويًا لا يتكلف فهو يكلمك وهو يعزف. كذلك يحتاج الناجح إلى أن تتجه قواه إلى النجاح وهو لا يدري بهذا الإتجاه لأن عقله الباطن يقوم به حتى يتوفر على عمله اليومي بعقله الواعي.

النوم


من يتأمل النوم لأول وهلة يظن أنه عمل فسيولوجي محض أولى أن يكون البحث فيه من اختصاص الطبيب وأنه يكاد لا يكون له أدنى علاقة بالنفسلوجية.
ولكن إذا نحن تعمقنا في بحثه ألفينا فيه من الصفات الذهنية ما هو أحرى بأن يتعلق بالنفسلوجية منه بالطب. ففيه الأحلام وفيه الكابوس وفيه المشي والحركة ثم فيه الاستعداد للإيحاء.
وليس النوم نتيجة الإعياء فقط. فإنه نتيجة الإيحاء أيضًا. فنحن لكي ننام نحتاج عادة إلى جملة أشياء توحي إلينا النوم مثل الظلام ونزع الملابس العادية والسكون والانطراح على الفراش. وقد ننام أحيانًا ونحن لا نشعر بأي تعب كما أننا قد نشعر بالتعب ثم مع ذلك لا ننام. ومما يقوم دليلا على أن في النوم عنصرًا كبيرًا من الإيحاء أننا نميز وقت النوم بين الأصوات فصوت الترام بل صخبه لا يوقظنا ولكن نقرة ضعيفة من الخادم على الباب تنبهنا. وقد يكون نوم الأم ثقيلا ومع ذلك إذا بكى طفلها بكاء ضعيفًا استيقظت له. ثم هناك أيضًا مشابهة بين نوم الاستهواء والنوم الطبيعي فقد نستهوي شخصًا فينام ونطلب منه أن يستيقظ في ساعة نعينها له فيستيقظ. وكذلك النائم يمكنه قبل النوم أن يوحي إلى نفسه الاستيقاظ في ساعة معينة فيستيقظ. على أن النائم بالاستهواء أطوع للإيحاء في هذه الحالة من النائم نومًا طبيعيًا. ولكن الفرق بين الاثنين هو فرق في الدرجة وليس في النوع. ومما يزيد المشابهة بين النومين أن الشك في الحالتين يمنع النوم. فإننا إذا أصابنا سهاد ثم شككنا في أننا سننام زال عنا النوم الطبيعي. وكذلك إذا شككنا في قوة الرجل الذي يستهوينا لم يستطع إنامتنا ولو تكلفنا نحن هذا النوم واجتهدنا في جلبه. بل الاجتهاد في جلب النوم هو باختبار كل واحد منا أضمن طريقة لمنعه.
وهذه الملاحظة الأخيرة تبصرنا بمعنى النوم. إذ هو في الواقع طريقة يستجم بها العقل الواعي قوته لأنه لما كان أحدث عقولنا فهو أقلها استقرارًا وتأصلًا في نفوسنا وأسرعها تعبًا وإعياء من العمل فهو يحتاج إلى الاستجمام والراحة أكثر من غيره أي أكثر من عقولنا القديمة. ولذلك فإننا إذا جعلنا الوعي طريقة لجلب النوم فإننا بهذا الوعي نفسه نمنع النوم. لأن النوم هو إزالة الوعي. فإذا اجتهدنا في جلب النوم أيقظنا وعينا ولذلك لا ننام.
فما هي المهمة التي يؤديها لنا النوم؟
هي إراحة الكفايات الجديدة في الإنسان. وأجدّ هذه الكفايات هو العقل الواعي. لأنها لما كانت جديدة فإن التعب يسرع إليها. ولذلك فإن كفاياتنا القديمة كلها لا تنام أولا يصيبها النوم إلا بإغفاء بسيط أو هو في الواقع تراخٍ. فنحن نهضم الطعام في نومنا وقد تستيقظ غريزتنا الجنسية وقت النوم وأيضًا عقلنا الباطن لا ينام بدليل الأحلام التي نراها. وهذا الدليل يتسق وما نراه في الطبيعة من أن الحيوانات القديمة التي مضت عليها مدة طويلة جدًا وهي لا تتطور لا تنام. مثال ذلك النملة والأرضة فإنهما لا تنامان مثلما ننام نحن ثماني ساعات كل يوم بل هي تقنع بمدة صغيرة جدًا بل بعضهم يعتقد أنها لا تنام البتة.
وهنا يمكننا أن نقف ونتساءل: هل يستمر الناس على النوم في المستقبل البعيد حين يكون العقل الواعي قد تأصل في النفس وصارت له فروع وجذور؟ والجواب عن ذلك أننا إذا لم تنشأ لنا كفايات جديدة غير هذا العقل الواعي فالأرجح أننا نستغني عن النوم. أما إذا تطورنا ونشأت لنا كفايات جديدة فإنها تحتاج إلى النوم. وهذا الفرض الأخير هو الأرجح.
ومما ذكرناه نستنتج جملة استنتاجات:
فمن ذلك أن الأرق يمكن معالجته بأن نستسلم لخواطر لذيذة غير منبهة لأن اللذة نفسها إذا اشتدت نبهت فأيقظت. ولكن نختار من الخواطر تلك التي تخطر في بالنا على غير وعي منا في النهار ولا تكون مؤلمة أو منبهة. لأن هذه الخواطر هي من العقل الباطن فإذا استسلمنا لها كان ذلك منا بمثابة إنامة العقل الواعي وإيقاظ العقل الباطن عقل الأحلام فيطغى على وعينا وننام.
وأحلامنا كلها وقت النوم هي من نشاط العقل الباطن وهي لذلك غير واعية لا نعي بها عند اليقظة إلا إذا حدث حادث أذكرنا في النهار ببعض تفاصيلها فنذكرها كما أننا نستطيع تذكرها وقت الاستيقاظ عندما يكون العقل الباطن متنبهًا بعض التنبه. ولكننا نذكر الكابوس للألم المنبه الذي يحدث في نفوسنا.
وأحيانًا يحدث أن النائم يمشي ويؤدي أعمالا إذا استيقظ نسيها كلها أو تذكرها كما يتذكر الإنسان الحلم. فما تجب ملاحظته هنا أن المشي في النوم هو تمثيل للحلم أي أنه تأكيد للحلم بالفعل. فأنا أحلم مثلا أني انتقلت من غرفة إلى غرفة ولا أتحرك. ولكن آخر غيري يمثل هذا الحلم فيقوم وهو نائم وينتقل من غرفة إلى غرفة. ومن الناس من يحلم أنه يتكلم وهو لا يتكلم بالفعل ولكن غيره يحلم أنه يتكلم ثم يتكلم بالفعل.
فالمشي والحركة في النوم يمثلان الحلم الذي يحلمه صاحبهما. وهما دليل على قوة الحلم وأن العقل الباطن يسيطر على أعضاء الحركة ويحدث في النفس من العواطف ما يبعث النشاط في أعضاء الجسم مع نوم العقل الواعي.
وتمثيل الحلم بالحركة والمشي أكثر في الأطفال والصبيان منه في الرجال. وهذا يتسق مع ما ذكرناه من أن العقل الباطن أقوى في الطفل والصبي منه في الرجل ولذلك فالحلم الذي يراه الرجل وهو نائم وادع يراه الطفل قويًا يدفعه إلى الحركة والمشي.
ولكن المشي في النوم يتسم بصفة أخرى غريبة. وهي أن النائم أحيانًا يمشي على حافة مستدقة فلا يقع مع أنه لا يستطيع أن يمشي عليها وقت اليقظة. وعلة ذلك أنه يمشي بعقل واحد هو العقل الباطن فلا يتردد ولا يدخله الشك أو الخوف بأنه سيقع لأن العقل الواعي الذي يبصره بالخطر نائم. فالعقل الباطن يسيطر على أعضاء الحركة سيطرة تامة ولا يشك فيما يفعل.
وقبل أن أختم هذا الفصل أرى أن ألمح للقارئ بأن الجنون النفسي يحدث إذا طغى العقل الباطن طغيانا عظيما بحيث: (?) يصير الكابوس الذي يحدث في النوم يحدث في اليقظة فلا يستطيع «المجنون» أن يتكلم أو يتحرك. أو تتوهم الفتاة أن رجلا قد انتهك عرضها في اليقظة.
(?) ينسى الشخص نفسه فيسير في الدنيا كالماشي في الحلم ويؤدي أعمالا يستغربها منه اصدقاؤه وينساها هو إذا شفي من ذهوله وذلك لأن العقل الباطن قد طغى على عقله الواعي وصار يسيطر على أعضاء الجسم.

أمراض النفس


تبحث النفسلوجية الحديثة في أمراض النفس، أما أمراض الجسم التي تحدث تغييرًا في العضو فلا علاقة لها بها. وإن كان الذين يمارسون الاستهواء يقولون بأنه يمكن شفاء هذه الأمراض الجسمية أو تخفيف آلامها بالإيحاء والتلقين. وقد كان كويه ينصح لمرضاه بممارسة الاستهواء الذاتي وقد أثبت أن بعض الأمراض الجسمية تشفى به. وكل من يعرف تأثير العقل في الجسم يجب أن يسلم بجزء كبير مما يقوله كويه.
ولكن الواقع الآن أن النفسلوجي لا يتدخل في عدوى الحمى أو الجنون الحادث من السفلس عندما يبلغ الميكروب المادة العصبية ويتلفها أو نحو ذلك من الأمراض التي هي من اختصاص الطبيب. لأن ميدانه الأصلي هو أمراض النفس أي تلك التي تصيب النفس لا الجسم. وقد يتأثر الجسم بها تأثيرًا كبيرًا حتى يحدث الهزال وقد تبدو علامات جسمية كالقيء أو نحو ذلك ولكن العلة الأصلية في النفس لا في الجسم.
ويمكن أن نضرب بعض الأمثلة لهذه الأمراض: فهناك مثلا شخص إذا ركب القطار واستدبر القاطرة قاء وهناك شخص آخر إذا أكل الجنبري قاء وأسهل. والقيء يرجع في الحالتين إلى النفس لا إلى الجسم. فقد ساءت تربية الأول عند ركوبه القطار لأول مرة وأوهم بأنه سيقيء كلما استدبر القاطرة فصار لهذا الوهم أثر في نفسه يؤثر في معدته. أما الثاني فالأغلب أنه حدثت له حادثة جعلته يشمئز من الجنبري كأن رآه مرة حول جثة منتنة طافية على الماء يأكل منها. وقد ينسى كلاهما علة القيء ولكن العقل الباطن لم ينس فهو يستعيد الذكرى على غير وعي من الشخص ويؤثر في أعصاب المعدة فيحدث القيء.
فهذان مثلان بسيطان لتأثير النفس في الجسم وإحداث مرض نفسي يعيش مدى العمر. وإن كان هذا المرض خفيفًا لا يحتاج إلى علاج.
ولكن هناك أمراضًا نفسية كثيرًا ما تودي بحياة أصحابها أو تلقيهم في شقاء عدة سنوات. ومعظم هذه الأمراض يرجع إلى أن الحضارة الحديثة تضطرنا إلى كبت شهواتنا وعواطفنا وعندئذ تتخذ الشهوة أو العاطفة جملة سبل: (?) فقد تتسامى وتجد بذلك منفذًا تصرف إليه قوتها فلا تحدث منها أمراض.
(?) قد تنصرف إلى أحلام وخواطر تخفف ضغطها.
(?) إذا اتضح للنفس أن العقل الواعي لا يشبع شهواتها أو عواطفها عمدت إلى عقولها القديمة فاعتمدت عليها. وهذه العقول لها أساليب تبدو لنا كأنها فساد في النفوس كثيرًا ما نطلق عليه اسم الجنون. وهي في هذه الحال تشبه المقاتل الذي تفسد احدى آلاته الجديدة فيعود إلى آلاته القديمة.
فالجنون النفسي هو ردّة في استجابة الجهاز العصبي إلى المؤثرات الخارجية فبدلًا من أن يستجيب لها بالطرق الحديثة التي حصلت للإنسان في تطوره الأخير يستجيب بالطرق القديمة وهذه الاستجابة نسميها جنونًا أو انحطاطًا أو فسادًا في النفس. فالنفس ترى مثلًا أن العقل الواعي قد هُزم ولم يستطع حل عاطفة خوف أو حب أو نحو ذلك فهي تلجأ عندئذ إلى عقولها القديمة التي كانت لها قبل ظهور العقل الواعي فتستجيب للحادث الذي أحدث هذه العاطفة أو لذكراه بأساليبها القديمة.
ولننظر الآن في بعض هذه الأساليب ونتدرج في ذلك من الأمراض الخفيفة إلى الأمراض الخطيرة. (?) إذا بلغ الإعياء من أعصابنا مبلغًا عظيمًا صرنا «عصبيين» فإذا سمعنا ضوضاء لا تنبه الرجل إلا تنبيهًا عاديًا انتفضنا وذُعرنا. ومعروف أن الطفل (الذي يمثل أسلافنا) ينتفض للصوت المفاجئ.
(?) ومن المعروف أيضًا أن الحركة العصبية في الأطفال لا تتدرج فذراعه إذا أراد أن يتناول شيئًا بها انتفضت كأنه لا يملكها وقد لا تصيب ذلك الشيء الذي يريد أن يتناوله. ولكن أعصاب الصبي أو الرجل متدرجة تصرف من قوتها في حركة الذراع على قدر المطلوب منها. ونحن إذا ضعف جهازنا العصبي لإجهاد عظيم أو لخوف شديد زالت منا خاصة التدرج فتكون حركة الذراع عندنا شبيهة بما هي عند الطفل وتحدث لنا انتفاضات تشبه انتفاضات الطفل (والطفل يمثل الأسلاف)
(?) نحن نعرف أن الغالب في أحلامنا الصمت وأنه إذا تغشانا الكابوس أصابنا سكون في الحركة فنحاول أن نجري فلا نقدر. وقد قلنا أن الأحلام تمثل لنا أساليب العقل القديم. وعلي ذلك يحدث أحيانًا أننا نرى رجلا مريضًا صامتا ساكن الحركة. فنبحث عن علة هذا المرض فنجد أنه قد حدثت له حادثة قد رعبته رعبًا شديدًا فخرج منها في يقظته بما يشبه الكابوس في النوم لا يستطيع الكلام ولا الحركة.والاستجابة للخوف عند بعض الحيوانات تقوم الآن وكانت في الأرجح تقوم عند الإنسان الأول أو الحيوان الذي تطور إلى إنسان بسكون الحركة حتى لا يلتفت إليه الوحش المغير في الظلام فينجو الحيوان بسكونه. أما إذا تحرك وانتفض وجرى وزعق فالأرجح أن الوحش المغير عليه كان يتعقبه ويقتله. فالصمت والسكون طريقة قديمة للإستجابة إلى الخوف. تظهر لنا الآن في أحلامنا في الكابوس. وإذا كان الرعب شديدًا ظهرت لنا في يقظتنا لأن العقل الباطن يطغى على العقل الواعي.
(?) بعض المجانين يمشي على أربع كالحيوان أو يقعد بهيئة الشمبنزي وهذه علامات واضحة في تغلب العقل القديم.
(?) نعرف أن العقل الباطن تكون عواطفه أحيانًا من القوة بحيث نتكلم في الحلم. وقد نضرب شخصًا بيدينا. ثم نكون أحيانًا أقوى من ذلك فنقوم في الليل ونمشي ونؤدي أعمالًا أخرى ولكن إذا استيقظنا في الصباح نسيناها أو تذكرناها كما نتذكر الحلم فقط. فإذا طغى العقل الباطن على العقل الواعي حدث نسيان للشخصية فيقوم الشخص من بيته ويخرج ويؤدي أعمالا لا يدري أنه يعملها وإذا ذُكّر بها بعد ذلك أنكرها وقد تعاوده فيصير له شخصيتان كل منهما مستقلة عن الأخرى.والمحب الذي يذهب أو تحمله رجلاه وهو لا يدري إلى بيت حبيبته إنما يفعل ذلك بعقله الباطن. فهو ينسى غايته طول سيره إلى البيت ولا يتنبه إلا عندما يرى نفسه أزاء منزل حبيبته. فبذرة الجنون الذي نسميه فقدان الشخصية موجودة في كل منا تظهر فينا عندما يطغى العقل الباطن على العقل الواعي.والآن يري القارئ أن الكابوس الذي يحدث لنا في الحلم إذا كانت العاطفة التي ابتعثته قوية جدًا يحدث لنا في اليقظة. وأنا نفسي أعرف رجلًا فاجأه اللصوص فرعبوه فبقي أكثر من أربع سنوات لا يستطيع الكلام ولا الحركة فكان لا يستطيع المشي وإن كان يقدر على تناول الطعام.

