Advertisement

السينما وعلم النفس


السينما وعلم النفس




السينما وعلم النفس

علاقة لا تنتهي

تأليف
سكيب داين يونج

ترجمة
سامح سمير فرج
مراجعة
إيمان عبد الغني نجم



السينما وعلم النفس

Psychology at the Movies

سكيب داين يونج

Skip Dine Young

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ?????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
يونج، سكيب داين.
السينما وعلم النفس: علاقة لا تنتهي/تأليف سكيب داين يونج.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ??
?
     ?- السينما وعلم النفس
          أ- العنوان

???????

تصميم الغلاف: وفاء سعيد.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2015 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Psychology at the Movies
Copyright © 2012 Skip Dine Young.
All rights reserved.
Authorised translation from the English language edition published by John Wiley & Sons, Inc. Responsibility for the accuracy of the translation rests solely with Hindawi Foundation for Education and Culture and is not the responsibility of Wiley. No part of this book may be reproduced in any form without the written permission of the original copyright holder, John Wiley & Sons Inc.





إلى أُسرتي!

شكر وتقدير


أتقدَّم بشكرٍ خاص إلى لينزي مارش وماري ريان؛ فدُونَ مساعدتِهما ما تمكَّنتُ أبدًا من الانتهاء من هذا الكتاب (في هذا العَقْد على الأقل). لقد أتاح لي صبْرُ لينزي وعنايتُها بالتفاصيل، في عملها معي كمساعدة بحث، الفرصةَ للتركيز والتغلُّب على أوجُهِ قصوري. أمَّا ما بذلتْه ماري من جهد لا يُقدَّر بثمن في التحرير والتعليق، فقد جعل قراءة المخطوطة أسهل إلى أبْعَد الحدود، وساعدَني (أَنْ أبدأ) في التخلُّص من عادات الكتابة السَّيِّئة التي استمرَّتْ لديَّ عقودًا.
وكم أُقدِّر ما تلقَّيتُه من تعليقات على مسوَّدات المخطوطة من زملائي بيل أُلترمات، وجون كرانتس، وإيلِن أُلترمات، ومارك فيرناو، وبيل بيتلر، وجارِد بيتس، ورون سميث. فقد ساعدتْني ملاحظاتُهم في إجراء تعديلاتٍ على النص، وأمدَّتْني بنظرة عامة للأمور عندما كنتُ في حاجة إليها. إنني محظوظ لكوني جزءًا من مجموعة عظيمة من الأساتذة تُولِي العلومَ الإنسانية تلك القيمة الكبيرة.
لقد قدَّمتْ كلية هانوفر دعمًا هائلًا لهذا المشروع. فالمنحةُ التي حصلتُ عليها من لجنة التطوير بالكلية وعطلاتُ السبت من مجلس الأمناء أمدَّتاني بما احتجتُه من مال ووقت. وقد أبْدَى طاقم العمل في مكتبة دوجان (خاصةً باتريشيا لورانس، وماري رويالتي، وكين جيبسون، وليلا برادشو) سعةَ صدرٍ فائقةً إزاءَ محاولاتي الحصول على المواد التي كنتُ بحاجة إليها من أجْل مكتبتي الصغيرة التي تضم الأفلام ومراجع علم النفس. أودُّ أيضًا أنْ أشكر الشخص — أيًّا كان — الذي اتخذ قرارَ أن تتولى الكلية جزَّ العُشْب في مساكن الجامعة؛ فقد أعفاني من الاهتمام بأمرٍ كان سيُشتِّت انتباهي، ولربما أفقَدَنِي صوابي.
كما أعبِّر عن امتناني أيضًا للعديد من الطلاب الذين عملتُ معهم، خاصةً هؤلاء الذين اختاروا دراسة مقرَّر «علم نفس الأفلام» على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية. فلقد اكتشفتُ أن الطلاب هم السبيل الوحيد أمام الأساتذة لإدراك ما هو مُهِمٌّ بحقٍّ.
وأتوجَّه بالشكر إلى مجموعة الأساتذة في جامعة كلارك، خاصةً أستاذَيَّ بيرني كابلن وليني تشيريلُّو. فمُعظَم أفكار هذا الكتاب خطَرَتْ لي في مرحلة الدراسات العليا، وأنا ممتنٌّ امتنانًا بالغًا للمناخ الفكري الفريد لتلك الجامعة؛ إذ احتضنَ العديدَ من الاتجاهات الفكرية المختلفة، وأقنعني بأن تفسيرات كلٍّ من الأفلام والتجارب السيكولوجية استنادًا إلى التحليل النفسي تنتمي إلى عالَم واحد.
أما فريق النشر لدى شركة وايلي بلاكويل (آندي بيرت، وكارين شيلد، وتوري هوليداي)، فكان خيرَ مُرشِد لي في ممارسة كانت جديدة عليَّ؛ وهي فرصة أُثَمِّنها غاليًا.
وأتقدَّم بشكر خاص إلى ألفريد هيتشكوك، مارتن سكورسيزي، وودي آلِن، جورج لوكاس، وإلى كثيرين غيرهم من صُنَّاع السينما الذين أشعلوا شَغَفِي بالأفلام في المقام الأول.
وفي النهاية، أود أن أعبِّر عن امتناني لأسرتي لما أبْدَتْه من سَعَةِ صدر تجاه شرودي واضمحلال طاقتي. وآمُلُ أنْ أقضِيَ وقتًا أطول معهم الآن؛ نمرح وربما نشاهد بعض الأفلام (بدلًا من مجرد الكتابة عنها).

الفصل الأول
مقدمة: الجوانب المتعدِّدة لعلم النفس والأوجُه الكثيرة للأفلام


الأفلام — شأنها شأن كلِّ الفنون — مشبَّعة بالعقل البشري؛ فهي من صُنع البشر، وتُجسِّد أفعالًا بشرية، ويشاهدها جمهور من البشر. إنها شكلٌ فنيٌّ مفعم بالحيوية البالغة، يستخدم صورًا متحرِّكة أخَّاذة، وأصواتًا نابضة بالحياة، للربط بين صُنَّاع السينما والجمهور عبر شريط السيلولويد والحواس.
إليك القصةَ التالية:1 وُلد مارتن سكورسيزي في حيِّ فلاشِنج بنيويورك عام ????م، ونشأ في حيِّ ليتيل إيتالي (الحي الإيطالي) ذي الطبيعة القاسية بأقصى جنوب مانهاتن. ونتيجة لمعاناته من مرض الربو، لم يكن يستطيع أن يلعب مثل بقية الأطفال، فكان يَقضِي جُلَّ وقتِه في مشاهدة الأفلام في منزله؛ حيث حَمَاه ذلك إلى حدٍّ ما من شوارع نيويورك سيتي الوضيعة، لكنه أورثه شعورًا بالوِحْدة والعُزْلة. وقد انغمس في المذهب الكاثوليكي انغماسًا عميقًا، وارتاد معهدًا دينيًّا لفترة قصيرة قبل أن يلتحق بكلية السينما بجامعة نيويورك. شكل ?-?: روبرت دي نيرو في دور ترافيس بيكل في فيلم «سائق التاكسي» ???? (حقوق النشر محفوظة لأرشيف إيه إف/آلمي).
وبحلول منتصف السبعينيات، أصبح سكورسيزي واحدًا من شباب المُخرِجين الطموحين (إلى جانب آرثر بن، وفرانسيس فورد كوبولا، وستيفن سبيلبرج وآخرين)، الذين كانوا يُحدِثون ثورةً في هوليوود آنذاك. وفي عام ????م، أخرج فيلم «سائق التاكسي» (تاكسي درايفر) الذي يَدور حول سائق تاكسي مضطرب عاطفيًّا، يُدعى ترافيس بيكل، يقع في شَرَك شوارع نيويورك سيتي المُزعِجة. وقد قام الممثل روبرت دي نيرو ببطولة الفيلم، فمَنَح صراعاتِ ترافيس الداخلية النفسية واقعيَّةً رائعة.
كان «سائق التاكسي» إنجازًا رائعًا جمع بين اللغة الفجَّة، والصور المُربِكة، والتقنيات السينمائية المبتكَرة. ففي أحد المشاهد الشهيرة، تستعرض الكاميرا بلقطة تفصيلية، بطيئة الحركة ومأخوذة من أعلى، المذبحةَ الناجمة عن محاولة ترافيس الملتوية لإنقاذ مومس قاصرة (أدَّتْ دورَها جودي فوستر). واعتُبر هذا المشهد على وجه الخصوص عنيفًا للغاية، حتى إن جمعية الفيلم الأمريكي أصرَّتْ على أن يُغيِّر سكورسيزي لون الدم؛ كي لا يصنَّف الفيلم ضمن فئة «للكبار فقط».
شكل ?-?: المخرج مارتن سكورسيزي يُمسِك مسدَّسًا في موقع تصوير فيلم «سائق التاكسي» (حقوق النشر محفوظة لشابيرو/كوربيس).
شكل ?-?: جون هينكلي الابن، الذي حاول اغتيال رونالد ريجان عام ????م، واقفًا أمام البيت الأبيض (حقوق النشر محفوظة لبيتمان/كوربيس).
بالرغم من أن موضوع الفيلم أقلُّ مِن أنْ يوصَف بأنه تجاري، فقد حقَّق نجاحًا مدوِّيًا وشهد إقبالًا جماهيريًّا كبيرًا. وقد انقسمتْ ردود أفعال الجمهور؛ إذ زعم بعض المشاهدين أن الفيلم ليس فقط مبهرًا على المستوى التقني، لكنه أيضًا يجسِّد رحلة تطهيرية من الغوص داخل النفس المجروحة، سواء نفوس الأشخاص أو أمريكا ذاتها. بينما رأى آخرون الفيلم على أنه استغلالي ومُضلِّل على المستوى الأخلاقي؛ فالمشهد الذي يَنظُر فيه ترافيس — وهو عاري الصدر لكنه مدجَّج بعدد كبير من المسدسات والأجربة — إلى المِرْآة ويَسأل بنبرة تهديد: «هل تُخاطبني؟» أصبح جزءًا من اللغة المتداولة.
في عام ????م، شاهد أحد المتفرِّجين — ويُدعَى جون هينكلي الابن — الفيلم ?? مرة في إحدى دُور العرض المُخصَّصة للعروض القديمة. وقد أوحى له الفيلم باغتيال الرئيس ريجان كي يَجذِب اهتمام جودي فوستر التي كان هينكلي مهوُوسًا بها عاطفيًّا. باءتْ محاولةُ الاغتيال بالفَشَل، لكنَّها أسفرتْ عن إصابة ريجان بطَلْق ناري وإصابة عدد كبير من الأفراد بجروح خطيرة؛ من بينهم جيمس برادي، السكرتير الصحفي لريجان، الذي أُصيب بالشلَل بقيةَ حياته. شُخِّصت حالة هينكلي على أنها فِصام ارتيابي، وتمَّتْ تَبرِئتُه استنادًا إلى إصابته بالجنون. وقد أصبحتْ تلك الواقعة جزءًا من الجدل الثقافي حول الدفْعِ بالجنون، والحدِّ من انتشار الأسلحة، ودَوْر وسائل الإعلام في المجتمع.
وبعد مُضيِّ أكثر من ثلاثين عامًا، لا يزال النُّقَّاد وأساتذة الجامعات يستشهدون كثيرًا بفيلم «سائق التاكسي» للتدليل على أهمية أشياء كثيرة على اختلاف أنواعها؛ كالروح الثقافية للسبعينيات، وتشويه الحقيقة في الصور التي تقدِّمها وسائل الإعلام، وطبيعة التفكير الارتيابي، وهكذا.
أين علم النفس في هذه القصة؟ من الواضح أنه في كلِّ مكان. لقد امتَزَجَتِ الخلفية الشخصية لسكورسيزي المتأصِّلة في بيئة اجتماعية قاسية مع مواهبه وهواجسه الفردية. فتيمات الخطيئة، والمعاناة، والعدوانية، والخلاص تتجلَّى في أفلام مثل «سائق التاكسي»، ليس في القصة فحسب، لكن أيضًا في اختيار زوايا الكاميرا ونظام الألوان. وإدراكًا منهم بأن للفن علاقةً مع العالَم الموجود خارج دار العرض، أثنى بعض المشاهدين على الفيلم؛ إذ قدَّم تجسيدًا استبصاريًّا للجنون والعفن الثقافي، بينما وجده البعض الآخر مُزعِجًا، وعبَّروا عن قلقهم مما يبعثه من رسائل. كذلك اتخذه أحد المشاهدين العُصَابيين نموذجًا يُحتَذَى في اغتيال الرئيس. وباستطاعة المرء أن يتخيَّل بسهولة كتابًا كاملًا بعنوان «علم نفس سائق التاكسي».
لعل السؤال الأكثر كشفًا هو: ما الجانب الذي لا يتعلَّق بعلم النفس في هذه القصة؟ هناك عناصر يُمكن فصلُها عن دائرة علم النفس؛ ربما الاستخدام «التقني» للَقَطات التتبُّع أو السمات «التاريخية» لأمريكا في السبعينيات، بَيْدَ أن هذه التمييزات تنهار لو فكَّرتَ فيها أكثر مما ينبغي. ففي كل الأحوال، تشكِّل لقطات الكاميرا الأساس الذي تقوم عليه التجربة الإدراكية للجمهور. وتاريخ السبعينيات مجسَّد في شخصيات مثل ترافيس، وفنَّانين مثل سكورسيزي، وأفراد من الجمهور مثل هينكلي. فما إنْ تبدأ في البحث عنه، حتى لا يكون باستطاعتك الهرب من علم النفس في الأفلام. ربما كانت هناك طُرق أخرى للحديث عن الأفلام دون تسليط الضوء على العناصر السيكولوجية، لكنْ بصفتي متخصصًا في علم النفس، لستُ متأكدًا من السبب الذي قد يجعل أيَّ شخص يرغب في ذلك.
(?) أهداف الكتاب

الفرضية الأساسية التي يقوم عليها هذا الكتاب هي أن جميع الأفلام مُفعَمة بالعناصر السيكولوجية، وزاخرة بالدراما الإنسانية التي تمَّ تناوُلُها من العديد من الزوايا المختلفة. وممَّا له دلالة في هذا الشأن أن كلًّا من علم النفس المعملي والتحليل النفسي الإكلينيكي ظهر في اللحظة التاريخية نفسِها تقريبًا التي ظهرتْ فيها السينما؛ نهاية القرن التاسع عشر.2 ومن الواضح أن التأثير الثقافي لكلٍّ مِن علم النفس والسينما على القرن التالي وما بعده كان هائلًا. فعَلَى امتداد هذا المسار التاريخي، كان هناك العديد من المناسبات التي شَخَصَ فيها علماء النفس بأبصارهم نحو السينما، مثلما كان هناك العديد من الأوقات التي شَخَصَتْ فيها السينما ببصرها نحو علماء النفس. وهذا الكتاب يقدِّم لمحةً من هذا التضافر الساحر بين علم النفس والسينما. ما من سبيل لتقديم خلاصة ولو موجَزة لكل الأعمال التي تناولتْ علم النفس في الأفلام في كتاب واحد. فحجم القَدْر المُتاح من دراسات وتحليلات وتعليقات هائل بحقٍّ، وجدير ليس بكتاب واحد فقط، بل بمكتبة كاملة. ففي عام ????م، وضع واحد من أبرز علماء النفس الأوائل (ولا يزال الأكثر بروزًا في الوقت الحالي)، هوجو مونستربرج، كتابًا بعنوان «المسرحية السينمائية: دراسة سيكولوجية»، ومنذ ذلك الحين شهدت تلك الدراسة توسُّعًا مستمرًّا على مدار القرن. وكتابي هذا يُمكن النظر إليه باعتباره دليلًا إلى «المكتبة الدولية لعلم النفس والسينما» الأسطورية؛ إذ يُساعد في التعرُّف إلى أقسامها المختلفة ولَفْت الانتباه إلى بعض الأعمال الأكثر إثارةً للاهتمام.
سأسعى في هذا الكتاب إلى تغطية نطاق واسع من الحقول البحثية المتنوِّعة. وبحسب علمي، لم يحاول أيُّ كتاب آخَرَ أن يضمَّ بين دفَّتَيْه مثل هذا العدد الكبير من المقارَبات المتبايِنة. فهو يتناوَل كلَّ شيء؛ بدايةً من التحليل النفسي الفرويدي لهيتشكوك، إلى الشعبية الخارقة لأفلام بعينها، وحتى السلوك العدواني تجاه الدُّمْيَة بوبو المستوحَى من أفلام الأطفال. في ظل الوَفْرة الهائلة التي شهدتْها دراسات الأفلام، فإنها تجزَّأت إلى أقسام أكثر من ذي قَبْل؛ فمعظم الكتب الصادرة مؤخَّرًا التي تتناول قضايا متعلِّقة بعلم النفس والسينما، تُغطِّي على الأرجح فصلًا واحدًا أو فصلين اثنين من الفصول التي يحتويها هذا الكتاب. وأنا آمُل أن أُميِّز، على امتداد صفحات هذا الكتاب، بين المقارَبات المختلفة، وأن أصِفَ بدقة القضايا الأساسية، وأقدِّم أمثلة سينمائية موحية. وفي كل الحالات، لا تهدف تلك النظرة الشاملة إلى أن تكون نهائية وقطعية؛ فهي تتوخَّى، بدل ذلك، تقديم بعض المفاتيح التي تساعد في إجراء المزيد من البحث والاستقصاء.
يتوجَّه هذا الكتاب في المقام الأول إلى جمهور قُرَّاء قوامُه الطلاب وغير المتخصصين من عشَّاق السينما و/أو علم النفس. لهذا، فهو يخلو نسبيًّا من المصطلحات المتخصصة، وفي الحالات التي سأُضطرُّ فيها لاستخدام بعض المصطلحات التقنية، سأتوقَّف لتوضيحها. إن جميع التقاليد البحثية التي يناقشها هذا الكتاب تضرب بجذورها في ظواهر إنسانية جوهرية ذات صلة بالسينما، فضلًا عن كونِها مَثَارَ فضول الكثير من الناس. وتتمثَّل مُهِمَّتي في استجلاء تلك النقاط، التي تَحظَى بافتتانٍ واسع المَدَى، للجمهور العريض. والكتاب، علاوةً على ذلك، قد يكون ذا فائدة لمَن لديهم اطِّلاع جيِّد على جوانب معيَّنة من علم نفس الأفلام. فمِن خلال عَقْد صلات بين مجالات بحثية متنوِّعة، يتمُّ اقتراح مسارات بديلة للبحث قد تحمل بعض الإرشادات حتى للمتخصصين. فهدفي، في نهاية المطاف، هو مساعدة أكبر عدد ممكن من الناس على تذوُّق الأفلام معنا على نحوٍ أكثر اكتمالًا.
لقد أهَّلتْني خلفيَّتي الشخصية والمِهْنية جيدًا لهذه المهمَّة، وفوق ذلك كلِّه عشقي للسينما. فمنذ تلك الرحلات التي كنتُ أقوم بها مرتين أسبوعيًّا إلى دار العرض الكئيبة الكائنة في إحدى القواعد العسكرية الأمريكية بألمانيا التي نشأت عليها، وقعتُ في غرام السينما. وعند عودتي إلى الولايات المتحدة وأنا في العاشرة من عمري تقريبًا، اكتشفتُ أعاجيب ثورة الكَبْل المتنامية باطِّراد، والتي أتاحتْ مشاهدة عدد كبير من الأفلام. وفي سنوات مراهقتي، شكَّلت الرحلات إلى دار العرض ومحلات تأجير شرائط الفيديو جزءًا أساسيًّا من حياتي الاجتماعية وأوقات اختلائي بنفسي. وتعلَّمتُ أنْ أُحِب كلَّ أنواع الأفلام — الأمريكية والأجنبية، الجماهيرية والفنية، الجديدة والقديمة — بَيْدَ أنني شُغفتُ على نحوٍ خاص بهيتشكوك، وأفلام التشويق بوجْهٍ عامٍّ، والكوميديا الساخرة السوداء.
لقد كان هذا الشَّغَف بالسينما هو ما قادني إلى العديد من الاختيارات الدراسية عند الْتِحاقي بالكلية. وباعتباري طالبًا في جامعة ميامي (أوهايو)، اخترتُ علم النفس كتخصص رئيسي، ودراسات السينما كتخصص فرعي، فضلًا عن كتابة مقالات نقدية عن الأفلام لمجلة الكلية. وقدَّمتُ أطروحةَ بحثي عن تجربة طلاب الكلية مع مشاهد العنف في الأفلام، واستخدمتُ فيها فيلم «القطيفة الزرقاء» (بلو فيلفت) الذي كان يُعرَض وقتَها في دُور السينما، كمحفِّز أساسي.
وفيما بعدُ، اخترتُ أن أُنجِز مشروع تخرُّجي في جامعة كلارك، في ورسستر، بماساتشوستس؛ نظرًا لمكانتها الفريدة في تاريخ علم النفس الأمريكي؛ إذ شارك في تأسيسها عالِم النفس الأمريكي الرائد الشهير جي ستانلي هول، كما حظيَتْ بشرف أنها المكان الوحيد في أمريكا على الإطلاق الذي تحدَّث فيه فرويد.3 كذلك تأثَّر الطابع الفكري للجامعة تأثُّرًا عميقًا بعد أن استقرَّ فيها هاينس فيرنر، المتخصِّص في علم النفس التطوري، بعد فراره من ألمانيا النازية. اعتَبَر هاينس أن «التطور» هو «مفهوم» موجِّه يأخذ في الاعتبار معنَى أنْ يُحرِز البشرُ تقدُّمًا باتجاه نقطة نهائية متخيَّلة (مثل النُّضْج، التَّسامِي، التنوير، السعادة، إلخ). وقد تميَّزتْ مقاربتُه بكونها أكثرَ انفتاحًا على التفكير المتعدِّد الاختصاصات مقارنةً بالجزء الأكبر من التيار السائد في علم النفس الأمريكي؛ حيث جمعتْ أعماله بطبيعة الحال بين التطور عند الأطفال، وعلم الإنسان، وعلم النفس الإكلينيكي، والفلسفة.4 كانت تلك الروح الطليقة في أوْج ازدهارها أثناء دراستي بالكلية في التسعينيات، حين تدرَّبتُ كعالِم نفس إكلينيكي، لكن هذا لم يمنعني من الانهماك في مطالعة فروع أخرى من علم النفس (مثل علم النفس التطوري، وعلم النفس الثقافي، وعلم النفس السردي، وعلم النفس العصبي)، فضلًا عن تأثُّري بمجالات بحثية متداخِلة الاختصاصات مثل الفلسفة التأويلية والدراسات الأدبية.5 وانتهى بي المطاف بالحصول تقريبًا على تعليم جامعي ليبرالي كلاسيكي. وفي ظل هذا المناخ الخصب، واصلتُ متابعة اهتماماتي في مجال علم نفس الأفلام. عندما حان وقت الانخراط في الحياة العملية، انجذبتُ بطبيعة الحال إلى كليات العلوم الإنسانية. فهذه النوعية من الكليات (الصغيرة عادةً) تتَّبِع منهجًا في التعليم يتميَّز بالشمولية وتعدُّد الاختصاصات، وتسعى إلى تعليم طلابها مهارات ذهنية أساسية؛ مثل الكتابة، والتفكير النقدي، والقدرة على المشاركة في حوار عقلاني. أعملُ حاليًّا أستاذًا في قسم علم النفس بكلية هانوفر في ولاية إنديانا منذ ?? عامًا؛ حيث أقوم بتدريس مقرَّرات ذات منحًى إكلينيكي؛ مثل الاضطرابات السلوكية والاستشارة والعلاج النفسي، بالإضافة إلى مقرَّرات محبَّبة إليَّ مثل علم نفس الأفلام. كما أنني أُمارِس أيضًا علم النفس الإكلينيكي برخصة مزاولته.
ساعَدني العملُ بالتدريس في كلية للعلوم الإنسانية في الإعداد لكتابة هذا النص؛ فقد أمضيتُ آلاف الساعات على مقربة شديدة من الطلاب، ما بين إلقاء محاضرات لمجموعات صغيرة، ومناقشة الأفكار في حلقات دراسية، والجلوس مع الطلاب وهم يعملون في مشروعات مستقلَّة. وكثيرًا ما كنتُ أستعين بالسينما، والموسيقى، وغيرهما من الوسائل الرمزية كوسائل تعليمية. وطلابي إجمالًا أفراد أذكياءُ، لدَيْهم حبُّ استطلاع، لكنهم لا يُشارِكون أساتذتهم اللغة نفسَها على الدوام. ربما كان هذا شيئًا جيدًا؛ فعندما يقضي المرء وقتًا أطول ممَّا ينبغي بصحبة «خبراء» آخَرين، يكون من السهل أن يَتُوه بين المصطلحات والتفاصيل التقنية وينسَى الافتراضات الأساسية التي تُشكِّل قوام الميدان البحثي. ومن ناحية أخرى، يَمِيل الطلاب الجامعيون إلى طرح الأسئلة الأساسية التي لا تكون ساذجة مطلقًا، وإنما كثيرًا ما تتوجَّه إلى صُلب الموضوع. وأريد لكِتَابنا هذا أن يُركِّز بالمثل على صُلب الموضوع.
مثَّلت نوعية الدراسة المتوقَّعة في كلية للعلوم الإنسانية مزيَّة في عملية تأليف هذا الكتاب. ففي بعض الأحيان، يُشار إلى كليات العلوم الإنسانية على أنها «كليات تدريس»، مما يدلُّ على القِيمة الرفيعة التي تُسبِغها تلك المؤسسات على التدريس وتعليم الطلاب. فالأساتذة في معظم تلك الكليات لا يعملون بمنطق «النشر أو الهلاك» الذي يَسِم قسمًا كبيرًا من التعليم المعاصر. ورغم أنني نشرتُ أعمالًا في مجال علم النفس والسينما، إلا أنني كان لدَيَّ مطلق الحرية للقيام بأبحاث حول قدرات الحفظ عند الطلاب، وحتى عن موسيقى بوب ديلان.6 وفي المقابل، أصبح الكثير من الأكاديميين المعاصرين شديدي التخصص، لدرجة أن الباحثين كثيرًا ما يعملون في مجالات بحثية فرعية ذات أقسام فرعية، لا تسمح إلَّا بالحدِّ الأدنى من التواصُل مع الأفراد من خارج تخصُّصهم، حتى المُنتَمِين منهم إلى المجال البحثي ذاته. أما فلسفة العلوم الإنسانية المُطبَّقة على الدراسة، فتتطلَّب منهجًا تكامليًّا متعدِّد الاختصاصات. ومن هنا، يضم هذا الكتاب نطاقًا واسعًا مصمَّمًا لتغطية العديد من التقسيمات الفكرية الراهنة، ونتيجة لذلك سيكون — كما نأمل — حافزًا للقرَّاء الذين يتمتعون بانفتاح عقلي يهتمُّ بكلِّ ما يخصُّ السينما وعلم النفس.
(?) القصة والترفيه والفن في الأفلام

موضوع هذا الكتاب هو «الأفلام»؛ وهي مفردة يَفهَم الجميع معناها بطريقة حدسية. ومع ذلك، هناك بعض الغموض حول الهوامش التي قد تُسبِّب ارتباكًا في بعض الأحيان. من هنا، وسعيًا لتضييق نطاق البحث، سوف أركِّز على الأفلام «السردية، السينمائية المصنوعة لأهداف فنية/ترفيهية». بعض هذه المصطلحات يستحقُّ أن نتفحَّصه. الأفلام السردية: معظم الأفلام التي سنناقشها يروي قصصًا لها بداية، ووسط، ونهاية. بعض تلك الحكايات بسيط، وبعضها الآخر معقَّد. بعضها يروي قصصَه بطريقة مباشرة جدًّا، بينما بعضها الآخر يستخدم تقنية الفلاش باك (مثل «تيتانيك»)، أو الغموض المتعمَّد (دوني داركو) أو متواليات زمنية مُربِكة (مثل «خيال رخيص» (بالب فيكشن)). ومن حين لآخَر، فإن فيلمًا تجريبيًّا مثل «كويانيسكاتسي»، الذي يكاد أن يستغني تمامًا عن القصة لصالح التركيز على حركات، وأشكال، وألوان مجردة، يَجِد له جمهورًا، لكنَّ هذا أمرٌ نادر الحدوث. ومن هنا، سأفترض، بوجه عام، أن هناك شيئًا في البِنْية السردية يَجِده الناس آسِرًا على نحو خاص.معظم الأفلام التجارية تروي قصصًا خيالية؛ فهي لا تزعم أنها تعرض الأحداث كما وقعتْ بالفعل. وحتى تلك الأفلام التي تتناول سِيَر أشخاص وتجاهد في سبيل الدقة التاريخية، يتمُّ فهمُها بوصفها «إعادة تجسيد» لأحداث ماضية. والأفلام الوثائقية استثناء من ذلك؛ لأنها تستهدف تقديمَ بَشَر حقيقيين وأحداث حقيقية. لكن، في معظم الأحوال، تُصاغ تلك الأفلام بحيث تروي قصةً عن شخص، أو حدث، أو ظاهرة ما. فلقد تمَّ التوسُّع في أسلوب الأفلام الوثائقية بما يتجاوز البرامج الإخبارية التليفزيونية و«قناة هيستوري» لتشمل أفلامًا حقَّقت نجاحًا كبيرًا؛ مثل «فهرنهايت ?/??»، و«مسيرة البطاريق» (مارش أوف ذا بينجوينز)، و«في انتظار سوبرمان» (ويتنج فور سوبرمان). ورغم أن القصص الوثائقية تتمتع بسمات سيكولوجية مختلفة نوعًا ما، فإن بؤرة اهتمام هذا الكتاب هي الأفلام الروائية. والأفلام التجارية الطويلة هي، على وجه التحديد، محطُّ اهتمامي الرئيسي؛ ذلك لأن معظم الناس ليست لديهم الفرصة لمشاهدة الأفلام القصيرة أو أفلام الهواة بصفة منتظمة.7
الأفلام السينمائية: قبل الخمسينيات، كانت جميع الأفلام تُنتَج بهدف عرضها على شاشة دار عرض لجمهور واسع، ومنذ ذلك الحِين، أصبحتِ الأفلام التي تُنتَج لكي تُعرَض في دور العرض تُوزَّع في صِيَغ مختلفة على شاشات التليفزيون، وشرائط الفيديو، وأقراص الدي في دي، وأقراص البلو راي، وأجهزة الكمبيوتر، إلخ. واليوم، هناك العديد من الأعمال السردية المرئية يتمُّ إنتاجُها من أجْل وسائط عرض أخرى غير شاشة السينما (مثل المسلسلات القصيرة (ست كوم) التي تُنتَج للعرض التليفزيوني أو للتوزيع على أقراص دي في دي). وثمة الكثير من السمات النفسية المشترَكة بين الفيلم والوسائط المرئية الأخرى. ومن هنا، يحدِّد بعض الباحثين موضوع دراستهم بأنه «الوسائط»، وليس «الفيلم» ولا «التليفزيون». بَيْدَ أن الأفلام السينمائية تتمتَّع بتاريخ ومكانة خاصة، مقارنةً بالوسائط المرئية الأخرى التي تحمل سمات سيكولوجية فريدة. وبينما سأُشير من حين لآخر إلى التليفزيون وغيره من أشكال الثقافة الجماهيرية، فإنني أَميل أكثر إلى الأمثلة المأخوذة من الأفلام السينمائية.
الأهداف الفنية/الترفيهية: تحتوي جميع أشكال الترفيه على خصائص فنية، كما تحتوي جميع الفنون على خصائص ترفيهية. ويَمِيل مصطلح «الترفيه» إلى الإشارة ضمنًا إلى أن الناس يَسعَوْن إلى الشيء لأنه مُمْتِع. من المفترض أيضًا أن يَجِد الناس متعةً ما في تجاربهم الفنية، وإلا فإنهم على الأرجح لن يسعَوْا إليها مرة بعد أخرى. فالمشاهِدون الذين يزعمون أنهم يشاهِدون الأفلامَ لقيمتها الجمالية «فقط»، وليس لأنهم يستمتعون بها، إنما هم منغمسون في طقس مازوخي بعيدًا تمامًا عن الشغف الواضح لعشَّاق أفلام كلٍّ من آدم ساندلر وإنجمار بِرجمان (وبالطبع، فإن فرويد كان سيذهب إلى أن ذوَّاقة الجمال المازوخيين يجدون متعةً غير واعية في مشاهدتهم الطقوسية تلك على كل حال).
يركِّز هذا الكتاب اهتمامه على تشكيلة واسعة من الأفلام؛ من الأفلام ذات القيمة الفنية الرفيعة، إلى نُفايات الثقافة الرديئة، وكل ما بينهما. فمصطلح «فن» يَمِيل إلى الإشارة ضمنًا إلى أن شيئًا ما يمتلك صفة خاصة تولِّد تجربة تأمُّلية ذات مغزًى. بَيْدَ أن هذه الصفة قد تكون متوافرة في أكثر أفلام هوليوود ترفيهًا؛ مثل «حرب النجوم» (ستار وُرز)، و«كازابلانكا»، و«ساحر أوز» (ذا ويزارد أوف أوز). إنَّ مسألة تحديد إن كان فيلم ما يُعدُّ فنًّا (يُحفِّز على التفكير) أم ترفيهًا (بمعنى ممتع) هي مسألة لها علاقة بدرجات الفن المختلفة، ويمكن أن تختلف باختلاف نوايا صنَّاع الفيلم، والخصائص الشكلية للفيلم، و/أو موقف الجمهور وسياق المشاهدة. فبعض الأفلام قد تكون أكثر تعقيدًا، وأوسع أفقًا، وأشد تأثيرًا من حيث إمكانياتها الفنية، بَيْدَ أن مثل تلك المزاعم تتعلَّق بالفن الجيِّد في مقابل الفن الرديء، وليس إن كان شيء ما فنًّا أم لا.
(?) استخدامات حُرَّة لعلم النفس

يميل كثير من الناس ممَّن لم يحصلوا على دراسات أكاديمية في علم النفس إلى الربط بين «علم النفس» وأفكار سيجموند فرويد (الأحلام واللاوعي، على سبيل المثال)، أو بينه وبين علم النفس الإكلينيكي بوجه أعم (الاستشارات والاضطرابات النفسية، على سبيل المثال). وتلك الارتباطات لها أهمية، لكنها ضيِّقة الأفق؛ ذلك لأن علم النفس يغطِّي أيضًا علم النفس العصبي (النشاط الكيميائي للمخ)، وعلم النفس الاجتماعي (سلوك الناس في الحشود)، والإحساس والإدراك (طرائق عمل العين الداخلية)، والتعلُّم (محاكاة أفعال الآخرين)، والإدراك المعرفي (الذاكرة)، والعديد من المجالات والاختصاصات الفرعية الأخرى. أضِفْ إلى ذلك أن علم النفس يتقاطَع مع اختصاصات أخرى في العلوم الاجتماعية؛ مثل علم الاجتماع، وعلم الإنسان، والاتصال. ولأن البشر كائنات بيولوجية، فثمة صلة تاريخية قوية بين علم النفس وعلم الأحياء. وأخيرًا، فإن علماء النفس كثيرًا ما يهتمُّون بالمواضيع نفسِها — العلاقات الاجتماعية، ونتاج الخيال، والطبيعة البشرية — التي يهتمُّ بها الباحثون في العلوم الإنسانية؛ مثل الفلسفة والنقد الأدبي.
إن علم النفس مجالٌ رحبٌ بلا شك، وأنا أتناوله بطريقة أكثر رحابةً حتى من معظم علماء النفس؛ فأنا أنظر إليه ببساطة باعتباره دراسةً للفكر والفعل، مع التركيز على البشر. وهذا التعريف لا يختلف كثيرًا عن تلك التعريفات الموجودة في أغلب كتب علم النفس الدراسية.8 بَيْد أن تلك الكتب تتضمَّن عادةً تنبيهات حول كيف أن دراسة الفكر والفعل ينبغي أن تلتزم بمنهج معيَّن لكي تُصنَّف كعلم نفس؛ فثمة «منهج معيَّن» يجب اتِّباعه.9 وتلك العناية ? «المنهج» مُهِمَّة بالنسبة إلى مؤلِّفي الكتب الدراسية للتمييز بين علم النفس «الحقيقي» وبين ما يُطلَق عليه عادةً «علم النفس الزائف» أو «علم النفس الشعبي». كما تُستخدَم أيضًا في التمييز بين علم النفس والاختصاصات الأكاديمية ذات الصلة في العلوم الاجتماعية والإنسانيات. يتبع هذا الكتاب مقارَبة «إنسانية» (نسبةً إلى العلوم الإنسانية) في تناوله لما نعنيه بعلم النفس. فعلى امتداد هذه الصفحات، سنجد كلًّا من علم النفس التجريبي، وعلم النفس الثقافي، والتحليل النفسي الفرويدي، والاتصال الجماهيري، والنقد السينمائي/الأدبي (فضلًا عن أجزاء من الفلسفة، وعلم الأعصاب، وعلم النفس الشعبي) موجودة جميعها جنبًا إلى جنب وممتزجة بعضها ببعض. أحد نماذجِي في هذا الصدد هو مالكوم جلادويل وكتاباه «غمضة» (????) و«المتميزون» (????) اللذان تصدَّرا قوائم الكُتُب الأكثر مبيعًا. فجلادويل، في اعتقادي، هو أحد أكثر المعلِّقين على الظواهر الاجتماعية والسيكولوجية إثارةً للاهتمام في العَقْد الماضي. فخلفيَّته الصحفيَّة حرَّرتْه من الالتزام التخصُّصي الصارم وأتاحتْ له، في سياق تطوير أفكاره، أن يَمزِج بحُريَّة بين علم الأعصاب، والتجارب، والدراسات الديموغرافية، ودراسات الحالة التي تنتمي للزمن الجميل.10 ردًّا على تلك الميول التقسيمية لدى الأكاديميين المعاصرين، دعا روبرت ستيرنبرج ومعاونوه إلى «علم نفس موحَّد» يَدمِج بين اختصاصات واختصاصات فرعية متنوعة ومرتبطة ببعضها من خلال التركيز على «ظواهر معيَّنة محل اهتمام»، وليس ببساطة رسم خطوط فاصلة استنادًا إلى مناهج وتقاليد تاريخية مختلفة.11 وهذا الكتاب استَلْهَم تلك الروح الموحَّدة؛ إذ إنه معنيٌّ بدراسة الناس «في» الأفلام، والناس الذين «يصنعون» الأفلام، والناس الذين «يشاهِدون» الأفلام؛ تلك هي الظواهر التي يهتمُّ بها. وقد حاولتُ التطرُّق إلى كل التقاليد البحثية التي اهتمَّتْ بتلك الظواهر، على الأقل في عجالة. بَيْد أن العديد من تلك المقارَبات، لسوء الحظ، تطوَّر بمعزل نسبي بعضه عن بعض على مدار فترة زمنية طويلة. وعندما كان يحدث اتصال فيما بينها، كان يتَّسم بالعدائية في بعض الأحيان. وإنني آمُل أن أتمكَّن، من خلال ربطها بعضها ببعض، من تسهيل إجراء حوار تأخَّر كثيرًا بين تلك المنظورات والمناهج التي جرى في السابق الفصل بينها. ليست جميع المناهج متطابقة ولا متساوية في تحقيق أهداف بعينها. فبعضها قد يكون قائمًا على مجرد لغوٍ ولا يؤدي إلى شيء. ومع ذلك، بإمكاننا أن نفترض باطمئنان أن جميع المناهج التي استخدمها باحثون أذكياء عميقو التفكير على مدار سنوات عديدة لها أساس منطقي. ليس معنى هذا أنها لا تؤدِّي إلى أخطاء على الإطلاق، لكنه يوحي بقوةٍ أن ثمة — على الأرجح — أساسًا منطقيًّا مُلزِمًا «للمناهج في جنونها».
جميع المناهج تُتيح لنا رؤية بعض الأشياء، لكنها تَحُول دون رؤية أشياء أخرى. أحبُّ مثال الفلكي الذي يستخدم تليسكوبًا قويًّا يُمكِّنه من رؤية المجرَّات البعيدة جدًّا التي لا يمكن رؤيتُها بالعين المجرَّدة، مما يساعده على تقديم إسهامات هائلة في مجال المعرفة. لكن باستخدام منهج واحد، تظلُّ هناك أجزاء عديدة من الواقع قد يكون العالِم غافلًا عنها؛ فهو ليس فقط غافلًا عن أجزاء من المجرَّة لم يُصوِّب التليسكوب نحوها في لحظة بعينها، لكنه غافل حتى عن أفعال تحدث في الغرفة نفسها؛ مثل زوجته التي تسير خلفه. فإنْ هو أرادَ أن يَرَاها ويَفهَمها، ينبغي أن ننصحه باستخدام طريقة مختلفة.12 ولهذا، سوف أضع في الاعتبار كلَّ المقارَبات المنهجية الراسخة التي تَزعُم إلقاء الضوء على العلاقة بين الأفلام السينمائية والأفعال البشرية. ويشمل ذلك مناهج تقع في صميم اهتمام علم النفس بوصفه اختصاصًا علميًّا (على سبيل المثال: التجارب المعملية التي يتم فيها التحكُّم بالعوامل وتنويعها بحرص)، بالإضافة أيضًا إلى مناهج أقرب إلى علم النفس بوصفه اختصاصًا إكلينيكيًّا (على سبيل المثال: دراسة حالة يتم من خلالها استخدام الفيلم في علاج نفسي يعتمد على الاستبصار)، والإنسانيات (على سبيل المثال: تأويل فيلم انطلاقًا من نظرية علائقية نِسْوِيَّة). وستتم مناقشة كلِّ واحد من هذه المناهج من حيث مزاياه (ما الذي يُخبِرنا به) وحدوده (ما الذي لا يُخبرنا به). فالاختصاصات التي قد تظهر في البداية على أنها مختلفة وتؤدي إلى نتائج متناقضة، قد يتكشَّف في النهاية أنها محض اختصاصات مختلفة تنظر لجوانب مختلفة من الواقع نفسه. هذه المقاربة للمنهج هي في آنٍ واحد شاملة وتمييزية.
(?) إطار رمزي لعلم نفس الفيلم

بالإمكان توحيد علم نفس الفيلم من خلال التفكير في الأفلام باعتبارها رموزًا. فالأفلام هي رموز ذات معنًى؛ يخلقها صُنَّاع الأفلام، ويستقبلها الجمهور. ويلخِّص الشكل ?-? المكوِّنات الأربعة لهذا الإطار.13 تمتلك الرموز على الدوام خواصَّ فيزيائية؛ إذ تتألَّف الأفلام من صُوَر وأصوات تُعرَض على شاشة. وتلك العناصر ليست عشوائية، بل تنطوي على إمكانية أن تُفهَم؛ فأنبوب نيون من الضوء الأزرق مصحوب بصوت طنين في فيلم «حرب النجوم» يُفهَم على أنه سَيْفٌ ضوئي (خلافًا لتيار عشوائي من ضوء أزرق يتقافز على الشاشة). والمعاني الرمزية تنبني عادةً بعضها فوق بعض، نتيجةً لارتباط صور فردية مع غيرها من الصور. وإذ يبدأ المتفرِّجون في الإحاطة بعالَم «حرب النجوم»، فإنهم يُدركون أن الشخص الذي يحمل السيف الضوئي عضو في جماعة «الجيداي». فمعظم الأفلام تؤلِّف بين مجموعة من الرموز لتشكِّل منها كيانات شاملة، سردية ومتماسكة؛ حيث تشارك مجموعة من الشخصيات في أحداث تقع في المكان والزمان.14 شكل ?-?: النشاط الرمزي المرتبط بمشاهدة الفيلم.
يمكن التوسع في معاني الرموز إلى ما وراء «عالم القصة»، وأن نفهمها بوصفها تمثيلات لأناسٍ، وأماكن، وأفكار ذات صلة ? «العالم الحقيقي»؛ فمثلًا، باستطاعة المتفرِّجين أن يفسِّروا سلاح الجيداي باعتباره رمزًا للبطولة. وهذه التيمة يُمكِن أن تُستخدَم بدورها في تفسير «حرب النجوم» باعتباره فيلمًا عن انتصار الخير على الشرِّ.
بالإمكان تفسير الرموز بطرقٍ عِدَّة، بعضُها قد يكون متناقضًا فيما بينه.15 فباستطاعة محلِّل نفسي فرويدي أن ينظر إلى الشعاع الأزرق الطويل ويفسِّره باعتباره رمزًا قضيبيًّا (يرمز إلى التَّوْق الشَّهْواني). كما يمكن لناقدة نِسْوِية أن تَقلِب هذا التفسير وتذهب إلى أن السيف الضوئي هو في حقيقة الأمر رمز لعدوانية ذكورية في غير موضعها (وهذا النوع من الرموز يُمكنه أن يتأرجَح بين هذين البديلين لبعض الوقت). إن الرموز لا تنبثق مطلقًا من العدم؛ إذ يتعيَّن على أحدهم أن يبعث فيها الحياة؛ فهي تُخلَق بواسطة صُنَّاع الرموز. ففنانو الجرافيك، والروائيون، والنحَّاتون، حتى مؤلِّفو الكتب الإرشادية التي تَشرَح طُرق تركيب ألواح الأسطح، يُعوِّلون جميعُهم على الرموز لإيصال المعنى. وصنَّاع الأفلام هم نوع آخَر من صنَّاع الرموز. فالمخرجون، والكتَّاب، والممثِّلون، والفنَّانون الآخرون يتعاونون معًا لإنتاج الكيانات الرمزية التي تظهر على الشاشة. وصنَّاع الأفلام يَجلِبون حتمًا إلى الرموز التي يُبدِعونها بعض جوانب من ذواتهم، مشاعرهم الباطنية العميقة، وأنماط سلوكهم الروتينية، وقِيَمهم الواعية، وانحيازاتهم الثقافية التي يأخذونها مأخذ التسليم.
وفي النهاية، يتم تلقِّي تلك الرموز من جانب أناسٍ آخرين. فيتم إدراكها (رؤيتها، سماعها، الإحساس بها، شمُّها، و/أو تذوُّقُها) ومعالجتها من جانب أولئك المعرَّضين لها. أما جمهورها المحتمَل فهائل العدد. فالأعمال التي تُحقِّق نجاحًا مدوِّيًا؛ مثل «آفاتار» أو «سيد الخواتم» (لورد أوف ذا رينجز)، يشاهدها مليارات من البشر في جميع أنحاء العالم.16 والعمليات التي تحدث قبل وأثناء وبعد المشاهدة تدخل في صميم اهتمامات علم النفس. لماذا يُقرِّر المشاهِدون قضاء مساء يوم العطلة في مشاهدة فيلم بعينه (سواء أكان الجزء السابع عشر من سلسلة أفلام الرعب «سو»، أو أحدث أفلام وودي آلِن الكوميدية اللاذعة)؟ ماذا يحدث داخل المشاهدين (فسيولوجيًّا وسيكولوجيًّا) أثناء المشاهدة؟ وما تداعيات ذلك على المشاهدين بعد مشاهدتهم الفيلم وعودتهم إلى حياتهم اليومية؟ يمكن النظر إلى جميع الأمثلة التي يقدِّمها هذا الكتاب بصفتها «أحداثًا رمزية». فإذا قلنا إن فيلمًا ما له معنًى، فإنه يكون حدثًا رمزيًّا. وإذا كانت السمات الشخصية لصنَّاع الأفلام لها تأثير على اختياراتهم الفنية، تكون الأفلام أحداثًا رمزية. وإذا استجاب فردٌ من الجمهور لفيلم ما بطريقة معينة، فإنه يكون حدثًا رمزيًّا.17(?) تنسيق الكتاب

يلخِّص الشكل ?-? هيكل الكتاب؛ حيث صُنَّاع الفيلم في الأعلى، وعملية إنتاج المعنى في الوسط، والمشاهِدون في الأسفل. يتناول الفصلان الثاني والثالث تمثيلات الفعل البشري الموجودة «في داخل» الأفلام. فيدرس الفصلُ الثاني تشكيلةً متنوِّعة من السلوكيات البشرية المُمَثَّلة في الأفلام، مع التركيز على المقارَبات التفسيرية (التحليل النفسي الفرويدي، على سبيل المثال) التي تسعى لبلوغ معانٍ أكثر عمقًا، قد لا تكون واضحة بالضرورة للمُشاهد العادي. ويعمد الفصلُ الثالث إلى تضييق نطاق البحث؛ حيث يقدِّم رؤية مكثَّفة للأنشطة المرتبطة في المخيِّلة العامة بعلم النفس كما يتم تصويرها في الأفلام: الاضطرابات النفسية (الفصام، وإدمان الخمور، والنرجسية، إلخ) والتدخُّلات السيكولوجية (العلاج النفسي).
ويبتعد الفصلُ الرابع عن الأفلام باعتبارها أشياءَ، لينظر إلى البشر الذين يُبدِعونها. ماذا يجلب صُنَّاع الفيلم معهم إلى الأفلام، وبأيِّ الطرق يبثُّون جوانب من ذواتهم في إبداعاتهم؟ وبينما من المحتمَل أن يجلب كلُّ العاملين في فيلمٍ ما شيئًا من ذواتهم إلى العمل، فإنني سوف أركِّز على هؤلاء الفنانين الذين تحتلُّ شخصياتُهم الفريدة صدارة المشهد؛ المُخرِجين (الذين يقومون بالاختيارات النهائية على مستوى الصورة والصوت) والممثِّلين (الذين تنطبع هيئاتهم المرئية على الشاشة بحيوية شديدة).
شكل ?-?: الأوجُه المتعدِّدة للكتاب.
أما الفصول من الخامس إلى التاسع، فتركِّز على الطرف الآخر من الطَّيْف الرمزي؛ المشاهدين الذين يتفاعلون مع صور وأصوات الفيلم. فيُلقِي الفصل الخامس نظرة واسعة على الجمهور، ويتطرَّق إلى أسئلة نفسية اجتماعية؛ مثل: ما أنواع الأفلام التي يُشاهدها الناس؟ مَن يشاهد الأفلام؟ أين ومتي يُشاهِد الناس الأفلام؟ وينظر الفصل السادس إلى «اللحظة السينمائية»: ماذا يحدث «داخل» البَشَر وهم يشاهدون فيلمًا ما؟ فالمشاهدون عليهم أن يُدرِكوا الصُّوَر إدراكًا حسيًّا ويستوعبوها لكي يفهموا عن أي شيء تتحدَّث القصة. وفي الوقت نفسه، تتضمَّن مشاهدة فيلم ما قدْرًا هائلًا من المشاعر، ويمكنها أن تُثِير مشاعر حادَّة من الخوف، والبهجة، والحزن.
يلتقط الفصلُ السابع طرف الخيط بعدَ أن ينتهي عرض الفيلم، رغم أنه يواصل «العيش» في ذكريات المشاهدين وعملياتهم التأمُّلية المستمرَّة بلا انقطاع. فبعد مغادرة دار العرض، كثيرًا ما يعمد المشاهدون إلى تقييم تجربة المشاهدة؛ جيد في مقابل رديء؛ ممتع في مقابل غير ممتع؛ مُقبِض في مقابل مثير للبهجة. وأحيانًا يقضي المشاهدون بعض الوقت في تفسير الفيلم باستفاضة أكثر، وتأمُّل تيماته أو الطريقة التي يعكس بها عالَم الواقع.
ويركِّز الفصلان الثامن والتاسع على النتائج المترتِّبة على مشاهدة الأفلام: هل تُغيِّر الأفلام من أفكار وسلوكيات الجمهور؟ يتناول الفصل الثامن الدليل على أن الأفلام بإمكانها أن تؤثِّر على سلوك وتفكير بعض الناس لبعض الوقت، حتى لو لم يدركوا أن للفيلم تأثيرًا عليهم. ويسلِّط الفصل التاسع الضوء على الطُّرق التي تَعمَل بها الأفلام ? «وسائل للعيش»، تلك المواقف التي يَستخدِم فيها الناس الأفلام بطريقة بها «وعي ذاتي» بهدف تعزيز التعليم، والعلاج، وتطوير الهُوية.
وأخيرًا، يعمد الفصلُ العاشر إلى تجميع كل تلك الأجزاء معًا لينظر في الكيفية التي تتفاعل بها المقاربات العديدة لعلم نفس الأفلام بعضها مع بعض. وستقدِّم لنا تلك البانوراما المركَّبة من وجهات النظر صورةً ديناميكية ثَرِيَّة للدَّوْر الذي يلعبه الفيلم في المجتمع وحياة الأفراد.
(?) قراءات إضافية

Munsterberg, H. (1970) The Film: A Psychological Study. Dover, New York, NY. Sternberg, R. J. and Grigorenko, E. L. (2001) Unified psychology. American Psychologist, 56 (12), 1069–1079.
Werner, H. and Kaplan, B. (1984) Symbol Formation. Lawrence Erlbaum, Hillsdale, NJ.

الفصل الثاني
البحث عن معنًى: التفسيرات السيكولوجية في الأفلام


ما معنى «ساحر أوز»؟
هذا سؤال يُضايِق بعض الناس؛ فيحدِّقون إليك، وينظرون شذرًا ثم يجيبون: «ماذا تعني بقولك: «ما معناه؟»؟! إنه فيلم للأطفال، ولا «يعني» أي شيء!» هذا النوع من الأشخاص سوف يَكرَه هذا الفصل.
وهناك نوع آخَر يُحبون مثل هذه الأسئلة؛ فتلمع عيونهم عندما يسمعون عبارات مثل «المعنى المستتر» و«المغزى الأعمق». وهذا النوع من الناس سوف يُعجِبهم هذا الفصل.
شئنا أم أبَيْنا، كان «ساحر أوز»، على مدار السنوات، موضوعًا لتأمُّلات ذهنية كثيرة، رفيعة ومتواضعة المستوى. ولأن للفيلم دائمًا تأثيرًا سحريًّا عليَّ، فقد احتفظتُ بسجلٍّ ذهني للأشياء المختلفة التي قالها الناس عنه. أحد أوَّل تلك التعليقات كان في المرحلة الثانوية عندما قُدِّمتْ عبارة: «لا يوجد مكان مثل المنزل» باعتبارها نموذجًا لتيمة أو مبدأ أخلاقي. وكان هذا منطقيًّا، لكن عندما فكَّرتُ فيه بدأتُ أتساءل عمَّا إذا كانت تلك هي الرسالة «الحقيقية». وأتذكَّر أنني فكَّرتُ أن دفاع الفيلم عن المكانة الرفيعة «للمنزل» كان ضعيفًا نوعًا ما. فقد قدَّم الفيلم «كانساس» بألوان بُنيَّة باهتة كمكانٍ مُوحِش للكَدِّ والتَّعَب، في حين عجَّتْ «أوز» بالألوان الزاهية، والفانتازيا، والمغامرة؛ فالسؤال عن أيِّ المكانَيْن أفضل من الآخَر كان محسومًا بالنسبة إليَّ.
شكل ?-?: راي بولجر، وجاك هالي، وجودي جارلند، وبيرت لار في فيلم «ساحر أوز» ???? (حقوق النشر محفوظة لبكتوريال بريس (شركة ذات مسئولية محدودة)/آلمي).
بَيْد أن عملية البحث عن معنًى لم تتوقَّف عند هذه التأملات العابرة؛ ففي المرحلة الثانوية، علمتُ أن إل إل بوم في كتابه (بعنوان: «ساحر أوز العجيب») استخدم «طريق القرميد الأصفر» كدفاع رمزي عن معيار الذهب. لم أكن أفْقَه شيئًا في السياسات الاقتصادية لمطلع القرن (وبالكاد كنتُ مهتمًّا بها)، لكن التفسير أوضح إمكانية وجود استعارة حيث لم أكن أتوقَّعها. وبعد سنوات قليلة، علمتُ بالشائعة المتكرِّرة التي تقول إنه لو تزامن فيلم «ساحر أوز» مع ألبوم بينك فلويد الكلاسيكي «الجانب المظلم من القمر»، لظهرت كل أنواع الإحالات (على سبيل المثال: التزامن بين دَقَّة القلب التي تُسمَع في نهاية «الخسوف» ووَضْع دوروثي يدَها على صَدْر رجل الصفيح). ورغم أن علاقة هذا ? «معنى أوز» ليستْ واضحة على الإطلاق، فإن هذا التزامن الرمزي دفع بالفيلم إلى مناطق أبعد غورًا في ملكوت العمق.
والنُّقَّاد بدَوْرهم قَضَوْا بعض الوقت في تفسير «ساحر أوز». فيفسِّر أحد المحلِّلين رحلة دوروثي في الفيلم باعتبارها مجازًا للانتقال الأنثوي إلى طَوْر المراهَقَة.1 ويمد كاتب آخَر هذا التحليل إلى المجال الثقافي ذاهبًا إلى أن الفيلم يُصوِّر حدثَ البلوغ.2 ثم يتحوَّل هذا التركيز على النوع إلى القول بأن تجربة دوروثي تجسِّد عملية تكوُّن السمات الشخصية لدى الذَّكَر المِثْلي، بما في ذلك تجربة مواجهة المجتمع.3 في حين يذهب مراقِب آخَر إلى أن شخصيات الفزَّاعة، ورجل الصفيح، والأسَد الجبان، تمثِّل جميعُها محاولة دوروثي تحقيق التوازن عبر إدماج سمات ذكورية.4 وأخيرًا، يرى معالِج نفسي أن حبكة الفيلم تُصوِّر بطريقة ممنهجة سماتٍ مرتبطةً بالعلاج النفسي (بناء صلات داخل النفس البشرية، وتطوير سيطرة ملموسة).5 يتبنَّى هذا الفصل وجهة نظرٍ مَفادُها أن الأفلام «نوافذ» على — أو «مرايا» تعكس — عالَم السلوك البشري، وطرائق عمل الذهن، والطبيعة البشرية ذاتها؛ حيث يمكننا، عبر الاندماج «في» الأفلام، رؤية التطور الفردي أثناء حدوثه؛ أي عمل الآليات الدفاعية اللاواعية، والعمليات الاجتماعية النفسية، إلخ. هنا يُصبِح الفيلم مسرحًا تُعرَض عليه الكينونات النفسية.
عبر عملية «قراءة» أو «تفسير» الفيلم باعتباره نوعًا من «النص» الرمزي (والأنواع الأخرى تشمل الروايات، والقصائد، والصور الفوتوغرافية، والتماثيل، إلخ)،6 بإمكاننا الوصول إلى رؤية أكثر نفاذًا للأفراد والمجتمع. وقد حَظِيتْ هذه المقارَبة التفسيرية بشعبية واسعة فيما يتعلَّق بالأفلام، ليس في مجال الدراسات الأكاديمية للأفلام فحسب، بل أيضًا من جانب الباحثين في المجالات الأخرى، ونُقَّاد السينما الذين يكتبون للصحف والمجلَّات، فضلًا عن عشاق السينما الذين يستمتعون بعملية البحث عن المعاني الأكثر عمقًا. وبينما يحاول المنظِّرون باستمرار الإشادة بالأفلام بسبب واقعيتها، كان هناك مَيْل طويل الأمد بين المعلِّقين السينمائيين للنظر إلى الأفلام باعتبارها أحلامًا.7 فهي تمتلك خاصية غامضة تجعلها تُوحي بأنها ليست كما تبدو عليه من الظاهر؛ ومِن ثَمَّ تُطالِب بتفسير أكثر إرضاءً مما يستطيع الفهم الحرفيُّ أن يقدِّمه. إذا كان ثمة دافع مشترك يدفع الناس جميعَهم إلى فهْم معنى فيلم ما، فإن هناك القليل من المعتقدات المشترَكة بين الجميع حول الطريقة الواجب اتِّباعُها في تفسير الأفلام. وهنا يأتي دَوْر «النظرية»: فعندما يتناول المفسِّرون فيلمًا ما، تكون لديهم عادةً أفكار محدَّدة سلفًا عن جوهر الفيلم، أو المجتمع، أو الطبيعة البشرية، توجِّههم في عملهم في إنتاج المعنى.8 فتاريخ دراسات الفيلم حافل بالعديد من المقارَبات النظرية المميَّزة — بدرجة تزيد أو تنقص — تتضمَّن التفسير النصي.9 فلو ركَّزنا على واقع أن العقول البشرية تصنع الأفلام (يقوم أناس باختيارات تتعلَّق بالأزياء، والإضاءة، والحوار، إلخ)، لأمْكَنَنا النظر إلى كل الأفلام باعتبارها انعكاسات للذهن البشري؛ ومن ثَمَّ تستحيل مناقشتُها إلَّا إذا شُوهِدت بواسطة كائنات بشرية تُفكِّر وتشعر. فعند تحليلِنا لأحَدِ الأفلام، فإننا نقوم، جزئيًّا على الأقل، بتحليل الذهن «من خلال» الفيلم. ومن هنا، سأركِّز في هذا الفصل على العديد من مقاربات تفسير الفيلم القائمة «بوضوح» على نظريات سيكولوجية عن الطبيعة البشرية، والمتجسِّدة في عبارات مثل «أنماط السلوك»، و«الرغبات المكبوتة»، و«الجهاز النفسي».
(?) السلوك البشري في الأفلام

في حين أنه يوجد عدد لا نهائي من مجالات السلوك البشري التي يمكن تجسيدها في الحَبْكات والشخصيات ومواقع الأفلام، فإن كل تلك السلوكيات لا تتطلَّب نظريات معقَّدة لفهمها. وقد توغَّل علماء الاجتماع بالتفصيل في دراسة عدد كبير من الموضوعات السلوكية التي تَظهَر في الأفلام؛ مثل الجنس، والعنف، والسياسة، والمقامرة، والنوع، والأمومة، والتدخين، وتعاطي الخمور، والرياضة، والكلية، والجريمة، وجنوح النشء، والأحلام، والفقر، والثروة، والغراميات، والغضب، والعنف الأسري، والشيخوخة، والعلاج النفسي، والمرض النفسي.10 والدراسات التي تركِّز على نوع معين من السلوك أو الأشخاص تهتمُّ عادةً باتجاهات مشتركة بين عدد من الأفلام. وفي حين أن تلك التجسيدات السينمائية لا تَصِف بالضرورة الواقع الموضوعي بدقَّة، يمكننا أن نفترض أنها تضع يدها على تصورات شائعة حول سلوكيات معيَّنة، بل وحتى على توجُّهات المشاهِدين حيال تلك السلوكيات.11 ثمة مقارَبة حدسية الطابع نسبيًّا لتصنيف السلوكيات المعروضة في الأفلام؛ حيث يقوم المحلِّل ببساطة بتحديد نمطٍ سلوكيٍّ معيَّن، ثم يختار مجموعة مُنتَقَاة من الأفلام والشخصيات والأنواع الفنية التي تجسِّد هذه الاتجاهات تجسيدًا نموذجيًّا. فقد أصبح من الشائع بين نُقَّاد السينما في مطبوعات مثل «تايم» و«إنترتينمينت ويكلي» الإشارة إلى ظاهرة «الرجل-الطفل» في الأفلام الكوميدية في التسعينيات والعَقْد الأول من الألفية الثالثة، وهي شخصيات غير ناضجة عاطفيًّا، كثيرًا ما يؤدِّيها آدم ساندلر، أو ويل فاريل، أو سيث روجين، وتعكس تردُّدَ الجيلَيْن إكس وواي (المولودَيْن ما بين ستينيات القرن العشرين وتسعينياته) في أن «يصبحا رجالًا» ويتحملا المسئولية. كذلك تظهر المقارَبات الحَدْسية أيضًا في الدوريات الأكاديمية؛ فثمة مقالة اهتمَّت بدراسة الأفلام منذ بداية السبعينيات التي تُصوِّر المسيحيين الإنجيليين على أنهم منافقون، أو سُذَّج، أو ذُهانيون.12 أما تحليل المضمون، فهو مقارَبة أكثر منهجيةً لدراسة السلوك البشري في وسائل الإعلام؛ ويمكن تطبيقُها على الأشكال الأدبية المكتوبة (الرواية والشعر)، أو السمعية (الموسيقى)، أو المرئية (إعلانات المجلَّات والأفلام).13 وثمة مكوِّنان أساسيان لهذه المقارَبة: إنتاج «عيِّنة» أفلام بطريقة ممنهجة تَخضَع للتحليل، وفي الوقت نفسِه تطبيق «خطَّة تشفير» صريحة تطبيقًا متَّسقًا على كل فيلم من أفلام العيِّنة. ويمثِّل تحليل المضمون تحالفًا بين مقاربات العلوم الاجتماعية السائدة والمقاربات النَّصِّية/التفسيرية. ولأن خطة التشفير مصمَّمة بحيث يمكن تطبيقها بواسطة أيِّ أحدٍ كان مع إعطاء النتائج نفسِها، فهي تؤسِّس لدرجة من «الموثوقية» يمكن البرهنة عليها (ملاحظات أحد المراقبين تتمُّ مشاركتُها مع المراقبين الآخرين). وهكذا، من شأن تحليل محتوًى يتمُّ إجراؤه بحرص أن يؤكِّد على أن تحليلًا معيَّنًا ليس مجرد توهُّمات شاذَّة لناقد بارع.14 وتمامًا مثل موسيقى الروك آند رول، كان أكثر الموضوعات التي اهتمَّ بها تحليل مضمون الفيلم شيوعًا؛ العنف، والجنس، والمخدِّرات (وغيرها من السلوكيات غير الصحية).15 فبالنسبة إلى العنف، هناك دراسة كثيرًا ما يُشار إليها شَمِلت القُطْر بأكمله، وثَّقت لحقيقة أن برامج الأطفال كانت أكثر عنفًا بكثير من برامج الكبار، بمعدل بلغ ثلاثين فعلًا عنيفًا في الساعة الواحدة.16 غير أن العديد من تلك الوقائع كان أقلَّ شبهًا بالواقع وأكثر هزليَّةً من عنف الكبار. وربما كان بالإمكان تطبيق هذا النموذج على أفلام الأطفال أيضًا. وفي حين يعتقد البعض أن العنف غير الواقعي أقلُّ إزعاجًا للأطفال، يشير المؤلِّفون إلى أن مثل تلك التجسيدات يمكن أن يكون لها تأثير أقوى نسبيًّا على سلوك الأطفال؛ ذلك لأن «العواقب» السلبية للعنف يتم التقليل من شأنها. كما ركَّز الباحثون أيضًا على «العنف العلائقي»، الذي يمثِّل أفعالًا غيرَ مباشرة لكنها مؤذِية؛ من قَبِيل ترويج الشائعات، والإقصاء، والمعاملة الصامتة التي تمَّ تصويرُها في فيلم «فتيات لئيمات» (مين جيرلز).17 وقد وُجِد أن أفلام الرسوم المتحركة من إنتاج ديزني تتضمَّن مشاهد عنف غير مباشر بمعدل تسع مرات في الساعة.18 ومن اللافت أيضًا أن شخصيات ديزني «الطيِّبة» و«الشريرة» على حدٍّ سواء تتورَّط في ممارسة العنف العلائقي. بَيْدَ أن أفعال الشخصيات الطيِّبة تجنح إلى العنف بدرجة قليلة (إيماءة تحدٍّ أو عُبُوس، على سبيل المثال)، بينما تكون أفعال الشخصيات الشريرة أكثر إيذاءً للآخرين (ممارسة ضغوط، أو إنزال لعنات، أو تآمُر، مثل تلك المؤامرة التي دبَّرها جاستون ضد الوحش في فيلم «الجميلة والوحش» (بيوتي آند ذا بيست)، على سبيل المثال). حظي الجنس أيضًا بقَدْر كبير من الاهتمام في وسائل الإعلام، ليس في أفلام السينما السائدة فحسب، بل أيضًا في المجلَّات النسائية، والتليفزيون، والفنون الإباحية. غير أن الواقع العملي للطريقة التي يتمُّ بها إجراء هذه الدراسات سيرياليٌّ بعض الشيء: طلَّاب جامعيون في معامل بائسة، محاطون بأكوام من الأعمال الفنية الإباحية، يتفرَّجون على أناس يمارسون الجنس، وهم يحملون على أرجلهم حواسب محمولة ويدوِّنون ملاحظات حول تغيير شركاء الجنس واختلاف الأوضاع. وفي بعض الأحيان، تَجِيء نتائج هذه الممارَسة العَجِيبة لتؤكِّد على ما قد يستطيع معظم الناس تخمينَه عن طريق الحَدْس، لكنها تتحدَّى تلك الافتراضات أحيانًا أخرى.19 فاستنادًا إلى عينة من الأفلام المصنَّفة ضمن فئة «محظور» من حقبة الثمانينيات، وجد الباحثون أن العَلاقات الجنسية بين غير المتزوِّجين تم تصويرُها عادةً أكثر من تلك التي بين المتزوِّجين. وفي حين أن هذا قد لا يكون صادمًا في حدِّ ذاته، فإن معدَّل تَكرار ذلك النمط كان صادمًا: ?? ممارَسة جنسية بين غير المتزوجين مقابل ممارسة واحدة بين المتزوجين. فإما أن هوليوود تعتقد أن المتزوِّجين لا يُمارِسون الجنس، أو أن الجنس داخل نطاق الزواج لا يُثِير اهتمام كُتَّاب السيناريو. تميل تحليلات الأفلام/الفيديوهات الإباحية إلى التركيز على تصنيف أزواج من النوعين، وأنماط الممارسات الجنسية.20 وتقدِّم مثل تلك الدراسات لوحة لأنواع الصور السائدة التي تشكِّل جزءًا من الجوِّ الثقافي العام. فإحدى النتائج الصادرة عن تحليل واسع النطاق ? ??? فيديو من الثمانينيات، ذات محتوًى جنسيٍّ صريح، ركَّزتْ على «علاقات القوة» في تصوير الممارَسات الجنسية.21 وقد وَجَدت أن ثُلُث المَشاهد فقط أظهر بوضوح أن طَرَفَيِ العلاقة لدَيهِما القَدْر نفسُه من الرغبة. وبالمقابل، فإن معظم الممارسات الجنسية بدأت انطلاقًا من الهيمنة الجسدية (للرجل عادةً)، أو استغلال من أحد الطرفين للطرف الآخر (على سبيل المثال: استغلال رئيس للمرءوس). لقد بَرهَن مزيج الجنس «و» العنف في الأفلام على أنه موضوعُ بَحْثٍ لا يُقاوَم. ففي منتصف التسعينيات، اندلع جدال بحثي غير متوقَّع بين فصيلين اثنين في ميدان العلوم الاجتماعية حول النسبة بين الجنسين في الميتات العنيفة فيما يُسمَّى بأفلام «سلاشر» (وهي أفلام رُعْب يقوم فيها قاتل مهووس بمطاردة وقَتْل سلسلة من الضحايا).22 فقد ذهبت مجموعة من الباحثين إلى أن فُرَص التعرُّض للقتل في أفلام سلاشر متساوية بين الجنسين، بينما أكَّدتِ المجموعة الأخرى على ارتفاع معدل العنف ضد النساء، ودرجة الارتباط بين النشاط الجنسي للشخصيات النسائية ومَوْتِهنَّ المحتوم. فالنموذج الذي بموجبه تنجو «الفتيات الطيبات» بينما تهلك «الفتيات الشريرات» يُسلَّم به خارج المجال الأكاديمي؛ فالشخصيات في فيلم «الصرخة» (سكريم) الذي حقَّق نجاحًا مدوِّيًا تتأمَّل تأمُّلًا واعيًا في مصائر الشخصيات الأخرى بناءً على سلوكهم الجنسي. وقد أكَّدت أحدث التحليلات لهذه القضية بالفعل أن احتمال نجاة الشخصيات النسائية النشطة جنسيًّا في أفلام سلاشر ضئيل، وأن مَشَاهِد موتِهنَّ من المرجَّح أن تتم إطالة مدَّتها.23 هذا مثال جيِّد على أنه كيف يمكن لأبحاث العلوم الاجتماعية أن تتقاطع مع ملاحظات صادرة من جمهور ونقَّاد يَقِظين. إن السلوكيات المتعلِّقة بالصحة (أو السلوكيات «غير الصحية» بوجه أخص) في الأفلام؛ مثل تعاطي الخمور/المخدِّرات، واستخدام الواقي الذَّكَري وممارسة الرياضة، هي موضوعات متواترة بكثرة في تحليل المضمون. يتوافق هذا الاهتمام مع التوسع الذي شهده مؤخَّرًا عِلم نفس الصحة، وهو مجال تطبيقي فرعي مخصَّص للمساعدة في الوقاية من المشاكل الصحية ومعالجتها باستخدام تقنيات نفسية.24 وحيث إن أحد أهم تطبيقات علم نفس الصحة هو الوقاية من التدخين والإقلاع عنه، فلا غرابة إذن أن يكون التدخين في الأفلام هو أحد الميادين التي حَظِيتْ بالاهتمام. إن الصور الساحرة بالأسود والأبيض لنجوم هوليوود الكلاسيكيين؛ مثل همفري بوجارت ولورين باكال، وهم يَنفُثون دُخَان سجائرهم بطريقة مُغوِيَة، فيما حلقات الدخان تحوم حولهم، لا تزال منطبعة في المخيِّلة العامة إلى اليوم. وبالنظر إلى التغيُّر في المواقف الاجتماعية، يمكننا أن نفترض أن نسبة ممارسة التدخين في الأفلام قد انخفضت. بَيْد أن العديد من تحليلات المضمون يُشير إلى أن الأمر خلاف ذلك؛ فمعدل التدخين في الأفلام في ???? هو نفسُه الذي كان في ????، رغم الانخفاض الهائل في نسبة عدد المدخنين بين سكان الولايات المتحدة.25 وتكشف الدراسات نفسُها عن فروق هائلة في «كيفية» تصوير ممارسة التدخين. ففي السنوات الأخيرة، أصبح معدل ممارسة التدخين بين الشخصيات «الثانوية» في الأفلام أعلى منه لدَى النجوم. أضِفْ إلى ذلك أن التدخين يتمُّ تقديمه في سياق أكثر سلبيةً (بالارتباط مع السلوك العدواني أو تقليل التوتر، على سبيل المثال).26 وهذا مثال مُثِير للاهتمام يوضِّح كيف أن هوليوود تريد أن تَحصُل على الكعكة/السجائر (أن تستمر في تصوير سلوك مثير بصريًّا) وأن تأكلها/تدخِّنها أيضًا (أن تعكس القِيَم الراهنة بقدْرٍ من التعاطُف). (?) الصراع اللاواعي في الأفلام

يمثِّل تحليل المضمون ببساطة، في نظر بعض النُّقَّاد، طريقةً لتناول الأفلام بصورة سطحية وحسب. فلكي يفهم المحلِّل الإشارات النفسية في الأفلام بحقٍّ، عليه أن يأخذ في اعتباره «المغزى الأعمق»، «المعنى المجازي»، «المعنى الضمني»، «الرسالة المستَتِرة»، «الرمزية المضمَرة»، إلخ. ويعرِّف بول ريكور الرمز بأنه أيُّ شيء له — في آنٍ واحد — معنًى «حرفي، أساسي، مباشر» ومعنًى «مجازي، ثانوي، غير مباشر».27 فلو أننا فهمنا الفيلم باعتباره رمزيًّا في جوهره، وله عِدَّة مستويات للمَعْنى، لاكتسبت عندئذٍ الأفلام خاصية سحرية تبدو معها «حُبْلَى» بالمغزى وملتبسة المعنى في الوقت نفسه. وبحسب ريكور، تأثَّر تفكير القرن العشرين حول الطبيعة البشرية تأثُّرًا عميقًا بثلاثة باحثين — ماركس، ونيتشه، وفرويد — أُطلِق عليهم «أبطال (فلاسفة) الشك».28 فقد وَجَد كلُّ واحد من هؤلاء المنظِّرين أن الميادين الرئيسية للدافع البشري (المال، والقوة، والجنس، على التوالي) تُوجَد على مستوَيَيْن اثنين على الأقل؛ المرئي وغير المرئي. والقُوى في المستوى غير المرئي لها تأثير هائل على أنشطة الحياة اليومية، لكنها بحكم طبيعتها، تستعصي على الفهم المباشر. وتتميَّز مثل تلك النظريات بدرجة عالية من «التشكُّك» المتأصِّل الذي لا يَثِق بالمستوى السطحي؛ فالحقيقة على الدوام مطمورة ومراوِغة. من بين فلاسفة الشك هؤلاء — كما يُطلَق عليهم — فإن فرويد هو صاحب التأثير الأكبر على نظرية الفيلم.29 إن النظرية الفرويدية (التحليل النفسي) معقَّدة للغاية؛ فهي تُسرِف في استخدام المصطلحات، وذات تاريخ متجزِّئ وفروع عديدة (مثل شجرة عائلة ممتدة أو تاريخ الكنيسة البروتستانتية). لقد كان فرويد دائمًا شخصية مُثيرة للجَدَل، وبالإمكان توجيه نَقْد شديد لمناهجه واستخلاصاته. ومن هنا، عندما يتعرَّف الناس إلى التحليل النفسي للمرة الأولى، فإنهم كثيرًا ما يُصابون بالارتباك ويَمِيلون أحيانًا إلى نَبْذِه؛ بناءً على انطباعهم الأول عن مَلامِحِه الشديدة الغرابة. ومع ذلك، لا يزال هناك عدد كبير من علماء النفس (بمَن فيهم أنا) يعتقدون أن الكثير من أطروحات فرويد الأساسية صحيحة، وأنه حتى تلك الأفكار التي يبدو أنها تُجانِب الصوابَ لا تخلو من إثارة.30 لقد سَعَيْتُ، في إطار عملي بالتعليم الجامعي، إلى تدريس فرويد بطريقة سهلة، لكن متوافِقة مع أفكاره. فجوهر الفكر الفرويدي يُمكِن فهمُه من خلال الإحاطة ببعض الافتراضات الأساسية عن الطبيعة البشرية،31 وجميعها لها آثار ضمنية شديدة الأهمية على الطريقة التي يتم بها تفسير الأفلام. (?) تتحرك الكائنات البشرية، منذ الميلاد، «مدفوعة» برغبات أنانية (مثل الجوع، والجنس، والعنف) بهدف جلب المُتْعة وتجنُّب المعاناة. «والبحث الأناني عن المتعة هو مما يَكثُر وجودُه في الأفلام.»
(?) نحن نُولَد بدوافع أساسية، بطاقاتنا الحيوية الأولية (ا? «هُوَ»). وحقائق الحياة القاسية تُعلِّمنا أنه لا سبيل لإشباع رغباتنا كلِّها إشباعًا كاملًا؛ ومن ثَمَّ نتعلَّم القيام بالمساومات الضرورية في الحياة اليومية (ا? «أنا»). وفي نهاية المطاف، نكتسب من والدينا حسًّا مدموجًا بالصواب والخطأ (ا? «أنا العليا»). بَيْد أنه ما لم «يتطور» هذا التنظيم الداخلي بطريقة سليمة، يبدأ الناس في الوقوع في المتاعب. «وكثيرًا ما تتبنَّى الأفلام الاعتقاد بأهمية عملية التطور في السنوات الأولى من العمر من خلال توظيف حبكات تغطِّي حياة الفرد بأكملها، أو الفلاش باك، أو الإحالات إلى أحداث هامة في فترة الطفولة من خلال الحوار.»
(?) ولأن ا? «هُوَ»، وا? «أنا»، وا? «أنا العليا» ترغب جميعها في أشياء مختلفة، فإن تلك البِنَى النفسية الثلاث تنخرط في «صراع» لا نهاية له بعضها ضدَّ بعض. ويحدِّد فرويد مركز ساحة هذه الحرب في ا? «أنا»؛ «كائن مسكين يَدِين بالطاعة لأسياد ثلاثة ومن ثم يتعرَّض لتهديد أخطار ثلاثة؛ العالم الخارجي، وغُلمة (ليبيدو) ا? «هُوَ»، وقسوة ا? «أنا العليا».»32 «وجميع السرديات السينمائية تقوم على صراع من نوع أو آخر.»
(?) جزء كبير من صراعنا النفسي لا واعٍ. فرغم أن وَعْيَنا يشعر بذلك الألم الناتج عن حربنا الداخلية، إلَّا أن الهجمات المعقَّدة والمناورات المضادة ذاتها (الآليات الدفاعية) تظل مستَتِرة إلى حدٍّ بعيد. وبينما لا ينكشف اللاوعي أبدًا في صورته الخالصة، فإنه بإمكاننا أن نقتنص لمحاتٍ وظلالًا منه عبر «الرموز». «ولأن الأفلام موضوعات رمزية، فهي تُضارِع تلك العمليات (تفسير الأحلام، على سبيل المثال) ذات الأهمية الحاسمة في العلاج بالتحليل النفسي. فمغزى الفيلم الذي نُحيط به من خلال ملخَّص الحبكة هو مجرد سطح؛ أما السَّبْر الرمزي فيَقُودنا إلى تلك المناطق المستترة.»
عدد كبير من المشاهدين سوف يُقِرُّون بأن الروائع الهذيانية المعقَّدة لهيتشكوك ولينش وأرنوفسكي تستكشف الدوافع والصراعات البشرية الأساسية، لكن من وجهة نظر ديناميكية نفسية،33 فإن «كل الأفلام» (وفي الحقيقة، كل القصص) هي انعكاسات للاوَعْيِنا. يقترح برونو بيتلهايم في كتابه «استخدامات السحر» (????) أن القصص الخيالية الخاصة بالأطفال تكشف عن صراعات لا واعية ذات طابع عام. فقصة «هانسل وجريتل» — من وجهة نظره — ليست مجرد حكاية خيالية؛ فهي ذات خصائص رمزية تتوافق مع رغبات ومخاوف الحياة النفسية اليافعة للأطفال. فالْتِهام هانسل وجريتل النَّهِم لمنزل كعكة الزنجبيل يمثِّل ذلك النزوع نحو الإشباع الفموي الكامل. والزجُّ بهما في السجن يَعكِس المخاوفَ المرتبِطةَ بتفعيل تلك الرغبة. أما الساحرة فهي تجسيد رمزي «للأم الشريرة»، وقلق الطفل/الطفلة من أن أُمَّه/أُمَّها قد لا تكون فقط غير قادرة على إشباع رغباته/رغباتها، بل مصدر خطر أيضًا. تتضمَّن الأفلام قصص جِنٍّ وساحرات شريرات خاصة بها. وإحدى القراءات الفرويدية النموذجية ? «ساحر أوز» تنظر إلى مغامرة دوروثي باعتبارها مجازًا لرحلة المراهَقة، وهي المرحلة المميَّزة الأخيرة في النظرية التطورية الفرويدية.34 ويشار إليها، بمفردات التوجُّه الجنسي، باعتبارها «المرحلة التناسلية» التي تنصبُّ فيها اهتمامات الفرد الشهوانية على إتمام الجِمَاع الجنسي. ويتمثَّل البُعْد الاجتماعي لتلك النقلة في أن الفتاة، قبل أن تتمكَّن من تطوير حسٍّ قوي — على نحو كافٍ — بنفسِها كفرد جدير بالحب، ينبغي عليها أن تُدرِك أوجُهَ القصور لدى والدَيْها. وهو احتمال مروِّع جدًّا في بداية الأمر، لدرجة أن «صراعات الطفولة نصف المدفونة ينبغي أن تنبعث من مرقدها لكي تتم تسويتُها، وإلا فإنها ستظلُّ تَسكُنُنا إلى الأبد.»35 وكان أوَّل ردِّ فعلٍ لدوروثي هو التمرُّد على حارسَيْها الأمينَيْن العطوفَيْن — غير أنهما ليسا مثاليين — عبر النكوص إلى عالَم الخيال. وهو عالَم تتَّسِم فيه الشخصيات الأبوية بالاستقطاب من حيث طبيعتها الخَيِّرة (جليندا الساحرة «الطيِّبة» وأوز «القوي والمهيب»)، أو الشريرة (الساحرة «الشريرة»). ينبغي على دوروثي أولًا أن تواجِه الساحرة الشريرة وتتغلَّب عليها، وهي الصورة الخيالية المتسلِّطة للأبوَّة التي تخشاها. لكن ينبغي عليها أيضًا أن تنزع القناع عن الساحر الكُلِّيِّ القدْرة؛ لكي تُدرِك أن قُدْرتها على الرجوع للمنزل تكمُن بداخلها. وفي اللحظة التي تعود فيها إلى كانساس، تكون قد أنجزت حالة ا? «أنا» للشابَّة الراشدة المُهيَّأة لمواجَهة حقائق عالَمِها اليومي ذي الألوان البُنيَّة الباهتة. لا يقتصر تقليد تفسير الفيلم انطلاقًا من التحليل النفسي على أفلام الأطفال وحسب. كان كتاب المؤلِّفَيْن فلفنشتاين وليتس «الأفلام: دراسة سيكولوجية» الذي نُشر في الخمسينيات من أُولَى المحاولات المبذولة لبَلْوَرة تيمات وثيقة الصلة بعلم النفس في أفلام السينما الأمريكية السائدة باستخدام افتراضات ديناميكية نفسية. إحدى تلك التيمات — الاعتداءات غير المبرَّرة التي يتعرَّض لها بطل لم يقترف أي ذنب — يتم تسليط الضوء عليها في فيلم «النوار» الكلاسيكي «النوم الكبير» (ذا بيج سليب). فالمُخبِر السِّرِّيُّ فيليب مارلو (همفري بوجارت) يتعرَّض لاعتداءات وتهديدات بلغت من الكثرة حدَّ أنه يعلِّق عليها ساخرًا بقوله إن كل شخص يقابله يبدو أنه سيُشهر السلاح في وجهه. ولأن التحليل النفسي يفترض أن جميع الناس تُحرِّكهم دوافع ملوَّثة وأنانية، فإن فكرة «البراءة» ذاتها تُوضَع موضع شك. فالاعتداء الذي يتعرَّض له مارلو يُفسَّر على أنه إسقاط لميوله العدوانية إزاء العالم الخارجي. فالاعتقاد بأن العالَم مُعادٍ لنا يمكن أن يجعل منه مكانًا مخيفًا، لكن بحسب المنطق الفرويدي، فإن هذا الاحتمال أسهل من تقبُّل تحمُّل المسئولية والشعور بالذنب الناجم عن ميولنا العدوانية.
باستطاعة التحليلات الديناميكية النفسية للأفلام أن تستفزَّ القارئ فيما تُولِيه من عناية لتفاصيل غير مهمة في الظاهر، وأن تفتنه بمحاولاتها لتفسير الظواهر الغامضة. قبل عدة سنوات، جذب انتباهي تحليلٌ نُشر في إحدى دوريات التحليل النفسي لاقتباس كوبريك لرواية «البريق» (ذا شايننج)،36 وهو الفيلم الذي طالما وجدتُه مروِّعًا وفاتنًا على نحو فريد. كان فرويد سيقول إنَّ ردَّ فعلي هذا مثال على الشعور الغامض المثير للأعصاب الذي يبعث فينا القشعريرة عندما نواجه على نحو غير متوقَّع محفِّزًا عاديًّا في ظاهره لكنه يحمل أصداءً تتردَّد على مستويات أكثر عمقًا بداخلنا. وفرويد بالطبع لديه تفسير لذلك؛ إنه ما يحدث عندما يتمُّ تذكيرُنا بطريقة لا واعية بشيء كنا قد كبتناه (يرقد هناك في المهاجع المُظلِمة لعقولنا). تلك المواد المكبوتة يتم الكشف عنها للحظة خاطفة، مخلِّفة لنا شعورًا بعدم الارتياح، لكن يصاحبه الفضول والإثارة أيضًا. يقترح التحليل النفسي أن السبب وراء إتياني بردِّ فعلٍ لافت هكذا هو أن فيلم «البريق» يستثير، عبر إشارات تلميحية ورموز خفية، ذلك الدافع المنتشر في الذكورية الغربية تجاه الإبادة الجماعية. ففرويد يذهب إلى أن غريزة الموت موجودة لدى الناس جميعهم، وعندما تشتدُّ قوَّتُها أكثر مما ينبغي وتبدأ تمثِّل تهديدًا للذات، فإنه يتم توجيهها نحو الآخرين. والإبادة الجماعية هي شكل متطرِّف من أشكال هذا الدافع تجاه الموت. ويستدعي الفيلم فكرة الإبادة الجماعية، خاصةً في ألمانيا النازية، من خلال إشارات تلميحية ورموز خفية: فالكاتب المنكوب، جاك تورينس (جاك نيكلسون) يذهب إلى فندق منعزل في سيارة فولكس فاجن؛ والسيارة الصفراء (وغيرها من الأشياء الصفراء البارزة التي تَظهَر فيما بعدُ) تُشبِه نجمة داود التي كان اليهود مُجبَرِين على ارتدائها أثناء الحرب العالمية الثانية؛ كما يقوم جاك بكتابة مذكراته الملتاثة على آلة كاتبة ألمانية تعود إلى الحقبة النازية؛ وثمة أشكال أخرى لاستخدام الرقم ?? (كما في ????، عام بداية الحرب) يمكن رؤيتها على الصناديق في مشهد مخزن الطعام، وهكذا.
بالإمكان توجيه انتقادات لا حصر لها إلى تحليل كهذا؛ فأولًا: يبدو من غير المحتمل أن هذه الرموز كانت مقصودة من جانب صُنَّاع الفيلم؛ وبالفعل، لا يوجد دليل واحد على أن الأمر هكذا.37 غير أن «المقاصد الواعية» للكتَّاب والمخرجين لا تضع قيودًا على التفسيرات الديناميكية النفسية؛ ذلك لأن «الارتباطات اللاواعية» يمكنها دائمًا أن تؤثِّر على عملية الإبداع الفني. وبإمكان المتشكِّكين أيضًا أن يحتجُّوا بأنَّ تفسير تفاصيل تافهة مثل الأرقام التي على الصندوق ينال من مصداقية عملية التفسير. بَيْد أنه في عُرْف التحليل النفسي الكلاسيكي، ما من شيء غير مُهمٍّ؛ حيث يقوم العقل اللاواعي بإدراك وعَقْد الصلات مع تلك التفاصيل الرمزية التي لا ندركها عن وعي.38 من الصعب البرهنة على هذه الأنواع من المزاعم، لكن بمجرد أن يبدأ الناس في مشاهدة الأفلام بهذه الطريقة، يكون من الصعب عليهم أن يتوقَّفوا. (?) الأنماط الأوَّلية في الأفلام