حوادث الهستيريا


النظريات باطلة أو حقة باعتبار تطبيقها على الموجودات والظواهر فإذا أمكننا تفسيرها بنظرية ما بحيث لا نجد استثناء لا يمكن تفسيره أمكننا أن نقول أن النظرية صحيحة.
فنظرية التطور مثلًا صحيحة لأننا يمكننا بها أن نفسر بها اختلاف الأحياء ونرى أنها تتسق معنا كلما رأينا ظاهرة جديدة من ظواهر الحياة.
وكذلك نظرية العقل الباطن صحيحة لأننا نجدها تتسق معنا في تفسير أعمال العقل في اليقظة والنوم وفي المرض والصحة. فنحن مثلًا نرى مصداق هذه النظرية في مرض الهستيريا.
وقد كان المظنون قبلًا أن الهستيريا تصيب النساء فقط حتى أن اسمها مشتق من معنى الرحم. ولكن الحرب الكبرى أثبتت أن الرجال يصابون بها كثيرًا. والواقع أن الرجال يصابون بها مدة الحرب والقتال أكثر من النساء. أما في مدة السلم فالإصابة في النساء أكثر.
وفي الهستيريا نوعان أحدهما يصيب الرجال والنساء على السواء وهو يحدث عقب الرعب والذعر. ولذلك فهو في مدة الحرب أكثر تفشيًا بين الرجال منه بين النساء لأن هؤلاء لا يتصلن بالقتال مثل الرجال. أما في مدة السلم فالإصابة بين النساء أكثر منها في الرجال لأن المرأة أكثر تعرضا للأخطار مدة السلم من الرجل. فالرجل لا يخشى مثلها الاغتصاب الجنسي وهو أيضًا لا يفكر في أخطار الولادة. أما النوع الثاني فخاص بحياة المرأة الجنسية.
ولننظر الآن في هستيريا الخوف أو الرعب وهي النوع الأول: وعوارض هذه الهستيريا في الرجل أو المرأة أنه يصاب مثلًا بالخرس وأحيانًا يستطيع الكلام المتقطع همسًا. أو يصاب بجمود أحد أعضائه عن الحركة فلا يمكنه مثلا أن يحرك ذراعه أو ساقه حتى يحتاج إلى عكازتين يمشي بهما أو يصاب بغياب الحس في ناحية من نواحي جسمه بحيث إذا وخزته بإبرة لم يتحرك ولم يتألم. وقد سبق أن قلنا أن الحيوان أحيانًا يستجيب للخوف أو الرعب بجمود الحركة والصمت. وأن الأغلب أن الإنسان كان في الأزمنة القديمة جدًا يستجيب للخوف عند غارة وحش في الظلام بهذه الطريقة حتى ينجو بذلك منه. ورأينا في الكابوس أن هذه الطريقة ما يزال عقلنا الباطن يعمل بها بعض العمل وليس كل العمل. فإننا وقت الكابوس في صراع بين طريقتين فنحن نحاول الهرب وأيضًا نشعر بأننا غير قادرين على الحركة للجمود الذي يستولي على أعضائنا.
والأرجح في تفسير هذه الظواهر أن الإنسان كان قبلًا حيوانًا انفراديًا فكان الصمت والجمود ينفعانه وينجيانه من الخطر لأن الوحش يضل عن مكانه إذا كان الوقت ظلاما. ولكن لما اجتمع الإنسان صارت له طريقة جديدة في الاستجابة للخوف بالصراخ والجري. لأن للصراخ قيمة انتخابية اجتماعية إذ هو ينبه سائر العائلة أو العشيرة حتى يفر أعضاؤها أيضًا وينجوا من الخطر.
فالكابوس صراع بين طريقتين في الإستجابة للخوف. ومما هو جدير بالذكر أننا عند ما نصرخ نشرع في اليقظة كأن الصراخ مقرون بالوعي.
وهذا الصراع يدلنا على أن الطريقة القديمة للإستجابة للخوف ليست تامة في نفسنا وهي لا تسيطر علينا كل السيطرة ولكنها تسيطر بعض السيطرة. فنحن لا نجمد تمام الجمود وننقطع عن الصراخ تمام الانقطاع.
فما يحدث في هستيريا الخوف هو نفس ما يحدث لنا في الكابوس فقد يحدث انفجار قريب من المنازل التي تتزلزل منه وتتحطم بعض النوافذ ويشعر كل ساكن أن البيت سينهدم فوق رأسه ويدفنه تحت أنقاضه حيًا. فيرعب رعبًا شديدًا. ولكن معظم السكان ينجون من هذا الرعب ويتغلبون عليه. ويبقى بعض أفراد من النساء والرجال يصابون بالخرس أو جمود الذراع أو الساق أو غياب الإحساس من اليد. فهذه الإصابات كلها هي استجابات قديمة لجأ إليها الجهاز العصبي عندما وقعت هذه الصدمة التي أذهلت العقل الواعي لشدتها فقام العقل الباطن يستجيب للخطر بطريقته القديمة وهي طريقة الجمود في اللسان والأعضاء. ولكن استجابته جزئية لم تصب الجسم كله وإنما أصابت الذراع أو اللسان أو نحو ذلك. وقد ذكرت في الفصل السابق رجلا أعرفه بقي صامتًا عدة سنوات لأن اللصوص فاجئوه في منزله.
وقد كثرت هذه الهستيريا في الحرب الكبرى بين الجنود. وهذا هو ما ينتظر. والغريب أن هذه الهستيريا تخدم الجندي بحمايته من الخطر والتعرض للقتال كما كانت تخدم الإنسان القديم بحمايته من الوحش الطارئ. فإن الجندي الذي تقع بجانبه قنبلة يُرعب رعبًا شديدًا ويود بالطبع لو يترك القتال ولكنه لا يمكنه أن يصرح بذلك. فيحدث عقب انفجار القنبلة أن يؤذن له بترك القتال لأن ذراعه قد جمدت أو أن لسانه قد انعقد أو أنه أصيب بالعمى أو أنه لا يستطيع المشي لأن ساقة قد جمدت عن الحركة. فجمود الحركة يؤدي عند الجندي الآن تلك المهمة التي كان يؤديها عند الإنسان القديم بتنجيته من الخطر. وقد يعارض القارئ في هذا التفسير من حيث أن الجندي الذي يصاب بجمود الحركة يتعرض للخطر أكثر لأنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه وقت القتال. والواقع الذي أثبتته الحرب أن الهستيريا لا تصيب الجندي إلا بعد أن يغادر المعركة بعدة أسابيع أو أشهر. وأحيانًا يصاب الجندي بنوم قد يدوم عدة أشهر ولكن هذا النوم مصحوب بجمود الإحساس أيضًا.
أما مدة السلم فالمرأة تصاب بهستيريا الخوف أكثر من الرجل للسبب الذي ذكرناه آنفًا وهو تعرضها لخطر الولادة وخوفها أحيانًا وهي فتاة من انتهاك عرضها. ويجب أن نلاحظ أن الأرجح أن التعارف الجنسي في الأزمنة القديمة جدًا كان كله انتهاك عرض ولذلك فالعقل الباطن في المرأة يتوجس من هذه الناحية توجسًا عظيمًا وتحدث من ذلك هستيريا الخوف عند المرأة.
ولننظر الآن في الهستيريا الخاصة بحياة المرأة الجنسية وهي النوع الثاني: وقبل الكلام عن هذا النوع نذكر القارئ بأننا سبق أن قلنا أن الأحلام قد تكون تحقيق رغبة أو شهوة كالجائع يحلم بأنه يأكل وقد تكون صراعًا كما هو حالنا وقت الكابوس. ثم يجب أن نقول أيضًا أن كبت الغريزة الجنسية عند المرأة أو بالأحرى الفتاة أكبر وأشد من الكبت عند الشاب. فحرية الشاب في الاختلاط الجنسي أكبر جدًا من حرية الفتاة ثم هو له من طرق التسامي العديدة ما يخفف عنه ضغط هذه الغريزة. أما الفتاة فإن أنظمتنا الإجتماعية تحرمها من تحقيق رغبتها ومن التسامي. نستنتج من ذلك أن لبيد الرغبة الجنسية عندها أي عواطف الحب المضغوطة في عقلها الباطن أقوى مما هو عند الشاب لأنها لا تجد منصرفًا. ولذلك فإن عقلها الباطن يطغى أحيانًا على عقلها الواعي ويحدث لها في يقظتها تلك الحركات أو التشنجات.
والآن قد يتساءل القارئ: هل هذا الفصل خاص بالنفسلوجية أو بالطب؟ والجواب أن الهستيريا مرض يصيب النفس بحيث يبقى الجهاز العصبي سليمًا ولا تمكن معالجتها بالعقاقير وإنما ببث عقيدة في النفس.
والعلاج يتلخص في الإيحاء أي بأن يقول الإنسان للمريض بأن علته وهمية وأن ذراعه مثلًا سليمة. وقد يمكن تسهيل العلاج بأن يتدرج فيه المريض فيقال له أن أصبعه سليمة ثم يده ثم ذراعه ويكرر ذلك عليه حتى يقتنع.
ولكن إذا كان لا يقتنع بالإيحاء البسيط فيمكن استهواؤه أي تنويمه ثم تلقينه بأنه سليم. أو يمكن المريض أن يلقن نفسه قبيل النوم كأن يقول لنفسه: في الصباح سأحرك ذراعي.
وإذا كان المريض متعلمًا سهل العلاج لأنه يمكن أن تفسر له نظرية هذا الفصل فيقف على عقله الباطن ويمنعه من الطغيان.

السنون الأولى للطفل والصبي


قلما تنجع التربية في الطفل إذا اسيئت في السنوات الأولى من حياته. فقد رأينا فيما مضى من الفصول كيف أننا نحلم بأشياء حدثت لنا في طفولتنا وصبانا من أحاديث أو أساطير سمعناها أو حوادث صغيرة رُعبنا منها. فنرى هذه الحوادث أو تتجسم لنا هذه الأحاديث ونحن في سن الأربعين أو الخمسين فنعرف منها أن العقل الباطن لم ينس السنين الأولى من الحياة ولكننا نعرف أن العقل الباطن يؤثر في أخلاقنا وغاياتنا ومسلكنا. وعلى ذلك يجب أن نقول أن السنين الأولى للطفل تكيف أخلاقه المستقبلة وترسم له غاياته التي قد يعيش لها طول عمره.
وذلك لأن الطفل يولد وعقله يكاد يكون كاللوحة يمكننا أن نكتب عليها ما نشاء. ثم هو في تلك السن حين لا يبلغ بعد الخامسة يقبل الإيحاء بكل صنوفه فتراه يحاكينا في صوتنا وفي حركاتنا يضحك مما نضحك منه ويبكي لما نبكي له ويخاف ما نخافه فإذا رآنا رعبنا رُعب هو أيضًا لا لأنه يفهم طبيعة الشيء المخوف بل محاكاةً فقط لنا.
ولذلك فخير سبيل لتربية الطفل ألا نفعل أمامه شيئًا لا نحب أن ينشأ عليه، بل نقف منه موقف القدوة التي يحاكيها هو ويقتدي بها وهو لا يدري. فهو إذ رآنا نأكل ونلتهم الطعام ونبدي انشراحنا لذلك فإنه لا بد ناشئ على توخي اللذة من التهام الطعام ولن يتبدل خلقه بالنصائح والأوامر بعد ذلك. فقد أوحينا إليه في صغره أن التهام الطعام لذيذ فنشأ في نفسه هذا الذوق. فإذا أمرناه بعد ذلك بالإعتدال والتعفف فإن الأمر لا يحدث في نفسه سوى الكبت الذي يجعله يتحين الفرصة لكي يلتهم خفية ما يجده. وقد سبق أن أوضحنا أن الأمر يحدث في النفس مقاومة وقلنا أننا إذا منعنا أنفسنا من الضحك انفجرنا بالضحك.
فتكوين الأخلاق في الطفل لا يكون بالأمر وإنما يكون بالقدوة والإيحاء بحيث نستحدث في نفسه رغبة تندس في عقله الباطن وهو لا يدري فتحدث عاطفة تدفعه إلى العمل.
فإذا وجدنا الطفل مثلا يلعب في أشياء قذرة فسبيل إصلاحه ألا نأمره بالكف عنها بل نبدي له اشمئزازنا منها. فإن هذا الاشمئزاز الذي يرى هو علاماته في وجوهنا يحدث فيه نفسه اشمئزازًا بطريق المحاكاة فيكف وحده ويكون عقله الباطن على استواء مع عقله الواعي ليس بينهما صراع بشأن عاطفة مكبوتة يحدثها أمرنا له بالكف.
والمعروف الآن الثابت من التجارب أن الطفل قليل الغرائز يكتسب ما فيه من أخلاق وأذواق اكتسابًا بالقدوة والإيحاء. فهو لا يعرف من الخوف أو بالأحرى من غريزة الخوف سوى السقوط والصوت المفاجئ أما الظلام أو الوحوش أو ما ماثل ذلك مما يحكى عن العفاريت فلا يخشاها إلا بالإكتساب. فالطفل يبدأ يخشى الظلام إذا فتح عليه باب الغرفة المظلمة فجأة فيقرن في ذهنه صورة الظلام بالصوت المفاجئ ويبقى بعد ذلك يخشى الظلام. وقد تحكى له أسطورة عن عفريت ويوحي الراوي إليه الخوف منها فيبقى يخافها مدى حياته.
أعرف شابًا كان يخشى مقابلة الأغراب فإذا أجبرته الظروف على التعرف إلى رجل ما احمرت وجنتاه وتخبل في حركاته وتلعثم لسانه. وهذه حالة نردها عادة إلى كثرة الحياء. ولكن الواقع أن هذا الشاب كان وهو صغير كثير اللعب فكان أبوه يضربه وينهره. فكان وهو طفل يخشى أباه كثيرًا واندست عاطفة الخوف إلى عقله الباطن فصار يخشى كل رجل يشبه أباه. وبديهي أن الخوف يشتد عند التعرف برجل غريب وأوجه المشابهة كثيرة بين الناس فلذلك كان يخشى كل رجل. فهذا الحياء الشديد الذي كان يبدو منه لم يكن في الحقيقة سوى خوفه وهو طفل من أبيه ولذلك ما كاد يعرف هو نفسه هذه الحقيقة حتى زال عنه هذا الخوف لأنه استطاع أن يسيطر على عقله الباطن بعقله الواعي.
ولما كان استعداد الطفل للإيحاء قويًا فإننا يجب أن نعتمد على الإيهام كثيرًا فنوهم الطفل بأنه ذكي وأنه نظيف وأنه قادر حتى ينشأ وهو يحسب في نفسه هذه الصفات ويتجنب كل ما يوهم في نفسه العجز أو البلادة. أما إذا سبق إلى ذهنه أنه بليد فإن هذا الوهم يقضي عليه قضاءً تامًا في حياته. وقد يدفعه إيهامه بالذكاء والقدرة إلى الغرور ولكن الغرور يحتاج على الدوام إلى الاجتهاد للصعود إلى مستواه وهو خير على كل حال من توهم العجز.
فإذا صار الطفل صبيًا ورأى منه والده بلادة في بعض دروسه فإن أحسن ما يعالج به أن تقرن إلى درسه عاطفة تحركه إلى العمل. فكثير من الصبيان يكرهون الحساب. ولكن الحساب يكون لذيذًا جدًا إذا كان خاصًا بنقود يملكونها ويتصرفون بها لأن عاطفة الإمتلاك تنبههم وتوقظ ذهنهم. وقد يجد التلميذ مشقة في تعلم اللغة الانجليزية ولكن لو قيل له أنه سيزور انجلترا بعد أشهر لأقبل عليها بكل قواه وقد أمكن علاج طفل كان يكره اللغة اللاتينية ولا يطيق تعلمها بأن بُثت في نفسه الرغبة في أن يكون طبيبًا ثم أفهم بعد ذلك بأنه لا يمكن تعلم الطب بدون اللاتينية. فأقبل على هذه اللغة الميتة بعزم جديد.
ومعظم البلادة التي ترى في الصبيان لا ترجع إلى نقص ذكائهم بل إلى عدم اهتمامهم بالموضوع الذي يدرسونه. ومعنى عدم الاهتمام هذا أنه لم تقم في أنفسهم عاطفة بشأنه. وقد توجد المباراة بين الصبيان هذه العاطفة أحيانًا.
وللبيئة الحسنة أثر كبير في تكوين الذوق. فالطفل الذي ينشأ في بيت نظيف في حي جميل سيدأب طول حياته في أن يحتفظ بمركزه ويعيش في مثل هذه البيئة ولا يطيق النزول عنها. والطفل الذي اعتاد مستوى معينًا من النظافة لا يمكنه أن ينحط عنه فيما بعد.
والآراء والمعتقدات كلها تكتسب بالإيحاء. ولذلك فإن الأبناء ينشئون ويتعصبون لديانة آبائهم.
وكما يجب أن يكون الوسط المادي والمعنوي نظيفًا راقيًا في البيت يجب أن يكون كذلك أيضًا في المدرسة. ثم يجب أن نبث في الصبي روح البحث لا روح الاستذكار والاستظهار لأنه كما تبدأ دراسته سيبقى مدى حياته متعلقًا بالأساليب الأولى يعتقد أن الاستظهار هو كل ما يطلب منه في هذه الدنيا. فطالب الجامعة لا ينجح ما لم يكن وهو تلميذ في المدرسة قد بثت فيه روح البحث.
ومما يساعد على النشأة الحسنة للطفل أن يرى أبويه كما هما في الحقيقة. وإذا بلغ سن المراهقة أو شعر بالدوافع الجنسية التي تسبقها يجب أن يصارح بشأنها ويوقف على حقيقتها وما فيها من أخطار ومسرات ويوضع نصب عينيه أمنية الرجولة السليمة.
ومعظم التغرضات والعقائد الفاسدة في تناول الطعام والشراب وفي معاملة الناس تنشأ في الصغر فقد يكفي أن تشمئز الأم أمام طفلها وهي تتناول الحين أو اللحم فيشمئز هو أيضًا عند رؤيتهما وينشأ على كراهتهما ويحتاج إلى جهد كبير لكي يمحو من عقله الباطن عقيدة الاشمئزاز منهما.
وسنرى بعض الأمثلة عن هذا الموضوع في الفصل التالي.