نظرية كارل يونج عن الأنماط الأولية هي مقارَبة سيكولوجية أخرى قدَّمت إسهامًا كبيرًا في مجال تفسير الفيلم.39 ورغم أنها ترتكز بالمثل على مفهومَيِ الرمزية واللاوعي، فإنها تنْأى بنفسها عن فرويد بطُرق لافتة للنظر.40 يفهم يونج — بصفة خاصة — اللاوعي على أنه أكثر من مجرد مجموعة من الدوافع الأولية والعُقَد الشخصية غير المحلولة. فقد قام بدراسة صور وقصص تنتمي لثقافات من جميع أرجاء المعمورة على مدار التاريخ، وخَلَصَ إلى أن هناك تيماتٍ وأنماطًا «عامة». ثم طرح فكرة مؤدَّاها أن اللاوعي به منطقة تُسمَّى «اللاوعي الجمعي»، وهو نطاق نفسي يتقاسمه جميع البشر، ورأى أن هذا اللاوعي الجمعي يعجُّ بتيمات عامة (أو صور للفكر) يسمِّيها الأنماط الأولية. وتكشف تلك الأنماط عن نفسها في صورة شخصيات مألوفة؛ مثل الأم، والأب، والحكيم، والبطل، إلخ.41 وفي حين أنه ما من سبيل لبلوغ الأنماط الأولية في صورتها الخالصة، فإن الناس يعيشونها ويفهمونها من خلال الرموز. فنحن محاطون بكل أنواع الرموز (التي تمسُّها الأنماط الأولية) في مجرى حياتنا اليومية؛ في الأحلام، وعلى القمصان القصيرة الأكمام، وفي الروايات، وعلى لوحات الإعلانات، وبالطبع في الأفلام. وعندما نركِّز انتباهنا بحق، نكتشف أن رموز الأنماط الأولية تلك تكون محمَّلة برنين، بل وببريق مثير للمشاعر. ومن هنا، يشدِّد يونج على أن رموز الأمومة هي أكثر من مجرد تمثيلات لواقعة المَخَاض؛ فهي تساعد الناس على فَهْم معنى احتضان ورعاية غيرهم من البشر. فالرموز لا تتعلَّق فقط بفهمنا لأنفسنا كأفراد، أو حتى بفهمنا لثقافتنا، إنما تربطنا بعالم أكبر، عالم يقع فيما وراء حدودنا، عالم الحياة النفسية «للغير».
بوسعنا أن نختار تفحُّص الرموز، وبوسعنا أن نتجاهلها (أو على الأقل نحاول أن نتجاهلها، فبعض الرموز، شأن بعض الأفلام، تبدو وكأنها تَسكُننا كالأشباح). فهي ليست مجرد وسيلة للكشف عن العناصر المُقْلِقة في لاوعينا؛ لكنها، بالأحرى، مُتْرَعة بإمكانات النمو الشخصي وفَهْم أعمق للكون. وبإمكان تحليل الأفلام من هذا المنظور أن يكون ذا طابع أكثر مرحًا مقارنةً بالعمل البوليسي الشديد الجدية الذي كثيرًا ما نجده في التحليل الفرويدي. هذا لا يعني أن التحليل اليونجي للأفلام يقود دائمًا إلى مشاعر إيجابية. فالأنماط الأولية ليست صديقة لنا؛ من حيث إنها لا تأخذ بالضرورة في اعتبارها أفضل نوايانا. فهي تقدِّم، بدلًا من ذلك، إمكانية مجهولة تقع بين نقيضين حدِّيَّيْن. فالاحتضان بالرعاية، على سبيل المثال، ليس هو الوجه الوحيد لنمط الأم؛ فالوجه الآخر هو الهلاك؛ حيث تُهدِّد الأم بسَحْق أطفالها وخنقهم. ويمكننا الاستشهاد في هذا الصدد بأفلام تتضمَّن أمَّهات قديسات مثل «زيت لورينزو» (لورينزوس أويل)، و«أيضًا» بأفلام تجسِّد أمَّهات مُخِيفات مثل «ماما أعز الأحباب» (مامي ديريست). إن عملية فحص رموز الأنماط الأولية في الأفلام يمكن أن تكون مُبهِجة أحيانًا، غير أن الرحلة سوف تكون، من حين لآخر، مُخِيفة ومروِّعة.
ربما كان «حرب النجوم» هو أكثر فيلم حَظِي باهتمام المفسرين، الذين يعتنقون نظرية الأنماط الأولية.42 فعملية حصر شخوصه أشبه بعملية جرد لشخصيات الأنماط الأولية: أوبي وان كينوبي (الحكيم)؛ لوك سكاي ووكر (البطل)؛ هان سولو (المارق)؛ الأميرة ليا (فتاة في وَرْطة)؛ دارث فيدر (الظل)، إلخ. فثمة استخدام واضح للرموز اليونجية في «الإمبراطورية تُعيد الضربات» (ذا إمباير سترايكس باك) في المشهد الذي يتدرَّب فيه لوك مع يودا. ففي كهْفٍ غامض يلفُّه الضباب، يَجِد لوك نفسَه وجهًا لوجه مع دارث فيدر. ثم تنشب معركة خاطفة بالسيوف، تنتهي، على ما يبدو، بقيام لوك بذبح فيدر. لكن عندما يفتح لوك الجزء الأمامي من قناع فيدر، يرى وجهه هو شخصيًّا. يستدعي هذا المشهد إلى الذهن فكرة يونج عن الشخصية المظهرية (أو البيرسونا)، وهي القناع الذي نرتديه في العَلَن ويقِف على طرف النقيض مما نحن عليه في الحقيقة. أضِفْ إلى ذلك أن لوك يُدرِك أنه يتقاسم جزءًا من هُويته مع فيدر؛ جانبه المظلم أو «الظل». لقد رأى العدوَّ، وهذا العدوُّ هو نفسُه شخصيًّا. وقد تطوَّر استخدام شخصيات الأنماط الأوَّلية في «حرب النجوم» بما يتجاوز حضور شخصياته المألوفة ومشاهد معينة منه. فرحلة لوك في الجزأين الرابع والسادس، على سبيل المثال، يمكن أن ننظر إليها كسَرْد ممتدٍّ يركِّز على مواجهاته مع سلسلة من صور الأب.43 ففي بداية الأفلام، يبدو لوك أنه لا أب له، ولا مرشد. ورغم أن عمَّه بِن ذا النوايا الطيبة يقترب من أن يكون بديلًا للأب، لكن بتصدِّيه لرغبة لوك في المشاركة في ثورة المَجَرَّة، فإنه يَحُول بينه وبين اقتفاء مصيره الفردي، وسرعان ما يصبح أوبي وان كينوبي بديلًا للأب. فيساعد لوك على القيام برحلته لاكتشاف «القوة» (رمز تحقيق الذاتية المتسامية). حتى في موته، يصبح أوبي وان مرشدًا داخليًّا للوك. لكنه في الوقت نفسه، لا يملك كل الإجابات، حتى إنه يكذب على لوك بشأن أصوله. يواجه لوك صورة أخرى للأب في شخص يودا، الذي يبدو، بمظهره الغريب الضئيل وسلوكه الأخْرَق، أنه لا يَمُتُّ للأبوَّة بصِلَةٍ. غير أنه يتكشَّف في نهاية المطاف عن واحد من أقوى وأحْكَم فرسان الجيداي؛ وهي جماعة تقوم بدَوْرٍ أبويٍّ تجاه المجرَّة. بَيْد أن يودا عاجز هو الآخر عن مساعدة لوك، لكن في اللحظة التي يقضي فيها نَحْبَه، يكشف عن حقيقة كَوْن لوك ابنَ دارث فيدر من صُلْبه. إن طبيعة فيدر الشرِّيرة (النَّهَم للسلطة، وعدم القدْرة على الحب) تجعل هذا الكشف في البداية يبدو وكأنه إحدى ألعاب القَدَر القاسية. لكن، عبر مواجهة حاسمة مع الإمبراطور، يرفض لوك الاستسلام لدوافع الغضب والثأر تجاه فيدر. وموقفه الرحيم هذا يوقِظ في نفس أبيه مشاعر التعاطُف الدفينة، وتكون النتيجة أن يُضحِّي بحياته لكي يُنقِذَه؛ فيَقضِي فيدر نحبَه، بَيْد أن هذا الفعل الأبوي الأخير يُتِيح للوك اكتساب هُويته الفردية والتسامي في رحلته صوب الذاتية. فالتطور الذاتي له ثمنه على الدوام.
وبينما تُفصح أفلام الفانتازيا عن أصولها الخرافية؛ ومن ثَمَّ تحتفي بالتحليل اليونجي، فإن النظرية تؤكِّد على أن جميع القصص تأتي من المكان نفسه: اللاوعي الجمعي. فحتى فيلم ذو موضوع محلي مثل «الخرِّيج» (ذا جرادويت)، الذي يتم تحليله عادةً بوصفه انعكاسًا للثورة الثقافية في حقبة الستينيات، بالإمكان تحليله من منظور يونجي من أجْل الكشف عن أبعاد أخرى.44 وعلى وجه التحديد، يمكن النظر إلى السيدة روبنسون (آن بانكروفت) على أنها أحد أنواع النمط الأوَّلي للأم، مع تشديد قوي على الجانب المُخِيف والمدمِّر للأمومة. يشير يونج إلى وجود عدد كبير من رموز الثقافات القديمة التي تصوِّر إِلَهاتٍ (كالي في الخرافات الهندية، وهكتي في الخرافات الإغريقية) يجسِّدْنَ أنوثةً ليست حاضنة وحانية، بل متسلِّطة نَهِمة، ومدمِّرة. فالسيدة روبنسون لا تُعطَى أبدًا اسمًا أوَّلًا للإشارة إليها على الإطلاق؛ والتأكيد يكون دومًا على لقب «السيدة». المعنَى المضمَر هنا ساخر وكاشف في آنٍ واحد عندما تقوم بإغواء بنجامين (داستن هوفمان)، الطالب الجامعي عديم الخبرة. أضِفْ إلى ذلك أن مَلابِسَها يَبرُز فيها اللون الأسود بوضوح، حتى إنها في أحد المشاهد الرئيسية، تَظهَر مرتدية مِعْطَفًا من جِلْد النمر؛ مما يربطها بالقطة البريَّة وأسطورة «سيدة الوحوش». يتمثَّل الاستبصار اليونجي الجوهري في أن ما يبدو معاصرًا هو، في حقيقة الأمر، يضرب بجذوره في رموز أوَّلية، موغِلة في القِدَم. (?) الأيديولوجيا في الأفلام

يصطفي بول ريكور، إضافةً إلى فرويد، كارل ماركس باعتباره واحدًا من فلاسفته «الشكوكيين».45 وبالإمكان رؤية هذه الصفة في الفكرة المركزية لدى ماركس عن الأيديولوجيا؛ أي القُوَى الثقافية التي تَحُول بين الأفراد في المجتمع (خاصة المجتمع الرأسمالي) وبين رؤيةِ حقيقة ظروفهم الخاصة. فتَحْتَ النظرة المشوِّهة للأيديولوجيا، لا يعود المعنى الحقيقي للمنتجات الاجتماعية — مثل الأفلام — بأي طريقة من الطرق واضحًا بذاته؛ فالمعاني الواضحة والمقبولة التي يمكن عزْوُها للأفلام بطريقة انعكاسية، هي في حقيقة الأمر الاتجاه السياسي للحزب لا غير، ممَّا يُعمي أبصار الجماهير بوعي زائف. وفي حين أن هذا النوع من اللغة كثيرًا ما يرتبط بالتفسيرات الماركسية، لا تحتاج جميع التحليلات الأيديولوجية أن تكون على هذا القَدْر من التعالي. فمِن الممكن تعريف الأيديولوجيا بأنها «نسق … من التمثيلات (صور، خرافات، أفكار، أو مفاهيم، حسب الأحوال) يتمتع بدور ووجود تاريخيَّيْن في مجتمع ما.»46 والمشكلة هي أنه في حين يكون أفراد المجتمع منغمسين في تلك التمثيلات، فإن الشفرات الاجتماعية ذاتها لا يُصرَّح بها جهرًا؛ ومن ثَمَّ قد تكون غير ظاهرة في الحياة اليومية. وبالإمكان فَهْم هذه العملية باعتبارها صورةً للَّاوعي الاجتماعي؛ وبدلًا من أن تنبع من الداخل (القوى الفرويدية)، فإن القُوى المشوِّهة التي تمنعنا من رؤية الحقيقة تأتي من الخارج. وهكذا، تَعِدُنا التحليلات الأيديولوجية بحلحلة تلك الشفرات وتزويدنا بمسار يقود إلى نوع آخَر من المعنى المستتر في الفيلم. يُصنَّف ماركس عادةً كعالِم اقتصاد وفيلسوف اجتماعي. غير أن الحدَّ الفاصل بين الاجتماعي والنفسي ليس واضحًا البتة. فبينما يُعنَى علماء الاجتماع بالظواهر والأنماط الاجتماعية العامة، فإن تلك الأنماط تكشف عن نفسها في تفكير الأفراد وأفعالهم وخبراتهم. وعلم النفس الثقافي (وأحيانًا يُسمَّى علم النفس الثقافي الاجتماعي) هو فرع من علم النفس يركِّز اهتمامه مباشرةً على التداخل القائم بين علم النفس وعلم الاجتماع.47 ويهتم معظم المشتغلين بعلم النفس الثقافي بأفعال الأفراد، لكنهم يفترضون أن تلك الأفعال تتشكَّل بفعل الظروف الاجتماعية المحيطة بهم. والدراسات الثقافية، بما في ذلك التفسيرات الأيديولوجية في مجال دراسات الفيلم، هي مجال بحثي متعدِّد الاختصاصات يَستخدم التفسيرات النصية للمنتجات الثقافية بهدف الوصول إلى استبصارات بشأن ما يحدث في مجتمعٍ ما في لحظة تاريخية معيَّنة (القِيَم، الاتجاهات، المخاوف، إلخ).48 إن تحليل منتجات الثقافة الجماهيرية بوصفِها صورًا فنية وترفيهية ذات طبيعة رمزية ثرية يشكِّل جزءًا حيويًّا من الدراسات الثقافية.49 وتمثِّل تلك التحليلات النَّصِّية، من منظور علم النفس الثقافي، طريقةً لاستجلاء الأبعاد الاجتماعية للحياة البشرية. والأمثلة على القراءات التي تَستخدم الفيلم لفهم البشر من خلال ظروفهم الاجتماعية كثيرة، وتأتي من اتجاهات مختلفة عديدة. كتاب «من كاليجاري إلى هتلر» (????)، هو دراسة سيكولوجية اجتماعية كلاسيكية للأفلام؛ إذ يحاول فيه سيجفريد كراكاور فَهْم الذات الألمانية في الفترة التي سبقت صعود هتلر عبر تحليل أفلام من هذه الحقبة. ففي مطلع الثلاثينيات، أكَّدت أفلام ألمانيَّة بعينها على موقف مناهض للسلطوية، لكنها لم تقدِّم بديلًا اجتماعيًّا بنَّاءً. وفي المقابل، قدَّمتْ أفلام أخرى صورة بَطَلٍ فذٍّ يجسِّد سمات القوة والزعامة والعزيمة، وهي صفات كانت تَرُوق لأمَّة جريحة جرَّاء الهزيمة التي مُنِيَتْ بها في الحرب العالمية الأولى. وبالنسبة إلى كراكاور، كان «مقصورة الدكتور كاليجاري» (ذا كابينت أوف دكتور كاليجاري) فيلمًا مميَّزًا بصفة خاصة؛ حيث تدور قصته حول منوِّم مغناطيسي يقوم بدفْع شاب، تحت تأثير التنويم المغناطيسي، إلى ارتكاب جريمة قَتْل، ما يمثِّل صورة مجازية مثالية للتأثير الساحر الذي كان يُمارِسه هتلر على رفاقه النازيين.
ويقدِّم كتاب «الأفلام: دراسة سيكولوجية» — من تأليف كلٍّ مِن فلفنشتاين وليتس — نموذجًا آخر لتحليل الأفلام الذي ينطلق من علم النفس الثقافي. فإضافةً إلى منظورهما التحليلي النفسي، يقدِّم المؤلِّفان تحليلًا عابرًا للثقافات للأفلام الأمريكية والبريطانية والفرنسية، التي أُنتجت بعد الحرب العالمية الثانية بقليل، يتناولان من خلاله التيمات التي تضمَّنتْها تلك الأفلام بوصفها انعكاسات للشخصية الوطنية لبلدانها.
فبالمقارنة بينها وبين الأفلام البوليسية الأمريكية مثل «النوم الكبير» التي يتم فيها تصوير البطل كشخص بريء يُسقِط دوافعَه العدوانية على التهديدات الخارجية، كانت الأفلام البريطانية من تلك الحقبة مَعنيَّة أكثر ? «خطورة» الميول العدوانية النابعة من الداخل. فهؤلاء الأبطال يخوضون صراعًا ضد الشك الذاتي حتى عندما يكونون أبرياء (على سبيل المثال، «أصبحتُ مجرمًا» (آي بيكيم أ كريمينال)). أما الأفلام الفرنسية من فترة ما بعد الحرب، فقد تميَّزت بموقفها الساخر تجاه العنف؛ حيث العدالة لا تتحقَّق دائمًا والكون تسوده العشوائية؛ ويفسِّر المؤلِّفان هذا الموقف على أنه انعكاس للشعور بالعجز من جرَّاء الاحتلال النازي أثناء الحرب.
أما كتاب «من التبجيل إلى الاغتصاب»، فهو نقد سيكولوجي اجتماعي للأفلام، تتتبَّع فيه مولي هاسكِل صورة المرأة في أفلام السينما الهوليوودية السائدة في مطلع السبعينيات. فهي تذهب إلى أن الافتراضات المعرفية للحضارة الغربية تتسم ? «الكذبة الكبرى»؛ دونيَّة المرأة بالنسبة إلى الرجل. وتعتقد أن هذه الكذبة تتسلَّل إلى كافة المنتجات الثقافية، بما في ذلك الأفلام. وفي أغلب الأحوال، لا يتم التعبير عن هذه الكذبة صراحةً، لكن ثمة فكرة مشوَّهة عن الدونية الأنثوية تكشِف عن نفسِها تحت السطح. فصورة النساء بوصفِهِنَّ مخلوقات (أشياء) جديرة بالتبجيل هي من الصور الشائعة في هوليوود. وتُقدَّم نجمات هوليوود الكلاسيكيات — مثل إنجريد برجمان — على الشاشة كإلَهات، من خلال تقنيات إضاءة تجعلُهنَّ يتوهَّجْنَ، حرفيًّا، بالفتْنة والتألُّق. كما تُقدَّم ممثِّلات أُخرَيَات — بتبجيل — كأمهات نبيلات؛ مثل دالاس (كلير تريفور)، المومِس ذات القلب الذهبي في فيلم الغرب النموذجي «عربة الجياد» (ستيدج-كوتش).
كثيرة هي التناولات التي تُبجِّل النساء في تلك الحقب التي يسود فيها الاعتقاد بأن النساء لديهنَّ عدد أقلُّ من الخيارات مقارنةً بالرجال. ففي ظل هذه الحالة الذهنية، يُفترض أن ثمة حاجة ماسَّة للرجال من أجْل الارتقاء بالنساء إلى مرتبة سامية؛ ذلك لأن هذا أمرٌ لا يستطِعْن القيام به بأنفسهن. وبحسب هاسكِل، تمَّ قلب هذه الصيغة في أفلام الستينيات والسبعينيات، عندما أخذت الحركات النسائية تَقْوَى شوكتُها؛ فقد تحوَّلت هوليوود من تصوير النساء كمخلوقات بريئة، وأمومية، و/أو فاتنة، إلى تصويرهن ككائنات مَعِيبة جدًّا — وذلك بتصوريهنَّ عاهرات، وأشباه عاهرات، ومحظيَّات منبوذات، وعاجزات عن التعبير عن مشاعرهن، وسكِّيرات، وساذجات حمقاوات، ولَعُوبات، وغريبات الأطوار، وعوانس جائعات للجنس، وذُهانيات، وباردات عاطفيًّا، وغافلات كسولات، ولحوحات لا تنقطع مطالبهن.50 وتنظر هاسكِل إلى مشاهد الاغتصاب في الأفلام (على سبيل المثال: ذلك المشهد سيِّئ الذِّكْر من فيلم «كلاب من القش» (سترو دوجز) لسام بيكنباه) بوصفها تعبيرًا متطرِّفًا عن الرغبة في الإبقاء على النساء في مكانهن في وجه التيارات الثقافية المتغيِّرة. تنطلق معظم الأمثلة على التفسيرات الأيديولوجية للأفلام التي استعرضتُها حتى الآن، من تمثيلات لأنماط معينة من الشخصيات؛ ومن ثَمَّ تعمد إلى استخلاص نتائج عن الشخصية الوطنية. أتلك هي الطريقة التي تريدها هوليوود؟ إن هذه المقارَبة تضع الدافع للفعل على عاتق الفرد، وكما ذهب روبرت راي، فإن إحدى أهم السمات الثقافية والسيكولوجية الكاشفة في سينما هوليوود هي تشجيعها لخرافة النزعة الفردية التي لا تعرف حدودًا مَهْمَا يكن الثمن: «تقضي المسلَّمة المضمَرة [لهوليوود] بوجوب تحويل جميع المعضلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى ميلودراميات شخصية.»51 فقلق أمريكا بشأن التدخل في الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، يتم احتواؤه في تردُّد ريك (همفري بوجارت) في مساعدة فيكتور لازلو (بول هنريد) في فيلم «كازابلانكا». وتقريبًا كل الأفلام الأمريكية يجب أن تنبني حول عدد قليل من النجوم الذين يُحدِّدون حركة الأحداث في الفيلم بأكمله. وبينما يصعب على الكثير من الأمريكيين أن يتخيلوا أيَّ بديل لهذه الصيغة، فإن الأفلام الروسية المبكِّرة مثل فيلم «المدرَّعة بوتمكين» (باتلشيب بوتمكين) لآيزنشتاين، الذي يبني حبكته حول حدث تاريخي وليس حول شخصيات معينة، تقدِّم نغمة مغايرة. وعندما عُرض الفيلم في الفصل الدراسي المخصَّص لاستطلاع الآراء، الذي كنتُ أقوم بتدريسه لطلاب الجامعة، كان الأمر مختلفًا على نحوٍ مُذْهِلٍ عن بقية الأفلام؛ حيث سادت حالة أقرب إلى النفور بين الطلاب؛ ليس لاستيائهم من السياسة السوفييتية، لكن لأنهم وجدوا افتقار الفيلم لوجود بطل أمرًا غير مقبول تقريبًا.
(?) المشاهِدون في الأفلام

بينما استحوذتِ السينما منذ انطلاق التكنولوجيا على اهتمام الدارسين، فإن السنوات الخمسين الأولى من الأبحاث السينمائية أنْتَجَها أفراد تلقَّوْا تدريبًا في تخصُّصات أخرى (الأدب، علم النفس، فلسفة الجمال، إلخ) قرَّروا أن يركِّزوا اهتمامهم على الأفلام باعتبارها موضوعَ دراسة متميِّزًا. وهذا المَيْل لدَى الباحثين لاتِّخاذ السينما ? «عمل إضافي» مستمرٌّ إلى يومنا هذا؛ فالعديد من نماذج التفسير التي استعرضناها أنتجها علماء نفس، أو محلِّلون نفسيون، أو نُقَّاد ثقافيون من خارج المجال الأكاديمي. وفي المقابل، ظهر مجال بحثي خاص بدراسات الفيلم يحتلُّ فيه الفيلم مكان الصدارة.52 ويُشير العديد من النُّقَّاد إلى قيام أندريه بازان بتأسيس الدورية المؤثِّرة «كراسات السينما» في الخمسينيات باعتباره إيذانًا بمَوْلِد حقْل مستقلٍّ للدراسات السينمائية. وكما يمكننا أن نرى من عنوان أشهر أعمال بازان «ما السينما؟» وجد دارسو الأفلام بادئ ذي بدء أنه من الأهمية بمكان التمييز بين طبيعة الفيلم وما عداه من الأشكال الفنية. فأهمية الأفلام لا تكمن فقط فيما تتناوله (المحتَوَى)؛ فطرائق تصوير الفيلم (التأطير، حركة الكاميرا، المونتاج، إلخ) وإنتاجه وتوزيعه لها القَدْر نفسُه من الأهمية. عندما بدأتُ دراستِي لمقرَّرات دراسات الفيلم في المرحلة الجامعية، كنتُ أجتهد لفهْم التوجُّه المركزي للفيلم. وباعتباري متخصِّصًا طَمُوحًا في علم النفس، أردتُ أن أتحدَّث عن الشخصيات وعمَّا تقوم به من أفعال. وبالتركيز على الجوانب الأسلوبية للفيلم، كان ما يهمُّني عادةً هو طريقة تلوُّن سلوك الشخصية بعناصر «الميزانسيه» (الأشياء التي أمام الكاميرا؛ مثل الممثلين، والأزياء، والمكياج، والديكور، والإضاءة). غير أن أساتذتي كانوا يهتمُّون بأشياء أخرى؛ الطريقة التي تتحرَّك بها الكاميرا عرضيًّا من أحد جوانب الحجرة إلى الجانب الآخَر، أو نَقْلة مونتاجية سريعة بين النهار والليل. ومن اللافت للانتباه أنه عندما كان يتمُّ التأكيد على عناصر الميزانسيه، فإنها كانت على الأرجح أشياءَ مثل مرآة، أو إطار نافذة، أو منظارين. وكثيرًا ما مررت بتجربة مشاهدة فيلم مليء بمشاهد تفيض بالمشاعر الإنسانية، غير أن الشيء الوحيد الذي كان يُثِير اهتمام أستاذي، فيما يبدو، هو لَقْطة لا تَزِيد عن ثانيتين اثنتين لشخص يُحدِّق في مرآة يدوية. وفي النهاية أدركتُ أن أشياءَ مثل المرايا وإطارات النوافذ والمناظير هي، في عُرْفهم، التي تعبِّر عن الخصائص الشكلية الأساسية للفيلم؛ «الأفلام هي مرآة الواقع»، و«الفيلم إطار لعالمنا»، و«السينما أداة للرؤية.»
لقد كانت مقارَبتي الساذجة تلك نوعًا من «الموضوعية»؛ إذ كنتُ أتعامل مع الأفلام بوصفها أشياءَ أستطيع إخضاعَها للتحليل. ومن ناحية أخرى، كان أساتذتي، بعدَ عُقُود من السوابق البحثية، يستخدمون مقارَبة أكثر «ذاتيَّةً» يحاولون من خلالها «الدخول» إلى الفيلم لتحديد الآلية الانعكاسية التي يعمل بها. وأدركتُ في النهاية أن هذه الأنواع من التحليلات كانت محاولات للرَّبْط بين المكوِّنات الأسلوبية للفيلم وبين تجربة المشاهَدة ذاتها؛ ومن ثَمَّ الاقتراب بدراسات الفيلم من علم النفس، لكن بطريقة لم أفطن لها في البداية. وفي النهاية سألتُ مرشدي في مجال دراسات الفيلم عن الصلة بين علم النفس والأفلام. وكانت الكلمة الأولى التي تَفَوَّه بها «لاكان».
جاك لاكان هو محلِّل نفسي فرنسي، كان لتركيزه على النظرية الفرويدية في فترةِ ما بعدَ الحداثة تأثير هائل على دراسات الفيلم منذ السبعينيات. فتَحْتَ قيادة كريستيان ميتز، قام العديد من دارسي الفيلم بالدَّمْج بين التحليل النفسي اللاكاني، فضلًا عن المقاربات الأيديولوجية والنِّسْويَّة والسيموطيقا (دراسة العلامات)، وبين نظريات تفسير الفيلم التي هَيْمَنتْ لعقود على دراسات الفيلم.53 وفي حين أن هناك الكثير من الاختلافات بين تلك النظريات، فإنها جميعها تَستخدم تفسيرًا نصيًّا دقيقًا للوصول إلى فَهْم أفضل لخبرة المشاهدين. وتتميَّز تلك المقارَبات باحتوائها على بُعْد سيكولوجي واضح، كما أنها تندرج جميعها تحت عنوان «نظريات المشاهدة». ثمة عَلاقة لافتة للنظر بين العمل على نظرية المشاهَدة في دراسات الفيلم وبين المقارَبات التفسيرية التي استعرضناها في هذا الفصل. وقد تسبَّب اعتماد دراسات الفيلم على لاكان في تنظيراتها السيكولوجية في ظهور هُوَّة عميقة بين الباحثين مقارنةً بالمقاربات التحليلية النفسية التقليدية في تحليل الأفلام. فمعظم الأطباء النفسيين الأمريكيين لم يسمعوا حتى به،54 ونتيجة لذلك، نشأ لديهم مَيْلٌ لأنْ يَجِدوا نظرية الفيلم المعاصِرة عصِيَّة على الفَهْم.55 وعلى الجانب الآخر، يبدو أن وعي دراسات الفيلم بما يحدث في الطب النفسي الأمريكي المعاصر محدود للغاية. فأنا ما زلت أتذكَّر الدهشة التي اعترتْ أستاذًا في مجال دراسات الفيلم عندما أخبرتُه أن المفاهيم الفرويدية حول حَسَد القَضِيب وقَلَق الخِصاء لا تشكِّل جزءًا محوريًّا من علم النفس المعاصر (أو حتى العلاج الديناميكي النفسي)، وذلك بالنظر إلى شيوعها في التفسيرات التحليلية النفسية للفيلم. لعلَّ السمة المميِّزة التي تستقيها نظريات المشاهَدة من لاكان هي تركيزها على الالتباس. فرغم أن نظريات فرويد وماركس يمكن النظر إليها باعتبارها مُساءلة للواقع «الظاهر»، فإن كِلَا المُنظِّرَيْن يقدِّمان تحليلاتهما الأيديولوجية والتحليلية النفسية باعتبارها «بدائل» للرؤية الساذجة للواقع. أما لاكان وغيره من منظِّري ما بعد الحداثة، فيأخذون هذه النزعة الشكوكية لخطوة أبعدَ، وذلك بالاستغناء، جوهريًّا، عن أي أساس للواقع يمكن الاعتماد عليه.56 ومن هنا، يمكن للتفسيرات التي تتم في إطار هذه التقاليد أن تكون حافلة برُوح الدعابة بصورة مُبهِجة أو مُبهَمة على نحوٍ يُثير الجنون، بحسب الحالة المزاجية للقارئ. ورغم ما تتَّسم به دراسات المشاهَدة من تعقيدات، يمكن العثور على العديد من مكوِّناتها السيكولوجية الأساسية في أربع عمليات مقتَرَحة تشكِّل طرقَ ارتباط المشاهدين بالفيلم: التماهِي: يتَمَاهَى (أو يتقمَّص) المشاهِدون مع عناصر بعينها في فيلم ما (إحدى الشخصيات، عادةً) ويعيشون عالَم الفيلم كما لو أنهم بداخله؛ لكنهم، على مستوًى آخَر، يعرفون أنهم ليسوا جزءًا من الفيلم، وأن الفيلم غير واعٍ بهم.
التلصُّص: لأن المشاهدين يُشاركون في الفيلم، وفي الوقت نفسِه منفصلون عنه، تنشأ مسافة بينَهم وبينَه تكون، في آنٍ واحد، مَدْعاةً للإحباط (كونها منقوصة) وللسرور (كونها محتواة وآمنة).
الفتيشية: تتحوَّل الخصائص التقنية للفيلم (منظر غروب مصوَّر بطريقة جميلة، أو لقطة بانورامية شاملة) إلى أشياء محبَّبة إلى النفس حتى لو كنَّا، في نهاية المطاف، عاجزين عن امتلاك ما هو معروض أمامنا فحسب (الغروب ذاته).57
الرفو: تقدِّم الأفلام سلسلة من فضاءات فيزيائية غير مكتملة بطريقة أو بأخرى (تشير حدود الشاشة إلى واقع أوسع غير مسموح للمشاهِد بالاطِّلاع عليه). ولكي يتمَاهَى المشاهِدون مع الفيلم، يتعيَّن عليهم قبول هذا الواقع السردي غير المكتمل باعتباره واقعَهم الخاص من خلال «رفو» (أو إكمال) العناصر المفقودة من أجْل خَلْق تجربة موَحَّدة حيث لا وجود لشيء كهذا (على سبيل المثال: مواصلة الاستغراق في فيلم ما بعد قَطعة مونتاجية تنقل الحدث بغتةً من كاليفورنيا إلى نيويورك). تحاول بعض الأفلام جَعْل عملية الرفو تلك أكثر سلاسةً بينما تتحدَّى أفلام أخرى، مثل «مضطرب العقل» (سايكو)، الجمهورَ بالإكثار من تغيير منظور الشخصية والامتناع عن تقديم أجوبة لما يبدو أن الفيلم يطرحه من أسئلة.58
تشكِّل مفاهيم التلصُّص والتماهي والفتيشية والرفو مكوِّنات استعارة مفضَّلة في مجال التحليل الأكاديمي للفيلم، تُسمَّى «التحديقة» أو «النظرة». تُشير التحديقة إلى واقع أنه عندما تقوم كاميرا الفيلم بالْتِقاط صورةٍ ما، فإنها تفعل ذلك من منظور أو زاوية نظر معينة. وهذا المنظور هو بالضرورة منظور المشاهِدين أثناءَ عملية المشاهدة. ومن هنا، يتعيَّن على الجمهور تبنِّي تلك التحديقة، التي تغدو نقطةَ استشراف لتجربتهم البصرية في مجملها. يتم إبراز أهمية التحديقة في الأفلام التي تستخدم لقطات تمثِّل زاوية نظر شخصية معيَّنة (أرجحة الكاميرا أثناء قيام إحدى الشخصيات بالعَدْو، قَطْع متبادَل بين لقطة مقرَّبة لأحد الأشياء وردِّ فعلٍ مبالَغ فيه على وجْه إحدى الشخصيات). وبهذه الطريقة، تزداد درجةُ تماهي الجمهور مع تلك الشخصيات التي تتحكَّم بالتحديقة.
تحدث تلك العملية في منطقة ضبابية من الوعي يَشعُر فيها المشاهدون أنهم يفهمون تجربة البطل، وفي الوقت نفسِه «يعرفون» أنهم غير موجودين في تلك الأرض الغريبة التي تَدُور فيها أحداث الفيلم. وتزداد تجربة الجمهور كثافةً من خلال تلك المتعة التلصُّصية المتأتِّية من التطلُّع إلى الحياة الخاصة للآخَرين. وهي متعة يُمكن تحقيقُها فقط من خلال تعليق عدم التصديق عبْرَ رفو مختلف الفجوات السردية معًا. وعندما تكون التجربة الخاطفة لفيلمٍ ما ذي مدة محدودة غيرَ كافية، يمكن للمشاهِد أن يحاول «تجميد» النظرة عن طريق المطالبة بالاستحواذ على الشيء من خلال شغف فتيشي (ملصقات الفيلم) أو إعادة مُشاهدة شبيهة بالأصل (التي أصبحت أكثر سهولةً بفضل التكنولوجيا الرقمية الحديثة).
تَظهَر تلك العلاقة المعقَّدة، والمشوَّشة أحيانًا، بين المُشاهِد والفيلم في أغنية «فتاة براونزفيل» التي شارك في كتابتها بوب ديلن (الذي قام ببطولة وكتابة وإخراج عدد من الأفلام) مع الكاتب المسرحي والسينمائي والممثل سام شيبرد:
شيءٌ ما في هذا الفيلم لا أستطيع إخراجه من رأسي،لكني لا أستطيع أن أتذكر لماذا كنتُ فيه، أو أيَّ دور من المفترض أن أكون قد لعبته،كلُّ ما أتذكَّره هو جريجوري بيك، والطريقة التي كان الناس يتحركون بها،والكثير منهم بَدَوْا كأنهم يحدِّقون فيَّ.«فتاة براونزفيل»، كلمات بوب ديلن، حقوق النشر محفوظة لسبيشيال رايدر ميوزك ????. جميع الحقوق محفوظة. حقوق النشر محفوظة دوليًّا. أُعيدت طباعة الأغنية بإذن
لقد بَرهَنَتِ التحديقةُ على كونها أداةً تحليلية فعَّالة، وأحد تطبيقاتها الأساسية كان في مجال النقد النِّسْوي. ففي مقالٍ كان له تأثير واسع، ترى لورا مولفي أن هوليوود استخدمت التحديقة، إجمالًا، بطريقة منحازة لأحد الجنسين؛ فالشخصيات الذكورية هي التي تتحكَّم في التحديقة، ومن ثم تتحكَّم في سرد الفيلم،59 بينما الشخصيات النسائية موجودة في المقام الأول لكي تكون محلًّا لتحديق الشخصيات الذكورية. ومن ثَمَّ، ينطلق تماهي المتفرِّج مع الفيلم من منظور ذكوري. وتَستخدِم مولفي فكرة فرويد عن قلق الخِصاء لتذهب إلى أن التحديق في المرأة يُثِير القلق؛ حيث تمثِّل بطلة الفيلم، بالنسبة إلى المشاهِدة الأنثى، تذكِرة بما فقدتْه هي، وبالنسبة إلى المشاهِد الذَّكَر، تذكِرة بما يُمكن أن يفقده (حرفيًّا: القضيب. مجازًا: القوة). والسينما السائدة تُسايِر هذا القلق التلصُّصي إما بإنزال العقاب بالمرأة («فتيات سيئات» و«عاهرات») أو تحويلها إلى الفتيشية، وذلك بجعلها نجمة فوق العادة لا تُمَسُّ.60 تدعم مولفي أطروحتَها تلك بأمثلة مأخوذة من العديد من أفلام هيتشكوك التي تعبِّر في آنٍ واحد عن الفتيشية والسادية تجاه النساء. ففيلم «دوار» (فيرتِجو) يخصِّص النصف الأول منه لمتابعة لسكوتي (جيمي ستيوارت) وهو يقتفي أثر الفاتنة المتأنِّقة مادلين (كيم نوفاك). ويستخدم هيتشكوك لقطات تتبُّع طويلة تَلتقط، برِقَّة، جمالَ الشقراء الرائعة ومدينة سان فرانسيسكو. ويتتبَّع النصف الثاني من الفيلم محاولات سكوتي السادية لتحويل جودي، شبيهة مادلين السوقية (تقوم بدورها نوفاك أيضًا)، إلى مادلين نفسها. وبالنظر إلى المتعة التي يستمدُّها المشاهِدون من تلاعُب هيتشكوك بالتحديقة، تذهب مولفي إلى أن هدف أطروحتها هو «تدمير المتعة» عبر الكشف عن الأيديولوجيا المضمَرة المنحازة جنسانيًّا التي تقف وراء الفيلم.61(?) لقطات ختامية: مزايا وعيوب التفسير

ركَّز هذا الفصل على تفسير الأفلام بوصفها نصوصًا؛ أوعية رمزية يمكن تفريغها والكشف عمَّا تحوِيهِ من معنًى. وقد ذهب بعضُ النقاد إلى أنه من الخطأ التركيز على أي شيء عدا النص، وأن التركيز على صُنَّاع الفيلم يُخاطِر بحصر التفسير في حدود ما عساهم كانوا يقصدونه، وهو ما لا سبيل إلى معرفته في الأغلب، وأحيانًا ما يكون مبهمًا وخاليًا من المعنى (المغالطة القصدية). ومن ناحية أخرى، يخاطر التركيز على المشاهدين بالوقوع في فخِّ تجربة شعورية مؤقَّتة تأخذ المحلِّل بعيدًا عن الحقيقة الفعلية التي ينطوي عليها النص (المغالطة الشعورية).62 ثمة عدد قليل للغاية من التفسيرات التي استعرضناها في هذا الفصل، إنْ وُجد، ينجح بالكامل في استبعاد صنَّاع الأفلام والمشاهدين. فبعضها يُحيل إلى دوافع صنَّاع الفيلم (خاصة الدوافع اللاواعية)، والعديد منها — خاصة في القسم المخصَّص لنظرية المشاهدة — يتطرَّق إلى مناقشة تجربة المُشاهد. وحتى عندما لا يكون هناك إحالات واضحة إلى المشاهدين، فإن استخدام مفردات متعلِّقة بميدان علم النفس يقترح وجود «مشاهد ضمني».63 فعندما يُشير النقاد إلى فيلم ما باعتباره «مثيرًا للانزعاج»، يكون من المنطقي أن نفترض أنهم قد شعروا بالانزعاج، أو أنهم يعتقدون أنه من المحتمل أن يصيب بعض المتفرِّجين على الأقل بالانزعاج. فربما يمكن النظر إلى «كل» ما يُعرَض على الشاشة باعتباره انعكاسًا لصناع و/أو جمهور الفيلم. ورغم إمكانية التفسيرات السيكولوجية، فإن بعض علماء النفس ينظرون إلى عملية التفسير السيكولوجي بعين الشك لكونها ليست طريقة تجريبية؛ فالتفسيرات النَّصِّية لا تدرس السلوك البشري؛ ذلك لأنها لا تتضمَّن جَمْع بيانات عن الواقع المادي. بَيْد أن هذه الفكرة عن التجريبية ضيِّقة ولا تصمد أمام النقد. فالأفلام هي منتجات مادية للنشاط الاجتماعي؛ ومن ثَمَّ فإن عملية تفسير الفيلم تتضمَّن ملاحظة المنتج البشري وتحليله عن قرب.
ثمة عدد من الفروق التقليدية بين تحليل الأفلام والطُّرق المستخدَمة في أبحاث الاتجاه السائد في العلوم النفسية والاجتماعية (التجريب، على سبيل المثال)، وهذه الفروق تتمثَّل في: (?) «البيانات» وثيقة الصلة (الأفلام) لا يتم جمعُها بدقة في ظل بيئة متحكَّم بها (وبدلًا من ذلك، فهي تظهر كجزء من عملية فنية تعاونية حُرَّة لا تخضَع لأي قواعد محدَّدة بوضوح). (?) يقوم الناقد عادةً بتحليل عدد محدود من الأفلام؛ ومن ثَمَّ تُثار أسئلة حول مَدَى قابلية النتائج «للتعميم» (فربما كان تحليل الناقد وثيق الصلة بفيلم بعينه فقط، ولا علاقة له بأي جانب آخَر من جوانب الواقع). (?) ثمة أسئلة حول المدى الممكن «للوثوق» بالنقاد (إمكانية أو احتمال وجود العديد من التفسيرات لفيلم ما تُلقِي بظلالها على أي محاولة لإسناد معنًى محددٍ له).64 وعليه فإن ذلك الهدف المثالي المتمثِّل في معرفة «معنى» فيلم ما، ومن ثم التوصُّل إلى حقيقة وحيدة عن العالَم، يغدو في مهبِّ الريح.65 بَيْد أن الالْتباس المتأصِّل في المقاربات التفسيرية للأفلام ليس سببًا كافيًا لتجاهُلِها. ومن هنا، يرى علماء النفس، مثل جيروم برونر، أنه لا سبيل للهروب من عملية إنتاج المعنى في العلوم الاجتماعية، وأنه من الضروري العثور على مقاربات بديلة للطرق التجريبية.66 فبالنسبة إلى برونر، ينبغي على علم النفس السعيُ «لاكتشاف ووصف تلك المعاني — التي يخلقها البشر في مواجهاتهم مع العالم — بطريقة شكلية»، والتركيز على «النشاطات الرمزية التي يوظِّفها البشر، ليس في فهْم العالَم فحسب، بل في فهْم ذواتهم أيضًا.»67 ويرى أنه بينما تلعب الطرق «المنطقية» للرياضيات والعلوم الطبيعية دَوْرًا مؤكَّدًا في عملية صناعة المعنى، فكذلك هي الحال أيضًا بالنسبة إلى الطرق «السردية» في العلوم الإنسانية. فالمنطق والحَكْي هما، على حدٍّ سواء، انعكاسان للذهن البشري.68 وكثيرًا ما يتعيَّن على البشر فهْم معنَى ملاحظات معيَّنة، في مواقف معينة، مع فاعلِين معيَّنين. وهذا بالضبط ما يفعله الأطباء النفسيون عندما يجلسون مع مرضاهم ويحاولون فهْم ما يحدث في حياتهم؛ وهو أيضًا ما يفعله نقَّاد الأفلام عندما يحاولون فهْم فيلم معين. فالموضوع الرئيسي للعلوم الاجتماعية والإنسانية واحد في جوهره، وكِلَا الاتجاهين سيفيدان من التحرُّك أحدهما في اتجاه الآخر. ولا يمكن تحقيق فهمٍ نفسيٍّ كاملٍ للأفلام دون تبنِّي مقاربات تفسيرية/رمزية. في الوقت ذاته، بإمكان التفسير النصي أن يُفيد من أخذ استبصارات العلوم الاجتماعية في الاعتبار. والتحدِّي المحدَّد أمام دراسات الفيلم يتمثَّل في التعامل بجدية مع التجربة الفعلية للمشاهدين وصنَّاع الفيلم. فالانتقال بين تفسير الفيلم وتفسير المشاهِدين يتمُّ بسرعة وسلاسة أكثر مما ينبغي. والتقييد الواضح (على الأقل بالنسبة إلى أي شخص حصل على تدريب في العلوم الاجتماعية) بالاعتماد على مُشاهِد ضمني يتمثَّل في أن دارسِي الأفلام نادرًا ما يُشيرون إلى تجربة شخص حقيقي (مُشاهِد، عامِل تشغيل ماكينة العرض، مُخرِج، ممثِّل أو حتى ناقِد حقيقي).
وأنا أذهب إلى أن المعرفة المتحصِّلة من تفسير أحد النصوص تتقاطَع مع تلك المتحصِّلة من الدراسات التي تتناول المشاهِدين بطريقة مباشرة. ويمكن لمصدَرَيِ المعرفة كلَيْهِما أن يزدادا ثراءً من التفاعل عمدًا أحدهما مع الآخر، بما يتيح الفرصة للمقاربات النصية وتلك التي تعتمد على المشاركة أن تُضيف إلى أسئلة وإجابات المقاربات الأخرى.
(?) قراءات إضافية

Casetti, F. (1999) Theories of Cinema: 1945–1995. University of Texas Press, Austin, TX.
Greenberg, H. R. (1993) Screen Memories: Hollywood Cinema on the Psychoanalytic Couch. Columbia University Press, New York, NY.
Iaccino, J. F. (1998) Jungian Reflections Within the Cinema: A Psychological Analysis of Sci-Fi and Fantasy Archetypes. Praeger, Westport, CT.
Metz, C. (1982) The Imaginary Signifier: Psychoanalysis and the Cinema. Indiana University Press, Bloomington, IN.
Mulvey, L. (1986) Visual pleasure and narrative cinema, in, Narrative, apparatus, ideology, P. Rosen (ed.). Columbia University Press, New York, NY, pp. 198–209.
Wolfenstein, M. and Leites, N. (1971) Movies: A Psychological Study. Hafner, New York, NY.

الفصل الثالث
علم الأمراض النفسية، والعلاج النفسي، وفيلم «سايكو»: علماء النفس ومرضاهم في الأفلام


«عندما يطرق سمعَك مصطلحُ «الاضطراب النفسي»، ما أول صورة تقفز إلى ذهنك؟»
قد تفكِّر في صديق خاض صراعًا مع القلق، أو لعلك عملتَ في مستشفًى كان بعض مرضاه يُعانون من الاكتئاب. بَيْد أنني لن أراهن على مثل تلك الأنواع من الاستجابة. فأول ما سيقفز إلى ذهنك سيكون، على الأرجح، صورة أنتوني بيركنز في دور نورمان بيتس في فيلم «سايكو»، بعينَيْه الداكنتَيْن اللتين تتحرَّكان بعصبية جيئةً وذهابًا بسرعة شديدة. أو لعلك تستحضر شخصية ميلفين يودال التي أدَّاها جاك نيكلسون في فيلم «أفضل ما يمكن الحصول عليه» (آز جود آز إت جيتس)، وهو ينتقي قطعة من الصابون مغلَّفة بطريقة خاصة، ويغسل يديه بعناية شديدة، ثم يُلقِي بالصابونة نفسها في سلَّة المهملات. أو ربما يتراءى لك راسل كرو في دور عالِم الرياضيات جون ناش في فيلم «عقل جميل» (أ بيوتيفول مايند) وهو يجهش بالبكاء على أرضية حمَّامه بعد أن كاد يُغرِق طفلَه حديثَ الولادة.
شكل ?-?: أنتوني بيركنز في دَوْر نورمان بيتس، في فيلم «سايكو» ???? (حقوق النشر محفوظة لأرشيف إيه إف/آلمي).
«عندما تسمع مصطلح «عالِم نفس»، ما أول ما يَخطُر ببالك على الفور؟»
لعلك تتذكَّر استشاريًّا قدَّم لك يدَ العَوْن خلال فترة عصيبة من حياتك، أو أستاذًا درَّس لك عِلْم النفس في المرحلة الجامعية. مرة أخرى، تلك تداعيات محتمَلة، لكنك على الأرجح ستفكِّر في الطبيب النفسي المتبجِّح الذي ظَهَر في نهاية فيلم «سايكو» ليشرح مرة واحدة، وعلى نحو حاسم، ما حدث بالفعل في فندق بيتس. أو لعلك تتخيَّل صورة روبين ويليامز في دور الدكتور شون ماجوير في فيلم «ويل هانتنج الطيب» (جود ويل هانتنج)؛ حيث كان معالِجًا نفسيًّا صادقًا وجيَّاشَ العاطفة بصورة جامِحة إلى حدِّ أنه لا يَجِد غضاضة في خنْق مريضِه الجانح من أجْل كسْب احترام المُجرِم الصغير. أو ربما تستحضر صورة بِن كينجسلي في دور الدكتور جون كولي في فيلم «جزيرة المصراع» (شاتر آيلاند)، مدير مصحَّة للأمراض النفسية الذي يقدِّم نفسَه كشخص عطوف وتقدُّميٍّ، لكنه يُخفِي فيما يبدو وجهًا أشدَّ خطورةً.
شكل ?-?: روبين ويليامز ومات ديمون في دور كلٍّ مِن شون وويل، فيلم «ويل هانتنج الطيب» ???? (حقوق النشر محفوظة لموفيستور كوليكشن (شركة ذات مسئولية محدودة)/آلمي).
نستكمل في هذا الفصل تناولنا لعلم النفس «في» الأفلام، لا سيما تلك الجوانب منه التي تحتل مكان الصدارة في المخيِّلة العامة؛ الاضطرابات النفسية وتلك المتعلِّقة بالعلاج النفسي. وتقدِّم التجربة الذهنية السابقة دليلًا ساطعًا على قَدْرة الأفلام على تشكيل الطُّرق التي يَرَى بها الناس تلك الجوانب من علم النفس. قبل عِدَّة سنوات، عملتُ في مشروع لدراسة صورة اختصاصيي الصحة النفسية في الأفلام، وقد وجدتُه موضوعًا مثيرًا للفضول، لكنه هامشي نوعًا ما بالنسبة إلى علم النفس الإكلينيكي، وإلى حدٍّ كبير مجرَّد ذريعة للجمع بين اهتمامي بالأفلام وعملي العيادي، فضلًا عن مشاهدة الكثير من الأفلام في هذه الأثناء. ومنذ ذلك الحين، نَمَا لديَّ اعتقاد أن صورة علم النفس في وسائل الإعلام ذات أهمية بالغة بالفعل، وذلك بالنظر إلى تأثيرها على الطريقة التي يَفهَم بها قسمٌ هائل من الجمهور العام علمَ النفس، مهما كانت الآثار المترتبة على ذلك.
(?) صور الاضطرابات النفسية

يحملنا التفكير بالاضطرابات النفسية إلى تلك الحافة المُخِيفة لآلية عمل النفس البشرية؛ حيث البشر «يُخطئون» التصرُّف، ولا يتصرَّفون بالطريقة التي يُريدها منهم الآخرون، و/أو تلك التي يعتقدون أنه يتعيَّن عليهم التصرف بها. إنَّ مملكة الاضطرابات النفسية أو «الجنون» هي الجانب المُظلِم المحتوم لمجال الصحة النفسية، فلولا احتمال وقوع اضطرابات نفسية، لما أصبح مجال الصحة العقلية أمرًا ضروريًّا.
من المؤكَّد أن الجنون مملكة يَجِد فيها صُنَّاع الأفلام، على ما يبدو، متعةً خاصة، والفيلم وسيلة ممتازة لتجسيد تلك المملكة تجسيدًا حيًّا. وشخصية الجوكر في فيلم «فارس الظلام» (ذا دارك نايت) مثال ممتاز على ذلك؛1 فالممثل هيث ليدجر (الذي حصل، عقب وفاته، عن دَوْرِه فيه على جائزة أوسكار لأفضل ممثِّل مساعد)، والمخرج كريستوفر نولان، وبقية صُنَّاع الفيلم، قاموا جميعُهم بحشْدِ ما بحوزتهم من وسائل تقنية ورمزية لتجسيد جنون الجوكر. فنجد أولًا أن الطريقة التي تتحدَّث بها عنه الشخصيات الأخرى في الفيلم تُوحِي بذلك؛ حيث يستخدمون مفردات مثل «غريب الأطوار»، «مجنون»، «قاتل سيكوباتي»، و«رسول الفوضى». أضِفْ إلى ذلك ما يتَّسِم به مظهرُه الخارجي من غرابة (شعر أخضر أشعث، بدلة ذات لون أرجواني فاقع، وجْه مطلي بالأبيض، فضلًا عن لطخات من أحمر الشفاه حول شفتيه المجروحتين)، وهو ما يتم إبرازه من خلال لقطات مُكبَّرة وزوايا كاميرا غريبة. وكثيرًا ما يكون ظهورُه مصحوبًا بموسيقى متنافرة النغمات، مع التأكيد على ما يمثِّله من فوضى عبر مونتاج سريع ومُربِك يُستخدَم كثيرًا في المشاهد التي يَظهَر فيها. إن جنونه «محدَّد بشكل مضاعف»؛ أيْ إنه يستحيل على أيِّ شخص ألَّا يُلاحِظه. لا جدال في أن تجسيد شخصية الجوكر في «فارس الظلام» كان آسِرًا وأدخَل الفيلم في زمرة الأفلام الجيدة الصُّنع. ولكونه أَبْرَزَ ملامحَ فيلم من الأفلام التي حقَّقت أعلى الإيرادات في تاريخ السينما، حَظِي الجوكر بمشاهدة مئات الملايين من المتفرِّجين من جميع أنحاء العالم. وهو، بالطبع، ليس التجسيد السينمائي الوحيد للجنون المُتَاح للاستهلاك الجماهيري؛ فقد حَظِيتْ تلك التجسيدات باهتمام واسع من جانب علماء النفس والأطباء النفسيين. وكتاب «جنون وسائل الإعلام: الصور العامة للمرض النفسي» لأوتو وال، يذكر ما يزيد على ??? فيلم روائيٍّ، تمَّ تسويقُها للجمهور صراحةً باعتبارها أفلامًا عن المرض النفسي.2 إن المرض النفسي قضية محلُّ جدل واسع: ما طبيعته؟ مَن المخوَّل بتشخيصه؟ كيف يجب التعامُل معه؟ وحتى ما التسمية التي يجب أن نُطلِقها عليه؟3 لا عجب إذن أن يُثار جَدَلٌ واسع حول طريقة تصوير المرض النفسي دراميًّا في الأفلام والوسائط الأخرى؛ فلقد ظلَّ الأطباء النفسيون وعلماء النفس وغيرهم من اختصاصيي الصحة النفسية، لزمن طويل، يشعرون بالقلق ممَّا تتَّسم به تلك النوعية من الصور من مبالغة، وتناقُض، وعدم دقَّة، فضلًا عن تأثيرها المدمِّر المحتمَل على مَن يعانون من مشاكل نفسية حقيقية، وعن كونها تُعرقِل ما يَبذُله اختصاصيو الصحة النفسية من محاولات لعلاج أناس أظهَرَ التشخيص أنهم يعانون من مثل تلك الاضطرابات. فمع اقتحام الجوكر، بتصرُّفاته العنيفة، وأطواره الغريبة، ووجهِه الشائه، للوعي العام، بدأ اختصاصيو الصحة النفسية يَقلَقون من أن هذه الصورة صارت تمثِّل الآن «مصدرًا لإنتاج المزيد من الصور المسيئة».4 يروق لصُنَّاع الأفلام التلاعُب بالسلوكيات المرتبطة بالمرض النفسي. فهم يعملون في مجالٍ يقوم على الإثارة وبَيْع التذاكر، ويعرفون أن غالبية الجمهور ليسوا علماء نفس، ومن ثم لن يعترضوا على ما يشوب صور الأفلام من عدم الدقَّة، بَيْد أن عدم الدقة هذه والانحرافات عن الواقع تُثير انزعاجًا كبيرًا بين المشاهدين المشتغلين بعلم النفس.
لا يحتاج المرء إلى المضيِّ بعيدًا لكي يعثر على أمثلة للأفلام التي تتحرَّر من مقتضيات الواقع عندما يتعلَّق الأمر بالمرض النفسي. فالأفلام الكوميدية التي تتسم بالفجاجة والسوقية مثل «أنا ونفسي وآيرين» (مي، ماي-سيلف، آند آيرين) لديها رغبة شديدة في السخرية من كلِّ صور الضعف البشري، في حين أن أفلام الرعب لديها رغبة شديدة في استغلال كل المخاوف الإنسانية. وينطبق هذا أيضًا على الجوكر. فأنا لم أرَ ولم أسمع قط عن مريض واحد مثله، وعلى قناعة كاملة بأنه لا يوجد في كتب علم النفس حالة واحدة لزعيم عصابة يرتدي زيَّ مهرِّج ليُدير أعماله.5 بإمكاننا العثور على تجسيدات غير دقيقة للمرض النفسي، حتى في أيقونات سينمائية راسخة مثل نورمان بيتس. فقد احتلَّ «سايكو» المرتبة الرابعة عشرة في قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل الأفلام في تاريخ السينما (انظر الملحق «ب»)، فضلًا عن أنه فيلمي المفضَّل.6 لكننا مهما حاولنا توسيع خيالنا، فلن نجد في الفيلم تجسيدًا واقعيًّا لصورة معروفة من صور المرض النفسي. إن هذا التأكيد يتعارض مع الانطباع الذي تعطيه نهاية الفيلم، عندما يَظهَر الطبيب النفسي فريد ريتشمان (سايمون أوكلاند) فجأةً «فقط ليشرح» سلوك نورمان لجمهور من المفترض أنه يُعاني من الحَيْرة؛ فيوضِّح أن الحالة التي يُعانِي منها نورمان هي اضطراب تعدُّد الشخصية كما كانت تُسمَّى في ذلك الوقت، أو اضطراب الهُوية الانشقاقي، كما يُسمَّى الآن.7 فنورمان قام — بحسب الدكتور ريتشمان — بتجسيد كلٍّ مِن شخصيته وشخصية أمِّه. فبَعدَ أنْ قَتَلَها هي وعشيقَها في ثورة غَيْرةٍ، قام بإخراج جثَّتها من القبر وتحنيطها، ثم بدأ في الانخراط في محادثات مع الجثَّة، متنقلًا بين صوته الخاص ومحاكاة لصوت أمِّه. فالأمر — بحسب الدكتور ريتشمان — مفهوم تمامًا (رغم أن تفاصُحه الكاريكاتوري دليل على أنه ينبغي ألَّا يؤخَذَ على مَحمَل الجد). والواقع أن سلوك نورمان بيتس يُخالِف المعايير التي وضَعَها الطب النفسي لمرض اضطراب الهُوية الانشقاقي في العديد من النقاط الجوهرية: (?) المصابون باضطراب الهُوية الانشقاقي «لا» يُحاكون شخصيات أفراد بعينهم يعرفونهم؛ فقد يتقمَّصون شخصيات متنوِّعة لكن ليست شخصية أحَدٍ موجود بالفعل. (?) الشخصيات المختلفة لا تتحدَّث بعضها مع بعض (والحقيقة أن الفكرة الأساسية في الانشقاق تتمثَّل في أن الأجزاء المختلفة تكون منفصلة بعضها عن بعض وتتجنَّب التفاعُل فيما بينها، وفي بعض الحالات لا تتشارك حتى في الذكريات). (?) الأشخاص المصابون باضطراب الهُوية الانشقاقي بوجْه عام ليسوا ذُهانيين (لا يعانون من انفصال كبير عن الواقع)، وعلى الأرجح لن يُصدِّقوا أن هناك جثَّة محنَّطة تسري فيها الحياة.8 لا يبدو أن هيتشكوك معنيٌّ بوجه خاص بتوخِّي الدقة في العديد من مستويات الواقع؛ سواء من حيث معايير التشخيص النفسي؛ أو الأحداث في حياة مصادر الإلهام الواقعية للفيلم؛9 أو حتى عادات موظَّفي الفنادق الذين يعملون في الورديات الليلية.10 ومن هنا، فإننا لو حَكَمنا على فيلم «سايكو» وفق تلك السمات الواقعية، لأمكننا اعتباره عملًا فاشلًا. لكن، بالنظر إلى هدف هيتشكوك المعلَن (اللعب على الجمهور «باعتبارهم آلة أرغن»)،11 فإن الفيلم حقَّق نجاحًا ساحقًا (وإن كان ذلك بطريقة سادية). تنطوي الأفلام من نوعية «سايكو» على نوع من المقايضة؛ ففي سعْيِها إلى رفْع الحِدَّة «الدراماتيكية» للاضطرابات النفسية، تعمد تلك الأفلام إلى تشويه الواقع «المادي». وهناك مجموعة محدَّدة من الصور المشوَّهة لأمراض نفسية حقيقية استخدمها صنَّاع الأفلام بكثرة، يمكن تصنيفُها في عدد من أنماط الشخصية:12 القاتل المهووس: كثيرًا ما يُقدَّم نورمان بيتس باعتباره نموذجًا للقاتل المهووس في السينما الحديثة، بَيْد أن هذه الشخصية تبلغ ذروة الإفراط في التبسيط مع شخصية مايكل مايرز، وهو مريض عقلي هارب يرتكب جرائم قتْل لأسباب عشوائية تمامًا، في فيلم «عيد الهلع» (هالووين). ويعمد فيلم سلاشر هذا إلى استغلال الخوف من كون الآخرين يمثِّلون خطرًا محتمَلًا علينا، حتى لو لم نفعل لهم شيئًا. بَيْد أن هذا يتعارض مع واقع أن أغلب المرضى النفسيين ليسوا عنيفين، وإن وُجد بينهم مَن يتصرَّف بعدوانية فإن ذلك السلوك في الأغلب يكون موجَّهًا نحو الأشخاص المسئولين عن رعايتهم (الأسرة، الممرضات، إلخ)، وليس تجاه غرباء عشوائيين.
المستنير ذو الروح الحُرَّة: هذا النمط هو، إلى حدٍّ ما، النقيض لتصوير المريض النفسي بوصفه شريرًا؛ حيث يقدِّم صورة للمريض النفسي باعتباره شخصًا خارقًا مقارنةً بالأشخاص «العاديين»، من حيث كونه أكثر حُرِّيَّةً وإبداعًا، ويفيض أكثر بالحياة. وبالإمكان العثور على أمثلة عديدة لهذا النمط في الفيلم الفرنسي الكلاسيكي «ملك القلوب» (كينج أوف هارتس)، وفي الأفلام الأمريكية مثل «أحدهم طار فوق عش المجانين» (وَن فلو أوفر ذا كوكو نيست) و«باتش آدامز». وفي حين أن ثمة شيئًا ما جديرًا بالإعجاب في محاولة إظهار وجود ميزة حيث يرى الآخرون مرضًا، فإن طريقة تصوير «الروح الحُرَّة» قد تبدو ساذجة. فأي شخص أمضى ولو وقتًا قليلًا مع أناس شُخِّصت إصابتهم بمرض نفسي، بإمكانه أن يُميِّز المَدَى الذي تَبلُغه معاناتُهم بحقٍّ.
الغاوية: يُشير هذا النمط إلى المريضة النفسية الشهوانية13 التي — إضافةً إلى أيِّ اضطرابات أخرى قد تُعاني منها — تتباهَى باستعراض جاذبيَّتها الجنسية على كلِّ المحيطين بها، بمَن في ذلك القائمون على رعايتها. ففي فيلم «ليليث»، تؤدِّي جين سيبيرج دور امرأة غاوية تدمِّر الحياة المهنية لطبيب شابٍّ يلعب دورَه وارن بيتي. وفي وقت لاحق، فازتْ أنجلينا جولي بجائزة الأوسكار عن تجسيدها شخصية ليزا، وهي رسول فوضى مفعمة بالشهوانية في فيلم «فتاة، قوطعت» (جيرل، إنترَّبتِد). تلك التجسيدات يبدو أنها تطمس ذلك الخط الفاصل بين المعاناة المرتبطة بالمرض النفسي وقلقنا الثقافي من المبالغة في التعبير عن الميول الجنسية.
الطفيلي النرجسي: كثيرًا ما لا يكون لدى المرضى النفسيين غير المقيمين بالمستشفيات، كما تصوِّرهم الأفلام، أيُّ مشاكل حقيقية سوى حاجة مُطلَقة العنان لجذب الانتباه. يُؤدَّى هذا النمط بطريقة ساخرة في فيلمَي «آني هول» و«مانهاتن» لوودي آلِن؛ حيث نجد الشخصيات الرئيسية، رغم ما يتمتعون به من كفاءة في العديد من جوانب الحياة، يتردَّدون بانتظام على جلسات للعلاج النفسي ليجهشوا بالبكاء شاكِين من حياتهم العاطفية غير المشبعة. وبهذه الطريقة يتم تقديم المشاكل النفسية باعتبارها مجرد عيوب بسيطة في الشخصية.
وعلى عكس تلك التجسيدات المشوَّهة والمغرِقة في الدراماتيكية، ثمة أفلام تكاد تصيب الهدف تمامًا فيما يتعلَّق بالدِّقة التشخيصية.14 ففي كتاب «الطب النفسي في السينما: صور المرض النفسي في الأفلام»،15 قام ديفيد روبنسون (????) بتطوير مقياس للتقييم وقائمة تضم ??? فيلم يعتقد أنها تقدِّم تشخيصات دقيقة نسبيًّا (رغم أنها لا تتَّسم بالضرورةً بالكمال) باستخدام معايير تشخيص رسمية:16 الاضطراب النفسي الناتج عن استخدام عقَّار الأمفيتامين: يقدِّم فيلم «مرثية حلم» (ريكويام فور أ دريم) صورًا واقعية ومُزعِجة لتعاطي المواد المخدِّرة من خلال أربع شخصيات رئيسية؛ حيث يتم تجسيد تلك الأخطار والتدهورات المرتبطة بتعاطي الهيروين من خلال الشخصيات الأصغر سِنًّا، لكن شخصية سارة جولدفارب (إيلين برستين)، وهي أمُّ أحد المدمنين، تسترعي الاهتمام بوجه خاص؛ فهي تسقط في هُوَّة الإدمان (في صورة حبوب الحِمْيَة) لكي تتمكَّن من ارتداء فستان ضيِّق من أجْل الاشتراك في برنامج ألعاب تليفزيوني. ويتسبَّب اعتمادُها المتزايد على تلك الحبوب في تداعيات مدمِّرة على صحتها البدنية والنفسية. ويصوِّر الفيلم سقوطَها المتسارِع في هُوَّة الإدمان بطريقة حيَّة مؤثِّرة في مشهد يصوِّر تعرُّضها لهجوم من الأجهزة الكهربائية في منزلها عليها، بعد أن دبَّتْ فيها الحياة بطريقة مروِّعة.
اضطراب الشخصية الحَدِّيَّة: تَعَرَّض فيلم «انجذاب قاتل» (فيتَل أتراكشن)، الذي حقَّق إيرادات هائلة، لانتقادات بسبب ما قدَّمه من معيار مزدوج فيما يتعلَّق بالعلاقات الغرامية خارج نطاق الزواج. فالزوج الخائن يتم تصويرُه بطريقة متعاطِفة، بينما «المرأة الأخرى» تُقدَّم كقاتلة مجنونة، متعطِّشة للثأر. بَيْد أن أداء جلين كلوز استطاع أن يصوِّر ما تنطوي عليه شخصية أليكس فوريست من تقلُّبات وتناقضات، ويُعَدُّ مثالًا بارزًا على التقلُّبات الحادة التي تُميِّز اضطراب الشخصية الحَدِّيَّة (الميول الانتحارية، التشوُّش، نَوْبات الغضب العارم، إلخ). فإدراك أليس المضطرب لذاتها ينعكس في علاقاتها المضطربة مع الآخرين، خاصة في علاقتها مع الزوج الخائن مايكل دوجلاس. وهناك شيء من الدقة في الطريقة التي يتبدَّل بها سلوكها بين الابتعاد الرصين والتعلُّق المفرط، معبِّرة عن الإخلاص أولًا ثم تنفجر في ثورات غضب.
الشرود الانفصالي: يبدأ فيلم «باريس، تكساس» بمشهد يُصوِّر ترافيس هندرسون (هاري دين ستانتون) خارجًا من صحراء تكساس سيرًا على الأقدام، ولديه على ما يبدو فكرة شاحبة عن هُويَّته، بلا أيِّ ذكريات عمَّا فَعَلَه في العَقْد المنصرِم. وبينما يحاول ترافيس استعادة الصلة مع حياته السابقة، خاصةً مع ابنه، الذي يعيش مع أخي ترافيس وزوجته، لا يعرف الجمهور الشيء الكثير عمَّا حدث لترافيس أثناء «شروده» (فترة من الترحال بلا هدف مصحوبة بفقدان ذاكرة). فنعرف أن تلك الواقعة نتجت عن حادثة قامت فيها زوجته التي تصغره في السنِّ بإضرام النار في الكَرَفان الذي يسكنانه ردًّا على سلوكه المهين وغَيْرَتِه المَرَضيَّة. تلك الفجوة المُزعِجة والثابتة في ذاكرة ترافيس، والصعوبة التي يواجهها في التواصل عاطفيًّا مع ظروفه الحالية، والحدث الاستهلالي المفجِع، تشكِّل جميعُها خصائص مميِّزة لهذا الاضطراب النادر والمبهِر أيضًا.
أودُّ أن أضيف، بصورة شخصية، لهذه القائمة من التجسيدات السيكولوجية الرائعة، الأعراض الفِصامية لجون ناش (راسل كرو) في فيلم «عقل جميل». ورغم أن الفيلم قد تعرَّض لعدد من الانتقادات المشروعة بسبب طريقة تناوله للعلاج النفسي لناش،17 فإنه نجح، من خلال أداء كرو وطريقة بنائه، في تصوير أعراض الأوهام والهلاوس بطريقة جيدة تدعو إلى الإعجاب. عندما شاهدتُ الفيلم للمرة الأولى (ولم أكن قد قرأتُ الكتاب)، انتابني شعور بالانزعاج عندما بدأ ناش يتورَّط في عملية التجسُّس السرية. ولأنني كنتُ أعرف أن الفيلم مأخوذ عن قصة واقعية، فقد صدمَتْني مطاردات السيارات وعمليات تبادل إطلاق النار بعدم واقعيتها، فخمَّنتُ أن صنَّاع الفيلم أضافوا بعض مشاهد الحركة لأنهم شعروا أن استعراض معاناة شخص مصاب بالفصام لم يكن مثيرًا بما يكفي. وعندما انكشفَتْ ملابسات الحبكة، أدركتُ — شأن بقية المشاهدين — أنني أنا أيضًا قد خُدعتُ وصدَّقتُ أن قصة التجسُّس بكاملها كانت حقيقية، ولم أفطن إلى أنها جزء من النسق الهذياني لناش. والسبب في انخداعي هو أن أحداث الفيلم (التي تكشَّفتْ عن كونها هذيانات متخيَّلة) بَدَتْ مُقنِعة إدراكيًّا كما كانت ستبدو إن كانت حقيقية. تلك هي، على وجْه الدقة، الطريقة التي تتبدَّى بها الهذيانات (الاعتقادات الزائفة) والهلاوس (الإدراكات الزائفة) لحواس ومشاعر الفِصاميين — فهي تتمتَّع على مستوى الإدراك بالخواص الفيزيائية نفسِها التي تملِكها الأحداث والصور الحقيقية. ولْتتخيَّلْ شخصًا يحمل زهرة قرنفل ووردة، ويُصرُّ على أن إحداهما حقيقية والأخرى من نسج خيالك؛ كيف سيسعك أن تقرِّر أن إحداهما هي هذه، والأخرى هي تلك؟ يتلاعب «عقل جميل» بالخواص الإدراكية للسينما بهدف استثارة تجربة مفعَمة بالحياة لكن لا يمكن الوثوق بها، بطريقة تضاهي تجربة المصابين بالفصام.18(?) تمثيلات علماء النفس والعلاج النفسي

كتاب «الطب النفسي في السينما» (????) لجابارد وجابارد، هو دراسة شاملة للطرق العديدة التي يتفاعل بها الطب النفسي وعلم النفس والتحليل النفسي مع الأفلام؛19 حيث يحتوي ملحق الكتاب على قائمة تضم ما يزيد على ??? فيلمًا روائيًّا؛ بدايةً من عام ????م (الفيلم ذو العنوان المثير «مصحَّة الدكتور سخيف» (دكتور ديبيز سانيتريام)) حتى عام ????م، وتجسِّد هذه الأفلام شخصيات تعمل في مجال الصحة النفسية.20 فمِن الواضح أن هوليوود مولَعة بالعلاج النفسي والأطباء النفسيين.21 يعمد التحليل التاريخي الذي يقدِّمه جابارد وجابارد للتجسيدات السينمائية لاختصاصيي الصحة النفسية إلى تسليط الضوء على الطريقة التي تغيَّرت بها المواقف والاتجاهات عبر الزمن؛ ففي السنوات الأولى من عمر السينما وحتى الحرب العالمية الثانية، كان تجسيد الأطباء النفسيين يتم بطريقة غير واقعية على نحو سافِر. فكثيرًا ما كان يتم تصويرهم كمشعوِذين، باستخدام المحاكاة الساخرة كأداة لفضْح ادعاءاتهم الطبية (كما في الفيلم الصامت «مصحَّة الدكتور سخيف» والفيلم الكوميدي الكلاسيكي الساخر «تربية طفل رضيع» (برينجنج أب بيبي)). وفي الأربعينيات والخمسينيات، أصبحت الأفلام أكثر جدِّيَّةً على نحو متزايد في تناوُلها للتحليل النفسي، وبلغتْ أوجهَا مع أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات، وهي الفترة التي يُطلَق عليها «العصر الذهبي» للطب النفسي في الأفلام. ففي أفلام تلك الفترة («ضربات الخوف» (فير سترايكس أوت)، و«وجوه حواء الثلاثة» (ثري فيسيز أوف إيف)، و«ديفيد وليزا»، وفيلم السيرة الذاتية «فرويد»)، يتم تناول الأطباء النفسيين وعلماء النفس باعتبارهم أشخاصًا أكْفَاء، رُحَماء، بل وجديرين بالإعجاب. ففي «ديفيد وليزا» (????)، يبدو الدكتور سوينفورد (هوارد دا سيلفا) رجلًا حكيمًا، وعطوفًا — لكنه شديد الحساسية — وطيب القلب في علاجه لمرضاه من الشباب المقيمين بالمستشفى.
بَيْد أن هذا «العصر الذهبي» لم يستمرَّ طويلًا؛ ففي الستينيات والسبعينيات، تعرَّض اختصاصيو الصحة النفسية لتلك الموجة من التشكُّك التي تعرَّضتْ لها جميع المؤسسات الراسخة، فعادت صورة المشعوِذ إلى الظهور مرة أخرى، لكن بطريقة أكثر حِدَّةً، كما أُثيرت انتقادات أكثر جديَّةً حول الدوافع الأساسية للطب النفسي في أفلام مثل «أحدهم طار فوق عش المجانين» الحائز على الأوسكار.22 وثمة طريقة أخرى لفهم الكيفية التي نظرت بها هوليوود إلى علماء النفس، تتمثَّل في البحث عن أنماط، ليس خلال فترات زمنية معينة فحسب، بل أيضًا في نماذج الشخصيات التي قدَّمتْها على مدار تاريخها. وثمة ثلاث صور نمطية للطبيب النفسي السينمائي تم وصفُها فيما يلي:23 الدكتور سخيف: يتميَّز هذا النمط في المقام الأول بحماقته الهزلية. فالهدف من تصوير تلك الشخصيات هو السخرية منها أو نبذُها باعتبارها خرقاء. فالدكتور مونتاج (هارفي كورمان) في فيلم «القلق العظيم» (هاي أنجزايتي) لميل بروكس، والدكتور مارفين (ريتشارد درايفِس) في فيلم «ماذا عن بوب؟» (وات أبَوت بوب؟) مثالان كلاسيكيان.
الدكتور شرير: تعكس هذه الصورة النمطية شخصية عالِم النفس الذي يستخدم معرفته بالذهن البشري للإساءة إلى المرضى أو التلاعُب بهم أو إيذائهم بأي طريقة كانت من أجْل تحقيق مكاسب شخصية. فهانيبال ليكتر (أنتوني هوبكنز) القاتل، آكِل لحوم البشر في فيلم «صمْت الحِملان» (سايلانس أوف ذا لامبس) أصبح المثال الأيقوني ? «الدكتور شرير» في السينما المعاصرة. أما الممرِّضة راتشيد (لويز فليتشر) في «أحدهم طار فوق عش المجانين»، فقد لا تبدو بالضبط شخصية شريرة، لكن الفيلم يؤكِّد على دوافع السيطرة لديها. والدكتور كُولي، في فيلم «جزيرة المصراع»، وهو مدير مصحة أمراض عقلية تثير المخاوف في الخمسينيات، يبدو كمثال آخر ? «الدكتور شرير» وذلك رغم مزاعمه التقدُّمية. ومقارنةً بالنمط الثانوي للدكتور سخيف، يبدو اختصاصيو الصحة النفسية هؤلاء صعاب المراس، حتى وإنْ كانت بوصلتهم الأخلاقية مختلَّةً بلا جدال.
الدكتور رائع: تتميَّز هذه الشخصيات بالكفاءة والعطف والفاعلية في ممارساتهم العلاجية. ويبدو أنه ما من حدود لما سوف يقدِّمونه لمساعدة مرضاهم. ورغم أن تلك الشخصيات النبيلة كانت هي السائدة في «العصر الذهبي»، فإنها لم تختَفِ تمامًا الآن. ويمثِّل الدكتور برجر (جود هيرش) في فيلم «أناس عاديون» (أوردينَري بيبول) نقطة مرجعية لهذا النوع من الأطباء النفسيين: الطبيب الصالح الذي لا يجد أيَّ غضاضة في الذهاب إلى منزل مريضِه من أجْل تقديم مشورة عاجلة، وحاسمة في نهاية المطاف.
وقد أُضيفت للقائمة أنماط أخرى. فعلى مدار الأعوام العشرين الماضية، شهدت الأفلام صورًا عديدة ? «المعالج الجريح»؛24 وهم اختصاصيون يشاركون «الدكتور رائع» العديد من السمات، لكنهم يعانون من مشاكل نفسية تعوق عملهم. فالدكتور شون ماجوير في فيلم «ويل هانتنج الطيب» هو معالج جريح يحاول بشجاعة معالجة «ويل» (مات ديمون) فيما يُصارع أحزانَه جرَّاء وفاة زوجته. لعل مثل تلك الأفلام تسعى إلى هدم تلك الأفكار المهيبة حول التفوق المزعوم للعاملين في مجال الصحة النفسية من خلال تصويرهم كأشخاص مَعِيبين (أو بشريين). ومن السمات البارزة الأخرى للأطباء النفسيين في السينما، مَيْلُهم الشائع بطريقة غير عادية للانخراط في علاقات جنسية مع مرضاهم؛ هذا النمط يُمكِن أن نُسمِّيَه «الدكتور جنسي»25 أو «الدكتور منتهِك».26 ففي أفلام الإثارة السيكولوجية، نجد أن الأطباء النفسيين الذين يُمارِسون الجنس مع مرضاهم يَحمِلون شَبَهًا ما ? «الدكتور شرير» من جهة مَيلِهم إلى استغلال مرضاهم بدَمٍ بارد،27 بَيْد أنهم، في العديد من أفلام الاتجاه السائد، كثيرًا ما يَقَعُون في حبِّ مرضاهم.28 فقد قدَّم العديد من الأفلام طبيبات نفسيات شابَّات، جذَّابات جنسيًّا (في طريقة ملبسهن)، ووحيدات. تمرُّ تلك الشخصيات بتحوُّلات على مستوى الشخصية عندما يَقَعْن في غرام مرضاهن من الذكور.29 فيلم «مسحور» (سبِل-باوند) لهيتشكوك هو مثال كلاسيكي لهذا النمط، بينما يقدِّم فيلم «أمير المَدِّ والجزْر» (ذا برنس أوف تايدس) نسخة مُحدَّثة منه؛ معالِجة نفسية، الدكتورة لوُينستين (باربرا سترايساند) تقع في حب أخي مريضِها ثم تستدرجه إلى العلاج.30 فمن الواضح أنه أيًّا كان قَدْر وَلَع صنَّاع الأفلام بحرفة علم النفس، فإن وَلَعَهم بالنساء الجذَّابات والشَّبِقات يتفوَّق عليه. وكما هي الحال مع المرض النفسي، بالإمكان الحصول على فَهْم أعمق لتمثيلات الطب النفسي عن طريق الأخذ بعين الاعتبار تلك الحقائق الأساسية المثيرة التي تستحوذ على خيال صُنَّاع الأفلام. إحدى الطُّرق لإنجاز هذا هي دراسة «دوافع الشخصية». ما الذي يحرِّك تلك الشخصيات فيما يبدو؟ هل هناك طرق ترتبط بها دوافع الأطباء النفسيين الخياليين مع تلك التي للأطباء النفسيين الحقيقيين؟
من خلال دراسة منهجية لاختصاصيي الصحة النفسية في الأفلام، قمتُ أنا ومجموعة من الزملاء بتفحُّص أعلى ?? فيلمًا من حيث الإيرادات في أمريكا في كل عام من ???? إلى ????.31 وقمنا بتحديد ?? فيلمًا (??? من أفلام العَيِّنة) تتضمَّن شخصيات تعمل اختصاصيين في مجال الصحة النفسية. ومن بين هؤلاء، حدَّدنا ?? شخصية (انظر الملحق «أ»)، ثم تدبَّرنا ما إذا كانت كل شخصية مدفوعة فيما يبدو بالتالي: المال/المكانة؛ السلطة؛ الحب/الشهوة؛ الاستشفاء الذاتي؛ أو الاهتمام بالآخرين. وقد وجدْنا أن تلك التمثيلات تَمِيل إلى تشويه الواقع وعكسه في آنٍ واحد. المال/المكانة (يحرِّكان ??? من الشخصيات): في الكوميديا الهزلية «ماذا عن بوب؟» يشعر الدكتور مارفين الأناني (ريتشارد درايفِس) بقلق مبالَغ فيه بشأن إعلان تليفزيوني عن أحدث كُتُبِه في علم النفس الشعبي، بينما يُبدي اهتمامًا ضئيلًا بالعُصابي بوب (بِل موراي). وشأن العديد من أصحاب المِهَن ذات المكانة والدخل المرتفع نسبيًّا، فإن اختصاصيي الصحة النفسية معرَّضون لتصويرهم كأشخاص جَشِعين. والواقع أن الكثير من العاملين في مجال الصحة النفسية يشعرون بأن لديهم دافعًا قويًّا للمساهمة في الخير العام. ومن هذه الزاوية، فإن الدكتور مارفين ليس مجرد صورة كاريكاتورية هزلية، بل ا? «أنا» الأخرى الكابوسية لطبيب نفسي.ومع ذلك، الطب النفسي مهنة تتطلَّب قدرًا كبيرًا من التدريب والالتزام، ومعظم الممارسين يرغبون في الحصول على عائد مُجْزٍ مقابل ذلك. وفي الوقت نفسه، هناك مَن يرى أن فشل بعض المعالِجين النفسيين في التعامل مع عملهم بوصفه تجارة يمكن أن يؤدِّي بالفعل إلى تقويض العلاج من خلال الفشل في رسم حدود واضحة. ورغم أن غلظة قلب الدكتور مارفين مَدْعاة للاستهجان، فهل مكتبه ومنزله المخصَّص لقضاء العطلات المؤثَّثان بطريقة أنيقة يتعارضان مع طموحاته كطبيب محترِف؟
السلطة (تُحرِّك ??? من الشخصيات): يصوِّر فيلم «صمت الحملان» صراعًا ثلاثيًّا طاحنًا على السلطة بين الدكتور تشيلتون، المدير الماكر لمستشفى أمراض نفسية خاضع لإجراءات أمنية مشدَّدة، والدكتور هانيبال ليكتر، وهو طبيب نفسي لامع يقضي عقوبة السجن لارتكابه جريمتَي القتل وأكل لحوم البشر، وكلاريس ستارلينج، شرطية شابة بالمباحث الفيدرالية الأمريكية تحاول التعامل مع كلا الرجلين في سعيها للقبض على سفَّاح. إن شخصية ليكتر مزعِجة بوجه خاص؛ لأنه يُفيد من ذلك الارتياب الواسع الانتشار في أن اختصاصيي الصحة النفسية يمتلكون «قوًى» خاصة تمكِّنهم من السيطرة على الذهن البشري.وفي الوقت نفسه، يمتلك هؤلاء الاختصاصيون سُلطةَ كونِهم ممثِّلين لمؤسسات معترَف بها اجتماعيًّا. وإساءة استخدام تلك السُّلطة تُعدُّ من أكثر الممارسات الطبية الخاطئة شيوعًا.32 ومن وجهة نظر تربوية، لا يمكن فهم الدكتور تشيلتون والدكتور ليكتر ببساطة باعتبارهما صورتين مسيئتين للأطباء النفسيين المحترمين، بل كتحذيرات مبالَغ فيها لاختصاصيي الصحة النفسية في كل مكان.
الحب/الشهوة (يُحرِّكان ??? من الشخصيات): يقدِّم فيلم الفانتازيا شبه الإباحي «غريزة أساسية» (بيزك إنستنكت) شخصية الدكتورة جارنر (جين تريبلهورن)، الاختصاصية في علم النفس الشُّرَطي ذات الملابس المثيرة، التي تتحدَّى القواعد الأخلاقية وتُعلِن عن حبِّها لرجلِ تحرٍّ كانت تقوم بعلاجه حتى بعد أن يَعتدي عليها جنسيًّا. كثيرًا ما تتسبَّب مثل تلك التجسيدات في إثارة غضب اختصاصيي الصحة النفسية؛ لأن القواعد الأخلاقية لجميع التخصصات المحورية تَحظُر بصورة قاطعة قيام علاقة جنسية بين الأطباء ومرضاهم.بَيْد أن التحليل النفسي يقوم على أطروحة فرويد بأن الميول الجنسية محرِّك أساسي للسلوك البشري. ورغم أن معظم المقاربات العلاجية الحديثة تمكَّنتْ من إزاحة الميول الجنسية عن المكانة المركزية التي كان يحتلُّها، يظل العلاج النفسي تجربة حميمة. فمعظم الأطباء النفسيين يعترفون أنهم شعروا بالانجذاب جنسيًّا تجاه أحد مرضاهم على الأقل (رغم أن نسبة ضئيلة منهم فقط تستسلم لهذا الانجذاب).33 وكما أشار المحلِّل النفسي مارشال إيدلسَن، عندما تشاهد العديد من الأفلام، يكون من الصعب إغفال أهمية المشاعر الجنسية في العلاقات الإنسانية.34
الاستشفاء الذاتي (يحرِّك ??? من الشخصيات): يدور فيلم «الحاسة السادسة» (ذا سيكسث سينس) حول الدكتور مالكوم، وهو طبيب نفسي ناجح، متخصِّص في علاج الأطفال، يُصاب باكتئاب شديد وشعور حادٍّ بالذنب بعد انتحار أحد مرضاه، لدرجة أن حياته الزوجية أصبحتْ في خطر. ذلك الشكل الآخَر لتيمة المعالِج الجريح يؤكِّد أيضًا على فشل العلاج النفسي.إن اختصاصيي الصحة النفسية الحقيقيين ليسوا كائنات منزَّهة. وفكرة أنهم يُعانون، بصورة مسبقة، من مشاكل نفسية وعاطفية تحدِّد طريقة تعاطيهم مع عملهم، تم تطبيعها من خلال مفاهيم مثل الإنقال المقابل. فالاختصاصي الناجح لا بد له من إيجاد طُرق لحلِّ مشاكله العاطفية، وتجنُّبها، وحتى استخدامها استخدامًا بنَّاءً لكي يصبح اختصاصيًّا أفضل. إن فيلم «الحاسة السادسة»، بفضل نهايته غير المتوقَّعة التي تُرغِم الدكتور مالكوم على إعادة تقييم مكانه في العالَم جذريًّا، يُضفي شكلًا دراميًّا على صراعات ومخاوف الأطباء النفسيين الواقعية.
الاهتمام بالآخرين (يحرِّك ??? من الشخصيات): في الفيلم الكوميدي «حلِّل هذا» (أنالايز ذيس)، يتردَّد الدكتور سوبيل (بيلي كريستال) في البداية في علاج مريضه رجل المافيا، لكن في النهاية يتعاطَفُ معه بقوة، لدرجة أنه يُخاطِر بحياته لمساعدة هذا المُجرِم في مداواة ماضيه الفاسد. ورغم أن الاهتمام بالآخرين يبدو أكثر إيجابيَّةً من الدوافع الأخرى، فإنه عُرْضة للتشويه بالقدْر نفسه. فما يبديه بعض الاختصاصيين النفسيين في الأفلام، من مَيْل لفعل الخير واستعدادهم للتضحية بذواتهم على نحو يكاد لا يُصدَّق، يرسِّخ نزعةَ إنكار الذات باعتبارها أحد متطلبات المهنة.
لكن، من ناحية أخرى، ربما كان الاهتمام بالآخرين هو الشرط الضروري (لكن ليس الكافي) الواجب توافره في اختصاصيي الصحة النفسية. وهناك إجماع واسع على أن التعاطُف عنصر حيوي من عناصر العلاج الناجح.35 وحتى أفلام هوليوود تُدرك ذلك، إلى حدٍّ ما. لكن رغم غلبة الاهتمام بالآخرين كمحفِّز لدى الأطباء النفسيين في أفلام هوليوود، فإن صورة الاختصاصي السوبرمان (نمط «الدكتور رائع») كانت نادرة للغاية في عيِّنة الأفلام التي تناولناها. إن توليفة الاهتمام بالآخرين مع الرغبة في الارتقاء بالذات قد لا تكون سيئة في حدِّ ذاتها، وهو استبصار يمكن ملاحظته في العديد من الأفلام (حتى لو تطلَّب ذلك من المشاهدين أن يتجاهلوا تلك التجاوزات الدرامية؛ مثل ذلك المشهد الذي يُصوِّر جلسة علاج نفسي ناجحة تُجرى وسط معركة بالأسلحة النارية). استحوذ العلاج بالجلسات النفسية على الجانب الأكبر من اهتمامنا بالطب النفسي في الأفلام. يعود هذا جزئيًّا إلى أن ما يتمتع به العلاج بالجلسات من خصوصية وحميمية تُتيح لنا الكشف عن الجانب الأكثر قتامةً من الإنسانية، وهو جانب يسمح إما بمعالَجة حسَّاسة أو شَبِقة؛ مما يُضفي على هذا النوع من العلاج مسحة درامية لا تتوافر في الوسائل العلاجية الأخرى. فروشتَّات العقاقير ذات المفعول النفسي على سبيل المثال — مضادات الاكتئاب مثل بروزاك، ومضادات الذُّهان مثل ريسبيردال — ربما كانت هي العلاج السائد للأمراض النفسية في العصر الحديث. ومع ذلك، كان فيلم «أفضل ما يمكن الحصول عليه» (????) أول فيلم مُهِمٍّ يصوِّر التعامل الفعَّال باستخدام العقاقير مع أعراض الأمراض النفسية (الاضطراب الاستحواذي القهري) في علاج المرضى غير المقيمين في المستشفيات.36 وعندما تتناول الأفلام جوانب من علم النفس والعلاج النفسي وليس جوانب من المعالَجة بالجلسات، فإنها كثيرًا ما تركِّز على التعسُّف المؤسسي. فعند تصوير استخدام العقاقير النفسية في العلاج داخل المستشفيات، على سبيل المثال، نجد أن التركيز ينصبُّ حصرًا على آثارِه التخديرية (فيلم «فتاة، قوطعت» على سبيل المثال). ومن حين لآخر، يَظهَر العلاج بالصدمات الكهربائية، غير أن تلك التجسيدات السينمائية دائمًا ما تتسم بالفظاظة (شاهد «أحدهم طار فوق عش المجانين»).37 وثمة ممارسات سيكولوجية أخرى تَظهَر بانتظام في الإعلام نذكر منها: التحليل النفسي للمجرمين، الذي يؤكِّد على إمكانية فَهْم عقلية السفَّاحين وغيرهم من المجرمين.38 إن جاذبية العلاج بالجلسات في الأفلام تتجاوز قدرتَه على استكشاف موضوعات مثيرة تشغل أذهان صنَّاع الأفلام وجمهور السينما. فالفيلم والعلاج بالجلسات يتقاسمان العديد من الخصائص المشتركة؛ مثل الحَكْي الذي يضرب بجذوره في الخبرة الشعورية، واكتشاف الذات، وفي حالات كثيرة، السعي نحو حياة أفضل. لا غرابة إذن في أنهما الْتَقيا كثيرًا.
(?) لقطات ختامية: تأثير تمثيلات علم النفس

ما كان لتمثيلات الاضطرابات النفسية والعلاج النفسي أن تستحوذ على كل هذا الاهتمام من جانب علماء النفس لولا وجود مخاوف من تأثير هذه الصور على مواقف الناس تجاه علم النفس في عالم الواقع، وما إن كان ضررها أكثر من نفعها.39 والحال أنه في سينما الفانتازيا الخالصة، نادرًا ما تكون المحاكاة مصدرًا للانزعاج (فقليلون هم مَن يهتمون بكَوْن شخصيات الأوركس في «سيد الخواتم» مجسَّدة بدِقَّة أم لا). بَيْد أن علم النفس — على عكس الوحوش الخيالية — «كيان حقيقي»؛ ومن ثم فإنه من المحتمل أن يأخذ الجمهور مثل تلك التمثيلات المثيرة على أنها هي الحقيقة. إن تمثيلات الأشخاص المصابين بأمراض نفسية مقلقةٌ بوجه خاص؛ فقد أظهرت الاستطلاعات أن أعدادًا كبيرة من الجمهور يستقون معظم معلوماتهم عن المرض النفسي من الإعلام.40 ويُعرب أوتو وال عن قلقه من أن السينما وغيرها من وسائل الإعلام روَّجتْ لرؤية مفادها أن المرضى النفسيين موضوعات للسخرية، ومصدر للخطر والعنف، ومختلفون جذريًّا عن غيرهم من الناس.41 وقد لمستُ بنفسي مواقف الجمهور تجاه المرض النفسي من خلال تعاملي مع طلابي في الجامعة. فرغم أن معظمهم من الفِطْنة بما يكفي لإدراك أن الأفلام — خاصةً الكوميدية — تُبالِغ في تجسيد الأعراض المرضية، فإن اهتمامهم بظواهر معينة قد تَضاعَف بالتأكيد من خلال متابعتهم لتغطيات الإعلام. فعندما أُحاضر عن مرض الفصام على سبيل المثال، أقوم بمناقشة موضوعات من قبيل الأنماط الثانوية، والظهور المتأخِّر نسبيًّا للمرض، والاستجابات للعقاقير المضادة للذُّهان، إلخ. لكن الطلبة سيتجاوزون حتمًا كل تلك الحقائق ويبدءون في طرْح أسئلة حول القَتَلَة المصابين باضطرابات نفسية. فبالنسبة إلى بعض الطلاب، ثمة علاقة قوية بين الفصام وارتكاب جرائم القتل؛ ولذا فَهُم يُصعقون عندما يعرفون أن عددًا كبيرًا ممَّن شُخِّصت إصابتهم بالفصام يستطيعون ممارسة حياتهم اليومية بصورة طبيعية تمامًا. ورغم أن الطلبة بوجه عام لديهم استعداد لتغيير اعتقاداتهم، فإنني أتساءل أحيانًا كم من الوقت ستستمر استنارتهم تلك عندما يواجهون مرة أخرى تلك الهجمات التي تشنُّها عليهم الثقافة الجماهيرية.
بالإمكان أيضًا رؤية التأثير السلبي لتمثيلات المرض النفسي في الأفراد المصابين باضطرابات نفسية؛ فقد رَوَتْ إحدى الحاصلات على درجة علمية مرموقة في دراسات الفيلم، وقد شُخِّصت إصابتها بالفصام، ما كان لتمثيلات الأفلام من تأثير على حياتها. ولم تكن ثمة مفاجأة في أنها كثيرًا ما تتردَّد في البَوْح بمرضها خشية أن يُنظر إليها باعتبارها «مهووسة بالقتْل». كذلك يمكن للتمثيلات الإعلامية السلبية أن تبلغ من القوة عليها حدَّ أن تثير بعضُ الأفلام — بعد مشاهدتها — تساؤلات لديها حول حقيقة حالتها المرضية، حتى وإن كانت معرفتها تفوق معرفة القائمين على صناعة تلك الأفلام.42 لقد أكَّدت نتائج بعض الدراسات الواسعة النطاق حول تأثير الإعلام على الصور الذهنية للمرض النفسي، أن الوسائل التخيُّلية وغير التخيُّلية يمكن أن يكون لها تأثير على طريقة إدراك المشاهدين للمرض النفسي؛43 فقد وجدت مجموعةٌ من الباحثين أنه عندما يستقي الناس أغلب معلوماتهم من الوسائل الإلكترونية، فإنهم يَمِيلون إلى تطوير مواقف سلطوية (بمعنى أنهم يعتقدون أن علاج المرضى النفسيين يجب ألَّا يتم في المجال العام).44 وعندما قام باحث آخَر بإجراء مقابلات مع مجموعات من الأفراد حول مواقفهم تجاه المرض العقلي، أظهرتِ النتائج وجود ارتباط قوي بين أفلام مثل «صمت الحملان» و«سايكو» وبين الأفكار السلبية عن المرض النفسي.45 وفي دراسة أخرى، أصبحتْ مواقف الطلاب تجاه المرض النفسي أكثر سلبيَّةً بعدَ مشاهدتهم فيلم «أحدهم طار فوق عش المجانين».46 وكما رأينا، ثمة اختلاف كبير بين الطرق التي يتناول بها علماء النفس وصنَّاع الأفلام تمثيلات الجنون؛ فبحسب فليمنج ومانفل، «الجنون، بالنسبة إلى علماء النفس، هو في المقام الأول موضوعٌ يتعيَّن فهمُه كميًّا قبل الشروع في معالجته. أما بالنسبة إلى فنَّاني السينما فهو بالأساس موضوع يوفِّر لنا تناوُلُه فرصة للاطِّلاع على أكثر جوانب وجودنا قتامةً وأشدها خفاءً.»47 وبقدْر ما تؤثِّر تلك التمثيلات المشوِّهة للمريض النفسي على مُدرِكات الجماهير للمرض النفسي، تصبح المطالَبة بتمثيلات إيجابية ودقيقة أمرًا يمكن تفهُّمه. ومع ذلك، علينا — نحن اختصاصيُّو الصحة النفسية — ألا نكون ساذجين؛ فنحن لا نشارك صنَّاع الأفلام النشاط المهني ذاته. فرُبَّ عالِم نفس قد يعترض على وصف شخصية ما ? «الهوس الاكتئابي» بدلًا من المصطلح الأكثر عصرية «الاضطراب ثنائي القطب»، في حين أن صانع الفيلم سيرى في الأغلب أن «ثنائي القطب» أشبه بمصطلح جغرافي، فيفضِّل عليه مصطلح «الهوس الاكتئابي» الأكثر إثارةً.
أضِفْ إلى ذلك أن الأفلام ليستْ مُلزَمة بتجسيد الحقيقة التشخيصية بدِقَّة من أجل التأمل في طبيعة الجنون بطريقة ناجحة؛ فهي تلتقط تلك السلوكيات البشرية التي تهدِّدنا وتفتننا في آنٍ واحد، فضلًا عن أن التمثيلات التي تقدِّمها تستثير فينا إمكانية سلوكيات داخلية، نخشاها و/أو نرغب فيها. فقد أكَّد الطبيب النفسي هاري ستاك سوليفَن أن «كل شخص هو ببساطة أكثر إنسانيَّةً بكثير من أيِّ شيء آخَر.»48 وهي مقولة قد تكون مفيدة في تناول أي جانب من جوانب التنوع البشري،49 بَيْد أن المطالبة بالوحدة بين هذه الجوانب مناسبة على نحو خاص في التعامل مع الاضطرابات النفسية التي نجد فيها أمثلة شديدة الوضوح على التنوع. لكن أعراض تلك الاضطرابات قد تكون صادمة لكثيرين؛ كَوْنها شاذة وغريبة وشديدة الاختلاف عما نحن عليه. وربما أمكن لمقولة سوليفَن المأثورة أن تساعد في تخفيف المَيْل لإقصاء المصابين من خلال التأكيد على الأشياء المشتركة بين جميع الناس (الرغبة في الصداقة، القدرة على الحب، الفضول بشأن الآخرين، إلخ). بإمكان الأفلام التي تتبنَّى موقفًا متعاطِفًا تجاه الشخصيات المصابة باضطرابات نفسية أن تساهم في إضفاء طابع إنسانيٍّ محتمَل على المرضى. ففي فيلم «عقل جميل»، يتم تقديم جون ناش باعتباره شخصًا يمتلك صفات إيجابية تدعو الجمهور إلى الإعجاب أو حتى التماهي معه في صراعه، رغم غرابة أطواره في بعض الأحيان. أضِفْ إلى ذلك أن الأفلام يمكنها أيضًا أن تحفِّز المشاهدين على التفكير كيف أنهم ربما يشاركون المرضى النفسيين بعضَ سمات ما يُسمَّى بالجنون (أي الأعراض النفسية). فالأحلام الليلية، على سبيل المثال، قد تبدو شبيهة بالهلاوس (كلٌّ منهما يتضمن إدراكات حِسِّيَّة زائفة)، وكلٌّ منهما يُشبِه الأفلام السيريالية. إن الميل لرؤية أوجه تشابه بين جوانب متباينة من الخبرة الإنسانية (بما في ذلك الظواهر اليومية مثل الأحلام وأعراض الأمراض النفسية كالهلاوس) يشكل ما أصبح يسمَّى الآن «الموازاة الشكلية».50 عندما نُمعِن النظر في التجسيدات السينمائية للمرض النفسي تحت هذا الضوء، فإنه حتى الشخصيات المتطرِّفة مثل نورمان بيتس أو الجوكر قد تبدو كاشفة. لماذا تفتننا تلك الشخصيات؟ أمِن الممكن أن يرجع ذلك إلى كونها ليست «مختلفة» عن الشخص العادي فحسب، بل لأننا نلاحظ فيها أيضًا شيئًا «مألوفًا» على نحو غير مريح؟ أنا لا أنظر إلى نورمان بيتس كمريض واقعي، لكن باعتباره شخصية سينمائية، فإنه يثير في نفسي قلقًا وتعاطفًا عميقَيْن، فضلًا على أنه يُخاطِب مخاوفي عن فقدان العقل، وفَقْد السيطرة على الذات، وفَقْد المعنى. ورغم أن شخصية الجوكر تُعطي صورة غير دقيقة بالمرة عن المرض النفسي، فإن بإمكانها أن تعلِّمنا شيئًا عما تنطوي عليه الفوضى من جاذبية.
ورغم الاهتمام الذي حَظِي به تأثير تمثيلات علماء النفس وغيرهم من اختصاصيي الصحة النفسية في الأفلام، فإن ثمة اختلافًا هامًّا بين هذه المجموعة والمرضى النفسيين؛ فنحن ننتمي إلى طائفة مهنية ونحصل على عائد مادي جيد؛ ومن ثَمَّ يمكن أن يذهب البعض إلى أنه ينبغي على اختصاصيي الصحة النفسية التزوُّد بالمزيد من اللامبالاة، وأن يكونوا مستعدِّين لتقبُّل تلك الصور المسيئة (كثمن للتمتُّع بمكانة ونفوذ اجتماعيَّيْن).
وبالفعل، كانت صورة علماء النفس في الإعلام موضوعًا للجدل بين علماء النفس أنفسهم. ففي أواخر التسعينيات، أعلنت النشرة الشهرية ? «رابطة علم النفس الأمريكية» عن إنشاء لجنة «مراقَبة الإعلام»، وهي عبارة عن لجنة فرعية تختص بالمراقَبة والمشاركة في قضايا العلاقات العامة المتعلِّقة بصور علماء النفس في الإعلام. وتم الاستشهاد بالسلوك غير اللائق لعلماء النفس في فيلمَيْ «أمير المَدِّ والجزْر» و«ويل هانتنج الطيب».51 وبعد شهور قليلة، قام أحد علماء النفس الممارسِين بالتعليق على قرار إنشاء تلك اللجنة في رسالة بعنوان «الكياسة السياسية تفقد صوابَها»؛ حيث ذهب إلى أن لجنة «مراقَبة الإعلام» هي مؤشِّر على «الشعور المُزمِن بعدم الأمان الذي يعاني منه علم النفس باعتباره مهنة.»52 وبصفتي عاشقًا لتلك الأفلام «المسيئة لعلم النفس» مثل «سايكو» و«أحدهم طار فوق عش المجانين»، فقد اتفقتُ جزئيًّا مع كاتب الرسالة. لكن بصفتي عضوًا في «مراقبة الإعلام»، فقد كنتُ أعتقد أن الجماعة التي أنشأتْها لدَيْها هدف مشروع. فرغم أن علماء النفس بحاجة إلى ممارسة النَّقْد/السخرية الذاتية من أنفسهم بلا شك، فإن التمثيلات المبالَغ فيها تشكِّل خطرًا على الصورة الذهنية العامة المتخَذة عن المهنة. إن العلاج النفسي عمومًا، والعلاج بالجلسات النفسية خصوصًا، عُرضة للأفكار المغلوطة بصفة خاصة. فالعلاج بالجلسات يُحاط أحيانًا بهالة من الغموض، تتعلَّق جزئيًّا بسرِّية العلاقة بين الطبيب والمريض، التي تُعتبر إحدى ركائز الاستشارة الناجحة. فبدون وَعْد السرِّية، قد يشعر المرضى بقلق مبرَّر من احتمال قيام الأطباء بإفشاء خواطرهم الحميمة؛ مما يجعلهم يتردَّدون في البَوْح بمعلومات على قدْر من الحساسية. بَيْد أن إحدى النتائج غير المقصودة لتلك السرِّية هي أنها تَحُول بين معظم الناس وبين الاطِّلاع المباشر على الجلسات النفسية. ومن ثم تَغدُو الأفلام وغيرها من وسائل الإعلام السبيل الوحيد أمام الجمهور العام لاختلاس نظرة خاطفة على هذا المجال الحميم. فحتى هؤلاء المشاهدون المحنَّكون الذين لديهم من الفطنة ما يكفي لكيلا يصدِّقوا كلَّ ما يَرَوْنه، قد يكتشفون أن فكرتهم عن العلاج بالجلسات قد تأثَّرتْ بما يشاهدونه في الإعلام في ظل غياب أي صورة أخرى.
وحتى تلك التجسيدات التي تبدو في ظاهرها إيجابية، والتي تصوِّر طريقة العلاج في مجال الصحة النفسية، يمكن أن تتكشَّف عن كونها إشكالية. فقد أشار العديد من الكتَّاب إلى تفشِّي ظاهرة الشفاء بالتنفيس عن مكنون الذات من خلال الصور التي تقدِّمها السينما للعلاج بالجلسات النفسية؛ وهي لحظة درامية لكشْف يَغشَى الأبصار ينجلي فيها «السر»، ويتخلَّص المريض — أيًّا كان قَدْر معاناته — من آلامه على نحو مفاجئ.53 لقد بهرتْني تلك الظاهرة لدى مشاهدتي فيلم «وجوه حواء الثلاثة» للمرة الأولى في فصل علم النفس أثناء دراستي الثانوية؛ ففي مشهد الذروة، تتعافَى إيف (جوان وُدوارد) من اضطراب تعدُّد الشخصية بعد اكتشاف أن أعراض مرضها بدأتْ في الظهور عندما أُرغمتْ على تقبيل جثمان جدَّتها أثناء طقس السهر على الميت. وتقدِّم أفلام «أمير المد والجزر»، و«أناس عاديون»، و«ويل هانتنج الطيب» أمثلة أخرى على الشفاء بالتنفيس عن مكنون الذات. ورغم أن تلك الطرق مُشبِعة دراميًّا؛ حيث تجمع رمزيًّا بين العديد من الخيوط المتباينة وتؤلِّف منها خاتمة مرضية، فلسوء الحظ، ليست تلك هي الطريقة التي ينجح بها العلاج بالجلسات بوجه عام. فالشفاء الآني من متاعب جسيمة لا وجود له تقريبًا. والتقدُّم في العلاج عادةً ما يكون بطيئًا وأقل إثارةً بكثير. عدم الدقة هذا قمين بأن يَزِيد من إمكانية إحجام الناس عن العلاج كليًّا؛ فقد أظهرت إحدى الدراسات أن المراهقين «الأكثر عرضةً للمرض النفسي» (الذين يعانون من أعراض اكتئابية وانتحارية) كانوا أمْيَل إلى الاعتقاد بعدم جدوى العلاج بعدَ مشاهدتهم أفلامًا مثل «العذراء تنتحر» (ذا فيرجن سويسايدز)، و«فتاة، قوطعت»، و«عقل جميل». إن تلك النتيجة مقلقة بوجه خاص بالنظر إلى أن تلك الأفلام تتبنَّى موقفًا متعاطِفًا نسبيًّا على الأقل تجاه العلاج النفسي، ويقينًا هي ليست أسوأ التجسيدات الموجودة للعلاج النفسي.54 كما قدَّمت دراسة أخرى مقارنةً بين وجهات نظر أناس شاهدوا فيلمًا معينًا ووجهات نظر مَن لم يشاهدوه. الفيلم هو «ولهان» (لاف سيك)، وهو كوميديا رومانسية من الثمانينيات، قام ببطولته ددلي مور في دور الدكتور سول بنيامين، وهو طبيب نفسي يقرِّر إقامة علاقة عاطفية مع إحدى مريضاته. هذا القرار العاطفي يحرِّره ويوحي له بترك عمله المربِح في التحليل النفسي من أجْل مساعده الفقراء. وقد وُجد أن المشاركين في الدراسة الذين شاهدوا الفيلم كانوا أكثر تقبُّلًا لوجود علاقة جنسية بين الطبيب والمريض من الذين لم يشاهدوه. وبوصفه فيلمًا من نوعية الكوميديا الرومانسية، فإن نجاحه السردي يعتمد على إقناع الجمهور أن الحب الحقيقي يفوق كل الاعتبارات الأخرى، بما في ذلك أخلاقيات المهنة. بَيْد أن الترويج لفكرة إمكانية قيام علاقة عاطفية بين الطبيب والمرضى لا يصبُّ في الصالح العام؛ ذلك لأن هذه الإمكانية إما أن تصيب المرضى المحتمَلِين بالذُّعْر وتدفعهم إلى تجنُّب العلاج، أو تُغريهم بالسعي في طلبه لكل الأسباب الخاطئة.55 نشأ علم النفس والسينما جنبًا إلى جنب خلال القرن العشرين، أضِفْ إلى ذلك أن علم النفس والعلاج بالجلسات هما، مثل هوليوود، مؤسَّستان راسختان. ولأن علم النفس يفتقر إلى ماكينة دعاية جيدة خاصة به، فقد انتهى به الأمر إلى الاعتماد على هوليوود في الترويج لنفسه. ففي التسعينيات، كان واحدًا من بين كل ستة أفلام حقَّقت نجاحًا مدوِّيًا يتضمَّن تمثيلات لاختصاصيين نفسيين يُمارسون شتَّى أنواع العلاجات؛ مثل العلاج النفسي الفردي، والاستشارات المتعلِّقة بالحياة الزوجية، وتلك الخاصة بالإدمان والتقييم النفسي.56 لقد غَدَتْ تلك الممارسات شائعة في الثقافة الأمريكية، حتى إن الأفلام قد تكون ببساطة انعكاسًا لما يحدث على أرض الواقع. لكن من الممكن أيضًا أن يكون الوجود المكثَّف للطب النفسي في الأفلام قد لعب دورًا في تسهيل قبول تلك الممارسات باعتبارها جزءًا من الثقافة السائدة (جنبًا إلى جنب مع توضيح التناقض الشديد مع الواقع). لقد شجَّعت شخصيات علماء النفس في السينما بعض المشاهدين على السعي للالتحاق بعمل في مجال علم النفس أو المجالات المرتبطة به. وقد أشار مارشال إيدلسَن، وهو عالم نفس وطبيب نفسي من ييل، إلى أن أداء إنجريد برجمان لشخصية المحلِّلة النفسية في فيلم «مسحور» لهيتشكوك كان له مثل هذا الأثر عليه.57 وقد تبيَّن لي، من خلال محادثاتي مع زملائي، أن الكثير من الأطباء النفسيين من جيلي (مواليد الفترة من ???? إلى ????م) استلهموا شخصية الدكتور بيرجر التي أدَّاها جود هيرش في فيلم «أناس عاديون». وقد يُبدي بعض المتشكِّكين انزعاجَهم من أن ما يتَّسم به الدكتور بيرجر من إيثار يضع معايير مستحيلة للأطباء النفسيين الصاعدين، بَيْد أن مَن تحدَّثتُ معهم من الاستشاريين المخضرمين لم يكونوا على هذا القدْر من المثالية العمياء؛ فقد انصبَّ اهتمامهم، بدلًا من ذلك، على بعض جوانب بيرجر (التعاطف، الصبر، الحساسية) التي لا تزال تُلهِمهم. وبالمقابل، ثمة معلِّقون آخَرون عَثَروا في الأفلام على نماذج جيدة للطب النفسي. فرغم أنه يتناول قصة أشباح خارقة للطبيعة، لاقَى فيلم «الحاسة السادسة» استحسانًا كبيرًا باعتباره مثالًا للصعوبات التي قد يواجهها الأطباء النفسيون في تقبُّل الحقائق الذاتية لمرضاهم. ففي البداية، لا يستطيع الدكتور كرو تقبُّل حقيقة مريضه الصغير، كول، الذي يُعلِن قائلًا: «أرى أمواتًا.» وفقط بعد أن يتقبَّل الصور التي تتراءى لكول باعتبارها حقيقة تنتمي لعالمه الذاتي، يتمكَّن الدكتور كرو من مساعدته في التصدِّي للأشباح التي تسكنه.58 والحال أن افتقاره إلى الوعْي بمشاكله الخاصة يقوده في البداية إلى الردِّ بطريقة دفاعية عندما يواجه المعتقدات الخاصة بكول. فعزوفه عن التصديق وانسحابه مجرد وسيلة لتجنُّب المواجهة مع إخفاقاته وأوجه قصوره.59 وبرغم مَنْحاه الخارق للطبيعة، يتيح لنا فيلم «الحاسة السادسة» أن نرى كيف يمكن لفيلمٍ الكشفُ عن حقائق العلاج النفسي الناجح، والعلاقات الناجحة بين الأشخاص بوجه عام.60(?) قراءات إضافية

Dine Young, S. et al. (2008) Character motivation in the representations of mental health professionals in popular film. Mass Communication and Society, 11 (1), 82–99.
Gabbard, G. O. and Gabbard, K. (1999) Psychiatry and the Cinema. American Psychiatric Press, Washington, DC.
Hyler, S. E., Gabbard, G. O., and Schneider, I. (1991) Homicidal maniacs and narcissistic parasites: Stigmatization of mental ill persons in the movies. Hospital and Community Psychiatry, 42 (10), 1044–1048.
Pirkis, J. et al. (2006) On-screen portrayals of mental illness: Extent, nature, and impacts. Journal of Health Communication, 11 (5), 523–541.
Robinson, D. J. (2003) Reel Psychiatry: Movie Portrayals of Psychiatric Conditions. Rapid Psychler Press, Port Huron, MI.
Wahl, O. (1995) Media Madness: Public Images of Mental Illness. Rutgers University Press, New Brunswick, NJ.

الفصل الرابع
العبقري المجنون: التكوين النفسي لصنَّاع الأفلام


في فيلم «أزواج وزوجات» (هسبندز آند وايفز) لوودي آلِن، نتعرَّف إلى جيب (آلِن) وجودي (مِيا فارو)، الزوجين النيويوركيَّيْن المثقَّفَيْن، اللذين يبدو زواجهما، في الظاهر، نموذجًا للعلاقة الحضرية العصرية؛ فهما ناجحان في عملهما ويقومان بدعوة أصدقائهما على العشاء، ويرتادان المطاعم والمسارح. لكن ضِيقَة خفيَّة تتسلل إلى علاقتهما، ويجد جيب، الكاتب والأستاذ الجامعي، نفسَه منجذبًا لإحدى طالباته، رين (جولييت لويس) ذات العشرين عامًا التي تبدو أكثر نضجًا من سِنِّها. لكنه بعد أن يقوم بمغازلتها وممازحتها حول السنوات التي قضاها في الاتصال برقم ??? طلبًا للعلاج النفسي، يقرِّر التوقُّف عن ملاحقتها لكي يكسر نمطًا من أنماط العلاقات المحكوم عليها بالفشل.
شكل ?-?: وودي آلِن ومِيا فارو في مدينة نيويورك، مارس ????م (حقوق النشر محفوظة لترينيتي ميرور/ميروربيكس/آلمي).
في بداية عقد التسعينيات، كانت العلاقة بين وودي آلِن ومِيا فارو يُنظر إليها على نطاق واسع كنموذج للعلاقة الحضرية العصرية. ورغم أنهما ليسا متزوِّجين، وكانا يعيشان في شقَّتَيْن منفصلتين، فقد صنعا معًا عددًا كبيرًا من الأفلام، وبَدَوَا أمام الناس شخصين متحابَّيْن ومخلصَيْن أحدهما للآخر، ولديهما العديد من الأبناء بالتبنِّي فضلًا عن طفل آخَر من صلبهما. وفي عام ????م، قبل شهر واحد من عرض «أزواج وزوجات»، انتشر خبر بأن آلِن على علاقة مع سونْ يي، ابنة فارو ذات التسعة عشر عامًا (التي تبنَّتْها فارو أثناء زواجها من أُندريه بريفن).1 وقد زعم آلِن أنه مُغرم بسونْ يي، وأن علاقتهما لم تكن يومًا علاقة أب بابنته، وأن علاقته بفارو كانت منذ بعض الوقت أفلاطونية وغير مُلزِمة للطرفين في إطار رومانسي.2 شكل ?-?: مِيا فارو ووودي آلِن في دوري جودي وجيب في فيلم «أزواج وزوجات» ???? (حقوق النشر محفوظة لأرشيف إيه إف/آلمي).
كان ثمة أوجه شبه مذهلة بين الفيلم والواقع — رجل يَقَع في حب امرأة أصغر سِنًّا على خلفية علاقة موحِشة تتخفَّى وراء واجهة عامة — لدرجة جعلت البعض يتساءل: «هل هي مجرد مصادفة؟»
يُقلِّل وودي آلِن من أهمية الصِّلة بين الحياة والفن، فرغم أنه يعترف أن الفنانين يستعيرون بعض العناصر مما يَرَوْنه حولَهم، فإنه يزعم أن «أزواج وزوجات»، شأن كل أفلامه، قصةٌ متخيَّلة، من بنات أفكاره.3 لا شك أنَّ أوجُه الشبه بين الفيلم والواقع ليست تامَّة (جيب وجودي ليس لديهما أطفال؛ وجيب يُقرِّر قطع علاقته مع رين)، إلا أن أغلب الناس يَرَوْن تأكيد آلِن على كون الفيلم محضَ خيال، مخادِعًا. فمن الواضح، في هذا المثال، أن الفن يُحاكِي الفنان والعكس بالعكس. (?) السيرة النفسية وصنَّاع الأفلام

ينقل هذا الفصل بؤرة الاهتمام من الأفلام إلى صنَّاع الأفلام. فالأفلام لا تدور فقط حول الناس، بل تُصنع أيضًا بواسطتهم؛ أناس لامعون، متمركِزون حول ذواتهم، ذوو عاطفة جيَّاشة، وربما مجانين بعض الشيء. ومن شأن أي استعراض لقسم السِّيَر الشخصية في المكتبات، أو صحف التابلويد في محلَّات السوبر ماركت، أن يُرِيَنا بوضوح كيف أن الجماهير، بدايةً من أورسن ويلز وحتى لينزي لوهان، شغوفة بحياة صنَّاع الأفلام. ولذا يتناول هذا الفصل الكيفية التي تنعكس بها خبرات الفنانين، وشخصياتهم، وقِيَمهم، ودوافعهم اللاواعية، على أعمالهم.
السيرة النفسية هي دراسة لأحد الأشخاص تُغطِّي حياتَه بأكملها.4 وشأن كاتب السيرة الشخصية العادي، يقوم كاتب السيرة النفسية بجمع تفاصيل من حياة أحد الأشخاص ويصنع منها حالة تلعب فيها الأحداث دورًا مُهِمًّا. لكن في حالة السيرة النفسية، يتم تسليط الضوء على أبعاد الشخصية المضمرة تحت السلوكيات الظاهرة للشخص. وكثيرًا ما تكون هناك محاولة لتفسير تلك الأنماط باستخدام نظرية معيَّنة في التطوُّر الإنساني. فعلى سبيل المثال، استخدم إِريك إِريكسون نظريته التطورية (التي كثيرًا ما يُطلِق عليها «مراحل الإنسان الثماني») لتحليل حياة مارتن لوثر، مع التأكيد على تطور هُويته في سنوات المراهقة والشباب المبكِّر.5 تتناول السِّيَر الشخصية بوجه عام أفرادًا عاشوا حياتهم تحت أنظار الجماهير (سياسيون ومفكِّرون بارزون). وينطبق هذا على السِّيَر النفسية أيضًا، مع الميل لتفضيل الفنانين والكُتَّاب كموضوعات دراسة، ما أنتج لنا تحليلات لحياة فنسنت فان جوخ، وسيلفيا بلاث، وإلفيس بريسلي.6 لا غرابة إذن في أنَّ أول سِيرة نفسية في التاريخ كانت ذلك التحليل الذي قام به فرويد لحياة ليوناردو دا فينشي وأعماله الإبداعية.7 إن أحد الأسباب التي جعلت من دا فينشي موضوعًا بمثل هذا الثراء هو أنه خلَّف وراءه كمية هائلة من الرسومات والدفاتر (منتجات رمزية) ساعدت في إلقاء الضوء على حياته الداخلية؛ ذلك لأن السيرة النفسية تتعامل مع إبداعات الفنان باعتبارها نُسَخًا، ممتدة على مدار الحياة، من الاختبارات الإسقاطية المستخدَمة في التقييم النفسي (التي يتم فيها التعامُل مع رسوم وقصص موضوعات الدراسة باعتبارها انعكاسات لسرائرهم).8 تفترض السيرة النفسية، عند تطبيقها على الأفلام، أن جميع العناصر الرمزية (الحوار، الأزياء، وحتى حركات الكاميرا) هي انعكاسات للتكوين النفسي للأشخاص الذين قاموا بصُنْعِها. أضِفْ إلى ذلك أن كُتَّاب السيرة النفسية، في تناولهم للحياة المهنية لصنَّاع الأفلام، يتجاوزون ا? «ماذا» عن حياتهم المهنية، ليسألوا «لماذا؟»: لماذا تعكس أفلام هيتشكوك كلَّ هذا القلق؟ لماذا يلعب جاك نيكلسون دائمًا دور المتمرِّد؟ ورغم أنه لا يوجد سوى عدد قليل من السِّيَر النفسية لصنَّاع أفلام وضعها علماء نفس متمرِّسون،9 فإن الأسلوب القائم على عَقْد صلات بين جوانب شخصية من حياة صانع الفيلم وفنِّه يحظى بانتشار واسع. (?) المؤلِّفون: لمحات عن المُخرِجين

كان ظهور «نظرية المؤلِّف» في الخمسينيات (وهي تقضي بأن الفيلم يعكس الرؤية الشخصية للمُخرِج، فيَبدُو كأنه هو المؤلِّف الأساسي للفيلم) أحد أهم التطورات التي شهدتْها دراسات الفيلم، وذلك حين ذهب نقَّاد السينما الفرنسيون إلى أن بؤرة اهتمامهم ينبغي أن تكون المُخرِجين الذين يصبغون أعمالهم برؤية شخصية تعكس انسجامًا على مستوى الأسلوب والتيمات مع حياتهم الخاصة.10 وقد انحاز نقد المؤلِّف في نسخته الأصلية إلى مُخرجِين بعَيْنِهم باعتبارهم حالات نموذجية، لكن هذا معناه أيضًا أن الأفلام، شأن الروايات والقصائد والمسرحيات، صار لها الآن «مؤلِّفون». وإحدى النتائج غير المقصودة لهذه النظرية أن المُخرجين أصبحوا تربة خصبة لتحليلات السِّيَر الذاتية. فإن سلَّمنا بأن الأفلام هي انعكاسات للرؤية الشخصية للفرد، إذن فإن تلك الأفلام نفسَها تقدِّم لنا مفاتيح للدخول إلى حياة المُخرجين وإخضاعها للدراسة. ألفريد هيتشكوك

يتمتع هيتشكوك، شخصًا وفنَّانًا أيضًا، بحضور قوي يُلقِي بظلاله على أفلامه. وَلْنتذكَّرْ مثلًا شغف الجمهور بظهوره الخاطف في العديد من أفلامه.11 يعتقد كاتب السيرة دونالد سبوتو أن هناك صلة قوية بين عُقَد هيتشكوك النفسية وشخصيته المتناقضة من جانب، وأفلامه من جانب آخَر: «إن أفلام هيتشكوك هي دفاتر ملاحظات ويوميات … كان تكتُّمه الذي يُشارِف حدَّ الهَوَس وسيلة متعمَّدة لصرف الأنظار بعيدًا عن حقيقة تلك الأفلام؛ ألا وهي أنها وثائق شخصية على نحو مذهل.»12 رغم أن الأمر في ظاهره لا يبدو على هذا النحو. فنحن لا نجد مِن بين كل أعماله فيلمًا يدور حول رجل إنجليزي بَدِين، محبٍّ للدعابة، يعيش حياة مريحة في جنوب كاليفورنيا. بَيْد أن سبوتو يؤكِّد أنك لو أمعنتَ النظر في حياة هيتشكوك وأفلامه، لوجدت رجلًا مليئًا بالتناقضات الصارخة. فالشخصية العامة لرجل العائلة البسيط الذي لا يحب سوى صناعة الأفلام تتناقض مع حياة باطنية أكثر قتامةً، قوامها الشعور بالذنب والقلق والغضب؛ ومن هنا جاء عنوان السيرة التي وضعها سبوتو: «الجانب المظلم للعبقرية» (????). إحدى نوادر الصِّبا المفضَّلة لدى هيتشكوك تدور حول تلك المرة التي ارتكب فيها خطأً طفيفًا وطلب والدُه ويليام من صديق له يعمل في الشرطة أن يضع ألفريد في الحبْس لفترة وجيزة لكي يُلقِّنه درسًا. لجأ هيتشكوك إلى هذه القصة لكي يفسِّر الخوف الذي رافَقَه طيلة حياته من السجن والشرطة.13 يتبدَّى والده في هيئة رجل صارم بلا مشاعر، وهي صورة تتسق مع القليل الذي نعرفه عنه. ويخمِّن سبوتو أن وفاته التي وقعتْ عندما كان هيتشكوك في الخامسة عشرة من عمره ربما تكون وَلَّدتْ لديه شعورًا بالذنب استنادًا إلى المشاعر العدائية (ربما حتى تمنِّي موتِه) التي كان يُكِنُّها لوالده القاسي.14 فصور السلطة ككيان مستبدٍّ لا يُعتمد عليه وينطوي على خطر محتمل، حاضرة على الدوام في جميع أفلام هيتشكوك: رءوس التجسُّس في فيلم «سيِّئ السمعة» (نوتوريَس) الذين يُلقُون بأليسيا (إنجريد برجمان) بلا رحمة في طريق الشرِّ؛ والشُّرطي المُخيف الذي نراه على الدرَّاجة النارية في فيلم «سايكو»؛ والنظام القضائي المَعِيب الذي يدين رجلًا بريئًا (هنري فوندا) في فيلم «الرجل الخطأ» (ذا رونج مان)؛ إلخ. ورغم أن هيتشكوك، فيما يبدو، ينظر إلى واقعة السجن في طفولته باعتبارها مزحة مروِّعة، فإنها تُظهِر على الأقل شيئًا من الوعي لديه بوجود صلة بين حياته وفنِّه. وقد تكون هناك صلات أخرى لم يكن هيتشكوك شديد الرغبة في مناقشتها في العلن؛ فقد اشتُهر بتجسيداته البغيضة لشخصية الأمِّ. يتجلَّى هذا بصورةٍ مبالَغٍ فيها في شخصية مدام سيباستيان (ليوبولدين كونستانتين)، في فيلم «سيئ السمعة»، خاصةً في المشهد الذي تُشعِل فيه سيجارتها، وتُحدِّق بنظرة مخيفة، ثم تُمعِن التفكير في طريقة لتخليص ابنها النازي الرعديد، أليكساندر (كلود رينز) من زواجه من جاسوسة أمريكية. كما تقدِّم أفلام «سايكو»، و«مارني»، و«الشمال الغربي» (نورث باي نورث ويست) وغيرها نماذج لأمهات متسلِّطات أو غريبات الأطوار وقاسيات. ويُلمِح سبوتو أنه ربما كانت تلك الأمهات انعكاسات لمشاعر هيتشكوك المتناقضة تجاه أمِّه، التي عاش معها حتى زواجه من ألما ريفيل، في أواخر العشرينيات من عمره. فقد كان شديد القُرْب منها، كما يُقال، رغم أنه ربما يكون قد شعر بالسخط عليها بعد أن أُصيبتْ بالاكتئاب عقب وفاة والده وأصبحتْ بحاجة إلى قدْر كبير من الاهتمام والرعاية.15 يعتقد سبوتو أن مخاوف هيتشكوك تجاه الأمهات والأمومة استمر في علاقته مع ألما؛ فقد كان لها تأثير هائل على حياته وعمله؛ إذ يَصِف سبوتو علاقتهما الحميمية بأنها كانت أفلاطونية في أغلبها.16 وبإمكاننا العثور على هذا التوتُّر، مرة أخرى، في أفلامه. فميدج (باربرا بيل جيديس) في فيلم «دوار» (????)، امرأة جذَّابة، وذكية، ومخلِصة للبطل، سكوتي (جيمي ستيوارت). والعلاقة بينهما قوامها صداقة متينة تعود إلى سنوات دراستهما الجامعية عندما كانا مخطوبَيْن. غير أن سكوتي يأخذ علاقته بميدج كشيء مسلَّم به، وعند نقطة معيَّنة يُعبِّر عن رفضه لما تُبدِيه من قلق عليه قائلًا: «مسلكك هذا أُموميٌّ بصورة لا تُطاق.» وبحسب سبوتو، كان هيتشكوك ضعيفَ الثقة بنفسِه بسبب افتقاره إلى الوسامة؛ مما قادَه إلى إقامة علاقات استحواذية مع بطلات أفلامه. وقد ظهر «نمط» هيتشكوك (الشقراء، الراقية، الواثقة بنفسها، التي لا سبيل لبلوغها) في أفلامه من الأربعينيات وحتى الستينيات (إنجريد برجمان، تيبي هيدرن، جريس كيلي، كيم نوفاك، على سبيل المثال). وارتبط هيتشكوك مع هؤلاء الممثِّلات بعلاقات شائنة اشتُهرتْ بحِدَّتِها. كان لطيفًا وودودًا، هكذا تصف كيلي في تأثُّر كيف كان يحرص على أخذ رأيِها في الملابس التي ظهرت بها في فيلم «اتصل بإم للقتل» (دايل إم فور ميردر).17 لكنه أيضًا كان متسلِّطًا بطريقة غير طبيعية ويتمسَّك بمعايير غير واقعية لا مثيل لها؛ فقد انتابه غضب شديد عندما اضطرت فيرا مايلز إلى الاعتذار عن استكمال دورها في فيلم «دوار» بسبب الحمل في طفلها الثالث، وقال لها إن «الطفل الأول كان متوقَّعًا، والثاني كافيًا، أما هذا الثالث فهو فُحْش!»18 ويرى سبوتو في فيلم «دوار» مثالًا أصيلًا لهواجس هيتشكوك النفسية. ففي النصف الأول من الفيلم، يقتفي سكوتي أَثر السيدة الغامضة الشبحية مادلين (نوفاك)، زوجة صديقه الثري منذ أيام الجامعة، عبْرَ شوارع سان فرانسيسكو الغامضة الشبحية بالقدْر نفسه. في البداية، تبدو مادلين في هيئة مثالية لا سبيل إلى بلوغها، لكن ما إن يبدأ سكوتي في إقامة علاقة معها، حتى تتعرَّض للموت سقوطًا ويعجز عن إنقاذها تحت تأثير خوفه من الأماكن المرتفعة. ثم في النصف الثاني من الفيلم، يحاول سكوتي تغيير جودي (تلعب دورها نوفاك أيضًا)، شبيهة مادلين السوقية، ذات الشَّعر الداكن. وفي محاولتِه تلك لتحويل جودي إلى نسخة من صورة مادلين المحفورة في ذاكرته، يبدو سكوتي متعنِّتًا، وطائشًا، ومولعًا بالتفاصيل. وفي النهاية، يكتشف أن مادلين وجودي هما الشخص نفسه، وأنه تمَّ توظيفُها للاشتراك في مؤامرة للقتل.
وإذ يُجرجِر جودي صاعدًا بها سلالم برج الكنيسة، يتلفَّظ سكوتي بصوت مختنق بالمونولوج التالي: لقد قام «القاتل» بتبديل مظهرِكِ، أليس كذلك؟ قام بتغيير شكلك تمامًا كما فعلتُ أنا، لكن فقط بطريقة أفضل. ليستِ الملابس والشعر فقط، بل النظرات، والتصرفات، والكلمات … ثم ماذا فعل؟ هل قام بتدريبك؟ هل أقام لك بروفات؟ هل أخبرك بما ينبغي عليكِ أن تفعليه وتقوليه بمنتهى الدقة؟
يعتقد سوتو أن هذا الحديث لا يصف ببساطة أفعال الشخصيات في «دوار»، لكنه يصف أيضًا موقف هيتشكوك الخاص وطريقة تعامله مع بطلات أفلامه. مارتن سكورسيزي

من المثير أن نجد هذا العدد الكبير من المخرجين العظماء المهمومين بموضوعات دينية ورُوحانية، في صناعةٍ كثيرًا ما تُتَّهَم بالعلمانية واللاأدرية. عندما قام مارتن سكورسيزي بإخراج فيلم «الإغواء الأخير للمسيح» (ذا لاست تيمبتيشن أوف كرايست) عام ????م، جلب شواغله الدينية إلى المقدِّمة، بَيْد أن تلك التيمات كانت حاضرة في جميع أفلامه السابقة — بما في ذلك أحاديث ترافيس (روبرت دي نيرو) شبه الإنجيلية في «سائق التاكسي» عن المطر القادم الذي سيغسل شوارع المدينة من أدرانها، وشواغل تشارلي (هارفي كيتل) الدينية في فيلم «شوارع وضيعة» (مِين ستريتس).
يذهب كاتب السيرة فينسينت لوبروتو إلى أن جزءًا كبيرًا من الانطلاقة البصرية والإدراك الجمالي عند سكورسيزي يعود إلى الطقوس والقرابين المقدَّسة في الكنيسة الكاثوليكية؛ التركيز على الجسد والدم، والأساطير المكثَّفة، فضلًا عن مجموعة ألوان ثريَّة تُذَكِّر بزجاج الكنائس الملوَّن. تتداخل تلك الصور مع التيمات السينمائية التي نجدها في أفلام المغامرات، والملاحم التاريخية، والاحتفالات الدينية التي كانت شائعة في سنوات نشأته في حقبة الخمسينيات.19 تلك الصور والتيمات ليست، بالطبع، حكرًا على الكنيسة الكاثوليكية، لكنْ لها علاقة أيضًا بالمؤثرات الوثنية التي تعود حتى إلى حقبة زمنية أبعدَ في التراث الصقلي لسكورسيزي.20 ورغم أن الكاثوليكية لعبتْ دورًا هامًّا في حياة أسرة سكورسيزي في سنوات نشأته، فقد كانت هناك دائمًا شكوك تجاه الكنيسة، ولم يكن أيٌّ من أفراد أسرته، سواه، متديِّنًا بوجه خاص. ويخلص لوبروتو إلى أن السينما كانت هي دِينَ سكورسيزي الحقيقي في نهاية المطاف، وأن أهمية الكاثوليكية بالنسبة إليه تعود في المقام الأول إلى ما تتضمَّنه من عناصر بصرية.21 بَيْد أن سكورسيزي تشرَّب أخلاقيات ومعتقدات الكنيسة أكثر من أخلاقيات ومعتقدات عائلته بوضوح؛ فالْتَحق بمعهد ديني لفترة قصيرة وكان ينوي الالتحاق بسلك الكهنوت. في النهاية انتصرت السينما، لكن التيمات الدينية عن الذنب والخلاص ظلَّت تشكِّل العمود الفقري لأعماله. وبينما يؤكِّد لوبروتو على مشاعر الذنب المتعلِّقة بالجنس في الشواغل المبكرة لدى سكورسيزي، فإن ثمة إحساسًا أشمل بنقصه باعتباره إنسانًا، ظل يستحوذ عليه: «لقد تعاملتُ مع الإنجيل بمنتهى الجدية، وتساءلت آنئذٍ، وما زلتُ أتساءل حتى اليوم حول إن كان عليَّ أنْ أترك كل شيء لكي أساعد الفقراء. لكنني لم أكن آنئذٍ، ولا الآن، قويًّا بما يكفي.»22 واتساقًا مع هذا النقص في العزيمة، نجد الكثير من شخصياته يُجاهِدون من أجْل بلوغ الخلاص، لكنَّهم قلَّما يَجِدونه. ففي «سائق التاكسي»، تبيَّن أن خلاص ترافيس بيكل في عيون الصحافة والقانون ساخرًا وزائفًا. ووحدَه يَسُوع في «الإغواء الأخير للمسيح» هو مَن امْتَلَك ما يكفي من القوة ليختار اختيارًا صحيحًا بصورة قاطعة لا لَبْس فيها. أكيرا كوروساوا

يميل كُتَّاب السيرة النفسية، شأن العديد عن علماء النفس التطوريين منذ فرويد، إلى إيلاء عناية خاصة لأحداث فترة الطفولة، التي تشمل العلاقة مع الوالدَيْن، والمعاناة الاجتماعية والاقتصادية، والتجارب المفجِعة. ورغم أهمية فترة الطفولة، يمكن أن يكون هناك شيء من المبالغة في تقدير آثارها. ولم تَحظَ الجوانب التطورية لفترة البلوغ بنفس القدْر من الاهتمام.
ثمة مقاربة للمشوار الفني للمخرج الياباني أكيرا كوروساوا تُغطِّي حياتَه بأكملها، تقدِّم بديلًا لذلك.23 فأشهَرُ أفلام كوروساوا وأكثرُها نجاحًا على المستوى النقدي، مثل «الساموراي السبعة» (شيتشينين نو ساموراي) و«راشومون»، أخرجها في الخمسينيات عندما كان في الأربعينيات من عمره؛ وقد عاش حتى بلغ الثامنة والثمانين، وظل يصنع أفلامًا حتى التسعينيات، رغم أنها بوجْه عام، لم تَحظَ بالاحتفاء نفسه الذي حظيتْ به أعمالُه المبكِّرة. والسبب في ذلك قد يكون أن تقييم أعمالِه المتأخِّرة كان مبنيًّا على سوء فَهْم لعملية التطور؛ إذ يتناول النقَّاد الأسلوب القديم لفنان مخضرم من منظور تحليلي متعلِّق بفترة منتصف العمر. وشأن العديد من الفنانين، تزايَد تقوقُع كوروساوا حول نفسِه مع تقدُّمه في العمر. فعقب اضطرابات نفسية شديدة ومحاولة انتحار، اتَّخذ كوروساوا قرارًا واعيًا، اعتبارًا من منتصف السبعينيات، بصناعة أفلام أكثرَ قربًا من السيرة الذاتية لكنَّها أقل واقعيةً أيضًا. ويرى بعض النقاد هذا التحول باعتباره دليلًا على فقدانه التركيز والسيطرة الفنية. بَيْد أنه بِجعْل القصة أقلَّ تماسكًا وهَجْر النزوع السينمائي للحركة الذي ميَّز فترة الشباب، نجحت أفلام كوروساوا المتأخِّرة في تجسيد تلك السكينة التأملية للحياة الروحية. ففيلم «أحلام» (كونَّا يوميه أوميتا) — ثماني صور أدبية تجسِّد أحلام كوروساوا الخاصة — هو محاولة لخلق «فضاء سيري» من أجْل تسوية النزاع بين قُوَى الحياة المتصارِعة في السابق.24 هذا الإنجاز الفني بات ممكنًا فقط عبر مراكمة خبرات حياتية داخل مجال السينما وخارجه على حدٍّ سواء. (?) النجوم: لمحات عن الممثِّلين

يمتلك أغلب نجوم السينما شخصية عامة يمكن التعرف عليها في التوِّ؛ صفات جذَّابة ومثيرة للاهتمام. وكثيرًا ما تكون تلك الصور المُدرَكة العامة مبالَغًا فيها بسبب مَيْل النجوم إلى أداء أدوار متنوِّعة للشخصية نفسِها مرارًا وتكرارًا. فحتى في محفلٍ عامٍّ مثل حفل توزيع جوائز الأوسكار، فإنهم يَحرِصون على تقديم نسخة مؤسلبة من أنفسِهم. ومن ثَمَّ تتحوَّل مثل تلك الظهورات عمليًّا إلى دَوْر آخَر يُساهم في نجوميتهم. وفي النهاية، تطغى تلك النجومية على كلٍّ مِن أدوارهم السينمائية وواقع حياتهم اليومية؛ مما يجعل معجبيهم يشعرون بأنهم يعرفونهم جيِّدًا. فمِن ناحية، يبدو هؤلاء النجوم بشرًا عاديين كغيرهم ومألوفين، لكنهم، من ناحية أخرى، لا يُشبِهون غيرَهم من الناس في شيء. فهم في حقيقة الأمر «أساطير حية» وأكثر نقاءً من البشر العاديين نوعًا ما.25 إن سلطة النجوم قد تكون من القوة بحيث يمكن للمرء أن يذهب إلى أنهم هم المؤلِّفون الحقيقيون للكثير من أفلام هوليوود. ففيلم لجون وين أو ويل سميث هو الذي يحدِّد السمات التي يجب توافرها في الفيلم، والشكل الذي ينبغي أن يبدو عليه. وتتمثَّل وظيفة صنَّاع الأفلام الآخرين، بما في ذلك المخرج وكاتب السيناريو، في بناء مثل هذا الفيلم حول نجمه.
تستكشف السيرة النفسية لنجوم السينما الطريقة التي تتداخل بها أدوارُ ممثِّل ما، والشخصية العامة التي يملكها، وحياته الخاصة بعضها مع بعض. فمِن غير المحتَمَل أن تكون الأفلام مجرَّد نُسَخ شفَّافة من شخصية الممثِّل المضمَرة، لكنها يمكن أن تعمل كموشور يعكس حقيقته النفسية بصورة مشوَّهة.
جاك نيكلسون

يمتلك جاك نيكلسون رصيدًا فنيًّا مبهرًا، لا سيما أفلامه في حقبة السبعينيات؛ بدايةً من «خمس قطع سهلة» (فايف إيزي بيسيز) وحتى «البريق». ورغم أن تلك الأفلام قام بإخراجها صنَّاع أفلام مرموقون، يعتقد النقاد أن أداء نيكلسون هو ما يُميِّزها. فهو يجسِّد، في أدائه كممثِّل، الكثافة والتعقيد النفسي للفن السينمائي بعد براندو، لكنه يمثل أيضًا عودة لهوليوود أقدم؛ بمعنى أنه ليس بإمكان أحد القول إنه «يختفي» في أدواره. فأيًّا ما كانت الشخصية التي يؤدِّيها، فإن جزءًا من جاذبيته يكمن في أنه دائمًا «جاك نفسه»، وهي سمة تُغرِي لإخضاعه إلى تحليل للسيرة النفسية.
يستكشف باتريك ماجيليجن في كتابه «حياة جاك» (????) مجموعة متنوعة من موضوعات السيرة النفسية، بَيْد أنَّ نَسَب نيكلسون العائلي هو ما يَبرُز كأكثر تلك الموضوعات غرابةً. فقد أنجبَتْه أمُّه جُون وهي في الثامنة عشرة من عمرها. ووالد الطفل غير معروف. ولكي تُتِيح الجدَّةُ — إيثيل ماي — الفرصة لابنتها لمواصلة عملها في مجال الاستعراض، تولَّتْ بنفسِها مَهَمَّة تربيته، وأخبرتْه أنها أمُّه وأن جُون شقيقته. أما جدُّه وأبوه الاسمي، جون الابن، فقد ترك زوجته وانتقل للعيش في مكان آخر عندما كان جاك لا يزال رضيعًا، رغم أنهما ظلَّا على اتصال متقطِّع في سنوات نشأته.26 لم يكن نيكلسون يعلم الملابسات الحقيقية لمولده إلى أن اتصل به محرِّرٌ صحفي من جريدة التايم أثناء عرض فيلم «الحي الصيني» (تشاينا تاون) عام ????م. هذا الاكتشاف كان له — كما قيل — وقْعٌ عميق الأثر على مشاعر نيكلسون الذي راح يروي تلك القصة للعديد من أصدقائه المقرَّبين بصوت تخنقه العَبَرات.27 بدايةً من مشهد «سلطة الدجاج» الشائن لبوبي دوبي الذي يقرِّع فيه النادلة في فيلم «خمس قطع سهلة»، ارتبط أداء نيكلسون التمثيلي بالثورات الانفعالية الحادَّة. وكثيرًا ما اصطبغت تلك الثورات بمَسْحة أخلاقية قوية التأثير. ففي فيلم «أحدهم طار فوق عش المجانين»، نلتقي ماكميرفي، الناطق النبيل باسم الحقيقة وسط الأجواء القمعية للمصحَّة العقلية. أضِفْ إلى ذلك أن نيكلسون أكَّد، في مقابلات صحفية مبكِّرة، على الأهمية الكبيرة التي كانت عائلته توليها دائمًا لفضيلة الصدق.28 ويزعم كاتب السيرة ماجيليجن أن نيكلسون أتْقَنَ أداءَ نوبات غضب في شبابه أثناء التمثيل بهدف جذْب انتباه النساء في صالون التجميل الذي كانت تملكه جدَّتُه.29 إن هذا السلوك، إضافةً إلى حقيقة وجود أسرار شديدة الأهمية أُخفيتْ عنه، قد يدفعنا إلى إعادة تفسير نوبات غضب فترة النضج لبوبي، وماكمورتري، وغيرهما من الشخصيات التي أدَّاها نيكلسون. ومنظورًا إليها في هذا الضوء، تكتسب مثل تلك النوبات سمة الاهتياج، والبحث؛ حيث الحقيقة ليست شيئًا تمَّ العثور عليه، بل شيء تسعَى الشخصيات، شأن نيكلسون، باستماتة لبلوغه. أنجلينا جولي

ربما كانت أنجلينا جولي هي النجمة الشابَّة الأبرز في العصر الحديث. فمنذ فوزها بجائزة أفضل ممثِّلة مساعِدة عام ????م عن دورها في فيلم «فتاة، قوطعت»، أصبحتْ جولي وجهًا دائم الحضور في وسائل الإعلام، سواء بسبب أدوارها، أو حياتها الشخصية، أو نشاطاتها الإنسانية. أحد الملامح الثابتة للشخصية العامة الخاصة بها هو ميولها الجنسية. فحتى في فيلم مضمونه الجنسي الصريح ضئيل للغاية مثل «لارا كروفت: نبَّاشة القبور» (لارا كروفت: تومب ريدر)، فإنَّ جسدَها الرشيق يكاد يكون له تأثير الفتيشية. إن ما يجعل جولي شخصية عصرية بوجْهٍ خاص هو انفتاحها فيما يتعلَّق بميولها الجنسية، لا سيما بممارسات مثل التقييد، والثنائية الجنسية، ودق الوشم، والتي ترتبط عمومًا بأساليب الحياة البديلة. ورغم أن ملاحظات فرويد حول القوة المحرِّكة للميول الجنسية تَظهَر بوضوح في نجومية جولي، فإنه بالكاد يمكن القول إن تلك الميول تُعامَل باعتبارها سرًّا دفينًا.
يولِي أندرو مورتُن في كتابه «أنجلينا: سيرة محظورة» — وهو سيرة حياة جولي الوحيدة الهامة التي ظهرتْ حتى الآن — اهتمامًا كبيرًا بصورتها الفضائحية. فيشتمل ملحقُه على الثنائية الجنسية، والفتيشية السادية/الماسوشية، فضلًا عن علاقاتها الغرامية مع العديد من الشخصيات الشهيرة، بالإضافة إلى موضوعات ذات طابع مَرَضيٍّ؛ مثل التمزيق، وتعاطي المخدرات، واضطرابات الأكل، و«الوَلَع بالسكاكين». كذلك يتطرَّق أيضًا إلى طفولتها وأنشطتها الإنسانية، لكنه يخلو، على نحو لافت، من أي بيانات عن التمثيل وغيره من الموضوعات المهنية التي تحتلُّ دائمًا مكانة بارزة في سِيَر صنَّاع الأفلام. يحفل الكتاب بالعديد من المقاطع التي تتناثر بلا قيود على امتداد صفحاته؛ مثل المقطع التالي: «في حين أن الفيلم شابَهُ بعض التردُّد فيما يتعلَّق بالجنس، كان الأمر خلاف ذلك بين الممثِّلين وفريق عمل «ثعلب النار» (فوكس فاير)؛ حيث لم يكن ثمة وجود لمثل هذا الكابح، وتحوَّلت أسابيع التصوير الثمانية إلى رحلة ممتدَّة من اللهو والانحدار الأخلاقي.»30 يحاول مورتُن تفسير ميول جولي الجنسية باعتبارها نتاجًا لطفولتها وعلاقتها بوالدَيْها. ففي العشرينيات من عمرها، أقامتْ علاقة مثلية مع إحدى الفتيات، يفسِّرها مورتُن كمحاولة من جانبها للانتقام من والدها، الممثل جون فويت؛ لأنها كانت تعرف جيدًا أنه لن يوافق عليها. ويَلْجأ مورتُن، لدعم تحليله لميولها الثنائية، إلى أفكار أحد المحلِّلين النفسيين؛ إذ يقول: «الثنائية الجنسية هي جزء من الشعور بالضياع … إنْ كنتَ لا تفهم ذاتَك واحتياجاتِك، فسوف تعمد إلى التجريب.» وكذلك إلى أفكار أحد علماء النفس؛ إذ يقول (في معرض تناوُله للمزاعم حول تَرْك جولي في مهْدِها بلا رعاية): «لو أنَّكِ (بوصفك أنثى) تتضوَّرين جوعًا للحميمية، لو أنَّكِ عانيتِ من الهَجْر، لشعرتِ أنكِ لا شيء. ولو حدث أن شعرتِ بالانجذاب نحو امرأة، لانتهى هذا لا محالة إلى إقامة علاقة جنسية معها.»31 مثل تلك الآراء، لا سيما العلاقة السببية بين تعلُّق الرضيع بأمِّه والثنائية الجنسية، لا تَلْقَى قبولًا من جانب معظم المتخصصين في الصحة النفسية، وثمة شكوك كثيرة حول مدى صحتها. لكنها تنجح في تقديم تفسيرات أكثر بشاعةً واستفزازًا من السلوكيات التي تحاول تفسيرها. فبدلًا من انخراطها ببساطة في علاقة مثلية، يتكوَّن لدَى القُرَّاء صورة لأنجلينا كفتاة صغيرة ضائعة، جامِحَة، تَجُوب أرجاء لوس أنجلوس في بحث يائس عن أمِّها عبر القيام بالكثير من «التجريب». هذا النوع من الأشياء هو ما يُعطي السيَر النفسية سمعةً سيِّئة.
علم نفس طاقم العمل

رغم الاهتمام المبالَغ فيه بنجوم التمثيل والإخراج، فإن الأفلام لا يَصنَعها أفراد منعزلون. فمَهمَا كانت كاريزما الممثل أو الرؤية الثاقبة للمخرج، فإن صنَّاع الأفلام لا يعملون بمفردهم. فالأفلام هي انعكاس لعدد كبير من الناس يعملون معًا من أجْل هدف مشترك على مدار فترة زمنية ممتدة. والأجزاء ليست مجرَّد مجموع تلك الخبرات الفردية، بل إنها تلْتَئِم معًا بطرق فريدة. والمقولة الشهيرة: «الكل أكبر من مجموع أجزائه»32 يمكن تطبيقها بسهولة على السيرة النفسية. وقد توصَّل المخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي إلى كشفٍ بخصوص الاعتماد المتبادَل فيما بين أفراد فريق العمل وطاقم الممثلين بعضهم على بعض في موقع تصوير ملحمته التاريخية الهائلة «????»:لزمن طويل، كنتُ أظن أن الفيلم تعبير عن شخص واحد؛ لهذا بدأتُ أصنع أفلامًا في سِنٍّ مبكِّرة للغاية. كنتُ آتيًا مباشرةً من تجربة كتابة الشعر. [وفي النهاية] كان عليَّ أن أقْبَلَ بحقيقة أن الفيلم تعبير عن إبداع جماعي ونتاج له. فكل فردٍ في فريق العمل، كل فرد في موقع التصوير، يُشارك في صنع أفلامي.33 كذلك تلعب الحالة النفسية الجمعية للمشاركين في الفيلم دورًا في صناعته. فبرتولوتشي يشير إلى الكيفية التي أضفى بها استخدامه لممثِّلين غير محترفين في أدوار الرعاة، جوًّا من الأصالة على فيلم عن تاريخ إيطاليا. والممثِّلة فيونا شو شبَّهتْ طاقم عمل الفيلم بالأُسرة (رغم أنها نوع فريد من الأسرة؛ حيث كان جميع الموجودين في موقع التصوير يتجنَّبون أُسَرَهم الحقيقية).34 وثمة نسخة أكثر قتامةً عن أنه كيف يمكن للحالة النفسية الجمعية لصنَّاع الفيلم أن تؤثِّر على المنتج النهائي، نجدها في تعليق فرانسيس فورد كوبولا حول فيلم «سِفر الرؤية الآن» (أبوكالبس ناو)؛ إذ يقول: «كان الأمر يشبه حرب فيتنام بعض الشيء؛ جماعة من البَشَر ذهبوا إلى الأحراش وفقدوا عقولهم هناك.»35 إن التفاعلات — أيًّا كانت نتائجها — التي تحدُث بين حَشْدٍ مؤلَّف من عدد كبير من البشر هي المسئولة، في نهاية المطاف، عمَّا يتضمَّنه الفيلم من معانٍ ومشاعر. ومؤخرًا، كان هناك اتجاه لتجسيد قصص ملحمية في سلاسل أفلام (مثل «سيد الخواتم» و«هاري بوتر») تتطلَّب من فريق العمل وطاقم الممثلين العمل بكثافة لفترة تمتدُّ لسنوات، أحيانًا في أماكن ذات ظروف طبيعية قاسية. وشأن كل الأفلام الحديثة التي حقَّقت نجاحات مدوِّية، تتضمَّن هذه الأفلام قدرًا كبيرًا من المؤثِّرات البصرية، لكن نجاحها المدوِّي يرجع، بالقَدْر نفسه، إلى العلاقة الوثيقة التي تربط بين الشخصيات. فالممثِّلون المشاركون في تلك الأعمال الماراثونية يتحدَّثون بطريقة مؤثِّرة عن الصداقات المتينة التي تنشأ بين طاقم الممثلين وفريق العمل. والصداقات التي تتكوَّن خلف الكاميرا تتجلَّى بوضوح على شاشة العرض. وقد عبَّر ديفيد ييتس، مخرج «هاري بوتر»، عن هذا الشعور بخصوص أحد المشاهد الختامية مع هاري (دانيال رادكليف)، وهيرميوني (إيما واتسون) ورون (روبرت جرينت)؛ إذ قال: «لم يكن الأمر يتعلَّق فقط بممثلين يؤدُّون مشهدًا، بل بأطفال يتأملون نشأتَهم في عالَم السينما، وأعتقد أن جزءًا من هذا ظهر، في النهاية، على الشاشة.»36(?) علم النفس من أجْل صنَّاع الأفلام: وودي آلِن نموذجًا

علم النفس ليس حكرًا على علماء النفس دون غيرهم. فأفكار فرويد ويونج انتشرت خارج حدود المجال الأكاديمي وعيادات الطبيب النفسي وتبنَّاها الناس العاديون بمَن فيهم كُتَّاب السِّيَر. وقد تأثَّر بعض صنَّاع الأفلام في حياتهم الشخصية والإبداعية بالمفاهيم السيكولوجية؛ حيث أمدَّتْهم بالعديد من الإلماعات المفيدة في صناعة الفيلم.
أحد أهم التطورات التي شهدها فن التمثيل المسرحي والسينمائي في القرن العشرين هو ما عُرف باسم «المنهج»، الذي قام لي ستراسبرج بتطويره، استنادًا إلى أعمال ستانيسلافسكي، لصالح «ستوديو الممثل» الخاص به، ثم انتشر في الأربعينيات والخمسينيات على يد ممثلين مثل مارلون براندو، وجيمس دين، وبول نيومان. ويشجِّع التمثيل المنهجي الفنانين على العثور في دواخلهم على مشاعر ودوافع الشخصيات التي يؤدونها. وهذا الاتجاه نحو الداخل كان جزءًا من روح العصر اللاحق لفرويد التي أكَّدت على التجربة الذاتية وتعدُّد مستويات الوعي.37 وقد قام بعض علماء النفس بإعداد استبصارات سيكولوجية محدَّدة لمساعدة الممثلين، والمخرجين، وكتَّاب السيناريو في تطوير شخصيات تتميَّز بالواقعية والتعقيد النفسي. كذلك يتم تشجيع الكُتَّاب على جعل شخوصهم تتوافق مع الأنماط الأولية العتيقة — مثل البطل، والحكيم، والأحمق — بهدف عقد صلات أكثر عمقًا مع الجمهور.38 ولا يقتصر الهدف من ذلك على الوصول إلى مناطق من الذات تخص الفرد وحده، بل يمتد إلى محاولة تَمَاسٍّ مع تلك الأجزاء من النفس المشتركة بين جميع الناس. ثمة عدد من نجومِ ومخرجي وأباطرة السينما مرُّوا بتجربة العلاج النفسي الإكلينيكي بأنفسهم. ففي كتاب «هوليوود على أريكة الطبيب النفسي» (????) يتفحَّص ستيفن فاربر ومارك جرين الماضي الطويل المشحون، وغير اللائق أحيانًا، لصناع الأفلام الذين وقعوا تحت سحر علم النفس، ولا سيما التحليل النفسي. ففي عام ????م، عرض صمويل جولدوين على سيجموند فرويد مبلغًا قدْره ??? ألف دولار لكي يساعده في صياغة قصة حب باستخدام استبصارات التحليل النفسي.39 وقد رفض فرويد العرض دون إبداء أسباب، بَيْد أنه كان هناك عدد كبير من علماء النفس على أُهْبة الاستعداد لتقديم يدِ العون. إلا أن أساليبهم، في مجملها، لم تكن تتفق مع المعايير الحديثة للرعاية النفسية. فالطبيب النفسي الذي عُيِّن مستشار أزمات لجودي جارلند في فيلم «القرصان» (ذا بايرت) ساعد المنتج والمخرج آرثر فريد وفينسينت مينيلي، في مونتاج الفيلم.40 وقد استمر هذا النوع من التأثير في هوليوود لعدة عقود؛ ففي الثمانينيات والتسعينيات تمكَّن جون برادشو، المتخصِّص في علم النفس الشعبي، من إقامة بعض علاقات العمل مع عدد من النجوم مثل باربرا سترايساند. ولعب دورًا مؤثرًا في صناعة فيلم «أمير المد والجزر»، سواء في رسم ملامح شخصية الدكتورة لُوينستين التي أدَّتْها سترايساند، أو الحبكة القائمة على كشف الانتهاك الجنسي بطريقة التنفيس عن المكنون الذاتي.41 بيد أن وودي آلِن هو مَن يتمتع بأقرب العلاقات مع علم النفس في المخيِّلة العامة، ومن المؤكَّد أن العلاج النفسي يلعب دورًا بارزًا في العديد من أفلامه. ففي فيلم «أزواج وزوجات»، ثمة رفٌّ يضم مؤلَّفات فرويد يمكن رؤيته خلف جيب فيما هو يُجري لقاءات يكشف فيها عن مكنون ذاته مع مخرج أفلام وثائقية/أقرب إلى كونه طبيبًا نفسيًّا غير مرئي. وفي فيلم «امرأة أخرى» (أناذر وُمَن)، تكتشف ماريون (جينا رولاندز) أن حياتها قد تبدَّلتْ عندما استرقتِ السمع إلى مريضة ذات ميول انتحارية وهي تتحدَّث إلى محلِّلها النفسي. فالعلاج النفسي يُقدَّم في أفلام آلِن باعتباره جزءًا من نمط الحياة الفكرية لنيويورك. وفي فيلم «آني هول»، يتكفَّل ألفي (آلِن) حتى بنفقات التحليل النفسي لصديقته آني (دَيان كيتون) التي لا تكاد تَفْقَه عنه شيئًا. ومن حين لآخر، تتضمَّن أفلامه سخرية لاذعة للأطباء النفسيين، كما هي الحال عندما تقوم هيلين (ديمي مور) في «تفكيك هاري» (ديكونتسرتكتنج هاري) بإيقاف العلاج النفسي مرارًا وتكرارًا من أجْل أن تدخل في علاقة غرامية مع أحد المرضى، أو طبيب ماري (كيتون) النفسي في «مانهاتن» الذي يسخر منه إيزاك (آلِن) قائلًا: «ألا تساورك الشكوك عندما يتصل بك محلِّلُك النفسي في منزلك في الثالثة فجْرًا وهو يجهش بالبكاء؟»42 إنَّ وجود الأطباء النفسيين في أفلام آلِن لا يدعو للدهشة؛ فقد بدأ آلِن العلاج النفسي للمرة الأولى عام ????م وهو في الرابعة والعشرين من عمره؛ وبحلول التسعينيات، كان قد خضع لتحليل نفسي مطوَّل على فترات متقطِّعة مع خمسة محلِّلين مختلفين.43 ومع ذلك، وباستثناء الاعتراف بأنه كان مريضًا يتلقَّى العلاج النفسي على المدى الطويل، لم يذكر كُتَّاب سيرته سوى القليل عن المحتوى الفعلي لتحليلاته أو الدور الذي لعبتْه في حياته؛ لأن آلِن نفسَه نادرًا ما كان يتطرَّق إلى هذا الموضوع، باستثناء بعض النكات والتعميمات العرضية. رغم هذا التبايُن بين وودي آلِن العام والخاص، يفترض كثيرون أن ثمة فرقًا ضئيلًا بين الاثنين؛ فمعجبوه يعتبرونَه واحدًا منهم، لدرجة أننا نشير إليه بأريحية ? «وودي». وفي حين أن قليلين فقط هم مَن يتخيَّلون أن حياة هيتشكوك الشخصية تُشبِه ما يشاهدونه في أفلام الإثارة التي أخرجها، يعتقد كثيرون أن حياة آلِن في مانهاتن تشبه حياة شخوص «آني هول»، و«مانهاتن»، و«أزواج وزوجات». وبينما أبطال هيتشكوك (كاري جرانت، وجيمي ستيوارت، وهنري فوندا) لا يشبهونه في شيء على مستوى المظهر والشخصية، فإن وودي كثيرًا ما يؤدِّي في أفلامه أدوار البطولة التي تتشابه فيما بينها حدَّ التطابق. وحتى إن كان هذا يعود إلى قدراته التمثيلية المحدودة، فإنه يؤكِّد على تمتعه بشخصية فريدة. ويحدث أحيانًا في أحد أفلامه التي أخرجها مثل «شهرة» (سيليبرتي)، أن يبدو البطل (كينيث براناه) وكأنه تجسيد لشخصية وودي آلِن. ومن ثم، يفترض معظم معجبيه أن شخصية وودي تشبه إلى حدٍّ بعيد آلِن ذاته.
ولأن الجماهير كانت تشعر أنها «تعرف» آلِن، فقد أثارتِ النهاية الكارثية لعلاقته مع مِيا فارو انزعاج الكثيرين. كنتُ قد أمضيتُ بضع سنوات في تدريبي الإكلينيكي في مجال علم النفس عندما تفجَّرتِ الفضيحة، وتحوَّلت إلى مادة لنقاشات حامية. ولأن آلِن كان مرتبطًا في أذهاننا بعلم النفس، والكثير من زملائي كانوا من معجبيه، فقد بدا الأمر برمَّته محرجًا بطريقة غامضة. وسادت بينهم فكرة مفادها أنه بعد كل تلك السنوات التي خضع خلالها للتحليل النفسي، كان ينبغي على آلِن أن يُدرِك أن التورُّط في علاقة مع ابنة بالتبنِّي لشخص مُهِمٍّ في حياتك ليست بالفكرة الجيدة. قبل تلك الواقعة، كان بالإمكان غضُّ البصر عن صورة العلاج النفسي في أفلام وودي آلِن باعتبارها مجرد سخرية لطيفة، أما الآن، فقد ساد انطباع جارف بأن العلاج النفسي كان مجرد وسيلة يلجأ إليها بعض المثقفين الذين يشعرون بالملل لإشباع رغباتهم.44 ربما كان من الفطنة أن يعمد علم النفس إلى دفن ارتباطه بآلِن، بَيْد أن علماء النفس والأطباء النفسيين استمرُّوا في تحليل أفلامه والاستفادة منها في توصيفاتهم للعلاج النفسي والعلاقات الإنسانية بصفة عامة. فهي تمثِّل في نظر بعض المعلِّقين نموذجًا للمبدأ الأساسي في الديناميكا النفسية الذي مفاده أن فهم الذات عملية مستمرة قوامها عقد صلات بين الماضي والحاضر والمستقبل.45 وأنا شخصيًّا، ما زلتُ أجد «آني هول» مضحكًا للغاية وذا بصيرة ثاقبة في آنٍ واحد. وأيًّا ما كانت النتيجة، فقد لعب علم النفس دورًا في حياة آلِن، بينما أثَّرتْ أفلامُه على طريقة فهمنا لعلم النفس، يستوي في ذلك المتخصصون وغير المتخصصين. ورغم أن المرء قد يسقط أحيانًا في غواية الفصْل بين الفنَّان وفنِّه، فإن هذا الفصل، في حالة آلِن، يغدو بالفعل مستحيلًا. (?) لقطات ختامية: تقييم السِّيَر النفسية

إن طرح أسئلة ثاقبة حول الجذور النفسية لأعمال أحد الفنانين لا يعني بالضرورة أن الإجابات ستكون عميقة، وكثيرًا ما تفتح مثل تلك الأسئلة الباب أمام تحليلات نفسية رخيصة ويسيرة (مثل: «صانع الأفلام «أ» يعاني من عقدة الخصاء») أو تشهيرات كتلك التي نجدها في صحف تابلويد (مثل: «أُمُّ صانع الأفلام «ب» كانت تعمل بالدعارة»). ولذا يتعيَّن على كُتَّاب السِّيَر النفسية الجادِّين أن يضعوا معيارًا دقيقًا للتمييز بين التخمينات التي تستهدف الإثارة والسيرة النفسية.
تتميَّز السيرة النفسية الجيدة بالتماسك والاتساق.46 وأطروحاتها السيكولوجية الشاملة ينبغي أن تُصاغ بطريقة تمكِّنها من استيعاب جميع «الحقائق» المتعلِّقة بحياة الشخص. أما تلك الحقائق التي تتناقض مع النظرية في مرحلة تطوُّرها، فلا ينبغي تجاهُلها، بل يتم تضمينها في نظرية معدَّلة. أضِف إلى ذلك أن التفسيرات ينبغي أن تعتمد في إثباتها على العديد من الملاحظات، وليس على عنصر واحد فقط.47 ومن هنا، إذا قام صانع أفلام بكتابة خطاب مليء بالمشاعر لوالدته، يجب ألَّا نعتبر هذا في حدِّ ذاته دليلًا على أنه يُعاني من مشكلة تبعية على درجة من الخطورة. ثمة العديد من الأخطاء الشائعة في السيرة النفسية نذكر منها: عملية إعادة التركيب التي يقوم المرء من خلالها بإطلاق تخمينات حول أحداث مجهولة من أجل دعم تفسير ما. وتخمين سبوتو — الذي لا أساس له — أن هيتشكوك كان يتمنَّى موت والده القاسي يندرج في تلك الفئة.48 حتى فرويد نفسه ارتكب في تحليله لليوناردو دا فينشي أخطاءً فادحة من الإغفال والتفسير المتكلِّف؛ أخطاءً تُخبِرنا عن الحياة النفسية لفرويد أكثر ممَّا تخبرنا عن موضوع دراسته.49 خطرٌ آخَر تتضمَّنه السيرة النفسية؛ هو السيرة المَرَضيَّة، التي تسعى إلى طرح تصوُّر عن حياة الفرد بأكملها انطلاقًا من المرض أو أسبابه.50 وقد صوَّب هذا النوع من النقد سهامَه إلى نظريات بأكملها. ففرويد بدأ بملاحظة مرضاه المعلولين، ثم بَنَى نظريةً عامة للعقل بهدف تفسير تلك العلل. والأمثلة التي عرضتُها (علاقات هيتشكوك المضطربة مع النساء وأسرار نيكلسون العائلية) ليست بريئة هي الأخرى من هذا التركيز على أسباب المرض. هذا التوجُّه من الممكن أن يُفضِي إلى رؤية أحادية الجانب للبشر. وتقدِّم علاقات الصداقة التي تَظهَر على الشاشة في فيلم «هاري بوتر» نموذجًا بديلًا يتفق مع علم النفس الإيجابي، الذي يسعى للتحرُّك نحو توجُّهٍ بنَّاءٍ أكثرَ وأشدَّ تفاؤلًا في ميدان علم النفس.51 بَيْد أنه من الصعب تجنُّب الأمراض النفسية عند تناول السيَر النفسية للفنانين. يستخدم شكسبير تعبير «الخيال القوي» في مسرحية «حلم ليلة منتصف الصيف»؛ لتجسيد النشاط الذهني المشترك بين الشاعر والمجنون.52 وبالتأكيد، هناك دلائل قصصية وديموغرافية على أنه بالإمكان الربط بين العبقرية والمرض النفسي. فَلْننظرْ إلى الفنانين/الموسيقيين/الكُتَّاب الذين مرُّوا بفترات من الذُّهان: كاندينسكي، فان جوخ، شومان، بو، باوند، وولف، بلاث، هيمنجواي، وبليك.53 بالإمكان أيضًا إنشاء قوائم مماثلة باضطرابات نفسية أخرى؛ مثل الاكتئاب والقلق والهوس. إن نسبة المشاهير، لا سيما الفنانين والشعراء، الذين عانَوْا من أمراض نفسية خطيرة، أعلى كثيرًا من الناس العاديين.54 والعلاقة بين الإبداع والمرض النفسي تبدو حتى أكثر وضوحًا، بالنظر إلى أنه كيف يمكن للإبداعات الخيالية أن تكتسب خواصَّ الأحلام والاضطرابات الذهنية. إن السيرة النفسية المثالية يجب أن تتناول الجوانب المَرَضيَّة من حياة الفنان دون أن تختزلها إلى مجرد تشخيص إكلينيكي. توفِّر الأفلام لصنَّاعها أنواعًا مختلفة من المتنفَّسات النفسية؛ بعضها يتعلَّق بالسيرة الذاتية من جهة طريقة تجسيدها لأحداث تمثِّل انبعاثًا لماضي صانع الفيلم. قد يُفعَل هذا بدافع الحنين، أو ربما كفرصة للتخلُّص من عِبْء الماضي أو التعلم منه. وكلا الاتجاهين يمكن رؤيتهما في أفلام وودي آلِن.
وبالنسبة إلى بعض صنَّاع الأفلام، تغدو الأفلام متنفَّسًا لتخيلاتهم عن حيوات بديلة. فالناس يمارسون الإبداع الفني بهدف توسيع نطاق خبراتهم، والتظاهر بالوجود في مكان وزمان مختلفين. والأفلام، كوسيلة إبداعية، تتميَّز بقدرتها الخاصة على إتاحة الفرصة للفنانين لاستكشاف عوالم سحرية (كما في فيلم «هاري بوتر»)، أو أماكن غير مألوفة (كما في فيلم «دوار»)، أو أحداث تاريخية (كما في فيلم «????»).
يميل صنَّاع الأفلام أيضًا إلى صناعة أفلام حول الأشياء التي يرغبونها. ويُضاهي فرويد بين الحَكْي الإبداعي وألعاب التظاهر لدى الأطفال أو أحلام اليقظة لدى البالغين. ويذهب إلى أن هؤلاء الأفراد جميعهم ينغمسون، عبر تلك النشاطات، في محاولة ? «إشباع الرغبات».55 فبينما يحول الواقع بين الناس وبين الحصول على حب وثروة ونفوذ بلا حدود، بإمكان القصص أن تساعدهم في التغلُّب على تلك القيود. ومن ناحية أخرى، تتضمَّن الأفلام أيضًا صورًا لليأس والعنف والرعب وتجارب قد لا يتمنَّى معظم الناس أن يمرُّوا بها. وفي بعض الحالات، تكون صناعة الأفلام وسيلة يستعين بها صنَّاع الأفلام في مواجهة مخاوفهم، والاستعداد نفسيًّا للأسوأ. والمواجهات العنيفة المتكرِّرة في أفلام سكورسيزي مثالٌ على ذلك؛ وأفلام رومان بولانسكي مثالٌ آخر. وفي معظم الحالات، لا يكون بالإمكان تصنيف الخبرات النفسية كعناصر خالصة للسيرة الذاتية أو إشباع محض للرغبة. فالأفلام تعرض مجموعة متنوعة من الخبرات يمكن أن تمتزج معًا في فيلم واحد. وبينما يُتِيح فيلم «دوار» لهيتشكوك تحويل مادلين إلى عنصر فتيشي، فإنه يعكس أيضًا شعوره بالذنب من خلال إلزام سكوتي بدفع ثمن ضَعفه. تعدُّد الأبعاد هذا يمكن أن نجده أيضًا لدى جمهور الفيلم.
(?) قراءات إضافية

Farber, S. and Green, M. (1993) Hollywood on the Couch: A Candid Look at the Overheated Love Affair between Psychiatrists and Moviemakers. William Morrow, New York, NY.
Lax, E. (2000) Woody Allen: A Biography. Da Capo Press, Cambridge, MA.
LoBrutto, V. (2008) Martin Scorsese: A Biography. Praeger, Westport, CT.
McGilligan, P. (1994) Jack’s Life: A Biography of Jack Nicholson. W. W. Norton, New York, NY.
Schultz, W. T. (2005) Handbook of Psychobiography. Oxford University Press, New York, NY.
Spoto, D. (1983) The Dark Side of Genius: The Life of Alfred Hitchcock. Little, Brown, Boston, MA.

الفصل الخامس
الجمهور: الأنماط السيكولوجية لروَّاد دُور العَرْض السينمائية


بعد أسابيع قليلة من بداية عرض فيلم «البجعة السوداء» (بلاك سوان)، شاهدتُه على شاشة عرض كبيرة مزوَّدة بأحدث تقنيات العرض وأنظمة الصوت في دار عرض في لويفيل، بولاية كنتاكي. لسنوات طويلة كانت هذه السينما دار العرض الوحيدة المخصَّصة لعرض الأفلام في البلدة، لكن عندما أَغلَق مجمَّعٌ سينمائي قريب أبوابه، عمدَتْ إلى تغيير شكلِها بهدف اجتذاب جمهور أكبر. ورغم أنها استمرت في عرض أفلام مستقلة، فقد مزجت بين تلك الأفلام الصغيرة وأخرى أكثر رواجًا. وكان فيلم «البجعة السوداء» الفيلم المثالي لمثل هذا الاتجاه؛ فقد تمتع هذا العمل، الذي أخرجه المبدع الشاب دارين أرنوفسكي، بمصداقية فنية، وكان في طريقه لتحقيق نجاح جماهيري كاسح.
ذهبتُ إلى حفلة مسائية مبكِّرة بدون سابق إعداد بعد أداء بعض المَهامِّ. وقد وقع اختياري على فيلم «البجعة السوداء» لأنه حظي بدعاية جيدة، وإعلاناتُه بَدَتْ مثيرة للاهتمام، وحظي ببعض المراجعات النقدية الجيدة. إنه فيلم لم تكن زوجتي لترغب في مشاهدته؛ فهي ليست مولَعة بدراما الرعب النفسي العنيفة، حتى تلك التي تدور أحداثها في عالَم الباليه.
شكل ?-?: ناتالي بورتمان في دَوْر نينا ساير في فيلم «البجعة السوداء» ???? (حقوق النشر محفوظة لبكتوريال بريس (شركة ذات مسئولية محدودة)/آلمي).
حملتُ كيس الفِشَار، وعبوة من كوكاكولا الكرز، واتخذتُ مقعدًا في المَمْشَى الأوسط تجاه المؤخِّرة. وسرعان ما اكتظَّ المكان بالناس، ورحتُ أرقب الناس وهم يتوافدون. معظمهم كانت أعمارهم بين سِنِّ الجامعة والثلاثينيات. وكانوا خليطًا من النساء والرجال، وربما كانت نسبة النساء أعلى قليلًا. وبدا أن أغلبهم ينتمون إلى الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة؛ إذ كانوا يرتدون ملابس غير رسمية عادية على نمط وسط غرب الولايات المتحدة، مع مسحة من الذوق الحضري الأنيق. وكانوا في أغلبهم من البيض، مع وجود عدد من الهسبانيين، والآسيويين، والأمريكان الأفارقة. وقد جاء معظمهم في مجموعات من فردين إلى أربعة أفراد، إما في موعد غرامي أو مع أصدقاء، وكان الأصغر سنًّا منهم يجلسون في مجموعات أكثر عددًا.
جلستْ مجموعة من فتيات المدرسة الثانوية يقهقهْنَ في الصفِّ الأمامي (من الواضح أن تصنيف الفيلم على أنه «محظور» لم يكن رادعًا). وكان ثمة ثنائيٌّ حَسَنَا الهندام في العشرينيات من عمرهما يجلسان أمامي مباشرة. وبالنظر إلى تعليقات الشاب قبل بداية الفيلم، لم يكن فيلم «البجعة السوداء» اختياره. وبجوارهما، جلستْ فتاة في سِنِّ الجامعة بصحبة أمِّها؛ وحتى وسط ظلمة دار العرض، بدا عليهما التوتر الواضح، خاصةً أثناء مشهد ممارسة الجنس بين الفتاتين المثليَّتَيْن. وعلى بُعْد عِدَّة صفوف أمامي، رأيتُ رجلًا وامرأة متقدِّمين في السِّنِّ يغادران السينما مبكِّرًا، ما إنْ بدأتْ هلاوس راقصة الباليه المعرَّضة لإيذاء نفسها — نينا (ناتالي بورتمان) — عن التمثيل بجسدها. وبعيدًا في المقدمة، كنتُ أسمع امرأةً تكرِّر تهديداتها لطفلها الذي لم يبلغ سن المدرسة بعدُ بالعودة إلى المنزل لو لم يجلس ساكنًا (وهو وعدٌ لم تَفِ به حتى انقضاء ثلاثة أرباع الفيلم).
بعد أيام قليلة، دخلتُ في نقاش حول الفيلم مع مجموعة من طلاب الجامعة الذين شاهدوه جميعًا. وجاءت مواقفهم تجاه الفيلم شديدة التبايُن. فشابٌّ منهم — مولَع بالسينما ودَرَسَ جميع المقرَّرات السينمائية التي تقدِّمها الكلية — كان يتطلَّع لمشاهدة الفيلم منذ أن بدأ تسريب الفكرة إلى وسائل الأعلام. أما الفتاتان اللتان كانتا بجواره، فقد تذكَّرتا ناتالي بورتمان من سلسلة أفلام «حرب النجوم»، واختارتا فيلم «البجعة السوداء» لأنه «لم يكن هناك غيره في دور العرض.» واتفقتا على أنهما ما كانتا لتذهبا لمشاهدته قط لو أنهما عرفتا بمحتواه الجنسي البشع (وأقسمتا ألا تشاهدا أي فيلم لناتالي بورتمان بعد ذلك). وثمة فتاة ثالثة اختلفتْ معهما تمامًا؛ فهي لم تكن تعرف شيئًا عن الفيلم، واعترفتْ بأنها «لا تذهب عادةً لمشاهدة أفلام الرعب»، بَيْد أنها أضفَتْ مزيدًا من التوضيح على تفضيلاتها عندما أكَّدت أنها تحب الأفلام التي تختلف عن «القديم المعتاد».
ينقل هذا الفصل بؤرة الاهتمام إلى جمهور الأفلام. يقدِّم المثال السابق لمحة عن جمهور فيلم بعينه ويسلِّط الضوء على أسئلة الصورة العامة حول سلوكيات الذهاب إلى السينما: متى وأين يُشاهِد الناس الأفلام؟ ما نوعية الأفلام التي يذهب الناس لمشاهدتها؟ وما نوعية الناس التي تذهب لمشاهدة نوعيات معيَّنة من الأفلام؟
تلك الأسئلة هي صور مختلفة للظاهرة التي يُطلِق عليها علماء النفس اسم «التعرُّض الانتقائي».1 فعلى الناس اختيار البيئات والأحداث التي يرغبون في التعرض لها؛ سواء مكتبة، أو شارع في مدينة، أو مكتب، أو دار سينما، وهكذا. وهم يقومون بتلك الاختيارات بناءً على نوع ودرجة الحافز الذي سيكافئهم. وفي حالة الترفيه، فإن الأفلام التي نُعرِّض أنفسنا لها تختلف من شخص لآخر، لكن تظهر بعض الأنماط التي تعكس اتجاهات شخصية، وثقافية، وتاريخية. (?) جمهور الأفلام عبر الزمن

لما يربو على قرن من الزمان، مثَّلت الأفلام حضورًا ثقافيًّا طاغيًا، بَيْد أن الكون السينمائي لا يزال يواصل تمدُّده. ففي السنوات الأخيرة، أصبَحَ الناس معتادين على مشاهدة الأفلام في الطائرات، والسيارات، وعيادات الأطباء، إلخ. وبفضل الأجهزة الرقمية مثل البلاك بيري والآي فون، غَدَتِ الأفلام حتى أسهل حملًا وأوسع انتشارًا. ومع الانتشار المتزايد السرعة لخيارات السينما الافتراضية مثل نيتفليكس أون لاين، أصبح الشعور السائد الآن هو أن كل الأفلام متاحة كل الوقت، وكل ما ينبغي على الجمهور القيام به هو تشغيلها.
ومع ذلك، فمَهمَا بلغتْ خيارات المشاهَدة من المرونة، فسيظل الناس يستمتعون دائمًا بمشاهدة الأفلام في وقت معيَّن في مكان معين. فثمة مزية مادية وتاريخية لمشاهدة الأفلام في دُور العرض، حتى لو كانت هذه المزية هي ببساطة «الشعور» بأن الصور تنعكس علينا.
بإمكان سياق مشاهدة الفيلم أن يلعب دورًا هامًّا في طريقة تلقِّيه. فبوسعك أن تشاهد فيلم «آفاتار» على جهاز الآي فون وتتابع حبكته، لكنك لن تستطيع الاستمتاع بخاصية تعدُّد الأبعاد الرائعة التي تميِّزه. كذلك يمكنك مشاهدة فيلم «الشبكة الاجتماعية» (ذا سوشيال نتورك) في دار عرض خاوية ذات تكلفة دخول زهيدة في كالامازو، لكنها لن تكون مثل مشاهدته وسط جمهور غفير في دار عرض في ميدان هارفرد. وفيلم «ذهب مع الريح» (جَن ويز ذا ويند) يمكن مشاهدته على شريط فيديو مهترئ تستعيره من المكتبة المحلية، لكن لا يمكن مقارنة ذلك بمشاهدة نسخة على شريط السيلولويد لأول مرة في قصر سينما فخم.
يوضِّح تاريخ عرض الأفلام كيف أن الابتكارات التكنولوجية والتمويلية غيَّرت وجه تجربة المشاهَدة.2 ففي مطلع القرن العشرين، كانت الصور المتحرِّكة إحدى صور الترفيه الشائعة. ومِثل عروض المسرح المتجوِّل أو الفرق الموسيقى الجوَّالة، كان عارضو الأفلام ينقلون معدَّاتهم من بلدة لأخرى، وبناءً على دعوة من الهيئات المحلية، كانوا يقيمون شاشات عرض في دار للأوبرا، أو كنيسة، أو غيرها من الأماكن العامة الأخرى. في بادئ الأمر، انصبَّ تركيز الأفلام على تقديم مَشاهد مثيرة وقصيرة (قاطرة تقترب) تُعرَض على جمهور منبهر بما يراه. ومع حلول العَقْد الثاني من القرن العشرين، بدأت دُور العرض ذات تكلفة الدُّخول الرخيصة تنتشر في المدن والبلدان. وبدأ محتوى الصور المتحركة يتَّجه إلى الأفلام المعتَمِدة على القصة والنجوم، التي تُميِّز نمط مشاهدة أفلام السينما السائدة. فالأفلام الأضخم، الأكثر تعقيدًا على المستوى التقني، مثل «مولد أُمَّة» (بيرث أوف آ نيشن) أو «التعصب» (إنتوليرنس) للمخرج دي دبليو جريفيث، تطلَّبت دُور عرض فسيحة تستطيع استيعاب جمهور بالآلاف. وقد بدأت تلك السينمات الظهور في المناطق الحضرية الرئيسية، لكن مع حلول العشرينيات، أصبحت دُور العرض منتشرة في جميع أنحاء البلاد. ومع ظهور «الأفلام الناطقة» في أواخر العشرينيات، وحتى مطلع الستينيات، أضحتِ الأفلام الشكْلَ المهيمِن في عالَم الترفيه الأمريكي؛ ومن ثَمَّ أُطلِق على تلك الحقبة «العصر الذهبي لهوليوود». ثمة عناصر عديدة ميَّزت تلك الحقبة؛ مثل مجموعة من الأعراف الأسلوبية ونمط إنتاج هيمنت عليه الاستوديوهات العملاقة. تشبَّعت الثقافة الشعبية بالأفلام ونجوم السينما؛ ففي أثناء تلك الفترة، كان الأمريكان ينفقون ربع ميزانيتهم المخصَّصة للترفيه، على ارتياد السينما. ووصلت نسبة ارتياد السينما إلى ذروتها بين عامَيْ ????–????م عندما بلغ متوسط عدد الجماهير أسبوعيًّا ?? مليونًا (في شَعْب بلغ تعدادُه نحو ??? مليون نسمة).3 وبالطبع، لم يكن جميع الأمريكيين بلا استثناء يرتادون السينما، بل وزعم البعض أنهم لا يحبونها حتى، بَيْد أنه لم يكن هناك شخص واحد يَجهَل أمرها. دخل هذا العصر الذهبي طَوْر أُفولِه مع ظهور التليفزيون. مع حلول الستينيات، كان التليفزيون موجودًا في كل بيت أمريكي تقريبًا،4 وأصبح الناس يفضِّلون قضاء وقت أطول أمام التليفزيون مما يقضونه أمام شاشة السينما. ورغم أن التليفزيون لم يقضِ على جمهور الفيلم، فإنه وضع عليه عبئًا ثقيلًا؛ ففي عام ????م، كان ?? فقط من نفقات الترفيه تذهب إلى ارتياد دُور العرض، وهبط عدد المرتادين إلى ?? مليونًا.5 وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه «معهد جالوب» عام ????م أن ??? من المشاركين يُفضِّلون قضاء أمسياتهم في مشاهدة التليفزيون، مقابل ?? يفضِّلون الذهاب إلى السينما.6 بَيْد أن العلاقة بين التليفزيون والسينما لم تكن دائمًا علاقة تنافس مباشر؛ فسرعان ما نجحت هوليوود في استغلال التليفزيون كوسيلة بديلة لعرض الأفلام. فالمحطات المحلية تعرِض الأفلام القديمة خلال الساعات التي لا تُعرَض فيها برامج الشبكات الفرعية المشتركة في المحطات (أثناء النهار والساعات المتأخِّرة من الليل)، كما تعرض الشبكات التليفزيونية في أوقات الذروة إعلانات «أول عرض على الشاشة الصغيرة» لأحدث الأفلام التي تحقِّق أعلى الإيرادات. أضِف إلى ذلك أنَّ توافر نُسخ كاملة غير مقطوعة المشاهد من الأفلام على شبكات الكَبْل أدخل مزيدًا من التغييرات على المشهد، وما زال التليفزيون حتى اليوم وسيطًا هامًّا لمشاهدة الأفلام.
بَيْد أن التليفزيون كان فقط العنصر الأول في سلسلة من التكنولوجيات المرئية التي شكَّلت تحدِّيًا لدار العرض باعتبارها محرابَ الثقافة الجماهيرية. فقد لعبت وسائل العرض والأساليب التكنولوجية الأخرى دورًا كبيرًا في توسيع إمكانات مشاهدة الأفلام. ففي منتصف الستينيات، شكَّلت عائدات سينما السيارات ما يقرب من ربع العائدات الكلية للسينما. ولكونها زهيدة نسبيًّا، فقد اجتذبتِ المراهقين والعائلات ذات الدخل المتوسط والمنخفض. كذلك شجَّعت هوليوود على إنتاج عدد أكبر من نوعيات أفلام الدرجة الثانية؛ الكوميديا العائلية، الأفلام المصوَّرة على الشواطئ، أفلام الرعب المتواضعة المستوى، أفلام الخيال العلمي، إلخ. وكانت النتيجة أنْ تغيَّر المناخ الاجتماعي لمشاهدة الأفلام بعدَ أن أصبَحَ بمقدور الناس التمتُّع بتواصل حميم مع دائرة صغيرة من المقرَّبين (الأسرة، الأصدقاء، الأحباء، إلخ)، وفي الوقت نفسه يعزلون أنفسهم عن غيرهم من جمهور السينما. فقد وجدها الجمهور أكثر راحةً وخصوصيةً ومتعةً.7 إن تلك الخصائص — بحسب صحيفة «ساترداي إيفينينج بوست» — هي التي أتاحتْ لسينما السيارات أن تكون، في آنٍ واحد، «مغارة عواطف» لاجتذاب المراهقين، وملاذًا للعائلات؛ حيث يمكن للوالدَيْن الاستمتاع بوقتهما دون الاضطرار إلى تحمُّل نفقات جليسة أطفال.8 أما شرائط الفيديو، فقد أدخلتِ الأفلامَ إلى المنزل بطريقةٍ منحتِ الجمهورَ قدْرًا أكبر من التحكُّم مقارنةً بمشاهدتها في التليفزيون. فقد أتاحتِ الشرائط (وأقراص الدي في دي والبلو راي فيما بعد) الاختيار بين بدائل للمشاهدة. ونتيجة لذلك، اختلفت أنماط المشاهدة على الشرائط المسجَّلة عن تلك الخاصة بمشاهدة التليفزيون. فقد أظهرت إحدى الدراسات أنه عندما يُشاهِد الناس شريط فيديو، يقومون باستعدادات أكثر، وينخرطون في عدد أقلَّ من الأنشطة المنزلية (القيام بأعمال منزلية، التحدُّث، إلخ)، ويكونون أكثر انتباهًا وانهماكًا.9 فمشاهدة فيلم على شريط فيديو يُنظَر إليها بوصفها «حدثًا» جديرًا بأن يُخصَّص له حيِّزٌ واهتمامٌ خاصَّان. ثمة منافسة الآن بين الوسائل التي تعتمد على الكمبيوتر؛ مثل ألعاب الفيديو، وبين المواقِع الإلكترونية، والشبكات الاجتماعية فضلًا عن تشكيلة متنوِّعة من الوسائل التكنولوجية الأخرى للاستحواذ على اهتمام المستهلِكين الإعلاميين. ومع ذلك، لا تزال الأفلام، نوعًا ما، مزدهرة. فبسبب ارتفاع أسعار التذاكر، شهد عاما ???? و????م تحقيق أعلى الإيرادات في تاريخ السينما.10 لقد وجدت صناعة السينما طُرقًا للتعاون مع الوسائل الجديدة. فرغم أن ألعاب الفيديو تستهلك وقتًا يمكن قضاؤه في مشاهدة الأفلام، فإن هوليوود نجحت في الاستفادة من أُلْفة الجمهور بها، فراحت تصنع أفلامًا مأخوذة عن عروض تليفزيونية (مثل «المتحولون» (ترانسفورمرز)) وألعاب فيديو (مثل «لارا كروفت: نبَّاشة القبور»). وعندما تَظهَر وسيلة جديدة مثل فيسبوك، تُبادر صناعة السينما بالاستحواذ عليها من أجْل خلْق مزيد من الإثارة. وهكذا، رغم أن الأفلام تعلَّمت أن تتقاسم اهتمام السوق الجماهيرية مع غيرها من الوسائل، فإنها لم تَخرُج تمامًا من بؤرة التركيز؛ فهي قد لا تكون الشكل «المهيمن» في مجال الترفيه في العقد الثاني من الألفية الثالثة، لكنها بحسب البعض لا تزال الشكل «البارز». فهي توفِّر مستوًى من المكانة والحضور والتأثير على نطاق واسع، لا يُقارَن بأي وسيلة جماهيرية أُخرى. ولا يزال نجوم التليفزيون وموسيقى البوب أكثر اهتمامًا بأن يصبحوا نجومًا سينمائيين مقارنةً باهتمام النجوم السينمائيين في أنْ يصبحوا نجوم تليفزيون وموسيقى. ولا تزال نسبة مشاهدة حفلات توزيع جوائز الأوسكار أعلى من جميع حفلات الجوائز الأخرى. ولا يزال الأكاديميون والنُّقَّاد يأخذون الجوانب الجماليَّة للفيلم بطريقة أكثر جديَّةً مما يفعلون مع ألعاب الفيديو. ونتيجة لذلك، ثمة خصائص ينفرد بها جمهور السينما وتجربة مشاهدة الأفلام، لا تزال تميِّزها عن غيرها.
(?) الأفلام التي يشاهدها الناس