التغرضات


أراؤنا ومعتقداتنا تنشأ في أنفسنا عن سبيل العقل الباطن وقد تتعصب لها تعصبًا يراه غيرنا حمقًا وقد نراه نحن كذلك أيضًا إذا حللناه بعقلنا الواعي. ولكننا نجد للعقيدة التي نتعصب لها سلطانًا في نفسنا واشتباكًا بطائفة من عواطفنا تمنعنا من الإقرار بأننا مخطئون.
ومعظم ما نتعصب له تغرضات نشأنا عليها وتكررت علينا حتى صار لها قوة الإيحاء للعقل الباطن. وقد بينا في فصول سابقة قيمة التكرار في إيجاد عقيدة للنفس. وهذا التكرار نفسه يحدث لنا بجملة صور لا ننتبه لها. وقد تحدث العقيدة في النفس بحادثة حدثت لنا في الصبا فغرست تغرضًا في العقل الباطن لا يمكن نزعه بالعقل الواعي.
أعرف شخصًا يكره التدخين ويبلغ من تغرضه أنه لو اضطر إلى تناول سيجارة بيده عمد من فوره إلى الماء ليغسلها. فلو أنه كان ينظر بعقله الواعي إلى السيجارة لعلم أنها قطعة من الورق النظيف لا تحتوي إلا على كمية من ورق جاف لأحد النباتات. ومحال أن يشمئز الإنسان من ورق الشجر الجاف. ولكنه هو لا ينظر بعين المنطق إلى هذا التغرض فإن في نفسه عقيدة تجعله يشمئز من السيجارة ولما كنت أعرف هذا الشخص والبيئة التي نشأ فيها استطعت أن أقف على أصل هذه العقيدة. وهو أنه قد حدث له وهو صغير أنه كان يخدم في منزل والديه خادم سمين ضخم. ولم تكن علاقته بهذا الخادم مرضية له لأن هذا الخادم كان أحيانًا يحمله مرغمًا إلى المكتب وكان للخادم طريقة قذرة في جمع أعقاب السجائر التي تتخلف من الضيوف ثم يدخنها فتكون منها رائحة شنيعة تؤذي هذا الصبي. فلما شب رسخت في عقله الباطن عقيدة الكراهة للتدخين والسجائر.
وأحيانًا نرى أحد الأشخاص فنستسمج منظره ومسلكه وننظر إليه بعين الزراية والاحتقار والتغرض. والأرجح أن علة ذلك ترجع إلى أننا قد عرفنا شخصًا يشبهه ونحن صغار حدثت بيننا وبينه حادثة آلمتنا كأن يكون قد أخافنا أو انتزع منا شيئًا أو نحو ذلك. فصورته قد انطبعت في العقل الباطن بحيث إذا رأينا شبيهًا له تحركت في نفسنا الكراهية له. وأحيانًا نرى شخصًا نستخف ظله لعكس هذا السبب.
وإلى مثل هذا التغرض يرجع شعورنا نحو اليهود. فقد يسمع الصبي قصة من أم جاهلة عن اليهود الذين يأكلون الصبيان فتؤثر هذه القصة في عقله الباطن تأثيرًا كبيرًا. فإذا كبر نسي بالطبع هذه القصة أو تناساها لسخافتها. ولكن العقيدة قد اندست في عقله الباطن فهو كلما رأى يهوديًا أو ذكره شعر له بالكراهية. ثم يعمد عقله الواعي إلى أن يمسح مسحة من المنطق على هذه الكراهية فيتهم اليهود بأنهم يشتغلون بالربا المكروه أو أنهم يكرهون الأديان الأخرى أو نحو ذلك مما يقصد منه التبرير. ولكن السبب الحقيقي للكراهية هو هذه القصة السخيفة التي أحدثت عقيدة راسخة في العقل الباطن تشبه العقيدة عند كثيرين منا بأن في الظلام عفاريت.
ومن الناس من يكره القطط فلا يطيق أن يكون مع قط في بيت. وترجع هذه الكراهية إلى حادثة حدثت في الصغر حين أرادت الأم تخويف ابنها بالقط أو حين ذكرت أن العفريت يظهر أحيانًا في هيئة قط أسود. والحادثة أو الخبر ينساه الطفل إذا شب ولكن العاطفة راسخة في العقل الباطن.
وقس على ذلك سائر تغرضاتنا. ففينا شبان يكرهون اللغة العربية لأنهم كانوا يكرهون وهم تلاميذ صغار ذلك الشيخ الذي كان يدرس هذه اللغة. وقد تجد طبيبًا يهوديًا يعرف أن لحم الخنزير من اللحوم المغذية ولكنه مع ذلك لا يقربه للعقيدة الراسخة في ذهنه منذ الطفولة بأنه حيوان نجس وإذا هو أكل شيئًا من لحمه تكلف ذلك كمن يقاوم عاطفة كامنة في نفسه.
وهناك فرق بين العقائد والمعارف. فالمعرفة تخضع للعقل الواعي وتتغير أو تتطور وفقًا لما يراه من تعديل وتصحيح. ثم هي لا تحدث في أنفسنا عاطفة من الحب أو الكراهية. فنحن «نعرف» أن الأرض أكبر من القمر. ولكن لو قام فلكي وأثبت عكس ذلك لما شعرنا بالحزن أو الأسف أو الغضب وكل ما نطلبه أن نفهم كيفية تحقيق هذا القول. فإذا أثبت لنا التحقيق صحة هذا القول سكنا اليه. ولكن ربما يكون من المبالغة قولنا أن المعرفة لا تحدث عاطفة. فقد سبق أن قلنا أن التفكير هو: معرفة ثم عاطفة ثم رغبة ثم إرادة.
ولكن يبدو لنا أن المعارف العلمية يكاد لا يكون فيها عاطفة كأن التفكير يقف في طوره الأول وهو المعرفة. ولكن الواقع أن هناك عاطفة ضعيفة هي في المثل السابق عاطفة الرغبة في الوقوف على الحقيقة ولكنها من الضعف بحيث لا تحدث لنا حزنًا أو غضبًا محسوسًا وإن كنا أحيانًا نقف أو نمشي عندما يحط ذهننا مدة التفكير على فكرة جليلة.
أما العقيدة فتخضع للعقل الباطن وهي قوية العاطفة. ولذلك فإننا قد نرى الخطأ واضحًا فيها بعقلنا الواعي ولا نستطيع مع ذلك النزول عنها كهذا الذي يكره أن يلمس السيجارة بيده ويشمئز من ذلك حتى يحتاج إلى الاغتسال. فمعرفته تناقض عقيدته ولكن الثانية تتغلب على الأولى وتكيف أخلاقه وتطبع ذوقه. ولهذا السبب يكره المؤمن أيًا كان دينه أن يناقشه أحد في عقيدته مع أن العالم في الجغرافية أو الرياضة يحب المناقشة ولا يخشاها. وذلك لأن للأول عقيدة وللثاني معرفة.
والآن يجب أن نلمع جملة الماعات في ضوء هذه الحقائق: وأول ذلك أن الرجل الذكي تتغلب معرفته على عقائده فهو لذلك قليل التعصب قلما يتحمس لرأي وهو أيضًا سريع التطور يسير مع الزمن. وللأمم المتمدينة في الطب والشرائع معارف وللأمم المتأخرة عقائد. ولذلك فالأولى يمكنها تغيير شرائعها أو جلها أما الثانية فيشق عليها ذلك.
وإذا كان المستقبل للعقل الواعي الذي سيزداد قوة وإحاطة وسيطرة على حياتنا فإن المعارف ستفوز على العقائد. ولكن لما كانت المعارف ضعيفة العواطف بجانب العقائد فإن إنسان المستقبل سيكون بلا شك ضعيف العواطف جدًا لا يغضب ولا يحزن ولا يخاف.
ولكن يجب هنا أن نقول أن التفكير العلمي في حالة الإنسان الراهنة من أشق الأعمال المضنية له. وذلك لسببين: أولًا: أن عقل الإنسان لم ينشأ إلا بغية البحث عن الطعام والشراب والمرأة والمسكن وأنه لهذا السبب عندما نقف على «المعرفة» نراها تتطور إلى عاطفة ثم رغبة ثم إرادة تحرك الجسم نحو الغرض المطلوب تحقيقه ولكن لما كان التفكير العلمي مقصورًا على المعرفة مع إهمال سائر الأطوار التالية، فإنه لذلك عمل غير صحي للجسم يضنيه ويتعبه لأنه بمثابة من يرى الطعام ويمتنع عن الأكل.
وثانيًا: لما كان العقل الواعي هو أداة التفكير العلمي وهو مع ذلك أحدث عقولنا فهو أقلها قدرة على الجهد وأسرعها شعورًا بالتعب.

المركبات


المركب في النفسلوجية الحديثة هو جملة عواطف مندسة في العقل الباطن قد غابت عن الوعي ولكنها مع ذلك تؤثر في الأخلاق والميول وقد تحدث أحيانًا جنونًا أو تساميًا.
والمركبات أصناف عديدة. منها: مركب النقص. ومركب أوديب. ومركب الكرامة. وهذه مركبات عامة قلما تختلف في نتائجها.
ولكن هناك مركبات خاصة ببعض الأشخاص كذلك الذي كان لا يطيق رؤية الخنادق ويغمى عليه عندما يدخلها ولا يدري سبب ذلك. ولكن بالتحليل اتضح أنه وهو صغير دخل في ردهة مظلمة مستطيلة فنبحه كلب وذعره. فنشأ في عقله الباطن مركب خاص بالخوف من كل مكان مظلم ضيق.
وأهم المركبات هو مركب النقص. فقد يشعر الصبي بنقص ما في كفاياته الجسمية أو الأخلاقية أو حتى العائلية فيرى أنه دون اخوانه لهذا النقص. فيعمد إلى التبريز عليهم على سبيل الإعتياض من هذا النقص ويفعل ذلك وهو لا يدري ما يفعل لأن الإحساس بالنقص لا يعي هو به ولكنه مندس في عقله الباطن. ويقول أدلر: أنه قد استقرى مئات من العبقريين فألفاهم كلهم قد نشئوا على نقص ما. فمثلا بيرون الشاعر الانجليزي أعرج وكان مع عرجه مغرمًا طول حياته بوصف جماله. وكان جيته يشكو من عينيه فعاش طول حياته وهو يقرأ ويكتب. وكان نيتشه مريضًا يصرخ من آلام الرأس فوضع عدة كتب في تأليه القوة وإنها الغاية التي ليس وراءها غاية.
ولننظر نحن في حالة قريبة منا هي حالة الأديب الكبير الدكتور طه حسين. فقد أصيب بالعمى وهو صغير وأصبح الآن من كبار زعماء الأدب في مصر. فما هو تحليل مركب النقص فيه.
لما أصيب بهذه العاهة رأى عجزه عن سائر الصبيان من إخوة وأقارب واحتقارهم له أو احتيالهم لمعاكسته ومناوأته. واندست العقيدة بعجزه في عقله الباطن فجعلت نفسه تتشوف الطرق التي يمكنها بها أن تتميز. ولم يكن ذلك شاقًا فإن أباه أمكنه من التعلم فوجد في الإكباب على العلم وسيلة يتميز بها. وجهد مجهوده فبرز وسبق. ولكن يجب ألا نعتقد أنه يشعر بمركب العجز لأن هذا المركب غير واع إذ هو نابع من العقل الباطن. لكن عدم الوعي به لا ينفي أنه قوة كبيرة تدفع إلى الجهد والتبريز.
ولكن مركب النقص لا ينتهي على الدوام بالتفوق. وإلا كان يجب أن يتفوق الزنجي الذي يرى نفسه محتقر اللون على الأوربي الأبيض. فإن هذا المركب إذا لم يجد فرصة للتفوق يثقل صاحبه ويؤخره. وهناك من يعتقد أن كثرة الوفيات بين الزنوج والأمرنديين في أميركا ترجع إلى مركب النقص الذي يندس في نفوسهم وهم صغار عندما ينشئون في محيط غربي.
وسنرى في فصل قادم أن هناك شروطًا أخرى للعبقرية غير مركب النقص.
ومن المركبات المهمة مركب آخر يدعى مركب أوديب. وقد تسمى بهذا الاسم عن أوديب الملك في المأساة الإغريقية القديمة فإن أوديب هذا يتزوج أمه.
وقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الطفل ينشأ على عداوة مستكنة بينه وبين أبيه بشأن أمه. فهو يحبها ويغار من أبيه إذا رآه يتودد إليها. وبعض الآباء يلذ له رؤية هذه الغيرة فيبدي حبه لزوجته أمام الطفل. ويظن الوالد أن هذا لهو بريء. ولكن الواقع أن الطفل ينشأ على كراهته كراهة عمياء لا يعرف علتها عندما يشب ويصير رجلا لأن هذه الكراهة نشأت من الغيرة واندست في عقله الباطن وتولد منها «مركب أوديب».
وأحيانًا يرى الصبي أو الشاب في الحلم أباه ميتًا. وقد يصعب تفسير ذلك لأول وهلة لأن الموت هنا يمكنه أن يدل على رغبة الشاب. ولكن إذا تذكرنا مركب أوديب عرفنا أن الموت هنا يعبر عن رغبة صبيانية قامت في نفس الصبي عندما سممته الغيرة. والأحلام كما قلنا تعبر عن رغبات الطفولة أحيانًا.
ولهذا المركب أثره في حياة الشاب. فإنه يجعله يختار من الفتيات عندما يريد الزواج فتاة تشبه أمه. وهذا ما يقع لكل شاب تقريبًا.
ولكن لهذا المركب أضرارًا إذ قد يجعل الشاب لشدة تعلقه بأمه يخشى الخروج إلى الدنيا ولا يطيق فكرة الزواج لأن عقله الباطن يوهمه أن الزواج خيانة لأمه لأنه يجب أن يقنع بها. وأحيانًا يجعله لكراهته لأبيه يكره الرجولة كلها فيستأنث في أخلاقه وميوله ويغضب لأمارات المراهقة التي يراها في نفسه.
أما مركب الكرامة فإنه يصيب الرجل إذا أفلس أو إذا نزلت به نكبة كبيرة تجعله مهانًا فإنه يقوم بنفسه أنه ملك أو يدعي أنه يملك أحد المصانع كما شرح ذلك ولز في قصته «سرجون: ملك الملوك» التي عاد فسماها «والدكر ستينا البرتا» فإن هذا الرجل يشعر بخيانة زوجته وأن عيشته معها غير طاهرة وأنه مهان فيعمد عقله الباطن إلى ما يقابل ذلك من ناحية السمو والكرامة فيتخيل نفسه ملكا. وجنونه هنا هو جنون التسامي والرغبة في الرقي.
ولكل منا عدة مركبات تؤثر في أخلاقه وقد ترجع بعض التغرضات إلى مركبات ضعيفة.

كيف تتكون الآراء والعقائد


جوستاف لوبون كاتب فرنسي قد درس النفسلوجية الحديثة وعرف قيمة العقل الباطن في الآراء والعقائد السياسية والدينية ودرس الوسائل التي تتكون بها. وسننقل فيما يلي بضع فقرات منه في هذا الموضوع كما نقلها الأستاذ زعيتر في كتاب «الآراء والمعتقدات» مع تنقيح بسيط حتى يجري الكلام وفق التعابير المتبعة في هذا الكتاب.
ويمكن القارئ أن يتذكر حوادث سنة ???? في مصر وأيضًا نفوذ سعد باشا زغلول في الحركة الوطنية فيرى فيها كلها مصداق أقوال جوستاف لوبون. فهو يقول أن الآراء تنتشر بالتوكيد والتكرار والمثال والنفوذ والعدوى.
فإذا تأمل القارئ هذا الكلام وجد أن المعنى ينحصر في أن الإيحاء يحدث العقيدة أو الرأي أو التغرض. وأن طرق هذا الإيحاء عديدة تحدث أحيانًا بالتوكيد والتكرار أي بالتلقين وبالمثال أي بالقدوة وبالنفوذ (كذلك النفوذ الذي كان لسعد باشا زغلول من اسمه وتاريخه وجهاده) وأخيرًا بالعدوى يعني المحاكاة.
فالآراء والعقائد تنتشر في الأمة ولا سلطان للعقل الواعي عليها لأن هذا العقل يطلب التجربة والبرهان وقليل من الناس من يعتمد عليها.
يقول جوستاف لوبون: أن التوكيد والتكرار عاملان قويان في تكوين الآراء وانتشارها وإليهما تستند التربية في كثير من المسائل. وبهما يستعين رجال السياسة والزعماء كل يوم في خطبهم ولا يحتاج التوكيد إلى دليل عقلي يدعمه. وإنما يقتضي أن يكون وجيزًا حماسيًا ذا وقع في النفس.
والتوكيد لا يلبث بعد أن يكرر تكرارًا كافيًا أن يحدث رأيًا ثم معتقدًا. والتكرار هو تتمة التوكيد الضرورية. ومن كرر لفظًا أو فكرًا أو صيغة تكريرًا متتابعًا فقد حول هذا اللفظ أو الفكر أو الصيغة إلى معتقد. وإذا نظرنا إلى سلسلة الرجال التي تبتدئ بمؤسس الديانة وتنتهي بالتاجر رأينا أنها تستعين على إقناع الناس بمبدأ التكرار.
والتكرار من القوة بحيث يجعل الرجل يؤمن هو نفسه بالكلمات التي يكررها ويسلم بالأفكار التي يعرب عنها عادة. والتاريخ السياسي حافل بالعقائد التي نشأت عن التكرار على الوجه المذكور. فقد كان قادتنا وأولو الأمر منا قبل سنة ???? يقولون مكررين أن الجيوش الألمانية هي دون جيوشنا قوة. وبفعل هذا التكرار اعتقدوا صحة ذلك اعتقادًا جازمًا. وكل منا يعلم ماذا كانت عاقبة هذا الاعتقاد. ولا يلبث الرجل السياسي بعد إقباله على آراء مفيدة له أن يعتنقها بتأثير نضاله عنها حتى يصبح غير قادر على تبديلها عندما تقتضي منفعته هذا التبديل.
والقدوة هي أحد وجوه التلقين الفعالة. ولكن يجب أن تكون ذا وقع في النفوس لكي تؤثر أثرها. ففي عالم التربية نرى أن المثال البارز خير من مئات الأمثلة الضعيفة التي لا تنفذ إلى القلوب.
وللنفوذ أثر كبير في انتشار الآراء. ففي المدارس يتعلم الطلبة أن التجربة والاختبار قد حل كل منهما الآن محل النفوذ. ولكن من السهل إثبات خطأ هذا الزعم. فلو نظرنا إلى الآراء العلمية — دون أن نلتفت إلى الآراء الدينية والسياسية والأخلاقية حيث لا شأن للدليل فيها — لرأينا أنها في الغالب لا تملك سوى نفوذ قائلها وأنها تنتشر بالعدوى. ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك إذ لما كان أكثر التجارب والاختبارات العلمية من التعقيد بحيث يصعب تكرارها فإنه يسلم بكلام العالم الذي يشرحها. ولذلك يحق لنا أن نقول أن نفوذ الأستاذ في الوقت الحاضر هو كما كان في زمن أرسطو طاليس بل يزداد هذا النفوذ كما أصبح الاختصاص العلمي أعظم منه في الماضي.
ويتوقف مصير أقطاب السياسة وأرباب الأعمال والأدباء والكتاب والعلماء على ما فيهم من نفوذ خاص وقدرة على تلقين الناس على غير وعي منهم. وقد ينجح الأبله أحيانًا في نشر رأيه لأنه لما كان غير شاعر ببلاهته فإنه لا يتردد في توكيد رأيه ويصبح بذلك ذا نفوذ.
وقد كان شأن النفوذ في شوكة الملوك عظيمًا إلى الغاية. حتى أن بسكال قال: «يجب على المرء أن يكون ذا عقل نقي خالص لكي ينظر إلى ملكه وهو في قصره الذي يحرسه ????? جندي كما ينظر إلى بقية الناس» وفي الجيل الحاضر الذي هو جيل المساواة نرى نفوذ الملوك ما يزال محافظًا على شأنه. فيجمل بالملوك أن يحافظوا عليه بحكمة. وقد كتب المسيو نوزيار مراسل احدى الصحف المهمة يقول: «إن جميع من حضروا جنازة ملك انجلترا قد عجبوا من تأثير إمبراطور ألمانيا في الجمع حينما كان يمشي في وسط الملوك. حقًا أن غليوم يكتسب باعتقاده أنه ظل الله في الأرض عظمة غريبة تدهش الناس»
والجماعات نظرًا لاحتياجها إلى العبادة لا تلبت أن تعبد أشخاصًا يؤثرون فيها بنفوذهم.
ويمكننا أن نلخص تأثير الأسباب في انتشار الآراء والمعتقدات في هذه الكلمات الآتية: لا رأي أو لا عقيدة تظهر بلا نفوذ أو تسيطر بلا توكيد أو تعيش بلا مثال أو تكرار.
والعدوى النفسية هي أمر روحي ينشأ عنه التسليم ببعض الآراء والمعتقدات تسليما غير إرادي ومصدرها العقل الباطن. ولذلك لا يؤثر فيها البرهان أو التأمل وهي تشاهد في الحيوان كما تشاهد في البشر ولا سيما وقت الاحتشاد.
حقًا أن العدوى النفسية هي العنصر الأساسي في انتشاء الآراء والمعتقدات. وقد تبلغ بقوتها مبلغًا يجعل الإنسان يضحي بأكثر منافعه الشخصية وضوحًا.
ولا تسري العدوى بتماس الأفراد تماسًا مباشرًا. بل قد تنتشر بالكتب والجرائد والحوادث حتى بالإشاعات البسيطة. وكلما زادت وسائل النشر والإذاعة تداخلت العزائم وأثر بعضها في بعض وعلى هذا الوجه ترتبط كل يوم بمن يحيطون بنا أكثر من قبل.
والخوف أشد العواطف سريانًا بالعدوى وليس شأنه الكبير في حياة الأفراد والشعوب بالأمر المجهول.
والعدوى النفسية أمر عام يشاهد في الحيوان كما في الإنسان. ولذلك لا تلبث الرعشة التي تستحوز على الجواد في الإصطبل أن تسري إلى الجياد الأخرى ولا تلبث الكلاب أن تنبح بعد أن ينبح أحدها وعندما يهرب خروف تتبعه سائر الخراف.
وقد تشتد قوة العدوى النفسية فتتغلب على غريزة البقاء وتدفع الإنسان إلى التضحية بنفسه. وهاك ما يقوله الدكتور ناص: «وقتما تنشر الصحف خبر انتحار وتفصل طريقة حدوثه ينتحر بعض مختلي الشعور حسب تلك الطريقة الموصوفة ومن هذا النوع ما وقع في اليوم التالي لحادثة سيفتون حيث خنق كثير من المختلين أنفسهم بالغاز. وتعد روسيا أكثر البلاد انتحارًا فقد كان الرسل في روسيا أيام الاضطهادات الدينية يأمرون أشياعهم بإحراق أنفسهم. وقد حدث أن ألقى ??? شخص أنفسهم في النار دفعة واحدة. ويقول أحد المؤرخين أن عدد الذين أحرقوا أنفسهم في روسيا منذ سنة ???? حتى سنة ???? يبلغ ????? نفس ومما ذكره المسيو مستوكين أن ???? روسي طرحوا أنفسهم في موقد واحد طامعين في الآخرة»
وقد ينشأ عن العدوى النفسية وهم خيالي لا يلبث أن يتحول إلى حقيقة. فقد جاء في تقرير حديث للدكتور بيكيه احد علماء الجراحة أنه على أثر موت ضابط بالزائدة الدودية لزم الفراش ?? ضابطًا من بين ضباط احدى الكتائب البالغ عددهم ?? لظهور علامات المرض المذكور فيهم. وما عوفي هؤلاء إلا بالإيحاء فقط.
ومعنى ذلك أن الطبيب أوحى إليهم بالتلقين بما فيه من نفوذ شخصه مع تكرار القول وتوكيده أنهم أبرياء من المرض فزالت العقيدة التي أحدثوها هم لأنفسهم بالمحاكاة على غير وعي منهم.
ونحن نستدل على شأن العدوى النفسية في انتشار الآراء والمعتقدات من الملاحظات السابقة. فالمعتقدات سياسية كانت أم دينية تسري بين الجماعات بالعدوى (بالمحاكاة) على الخصوص. وعلى نسبة أفراد الجماعة يكون تأثير العدوى شديدًا. ولا تلبث العقيدة الضعيفة أن تصبح قوية بعد أن يكتسب الأفراد الذين يعتنقونها صفة الجماعة.
والمعتقد بعد أن ينتشر بالعدوى لا يلتفت إلى قيمته العقلية. إذ لما كانت العدوى تؤثر في العقل الباطن فإنه لا شأن للعقل الواعي فيها.
وبالعدوى النفسية يعاني أرباب المال والقلم والعلم آراء الجماعات. ومن أجل ذلك نرى أن العدوى قادرة على استعباد الذكاء. وقد نشأت حوادث الدين التاريخية عن العدوى النفسية. ومع ذلك لم يكن تأثيرها في أحد الأزمنة الماضية كما هو في الوقت الحاضر. وسببه: أولا: أن السلطة أخذت تنتقل بالتدريج إلى الجماعات بفعل المبادئ الديمقراطية.
وثانيًا: أن تعميم وسائل النشر يؤدي إلى سرعة ذيوع الحركات الشعبية. وما من أحد يجهل كيفية انتشار اعتصابات موظفي البريد والثورات التي اشتعلت في روسيا وتركيا وبرتغال.
والآراء التي انتشرت بتأثير العدوى لا تزول إلا بآراء مخالفة تنتشر بالعدوى أيضًا.