لماذا يتوافد الناس على أفلام الأبطال الخارقين ويتجاهلون أفلام الغرب؟ ماذا حدث لشعبية الدراما؟ تلك الأسئلة مثيرة للاهتمام من منظور سيكولوجي ثقافي؛ لأنها تسعى لتحديد أنماط السلوك التي تعكس مواقف وقِيَمَ مجموعة معيَّنة من الناس في وقت معين، وتُشبِه كثيرًا الإجابات التفسيرية على «اختبار بقعة حبر رورشاخ» على الصعيد الثقافي.11 فتلك التفسيرات يصعب إثباتها أو دحضها، بَيْد أنها تقدِّم انطباعًا قويًّا عن النشاط الثقافي. إن أرقام شباك التذاكر وأعداد المشاهدين هي إحدى وسائل إضفاء الطابع الكمِّي على أنواع الأفلام التي يشاهدها الناس. ويشتمل الملحق «ب» على قائمة بأعلى ?? فيلمًا من حيث الإيرادات في تاريخ السينما (تمَّ تعديلُها وفْق معدل التضخم).12 فتقدِّم تلك القائمة صورة جيدة للأفلام التي تغلغلت في الحياة الأمريكية أكثر من غيرها. ورغم أن تلك الأفلام لم يشاهدها جميع الناس، فإن جميع الأمريكان البالغين يعرفونها بصورة جيدة؛13 ما جعلها تشكِّل ثروة من المرجعيات الثقافية المشتركة. فالصور وعناصر القصة في أفلام «الفك المفترس» (جُوز) و«بامبي» و«الوصايا العشر» (تِن كوماندمنتس) معروفة على نطاق شديد الاتساع؛ بحيث أصبحت توفِّر مادة خصبة للتلميحات والنكات (على سبيل المثال: السباحة بأجساد عارية، الأمهات الموتى، والبحار التي تنشق). ما الذي يجعل فيلمًا ما يحقِّق نجاحًا تجاريًّا؟ حتى الآن لم تستطع هوليوود التوصل إلى وصفة كاملة لذلك، بَيْد أننا نستطيع رؤية أنماط معينة في قوائم الأفلام التي حقَّقت أعلى الإيرادات. فهي، بادئ ذي بدء، أفلام «ديمقراطية»؛ حيث إنها تجتذب مجموعة واسعة من الفئات السكانية. ففي حين أن بعض أفلام الرسوم المتحركة مصنوعة صراحةً من أجْل الأطفال، فإن بعضها الآخر «الصديق للأطفال» (أو على الأقل «الصديق للمراهقين») يجتذب البالغين أيضًا («شريك ?»). قليل من تلك الأفلام أثار جدلًا لدى ظهوره (الاستثناءات البارزة تشمل «الخرِّيج» و«العرَّاب» (ذا جَد فاذر) و«طارد الأرواح الشريرة» (ذا إكزورسيست)). ولكن من الواضح أن تلك الأفلام تجسِّد أفكارًا ومشاعر سائدة، وتسكن مناطق مألوفة ومريحة بالنسبة إلى أغلب المجتمع الأمريكي.
للحصول على صورة أكثر دقَّةً عن الأفلام التي يشاهدها الناس، يمكننا الاستعانة بطُرق إحصائية لقياس النجاح التجاري بالإضافة إلى سمات أخرى للفيلم أو لجمهوره.14 في العقود الأخيرة، كان أكثر العوامل قدْرةً على التنبُّؤ هو الميزانية؛ فالأفلام ذات الميزانيات الضخمة تَمِيل إلى تحقيق نجاح أكبر. والآليات النفسية الفاعلة هنا ليست واضحة تمامًا. ففي حين أن الميزانيات الضخمة قد تسمح لصُنَّاع الأفلام بإعطاء الجماهير ما يرغبون به، من الممكن أيضًا أن يكون هذا الوضع مثالًا على قيام شركات الإنتاج والتوزيع بإملاء ما يرغب فيه الناس على صنَّاع الفيلم. فعبر الحملات الإعلانية المكثَّفة والتحكُّم في التوزيع على دُور العرض، يمكن إنجاح أفلام بعينها عبر تقليص الخيارات المتاحة للجمهور.15 ومع ذلك، هناك دائمًا استثناءات لقاعدة «ميزانية ضخمة = إيرادات ضخمة»؛ ففيلم مثل «نشاط خارق» (بارانورمال أكتيفيتي)، الذي لم يتكلَّف شيئًا تقريبًا، حقَّق ما يَزِيد على ??? مليون دولار، في حين فشل فيلم باهظ التكلفة مثل «ساكر بنش» فشلًا ذريعًا. ثمة عوامل تنبُّئية أخرى للنجاح التجاري، رغم أنه لا يوجد بينها عامل واحد شديد القوة. فالأفلام التي تفوز بجوائز أوسكار في الفئات الرئيسية (أفضل فيلم، أفضل ممثل، إلخ) والفئات التقنية (أفضل مؤثِّرات بصرية)، تميل نوعًا ما إلى تحقيق نتائج أفضل. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت نوعية الأفلام تلعب دورًا هامًّا؛ فأفلام الكوميديا والخيال العلمي والفانتازيا تميل إلى تحقيق إيرادات أفضل من الأنواع الأخرى.16 ومن العوامل التي توفِّر حدًّا أدنى من القدْرة على التنبُّؤ كَوْن الفيلم جزءًا من سلسلة أو إعادة إنتاج لفيلم سابق، ومدَّة عرضِه أطول، أو مصنَّفًا ضمن فئة «بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال دون الثالثة عشرة» (رغم أن الأفلام المصنَّفة ضمن فئتَيْ «جميع الأعمار مقبولة» و«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال» يمكن أن تحقِّق إيرادات جيدة هي أيضًا)، ويتضمَّن عنفًا خاليًا من الدماء. أما الأفلام التي تحقِّق إيرادات منخفضة فيمكن إرجاع فشلِها لعوامل مثل: أنها تتناول سيرة ذاتية، أو مأخوذة عن عمل أدبي، أو مصنَّفة ضمن فئة «محظور»، أو تتضمَّن مشاهد جنسية فجَّة. تتَّفِق تلك النتائج مع النظرية القائلة بأن الأفلام التي تحقِّق نجاحًا كبيرًا ينبغي أن تستهدف الشريحة الوسطى الأوسع من السكان؛ أفلام تحتوي على بعض الجنس والعنف (لكن ليس أكثر مما ينبغي)؛ أفلام حميمية وجيدة الصنع لكن ليستْ رفيعة أكثر مما ينبغي؛ أفلام تجسِّد الدعابة والابتعاد عن الواقعِ والإبهارَ تجسيدًا.17 مع مُضِيِّ السنين، بدأتْ جاذبية الدراما تتراجع، بينما زادت شعبية الملاحم الفانتازية. وفي حين أن بعض الأفلام الدرامية لا تزال تحقِّق نجاحًا تجاريًّا وتفوز بجوائز الأوسكار («خطاب الملك» (ذا كينجز سبيتش))، فإن نجاحها التجاري لا يمكن أن يُقارَن بأفلام الصيف ذات الإيرادات الضخمة. ثمة تفسير تكنولوجي لهذه الظاهرة؛ فلكي تتمكَّن من منافسة أشكال ترفيه مرئية أكثر حميميةً مثل التليفزيون، ينبغي على الأفلام أن تبذل كلَّ ما في وسعها عن طريق مضاعفة مؤثِّراتها البصرية إلى الحدِّ الأقصى. وثمة تفسيرٌ آخَر سياسي-اجتماعي، مفادُه أن الترفيهَ الهُرُوبي في يومنا هذا هو تعبير عن نزعة الاستهلاك النرجسي التي ترسَّختْ في الثمانينيات وواصلت منذئذٍ هيمنتها في أمريكا وغيرها من دول العالم الأول.
هناك أنماط أخرى تمَّتْ ملاحظتها فيما يتعلَّق بارتياد دُور السينما والظروف الثقافية والاقتصادية الأخرى. فقد وَجَدَت إحدى الدراسات أنه بين عامَيْ ???? و????م، كانت هناك نسبة متزايدة من مَشاهِد العنف الهزلي في الأفلام الكوميدية التي حقَّقت أعلى الإيرادات (مثل «السروج المشتعلة» (بلازينج سادلز)، و«وحدي في المنزل» (هوم ألون)، و«أوستن باورز: الجاسوس الذي غاظني» (أوستن باورز: ذا سباي هُو شاجد مي))، والتي أُنتجت في فترات اتَّسَمَتْ بارتفاع معدلات البطالة، ومؤشِّر أسعار المستهلك، والقتل/الانتحار.18 وبينما يبدو من غير المحتمل أن «السروج المشتعلة» كان مسئولًا عن الظروف الاجتماعية في السبعينيات، من الممكن أن يكون الفيلم (الذي يتضمَّن فسادًا، وحاكمًا أخْرَقَ، وأهلَ مُدُن عنصريين، ورُعاة بقر مُدَّعِين) قد جسَّد تجسيدًا مرئيًّا الإحباطات السائدة في تلك الحقبة. ماذا يشاهد الأطفال؟ تميل عادات المشاهدة لدى الأطفال والمراهقين إلى إثارة القلق حول الكَمِّ الملائم من التعرُّض. فالمراهقون والشباب الصغار يمثِّلون سوقًا رئيسية لأفلام الصيف التي تحقق أعلى الإيرادات؛ ذلك لأنهم على الأرجح مشاهِدون مواظبون. أما الأطفال الصغار وأفراد العائلة الذين يصحبونهم إلى دُور العرض، فهم القوة المحرِّكة للأفلام المصنَّفة ضمن فئتَيْ «جميع الأعمار مقبولة» و«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال»، لا سيما أفلام الرسوم المتحركة (وأحد الأسباب في أن تلك الأفلام تحقِّق نجاحًا أكبر من الأفلام التي تصنَّف تحت فئة «محظور» هو ببساطة أنها متاحة لعدد أكبر من الجمهور).19 ومع ذلك، لا تعكس أعداد مرتادي دُور العرض بدقة ما يشاهده الأطفال؛ ذلك لأن معظم الأطفال، خاصةً مَن هم دُون سنِّ الثامنة، يشاهدون عددًا أكبر من أفلام الفيديو المسجَّلة. ومن الصعب رصْد عملية مشاهدة أفلام الفيديو؛ لأنه بمجرَّد أن يتم شراء شريط فيديو أو تأجيره، يَغْدُو من الصعب معرفة مَن يشاهده؛ والشريط نفسه يمكن مشاهدته عدة مرات. كذلك نُواجِه تلك المشاكل نفسَها عند رصد عملية بثِّ الأفلام على قنوات الكَبْل أو عبر الإنترنت. ومع ذلك، أظهرتِ استطلاعات الرأي التي أُجريَتْ على نطاق واسع أنه عندما يتعلَّق الأمر بالاستخدام الكلي لوسائل الإعلام، فإن الأطفال والمراهقين يقضون وقتًا أقل في مشاهدة الأفلام/الفيديوهات من الوقت الذي يقضونه أمام التليفزيون أو ألعاب الفيديو أو الكمبيوتر. ومع ذلك، لا يزال المراهق العادي، في مطلع القرن الحادي والعشرين، يشاهد فيلمَيْن/فيديوهين أسبوعيًّا في المتوسط.20 بإمكاننا أن نفترض أن الأطفال يشاهدون على أجهزة الفيديو الكثيرَ من الأفلام المصنَّفة ضمن فئة «جميع الأعمار مقبولة»/«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال»، لكن هذا لا يعني أن الأفلام ذات المحتوى الملائم لأعمارهم هي الأشياء الوحيدة التي يشاهدونها. ففي استطلاع للرأي أُجري عام ????م، سُئل أطفال تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة عن عدد ما شاهدوه من أفلام ذات محتوًى بالغ العنف، بما في ذلك سفْك الدماء والسادية والعنف الجنسي.21 وقد صرَّح أكثر من ثُلُثِهم (بمَن في ذلك ??? ممن هم في سِنِّ العاشرة) أنهم شاهدوا أفلام الرعب التالية المصنَّفة تحت فئة «محظور»: «فيلم رعب» (سكيري موفي) (???)، و«ما زلتُ أعرف ماذا فعلتَ الصيفَ الماضي» (آي ستيل نو وات يو ديد لاست سامر) (???)، و«نصل» (بليد) (???)، و«عروس تشاكي» (برايد أوف تشاكي) (???). تستحوذ قضية تعرُّض الأطفال لمحتوًى سينمائي مُثِير للجَدَل على الاهتمام؛ نظرًا لارتباطها بهموم اجتماعية؛ مثل القِيَم الثقافية، واختيارات الوالدين، وتأثيرات الإعلام.22 بَيْد أن الاهتمام بدراسة الأفلام التي يُشاهِدها الناس ليس حكرًا على الباحثين المهتمين بالاتجاهات السيكولوجية الاجتماعية. فهوليوود، على سبيل المثال، تموِّل أبحاثًا مماثِلة بهدف استخدام نتائجها في تطوير الأفلام وتسويقها والدعاية لها. ورغم أن بعض تلك الأبحاث متاح للجمهور من خلال المطبوعات الأكاديمية،23 فإن أغلبها يَظَلُّ محفوظًا طيَّ الكتمان بهدف الحصول على أفضلية في المنافسة. وتَستخدم أبحاث التسويق طرقًا أكثر تنوُّعًا حتى من تلك التي تناولناها؛ مثل استجابات الجمهور أثناء عروض اختبارية، ومقابلات مع مجموعة النقاش، واستطلاعات رأي تُجرَى لدى الخروج من دار العرض.24 وتهتم الأبحاث ذات الطابع التجاري، خلافًا للأبحاث الأكاديمية، بالطبيعة الإنسانية والظروف الثقافية فقط من حيث علاقتها بمربط الفرس؛ هامش الربح. تلك البيانات قد تكون بمثابة منجم ذهب للتحليلات العلمية الاجتماعية، غير أنها تظلُّ حبيسة الأدراج بعيدًا عن المتناوَل، وتُستخدم فقط لتحديد أيُّ الأفلام تُعطَى الضوءَ الأخضر، وأيُّ نهايات بديلة تُترَك ملقاةً على أرضية غرفة المونتاج. (?) الأفلام التي تُعجب الناس

رغم أن أرقام شباك التذاكر وأعداد مرتادي دُور العرض لا تكذب بالمعنى الصحيح للكذب، فإنها يمكن أن تكون مضلِّلة فيما يتعلَّق بقياس تفضيلات الناس الحقيقية. فحملات الدعاية العملاقة والتوزيع المُتحكَّم به بإمكانهما جلب الناس إلى دُور العرض، لكنهما لا يستطيعان أن يضمنا أن ما يشاهدونه سيعجبهم بالفعل. فأفلام مثل «هانكوك» من بطولة ويل سميث، قد تحقِّق نجاحًا تجاريًّا، لكن ما تحقِّقه من إثارة ضئيل للغاية، لدرجة أن عددًا قليلًا فقط من الناس يظل يتذكَّرها بعد انتهاء عرضها. ومن ناحية أخرى، فإن فيلمًا مثل «نادي القتال» (فايت كلَب) قد يفشل تجاريًّا، لكنه يحظى بمتابعة تبلغ من الحماس حدَّ أن يصبح مادة للعديد من الإحالات الثقافية.
تنعكس تفضيلات الجمهور في معايير مثل التقييمات النقدية والجوائز. ويحتوي الملحق «ب» على قائمة بأفضل ?? فيلمًا أمريكيًّا أصدرها «المعهد الأمريكي للفيلم» عام ????م.25 وتمثِّل قائمة «المعهد الأمريكي للفيلم»، إضافة إلى جوائز الأوسكار والنقاد، آراء مجموعة من الناس تَحظَى بمكانة متميزة في مجال صناعة السينما؛ فهي تضم أفلامًا يعتقد المطَّلِعون على بواطن الأمور أنها تمثِّل أفضل ما في الوسائل السينمائية؛ ومن ثَمَّ جديرة بالثناء. الموقع الإلكتروني ذو الشعبية الواسعة «قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت» IMDB.com لديه نظام لتقييم الأفلام يمكن لأي مستخدم أن يشارك فيه، موفِّرًا بذلك مقياسًا أكثر ديمقراطيَّةً لقياس تفضيلات الأفلام. والأفلام الخمسون التي حظيت بأعلى التقييمات من جانب المستخدمين مُدرَجة هي الأخرى في الملحق «ب».26 والمصوِّتون على IMDB هم أشخاص مُولَعون بالأفلام؛ أناس لا يعملون في صناعة السينما، لكن لديهم أكثر من مجرد اهتمام عابر بالأفلام. ثمة أنماط مثيرة للاهتمام تظهر من خلال مقارنة تلك المقاييس الثلاثة لتقييم الأفلام بعضها ببعض (شباك التذاكر، و«المعهد الأمريكي للفيلم»، وموقع IMDB). فهناك، أولًا، تداخل نسبي (سبعة أفلام) بين الحصيلة الكلية للإيرادات واختيارات «المعهد الأمريكي للفيلم». فالنجاح التجاري الفوري تربطه فيما يبدو علاقة واهية بالنجاح طويل الأمد. والتاريخ لم يكن رحيمًا مع العديد من الأفلام التي تصدَّرت قوائم الإيرادات؛ فملاحم مثل «كليوباترا»، و«المطار» (إيربورت)، و«يوم الاستقلال» (إنديبندنس داي) قد تجد مشقَّة بالغة في العثور على مشاهدين يعتبرونها أفلامًا عالية الجودة (وأقل من ذلك كثيرًا مَن يعتبرونها من أفضل الأفلام في تاريخ السينما). ومن ناحية أخرى، ثمة عدد من الكلاسيكيات («المواطن كين» (سيتيزن كين)، «ساحر أوز»، و«كازابلانكا») التي حقَّقت نتائج متواضعة أو حتى فشلت لدى عرضها للمرة الأولى. وبوجه عام، الأفلام التي تحقِّق أعلى الإيرادات هي على الأرجح أفلام بمقدور الجميع الاستمتاع بها (فلْنَنظر إلى العدد الكبير من أفلام الأطفال والرسوم المتحركة)، بينما تركِّز قائمة «المعهد الأمريكي للفيلم» على خصائص فنية وتاريخية مميزة. عند مقارنة اختيارات مستخدمي IMDB مع حصيلة شباك التذاكر، وُجد أن ستة أفلام فقط موجودة في القائمتين معًا (وهي أفلام من كلاسيكيات عصر المؤثرات الخاصة، وتتضمَّن بصفة أساسية جزأين من «حرب النجوم»، و«غزاة السفينة المفقودة» (رادرز أوف ذا لوست آرك)، و«فارس الظلام» (ذا دارك نايت). وقد وُجد، بوجه عام، أن معظم أفلام الحركة الخفيفة والأفلام الموسيقية والكوميدية والعاطفية المريحة للأعصاب التي هيمنت على قوائم الإيرادات، لم تَحظَ بأيِّ تقدير خاص من جانب المولَعين بالأفلام. فقد جاءت اختياراتهم أكثر قتامةً، وشملت أفلام رعب («سايكو»، و«صمت الحملان»)، وأفلام جريمة/تشويق تحبس الأنفاس («المشتبه بهم المعتادون» (ذا يوجوال سَسبكتس)، و«خيال رخيص»)، ودراما عنيفة («التاريخ الأمريكي إكس» (ذا أمريكان هيستوري إكس)، و«سائق التاكسي»). وحتى اختياراتهم الكوميدية كان يغلب عليها مسحة من السخرية اللاذعة («الدكتور سترانجلوف» (دكتور سترانجلوف)، و«الجمال الأمريكي» (أمريكان بيوتي)). فإن اعتبرنا أن مستخدِم IMDB يمثِّل عاشق السينما النموذجي في يومنا هذا، خاصة من الرجال، فلعلَّ أذواقهم الأكثر قتامةً تعكس التحولات الثقافية في الستينيات وما بعدها («أميلي» و«حكاية لعبة ?» (توي ستوري ?)) استثناءان بارزان يؤكِّدان القاعدة). وكان هناك تداخل أكبر ملحوظ (في ?? فيلمًا) بين المؤسسة النقدية («المعهد الأمريكي للفيلم»)، ومستخدمي IMDB. فكلتا المجموعتين أكثر تدقيقًا في اختياراتهما من مرتادي السينما العاديين، الذين يزعمون أنهم ببساطة يبحثون عن التسلية. وكان أحد الفروق اللافتة بين المجموعتين، الحضور القوي للأفلام الحديثة ضمن اختيارات عشَّاق الأفلام.27 فقد ضمَّت قائمةُ IMDB ?? فيلمًا أُنتجت بعد التسعينيات، مقارنةً بفيلمين فقط في قائمة «المعهد الأمريكي للفيلم». فمن الواضح أن أعضاء المعهد يعلِّقون أهمية أكبر على الكلاسيكيات التي صمدت على مرِّ الزمن. وبينما لم يتجاهل مستخدمو IMDB الأفلام القديمة (إذ ضمَّت قائمتهم فيلمَيِ «المواطن كين» و«كازابلانكا») فكان ذلك غالبًا على سبيل الاستثناء. ففي حين أن مستخدمي IMDB قد يبالغون في تقدير الجديد (على سبيل المثال: يحتل فيلم «بداية» (إنسيبشن) المرتبة الثامنة في القائمة) ويفتقرون إلى المنظور التاريخي، فإن تفضيل الأفلام الحديثة يعكس أيضًا التأثير العميق للتجربة الفورية التي تضمحل عندما تُنتزع الأفلام من سياقها التاريخي والثقافي الأصلي. فيلمان اثنان فقط نجحا في الوصول إلى القوائم الثلاث: «العرَّاب» و«حرب النجوم». إن جاذبيتهما على الصعيد العالمي تبدو أمرًا نادرًا في مجتمع ما بعد حداثي، يتسم بالتعددية. فالفيلمان اللذان ظهرا في السبعينيات، بفارق زمني بينهما قَدْره ? سنوات، يعبِّران عن قطبين مختلفين من «هوليوود الجديدة» التي ظهرت بعد العصر الذهبي. ورغم أن كليهما، من الناحية التقنية، من إنتاج شركات كبيرة، فإن الفيلمين أبدعهما أفراد ذوو رؤية شخصية قوية كانوا يتلاعبون بالقواعد عن قصد. وفي حين أن «العرَّاب» عمل فني جادٌّ، فإن «حرب النجوم» عمل فني يعبِّر عن أعاجيب فن صناعة السينما ذي الخيال الجامح. بَيْد أن كِلَا الفيلمين تربطهما أواصر وثيقة مع تاريخ السينما، وكليهما حظي بشعبية هائلة. أضِف إلى ذلك أن الفيلمين، بالترتيب، وضعا معايير صناعة الأفلام الدرامية المستقلة وفانتازيا رفيعة المستوى لا تزال أصداؤها تتردد في وجدان الجماهير حتى يومنا هذا.
لا توجد قائمة واحدة من القوائم المدرَجة في الملحق «ب» تم إنشاؤها بطرق علمية.28 فمن أجْل رؤية أكثر تركيزًا لأنماط تفضيلات الجمهور، يستخدم علماء الاجتماع استطلاعات رأي تتناول عينة مُمثَّلة من السكان. فقد قامت إحدى الدراسات باستطلاع آراء ما يزيد على ???? شخص حول تفضيلاتهم فيما يتعلَّق بمسوخ الأفلام (أو الشخصيات الشريرة).29 لقد كانت أفلام الرعب نوعًا سينمائيًّا راسخًا على مدار تاريخ السينما، والمسوخ هي ما يروق للمخيِّلة العامة. فقد برهنت شخصيات دراكولا ومصاصي الدماء على أنها أكثر تلك الشخصيات شعبيَّةً، لأسباب متنوعة؛ مثل ما تتمتع به من خلود وذكاء وقوة خارقة للطبيعة، وحتى الحس بالأناقة والجاذبية الجنسية.30 والشخصيات المفضَّلة الأخرى تشمل: جودزيلا، وفريدي كروجر، وفرانكنشتاين، وتشاكي، ومايكل مايرز، وكينج كونج، وهانيبال ليكتر. والأسباب التي أكسبت تلك المسوخ شعبيتها تُماثِل تلك التي تقف وراء شعبية مصاصي الدماء: الذكاء، والقُوَى التي تفوق قدرات البشر، والقدرة على الكشف عن الجانب المظلم من الطبيعة الإنسانية. ثمة فروق واضحة بين الأجيال فيما يتعلَّق بتفضيلات المسوخ؛ فأبطال أفلام سلاشر (أي الكائنات البشرية المتعطِّشة للدماء) في سلسلة أفلام «عيد الهلع» و«الجمعة ??» (فرايداي ذا ثيرتينث)، و«كابوس في شارع إلم» (أ نايتمير أون إلم ستريت) حظيت بشعبية كبيرة بين صغار الشباب (تحت ?? سنة)، لكنها لم تَحظَ بتقدير المشاركين الأكبر سِنًّا (فوق الخمسين). ويبدو أن هذا يعود، جزئيًّا، إلى تأثير التعرُّض (فالقَتَلَة المتعطِّشون للدماء في الأفلام كان لهم حضور متزايد في العقود الأخيرة). هناك أيضًا فروق في العقلية خلف تلك التفضيلات؛ فعشَّاق جيسون، ومايكل، وفريدي كانوا يميلون إلى تركيز إعجابهم على الخصائص السلبية والمَرَضية («الشر الخالص» و«المشاكل النفسية الخطيرة») والبراعة في القتل. إنَّ تفضيل المسوخ بسبب ما يتمتعون به من قدرات إجرامية قد يكون له تضمينات أخلاقية تثير القلق، لكنها يمكن أن تعكس قدرة صادقة على تقدير واحترام الخصائص التي تشكِّل جوهر المسخ الحقيقي.
ركَّزت أبحاث أخرى على تفضيلات مجموعات فرعية من مشاهدي الأفلام. فالبحث عن الإثارة، على سبيل المثال، سمة شخصية تشير إلى السعي وراء تجارب تتسم بالخطورة والجدة، تجارب قادرة على توليد إثارة حسية (القيادة السريعة، المقامرة، القفز بالمظلات). والأفراد الذين يتمتعون بدرجة عالية من البحث عن الإثارة يميلون إلى الإعجاب بالأفلام التي تحتوي على قدْر كبير من العنف والرعب والمغامرة والمونتاج السريع. وبالنظر إلى أن الرجال أكثر ميلًا للبحث عن الإثارة مقارنةً بالنساء، فإن هذا العامل قد يفسِّر جزئيًّا كون الرجال أكثر تفضيلًا لأفلام الحركة، والرعب، والخيال العلمي.31 شعبية نجوم السينما هي انعكاس آخر لمواقف وتفضيلات الجمهور. فقد لاحظ العديد من المراقبين أن الممثِّلين الذكور يتمتعون بحياة فنية أطول وأكثر نجاحًا (من حيث عدد الأدوار) مقارنةً بالممثلات. وقد أَجْرَتْ إحدى الدراسات تقييمًا منهجيًّا لمسيرة المئات من نجوم هوليوود ما بين عامَي ???? و????م،32 وقد أظهرتْ نتائجُها أن النساء، مع تقدُّمهن في العمر، يحصُلْن على أدوار بطولة وأدوار عادية أقل مما يحصل عليه الرجال من الفئة العمرية نفسها. وفي السنوات الأخيرة، ارتفع عدد الأدوار المخصَّصة للممثِّلات المتقدِّمات في السِّنِّ، بَيْد أن المتاح لهنَّ من أدوارِ بطولةٍ يظل أقل ممَّا هو متاح للرجال المتقدِّمين في السِّنِّ. بالإمكان تفسير تلك النتائج باعتبارها انعكاسًا للصورة الذهنية الثقافية التي مَفادُها أن النساء المتقدِّمات في السِّنِّ أقلُّ جاذبيَّةً. كذلك فإنها تثير القلق من أن هذا النمط قد يساعد على إدامة النظرة الدونية للنساء المتقدِّمات في السنِّ من خلال استبعادهن عمليًّا من دائرة أضواء الإعلام. (?) لقطات ختامية: المشاهدون بعيدًا عن الأرقام

خلف أرقام شباك التذاكر، والاتجاهات الديموغرافية، والتحليلات الإحصائية الشاملة، تكمن خبرات الناس الحقيقيين. فجون عاشق السينما يقضي ساعات على الإنترنت في متابعة أخبار أحدث الأفلام التي حقَّقت نجاحًا مدوِّيًا، ويُساهِم بنصيب ضئيل في إيرادات الفيلم التي حقَّقت أرقامًا قياسية عندما يحضر العرض الافتتاحي للفيلم في حفلة منتصف الليل. وجين عاشقة الأفلام، المراهِقة التي تنتظر مواعدةً مع أحد الشباب بخوف/ترقُّب لمشاهدة أحدث فيلم رعب، هي جزء من صيحة منتشرة بين المراهقات لمشاهدة أفلام الرعب بمعدَّل أعلى من المعتاد. أما جو عاشق الأفلام، وهو رجل في منتصف العمر مستغرق في حلم يقظة، يتخيَّل فيه أنه يقود سيارته بأقصى سرعة في الحارة الوسطى من الشارع فيما هو عالق وسط اختناق مروري في ساعة الذروة، فيجسِّد حقيقة أن الرجال يعشقون مطاردات السيارات في الأفلام.
لقد تفحَّصنا «أين» و«متى» تُشاهَد الأفلام، وأخذنا في الاعتبار سماتٍ (السِّنِّ، والنوع، والشخصية) تساعد في التنبُّؤ بمعرفة أيُّ الأشخاص يُحتمل أن يشاهدوا أيَّ الأفلام. لكنْ ماذا يحدث عندما يشاهد الناس الأفلام بالفعل؟ وماذا يحدث بعد أن يشاهدوها؟33 لا تستطيع أرقام شباك التذاكر وإحصاءات السكان الإجابة عن تلك الأسئلة بنفسها، لكنها تُعِدُّ لنا المشهد لمواصلة اهتمامنا بجماهير الأفلام. (?) قراءات إضافية

Austin, B. A. (1989) Immediate Seating: A Look at Movie Audiences. Wadsworth, Belmont, CA.
Pritzker, S. R. (2009) Marketing movies: An introduction to the special issue. Psychology & Marketing, 26 (5), 397–399.
Roberts, D. F. and Foehr, U.G. (2004) Kids and Media in America. Cambridge University Press, Cambridge.
Simonton, D. K. (2011) Great Flicks: Scientific Studies of Cinematic Creativity and Aesthetics. Oxford University Press, New York, NY.

الفصل السادس
اللحظة السينمائية: المشاعر واستيعاب الأفلام


تبدأ أحداث فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» (إتيرنال صن شاين أوف ذا سبوتليس مايند) في يوم الفالنتاين، وفيه يقرِّر جويل (جيم كاري) فجأةً دون سابق إعداد عدم الذهاب إلى العمل، ويستقلُّ قطارًا من مدينة نيويورك متجهًا إلى مونتوك بيتش في لونج أيلاند. وفي طريق العودة، يقابل كليمنتين (كيت وينسليت). جويل كئيب ومنطوٍ، في حين أن كليمنتين ودودة ومنطلِقة. شخصان عجيبان، غريبا الأطوار، وجديران بالحب، يقعان في الحب.
حتى هذه النقطة، بعد نحو ?? دقائق من بداية الفيلم، لا يجد المُشاهِد الذي يرى الفيلم للمرة الأولى أي صعوبة في متابعة الحبكة، فأغلب المشاهدين سيكون لديهم حدس قوي بالوجهة التي تتخذها الأحداث: فالكيمياء المرحة، التي تتميَّز قليلًا بعدم الاستقرار النفسي، بين الشخصيتين تُشير إلى أننا على أرض الكوميديا الرومانسية. جويل وكليمنتين سيقعان في الحب، وسوف تَظهَر بعض التعقيدات بسبب غرابة أطوارهما؛ لكن في النهاية، سوف ينتهيان إلى العيش معًا في سعادة أبدية.
شكل ?-?: جيم كاري وكيت وينسليت في دَوْر جويل باريش وكليمنتين كروزينسكي في فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» ???? (حقوق النشر محفوظة لأرشيف إيه إف/آلمي).
لكن رغم أن المسار المتوقَّع لأحداث القصة (فتًى يَجِد فتاة، فتًى يفقد فتاة، فتًى يستعيد فتاة) دقيق إلى حدٍّ بعيد، فإن رحلة المُشاهِد عبر هذا الفيلم الغريب يمكن وصفها بأي شيء عدا النمطية. فالدقائق العشر الأولى تمثِّل في حقيقة الأمر المرة «الثانية» التي يلتقي فيها جويل وكليمنتين في القطار المنطلق من مونتوك. وفي الفترة الفاصلة بين الرحلتين، عاشا سويًّا، وانفصلا، وانْمَحَتْ ذكرياتهما. ويعود الفيلم بواسطة الفلاش باك إلى الليلة المشئومة التي أُزِيلَتْ فيها ذكريات جويل باستخدام جهاز فسيولوجي عصبي يعمل بالكمبيوتر.
في إطار هذا الفلاش باك الأوسع، نرى مَشَاهِدَ فلاش باك أخرى لعلاقة جويل بكليمنتين، لكنْ ليس وفقًا لتسلْسُلِها الزمني. والعديد من تلك الذكريات يتضمَّن صورًا لأماكن تنهار، ما يُعَدُّ تجسيدًا بصريًّا للطريقة التي يمكن بها تدمير الذكريات. أضِفْ إلى ذلك أن بعض ذكريات جويل من فترة الطفولة يطرأ عليها تغييرات كبيرة بسبب تدخُّل كليمنتين؛ مما يزيد الأمور تعقيدًا.
إنَّ فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» هو لُغْزٌ عسير يتحدَّى العقل، ويتطلَّب جهدًا لمعرفة ماذا يحدث فيه. لكنه أيضًا، بالنسبة إلى كثيرين، يستثير مشاعر قوية من التَّوْق والندم والشجاعة العاطفية. ومشاهدته تتطلَّب من المرء أن يفكِّر ويشعر، في الوقت نفسه عادةً. ورغم أن هذا ينطبق على جميع الأفلام، فإننا، مع فيلم غير تقليدي مثل «إشراقة أبدية»، نصبح أكثر وعيًا بما يدور في أذهاننا وقلوبنا. ويعمد هذا الفصل إلى عزل «اللحظة السينمائية» التي تجري فيها تلك العمليات الشعورية والمعرفية بينما المشاهدون جالسون في مقاعدهم، يحدِّقون في الشاشة، ويحاولون استخلاص معنى تجربتهم المباشرة.
(?) علم النفس المعرفي والأفلام

تعمل عقولنا بنشاط كبير ونحن نشاهد الأفلام، وعلى المستوى الأعمق، ندرك حسيًّا ما يتضمَّنه الفيلم من صور وأصوات. والواقع أن شخصيات «إشراقة أبدية» هي فعليًّا مجرد إسقاطات ثنائية البُعد لأنماط ضوئية متعاقبة، بَيْد أن جهازنا البصري يجعلها تبدو أجسادًا بشرية متحرِّكة. أضِف إلى ذلك أن جهازنا السمعي يُساهم بمعلومات إضافية عبر التعرُّف على الأصوات وعزل الضوضاء الخلفية.
كذلك فإنه ينبغي علينا، فضلًا عن الإدراك الحسي، أن نحيط بمعنى القصة المعروضة أمامنا. فباستطاعتنا التعرُّف على الشخصيتين المتمايزتين لجويل وكليمنتين، وتكوين آراء حولهما، وإدراك أنهما يستقلَّان قطارًا، وأنهما منجذبان أحدهما إلى الآخر.
ويمثِّل شكل ?-? الأنشطة العقلية المتشابِكة للإدراك الحسي والفهْم.1 شكل ?-?: النشاط الرمزي المرتبط بمشاهدة الفيلم: الفهْم، والمشاعر، والإدراك الحسي.
إن عملية فهْم الأفلام وإدراكها حسيًّا مألوفة جدًّا، لدرجة أنها أحيانًا لا تكون واضحة عند حدوثها. ينطبق هذا بوجه خاص على المشاهدين الذين نَشَئُوا على مشاهدة الأفلام. فأفلام هوليوود الكلاسيكية (اللقطات الافتتاحية الواضحة التي تعرِّف بمكان الحدث، المونتاج الذي يربط بين أجزاء الفيلم، حركات الكاميرا السَّلِسَة، إلخ)، تسعى عن قصد إلى جعل عملية السرد غير ظاهرة للعيان.2 ومن هذا المنظور الأسلوبي، فإن الفيلم الناجح هو ذلك الذي تنساب أحداثه بسلاسة شديدة لدرجة تجعلنا ننسى أننا نشاهد فيلمًا، ويبدو لنا كل شيء عفويًّا تمامًا. فالإجابة على أسئلة من قَبِيل «مَن؟» و«ماذا؟» تكون على درجة من البداهة، إلى حدِّ أنه لا يخطر ببال معظم الناس أن يطرحوها من الأساس. بَيْد أن تناولًا أكثر دقَّةً للطريقة التي تعمل بها الأفلام قد يكشف النقاب عن قصة أخرى. فبعد انقضاء الدقائق العشر الأولى من «إشراقة أبدية»، علينا أن نركز انتباهنا على الشاشة وليس على الشخص الذي أمامنا. علينا أيضًا أن نتذكَّر أن جويل كان قد جاء إلى الشاطئ بمفرده عندما بدأ يتحدَّث مع كليمنتين، وأن نَعِيَ أنهما موجودان في القطار نفسه، حتى وإن أظهرتِ الكاميرا وجْهَ شخصية واحدة فقط في اللقطة الواحدة. وعندما ينتقل الفيلم إلى بِنْيَة الفلاش باك المعقَّدة، يُدرِك المشاهدون أنَّ عليهم تجميع وقائع علاقة جويل وكليمنتين وضمها معًا كي يتمكنوا من استخلاص معنى القصة.
الإدراك الحسي والاستيعاب موضوعان هامَّان في ميادين علم النفس المعرفي، والعلم المعرفي، وعلم الأعصاب؛3 حيث تقوم هذه المجالات بدراسة العمليات المتنوعة التي تشكِّل قوام الفكر البشري، والتي تشمل الإحساس، والإدراك الحسي، والانتباه، والذاكرة، والتنسيق، وحل المشكلات، إلخ. والعلم المعرفي كان له تأثير بالغ الأهمية على النقد الجمالي، في السنوات الأخيرة. ففي مجال دراسات الفيلم، قاد ديفيد بوردويل حركة تهدف إلى زيادة دقة المفاهيم المعرفية وتطبيقها على عملية استيعاب السرد.4 ومؤخَّرًا، أصبح من الشائع بين دارسي الفيلم استخدام مصطلحات مثل «المخطَّط»، و«الذاكرة طويلة الأمد»، و«المشاعر»، و«الشبكات الترابطية» عند مناقشة أنواع الفيلم وتقنياته. وقد استُخدمت مثل تلك المفاهيم في بناء نظريات جديدة حول مشاهدة الأفلام، واستيعاب السرد، والخبرة الشعورية.5 هذا التقارُب بين دراسات الفيلم والعلم المعرفي هو جزء من اتجاه فكري مثير يمزج بين الطرق العلمية (الملاحظات المعملية والتجريبية) وبين العلوم الإنسانية (التحليل النصي)، ليس للمساعدة فقط في فهْم إدراك الأفلام حسيًّا واستيعابها فحسب، بل لمساعدة الذهن البشري نفسه. (?) الإدراك الحسي للأفلام

لكي تفهم فيلمًا ما، عليك أولًا أن تراه وتسمعه؛ فكل ما نعرفه عن الإدراك البصري (اللون، والعمق، والحركة) والإدراك السمعي (الشدة الصوتية، والدرجة، ومصدر الصوت) له علاقة واضحة بتجربة إدراكنا للصور المتحركة. ورغم أن شرحًا وافيًا لفيلم «العرَّاب» — فيما يتعلَّق بمكوناته الإدراكية — يتجاوز قدرات العلم الحديث، فقد شهد ميدان تكنولوجيا الفيلم تداخلًا تاريخيًّا بين دراسات الأفلام ودراسة الإدراك الحسي.6 إنَّ إحدى المشاكل التي تُواجِهنا في فهْم الإدراك الحسي والصور المتحركة تتمثل في أن صور الفيلم لا تتحرَّك فعليًّا. فثمة سلسلة مكوَّنة من ?? صورة ثابتة متتالية في الثانية الواحدة يتم الْتِقاطها بواسطة كاميرا سينما، ثم تُعرَض، بنفس السرعة، على شاشة بواسطة جهاز عرض مزوَّد بضوء فائق السطوع. كل واحدة من تلك الصور يتم تجميدها لوهلة قصيرة، قبل أن ينتقل الفيلم للكادر التالي. والحركة الفعلية للفيلم داخل الكاميرا يجب إخفاؤها بواسطة ضوء يومِض لحظيًّا بين الكادرات (وإلا، فإن الصورة المتحرِّكة ستبدو مشوَّشة). ومن هنا، فإنَّ الحركة التي يراها المشاهِدون على الشاشة ليست هي الحركة الحقيقية، وتلك الحركة المُدرَكة يُطلَق عليها «الحركة الظاهرية». وقد تمَّ التوصُّل إلى هذه التكنولوجيا بفضْل جهود خبراء تجاريين وباحثين في مجال الإدراك الحسي التجريبي (مصوِّرون ومشغِّلو ماكينات العرض) في العقود الأولى التي أعقبت ظهور السينما. ومن خلال التجربة والخطأ (الأساس الذي يقوم عليه المنهج العلمي)، نجح هؤلاء العلماء والفنيون في اكتشاف السرعة التي يجب أن يتحرك بها الفيلم داخل الكاميرا من أجْل الحصول على إدراك أقرب ما يكون للإدراك الحسي للحركة الحقيقية.
وفيما بعدُ، استطاع الأكاديميون الذين درسوا عملية الإدراك البصري التوصُّل إلى تفسير ظاهرة الحركة الظاهرية بمفردات سيكولوجية؛ فقد وجدوا أن الحركة الظاهرية تنشِّط تلك المسارات المعرفية والفسيولوجية نفسها التي تنشِّطها الحركة الحقيقية. وعندما تكون الفروق المصوَّرة والساكنة بين كادرَيْن متتاليَيْن طفيفة للغاية، لا يستطيع الذهن إدراك أنهما مختلفان. ويتوهَّم، بدلًا من ذلك، أن هناك استمرارية فيزيقية (مثل الطريقة التي تتحرَّك بها الأشياء في العالم الوقعي) حتى وإن كانت تلك الاستمرارية مجرد خداع بصري.7 وعلى مدار السنوات، قام المخرجون والمصوِّرون السينمائيون بتطوير عدد من القواعد الأساسية لعملية المونتاج بطريقة شكَّلت عملية الإدراك لدى المشاهدين. وقد أكَّد الباحثون أن تلك القواعد تَضرِب بجذورها في الحقائق الأساسية للإدراك البشري. أحد الأمثلة على ذلك هو مونتاج الحركة المتناغِمة، عندما تَعقُب لقطةٌ لأحد الشخوص أثناء قيامِه بفعلٍ ما لقطةً أخرى للشخص نفسِه من زاوية نظر مختلفة قليلًا. وقد تتسبَّب تلك القَطعات، إن نُفِّذت بطريقة خاطئة، في إرباك المشاهدين (وهو ما نُسمِّيه قفزات مونتاجية). في حين أنهم لا يلاحظونها على الإطلاق، عندما تُنفَّذ بطريقة صحيحة.
فلْنَتخيَّل لقطة لإحدى الشخصيات تنحني لالْتقاط عِقْد من الماس ملقًى على الأرض. في البداية يرى المشاهدون هذا الفعل من مسافة ?? قدمًا تقريبًا، وبعد قَطعة مونتاجية مباغِتة، نرى الفعل من الزاوية نفسِها من مسافة ? أقدام. سيبدو الأمر عندئذٍ وكأن هذا الشخص قد قفز باتجاهنا؛ مما قد يَصدِم أغلبَ المشاهدين باعتباره غير واقعي. ومن هنا، تشير قواعد مونتاج الاستمرارية إلى أنه لو أراد المخرج الحفاظ على تناغم الفعل، فإن اللقطة الثانية يجب أن تُؤخَذ من نقطة تصنع زاوية ?? درجة على الأقل مع النقطة التي أُخذت منها اللقطة الأولى (إن قَطعة مونتاجية مباغِتة من ?? قدمًا إلى ? أقدام مع تغيير كبير في زاوية النظر ستبدو في نظر الجمهور طبيعية تمامًا ولن تتسبَّب في إرباكهم).
عندما نكون على وعيٍ بحركتنا عبر المكان (وهي ظاهرة تُسمَّى «استقبال الحس العميق»، وتتضمَّن إدراكًا حسيًّا لحافز يصدر عن الجسد نفسه)، يعمد جهازنا البصري إلى دمج منظورات متعدِّدة. فعندما نجتاز إحدى الغرف، فإننا نرى أشياء مختلفة من العديد من الزوايا المختلفة؛ بَيْد أن هذا لا يسبِّب لنا أي ارتباك؛ لأننا واعون بأننا في حالة حركة. وبعد قَطعة مونتاجية بزاوية ?? درجة، تبدو الأشياء التي تقع في بؤرة بصرنا مختلفة بما يكفي لجعلنا نفترض أننا لا بد أن نكون قد تحركنا. أما في حالة القفزة المونتاجية التي لا تتضمَّن أي تغيير ملحوظ في زاوية النظر، فإن الخاصية الوحيدة التي تتغيَّر هي حجم الأشياء. في تلك الحالات، لا يلتقط جهازنا الإدراكي الإشارة المتوقَّعة التي تدل على أننا قد تحرَّكنا عبر المكان؛ ومن ثَمَّ نفترض أن الأشياء لا بد أن تكون قد قفزتْ من مكانِها. ولأننا نعرف أن هذا مستحيل منطقيًّا، فإن عملية الإدراك تُصاب بالتشوُّش.8 تلعب آليَّات الإدراك الحسي دورًا بالغ الأهمية في الاستمتاع بمشاهدة الأفلام بالنسبة إلى المتفرِّج العادي. فمعظم المشاهدين لا يعرفون سوى القليل عن آليَّة إدراك الحركة، لكن جميعهم يعرفون الإحساس المزعج الذي يتسبَّب فيه المونتاج المتقطِّع (أو أساليب السينما الطليعية مثل «نفس لاهث» (بريثليس) لجودار). كما لعب علم الإدراك الحسي دورًا هامًّا في التطورات التكنولوجية التي جعلت أفلام الفانتازيا والخيال العلمي الحديثة أمرًا ممكنًا. ورغم أن جوائز الأوسكار التي تُمنَح للإنجازات التقنية كثيرًا ما يتم تجاهُلها من جانب المتفرِّج العادي، فإن تلك الابتكارات — نوع جديد من العدسات على سبيل المثال — يمكنها أن تغيِّر خبرة المشاهدة لدى مليارات من البشر.
يزعم جوليان هوكبرج — وهو باحث في مجال الإبصار قام بدراسة عملية الإدراك الحسي للفيلم — أن العمليات الإدراكية ينبغي أن تَحظَى باهتمام أكبر من جانب الباحثين السينمائيين.9 فهو يعتقد أن أُسس المعالَجة الإدراكية متأصِّلة في التركيب البيولوجي للجسم البشري؛ فهي أسس كونية ولا تحدِّدها المتغيرات الثقافية (مثل كون الفيلم أحد منتجات المجتمع الرأسمالي). فرغم أن هوكبرج لا يعتبر الثقافة مقطوعة الصلة بإنتاج الأفلام وتفسيرها وتلقِّيها، فإنه يرى أن ثمة جوانب بعينها من خبرة مشاهدة الفيلم لا تختلف بصورة كبيرة من ثقافة لأخرى أو من شخص لآخر.10 والعمليات الإدراكية يمكنها أن تفرض معايير بعينِها على الطريقة التي يَفهَم بها المشاهدون الفيلم. فالمعنى الفلسفي ? «المواطن كين» مفتوح للنقاش، لكن ما لا يَختَلِف عليه اثنان هو التباين البصري الذي ينطوي عليه التصوير بالأسود والأبيض، والذي يسمح بوجود مجموعة من درجات التظليل أكبر من تلك التي يُتِيحها الفيلم الملوَّن. (?) استيعاب السرد في الأفلام

تروي الأفلام قصصًا؛ وتمتزج التفاصيل الإدراكية للفيلم لتشكِّل معًا بنيةً كلِّيَّةً تكون، في معظم الأفلام، ذات طبيعة سردية. ومن هنا، لكي يَفهَم المشاهدون الفيلم، عليهم أن يتبيَّنوا الطريقة التي تلتَئِم بها أجزاء القصة فيما بينها. ويذهب بوردويل إلى أن عملية استيعاب السرد تمثِّل بؤرة اهتمام مثاليَّة للباحثين السينمائيين؛ نظرًا لسهولة تناولها باستخدام مفاهيم العلم المعرفي؛ ومن ثَمَّ تساعد على إجراء دراسات فيلم منضبطة.11 كثيرًا ما يتم التمييز بين «القصة» و«الحبكة» في عملية تحليل السرد؛12 حيث تمثِّل «القصة» العلاقات المكانية، والزمانية، والسببية بين الأحداث السردية (ماذا يحدث في الزمان والمكان). وتشير «الحبكة» إلى المعلومات التي تُقدَّم للجمهور وطريقة تقديمها (أيِ الكيفية التي تُحكَى بها القصة). ففيلم «خيال رخيص» يتضمَّن العديد من الخيوط الدرامية الخَطِّية؛ التي نَجِد، في كلِّ واحد منها، حدثًا يرتبط سببيًّا بحدث آخَر. بَيْد أن حبكته، بالمقابل، غير خَطِّية؛ حيث نجد مَشاهِد من قصص مختلفة يتمُّ المزج بينها وتقديمها دون التقيُّد بتسلسُلها الزمني. فقُرب منتصف الفيلم تقريبًا، يَلقَى فينسينت (جون ترافولتا) حتفَه على يَدِ بوتش (بروس ويلز)، ومع ذلك يظهر فينسينت في مشهد تبادُل إطلاق النار الأخير في المطعم الذي يختتم أحداث الفيلم. ومن الممكن تغيير حبكة الفيلم لجعلها أكثر توافقًا مع التسلسل الزمني للأحداث مع الاحتفاظ بالقصص كما هي دون تغيير. فالقصة «متخيَّلة»13 (سواء أكانت «ذهنية» أم «معرفية») بمعنى أنها تنشأ داخل ذهن المشاهد كنتيجة للطريقة التي تُعالَج بها الحبكة. ومن هنا، يمكن القول إن الحبكة تخصُّ الفيلم، في حين أن القصة تخصُّ المشاهد. واستنادًا إلى العلم المعرفي، يعتقد برودويل أنه لكي يتمكَّن المشاهدون من رأب تلك الهُوَّة بين الحبكة والقصة، عليهم استخدام مجموعة متنوِّعة من «المخطَّطات» (وهي بِنى ذهنية لتنظيم المعرفة).14 يميل الناس إلى استخدام مخطَّطات معرفية من أجْل إرساء الهُوية الثابتة للأشياء التي سبق أنِ الْتَقَوْها. وهم يتمتعون ببراعة خاصة في التمييز بين مختلف الأفراد الذين يتعاملون معهم في الحياة اليومية (الأصدقاء، العائلة، زملاء العمل، النادلون)، فضلًا عن قدرتهم على التمييز بين الأشياء التي لها أهمية بالنسبة إليهم (السيارات، حافظات النقود، الملابس). وثمة فروق فردية بين كمية التمييزات المختلفة التي يستطيع الناس القيام بها (بعض الناس يتمتعون بقدْرة أكبر على تذكُّر الوجوه أو الأسماء)، بَيْد أن القدرة على التعرف على الأشياء المألوفة لها أهمية حاسمة في ممارسات الحياة اليومية، وفي فهم ما يحدث في الأفلام أيضًا. وثمة أنواع عديدة من المخطَّطات تُستخدم بوجه خاص في عملية استيعاب الفيلم. تتجلَّى تلك المخطَّطات بصورة نموذجية باستخدام فيلم «تيتانيك».15 في هذا الفيلم، يمكننا أن نميِّز بين البطلَيْن: جاك (ليوناردو دي كابريو) وروز (كيت وينسليت) من ناحية، وبين الشرير كال (بيلي زين) من ناحية أخرى. وبينما يبدو هذا بسيطًا بما يكفي، فإن الفيلم يقدِّم لنا عددًا من الشخصيات من زوايا كاميرا متعدِّدة، بتسريحات شعر وملابس متنوِّعة. ومع ذلك يظل باستطاعة المشاهدين متابعتهم جميعًا؛ ذلك لأن مخطَّط كل شخصية يظل ثابتًا لا يتغير، لكن مع السماح بوجود تنويعات طفيفة.
كذلك يعتمد الناس أيضًا على المخطَّطات من أجْل فهْم العالَم فهمًا سببيًّا. فنحن نفترض أن الأحداث يتلو بعضها بعضًا، وأن حدثًا ما يمكنه أن يتسبَّب في وقوع حدث آخر. وعندما نقوم بالربط بين الأحداث التي تقع في حياتنا (بعضها نكون قد شهدناه بأنفسنا والبعض الآخر سمعنا به)، فإننا نحاول باستمرار تكييفها مع مخطَّطاتنا لجعلها مفهومة. ورغم أن معظم أفلام هوليوود تبني حبكاتِها وفقًا للتسلسُل الزمني المعتاد، فإن ثمة استثناءات لهذا (ويشمل ذلك أفلامًا أكثر قربًا لمعايير السينما السائدة من «خيال رخيص»). فحبكة «تيتانيك»، على سبيل المثال، تتنقَّل بين عملية استكشاف هيكل عابرة المحيطات الغارقة في الزمن المعاصر وبين إبحارها الفعلي وغرقها عام ????م. ولتسهيل استيعاب تلك الوثبات، يستخدم الفيلم إشارات ارتباطية معينة. فعندما تظهر تيتانيك للمرة الأولى وهي تُبحِر، تستخدم الصورة درجات لونية بُنِّية باهتة تستدعي إلى الذهن شكل الصور الفوتوغرافية في مطلع القرن العشرين؛ مما يُتِيح لنا الفصل بين الماضي والحاضر فيما نظل واعِين بالعلاقة القائمة بين الحقبتين الزمنيتين.
وثمة مخطَّطات أخرى تُستخدم في استمرارية الوعي بالعلاقة الفيزيقية بين الأماكن المختلفة. فلكي نتمكَّن من تحديد أماكن الأشياء في إحدى الغرف (قلم رصاص، جهاز التحكم عن بُعْد في التليفزيون، مقعد) لا بد أن يكون نظام الغرفة مألوفًا لدينا، ولا بد أن يكون لدينا مخطَّط للمسار من حجرة المعيشة إلى المطبخ لكي نستطيع التنقل بينهما عندما نشعر بالجوع. أضِف إلى ذلك أن هناك أماكن تقع خارج نطاق وعينا نعرف أن بإمكاننا بلوغها باستخدام مخطَّطات أخرى (القدرة على قراءة خريطة، على سبيل المثال).
جميع تلك العلاقات المكانية تنطبق على عملية مشاهدة الأفلام، باستثناء وحيد: هو أننا، أثناء عملية المشاهدة، نكون مقيَّدين مكانيًّا بالكاميرا، وليس بحركة أجسادنا. ومن هنا، فإن معرفتنا المكانية أثناء عملية مشاهدة الأفلام لا تكون بوجه عام على نفس الدرجة من الدقة، التي تكون عليها في الحياة الواقعية. ومن هنا، يعمد «تيتانيك» إلى تقديم معلومات معينة حول العلاقات المكانية، بهدف التوضيح. ففي وقت مبكر من الفيلم، نرى أن الركَّاب المنتمين للطبقة العاملة يحتلُّون السطح السفلي، في حين يحتل الركَّاب الأثرياء السطح العلوي. تلك العلاقة هي أكثر من مجرد استعارة اجتماعية-اقتصادية؛ إذ تتحوَّل إلى سمة من سمات الحبكة عندما تبدأ السفينة في الغرق. فجاك وروز يَجِدان أنفسَهما عالقَيْن وسط الركَّاب في السطح السفلي، ويتعيَّن عليهما مواصلة الصعود إلى أعلى (حرفيًّا باتجاه قمة الشاشة) كي يَهرَبا من الموت. وبينما يدرك الجمهور أن جاك وروز يتحرَّكان لأعلى صوب السطح العلوي، فإن المونتاج السريع والفوضى الشاملة للموقف يبلغان من الإرباك حدًّا يَحُول دون رسم خريطة ذهنية دقيقة للسفينة.
(?) الاستيعاب الشعوري للأفلام

ثمة ميل للتفكير في المشاعر والأفكار كشيئَيْن منفصلَيْن؛ إذِ القلب متَّقِد ومندفع، بينما الرأس بارد وعقلاني. وتاريخيًّا، تعامَل علم النفس مع المعرفة والمشاعر باعتبارهما مجالَيْن متمايزَيْن للدراسة، بَيْد أن أغلب النظريات الحديثة عن المشاعر تذهب إلى أن الفصل بينهما ليس بالأمر اليسير. فالعمليات المعرفية تحدث فعليًّا بالتزامن مع العمليات الشعورية، كما ترتبط ردود الفعل الشعورية بصلات فسيولوجية مع أنماط الفكر.16 ونتيجة لذلك، تؤكِّد الإسهامات الحديثة في عملية استيعاب السرد على البُعد الشعوري، مبرِزة التلاعب اللفظي في كلمة «المتحركة» في مصطلح «الصور المتحركة»،17 ومشيرة للفيلم بأنه «آلة مشاعر».18إثارة المشاعر

عندما يشاهد الناس فيلمًا ما، تنتابهم مجموعة متنوعة من المشاعر. عندما تذهب لدار العرض المرة القادمة، حاوِلْ أن تراقب الناس من حولك. ضحكات، دموع، تعبيرات عن الهلع، انتفاضات من وقْع المفاجأة، يمكن ملاحظتها كلها في ردود الأفعال الجسدية للجمهور. وقد اهتمَّ الباحثون في علم النفس فعليًّا بدراسة كل تلك الأنواع من المشاعر؛ وكثيرًا ما تَلْجَأ هذه الدراسات إلى استخدام الأفلام بهدف إثارة المشاعر؛ ذلك لأن الأفلام تتمتع بفاعلية كبيرة في هذا الصدد، لدرجة أنها أصبحت عنصرًا حيويًّا في دراسة المشاعر. وغالبًا ما يتم عرض فيلم (أو مقطع من فيلم) على المشاركين الذين يخضعون بعد ذلك لعملية قياس شعور معيَّن، ثم يتمُّ مقارنة القياسات بمتغيرات سيكولوجية أخرى؛ مثل النوع، والذاكرة، والقدْرة على المخاطرة.
كثيرًا ما يُظهِر الباحثون براعة كبيرة في ابتكار طرق فسيولوجية، وذاتية، وسلوكية لرصد المشاعر وقياسها.19 والتقنيات السلوكية تشمل تصوير الناس بالفيديو فيما هم يشاهدون أحد الأفلام، ثم تشفير تعبيراتهم بناءً على حركة عضلات الوجه.20 والطرق الذاتية تشمل إجراء استبيانات مباشرة، إضافةً إلى تقنية أكثر تعقيدًا يقوم فيها المشاركون بالتحكُّم في مؤشِّر يشير إلى مستوى المشاعر على امتداد زمن الفيلم.21 أما الطرق الفسيولوجية فتشمل قياس رطوبة الجلد (الاستجابة الجلدية الجلفانية)، وموجات المخ (المخطَّط الكهربائي للدماغ)،22 ومستويات الكورتيزول في اللُّعاب،23 وتدفُّق الدم في الأعضاء التناسلية،24 أثناء مشاهدة الفيلم. واستنادًا إلى تلك القياسات، قام الباحثون بوضع قائمة تضم مقتطفات من أفلام موصًى بها لإثارة مشاعر معينة: الاستمتاع، الغضب، الاشمئزاز، الخوف، الحزن، المفاجأة.25 فالمشهد من فيلم «صمت الحملان» الذي تحاول فيه شرطية المباحث الفيدرالية كلاريس ستارلينج (جودي فوستر) العثور على السفاح المختبئ في قبو مظلم، يُستخدم لإثارة الخوف، في حين يُستخدم مقتطف آخَر من فيلم «البطل» (ذا تشامب) يصوِّر ولدًا صغيرًا (ريكي شرويدر) يجهش بالبكاء بجانب جثة أبيه الذي فارق الحياة، لإثارة مشاعر الحزن. ورغم أن مثل تلك المقتطفات «لا تضمن» أن جميع المشاهدين سوف يستجيبون بالطريقة التي يتوقَّعها الباحثون،26 فإنها أكَّدتْ قدرتَها على إثارة مشاعر معينة، بمستويات مرتفعة، في العديد من المشاركين في ظل ظروف يتم التحكم بها (انظر الملحق «?» للاطِّلاع على قائمة كاملة بالأفلام والمشاعر المستهدَفة). ليست إثارة المشاعر مجرد ناتج ثانوي لتجربة مشاهدة الفيلم، لكنها وثيقة الصلة بالخواص الأسلوبية للأفلام. إحدى أولى التجارب التي أُجريتْ لقياس قدرة المونتاج على التأثير في المشاعر، أجراها المخرجان/المنظِّران بودُفكِن وكوليشوف، اللذان اكتشفا ما أُطلق عليه تأثير كوليشوف؛ حيث قاما بأخذ لقطة مكبَّرة لممثل ينظر إلى خارج الكادر بتعبير محايد على وجهه، ثم قاما بتوليفها مع أشياء مختلفة شملت إناءً من الحساء، وجثَّة سيدة مسجاة في الكفن، وفتاة صغيرة تلعب بدمية على شكل دبٍّ. وقد عبَّر جميع المشاهدين الذين عُرضتْ عليهم الأفلام القصيرة عن إعجابهم بقدرات الممثل، بَيْد أن الشعور الذي نسبوه إليه اختلف من فيلم لآخر؛ فعندما شاهدوه وهو «يحدِّق» في الحساء، اعتقدوا أنه مستغرق في حلم يقظة. وفي مشهد الكفن، اعتقدوا أنه محزون. أما في مشهد الفتاة الصغيرة، فقد بدا مبتهجًا. وبالطبع، كانت لقطة الممثل هي نفسها في الحالات الثلاث.27 توضِّح تلك التجربة الكثير من الأشياء المتعلِّقة بالعمليات المعرفية بوجه عام، وعملية المونتاج بوجه خاص. فقد افترض المشاهدون، في كل واحدة من الحالات الثلاث، أن الممثل كان ينظر إلى الشيء الذي يظهر في اللقطة الثانية، حتى وإن كانت قد رُكِّبت بواسطة المونتاج. فالمشاهدون يربطون تلقائيًّا بين أجزاء مختلفة من فيلم، خضع لعملية مونتاج، من أجْل تكوين بنية كلية مفهومة.28 كذلك تُظهِر التجربة أيضًا وجود ميل لتنظيم المثيرات الغامضة عن طريق السياق. ومن هنا، وبحسب الشيء الذي يُقرَن معه، يمكن للتعبير المحايد نفسه أن يُفسَّر على أنه حلم يقظة، أو حزن، أو بهجة. زاوية الكاميرا جانب أسلوبي آخر يؤثِّر ليس على ردود الفعل الشعورية لدى المشاهدين فحسب، بل أيضًا على الطريقة التي يُقيِّمون بها مشاعر الشخصيات. في دراسة أخرى، تمَّ صُنْع أفلام قصيرة تدور حول أنشطة عادية بين شخصين؛ مثل حادثة مرورية صغيرة، وتم تصوير نُسَخ عديدة منها مع تغيير زوايا الكاميرا. في إحدى النسخ، صُوِّرت الشخصية «أ» من زاوية منخفضة، بينما صُوِّرت الشخصية «ب» من زاوية مرتفعة، والعكس بالعكس. وقد تبيَّن أنه حتى مع بقاء جميع جوانب الفيلم الأخرى ثابتة دون تغيير، فإن الشخصيات التي صوِّرت من زاوية منخفضة (ما جعلها تبدو شاهقة فوق مستوى الكاميرا) بدت للمشاركين أكثر قوَّةً وجرأةً وعدوانيةً، وأقل خوفًا. والعكس صحيح بالنسبة إلى الشخصيات التي صُورت من زاوية مرتفعة (مما جعلها تبدو وكأنها يُنظَر إليها من أعلى).29 وتتطابق تلك النتائج مع قاعدة معروفة جيدًا عن وظيفة زوايا الكاميرا؛ الزوايا المنخفضة توحي بتفوُّق الشخصية، بينما توحي الزوايا المرتفعة بدونيتها.30 وقد اشتُهر فيلم «المواطن كين» بتوظيفه للزوايا المنخفضة في المشاهد التي تصوِّر كين (أورسن ويلز) مملوءًا بالثقة وهو يُطلق إمبراطوريته الصحفية، بينما في الأجزاء التالية من الفيلم، بعد أن انهارت حياته، تنظر إليه الكاميرا لأسفل من نقطة شاهقة. تعكس هذه الأنواع من الزوايا أنماطًا من خارج عالم الفيلم؛ فعندما «ننظر من أعلى»، فيزيقيًّا، إلى شخص ما (شخص بالغ ينظر إلى طفل)، فإننا بوجه عام نكون في وضع متفوق، والعكس بالعكس. تيمات شعورية

منذ أن قام أرسطو بتوصيف التراجيديا بأنها أحداث درامية تثير الخوف والشفقة، نشأت صلة متينة بين المشاعر والقصة.31 ولأن الفيلم الروائي هو أكثر من مجرد سلسلة عشوائية من الصور المثيرة، فإن طاقته الشعورية لا تستند فقط إلى الإدراك البصري، بل تنهض على الخصائص الأساسية للقصة، لا سيما التيمة والشخصية. فلْتُحاول إجراء التجربة التالية: تخيَّل مشهد القبو المثير للخوف من فيلم «صمت الحملان»، ثم اختَرْ أيَّ كادر منه وحوِّلْه إلى صورة ثابتة. هل ستكون تلك الصورة مخيفة؟ تقديري هو أن كادرًا منتقًى بعناية يمكنه أن يثير بعض الاضطراب، لكنه لن يثير القَدْر نفسه من الاضطراب والخوف الذي يثيره المشهد نفسه (وأظن أيضًا أن الصورة ستثير قدْرًا أكبر من الخوف لدى مَن شاهدوا الفيلم؛ بسبب وجود ارتباطات سابقة بين الصورة والقصة).
القصص تستثير المشاعر؛ تلك ملاحظة تجمع بين النظرية الشعورية والنظرية السردية. والمخطَّطات المعرفية (البِنى الذهنية) التي يستخدمها الناس للإحاطة بأفعالهم وأفعال الآخرين، تُسمَّى «سيناريوهات».32 فنحن لدينا سيناريوهات لجميع ما نؤدِّيه أو نَشهَده من أفعال، من الرحلات إلى المتجر وحتى حفلات الزفاف. ولأن الأحداث التي تجري وفق سيناريوهات لها دور هام في مساعدتنا في شقِّ طريقنا خلال اليوم، وتحقيق النجاح، والبقاء على قيد الحياة في نهاية المطاف، فإنها تحمل أصداءً شعورية تتيح لنا اتخاذ قرارات حَدْسية حول كل ما يحمل قيمة أو يعد مصدرًا للمخاطرة. لا يقتصر استخدام السيناريوهات على فهم الأشخاص والأحداث فحسب، بل يمتد أيضًا إلى استيعاب الأحداث الروائية في الأفلام؛ وعندما تأتي تلك السيناريوهات في سياق أدبي أو سينمائي، فإنها تُسمَّى تيمات. فعندما نشاهد فيلمًا ونلحظ تنويعات في أحداث رأيناها من قبلُ، فإن ثمة سيناريوهات معينة يتم استحضارها، وتجلب معها استجابة شعورية تلقائية. بعض تلك السيناريوهات (الذهاب إلى محل بقالة) تستثير ردود فعل خفيفة، بينما تميل أخرى (زواج أحد الأشخاص) إلى إثارة مشاعر أكثر قوَّةً. وفي بعض الأحيان، تتطابق حكايات الأفلام مع سيناريوهات راسخة (حفلات الزفاف في نهاية العديد من الأفلام الكوميدية العاطفية)، بينما يتناقض البعض الآخر تناقضًا صارخًا معها (حفل زفاف ينقلب إلى مذبحة في فيلم «اقتل بيل» (كيل بيل)). وإجمالًا، تمنحنا القصص التقليدية شعورًا بالراحة والرضا (حتى عندما تصيبنا بالملل)، بينما القصص غير التقليدية تجعلنا نشعر بالارتباك أو الاغتراب.
لقد بيَّنَت التجارب أن سيناريوهاتنا أو تيماتنا الأساسية تؤثِّر على حِدَّة ردود أفعالنا الشعورية (إضافة إلى ذكرياتنا التالية عن الأحداث). ففي إحدى الدراسات، عُرض على المشاركين مقتطفات من فيلمين (أحدهما روائي والآخَر غير روائي)، يمثِّل كلٌّ مِنها إحدى التيمات الثلاث التالية: حفلات الزفاف، ومرض الإيدز، وحياة غاندي. وقد جاءت ردود الأفعال الشعورية نحو أفلام الإيدز والزفاف أكثر حِدَّةً من تلك التي على أفلام غاندي. أضِف إلى ذلك أن المشاركين نجحوا في تذكُّر المادة المعروضة في تلك الأفلام بصورة أفضل من تذكُّرهم أفلام غاندي، وهي نتيجة تربط بين المشاعر والعمليات المعرفية للذاكرة. فعلى عكس أفلام غاندي، تتطابق أفلام الزفاف والإيدز مع سيناريوهَيْن مؤثِّرين؛ الموت والحب. وتتناول أفلام غاندي، في المقابل، وقائع تاريخية واجتماعية-سياسية معقَّدة، لا تستطيع منافسةَ آنيَّة الحب والموت، رغم أنها ليست خالية من المشاعر كليَّةً.33 بالإمكان تبيُّن ملامح عملية الاستيعاب الشعوري للتيمات من خلال التحليل النصي للأفلام. إن دراسة أنواع الأفلام تقليد راسخ في مجال دراسات الفيلم، تعمد إلى تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه التيمات؛ لأن الأنواع تتضمَّن تكرارًا للتيمات الأساسية والمحفِّزات الأسلوبية.34 تلك المحفِّزات تستدعي سيناريوهات معينة مع ما يصاحبها من مشاعر. فالنوع السينمائي الناجح يمزج بين العديد من المشاهد التي تستثير في وجدان الجمهور ذكريات تحرِّك مشاعرَه وتولِّد لديه استجابةً شعورية تتعلَّق بشعور واحد مهيمن. بعض تلك الأنواع — الميلودراما والتشويق والرعب — تبالغ في عرض المشاعر التي تنطوي عليها. فالأفلام الميلودرامية هي أكثر من مجرد أفلام تعبِّر عن مشاعر مبالَغ فيها، بل تقدِّم حبكات تحدث فيها أشياء سيئة لأناس طيبين؛ ومن ثَمَّ تستثير مشاعر الشفقة. وتميل الأعمال الميلودرامية إلى أن تكون أقل تعقيدًا من الناحية العاطفية من الأعمال التراجيدية؛ حيث تعاني الشخصيات التراجيدية من عيوب تجعلها مسئولة عن عواقب أفعالها؛ مما يستدعي الحكم عليها ويخفِّف من شعور الجمهور بالشفقة تجاهها. وفي المقابل، لا يتم التأكيد في الأعمال الميلودرامية على عيوب الأبطال؛ فهم نوعًا ما أبرياء. وكثيرًا ما يوصف فيلم «ذهب مع الريح» بأنه ميلودرامي، لكنه ليس ميلودراما «نموذجية»؛ ذلك لأن غرور سكارليت (فيفيان لي) يساهم في سقوطها. ويقدِّم فيلم «علاقة لا تُنسى» (آن أفير تو ريممبر) مثالًا أوضح؛ حيث يُحال بين تيري (ديبورا كير) وبين مقابلة نيكي (كاري جرانت) دون أيِّ خطأ اقترفتْه (فقد أُصيبتْ بالشلل نتيجة حادث سيارة). ومن ثَمَّ تستثير شخصيتُها درجةً عالية من الشفقة؛ إذ يطَّلع المشاهدون على سيناريوهاتهم الميلودرامية.
أما الشعوران الطاغيان اللذان تستثيرهما نوعية أفلام الرعب فهما الخوف والاشمئزاز. فنحن نشعر بالخوف على الأبطال لأنهم مهدَّدون بصورة واضحة، وذلك عبْر استدعاء سيناريوهات شخصية تتضمَّن تهديدًا وأذًى محتملًا. ورغم أن هناك أنواعًا أخرى (أفلام الإثارة) تتضمَّن عنصرَيِ التهديد والأذَى، فإن أفلام الرعب تتميز بمزجها بين الخوف والاشمئزاز. فنحن لا نشعر بالخوف من المسخ فحسب، بل بالاشمئزاز أيضًا من تشوُّهه، وافتقاره للإنسانية، وفساده الأخلاقي. فالمسوخ في أفلام الرعب — مصاصو الدماء، والموتى الأحياء، والمذءوبون — يمتلكون على وجْه الإجمال خصائص غير بشرية. فحتى المريض النفسي المعاصر، رغم كونه مخلوقًا بشريًّا اسمًا، عادةً ما يكون مقنَّعًا أو يتم تغيير مظهره بحيث يبدو بشعًا، ولا يحمل سوى القليل من السمات الإنسانية المعروفة. فاستجابات الخوف والاشمئزاز تشتدُّ حدَّتُها عبر امتزاجها بعضها ببعض.
ينشأ الشعور بالتشويق أثناء مشاهدة العديد من الأفلام، وهو ينطوي، شأنه شأن الرعب، على الخوف. ولكي يُصنَّف فيلم ما ضمن فئة أفلام التشويق، لا بد له أن يحافظ على شعور جارف بالقلق تجاه ما سوف يحدث؛ فأفلام التشويق تتضمَّن عادةً توجُّهًا «للمستقبل». فهي تضع المستقبل محلَّ شك كبير، وتدفع الجمهور إلى اختبار مشاعر الهلع والترقُّب لفترة زمنية ممتدَّة. وكثيرًا ما يتم الاستشهاد بأفلام هيتشكوك ضمن هذه الفئة، لكن ثمة أفلامًا أخرى أهْلٌ لذلك أيضًا. ففيلم حركة مثل «سرعة» (سبيد)؛ حيث ينبغي على حافلة ركَّاب أن تظلَّ سائرةً بسرعة عالية كي لا تنفجر، يطرح أيضًا مستقبلًا غامضًا يتعيَّن على المشاهدين أن يُمعِنوا فيه التفكير طوال زمن الفيلم.35المشاعر، ودوافع الشخصية، والتعاطف

استخدام التيمات المُثيرة للمشاعر ليس «الطريقة» الوحيدة التي تستخدمها الأفلام للربط بين الاستيعاب والمشاعر. فثمة طريقة أخرى تتمثَّل في محاولة فهم «لماذا» تقوم الشخصيات بما تقوم به. فدُون الشعور بدوافع الشخصية، يغدو من المستحيل تتبع سلسلة من الأحداث المرتبطة سببيًّا بعضها ببعض؛ ذلك لأنه في هذه الحالة يُصبِح سلوك أيِّ شخصية محتمَلًا، تمامًا كسلوك بقية الشخصيات، ويغدو كلُّ تسلسل زمني اعتباطيًّا. ومن أجْل الحفاظ على اندماج شعوري ومعرفي، فإن علينا «الاندماج» مع الشخصيات.
بَيْد أننا لا نقارب كل شخصية باعتبارها شخصًا جديدًا كليَّةً. فثمة شكل آخر لنظرية المخطَّط يشير إلى أننا نمتلك مخطَّطات للأشخاص أيضًا. وتُسمَّى هذه أحيانًا بالأنماط الجاهزة، أو الأنماط الأصلية، على نحو أقل تحقيرًا.36 فعندما يبدأ المشاهدون التعرُّف إلى شخصيات أحد الأفلام، فإنهم يحاولون أن يُطابِقوا بينها وبين فئات موجودة سلفًا.37 ولا يلزم وجود سوى قليل من المعلومات كي تبدأ عملية الارتباط تلك: قبعة سوداء، ابتسامة، تردُّد مرتبك، تلك الإشارات قد تكون كل ما يحتاجه المشاهد لاستحضار نمط أصلي مألوف. ومع تطور الشخصية على الشاشة، يتم تقديم المزيد من السمات التي تقود المشاهدين إلى فهْم أفضل لدوافعهم. وفي حين أن الشخصيات الأيقونية أحيانًا ما تكون معقَّدة بما يكفي لتحدِّي مجموعة الأنماط المتوافرة لدى لمشاهدين، فإن أغلب الشخصيات تتوافق مع أنماط أصلية معروفة؛ ومن ثَمَّ يسهل فهمُها. فأحد الأسباب في أن المشاهدين لا يضيقون بالسرد المعقَّد في فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» هو أن الشخصيات مألوفة للغاية؛ «الفتاة الحمقاء ذات الخيال الجامح» و«الضعيف المحزون الجذاب».
وبمجرد أن يتعرَّف المشاهدون على بنية الدوافع لإحدى الشخصيات، فإنهم يتماهَوْن معها. ورغم أنه ليس من اللازم أن يكون هذا التماهي قويًّا أو مستدامًا، فإنه ينبغي أن يستمر فترة كافية لكي تصبح أفعال الشخصية مفهومة وتخدم تطور القصة.38 وكثيرًا ما يكون تماهي المُشاهِد مع شخصية معينة غير محايِد؛ فنحن «نشعر» بأشياء معينة عندما نتماهَى مع شخصيات مختلفة. فنتعاطف معهم ونُحِسُّ بمجموعة من المشاعر. تؤثِّر خبرتُنا التعاطفية على طريقة ارتباطنا بالقصة. فقد أظهرتِ الأبحاث التجريبية مدى تأثير تعاطف المُشاهِد على استجاباته للأفلام المرعبة. فالمشاركون الذين تعاطفوا مع الشخصيات وجدوا أنه من الضروري أن يُطعِّموا خبرة مشاهدتهم بشيء من «الخيال» عن عَمْد، عن طريق تركيز انتباههم على المؤثرات البصرية مثلًا. وبعض المشاهدين ارتبطوا بالشخصيات ارتباطًا شديدًا، لدرجة أنهم شعروا بضيق شخصي أثناء المَشاهِد المخيفة، وانسحبوا من العالم السردي عن طريق تخيُّل أنهم موجودون في مكان آخر.39 فمن الواضح أن ثمة علاقة تربط بين الشخصيات، والخبرة الشعورية لدى المشاهدين، والقصة. ورغم أن كثيرًا مما ذكرناه عن التماهي ودوافع الشخصية والتعاطف يمكن تطبيقه على أي شكل سردي، فإن ثمة فروقًا أيضًا. فالقراء يؤكِّدون أنهم يرتبطون بالشخصيات الأدبية عن طريق استخدام خيالهم لإمدادهم بالتفاصيل غير المكتوبة. وبالمقابل، ينغمس المشاهدون بمنتهى السهولة في السرد المرئي كما هي الحال في تلك الخبرة الشائعة المتمثِّلة في تشغيل التليفزيون «لمدة ثانية واحدة فقط»، ورؤية لمحة خاطفة من فيلم ما، ثم «الاستغراق الكامل في القصة»، لدرجة فقدان القدرة على تركه.
أحد التفسيرات لقدرة الفيلم على إثارة مثل تلك الاستجابات الشعورية السريعة تتعلَّق بقدرته على عرض تعبيرات الوجه. فقد أظهرتِ الأبحاث الشاملة العابرة للثقافات أن هناك مجموعة من التعبيرات الأساسية (الحزن، الغضب، الاشمئزاز، السعادة) التي بمقدور الناس من جميع الثقافات ترجمتها بدقة. كذلك تثير تلك التعبيرات أيضًا ردود فعل شعورية قوية لدى البشر جميعًا. فمن خلال اللقطات المكبَّرة، تستطيع الأفلام تصوير تعبيرات الوجه بمنتهى الوضوح؛ ومن ثَمَّ إيصال معلومات عن تلك المشاعر آنيًّا؛ مما يتيح للجمهور الإحاطة بدوافع الشخصية ويزيد من تعاطفنا معها. فالمشهد الذي يصوِّر موت الإنسان الآلي في فيلم «بليد رانر» حظي بشهرة مستحقَّة بسبب ما يتضمَّنه من تعبيرات وَجْه مؤثِّرة؛ حيث تركِّز الكاميرا على النصف الأعلى من جسد هاور ووجهه لفترة زمنية ممتدة. وإذ يقوم بسرد مباهج حياته وأحزانها، يعكس وجهُهُ بطريقة متواصلة وواضحة لا لبس فيها تجربتَه الداخلية، وتجربتَنا نحن أيضًا.40(?) الأفلام وآلية عمل المخ البشري

رغم أن الأبحاث التي تتناول المخ البشري شهدت تقدمًا سريعًا خلال العقود الماضية، فإن مستوى الفهم الحالي لا يزال محدودًا، وتطبيقاتها على الخبرات المعقَّدة في العالم الواقعي تميل إلى الفجاجة. فتطبيقات علوم دراسة المخ على عملية مشاهدة الفيلم لا تزال في بدايتها، بيد أن اكتشافاتها المبكرة مثيرة للاهتمام. وثمة دراسة حديثة لعملية استيعاب السرد تناولت تكنولوجيا تصوير المخ بالرنين المغناطيسي الوظيفي، وهي أكثر الوسائل تطورًا — المعروفة حاليًّا — لتصوير النشاط العصبي («تصوير» المخ) بلا تدخل جراحي؛ فهي تتيح للباحثين الحصول على صورة دقيقة نسبيًّا لنشاط المخ خلال فترة زمنية.
وقد ركَّزت تلك الدراسة على النشاط اللحائي. هذا اللحاء هو الجزء الخارجي الغائر الكبير من المخ، المسئول عن الوظائف العليا (الوظائف الحركية، معالَجة الإبصار، المعالجة اللغوية، التفكير المجرَّد، إلخ). وقد قام الباحثون بعرض مَشاهِد قصيرة (صامتة) على المشاركين؛ مثل ذلك المشهد من فيلم «الفتاة» (ذا جيرل)؛ حيث يقوم طفلان بمهاجمة عُش دبابير، أو مقتطفات ممنتجة، تتألَّف من لقطات تم تجميعها معًا من أفلام مختلفة باستخدام المونتاج. في حالة المَشاهد السردية، ثمة شبكة متوقَّعة من أجزاء المخ يتم تفعيلها، أما في حالة المَشاهد المؤلَّفة من لقطات مجمَّعة، فلم يتم رصد أي شبكة (أيْ إن نشاط المخ كان أكثر عشوائيَّةً). وقد استخلص الباحثون أن «عملية استيعاب مشاهد بصرية ممنتجة … تعتمد فيما يبدو على الأنشطة المنظمة لمناطق متعددة من المخ ترتبط وظيفيًّا بعضها ببعض عبر شبكة معرفية عالية المستوى.»41 ورغم أن تلك العبارات لا تزال بعيدة جدًّا عن تفسير خبرة مشاهدة فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» بكليتها، فإنها تقترح بقوة وجود صلة تربط بين الذهن والمخ والفيلم. ورغم أن الأبحاث المعملية المباشرة لا تزال قليلة، فإننا بإمكاننا أن نخمِّن إلى حدٍّ معقول وجود علاقة بين الخبرة الشعورية للمُشاهِد أثناء مشاهدة القصص السينمائية وآليَّة عمل المخ. والجهاز العصبي التلقائي (الجهاز الذي ينظِّم الوظائف الجسدية التلقائية مثل التنفس ودقَّات القلب) والمناطق تحت اللِّحائية من المخ على وجه الخصوص يبدو أن لها دورًا في تلك الخبرة. ويشير مصطلح «تحت لِحائي» إلى المناطق المتنوعة في المخ التي تقع تحت اللِّحاء مباشرةً، وتختص تلك المناطق بالوظائف الأوَّلية الضرورية للبقاء على قيد الحياة: الجوع، الاستيقاظ، التنفس، إلخ. أضِفْ إلى ذلك أن الاستجابات الشعورية القوية، خاصةً السلبية منها، تقع جزئيًّا في تلك المنطقة البدائية.
ثمة جزء تحت لِحائي صغير — اللوزة — مسئول بوجه خاص عن معالجة الاستجابات للمثيرات المنفِّرة. وتقترح النماذج الحديثة لآليَّة عمل المنطقة تحت اللِّحائية أنه رغم وصول الرسائل إلى اللوزة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بعد معالجتها في المنطقة اللحائية، فإن المدخلات المباشرة تتم بسرعة أكبر بكثير. ومن اللافت أن ثمة مثيرات معينة هي التي تستطيع إثارة اللوزة مباشرةً تشمل الضوضاء مثل الدمدمة، والأشياء الضخمة المهيبة، والحركات الملتوية مثل تلك الخاصة بالثعابين. ومثل تلك المدخلات البيئية التي قد تنطوي على مخاطر تتم معالجتها على وجه السرعة؛ مما يسمح لنا بالاستجابة قبل أن تتمكَّن أجزاء أخرى من المخ من معالجة الخطر بطريقة عقلانية وتقرير ما ينبغي عمله.
حتى وإن كانت الأشياء التي تظهر في الأفلام غير «حقيقية»، فإن أجهزتنا الإدراكية والمعرفية كثيرًا ما تتعامل معها كما لو أنها حقيقية؛ ومن ثَمَّ تزيد من حِدَّة ردود فعلنا الشعورية. يبدو هذا صحيحًا بوجه خاص عند مقارنة الأفلام بالكتب، التي رغم قدرتها على إثارة مشاعر قوية لدى القرَّاء، فإنها، على المستوى الإدراكي، مجرد رموز مطبوعة على ورق، تتطلَّب معالَجة من مستوًى أعلى (أيْ معالجة لحائية). فصورة وَحْش، أو صوت دمدمة عالية، أو مونتاج سريع لثعبان على وشك أن يضرب ضربته، تتجاوز جميعها لِحاءنا العقلاني وتمضي مباشرةً إلى المنطقة تحت اللحائية المُحِبَّة للتلقائية، وفي بعض الأحيان تجعلنا نقفز في مقاعدنا، حتى وإن كنا نعرف، عقلانيًّا، أنه «مجرد فيلم».42(?) لقطات ختامية: شَراكة غير متوقَّعة

برهنت المزاوَجة بين العلم المعرفي ودراسات الفيلم على كونها مثمرة، بيد أنها لا تخلو من توترات. فقد ذهب بوردويل إلى أن التركيز على عملية الاستيعاب ينأى بدراسات الفيلم المستنِدة إلى العلم المعرفي بعيدًا عن التقليد الذي كان سائدًا في السابق، والذي ركَّز بصورة تكاد تكون حصرية على التفسير (توضيح ما «يقوله» الفيلم عن الطبيعة البشرية والسياسة والقيَم الثقافية، إلخ).43 ولأن الاستيعاب أكثر انصياعًا للمفاهيم المتجذِّرة في العلم المعرفي، فإنه يقف على طرف النقيض من دراسات الفيلم النسبية التي تعتمد على عدد لا يُحصَى من القراءات الممكنة للفيلم.44 ومع ذلك، فإن الأفلام، حتى على مستوى استيعاب القصة، لا تخلو من الالتباس. وبإمكاننا أن نجادل بشأن ما «يحدث» بالضبط في «إشراقة أبدية لعقل نظيف»، تمامًا مثلما يمكننا أن نجادل حول ما «يعنيه». فالفروق في السمات النفسية مثل السِّنِّ، والنوع، والشخصية، والتعليم، إلخ، يمكنها جميعها أن تؤثِّر على طريقة فهْم الفرد للقصة (التي توجد، كما يلاحظ بوردويل، في «مخيِّلة» المُشاهِد). بيد أن ثمة فروقًا في المنهج تعوق حركة دراسات الفيلم باتجاه العلم المعرفي. فالعلم المعرفي يحبِّذ استخدام التجارب والنماذج الحاسوبية، في حين تفضِّل دراسات الفيلم التحليلَ النصي. لقد رحَّب دارسو الفيلم بالمفاهيم المعرفية، وأبدَوا استعدادًا لاستخدام أي وسيلة في متناول أيديهم من أجْل الوصول إلى فهم أفضل لموضوع شغفهم (الأفلام). وعلى الجانب الآخر، فإن علماء النفس من أصحاب التوجُّه المعرفي، يُكثرون من استخدام الأفلام، لكنهم يميلون إلى النظر إليها باعتبارها أدوات منهجية (الأبحاث المتعلِّقة بإثارة المشاعر، على سبيل المثال)، وليست كأشكال فنية. وبالمثل، كثيرًا ما يتعامل العلماء مع العمليات المعرفية المختلفة باعتبارها أشياءَ متمايِزة؛45 مما يعوق النظر إلى خبرة مشاهدة الأفلام بطريقة شمولية وممنهجة. لكن من المُهِمِّ للغاية أن يتعامل العلم المعرفي مع الفنون والأشكال السردية، مثل الفيلم، وفقًا لما هي عليه. فقد لاحظ باتريك كولم هوجان أن الدراسات الأدبية والفنية تمتلك تقاليد أكاديمية ثرية يبلغ عمرها آلاف السنين، ويؤكِّد أنه «إذا كانت لديك نظرية عن الذهن البشري لا تتناول الفنون بالشرح والتفسير، إذن فنظريتك محدودة بدرجة كبيرة … وإذا فشل العلم المعرفي في تناول هذا الجزء الشديد الأهمية من حياتنا اليومية، فسيكون مصيره مزبلة التاريخ.»46(?) قراءات إضافية

Anderson, J. D. (1996) The Reality of Illusion: An Ecological Approach to Cognitive Film Theory. Southern Illinois University Press, Carbondale, IL.
Bordwell, D. (1985) Narration in the Fiction Film. University of Wisconsin Press, Madison, WI.
Grodal, T. (1997) Moving Pictures: A New Theory of Film Genres, Feelings, and Cognition. Oxford University Press, New York, NY.
Hogan, P. C. (2003) Cognitive Science, Literature, and the Arts: A Guide for Humanists. Taylor & Francis Books, New York, NY.
Rottenberg, J.; Ray, R. D., and Gross, J. J. (2007) Emotion elicitation using films, in Handbook of Emotion Elicitation and Assessment (eds J. A. Coan and J. B. Allen), Oxford University Press, New York, NY, pp. 9–28.

الفصل السابع
تأمُّل الشاشة: تلقِّي الأفلام


عُرِض فيلم «طارد الأرواح الشريرة» لويليام فريدكين في عام ????م، بعد سنوات قليلة من نشر الرواية التي ألَّفها ويليام بيتر بلاتي. وإذا كانت الرواية قد أثارت بعض الحراك في الوسط الثقافي، فإن الفيلم أطلق موجات عاتية من الجدل والإشادة والخوف.
وإبَّان عرضه، أصبح فيلم «طارد الأرواح الشريرة» أكثر الأفلام تحقيقًا للإيرادات في تاريخ السينما. وبعد أَخْذ عامل التضخم في الاعتبار، لا يزال الفيلم يحتل المرتبة التاسعة في قائمة أكثر الأفلام تحقيقًا للإيرادات في تاريخ السينما (انظر الملحق «ب»؛ لا يوجد أي فيلم رعب غيره في قائمة أكثر ?? فيلمًا تحقيقًا للإيرادات). وقد تم ترشيحه لعشر جوائز أوسكار، فاز بجائزتين منها.
يحتوي «طارد الأرواح الشريرة» على مجموعة من الصور لا تُنسَى، وأصبحت، بعد مضيِّ ما يقرب من ?? عامًا، جزءًا من المشهد الثقافي: ريجان الممسوسة (ليندا بلير) برأسها الذي يدور ??? درجة حول نفسه، والكميات الهائلة من مقذوفات القيء الأخضر، وعبارات التجديف؛ وطارد الأرواح الشريرة، الأب ميرين (ماكس فون سيدو) وهو يتقدَّم نحو الحجارة الرملية لمدينة جورج تاون تحت جنح الظلام. لقد أثار الفيلم العديد من النقاشات حول ممارسة طرد الأرواح الحديثة والقديمة، وبدأ بعض المشاهدين يتقبَّلون فكرة وجود أناس مسكونين بالأرواح الشريرة في العالم الواقعي. أما غير المؤمنين، فقد نظروا إليه باعتباره فيلمَ رعب جادًّا يطرح رؤية حول العلم والإيمان في العالم المعاصر.
شكل ?-?: ليندا بلير وماكس فون سيدو في دور ريجان والأب ميرين في فيلم «طارد الأرواح الشريرة» ???? (حقوق النشر محفوظة لموفيستور كوليكشن (شركة ذات مسئولية محدودة)/آلمي).
وقد انقسم النقاد في تقييمهم له. فروجر إيبرت أعطاه أربع نجوم، وزعم أن فريدكين يستخدم «أكثر الموارد السينمائية إثارةً للرعب» لإبداع «أحد أقوى [أفلام التسلية الهروبية] في تاريخ السينما.» لكنه تساءل بقلق: «هل وصل الناس إلى درجة من التبلُّد بحيث أصبحوا بحاجة إلى أفلام بمثل تلك الحِدَّة لكي يشعروا بأي شيء على الدوام؟»1 أما بولين كيل من صحيفة ذا نيو يوركر فقد شجبت الفيلم بصورة كاملة؛ إذ انتقدت كتاب بلاتي باعتباره «ضحالة تُطالِب بأخذها جديًّا»؛ ووبَّخت المخرج كونه «شخصًا يُعاني من هشاشة ذهنية بالغة» لدرجة جعلتْه يشعر بالحاجة إلى «إثارة اشمئزاز جميع الناس»! ورأت أن «صناعة السينما تتيح لأناس بلا ذوق أو خيال أن يمارسوا تأثيرًا غير محدود.» واختتمتْ مقالَها بالتساؤل عمَّا كان يدور بأذهان ??? أب وأم تقدَّموا ببناتهم لاختبارات اختيار بطلة الفيلم ولم يُحالِفْهم التوفيق: «[بينما هم يشاهدون ليندا بلير وهي تتصرَّف كشيطان صغير]، هل يتساءلون «هل هذا ما كانت صغيرتي سوزي ستُشتَهَر به إلى الأبد؟»»2 بالنسبة إلى الأطفال الذين نَشَئُوا مثلي في حقبة السبعينيات، كان «طارد الأرواح الشريرة» بمثابة أسطورة. فمثله مثل فيلم «حُمَّى ليلة السبت» (ساترداي نايت فيفر)، كان مصنَّفًا ضمن فئة «محظور»، وكان موضوعًا للعديد من النقاشات. وكانت النتيجة أنه لم يُسمَح لي بمشاهدته،3 لكن بعض الأطفال زعموا أنهم شاهدوه، وراحوا يصفون بدقة ما تضمَّنه من قيء أخضر ورءوس تدور ??? درجة حول نفسها. ولكيلا يتركوا للآخرين فرصة التفوق عليهم، زعم أطفال آخرون أن أحد أقربائهم من بعيد أو صديق للعائلة مسكون بالأرواح الشريرة. وكان ثمة اهتمام خاص بالظهور اللاشعوري تقريبًا لوجهٍ شيطاني في الفيلم، وقد قيل لنا إنه صورة فوتوغرافية لشيطان حقيقي تمَّ الْتِقاطُها أثناء حملة لاصطياد الأرواح الشريرة. وأخيرًا شاهدتُ الفيلم قرب نهاية سِنِّ المراهقة في مطلع الثمانينيات، ووجدتُه فيلمًا رائعًا. في عصر فيلم «الجمعة ??»، كان الفيلم عتيق الطراز بإيقاعه البطيء في بناء مشاهد الرعب، لكنه في الوقت نفسه مُجارٍ للعصر على صعيد المؤثِّرات الخاصة النابضة بالحياة. وقد انزعجتُ بوجه خاص من التدخلات الطبية المقحَمة، ولم أفهم كيف أن مشهد الصَّلْب لم يؤهِّل الفيلم للتصنيف ضمن فئة للكبار فقط. وقد أُعجبتُ كثيرًا بأجوائه الصارمة المحمَّلة بنُذُر الشرِّ، ويقينًا أخذتُه بجدية.4 أما مقال بولين كيل، فقد أثار انزعاجي عندما قرأْتُه قدْر انزعاجي من الفيلم نفسه تقريبًا. فقد بدا نقدُها وكأنه هجوم شخصي، ليس فقط على ذكائي، بل على حسِّي الأخلاقي أيضًا. في بعض الأحيان ألجأ، في تدريسي لمقرَّرات السينما، إلى استخدام «طارد الأرواح الشريرة» كمثال للأفلام التي كان لها تأثير ثقافي عميق. وكما هي الحال دائمًا عند تناول الأفلام التي تتضمَّن عنفًا أو محتوًى جنسيًّا نابضًا بالحياة، كنتُ أضطر إلى إبداء بعض الملاحظات التي قد تُفسِد متعة مشاهدة الفيلم، وأعتذر عمَّا قد يسببه هذا من ضيق. وفي أغلب الأحيان كان الطلاب يتجاهلون تحذيراتي، لكن في حالة «طارد الأرواح الشريرة»، دائمًا ما كان البعض يأخذ بنصيحتي. فثمة شيء في هذا الفيلم لا يزال يلمس وترًا ما، حتى لدى هؤلاء الطلاب الذين لا يهزُّهم شيء. فقد صرَّح بعضهم أن مشاهدة الفيلم كانت تجربة مروِّعة، أو حتى صادمة. كذلك أثار حنق البعض الآخر؛ لأنهم شعروا بأنه يمسُّ معتقداتهم الدينية (حتى غير الكاثوليكيين منهم). ومن حين لآخر يزعم بعضهم أنه فيلم مروِّع؛ ذلك لأن «أحداثه يمكن أن تقع بالفعل.»5 عندما نشاهد الأفلام، فإننا نتابع خيط القصة ونغدو مندمجين مع شخوصها بكل جوارحنا. لكننا، في الأغلب، لا نعود مطلقًا إلى التفكير فيها مرة أخرى بعد نزول تترات النهاية. ومع ذلك، يحدث أحيانًا أن فيلمًا ما يمكث معنا، ونظل نفكِّر فيه مليًّا، لساعة، أو لأسبوع، أو لسَنَة، أو لبقية عمرنا، وتظل قصته وصوره تشغل أذهاننا، فنعيش مجدَّدًا تلك المشاعر التي اختبرناها أثناء مشاهدته، ونقيِّم جودته وتجربة المشاهدة، ونربط بينَه وبين بقية العالم من حولنا (فقد نربطه بعملنا أو بشيء قرأناه في الصحف). ويتحوَّل فهمنا لقصته وشخوصه إلى خريطة نسترشد بها بقية حياتنا.
شكل ?-?: النشاط الرمزي المرتبط بمشاهدة الفيلم: التفسير والتقييم.
إن تأمُّل الأفلام مستوًى آخَر من مستويات المعالجة الرمزية؛ فالتقييم (تحديد درجة الاستمتاع بالفيلم) والتفسير (تحديد معنى الفيلم) عمليتان تأمُّليتان يمكن أن تُضافا لعمليَّتَيِ الإدراك الحسي والاستيعاب، كما يمكننا أن نرى في الشكل ?-?. وسواءٌ احتفظنا بتلك التأملات لأنفسنا، أو تقاسمناها مع آخرين، فإن تلك المرحلة هي التي يجتاح فيها الفيلم جوانب أخرى من حياتنا.
(?) استمتاع المُشاهِد بالأفلام

القول المأثور «كلنا نُقَّاد»6 ينطبق يقينًا على مرتادي دُور السينما. فنحن جميعًا نقيِّم خبراتنا في مشاهدة الأفلام. وأولئك الأفصح لسانًا، والأعلى صوتًا و/أو الكثيرو الكلام يصبحون أكاديميين أو يُنشئون المدوَّنات، لكن حتى أقلهم قدرةً على التعبير عن أنفسهم، يعتمدون في اختياراتهم لما يشاهدونه من أفلام على خبرات سينمائية سابقة.7 يتضمَّن هذا التقييم، لدى غالبية الناس، عنصرًا تأمليًّا، واعيًا. فنسأل أنفسنا: هل كان الفيلم ممتعًا؟ هل كان مُرضِيًا؟ أم كان مَضْيَعة للوقت والمال؟ فالمتعة والإشباع هما المسألتان الأساسيتان عند تناولنا للفيلم باعتباره شكلًا من أشكال الترفيه.8 وعندما يختار الناس أشكال الترفيه التي يفضِّلونها، فمن المسلَّم به أنهم يصنعون قرارات يعتبرونها ذات شأن. يرتبط الاستمتاع بالفيلم ارتباطًا وثيقًا بالخبرة الشعورية.9 فمن المفترض أن الناس يرغبون في الترفيه بهدف «الترويح» عن أنفسهم. بيد أن العلاقة بين ما يحسُّونه من مشاعر أثناء الفيلم وتصنيف عملية المشاهدة كتجربة ممتعة ليست شفَّافة بأي حال من الأحوال. فحتى في حالة تلك الأفلام التي تستثير مشاعر إيجابية مثل الدهشة، بإمكاننا أن نتساءل عن السبب الذي يجعل بعض الناس يجدون فيلمًا ما مدهشًا دون غيره. ومما يثير الحَيْرة بوجه خاص تلك الأفلام التي تستثير مشاعر سلبية مثل الأسَى والخوف. فأفلام الرعب والإثارة والبكائيات التي تُدمِي القلوب، حَظِيت دائمًا بشعبية كبيرة على مدار تاريخ صناعة السينما. فلماذا يَسعَى الناس وراء تجربة تثير فيهم مشاعر سلبية؟ الأفلام الكوميدية

الضحك من دواعي السعادة، والأفلام الكوميدية تُضحِك الناس؛ ومن هنا، فقد تكون هي أكثر أنواع الأفلام رسوخًا. وبإمكاننا إعادة صياغة شعار الهيبيز ليصبح: «إذا كان يمنحك شعورًا بالسعادة، فلتشاهده.» تلك الملاحظة تتفق ونظرية المتعة حول جاذبية الفيلم؛ فنحن نستمتع بالأفلام لأنها تجلب لنا المتعة.
وشأن كل ما له علاقة بالذهن البشري، ثمة ألغاز أكثر عمقًا تقبع تحت السطح مباشرة. فقد نسأل أنفسنا عما يجعل فيلمًا ما مضحكًا، وهنا ثمة تفسير نجده لدى فرويد يمكن اتخاذه كنقطة انطلاق.10 فهو يعتقد أن النكات والدعابة تعبيرات مقبولة اجتماعيًّا للميول العدوانية اللاواعية. فثمة أشياء محبِطة في الحياة، بيد أن المحاذير الاجتماعية والأخلاقية تمنع الناس من التصرف وفقًا لتلك المشاعر بصورة مباشرة؛ ومن ثَمَّ نلجأ إلى الدعابة للتعبير عن أشواقنا وإحباطاتنا دون التسبُّب في أي أذًى مادي. والنكات الإباحية والسخرية والتمثيل الهزلي تقدِّم جميعها أمثلة واضحة على تلك النظرية. فهل الناس ساديُّون لأنهم يجدون الأذى الذي لحق باللصوص في فيلم «وحدي بالمنزل» مضحكًا؟ كان فرويد سيجيب بنعم. خضعت أفكار فرويد تلك للتعديل على يد علماء نفس تجريبيين معاصرين، واستُخدمت في وضع نظرية التفوق أو الاستهزاء في الدعابة. فمُلقِي النكتة يكتسب مكانة متفوِّقة حيال موضوع الدعابة (عدو، سلطة، حبيب يحمل له مشاعر متناقضة) من خلال الاستهزاء به. وقد تم إجراء تجربة حول نكتة عن إصابة أحد السياسيين بمرض جنسي منتقل بالعدوى؛ لقياس مدى قدرتها على الإضحاك.11 وقد تبيَّن أن المشاركين الذين كانوا يكرهون بيل كلينتون وجدوها مضحِكة أكثر من الذين كانوا يحبونه. وتكرَّر النمط نفسُه عند استبدال نيوت جينجريتش بكلينتون. تلك النتيجة قد تفسِّر ذلك المشهد الكوميدي الشهير في فيلم «السلاح العاري» (نيكِد جَن) — في ذروة حرب الخليج الأولى — الذي يصوِّر سقوط قنبلة في حِجر صدام حسين أثناء استرخائه بجانب حمام السباحة. بيد أن كل أنواع الدعابة ليست عدوانية؛ فجملة «أحضِرْ لي مما طلبتْه هي» إزاء النشوة الجنسية المصطنعة لسالي (ميج ريان) في مشهد المطعم في فيلم «عندما قابل هاري سالي» (وين هاري مِت سالي) هو مثال سينمائي على النكتة «الودودة». فالمرأة التي قالتْها لم تكن تحمل أيَّ مشاعر عدائية تجاه سالي، أو قائمة الطعام، أو النشوة الجنسية. ورغم أن النكتة تحتوي على عنصر جنسي، فإن الشعور لا يتعرَّض للكبت؛ ومن ثَمَّ لا تنطبق عليها نظرية فرويد.
ثمة تفسير للاستمتاع بالدعابة الودودة باستخدام نظرية المفارقة؛ حيث يبدأ المستمع أو المشاهد التفكير في قول أو حدث ما بالطريقة المعتادة، غير أن النكتة تحمل الأمور إلى نهاية غير متوقَّعة.12 «أحضِرْ لي مما طلبتْه هي» تُعتبر في العادة طريقة شائعة ومقتضبة لطلب الطعام، لكن إذ تتلفَّظ بها امرأة بعد أن استَرقَت السمع لشخص غارق في اللَّذَّة، فإن ذلك يعني ضمنيًّا أن طعام سالي له صفات خاصة ومرغوب بشدة. والبشر يجدون في تلك اللكزات الذهنية في الألعاب اللفظية والبصرية مصدرًا لا ينضب للطاقة والنشاط المعرفي. أفلام العنف

لماذا يستمتع الناس بمشاهدة أحداث مليئة بالعنف والدمار والمعاناة البشرية؟ بحسب فرويد، تكون الميول التدميرية الفطرية عُرضة للعقاب في المجتمعات المتحضِّرة عند التعبير عنها بطريقة مكشوفة؛ ولذا فإنها تُزاح إلى دائرة اللاوعي. بيد أن ذلك لا يقضي عليها، ولذا فهي تثير فينا توترات داخلية. ويتمثل أحد الحلول في إزاحة نزعاتنا العدوانية (أو التسامي بها) بعيدًا عن الأنشطة التي قد تسبِّب لنا المتاعب (بدء مشاجرة في حانة) باتجاه أنشطة مقبولة اجتماعيًّا (مشاهدة مشاجرة في حانة في أحد الأفلام).
يطرح علم النفس التطوري فكرة مماثلة باستخدام مفردات مختلفة. فعلى امتداد مسار التطور البشري، برهن العنف على كونه مفيدًا لبقائنا على قيد الحياة في مواجهة الأعداء والوحوش الضارية. ومن هنا، يُعتبر العنف حافزًا مفيدًا في حل المشكلات، وهو محفور بعمق في شفرتنا الوراثية. لكن في عالمنا المعاصر، لا يمثِّل العنف وسيلة ناجحة لحل مشاكل الحياة اليومية؛ ومن ثَمَّ تجد دوافعُنا العدوانية تعبيرًا لها في الوسائل الرمزية، وتتحوَّل أفلام العنف إلى مصادر للمتعة والإشباع.
بيد أن تلك الأفكار العامة لا تفسِّر ما تتضمَّنه الأفلام من تنويعات هائلة في الأحداث العنيفة. وأيُّ فيلم يحتوي وحسب على مجموعة مَشاهد عشوائية لانفجارات وتبادل إطلاق النار لن يجتذب أعدادًا ضخمة من المشاهدين؛13 ذلك لأن الاستمتاع بالعنف يعتمد في الأغلب على الحبكة والشخصيات. ونظرية دولف زيلمان حول دَوْر الميول في إعلام الترفيه تبيِّن كيف أن ثمة أنواعًا بعينها من العنف في الإعلام ممتعة بوجه خاص. فمعظم المشاهدين يجدون متعة في الميول الأخلاقية التي يشعرون بها تجاه الشخصيات؛ فهم يتعاطفون مع الشخصية (عادةً البطل أو الشخصية الرئيسية) التي يشعرون أنها تحمل سمات إيجابية، ويستمتعون بالفيلم عندما تحدث لها أشياء طيبة، والعكس بالعكس في حال حدوث أشياء سيئة (خاصةً في النهاية). ومن ناحية أخرى، عندما يعتقدون أن إحدى الشخصيات تحمل سمات سلبية، فإنهم يشعرون بالرضا عندما تحدث لها أشياء سيئة؛ ذلك لأن تلك الأحداث تبرِّرها الأفعال الشريرة للشخصية.14 تنطبق تلك النظرية على كل المجموعات العُمرية، لكنها أوضح ما تكون في حالة المشاهدين الأصغر سِنًّا. ففي إحدى الدراسات التجريبية، أعرب الأطفال عن استمتاعهم بالفيلم عندما تلقَّتْ شخصية محبوبة درَّاجة جديدة في نهايته.15 وفي سياق آخَر، شعروا بالامتنان عند سقوط شخص كريه من فوق درَّاجته. وبالمقابل، لم يستمتع الأطفال بالفيلم عندما سقط الشخص المحبوب من فوق درَّاجته، أو عند حصول الشخص الكريه على درَّاجة جديدة دون أن يمسَسْه أذًى. إن نظرة سريعة على قائمة الأفلام التي حقَّقت أعلى الإيرادات (الملحق «ب») كفيلة بتدعيم هذه النظرية؛ فكل تلك الأفلام تقريبًا انتهتْ بمكافأة البطل ومعاقبة الشرير. أفلام الرعب

حظيت أفلام الرعب باهتمام كبير من جانب علماء النفس المهتمِّين بدراسة الترفيه.16 وهواة أفلام الرعب قد يستشعرون في تلك الدراسات موقفًا متعاليًا مضمَرًا (أيُّ نوع من الأشخاص يستمتع بتلك الأشياء؟) بيد أن نوعية الرعب تتميَّز بمفارقة مثيرة؛ فهي مُخيفة، والخوف ينشأ عندما يتعرَّض الناس لتهديدات بأذًى مادي أو اجتماعي. وهم في العادة يبذلون كل ما في وسعهم لتجنُّب المواقف المثيرة للخوف. ما هو إذن السبب المنطقي وراء وجود أفلام الرعب؟ نظرية الميول قد تكون ذات صلة بأفلام الرعب. فرغم أن فيلم الرعب يمكن أن يحتوي على عناصر مثيرة للخوف والرعب، فإن أفلام الرعب التقليدية بوجه عام تنتهي بتدمير المسخ/الشرير ونجاة بعض الشخصيات الطيبة. وباستعادة النظام الأخلاقي من خلال نجاة البطل والقضاء على الخصم الشرير، يتم التخلص من مشاعر القلق التي انتابتِ المشاهدين أثناء مشاهدة الفيلم؛ مما يزيد من المكافأة النهائية.17 وإذ تَمزج أفلام الرعب بين مشاعر الخوف والاشمئزاز حيال مسخ غير بشري، فإن القضاء على المسخ لا يستثير أي تعاطُف كما قد يحدث في أفلام التشويق. هذا النموذج شائع ويمكن ملاحظته بوضوح في فيلمَيِ «الغريب» (إيليَن) و«الغرباء» (إيليَنز)18 اللذَيْن يتضمَّنان مواجهات ممتدَّة بين ريبلي (سيجورني ويفر) والكائن الفضائي الذي يتصبَّب مادةً لزجةً بلا انقطاع. ورغم تمتُّع هذا المسخ بالذكاء، فإنه فظٌّ ومثير للاشمئزاز. وتتراوح المواجهات بين ريبلي وخصمها بين التشويق الذي تتصاعد وتيرته ببُطْء والعنف المروِّع، بيد أن كلًّا مِن الفيلمين ينتهي بتدمير المسخ تدميرًا كاسحًا. ويتم مكافأة المُشاهد من خلال ما تمنحه إياه تلك النهاية من شعور بالارتياح والإشباع الأخلاقي. إنَّ المتعة المتحصِّلة من الشعور بتحقيق العدالة يمكن ملاحظتها أيضًا من خلال «مؤثِّر نجاة العذراء» في أفلام سلاشر.19 فالشخصيات «الطاهرة»، التي من المفترض أن يتعاطف معها الجمهور، تُكتب لها النجاة في نهاية الفيلم، في حين أن «دنس» الشخصيات النشطة جنسيًّا يبرِّر ميتاتهم المروِّعة. فالمصير الذي تُلاقيه الضحايا ذات السلوك المعيب يمثل للجمهور مصدرًا للإشباع للأسباب نفسها، كما في حالة موت الشرير. فقد أظهرتِ الدراسات أن المراهقين من الذكور الذين يحملون أفكارًا سلبية حول التوجُّه الجنسي الأنثوي، وكذا مواقف عقابية (على غرار: «أود أن تنال الضحايا المصير الذي تستحقه»)، أعربوا عن استمتاعهم بمقتل الشخصيات النسائية النشطات جنسيًّا أكثر من استمتاعهم بمقتل الشخصيات الذكورية (بصرف النظر عن نشاطهم الجنسي) أو الشخصيات النسائية غير النشطة جنسيًّا.20الأفلام الحزينة

يثير الاستمتاع بالأفلام الحزينة مفارقة شبيهة بمفارقة الاستمتاع بأفلام الرعب؛ ففي ضوء أن معظم الناس يَعتبِرون الحزن شعورًا سلبيًّا ويتجنَّبونه بصفة عامة، لماذا إذن تَحظى الأفلام المعروفة ? «البُكائيات» بكل تلك الشعبية؟ في الظاهر، يبدو هذا مناقضًا لفكرة أن الناس لا يأتون الأشياء التي لا تُشعِرهم بالسعادة. والحال أنه في العديد من الأفلام لا تمثِّل الأحداث الحزينة أيَّ مشكلة لو أننا تناولناها من منظور شمولي. فالأحداث المحزنة في بداية أو منتصف القصة تمثِّل تحدِّيًا لشخوصه يتم التغلُّب عليه على مدار الفيلم؛ ومن ثم تزيد من قدر المتعة المتحصِّلة من نهايته السعيدة. فملحمة مثل «سيد الخواتم» يمكن أن تتضمَّن العديد من الأحداث المأساوية عبر سَرْدٍ ممتدٍّ، ما يتيح للشخصيات، مرة تلو الأخرى، الانتصار في نهاية المطاف.
أما الأفلام ذات النهايات غير السعيدة، فهي أكثر إثارةً للحيرة؛ حيث لا تتضمَّن نهاياتها مكافأة واضحة للمُشاهد. لماذا يُقبِل على مشاهدة فيلم مثل «الدفتر» (ذا نوت بوك) أو «الصائح العجوز» (أولد يلَر)، اللذين تتضمَّن قِصَّتاهما شخصيات مثيرة للتعاطف (زوجان مُسِنَّان، وكلب صيد من فصيلة لابرادور، على التوالي) تلقى حتفَها بطريقة مأساوية بدون أي ذنب اقترفته أو كنتيجة لسلوك بطولي؟ أحد الاحتمالات هو أن ثمة شيئًا آخَر يحرِّك المشاهدين غير ما يشعرون به من مشاعر محدَّدة. وقد أظهرت الدراسات أن المشاركين الذين يعيشون «حالة شعورية حميمة» (دفء، تعاطف، تفهُّم) يكونون أكثر تفضيلًا للأفلام الحزينة من المشاركين الذين يعيشون حالة من الحزن أو السعادة.21 فقد أبدى الناس، في الحالة الشعورية الحميمة، اهتمامًا أكبر بالأفلام التي تستكشف العلاقات الإنسانية الحميمة، وذلك سواء أكانت حزينة أم لا. وعندما يتبنَّى المشاركون موقفًا متعاطفًا، فإن ما يحرِّكهم هو الرغبة في مشاهدة أفلام تتضمَّن استبصارات مفعمة بالمعنى، لا الإحساس بشعور معين. إنَّ المكانة التي حَظِيَ بها فيلم «الصائح العجوز» في قلوب الجماهير تكشف عن وجود استعداد لتحمُّل مشاعر تُدمِي القلوب شريطة أن ترتبط بأحداث ذات معنًى. فالفيلم يتضمَّن تيمات مثل الشجاعة والصداقة والولاء، فضلًا عن أن نهايته تحثُّ على التأمُّل في مسألة النضج وتحمُّل المسئولية. فرغم أن المشاعر المرتبطة بمشاهدة الأفلام لها أهميَّتُها، فإنها أهمية ثانوية مقارنةً بالاستبصارات المتحصِّلة من عملية المشاهدة. تلك الملاحظة توسِّع من فكرة ما نعنيه عند الحديث عن المتعة والإشباع اللذين نحصل عليهما من مشاهدة الأفلام.22(?) تفسيرات المشاهدين

استنادًا لما سبق، يمكننا القول إن عملية مشاهدة الأفلام بهدف الترويح تمثِّل نقطة انطلاق جيدة، لكنها ليست نهاية المطاف. فالمشاهدون يعيشون مشاعر إيجابية وسلبية أثناء المشاهدة. أما تقييمهم الإيجابي لعملية المشاهدة برمَّتها فيعتمد على فهمهم للقصة، وتعاطفهم مع الشخصيات، واكتشافهم لمعنى القصة ومغزاها. أضِفْ إلى ذلك أن عملية التقييم والتفسير تجري بصورة متزامنة كأشكال مكمِّلة للتأمل السينمائي.23 والتفسير يُنظر إليه عمومًا باعتباره نشاطًا يمارسه نقَّاد الأفلام بهدف الكشف عمَّا تتضمَّنه من معانٍ.24 لكنني سأتعامل في هذا الفصل مع التفسير باعتباره عملية نفسية تجري في ذهن المشاهد العادي (انظر الشكل ?-?). الدراسات التاريخية

تتمثَّل المقاربة التفسيرية في دراسات الفيلم في اختيار أحد الأفلام ثم إخضاعه للتحليل؛ أما المقاربات التاريخية فتختار الفيلم ثم تتفحَّص الطريقة التي أخضعه بها الآخرون للتحليل أو استجابوا له.25 ويستخدم الباحثون عددًا كبيرًا من المصادر تشمل المراجعات النقدية للأفلام، والأخبار، ومقالات الرأي، وتعليقات صناع الأفلام، والمعلومات المتعلِّقة بصناعة السينما، وحملات الدعاية. ويُنظر إلى كل واحد من تلك المصادر باعتباره انعكاسًا للخصائص المتنوعة للفيلم موضوع البحث، ولا يُقيَّم بغرض الوصول إلى الحقيقة المطلَقة. فتلك المصادر لا يلغِي بعضها بعضًا؛ لكنها، بالأحرى، تشير إلى أن الأشخاص المختلفين يمكن أن تكون لهم وجهات نظر مختلفة. ثم يتم ضمُّ تلك الأجزاء الناتجة عن هؤلاء الأشخاص بعضها إلى بعض للحصول على صورة للمغزى الثقافي للفيلم وتحديد أنماط استجابة الجمهور. وكثيرًا ما ترتبط المعايير المستخدَمة في تقييم عملية التلقي بقضايا محل جدل؛ مثل العِرْق، أو النوع، أو التوجُّه الجنسي. ولكونه يتضمَّن إجراء تحليلات دقيقة، يعتبر التلقِّي التاريخي تخصُّصًا صديقًا للعلوم الإنسانية يقع في منتصف المسافة بين التحليل النصي وعملية جمع البيانات التي يستخدمها علماء الاجتماع. أثار فيلم «حقل الأحلام» (فيلد أوف دريمز) ردود أفعال متبايِنة عند عرضه عام ????م، ولا يزال هذا الجدل مستمرًّا إلى يومنا هذا؛ فالبعض يعتبره من الكلاسيكيات، بينما يعتبره آخرون مادة للسخرية. تدور قصة الفيلم حول راي (كيفن كوستنر) والمهمَّة التي أخذها على عاتقه لبناء ملعب بيسبول في حقل الذرة الذي يملكه على أمل إعطاء لاعبي فريق «وايت سوكس» ذي السمعة السيِّئة عام ????م فرصةً لتبرئة أنفسهم من تهمة الخسارة عمدًا في نهائي دوري البيسبول الوطني للكبار. النقَّاد الذين أعجبهم الفيلم نظروا إلى المهمة التي أخذها راي على عاتقه باعتبارها احتفاءً بفكرة الإصلاح من خلال إعادة تمثيل طقسية لأحداث سابقة. غير أن هذه الطريقة في التعاطي مع الفيلم تتجاهل حقيقة أن دوري البيسبول للكبار، وقت وقوع الفضيحة، كان يُمارِس سياسة الفصل العنصري. ولأن الفيلم تم إنتاجه في الثمانينيات وقام ببطولته نجم معروف بميوله الليبرالية، فقد كان الوضْع محرِجًا. أضِف إلى ذلك أن اختيار جيمس إيرل جونز لكي يؤدِّي شخصية تيرينس مان، وهو ناشط سياسي في حقبة الستينيات، زاد من حِدَّة الجدل المُثار ومثَّل اختلافًا صارخًا عن الكِتَاب المأخوذ عنه الفيلم؛ حيث كانت شخصية مان نسخة خيالية من جيه دي سالينجر. كان جونز مدرِكًا للاختلاف بين مان وسالينجر، لكنه لم يتطرَّق للتضمينات العنصرية في المقابلات التي أُجريتْ معه. وقد شجب النقاد ما أبدتْه الشخصية من استعداد للتضامن مع مهمة راي باعتبارها محاولة لإضفاء الطابع الأسطوري على فريق يتألَّف بكامله من البيض. إن ردود الفعل المتبايِنة على «حقل الأحلام» تبيِّن لنا كيف يمكن لأحد الأفلام أن «يثير قضية التفرقة العنصرية وينكرها في آن واحد.»26 كثيرًا ما تنقسم ردود الفعل على الأفلام وفقًا لتوجُّهات ذات طابع سياسي. فردود أفعال المسيحيين المحافظين نحو فيلم «آلام المسيح» (ذا باشن أوف ذا كرايست) لميل جيبسون ركَّزت على فكرة تضحية المسيح بنفسه بما لها من أهمية في تعزيز الإيمان، في حين لفت الليبراليون الانتباه إلى صورة اليهود السلبية في الفيلم وشغف جيبسون بالعنف السادي-الماسوشي. لكن في بعض الأحيان لا تنقسم ردود الأفعال وفقًا لخطوط بمثل هذا الوضوح. ففيلم «صمت الحملان» على سبيل المثال، لاقى استحسانًا كونه يتبنَّى موقفًا مناصرًا للمرأة، خاصةً في تجسيده لشخصية الشُّرطية كلاريس ستارلينج (جودي فوستر). فقد كشفت كلاريس، خلال مطاردتها لسفَّاح يستهدف النساء الشابات، عمَّا تتمتع به من قوة وعزيمة وقدرة على تحقيق النجاح في مجال يهيمن عليه الرجال.
بيد أن الفيلم لم يَسلَم من النقد؛ حيث رأى فيه البعض تكريسًا للأنماط الجاهزة الخاصة بالميول الجنسية والهُوية كذكر أو أنثى عبر تصوير القاتل على أنه متأنِّث ومعتوه (إذ يستخدم جِلد ضحاياه في صناعة حلَّة أنثوية ملتصقة بالجسم). وقد بلغ انزعاج نشطاء حقوق المثليين من قرار جودي فوستر إخفاء هُويتها الجنسية حدَّ أنهم قاموا ? «فضح» مثليَّتِها، وهو الموقف الذي قوبل بغضب من جانب المناصرين لحقوق المرأة؛ إذ قالوا: «مثل إخوتهم الغَيْريين، فإن الرجال المثليين الذين شجبوا جودي فوستر وفيلم «صمت الحملان» على أهبة الاستعداد لتدمير امرأة لا تعطي الأولوية للاهتمامات الذكورية ولا تتطابق صورتها مع أفكارهم عما يجب أن تكون عليه المرأة.»27 وفي حين أنه بالإمكان تبرير كلٍّ مِن الثناء والشجب استنادًا إلى محتوى الفيلم، من الواضح أن المشاهدين قد يميلون، وفقًا لاهتماماتهم، إلى التركيز على بعض جوانب الفيلم أكثر من غيرها. أما النقاش حول فيلم «ثيلما ولويز» فقد ركَّز في المقام الأول على النوع.28 فمن النادر أن يحتوي فيلم هوليوودي على بطولتين نسائيتين (جينا ديفيز وسوزان سارندون). يتضمَّن السيناريو، الذي كتبته كالي خوري، حوارًا يسلِّط الضوء على الأدوار المرتبطة بالنوع التي تلعبها الشخصيات النسائية والذكورية. وبالإمكان تقسيم المراجعات النقدية ومقالات الرأي التي تناولت الفيلم إلى ثلاث فئات. فمَن أحبُّوا الفيلم رأَوْا في ثيلما ولويز شخصيتين جذَّابتين ولطيفتين قامتا بمغامرات مضحكة، ومزعجة، ومبهجة على الترتيب. وبالطبع لم يَرَ فيهما الجميع بلا استثناء ممثِّلتَيْن نموذجيَّتَيْن للنزعة النِّسْوية، بيد أن مَن أعجبهم الفيلم مالوا إلى التعبير عن إعجابهم بالمأزق ذي الجذور الثقافية الذي تعرَّضتا له. وثمة مجموعة أخرى كرهت الفيلم استنادًا إلى الشعور بأن جميع الشخصيات الذكورية في الفيلم «خنازير» أو «مختلُّون عقليًّا».29 من هذه الزاوية، لا تبدو ثيلما ولويز مجرمتين عنيفتين فحسب، بل إن الفيلم نفسه — كما اعتُقد — يسعى لتبرير سلوكهما من خلال تبنِّي وجهة نظر نِسْوية معادية للرجال. ورغم أن البعض افترضوا أن ردَّ الفعل ذاك قد صدر بما يتفق والنوع (فالرجال كَرِهوا الفيلم، والنساء أحبَبْنَه)، فإن الأمر لم يكن كذلك. فالكثير من النقَّاد الذكور الذين كتبوا عن الفيلم أحبُّوه؛ في حين ليس كل الناقدات بلا استثناء فعَلْن ذلك. بيد أن أكثر المنتقدين صخبًا كانوا من الرجال؛ على سبيل المثال ذلك الكاتب الذي زعم أن «مهاجمة الرجال استشرت كالنفايات السامة في أفلام السينما السائدة.»30 كان ردُّ الفعل الثالث سلبيًّا هو أيضًا، غير أن هؤلاء النقاد وجدوا في الفيلم نموذجًا للنسوية «الزائفة». فالفيلم في نظرهم مجرد عمل نمطي من نوعية أفلام الصديقين يقوم على تيمة الانتقام، ويسعى إلى قلب الأدوار الاجتماعية عبر الزجِّ بالنساء في أدوار تُسنَد عادةً للرجال (نيومان وريدفورد في «بوتش كاسيدي وطفل صندانس» (بوتش كاسيدي آند ذا صندانس كيد)، على سبيل المثال). فبالنسبة إلى هؤلاء النقَّاد، لم يكن الفيلم مقنعًا؛ لأن ثيلما ولويز اعتمدتا بكثرة على الحلول الذكورية (أسلحة نارية وسيارات سريعة) بدلًا من الحوار والبَوْح بمكنون الذات (اللذين يُفترض أنهما الوسيلتان النسائيتان في حلِّ المشاكل). وكلَّما تعمَّقنا في تقصِّي عملية تلقِّي «ثيلما ولويز»، اتضح لنا بصورة أكبر أن اختزال النقاش في نمط «هو قال/هي قالت» ينطوي على تبسيط مخلٍّ أكثر مما ينبغي.
الدراسات الثقافية

يذهب ستيوارت هول في مقاله «التشفير/فك التشفير» (????) إلى أن فهم المنتجات الثقافية (التليفزيون، الأفلام، الإعلانات، إلخ) يتضمَّن مجموعة من العمليات التي يكمل بعضها بعضًا. «فالتشفير» هو العملية التي يقوم من خلالها المبدعون، إما عمدًا أو عن غير عمد، بإضفاء شفرات ذات مغزًى (المعنى) على منتج ما. و«فك التشفير» هي العملية التي من خلالها يقوم المتلقُّون (المشاهدون) بتفسير الشفرة واستخلاص معناها. غير أن فك التشفير ليس ببساطة مجرد صورة مرآوية من التشفير؛ ذلك لأن مَن يضطلعون بفك الشفرة لا يشاركون دائمًا مَن يضطلعون بالتشفير نفسَ الرؤى الاجتماعية. لا يعني هذا أن مَن يضطلعون بفك التشفير مخطئون؛ فهم ببساطة لديهم خلفيات ودوافع تختلف عن تلك الخاصة بالمشفِّرين. وسيعمدون إلى ضبط تفسيراتهم بحيث تنسجم مع رؤاهم للعالم. ولأنهم يأتون من مشارب اجتماعية شتَّى، سيظل هناك على الدوام العديد من التفسيرات المختلفة.
كان لدراسة هُول تلك تأثير قوي على الدراسات الثقافية؛ حيث شكَّلت انعطافة في مجال النقد الأيديولوجي.31 فإذا سلَّمنا بأن ثمة طرقًا عديدة لفك تشفير المنتجات الثقافية، فإن تفسير تلك المنتجات باعتبارها تجسيدات حية ناتجة عن أيديولوجيا الثقافة يصبح محل جدل. واستنادًا إلى أطروحة هول، تحوَّل بعض الدارسين بأنظارهم تجاه الجمهور، وبدءوا يطرحون أسئلة حول ردود أفعالهم على منتجات الإعلام الشهيرة عبر إجراء مقابلات شخصية ومجموعات نقاش (مجموعة تتألَّف من ? إلى ?? مشاركين يجتمعون معًا لمناقشة أسئلة بحثية معينة).32 ثمة دراسة رائدة أُجريت في أواخر السبعينيات تضمَّنت عَرْض حلقتين من برنامج إخباري بريطاني على ?? مجموعة نقاش تمثِّل شرائح اقتصادية واجتماعية متنوعة من سكان المملكة المتحدة (منهم طلَّاب جامعيون، فنيون تحت التدريب، موظفو إدارة تحت التمرين، مديرو متاجر).33 وقد وجد الباحثون أن كل واحدة من تلك المجموعات استجابتْ للبرنامج بطريقة مختلفة. واستندت تلك الاختلافات إلى الموقف الذي اتخذتْه كل مجموعة حيال الرسائل التي تضمَّنها البرنامج. فالموظفون المتدرِّبون في إدارة البنوك والفنيون تحت التمرين عبَّروا عن موقف «مهيمِن»؛ فرغم عدم اتفاقهم مع كل ما جاء في البرنامج، فإنهم أقرُّوا بالافتراضات الأساسية التي تقضي بأن محتواه دقيق. وعبَّر المدرِّسون ومسئولو اتحادات العمال عن موقف «تفاوضي»: فقد سخروا من نبرة البرنامج، لكنهم لم يرفضوه. أما الطلاب الجامعيون ومديرو المتاجر من السود، فقد تبنَّوْا موقفًا «احتجاجيًّا» حيال البرنامج؛ وذلك بالتعبير عن رفضهم له كونه يتعمَّد تضليل الجمهور، أو بإظهار عدم اكتراثهم به. لقد حظيت الدراما النهارية (أو «الصوب أوبرا») باهتمام كبير من جانب دارسي الثقافة؛ نظرًا لما تقدِّمه من صور مبالَغ فيها للأنماط الثقافية السائدة. ففي حقبة الثمانينيات، كان مسلسل «دالاس» موضوعًا خصبًا للدراسة بوجه خاص بسبب شعبيته الكبيرة في جميع أنحاء العالم.34 وبإمكاننا أن نفترض أن ثمة شيئًا ما في الصوب أوبرا المسائية يمنحها تلك الجاذبية الشاملة، بيد أن مجموعات النقاش العابرة للثقافات فشلت في تحديد ذلك الشيء السحري الذي يجعل منها وسيلة ترفيه عالمية. بيد أن الاستبصارات المتحصِّلة من تلك المجموعات النقاشية كشفت عن وجود مجموعة من التفسيرات المستقلة ذات البعد الثقافي، التي تقترح أفكارًا متنوعة عن الهُوية الفردية. فقد مال العرب واليهود المغاربة إلى التركيز أكثر على أحداث القصة؛ حيث قاموا بتقييمها من خلال مصفاة أخلاقية فيما يتعلَّق بالأدوار العائلية للشخصيات المختلفة. وفي المقابل، انصبَّ اهتمام الأمريكيين والإسرائيليين على الشخصيات، وأبدَوا اهتمامًا كبيرًا بدوافعها النفسية وردود أفعالهم الشعورية تجاهها. وأخيرًا، استمتع المشاركون الروس بالبرنامج، بيد أنهم اتخذوا موقفًا نقديًّا متحفِّظًا تجاه سلوك الشخصيات والعمل بأكمله. فقد تساءلوا عن مقاصد القائمين على إنتاج وتوزيع البرنامج، وأعربوا عن قلقهم من احتمال وجود رسائل معينة تتلاعب بمشاعر الجمهور بهدف تعزيز نزعة الاستهلاك لديهم.
دراسات تفسيرية أخرى

يعمد نقد استجابة القارئ إلى تسليط الضوء على أهمية القارئ في فهم معنى الأدب.35 وهي مقاربة تُضارع، في بعض جوانبها، مقاربات المشاهدة في مجال دراسات الفيلم؛ حيث يعمد هؤلاء النقاد إلى التطرق إلى تجربة القارئ بطريقة غير مباشرة من خلال تحليل دقيق للنصوص المكتوبة. غير أن بعض نقَّاد استجابة القارئ عمدوا إلى دراسة تجربة القرَّاء بطريقة مباشرة. فدراسة نورمان هولاند ذات العنوان الدقيق «خمسة قراء يقرءون» (????) تقدِّم نظرة معمَّقة على قراءات خمسة من طلابه لقصص قصيرة لفوكنر، وفيتزجيرالد، وهيمنجواي، في حين أن كتاب «قراءة الروايات العاطفية» لجانيس رادواي — وهو دراسة لاستجابات الجمهور كان لها تأثير واسع — ركَّز، شأن الدراسات الثقافية، على أحد أشكال الثقافة الشعبية، وهو الروايات العاطفية. اختارت رادواي مجموعة من النساء المولَعات بقراءة الروايات العاطفية، واستخدمت استبيانات ومقابلات للوصول إلى فهم أعمق لمعنى تلك الروايات بالنسبة إلى هؤلاء النساء. ورصدت الوظائف التي تضطلع بها الكتب في حياتهن (الاسترخاء، الهروب، التعلم، تعديل الحالة المزاجية، العناية بالنفس)، وأبدت تلك الملاحظة غير المتوقَّعة بأن ممارسة القراءة كثيرًا ما يُنظر إليها باعتبارها تحديًا، بالنظر إلى الضغوط الشديدة التي تتعرَّض لها النساء في حياتهن، والتي تجعل محاولة تخصيص بعض الوقت لأنفسهن مهمة عسيرة.
كما قامت رادواي أيضًا بتفسير تفسيرات النساء. فهن يُفضِّلْنَ البطلات اللواتي يتمتعن بالإصرار وقوة الإرادة، والأبطال الأفظاظ ظاهريًّا. ويتمثَّل الهدف النهائي لتلك العلاقات في تغيير سلوك ومواقف الرجال، عبر إيقاظ قدراتهم الكامنة على العطف والحساسية تجاه الآخر. وترى رادواي هذا باعتباره محاولة شبه نسوية لتقويض الجوانب التدميرية في النزعة الذكورية واستبدال الفضائل المرتبطة بالأنوثة (القدرة على منح المشاعر الودودة) بها. وفي الوقت نفسه، فإن حاجة النساء إلى العثور على المشاعر الودودة في الروايات العاطفية هي دليل على افتقارهن لها في حياتهن اليومية.
وفي حين تُقدِّم لنا رادواي قراءة شاملة للمشارِكات في بحثها، فإن ثمة مقاربات أخرى تؤكِّد على الوضعية النفسية الفريدة للقرَّاء. فبما أن كل قارئ يتمتع بشخصية وخلفية تميِّزانه عن غيره، فإن قراءته ستختلف حتمًا عن قراءات الآخرين. وقد انتهج هولاند، في تركيزه على الأفلام، مقاربة فرادنية في دراسة تضمَّنت ثلاثة مشاهدين شاهدوا «قصة أوه»36 (ذا ستوري أوف أوه)؛ وهو فيلم إيروتيكي أثار جدلًا كبيرًا في السبعينيات؛ حيث تخضع البطلة، التي تعيش في إحدى القلاع المنعزلة، لأفعال مؤلِمة ومُهينة بهدَف الفوز بقلب عشيقها. وقد قامت إحدى المشارِكات، وتُدعَى آجنيس، بالربط بين ما تعرَّضت له أوه من قهر وبين تجربتها الشخصية في مدرسة كاثوليكية للبنات ذات نُظُم صارمة، لكنها وجدَتْها باردة المشاعر لدرجة تحول دون الاتصال رُوحيًّا بها. وثمة مشارك آخر، نورم، لم يتماهَ مع أي شخصية من شخصيات الفيلم، وبدلًا من ذلك تعامل مع القلعة باعتبارها عالمًا غريبًا يعمل وفق قواعد بديلة أخذ على عاتقه مهمة اكتشافها. أمَّا تيد — مشارِك ثالث — فقد شاهد الفيلم متسلِّحًا بقواعده الأخلاقية، مُصدِرًا أحكامًا حول ما تُبْدِيه أوه من رغبة في الخضوع أو السيطرة. وقد استخلص هولاند أن تلك القراءات المختلفة ترتبط بالاختلافات في شخصيات المشاركين ودوافعهم؛ فآجنيس كانت تبحث عن الصلة الروحية، ونورم عن السيطرة الفكرية، أما تيد فكان يتوخَّى التحكم بالعلاقات بين البشر.
وجاءت الاستقصاءات التي قمتُ بها حول استجابات الجمهور لفيلم «ثيلما ولويز» لتكمل هذه المقاربة التاريخية. فبعد مضيِّ عام على عرضه في دور السينما عام ????م، أُجريتْ مقابلات مع بعض الأشخاص حول ردود فعلهم بعد مشاهدتهم له على شريط فيديو. وقد أثار الفيلم ردود فعل قوية، لكنها لم تصدر بما يتفق والنوع بطريقة واضحة؛ فالنساء استمتَعْنَ بالفيلم بمعدل أكبر قليلًا، بيد أن هناك عددًا غير قليل من الرجال الذين استمتعوا به أيضًا. وقد رأى بعض الرجال أن الفيلم يرسم صورة سلبية للرجال، بيد أنهم أبدَوْا إعجابَهم بما تضمَّنه من مناظر خلَّابة أو مشاهد حركة مثيرة.37 وقد داومتُ على عرضه في فصولي الدراسية في السنوات التالية، وكنتُ أطرح على طلَّابي استبيانات ذات نهاية مفتوحة بعد مشاهدته. ومع حلول نهاية الألفية الثانية، لم يعد ثمة فرق ملحوظ بين الجنسين من جهة معدلات الإعجاب بالفيلم. واليوم، لم يَعُدِ الطلاب من الذكور يَرَوْنه فيلمًا معاديًا للرجال بوجه خاص، وربما كان ذلك انعكاسًا لعصر أنجلينا جولي؛ حيث صارت صورة المرأة بطلة أفلام الحركة أمرًا مقبولًا في عالم السينما. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض الفروق الطفيفة في تلقِّي «ثيلما ولويز» بين الذكور والإناث، فيما بين طلاب الجامعة على الأقل. فالنساء يُعرِبْنَ عن حبِّهن للفيلم أكثر من الرجال؛ والطالبات يتماهَيْنَ بقوة مع ثيلما و/أو لويز. أما الرجال فيُعربون عن تماهيهم بقوة مع إحدى الشخصيات الرجالية في الفيلم (المحقِّق سلوكوم (هارفي كيتل) أو جيمي صديق لويز (مايكل مادسن))، في حين أن مستوى تماهيهم مع الشخصيات النسائية ضئيل للغاية. ورغم أن الذكور لا يشعرون بأي تهديد من صورة ثيلما أو لويز كامرأتين بارعتين في استخدام الأسلحة النارية، فإنهم ما زالوا عازفين عن التماهي تماهيًا واعيًا مع أيٍّ من الشخصيات النسائية.
بالنسبة إلى النساء اللواتي تماهَيْنَ بقوة مع ثيلما ولويز، ثمة مشهدان تمَّ ذكرهما باعتبارهما سببين قويين لهذه النتيجة: الاعتداء الجنسي في موقف السيارات في بداية الفيلم، ومشهد النهاية حيث تسقط ثيلما ولويز بسيارتهما من فوق قمة جرف هربًا من إلقاء القبض عليهما. وفي حين أن بعض المشاهدين نظروا إلى المشهد الثاني باعتباره نتيجة للمشهد الأول، أعربت الطالبات عن شعورهنَّ بالغضب والعجز أثناء مشهد الاعتداء، وبالبهجة والتحرُّر عند رؤية تلك الوثبة إلى الوادي. وقد رأى معظم المشاركين في هذا الفعل تأكيدًا على معنى الصداقة ورفضًا للاستسلام، وليس انتحارًا. من الواضح إذن أن تفسيرات الطلاب للمشهد الأخير وثيقة الصلة باندماجهم الشعوري في السرد.
وتوفِّر دراسات الجمهور التي تركِّز على تفسيرات المشاهد وسيلة للتوسع في أشكال البحث الأخرى. فالأفلام التي تندرج ضمن فئة «الوحشية الجديدة»38 (على غرار: «كلاب المستودع» (ريزيرفوار دوجز)، و«كازينو»، و«خيال رخيص»، و«قتلة بالفطرة» (ناتشورال بورن كيلرز)) تتحدَّى نظرية الميول لزيلمان القائلة بأن الاستمتاع بالعنف يقوم على تحقيق العدالة وضرورة إنزال العقاب بالشخصيات الشريرة.39 فتقدِّم تلك الأفلام توليفة من العنف المروِّع، والحوار الذكي، والتقنيات السينمائية البارعة. وتتَّسم شخصياتها وأحداثها بالالْتِباس على المستوى الأخلاقي مقارنةً بالأفلام النمطية في السينما السائدة. فقيام بوتش (بروس ويلز) بقتْل النازيين الساديين الجدد في «خيال رخيص» يمكن النظر إليه باعتباره انتقامًا مبرَّرًا ودفاعًا عن النفس، أما تواطؤه مع مارسيلوس (فينج رامز)، تاجر المخدرات الشرس الذي حاول قتل بوتش، فملتبس أخلاقيًّا. فهل هو شخص رحيم لمدِّ يدِ العون لعدوِّه؟ أم شخص يبحث عن مصلحته لمحاولته إسداء معروف لمارسيلوس أملًا في الحصول على مقابل؟ أم هو شخص غير مسئول لإطلاق سراح شخص قد يكون أشد خطرًا من النازيين الجدد؟ مثل تلك الأسئلة تجعل من الصعب علينا تطبيق نظرية الميول تطبيقًا مباشرًا. إنَّ التساؤل حول المعاني التي يستخلصها المشاهدون من فيلم مثل «خيال رخيص» يمكن أن يزوِّدنا بأسباب أخرى لتقييمها. فبعض المشاهدين لديهم استعداد لتبرير استخدام العنف أو حتى الإشادة به، وذلك يرجع، بحسب أحد المشاركين، إلى أن «النقطة الأساسية هي اختلاس نظرة خاطفة على الجانب الآخر من الحياة الذي قلَّما تُتاح لك رؤيته.» وبإمكان المشاهدين أيضًا أن يحكموا إن كان استخدام العنف في الفيلم مبرَّرًا انطلاقًا من تيمة معينة. فأحد المعجبين بفيلم «روميو وجولييت» لباز لورمان علَّق قائلًا: «أعتقد أن العنف كان مبرَّرًا؛ كونه يُبرز النتائج الحمقاء للمشاحنات العائلية التي لا أساس لها والمأساة المتمثِّلة في إقدام الشباب على قتل بعضهم بعضًا لا لسبب سوى الخلافات القائمة بين آبائهم.»40 فخبرات كتلك قوامها ليس الاستمتاع فحسب، بل إنتاج المعنى أيضًا. (?) لقطات ختامية: تحديات استجابة الجمهور

تقع دراسة عمليةِ تلقِّي الأفلام في منتصف المسافة بين العلوم الإنسانية التقليدية ومقاربات العلوم الاجتماعية،41 بيد أن ثمة توترًا يظل قائمًا لدى محاولتها دمج دراسات استجابة الجمهور. إنَّ معظم أبحاث العلوم الاجتماعية في مجال العمليات التأمُّلية ظلت مقصورة على الأفلام باعتبارها وسيلة ترفيه. وإذ يسأل الباحثون الناس «هل استمتعتم بهذا الفيلم؟» فإن هذا يدفعهم منطقيًّا إلى الإجابة بنعم، أو لا، أو قليلًا، أو كثيرًا، وجميعها إجابات يسهل التعامل معها بالطرق الإحصائية. أما عملية صناعة المعنى، فهي أكثر مراوغةً واستعصاءً على القياس. فلو سألك أحدهم: «هل لهذا الفيلم معنًى في رأيك؟» فإن أي إجابة بالإيجاب ستطرح هذا السؤال: «باعتبارك فردًا، بأي طريقة وجدتَ لهذا الفيلم معنًى؟» وبالنظر إلى العدد اللانهائي من الإجابات، سيكون من الصعوبة بمكان إجراء تجربة يمكن التحكُّم فيها، بيد أن الأبحاث الحديثة التي أُجريتْ حول أهمية عملية إنتاج المعنى باعتبارها إحدى صور الإشباع توحي بإمكانية وجود تداخل بين علماء الاجتماع والباحثين السينمائيين، الذين يمثِّل التفسير بالنسبة إليهم مسألة محورية.42 ليس معنى هذا أن الباحثين السينمائيين لا يهتمون بالمشاهدين. فرغم أن التركيز على التحليل النصي الدقيق يَحرِمهم بصفة عامة من الالْتقاء المباشر مع الجمهور، فإن دراسة عملية المشاهدة احتلَّت مكانة بارزة في دراسات الفيلم.43 فثمة مفاهيم أساسية، مثل التماهي والتلصُّص والرفو، تُحِيل إلى النشاط الذهني للمشاهدين. والأفلام المُلغِزة مثل «سايكو» أو «صورة مكبَّرة» (بلو أب) كثيرًا ما يتم تحليلها من أجْل ما تنطوي عليه من رسائل متناقضة وما تولِّده من إحباط لدى الجمهور في سعيهم لفهم معناها. بيد أن تلك الاستبصارات يتم استخلاصها عبر تفحُّص الفيلم أولًا ثم استنباط آراء المشاهدين دون التعاطي مطلقًا مع خبرة مشاهِد معيَّن. فالمعنى (بما في ذلك الالتباس) يُستمد من الفيلم، وليس من المشاهد. فلْنُقارن بين هاتين العبارتين: لأن القرَّاء يفوقون البَطَلَةَ في الحكمة، ويتماهَوْن معها شعوريًّا في الوقت نفسه، فإن عملية القراءة نفسها تُفضِي حتمًا إلى الشعور بالرياء … فنحن نقدِّر أهمية مشاعر البَطَلة، فقط طالما أنها تقوِّض نفسها بنفسها. ففي أثناء قراءة روايات هارلكوين العاطفية، ينشأ لدى المرء إحساس دائم بسوء النية.
أنا زوجة وأم أبلغ من العمر ?? عامًا. أحيانًا، مثل الكثير من الناس، أشعر بانخفاض في روحي المعنوية … فأتناول أحد مؤلَّفات إسي سامر، وسرعان ما أشعر أن كل ما حولي يفيض بالخير. فالبَطَلَة تجعلني أشعر أن العالم مكان جميل، والناس طيبون، وأنه بالإمكان مواجهة أي شيء، وأننا محظوظون لكوننا أحياءً.
المقتبَس الأول يخصُّ باحثًا في الأدب والسينما، والمقتبَس الثاني من رسالة إلى المحرِّر أرسلَتْها سيدة من عشَّاق روايات هارلكوين. وقد يتساءل المرء في دهشة إن كانا يقرآن الكُتُب نفسَها! إن دراسة رادواي حول قرَّاء الروايات العاطفية تحفر لنفسها مكانًا في منتصف المسافة بين هذين القطبين.44 وفي حين أن رادواي لا تأخذ آراء المشاركين في بحثها كأمرٍ مسلَّم به دون تمحيص، فهي أيضًا لا ترى أن آراء الأكاديميين التي تقف على مسافة شعورية من الأعمال الأدبية، هي الكلمة الفصل. يُعرِب بعض الباحثين عن قلقهم من أن نقَّاد السينما يُسرِفون في التفسير أكثر مما ينبغي.45 والدراسات التي تسعى وراء تفسيرات الجماهير تُضاعِف هذا الاحتمال. ويمكن للمرء أن يَجِد في هذا سببًا لإعطاء الأولوية لدراسة عملية الاستيعاب وعدم النكوص لفوضى عمليات التفسير. لكن الحقيقة هي أننا جميعًا، وليس نقاد الأفلام فقط، نقوم بتفسير ما نشاهده من أفلام. إن عملية تفسير الأفلام قد تكون مربكة ويصعب دراستها، لكنها عملية رمزية أساسية تشير إلى ما يَسِم حياتنا اليومية من تقلُّب وعدم استقرار. (?) قراءات إضافية

Bryant, J. and Vorderer, P. (eds) (2006) Psychology of Entertainment. Lawrence Erlbaum, New York, NY.
Fournier, G. (2007) Thelma & Louise and Women in Hollywood. McFarland, Jefferson, NC.
Liebes, T. and Katz, E. (1990) The Export of Meaning: Cross-Cultural Readings of Dallas. Oxford University Press, New York, NY.
Nabi, R. L. and Oliver, M. B. (eds) (2009) Media Processes and Effects. Sage, Thousand Oaks, CA.
Radway, J. (1991) Reading the Romance: Women, Patriarchy and Popular Literature, 2nd edn. University of North Carolina Press, Chapel Hill, NC.
Staiger, J. (1992) Interpreting Films: Studies in the Historical Reception of American Cinema. Princeton University Press, Princeton, NJ.
Stokes, M. and Maltby, R. (eds) (1999) Identifying Hollywood’s Audiences: Cultural Identity and the Movies. British Film Institute, London.

الفصل الثامن
الأفلام دافع للسلوك: تأثيرات الفيلم


في ?? أبريل عام ????م، قام إريك هاريس وديلان كليبولد بإطلاق النار بطريقة هستيرية في مدرسة كولمبين الثانوية في مدينة ليتلتون، بولاية كولورادو؛ مما أسفر عن مقتل ?? شخصًا وإصابة ?? آخرين بجراح قبل أن يُطلِقا النار على نفسيهما.
عند اقتحامهما للمدرسة، كان كلٌّ مِنهما يرتدي معطفَ مطرٍ أسود اللون يُشبِه المعاطف التي ارتدتْها شخصيات فيلم «المصفوفة» (ماتريكس)، وهو الفيلم الذي حوَّل عملية تبادل إطلاق النار الهستيري إلى مَشاهِد أخَّاذة أشبه برقصات الباليه. أمِن الممكن أن يكون هاريس وكليبولد قد أرادا محاكاة رباطة الجأش الشديدة التي بدا عليها نيو (كينو ريفز)، معتبرين ضحاياهما شبه أيقونات افتراضية، أو جزءًا من لعبة شغف تراجيدية من بنات أفكارهما؟
ثمة معطف مطر آخر نجده في فيلم «يوميات كرة السلة» (ذا باسكتبول دياريز)؛ حيث يتخيَّل مدمِن على المخدرات يُدعَى جيم (ليوناردو دي كابريو) أنه يقتحم مدرسته الثانوية ويفتح النار على الطلبة والمدرِّسين. هذه المذبحة تشبه بطريقة غريبة أحداث مدرسة كولمبين. فهل استخدم الشابان المشهد الذي يصوِّر خيالات جيم كنموذج لهما؟
شكل ?-?: جولييت لويس ووودي هارلسون في دَوْرَيْ مالوري وميكي في فيلم «قَتَلَة بالفطرة» ???? (حقوق النشر محفوظة لأرشيف إيه إف/آلمي).
«قتلة بالفطرة» هو فيلم آخر يُقْتل فيه عدد كبير من الناس، ليس في المدرسة، لكن في كل مكان آخَر تقريبًا. فبينما يتسبَّب ميكي (وودي هارلسون) ومالوري (جولييت لويس) في كثير من الدمار، يرصد الفيلم أيضًا ما يتعرضان له من معاملة سيئة ومعاناة، مقدِّمًا لمحةً عن الأسباب التي دفعتْهما لارتكاب تلك الجرائم. يستخدم هاريس وكليبولد الاختصار «ق ب ف» في دفتر يومياتهما وشرائط الفيديو التي سجَّلا عليها سرًّا خُطَطَهما التدميرية.1 فهل كانا يعتقدان أنهما «قتلة بالفطرة» — الكلمات التي جاء منها الاختصار — يتحيَّنان الفرصة لإنزال العقاب بمَن أحسَّا أنهم يستحقونه؟ هل دفعتِ الأفلام هذين المراهقَيْن لارتكاب ذلك العمل الهستيري البشع؟ أم أن أفلام العنف مجرد انعكاس للظروف الثقافية القائمة بالفعل؟ أم إن الإجابة تقع في نقطة ما بين هذا وذاك؟
شكل ?-?: لقطة ثابتة مأخوذة من كاميرات المراقبة يَظهَر فيها ديلان كليبولد وإيرك هاريس في اليوم الذي قاما فيه بقتْل اثنَيْ عشرَ طالبًا ومدرِّس واحد في مدرسة كولمبين الثانوية، بكولورادو. ?? أبريل ????. حقوق النشر محفوظة رويترز/كوربيس.
بيد أن القضية الأوسع هي نوع التأثير الذي تُمارِسه الأفلام على عالم الواقع. فمِن الواضح أن الأفلام تثير مشاعرنا وتستهلك وقتنا وأموالنا، لكنْ هل لها تأثير بالفعل على الطريقة التي يشعر ويفكِّر بها الناس بعد مغادرتهم دُور العرض؟ وإلى جانب كونها أشياء يستمتع الناس بمشاهدتها والحديث عنها، «هل الأفلام لها أهمية فعلية؟»
أعتقد جازمًا أن الإجابة نعم. أو على الأقل، بعض الأفلام مُهِمَّة لبعض الناس لبعض الوقت. فالعمليات النفسية التي تناولناها — الإدراك، والاستيعاب، والتفسير — هي الوسائل العقلية التي تؤثِّر بها الأفلام على حياة الناس. ويوضِّح شكل ?-? هذه العلاقة. شكل ?-?: النشاط الرمزي المرتبط بمشاهدة الفيلم: الوظيفة والتأثير.
من حين لآخر، تبلغ المعاني التي يستخلصها المشاهدون من أحد الأفلام درجة من القوة ووثاقة الصلة تجعلها تؤثِّر على حياة الناس. ينظر هذا الفصل إلى الأبحاث التي تناولت التأثيرات السلوكية والمعرفية لوسائل الإعلام، والتي تحدث في أغلبها خارج نطاق وعي المشاهدين2 (في بعض الأحيان يستطيع المشاهدون تحديد تأثير فيلم ما عليهم.3 وسنناقش في الفصل القادم الوظائف الواعية للفيلم). في أواخر العشرينيات، تمخَّضت الأبحاث في مجال التأثير النفسي للأفلام عن سلسلة من الكتب تحمل عناوين من قَبِيل «الأفلام والسلوك»4 (فيما يتعلق بطلاب الجامعة) و«الأفلام والجنوح والجريمة» (عن المراهقين في إصلاحيات الأحداث).5 ورغم أن تلك الكتب لم توجِّه اتهامات شاملة، فإنها أثارت مخاوف حول المخاطر المحتمَلة للأفلام. ولقد استمر هذا التركيز على المخاطر كما سنرى فيما يلي، بيد أن عددًا قليلًا فقط من الدراسات هو الذي تطرَّق إلى الآثار الاجتماعية الإيجابية المحتمَلة.6 شهدت الأبحاث حول تأثيرات الأفلام مرحلة أخرى بالغة الثراء في الستينيات، دون أي علامات على التراجع. فقد أصبحت حقلًا بحثيًّا شاسعًا، يضم الآلاف من المقالات والكتب. وبمرور الوقت، تحوَّلت بؤرة الاهتمام من الأفلام إلى التليفزيون قبل أن تنتقل، في السنوات الأخيرة، إلى ألعاب الفيديو والكمبيوتر. وبسبب هذا التوسع المتزايد في نطاق البحث، أصبحت تلك الأبحاث تُعرَف باسم «تأثيرات الإعلام».7 وبينما سأقدِّم فيما يلي نظرة شاملة على الأبحاث التي تناولت تأثيرات الفيلم من جهة مداها وأهميتها، فسوف أُشير إلى أمثلة من الأفلام كلما أمكن ذلك. (?) التأثيرات على السلوك

كان «الإغواء اللاشعوري» (رسائل الإعلام اللاواعية التي تؤثِّر على سلوكنا) مصطلحًا رائجًا في السبعينيات.8 ومن الأمثلة التي كانت تَكثر الإشارة إليها؛ رسائل «اشترِ فشارًا» التي كانت تُعرَض خطفًا على الشاشة بهدف حثِّ الجمهور على الاستهلاك، وأصوات بريئة (أمواج على الشاطئ) تحتوي على رسائل ناطقة لا تستطيع الأُذن الْتِقاطَها تحثُّ على النجاح في العمل، وأصوات شيطانية على أغنية ليد زيبلين «سُلَّم إلى السماء» يمكن فهمُها فقط عند تشغيل الأغنية بالمقلوب من الخلف للأمام. إن التأثيرات اللاشعورية هي محفِّزات حسية لا يستطيع الإدراك الواعي الْتِقاطَها، بيد أن المخ يُعالِجها كما ينبغي؛ ومن ثم تؤثِّر على السلوك. ورغم أن المزاعم حول مثل تلك المحفِّزات مثيرة بصورة مبالَغ فيها، فإن البحوث المعملية فشلت في إثبات وجود أي تأثير ذي شأن على السلوك أو التفكير (على الأقل على مستوى شراء المزيد من الفشار أو النجاح في العمل) كنتيجة لسماع أو مشاهدة الرسائل اللاشعورية في وسائل الثقافة الجماهيرية.9 ورغم أن الجزء الأكبر من التأثيرات على السلوك يقع خارج نطاق وعينا، فإنَّ ذلك لا يعني أن المشاهدين يَخضَعون لتأثير أشياء لا يستطيعون رؤيتها أو سماعها. فالأمر ببساطة هو أنهم يجهلون أن شيئًا (فيلم عنف) يتسبَّب في شيء آخر (سلوكهم العدواني). وعند سؤالهم، فإن معظم المشاهدين سيُنكِرون وجود أي تأثير للإعلام على سلوكهم، لكنَّ هناك دلائل قوية على وجود مثل هذا التأثير.10 ورغم أن الباحثين لا يستخدمون أبدًا تقريبًا مصطلح «اللاشعوري»، فإنهم يفترضون أن العديد من تلك التأثيرات والعمليات المعرفية المضمَرة «غير واعية» بالفعل. ولأن الجزء الأكبر من السلوك البشري يمكن تجسيده في الإعلام، فإنه من الممكن نظريًّا أن يستطيع الإعلام التأثير على أي سلوك بشري. وقد أعطى فن الدعاية دفعة لتلك الإمكانية؛ حيث يتم حثُّ الناس على شراء الصابون، والسيارات، والجِعَة، وأجهزة الآي بود، ودُمَى الشيا (دُمًى صغيرة لإنبات الشيا؛ المريمية)، إلخ. وفي حين أن الأفلام التجارية تستهدف تسويق نفسها في المقام الأول، فإنها كان لها تأثير واضح على السلوك الاستهلاكي في بعض الأوقات (مثل الارتفاع الكبير في مبيعات حلوى ريسيز بعد ظهورها في فيلم «إي تي»). ورغم أن هناك الكثير من السلوكيات المتاحة للبحث، فإن ثمة ثلاثة مجالات حظيت باهتمام لا يُضاهَى: العنف، والجنس، والإدمان.11 فيمثِّل كلُّ واحد من تلك المجالات ساحة قلق اجتماعي، مرتبطة بقضايا عامة ذات حيثية: الجريمة، الحرب، تنظيم الأسرة، القِيَم الأخلاقية، المشاكل الصحية، البطالة، إلخ. وفي حين تقترح نظرية المرآة الاجتماعية أن الإعلام يعكس فقط السلوكيات الاجتماعية، فثمة دلائل قوية تشير إلى أن الإعلام بوسعه التأثير على تلك السلوكيات. ظاهرة المُحاكِي

أحيانًا يكون من الواضح أن أحد الأفلام له تأثير على السلوك استنادًا إلى وجود تناظرات بين الفيلم والواقع، وتكون هذه التناظرات على درجة من الدقة بحيث لا يمكن أن يكون الأمر مجرد مصادفة. وفي معظم الأحيان، لا تكون لظاهرة المُحاكِي أي آثار سلبية بشكل أو بآخر. فلنأخذ مثلًا أرقام مبيعات القمصان التحتية التي يُفترض أنها هبطت بشدة بعد ظهور كلارك جيبل بدون قميص تحتي في فيلم «حدث ذات ليلة» (إت هابيند وان نايت).12 أو تسريحة «ريتشيل» التي انتشرت بشدة بعد أن ظهرت بها جينيفر أنيستون في مسلسل «الأصدقاء» (فريندز) في مطلع التسعينيات. إن تعبيرًا شائعًا مثل «هيا، أسعِدْني» أصبح يجري على ألسنة الملايين بفضل الإلهام السينمائي لفيلم «هاري القذر» (ديرتي هاري). ثمة سلوكيات أخرى قد تكون أكثر إثارةً وبروزًا؛ وبعض الأفلام شجَّعت على الاستهتار الجسيم. فثمة عدد كبير من الناس أصيبوا بجراح أو لقوا حتفَهم جرَّاء قيامهم بمحاكاة مشهد من فيلم كرة القدم «البرنامج» (ذا بروجرام)، الذي يقوم فيه اللاعبون بالاستلقاء في الحارة الوسطى من طريق مزدحم.13 أما فيلم «صائد الغزلان» (ذا دير هانتر) فقد تسبَّب فيما يزيد على ?? واقعة محاكاة لمشهد الروليت الروسي؛ مما أسفر عن عدد كبير من الوفيات.14 وقد قام مراهق بإضرام النار في صديقه كمحاكاة لمشهد مثير في فيلم «الأحمق» (جاك آس). وثمة عدد لا يُحصَى من الجرائم ارتبطت أيضًا بالأفلام؛ فإضافة إلى محاولة اغتيال ريجان على يد جون هينكلي، وواقعة إطلاق النار في كولمبين، ثمة مجموعة من الوقائع سيئة الذكر تشمل: نساءً يُضرِمْنَ النار في شركاء حياتهن الذين كانوا يسيئون معاملتهن؛ وذلك بعد مشاهدتهن الفيلم التليفزيوني «الفراش المحترق» (ذا بيرننج بِد)؛ وسلسلة جرائم قتل في أماكن كثيرة في أنحاء البلاد ارتكبها رجل وصديقته من أوكلاهوما، دَأَبَا على مشاهدة فيلم «قتلة بالفطرة» بصفة منتظمة.15 إنَّ مثل تلك الحوادث تَحظَى باهتمام كبير في الأخبار،16 بيد أن معدَّلات جرائم المحاكاة قد تكون أكبر بكثير حتى مما تبدو. فقد أظهرتْ إحدى الدراسات أن ربع المراهقين المحبوسين الذين شملتْهم الدراسة حاولوا ارتكاب جريمة محاكاة مرة واحدة على الأقل.17 إنَّ المحاكين واعون بتأثير الأفلام عليهم إلى حدِّ أن بوسعهم أن يُشيروا إلى الفيلم الذي استلهموا منه أفعالَهم بأنه مُلهِمُهم. غير أنهم يُعانون، في الوقت نفسه، من نقص فادح في التأمُّل النقدي واختبار الواقع. ويبدو أن تأثير الفيلم عليهم يبدأ بتماهيهم بقوة مع الشخصيات. ورغم أن مثل هذا التماهي هو جزء من عملية المشاهدة العادية، فإن تلك الوقائع تتجاوز خبرة المشاهدة المباشرة. إن شخصية المحاكي ومحيطه الخارجي ينبغي أيضًا أن يُعزِّزا أفعاله، وكثيرًا ما يتم هذا بطرق لا يكون على وعي بها.18 وبما أن معظم البيئات المحيطة لا تشجِّع، لحسن الحظ، على وضع الميول التدميرية موضع التنفيذ، فإن أغلب الناس لا يسيرون في طريق تماهياتهم السينمائية حتى منتهاها. وفي بعض الأحيان يتم التقليل من شأن وقائع المحاكاة، إما بسبب تفاهة السلوك (محاكاة تسريحة شعر رائجة)، أو لأن مرتكبي مثل تلك الأفعال/الفظائع الحمقاء يعانون بوضوح من قصور ذهني، أو أخلاقي، أو تنموي سابق على مشاهدتهم للفيلم. ففي حالة هاريس وكليبولد، كانت ثمة عوامل، مثل التنمُّر في المدرسة، والمشاكل النفسية، وإهمال الوالدين، تم تحديدُها ومناقشتُها باعتبارها أسبابًا لمذبحة كولمبين. لكن حتى إذا افترضنا أن هاريس وكليبولد كان مقدَّرًا لهما ارتكاب جريمة قتل في كل الأحوال، فإن أحداث كولمبين ما كانت لتتم بالصورة التي تمَّت بها «بالضبط» (بدون معاطف المطر) لولا وجود الإعلام. فالأرجح أن الفيلم قد أثَّر على الطريقة التي يرى بها هاريس وكليبولد العالمَ وصبغ سلوكهما، حتى وإن كانت بذور هذا السلوك مغروسة في أعماق أبعد غورًا.19 إن انتشار صور الأفلام المرتبطة بالميول السلوكية التدميرية يجب ألَّا يُنبَذ دفعة واحدة، لا سيما أنه تم تحديد تأثيرات أخرى أشد رهافةً لكنها قد تكون أكثر قدرةً على الاختراق والتغلغل. التأثيرات على السلوكيات العدوانية

إن الأبحاث التي أُجريت على تأثير العنف في الأفلام تفوق من حيث الكم تلك التي أُجريت في أيِّ مجال آخَر.20 وهذا التفوُّق يرتبط يقينًا بمعدلات العنف في الأفلام،21 فضلًا عن وجود مخاوف بشأن العنف في عالم الواقع. فالمواطن الأمريكي العادي يشاهد العنف في الإعلام بصفة يومية، بيد أن أعمال العنف المادي الفعلية نادرة نسبيًّا بالنسبة إلى معظم الناس. ومن هنا، فإن صور العنف في الإعلام تشد الانتباه. وعندما يتعلَّق الأمر بالتأثير المحتمَل للعنف على السلوك (خاصةً التأثيرات التي تسبِّب سلوكيات عدوانية)، فإن الأبحاث تركَّزت بصورة لا تقارَن على تأثير العنف على سلوك الأطفال؛ مما يعكس الشعور العام بأن الصغار أكثر هشاشةً؛ ومن ثَمَّ أكثر عرضةً للتأثُّر بالإعلام من البالغين.22 لقد كانت تجربة الدُّمْيَة بوبو الكلاسيكية التي أجراها ألبرت باندورا مع مجموعة من زملائه واحدة من أشد الدراسات تأثيرًا فيما يتعلَّق بالتأثيرات العدوانية التي يمارسها الإعلام.23 ففي أجواء معملية، كان يتم اقتياد كل طفل بمفرده إلى إحدى الغرف، مع إعطائه بعض الأدوات وإخباره بأن ينتظر. وبعد فترة قصيرة، يأتي الباحثون ويصطحبون الطفل إلى غرفة أخرى تحتوي على تشكيلة متنوعة من الألعاب تشمل: كيس تدريب على الملاكمة يمكن نفخه (دمية «بوبو»)، ومطارق، ومسدسات لعبة، ودُمًى. وقد قام الباحثون بمراقبة طريقة لعب الأطفال وسجَّلوا كل ما كانوا يأتونه من الأفعال التي صنَّفوها باعتبارها عدوانية؛ مثل تسديد اللكمات إلى دمية «بوبو»، إطلاق المسدس، قذف أشياء، إلخ. وفي حالة أخرى، كان الطفل ينتظر بالخارج بينما يمكث شخص بالغ في الغرفة ويتظاهر بالغضب ويبدأ يضرب الدمية بوبو بمطرقة لعبة، وهو يقول أشياءَ من قبيل: «الْكمْه في أنفه.» وفيما بعدُ يتم اصطحاب الأطفال إلى غرفة الألعاب ووضعهم تحت المراقبة. وفي حالة أخرى، قام الباحث بتشغيل فيلم يَعرض مشهدًا لشخص بالغ يضرب الدمية بوبو.24 وفي حين أن جميع الأطفال المشاركين في التجربة تورَّطوا فعليًّا في صورة أو أخرى من العنف، فإن هؤلاء الذين شاهدوا نماذج للسلوك العنيف من البالغين (سواء في العالم الواقعي أو في الأفلام) قاموا بعدد من الأفعال العنيفة أكثر كثيرًا من أقرانهم الذين لم يشاهدوا تلك النماذج. أضِف إلى ذلك أن بعض الأطفال الذين شاهدوا تلك النماذج قاموا بمحاكاتها بمنتهَى الدقة، إلى حدِّ ترديد نفس العبارات أثناء قيامهم بضرب الدمية البلاستيكية التَّعِسة.
وقد فسَّر باندورا تلك النتائج باعتبارها دليلًا على أن الأطفال يشكِّلون سلوكياتهم وفقًا لما يَرَوْنه حولَهم، خاصةً عندما لا يتم معاقبة تلك السلوكيات. يحدث هذا التأثير على مستوى المحاكاة المباشرة (ضرب الدمية بوبو)، ومحفِّزات أكثر عموميَّةً للعدوانية (إطلاق النار من مسدس). فالتأثير الذي تمارسه الأفلام على سلوك الأطفال ليس عملًا من أعمال السِّحْر؛ حيث إن محاكاة نماذج السلوك في العالم الواقعي تُنتِج الأثَرَ نفسَه. واتساقًا مع نظرية التعلُّم الاجتماعي، يزعم باندورا أن الفيلم هو مجرد شكل واحد من بين أشكال عِدَّة للتعلُّم عن طريق الملاحظة.
بيد أن تلك الدراسة شابها بعض القصور؛ فالذين خضعوا للملاحظة كانوا جميعهم أطفالًا صغار السِّنِّ، وحتى هؤلاء — من بينهم — الذين لم يتعرَّضوا لمشاهدة نماذج عنيفة للسلوك، أبدَوْا هم أيضًا قدْرًا من العدوانية. كذلك فإن تعريف السلوك العدواني الذي اعتمده الباحثون كان فضفاضًا ولا يمكن وصفه بالعنف؛ حيث إنه لم يكن ثمة أشخاص آخرون بالغرفة. أضِف إلى ذلك أن السلوك العدواني بدأ سريعًا بمجرد مشاهدة نموذج السلوك؛ ومن ثَمَّ يمكن أن يكون قصير الأجَل. وأخيرًا، فإن الأجواء المعملية، وكذا الأفلام، لا تحمل إلا شَبَهًا ضئيلًا بالعالم الواقعي.
تلك جميعها تحفُّظات وَجِيهة، وقد تطرَّق باندورا لعدد كبير منها في خاتمة دراسته. فمشاهدة أفلام العنف لا يمكنها بمفردها جعل الناس ميَّالِين للعنف، غير أنه سيكون من الخطأ رفض تلك الدراسة ببساطة بسبب ما شابها من قصور. فليس بإمكان أي تجربة مفردة أخذ جميع المتغيرات في الاعتبار دفعة واحدة، تمامًا مثلما لا يمكن لأي فيلم الإمساك بكل الأبعاد الهامة للسينما. وانطلاقًا من هذه الدراسة، قام عدد من الباحثين الآخرين بتصميم دراسات أخرى تأخذ في اعتبارها متغيرات إضافية. ومع تراكم تلك الدراسات، تمت ملاحظة العديد من الأنماط السلوكية.
كثير من الناس لا يَجِدون في السلوك العدواني تجاه الدُّمَى بوبو ما يدعو للانزعاج، بيد أن ثمة باحثين آخرين تساءلوا إن كانت هناك علاقة بين التعرض للإعلام من جانب والسلوكيات العنيفة في العالم الواقعي من جانب آخر. فقد لاحظت إحدى الدراسات أن الأولاد الذين يشاهدون أكثر البرامج التليفزيونية عنفًا أكثر عدوانيَّةً في المدرسة من غيرهم.25 وثمة دراسة طولية واسعة النطاق قامت بمراقبة سلوك مجموعة من الأطفال على مدار ?? عامًا، ووجدتْ أن الأطفال في سِنِّ الثامنة، الأكثر مشاهدةً لبرامج العنف في التليفزيون، يكونون أكثر عرضةً للتورُّط في جرائم خطيرة (مثل القتْل، والاغتصاب، والاعتداء، والسرقة) عند بلوغهم سِنَّ الثلاثين.26 بيد أن الدراسات التي تتناول فقط العلاقة/الارتباط بين متغيِّرَيْن اثنَيْن تُعاني من قصور منهجي يحدُّ مِن عملية التفسير. فمجرد معرفة أن ثمة علاقة بين متغيرين لا يخبرنا شيئًا عن أيهما حدث أولًا أو تسبَّب في حدوث الآخر.27 ومن هنا، من الممكن أن تتسبَّب مشاهدة كم كبير من برامج التليفزيون في إثارة ميول عدوانية، تتجلَّى في ارتكاب جرائم. لكن من الممكن أيضًا أن يكون الأطفال ذوو الميول العدوانية أكثر انجذابًا بالفعل للعنف في الإعلام. ومن الممكن أيضًا أن تكون هناك عوامل أخرى أثَّرتْ في سلوكهم؛ على سبيل المثال، يمكن أن يؤدِّي نقص الإرشاد الأبوي إلى اختيارات مشاهَدة غير ملائمة وقلة احترام القانون. فأي سلوك في عالم الواقع يخضع لتأثير عوامل عديدة، وهو ما يقود بعض الباحثين إلى التمييز بين «إسهام» الإعلام (وغيره من العوامل الأخرى) في بعض السلوكيات، في مقابل السلوكيات التي يتسبَّب فيها الإعلام بمفرده.28 إحدى الطرق التي يستخدمها الباحثون لتفسير طريقة مساهمة الإعلام في تشكيل السلوك لكن دون أن يتسبَّب مباشرة في سلوكيات بعينها، هي نظرية التهيئة السلوكية.29 فعلى غرار الطريقة التي يتعيَّن بها ضخُّ البئر عدة مرات قبل البدء فعليًّا في استخراج الماء، يعتقد علماء النفس أن التعرض للإعلام يوفِّر مجموعة من الصور والنماذج السلوكية التي تظل هاجعة إلى أن يَطْرَأ موقف وثيق الصلة يتوافق مع تلك التهيئة. ومن هنا، فإن التعرُّض المتكرِّر لمشاهد مشاجرات الحانات لا يدفع الناس بالضرورة إلى ارتياد الحانات بحثًا عن المشاجرات. لكن، إذا حدث أن تعرَّض هؤلاء الناس للتهديد أثناء وجودهم في إحدى الحانات، فإنهم يكونون مهيئين سلفًا لكيفية التصرف في مثل هذا الموقف. ومن ثم، فإنهم قد يتصرفون بعدوانية، حتى وإن كانوا غير واعِين بمصدر التأثير الذي يتصرفون بموجبه. التأثير على السلوكيات الجنسية

تأثير الصور ذات المحتوى الجنسي على سلوك المشاهدين من الموضوعات التي تَحظَى باهتمام بحثي كبير؛ حيث يأتي في المرتبة الثانية مباشرةً بعد العنف.30 فكلاهها يتناول موضوعات تثير قلق ومخاوف المجتمع، غير أن التمثيلات الجنسية يبدو أنها أكثر إثارةً للقلق مقارنةً بالعنف. فلماذا يعمد نظام التصنيف بجمعية الفيلم الأمريكي، الذي يدأب على إدراج التمثيلات الوحشية للتعذيب ضمن فئة «محظور» (سلسلة أفلام «سو» على سبيل المثال)، إلى تكبيل فيلم حاز على إعجاب النقَّاد مثل «الفالنتاين الأزرق» (بلو فالنتاين) بإدراجه ضمن فئة «محظور للأطفال دون السابعة عشرة»؛ لأنه يتضمَّن مشاهد للعلاقة الجنسية داخل نطاق الزواج؟ ورغم أن الكثيرين يَرَوْن هذا الوضع مضلِّلًا، فإن منطقه يستند إلى وجود مخاوف حقيقية لدى الآباء والأمهات الأمريكيين. فمعظم آباء وأمهات المراهقين لديهم مخاوف من احتمال قيام أبنائهم بالانخراط في ممارسات جنسية أكثر من قلقهم من احتمال ارتكابهم جرائم عنف. ويكمن الخوف في أن التمثيلات الجنسية في الأفلام التي تتبنَّى موقفًا متساهلًا تجاه الممارسات الجنسية سوف «تُلهِم الأطفال». فهل مشاهدة الجنس في الإعلام تشجِّع المراهقين بالفعل على «ممارسة الجنس»، كما يخشى الآباء والأمهات؟ في حين أن النتائج في هذا الصدد بعيدة تمامًا عن أن تكون قاطعة، ثمة دلائل تُشير إلى أن الإعلام يلعب دَوْرًا مساعدًا. فقد أظهرت دراسة شملت نحو ???? مشارك أن المراهقين الذين يُشاهِدون الكثير من الجنس على شاشات التليفزيون يبدءون الانخراط في ممارسات جنسية (تشمل الجِمَاع، والمُداعبات المُسرِفة، والجنس الفموي) بمعدَّل أكبر بكثير من الآخرين.31 وباعتبارها دراسة تقوم على مجرد الربط بين عدة عوامل، فإن العلاقة السببية بين المتغيرات تظل غير واضحة (المراهقون الأكثر اهتمامًا بالجنس يبحثون عنه في التليفزيون).32 وثمة عوامل أخرى (معارضة الوالدين، أسرة يوجد بها الأب والأم، درجة عالية من الرقابة الأسرية) تساعدنا على تحديد المراهقين الذين سوف يؤجِّلون الدخول في علاقات جنسية لبعض الوقت. وتلك النتيجة تبرهن على أنه في حين أن الإعلام قد يكون له تأثير متواضِع على المدى القصير، فإنه عادةً ما يتضافر مع عوامل ثقافية وشخصية أخرى لإحداث تأثير كُلِّي على السلوك. وقد أثارت البيانات الديموغرافية بعض التكهنات عن احتمال وجود صلة ما بين الإعلام والسلوكيات المنحرِفة مثل الاغتصاب وغيرها من الانتهاكات الجنسية. ففي الفترة الممتدَّة من الستينيات وحتى التسعينيات، ارتفع معدل الاعتداءات الجنسية التي تم الإبلاغ عنها، في الوقت الذي أصبحت فيه المواد ذات المحتوى الجنسي الصريح متاحة أكثر من ذي قبل. لكن من الممكن أن تكون التغييرات في المواقف حيال الجنس خلال الفترة نفسها قد شجَّعت النساء على الإبلاغ عمَّا يتعرَّضْنَ له من انتهاكات دُونَما خوف من التعرض للمهانة أو انتقام العامة. وقد أدَّت البيانات العابرة للثقافات إلى إثارة مزيد من الأسئلة؛ فالكثير من المواد ذات المحتوى الجنسي الصريح تأتي من اليابان، التي تميَّزتْ تاريخيًّا بمعدلات اغتصاب منخفضة نسبيًّا.33 وتعمد بعض الدراسات إلى تضييق بؤرة البحث من خلال المقارنة بين استهلاك المواد ذات المحتوى الجنسي الصريح من جانب رجال متهمين بارتكاب جرائم جنسية وبين أشخاص مسالِمين. ورغم أنه يصعب التوصل إلى نتائج موثوقة فيما يتعلق باستهلاك الأعمال الفنية الإباحية من جانب الرجل العادي، فقد وجدت تلك الدراسات أن الرجال ذوي السلوك الجنسي العنيف يشاهدون أعمالًا إباحية ذات محتوى جنسي عنيف أكثر من الرجال المسالِمين غير المُؤذِين جنسيًّا.34التأثير على تعاطي المواد المخدرة