تكون الأخلاق والأذواق


لا بد أن قارئ الفصول السالفة ينتهي الآن إلى أن العقل الباطن هو العامل المهم في الأخلاق والأذواق. وذلك لأن العقل الواعي هو عقل المعرفة والبرهان والتجربة أما العقل الباطن فهو عقل العقيدة. وقد سبق أن قلنا أن المعرفة لا تحدث إلا أضعف العواطف بل هي تكاد تكون معدومة العواطف إذا قسناها إلى العقيدة التي تبعث أحيانًا أقوى العواطف في النفس.
والعواطف هي المحرك للأخلاق والباعث للنشاط. ويكفي أن يلقي الإنسان نظرة على القبائل العربية التي عاشت دهورًا طويلة في جزيرة العرب لم يسمع بها أحد ثم فارت فورة هائلة في العالم بقوة العاطفة التي أوجدتها العقيدة الدينية.
وكذلك الذوق ينشأ ويتكون في العقل الباطن. فنحن نحاكي من حولنا في العادات ونقتدي بأقرب قدوة إلينا نرى مثالها يتكرر كل يوم ونؤمن بالدين الذي نلقنه في صغرنا ونلبس لباس العصر الذي نعيش فيه ونأكل أطعمته على الطريقة التي نراها في غيرنا ونحن صغار. فكل هذه شئون ليس للعقل الواعي أثر فيها وإنما هي من العقل الباطل.
وللمركبات تأثير كبير في الأخلاق وقد ذكرنا بعضها في فصل سابق. ومركب النقص متعدد الأنواع. فقد يكون أصل الوقاحة في أحد الناس أن يشعر بنقص ما في رجولته فيعيض نفسه من هذا النقص وقاحة في الكلام أو المسلك مع الناس وخاصة مع النساء وذلك لكي يحدث التوازن المطلوب في نفسه. وأحيانًا ترى الفتاة التي تقدمت في السن ولم تتزوج تبالغ في الحياء والاحتشام وهذا لأنها تشعر أن كرامتها الجنسية مهانة فهي تعمد إلى هذه الدعوى الكبيرة بأنها لا تفكر البتة في المسائل الجنسية وأنها تستنكر كل ما يوهم التعارف الجنسي.
وينسب أناطول فرانس اندفاع نابليون إلى الحروب والفتوحات إلى ما كان يشعر به من نقص رجولته. قال: «كان هذا الرجل غير رجل أو قليل الرجولة وما على المستطلع إلا أن يقرأ الورقة التي كتبها الجراحون الانجليز عند الكشف على الجثة. فقد تولتهم الدهشة من المنظر الأنثوي لجسد نابليون. وما كان طول حياته يعبأ بالنساء وإنما كان يعشق امرأة واحدة فقط هي: الحرب والمجد. فهو كسائر المستبدين سلب الدنيا راحتها لما وجده من النقص في نفسه. أتعرف لماذا وضع جان جاك كتابه «العقد الإجتماعي»؟ لأنه كان ساخطًا على الدنيا يريد أن يشعل النار في أطراف الأرض. وتجد في الشرق أن الخصيان هم الذين أحدثوا كل الثورات …».
ومركب النقص هذا في نابليون وجان جاك روسو جعل كلا منهما نابغة بل عبقريًا.
والسنون الأولى للطفل تغرس في عقله الباطن مركبات وتغرضات لا يمكنه التخلص منها طول حياته فتطبع ذوقه وتصوغ أخلاقه. فالطفل الذي يخشى أباه يخاف جميع الناس عندما يشب ويبدو هذا الخوف في هيئة حياء كلما رأى رجلًا غريبًا.
وقد تحدث حوادث في الطفولة تجعل الطفل عندما يشب يكره أشياء لا يكرهها عامة الناس. كذلك الشاب الذي قلنا أنه نشأ على كراهة التبغ لأن خادمه الذي كان يكرهه يدخن أعقاب السجائر المتخلفة من الضيوف. أو ذلك الرجل الذي يكره القطط لأن قطًا قد أغار عليه وهو طفل وأفزعه وخطف منه قطعة لحم. ويحدث أحيانًا أن تؤدي النزهة القصيرة في الريف مع ما يلازمها من سرور سببًا في أن ينشأ الطفل وهو يحب الريف وقد يؤثل أمواله في ضيعة بدلًا من أن يؤثلها في عقار في احدى المدن.
وكذلك تنشأ الفتاة على استحسان من كان في صورة والدها كما ينشأ الفتى على استحسان من كان في صورة أمه. وذلك لأن الشاب وهو طفل حتى وهو يرضع ثدي أمه ينظر إليها نظرة جنسية ضعيفة ويغار من أبيه عليها فتنطبع صورتها في ذهنه إلى أن يشب فيطلب المرأة التي تحقق هذه الصورة أو تقرب منها. وكذلك الفتاة فإنها وهي طفلة تغار من أمها على أبيها وتنشأ على استحسان صورته.
والأخلاق والأذواق تحدث من العقائد وهذه العقائد تتسرب إلى العقل الباطن أيام الطفولة الأولى وبعيدها من البيت والمدينة. ولذلك فإن مكان التربية الحقيقي هو البيت لا المدرسة. فشأن المدرسة أن تعلم أي تغرس العقل الواعي مجموعة من المعارف لا العقائد.
ولذلك فالتعليم لا يمكنه أن يغير أخلاق المتعلمين لأن المعرفة لا تحدث في النفس عواطف دافعة إلى الاتجاه في مسلك خاص. وقد يكون أثر الصحيفة التي تظهر كل يوم أكبر جدًا في صوغ الأخلاق والأذواق من المدرسة. لأن في الصحيفة مبدأ التكرار الذي يغرس العقيدة في النفس ويحيل هذه العقيدة إلى عاطفة تعمل وتحرك الإرادة.
ولذلك فمن العبث أن تعلم الأخلاق بالكتب. فيقال للصبي مثلا: يجب أن تكون صادقًا حتى يحترمك الناس. أو يجب ألا تتزوج أكثر من امرأة.
فإن الأخلاق الفاضلة عادات يتعودها الإنسان من البيئة التي يعيش فيها. وهي ليست معارف تحتاج إلى البرهان وإنما هي إيحاء يوحى إلى العقل الباطن عن جملة وسائل. وقد أدرك مصطفى كمال ذلك حين أجبر الأتراك على اتخاذ القبعة ونبذ الطربوش لأن المحاكاة من الشروط المهمة في الإيحاء. فإذا حاكي التركي الأوربي في لباسه حاكاة أيضًا في أخلاقه فينبذ عن نفسه التواكل الشرقي ويعمد إلى سائر العادات الأوربية فيصطنعها فتنتشر حضارة أوربا في البلاد ولا تجد أدنى مقاومة. وقيمة اللباس في الإيحاء واضحة عندما نتأمل الفرق في الأخلاق بين أخوين أحدهما شيخ والآخر أفندي أو حين ننظر إلى السوري المتفرنج الذي يلبس القبعة والسوري الذي ما يزال يلبس العمامة. فكلاهما من سلالة واحدة ولهما سحنة واحدة ولكن شتان ما بينهما في الأخلاق.
وإذا تأملنا سلوك الناس وحللناه وقفنا على البواعث التي تبعثهم على غير وعي منهم إلى التفوه بألفاظ لم يقصدوها أو إلى التحرك بحركات تبدو لنا سخيفة لا معنى لها أو اتخاذ لباس خاص أو نحو ذلك. فإن لهم نيات مكبوتة تفلت وهم لا يدرون.
فهذا زوج مثلًا عاش مع زوجته عدة أشهر وهو يشعر بهناء العيش ثم أخذت تتكرر أمامه حوادث كره منها الزواج فإذا قعد أخذ يعبث بحلقة الخطبة فيخرجها ويدخلها في أصبعه على غير عادة سابقة. فالحلقة رمز الرباط الزوجي فإذا دبت في نفسه الكراهية لهذا الرباط عمد عقله الباطن إلى رمز هذا الرباط وحصر همه فيه.
وقد ذكر فرويد حادثة زوجة رأت زوجها يمشي على الرصيف الآخر من الشارع فنسيت أنه زوجها. وعادت فتذكرت وتعجبت لهذا النسيان. ولكن فرويد عدّ هذا النسيان دليلًا على كراهتها له.
ولم تمض مدة طويلة حتى صدق ظن فرويد وانفصل الزوجان. وقد سبق أن ذكرنا أن الإنسان إذا كره شيئًا لم يحب أن يتذكره وكل حوادث النسيان تقريبًا ترجع إلى أننا لا نحب الأشياء التي ننساها.
وكلنا يعرف الرجل المهذب الناشئ في بيت سري عريق في الأخلاق من الرجل المحدث الذي يحاول أن يدخل في زمرة المهذبين. فالأول نشأ على أخلاق وتغرضات وميول لها أصول وفروع في العقل الباطن. فمجاملاته عفوية لا يتكلفها لأنها قديمة وهو لا يتصدر لأنه يشعر ويقنع بمركزه وإذا اختار لباسًا مال إلى اللون القاتم. أما المحدث الذي هبط على الثروة حديثًا فإنه يشعر بمركب النقض لأنه في أعماق نفسه يعرف أنه كان فقيرًا مهانًا فهو يحاول أن يخفي هذا الشعور ويبالغ في إخفائه بأشياء عديدة منها أنه ينفق عن سعة بل عن تبذير لكي يزيل وصمة الفقر السابقة. ويلبس ألوانًا مشهورة من اللباس وإذا جلس تصدر وتحدث وإذا جامل تكلف الكثير من المجاملة حتى تعدو حدودها. وذلك لأن في نفسه عقيدة سابقة بأنه دون من يجالسهم فهو يحاول إثبات المساواة بينه وبينهم ولو تعسف في ذلك.
وللرأي العام أحيانًا غريزة صادقة في معرفة البواعث. فكلنا مثلًا يكره المحدث مع أن كل عائلة قديمة كريمة كان لها محدث.
وقديمًا كان الناس يتوجسون من الغلو في التعبد وذلك لأن هذا الغلو ينطوي على غلو آخر في الاستسلام للشهوات. ومن أغرب ما يثبته التاريخ أن الرهبانية فشت في العالم المسيحي عندما فشت الرذائل وأكب الناس على الشهوات. وليس من مجرد الصدف أن يكون المماليك أصحاب المساجد الأثرية في القاهرة مع أنهم كانوا يقضون حياة حافلة بالمفاسد.

النبوغ ومؤهلاته


يعتقد الدكتور أدلر أن العبقرية هي ثمرة «مركب النقص» ويقول أن جميع العبقريين ناقصون. وليس من السهل أن ينكر الإنسان حجته فهو يحصي لك مئات العبقريين ويذكر نقائصهم التي كانت علة تفوقهم. فهذا مثلًا ديموستينيس يولد ألثغ ألكن فيدفعه نقصه هذا إلى الاجتهاد في الإلقاء حتى ينقلب خطيبًا. ومما يذكر عنه أنه كان يضع الحصى في فمه ويقف على شاطئ البحر ويخطب مغاليًا بذلك صخب الأمواج وعائق الحصى.
وفي وقتنا الحاضر يسود الأدب الانجليزي رجلان هما شو. وولز. وكل من يدري تاريخهما يعرف أن نبوغهما يرجع إلى مركب النقص. فبرنارد شو رجل ضعيف البنية يدلك على ضعفه أنه ترك طعام اللحم وهو في العقد الثالث من عمره. وقد حكى هو عن نفسه أنه عندما يكتب شيئًا يبلغ به الإعياء أن ينسطح على الأرض منهوكًا وكذلك ولز كان في أول شبابه مصدورًا يبصق الدم وهو الآن معدود بين البارعين في لعبة الجولف. وقد سبق أن ذكرنا مثال الدكتور طه حسين وما قاله أناطول فرانس عن نابليون.
ولست أعتقد أن مركب النقص وحده يكفي للنبوغ دع عنك العبقرية. بل لا بد من كفايات أخرى إلى جانبه، وظروف حسنة تساعد على الارتقاء. فمن هذه الظروف أن يقضي زمن الصبا في وسط يرفع الصبي ويغرس فيه تغرضات وميولًا حسنة ويبذر فيه بذرة الخلق المتين والذوق الرفيع. فالهندي الذي ينشأ على التواكل وعلى أن الآلهة تفعل ما تشاء بالفرد قلما ينجح مهما كان فيه من بواعث النبوغ.
والإيحاء في زمن الصبا من أقوى البواعث على النجاح. فقد ينغرس الميل إلى العسكرية من بذلة حربية يلبسها الصبي في أحد الأعياد ويخطر بها وهو يجلجل بسيفه ويسمع كلمات الإطراء من والديه. وتبقى هذه الذكرى كامنة في عقله الباطن حتى يبلغ سن الشباب فيميل بكليته إلى الحياة الحربية.
وقلما تجد واحدًا من الناجحين في أعمالهم وتسأله عن أيام صباه حتى ترى أن الميل قد انغرس فيه منذ الصبا. فهذا رجل ناجح في التجارة مثلًا كان أبوه قد اشترى له في صباه دكانًا صغيرًا. وهذا آخر يحب اللغات كان قد رأى كتابًا مصورًا بالألوان الزاهية فجعل يقلب ويسأل ويمني نفسه بأنه سيكون عالمًا.
وقد يكون مما يساعد على النجاح والنبوغ وهم أوهمه الأب لإبنه من حيث كفايته فنشأ الصبي على هذا الوهم أي أنه تخيل ثم خال. وهذا هو السبب في أن كثيرين من الصبيان إذا نشئوا في عائلة لها حسب استأنسوا بهذا الأصل وتوهموا أن الكفاية التي رفعت آباءهم سترفعهم. فهم لذلك يفوزون على الرغم من معاكسة الظروف التي كانت تميت الهمم في غيرهم ممن ليس لهم هذا الأصل أو الحسب. فالولد ينشأ وهو يتشوق إلى الصناعة التي كان يشتغل بها أبوه أو خاله ويرى من الطبيعي أن يسلك مسلكهما وأن تبريزهما ينعكس أثره فيه فإذا بلغها تسلط عليه الوهم بالنجاح فلا يختار سوى السبل المؤدية إليه وينجح في النهاية. وربما كانت أحسن ثروة يتركها الأب لإبنه هي المثال الحسن الذي يحاكيه الصبي ويرى فيه القدوة يقتدي بها إذا صار شابًا.
ومن مؤهلات النجاح والنبوغ التسامي بالقوة الجنسية وصرفها إلى خدمة الفنون الجميلة. فإن هذه القوة تفيض مدة الشباب وتدفع بصاحبها أو صاحبتها نحو الجنس الآخر دفعًا شديدًا. فإذا حدث الزواج في ذلك الوقت ذهب اللبيد فانفثأت القوة المكيوتة. ولكن إذا لم يحدث التعارف الجنسي فإن القوة المكبوتة تنصرف إلى أحد طريقين: (?) إما الانحرافات الجنسية في العادات السرية والخروج عن المألوف وإما الهستيريا وخاصة في النساء.
(?) التسامي نحو خدمة الفنون الجميلة التي تشبه حب المرأة. وهذا التسامي يحدث أحيانًا على غير وعي لأن اللبيد يجد فيه منصرفًا فيسلك هذه السبيل ويرفه عن صاحبه ذلك الضيق السابق الذي أحدثه الكبت. وكل ما يشعر به الشاب عندئذ أنه يحب الفنون الجميلة أو نوعًا منها حبًا عظيمًا وهو في أعماق نفسه يحب المرأة. وهو لشدة حبه لهذه الفنون ينبغ فيها لأنه ينفق عليها من وقته والتفاته أكثر مما ينفق على أي موضوع آخر ويشغف بها شغف الرجل بالمرأة. وذلك لأن العقل الباطن يرى في التمثال الجميل من المرمر أو صورة المرأة الحسنة أو رسم الملائكة ومزاولة العمل فيها بالرسم أو النحت لذة ليست بعيدة من اللذة الجنسية. وقد يرتقي الإنسان بالتسامي أيضًا إلى السعي وراء مطالب تبدو في الظاهر كأنها بعيدة عن الغريزة الجنسية ولكنها في الواقع متشعبة منها كالتزويق للحائط أو إقامة العمارة العالية أو الزهو بتأليف كتاب أو جمع الثروة أو الألعاب الرياضية أو الغناء أو الموسيقى. فالحركات الرياضية تشبه من أوجه كثيرة تلك الحركات التي يقوم بها الذكر أحيانًا لاجتذاب الأنثى. وهذا واضح في ذكران الطيور. وتلك الصفات المجردة كالزهو والتغلب والسيادة ترجع كلها أيضًا إلى هذه الغريزة أما علاقة الغناء والموسيقى بها فواضحة. وهناك من الصفات ما يستبعد الإنسان علاقته بهذه الغريزة الجنسية مثل الشجاعة والتضحية ولكنك عند التحليل لا تلبث أن تجد أن أكبر ما يدعو إلى مزاولة هاتين الصفتين هو هذه الغريزة. فالحيوان القديم في كل منا لم يكن ليضحي بنفسه أو يتشجع في القتال حتى الموت إلا دفعًا عن زوجته وأولاده أو حبًا في اغتصاب الأنثى.
ومن هذا يتضح للقارئ أن النفسلوجية الحديثة لا تقول باستسلام الشاب لغريزته الجنسية لأنها تجد بالتسامي منصرفًا نافعًا للأمة وللشخص. وهي تجد من هذا التسامي مادة للنبوغ وأحيانًا للعبقرية كما نرى في مثال لويولا. ولكن إذا لم ينجح التسامي وكانت التربية السابقة لا تؤهل صاحبها له فيجب عندئذ تفاديًا من الانحرافات أن يتزوج.
وعلي هذا يمكننا أن نقول أن تأخير الزواج يزيد النبوغ في الأمة ولكنه يحدث إلى جانب ذلك انحرافات وأمراضًا. ثم يمكننا أن نزيد على ذلك بأن الترخيص في زواج أكثر من امرأة يقلل النبوغ لأنه يقلل التسامي إذ أن الغريزة الجنسية تجد منصرفًا طبيعيًا لها في التنقل من أنثى إلى أخرى.
وخلاصة القول أن للنبوغ جملة شروط يمكن تلخيصها فيما يلي: (?) أن يكون عند الشخص «مركب نقص» قد نشأ فيه وهو صغير.
(?) أن يوهم منذ الصغر بالبراعة في ناحية ما من نواحي السعي الإنساني.
(?) أن يتعود عادات حسنة فى السنين الاولى من عمره
(?) أن يتسامى اللبيد عنده نحو درس أحد الفنون.
فهذه كلها مجتمعة تعمل للنبوغ إذا ساعد الحظ إنسانًا على أن تجتمع فيه كلها. وهذا نادر. بل أكبر الظن أنها إذا اجتمعت أحدثت ما يقرب من العبقرية.
وهذا الشرط الثالث الخاص بتعويد الشخص عادات حسنة من أقوى عوامل النجاح. فالفرق بين الشجاع والجبان هو في الحقيقة فرق في العادات لأن أحدهما نشأ على أن يجابه ويتصدى والآخر تعود أن يحجم ويخنس. وأحيانًا يكون الفرق بين الذكي والبليد عادة أيضًا. فمن الناس من يتعود أن ينظر إلى الأشياء نظرة التدقيق والفحص والنقد وآخرون يتعودون المجانة والخفة. ولكن كلامنا هذا لا ينفي أن هناك ناسًا يولدون وهم بله تتبين البلاهة في ملامح وجوههم وآخرين تتبين الذكاء فيهم. كما أن العبقري الصحيح يكاد يكون إنسانًا جديدًا في نظام الأحياء.