استكمالًا لثالوث الجنس والمخدرات والعنف، اهتمَّ الكثير من الأبحاث بدراسة تأثير الإعلام على تعاطي المواد المخدِّرة، خاصةً التبغ والخمور. يتمتع التدخين وتعاطي الخمور بتراث ممتدٍّ في أفلام هوليوود، وكثيرًا ما يُستخْدَمان بهدف التعبير عن التمرُّد والسلوكيات الخطرة. وينشأ القلق من أن مثل تلك السلوكيات لدى البالغين قد يكون لها تأثير على الأطفال والمراهقين.
وقد تناولت دراسة حديثة العلاقة بين التدخين في الأفلام وإقدام الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثانية عشرة على التدخين (وهي السنُّ التي يبدأ فيها نحو ??? من الأطفال تجربة التدخين للمرة الأولى). وقد وُجد أن الأطفال الأكثر تعرضًا للتدخين في الأفلام المصنَّفة «جميع الأعمار مقبولة» و«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال» و«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال دون الثالثة عشرة» يكونون أكثر مَيْلًا لتجريب التدخين من الأطفال الذين يقتصر تعرضهم لتلك الأفلام على الحدِّ الأدنى. وقد تم التوصُّل إلى تلك النتيجة بعد مُضِيِّ عامَيْن على انطلاق الدراسة.35 وهي نتيجة مفاجئة بعض الشيء، بالنظر إلى أنه في الأعوام الأخيرة كانت «الشخصيات السلبية» هي على الأرجح التي تُمارِس التدخين في الأفلام.36 ومن المحتمل أن يكون بعض الأطفال قد تأثروا فأقْدَموا على «تجريب» التدخين تحديدًا بسبب تلك الصور السلبية المرتبطة به. وثمة دراسة حديثة تناولت العلاقة بين مشاهدة الأفلام المصنَّفة ضمن فئة «محظور»، وبين الإقدام على تعاطي الخمور، وأظهرت وجود فروق تستند إلى نمط الشخصية. ورغم أنه لم يتضح وجود أي علاقة بين تلك الأفلام من جهة وتعاطي الخمور بين أفراد مصنَّفين في فئة الأشخاص الباحثين عن الإثارة الشديدة من جهة أخرى (هؤلاء الذين يبحثون عن سلوكيات مثيرة/خطرة)، فإنه تبيَّن وجود علاقة قوية في حالة الأفراد أصحاب المعدلات المنخفضة على مقياس البحث عن الإثارة. فهؤلاء الأفراد أقلُّ تعرُّضًا في المجمل لاتخاذ قرارات تنطوي على مخاطرة؛ ومن ثَمَّ يبدو أن للأفلام تأثيرًا أقوى عليهم. أما بالنسبة إلى الأشخاص الذين يبحثون عن الإثارة الشديدة، فإن تأثير الأفلام عليهم يقتصر على الحدِّ الأدنى، مقارنةً بمتغيرات أخرى تتعلَّق بتعاطي الخمور؛ مثل اختيار الأقران.37(?) التأثير على الأفكار والمشاعر

رغم أن التركيز على السلوكيات الظاهرية — مثل ضرب دُمية قابلة للنفخ أو ارتكاب جريمة — أمرٌ مُغْرٍ لشدة وضوح هذه السلوكيات، فإن علم النفس المعرفي يهتمُّ بالقدر نفسه بالأفكار والمشاعر التي تشكِّل أساس السلوك الظاهري. وبمرور السنوات، اقتربتْ أبحاث التأثير تدريجيًّا من تفحُّص تأثير الإعلام المرئي على الطريقة التي يَرَى بها المشاهدون أنفسَهم والعالَم من حولهم.
الاضطرابات النفسية

كثيرًا ما تستثير الأفلام ردودَ فعْل شعورية قوية، لكن استجابات الناس للأفلام، من حين لآخر، قد تبلغ من القوة حدَّ أنْ تَظهَر عليهم أعراض الصدمة الشديدة، أو الاكتئاب، أو الذُّهان. وتتناثر في أدبيات الطب النفسي دراسات حالة تتناول مثل تلك الحالات من ردود الأفعال الإكلينيكية الحادَّة. فبَعْدَ مشاهدة فيلم «غزو خاطفو الأجساد» (إنفيجن أوف ذا بادي سناتشرز)، بدأ صبيٌّ في الثانية عشرة من عمره يعتقد أن كائنًا غريبًا غَزَا جسدَه وأنه إذا قام أيُّ شخص بلَمْسِه، فإن يديه سوف تخترقانه.38 ورغم أن ردود الفعل تحت الإكلينيكية على فيلم «الفك المفترس» تُعَدُّ شائعة (مثل العزوف عن السباحة في البحر)، فإن ثمة فتاة في السابعة عشرة من عمرها عانَتْ من نوبات كانت تصرخ خلالها «قروش! قروش!» ثم تفقد الوعي لوهلة قصيرة.39 أما فيلم «طارد الأرواح الشريرة» فلَمْ يُثِرْ ردودَ فعل قوية فحسب، بل كان أيضًا عاملًا محفِّزًا في حدوث سبع حالات مختلفة من الاضطرابات النفسية.40 فقد أُصيبت امرأة في الثانية والعشرين من عمرها بأعراض قلق حادَّة، شملت الأرق، وتقلُّصات في البطن، ونوبات هلع. كذلك عَانَى صبيٌّ مراهق من ذكريات تطفلية عن الفيلم، فكان يسمع ضوضاءَ في الليل، وانغمس في تعاطي المخدرات في محاولة لمَحْو ذكرياته عن الفيلم.41 إن ردود الأفعال التي تتطلَّب علاجًا نفسيًّا في المستشفى أمر نادر، لكنها تقع عند أحد طرفَيِ المتسلسلة الشعورية التي تمثِّل جزءًا من خبرة الفيلم. ورغم أن الأفلام لا تملك أنْ تُحوِّل الأفراد المستقرِّين نفسيًّا إلى حطام نفسي، فإن تلك الأمثلة تعطينا أمثلة للتفاعل بين الصور الرمزية المُقدَّمة في السينما والتركيبة النفسية لأفراد بعينهم. فجميع الأشخاص الذين أَتَيْتُ على ذكرهم أعلاه كانوا يعانون من ضغوط في علاقاتهم مع الآخرين قبل مشاهدتهم الفيلم موضوع البحث، وبعضهم أيضًا لديه سِجل مَرَضي في العلاج النفسي. ومن هنا، فإن توليفة الرموز في الفيلم أجَّجت مشاكلَهم الشخصية الموجودة سلفًا. فقد أثارتْ تيمة المسِّ في فيلم «طارد الأرواح الشريرة» انزعاج سيدة حامل غير متزوجة كانت تخوض صراعًا ضد الشعور بالذنب النابع من إيمانها الكاثوليكي. إن تركيبة شخصيتها الحدِّية قامت بفصل جزء من نفسها اعتبرتْه شريرًا. وكان المسُّ الشيطاني في الفيلم يرمز إلى هذا «الجزء الشرير» بالإضافة إلى قلقها على طفلها الذي لم يُولَد بعدُ.42التأثير على الخوف والخيال

الخوف والقلق شعوران شائعان عند مشاهدة الأفلام، ولهما دَوْر محوري في الاستمتاع بأفلام الرعب والإثارة،43 لكن يحدث أحيانًا أن يستمر هذا الشعور بالخوف بعد انتهاء الفيلم. إن الاضطرابات النفسية التي ناقشناها أعلاه هي حالات متطرِّفة، بيد أنها — في صورتها الأقل حِدَّةً — من الظواهر الشائعة. فكلما سألتُ طُلَّابي إن كانوا قد شاهدوا فيلمًا أثار فيهم فزعًا شديدًا، فإن أغلبهم يذكرون فيلمًا واحدًا على الأقل، مستشهدين بأفلام رعب مثل «سو»، و«المقصد الأخير» (فاينال ديستينيشن)، و«طارد الأرواح الشريرة»، أو أحد أفلام الحرب المأخوذة عن قصص واقعية مثل «فندق رواندا» (هوتيل رواندا)، أو «إنقاذ الجندي ريان» (سيفينج برايفت ريان). وقد أكدت بعض استطلاعات الرأي الرسمية تلك النتيجة.44 والاستجابات النمطية تشمل صعوبة في النوم أو ذكريات تطفلية عن بعض المَشاهِد المُزعِجة. بعض تلك الاستجابات الشعورية كانت قصيرة الأجَل، لكنَّ هناك كثيرين تحدَّثوا عن شعور بالخوف استمر عامًا كاملًا.45 ورغم أن معظم تلك الاستجابات لم تتم معالجتُها، فإن استطلاعات الرأي الاسترجاعية أظهرت أن الأعراض التي أتَى ربع المشاركين على ذكرها هي استجابات إكلينيكية خطيرة ناتجة عن الشعور بالضغط.46 من الحالات التي سُجِّلت بكثرة، استجابات الخوف الشديدة لدى الأطفال،47 وتُعتبر اضطرابات النوم أكثرها شيوعًا، لكن ثمة دراسات أخرى أظهرت أن الأطفال يتجنَّبون الأنشطة التي ترتبط في أذهانهم بمشهد مخيف من أحد الأفلام. فعلى سبيل المثال، الأطفال الذين شاهدوا منزلًا تلتهمه النار في فيلم «منزل صغير في البراري» (ليتيل هاوس أون ذا براري) كانوا أقل اهتمامًا بتعلُّم كيفية إشعال النار في المدفأة من الأطفال الذين لم يَرَوا المشهد.48 السبب في أن ردود فعل الخوف لدى الأطفال أكثر قوَّةً منها لدى البالغين يتعلَّق بمستوى القدرات المعرفية والشعور المتطور بالذات لديهم. ففي بعض الأحيان، يأتي الأطفال بردود فعل تَنِمُّ عن الخوف تجاه مثيرٍ ما قد يَجِده البالغون غير مخيف. والأطفال الأصغر سِنًّا يتأثرون بوجه خاص بالعوامل الإدراكية الحسية القوية التي تطغَى على دقائق السياق والسرد. ففي إحدى الدراسات، أُصيب الأطفال بفزع شديد لدى مشاهدتهم المسلسل التليفزيوني «الرجل الأخضر» (ذا إنكريديبل هولك)، رغم أن أفعال هولك، في مجملها، خيِّرة. وفي حين أن الأطفال الأكبر سِنًّا لم يَجِدوه مخيفًا، فقد تركَّزت استجابات الأطفال الأصغر سِنًّا على بشرَتِه الخضراء اللامعة، وعضلاته البالغة الضخامة، وتعبيرات وجهه الغاضبة؛ إلى درجة أن كلَّ ما عداها أصبح عديم الأهمية بالمقارنة.49 والكثافة الإدراكية الحسية يمكن أيضًا أن تفسِّر عدم خوف الأطفال من مواضيع أخرى مثل الفيلم التليفزيوني «اليوم التالي» (ذا داي أفتر)، الذي يدور حول تعرُّض أمريكا لهجوم نووي. ففي حين أثار الفيلم انزعاجًا شديدًا لدى الكبار الذين يدركون خطورة الدمار النووي، فإن الأطفال الصغار كانوا يفتقرون إلى أي صورة واضحة مرتبطة بهذا الخوف.50 أحد أسباب ضعف الأطفال الشديد تجاه التأثيرات الشعورية القوية هو ما يتسم به خيالُهم من حيوية ومرونة. ومن ثَمَّ فإن صور الإعلام المرئية تخلِّف أثرًا قويًّا عليهم ويُضحِي من الصعوبة بمكان محوُها. وقد حَظِيت تلك العملية، بما تحمله من مزايا وعيوب، باهتمام بحثي كبير.51 فمن ناحية، يعمد الأطفال إلى استدماج الشخصيات والقصص التي يتعرضون لها في أفلام مثل «قصة لعبة» (توي ستوري) ويستخدمونها في ألعابهم الخيالية، بإضافة المزيد من القصص والتعمق في شخصياتها. وفي الوقت نفسه، كثيرًا ما يكون الأطفال المعرَّضون لمستويات عالية من الصور البصرية في الأفلام والتليفزيون أفقر خيالًا، وقدراتهم على لعب الأدوار ضعيفة؛ إذ يبدو أنهم أصبحوا معتمدين على الإعلام كمصدر خارجي لإثارة الخيال، وأقل قدرةً على الوصول إلى منابع خيالهم.52التأثير على المواقف والمعتقدات والصور النمطية

قد لا يكون الكبار سريعي التأثُّر مثل الأطفال، لكن الأبحاث أثبتتْ أن الإعلام يؤثِّر على الطريقة التي يقوم بها الجمهور بتصنيف عالمهم وفهمه وتقييمه. تلك العمليات المعرفية الهامَّة تمس جميع جوانب الحياة تقريبًا. فعملية التثقيف الاجتماعي فيما يتعلَّق بأدوار الجنسين، تلك العملية التي من خلالها يتعرَّف الناس على توقُّعات المجتمع من البنين والبنات، تقع في صلب اهتمامات علم النفس الاجتماعي، ويعتقد كثير من الباحثين أن الإعلام يلعب دورًا أساسيًّا في هذا الشأن. فتصورات المشاهدين عن أنفسهم ورؤيتهم للمستقبل تتأثَّر حتمًا بما يقوم به الإعلام من تحريف لصور النساء والرجال في اتجاهات بعينها. وقد يكون من الصعب على فتاة صغيرة أن تتخيَّل نفسَها محامية ما لم تُشاهِد محاميات في التليفزيون والأفلام.
وقد أظهرت استطلاعات الرأي والأبحاث التجريبية وجود علاقة بين استهلاك صور الإعلام وتنميط الأدوار الاجتماعية للذكور والإناث تستند إلى الطريقة التي تمتزج بها السرديات المرئية مع عالم الواقع. بيد أن أغلب الدراسات أظهرت أن تلك العلاقة ضعيفة نسبيًّا.53 وهذا الاكتشاف ليس مفاجئًا إذا وضعنا في اعتبارنا وجود عوامل أخرى (بيولوجية، وبيئية) يمكنها أن تلعب دورًا ما في هذا الشأن. ومن هنا، تبدو الأفلام جزءًا من شبكة ثقافية من التأثيرات التي تكشف عن نفسها، ليست كأنماط راسخة بقَدْر ما هي ظلال لمثل تلك الأنماط. يقوم الفيلم الوثائقي «القتْل الناعم» (كيلينج أص سوفتلي) وأجزاؤه بتسليط الضوء على ما يقدِّمه الإعلام من تمثيلات غير صحية نفسيًّا وبدنيًّا لأجساد النساء. وفي حين أن معظم تلك الأمثلة مأخوذة من مجال الدعاية والإعلان، فإننا لدينا بالفعل صور لنجمات شديدات النحافة (كيرا نايتلي، جوينيث بالترو، وأنجلينا جولي). ويذهب الفيلم إلى أن النساء والرجال يتعرضون لسَيْل لا ينقطع من صورٍ لنساء ذوات قوام غير صحي، فضلًا عن أنه يستحيل على الغالبية العظمى من النساء الحصول عليه. مثل تلك الصور غير الواقعية يمكن أن يكون لها تأثير مدَمِّر على نفسية النساء والرجال على حدٍّ سواء، لكن يُعتقد أن الفتيات في سِنِّ المراهقة هن الفئة الأكثر عرضةً للتأثُّر بتلك الصور. وقد أكَّدت استطلاعات الرأي والأبحاث التجريبية التي أُجريت حول تأثير الإعلام على السلوكيات والمواقف السلبية (الشعور المتزايد بعدم الرضا عن شكل الجسد، والصور المشوَّهة عن الجمال المثالي، والعادات الغذائية غير الصحية) صحةَ الفكرة التي يَطرَحها فيلم «القتل الناعم». ولأن معظم تلك الدراسات تناولت التأثير الناجم عن التعرض للإعلام بوجه عام، فإن المشكلة تبدو أوسع نطاقًا من مجرد الإسراف في مشاهدة حلقات «مشروع الممشى» (بروجيكت رَنواي).54 إنَّ المخاوف بشأن التنميط العنصري استنادًا إلى شخصيات خيالية سابقةٌ زمنيًّا على ظهور الأبحاث حول تأثيرات الإعلام؛ فرواية «مغامرات هكلبيري فين» لمارك توين، على سبيل المثال، كانت مصدرًا دائمًا للجدل. وعندما يُثنِي القرَّاء على الرواية لرؤيتها التقدُّمية للعلاقة بين الأعراق، فإن اهتمامهم يكون منصبًّا على ما يتمتع به العبد الهارب جيم من شجاعة وحكمة. لكن عندما تُتَّهم الرواية بالعنصرية، فإن التركيز يكون منصبًّا في الأغلب على ما يتسم به سلوك جيم من مُجُون وصبيانية. ويتأسَّس هذا الجدل على الاعتقاد بأن قراءة الرواية سوف تساعد على ترسيخ الصور النمطية التحقيرية للأمريكان الأفارقة.
هذا الجدل لا يزال مستمرًّا حتى اليوم. فقد ثار جدل شديد حول الضِّبَاع الحقيرة (على لسان ووبي جولدبيرج) في فيلم الرسوم المتحركة «الأسد الملك» (ذا ليون كينج)؛ إذ إنها تعكس لهجة أهل المدن من السود. وهناك أفلام أخرى لاقت استحسانًا كونها تسير عكس اتجاه الصور النمطية (المتشرِّد الذي لعب دورَه ويل سميث، والذي يتحوَّل إلى سمسار بورصة ناجح في فيلم «السعي وراء السعادة» (ذا بيرسوت أوف هابينيس)). وتدعم الدراسات احتمال إسهام الإعلام في التنميط بطريقة إيجابية وسلبية في آنٍ واحد. فعندما يُكثِر طلَّاب الجامعة من البِيض من مشاهدة الكثير من الأخبار المتلفزة التي تُسرِف في تقديم صورة للأمريكان الأفارقة باعتبارهم مجرمين، فإنهم يَمِيلون إلى التقليل من أهمية مستوى التعليم والوضع الاقتصادي الاجتماعي للأمريكان الأفارقة، ويُرجِعون تلك الظروف إلى افتقارهم للتحفيز. وفي المقابل، عندما يُكثِر هؤلاء الطلاب من مشاهدة مسلسلات السيت كوم، وهي نوعية من الأعمال الفنية تقدِّم صورًا إيجابية نسبيًّا للأمريكان الأفارقة،55 فإنهم يَكونون أكثرَ تقديرًا لإنجازات الأمريكان الأفارقة على مستوى التعليم56 (وقد أظهرت الدراسات التي أُجريت على الأطفال الأصغر سِنًّا أن التعرض للإعلام المرئي له تأثير على تبنِّيهم للصور النمطية العنصرية).57 من المخاوف الأخرى بشأن الأفكار والمشاعر التي تنجم عن التعرض للإعلام، أن الإعلام لديه القدرة على تقليص الاستجابات الشعورية. فعلى سبيل المثال، عندما يتعرَّض الناس لصور من العنف المفرِط، فإن مشاعرهم قد تُصاب بالتبلُّد ويتوقفون عن الشعور بالضيق تعاطفًا مع غيرهم. هذا التأثير يَظهَر بوجه خاص لدى الرجال ممَّن شَاهَدوا سلسلة من أفلام سلاشر التي تَجمَع بين الجنس والعنف. فعندما طُلب إليهم أن يشاهدوا شريط فيديو لمحاكمة متَّهم بجريمة اغتصاب، فإنهم لم يتأثَّروا به بدرجة أقلَّ من هؤلاء الذين لا يشاهدون نوعية أفلام سلاشر فحسب، بل كانوا أقل تعاطفًا مع الضحية أيضًا.58 مثل تلك النتائج تثير المخاوف من أن الناس في طريقهم ليصبحوا أكثر تبلُّدًا حيالَ العنف؛ ومن ثَمَّ أقلَّ استعدادًا للحيلولة دون وقوعه في عالَم الواقع. (?) الدعاية والتأثير على الثقافة

تُصمَّم الدعاية بحيث تجعل عددًا كبيرًا من الناس يفكِّرون بطريقة معينة، وقد شهد تاريخ الفيلم تداخلًا كبيرًا بينها وبين الأفلام. ففيلم مثل «المدرَّعة بوتمكين» يُعتبر أحد أعظم الأفلام في تاريخ السينما، خاصةً في توظيفه لفن المونتاج، هو أيضًا فيلم دعائي يهدف إلى الاحتفاء بالتمرُّد الذي حدث على متْن المدرَّعة بوتمكين باعتباره حدثًا حاسمًا في تاريخ الثورة الروسية. ومن الأمثلة الشائنة للأفلام الدعائية، الفيلم الوثائقي المبهر تقنيًّا «انتصار الإرادة» (تريامف أوف ذا ويل) الذي أخرجته ليني ريفنستال تخليدًا لذكرى مؤتمر نورمبرج المناصر للسلطة النازية عام ????م، ويتضمَّن تمجيدًا أخَّاذًا للمُثُل العُلْيا النازية: النظام والسلطة والقوة. وقد انخرط صُنَّاع الأفلام في هوليوود أيضًا في مجهودات الدعاية خلال الحرب العالمية الثانية.59 فقام فرانك كابرا بإخراج سلسلة «لماذا نحارب؟» (واي وي فايت) (????–????م) التي كان لها تأثير واسع. كذلك أصبح جون فورد رئيسًا لوحدة التصوير الفوتوغرافي في سلاح البحرية. حتى هيتشكوك نفسه، تم تكليفه من جانب وزارة الإعلام البريطانية بصناعة عدد من الأفلام القصيرة لمساندة المقاومة الفرنسية. ولأن الدعاية تستهدف إحداث تأثيرات واسعة النطاق، فإنه من الصعب قياس آثارها. فتلك الأفلام تُصنع عادةً في ظل ظروف عصيبة، ينصبُّ فيها التركيز على الفعل، وليس على التحليل. فالسؤال إن كان فيلم «انتصار الإرادة» قد حقَّق الأثر المرغوب لا يمكن الإجابة عليه، لكنْ من المؤكَّد أنه أثار قدْرًا كبيرًا من الإعجاب والجدل، وسيظل مرتبطًا بالنازية إلى الأبد. حتى تلك الأفلام التي لا تُعتبر دعائية، من الممكن أن تصبح مرتبطة بأفكار معينة. فهل كان فيلم «كازابلانكا» دعاية لانخراط أمريكا في الحرب العالمية الثانية؟ وهل يطرح فيلم «آفاتار» أفكارًا مناصرة لحركات حماية البيئة؟ هل جميع الأفلام دعائية من حيث ما تملكه من قدْرة على إحداث تأثيرات تراكمية وواسعة على الطريقة التي يفكِّر بها الناس في عالمهم؟ تلك العملية يُطلَق عليها التأثير التراكمي للإعلام.60 الكثير من التأثيرات المتمايزة التي تناولناها حتى الآن يمكن تصوُّره بالنسبة إلى الثقافة بأكملها، ما يطرح علينا مجموعة متنوعة من السيناريوهات الكابوسية؛ فالجُمهُور المتبلِّد المشاعر يتحوَّل بفعل التعرض للتكنولوجيا إلى حَشْد من الموتَى الأحياء؛ مشاهدون غافلون مُسمَّرون أمام شاشات تُبقِي عليهم في حالة من المتعة السلبية، والتضليل المعلوماتي، والحرمان من دفء العلاقات الإنسانية (حبكة فيلم «ماتريكس» بصفة أساسية). وثمة مجموعة أخرى من السيناريوهات نذكر منها المخاوف من أن يَجعَل الإعلام الناسَ حَمْقَى، وأنانيين، ونرجسيين، وغير ذوي نفع، و/أو ضعفاء؛ أيْ مجتمعًا من الكُسَالَى.
الافتراض الذي يكمن وراء تلك المخاوف هو أن الإعلام لا يؤثِّر فقط على أفكارنا وسلوكياتنا، بل يمنحنا أيضًا طريقة متكاملة لفهم العالم. هذا النوع من النقد الثقافي يمكن تتبُّع مساره حتى مارشال ماكلوهان ومقولته الشهيرة: «وسيلة الإعلام هي الرسالة»؛61 التي تعني بالأساس أن صور الإعلام التي تقوم عليها ثقافة المجتمع أكثر أهميَّةً من محتواها. أضِفْ إلى ذلك أن طرق التفكير تميل إلى التكيُّف مع صور التكنولوجيا الجديدة بمجرد ظهورها. فعندما نشاهد فيلمًا، فإن حقيقة كونه فيلمًا تؤثِّر علينا أكثر مما تؤثر علينا نوعيته (هل كان كوميديًّا أو دراميًّا) أو جودته العامة (هل كان فيلمًا جيدًا أو رديئًا). وكلما شاهدنا عددًا أكبر من الأفلام، بدأنا نرى العالم باعتباره فيلمًا. يلاحظ نيل بوستمان في كتابه «الترفيه حد الموت»، أنه لا بد أن يتمتع الخطاب العام (طريقة توصيل المعلومات) في العصر الحديث بوقْع طيِّب على أبصار الجمهور وأسماعهم.62 فالسياسيون ومقدِّمو الأخبار والوعَّاظ والمُداوُون والمدرِّسون ينبغي عليهم أن يُمرِّروا كلَّ ما يتفوَّهون به خلال فلتر يحدِّد كيف سيبدو في عيون الجماهير وعلى آذانهم. وفي تلك الأثناء، يمكن تعديل الرسالة أو تجميلها، أو حتى تزييفها من أجْل إكسابها مظهرًا ملائمًا. فوسيلة الإعلام هي ما تحدِّد ما سوف تكون عليه الرسالة. ومعايير الترفيه، بما فيها تلك التي عكفتْ هوليوود على تنقيحها لعقود طويلة، تُطبَّق اليوم على نشرات الأخبار والرطانة السياسية. وقد عبَّر بوستمان عن قلقه من أن هذا «التبسيط المعلوماتي المتعمَّد» قد يُسفِر في النهاية عن موت الحضارة الغربية.63(?) لقطات ختامية: الجدل الكبير حول تأثير الإعلام

لا تُعتبر الأبحاث حول تأثيرات الإعلام مثالًا لمحاولات الفهم المحايدة قِيَميًّا؛ فكثيرًا ما يُنظَر إلى الإعلام باعتباره تهديدًا للصحة العامة، خاصة بالنسبة إلى الأطفال، فيوضع في خانة واحدة مع مخاطر اجتماعية وطبية مثل السرطان والجريمة والعنصرية.64 فثمة سحابة قاتمة من الخوف والقلق تجثم فوق ساحته. ورغم أن دراسة الدُّمية بوبو لعبتْ دورًا محوريًّا في تطوير نظرية التعلُّم الاجتماعي؛ ومن ثَمَّ كانت أكثر اهتمامًا بالنظرية النفسية مقارنةً بكل الدراسات الأخرى في هذا المجال، فإن باندورا اختار أن يقدِّم لها بتقريرٍ حول صبي مراهق أُصيب بجراح أثناء محاولته محاكاة مشهد المعركة بالأسلحة البيضاء في فيلم «متمرِّد بلا قضية» (ريبيل ويزاوت أ كوز).65 فبناءً على إدراكه لما تضمَّنتْه نظريته من تداعيات على عالم الواقع، استخدم باندورا تلك الواقعة كأداة بلاغية تحفيزية لشدِّ انتباه القارئ. يعتقد كثير من الباحثين أن بإمكان الدراسات العلمية الاجتماعية حول تأثيرات الإعلام التخفيفَ من الأضرار المحتمَلة له، فيتقمَّصون دَوْر النشطاء المهتمِّين وهم يُدلون بتعليقاتهم ونصائحهم حول قضايا مثل نظم تصنيف الأفلام، وشرائح التحكم في قنوات التليفزيون، والسياسات الحكومية.66 ورغم أن علماء الاجتماع نادرًا ما يُدافعون عن الرقابة، فإنهم يؤكِّدون على أهمية تشجيع «مَحْو أمية الإعلام» (تعلُّم كيفية تقييم منتجات الإعلام بطريقة نقدية)، فضلًا عن تثقيف الآباء والأمهات وتشجيعهم في سعيهم لحماية أبنائهم. فعلى سبيل المثال، تسعى جوان كانتور في كتابها «ماما، أنا خائفة: كيف يثير التليفزيون والأفلام فزع الأطفال؟ وماذا بوسعنا أن نفعله لحمايتهم؟» (????) إلى توظيف نتائج الأبحاث حول تأثير الصور المخيفة على الأطفال في وضع كُتيِّب إرشادي للآباء والأمهات. إنَّ هؤلاء الباحثين واثقون في صحة ما يقدِّمونه من نصائح؛ لأنهم يعتقدون أن هناك دلائل دامغة على أن الإعلام يؤثِّر بالفعل على الأفراد والمجتمع:تستند تلك النظرة [العامة] إلى افتراض أن الإعلام الجماهيري مؤثِّر بالقَطْع … ومِن الواضح أن وسائل التواصُل الجماهيري تُحدِث، أو تشجِّع على حدوث، تحولات وتغييرات شتَّى في الناس والمؤسَّسات.67وقد كشفتْ نتائج الأبحاث عن وجود نمط سائد وثابت يعزِّز فكرةَ أن التعرُّض لصُوَر العُنْف في الإعلام يَزِيد فعليَّا من احتمال السلوكيات العدوانية.68وينبغي أن تَقُود تلك النتائج العلماءَ الذين يتحلَّوْن بالموضوعية إلى التوصل لنتيجة مفادها أن التعرض لصور العنف في الإعلام يزيد من احتمال السلوكيات العدوانية لدى الأطفال على المَدَيَيْنِ القريبِ والبعيدِ.69 بيد أن ثمة باحثين لم يَقبَلوا بتلك الفرضية الأساسية رغم المطالبة بالإجماع عليها:ثمة قناعة لدى عدد كبير من الناس مفادها أن صور العنف في الإعلام لها تأثيرات ضارة … وهناك عدد معتبر من الأبحاث حول هذا الموضوع، لكن على النقيض من تلك المزاعم، لم تُثبِت نتائج الأبحاث — بصفة عامة — أن التعرض لصور العنف في الإعلام يتسبَّب في اكتساب سلوك عدواني.70ورغم أن هناك مجموعة معينة من الباحثين (أغلبهم من المتخصِّصين في العلوم الاجتماعية) ما زالوا يؤكِّدون على أن صور العنف في الإعلام لها تأثيرات ضارة، فإنهم أخفقوا في بَلْوَرة استنتاجات قطعية عن السبب وراء ضررها.71 يتسم الجدل الدائر بين الباحثين بنتائجه المتعارِضة، وفي بعض الأحيان تنحدر اللغة المستخدَمة إلى مستويات متدنِّيَة. فقد وصَفَ باحثٌ مشهور في إحدى مقالاته مَن ينتقدون أبحاث تأثيرات الإعلام بأنهم «سطحيون»، مؤكِّدًا أنهم يستخدمون طريقة في الجدل تتسم ? «الإهمال والتحريف»، واتَّهمهم بأنهم يعيشون حالة من «الإنكار».72 وجاء ردُّ النقاد محمَّلًا بضغينة مماثِلة؛ حيث رسموا صورة للحركة بأكملها باعتبارها مفرِطة الحماس، ووصفوا أحد الباحثين بأنه «مهاجم في فريق هوكي يثير العنف/العدوان».73 مِن الواضح أن الجدل حول تأثيرات الإعلام لا يُنصَح به لذوي القلوب الضعيفة. لماذا يتسم هذا الجدل بكل هذا القدر من السخونة؟ يعود هذا جزئيًّا إلى الدور الهام الذي يلعبه الإعلام في حياة معظم الناس. ومن ثم، إذا كانت للإعلام آثار سلبية، فالواجب يحتِّم تناول ومعالجة ما قد ينجم عنه من أضرار. فبعض الباحثين في تأثيرات الإعلام يَرَوْن أن مسئوليتهم تحتِّم عليهم المساعدة في التعامل مع المخاوف الاجتماعية. أما مَن ينتَقِدون تلك الأبحاث، فلدَيْهم مخاوف من القيود التي قد تُفرض على تدفُّق المعلومات والصور والأفكار في مجتمع حُرٍّ. وبقدْر ما يكون هناك نزاع بين الرغبة في تحسين الظروف الاجتماعية من جهة، والحذر من تقديم حلول متعجِّلة غير ناجحة قد تكون لها نتائج غير متوقَّعة من جهة أخرى، يظل هذا الجدل ظاهرة صحية.
بيد أن ثمة فروقًا بين المجالات البحثية تزيد هذا الجدل تعقيدًا. فأغلب الباحثين في تأثيرات الإعلام علماء نفس أو متخصِّصون في العلوم الاجتماعية لديهم تفضيلات منهجية راسخة تجاه الاستطلاعات المصمَّمة بدقة، والطرق التجريبية، كما أن لديهم مخاوف بشأن المعضلات الفكرية في التحليلات الثقافية الفضفاضة، أو الإفراط في تأويل الوقائع المتفرِّدة. ففي حين أن مدرِّبًا لفريق كرة قدم قد يعتقد أن السماح للاعبيه بمشاهدة فيلم «السريع والغاضب» (ذا فاست آند ذا فيريوس) بعد التمرين وسيلة جيدة للتنفيس عن غضبهم، فإن عالِم الاجتماع قد يَطرَح عددًا من الأسئلة الهامة: كيف عرف المدرِّب أن اللاعبين أصبحوا أكثر هدوءًا بعد مشاهدة الفيلم؟ ألم يكن باستطاعة اللاعبين تهدئة أعصابهم لو أنهم اكتَفَوْا بالجلوس باسترخاء لبضع ساعات؟ هل من الممكن أن اللاعبين كانوا هادئين في الظاهر فقط لكنهم في الحقيقة كانوا على استعداد للقفز في سياراتهم وقيادتها بأقصى سرعة بمجرد الانتهاء من مشاهدة الفيلم؟
في بعض الأحيان، يتم رفض الاستبصارات حول تأثير السينما، تلك التي تأتي من خارج نطاق حدود العلوم الاجتماعية؛ لأنها تفتقر للأساس العلمي. فحتى الدراسات النصية والنوعية الجادة لا يتم دمجها في نتائج الأبحاث أو التوصيات الخاصة بوضع السياسات العامة. ومن ناحية أخرى، فإن مَن ينتقدون الأبحاث الخاصة بتأثيرات الإعلام، وأغلبهم ينتمون لحقل الإنسانيات، لديهم شكوك كثيرة حول إخضاع البشر للدراسة العلمية، لا سيما الخبرة الفنية. فهم يُقدِّرون وسائل البحث من قبيل التحليل النصي ودراسات الحالة لما تتميز به من عناية بالتفاصيل والتعقيدات والتنويعات والسياقات. وفي المقابل، ينظرون إلى التجارب المعملية باعتبارها محاولات غير طبيعية لفرض تعميمات فضفاضة على عملية تلقِّي منتجات الإعلام، في ظل تعقيد التجارب بفعل ما تتضمَّنه من عوامل جمالية وثقافية وشخصية. وأحيانًا ينتقل هؤلاء النقَّاد على نحو أسرع ممَّا ينبغي من الإشادة بتفسيرٍ تقدِّمه إحدى الدراسات إلى رفضها جملةً وتفصيلًا.74 يمكن ملاحظة هذا التوتر في مجال الاتصال (بما في ذلك الاتصال الجماهيري) الذي يتسم بكونه نقطة الْتِقاء للعديد من التخصصات. ورغم أنه يشتمل على بُعْد متعلِّق بعلم الاجتماع يقرِّبه من علم النفس، وبُعد بلاغي يقرِّبه من الدراسات الأدبية، فإن تلك المنظورات البديلة كثيرًا ما تبدو في تعارُض فيما بينها بدلًا من أن يُكمِّل بعضها بعضًا.75 ولأن الباحثين في تأثيرات الإعلام ومَن ينتقدونهم لا يُنصتون جيدًا بعضهم لبعض، فإنهم يَظَلُّون عالِقين في دائرة مفرغة من المبالغة والتحريف. فالباحثون في تأثيرات الإعلام، على سبيل المثال، عرضوا أنفسَهم للنقد القاسي بسبب ما يستخدمونه من رطانة بلاغية غير مبرَّرة. فقد زعم أحد الباحثين أنه لو لم يتمَّ اختراع التليفزيون، لانخفض عدد جرائم القتل بمقدار ????? جريمة في السنة الواحدة.76 وقد أدى الرأي القائل بأن برامج التليفزيون تحثُّ على ارتكاب جرائم قتْل جماعية إلى تحوُّل في معيار البرهنة على أبحاث العلوم الاجتماعية. ففي ضوء تلك المزاعم النارية، فإن الدراسات التي يمكن النظر إليها ببساطة كأجزاء غير مكتملة من الصورة الأكبر، أصبح يُنظر إليها الآن باعتبارها تُعاني قصورًا فادحًا. بيد أن الأمر لا يخلو من بعض المبالغة. فكتاب الباحث الفني ديفيد تريند «خرافة عنف الإعلام»، قد يقودنا عنوانه إلى الظن بأنه يعتقد أن المخاوف بشأن تأثير صور العنف في الإعلام محض خرافة (مغالطة). غير أن تريند يؤكِّد قائلًا: «لقد أقنعتْني الأبحاثُ التي أجريتُها على مدار العَقْد الماضي أن صور العنف في الإعلام تسبِّب الكثير من الأضرار.»77 فبدلًا من إنكار تأثير عنف الإعلام، يطالب تريند بإضفاء قدر من التوازُن والسياق على هذا الجدل. غير أن ما ينطوي عليه عنوان الكتاب من استقطاب، قد يؤدي، لسوء الحظ، إلى تقويض دقة أطروحته. فالرطانة المتزايدة الحِدَّة تحفِّز كلا الطرفين على مواجهة أحدهما الآخر بأسلحة مَشْحُوذة وعقول مُغْلَقة. والشقاق الناجم عن هذا الوضع له عواقب وخيمة على كلٍّ مِن الطلاب والجمهور العام. بيد أن ثمة منطقة وسطًا بين الطرفين: فالباحثون في تأثيرات الإعلام يقدِّمون صورة دقيقة خاصة بعناصر متمايزة لمشكلة معقَّدة. فأنا أعتقد أن هناك دلائل قوية على أن الإعلام له تأثير فعلي على الجمهور في بعض الأحيان. فالأفلام ليست أشياءَ خاملة؛ فهي تلعب دورًا مساعدًا في تشكيل بعض السلوكيات والأفكار لدى عدد كبير من الناس. لكن بالإمكان تسليط الضوء على بعض الاستدراكات بخصوص هذا الزعم: تأثيرات الإعلام ليست كاسحة: عند القيام بتجميع إحصائي لنتائج الأبحاث في الدراسات المفردة، فإن التأثير المَقِيس (إن وُجد) يكون ضئيلًا للغاية. فلا يوجد أي دليل على أن عددًا كبيرًا من البشر يطرأ عليهم تحوُّل جذري جرَّاء التعرُّض للإعلام، لا سيما على المدى القصير. هذا الغياب للتأثيرات الضخمة هو إحدى الخصائص المميِّزة للعلوم الاجتماعية. فعند مقارنة درجة تأثيرات الإعلام بتدخلات من قبيل تدريس كيفية تفسير المادة الإعلامية والعلاج النفسي والعقاقير النفسية، يتبيَّن أن هذه التأثيرات يمكن مقارنتُها بالعوامل السابقة.78 ولذا بينما لا يكون حجم التأثيرات ضخمًا، فإن هذا لا يعني أن نتجاهل نتائج مثل تلك الأبحاث.
الإعلام لا يؤثِّر على جميع الناس بالطريقة نفسها: هناك دائمًا فروق فردية، ومن هنا تأتي ضرورة الإحصائيات في العلوم الاجتماعية. فنتائج تجربة يستجيب فيها الجميع بالطريقة نفسها قد تكون مقنعة (كما هي الحال في الفيزياء)، لكن هذا لا يحدث أبدًا في العلوم الاجتماعية؛ ذلك لأن البشر هم أكثر موضوعات الدراسات العلمية مقاومةً. وحقيقة أن دراسات تأثيرات الإعلام تكشف دائمًا عن وجود اتجاهات عامة، هي أمر وثيق الصلة، لكنه ليس حاسمًا.
التعرُّض للإعلام لا يتسبَّب بمفرده في أي شيء: جميع أنواع السلوك ذات أسباب مضاعفة (أي تنشأ كنتيجة لأكثر من عامل واحد). فرُبَّ تجربة مصمَّمة جيدًا قد تنجح في عزْل مؤثِّر هام بصورة مؤقَّتة، لكن سيظل هناك دائمًا عوامل إضافية يمكن الكشف عنها بواسطة تجارب أخرى جيدة التصميم.
في اعتقادي أيضًا أن مَن ينتقدون أبحاث تأثيرات الإعلام لديهم أسباب وجيهة. فالأفلام هي إبداعات فنية تتبايَن وفقًا لعدد كبير من المعايير الجمالية المختلفة التي تلعب دَوْرًا هامًّا في طريقة تلقِّي الناس لها. وبفضل طبيعتها الرمزية المعقَّدة، يُتاح في الأفلام عدد هائل من المعاني التي يُضفيها مليارات البشر الذين يشاهدونها. ومن هنا، فإن الأبحاث العلمية لن تتمكن أبدًا من التوصل بصورة قاطعة إلى تحديد وتقدير جميع التأثيرات المحتملة على جميع الناس المحتملين.
أحد أهم أوجه القصور في أبحاث التأثير هو أنها — كقاعدة عامة — تميل إلى التقليل من شأن الفروق السردية والجمالية الأساسية؛ حيث يتم التعامل مع جميع الأفلام باعتبارها متطابقة في جوهرها، أو التمييز بينها استنادًا إلى معايير شديدة العمومية: هل تحتوي على عنف؟ هل تحتوي على جنس؟ هل تحتوي على جنس وعنف؟ أتذكَّر أنني قرأتُ دراسة، أثناء دراستي الجامعية، تضمَّنتْ شرطًا تجريبيًّا أشارت إليه ? «أفلام جنس كوميدية محظورة»، ووَضَعَتْ تحتَه فيلمَيْ «أوقات سريعة في مرتفعات ريدجمونت» (فاست تايمز آت ريدجمونت هاي) و«إتش أوه تي إس»، إلى جانب بعض الأفلام الأخرى من مطلع الثمانينيات.79 وباعتباري صبيًّا مراهقًا وقتَها، شاهدتُ عددًا كبيرًا من تلك الأفلام لدى إنتاجها، بما في ذلك «إتش أوه تي إس» (تسلَّلت إلى إحدى دور سينما السيارات بالاختباء في الصندوق الخلفي لسيارة، فقد كان الفيلم لا يستحق ثمن التذكرة).80 وفكرة أن هذا الفيلم وُضع في خانة واحدة مع فيلم مثل «أوقات سريعة»، وهو محاكاة ثقافية ساخرة ومُحكَمة البناء أبدعها صُنَّاع أفلام مرموقون،81 بَدَتْ لي شديدة السخف. فأوجه الشبه بينهما شديدة السطحية، وتعتمد على احتواء كلٍّ مِنهما على مراهقين شَبِقِين. وجعلني هذا أتساءل إن كان الباحثون قد شاهدوا حقًّا الأفلام التي استخدموها في الدراسة. في بعض الأحيان، يفقد الباحثون دقَّتَهم الجمالية في خضَمِّ التحليلات الإحصائية وتصميم التجارب. ولأن ما يحرِّكهم هو المخاوف الاجتماعية أكثر من تقدير الأفلام، فإنهم يُجيدون تصوُّر التأثيرات السلبية المحتملة أكثر من التأثيرات الإيجابية. ففي حين أنه بإمكان أحدهم أن يقف في طابور الدفع بأحد المتاجر ويسبُّ ويلعن آلات الطباعة، بإمكاننا نحن أيضًا الرجوع خطوة إلى الوراء، وملاحظة المزايا الثقافية للكلمة المطبوعة التي توازن أي أضرار قد تكون صحيفة «ناشونال إنكوايرر» قد تسبَّبت فيها. فدائمًا ما يصحب ظهور الاكتشافات التكنولوجية قدْر هائل من الأمل والإثارة، ورغم أن زوال الوهم لا مناص منه، فإن أغلب المخترعات التكنولوجية، بما فيها الأفلام، لديها دائمًا ما تقدِّمه للصالح العام.
(?) قراءات إضافية

Bandura, A.; Ross, D., and Ross, S. A. (1963) Imitation of film-mediated aggressive models. Journal of Abnormal and Social Psychology, 66 (1), 3–11.
Bryant, J. and Oliver, M. B. (eds) (2009) Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. Routledge, Taylor & Francis, New York, NY.
Grimes, T.; Anderson, J. A., and Bergen, L. (2008) Media Violence and Aggression: Science and Ideology. Sage, Thousand Oaks, CA.
Gunter, B. (2002) Media Sex: What are the Issues? Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ.
Postman, N. (1985) Amusing Ourselves to Death: Public Discourse in the Age of Show Business. Penguin Books, New York, NY.
Singer, D. G. and Singer, J. L. (2001) Handbook of Children and the Media. Sage, Thousand Oaks, CA.
Sparks, G. G. (2006) Media Effects Research: A Basic Overview, 3rd edn. Wadworth, Cengage Learning, Boston, MA.

الفصل التاسع
الأفلام كوسيلة للعيش: وظائف الفيلم


في عام ????م، عُرض فيلم «ظهيرة يوم قائظ» (دوج داي أفترنون) الذي أخرجه سيدني لوميت، وقام ببطولته آل باتشينو، وقام بأداء الأدوار المساعِدة كلٌّ مِن جون كازال، وتشارلز دورننج، وكريس ساراندون. وقد فاز فرانك بيرسون بجائزة الأوسكار عن أفضل سيناريو مأخوذ عن نص أدبي، كما رُشِّح الفيلم لخمس جوائز أوسكار أخرى من بينها جائزة أفضل فيلم. وقد حقَّق الفيلم عند عرضه نجاحًا جماهيريًّا ونقديًّا كبيرًا، ويُعتبر اليوم من كلاسيكيات سينما السبعينيات. كان هذا الفيلم نقطة تحول في تاريخ السينما، فلأول مرة يقوم نجم كبير بأداء شخصية رجل مِثْلِيٍّ. وقد اشتمل حوار الفيلم على الكثير من الارتجالات، بما في ذلك ترنيمة آل باتشينو الشهيرة، «أتيكا! أتيكا!» تدور القصة، المأخوذة عن واقعة حقيقية، حول لصَّيْن: سوني (باتشينو) وسال (كازال)، يداهمان بنكًا بمدينة نيويورك في ظهيرة يوم صيفي قائظ، لكنهما يَجِدَانه خاليًا من النقود. وعندما تقوم الشرطة بمحاصرة المبنى، يحتجز سوني وسال بعض الرهائن، لتنطلق سلسلة من المفاوضات المكثَّفة. ونكتشف في هذه الأثناء أن سوني أقدم على السرقة بهدف الحصول على الأموال اللازمة لتغطية نفقات عملية تغيير جنس لعشيقه. وعندما يطلب سوني إرسال سيارة تُقِلُّهما إلى المطار، يُصاب سال بطلْق ناري ويَلْقَى حتْفَه على يد شرطي، ويتم إلقاء القبض على سوني.
شكل ?-?: آل باتشينو في دور سوني في فيلم «ظهيرة يوم قائظ» ???? (حقوق النشر محفوظة لفوتوس ??/آلمي).
بالنسبة إلى الكاتب باتريك هوريجن، كان الفيلم أكثر من مجرد حبكة مشوِّقة، أو فيلم حاصل على الأوسكار وحاز على إعجاب النقَّاد، أو نقد ثقافي لاذع.1 كان باتريك في الخامسة عشرة من عمره عندما شاهد الفيلم عام ????م، وكان ينتمي لعائلة كاثوليكية كثيرة العدد من ضواحي بنسلفانيا، وفي الوقت الذي شاهد فيه الفيلم على شاشة التليفزيون كان يخوض صراعًا ضد ميوله الجنسية. وقد انْبَهَر بوجْه خاص بتصوير الفيلم لمدينة نيويورك؛ حيث وجدها مكانًا قاسيًا لكن مغويًا أيضًا ونابضًا بالحياة. وقد انجذب هوريجن إلى الشخصية التي أدَّاها باتشينو وتماهَى في الوقت نفسه مع معضلته. كذلك رأى أن السلطات حسنة النية، لكنها أبوية وعاجزة عن إيجاد مخرج لسوني من الظروف العصيبة التي تورَّط فيها. ويفسر باتريك مشهد استدراج سوني «للخروج» من مبنى البنك باعتباره مجازًا لتعقيدات خروج المثلي إلى الحياة العامة. فحتى مناشدات والدة سوني له للخروج من المبنى كان يمكن أن تكون لها عواقب مميتة. ولأن باتريك كان على وعي بمخاطر الخروج إلى الحياة باعتباره صبيًّا مثليًّا، فقد أثار هذا المشهد في نفسه اضطرابًا شديدًا. كذلك تأثَّر بوجه خاص بالمكالَمة الهاتفية الحميمية بين سوني وليون. وفي حين أن هذا المشهد تعرَّض فيما بعدُ للانتقاد على أساس أن استخدام الهاتف حَرَمَ صُنَّاع الفيلم من أي وسيلة بصرية لتصوير الاتصال الجسدي بينهما، فإن فرصة مشاهدة مشهد يُصوِّر مشاعرَ حميمية بين رجلَيْن كانت بالنسبة إلى باتريك أكثر أهميَّةً من الحميمية الجسدية.
لقد تحوَّل «ظهيرة يوم قائظ» إلى جزء من حياة باتريك الداخلية. فقبل مشاهدة الفيلم، اعتاد أن يستغرق في سلسلة من أحلام اليقظة التفصيلية، كان يرى فيها نفسه ممثِّلًا ومُخرجًا مشهورًا، وكان يدمج تلك الخيالات في الأفلام التي يشاهدها. كذلك تخيَّل كتابة ما يشبه جزءًا ثانيًا للفيلم يلعب فيه دَوْر رفيق سوني الشاب. وفي النهاية، تركت تجربتُه مع الفيلم واسترسالاتُه حولها تأثيرًا عميقًا عليه: «الإمكانية الفعلية لامتلاك هُوية مثلية والدخول في علاقة حب مع رجل آخر، التي رأيتُ لمحةً منها في تصوير الفيلم للعلاقة بين البطل وصديقه، اقتحمتْ عقلي وغيَّرتْ طريقةَ تفكيري.»2 في بعض الأحيان، يدرك الناس أن لأحد الأفلام تأثيرًا عليهم؛ فيشعرون أنه يقتحمهم، ويدركون الدور الذي يلعبه في تفكيرهم وأفعالهم. تلك هي إحدى نقاط القوى التي تتمتع بها الأشكال الرمزية مثل الفيلم. في تلك الحالات، لا تكون الرموز مجرد بدائل لمفاهيم مجرَّدة مثل الحب والقمع؛ ففي بعض الأحيان، تكون للرموز أهمية حقيقية في الطريقة التي يعيش بها الناس حياتهم.3 ينطلق هذا الفصل من النقطة التي توقَّفنا عندها في الفصل السابق الذي استعرضنا فيه تأثيرات الإعلام. ورغم أن الفصلين يتعاملان مع الكيفية التي تتسلَّل بها الأفلام إلى حياتنا، فإن ثمة فارقًا أساسيًّا بينهما: ? «التأثيرات» (الأثر، الوقع) تحدث «للناس». فعندما نقول إن لفيلم ما وقْعًا علينا، فإننا نتعامل معه باعتباره وسيلة فاعلة. لكن يحدث أحيانًا أن نستخدم فيلمًا ما بطريقة واعية في تحقيق أهدافنا الخاصة. فنقوم بتطبيقه على حياتنا، ونجعل منه أداةً لتنفيذ وظيفة معينة. وفي هذا السيناريو، نكون نحن الوسائل الفاعلة، والأفلام هي الأدوات التي نستخدمها.
(?) الوظائف المهنية للأفلام

إن أردنا أن نؤثِّر على مجموعة من الناس، فإن الفيلم هو إحدى الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف. فعند استخدامها بطريقة صحيحة كوسائل اتصال، يمكن للأفلام أن تساعد في تثقيف الجماهير بشأن مجموعة واسعة من القضايا: العناية بنظافة الفم والأسنان، والتاريخ، والسياسة، والتعايش مع الأحزان، إلخ. فالقوة الكامنة للصور المرئية يمكن تسخيرها وتشكيلها لتحقيق كل ما يَعِنُّ لنا من أهداف أخلاقية أو علاجية أو تعليمية.
استخدام الأفلام في التثقيف

لا يتفق المحتوى الميلودرامي و/أو الخيالي لأفلام السينما السائدة مع الصورة المعيارية للتعلُّم المنضبط. فالأفلام قد تبدو مجرد وسيلة للتسلية بدرجة تَحُول دون انتظار أيِّ نفْع منها. والسهولة الظاهرية التي يتعامل بها الناس مع الصور المرئية يمكنها أن تُثبِّط عملية التحليل المتأنِّي التي تشجِّع عليها القراءة وغيرها من وسائل التثقيف التقليدية. ورغم تلك التحفظات، فإن ما تتميز به الصور المتحركة من خصائص تجعلها في متناول الجميع تُثير حماس عدد كبير من التربويين. وفي حين أن المستويات المتقدِّمة من التعليم تفضِّل الكلمة المكتوبة، فإن الأفلام نالت اعترافًا واسعًا باعتبارها وسائل تعليمية مساعِدة في الكثير من الموضوعات المميَّزة.
ثمة صور مرئية في الأفلام والتليفزيون وأجهزة الكمبيوتر يتم إنتاجها خصوصًا لتلبية حاجة سوق التعليم، فضلًا عن وجود مجموعة كبيرة من الكتابات الهامة حول فاعلية تلك الطرق.4 وحتى الأفلام التي تُنتَج بهدف العرض في دُور السينما وُجد أن لها قيمةً تربوية، بالنظر إلى قدرتها على تعليم القِيَم والفضائل والأخلاق للأطفال والمراهقين. وحياتي الدراسية في فترة الطفولة تقدِّم مثالًا جيدًا في هذا الصدد؛ فقد كنتُ جزءًا من الرعيل الأول من جمهور مشاهدي برنامج «شارع سمسم» على شبكة تليفزيون بي بي إس. ورغم أنني لا أستطيع القول إنني تعلمتُ حروف الهجاء من خلال برنامج تليفزيوني، فإنني على يَقِين من أن صورة الانسجام المجتمعي كان لها تأثير كبير عليَّ. ففي المدرسة الابتدائية، كانوا يَعرِضون علينا من حين لآخر أفلامًا قصيرة تتضمَّن رسائل تعزِّز الحس الاجتماعي. وثمة فيلم على وجه التحديد، «التجديف صوب البحر» (بادل تو ذا سي)، يصوِّر قاربًا خشبيًّا منحوتًا على متنه رجل هندي، ينطلق في جدول مائي صغير، إلى أن ينتهي به المطاف في البحر، لا تزال أصداؤه تتردد في ذاكرتي إلى اليوم. وأعتقد أنه ساعدني في التماهي مع النُّظم الطبيعية المترابطة، وأن أقدِّر أهمية المثابرة والمصادفة في رحلات الحياة.5 لقد سعى التربويون إلى فهرسة مجموعة من الأفلام يمكن استخدامها، بمساعدة معلِّمين مَهَرة، في تعليم بعض القِيَم.6 ففيلم «جسر إلى تيرابيثيا» (بريدج تو تيرابيثيا)، وهو فيلم مغامرات من إنتاج ديزني، يقدِّم تيمات الصداقة والموت والتنمُّر. فيمكن أن يقوم المعلِّم بطرح مجموعة من الأسئلة على تلاميذه حول المَشاهِد التي تتعرَّض فيها الشخصية الرئيسية للسخرية بسبب فقْرِها: كيف كان، في تصوُّركم، شعور جيس عندما سخر منه الأطفال بسبب حذائه؟ لماذا تبدو السخرية من فقْرِ جيس سلوكًا خاطئًا؟ كيف كنتَ ستَرُدُّ على المضايَقة التي تعرَّض لها جيس لو كنتَ مكانه؟ هذه الوسيلة السينمائية لها أفضلية على مجرد التعليم باستخدام العبارات الأخلاقية (على غرار: «من الخطأ أن تُضايِق الناس»)؛ ذلك لأن الفيلم لديه القدرة على رفع حِدَّة الخِبْرة الشعورية والتعاطفية. لسنوات طويلة، كانت المكانة الفكرية للفيلم المشكوك في أمرها تجعل الأساتذة يتردَّدون طويلًا في استخدامها كوسيلة مساعدة في التدريس، بَيْد أن الحركة التقدُّمية التي شهدتْها الستينيات فتحت الطريق أمام استخدام تشكيلة واسعة من الوسائل التربوية. وبدأ الأساتذة يستخدمون الأفلام في تدريس العلوم الإنسانية الكلاسيكية.7 وفي الألفية الجديدة، ظهرت كتب دراسية مخصَّصة بالكامل للأفلام الروائية، قدَّمت مجموعة من المفاهيم الهامة للعديد من المجالات البحثية؛ مثل علم الاجتماع،8 والعلوم السياسية،9 وعلوم البيئة.10 ومع ذلك، لا يزال هناك قلق من أن استخدام الأفلام في المستويات المتقدمة من التعليم قد يُعتَبَر وسيلة رخيصة لإغراء الطلاب المستهترين بهدف رفع معدلات الالتحاق. إن مقرَّر «علم نفس الفيلم» الذي أقوم بتدريسه يَحظَى دائمًا بنسبة الْتِحاق أعلى من سعته المقرَّرة؛ مما يثير حسَدَ زملائي الذين يدرسون مقرَّرات عن كانط أو الإمبريالية الإسبانية. لكني أُبادِر بالاعتراف بأن شعبيته تعود إلى حدٍّ كبير إلى كلمة «الفيلم» في عنوانه. فمِن الواضح أن الطلاب يُدرِكون أن مشاهدة الأفلام سوف تتداخل في أضيق الحدود مع دوري البيسبول أو غيرها من الأنشطة الشبابية في فصل الربيع. وبينما أحرص أن يشتَمِل المقرَّر على واجبات قراءة وكتابة شديدة الجدية لتبديد شكوك زملائي، فإنني لا أترفَّع أبدًا عن استغلال الجاذبية العميقة للأفلام لجذب الطلاب إلى المواد الدراسية، وتعميق خبرة التعلُّم.
يمكن أيضًا استخدام الأفلام كأدوات تعليمية في العلوم التطبيقية مثل الطب. فمصطلح «التعليم بالسينما» يصف طريقة استخدام الأفلام التجارية في تدريس الطب عن طريق عرض مواقف وإثارة أسئلة حول شتَّى القضايا الطبية.11 وفي حين أن هناك عددًا قليلًا من الأفلام قد تكون ذات فائدة في دراسة تشريح الجهاز الدوري، فإن العلاج الطبي أوسع نطاقًا من التشريح والعقاقير والإجراءات الطبية. فممارسة الطب تتضمَّن أبعادًا نفسية واجتماعية وتبادلية بين الأشخاص تُجيد الأفلام تصويرَها (أو تُسيء تصويرَها، وهو ما قد يكون مفيدًا أيضًا). تأثير الأمراض المزمنة على العائلة: يصوِّر فيلم «صُلْب ماجنوليا» (ستيل ماجنوليا) الأثر الذي تتركه إصابة امرأة شابة بمرض قاتل على أمها وعائلتها الممتدَّة.
تبليغ أخبار سيئة: المشهد الذي لا يُنسى في فيلم «شروط التحبُّب» (تيرمس أوف إنديرمينت) الذي يقوم فيه طبيب، وهو يشعر بضيق بالِغ، بإبلاغ مريضه بحقيقة مرضه، يتناقض مع الشكل المثالي للتواصل بين الطبيب والمريض.
أمراض الأطفال: يدور فيلم «زيت لورينزو» حول زوج وزوجة يخوضان صراعًا للتغلب على مرض ابنهما المزمن. ويتم تسليط الضوء على تأثير ذلك على علاقتهما الزوجية، فضلًا عن محاولة الأم استكشاف كل وسائل العلاج الممكنة.
رغم ما يشوب صورة المشورة الطبية والعلاج النفسي في السينما من تشوهات، لجأ الأطباء النفسيون إلى بعض الأفلام كوسيلة لتدريس علم النفس. والكثير من الكتب يستخدم الأفلام لتعريف الطلاب بنظرية الشخصية12 والمرض النفسي،13 فضلًا عن العديد من ورش العمل المخصَّصة لمساعدة المعالِجين النفسيين في شحذ مهاراتهم المهنية باستخدام الأفلام.14 فالأفلام تُستخدم للاستفادة من حيوية صورها، وأيضًا لأنها تشجِّع على التماهي، وتقلِّل من الخِزْي الذي يرتبط بالمرض النفسي في أذهان طلاب الطب،15 وتزيد من تعاطفهم مع المرضى.16استخدام الأفلام في العلاج النفسي

العلاج بالسينما هو استخدام الأفلام كوسائل للعلاج النفسي.17 ولأن الأفلام تتيح للمشاهدين عَقد صلات مجازية بين محتوى الفيلم وعالم الواقع، فإن المعالِج النفسي البارع بإمكانه مساعدة مرضاه في عقد تلك الصلات من أجْل حلِّ مشاكلهم وتسهيل تحقيق تقدُّم في عملية العلاج.18 وينبغي النظر إلى العلاج بالسينما باعتباره «وسيلة» علاج، وليس نوعًا من العلاج قائمًا بذاته. وفي حين أنه يتعيَّن على أيِّ معالِج نفسي يستخدم الأفلام أن يأخذ في اعتباره ما تَنطَوِي عليه من إمكانيات رمزية، فإن ثمة طرقًا عديدة محتمَلة يمكن استخدامها لهذا الغرض. فقد يلجأ معالج نفسي إلى استخدام الأفلام كوسيلة لمساعدة مرضاه في فهم بعض أنماط التفكير المزعجة (العلاج المعرفي-السلوكي)، بينما يستخدمها معالِج آخَر في مساعدة مرضاه في فهم قِيَمهم وطموحاتهم (العلاج الإنساني)، في حين يستخدمها ثالث في مساعدة مرضاه على فهم صراعاتهم الداخلية (العلاج الديناميكي النفسي). فقد استخدم أحد المعالِجين النفسيين فيلم «كابوس في شارع إلم» في علاج مراهِق — يُشار إليه بالاختصار «سي» — كان يتلقَّى علاجه داخل المستشفى.19 كان «سي» قد أُدخِل إلى المستشفى في البداية بسبب إدمانه المخدرات، وطبيعته المشاكسة، وأدائه السيِّئ في المدرسة، فضلًا عن قيامه بتحطيم منزل الشخص المسئول عن رعايته. فبعد أن هجرتْه أمه وهو في التاسعة من عمره، انتقل للعيش مع عمِّه المُتزَمِّت، ونَمَتْ بينهما علاقة سادها التوتُّر. كان الصبيُّ مولعًا بأفلام سلاشر، لكنه حُرم من مشاهدتها بعد تفاقم ما كان يسبِّبه من مشاكل. وبعد فترة عَزْل في المستشفى، سعى معالِجُه النفسي إلى التقرُّب إليه عن طريق الحديث معه حول أفلام الرعب المفضلة لديه، التي كانت تستحوذ على جماع مشاعره. وقد اتفق المعالِج و«سي» على مشاهدة مقاطع من الجزء الرابع من فيلم «كابوس في شارع إلم: سيد الحلم» أثناء الجلسات ثم مناقشتها معًا. وقد ساعدتْ تلك المشاهدة المشتركة في تحسين العلاقة بين المعالِج والمريض؛ حيث زادتْ من ثقة «سي»، وأتاحتْ للمعالج مراقبة ردود أفعاله. وقد كشف «سي» عن أنه رغم إعجابه بقوة فريدي كروجر، فإنه كان يتماهَى مع ضحاياه قليلي الحِيلة من المراهقين، كما ارتبط فريدي في ذهنه بالبالغين المتسلِّطين، لا سيما عمُّه. وقد ساعد المعالج النفسي «سي» في التعرف على مخاوفه من إساءة المعاملة والهَجْر باعتبارها مصدرَ ما يشعر به من سخط تجاه الآخرين. وتم تطبيق هذا الاستبصار في العلاج النفسي العائلي، مما ساعد «سي» على البَوْح بآلامه (وليس سخطه فحسب) للقائمين على رعايته. وساعده هذا في التنفيس عن غضبه والنجاح في الاندماج في الحياة العائلية مرة أخرى.
وفي شكل آخر من أشكال العلاج، يعمد المعالجون إلى اختيار فيلم ملائم لوضعية المريض (نوع مشكلته، سِنه، نوعه، خلفيته الثقافية، إلخ)، ثم مناقشته معه بعد مشاهدته. فأحيانًا يعوِّل المعالِجون على قيام المرضى بعقد صلات مع الفيلم من تلقاء أنفسهم، لكن في أحيان أخرى يتم توجيههم إلى الغرض من الفيلم، وأيضًا إلى إمعان التفكير في أسئلة معينة.20 ففيلم «البحث عن بوبي فيشر» (سيرشينج فور بوبي فيشر)، على سبيل المثال، يُستخدَم في معالجة المشاكل الخاصة بالعلاقة بين الآباء والأبناء. فالطفل المعجزة في لعبة الشطرنج (ماكس بوميرانس) يتعرَّض لضغوط من والده (جو مانتيجنا) ومدربه (بن كينجسلي) للتخلِّي عن رِقَّة طبْعِه وتعلُّم العدوانية سعيًا وراء الفوز. وفي النهاية يُدرِك الأب أنه يتسبَّب في إلْحاق ضرر بالغ بابنه. لذا بإمكان الفيلم مساعدة الآباء على إدراك كيف أنهم يُسقِطون طموحاتِهم الخاصة على أبنائهم والتحذير من مخاطر هذا النوع من الإشباع بالنيابة. كذلك يمكن لهذا الاستبصار مساعدة الآباء في تعلُّم احتضان مواهب أبنائهم، والموازنة، في الوقت نفسه، بينها وبين غيرها من احتياجاتهم كأطفال (للاطِّلاع على قائمة بالمشاكل النفسية المرتبطة ببعض الأفلام، انظر الملحق «د»). يتميَّز العلاج النفسي باستخدام الأفلام بوجود المعالِج النفسي حاضرًا بشخصه أثناء الجلسة. فقد أظهرتِ الأبحاث الحديثة أن أهم مؤشر على حدوث تقدُّم في عملية العلاج النفسي هو متانة العلاقة الشخصية بين المريض والمعالج.21 أضِفْ إلى ذلك أن الأفلام توفِّر مجموعة من الخصائص العلاجية الهامة؛ فهي تستحوذ على المشاعر، وذات طبيعة مجازية إلى حدٍّ بعيد. لهذا السبب، يعتقد علماء النفس وغيرهم من الكُتَّاب في أهمية التأمل الذاتي الذي تُشجِّع عليه الأفلام، حتى وإنْ لم يتمَّ هذا تحت إشراف المعالج النفسي أو مشاركته؛ ويؤكدون في كتبهم المخصَّصة للمساعدة الذاتية على أن إمعان التفكير في الأفلام بإمكانه أن يقود إلى حياة أكثر ثراءً، وأوْفَر صحَّةً، وأشد استقامةً. في كتابه «قتل الوحوش: لماذا يحتاج الأطفال إلى الفانتازيا والأبطال الخارقين والعنف المصطنع؟» يقدِّم جونز إجابات مُقنِعة لسؤال: لماذا يمكن لصور الفانتازيا والعنف أن تنشِّط الخيال وتساعد على اكتساب حسٍّ بالذات عبْرَ التماهِي مع شخصيات قوية؟22 وتذهب كتب أخرى إلى أنه بإمكان الأفلام المساعَدة في تسهيل عملية التواصل بين الآباء والأبناء حول جميع الموضوعات، بما في ذلك الطلاق والمخدرات والموت، وحتى الأمور الخارقة.23 ففي كتاب «العلاج بالسينما: كيف تساعدك الأفلام في التغلُّب على مشاكلك الحياتية؟» (????)، يقوم سولومون بمراجعة بضع مئات من الأفلام من حيث قدرتها على معالجة مجموعة من المواقف الحياتية المختلفة. ويسلك كتاب «الإشباع السينمائي» لجريس دَرْبًا مُشابِهًا، فيما عدا أن المؤلِّفة تُرتِّب مجموعة الأفلام التي تقترحها في سياق خطة متدرِّجة لتحسين الحياة.24 أما أكثر الكُتُب السينمائية تجذُّرًا في المنظورات النفسية الراسخة، فهو كتاب «علم النفس الإيجابي في الأفلام: استخدام الفيلم في بناء الفضائل ونقاط القوة في الشخصية» من تأليف ويدينج ونيميك.25 يزعم علم النفس الإيجابي أن علم النفس، على مدار تاريخه، انصبَّ تركيزه على الجوانب السلبية من البشر — المرض النفسي، الفظائع الاجتماعية، الأخطاء المعرفية — بدلًا من تقديم رؤية لأفعال الشخصية الإنسانية المثالية.26 وبالمقابل، يربط الكتاب بين أربع وعشرين نقطة من نقاط القوة في الشخصية وستِّ فضائل أساسية. وباستخدام تحليلات منهجية، يرى الكاتبان أن نقاط القوة تلك ارتبطتْ دائمًا على مدار التاريخ بالعظمة الإنسانية.27 يشير كتاب «علم النفس الإيجابي في الأفلام» إلى وجود تلك الخصائص في العديد من الأفلام، ويقدِّم لنا خلاصة وافية بها. فعلى سبيل المثال، يتم الربط بين خاصية الإبداع وفيلم «الحياة جميلة» (لايف إز بيوتيفول)؛ حيث يبتدع جيدو (روبرتو بينيني) عالمًا خياليًّا من أجْل ابنه المحتجَز في أحَد معسكرات الاعتقال، وهو أكثر الأوضاع مدعاةً لليأس والتشاؤم. كذلك نقع على تجسيد نموذجي للحيوية في فيلم «كول هاند لوك» من خلال صورة لوك (بول نيومان) الذي لا يستطيع كبْتَ روحه المتفرِّدة حتى لو دفع حياته ثمنًا لذلك. أما فيلم «إنها حياة رائعة» (إتس أ وندرفول لايف) فيجسِّد أهمية الشعور بالامتنان عندما يدرك جورج (جيمي ستيوارت) الأهمية الحقيقية لحياته بعد التفكير مليًّا في الانتحار. تلك الأفلام وغيرُها يتمُّ تقديمُها باعتبارها أعمالًا فنية لديها القدرة على الارتقاء بالحياة البشرية.
(?) الوظائف العامة للأفلام في الحياة اليومية

إنَّ الأبحاث حول الاستخدامات والإشباعات هي مقارَبة تنتمي لميدان العلوم الاجتماعية، تهدف إلى دراسة الطريقة التي يُشبِع بها الإعلام حاجات الجمهور ورغباته.28 وقد انعكست عملية الإشباع في تفضيلات الأفلام والاستمتاع بها التي ناقشناها في الفصلين الخامس والسابع من هذا الكتاب. لكن بجانب الاستمتاع، هل تؤدي الأفلام أيَّ وظيفة أخرى في حياة الناس؟ كيف «يستخدم» الناس ما يشاهدونه من أفلام؟ إنَّ الاستخدامات والإشباعات تكمِّل أبحاث التأثير؛ فكلا المجالين يسعيان لتحديد النتائج العملية المترتبة على التعرض للإعلام، مع وجود العديد من الاختلافات الهامة بينهما. أهمُّها على الإطلاق يتمثَّل في أن السؤال الذي يَقُود خُطَى مقارَبة الاستخدامات والإشباعات هو: ماذا يفعل الناس بالإعلام؟ (في مقابل السؤال: ماذا يفعل الإعلام بالناس؟) يعتقد هؤلاء الباحثون أن المشاهدين يمتلكون نسقًا أساسيًّا من الدوافع والمشاعر والمعارف، وأن الإعلام يوفِّر ساحةً لإشباع تلك الدوافع. كذلك يعتقدون أيضًا أن البشر لديهم من الوعي الذاتي ما يكفي للتَّماسِّ مع دوافعهم وخبرتهم بالإعلام. وعلى العكس من الفاعلية الاجتماعية لأبحاث التأثير، تُحجِم هذه المقاربة عن إصدار أحكام بشأن كون استخدامات الإعلام تلك جيدة أم سيئة.29 تسعى هذه المقاربة لتحديد الأنماط المختلفة للوظائف التي يؤدِّيها الفيلم وصور الإعلام الأخرى. ورغم تمايُزِها، فإن ثمة تداخُلًا ملحوظًا بين بعضها وبعض. ففيلمٌ ما قد يكون ذا فائدة لأحد الأشخاص، وليس لآخَر؛ في حين أن فيلمًا آخر قد يكون له استخدامات كثيرة لدى أشخاص مختلفين. ورُبَّ مُشاهِدٍ قد يستخدم الفيلم نفسَه في إشباع عدد من الحاجات، في حين يستخدم مشاهد آخر فيلمًا معينًا بطريقة وفيلمًا آخر بطريقة مختلفة.
إحدى وظائف الفيلم هي «الترفيه»، رغم أن تلك الفئة كثيرًا ما تُستخدَم باعتبارها مصدر جَذْب شديد عندما يكون من غير المستطاع تحديد وظائف أخرى. إن الإشارة لفيلم ما باعتباره «ترفيهيًّا فحسب» تتضمَّن أنه لا يؤدِّي أيَّ وظائف أخرى. وثمة توصيفات أخرى لوظائف الفيلم على القدر نفسه من الغموض؛ مثل «تزجية وقت الفراغ» أو «قتْل الوقت». والأسئلة حول لماذا يكون أحد الأفلام ترفيهيًّا أو شكلًا مفضَّلًا لتمضية وقت الفراغ، تظلُّ معلَّقة بلا إجابة. فرغم أن الترفيه وثيق الصلة بالمتعة، فإن الاستمتاع بالإعلام ظاهرة معقَّدة تتطلَّب استقصاءً أكثر تعمقًا.30 استخدام آخر للفيلم؛ هو «التحكُّم بالمشاعر». فكثيرًا ما يستخدم الناس الأفلام بهدف الاسترخاء أو تخفيف حِدَّة التوتُّر، والأفلام الكوميدية من الأنواع المفضَّلة في هذا الصدد. ومن الواضح أن الناس كثيرًا ما يستخدمون أفلام الحركة والمغامرات بهدف الحصول على دفعة شعورية عندما يشعرون بالضجر والحاجة إلى الإثارة. تشكِّل تلك الوظائف مجموعة من العمليات المتكامِلة يُطلَق عليها «إدارة الحالة المزاجية»؛ أي استخدام الإعلام للحصول على مستوًى مثاليٍّ من الإثارة (برفع أو خفض حِدَّتِها)،31 وهو استخدام يُضاهِي الطريقة التي تُستخدم بها المخدرات والخمور. كذلك يمكن استخدام الأفلام وغيرها من وسائل الإعلام لتحقيق «أغراض اجتماعية». فارتياد دُور العرض نشاط اجتماعي يمكن، بصورة ما، ألَّا يكون له علاقة بالمحتوى السينمائي للفيلم. فبعض الناس قد يتطلَّعون إلى لافتة معلَّقة على مجمع سينمائي تحمل عناوين «أثر الثمالة» (هانج أوفر) الجزء الثاني، أو «شجرة الحياة» (ذا تري أوف لايف) لتيرينيس ماليك، أو «منتصف الليل في باريس» (ميد نايت إن باريس) لوودي آلِن، ويعلنون أنهم لا يهتمون كثيرًا أيٌّ منها سوف يُشاهدونه. فمحتوى الفيلم ليس حافزًا بقدْر ما هو ذريعة للخروج؛ مقابلة صديق أو موعد غرامي، قيادة السيارة إلى دار العرض، الجلوس معًا، الحديث عن الفيلم بعد مشاهدته، إلخ.
كذلك تؤدِّي الأفلام أيضًا وظيفة اجتماعية حتى عندما يكون الناس بمفردهم؛ ذلك لأنها تمنحهم شعورًا بالتواصل الإنساني يمكنه أن «يخفِّف وطأة الإحساس بالوحدة». ولأن الأفلام يَصنَعها البشر، فإنها في حَدِّ ذاتها شكلٌ من أشكال التواصل.32 هذا التواصل يمكن أن يكون غير مباشر وأحاديَّ الجانب، لكنه يظل وسيلة للتواصل الرمزي مع الآخرين عبر الانغماس في قصة عامة والتماهي مع شخصياتها. وبينما يعد التليفزيون الوسيلة الأكثر استخدامًا في هذا الغرض، فإن أجهزة الفيديو المنزلية وارتياد دور العرض يمكن أن يلعبا دورًا مماثلًا.33 إضافةً إلى ذلك، يتيح الإعلام الجماهيري للناس فرصة «المشاركة في المعلومات». تلك الوظائف تضطلع بها نشرات الأخبار والاتصالات الهاتفية في المقام الأول، لكن يمكن أن تنطبق أيضًا على أشكال الترفيه. فقد أظهرتْ دراسة أجرتْها جانيس رادواي أن أحد الأسباب الشائعة لقرَّاء الروايات العاطفية هو «التعرُّف على الأماكن النائية والأزمنة الموغلة في القِدَم»،34 حتى وإنْ لم يكن التثقيف هو ما يرتبط بتلك الكتب في أذهان معظم الناس بصفة عامة. فالتثقيف ليس هو العامل الأساسي الذي يدفع الناس إلى ارتياد دُور العرض، لكنْ لأن الأفلام تقدِّم صورًا شديدة الحيوية لأماكن وأنشطة لا يتاح لأغلب الناس فرصة أخرى للاطِّلاع عليها، فإن التثقيف يعتبر في هذه الحالة وظيفة إضافية. فالناس قد يتعلَّمون شيئًا عن الإبادة العرقية في أفريقيا من خلال فيلم «فندق رواندا»، أو عن التاريخ البريطاني من فيلم «خطاب الملك»، أو عن الفصام من فيلم «عقل جميل». وقد ينزعج المتخصصون في مجالات معينة مما يشوب بعض التجسيدات السينمائية من عدم دقة،35 بيد أن المظهَر الواقعي لصور الأفلام يؤثِّر بقوة على الناس الذين لا تتاح لهم أيُّ وسيلة أخرى للاطِّلاع على تلك الموضوعات. كثيرًا ما تُستخدم الأفلام كوسيلة «للهروب». تلك الوظيفة شديدة الشيوع إلى حدِّ أنها تُستغل أحيانًا في الدعاية والمراجعات النقدية؛ «الفيلم «س» وسيلة رائعة للتخلص من همومك.» وهي، علاوة على ذلك، وظيفة راسخة؛ لأن هناك الكثير من وسائل الهروب.36 إن السعي للهروب من الحالة الشعورية الراهنة هو طريقة أخرى للحديث عن التحكُّم بالحالة المزاجية. وفي أحيان أخرى، قد يسعى المشاهدون إلى الهروب من روتين الحياة اليومية وعمل شيء مختلف (وهو أحد أسباب ما تتمتع به دُور العرض السينمائية حتى الآن من جاذبية خاصة لدى الكثير من المشاهدين). وأخيرًا، يستخدم بعض المشاهدين الأفلام كوسيلة للهروب من أنفسهم؛37 فبدلًا من الاستسلام للضجر أو القلق، توفِّر الأفلام لمثل هؤلاء المشاهدين واقعًا بديلًا يفوق نمط حياتهم الراهن. هذا النوع من الهروب إلى عالم بديل قد يُقدَّم بصورة مبالَغ فيها في أفلام مثل «الرجل العنكبوت» (سبايدر مان)، و«سيد الخواتم»، و«جنس في المدينة» (سكس إن ذا سيتي). وظيفة أخرى للأفلام هي «تطوير الذات». ورغم أنها قد تبدو نقيضًا للهروب، فإن الوظيفتين مرتبطتان. فمع أن الهروب من الذات يتيح للناس تجنُّب حقائق حياتهم اليومية، فإن تجربة الهروب يمكنها أن تزوِّدهم أحيانًا بلمحة من طرق أخرى للعيش، ما يحفِّزهم على التأمل في حياتهم الخاصة. إن عملية إنتاج المعنى من خلال الأفلام ليست صورة من صور المتعة فحسب،38 بل بإمكانها أيضًا جعل عملية الارتقاء بالذات ممكنة. تُفضِّل أبحاث الاستخدامات والإشباعات، شأنها شأن أبحاث التأثير، الطرق المسْحِيَّة والتجريبية التي توفِّر صورة عريضة لوظائف الفيلم لدى مختلف شرائح السكان. تلك الطرق ليستْ مصمَّمة لتناول المحتوى الرمزي لأفلام بعينها والعمليات التفسيرية لأفراد بعينهم. إن وظيفة مثل تطوير الذات، التي تختلف من شخص لآخر، تفتح آفاقًا أدقَّ حال استخدام طرق مخصَّصة لجمع البيانات.
(?) الوظائف الشخصية للأفلام في الحياة اليومية

في دراسته الواسعة التأثير «الأدب كوسيلة للعيش»، يشير كينيث بيرك إلى أن الاستخدام المجازي للكلمات يمكنه أن يؤثِّر على الفعل الإنساني، كما في المَثَل: «الحَجَر المتدحرِج لا تتراكم عليه الطحالب» أو «كلما ارتفع القرد كشف عن جزء أطول من ذيله.» فتلك الأمثال بمثابة نصائح حول كيفية التصرف في موقف حياتي معين. بالنسبة إلى بيرك، تُعَدُّ الأمثال أكثر الأشكال الأدبية اختصارًا. ومسرحيات شكسبير تؤثِّر هي أيضًا على سلوكنا، وإن كان ذلك بطريقة أكثر تعقيدًا وبلا حدود. إن وظيفة الناقد، بحسب بيرك، هي استخلاص الفئات المتنوعة التي يمكن بواسطتها استخدام الأدب:تلك الفئات ستنظر إلى الأعمال الفنية — كما أعتقد — باعتبارها استراتيجيات لانتقاء الأعداء والحلفاء، ومشاطرة المصائب مع الآخرين، ودَرْء العين الشريرة، والتطهُّر، والاسترضاء، وتدنيس المقدَّسات، والعزاء، والانتقام، والوعظ، والتذكير، وأوامر أو تعليمات مضمرة من نوع أو آخر. فالأشكال الفنية مثل «التراجيديا» أو «الكوميديا» أو «المحاكاة الساخرة» من شأنها أن يتم التعامل معها باعتبارها «وسائل للعيش».39 يقابل بيرك هذه المقاربة للأدب بذلك الاتجاه الذي ينظر للأدب باعتباره كيانًا يسكن في ملكوت للجمال الخالص منقطع الصلة بعالم الواقع. إن الأدب، من وجهة نظره، كيان حي من حيث قدرته على الامتزاج بحيوات القرَّاء. غير أن الأدب ليس هو الفن الوحيد الذي يتمتع بتلك الخاصية الحية. فجميع الوسائل الرمزية لديها القدرة على التأثير على الحياة.40 ومقولة إن الأفلام وسيلة للعيش، التي نأخذها عن مقولة بيرك، تَصِف ما يحدث عندما يقوم المشاهدون، بطريقة واعية، بتطبيق المعاني التي يجدونها في الأفلام، على تجاربهم الشخصية.41 تستخدم الأفلام الروائية الرموز لتحكي قصصًا عن أحداث مترابطة في الزمان والمكان، وينبغي على المشاهدين أن يفهموا تلك الرموز ويفسِّروها.42 إن عملية فهم العالم من خلال القصص التي نرويها هي مكوِّن أساسي من مكونات الطريقة التي يعمل بها العقل.43 ويرى دان ماك آدامز أننا لا نستخدم الأشكال السردية في فهم الخيال فحسب، بل في فهم أنفسنا أيضًا.44 فالسبب في أن الناس يَروُون قصصًا بعضهم لبعض على الدوام (في صورة محادثات وروايات ومسرحيات وأفلام) هو أننا نروي قصصًا لأنفسنا بلا انقطاع. إن «ذواتنا» ليست إلا مجموعة من القصص. والاستبصارات التي نستخلصها من كتابَي طبيب الأعصاب أوليفر ساكس («الرجل الذي أخطأ بين زوجته والقبعة» و«عين الخيال») لا تتأتَّى من التحليل التقني لعلم تشريح الأعصاب، إنما من قدرته على تجسيد قصص مرضاه، التي استطاع من خلالها تجسيد تجاربهم الذاتية، ما أتاح للقرَّاء فرصة للتعاطُف معهم. عندما نتحدث عن استخدام الأدب أو الأفلام كوسيلة للعيش، فإننا نستخدم شكلًا فنيًّا سرديًّا لفهم قصصنا الخاصة. فالقصص الخيالية تصير جزءًا من قصص حياتنا. والخيال هو «محاكاة» رمزية لخبرة الحياة. فباستطاعة الفنان التعبير عن جميع الخبرات الحياتية بصورة مضغوطة في شكل سرديات خيالية. والقصص هي مَعامل تزوِّدنا بمواقف شبيهة بمواقفنا الحياتية يستطيع الجمهور من خلالها تجربة مختلف الاستجابات الممكنة.45 وعبر الانغماس في تلك الحكايات، نتعلَّم الكثير عن العديد من جوانب المجتمع، بما في ذلك المواقف غير العادية التي قد لا نتعرَّض لها أبدًا بصورة مباشرة. تلك المحاكات السردية تؤهِّلنا رمزيًّا لمواجهة التحديات المستقبلية، فضلًا عن أنها تساعدنا على فهْم أحداث وقعتْ لنا في الماضي. ولأن الانغماس في القصص يتضمَّن بُعْدًا شعوريًّا فضلًا عن التماهي والتعاطف، فبإمكانه تعظيمُ قدْرتنا على التعاطف مع «شخصيات» العالَم الواقعي: الغَيْر. جميع الوسائل الخيالية لها مزايا وعيوب من حيث الطريقة التي يمكن أن نستخدمها بها كوسيلة للعيش. والقصص المكتوبة تتطلَّب جهدًا ذهنيًّا؛ نظرًا لوجود فرق إدراكي بين الوسيلة (علامات مطبوعة بالحبر) وبين عالم القصة. أما الأفلام، بالمقابل، فهي صور تسمح بالدخول إلى عالم الخيال بسهولة نسبية.46 في بعض الأحيان، تشجِّع تلك السهولة المشاهدين على الهروب، وتُثبِّط هِمَمَهم عن القيام بالمهمَّة الذهنية الصعبة المتمثلة في عقد مقارنة بين عالم الخيال وعالم الواقع. لكن عندما ينجح المشاهدون في اتخاذ مسافة تأملية من فيلم ما، فإن حقيقة أن المحاكاة السينمائية نابضة بالحياة وشديدة الشَّبَه بعالَم الواقع يمكن أن تجعل تلك التجربة مُثمِرة بوجه خاص؛ حيث «يشعر» المُشاهِد كأنه «كان هناك وفعل ذلك.» يمكن تحديد وسائل العيش من خلال التحليل النصي، تمامًا كما هي الحال مع مقاربات المشاهدة الأخرى. فأفلام البيوت المسكونة بالأشباح («البريق»، و«رعب إيميتيفيل» (ذا إيميتيفيل هورُر)، ومؤخرًا «نشاط خارق») على سبيل المثال، يمكن تحليلها من حيث طريقتها في تقديم سيناريوهات كارثية تعكس قلق عالمنا المعاصر، مع إمداد المشاهدين، في الوقت نفسه، بطرق تساعدهم على التعايش مع هذا القلق.47 ومع ذلك، فإن تفحُّص استجابات المشاهدين للأفلام مباشرةً يُتيح لنا التعرُّف على الفروق الفردية، ويمكن أن يزوِّدنا بنماذج أكثر حيويَّةً.48 وهناك العديد من التجارب الشخصية الهامة في مشاهدة الفيلم وجدت طريقَها للنشر (مثل استجابة هوريجن لفيلم «ظهيرة يوم قائظ»)، وسوف أُشيرُ لاحقًا إلى بعض تلك الأمثلة. كذلك سأستخدم، فضلًا عن ذلك، مقابلات غير منشورة (تتراوح كلٌّ مِنها بين ?? و?? دقيقة) طرحتُ فيها على ?? مشاركًا الأسئلة التالية: «عندما تسترجع شريط ذكرياتك، هل هناك فيلم معيَّن كانت له أهمية خاصة لديك؟ ما هذا الفيلم؟ وما وَجْه أهميته لك؟» ثم أعطيتُ المشاركين مُهلةَ يومٍ واحد على الأقل ليفكِّروا جيدًا في تلك الأسئلة. وكانت حصيلة تلك المقابلات مجموعة من القصص الثرية والمؤثِّرة عن قدْرة الأفلام على التأثير على حياة البشر. «الفيلم الذي لن أنساه أبدًا»: وظائف السيرة الذاتية

حَظِيتِ الذاكرة بقَدْر كبير من الاهتمام في علم النفس. وفي حين أن جزءًا كبيرًا من هذا الاهتمام انصبَّ على عملية تذكُّر الأرقام وقوائم الكلمات والوقائع المعلوماتية، كان هناك اتجاه ركَّز على ذاكرة السيرة الذاتية (الذكريات المتعلِّقة بالتجارب الشخصية).49 وقد أظهرتِ النتائج دائمًا أن ذكرياتنا عن أحداث الحياة عُرْضة لكثير من التحريفات، لكن بعض الباحثين ذهبوا إلى أن ذكريات السيرة الذاتية ليست مسألة متعلِّقة بالدقة فحسب؛ فذكرياتنا عن خبرات الماضي قد تكون غير صحيحة فيما يتعلَّق بالتفاصيل الموضوعية، لكنها تجسِّد الجوهر الشعوري والشخصي لتلك الخبرات. وكثيرًا ما تتخذ تلك الأنواع من الذاكرة شكلًا سرديًّا.50 بهذه الطريقة، يمكن للأفلام أن تغدو جزءًا حيًّا من نسق الذاكرة الشخصية للمرء، بيد أن هذا لا ينطبق على جميع الأفلام، بطبيعة الحال. فبعض الأفلام لا تخلِّف أيَّ أثر في الذاكرة. وبعد مُضِيِّ بضع سنوات أو حتى شهور على مشاهدتها، لا يكون بوسع الناس تذكُّر تفاصيل الحبكة أو الشخصيات (وأحيانًا ينسَوْن حتى أنهم شاهدوا الفيلم تمامًا). ومع ذلك، نعثر أحيانًا في ثنايا تلك الأفلام المنسيَّة على بعض الذكريات الحية، بعضها قد يكون صادمًا،51 والبعض الآخر ساميًا. إنَّ الناس الذين أُجريتْ معهم مقابلات حول الأفلام المُهِمَّة في حياتهم استحضروا ذكريات قوية عن أفلام بعينِها، خاصةً تلك التي شاهدوها في وقت مبكر من حياتهم. فأحد المشاركين تذكَّر أن أُولَى ذكرياته كانت مشاهدة فيلم «ساحر أوز» في التليفزيون. وتذكَّر آخرُ أفلامًا مثل «رحلة سندباد الذهبية» (ذا جولدن فويج أوف سنباد)، وأن الفيلم قد امتزج بذكرياته عن قيامه بمحاكاة الشخصيات، إلى درجة أنه لم يَعُدْ يستطيع التمييز بين هذه وتلك. إنَّ امتزاج الذكريات عن الأفلام مع غيرها من الذكريات يمكن رؤيته أيضًا في حالة أحد المشاركين وقد ربط بين فيلم «الكريسماس الأبيض» (وايت كريسماس) ووقائع عطلة الكريسماس مثل تغليف الهدايا وتزيين شجرة عيد الميلاد.
لم تكن جميع الذكريات بمثل تلك العذوبة. فأحد المشاركين تذكَّر أنه كان يتسلل إلى دُور العرض مع أصدقاء السوء لمشاهدة أفلام أدانتْها الكنيسة الكاثوليكية (مثل: «مدينة لا تعرف الشفقة» (تاون ويزاوت بيتي)). ولأن مشاهدة الأفلام كثيرًا ما تكون مع صحبة، فإن بعضًا من تلك الذكريات تكون مشتركة مع آخرين. فقد تحدَّث أحد المشاركين ممن أُجريت معهم مقابلة عن استعادة علاقته مع صديقته السابقة واستئجارهما شريط فيلم «روميو وجولييت»، وهو محاكاة ساخرة رديئة لروميو وجولييت تتسم بالعنف كانا قد شاهداه معًا في مراهقتهما. إن مشاهدة الفيلم مرة ثانية قادت الحبيبَيْن إلى ذكريات أخرى، وساعدتهما على رؤية علاقتهما بطريقة أكثر إيجابيَّةً.
ومثل كل ذكريات السيرة الذاتية، تتسم الذكريات السينمائية بعدم الدقة. فأحد المحلِّلين النفسيين يتذكَّر بوضوح فيلم «عودة الثلاثة» (ثري كيم هوم)، وهو فيلم إنتاج عام ????م، تدور أحداثه في معسكر اعتقال ياباني شاهده عندما كان صبيًّا صغيرًا. وعندما شاهد الفيلم مرة أخرى بعد ?? عامًا، فوجئ بوجود عناصر مهمة كان قد نَسِيها، أهمها أن الفيلم كان به صبيٌّ صغير في نفس عمره تقريبًا عندما شاهد الفيلم أول مرة. وفي الحقيقة، كانت هناك مَشاهد كثيرة بَدَتْ وكأنها صدًى لحياته الشخصية (ولع الصبي بالقرود وحمل أمه). وبصفته محلِّلًا نفسيًّا، استنتج أن نسيانه شخصية هذا الصبي كان نوعًا من الدفاع ضد قلق حبكة الفيلم، لكن يمكن أيضًا أن يكون نتيجة لشعور أوديبي بالذنب ناتج عن استمتاعه بمَشاهد يقوم فيها الحراس اليابانيون بإبعاد المساجين الذكور، بمَن فيهم والد الصبي، تاركين النساء والأطفال وحدهم.52«الفيلم الذي يرسم ملامح شخصيتي»: وظائف الهُوية

ذكريات السيرة الذاتية هي القصص التي تشكل هُويتنا، شعورنا الذاتي بما نحن عليه. فبالنسبة إلى متخصص في علم النفس التطوري، مثل دان ماك آدامز، فإن دراسة السرد هي في جوهرها دراسة للهوية. فمن المستحيل تقريبًا أن نفكِّر في ذواتنا أو نَصِفَها دون اللجوء إلى القصص. فعندما يَصِف أحد الأشخاص نفسَه بالشجاعة، فإن هذا الزعم قد يتلوه سؤال: «كيف ذلك؟» وللإجابة عليه، سيحكي عن تلك المرة التي تصدَّى فيها لمحاولة بعضهم التنمُّر عليه أو أنقذ عائلته من حريق شبَّ في منزلهم (مثل الشخصية التي لعبتها ميريل ستريب في فيلم ألبرت بروكس اللاذع «دفاعًا عن حياتك» (ديفيندنج يور لايف)).
تتخذ القصص — والهُويات — أشكالًا متعدِّدة. فبعض الناس يَرَوْن أنفسهم كأشخاص يحبُّون مساعدة غيرهم من الناس، وتدور قصصهم حول ما قدَّموه من مساعدات للآخرين. وثمة قصص أخرى حول أناس يَرَوْن أنفسَهم محاربين أو عشَّاقًا. ويعتقد ماك آدامز أن كل تلك الأنماط هي أشكال مختلفة للأبعاد الأساسية لمفهوم الذات؛ البُعد الفاعل (الطريقة التي نتصوَّر بها أنفسنا كأفراد لدينا القدرة على ترك بصمتنا على العالم) والبعد الاجتماعي (الطريقة التي نرى بها أنفسنا في علاقتنا مع مَن حولنا).53 فقصصنا كلها تعبِّر عن فرادتنا أو علاقتنا بغيرنا من الناس (وأحيانًا كلتاهما معًا). عندما نشاهد فيلمًا، نتماهَى مؤقتًا مع العديد من شخصياته أو حتى مع جميعها. وقد نتماهى مع نبرة الفيلم أو أسلوبه، بيد أن معظم تلك الخبرات، شأنها شأن الذكريات، سريعة الزوال. ومن حين لآخر، نقع على فيلم نتماهى معه بقوة إلى درجة أننا نغدو واعين بذلك، ونستمر في التماهِي مع أحد جوانبه (أو على الأقل مع ذكرياتنا عنه) لفترة طويلة بعد انتهاء مشاهدته. عند هذه النقطة، تصير ذكرياتنا عن الفيلم جزءًا من هويتنا الشخصية. وهذا هو ما يعنيه البعض عندما يقولون إن فيلمًا ما يرسم بحق ملامح شخصيتهم أو ملامح مرحلة معينة من حياتهم.
وكما رأينا في الفصل الثاني، بإمكان المرء أن يطبِّق العديد من التفسيرات النفسية على فيلم مثل «ساحر أوز». ولكن، رغم أن التفسيرات تشير إلى أشياء عن المشاهد، فإنها تكون أفكارًا مجرَّدة. وعلى مستوًى أكثر شخصيَّةً، تؤكد الروائية تيري ماكميلان أن الفيلم لعب دورًا هامًّا في طفولتها. فرغم وعْيِها بالتبايُن بين حياتها كطفلة أمريكية سوداء تترعرع في مدينة صناعية بولاية ميشيجان من ناحية، وحياة طفلة بيضاء في مزرعة بكنساس، فإن تلك الاختلافات لم تكن بنفس أهمية الأشياء التي «استطاعت» أن تتماهَى معها: تسلُّط العمَّة إيم الذي ذكَّرها بأمِّها؛ إحساس دوروثي بأنْ لا أحد يهتمُّ بها؛ الرحلة إلى أوز التي عكست خيالات ماكميلان عن الهروب من ظروفها الكئيبة إلى عالم مبهِج ومُثِير. وفي النهاية، فإن هذا الجزء من ماكميلان الذي كان يَتُوق إلى المغامرات ويتلذَّذ بالخيال، هو ما شجَّعها على أن تُصبح روائية عندما نَضِجَتْ.54 وقد حكى أحد المشاركين في مقابلة شخصية كيف أنه يمكن لفيلم أن يرسم ملامح فترة بكاملها من حياة أحد الأشخاص؛55 ففي منتصف الثلاثينيات من عمره،56 وصف إيثان ما كان لفيلم «مزرعة الحيوانات» (أنيمال هاوس) من تأثير عليه. فكان يقوم هو وأصدقاؤه في الكلية بمحاكاة الحفلات الجامحة، والأفعال الهزلية المناهضة للسلطة التي يقوم بها بلوتو (جون بيلوشي) وبقية الحيوانات. وكثيرًا ما كانوا يقعون في المتاعب مع الإدارة، ويستحضرون في أذهانهم أوجُهَ شَبَهٍ مهينة بين العميد وُرمر (جون فيرنون) وعميد كُليَّتهم. ورغم أن إيثان وزملاءه كانوا واعين بتلك الصلات، فإنهم على الأرجح لم يتعمَّقوا في تأمُّلها آنذاك. لكن مع بلوغه سِنَّ النضْج، بدأ إيثان ينظر إلى ذاته السابقة بانتقاد شديد. واليوم، كلما شاهد هذا الفيلم، تذكَّر تماهِيَه السابق معه، حتى وإنْ أثار ذلك في نفسه شعورًا بالاستياء. مشاركة أخرى، جودي، زوجة وأمٌّ لطفلين في بداية الأربعينيات من عمرها، تحدَّثَت عن كيف أن فيلم «أنْ تقتل عصفورًا محاكيًا» (تو كيل أ موكينج بيرد) — خاصةً شخصية أتيكوس فينش (جريجوري بيك) — حدَّد ملامحَ علاقتها المعقَّدة بوالدها. لقد بدأ الفيلم يلعب دورًا مُهِمًّا في حياتها عندما شاهدتْه مع والِدِها وهي في الثامنة من عمرها. وازدادتْ تلك الصلة متانةً عندما بدأ والدُها يُنادِيها باسم سكوت، على اسم الابنة في الفيلم. وعندما بلغتْ جودي سنَّ المراهقة، لَقِيَ والدُها حتفَه في حادث صيد. وبدأتْ جودي تَرَى أوجُهَ الشَّبَه بين أتيكوس ووالدها، الذي كان طبيبًا محترمًا، كثيرًا ما كان يعالِج الفقراء دون مقابل. لكنْ على عكس أتيكوس، أدركتْ جودي أن والدها كان به «عيب خطير»؛ فلم يكن «مستعِدًّا للإقلاع عن إدمانه الخمور حبًّا في أطفاله ومن أجْل سلامتهم.» ولدَى رحيلِه، كانتْ علاقتُهما القوية قد اعتراها الفتور بسبب إدمانه للخمور. وبعد رحيله، عاشتْ جودي فترةَ مراهقة عصيبة، أعقبتْها في شبابها المبكر «سلسلة من المحاولات الفاشلة لإنقاذ فتيان ارتبطتْ بهم باعتبارهم بدائل لوالدها». ورغم أن الفيلم كان مُهِمًّا لها على الدوام بسبب الدَّوْر الذي لعبه في علاقتها المبكرة مع والدها، فإنها لم تعِ مشاعرَها المعقَّدة تجاه أتيكوس (أو والدها) إلى أن تزوَّجتْ وبدأتْ تخضع للعلاج النفسي.
تتضح عملية تشكيل الهوية بوجه خاص في الظاهرة المعروفة ? «رابطة المعجبين»؛57 حيث يتعلَّق المعجبون تعلُّقًا شديدًا بأحد جوانب الثقافة الجماهيرية؛ قد يكون فيلمًا (مثل: «ذهب مع الريح»)، أو نوعية أفلام (رعب، أو خيال علمي) أو مُخرجًا (كوينتن تارانتينو). ويتشارك المعجبون اهتماماتِهم بوجهٍ عامٍّ من خلال الأندية والمؤتمرات وغُرَف الدردشة وهكذا. تلك الروح الجماعية يمكن أن يكون لها تأثير عميق على الهُوية؛ حيث تنتقل ساحة الحركة من دائرة التأمل الذاتي إلى الحوار الجماعي والحوارات الاجتماعية المستفيضة. تقدِّم الشعبية الجارفة لفيلم «فيلم الرعب روكي» (ذا روكي هورُر بيكتشر شو) في السبعينيات والثمانينيات حالة نموذجية لهذا الجانب الاجتماعي لتطوُّر الهوية. من الصعب تخيُّل شخصٍ تعثَّر دون دراية منه بهذا الفيلم المفكَّك ووجده محمَّلًا بمعانٍ عميقة. ومع ذلك، في حفل منتصف الليل، وسط رفاق معجبين بالفيلم يرتدون أزياءً منتقاة بعناية ومنهمكين في طقوس مفعمة بالحيوية، يصبح الفيلم تمرينًا مبهرًا على بناء المجتمع.58 تلك التجربة الاجتماعية تؤثِّر في مجملها على جوانب من الهُوية لها تأثير على الصلة بين الأقران، والتعبير عن النفس، والصراع مع الهوية الجنسية، فضلًا عن استكشاف قِيَم مغايرة لنسق القِيَم السائد. «الفيلم الذي غيَّر مَجرَى حياتي»: الوظائف التحويلية

كثيرًا ما استُخدمتِ القصص من جانب الآباء والأمهات ورجال الدين ومؤلِّفي الدراما باعتبارها شكلًا غير رسمي من أشكال العلاج، بيد أن المعالِجين النفسيين طوَّروا أشكالًا من العلاج النفسي السردي يستطيع الاستشاريون من خلالها مساعدة المرضى في تنقيح القصص التي يَروُونها عن حياتهم.59 والأفلام الروائية تساعد في تسهيل عملية التنقيح تلك، ليس من خلال العلاج بالسينما فحسب، لكن من خلال الاستبصارات الشخصية التي نكتسبها من مشاهداتنا اليومية أيضًا. إن فكرة التحول (تغيير مجرى الحياة)، أكثر من كونها مداواةً (ما يعني ضمنًا وجود جرح بحاجة إلى علاج)، تقترح أن الأفلام يمكن أن تُستخدَم في تسهيل عملية تطورنا المستمرة بلا انقطاع كبشر.60 بإمكاننا أن نَجِد مثالًا للاستخدام التحويلي للأفلام في علاقة الأُلْفة الشديدة بين جودي وفيلم «أن تقتل عصفورًا محاكيًا». فهي لم تستخدم الفيلم في فهم ماضيها فحسب، بل تراه الآن أيضًا انعكاسًا لحياتها الراهنة مع أبنائها. فهي ترى في أتيكوس، على وجه التحديد، نموذجًا لتربية الأبناء: من المؤكد أن طريقة تربيتي لأبنائي شديدة الاختلاف عن الطريقة التي ربَّاني بها والداي؛ حيث أركِّز على تعليمهم قِيَم التسامُح والاحترام واحترام الذات وكل الأشياء التي أستشعر وجودها في هذه الشخصية، فضلًا عن الدفاع عمَّا يعتقده المرء صوابًا في هذا العالم؛ أن تكون إنسانًا عادلًا.
ورغم أنها نادرًا ما تستحضر الفيلم بطريقة واعية في خضم حياتها اليومية، فإنها تَعِي تلك الروابط بوضوح في لحظات التأمل. فالفيلم يؤكِّد على حقائق حياتها، لكنه يوفِّر لها أيضًا إمكانيات لما يمكن أن تصبح عليه حياتها وحياة أولادها.
في بعض الأحيان، تستغرق عملية التحول أعوامًا كثيرة، وتستلزم رؤية العديد من الأفلام. تلك العملية المعقَّدة يمكن رؤيتها في مذكرات نورمان هولاند «لقاء مع الأفلام»، التي يتأمَّل من خلالها تلك الأفلام التي لعبت دورًا هامًّا في حياته (????). ومن التيمات التي تتكرَّر على امتداد صفحات الكتاب عشقه للأدب والقصص. وقد تحوَّل هذا الشغف إلى مصدر للصراعات عندما خاض هولاند صراعًا حول ما إن كان يريد أن يصبح كاتبًا أم ناقدًا. وقد كشف هذا التناقض عن نفسه عند مشاهدته فيلم السيرة الذاتية «فرويد» من إخراج جون هيوستن. فعندما تناول هولاند الفيلم كناقد، وجد أن باستطاعته استعراض قدراته التحليلية، كما أن التدريب الذي تلقَّاه في التحليل النفسي منحه القدرة على فهم موضوع الفيلم فهمًا عميقًا. لكن عندما حاول هولاند التوافق مع مبدع الفيلم، فإنه شعر بالتهديد من الشخصية المظهرية المهيبة لهيوستن وقدرته على إبداع روائع مثل «الصقر المالطي» (ذا مالتيز فالكون). وبمقارنة طاقات هيوستن التي تبدو بلا حدود بشعوره بالعجز وجهوده اليائسة لكي يصبح كاتبًا، وجد هولاند نفسه مرغمًا على إدراك أنه أيًّا كانت العيوب والمزايا التي قد يجدها في «فرويد»، فإن عمله باحثًا يحجبه تألُّق هيوستن مُخرجًا.
ويؤكِّد هولاند على تلك التيمة مجددًا في تناوله لفيلم «أبناء الفردوس» (تشيلدرن أوف بارادايز). فهو يرى في افتتان باتيست (جون لوي بارو) المبكِّر بجارونس (آرليتي) نموذجًا للكيفية التي تنطفئ بها الطموحات الرومانسية لمرحلة الشباب بفعل حقائق مرحلة النضج. فرغم نجاحه في تمرُّده ضد رغبة والده في أن يصبح محاميًا، فإنه لم يصبح قطُّ ذلك الفنان العظيم الذي تخيَّل أنه سيكونه. وبالمقابل، فإن استجابته لفيلم «شكسبير عاشقًا» (شكسبير إن لاف) تعكس نجاحه في التوصل إلى تسوية لهذا الصراع. ففي حين أنه طالما كان يعشق أعمال شكسبير، اعترف هولاند بأنه كان يشعر بالحسد تجاه موهبة شكسبير التي تبدو بلا حدود. لكن في الوقت الذي عُرض فيه الفيلم، كان قد قطع شوطًا كبيرًا في حياته المهنية؛ ومن ثَمَّ فإنه رأى في الفيلم فانتازيا مبهجة تحتفي بالانتصارات الفنية والجنسية للشاب ويل، ووجد أنه بوسعه الاستمتاع بالفيلم دون شعور بالذنب أو التَّوْق. وقد ساعدتْه تلك التجربة على أن يتقبَّل أخيرًا مكانه في هذا العالم.
(?) لقطات ختامية: النظر إلى الأفلام من زاوية مختلفة

رغم أن مقارَبة الأفلام باعتبارها وسيلة للعيش منبثقة من المقاربات العديدة التي ناقشناها في هذا الكتاب، فإنها تتضمَّن النظر إلى الأفلام من زاوية مختلفة. إن عملية التفسير، بصورها العديدة، ليست غاية في ذاتها، بل هي آلية رمزية شديدة الأهمية يمكن أن تصبح للأفلام وظائف بواسطتها. فقبْلَ أن يستطيع المرء التعامل مع رسالة ما بطريقة واعية، عليه أن يفهمها أولًا. وكلما أمعن المشاهدون التفكير، بدءوا في إدراك الكيفية التي يرتبط بها معنى الفيلم بمعنى حياتهم الخاصة.
وكلما ارتقت قدرات التفسير لدى المرء، ازدادت الأهمية التي يمكن أن يكتسبها الفيلم والأشكال الفنية الأخرى. ففي دراسة أَجريتُها منذ بعض الوقت، طلبتُ إلى بعض المشاركين أن يُفسِّروا فيلمًا كانوا قد شاهدوه للتَّوِّ، وطلبتُ إلى فريق آخر أن يَصِفوا حبكتَه، ثم طلبتُ إلى فريق ثالث أن يتأمَّلوا في حدث من حياتهم الشخصية لا علاقة له بالفيلم.61 وعقب هذا التأمل، طلبتُ إلى جميع المشاركين أن يتخيَّلوا التطبيقات الممكنة للفيلم في المستقبل. وقد جاءتْ أكثر الأفكار شخصيَّةً من هؤلاء الذين شُجِّعوا على تفسير معنى الفيلم. يَفترض استخدامُ الأفلام كوسيلة للعيش القدرةَ على الفصْل بمسافة نفسية بين الذات والفيلم. ومن هنا، فإن تلك العملية ليستْ رديفًا «للاندماج» في الفيلم؛ حيث يعتقد المشاهدون أنهم يعيشون داخل الفيلم (أو أن الفيلم يعيش بداخلهم). وفي حين أن هذا الاندماج قد يحدث أحيانًا في التجربة المباشرة لمشاهدة الأفلام، فإنه بوجه عام يتلاشى بمجرد مغادرة دار العرض. وهؤلاء الذين يستمرون في الخلط بين الواقعي والسينمائي إنما يُعانون من نقص في النضوج المعرفي أو حتى من الذُّهان (وقد يتسبَّب ذلك في بعض سلوكيات المحاكاة التي ناقشناها في الفصل السابق). وبدلًا من ذلك، فإن مقاربة الأفلام باعتبارها وسيلة للعيش تشير إلى أن المشاهدين يدركون مَن يكونون وماذا يحدث على الشاشة، ولديهم ما يكفي من الفطنة للتفرقة بين هذا وذاك.
أضِفْ إلى ذلك أن استخدام الأفلام كوسيلة للعيش يتطلَّب قدرًا من التأمل الذاتي. وهو مطلب من الصعب الوفاء به في الأجواء المعملية التي تخضع لتحكُّم صارم. أما الطرق الصحافية، والكيفية، والسردية؛ مثل دراسات الحالة، والمقابلات، والشهادات الشخصية، وحتى التحليلات النصية، فبإمكانها جميعًا توفير سبل لدراسة هذه الظاهرة، لكن قد يكون من الصعب إثبات أن فيلمًا ما غيَّر حياة أحد الأشخاص. تلك المقاربة تعطي الأولوية للتجربة الإنسانية؛ كيف يدرك ويشعر ويفهم الناس ما يقع لهم من أحداث. ورغم ما تتسم به من تغيُّر مسارها، فإن تلك العمليات هي المادة الخام للوعي الذاتي. إن الباحثين والمعلِّمين والمعالِجين النفسيين الذين يستكشفون إمكانية استخدام الفيلم استخدامًا واعيًا في الحياة المهنية واليومية يميلون إلى التحمُّس للأفلام، ويعقدون عليها الآمال في أن تكون ذات نفع في مساعدة البشر على بلوغ الهدف الذي لا نهاية له المتمثِّل في توصُّلهم إلى فهم أنفسهم.
(?) قراءات إضافية

Burke, K. (1973) The Philosophy of Literary Form: Studies in Symbolic Action. University of California Press, Berkeley, CA.
Dine Young, S. (2000) Movies as equipment for living: A developmental analysis of the importance of film in everyday life. Critical Studies in Media Communication, 17 (4), 447–468.
Hesley, J. W. and Hesley, J.G. (2001) Rent Two Films and Let’s Talk About It in the Morning: Using Popular Movies in Psychotherapy, 2nd edn. John Wiley & Sons, Inc., Sommerset, NJ.
Mar, R. A. and Oatley, K. (2008) The function of fiction is the abstraction and simulation of social experience. Perspectives on Psychological Science, 3 (3), 173–192.
McAdams, D. P. (1993) The Stories We Live By: Personal Myths and the Making of the Self. Guilford Press, New York, NY.
Niemiec, R. M. and Wedding, D. (2008) Positive Psychology at the Movies: Using Films to Build Virtues and Character Strengths. Hogrefe & Huber, Cambridge, MA.
Rubin, A. M. (2009) Uses-and-gratifications perspective on media effects, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. (eds J. Bryant and M. B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis, New York, NY, pp. 165–184.

الفصل العاشر
خاتمة: الصورة الكاملة


كان صيف ????م نقطة تحوُّل في حياتي. كنتُ في العاشرة من عمري، عالقًا بين الطفولة والمراهقة، تلك المرحلة التي جسَّدها بدقة فيلم «قِفْ بجانبي» (ستاند باي مي). كنتُ أعيش، منذ سِنِّ الخامسة، في قاعدة عسكرية أمريكية صغيرة بمدينة شتوتجارت بألمانيا، ثم صدر قرار بعودة والدي، الذي كان ضابطًا بالجيش، إلى الولايات المتحدة.
رغم أنه لم يكن لديَّ إلا بضع ذكريات قليلة عنها، كانت أمريكا بالنسبة إليَّ وإلى أصدقائي أرضَ الميعاد. فكل ما يَمَسُّه البريق الأمريكي كان يكتسب على الفور مسحة سحرية؛ فعلبة من حلوى بيكسي ستيكس أرسلها جدَّانا من هناك كان يمكن أن تُبَاع لقاء ?? سنتًا للقطعة الواحدة، أو تتم مبادلتُها بكل أنواع البضائع المهرَّبة.
وقتئذٍ كنتُ عائدًا مرة أخرى إلى تلك الأرض الأسطورية، ورغم شعوري بالإثارة الشديدة، كانت تلك النقلة الوشيكة مُخيفة. فقد كانت القاعدة العسكرية مكانًا حالِمًا ترعرعت فيه، وكان لنا — باعتبارنا أطفالًا — مُطلَق الحرية في التجوال حتى أحد جانبي البوابات في جماعات صغيرة، فضلًا عن الغابات الشاسعة التي لا نهاية لها على الجانب الآخر من بواباتها؛ لذا فقد غمرني شعور بالأسَى والخوف لمغادرتها.
شكل ??-?: مارك هاميل، وكاري فيشر، وهاريسون فورد، في أدوار: لوك، وليا، وهان، في فيلم «حرب النجوم: الجزء الرابع – أمل جديد» ???? (حقوق النشر محفوظة لبكتوريال بريس (شركة ذات مسئولية محدودة)/آلمي).
وقبل أسابيع قليلة من موعد الرحيل، بينما كنت أشاهد المحطة التليفزيونية الوحيدة الناطقة بالإنجليزية هناك، رأيتُ خبرًا عن فيلمٍ أثار ضجة كبيرة في الولايات المتحدة في ذلك الحين. كان ثمة أمريكيون حقيقيون، في مدينة أمريكية حقيقية، مصطفِّين في طوابير طويلة لشراء تذكرة للفيلم، الذي رأيتُ مقتطَفًا منه يُصوِّر سفينة فضاء غريبة الشكل تَهرَب بشِقِّ الأنفس من كوكب عجيب. كانت هناك أسلحة تعمل بالليزر، وأشرار يرتدون دروعًا بيضاء، وقِرْد مُشعِر هائل الحجم، ورجل في حلَّة سوداء من الواضح أنه كان الأكثر رباطةَ جأشٍ من بين جميع مَن عاشوا على سطح أيِّ مجرة منذ بدء الخليقة. كنتُ مفتتَنًا؛ ففكرة أنه في غضون أسابيع قليلة سيكون بوسعي مشاهدة هذا الفيلم — بدلًا من الانتظار سنةً كاملة حتى يصل إلى دار العرض الملحَقة بالقاعدة العسكرية، التي دائمًا ما تتأخَّر في عرض الأفلام الجديدة — أشعلتْ حماسي.
شكل ??-?: أليك جينيس وجورج لوكاس في موقع تصوير فيلم «حرب النجوم: الجزء الرابع – أمل جديد» ???? (حقوق النشر محفوظة لأرشيف إيه إف/آلمي).
شكل ??-?: سكيب يونج، أحد المعجبين بفيلم «حرب النجوم»، ?? أعوام.
بعد وداع أصدقائي والوطن الوحيد الذي عرفتُه حتى وقتئذٍ، بدأ شعوري بالإثارة لمشاهدة «حرب النجوم» يخفِّف من وطأة شعوري بالقلق ويساعدني على تركيز انتباهي. وكان من أوائل الأشياء التي قامت بها عائلتي، بمجرد وصولنا لكولورادو سبرينجز والانتهاء من تفريغ حقائب السفر، هو الذهاب إلى المركز التجاري الجديد المتلألئ الذي توجد به دار عرض. ورغم أن «حرب النجوم» كان موجودًا في دُور العرض منذ بضعة شهور، فإنه كان علينا الوقوف في طابور أمام شباك التذاكر لمدة ساعة فيما راح شعوري بالإثارة والترقُّب تتصاعد حِدَّتُه.
وأخيرًا حانت اللحظة. وبينما كانت العناوين الافتتاحية تُعرَض على الشاشة، راحت موسيقى جون ويليامز توقظ شيئًا في داخلي. كانت المعارك الفضائية واقعية بصورة مذهلة، والشخصيات آسِرة، جديدة لكنْ مألوفة أيضًا. وراحت المخلوقات الغريبة تتقافز على الشاشة بسرعة أكبر بكثير من قدرتي على الاستيعاب. واللمحات التي تراءتْ لي من دارث فيدر، بقِنَاعِه وقامتِه المديدة، كانت مثيرة ومروِّعة. ومن حين لآخر، في اللحظة الملائمة تمامًا، كانت الأجواء المتوتِّرة يعقبها هدنة كوميدية مهدِّئة؛ حيث ينفجر المشاهدون في الضحك (هان سولو عقب إطلاق النار على جريدو: «عذرًا لِما سبَّبتُه من فوضى»). وفي النهاية، فعلت الشخصيات ما كان يتوجَّب عليها فعلُه؛ حيث آمن لوك ? «القوة»، وعثر هان على الخلاص. لقد استحوذ «حرب النجوم» على مخيِّلتي بصورة لم يفعلها أي شيء آخر شاهدتُه من قبل.
لقد أصبح الفيلم الشيء الذي يمثِّل نقطة التحول في حياتي؛ حيث ساعدني على التواصل مع موطني الجديد، والعديد ممَّا كنتُ أقوم به من أنشطة كان يمرُّ من خلاله. وقبل انتهاء فترة عرضه الأولى، ألحَحْتُ على والدتي لكي تأخذني أربع مرات أخرى لمشاهدته (كان هذا من جانبها تدليلًا لا يمكن تخيُّلُه). ابتعتُ المجلات، وبطاقات علكة الفقاقيع، ومجموعات الدُّمَى الصغيرة التي تمثِّل شخصيات الفيلم. وقد شكَّلت تلك الأشياء ملعبًا مشتركًا لإقامة صداقات جديدة.
عندما أَستعيد ذكريات تلك الفترة، يبدو لي أن ولعنا الجارف بفيلم «حرب النجوم»، في أوْج مرحلة المراهقة، لم يكن مصادفة؛ حيث كان وعيُنا البازغ بذواتنا بصدد تحويل حياتنا الداخلية المؤلَّفة من وقائع مفكَّكة إلى كيان مترابط وملحمي. كانت تلك هي المرة الأولى، حسبما أتذكَّر، التي بدأتُ فيها أتأمل الخير والشر، وقطعتُ عهدًا على نفسي ألا أفعل سوى الصواب. وفي مدارس الأحد، بينما كان المعلِّم يُحدِّثنا عن الروح القدس، تراءى لي ما شعرتُ أنه قد يكون كشفًا دينيًّا عميقًا؛ فقد أشرقتْ في ذهني فكرةُ أنَّ ما كان المعلِّم يحدثنا عنه هو في حقيقة الأمر «القوة». ورغم أن الأفلام التي كنتُ سوف أشاهدها فيما بعد — مثل «المحتال» (ذا هسلر)، و«الوهم الكبير» (جراند إيلوجن)، و«الإغواء الأخير للمسيح» — كانت ستقدِّم تناوُلًا أكثر تعقيدًا للمسائل الروحية والأخلاقية، فإن «حرب النجوم» كان أول فيلم يَلْفِت انتباهي لتلك الأمور.
لعب العديدُ من شخصيات الفيلم دورًا هامًّا في حياتي، لكني أتذكَّر أن شخصية الأميرة ليا أثَّرتْ فيَّ بوجه خاص. كانت جذَّابة بطريقة غريبة (تسريحة شعرها على شكل كعكة على جانبَي رأسها!) لكنها شديدة الاختلاف عن حسناوات أفلام الحركة الأخرى (فتيات بوند على سبيل المثال) اللواتي كُنَّ يُؤجِّجْنَ رغباتي في مرحلة ما قبل المراهقة. لم تكن ليا تتصرَّف على النحو المتوقَّع منها. وقد وجدتُ نفسي متماهيًا معها إلى حدٍّ ما؛ كان من المنطقي أن تلتقط عبوة ناسفة وتبادر بأخذ زمام الفعل بدلًا من الجلوس مكتوفةَ الأيدي انتظارًا لما سوف تفعله الشخصيات الذكورية في الفيلم. إنني أميل إلى الاعتقاد أن الفضل في تفهُّمي للأفكار النسوية الأساسية عند اطِّلاعي عليها للمرة الأولى يعود إلى ليا.
والتأثير غير الواعي قد يكون أكثر قوَّةً من ذلك. ففي فصل دراسي كنتُ أقوم بتدريسه بالاشتراك مع زميل لي، ألقيتُ محاضرة حول الأميرة ليا باعتبارها «أيقونة شبه نسوية». فابتسم زميلي وأضاف: «حسنًا، بالطبع أنت تعتقد أن ليا شخصية مشوِّقة؛ فهي زوجتك.» لوهلة قصيرة اعتراني الذهول، لكن بمجرد أن عقدتُ مقارنة سريعة بين ليا وزوجتي، اتَّضَح لي أنه مُحِقٌّ.
غير أن ذكرياتي عن «حرب النجوم» ليستْ طيبةً كلُّها؛ ففي ذروة افتتاني به، أُصِبتُ بالأنفلونزا وارتفعتْ درجة حرارتي ارتفاعًا كبيرًا. وفي الأثناء، حلمتُ بأنني موجود في قاع أنبوبة مضادة للجاذبية، وكنتُ أعرف أنني لو حاولتُ القفز صاعدًا بداخلها فإنني «سأسقط» إلى أعلى وأصطدم بالسقف الذي يحمل شعار فيلم «حرب النجوم». وكان هناك صديق يُحاوِل منعي، لكنني أصررتُ على القفز رغم كل شيء. استيقظتُ صارخًا، مشوَّش الذهن، وغارقًا في العرق. كان من الواضح أن صور الفيلم تسلَّلتْ إلى قَرارة نفسي بطُرق لم تكن مبهِجة تمامًا.
أما جورج لوكاس، فقد أصبح شخصًا مُهِمًّا في حياتي. لا أعتقد أنني، حتى تلك اللحظة، كنت قد فكَّرت حقًّا في «مؤلِّف» أيِّ عمل قبل هذا الفيلم. فالأفلام والكتب والموسيقى كانت تقدِّم نفسها لي في صورتها المحضة، وكانت تعجبني أو لا تعجبني. لكن بعد قراءة عدد من المقالات، أدركتُ أن لوكاس كان هو المسئول عن خَلْق العالم الذي أحببتُه. وما لبث أن تحوَّل إلى نوع من الشخصية الأسطورية. فهو شخص اختار — مثل أوبي وان — أن يتقاسم حكمته مع البشر الفانين. وبدأتُ أشعر بالدُّوَار من فكرة أن «حرب النجوم» كان مجرد جزء صغير من سلسلة مؤلَّفة من تسع قصص سوف يُكشَف عنها النقاب تدريجيًّا.1 هذا الوعد كان معناه سَيْلًا لا ينقطع من الأعاجيب سوف تمدُّني بأسباب الحياة لبقية عمري. ومع مرور الزمن، بطبيعة الحال، راحت صورة لوكاس كإنسان خارق تضمحل، لكنه ظلَّ بالنسبة إليَّ شخصية مثيرة، باعتباره فنانًا ورائد أعمال ورئيس مؤسسة يسعى جاهدًا للموازنة بين القِيَم العائلية والإحباطات الشخصية وإمبراطورية إعلامية، فضلًا عن تراث «حرب النجوم». السبب في استمرار شغفي بفيلم «حرب النجوم» حتى اليوم يعود جزئيًّا إلى أنني لستُ الوحيد الذي لا يزال يحمل له تقديرًا. فقصتي تكاد تكون قصة نمطية للجيل إكس. فعندما أَجريتُ مقابلات مع أشخاص حول الأفلام التي كان لها تأثير قوي عليهم، كان «حرب النجوم» يُذكَر أكثر من أيِّ فيلم آخَر (على لسان الرجال والنساء على حدٍّ سواء). وبالإمكان تفسير تلك التجربة المشتركة، جزئيًّا، بالتيمات الراسخة التي استخدمها لوكاس في الفيلم. فهي تجربة لم تَظهَر إلى الوجود من فراغ سردي وسينمائي. فقد اعتمد صُنَّاع الفيلم على تقنيات مستخدَمة في أفلام الغرب، وسلاسل أفلام المغامرات، وغيرها من أفلام الحركة والمغامرات. لم تكن عناصر التجديد والابتكار (المؤثِّرات الخاصة المتقدِّمة للغاية، والروبوتات المرحة، و«أوبرا الفضاء»، إلخ) هي العامل الحاسم في الفيلم بقدْر ما كانت التيمات الموجودة في هوليوود وفي المخيِّلة البشرية قبل زماني بفترة طويلة.
ومع ذلك، كان فيلم «حرب النجوم» ابن زمانه إلى حدٍّ بعيد؛ فقد أثار ضجة كبيرة عند عرضه في أواخر السبعينيات، وساعد في التهدئة من روع الروح الأمريكية التي أنهكها عصر ما بعد فيتنام. كان الفيلم مؤشِّرًا على (أو تسبب في) اتجاه جديد في عالم الترفيه الأمريكي السائد، أصبحتِ الأفلام فيه أكثر ميلًا للهروب من الواقع والانفصال عنه. كما أن الفيلم أرسَى معايير ثابتة للسلع السينمائية. فالدُّمَى التي تمثِّل شخصيات الأفلام، والبطاقات المصوَّرة، والشعارات التي تُلصق على القمصان القصيرة، كانت جميعها طرقًا حاولتُ بها أنا وأصدقائي استحضارَ السِّمات الأسطورية للفيلم في سياق حياتنا اليومية. والنجاح الذي حقَّقه هذا المسعى شجَّع بصورة واضحة على قيام تلك الشراكة بين السينما وتجارة السلع التي تتمتع اليوم بحضور طاغٍ.
ومع مرور السنوات، بدأ شغفي ? «حرب النجوم» يفقد حِدَّته الأولى ويتحوَّل إلى تقدير دائم. وظلَّت أصداء صُوَرِه تتردَّد في وجداني؛ لوك وهو يتطلَّع إلى قرصَيِ الشمس التوأمَيْن الغاربَيْن؛ المواجهة الحاسمة بالسيوف الضوئية بين دارث فيدر وأوبي وان؛ ليا في ثوب أبيض تحمل عبوة ناسفة؛ إلخ. ومع بلوغي منتصف العمر، من الواضح أن تلك الأفكار حول الخير والعناية الإلهية والرجال والنساء، وأشياء أخرى كثيرة، باتت ممتزجة مع شخصيتي وقِيَمي وخلفيَّتي. لقد أصبح «حرب النجوم» جزءًا مني، بالمعنى الحرفي للكلمة.
(?) دعوة لإجراء أبحاث متداخلة الاختصاصات

اخترتُ أن أُدرِج هذا التأمُّل الشخصي حول «حرب النجوم»؛ نظرًا لما يحتويه من عناصر من جميع فصول الكتاب. فهناك أمثلة على التفسيرات التي استعرضناها في الفصل الثاني؛ «حرب النجوم» باعتباره انتصارًا للخير على الشر، أو بلسمًا للجراح الثقافية التي تسبَّبتْ فيها حرب فيتنام. وإذا لم يكن هناك وجود لاختصاصيي الصحة النفسية في تلك المجرَّة النائية، فهل ما قدَّمه أوبي وان من توجيه وإرشاد للوك يبعد كثيرًا عما يقوم به الاستشاريون ذوو القلوب الرحيمة الذين ناقشناهم في الفصل الثالث؟ وتجسِّد قِيَم لوكاس الشخصية هذا التداخل بين الفنانين وفنِّهم (الفصل الرابع)، في حين أن النجاح الذي حقَّقه الفيلم، على مستوى الإيرادات والنجاح الجماهيري على حدٍّ سواء، يمثِّل ظاهرة مثيرة للانتباه تتعلَّق بتفضيلات الجمهور (الفصل الخامس). ويستكشف الفصل السادس الجوانب السردية والشعورية للأفلام، وهو ما عايشتُه بطريقة مكثَّفة عندما شاهدتُ الفيلم للمرة الأولى. وعلى مدار السنوات، واصلتُ بلا انقطاع تأمُّلي في الفيلم وإعادة تقييمه (الفصل السابع)، وهو ما كان له أعمق الأثر على حياتي ولعب دورًا هامًّا في النهاية في تطور شخصيتي (الفصلان الثامن والتاسع).
ويجسِّد الشكل ??-? كل تلك الأبعاد الرمزية الهامة.2 شكل ??-?: النشاط الرمزي المرتبط بمشاهدة الفيلم (صورة موسعة).
كل تلك الأبعاد مهمَّة، ومترابطة بعضها ببعض. وفي حين تميل طرائق حقول بحثية معيَّنة إلى التركيز على عنصر واحد في كل مرة، فإنني آمُل أن تكون المقارَبة المتعدِّدة الاختصاصات التي استخدمتُها في هذا الكتاب قد أوضحتْ بجلاء الطريقة التي تُجدَل بها تلك الخيوط معًا.3 المشاهدون يتفاعلون مع الفيلم: حتى وإنْ كنتُ أعتقد أن «حرب النجوم» فيلم رائع، فإنني أُدرِك أن هناك أناسًا لا يَعني لهم الفيلم شيئًا على الإطلاق. فبعض الأفلام تتحدَّث إلينا في لحظات مختلفة من حياتنا في حين أن هناك أفلامًا أخرى لا تفعل ذلك. فقد شاهدتُ فيلم «فتاة الوداع» (ذا جودباي جيرل) بعد «حرب النجوم» بفترة غير طويلة، لكنني لا أتذكر شيئًا منه.4 فقد كان ببساطة يفتقر إلى تلك الأشياء التي قد تُلهِم صبيًّا في العاشرة من عمره.
صنَّاع الأفلام يتفاعلون مع أفلامهم: فهم يكتبون الحوار، ويمثِّلون، ويوجِّهون الكاميرا؛ وكل ذلك يضيف إلى الفيلم. فلم يكن بمقدور أيِّ صانع فيلم أن يُبدِع «حرب النجوم» سوى مبدِعِه؛ فتلك مهمة تطلَّبتْ جورج لوكاس وشواغله الشخصية (فضلًا عن فظاظة هاريسون فورد اللازمة لتجسيد شخصية هان؛ وهيبة جيمس إيرل جونز اللازمة للتحدُّث بصوت فيدر؛ فضلًا عن شغف فريق المؤثِّرات الخاصة لجعل نموذج نجم الموت يبدو في حجم القمر).
المشاهدون يتفاعلون مع صنَّاع الأفلام: عَرْض الفيلم على الشاشة هو الحيِّز الذي يلتقي فيه صنَّاع الفيلم جمهورَ المشاهدين، ليس وجهًا لوجه، لكن رمزيًّا، وهي علاقة غير مباشرة لكنها قوية. فقد كنتُ معجَبًا بلوكاس أيما إعجاب، وهو شخص لم أقابله قطُّ في حياتي، لكن عبَّر بعض معجبيه فيما بعدُ عن سخطهم عليه عندما قام بإدخال تعديلات على حقوق ملكية الأفلام التي أحبُّوها. ويبدو أن لوكاس نفسه أصبح يحمل مشاعر متناقضة تجاه جمهوره: فهو يقدِّر تمامًا ولَعَهم به، لكنه يتخذ موقفًا دفاعيًّا تجاه هؤلاء الذين يحاولون أن يُملُوا عليه ما يتعيَّن عليه عملُه.
تتفاعل المستويات المختلفة للمعالَجة النفسية التي تقع في مركز الشكل ??-? بعضها مع بعض. وقد شجَّعتْني تيمةُ أولوية الحدس على العقلانية التي يتضمَّنها فيلم «حرب النجوم» على الوثوق في قدرتي على الحدس. وأنا أرى تلك التيمة مجسَّدة بوضوح في المشهد الذي يقوم فيه لوك بتدمير نجم الموت. لكن قبل أن يكون باستطاعتي التوصل إلى هذا التفسير، لا بد لي من الإحاطة بما يحدث في هذا المشهد على المستوى التقني (فبعض اللقطات تستهدف محاكاة وجهة النظر الذاتية للوك، والصوت الذي يتحدَّث عن «الثقة في القوة» لا يَصدُر عن شخص يجلس خلف لوك، لكنه استدماج لصوت أوبي وان). كما يتعيَّن عليَّ بالطبع أن أكون قادرًا على «رؤية» ما يحدث على الشاشة.5 كل تلك الخيوط والعمليات تلتئم جميعها معًا، وكلما نجحنا في إدراك هذا التداخل بينها (على سبيل المثال، كلما أَوْلى التجريبيون عناية أكبر بالجماليات، وأبدى النقَّاد استعدادًا أكبر لأخذ التجربة الفعلية للجمهور في الاعتبار)؛ ازدادت دراسات علم النفس والفيلم ثراءً.
(?) الأفلام باعتبارها فنًّا

علاوةً على مزيَّة تناول علم نفس الأفلام من زوايا نظر متعددة، تتمثَّل رسالتي النهائية الأخرى في أن الأفلام ذات سطوة؛ ومن ثمَّ ينبغي التعامل معها بحرص، لكن مع تطبيق إمكانياتها الإيجابية. فأنا أريد أن أصنع إطارًا لمقارَبة نفسية للفيلم لا يساعد القرَّاء على فهم الأفلام فقط، بل على تطبيق إمكانياتها أيضًا.
فقد رأينا كيف أن علم النفس الأكاديمي كثيرًا ما يركِّز اهتمامَه على كيفية التعامل مع ما ينطوي عليه الإعلام المرئي من أخطار.6 والتشجيع على استخلاص المعنى من وسائل الإعلام (تعليم المهارات اللازمة لاستخلاص الرسائل وتفسيرها بطريقة نقدية) هو أحد أهم طرق التعامل الشائعة مع تلك المخاطر، وهذه فكرة على قدْر كبير من التشويق. لكنها تُستخدَم أحيانًا بطريقة تفترض أن الأفلام سامَّة بالفطرة؛ ومن ثَمَّ فإن السبب الوحيد لقراءة الفيلم بطريقة صحيحة هو الحدُّ من آثاره السلبية. وفي أحيانٍ أخرى، يتجاوز الحافز وراء استخلاص المعنى من وسائل الإعلام تخفيف الآثار السلبية. فمَن يدافعون عن استخلاص المعنى من المادة المكتوبة يركِّزون على فوائده للمواطنين في مجتمع ديمقراطي (قراءة اللافتات المرورية، فهم القوانين، المشاركة في الانتخابات، إلخ). وبالإمكان تطبيق نفس الحُجَّة في حالة الإعلام المرئي الذي يمزج بين الكلمات والأصوات والصور. ويعتقد المدافعون عن ضرورة استخلاص المعنى من وسائل الإعلام أن وسيلة مثل الفيلم هي أداة يستخدمها المجتمع المعاصر في تنظيم نفسه والتواصل بين أفراده، وأنه لكي يتمكَّن من العمل بكفاءة وبطريقة مثمرة، ينبغي على الناس تعلُّم كيفية تفسير منتجات الإعلام تفسيرًا دقيقًا.
لكن تلك الرؤية لا يزال ينقصها شيء. فمِن خلال تناولنا للخصائص الرمزية المتضافرة للأفلام وصنَّاع الأفلام والمشاهدين، بإمكاننا أن ننظر إلى الأفلام باعتبارها أكثر من مجرد مصادر خطر، وأكثر أيضًا من مجرد وثائق ثقافية نحتاجها لكي تساعدنا على الفهم. فالكلمة المكتوبة، على أي حال، تتيح للناس أن يفعلوا ما هو أكثر من مجرد استنساخ وَصَفات الطعام وقراءة الكتيِّبات الإرشادية؛ فهي تمنحنا القدرة على إبداع الملاحم، والروايات، والقصائد. إن الأفلام تعلِّم وتسلِّي، لكنها أيضًا أشكال من الشعر السردي والمرئي. ويمكن أن تكون مزعجة وجميلة، وأن تُلهِم العقول وتُضيئها. وشأن كل أنواع الفنون، يمكن للأفلام أن تكون خطيرة، لكنها هِبة أيضًا؛ هِبة خطيرة تستطيع أن تدمِّرنا وأن ترتقي بنا.

الملحق «أ»


اختصاصيو الصحة النفسية في الأفلام التي حقَّقت أعلى الإيرادات، ????–????
الفيلمالشخصيةإيس فنتورا: محقِّق الحيوانات الأليفةالدكتور هاندليحلل هذاالدكتور بِن سوبل، الابنحلل هذاالدكتور سوبل، الأبأرمجدوناختصاصي علم النفسأفضل ما يمكن الحصول عليهالدكتور جرينالإيقاظالدكتور مالكوم سايرالإيقاظالدكتور كوبلاندالإيقاظالممرضة كوستيلُّوالإيقاظالدكتور بيتر إنجامالإيقاظأنتونيالإيقاظمدير المستشفىغريزة أساسيةالدكتورة إليزابيث جارنرغريزة أساسيةالدكتور لاموتغريزة أساسيةالدكتور مايرونغريزة أساسيةالدكتور ماكلوينباتمان للأبدالدكتور تشيس مريديانباتمان للأبدالدكتور برتونكاسبرالدكتور جيمس هارفينظرية المؤامرةالدكتور جوناسموت قاسٍ مع انتقامالدكتور فريد شيلرالدكتور دوليتلالدكتور بليننادي الزوجات الأوائلالدكتور وليزلي روزنطماطم خضراء مقليةاختصاصي العلاج النفسي الجماعيطماطم خضراء مقليةمدرب الثقة بالنفسابنة الجنرالإليزابيث كامبلابنة الجنرالسارة صن هِلابنة الجنرالالدكتور سليزنجرابنة الجنرالالدكتور روبرت مورالعين الذهبيةاختصاصي علم النفسويل هانتنج الطيبالدكتور شون ماجويرويل هانتنج الطيباختصاصي التنويم المغناطيسيويل هانتنج الطيبالدكتور هنرييوم فأر الأرضاختصاصي علم النفسلقطات ساخنةالدكتورة رمادا طومبسونالسلاح الفتاك ?الدكتورة ستيفاني وودالسلاح الفتاك ?الدكتورة ستيفاني وودالسيدة داوتفايرالسيدة سِلنرتسعة أشهرصمويل فوكنرالظاهرةالدكتور نيردورفسانتا كلوزالدكتور نيل ميلرصمت الحملانالدكتور هانيبال ليكترصمت الحملانالدكتور فريدريك تشيلتونصمت الحملانكلاريس ستارلنجصمت الحملانجاك كروفوردالحاسة السادسةالدكتور مالكوم كراوالحاسة السادسةالدكتور هِلالساهر في سياتلالدكتورة مارشا فيلدستونسبيس جامدوكستار تريك: أجيالديانا ترويالمبيد ?الدكتور سيلفرمانالمبيد ?دوجلاسوقت للقتلالدكتور ويلارد باسوقت للقتلالدكتور رودهيفرهناك شيء ما عن ماريالمعالجإعصارالدكتورة مليسا ريفزماذا عن بوب؟الدكتور ليو مارفنماذا عن بوب؟الدكتور كارسويلماذا عن بوب؟الدكتور تومسكي
ملحوظة: كانت هذه الأفلام تُصنَّف ضمن فئة أعلى عشرين فيلمًا تحقيقًا للإيرادات في العام الذي عُرضتْ فيه على شاشة السينما. حقَّق فيلم «أمير المدِّ والجَزْر» (????) نجاحًا كاسحًا، ولعبت اختصاصية صحة نفسية — تُدعَى الدكتورة سوزان لوُينستين — دورًا أساسيًّا فيه. ولكن لم يُدرَج هذا الفيلم في القائمة السابقة؛ لأنه كان أحَدَ الأفلام النادرة التي حقَّقت الكثير من إجمالي الإيرادات في عامين مختلفين، لكنها لم تَقَع ضمن فئة أعلى عشرين فيلمًا من حيث الإيرادات في أيٍّ منهما. ومن ثَمَّ سقط ولم يُدرَج في قائمة عيِّنات الأفلام، رغم أنه يرتبط بوضوح بالأفلام الأخرى الموجودة بالقائمة.
الجدول مأخوذ بتعديل عن داين يونج، وإس بويستر، وإيه، ووايت، وإم تي، وستيفينز إم (????). الحافز وراء الشخصيات في تجسيدات اختصاصيي الصحة النفسية في الأفلام الشهيرة. «الإعلام الجماهيري والمجتمع»، ?? (?)، ??–??.

الملحق «ب»


قوائم أفضل ?? فيلمًا في تاريخ السينما
قائمة الأفلام التي حققت أعلى الإيرادات* (معدَّلة وفقًا لمعدل التضخم)قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأفضل الأفلام†قائمة أفضل الأفلام وفقًا لمستخدمي موقع IMDB‡(?) «ذهب مع الريح»، ????(?) «المواطن كين»، ????(?) «الخلاص من شاوشانك»، ????(?) «حرب النجوم: الجزء الرابع – أمل جديد»، ????(?) «العرَّاب»، ????(?) «العرَّاب»، ????(?) «صوت الموسيقى»، ????(?) «كازابلانكا»، ????(?) «العرَّاب: الجزء الثاني»، ????(?) «إي تي: الكائن الفضائي»، ????(?) «الثور الثائر»، ????(?) «الطيب والشرس والقبيح»، ????(?) «الوصايا العشر»، ????(?) «الغناء تحت المطر»، ????(?) «خيال رخيص»، ????(?) «تيتانيك»، ????(?) «ذهب مع الريح»، ????(?) «قائمة شندلر»، ????(?) «الفك المفترس»، ????(?) «لورانس العرب»، ????(?) «?? رجلًا غاضبًا»، ????(?) «الدكتور زيفاجو»، ????(?) «قائمة شندلر»، ????(?) «بداية»، ????(?) «طارد الأرواح الشريرة»، ????(?) «دوار»، ????(?) «أحدهم طار فوق عش المجانين»، ????(??) «بياض الثلج والأقزام السبعة»، ????(??) «ساحر أوز»، ????(??) «فارس الظلام»، ????(??) «??? كلب دلماسي»، ????(??) «أضواء المدينة»، ????(??) «حرب النجوم: الجزء الخامس – الإمبراطورية تُعيد الضربات»، ????(??) «حرب النجوم: الجزء الخامس – الإمبراطورية تُعيد الضربات»، ????(??) «الباحثون»، ????(??) «سيد الخواتم: عودة الملك»، ????(??) «بن هور»، ????(??) «حرب النجوم»، ????(??) «الساموراي السبعة»، ????(??) «آفاتار»، ????(??) «سايكو»، ????(??) «نادي القتال»، ????(??) «حرب النجوم: الجزء السادس – عودة الجيداي»، ????(??) «????: أوديسة الفضاء»، ????(??) «الأصدقاء الطيبون»، ????(??) «اللدغة»، ????(??) «صانسيت بوليفارد»، ????(??) «حرب النجوم: الجزء الرابع – أمل جديد»، ????(??) «سارقو التابوت الضائع»، ????(??) «الخريج»، ????(??) «كازابلانكا»، ????(??) «حديقة الديناصورات»، ????(??) «الجنرال»، ????(??) «مدينة الرب»، ????(??) «الخريج»، ????(??) «على الواجهة البحرية»، ????(??) «سيد الخواتم: رفقة الخاتم»، ????(??) «حرب النجوم: الجزء الأول – تهديد الشبح»، ????(??) «إنها حياة رائعة»، ????(??) «حدث ذات مرة في الغرب»، ????(??) «فانتازيا»، ????(??) «الحي الصيني»، ????(??) «النافذة الخلفية»، ????(??) «العرَّاب»، ????(??) «البعض يفضلونها ساخنة»، ????(??) «سارقو التابوت الضائع»، ????(??) «فورست جامب»، ????(??) «عناقيد الغضب»، ????(??) «ماتريكس»، ????(??) «ماري بوبينز»، ????(??) «إي تي: الكائن الفضائي»، ????(??) «سايكو»، ????(??) «الأسد الملك»، ????(??) «أن تقتل عصفورًا محاكيًا»، ????(??) «المشتبه بهم المعتادون»، ????(??) «الشحم»، ????(??) «السيد سميث يذهب إلى واشنطن»، ????(??) «صمت الحملان»، ????(??) «كرة الرعد»، ????(??) «ظهيرة مشتعلة»، ????(??) «سبعة»، ????(??) «فارس الظلام»، ????(??) «كل شيء عن حواء»، ????(??) «إنها حياة رائعة»، ????(??) «كتاب الأدغال»، ????(??) «تعويض مزدوج»، ????(??) «تذكار»، ????(??) «الأميرة النائمة»، ????(??) «سِفر الرؤية الآن»، ????(??) «سيد الخواتم: البرجان»، ????(??) «شريك ?»، ????(??) «الصقر المالطي»، ????(??) «صانسيت بوليفارد»، ????(??) «طاردو الأشباح»، ????(??) «العرَّاب: الجزء الثاني»، ????(??) «حكاية لعبة ?»، ????(??) «بوتش كاسيدي وطفل صندانس»، ????(??) «أحدهم طار فوق عش المجانين»، ????(??) «فورست جامب»، ????(??) «قصة حب»، ????(??) «بياض الثلج والأقزام السبعة»، ????(??) «ليون: المحترف»، ????(??) «الرجل العنكبوت»، ????(??) «آني هول»، ????(??) «الدكتور سترينجلَف»، ????(??) «يوم الاستقلال»، ????(??) «جسر على نهر كواي»، ????(??) «سِفر الرؤية الآن»، ????(??) «وحدي في المنزل»، ????(??) «أجمل سنوات العمر»، ????(??) «المواطن كين»، ????(??) «بينوكيو»، ????(??) «كنز سييرا مادري»، ????(??) «التاريخ الأمريكي إكس»، ????(??) «كليوباترا»، ????(??) «الدكتور سترينجلَف»، ????(??) «الشمال الغربي»، ????(??) «شرطي بيفرلي هيلز»، ????(??) «صوت الموسيقى»، ????(??) «جمال أمريكي»، ????(??) «الإصبع الذهبية»، ????(??) «كينج كونج»، ????(??) «سائق التاكسي»، ????(??) «المطار»، ????(??) «بوني وكلايد»، ????(??) «المبيد ?: يوم الحساب»، ????(??) «الجرافيتي الأمريكي»، ????(??) «راعي بقر منتصف الليل»، ????(??) «إنقاذ الجندي ريان»، ????(??) «الرداء»، ????(??) «قصة فيلادلفيا»، ????(??) «الغريب»، ????(??) «قراصنة الكاريبي: صندوق الرجل الميت»، ????(??) «شين»، ????(??) «دوار»، ????(??) «حول العالم في ?? يومًا»، ????(??) «حدث ذات ليلة»، ????(??) «أميلي»، ????(??) «بامبي»، ????(??) «عربة اسمها الرغبة»، ????(??) «المخطوفة»، ????(??) «السروج المشتعلة»، ????(??) «النافذة الخلفية»، ????(??) «البريق»، ????(??) «الرجل الوطواط»، ????(??) «التعصب»، ????(??) «وول إي»، ????(??) «أجراس القديسة مريم»، ????(??) «سيد الخواتم: رفقة الخاتم»، ????(??) «دروب المجد»، ????* مأخوذ عن http://www.filmsite.org/boxoffice.html، ?? أبريل، ????.† مأخوذ عن http://www.afi.com/100years/movieslO.aspx، ?? أبريل، ????.‡ مأخوذ عن http://www.imdb.com/chart/top، ?? أبريل، ????.

الملحق «?»


مَشاهِد سينمائية مثيرة للعاطفة
العاطفةالفيلمالمشهداللهو والتسلية«عندما قابل هاري سالي»مناقشة لحظة النشوة الجنسية في المقهى«روبين ويليامز، بث مباشر في بروداوي»الفقرة الكوميدية«بيل كوزبي نفسه»الفقرة الكوميدية«من قال هذا على أي حال؟»الفقرة الكوميدية التمثيليةالغضب«الحارس الشخصي»مشهد التنمُّر«صرخة الحرية»المحتجُّون على اعتداءات الشرطةالاشمئزاز«طيور الفلامنجو الوردية»شخص يأكل براز كلب«بَتْر»، فيلم غير روائيبتر ذراع«جراحة قدم»، فيلم غير روائيعملية جراحية في قدمالخوف«البريق»ولد يلعب في ردهة«صمت الحملان»مشهد المطاردة في القبوعاطفة حيادية«أشكال مجردة»، فيلم غير روائيشاشة توقف سكرين بيس«دينالي البرية في ألاسكا»، فيلم غير روائيالصيف في ديناليالحزن«البطل»الولد مع أبيه وهو يحتضر«ملك الغابة»شبل الأسد مع أبيه وهو ميت«عُدْ إليَّ»الكلب والرجل بعد موت الزوجةالمفاجأة«الجدي واحد»العملاء يقتحمون الباب«بحر من الحب»الرجل تُفزِعه حمامة
هذه القائمة مأخوذة بتعديل عن الفصل المُعَنْوَن «إثارة العواطف باستخدام الأفلام» بكتاب «الدليل العملي لإثارة العواطف وتقييمها». الفصل تأليف روتنبرج وراي وجروس، والكتاب تحرير جيمس كون وجون ألين (????) (إعادة الطباعة بتصريح من أكسفورد يونيفرسيتي بريس).

الملحق «د»


أفلام علاجية
القضية العلاجيةأمثلة على الأفلامسوء المعاملة«حياة هذا الولد»، ????المراهقة«الهروب»، ????التبنِّي والوصاية«خسارة أشعيا»، ????التقدُّم في السن«غرباء في رفقة طيبة»، ????المرض المُزمِن«فيلادلفيا»، ????الالتزام«أمانة بالغة»، ????التواصل وتسوية الصراع«قصتنا»، ????الموت والاحتضار«حياتي»، ????الطلاق«كرامر ضد كرامر»، ????الاضطرابات العاطفية«مجتمع الشعراء الأموات»، ????القضايا الأسرية«كالماء للشوكولاتة»، ????نظم الدعم أو المساندة«صُلب ماجنوليا»، ????الحزن والفقد«أُناس عاديُّون»، ????الإلهام«الخَلاص من شاوشانك»، ????العلاقات الحميمة«عن ليلة الأمس»، ????الزواج«الفصول الأربعة»، ????قضايا النساء«كيف تصنع لحافًا أمريكيًّا؟» ????علاقات الطفل بالأهل«البحث عن بوبي فيشر»، ????أسر الربائب«حلِّقي إلى الوطن»، ????إدمان المخدرات«عندما يُحبُّ رجل امرأة»، ????القيم والأخلاق«طُرُق مختصَرة»، ????
هذه القائمة مأخوذة بتعديل عن كتاب «استأجر فيلمين ودعنا نتحدث في الصباح: استخدام الأفلام ذات الشعبية في العلاج النفسي»، ???? (الطبعة الثانية)، لجيه دبليو هيسلي وجيه جي هيسلي، نيويورك: جون وايلي آند صَنز (إعادة الطباعة بتصريح من دار نشر جون وايلي آند صَنز).

الملاحظات


الفصل الأول: مقدمة: الجوانب المتعدِّدة لعلم النفس والأوجُه الكثيرة للأفلام

(1) Keyser (1992). (2) Diamond, Wrye and Sabbadini (2007) point out that when Freud published his first significant work, Studies in Hysteria in 1895 (co-authored with Josef Breuer), the Lumiere brothers were screening what is widely considered to be the first nonfiction film, Workers Leaving the Lumiere Factory. The scientific-minded American Psychological Association had been founded a few years earlier in 1892 (Wertheimer, 1987). (3) Freud’s appearance at Clark left an aura that pervaded even the physical space. Many of us were convinced that the reason the university never remodeled the worn wooden staircase was because Freud had made the stairs sacred by setting foot on them. (4) Werner (1980). (5) Many of the professors at Clark at that time had been mentored by Werner, including Bernard Kaplan, Leonard Cirillo, Roger Bibace, Seymour Wapner, Robert Baker, and the neuropsychologist Edith Kaplan. Other Clark professors who influenced my thinking were socioculturalists James Wertsch and James Gee and narrativists Michael Bamberg and Nancy Budwig. (6) Kristen and Dine Young (2009). (7) Amateur short films are becoming much more available, thanks to digital cameras and YouTube. Even as I write, my children are collaborating with neighborhood kids to make their own movie. Perhaps in another decade someone will write a book on The Psychology of YouTube. (8) Wade and Tavris (2005) define psychology as “the discipline concerned with behavior and mental processes and how they are affected by an organism’s physical state, mental state and external environment” (p. 3). (9) Method has strong religious connotations, deriving from the Greek root methodos, meaning “the way.” The derivation calls to mind Jesus’ proclamation, “I am the way, the truth and the life” (John 14:6). Psychologists have been known to be almost as serious about their methods. (10) Interestingly, the only book on psychology and the movies as freeranging as Gladwell’s approach is Munsterberg’s 1916 work which mixes history, technology, experimental psychology, textual interpretation, aesthetic philosophy and imaginative speculation. (11) Sternberg and Grigorenko (2001). (12) Another effective way of making this point is John Saxe’s poem The Blind Men and the Elephant in which several blind men investigate an isolated body part (tusk, trunk, ear, etc.) of an elephant and come to erroneous conclusions about the nature of an elephant (concluding it is a spear, snake, fan, etc.). This poem is used by Tavris and Wade in their novel textbook, Psychology in Perspective, which introduces the field of psychology in a more cohesive manner. (13) The symbolic framework presented here is a simplification of the model presented by Werner and Kaplan (1984) in Symbol Formation. They draw their perspective, in part, from the symbolic philosophy of Ernst Cassirer (1955–1957) and the rhetorical method of Kenneth Burke (1973). Symbolization, as understood by Werner and Kaplan, is as amenable to literary interpretation as it is to experimentation. (14) Since most of the examples used in this book refer to how visual and linguistic symbols are embedded in stories, narrative theory (i.e., theories about how stories are constructed and how they are received by listeners/viewers) pops up with some regularity. This theme is central in Chapter 9 in which parallels are made between stories in movies and stories in identity construction (McAdams, 1993). (15) The fact that symbols have more than one level of meaning is taken by numerous writers, including Carl Jung (1964) and Paul Ricoeur (1970) in his study of Freud, as the defining aspect of symbolization. (16) Even if a small, independent film reaches “only” a few thousand viewers, it is still a significant social event, especially if a passionate “cult” audience becomes strongly attached to it. (17) These symbolic events are psychological both because interpretations comment on human nature (e.g., how people displace unacceptable tendencies like aggression on to acceptable actions such as heroism) and because the transformation between a symbolic object and its meaning requires thought (i.e., mental activity or cognitive processing). الفصل الثاني: البحث عن معنًى: التفسيرات السيكولوجية في الأفلام

(1) Greenberg (1975). (2) Payne (1989b). (3) Hopcke (1989). (4) Indick (2004). (5) Murphy (1996). (6) The open-ended use of “text” as an underlying narrative runs counter to the everyday definition of text as something written (as in a “textbook”), but going with the convention in literary, film and rhetorical studies, I sometimes refer to films as “texts.” (7) Kracauer (1960) and Bazin (1967) are commonly associated with championing film as an exercise in realism; this attitude found expression in Italian neo-realism (Rome, Open City) and cinema verité (Don’t Look Back). Andrew (1976) asserts that realism ran counter to the earliest trends in film criticism that highlighted films for their dreamlike qualities exemplified by German expressionism (The Cabinet of Dr. Caligari) and surrealism (Un Chien Andalou). Many modern studies of film in both psychology (Packer, 2007) and philosophy (McGinn, 2005) continue to emphasize film as dream. (8) Bordwell (1989a) steps outside particular theoretical frameworks to cogently explicate the general process that all interpreters use to make meaning out of films. (9) The most prominent interpretive approaches in the early history of film are reviewed by Andrew (1976). Casetti (1999) continues the task of reviewing film theory through 1995. (10) There are many possibilities for types of behavior (e.g., farming, flying airplanes) and types of people (e.g., private detectives, butlers) that could receive attention from social scientists but have not. Psychotherapy and mental illness, however, have been the topics of so much special interest, I consider them in detail in Chapter 3. (11) How movies impact the attitudes of audiences is considered in more detail in Chapter 8. (12) Rendleman (2008). (13) See Krippendorff (2003) for an overview of content analysis methods. (14) The interpretations of clever critics are discussed later in this chapter. Such critics are typically unimpressed by content analyses since content analytic categories have to be stated in a way that everybody can understand. The joke goes that they need to be so obvious, they could be identified by trained monkeys (or graduate students, whichever are available). The virtues of critics—cleverness, subtlety, and originality—may become liabilities when it comes to content analyses. (15) It is not an accident that these topics correspond to the social concerns of recent decades. Despite occasional claims of neutrality, the social sciences do indeed swim in the cultural stream, either as reflections or agents of change. The topics that receive attention in this chapter have also been studied for their effects on audience members considered in Chapter 8. (16) Wilson et al. (2002). (17) Mean Girls is partly based on Queen Bees and Wannabes, Rosalind Wiseman’s nonfiction self-help book about adolescent female cliques, which itself draws on research on relational aggression by developmental psychologists such as Nicki Crick (2002). (18) Coyne and Whitehead (2008). (19) Greenberg (1994). (20) See Gunter (2002) for review of research on sexual content in media. (21) Cowan et al. (1988). (22) An original content analysis by Molitor and Sapolsky (1993) was followed by a critique by Linz and Donnerstein (1994) and then a rebuttal by Molitor and Sapolsky (1994). (23) Welsh (2010). (24) See Sarafino (2008) for summary. (25) Glantz and Kacirk (2004). (26) Hazan, Lipton, and Glantz (1994). (27) Ricoeur (1974: pp. 12-13). (28) Ricoeur (1974: p. 99). (29) Examples of the numerous book-length studies that use traditional psychodynamic theory to analyze film include Greenberg (1975; 1993) and Indick (2004); many other interpretations have appeared in journals like Psychoanalytic Review and The International Journal of Psychoanalysis. In addition, semiotic and post-modern variations of Freudian theory are discussed in the “Spectatorship” section of this chapter. (30) There are periodic attempts to declare Freudian theory dead. Literary critic Frederick Crews’ (1995) sharp dismissal of the scientific validity of psychoanalysis was at the center of a 1990s debate known as the Freud Wars (see Forrester, 1998 for a defense of Freud). Despite such battles, Freudian theory continues to thrive in the humanities, and modern variations of psychoanalysis remain a powerful force in mental health treatment, with some psychologists and psychiatrists arguing that crucial elements of Freud’s approach are validated by both research on effective psychotherapy (Shedler, 2010) and modern neuroscience (Schore, 2003). (31) See Hall’s A Primer of Freudian Psychology (1999) as a classic summary of Freudian theory. (32) Freud (1960b: p. 58). (33) Psychodynamic is a broad term that covers Freud’s original psychoanalysis and the many spin-off theories that came later. (34) Greenberg (1975). (35) Greenberg (1975: p. 14). (36) Cocks (1991). (37) When it comes to Stanley Kubrick, one can never be sure what was intended. One of my professors warned us never to underestimate Kubrick’s attention to detail since the only thing more obsessively conceived than one of his films was big-time advertising. (38) Modern cognitive science has a mixed view of the psychoanalytic contention that people unconsciously perceive every aspect of their environment. On one hand, there is evidence that the mind is highly selective about what information it processes and remembers. At the same time, people do process and react to certain environmental stimuli which they cannot consciously identify, although there is no evidence that these “subliminal” stimuli are actually having an effect on behavior (see Chapter 8). (39) Hill (1992) and Iaccino (1998) provide traditional Jungian analyses of a range of movies while Singh (2009) explores “post-Jungian” approaches to film criticism. (40) The best summary of Jungian theory is the succinct overview he wrote just prior to his death, Man and His Symbols (1964). (41) Jung’s theory has often been accused of being mystical. One of Jung’s (1969: pp. 43-44) most compelling responses to this criticism is an analogy he makes to instincts. He points out that the existence of inborn instincts—simple patterns of behavior that are not learned but crucial to survival (e.g., the rooting reflex in which newborns turn their heads and suck when their cheeks are lightly stroked)—are not controversial. He claims that the archetypes are merely patterns of thought that give people templates for making sense out of a complicated world. (42) Star Wars is a clear example of Jungian theory because George Lucas was explicitly inspired by the prominent mythologist Joseph Campbell (1968), whose approach to mythology is grounded in Jungian theory. Lucas says, “It was very eerie because in reading The Hero with a Thousand Faces I began to realize that my first draft of Star Wars was following classic motifs … so I modified my next draft according to what I’d been learning about classical motifs and made it a little bit more consistent” (Larsen and Larsen, 2002: p. 541). (43) Iaccino (1998). (44) Hill (1992). (45) Ricoeur (1974: p. 99). (46) Ray (1985: p. 14), quoting Althusser (1977). (47) Many of the critical topics related to cultural psychology are reviewed in Cole (1996). (48) The ideological approach of Louis Althusser had a significant impact on the foundation of cultural studies. Storey (2009) provides an introduction to cultural studies while Ryan (2008) has edited a comprehensive anthology of significant contributions to the field. (49) See Fiske (1989) for a prominent example. (50) Haskell (1973: pp. 327-328). (51) Ray (1985: p. 57). (52) See Andrew (1976) and Casetti (1999) for reviews of the history of film theory. (53) Metz integrated his previous work on semiotics, Film Language (1974), with psychoanalysis in the highly influential, The Imaginary Signifier (1982). Other psychoanalytic interpretations in film studies are compiled by Kaplan (1990). More recent approaches to Lacanian interpretation can be found in McGowan and Kunkle (2004). (54) Greenberg (1993: p. 5), a practicing psychoanalyst, recounts a humbling experience he had at a conference where his traditional psychoanalytic reading of a film got a cool reception from the film scholars in the audience. In contrast, great excitement was created by a hyperclose Lacanian reading of 20 seconds of a Marlene Dietrich movie that “discovered” sexual hostility in an edit between seemingly unrelated scenes. In the first scene, a gun was fired off screen; if one followed the hypothetical trajectory of the bullet into the next scene (in a completely separate space), it would presumably hit a male character squarely in the crotch. (55) This difficulty may be intentional. Depending on who you ask, the complexity is either a reflection of the unstable nature of knowledge, or it is a neo-elitist tactic designed to aggravate concrete-minded Philistines (e.g., most Americans). (56) Postmodern philosophy and criticism are associated with Jacques Derrida, Michael Foucault, Richard Rorty, and many others. (57) Summarized from Casetti’s (1999) analysis of Metz’s concepts of identification, voyeurism, and fetishism. (58) Silverman (1986). (59) Mulvey (1986). (60) The phallocentric nature of mainstream film parallels Haskell’s argument except that Mulvey (1986) is more concerned with the mechanisms of film, not just the content of film. (61) Other authors such as Modleski (1988) argue that Hitchcock films intentionally create discomfort in the audience by self-consciously manipulating the power differentials Mulvey discusses. The significance of Vertigo to Hitchcock himself is discussed in Chapter 4. (62) The “text only” approach to criticism is associated with the New Criticism. Classic essays have recently been anthologized by Davis (2008). (63) The implied viewer is a spin on the implied reader, a term coined by Iser (1974). (64) The danger of too many possible criticisms has been made within film studies itself. After analyzing the process of film interpretation at its most abstract, Bordwell (1989a) expresses a weariness for the seemingly endless interpretations that litter his field. He demonstrates this point by juxtaposing seven separate critical interpretations of Psycho, arguing that while all are reasonable, the benefit of having this many different readings lying around is unclear. (65) The tension between the desire for absolute interpretations of movies and relativistic “eye of the beholder” approaches are in sharp relief on internet discussion boards like those on IMDB.com. Many criticisms are expressed that take the form “This film sucks and anybody who thinks otherwise is an idiot”; these criticisms are then inevitably followed by pleas for tolerance because “everyone is entitled to his or her opinion.” (66) Bruner was a major figure in the “cognitive revolution” in the 1960s in which strict behaviorism was supplanted by cognitive approaches that allowed for the exploration of mental concepts like memory and imagination. Later in his career, Bruner found that cognitive psychology had become narrower and more constricted than he intended, and he wrote two influential books, Actual Minds, Possible Worlds (1986) and Acts of Meaning (1990), which argue for a merging of methodologies between the humanities and the social sciences. (67) Bruner (1990: p. 2). (68) Bruner (1986: p. 13). الفصل الثالث: علم الأمراض النفسية، والعلاج النفسي، وفيلم «سايكو»: علماء النفس ومرضاهم في الأفلام

(1) Camp, et al. (2010). (2) Fleming and Manvell (1985), a psychologist and a film historian, offer a thematic analysis of representations of insanity. Zimmerman (2003) takes a literary perspective to demonstrate the relative sensitivity of certain films. Robinson (2003) and Wedding, Boyd, and Niemiec (2010) use formal diagnostic criteria argue that some films are useful in teaching students about mental illness (discussed further in Chapter 9). Some authors have focused on mental illness in films for children, especially Disney films (Wahl, et al., 2003; and Lawson and Fouts, 2004). All contain extensive lists of films depicting mental illness. (3) I use “psychological disorder” as an approximate synonym for “psychiatric disorders,” “behavior disorders,” “abnormal psychology,” “mental illness,” and “psychopathology.” Terms like “mad,” “crazy” or “loony” are more informal, dramatic and pejorative. In one way or another, they all suggest problems in behavior and thinking that prevent people from functioning to their fullest capacity. (4) Camp, et al. (2010; p. 148). (5) The image does call to mind serial killer, John Wayne Gacy, but Gacy acted alone and was not the head of a crime syndicate. (6) Fifty years after its release, Psycho holds upmoderately well as a thriller, but it was when I realized Hitchcock thought of it as a comedy (Truffaut, 1985: pp. 200–202) that I realized its true genius. (7) DID is an official diagnosis in current psychiatric nomenclature (American Psychiatric Association, 2000). However, it is controversial, and some professionals do not believe it exists in the extreme form of people developing distinct “personalities.” (8) Believing that an inanimate object is possessed with sentience is a delusion while seeing a dead body talk is a hallucination. Both are common symptoms of schizophrenia, not DID. Students often confuse DID (which is very rare) with schizophrenia (which is common). Psycho is at least partially to blame for this confusion. (9) The film is based on the book Psycho, by Robert Bloch (1989). Bloch based his story on the serial killer, Ed Gein, who lived on an isolated farm in Wisconsin in the 1950s where he killed and dismembered at least 10 women. This case is also the inspiration for the horror classics The Texas Chainsaw Massacre and The Silence of the Lambs. (10) As documented in Rebello’s fascinatingly detailed, Alfred Hitchcock and the Making of Psycho (1990). (11) Truffaut (1985: p. 269). (12) Hyler, Gabbard, and Schneider (1991). A few recent examples have been added. (13) While still used in everyday language, nymphomania has not been a formal diagnostic category for decades. (14) Some filmmakers have actually hired professional consultants to insure that their depictions are realistic—e.g., the psychological aspects of imprisonment and brutality in Midnight Express (Farber and Green, 1993). (15) Additional examples of accurate portrayals are provided in Robinson (2009). (16) The DSM-IV-TR (Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, 4th Edition, Text Revision, American Psychiatric Association, 2000) is the diagnostic reference used by most mental health providers in the US. It contains 16 major diagnostic classes, but a system of subclassification can lead to hundreds of distinct diagnoses. The major classifications that are most common in cinematic depictions include psychotic disorders (schizophrenia), mood disorders (depression and bipolar), anxiety disorders (post-traumatic stress disorder), personality disorders (narcissism and paranoia), dissociative disorders (dissociative identity disorder), and substance-related disorders. (17) The primary criticism is that the film suggests that Nash managed his symptoms without medication which is not consistent with the account in the biography, A Beautiful Mind (Nasar, 2001). (18) Greenberg (2003) notes that visual hallucinations (Nash’s imaginary roommate) are relatively rare when compared to auditory hallucinations (hearing voices), but of course, movies always prefer to show things. (19) See also Brandell (2004), Rabkin (1998), and Walker (1993). (20) Rabkin (1998) offers detailed information about thousands of psych related movies. (21) I use psychotherapy and counseling as synonyms, and I use psychologist or mental health professional as shorthand for anybody who works with people to solve interpersonal and emotional problems. There are differences between forms of treatment (psychoanalysis versus psychotherapy) and disciplines (psychology versus psychiatry) although many people are confused by these differences. In part, the inconsistent and inaccurate use of these terms in the movies is responsible for the confusion. (22) There are exceptions. Psycho was released at heart of the Golden Age yet its depiction of Dr Richman is a parody of psychiatric mumbo jumbo. (23) In addition to Drs Dippy, Evil and Wonderful described by Schneider (1987), other categories have been advanced by Orchowski, Spickard, and McNamara (2006) and Winick (1978). (24) Orchowski, Spickard, and McNamara (2006). (25) Pirkis, et al. (2006). (26) Schultz (2005). (27) Martin (2007). (28) Gabbard (2001) and Schultz (2005). (29) Bischoff and Reiter (1999) and Dine Young, et al. (2008). (30) Dr Melfi from the Sopranos was another prominent female therapist that struggled with her attraction to her mobster client although she uncharacteristically resisted temptation. (31) Some passages in the section have been taken verbatim from Dine Young, et al. (2008). (32) Perlin (1996). (33) Pope and Vasquez (1998). (34) Edelson (1993: p. 311). (35) Lambert and Bergin (1994). (36) Gabbard (2001). (37) McDonald and Walter (2009) document the almost universally negative portrayal of ECT despite the fact that modern techniques have minimal side effects and have been shown to be an effective treatment for some cases of severe depression. (38) Movies and television make it appear that psychological profilers are a substantial professional group when in actuality, there are very few outside of the FBI. I have disillusioned numerous entering college students with this unfortunate fact. (39) The impact of movies on viewers in general is the subject of Chapters 8 and 9. (40) Jorm (2000). (41) Wahl (1995). (42) Kondo (2008: pp. 250-251). (43) Pirkis, et al. (2006). (44) Granello, et al. (1999). (45) Philo (1996). (46) Domino (1983). (47) Fleming and Manvell (1985: p. 17). (48) Sullivan (1953: p. 32). I always start my class in abnormal psychology with this quote in order to diminish the tendency of students to approach the topic in a “disorder of the week” manner. (49) Gender is a good example of similarity getting lost in diversity. While there are some notable differences between men and women, across many psychological dimensions the genders are very similar (Hyde, 2005). These similarities are often overshadowed in such popular tomes as Gray’s mega-selling: Men are from Mars, Women are from Venus. (50) Werner (1980). I use the term here in a broad way that simply suggests that two domains of human action are similar in at least one important dimension (although in other ways they may be substantially different). (51) Sleek (1998). (52) Siegel (1999). (53) Gabbard (2001); Eber and O’Brien (1982); Ringel (2004). (54) Jamieson, Romer, and Jamieson (2006). (55) Schill, Harsch, and Ritter (1990). (56) Dine Young, et al. (2008). (57) Edelson (1993: p. 307). (58) Brandell (2004). (59) Stein (2003). (60) The use of film to teach psychology and pass along life lessons is further explored in Chapter 9. الفصل الرابع: العبقري المجنون: التكوين النفسي لصنَّاع الأفلام

(1) Corliss (1992). (2) Lax (2000: p. 397). (3) Bjorkman (1994). (4) See Schultz (2005) and Elms (1994) for overviews of psychobiography. Both authors point out that as psychology has established itself as an experimental science, the method has been marginalized. Lives are too big to fit into laboratories (even the ones at large universities). Early psychologists like William James thought that the study of lives could exist side by side with experimental approaches. Gordon Allport (1965) advocated case studies as a way to balance statistical generalization. He observed that it might be useful for a man to have a general understanding of what most women like when shopping for his wife, but that he was better off knowing his wife’s personal preferences (p. 159). (5) Erikson (1962). (6) See Schultz (2005) for chapters on these and other artists. (7) Freud (1957). (8) Examples of projective tests include the Thematic Apperception Test (test-takers tell stories in response to a picture) and the Kinetic Family Drawing Test (test-takers draw their families in action). (9) There are a few exceptions such as a biography of Charlie Chaplin written by a psychiatrist (Weissman, 2008). (10) Wollen (1976). (11) While many directors (Scorsese, Tarantino, Polanski, etc.) have adopted the Hitchcockian trick of popping up in their own movies, these appearances don’t generate as much excitement. (12) Spoto (1983: p. x). (13) Spoto (1983: p. 9). There is some question whether the event actually happened. Spoto declares that he was unable to find evidence to confirm it or refute it (p. 16). (14) Spoto (1983: p. 36). (15) Spoto (1983: p. 37). (16) Spoto (1983: p. 65). (17) Spoto (1983: p. 343). (18) Spoto (1983: p. 387). (19) LoBrutto (2008: p. 32). (20) Keyser (1992: p. 7). (21) LoBrutto (2008: p. 33). (22) Quoted in Keyser (1992: p. 10). (23) Cohen-Shalev and Raz (2008). (24) Cohen-Shalev and Raz (2008: p. 36). (25) Dyer (1998: p. 43). (26) McGilligan (1994: pp. 42–47). (27) McGilligan (1994: pp. 262–264). (28) McGilligan (1994: p. 263). (29) McGilligan (1994: pp. 51-52). (30) Morton (2010: p. 105). (31) Morton (2010: pp. 108-109) attributes these quotes to Franziska De George and Iris Martin respectively but does not provide a context for how these professional opinions were acquired, opening up the possibility they were interpreted out of context. (32) This saying is associated with Gestalt psychology, a school of psychology that focused on sensation and perception. (33) Bertolucci, Shaw, and Mawson (2003: p. 20). (34) Bertolucci, Shaw, and Mawson (2003: p. 25). (35) Quoted in Bertolucci, Shaw, and Mawson (2003: p. 28). (36) D’Arminio (2011). (37) Recent developments in method acting are summarized in Krasner (2000). Method acting has made the psychobiography of actors easier since such actors self-consciously access aspects of themselves in playing their roles. (38) Indick (2004). (39) Farber and Green (1993: p. 21). (40) Farber and Green (1993: p. 80). (41) Farber and Green (1993: p. 311). (42) For me, Allen’s presentation of psychotherapy in his movies seemed at once cautionary and intriguing. Growing up in a rural town, I watched Annie Hall and Manhattan repeatedly on cable. Woody’s New York seemed an alternative universe in which people spent their days browsing bookstores, pursuing romance, and going to therapy. As an undergraduate, I went to New York to interview for graduate school with a genuine psychoanalyst. I waited while he argued with his secretary about whether I actually had an appointment. After an awkward interview during which he glared at me, I made my way downstairs to find that my car had been towed. I wasn’t accepted by the school, and my Woody wannabe days were over. (43) Lax (2000: p. 79) and Baxter (1999: p. 73). (44) Farber and Green (1993: p. 192). (45) Cohen (2004) and Philaretou (2006). (46) Schultz (2005). (47) Based on these criteria, none of the biographical sketches presented here should be considered definitive. My examples are meant to capture certain tendencies in psychobiography but are not complete and accurate pictures of the complicated lives of the filmmakers. The full biographies I draw upon for my summaries are more detailed, yet it is an open question as to whether they are accurate, coherent and consistent. (48) Spoto (1983: p. 36). (49) Elms (2005). (50) Schultz (2005: p. 10). (51) Seligman and Csikzentmihalyi (2000). (52) Nettle (2001). (53) Rothenberg (1990: p. 6). (54) Nettle (2001: p. 145). (55) Freud (1959) emphasized the unconscious desires of storytellers, but filmmakers often seem aware of the personal significance of their movies. Consciousness and unconsciousness are not discrete states but exist on a continuum and are therefore a matter of degree. الفصل الخامس: الجمهور: الأنماط السيكولوجية لروَّاد دُور العَرْض السينمائية

(1) Zillmann and Bryant (1985). (2) Fuller (1996). (3) Austin (1989: pp. 35-36). These attendance figures don’t necessarily refer to the number of different individuals who attend a movie since some may have attended more than one movie a week. (4) Television Facts and Statistics (n.d.). (5) Austin (1989: p. 36). (6) Austin (1989: p. 40). (7) Austin (1989: pp. 87–92). (8) Taylor (2002). (9) Krugman and Johnson (1991). (10) Yearly Box Office (2011). (11) On an individual level, psychologists occasionally use reading or viewing tastes as a measure of personality. It seems likely that someone who watches only horror movies will be different from someone else who chooses to watch only romantic comedies. This chapter focuses on general trends in movie viewing. A closer look at movie enjoyment is considered in later chapters, particularly Chapter 7. (12) Lists of box office champs as well as other movies lists are available at www.filmsite.org. The list I am using has been adjusted for inflation and is therefore historically balanced. Movie admissions in 1939 when Gone with the Wind was released were much cheaper than a 3D showing of Avatar in 2009. This explains why Avatar, though the highest grossing movie of all time, is ranked below blockbusters from different economic eras such as Titanic, The Sound of Music, and Gone with the Wind. (13) To the extent that I am a representative movie fan, I have seen 45 of the 50 films and am generally familiar with every movie on the list except The Robe. (14) Dean Simonton (2011) has compiled a large database of box office performance, awards, critics’ ratings and other publicly available information. (15) Simonton (2011: pp. 53–78). (16) Simonton (2011: p. 82). (17) Simonton (2011: p. 102). (18) McIntosh, et al. (2003). (19) Simonton (2011). (20) Roberts and Foehr (2004). (21) Worth et al. (2008). (22) The effects of film are discussed in detail in Chapter 8. (23) See Pritzker (2009) for example. (24) Marich (2005). (25) Retrieved from the American Film Institute’s website at www.afi.com/100years/movies10.aspx. AFI is an association of filmmakers, producers and critics who, according to their website, are dedicated to film preservation and educational activities. (26) Accessed from the Internet Movie Database at www.imdb.com/chart/top on April 1, 2011. (27) Another difference is the handful of foreign films (e.g., Seven Samurai) on the IMDB list; AFI only ranks American movies. (28) Compared to the exclusive selection process for members of the American Film Institute, IMDB allows access to anyone who is online. Still, there is a strong element of self-selection, as individuals must choose not only to use the site but also its rating function. (29) Fischoff, et al. (2002-2003). (30) This survey was conducted in the early 2000s before the Twilight craze. Therefore, the results aren’t confounded by this massively successful book/movie series. However, its findings may have anticipated the neovampire craze of the new millennium. (31) Banerjee, et al. (2008). (32) Lincoln and Allen (2004). (33) Thinking about movie viewing in terms of “before, during, and after” establishes a cyclical process. If someone goes to a movie and has an experience which they evaluate as positive, they will likely develop a preference for a particular genre or actor and seek to reproduce it in subsequent movie choices. الفصل السادس: اللحظة السينمائية: المشاعر واستيعاب الأفلام

(1) This figure is a variation of Figure 1-3 inspired by Werner and Kaplan (1984). The symbol is the film, and the “referent” is divided up into multiple of levels of “images and sound” and “story.” It is important that the arrows go both ways. My example starts with perceptual details and move toward the overarching story; this approach has been described as “bottom-up” processing. However, viewers come to films with expectations about how stories work that impact the perceptual elements they pay attention to; this is “top-down” processing. Humans appear to engage in both types of processing simultaneously. (2) Classical Hollywood style is surveyed in Bordwell, Staiger, and Thompson (1985). (3) Cognitive psychology is an important sub-discipline of psychology and is summarized in numerous textbooks such as Sternberg and Sternberg (2011). Cognitive science is an interdisciplinary field that includes psychology, biology, computer science and philosophy. Neuroscience focuses on how the functioning of the brain and the rest of the nervous system impacts thinking and behavior. (4) Bordwell (1985; 1989a; 1989b), heavily influenced by early psychological studies of film by Munsterberg (1970) and Arnheim (1957), has written several seminal texts outlining a cognitive approach to narrative comprehension of film. Turner (1996) has made a similar case in regard to literature. Other early proponents of the cognitive turn in film studies include Noel Carroll (1988) and Edward Branigan (1992). (5) Grodal (1997), Tan (1996) and Plantinga (2009) are example of cognitive-based theories of film comprehension and emotion. Hogan (2003) provides an accessible overview of cognitive approaches in literature, film and art. Bordwell and Carroll (1996), and Plantinga and Smith (1999) compile a variety of essays on film that take cognitivism (as opposed to Lacanian interpretation) as their starting point. (6) See Anderson (1998) and Hochberg (1989) for overviews of film perception. (7) Anderson (1998: pp. 54–61). (8) Anderson (1998: pp. 99–101). (9) Hochberg (1989). (10) While most scholars agree that there is an interaction between cultural influence and innate endowment, the relative contribution of these factors remains controversial in all areas of the social sciences. (11) Bordwell (1985). (12) Chatman (1978) makes a similar distinction between story and discourse, while Bordwell (1985) borrows terms from Russian literary theory: fabula (story) and syuzhet (plot). (13) Bordwell (1989a: p. 49). (14) The way people are able to take the concept of “dog” and apply it to a variety of objects in the world is an example of a simple linguistic schema. A physicist’s understanding of atomic structure is a more complicated schema. (15) Hogan (2003). (16) The state of modern emotion research is surveyed in Lewis, Haviland-Jones, and Barrett’s (2008) edited volume. (17) Grodal (1997) and Plantinga (2009). (18) Tan (1996). (19) Mauss, et al. (2005) reported that behavioral, self-report, and physiological responses tend to be modestly correlated, supporting a connection between body, consciousness, and behavior. (20) See Mauss, et al. (2005) and Hoffner and Cantor (1991) for examples using adults and children respectively. (21) Mauss, et al. (2005). (22) Tomarken, Davidson, and Henriques (1990). (23) Hubert and de Jong-Meyer (1991). (24) Laan, et al. (1994) and Koukounas and Over (1997). Methods that involve contact between genitalia and laboratory equipment typically provoke giggles from my students, and indeed they are among the most intrusive social science methods. However, for ethical purposes, studies of human sexuality usually involve thorough education of participants before they make an informed decision to participate. (25) Rottenberg, Ray, and Gross (2007). (26) Yes, there are even hardened souls out there who would mock The Champ or laugh at Silence of the Lambs. (27) Holland (1989). There is some question as to whether the audience exposure part of the Kuleshov experiment was ever actually conducted or whether Pudovkin extrapolated from his own introspective observations. The experiment has been a reference point in film theory and provides a simple example of how an experiment in editing can be accomplished. I predict that Pudovkin and Kuleshov’s hypothesis would stand up today. (28) This observation is consistent with Lacanian psychoanalysis’ claims that spectators “suture” juxtaposed scenes together. (29) Kraft (1991). (30) This pattern is often summarized in introductory film text books such as Barsam and Monahan (2010). (31) Aristotle (1967). (32) Schank and Abelson (1977). (33) Pouliot and Cowen (2007). (34) Wollen (1976). (35) Summarized from Carroll (1999: pp. 35–46). (36) This idea is closely related to Jung’s archetypes discussed in Ch. 2 although the two concepts emerged from different theoretical traditions. (37) Hogan (2003). (38) Identification is a crucial issue in film theory, psychology and psychoanalysis. Similar terms include “involvement,” “engagement,” and “participation.” Grodal (1997) reviews some of the important variations of identification as used in film studies. While most of these subtleties are not relevant here, the nature of identification (in regard to type, intensity, and duration) can impact the effect of film on viewers discussed in Chapters 8 and 9. (39) Hoffner (1995). (40) Summarized from Plantinga’s (1999) application of Paul Ekman’s (2007) theory of universal facial expressions. (41) Anderson, et al. (2006: p. 7). (42) Summarized from Hogan (2003: pp. 174–179). (43) Major theories of psychological interpretation are overviewed in Chapter 2. (44) Bordwell (1989a). (45) The tendency to isolate discrete processes is comparable to the tendency of medicine to divide up the body in various subsystems. (46) Hogan (2003: p. 3). الفصل السابع: تأمُّل الشاشة: تلقِّي الأفلام

(1) Ebert (1986: pp. 173-174). (2) Kael (1976: pp. 247–251). (3) Thank you, Mom and Dad. (4) I didn’t take the film entirely seriously. At a high school debate camp held in Georgetown, we amused ourselves by holding races up and down the infamous Exorcist stairs. (5) Some student reactions hardly reflect the film’s reputation: “How could people ever have thought that was scary?,” “I laughed during the exorcism scenes,” and “That’s nothing compared to Hostel.” (6) Kenneth Burke (1984) has noted that all living things are critics, using a trout’s dilemma of whether or not to take the bait as a metaphor for the people, places and things that we either pursue or avoid. (7) Viewer preferences for types are considered in Chapter 5. (8) The psychology of entertainment is surveyed in edited volumes by Bryant and Vorderer (2006) and Zillmann and Vorderer (2000). (9) See discussion of emotions and comprehension in Chapter 6. (10) Freud (1960a). (11) Zillmann (2000). (12) Zillmann (2000). (13) Critics argue that many modern action movies are indeed random expressions of violence. Yet not all movies with explosions and gunfire are successful, leading to the probability that even action films draw something from character and plot. (14) Dispositional theory is reviewed in Zillmann (2011). (15) Zillmann (2006). (16) See Weaver and Tamborini (1996) for overview of research on horror. (17) Tamborini and Stiff (1987). (18) The Alien series has a third and fourth installment, but they weren’t financially or critically successful. The fact that they do not end well is consistent with my point. (19) The tendency of the virgin female characters to survive while sexually active female characters are killed is discussed in Chapter 2. (20) Oliver (1993). (21) Oliver (2008). (22) Oliver and Woolley (2011). (23) It is possible to see evaluation as a subtype of interpretation since judging a movie as enjoyable can be viewed as a form of meaning. (24) See overview of theoretical approaches to interpretation in Chapter 2. (25) Historical approaches have been used to look at the reception of many art and narrative forms. For example, Freedberg (1989) surveys the intense, visceral, and sometimes violent reactions that audiences have had to public displays of artworks (both low and high) over the centuries. (26) Mayne (1993: p. 148). (27) Staiger (2000: p. 162). (28) Gina Fournier (2007) offers an exhaustive historical look at the reception of a single film. (29) Fournier (2007: p. 31). (30) White and Robinson (1991: p. 29). (31) See overview of ideological approaches to film interpretation in Chapter 2. (32) Television has been given more attention than film in cultural studies. This is a reflection of the Marxist roots of the field since television viewing provides a more pervasive immersion in ideological messages than film viewing. (33) Morley (1980). (34) Ang (1985) and Liebes and Katz (1990) cover the reception of Dallas. The latter is the focus of my summary. (35) Reader response criticism has been advocated by many literary scholars such as Iser (1974), Bleich (1978) and Holland (1989). Tompkin’s (1980) is a compilation of essays by key figures. (36) Holland (1986). (37) Young (1992). (38) Hill (1999). (39) Zillmann (2011). (40) Shaw (2004: p. 140-141). (41) Film scholars Mayne (1993) and Staiger (1992) explore various approaches to film spectatorship and reception, while edited volumes by Bryant and Vorderer (2006), Bryant and Zillmann’s (1991) and Zillmann and Vorderer (2000) survey social science approaches to media reception and enjoyment. (42) Oliver and Woolley (2011). (43) Spectatorship approaches are overviewed in Chapter 2. (44) Quotes from the introduction to the first edition of Reading the Romance (pp. 3-4). They were removed from the 1991 second edition, because the author felt that the juxtaposition simplified the positions of the other scholars. While this may be true, putting such divergent quotes side by side is a useful rhetorical technique for highlighting the difference between textual interpretation and the lived experience of fans. (45) Bordwell (1989a). الفصل الثامن: الأفلام دافع للسلوك: تأثيرات الفيلم