الأدب والعلم والنفس البشرية


عندما ننظر إلى تطور الثقافة نجد أنها تخرج بالتدريج من ربقة العقل الباطن إلى العقل الواعي. فهي سحر أولًا ثم أساطير دينية ثم أدب يحتوي على شتى الفنون وأخيرًا نجد العلم.
فالسحر هو أول ثقافة الإنسان أي أنه عندما شرع يضع «النظريات» ويرتب النواميس الطبيعية ويحاول أن يقف على كنه العالم والطبيعة عمد إلى السحر. وإذا نحن تأملنا الآن طرق السحر كما يمارسها المتوحشون لعهدنا هذا أو كما رويت في الكتب القديمة لم نلبث أن نجد أنها كلها تجري على طرق العقل الباطن. فالقاعدة التي يجري عليها السحر هي المحاكاة. فأنا أريد مثلًا أن أقتل خصمًا لي أكرهه فأنا أرسم صورته ثم أحرقها أعتقد بذلك أن هذه الصورة ما دامت تحاكيه وما دامت قد أحرقت فإن الإحراق سيناله أيضًا. ومن ذلك أن العرب كانوا إذا امتنع المطر ملئوا إناءً بالماء ثم ارتفع به أحدهم فوق رابية فيصبه يعتقد بذلك أن السحاب سيحاكي هذا الإناء فيهطل منه المطر. وإذا أبق عبد عند العربي غرز عصا في الأرض وربط فيها خنفساء بحبل. فإذا حاولت الخنفساء أن تنجو دارت حول العصا حتى تلصق بها. يعتقد بذلك أن العبد سيطوف في الفلوات ثم يئوب إليه على نحو ما تفعل الخنفساء عندما تئوب إلى العصا وهي تحاول الفرار. أي أن ما يحدث للخنفساء يحدث للعبد. وذكر ياقوت عن أهل دنباوند أنه إذا «دامت عليهم الأمطار وتأذوا منها وأرادوا قطعها صبوا لبن المعز على النار فانقطعت» قال ياقوت: «وامتحنت هذا من دعواهم دفعات فوجدتهم فيه صادقين».
ومعنى صب اللبن على النار أنه يتبخر ويجف وهذا ما يراد بقطع المطر أي أن السحاب يذهب بخارًا فلا يتكاثف ويقع ماء. فما يحدث للبن يراد إحداثه للمطر على سبيل المحاكاة.
وقد رأينا في فصول عديدة سابقة أن المحاكاة مبدأ من مبادئ التفكير للعقل الباطن وأوضحنا قيمتها في الإيحاء ولذلك لا ندهش أن تكون المعارف الأولى للإنسان قائمة على سحر المحاكاة كما أن العقل الباطن قد سبق العقل الواعي.
وقد أخذت الأساطير الدينية مكان السحر عند الإنسان لأول عهده بالثقافة الدينية. وأساطيره كلها من عمل العقل الباطن. فقد قلنا أن هذا العقل كما هو ظاهر من أحلامنا لا يدرك الصفات المجردة ويقيم في مكانها أشخاصًا يرمزون إليها. فنحن نفهم العظمة ونراها في الحلم رجلًا ضخمًا. وكذلك عندما شرع الإنسان يبتكر نظرية لخلق الكون لم يجد ما يوافقه سوى أن ينسب هذا الخلق إلى عدة أشخاص أقوياء. فالآلهة القديمة عند الرومان والمصريين والإغريق وغيرهم هي المحاولات الأولى لإيجاد نظرية الخلق. ولكن لما كان العقل الواعي لم يهتد بعد إلى الطرق العلمية الحديثة ووضع النظريات المجردة فإنه اعتمد على طريقة العقل الباطن في الرمز إلى القوى الطبيعية بأشخاص عظماء أطلق عليهم أسماء الآلهة.
ونشأ الأدب بجميع فروعه أي الفنون الجميلة كلها بما فيها من شعر ونثر وتصوير ومثالة وعمارة عقب الأساطير وكان اشتغاله أولًا بهذه الأساطير ثم استقل بالتدريج. وإذا نحن تأملنا الأدب بجميع فنونه ألفيناه قائمًا على الخواطر أكثر مما هو قائم على التفكير الواعي. والخواطر هي طريقة العقل الباطن. فالشاعر لا يتقيد بعقله الواعي إلا أقل التقيد ويترك نفسه للخواطر والكلمات الطارئة حتى ينظم القصيدة بخلاف العالم الذي يتقيد بعقله الواعي ويضع ترسيم البحث قبل أن يشرع فيه. والفنون القديمة كلها محاكاة وكان المثَّال أهم من المعمار لأن الأول كان يجيد عمله بخلاف الثاني الذي بقي فنه ناقصًا لأن العقل الواعي لم يكن قد استقر تمامًا في النفس.
فالعالم القديم هو عالم الفنون ولذلك نرى الشعر الجاهلي ونعجب ولا نستطيع أن نجيد في النظم أكثر مما أجاد القدماء. وكذلك صنع التماثيل قد بذنا فيه القدماء. أما في الفنون التي تتصل بالعلم كالعمارة فإننا نفوقهم فيها.
والقرون الوسطى هي عصر الصراع بين الطريقة الأدبية والطريقة العلمية أي بين العقل الباطن والعقل الواعي، ولذلك نجده حافلًا بتلك الأبحاث «الكلامية» التي كانت أشبه شيء بالشروع في البحث العلمي بالتدقيق أولًا في معنى الألفاظ والترتيب المنطقي. ونحن نقرأ هذه الأبحاث الآن فلا ندري هل هي علم أو أدب. والواقع أنها حلقة الاتصال بين العقل القديم والعقل الجديد.
وأخيرًا ترانا نعيش الآن في عصر هو عصر العلم. حتى الأدب نفسه صار يستغل العلم فأكثر الكتاب استعمالا للنفسلوجية الحديثة هم الأدباء. وذلك لأن العقل الواعي قد أوشك أن يبلغ أشده ويسطير على نظام الهيئة الإجتماعية.
وقد كانت الثقافة القديمة قائمة على الأدب بفنونه المختلفة. وقد أثمرت للقدماء حضارة زراعية. أما الثقافة الحديثة فتقوم على العلم وقد أثمرت أو هي ستثمر حضارة صناعية. وفي وقتنا الراهن نجد للأمم العظيمة الراقية مثل انجلترا وألمانيا والولايات المتحدة ثقافة علمية وحضارة صناعية بينما الأمم الشرقية ما تزال في أسر العقل الباطن تحب الفنون وتمارس الزراعة فثقافتها أدبية وحضارتها زراعية.
وفي أحلامنا وخواطرنا حين يطمو بنا العقل الباطن يرجع بنا التفكير إلى السبل القديمة. ومهما حاولنا أن نجعل معيشتنا وفق ما يرسمه لنا العقل الواعي فإننا ما نزال نحن إلى الطرق القديمة وما زالت هي تؤثر فينا.

الفكاهة والفنون الجميلة


ليس أدل على قوة الغريزة الجنسية من أن معظم النكات التي يتفكه بها «أولاد البلد» تحور وتدور حولها. فقلما يتألف مجلس من العوام إلا وتسمع منهم إذا شرعوا في المزاح أنواع التورية الخاصة بهذه الغريزة. وذلك لأنهم في أوقات السرور ورفع التكاليف يتملصون من قيود الحضارة فيعبرون عن هذه الغريزة بالتوريه والتلميح وينطلق العقل الباطن في اختراع الرموز كما يفعل في الأحلام. والتورية من نوع الرمز.
ونحن إذا اشتدت بنا العاطفة عاطفة السرور أو الخوف أو الحزن ضعف العقل الواعي وانطلق العقل الباطن يعبر عن هذه العاطفة بطرقه التي يستعملها في الأحلام. فقد نجمد عن الحركة إذا فاجأنا لص فأخافنا ونشعر بما يشعر به الحالم وقت الكابوس. وإذا اشتد السرور استخفنا الطرب فيذهب عنا وقار الوعي حتى نستملح النكتة السمجة ونستحسن ما فيها من رموز وقحة. وإذا بلغ الحزن من الأم لوفاة ابنها عمدت إلى ملابسه فتحملها وتبكي عليها والملابس هنا رمز لفقيدها كما أن التورية في النكتة رمز للغريزة الجنسية.
والرموز في الفنون الجميلة كثيرة وكلها تدل على قوة الغريزة الجنسية فالمثَّال يصنع تماثيل مختلفة للمرأة ويطلق عليها أسماء الفضيلة أو التقوى أو الغيرة أو السعادة أو نحو ذلك. وهذا كله يدل على أن الحب الجنسي هو أصل الفضائل الشائعة حتى أننا عندما نريد أن نجسمها لا نرى لها أوفق من جسم المرأة.
والأدب يعتمد على العقل الباطن في كثير من أساليبه كالشاعر يصف رسوم الدار وهو يرمز بذلك إلى حبيبته الراحلة. ونحن نجد في الأدب كالأشعار والقصص والرسوم والتماثيل من اللذة مثلما نجد في الخواطر والأحلام. وذلك لأن الحضارة تكبت في أنفسنا طائفة كبيرة من العواطف فيقوم الأديب بالتفريج عنها بفن من الفنون الجميلة التي يمارسها. ولكنه مع ذلك لا يكشف عن عواطفنا ساذجة غشيمة كما نراها في الأحلام في أكثر الأحيان بل هو يتسامى بهذه العواطف ويعلو عليها فيرفعنا معه إلى مستواه. ومن هنا وجوب الحرية التامة للأديب بل يجب أن يكون الأدب مكشوفًا غير مستور بحيث يمكن الأديب أن يعرض لأي موضوع لأن مهمته أن يتسامى بالعواطف ويرفع القارئ ويستعمل غرائزه لما هو أرقى من ظاهرها. وكما أن الأحلام والخواطر تخفف من ضغط العواطف المكبوتة كذلك الأدب يخفف منها ويتسامى بها أحيانًا إلى ما يرفع القارئ. وهو لا يستطيع ذلك إلا إذا كان له الحق في أن يمس الأشياء التي يمسها كل إنسان منا في سريرة قلبه.
وللحياة الإجتماعية التي نعيشها الآن تكاليف تكبت عواطفنا وخاصة الجنسية منها بحيث يتأخر الشاب عن الزواج مدة طويلة بعد سن المراهقة. وهذا الكبت مفيد إلى حد ما لأنه يجعل العاطفة المكبوتة تنصرف إلى عمل ما يمت بصلة إلى أحد الفنون الجميلة. ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا إن التاريخ يثبت أن الأمم الشرقية التي أكبت على اللذة الجنسية وأكثرت من الزواج الباكر أو أباحت للرجل أن يتزوج عدة نساء لم تتقدم فيها الفنون الجميلة بل بعضها قاطع هذه الفنون مقاطعة تامة. ومع ذلك فهذه المقاطعة للفنون لم تقلل الإقبال على الشهوات الغشيمة والاستزادة منها. وهذا بعكس ما نرى في الأمم التي يتأخر فيها الزواج. فإن العاطفة الجنسية المكبوتة تستحيل إلى قوة دافعة تنصرف إلى خدمة الفنون الجميلة. ثم هذه الفنون نفسها تقلل من حدة هذه الغريزة في الشبان لأنها تتسامى بغرائزهم. وكل هذا يقودنا إلى الإستنتاج بأن ممارسة الفنون الجميلة وخاصة ما كان مكشوفًا منها كتمثال المرأة العارية (مع التسامي كأن يرمز المثَّال إلى التمثال بمعنى التقوى أو البر أو نحو ذلك) يخفف عن العقل الباطن ذلك اللبيد المحبوس الذي يريد أن ينطلق بأية وسيلة.
وقد أكثرنا في هذا الكتاب من نسبة الأدب بفنونه الجميلة كلها إلى العقل الباطن ونسبة العلم إلى العقل الواعي. ولكننا لا نحب أن يؤخذ هذا الكلام على اطلاقه فليس هناك حد فاصل تمام الفصل بين العقلين إذ هما يتداخلان عند الهوامش. فخيال العقل الباطن يختلط أحيانًا كثيرة بمنطق العقل الواعي. والمخترع كالشاعر كلاهما يفكر ويتخيل وإن كان الأول أكثر منطقًا والثاني أكثر خيالا والتفكير العلمي نفسه يحتاج إلى نوع من الحضانة في العقل الباطن. يختلف زمانها من أيام إلى أشهر بل أحيانًا إلى سنوات. وهنا يجب أن نذكر قول رفرز وهو رجل عاش طول عمره وهو مغموس في التجارب العلمية: «كثير من الأفكار العلمية التي أقدرها أكثر من غيرها واللغة التي أكسوها بها كانت ترد إليَّ في تلك الحال التي تترجح بين اليقظة والنوم وتتصل بالنوم التام».