(1) Block (2007). (2) Effects tradition has been subject to many overviews like Sparks (2010) an undergraduate text. Other texts such as Giles (2003) and Harris (1999) provide concise summaries of a variety of subdomains. Perse (2001) is a more advanced overview. Bryant and Oliver (2003) and Nabi and Oliver (2009) are edited volumes of contributions by many scholars in the field. (3) Ultimately the line between consciousness and nonconsciousness is not clear-cut. It is not an all-or-nothing phenomenon. Sometimes we are partially aware of things, other times we are aware of things and then forget them. Consciousness varies across time and is best understood as a continuum. The type of impact of a film will vary depending on factors such as when it was viewed, the conditions of viewing and recall, etc. (4) Blumer (1933). (5) Blumer and Hauser (1933). (6) Overviewed in Giles (2003). (7) See Sparks (2010) and Bryant and Zillman (2009) for historical summaries of effects research. (8) Key (1973). (9) Sparks (2010). (10) Perloff (2009). (11) These topics have been the frequent objects of content analysis discussed in Chapter 2. (12) The Snopes website for debunking media myths claims this widely reported incident has never been verified. Certain claims—T-shirt sales dropped 75% after the movie—are improbable based on the fact that even a successful film is only seen by a relatively small proportion of the population. (13) Hinds (1993). (14) Wilson and Hunter (1983). (15) Sparks (2010). (16) This is an example of the nonfiction media pointing a finger at its fictional counterpart. (17) Surette (2002). (18) Wilson and Hunter (1983). (19) Movie imagery even influenced how I see Harris and Klebold. I can’t separate the image of them stalking the halls wearing flowing overcoats and holding high powered weapons from those of The Matrix and The Basketball Diaries. (20) See Kirsh (2006) for an overview, and Gentile (2003) for an edited overview of media and violence with a special focus on children. (21) One can safely conclude there is “a lot” of violence in the media, but for amore subtle look at the amount and type of violence, see Kirsh (2006). (22) Recent overviews of media and children include Singer and Singer (2001) and Strasburger and Wilson (2002). (23) Bandura, Ross, and Ross (1963). (24) In a fourth condition a film is shown that features an adult dressed like a cartoon cat; the aggressive behavior is staged using unrealistic props. (25) Eron (1963). (26) Huesmann and Eron (1986). (27) “Correlation does not imply causation” is a mantra taught in all social science research courses. While it’s probably true that the more years of education one has, the more Woody Allen movies one has seen, it may not be the case that watching Woody Allen movies makes one smarter. (28) This distinction between “cause” and “contribution” is used by Grimes, Anderson and Bergen (2008) to distinguish between the “causationists,” those researchers who take a strong position that media violence alone causes negative behavioral effects, and the “contributionists,” who believe that media violence is one factor that interacts with many others. (29) Roskos-Ewoldsen and Roskos-Ewoldsen (2009). (30) Much of this research is summarized in Harris and Bartlett (2009) and Gunter (2002). (31) Collins et al. (2004). (32) However, in regard to college students, another study (Wilson and Liedtke, 1984) took a straightforward copycat approach and surveyed college students about which movies had been a “significant stimulus” for a sex act. 64% of the males and 39% of the females indicated that at least one film had inspired them (including 10, Endless Love, The Blue Lagoon, Saturday Night Fever, and An Officer and a Gentlemen). (33) Harris and Bartlett (2009). (34) Harris and Bartlett (2009). (35) Titus-Ernstoff et al. (2008). (36) Hazan, Lipton, and Glantz (1994). (37) Stoolmiller et al. (2010). (38) Mathai (1983). (39) Ballon and Leszcz (2007). (40) Ballon and Leszcz (2007); Bozzuto (1975); Hamilton (1978); and Tenyi and Csizyne (1993). (41) Bozzuto (1975). (42) Ballon and Leszcz (2007). (43) See Chapter 7. (44) Hoekstra, Harris, and Helmick (1999). (45) Harrison and Cantor (1999). (46) Johnson (1980). (47) Cantor (2009). (48) Cantor and Omdahl (1999). (49) Sparks and Cantor (1986). (50) Cantor, Wilson, and Hoffner (1986). (51) Singer and Singer (2005). (52) It is primarily for this reason that, despite my personal love of movies, my wife and I have chosen to limit screen exposure with our children while they are young. (53) Smith and Granados (2009). (54) Levine and Harrison (2008). (55) Mastro (2009). (56) Busselle and Crandall (2002). (57) Perse (2001). (58) Linz, Donnerstein, and Penrod (1988). (59) Jowett and O’Donnell (1992). (60) Gerbner et al. (2002) (61) McLuhan (1964). (62) Postman wrote his book in the 1980s. Today’s prominence of the computer screen adds another dimension to his argument. (63) McLuhan, Postman, and other cultural critics typically don’t refer to surveys or experiments, but they do share concerns about the negative impact of media on society. If one extrapolates the results of some effects studies across the culture, similar conclusions may be reached. (64) Strasburger and Wilson (2002). (65) Following Bandura, Ross, and Ross (1963), psychological theory has been overshadowed by a litany of atheoretical findings. This paucity of theory was documented in a content analysis by Potter and Riddle (2007). Recent attempts such as Nabi and Oliver’s (2009) edited volume are designed to give the field more conceptual weight. (66) A variety of perspectives on public policy as it relates to media and children are discussed in Singer and Singer (2005). (67) Perse (2001: p. ix). (68) Sparks, Sparks, and Sparks (2009: p. 273). (69) Huesmann and Taylor (2003). (70) Freedman (2002: p. ix). (71) Trend (2007: p. 3). (72) See Huesmann and Taylor (2003: pp. 112, 130, 111) for the three claims, respectively. (73) Grimes, Anderson and Bergen (2008: p. 49). (74) In particular, the criticism seems to imply that a study must be perfectly randomly sampled, that there can be no variation in participant response, and that the measure for the study must exactly and completely capture the effect (the “construct”) of interest. Such studies do not exist in the social sciences. (75) I once attended a media effects presentation at a national communication convention where I asked a question about the experiential dimension of the participants in the study. I intended it as a friendly question to move the discussion into a slightly different direction. One of the researchers, however, took my question as an implied denunciation of the work and suggested I “go down the hall where the rhetoricians are doing that kind of thing.” (76) Centerwall (1993). (77) Trend (2007: p. 1). (78) Perse (2001). (79) Linz, Donnerstein, and Penrod (1988). (80) For those unfamiliar with this movie, the tagline on IMDB.com says it all: “Danny Bonaduce and a cast of Playboy playmates get H.O.T.” (81) Directed by Amy Heckerling, written by Cameron Crowe, and featuring talented young stars including Sean Penn and Jennifer Jason Leigh. الفصل التاسع: الأفلام كوسيلة للعيش: وظائف الفيلم

(1) In Widescreen Dreams: Growing Up Gay at the Movies, Horrigan shares his experience of Dog Day Afternoon, as well as films like Hello Dolly!, The Sound of Music, and The Poseidon Adventure, mixing personal reflection with film commentary. In explaining his choices, he says, “I focus on these [films] … because they happened to be the movies that meant the most to me as I was growing up and because in writing about them, I’m trying to understand as fully as possible who I am and why I think and feel as I do” (p. xix). (2) Horrigan (1999: p. xix). (3) Using movies self-reflectively is not inherently a good thing. A viewer may make life choices based on a film that she subsequently comes to regret (e.g., “I should never have believed that Prince Charming would rescue me after seeing Pretty Woman”). Alternatively, a viewer could be happy with the impact of a film on his life (“Rambo convinced me that might makes right”), yet have that impact judged negatively by others. (4) Fisch (2009). (5) This is an example of multimedia synchronicity. While writing this section, I recalled a movie about a wooden Indian in a boat, but couldn’t remember the title. I Googled the plot and, to my delight, found it was called Paddle-to-the-Sea. On IMDB.com I learned it was a short film based on the book of the same name by Holling Clancy Holling. The next day I happened to be watching the 1990s TV show, Northern Exposure on DVD. In the episode, “The Final Frontier,” the erudite disc jockey Chris (John Corbett) is reading Paddle-to-the-Sea on air. Northern Exposure is a favorite of mine. The episode “Rosebud,” which uses Citizen Kane to make the point that movies are modern healing myths, was first aired at the same time I was reading Kenneth Burke’s essay “Literature as Equipment for Living.” These influences shaped my research program and much of this chapter. And taking it back even further, Northern Exposure is clearly a version of Sesame Street transplanted to Alaska with adults and no Muppets. (6) Wonderly (2009: p. 12). (7) Murray (1979). (8) Sutherland and Feltey (2009). (9) Van Belle and Mash (2009). (10) Murray and Heumann (2009). (11) Alexander, Lenahan, and Pavlov (2005). (12) Paddock, Terranova, and Giles (2001). (13) Wedding, Boyd, and Niemic (2010). (14) Dr Fritz Engstrom leads summer workshops at the Cape Cod Institute where therapists reflect on psychology and film in the morning and enjoy the beach in the afternoon—the good life. (15) Kerby et al. (2008). (16) Gladstein and Feldstein (1983). (17) Cinematherapy was preceded by bibliotherapy, the use of books to promote therapeutic change (e.g., Pardeck, 1993). The term cinematherapy was first used by Berg-Cross, Jennings, and Baruch (1990) although the therapeutic use of film appeared earlier (Smith, 1974). Hesley and Hesley (2001), Rubin (2008), and Gregerson (2010) are all extensions of cinematherapy and other uses of popular culture in counseling. (18) Kuriansky et al. (2010). (19) Turley and Derdeyn (1990). (20) This is the approach of Hesley and Hesley in their Rent Two Films and Let’s Talk in the Morning. (21) Shedler (2010). (22) Unfortunately Jones (2002) fails to consistently confront the studies on negative impacts of violence, an example of how the humanities and the social sciences remain segregated. (23) Madison and Schmidt (2001). (24) Grace (2006). (25) Niemiec and Wedding (2008). (26) Positive psychology encompasses many areas of psychology including clinical, personality, developmental, social, and neuropsychology. The movement was popularized by Seligman and Csikszentmihalyi (2000), building upon Csikszentmihalyi’s (1997) work on “flow” (those moments when people are at their optimal level of functioning) and related concepts. (27) Peterson and Seligman (2004). (28) See Blumler and Katz (1974), Rosengren, Wenner and Palmgreen (1985), and Rubin (2009) for overviews of uses and gratifications research. (29) Katz, Blumler and Gurevitch (1974: pp. 21-22). Rubin (2009) points out that recent study has been more interested in practical implications. (30) See Chapter 7 for an overview of this issue. (31) See Zillmann (1988), and Knobloch-Westerick (2006). (32) Note that “media” is embedded in the term “mediated,” a form of communication in which the text/screen/sound is a symbolic representation of its creator(s). (33) Perse and Rubin (1990). (34) Radway’s (1991: p. 61) study is discussed in more detail in Chapter 7. (35) See Chapter 3 for discussion on portrayal of mental health professionals and mental illness. (36) Wright (1974). (37) Tesser, Millar, and Wu (1988). (38) Oliver and Woolley (2011). (39) Burke (1973: p. 304). (40) The importance of symbolism runs throughout Burke’s (1966; 1973) writings. (41) See Dine Young (1996, 2000) for further discussion of this phenomenon. (42) See Chapters 6 and 7 for further exploration of these ideas. (43) Narrative approaches to knowledge are discussed in Chapter 2. (44) McAdams (1993). (45) Mar and Oatley (2008: p. 183). (46) Mar and Oatley (2008: p. 186). (47) Brummett (1985). (48) Qualitative audience response methods allow scholars to consider idiosyncratic experiences that may not be typical. For example, the notion of catharsis has been widely rejected in the effect tradition in regard to aggressive (Bandura, 2009) and sexual (Harris and Bartlett, 2009) impulses. Given a broad sample of participants, it is difficult to systematically demonstrate that most people will experience a deflation of intense emotions (such as aggression) when exposed to emotional films (as opposed to assimilating the emotions of the film). This doesn’t mean that catharsis never happens. Perhaps it is a more subtle, reflective process that occurs when people with sufficient ego strength are exposed to a well-done fictional narrative in a safe environment. Could such exposure help some people modulate aggressive tendencies in everyday life? Instances supporting this claim would me more accessible in open-ended interviews than they would be in social psych experiments. (49) See Rubin (1996) for an overview of autobiographical memory. (50) See Fivush and Haden (2003) for an edited volume exploring the relationship between narratives and autobiographical memory. (51) See section on psychiatric disturbances in Chapter 8. (52) Stein (1993). (53) McAdams (1993). (54) McMillan (1991). (55) Dine Young (2000). (56) All subjects from my interviews were assigned pseudonyms to insure confidentiality. (57) See Hills (2002) for overview of fan theory. (58) Austin (1981). (59) See Lieblich, McAdams, and Josselson (2004) and White and Epston (1990) as examples of narrative therapy and Payne (1989) for the therapeutic use of rhetoric. (60) Heinz Werner (1980) argues that development is more than just the aging process. What comes later cannot automatically be assumed to be more developed than what comes before. Instead, development is a conceptual framework that assumes that some modes of functioning have advantages over other modes and can therefore be said to have “progressed,” become “higher developed” or even to be “better.” (61) Dine Young (1996). الفصل العاشر: خاتمة: الصورة الكاملة

(1) For the record, I am not a Star Wars purist. I don’t mind Lucas tinkering with the special effects, and I enjoyed Episodes I-III. Nor I am particularly troubled by the imperious tone Lucas sometimes takes in interviews, and I am content with his decision to leave the series at six episodes. However, I was bothered when he started claiming in the 1990s that he had never intended a third trilogy. This seemed like a violation of the accepted fact that my pre-adolescent friends and I pondered endlessly, like a rug being pulled out from under my thirty-something self. (2) This figure is essentially a combination of Figure 1-3 and Figure 8-3. (3) Two other important dimensions of the film experience (conscious versus non-conscious; social versus individual) that I have repeatedly emphasized cannot be captured in Figure 10-4 without going 3-D. (4) Actually, I do remember that The Goodbye Girl starred Richard Dreyfuss but that was only because he would soon end up in a kid-friendly Spielberg movie, Close Encounters of the Third Kind. (5) Filmmakers also engage in multiple levels of psychological processing as they employ perceptual technologies (cameras), write scripts, and draw upon themes that resonate in their own lives. More scholarly attention has been paid to viewers mostly because they are a larger and more accessible group than filmmakers. (6) See Ch. 8 for an overview of these dangers.
المراجع


Alexander, M., Lenahan, P., and Pavlov, A. (2005) Cinemeducation: A Comprehensive Guide to using Film in Medical Education. Radcliffe, Oxford.
Allport, G. (1965) Letters from Jenny. Harcourt Brace, New York, NY.
Althusser, L. (1977) For Marx. New Left Books, London.
American Film Institute. (2007) AFI’s 100 Years … 100 Movies-10th Anniversary Edition. Available from http://www.afi.com/100years/movies10.aspx (accessed April 13, 2011).
American Psychiatric Association. (2000) Diagnostic and Statistical Manual of the Mental Disorders, 4th edn., text rev./DSM-IV. APA, Washington, DC.
Anderson, D. R., Fite, K.V., Petrovich, N., and Hirsch, J. (2006) Cortical activation while watching video montage: An fMRI study. Media Psychology, 8, 7–24.
Anderson, J. A. (1998) Qualitative approaches to the study of the media: Theory and methods of hermeneutic empiricism, in Research Paradigms, Television, and Social Behavior (eds J. K. Asaman and G. L. Berry). Sage, Thousand Oaks, CA, pp. 205–268.
Anderson, J. D. (1996) The Reality of Illusion: An Ecological Approach to Cognitive Film Theory. Southern Illinois University Press, Carbondale, IL.
Andrew, J. D. (1976) The Major Film Theories: An Introduction. Oxford University Press, London.
Ang, I. (1985) Watching Dallas: Soap Opera and the Melodramatic Imagination. Methuen, New York, NY.
Aristotle (1967) Poetics. University of Michigan Press, Ann Arbor, MI.
Arnheim, R. (1957) Film as Art. University of California Press, Berkeley, CA.
Austin, B. A. (1981) Portrait of a cult film audience: The Rocky Horror Picture Show. Journal of Communication, 31 (2), 43–54.
Austin, B. A. (1989) Immediate Seating: A Look at Movie Audiences. Wadsworth, Belmont, CA.
Ballon, B. and Leszcz, M. (2007) Horror films: Tales to master terror or shapers of trauma? American Journal of Psychotherapy, 61 (2), 211–230.
Bandura, A. (2009) Social cognitive theory of mass communication, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. (eds J. Bryant and M.B. Oliver), Routledge, Taylor and Francis, New York, NY, pp. 94–124.
Bandura, A., Ross, D., and Ross, S. A. (1963) Imitation of film-mediated aggressive models. Journal of Abnormal and Social Psychology, 66 (1), 3–11.
Banerjee, S. C., Greene, K., Krcmar, M., Bagdasarov, Z., and Ruginyte, D. (2008) The role of gender and sensation seeking in film choice: Exploring mood and arousal. Journal of Media Psychology, 20 (3), 97–105.
Barsam, R. and Monahan, D. (2010) Looking at Movies: An Introduction to Film, 3rd edn. W. W. Norton, New York, NY.
Baum, L. L. (F.) (2008) The Wizard of Oz. Puffin Books, London.
Baxter, J. (1999) Woody Allen: A Biography. Carroll & Graf, New York, NY.
Bazin, A. (1967) What is Cinema? University of California Press, Los Angeles, CA.
Berg-Cross, L., Jennings, P., and Baruch, R. (1990) Cinematherapy: Theory and application. Psychotherapy in Private Practice, 8 (1), 135–156.
Bertolucci, B., Shaw, F., and Mawson, C. (2003) The inner and outer worlds of the filmmaker’s temporary social structure, in The Couch and the Silver Screen: Psychoanalytic Reflections on European Cinema (ed. A. Sabbadini), Brunner-Routledge, New York, NY, pp. 19–34.
Bettelheim, B. (1975) The Uses of Enchantment: The Meaning and Importance of Fairy Tales. Random House, New York.
Bischoff, R. J. and Reiter, A. D. (1999) The role of gender in the presentation of mental health clinicians in the movies: Implications for clinical practice. Psychotherapy, 36 (2), 180–189.
Bjorkman, S. (ed) (1994) Woody Allen on Woody Allen. Grove Press, New York, NY.
Bleich, D. (1978) Subjective Criticism. Johns Hopkins University Press, Baltimore, MD.
Bloch, R. (1989) Psycho. Tor Books, New York, NY.
Block, J. J. (2007) Lesson from Columbine: Virtual and real rage. American Journal of Forensic Psychiatry, 28 (2) 5–33.
Blumer, H. (1933) Movies and Conduct. Macmillan, New York, NY.
Blumer, H. and Hauser, P. M. (1933) Movies, Delinquency, and Crime. Macmillan, New York, NY.
Blumler, J. G. and Katz, E. (1974) The Uses of Mass Communications: Current Perspectives on Gratifications Research. Sage, Beverly Hills, CA.
Bordwell, D. (1985) Narration in the Fiction Film. University of Wisconsin Press, Madison, WI.
Bordwell, D. (1989a) Making Meaning: Inference and Rhetoric in the Interpretation of Cinema. Harvard University Press, Cambridge, MA.
Bordwell, D. (1989b) A case for cognitivism. Iris, 9, 11–40.
Bordwell, D. and Carroll, N. (eds) (1996) Post-Theory: Reconstructing Film Studies. University of Wisconsin Press, Madison, WI.
Bordwell, D., Staiger, J., and Thompson, K. (1985) The Classical Hollywood Cinema: Film Style and Mode of Production to 1960. Columbia University Press, New York, NY.
Bozzuto, J. C. (1975) Cinematic neurosis following The Exorcist: Report of four cases. Journal of Nervous and Mental Disease, 161 (1), 43–48.
Brandell, J. R. (2004) Celluloid Couches, Cinematic Clients: Psychoanalysis and Psychotherapy in the Movies. State University of New York Press, Albany, NY.
Branigan, E. (1992) Narrative Comprehension and Film. Routledge, London.
Breuer, J. and Freud, S. (1957) Studies on Hysteria. Basic Books, New York, NY.
Brummett, B. (1985) Electronic literature as equipment for living: Haunted house films. Critical Studies in Mass Communication, 2, 247–261.
Bruner, J. (1986) Actual Minds, Possible Worlds. Harvard University Press, Cambridge, MA.
Bruner, J. (1990) Acts of Meaning. Harvard University Press, Cambridge, MA.
Bryant, J. and Oliver, M.B. (eds) (2009) Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. Routledge, Taylor & Francis, New York, NY.
Bryant, J. and Vorderer, P. (eds) (2006) Psychology of Entertainment. Lawrence Erlbaum, New York, NY.
Bryant, J. and Zillmann, D. (eds) (1991) Responding to the Screen: Reception and Reaction Processes. Lawrence Erlbaum, Hillsdale, NJ.
Bryant, J. and Zillmann, D. (2009) A retrospective and prospective look at media effects, in The Sage Handbook of Media Processes and Effects (eds R.L. Nabi and M. B. Oliver), Sage, Thousand Oaks, CA, pp. 9–18.
Burke, K. (1966) Language as Symbolic Action. University of California Press, Berkeley, CA.
Burke, K. (1973) The Philosophy of Literary Form: Studies in Symbolic Action. University of California Press, Berkeley, CA.
Burke, K. (1984) Permanence and Change: An Anatomy of Purpose, 3rd edn. University of California Press, Berkeley, CA.
Busselle, R. and Crandall, H. (2002) Television viewing and perception about race differences in socioeconomic success. Journal of Broadcasting & Electronic Media, 46 (2), 265–282.
Camp, M. E., Webster, C. R., Coverdale, T. R., Coverdale, J. H., and Nairn, R. (2010) The Joker: A dark night for depictions of mental illness. Academic Psychiatry, 34 (2), 145–149.
Campbell, J. (1968) The Hero with a Thousand Faces. Princeton University Press, Princeton, NJ.
Cantor, J. (1998) ‘Mommy I’m Scared’: How TV and Movies Frighten Children and What We Can Do To Protect Them. Harcourt Brace, Orlando, FL.
Cantor, J. (2009) Fright reactions to mass media, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn (eds J. Bryant and M. B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis, New York, NY, pp. 287–303.
Cantor, J. and Omdahl, B. L. (1999) Children’s acceptance of safety guidelines after exposure to televised dramas depicting accidents. Western Journal of Communication, 63 (1), 57–71.
Cantor, J., Wilson, B. J., and Hoffner, C. (1986) Emotional responses to a televised nuclear holocaust film. Communication Research, 13 (2), 257–277.
Carroll, N. (1988) Mystifying Movies: Fads and Fallacies in Contemporary Film Theory. Columbia University Press, New York, NY.
Carroll, N. (1999) Film, emotion, and genre, in Passionate Views: Film, Cognition, and Emotion (eds C. Plantinga and G. M. Smith), John Hopkins University Press, Baltimore, MD, pp. 21–47.
Casetti, F. (1999) Theories of Cinema: 1945–1995. University of Texas Press, Austin, TX.
Cassirer, E. (1955–1957) The Philosophy of Symbolic Forms, Vol. 1–3. Yale University Press, New Haven, CT.
Centerwall, B. S. (1993) Television and violent crime. Public Interest, 111, 56–70.
Chatman, S. (1978) Story and Discourse: Narrative Structure in Fiction and Film. Cornell University Press, Ithaca, NY.
Cocks, G. (1991) Bringing the Holocaust home: The Freudian dynamics of Kubrick’s ‘The Shining’. Psychoanalytic Review, 78 (1), 103–125.
Cohen, A. J. (2004) Woody Allen and Freud, in Celluloid Couches, Cinematic Clients: Psychoanalysis and Psychotherapy in the Movies (ed. J. R. Brandell), State University of New York Press, Albany, NY, pp. 127–146.
Cohen-Shalev, A. and Raz, A. (2008) Poetry of unadulterated imagination: The late style of Akira Kurosawa. Psychology of Aesthetics, Creativity, and the Arts, 2 (1), 34–41.
Cole, M. (1996) Cultural Psychology: A Once and Future Discipline. Harvard University Press, Cambridge, MA.
Collins, R.L., Elliott, M. N., Berry, S. H., Kanouse, D. E., Kunkel, D., Hunter, S. B., and Miu, A. (2004) Watching sex on television predicts adolescent initiation of sexual behavior. Pediatrics, 114 (3), 280–289.
Corliss, R. (1992, August 31) Scenes from a break up. Time, 54–58.
Cowan, G., Lee, C., Levy, D., and Snyder, D. (1988) Dominance and inequality in X-rated videocassettes. Psychology of Women Quarterly, 12, 299–311.
Coyne, S. and Whitehead, E. (2008) Indirect aggression in animated Disney films. Journal of Communication, 58, 382–395.
Crews, F. (1995) The Memory Wars. The New York Review of Books, New York, NY.
Csikszentmihalyi, M. (1997) Finding Flow: The Psychology of Engagement with Everyday Life. Basic Books, New York, NY.
D’Arminio, A. (2011, April 22/29) Harry Potter and the Deathly Hallows, Part II. Entertainment Weekly, 26–30.
Davis, G. (2008) Praising it New: The Best of the New Criticism. Swallow Press, Athens, OH.
Diamond, D., Wrye, H., and Sabbadini, A. (2007) Prologue. Psychoanalytic Inquiry, 27 (4), 367–380.
Dine Young, S. (1996) Movies as Equipment for Living: Symbolic Action in the Viewing of Film (unpublished doctoral dissertation). Clark University, Worcester, MA.
Dine Young, S. (2000) Movies as equipment for living: A developmental analysis of the importance of film in everyday life. Critical Studies in Media Communication, 17 (4), 447–468.
Dine Young, S., Boester, A., Whitt, M. T., and Stevens, M. (2008) Character motivation in the representations of mental health professionals in popular film. Mass Communication and Society, 11 (1), 82–99.
Domino, G. (1983) Impact of the film One Flew Over the Cuckoo’s Nest on the attitudes towards mental illness. Psychological Reports, 53, 179–182.
Dyer, R. (1998) Stars. British Film Institute, London.
Dylan, B. and Shepard, S. (1986) Brownsville Girl. On Knocked Out Loaded [CD]. Columbia, New York, NY.
Eber, M. and O’Brien, J. (1982) Psychotherapy in the movies. Psychotherapy: Theory, Research, and Practice, 19 (1), 116–120.
Ebert, R. (1986) Roger Ebert’s Movie Home Companion 1987 Edition. Andrews, McMeel and Parker, Kansas City, MO.
Edelson, M. (1993) Telling and enacting stories in psychoanalysis and psychotherapy: Implications for teaching psychotherapy. Psychoanalytic Study of the Child, 48, 293–325.
Ekman, P. (2007) Emotions Revealed: Recognizing Faces and Feelings to Improve Communication and Emotional Life, 2nd edn. Owl Books, New York, NY.
Elms, A. C. (1994) Uncovering Lives: The Uneasy Alliance of Biography and Psychology. Oxford University Press, New York, NY.
Elms, A. C. (2005) Freud as Leonardo: Why the first psychobiography went wrong, in Handbook of Psychobiography (ed. W. T. Schultz), Oxford University Press, New York, NY, pp. 210–222.
Erikson, E. H. (1962) Young Man Luther: A Study in Psychoanalysis and History. W.W. Norton, New York, NY.
Eron, L. D. (1963) Relationship of TV viewing habits and aggressive behavior in children. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 67 (2), 193–196.
Farber, S. and Green, M. (1993) Hollywood on the Couch: A Candid Look at the Overheated Love Affair between Psychiatrists and Moviemakers. William Morrow, New York.
Fisch, S. M. (2009) Educational television and interactive media for children: Effects on academic knowledge, skills, and attitudes, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. (eds J. Bryant and M. B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis Group, New York, NY, pp. 402–435.
Fischoff, S., Dimopoulos, A., Nguyen, F., and Gordon, R. (2002-2003) Favorite movie monsters and their psychological appeal. Imagination, Cognition, and Personality, 22 (4), 401–426.
Fiske, J. (1989) Understanding Popular Culture. Unwin Hyman, Boston, MA.
Fivush, R. and Haden, C. A. (2003) Autobiographical Memory and Construction of a Narrative Self: Developmental and Cultural Perspectives. Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ.
Fleming, M. and Manvell, R. (1985) Images of Madness: The Portrayals of Insanity in the Feature Film. Associated University Presses, Cranbury, NJ.
Forrester, J. (1998) Dispatches from the Freud Wars: Psychoanalysis and its Passions. Harvard University Press, Cambridge, MA.
Fournier, G. (2007) Thelma & Louise and Women in Hollywood. McFarland, Jefferson, NC.
Freedberg, D. (1989) The Power of Images: Studies in the History and Theory of Response. University of Chicago Press, Chicago, IL.
Freedman, J. L. (2002) Media Violence and its Effect on Aggression: Assessing the Scientific Evidence. University of Toronto Press, Toronto.
Freud, S. (1955) The Uncanny, in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, Vol. 17 (ed. J. Strachey), Hogarth Press, London, pp. 217–256.
Freud, S. (1957) Leonardo da Vinci and a memory of his childhood, in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, Vol. 6 (ed. J. Strachey), Hogarth Press, London, pp. 63–137.
Freud, S. (1959) Creative writers and day-dreaming, in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, Vol. 9 (ed. J. Strachey), Hogarth Press, London, pp. 143–153.
Freud, S. (1960a) Jokes and their Relation to the Unconscious. W. W. Norton, New York, NY.
Freud, S. (1960b) The Ego and the Id.: W. W. Norton, New York, NY.
Fuller, K. H. (1996) At the Picture Show: Small-Town Audiences and the Creation of Movie Fan Culture. Smithsonian Institution Press, Washington, DC.
Gabbard, G. O. (2001) Psychotherapy in Hollywood cinema. Australasian Psychiatry, 9 (4), 365–369.
Gabbard, G. O. and Gabbard, K. (1999) Psychiatry and the Cinema, 2nd edn, American Psychiatric Press, Washington, DC.
Gentile, D. A. (2003) Media Violence and Children: A Complete Guide for Parents and Professionals. Praeger, Westport, CT.
Gerbner, G., Gross, L., Morgan, M., Signorielli, N., and Shanahan, J. (2002) Growing up with television: Cultivation processes, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 2nd edn. (eds J. Bryant and D. Zillmann), Lawrence Erlbaum, Hillsdale, NJ, pp. 43–67.
Giles, D. (2003) Media Psychology. Routledge, Taylor and Francis, New York, NY.
Gladstein, G. A. and Feldstein, J. C. (1983) Using film to increase counselor empathetic experiences. Counselor Education and Supervision, 23 (2), 125–131.
Gladwell, M. (2005) Blink: The Power of Thinking Without Thinking. Little, Brown, New York, NY.
Gladwell, M. (2008) Outliers: The Story of Success. Little, Brown, New York, NY.
Glantz, S. A., Kacirk, K. W., and McCulloch, C. (2004) Back to the future: Smoking in movies in 2002 compared with 1950 levels. American Journal of Public Health, 94 (2), 261-262.
Grace, M. (2006) Reel Fulfillment: A 12-Step Plan for Transforming your Life through Movies. McGraw-Hill, New York, NY.
Granello, D. H., Pauley, P. S., and Carmichael, A. (1999) Relationship of the media to attitudes toward people with mental illness. Journal of Humanistic Counseling, Education, and Development, 38 (2), 98–110.
Gray, J. (1993) Men are From Mars, Women are From Venus. HarperCollins, New York, NY.
Greenberg, B. S. (1994) Content trends in media sex, in Media, Children, and the Family: Social, Scientific, Psychodynamic, and Clinical Perspectives (eds O. Zillmann and J. Bryant), Lawrence Erlbaum, Hillsdale, NJ, pp. 165–181.
Greenberg, H. R. (1975) The movies on your mind. Saturday Review Press, New York, NY and E. P. Dutton.
Greenberg, H. R. (1993) Screen Memories: Hollywood Cinema on the Psychoanalytic Couch. Columbia University Press, New York, NY.
Greenberg, H. R. (2003) La-La Land meets DSM-IV: The pleasures and pitfalls of celluloid diagnostics. Psychiatric Services, 54 (6), 807-808.
Gregerson, M. B. (2010) Story board: The ‘Filmist’ fall of the cinematic fourth wall, in The Cinematic Mirror for Psychology and Life Coaching (ed. M.B. Gregerson), Springer, New York, NY, pp. 1–16.
Grimes, T., Anderson, J. A., and Bergen, L. (2008) Media Violence and Aggression: Science and Ideology. Sage, Thousand Oaks, CA.
Grodal, T. (1997) Moving Pictures: A New Theory of Film Genres, Feelings, and Cognition. Oxford University Press, New York.
Gunter, B. (2002) Media Sex: What are the Issues? Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ.
Hall, C. (1999) A Primer of Freudian psychology. Meridian, New York, NY.
Hall, S. (1980) Encoding/decoding, in Culture, Media, Language: Working Papers in Cultural Studies (eds S. Hall, S. Hobson, A. Lowe, and P. Willis), Hutchinson Press, London, pp. 128–138.
Hamilton, J. W. (1978) Cinematic neurosis: A brief case report. Journal of the American Academy of Psychoanalysis, 6 (4), 569–572.
Harris, R. J. (1999) A Cognitive Psychology of Mass Communication, 3rd edn. Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ.
Harris, R. J. and Barlett, C. P. (2009) Effects of sex in the media, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. (eds J. Bryant and M.B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis, New York, pp. 362–401.
Harrison, K. and Cantor, J. (1999) Tales from the screen: Enduring fright reactions to scary media. Media Psychology, 1, 97–116.
Haskell, M. (1973) From Reverence to Rape: The Treatment of Women in Movies. Holt, Rinehart, and Winston, New York, NY.
Hazan, A. R., Lipton, H. L., and Glantz, S. A. (1994) Popular films do not reflect current tobacco use. American Journal of Public Health, 84 (6), 998–1000.
Hesley, J. W. and Hesley, J. G. (2001) Rent Two Films and Let’s Talk in the Morning: Using Popular Movies in Psychotherapy, 2nd edn. John Wiley & Sons, Inc., New York, NY.
Hill, A. (1999) Risky business: Film violence as an interactive phenomenon, in Identifying Hollywood’s Audiences: Cultural Identity and the Movies (eds M. Stokes and R. Maltby), British Film Institute, London, pp. 175–186.
Hill, G. (1992) Illuminating Shadows: The Mythic Power of Film. Shambhala, Boston, MA.
Hills, M. (2002) Fan Cultures. Routledge, Taylor & Francis, New York, NY.
Hinds, M. (1993, October 19) Not like the movie: A dare leads to death. The New York Times. Available from http://www.nytimes.com/ (accessed June 10, 2011).
Hochberg, J. (1989) The perception of moving images. Iris, 9, 41–68.
Hoekstra, S. J., Harris, R. J., and Helmick, A. L. (1999) Autobiographical memories about the experience of seeing frightening movies in childhood. Media Psychology, 1, 117–140.
Hoffner, C. (1995) Adolescents’coping with frightening mass media. Communication Research, 22 (3), 325–346.
Hoffner, C. and Cantor, J. (1991) Factors affecting children’s enjoyment of a frightening film sequence. Communication Monographs, 58, 41–62.
Hogan, P. C. (2003) Cognitive Science, Literature, and the Arts: A Guide for Humanists. Routledge, Taylor & Francis, New York, NY.
Holland, N. (1975) Five Readers Reading. Yale University Press, New Haven, CT.
Holland, N. (1986) I-ing Film. Critical Inquiry, 12, 654–671.
Holland, N. (1989) The Dynamics of Literary Response. Columbia University Press, New York, NY.
Holland, N. (2006) Meeting Movies. Associated University Presses, Cranbury, NJ.
Holling, H. C. (1980) Paddle-to-the-Sea. Sandpiper, Riverside, UT.
Hopcke, R. H. (1989) Dorothy and her friends: Symbols of gay male individuation in ‘The Wizard of Oz’. Quadrant: Journal of the C. G. Jung Foundation for Analytical Psychology, 22 (2), 65–77.
Horowitz, J. (2008) Woody Allen explains his love of Scarlett Johansson and why he doesn’t do Broadway. Available from http://www.mtvnews.com/articles/1579782/woody-allen-explains-his-love-scarlett-johansson.jhtml (accessed August 1, 2011).
Horrigan, P. E. (1999) Widescreen Dreams: Growing Up Gay at the Movies. The University of Wisconsin Press, Madison, WI.
Hubert, W. and de Jong-Meyer, R. (1991) Autonomic, neuroendocrine, and subjective responses to emotion-inducing film stimuli. International Journal of Psychophysiology, 11, 131–140.
Huesmann, L. R. and Eron, L.D. (1986) Television and the Aggressive Child: A Cross-National Comparison. Lawrence Erlbaum, Hillsdale, NJ.
Huesmann, L. R. and Taylor, L.D. (2003) The case against the case against media violence, in Media Violence and Children: A Guide for Parents and Professionals (ed. D. A. Gentile), Praeger, Westport, CT, pp. 107–130.
Hyde, J. (2005) The gender similarities hypothesis. American Psychologist, 60 (6), 581–592.
Hyler, S. E., Gabbard, G. O., and Schneider, I. (1991) Homicidal maniacs and narcissistic parasites: Stigmatization of mentally ill persons in the movies. Hospital and Community Psychiatry, 42 (10), 1044–1048.
Iaccino, J. F. (1998) Jungian Reflections within the Cinema: A Psychological Analysis of Sci-Fi and Fantasy Archetypes. Praegers, Westport, CT.
Indick, W. (2004) Movies and the Mind: Theories of Great Psychoanalysts Applied to Film. McFarland, Jefferson, NC.
Internet Movie Database (2011) IMDB Top 250 Movies as Voted by Our Users. Available from http://www.imdb.com/chart/top (accessed April 13, 2011).
Iser, W. (1974) The Implied Reader: Patterns of Communication in Prose Fiction from Bunyan to Beckett. The John Hopkins University Press, Baltimore, MD.
Jamieson, P. E., Romer, D., and Jamieson, K. H. (2006) Do films about mentally disturbed characters promote ineffective coping in vulnerable youth? Journal of Adolescence, 29, 749–760.
Johnson, B. R. (1980) General occurrence of stressful reactions to commercial motion pictures and elements in films subjectively identified as stressors. Psychological Reports, 47 (3, Pt 1), 775–786.
Jones, G. (2002) Killing Monsters: Why Children Need Fantasy, Super Heroes, and Make-Believe Violence. Basic Books, New York, NY.
Jorm, A. F. (2000) Mental health literacy: Public knowledge and beliefs aboutmental disorders. British Journal of Psychiatry, 177, 396–401.
Jowett, G. S. and O’Donnell, V. (1992) Propaganda and Persuasion, 2nd edn. Sage, Newbury Park, CA.
Jung, C. (1964) Man and his Symbols. Dell, New York, NY.
Jung, C. (1969) The Archetypes and the Collective Unconscious. Princeton University Press, Princeton, NJ.
Kael, P. (1976) Reeling. Little, Brown, Boston, MA.
Kaplan, E. A. (1990) Psychoanalysis and Cinema. Routledge, New York, NY.
Katz, E., Blumler, J. G., and Gurevitch, M. (1974) Utilization ofmass communication by the individual, in The Uses of Mass Communications: Current Perspectives on Gratifications Research (eds J. G. Blumler and E. Katz), Sage, Beverly Hills, CA, pp. 19–34.
Kerby, J., Calton, T., Dimambro, B., Flood, C., and Glazebrook, C. (2008) Antistigma films and medical students’ attitudes towards mental illness and psychiatry: Randomised controlled trial. Psychiatric Bulletin, 32, 345–349.
Key, W. B. (1973) Subliminal Seduction: Ad Media’s Manipulation of a Not So Innocent America. Signet, New York, NY.
Keyser, L. (1992) Martin Scorsese. Twayne, New York, NY.
Kirsh, S. J. (2006) Children, Adolescents, and Media Violence: A Critical Look at the Research. Sage, Thousand Oaks, CA.
Knobloch-Westerwick, S. (2006) Mood management: Theory, evidence, and advancements, in Psychology of Entertainment (eds J. Bryant and P. Vorderer), Lawrence Erlbaum, New York, NY, pp. 239–254.
Kondo, N. (2008) Mental illness in film. Psychiatric Rehabilitation Journal, 31 (3), 250–252.
Koukounas, E. and Over, R. (1997) Male sexual arousal elicited by film and fantasy matched in content. Australian Journal of Psychology, 49 (1), 1–5.
Kracauer, S. (1947) From Caligari to Hitler: A Psychological History of the German Film. Princeton University Press, Princeton, NJ.
Kracauer, S. (1960) Theory of Film: The Redemption of Physical Reality. Oxford University Press, New York, NY.
Kraft, R. N. (1991) Light and mind: Understanding the structure of film, in Cognition and the Symbolic Processes: Applied and Ecological Perspectives (eds R. R. Hoffman and D. S. Palermo), Lawrence Erlbaum, Hillsdale, NJ, pp. 351–370.
Krasner, D. (ed.) (2000) Method Acting Reconsidered: Theory, Practice, Future. St. Martin’s Press, New York, NY.
Krippendorff, K. H. (2004) Content Analysis: An Introduction to its Methodology, 2nd edn. Sage, Thousand Oaks, CA.
Kristen, S. and Dine Young, S. (2009) A foreign sound to your ear: The influence of Bob Dylan’s music on American and German-speaking fans. Popular Music and Society, 32 (2), 229–248.
Krugman, D. M. and Johnson, K. F. (1991) Differences in the consumption of traditional broadcast and VCR movie rentals. Journal of Broadcasting and Electronic Media, 35 (2), 213–232.
Kuriansky, J., Vallarelli, A., DelBuono, J., and Ortman, J. (2010) Cinematherapy: Usingmovie metaphors to explore real relationships in counseling and coaching, in The Cinematic Mirror for Psychology and Life Coaching (ed. M. B. Gregerson), Springer, New York, NY, pp. 89–122.
Laan, E., Everaerd, W., van Bellen, G., and Hanewald, G. (1994) Women’s sexual and emotional responses to male- and female-produced erotica. Archives of Sexual Behavior, 23 (2), 153–169.
Lambert, M. J. and Bergin, A. E. (1994) The effectiveness of psychotherapy, in Handbook of Psychotherapy and Behavior Change, 4th edn (eds A. E. Bergin and S. C. Garfield), John Wiley & Sons, Inc., New York, NY. pp. 143–189.
Larsen, S. and Larsen, R. (2002) Joseph Campbell: A Fire in the Mind. Inner Traditions, Rochester, VT.
Lawson, A. and Fouts, G. (2004) Mental Illness in Disney Animated Films. Canadian Journal of Psychiatry, 49 (5), 310–314.
Lax, E. (2000) Woody Allen: A Biography. Da Capo Press, Cambridge, MA.
Levine, M. P. and Harrison, K. (2009) Effects of media on eating disorders and body image, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. (eds J. Bryant and M. B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis, New York, NY, pp. 490–516.
Lewis, M., Haviland-Jones, J. M., and Barrett, L. F. (2008) Handbook of Emotion. Guilford Press, New York, NY.
Liebes, T. and Katz, E. (1990) The Export of Meaning: Cross-Cultural Readings of Dallas. Oxford University Press, New York, NY.
Lieblich, A., McAdams, D. P., and Josselson, R. (eds) (2004) Healing Plots: The Narrative Basis of Psychotherapy. American Psychological Association, Washington, DC.
Lincoln, A. E. and Allen, M. P. (2004) Double jeopardy in Hollywood: Age and gender in the careers of film actors, 1926–1999. Sociological Forum, 19 (4), 611–631.
Linz, D. and Donnerstein, E. (1994) Sex and violence in slasher films: A reinterpretation. Journal of Broadcasting & Electronic Media, 38 (12), 243–246.
Linz, D., Donnerstein, E., and Penrod, S. (1988) Effects of long-term exposure to violent and sexually degrading depictions of women. Journal of Personality and Social Psychology, 55 (5), 758–768.
LoBrutto, V. (2008) Martin Scorsese: A Biography. Praeger, Westport, CT.
Madison, R. J. and Schmidt, C. (2001) Talking Pictures: A Parents’ Guide to Using Movies to Discuss Ethics, Values, and Everyday Problems with Children. Running Press, Philadelphia, PA.
Mar, R. A. and Oatley, K. (2008) The function of fiction is the abstraction and simulation of social experience. Perspectives on Psychological Science, 3 (3), 173–192.
Marich, R. (2005) Marketing to Moviegoers: A Handbook of Strategies Used by Major Studios and Independents. Focal Press, Burlington, MA.
Martin, N. K. (2007) Sexy Thrills: Undressing the Erotic Thriller. University of Illinois Press, Chicago, IL.
Mastro, D. (2009) Effects of racial and ethnic stereotyping, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn (eds J. Bryant and M. B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis, New York, NY, pp. 325–341.
Mathai, J. (1983) An acute anxiety state in an adolescent precipitated by viewing a horror movie. Journal of Adolescence, 6, 197–200.
Mauss, I. B., Levenson, R. W., McCarter, L., Wilhem, F. H., and Gross, J. J. (2005) The tie that binds? Coherence among emotion experience, behavior, and physiology. Emotion, 5 (2), 175–190.
Mayne, J. (1993) Cinema and Spectatorship. Routledge, New York, NY.
McAdams, D. P. (1993) The Stories We Live By: Personal Myths and the Making of the Self. Guilford Press, New York, NY.
McDonald, A. and Walter, G. (2009) Hollywood and ECT. International Review of Psychiatry, 21 (3), 200–206.
McGilligan, P. (1994) Jack’s Life: A Biography of Jack Nicholson. W. W. Norton, New York, NY.
McGinn, C. (2005) The Power of Movies: How Screen and Mind Interact. Pantheon Books, New York, NY.
McGowan, T. and Kunkle, S. (eds) (2004) Lacan and Contemporary Film. Other Press, New York, NY.
McIntosh, W. D., Murray, J. D., Murray, R. M., and Manian, S. (2003) What’s so funny about a poke in the eye? The prevalence of violence in comedy films and its relation to social and economic threat in the United States, 1951–2000. Mass Communication & Society, 6 (4), 345–360.
McLuhan, M. (1964) Understanding Media: The Extensions of Man. McGraw-Hill Book, New York, NY.
McMillan, T. (1991) The Wizard of Oz, in The Movie that Changed my Life (ed. D. Rosenberg), Viking Penguin, New York, pp. 253–265.
Metz, C. (1974) Film Language: A Semiotics of the Cinema. Oxford University Press, New York, NY.
Metz, C. (1982) The Imaginary Signifier: Psychoanalysis and the Cinema. Indiana University Press, Bloomington, IN.
Modleski, T. (1988) The Women who Knew Too Much: Hitchcock and Feminist Theory. Routledge, New York, NY.
Molitor, F. and Sapolsky, B. S. (1993) Sex, violence, and victimization in slasher films. Journal of Broadcasting & Electronic Media, 37 (2), 233–242.
Molitor, F. and Sapolsky, B. S. (1994) Violence towards women in slasher films: A reply to Linz and Donnerstein. Journal of Broadcasting & Electronic Media, 38 (12), 247–249.
Morley, D. (1980) The Nationwide Audience: Structure and Decoding. British Film Institute, London.
Morton, A. (2010) Angelina: An Unauthorized Biography. St. Martin’s Press, New York, NY.
Mulvey, L. (1986) Visual pleasure and narrative cinema, in Narrative, Apparatus, Ideology (ed. P. Rosen), Columbia University Press, New York, NY (pp. 198–209).
Munsterberg, H. (1970, 1916) The Film: A Psychological Study. Dover Publications, Inc., New York, NY. (1916, The Photoplay).
Murphy, M. (1996) ‘The Wizard of Oz’ as cultural narrative and conceptual model for psychotherapy. Psychotherapy, 33 (4), 531–538.
Murray, L. (1979) The Celluloid Persuasion: Movies and the Liberal Arts. William B. Eerdmans, Grand Rapids, MI.
Murray, R. L. and Heumann, J. K. (2009) Ecology and Popular Film: Cinema on the Edge. State University of New York Press, Albany, NY.
Nabi, R. L. and Oliver, M. B. (eds) (2009) The Sage Handbook of Media Processes and Effects. Sage, Thousand Oaks, CA.
Nasar, S. (2001) A Beautiful Mind: The Life of Mathematical Genius and Nobel Laureate John Nash. Touchstone, New York.
Nettle, D. (2001) Strong Imagination: Madness, Creativity, and Human Nature. Oxford University Press, New York, NY.
Niemiec, R. M. and Wedding, D. (2008) Positive Psychology at the Movies: Using Film to Build Virtues and Character Strengths. Hogrefe & Huber, Cambridge, MA.
Oliver, M. B. (1993) Adolescents’ enjoyment of graphic horror: Effects of viewers’ attitudes and portrayals of victim. Communication Research, 20 (1), 30–50.
Oliver, M. B. (2008) Tender affective states as predictors or entertainment preferences. Journal of Communication, 58, 40–61.
Oliver, M. B. and Woolley, J. K. (2011) Tragic and poignant entertainment: The gratifications of meaningfulness as emotional response, in The Routledge Handbook of Emotions and Mass Media (eds K. D?veling, C. von Scheve, and E. A. Konijn), Routledge, Taylor & Francis, New York, NY, pp. 134–147.
Orchowski, L. M., Spickard, B. A., and McNamara, J. R. (2006) Cinema and the valuing of psychotherapy: Implications for clinical practice. Professional Psychology: Research and Practice, 37 (5), 506–514.
Packer, S. (2007) Movies and the Modern Psyche. Praeger, Westport, CT.
Paddock, J. R., Terranova, S., and Giles, L. (2001) SASB goes Hollywood: Teaching personality theories through movies. Teaching of Psychology, 28 (2), 117–121.
Page, J. and Plant, R. (1971) Stairway to Heaven. On Led Zeppelin IV [CD]. New York: Atlantic.
Pardeck, J. T. (1993) Using Bibliotherapy in Clinical Practice: A Guide to Self-Help Books. Greenwood Press, Westport, CT.
Payne, D. (1989a) Coping with Failure: The Therapeutic Use of Rhetoric. University of South Carolina Press, Columbia, SC.
Payne, D. (1989b) The Wizard of Oz: Therapeutic rhetoric in a contemporary media ritual. Quarterly Journal of Speech, 75, 25–39.
Perlin, M. L. (1991) Power imbalances in the rapeutic relationships, in The Hatherleigh Guide to Psychotherapy. Hatherleigh Press, New York, NY, pp. 215–229.
Perloff, R. M. (2009) Mass media, social perception, and the third-person effect, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn (eds J. Bryant and M. B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis, New York, pp. 252–268.
Perse, E. M. (2001) Media Effects and Society. Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ.
Perse, E. M. and Rubin, A. M. (1990) Chronic loneliness and television use. Journal of Broadcasting & Electronic Media, 34 (1), 37–53.
Peterson, C. and Seligman, M. (2004) Character Strengths and Virtues: A Handbook and Classification. Oxford University Press, New York, NY.
Philaretou, A. G. (2006) Learning and laughing about gender and sexuality through humor: The Woody Allen case. The Journal of Men’s Studies, 14 (2), 133–144.
Philo, G. (1996) Media and Mental Distress. Addison Wesley Longman, New York, NY.
Pirkis, J., Blood, R. W., Francis, C., and McCallum, K. (2006) On-screen portrayals of mental illness: Extent, nature, and impacts. Journal of Health Communication, 11 (5), 523–541.
Plantinga, C. (1999) The scene of empathy and the human face on film, in Passionate Views: Film, Cognition, and Emotion (eds C. Plantinga, and G. M. Smith), The John Hopkins University Press, Baltimore, MD, pp. 239–255.
Plantinga, C. (2009) Moving Viewers: American Film and the Spectator’s Experience. University of California Press, Berkeley, CA.
Plantinga, C. and Smith, G. M. (eds) (1999) Passionate Views: Film, Cognition, and Emotion. The John Hopkins University Press, Baltimore, MD.
Pope, K. S. and Vasquez, M. J. T. (1998) Ethics in Psychotherapy and Counseling: A Practical Guide, 2nd edn. Jossey-Bass, San Francisco, CA.
Postman, N. (1984) Amusing Ourselves to Death: Public Discourse in the Age of Show Business. Viking Penguin, New York, NY.
Potter, W. J. and Riddle, K. (2007) A content analysis of the media effects literature. Journalism & Mass Communication Quarterly, 84 (1), 90–104.
Pouliot, L. and Cowen, P. S. (2007) Does perceived realism really matter in media effects? Media Psychology, 9, 241–259.
Pritzker, S. R. (2009) Marketing movies: An introduction to the special issue. Psychology & Marketing, 26 (5), 397–399.
Rabkin, L. Y. (1998) The Celluloid Couch: An Annotated International Filmography of the Mental Health Professional in the Movies and Television from the Beginning to 1990. Scarecrow Press, Lanham, MD.
Radway, J. (1984) Reading the Romance: Women, Patriarchy and Popular Literature, 1st edn. University of North Carolina Press, Chapel Hill, NC.
Radway, J. (1991) Reading the Romance: Women, Patriarchy and Popular Literature, 2nd edn. University of North Carolina Press, Chapel Hill, NC.
Ray, R. B. (1985) A Certain Tendency of the Hollywood Cinema, 1930–1980. Princeton University Press, Princeton, NJ.
Rebello, S. (1990) Alfred Hitchcock and the Making of Psycho. Harper Perennial, New York, NY.
Rendleman, T. (2008) ‘I know y’all think I’m pretty square, but I believe what I believe’: Images of Evangelicals in American film. Journal of Media and Religion, 7, 271–291.
Ricoeur, P. (1970) Freud and Philosophy: An Essay on Interpretation. Yale University Press, New Haven, CT.
Ricoeur, P. (1974) The Conflict of Interpretations. Northwestern University Press, Evanston, IL.
Ringel, S. (2004) Talk therapy: The representation of insight in the cinema, in Celluloid Couches, Cinematic Clients: Psychoanalysis and Psychotherapy in the Movies (ed. J. Brandell), State University of New York Press, Albany, NY, pp. 169–190.
Roberts, D. F. and Foehr, U. G. (2004) Kids and Media in America. Cambridge University Press, Cambridge.
Robinson, D. J. (2003) Reel Psychiatry: Movie Portrayals of Psychiatric Conditions. Rapid Psychler Press, Port Huron, MI.
Robinson, D. J. (2009) Reel psychiatry. International Review of Psychiatry, 21 (3), 245–260.
Rosengren, K. E., Wenner, L. A., and Palmgreen, P. (eds) (1985) Media Gratifications Research: Current Perspectives. Sage, Beverly Hills, CA.
Roskos-Ewoldsen, D. R. and Roskos-Ewoldsen, B. (2009) Current research in media priming, in The Sage Handbook of Media Processes and Effects (eds R. L. Nabi and M. B. Oliver), Sage, Thousand Oaks, CA, pp. 177–192.
Rothenberg, A. (1990) Creativity and Madness: New Findings and Old Stereotypes. The Johns Hopkins University Press, Baltimore, MD.
Rottenberg, J., Ray, R. D., and Gross, J. J. (2007) Emotion elicitation using films, in Handbook of Emotion Elicitation and Assessment (eds J. A. Coan and J. B. Allen), Oxford University Press, New York, NY, pp. 9–28.
Rubin, A. M. (2009) Uses-and-gratifications perspective on media effects, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. (eds J. Bryant and M. B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis, New York, NY, pp. 165–184.
Rubin, D. C. (1996) Remembering our Past: Studies in Autobiographical Memory. Cambridge University Press, Cambridge.
Rubin, L. C. (2008) Popular Culture in Counseling, Psychotherapy, and Play-Based Interventions. Springer, New York, NY.
Ryan, M. (2008) Cultural Studies: An Anthology. John Wiley & Sons, Inc., Malden, MA.
Sacks, O. (1987) The Man Who Mistook his Wife for a Hat. Harper Perennial, New York, NY.
Sacks, O. (2009) The Mind’s Eye. Knopf, New York, NY.
Sarafino, E. P. (2008) Health Psychology: Biopsychosocial Interactions. John Wiley & Sons, Inc., Hoboken, NJ.
Schank, R. C. and Abelson, R. (1977) Scripts, Plans, Goals, and Understanding: An Inquiry into Human Knowledge Structures. Lawrence Erlbaum, Hillsdale, NJ.
Schill, T., Harsch, J., and Ritter, K. (1990) Countertranference in the movies: Effects on beliefs about psychiatric treatment. Psychological Reports, 67, 399–402.
Schneider, I. (1987) The theory and practice of movie psychiatry. American Journal of Psychiatry, 144 (8), 996–1002.
Schore, A. N. (2003) Affect Regulation and the Repair of the Self. W. W. Norton, New York, NY.
Schultz, H. T. (2005) Hollywood’s portrayal of psychologists and psychiatrists: Gender and professional training differences, in Featuring Females: Feminist Analyses of Media (eds E. Cole and J. H. Daniel), APA Books, Washington, DC, pp. 101–112.
Seligman, M. and Csikzentmihalyi, M. (2000) Positive psychology: An introduction. American Psychologist, 55 (1), 5–14.
Shaw, R. L. (2004) Making sense of violence: A study of narrative meaning. Qualitative Research in Psychology, 1, 131–151.
Shedler, J. (2010) The efficacy of psychodynamic psychotherapy. American Psychologist, 65 (2), 98–109.
Siegel, J. (1999) Political correctness run amok? APA Monitor, 30 (1).
Silverman, K. (1986) Suture, in Narrative, apparatus, ideology: A film theory reader (ed. P. Rosen), Columbia University Press, New York, NY, pp. 219–235.
Simonton, D. K. (2011) Great Flicks: Scientific Studies of Cinematic Creativity and Aesthetics. Oxford University Press, New York, NY.
Singer, D. G. and Singer, J. L. (eds) (2001) Handbook of Children and the Media. Sage, Thousand Oaks, CA.
Singer, D. G. and Singer, J. L. (2005) Imagination and Play in the Electronic Age. Harvard University Press, Cambridge, MA.
Singh, G. (2009) Film after Jung: Post-Jungian Approaches to Film Theory. Routledge/Taylor & Francis, New York, NY.
Sleek, S. (1998) How are psychologists portrayed on screen? APA Monitor, 29 (11).
Smith, J. M. (1974) The movie as medium for the message (or movies, dreams, and schizophrenic thinking). Perspectives in Psychiatric Care, 12 (4), 157–164.
Smith, S. L. and Granados, A. D. (2009) Content patterns and effects surrounding sex-role stereotyping on television and film, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn (eds J. Bryant and M. B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis, New York, NY, pp. 342–361.
Solomon, G. (2001) Reel Therapy: How Movies Inspire You to Overcome Life’s Problems. Lebhar-Friedman Books, New York, NY.
Sparks, G. G. (2010) Media Effects Research: A Basic Overview, 3rd edn. Wadsworth, Cengage Learning, Boston, MA.
Sparks, G. G. and Cantor, J. (1986) Developmental differences in fright responses to a television program depicting a character transformation. Journal of Broadcasting & Electronic Media, 30 (3), 309–323.
Sparks, G. G., Sparks, C. W., and Sparks, E. A. (2009) Media violence, in Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. (eds J. Bryant and M. B. Oliver), Routledge, Taylor & Francis Group, New York, NY, pp. 269–286.
Spoto, D. (1983) The Dark Side of Genius: The Life of Alfred Hitchcock. Little, Brown, Boston, MA.
Staiger, J. (1992) Interpreting Films: Studies in the Historical Reception of American Cinema. Princeton University Press, Princeton, NJ.
Staiger, J. (2000) Perverse Spectators: The Practices of Film Reception. New York University Press, New York, NY.
Stein, H. H. (1993) A screen memory: My recollections and distortions of the 1950 film, Three Came Home. Psychoanalytic Quarterly, 62, 109–113.
Stein, H. H. (2003) Good psychoanalytic psychotherapy in film: Three unorthodox examples. Psychoanalytic Psychology, 20 (4), 701–709.
Sternberg, R. J. and Sternberg, K. (2011) Cognitive Psychology, 6th edn. Wadsworth Cengage Learning, Belmont, CA.
Sternberg, R. J. and Grigorenko, E. L. (2001) Unified psychology. American Psychologist, 56 (12), 1069–1079.
Stokes, M. and Maltby, R. (eds) (1999) Identifying Hollywood’s Audiences: Cultural Identity and the Movies. British Film Institute, London.
Stoolmiller, M., Gerrard, M., Sargent, J. D., Worth, K. A., and Gibbons, F. X. (2010) R-rated movie viewing, growth in sensation-seeking and alcohol initiation: Reciprocal and moderation effects. Prevention Science, 11, 1–13.
Storey, J. (2009) Cultural Theory and Popular Culture: An Introduction, 5th edn. Pearson Education, Upper Saddle River, NJ.
Strasburger, V. C. and Wilson, B. J. (2002) Children, Adolescents, and the Media. Sage, Thousand Oaks, CA.
Sullivan, H. S. (1953) The Interpersonal Theory of Psychiatry. W. W. Norton New York, NY.
Surette, R. (2002) Self-reported copycat crime among a population of serious and violent juvenile offenders. Crime & Delinquency, 48 (1), 46–69.
Sutherland, J. and Feltey, K. (2009) Cinematic Sociology: Social Life in Film. Pine Forge Press, Newbury Park, CA.
Tamborini, R. and Stiff, J. (1987) Predictors of horror film attendance and appeal: An analysis of the audience for frightening films. Communication Research, 14 (4), 415–436.
Tan, E. S. (1996) Emotion and the Structure of the Narrative Film: Film as an Emotion Machine. Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ.
Tavris, C. and Wade, C. (2001) Psychology in Perspective, 3rd edn. Prentice-Hall, Upper Saddle River, NJ.
Taylor, F. J. (2002) Big boom in outdoor movies, in Moviegoing in America: A Sourcebook in the History of Film Exhibition (ed. G. A. Waller), Blackwell Publishing Inc., Malden, MA, pp. 247–253.
Television Facts and Statistics, 1939 to 2000 (n.d.) Television History. Available from http://tvhistory.tv/facts-stats.htm (accessed July 27, 2011).
Tenyi, T. and Csizyne, C. N. (1993) The case of the crisis of adolescent identity induced by the movie The Exorcist. Psychiatria Danubina, 5 (3-4), 303–305.
Tesser, A., Millar, K., and Wu, C. H. (1988) On the perceived functions of movies. Journal of Psychology, 122 (5), 441–449.
Titus-Ernstoff, L., Dalton, M. A., Adachi-Mejia, A. M., Longacre, M. R., and Beach, M. L. (2008) Longitudinal study of viewing smoking in movies and initiation of smoking by children. Pediatrics, 121 (1), 15–21.
Tomarken, A. J., Davidson, R. J., and Henriques, J. B. (1990) Resting frontal brain asymmetry predicts affective responses to films. Journal of Personality and Social Psychology, 59 (4), 791–801.
Tompkins, J. P. (ed.) (1980) Reader-Response Criticism from Formalism to Post-Structuralism. Johns Hopkins University Press, Baltimore, MD.
Trend, D. (2007) The Myth of Media Violence: A Critical Introduction. Blackwell Publishing, Inc., Malden, MA.
Truffaut, F. (1985) Hitchcock. Touchstone, New York, NY.
Turley, J. M. and Derdeyn, A. P. (1990) Use of a horror film in psychotherapy. Journal of the American Academy of Child and Adolescent Psychiatry, 29 (6), 942–945.
Turner, M. (1996) The Literary Mind: The Origins of Thought and Language. Oxford University Press, New York, NY.
Twain, M. and Cooley, T. (ed.) (1998) The Adventures of Huckleberry Finn, 3rd edn. W. W. Norton, New York, NY.
Van Belle, D. A. and Mash, K. M. (2009) A Novel Approach to Politics: Introducing Political Science through Books, Movies, and Popular Culture. CQ Press, Washington, DC.
Wade, C. and Tavris, C. (2005) Invitation to Psychology, 3rd edn, Pearson Education, Upper Saddle River, NJ.
Wahl, O. (1995) Media Madness: Public Images of Mental Illness. Rutgers University Press, New Brunswick, NJ.
Wahl, O., Wood, A., Zaveri, P., Drapalski, A., and Mann, B. (2003) Mental illness depiction in children’s films. Journal of Community Psychology, 31 (6), 553–560.
Walker, J. (1993) Couching Resistance: Women, Film, and Psychoanalytic Psychiatry. University of Minnesota Press, Minneapolis, MN.
Waters, R. (1973) Eclipse. On The Dark Side of the Moon [CD]. London: Abbey Road Studios.
Weaver, J. B. and Tamborini, R. (1996) Horror Films: Current Research on Audience Preferences and Reactions. Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ.
Wedding, D., Boyd, M. A., and Niemiec, R. M. (2010) Movies and Mental Illness: Using Films to Understand Psychopathology, 3rd edn. Hogrefe, Cambridge, MA.
Weissman, S. (2008) Chaplin: A Life. Arcade, New York, NY.
Welsh, A. (2010) On the perils of living dangerously in the slasher horror film: Gender differences in the association between sexual activity and survival. Sex Roles, 62 (11-12), 762–773.
Werner, H. (1980) Comparative Psychology of Mental Development. International Universities Press, New York, NY.
Werner, H. and Kaplan, B. (1984) Symbol Formation. Lawrence Erlbaum, Hillsdale, NJ.
Wertheimer, M. (1987) A Brief History of Psychology, 3rd edn Holt, Reinhart, and Winston, New York, NY.
White, D. and Robinson, J. (1991, June 14) The Great Debate over Thelma and Louise. The Boston Globe, 29 and 36.
White, M. and Epston, D. (1990) Narrative Means to Therapeutic Ends. W. W. Norton, New York, NY.
Wilson, B. J., Smith, S. L., Potter, W. J., Kunkel, D., Linz, D., Colvin, C. M., and Donnerstein, E. (2002) Violence in children’s television programming: Assessing the risks. Journal of Communication, 52, 5–35.
Wilson, W. and Hunter, R. (1983) Movie-inspired violence. Psychological Reports, 53, 435–441.
Wilson, W. and Liedtke, V. (1984) Movie-inspired sexual practices. Psychological Reports, 54, 328.
Winick, C. (1978) Deviance and Mass Media. Sage, Beverly Hills, CA.
Wiseman, R. (2002) Queen Bees and Wannabes: Helping your Daughter Survive Cliques, Gossip, Boyfriends and other Realities of Adolescence. Three Rivers Press, New York.
Wolfenstein, M. and Leites, N. (1970) Movies: A Psychological Study. Atheneum, New York, NY.
Wollen, P. (1976) The auteur theory, in Movies and Methods, Vol. 1 (ed. B. Nichols), Berkeley University Press, Berkeley, CA, pp. 529–542.
Wonderly, M. (2009) Children’s film as an instrument of moral education. Journal of Moral Education, 38 (1), 1–15.
Worth, K. A., Chambers, J. G., Nassau, D. H., Rakhra, B. K., and Sargent, J. D. (2008) Exposure of US adolescents to extremely violent movies. Pediatrics, 122, 306–312.
Wright, C. R. (1974) Functional analysis and mass communication revisited, in The Uses of Mass Communications: Current Perspectives on Gratifications Research (eds J. G. Blumler and E. Katz), Sage, Beverly Hills, CA, pp. 197–212.
Yearly Box Office (2011) Box Office Mojo. Available from http://boxofficemojo.com/ yearly (accessed April 13, 2011).
Young, S. (1992) Self-Reflection: A Proposal for a New Approach to Viewing Film (unpublished master’s thesis) Clark University, Worcester, MA.
Zillmann, D. (1988) Mood management through communication choices. American Behavioral Scientist, 31 (3), 327–340.
Zillmann, D. (2000) Humor and comedy, in Media Entertainment: The Psychology of its Appeal (eds D. Zillmann and P. Vorderer), Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ, pp. 37–58.
Zillmann, D. (2006) Empathy: Affective reactivity to others’ emotional experiences, in Psychology of Entertainment (eds J. Bryant and P. Vorderer), Lawrence Erlbaum, New York, NY, pp. 151–181.
Zillmann, D. (2011) Mechanisms of emotional reactivity to media entertainments. In The Routledge Handbook of Emotions and Mass Media (eds K. D?veling, C. von Scheve, and E. A. Konijn), Routledge, Taylor & Francis, New York, NY, pp. 101–115.
Zillmann, D. and Bryant, J. (eds) (1985) Selective Exposure to Communication. Lawrence Erlbaum, Hillsdale, NJ.
Zillmann, D. and Vorderer, P. (eds) (2000) Media Entertainment: The Psychology of its Appeal. Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ.
Zimmerman, J. (2003) People like Ourselves: Portrayals of Mental Illness in the Movies. The Scarecrow Press, Oxford.

قائمة بالأفلام الواردة في الكتاب


10 (1979) Dir: B. Edwards. United States: Geoffrey Productions and Orion Pictures Corporation.
1900 (1976) Dir: B. Bertolucci. Italy: Produzioni Europee Associati.
Affair to Remember, An (1957) Dir: L. McCarey. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation and Jerry Wald Productions.
Airport (1970) Dir: G. Seaton. United States: Universal Pictures.
Alien (1979) Dir: R. Scott. United States: Brandywine Productions and Twentieth Century Fox Productions.
Aliens (1986) Dir: J. Cameron. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation, Brandywine Productions, and SLM Production Group.
Amelie (2001) Dir: J. Jeunet. France: Claudie Ossard Productions.
American Beauty (1999) Dir: S. Mendes. United States: DreamWorks SKG and Jinks/Cohen Company.
American History X (1998) Dir: T. Kaye. United States: New Line Cinema, Savoy Pictures, and Turman-Morrissey Company.
Amityville Horror (1979) Dir: S. Rosenberg. United States: American International Pictures.
Analyze This (1999) Dir: H. Ramis. United States: Village Roadshow Pictures and Tribeca Productions.
Animal House (1978) Dir: J. Landis. United States: Universal Pictures, Oregon Film Factory, and Stage III Productions.
Annie Hall (1977) Dir: W. Allen. United States: United Artists.
Another Woman (1988) Dir: W. Allen. United States: Jack Rollins and Charles H. Joffe Productions.
Anything Else (2003) Dir: W. Allen. United States: Canal+, DreamWorks SKG, and Granada Film Productions.
Apocalypse Now (1979) Dir: F. F. Coppola. United States: Zoetrope Studios.
As Good As It Gets (1997) Dir: J. L. Brooks. United States: Gracie Films.
Austin Powers: The Spy Who Shagged Me (1999) Dir: J. Roach. United States: New Line Cinema.
Avatar (2009) Dir: J. Cameron. United States: Lightstorm Entertainment, Dune Entertainment, and Ingenious Film Partners.
Bambi (1942) Dir: D. Hand. United States: Walt Disney Productions.
Basic Instinct (1992) Dir: P. Verhoeven. United States: Carolco Pictures. France: Canal+.
Basketball Diaries, The (1995) Dir: S. Kalvert. United States: New Line Cinema and Island Pictures.
Battleship Potemkin (1925) Dir: S. M. Eisenstein. Soviet Union: Goskino.
Beautiful Mind, A (2001) Dir: R. Howard. United States: Imagine Entertainment.
Beauty and the Beast (1991) Dir: G. Trousdale and K. Wise. United States: Walt Disney Pictures.
Big Sleep, The (1946) Dir: H. Hawks. United States: Warner Bros. Pictures.
Birth of a Nation, The (1915) Dir: D. W. Griffith. United States: David W. Griffith Corp. and Epoch Producing Corporation.
Black Swan (2010) Dir: D. Aronofsky. United States: Fox Searchlight Pictures.
Blade (1998) Dir: S. Norrington. United States: Amen Ra Films, Imaginary Forces, Marvel Enterprises, and New Line Cinema.
Blade Runner (1982) Dir: R. Scott. United States: The Ladd Company and Warner Bros. Pictures.
Blazing Saddles (1974) Dir: M. Brooks. United States: Warner Bros. Pictures and Crossbow Productions.
Blow-Up (1966) Dir: M. Antonioni. United Kingdom: Bridge Films.
Blue Lagoon, The (1980) Dir: R. Kleiser. United States: Columbia Pictures Corporation.
Blue Valentine (2010) Dir: D. Cianfrance. United States: Hunting Lane Films and Silverwood Films.
Blue Velvet (1986) Dir: D. Lynch. United States: De Laurentiis Entertainment Group.
Bride of Chucky (1998) Dir: R. Yu. United States: Universal Pictures and Midwinter Productions, Inc.
Bridge to Terabithia (2007) Dir: G. Csupo. United States: Hal Lieberman Company, Lauren Levine Productions, Inc., and Walden Media.
Bringing Up Baby (1938) Dir: H. Hawks. United States: RKO Radio Pictures.
Burning Bed, The (1984) Dir: R. Greenwald. United States: Tisch/Avnet Productions, Inc.
Butch Cassidy and the Sundance Kid (1969) Dir: G. R. Hill. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Cabinet of Dr. Caligari, The (1920) Dir: R. Weine. Germany: Decla-Bioscop AG.
Casablanca (1942) Dir: M. Curtiz. United States: Warner Bros. Pictures.
Casino (1995) Dir: M. Scorsese. United States: Universal Pictures.
Celebrity (1998) Dir: W. Allen. United States: Sweetland Films and Magnolia Productions.
Champ, The (1979) Dir: F. Zeffirelli. United States: Metro-Goldwyn-Mayer (MGM).
Children of Paradise (1945) Dir: M. Carné. France: Pathé Consortium Cinéma.
Chinatown (1974) Dir. R. Polanski. United States: Paramount Pictures.
Cinderella (1950) Dir: C. Geronimi, W. Jackson, and H. Luske. United States: Walt Disney Productions.
Citizen Kane (1941) Dir: O. Welles. United States: RKO Radio Productions and Mercury Productions.
Cleopatra (1963) Dir: J. L. Mankiewicz. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Close Encounters of the Third Kind (1977) Dir: S. Spielberg. United States: Sony Pictures.
Cool Hand Luke (1967) Dir: S. Rosenberg. United States: Jalem Productions.
Dark Knight, The (2008) Dir: C. Nolan. United States: Legendary Pictures, Syncopy Film, and DC Comics.
David and Lisa (1962) Dir: F. Perry. United States: Lisa and David Company and Vision Associates Productions.
Day After, The (1983) Dir: N. Meyer. United States: ABC Circle Films.
Deconstructing Harry (1997) Dir: W. Allen. United States: Jean Doumanian Productions and Sweetland Films.
Deer Hunter, The (1978) Dir: M. Cimino. United States: EMI Films and Universal Pictures.
Defending Your Life (1991) Dir: A. Brooks. United States: Geffen Pictures.
Dial ‘M’ for Murder (1954) Dir: A. Hitchcock. United States: Warner Bros. Pictures.
Dog Day Afternoon (1975) Dir: S. Lumet. United States: Artists Entertainment Complex.
Don’t Look Back (1967) Dir: D. A. Pennebaker. United States: Leacock-Pennebaker.
Donnie Darko (2001) Dir: R. Kelly. United States: Flower Films.
Dr. Dippy’s Sanitarium (1906) United States: American Mutoscope and Biograph.
Dr. Strangelove (1964) Dir: S. Kubrick. United States: Columbia Pictures Corporation.
Dreams (1990) Dir: A. Kurosawa. Japan: Warner Bros. Pictures.
Dressed to Kill (1980) Dir: B. De Palma. United States: Filmways Pictures.
E. T.: The Extra-Terrestrial (1982) Dir: S. Spielberg. United States: Universal Pictures and Amblin Entertainment.
Endless Love (1981) Dir: F. Zeffirelli. United States: PolyGram Filmed Entertainment.
Eternal Sunshine of the Spotless Mind (2004) Dir: M. Gondry. United States: Focus Features.
Exorcist, The (1973) Dir: W. Friedkin. United States: Warner Bros. Pictures and Hoya Productions.
Fahrenheit 9/11 (2004) Dir: M. Moore. United States: Miramax Films.
The Fast and the Furious (2001) Dir: R. Cohen. United States: Universal Pictures.
Fast Times at Ridgemont High (1982) Dir: A. Heckerling. United States: Refugee Films and Universal Pictures.
Fatal Attraction (1987) Dir: A. Lyne. United States: Paramount Pictures.
Fear Strikes Out (1957) Dir: R. Mulligan. United States: Paramount Pictures.
Field of Dreams (1989) Dir: P. Robinson. United States: Gordon Company.
Fight Club (1999) Dir: D. Fincher. United States: Fox 2000 Pictures and Regency Enterprises.
Final Destination (2000) Dir: J. Wong. United States: New Line Cinema.
Final Frontier, The [Television series episode] (1992) Dir: T. Moore. In Northern Exposure. United States: Falahey/Austin Street Productions.
Five Easy Pieces (1970) Dir: B. Rafelson. United States: BBS Productions.
Foxfire (1996) Dir: A. Haywood-Carter. United States: Chestnut Hill Productions.
Freud (1962) Dir: J. Huston. United States: Universal Pictures.
Friday the 13th (1980) Dir: S. Cunningham. United States: Paramount Pictures.
Girl, Interrupted (1999) Dir: J. Mangold. United States: 3 Art Entertainment and Columbia Pictures Corporation.
Godfather, The (1972) Dir: F. F. Coppola. United States: Paramount Pictures.
Golden Voyage of Sinbad, The (1973) Dir: G. Hessler. United States: Columbia Pictures Corporation.
Gone with the Wind (1939) Dir: V. Fleming. United States: Metro-Goldwyn-Mayer (MGM) and Selznick International Pictures.
Good Will Hunting (1997) Dir: G. Van Sant. United States: Lawrence Bender Productions.
Goodbye Girl, The (1977) Dir: H. Ross. United States: Warner Bros. Pictures.
Graduate,The (1967) Dir: M. Nichols. United States: Embassy Pictures Corporation.
Grand Illusion, The (1937) Dir: J. Renoir. France: RAC.
H.O.T.S. (1979) Dir: G. Sindell. United States: The American Dream Machine Movie Company.
Halloween (1978) Dir: J. Carpenter. United States: Compass International Pictures and Falcon International Productions.
Hancock (2008) Dir: P. Berg. United States: Columbia Pictures Corporation.
Hangover Part II, The (2011) Dir: T. Phillips. United States: Warner Bros. Pictures.
Harry Potter [Film Series] (2001-2011) Dir: C. Columbus, A. Cuaron, M. Newell, and D. Yates. United States: Warner Bros. Pictures.
Hello Dolly! (1969) Dir: G. Kelly. United States: Chenault Productions.
High Anxiety (1977) Dir: M. Brooks. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Home Alone (1990) Dir: C. Columbus. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Hostel (2005) Dir: E. Roth. United States: Hostel LLC, International Production Company, Next Entertainment, and Raw Nerve.
Hotel Rwanda (2004) Dir: T. George. United States: United Artists.
Husbands & Wives (1992) Dir: W. Allen. United States: TriStar Pictures.
Hustler, The (1961) Dir: R. Rossen. United States: Twentieth Century Fox Film Corp.
I Became a Criminal (1947) Dir: A. Cavalcanti. United Kingdom: A. R. Shipman Productions and Alliance Film Corporation.
I Still Know What You Did Last Summer (1998) Dir: D. Cannon. United States: Mandalay Entertainment and Summer Knowledge LLC.
Inception (2010) Dir: C. Nolan. United States: Warner Bros. Pictures.
Incredible Hulk, The (2008) Dir: L. Leterrier. United States: Universal Pictures and Marvel Enterprises.
Independence Day (1996) Dir: E. Emmerich. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Intolerance: Love’s Struggle Throughout the Ages (1916) Dir: D.W. Griffith. United States: Triangle Film Corporation and Wark Producing.
Invasion of the Body Snatchers (1978) Dir: P. Kaufman. United States: Solofilm.
It Happened One Night (1934) Dir: F. Capra. United States: Columbia Pictures Corporation.
It’s a Wonderful Life (1946) Dir: F. Capra. United States: Liberty Films (II).
Jackass: The Movie (2002) Dir: J. Tremaine. United States: Paramount Pictures and MTV Films.
Jaws (1975) Dir: S. Spielberg. United States: Universal Pictures and Zanuck/Brown Productions.
Killing Us Softly (1979) Dir: M. Lazarus and R. Wunderlich. United States: Cambridge Documentary Films.
King of Hearts (1966) Dir: P. de Broca. France: Fildebroc.
Kings Speech, The (2010) Dir: T. Hooper. United States: See-Saw Films.
Koyaanisqatsi (1982) Dir: G. Reggio. United States: Institute for Regional Education.
Lara Croft: Tomb Raider (2001) Dir: S. West. United States: Paramount Pictures and Mutual Film Company.
Last Temptation of Christ, The (1988) Dir: M. Scorsese. United States: Universal Pictures.
Life is Beautiful (1997) Dir: R. Benigni. Italy: Cecchi Gori Group and Melampo Cinematografica.
Lilith (1964) Dir: R. Rossen. United States: Columbia Pictures Corporation.
Lion King (1994) Dir: R. Allers and R. Minkoff. United States: Walt Disney Pictures.
Lord of the Rings, The [Film Series] (2001–2003) Dir: P. Jackson. United States and New Zealand: WingNut Films, The Saul Zaentz Company, and New Line Cinema.
Lorenzo’s Oil (1992) Dir: G. Miller. United States: Universal Pictures.
Lovesick (1983) Dir: M. Brickman. United States: The Ladd Company and Warner Bros. Pictures.
Maltese Falcon, The (1941) Dir: J. Huston. United States: Warner Bros. Pictures.
Manhattan (1979) Dir: W. Allen. United States: Jack Rollins and Charles H. Joffe Productions.
March of the Penguins (2005) Dir: L. Jacquet. United States: Warner Independent Pictures.
Marnie (1964) Dir: A. Hitchcock. United States: Universal Pictures.
Matrix, The (1999) Dir: A. Wachowski and L. Wachowski. United States: Warner Bros. Pictures and Silver Pictures.
Me, Myself, and Irene (2000) Dir: B. Farrelly and P. Farrelly. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Mean Girls (2004) Dir: M. Waters. United States: Paramount Pictures.
Mean Streets (1973) Dir: M. Scorsese. United States: Warner Brothers.
Midnight Express (1978) Dir: A. Parker. United States: Casablanca Filmworks.
Midnight in Paris (2011) Dir: W. Allen. United States: Gravier Productions and Mediapro.
Mommie Dearest (1981) Dir: F. Perry. United States: Paramount Pictures.
Mr. Jones (1993) Dir: M. Figgis. United States: TriStar Pictures.
My Girl (1991) Dir: H. Zieff. United States: Columbia Pictures Corporation and Imagine Entertainment.
Naked Gun, The: From the Files of Police Squad! (1988) Dir: D. Zucker. United States: Paramount Pictures.
Natural Born Killers (1994) Dir: O. Stone. United States: Warner Bros. Pictures.
Nightmare on Elm Street 4: The Dream Master (1988) Dir: R. Harlin. United States: New Line Cinema, Heron Communications, and Smart Egg Pictures.
Nightmare on Elm Street, A (1984) Dir: W. Craven. United States: New Line Cinema.
North by Northwest (1959) Dir: A. Hitchcock. United States: Metro-Goldwyn-Mayer (MGM).
Notebook, The (2004) Dir: N. Cassavetes. United States: New Line Cinema and Gran Via.
Notorious (1946) Dir: A. Hitchcock. United States: RKO Radio Pictures.
Officer and a Gentleman, An (1982) Dir: T. Hackford. United States: Lorimar Film Entertainment.
Old Yeller (1957) R. Stevenson. United States: Walt Disney Productions.
One Flew Over the Cuckoo’s Nest (1975) Dir: M. Forman. United States: United Artists.
Ordinary People (1980) Dir: R. Redford. United States: Paramount Pictures.
Paddle-to-the-Sea (1969) Dir: B. Mason. United States: Favorite Films.
Paranormal Activity (2007) Dir: O. Peli. United States: Blumhouse Productions.
Paris, Texas (1984) Dir: W. Wenders. West Germany: Road Movies Filmproduktion. France: Argos Films.
Passion of the Christ, The (2004) Dir: M. Gibson. United States: Icon Productions.
Pirate, The (1948) Dir: V. Minnelli. United States: Metro-Goldwyn-Mayer (MGM).
Poseidon Adventure, The (1972) Dir: R. Neame. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Pretty Woman (1990) Dir: G. Marshall. United States: Touchstone Pictures.
Prince of Tides, The (1991) Dir: B. Streisand. United States: Columbia Pictures Corporation.
Program, The (1993) Dir: D. S. Ward. United States: The Samuel Goldwyn Company and Touchstone Pictures.
Psycho (1960) Dir: A. Hitchcock. United States: Paramount Pictures.
Pulp Fiction (1994) Dir: Q. Tarantino. United States: Miramax Films.
Pursuit of Happyness, The (2006) Dir: G. Muccino. United States: Columbia Pictures Corporation and Relativity Media.
Raiders of the Lost Ark (1981) Dir: S. Spielberg. United States: Paramount Pictures and Lucasfilm.
Rashomon (1950) Dir: A. Kurosawa. Japan: Daiei Motion Picture Company.
Rebel Without a Cause (1955) Dir: N. Ray. United States: Warner Bros. Pictures.
Requiem for a Dream (2000) Dir: D. Aronofsky. United States: Artisan Entertainment.
Reservoir Dogs (1992) Dir: Q. Tarantino. United States: Live America, Inc. and Dog Eat Dog Productions, Inc.
Robe, The (1953) Dir: H. Koster. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Rocky Horror Picture Show, The (1975) Dir: J. Sharman. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Rome, Open City (1945) Dir: R. Rossellini. Italy: Excelsa Film.
Romeo + Juliet (1996) Dir: B. Luhrman. United States: Bazmark Films and Twentieth Century Fox Film Corporation.
Rosebud [Television series episode] (1993) Dir: M. Fresco. In Northern Exposure. United States: Falahey/Austin Street Productions.
Saturday Night Fever (1977) Dir: J. Badham. United States: Robert Stigwood Productions.
Saving Private Ryan (1998) Dir: S. Spielberg. United States: Amblin Entertainment.
Saw (2004) Dir: J. Wan. United States: Evolution Entertainment, Saw Productions, Inc., and Twisted Productions.
Scary Movie (2000) Dir: K. Wayans. United States: Dimension Pictures, Wayans Bros. Entertainment, and Gold/Miller Productions.
Schindler’s List (1993) Dir: S. Spielberg. United States: Universal Pictures and Amblin Entertainment.
Scream (1996) Dir: W. Craven. United States: Dimension Films.
Searching for Bobby Fischer (1993) Dir: S. Zaillian. United States: Mirage Entertainment.
Seven Samurai (1954) Dir: A. Kurosawa. Japan: Toho Company.
Sex and the City (2008) Dir: M. P. King. United States: New Line.
Shakespeare in Love (1998) Dir: J. Madden. United States: Universal Pictures, Miramax Films, and Bedford Falls Productions.
Shining, The (1980) Dir: S. Kubrick. United States: Warner Bros. Pictures.
Shutter Island (2010) Dir: M. Scorsese. United States: Paramount Pictures.
Silence of the Lambs, The (1991) Dir: J. Demme. United States: Orion Pictures.
Sixth Sense, The (1999) Dir: M. Night Shyamalan. United States: Kennedy/Marshall/Barry Mendel Production, Hollywood Pictures, and Spyglass Entertainment.
Social Network, The (2010) Dir: D. Fincher. United States: Columbia Pictures Corporation.
Sound of Music, The (1965) Dir: R. Wise. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation and Robert Wise Productions.
Speed (1994) Dir: J. de Bont. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Spellbound (1945) Dir: A. Hitchcock. United States: Vanguard Films, Selznick International Pictures, and United Artists.
Spider-Man (2002) Dir: S. Raimi. United States: Columbia Pictures.
Stagecoach (1939) Dir: J. Ford. United States: Walter Wanger Productions.
Stand By Me (1986) Dir: R. Reiner. United States: Columbia Pictures Corporation.
Star Wars: Episodes I–III (1999–2005) Dir: G. Lucas. United States: Lucasfilm.
Star Wars: Episode IV—A New Hope (1977) Dir: G. Lucas. United States: Lucasfilm.
Star Wars: Episode V—The Empire Strikes Back (1980) Dir: I. Kershner. United States: Lucasfilm.
Star Wars: Episode VI—Return of the Jedi (1983) Dir: R. Marquand. United States: Lucasfilm.
Steel Magnolias (1989) Dir: H. Ross. United States: Rastar Films.
Story of O, The (1975) Dir: J. Jaeckin. France: AD Productions and S.N. Prodis.
Straw Dogs (1971) Dir: S. Peckinpah. United States: ABC Pictures.
Sucker Punch (2011) Dir: Z. Snyder. United States: Warner Bros. Pictures.
Taxi Driver (1976) Dir: M. Scorsese. United States: Columbia Pictures Corporation.
Ten Commandments, The (1956) Dir: C. B. DeMille. United States: Paramount Pictures and Motion Picture Associates.
Terms of Endearment (1983) Dir: J. L. Brooks. United States: Paramount Pictures.
Texas Chainsaw Massacre, The (2003) Dir: M. Nispel. United States: Radar Pictures, Platinum Dunes, and Next Entertainment.
Thelma & Louise (1991) Dir: R. Scott. United States: Pathé Entertainment.
Three Came Home (1950) Dir: J. Negulesco. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Three Faces of Eve, The (1957) Dir: N. Johnson. United States: Twentieth Century Fox Film Corporation.
Tin Cup (1996) Dir: R. Shelton. United States: Regency Enterprises and Warner Bros. Pictures.
Titanic (1997) Dir: J. Cameron. United States: Paramount Pictures, Twentieth Century Fox Film Corporation, and Light Storm Entertainment.
To Kill a Mockingbird (1962) Dir: R. Mulligan. United States: Universal International Pictures.
Town Without Pity (1961) Dir: G. Reinhardt. United States: The Mirisch Corporation.
Toy Story 3 (2010) Dir: L. Unkrich. United States: Pixar Animation Studios and Walt Disney Pictures.
Transformers (2007) Dir: M. Bay. United States: DreamWorks SKG and Paramount Pictures.
Tree of Life (2011) Dir: T. Malick. United States: Cottonwood Pictures, Plan B Entertainment, and River Road Entertainment.
Triumph of the Will (1935) Dir: L. Riefenstahl. Germany: Leni Riefenstahl- Produktion & Reichspropagandaleitung der NSDAP.
Tromeo & Juliet (1996) Dir: L. Kaufman. United States: Troma Entertainment.
Twilight (2008) Dir: C. Hardwicke. United States: Summit Entertainment.
Un Chien Andalau (1929) Dir: L. Bu?uel. France.
Usual Suspects, The (1995) Dir: B. Singer. United States: PolyGram Filmed Entertainment and Spelling Films International.
Vertigo (1958) Dir: A. Hitchcock. United States: Paramount Pictures.
Virgin Suicides, The (1999) Dir: S. Coppola. United States: American Zoetrope, Eternity Pictures, Muse Productions, and Virgin Suicides, LLC.
Waiting for Superman (2010) Dir: D. Guggenheim. United States: Electric Kinney Films, Participant Media, and Walden Media.
What About Bob? (1991) Dir: F. Oz. United States: Touchstone Pictures.
When Harry Met Sally (1989) Dir: R. Reiner. United States: Castle Rock Entertainment and Nelson Entertainment.
White Christmas (1954) Dir: M. Curtiz. United States: Paramount Pictures.
Why We Fight (1942–1945) Dir: F. Capra. United States.
Wizard of Oz, The (1939) Dir: V. Fleming. United States: Metro-Goldwyn-Mayer (MGM).
Workers Leaving the Lumière Factory (1895) Dir: A. Lumière and L. Lumière. France.
Wrong Man, The (1956) Dir: A. Hitchcock. United States: Warner Bros. Pictures.