كشف الجريمة بالعقل الباطن


سبق أن ذكرنا أنه بالتحليل النفسي يمكننا أن نكشف عن حادثة قديمة مخبوءة مكونة في العقل الباطن لا يدري صاحبها نفسه بها. وقد تحدث له هذه الحادثة أحلامًا مزعجة كالكابوس أو تنشئ فيه تغرضات ومركبات تصوغ له خلقًا خاصًا قد يدعوه إلى كراهة أشياء أو حبها بدون أن يعرف وجه الميل أو الإعراض عنها. وأحيانًا أخرى قد تحدث له هوسًا أو جنونًا أو جمودًا في الأعضاء.
فالتحليل يستثير هذه الحادثة القديمة فإذا وقف عليها صاحبها عرف منها الأصل الذي ترجع إليه علته من حلم مزعج أو تغرض أو مرض آخر نفسي وبوقوفه عليها يصطلح العقل الباطن مع العقل الواعي وتذهب العلة.
والتحليل هو بالسؤال والجواب: يسأل المحللُ المريضَ عن الخواطر التي تخطر في باله كلما ذكرت الألفاظ التي تدل على تفاصيل الحلم. وعلى المريض أن يجيبه بسرعة وبلا تفكير أي يجيبه بما يخطر في باله. والخواطر كما سبق تخطر لصاحبها من العقل الباطن إذا ضعف الكبت. فنحن في حال اليقظة التامة نكبت هذه الخواطر ولكن إذا أسرعنا في إجابة المحلل عن الخاطر الذي يخطر لنا عقب ذكره للفظة خاصة ولم نفكر وندبَّر في الجواب فإن العقل الباطن يكشف عن نفسه ويذكر شيئًا له علاقة بالحادثة القديمة التي كانت خافية عن وعينا. وذلك لأن السرعة تمنع العقل الواعي من الرقابة وتدبير الجواب المخالف. وعلى المحلل عندئذ أن يجمع هذه الخواطر ويستخرج منها تلك الحادثة القديمة المكبوتة.
وقد وجد الدكتور يونج أنه يمكنه كشف الجريمة في المجرم بالتحليل النفسي. فالمجرم الذي ينكر جنايته يسهر عليها بعقله الواعي حتى لا تفلت من لسانه كلمة عند السؤال عنها تدل عليها. فإذا فرضنا أن رجلًا قد اتهم بقتل رجل آخر وهو ينكر الجريمة بتاتًا ولكن الإشتباه فيه شديد فإن المحلل يعمد إلى ظروف الجريمة من سكين أو مسدس أو دم أو ملابس المقتول وهيئة الغرفة وما فيها من أثاث ويختار منها نحو ?? اسما ثم يختار أيضًا نحو ?? اسما لا علاقة لها البتة بالجريمة. ثم يسأل المحلل المتهم أن يخبره بما يخطر في باله كلما ذكر له اسما من هذه الأسماء بحيث يجيب على البديهة بلا روية وبأقصى ما يمكنه من السرعة. فإذا كان المتهم بريئًا لم يشتغل باله قط بالجريمة المعينة فإنه يجيب إجابات لا علاقة لها بالجريمة لأنه لم يرها ويصير تداعي الألفاظ عنده عموميًا لا يختص بالحادثة. أما إذا كان قد ارتكب الجناية فإن لفظة سكين أو دم أو اسم المقتول أو اسم بعض الأثاث الذي كان بالغرفة تدعو لفظة أخرى تدل على الجناية. وهذا هو تداعي الألفاظ أي أن اللفظة التي تعين خاطرًا ما في النفس تدعو لفظة أخرى تدل على خاطر قريب منها.
وهذا إذا أجاب المتهم على البديهة وبسرعة. ولكنه إذا كان قد ارتكب الجناية فإنه يرفض أن يجيب بسرعة ولو أنه يحاول أن يوهم المجانة كأنه لا يبالي. فهو يجيب بسرعة على ما ليس له علاقة بالجناية فإذا عرض سؤال خاص بالجناية تريث قليلا وأجاب. وهناك مقاييس تقيس السرعة في الإجابة بكسور الثانية فتأخره في الإجابة عن الألفاظ الخاصة بالجريمة يدل على اشتغال باله بها ومحاولته كبت الذكرى ولكنه مع التريث تفلت من لسانه ألفاظ تدل على الجناية.
وأنا أنقل فيما يلي حادثة سرقة حققت بالتحليل النفسي وقد لخصها الأستاذ محمد فتحي في كتابه «علم النفس الشرعي» والذي قام بهذا التحليل هو الدكتور يونج.
•••

كان شاب متعلم في الثامنة عشرة من عمره يقيم في منزل عمه الذي كفله وتولى رعايته بعد وفاة أبيه، حدثته نفسه أن يسرق نقود عمه، فلاحظ العم فقد نقوده من آن إلى آخر تارة من جيبه وطورًا من خزانته، فلم يخامره في بادئ الأمر أي شك في سلوك ابن أخيه الذي أكرم مثواه وأنزله منزلة الولد الأمين، بل اتجهت كل شبهته نحو بعض الخدم فكتم الأمر مدة مكتفيًا بمراقبتهم، ولكن لما تعددت وقائع السرقة ولم يفز بطائل، بلغ الشرطة وطلب إليها أن تحقق القضية لمعرفة الفاعل، غير أنه بعد التبليغ لاحظ على الغلام قلقًا عصبيًا واضطرابًا نفسيًا أثار شكوكه فيه.
ولكي يتثبت من حقيقة ذلك ذهب به إلى الدكتور يونج في زوريخ بدعوى معالجة أعصابه فعمد الطبيب إلى تحليل خواطره «بالتداعي اللفظي» متذرعًا بحجة درس حالته المرضية وتشخيص علة قلقه واضطرابه. فجهز له قائمة من مائة كلمة دس لها فيها ?? كلمة لها علاقة بالسرقة وظروفها ومكان حفظ النقود والعقوبة المقررة للسرقة وما يترتب عليها من النتائج وغير ذلك، ثم بدأ الاختبار بأن وجه للفتى بضع كلمات عادية، وطلب منه أن يجيبه عن كل كلمة تلقى عليه بأول كلمة تخطر بباله، وبأقصى ما يمكنه من السرعة فكانت النتيجة أن كلمة «رأس» نبهت عنده كلمة «أنف» وكلمة «أخضر» نبهت عنده كلمة «أزرق» «وماء — هواء» «وطويل — قصير» «وخمسة — ستة» «وصوف — ملابس» وهكذا.
ولوحظ أن متوسط سرعة خواطره في التداعيات السالفة كان ثانية وستة أعشار الثانية. ولما جاء دور الكلمات التي لها اتصال بحادثة السرقة ظهر أن كلمة «لص» نبهت «نشال» وهي تلبية طبيعية، ولكن زمنها كان ??? من الثانية وأن كلمة «شرطة» نبهت «سرقة» في ??? من الثانية. والتداعي، «سجن — عقوبة» تم في ??? من الثانية، وشوهد في بعض الأحيان أن التلبية قد تحصل بسرعتها الطبيعية في بعض التداعيات المحرجة غير أن أثر الإنفعال النفسي يظهر في تلبية التداعي التالي، مثلًا كلمة «مفتاح» نبهت في ذهن الغلام كلمة «مصطنع» في ??? من الثانية بينما التداعي الذي تلاه «أبله — ذكي» لم يتم إلا في ثلاث ثوان، ثم تلاه التداعي «جريمة — سرقة» تم في ??? من الثانية وهو زمن يكاد يكون طبيعيًا، غير أن الصدمة النفسية في التداعي الذي أعقبه كان لها أثر شديد في نشاطه العقلي لدرجة أعجزته عن استحضار أية تلبية لكلمة «طباخ» مع أنها عادية بل استمر عشرين ثانية واجمًا ثم أعقبه التداعي «خبز — ماء» وقد تم في ??? من الثانية أي كان زمنه طبيعيًا، ولما هو معروف عن الخبز والماء من أنهما طعام السجون فقد أثار هذا الخاطر في نفس الغلام انفعالا قويًا ظهر أثره في التداعي الذي تلاه بأن أعجزه أيضًا عن الجواب.
وعلى هذا النحو تمت عملية الاختبار ودونت الأجوبة مع أزمنتها المختلفة وبعد الفراغ منها أعيد الإختبار بنفس القائمة المئوية دفعة ثانية فشوهد أن ردود الكلمات التي لها اتصال بالسرقة تغيرت، فإن كلمة جريمة، كان جوابها في الإختبار الأول «سرقة» وفي الثاني «قتل» وكلمة ينكشف، كان جوابها أولا «خطأ» وثانيًا «يقبض» أما الكلمات العادية فإن ردودها لم تتغير.
فبتحليل تداعيات كلا الدورين وملاحظة ما طرأ على تداعيات الدور الثاني من التغيير ودرس التأخيرات الزمنية والشذوذ الطارئ على سرعة بعض الخواطر أمكن هذا العالم المحنك أن يقف على كثير من تفصيلات الحادث وتشخيص موقف الفتى تشخيصًا دقيقًا فوجه إليه الأستاذ يونج تهمة السرقة فأنكرها الفتى في مبدأ الأمر محتجًا بشدة. فسرد له الطبيب الوقائع التي كشف الإختبار عنها النقاب وقص عليه كيف كان يسرق نقود عمه تارة من خزانته وتارة من كيس نقوده وشرح له الطرق والسبل التي كان ينفق فيها تلك النقود ومن ضمنها أنه اشترى ساعة وأشياء أخرى قدمها هدية لأخته وهلم جرا. فما كان من الغلام إلا أن بهت واعترف في الحال بكل شيء اعترافًا صريحًا. وبذلك أمكن عمه أن يتدارك الأمر لإنقاذه من السجن.

الجماعة من الناس


نحن نعيش الآن في عصر نؤمن فيه بحكمة الإجماع. فلنا برلمان تنفذ كلمته ولنا جمعيات للبر والتعليم وما إليهما. وقد تعلمنا احترام الإجماع ونشأنا على أن نحتقر الخارج على الجماعة في السياسة أو الدين أو المذهب. ونحن نؤمن لأول وهلة بأن رأي الجماعة من الناس خير من رأي الفرد. وقد نتسامح ونقول بأن رأي الجماعة إذا لم يكن خيرًا من رأي الفرد فهو على الأقل ليس دونه وخاصة إذا كان هذا الفرد نفسه عضوًا من هذه الجماعة.
ولكن الواقع أن رأي الجماعة هو على الدوام أحط من رأي الفرد كما سنرى من التحليل الآتي: الناس في تطور مستمر لم يقف ولن يقف. فهم كلهم يشتركون اشتراك المساواة من حيث الغرائز القديمة أما الكفايات الجديدة فيتفاوتون فيها. فنحن كلنا سواء في غرائز الحب والأكل والقتال والخوف لأن كل هذه غرائز قديمة راسخة في الطبيعة البشرية ولكننا نتفاوت في الذكاء أي في هذه الكفاية الجديدة التي حصلت للإنسان في الأزمنة الأخيرة من وجوده على الأرض.
والناس في ذلك كالطبقة المتعلمة في الأمة كلها تشترك في معرفة القراءة والكتابة التي تعلمتها في سن الصبا وهي أقدم ما تعلمته. ثم بعد ذلك يتفاوت الأفراد في معرفة التاريخ أو الجغرافيا أو الرياضة فإذا فرضنا أننا جمعنا أفراد هذه الطبقة المتعلمة وأردنا أن نظفر منها برأي إجماعي تتفق عليه الجماعة كلها ولا يشذ واحد عنها فإن هذا الرأي لن يعدو حدود معرفة القراءة والكتابة أو يكون في طبقة هذه المعرفة لأن القراءة والكتابة هما «القاسم المشترك الأعظم» الذي تشترك فيه أفراد هذه الجماعة بلا شذوذ، فهم مثلا لن يتفقوا على رأي في التاريخ أو الجغرافيا أو الرياضة لأنهم لم يتعلموها كلهم.
وهذه حال الجماعة من الناس في كل اجتماع فهم يشتركون في الكفايات القديمة وينزلون منها منزلة المساواة ولكنهم يتفاوتون في الكفايات الجديدة فلا يمكن إجماعهم على شيء منها. ولكن الجديد أرقى من القديم كما هو واضح في الذكاء الذي هو أرقى من الغرائز الغشيمة القديمة. ولذلك فعقل الأفراد إذا انفردوا أرقى من عقولهم إذا اجتمعوا. لأنهم في اجتماعهم سينزلون إلى ما يشتركون كلهم فيه وهذا الإشتراك لا يكون إلا في الكفايات، فهم متفاوتون فيه لا يمكن أن يجمعوا عليه. دع عنك أن الإيحاء يقوم في المجتمعين مقام الذكاء في الرجل المنفرد.
ولذلك يجب أن نسيء الظن بكل ما يجمع عليه الناس.
•••

وإذا صح ما قدمناه وجب أن نرى في الزعيم الذي يملك قلوب السواد من الأمة رجلًا لا يخاطب الذكاء في الناس بل يخاطب الغرائز. لأن الذكاء للقلة والغرائز للكثرة بل للكل. ويجب أن تذكر أن هذا «الكل» لا يدرك الجدل الذهني — ما للمسألة وما عليها — لأن هذا يحتاج إلى ذكاء وهذا الذكاء شيء حديث نتفاوت فيه لا يمكن أن نجمع عليه. أما الغرائز فقديمة كلنا يشترك فيها.
فالزعيم يجب أن يجزم. ولكن هذا وحده لا يكفي للزعامة.
وإنما الشرط الأساسي للزعامة أن يعمد الزعيم إلى «الإيحاء». فيستعمله مع الجماعة. وقد يستعمله على غير وعي منه كما هو واضح في غلادستون أو زغلول أو كتشنر.
والإيحاء هو ذلك التأثير الذي يشعر به الإنسان فيؤدي ما يطلب منه ويسلك مسلك المطاوعة والرضا دون أن يجعل للعقل الواعي سبيلا إلى المناقشة والتردد. وقد يكون الإيحاء من الخطيب للجماعة بالفوام أو الصوت أو السيرة السابقة أو الشيخوخة الصالحة ولا يكون أبدًا بالمنطق.
ونحن نتأثر بالإيحاء على غير وعي. وهذا يدل على أن الخطيب الذي يوحي إلينا أغراضه يخاطب فينا العقل الباطن. والسمة الأصلية لهذا العقل أنه غير واع.
ولكن العقل الباطن أحط من العقل الواعي. ولذلك فنحن إذا اجتمعنا للخطيب السياسي أو الديني تجردنا من أهم صفة فينا وهي ذكاؤنا الواعي وارتددنا إلى حكم الجماعة نتأثر بالإيحاء.
والإيحاء تختلف درجاته فهو في الحيوان الإجتماعي أكثر مما هو فينا. فقطيع الخراف يعبر الجدول الذي تعبره أولى النعاج. والخيل تشرد لأن واحدًا منها شرد. ونحن في المظاهرة نجري ونتفرق لأننا رأينا واحدًا منا يفر. وإذا رعب أحد المجتمعين سرى الرعب إلى سائرهم.
ففي حالة الإجتماع يقوم الإيحاء مقام الذكاء الذي هو الصفة الغالبة لنا وقت الإنفراد وبعبارة أخرى نقول أن الفرد ينحط مجتمعًا ويرتفع منفردًا.
ومما يدل على أن الإيحاء دون الذكاء أي أن العقل الباطن دون العقل الواعي أننا في المرض والصبا والطفولة وفي حالة السكر من الخمر والتخدير من الكلوروفورم نكون أكثر استعدادًا للإيحاء فنصدق ونطاوع أكثر مما نكون وقت الصحة والشباب والصحو.
وخلاصة القول أننا في اجتماعنا نرتد إلى الوراء في سلم التطور فيكون السائد علينا في مسلكنا عقلنا الباطن أحط عقلينا. وعندئذ يكون سبيل الإقناع لنا هو الإيحاء لا المنطق.
ومن هنا تفهم قوة الخطابة وتعلقها بالخطيب من حيث هيئته وطول قامته ونبرات صوته والوهم السابق عنه والإعتقاد الراسخ في أخلاقه السامية فكل هذه الصفات توحي إلينا احترامه فنصدقه ونطاوعه بلا جدل. ومثل هذا الخطيب يصح أن يكون زعيما.
ومحور البحث في هذا المقال أننا نريد أن نثبت أن الإنسان في وقت اجتماعه يكون أحط مما هو في وقت انفراده. فهو في الحالة الأولى ينزل إلى مستوى الكثرة الساحقة فيرى أنه يشترك وإياها في الغرائز القديمة دون الذكاء الجديد. ثم أيضًا يقوم الإيحاء مقام المنطق.
فنحن نعرف مثلًا من الأبحاث النفسية الحديثة أن الكابوس الذي يحدث لنا في الليل إنما يحدث لعواطف محتبسة نحبسها في يقظتنا فتنفس عن نفسها في النوم أي حين يكون عقلنا الواعي غافيًا ونحن نسلك في الكابوس مسلك أسلافنا القدماء حين كانوا يستجيبون للخوف بالجمود عن الحركة حتى لا ينتبه إليهم الوحش المغير عليهم فينجون بجمودهم هذا. كما هو الحال الآن في بعض الحيوان الذي يجمد عند المفاجأة ونقول نحن أنه يتماوت حيلة للنجاة كالثعلب مثلا. فنحن نجمد في الكابوس ونرى وحوشًا.
ومعنى هذا أننا في الكابوس نفكر بعقل حيواني قديم. وقد ثبت بالتحليل أن أصل الكابوس هو حبس عاطفة قديمة أو حديثة.
وهذا هو حال الجماعة في الثورة. فهي في الجماعة كالكابوس في الفرد من حيث العلة الأولى وهي حبس العواطف ومن حيث المسلك وهو المسلك الحيواني القديم. فالثورة كما نعرف جميعنا تنشأ من الضغط السابق المتمادي ثم تفور فجأة فنعمد فيها ونحن مجتمعون إلى أعمال وحشية كأن نحطم المخازن أو ننهب الأغنياء أو ندمر دور الحكومة أو نقتل الزعماء أو نتهتك في علاقاتنا بالنساء. فقد حدث كل ذلك في الثورة الفرنسية الكبرى وحدث ما يشبهه في ثورتنا سنة ????.
فهذه الثورة تبصرنا بأشياء كثيرة: منها أنه سبقها أربع سنوات من الضغط فلم نكن نقدر أن ننفس بالكلام عما في قلوبنا ثم زاد الضغط بسرقة جمالنا وغلاتنا بأثمان اسمية واستفحل الضغط حين كلف المأمورون في المراكز بأخذنا بالقوة للعمل في فلسطين. فكان المأمور يربط الفلاحين بالحبال ثم يسوقهم إلى ميدان القتال «متطوعين».
ثم جاء الكابوس فانحطت أخلاقنا انحطاطًا شنيعًا وصرنا لا نرى في الفجور شيئًا يعيبنا فنهبنا المخازن وحطمنا القطرات وصار الشباب الذي لا يطيق أن يذبح الفرخة وهو منفرد يقتل الجندي الانجليزي بل أحيانًا يمثل به. وكل هذا لأننا كنا في كابوس بعثه الضغط السابق.
والعبرة مما ذكرناه آنفًا واضحة. وهي أولا الشك في ما يجمع عليه الناس من الآراء والعقائد لأن الوسيلة لهذا الإجماع هي النزول إلى المستوى الذهني واستعمال الإيحاء في مكان المنطق. ثانيًا تحامي الضغط الذي يولد الكابوس. وأي كابوس رآه الناس في العالم مثلما رأى قيصر روسيا في الشيوعية. بل أي ضغط أنزله إنسان بأمة مثلما أنزله القيصر بالروس؟
فأخيب السياسيين في العالم هو ذلك الذي يلجأ إلى الضغط لأنه بذلك يحبس العواطف لكي تنفجر يومًا ما. وهي في انفجارها تجري على أقدم الأساليب كما أننا في الكابوس نجري على أقدم أساليب الخوف.
والطريقة المتبعة الآن في معالجة الكابوس هي تحليل نفس الشخص ومعرفة العلة الأصلية، فإذا وقف الشخص عليها وتجردت من رموزها وستائرها طلب إليه أن يواجه الموضوع ويعالجه بذكائه ومنطقه ولا يخفيه عن نفسه لأنه بإخفائه وإقصائه يندس إلى العقل الباطن الذي يعرب عنه بطرقه القديمة.
وهذا هو ما يجب أن نفعله إذا كنا نريد توقي الثورة. يجب أن نصارح الناس ونجابه المسائل التي يشكون منها ونحاول حلها وفي هذه المحاولة تنفيس لما احتبس في النفس ويوشك أن ينفجر كابوسًا مظلمًا مدمرًا.

النفسلوجية الحديثة وأثرها


موضوع النفسلوجية الحديثة هو العقل الباطن. فاكتشاف العقل الباطن يرجع الفضل فيه إلى رجال هذا العلم الذين أوضحوا أثره في الأخلاق والعقائد وبينوا ما للمسائل الجنسية من الأثر الكبير في حياتنا اليومية وفي فنوننا وآدابنا.
فالقارئ لهذا الكتاب يتضح له أن العقل الواعي عقل اليقظة والإنتباه لا يسيطر على حياتنا ولا يقرر ميولنا وأذواقنا وإنما يرجع ذلك كله إلى العقل الباطن.
فهذا العقل الباطن هو خزانة العواطف المكبوتة التي يمنعنا الحياء أو الشرائع أو الفقر من الاستسلام لها. وهو ينفس عنها بالخواطر والأحلام وأحيانًا إذا كانت هذه العواطف قوية والكبت شديدًا فإنها تنفجر وتتخذ هيئة هستريا أو نوراستينيا تشبه الجنون.
ومن هذه الظواهر نعرف أن حبس العواطف يؤذي الناس وخصوصًا تلك العاطفة الجنسية التي هي أعنف العواطف جميعًا. وليس معنى كلامنا أن النفسلوجيين يقولون بالإستسلام لهذه العاطفة بل يقولون بالصراحة في الكلام عنها وينصحون للشباب بالمناقشة فيها. وذلك لأن هذه المناقشة تزيل عنها مسحة اللغز الذي يمسحها عليها الخفاء. ومن أغرب ما ثبت من الانتحار وهو يؤيد الدعوة إلى الصراحة والبوح والمناقشة أن الأمم الكاثوليكية أقل الأمم انتحارًا. وهذا ثابت من الإحصاءات التي تنشرها الحكومات. وهذه القلة تعزى بلا شك إلى أن الكاثوليكي يعترف إلى الكاهن وباعترافه ينفس عن عاطفة مكبوتة لا يطيق احتمالها. وليس التحليل الذي يقوم به النفسلوجي مع المريض سوى مناقشة يعترف فيها المريض بمركباته القديمة فإذا توضحت أمامه سكنت نفسه إليها وذهب عنه مرضه.
ولا يمكن أن نعالج الشاب بالإستسلام لعواطفه لأننا بذلك نقيم في نفسه صراعًا جديدًا في مكان الصراع القديم. لأن الإستسلام للعواطف يجر وراءه تبعات جديدة تحدث عواطف جديدة مؤلمة للنفس. فإذا لم يكن الزواج مستطاعًا فإنه يمكن التنفيس عن العاطفة الجنسية بالتسامي أي بممارسة نوع من الفنون الجميلة أو بالسعي في سبيل البر بما هو ذو علاقة بهذه العاطفة.
وبدرس العقل الباطن يمكننا الآن ان نفهم أساطير الإنسان القديم وكيف نشأت عقائده وكيف اهتدى إلى الأداء بالمجاز والإستعارة. فإننا في أحلامنا نرى أحيانًا كثيرة صورة أسلافنا ونرى في رمز الحلم الإستعارة الأولى للغة.
وبالعقل الباطن نعرف الآن أن العقائد لا تقوم بالبرهان بل بالإيحاء. وأن الرأي العام يتكون بالعقائد وأن التعصب للرأي السياسي الآن يقوم مقام التعصب للرأي الديني في الأزمنة القديمة.
وتربية الطفل كادت تكون الآن من المكتشفات الجديدة لما أسبغ عليها درس العقل الباطن من النور. فإننا نعرف الآن أن المركبات المؤذية تحدث أيام الطفولة وأن قوة الإيحاء كبيرة جدًا في تلك السن. وأن تربية الأخلاق يجب ألا تتعدى السنين الخمس أو الست الأولى للطفل.
والخلاصة أن درس العقل الباطن يجعلنا الآن: (?) نقدر الفنون الجميلة ونعرف أنها ليست للتسلية واللذة فقط بل أيضًا لتوجيه الغريزة الجنسية إلى ما يرفع ويرقي بحيث ترى الآن أن من واجب كل فرد حفظًا لصحة نفسه وجسمه أن يمارس أحد الفنون الجميلة.
(?) نعرف أن العقائد سياسية كانت أم دينية تقوم في الغالب على الإيحاء فلا ينفع فيها جدال أو علم.
(?) أن الصراحة في المسائل الجنسية تقلل من حدة العاطفة وقد تفتح هذه الصراحة بابًا للتسامي.
(?) أن التربية الأخلاقية الحقة يجب ألا تعدو سن الصبا فيجب لذلك أن نغرس في ذهن الصبي بجميع ضروب الإيحاء خصال الشجاعة والجرأة والدقة والبر.
(?) أن كل شاب يمكنه أن يعالج نفسه من الأخلاق السيئة والعادات المرذولة بأن يغرس في نفسه عقيدة يوحيها إلى نفسه بالتلقين والتكرار.
(?) أن النجاح والصحة ميسوران لكل إنسان إذا أوحاهما إلى نفسه ودأب في ذلك وانتفع بعقله الباطن.
(?) أن النفس الإنسانية تنزع إلى الرقي ولو كان في ذلك هلاكها فكل شاب يعمل لترقية نفسه يجد الطريق إلى ذلك أيسر عليه من الطريق إلى الإنحطاط لأنه في الحال الأولى يجاري طبيعته الأصلية التي يثبتها التطور السابق للإنسان.
(?) أن العقل الواعي هو عقل المعرفة والعلوم وأنه يوشك أن يحدث في العالم المتمدين حضارة صناعية حتى الأدب نفسه قد اصطبغ صبغة علمية بتأثير العقل الواعي.

الألفاظ الاصطلاحية في هذا الكتاب


لكل علم حدوده أي ألفاظه الاصطلاحية التي تتقيد بمعنى خاص للعلم وإن كان معناها في اللغة عامًا. وأنا قد استعملت في هذا الكتاب جملة ألفاظ تقيدت بها في التعبير ولزيادة الإيضاح أذكرها هنا مع ما يقابلها من الحدود الانجليزية حتى لا يختلط المعنى على القارئ الراغب في التوسع:
استهواء: hypnotism هو أي النوم المغنطيسي وهو النوم يحدثه الإنسان بالإيحاء والتلقين.
إيحاء: هو suggestion وبه يمكن إحداث الاستهواء وله جملة وسائل فقد يكون بالتلقين أو المحاكاة أو القدوة أو غير ذلك.
تسام: sublimation أي رفع الغريزة من حالتها الغشيمة الأصلية إلى حالة أرقى منها كالغريزة الجنسية يمكن التسامي بها إلى حب الفنون الجميلة.
تغرضات: هي prejudices عقائد تقوم في النفس من حوادث سابقة كأن يكره أحد الناس التبغ أو الجنبري لحادثة حدثت له جعلته يشمئز من أحدهما.
جمود: immobility هو كالذي يحدث لنا في الكابوس حين نجمد عن الحركة.
خاطر: daydream هو أي حلم اليقظة الذي نستسلم له وقت الاسترخاء وغفلة العقل الواعي.
ضغط: repression هو أن نمنع عن ذهننا خاطرًا مؤلمًا ويكون المنع على وعي منا. أما الكبت فهو suppression أي أننا نمنع الخاطر المؤلم عن ذهننا بلا وعي بالمنع. ورفرز يعتقد أن هناك فرقًا بين الاثنين ولكني أظن أن النتيجة واحدة منهما.
عاطفة: affect هي ذلك الإحساس الذي يعقب المعرفة ويدفع إلى العمل كعاطفة الجوع تعقب رؤية الطعام (المعرفة) وتحدث النزوع أي الرغبة وتسبق الأكل (العمل).
عقل باطن: unconscious mind هو العقل الذي لا ندري أي لا نعي به وهو عقل الأحلام والخواطر الطارئة.
عقل واع: conscious mind هو العقل الذي نعي بعمله عندما نتكلم على مهل وروية وتدبير.
عقيدة: belief, creed هي الإيمان عن طريق الإيحاء أي عن طريق العقل الباطن وهي لذلك لا يعتمد صاحبها في صحتها على المنطق وهي أكثر إحداثًا للعواطف من المعرفة وهي لذلك أهم عامل في تكوين الأخلاق.
كبت: هو suppression أي منع خاطر مؤلم عن الوعي ومنع حادثة مؤلمة عن ان نستذكر وذلك بدون أن نعي.
لبيد: libido هو تلك القوة الجنسية في العقل الباطن تريد أن تنطلق على الرغم من الكبت والضغط. وانطلاقها عن سبيل العمل أو الأحلام أو الخواطر وهي إذا كبتت تحن إلى التسامي. ولكن يونج يرى أنها قوة الحياة ذاتها وأنها هي التي تدفع بالشخص إلى الرقي والمجاهدة وأدلر يرى أنها الرغبة في التفوق.
محاكاة: imitation احدى وسائل الإيحاء كأن يرى الإنسان رجلًا عظيمًا يلبس لباسًا خاصًا فيستحسن هذا اللباس على سبيل التقليد.
معرفة: cognition هي للعقل الواعي بمثابة العقيدة للعقل الباطن. ولذلك فالعلم معارف. والمعارف ضعيفة الأثر في إحداث العواطف.
نزوع أو رغبة: conation.
هستريا: hysteria مرض نفسي يعتري النساء والرجال ولكن الإصابة في النساء أكثر ويرجع إلى أن اللبيد قوي جدًا لا ينصرف بالأحلام والخواطر فعندما يطغى العقل الباطن على العقل الواعي يستجيب المريض للمؤثرات الخارجية استجابات قديمة كأنه يجمد كله أو بعضه للخوف.